عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

دراسة بلاغية أسلوبية

مقدمة: لا تُقاس الرؤية في التجربة الإنسانية بحدود الإبصار الحسي وحده، بل تتجاوز ذلك إلى فضاءات الوعي والإدراك والتأمل العميق؛ إذ كثيرًا ما استطاع فاقدو البصر أن يؤسسوا لأنماط خطابية عالية الكثافة الدلالية والبلاغية، انبثقت من طاقة البصيرة لا من سلطة العين. ومن هنا تتبدى العلاقة العضوية بين العمى بوصفه فقدًا حسيًا، والبصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وروحيًا وجماليًا، الأمر الذي أفرز نصوصًا خطابية تمتلك قدرة استثنائية على النفاذ إلى أعماق اللغة وإعادة تشكيل العالم عبر الحس الداخلي.

لقد شكّل العميان في الثقافة العربية ظاهرة معرفية وأدبية لافتة؛ فبرز منهم الشعراء والخطباء والنقاد والفلاسفة، بدءًا من بشار بن برد، وأبي العلاء المعري، وصولًا إلى طه حسين، الذين استطاعوا أن يحولوا العجز الحسي إلى فائض بلاغي ورؤيوي. ولم يكن خطابهم مجرد تعبير لغوي، بل ممارسة تأويلية للعالم، تستند إلى طاقة التخيل والتكثيف والإيقاع الداخلي.

إن النص الخطابي لدى الأعمى لا يتحرك ضمن البنية التقليدية للخطاب، بل يعيد إنتاج اللغة عبر حساسية مختلفة، تتكئ على السمع والحدس والتخييل، مما يمنحه خصوصية أسلوبية وبلاغية تستحق الدراسة والتحليل. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى الكشف عن الأبعاد البلاغية والأسلوبية في خطاب العميان، وتحليل كيفية تشكل البصيرة داخل البنية اللغوية والنسق الدلالي.

أولًا: البصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وجماليًا

يذهب النقد الحديث إلى أن فقدان الحاسة لا يؤدي بالضرورة إلى انطفاء الإدراك، بل ربما يدفع الذات إلى تعويض النقص عبر تنشيط الحواس الأخرى وإعادة تشكيل العالم داخليًا. وفي هذا السياق، يتحول العمى إلى محفز للرؤية الباطنية، وتغدو اللغة وسيلة لتعويض المرئي بالمُتخيَّل.

وقد أشار الجاحظ إلى هذه الظاهرة حين تحدث عن قوة الحفظ والالتقاط عند العميان، مبينًا أن فقدان البصر قد يؤدي إلى مضاعفة القدرة الذهنية والسمعية(1). وهذا ما يفسر الكثافة الإيقاعية والسمعية في خطاباتهم، حيث تتقدم الموسيقى الداخلية والتراكيب المتوازنة على الصورة البصرية المباشرة.

إن البصيرة هنا ليست مفهومًا صوفيًا فحسب، بل بنية معرفية تعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم. فالأعمى لا يرى الأشياء كما تبدو، بل كما تُدرك داخليًا؛ ولذلك تصبح اللغة لديه أكثر عمقًا وتجريدًا وتأملًا.

ثانيًا: الخصائص البلاغية للنص الخطابي عند العميان

1. هيمنة الصورة السمعية

تميل النصوص الخطابية لدى العميان إلى بناء صور تعتمد على الإيقاع والجرس والتنغيم أكثر من اعتمادها على الوصف البصري. فالسمع يتحول إلى مركز إدراكي بديل، الأمر الذي يجعل الخطاب غنيًا بالتكرار والتناظر الصوتي والسجع والإيقاع الداخلي.

ويظهر ذلك جليًا في خطاب أبي العلاء المعري الذي اعتمد على الموسيقى الفكرية واللغوية أكثر من اعتماده على المشهدية البصرية. ففي قوله:

“وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل”

نلاحظ أن القوة البلاغية لا تكمن في الصورة المرئية، بل في النبرة التحدّية والإيقاع التركيبي المتوازن.

2. الكثافة التأملية

تتميز خطابات العميان بعمق فلسفي واضح، نتيجة العلاقة الخاصة التي تربطهم بالعالم الداخلي. فالحرمان البصري كثيرًا ما يدفع الذات إلى التأمل الوجودي والبحث عن المعنى.

وقد تجلت هذه النزعة التأملية عند أبي العلاء المعري في “اللزوميات”، حيث تتداخل الحكمة بالسخرية السوداء والرؤية الوجودية القلقة. فاللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل تتحول إلى أداة كشف فلسفي.

3. بلاغة التعويض

يعمد الأديب الكفيف إلى تعويض غياب الصورة البصرية عبر توسيع الطاقة المجازية للغة؛ فتكثر الاستعارات والتشابيه المركبة والرموز الذهنية. إن المجاز هنا ليس زينة أسلوبية، بل ضرورة إدراكية.

ومن ثم فإن الخطاب يتحول إلى فضاء بديل للرؤية، حيث تقوم اللغة مقام العين، ويغدو الخيال أداة لإعادة إنتاج الواقع.

ثالثًا: البعد الأسلوبي في خطاب العميان

يرتبط الأسلوب بطبيعة التجربة النفسية والمعرفية للكاتب، ولذلك يمكن القول إن خصوصية تجربة العمى تنعكس مباشرة على البنية الأسلوبية للنص.

1. النزعة الإيقاعية

يميل خطاب العميان إلى التوازن الصوتي والإيقاعي، نتيجة الاعتماد الكبير على الذاكرة السمعية. ولذلك نجد كثافة في التوازي التركيبي والتكرار والتنغيم.

2. الاقتصاد اللغوي

غالبًا ما تتسم نصوصهم بالتكثيف والدقة، إذ تُنتقى الكلمات بعناية عالية، ويُختزل الوصف لصالح الإيحاء.

3. النزعة التجريدية

تميل اللغة إلى التجريد أكثر من التشخيص الحسي، فتغدو المفاهيم الفكرية والوجدانية أكثر حضورًا من التفاصيل المادية.

رابعًا: طه حسين نموذجًا للبصيرة الخطابية

يُعد طه حسين من أبرز النماذج التي جسدت انتصار البصيرة على العمى. فقد استطاع أن يؤسس خطابًا نقديًا وفكريًا يمتلك قدرة هائلة على التحليل والتأويل.

في كتابه “الأيام” تتجلى البلاغة السردية القائمة على استبطان التجربة وتحويل الألم إلى معرفة. فالعمى لم يكن عائقًا أمام الرؤية، بل كان دافعًا إلى إعادة اكتشاف العالم عبر العقل واللغة.

وقد اتسم أسلوبه بالوضوح والصرامة المنهجية، إلى جانب الإيقاع الهادئ والقدرة على النفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية.

خاتمة

تكشف دراسة بلاغة النص الخطابي لدى العميان عن علاقة معقدة بين فقدان البصر وولادة البصيرة. فالعجز الحسي لم يمنع هؤلاء المبدعين من إنتاج خطاب يمتلك قوة جمالية وفكرية عالية، بل ربما كان سببًا في تعميق تجربتهم اللغوية والوجودية.

لقد تحولت اللغة عندهم إلى بديل للرؤية، وغدت البلاغة أداة لتعويض الفقد وإعادة تشكيل العالم. ومن هنا فإن دراسة خطاب العميان لا تنتمي إلى حقل البلاغة وحده، بل تتقاطع مع الفلسفة وعلم النفس والأسلوبية والدراسات الثقافية، لأنها تكشف قدرة الإنسان على تحويل النقص إلى طاقة إبداعية خلاقة.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

........................

الهوامش

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ج1، ص 76.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت، ص 112.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة، ج1، ص 54.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة، ص 91.

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press, Boston, p. 43.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press, p. 77.

المراجع العربية

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة.

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي.

حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة.

محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

المراجع الأجنبية

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press.

Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor, Routledge.

Mikhail Bakhtin, The Dialogic Imagination, University of Texas Press.

Jonathan Culler, Literary Theory: A Very Short Introduction, Oxford University Press

يُعَدُّ الشعر أحد أكثر الأجناس الأدبية كثافةً في إنتاج العلامات وتوليد الدلالات، إذ لا يكتفي بتوصيل المعنى المباشر، بل ينفتح على عوالم من الإيحاء والرمز والإشارة والتضمين. ومن هنا برزت السيميولوجيا بوصفها علماً للعلامات، يسعى إلى استكشاف الآليات العميقة التي تنتظم بها البنى الدلالية داخل الخطاب الإبداعي، وتكشف عن العلاقات الخفية بين اللفظ والمعنى، وبين الرمز ومرجعياته الثقافية والفكرية والجمالية.

لقد نشأت السيميولوجيا في أحضان الفلسفة، قبل أن تتحول إلى منهج نقدي ولساني معاصر، فكانت امتداداً للأسئلة الكبرى التي طرحها الفلاسفة حول طبيعة اللغة وعلاقتها بالأشياء والوجود والمعرفة. ومن ثم فإن سيميولوجيا الشعر ليست مجرد تقنية تحليلية، بل هي رؤية فلسفية وجمالية تتعامل مع النص الشعري بوصفه نظاماً من العلامات المتشابكة التي تنتج المعنى عبر مستويات متعددة من التفاعل والتأويل.

الجذور الفلسفية للسيميولوجيا:

ترجع البذور الأولى للفكر السيميولوجي إلى الفلسفة اليونانية القديمة، حيث انشغل أفلاطون وأرسطو بمسألة العلاقة بين الأسماء والأشياء، وبين اللغة والواقع. ففي محاورة "كراتيلوس" ناقش أفلاطون أصل الأسماء وطبيعة الدلالة، متسائلاً عمّا إذا كانت العلاقة بين اللفظ ومدلوله طبيعية أم اصطلاحية. أما أرسطو فقد خطا خطوة أبعد حين ربط بين الألفاظ والتصورات الذهنية والأشياء الخارجية، واضعاً بذلك أحد الأسس الأولى لفلسفة العلامة.

ثم تطورت هذه الرؤية في الفلسفة الرواقية التي أولت أهمية كبرى لمفهوم العلامة، فميزت بين اللفظ بوصفه دالاً، والمعنى بوصفه مدلولاً، والشيء المشار إليه بوصفه مرجعاً. ومن خلال هذا التصور الثلاثي بدأت تتشكل الملامح الأولى للسيميولوجيا التي ستصبح لاحقاً علماً مستقلاً يبحث في أنظمة العلامات المختلفة.

ولم تكن العلامة عند الرواقيين مجرد أداة للتواصل، بل كانت جسراً معرفياً يصل الفكر بالعالم، ويجعل من اللغة أداةً لإدراك الحقيقة وتنظيم الخبرة الإنسانية. ومن هنا اكتسبت السيميولوجيا بعداً فلسفياً عميقاً يتجاوز حدود اللسانيات إلى رحاب المعرفة والوجود والتأويل.

مفهوم العلامة وبنية الدلالة:

تقوم العلامة السيميولوجية على علاقة مركبة بين عناصر متعددة، أبرزها الدال والمدلول والقصدية التواصلية. فالدال هو الصورة اللفظية أو الرمزية التي تُدرَك حسياً، بينما يمثل المدلول المفهوم الذهني الذي تستحضره تلك الصورة. أما الوظيفة القصدية فهي الغاية التي من أجلها تُستعمل العلامة داخل سياق تواصلي معين.

وبهذا المعنى لا تكون الكلمات وحدها علامات، بل تتحول الإشارات والرموز والألوان والحركات والأصوات إلى أنظمة دلالية كاملة. فاللغة ليست سوى واحد من أنظمة الإبلاغ، إلى جانب أنظمة أخرى غير لسانية كالإشارات المرورية والرموز البصرية والطقوس الاجتماعية والفنون المختلفة.

ومن هنا أصبح العالم في نظر السيميولوجيين شبكةً واسعةً من العلامات المتداخلة التي تنتظر من يقرأها ويفكك شفراتها.

الشعر بوصفه نظاماً علامياً:

إذا كانت اللغة العادية تهدف إلى الإخبار والتبليغ المباشر، فإن اللغة الشعرية تتجاوز ذلك لتصبح فضاءً رمزياً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية من المعنى. فالكلمة في الشعر لا تؤدي وظيفة معجمية فحسب، بل تتحول إلى علامة جمالية تتشابك فيها الأصوات والصور والإيحاءات والمرجعيات الثقافية.

ولهذا ينظر التحليل السيميولوجي إلى القصيدة بوصفها بنية من العلامات المتفاعلة، لا باعتبارها مجموعة من الألفاظ المتجاورة. فكل صورة شعرية علامة، وكل استعارة علامة، وكل انزياح لغوي علامة، بل إن الصمت نفسه قد يتحول إلى علامة دلالية داخل النسيج الشعري.

إن الشاعر لا يكتب الكلمات بقدر ما يبني عالماً من الرموز والإشارات، بينما يصبح القارئ مشاركاً في إنتاج المعنى عبر عملية تأويلية مستمرة. وهكذا تتحول القصيدة إلى فضاء حواري بين النص والقارئ، وبين الدال والمدلول، وبين الظاهر والمضمر.

المربع السيميائي وآليات إنتاج المعنى:

يُعد المربع السيميائي من أهم الأدوات التحليلية التي طوّرها السيميائيون لفهم العلاقات المنطقية والدلالية داخل النصوص. ويقوم هذا المربع على أربعة محاور أساسية: التضاد، والتناقض، والتضمن، والاستلزام.

فالمعنى لا يتولد من المفردات منفردة، وإنما من شبكة العلاقات التي تربط بينها. والحياة لا تُفهم إلا من خلال علاقتها بالموت، والنور من خلال علاقته بالظلام، والحضور من خلال الغياب. ومن خلال هذه الثنائيات تتشكل البنية العميقة للنص الشعري.

إن القصيدة في ضوء هذا التصور ليست بناءً لغوياً سطحياً، بل نظام دلالي معقد تتحكم فيه قوانين عقلية ومنطقية خفية، تجعل من التضاد والتوتر والتفاعل بين القيم المختلفة مصدراً أساسياً لإنتاج الشعرية.

مستويات التحليل السيميولوجي للشعر:

تعتمد سيميولوجيا الشعر على تحليل النص عبر مستويات متعددة تتكامل فيما بينها:

أولاً: المستوى الصوتي:

يبحث في الإيقاع والتنغيم والتكرار والتناغم الصوتي، باعتبار الأصوات علامات تؤدي دوراً دلالياً وجمالياً. فالموسيقى الشعرية ليست زينة خارجية، بل عنصر أساسي في بناء المعنى.

ثانياً: المستوى الصرفي:

يدرس الأبنية الصرفية واختيار الأوزان والصيغ، وما تحمله من قيم إيحائية. فاختيار اسم الفاعل أو صيغة المبالغة أو الفعل المضارع ليس أمراً اعتباطياً، بل يرتبط بالنسق الدلالي العام للقصيدة.

ثالثاً: المستوى التركيبي:

ويشمل العلاقات النحوية والبنائية داخل النص، وكيفية ترتيب الكلمات والجمل. فالتقديم والتأخير والحذف والذكر ليست مجرد ظواهر نحوية، وإنما علامات تسهم في تشكيل الرؤية الشعرية.

رابعاً: المستوى البلاغي:

ويتناول الاستعارة والكناية والمجاز والرمز وغيرها من الوسائل التي تجعل اللغة تتجاوز معناها المباشر إلى فضاءات أرحب من الإيحاء والتأويل.

خامساً: المستوى التناصي:

ويبحث في العلاقات التي يقيمها النص مع نصوص أخرى دينية أو أدبية أو تاريخية أو أسطورية، مما يمنح القصيدة عمقاً ثقافياً ودلالياً مضاعفاً.

سادساً: المستوى الدلالي:

وهو المستوى الذي تتقاطع فيه جميع المستويات السابقة لتشكيل البنية المعنوية للنص، حيث تتولد الدلالات الظاهرة والخفية وتتشكل الرؤية الفكرية والجمالية للقصيدة.

سيميولوجيا الشعر بين التأويل والمعرفة

لا تقتصر سيميولوجيا الشعر على تفكيك البنى النصية، بل تسعى إلى الكشف عن الرؤية الكامنة خلفها. فكل قصيدة تحمل تصوراً للعالم والإنسان والزمن والوجود، وتخفي داخل علاماتها شبكة من القيم الفكرية والثقافية.

ومن هنا يغدو التحليل السيميولوجي فعلاً معرفياً وتأويلياً في آن واحد؛ لأنه ينتقل من ظاهر النص إلى أعماقه، ومن البنية اللغوية إلى الرؤية الفلسفية التي تنتظمها. فالقصيدة ليست مجرد كلام جميل، بل شكل من أشكال التفكير في الوجود وإعادة بناء العالم عبر اللغة.

خاتمة:

إن سيميولوجيا الشعر تمثل جسراً معرفياً يصل الفلسفة باللسانيات، والنقد بالأدب، والعلامة بالتأويل. فهي تنظر إلى النص الشعري بوصفه نسقاً معقداً من الرموز والدلالات التي تتفاعل داخل بنية جمالية وفكرية متكاملة. ومن خلال أدواتها التحليلية تكشف عن الأسرار الكامنة في اللغة الشعرية، وتبرز كيف تتحول الكلمة من مجرد وعاء للمعنى إلى طاقة رمزية قادرة على إنتاج المعرفة والجمال معاً.

وهكذا تظل سيميولوجيا الشعر واحدة من أكثر المناهج النقدية قدرةً على النفاذ إلى جوهر الإبداع، لأنها لا تكتفي بقراءة ما يقوله النص، بل تسعى إلى استنطاق ما يخفيه، وإضاءة المسافات الرحبة بين العلامة والمعنى، وبين اللغة والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

للمغربي سعيد رضواني

تستهل المجموعة بمشهد يسبق الطقس الجنائزي، وتستنطق الذاكرة في التقاط التفاصيل لبناء فصول الكل السّردي، توازيا مع أبعاد استدعاء المأساة الإنسانية المشتركة، تماما، مثلما يحاول رسم ملامحها السرد المكسيكي، صارخا بالخطاب الإنساني في عالميته العميقة والمعبّرة، من خلال رواية" بيدرو بارامو" للكاتب خوان رولفو، أو رواية تخليد الرموز، في أعتم زوايا الاحتفاء بالمكان، قرية " كومالا" عند حدود التجاور المطبوع بأصداء الموتى وأهازيج الأشباح، على تنوع وتعدد الأصوات والشخصيات والأحداث.

كل هذا يحصل تقاطعا، كما أراده ودبّره بإحكام صوت سردي متفرّد وقوي، يتقن صاحبه لعبة الإمتاع وتغذية جوارح التلقّي، في دورة تواصلية تدمغ بأبجديات التجديد، وتخطّي كل قشيب.

الكاتب سعيد رضواني والذي يقف في هذه المجموعة موقف المُتجاوِز، وإن اصطبغت سرديته بانثيالات التناص الأدبي، أحيانا، وجرت إيقاعاتها على مبدأ الانفتاح اليقظ.

نقتبس للسارد قوله: أجثم على ركبتي وأضع رأسي على صدرها، ثم أغمض عيني وأغوص في ظلمة النهاية، ولا أفتحهما إلا بعد أن يغمض، في صباح اليوم الموالي، القبر جفنيه على جسد زوجتي.

أنتصب أمام قبرها مستهجنا هذا الدفن الذي لا يليق بشاعرة، وأتجه إلى البيت مصمما على إعادة دفنها بين سطور ما سأكتبه أثناء إعادة الرواية التي قرأت.

أجتاز الباحة حيث يجتمع المعزون، وأدخل غرفتي. أحمل القلم وأشرع متعجلا في الكتابة خوفا من فتور الحوافز المشجعة على العمل، لعلي أظفر ببضع فقرات قبل أن أجالس المعزين. أنتبه إلى أن القلم الذي كان مفترضا أن يزحف من اليسار إلى اليمين مشكلا كلمات إسبانية، قد أخذ يزحف من اليمين إلى اليسار مشكلا حروفا عربية، وأرى على الورق تَشكُّل عنوان مخالف لعنوان رولفو.(1)

من ثم هذا البياض المهيمن الذي يكتب الذات الساردة، في محطة برزخية، أو مرحلة ما بعد تجربة الموت، والتي برع رضواني في بلورتها والتبئير على مركزيتها، في مزاوجة مدهشة وتشاكل كلي ما بين الفني والمعرفي.

إذ على خلفية الفقد هذه، تتجلى ثيمة الموت، كحد فاصل ما بين الشهواني والصوفي.

إن مجرّد عتبة هذه المجموعة، لتحيل على حقيقة الموت، كلغز وجودي محيّر وكبير، ومستفزّ بأسئلته، وقهرية جبروته.

"عام الوحش" في إحالة مباشرة على المقدّس، أي ما يترجمه الموروث الديني، قياسا إلى تأويل أوراق" عام الحزن"، أو ما مرّ به المعلّم الأول للبشرية، محمد صلى الله عليه وسلم، وكابده من اختبارات، دور البطولة فيها، لهذا الوحش على حد تعبير القاص، والذي يسمّى" موتا".

ففي غمرة هذا التوازي، تكتسي المجموعة، قيمتها وأهميتها، كما أحقّيتها وأهليتها في مقارعة ومنافسة السرديات الأدبية العالمية، من دون شك.

حتّى أنه جرّاء البناء الدرامي، وفق دواعي خلط الأوراق إزاء القارئ، في مثيل هذه السرديات التي استطاعت القفز فوق الحبكة بمفهومها الكلاسيكي، إلى رهان الفوضى الخلاّقة والبانية، قلت، في أفق هذا وسائر ما يمتدّ عنه، بما يشدّ إلى جذر الهوية الكونية التي قد تمارس إدانة السلبية والنقصان، تماهيا مع المشترك الإنساني، بدرجة أولى.

جرّاء هذه الموسوعية، ليعجز المتلقّي عن إصابة كبد الحقيقة، مأخوذا بنوبات الإرباك: متسائلا: أيهما يكتب الآخر؟ الحي أم الميت؟ قبل ان يصطدم بالخيوط الناظمة والمتحكمة بروح التجديد في كهذه سردية راسية على قواعد فهم الأدب العالمي فهما بليغا، هو بمثابة الولادات الثانية إبداعيا.

السارد يكتب بقناع برزخي، أو بذاكرة ميت عائد، أي انها كتابة غياب، على اعلى مستويات الحِلمية والرمزية وجنوح المخيال، وكل عناصر الدغدغة بديباجات الخطاب الاسترجاعي والذاكراتي.

فقط، عندما يكون الاختبار وجوديا وهوياتيا، المُمتحِنُ فيه، هو هذا الوحش القاهر المستوي على عامِه، كسلطان خارج النص والزمن.

مواقف القاص هنا، مواقف تجاوز لا تعارض، فقط، في سياق تجربة الموت التي ما تنفك تطالعنا بها، وعبر زمكانية القص، من أول قصة" الاتجاه المعاكس ل "كومالا"، مرورا بقصص: "عام الوحش"، "لقاء مع بورخيس"،" الحمامة البيضاء"، " النخيل الذي يثمر القصص" و" الـزمــن" ثم" المانوليا والزرنيخ" و" لعـبة النظائـر" و" الريح" انتهاء ب" شجرة البلوط".

فقصة" لقاء مع بروخيس" استفزتني بالقدر الذي جعلني استحضر مثلا شعبيا يفيد كيف أن اللقلاق أراد تقليد مشية الحمامة فأتلف مشيته، أو تبادل الأدوار كما يُقال، فمن منظور القاص الذي يرفض التقليد، أو أي مبدع متمكن، الموسوعية لا تتأتى إلا بنهم القراءة، مع اليقظة والحذر الشديد من أن يُبدع القارئ ما يعرّفه على أنه مجرد نسخة عن غيره الذي قرأه واستلهم منه، أو وجها مقنّعا في مرآة الآخر. فالممارسة الإبداعية يفترض ألا تولد اجترارا واستنساخا.

إن قاصا من طينة رضواني، ليقرّ بضرورة الهجرة الروحية إبداعيا، ويدعمها، فهو قد سماها هروبا من غيبوبة الواقع، إلى غيبوبة الجمال.

مثلما أنه يعلن وبكل جرأة وشجاعة، الافتقار والحاجة الماسة إلى من باستطاعته إضاءة الحياة والنصوص، كناية عن جدلية التلميذ والمدرسة، والرغبة في التطور الدائم والمستمر، على أصعدة شتّى.

يقول أيضا:

تغفو في الغسق أو تتثاءب في الشفق هذه الممرات الضيقة التي تنسل من تحت قدمين قويتين تركضان فوق أعشاب تعانق التراب إذ تُداس وتحاول النهوض إذ تتحرر، وكالعرق يتساقط فوقها ندى الشجيرات، وكالندى يتساقط فوق الشجيرات عرقُه، وكشجيرة بدا شعره الأشعث حين توقف كي يحدق هنا وهناك مترصدا حركة أي شبح أو طيف يعلن عنه هذا المحيط أو ذاك الأفق.

 حملت إليه الرياح رائحة الرعب والموت وذكرى صداقة امّحت، ومزيجا من الشعور بالتيه والغثيان، ومع كل همسة تخدش مسامعه كان يرتعب متوقعا أن يباغت قلبَه نصلُ خنجر حتما سيوقف نبض الحياة والخوف والحب.(2)

فأي شاعر هذا الذي يحتل أعماق السارد، فيهبه طاقة رهيبة لا مثيل لها، وقدرة خارقة على تلوين عالم ما تلبث تحاصره الفوضى والدموية والاضطراب، وسرعان ما يستسلم لأسئلة الموت..؟

إنها كتابة الغياب، في محاولة لإضاءة مواطن العتمة والخواء في الذات كما الحياة، عبر مناطحة هواجس الفناء، بإبداع أرقى صور التشبث بالحياة، على مرارتها وإسمنتيتها وفجائعيتها وتخشبها.

ختاما، لا يمكن إلا الإشادة بهذه التجربة السردية الناضجة، التي تجدد جلدها في كل مرة، كي ترقى إلى التطلعات، وإشباع فضول جيل جديد ومختلف، ربما يلبس زمنه بالمقلوب، وربما تكبره أحلامه، ويعتبر الأخطاء مشاعا حياتيا وإبداعيا، يفضي إلى الفوقية التي من شأنها أن تثمر الصواب، بيد أنه جيل وجب علينا احترام قناعة واحدة بانية لشخصيته المستقلة، والتي تكمن في كوننا لسنا نريد له أن يتحسس ملامح وجهه، في مريا الكبار، بما قد تنطوي عليه من تركيبية وتكعيبية وعقد أبوية.

***

شاعر وناقد من المغرب

................

هوامش:

(1) مقتطف من قصة (الاتجاه المعاكس ل "كومالا")، الصفحة6/7.

(2) مقتطف من قصة" شجرة البلوط"، الصفحة75/76.

*انظر مجموعة" عام الوحش" للقاص المغربي سعيد رضواني.

من الذاكرة القحطانية إلى الأفق الحضاري

ليس الأدب العربي نهرًا واحدًا منسابًا في مجرى واحد، بل هو شبكة واسعة من الروافد الثقافية واللغوية والتاريخية التي التقت في مصب الحضارة العربية الكبرى، وكان للأزد نصيب وافر في صناعة هذه الحضارة وإغناء مدونتها الأدبية والشعرية. فالأدب الأزدي ليس جنسًا أدبيًا مستقلًا عن الأدب العربي، وإنما هو أحد تجلياته المضيئة، ورافد أصيل من روافده الكبرى، يحمل بصمات المكان اليمني، وعبق الذاكرة القحطانية، وخصائص الشخصية العربية في أنقى صورها.

لقد نشأ الأدب الأزدي في أحضان البيئة العربية الجنوبية، حيث تشكلت ملامحه الأولى بين الجبال والسهول والأودية والحواضر المزدهرة التي عرفتها بلاد اليمن القديمة. وكان هذا الأدب مرآة صادقة لحياة الأزد، ناقلًا لعاداتهم وقيمهم ومآثرهم، ومعبرًا عن رؤيتهم للوجود والإنسان والتاريخ. ومن هنا فإن دراسة الأدب الأزدي ليست دراسة لفرع قبلي محدود، بل هي قراءة لجزء مهم من الوعي العربي في أحد أعرق تجلياته الحضارية.

وفي الأدب العربي القديم تتجلى آثار الأزد في كثير من النصوص الشعرية التي احتفت بالفروسية والكرم والشجاعة والنجدة والوفاء، وهي القيم التي شكلت العمود الفقري للأخلاق العربية. وقد ارتبطت القصيدة الأزدية القديمة بالذاكرة الجمعية للقبيلة، فكانت سجلًا للبطولات، وحافظة للأنساب، ومرآة للأحداث الكبرى التي مرت بها القبائل الأزدية منذ عهد مأرب وحتى انتشارها في أرجاء الجزيرة العربية وخارجها.

ويُعدُّ حدث انهيار سد مأرب من أبرز المنعطفات التي تركت أثرًا عميقًا في المخيال الشعري الأزدي؛ إذ تحوّل من واقعة تاريخية إلى رمز أدبي كثيف الدلالة، يجسد معاني الرحيل والفقد والتحول وإعادة البناء. ولهذا كثيرًا ما نجد في الشعر الأزدي صور الحنين إلى المواطن الأولى، واستدعاء الأمكنة المؤسسة للهوية، واستحضار الماضي بوصفه قوة روحية تضيء الحاضر ولا تعزله عنه.

ولم يكن حضور الأزد في الأدب العربي القديم حضورًا عابرًا، بل أسهم عدد من شعرائهم في إثراء التجربة الشعرية العربية، ومن أشهرهم الشنفرى الأزدي الذي ارتفع بالصوت الفردي إلى مستوى الرمز الإنساني، فغدت تجربته الشعرية إحدى العلامات البارزة في التراث العربي. كما حافظت النصوص الأزدية على قدر كبير من الصفاء اللغوي والفصاحة البيانية، الأمر الذي جعلها مادة مهمة للغويين والنحاة والرواة.

أما في الأدب العربي الحديث، فقد شهدت القصيدة الأزدية تحولًا نوعيًا في الرؤية والبناء والدلالة. فلم تعد القبيلة غاية الخطاب الشعري، بل أصبحت رمزًا للانتماء الحضاري والثقافي. وانتقل الشاعر الأزدي من تمجيد العصبية الضيقة إلى الاحتفاء بالدور التاريخي للأزد في بناء الحضارة العربية والإسلامية، وإبراز إسهاماتهم العلمية والسياسية والثقافية عبر العصور.

ومن هنا غدت القصيدة الأزدية الحديثة قصيدة هوية وذاكرة، تجمع بين الخصوصية والانفتاح، وتوازن بين الاعتزاز بالجذور والانتماء إلى الفضاء العربي الأوسع. فهي تستحضر مأرب لا بوصفها مكانًا فحسب، بل باعتبارها رمزًا للحضارة والإنجاز والإرادة الإنسانية. كما تستدعي الأوس والخزرج وخزاعة وسائر البطون الأزدية بوصفها حلقات في سلسلة تاريخية كبرى أسهمت في صناعة التاريخ العربي والإسلامي.

ولغويًا، تمتاز التجربة الشعرية الأزدية بثراء معجمها التراثي، وكثافة إشاراتها التاريخية، ووفرة رموزها المكانية، فضلًا عن ميلها إلى الصور المستمدة من الطبيعة اليمنية والعربية. وفيها تتجاور الفخامة القحطانية مع الرقة الوجدانية، ويتعانق الحس الملحمي مع البعد الإنساني، فتولد نصوص تجمع بين قوة الانتماء وجمال التعبير.

إن الأدب الأزدي، في جوهره، ليس أدب قبيلة بقدر ما هو أدب ذاكرة حضارية ممتدة في الزمن العربي. وهو شاهد على أن القبائل الكبرى لم تكن مجرد وحدات اجتماعية، بل كانت مؤسسات ثقافية أسهمت في تشكيل اللغة والشعر والفكر والتاريخ. ومن ثم فإن استعادة الأدب الأزدي اليوم ليست استدعاءً للماضي من أجل الماضي، وإنما هي قراءة لجذور الهوية العربية، واستكشاف لأحد الروافد التي أغنت نهر الأدب العربي الكبير وأمدته بأسباب الحيوية والاستمرار.

وهكذا يبقى الأدب الأزدي، قديمه وحديثه، صفحة مشرقة من صفحات الأدب العربي، تتجلى فيها أصالة الانتماء، وعمق الذاكرة، وجمال اللغة، وتستمر عبرها رسالة الشعر بوصفه حارسًا للهوية، وراويًا للتاريخ، وبانيًا للجسور بين الماضي والحاضر والمستقبل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مَشيتُ والظِلُّ خلفي لا يُشابهني

 كأنَّ روحيَ في المرآةِ تَنفصلُ

*

لي في الغيابِ حضورٌ لستُ أُدركُهُ

 ولي منَ النورِ في أعماقهِ ظِلَلُ

تُعدّ السيمياء من أكثر المناهج النقدية قدرةً على اختراق البنية العميقة للنصوص الشعرية، لأنها لا تكتفي بالنظر إلى اللغة بوصفها أداة تعبير، بل تتعامل معها باعتبارها نظامًا من العلامات، يتأسس على العلاقات المتشابكة بين الدال والمدلول، وبين المرئي واللامرئي، وبين ما يقال وما يُضمر. ومن هذا المنطلق، يغدو الشعر فضاءً علاماتيًا معقّدًا، تتقاطع فيه الرموز والإشارات والأيقونات، وتتحول فيه المفردة من معناها القاموسي البسيط إلى معنى تداولي ووجودي يتشكّل عبر السياق والرؤية.

وفي هذا السياق، يبرز ديوان "ظلال لا تشبهني" للشاعرة سعاد بسناسي بوصفه نصًا شعريًا غنيًا بالعلامات، يستثمر طاقة اللغة الرمزية ويعيد إنتاج الدلالة من خلال مفهوم مركزي يتكرر ويتكثف ويتحول: الظل. فالظل في هذا الديوان ليس مجرد مفردة وصفية، ولا استعارة عابرة، بل هو بنية دلالية كبرى، ومفتاح تأويلي، ونواة رمزية تتفرع منها أنساق عديدة، تشكل مجمل الرؤية الشعرية للديوان. إن الظل هنا يتحول إلى علامة سيميائية متعددة المستويات، تعمل على بناء خطاب الذات، وترسم حدود الهوية، وتفكك علاقة الإنسان بذاته وبالزمن وبالآخر وبالوجود.

أ‌- الظل بوصفه علامة سيميائية ومفتاحًا تأويليًا

إنّ "الظل" في المعجم العام يحيل إلى معنى بسيط: أثر الجسم حين يعترض الضوء. غير أن الشعر، بوصفه فعلًا تأويليًا، يعيد تحرير هذا المعنى من محدوديته الفيزيائية، لينقله إلى أفق رمزي تتعدد فيه القراءات. فالظل يصبح في الديوان تمثيلًا للغياب داخل الحضور، وللخفاء داخل الظهور، وللمستور داخل المكشوف. إنّه وجود ناقص، لكنه وجود لا يمكن إنكاره، لأنه مرتبط بجسدٍ ما، وبنورٍ ما، وبزمنٍ ما. ولهذا يكتسب الظل طبيعةً فلسفية تتجاوز معناه الحسي: إنه وجود غير مكتمل، لكنه شاهد على الوجود.

وفي المنظور السيميائي، لا تُقرأ العلامة بمعزل عن النظام الذي تنتمي إليه. فالظل لا يُفهم إلا بوصفه عنصرًا ضمن شبكة ثنائية كبرى: نور/ظل، ظهور/خفاء، ذات/آخر، حقيقة/قناع. ومن خلال هذه الثنائيات يشتغل الديوان على تفكيك العالم بوصفه فضاءً من الانقسام، حيث لا تكون الذات واحدة، ولا يكون المعنى مستقرا، بل يصبح كل شيء معرضًا للانكسار والتحول.

ب - سيمياء العنوان بوصفها عتبة إنتاج المعنى

إن عنوان الديوان "ظلال لا تشبهني" يمثل أول عتبة سيميائية كبرى، لأنه يعلن منذ البداية أن الذات الشاعرة تدخل النص من بوابة التوتر والتناقض. فالظل عادةً هو امتداد الجسد، وصورته الثانية، وقرينه الذي لا ينفصل عنه، لكن العنوان يقطع هذه العلاقة ويعلن مفارقة صادمة: الظلال لا تشبهني.

وهنا يتحول العنوان إلى إعلان فلسفي عن أزمة الهوية: كيف يمكن للظل، وهو صورة الذات، ألا يشبهها؟ وكيف يمكن للمرآة الرمزية للذات أن تخون صاحبها؟ إن هذا التوتر يؤسس لمعنى وجودي مفاده أن الذات في الديوان ليست مستقرة، وأن علاقتها بنفسها علاقة شك وانفصال. فالذات لا تثق في امتدادها، ولا في انعكاسها، ولا في صورتها التي تظهر للآخر. وهذا يفتح أفقًا واسعًا لفهم الديوان بوصفه تجربة شعرية تتأسس على الانقسام الداخلي، وعلى ما يمكن تسميته بـ انشطار الذات.

إنّ "لا" النافية في العنوان ليست مجرد أداة نحوية، بل هي علامة رفض ومقاومة. إنها تمثل حركة نفسية ضد التطابق، ضد الثبات، ضد الهوية المغلقة. فالذات الشاعرة ترفض أن تكون نسخة واحدة، أو أن تُختزل في صورة واحدة. وهذا ما يجعل الظلال رموزًا للتمزق، والاختلاف، والانزياح.

ج- الظل بوصفه مجازًا للانفصال والاغتراب

يعمل الديوان على تحويل الظل إلى مجاز للانفصال عن الذات وعن العالم. فالظل في كثير من التجارب الشعرية هو رمز للحماية والستر، لكنه هنا يتحول إلى رمز للاغتراب. إن الظل الذي "لا يشبهني" يعني أن الذات فقدت وحدتها، وأنها لم تعد ترى نفسها فيما يحيط بها، أو فيما يصدر عنها.

وهذا يفضي إلى قراءة الظل بوصفه هوية ثانية مزيفة، أو قناعًا اجتماعيًا، أو تمثيلًا لذات أخرى تتشكل تحت ضغط الزمن أو المجتمع أو الخيبة أو الفقد. فالظل يصبح بمثابة "أنا" أخرى تتحرك خارج الإرادة، وتتكلم خارج السيطرة، وتظهر أمام العالم بصورة لا تعكس الحقيقة الداخلية.

وبهذا المعنى، يقترب الديوان من تصور فلسفي عميق: الذات ليست جوهرًا ثابتًا، بل هي عملية تشكل مستمرة، والهوية ليست حقيقة نهائية، بل هي صيرورة تتغير باستمرار. فالظل يمثل هنا الهوية المتحولة، أو الذات الممزقة بين ما تريد أن تكونه وما فُرض عليها أن تكونه.

د- الظل بين الذاكرة والغياب

تتصل سيمياء الظل في الديوان اتصالًا وثيقًا بالذاكرة، لأن الظل يحمل في ذاته معنى الأثر. إنه ليس حضورًا كاملا، لكنه بقايا حضور، مثل الذكرى تمامًا. فالذكرى هي ظل الماضي، والظل هو ذاكرة الضوء.

من هنا يتخذ الظل في شعرية بسناسي وظيفة استحضارية: إنه يستدعي ما غاب، ويعيد إنتاجه بصيغة غير مكتملة. فكل ظل في النص هو تذكير بأن شيئًا ما كان هنا ثم رحل. وهكذا تتحول القصائد إلى فضاء للحزن الهادئ، وللاسترجاع الوجودي، وللحنين الذي لا يجد خلاصًا.

ويبدو أن الذات الشاعرة لا تستحضر الماضي بوصفه حدثًا سعيدًا، بل بوصفه جرحًا مفتوحًا. فالظل لا يمرّ في النص مرورًا عابرًا، بل يظهر محمّلا بإيحاءات الألم، والفراغ، والانكسار. إنه يمثل ذاكرة لا تكتمل، وحنينًا لا يشفي، وحضورًا ناقصًا لا يعوض الغياب.

هـ - الظل بوصفه بنية جمالية وتشكيلًا لغويًا

لا يقف الظل في الديوان عند كونه موضوعًا أو رمزًا، بل يتحول إلى عنصر جمالي يوجه بناء الصورة الشعرية. فاللغة نفسها تتخذ هيئة الظلال: تتكثف، وتتلاشى، وتومئ أكثر مما تصرّح. فالنص يتحرك في منطقة بين الوضوح والإبهام، بين الكشف والتستر. وهذه هي وظيفة الظل الفنية: أن يجعل المعنى غير مباشر، وأن يمنح القصيدة قدرة على الانزياح والتعدد.

وهنا تتجلى شعرية بسناسي في قدرتها على صناعة "لغة ظليّة"، أي لغة تقوم على الإيحاء بدل التصريح، وعلى الرمز بدل التقرير. فالقصيدة لا تقدم الحقيقة كاملة، بل تتركها ناقصة، كما يترك الظل الشكل ناقصًا. وهذا ما يجعل الديوان يندرج ضمن الشعر الذي يراهن على القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى.

و - تحولات المعنى بين الظل والذات

يُلاحظ أن المعنى في الديوان لا يبقى ثابتًا، بل يتحول باستمرار. فالظل مرة يكون أثرًا للغياب، ومرة يكون علامة على الخوف، ومرة يكون قناعًا، ومرة يكون رفيقًا، ومرة يكون تهديدًا. وهذه التحولات تجعل الظل علامة سيميائية مفتوحة، تتغير بتغير السياق.

وتتجسد هذه التحولات في الطريقة التي تتنقل بها الذات الشاعرة بين حالات متعددة: بين الاعتراف والإنكار، بين الشوق والرفض، بين الألم والأمل، بين الانكسار والمقاومة. فالظل لا يقدم صورة واحدة للذات، بل يقدمها في حالاتها المختلفة، وكأن الذات تتبدل مثل الظلال التي تتغير بتغير الضوء والزاوية والزمن.

وهكذا يصبح الديوان فضاءً لصيرورة المعنى: المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يتشكل في الحركة، في التحول، في التوتر. وهذه هي طبيعة الشعر العميق: أنه لا يقدم إجابات، بل ينتج أسئلة.

ز - الظل بوصفه نقدًا للواقع وتمثيلًا للقلق الحضاري

لا يمكن فصل تجربة "الظل" في الديوان عن سياقها الثقافي المعاصر. فالذات الحديثة تعيش في عالم مضطرب، تتكاثر فيه الأقنعة، وتختلط فيه الصور بالحقائق، وتتعدد فيه الهويات حتى يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه. ومن هنا يمكن قراءة الظل بوصفه رمزًا للإنسان المعاصر الذي فقد يقينه، ولم يعد يملك صورة واحدة مستقرة.

فالظل في الديوان يمكن أن يمثل أيضًا التباس الواقع، وغياب المعنى، وانهيار الثوابت. إنه تعبير عن أزمة الوجود في زمن التشتت. وهذا ما يمنح الديوان بعدًا ثقافيًا يتجاوز التجربة الذاتية، ليصبح خطابًا عن الإنسان في عصر الانقسام والاغتراب.

ح - الظل كأفق فلسفي للوجود والعدم

تأخذ سيمياء الظل في الديوان أبعادًا فلسفية واضحة، لأنها تضع القارئ أمام سؤال الوجود والعدم. فالظل ليس وجودًا كاملًا، لكنه ليس عدمًا أيضًا. إنه منطقة بين الاثنين، منطقة رمادية لا تستقر. وهذا ما يجعله رمزًا مثاليًا للذات التي تعيش بين الحضور والغياب، بين الحياة والموت، بين اليقين والشك.

فالظل يذكّر الإنسان بأن وجوده هشّ، وبأن كل حضور قابل للتلاشي. لكنه في الوقت نفسه يثبت أن هناك أثرًا يبقى حتى بعد انطفاء الضوء. وهكذا يصبح الظل علامة مزدوجة: علامة الفناء، وعلامة الاستمرار. وهذا التوتر هو جوهر الديوان، وجوهر التجربة الشعرية التي يقدمها.

ص - نحو أفق نقدي يليق بشعرية الظلال

إن ديوان "ظلال لا تشبهني" ليس مجرد تجربة شعرية في وصف الذات أو التعبير عن الألم، بل هو مشروع دلالي قائم على بناء علامة مركزية تتكاثر حولها الرموز والصور والمعاني. فالظل في هذا الديوان يتحول إلى لغة، وإلى رؤية، وإلى فلسفة وجودية. إنه ليس مجرد استعارة، بل هو بنية تأويلية تتداخل فيها السيمياء مع النفس، واللغة مع الفلسفة، والجمال مع الألم.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الديوان بوصفه نصًا مفتوحًا على المقاربات اللسانية والسيميائية والتأويلية، لأنه يمنح القارئ فرصة لتتبع تحولات المعنى، ومراقبة كيف تُنتج القصيدة دلالاتها عبر الإيحاء والتوتر والانزياح. إن الظلال في شعرية سعاد بسناسي ليست ظلالًا طبيعية، بل هي ظلال الهوية، وظلال الذاكرة، وظلال الوجود، وظلال الذات حين تعجز عن أن ترى نفسها في مرآة العالم.

وبذلك يمكن القول إن سيمياء الظل في هذا الديوان تمثل محاولة شعرية لتفكيك المعنى وإعادة بنائه، وتحويل اللغة إلى فضاء فلسفي يكشف هشاشة الذات وقوة الرمز، ويؤكد أن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يجعل العلامة تتجاوز حدودها، وتتحول إلى سؤال دائم لا ينتهي.

وتأسيسًا على هذا التصور، تندرج البحوث المجمّعة في هذا الكتاب ضمن مقاربة نقدية متعددة المناهج، تتقاطع فيها اللسانيات النصية بالسيميائيات، وتتحاور فيها القراءة الأسلوبية مع التأويل الثقافي والقراءة النفسية والجمالية. وهي لا تنظر إلى النص الشعري بوصفه بنية مغلقة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا مفتوحًا على تعدد القراءات وتداخل المستويات، حيث تتشابك العلامة بالصوت، والصورة بالمعنى، واللغة بالرؤية، في إنتاج تجربة شعرية تتجاوز حدود التعبير المباشر نحو بناء عالم رمزي مركّب.

ويأتي هذا العمل الجماعي في سياق اهتمام نقدي متزايد بإعادة مساءلة النص الشعري المعاصر، خصوصًا في علاقته بإشكالات الهوية، واللغة، والذات، والتمثيل الثقافي. إذ لا يكتفي هذا الكتاب بتفكيك البنى الشكلية للنصوص، بل يسعى إلى استكشاف آليات إنتاج الدلالة داخلها، والكشف عن منطق اشتغالها الداخلي، سواء عبر المجاز، أم الإحالة، أم الإيقاع، أم التوتر الدلالي، أم الاستراتيجيات التداولية التي تُخفي بقدر ما تُظهر، وتُضمر بقدر ما تُعلن.

وتتأسس الدراسات هنا على وعي منهجي بتعدد زوايا النظر إلى النص الأدبي، بحيث لا تُختزل القراءة في مقاربة واحدة، بل تتوزع بين السيمياء بوصفها علم العلامات، واللسانيات النصية بوصفها أداة لفهم التماسك البنيوي، والتحليل الأسلوبي بوصفه مدخلًا إلى جماليات التعبير، إضافة إلى المقاربة الثقافية التي تربط النص بسياقه الرمزي والاجتماعي. ومن ثمّ، فإن هذا التنوع المنهجي لا يعني التشتت، بل يعكس وحدة موضوعية خفية تتمثل في الرغبة في فهم الشعر بوصفه تجربة للمعنى في حال تشكّله المستمر.

كما يولي هذا الكتاب اهتمامًا خاصًا بالتحولات التي تطرأ على اللغة الشعرية في سياقها المعاصر، حيث لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتبليغ، بل أصبحت فضاءً للتجريب وإعادة الإنتاج الدلالي. فالشعر هنا لا يقدّم خطابًا جاهزًا، بل يشتغل على تفكيك اليقينيات اللغوية وإعادة تركيبها ضمن رؤى جمالية وفكرية جديدة، تجعل من النص مجالًا للتأمل في الذات والعالم معًا.

وتكشف هذه الدراسات، في مجملها، عن وعي نقدي يسعى إلى تجاوز القراءة الانطباعية نحو قراءة علمية تأويلية، تستنطق النصوص في عمقها، وتعيد مساءلة بنياتها الظاهرة والخفية، بما يسمح بتأسيس رؤية أكثر تركيبًا للشعر المعاصر، بوصفه ممارسة لغوية وجمالية وفكرية في آن واحد.

وعلى هذا الأساس، لا يُقدَّم هذا الكتاب بوصفه تجميعًا لمقالات نقدية متفرقة، بل بوصفه مشروعًا معرفيًا يسعى إلى بناء شبكة من المفاهيم والأدوات التي تمكّن من الاقتراب من النص الشعري من زوايا متعددة، وتفتح أفقًا قرائيًا جديدًا يوازن بين التحليل الدقيق والانفتاح التأويلي، وبين الصرامة المنهجية وخصوبة المعنى.

في ضوء ذلك، جاء محور: ديناميات العلامة وإنتاج الدلالة، متضمنا هذه الدراسات:

- استعارة الظلال ومجازات الانفصال في ديوان ظلال لا تشبهني

ينطلق هذا البحث من مقاربةٍ تأويلية تتخذ من “الظل” بنيةً رمزية مركزية تتجاوز وظيفته الوصفية أو الزخرفية داخل الخطاب الشعري، لتتحول إلى استعارة كبرى تؤسس لمنظور دلالي قائم على فكرة الانفصال والانشطار الداخلي. فـالظل، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه أثرًا ضوئيًا تابعًا للجسد، بل بوصفه كيانًا موازياً يعيد إنتاج الذات في صيغة غير مكتملة، أو في صورة مشروخة تعكس توتر الهوية وعدم استقرارها. ومن ثمّ يصبح الديوان فضاءً تتقاطع فيه تجليات الذات المنقسمة مع تمثلات وجودية تتسم بالقلق واللايقين، حيث لا تحضر الهوية كمعطى ثابت، بل كعملية تشكّل مستمرة تتأرجح بين الحضور والغياب، وبين التحقق والامحاء.

ويُعنى البحث بتحليل آليات اشتغال المجاز داخل هذا البناء الشعري، خصوصًا من حيث قدرته على توليد صور تقوم على التوتر الثنائي بين المرئي والمستتر، وبين ما يظهر في سطح اللغة وما يتوارى في عمقها الدلالي. فالصورة الشعرية لا تُبنى هنا على منطق التطابق أو التمثيل المباشر، بل على منطق الانزياح والتشظي، حيث يتحول الظل إلى علامة دلالية كثيفة تُحيل إلى مستويات متعددة من المعنى، تتداخل فيها النفسية بالوجودية، والذاتي بالكوني. ومن خلال هذا التداخل، تتأسس شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل من النص فضاءً مفتوحًا على احتمالات التأويل، بدل أن يكون بنية مغلقة ذات معنى واحد.

كما يبرز التحليل أن استعارة الظل لا تعمل كعنصر جمالي إضافي، بل كآلية إنتاج دلالي فاعلة تسهم في بناء رؤية شعرية ذات بعد وجودي واضح. فهي تكشف عن قلق الذات إزاء وجودها، وعن هشاشة علاقتها بالعالم، حيث يغدو العالم ذاته مساحة مراوغة لا تمنح يقينًا، بل تعمّق الإحساس بالاغتراب والانقسام. ومن هذا المنظور، يتحول الظل إلى مرآة مشروخة تعكس لا اكتمال الإنسان، وتعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم بوصفها علاقة توتر دائم، لا تستقر على معنى نهائي بل تظل منفتحة على سؤال الوجود ومعضلة الهوية.

- الإحالة ودورها في التماسك النصي (قصيدة نور السماوات نموذجًا) – جلال مصطفاوي

يركز هذا البحث على الإحالة بوصفها آلية لسانية تحقق التماسك داخل النص الشعري، من خلال تتبع الضمائر، وأسماء الإشارة، وأدوات الربط، والإحالات الزمنية والمكانية في قصيدة "نور السماوات". ويبين الباحث أن الإحالة لا تضمن فقط وحدة النص من الناحية التركيبية، بل تُسهم في بناء المعنى وتحريك الدلالة داخل القصيدة، حيث تتحول الروابط الإحالية إلى جسور تربط المقاطع وتوجّه القراءة نحو تأويل منسجم ومتصاعد.

البنية الإحالية في ديوان "ظلال لا تشبهني": مقاربة لسانية نصية – قطاف تمام فاطمة الزهراء

يعالج البحث البنية الإحالية في الديوان من منظور لساني نصي، ويكشف عن كيفية تشكّل شبكة إحالية واسعة تضمن تلاحم الخطاب الشعري وتمنحه بعدًا تداوليًا. ويرصد الباحثة توظيف الإحالات الداخلية والخارجية، وأثر الضمائر والتحولات المرجعية في تكثيف البعد الذاتي للقصائد، مبينة أن الإحالة في الديوان تتحول من وظيفة لغوية إلى وظيفة دلالية تسهم في تشكيل الرؤية الشعرية وإنتاج التوتر بين الذات والعالم.

سيمياء اللغة في "ظلال لا تشبهني" – مقاربة نصية – سماح محمد حيدة

يقدّم البحث قراءة سيميائية للغة الديوان بوصفها نسقًا من العلامات، ويحلل كيف تتحول المفردات والصور والتراكيب إلى إشارات تتجاوز معناها القاموسي. ويركز على آليات الانزياح والتلميح والتكثيف الرمزي، مبينًا أن الديوان يبني معناه عبر لغة إيحائية تتأسس على الغموض المنتج لا الغموض المعطّل. كما يؤكد أن اللغة في هذا الديوان ليست أداة نقل للمعنى بل هي المعنى ذاته، لأنها تتحول إلى فضاء دلالي مفتوح على التأويل.

- النص الإشهاري: قراءة سيميائية في ديوان ظلال لا تشبهني – صباح إبراهيم أبوشاقور

يتناول هذا البحث حضور الخطاب الإشهاري أو بنيته الرمزية داخل الديوان، من خلال تفكيك العلامات التي تحيل إلى الاستهلاك، والصورة، والإغراء، وتشييء المعنى. ويحلل الباحث كيف تتداخل بعض آليات الإشهار (الإيحاء، التكرار، بناء الصورة، الاقتصاد اللغوي) مع التعبير الشعري لتوليد خطاب نقدي أو ساخر أحيانًا، يعرّي واقعًا ثقافيًا معاصرًا يطغى عليه التسويق الرمزي. وبذلك يتحول الشعر إلى مساحة مقاومة دلالية ضد الاستلاب.

