عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين (1799 -1837). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.

كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.

يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.

برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.

استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.

أمَّا بوشكين، فيحتل مكانة استثنائية في الأدب الروسي، حتى لُقِّبَ بأبي الأدب الروسي الحديث. أسهمَ في تطوير اللغة الأدبية الروسية، ومنحها قوةً تعبيرية جعلتها قادرةً على احتضان مشاعر الشعب وأفكاره وتطلعاته.

نشأ بوشكين في فترة كانتْ روسيا تعيش فيها صِراعات سياسية واجتماعية عميقة، فانعكسَ ذلك على نتاجه الأدبي. وقدْ عُرف بمواقفه المُناهضة للاستبداد، ودَعوته إلى الحرية الفكرية والإصلاح، الأمر الذي جعله عُرضة للمُراقبة والنَّفْي والتضييق.

لَم يكن بوشكين شاعرًا سياسيًّا بالمعنى الضيق، لكنَّه كان شاعر الإنسان والحرية والكرامة. وقد استطاعَ أن يُصوِّر حياةَ الناس البُسطاء وآمالهم وآلامهم بِلُغة تَجمع بَين الجَمال الفني والعُمق الإنساني. ومِن هُنا أصبح شعره جُزءًا من الوعي الوطني الروسي، ورمزًا للكفاح ضِد القهر والقيود.

على الرغم من المسافة الشاسعة التي تَفْصل العِراقَ عن روسيا، فإنَّ المُتأمل في تجربة الجواهري وبوشكين يكتشف أوجه شَبَه لافتة بينهما:

1- كِلاهُما جَعل من الشعر رسالة إنسانية تتجاوز حدودَ الترف الفني. الشعرُ عندهما لَم يكن مُجرَّد كلمات مَوزونة، بلْ كان موقفًا أخلاقيًّا ومسؤولية تجاه المجتمع.

2- ارتباطهما الوثيق بقضايا الشعب. عبَّر الجواهري عن آلام العِراقيين وطُموحاتهم، كما عبَّر بوشكين عن تطلعات الروس إلى الحرية والكرامة، ولهذا وَجَدَ الناسُ أنفسَهم في قصائدهما، وشعروا بأنَّ الشاعرَيْن يتحدَّثان بلسانهم.

3- الجُرأة في مُواجهة السُّلطة. دَفَعَ كُلٌّ مِنهما ثمنَ مواقفه الفكرية والوطنية، وتَحَمَّلَ ضُغوطًا سياسية واجتماعية كبيرة بسبب دفاعه عن الحق والحرية.

4- امتلاك مَوهبة فنية استثنائية مكَّنتهما من تحويل التجربة الشخصية إلى قضية عامَّة، والارتقاءِ بالمشاعر الفردية إلى مُستوى الوِجدان الجَمْعي للأُمَّة.

ومعَ هذا التشابه، إلا أنَّ لكل شاعر خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخَر. نشأ الجواهري في بيئة عربية دينية غنية بتراثها الشعري العريق، لذلك جاءتْ قصائده امتدادًا للتقاليد العربية الكلاسيكية معَ تجديد في الرؤيةِ والمضمون. أمَّا بوشكين فقدْ تأثرَ بالتيارات الأدبية الأوروبية والرومانسية الغربية، وسعى إلى بناء هُوِيَّة أدبية روسية حديثة تَجمع بين التراثِ المحلي والانفتاحِ على الثقافة العالمية. كذلك اتَّخذ الجواهري من الخِطاب المباشر والحماسي وسيلة للتأثير في الجماهير، بَينما مالَ بوشكين إلى التعبير الرمزي والفني الذي يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل والاستنتاج.

واختلافُ الأساليب لَم يمنع وَحْدَةَ الهدف. كِلاهُما كان يسعى إلى خدمة الإنسان، والدفاعِ عن حَقِّه في الحرية والحياة الكريمة. تكشف تجربة الجواهري وبوشكين عن حقيقة جَوهرية مُفادها أن الأدب العظيم لا يُولَد في عُزلة عن المجتمع، بلْ ينبثق من تفاعل عميق معَ قضاياه وهُمومه. والشاعرُ الحقيقي لَيس مُجرَّد صانع للجَمالِ اللغوي، وإنَّما شاهدٌ على عصره، وحارسٌ لِقِيَمِ الحق والعدالة.

وقد أثبتَ الشاعران أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الجُغرافية والزمنية، وأنَّ صوت الشعب حين يجد مَنْ يُعبِّر عنه بصدق يتحوَّل إلى قوة لا يُمكن إخمادها. ولهذا بقيتْ أعمالهما حَيَّةً في الذاكرة الثقافية، تتناقلها الأجيالُ بوصفها رمزًا للنضال والوعي والكرامة

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

المقدمة: في نص "لمّا رحلتُ" للشاعرة د. سجال الركابي يُعاد بناء الفراق بوصفه نظامًا من العلامات المتشابكة التي تُنتج المعنى وتُعيد تشكيل هوية الذات. ويتخذ الفراق صورة نسيج وجودي متواصل تنسج خيوطه من الزمن والمكان والذاكرة، فيتشكل فضاء شعري يجمع بين الوجع والضياء. ومن هنا ينهض السؤال المركزي في النص: كيف يتحول الغياب إلى منظومة دلالية فاعلة؟ وكيف يغدو الفراق جزءًا من تشكل الذات، ويصبح الحنين أداة لاستعادة العالم، ويتحول المكان الغائب إلى مرجع داخلي دائم الحضور؟

يتحدث غاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان" عن الأمكنة التي سكنها الإنسان يومًا وبقي أثرها ممتدًا في الوعي والذاكرة، حيث تتحول إلى فضاءات رمزية تعيد بناء العالم الداخلي وترسم ملامح الهوية الوجودية. وهذا ما تجسده الركابي في قصيدتها؛ فالمكان يستعيد حضوره عبر الذاكرة واللغة، ويعود إلى الحياة في أعماق التجربة الشعرية.

أما بول ريكور في "الزمان والسرد" فيرى أن الذاكرة عملية تأويل مستمرة للماضي انطلاقًا من وعي الحاضر، وأن استرجاع التجارب القديمة يساهم في تشكيل هوية الإنسان وسرده لذاته. لذلك ينهض النص بوصفه سردًا حنينيًا تُعيد الشاعرة من خلاله ترتيب علاقتها بالزمن والمكان والغياب.

وفي هذا السياق تتشكل الأهواء المحورية في النص: الفراق، والندم، والاشتياق، والصمت الداخلي، واستدعاء المكان، بوصفها علامات تحمل النص إلى فضاء يتجاوز الرثاء المباشر، وتفتح أفقًا يمكن تسميته بشعرية الوطن الداخلي؛ ذلك الوطن الذي تقيمه الذاكرة، وتحفظه الأحلام، وتمنحه القصيدة وجودًا متجددًا.

ومن خلال هذا المنظور، تتوزع القراءة على خمسة محاور سيميولوجية:

المحور الأول: الفراق بوصفه هوية

"الفراقُ يُتعبني

وتعوّدي... تناسيكَ"

"أكتبُ لكَ بمدادِ وهمٍ

عتّقهُ الاغتراب"

في هذين المقطعين يظهر الفراق بوصفه حالة وجودية مستمرة تسهم في تشكيل ملامح الذات. فالألم الذي يولده الفراق يرتبط بمحاولة شاقة تتمثل في النسيان، وهي محاولة تتعثر أمام قوة الذاكرة واستمرار حضور الغائب.

لقد تجاوزت تجربة الفراق في هذا النص حدود الانفعال العابر، وتحولت إلى بنية دلالية منتجة تتحرك داخل نسيج النص، وتؤثر في صوره وإيقاعه ومساراته التأويلية.

وتكثّف عبارة: "أكتب لك بمداد وهم عتقه الاغتراب" تجربة الفقد في صورة شعرية مركبة؛ فالكتابة هنا تنبع من حضور متخيل يتغذى من المسافة الزمنية والمكانية، والاغتراب يمنح ذلك الحضور طاقة عاطفية تتراكم مع مرور الزمن. ومن ثم يتحول الألم إلى قوة مولدة للخطاب الشعري ومصدر من مصادر تخيله.

ويرى باشلار أن التجربة الشعرية قادرة على تحويل الانفعال الإنساني إلى صورة جمالية تُعيد تشكيل الألم داخل بنية جديدة من المعنى. لذلك لا يأتي الوجع في القصيدة بوصفه خبرًا عن تجربة ماضية، وإنما بوصفه طاقة فاعلة تواصل تشكيل العالم الشعري.

ويتجاوز الفراق حدود الابتعاد عن شخص أو مكان، ليمتد إلى زمن الطفولة والصبا والطمأنينة الأولى. ووفق رؤية ريكور لعلاقة الذاكرة بتكوين الهوية، فإن الألم حين يندمج في سرد الذات يصبح جزءًا من تجربتها الوجودية المستمرة، وهو ما يتجسد في بناء الشاعرة لعلاقة عميقة بين الفقد والهوية.

المحور الثاني: الحنين كقوة رمزية

"امتلأَ الفضاءُ نشوانًا

عند ذكرِ اسمك"

"أيُّها الندمُ فراقَكَ

يا صفوَ الطفولةِ

وشغفَ الصبا"

"أيُّها العِرقُ النقيُّ

وتشابُكُ الأغصانِ الحنون"

يتجلى الحنين في هذه المقاطع بوصفه طاقة رمزية قادرة على استدعاء العالم الغائب وإعادة تشكيله في الوعي. فمجرد ذكر الاسم يحرّك الفضاء الداخلي للشاعرة، ويمنح الذاكرة قدرة على إحياء ما غاب من أمكنة وأزمنة وعلاقات.

وتشير جوليا كريستيفا في دراساتها عن اللغة الشعرية إلى أن الكتابة لا تستعيد الماضي بوصفه صورة جامدة، وإنما تعيد إنتاجه داخل حركة اللغة، حيث تمتزج الذاكرة بالرغبة والخيال. ومن هذا المنظور يتحول نداء الطفولة والصبا إلى فعل لغوي يمنح الغائب حضورًا متجددًا داخل النص.

أما صورة "العِرق النقي وتشابك الأغصان الحنون"، فتفتح فضاءً رمزيًا واسعًا يرتبط بالجذور والانتماء والروابط الإنسانية الأولى. فالعِرق هنا يحمل معنى الأصل والامتداد التاريخي، فيما تشير الأغصان المتشابكة إلى العلاقات التي نشأت في فضاء الطفولة والمكان الأول، لتغدو الذاكرة امتدادًا عميقًا للذات عبر الزمن.

وتعيد الركابي تشكيل وطنها عبر شبكة من الصور التي تجمع بين المحسوس والروحي، كصورة الطمى والترتيل والأنهار ودفء العناق.

ويبلغ الحنين ذروة حضوره في قولها:

"أيُّها المُحلّى بالطُمى

المُموّهُ بتراتيلِ الأنهار

المغروسُ في القلب"

تتشكل هنا منظومة رمزية متكاملة؛ فالطُمى يعيد المكان إلى خصوبته وأصله الأرضي، وتراتيل الأنهار تضفي عليه بُعدًا روحانيًا يرتبط بقداسة الذاكرة، أما الغرس في القلب فينقل الوطن من حيز الجغرافيا إلى فضاء الوجدان، حيث يستقر بوصفه جزءًا من الكينونة الإنسانية.

المحور الثالث: المكان الشعري

"رنوتُ عبر الجسر

العشبُ أخضرُ هنااااك"

"وعطرُ الضوعِ ينفذُ لقرارِ الضياع"

"وها أنا بعد آلافِ الليالي

أحلمُ بليلةٍ صيفيةٍ

على سطحِ دارِنا"

يحضر الجسر في هذا المشهد بوصفه عتبة رمزية تفصل بين عالمين: عالم الحاضر الذي تعيشه الذات، وعالم الماضي الذي ما زال ينبض في الذاكرة. إن فعل الرنو عبر الجسر يحمل رغبة في العبور واستعادة ما ابتعد، فيما يطيل المد الصوتي في كلمة "هنااااك" المسافة النفسية بين الذات والمكان المنشود.

ويتناول باشلار في "جماليات المكان" البيت بوصفه فضاءً أوليًا يختزن التجارب الأولى للإنسان، حيث تتشكل فيه مشاعر الأمان والانتماء. ولهذا يكتسب "سطح الدار" في النص قيمة رمزية تتجاوز وصف المكان، لأنه يستدعي طفولة كاملة بأحلامها وطمأنينتها وعلاقتها بالسماء والنجوم.

أما "عطر الضوع" فيعمل بوصفه أثرًا حسيًا يختزن الذاكرة، فالرائحة من أكثر الحواس ارتباطًا بالاسترجاع العميق، إذ تستطيع أن تعيد إلى الوعي صورًا وتجارب ظن الإنسان أنها ابتعدت في الزمن.

وتتجسد العودة عبر الحلم في قول الشاعرة:

"أحلمُ بليلةٍ صيفيةٍ

على سطحِ دارِنا

بين ذراعي قمرٍ

وهسهساتِ نخيل"

الحلم هنا مساحة داخلية تستعيد فيها الذات مكانها الأول، وتعيد ترتيب عناصره الحسية: القمر، النخيل، الليل، والهدوء. وتتحول هذه العناصر إلى علامات تكشف استمرار العلاقة بين الإنسان ومكانه الأصلي، حتى بعد اتساع مسافات الغياب.

ويشير كمال أبو ديب في كتابه "الشعرية العربية الحديثة: البنية والإبدال" إلى أن المكان في الشعر الحديث يغادر حدوده الجغرافية ليغدو بنية دلالية تتداخل فيها الذاكرة واللغة والهوية. ومن هذا المنظور تتشكل صورة الوطن في النص باعتبارها حضورًا داخليًا دائمًا.

وتصل هذه الدلالة إلى أقصى كثافتها في النداء:

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

فالوطن هنا يُقدَّم بوصفه شرطًا من شروط استمرار الحياة، كما أن الأوكسجين، رغم خفائه عن العين، يبقى العنصر الذي لا تستقيم الحياة من دونه. ومن خلال هذه الاستعارة تكتسب علاقة الإنسان بوطنه بعدًا وجوديًا عميقًا، يمتد إلى مستوى النفس والذاكرة والهوية.

المحور الرابع: الصمت والابتسامة الكاذبة

"كلّما كَبُرَ الجُرحُ

اتّسَعَت ابتسامتي الكاذبة"

"وأُشيحُ برأسي كي لا يطلَّ

اكتواءُ الروحِ

في رجفةِ إيماءاتي"

في هذين المقطعين، تظهر الابتسامة بوصفها علامة سيميائية مركبة تخفي طبقات متعددة من المعاناة الداخلية. فالوجه يقدّم للعالم صورة الهدوء والثبات، بينما تحتفظ الذات في أعماقها بذاكرة الجرح وحرارته المستمرة. وهكذا تنشأ مسافة بين الظاهر والباطن، بين ما يُرى وما يُكتم.

ويتقاطع هذا التصوير مع ما يطرحه إرفنغ غوفمان في دراسته للأداء الاجتماعي، حيث تُمارس الذات أشكالًا من تقديم صورتها أمام الآخرين بما يحفظ توازنها داخل المجال الاجتماعي. فالابتسامة الكاذبة في القصيدة إشارة إلى قدرة الذات على إدارة ألمها ومواصلة حضورها في العالم.

أما إشارة الرأس ورجفة الإيماءات، فتمثل لحظة انكشاف الجسد أمام ما تحاول اللغة إخفاءه. فالجسد يحتفظ بذاكرة خاصة، ويُفصح عبر حركاته الدقيقة عما تعجز الكلمات عن التصريح به.

وقد أضاء رولان بارت فكرة الجسد بوصفه حقلًا للعلامات داخل الخطاب الثقافي؛ فالإيماءة في النص الشعري تمتلك قيمة دلالية لا تقل عن قيمة الكلمة، لأن الجسد يشارك في إنتاج المعنى وصياغة التجربة الإنسانية.

وتتحول الهشاشة في هذا المقطع إلى شكل من أشكال التماسك الداخلي؛ فإخفاء الألم لا يعني غيابه، وإنما يكشف عن محاولة الذات المحافظة على توازنها في مواجهة عالم لا يرى إلا سطح الأشياء.

المحور الخامس: الاغتراب والحلم

"ناح بلبلُ حديقتنا

فعرفتُ أنَّ دربَ العودةِ مُحال"

"وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى"

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

يحمل البلبل في هذا المشهد وظيفة رمزية تتجاوز حضوره الطبيعي؛ فهو صوت المكان القديم وذاكرة الحديقة التي بقيت تنبض في الوجدان. ويأتي نواح البلبل علامة على إدراك عميق بأن الزمن الذي مضى لا يمكن استعادته بصورته الأولى، فتغدو العودة الجسدية سؤالًا يواجه حدود الواقع والزمن.

وفي ضوء التأمل الوجودي عند هيدغر، تتجلى علاقة الإنسان بالمكان الأول بوصفها جزءًا من تجربته في فهم ذاته ووجوده في العالم. لذلك يصبح الحلم والذاكرة وسيلتين لاستمرار الصلة بما انقطع في الواقع. 

وتقول الشاعرة:

"وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى

ما كان وما تمنّيتُ أن يكون"

في هذه الصورة يتحول الماضي إلى فردوس محفوظ في الذاكرة؛ فضاء يحمل الرغبات والتجارب والصور التي شكّلت ملامح الذات. ومن خلال الكتابة الشعرية يستعيد هذا العالم قدرته على الحياة داخل النص.

إنّ الغربة في النص لا تنتهي عند حدود الابتعاد المكاني، وإنما تتحول إلى تجربة تعيد إنتاج الوطن داخل اللغة. فالنص يصبح موضعًا لحفظ الذاكرة، وتغدو الكلمات طريقًا نحو استعادة ما تعذّر الوصول إليه في الواقع.

وتأتي العبارة الختامية:

"أيُّها الوطنُ الأوكسجين"

لتختزل البنية الشعورية للنص كله؛ فالأوكسجين عنصر لا يُرى، ومع ذلك يرتبط استمرار الحياة بوجوده. وكذلك الوطن في تجربة الاغتراب؛ يظل حاضرًا في الوعي والوجدان، ويظهر أثره في كل لحظة من لحظات التذكّر والحنين.

الخاتمة

الأهواء بوصفها نظامًا تأويليًا وشعرية الوطن الداخلي

في نص "لمّا رحلتُ" تتشكل الأهواء بوصفها قوى شعورية ودلالية تعيد تنظيم العلاقة بين الذات والذاكرة والمكان. فالفراق يكتسب وظيفة بنائية داخل التجربة الشعرية، والحنين يتحول إلى طاقة تستحضر الزمن الأول، والمكان يستمر في الوعي بوصفه صورة داخلية تتجاوز حدوده المادية.

وقد كشفت المحاور السابقة عن مجموعة من الدلالات المركزية:

أ- الفراق: يتحول إلى طاقة تولّد الخطاب الشعري، وترافق الذات في إعادة قراءة تجربتها الزمنية والوجدانية.

ب- الحنين: يمثل فعلًا تأويليًا تستعيد الذات من خلاله صور الماضي، وتعيد ترتيب علاقتها بالأمكنة والأزمنة الأولى.

ج- المكان: يظهر بوصفه فضاءً داخليًا تسكنه الذاكرة، فتلتقي فيه الأرض الأولى بالأثر النفسي العميق.

د- الصمت والابتسامة الكاذبة: يكشفان عن لغة خفية يعبّر بها الجسد عن انفعالات لا تصل إليها الكلمات بصورة كاملة.

هـ- الاغتراب والحلم: يشكلان المجال الذي تحفظ فيه الذات عالمها القديم، وتواصل عبره بناء وطنها الداخلي.

وتتجلى ذروة التكثيف الشعري في عبارة: "ما كان وما تمنّيتُ أن تكون" التي تمثل معادلًا موضوعيًا (Objective Correlativeبالمعنى الذي صاغه ت. س. إليوت؛ إذ لا تصرّح الشاعرة بحجم الفقد والحنين، وإنما تترك صورتين زمنيتين متجاورتين: زمنًا تحقق وانقضى، وزمنًا حَلِمَت به الذات ولم يكتمل. ومن خلال هذا التقابل تتجسد مأساة الاغتراب في صورة لغوية مكثفة، يتحول فيها الماضي والرجاء المؤجل إلى علامة شعرية تحمل الشحنة الوجدانية للنص كله.

لقد استطاعت الشاعرة د. سجال الركابي أن تحول تجربة الفقد والاغتراب إلى عالم شعري غني بالعلامات والدلالات، حيث تتداخل الذات مع المكان، والذاكرة مع الحلم، واللغة مع التجربة الوجودية.

إنّ نص "لمّا رحلتُ" لا يُستقبل بوصفه تجربة حنين فردية فحسب، وإنما بوصفه بناءً شعريًا تستعاد فيه هوية المكان عبر الحس والذاكرة والصورة. وفي مركز هذا العالم تقف عبارة "الوطن الأوكسجين" بوصفها خلاصة رمزية مكثفة لتجربة الاغتراب؛ فالوطن يغيب عن العين، لكنه يبقى حاضرًا في نبض الروح واستمرار الحياة.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

....................

قائمة المراجع

1. باشلار، غاستون. جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسا، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1984.

2. ريكور، بول. الزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.

3. كريستيفا، جوليا. ثورة اللغة الشعرية، ترجمة: محمد برادة، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1997.

4. بارت، رولان. درس السيميولوجيا، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 1986.

5. غوفمان، إرفنغ. تقديم الذات في الحياة اليومية، ترجمة: ثائر ديب، دمشق: دار معنى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2021.

6. أبو ديب، كمال. الشعرية العربية الحديثة: البنية والإبدال، بيروت: دار العلم للملايين، 1981.

7. إليوت، ت. س. المختار من نقد ت. س. إليوت، ترجمة: ماهر شفيق فريد، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000.

..................

(لمّا رحلتُ)

الفراقُ يُتعبني

وتعوّدي ... تناسيكَ

أغسِلُ فجرَكَ المُتواري

في شغافِ ضميري

... بندى العيونِ

وتخبّطِ المعنى

*

ما كُنْتُ أدري ... أَنَّ

للذكرياتِ عبير

حتّى...

امتلأَ الفضاء نشواناً

عند ذكر اسمك

*

كلّما كبُرَ الجرحُ

اتّسَعَت ابتسامتي الكاذبة

وأشيحُ برأسي كي لا يطلُّ

..اكتواءَ الروحِ

في رجفةِ إيماءاتي

أكتبُ لكَ بمدادِ وهمٍ

.. عتّقهُ الاغتراب

*

أيُّها الندمُ فراقَكَ

يا صفوَ الطفولةِ

وشغفَ الصبا

أيُّها العرقُ النقيُّ وتشابُكَ الأغصان الحنون

*

ما همَّني بارود ولا حرائق

أتعبني كيد المخالب

تعيثُ بالجوريّ ...

يجهَشُ النهرُ بالعطش

يجفُّ الرازقيّ في شعري المُخضّبُ بالبكاء

رنوتُ عِبرَ الجِسرِ

العشبُ أخضرُ هناااااكَ

وعِطرُ الضوعِ ينفذُ لقرارِ الضياعِ

حينَ التفتُّ .... بعيداً عن الدار

ناح بلبل حديقتنا

فعرفتُ أنَّ دربَ العودةِ مُحال

تأوّهتُ... إذ أغلَقتُ على كبدي البابَ

وها أنا بعد آلاف ِالليالي

أحلمُ بليلةٍ صيفيّةٍ

على سطحِ دارِنا

بين ذراعي قمرٍ

وهسهساتِ نخيلٍ

*

أيُّها المُحلّى بالطُمى

المُموّهُ بتراتيل الأنهارِ

المغروسُ في القلبِ

شآبيب عناقٍ ووصال

وإنْ في جنّةٍ أودِعتُ

تبقى المُنى والهوى

ما كان وما

تمنّيتُ أن تكون

رَمَقي وتَوقي

أزاهير صِبايَ

ولظى مُهجَتي

لكَ دوماً روحي تُغنّي..

وإنْ جافيتَ

أيُّها الوطنُ الأوكسجين

***

د. سجال الركابي

بين هندسة الإيقاع وجماليات اللغة في نظر البصريين والكوفيين وفقهاء العربية

ليس الشعر العربي كلاماً موزوناً فحسب، ولا هو زخرفٌ لفظيٌّ تُزيَّن به المعاني، بل هو نظامٌ جماليٌّ متكامل تتعانق فيه الموسيقى واللغة والفكر والخيال في نسيجٍ واحد. وقد وعى العرب منذ أقدم عصورهم أن للشعر مقاييسَ تضبطه وموازينَ تنتظم عليها أنغامه، وأن الخروج على تلك المقاييس يُفضي إلى اختلال الذوق وفساد الإيقاع. ومن هنا نشأت الحاجة إلى تقعيد الظاهرة الشعرية وتقنينها، حتى جاء العبقري الفذّ الخليل بن أحمد الفراهيدي، فحوّل الحسَّ الموسيقي العربي من ملكةٍ فطرية إلى علمٍ دقيق يُعرف بعلم العَروض.

لقد كان اكتشاف الخليل للبحور الشعرية أشبه باكتشاف قوانين الجاذبية في عالم الفيزياء؛ إذ استطاع أن يكشف النظام الخفي الذي يحكم حركة الأصوات في الشعر العربي، وأن يستنبط من كلام العرب ستة عشر بحراً تمثل الأنساق الإيقاعية الكبرى التي جرت عليها القصيدة العربية عبر القرون. ولم يكن العَروض عنده علماً حسابياً جامداً، بل كان علماً بالجمال الصوتي، يبحث في أسباب الطرب الكامن في الألفاظ، وفي سرّ الانسجام بين الحركات والسكنات، وبين المدّ والقصر، وبين النبر والتنغيم.

ومن هنا فإن الوزن الشعري ليس قالباً خارجياً يُفرض على المعنى، بل هو جزء من المعنى ذاته. فالبحر الطويل مثلاً يمتاز بجلاله واتساعه، ولذلك كان ميداناً للفخر والحماسة والملاحم، بينما يتميز بحر الرمل برقته وانسيابه، مما جعله أكثر ملاءمة للغزل والوجدانيات. أما الكامل فقد وصفه النقاد بأنه «أفخم البحور وأقواها حركة»، لما فيه من طاقة إيقاعية متدفقة تمنح القصيدة زخماً خاصاً.

وقد نظر نحاة البصرة إلى الشعر بوصفه أعلى مراتب الاحتجاج اللغوي. فكانوا يرون أن الشعر ديوان العرب ومستودع فصاحتهم، ولذلك اتخذوه مصدراً أصيلاً للاستشهاد النحوي واللغوي. غير أنهم كانوا أكثر ميلاً إلى القياس والانضباط العقلي، فحاولوا إخضاع الظواهر الشعرية لقواعد عامة تحكمها. ولهذا نجد أن مدرسة البصرة، التي تزعمها علماء كبار أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه، كانت تؤمن بأن سلامة الشعر لا تنفصل عن سلامة اللغة، وأن الوزن الصحيح لا يغني عن التركيب الفصيح، لأن الموسيقى إذا خلت من البيان أصبحت جرساً بلا روح.