- سطوة العنوان على الذات النّاصة: مقاربة سيكونصّية (ديوان ظلال لا تشبهني أنموذجًا) – إيناس رمضان عمر الشّتيوي

يركز البحث على العنوان بوصفه عتبة نصية موجِّهة للقراءة، ويحلل علاقته بالذات الكاتبة داخل الديوان من خلال مقاربة سيكونصّية تهتم بتتابع العلامات وبناء الدلالة عبر المقاطع. ويبين أن العنوان ليس مجرد تسمية خارجية، بل سلطة تأويلية تتحكم في توقعات القارئ وتفرض أفقًا دلاليًا عامًا، كما يكشف عن أن العناوين في الديوان تؤسس لمزاج شعري قائم على الانكسار والتوتر، وتُسهم في بناء هوية النص عبر إشارات رمزية مكثفة.

أما محور شعرية التشكّل الجمالي، فقد تضمن مجموعة من الدراسات:

- الإيقاع الصوتي في المجموعة الشعرية "ظلال لا تشبهني": دراسة صوتية – نورية بويش

يعالج البحث الإيقاع الصوتي في الديوان من زاوية صوتية دقيقة، ويحلل أثر التكرار والتنغيم وتوزيع الحروف والصيغ في تشكيل الموسيقى الداخلية للقصائد. ويبين أن الإيقاع في الديوان لا يقوم على الوزن التقليدي فقط، بل يتأسس على توازن الأصوات وتجاور الحروف وجرس المفردات، مما يمنح النص طاقة انفعالية خاصة. ويؤكد أن الصوت يتحول إلى حامل دلالي يترجم حالات الحزن والاغتراب والاحتراق الداخلي التي تميز التجربة الشعرية.

- شعرية التوتر وبناء الإيقاع الداخلي في قصيدة "جذور تمسك بالروح" – جنات زراد

يركز البحث على مفهوم "التوتر" بوصفه محركًا جماليًا للنص، ويحلل كيفية تشكل الإيقاع الداخلي في القصيدة عبر التقطيع، والتكرار، والتضاد، وتوالي الجمل القصيرة والممتدة. كما يبرز أن التوتر في القصيدة ليس توترًا معنويًا فقط، بل يتجسد صوتيًا وإيقاعيًا، إذ يتحول الإيقاع إلى انعكاس مباشر لصراع الذات وتعلقها بالجذور بوصفها رمزًا للهوية والذاكرة. وبذلك يصبح الإيقاع الداخلي وسيلة لتجسيد القلق الوجودي داخل البناء الشعري.

- التجريب في ديوان ظلال لا تشبهني – عبد الرحمن بن شويحة

يعالج هذا البحث مظاهر التجريب في الديوان، من خلال رصد انزياحات اللغة، وتفكيك البنية التقليدية للقصيدة، وتنوع الأساليب بين التكثيف السردي والومضة الشعرية واللغة الرمزية. ويبرز الباحث أن التجريب هنا ليس مجرد شكل حديث، بل هو تعبير عن رؤية فكرية تبحث عن لغة جديدة قادرة على احتواء الانكسار الداخلي وتحوّلات الذات. كما يشير إلى أن الديوان يؤسس شعرية تقوم على كسر المألوف وإعادة بناء الصورة والعبارة بما يخدم المعنى النفسي والوجودي.

- ترجمة النصوص الأدبية بين المجازية والحرفية – علي أحمد عمر

يناقش البحث إشكالية الترجمة الأدبية بين الوفاء للحرف والوفاء للروح، ويبرز الفرق بين الترجمة الحرفية التي قد تُضعف الجمالية، والترجمة المجازية التي قد تُغيّر البنية الأصلية للنص. ويطرح الباحث معايير التوازن بين نقل الدلالة ونقل الإيقاع والصورة والحمولة الثقافية، مؤكدًا أن الترجمة الأدبية ليست نقلاً لغويًا فقط بل هي إعادة خلق للنص داخل لغة أخرى. كما يبرز أهمية فهم المجاز الشعري بوصفه قلب النص الأدبي ومفتاحه الجمالي.

بينما تُعيد هذه الدراسات مساءلة محور الذات في أفق الانكسار

- تجليات الذات: قراءة في هندسة الغياب الشعري في ديوان ظلال لا تشبهني – دورين نصر

يقدّم البحث قراءة تأويلية لمفهوم الذات داخل الديوان، من خلال تتبع حضور الغياب بوصفه بنية نفسية وجمالية. ويرى أن الذات الشاعرة لا تتجلى عبر الاعتراف المباشر، بل عبر ما تغيب عنه وما تفقده وما تلمّح إليه. كما يوضح أن الغياب يتحول إلى هندسة داخلية للقصائد، حيث يتشكل النص حول الفراغ والفقد والانتظار. وبذلك تصبح الذات كيانًا هشًا يعيش في ظل التوتر بين الرغبة في الحضور والخوف من المواجهة.

- شعرية الصمت ودلالاته في ديوان ظلال لا تشبهني: قراءة نفسية تأويلية تحليلية – محمد فوضيل

يركز البحث على الصمت بوصفه علامة دلالية داخل الديوان، لا باعتباره غيابًا للكلام، بل باعتباره شكلًا من أشكال التعبير العميق. ويحلل الباحث الصمت كاستراتيجية نفسية تترجم الألم والخذلان والاحتراق الداخلي، وكوسيلة لخلق توتر جمالي داخل القصيدة. كما يبرز أن الصمت في الديوان يتخذ أبعادًا وجودية، إذ يتحول إلى مساحة للتأمل والانكسار، وإلى لغة ثانية تتكلم عبر الإيحاء لا التصريح.

- المفارقة الدلالية للعنونة في شعر سعاد بسناسي (مقاربة سيميائية لنماذج مختارة) – أسماء حمايدية

يعالج البحث ظاهرة المفارقة في عناوين قصائد سعاد بسناسي، ويحلل كيف تخلق العناوين صدمة دلالية عبر الجمع بين المتناقضات أو عبر كسر توقع القارئ. ويرى أن العنوان في شعرها لا يؤدي وظيفة تعريفية فحسب، بل يفتح باب التأويل ويوجه القراءة نحو أفق رمزي خاص. كما يبرز الباحثة أن المفارقة في العنونة تسهم في بناء التوتر العام للديوان، وتكشف عن انشطار الذات بين الرغبة والخذلان، وبين الحضور والانمحاء.

كما تضمن محور: سيمياء الرؤية والتمثيل الثقافي، هده العناوين:

- استراتيجية الافتراض المسبق في الشعر النسوي (ظلال لا تشبهني أنموذجًا) – زينب عبد السلام المقوز

يتناول البحث آلية الافتراض المسبق بوصفها استراتيجية تداولية تعمل داخل النص الشعري النسوي، حيث يُبنى المعنى على ما يُفترض أنه معلوم أو مسكوت عنه. ويحلل كيف توظف الشاعرة هذه التقنية لإنتاج خطاب إيحائي يتجاوز التصريح، ويمنح القصائد عمقًا نفسيًا وثقافيًا. كما يبرز أن الافتراض المسبق يتحول إلى وسيلة مقاومة رمزية، إذ يسمح للشاعرة بتعرية التجربة الأنثوية وتقديمها في صيغة غير مباشرة لكنها شديدة التأثير.

- تمثيلات الرؤية الأنثوية وحضورها الرمزي في ديوان ظلال لا تشبهني – عائدة صبحي حمزة مصاروة

يركز البحث على الرؤية الأنثوية داخل الديوان بوصفها رؤية رمزية لا تقريرية، ويحلل كيف تتحول التجربة النسوية إلى صور وإشارات تتعلق بالذات والجسد والذاكرة والخذلان والحرية. ويؤكد الباحثة أن الأنوثة في الديوان لا تُعرض بوصفها موضوعًا اجتماعيًا فحسب، بل بوصفها بنية رمزية تعيد صياغة العالم من الداخل. كما يبرز أن الرموز الأنثوية تُستخدم لتفكيك السلطة، وإعادة إنتاج معنى الذات في مواجهة التهميش والغياب.

- النور والظلال: ثنائية التوافق والتضاد في ديوان ظلال لا تشبهني – سعاد آمنة بوعناني

يعالج البحث الثنائية المركزية نور/ظل بوصفها نظامًا دلاليًا يتحكم في حركة المعنى داخل الديوان، ويحلل كيف ينتج النص دلالته عبر التضاد والتوازن في آن واحد. ويبرز أن النور لا يظهر كقيمة مطلقة، بل بوصفه معنى هشًا مهددًا بالانطفاء، بينما الظل لا يظهر كشرّ مطلق، بل كمساحة تأمل ووعي وعمق. كما يؤكد أن هذه الثنائية تمنح القصائد طابعًا فلسفيًا يربط التجربة الذاتية بالأسئلة الوجودية الكبرى.

- دلالة الشعر العمودي في ديوان ظلال لا تشبهني – عبد الفتاح دباز

يركز البحث على حضور الشعر العمودي داخل الديوان، ويحلل دلالاته الفنية والثقافية في سياق تجربة شعرية حديثة. ويبين الباحث أن العودة إلى العمود ليست تراجعًا عن الحداثة، بل هي اختيار جمالي يثبت قدرة الشاعرة على الجمع بين التراث والتجديد. كما يبرز أن العمود الشعري داخل الديوان يؤدي وظيفة تأكيد الهوية الإيقاعية العربية، ويمنح التجربة الشعرية بعدًا تراثيًا يتجاور مع الرمزية والانزياح، مما يخلق توازنًا بين الصياغة الكلاسيكية والرؤية المعاصرة.

وفي حصيلة التمثل النقدي، تتأسس هذه الدراسات ضمن أفقٍ تأويلي لا ينظر إلى النص الشعري بوصفه بنية لغوية مكتفية بذاتها، بل باعتباره كينونة دلالية متحركة، تتشكل باستمرار داخل توترٍ وجودي لا يهدأ بين الظهور والاختفاء، وبين القول وما ينسحب من القول، وبين المعنى بوصفه حضورًا والمعنى بوصفه أثرًا يتلاشى في اللحظة ذاتها التي يتشكل فيها. ومن هذا المنظور، لا تعود السيمياء مجرد أداة إجرائية لوصف العلامات داخل النص، بل تنقلب إلى طريقة في مساءلة الوجود عبر اللغة، ومساءلة اللغة عبر هشاشتها الداخلية، حيث يغدو المعنى مشدودًا إلى قابلية دائمة للانزياح، ويصبح كل حضور محكومًا بإمكان غيابه، وكل دلالة مفتوحة على احتمالات تفككها وإعادة تشكلها.

في هذا السياق، يتبدّى ديوان "ظلال لا تشبهني" بوصفه تجربة شعرية تقف عند تخوم الكينونة، حيث لا تُبنى الذات باعتبارها جوهرًا ثابتًا، بل باعتبارها أثرًا يتشكل في مرآة الانقسام، ووعيًا لا يكتمل إلا عبر تكسّر صورته. فالظل، الذي يبدو في الوهلة الأولى علامة ثانوية تابعة للجسد، ينقلب في هذا النص إلى مركز تأويلي يبتلع مركزية الجسد نفسه، ليعيد تعريف العلاقة بين الأصل والصورة، بين الحقيقة وتمثيلها، بين الذات وامتدادها الرمزي. إن ما يحدث داخل هذا التحول ليس مجرد انتقال في الاستعارة، بل انقلاب في بنية التفكير الشعري، حيث لا يعود الأصل أصلًا، ولا يعود الظل تابعًا، بل يصبح كل منهما احتمالًا للآخر، وانزياحًا عنه في آن.

إن الظل في هذا ديوان سعاد بسناسي لا يعمل داخل الاقتصاد البلاغي التقليدي للاستعارة، بل داخل اقتصاد وجودي للانقسام. فهو ليس صورة للغياب فحسب، بل طريقة في التفكير بالوجود بوصفه نقصًا دائم التشكّل، وامتلاءً لا يكتمل إلا عبر ما ينقصه. وهنا تتأسس المفارقة الكبرى: فكلما اقتربت الذات من نفسها، ابتعدت عنها، وكلما سعت إلى التماهي مع صورتها، انشطر حضورها إلى تعدد لا يمكن اختزاله. يصبح الظل إذن ليس ما يتبع الجسد، بل ما يكشف استحالة أن يكون للجسد وحدة نهائية.

ومن هذا المنظور، يغدو العنوان "ظلال لا تشبهني" لحظة فلسفية مكثفة، لأنه لا يصف علاقة، بل يفكك إمكانية العلاقة ذاتها. فالتشابه، بوصفه مبدأ للتماهي والانسجام، يُنقض داخل بنية النفي، وكأن النص منذ عتبته الأولى يعلن انقطاعًا عن منطق الهوية المستقرة. إن "لا" هنا ليست أداة لغوية، بل شقّ وجودي داخل بنية المعنى، إذ تفتح الكينونة على انفصالها عن صورتها، وتضع الذات أمام سؤالها الأكثر قسوة: كيف يمكن للظل، بوصفه أكثر الأشياء قربًا، أن يتحول إلى دليل على الغربة القصوى؟

إن هذا الانفصال لا يعني فقط أزمة في تمثيل الذات، بل يكشف عن أن الذات نفسها لم تعد قابلة للتحديد خارج انقسامها. فهي لا تُدرك إلا عبر ما تنفيه، ولا تحضر إلا عبر ما ينسحب منها. وهنا يتجلى المنطق السيميائي العميق للنص: المعنى لا يُنتج من التطابق، بل من التوتر، ومن المسافة التي تفصل الشيء عن صورته، والذات عن انعكاسها، واللغة عن يقينها.

وعلى هذا الأساس، يتحول الظل إلى بنية أنطولوجية لا يمكن اختزالها في وظيفة رمزية واحدة. فهو مرة أثر للغياب، ومرة فائض حضور، ومرة قناع لا واعٍ، ومرة ذاكرة تتكلم بلغة الإمحاء. غير أن هذا التعدد ليس تشتتًا دلاليًا، بل هو جوهر الظل ذاته، بوصفه كيانًا لا يستقر، ولا يكتمل، ولا ينغلق على تعريف. إن الظل ليس موضوعًا داخل النص، بل طريقة في تفكير النص بذاته، أي أنه شكل من أشكال وعي اللغة بحدودها.

في هذا الأفق، تتراجع الحدود بين العلامة والوجود، بين السيمياء والأنطولوجيا، لأن العلامة هنا لا تشير إلى شيء خارجها فحسب، بل تكشف عن هشاشة كل إحالة. فكل دالّ في النص يبدو وكأنه يحفر في داخله فجوة دلالية، وكل صورة تحمل داخلها أثر امحائها المحتمل. وهكذا لا يعود النص فضاءً لتمثيل العالم، بل يصبح فضاءً لزعزعة فكرة التمثيل نفسها.

ومن ثم، فإن الذات في هذا الديوان لا تُبنى عبر الامتلاء، بل عبر النقص، ولا تتحدد عبر الحضور، بل عبر ما يتسرب منها باستمرار. إنها ذات لا تملك نفسها إلا بوصفها أثرًا لغيابها، ولا ترى نفسها إلا في لحظة فقدانها. وهذا ما يجعل تجربة القراءة نفسها تجربة غير مستقرة، لأن القارئ لا يواجه معنى مكتملًا، بل يواجه حركة المعنى في انحلاله المستمر.

إن الظل، في أعمق مستوياته، ليس مجرد علاقة بين الضوء والجسد، بل استعارة كبرى للوجود بوصفه توترًا بين ما يظهر وما لا يكتمل ظهوره. فالوجود هنا لا يُفهم بوصفه حضورًا صلبًا، بل بوصفه اهتزازًا دائمًا بين الظهور والانسحاب، بين التحقق والتلاشي، بين ما يمكن قوله وما يظل عصيًا على القول. ومن هذا المنظور، يصبح الشعر ذاته شكلًا من أشكال التفكير في هذا الاهتزاز، لا وسيلة لتثبيته.

ويكشف ديوان ظلال لا تشبهني للشاعرة سعاد بسناسي، عبر هذا المنطق، أن اللغة ليست وسيطًا شفافًا للمعنى، بل هي فضاء تتصارع فيه الإمكانات الدلالية. فكل كلمة هي احتمال لمعنى آخر، وكل تركيب هو انفتاح على تأويل لا ينتهي. لذلك، فإن الظل ليس فقط موضوعًا شعريًا، بل هو أيضًا أثر لغوي داخل بنية النص، حيث تتحول اللغة نفسها إلى شبكة من الظلال التي لا تستقر على دلالة واحدة.

ومن هنا يمكن القول إن ما يُبنى داخل هذا الديوان هو أنطولوجيا للانكسار، حيث لا يُفهم الانكسار بوصفه خللًا في البنية، بل بوصفه شرطًا للمعنى. فالمعنى لا يولد من الوحدة، بل من التصدع، ولا يتحقق في الاكتمال، بل في التوتر بين الأجزاء. إن كل محاولة لتثبيت الدلالة تنقلب إلى حركة إضافية في تفكيكها، وكأن النص يرفض أن يُختزل في أي شكل نهائي للفهم.

وتتعمق هذه الرؤية حين نضع الظل في أفقه الزمني، حيث لا يعود مجرد علامة مكانية، بل يتحول إلى زمن داخلي للإمحاء. فالظل هو الزمن الذي يمر داخل الصورة، لا الزمن الذي يمر خارجها. إنه أثر اللحظة وهي تفقد نفسها أثناء تشكلها. ومن ثم، فإن الذاكرة في هذا النص ليست استعادة لما كان، بل استمرار لما يتلاشى وهو يُستعاد.

وفي هذا الأفق، تتداخل الذات بالزمن، واللغة بالغياب، والصورة بالفقد، بحيث يصبح النص كله حركة مستمرة نحو ما لا يمكن الإمساك به. لا توجد نقطة استقرار يمكن أن يتوقف عندها المعنى، لأن كل استقرار هو بداية انزياح جديد. وهكذا يغدو الشعر تجربة في مقاومة الثبات، لا عبر نفيه، بل عبر كشف استحالته.

إن ما تكشفه هذه الدراسة في نهايتها هو أن سيمياء الظل ليست مجرد منهج في قراءة الديوان، بل هي مدخل لفهم الكينونة بوصفها علامة غير مكتملة، ومعنى لا يكتمل إلا بانفتاحه على نقصه. فكل علامة في هذا النص تحمل داخلها ما ينقضها، وكل معنى ينهض على إمكانية انهياره، وكل حضور يظل مشدودًا إلى غيابه بوصفه شرطه الداخلي.

وبذلك، لا يعود الشعر تعبيرًا عن العالم، بل يصبح طريقة في كشف أن العالم نفسه ليس إلا شبكة من الظلال المتحولة، وأن الذات ليست إلا أثرًا داخل هذا التحول، وأن اللغة ليست إلا حركة هذا الأثر وهو يحاول أن يقول ما لا يُقال. وفي هذا الحدّ تحديدًا، حيث تتراجع قدرة القول أمام كثافة الإمحاء، يولد الشعر بوصفه شكلًا من أشكال التفكير في المستحيل، لا بوصفه تجاوزًا له، بل بوصفه إقامة داخله.

ومن ثم، فإن ديوان "ظلال لا تشبهني" لا يُقرأ كنص يصف تجربة ذاتية، بل كنص يفكك إمكانية التجربة ذاتها، ويعيد بناء السؤال حول ما يعنيه أن يكون للإنسان ظل، وما يعنيه أن يكون للظل معنى، وما يعنيه أن يكون للمعنى ظل لا يشبهه، ولا يشبه صاحبه، ولا يشبه إلا انفتاحه الدائم على الغياب.

في هذا الأفق الأخير، يتجلى الشعر بوصفه لحظة إدراك قصوى لهشاشة الوجود، لا بوصفه خطابًا جماليًا يضيف إلى العالم طبقة من الزخرفة، بل بوصفه تجربة معرفية حدّية تقف عند تخوم ما يمكن للغة أن تقوله وما يتعذر عليها الإمساك به. فالشعر، في هذا المنظور، لا يعمل على تثبيت المعنى أو إغلاقه داخل صيغة نهائية، بل يكشف عن الطبيعة المتصدعة للمعنى ذاته، وعن كونه ليس جوهرًا مكتملًا يمكن القبض عليه، بل حركة دائمة من التشكل والانمحاء، ومن الظهور الذي يحمل في داخله أثر غيابه.

إنه شعر لا يطمئن إلى يقين الدلالة، لأن الدلالة فيه ليست معطى جاهزًا، بل أثرًا يتولد داخل التوتر بين اللغة وما تعجز اللغة عن استيعابه. لذلك، لا يعود السؤال عن المعنى سؤالًا يمكن أن يقود إلى إجابة مستقرة، بل يتحول إلى بنية وجودية مفتوحة، تشتغل داخلها الذات وهي تواجه انكشاف هشاشتها أمام العالم وأمام نفسها. فكل محاولة للإجابة لا تفعل سوى إعادة إنتاج السؤال في مستوى أعمق، وكأن المعنى لا يُكتشف، بل يُؤجَّل باستمرار، ويُعاد دفعه إلى حافة الانفلات.

وفي هذا السياق، يغدو الشعر شكلًا من أشكال الوعي الحدّي، حيث لا تنفصل المعرفة عن القلق، ولا ينفصل الإدراك عن تجربة الانكسار الداخلي للثباتات المفهومية. فالعالم لا يظهر في الشعر كمنظومة من الدلالات المستقرة، بل كنسيج من العلامات المتحولة التي لا تكف عن إعادة تعريف نفسها، الأمر الذي يجعل من كل قراءة فعلاً تأويليًا محفوفًا بالاحتمال، لا يقود إلى يقين بل إلى اتساع أكبر في دائرة السؤال.

وهكذا، يتحول الوجود نفسه إلى بنية شعرية مفتوحة، لا تُدرك إلا عبر ما يتخلخل فيها من فراغات، وما يتسرب منها من غياب. فالذات لا تواجه العالم بوصفه معطى مكتملًا، بل بوصفه أثرًا دائم التبدل، واللغة لا تعيد تمثيل الواقع بل تكشف عن اهتزازه الداخلي. وفي هذا التداخل بين الوجود واللغة، بين الإدراك واللايقين، يتشكل الشعر بوصفه لحظة كشف لا تُفضي إلى طمأنينة، بل إلى وعي أكثر عمقًا بتعذر الطمأنينة نفسها.

ومن ثم، فإن السؤال عن المعنى لا يعود سؤالًا معرفيًا بالمعنى التقليدي، بل يتحول إلى سؤال وجودي يلامس حدود الكينونة ذاتها. إذ يصبح المعنى ليس ما يمكن الوصول إليه، بل ما يُعاش في لحظة تعذّر الوصول إليه، وما يتجلى بوصفه أثرًا للانفلات الدائم، لا بوصفه نتيجة يمكن تثبيتها أو امتلاكها.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الشعر في أقصى تجلياته لا يقدّم إجابة عن العالم، بل يعيد صياغة علاقة الإنسان بسؤاله عن العالم. فهو لا يغلق السؤال، بل يفتحه على اتساعه النهائي، حيث تتراجع إمكانية الحسم، ويغدو التفكير نفسه نوعًا من الإقامة داخل اللايقين. وفي هذا المقام تحديدًا، لا يعود السؤال عن المعنى منفصلًا عن معنى السؤال، بل يتماهى معه، بحيث يصبح السؤال هو الشكل الأكثر كثافة للمعنى، والمعنى هو الامتداد الوجودي للسؤال.

وهكذا، في هذا الأفق الذي تتقاطع فيه السيمياء بالوجود، واللغة بالانكشاف، والذات بحدودها القصوى، يتجلى الشعر بوصفه لحظة إدراك قصوى لهشاشة الوجود، حيث لا يعود السؤال عن المعنى قابلاً للإجابة، بل يصبح هو نفسه شكل الإجابة الوحيد الممكن، لأن الإجابة لم تعد تنتمي إلى منطقة الحل، بل إلى منطقة الوعي العميق باستحالة الاكتمال، وإلى ذلك الفضاء الذي يظل فيه المعنى قائمًا بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا ينطفئ.

***

..................

سعاد بسناسي

https://www.souad-besnaci.com

أستاذة اللغويات جامعة وهران 1، كلية الآداب والفنون/ الجزائر

عضو المجلس الأعلى للغة العربية

مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام

مديرة مجلة الكلم ورئيس تحريرها

رئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي

 

شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.

وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي (وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت (1915-1980)، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.

يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.

ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.

ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.

أرادَ الغذامي أن يجعل النقدَ أداةً للوعي والتغيير، لا مُجرَّد نشاط أكاديمي معزول. لذلك ارتبطَ مشروعه بطموح إصلاحي يسعى إلى تحرير العقل العربي من هَيمنة الأنساق التي تُكرِّس الجُمودَ، وتُعيد إنتاج التبعية الفكرية والاجتماعية.

أمَّا رولان بارت، فهو أحد أهم أعلام الفكر النقدي في القرن العشرين. أسهمَ إسهامًا كبيرًا في الانتقال مِن البنيوية إلى ما بعد البنيوية. وقد انطلقَ في مشروعه من دراسة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات، متأثرًا باللسانيات الحديثة، لكنَّه سُرعان ما تجاوزَ حدودَ التحليل اللغوي إلى قراءة الثقافة بأكملها باعتبارها شبكة من الرموز والدَّلالات.

نظرَ بارت إلى الظواهر اليومية نظرةً نقدية كاشفة، فالإعلاناتُ والصور والأزياء والرياضة والسينما لَيست في نظره أشياء عادية، بلْ هي أنظمة دَلالية تَحمل رسائل أيديولوجية خَفِيَّة. وقدْ تجلَّى هذا المنهج بوضوح في كتاباته، حيث كشفَ كيف تتحوَّل الظواهر الثقافية إلى أساطير حديثة تخدم مصالح اجتماعية وسياسية مُعيَّنة.

مِن أشهر أفكاره مفهوم " موت المؤلف"، الذي دعا فيه إلى تحرير النص مِن سُلطة صاحبه، ومنحِ القارئ دَورًا مركزيًّا في إنتاج المعنى. فالمعنى عند بارت لَيس ثابتًا أوْ نهائيًّا، بلْ يتولد باستمرار من تفاعل النص معَ قُرَّائه المختلفين. وبهذا التصوُّر فتحَ البابَ أمام قراءات متعددة ومتجددة للنصوص الثقافية والأدبية.

سعى بارت إلى زعزعة اليقينيات، وكشفِ الأوهام التي تتخفى وراء الخِطابات السائدة، مؤمنًا بأنَّ الثقافة فضاء للصراع والتفاوض وإعادة إنتاج السُّلطة. ومِن هُنا أصبحت القراءةُ عِنده فِعلًا نقديًّا يهدف إلى تحرير الإنسان مِن سَطوة المعاني الجاهزة.

على الرغم من اختلاف البيئة الثقافية التي ينتمي إليها الغذامي وبارت، فإنَّ بينهما قواسم مشتركة عديدة. كِلاهما رفضَ حَصْرَ النقد في الجانب الجَمالي للنص، وسعى إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل الثقافةَ بكلِّ تجلياتها. كما أنَّهما اشتركا في الاهتمام بكشف البِنى الخفية التي تتحكم في إنتاج الخطاب، وتوجيهِ الوعي.

كذلك يؤمن الاثنان بأن النصوص لَيست كِيانات مستقلة عن المجتمع، بلْ هي جُزء من منظومة ثقافية أوسع تتداخل فيها السُّلطة والمعرفة والقِيَم. لذلك فإنَّ مهمة الناقد تتجاوز الوصفَ والتذوقَ إلى التفكيك والكشف والمُساءلة.

وقدْ أسهمتْ أفكار بارت في تمهيد الطريق أمام كثير من مشاريع النقد الثقافي المعاصرة، بما فيها مشروع الغذامي، الذي استفادَ من مناهج التفكيك وتحليلِ الخِطاب في بناء رؤيته النقدية الخاصَّة.

غَير أن هذا التقاطع لا يُلغي وجودَ اختلافات جَوهرية بين المفكرَيْن. بارت انطلقَ أساسًا مِن خلفية فلسفية ولسانية غربية، وكانَ اهتمامه مُنْصَبًّا على تحليل أنظمة العلامات وآليَّاتِ إنتاج المعنى داخل الثقافة الحديثة.

أمَّا الغذامي فقدْ ركَّز على إشكاليات المجتمع العربي، وسعى إلى توظيف النقد الثقافي في مُعالجة قضايا اجتماعية وفكرية مرتبطة بواقع الثقافة العربية.

كما أن بارت كان معنيًّا بتفكيك المعنى وإبراز تعدديته، في حِين ركَّز الغذامي على كشف الأنساق الثقافية المُهيمنة وآثارها الاجتماعية. وإذا كان بارت قد انشغلَ بالسؤال: كيف يتمُّ إنتاج المعنى؟، فإنَّ الغذامي انشغلَ بالسؤال: ما هي القوى الثقافية التي تتحكم في إنتاج هذا المعنى؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كشك الحكاية.. الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب

تنتمي قصة "كشك الحكاية" للكاتبة سعاد حسين الراعي إلى فئة القصص الإنسانية التي لا تكتفي بالحديث عن مصير البطل أو البطلة، بل تتخذ من معاناتهم وسيلةً للتأمل في قضايا الحياة والفقدان والصمود. ظاهريًا، هي حكاية حرب، لكنها في جوهرها حكاية قدرة الروح الإنسانية على التجدد بعد الكارثة، وكيف تُصبح الكلمة ترياقًا لليأس والوحدة والموت.

في السطور الأولى فقط، تنجح الكاتبة في الارتقاء بالكشك من مجرد كيان مادي إلى رمز يحمل دلالات نفسية وروحية عميقة. لم يعد هذا الكشك مجرد متجر صغير يبيع الصحف والمجلات، بل أصبح بمثابة وطن بديل وشرفة ينظر منها بطل القصة حوله. هذا هو المكان الذي استعاد فيه أديب عافيته بعد أن حطمته ذكريات الماضي. وهذا ما يجعل الكاتبة قادرة على تحويل الأشياء العادية إلى رموز ذات معانٍ أعمق من معناها الظاهر.

في الواقع، إنها شخصية رائعة، موصوفة بكل عيوبها ومزاياها. تخلق الكاتبة شخصية أديب التي لا تنتمي إلى فئة الأبطال الخارقين، بل إلى فئة أولئك الذين نجوا من حرب مروعة بساق مبتورة، وذكريات مؤلمة، وخسائر فادحة. ومع ذلك، تكمن الأهمية الفنية للشخصية في الصراع الداخلي بين الاستسلام للمعاناة والرغبة في إيجاد المعنى الحقيقي للحياة. ونتيجة لذلك، تبدو عملية تطور الشخصية في القصة أشبه بمسار روحي ونفسي، وليست مجرد سلسلة من الأحداث.

تستخدم الكاتبة أسلوبًا قويًا في تصوير الحرب، التي لا تُوصف كعمل عسكري أو سياسي بحت، بل كظاهرة مدمرة تحطم الأحلام الشخصية. صحيح أن الحرب سلبت أديب ساقه وشبابه، لكنها لم تسلبه إرادته القوية التي دفعته إلى الدراسة والكتابة. بهذه الطريقة، تتبلور إحدى الأفكار المحورية للقصة: انتصار الروحانية على الجسد، وانتصار الإرادة على الضعف.

يُصبح من الأهمية بمكان، بالنسبة للحبكة، إظهار حضور شخصية الأب في هذه القصة. فالأب هنا ليس مجرد شخصية ثانوية في ماضي البطل، بل هو عنصر أساسي في ثقافته وعالمه الداخلي. لقد غرس فيه حب القصص، وشجعه على الكتابة في سن مبكرة، ليصبح بذلك رمزًا للذاكرة الحية والجذور التي تمنح الإنسان القدرة على البقاء. وهذا يعني أن الحلم الذي يظهر فيه الأب في الجزء الأخير من القصة مُبرر تمامًا ببنية السرد.

أما فيما يتعلق بالخصائص الأدبية، فإن لغة النص تتسم بالشاعرية. فكثيرًا ما تستخدم الكاتبة الصور والاستعارات في جملها. ويمكن للقارئ أن يلمس مدى التأثير العاطفي العميق للوصف الذي كتبته. هناك العديد من العبارات التي تبدو شعرية، وليست نثرًا واقعيًا. يُضفي هذا الأسلوب جمالية خاصة على العمل الأدبي، وفي الوقت نفسه يجعل نبرته أكثر هدوءًا وتأملًا، نظرًا لما يحمله موضوع العمل من أبعاد روحية.

أما السمة البارزة الأخرى للنص، فتتمثل في مفهوم الازدواجية، كالعزلة والتواصل. فمن جهة، يسعى أديب في بداية القصة إلى العزلة في الكشك، محاولًا الابتعاد عن صخب العالم. لكنه في النهاية يفتح هذا المكان كوسيلة للتواصل مع الناس. وبهذا، تتحول الكتابة، التي كانت فعلًا شخصيًا، إلى فعل إنساني. أي أنه بدلًا من الكتابة عن الذات، ينبغي أن يستمع إلى الآخرين ويستوعب قصصهم ومشاكلهم وأحلامهم.

وتُعدّ الخاتمة من أجمل عناصر النص وأكثرها تماسكًا. فبداية قصة "كشك الحكاية" تعني إعادة إحياء مكان مهجور، لكنها ترمز أيضًا إلى ولادة جديدة للبطل. وتلخص الجملة الأخيرة جوهر القصة: "الإنسان لا يُهزم ما دام قادرًا على أن يمنح حياته معنى جديدًا" فالإنسان ينتصر حين يجد غاية لوجوده. وهكذا، يتحول الكشك إلى بوابةٍ لإنقاذ الذات، ويصبح سرد القصص أداةً لاستعادة الهوية الحقيقية.

وختامًا، تُعدّ "كشك الحكاية" من القصص التي تكشف عن نصٍّ إنسانيٍّ قائمٍ على سحر الذاكرة والكتابة وحبّ الأبوة، مُثبتةً أنَّ أيّ ضررٍ جسيمٍ قد يُؤثّر على الصحة الجسدية، لكنّه لا يُمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يُدمّر القوة الروحية. هي في جوهرها حكايةُ ولادةٍ جديدةٍ بعد الهزيمة، حيث يُعتبر سرد القصص من أثمن الوسائل لمواجهة الفراغ. في الواقع، تنتمي هذه القصة تحديدًا إلى الأعمال التي تُعطي الأولوية للجانب الإنساني على حساب تطورات الحبكة المُفاجئة، لذا فإنّ قيمتها الجوهرية تتحدّد بمستواها العاطفي.

***

بقلم: محمود سلامه الهايشه - كاتب وباحث مصري

١٩ حزيران (يونيو)

حين قرأتُ رواية (العالم ناقصاً واحداً) للمرة الأولى تأثرتُ بها كثيراً، دون أن أعرف أنني سأعيش مشاعر الفقد التي امتلأت بها، وكأنني جزء من الرواية. وبعد رحيل ابنتي الرسامة الملهمة سماء الأمير عدتُ إلى الكتاب باحثةً فيه عن مرآة مشاعري، لأكتب قراءةً وجدانيةً ترتبط بها. ولأنّ قراءتي للرواية أول مرة لم تكن مصادفة، ذلك أنّ كل ما يمرّ بنا ونتصور أنه حدث مصادفة يتضح لاحقاً أنّه ليس كذلك، إذا انتبهنا إلى الإشارات وفسرناها تفسيراً دقيقاً.

تقوم الرواية التي كتبتها الروائية المُجِدّة والمبدعة المعروفة ميسلون هادي على ثيمة الحرب، وفقدان الأب والأم معنى الحياة بفراق ابنهما الطيار علي. وهي تقترب كثيراً من مشاعري الأمومية الجريحة في الفقد والشوق والإنكار والأمل، وإن كان أبطالها آخرين وظروفهم تختلف عن ظروفي.

في الرواية تتساءل الأم كما تساءلتُ أنا. فكل الأمهات في مختلف قصص الفقد الواقعية تنبع أسئلتهن نديةً من بئر اللوعة، حين تنظر كل واحدة منهن إلى سطح الماء فترى وجه ابنها ودموعها: لماذا حصل لي ذلك أنا؟ لماذا ابني بالذات؟

شخصياً زاحمت مفردة "لماذا" رأسي طويلاً، وتساءلتُ: كم تحتل ابنتي مساحة من الوجود حتى يبخل بها عليها؟ إنّها لا تكلفه شيئاً يُذكر. إنها ناعمة، رقيقة الوجدان، صوتها كموسيقى الماء العذب، قلبها الصغير يتسع لكل العالم، عقلها يضاهي الكون، ووجودها إضافة للوجود الكلي لا ينقصه بشيء.

في الرواية يقول طيار زار والدَي الشهيد للتعزية:

«قسمته يا أمي... إننا في الجبهة نقول إن القذيفة تنطلق وهي تحمل معها أسماء الذين سيُقتلون بها... ألم يجئه الموت من مروحة طائرته نفسها بعد أن أخطأته قذيفة العدو... قسمته يا أمي، قسمته..».

في رواية حياتي الواقعية (رواية منعطفي الفاجع): منذ أيامها الأولى دخلتُ في حرب. قال طبيب الجملة العصبية إن ابنتي لن تصل إلى العشرين. إنها قسمتها.

في الرواية تسأل الأم:

"لماذا تسلقت لافتة الموت السوداء جدار بيتهم مثل بساط مشؤوم طالما كانت تراه على بيوت الآخرين، وتعتقد أنه سيتسلق كل الجدران إلّا جدران بيتها؟".

أنا لم أعلق لافتة سوداء، ولم أحدد صورة ابنتي بشريط حداد، لأنها في قلبي عصية على الموت. فقد قالت وكتبت ذات مرة، كأنها تستشرف القادم:

«لو أنّ الكوكب زال والعالم انتهى، تبقى لدينا كواكب نعيش فيها هي قلوب أمهاتنا».

ويبدو أنها استشرفت القادم، لأنها الآن تتخذ من قلبي كوكباً لها. كما أنّ لون الحزن لا يليق بمثلها، فهي مخلوقة من مشاعر نبيلة وألوان جميلة كورد الطبيعة، وهي كالشمس حين تغيب تشرق في مكان آخر.

الشمس في الرواية: "سقط نظر الأب على صورة ابنه المعلّقة على الجدار، وتجمدت نظرته هناك عدة دقائق وهو يفكر برغبة ابنه علي تلك للحاق بالشمس وهي تغيب.. كان يفكر بأن رغبته تلك تبدو كما لو أنها دخلت العقل الإلكتروني لهذا الكون، كما يدخل أي فايل معلومات إلى الحاسوب، ويحفظ لحين مجيء أوان استعماله.. ولا بد أن تلك الرغبة قد خُزنت هناك طيلة تلك السنوات حتى جاء أوان تنفيذها.. ثم فكر أنّ الشمس وحدها هي التي تغيب وتشرق من جديد في اليوم الثاني، فجعله ذلك يشعر بعزاء غريب يبرق في روحه، بل ويمده بالراحة ولو إلى حين".

في الرواية كذلك:

"كانت الأم قد عادت إلى الجلوس أثناء حديثه.. تهاوت على الكرسي وهي تشعر بأن العالم من حولها ينشرخ، وأن لا أحد يستطيع اللحاق بذلك الشرخ الماشي بسرعة ليوقفه، ثم بدت وكأنها أصبحت خارج العالم تماماً في مكان لا يصلها فيه أحد.... الأم جامدة في مكانها".

حين رحلت ابنتي تجمدتُ وأصبحت خارج العالم تماماً. فعالم ليس فيه ابنتي لا يستحق التواصل أو البقاء فيه.

في الرواية:

"تسقط الأصوات في الليل لتؤكد الصمت بدلاً من أن تبدده".

في روايتي الواقعية أخذ نواحي الليلي بالضرب على طبول الصمت، ونفخ شعور المرارة في ناي التمرد، إلى أن أتسمر على فراشي وسط ذهولي.

نعود إلى الرواية والعثور على أشياء مفقودة من  آثار الابن الشهيد:

"كان البيت مليئاً بآثار حياة علي، لا بآثار موته، وثمة أحداث بسيطة مثل ظهور فردة حذائه المفقودة تجعل الأب يتساءل إن كان علي سيعود يوماً، وكأن الغياب قد يكتمل أو يُلغى بحسب ما يحدث من علامات صغيرة".

كذلك بيتي. عثرت على خصلة شعر لابنتي في مجفف الشعر، وطرت فرحاً كأنني أحتضن ابنتي. حفظت الخصلة في صندوق ذهبي وضعته في دولاب الملابس. وكنت، بسبب شدة الحزن، قد وزعت ملابس سماء لمن يحتاجها، بقصد الثواب، وأبقيت القليل من بلوزاتها للذكرى.

وبعد حين شعرت بالندم لأنني، وبسبب فقداني التركيز وسط الحزن، لم أحتفظ ببعض قمصانها التي أحبها. ولكن ذات يوم، وأنا أمدّ يدي إلى دولاب ملابسي، عثرت على قميص أبيض كان مختبئاً بينها. كان أكثر قميصاً تحبه سماء. وهذا ما جعلني أطير فرحاً. حضنته وقبّلته وشعرت بأنها بعثته لي. لم يكن عثوري عليه مصادفة، بل كان أمراً مدبّراً من القدر.

تتناول الرواية الاتصالات الهاتفية من حبيبة تجهل أن حبيبها استشهد:

"في الساعة الخامسة.. والخامسة دائماً.. تمتد يد الأم الناحلة وترفع السماعة وتهم باستمهال تلك الحبيبة المجهولة، لكنها تختلج وتصمت، ولا تغلق الخط إلّا بعد أن يكون قد انغلق من الطرف الآخر.. إنها تستبقي النداء المجهول وتجعل ابنها حياً ما دام هذا النداء موجوداً".

كذلك أنا حاولت إبقاء النداء الهاتفي مفتوحاً. فقد كنت أتصل على رقم ابنتي، فيرن هاتفها قربي. أراجع الرسائل المتبادلة بيني وبينها، وأكتب لها رسائل جديدة كأنها موجودة، وأردُّ على نفسي من هاتفها، كمجنونة.

في الرواية: زرع علي ياسميناً قرب الأرجوحة ليحظى بالضوء وينجو من الموت. وعندما تجمدت أغصانها من البرد ظهرت فجأة ورقة خضراء جديدة أعادت الحياة للنبتة، مانحة الأم لمحة فرح عابرة رغم فقدانها لابنها. وكانت جارتها تقول لها إنها رأت طيفاً يشبه علي أطل على الحديقة.

وفي واقعي: كنت قد جهزت سنادين زرع صممتها بطريقة جميلة من أجل ابنتي كي تنظر إليها من شيزلونجها في غرفة المعيشة. وبعد رحيلها بقيت أعتني بها. وحين تزهر وردة أقول إنها ابنتي أو رسالة منها تطمئنني بأنها بخير. كما أنني رأيت طيفها، وسمعت صوتها. كانت تظهر لي علامات هي رموز كانت بيننا في حياتها.

في نهاية الرواية ينبثق خاطر في رأس الأب يناقش الشك حول هوية جثة الطيار مُدَمَر الوجه، في ضوء ما قاله شهود عيان عن الحادث الذي وقع في قرية حدودية، وهم لم يروا المشهد كاملاً، فالطائرة المروحية كان فيها طياران، استشهد أحدهما ودفنه رجال غير معروفين للشهود في مكان سقوطها وجُرح الآخر ووقع في أسرهم. لا أحد يستطيع الجزم بأنّ السترة وبداخلها هوية علي وقرآنه وأوراقه الأخرى، والتي عُثر عليها قرب القبر تعود إلى الطيار الذي استشهد ودُفن،  فقد تكون للطيار الذي نجا ووقع في الأسر.

زلزلت فكرة الأمل هذه كيان الأب، لينفتح القبر من جديد، ويظل فاغراً فمه في رأسه إلى الأبد.

أنا أيضاً انفتح القبر في رأسي حين كنت أتساءل: ماذا لو عادت إليّ ابنتي بشكل آخر؟ لأنّ أحبابنا عصيون على الموت دائماً. وسيظل القبر ينفتح من جديد فاغراً فمه في رأسي وقلبي إلى الأبد، مثل القبر في الرواية.

***

أسماء محمد مصطفى

لحكمت ويدان

على سبيل التقديم: يعتبر الخطاب المقدماتي من العتبات النصية التي يعتمد عليها في برمجة المتلقي وتوجيه استراتيجيات الاستقبال لديه، بقصد التعرف على محيط النص ومقاصده، فهو المطلع، والركن الركين في جسد النص، وعادة ما يكتب بعد أن يتم الانتهاء من تأليف الكتاب، لكنه يظل متصلا اتصالا بنيويا بالنص الأصلي.

وبالرغم أن جيرار جنيت لم يكن من المؤيدين للخطاب المقدماتي، ولا يراه ضروريا أو إلزاميا، بيد أن جاك دريدا شجع على كتابته باعتباره حوارا نقديا، وخطابا مساعدا في تقريب العمل من القارئ. وبناء عليه، جاء ديوان للريشة كلمات- ديوان البوح والتشكيل للشاعرة المغربية والفنانة التشكيلية المغربية حكمت ويدان الصادر عن مطبعة باب الحكمة في طبعته الأولى 2026، مشتملا على ثلاث مقدمات:

- الأولى: مقدمة ذاتية ضيقة، عملت الشاعرة على تصغير مساحة إيرادها.

- الثاني: مقدمة شبه موسعة، من توقيع الفنان التشكيلي عبد اللطيف زيدان

- والثالثة، كانت من نصيب الناقد الأدبي سعيد يفلاح العمراني

قراءة في الخطابات االمقدماتية:

أ- الخطاب المقدماتي الذاتي:

 يكتبه المؤلف بنفسه، يقدم به عمله، ولايخرج عن دائرة التوجيه نحو النص والقارئ بقصد تحديد المتوخاة، وإبراز مناطق الضوء والظل.

وهكذا جاء الخطاب المقدماتي الذاتي الذي وقعته الشاعرة حكمت ويدان بنفسها، واختارت لها كلمتي عنوانا، دقيق اللفظ وفي إيجاز دون تطويل، أشارت من خلالها إلى حاجة الإنسان للفن منذ طفولته الأولى: عندما وجد الإنسان على الأرض، وبعد تحقيق مطالب حياته البيولوجية من أكل وشرب وتكاثر... احتاج إلى مايجعله يرتقي فوق الكائنات فاختار الفن ص 7

ومعنى ذلك أن الفن حاجة إنسانية فطرية منذ فجر التاريخ، ومنذ كانت التجمعات الإنسانية، لأن الفن كان ومايزال وسيبقى، ضرورة في حياة الإنسان، بل يوشك أن يكون عمر الفن هو عمر الانسان، كما يرى إرنست فيشر.

وبخصوص وظيفة الفن في حياة الإنسان، ترى الشاعرة أنه يسهم في تقويم الذوق العام وصقله لدى الإنسان المتلقي، ولأ نه مغرس الجمال، والإقبال عليه يسمو به إلى القيم الإنسانية الإيجابية ويضمن لها توازنها السوي ص7

بهذا الاعتبار يهب الفن نفسه لتلميع ذوق المتلقي، والارتقاء بمشاعره مما يضمن الاستقرار العاطفي والعقلي، والرضى الداخلي، لأن الفن ارتقاء بالقيم الإنسانية وتلميع للسلوك ليغدو رسالة أخلاقية.

 وبانتقالنا إلى اختيارات الشاعرة للكلمة والتشكيل في منجزها وللريشة كلمات، نقرأ في نفس الصفحة: اخترت بداية الشعر لتهذيب كلماتي وبوحي، واعتكفت في محراب الألوان علني أرتل فيه بعض تفاصيل الجمال، مستندة إلى الريشة التي لم تخذلني ص7

وبذا، يشكل الشعر والتشكيل علاقة متداخلة ومتكاملة، حيث تتفاعل الكلمة والريشة لتوليد نص بصري، ومن ثم يصبح النص الشعري تجربة تشكيلية، واللوحة التشكيلية روحا شعرية.

ب - الخطاب المقدماتي الغيري:

خطاب يضعه شخص واقعي، و المؤلف هو الذي يختار بنفسه من يوكل إليه أمر تقديم ديوانه الشعري أو روايته أو مسرحيته أو مجموعة قصصية أو غير ذلك1، ومن ثم يكون الخطاب المقدماتي خطابين وكالتالي:

ا- الأول تكفل بها الفنان التشكيلي عبداللطيف زيدان، جاءت شبه موسعة على امتداد ما يقارب الصفحتين، موسومة بجولاة بين الكلاسيكية والانطباعية والواقعية في تجربة الفنانة التشكيلية حكمت ويدان، وهي قراءة يهيمن عليها النقد البصري، وهو ما يفصح عنه الحقل اللغوي التشكيلي الانطباعية، اللون، الضوء، الريشة، إضاءة، تقنية النقط، جورج سورا، الفرشاة، كلود مونيه، اللوحة، الضوء، أشكال، المنظر الهندسي، وضمن هذا السياق، يدس زيدان قراءة لبعض لوحات الديوان، مثل اللوحات التالية لوحة جسر وحلم، لوحة حديث الموج، لوحة على قارعة الخلوة وتفكيك عناصرها (إضاءة اللون، الألوان الرئيسية، توظيف الفراغات) وفهم دلالاتها.

ولم لا ؟ وعبد اللطيف زيدان فنان تشكيلي وأستاذ سابق للفنون التشكيلية، أقول، تجربة تشكيلية عالمة بعوالم اللوحة، مما أهله لبناء قراءة عارفة بما هي إنصات لصمت اللوحة ونسج علاقة حميمية مع لوحاتها المصاحبة لقصائدها.

ب - القراءة الغيرية الثانية، تكفل بها الناقد سعيد يفلاح العمراني، وجاء موسعة على امتداد ثلاث صفحات ونصف، عنونها بجدلية الكلمة واللون في ديوان وللريشة كلمات لحكمت ويدان.

ولأن العنوان يفضح نية النص، سنكون أمام قراء.ة نقدية تتوخى البحث في العلاقة الدينامية بين الكلمة الشعرية واللوحة، لأن الشعر والتشكيل توأمان حميميان لأم واحدة، وينهلان من نفس المغرس الإبداعي.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، يفتتح الشاعر قراءته في العتبات النصية البصرية واللسانية، يشكل العنوان عتبة دلالية كاشفة عن طبيعة المشروع الشعري، إذ يجمع بين البعد الوجداني الكلمات.. الخواطر، والبعد البصري الريشة... الألوان، حيث كل ما المصاحبات النصية، تكون مشاهدة بالعين أي أنها عبارة لوحة تشكيلية أو صورة فوتوغرافية، أو رموز، ثم كلمات تقرأ.

ولتدعيم صدقية هذا الجوار بين ماهو بصري ولساني، يعتبر سعيد يافلاح القصيدة نفسها بنية بصرية، تتأسس على:

 - التقطيع الحر

- الجملة القصيرة

- المساحات البيضاء

- الاقتصاد اللغوي ص12

مما يجعل القصيدة أقرب إلى اللوحة التشكيلية منها إلى النص السردي أو الغنائي التقليدي، فالبياض هنا ليس فراغا شكليا، بل مكون دلالي يوازي الصمت في الموسيقى، ويينتج توترا بصريا يشخصن توسيع المعنى ص12

ولتدعيم صدقية هذا الكلام، نشير إلى أنه وتساوقا مع هذه التغييرات الجديدة التي مست ديكور القصيدة، ولحقت النظر في النص الشعري، وغذا البصر أحد دعائم الكتابة الشعرية الحديثة، ما جعل العين محور التلقي، بعد أن كانت وظيفتها لا تتجاوز حدود السمعي، وهو الفعل الذي يجذر جدلية البصري واللساني في القصيدة الحديثة، وبالتالي توسيع اشتغالات اللغة لصناعة نص إبداعي مختلف، والحصيلة أن النص قد أصبح شكلا بصريا وشديد الإثارة للعين.

عطفا على ماسبق، يؤكد سعيد يفلاح من منظوره القرائي أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن القصيدة يمكن أن تكون لوحة، باستثمارها للانفتاح على بلاغة الكتابة الجديدة، مما يخالف البلاغة التقليدية التي اهتمت أساسا بفن القول، وبالتالي بإنتاج الخطاب، غالفة عن الكتابة بدعوى أنها ثانوية وملحقة، كما هي غافلة عن أماكن الانفصال والنقص، والغياب والصمت، والتعارض والنفي، والانكسار والفوضى2.

وفي مقاربة أخرى للصورة الشعرية التي تعددت بتعدد المسارب المتنوعة التي أفادت منها الصورة الشعرية، حيث نهلت من الفنون المعاصرة المتنوعة كالفن السينمائي والتشكيلي والمسرحي3.

 تكون الصورة الشعرية الصورة الشعرية عند الشاعرة ليست أداة توضيح، بل وسيلة إيحاء وتأمل، وغالبا ما تتشكل من عناصر طبيعية ذات حمولة بصرية قوية مثل:

- الماء والموج

- الظلال والضوء

- الرمل

- اللون الأزرق ص12

مما يعني أن الشاعرة أبدعت في استثمار الطاقات اللونية والحركية والصوتية في صناعة صورتها الشعرية وتجسيدها بعين سينمائية ماهرة، ذلك أن للصورة حيوية، وقدرة على الكشف، وتفجير الإيحاء 4 وبذلك يجتمع الحس الشعري والحس البصري، مما يستحضر تشارك اللوحة والقصيدة في الحس البصري.

وأخيرا، وليس أخيرا، يتنتج سعيد يفلاح أن العلاقة بين الشعر والتشكيل وأن الشاعرة لا تكتب قصائد تفسيرية للوحة، ولا توظف اللوحة كعنصر تزييني للنص، بل تشتكل وفق مطق تشكيلي في بناء القصيدة نفسها:

- اللون محل الاستعارة

- التكوين يحل محل السرد

-الإيحاء يحل محل الخطاب المباشر ص ص13

ولا ريب في أن الشاعرة حين فتحت صورها على آفاق مختلفة، فإنما أرادت تشكيل أساليب بلاغية متناسقة تساوقا من رؤيتها الشعرية والتشكيلية.

وينتهي الخطاب المقدماتي لسعيد يفلاح بتقييم لهذه التجربة الشعرية والتشكيلية بتقييم عام معتبرا إياها تجربة تفتح القصيدة على أفق بصري وإنساني رحب، وتمنح القارئ دورا فعالا في استكمال المعنى ص 14، ولعل هذه النهاية من شأنها اصطياد القارئ والارتقاء به من أجل فتح شهيته، ومن ثم توجيهه والتأثير عليه من أجل الدخول إلى ديوان وللريشة كلمات.