أما نحاة الكوفة فقد كانوا أكثر تسامحاً مع الظواهر اللغوية والشعرية، وأكثر اعتماداً على السماع والرواية. ولذلك أجازوا من الضرورات الشعرية ما لم يجزه البصريون، ووسعوا دائرة الاحتجاج باللهجات العربية المختلفة. وكانوا يرون أن الشعر ميدان للإبداع لا يجوز تضييقه بقيود منطقية صارمة، ما دام قائماً على السماع العربي الصحيح. ومن هنا نشأ ذلك الجدل الخصب بين المدرستين حول الضرورات الشعرية، والحذف والزيادة، وتقديم بعض العناصر وتأخيرها، مما أسهم في إثراء الدرس اللغوي والنقدي معاً.

أما فقهاء اللغة وأئمة البلاغة فقد تجاوزوا النظر إلى الوزن بوصفه نسقاً صوتياً مجرداً، إلى النظر إليه باعتباره أداة من أدوات التأثير الجمالي. فقد رأى الجاحظ أن المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في جودة السبك وحسن الصياغة. وذهب عبد القاهر الجرجاني إلى أن جمال الشعر لا يكمن في الألفاظ منفردة ولا في الأوزان وحدها، بل في النظم؛ أي في العلاقات التي تنشأ بين الكلمات والمعاني داخل البناء الشعري. فالوزن عنده ليس غاية مستقلة، وإنما هو جزء من شبكة جمالية أوسع تتضافر فيها الموسيقى مع الدلالة والصورة والخيال.

ومن هذا المنظور، تصبح القافية شريكاً للوزن في صناعة الجمال. فهي ليست مجرد صوت يتكرر في نهاية الأبيات، بل عنصر بنائي يحقق الانسجام والإيقاع ويمنح النص وحدته الفنية. وقد شبّه بعض النقاد القدماء القافية بالعمود الذي تنتظم حوله خيمة القصيدة، فإذا اضطرب اختل البناء كله.

ولعل أعظم ما يميز الشعر العربي أنه استطاع أن يحافظ على توازنه بين الحرية والانضباط. فالوزن لم يكن سجناً للشاعر، بل كان فضاءً إبداعياً يتحرك داخله. ولذلك ظل الشعراء الكبار، من امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام إلى شوقي والجواهري، يبدعون داخل الأوزان نفسها، لكنهم يملؤونها في كل عصر برؤى جديدة وصور مبتكرة وتجارب إنسانية متجددة.

ومع ظهور الشعر الحر في القرن العشرين لم يكن الأمر ثورة على الموسيقى بقدر ما كان بحثاً عن أشكال موسيقية أكثر مرونة. فقد حافظ شعر التفعيلة على جوهر الإيقاع الخليلي، وإن تحرر من نظام البيت التقليدي. أما قصيدة النثر فقد اختارت أن تؤسس موسيقاها الخاصة من خلال الإيقاع الداخلي والتوازي والتكرار والتناغم الدلالي. ومع ذلك بقي السؤال الجمالي قائماً: هل يمكن للشعر أن يستغني كلياً عن الوزن؟ وهو سؤال لا يزال يثير النقاش بين النقاد والشعراء حتى اليوم.

إن مقاييس الشعر العربي وموازينه ليست قوانين جامدة بقدر ما هي تجليات لعبقرية اللغة العربية وقدرتها الفريدة على تحويل الصوت إلى معنى، والمعنى إلى صورة، والصورة إلى وجدان. فالعَروض في جوهره ليس علم أرقام وتفعيلات، وإنما علم جمال وإيقاع، يكشف عن العلاقة السرية بين الموسيقى والروح. ولذلك ظل الشعر العربي، على امتداد تاريخه، شاهداً على أن اللغة حين تبلغ ذروة انسجامها تصبح غناءً، وأن الغناء حين يتحد بالفكر والعاطفة يتحول إلى شعر خالد لا يشيخ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

هرمنيوطيقا رؤوف علوان واللعبة التأويلية للنص الديني

لَنْ يَسْتَحْضرَ هذاْ المقالُ من (محفوظ) إلا رمزية (رؤوف علوان) فهو ليس مقالاً نقدياً فيْ أدبِ نجيبِ محفوظ ونقده لاستغلال الدين والتَّدين الشَّعبيّ في عالمه السَّردي، فالنقدُ الديني في معالجته السَّردية أمرٌ لا يخطئه القارئ إذ يطلُ بوضحٍ فيْ أَهمِ أعماله الروائيَّة، وفيْ طليعتها ثلاثيته الشهيرة إذ تمثلُ فيها شخصيةُ (كمال) الحيرةَ والانكسارَ بتطلعاتها الصوفيَّة المثاليَّة وميلها للحب الافلاطوني الذيْ لمْ يُكتَبْ له النهاية السعيدة فعاش مرارة الألم والخيبة والخذلان، بينما تمثل شخصية (ياسين) بكل تحولاتها وتناقضاتها وجدليتها إرادة الحياة وبهجتها، وتحضر في أبعاد كاريكاتورية ساخرة شخصية الشيخ (متولي عبد الصمد) الذي يمثل الاتكالية والارتزاق من الآخرين لما يعتقد به الآخرون من كونه شخصية تمنح البركة بسبب دعواتها ورؤاها الصالحة في المنام، وفي روايته (اللص والكلاب) هناك شخصية تراجيدية هي (سعيد مهران ) فبعد خروجه من السجن ينتقم من الأشخاص الذين زجوا به في السجن نتيجة سرقته بسبب عوزه المادي، فهو في أصله ينطوي على صلاح وطيبة ولكنَّ الظروف المحدقة به وتبرير صديقه (رؤوف علوان ) هومن دفعه للسرقة ورسم له هذه النهائية المرة، فـ (رؤوف علوان) شخصية براغماتية يتفنن في السفسطة وقلب الحقائق وإقناع الآخرين، واستطاع أن يتسلق من بداية وضيعة ليحقق مركزاً اجتماعياً مرموقاً ويكون رئيس تحرير صحيفة مهمة، وهو يرفض أن يأخذ بيد (سعيد مهران) ولا يساعده ولا يقف بجانبه بعد خروجه بالسجن وتنكر لصداقته القديمة له،وفي حديثه (لمهران) حينما التقاه يحدثه (علوان)عن مشاريعه القادمة وبأنه يفكر بمشروعه المستقبلي الذي يمثل مشروع عمره الفكري في أنْ يضع تفسيراً للقرآن الكريم يضع لكل آية من آياته تأويلات محتملة وممكنة ومتعددة ومختلفة توفر لكل من يريد أن يؤول الآية القرآنية إمكانية التأويل بما يتيح له أنْ يخدمَ أغراضه النفعية من التأويل وينسجم مع أهوائه في تسويغ أعمال غير نبيلة وإضفاء طابعي شرعي عليها من خلال ليّ عُنق النص وتقويله ما لا يقول، وتبدو هذه الفكرة فيها من المفارقة والانتقاد اللاذع لـ (وعاظ السلاطين)، وهي تجسد حقيقة استثمار الدين واستغلاله بنحو بشع يتجاوز المنطق الدلالي للنص ويعكس ذرائعية المؤولين واحتكارهم للتأويل وكأنهم سدنة النص وهم وحدهم من يمتلك الأهلية لفهمه.

وكانت الأساطير وروائع الأعمال الفنية الأدبية كالرواية مورداً وموئلاً للخطاب الفلسفي النقدي ولقضايا علم النفس في بلورة رموز لشخصيات إنسانية تجسد منحى سلوكياً يمثل أنموذجاً لمركبات سلوكية، وفي تحليل الجوانب النفسية يجرى استحضارها بوصفها برادايمات لجس ومقاربة نماذج إنسانية واقعية، وقد اشتهرت مجموعة من الشخصيات الرمزية التي هي عبارة عن مصطلحات كنائية لسلوكيات بشرية نحو عقدة (أوديب) و(اكترا) و(النرجسية) نسبة إلى أسطورة (نرسيس) اليونانية، وكانت روائع(دوستويفسكي) كرواية (الأخوة كارامازوف) مجساً لاستبطان قضايا النفس لدى (فرويد) الذي اشتهر عنه قوله : (بأني كل ما انتهيت من تحليله واستبطانه من قضايا سلوكية عامة قد سبقني إليه دوستويفسكي في رواياته ورسمه وبنائه لشخصياته الفنية )، فلِمَ لا يكون نجيب محفوظ وأعماله الأدبية مورداً لبناء نماذج سلوكية مركبة تحضر في واقعنا وتجسد تناقضاته ؟ لاسيما وأنَّ عالمه الروائي ونسيجه السردي يرتكزانِ إلى الواقعية وعمق الرؤية الفلسفية والمنحى النفسي في رسم الشخصيات ومسار تطورها. ولعل من أبرز شخصياته الروائية شخصية (أحمد عبد الجواد) في ثلاثيته الشهيرة وما تنطوي عليه من تناقض بين صرامة وجد في العلن ولهو عابث غير مسؤول في الخفاء، ومن يفتش قارئاً في أدبه يعثر على الكثير من النماذج الرمزية، ولعل من أبرزها أنموذج (رؤوف علوان) الذي قد يصدق على شخصيات تبريرية دينية عديدة تسوغ في فتواها وتأويلها مواقف متناقضة، وإذ يتمكن قلم محفوظ من نقد الواقع في عصر خنق الحريات أكثر من قلم المفكر وما ذلك إلا بسبب اعتماده الإيحاء والرمز مما يجعله في مأمن من تبعات القول عكس المفكر الذي يبنى خطابه على الدلالة الصريحة والمباشرة فلا يتمكن من البوح وتسمية الأشياء بمسمياتها في عصر اضطهاد الفكر ولجم الحريات، فرمز (علوان) يصدق على الكثيرين من مرتدي أثواب القداسة الزائفة، وليس غريباً على حقل التأويل اعتماد رموز شخصية كنائية إذ من أشهر الأساطير المؤسسة المرتبطة بحقل التأويل أسطورة (هرمنيوس) الذي كان نجلا لـ (زيوس) كبير الآلهة وكان يتكفل بنقل الرسائل بين الآلهة والبشر فهو يمثل المرحلة الغنوصية في التأويل، فالتأويل للمقدس أمر لا يتاح للجميع، وقد شكلت هذه الأسطورة جذراً يونانياً اشتقاقياً في توليد مصطلح (الهرمينوطيقا).

وغالباً ما يشتبك التأويل بالسياسة فيجري توظيف الدين فتبرز تأويلات تتحالف مع السلطة وتهمش تأويلات أخرى، وتتصارع التأويلات في الانتساب إلى الحقيقة الشرعية وامتلاكها من خلال القراءة في معارك تغذيها الايديولوجيا والمصلحة، والأمثلة كثيرة حول معارك التأويل في تراثنا العربي الإسلامي وواقعنا المعاصر على حد سواء، والحق أنَّ ما من مسألة سياسية جدلية ولدت انقساماً في المواقف وارتبطت بالتأويل الديني والاستناد إلى الفتوى الشرعية كمسألة الصراع في الشرق الأوسط وحروبه في العقود الأخيرة، وأبرزها انقسام الفتاوى في الاصطفاف مع التحالف الدولي والوقوف مع جيوش الغرب والتحشيد للأخ العربي المسلم الشقيق متمثلة في وقوف معظم الدول العربية مع التحالف الدولي بوجه العراق في تسعينيات القرن الماضي. فهل المسألة ترتبط بطبيعة النص الديني وكونه حمالاً للأوجه الدلالية المتعددة أم الموضوع يرتبط بفتاوى وتأويلات براغماتية غير مسؤولة؟

إنَّ هرمينوطيقا النص الديني تستند بحسب (محمد أركون) إلى احتماليته الدلالية المتعددة بسبب ارتكاز نسيجه النص على البنية المجازية الاستعارية وإحالته إلى ما هو مفارق ومدهش من عوالم الغيب إلا أنَّ منطق النص الدينيّ يبقى متسماً بالقصد ويحتفظ بمركزيته الإبلاغية في الهداية، فلاشك أنَّ التأويل المفرط ينخرط في مجال اللعب العابث بدعوى حرية القراءة، فلابد للنص من مقيدات تأويلية تضبط مسار التأويل وتضع له حدوداً كما يقرر (امبرتو إيكو)، وإذ تتعد القراءات لكن تعددها لا يشي بالتناقض أو المفارقة بل بالتقارب الدلالي والتشابه في القصد، لكن المشكلة التي يرصدها هذه المقال تتلخص باستثمار روايات دينية غير موثوقة يجري تأويلها في مواقف كثيرة ومتغيرات سياسية عديدة بأوجه متناقضة مختلفة مع كون النص واحداً ! وربما كان الشارع بخلفيته الشعبية متسائلاً عن أحداث سياسية دراماتيكية فيلتقي بطريق المصادفة مع أهواء الحاكم ولكن قد تقف بجرأة قراءة تأويلية مسؤولة إزاء هذا الاستثمار التأويلي، من ذلك ما يرويه المؤرخ العراقيّ (بشار عواد معروف ) وبمرارة كبيرة في لقاء أجراه معه الإعلامي ـ حميد عبدالله ـ ضمن برنامج (شهادات خاصة) يروي أنَّ رئيس النظام العراقي إثر اجتياحه للكويت وأثناء هجوم أمريكا ونشوب الحرب كان الشارع العراقي منشغلاً بإشاعة رائجة مفادها وجود حديث ديني يشير إلى مواجهة إسلامية مع الغرب تبشر بنصر موعود في حديث ينصُّ: (سيجتمع على حرب أمتي بنو الأصفر فيخرج لهم رجل من أمتي اسمه صادم فيصدمهم ) فلعلَّ البشارة الموعودة تنطبق على هذه الحرب واسم الرئيس، والمفاجأة كانت تتمثل بطلب رئاسي إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية آن ذاك بشأن التثبت من صحة الاسم ومدى وجود الرواية وموثوقيتها في مدونات الحديث والمضان التاريخية على الرغم من استعار الحرب ونشوبها وانقطاع وسوائل التواصل بين أجهزة الدولة بسبب أضرار الحرب إلا أنَّ الرئاسة لجأت إلى المراسلة اليدوية الورقية بشأن أمر هامشي لا قيمة له في وقت كان القتال مع التحالف الدولي يفتك بالناس ويدمر بنية البلد التحتية في حرب عبثية ولدتها حرب عبثية سابقة، و(بشار عواد معروف) إذ ينقل ذلك ويؤكد بأننا أجبناهم بصراحة بأنه لا أساس من الصحة لهذا الأمر، وإزاء دهشة مقدم البرنامج من هذه الحكاية وتساؤله عن تفسيره ذلك فيجيب (عواد) أن لا تفسير سوى الاعتقاد بالخرافة. وثمة حكاية تُنسب إلى شيخ الأزهر (عبد الحليم محمود) وإليها يُعزى هجوم الرئيس المصري السادات على إسرائيل في حرب أكتوبر ومفادها أن الشيخ رأى انتصار العرب المسلمين بقيادة النبي الكريم (ص)على اليهود وانتشرت حكاية رؤياه وتم توظيفها في الماكنة الإعلامية المواكبة لحرب أكتوبر في عام 1973 وانتصار مصر في عبور خط بارليف، وهذا الشيخ من الزهد والانقطاع إلى العلم والابتعاد عن السياسة ما يشهد به كل من عرف سيرته، ولعلَّ ماكنة السياسة التي تحتاج إلى بروباغاندا ودعاية وتعبئة هي التي وضعت هذه الحكاية،وربما كان حلماً حقيقياً وجرى استثماره وتضخيمه في التعبئة المعنوية. وذات مرة حكى أحد القادة الجهاديين ــ وهو يلهب حماس جمهوره ــ بأنَّ انتصار العرب والمسلمين على اسرائيل أمرٌ حتمي مستنداً في ذلك إلى (تنبؤات نوستراداموس) الشهيرة المدونة في القرن السَّادس عشر وهو طبيبٌ فرنسي وقد استشرفَ وقائعَ كثيرةً كانتصار الثورة الفرنسية ونشوب الحرب العالمية الثانية، وفي حديثه لجمهوره أكد أنَّ هناك ما يشير إلى انتصار المشرقيين على الغرب في كتاب(تنبؤات نوستراداموس )، والمفارقة أنه إذ يستشهد في هذا الكتاب ينفي قدرة مؤلفه على التكهن، فالأمر من الغيب الذي يستأثر بمعرفته الله، ويعزو الأمر أنه جاء إلى المشرق العربي واطلع على مرويات الملاحم والفتن التراثية ونسبها لنفسه وقام بصياغتها بطريقة شعرية يكتنفها الغموض ويعطيها إمكانية الاحتمال والتأويل ! والجانب اليهودي هو أيضاً قد وجد في الموروث الروائي التوراتي ما يمكن تأويله وتوظيفه في حربه الأخيرة، فقد لجأ (نتنياهو) في تسويغ حرب الإبادة في غزة إلى نصوص رؤية (إشعيا) في العهد القديم (التوراة) في بشارتها لليهود بانتصارهم على أعدائهم من (العمالقة) المستوطنين في شمال سيناء وجنوب فلسطين، وجرى توظيف هذه البشارة لتضليل الناس وخداعهم وإلهائهم عن حماقاته المتهورة وغير المحسوبة في شنه للحرب في وقت تعرض فيه لنقد شديد من علماء اللاهوت المختصين بالتوراة بأن هذه الرؤيا لا تنطبق على الصراع الحالي في الشرق الأوسط.

وفي مستهل سورة الإسراء يسرد القرآن الكريم واقعتين لعلو بني إسرائيل ونهايتهم وهزيمتهم في المرتين بسبب تجبرهم وإفسادهم في الأرض، ومن خلال مطالعتي المتواضعة لمصادر التفسير المعتبرة كتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور وتفسير الميزان للطباطبائي لم أجد الاثنين يحددان من هم عباد الله الذين اختارهم لإيقاع العقاب على بني اسرائيل وهزيمتهم مع حرص المفسرينِ على استعراض الحوادث التاريخية لهزيمة اليهود وتحطيم مدينتهم المقدسة أورشليم كالسبي البابلي الأول على يد (نبوخذ نصر) والسبي البابلي الثاني وغزو الروم المتكرر على يد قيصر، ولم أجد لديهما إشارة لقراءة تتنبأ بانتصار العرب والمسلمين في صراعهم المعاصر مع اليهود على الرغم من وجود محاولات من البعض في تأويل الفتوحات الإسلامية لبيت المقدس بأنها الكرة الأولى وهناك كرة موعودة في نهاية الزمان، ولكن كبار المفسرين يتحفظ في أن يعين واقعة تاريخية محددة بسبب إجمال النص القرآني الذي لا يسعف في التحديد الزمني، فالهدف من القصص القرآني هو استلهام العبرة وليس استشراف المستقبل.

لقد حرصت مدونة الأحاديث النبوية الشريفة والصحاح أنْ تفرد حقلاً وباباً لأحاديث الملاحم والفتن التي تتضمن علامات القيامة والساعة وعودة المسيح وظهور الدجال مما يُسمى بأخبار الظهور وعلاماته أو علامات الساعة باختلاف الفرق الإسلامية، وهي أحاديث مجملة مبهمة ظنية الدلالة غير قطعية السند ورواتها مجروحون بل هي بمستوى من الضعف والوهن بإجماع المحققين من كبار محدثي الفرق الاسلامية، ومما يؤسف له أنها أصبحت مادة رائجة في قنوات فضائية ومنصات افتراضية رقمية وتثير فضول العامة والذائقة الشعبية إزاء كل منعطف سياسي يهز منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وصراعه مع إسرائيل وقمع الأنظمة المستبدة لشعوبها وتروج أيضاً في منتديات الكترونية منتشرة بنحو ملحوظ وملفت للنظر، وفي ذلك أكثر من دلالة تبعث على التساؤل ! ولا شك أن وراء رواجها إرادة لا تنحصر بالتكسب والاستثمار الرقمي الرخيص في حقل الدين بل ربما تدخل ضمن ماكنة الحرب الإعلامية واستراتيجية الإلهاء وتسويق الأمل الزائف وبيع الأوهام إزاء انكسارات وهزائم تاريخية مرة ومخزية، فربما جُندت الأقلام عن علم أو على حين غرة وأفرزت نتاجاً يصب في قراءة أحداث مستقبلية تستند لمرجعية روائية ضعيفة، فأصبحت بعض الأسماء أيقونة مختصة وتمت صناعة نجومية دينية في الاختصاص بالتأويل يتم استخدامها في أجواء التعبئة، وأصبحت هذه اللعبة التأويلية رأس مالهم الرمزي الذي يحقق لها النجومية ويجذب الأضواء، فأمعنت بالكذب والتدجيل وتسويق الأوهام وإهدار كل قوانين التأويل في فهم النص ؛ في وقت تقف المؤسسة الدينية الرسمية بمدوناتها المحققة موقف الحذر والتحفظ بل الإنكار والريبة لمجمل هذه الأحاديث، وربما دفع الورع بفقيه إسلامي كبير أن يفتي بحرمة الخوض فيها وإنْ كان على سبيل الحكاية لا الاعتقاد وعدها من المفطرات التي تبطل صيام شهر رمضان وعدها مصداقاً للكذب على الله ورسوله، والحق أنه كان على المؤسسات الرسمية أن تتخذ موقفاً يتسم بالشجاعة وإدانة مروجي ومؤولي هذه الأحاديث في ضوء المتغيرات السياسية، ولكنها تلوذ بالصمت أو التغافل خشية هيجان الجمهور وهذا مما يؤسف له.

ويمثل التبادر اللفظي أهم القرائن الأصولية في فهم النص وتأويله، وما يتبادر من هذه الأحاديث من إحالات لأعلام وأمكنة جغرافية تاريخية بمسميات قديمة يمثل دلالة مفارقة غير مطابقة للتأويلات الرائجة لها، فصرفها عن دلالتها الحرفية من دلالة المنطوق إلى دلالة المفهوم بدون وجود قرينة صارفة ممكنة أو قرينة جالبة يُعد هدراً لسياقها اللفظي وتضحية بانسجامها الدلالي فيعد تأويلاً مفارقاً لقصدية النص بل يعد تحريفاً للكلم عن مواضعه. فهنا يتحول التأويل الى استعمال واستخدام وتُهدَرُ مقاصد النص وتصبح كل القراءات ممكنة ومحتملة وإنْ كانت متناقضة إلى درجة كبيرة بل صارخة، فبحسب (ريتشارد رورتي) سوف يفقد التأويل أخلاقه ومسؤوليته، وفي الحقيقة أنه لا تأويل للنص بل كلٌّ يوظفه ويستعمله بحسب أهوائه وأغراضه، فيفقد النص مركزيته ويتحول الأمر إلى مسألة إرجاء ومغايرة بحسب (دريدا) وإن لم يتبنَ المؤولون هذه المرجعية التأويلية التفكيكية إلا أنَّ الممارسة التأويلية الذرائعية تشي بانخراطهم ضمن هذه اللعبة، وحتى التأويلات الصادرة من منصة الكترونية واحدة التي تتناقض في أزمنة متعاقبة ضمن متغيرات سياسية مختلفة تكتسب طابع التبجيل والقداسة ! فعلى الرغم من تناقضها وعدم انسجامها إلا أنها تحقق رواجاً لدى جمهورها ومتابعيها ومريديها لأنها تتغذى من مستنقع الجهل الآسن الذي يؤمن بالخرافة ويصدقها ويقع فريسة سهلة للدجل والأوهام.إنَّ توظيف هذه الاحاديث وتأويلها بدأ في بواكير الدولة العباسية في وضع الأحاديث وصناعتها لتوظيفها في صراعها الايديولوجي والسياسي مع خصومها العقائديين أو السياسيين من داخل البيت العباسي نفسه في الصراع مع الخراسانيين القادمين مع المأمون براياتهم السود في حرب أهلية أحالت عاصمة الخلافة بغداد إلى أتون مشتعلة من الفتن المضرجة بالدماء، فكانت تلك الأحاديث تمثل الشرعية (للفتنة الأهلية المقدسة )، وبعد حين جرى استعمال هذه الأحاديث بعد انطلائها على العامة وتوثيقها في المدونات الضعيفة، ثم انتقل اشتغال التأويل على هذه الأحاديث من الصراع الأهلي إلى الصراع المذهبي والطائفي ثم انتقل تأويلها بعد حين نحو صراع السلطان الظالم مع رعيته وصراع الشعوب المقهورة المتطلعة لنظام اجتماعي عادل ثم حط هذا التأويل رحاله وركابه أخيراً في الصراع في الشرق الأوسط.و إلى جنب وظيفتها في التسلية تمثل هذه الأحاديث لدى العامة منفذاً لتصريف القلق والتوجس من المستقبل وتصب في إيمانهم بالقدرية وحتمية التاريخ واستلاب الإرادة الانسانية إزاء القدر التاريخي مما يعد حيلة دفاعية نفسية تسوغ كسلهم وعجزهم وتضمد جراحهم النرجسية إزاء انكسار الذات وانسحاقها التاريخي وهزيمتها المرة المتطلعة لنصر موعود في النهاية ضمنته تلك الأحاديث الضعيفة التي تنتسب زيفاً إلى القداسة.

إن جغرافية هذه الأخبار والوقائع هي جغرافية تاريخية قديمة بأعلامها وأحداثها وحتى في متخيلها للعنف تختلف عن جغرافية الواقع المعاصر، ومستوى العنف الآن هو من الفظاعة والبشاعة والدمار بنحو يفوق التصديق ولا ينطبق على عنف ما تتحدث عنه تلك الأخبار من كوارث وفتن في آخر الزمان إذ يبدو في المقارنة بين الاثنين أن عنف الأخبار أهون بدرجة كبيرة من عنف واقعنا المعاصر وفتنه وكوارثه، لكن ما زال الاصرار على استحضار تلك الأحاديث كأنها رؤية تستشرف الواقع وتعبئ الناس بمعركة مقدسة كأنها قدر مرسوم ومحتم على الانسان أن يخوضه وأنَّ الهزيمة هي قدر مثلما أنَّ النصر الموعود في النهاية هو قدر إلهي أيضاً. ولكن ماذا بشأن نهاية رؤوف علوان ونضال سعيد مهران في رواية (اللص والكلاب) ؟ لم تنجح محاولة الاغتيال(لعلوان) فبعد أن تسلل لبيته الكبير توهم بأن خادمه هو نفسه، فأطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً بدلاً من (علوان)، فكانَ هذا الحادثُ لعنةً جعلتْ من سعيد مهران مُطارداً ويبحث دون جدوى عن ملاذٍ آمن يطمئنُ في كنفه ويفسرُ له معنى وجوده، ولا شك أن في ذلك بعداً إيحائياً رمزياً يدل على سطوة وهيمنة التأويل النفعي العابث الذي يتغذى من مستنقع الجهل ومخاوف الناس على الرغم من نضال الفكر المرير للتحرر منه ولكن دون جدوى لأنَّ الفكرَ الحرَ لا يستطيعُ أَنْ يتحالفَ مع السلطة أي سلطةٍ كانتْ.