 بعد إطلالتنا السريعة على هذه المقدمات الثلاث، نستنج أنها جاءت منسجمة، وتمتميز بأعلى درجات التناغم والتناسق، وتنسجم خيوطها، فالشعر في تواز مع التشكيل، والتشكيل في تواز مع الشعر، ومن ثم يتولد الثراء المعرفي والجمالي كاستراتيجية كامنة في نصوص التقديم.

على سبيل الخاتمة:

ومجمل القول، حققت الشاعرة والفنانة التشكيلية حكمت ويدان انتصارا شعريا وتشكيليا في رماد هذا الوقت الذي تدجنت فيه كل الحواس، وانتصارا للكتابة وكل كتابة صدمة توقف الوجدان على أسرار نقائه، وتؤهله لاختيار النقاء، كل كتابة عرس، عرس للعين والأذن والباطن، القالون وحدهم يكتشفون الرعب في الأعراس، يكتشفون ملامحهم الهجينة5

***

عبد الله المتقي

...................

إحالات:

1- مصطفى سلوى، عتبات النص: المفهوم والموقعية والوظائف، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، ص 91

2- د. أحمد فرشوخ، حياة النص: دراسات في السرد، دار الثقافة ن الدار البيضاء، ص17

3- كاميليا عبدالفتاح، القصيدة العربية المعاصرة: دراسة تحليلية في البنية الفكرية والفنية، دار المطبوعات الجامعية، ص483

4- كمال أبو ديب، نظرية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، ص22

5- عبدالله راجع، الجنون المعقلن، مجلة الثقافة الجديدة، عدد 19

- د. أحمد فرشوخ، حياة النص دراسات في السرد، دار الثقافة، الدار البيضاء، ص17

«أغرق وحدي في غيوم صاخبة» للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي

يُعَدُّ الشعر الحديث فضاءً رحباً لتجليات الوعي الإنساني في أشدّ لحظاته توتراً وقلقاً، إذ لم يعد النص الشعري الحديث مجرد بناء لغوي يُعنى بوصف العواطف أو تصوير الوقائع، بل أصبح بنيةً دلاليةً مركبةً تتقاطع فيها الفلسفة مع الجمال، والرمز مع التجربة، والذات مع العالم. ومن هذا المنطلق تندرج قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي، بوصفها نصاً رؤيوياً كثيفاً ينهض على شبكة من العلامات والرموز والإشارات التي تتجاوز ظاهر القول إلى آفاق تأويلية متعددة.

فمنذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام مفارقة شعرية لافتة؛ إذ يتحول الغرق من فعل مرتبط بالماء إلى تجربة وجودية تحدث داخل «غيوم صاخبة»، فتتشكل صورة انزياحية تؤسس لعالم شعري مضطرب تتداخل فيه الحدود بين الواقع والمتخيل، وبين الحضور والغياب، وبين اليقين والشك. وتتنامى هذه الرؤية عبر نسيج لغوي زاخر بالصور التحولية والتراسل الحسي والانزياحات التركيبية، حيث تتحول المرايا إلى كائنات مخاطبة، والألسنة إلى ذوات متحركة، والضوء إلى قوة تنهش الذات، فتغدو القصيدة مسرحاً درامياً لصراع داخلي تتجاور فيه السلطة المعرفية مع الانكسار الوجودي.

وتكتسب القصيدة أهميتها من قدرتها على استدعاء مرجعيات متعددة؛ دينية وأسطورية وصوفية وحداثية، تتجلى في رموز التفاحة والمرايا والقناديل والشاهنامة، بما يمنح النص عمقاً ثقافياً وفلسفياً يفتح المجال أمام قراءات متنوعة ومتجددة. كما أنها تطرح أسئلة جوهرية تتعلق بالمعرفة والحرية والهوية والسلطة والبحث الدائم عن المعنى، وهي أسئلة تتجاوز خصوصية التجربة الفردية لتلامس الهمّ الإنساني العام.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة تستند إلى جملة من المناهج والرؤى النقدية المتكاملة؛ بدءاً من التحليل اللغوي والبلاغي والأسلوبي، مروراً بالقراءة الجمالية والفنية والنفسية والسيميائية والسوسيولوجية، وصولاً إلى القراءة الفلسفية والهيرمينوطيقية والنقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على إمكانات متعددة من المعنى، لا تستقر عند تأويل واحد أو حقيقة نهائية. كما تتناول الدراسة البنية الصرفية والنحوية والإعرابية للنص، للكشف عن الدور الجمالي الذي تؤديه التراكيب اللغوية في إنتاج الدلالة وتعميق الرؤية الشعرية.

ومن ثمّ فإن هذه المقاربة لا تنشد البحث عن «المعنى الصحيح» للقصيدة بقدر ما تسعى إلى استكشاف «شبكة المعاني الممكنة» التي يتيحها النص، والكشف عن آلياته الفنية والجمالية والفكرية التي جعلت منه نصاً حداثياً ثرياً، قادراً على تجديد دلالاته مع كل قراءة جديدة، ومؤهلاً لأن يحتل مكانة متميزة في فضاء الشعر العربي المعاصر.

من هنا فإنّ هذه القصيدة تنهض على بنية شعرية حداثية عالية الكثافة، تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر إلى بناء عالم رمزي متشظٍ تتصارع فيه الأصوات والرموز والمرجعيات، بحيث تتحول القصيدة إلى دراما داخلية تتجاور فيها الرؤيا الصوفية مع القلق الوجودي، والأسطورة مع التجربة الذاتية، والواقع مع الحلم.

أولاً: البنية الفنية للنص:

المعمار الشعري العام:

يمكن تقسيم النص إلى ثلاث حركات درامية كبرى:

الحركة الأولى: مرحلة السلطة واليقين

تبدأ الذات المتكلمة من موقع المتعالي:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

«أنا الذي تقدست ألويتي»

فهنا يتشكل صوت مركزي يمتلك سلطة روحية وفكرية وأخلاقية.

ويبدو وكأنه مرشد أو نبي أو صاحب رسالة.

لكن هذا اليقين سرعان ما يتصدع.

الحركة الثانية: مرحلة الانفلات والفوضى

يبدأ الانهيار مع لحظة:

«قضموا التفاحة»

وهي لحظة مفصلية في النص.

إذ تنتقل الجماعة من الطاعة إلى المعرفة.

ومن الامتثال إلى السؤال.

ومن السكون إلى التمرد.

فتنتج:

«غوايات وأسئلة»

ثم:

«أينعت ألسنة»

والألسنة هنا ليست أعضاء كلامية، بل قوى خطابية جديدة.

ولهذا تتحول إلى شخصيات فاعلة:

«ألسنة تخطو إلى طاولتي»

«تربكني»

«تربك كأسي ووسائدي»

فتصبح الذات مطاردة بخطابات كانت هي نفسها سبباً في ولادتها.

الحركة الثالثة: مرحلة الانكسار الوجودي

في القسم الأخير ينهار مركز السلطة تماماً.

فتتحول الذات من المتكلم الواثق إلى السائل القلق:

«أين شمسي وشتاتي؟»

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

وهنا تبلغ الدراما ذروتها.

إذ يصبح المنقذ محتاجاً إلى الخلاص.

ويتحول صاحب اليقين إلى طالب معنى.

البنية السردية داخل القصيدة:

رغم أن النص شعري، فإنه يحتوي عناصر سردية واضحة:

الراوي

الراوي هو الأنا الشعرية.

لكنها ليست أناً مستقرة.

بل تتطور عبر النص.

فتبدأ

١- معلِّماً.

٢- ثم شاهداً.

٣- ثم ضحية.

٤- ثم باحثاً عن النجاة.

الشخصيات الرمزية:

النص يزخر بشخصيات غير بشرية.

منها:

١- المرايا

٢- الألسنة

٣- الريح

٤- الضوء

٥- القناديل

٦- الزبانية

٧- التفاحة

وكلها تتحرك بوصفها شخصيات درامية كاملة.

مثلاً:

«الريح تحوم في يدي»

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

«الألسنة تخطو إلى طاولتي»

فالجمادات هنا تكتسب أفعال الكائنات الحية.

الزمن

يتشظى الزمن داخل القصيدة.

فالماضي حاضر بقوة:

«ظللتهم دهراً»

«مكثت فيهم أمداً»

والحاضر:

«أغرق وحدي»

والمستقبل الضمني:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني»

وبذلك يتشكل ما يسمى:

الزمن النفسي الدائري

حيث تتجاور الأزمنة داخل لحظة شعورية واحدة.

الرؤية الفنية

منظور الشاعرة للعالم:

العالم في القصيدة ليس عالماً مستقراً.

إنه عالم يتعرض باستمرار للتصدع والانفجار.

فالحقائق لا تبقى حقائق.

والسلطات لا تبقى سلطات.

واليقين يتحول إلى شك.

والخلاص يتحول إلى أزمة.

ويظهر ذلك في التحول الدرامي من:

«أنا الذي تقدست ألويتي»

إلى:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

وهذا الانتقال يكشف رؤية حداثية ترى الإنسان مشروع سؤال لا مشروع يقين.

الانسجام بين الشكل والمضمون

لا يمكن فصل المضمون عن الشكل في هذه القصيدة.

فالتشظي النفسي يقابله تشظٍ تركيبي.

والقلق الوجودي يقابله قلق إيقاعي.

والاضطراب الداخلي يقابله اضطراب في العلاقات المنطقية بين الصور.

ولهذا فإن الشكل نفسه يصبح جزءاً من المعنى.

الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

من أبرز خصائص النص قدرته على إنتاج الدهشة.

فالشاعرة لا تصف الأشياء كما هي.

بل تعيد خلقها.

مثلاً:

«صهيل خطوه»

فالخطو لا يصهل.

لكن الشاعرة تمنحه صوت الحصان الجامح.

وفي:

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

يتحول الضوء إلى مفترس.

وفي:

«كرسي يرتب اللهيب في دوارقي»

يتحول الكرسي إلى كائن منظم للنار الداخلية.

وهذه الصور ليست زخرفاً بلاغياً.

بل بناءات دلالية عميقة.

الصورة الحركية:

الحركة في النص لا تتوقف.

فالقصيدة مليئة بالأفعال:

١- تسقط، ٢- ينثر، ٣- قضموا،

٤- أورقت، ٥ - أينعت، ٦- تخطو

٧- تطوف، ٨- يفر، ٩- ترتب،

١٠- تنهش

وهذا الفيض الحركي يجعل العالم الشعري عالماً نابضاً ومضطرباً.

الصور التحولية:

الصورة التحولية من أبرز خصائص النص.

فالأشياء لا تبقى على حالها.

التفاحة تتحول إلى: غوايات وأسئلة

الألسنة تتحول إلى: كائنات تمشي

الضوء،يتحول إلى:حيوان مفترس

الريح تتحول إلى: ساكن جسدي

المرايا تتحول إلى: كائن آثم

وهذا التحول المستمر يعبّر عن سيولة الوجود.:

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

يتجسد التراسل الحسي في صور كثيرة:

«صهيل خطوه»

مزج بين الحركة والصوت.

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

مزج بين الرؤية واللمس والألم.

«الريح تحوم في يدي»

مزج بين العنصر الطبيعي والجسد.

فالذات والعالم يتبادلان الخصائص.

ويذوب الحد الفاصل بين الداخل والخارج.

استعارة الامتزاج:

يتحقق الامتزاج الكامل بين الكائن والأشياء.

فالضوء يدخل الجسد.

والريح تدخل اليد.

والألسنة تدخل الغرفة.

والمرآة تدخل الوعي.

ولهذا لا يعود العالم خارج الذات.

بل يصبح امتداداً لها.

الانزياح التركيبي

يتجلى في اختراق البنية النحوية المألوفة.

مثل:

«ألسنة حيث أنا»

إذ حُذفت الروابط المعتادة.

وكان النسق التقليدي:

(هناك ألسنة تحيط بي حيث أكون).

لكن التكثيف الشعري يولّد توتراً جمالياً.

وفي:

«يا ذي المرايا»

يتولد تركيب استدعائي خاص يجمع النداء بالمجاز.

فتصبح المرايا مخاطَباً حقيقياً.

الانزياح الزمني

القصيدة لا تسير وفق خط زمني مستقيم.

بل وفق ارتدادات الذاكرة.

فالماضي والحاضر يتداخلان باستمرار.

وهو ما يجعل الزمن هنا زمناً شعورياً لا تاريخياً.

القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي يمكن اعتبار النص خطاباً تحذيرياً حول مصير السلطة حين تتحول إلى يقين مغلق.

فالذات المتكلمة تمارس دور الراعي الفكري:

«ظللتهم دهراً»

لكن الجماعة تختار المعرفة:

«قضموا التفاحة»

فتولد الأسئلة.

ومن ثم يتحول صاحب السلطة إلى ضحية لنتائج مشروعه نفسه.

فتصبح القصيدة درساً وجودياً في أن المعرفة لا يمكن احتكارها.

وأن السؤال يولّد أسئلة أخرى إلى ما لا نهاية.

وهنا تتحقق الوظيفة الذرائعية للنص باعتباره تحريضاً على مراجعة اليقينيات وكشف هشاشة السلطة المعرفية مهما بلغت قداستها.

هنا يمكن الانتقال إلى:

١- الأسس الفكرية والفلسفية (الهرمينوطيقا)،

٢- النقد الاحتمالي،

٣- البعد الإيروتيكي،

٤- الأسس النفسية والسيميائية،

٥- قراءة صرفية ونحوية وإعرابية لأهم التراكيب والمفردات في القصيدة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

قراءة هيرمينوطيقية واحتمالية في شعر هادية السالمي دجبي

تتجاوز هذه القصيدة حدود البوح الذاتي لتدخل في فضاء السؤال الأنطولوجي العميق، إذ لا تقدم خطاباً شعرياً مغلقاً على معنى واحد، بل تفتح شبكة واسعة من التأويلات الممكنة، بحيث يتحول النص إلى حقل هرمنيوطيقي متجدد تتعدد فيه مستويات القراءة بتعدد المرجعيات الفكرية والثقافية للقارئ.

أولاً: الموقف الفكري للنص

تقوم القصيدة على ثلاث إشكاليات كبرى:

إشكالية السلطة والمعرفة

في البداية يتكلم صوت يملك يقيناً معرفياً:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

«أنا الذي تقدست ألويتي»

فالذات هنا تتموضع بوصفها مالكة للحقيقة.

غير أن هذه الحقيقة تبدأ بالانهيار عندما يحدث الفعل المركزي:

«قضموا التفاحة»

وهو فعل يتجاوز معناه السردي المباشر ليصبح إعلاناً عن ولادة الوعي.

ومن هنا تطرح القصيدة سؤالاً فلسفياً خطيراً:

هل يمكن للمعرفة أن تبقى محتكرة؟

وهل يستطيع صاحب السلطة أن يمنع الآخرين من الوصول إلى المعرفة؟

النص يجيب ضمنياً بالنفي.

إشكالية الهوية

تتكرر الأسئلة:

«أين شمسي وشتاتي؟»

«ومفاتيح خزائني؟»

فتغدو الذات في حالة بحث عن نفسها.

وهنا لا تعود الهوية معطى جاهزاً.

بل مشروعاً مفتوحاً على الضياع وإعادة الاكتشاف.

إشكالية الخلاص

في نهاية القصيدة تسأل الذات:

«كيف ألاقي قبساً يعصمني؟»

فالبحث عن القبس ليس بحثاً عن نور مادي.

بل عن خلاص روحي ومعرفي.

وهكذا تتحول القصيدة إلى رحلة وجودية نحو المعنى.

الأفق الأخلاقي للنص

تنبني القصيدة على نقد أخلاقي خفي للوصاية الفكرية.

فالذات التي:

«أسقت صدورهم تباشير اللظى»

كانت تظن أنها تهديهم الطريق.

لكن الآخرين اختاروا طريق السؤال.

ومن هنا يصبح النص دفاعاً غير مباشر عن حرية المعرفة.

وحرية الاختيار.

وحرية الشك.

ثانياً: الأفق المعرفي

المرجعية التراثية

يتجلى حضور التراث في عدة مستويات.

المرجعية الدينية

في:

«قضموا التفاحة»

إحالة إلى قصة السقوط الأولى.

لكن الشاعرة تعيد إنتاجها شعرياً.

فالتفاحة هنا ليست رمز الخطيئة فقط.

بل رمز الوعي.

المرجعية الصوفية

في:

«أين شمسي؟»

«كيف ألاقي قبساً؟»

تتردد أصداء المعجم الصوفي.

إذ يصبح النور معادلاً للحقيقة.

والقبس معادلاً للمعرفة الإشراقية.

المرجعية الأسطورية

في:

«ومضات الشاهنامة»

تدخل الأسطورة والتاريخ الملحمي إلى النص.

فتصبح الشاهنامة رمزاً للبطولات المؤسسة للوعي الجمعي.

المرجعية الحداثية

النص قريب من الرؤية الحداثية العربية التي مثلها شعراء مثل:

أدونيس

وأنسي الحاج

من حيث تفكيك اليقينيات وتحويل الشعر إلى أداة سؤال لا أداة جواب.

ثالثاً: البنية العميقة للمعنى (الهرمينوطيقا)

التأويل الأول: سقوط السلطة

يمكن قراءة النص بوصفه مأساة سلطة روحية فقدت قدرتها على التحكم في أتباعها.

فالمتكلم هو قائد أو معلم أو نبي رمزي.

لكن الجماعة تتمرد.

فتولد الأزمة.

التأويل الثاني: أزمة المثقف

قد تمثل الذات المتكلمة المثقف العربي.

فهو الذي:

«ظللهم دهراً»

أي مارس دور التوجيه.

لكن المجتمع تجاوز خطاباته.

وأصبح أسير أسئلة جديدة.

ومن هنا تأتي حالة الانكسار.

التأويل الثالث: صراع الإنسان مع ذاته

وفق القراءة النفسية العميقة:

المتكلم والجماعة شخص واحد.

فالألسنة والغوايات والأسئلة ليست كائنات خارجية.

بل أصوات الذات نفسها.

وعندئذ تصبح القصيدة دراما داخلية خالصة.

التأويل الرابع: السقوط الوجودي

يمكن أن تُقرأ القصيدة باعتبارها رحلة إنسانية كبرى.

من اليقين.

١- إلى المعرفة.

٢- إلى الشك.

٣- إلى القلق.

٤- إلى البحث عن معنى جديد.

النقد الاحتمالي والنص الممكن

مفهوم النص الممكن

وفق النقد الاحتمالي لا يوجد معنى نهائي.

بل توجد معانٍ متجاورة ومتنافسة.

فالنص لا يقول شيئاً واحداً.

بل يقترح إمكانات متعددة للفهم.

الاحتمال الأول

المرايا رمز المجتمع.

وبالتالي:

«يا ذي المرايا»

تعني:

يا أيها المجتمع الذي يعكس صورتي.

الاحتمال الثاني

المرايا رمز الضمير.

فتصبح القصيدة حواراً بين الإنسان ووعيه.

الاحتمال الثالث

المرايا رمز التاريخ.

وبذلك يتحول النص إلى مواجهة مع الذاكرة الحضارية.

احتمالات التفاحة

تأويل ديني

رمز الخطيئة الأولى.

تأويل معرفي

رمز الوعي.

تأويل سياسي

رمز الثورة على السلطة.

تأويل نفسي

رمز الرغبة المكبوتة.

احتمالات الألسنة

قد تكون:

ألسنة الناس.

وسائل الإعلام.

الشائعات.

الأفكار.

الضمير.

اللغة ذاتها.

وهنا تكمن قوة النص.

إذ لا يحسم المقصود.

بل يتركه مفتوحاً.

البعد الإيروتيكي في القصيدة

لا يظهر الإيروتيك هنا بمعناه الجسدي المباشر.

بل بمعناه الرمزي العميق.

فالقصيدة مشبعة بما يسميه النقد الحديث:

إيروتيكا المعرفة.

أي الرغبة الجامحة في الوصول إلى المحظور.

ويظهر ذلك في:

«قضموا التفاحة»

إذ تصبح التفاحة موضوع رغبة.

وموضوع اكتشاف.

وموضوع تجاوز للممنوع.

كما أن صور:

«أينعت ألسنة»

«يسكن طيفها جناح الطير»

تحمل إيحاءات حسية دقيقة تقوم على التوق إلى الامتزاج والعبور نحو الآخر.

إنه إيروس معرفي وروحي أكثر منه إيروساً جسدياً.

البنية الفلسفية العميقة

يمكن تلخيص البنية الفكرية للقصيدة في ثنائية مركزية:

اليقين، الشك، الألوية، الألسنة، القناديل، المرايا، السلطة، السؤال، التوجيه، المعرفة، الثبات، التحول

ومن هذا الصراع تتولد الحركة العميقة للنص.

فالقصيدة في جوهرها ليست قصيدة ألم فحسب.

إنها قصيدة انهيار المركز وبزوغ السؤال.

ولهذا تنتهي دون حل نهائي.

وتبقى معلقة بين:

«أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

وبين

«كيف ألاقي قبساً يعصمني»

أي بين الغرق والنجاة، وبين الفقد والبحث، وبين السؤال والاحتمال؛ وهي المسافة التي تمنح النص ثراءه التأويلي وطاقته الجمالية المستمرة.

الآن الانتقال إلى

١-الأسس النفسية والسوسيولوجية والسيميائية،

٢- القراءة الصرفية والنحوية والإعرابية الدقيقة لأهم الجمل والمفردات المحورية في القصيدة.

رابعاً: الأسس النفسية والسوسيولوجية والسيميائية في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

إذا كانت القراءة الفكرية قد كشفت البنية الفلسفية للنص، فإن المقاربة النفسية والسيميائية والاجتماعية تكشف طبقاته الأعمق، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتصارع فيه قوى اللاوعي الفردي مع ضغوط الوعي الجمعي، وتتقاطع فيه العلامات الرمزية لتنتج شبكة دلالية كثيفة تتجاوز ظاهر القول إلى باطنه.

أولاً: الأسس النفسية

تحليل البنية الشعورية

تقوم البنية الشعورية للقصيدة على توتر متصاعد يبدأ من الإحساس بالهيمنة وينتهي إلى الإحساس بالتهديد والانكسار.

فالذات تعلن أولاً:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

وهو تصريح يوحي بالتفوق والسيطرة.

لكن هذا الشعور يتآكل تدريجياً.

حتى تصل الذات إلى الاعتراف الضمني بالعجز:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

إننا أمام انتقال نفسي من:

الأنا المهيمنة إلى الأنا المهددة.

ومن:

اليقين إلى القلق الوجودي.

القلق بوصفه المحرك النفسي للنص

يكاد القلق يكون الشخصية الحقيقية في القصيدة.

فهو يتجسد في صور متعددة:

«يهزمني الأزيز»

«نثيثه من هلع»

«تربكني»

«يرهقني»

«تنهشني»

«العويل»

«الوجع»

إن الحقل المعجمي هنا يشيع جواً من التوتر النفسي المستمر.

حتى إن الأشياء ذاتها تصبح أدوات للقلق.

فالضوء:

«تنهشني ارتعاشة الضوء»

والخطو:

«صهيل خطوه»

والمرايا:

«يا ذي المرايا الآثمة»

اللاوعي ومكبوتات الذات

من منظور التحليل النفسي يمكن النظر إلى:

«الألسنة»

على أنها تمثيل رمزي للمحتوى المكبوت الذي عاد إلى السطح.

فالذات حاولت طويلاً فرض النظام:

«استكنوا»

لكن المكبوت يعود على هيئة:

«غوايات وأسئلة»

ثم يتحول إلى:

«ألسنة تخطو إلى طاولتي»

إنه عودة المقموع إلى المشهد.

وهي إحدى أهم آليات اللاوعي في التحليل النفسي.

عقدة السقوط

تستدعي القصيدة نموذجاً نفسياً قديماً هو:

قلق السقوط من العلو.

فالذات كانت في موضع رمزي مرتفع:

«تقدست ألويتي»

لكنها تنتهي إلى:

«أغرق وحدي»

وهو انتقال من الأعلى إلى الأسفل.

ومن المركز إلى الهامش.

ومن الامتلاء إلى الفراغ.

النبرة النفسية للنص

تتداخل عدة نبرات شعورية:

نبرة الخوف

«يهزمني الأزيز»

«من هلع»

نبرة الاحتجاج

«قضموا التفاحة»

نبرة الفقد

«أين شمسي؟»

نبرة الحيرة

«كيف أسترد تفاحاً؟»

نبرة الاستغاثة

«يا ذي المرايا»

خامساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

علاقة النص بالواقع الاجتماعي

على الرغم من الطابع الرمزي للنص، فإنه يعكس صراعاً اجتماعياً واضحاً بين السلطة والجماعة.

فالذات المتكلمة تصرح:

«ظللتهم دهراً»

«أسقي صدورهم تباشير اللظى»

وهو خطاب الراعي أو الموجه.

بينما تمثل الجماعة الطرف الآخر:

«قضموا التفاحة»

أي أنها تجاوزت الوصاية.

الخطاب الاجتماعي

تطرح القصيدة إشكالية العلاقة بين:

السلطة والمعرفة.

المركز والهامش.

القائد والجماعة.

المعلم والمتعلم.

ومن ثم يمكن قراءتها باعتبارها نقداً للعلاقة الأبوية التقليدية.

إذ إن الجماعة لم تعد تكتفي بالتلقي.

بل أصبحت تنتج أسئلتها الخاصة:

«فأورقت بين ضلوعهم غوايات وأسئلة»

الهوية الاجتماعية

يتكرر الضمير الجمعي:

«ظللتهم»

«فيهم»

«صدورهم»

«أعناقهم»

«قضموا»

مقابل ضمير الأنا:

«أغرق»

«أرهق»

«أسترد»

وبذلك يتأسس الصراع بين الفرد والجماعة.

الشاعرة بوصفها فاعلاً اجتماعياً

في هذا النص لا تمارس الشاعرة دور الراصد فقط.

بل تمارس دور المفكر النقدي.

فهي تطرح أسئلة تتعلق بالسلطة والمعرفة والتاريخ والهوية.

ولهذا تتجاوز القصيدة حدود التجربة الذاتية إلى أفق إنساني واجتماعي أوسع.

سادساً: الأسس السيميائية

تحليل العلامات والرموز

النص قائم على شبكة من العلامات المركزية.

المرآة

علامة على:

الوعي.

الضمير.

المجتمع.

الذاكرة.

التفاحة

علامة على:

المعرفة.

الرغبة.

التمرد.

الحرية.

الألسنة

علامة على:

الخطاب.

الرأي.

النقد.

الشائعة.

السلطة المضادة.

القناديل

علامة على:

الهداية.

النور.

اليقين.

لكنها:

«تسقط من يدي»

فتتحول إلى علامة على فقدان السلطة المعرفية.

الزبانية

علامة على:

العقاب.

الرهبة.

الحساب النفسي.

شبكات الدلالات

يقوم النص على عدد من الثنائيات المتقابلة.

الحضور

الغياب

الشمس

الشتات

النور

الظلمة

القناديل

الغيوم

اليقين

الشك

الألوية

الأسئلة

المركز

الهامش

الأنا

الألسنة

السكون

الحركة

استكنوا

تخطو

النظام الرمزي العام

فضاء العلو

يمثله:

الغيوم

الشمس

القناديل

جناح الطير

ويرتبط بالمعرفة والروح.

فضاء السفل

يمثله:

النعال

الوجع

العويل

الزبانية

ويرتبط بالسقوط والمعاناة.

فضاء الوسط

يمثله:

المرايا

فهي تقع بين السماء والأرض.

وبين الذات والعالم.

وبين الحلم والواقع.

ولهذا احتلت مركز النظام الرمزي في القصيدة.

قراءة سيميائية نهائية

يمكن اختزال الحركة الرمزية الكبرى للنص في المسار الآتي:

قناديل - تفاحة - ألسنة - مرايا - غيوم

أي:

اليقين، المعرفة، السؤال، الوعي، الحيرة الوجودية.

وهذا المسار هو الهيكل العميق للقصيدة.

فهي ليست قصيدة شكوى فردية، بل نص رمزي يصور رحلة الوعي الإنساني منذ امتلاك الحقيقة حتى اكتشاف استحالة امتلاكها بصورة نهائية.

- الأسس التاريخية والثقافية، والأسس المنهجية، والأسس الإنسانية والجمالية العليا، ثم الدراسة الصرفية والنحوية والإعرابية الدقيقة لأهم التراكيب والمفردات المحورية في القصيدة مع بيان وظائفها البلاغية والدلالية.

سابعاً: الأسس التاريخية والثقافية والمنهجية والإنسانية العليا في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

تُعدّ هذه القصيدة نصّاً حداثياً مفتوحاً على مرجعيات ثقافية وتاريخية متعددة، تتجاور فيه الأسطورة مع الموروث الديني، والوعي الفردي مع الذاكرة الجمعية، بما يجعلها نصاً قابلاً للقراءة من زوايا متباينة دون أن يفقد وحدته العضوية.

أولاً: الأسس التاريخية والثقافية

سياق النص الثقافي

ينتمي النص إلى فضاء الشعر العربي الحداثي الذي أعاد النظر في علاقة الإنسان بالعالم، وفي علاقة اللغة بالمعنى.

فالشاعرة لا تنطلق من وصف الواقع، بل من تفكيكه وإعادة بنائه رمزياً.

ولهذا تبتعد القصيدة عن النموذج الغنائي التقليدي القائم على المباشرة، وتتجه نحو شعر الرؤيا الذي يتكئ على الإيحاء والرمز والتناص.

وتظهر هذه السمة في صور مثل:

«الريح تحوم في يدي»

«كرسي يرتب اللهيب في دوارقي»

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

حيث يغدو العالم الخارجي امتداداً للعالم الداخلي.

اللحظة الحضارية للنص

يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها انعكاساً لقلق الإنسان المعاصر.

فهي تتحدث عن:

فقدان اليقين.

انهيار المرجعيات الكبرى.

تضخم الأسئلة.

البحث عن الخلاص.

وهذه كلها سمات بارزة في أدب ما بعد الحداثة.

تطور النوع الأدبي

تقع القصيدة ضمن فضاء قصيدة التفعيلة الحديثة ذات النزعة الرؤيوية.

فهي تستفيد من منجزات:

الشعر الحر.

الشعر الرمزي.

الشعر الصوفي.

الشعر الدرامي.

وتدمجها في نسيج واحد.

ولهذا فإنها لا تنتمي إلى المدرسة الغنائية الخالصة، بل إلى شعر الرؤيا والتأمل الفلسفي.

ارتباط النص بالتراث

التناص الديني

يظهر التناص الأوضح في:

«قضموا التفاحة»

إذ تستدعي الشاعرة قصة المعرفة الأولى.

لكنها لا تستعيدها بصورتها الدينية التقليدية.

بل تعيد تأويلها بوصفها لحظة ولادة السؤال.

فالتفاحة هنا ليست رمز الخطيئة فقط.

بل رمز الوعي والتمرد المعرفي.

التناص الصوفي

يتجلى في مفردات:

الشمس

القبس

القناديل

وهي مفردات شائعة في خطاب الكشف الصوفي.

فالقبس ليس نوراً حسياً.

بل نوراً معرفياً.

التناص الملحمي

في قولها:

«ومضات الشاهنامة الأبت»

تستدعي الشاعرة ملحمة الشاهنامة بوصفها رمزاً للذاكرة الحضارية والأسطورة المؤسسة.

وهذا التناص لا يعمل بوصفه إحالة ثقافية فحسب.

بل بوصفه سؤالاً حول علاقة الفرد بالتاريخ الكبير.

التفاعل مع البلاغة العربية

النص زاخر بأساليب عربية أصيلة:

النداء

يا ذي المرايا

الاستفهام

أين شمسي؟

كيف أسترد تفاحاً؟

التكرار

ألسنة...

ألسنة...

ألسنة...

الالتفات

الانتقال من السرد إلى الخطاب المباشر.

ومن الحديث عن الذات إلى مخاطبة المرايا.

ثانياً: الأسس المنهجية

الصرامة المنهجية

عند دراسة هذا النص ينبغي الجمع بين عدة مناهج:

المنهج الأسلوبي

لدراسة الانزياحات والصور والإيقاع.

المنهج البنيوي

لدراسة العلاقات الداخلية بين الرموز.

المنهج النفسي

لفهم ديناميات القلق والانكسار.

المنهج السيميائي

لفك شفرات العلامات.

المنهج التأويلي

لاستكشاف طبقات المعنى.

الموضوعية النقدية

النص يفرض على الناقد ألا يبحث عن نوايا الشاعرة بقدر ما يبحث في ما يقوله النص نفسه.

فمثلاً:

«الألسنة»

لا يجوز اختزالها في معنى واحد.

بل يجب النظر إليها باعتبارها علامة متعددة الإمكانات.

النص بوصفه بنية مفتوحة

وفق النقد الحديث لا يوجد تفسير نهائي للقصيدة.

بل توجد شبكة من القراءات الممكنة.

وهذه السمة متحققة بقوة في هذا النص.

ثالثاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

قيمة الحرية

تظهر الحرية من خلال رمز التفاحة.

فالفعل:

«قضموا التفاحة»

هو فعل اختيار.

وفعل تجاوز للحدود المفروضة.

قيمة المعرفة

النص يحتفي بالمعرفة رغم نتائجها المؤلمة.

فالغوايات والأسئلة ليست لعنة.

بل ضرورة وجودية.

قيمة البحث

لا تنتهي القصيدة بإجابة.

بل بسؤال:

«كيف ألاقي قبساً يعصمني؟»

وهذا يعني أن الإنسان الحقيقي هو الذي يظل باحثاً.

الانفتاح على التأويلات

من أهم عناصر جمال النص قدرته على إنتاج قراءات لا نهائية.

فالمرايا يمكن أن تكون:

المجتمع.

الضمير.

التاريخ.

الذات الأخرى.

والتفاحة يمكن أن تكون:

المعرفة.

الرغبة.

الحرية.

الثورة.

والألسنة يمكن أن تكون:

الناس.

الأفكار.

اللغة.

الوعي.

وهذا الانفتاح هو سر ثراء النص.

البعد الإنساني الشامل

رغم خصوصية التجربة الشعرية، فإن النص يمس تجربة إنسانية عامة.

فكل إنسان يمر بلحظة يسأل فيها:

أين شمسي؟

وكل إنسان يبحث عن:

قبس يعصمه.

وكل إنسان يختبر صراعاً بين اليقين والشك.

ولهذا تتجاوز القصيدة حدود المكان والزمان لتدخل في فضاء التجربة الإنسانية المشتركة.

خلاصة نقدية جامعة

تُعدّ قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» نصاً رؤيوياً كثيفاً ينهض على بنية رمزية متشعبة تتداخل فيها المرجعيات الدينية والأسطورية والصوفية والفلسفية. وقد نجحت الشاعرة هادية السالمي دجبي في بناء عالم شعري قائم على التحول الدائم؛ حيث تتبدل الأشياء وظائفها، وتتحول العلامات إلى كائنات حية، ويتحول اليقين إلى سؤال، والمعرفة إلى قلق، والنور إلى بحث لا ينتهي عن قبس جديد.

ومن الناحية الجمالية، يمتاز النص بثراء الصورة الحركية، وكثافة الانزياحات، والتراسل الحسي، والتوتر الإيقاعي الداخلي. أما من الناحية الفكرية، فإنه يطرح أسئلة عميقة حول السلطة والمعرفة والحرية والهوية. ومن الناحية التأويلية، يظل نصاً مفتوحاً لا يستنفد دلالاته في قراءة واحدة، بل يعيد إنتاج نفسه مع كل قارئ جديد.

وفي تقدير نقدي شامل، تُعدّ هذه القصيدة من النصوص الحداثية التي تنجح في الجمع بين العمق الفكري والثراء الجمالي، وبين الانفعال الوجداني والتشكيل الرمزي، بما يمنحها قابلية عالية للاستمرار والتأويل وإثارة الأسئلة الجمالية والمعرفية لدى المتلقي المتخصص.

ويبقى الجزء الأخير الممكن من هذه الدراسة هو القراءة اللغوية الدقيقة (الصرف والنحو والإعراب) لأهم الجمل والمفردات المحورية، مع بيان أثر البنية النحوية في إنتاج المعنى الشعري والانزياح الدلالي.

عاشراً: القراءة اللغوية الدقيقة

(الصرف والنحو والإعراب وأثر البنية النحوية في إنتاج المعنى الشعري)

قصيدة: «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

لا تكتمل القراءة النقدية العميقة لهذا النص دون الوقوف عند بنيته اللغوية؛ إذ إن الشاعرة لا تستخدم النحو والصرف استعمالاً وظيفياً فحسب، بل توظفهما بوصفهما أدوات جمالية منتجة للدلالة، بحيث يصبح التركيب النحوي نفسه جزءاً من الرؤية الشعرية.

أولاً: المستوى الصرفي

الأفعال ودلالتها الزمنية

يغلب على النص الفعل المضارع.

مثل:

يهزمني

أشتهي

يحدث

ينبئها

تسقط

ينثر

تحوم

تخطو

تطوف

يرهقني

يفر

ترتب

تنهشني

يؤذن

إن كثافة المضارع هنا ليست مسألة نحوية فحسب.

بل تشير إلى:

استمرار المعاناة.

تجدّد الأزمة.

انفتاح الحدث على الحاضر.

فالقصيدة لا تحكي ماضياً منتهياً.

بل تعيشه لحظة بلحظة.

الأفعال الماضية

مثل:

ظللتهم

ولهوا

استكنوا

مكثت

تقدست

قضموا

أورقت

أينعت

وهذه الأفعال تؤسس خلفية سردية يستند إليها الحاضر المضطرب.

فالماضي هنا هو سبب الأزمة الراهنة.

الأسماء المشتقة

من أبرزها:

صاخبة

الشاحبة

الآثمة

مهترئاً

وهي صفات تحمل شحنة دلالية قوية.

فلا تصف الأشياء بقدر ما تؤوّلها.

ثانياً: التحليل النحوي والإعرابي

الجملة الأولى

أغرقُ وحدي في غيومٍ صاخبةٍ

الإعراب:

أغرقُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

والفاعل: ضمير مستتر تقديره (أنا).

وحدي: حال منصوب بالفتحة المقدرة وهو مضاف، والياء مضاف إليه.

في غيومٍ: جار ومجرور متعلقان بالفعل.

صاخبةٍ: نعت مجرور لغيوم.

الدلالة النحوية

قدمت الحال:

وحدي

لتصبح العزلة بؤرة المشهد.

فالغرق ليس الحدث المركزي.

بل الوحدة.

الجملة الثانية

يهزمني الأزيزُ

الإعراب:

يهزمني: فعل مضارع مرفوع.

والياء مفعول به.

الأزيزُ: فاعل مرفوع.

الدلالة

في التركيب المألوف:

أنا أقاوم الأزيز.

أما هنا:

الأزيز يهزمني.

فتنتقل القوة من الذات إلى الخارج.

وهذا انقلاب دلالي مهم.

الجملة الثالثة

أنا الذي ظللتهم دهراً

الإعراب:

أنا: ضمير منفصل مبتدأ.

الذي: اسم موصول خبر.

ظللتهم: ظللت: فعل وفاعل.

هم: مفعول به.

دهراً: ظرف زمان منصوب.

الدلالة

اختارت الشاعرة الجملة الاسمية.

ولم تقل:

ظللتهم دهراً.

لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت.

أي تثبيت هوية المتكلم.

الجملة الرابعة

أسقي صدورهم تباشير اللظى

الإعراب:

أسقي: فعل مضارع.

والفاعل ضمير مستتر.

صدورهم: مفعول به أول.

تباشيرَ: مفعول به ثانٍ.

اللظى: مضاف إليه.

الدلالة

الفعل:

أسقي

يرتبط عادة بالماء.

لكن المفعول:

تباشير اللظى

ينتمي إلى حقل النار.

وهنا يحدث انزياح دلالي شديد.

إذ تمتزج وظيفة الماء بطبيعة النار.

الجملة الخامسة

تسقط من يدي قناديلُ

الإعراب:

تسقط: فعل مضارع.

من يدي: جار ومجرور.

قناديلُ: فاعل مؤخر مرفوع.

الدلالة

تأخير الفاعل أحدث تشويقاً.

فالقارئ ينتظر ما الذي يسقط.

ثم تأتي المفاجأة:

قناديل.

أي أن السقوط يطال النور ذاته.

الجملة السادسة

قضموا التفاحةَ

الإعراب:

قضموا: فعل ماضٍ وواو الجماعة فاعل.

التفاحةَ: مفعول به منصوب.

الدلالة الرمزية

هذه أبسط جملة تركيبياً.

لكنها أكثر الجمل انفجاراً دلالياً.

إذ تشكل نقطة التحول المركزية في النص كله.

الجملة السابعة

أورقت بين ضلوعهم غواياتٌ وأسئلةٌ

الإعراب:

أورقت: فعل ماض.

بين: ظرف مكان.

ضلوعهم: مضاف إليه.

غواياتٌ: فاعل مرفوع.

وأسئلةٌ: معطوف مرفوع.

الانزياح

الذي يورق عادة:

النبات.

أما هنا:

الغوايات

والأسئلة

فتتحول المعاني المجردة إلى نبات حي.

الجملة الثامنة

ألسنةٌ تخطو إلى طاولتي

الإعراب:

ألسنةٌ: مبتدأ.

تخطو: فعل مضارع.

والفاعل ضمير مستتر.

والجملة الفعلية خبر.

الدلالة

الألسنة تتحول إلى كائنات تمشي.

وهنا ينهار الحاجز بين المجرد والمحسوس.

الجملة التاسعة

أمدُّ ظفري نحوه

الإعراب:

أمدُّ: فعل مضارع.

والفاعل مستتر.

ظفري: مفعول به.

نحوه: جار ومجرور.

الدلالة

اختارت الشاعرة:

ظفري

ولم تقل:

يدي.

فالظفر يحمل معنى الافتراس والدفاع.

وهو أكثر انسجاماً مع الجو النفسي.

الجملة العاشرة

تنهشني ارتعاشة الضوء

الإعراب:

تنهشني: فعل مضارع ومفعول به.

ارتعاشةُ: فاعل مرفوع.

الضوءِ: مضاف إليه.

الانزياح النحوي والدلالي

الضوء عادة مصدر طمأنينة.

لكن الشاعرة جعلته مصدر افتراس.

فأنتجت مفارقة شعرية عالية.

الجملة الحادية عشرة

لا صاحب اليوم لصوتي

الإعراب:

لا: نافية للجنس.

صاحبَ: اسم لا منصوب.

اليوم: ظرف زمان.

لصوتي: جار ومجرور.

الدلالة

النفي هنا مطلق.

وليس نفياً جزئياً.

لأن:

لا النافية للجنس

تنفي وجود أي صاحب على الإطلاق.

الجملة الثانية عشرة

يؤذن البعوض في شقوقه

الإعراب:

يؤذن: فعل مضارع.

البعوضُ: فاعل.

في شقوقه: جار ومجرور.

الدلالة

انزياح ساخر ومأساوي معاً.

فالأذان رمز النداء المقدس.

أما البعوض فدلالة الضآلة والهشاشة.

فيجتمع المقدس والهامشي في صورة واحدة.

الخصائص النحوية العامة للنص

١ - هيمنة الجمل الفعلية

وهو ما منح النص:

الحركة.

التوتر.

الدرامية.

٢ - كثرة التقديم والتأخير

مثل:

من يدي قناديل

وهو أسلوب يخلق مفاجآت دلالية.

٣ - كثرة الحذف

مثل:

ألسنة حيث أنا

إذ حُذفت روابط كثيرة.

وتركت للقارئ مهمة ملء الفراغ.

٤ - هيمنة الضمير المتكلم

تكرار:

أنا

أغرق

أرهق

أسترد

يجعل القصيدة اعترافاً وجودياً بامتياز.

الخلاصة اللغوية النهائية:

تكشف القراءة الصرفية والنحوية أن جمال النص لا يقوم على الصورة وحدها، بل على البنية اللغوية ذاتها. فاختيار الأزمنة، وتوزيع الضمائر، وهيمنة الأفعال المضارعة، وكثرة الحذف والتقديم والتأخير، كلها عناصر تشارك في بناء الرؤية الشعرية. وقد نجحت هادية السالمي دجبي في تحويل النحو من نظامٍ يضبط العبارة إلى طاقة جمالية تُنتج المعنى، وتجعل اللغة نفسها جزءاً من الدراما الوجودية التي يعيشها النص.

ومن ثمّ فإن قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» تُعدّ نصاً حداثياً مركباً تتضافر فيه البنية اللغوية والرمزية والفلسفية والنفسية والسيميائية لإنتاج عالم شعري مفتوح على التأويل، وقادراً على استنطاق قراءات متعددة دون أن يفقد وحدته الفنية العميقة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

أَغْرَقُ وحدي في غيوم صاخبَهْ

يهزمني الْأزيزُ - قال - وارتعاشةُ الْإبَرْ

و أشتهي فَرْقَعَةَ الْجَبينِ والْأَثَرْ.

كذلك الْيومَ يُحدِّثُ الْمرايا مِنْ أَلَمْ.

يُنبئُها نَثيثَهُ مِنْ هَلَعْ:

*

أنا الّذي ظَلَّلْتُهُمْ دَهْرًا

و بي قدْ وَلِهُوا

فَاسْتَكَنُوا.

مَكَثْتُ فيهم أَمَدًا

أسقي صدورَهُمُ تباشيرَ اللَّظَى،

فما اسْتَطالَتْ أبدا أعناقُهُمْ

و لا كِعابُهُمْ عَلَتْ.

أنا الّذي تَقَدَّسَتْ أَلْوِيَتي،

تَسْقُطُ مِنْ يَدِي قناديلُ

و كَفٌّ يَنْثُرُ الْبُرْءَ لِمَنْ به السَّقَمْ.

و ها أراهُمْ

قَضَموا التُّفّاحَةَ الْأَنْذَرْتُهُمْ،

فأَوْرَقَتْ بين ضلوعهم

غِواياتٌ وأسئلَهْ.

و أيْنَعَتْ ألسنةٌ

يَسْكُنُ طَيْفُها جناحَ الطّيْرِ

و الرّيحُ تَحُومُ في يدي.

ألسنةٌ تَخْطُو إلى طاولتي،

تُرْبِكُها،

تُرْبِكُني،

تُرْبِكُ كأسي ووَسائِدي…

*

ألسنةٌ حيثُ أنا.

أَلْمَحُ طَيْفَها يَطُوفُ في نوافذي

و فيها يتعالى نَبْضُهُ.

أَلْمَحُهُ يَنْثُرُ في ثُقْبِ الْمرايا وجهَهُ.

أَمُدُّ ظُفْري نحوه

لعَلَّني أَطْحَنُهُ،

فيَنْثَني مُهْتَرِئًا.

يُرْهِقُني الْآنَ صهيلُ خَطْوِهِ

في غُرْفتي.

في غرفتي طاولةٌ منها يفرُّ ريحُ كَفَّيَّ،

و كرسيٌّ يُرَتِّبُ اللَّهيبَ في دَوَارِقي.

تَنْهَشُني اِرْتِعاشةُ الضَّوْءِ،

أُنادي شَبَحَ الزَّبَانِيَهْ…

أَغْرَقُ وَحْدي في غُيُومٍ صاخبَهْ…

*

يا ذي الْمرايا !

أيْنَ شمسي وشَتاتي

و مفاتيحُ خَزَائِني؟؟؟؟؟

ها أنَّنِي في صَخَبِ النِّعالِ

أَدْفِنُ الْعَوِيلَ - صِرْتُ -

و اهتِزَازَةَ الْإِبَرْ.

لا صاحِبَ الْيوْمَ لِصَوْتي

 غيْرُ مِحْرابٍ

يُؤَذِّنُ الْبَعُوضُ في شُقُوقِهِ

و في حُنْجُرَتي.

فَكَيْفَ أَسْتَرِدُّ تُفّاحًا

يُعِيدُ لي تَوَازُني؟؟؟

*

يا ذي الْمرايا الشّاحِبَهْ!

كيف أُلاقي قَبَسًا

يَعْصِمُني

مِنْ وَمَضاتِ الشّاهِنَامَةِ الْأَبَتْ (*)؟؟؟

يا ذي الْمَرايا الْآثِمَهْ!

شُدّي على صِدْغي كُفُوفَ الْمِطْرَقَهْ.

ما أَجْدَرَ الْمَطَارِقَ الْبَيْنَ شَظَاياكِ

بِإِخْمَادِ الْوَجَعْ!!!

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

...............

*إضاءة: الشّاهنامة: ملحمة شعرية فارسية كتبها أبو القاسم الفردوسي، تهدف إلى إحياء التراث الفارسيّ.

عندما تلامس الفجيعة حاضرا وماضيا، حدود الكارثة

 ان ما تعيشه الاوطان العربية، وشعوبها العربية في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية والفارقة والخطيرة، بل منذ اكثر من عقدين ليس وليد هذه اللحظة، بل انها وليدة مخاض سلبي عسير منذ ما يقارب الخمسة عقود وربما اقل او اكثر من تراجع مخيف للفعل المؤسس لدول واوطان تأخذ بناصية التطور والحرية سواء حرية الفرد في الرأي الحر وحرية التحرك في وطنه، وفي كل اصقاع الاوطان العربية ايضا، والتأسيس الديمقراطي للتبادل السلمي للسلطة والحكم في هذه الاوطان العربية ويكون لشعوبها رأي في اختيار من يتولى الحكم فيها، ان العكس كان هو الذي حدث ولايزال يحدث حتى هذه اللحظة التي اقل ما يمكن ان توصف بها هو انها اسوء لحظة تاريخية، بل اخطر لحظة تاريخية، تمر ومرت على الاوطان العربية جميعها من دون استثناء لأحد منها بما فيها دول الخليج العربي. بالإضافة الى التدخل الدولي، امريكا والغرب الجماعي، واذرع الأخطبوط الصهيوني في اسرائيل، وفي امريكا، والغرب الجماعي، والتدخل الاقليمي.. لبنان كان ولايزال هو الصورة الصغيرة لكنها في الوقت ذاته هي الصورة الكلية والجامعة لكل ما حدث ويحدث الى الآن في كل مكان من ارجاء الاوطان العربية. والقضية الفلسطينية هي الضحية كما انها هي الترجمة الحقيقية والواقعية لجميع ما هو قد حدث من سوء وتردي ولايزال يحدث في الواقع العربي هذا المتردي والذي تتنازع فيه كل الاجندات الدولية والاقليمية والعربية؛ حيث تتشابك وتتقاطع وتختلط وتتقاتل جميع خيوط اللعبة العربية وجوارها والدولية على ساحة الملعب اللبناني. رواية بيروت بيروت للروائي المصري لناحية خطابها السياسي تقع على هذا المسار؛ فهي رواية فيها حشد من الرموز والاشارات والعلامات الدالة على هذا التردي العربي وعلى هذا التطاحن بين ابناء الوطن الواحد تحت ضغط الثيمات والادوات التي ليس لها علاقة بكل ما يخص لبنان ولكل ما يعني قضية الاوطان العربية، القضية الفلسطينية، اضافة الى قضايا شعوبها بالتحرر وبناء غد واعد ومشرق من التنمية الحقيقية والحرية، والقضية الفلسطينية، المقاومة الفلسطينية على طريق التحرر والحياة الحرة، بل انها، الاحزاب والكتل والفرق الملشياوية لها مرجعياتها سواء بالأفكار او بالأجندة فهي تتوزع في ولاءتها بين الاقطار العربية وجوار الاوطان العربية وحتى في خارج الجوار في الابعد في الفضاءات الدولية. جميع هذا الذي اشير إليه في هذه السطور المتواضعة قالته رواية بيروت بيروت للروائي صنع الله ابراهيم بتقنيات ابتعد فيها عن الخطاب التقريري المباشر، إنما في الوقت عينه كان الخطاب فيها تقريري ومباشر عبر او من خلال التقنية التي غطت كل جسد الرواية؛ ازعم انها، هذه التقنية، مبتكرة في حدود علمي واطلاعي. تبدأ الرواية بالشخصية المحورية فيها والتي تدور حولها بقية شخصيات الرواية؛ السرد فيها بضمير المتكلم؛ يقوم به بطل الرواية، كاتب روائي عربي مصري. يقول فيها او انه يبدأ بسرد رحلته من القاهرة الى بيروت حيث يبث فيها مجموعة من الرموز والعلامات الدالة على استبداد الانظمة العربية وكيف انها تقيد حركة كل مواطنيها او ان جميع مواطنيها هم في موضع ريبة وشك.. يخضع الكاتب، الشخصية المركزية فيها الى التفتيش الدقيق في مطار القاهرة من قبل رجال امن المطار مع انه كاتب معروف او ان اسمه معروف وليس هامشيا او غير مُعرف، يخضع ايضا في مطار بيروت لذات التفتيش الدقيق على ذات القاعدة من الشك والريبة. ينزل في بيروت ضيفا عند صديقه بديع والذي هو ايضا كاتب وصحفي. بديع كان قد اعتقل مع صديقه الضيف قبل عدة سنوات في القاهرة غير انها او انه يتم الافراج عنه في ظرف اسبوع فيما ظل زملاءها او رفاقه في السجن الذي فيه؛ خضعوا للتعذيب. ثم وفي ظرف ايام ينتمي الى الاتحاد الاشتراكي العربي، الواجهة الحزبية للسلطة الرسمية، ليس هذا فقط، بل انه يكون عين السلطة على بقية رفاق دربه. ثم لاحقا بعد سنوات يُنقل الى بيروت ليكون رئيسا لمكتب القاهرة الصحفي في العاصمة اللبنانية. هذا المقطع من الرواية يحمل الكثير من العلامات والاشارات الدالة على تخلي البعض من درب العقيدة لصالح دروب المصالح الشخصية، ودور السلطة في جر البعض الى خاناتها وتحويلهم من رجال فكر وعمل ونضال بالكلمة، الى رجال مأجورين وهم بهذا يفقدون هويتهم الشخصية ويكونوا عندها مجرد بيادق بيد الحكومة والنظام. في بيت صديقه بديع يلتقي مع انطوانيت، صحفيه، تعمل في الافلام الوثائقية. يتفق معها على كتابة تعليق للفلم الوثائقي عن الحرب الاهلية في لبنان. يشترط عليها ان يشاهد الفلم اولا قبل كتابة التعليق. في هذه المشاهدة يقول الكاتب كل ما يريد ان يقوله من رؤى سياسية وثقافية ورؤيته السياسية لجميع اوضاع لبنان والقضية الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية، وما يدور في جميع بقاع الاوطان العربية. يتصل لاحقا بعد ايام بزوجة صديقه الأخر او الصديق المشترك بينهما، عدنان الصائغ الذي يمتلك دار نشر في بيروت، فقد كان قد اتفق معه وهو في القاهرة على نشر روايته هذه. يفجأ بان صديقه كان قد غادر بيروت الى لندن. ليلتقي مع زوجته بعد يوم فقط من اتصاله بها. تتعهد له بنشر الرواية بعد قراءة المخطوطة. في اليوم التالي يبدأ بمشاهدة الفلم الوثائقي والذي يحتل اكثر من ثلاثة ارباع مساحة الرواية.. تتم المشاهدة مع انطوانيت لعدة ايام، بين يوم وأخر يكون لديه فراغ يلتقي فيه مع بديع ولميا زوجة صديقه عدنان الصائغ. تدور الكامرة على مساحة واسعة من هنا ومن هناك في بيروت العاصمة اللبنانية. مؤتمر للقمة العربية لمناقشة الاوضاع العربية في لبنان. في اللحظة عينها تقوم الطائرات الاسرائيلية بقصف الجنوب اللبناني وقصف مخيمات الفلسطينيين، مخيم تل الزعتر، وقصف بيروت العاصمة. طفل يسبح في دمه، امرأة تصرخ وهي تبحث عن اطفالها الذين دفنوا تحت الانقاض، تشير وهي تنوح الى كتل من الخرسانة والرمال والغبار الذي لايزال يتطاير من المكان." تشكيلات من طائرات حربية تحمل نجمة داود على جوانبها، الطائرات في طلعات متلاحقة فوق منازل متواضعة وحقول ممتدة، القنابل تنفجر وسط الحقول، المنازل تتهاوى. عنوان: مع الساعات الاولى من عام 1975، ارتفعت حدة الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب اللبناني. دائرة حول فقرة من جريدة معاريف الاسرائيلية بتاريخ 31 يناير كانون الثاني مردخاي جور رئيس الاركان الاسرائيلي يعلن: يجب خلق وضع جغرافي سياسي جديد في المنطقة." تتحول الكامرة الى مكان أخر او الى شارع اخر؛ صور لجمال عبد الناصر في ناصية الشارع، وفي الشارع الأخر، في الساحة الذي ينتهي عندها الشارع صور للأسد، وفي بداية ذات الشارع صور لصدام حسين. رجال يحملون السلاح وهم يهتفون مرة بحياة عبد الناصر، في توازي زمني أخرون وهم ايضا يحملون السلاح يهتفون بحياة صدام حسين، وأخرون يهتفون بحياة الأسد. في مكان أخر وفي يوم أخر ترصد الكامرة مسلحين في الجنوب وهم يحملون صور الامام موسى الصدر ويهتفون باسمه. الشوارع والدروب والطرقات كلها ممتلئة بالجثث التي لم يتم رفعها بعد. الطائرات الاسرائيلية تعاود القصف، قصف مخيمات الفلسطينيين، والمقاومة الفلسطينية في هذه المخيمات، مخيم تل الزعتر. تقول انطوانيت اثناء هذا العرض لشرف، الكاتب المصري؛ في لبنان الكل يحمل السلاح والكل يهتف بحياة فلسطين، والامة العربية. الشعب اللبناني مقسم الى احزاب وكتل وجميعها تحمل السلاح وتتقاتل فيما بينها. بيروت الشرقية يحجزها حاجز من البراميل والكتل الاسمنتية عن بيروت الغربية. كل حزب او مليشا او فصيل مسلح ترتبط مع هذا النظام العربي او ذلك النظام العربي، او مع ايران وحتى مع فرنسا والولايات المتحدة الامريكية، المسلمون والمسيحيون جميعهم موزعين الولاءات والمرجعيات وتتلقى كلها الدعم الاعلامي والمال والسلاح من خارج حدود لبنان وارض لبنان. في يوم أخر تتجول الكامرة في مخيم تل الزعتر؛ نساء يندبن بنواح يفطر القلب. رجل هنا مقطوع الساقين راقد على اسلفت الطريق بالا حراك، على مقربة منه طفل لايزال الدم يشخب من فمه وجبينه. الاسد يخطب في الجيش الذي سوف يذهب او هو يستعد للذهاب الى لبنان لمساعدة اللبنانيين في بسط الامن والاستقرار؛ يقول الرئيس الاسد لقد اخترنا القوات التي ستذهب لمعاونة لبنان من كل فئات المجتمع حتى تتلائم مع الاوضاع في لبنان. تسلط الكامرة اضواءها على الصحف العربية واللبنانية: موافقة امريكية لسوريا في تدخل جيشها لحفظ الامن في لبنان. في صحيفة أخرى الاتحاد السوفيتي يفرض شروط على تدخل الجيش السوري في لبنان. في يوم أخر صحيفة لبنانية في صدر صفحتها الاولى الطائرات الاسرائيلية تغير على تل الزعتر وعلى جنوب لبنان." واشنطن، هنري كيسنجر في مكتبه بالطابق السابع لمبنى وزارة الخارجية الامريكية يتحدث لصحفي امريكي: الوضع في لبنان يشبه ما كان عليه في الاردن سنة 1970. كل ما يحتاج لمعالجته هو ان ترسل سوريا لواء من قواتها." صحيفة عربية أخرى في اول صفحة من صفحاتها؛ مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية ينعقد لمناقشة الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وعلى الفلسطينيين في تل الزعتر تمهيدا لمؤتمر الرؤساء العرب.. الكاتب شرف وهو يتجول في احياء بيروت القديمة، بيوتها عثمانية البناء والطراز وهو يتأمل هذه البيوت وواجهاتها مأخوذا بها وبالتاريخ الذي تحكيه هذه البيوت؛ يفجأ بسيارة تقف الى جانبه وينزل منها اثنان من المسلحين، يدفعونه، على الرغم منه الى داخل السيارة مع تغطية عينيه. في داخله يتأكد من ان هؤلاء قد اختطفوه. يترك في قاعة لا شبابيك فيها فقط كوة صغيرة جدا في اعلى الجدار قريبا من السقف. لا طعام لا ماء لنهار كامل وليلة كاملة هي الأخرى. اخيرا يطلق سراحه بواسطة المكتب الثاني التابع للمخابرات اللبنانية عبر واسطة انطوانيت وشبكة علاقاتها. مسؤول المكتب وهو برتبة عميد يسأله عن كارلوس الارهابي. لم يجب لأنه لايعرف شيئا عنه. في هذا المقطع من الرواية يسرد الكاتب شبكة العلاقات بين الاحزاب والفصائل المسلحة وبين السلطة اللبنانية من خلال عمل مخابراتها التي هي جزء من هذا الاشتباك بين الجميع خارج مصلحة لبنان وايضا هي خارج مصلحة فلسطين وكل الاوطان العربية بل هي بالضد من هذا كله. في القسم ما قبل الأخير من الفلم الوثائقي تدور الكامرة حول مخيم تل الزعتر.. معارك طاحنة بين الفلسطينيين، المقاومة الفلسطينية، منظمة فتح، وبين عناصر مسلحة أخرى لتنظيمات مناوئة لها مدعومة من سوريا الاسد، منظمة الصاعقة، الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يدعوا المجاهدين على الصمود والمقاومة وعدم تسليم السلاح والمخيم. الجيش السوري يطوق المخيم فيما الفصائل المسلحة التي تمثله، النظام السوري، منظمة الصاعقة، وبمعاونة الحكومة اللبنانية؛ تدخل المخيم. ترتكب جرائم بحق المقاومة الفلسطينية، منظمة فتح. قبل هذا تستظهر الكامرة عملية حصار مخيم تل الزعتر وكيف ان الناس، كبار السن والنساء والاطفال يبحثون عن المياه في كل مكان من المخيم، ويبحثون عن الطعام بسبب الحصار القاسي عليهم من الجيش اللبناني والسوري. صورة أخرى ترصدها الكامرة.. طائرات الكيان الاسرائيلي وهي تقصف قصفا شديدا مخيم تل الزعتر وجنوب لبنان. صراخ وعويل في جميع امكنة تل الزعتر. تمتلىء ارض تل الزعتر بالشهداء من المقاومة الفلسطينية ومن الاطفال والنساء وكبار السن. " العنوان الرئيسي لصحيفة السفير: الامام الصدر يعلن ولادة افواج المقاومة اللبنانية، أمل، منظمة أمل؛ للدفاع عن الجنوب،.. قصر الرئاسة في بيروت، جانب من اجتماع في بيروت، زهير محسن قائد منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا في قميص حريري ملون وبنطلون ابيض، يحمل في يده غليونا فاخرا، ابو الحسن مسؤول امن فتح، ياسر عبد ربه من قادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، العقيد انطون الدحداح، مدير الأمن العام اللبناني. عنوان: تم الاتفاق على وقف اطلاق النار، لكن الكتائب فجرت الموقف في زحلة. قصف اسرائيلي لمدينة صور من البحر والبر والجو. درج مبنى فخم، مسلحون يحملون سجاجيد فارسية، مدخل مسكن، ويبدو الاثاث ال الوثير محطما الى قطع صغيرة. عنوان رئيسي لصحيفة ثالثة: لجنة ارتباط من خبراء مدنيين وعسكريين يمثلون حلف الاطلنطي، تعمل في غرفة عمليات وزارة الدفاع اللبنانية. مدينة طرابلس، مؤتمر صحفي في مستشفى المدينة العام يعقده النقيب الاسكندر نقولا معلوف يقول للصحفيين: لقد انتدبت في مهمة من جول بستاني، رئيس المكتب الثاني، مع ضباط اخرين، لإلقاء القنابل في اماكن متفرقة من طرابلس من اجل اشعال الفتنة." ظل القسم الأخير من الفلم يقول شرف الكاتب لها، لأنطوانيت لاحاجة لمشاهدته؛ سوف اسلمك التعليق خلال ثلاثة ايام. لكنه في النهاية يشاهده بسرعة بعد ملحتها عليه. في اليوم التالي يتصل بمايا زوجة صديقه عدنان الصائغ يستفسر منها حول نشر مخطوطة روايته. توجه له دعوة بزيارتها في مكتبها. يدور بينهما الحوار التالي:-

- لم أكمل لك ما قاله عدنان، أنه مستعد للمغامرة من أجلك، بسبب الوعد الذي أعطاه لك، ولكن في هذه الحالة يجب ان تتنازل له عن كافة حقوقك.

- هذا كل شيء؟

- لا، هناك فكرة أخرى. توجد شركة سويسرية مهتمة بنشر الكتاب.

- باللغة العربية؟

- طبعا.

- لم اكن اعرف ان السويسريين يقرءون العربية.

- لا يا عبيط، أستخدم مخك. قلت لبنان

- قالت: لبنان ليس مركزا للتوزيع، أنه مركز للإنتاج وحسب.

- تساءلت في حيرة: اين؟

-  لم اكن اظن انك بهذا الغباء. اسرائيل طبعا. هناك اكثر من مليون وربع المليون فلسطيني يتعطشون لقراءة كلمة باللغة العربية.

اشعلت سيجارة جديدة، ولاحظت ان يدي ثابتة.

استطردت: اكتب لنا تفويضا، ونحن نتلوى الأمر كله، ستحصل على عائد مجزِ. في الإمكان ان تأخذ جانبا منه قبل سفرك.

رفعت حاجبا وسألت: نقدا ام عينا؟

دفعتني في صدري وقالت: انت سيء. لاتستحق المعروف.

يشد شرف الكاتب العربي المصري على عزمه على السفر الى القاهرة، بعد ان ابتاع تذكرة سفر بالطائرة الى مصر وهو يجر ذيول الخيبة والخسران.." بحثت عن علبة السجائر، فوجدتها على الأرض الى جوار المقعد. اشعلت سيجارة بأصابع مرتعشة وعدت الى مقعدي. دخنت السيجارة حتى نهايتها، وطفأتها في المنفضة، ثم مضيت الى غرفتي، فحملت حقيبة يدي وحقيبة السفر الى الصالة. وتناولت المظروف الذي يضم مخطوطتي، فأعدته الى الجيب السري بحقيبة السفر." الرواية من اصدارات مؤسسة هنداوي. تقع الرواية في 220صفحة من القطع الصغير؛ بحروف صغيرة جدا.

***

مزهر جبر الساعدي

ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات

ان المسافة بين التعبيرية والرؤيوية في الشعر قد يتصورها البعض مجرد فارق تقني. والحقيقة غير ذلك بشاكلة جذرية. فالتعبيرية مهما تألقت فهي بشكل او بآخر انعكاس للواقع بموهبة ووجهة نظر شعريتين لتصوير الحياة بعينها كما يراها المصور من الخارج والداخل بنحو منفرد او مجتمع..

اما الرؤيوية الشعرية فهي واقع لغوي معادل او موازن يهب الحياة وعالمها مثيلهما الجمالي الضروري مشكلا ازاءهما دلالتين خلاقتين الاولى راهنة تستثمر الوعي الابتداعي مجالا زمكانيا للخلق الفني. والثانية مستقبلية تغير التاريخ النمطي المتوالي الى تاريخ متداخل لا يستغني عن النص الشعري لكونه حادثا في الشعر ومن غير الممكن ان يحدث خارجه معرفيا مما يجعل النص الرؤيوي مجالا للتاريخ الاخر وصيغة من صيغه المتحققة كذلك.

ولم تتريث الشاعرة العراقية المبدعة السيدة رجاء الغانمي او تتردد في تشكيل مجال الرؤيا الابداعية التحويلي لهذا النص المتميز فهي كما اتصور قد اتخذت قرارا ذاتيا " عميقا "، مطبوعا غير مصنوع، في ان يكون خطابها هذا رؤيوياً. وهي تعي بمطبوعيتها الخالصة ان هذا سيكون قرارا شعريا مصيريا فالنتاج من الجائز ان يتبلور فريدا او ان يخبو مستنسخا. فلا توجد ارض " تتوسط " التحولات الرؤيوية مثل التعبيرية. اما الابتداع او الاتباع والتقليد المدرسيين. الا ان الشاعرة المجتهدة اختارت التميز ونجحت بامتياز.

فسلكت مذهب (تدجين الغرابة) المدرسية على حد تعبير "ادونيس" حيث ينشأ " الكلام " الشعري في حجر الغرابة ذاتها ويؤول او يصير اليها غرائبيا كذلك:

كي انقاد اليك

على القمح ان ينمو علىٰ خاصرتي

كما اشتعال المواقد..!

*

أنا لا أرى

عظمك، جلدك

ودمك المطلي بتقلبات مزاجك..!

وللحدث الشعري في الجهتين بعد اعتباري غرائبي كذلك فالنشأة الغرائبية تشي بالصيرورة الغرائبية، الاسطورية هنا، والعكس مثله كليا:

خاتمك الفضي

حين ابتلعه البحر

لم اجده في جوف سمكة..!

*

ما بيني وبينك سعة عالمين

ما قبل الوراء واحد

ما بعد الامام آخر..!

(لاحظ اللهجة الغرائبية الاسطورية المشتركة)

كما تأخذ الرؤيا الغرائبية نوعا من التشكل الفريد، غير المسبوق برأيي، لدى الشاعرة بين الواقع اللغوي ووعيه الرؤيوي فيتداخل الترميز مذهبا واقعيا والوعي يتألف سورياليا فوق الواقع. ومغايرا كذلك فيظهر الرمز وعيا والسوريالية واقعا. في اشتباك ابداعي اعتباره ناجز في صعيد المداخلة بين الرؤيا والحقيقة معاً:

لم اقل:

عالم مضىٰ

وعالم آت...!

*

فما بين الحروف تأويل

وثمة صدفة..!

فايهما الحقيقة وايهما الرؤيا.. التأويل ام الصدفة فنيا؟

ام هما يتبادلان الادوار؟

والاشكالية الخلاقة التي تسوقها الشاعرة تبقي ابواب السؤال مشرعة. ولا غرو فالفلسفة تزحف باتجاه المفاضلة بين الخطأ والصواب في الاجوبة. والشعر عكسها ينزاح مكتشفا صائرا في جماليات التساؤلات المفتوحة. ولا تتوانىٰ الشاعرة في تشييد تكوين كهذا غير قابل للانغلاق مطلقا. سيما انها تجد ذاتها طليقة ايضا ترى وتسمع في المالانهايات قبل الاتجاهات وبعدها حيث يتولىٰ الشعر مهمة ومسؤولية اعادة ايجاد وتشكل قيامة اللحظة الكونية المعرفية.

نحوك

تقرر الصدفة وجهتها

لم اقل انني جزء من المهمة..

*

أين الطريق؟

الصحو مخيم على عيني.

*

ولقد كان للايقاع حضوره الخاص الموثر في النص فالشاعرة ببراعة تلقائية تامة وفقت في تمييز مواقيت موسيقية تفصح عن عناصر الخلق السوريالية والرمزية في آن.

١. سورياليا:

على القمح ان ينمو على خاصرتي

عللقم / ح أن ين / مو على / خاصرتي

فعولن / فعولن - فاعلن / مستعلن

٢. رمزيا:

خاتمك الفضيُّ حين ابتلعه البحر

خاتمكل / فضييحي / نبتل / عهلبحرو - اشباع

مستعلن / مستفعلن - فاعل / مفاعيلن

لم اجده في جوف سمكة

لم اجد / هفيجو / فسمكهْ

فاعلن / فعولن / متعلن

مما يكرس، خلال مجهود الشاعرة البارعة بنظري، ان مصطلح " قصيدة النثر " بات غير قادر على تجشم اعباء نماذجه، بجواز التعبير، المتألقة التي تبلور الاسلوبية الابتداعية الايقاعية القافزة عاليا على النسج النثري المتداول غالبا بهيئات نماذج سميكة نثرية مقالية احيانا كثيرة متثاقلة غير حيوية..

مع التثمين والثناء

الأديب ابو محمد الصفار

....................

ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات

نحوكَ تُقرِّرُ الصدفةُ وجهتَها.

لم أقلْ إنني جزءٌ من المهمة،

كي أنقادَ إليكَ،

على القمحِ أن ينمو على خاصرتي،

 كما اشتعالِ المواقد.

خجلًا من صبيةٍ صغارٍ،

 تذوبُ روحي،

 فأُلملمُ أطرافَها، وأقول:

 أين الطريق؟

الصحوُ مُخيِّمٌ على عيني،

وأنا لا أرى:

عظمَكَ، جلدَكَ،

 ودمَكَ المطليَّ بتقلباتِ مزاجِكَ،

 وحتى خاتمَكَ الفضيَّ، حين ابتلعه البحر،

لم أجده في جوفِ سمكة.

ما بيني وبينكَ سعةُ عالمين،

 ما قبلَ الوراءِ واحدٌ،

وما بعدَ الأمامِ آخرُ.

لم أقل:

 عالمٌ مضى،

 وعالمٌ آتٍ،

يوخزُ الحنينُ بإبرةِ وجعٍ.

فما بين الحروفِ تأويلٌ

وثمّةَ صدفة.

***

 رجاء الغانمي - العراق

يُعَدُّ الأدب المُسندي أحد أقدم الشواهد الحضارية واللغوية في جزيرة العرب، وهو الأدب الذي دوّنته الممالك العربية الجنوبية القديمة؛ كسبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير، بخطِّ المسند الذي ازدهر قرابة ألف عام قبل الإسلام واستمر استعماله حتى القرون الميلادية الأولى. ولا تقتصر أهمية هذا الأدب على قيمته التاريخية والحضارية، بل تمتد إلى كونه مصدراً أصيلاً لفهم الجذور العميقة للغة العربية، والكشف عن تطور بنياتها النحوية والدلالية والصوتية، مما جعله مادةً لا غنى عنها لفقه اللغة العربية والدراسات المقارنة.

الأدب المسندي: ذاكرة العرب الجنوبية

الأدب المسندي هو مجموع النصوص التي وصلتنا منقوشة على الأحجار والمعادن والأخشاب، وتشمل نصوصاً ملكية ودينية وتشريعية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن نصوص ذات طابع بلاغي وأدبي. وقد كُتبت هذه النصوص بلغات عربية جنوبية قديمة تنتمي إلى الأسرة السامية، أبرزها السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية.

وعلى الرغم من أن أغلب ما وصل إلينا ليس شعراً موزوناً بالمعنى المعروف في الأدب العربي اللاحق، فإن تلك النقوش تكشف عن نزعة أدبية واضحة تتمثل في حسن السبك، والإيجاز المكثف، والتوازي التركيبي، والعبارات الاحتفالية ذات الإيقاع اللفظي المتميز.

الأدب المسندي وفقه اللغة العربية

يُعنى فقه اللغة بدراسة اللغة في تاريخها وتطورها وعلاقاتها وأصول ألفاظها، ومن هنا تأتي القيمة الكبرى للأدب المسندي.

فقد أثبتت النقوش المسندية أن العربية الفصحى لم تظهر فجأة، وإنما سبقتها مراحل لغوية متعددة داخل البيئة العربية نفسها. وقد ساعدت النصوص المسندية الباحثين على فهم أصول كثير من المفردات العربية، والكشف عن تطورها الدلالي عبر العصور. ومن أبرز الجوانب التي أسهم فيها الأدب المسندي:

أولاً: دراسة الجذور اللغوية

تكشف النقوش عن جذور لغوية ما تزال حية في العربية الفصحى، مثل جذور تدل على الملك والزراعة والتجارة والحرب والعبادة، مما يؤكد وحدة الأصل الحضاري واللغوي بين عرب الجنوب وعرب الشمال.

ثانياً: تطور المعنى

تُظهر النصوص المسندية كيف انتقلت بعض الألفاظ من معانٍ مادية محددة إلى معانٍ مجردة أوسع، وهو ما يساعد على فهم المسار التاريخي للمعجم العربي.

ثالثاً: الظواهر الصوتية

أتاحت دراسة اللغات المسندية فهماً أعمق لظواهر الإبدال والإعلال والتقارب الصوتي بين اللهجات العربية القديمة، مما أسهم في تفسير كثير من الظواهر التي عالجها علماء العربية لاحقاً.

الأدب المسندي والنحو العربي

لم يكن النحو العربي الذي دوّنه علماء البصرة والكوفة معزولاً عن التاريخ اللغوي السابق، بل جاء ثمرةً لتراكم طويل من الاستعمالات اللغوية العربية.

وتكشف النصوص المسندية عن عدد من الظواهر النحوية المهمة:

أدوات التعريف

من أشهر خصائص بعض اللغات المسندية استعمال النون أو الهاء والنون في التعريف، بدلاً من (أل) المعروفة في العربية الفصحى. وتُعد هذه الظاهرة من أهم الشواهد على تطور أدوات التعريف في اللغات العربية القديمة.

الضمائر

قدمت النقوش نماذج متعددة للضمائر المتصلة والمنفصلة، تساعد في تتبع تطور النظام الضميري العربي عبر العصور.

الإضافة

أظهرت النصوص أن نظام الإضافة كان مستقراً منذ أزمنة مبكرة، وهو ما يعكس قِدَم هذا البناء النحوي في العربية.

ترتيب الجملة

تدل النقوش على وجود أنماط متنوعة من الجمل الاسمية والفعلية، بما يقارب كثيراً من التراكيب المعروفة في العربية الفصحى.

الأدب المسندي والأدب العربي

تمثل العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي علاقة جذورٍ وامتداد، لا علاقة انفصال أو قطيعة. فالمناخ الثقافي الذي أنتج النقوش المسندية هو جزء من البيئة العربية الكبرى التي ازدهر فيها الشعر الجاهلي ثم الأدب الإسلامي.

وقد ورث الأدب العربي اللاحق كثيراً من السمات التي عرفتها الحضارات الجنوبية القديمة، ومنها:

الفخر الحضاري

يتجلى الاعتزاز بالملك والعمران والبطولات في النقوش المسندية، ثم يظهر بصورة أكثر نضجاً في الشعر الجاهلي وشعر الفخر الإسلامي.

وصف الطبيعة

عرفت النقوش اليمنية القديمة أوصافاً للجبال والوديان والسدود والكروم والحقول، وهي موضوعات وجدت طريقها إلى الشعر العربي في مختلف عصوره.

النزعة البلاغية

يظهر في النقوش استعمال التكرار والتوازي والتوكيد، وهي وسائل بلاغية أصبحت فيما بعد من أبرز أدوات التعبير في الأدب العربي.

الأدب المسندي والشعر العربي اللاحق

رغم ضياع معظم الشعر المدوَّن بالمسند، فإن تأثير البيئة الثقافية الجنوبية ظل واضحاً في شعر كثير من الأدباء اليمنيين والعرب، ولا سيما في أشعار الفخر بالأنساب والحديث عن سبأ وحمير والتبابعة.

وقد حافظ شعراء اليمن عبر العصور على شعور عميق بالانتماء إلى الإرث السبئي والحميري، فظل هذا الميراث حاضراً في أشعارهم التاريخية والقومية واللغوية.

كما أن الاهتمام بالنسب واللغة وأصول العرب، الذي نجده عند علماء اليمن وأدبائها، يُعَدُّ امتداداً فكرياً لذلك التراث القديم الذي حفظته النقوش المسندية.

قيمة الأدب المسندي في الدراسات الحديثة

لقد أصبح الأدب المسندي اليوم أحد أهم المفاتيح لفهم تاريخ العربية. فكل نقش جديد يُكتشف يضيف لبنةً جديدة إلى صرح المعرفة اللغوية، ويساعد الباحثين على إعادة رسم خريطة تطور العربية قبل الإسلام.

ولذلك فإن دراسة الأدب المسندي لم تعد شأناً تاريخياً محضاً، بل أصبحت جزءاً من علوم اللغة والنحو واللسانيات المقارنة، ومن أهم الوسائل لفهم البنية العميقة للعربية وأصولها الحضارية.

خاتمة

إن الأدب المسندي ليس تراثاً محلياً يخص جنوب الجزيرة العربية وحده، بل هو فصلٌ مبكر من السيرة الكبرى للغة العربية. ففي نصوصه تتجلى الجذور الأولى لكثير من الظواهر اللغوية والنحوية والبلاغية التي ازدهرت لاحقاً في العربية الفصحى. ومن ثم فإن العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي هي علاقة الأصل بالامتداد، والجذر بالغصن، والماضي بالحاضر؛ إذ أسهمت نقوش المسند في حفظ جزء مهم من الذاكرة اللغوية للعرب، وأمدّت فقه اللغة والنحو العربي بمادة علمية ثمينة لا تزال تكشف عن أسرارها يوماً بعد يوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في العالم الشعري لأدونيس

مقدمة الدراسة: يشكل الشعر، في مختلف تجلياته التاريخية والحضارية، أحد أكثر الخطابات الإنسانية قدرة على مساءلة الوجود وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. وإذا كانت اللغة العادية تُستعمل من أجل التواصل ونقل المعنى المباشر، فإن اللغة الشعرية تنزع إلى تجاوز وظيفتها المرجعية لتتحول إلى فضاء للإيحاء والكشف وإنتاج الدلالات الممكنة. ومن هنا ارتبط الشعر منذ نشأته بفكرة الانفلات من المألوف، والخروج من أنظمة التعبير الجاهزة، والسعي إلى تشييد عالم بديل تتداخل فيه الرؤيا بالخيال، والتجربة الفردية بالوعي الجمعي، والواقع بالممكن.

وقد شهد الشعر العربي الحديث تحولات عميقة مست بنيته الفنية ومرجعياته الفكرية والجمالية، خاصة منذ منتصف القرن العشرين، حين بدأت القصيدة العربية الحديثة تبحث عن أفق جديد يتجاوز النموذج البلاغي التقليدي، وينفتح على منجزات الحداثة الشعرية العالمية. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الأشكال والأوزان أو في التقنيات التعبيرية، بل كان في جوهره تحولًا في الرؤية إلى الشعر نفسه؛ إذ أصبحت القصيدة مجالًا للتفكير في الإنسان والتاريخ والهوية والحرية، ومجالًا لإعادة إنتاج العالم عبر اللغة.

وفي سياق هذا التحول الحداثي برز الشاعر والمفكر العربي الكبير أدونيس بوصفه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في إعادة صياغة مفهوم الشعر العربي المعاصر. فقد استطاع أن يؤسس مشروعًا شعريًا وفكريًا متكاملًا يقوم على مساءلة التراث، وإعادة النظر في العلاقة بين اللغة والواقع، وبين الشعر والمعرفة، وبين الإبداع والتاريخ. ولذلك لا تبدو تجربة أدونيس مجرد تجربة شعرية فردية، وإنما مشروعًا ثقافيًا واسعًا يسعى إلى تفكيك البنى الجامدة وإعادة بناء الرؤية إلى الإنسان والعالم.

وتنبع فرادة التجربة الأدونيسية من قدرتها على الجمع بين العمق الفكري والكثافة الجمالية، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتجاور فيه الأسطورة والتاريخ والفلسفة والرمز والرؤيا. فاللغة الشعرية عنده لا تنقل الواقع كما هو، وإنما تعيد خلقه داخل نظام دلالي جديد تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والهويات والصور والأساطير. ومن ثم يصبح النص الشعري مجالًا لإنتاج المعرفة بقدر ما هو مجال لإنتاج الجمال.

ويُعد مفهوم الانزياح من أهم المفاهيم التي تساعد على فهم خصوصية العالم الشعري الأدونيسي؛ لأن اللغة في شعره لا تخضع لقوانين الاستعمال المألوف، بل تنزع باستمرار إلى خرق العادة اللغوية وإعادة تشكيل العلاقات بين الكلمات والأشياء. ومن خلال هذا الانزياح تتولد الدهشة الشعرية، وتتعدد مستويات المعنى، ويتحول النص إلى بنية مفتوحة على احتمالات تأويلية لا نهائية.

وإذا كان الانزياح يمثل الآلية الجمالية التي تنتج شعرية النص، فإن المتخيل الرمزي والأسطوري يمثل البنية العميقة التي تنتظم داخلها الرؤيا الشعرية. فالرمز في شعر أدونيس لا يؤدي وظيفة زخرفية أو تزيينية، بل يتحول إلى أداة معرفية وجمالية تسمح بإعادة قراءة الواقع والتاريخ والإنسان. كما أن الأسطورة لا تُستدعى بوصفها حكاية ماضية، وإنما بوصفها نظامًا دلاليًا قادرًا على إعادة إنتاج المعنى وتجاوز حدود الزمن التاريخي.

ومن هنا يتخذ المتخيل الرمزي والأسطوري مكانة مركزية في العالم الشعري لأدونيس، حيث تتردد شخصيات وأساطير ورموز تنتمي إلى حضارات وثقافات متعددة، لتصبح عناصر فاعلة في بناء رؤية شعرية تتجاوز المحلي نحو الإنساني والكوني. فالأسطورة عنده ليست استعادة للماضي، بل وسيلة لتأويل الحاضر واستشراف المستقبل، والرمز ليس بديلاً عن الواقع، بل طريقة أخرى للكشف عن أبعاده العميقة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي يتداخل بها الانزياح مع الرمز والأسطورة في بناء العالم الشعري لأدونيس، وإلى بيان الوظائف الجمالية والفكرية التي يؤديها هذا التداخل داخل النص الشعري، بما يسمح بفهم أعمق لخصوصية التجربة الأدونيسية ومكانتها في مسار الحداثة الشعرية العربية.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية المركزية الآتية:

كيف يسهم الانزياح الشعري في بناء المتخيل الرمزي والأسطوري داخل العالم الشعري لأدونيس، وما الأبعاد الجمالية والفكرية التي يكتسبها هذا المتخيل في تشكيل رؤيته للإنسان والتاريخ والوجود؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود بشعرية الانزياح في التجربة الأدونيسية؟

كيف تتحول اللغة الشعرية عند أدونيس إلى فضاء لإنتاج الدلالة؟

ما طبيعة المتخيل الرمزي الذي يؤسس عالمه الشعري؟

كيف يوظف الشاعر الأسطورة في بناء رؤيته الشعرية؟

ما العلاقة بين الرمز والأسطورة والانزياح؟

كيف تسهم هذه العناصر في منح النص الشعري بعده الكوني؟

إلى أي حد يمكن اعتبار شعر أدونيس مشروعًا معرفيًا وجماليًا في آن واحد؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى:

الكشف عن مفهوم الانزياح وتجلياته الأسلوبية والدلالية في شعر أدونيس.

دراسة البنية الرمزية وآليات تشكلها داخل النص الشعري.

تحليل حضور الأسطورة ووظائفها الجمالية والفكرية.

إبراز العلاقة بين الرمز والأسطورة والانزياح في إنتاج الرؤيا الشعرية.

استجلاء ملامح العالم الشعري الذي يشيده أدونيس من خلال اللغة والمتخيل.

بيان البعد الفلسفي والوجودي في التجربة الأدونيسية.

إبراز إسهام أدونيس في تطوير الشعرية العربية الحديثة.

الكشف عن الطابع الكوني والإنساني الذي يميز مشروعه الشعري.

أولاً: شعرية الانزياح وتحول اللغة إلى أفق للرؤيا:

يشكل الانزياح أحد أهم الأسس الجمالية التي قامت عليها الحداثة الشعرية العربية، لأنه يمثل لحظة خروج اللغة من دائرة التداول اليومي إلى فضاء الإبداع والتخييل. وإذا كانت اللغة العادية تقوم على مبدأ الإبلاغ والتواصل، فإن اللغة الشعرية تؤسس مشروعها على مبدأ الاختراق وإعادة تشكيل العلاقات المألوفة بين الكلمات والأشياء. ومن هذا المنطلق لا يصبح الانزياح مجرد تقنية أسلوبية أو زخرف بلاغي، بل يتحول إلى رؤية للعالم وطريقة خاصة في إدراك الوجود.

وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في تجربة أدونيس الشعرية، حيث لا تعمل اللغة بوصفها مرآة للواقع، بل بوصفها قوة خالقة تعيد إنتاجه وفق نظام دلالي جديد. فالقصيدة الأدونيسية لا تقدم الأشياء في صورتها المباشرة، وإنما تعيد تركيبها داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل المعنى متحركاً ومتجدداً باستمرار. ولهذا يغدو الانزياح في شعره فعلاً معرفياً يوازي فعل الكتابة نفسه، لأنه يسمح للشاعر باكتشاف ما هو خفي وراء الظواهر والأشكال.

ويظهر ذلك منذ العتبة الأولى لديوان المطابقات والأوائل، حيث يختار الشاعر عنواناً يقوم على مفارقة دلالية بين مفهومين مختلفين ظاهرياً ومتكاملين في العمق. فـ"المطابقات" تحيل إلى التشابه والعلاقات الخفية بين الأشياء، بينما تشير "الأوائل" إلى الأصل والبداية والمنبع الأول للوجود. ومن خلال الجمع بين المفهومين يخلق الشاعر فضاءً تأويلياً مفتوحاً يجعل القارئ منذ البداية أمام عالم شعري لا يقوم على اليقين، بل على السؤال والكشف وإعادة القراءة.

إن الانزياح هنا لا يقتصر على مستوى المفردة، وإنما يشمل بنية الرؤية بأكملها. فالأرض ليست أرضاً بالمعنى الواقعي المباشر، بل تصبح رمزاً للخصوبة والانبعاث والتاريخ. والبحر لا يمثل فضاءً جغرافياً، بل يتحول إلى صورة للتيه والبحث الوجودي. أما المدن والأمكنة فتغدو علامات ثقافية وحضارية تختزن الذاكرة الجمعية للإنسان.

ومن ثم فإن اللغة الأدونيسية لا تصف العالم، بل تعيد خلقه. إنها لغة تحاول أن تجعل المستحيل ممكناً، وأن تمنح الأشياء أسماء جديدة، وأن تفتح أمام الكلمات آفاقاً غير مسبوقة من الدلالة. ولهذا السبب تبدو القصيدة الأدونيسية وكأنها مشروع دائم لتجاوز الحدود المرسومة بين الواقع والحلم، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذات والعالم.

إن هذا الطابع الانزياحي للغة هو الذي يمنح النص الأدونيسي كثافته الجمالية وقدرته على إنتاج التأويل. فالمعنى لا يقدم جاهزاً للقارئ، وإنما يولد من تفاعل العلامات والصور والرموز داخل النص. ومن هنا تتحول القراءة إلى فعل اكتشاف مستمر، ويتحول النص إلى بنية مفتوحة لا تستنفدها قراءة واحدة.

ثانياً: المتخيل الرمزي وبناء العالم الشعري:

إذا كان الانزياح يمثل الآلية الجمالية التي تؤسس خصوصية الخطاب الشعري عند أدونيس، فإن الرمز يمثل البنية العميقة التي تنتظم داخلها رؤيته للعالم. فالرمز في تجربته ليس مجرد وسيلة للتعبير غير المباشر، بل هو أداة معرفية وجمالية تتيح للقصيدة أن تتجاوز حدود اللحظة الآنية نحو أفق إنساني وكوني أكثر اتساعاً.

ويكتسب الرمز أهميته داخل المشروع الأدونيسي من قدرته على الجمع بين مستويات متعددة من المعنى في آن واحد. فالصورة الشعرية الواحدة قد تحيل إلى التاريخ والأسطورة والواقع والتجربة الذاتية في الوقت نفسه. ولهذا يصبح الرمز مركزاً تتقاطع داخله مختلف الدلالات الممكنة.

وفي قصيدة "ثمود" تتجلى هذه الوظيفة الرمزية بوضوح. فالشاعر لا يستحضر قبيلة ثمود باعتبارها حدثاً تاريخياً منتهياً، وإنما يحولها إلى رمز حضاري يعبر عن أوضاع إنسانية متكررة في التاريخ. إن ثمود تتحول في النص إلى صورة للمجتمع الذي يرفض التغيير ويقاوم النور ويختار البقاء داخل دائرة الجمود والانغلاق.

ومن خلال هذا التحويل الرمزي يغادر النص حدود التاريخ ليصبح معبراً عن وضع إنساني عام. فالمقصود ليس القبيلة في ذاتها، بل كل واقع يعيد إنتاج شروط السقوط والانهيار. وهكذا تتجاوز القصيدة وظيفتها السردية لتصبح أداة للتأمل الحضاري والفلسفي.

كما يبرز الرمز في صورة الأرض التي تتكرر في الديوان بوصفها كائناً حياً قادراً على المعاناة والانبعاث. فالأرض عند أدونيس ليست فضاءً جغرافياً محايداً، وإنما ذات رمزية كبرى تتقاطع فيها معاني الوطن والتاريخ والخصوبة والحياة. ولذلك يوجه إليها الشاعر خطابه وكأنها كائن أسطوري قادر على الإصغاء والاستجابة.

ويكشف هذا الحضور المكثف للرمز عن طبيعة المشروع الشعري عند أدونيس، فهو مشروع يسعى إلى تجاوز المباشر واليومي والعابر من أجل بناء عالم دلالي غني ومفتوح. ومن هنا يصبح الرمز أداة لتوسيع أفق المعنى، كما يصبح وسيلة لتحرير النص من أحادية القراءة ومن سلطة التفسير الواحد.

إن المتخيل الرمزي في شعر أدونيس لا ينفصل عن رؤيته للحداثة. فالحداثة عنده ليست مجرد تجديد شكلي، وإنما هي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. ولهذا يتحول الرمز إلى وسيلة للكشف عن المعاني العميقة المختبئة خلف الظواهر، وإلى أداة لتأسيس معرفة شعرية جديدة تتجاوز حدود العقل الأداتي والتفكير التقليدي.

ثالثاً: الأسطورة وبناء رؤيا الانبعاث:

تحتل الأسطورة مكانة مركزية في العالم الشعري لأدونيس، حتى يمكن القول إن جزءاً كبيراً من فرادة تجربته ينبع من قدرته على إعادة توظيف المادة الأسطورية داخل أفق حداثي جديد. غير أن الأسطورة في شعره لا تظهر بوصفها حكاية موروثة أو سردية جاهزة، بل تتحول إلى بنية فكرية ورمزية قادرة على إنتاج المعنى وتجديد الرؤية.

وتتخذ أسطورة الموت والانبعاث موقعاً خاصاً داخل هذا المشروع الشعري. فالموت لا يمثل نهاية الوجود، بل يصبح لحظة انتقال نحو ولادة جديدة. ولذلك تتكرر صور الاحتراق والخراب والسقوط لتقود في النهاية إلى صور النهوض والتجدد والانبعاث.

وتقترب هذه الرؤية من البنية الرمزية لأسطورة طائر الفينيق الذي يولد من رماده بعد الاحتراق. غير أن أدونيس لا يستعير الأسطورة بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل يعيد إنتاجها داخل سياق ثقافي وإنساني جديد. فالانبعاث هنا لا يتعلق بالفرد وحده، بل يمتد إلى التاريخ والحضارة واللغة والإنسان.

ومن خلال هذه الرؤية تصبح القصيدة نفسها فعلاً من أفعال الانبعاث. فالشاعر يواجه الخراب بالكلمة، ويواجه الموت بالخلق، ويواجه الصمت بإنتاج لغة جديدة. وهكذا تتحول الكتابة الشعرية إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية والحضارية.

إن حضور الأسطورة في شعر أدونيس يكشف عن وعي عميق بوظائفها الجمالية والمعرفية. فهي تمنح النص كثافة رمزية عالية، كما تسمح له بالانتقال من المستوى الفردي إلى المستوى الإنساني الشامل. ولهذا لا تبدو الأسطورة عنصراً خارجياً مضافاً إلى القصيدة، بل مكوناً عضوياً من مكونات رؤيتها للعالم.

رابعاً: جدلية الذات والكون في العالم الشعري لأدونيس:

تُعدُّ الذات الشاعرة إحدى القضايا المركزية في الشعر الحديث عامة، وفي تجربة أدونيس خاصة، غير أن هذه الذات لا تظهر بوصفها ذاتًا غنائية منغلقة على انفعالاتها الخاصة أو مشاعرها الفردية المحدودة، بل تتجاوز حدود الأنا الشخصية لتتحول إلى ذات رؤيوية تتماهى مع الإنسان في بعده الكوني. ولهذا فإن قراءة العالم الشعري لأدونيس تكشف عن حركة دائمة من الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الفردي إلى الإنساني، ومن اللحظة العابرة إلى الزمن الكوني المفتوح.

إن الذات في شعر أدونيس لا تكتفي بتسجيل التجربة، وإنما تسعى إلى إعادة تأويلها وإعادة بنائها. فهي ذات تتساءل أكثر مما تجيب، وتبحث أكثر مما تستقر، وتتحرك داخل فضاء من القلق الوجودي الذي يجعلها في حالة عبور دائم نحو آفاق جديدة من الرؤية والمعرفة. ولذلك كثيرًا ما تبدو القصيدة الأدونيسية رحلة متواصلة في أعماق الذات وفي أعماق العالم في آن واحد.

ويتجلى هذا البعد الكوني بوضوح في قصيدة «ثمود»، حيث يتحول الشاعر من مجرد راوٍ للأحداث إلى ذات تشارك في صناعة الرؤيا. فهو لا يقف خارج العالم الذي يصفه، بل ينخرط فيه بوصفه جزءًا من مأساته وأحلامه وأسئلته. ومن هنا تكتسب القصيدة بعدها الوجودي، لأن الشاعر لا يتحدث عن ثمود بوصفها قبيلة تاريخية فحسب، وإنما يتحدث عن مصير الإنسان في مواجهة الخراب والتكلس والموت.

وتؤكد صور الألم المنتشرة في الديوان هذا التحول من الذاتي إلى الكوني. فحين يقول الشاعر إن أحزانه ليست أحزانه وحده، وإنما هي جرح ينزف من تاريخ الإنسان، فإنه ينقل التجربة الشعرية من مستوى الاعتراف الفردي إلى مستوى التأمل الحضاري. فالألم هنا لم يعد ألم شخص بعينه، بل أصبح تعبيرًا عن معاناة الإنسان في صراعه الدائم مع الظلم والقهر والاغتراب.

ومن هذا المنطلق تتجاوز الذات الأدونيسية الحدود الجغرافية والثقافية الضيقة لتصبح ذاتًا عابرة للأزمنة والأمكنة. فهي تستحضر الأساطير القديمة كما تستحضر الحاضر، وتستدعي المدن التاريخية كما تستدعي المدن المعاصرة، وتتحاور مع الشخصيات التراثية كما تتحاور مع الإنسان الحديث. وبذلك تتحول القصيدة إلى فضاء تلتقي فيه مختلف التجارب الإنسانية داخل رؤية موحدة تتأسس على البحث عن الحرية والمعنى.

كما تتجلى هذه الكونية في حضور المكان داخل النصوص الشعرية. فالأمكنة عند أدونيس لا تُستحضر بوصفها مواقع جغرافية جامدة، بل بوصفها فضاءات رمزية تنطوي على أبعاد حضارية وثقافية وإنسانية. وحين يستحضر مدينتي مراكش وفاس، على سبيل المثال، فإنه لا يكتفي بوصف جمالهما أو تاريخهما، بل يحولهما إلى فضاءين للتأمل في الذاكرة والثقافة والتاريخ العربي.

إن الذات الشاعرة هنا تتحول إلى نقطة التقاء بين الفردي والجماعي، وبين الواقعي والأسطوري، وبين التاريخي والكوني. ولذلك فإن العالم الشعري الذي يبنيه أدونيس لا يقوم على مركزية الأنا بقدر ما يقوم على مركزية الإنسان بوصفه كائنًا باحثًا عن المعنى وسط عالم متغير ومضطرب.

خامساً: تفاعل الانزياح والرمز والأسطورة في بناء الرؤيا الشعرية

إذا كانت الدراسة قد بينت أن الانزياح يشكل البنية الجمالية الأساسية في شعر أدونيس، وأن الرمز والأسطورة يمثلان مكونين جوهريين في متخيله الشعري، فإن القيمة الحقيقية لتجربته تكمن في التفاعل العضوي بين هذه العناصر الثلاثة داخل بنية واحدة متماسكة. فليست هناك حدود فاصلة بين الانزياح والرمز والأسطورة في النص الأدونيسي، بل إن كل عنصر منها يغذي العنصر الآخر ويسهم في إنتاج الرؤيا الشعرية الكلية.

فالانزياح يحرر اللغة من معناها المباشر، ويمنحها القدرة على إنتاج الرموز. والرمز بدوره يوسع أفق الدلالة ويجعل النص قادرًا على استيعاب البنية الأسطورية. أما الأسطورة فتمنح الرمز عمقه الثقافي والإنساني، وتفتح أمامه إمكانات تأويلية جديدة. ومن خلال هذا التفاعل تتشكل خصوصية العالم الشعري الأدونيسي.

ويظهر هذا التداخل بوضوح في توظيف أسطورة الموت والانبعاث. فالأسطورة هنا لا تُقدَّم بصورتها التقليدية المعروفة، وإنما يعاد تشكيلها عبر لغة انزياحية كثيفة تجعلها رمزًا للتحول والتجدد. ومن ثم تتحول الأسطورة إلى أفق فكري وجمالي تتقاطع داخله قضايا الإنسان المعاصر مع الرموز الكونية الكبرى.

إن صورة الأرض المسبية التي تتكرر في بعض نصوص الديوان تقدم نموذجًا دالًا على هذا التفاعل. فالأرض تتحول بفعل الانزياح من دلالتها الواقعية إلى رمز للحياة المهددة والقوة الكامنة في آن واحد، ثم تكتسب من خلال البنية الأسطورية بعدًا يرتبط بفكرة الخصوبة والانبعاث. وهكذا تنتقل الصورة من مستوى الواقع إلى مستوى الرمز، ثم إلى مستوى الأسطورة، دون أن تفقد وحدتها الفنية.

كما أن حضور الشخصيات التاريخية والأسطورية داخل النصوص لا يهدف إلى استعادة الماضي أو تمجيده، بل إلى إعادة إنتاجه داخل سياق جديد. فالشخصية التراثية تتحول إلى قناع شعري، والقناع يتحول إلى رمز، والرمز يتحول إلى أداة للكشف عن قضايا الحاضر. ومن هنا تتجلى قدرة أدونيس على تحويل المادة التاريخية والأسطورية إلى طاقة شعرية معاصرة.

وتكشف هذه الآليات مجتمعة عن أن القصيدة الأدونيسية ليست نصًا مغلقًا، بل نص مفتوح على التأويل. فالمعنى لا يوجد في مستوى واحد، وإنما يتوزع بين طبقات متعددة تتداخل فيها الإحالات التاريخية والأسطورية والفلسفية والجمالية. ولهذا تظل قصائد أدونيس قابلة لإعادة القراءة من زوايا مختلفة، لأن بنيتها العميقة تقوم على مبدأ التعدد والانفتاح.

ومن جهة أخرى، يبرز هذا التفاعل بين الانزياح والرمز والأسطورة بوصفه تجسيدًا لرؤية أدونيس إلى الشعر نفسه. فالشعر عنده ليس وصفًا للعالم، بل إعادة خلق له. وليس نقلًا للحقيقة، بل إنتاجًا لحقائق جديدة. وليس انعكاسًا للواقع، بل محاولة لتجاوزه نحو أفق أكثر رحابة وحرية.

وبذلك يمكن القول إن العالم الشعري لأدونيس يقوم على مشروع جمالي وفكري متكامل يجعل من اللغة مجالًا للابتكار، ومن الرمز أداة للمعرفة، ومن الأسطورة أفقًا للرؤيا. ومن خلال هذا المشروع استطاع الشاعر أن يحقق واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة عمقًا وتأثيرًا، وأن يؤسس كتابة شعرية تتجاوز حدود الزمان والمكان لتدخل في حوار دائم مع الإنسان والوجود والتاريخ.

انتهت الدراسة إلى أن شعرية أدونيس لا يمكن فهمها من خلال عنصر منفرد، لأن فرادة تجربته تنبع من التفاعل الخلاق بين الانزياح والرمز والأسطورة والرؤيا. فالقصيدة عنده ليست بناءً لغويًا فحسب، وإنما مشروع معرفي وجمالي يسعى إلى إعادة التفكير في الإنسان والعالم. ومن ثم فإن المتخيل الرمزي والأسطوري لا يمثل مجرد تقنية فنية، بل يشكل جوهر الرؤية الشعرية التي قامت عليها تجربته الإبداعية برمتها.

خاتمة الدراسة

تكشف دراسة «شعرية الانزياح وبناء المتخيل الرمزي والأسطوري في العالم الشعري لأدونيس» عن تجربة شعرية وفكرية تُعد من أكثر التجارب الإبداعية عمقًا وتعقيدًا في مسار الحداثة الشعرية العربية. فشعر أدونيس لا يمكن اختزاله في كونه ممارسة لغوية أو بناءً جماليًا قائمًا على الصور والاستعارات فحسب، بل هو مشروع رؤيوي متكامل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين اللغة والوجود، وبين الشعر والمعرفة. ومن هنا تنبع أهمية هذه التجربة التي استطاعت أن تجعل من القصيدة فضاءً مفتوحًا للتفكير والتأويل وإعادة اكتشاف المعنى.

لقد بينت الدراسة أن الانزياح يشكل البنية الجوهرية التي تقوم عليها الكتابة الشعرية عند أدونيس، إذ تتحرر اللغة من وظائفها التواصلية المباشرة لتتحول إلى لغة كاشفة ومبدعة، قادرة على اختراق المألوف وإنتاج رؤى جديدة للعالم. فالانزياح في النص الأدونيسي لا يعمل بوصفه تقنية أسلوبية معزولة، وإنما بوصفه استراتيجية جمالية ومعرفية تسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين الكلمات والأشياء، وبين الدال والمدلول، وبين الواقع والمتخيل. ولذلك تبدو القصيدة الأدونيسية فضاءً تتحول فيه اللغة إلى كائن حي يواصل إنتاج الدلالة دون توقف.

كما أظهرت الدراسة أن المتخيل الرمزي يحتل موقعًا مركزيًا في بناء العالم الشعري لأدونيس. فالرمز لا يؤدي وظيفة زخرفية أو بلاغية محدودة، وإنما يتحول إلى أداة معرفية تسمح للشاعر بالنفاذ إلى المناطق العميقة من التجربة الإنسانية. ومن خلال شبكة واسعة من الرموز الكونية والتاريخية والثقافية، استطاع أدونيس أن يبني نصًا شعريًا متعدد الطبقات، منفتحًا على إمكانات تأويلية لا نهائية، وقادرًا على تجاوز حدود اللحظة التاريخية نحو أفق إنساني أشمل.

وأثبتت الدراسة كذلك أن الأسطورة تشكل إحدى الركائز الأساسية في المشروع الشعري الأدونيسي، غير أن الشاعر لا يستحضرها باعتبارها تراثًا حكائيًا جامدًا، بل بوصفها بنية دلالية حية قادرة على إنتاج المعنى وتجديد الرؤية. فالأسطورة تتحول في نصوصه إلى وسيلة لإعادة قراءة الحاضر وتأويل التاريخ واستشراف المستقبل. ولهذا لم تعد شخصيات الأساطير وأحداثها مجرد عناصر مستعارة من الماضي، وإنما أصبحت مكونات عضوية داخل البناء الشعري، تسهم في تشكيل الرؤية الكونية التي يحملها الشاعر.

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن أسطورة الموت والانبعاث تمثل المحور الرمزي الأعمق في تجربة أدونيس الشعرية. فالموت لا يظهر في نصوصه بوصفه نهاية أو فناءً، وإنما يتحول إلى شرط للولادة الجديدة، وإلى لحظة ضرورية للانتقال من حالة إلى أخرى. ومن هنا تتأسس رؤية الشاعر على مبدأ التحول الدائم والتجدد المستمر، وهو المبدأ الذي يحكم نظرته إلى الإنسان والتاريخ والحضارة واللغة في آن واحد.

كما كشفت الدراسة أن الذات الشعرية عند أدونيس لا تنغلق داخل حدود التجربة الفردية، بل تتجاوزها نحو أفق إنساني شامل. فالأنا الشعرية تتحول إلى ذات كونية تستوعب هموم الإنسان وأسئلته الوجودية ومخاوفه وآماله. ولهذا لا يصبح الألم ألمًا شخصيًا، بل يتحول إلى جرح إنساني عام، ولا يعود الحلم حلمًا ذاتيًا، بل يغدو حلمًا حضاريًا يسعى إلى إعادة بناء العالم على أسس جديدة من الحرية والإبداع والانفتاح.