***

د. كـريم عـبيـد عـلـوي

نظرية الطبقات عند محمد بن سلام الجمحي وأثرها في تأسيس المنهج النقدي العربي

مقدمة الدراسة: تُعدّ قضيّة النقد الأدبي العربي القديم من أكثر القضايا التي استأثرت بعناية الدارسين والباحثين؛ ذلك لأنّها تمثّل البوابة التي يمكن من خلالها فهم تطوّر الذائقة الجمالية عند العرب، والكشف عن الأسس التي قامت عليها الأحكام النقدية في التراث العربي. وإذا كان النقد العربي القديم قد انشغل بقضايا متعددة من قبيل اللفظ والمعنى، والطبع والصنعة، والسرقات الشعرية، وعمود الشعر، فإنّ قضية “الطبقات” تبقى من القضايا النقدية الكبرى التي أسهمت في تأسيس رؤية منهجية لتقويم الشعراء وترتيبهم وفق معايير مخصوصة تجمع بين القيمة الفنية والبعد التاريخي والاعتبارات الثقافية والاجتماعية.

لقد نشأت فكرة الطبقات في سياق معرفي وثقافي معقد ارتبط بدايةً بعلوم الحديث النبوي، حيث لجأ المحدّثون إلى تصنيف الرواة في مراتب وطبقات ضماناً لصحة الرواية وتمييزاً بين الثقة والضعيف. ثم ما لبث هذا التصور أن انتقل إلى الحقل الأدبي، خاصة بعد انتشار ظاهرة الانتحال والوضع في الشعر العربي، الأمر الذي فرض على العلماء والنقاد البحث عن وسائل علمية تحفظ الشعر من التحريف والتزييف. ومن هنا برزت الحاجة إلى تصنيف الشعراء وتقويم إنتاجهم الشعري وفق مقاييس محددة تراعي الجودة والكثرة والقدرة الفنية والبيئة والعصر وغير ذلك من العناصر التي أصبحت لاحقاً نواة للنقد الأدبي العربي.

وفي هذا السياق يبرز اسم محمد بن سلام الجمحي باعتباره أحد أبرز رواد النقد العربي القديم، وصاحب المحاولة المنهجية الأولى في تصنيف الشعراء ضمن طبقات متمايزة في كتابه الشهير طبقات فحول الشعراء. فقد استطاع ابن سلام أن يفتح أفقاً جديداً في دراسة الشعر العربي من خلال اعتماده مقاييس نقدية متعددة تجاوزت مجرد الجمع والرواية إلى محاولة بناء تصور نقدي يقوم على المفاضلة والتصنيف والتحليل. ولذلك يُنظر إلى كتابه باعتباره مرحلة مفصلية في تاريخ النقد العربي، لأنه نقل الدرس الأدبي من مستوى الرواية والتوثيق إلى مستوى التحليل والتقويم.

إنّ أهمية دراسة فكرة الطبقات عند ابن سلام لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، وإنما تتجلى كذلك في قيمتها النقدية والمنهجية؛ إذ إنّ هذا التصنيف يكشف عن بدايات الوعي النقدي العربي، وعن الكيفية التي تشكّلت بها الأحكام الأدبية في الثقافة العربية القديمة. كما أنّ دراسة هذه القضية تسمح بفهم طبيعة العلاقة بين الأدب والعلوم الأخرى، خاصة علم الحديث، وتبرز أثر المناهج المعرفية والدينية في بناء التصورات النقدية.

ومن جهة أخرى، فإنّ البحث في فكرة الطبقات يفتح المجال أمام إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة تتجاوز الأحكام الجاهزة، وتحاول الكشف عن الأبعاد الفكرية والجمالية التي انطوى عليها مشروع ابن سلام النقدي. فالرجل لم يكن مجرد جامع للأخبار والأشعار، بل كان صاحب رؤية نقدية واعية سعت إلى وضع معايير للتفاضل بين الشعراء، وإلى تحديد مفهوم “الفحولة الشعرية” انطلاقاً من مقاييس تتعلق بالكثرة والجودة وتنوع الأغراض الشعرية والبيئة والقدرة على الابتكار.

كما تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسعى إلى إبراز الجهود النقدية العربية القديمة بوصفها محاولات أصيلة أسهمت في تأسيس الفكر النقدي العالمي، خلافاً لبعض التصورات التي تحصر النقد المنهجي في التجربة الغربية وحدها. فابن سلام، ومن خلال مشروعه النقدي، قدّم نموذجاً مبكراً للتصنيف الأدبي القائم على التحليل والمقارنة وإصدار الأحكام النقدية، وهو ما يدل على نضج الوعي النقدي العربي منذ القرون الأولى للهجرة.

وعليه، فإنّ دراسة فكرة الطبقات في النقد العربي القديم لا تعني الوقوف عند حدود التصنيف التاريخي للشعراء، بل تتجاوز ذلك إلى البحث في الأصول الفكرية والجمالية للنقد العربي، والكشف عن طبيعة المعايير التي حكمت الذائقة الأدبية العربية، وتحليل العلاقة بين الأدب والمجتمع والثقافة والدين في التراث العربي الإسلامي.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل حول طبيعة مفهوم" الطبقات " في النقد العربي القديم، والأسس التي اعتمدها محمد بن سلام الجمحي في تصنيف الشعراء، ومدى نجاحه في بناء منهج نقدي متكامل استطاع من خلاله تقويم الشعر العربي وترتيب شعرائه وفق معايير موضوعية.

ويتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسة عدد من التساؤلات الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بمفهوم الطبقات في النقد العربي القديم؟

كيف انتقلت فكرة الطبقات من علم الحديث إلى الحقل الأدبي؟

ما العوامل الفكرية والثقافية التي ساهمت في ظهور هذا التصنيف؟

ما طبيعة المعايير التي اعتمدها ابن سلام في تصنيف الشعراء؟

إلى أي حد استطاع ابن سلام أن يحقق الموضوعية في أحكامه النقدية؟

ما أثر البيئة والعقيدة والغرض الشعري في ترتيب الشعراء داخل الطبقات؟

هل كان مفهوم الطبقات عند ابن سلام قائماً على البعد الزمني أم على القيمة الفنية؟

ما القيمة النقدية والمنهجية لكتاب طبقات فحول الشعراء في تاريخ النقد العربي؟

كيف تلقى النقاد والباحثون المحدثون مشروع ابن سلام النقدي؟

وما حدود نجاحه وإخفاقه في تأسيس رؤية نقدية متكاملة؟

وتنبع أهمية هذه الإشكالية من كونها تتصل بجذور الفكر النقدي العربي، وبكيفية تشكّل الأحكام الجمالية في التراث العربي القديم، كما أنّها تفتح المجال لإعادة تقييم المنجز النقدي العربي بعيداً عن الأحكام الاختزالية التي تقلل من قيمته المعرفية والمنهجية.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والفكرية والنقدية، من أهمها:

الكشف عن الجذور التاريخية والفكرية لفكرة الطبقات في النقد العربي القديم.

إبراز العلاقة بين علم الحديث والنقد الأدبي في نشأة التصنيف الطبقي للشعراء.

تحليل مفهوم الطبقة عند محمد بن سلام الجمحي وبيان أبعاده النقدية والجمالية.

دراسة المنهج النقدي الذي اعتمده ابن سلام في ترتيب الشعراء وتقويمهم.

توضيح المعايير التي استند إليها في بناء طبقاته الشعرية، مثل الجودة والكثرة والغرض الشعري والبيئة والعقيدة.

إبراز القيمة العلمية والنقدية لكتاب طبقات فحول الشعراء في مسار النقد العربي القديم.

الوقوف عند أبرز القضايا النقدية التي أثارها ابن سلام، مثل الانتحال، والذوق، والفحولة الشعرية، وأثر البيئة في الإبداع.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة تكشف عن عمقه المنهجي والفكري.

بيان أثر مشروع ابن سلام في تطور الدراسات النقدية العربية اللاحقة.

المساهمة في إغناء الدراسات الأكاديمية المرتبطة بالنقد العربي القديم وقضاياه المنهجية.

 الأصول الفكرية لفكرة الطبقات في النقد العربي القديم:

 مفهوم الطبقات وجذوره المعرفية:

 مفهوم الطبقات في الثقافة العربية:

يشير مفهوم " الطبقات " في الثقافة العربية الإسلامية إلى تصنيف الأشخاص في مراتب أو فئات وفق معايير معينة، قد تكون زمنية أو علمية أو فنية أو اجتماعية. وقد ارتبط هذا المفهوم في بداياته بعلم الحديث، حيث صنف المحدّثون الرواة إلى طبقات اعتماداً على الثقة والضبط والعدالة، ثم انتقل هذا المفهوم تدريجياً إلى علوم أخرى مثل الفقه والنحو والتاريخ والأدب.

ولم يكن هذا التصنيف مجرد عملية تنظيمية، بل كان يعكس وعياً معرفياً يسعى إلى التمييز بين مراتب العلماء والرواة والمبدعين، ويهدف إلى حفظ التراث من التحريف والضياع. ومن هنا فإنّ فكرة الطبقات تمثل مظهراً من مظاهر العقلية العلمية العربية التي حاولت ضبط المعرفة وتصنيفها وفق معايير دقيقة.

أثر علم الحديث في نشأة فكرة الطبقات الأدبية:

لا يمكن فهم فكرة الطبقات في النقد العربي القديم دون العودة إلى أثر علم الحديث في تشكيلها. فقد واجه علماء الحديث مشكلة خطيرة تمثلت في انتشار الأحاديث الموضوعة والمنحولة، الأمر الذي دفعهم إلى ابتكار منهج علمي قائم على الجرح والتعديل وتصنيف الرواة في طبقات.

وقد تأثر الأدباء والنقاد بهذا المنهج، خاصة بعد انتشار ظاهرة الانتحال في الشعر العربي، فحاولوا تطبيق آليات التوثيق نفسها على الشعر والشعراء. ومن هنا انتقلت مفاهيم مثل " الثقة " و" الضعيف " و" الصحيح " إلى المجال الأدبي، وأصبح النقد الأدبي يسعى إلى التمييز بين الشعر الصحيح والمنحول، وبين الشاعر الفحل والشاعر الضعيف.

لقد كان هذا التأثير عميقاً إلى درجة أنّ كثيراً من النقاد الأوائل تعاملوا مع الشعر بوصفه مادة تحتاج إلى التحقيق والتوثيق قبل إصدار الأحكام النقدية بشأنها، وهو ما مهّد لظهور التصنيف الطبقي للشعراء.

 محمد بن سلام الجمحي ومشروعه النقدي:

شخصية ابن سلام وثقافته النقدية:

 حياة ابن سلام العلمية:

ولد محمد بن سلام الجمحي بالبصرة سنة 139هـ، في بيئة علمية كانت تموج بحركة ثقافية وفكرية نشطة. وقد تتلمذ على يد كبار اللغويين والرواة مثل الأصمعي وأبي عبيدة والمفضل الضبي، الأمر الذي أكسبه ثقافة لغوية ونقدية واسعة.

وكان لهذه البيئة العلمية أثر بالغ في تكوين شخصيته النقدية، إذ جمع بين المعرفة اللغوية والرواية الأدبية والذوق النقدي، وهو ما انعكس بوضوح في كتابه طبقات فحول الشعراء.

 القيمة النقدية لكتاب " طبقات فحول الشعراء " :

يعد كتاب طبقات فحول الشعراء من أهم الكتب النقدية في التراث العربي، لأنه تجاوز حدود الرواية إلى بناء رؤية نقدية قائمة على التصنيف والتحليل والمفاضلة. فقد حاول ابن سلام أن يضع الشعراء في مراتب وفق معايير دقيقة، وهو ما يمثل بداية الوعي المنهجي بالنقد الأدبي.

كما تميز الكتاب بمقدمته النقدية التي ناقش فيها قضايا الانتحال، والذوق، وعلاقة البيئة بالشعر، وصفات الناقد، وهي قضايا تؤكد عمق وعيه النقدي وريادته الفكرية.

المعايير النقدية في تصنيف الشعراء عند ابن سلام:

معيار الجودة والكثرة:

اعتمد ابن سلام على معيار الكثرة المقرونة بالجودة في تصنيف الشعراء، إذ كان يرى أنّ الشاعر الفحل هو الذي يجمع بين غزارة الإنتاج وجودته الفنية. ولذلك قدّم بعض الشعراء بسبب كثرة شعرهم وتنوعه، وأخر آخرين بسبب قلة إنتاجهم رغم جودة شعرهم.

ويكشف هذا المعيار عن نزوع نقدي واضح نحو الربط بين الكم والكيف، وهو ما يدل على محاولة بناء تصور متكامل للفحولة الشعرية.

معيار التنوع والغرض الشعري:

لم يكتف ابن سلام بالجودة والكثرة، بل اعتمد أيضاً على قدرة الشاعر على التنوع في الأغراض الشعرية. فالشاعر المتمكن في نظره هو الذي يستطيع الإبداع في المدح والهجاء والفخر والرثاء والغزل وغيرها من الفنون الشعرية.

كما خصص طبقات لبعض الشعراء الذين تميزوا في أغراض معينة مثل الرثاء، وهو ما يكشف عن وعيه بأثر التجربة النفسية في تشكيل الإبداع الشعري.

 البيئة والعقيدة وأثرهما في التصنيف:

أدرك ابن سلام أنّ البيئة تؤثر في طبيعة الشعر وأسلوبه، ولذلك ميّز بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين الحروب والصراعات وبين قوة الشعر وجزالته.

كما اعتمد العقيدة معياراً في بعض التصنيفات، حين خصص طبقة للشعراء اليهود، وهو ما يعكس تأثر التصنيف النقدي بالسياقات الثقافية والاجتماعية السائدة آنذاك.

خاتمة الدراسة:

خلصت هذه الدراسة إلى أنّ فكرة الطبقات في النقد العربي القديم تمثل منعطفاً حاسماً في تطور الفكر النقدي العربي، لأنها نقلت الدرس الأدبي من مجرد الرواية والحفظ إلى مستوى التحليل والتقويم والمفاضلة. وقد كان محمد بن سلام الجمحي من أبرز النقاد الذين أسهموا في ترسيخ هذا التحول من خلال كتابه طبقات فحول الشعراء الذي يعدّ من أوائل الكتب النقدية المنهجية في التراث العربي.

وقد أظهرت الدراسة أنّ فكرة الطبقات لم تنشأ داخل الحقل الأدبي بشكل مستقل، وإنما ارتبطت في بداياتها بعلم الحديث، حيث استعار النقاد العرب آليات الجرح والتعديل والتوثيق من المحدّثين، ثم أعادوا توظيفها في نقد الشعر وتقويم الشعراء. وهذا ما يدل على التفاعل العميق بين العلوم العربية الإسلامية، وعلى قدرة الثقافة العربية على بناء مناهج معرفية متداخلة ومتكاملة.

كما تبين أنّ ابن سلام لم يكن مجرد راوٍ أو جامع للأخبار، بل كان ناقداً واعياً يمتلك رؤية منهجية واضحة، ظهرت في حرصه على تصنيف الشعراء وفق معايير متعددة تجمع بين الجودة الفنية والكثرة والتنوع والقدرة على الإبداع. وقد استطاع من خلال هذا التصنيف أن يرسّخ مفهوم “الفحولة الشعرية” بوصفه معياراً نقدياً يقوم على التميز والاقتدار الفني.

وأثبتت الدراسة كذلك أنّ ابن سلام كان واعياً بأهمية البيئة في تشكيل التجربة الشعرية، ولذلك ميّز بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين الحروب والصراعات القبلية وبين ازدهار الشعر وقوته. كما التفت إلى أثر العقيدة والغرض الشعري في بناء التصنيف، الأمر الذي يكشف عن اتساع رؤيته النقدية وعمق إدراكه للعوامل المؤثرة في الإبداع الأدبي.

وعلى الرغم من القيمة الكبيرة لمشروعه النقدي، فإنّ ابن سلام لم يسلم من بعض المآخذ، إذ بدت بعض أحكامه متأثرة بالذوق الشخصي أو بالموروث الثقافي السائد، كما أنّ بعض معاييره لم تكن مطردة في جميع الأحوال. غير أنّ هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية جهوده، بل تؤكد طبيعة المرحلة التأسيسية التي كان يشتغل ضمنها.

إنّ القيمة الحقيقية لكتاب طبقات فحول الشعراء تكمن في كونه فتح الطريق أمام الدراسات النقدية اللاحقة، ورسّخ تقاليد نقدية ظلت مؤثرة في الثقافة العربية قروناً طويلة. ولذلك فإنّ إعادة قراءة هذا التراث اليوم تمثل ضرورة علمية وثقافية، لأنها تتيح فهماً أعمق لجذور الفكر النقدي العربي، وتساعد على إبراز إسهاماته في بناء النظرية الأدبية والنقدية.

نتائج الدراسة:

أسفرت هذه الدراسة، التي تناولت فكرة الطبقات في النقد العربي القديم عند محمد بن سلام الجمحي من خلال كتابه طبقات فحول الشعراء، عن مجموعة من النتائج العلمية والفكرية والنقدية التي تكشف عن عمق المشروع النقدي الذي أنجزه ابن سلام، وعن طبيعة التحولات التي شهدها النقد العربي في مراحله التأسيسية. ويمكن إجمال أهم هذه النتائج فيما يأتي:

أولاً: ريادة ابن سلام في تأسيس التصنيف النقدي العربي:

توصلت الدراسة إلى أنّ محمد بن سلام الجمحي يُعدّ من أوائل النقاد العرب الذين حاولوا بناء تصور منهجي متكامل لتقويم الشعراء وتصنيفهم، حيث لم يقتصر جهده على جمع الأشعار والأخبار، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إقامة معايير نقدية واضحة تحدد منزلة الشاعر ومكانته الفنية. وقد جعل هذا الأمر من كتاب طبقات فحول الشعراء نقطة تحول بارزة في تاريخ النقد العربي القديم.

كما كشفت الدراسة أنّ أهمية ابن سلام لا تكمن فقط في ريادته الزمنية، وإنما أيضاً في وعيه النقدي الذي جعله يدرك ضرورة الانتقال من الرواية الشفوية والانطباعات الذوقية إلى نوع من التصنيف القائم على الموازنة والتحليل والتفاضل.

ثانياً: تأثر فكرة الطبقات بعلم الحديث:

أكدت الدراسة أنّ فكرة الطبقات في النقد الأدبي العربي لم تنشأ بصورة مستقلة داخل الحقل الأدبي، وإنما تأثرت تأثراً واضحاً بعلم الحديث وآلياته المنهجية. فقد استلهم النقاد العرب الأوائل من المحدّثين منهج الجرح والتعديل والتوثيق، ثم نقلوه إلى مجال الشعر والأدب.

وقد تبين أنّ هذا التأثر لم يكن شكلياً فحسب، بل كان عميقاً في جوهره؛ إذ إنّ ابن سلام تعامل مع الشعر بوصفه مادة تحتاج إلى التحقيق والتثبت قبل إصدار الأحكام النقدية بشأنها، وهو ما يفسر اهتمامه بقضايا الانتحال والوضع وصحة الرواية.

وتكشف هذه النتيجة عن طبيعة التداخل المعرفي بين العلوم العربية الإسلامية، كما تؤكد أنّ النقد العربي القديم نشأ داخل بيئة علمية وثقافية متشابكة ساهمت في بلورة أدواته ومناهجه.

ثالثاً: الطابع القيمي لمفهوم الطبقة عند ابن سلام:

أوضحت الدراسة أنّ مفهوم “الطبقة” عند ابن سلام لم يكن مفهوماً زمنياً قائماً على ترتيب الشعراء بحسب العصور والأجيال فقط، وإنما كان مفهوماً قيمياً يقوم أساساً على التفاضل الفني والجمالي بين الشعراء.

فقد تبين أنّ ابن سلام كان يضع الشعراء في مراتب وفق قيمتهم الشعرية وجودة إنتاجهم، لا وفق انتمائهم الزمني وحده، ولذلك جمع أحياناً شعراء متباعدين زمنياً داخل الطبقة نفسها إذا رأى بينهم تكافؤاً في الفحولة والاقتدار الفني.

وهذا يدل على أنّ التصنيف عنده كان ذا طبيعة نقدية أكثر منه تاريخية، وأنّ هدفه الرئيس كان بناء سلّم جمالي لتقويم الشعراء.

رابعاً: تعدد المعايير النقدية في التصنيف:

توصلت الدراسة إلى أنّ ابن سلام لم يعتمد معياراً واحداً في تصنيف الشعراء، بل استند إلى مجموعة من المعايير المتداخلة التي تكشف عن وعي نقدي متقدم. ومن أهم هذه المعايير:

كثرة الإنتاج الشعري مع جودته.

القدرة على التنوع في الأغراض الشعرية.

قوة الأسلوب وجزالة اللفظ.

أثر البيئة في تكوين التجربة الشعرية.

الغرض الشعري، خاصة الرثاء.

العقيدة والانتماء الثقافي.

شهرة الشاعر ومكانته بين الرواة والعلماء.

وقد أظهر هذا التعدد أنّ ابن سلام كان يسعى إلى بناء رؤية شمولية للشاعر، لا تقتصر على جانب واحد من جوانب الإبداع.

خامساً: الوعي المبكر بعلاقة البيئة بالإبداع الأدبي:

كشفت الدراسة أنّ ابن سلام كان من أوائل النقاد العرب الذين تنبهوا إلى أثر البيئة والمكان في تشكيل التجربة الشعرية. فقد فرّق بين شعر البادية وشعر الحاضرة، وربط بين حياة الصحراء وما تفرضه من خشونة وقوة وبين جزالة الشعر وفحولته.

كما أدرك أثر الحروب والصراعات القبلية في ازدهار الشعر العربي، ورأى أنّ البيئات التي تعرف الصراع والحركة تنتج شعراً أقوى وأكثر حرارة من البيئات المستقرة الهادئة.

وهذا الوعي المبكر بعلاقة الأدب بالبيئة يدل على نضج الرؤية النقدية عند ابن سلام، ويكشف عن إدراكه للعوامل الاجتماعية والنفسية المؤثرة في الإبداع.

سادساً: حضور الذوق النقدي إلى جانب المنهج:

رغم الطابع المنهجي الواضح في مشروع ابن سلام، فقد أظهرت الدراسة أنّ أحكامه النقدية لم تكن تخلو من حضور الذوق الشخصي والانطباع الذاتي. ففي بعض المواضع بدا متأثراً بثقافته الخاصة أو بآراء الرواة والعلماء الذين سبقوه.

كما أنّ بعض معاييره لم تكن مطردة دائماً، إذ كان أحياناً يقدّم شاعراً بسبب كثرة شعره، ثم يعود في موضع آخر ليغلب الجودة على الكثرة.

غير أنّ هذا الأمر لا يُعدّ نقصاً جوهرياً في مشروعه، بل يعكس طبيعة المرحلة التأسيسية التي كان النقد العربي يعيشها آنذاك، حيث كانت الأحكام النقدية ما تزال تتأرجح بين الذوق والمنهج.

سابعاً: القيمة التأسيسية لكتاب "طبقات فحول الشعراء" :

أثبتت الدراسة أنّ كتاب طبقات فحول الشعراء يمثل واحداً من أهم الكتب المؤسسة للنقد العربي القديم، لأنه وضع اللبنات الأولى للتصنيف الأدبي القائم على المعايير الفنية والجمالية.

وقد مهد هذا الكتاب الطريق أمام النقاد اللاحقين لتطوير البحث النقدي، كما أسهم في ترسيخ مفاهيم مثل الفحولة الشعرية والموازنة والتفاضل النقدي.

ولذلك يمكن القول إنّ مشروع ابن سلام شكّل بداية الوعي المنهجي بالنقد الأدبي العربي.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العلمية والمنهجية التي قد تسهم في تطوير البحث في مجال النقد العربي القديم، وتفتح آفاقاً جديدة لدراسة التراث الأدبي والنقدي العربي:

أولاً: إعادة قراءة التراث النقدي العربي قراءة حديثة :

توصي الدراسة بضرورة إعادة قراءة كتب النقد العربي القديم قراءة علمية حديثة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو الرؤى الاختزالية التي تقلل من قيمتها الفكرية والمنهجية. فالكثير من هذه الكتب ما يزال يحمل رؤى نقدية عميقة يمكن الإفادة منها في الدراسات المعاصرة.

ثانياً: تشجيع الدراسات المقارنة :

تدعو الدراسة إلى إنجاز بحوث مقارنة بين النقد العربي القديم والنظريات النقدية الحديثة، خاصة في القضايا المتعلقة بالتصنيف الأدبي والمعايير الجمالية وعلاقة الأدب بالمجتمع والبيئة.

فمثل هذه الدراسات من شأنها أن تكشف عن أصالة النقد العربي، وتبرز نقاط التقاطع والاختلاف بينه وبين المناهج النقدية الحديثة.

ثالثاً: العناية بتحقيق كتب التراث النقدي :

توصي الدراسة بضرورة العناية بتحقيق كتب النقد العربي وتحقيق نصوصها وفق أسس علمية دقيقة، لأنّ كثيراً من هذه الكتب ما يزال يعاني من اضطراب الروايات أو نقص التحقيق.

كما ينبغي إعادة نشر هذه الكتب بصورة أكاديمية حديثة تسهّل على الباحثين والطلاب الإفادة منها.

رابعاً: توسيع الدراسات الخاصة بأعلام النقد العربي :

تدعو الدراسة إلى توجيه مزيد من البحوث نحو أعلام النقد العربي القديم، مثل محمد بن سلام الجمحي والجاحظ وابن قتيبة والآمدي، لأنّ مشاريعهم النقدية ما تزال غنية بالقضايا الفكرية والجمالية التي تستحق الدراسة والتحليل.

خامساً: إدراج النقد العربي القديم في المناهج الجامعية بصورة أوسع:

توصي الدراسة بضرورة تعزيز حضور النقد العربي القديم في البرامج الجامعية، وعدم الاقتصار على المناهج النقدية الغربية الحديثة، وذلك من أجل تحقيق التوازن المعرفي وإبراز إسهامات التراث العربي في بناء الفكر النقدي العالمي.

سادساً: الاهتمام بالدراسات البينية:

تدعو الدراسة إلى توسيع الأبحاث التي تدرس العلاقة بين النقد الأدبي والعلوم الإسلامية الأخرى، مثل علم الحديث والفقه واللغة والتاريخ، لأنّ هذه العلاقات تكشف عن طبيعة البناء المعرفي المتكامل في الثقافة العربية الإسلامية.

سابعاً: توظيف المناهج الحديثة في دراسة التراث :

توصي الدراسة بتوظيف المناهج الحديثة، مثل المنهج السيميائي والتداولي والتفكيكي والثقافي، في تحليل كتب النقد العربي القديم، بما يسمح بإعادة اكتشاف أبعاد جديدة في هذا التراث.

ثامناً: إبراز البعد الحضاري للنقد العربي القديم :

تؤكد الدراسة ضرورة إبراز النقد العربي القديم بوصفه جزءاً من الحضارة الإنسانية، لا مجرد تراث محلي محدود، لأنّه أسهم في بناء مفاهيم نقدية وجمالية ذات قيمة عالمية، وكان شاهداً على نضج العقل النقدي العربي في مرحلة مبكرة من التاريخ الثقافي.