وقد تبين من خلال تحليل النصوص أن العالم الشعري الذي يشيده أدونيس يقوم على جدلية مستمرة بين الماضي والمستقبل، وبين الواقع والحلم، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذات والكون. وهذه الجدلية هي التي تمنح قصيدته طابعها الديناميكي وقدرتها على مقاومة الجمود والانغلاق. فالشاعر لا يتعامل مع التراث بوصفه سلطة نهائية، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة والتأويل. كما أنه لا ينظر إلى الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، بل بوصفها فعلًا إبداعيًا يعيد بناء العلاقة مع التراث وفق منظور جديد.

وتؤكد نتائج الدراسة أن القيمة الحقيقية لتجربة أدونيس تكمن في نجاحها في تحقيق توازن نادر بين العمق الفكري والكثافة الجمالية. فالقصيدة عنده لا تضحي بالفكر لصالح الشعر، ولا بالشعر لصالح الفكر، وإنما تحقق اندماجًا عضويًا بينهما يجعل من النص فضاءً للرؤيا والجمال والمعرفة في الوقت نفسه. ولهذا استطاع أدونيس أن يرسخ حضوره بوصفه أحد أهم مجددي الشعر العربي الحديث، وأن يؤسس مشروعًا إبداعيًا ما يزال قادرًا على إثارة الأسئلة وإنتاج المعاني وفتح آفاق جديدة للقراءة والتأويل.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن شعرية الانزياح وبناء المتخيل الرمزي والأسطوري ليست مجرد مكونات فنية في شعر أدونيس، بل هي جوهر المشروع الشعري الذي أنجزه. فمن خلال الانزياح تحررت اللغة من حدودها التقليدية، ومن خلال الرمز اتسعت آفاق الدلالة، ومن خلال الأسطورة اكتسب النص عمقه الحضاري والإنساني. ونتيجة لهذا التفاعل الخلاق تشكل عالم شعري فريد استطاع أن يجعل من القصيدة العربية الحديثة فضاءً رحبًا للحوار بين الفكر والجمال، وبين الإنسان والكون، وبين الماضي والمستقبل.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج العلمية والنقدية، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أثبتت الدراسة أن الانزياح يمثل البنية الشعرية المركزية التي تقوم عليها الكتابة الأدونيسية.

 أن الانزياح في شعر أدونيس يتجاوز مستواه البلاغي ليصبح رؤية معرفية للعالم.

تبين أن المتخيل الرمزي يشكل أحد أهم المرتكزات الجمالية والفكرية في بناء النص الشعري الأدونيسي.

كما أثبتت الدراسة كذلك أن الرمز يؤدي دورًا أساسيًا في توسيع أفق الدلالة وإغناء عملية التأويل.

 أن الأسطورة تُوظف بوصفها بنية للرؤية الشعرية لا مجرد عنصر زخرفي أو تراثي.

بينت الدراسة أيضا أن أسطورة الموت والانبعاث تعد من أكثر الأساطير حضورًا وتأثيرًا في العالم الشعري لأدونيس.

 أن الشخصيات والأساطير المستحضرة في النصوص تتحول إلى أقنعة ورموز تعبر عن قضايا الإنسان المعاصر.

أظهرت الدراسة أيضا أن الذات الشعرية عند أدونيس ذات كونية تتجاوز حدود الفردية نحو أفق إنساني شامل.

تبين أن العالم الشعري الأدونيسي يقوم على مبدأ التحول الدائم والتجدد المستمر.

 أن العلاقة بين الشعر والفكر في تجربة أدونيس علاقة تكامل عضوي لا علاقة تناقض أو انفصال.

كشفت الدراسة عن الحضور القوي للأسئلة الوجودية والحضارية داخل النصوص الشعرية.

كما أكدت على أن الرمز والأسطورة والانزياح تتفاعل فيما بينها لتشكيل رؤية شعرية متكاملة.

 أن شعر أدونيس يمثل أحد أبرز النماذج الحداثية التي استطاعت تجديد الشعر العربي على المستويين الجمالي والفكري.

أن البعد الكوني في شعر أدونيس نابع من قدرته على تحويل التجربة المحلية إلى تجربة إنسانية شاملة.

أثبتت الدراسة أن مشروع أدونيس الشعري يشكل محاولة مستمرة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والتاريخ والوجود.

توصيات الدراسة

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

توسيع دائرة الدراسات الأكاديمية المتخصصة في شعر أدونيس من خلال الاستفادة من المناهج النقدية الحديثة.

تشجيع الدراسات السيميائية والتأويلية التي تتناول البنية الرمزية في شعر أدونيس.

تعميق البحث في حضور الأسطورة داخل الشعر العربي الحديث ومقارنتها بوظائفها في الآداب العالمية.

إنجاز دراسات مقارنة بين أدونيس وعدد من شعراء الحداثة العالمية مثل

T. S. Eliot وEzra Pound وOctavio Paz و Charles Baudelaire و Arthur Rimbaud و Renè Char و Stèphane Mallarmè.

دراسة العلاقة بين المتخيل الشعري والتحولات الحضارية في المشروع الأدونيسي.

الاهتمام ببحث حضور الفلسفة داخل شعر أدونيس وعلاقتها بالبنية الجمالية للنص.

تشجيع البحوث التي تتناول مفهوم الانبعاث والتحول في الشعر العربي المعاصر.

تطوير الدراسات التي تبحث في جدلية التراث والحداثة في التجربة الأدونيسية.

توسيع البحث في العلاقة بين الشعر والأنثروبولوجيا والأسطورة في الأدب العربي الحديث.

إعادة قراءة أعمال أدونيس الشعرية في ضوء التحولات الثقافية والفكرية الراهنة.

تعزيز الدراسات المقارنة بين شعر أدونيس والتجارب الشعرية المغاربية الحديثة.

تشجيع ترجمة الدراسات النقدية العربية حول أدونيس إلى اللغات العالمية لتعزيز حضور النقد العربي في الساحة الأكاديمية الدولية.

العمل على إدراج نماذج أكثر من شعر أدونيس ضمن المقررات الجامعية الخاصة بالشعر العربي الحديث.

فتح آفاق بحثية جديدة تتناول مفهوم المتخيل الشعري بوصفه مدخلًا لفهم التحولات الجمالية في الأدب العربي المعاصر.

بناء مشاريع نقدية عربية قادرة على استيعاب التجارب الشعرية المركبة التي تجمع بين العمق الفلسفي والكثافة الجمالية كما هو الحال في تجربة أدونيس.

***

بقلم: د. منير محقق

 كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

"ليلى والذئب" قصيدة للشاعر العراقي أجود مجبل. استلهم فيها قصة (ليلى والذئب) المشهورة، ليبني عليها قصةً شعريّةً مغايرةً.

قصة ليلى والذئب التراثية الكلاسيكية المعروفة، نُشِرت أول مرة عام 1698م للكاتب الفرنسي شارل بيرو، حكايةً عن الصراع بين الخير والشرِّ، وبين الغدر والطيبة، وبين الخداع والبراءة. ربما كان هدف المؤلف من كتابتها هو التنبيه وتحذير الناس، والأطفال خاصةً - لأنّها حكاية مكتوبة للأطفال في الأساس – وتحذيرَهم من الوقوع في خطر الغدر والخيانة، والحيلة والمكر والخداع.

هذه الرواية التي أخذت شهرة عالمية واسعة، وتُرجمت الى لغات كثيرة، أحدثتْ أثراً سحريًّا بالغاً في نفس كلِّ مَنْ قرأها، وخاصةً الأطفال؛ لتميّزها بعنصر الإثارة، وشدِّ القارئ، والأحداث المثيرة للمتابعة، وبالخصوص اختيار ليلى طفلةً بريئةً صافيةَ النفس، والذئب بما عُرف عنه من غدرٍ، ووحشيةٍ وافتراس، والغابة بما تمتاز به من عمق وغموض وظلام، وطرقٍ ملتفةٍ صعبةٍ شائكة، وما تبثُّه من الخوف والرعب، والحذروالتوجُّس، إذ تمتلئ بالحيوانات المتوحشة، والأدغالِ والتضاريس الملتوية، والطرق الضالّة.

تحوَّلت الحكاية مع الزمن، وبالتأويلات المختلفة، والنظر والتفسير والتحليل، تحوّلت من مجرد حكاية للأطفال الى نصٍّ ذي أبعاد عديدة: بُعدٍ فلسفيٍّ، وبُعد سيكولوجيٍّ نفسيٍّ، وبعد اجتماعيٍّ، وسياسيٍّ، ليتناولها كلٌّ مِنْ زاوية رؤيته، وتحليله.

شقَّت القصةُ طريقَها أيضاً الى الفنِّ المرئيِّ والمقروء، السينمائيّ، وأفلام الرسوم المتحركة، ومجلات الأطفال. كما أنّها ألقتْ رحالَ تأثيراتها لتصلَ الى الأدباء والفنانين، ليستلهموها في نصوصهم، ويضيفوا عليها منْ وحيهم وتجاربهم، وأفكارهم، وإبداعهم، مضامينَ تتجاوز أصل الحكاية، لتُغنيها بمُلهماتِهم، وأحاسيسهم، وعواطفِهم، وأخيلتهم، وفكرهم. وكلُّ هذا يعود إلى سحر وجمال، وعمق الحكاية، مع شعبيتها التراثية.

مِنَ الذين استلهموها، واستوحوا منها مضامين ومعاني أخرى الشاعر العراقي أجود مجبل، في قصيدته الموسومة بـ"ليلى والذئب". وهي قصيدة كتبها على الشكل العمودي الكلاسيكي الموزون والمقفّى، الذي عُرفَ به، وهو مِنْ فرسانها المُحدَثين.

اعتمدت القصيدة في صياغتها على فنِّ (الشعر القصصيّ)، الذي هو أحد أنواع الشعر - كما قُسِّمَ منهجيّاً مدرسيّاً كلاسيكيّاً - إلى جانب الأنواع الأخرى، ويمكننا تسميته بـ(الشعر القصصي الوجداني/العاطفي)؛ فالقصيدة قصة وجدانية، كُتبتْ شعراً، وبكلِّ اشتراطات وقوانين، وخصائص، وعناصر فنِّ القصة السردية:

- الشخصيات: والقصيدة تدور حول شخصيتين، ليلى والذئب.

- الأحداث: في القصيدة مجموعة من الأحداث التي هي محورُ الحكاية.

- الحبكة: للقصة المحكيّة في القصيدة، كما القصة الفنيّة عموماً، بداية ووسط (الصراع)، ونهاية (الخاتمة)، وما في مجرياتها من صراع، وحركةٍ، وشدٍّ وجذبٍ، وأحاسيس، وعواطف متضاربة مضطربة، ومتصارعة.

- الفكرة: في القصيدة فكرة وموقف، يريد الشاعر إيصالها الى المتلقي من خلال اختياره الحكاية، ومضمونها، وربطها بقصة ليلى والذئب.

القصيدة مع عناصرها وخصائصها هذه عبارة عن قصة حبٍّ شعرية: الراوي (الذئب) أحد بطليها، والشخصية الثانية هي الحبيبة (ليلى). قصة حبّ تراجيدية. بمعنى أنّ الشاعر أجود مجبل أستوحى من الحكاية جانباً آخر من دلالاتها، وهو الجانب الوجداني العاطفي، فحوّلها الى قصة غرامية ذات طابع درامي تراجيدي حديث.

قلبَ الشاعرُ معادلةَ: ليلى/البراءة والطيبة، والذئب/الخداع والغدر والخيانة، لتتحوَّل عكسيّاً في القصيدة إلى: ليلى/ الخداع والغدر والخيانة، والذئب/البراءة والطيبة والغفلة.

فكان الصراعُ (الحبكة) بين نوازع الحبِّ والخيانة، لتصلَ إلى نهايتها المأساوية، التي تذكّرنا بالتراجيديات الكلاسيكية.

تبدأ الحكايةُ (البداية) على لسان الذئب (العاشق/الراوي)، ليُمهِّد للقارئ ما يشعرُ به الذئب (المتهم الجاني) المغضوب عليه، فيردُّ:

الذِّئبُ قالَ: أنا لمْ أفترسْ أبَدًا

ليلى ، وما أنا شِرِّيرًا لِأقتُلَها

*

ما كنتُ في سابِقِ الأيّامِ أعرِفُها

ولا دَخَلْتُ على الإطلاقِ مَنزِلَها

هنا يبرِّئُ الذئبُ نفسه من دم ليلى. ويواصلُ روايته:

هيَ التي أرسلَتْ لي في مُناسَبَةٍ

هَدِيَّةً وتَرَجَّتني لِأقبَلَها

*

وفي الهَديَّةِ أخفَتْ رَقْمَ هاتِفِها

وصورةَ امرأةٍ والوردُ كَلَّلَها

*

فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

نجدُ مما تقدَّم عنصرَ السرد، الذي بُنيتْ عليه القصيدةُ. وتسلسل الأحداثِ، فهي قصة حبٍّ بدأت من ليلى، وليس من الذئب، ليلى التي تحرَّشت واتصلتْ به، وأغوته، وخدعته؛ لتُوقعَه في حبائلها (الخديعة)، وهي تخطِّطُ من البداية لشيءٍ فاجع قادم مغايرٍ، لا يمتُّ للحبّ بصلةٍ.

ونواصلُ رحلةَ السردِ والحكاية، والخداع والتخطيط لخيانةٍ، وغدرٍ قادمين، رحلةَ السرد الشاعريّ، وعلى لسان الذئب:

فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

*

قالتْ: أحِبُّكَ يا ذِئبًا حَلِمْتُ بهِ

بَلْ صِرتَ آخِرَ أحلامي وأَوَّلَها

*

فأنتَ جائزتي الكُبرى أفُوزُ بِها

ومِنْ أماني فَتاةٍ كُنتَ أجمَلَها

*

كُنْ فُندُقًا لِحياتي أستريحُ بهِ

وكُنْ لِأرضٍ غَزاها الجُوعُ سُنبُلَها

*

وهذهِ جَدَّتي أيضًا تُحِبُّكَ يا ذِئبي الجَميلَ،

وهذا الشَّوقُ أثْقَلَها

إذن هذه هي ليلى المبادرة في الاتصال والاحتكاك، وعرض حبِّها الخادع على الذئب البريء (من دمها). ثم تتواصل الأحداثُ في القصة، فينخدع الذئبُ، ليقعَ في الفخِّ المنصوب مِنْ ليلى:

صَدَّقْتُ لَهفَتَها حتى كَتبْتُ لَها

شِعرًا عنِ الحُبِّ مِثْلَ الخَمْرِ أثْمَلَها

*

فكُنتُ أبدُو كطفلٍ جائعٍ

وأبُوهُ ابتاعَ حَلوى لَهُ يومًا لِيَأكُلَها

*

يأخذنا الشاعر في روايته، وعلى لسان الذئب (الرجل) المخدوع، الذي يقع في حبائلها، فيواصل سرديته التراجيدية:

لكنَّها خَطَّطَتْ بِالحُبِّ تَخدَعُني

حتى أُشَيِّدَ بيتَ العاشقينَ لَها

*

وبَعدَما اكتمَلَ البيتُ الذي حَلِمَتْ

بهِ كثيرًا وآواها وظَلَّلَها

*

هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

*

سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

فما الذي حدث بعد هذا؟ وقعَ المحظور، وانكشفت اللعبةُ، لتصلَ الحكايةُ الى قمّةِ توتُّرها، حيث الصراعُ الدرامي وسط القصة، والمفاجأة التي اكتشفها الذئبُ (العاشق):

هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

*

سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

*

فَسَمَّمَتْ كأسَ شايٍ كان تَذكِرَةً

لِرِحلَةٍ حَرَصَتْ أنْ لا يُؤجِّلَها

ماذا فعل الذئب بعد معرفته بالغدر والخيانة والفخّ، والخطّة التي وضعتها ليلى ورسمتها:

وحِينما انشغَلَتْ عنِّي بِهاتِفِها

قَرَّبْتُ مِنْ كَأسِها كَأسي لِأُبْدِلَها

*

وهكذا هي ماتَتْ موتَ خائنةٍ

وبعد عُمْرٍ عَجيبٍ صِرتُ أَرمَلَها

*

رِوايةٌ صَعبَةٌ لمْ تَكتمِلْ،فُقِدَتْ

أوراقُها، ثُمَّ جاءَ المَوتُ أكمَلَها

*

كانتْ نِهايةَ حُبٍّ غَيرَ شائعةٍ

للآنَ لَمْ أستطِعْ حتى تَخَيُّلَها

هنا تنتهي القصة بحكمةٍ، وهو بيتُ القصيد، الذي أرادَ الشاعر أجود مجبل إيصالها للمتلقي، وهي خلاصة تجربة خداع وغدر وخيانة رومانسية وجدانية:

ما أقبحَ الغدرَ إنْ سَنَّتهُ بُلْبُلَةٌ

تَخُونُ بعدَ ربيعِ العُمْرِ بُلْبُلَها

وهكذا تنتهي حكاية ليلى والذئب في هذه القصيدة، بالرؤية الشاعرية واستلهامها، وتماهيها مع الرواية، وقراءة صائغها الشاعر أجود مجبل، تنتهي بمأساة، وتراجيديا صاخبة، لتدخلَ عالمَ التراجيديات الكلاسيكية، ذاتِ النهايات الدرامية المحزنة الصادمة.

الانتقام العادل؟:

في القصيدة يبرز انتقام العاشق/الذئب كردِّ فعلٍ وجزاء عادل، لما تعرّض له من غدر وخيانة، في محاولة ليلى اغتياله بوضع السُّمِّ في شرابه. وهي عقوبة عادلة لمحاولة اغتيال. فالشاعر يريد ان يقول بأنّه ليس كلُّ ظاهر حقيقة، ولا كلُّ حكايةٍ مرويَّةٍ بصادقة. قد يكون العكس هو الصواب. وهذا تأويلٌ وقراءة إبداعية مُستلهَمة من الحكاية ومتناصّة معها، وهي دلالة على عمق قصة ليلى والذئب التراثية، وما تحمله في طياتها من دلالات ورؤى مختلفة، وفي فهم وتفسير وتأويل مغزى الحكاية. كما إنّها إشارة لأثرها البالغ في نفس الشاعر؛ مما ألهمته وأوحت إليه بهذه القصيدة القصصية الشعرية الجميلة والمؤثرة.

السلاسة الشعرية في السرد:

تمتاز هذه القصة الشعرية للشاعر أجود مجبل بسلاستها وحرارتها، وإحساسها، وبلاغة لغة شاعرها الحاذق في صنعته، بحيث أنها تنقاد له بسهولة ويسر وانسيابية شاعرية وجمال. وكان لاستلهام قصة ليلى والذئب، وقلب معادلة الصياد والضحية، قد أضفت على القصيدة عنصر الإثارة، والشدِّ، والسرد المُحكَم شعرياً. فهي قصيدة شعرية وجدانية، ذات حبكة فنية سردية متقنة الصنعة الشعرية العالية، بحيث أنَّ المتلقي حين يبدأ قراءتها ومن خلال حرارة العاطفة والأحاسيس التي تغمرها، وتنبض بها الصياغة اللغوية والبلاغية والتصويرية، يتوقع القارىء انها ستتغزل بالحبيبة ومفاتنها، لكنه بعد التوغل في مفاتن الأبيات وجمال اللغة ورقتها وسهولتها وسلاسة صياغتها، وبساطتها المعتمدة على السرد والقريبة من وعي وإدراك المتلقي بمختلف مستوياته المعرفية، يتفاجأ هذا القارئ بالأحداث، ونهايتها المفجعة.

نحن أمام فيلم مقروء، مخرجه هو الشاعر، وأدواتُ الإخراج هي الشعر واللغة، والصور التعبيرية بالكلمات، المصاغة بدقة فنية عالية، فهي لا تخرج الى التصوير الفوتوغرافي الجامد المتكلف، إنّما الى التصوير بحركة الألفاظ واللغة والشعر، والوزن والقافية، والعواطف والأحاسيس الحارّة، بحيث يشعر القارىء وكأنها تجربة شخصية حقيقية عاشها الشاعر؛ بسبب دقّة وعمق وقوة الصياغة والسرد المُحكَم، وما تحتويه من إثارة وحركة وشدٍّ وتوتر، وأحداث وعواطف جيّاشة مضطربة.

***

عبد الستار نورعلي

مايس 2026

 

للشاعرة آمال صالح.. مقاربة بنيوية أسلوبية

تنتمي قصيدة (غربال الضوء) إلى قصيدة النثر الحديثة التي تبني شعريتها على كثافة الصورة الرمزية وتنامي الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية المتفاعلة. ولا تستمد القصيدة قيمتها الجمالية من مرجعياتها الخارجية بقدر ما تستمدها من بنائها النصي القائم على جدلية العتمة والنور، والانكسار والخلاص، والجرح والعشق. ومن هذا المنطلق، اعتمدت هذه الدراسة المنهج البنيوي الأسلوبي مع انفتاح تأويلي رمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل النص ورصد الثنائيات الدلالية التي تنتظم حركته الشعرية وصولاً إلى صورته المركزية الكبرى: " الكون أعار النهار غربالاً " بوصفها البؤرة الرمزية التي تتجمع عندها رؤيته الجمالية والفكرية.

ولعل أول ما يكشف عنه هذا البناء النصي هو المسار الدلالي الذي تنتظم وفقه حركة القصيدة، حيث تتدرج من فضاء العتمة والانكسار إلى أفق النور والتطهير...

البنية الدلالية: من العتمة إلى التصفية

تقوم القصيدة على حركة تصاعدية تبدأ من تجربة الفقد والانكسار وتنتهي إلى لحظة تطهير روحي. يفتتح النص فضاءه الشعري بقوله:

" حين خرجتُ من سجنك

 ظننتُ النهارَ سراباً "

فالسجن هنا ليس مكاناً واقعياً، بل بنية رمزية تحيل إلى حالة من الأسر الوجداني. ومنذ البداية يقدم النهار بوصفه قيمة مفقودة أو مشكوكاً في حقيقتها بما يشي باضطراب الرؤية بعد تجربة الخروج.

وتتعزز هذه الرؤية حين يصبح الليل نفسه:

" سجينٌ آخر " إذ تتلاشى الحدود التقليدية بين السجان والمسجون وبين الحرية والقيد لتغدو الذات محاطة بدائرة من الانغلاق الوجودي.

وإذا كانت البنية الدلالية للنص تقوم على جدلية العتمة والنور، فإن تجسد هذه الجدلية فنياً يتحقق عبر شبكة من الصور الشعرية المنزاحة التي تمنح التجربة كثافتها الجمالية وطاقتها الإيحائية....

شعرية الصورة والانزياح

تعتمد القصيدة على الانزياح بوصفه الآلية الأساسية لإنتاج الشعرية. فالأشياء لا تؤدي وظائفها المعتادة، بل تتحول إلى كيانات رمزية جديدة. الليل " يرتّل فراغاً " والكون " يسمع" والشمس " تلتقي بالعطر".

هذا الخرق المتعمد للمنطق المرجعي يخلق ما يسميه جان كوهن "اللغة الشعرية المنحرفة عن الاستعمال المعياري" حيث يتولد المعنى من المفاجأة لا من التقرير.

ومن أجمل صور النص:

" تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه "

إذ تتداخل الرؤية البصرية (الخيوط البنفسجية) مع الانفعال النفسي (اللهفة) فتتشكل صورة مركبة تجمع الحسي والوجداني في بنية واحدة.

وتنسجم البنية التصويرية في (غربال الضوء) مع ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن " الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي ظهورٌ مفاجئ للوجود في اللغة" إذ لا تستعيد الشاعرة صوراً جاهزة، بل تبتكر رؤية جديدة للعالم من خلال الصورة المركزية: " الكون أعار النهار غربالاً "وهي صورة تفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد وجودية وفلسفية أرحب. وإذا كان الانزياح قد أسهم في تشكيل البنية التصويرية للقصيدة، فإن القيمة الجمالية الأعمق لهذه الصور تتجلى في انخراطها ضمن نسق رمزي متماسك يمنح النص أبعاده التأويلية والوجودية...

البنية الرمزية

تتأسس القصيدة على بنية رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة إلى فضاء تأويلي مفتوح، حيث يغدو الضوء والليل والجرح والعشق عناصر ضمن شبكة من الرموز المتفاعلة. وتبلغ هذه البنية ذروتها في الصورة الختامية:

" الكونُ أعار النهارَ غربالاً، ليصفو الضوءُ من ظلاله"

فالغربال هنا لا يؤدي وظيفة مادية، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتمييز وإعادة تشكيل التجربة الوجدانية. ومن هذا المنظور يصدق على النص ما ذهب إليه بول ريكور بقوله: " الرمز يعطي الفكر ما يدعو إلى التفكير " إذ لا يقدم الرمز في القصيدة معنى جاهزاً أو مغلقاً، بل يفتح أفقاً من التأويلات الممكنة ويحفز القارئ على المشاركة في إنتاج الدلالة واكتشاف مستوياتها العميقة. وتستدعي مركزية الضوء في هذه القصيدة بعض التجارب الشعرية الحديثة التي جعلت من النور رمزاً للتحول الداخلي والخلاص الوجودي غير أن (غربال الضوء) تنفرد بمعالجة هذا الرمز معالجة مغايرة، إذ لا تقدم الضوء بوصفه نقيضاً جاهزاً للظلام، بل تجعله ذاته موضوعاً للتنقية والمراجعة. وبهذا تنتقل الدلالة من ثنائية التعارض إلى أفق أكثر تركيبا، حيث يغدو الخلاص فعلاً داخلياً مستمراً لا حالة نهائية مكتملة. ولا تنفصل هذه البنية الرمزية عن المستوى المعجمي للنص، إذ تتجسد دلالاتها عبر شبكة من المفردات المتقابلة التي تسهم في ترسيخ جدلية العتمة والنور وتمنح القصيدة وحدتها الدلالية الداخلية....

الحقل المعجمي ووحدة النص

يتأسس المعجم الشعري في القصيدة على حقلين دلاليين رئيسين:

حقل العتمة: سجن، سراب، ليل، فراغ، بؤرة، ظلال، جرح.

حقل النور:نهار، نجمة، بريق، شمس، نور، دفء، عشق.

وتنتظم القصيدة كلها داخل التوتر بين هذين الحقلين. غير أن الحركة النهائية لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بعملية مصالحة وتجاوز تؤسس لرؤية تركيبية تتجاوز الثنائية التقليدية،حين:

" يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه "

فالليل لا يهزم وإنما يعاد إنتاج دلالته في سياق أكثر تركيباً...

وعليه يمكن القول أن، قصيدة (غربال الضوء) تكشف عن بناء شعري متماسك يقوم على تفاعل الحقول الدلالية والصور الرمزية ضمن حركة نصية تتدرج من الانكسار إلى الخلاص. وقد أظهرت القراءة البنيوية والأسلوبية أن فاعلية النص لا تنبع من موضوعه الوجداني فحسب، بل من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية ذات أفق إنساني وتأملي أوسع. ومن هنا تتجلى قيمة القصيدة في إحكام بنيتها الداخلية وفي نجاحها في إنتاج معنى يتجاوز المباشرة نحو فضاء رمزي مفتوح على التأويل.

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله...

.......................

غربال الضوء

حين خرجتُ من سجنك

ظننتُ النهارَ سرابًا

لا يعبر نافذتي،

وأن الليلَ

سجينٌ آخر

*

يرتّل فراغًا

يفضي إلى بؤرةٍ

خارج الصوت

والمدى

*

أين وجدانٌ

يكتبُ

حمرةَ العشق؟

تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه

*

أين ذلك البريق

لنجمةٍ موعدُها

قريب؟

تتشابك الأصابع حولها

وتعيدُ الوقتَ

إلى دورانٍ حميم

*

وحين يسمعنا الكون،

تلتقي الشمسُ بالعطر،

ويصيرُ النور

أقوى من كلّ المعارك الخاسرة

*

يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه،

ويتعلمُ الإصغاء

*

الكونُ أعار النهارَ غربالًا،

ليصفو الضوءُ

من ظلاله،

ويُغلقُ الجرحُ

على دفءِ العشق.

***

الشاعرة آمال صالح

الجذور المشتركة وملامح التفاعل الحضاري

يمثّل الأدب العربي والأدب الأمهري رافدين مهمين من روافد التعبير الإنساني في فضاءين متجاورين تاريخيًا وجغرافيًا، هما شبه الجزيرة العربية وإثيوبيا في القرن الإفريقي. وقد نشأت بين هذين الفضاءين علاقات قديمة عبر التجارة والهجرة والتجاور الجغرافي المطل على البحر الأحمر، مما أتاح فرصاً لتبادل ثقافي ولغوي وروحي ظلّ ممتداً عبر القرون. ورغم اختلاف الخصوصيات الحضارية لكل منهما، فإن بينهما وشائج قربى واضحة تتجلى في اللغة والبنية الجمالية والموضوعات الفكرية والإنسانية.

أولاً: الجذور اللغوية المشتركة

تنتمي العربية والأمهرية إلى العائلة اللغوية السامية، وإن تفرعت كل منهما في مسار مستقل؛ فالعربية من السامية الوسطى، بينما تنتمي الأمهرية إلى السامية الإثيوبية الجنوبية. هذا الانتماء المشترك أفرز تقاطعات لغوية في البنية الصرفية وبعض الجذور والمعاني، كما تسربت إلى الأمهرية مفردات عربية عبر الدين والتجارة والتواصل التاريخي.

ثانياً: التأثير الحضاري والثقافي

أسهمت حركة التبادل عبر البحر الأحمر في نقل كثير من المفاهيم الثقافية بين العرب والحبشة. وقد دخلت إلى اللغة الأمهرية مفردات عربية في مجالات متعددة مثل الدين والتجارة والحياة الاجتماعية، كما تأثر الأدب الأمهري ببعض الأغراض الأدبية المعروفة في الأدب العربي مثل الحكمة والمديح والرثاء، إلى جانب تشابه في الرؤية الأخلاقية والإنسانية.

ثالثًا: أوجه الشبه الأدبية

١. النزعة الحكمية:

يحتل البعد الحكمي مكانة بارزة في كلا الأدبين، حيث نجد في الشعر العربي لدى شعراء مثل المتنبي وأبو العلاء المعري نزعة تأملية فلسفية، وهي نزعة تقابلها في الأدب الأمهري نصوص شعرية وأمثال تحمل رؤى أخلاقية عميقة.

٢. الشفاهية والإيقاع:

نشأ الأدبان في بيئات شفاهية تعتمد على الإنشاد والرواية، مما جعل الإيقاع والتكرار والصور السهلة الحفظ عناصر أساسية في بنية النص الشعري.

٣. الرمز والتلميح:

يعتمد الأدب العربي على الكناية والتورية والرمز، بينما يشتهر الأدب الأمهري بأسلوب “الشمع والذهب”، الذي يقوم على ازدواجية المعنى بين الظاهر والباطن، وهو قريب في روحه من التراكيب البلاغية العربية.

٤. الشعر الغنائي

في كلا التقليدين يمتزج الشعر بالغناء، حيث لا ينفصل النص عن الأداء الصوتي، مما يمنحه طابعًا احتفاليًا ووجدانيًا حيًا.

٥. موضوعات الهوية والبطولة

يحضر الفخر والدفاع عن الأرض والهوية في الشعر العربي القديم، كما يظهر في الأدب الأمهري في سياق تاريخ الممالك الإثيوبية وصراعاتها وتجاربها الوطنية.

رابعاً: أوجه الاختلاف

على الرغم من هذه التقاطعات، يحتفظ كل أدب بخصوصيته:

الشعر العربي يقوم على نظام العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي، بينما لا يخضع الشعر الأمهري لنظام وزني مماثل.

تتأثر الصور الشعرية في الأدب العربي غالبًا بالبيئة الصحراوية، بينما يغلب على الأدب الأمهري حضور الطبيعة الجبلية والأنهار والأمطار.

يرتبط التراث الأدبي الأمهري بالكنيسة الإثيوبية ولغة الجعزية، بينما ارتبط الأدب العربي بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية.

خاتمة:

يمكن القول إن العلاقة بين الأدب العربي والأدب الأمهري ليست علاقة تأثير أحادي، بل هي علاقة تفاعل تاريخي وثقافي نشأت في فضاء البحر الأحمر المشترك. وقد أفرز هذا التفاعل تقاطعات في اللغة والرمز والموضوعات، مع احتفاظ كل أدب بخصوصيته الجمالية ورؤيته للعالم. ومن هنا تتجلى أهمية دراسة هذا التواشج بوصفه نموذجاً للتعدد داخل وحدة التجربة الإنسانية، ولحوار الثقافات في أعمق تجلياته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

إذا أردنا التزوّد من الشعر الكهلاني، فإننا لا نقصد مدرسة شعرية قائمة بذاتها بقدر ما نقصد ذلك التراث الشعري الذي نشأ في أوساط القبائل الكهلانية الكبرى، مثل عمرو بن عامر وقبائل الأزد وهمدان ومذحج وطيء وكندة، وهي قبائل أسهمت إسهاماً عظيماً في بناء الشعر العربي قبل الإسلام وبعده.

وكانت قبائل كهلان من أغزر القبائل العربية شعراً، حتى إن كثيراً من كبار شعراء الجاهلية والإسلام ينتسبون إليها، ومن أشهرهم امرؤ القيس والأعشى وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ومالك بن الريب.

خصائص الشعر الكهلاني

أولاً: النزعة القبلية والاعتزاز بالأصل

فالشاعر الكهلاني يرى القبيلة امتداداً لذاته، ويجعل من أمجادها مرآةً لمجده الشخصي، ولذلك يكثر الفخر بالآباء والأنساب والبطولات.

ثانياً: الصلة الوثيقة بالمكان

تظهر الجبال والأودية والنجود والسهول اليمنية في كثير من أشعارهم، إذ كانت الأرض جزءاً من الهوية لا مجرد مسرح للأحداث.

ثالثاً: الحكمة والتجربة

برزت في شعرهم نزعة تأملية عميقة، فامتزج الفخر بالحكمة، والحماسة بالتفكير في تقلّب الأيام.

رابعاً: الجزالة اللغوية

تتسم قصائدهم بقوة السبك وفخامة الألفاظ وبعدها عن التكلف، مع ميل إلى التصوير الحسي المستمد من البيئة العربية.

نماذج من الروح الكهلانية

يقول الفارس الشاعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي:

إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ

وجاوزه إلى ما تستطيعُ

وهو بيت تحوّل إلى حكمة عربية خالدة تجمع بين الواقعية والعزم.

ومن شعر الفخر الكهلاني ما ينسب إلى قبائل همدان ومذحج وطيء من الاعتزاز بالمجد الموروث:

نحنُ بنو المجدِ الذي لا ينثني

والموتُ عندَ الوغى لنا ميدانُ

وإن كانت مثل هذه الأشعار قد وصلتنا في روايات متفرقة، فإنها تكشف عن روح الشجاعة والكرامة التي وسمت الأدب الكهلاني.

الشعر الكهلاني في نظر نشوان الحميري

ومن أعمق من تناول تراث كهلان شعراً ونثراً العلامة اليمني نشوان بن سعيد الحميري، فقد رأى أن القبائل الكهلانية كانت من أهم روافد العربية الفصحى، ودافع عن مكانة اليمن في بناء الحضارة العربية واللغة والشعر، واحتج بأشعار القبائل اليمنية على فصاحة العربية وأصالتها.

خلاصة

الشعر الكهلاني ليس مجرد شعر قبائل، بل هو سجلٌّ تاريخي وثقافي وحضاري يحمل ذاكرة اليمن القديمة وامتدادها العربي. وفيه تلتقي البطولة بالحكمة، واللغة بالتاريخ، والإنسان بالمكان. ومن أراد فهم الروح العربية الجنوبية في أصفى تجلياتها، فليقرأ شعر كهلان كما يقرأ نقشاً قديماً على صخرةٍ من جبال اليمن؛ إذ تتكلم الحروف هناك بلسان التاريخ، ويتكلم التاريخ بلسان الشعر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عند محمود درويش

تمثل تجربة محمود درويش إحدى أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة ثراءً من حيث إنتاج المعنى وتشكيل الصورة الشعرية. فقد استطاع أن يحوّل القصيدة من خطاب مباشر إلى فضاء دلالي مفتوح تتفاعل فيه الرموز والأساطير والتناصات الثقافية، لتصبح الصورة الشعرية أداةً معرفية وجمالية في آن واحد. وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات بناء المعنى في شعر درويش، وتحليل العلاقة الجدلية بين الصورة الشعرية والبعد الدلالي، من خلال مقاربة أسلوبية تأويلية تستند إلى تحليل عدد من النماذج النصية المختارة من أعماله الشعرية.

مقدمة

يشكل محمود درويش ظاهرة شعرية استثنائية في الأدب العربي الحديث؛ إذ تجاوزت تجربته حدود التعبير الوطني والقومي لتصبح مشروعًا جماليًا وإنسانيًا متكاملًا. وقد انشغل النقاد بدراسة شعره من زوايا متعددة، غير أن العلاقة بين جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية تظل من أكثر القضايا النقدية عمقًا؛ لأن المعنى عند درويش لا يُمنح جاهزًا، بل يتولد من شبكة معقدة من الصور والاستعارات والرموز والإيحاءات.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من كون الصورة الشعرية لدى درويش ليست عنصرًا زخرفيًا، بل هي بنية دلالية تؤسس رؤية الشاعر للعالم والوجود والذات والآخر. ومن هنا تتجلى ضرورة دراسة الكيفية التي تتشكل بها الصورة، وكيف تنتج طبقات المعنى داخل النص الشعري.

إشكالية البحث

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف تسهم الصورة الشعرية في إنتاج جماليات المعنى في شعر محمود درويش؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

ما الخصائص الأسلوبية للصورة الشعرية عند محمود درويش؟

كيف تتحول الصورة إلى أداة لإنتاج الدلالة؟

ما دور الرمز والتناص في تعميق المعنى الشعري؟

كيف تسهم البنية اللغوية في تشكيل الأفق التأويلي للنص؟

فرضيات البحث

تقوم الصورة الشعرية عند درويش بوظيفة معرفية تتجاوز البعد الجمالي.

يتشكل المعنى عبر تفاعل الرمز والاستعارة والتناص داخل النص.

تعتمد شعرية درويش على الانفتاح الدلالي وتعدد مستويات التأويل.

تسهم البنية الإيقاعية واللغوية في إثراء الصورة وتعميق أثرها الجمالي.

منهج البحث

تعتمد الدراسة المنهج الأسلوبي التحليلي، مع الإفادة من المنهج التأويلي في استكشاف مستويات المعنى الكامنة خلف البنية اللغوية والصورة الشعرية، بالإضافة إلى الاستفادة من بعض مفاهيم النقد الحديث ونظرية التلقي.

الإطار النظري: جماليات المعنى والصورة الشعرية

يرى النقاد المحدثون أن الشعر لا يقوم على المعنى المباشر، بل على المعنى المتولد من العلاقات الداخلية بين عناصر النص. وقد أشار الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن النص الأدبي فضاء تتعدد فيه الدلالات ولا يستقر على معنى واحد.

أما الصورة الشعرية فتُعدُّ، وفق رؤية غاستون باشلار، جوهر التجربة الشعرية ومصدر طاقتها التخييلية. وهي ليست انعكاسًا للواقع، بل إعادة تشكيل له وفق رؤية جمالية جديدة.

وفي الشعر الحديث، أصبحت الصورة بنية معرفية قادرة على إنتاج الرؤى الفكرية والوجودية، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة محمود درويش.

أولًا: الصورة الشعرية بوصفها مولدًا للمعنى

تتجاوز الصورة الشعرية عند درويش الوظيفة البلاغية التقليدية لتصبح وسيلة للكشف عن الوجود الإنساني.

في قوله:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

تتحول الأرض من مفهوم جغرافي إلى رمز كوني يحتضن قيم الجمال والحرية والحب.

إن الصورة هنا لا تصف الأرض، بل تعيد إنتاجها بوصفها مركزًا للمعنى الإنساني. ويتولد الجمال من المفارقة بين واقع القهر الذي يعيشه الفلسطيني وبين احتفاء الشاعر بالحياة.

وهكذا تتأسس الدلالة على التوتر بين الواقع والحلم، وبين الفقد والأمل.

ثانيًا: جدلية الرمز وتكثيف الدلالة

يعتمد درويش بصورة لافتة على الرمز بوصفه أداة لتوسيع المجال التأويلي للنص.

فالزيتون، والخبز، والأم، والبحر، والعصافير ليست مجرد مفردات طبيعية، بل تتحول إلى علامات ثقافية وحضارية.

يقول:

"وأحن إلى خبز أمي"

فالخبز هنا لا يدل على الطعام فقط، وإنما يحيل إلى منظومة من القيم المرتبطة بالهوية والذاكرة والانتماء.

وتتضاعف الدلالة عبر الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الرمز قادرًا على حمل معانٍ متعددة في آن واحد.

ثالثًا: التناص وبناء الصورة المركبة

يُعد التناص من أبرز السمات الأسلوبية في شعر محمود درويش، إذ تتداخل النصوص الدينية والأسطورية والتاريخية داخل بنيته الشعرية.

فنجد استحضار شخصيات مثل يوسف، وأيوب، وعنترة، وجلجامش، وأوديسيوس.

ولا يأتي هذا التناص على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى.

فعندما يستدعي شخصية يوسف عليه السلام، فإنه يعيد بناء مأساة المنفى والاغتراب في سياق فلسطيني معاصر، مما يفتح النص على مستويات دلالية جديدة.

وبذلك تتحول الصورة الشعرية إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والثقافات.

رابعًا: جماليات الانزياح اللغوي

يقوم شعر درويش على انزياحات لغوية كثيفة تجعل اللغة نفسها موضوعًا للشعر.

يقول:

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا"

فالتركيب اللغوي البسيط يخفي وراءه شبكة من الإيحاءات المرتبطة بالصراع الوجودي.

إن الانزياح هنا لا يكمن في المفردات فحسب، بل في طريقة تركيبها داخل السياق الشعري.

ومن خلال هذه الانزياحات تتولد دلالات جديدة تجعل النص مفتوحًا على احتمالات تأويلية متعددة.

خامسًا: الصورة الوجودية ورحلة البحث عن الذات

يتجاوز درويش البعد الوطني إلى أسئلة الوجود الكبرى: الموت، الزمن، الهوية، المصير.

وفي مجموعته "الجدارية" تتكثف هذه الرؤية بصورة واضحة، حيث تتحول القصيدة إلى حوار فلسفي مع الموت.

فالصورة الشعرية لم تعد تمثل الواقع الخارجي، بل أصبحت تمثل قلق الإنسان أمام الزمن والفناء.

وهنا تتجلى شعرية المعنى في قدرتها على الجمع بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والتجربة الإنسانية الكونية.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

تمثل الصورة الشعرية الركيزة الأساسية في بناء المعنى عند محمود درويش.

تتسم صور درويش بالتكثيف والانفتاح الدلالي والتعدد التأويلي.

يسهم الرمز والتناص في إثراء المعنى وتوسيع آفاق القراءة.

تتجاوز الصورة الوظيفة الجمالية لتؤدي دورًا معرفيًا وفلسفيًا.

تعتمد شعرية درويش على جدلية الحضور والغياب، والواقع والحلم، والذات والآخر.

تشكل اللغة الشعرية فضاءً ديناميكيًا لإنتاج المعنى لا مجرد وسيلة لنقله.

خاتمة

تكشف رحلة البحث في فضاءات جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية عند محمود درويش عن مشروع شعري استثنائي استطاع أن يزاوج بين الحس الجمالي والرؤية الفكرية. فالصورة عنده ليست انعكاسًا للعالم، بل إعادة خلق له، والمعنى ليس معطى جاهزًا، بل تجربة تأويلية متجددة تتشكل مع كل قراءة جديدة.

ومن هنا تكمن فرادة درويش في قدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء إنساني مفتوح، تتجاور فيه الذاكرة والأسطورة والتاريخ والحلم، فتغدو الصورة الشعرية طريقًا لاكتشاف الذات والعالم معًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

المراجع العربية

أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة.

الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

درويش، محمود. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: رياض الريس.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. في نظرية النص الأدبي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

المسدي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. تونس: الدار العربية للكتاب.

صلاح فضل. أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة: دار الشروق.

عز الدين إسماعيل. الشعر العربي المعاصر وقضاياه. القاهرة: دار الفكر العربي.

المراجع الأجنبية

Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Boston: Beacon Press.

Barthes, Roland. The Pleasure of the Text. New York: Hill and Wang.

Ricoeur, Paul. The Rule of Metaphor. Toronto: University of Toronto Press.

Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. Oxford: Blackwell.

Culler, Jonathan. Literary Theory: A Very Short Introduction. Oxford University Press.

Genette, Gérard. Palimpsests: Literature in the Second Degree. University of Nebraska Press.

حين تصير الحساسية مِلاكَ الحُكم الجمالي

ليس النقد الأدبي علماً يُدار بمسطرة المنهج، ولا هو صنعة محايدة تُفرز الجمال كما تفرز الفيزياء الكتلة أو تزن الرياضيات المعادلات. بل هو، في جوهره، فنٌّ يقيس بالفؤاد، ويحكم بالذوق، ويتكئ على الحساسية بوصفها مرآة النفس وقدرتها على استقبال الإشعاعات الخفية التي لا يلتقطها العقل وحده. من هنا، يغدو الادّعاء بأن النقد الأدبي موضوعيّاً كالهندسة أو الكيمياء، خيانة لطبيعته الوجدانية، وتجريداً له من جوهره الحيّ.

لذا نبحث هنا عن الحساسية لا المنهج. وهو مفتاح الدخول إلى عوالم الأدب.

إنّ كلّ أثر أدبي، إذا ما جرّدناه من أثره فينا، من رعشته في أوتار وجداننا، غدا نصّاً ميتاً، حبراً على ورق. فليس النص الأدبي ما يُكتب، بل ما يُوقظ، ما يُلامس، ما يهزّ القارئ في منطقة لا يصلها سوى الفن. في هذا المستوى، يغدو النقد الأدبي استجابةً قبل أن يكون تحليلاً، ارتجافةً شعورية قبل أن يكون مقاربة تقنية.

لأنّ الحساسية تلك القدرة الغامضة على التنبّه لما يتوارى خلف الحروف، لما لا يُقال، لما يُوشك أن يُلمَح ، هي جوهر ما به يحكم الناقد الجمالي على العمل، وهي وحدها القادرة على إدراك "النفَس" في النص، ذلك النسغ الخفي الذي يُضفي عليه الحياة. ولهذا، فإن الناقد، وإن تمرّس بالمناهج، يبقى طفلاً أمام الجمال إذا فقد الحساسية، وإذا جفّت فيه عروق الذائقة.

كون الذائقة كقوة استبطان وانحياز نبيل. فالذائقة ليست مزاجاً عابراً ولا محض تفضيل شخصي، بل هي حصيلة تراكم، وخلاصة ترقٍّ في القدرة على التلقي. إنها ذلك "الميزان الداخلي" الذي به تُوزن الأشياء لا بحسب ما تظهر عليه، بل بحسب ما تختزنه من عمق، من صدق، من توهّج. والذائقة الرفيعة هي الحساسية حين تنضج، حين تصبح قادرة على اقتناص المدهش في الخفي، وعلى تمييز النفيس من بين ركام المتشابه.

من هنا، لا يُعرض الأدب على الذائقة لأنّها تحكم تعسّفاً، بل لأنها تختزن خبرة الروح، وتمثّل ذروة التطوّر في التلقّي. وما قيمة أي عمل أدبي، إن لم يكن له أن يتسلل إلى الذائقة، أن يهزّها، أن يترك فيها أُثراً كأثر الحلم حين يوقظ ما كان نائماً في أعماق النفس؟

 النقد بين نزعة التفسير ورهبة التذوّق. لقد سعى بعض النقّاد إلى صبّ الأدب في قوالب صارمة من التحليل المنهجي، فأخضعوا النصوص لأبجديات بنيوية، أو قرأوها بعدسة تاريخية، أو سلطوا عليها مناهج تفكيكية، ظانين أن الفهم وحده يكفي، وأن التحليل قادر على الكشف. بيد أن النص الأدبي، في جوهره، لا يُفهم فحسب، بل يُحَسّ، ويُعاش، ويُكابد. وكم من تفسير أطفأ وهج القصيدة، وكم من تحليل حوّل الرواية إلى معادلة باردة!

إنّ النقد حين يغدو تفسيراً محضاً، يتحوّل إلى خطاب ثانٍ يبتعد عن روح النص، وربما يخونه. أما حين يكون تذوّقاً، استبطاناً، إنصاتاً للذبذبات الدقيقة في نسيج اللغة، فإنه يُنصف الأدب، ويعيد له مقامه بوصفه كياناً حيّاُ لا مجرد موضوع للتحليل.

من هنا كانت الذات كمرآة للمعنى، لا نقد بلا انفعال. فكلّ نقد، في نهاية المطاف، هو شهادة ذاتية. لا بمعنى العشوائية أو المزاجية، بل بمعنى أن الناقد، وهو يتفاعل مع النص، يكشف عن نفسه بقدر ما يكشف عن النص. ولئن كان كلّ علم يسعى إلى الموضوعية عبر نزع أثر الذات، فإن النقد الأدبي يبلغ ذروته حين تحضر الذات، لا بوصفها حاجزاً، بل بوصفها وسيطاً.

إنّ الذات القارئة هي التي تمنح للنص حياته الثانية. وهي  في لحظة نقد تصير صدىً لما فيه من نبض. ومن هنا، فإن الاختلاف بين النقّاد ليس دليلًا على ضعف النقد، بل على قوته: إذ تتعدّد القراءات بتعدّد الحساسيات، وتتلوّن الأحكام بتنوّع الذوائق.

لذا فالشهرة لا تبرّر القيمة، والحكم للذوق لا للصيت. فكم من عمل أدبيّ شاعت شهرته، لكنه فارغ كقنينة لامعة؟ وكم من نصّ مهمل ظلّ صامتاً حتى تبنّته ذائقة أصيلة فبعثته إلى الحياة؟ إنّ المعيار في الأدب ليس الصدى، بل الصدق. وما من شيء أصدق من ذوق ناضج، حرّ، لا تشتريه الجوائز، ولا تُغويه الموضة.

ولذا، يظلّ العرض على الذوق هو المعيار الأصيل. ما قبله فهو خليق بالبقاء، ولو كُتب في ظلمة العزلة، وما رفضه فمصيره الذبول، حتى وإن تُوِّج بتصفيق المجامع وشُهر في المعارض. فإنّ الذائقة الحقّة لا تُخدع، لأنها لا تتعامل مع المظهر، بل مع الجوهر.

وهنا تبدو الحساسية بوصفها فنّاً للحكم وسرّاً في الرؤية.

النقد الأدبي، في مآله الأصفى، ليس علماً يُصنّف النصوص وفق معايير ثابتة، بل فنّاً ينصت إلى نغمة خفيّة في عمق الكلمة، ويكشف عن المعنى حيث لا يراه سواه. هو فنّ الإصغاء للحياة وهي تنبض في اللغة، وفنّ الحكم لا بالمنطق الصارم، بل بالذوق المُصفّى، والوجدان المفتوح، والروح المُدرّبة على الانفعال الصادق.

إن الحساسية الجمالية، بما هي اشتعال داخليّ واستجابة متوهّجة، تظلّ مناط القيمة في النقد. ومن لا يمتلكها، فليتأدب بالصمت أمام النصوص التي لا تُكاشف إلا من استوفى شرط الذائقة، ومن أعدّ ذاته لأن تكون وعاءً لرعشة الجمال، لا مختبراً لإطفائها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من أوائل مبادرات الانسجام في المنظور السريالي إعطاءُ الذات حقيقتها الانطلاقيّة؛ أي إطلاقها وعدم الوقوف أمام تحوّلاتها من اليومي إلى الأحلام المتباعدة. ومن هنا تتجلّى حقيقة العمل الباطني والمكبوتات عبر تصوّراتٍ عديدة لا حصر لها. وقد يكون تكتّل هذه التصوّرات نتيجة تراكماتٍ حياتيّة بعيدة المدى، بدأت مع التحوّلات الأولى في الشعريّة. ومع نتائج متعدّدة أخذت بالظهور، بدأ الوعي الذاتي يتشكّل من خلال اللاوعي، لتنشأ حالاتٌ مفتوحة يتّجه همّها نحو السرياليّة وكيفيّة الاشتغال تحت مظلّة هذا المنظور.

غير أنّ الإعاقات التي تعترض مثل هذه الأعمال تتمثّل في سيطرة اليوميّ التقليدي على العقل الشعري؛ فتموت الذات في لحظة نشوتها، ثم تعود إلى حالةٍ من النشاط المتجدّد لأسبابٍ عدّة، من بينها حريّتها وعدم تكبيلها، وانفتاحها على العالم، وعدم حصرها في اليوميّ والمحليّ والتقليديّ المكرّر.

ولعلّ من أبرز الأسباب التي تجعل السرياليّة على تماسّ دائم مع الشاعر عفويّة الكتابة، والسخرية من المنظور المباشر الذي يقوم على عاداتٍ يوميّة تقليديّة غير قابلة للتجدّد. وقد تنشأ دعوات الشكّ من هذه الصيرورة المفروضة على كثيرين؛ لذلك تنحاز السرياليّة إلى عالمٍ غير مطروق، عالمٍ يعتمد العمل الخفيّ لإظهاره عبر الشعريّة. وهي، في هذا السياق، تؤمن بما وراء الواقع، وترى أنّ أمراض العصر تنبع من واقعٍ مهيمنٍ يفرض حضوره اليومي على الجميع.

وسنتطرّق إلى مفهوم التحرّر بأنواعه، لإقامة بعض العلاقات المهمّة بين المنظور الفلسفي وامتداداته اليوميّة، وبين تقنيّاته في ما يُعرف بالكتابة الآليّة:

التحرّر الذاتي:

تتمثّل العلّة الكامنة في الذات في تخلّيها عن السائد المتطابق مع الحياة اليوميّة؛ لذلك يُعدّ تحرّر الذات من أوائل المهامّ المتواصلة، عبر الابتعاد عن الرقيب الذي يقيّد الفعل الإبداعي، سواء أكان رقيباً ذاتيّاً مهيمناً أم رقيبَ سلطةٍ يفرض قناعاته على التحوّلات الجارية. وتُعدّ هذه من أخطر المواجهات التي تواجه السرياليّة، إذ تعمل على تحرير البيئة الذاتيّة.