***

د. منير محقق

دفاعٌ عن حرية الخيال

منذ أن وُجد الشِّعر بوصفه أرقى تجليات اللغة الإنسانية، وهو يمارس فعلَ الانعتاق قبل أن يمارس فعلَ الوصف، ويؤسّس للحرية قبل أن يؤسّس للأجوبة. فالشاعر الحقيقي لا يكتب من داخل الأسوار، بل من شرفات الاحتمال؛ ولا ينصت إلى الأوامر الجاهزة بقدر ما ينصت إلى ذلك النداء الغامض الصاعد من أعماق الوجود. ولذلك ظلّ الشِّعر، عبر تاريخه الطويل، قوةً متمرّدة على كل أشكال التدجين الفكري، ومجالاً رحباً لمقاومة تحويل الإنسان إلى وظيفة أيديولوجية أو رقمٍ في آلة الجماعة.

لقد تعرّض الشِّعر، في مراحل عديدة من التاريخ، لمحاولات متكررة لإخضاعه لمفاهيم الالتزام الصارمة، حتى بدا وكأنه مطالب بأن يتحول إلى منشور سياسي أو خطاب تعبوي أو بيان عقائدي. غير أنّ هذا الفهم يختزل جوهر الشعر ويجرده من وظيفته الأعمق؛ إذ إنّ القصيدة ليست بياناً حزبياً، وليست وثيقةً تنظيمية، بل هي فعلُ كشفٍ للإنسان في هشاشته وعظمته معاً.

حين كتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن «الشعر هو تأسيس الوجود بالكلمة»، كان يشير إلى تلك الطاقة الكاشفة التي تجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية نحو أفق الوجود ذاته. فالشاعر لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح النوافذ أمام الأسئلة الكبرى؛ ولذلك فإن الشعر يظلّ بطبيعته عصيّاً على الاحتواء الأيديولوجي، لأن الأيديولوجيا تبحث عن اليقين، بينما يبحث الشعر عن الدهشة.

لقد حذّر الناقد الفرنسي رولان بارت من كل خطاب يدّعي امتلاك المعنى النهائي، لأن اللغة نفسها فضاءٌ للتعدد والانفتاح. ومن هذا المنظور يصبح الشعر فعلاً مضاداً لكل سلطة ترغب في احتكار الحقيقة. فالقصيدة العظيمة لا تقول للقارئ ماذا يفكر، بل تدعوه إلى أن يفكر بنفسه؛ لا تقوده إلى العقيدة، بل إلى الحرية.

ومن هنا يمكن فهم اعتراض عدد من كبار الشعراء والمفكرين على مفهوم «الالتزام» عندما يتحول إلى قيدٍ جمالي. فالشاعر الفرنسي بول فاليري كان يرى أن الشعر يبدأ حيث تنتهي المنفعة المباشرة. أما أوكتافيو باث فقد اعتبر الشعر شكلاً من أشكال الحرية المطلقة، لأن القصيدة تخلق عالماً لا يخضع لقوانين السوق أو السلطة أو المؤسسة.

إنّ أسطرة الالتزام تنبع من وهمٍ قديم مفاده أن قيمة الأدب تُقاس بمدى خدمته لقضية خارجية. غير أنّ التجربة الإنسانية تثبت أن أعظم الأعمال الأدبية لم تخلد لأنها رفعت شعاراً سياسياً، بل لأنها استطاعت أن تنفذ إلى جوهر الإنسان. فمآسي شكسبير لا تزال حية لأنها تكشف طبيعة السلطة والطموح والخوف والحب، لا لأنها انحازت إلى حزب أو عقيدة. وروايات دوستويفسكي باقية لأنها حفرت في أعماق النفس البشرية، لا لأنها قدّمت برنامجاً سياسياً.

لقد أدرك العديد من النقاد هذه الحقيقة حين رأوا أن الشاعر ليس موظفاً لدى المجتمع، بل هو قوة نقدية تزعزع المسلّمات وتعيد مساءلة البداهات. فالشاعر، وفق هذا التصور، ليس بوقاً للجماعة، وإنما ضميرها القلق. إنه الكائن الذي يقف دائماً في المسافة الحرجة بين الواقع والحلم، بين الممكن والقائم، بين السلطة والحقيقة.

والحق أن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعر هو أدلجة الخيال. فالخيال هو المملكة الأخيرة للحرية الإنسانية، وحين يُخضع لمنطق العقيدة الجامدة يفقد قدرته على الابتكار. وقد تنبّه الفيلسوف هربرت ماركوزه إلى هذه المسألة حين رأى أن المخيلة تمتلك وظيفة تحررية لأنها تكسر حدود الواقع المفروض وتفتح أفقاً لعالمٍ آخر أكثر إنسانية.

إنّ الأيديولوجيا بطبيعتها تسعى إلى التنظيم والتصنيف والتحديد، بينما يقوم الخيال على الاختراق والتجاوز والتحويل. ولهذا تبدو العلاقة بينهما علاقة توتر دائم. فحين تنتصر الأيديولوجيا تموت المجازات، وحين يزدهر الخيال تستعيد اللغة قدرتها على الخلق.

ولعلّ الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، على الرغم من انخراطه السياسي، قدّم نموذجاً دالاً على هذا التوتر؛ إذ إن أجمل قصائده ليست تلك التي كرّست شعارات مباشرة، بل تلك التي احتفت بالحب والبحر والإنسان والطبيعة. فالفن لا يخلد بقدر ما يكون خطاباً، بل بقدر ما يكون كشفاً جمالياً.

ومن هنا فإن الدفاع عن الشعر بوصفه انعتاقاً لا يعني الدعوة إلى العزلة أو الهروب من قضايا الإنسان، بل يعني رفض تحويل القصيدة إلى أداة دعائية. فالشاعر يستطيع أن يكون منحازاً للعدالة والحرية والكرامة، لكن انحيازه الحقيقي يتحقق عبر الإبداع لا عبر التلقين، وعبر الرؤية لا عبر الشعارات.

لقد قال محمود درويش يوماً إن القصيدة ليست بياناً سياسياً، وإن الشعر كلما اقترب من المباشرة خسر جزءاً من شعريته. وهذه الرؤية تنسجم مع الفهم العميق لوظيفة الفن بوصفه مساحة للمعنى المفتوح، لا ساحة للحقائق المغلقة.

إنّ الشعر العظيم لا يحرّر الإنسان من سلطة سياسية فحسب، بل يحرّره أيضاً من سجن اللغة الجاهزة، ومن العبارات المستهلكة، ومن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة السائدة. إنه تمرين دائم على إعادة اكتشاف العالم. ولذلك كان الشاعر، في مختلف الحضارات، أقرب إلى الرائي منه إلى الخطيب، وأقرب إلى الحالم منه إلى الموظف.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأيديولوجيات وتتناسل اليقينيات المغلقة، تبدو الحاجة إلى الشعر أشدّ من أي وقت مضى. فالشعر ليس ترفاً لغوياً ولا زينةً ثقافية، بل ضرورة وجودية؛ لأنه يحمي الإنسان من التحول إلى كائن أحادي البعد، ويذكّره بأن الحقيقة أوسع من كل العقائد، وأن الجمال أرحب من كل المؤسسات، وأن الحرية تبدأ دائماً من المخيلة.

وهكذا يظل الشعر، في جوهره العميق، فعلَ مقاومةٍ ضد كل أشكال الأسر؛ مقاومةً للسلطة حين تتغول، وللأيديولوجيا حين تتجمد، ولليقين حين يتحول إلى سجن. إنه انعتاق اللغة من وظيفتها النفعية، وانعتاق الإنسان من اختزاله في هوية واحدة أو فكرة واحدة أو حقيقة واحدة. فحيث تنتهي الأدلجة يبدأ الشعر، وحيث تُغلق العقائد أبوابها تفتح القصيدة نوافذها على المجهول، ليبقى الخيال آخرَ معاقل الحرية، وأجملَ ما في الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جدلية الحقيقة والخيال قراءة في الإبداع الرقمي.. قصيدة «أزهار الكلام» للدكتور عبد الرحمن بن شويحة نموذجًا

لم تعد القصيدة العربية الحديثة تُقرأ اليوم بوصفها كلامًا موزونًا مؤثّرًا فحسب، بل بوصفها جهازًا دلاليًّا معقّدًا تتضافر فيه اللغة والرؤيا والإيقاع والصورة والمرجع الثقافي من أجل بناء تجربة شعرية ذات طاقة تأويلية عالية. ومن هنا كان مفهوم الشعرية من أكثر المفاهيم فاعليةً في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ اتجه من الوصف البلاغي التقليدي إلى مساءلة القوانين الداخلية التي تمنح النص الأدبي خصوصيته وتميّزه الجمالي. وقد لخّص حسن ناظم هذا المنحى حين قدّم الشعرية باعتبارها بحثًا في قوانين الخطاب الأدبي، في حين ربط صلاح فضل شعرية النص بدرجات التشكيل والاختلاف والانزياح الأسلوبي وكثافة العلاقات التي تنتظم القصيدة من الداخل [1].

وانطلاقًا من هذا الأفق النظري، تبدو قصيدة «أزهار الكلام» للدكتور عبد الرحمن بن شويحة نصًّا جديرًا بالقراءة المتأنية؛ ومثلا للنص الرقمي الرصين حيث نشرت على اليوتيوب، فهي لا تتحرك في مدار البوح المباشر، بل تقوم على جدلٍ مركّب بين الجرح والولادة، والحقيقة والخيال، والذات والمكان، والتراث والحاضر، بما يفضي إلى خطاب شعري شديد الكثافة، تحضر فيه الاستعارة لا بوصفها تزيينًا، بل بوصفها آلية للمعرفة والكشف.

تتحدد إشكالية هذه الدراسة في تساؤل مركزي: كيف استطاع النص تشكيل وعيه الجمالي والوجودي من خلال التنازع بين عذوبة اللفظ (الأزهار) وفظاعة الواقع (القصف والحذف)؟ وكيف تحول المكان (صنعاء) والجرح الذاتي من أطر مرجعية واقعية إلى علامات سيميائية وشعرية تؤسس لاغتراب الذات داخل البناء العمودي للقصيدة؟ وتعتمد الدراسة على المنهج الأسلوبي السيميائي ببعده التفكيكي والأنطولوجي لتفكيك بنى النص الداخلية واستنطاق مرجعياته الثقافية.

أولًا: عتبة العنوان: من التسمية إلى الإغواء التأويلي

إذا كانت الدراسات الحديثة قد جعلت من العنوان بوابةً أولى للنص ومرشدًا إلى مقاصده المحتملة، فلأن العنوان لم يعد عنصرًا هامشيًا أو بطاقة تعريف خارجية، بل صار وحدة دلالية تؤدي وظيفة التعيين والإغراء والتوجيه معًا. وقد أكدت دراسات عربية حديثة أن العنوان هو «الإشارة الأولى» التي توجه القارئ وتلزمه بمحاورتها، وأنه يمثل عتبة أولى من عتبات النص، وعنصرًا أساسيًا في تشكيل الدلالة وفعل التأويل [5].

ومن هذه الزاوية، فإن عنوان القصيدة «أزهار الكلام» كما ورد في صدر النص ينهض على مفارقة دلالية لافتة. فـ«الأزهار» تحيل، في المعجم الثقافي والوجداني، إلى النماء والجمال والعبير والرقة، لكنّ المتن الشعري سرعان ما يبدّل هذه الإحالة المألوفة حين يجعل الكلام نفسه موضعًا للخطر، والحذف، والاحتراق والقصف. وهكذا تتأسس العتبة على توتر خفيّ بين الزهر بوصفه رمزًا للحياة والكلام بوصفه مادةً للنجاة والخذلان معًا.

ويغدو العنوان، والحال هذه، ليس تسميةً محايدةً لقصيدة، بل برنامجًا دلاليًا يعلن منذ البدء أن النص سيقارب اللغة من جهة هشاشتها وخصوبتها في آنٍ معًا. وإذا كان الزهر في وعي المتلقي يرتبط بالقطف والتملك والبهجة العابرة، فإن الشاعر يعيد صياغة هذه الإحالة داخل المتن نفسه حين يقول:

خَبَّأْتُ أَزْهَارَ الْكَلَامِ لِحِكْمَةٍ

لَمَّا أَشَاعَ النَّاسُ دِينَ الْقَطْفِ

هنا يتضح أن العنوان لا يكتمل معناه إلا بالعودة إلى متن النص؛ فـ«أزهار الكلام» ليست كلامًا مزهرًا على معنى الزينة البيانية فحسب، بل هي جواهر المعنى التي يخفيها الشاعر عن عالمٍ استباح «دين القطف»، أي عالم الاستهلاك السريع والسطو على الجمال من غير إدراك لحكمته أو حُرمته. ومن ثمّ تتحول العتبة إلى موقف شعري وأخلاقي معًا: إنها دفاع عن الكلام الأصيل في وجه الابتذال، وعن النداوة الروحية في وجه الاستهلاك الإنساني.

ويزداد العنوان غنى إذا قُرئ في ضوء مفهوم العتبات النصية (Paratexts) كما بلوره جيرار جينيت في التداول النقدي الغربي، وكما شرحه عبد الحق بلعابد في سياق الاستقبال العربي؛ إذ تصبح العتبة فضاءً وسيطًا بين خارج النص وداخله، بين القارئ والمتن، وهي لا «تشرح» النص بقدر ما تستدرجه إلى منطقة من التوقع والتأويل [6]، [7]. وعلى هذا الأساس، فإن «أزهار الكلام» يحفّز قارئه على انتظار قصيدة رخية أو احتفالية، لكنه يفاجئه بنصٍّ جريح يجاور بين الزهر والقصف، وبين الماء والطعن، وبين الفكرة والحذف؛ فتنبثق شعرية العنوان من المسافة بين ما يوحي به اللفظ وما يفتحه المتن من هولٍ وعمقٍ واحتراق.

بل يمكن القول إن العنوان، في هذه القصيدة، ليس مجرد عتبة أولى، بل نواة رمزية تتشعّب منها بقية الصور: فالقصيدة نفسها زهرة مهددة، والكلام زهرة تحت القصف، والشاعر بستانيٌّ يعرف أن زمن القطف السريع لا يرحم المعنى العميق. ومن هنا تكتسب العتبة قيمة تأويلية مركزية؛ إذ تختزل الصراع بين جمالية اللغة وعنف التاريخ.

ثانيًا: أنطولوجيا الجرح بوصفها مادة الوعي الشعري

يبدأ النص من جرح الذات يعلن انكسار الجسد وانبعاث الروح:

أَحْسُو جِرَاحَاتِي الَّتِي لَمْ تَكْفِ

لِتُذِيعَ مِيلَادِي عَشِيَّةَ حَتْفِي

إن هذا المطلع يصوغ منذ اللحظة الأولى مفارقةً وجوديةً بالغة الحدة: فالميلاد لا يأتي في لحظة النشوء والابتداء البيولوجي، وإنما يظهر عشية الحتف، كأن التجربة الإنسانية لا تبلغ اكتمالها وتجليها الأسمى إلا بعد المرور في امتحان الفناء والعدم. غير أن قيمة هذا المطلع لا تكمن في مضمونه التراجيدي وحده، بل في الطاقة التعبيرية والانزياح الأسلوبي عبر الفعل «أحسو»؛ إذ إن الشاعر لا يصف جراحه من الخارج، ولا يندبها بكاءً، بل يشربها شربًا ويسرّبها إلى الداخل، فيجعل الألم مادة حيوية وجزءًا من ذاكرته الجسدية والروحية.

ومن ثمّ يغدو الجرح في القصيدة شرطًا للرؤيا، لا أثرًا جانبيًا من آثار التجربة. وهذا الفهم ينسجم مع تصورات الشعرية الحديثة التي جعلت من التحول في وظيفة اللغة ــ من الإخبار التقريري إلى خلق الأثر والدهشة والانزياح ــ أساسًا في تمييز الخطاب الأدبي من الخطاب العادي [2]. فالنص الشعري هنا لا يخبرنا بأن الشاعر تألم، بل يجعل اللغة نفسها تتألم وتُولِّد معنى الألم من خلال تركيبٍ مفارق وصورة متوترة.

ويتسع هذا الجرح من الدائرة الشخصية الذاتية إلى أفقٍ كوني إنساني أعمّ حين يقول الشاعر:

أَنَا كُلُّ مَنْ سَلَكُوا الْحَيَاةَ إِلَى الرَّدَى

لَكِنْ تَنَاسَوْهَا أَمَامَ الْخَوْفِ

فالأنا هنا تتجرد من تشخصها الفردي المعزول، بل تتحول عبر الحلول والتماهي إلى "أنا جمعية" تمثّل خبرة الإنسان في خوفه، وهشاشته، وتردده أمام المصير الحتمي. وبهذا المعنى، لا يبقى النص أسير الاعتراف الذاتي الضيق، بل يدخل في منطقة التمثيل الوجودي الذي يجعل الذات مرآةً للنوع البشري بأسره.

ثالثًا: جدلية الحقيقة والخيال: القصيدة مقام كشف

من أكثر الثنائيات الإبستمولوجية حضورًا في النص ثنائية الحقيقة/الخيال، وهي ثنائية لا تُبنى على التضاد الإقصائي، بل على التفاعل الجدلي المنتج للرؤيا. يقول الشاعر:

أَرْتَادُ حَانَاتِ الْحَقِيقَةِ بَاحِثًا

عَنْ خَمْرِهَا وَعَنِ الْخَيَالِ الصِّرْفِ

ثم يثبّت هذه القيمة المعرفية في موضع آخر بقوله:

إِنَّ الْخَيالاتِ احْتِمَالٌ لِلرُّؤَى

أَمَّا الْقَصِيدَةُ خَمْرَةٌ فِي عُرْفِي

يُفهم من هذين الموضعين أن الشاعر لا يرى في الخيال فسحةً لارتياد الأوهام أو الهروب من استحقاقات الواقع، بل يراه إمكانًا أنطولوجيًا للرؤية، أو شرطًا تعاليميًا من شروطها. فالخيال هنا ليس نقيضًا للحقيقة، بل هو الوسيط السحري والمصفاة الدلالية التي تتيح للذات أن تنفذ إلى طبقاتٍ أعمق وأكثر جوهرية من الواقع السطحي. وهذا ما ذهبت إليه المقاربات الحديثة للصورة الشعرية حين ربطت الصورة بالبنية العميقة للنص وبتحولات النظرية الشعرية، مؤكدةً أن المقاربة النقدية المعاصرة لم تعد تشرح الشعر من خارجه، بل تعمل على تفكيك خطابه وبنيته التخيلية من داخله [2].

ومن هنا يتضح أن القصيدة ــ في وعي الشاعر ــ ليست خطابًا واصفًا للحقيقة، بل تجربة في تذوّقها والحلول فيها؛ ولأجل ذلك شبّهها بالخمر لا على جهة الماديات، بل على جهة الاستغراق والوجد والكشف والتحول الداخلي الصوفي. هذا التصور يقيم صلة وثيقة بين القول الشعري والمعرفة الحدسية؛ فالحقيقة التي لا تقبض عليها العبارة التقريرّية الجافة، قد تنكشف في التوتر المجازي، وفي ومضة الصورة الكاشفة.

رابعًا: انقسام الذات والبحث عن تمامٍ مستحيل (الاغتراب الأنطولوجي)

يبلغ النص ذروةً عالية من الكثافة السيكولوجية والتركيب الفلسفي في قوله:

النِّصْفُ مِنِّي لَمْ يُطَاوِعْنِي أَنَا

كُلٌّ يُفَتِّشُ نِصْفَهُ عَنْ نِصْفِ

إن هذا البيت من الأبيات المفتاحية المؤسسة للاغتراب داخل القصيدة؛ لأنه يعبّر عن الذات لا بوصفها وحدةً هرمونيكية مكتملة، بل بوصفها شطرًا مأزومًا يبحث عن شطر، وكيانًا مشظى ينزع إلى الاكتمال من غير أن يظفر به. وهكذا تتخذ القصيدة بعدًا أنطولوجيًا؛ فهي لا تسائل تجربةً عاطفيةً عابرة أو موقفًا سياسيًا طارئًا، بل تسائل شرط الإنسان المأساوي نفسه في عالمٍ مكسور ومحكوم بالانقسام والاغتراب عن المركز.

وما يلفت في هذا البيت أن البنية التركيبية والتكرار الصوتي المعنوي لكلمة «النصف» لا يؤديان وظيفةً هندسية إيقاعية خارجية فقط، بل يعيدان إنتاج معنى الانقسام والتشظي على مستوى البنية الصوتية والملفوظ نفسه. فكأن المعنى لا يُقال هنا فحسب، بل يُعاد تمثيله صوتيًا في انتظام لفظي دائري مغلق يعود إلى نفسه من غير أن يظفر بخلاص أو اندماج. وهذا مما يمنح القصيدة طابعًا حداثيًا سائلًا حتى وهي تتحرك في إطار البناء العمودي التقليدي ذي القافية الموحدة والبحور الخليلية.

خامسًا: شعرية المكان: صنعاء بوصفها جرحًا حضاريًا

يحتل المكان في النص موقعًا بؤريًا فاعلًا، ويظهر ذلك منذ وقت مبكر في قوله:

تَرَكَ الْمَكَانُ عَلَى الزَّمَانِ عَلَامَةً

كُبْرَى لِتُدْرِكَهَا ذَوَاتُ الْوَصْفِ

فهنا يتجاوز المكان كونه مجرد فضاء طوبوغرافي أو إطار خارجي للأحداث، بل يغدو طرفًا فاعلًا وسيميائيًا في صناعة الدلالة، إلى الحد الذي يجعله يمارس سلطته الإزاحية فيترك أثره المادي على الزمان نفسه. وقد نبّهت دراسات حديثة إلى أن المكان في الشعر الحديث صار مفتاحًا استراتيجيًا في بنية النص، وواحدًا من أهم عناصر البناء الشعري، وأنه لم يعد معطىً محايدًا، بل غدا حاملًا للقلق والذاكرة والاغتراب والهوية [3].

ويبلغ هذا الوعي الإستاطيقي بالمكان أشدَّه تراجيدية في استحضار مدينة "صنعاء":

لِلَّيْلِ فِي صَنْعَاءَ بَعْدٌ آخَرٌ

وَالصُّبْحُ فِيهَا مُحْتَفٌّ بِالْقَصْفِ

إن هذا التركيب الموجز المكثف يختزن صورةً حضارية وسياسية ونفسية بالغة التعقيد والأسى. فالليل في صنعاء ليس حالة زمنية فلكية طبيعية، بل له «بعد آخر»، أي بعدٌ سيكولوجي وأنطولوجي مثقل بالتاريخ وبالألم والترقب والمهابة. أما الصبح، وهو الرمز الكوني المعتاد للانبعات والانبثاق والتفتح، فيأتي هنا محفوفًا بالقصف والدمار، فتنقلب العلاقة المألوفة بين الصبح والحياة، وتصبح المدينة موضعًا لقلب القيم الجمالية والوجودية رأساً على عقب.

إن صنعاء، في هذا السياق، لا تُقرأ كموقع جغرافي مفرد، بل كعلامة سيميائية كبرى تشير إلى الجرح العربي الكلي؛ فهي المكان الذي تتجاور فيه القصيدة مع الرصاصة، واللغة مع الدمار، والذاكرة مع العصف. ولذلك لا يعود وصف المكان في القصيدة توصيفًا فوتوغرافيًا، بل يصبح فعل مقاومة جمالية يحاول أن ينتشل المدينة من ركام الاختزال الإخباري السياسي الصرف إلى مرتبة الرمز الخالد.

سادسًا: التناص واستدعاء الذاكرة الثقافية

من الأبيات اللافتة والمحملة بالظلال التراثية الكثيفة في القصيدة قول الشاعر:

فِي مَتْنِ (سَقْطِ الزَّنْدِ) أَرْقُبُ شَاعِرًا

أَعْمَى يَرَانَا: ظُلْمَةً فِي الْكَهْفِ

هذه الإحالة التناصية الصريحة إلى ديوان «سقط الزند» تفتح النص على حوارٍ ساخن مع التراث الشعري والفلسفي العربي، وبخاصة مع الدلالة الرمزية الكبرى للشاعر/الفيلسوف الأعمى (أبي العلاء المعري) الذي يمتلك بصيرةً نافذة تخترق حجب الغيب وتتجاوز حدود البصر الحسي الضيق. وهنا يعمل التناص ($Intertextuality$) لا بوصفه استعراضًا معرفيًا أو زخرفةً ثقافية مجانية، بل بوصفها استدعاءً لسلطة معرفية وشعرية تاريخية يُقاس الحاضر المأزوم عليها [4].

واللافت أن الشاعر لا يستدعي التراث استدعاءً سكونيًا تقديسيًا، بل يستثمره ديناميكيًا لكشف عيوب الحاضر وظلمته: فالشاعر الأعمى القديم هو الذي «يرانا»، وفي هذه الرؤية المعكوسة مفارقة حادة؛ حيث يغدو القديم الراحل مرآةً تكشف عمى الحاضر وتيهه وتشرذمه داخل "الكهف" الرمزي. ومن هنا تنشأ قيمة التناص في هذه القصيدة: إنه وسيط تأويلي يضاعف كثافة النص ويمنحه امتدادًا تاريخيًا وفكريًا وحضاريًا متجذرًا.

سابعًا: مبحث الصور البلاغية

1-الصورة بوصفها رؤية لا تزويقًا

تدلّ بنية القصيدة بوضوح على أن الصورة البلاغية فيها ليست عنصرًا ثانويًا أو أداةً خارجية للتجميل البياني، بل هي الرحم الدلالي وموضع تشكّل الرؤيا الخلّاقة نفسها. وقد بيّنت الدراسات الحديثة في الصورة الشعرية أن القصيدة المعاصرة تعتمد تفكيك الجزئيات اليومية وإعادة ترتيبها في بنيات تخييلية تمنح النص شعرية متميزة، وأن الصورة لم تعد تُفهم في أفق البلاغة العتيقة وحدها، بل بوصفها مركزًا لتوليد المعنى والانفعال [2].

2- تفكيك أبرز الصور البلاغية في النص

من أبدع صور القصيدة البنائية قول الشاعر:

وَأَقَامَ أَسْوَارَ الْكَلَامِ قَصِيدَةً

كَالنَّخْلِ يَصْنَعُ سُورَهُ بِالسَّعَفِ

- التحليل الأسلوبي: في هذه الصورة المركبة، تتحول القصيدة إلى سورٍ من الكلام، أي إلى بنية دفاعية حصينة تحمي المعنى من التبدد وتحرس الذاكرة الجماعية من العصف والتلاشي. والتشبيه بالنخل ليس تفصيلًا عابرًا؛ إذ يحمل النخل في الوجدان الجمعي العربي إيحاءات الأصالة، والامتداد، والخصوبة، والشموخ الثابت في وجه العواصف. وتظهر شعرية الصورة حين تجعل القصيدة تحرس نفسها بمادتها الذاتية الداخلية، تمامًا كما يصنع النخل سوره الحامي من سعفه الذاتي.

ويظهر ابتكار الصورة التراسلية أيضًا في قوله:

أَنَا لَمْ أُفَسِّرْ لِلْكَمَانِ جِرَاحَهُ

فَهُوَ الْمُفَسِّرُهَا بِطُولِ الْعَزْفِ

- التحليل الأسلوبي: يحقق هذا البيت نقلًا دلاليًا مبدعًا عبر آلية الأنسنة والتشخيص؛ فالكمان لا يُعزف عليه كآلة خشبية صماء، بل غدا كائنًا مؤوِّلًا عاقلاً يفسّر الجراح بطول العزف والنحيب الموسيقي. وهنا تتقدّم الموسيقى على الشرح اللغوي التقريري، ويغدو الفنّ أصدق بكثير من التفسير المباشر، بما يمنح القصيدة بعدًا ميتاشعريًا؛ إذ تعلن أن اللغة قد تبلغ مداها المطلق وحريتها كاملة حين تتاخم الفنون الأخرى وتذوب في الموسيقى.