تحطيم الذات:

لا يستطيع الشاعر السريالي بلوغ أفق السرياليّة قبل تحطيم ذاته وتحريرها من السيطرة والرقابة؛ فالذات تمتلك تأمّلاً كونيّاً، وتصوغ لنفسها عالماً خارج المنظور الواقعي، هو عالم التحرّر الذاتي من كلّ إعاقة قد تواجهها.

تحرّر الرقيب:

تغدو كتابة الشاعر السريالي قوّةً لنفي الرقيب السلطوي، ومبادرةً لتغيير الذات الاعتياديّة التي تشكّل حاجزاً أمام التحرّر؛ أي إخراج الجمرة من بين الرماد. وهنا يتجلّى العمل التلقائي، والآليّة الكتابيّة المطلقة، بوصفهما فعلين حرّين غير خاضعين لأيّ أيديولوجيا. ومن ثمّ يصبح التحرّر شاملاً لا جزئيّاً، ويغدو العمل السريالي الأبَ الروحيّ للشاعر. (مَثل الصور السريالية كمثل صور الأفيون التي لايعود الإنسان يستحضرها « يقول بودلير: بل تأتيه من ذاته، تلقائية طاغية. إنّه لايستطيع صرفها، إذ تغدو الإرادة لا قوة فيها ولا سيطرة لها على القوى. – أندريه بريتون - بيانات السريالية – ترجمة: صلاح برمدا – ص 55).

تحرّر الرؤية:

قد تكون الرؤية الخياليّة مقيَّدةً نتيجة عوامل بيئيّة مُحاكة من قِبَل الآخر، وقد تكون شبه غائبة بسبب تراكمات الضيق الخارجي، إذ تؤثّر هذه العوامل في رؤية الشاعر وتقيّد حركتها، ولا سيّما في الأمكنة التي يرصدها أو البيئة التي ينتمي إليها. لذلك، فإنّ التحرّر الذي ندعو إليه يشبه تحرّر السجين من سجّانه؛ فعندما يطالب الشاعر بطموحاته، ويرفض الالتزام بأيديولوجيا معيّنة تقيّد رؤيته، تصبح الحرّيّة والهدوء النفسي من متطلّبات الكتابة اليوميّة، ومن ضرورات توجيهاته التقنيّة والنوعيّة.

وعندئذٍ تغيب الأحكام المفروضة على العقليّة الشعريّة التي تسعى إلى السباحة في فضاء التحرّر والتنفس الطبيعي؛ لذلك يستمدّ كلّ تصوّرٍ ذاتي رؤاه من فعل المتخيّل. وبما أنّنا نعيش في واقعٍ يتداخل فيه اللاعقلاني، فإنّ الشاعر يتجاوز المألوف ليحوّله إلى اللامألوف، وهذه هي حكمة العمل السريالي في المنظور القصائدي.

التحرّر النفسي:

تتمثّل مسألة التحرّر النفسي في إطلاق الذات المتحرّرة ومنح الأحلام التي تنتاب النفس قيمةً تصويريّة، ولا سيّما تلك الأحلام العالقة التي لا تتشابه فيما بينها؛ لذلك يُعدّ الخروج عن الأعراف والابتعاد عن المألوف خيرَ سبيلٍ لتحقيق التحرّر النفسي. (السريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعيّة، ومن النزعة العقلانيّة، ومن جميع أشكال الروابط التي يفرضها عالمٌ نفعي. وهو يدعو إلى التمرّد ضدّ الواقع، وضدّ قيود العادة والامتثال، وإلى الإطاحة بكلّ القيود المسلَّم بها. – السرياليّة في عيون المرايا، ص 77، ترجمة وإعداد: أمين صالح).

ومن خلال هذه الدعوة إلى الحرّيّة، نلاحظ أنّ هيمنة العشيرة في بعض المجتمعات ما تزال سارية المفعول، إلى جانب التسلّط العائلي وهيمنة واقعٍ متخلّف يواجه الشاعر بشكلٍ يومي. ومن هنا تنشأ لدى السريالي دوافع عميقة لاستدعاء الحبّ والأمل والتأمّل، والعمل على إزالة كلّ ما يعيق حريّته النفسيّة، لكي يتمكّن – ولو جزئيّاً – من الكتابة برغبةٍ فاعلة، ومن ترجمة أحلامه إلى نصٍّ شعري.

النسق السائد:

إنّ النسق السائد في اللوائح السرياليّة يتمثّل في فعل المتخيَّل والتخييل والخيال، وكذلك اللاشعور؛ وتحتلّ التلقائيّة المساحة الأوفر في قرار الاقتراب من التقنيّة السرياليّة، وهو القرار الصائب للتغلغل في عماد النصّ والاندماج بين عناصره. فطالما أنّ التصوّرات التي تزرعها الذات الحقيقيّة تمتلك فضاءها الخاصّ ضمن المفهوم النصّي، فإنّ ما يتبدّى أمامنا هو الثقافة السرياليّة بمستلزماتها المنظورة؛ وأوّل هذه المستلزمات عنصر الرغبة، كما وصفها فرويد بأنّها العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوّة جاذبيّته.

لقد بات من الضروري إزالة الأنساق التقليديّة التي تُعدّ من المسلّمات المتداولة، والتي يتجلّى فيها التكرار غير المنتج؛ علماً بأنّ الشعريّة تستوعب مختلف الخصائص المنسوبة إليها، غير أنّ هذه الخصائص لا تبلغ كلّها ذروتها في سلطة النصّ الجديد. ومن هنا يمكن مقاربة بعض الأنساق ضمن المنظور الفلسفي، مثل المجاورات والروابط الفاعلة التي تمتلك أثراً ديناميكيّاً في فعل الإثارة، بوصفه أحد الأنساق المثيرة للجدل، والقادر على إحداث تبادلات مع العناصر المنشِّطة للنصّ الحديث.

وينفصل النسق، في هذا السياق، عن العالم الخارجي؛ إذ تتحوّل المعيشة إلى تجربة داخليّة – بيتية – إلّا في حدود بعض العلاقات التي تُطلّ على الشاعر عبر نافذةٍ تنفّسية. وهكذا تغدو تجربة الدواخل تجربةً نفيسة، تحمل في طيّاتها مبدأ الـ«أنا» أيضاً؛ وقد تكون هذه الـ«أنا» داخليّة، وقد تكون خارجيّة، غير أنّ حضورها الخارجي يظلّ محدوداً. ومن هنا يمكن القول إنّ القوّة الداخليّة للعمل النصّي، ضمن المنظور السريالي، هي القوّة الأكثر فاعليّة، إذ تتفاعل مع العناصر الذاتيّة والعقليّة، وتنعكس آثارها في قوّة النصّ الشعري. وما العلاقات المُعلنة إلا علاقات تفرضها الذات الحقيقيّة الساعية إلى التحوّل.

إعادة التشكيل:

من الظواهر التي تواجهنا التقنيّة السائدة والتقنيّة التقليديّة، وهما أداتان في حالة صراعٍ دائم. غير أنّنا، ما دمنا نؤمن بالهدم والبناء، فإنّ السعي إلى ابتكار تقنيّات وتشكيلاتٍ جديدة للنصّ الحديث يُعدّ من القدرات الفاعلة التي يمارسها الشاعر. ويُعدّ تجاوز العقل المنظَّم وتحويله إلى عقليّةٍ شعريّة من المهام التي تستوعب كلّ ما تراه العين وما تسمعه الأذن. ومن خلال هذا المنطق، نلاحظ أنّ هناك خزائن متعدّدة تتجمّع فيها الخبرات والتجارب لتُنتج نصّاً من طرازٍ مختلف.

ويبقى مبدأ الاختلاف، وإن بدا بسيطاً، حاضراً ضمن السياق المتواصل للغة؛ إذ تغدو اللغة، في حالتها المتشكّلة والمؤهّلة، قادرةً على اكتساب طبيعتها الشعريّة. (تذهب اللسانيّات الإدراكيّة إلى أنّ اللغة ليست نتاج بنى خاصّة في الدماغ، وإنّما هي نتاج كفاية إدراكيّة عامّة يستعملها البشر في تفكيرهم، من أجل صياغة تصوّراتٍ لمختلف جوانب الواقع وتجاربهم فيه. وقد أسفر ذلك عن لفت الانتباه إلى ضرورة فحص العلاقة بين اللغة في الاستعمال الأدبي واللغة في الاستعمال التواصلي المعتاد، وكذلك إلى دراسة ظواهر لغويّة معيّنة، مثل اللغة التخيّليّة، التي لم تعد تُفهم بوصفها نتاج آليّات خاصّة أو موهبة إدراكيّة حِكراً على مبدعي الأدب. – مجلة فصول، ملفّ الإدراكيّات، العدد 100، ص 142، لارزيا بيليخوفا، ترجمة وتقديم: محي الدين محسب).

ومن خلال ذلك، يمكن القول إنّ للنصّ ثقله الشعري، وهو يقودنا إلى اتجاهاتٍ متعدّدة، من بينها الاتجاه السريالي، الذي لا يُقدَّم بوصفه رسالةً مباشرة، بل بوصفه تجلّياً لقلقٍ متجدّد يسعى الشاعر من خلاله إلى الذوبان خارج المألوف. ومن رغبات الباث الحقيقية ترسيم الأحلام، بوصفها الوسيلة القادرة على تخفيف هذا القلق، وفتح أفقٍ فلسفي داخلي ما إن يتجلّى حتى يعلن استقلاله.

فالاستقلال النصّي يُعدّ مطلباً أساسياً في العمل الأدبي، لكي يحقق أسلوبيّة غير مكرّرة؛ ومن هنا تبرز اللغة التخيّليّة بوصفها عنصراً فاعلاً في البنية النصّية. وفي الوقت نفسه، نلاحظ أنّ الانحدار التصويري الذي يواجهنا يصدر عن لغةٍ عليا، بحيث تتشكّل الوحدات اللغويّة المطلقة في صيغٍ جديدة تمتلك خصوصيّتها وعلاقاتها داخل النصّ الشعري.

وفي بعض الأحيان، يُعاد النظر في مفهوم القصديّة في المنظور النصّي الجديد؛ فالعلاقات التي نعنيها هي تلك التي تتشكّل خارج الوعي المباشر، حيث ينهض العقل الباطني ليتفاعل مع العقليّة الشعريّة، مُنشئاً مساحةً مشتركة بينهما. ومن هنا، تغدو السرياليّة دافعاً للشاعر نحو الاندماج في هذه المساحة، بوصفها أحد متطلّبات اللامحدود في العمل السريالي.

***

كتابة: علاء حمد

يأتي نص "مومس تائبة" للشاعرة مجيدة محمدي بوصفه اعترافًا شعريًا كثيفًا، لا يقف عند حدود الحكاية المباشرة لامرأة أنهكتها الخطيئة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة إنسانية عميقة حول الجوع الروحي، والعزلة، وإمكان الخلاص. فالعنوان نفسه يفتح منذ البدء أفقًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يجمع بين مفردتين متقابلتين: "المومس" بوصفها رمزًا للسقوط الاجتماعي والأخلاقي في المخيال الجمعي، و"التائبة" بوصفها وعدًا بالتطهر واستعادة المعنى. ومن هذا التوتر بين القاع والأفق يتولد النص كله.

تبدأ الشاعرة بصورة جارحة:

"هذا الليل يأكل من خاصرتي، كما تأكل النار آخر أوراق الخريف."

فالليل هنا ليس ظرفًا زمانيًا، بل كائن مفترس يلتهم ما تبقى من الجسد والروح. أما "أوراق الخريف" فهي استعارة لما تبقى من العمر والبراءة والأمل؛ وكأن الذات تقف في فصلها الأخير، تراقب احتراق ما تبقى منها. إنها صورة تجمع بين هشاشة الورق ووحشية النار، لتؤسس منذ السطر الأول مناخ الخراب الداخلي.

ثم تبلغ المأساة ذروتها في قولها:

"لا رغيف لي، سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح."

وهنا يتجلى أحد أجمل الانزياحات في النص؛ فالجوع لم يعد جوعًا بيولوجيًا، بل صار قدرًا وجوديًا معلقًا في أعماق الكيان. إنه جوع إلى الطمأنينة، وإلى الغفران، وإلى الاعتراف بالإنسان المختبئ خلف الوصمة.

وتتوالى الصور في نسق حلمي كابوسي:

"الظلال تتناسل من ظل إلى ظل، كقبيلة من الأسئلة ضلت طريق اليقين."

وهي صورة بالغة الذكاء؛ إذ تحوّل الشكوك والهواجس إلى قبيلة كاملة، تتكاثر وتتيه بعيدًا عن يقين مفقود. فالذات لا تعاني فقط من خطيئة الماضي، بل من عجزها عن العثور على معنى يفسر وجودها ويمنحها السلام.

أما الذئاب الشبقة التي:

"تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة"

فهي ليست مجرد شخوص خارجية، بل يمكن قراءتها بوصفها استعارة للمجتمع الذي لا يغفر، أو للشهوات التي تعاود افتراس الإنسان حتى بعد إرادته التوبة، أو لذاكرة الذنب نفسها حين تتحول إلى مطاردة أبدية. واللافت أن الشاعرة تمنح هذه الذئاب بعدًا كونيًا؛ فهي تدور "كالكواكب"، في إشارة إلى أن الخطيئة تدخل أحيانًا في نظام مغلق من التكرار والقهر يصعب الفكاك منه.

وفي المقطع الذي تقول فيه:

"لا أحد يرتب الفوضى في عيوني، ولا أحد يجمع شظايا النجوم..."

تبلغ الوحدة أقصى تجلياتها؛ فالذات لا تطلب خلاصًا كبيرًا، بل يدًا حانية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية. غير أن النجوم نفسها أصبحت شظايا متناثرة على أرصفة الانتظار، في صورة تجمع بين سمو الحلم وابتذال الواقع، بين السماء والرصيف، بين الأمل المكسور وطول الترقب.

غير أن أجمل ما في النص يكمن في نهايته؛ إذ لا تستسلم الذات تمامًا للخطيئة التي:

"تقدم لي كأسها المعتمة..."

فالخطيئة هنا تتكلم، وتغوي، وتبشر باليأس، لكنها تُواجَه بابتسامة معرِضة:

"فأبتسم لها، معرضة، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي..."

إنها نهاية مفتوحة على مفارقة مدهشة؛ فالغريق يعلم هشاشته، لكنه لا يفقد حريته الأخيرة في الاختيار. يحيي موجته، لا استسلامًا لها، بل اعترافًا بأنه أدرك حقيقتها ومضى متجاوزًا إياها. ولذلك فإن فعل "أمضي" هو الكلمة الأكثر إشراقًا في النص كله؛ إذ ينقل الشخصية من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن أسر الخطيئة إلى أفق التوبة الممكنة.

لقد نجحت مجيدة محمدي في بناء نص يعتمد على كثافة الصورة، وتشخيص المجردات، والانزياح الدلالي، والإيقاع الداخلي المتولد من تكرار النفي والأسئلة المؤجلة. وهو نص لا يدين امرأة بعينها، بقدر ما يكشف هشاشة الإنسان حين يضيع في متاهة الجوع والخوف والنبذ، ثم يجرؤ – رغم كل شيء – على أن يمضي نحو احتمال الخلاص.

إن "مومس تائبة" ليست قصيدة عن الخطيئة بقدر ما هي قصيدة عن كرامة الروح وهي تحاول النهوض من بين أنقاضها؛ فالتوبة هنا ليست حدثًا دينيًا عابرًا، بل فعل مقاومة وجودية، وانتصار خافت للإنسان على أكثر ظلاله عتمة. وفي هذا يكمن جمال النص وفرادته: أنه يجعلنا نشفق على الساقط، لا لأنه بلا خطيئة، بل لأنه لم يكف عن البحث، وسط هذا الليل الآكل، عن نافذة صغيرة تؤدي إلى الضوء.

***

أ. د. محمد عيسى مهنى - أديب وناقد ليبي

..........................

"مومس تائبة "

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

 سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

 كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...

***

|مجيدة محمدي

حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.

ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892 - 1941 انتحار)، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.

جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.

تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.

عندما ننتقل إلى مارينا تسفيتايفا نجد أنفسَنا أمام مأساة أُخرى لا تقلُّ قسوة. عاشت الشاعرةُ الروسية في زمن عاصف شهد الثورات والحروب والمجاعات والاضطرابات السياسية الكُبرى. كانتْ رُوحًا شديدة الحساسية في عالَم لا يَرحم. عرفت المنفى والفقرَ والعُزلةَ وفِقدان الأحبة، وتحوَّلتْ حياتها إلى سلسلة متواصلة مِن الصدامات معَ الواقع. لكنَّها - رغم ذلك كُلِّه_ ظَلَّتْ مؤمنةً بأنَّ الشعر هو المَلاذ الأخير للرُّوح.

كانتْ تكتب كما لو أنَّها تنقذ نَفْسَها من الغرق. كُلُّ قصيدةٍ لَديها تبدو صرخةً ضِد النسيان، واحتجاجًا على قَسوةِ العالَم. لَم تكن تبحث عن المجد الأدبي بِقَدْرِ ما كانت تبحث عن معنى للحياة وسط الانهيار الشامل. لهذا اكتسبَ شِعْرُها تلك الطاقة العاطفية الهائلة التي جعلته قادرًا على عُبور الزمن واللغات.

إنَّ المأساة التي تَجمع ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا لَيست مأساةً شخصية فَحَسْب، بلْ مأساة جَماعية أيضًا. كُلُّ شاعرة حَمَلَتْ فوق كَتفيها أعباءَ شعبها وزمانها. الأُولَى عاشتْ في فضاء عربي مثقل بالأزمات والحروب والخَيبات، والثانية عاشتْ في قلبِ التحوُّلات الروسية العنيفة التي مَزَّقَتْ حياةَ الملايين. وهكذا أصبحت القصيدةُ بالنِّسبةِ إلَيهما وثيقةً إنسانية تُسجِّل آلامَ الجَمَاعة مِن خِلال تجربة الفرد.

ثَمَّة تشابه عميق بين الشاعرتَيْن في إحساسهما بالغُربة. الغُربةُ لَيست دائمًا ابتعادًا جُغرافيًّا عن الوطن، بلْ قد تكون شعورًا داخليًّا بالانفصالِ عَن العالَم. ماجدة داغر عاشتْ غُربةَ الرُّوح وسط واقع مِن الشظايا والانكسارات، ومارينا تسفيتايفا عاشتْ غُربةَ المنفى والاقتلاع والنَّبْذ. وفي الحالتَيْن، كانَ الشعرُ هو الوطنَ البديل الذي احتمتْ به الرُّوحُ مِن الانهيار.

كما أنَّ الحُب عندهما لَم يكن تجربة رومانسية بسيطة، بلْ كانَ مُحاولة لمقاومة العَدَمِ والخرابِ. في قصائدهما يتحوَّل الحُبُّ إلى قيمة وجودية كُبرى، وإلى بحث دائم عن الخَلاص. لكنَّ هذا الحُب غالبًا ما يَصطدم بواقع قاسٍ، فيزداد الألمُ عُمقًا، وتزداد القصيدةُ تَشَظِّيًا. وهكذا يُصبح الجَمَالُ مَولودًا من قلبِ المأساة، وتُصبح الكتابةُ شكلًا مِن أشكال المقاومة.

أدركت الشاعرتان هشاشةَ الإنسان أمام القوى الكُبرى التي تتحكم بمصيره. الحروبُ والثورات والانهيارات السياسية والاقتصادية لا تكتفي بتدمير المدن، بلْ تمتدُّ إلى الأرواح أيضًا. ولهذا نجد أنَّ قصائدهما مُشبَعة بإحساس مرير بالفِقدان، وبسؤال دائم حَول جَدوى الحياة وسط عالَم يمتلئ بالعُنفِ والخِذلان.

ومعَ ذلك، فإنَّ شِعرهما لا يغرق في اليأس الكامل. ففي أعماق الحُزن يظلُّ هُنالك بصيص مِن الأمل. ومُجرَّد كتابة القصيدة هو فِعل مُقاوَمة، وإعلان بأنَّ الإنسان قادر على تحويل ألمه إلى جَمال، وخسارته إلى معنى. وهذا يَجعل تجربتيهما تتجاوزان حُدودَ الزمانِ والمكان لِتُصبحا جُزءًا مِن التراثِ الإنساني العام.

إنَّ المأساة الجَماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا تكشف حقيقةً جَوهرية مُفادها أنَّ الشعراء_ مَهما اختلفتْ لُغاتهم وأوطانهم_ يشتركون في حمل العِبء الإنساني ذاته. إنَّهُم شُهود على الألم، وحُرَّاسٌ للذاكرة، وأصوات لأولئك الذين لا يجدون الكلمات للتعبير عن مُعاناتهم. ومِن خِلال القصائد الشعرية، يتحوَّل الجُرح إلى أُغنية، وتصير الدموعُ اكتشافًا لأحلام الإنسان الضائعة. وهكذا تبقى ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا صورتَيْن متقابلتَيْن لرُوح واحدة، رُوح شاعرة تَحمل أوجاعَ الناس، وأحزانَ الوطن، وتَصُوغ مِن عذابات الذاتِ والآخرين نشيدًا مِن البكاء الصامت.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

بين الفخر الحضاري والاحتجاج اللغوي

تُعَدُّ القصيدة الحميرية (النشوانية) للشاعر والعالم اليمني نشوان بن سعيد الحميري واحدةً من النصوص الشعرية الفريدة في التراث العربي؛ إذ تجاوزت حدود الفخر القبلي المألوف لتغدو وثيقةً لغويةً وتاريخيةً وحضاريةً، تلتقي فيها الذاكرة الجمعية بالوعي الثقافي، ويجتمع فيها الشعر بالتاريخ، واللغة بالهوية، والحجة العقلية بالعاطفة الوطنية. فهي ليست قصيدة تُنشَد فحسب، بل خطابٌ ثقافيٌّ متكامل أراد صاحبه من خلاله إعادة الاعتبار للتراث اليمني الحميري، وإثبات مكانته في البناء الحضاري العربي والإسلامي.

لقد كان نشوان الحميري فقيهاً لغوياً واسع الاطلاع، يدرك أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل وعاءٌ للهوية ومستودعٌ للذاكرة التاريخية. ومن هنا جاءت قصيدته النشوانية محاولةً لإحياء الموروث اليمني وإبرازه في مواجهة النزعات التي حصرت المجد العربي في جغرافيا معينة أو قبائل بعينها.

اللغة في النشوانية: بين الجزالة والحجاج

تمتاز لغة القصيدة بجزالة اللفظ وقوة التركيب وثراء المعجم. وقد استثمر الشاعر ألفاظاً ذات جذور عربية أصيلة، مستحضراً أسماء الملوك التبابعة، وأعلام اليمن القديم، ومواطن الحضارة الحميرية، في نسيج شعري متماسك.

ومن خصائصها اللغوية:

كثافة الأعلام التاريخية.

توظيف الأنساب بوصفها حججاً ثقافية.

شيوع الأساليب الخبرية التقريرية.

كثرة الاستشهاد بالتاريخ لإسناد الرأي.

اعتماد المقابلات والموازنات البلاغية.

فالشاعر لا يكتفي بالمدح، بل يسوق الأدلة والوقائع، وكأنه يخوض مناظرة فكرية أكثر من كونه ينظم قصيدة وجدانية.

موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغة التي تمثلها النشوانية

لو نظرنا إلى هذه القصيدة بعين المدرسة البصرية لوجدنا أنها تمثل نموذجاً للاحتجاج باللغة الفصيحة الموروثة. فقد كان البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، يحتكمون إلى القياس ويرون أن سلامة العربية تقوم على القواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء.

فعندما يقول الشاعر:

نحن بنو قحطان أصلُ العُلا

وبنا استقام المجدُ بعد اضطرابِ

فإن البصريين يرون في هذا التركيب مثالاً لاستقامة الإسناد ووضوح العلاقات النحوية بين المبتدأ والخبر.

أما الكوفيون، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فكانوا أكثر تسامحاً في قبول الشواهد وتوسيع دائرة الاحتجاج، ولذلك كانوا سيجدون في النشوانية مادةً غنيةً بالشواهد التاريخية واللغوية التي تؤكد تنوع الاستعمال العربي واتساعه.

وقد اختلف الفريقان في مسائل كثيرة، منها:

المثال الأول: العطف على الضمير المرفوع

يقول البصريون:

جاء زيدٌ وأنا.

ولا يجيزون:

جاء زيدٌ وأنا وعمرو.

إلا مع تأكيد الضمير أو الفصل.

أما الكوفيون فيتوسعون في ذلك اعتماداً على السماع.

وهذا الاختلاف يكشف أن اللغة التي يستثمرها نشوان تنتمي إلى فضاء عربي واسع تتجاور فيه الظواهر المختلفة التي قبلتها العرب في كلامها.

المثال الثاني: التنازع

في قولنا:

أكرمني وأحسن إليَّ خالدٌ.

يرى البصريون أن أحد العاملين أولى بالعمل وفق قواعد دقيقة.

بينما يميل الكوفيون إلى التوسع في الأخذ بالسماع.

وهذا ما يفسر اهتمام نشوان بالنصوص المروية والأخبار المتوارثة بوصفها شاهداً لغوياً وتاريخياً معاً.

فقهاء اللغة والنشوانية

إن قراءة القصيدة في ضوء جهود فقهاء اللغة تكشف عن عمقها المعجمي.

فلو عرضت ألفاظها على ابن فارس لبحث عن أصولها الدلالية المشتركة، إذ يرى أن لكل جذر معنى كلياً تتفرع عنه الاستعمالات المختلفة.

ولو تأملها الجوهري لوقف عند سلامة المادة اللغوية وصحة الاستعمال.

أما ابن جني فكان سيجد فيها دليلاً على العلاقة العضوية بين الصوت والمعنى، إذ إن كثيراً من ألفاظ الفخر والقوة تأتي بأصوات مجلجلة تحمل في ذاتها إيحاء العظمة والهيبة.

ومن منظور فقه اللغة، تمثل النشوانية نموذجاً لما يُعرف بـ"الهوية اللغوية"، حيث تتحول الألفاظ إلى علامات ثقافية تشير إلى تاريخ أمة كاملة لا إلى أفراد متفرقين.

البنية البلاغية في القصيدة

تعتمد النشوانية على عدد من الأدوات البلاغية المؤثرة:

التكرار لترسيخ الفكرة.

الاستدعاء التاريخي لإضفاء المصداقية.

المقابلة بين المجد والانحطاط.

الاستفهام الإنكاري لتأكيد الحجة.

الالتفات لإثارة انتباه المتلقي.

ومن أمثلة ذلك أن الشاعر ينتقل من الحديث عن الملوك التبابعة إلى مخاطبة معاصريه مباشرة، فيخلق جسراً زمنياً بين الماضي والحاضر، وكأن التاريخ لا يزال حياً في الوجدان.

النشوانية بوصفها خطاباً حضارياً

ليست قيمة القصيدة في جمالها الفني فحسب، بل في كونها مشروعاً ثقافياً متكاملاً. فقد أراد نشوان الحميري أن يثبت أن العربية ليست حكراً على إقليم أو قبيلة، وأن الحضارة العربية الإسلامية قامت على إسهامات شعوب وأقاليم متعددة، كان لليمن فيها نصيب وافر.

ومن هنا تتحول القصيدة إلى دفاع عن التعدد داخل الوحدة، وعن الانتماء الحضاري الذي لا يلغي الخصوصيات المحلية، بل يجعلها روافد تصب في نهر الثقافة العربية الكبير.

إن القصيدة الحميرية ليست مجرد أثر شعري من آثار القرن السادس الهجري، بل نصٌّ تتقاطع فيه علوم اللغة والتاريخ والبلاغة وفقه الثقافة. وهي شاهدٌ على أن الشعر العربي كان، في أرقى تجلياته، أداةً للمعرفة والاحتجاج وبناء الوعي. ولعل سر خلودها يكمن في أنها لم تتحدث عن أمجاد الماضي بوصفها أطلالاً منسية، بل جعلت من التاريخ قوةً حيةً تُسهم في تشكيل الهوية، ومن اللغة جسراً يصل الإنسان بجذوره الحضارية وذاكرته الثقافية العميقة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من جرح الذات إلى وجع الجماعة

تقدّم قصيدة «مرثية إلى ابن المقفّع» للشاعر جواد غلوم نموذجًا متميّزًا للقصيدة العمودية الحديثة التي تستثمر التراث الشعري العربي في التعبير عن قضايا الإنسان المعاصر. فالنصّ ينهض على بنية خليليّة راسخة ويستعيد صورة الرثاء الكلاسيكي، لكنه لا يقف عند حدود رثاء شخصية تاريخية انتهت حياتها بالمأساة، بل يجعل من ابن المقفّع رمزًا للمثقف الحر الذي يدفع ثمن الكلمة والفكر، لتتحوّل المرثية إلى خطاب إنساني يتجاوز حدود الزمان والمكان.

وإذا كانت القصيدة –بالمعنى الجوهري– تظل قصيدة بغضّ النظر عن بنيتها الشكلية، فإنّ التمييز بين العمودي والتفعيلة لا يمثّل انقسامًا حادًّا بين تقليد وحداثة بقدر ما يعكس حوارًا تاريخيًا وإبداعيًا متجدّدًا. فقد عرفت التجربة العربية محاولات مبكرة لتحديث القول الشعري منذ العصر العباسي، ثم أعادت نهضتا القرن التاسع عشر والعشرين تأهيل القصيدة العمودية لغويًا ودلاليًا، قبل أن تنتج حركة التجديد قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرّة. ومع ذلك ظلّ كثير من المجدّدين على صلة وثيقة بالعمود، أو عادوا إليه بصيغ جديدة، بما يؤكّد أنّ التجديد يتعلّق بالرؤية واللغة والموقف من العالم بقدر ما يتعلّق بالشكل. في ضوء هذا السياق يمكن النظر إلى «مرثية إلى ابن المقفّع» بوصفها دليلًا على أنّ القصيدة العمودية ما تزال فضاءً صالحًا لتمثيل قضايا نفسية وسياسية معاصرة.

تزداد أهمية القصيدة إذا ما وُضعت ضمن سياق تجربة جواد غلوم بوصفه من الأصوات التي حافظت على القصيدة العمودية شكلًا، مع شحنها برؤية حديثة تعنى بوجع الإنسان والمثقف في مواجهة القمع والتهميش. وتأتي هذه القراءة في إطار مقاربة نصّية–دلالية تستند إلى مفاهيم نقدية معاصرة مثل القناع الشعري، والانزياح/الإزاحة الدلالية، والصورة الرمزية، مع الاستئناس بما قدّمه بعض النقاد العرب والغربيين حول هذه المفاهيم؛ كما في حديث أدونيس عن تحوّلات القصيدة العربية في «زمن الشعر»، وقراءة عبدالله الغذامي لوظيفة القناع في «الخطيئة والتكفير»، إلى جانب ما طرحه كمال أبو ديب في دراساته عن البنية الإيقاعية والرمزية، وما بلوره رومان ياكوبسون حول «الوظيفة الشعرية للغة» وفكرة الانزياح.

من هذا المنطلق، تحاول هذه الدراسة الكشف عن كيفية تحوّل التجربة الفردية في القصيدة إلى تجربة جماعية، وعن توظيف التقنيات الشعرية الحديثة داخل شكل عمودي محافظ، بما يفضي إلى نصّ تتداخل فيه الأبعاد النفسية والأخلاقية والسياسية، فيغدو الجرح الفردي مرآةً لوجع إنساني أوسع.

أولًا: الشكل العمودي بين ثبات الإيقاع وتوتر التجربة

تنتمي القصيدة قيد الدرس، من حيث بنائها الهندسي، إلى ما يُصطلح عليه بالقصيدة العمودية الحديثة؛ أي ذلك النمط من الشعر الذي يحافظ على البناء الخليلي التقليدي والوزن التناظري من حيث الوزن والقافية، لكنه يعيد توظيف هذا القالب بذكاء للتعبير عن رؤى معاصرة وهموم جمالية وحديثة. فالشاعر الحديث –كما يلاحظ عدد من النقاد– لا يتعامل مع الوزن والقافية بوصفهما قيدًا شكليًا، بل إطارًا إيقاعيًا مرنًا قادرًا على احتواء التجربة الراهنة.

في «مرثية إلى ابن المقفّع» يخلق جواد غلوم مفارقة دلالية واضحة بين انتظام الإيقاع الخارجي واضطراب العالم الداخلي. فالقافية الموحّدة والوزن المستقر يوحيان بالتماسك والثبات، بينما تكشف الصور الشعرية عن واقع متصدّع وذات تعيش الانكسار والخذلان. وهكذا يصبح الشكل جزءًا من المعنى؛ إذ يقابل ثبات البنية الخارجية هشاشة التجربة النفسية التي يعبّر عنها النص. فالقوس التي «تكسّرت كالزجاج» تتجاور مع إيقاع متماسك، وكأن القصيدة تقول إن تحت هذا السطح الإيقاعي المنظَّم عالمًا من التوتر والشرخ الداخلي.

بهذا المعنى، تؤكّد القصيدة ما ذهب إليه بعض الدارسين من أنّ البنية الإيقاعية في الشعر الحديث لم تعد مجرّد ترديدٍ للموروث العروضي، بل صارت حقل توتّرٍ بين نظام الوزن وفوضى التجربة، وهو ما نجده في قراءات كمال أبو ديب للبنية الإيقاعية في الشعر العربي الحديث.

ثانيًا: القناع الشعري واستدعاء ابن المقفّع

يُعَدّ القناع الشعري من أبرز تقنيات القصيدة العربية الحديثة، وقد توقّف عنده عدد من النقّاد في قراءاتهم لتجارب الروّاد وما تلاهم، بوصفه آلية فنيّة يتجاوز الشاعر من خلالها حدود صوته الفردي إلى تمثيل همٍّ إنساني وجمعي أوسع. فالقناع يقوم على استحضار شخصية تاريخية أو أسطورية أو رمزية، تتكثّف في داخلها ذات الشاعر وأسئلته وهواجس عصره؛ فلا يغيب صوته خلفها، بل يتعمّق ويتّسع عبرها.

في «مرثية إلى ابن المقفّع» يتجسّد هذا المفهوم بوضوح؛ إذ يتّخذ الشاعر من ابن المقفّع قناعًا تعبيريًا، فلا يرثيه بصفته شخصيةً من الماضي فحسب، بل يحوّله إلى مرآة لجرحه الشخصي ولجرح المثقف الحر عبر الأزمنة. ومن هنا يستهل القصيدة باستحضار قبره:

«أعرفتَ قبرَ ابنِ المقفّعْ

صار الثرى عينًا ومدمع»

لكن سرعان ما ينتقل الخطاب إلى «الأنا» الشاعرة:

«قوسي تكسّر كالزجاجِ»

فتتلاشى الحدود بين الرمز التاريخي والتجربة الذاتية، ويغدو ابن المقفّع صورة نموذجية لكل من تعرّض للقهر بسبب فكره أو موقفه الإنساني، كما يتحوّل القبر إلى علامة على مصير الكلمة الحرّة في مواجهة عنف السلطة. وهنا يتجلّى ما يشير إليه عبدالله الغذامي –في سياقات نقدية أخرى– من أنّ القناع يتيح للشاعر أن يعبّر عن ذاته من خلال «آخر» تاريخي أو أسطوري، فيرتقي النص من حكاية فردية إلى وجعٍ جمعي.

وإذا كان النقد المعاصر قد تجاوز النظر إلى الصورة بوصفها مجرّد «تحسين بلاغي» إلى اعتبارها بنية معرفية تعيد قراءة الواقع، كما بيّن  لذلك مصطفى ناصف في دراسته للصورة الأدبية وخروجها من ضيق المحسّنات إلى أفق التأويل، فإنّ تقنية القناع في هذه القصيدة تتضافر مع الصورة الرمزية لتؤسّس رؤيةً فكرية وأخلاقية للمثقف المقموع، لا مجرّد رثاء لشخصية تاريخية بعينها.

ثالثًا: اللغة الشعرية والانزياح الدلالي

تتميّز لغة القصيدة بمزجها بين المعجم التراثي والرؤية الحديثة. فالشاعر يوظّف ألفاظًا ذات جذور عربية راسخة مثل: «الثرى»، «اللظى»، "السنديان"، "اللؤلؤ المكنون"، لكنه يحمّلها دلالات تتجاوز معناها المعجمي المباشر.

وتعتمد القصيدة على ما يُعرف في النقد الأسلوبي واللساني بالانزياح أو الإزاحة الدلالية، أي نقل الألفاظ والتراكيب من معناها المباشر إلى أفق دلالي جديد، كما طرح ذلك رومان ياكوبسون في حديثه عن «الوظيفة الشعرية للغة»، وتلقّاه النقد العربي الحديث في إطار توسيع مفهوم البلاغة التقليدية. فالانزياح هنا لا يقتصر على الاستعارة في معناها البلاغي القديم، بل يشمل إعادة توزيع المعنى على مستوى البنية النصّية كلها.

القبر لا يعود قبر ابن المقفّع وحده، بل يصبح رمزًا لمصير الحقيقة والكلمة الحرة في مواجهة الاستبداد. والطفل المحروم من الرضاعة لا يمثل حالة واقعية فردية، بل يغدو صورة لجماعة محرومة من الرعاية والحماية والعدالة. أما المخاطَب النقي فيتحوّل إلى رمز لقيمة أخلاقية وجمالية تواجه عالمًا يهيمن عليه القبح والانكسار.

يمكن ردّ هذا الوعي الحديث بالانزياح إلى جذور بلاغية قديمة كما نجدها عند عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة"، حيث ربط بين النظم والمعنى، وإن اختلف الاصطلاح وتطوّر الإطار النظري في النقد الحديث. ومن خلال هذه الإزاحات تتجاوز القصيدة حدود الحكاية الفردية لتصبح نصًا مفتوحًا على قراءات دلالية وإنسانية متعدّدة.

رابعًا: الصورة الشعرية بين الانكسار والخلاص

لم تعد الصورة الشعرية في القصيدة الحديثة مجرّد وسيلة للتشبيه أو الزخرفة، بل أصبحت –كما يشير عدد من النقاد المعاصرين– بنية معرفية ورمزية تسهم في بناء رؤية الشاعر للعالم. ومن هذا المنظور تكتسب صور القصيدة أهميتها بوصفها أدوات للكشف عن عمق التجربة الإنسانية.

فصورة القبر الذي:

"صار الثرى عينًا ومدمع"

تحوّل المكان الجامد إلى كائن حيّ يبكي، فتختزل تاريخًا طويلًا من الألم الإنساني، وتحوّل الأرض ذاتها إلى شاهدةٍ على جريمة القمع.

وصورة:

"قوسي تكسّر كالزجاج"

تجسّد حالة العجز والانكسار النفسي، إذ يفقد القوس، بوصفه رمزًا للقوة والدفاع، وظيفته بعد تحطّمه، فتتجسّد هشاشة الذات في صورة حسية ملموسة.

أما صورة:

"تركوه حملًا نازفًا

هذا يعضّ وذاك يقطع"

فتمثّل البراءة المستباحة والإنسان الأعزل الذي يتعرّض للعنف من جهات متعدّدة، فيتحوّل المجتمع المحيط من حاضنة إلى فريسة تلتهم أضعف عناصرها.

وفي المقابل، تظهر صور الجمال والخلاص من خلال «بلسم العشّاق» و«سنديان الورد» و«اللؤلؤ المكنون». وتمتزج في هذه الصور عناصر الرقة والقوة، والجمال والصلابة، بما يجعلها رموزًا لمقاومة القبح والتشظّي. فـ«سنديان الورد» تركيب يجمع بين صلابة السنديان ورهافة الورد، فيجسّد المخاطَب كقيمة جمالية وأخلاقية قادرة على الحماية والاحتضان في آن واحد.

بهذا المعنى، تتجاوز الصورة وظيفتها التزيينية لتصبح أداة معرفة وبناء رؤية، كما يذهب إلى ذلك بعض المنظّرين للصورة في الشعر الحديث، ومنهم من درس تحوّل الصورة من بلاغة الزخرفة إلى بلاغة الكشف، كصلاح فضل في "بلاغة الخطاب وعلم النص" وبعض دراسات حاتم الصكر حول الصورة والرمز في القصيدة العربية المعاصرة.

خامسًا: البعد النفسي – سيرة الحرمان والخذلان

يكشف النص عن حضور قوي للبعد النفسي من خلال صور الحرمان والوحدة والافتقار إلى الحماية. وتتجلّى هذه الرؤية بوضوح في صورة الطفل الذي:

"قد عاش طفلاً في المهادِ

وما رأى ثديًا ليرضع"

وهي صورة تتجاوز معناها الواقعي لتصبح رمزًا لحرمان عاطفي وروحي عميق، ولفقدان الحنان الأوليّ الذي تتأسّس عليه شخصية الإنسان. هذا الحرمان المبكر يتطوّر لاحقًا في صورة «الحمل النازف» الذي تتناهشه الأيدي:

"تركوه حملًا نازفًا

هذا يعضّ وذاك يقطع"

فتبدو الذات وكأنها محاطة بعالم مفترس، لا يقدّم لها الحماية بل يمارس عليها أشكالًا متعددة من الأذى. هنا تتشكّل سيرة رمزية للجرح النفسي الذي يبدأ منذ التكوين الأول للذات ويستمر في مواجهة واقع يفتقر إلى الرحمة والعدالة.

ويتعمّق هذا المعنى في شكوى الشاعر من غياب الحامي والسند:

"ما من حميٍّ بينكم

ما من مهيبِ القول يردع"

فانعدام "الحميّ" و"مهيب القول" يشير إلى سقوط المرجع الأخلاقي والاجتماعي، وترك الفرد وحيدًا في مواجهة عنف جماعي صامت أو متواطئ. في هذا السياق يظهر المخاطَب بوصفه الآخر المنقذ الذي تحتاجه الذات لتستعيد شيئًا من توازنها الداخلي: فهو "بلسم العشّاق" و"سنديان الورد" و"البستان الأبهى" الذي ينمو فيه البنفسج ويزهو الغناء حتى "يصغي الصوان ويسمع".

سادسًا: البعد التاريخي والسياسي – المثقف في مواجهة القمع

لا يقوم الشعر السياسي الحديث –كما تؤكّد تجارب كثيرة– على المباشرة والشعار، بل يعتمد الرمز والاستعارة والقناع بوصفها أدوات أكثر قدرة على تعميق المعنى. ومن هذا المنطلق يستدعي الشاعر شخصيتي ابن المقفّع وزرادشت بوصفهما رمزين ثقافيين يتجاوزان حضورهما التاريخي المباشر.

فابن المقفّع يحضر هنا رمزًا للمثقف المضطهد الذي دفع حياته ثمنًا لفكره، بينما يُستدعى زرادشت بوصفه رمزًا للحكمة والنور في مواجهة الظلام والنار:

"مهلًا زرادشت اللظى

هيّئ جليسك خير مرتع

هذا سليلُك راكعًا

ويريد أن يبكي ويخشع"

يتحوّل الشاعر إلى "سليل" لزرادشت، أي إلى امتداد لسلالة رمزية من الحكماء الذين واجهوا القمع والعنف. ويؤدي الجمع بين الشخصيتين إلى توسيع أفق القصيدة، بحيث تتحوّل من تجربة شخصية إلى تأمّل في الصراع الإنساني الدائم بين الحرية والقمع، وبين المعرفة والعنف.

سابعًا: البعد الأخلاقي وانهيار منظومة القيم

لا يقتصر احتجاج القصيدة على الجانب السياسي المباشر، بل يمتدّ إلى المجال الأخلاقي. فالشكوى من غياب "الحميّ" و"مهيب القول" تكشف عن أزمة قيم بقدر ما تكشف عن أزمة سلطة:

"ما من حميٍّ بينكم

ما من مهيبِ القول يردع"

فالشاعر لا يرثي فردًا قُتل ظلمًا فحسب، بل يرثي تراجع المروءة، وانكسار هيبة الكلمة، وغياب الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه الضعفاء والمقهورين. ومن هنا يكتسب النص بعدًا أخلاقيًا عميقًا يجعل من الرثاء فعل مساءلة للواقع وقيمه المتآكلة.

الخاتمة

تنجح «مرثية إلى ابن المقفّع» في الجمع بين أصالة الشكل وحداثة الرؤية، إذ يوظّف جواد غلوم القناع الشعري والإزاحة الدلالية والصورة الرمزية داخل بنية عمودية متماسكة، فيحوّل الشخصية التاريخية إلى رمز إنساني، والجرح الفردي إلى وجع جماعي، والرثاء إلى احتجاج أخلاقي وسياسي. وتكشف القصيدة عن قدرة الشعر على تجاوز حدود التجربة الذاتية ليعبّر عن قضايا الإنسان والمثقف الحر في مواجهة القمع والتهميش، حيث يغدو الجمال نفسه فعل مقاومة في وجه القبح والعنف وانهيار القيم.

وبذلك تؤكد هذه القصيدة أن تجديد الشعر العربي لا يتحقق بالضرورة عبر مغادرة الأشكال التراثية، بل يمكن أن ينبع من داخلها عندما تُشحَن برؤية معاصرة وطاقة رمزية قادرة على إعادة إنتاج المعنى. ومن هنا تبدو القصيدة العمودية، في تجربة جواد غلوم، شكلًا حيًّا ومفتوحًا على أسئلة الحاضر، وقادرًا على احتضان رؤى إنسانية وجمالية تتجاوز حدود الزمن والمناسبة.

***

سهيل الزهاوي

......................

مرثية الى ابن المقفّع

أعــرفـتَ قــبـــرَ ابـن المــقـفّعْ

صــار الثــرى عـيـناً ومدمــع

قــوســـي تــكسّــر كالـزجــاجِ

فــمـا بــدا للــقــوسِ مـــنــزعْ

قــد كَـــثَّ رأســـي بــيــنــكـم

لــكــنّ عــطــفــكمــو تصــلّع

وبـقيــت انـت كمـا الضــحـى

أنــقـى مـن الرؤيـا وأنصــع

تــأتي الجــمــال بـساعـديــكَ

وتــقبــرُ القــبـــحَ المــقــنّــع

يا بـلسـمُ العــشّــاقِ ، تشــفي

كــلَّ ذي شــــوقٍ تــــوجّـــع

يــا ســنــديـــان الــوردِ فــي

بستـــانـِك الابــهى تــضوّع

وبــفــيءِ روضِـك قــد نــما

زهــرُ البــنـفســج ثــم أيْنــع

وزهــا الــغــنــاءُ بـــشــدْوهِ

فصغى الصوانُ وراح يسمع

اللــؤلـؤ المــكنــون لايَــبـلى

وإن يُـنــسـى ويظــلّ اروع

مـهــلاً زرادشــت اللــظــى

هيئ جليـسَك خــيـرَ مرتــع

هــــذا سـلــيــلُـك راكــعـــاً

ويــريدُ ان يــبـكي ويـخشع

قــد عـاش طفـلاً في المهادِ

ومــا رأى ثــدْيـاً ليــرضع

تــركـوه حــمْــلاً نــازفـــا

هــذا يعـضُّ وذاك يقـطـع

مـامِــنْ حَـمِيٍّ بــيــنــكـــم

مامِـن مَهيبِ القول يـردع

***

جواد غلوم

أحلام مستغانمي نموذجًا

يشهد المشهد الثقافي العر في العقود الأخيرة تحولات متسارعة في أنماط القراءة والتلقي، خاصة لدى فئة الشباب التي أصبحت تتعامل مع النصوص الأدبية ضم فضاءات رقمية وثقافية جديدة. وفي هذا السياق برزت كتابات أحلام مستغانمي بوصفها ظاهرة أدبية وجماهيرية تجاوزت حدود النخبة الأكاديمية إلى جمهور شبابي واسع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين القراءة الشبابية وتحولات الخطاب النسوي في أعمال أحلام مستغانمي، من خلال الكشف عن الآليات السردية والجمالية التي أسهمت في إعادة تشكيل صورة المرأة العربية داخل النص الروائي، ومدى قدرة هذا الخطاب على استقطاب القارئ الشاب وإعادة إنتاج المعنى في ضوء المتغيرات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: القراءة الشبابية، الخطاب النسوي، أحلام مستغانمي، التلقي، السرد النسوي، الهوية الثقافية.

المقدمة

شهد الأدب العربي المعاصر تحولات جوهرية في تمثيل قضايا المرأة، تزامنت مع تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة مست بنية المجتمعات العربية وأنماط تلقي النصوص الأدبية. وقد أسهمت الكتابة النسوية في إعادة صياغة العلاقة بين الذات الأنثوية والعالم، عبر تجاوز الصور التقليدية للمرأة بوصفها موضوعًا للسرد، لتصبح ذاتًا فاعلة ومنتجة للخطاب.

وتُعد أحلام مستغانمي من أبرز الأصوات السردية العربية التي استطاعت أن تؤسس خطابًا أدبيًا يجمع بين الحس الجمالي والوعي النقدي، الأمر الذي جعل أعمالها تحظى بانتشار واسع بين القراء الشباب. فقد تحولت رواياتها إلى فضاء تعبيري يلتقي فيه الهم الشخصي بالهم الجمعي، والبعد العاطفي بالبعد الفكري، مما جعلها مادة خصبة لدراسة العلاقة بين القراءة الشبابية وتحولات الخطاب النسوي.

إشكالية الدراسة

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف أسهمت القراءة الشبابية في إعادة تشكيل وتداول الخطاب النسوي في روايات أحلام مستغانمي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية:

ما الخصائص الجمالية والفكرية للخطاب النسوي عند أحلام مستغانمي؟

كيف يتفاعل القارئ الشاب مع هذا الخطاب؟

ما التحولات التي طرأت على مفهوم النسوية في المتخيل السردي المستغانمي؟

كيف ساهمت وسائل التواصل الحديثة في انتشار هذا الخطاب وتداوله؟

أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة من:

تناولها العلاقة بين الأدب والقراءة الشبابية في السياق العربي المعاصر.

الكشف عن تحولات الخطاب النسوي في الرواية العربية.

دراسة تجربة أحلام مستغانمي بوصفها نموذجًا للتفاعل بين الأدب والجمهور الشبابي.

الإسهام في فهم آليات التلقي الثقافي في العصر الرقمي.

أولًا: القراءة الشبابية وتحولات التلقي الأدبي

لم تعد القراءة في العصر الرقمي عملية فردية معزولة، بل أصبحت ممارسة اجتماعية تتداخل فيها التكنولوجيا مع الثقافة. فالشباب لا يكتفون بقراءة النص، بل يعيدون إنتاجه عبر الاقتباسات والمنشورات الرقمية والتعليقات التفاعلية.

وفي هذا السياق اكتسبت روايات أحلام مستغانمي حضورًا استثنائيًا، إذ تحولت مقاطعها السردية إلى نصوص متداولة على المنصات الرقمية، مما منحها حياة جديدة خارج الكتاب الورقي.

ومن منظور جمالية التلقي، فإن القارئ الشاب لا يتعامل مع النص بوصفه بنية مغلقة، بل يشارك في إنتاج دلالاته، وهو ما يفسر تعدد القراءات لروايات مستغانمي واختلاف تأويلاتها.

ثانيًا: الخطاب النسوي في مشروع أحلام مستغانمي السردي

لا يقوم الخطاب النسوي عند أحلام مستغانمي على المواجهة الأيديولوجية المباشرة، بل يتجلى عبر بناء ذات أنثوية تمتلك الوعي والقدرة على التعبير.

وتظهر المرأة في أعمالها بوصفها:

ذاتًا مفكرة لا موضوعًا للرغبة.

فاعلًا ثقافيًا يمتلك سلطة السرد.

كائنًا يبحث عن هويته في مجتمع متغير.

ويلاحظ أن الكاتبة تعيد صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة بعيدًا عن الثنائية التقليدية القائمة على الهيمنة والخضوع، لتطرح نموذجًا أكثر تعقيدًا يقوم على الحوار والصراع والتفاوض الرمزي.

ثالثًا: اللغة الشعرية بوصفها أداة لتجديد الخطاب النسوي

تمثل اللغة أحد أهم عناصر نجاح التجربة المستغانمية لدى الشباب.

فالنص المستغانمي يعتمد على:

التكثيف الشعري.

الصورة البلاغية.

الجمل القصيرة القابلة للاقتباس.

المزج بين العاطفة والتأمل الفكري.

وقد ساهمت هذه الخصائص في جعل النص قريبًا من الذائقة الشبابية المعاصرة التي تميل إلى التعبير المكثف والسريع.

إن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تمارس دورًا ثقافيًا في إعادة تشكيل صورة المرأة وإنتاج خطاب جديد حول الهوية والحرية والحب.

رابعًا: المرأة بين الذاتية والهوية في المتخيل السردي

تكشف روايات أحلام مستغانمي عن انتقال المرأة من موقع التمثيل الرمزي إلى موقع الفاعلية السردية.

فالأنثى في نصوصها:

تروي تجربتها الخاصة.

تعيد كتابة ذاكرتها.

تواجه السلطة الاجتماعية والثقافية.

تسعى إلى بناء ذاتها المستقلة.

ومن هنا يصبح السرد فعل مقاومة رمزية ضد التهميش، كما تتحول الكتابة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهوية النسوية داخل المجتمع العربي.

خامسًا: التفاعل الرقمي وإعادة إنتاج الخطاب النسوي

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا مهمًا في تداول نصوص أحلام مستغانمي.

فبدل أن تبقى الرواية داخل المجال الأدبي التقليدي، أصبحت:

مادة للنقاش الثقافي.

مصدرًا للاقتباسات اليومية.

أداة للتعبير عن المشاعر والمواقف.

وسيلة لبناء هويات شبابية جديدة.

وقد أسهم هذا التداول في توسيع دائرة تأثير الخطاب النسوي، وتحويله من خطاب أدبي إلى ممارسة ثقافية تتجاوز حدود النص الأصلي.

النتائج

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

أسهمت القراءة الشبابية في توسيع انتشار الخطاب النسوي لدى أحلام مستغانمي.

اعتمدت الكاتبة خطابًا نسويًا جماليًا يتجاوز الطرح الأيديولوجي المباشر.

لعبت اللغة الشعرية دورًا محوريًا في جذب القارئ الشاب.

أعادت الروايات تشكيل صورة المرأة بوصفها ذاتًا فاعلة ومنتجة للمعنى.

ساهم الفضاء الرقمي في إعادة إنتاج الخطاب النسوي وتداوله على نطاق واسع.

أوجدت كتابات مستغانمي نموذجًا جديدًا للعلاقة بين الأدب والقراءة الشبابية في العالم العربي.