ومن الصور المتوهجة الفانتازية كذلك قوله:

فَلِذَا أُرَبِّي الْمَاءَ يَكْبُرُ بَعْدَهَا

بَحْرًا وَأُرْهِقُهُ بِهَذَا الْجَدْفِ

- التحليل الأسلوبي: هذه صورة بالغة الطرافة والعمق الفلسفي؛ لأن الشاعر يقلب العلاقات المنطقية والطبيعية للأشياء؛ فالماء لا يُربى، والبحر لا يكبر بالرعاية كالأطفال. هذا القلب يفضي إلى معنى فنيّ عميق: القصيدة لا تُستخرج من فضاءات الامتداد الجاهز سلفًا، بل تُنشأ لغويًا وتُربّى وتُعجن بالمعاناة والجهد الخلّاق (الجدف). البحر هنا ليس معطىً طبيعيًا وجدناه صدفة، بل هو صناعة شعرية شاقة.

3- تصنيف الأنماط البلاغية الموظفة

يمكن، من الناحية البلاغية البنيوية، تفكيك هذه الشبكة الصورية وتحويل انتظامها من رصد الجدول المعرفي إلى فضاء القراءة المقالية المتصلة؛ إذ تتضافر في النص أربعة أنماط بلاغية مركزية تؤسس لرؤية الشاعر الوجودية:

يتمثل النمط الأول في الاستعارة بشقّيها التصريحي والمكنّي، والتي تجلت بوضوح في جعل القصيدة سورًا لغويًا حاميًا، وتحويل الماء إلى طفل صغير يُربّى وينمو، فضلاً عن جعل الجراحات مادة سائلة تُحسى في الكؤوس. وتنهض هذه الاستعارات بوظيفة جمالية ودلالية حاسمة؛ إذ تعمل على نقل النص من الحيز المادي المألوف واليومي الرتيب إلى فضاء التخييل المبتكر، مخلخلةً المنطق السائد عبر هدم ثبات الأشياء وإعادة صياغة صلاتها بالكون.

ويتداخل مع هذا المنحى نمط التشخيص والأنسنة؛ حيث عمد الشاعر إلى إضفاء صفات الكائن الحي العاقل، الباكي والمفسّر والمؤوّل، على عناصر جامدة ومجرّدة كالكمان والمكان والماء. وتكمن الوظيفة الجمالية لهذا التشخيص في جسر المسافة النفسية والوجودية بين الذات الشاعرة المغتربة ومكونات الكون الخارجي، مما يحوّل عناصر الطبيعة ومفردات الفن إلى شريك حقيقي يشاطر الذات وعيها بالألم ويسهم في تظهيره.

أما النمط الثالث فيتجسد في المفارقة التصويرية، والتي اتخذت طابعًا بنيويًا حادًا من خلال الجمع الجدلي والدلالي بين ثنائيات متنافرة في لغة الواقع وممتزجة في لغة الشعر، مثل: (الميلاد والحتف)، (الصبح والقصف)، و(الزهر والحذف). وتشتغل هذه المفارقة على إنتاج صدمة واعية لدى المتلقي تكسر أفق توقعه، فضلاً عن دورها الدلالي في تجسيد طبيعة الواقع المتناقض والمأساوي والملتبس الذي يعيشه الشاعر وتصطلي به الذات.

ويكتمل هذا البناء البلاغي بنمط تراسل الحواس الذي أذاب الحدود الفاصلة بين المدركات الحسية؛ حيث تمازجت الرؤية بالسمع والذوق في تشكيل صور مبتكرة مثل «الخمر المعرفي الكاشف» و«العزف المفسر للجراح». وتتبدى الوظيفة الإستاطيقية لهذا التراسل في تحقيق أقصى درجات الكثافة الشعورية والوجدانية داخل النص، مما يحوّل القصيدة من مجرد كلمات مقروءة أو مسموعة إلى تجربة حسيّة وإدراكية شاملة تستغرق كيان المتلقي بأسره.

ثامنًا: مبحث الإيقاع والهندسة الصوتية

1-الإيقاع الخارجي: تكرار القافية وخصوصية الروي

ينتمي النص إلى البناء العمودي الصارم ذي القافية الموحدة، وهو اختيار أسلوبي ذو أبعاد دلالية ونفسية عميقة وليس مجرد انصياع لقالب جاهز. فالقافية هنا تدور في فلك حرف "الفاء المكسورة" مسبوقة بساكن أو حرف لين: (حَتْفِي، الوَصْفِ، السَّعَفِ، الكَشْفِ، الطَّرْفِ، العَزْفِ، الخَوْفِ، نِصْفِ، الصَّرْفِ، الكَهْفِ، الذَّرْفِ، الحَرْفِ، القَطْفِ، القَصْفِ، العَصْفِ، كَشْفِي، الحَذْفِ، كَفِّ، الجَدْفِ، عُرْفِي...)

إن حرف الفاء صوت مهموس رخو، وخروجه مكسوراً ومسبوقاً بالسكون في معظم الأبيات يمنح النغمة طابعاً من الانكسار الشجي، والتنهد الحاد، والجفاف النسبي الذي ينسجم انسجاماً كلياً مع عالم القصيدة المتوتر والمشحون بأجواء الألم، والقطع، والاحتراق، والقصف الفعلي [8].

2-الإيقاع الداخلي: التكرار والتوازي والتقابل

إذا تجاوزنا القافية الظاهرة والوزن العروضي الخارجي، نجد أن القصيدة تمارس ثراءً إيقاعياً داخلياً عبر آليات أسلوبية محددة:

أ. التكرار البؤري: يتكرر في النص عدد من الكلمات المفاتيح: (أنا، النصف، القصيدة، الحقيقة، الجرح). هذا التكرار لا يعمل كحشو تأكيدي، بل يخلق نبضاً دلالياً دائرياً (Circular Rhythm) يجسد عودة الذات الدائمة إلى أسئلتها الوجودية الأولى وحصارها داخل أزمتها دون فكاك.

ب. التوازي التركيبي (Syntactic Parallelism): تتكرر في القصيدة بنى تركيبية متوازية وصيغ متناظرة من نحو (أنا لم... / أما... / و...)، وهذا التوازي البنيوي يخلق هندسة مريحة للعين والأذن، تخفف من وطأة الكثافة الدلالية وتدفع بالمعاني في شكل موجات متلاحقة تشبه دفقات الموسيقى الحزينة.

ج. التقابل الإيقاعي الدلالي: يقوم النص على شبكة من الثنائيات المتقابلة حادّة التنافر: (الميلاد الحتف)، (الليل /الصبح)، (الزهر/ القطف)، (الماء / البحر). هذه الثنائيات تنتج "إيقاع التضاد"؛ فالجمال هنا لا يولد من الانسجام الساكن، بل من الشرارة الناشئة عن تصادم المجالات الدلالية المتنافرة [9].

تاسعًا: القصيدة والوعي بأزمة الكتابة (الميتا-شعر)

من أهم الأبيات التي ترفع النص إلى مصاف الوعي النقدي الحديث بالذات وبتفكيك عملية الإبداع نفسها قوله:

أَنَا لَمْ أُعِدَّ قَصَائِدِي لِمَقَاصِدِي

لَكِنَّمَا أَعْدَدْتُهَا لِلْحَذْفِ

هذا البيت شديد الحداثة والتجاوز لنبرة الشعر العمودي التقليدي الخطابي؛ لأنه لا يعبّر عن قلق الشاعر من العالم الخارجي والحروب فحسب، بل يعبّر عن قلقه الأنطولوجي من جدوى ومصير القصيدة ذاتها ومقدرتها الإبلاغية. فالقول واللغة لم يعودا واثقين من كفايتهما التعبيرية، والقصيدة لم تعد مطمئنة لقدرتها على إيصال "المقاصد" في عالم مشوه.

إنها تُكتب بوعي مسبق بأفق "الحذف"، أي في زمن مهدد بمحو الإنسانية، وفي فضاء يتنازع فيه الحرف الجميل مع لعلعة السلاح وأدوات العنف والنسيان. هنا، يتحول النص من تسجيل الألم الواقعي إلى مستوى أعمق: تسجيل أزمة وتفكك اللغة والكتابة تحت ثقل وعسف التاريخ، مما يمنح النص قيمة نقدية ذاتية فريدة.

خاتمة

تُظهر قصيدة «أزهار الكلام» قدرةً فنية لافتة على المزاوجة الخلّاقة بين فخامة وموسيقية البناء العمودي التراثي وحداثة الرؤيا الكونية الفلسفية والوجودية. فهي قصيدة تنطلق من عتبة عنوان مخاتلة وموحية، ثم تنفتح على عوالم تراجيدية تتشابك فيها الجراح الذاتية (أنطولوجيا الجرح) بالحقيقة الإبستمولوجية، والمكان الجغرافي بالخراب والدمار، والتناص التراثي بظلمة الواقع الحاضر مسببةً اغتراب الأنا الشاعرة.

ولم يقف النص عند حدود الصنعة البلاغية الجافة، بل جعل من الاستعارة والتشخيص أدوات معرفية للكشف والنفاذ، ومن هندسة الإيقاع الداخلي والخارجي بنياناً حاملاً للانفعال والتوتر الإنساني. إن "أزهار الكلام" في نهاية المطاف تمثل نموذجاً ناصعاً لما يمكن تسميته بـ"شعرية المقاومة الجمالية"؛ وهي المقاومة التي لا تسقط في شرك الشعارات الإيديولوجية المباشرة والخطابة الفجة، بل تبني من نسيج اللغة وصورها حصناً منيعاً، ومن الجراح النازفة ميلاداً إنسانياً وحضارياً مؤجلاً.

***

د. نجلاء نصير

.....................

الهوامش

[1] حسن ناظم، مفاهيم الشعرية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم، بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 151. وانظر أيضًا: صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1995، ص 248.

[2] عمر قلايلية، "تشكيل الصورة الشعرية في الخطاب الشعري العربي المعاصر: مقاربات من منظور شكلاني"، مجلة آفاق علمية، مج 13، ع 2، 2021، ص 278–296. وانظر: حنان بومالي، "تشكيل الصورة الشعرية في النص الشعري العربي المعاصر"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 12، ع 23، 2018، ص 123–138.

[3] أحمد جليد، "شعرية المكان عند أمل دنقل"، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 16، ع 1، 2023، ص 504–521. وانظر كذلك: سارة محفوظ، وكريمة فراجي، "التشكيل المكاني في الشعر"، مجلة الدراسات الأكاديمية، مج 3، ع 12، 2021، ص 145–155.

[4] محمود سي أحمد، "التناص في النقد العربي الحديث"، مجلة أدبيات، مج 2، ع 1، 2020، ص 1–12. وانظر الكتاب العمدة: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985، ص 359.

[5] نوال أقطي، وفوزية دندوقة، "العنوان في النص الأدبي بين الأهمية والوظيفة والمكانة"، أمارات في اللغة والأدب والنقد، مج 5، ع 2، 2021، ص 150–162. وانظر: فريدة بولكعيبات، "أبعاد العنوان ومدلولاته في الشعر العربي المعاصر – دراسة تطبيقية"، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، مج 15، ع 1، 2021، ص 393–412.

[6] زينب نسارك، "شعرية العتبات النصية في القصيدة الجزائرية المعاصرة: عتبة العنوان أنموذجًا"، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 7، ع 1، 2018، ص 194–212. وانظر: زهرة مختاري، وعبد الوهاب ميراوي، "شعرية العنوان والعتبات المرافقة"، القارئ للدراسات الأدبية والنقدية واللغوية، مج 5، ع 1، 2022، ص 210–224.

[7] عبد الحق بلعابد، عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص، بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2008، ص 152.

[8] المير بومدين، "الإيقاع في الشعر العربي الحديث"، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 3، ع 3، 2014، ص 112–124. وانظر: بلقاسم بودنة، "مفهوم الإيقاع الشعري في النقد الأدبي"، آفاق للعلوم، مج 7، ع 3، 2022، ص 243–254.

[9] سعيد عكاشة، "جماليات الإيقاع وأبعاده الدلالية في الشعر العربي"، مجلة النص، مج 3، ع 1، 2016، ص 353–364.

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: المصادر

- قصيدة «أزهار الكلام» (النص الشعري قيد الدراسة والتحليل الأسلوبي).

https://youtu.be/5Gqj2Xr7WpM?si=ygXQH6WVct4ueuKz

ثانيًا: المراجع النقدية (الكتب)

1.  بلعابد، عبد الحق. عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص. بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2008م.

2.  فضل، صلاح. أساليب الشعرية المعاصرة. بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع، 1995م.

3.  مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985م.

4.  ناظم، حسن. مفاهيم الشعرية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم. بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994م.

ثالثًا: الدوريات والدراسات المحكّمة

1.  أقطي، نوال، ودندوقة، فوزية. “العنوان في النص الأدبي بين الأهمية والوظيفة والمكانة”. أمارات في اللغة والأدب والنقد، مج 5، ع 2، 2021م.

2.  بومالي، حنان. “تشكيل الصورة الشعرية في النص الشعري العربي المعاصر”. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 12، ع 23، 2018م.

3.  بودنة، بلقاسم. “مفهوم الإيقاع الشعري في النقد الأدبي: دراسة مقارنة”. آفاق للعلوم، مج 7، ع 3، 2022م.

4.  بولكعيبات، فريدة. “أبعاد العنوان ومدلولاته في الشعر العربي المعاصر”. مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، مج 15، ع 1، 2021م.

5.  جليد، أحمد. “شعرية المكان عند أمل دنقل”. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 16، ع 1، 2023م.

6.  سي أحمد، محمود. “التناص في النقد العربي الحديث”. مجلة أدبيات، مج 2، ع 1، 2020م.

7.  عكاشة، سعيد. “جماليات الإيقاع وأبعاده الدلالية في الشعر العربي”. مجلة النص، مج 3، ع 1، 2016م.

8.  قلايلية، عمر. “تشكيل الصورة الشعرية في الخطاب الشعري العربي المعاصر”. مجلة آفاق علمية، مج 13، ع 2، 2021م.

9.  محفوظ، سارة، وفراجي، كريمة. “التشكيل المكاني في الشعر”. مجلة الدراسات الأكاديمية، مج 3، ع 12، 2021م.

10.        نسارك، زينب. “شعرية العتبات النصية في القصيدة الجزائرية المعاصرة”. مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 7، ع 1، 2018م.

11.        بومدين، المير. “الإيقاع في الشعر العربي الحديث”. مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مج 3، ع 3، 2014م.

بين يدي كتاب للسيدة الأديبة سعاد الراعي عنوانه (عمتي النخلة) وهو مجموعة قصص تخصّ الأطفال سلوكهم وطموحاتهم وموقفهم، ومن خلال الطفولة وعالمها تظهر ملامح الآباء والأمهات.

العنوان هو عتبة تلك القصص، وهو عنوان مقتبس من حديث للنبي نصّه (أكرموا عمتكم النخلة) ويعتقد بروحانيته الكثير من الناس في مجتمعنا العربي والذي يقرأ العنوان يستشف منه الخير والبركة والرزق، والذي يسمع بكلمة طفل يستشف منها البراءة والنقاء. هذا من حيث العموم لكننا إذ نتعمق في التفاصيل نجد أنّ هناك استثناءات في عالم الأطفال، مثلما هي الاستثناءات في عالم الأمومة.

لم تغفل الكاتبة أن ترسم في بعض قصصها ملامح السلب عند الطفولة كما لم تغفل أن تتعمق في شخصية الطفل فتبحث عن النقاء فيه لذلك يمكن القول، بكل ثقة، إن الطفولة في تلك المجموعة تنضوي كالآتي:

أولا: طفولة سلبية مشاكسة مؤذية، طبيعتها تؤذي الحيوان

ثانيا طفولة مستباحة مضطهدة من عوامل خارجية

ثالثا: الطفولة المتزنة

النمط الأوّل تكون فيه الصفات السلبية كأي مخلوق تطغى إذا وجدت منفذا، لانّ الإنسان يتكون من مجموعة من النقائض حرارة وبرودة ورطوبة ويبس وغيرها من المتناقضات كما يقول الإمام علي في إحدى خطبه، الطفل بحكم تلك المتناقضات والإنفلات منها يحاول أن يثبت نفسه ورجولته، أو يلفت النظر إليه لأنّه لا يحبّ الإهمال، وهو مجبول على الحركة بحكم نموه السريع، كلّ ذلك روته لنا المؤلفة في قصتها الأولى عن الطفل (عادل) الذي يحاول أن يثبت هوايته بمشاكسة لافتة للنظر وهو طفل طبيعي يجمع المتناقضات يذكرنا بطفولتنا حين كنا نلعب في بساتين نهر جاسم في بستاننا رمان أو عنب مع ذلك نذهب إلى بستان الجيران لنقطف منه عنبا ورمانا حتى إذا علم أهلنا بالأمر عاقبونا. لم نفعل بدافع السرقة بل المغامرة ففي ذلك الوقت لم يكن هناك شبكة عنكبوتية تعلم الغش والفساد والجريمة ولم نكن في سن تسمح لنا بالذهاب إلى السينما لنتعلم بعض الشرّ لكنها مشاكسات طفولة جبلنا عليها من هذه المشاكسات رغبة البطل أن يصيب بقرة الجيران بسهمه، فيطلق عليها السهم، ويحاول أن ينتزعه من رجلها فيركض وراءها غير أنها تدخل بيت الجيران الذين اشتكوا إلى الأب وهنا تتدخل الجدة بحكمتها إذ أن الجميع يخضعون لها ورأيها، وتدخل الجدة يمثل نقطة الخلاص في أية ملحمة جادة. من الطبيعي إنّ العمل سلبي لكن فيه بعض الإيجاب لو كان بطل القصة يروم الإيذاء وحده لوجه السهم إلى بطنها أو مكان آخر غير أنّه يريد أن يثبت أنّه قادر على الإيذاء فقط.

مهما يكن فطفولة عادل يمكن أن تعد ضمن السلوك الاعتباطي، أو الحركة المفرطة لكنها ترتدع وتخاف وتتأثر، وسبب تصرفها السلبي في بعض الحالات هو إثبات الوجود.

ونجد أيضا النمط الآخر لسلوك مشاكس غير أنّه يمثل مشاكسة طبيعية يمتاز بها كلّ طفل مثل الطفل الذي يتسلق النخلة العالية، ويعدّها صديقة على الرغم من أنها ليست في بستانهم بل في بستان آخر، ويثق بها أكثر من ثقته بالناس الآخرين.

على أيّة حال أن نحصر سلوك الأطفال الذكور في هذه القصص بطرازين:

الطراز الأوّل الذي يسميه المختصون في علم النّفس: السلوك الفوضوي - Challenge behaviour وقد مثَّله الطفل عادل وصاغت سلوكه الكاتبة باقتدار.

النمط الثاني: الحركة المفرطة - Hyper active

مع أشارة مهمة إلى أنّ هذين النمطين من السلوك ربما ما كان لهما أن يتحققا لو كانت هناك في بلداننا نواد وفعاليات، وتجمعات يتبناها المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني إضافة إلى جهود الدولة ومبادراتها.

ولا تغفل الكاتبة النموذج السلبي العالمي الذي يمكن ان يؤول بالايجاب. لقد خلد الادب الانكليزي روبن هود ذلك الشخص الذي كان يسرق من الاغنياء ليطعم الفقراء وهناك في بريطانيا قلعة باسمه هي قلعة روبن هود الشهيرة يمكن ان نقارن بينه وبين الفتى طلال الذي كان يخاطر ليجعل اصدقاءه يشاهدون الشريط السينمائي كل يوم يقفز من السياج ليدخل السينما ويخرج ليعطي بطاقة السماح لصديق من اصدقائه ووجه المقارنة يكون حسب الاتي:

روبن هود شاب طلال صبي

روبن يسرق المال ويوزعه على الفقراء. طلال يسرق الجمال. الفن. ليوزعه على الاخرين فالجوع الفني أهمم من الطعام حسب قول المسيح الشهير ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.

ان تمرد روبن هود عام ضد طبقة معينة هي الاغنياء اما سلوك طلال فلا يعد تمردا بقدر ما هو البحث عن الشيء الراقي المذهل وتقديمه لأصدقائه الذين في سنه فعنصر الزمن محدود في هذه المسالة لم نجد طلالا يغامر من اجل الكبار ولا الصغار بل من ان يجعل الذين في عمره يستمتعون بالجمال

النمط الثاني هو الدال على الطفولة المضطهدة والاضطهاد يتخذ طريقين:الطريق الأول اضطهاد خارجي يقف أمامه الطفل عاجزا كما في قصة (هبة) الطفلة تعيش أجواء الحرب في غزة، كانت الأم تربطها لكي تضمن وجودها معها في الخيمة. تغتنم فرصة نوم أمها العميق فتفك رباطها وتذهب إلى بيتهم الذي دمره القصف وقتل خلاله تحت الأنقاض أخوها الصغير وأبوها. إنها تبحث في انقاض بيتهم عن لعبة تقدمها هدية لأخيها.

الطريق الثاني: الاضطهاد الداخليّ وهو ما يصبّه المجتمع والأسرة من قسوة على الطفولة وهنا ترسم الكاتبة شخصية الطفلة أيضا لتؤثر في القارئ أكثر(سحر) أخت لخمسة أخوة يعيشون في غرفة واحدة. الأم لا تقسو على الأبناء بل على سحر وحدها كونها الكبرى فهي التي تقوم بتنظيف الأرض، وغسل الصحون، وترتيب البيت، وكل شيء. أمها لم تسألها إن كانت ترغب في لعبة ما. والحقّ إنّ الكاتبة وفقت في اختيار الأم السلبية، فليست الأمومة في كلّ الحالات تعني الإيجاب. هناك أمهات فرطن بأبنائهن والأدب العالمي منذ القدم يشير إلى ذلك.

ثالثا: الطفولة المتَّزِنَة

وهي الطفولة التي تعرف قدراتها وتكتشفها بحكم التربية والتعليم من قبل الأسرة والثقافة، وقد أهدت الكاتبة هذه القصة الى ابنها (مسار)، والقصة قصته بالفعل أو جزء من سيرته، مثل هؤلاء الأطفال نجدهم هادئين يؤمنون بالحوار منذ الصغر يستفيدون من كل معلومة وينتبهون لكلّ شئ.. لديهم الموهبة والذاكرة القوية، وهم لا يلعبون مع الأطفال ولايؤمنون بالتصرف العشوائي أو المؤذي، وإن أرادوا اللعب فإنَّهم يلعبون بنظام كأن يذهبوا إلى النوادي، مثلما فلعل بطل قصة (لظى في خاصرة الطفولة)حين أراد أن يمارس هوايته اتخذ من ساحل البحر مكانا له. مثل مسار الذي خلق مكانا يمارس قيه هوايته، ومثله رأيت اثنين في محلتنا، أحدهما درَّسته في الصف الخامس العلمي وأعجبت بنبوغه، وكلاهما أصبح طبيبا. أحدهما يتيم ربته أمنه، والآخر والده معلم. وهي طفولة مثالية نمتها الموهبة وتربية الأسرة.

الطفولة الأخرى التي أفردت لها الكاتبة قصتين هي الطفولة المغتربة التي تتبادل الحقيقة بين قضيتي المهجر والاغتراب وفي الحقيقة إن مثل هذه الطفولة نشأت في الغرب

القصة (شكرا لأنك لم تكوني سيئة) نجد فيها طفلة أجنبية تبحث في المحيط الخارجي عن الهدوء والأمان الذي فقدته بسبب الشجار الدائم بين أبويها. كأن هذه الطفلة تعيش يومها في حالة حرب وما لجؤها القصير الى الاعتزال الا استراحة محارب الى ان تلتقي أمها

اما القصة الاخرى (على حافة الأبوة) فعن مغترب مهندس اسمه (أسام) تزوج من اجنبية وعندما كبرت. الطفلة ووجدت الّا إحساس في البيت حاولت الانتحار هناك جانب مهجري في القصة هو الأب الذي يعيد حساباته من جديد، أما الصبية فتعاني من هاجس الاغتراب، إذن المهجر يعنى الأب وهو جانب والاغتراب يشمل الصبية التي عاشت طفولتها ببرود وهذا جانب آخر وهو سر جمال القصة.

والحق ان الكاتبة في معظم قصص الكتاب تحدثت عن طفولة جسدت وعينا نحن عندما كنا صغارا في زمن مختلف تماما عما هو عليه الآن ماعدا طفلة غزة وطفلتي الاغتراب اللتين تعيشان طفولتهما الآن زمن الذكاء الصناعي والميديا التي حلت بديلا عن النخل والبستان والنهر.

إذن الكاتبة سجلت لنا في هذه القصص الطفولة من خلال العناوين التالية:

الحركة المفرطة

السلوك الفوضوي

التحدي

إثبات الوجود

أما الطفلة فتمثلت تحت العناوين:

اضطهاد الأسرة

المجتمع

الحرب

الاغتراب

وهي عناوين ومصطلحات تخص علم النفس.

أحيي الكاتبة السيدة سعاد الراعي وامل ان التقيها في ابداع ادبي جديد.

***

د. قصي الشيخ العسكر

تندرج قصيدة “سماء واحدة” للشاعر توفيق أحمد ضمن النصوص الشعرية الحديثة التي تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم عبر لغة رمزية شفافة، تستدعي الطفولة بوصفها فضاءً إدراكياً نقياً، وتستحضر السماء باعتبارها علامة كونية على الوحدة والامتداد والطمأنينة الوجودية.

وتكمن أهمية هذه القصيدة في كونها لا تكتفي بوصف الطبيعة، بل تحوّلها إلى بنية دلالية مفتوحة، تتقاطع فيها الذاكرة بالوعي، والواقع بالخيال، واللغة بالرمز.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية شاملة، تجمع بين التحليل اللغوي والبلاغي، والجمالي والفني، والفكري والفلسفي، مع اعتماد منهج “النقد الاحتمالي” الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على تعدد المعاني، لا على معنى واحد مغلق.

النص الشعري

سماءٌ واحدة

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

وكانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

الدراسة النقدية:

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم لغة القصيدة على فصاحةٍ ميسّرة تميل إلى الصفاء الرمزي أكثر من التعقيد التركيبي، إذ يعتمد الشاعر جملًا قصيرة متتالية تُشيّد معنى تدريجياً:

“في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا”

نلاحظ هنا انزياحاً تركيبياً لطيفاً؛ إذ لم يقل “كانت الغيوم”، بل “تمدّدت”، وهو فعل حركيّ يفتح النص على بعد بصريّ-وجودي، يجعل الغيم كائناً فاعلاً لا ظاهرة طبيعية.