الخاتمة

تكشف تجربة أحلام مستغانمي عن قدرة الأدب النسوي العربي على التفاعل مع التحولات الثقافية والاجتماعية المعاصرة. فقد استطاعت الكاتبة أن تبني خطابًا يجمع بين الجمالية الأدبية والوعي النسوي، الأمر الذي جعل أعمالها تحظى بقبول واسع لدى الشباب. كما أظهرت الدراسة أن القراءة الشبابية لم تعد مجرد فعل استهلاك للنص، بل أصبحت عملية إنتاج مستمرة للمعنى، تسهم في إعادة تشكيل الخطابات الثقافية وتداولها في الفضاء العام.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...................

الهوامش

عبد الله الغذامي، المرأة واللغة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي.

محمد برادة، أسئلة الرواية وأسئلة النقد.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

المراجع العربية

أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، دار الآداب، بيروت.

أحلام مستغانمي، فوضى الحواس، دار الآداب، بيروت.

أحلام مستغانمي، عابر سرير، دار الآداب، بيروت.

عبد الله الغذامي، المرأة واللغة.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

محمد برادة، أسئلة الرواية وأسئلة النقد.

نبيل سليمان، النقد النسوي وإشكاليات السرد العربي.

عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية.

المراجع الأجنبية

Simone de Beauvoir, The Second Sex.

Elaine Showalter, A Literature of Their Own.

Judith Butler, Gender Trouble.

Toril Moi, Sexual/Textual Politics.

Hélène Cixous, The Laugh of the Medusa.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

Roland Barthes, The Pleasure of the Text.

Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production.

Stuart Hall, Cultural Identity and Representation.

نتوخى من هذه الملامسة النقدية، الإصغاء لجمالية الانزياح الذي تشخصه وتستضمره النصوص الشعرية في ديوان " فكرة صائبة " للشاعر المغربي إدريس علوش، الصادر في طبعة أنيقة عن خطوط وظلال للنشر والتوزيع بعمان، في 91 صفحة، ويشتمل القصائد التالية: فكرة صائبة عني، لا تلمسه، "آل" هؤلاء، الطفل البحري ثانية، أمانوفا، " القريقية"، الليل مهنة الشعراء وكفى، دالية الذهول، سر الكتاب، شرفة الأطلسي، على نفس اليابسة.

ولعل أول ما تقع عليه عين القارئ المقبل على هذه الباقة الشعرية، عنوانها الرئيس " فكرة عني " الذي يمنحه" هوية الرسمية.. وهو الذي يثير في المتلقي حفيظة الذائقة المرجوة من قراءته وتلقيه، ويثير فضوله 1"، من هنا غدا الوقوف عند هذا العنوان الذي اختاره لما يتوفر عليه من إغراء وإثارة، وقبول التأويل.

وعليه، جاء العنوان جملة اسمية تتكون من لفظتين:

- " فكرة، الفكرة تدل صورة ذهنية واقتراحا من خلال عملية التفكير العميق والتأمل،

- أما عني أنا الشاعر، مما يحيلنا إلى تجانس.

- سيرة الأنا وسيرة الكتابة لدى الشاعر.

سيرة

وباستكناهنا لمفهوم الانزياح بداءة، يتبدى لنا أنه من الظواهر الأدبية الهامة في الدرس النقدي الذي يقارب النص الشعري على أنه لغة مخالفة للكلام العادي والمألوف، لأن النص الأدبي على الدوام يروم تحقيق هويته من خلال الشذوذ والاختلاف عن الخطاب المتداول.

وفي ضوء هذا الفهم ؟:3

منزويا

في المكان كعندليب المساءات

تشدو قصيدة الغياب

بمفردك فاكهة الموت

على مرأى من نوارس الضفاف

وتضرب موعدا للرحيل المبكر

ا

ل

م

ك

ر

يختار الشاعر نوعا من الانزياح يستند فيه إلى تقنية تشظية الكلمات، وفق حروف موصولة بلواحقها، على شاكلة ملفوظ " م ب ك ر ا "، كما في النموذج التالي

الشيء الذي لم يألفه المتلقي أضفى على التعبير لونا من ألوان الشذوذ والنشاز والتمرد على التقاليد الشعرية، بيد أن هذه التشظية، تنسجم والسياق الشعري الذي يتوخاه الشاعر من " الانزواء، الغياب، الموت، الرحيل "، مرايا تعكس تمزقات الذات وتشظيها، ومن ثم تحويل حروف الكلمة إلى فواعل شعرية تدعم الواقع النصي.

 إن المقبل على نصوص الديوان يثير انتباهه كثافة خرق قانون الربط بين وحدات النص بالتخلي عن أدواته، وهذا لا يعني خلو النص من أي رابط يصل بين جمله بل لجأ الشاعر إلى الاستعاضة عنه بربط من طبيعة نفسية، ومن نماذج هذا الإلغاء تبنى تقنية ترك البياضات:

" وكأسك..؟

هل شربته عن آخره أولا..؟

*

معك أنا في خراب النص،

واللحظة،

والقصيدة..

يتبنى النموذج أعلاه، تقنية ترك بياضات فارغة بين المقاطع، تعويصا للرابط التقليدي: وبالرغم من ما يجمع المقطع من تنافر " الكأس، والقصيدة "، كما يبدو للقراءة الأولى، لكن بالإنصات يقيم وحدة عضوية باطنية للنص تتجلى في تجانس لحظة النبيذ ولحظة الكتابة، و الشعر "الشعر نبيذ في زجاجة" على رأي الشاعر الفرنسي " غيوم أبولينير"

نصادف إلغاء ثانيا للرابط اختار تقنية الترقيم و*ارتقاء بهذا الإلغاء يختار الشاعر لمقاطعه الشعرية عنوان قصيدته "ا ل ق ر ي ق ي ة "

الترقيم

ولا يخفى استثمار الشاعر الذي يعد خرقا لنقاوة اللغة وصفائها، وبعودتنا لنصوص الديوان نلفي عنوان منشدا إلى توظيف اللسان الفر

ومهما تكن حوافز هذا الانزياح التركيبي، فإن للشاعر دوافعه الخاصة، أسباب نزول نصه الشعري، ولعل من أبرزها، تطلعه إلى تحقيق خصوصية نصية يختلف بها عن المألوف والأعراف الشعرية المتداولة.

***

عبد الله المتقي

اشتهر تولستوي على نحو خاص بثلاث روايات هي: «الحرب والسلام»، و«آنا كارينينا»، و«البعث». وقد تجلّت في هذه الأعمال بأكمل صورة أفكاره ورؤاه، سواء ما تعلق منها بالمجتمع بوصفه كياناً عاماً، أم بالإنسان الفرد وما يعتمل في نفسه من قضايا وأسئلة. غير أن رواية «البعث» تحتل مكانة خاصة بين هذه الأعمال؛ فهي ثمرة المرحلة الأخيرة من حياة الكاتب، وفيها بلغ انشغاله بالمسائل الأخلاقية والاجتماعية والدينية ذروته. ولم يكتفِ تولستوي فيها بتصوير الواقع أو نقد بعض جوانبه، بل سعى إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها المجتمع كله: العدالة والقانون والعقاب والملكية والدين والعلاقة بين الإنسان وضميره.

ومن خلال قصة الأمير نِخليودوف ومحاولته التكفير عن خطأ ارتكبه في شبابه، تتحول الرواية إلى رحلة طويلة في أعماق النفس البشرية، وإلى لوحة واسعة للمجتمع الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، بكل ما فيه من تناقضات وظلم وآمال. ولهذا تبدو «البعث» أكثر من مجرد رواية؛ إنها شهادة أخلاقية وفكرية كتبها تولستوي وهو يقف عند منعطف حاسم من حياته، محاولاً أن يجيب عن السؤال الذي شغله طوال سنواته الأخيرة: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟

القصة التي ألهمت تولستوي

في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، روى رجل القانون الروسي الشهير أناتولي كوني لصديقه ليف تولستوي حادثة واقعية. وقد تأثر تولستوي بها تأثراً بالغاً، واتخذها فيما بعد أساساً لروايته «البعث». كانت بطلة القصة فتاة تُدعى روزاليا، ابنة مستأجر فنلندي أرمل. وبعد وفاة والدها انتقلت إلى منزل أسرة ثرية لتتلقى تربيتها هناك، حيث أغواها شاب نبيل من أسرة عريقة كان ضيفاً على أصحاب الدار، ثم تخلى عنها بعدما حملت منه. طُردت الفتاة من المنزل، وتدهورت حياتها تدريجياً حتى انتهى بها المطاف في عالم الدعارة، قبل أن تُقدَّم إلى المحكمة متهمة في قضية جنائية.

لكن المفارقة المأساوية تمثلت في أن أحد أعضاء هيئة المحلفين الذين نظروا في قضيتها كان ذلك الشاب نفسه. وعندما تعرّف إليها بعد سنوات طويلة، استيقظ ضميره وقرر التكفير عن خطيئته بالزواج منها وهي في السجن. وكان كوني، الذي شغل آنذاك منصب المدعي العام في محكمة بطرسبورغ، شاهداً على هذه الأحداث.

هزّت القصة تولستوي إلى حد أنه كتب في مذكراته في اليوم التالي: «فكرت كثيراً في هذه القصة طوال الليل». بل إنه طلب من كوني أن يحولها إلى عمل أدبي من دون أي إضافات أو اختلاقات. غير أن انشغالات كوني حالت دون تنفيذ الفكرة، وعندما عاد تولستوي بعد أشهر وسأله إن كان مستعداً للتنازل له عن الموضوع، وافق على الفور. وهكذا بدأ الكاتب العمل على ما كان يسميه في رسائله ومذكراته «قصة كوني».

استغرق إنجاز رواية «البعث» ما يقرب من عشر سنوات، غير أن ذلك لا يعني أن تولستوي انصرف إليها طوال هذه المدة دون انقطاع، بل كان يعود إلى مخطوطتها بين حين وآخر، تاركاً إياها أحياناً لأشهر أو سنوات قبل أن يستأنف العمل عليها من جديد. ففي عامي 1889 و1890 وضع المسودات الأولى متخيلاً إياها قصة قصيرة تنتهي بزواج البطلين ونيلهما السعادة. غير أنه لم يقتنع بهذه الخاتمة ولا بالإطار الضيق للقصة، فترك المشروع جانباً.

وعندما عاد إليه بين عامي 1895 و1896، كانت رؤيته قد اتسعت وتعَمّقت. فلم تعد المسألة بالنسبة إليه مجرد حكاية عن خطيئة وتوبة فردية، بل أصبحت وسيلة لكشف أوجه الظلم الاجتماعي والقضائي في روسيا القيصرية. عندئذ تحولت روزاليا إلى كاتيوشا ماسلوفا، وأصبح الشاب النبيل الأمير نيخليودوف، واتسعت القصة تدريجياً لتغدو رواية اجتماعية وفلسفية كبرى.

أما المرحلة الحاسمة فجاءت في عامي 1898 و1899. ففي تلك الفترة انكب تولستوي بحماسة كبيرة على إعادة صياغة العمل وتوسيعه. وخلال هذه المراجعات المتلاحقة تحولت القصة إلى رواية واسعة الأفق، ذات موضوعات سياسية واجتماعية ملحة. فقد رسمت صورة للفلاحين الذين أنهكهم الفقر، وقوافل السجناء في طريقها إلى المنافي، وعالم المجرمين، والطوائف الدينية المنشقة، والمنفى السيبيري وضحاياه من الثوريين. كما تضمنت إدانة صارخة للمحاكم والكنيسة والإدارة الحكومية والطبقة الأرستقراطية العليا، بل وللنظام السياسي والاجتماعي بأسره في روسيا القيصرية.

وفي تلك السنوات نفسها كان تولستوي بحاجة إلى المال للمساهمة في تمويل هجرة جماعة الدوخوبور(1) المضطهدة من روسيا إلى كندا، فباع حقوق نشر الرواية، وهي ما تزال غير مكتملة، إلى مجلة «نيفا». وقد فرض النشر المتسلسل على الكاتب عملاً مرهقاً ومتواصلاً؛ فكان يكتب الفصول الجديدة ويعيد تنقيح الفصول السابقة في الوقت ذاته الذي كانت المجلة تنشرها تباعاً.

ولكي يضفي على روايته أكبر قدر من الصدق والواقعية، زار تولستوي سجن بوتيركا في موسكو، وأجرى أحاديث مطولة مع موظفي السجون، واستمع إلى شهادات السجناء والحراس، ودرس بدقة أوضاع المحكومين بالأشغال الشاقة وطرق نقلهم إلى سيبيريا. وقد انعكست هذه الخبرة المباشرة بوضوح في الصفحات التي تصف عالم السجون والمنفيين، والتي تعد من أكثر أجزاء الرواية قوة وتأثيراً.

وكان من عادته ألا يرضى عن النص مهما بدا مكتملاً. فحتى بعد إرسال الصفحات إلى المطبعة، كان يستعيد البروفات ليواصل تعديلها، مضيفاً فقرات جديدة، ومغيراً الحوارات، ومعمقاً الأبعاد النفسية للشخصيات. ولذلك ظلت الرواية تتطور وتتغير حتى أثناء نشرها المتسلسل.

ومن أبرز ما طرأ على العمل خلال هذه المراجعات المتأخرة تغيير خاتمته نفسها. فالنهاية الأولى، التي كانت تنتهي بزواج نيخليودوف من كاتيوشا، بدت لتولستوي غير مقنعة من الناحية النفسية والفنية. ولهذا استبدلها بخاتمة أكثر واقعية وعمقاً، أظهر فيها البعث الأخلاقي الحقيقي لكاتيوشا، التي اختارت أن توحد مصيرها بمصير أحد الثوريين المنفيين إلى سيبيريا، بينما وجد نيخليودوف خلاصه في تحوله الروحي وإدراكه لمسؤوليته الأخلاقية.

وفي التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1899 وضع تولستوي النقطة الأخيرة في «البعث». وقد بدا هذا الحدث لمعاصريه رمزياً على نحو خاص، إذ جاء عند العتبة الفاصلة بين قرنين. فكتب الناقد فلاديمير ستاسوف: «بهذه الأعمال يختتم القرن التاسع عشر مسيرته ويستقبل القرن العشرون عهده الجديد». أما الشاعر ألكسندر بلوك فقد وصف الرواية لاحقاً بأنها «وصية القرن الراحل إلى القرن الجديد»، وهو وصف يلخص المكانة التي احتلتها «البعث» بوصفها آخر روايات تولستوي الكبرى، وأحد أهم الأعمال التي ودّع بها الأدب الروسي القرن التاسع عشر.

ولم تكن «البعث» مجرد رواية جديدة في مسيرة تولستوي، بل خلاصة تأملاته الأخلاقية والفكرية في الإنسان والمجتمع والدولة والدين. لذلك أثارت منذ صدورها جدلاً واسعاً، فتعرضت بعض فصولها للحذف والمنع في الصحافة الروسية، كما كانت من الأسباب التي دفعت المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى إصدار قراره الشهير عام 1901 بحرمان تولستوي من الانتماء إلى الكنيسة بسبب انتقاداته الحادة للمؤسسة الدينية الرسمية.

ومن المفارقات أن القصة الواقعية التي استلهم منها الرواية انتهت نهاية أكثر مأساوية من العمل الأدبي نفسه؛ إذ توفيت المرأة في السجن بمرض التيفوس قبل أن يتحقق مشروع الزواج والتكفير الذي كان الرجل يحلم به.

لهذا لم تكن «البعث» مجرد حكاية عن سقوط امرأة وندم رجل، بل صرخة أخلاقية مدوية ضد الظلم الاجتماعي والقضائي، وضد النفاق الديني واللامبالاة الإنسانية. وفي صفحاتها خاض تولستوي حواراً عميقاً مع عصره ومع الأجيال المقبلة، مجسداً فكرته الأساسية التي لخصها في إحدى أشهر عبارات الرواية: «ليس الناس مذنبين لأنهم أشرار بطبيعتهم، بل لأنهم لا يعرفون الحقيقة أو يرفضون أن يعيشوا وفقاً لها».

***

د. جودت هوشيار

............

(1) الدُّوخوبوريون (أو الدوخوبور) جماعة دينية روسية منشقة نشأت في القرن الثامن عشر. كانوا يرفضون التسلسل الهرمي الكنسي، والأيقونات، والطقوس الدينية الرسمية، ويدعون إلى نبذ العنف والإيمان بوجود الشرارة الإلهية في كل إنسان. وبسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له من الحكومة القيصرية، انتقل قسم منهم إلى القوقاز، ثم هاجر لاحقاً إلى كندا بدعم من ليف تولستوي

قِراءةُ فِي دِيوانِ حُسينِ الهّاشمٍيّ (اِحتيَالٌ عَلَى الفُصُولِ)

مِهادُ التَّقديمِ: لا شكَّ أنَّ اللُّغة الشعريَّة الَّتي هي لُغة الإبداع الشِّعري تختلف بطبيعة الحال عن اللُّغة التقليديَّة العادية التي هي لُغة الحياة اليومية؛ كونها تقومُ فنيَّاً على خاصيَّة الانحراف اللُّغوي والميل الانزياح التعبيري عن ما هو مألوف في السياق الُلغوي. فيا تُرى ما المقصود بمفهوم الانزياح؟ وما معنى مُصطلح الشِّعرِيَّةِ؟ وهذا ما نسعى إلى فهمه وتقريبه وتوضيحه في دراستنا النقدية لديوان الشاعر حُسين الهّاشميّ (احتيالٌ على الفصولِ).

إنَّ مفهوم الشِّعريَّة في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ دلاليٍ، تعني الاهتمام بالقوانين العامة الداخلية للشعريَّة، أو الالتزام بقواعد الفنِّ وآلياته التي تجعل من النصَّ الشعري أدبيَّاً مَحضاً. ولا تعني دراسة قصيدةٍ ماأو نصِّ شعريٍّ بعينه كما هو مفهوم عند بعض الأدباء إشكالاً أو فهماً خاطئاً.

لذلك أنَّ مفهوم الشِّعريَّة كما يُعرِّفُها تزفيتان تودوروف، هي" العلمُ الذي يَدرسُ الخصائص المجرَّدة للأدب، أي القوانين والبنيات التي تشترك فيها النصوص الأدبية". إذن الشِّعرية تعني علماً وليست الشِّعر نفسه كما يظنُّ بعضُّ الآخرين من الأباء والشعراء. وعلى وفق تعريف تودوروف فإنَّ مصطلح الشعريَّة يهتمُّ بالعموم وليس بالخصوص، وبما هو كليٌّ وليس بما كان جزئيَّاً.

والشِّعريَّةُ الحقيقيَّةُ تُركِّزُ بالدرجة الأولى على أهمية البناء النصِّي للخطاب الشعري، وعلى صلةِ العَلاقات الترابطية بين عناصره الأوليَّة بالدرجة الثانية، وبالتالي النظر إلى الاشتراطات والقواعد والآليات التي تمنحه الصفة الأدبية التي هي أساس الشِّعريَّة وأُسها البنائي المكين عند تودوروف. ومن باب فكِّ الاشتباكِ، فإنَّ الشِّعريَّة لا تنحصر على خاصيَّة الشعر فحسب، وإنَّما تهتمُّ بخطاب السَّرديات الحكائيَّة عامةً والأنواع الأدبية الأخرى، والعلاقات الداخليَّة العامَّة التي تحكمها ترابطيَّاً.

أمَّا المقصود بمفهوم الانزياح، فإنَّ الانزياحَ يعني كسر توقُّع المألوف اللُّغوي التعبيري العام وتحطيم أساس جُدُر سياقاته المعجمية الإطارية الآنيَّة؛ وذلك من خلال خروج النصُّ الشعريُّ وانحرافه عن خطِّ سكَّة نسق سياقاته التعبيريَّة المألوفة، أو ميله عن قواعده المعروفة في لغة الحياة العاديَّة التي هي بالطبع لُغة الاستعمال اليومي؛ بهدف إحداث تعبيرٍ إيحائيٍّ وجماليٍّ جديدٍ ماتعٍ لَذيذٍ.

لكون لغة الشعر تهدف إلى إحداث إدهاشٍ ذهني وإمتاعٍ نفسي وتأثير فنَّي كبير على لُغته المباشرة. وبما أنَّ الانزياح يقوم لُغوياً على انتهاك قواعد اللُّغة العادية، والانحراف عن سكتها النسقيَّة الراكزة؛ فإنَّ شعرية الانزياح اللُّغوي تقوم بنيتها التعبيريَّة والفنيَّة الأُسلوبيَّة على خرق مستويات عدِّةٍ من اللُّغة العامَّة؛ لتكون لُغة أدبٍ، وهذا الخروق الشعري السافر عن اللُّغة التعبيريَّة دفع الناقد والمفكِّر اللِّساني الفرنسي جون كوهين في كتابه (بنيةُ اللُّغة الشِّعريَّة) على إيجاد ثلاثة أنواع من الانزياحات اللُغويَّة في الشعر، وبالشكل التعريفي الأتي الذي يمكن أنْ ندرسه إجرائيَّاً:

النوع الأول-الانزياح الدلالي: الخاصّ بالدال والمدلول، أي إعطاء الكلمات والمفردات اللُّغويَّة معانيَ غيرَ معانيها الأصلية المألوفة للقارئ، وإلباسها ثوباً جديداً من بلاغة التعبير الصوري الشعري.

النوع الثاني- الانزياح التركيبي: وهو الذي يظهر جليَّاً في البناء التركيبي للجُملة ومخالفة نظامها القواعدي النحوي المعتاد في توخِّي النظم. وتبدو تمثُّلاته واضحةً في أُسلوبيَّة التقديم والتأخير وفي تقنية الحذف أو الفراغات أو البياضات المتروكة في بناء الجمل التي تكسر نظام المألوف السياقي المعتاد في الجملة؛ وذلك بخلق جملٍ شعريةٍ أكثر نضوجاً وبلاغةً وتعبيراً بنائياً وجمالياً جديداً.

النوع الثالث- الانزياح الصوتي (الإيقاعي): وهو ما يتعلَّق بنظام البنية الإيقاعية، أو ما يسمَّى بموسيقى الإيقاع الشعري الداخلي، مثل تقنية التَّكرار الصَّوتي أو الجناس البلاغي الذي يمنح اللُّغة الشِّعريَّة شَكلاً جماليَّاً وفنيَّاً ماتعاً ومحبَّباً لنفس القارئ الذي ينجذب إليه في آليات التلقِّي القرائي.

وعلى وفق تقسيمات جون كوهين الثلاثة لأنواعه، فإنَّ الانزياح التعبيري يهبُ النصَّ الأدبيَّ روحَ الشِّعريَّةِ، ويخلِّصُ اللُّغة العادية من الإملال والتقريريَّة والمباشرة الممقوتة والخروج بها إلى لُغة الإمتاع والإدهاش، ويفتح نافذةً تأمليَّةً للتأويل الفكري والتحليل الهرمنيوطيقي الذهني، ويُحرِّضُ المتلقِّي أو القارئ على المشاركة في إنتاج المعنى. بمعنى أنَّ الشعر في تكوُّناته الجديدة لا يُعيد إنتاج الواقعة الشعريَّة والموضوعيَّة، بل يُعيدُ تَشكُّلاتها الشكليةَ الجمالية إمتاعيَّاً وفنيَّاً.

إنَّ الشعريَّة الانزياحية لا يمكن أنْ تحدث أو تتحقَّق نصيَّاً إلَّا عندما تنحرف اللُّغة عن وظيفتها الأصلية العادية والإخباريَّة،، فتتحوَّل إلى لُغةٍ شعريةٍ لها مُوحياتها الفنيَّة والجماليَّة الابتداعيَّة المدهشة. وخلاصةُ القولِ، إنَّ الانزياح اللُّغوي والتركيبي والصوتي يُمكِّنُ الشاعرَ من تشكيل اللُّغة عبر المجازات اللُّغوية والاستعارة والتقديم والتأخير والحذف والتَّكرار الفنِّي، وهذا ما يمنح النصَّ الشعري الجديد طاقةً تعبيريَّةً إيحائيةً جديدةً في الحداثة الشعريَّة عبر آليَّات لُغة التعبير الرمزي.

والانزياح الشعري على الرغم من كون جذوره الأولى تعدُّ قديمةً وضاربةً بعيداً في أقبيةِ التراث العربي بشكلٍ من الأشكال ولم يكن مفهوماً بهذه الشاكلة الحداثوية كمصطلحٍ نقديٍ، بيدَ أنَّ أصولَهُ تنحدر من النقد الغربي وأدبه بمفهوم الانحراف أو التغريب كما هو عند أدب الشَّكلانيين الروس.

عَتبةُ العُنوانِ الشِّعريَّةُ (المَوضوعُ) = عَتبةُ الدِّراسةِ الّنقديَّةِ (المَنهجُ):

 (اِحتيالُ عَلى الفُصُولِ)، هي عتبةُ عنوان المُدوَّنة الشعرية الرئيسة، والتي هي بالطبع تعدُّ من أهُمِّ وأبرزِ عتبات النصِّ الشعري الموازي (الخِطابُ الشِّعريُّ)، وأكثرها حضوراً إبلاغيَّاً ووظيفياً. وهي بوابة الدخول الرئيسة إلى مدينة الشعر الفاضلة والنفاذ إلى عوالمها الداخليَّة ورؤاها السحريَّة.

أمَّا القسم الثاني من الدراسة النقدية الموسوم بـ (اِحتيالٌ في شعريَّةِ الانزياحِ)، فهوعنوان الدراسة النقديَّة الموازي لعتبة المدوَّنة الشعرية التي نشتغل عليها منهجيَّاً. وأنَّ تكرار لفظة (اِحتيالٌ) مرتين في عتبة الدراسة النقدية، ما هي إلّاَ رابط لتأكيد المعنى بين عنواني العمل الأدبي (احتيالٌ على الفصول)، والمشتغل النقدي للدراسة (احتيالٌ في شِعريَّة الانزياح)، أي قراءة في شعر حسين الهاشمي. والمعادل الموضوعي للمقاربة العنوانية الموضوعية بين عتبة عنوان العمل الأدبي، وعتبة الدراسة هو كلمة (احتيالٌ) بين الشعر والنقد، والموضوع والمنج النقدي الاشتغالي. ولعلَّ هذه المقاربة الإنتاجية التي هي إبداع شعري على إبداع نقديٍّ تحتاج لتفصيلٍ وتوضيحٍ وتقريبٍ للمعنى.

الشاعر في منتجة الإبداعي (احتيالٌ على الفُصولِ) يُخبِرُ القارئ في (ثُريَّا عنوانه) الإبداعي الكُلِّي الرئيس بأنَّه يحتالُ شعرياً وفكرياً وبلاغياً على الفصول. أي أنَّه يستعمل الانزياح اللُّغوي الدلالي كأداة (اِحتيالٍ) مُهمَّةٍ على المألوف التقليدي الرتيب، والذي هو احتيالٌ ماتعٌ ولذيذٌ على دورة الزمن الفلكية، أو ما يمكن أن نسميه بعملية تمرِّدٍ ذاتي على إيقاع الفصول الأـربعة وتقلُّباتها الزمكانية.

وبالنتيجة هي انحرافٌ أو ميلٌ في شِعريَّة الانزياح التي تعدُّ تغريباً في أُسلوبية التعبير البلاغي الفني الجديد. وعلى وفق ذلك التفكيك والتحليل اللُّغوي والدلالي للعنوان، فإنَّ هناك تَراسُلاً لفظيَّاً قويَّاً يكمن في تأكيد وتثبيت معنى دلالة (الاحتيالُ) كموازنةٍ اشتغاليَّةٍ بين العنوان الشعري والعنوان النقدي للدراسة. وهذا التراسل اللَّفظي الدلالي بين كلا الاثنين يُفسِّر العَلاقة الحميمية الوثيقة بينهما ويطرح السؤال الفكري التالي طالباً الإجابة عنه: كيف يكون الانزياحُ اللُّغوي احتيالاً شعرياً ونقدياً؟

-يكون الانزياح احتيالاً نقدياً تفكيكيَّاً عندما يكون الشعر احتيالاً إبداعيَّاً مُدهشاً وغَرائبياً؛ لأنَّ الكلام سيكون على تقنية مفهوم الانزياح نفسه، وليس على البنية الشِّعريَّة أو السرديَّة أو البنية الموسيقيَّة (الإيقاعية)؛ لذلك فإنَّ فكَّ الاشتباك بين الاشتغالين الإبداعيينِ (الشعر والنقد) يُلقي بالسؤال الإشكالي الآتي: هل الانزياح يُعدُّ خدعةً جمالية وفنيةً أم كشفاً حقيقياً وجوديَّاً؟

-بالتأكيد أنَّ الانزياح يعدُّ خُدعةٌ حداثيةٌ بلاغية لذيذةٌ ماتعةٌ للكشف عن الذات الشاعريَّة المُحتالة بالشعر على الواقع والمتمرِّدة فكريَّاً على الزمكانية والذاكرة والماضي، وعلى كلّ ما هو مَعطوبٍ تالفٍ لا يَنسجم مع روح العصر وتطلُّعاته المستقبليَّة التي تستمدُّ نسغَها الرُّوحي من أُسِ الاحتيال.

تَأثيثُ المُدوَّنةِ الشِّعريَّةِ (اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ):

إنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، للشاعر العراقي المَيسَّاني المثابر حسين الهاشميّ، والذي ينتمي إلى جيل التسعينيَّات أو أسبق من ذك التاريخ بكثير، والصادرة بطبعتها الأولى عام (2025م) عن دار الجسد للطباعة والنشر والتوزيع هي المجموعة الشعريَّة السابعة في ترتيب نتاجات الهاشمي وأعماله الأدبية الإبداعية المتعدِّدة. وتعدُّ هذه المجموعة آخر ما كتب الشاعر الهاشميّ في السنوات الثلاث الأخيرة من الأعوام (2018- 2020م). لكنْ الحقيقة أنَّ عُمرَ المدوَّنة ثلاثون عاماً.

وهذا يشي بأنَّ جذور هذه المُدوَّنة التأصيليَّة تَمتدُّ إلى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن؛ كونها قصائد مختارة من الأعوام (1990- 2020م)، أي من أصل ستة مجاميع شعرية أخرى سبقتها مع قصائد جديد لم تكن منشورةً. والتي تمثِّل باكورة نتاجات الشاعر وبواكير أعماله الشعريَّة السابقة من قصائد النثر التي هي آخر ما أنتجته قصائد الحداثة الشعرية العربيَّة، و(احتيالٌ على الفُصُول)، هي بالطبع تمثلُ بانوراما شعرية مختارة من أعمال الشاعر حسين الهاشميّ ونتاجاته الشعرية الإبداعية الكاملة.

حرص الشاعر الهاشميُّ كُلَّ الحرصِ أنْ يكون اختياره الدقيق لمُدوَّنته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُول) اختياراً فنيَّاً لعتبته العنوانيَّة فيه من جماليَّات اللُّغة البلاغية الجديدة التي تجعل منه عنواناً انزياحيَّاً مُبهراً شَكلاً ومَضموناً يتضمَّن الكثير من السِّمات الفنيَّة الشعريَّة غير التقليدية العاديَّة.

أما العنوانات الأخرى لمجاميعه الشعرية السابقة التي اختار منها قصائد مدونته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُولِ)، فهي الأخرى لا تخلو من خياراتٍ مدروسةٍ في توسيمها العنواني الرئيس الذي يجمع بين لُغة الانزياحيَّة الفنيَّة وشِعريَّة الموضوعيَّة التقريريَّة. وقد ارتأى أنْ تكون خياراتُ هذه القصائد من الأحدث كتابةً إلى الأسبق إنتاجاً شعريَّاً، وهي بالشكل الآتي كما وردت في الديوان:

الأولى: مجموعة (صَديقُنا خَطُّ الأُفقِ، 2018م). والثانية: مجموعة (الحَالمُ بِثيابِ المِهنةِ، 2012م). والثالثة: مجموعة (وَثيقةٌ في الهَواءِ، 2009م). والرابعة: مجموعة (مِنْ دُون احتراسٍ، 2005م). والخامسة: مجموعة (غَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، 202م). والسادسة: مجموعة (حَارسُ المَناديلِ، 1990م).

وتمثِّل المجاميع الستة المُختارة للمدوَّنة الشِّعريَّة (احتيالٌ على الفُصُولِ) قمةَ الهرم اللُّغوي في أسلوبية الشاعر حُسين الهاشميّ الانزياحيَّة الشعريَّة، وعلامةً جماليَّةً فارقةً على دقةِ خياراته الفنيَّة وحرصه الشعوري. أمَّا العنوانات الداخليَّة الفرعيَّة للقصائد الشعرية، فهي الأُخرى تحمل نفس الروح الانزياحيَّة الوثَّابة، ولا تخلو من شطآن الروعة الفنيَّة والجماليَّة والفكريَّة التأمُّليَّة الجَمَّة.

شِعريَّةُ الاِنزياحِ فِي مَجموعَة (اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ):

إنَّ أولى بواكير شعرية الانزياح تَمثَّلَ ظهورها العَلني في عتبة التصدير التي سبقتْ عتبةَ الإهداء في هذه المُدوَّنة؛ لذلك فإنَّ عتبة التصدير الشعرية التي عمدَ فيها الهاشمي إلى أنْ تكون مقطوعةً شعريةً قصيرةً من قصيدةً نثريةٍ مُكثَّفةٍ تُمثِّل مفاتيحَ رمزيةً ودلاليةً إيحائيةً مشحونة بطاقة لخطابه الشِّعري في نصوصه الموازية الموجَّهة إلى أنظار القارئ اللَّبيب والمتلقِّي الواعي؛ ليفكِّكَ شفراتها اللُّغوية والدلاليَّة، ويَعمل بعين ثاقبةٍ على استقرائَها فنيَّاً وجَماليَّاً.

فهيَ مقطوعةٌ شعرية إشراقيةٌ تختزل عتباتِ الزمان والمكان لثلاثة عقودٍ مُتواليةٍ من السنين والفصول والذاكرة ودورة الحياة. إنَّها احتيال هجس الذات الشاعريَّة على هيبة الشعر واختراقه، إنَّها خدعة الشعر وبلاغته الثقافية الجديدة على دورات الزمن والفصول ومكانية الذاكرة الجمعية:

أَحيانَاً يَخلعُ السَّنوَاتِ

مَرضَاةً لِفصولِ مَا يَرتَدِي

وَفِي حَصَى أيامِهَا يَخلعُ الذَّاكرَةَ

مَرضَاةً لِفُصُولِ مَا يَنكسِرُ!...

(اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 6)

ومما يدلُّ على وقع سمادير الكدر وغشاوة ألم التَّوجّع والضيق والحَيرة والمعاناة استخدام الشاعر حُسين الهاشمي الدقيق النابه للفظة (السنواتُ) الدالة على دلالة الضيق، ولم يقل لفظةَ (الأعوامُ) الدالة على رخاء العيش الرغيد وبحبوحة السِّعةِ. فالهاشمي حُسين يخلع سترة السنين وينتزعها انتزاعاً من حياته الشخصية إرضاءً لحركة دورات الفصول الأربعة المتعاقبة، وامتثالاً لواعية الزمن. تلك التي يرتدي فيها الشاعر لباساً شعرياً مناسباً لثوب كل فصل من فصول الألم والمعاناة والوجع والتِّيهِ والتَّشظي الذي يعتصر النفوس ويدمِي القلوب المستهامة الحَرَّى.

ومثلما كان الانزياح الأسلوبيُّ قائماً في خلع سترة (السنوات)، فإنَّه جاري الفعل ذاته في خلع سترة (الذاكرة) وانتزاعها من حياته ارتضاءً ومرضاةً لتلك الفصول التي أصابها العَطب والتَّلف والاستهلاك، ولم يعد لأنساقها الثقافية المحطَّمًة وجودٌ كوني في مشاهد الحياتية. فهذا المقطع الشعري التصديري يمثِّل بوابة الدخول المهمَّة لعالمه الشعري، ومثابةً أُسلوبيةً زمكانيةً مهمَّةً لقراءة معجمه الشعري الانزياحي وفهمه في مثابات مدينته الشعرية الفاضلة، مدينة الاحتيال على الزمن وخداعه بالشعر المبالغ فيه جماليَّاً وفنيَّاً.

إنَّها أشبه بمقاربة تصديرية بين يوتوبيا حُريَّة الرخاء والسعة، وديستوبيا القَيد وفُوضَى الضيق والألم وشدَّة المعاناة التي مرَّت بها ذاكرته الجمعيَّة حيالَ قَساوة يَدِ الزمن المتطاولة على الإنسان. وقد دفعه هذا الشعور الجمعي الإنساني المشترك إلى المزاوجة بين الذاتية الضيَّقة والذاتية الجمعية الواسعة، ومن ثمَّ الانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر.فكانت عتبةُ الإهداءِ مَوسومةً بفعل الزمن وتوجُّعاته له؛ لذلك تصدَّرت كلمات الفَقدِ والرِّثاء الصَّادق صفحة الإهداء إلى روح أبيه ووأُمِّه وأخيه بهذا الحجم.

فلنقرأ كيف وظف الهاشميُّ حُسين الظروف الزمانية المبنية والمُعْرَبَةَ (حينَ، منذُ، لحظةٍ) في تأثيث لوحته الانزياحية التصورية في المقاطع الثلاثة الآتية التي جعلها عتبات إهداء لأبيه ووأُمّه وأخيه، فقد جاء في المقطع الأول الرثاء التذكُّري الصادق لأبيه فقال هاجساً بحرارة الفَقدِ الأليم:

إِلَى رُوحَ أبَي:

حِينَ دَفعتنِي الرِيحُ إلَى الخَلفِ

تَذكرتُكَ وَتذكَرتُ بِأنِّي وَحيدٌ

وَحيدٌ.. دَفعتهُ الرِّيحُ إلَى الخَلفِ...

(احتيالٌ علَى الفُصُولِ، ص 7)

فريح الزمن العاتية كالنت سبباً مُباشراً في دفعه إلى الوراء، وكانت ناقوس خطر يَدقُّ لتُذكِّرَهُ به وتعمل على عزله ووحدته جانباً. وتجسَّدت حركة هذا الدفع انزياحاً دلاليَّاً لذاته الشعرية، وقد تأكَّدت حركة الريح في رجوعه إلى الخلف بتكرار هذه الجملة التي يدلُّ تكرارها على إيقاع نسقي صوتي داخلي انزاحَ فيه الشاعر. وضمَّنه بتقنية الحذف والإضمار الذي ترك فيه الهاشمي فراغاً تركيبياً يدلُّ على انزياحٍ جُملي تركيبي نحوي مُنظَّم اخترق فيه الشاعر قواعد الجملة الشعرية لغايات جماليَّة وبلاغيَّة بعيدة. ويأتي المقطع الثاني من عتبة الإهداء فيقول مهدياً:

إلَى أُمِّي:

مُنذُ بُزوغِ الكَونِ

كُلَّمَا تُبَعثِرُ الأشيَاءُ مَباهِجِي

لَا أَرغبُ فِي تَسلُّقِ شَيءٍ، لَا

سِوَى مُرتفعاتِ دُعاءٍ كَالهدِيلِ

فِي كَونِي المُبَعثَرِ.

(احتيالٌ علَى الفُصُول، ص7)

مرَّةً أخرى يوظّف الهاشمي افتعالات الزمن معه من خلال الأداة الظرفية الزمانية (مُنذُ) التي افتتح بها المقطع الثاني، وأكَّد فيها بانزياحه الدلالي والإيقاعي الصوتي رغبته بعدم تسلُّق المرتفعات والأشياء التي لا تحقِّق رغبته الوجودية في هذا الكون المُبعثر، وكان يسعى إلى أنْ يكون تسلُّقه نغمةَ هديلٍ أو صوتَ حمَامٍ يغرِّد بشجنه في عالمه الغريب المُشتت. هكذا يخترق الهاشمي زمانه ويحتال عليه بهذه اللغة الشعرية الشفيفة الواعدة بشحنات الحزن والألم الممزوج بخيوطٍ من الأمل. المقطع الثالث من الإهداء فكان أهداؤه لروح أخيه الأحبِّ الأوفى سميرٍ:

إلَى رُوحِ شَقيقِي سَميرٍ..

عَلَى طَرَفِ لَحظةٍ تَلهُو بِنَا

كَالأطفَالِ يُدَحرجُونَ غَيمتَهُم وَلَا يُبَالونَ..

كَيف َغَافلتَ المَسَاءَ وَالسَّمَاءَ

وَقَفَزتَ مِنْ حِكَايَا بَيتِنَا الصَغيرِ

إلَى حِضنِ قَمَرٍ جَائِرٍ وَحَزينٍ..

لَا يُغادِرُ سًقفً العُمرٍ أبدَاً...؟

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 8)

يستهل الشاعر مقطعه الثالث الذي خصَّ به شقيقه الفقيد سمير بالوقوف على شَفَا (لحظةٍ) من الزمن هي أقرب إلى هاوية السقوط. وقد سعى الهاشميُّ إلى أنْ تكون ذاته الشاعريَّةُ جمعيَّةً حتَّى انزاح شعرياً بكونه كالأطفال الذين يُدحرجون غيمتهم المُلَبَّدة ويَلقَون بها دونَ مُبالاةٍ أو كلعبةٍ تُدار بأيديهم. وهنا يفعل الانزياح الدلالي فعلته من خلال (طرفِ لحظةٍ)، و(يُدحرجُونَ) في حينَ الجناس الصوتي المختلف بن دالتي (المَساءِ والسَّمَاءِ) يؤكِّد بكلِّ وضوحٍ جماليات شِعريَّة الإيقاع الداخلي الصوتي لهذا المقطع الرثائي الصادق حينا أنسن القمرَ فجعل صورته الجميلة إنساناً حزيناً وجائراً.

والمقاطع الثلاثة تُدلِّل كُلَّ التدليل على شعرية الانزياح الانتهاكي للزمن والذاكرة المكانية والوجود الذي لم يعد وجوداً آمناً، بل صار مهدَّداً بالتطاول عليه والسقوط في شآبيب غيمته الماطرة. وهذه المقاطع على الرغم من صدق تكثيفها اللُّغوي وإشراقها المعنوي احتشدت بلغة الانزياحات الشِّعريَّة الثلاثة: ( الدلاليةُ والتركيبيةُ والصوتيةُ الداخليةُ)، فكانت مشحونةً بكمية الأسى والألم والضياع.

ومثل ما كتب الهاشميُّ رثاءً ذاتياً لأرحامه المقرَّبين، كتبَ قصائدَ وفاءٍ ومحبَّةٍ وتقديرٍ وتَبجيلٍ لكثير من الأصدقاء والشخصيَّات والرموز العالمية والمحلية القريبة منه والبعيدة عنه فكتب بصدقِ لـ (غارسيا ماركيز، ولسيزيفَ، ولغودوَ، ولحمزاتوفَ، ولرعد عبد القادر، ولدكتور لؤي حمزة عبَّاس، ولعيسى حسن الياسري، ولمُظفّر النَّواب، ولعلاء بشير، ولخالد الجيزاني، ولعلي عيدان عبد الله، ولجلال حسن)، و(للمكَاريد) من المُهمَّشين كما يحلو أن يُسميهم صديقه خالد الجيزاني.

وعلى الرُّغم من أنَّ (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي جملةٌ شعريَّةٌ إشكاليَّةُ تناقضيةٌ فيها الكثير من بلاغة المكر وجمال الخداع للحصول على شيءٍ من تلك الفصول بغير وجه حقٍّ، بيدَّ أنَّها في الوقت ذاته- تعدُّ تعبيراً لُغويَّاً مجازيَّاً محبَّباً لعنوانٍ شعريٍ رصينٍ يشدُّ وعي المتلقِّي، ويلفتُ نظر القارئ بموحياته النسقية المؤثَّرة؛ لِما فيه من تناقض لفظي صارخ واستعارةٍ بلاغيَّةٍ قويَّةٍ مؤثَّرةٍ الفعل.

وأنَّ هذه الموحيات اللُّغويَّة والجماليَّة تجعل من العنوان محاولةً لغويةً أُسلوبية إجرائيةً انزياحيةً لخداع الزمن نفسه واختراق قوانينه من أوسع أبوابه، أو للهروب من دورته الفلكية المعتادة في الطبيعة الحياتية الرتيبة. فالشاعر حُسين الهاشميُّ في جملته الاستعارية التشخيصية المكنيَّة (احتيالٌ على الفصولِ) يؤنسنُ الفصول المعنويَّة ويُحيلُها لإنسان هادئ يحتال عليه من خلال هذا الانتهاك.

إنَّ الهاشميَّ يحاول بجماليَّات لُغته جاهداً إيقاف دورة الزمن وعرقلته، أو تغيير عجلة مَجراه، وكأنَّ لسانَ حالهِ الآني ينطق قائلاً: (أنا الشاعر الأوحد أعيشُ خارجَ قوانين الطبيعة الكونيِّةِ) ونواميسها الفلكيَّة؛ من أجل إثبات وجوده الذاتي بآليَّات هذا الانزياح اللُّغوي التعبيري الأخَّاذ.

والانزياح الشعري على الرغم من أنَّ أصوله أتتْ إلينا من الأدب الغربي الحديث ونقده، فإنَّ فكرته في التراث العربي تعدُّ قديمةً، وإنْ لم تكن بهذا المسمَّى المتعارف عليه حالياً وحداثياً؛ لذلك فإنَّ الشاعر الهاشميَّ احتياله العذب الجميل على خصوصية الفصول الكونية واختراقه الجريء لدورة الزمن واستحضاره للمكان والذاكرة الجمعية تُحيلنا تداعياته الحدثية نقديَّاً إلى فكرة (سرقةِ الزمنِ) نفسها، وإلى محاولة فكرة (خُداعِ المُوتِ) اللَّتينِ وردتا في أشعار ومدوَّنات كثير من شعراء العرب القدامى، وخاصَّة الجاهليين من شعراء المعلَّقات السبع كاِمرِئ القيس بن حجر الكندي وغيره من شعراء الجاهلية وشعراءالإسلام الذين تطرقوا لهذه الفكرة الكونية في شعرهم القريض.

ولعلَّ هذا الغموض الفنِّي الذي يُغلِّف عتبة العنوان فيه من المُوحيات الدلاليَّة التي تُلمِّح بتمرُّد الشاعر وثورانه على الواقع الحياتي المعيش وتكسيره لعقابيل رهاناته التداولية، وبالتالي الخروج منه، ومن مُجاوراته الحقلية الدلاليَّة المُتمثِّلة بالهروب من حُمولات دورات ثنائية (الحزن والفرح) المتضادة التي تمثِّلُها عجلة الفصول الكونية الأربعة، والتي هي قمة الصراع الدائر بين الإنسان ابن العصر ودورات زمانه التي لا تعرف الوقوف؛ لذلك كان الهاشميُّ يَحتال على فصول زمانه بالتمرُّد الزمكاني تارةً، وبالاحتيال على الذاكرة تارةً أخرى، وعلى ربيعه وخريفه وصيفه وشتائه.

تَمثُّلاتُ الانزياحِ الشِّعريِّ:

للانزياح الشِّعري في ديوان حُسين الهاشمي (احتيالٌ على الفصولِ) ثلاثة أنواع من التمثُّلات الانزياحية: الأول الانزياح الدلالي، والثاني الانزياح التركيبي النحوي، والثالث الانزياح الصوتي.

1-الاِنزياحُ الدَّلاليُ:

تتجلَّى مظاهر الانزياح الشِّعري في شِعريَّة حُسين الهاشميّ وأكثرها حضورا وتأثيرا واسعاً بديوانه (احتيالٌ على الفُصُول) في انزياحاته الدلاليَّة التي تُعطي الكلمة معنىً دلاليَّاً غير مألوفٍ أو متوقَّعٍ في النفس للجمع بين الدال اللّفظي والمَدلول المعنوي بشكلٍ عجيبٍ وغير متوقَّعٍ، يَخلقُ فيها الشاعر صوراً جديدةً مبتكرةً في أُسلوبية التعبير المعجمية بلغةٍ شعريَةٍ ماتعةٍ ومُدهشةٍ على خلاف رِتْمِ اللُّغة العادية اليومية التي تستهلك الألفاظ والكلمات ولا تعطيها الجاني النسقي المُضمر فيها.

باعتبار أنَّ الشعر يأخذ الألفاظ نفسها وينزاح بها عن مكانها الحقيقي الأصلي، فيحتالُ الشاعر بالانزياح على قَيد لُغة الحياة المألوفة؛ لِيكسرَ الأُلفة بهذا التَّوقُّع الجريء المُفاجئ، ويُولِّدَ معاني أخرى جديدةً من خلال هذا الجمع الغريب بين ثنائيَّة الدال والمدلول؛ لِيَخلُقَ دلالةً جديدةً تختلف عما كانت عليه في الأصل، ويُحقِّقَ في الوقت ذاته المتعةَ الجمالية عند القارئ الذي يُذهلُ بها عقليَّاً وذهنيَّاً وفكريَّاً من خلال جُمل الشاعر التشخيصية الانزياحيَّة التي يبوح فيها متدفقاً شعوريَّاً.

ومثل هذا التوجُه العملي هو ما كان مركز اشتغالات الشَّاعر الهاشميّ في مجموعته (احتيالٌ على الفُصُولِ)؛ لذلك نقرِّبُ المسافة البنية في إشكالية الدراسة، فنسمِّي (الانزياحَ الشعريَّ) احتيالاً الذي حاول من خلاله حُسين الهاشميُّ خُداعَ إيقاع الزمنِ وتطويعه لفكرته شعريَّاً. واستمرأَ المألوف منه والذاكرة المكانيَّة بلغته الشعريَّة البلاغيَّة الجديدة التي انتهكت خطَّ المحيط الخارجي واحتالت عليه بالمفارقة الزمنية والنفسيَّة التي ترتبط بالانزياح في الشعر العربي الحديث، وخاصَّةً قصيدةَ النثرِ.

ولعلَّ قصيدة (خياناتُ قاربٍ لا يصدقُها البَحرُ) الدالة عتبتها العنوانية الرئيسة على وقعِ معانيها الانزياحية مليئةٌ بالانزياحات الدلالية اللَّفظية التي حرَّك فيها الهاشميُّ الساكنَ الجامدَ، وسكَّن فيها المُتحركَ المَائلَ بلغته الشعرية الواثبة التي ثُير فينا كوامن الشجن وتبعث همَّ النفوسِ على التأمُّل:

مِثلَ أُغنيةٍ تَئِنُّ فِيهَا الرِّيحُ عَلَى اِنفرَادٍ

وَنَحتشِدُ كَالمَدَى شَجرَةً عَارِيَةً..

(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 11)

لفظة (تئنُ) هي موضع الشاهد الدلالي على شعرية الانزياح اللُّغوي الذي صيَّرَ فيه الهاشميُّ الريح كإنسان موجع يئِن ويبكي من شدَّة الألم. وقد زاد على هذا الانزياح جمالاً حين جعل بُكاءَهُ وأنينهُ انفرادياً مَعزولاً عن أعين الآخرين ونظراتهم الاستعطافية القاتلة التي يمكن تفسيرها بِتجلٍّ.

ويأتي المقطع الأخير من قصيدة (سردٌ) مشحوناً بعلامات الرفض والاحتجاج والنفي وعدم اللِّقاء والتَّوحدُن بفصيلة واحدة مع (الطمأنينة) التي هي إحدى مُوحيات السلام والأمان. وأنَّ تكرار الفعل الماضي الناقص (ليس) الدال معناه على النفي والرفض مرتين أدَّى دوراً مهمَّاً في انزياح الشاعر الذي صيَّر فيه الدماء السائلة كشخصٍ ما يكتب بها سرداً عريضاً لأسمائه الأثيرة والمغيَّبة:

أيَتُهَا الطَّمأنينَةُ لَسنَا مَعَاً

لَسنَا مِنْ فَصيلَةٍ وَاحدةٍ

لَكِنَّ دِمَاءَكِ المُبَاحَةَ

تَكتُبُ بِالسَّردِ العَريضِ

أسماءَنَا المُغَيَّبَةَ... مَعَاً

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 22، 23)

إن الدماء المستباحة حينَ تكتبُ سرداً عريضاً واسعاً غير محدَّدٍ بزمن تعدُّ فعلاً حركياً دلاليَّاً غير مألوفِ التوقُّعِ؛ لذلك أن الشاعر الهاشميَّ قد كسرَ إيقاعَ الحدث وحطَّم صيانة الزمنِ حينَ منحَ الدماءَ صفةً فعليةً وهي الكتابة ولأسماء خصّها بصفة الغياب، وهذا أسلوب ماتع وجميل الإدهاش.

والعجيب في شعرية حسين الهاشميّ الانزياحيَّة أنَّه لا يكتفي فيها الشَّاعر بتمرُّده على الواقع الرتائبي وكسر أسوار رهاناته وعقابيله اليومية المألوفة فحسب، وإنَّما راح يتمرَّد بقوةٍ على حياته الشخصيَّة ويجلد ذاته الشعرية الإنسانية الراكسة ويجرِّدُها من واقع صفاتها الانطباعية المعروفة. وقد أشار الهاشميُّ إلى مُتواليات ذلك الجلد الذاتي في خواتيم قصيدته التساؤليَّة (أَثرٌ) مُصرِّحاً القول:

تِلكَ حَياتِي السَّائحَةُ تَتَسَكَّعُ مِنْ دُونِي

نَسيَتْ أقدامَهَا كَمَا يَبدُو

وَاحتَفَظتْ بِالأثَرِ...

(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 33)

فعل الذاكرة (تتسكَّعُ)، والفعل الماضي (نسيتْ). وقد أخذ الأثر النفسي بعيداً منه حين وهب حياته حُريَّة الحركة والسير، فجعلها إنساناً سائحاً يتسكَّع ويقضي وقت فراغه الممل بالنزهة. وفي الوقت ذاته منحها أقداماً حركيَّةً وعقلاً تنسى وتتذكَّر به ما يحدث في الأثر. ومثل هذا التصوير الشعري المُنزاح الذي باحَ به الهاشميُّ لم يكن مألوفاً صورياً في واقع الحياة التداوليَّة وفضائها الجمعي.

فأنسنة الأشياء وتشيؤها لم يكن أمراً ذهنياً متوقَّعاً، وقد أضاف الهاشميُّ لذلك الجمال الانزياحي جمالاً سِحريَّاً آخر حينَ جعل هذه الحياة المعنويَّة -التي تحيا من دونه- ذاكرةً إنسانية تحفظ الأثر. إنَّها فعل الذاكرة الفردية والجمعيَّة حينَ يُسافر بها الشاعر بعيداً عن سرب المألوف اليومي المعتاد. وأضاف إلى الانزياح الدلالي انزياحاً تركيبياً آخرَ تجسَّدَ بنقاط الحذف أو الإضمار الاستتارية التي اجتمعت بمقاطع القصيدة الأخرى، وشكَّلت معماريةَ وحدةِ القصيدة الموضوعيَّة والعضويَّة الكليَّة.