كما أن تركيب:

“وكانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ”

يُظهر توتراً دلالياً بين “المدى” اللامحدود و“المكان” المحدد، وهو توتر يشي ببنية فلسفية خفية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتسم الألفاظ بوضوح دلالي، لكنها مشحونة بطاقة رمزية:

“الغيم” يساوي الذاكرة - الطفولة - الغموض

“النجمة” تساوي التعيين - المصير

“الديمة” تساوي فيض الخير - المطر الداخلي

“السماء الواحدة” تساوي وحدة الوجود أو الإدراك

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

تعتمد القصيدة على التكرار الصوتي والامتداد النغمي:

“كلّ… كلّ…”

“الأمانْ - عنوانْ - مكانْ”

ما يخلق موسيقى داخلية هادئة تنسجم مع دلالة النص.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على استرجاع ذاكراتي:

“في ذلك الزمان من طفولتي”

حيث يتقاطع زمن الطفولة مع زمن التأمل، مما ينتج انزياحاً زمنياً ذاكراتياً.

٢. الرؤية الفنية:

تقوم على فكرة: وحدة الإدراك في الطفولة مقابل تشظي الوعي لاحقًا

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الصورة الحركية: “تمدّدت الغيوم”

الصورة التحولية: “الديمة تكتظ بالسلام”

الاندماج الحسي: “صمتها يلوذ”

الانزياح التركيبي: “بلا حقيبة تحمل دلائل الأسماء”

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤالاً: هل العالم واحد أم أننا نحن من فقد وحدته؟

٢. الأفق المعرفي:

يتقاطع مع:

التصوف الرمزي

الفلسفة الوجودية

الحداثة الشعرية

٣. البنية العميقة:

طبيعي: السماء

نفسي: الذاكرة

ميتافيزيقي: وحدة الوجود

رابعاً: الأسس النفسية والاجتماعية

النص يعكس:

الحنين، الطمأنينة، فقدان البساطة، تشظي العالم الحديث

خامسا: النقد الاحتمالي

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

و كانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

مفتوح على قراءات متعددة:

صوفية، نفسية، وجودية، رمزية، حداثية

خاتمة:

قصيدة “سماء واحدة” لا تقدّم معنى واحدًا مغلقاً، بل تفتح أفقاً تأويلياً واسعاً يجعل السماء رمزاً لوحدة تتعدد داخلها المعاني، فتغدو “السماء الواحدة” فضاءً للمعاني الكثيرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

سماءٌ واحدة

في ذلكَ الزَّمانِ من طفولتي

تمدَّدَتْ كلُّ الغيومِ فوق بيتِنا

و كانَ في كلِّ المَدى لها مكانْ

لم تَستطعْ كلُّ عواصفِ الفضاءْ

أن تجعَلَ المَسارَ دُونَ بوصِلَهْ

فكلُّ نجمةٍ لها عنوانْ

و كلُّ دِيمةٍ تَكْتَظُّ بالسلامِ والسّخاءِ والأمانْ

أمّا أنا …

لأنّني أعرِفً سِرَّها

فإنها تَبحَثُ عن مَأوىً لها

يَلوذُ فيهِ صَمْتُها

بِلا حقيبةٍ تَحْمِلُ في طيّاتِها دلائلَ الأسماءْ

إِذِ الآفاقُ كُلُّها

تُظِلُّها واحدةٌ سماءْ

***

شعر: توفيق أحمد

مقاربة نقدية في تشكّل الذات وانعتاق المعنى

مقدمة: تُعَدُّ التجربة الشعرية من أكثر الظواهر الأدبية تعقيدًا وثراءً؛ لأنها لا تتشكل من اللغة وحدها، بل من تفاعل الذات مع العالم، ومن احتدام الوعي الإنساني بأسئلته الوجودية والروحية والمعرفية. فالشعر، في جوهره العميق، ليس بناءً جماليًّا معزولًا عن الحياة، وإنما هو أثرٌ للكينونة وهي تعبر عن قلقها، وانكساراتها، وتوقها الدائم إلى المعنى والانعتاق. ومن هنا ارتبطت التجربة الشعرية الحديثة بما يُعرف في الدراسات النقدية بـ«شعرية الذات»؛ حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تأويلي تتقاطع فيه الذاكرة والوجدان والرؤية الفلسفية، لتنتج خطابًا يتجاوز حدود البوح الفردي إلى أفق إنساني شامل.

وقد أشار صلاح فضل في كتابه شفرات النص إلى أن الخطاب الشعري الحديث لم يعد يعتمد على المباشرة التعبيرية، بل على البنية الرمزية والانزياح الدلالي بوصفهما أدوات لإعادة تشكيل العالم داخل اللغة، بينما يرى محمد عبد المطلب في كتابه البلاغة والأسلوبية أن القيمة الجمالية للنص لا تتولد من الزخرفة البلاغية، بل من الطاقة التأويلية الكامنة في الصورة الشعرية وقدرتها على إنتاج المعنى المتعدد. ومن هذا المنطلق، أصبحت التجربة الذاتية في الشعر الحديث تمثل مركزًا بنيويًّا لإنتاج الحكمة والرؤية، لا مجرد تسجيل انفعالي للحظة شعورية عابرة.

كما يؤكد جابر عصفور في هوامش على دفتر التنوير أنّ الأدب الحقيقي هو الذي ينجح في تحويل التجربة الفردية إلى وعي جمعي، بحيث تصبح الذات الشعرية مرآة لأسئلة الإنسان الكبرى، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه عبد المنعم تليمة في مقدمة في نظرية الأدب حول ارتباط النص الإبداعي بالوعي التاريخي والثقافي للإنسان. لذلك لم يعد الشعر الحديث معنيًّا بتوصيف العالم بقدر ما أصبح معنيًّا بتأويله، والكشف عن طبقاته النفسية والروحية العميقة.

وفي هذا السياق، تبرز الحكمة الشعرية بوصفها خلاصةً للتجربة لا خطابًا وعظيًّا مباشرًا؛ إذ تنشأ من احتراق الذات داخل أسئلتها الوجودية، ثم تتجلى في صورةٍ رمزيةٍ مكثفةٍ قادرة على اختزال المعاناة في لحظة كشفٍ جمالي. وقد أشار أحمد درويش في كتابه النص والشعرية العربية إلى أن الشعر الحديث يميل إلى بناء «الرؤية» بدلًا من الاكتفاء بالتعبير، بحيث تصبح القصيدة بنيةً معرفيةً تُعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والعالم.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة «التجربة الشعرية: بين بصمة الروح والتجرّد» بوصفها محاولة نقدية للكشف عن آليات تشكل الذات داخل النص، وكيفية انتقالها من حدود المعاناة الفردية إلى أفق الحكمة والانعتاق الروحي. فالشاعر يبدأ من جرحه الخاص، لكنه لا يتوقف عند حدود الاعتراف، بل يعمل على تحويل ألمه إلى طاقةٍ جماليةٍ ورؤيةٍ فلسفيةٍ قادرة على مساءلة الوجود ذاته. وهنا تتجلى القصيدة بوصفها فعلًا تحرريًّا، تسعى الذات من خلاله إلى تجاوز هشاشتها، وإعادة بناء معناها داخل عالم مضطرب ومتغير.

التجربة الشعرية: بين بصمة الروح والتجرّد

لا تنشأ التجربة الشعرية من فراغٍ لغويٍّ أو من ترفٍ جماليٍّ معزول عن الكينونة، بل تتولّد من ذلك الاحتكاك العنيف بين الذات والعالم، بين هشاشة الإنسان وأسئلته الكبرى، حيث تتحول اللغة إلى أثرٍ روحيٍّ يكشف ما تعجز الحياة اليومية عن البوح به. فالشعر في جوهره ليس وصفًا للواقع، وإنما إعادة خلقٍ له عبر حساسيةٍ وجوديةٍ تجعل من التجربة الذاتية نواةً مركزيةً لتشكّل الخطاب الشعري، ومن الحكمة خلاصةً تأويليةً لمسار المعاناة والوعي والانكشاف.

ومن هنا تبدو التجربة الشعرية حركةً مزدوجة: تبدأ من “بصمة الروح” بوصفها تجلّيًا فرديًّا خاصًّا، ثم تنتهي إلى “التجرّد” باعتباره لحظة انعتاق من أسر الأنا الضيقة نحو أفقٍ إنسانيٍّ أرحب. فالشاعر الحقيقي لا يكتب ذاته بوصفها مركزًا نرجسيًّا مغلقًا، بل يمرّرها عبر مصفاة الألم والتأمل حتى تتحول إلى خبرةٍ جمعيةٍ قابلةٍ للتلقي والتأويل.

إنّ الذات الشعرية في الخطاب الحديث لم تعد ذاتًا غنائيةً ساذجة، وإنما أصبحت بنيةً إشكاليةً تتنازعها أسئلة الهوية والوجود والزمن. لذلك نجد كثيرًا من النصوص الشعرية الحديثة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«التمثيل الوجودي للذات»، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى علامةٍ سيميائيةٍ تتجاوز صاحبها. فالحزن ليس حادثة شعورية، بل نسقٌ دلاليٌّ يكشف اختلال العلاقة بين الإنسان والعالم، والحنين ليس استعادةً للماضي، بل محاولة لترميم التشظي الداخلي.

وفي هذا السياق، تصبح اللغة الشعرية ذات وظيفة كشفية؛ إذ لا تكتفي بنقل الانفعال، بل تعمل على تفجير البنية العميقة للوعي. فالاستعارة ليست زينةً بلاغية، بل أداةٌ معرفيةٌ تُعيد تنظيم العلاقة بين الأشياء، والانزياح ليس خرقًا للنظام اللغوي فحسب، بل انحرافٌ مقصود عن الرؤية المألوفة للوجود. ومن هنا تكتسب التجربة الشعرية بعدها الفلسفي، لأن الشاعر لا يصف العالم كما هو، وإنما كما يشعر به في لحظة احتدام الوعي.

ولعلّ ما يمنح التجربة الشعرية مشروعيتها الجمالية هو قدرتها على تحويل الألم إلى حكمة، والانكسار إلى طاقة تأملية. فالحكمة الشعرية ليست خطابًا تعليميًّا مباشرًا، بل هي نتيجة احتراقٍ داخليٍّ طويل، تتكثف فيه التجربة حتى تصبح اللغة شفافةً بما يكفي لرؤية المعنى خلف الظاهر. ولذلك فإن أعظم النصوص ليست تلك التي تقول الحقيقة، بل تلك التي تجعل القارئ يكتشفها عبر المشاركة الوجدانية والتأويلية.

إنّ صياغة الحكمة داخل النص الشعري ترتبط بما يُعرف نقديًّا بـ«الاقتصاد الدلالي»، حيث تُختزل التجارب الكبرى في صورةٍ مكثفةٍ أو جملةٍ موحيةٍ تحمل فائضًا تأويليًّا. فحين يقول شاعرٌ ما إن “القلب يشيخ قبل الجسد”، فإنه لا يقرر حقيقة بيولوجية، بل يفتح أفقًا فلسفيًّا حول الزمن النفسي وتآكل الروح. وهنا تتجلى وظيفة الشعر بوصفه معرفةً حدسيةً لا تُدرك بالعقل البرهاني وحده، وإنما بالبصيرة الجمالية.

ومن جهة أخرى، فإنّ التجرّد في التجربة الشعرية لا يعني الانفصال عن الذات، بل تجاوزها نحو مرتبةٍ أكثر صفاءً. فالشاعر يبدأ غالبًا من جرحه الشخصي، لكنه لا يتوقف عند حدود البوح الاعترافي، بل يعمل على تفكيك ألمه وإعادة صياغته ضمن رؤيةٍ كونية. وهذه العملية تمثل ما يُسمى في النقد الظاهراتي بـ«تحويل التجربة الفردية إلى وعيٍ إنسانيٍّ مشترك». لذلك تبدو القصيدة الحقيقية قادرةً على ملامسة القارئ مهما اختلفت ظروفه، لأنها لا تخاطب الحدث، بل جوهر الشعور الإنساني.

ويظهر الانعتاق بوصفه المرحلة الأخيرة في هذا المسار؛ إذ يتحول الشعر إلى فعل خلاصٍ رمزي، تُقاوم به الذات قهر العالم وتعيد إنتاج معناها الخاص. فالقصيدة ليست ملاذًا هروبيًّا، بل مساحة لإعادة بناء الكينونة. ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الشعر، في كثيرٍ من التجارب الحديثة، بمفاهيم النور، والطيران، والماء، والعبور؛ لأنها جميعًا علامات سيميائية تشير إلى التحرر من الثقل الوجودي.

كما أنّ الخطاب الشعري المعاصر يعتمد بدرجة كبيرة على «شعرية التوتر»؛ أي ذلك الصراع الخفي بين الرغبة في الانكشاف والخوف منه، بين الحضور والغياب، بين الامتلاء والفراغ. وهذا التوتر هو ما يمنح النص طاقته الجمالية، لأنه يُبقي المعنى مفتوحًا على احتمالات التأويل، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة وفق منظور نظرية التلقي والاستقبال.

إنّ التجربة الشعرية، في جوهرها العميق، ليست كتابةً عن الحياة، بل إعادة اختبارٍ لها عبر اللغة. فالشاعر حين يكتب، لا ينقل الواقع بقدر ما يعيد تأويله، ويمنحه بعدًا روحيًّا يجعل من القصيدة مرآةً للكينونة الإنسانية. ومن هنا فإنّ بصمة الروح لا تتحقق إلا عندما تبلغ اللغة درجةً من الصفاء تسمح لها بأن تكون أثرًا للوجود لا مجرد بناءٍ لفظي.

وبذلك يمكن القول إنّ الشعر الحقيقي يبدأ من الذات لكنه لا ينتهي إليها؛ إذ يتحول الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى انعتاق. وهنا تتجلى القيمة العليا للتجربة الشعرية: أنها تمنح الإنسان قدرةً رمزيةً على النجاة، وتجعله أكثر قدرةً على فهم هشاشته دون أن يفقد إيمانه بالمعنى.

استخلاصات

1- إنَّ التجربة الشعرية الحقيقية لا تنبع من زخرفة اللغة بقدر ما تتولد من احتدام الذات بأسئلتها الوجودية، حيث تتحول القصيدة إلى فضاءٍ للكشف الروحي والمعرفي، لا مجرد تعبيرٍ انفعالي عابر.

2- أثبتت الدراسة أنَّ الذات الشعرية الحديثة لم تعد ذاتًا غنائية منغلقة، بل أصبحت بنيةً تأويليةً تُعيد تشكيل علاقتها بالعالم عبر الرمز والانزياح والصورة المركبة، بما يمنح النص أفقًا إنسانيًّا مفتوحًا.

3- كشفت التجربة الشعرية عن قدرة اللغة على تجاوز وظيفتها التواصلية لتصبح أداةً معرفيةً تنتج الدلالة، وتحوّل المعاناة الفردية إلى خطابٍ جماليٍّ ذي أبعاد فلسفية ووجودية.

4- تبيّن أنَّ الحكمة في الشعر ليست خطابًا وعظيًّا مباشرًا، بل خلاصة تجربةٍ معيشةٍ تُصاغ عبر التكثيف الرمزي والاقتصاد الدلالي، بحيث تتسرّب الرؤية إلى القارئ من داخل النسيج الجمالي للنص.

5- أكدت القراءة النقدية أنَّ الانزياح البلاغي والصور السيميائية لا يؤديان وظيفة جمالية فحسب، بل يسهمان في تعميق البنية التأويلية للنص، وإعادة تشكيل وعي المتلقي بالعالم والذات.

6- أوضحت الدراسة أنَّ التجرّد الشعري لا يعني الانفصال عن الذات، بل تجاوز حدود الأنا الضيقة نحو أفقٍ كونيٍّ يجعل من التجربة الفردية خبرةً إنسانيةً مشتركة قابلة للتلقي والتأويل.

7- بيّنت التجربة أنَّ الشعر يمارس وظيفةً تحرريةً، إذ يتحول النص إلى فعل مقاومةٍ رمزيةٍ ضد القهر والاغتراب، وتغدو القصيدة مساحةً لإعادة بناء المعنى وترميم هشاشة الكينونة الإنسانية.

8- كشفت الدراسة عن حضور «شعرية التوتر» بوصفها عنصرًا جوهريًّا في الخطاب الشعري الحديث، حيث تتصارع داخل النص ثنائيات الحضور والغياب، الأمل والانكسار، الكشف والالتباس، مما يمنح القصيدة طاقتها الجمالية والتأويلية.

9- خلص البحث إلى أنَّ التجربة الشعرية، في أعلى تجلياتها، تبدأ من بصمة الروح وتنتهي إلى الانعتاق؛ إذ يتحول الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى نورٍ جماليٍّ يحرّر الإنسان من عزلته الوجودية ويعيده إلى جوهر المعنى.

***

دكتور سيد فاروق - مصر

..........................

المراجع

1. صلاح فضل، أساليب السرد في الرواية العربية، دار العين، القاهرة، 2023.

2. جابر عصفور، هوامش على دفتر التنوير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2022.

3. أحمد درويش، النص والشعرية العربية، مكتبة الآداب، القاهرة، 2021.

4. محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الشركة المصرية العالمية للنشر، القاهرة، 2020.

5. صلاح فضل، شفرات النص، دار الفكر للدراسات، القاهرة، 2019.

6. عبد المنعم تليمة، مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 2018.

7. جابر عصفور، زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017.

8. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، طبعة القاهرة، 2016.

9. صلاح فضل، لذة التجريب الروائي، دار الشروق، القاهرة، 2015.

10. عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار المعارف، القاهرة، 2014.

 

دراسة نقدية في الصورة الشعرية عند الشاعر سوران محمد

تتميز الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد بطابع حداثي وتكثيف دلالي عميق، حيث تنطلق من رؤية نقدية وفلسفية واعية لدور الصورة في القصيدة المعاصرة. ويرى الشاعر أن الصور المتجددة والإيقاع الداخلي هما الجوهر الحقيقي المانح لعالمية النص.

ويمكن تلخيص أبرز ملامح وطبيعة الصورة الشعرية في تجرِبته من خلال النقاط الآتية:

1. التناقض البنائي وتداخل الزمكان

تقوم الصورة عنده على خلخلة الأبعاد التقليدية للوقت والمكان ومزج المتناقضات.

تطالعنا صور مكثفة مشحونة بـ "تقلبات التضاد" ومحفوفة بالحيرة.

تداخل حاد بين أبعاد الذاكرة والواقع، كأن "تنقلب الأحلام على الواقع والواقع على الأحلام".

2. التشكيل السريالي والفانتازي

يجنح الشاعر نحو الخيال الثانوي والتركيب السريالي غير المألوف ليصدم ذائقة المتلقي.

يبني علاقات ومجاوزات غريبة بين الكائنات والأشياء، مثل صورة "إنشاء قفص للأحلام يغذي بدم الشعراء الغربان".

استخدام مفارقات مدهشة مثل "صرصر بلا رأس يمر بجانبك" أو "المشي الهوينى كأنما على بيض الحياة".

3. استدعاء الرموز الأسطورية والتاريخية

لا تقتصر صورته على البعد الحسي العابر، بل يدمج الرموز التاريخية الرافدينية والمحلية ليشحن الصورة بأبعاد فكرية وسياسية.

توظيف رمز "سنمار" وقبته وسراديبه للتعبير عن الخديعة أو التضحية الضائعة.

ربط عناصر الطبيعة العراقية كـ "جواميس ميزوبوتاميا" وشقوق شفتي "الفرات" و"دجلة" بالنزيف الإنساني والوجع الجماعي.

4. الاندماج بين الحسي والنفسي (أنسنة الطبيعة)

تتحول المظاهر الطبيعية والفيزيائية في لغته إلى مرآة تعكس أزمات الذات الداخلية.

تصبح الطبيعة شريكة في المعاناة، كصورة "رموش شواطئ الرؤية" التي تتجمد عليها الدموع، أو "أوراق القميص التي تتساقط كأغصان الخريف".

5. التكثيف والابتعاد عن التزيين البلاغي

تخلو صورته من الزخرفة اللفظية المجردة، فهي صور قائمة على الإيجاز والتوهج لخدمة المضمون الإنساني والوجودي.

يركز على اللقطات البصرية السريعة (المشهدية) التي تعكس أثر الحرب، والغياب، وتدمير البيوت، مثل وقوف "جدار الشباك" وحيداً بعد دمار المنزل.

لتصميم دراسة أكاديمية حديثة ومبتكرة تتمحور حول الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد، يجب الابتعاد عن القوالب البلاغية التقليدية (التشبيه والاستعارة المجردة) والتركيز على المناهج النقدية المعاصرة. نظراً لتميز تجرِبته بالتكثيف، تداخل الزمكان، والنزوع نحو السريالية، سنناقش الموضوع من عدة جوانب:

تتأسس المرجعية الفكرية للشاعر والمترجم العراقي سوران محمد على تقاطع معرفي خصب يجمع بين ثقافة ما بعد الحداثة، الانفتاح الكوني عبر الترجمة، والارتباط الوجداني بالمرجعيات الرافدينية والواقع المعاصر. هذا المزيج الفكري هو ما يمنح صورته الشعرية بُعداً أعمق يتجاوز حدود الزخرفة البلاغية التقليدية.

ويمكن تقسيم مرجعياته الفكرية إلى الأبعاد الآتية لتضمينها في فصل الدراسة الأكاديمية:

1. مرجعية ما بعد الحداثة وقصيدة النثر

تحديث الأدوات التعبيرية: يتبنى الشاعر رؤية نقدية واعية ترى أن الإنسانية المعاصرة بحاجة إلى لغات تعبيرية جديدة تكسر القوالب الكلاسيكية الجاهزة.

تفكيك المفاهيم: تنطلق أفكاره من وعي حداثي يعتمد على "إخراج المفردة من سياقها التقليدي" وإدخالها في فضاءات تجريبية تبحث عن القلق الإنساني والاغتراب الوجودي.

2. مرجعية التثاقف والترجمة (العالمية)

تجاوز المحلية: بوصفه مترجماً وكاتباً منفتحاً على الثقافات العالمية (العربية والكردية والدولية)، يؤمن سوران محمد بأن الشعر يجب أن يمتلك "إيقاعاً داخلياً للمعنى" يؤهله للعالمية.

التأثر بالمدارس الغربية: ينعكس عمله في الترجمة على نصوصه من خلال استعارة آليات التشكيل السريالي والفانتازي الغربي، وتوظيف الفلسفات الوجودية التي تعنى بأسئلة الفناء، الموت، والغياب.

3. المرجعية التاريخية والأسطورية (الهوية الرافدينية)

الوعي الحضاري: على الرغم من حداثة أدواته، يظل فكر الشاعر متجذراً في بيئته العراقية. تظهر في وعيه الفكري رموز حضارة "ميزوبوتاميا" وجغرافية الفرات ودجلة، لا كديكور مكاني بل كمرجعية ثقافية وسياسية تُفسر انكسارات الواقع الحالي.

استدعاء الرمز التراثي: يظهر فكره النقدي في توظيف شخصيات تراثية (مثل المهندس "سنمار") ليعيد صياغتها فكرياً كرمز للتضحية المهدورة أو الخديعة السياسية والاجتماعية.

4. مرجعية الوعي بالواقع وقلق الإنسان المعاصر

النزعة الإنسانية: يتأثر فكر الشاعر بشكل مباشر بأزمات العصر: الحروب، الدمار، واغتراب الكائن البشري وسط التطور التكنولوجي والمادي.

جدلية الذات والموضوع: يرى الشاعر أن ذات الأديب ليست معزولة، بل هي مرآة تعكس الوجع الجماعي، وهو ما يفسر تحول صورته الشعرية إلى لقطات مشهدية صادمة تحاكي الواقع وتتنبأ بتحولاته.

أن الصور السريالية والتناقضات الزمكانية في شعره ليست عبثية، بل هي نتاج مباشر لوعيه الفلسفي الملتزم بقضايا الإنسان والحداثة.

أنها ليست ترفاً شكلياً أو عبثاً لغوياً، بل هي أدوات معرفية (Epistemological Tools) حتمية فرضها واقع مشوه ومعقد.

فبنية التشكيل الصوري عند الشاعر تتجلی في النقاط التالية:

1. السريالية كآلية لتعرية "الواقع غير المعقول"

عندما يلجأ سوران محمد إلى التشكيل السريالي (مثل صياغة علاقات متنافرة كـ أقفاص الأحلام التي تتغذى فيها بدم الشعراء الغربان أو الصرصر بلا رأس)، فهو لا يهرب من الواقع، بل يعيد إنتاجه بصورة موازية تعكس بشاعته.

الواقع العراقي والإنساني المعاصر مرّ بظروف وسياقات كارثية (الحروب، الدمار، الاغتراب الوجودي) تجاوزت بلامعقوليتها حدود المنطق العقلاني الكلاسيكي.

"إن السريالية عند سوران محمد هي استجابة جمالية لواقع مشوه؛ فالواقع الكارثي لا يمكن التعبير عنه بأدوات تعبيرية تقليدية وواقعية. لذا، تصبح الصورة السريالية هنا قناعاً فكرياً يهدف إلى صدم وعي المتلقي ليرى البشاعة الحقيقية للواقع عبر مرآة الفانتازيا المشوهة.

2. التناقض الزمكاني كوسيلة لتجسيد "قلق الاغتراب الحداثي"

تداخل الأزمنة وتصادم الأمكنة في شعره (مثل قلب الأحلام على الواقع، وجعل الماضي الرافديني ينزف في الحاضر) ليس تشظياً عشوائياً، بل هو محاكاة لبنية الفكر الإنساني المعاصر تحت وطأة صدمات العصر.

الإنسان المعاصر يعيش حالة "تشرذم زمني"؛ فالماضي يثقل كاهله بالخيبات، والمستقبل مهدد، والحاضر مأزوم.

"تتجلى التناقضات الزمكانية في نصوص الشاعر بوصفها معادلاً موضوعياً (Objective Correlative) لأزمة المغترب الحداثي. إن خلخلة البعدين الزماني والمكاني هي انعكاس لعدم استقرار الذات الشاعرة، وتعبير فلسفي عن رفض التاريخ الخطي المستقيم الذي لم يقد البشرية إلا نحو المزيد من الحروب والخراب.

3. "أنسنة الطبيعة" والالتزام بقضايا الإنسان

تحويل عناصر الطبيعة إلى كائنات مأزومة (مثل رموش شواطئ الرؤية المتجمدة أو شفتي الفرات المتشققتين) يثبت الالتزام الإنساني العميق. الشاعر لا يرى الطبيعة كديكور خارجي منفصل، بل كجزء من النسيج المعذب للكائن البشري.

الانزياح الفلسفي هنا يلغي المسافة بين (الذات) الإنسانية و(الموضوع) الطبيعي، جاعلاً الكون كله مسرحاً للمأساة الإنسانية.

يتحول الكون في جغرافية سوران محمد الشعرية إلى ذات واعية تتألم؛ فالفرات ودجلة لا يحضران كرموز جغرافية جامدة، بل ككائنات حية تتقاسم مع الإنسان العراقي نزيفه الوجودي. هذا الامتزاج ينفي عن الصورة صفة العبثية، ويؤكد التزامها الصارم بالدفاع عن كينونة الإنسان وهويته الحضارية المهددة.

4. البحث عن "عالمية النص" عبر الإيقاع الداخلي للمعنى

يرى سوران محمد (من منطلق وعيه كمترجم ومثاقف) أن التكثيف الصوري المبني على المفارقة والسريالية هو اللغة العابرة للقوميات والحدود.

الصورة البصرية المكثفة والفانتازية يسهل انتقالها وفهمها عبر الترجمة مقارنة بالبلاغة اللفظية القائمة على المحسنات البديعية المحلية.

تنبثق الصورة عند الشاعر من وعي فلسفي بـ 'عالمية النص'؛ حيث يعتمد 'شعرية الفكرة والمشهد الكوني' بدلاً من 'شعرية اللفظ والزخرفة'. إن السريالية هنا هي لغة إنسانية مشاعية، توظف الرمز المحلي (ميزوبوتاميا، سنمار) وتلبسه ثوباً حداثياً يفهمه الإنسان في كل مكان، محققة بذلك غائية الالتزام الإنساني الأوسع".

فلسفية الصورة: من عبثية التشكيل إلى حتمية الالتزام المعرفي (قصيدة طور أنوذجا)

1. السريالية بوصفها تفكيكاً لتشظي الجسد والوجود

يفتتح الشاعر قصيدته بصورة سريالية صادمة تنزاح عن العقلانية الكلاسيكية:

"طارَ من قفصِ صدرِهِ؟.. حلَّ الخريفُ على الأغصان.. لا تدَعْ أوراقَ قميصِكَ تتساقطْ"

التحليل الفلسفي: الشاعر هنا لا يستعير الخريف للزينة البلاغية. الجسد (الصدر) يتحول إلى قفص، والثياب (القميص) تتحول إلى أغصان تتساقط أوراقها.

هذا التشكيل ليس عبثاً، بل هو تعبير فلسفي حداثي عن عري الإنسان المعاصر وتآكله الوجودي أمام الفقد والزمن. الشاعر يدمج بين (الذاتي الإنساني) و(الموضوعي الطبيعي) ليعكس حالة الاغتراب، حيث يفقد الكائن البشري تماكسه الفيزيائي ويتحول إلى كائن هش "تتساقط أوراقه" بفعل صدمات الواقع.

2. التناقض الزمكاني وجدلية (المهد / القبر)

ينتقل الشاعر فجأة في حركة زمنية دائرية معاكسة للمنطق الخطي:

"ليسَ لدَيكَ ما تفعلهُ سوى النزولِ من السطحِ على سُلَّمِ الزمنِ.. إلى الأسفلِ حيثُ ترى مهداً ترقدُ فيهِ روحٌ"

التحليل الفلسفي: يستحضر الشاعر حركة فيزيائية مستحيلة؛ النزول على "سلم الزمن" للوراء للقاء "المهد"، في ذات الوقت الذي يتحدث فيه عن "نعش يتمايل" و"ظلال شواهد القبور".

كسر خطية الزمن (الماضي/الحاضر/المستقبل) هو نتاج وعي حداثي يرى الزمن بوصفه عبئاً ثقيلاً وليس تتابعاً منطقياً. إن التناقض هنا يخدم فكرة "العود الأبدي" وتساوي الحياة والموت في الواقع المأزوم؛ فالنزول نحو المهد هو رحلة بحث عن الطهارة الأولى المفقودة، وهو محاولة للخلاص من "أسوار المعرفة" والمنفى. الزمن هنا نفسي داخلي وليس فيزيائياً خارجياً.

3. الفانتازيا واللقطة المشهدية (أنسنة الكارثة)

يختتم الشاعر مقطعه ببناء مشهد يمزج الفانتازيا بالواقعية القاسية:

"ليلةٌ سقطتْ من بينِ أنيابِ ذئبةٍ عجوزٍ.. وقعتْ على رصيفِ شارعٍ خالٍ"

التحليل الفلسفي: تحويل "الليلة" إلى شيء مادي يُعض ويسقط من بين أنياب "ذئبة عجوز" ليتحول إلى رصيف بارد خاوٍ.

الصورة هنا شديدة الالتزام بقضايا الإنسان (الوحشة، الحرب، الخراب). الليلة ليست مجرد وقت، بل هي رمز للظلمة الكونية والسياسية التي تنهش الإنسان. إسناد الفعل للذئبة العجوز وسقوط الليلة على الرصيف الخالي هو تجسيد للمأساة الجماعية للإنسان المغترب الذي تُرِك وحيداً على رصيف الحياة بعد أن نهشته الحروب والتحولات السياسية القاسية.

تأسيسًا على ما تقدَّم في تحليل قصيدة 'طَور'، يتضحُ بجلاء أن الانزياحات السريالية والتلاعب بالبنى الزمكانية في منجز سوران محمد الشعري لا تُمثّل انفلاتاً عبثياً أو رغبة صِرفة في الغموض؛ بل هي 'حتمية أسلوبية' فرضها وعيه المعرفي الملتزم. فالشاعر، انطلاقاً من مرجعيته الحداثية، يرى الواقع الإنساني الراهن بوصفه واقعاً متشظياً وكارثياً لا يمكن الإحاطة به عبر اللغة التقريرية المباشرة. ومن ثمَّ، تصبح السريالية لديه هي الأداة الفلسفية الوحيدة القادرة على إعادة ترميم هذا التشظي وتعرية بشاعة العالم، ليتحول التناقض الزمني في نصوصه إلى معادل موضوعي لقلق الكائن المعاصر واغترابه الوجودي.

***

فاروق سلمان کاطع

دراسة بلاغية أسلوبية

مقدّمة: يُعَدُّ الشعر الأندلسي أحد أكثر الأجناس الأدبية العربية قدرةً على تمثيل التفاعل بين الجمال الفني والتجربة الإنسانية، لما امتاز به من رهافة حسّية وثراء بلاغي وتنوّع أسلوبي. ويقف ابن زيدون في مقدّمة الشعراء الذين استطاعوا أن يؤسّسوا خطابًا شعريًا متفرّدًا، جمع بين حرارة العاطفة وعمق التشكيل البلاغي، حتى غدا شعره أنموذجًا مكتملًا للتداخل بين البنية الأسلوبية والبعد الجمالي.

ولا تنبع أهمية شعر ابن زيدون من كونه تعبيرًا وجدانيًا فحسب، بل من كونه ممارسة لغوية واعية تُعيد تشكيل العالم عبر آليات بلاغية دقيقة، تجعل النص الشعري فضاءً للتوتر الدلالي والانزياح التعبيري والتكثيف الإيقاعي. ومن هنا تتأسّس هذه الدراسة على مقاربة بلاغية أسلوبية تحاول الكشف عن جماليات الخطاب الشعري عند ابن زيدون، وتحليل البنى التعبيرية التي أسهمت في تشكيل فرادته الفنية.

أولًا: البنية البلاغية وتحويل اللغة إلى أفق جمالي

إنّ المتأمل في شعر ابن زيدون يلحظ أنّ اللغة لديه لا تؤدي وظيفة الإخبار، وإنما تتحوّل إلى كيان جمالي مستقل، قائم على الانزياح والتشكيل التصويري. فالبلاغة عنده ليست زينة خارجية، بل هي بنية عميقة تتشكّل من خلالها الرؤية الشعرية ذاتها.

وتبرز الاستعارة بوصفها الأداة الأكثر فاعلية في تشكيل الصورة الشعرية، حيث تتجاوز بعدها البياني التقليدي لتصبح أداة لإعادة إنتاج التجربة الوجدانية. ففي قصيدته النونية الشهيرة، لا يصف الحنين بوصف مباشر، وإنما يجسّده عبر صور حسّية متحرّكة، تجعل الألم العاطفي كيانًا مرئيًا محسوسًا. وهذا التحويل من المجرّد إلى الحسّي يمثّل جوهر الطاقة البلاغية في شعره.

كما تتجلّى جمالية التشبيه عند ابن زيدون في اعتماده على التشبيهات المركّبة التي تتجاوز العلاقة السطحية بين الطرفين، لتؤسس بنية دلالية متعدّدة الطبقات. فالصورة الشعرية لا تُبنى على المشابهة الظاهرة فقط، وإنما على الإيحاء النفسي والانفعال الوجداني.

ثانيًا: الانزياح الأسلوبي وتكثيف الدلالة

تُظهر القراءة الأسلوبية لشعر ابن زيدون أنّه يعتمد اعتمادًا واضحًا على الانزياح التركيبي والدلالي، بوصفه وسيلة لإحداث المفارقة الجمالية داخل النص. فالتركيب اللغوي لديه غالبًا ما ينحرف عن المألوف النحوي أو الدلالي ليؤسس حالة شعرية ذات كثافة إيحائية عالية.

ويتجلّى ذلك في التقديم والتأخير والحذف والتكرار، وهي آليات أسلوبية تمنح النص حركة داخلية وإيقاعًا نفسيًا متوتّرًا. كما أن التكرار عنده لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يتحوّل إلى تقنية دلالية تعبّر عن الإلحاح النفسي واستدامة الانفعال.

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في قوة البناء الأسلوبي عند ابن زيدون:

التفاعل بين التجربة الذاتية والبناء البلاغي.

توظيف الإيقاع الداخلي بوصفه عنصرًا دلاليًا.

التكثيف التصويري القائم على الاقتصاد اللغوي.

التوازن بين العاطفة والعقل في تشكيل الصورة.

هيمنة البعد الموسيقي داخل النسيج التعبيري.

ثالثًا: جمالية الإيقاع وبنية الانفعال

لا يمكن مقاربة شعر ابن زيدون بعيدًا عن البعد الإيقاعي الذي يشكّل أحد أهم مرتكزات الجمالية الشعرية لديه. فالإيقاع الخارجي المتمثل في الوزن والقافية يتكامل مع الإيقاع الداخلي الناتج عن التوازي الصوتي والتناغم الحرفي وتكرار البنى التركيبية.

وقد استطاع ابن زيدون أن يجعل الموسيقى الشعرية أداة للكشف النفسي، بحيث تتحوّل البنية الصوتية إلى مرآة للانفعال العاطفي. وهذا ما يمنح نصوصه طاقة وجدانية متدفقة، تجعل القارئ يعيش التجربة الشعورية لا بوصفها معنىً مجردًا، وإنما بوصفها خبرة حسّية متكاملة.

رابعًا: البعد النفسي والرمزي في الخطاب الشعري

إنّ الخطاب الشعري عند ابن زيدون يقوم على جدلية الحضور والغياب، وهي جدلية تتجلّى بصورة واضحة في شعر الحنين والفراق. فالمرأة في شعره ليست معطى واقعيًا فقط، بل تتحوّل إلى رمز جمالي يستوعب معاني الفقد والاغتراب والزمن الضائع.

ومن هنا تتشكّل الرمزية الشعرية بوصفها أفقًا تأويليًا مفتوحًا، يسمح بتعدّد الدلالات وتجاوز القراءة المباشرة للنص. وهذا ما يجعل شعر ابن زيدون قادرًا على الاستمرار والتجدد عبر العصور، لأنّه ينفتح على التأويل ولا ينغلق داخل معنى واحد نهائي.

خاتمة

تكشف الدراسة البلاغية الأسلوبية لشعر ابن زيدون عن وعي فني عميق بطبيعة اللغة الشعرية وآليات اشتغالها الجمالية. فقد استطاع الشاعر أن يحوّل البلاغة من صناعة لفظية إلى رؤية جمالية متكاملة، تتضافر فيها الصورة والإيقاع والانزياح والأسلوب لبناء تجربة شعرية ذات كثافة إنسانية وفنية عالية.

ولعلّ القيمة الحقيقية لشعر ابن زيدون تكمن في قدرته على المزاوجة بين حرارة العاطفة ودقّة التشكيل البلاغي، بحيث يغدو النص الشعري فضاءً تتقاطع فيه الذات والتاريخ والجمال، في بنية فنية لا تزال قادرة على إثارة الدهشة النقدية والجمالية حتى اليوم.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...........................

المراجع العربية

- أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي.

- صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق.

- إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، دار الثقافة.

- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي.

- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء.

- عبد السلام المسدي، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب.

- ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه.

المراجع الأجنبية

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press.

Michael Riffaterre, Semiotics of Poetry, Indiana University Press.

Geoffrey Leech, A Linguistic Guide to English Poetry, Longman.

Terry Eagleton, How to Read a Poem, Blackwell Publishing.

Jonathan Culler, Structuralist Poetics, Routledge.

Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor, University of Toronto Press.

مقاربة نقدية أسلوبية، سيميائية، هيرمينوطيقية، ذرائعية واحتمالية

ليس النص الشعري الحديث بنيةً لغويةً مغلقة تُستنفد دلالاتها عند حدود المعنى المباشر، بل هو كائنٌ جماليٌّ متحوّل، تتوالد معانيه من تفاعل اللغة بالخيال، والذات بالعالم، والمرئي بالمضمر، حتى يغدو فضاءً تأويلياً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية من القراءة. ومن هذا المنطلق تكتسب قصيدة النثر المعاصرة مشروعيتها الجمالية بوصفها خطاباً يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والوجود، وبين اللغة وما يتجاوز اللغة من رؤى وأحلام وأسئلة.

وتأتي قصيدة «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر ضمن هذا الأفق الإبداعي الرحب، إذ تنهض على خطاب شعري ذي طبيعة تأملية وجودية، يتخذ من العالم مخاطَباً رمزياً تتداخل فيه مستويات الذات والتاريخ واللغة والكون. فالعالم في النص ليس مجرد فضاء خارجي، وإنما كيان رمزي كثيف الدلالة، تتقاطع داخله الحكمة والجنون، والضباب والشفافية، واليقين والارتياب، ليصبح مرآةً كبرى تعكس قلق الذات الباحثة عن المعنى، ورحلتها المستمرة نحو اكتشاف حقيقتها العميقة.

وتتأسس القصيدة على شبكة واسعة من الصور والاستعارات والانزياحات اللغوية التي تتجاوز الوظيفة الإخبارية للكلام، لتؤسس عالماً شعرياً قائماً على المجاز الكلي، حيث تتحول اللغة إلى طاقة كشفٍ واستبصار، ويتحول الخطاب إلى حوار روحي بين الأنا والعالم. كما يتجلى في النص حضورٌ واضح للرمزية المركبة والتناص الثقافي والرؤية الفلسفية التي تجعل من القصيدة نصاً متعدد الطبقات، قابلاً لقراءات مختلفة ومتباينة تبعاً لاختلاف المرجعيات النقدية والتأويلية.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل الأسلوبي والبلاغي، والقراءة السيميائية، والمقاربة النفسية والاجتماعية، والتأويل الهيرمينوطيقي، والتحليل الذرائعي، فضلاً عن الإفادة من آليات النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة لا على معنى أحادي مغلق. كما تحاول الدراسة الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء أنساقه الرمزية، ورصد ديناميكية الصورة الشعرية وتحولاتها، وتحليل العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين الرؤية الفنية والمرجعية الفكرية التي تصدر عنها الشاعرة.

ولعل أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها لا تتعامل مع القصيدة بوصفها وثيقة لغوية فحسب، بل بوصفها حدثاً جمالياً ومعرفياً وإنسانياً، تتجاور فيه الأسئلة الوجودية مع الرؤى الجمالية، وتتداخل فيه التجربة الذاتية مع التجربة الكونية، بما يجعل «نشيد العالم» نصاً مفتوحاً على التأويل، وقادراً على إنتاج معانٍ جديدة كلما أُعيدت قراءته من منظور نقدي مختلف. ومن هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً للإنصات إلى نبض النص الداخلي، والكشف عن جمالياته الظاهرة والمضمرة، واستنطاق ما يسكت عنه بقدر ما تستنطق ما يصرّح به، إيماناً بأن النصوص الكبرى لا تقول كل شيء، بل تترك دائماً مساحاتٍ خصبةً لما يمكن أن يُقال.

ينتمي نص «نشيد العالم» للشاعرة الجزائرية نادية نواصر إلى قصيدة النثر ذات المنزع التأملي الوجودي، حيث تتخذ الذات الشاعرة من "العالم" مخاطَباً مركزياً تدخل معه في حوار معرفي وروحي مفتوح. ولا يقدم النص العالم بوصفه معطىً خارجياً، بل بوصفه كياناً رمزياً يتقاطع فيه التاريخ واللغة والوجود والذاكرة والذات.

وتنبني القصيدة على حركة دائرية تبدأ بالنداء:

«أيها العالم»

وتنتهي بالعودة إلى الطفولة الأولى:

«لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة»

لتؤسس بذلك بنية رحلية تنتقل من سؤال الوجود إلى براءة الكينونة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يعتمد النص على لغة شعرية ذات كثافة دلالية عالية تقوم على الجملة القصيرة المتتابعة.

نلاحظ ذلك في:

«هبني طريقي وخطاي» «كن مجازي وبلاغتي» «دعني ألجأ إلى الضوء»

فالجملة هنا تتخفف من الروابط النحوية التقليدية لصالح الإيقاع الداخلي.

وتقوم اللغة على ما يسميه جان كوهن بالانزياح الشعري، أي العدول عن التعبير المألوف.

فالشاعرة لا تقول:

"أبحث عن المعنى"

بل تقول:

«روح المعنى وهو يتدلى من أعالي مدن الملح»

وهو تركيب يستبدل العبارة المباشرة بصورة رمزية مركبة.

فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ تنتمي إلى حقل ثقافي وفلسفي:

١- الحكمة،٢- الجنون، ٣- الإدراك،- ٤- المجاز، ٥- التناص،٦- الروح،- ٧- التاريخ، ٨- الوجود.

وهي ألفاظ تمنح النص طابعاً معرفياً واضحاً.

غير أن بعض المواضع تحتاج مراجعة لغوية مثل:

«ابحديات الغوص»

والأقرب:

«أبجديات الغوص».

وكذلك:

«هيء لي»

والأفصح:

«هيِّئ لي».

البلاغة والانزياح

القصيدة قائمة على سلسلة من الاستعارات الكبرى:

العالم إنسان

«أيها العالم الواقف على بلاغة الصمت»

العالم كتاب

«المتأرجح بين الحروف»

العالم جسد

«خذني بهشاشتي وصلابتي»

العالم ذاكرة

«رسومات العصور»

وهذه الاستعارات لا تعمل منفصلة بل تتداخل لتصنع ما يسمى "الرمزية المركبة".

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا يعتمد الوزن الخليلي.

لكنه ينتج موسيقاه الخاصة عبر:

التكرار

«أيها العالم»

تكررت لتؤدي وظيفة إنشادية.

وكذلك:

«كن»، «خذني»، «دعني».

وهو تكرار يولد إيقاع الابتهال.

التوازي التركيبي:

«بغموضي وشفافيتي بهدوئي الوديع ونعومة ثورتي»

يقيم النص توازناً صوتياً ودلالياً.

الجرس الداخلي

التجاور بين:

١- «الحكمة والجنون»

٢- «الضباب والشفافية»

٣- «هشاشتي وصلابتي»

يصنع موسيقى التضاد.

ثالثاً: الصورة الشعرية

الصورة الحركية

الصور ليست ثابتة.

بل تتحرك باستمرار:

١- «روح المعنى وهو يتدلى»

٢- «أغرس في الجذب وردة»

٣- «مسحت الشمس بكفها على شعري»

٤- «تحمله إلى الضفة الأخرى»

وهذا ما يجعل النص قائماً على ديناميكية مستمرة.

الصور التحولية

تتحول الأشياء من طبيعتها الواقعية إلى طبيعة رمزية.

فالجرح:

«كلما نزف أزهر»

ينتقل من مجال الألم إلى مجال الخصب.

والموت:

«سرقه الموت ومضى إلى فنائه»

يتحول إلى كائن فاعل.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

من أجمل مظاهر النص:

«مسحت الشمس بكفها على شعري الأشقر»

الشمس تكتسب صفات إنسانية.

والإنسان يندمج بالطبيعة.

وهذا ما يسمى بالتبادل الوجودي.

استعارة الامتزاج

يتكرر الامتزاج بين الذاتي والكوني:

الروح - العالم

الضوء - النشيد

الزمن - الرصيف

الوجود - الصلصال

وهي شبكة استعارية متماسكة.

رابعاً: الرؤية الفنية

العالم في القصيدة ليس موضوعاً خارجياً.

بل هو مرآة الذات.

فكل نداء للعالم هو في الوقت نفسه نداء للذات.

ولهذا فإن النص يتحرك بين قطبين:

الذات الفردية والكون الكلي.

خامساً: التحليل الذرائعي

وفق المنهج الذرائعي فإن النص يؤدي وظائف متعددة:

١- الوظيفة الجمالية

عبر الصور المركبة والانزياحات.

٢- الوظيفة المعرفية

من خلال حضور مفردات:

الإدراك المجاز التناص التاريخ

٣- الوظيفة النفسية

عبر تفريغ القلق الوجودي.

٤- الوظيفة الإنسانية

عبر الاحتفاء بالطفولة والبراءة.

سادساً: الهيرمينوطيقا والبنية العميقة

على المستوى الظاهر يبدو النص خطاباً موجهاً إلى العالم.

لكن في العمق يمكن قراءته باعتباره:

بحثاً عن الذات.

فالعالم هنا قد يكون:

الوجود، اللغة، الزمن، الله، المطلق، الإنسان الكلي.

وهذا الانفتاح التأويلي أحد عناصر قوة النص.

سابعاً: القراءة السيميائية:

ثنائية الضوء والظلام

الضوء يساوي المعرفة

«دعني ألجأ إلى الضوء»

الضباب يساوي الالتباس

«المليء بالحكمة والجنون بالضباب والشفافية»

ثنائية الحياة والموت

الحياة:

الفجر الوردة الأطفال

الموت:

«سرقه الموت»

لكن الموت لا ينتصر نهائياً.

بل يتحول إلى جزء من دورة الوجود.

دلالة الألوان

١- الأشقر: رمز الضوء والحيوية.

٢- العسلي: رمز الدفء الإنساني.

ثامناً: البعد النفسي

النص يكشف ذاتاً قلقة لكنها متصالحة.

فالأسئلة الوجودية حاضرة:

«شغف الأسئلة»

لكنها لا تنتهي إلى العدم. بل إلى الرجاء.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي

لا يظهر الإيروتيك بمعناه الجسدي.

بل بمعناه الوجودي والجمالي.

فالذات ترغب في الاتحاد بالعالم.

«خذني بهشاشتي وصلابتي»

«كن مجازي وبلاغتي»

وهو ما يسميه باشلار "إيروتيكية الاندماج الكوني".

عاشراً: النقد الاحتمالي

وفق النقد الاحتمالي لا يوجد معنى واحد للنص.

يمكن أن يكون العالم:

الوطن، اللغة، التاريخ، الذات العليا، الوجود المطلق.

ويمكن أن تكون الضفة الأخرى:

١- الموت، ٢- الخلاص، ٣-المعرفة، ٤- النضج الروحي.

كما يمكن أن يكون الطفل الأخير في النص:

القلب، الذاكرة، البراءة الأولى.

وبذلك يصبح النص فضاءً مفتوحاً لإنتاج المعاني لا لاستهلاكها.

ملاحظات نحوية وصرفية مختارة

أيها العالم

أيُّ: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم.

الهاء: للتنبيه.

العالم: بدل مرفوع.

هبني طريقي

هب: فعل أمر.

النون للوقاية.

الياء: مفعول به أول.

طريقي: مفعول به ثان.

كن مجازي وبلاغتي

كن: فعل أمر ناقص.

اسمها ضمير مستتر.

مجازي: خبر أول.

بلاغتي: معطوف عليه.

دعني ألجأ إلى الضوء

دع: فعل أمر.

الياء: مفعول به.

ألجأ: فعل مضارع منصوب.

خاتمة:

تقدم الشاعرة الجزائرية نادية نواصر في «نشيد العالم» نصاً ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية ذات النزعة الوجودية والرمزية. وتنبع قوة النص من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى تجربة كونية، ومن بناء شبكة رمزية تتداخل فيها اللغة والتاريخ والذاكرة والروح. كما يحقق النص درجة عالية من الانفتاح التأويلي تجعله قابلاً لقراءات متعددة، وهو ما يمنحه حيوية جمالية ومعرفية تتجاوز حدود القراءة الواحدة وتجعله نصاً منتجاً للمعنى باستمرار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

نشيد العالم

أيها العالم

المليء بالحكمة والجنون

بالضباب والشفافية

ايها الواقف على بلاغة الصمت

وفوضى الكلام

هبني طريقي وخطاي

هبني ما تبقى من بصيرة القول

الهارب مني إليك

صوتي المبحوح

فلسفة الإدراك

روح المعنى وهو يتدلى

من أعالي مدن الملح

ايها العالم المتارجح بين الحروف

علمني ابحديات الغوص

في ما استعصى على المجاز

كن مجازي وبلاغتي

كن ذلك التناص

في هندسة الروح

كن نرجسا

او شوكا

او حجرا ينحت على وجهك التاريخ

رسومات العصور

العابر منها والراسخ

ايها العالم

هيء لي متكئي كي أستريح

من شغف الأسئلة

دعني ألجأ إلى الضوء

ذلك النشيد المشتهى

دعني أغرس في الجذب وردة

وأسكب على روح العطش ماء

فأنا سيدة الفجر

والتاريخ المؤجل

صوت الأولين

والقادمين إلى سر المعنى

فأنا الجرح الذي كلما نزف

أزهر وتخطى أنينه

ديهيا والأخريات

خذني بهشاشتي وصلابتي

بغموضي وشفافيتي

بهدوئي الوديع

ونعومة ثورتي

خذني بالذي يسكن روحي

وبالذي يرتسم على وجهي البهي

جئتك بعينين عسليتين مزركشتين

كالحياة تماما

أكلت من كل ثمار الأرض

وشربت كل كؤوسك

الحلو منها والمر

الحار والمالح

حفظت الكثير من الدروس

إحتفظت في حقيبتي ببعض الصور

مزقت الكثير من الأوراق

واحتفظت ببعضها

غيرت ألوان ملابسي

ضيعت كحلي حين بكيت

على وجعي السري

ثم رتبته مرة ثانية

حين مسحت الشمس بكفها

على شعري الأشقر

سقطت من حقيبتي بعض اشيائي الخاصة

بعضها استرجعته مع طول السفر

وبعضها سرقه الموت ومضى إلى فنائه

لونت الكثير من الرسومات

على رصيف الزمن

وبعضها مزقته

تجردت من عباءة الوقت

إلا من قلبي الطيب

لقد ظل يلهو مع أطفال الحارة

ويحلم بأصابع من حلوى

وطائرة من ورق

تحمله إلى ال...هناك

إلى الضفة الأخرى

ليزرع وردة في صلصال الوجود

ويتكىء على ساعد الليل

وينام كالحمل الوديع

***

نادية نواصر

قراءة في قصة "كشك الحكاية" لسعاد الراعي

نُشرت قصة "كشك الحكاية" للقاصة سعاد الراعي في صحيفة المثقف بتاريخ بتاريخ: 03 حزيران/يونيو 2026. وتروي قصة أديب، الشاب الذي خرج من الحرب مثقلاً بالخسارات بعد أن فقد ساقه اليمنى وأمضى سنوات من شبابه في الخدمة العسكرية، ثم عاد إلى حياته محاولاً ترميم ما تهدم في داخله. وفي لحظة مفصلية، تقوده رؤيا والده الراحل إلى إعادة فتح الكشك القديم في وسط المدينة، ليتحول هذا المكان إلى نقطة انطلاق جديدة في حياته وإلى مساحة تحتضن الكتب والحكايات والناس.