ونذهب في سياق انزياحاته الشعرية الدلالية إلى مرابط قصيدته (القَريةُ) الدالة على مثابتها المكانية المعروفة، والتي أهداها إلى شاعر الجنوب المغترب في منفاه الكندي عيسى حسن الياسري، والّتي نقف فيها على المقطع الأول منها الذي أسبغ عليه الهاشميُّ شيئاً من روح الياسري ومن شعريته الجنوبية العذبة حين جعله إنساناً بِأُمَّةٍ قبل أن يكون شاعراً مُبدعاً في مشهد الشعريَّة العراقية:

لِأنَّه؛ يَعودُ بِأكتافِ المَدينةِ

تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ لِلحنِينِ

وَلكِنْ يَخلعُ فَأسَ مَتَاعبِهِ

يَتزلَجُ الأبُ عَلَى غَيمةِ الذَاكرةِ

وَيَجلبُ القَريَةَ لِلبَيتِ...

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 100)

تحليلياً أنَّ مفتتح هذا النصّ الشعري الذاتي كان تعليلياً أو سببياً مفسَّراً بما قبله وبعده من حمولاتٍ فكريَّةٍ تحتفي بجلال شاعره الياسري المنشود بالوصف، وعلى وفق ذلك أو تلك السببية المفسَّرة فإنَّ جملاً شعريَّةً فاعلةً مثل (يَعودُ بأكتافِ المَدينةِ)، و(تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ للحنينِ)، و(يَخلعُ فَأسَ مَتاعبهِ)، و(يَتزلَّجُ الأبُ علًى غًيمةٍ الذَّاكرةِ) لم تكن أصداؤها الصوتية مسموعةُ لغوياً في الأُذن أو متداولة تقليدياً في قاموس الحياة العادي، ولم تكنْ متوقِّعةً في أذهان مشاهد التداولية؛ كونها مَشحونةً عاطفياً وإنسانياً بالصور الانزياحية الدلالية غير المعقولة سمعيَّاً.

بدليل أنَّ المدينة الكائن الوجودي والمعنوي الثابت الجمود لم تكن شكلَ أو هيأة شخصٍ له أكتاف بشرٍ أو حيوانٍ تتخيَّله حركيَّاً، وأن الطرقاتِ المُمتدَّة ليس لها أنفاس تعيش بها كإنسان على الهواء وتمضي باستمرارية الحياة، ولا يمكن أن ترمي معاطفها الأنثوية للحنين كما يرمي الشخص معطفه الذاتي ويخلعه عن نفسه، وليس للإنسان فأس متاعبٍ قاطعة حتَّى ينزعها من نفسه انتزاعاً، ولا يمكن أنْ يتزلَّج الإنسان العادي على فضاء غيمةٍ عاليةٍ ليس له وجودٌ مكانيٌّ فيها. والأروع أنَّ هذه الغيمة أو الغَمامة هي التي خُصَّت تعريفياً بغيمة (الذاكرةِ) الزمكانية للوجود المكاني الماضي.

فضلاً عن هذه الإشراقات الانزياحية الأُسلوبية التي باحَ بها الهاشميُّ أنَّه تمكَّن من جِلب الشاعر لقريته التي تمثِّل مثابته المكانية الأولى إلى بيته الأخير أو منفاه الاغترابي الخارجي البعيد عن وطنه الداخلي الأول. هكذا يخلق الشاعر الهاشميَّ معنىً شعرياً جديداً يحثُّ مجسَّات إحساسنا بالفعل والزمن ويستدعي عراقة الماضي بانزياحاته الصورية واسترجاعاته اللُّغويَّة الاحتيالية الماتعة كَحُلْمٍ بلغ المنال.

فالأفعال الخمسة المستقبلية الآتية: (يَعُودُ، وتَرمِي، ويَخلعُ، ويَتزلَّجُ، ويَجلبُ) أسهمت جميعها إسهاماً لغوياً وجمالياً كبيراً في تنوُّع انزياحات الهاشميِّ الشعريَّة، وأضفت عليها بعدًا جمالياً جديداً مُدهشاً لم يكن وقعه الحدثي مألوفاً في ذاكرة اللغة العادية المُكرَّرة الإسماع والترداد الصوتي.

لم تكن فُتوحاتُ الهاشميّ الشِّعريَّة وإشراقاته الانزياحيَّة الدلاليَّة مَقصورةً صورها البلاغية الجديدة على قصائد الديوان (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ) الداخلية فحسب، وإنَّما قد تتجاوز خطوطها الطولية والعرضية العامة والخاصة ذلك الفضاء الشعري الضيق إلى عنوانات المجاميع الشعرية الأخرى التي اختار منها قصائد الديوان الاحتيالية بعناية وفعل إدراكي خاصٍّ.

فعنوانات مجاميعه الأخرى مثل، (صديقُنا خطُّ الأفق)، و(الحَالمُ بثيابِ المِهنةِ، و(وثيقةٌ في الهَواء)، و(غَيمةٌ فِي عُكَّاٍز)، عتباتٌ عنوانيةٌ مَلأى بصورها المجازيَّة الانزياحيَّة دلاليَّاً، وقد كسرَ بها الشاعر الهاشميُّ خُططَّ توقُّع المألوف الأفقي النسقي الرتيب. ودلَّلتْ على رؤياً حُلُميةٍ وتجربةٍ فلسفيةٍ شعريةً نافذةٍ في ظلال الحداثة الشعريَّة من خلال قصيدة النثر التي كانت إحدى أجناس الشعرية التي كُتبت بها هذه المجاميع الشعرية المعبِّرة عن فعل معجميَّة الهَاشميّ وقاموسه الكتابي.

وليس كلُّ هذا ما تجود به شعريَّة الهاشميُّ التعبيريَّة وبلاغته اللُّغوية الاحتيالية من انزياحاتٍ دلاليَّة، بل تعدَّت إلى مواطن أُخرى من قصائد الديوان الداخلية التي وشمها بهذا البوح الجمالي الذي انزاح فيه ليعبِّرَ عن صدق تجربته الشعرية وآيدلوجيته الفكريَّة بمجموعةٍ كبيرةٍ من قصائد الداخلية الفرعية التي جاء مقارباتها الدلاليَّة بحمولاتٍ فكريةٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ مثل، (خياناتُ قاربٌ لا يصدقها البحرً، ونَشيجٌ عتيقٌ، وصَفيرٌ في الوَجهِ، وصديقُنا خَطُّ الأفقِ، وسوءُ فَهمٍ بِطعمِ البِلادِ، والمَكَاريدُ، وحقائبُ لِعبورِ الطَّائرِ، وَتَحتَ خَريفِ المَظلَّات، وَغَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، وتَأجيلُ الجَحيمِ، والهُبوطُ عَلى مَدرجِ السُّؤالِ قَليلاً)، وغيرها من القصائد الموضوعيَّة الأخرى التي زَيَّنت الدِّيوان.

وقد حاول الشاعر حُسينُ الهاشميُّ أنْ يجمع في انزياحاته الشعرية بهذه العتبات العنوانية المُذهلة بين ثنائيَّات ضِديَّةٍ عَديدةٍ مثل (الماَدي والمَعنوي)، و(الثقيلُ والخَفيفٌ)، و(المَعقولٌ واللَّامعقولُ)، و(والمُمكنُ وغيرُ المُمكنِ)، وبين (المُتحركِ والساكنِ)، و(الذَّاتي والجَمعِي) للخروج من أثر الذاتية الفردية الضيِّقة والانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر الجَمعي بلغةٍ شِعريةٍ مُعجميَّةٍ جَديدةٍ، وبأُسلوبيَّة تَعبيريَّةٍ تُشخِّصُ دورة الزمن وحركته الدائرية الفاعلة، وتجعله قابلاً للمكر والخديعة والتحوُّل؛ كون الانزياحُ يُعدُّ وسيلته اللُّغويةُ الناجعةُ في الاحتيال على تجلِّيات الذاكرة الزمكانية للماضي وأداته التَّعبيرية للوصول إلى الأهداف والغايات الإنسانية المنشودة عبر تجليَّات هذه الشعرية النثريَّة.

2-الاِنزيَاحُ التَّركيبيُّ (النَّحويُّ):

هو النسق الانزياحي الجديد والثاني في هذه المدوَّنة الشعرية الذي كسرَ فيه الشاعرُ حُسين الهاشميُّ آلياتَ التلقي المَعرفي وآفاقَ القراءة العادية شعرياً واحتال في التوقُّع الجُملي الشعري غير المألوف لخلقِ جوٍّ عاطفيٍّ مشحونٍ وتوترٍ فِعليٍ ودلاليِ مُؤثِّرٍ يَمنحُ الجملة الشعرية التركبية تقديماً وتأخيراً؛ وفقاً لضرورات البلاغة الشعرية الجديدة وانسجاماً مع مقتضيات تيار الحداثة الشِّعريَّة.

ويحاول الشاعر في الوقت ذاته المناورة في تأثيث نصوصه الشعرية بتقنية (القطع والوصل) النحوي اللجُمل من خلال استخدامه لخاصية (الحذف الإضمار) أوالاستتار، وترك الفراغات النُقطيَّة والبياضات السطورية كجزء مفتعل من عملية الاحتيال الانزياحي التركيبي الذي يُنْشِئُ به بناء هندسة عمارته الشعرية ويُحكمُ به أساساته الجُمليَّة المَتينةَّ وفق نظام شعري إبداعي تراتبيٍ جميلٍ.

وبهذه الاشتغالات الشِّعريَّة الواعية التي أحكم الهاشميُّ بها مركزية تأثيثها وصيانتها وتوخي نظمها القواعدي التركيبي الشعري تتحقَّق شعرية الاحتيال بثنائية (النجاح والانكشاف). والسؤال الذي يفرض نفسه علينا كقرَّاءٍ ومُتلقِّين ويَستدعي الإجابة عنه في هذا المَقام الكشفي من الدراسة، كيفَ نستشعر إمارات النجاحِ الشِّعري ونتلمَّس خيبات الانكشاف الشاعري في الخطاب الشعري؟

متى ما يَستشعرُ القارئ الواعي أنَّ الصورة الشعرية الانزياحيَّة قد خدعته تعبيرياً وامتعته جماليَّاً بنفس الوقت، يكون قد تَذوَّق لحظات نجاح الاحتيال الانزياحي في الشعرية. ومتى ما أباح الشاعر بفشل المحاولة وتعثُّرها إجرائيَّاً، تكون قد بانت لحظات انكشاف الاحتيال الشعري وظهر رمادها الناري المُنطفئ للقارئ والشاعر معاً، فنكون قد جنينا ثمار حصاده من النجاح وصدق الانكشاف.

والقارئ النابه الذي يتتبع بتؤدة قصائد ديوان (احتيالٌ على الفُصُول) التي بلغت نحو (64) قصيدةً، سيلحظ بنفسه أنَّ ثلاثة نصوص شعرية منها قد وردت دون أنْ تُذْكَر عتباتاها العنوانية، ولم يسمِّها الشاعر بأيِّ اسمٍ عنواني، بل تركها عمداً لتقدير القارئ الواعي ونباهته، وكانت التفاتةً إلماعية ذكيةً من الشاعر حُسين الهاشميّ أنْ يجعل من متلقيه النابه يُشاركه فعل الكتابة معاً وليس فعل القراءة والامتاع بها فقط، وهذا هو النسق المضمر الذي يرمي إليه في انزياحاته واحتياله الشِّعري.

هذه الممارسة الإجرائيَّة الفعليَّة التي قلَّما نجد شعراءَ الحداثة المبدعين قد وظَّفوها في مدوَّناتهم الشعرية الجريئة تُعدُّ أُولى مَحطَّات الشاعر الهاشميّ التطبيقية في اشتغالاته التركيبية الانزياحية. وقد فضَّلَ الشاعر أنْ تكون هذه النصوص خاليةً من ذكر العنونة ليس نسياناً أو إهمالاً، بل كانت ممارسةً اشتغاليةً قصديةً يستفزُّ بها وعي القارئ العادي والناقد، ويُحرِّض بها حركة تفكيره الراكد.

وبدلاً من أنْ يضع أسماء لهذه القصائد الثلاث وضع قوسين هلالينِ فقط هكذا ( )، وسطهما بياض فارغ وخالٌ من أيِّ تسميةٍ عنوانية. وكانت القصيدة الأولى منها وردت في الصفحة (14) من الديوان على التوالي، والثانية وردت في الصفحة (21)، والثالثة وردت في الصفحة (47).

وبوصفي قارئاً ناقداً أُشاركُ الهاشميَّ فعله التعبيري المِقدام وأسلوبه المنزاح في تركيب الجملة العنوانية الأولى للقصيدة، فَاختارُ لها العنوان الآتي: (لُعبةُ الزَّمنِ القَمِيءِ)، واختار للقصيدة الثانية العنوان (رائحةُ المَكانِ المُحتَضَرِ)، أمَّا القصيدة الثالثة فأختارُ لها هذا العنوان، (احتفاءٌ بغيابِ الذاتِ).

وأنَّ اللَّافت للنظر أنَّ القصائد الثلاث على الرُّغم من كونِ فواتحها أو مقدماتها الاستهلالية قد جاءت جميعُها خَبريَّةً تًعبيريَّةً عن الذات الشاعرية في تماهيها وتقاربها مع هُويَّة الآخر الذات الجمعيَّة، فإنَّ بعضاً من جملها الشعرية قد جاءت تراكيبها النحوية بفراغاتٍ نقطيَّةٍ هكذا (...) تنمُّ عن حذفٍ وإضمارٍ في استتاراتها الخفيَّة، وهذا يعدُّ فعلاً إجرائياً من متطلبات الحداثة وما بعدها.

وَتُركتْ تتماتها لتقدير القارئ الواعي وفهمه لتجلِّيات الوحدة الموضوعيَّة التي تجسِّدها الواقعة الشعرية الحدثية لكلِّ نصٍ شعريٍ من هذه النصوص الشعرية الثلاثة التي احتال فيها الشاعر حسين الهاشميُّ على واقعة الزمان والمكان وعلى الماضي والاستلاب الذاتي. وكان موقف الهاشمي من هذا الاحتيال النحوي التركيبي موقفاً وجوديَّاً وليس بَطِرَاً أو ترفاً زُخرُفيَّاً أو جمالياً شكليَّاً. ونماذج التطبيق الشعري لهذه النصوص تشهدُ وتدلِّلُ على موقفه الجمالي الفنِّي في جُلِّ اختياراته الشعرية:

يَا لِهذَا الجَدارِ...!

مُنذُ مَتَى يُلقِنُ بَحرَ غَرائبِهِ..؟

فِي نُومِةِ هَديرُ البَاعةِ

وَعِندَ مُوسيقَى ضِفافِهِ أنَامُ..

(احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 68)

لم يصف الهاشمي نوع هذا الجدار وقوته، بل كانت مناداته له استغاثةً تَعجبيَّةً منه، ولم يَقُلْ لنا أسباب نومه عند ضفافه التي فضَّلَ أنْ تكون تتماتُها لرأي المتلفِّي الذي يختار جواباً مناسباً لها.

ويتعالى صوت الشَّاعر الانزياحي وأُسلوبه التركيبي الماتع في نصِّه الشِّعري (مُمرَّاتٌ) الذي أهداه لصديقه الراحل الشاعر الميساني القدير علي عيدان عبدا الله وفاءً لذكراه الأليمة، وقد قسَّمه على أربعة مقاطع شعرية، كلُّ مقطع له واقعته الحدثية وصداه الرُّوحي والموضوعي في النفوس الِّتي تَستشعر رائحة الفقد وغياب الشِّعريَّة الحقيقية حزناً وأسىً عليه، حيث يقول واصفاً أثر خُطاه:

كُلَّمَا أمسَكَ بِالخُطَى

سَبقتهُ المُمَرَّاتُ إلَى النَّهرِ

وِإلَى نَجمٍ يَسقطُ مَا بَينَ يَديهِ

"هناك وأبعد"

(احتيالٌ عًلى الفُصُولِ، ص 71)

هذا هو المقطع الأول من قصيته (ممراتٌ)، والذي افتتحه الهاشميُّ بـ (كُلَّمَا) الشرطية غير الجازمة، والتي يُشترط في اسمها وجوابها أنْ يكونا فعلينِ ماضيينِ، الأول (أمسكَ)، والثاني (سَبقَ)، والانزياح التركيبي النحوي الذي احتال علينا فيه الشاعر يكمن موضعه الشاهد في الفعل الثاني (سبقته الممراتُ)، وكأنَّ المَمرَّاتِ رجلُّ له أقدام يخطو بها، وبدلاً من أنْ يبوح الشاعر مصرِّحاً فيقول إنَّ الممرات كالإنسانٍ لها أقدام سريعة أسرع من خطوات أرجل علي عيدان قال مُنزاحاً في تركيبه الجُملي الشعري (سبقتهُ المُمراتُ إلى النهرِ).يا لهُ من تَعبيرِ اختزل فيه الشاعر عجلة الزمن!

ومما زاد من حلاوة المقطع التركيببي وجماله سقوط النجم بين يديه، ولكنْ كيف كان السقوطُ؟ في مسافة مكانية كديوانِ الشاعر علي عيدان تتراوح بين البعيد والمُتوسِّط البُعد، وهذا ما أشار إليه الهاشميُّ باستخدامه للظرف (هُناكَ) الدال معناه على المكان المتوسِّط، والمسافة البعيدة بـ (أبعدُ).

أمَّا المقطع الثالث من القصيدة ذاتها كان موجِّهاً فيه التعبير إلى (الزَّمنِ) الذي منحه إنسانية مثل (الإرثُ المُتخفِّي)، فالإرث لا يتخفَّى، بل يُحفظُ ويُصانُ ويُوزَّع بعدالة الشرع والعرف الاجتماعي:

لِلزمنِ إرثٌ يَتَخَفَّى..

كًثيراً مَا يُواجهُكَ

فِي المَمرَّاتِ الفَصليَّةِ..

في المَمرَّاتِ إلَى الإفلَاسِ..

فِي المَمرَّاتِ الحَفيدِ..

بِعُيونٍ وَاسعةٍ لِلغُربَةِ..

(احتيالُ عَلى الفُصُولِ، ص 72)

لم يكتفِ الشَّاعر الهاشميُّ بالانزياح الفعلي (يَتخفَّى) الذي وصف به الإرثَ المَتروكَ، بل ذهبَ إلى تكرار ثلاث جُملٍ تجدُّدية): فِي المُمرات الفصليَّةِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الإفلاسِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الحِفيدِ..) وزاد على هذه الجمل جملةً تَجدُّديَّة رابعةً؛ لتأكيد بلاغة المعنى المقصود بهِ (الفضيلةُ، والإفلاسُ والحَفيدُ)، ونَزعِ الشَّكِّ عنها عند المتلقّي.

وعلى الرُّغم من أنَّ هذه الجمل الأربعة انتهت بنهاياتِ حَذفٍ نُقطيَّةٍ أو فراغيَّةٍ، فإنَّ الشاعر أهملها عمداً لتكون من شأنِ القارئ. وهذا الإجراء الانزياحي التعبيري للمقطع الشعري يُدلِّلُ كلَّ التدليلِ على أنه انزياح دلالي وتركيبي وصوتي (إيقاعي) احتال فيه الشاعر مجازيَّاً على متلقِّيه ليصل إلى مظاهر الجمال والإمتاع الذي يحبه القارئ في مثل هكذا انثيالاتٍ شعريَّةٍ مشاكسة للُّغة.

في قصيدته (غَرائبٌ يَوميةٌ) ينحرف الهاشميُّ في شِعريته الانزياحيَّة ويميل في احتياله الشعري علينا إلى تقنية (التقديم والتأخير) النحوي للجُملة الشعرية التي بنى عليها مقطعه الشعري. فلنقرأ المقطع الأوَّل من هذه القصيدة، والذي هو مُستهلها الأول؛ لكي نرى كيفَ وظَّفَ هذه الخاصيَّة التعبيرية لكشف الحقيقة الموضوعيَّة التي ألقتْ بظلالها على النصِّ الشّعري لُغةً ودلالةً وتركيباً:

فِي المَتاحِفِ لَيسَ هُنَاكَ دَينَاصُوراتٌ..

لَا هَياكِلَ لِلأُنسِ أيضَاً

وَلَا عَرباتٍ تَنقلُ الجِنَّ إلَى الأرضِ..

رَأيتُ هُناَكَ أَقنعةً خَلفَ المَرَايَا وَسَتائِرَ

تَكشفُ عَنْ زَيفِ المُهرجِينَ..

(احتيالٌ عَلَى الفُصُول، ص 88)

لو أمعنا النظر تأمُّليَّاً في تفكيك شفرات هذا المقطع الشعري الضارب في المكانية الشعريَّة لرأينا أنَّ الهاشميَّ ارتأى عامداً إلى أنْ يكون مُفتتح القصيدة أو بدايتها شبهَ جُملةٍ خبريَّةٍ (جاراً ومجروراً)، وبالتحديد عبارة (في المَتاحفِ). إجرائيَّاً خالف الشاعر النظام التقليدي النحوي المُعتاد عليه الرتيب في التركيب القواعدي، وبدلاً من أنْ يقول: (ليسَ هناكَ دَيناصوراتٌ فِي المَتاحفِ)، ذهب في تعبيره الشعري إلى تقديم شبه جملة الجار والمجرور (فِي المَتاحفِ)، فقال: (فِي المَتاحفِ لَيسَ هُناكَ دَيناصوراتٌ..)، ولم يكمل بقية ذيلِ الجملة وما يعنيه أويضمره عن تلك الديناصورات.

فضلاً عن ذلك أضاف تقنية الحذف لها جاعلاً من (في المتاحف) خبراً مقدَّماً لجملة (ليسَ) الفعليَّة الناقصة الدال معناها على النفي، مُفضِّلاً انزياحيَّة التقديم والتأخير على لُغة الحياة القواعديَّة العاديَّة لكسر إيقاع الرتائبية الواقعية، وليس ترفاً زُخرُفياً لفظيَّاً. ومما زاد من جماليته الشِّعريَّة الانزياحيَّة تقنية الحذف التي تخلَّلت هذا المقطع الشعري ومقاطع القصيدة الأخرى، فضلاً عن تَكرار جماليَّات (لا النافية للجنس) التي أكَّدت شِعريَّة الرَّفض الكُلي والنفي لها التي احتال بها الشاعر انزياحيَّاً.

إنَّ جماليات شعرية الانزياح التركيبي تختلف عند حسين الهاشميِّ من قصيدةٍ إلى أُخرى، فكلُّ قصيدةٍ لها طابعها البنائي والموضوعي العام، ولها مُناخُهَا الشعري الخاصُّ المغايرُ، وطبيعة طقوسها الموضوعيَّة، وإيقاعاتها الحدثية والمِهمازية التي تفرضها ذاكرةُ الواقعة الشِّعريَّة الزمانية والمكانية، فتأتي القصيدة النثرية بعذوبةٍ ضافيةٍ ومنقادةً تجرُّ أذيالها الشِّعريَّة إلى المُتلقِّي، وهي تمضي بواقعتها النفسية السِّحريَّة كما تمشي الفتاةُ الهُوينا على رسلها، فرحاً أو حزناً، أملاً أو ألماً وتأسياً. وهذا الشيء ما نستقرئه فنيَّاً وجمالياً بقصيدته الشموخية (آباء) التي يفتخر بها مُتحمساً:

بَينمَا أُسْدِلَتْ شِفَاهُ الحَربِ

عَثَرَ عَلَى نَفسِهَ يَنامُ وَاقِفَاً

وَيَداهُ مَشدودتَانِ إلَّى نَابضِ سَمَائِهِ

(احتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 102)

لا يروق للشاعر في بوحه الشعري وتعبيره الأسلوبي أنْ يقول تعبيراً عامَّاً: (وضعت الحرب أوزارها) أو (انتهت الحرب الضروس). فهو يرى أنْ ذلك يُعدُّ تأطيراً وإملالاً ورتابةً ما بعدها رتابة، فكسر ذلك القيد التعبيري النسقي التقليدي بعبارة تركيبه النحوي فقال: (أُسدلتْ شِفاهُ الحَربِ)، أي أَغلقت فمها كأنها إنسانٌ له شفاه، ومما أضاف إلى ذلك الاحتيال الشعري هيبةً ووقاراً وجمالاً أنَّ نومه كان وقوفاً حينما عَثرَ على نفسه وسط هذا الجوِّ المفعم بانقضاء أجلِ الحرب الضَّروسِ.

وهذا الأمر يُحيل القول بأنَّ الهاشميَّ في انزياحاته التركيبية وأُسلوبه التعبيري القارّ لم يكن ميلهُ بطرَاً شعريَّاً باذخاً، وإنما كان لضروراتٍ حَتميةٍ تفرضُها تجلِّيات الواقعة الشعرية، وتَكشفُها انثيالات وَقَعِ الشعرية التي تعمل على تحطيم جُدُرِ الرتائبية التقليديَّة الصَماء بهذا الكسر النَّحوي للجملة، فيأتي احتيال الشاعر على اللُّغة التقليديَّة المألوفة في نظم تركيباته ودلالاته وإيقاعه الداخلي:

قَريبَةٌ مِنِّي أيتُهَا الخُطوَاتُ وَبَعيدةٌ..

لِأنَّكِ فِي حَبائلِ اليَابسَةِ

غَجَريَّةٌ دُونَ مَواسِمَ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 106)

هذا مقطع تركيبي من قصيدة للهاشميِّ بعنوان (غَيمةٌ في عُكَّازٍ) الذي شحنهُ الشَّاعر بزخةٍ من المعاني الدلالية الكثيرة. مكانياً، الغيمةُ في السَّماءِ والعُكَّاز في الأرض، والغيمةُ قد تكون موسميَّةً زمانيةً، والعُكَّاز في كل وقتٍ حاصل، والغيمةُ شيءٌ أو حُلُمٌ مَعنويٌّ خَفيفٌ في حينَ العُكَّاز شيءٌ ماديٌّ ثقيلٌ، الغيمةُ تدلُّ رمزيَّاً على الهطول والحركة والاقتدار بَينما العُكَّاز يَدلُّ على العجز وصعوبة الحركةِ وعدم انتظام حركة السير. فضلاً عن جماليات طبيعة المقاربة بين قريبة وبعيدة.

فهذه المقاربة التناقضيية بين دالتي (الغيمة والعكَّاز)، هي ما دفعت بحسين الهاشميِّ إلى رسم لوحاتها الواقعية وأبعادها التجريبية الشعرية فنياً وجمالياً حينما شبَّهَ المٌتحرِك بالجامد الميِّت من خلال هذه التضاديات المتشابكة بينهما. فكيف تكون هذه الغيمة (النادرة) قريبة منه تارةً وبعيدة عنه تارةً أُخرى أشبه بالخُطى ؟ وهذا ما يسعى إليه الشاعر في صور انزياحاته الشعريَّة المتواثبة.

-إنَّ تعدُّد الصفات التناقضية مثل (قريبة وبعيدة) يعني تحايل على قانون الجملة القواعدية وعلى االتشبيه أو التشابهة بينهما. فالغيمة تكاد تكون قريبةً منه عندما تسقطُ في الأرض، وتبعد عنه عندما تكون في أعالي السماء، مثلَ خُطواته العاجزة التي يُقربُها العُكَّاز، ويَبعدُها مَسافاتٍ طويلةً. فخطواته الوئيدة أشبه بغجرية تعيش على اليابسة، ولكن ليس لها مواسم ما.

خاصَّةً وأنَّ الشَّاعر الهاشميَّ قد احتال علينا بلغته الشعريَّة حين شبَّهَ الشيءَ المَعنوي (الغَيمةُ) بالمادي (الخُطوات أو العكاز). وبهذا التحليل تكون الغيمةُ التي هي خفيفةٌ في مَبناها وثقيلةٌ في مَعناها (الأمل والخيال)، قد انزاحت كُليَّاً عن المألوف الواقعي فصارت شعراً غرائبياً حقَّقَ إبداعاً وابتداعاً مُهمَّاً في المتعة والإثارة والإدهاش عند القارئ.

3-الاِنزياحُ الصَّوتِي (المُوسيقِي):

وبما أنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي مجموعةُ نُصوصٍ شعريَّةٍ من جنس قصيدة النثر الشعرية الحديثة، وليست قصائدَ عَموديَّة أو تفعيليَّةً (حُرَّةً)، لها إيقاعها الخارجي (وزناً وقافيةً)، وموسيقاها الداخلية التي تميزها عن جنس النثريَّة الشعرية. فإذن الانزياح الصوتي عندَ حُسينِ الهاشميِّ مَقصوراً على توقُّعاتِ الإيقاع الداخلي للجُملة الشِّعريَّة النَّثريَّة، وخاصَّةً عند نزوع الحالة النفسيَّة أو حدوث الدفقة الشُّعورية التي تتعلَّق بالإيقاع الداخلي الصوتي الدلالي للدفقة الشِّعريَّة.

والحضور الفاعل لخاصيَّة أو تقنية التَّكرار الصوتي الحّرفي، والتَكرار اللَفظي للكلمة سواءٌ أكانت (اسماً أو حرفاً أو فعلاً)، والتكرار الجُملي أو المقطعي أو التكرار الجزئي، فضلاً عن التوقفات الجُمليَّة الشعريَّة وجماليات الطِّباق والبياضات السُّطوريَّة التي تظهر على الصفحة، والَّتي صارت جميعها هي الموسيقى الداخلية لقصيدة النثر الشعرية المائزة، فضلاً عن نسغها الصوري.

هناكَ سؤالٌ إشكاليٌّ مُلِحٌّ، لماذا يَنزاج الشاعر صوتيَّاً في إيقاعه الشعري الداخلي؟ وما الغايةُ أو السِّرُّ من ذلكَ الانزياح الأُسلوبي والانحراف التعبيري؟ وهل هو انزياح من أجل البطر والترافة أم من أجل الوجود الشعري؟ - من المؤكَّد أنَّ اللغة العاديَّةَ وظيفتها الأساسيَّة هي الإبلاغ والتوصيل والإخبار الإشهاري، أو كما يَفهمُها اللُّغوي ابن جنِّي ويُعرِّفُ حدِّها اللغوي، بأنَّها" أصواتٌ يُعبِّرُ بِها كُلُّ قَومٍ عَنْ أغراضِهم" الحياتية.

بمعنى ذلك أنَّ اللُّغة العاديَّة (لُغةُ الحياة اليوميَّة التداولية) لا تلفتُ انتباهك ونظركَ وتركيزكَ جَيِّداً إليها نفسها أو تُثير هواجسكَ المعرفيَّةَ وقلقك النفسي؛ كونها تقريرية عاديةً هامشية لا مَتنيَّةَ.

وهنا يأتي دور الشاعر الفذِّ فَيحتالُ على هذه اللُّغة، ويخدعنا بانزياحاته، وانجرافاته التعبيريَّة. وهنا أيضاً لا بُدَّ من التفريق بين صفتي الاحتيال الشعري، والكَذبِ الشِّعري المُهمَّين، فالاحتيال الشعري ليس هدفه التضليل الكاذب، بل يكشف للقارئ أو المتلقِّي لهذهِ اللُّغة الشعرية ما لم يكن يراه باللُّغة التقليديَّة أو العادية فَيُصدِّقُهُ. فلو قلنا في التعبير العادي جملة: (الزَّمنُ يَمضي) يختلف عن قولنا بلغة الانزياح الشعري: (الزمن يلبسُ عُكَّازاً)، أو نقول: (غَيمةٌ في عكاز) كما أراد حسين الهاشمي انحرافياً في قصيدته لهذه الغيمة الشعرية المُلبَّدة بالخير، العكَّاز النذير بالعجز أو للواقع.

وبهذه التجلِّيات الدلالية والتركيبية والصوتية الإيقاعية تنكشف جليَّاً حقيقة وأهداف الاحتيال الشعري، وتتفكك قواعدها الشِّعريَّة عند الشاعر حُسين الهاشميِّ بوصفها موقفاً وجوديَّاً خاصَّاً به، وليس موقفاً آليَّاً شكليَّاً وَزُخرفياً أو تَرفيّا باذخاً يسعى لتحقيقه في هكذا تعابير واحتيالات شعريِّةٍ.

يُعدُّ التَّكرار اللَّفظي للكلمة أداةَ الشَّاعرِ التعبيريَّة النافذة، ووسيلته الجماليَّة المُتجدَّدة في بثَّ انثيالاته الشعرية الإيقاعية الصوتية الداخلية للوصول إلى مرافئ أهدافه وغاياته المنشودة، ورؤاه التطلُّعيَّة الموعودة للتعبير عن آفاق آيدلوجيته الفكرية وتجربته الذاتية النابعة من واقع ضمير الأُمَّة، ومن رحمها الإنساني تُجاَهَ ما يحدث لرهانات الواقع المَعيش، وما يمكن أنْ يحدث آنيَّاً حاضراً ومستقبليَّاً.

وفي هذا التأصيل النظري للشعريَّة الانزياحيَّة تأتي قصيدة الشاعر حُسين الهاشميّ (أّمطارٌ) في ثلاثة مقاطع شعرية متراتبةٍ لتشتغلَ في ثلاثة مواضع مَطريَّةٍ على هامش الذاكرة الفكريَّة وعلى الواقع اللَّحظوي المعيش بمختلف أشكاله، وعلى المنفى المكاني، وعلى زمكانية الحدث.

والهاشميُّ وفق ذلكَ يُقسِّم نصَّه الشعريَّ إلى ثلاثة أحايين تتجدَّد صوتياً ودلاليَّاً. فيأتي المقطع الأوَّل (أحياناً سُقوفُ الفكرةِ تَكونُ وبَالاً)، والمقطع الثَّاني (أحياناً تَكونُ اللَّحظةُ تَشبيهاً)، والمقطع الثالث (أحياناً بَعضُ الفُصولِ نداءٌ..). وهكذا تظهر التمظهرات الحينية بتراتبٍ شعري واثب ومُتئدٍ.

فكلمة (أحياناً) هي اللَّفظة المفتاحية المحورية التَّكراريَّة المؤكِّدة للفعلية الحدثية والزمانية التي ينطلق منها الشاعر في بثِّ مقاطعه الشعرية الثلاثة، وكأنها توحي بما يضمرهُ الهاشميُّ من أفكارٍ تُجدُّديَّةٍ مُستترة وخطيرةٍ في هذه المقاطع المَطرية الثلاثة الهاطلة على المتلقِّي (زخَّاً وَتِسكاباً).

حيثُ تشي إيقاعاتها الصوتية مُخبرةً عن وحداتها الموضوعيَّة بأنَّ رُؤوسَ الأفكار المصيريَّة قد تكونُ أمراً وبَالاً على صاحبها، وأنَّ وقعَ اللَّحظة الحاسمة قد يكون مجردَ تشبيهٍ مُنزاحٍ، وأنَّ زمكانية بعض الفصول قد تكون نداءً صوتياً وتَنبيهاً لتقلُّبات الزمن وفعل تطاوله الحركي المُريبِ:

أحيانَاً سُقُوفُ الأفكَارِ تَكونُ وَبَالَاً

عَلَى مَأمنِ ذَاكرةٍ نَائِمَة

(اِحتيالٌ على الفُصُول، ص 92)

فإذا كانتْ شِعريَّةُ الانزياح قد كُتبتْ بهذه الصورة التعبيريَّة التأكيديَّة لكلٍّ مقطعٍ من مقاطع القصيدة الثلاثة،؛ فإنَّ تقنية تأثيث القصيدة قد جاءت مرتبةً بنظامٍ هندسيٍ معماريٍّ جميلٍ، فكلُّ مقطع له وحدته الفرعيَّة الثيمية الموضوعية ودلالته المضمونية (القيمية)، وله رِتمُ وقفته الشعورية التي انتهت بانتهاء المقطع نفسه بوضع علامةِ نجمةٍ، وكأنَّه قصيدةٌ قائمةٌ بذاتها العضويَّة القارَّة.

أمَّا الفعل المضارع (تَكونُ) الذي تَكرَّر مرتين فقد أسهم إسهاماً كبيراً في رسم اللَّوحة المُستقبليَّة الحينية أو (الأحيانية) التي كَان يَظنُّ بها الشَّاعر ما يحدث، وما يمكن أنْ يحدث له في الأحايين الثلاثة الأخرى المُعبِّرة عن فكر اشتغالاته التعبيرية عن (الواقع والذاكرة والزمن).وهنا تظهرأهمية الانزياح الصوتي الإيقاعي في احتيالات الشاعر الشعريَّة والشُّعوريَّة مَعاً حيالَ فصوله الزَّمكانيَّة:

أيُّ المَرايَا فِي تِلكَ المَخلوقاتِ:

* الفُوضَى

* الوَهمُ

* الخِيانَةُ

لَا الفُوضَى تُساوِي الوَهمَ..

لَا الوَهمُ يُساوِي الحُبَّ..

لَا الحَبٌّ يُساوِي الخِيانَةَ..

لَا الخِيانَةُ تُساوِي

مَا يَرَى وَمَا لَا يُرَى

فِي تِلكَ مَرايَا المَخلوقاتِ (احتيالٌ عَلى الفُصُول، ص 90)

يَضعنا حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (مَخلوقاتُ) الدالة عتبتها على معانيها الإنسانية والموضوعية المتناقضة إشكاليَّاً أمام أربعة خَياراتٍ اجتماعيةٍ وإنسانيَّةٍ، واضعاً في ذهنه تساؤله الفكري الآتي: أيٌّ من هذه المخلوقات الأربعة يُمثِّل المَرايا الصادقة في تساويه. الفوضى أمْ الوهمُ أمْ الحبُّ أمْ الخيانة في ما يُرى ما من الأشياء وما لا يُرى من تلك المخلوقات الكونية التي شغلتْ بَالَهُ كثيراً؟

-إنَّ الأكثر تأثيراً في بوح الشاعر وانثيالاتِ هذه القصيدة التكثيفية احتشاده التَّكراري لخمسةٍ من اللَّاءات النافية للمساوات والمقاربة ما بين هذه الفرضيَّات الفعلية الأربعة التي أطلق عليها جُزافاً اسم مخلوقاتٍ؛ كونها مؤثِّرةً وتشكلّ جزءاً من حياة الوقع الجمعي الكبير، فإنَّ تردُّدات (لا) النافية الخمسة وتكرارها بهذه الشاكلة التراتبية على شكل متواليةٍ حرفيةٍ يَمنحُ القصيدةَ النثرثيَّة إيقاعاً موسيقياً داخلياً وتأكيدياً، وُيسبغ على معانيها شيئاً من الروح الفكرية الهاجسة بهذه الدفقة الصُّوريَّة.

فهذه اللَّاءات الحرفية الخمسة المتكررة بقدر ما هي أدوات نفيٍ حرفيةٍ في التركيب الجُملي البنائي؛ فإنَّ وظيفتها الإيقاعية الداخلية هي تكرار الفعليَّة الحدثية للزمن وعدم القبول بهذا الواقع المُزري، وهي في الوقت ذاته دلالةٌ قاطعةٌ على صلابة الاحتجاج الشعري الذي يبوح به الشاعر.

ونذهب في خياراتنا الصوتية الأخرى إلى قصيدة (عَناقيدٌ يَوميَّةٌ) الفائزة بجائزة مركز النور الثقافي العالمية في السَّويد عام 2008م؛ لنرى كيفَ وظَّف حُسينُ الهاشميُّ تقنية التكرار الصوتي الإيقاعي الداخلي في المقاطع الثلاثة لقصيدته الطويلة المكثفة التي اشتغل عليها في احتيالاته الشعرية؛ لِيُمتِّعَ القارئ بنغم جَماليَّات توقعاته الصوتية هذه المرَّة اختار الشاعر لنا مفردة (الأسى) المشحونة؛ كونها إحدى أدوات الشَّاعر النفسيَّة الخارجة لفظيَّاً من رَحِمِ المُعاناة النفسية الجيَّاشة. وجاء المقطع الأول من القصيدة ذاتها ليؤكِّد لنا أنَّ دالة (الأسى) تُبذرُ فَتُولدُ من رَحِمِ الأزقة المكانية:

الأَسَى مِنْ دُونَ ضَجِيجٍ...

يُولَدُ مِنْ رَحمِ الأزقَةِ

وَتَستطيلُ عُيونُهُ بَحثَاً عًنٍ الشَّمسِ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 54)

ويأتي المقطع الثاني من القصيدة مُتسائلاً ومُبيِّناً لنا أنَّ وقع (الأسى) لا يمكن إيقاف أثرهِ النَّفسي والحَياتي في حقول عدةٍ مثل، الحُروبِ، والحُقولِ والمَقاهي والحُبِّ والأحلامِ، وغيرها من الحقول:

الأَسى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ

مَنْ يُوقفهُ فِي الحُرُوبِ

وَفِي الحُقُولِ وَفِي المَقَاهِي

وَفِي الحُبَّ والأَحلامِ

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 55)

ولم يكتفِ حُسينُ الهاشميُّ بتَكرار إيقاع الأسى وتجدُّده في المقطع الثاني، وإنما راح يتساءلُ عمن يستطيع إيقافه بتكرار جرف الجر (في) ثلاث مرَّاتٍ في متواليةٍ صوتيةٍ اشتغل فيها على دوال حقلية ثلاث: (في الحقولِ)، و(في المقاهي)، و(في الحُبِّ والأحلامِ)، فإنَّ مثل هذا التكرار الصوتي الهادف للحرفية يهبُ المقطع الشعري إيقاعاً شعرياً داخلياً مموسقاً عذباً في حركة الشعرية الماتعة.

أمَّا المقطع الثالث من القصيدة نفسها جاء؛ ليعلن للمتلقِّي بأنَّ جملة (الأسى...) الذي يحدث دونَ ضًجيجٍ يقوم بنثرِ الدعواتِ لِغُيومٍ قَادمة، وَيُقدِّمُ الشُّموعَ المَضيئةَ احتفاءً وبهجةَ بِحفلِ المَجاهيلِ:

الأسَى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ..

يَنثِرُ الدَّعواتِ لِغُيُومٍ قَادِمَةٍ

وَمُنذُ أربعينَ صَرخَةً

يُقَدِّمُ الشُّموعَ لِحفلِ المَجاهِيلِ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 56)

وكان للأفعال المستقبلية المضارعة الثلاثة، (يُولَدُ، وَيُوقفُ، وَيَنثرُ) الأثر البالغ والكبير في رسم معالم المقاطع الشعرية الثلاثة في القصيدة وتأثيث فواتحها الاستهلالية (الأسى، من دُونَ ضَجيجٍ) بهذا التركيب الإيقاعي الصوتي الداخلي المتجدُّد فكرياً ومقطعيَّاً في تفعيل حركة المشاركة الزمنية الوثيقة مع أثر الواقعة الموضوعية الشعرية للقصيدة التي انزاح الشاعر تكراراً بلغته المجازيَّة.

النصُّ الشعري (تَنبيهٌ) الذي هو أصغر قصائد الديوان (احتيالٌ عَلى الفُصُول)، والذي تضمَّنَ تشكيله الشعري سطرينِ صَغيرينِ مُكثَّفين جِدَّاً شَكَّلَا بِنيةَ القَصيدةِ الشعريَّة ووحدتَها الموضوعيَّة التي أراد لها الهاشميُّ أنْ تكونَ تنبيهَاً ضوئيَّاً مُفارِقاً لِلقارئ لا تنويهاً له، اشتغل فيها الشاعر على تقنية التَّضاد والمُطابقة الجُمليَّة بينَ ثنائية (الأمسِ) التُّراثي و(اليومِ) الآني أو المعاصر الحضوري:

إبريقُ الأَمسِ

أيقونَةُ اليَومِ..!

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 26)

فما كان إبريقاً بالأمسِ، أضحى اليوم أيقونةً رمزيةً لافتةً وعلامة سيميائية فارقةً. فشعرية هذا التنبيه التلميحي وموحياته الدلالية بين دالة (الأمسِ واليومِ) فعلت فعلتها في تقنية الانزياح الإيقاعي.

يوظِّف حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (صَديقُنَا خَطُّ الأُفقِ) الأداة الاستفهامية أو التساؤليَّة (مَنْ)، والدالة على العاقل سبع مرَّاتٍ؛ ليستفهم فيها عن موضوعاتٍ جمةٍ وعديدةٍ لها الأثر في الوجود الكوني. فيقول في الجزء الأول الذي يفتتح القصيدة به متسائلاً: مَنْ يَدوسُ عَلَى أقدَامِنَا..؟ (اِحتيالُ، ص36). ثمَّ يُكرِّر السؤال ذاته، ولكنْ بلهجةٍ أكثرَ أناقةً وتجدُّداً فيقول: مَنْ يَدوسُ عَلَى النَايِّ..؟ (اِحتيالٌ، ص36).

ويضيف إليه قائلاً: أَنفاسُنَا أُغنيةٌ قَصيرةٌ وأنينٌ بَعيدُ الأمدِ.. (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36). ولكن التساؤل الأكثر بلاغةً في شعريَّةِ التَّكرار الفني بناؤه الانزياحي قوله: (مَنْ) التي لم يذكر فيها نوع السؤال، بل قد آثرَ ذلكَ التساؤل أنْ يكونَ من نصيبِ المُتلقِّي الواعي الذي يَملأ البياضَ بِرأيهِ الخاصِّ، ثمَّ أعادَ الكَرَّة هذه للمَرَّة الرابعة التساؤل بـ (مَنْ..؟) تاركاً بعده نقاطَ حذفٍ له. وبعدها يعود إلى صيغة التساؤل مرةً خامسةً بِمَنْ قائلاً: مَنْ عَلَّمَ المَجاهيلَ؟ وَعَطف عليه التساؤل السادس:

وَمَنْ عَلَّمَ خَطَّ الأُفقِ

كُلَّ هَذا الاِنتظارِ..

كُلَّ هَذَا الإصغَاءِ...؟

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36)

وقد عمد الشاعر تاركاً في تركيب الجمل نقاطَ حَذفٍ للقارئ حتَّى يتمكَّن منْ تَتمَّة السؤال المُلقَى على عاتقه فكريَّاً، ومِنْ ثُمَّ إيجاد إجابة له. أمَّا الجزء الثاني من القصيدة ذاتها، فيأتي مُفتتحه التساؤلي بـ (مِنْ) الاستفهامية للمّرَّة السابعةِ على التوالي فيقول في بدء مُستهله الافتتاحي:

مِنْ أينَ تَجِيءُ بِهَذَا..؟

سَمعتُ إشارةَ المُعلِّمِ

مِثلَ حَفيفٍ مَكسورٍ

يَخطفُ كُراسَةَ الحَربِ

وَرأيتُ صَوتَهُ يَغيبُ هُناكَ هُنَاكَ..

(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 37)

وبقدر ما كان ل (مَنْ) الاستفهامية من أثر كبير في الوصول للإيجابات التي يبحث عنها االشاعر في تساؤلاته الشعرية المتلاحقة، كان لدالة (كلَّ) التي تكرَّرت مرتين في تركيب الجملة المقطعي، والمشفوعة باسم الإشاره (هذا) حضوراً فعليَّاً مؤكداً لدلالات الحدث اليقينية وأضفت على الجملة الشعرية قوةً وجلالاً شعوريَّاً انزياحياً باذخاً عابراً لأفقِ الشِّعريَّة في فنيَّة التعبير الانحرافي.

أُسلوبيَّة الهَاشميِّ الشِّعريَّة:

إنَّ أهمَّ ما يُميِّزُ أسلوبية الشاعرُ الشاب الواثب حُسين الهاشميُّ رصانة لغته الشعريَّة، وقوة تعابيره الانزياحيَّة، وفعل مثابرته الشعريَّة، وميله الانحرافي البلاغي الجديد في رصفِ مجازاته اللُّغوية الجريئة وشجاعته الشعورية التعبيريَّة المِقدامة في مواجهة لُغة الحياة اليوميَّة التداوليَّة المعطوبة وجهاً لوجه في فنيَّة التعبير الشعري التي وسمت شخصيته الأدبيَّة شاعراً وإنساناً.

وقد آثر الهاشميُّ أنْ يكونَ وقعُ مَهمازهِ الشعري اللُّغوي مسوَّراً بحائط صدٍّ ثقافيٍ صُلْبٍ بديلٍ لذلك المُستهلك الطافي، وبقاموسٍ معجميٍّ ثريٍّ مُحتشدٍ من التعابير الصوريَّة، والأفكار التأمُّلية، والألفاظ الدلاليَّة المؤثِّرة التي كسر بها ناقوسه الشعري توقُّعات أنماط المألوف الحياتي التقليدي، مُعتمداً في ذلك الهجس الواعي على وثوقيَّة سعةِ موهبته وثقافته الشعريَّة المُكتسبة، وصدق تجربته الشِّعريَّة التي جسَّدَت آيدلوجيته الفكريَّة في تمكُّنه من أدواته الشعريَّة التعبيرية في تأثيث مُعجمه الشعري.

المُعجم الذي زخرَّ بنتاجاته الشعريَّة المُتعدِّدة في رسم لوحاته بقصائد نثريَّةٍ زاهيةٍ مُذهلةِ الأثر أضافت إلى مشهد الحداثة الشعريَّة وما بعدها شيئاً من شطآن الشعريَّة الحقَّة التي تُلبي ظمأ القارئ وتسدَّ مسدَّ احتياجاتِ المتلقِّي الفكرية والجمالية التي هي صفحاتٌ إبداعيةٌ مورقة وارفة الظلال، وعنواناتٌ جماليَّة تُضيء أروقة المكتبة الشعرية ورفوفها المعرفيَّة بكل ما هو نافع ومفيدٌ للنفوس.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيُّ

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين (1799 -1837). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.

كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.

يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.

برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.

استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.

أمَّا بوشكين، فيحتل مكانة استثنائية في الأدب الروسي، حتى لُقِّبَ بأبي الأدب الروسي الحديث. أسهمَ في تطوير اللغة الأدبية الروسية، ومنحها قوةً تعبيرية جعلتها قادرةً على احتضان مشاعر الشعب وأفكاره وتطلعاته.

نشأ بوشكين في فترة كانتْ روسيا تعيش فيها صِراعات سياسية واجتماعية عميقة، فانعكسَ ذلك على نتاجه الأدبي. وقدْ عُرف بمواقفه المُناهضة للاستبداد، ودَعوته إلى الحرية الفكرية والإصلاح، الأمر الذي جعله عُرضة للمُراقبة والنَّفْي والتضييق.

لَم يكن بوشكين شاعرًا سياسيًّا بالمعنى الضيق، لكنَّه كان شاعر الإنسان والحرية والكرامة. وقد استطاعَ أن يُصوِّر حياةَ الناس البُسطاء وآمالهم وآلامهم بِلُغة تَجمع بَين الجَمال الفني والعُمق الإنساني. ومِن هُنا أصبح شعره جُزءًا من الوعي الوطني الروسي، ورمزًا للكفاح ضِد القهر والقيود.

على الرغم من المسافة الشاسعة التي تَفْصل العِراقَ عن روسيا، فإنَّ المُتأمل في تجربة الجواهري وبوشكين يكتشف أوجه شَبَه لافتة بينهما:

1- كِلاهُما جَعل من الشعر رسالة إنسانية تتجاوز حدودَ الترف الفني. الشعرُ عندهما لَم يكن مُجرَّد كلمات مَوزونة، بلْ كان موقفًا أخلاقيًّا ومسؤولية تجاه المجتمع.

2- ارتباطهما الوثيق بقضايا الشعب. عبَّر الجواهري عن آلام العِراقيين وطُموحاتهم، كما عبَّر بوشكين عن تطلعات الروس إلى الحرية والكرامة، ولهذا وَجَدَ الناسُ أنفسَهم في قصائدهما، وشعروا بأنَّ الشاعرَيْن يتحدَّثان بلسانهم.

3- الجُرأة في مُواجهة السُّلطة. دَفَعَ كُلٌّ مِنهما ثمنَ مواقفه الفكرية والوطنية، وتَحَمَّلَ ضُغوطًا سياسية واجتماعية كبيرة بسبب دفاعه عن الحق والحرية.

4- امتلاك مَوهبة فنية استثنائية مكَّنتهما من تحويل التجربة الشخصية إلى قضية عامَّة، والارتقاءِ بالمشاعر الفردية إلى مُستوى الوِجدان الجَمْعي للأُمَّة.

ومعَ هذا التشابه، إلا أنَّ لكل شاعر خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخَر. نشأ الجواهري في بيئة عربية دينية غنية بتراثها الشعري العريق، لذلك جاءتْ قصائده امتدادًا للتقاليد العربية الكلاسيكية معَ تجديد في الرؤيةِ والمضمون. أمَّا بوشكين فقدْ تأثرَ بالتيارات الأدبية الأوروبية والرومانسية الغربية، وسعى إلى بناء هُوِيَّة أدبية روسية حديثة تَجمع بين التراثِ المحلي والانفتاحِ على الثقافة العالمية. كذلك اتَّخذ الجواهري من الخِطاب المباشر والحماسي وسيلة للتأثير في الجماهير، بَينما مالَ بوشكين إلى التعبير الرمزي والفني الذي يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل والاستنتاج.

واختلافُ الأساليب لَم يمنع وَحْدَةَ الهدف. كِلاهُما كان يسعى إلى خدمة الإنسان، والدفاعِ عن حَقِّه في الحرية والحياة الكريمة. تكشف تجربة الجواهري وبوشكين عن حقيقة جَوهرية مُفادها أن الأدب العظيم لا يُولَد في عُزلة عن المجتمع، بلْ ينبثق من تفاعل عميق معَ قضاياه وهُمومه. والشاعرُ الحقيقي لَيس مُجرَّد صانع للجَمالِ اللغوي، وإنَّما شاهدٌ على عصره، وحارسٌ لِقِيَمِ الحق والعدالة.

وقد أثبتَ الشاعران أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الجُغرافية والزمنية، وأنَّ صوت الشعب حين يجد مَنْ يُعبِّر عنه بصدق يتحوَّل إلى قوة لا يُمكن إخمادها. ولهذا بقيتْ أعمالهما حَيَّةً في الذاكرة الثقافية، تتناقلها الأجيالُ بوصفها رمزًا للنضال والوعي والكرامة

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في المثقف اليوم