منذ السطور الأولى ترسم الكاتبة طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الشخصية والمكان. فالكشك يُقدَّم بوصفه فضاءً نفسياً وروحياً يعيد للشخصية توازنها المفقود. ويتجلى ذلك في وصفه بأنه: «وطنًا مصغرًا أعاد فيه ردم الصدوع التي تغلغلت في روحه». ومن هذه العبارة المبكرة يتضح أن القصة تتحرك في فضاء وجداني يجعل من المكان جزءاً من رحلة التعافي التي يخوضها البطل.

وتقوم القصة في جوهرها على ثنائية الفقد والاستعادة. فقد أخذت الحرب من أديب سنوات شبابه وساقه اليمنى وكثيراً من أحلامه المؤجلة. وتكثف الكاتبة أثر هذه التجربة في عبارة مؤثرة تقول فيها: «خرج من الجحيم حيًّا، نعم، لكنه ترك ساقه اليمنى هناك». ومن خلال هذا المنظور تركز القصة على الإنسان الذي عاش التجربة وعلى الندوب التي تركتها الحرب في ذاكرته ونظرته إلى الحياة.

وتحتل شخصية الأب موقعاً محورياً في العمل. فالأب يمثل المنبع الأول للحكاية والقراءة والخيال، ويستمر حضوره بعد رحيله عبر الذكريات والرؤيا التي تزور الابن في لحظة حاسمة من حياته. ومن خلال هذه العلاقة يمنح النص بعده العاطفي الأعمق، إذ تتداخل صورة الأب مع معنى الكتابة ومع فكرة النجاة نفسها. ويظهر ذلك بوضوح حين يستعيد السرد لحظة نشر الأب لقصص ابنه الأولى تحت عنوان «مغامرات أديب»، وهي لحظة تبدو بمثابة البذرة الأولى التي تشكلت منها شخصية الكاتب فيما بعد.

كما تكشف القصة عن إيمان واضح بقيمة الكتابة بوصفها وسيلة لمواجهة الألم واستعادة التوازن الداخلي. فالكتابة عند أديب ترتبط بمحاولة فهم ما جرى له والتخفف من أعبائه النفسية. ولهذا تقول الكاتبة: «لم تكن الكتابة لديه تزجيةً للوقت أو مهنة يتكسب منها، بل كانت الأداة الوجودية الوحيدة لترويض الألم العاوي في جنباته». وتكاد هذه العبارة تختصر جانباً مهماً من رؤية النص إلى وظيفة الأدب ودوره في حياة الإنسان.

وتبرز في القصة نزعة سعاد الراعي الوجدانية التي تمنح اللغة كثافة شعورية واضحة. فالأفكار تتحول إلى «كائنات سماوية شفافة»، والذكريات تقيم في النفس كـ «الجمر المستعر تحت الرماد البارد». ومن خلال هذه الصور تتجاوز اللغة حدود الوصف المباشر لتقترب من التعبير الشعري الذي يضفي على التجربة مسحة من التأمل والحنين.

كما يعتمد السرد على الجملة الطويلة المتدفقة التي تمنح الكاتبة مساحة واسعة للوصف واستبطان المشاعر. ويظهر اهتمامها بالعالم الداخلي للشخصية عبر مقاطع تستعيد الماضي وتكشف أثره في الحاضر، الأمر الذي يجعل التجربة النفسية لأديب تحتل مركز السرد أكثر من الحدث الخارجي نفسه.

ومن الناحية البنائية، تمضي القصة في خط زمني واضح يعتمد الاسترجاع أداة أساسية لكشف ماضي الشخصية. فالحاضر السردي يبدأ من الكشك، ثم ينفتح على ذكريات الحرب والأب والطفولة والكتابة، قبل أن يعود في النهاية إلى الكشك نفسه. وتمنح هذه الحركة الدائرية النص قدراً من التماسك، لأن البداية والنهاية تلتقيان في المكان ذاته، بينما تكون الشخصية قد قطعت رحلة داخلية كاملة بين المشهدين.

وتبلغ القصة ذروتها العاطفية في مشهد الرؤيا التي يظهر فيها الأب لابنه. فهذا المشهد يمثل نقطة التحول الأساسية في حياة أديب، إذ يدفعه إلى الخروج من عزلته والانفتاح على الآخرين. وتكتسب كلمات الأب أهمية خاصة حين يقول: «لا تعتصم بالعزلة يا بني، ولا تهرب من الناس. اقترب من تلافيف حيواتهم». ومن هذه الدعوة تنبثق الفكرة المركزية للنص، وهي أن الإنسان يجد جزءاً من خلاصه في التواصل مع الآخرين والإصغاء إلى حكاياتهم.

وفي المقابل، تميل القصة أحياناً إلى الإفصاح المباشر عن المشاعر والدلالات. فكثير من المعاني تُقدَّم بصورة واضحة عبر السرد نفسه، الأمر الذي يحدّ نسبياً من مساحة الاكتشاف التي يمكن أن يشارك فيها القارئ. كما أن شخصية أديب تحتفظ بقدر كبير من الانسجام الإنساني والأخلاقي طوال مسار الأحداث، وهو ما يعزز التعاطف معها ويجعل التوتر الداخلي أقل حضوراً مقارنة بالشخصيات التي تتشكل عبر صراعات أكثر تعقيداً.

أما عنوان القصة، فيبدو منسجماً مع بنيتها العامة ودلالتها النهائية. فـ«كشك الحكاية» يتحول في خاتمة النص إلى أكثر من مكان، ويغدو رمزاً لاستعادة الذات ولإحياء إرث الأب وللانفتاح على العالم من جديد. ولهذا تأتي النهاية منطقية مع مسار الشخصية حين يدرك أديب أنه «لم يفتح مجرد كشكٍ مهجور، بل فتح بوابة الانطلاق لروحه وحياته من جديد».

تكشف «كشك الحكاية» عن جانب مهم من تجربة سعاد الراعي السردية، يتمثل في اهتمامها بالعلاقات الإنسانية والذاكرة وقيمة الحكاية في مواجهة الخسارة. وهي قصة تستمد تأثيرها من صدقها العاطفي ومن قدرتها على تحويل تجربة شخصية مؤلمة إلى حكاية عن التعافي والأمل والوفاء. ومن هنا تأتي قيمتها الأساسية في إنسانيتها، وفي إيمانها بأن الكلمات تستطيع أن تساعد الإنسان على النهوض كلما أثقلته الحياة بخساراتها.

***

بولص آدم

"من وضع البربين على خبزي"..

الصورة التي جاء بها الحطاب في نصه "من وضع البربين على خبزي" لم تكن كالصور التي ألفناها عنده، فقد اعتدنا على الملحمة كما في "شالوم مسلح"، والسخرية في (الرقص على جثة بينانو)، وغيرها التي حملت توجهات أقرب إلى الثورة على الواقع، والرفض، ونصرة الفقراء، إلا أن النص الحالي جاء خلافاً لما ذكرنا.

فالبنية الأسلوبية للنص تغيرت عما سواها، والمعنى المعتاد للتوصيف جاء مغايراً ايضاً.

فقد عمد جواد الحطاب إلى إبراز الدلالة في نصه بشكل واضح، ما فتح الآفق لإظهار طبيعة مغايرة للدلالة الحسية واللفظية التي أعتاد عليها القراء من توظيف الدلالة في الشعر، فكل النصوص إن لم نقل معظمها تذهب لتوظيف الجسد كمادة للغزل، يتغزل الشعراء بتفاصيله الدقيقة ليظهروا ما يشتمل عليه من مفاتن، وليوظفوا الإيحاء في الوصف للدلالة على جمال المرأة كحالة عامة داخلة في تفاصيل الوصف المتعلق بجسدها، وربما لاتكون تلك المرأة جميلة بقدر ما يحمل جسدها من جمال، وتلك نسبية لا علاقة لنا بها في هذه المساحة.

إلا أن الحطاب جاء على ذكر الجسد في نصه هذا ليوفر فسحة من الاحاطة تتعلق بالأشياء التي احتواها النص، ليجسد من خلالها صورة مكثفة للخطاب الشعري تحمل رمزية دلالية للجسد لا تتداخل فيها مع الغزل، بقدر ما هي دالة معرفية لفضاء النص المفتوح على المتغيرات الحسية.

هذه الفسحة التي اشتغل عليها الحطاب في نصه، قال عنها الناقد عبد الرضا علي " الحطاب، المعروف بمخالفته للسائد وبنزوعه إلى الإدهاش عبر بناء صور غير متوقعة، يشتغل هنا على ما يمكن تسميته «شعرية الاكتشاف»، حيث تتحول الرغبة إلى وسيلة للمعرفة، ويتحول الجسد إلى نصّ يُقرأ لا إلى موضوع يُستهلك (1).

أراد الحطاب عبر توظيفه هذه التقنية (إن جاز لنا تسميتها)، أن يقدم صورة قد تكون مألوفة حين تستشعرها، لكنها في الحقيقة تحمل أكثر من بعد، حيث يمثل النص ومضـة شعريـة دلاليـة تكثف "رحلـة البحث عن الحقيقـة"، استخدم فيها الحطاب الطبيعة كمرآة تعكس صراع الإنسان الداخلي في محاولة تجاوز المظاهر السطحية (الغبار) للوصول إلى الجوهر (اللب، الحياة).

هذه الدلالات والرموز مؤكد لها معاني قصدها الشاعر، فمثلاً "الغبار" أراد الحطاب أن يعبر عن التراكمات التي يخلفها الزمن ( سلبية أو ايجابية)، أو تلك الشكوك التي تغطي الحقائق، في حين أراد أن يوحي بأن هناك "مشاعر حميمية" تحيط بالحدث فجاء ب ( أصابعي، الجذع) ليكشف عن رغبة حقيقية في التقرب أو التفاعل مع الأشياء بجدية، في حين أن (لحاء الشجرة) جاء كتعبير عن ما وراءه من الخفايا والأسرار، فاللحاء يغطي ما يدور من تطورات جينية تحدث للشجرة ولا نراها نحن، وفيها من الأسرار ما لا نعرفه أو ربما لا نفقه حدوثه، وهي إشارة واضحة إلى خلجات النفس البشرية المسكونة بالهواجس والأسرار والتوق للمعرفة ربما، وهي طبيعة راسخة في نفس الإنسان.

لعب الحطاب على تقلبات النفس الإنسانية ليرسم صورة مبدعة في التعبير اللغوي الذي وظفه في نصه، فجاء بالتضاد الذي اخذ النص نحو تقلبات الحركية الدلالية مثل (أزيل)، وهي مفردة واضحة قريبة ومريحة لنفس الإنسان، ولاغموض فيها، وهي أيضا تعبير عن البحث أو الاستكشاف، وهي طبيعة ثابتة في طرق المعرفة التي يسير نحوها الإنسان المعاصر.

فيما تأتي الصورة الأخرى لنص الحطاب والتي تتمثل في بذل الجهد والمثابرة للوصول إلى الحقيقة، فالحركة هي من تقود عملية الكشف والتحري، لا الجمود، وأن فعل الإزالة يقف وراءه فعل المعرفة، فكل إزالة تظهر بعدها حقيقة كانت مغطاة بواقع قد يكون مغاير لتلك الحقيقة. وهذه منهجية عملت عليها "المدرسة الرمزية" في الشعر الحديث كشفت من خلالها عن الحالة الشعورية (العاطفية) لما يستشعره الشاعر بشكل أعمق.

1 ..

«لا تشكّي بأصابعي

 أزيل الغبار عن الجذع

لأعرف

 ماذا يدور في لحاء الشجرة»

2..

«شفتاي.. كابيتان

 ربما

حين يبرق نهدٌ

 سأهتدي إلى قبلاتك»

وظف الحطاب في هذا المقطع العدول بأسلوب ذكي في نصه، فجعل النص يشبه الاستشعار بالحواس وليس بالعقل أو الرؤية، وإنما بالشفاه، ليجسد مفهوم جديد في عملية الاستشعار عبر الحواس وليس بغيرها.

فقد ذهب الحطاب لتصوير المشهد بصورة يعتريها الظلام، وحين يكون الظلام لابد من إشارات تهدي الطريق نحو النور، لذلك جاء ب (يبرق) بوصفه علامة اهتداء للطريق، و(نهد) بوصفه منارة في الطريق، لا كونه عضو من أعضاء الجسد، وليس كونه احتفاء بالجمال الجسدي والمشاعر الجياشة.

وهنا لابد من الإشارة التي قد يغفل عنها البعض من الباحثين مفادها ( أن الأنثى ليست غاية الرحلة بل دليلها. إنها العلامة التي تهدي الشاعر إلى المعنى. وتلك صورة عبقرية غاية في المركزية أعتمد فيها على "الاسقاط" وعبر عنها وكأنها عملية إبحار.

ولو نظرنا للمقطع من منظور رمزي نجد أنه يمثل عملية الانتقال من حاسة اللمس التي بنى عليها الحطاب شكلية النص في الفقرة الأولى إلى التوجه نحو القُبلة في الثانية، والمعرفة التي بدأت بالأصابع تبحث الآن عن اكتمالها في التواصل.

 القبلة هنا ليست فعلاً حسياً فحسب، بل لحظة وصول بعد رحلة تيه. ولهذا جاءت مفردة «سأهتدي» لا «سأصل». فالاهتداء فعل روحي ومعرفي قبل أن يكون مكانياً.

3..

المتاجرون بتوابل انوثتك

عادوا بثروااااااات من المتعة

:

هذا الخليط من الدانتيل والعطر

؟

هذا العبق الصاعد من زهرتك الإستوائية

!!

الهال على الحلمات

.

الزنجبيل على السرّة

.

وجوار جوزة الطيب

تناثر اللبان الذكري

 ..

وأنا فقيرك ..

أتلمس فقرات ظهرك

كما يتلمس الأعمى البخيل

ليراته الذهبية

 ..

يراودني الكلام

..

فماذا لو خُلقتُ فَمَاً

لأشكر جسدك

على هداياه الفسيحة !!

في الفقرة الثالثة من النص عمد الحطاب ليكون هناك آلية قياس مغايرة في التناول الشعري، فنص (من وضع البربين على خبزي) جاء به بصورة قد لاتشبه ما سبقه من نصوص ميزها باستهلاك الدلالة بصورة طغت معها ملامحها ونفذت روائحها لتحتل المتسع المفاهيمي بذوق تنامى وطبيعة العشق الروحي.

والتأمل الحي لروح القصيدة التي مثلها هذا النص تحديداً بدقة وتعقيد طغى على ما سواه، فالصورة التي جسدها جواد الحطاب تنم عن (سوق للتوابل والعطور)، أفرد له الحطاب قائمة من المحتويات المختلفة التفاصيل (الهال، الزنجبيل، جوزة الطيب، اللبان). لكنه لم يتناولها كعنصر اكتمال للموضوع الذي اختاره، بل ليؤسس نهجاً رمزياً متداخل مع الدلالة الشكلية والحسية.

جسد الأنوثة كثروة، لذلك قال "المتاجرون بتوابل أنوثتك عادوا بثروات من المتعة"، والثروة متناقلة أي (متداولة)، إلا أنه كمصطلح في الترادف لايحمل ذلك الوصف، أن عقد النص تشي بثنائية رائعة تجمع بين امتلاك المال (المتاجرون) و نقيضه الفقر، وهذا الأخير لاشأن له بالتداول، فهل عنى الحطاب أن "المتاجرون" لهم الحق في تداول ما وصف (الأنوثة)، ولا حق للنقيض كونه (فقير)، تلك المداخلة هي مفتاح الفقرة وجوهر المغزى النص.

ركز الحطاب في اسقاطاته على (جسد الأنثى) و ( التوابل) كمزيج من الجمال والروائح العطرة، وما تربط هذا بتلك، لم يقصد منها طبيعتها العشبية ( التوابل)، بل على موروثاتها الدلالية، ربما قصد تاريخها وقدمها، ودلالاتها الثقافية المختلفة، هي مفارقات مدهشة فعلاً أن تعمل على دمج النص وتلك الرموز والدلالات وطرق تجارتها وأنواعها، وتذهب لترسم تصوراً لذلك كله تمثيلاً بجسد امرأة وصيغ التملك والاحتواء.

اسقاطات متنوعة ورائعة خرجت عن مألوف التصور لتجسد بناء نصي بعناصر حقيقية ودلالة ملموسة، لا بل بروائح عطرية أنثوية غطت على الجو العالم للنص، حتى وكأنها تسحب القارئ من يده لتوقفه عن باب "العطار" ليرى كيف تسكب قطرات العطر من قارورة الأعشاب على تفاصيل الجسد الذي يتدفق جمالاً وحيوية.

:

«أتلمس فقرات ظهرك

كما يتلمس الأعمى البخيل

ليراته الذهبية»

ثنائية أخرى جاء بها الحطاب مثلت صورة من صور الإبداع، حين ركز على نقيضين في التوصيف والتشبيه (الأعمى والبخيل)، فالأعمى لا يرى الذهب لكنه يعرف قيمته باللمس. والبخيل لا يستمتع بإنفاق الذهب بل بمجرد التأكد من وجوده. وهكذا يصبح الجسد كنزاً لا تُقاس قيمته بالامتلاك بل باليقين بوجوده. إلا أن الصورة الخافية في نص الحطاب تتمثل في أن الأعمى والبخيل يشتركان في الخوف من الفقدان. لذلك فإن اللمس هنا ليس رغبة حسية فقط، بل محاولة طمأنة وجودية ضد الفقد.

«فماذا لو خُلقتُ فماً

لأشكر جسدك

على هداياه الفسيحة»

لقد سعى الحطاب في نصه هذا لإعادة بناء الانساق الشعرية خارج المألوف، ومنها أعاد انتاج دلالات جديدة من المفردات اليومية والمادية (2)، جسد من خلالها صيغ الشكر المختلفة لتشكل هيئة النص على شكل أمتنان لما ناله من هدايا استحقت ذلك الثناء.

4 ..

«حين توأد قبلة

أشم:

رائحة احتراق مكتبة»

الحطاب في هذه القصيدة لا يعبر عن الجسد بالمعنى الحرفي التقليدي، بل يكتب بما يمكننا أن نصفه ب         "ظاهراتية الجسد" بوصفه طريقاً إلى المعرفة والدهشة والشكر..

 بدأ قصيدته بالبحث عما تحت اللحاء، ثم الاهتداء عبر إشارات الجسد، ثم باكتشاف ثروته الرمزية، وتنتهي بالمأساة الكبرى: احتراق المعرفة حين تُوأد القبلة.

وبهذا فأن عمق البنية في النص ليست ببنية غزلية، وإنما معرفية، بداها بالاكتشاف وأنهاها بالخسارة.

ولذا نقول أن النص يعتبر من النصوص التي تتجاوز السطحية إلى فضاء فلسفي وإنساني رحب. وهو ما ينسجم مع خطاب جواد الحطاب الشعري القائم على الدهشة وتجاوز المألوف، وربما يذهب أبعد من ذلك حين يعمل على إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والجسد، وتفاصيل المعنى.

***

سعد الدغمان

.........................

هوامش

1- عبدالرضا علي، مخالفة السائدِ في شعر جواد الحطّاب، صحيفة قريش، 2018.

2- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري-قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، جريدة الزمان، لندن، 14-02-2024.

3- نور اسماعيل محمود، المرجعيات الثقافية جواد الحطاب "أنموذجاً"، مجلة المستنصرية للعلوم الإنسانية، 25-07-2025.

 

تتبدّى قصة "كشك الحكاية" في الفضاء السردي المعاصر بوصفها وثيقة أدبية بالغة العمق والجدية، ونموذجًا متميزًا لـ "الميتا-سرد"1؛ حيث يغدو النص رحلة في كيفية تشكّل الكتابة ذاتها، متجاوزًا الإطار التقليدي للقص الاجتماعي الرصين ليطرح ثيمات وجودية ونفسية معقدة تتمحور حول "المداواة بالسرد"2 وإعادة صياغة الهوية الإنسانية المتشظية بفعل الحروب والترومات الكبرى3...

تتجلى الهوية الأدبية والإبداعية للنص من خلال تتبعنا للبصمات الجمالية والسمات البنيوية التي نسجت كيانه من خلال المرتكزات الجوهرية التالية:

التموضع الفكري وحداثة الموضوع (قلب المفهوم الوظيفي)

تكمن الأهمية الفكرية الكبرى لهذا النص في خلخلته للمفهوم الوظيفي التقليدي للمؤسسة التجارية الصغرى (الكشك). إن "كشك الحكاية" في جوهره ليس حيزًا فيزيائيًا لبيع الورق الميت والأخبار المستهلكة أو الصحف العابرة، بل هو محراب سيكولوجي وأنطولوجي جُعل للاستماع إلى حكايات المنكسرين، ومن ثم إعادة إنتاجها وتدويرها في قوالب سردية ترفد وتثري عملية السرد الإبداعية.

هذا التحول من "البيع" إلى "الاستماع" يمثّل حداثة موضوعية؛ فالكتابة هنا ليست ترفًا جماليًا أو وسيلة تكسب، بل أداة وجودية لترويض "الألم العاوي".. والكاتبة لا تريد للبطل ان يقف عند حدود التوثيق، او متلقٍّ سلبي لفجائع الحرب بل ليصبح "سادنًا للحكايات"، محققًا نبوءة الأب: "ستجد كينونتك فيهم... وحين تكتب عنهم لن تمنحهم حبرًا بل تهبهم قبسًا من نور".

الأبعاد النفسية والاجتماعية (صدمة الحرب والتعويض الرمزي)

من الناحية النفسية، يتكئ النص على تشخيص دقيق لمتلازمة "كرب ما بعد الصدمة" (PTSD)4. فالكاتبة تفلح في تصوير الانشطار النفسي لبطل القصة عبر "الحدث الزلزالي" (انفجار اللغم)، الذي قسّم عمره إلى نصفين. فقدان الساق الفيزيائية والذي يعاد تعويضه رمزيًا بساق صناعية، لكن الأطراف الاصطناعية لا ترمم الأحلام المبتورة. وهنا يبرز "الانتصار الشخصي على الركام" من خلال القناة الأكاديمية (نيل البكالوريوس عبر التعلم عن بُعد)، في دلالة واضحة على عناد الروح وتساميها فوق عوق الجسد.

أما البُعد الاجتماعي، فيتجلى في رصد مأساة "الجيل المرجأ"؛ ذلك الجيل الذي تمددت الحرب في شبابه كـ "ليل سرمدي" مجبرة اياه على "حراسة العدم" وتأجيل الأحلام.

يعالج النص العزلة والوحشة الاجتماعية بوصفهما "حربًا ضروسًا" قائمة بذاتها، لا يكسر حدتها إلا الالتحام العضوي بحيوات البشر وقضاياهم؛ فالانفتاح على حكايا الآخرين غدا الجسر الوحيد للشفاء النفسي والاندماج الاجتماعي مجددًا.

 التأويل الرمزي والامتداد الأنطولوجي (خلود الفكر والأدب)

يفتح النص آفاقًا تأويلية رحبة تتجاوز الواقعية المباشرة إلى مصاف الرمزية الفلسفية؛ فبقاء البطل حيًا وخروجه من أتون الجحيم لا يشير إلى نجاة بيولوجية فحسب، بل هو رمز ممتد لـ "الفكر" ذاته؛ والفكر كائن سرمدي لا تطاله يد الفناء وإن بُترت الأطراف.

ويأتي "الكشك" ليكون المعادل الموضوعي لهذه البنية المقاومة؛ فما بقي راسخًا هو جوهر الأدب. الجسد يتشظى والأب يغيب، ولكن الفكر المتجسد في وعي البطل هو النواة الناجية من مقصلة الوقت، مبرهنةً على أن الأدب هو الحقيقة التي تكتب السطر الأخير دائمًا.

سيميائية التسمية (دلالة اسم "أديب")

في لفتة إبداعية واعية، لم يكن اختيار اسم البطل "أديب" مصادفة سردية، بل هو تسمية تعيينية5 تحمل دلالة قدرية وظيفية. فالاسم هنا يتجاوز كونه هويّة تعريفية ليصبح "مشروعًا حياتيًا" ومصيرًا محتومًا.

لقد وُلد "أديب" ليكون تجسيدًا لاسمه؛ فمنذ "مغامرات أديب" في الطفولة وصولًا إلى "كشك الحكاية"، ظل الاسم هو البوصلة التي وجهت روحه نحو الأدب كفعل خلاص. هذه المزاوجة بين الاسم والمسار تعمق المحتوى؛ فالبطل ليس مجرد شخص يمارس الأدب، بل هو "الأدبُ متجسدًا" في هيئة إنسان، مما يجعل من نضاله لاستعادة الكشك نضالًا لترسيخ الذات ومعناها الحقيقي في الوجود.

المرتكزات الإبداعية والجمالية (الرؤيا واللغة الشاعرة)

تتبدّى البراعة الجمالية في النص عبر توظيف تقنيات سردية متقدمة، أبرزها:

بنية الرؤيا الإشراقية: إن زيارة الأب في المنام لم تكن استدعاءً نوستالجيًا6 باهتًا، بل تجلت بوصفها "عتبة تحول"7 التي نقلت البطل من حالة الركود والعزلة إلى الفاعلية والحركة. الأب هنا يمثل "المرشد الروحي"8 في البنية الأسطورية للقص.

ثنائية الرائحة والذاكرة: حاسة الشم وظفت بذكاء (رائحة الحبر، الورق العتيق، الخشب المعتق برائحة القهوة) كمنبهات شعورية لإعادة بعث النبض في الزمان والمكان وإعادة.

اللغة المتسامية: تميز الأسلوب بمتانة السبك وفخامة العبارة، مستخدمًا استعارات ومجازات منتقاة بعناية فائقة (مثل: "الأفكار كائنات سماوية شفافة"، "ترويض الألم العاوي"، "حراسة العدم")، مما أضفى على النص مسحة شعورية تجمع بين شجن الواقع وحلقات التخييل الرحب.

قصة "كشك الحكاية" نص بليغ، ناضج البناء، يمتلك شرعية أدبية كاملة لكونه يناقش قضية إنسانية عامة بخصوصية محلية شديدة العذوبة. لقد استطاعت الكاتبة أن تقدّم درسًا نقديًا عمليًا في كيفية تحويل التروما الشخصية والجمعية إلى طاقة إبداعية خلاقة، معيدة للاستماع الواعي لقصص الاخرين اعتباره بوصفه أساسًا وجذرًا أول لكل سرد روائي ناجح، مبرهنة على أن الإنسان يفنى والفكر يخلد، والأدب هو الذي يكتب السطر الأخير دائمًا.

***

طارق الحلفي

.....................

1. الميتا سرد(Metafiction) : شكل من أشكال الكتابة الأدبية التي تلفت الانتباه بشكل متعمد إلى طبيعتها كعمل فني مصنوع، وليس كتمثيل شفاف للواقع. إن المصطلح مشتق من البادئة اليونانية “ميتا” التي تعني “ما وراء” أو “حول”، وبالتالي فإن الميتا سرد هو سرد حول السرد نفسه، أو رواية تروي عملية روايتها.

2. العلاج بالسرد (Narrative Therapy): شكل من أشكال العلاج النفسي الذي يسعى لمساعدة الناس على تحديد القيم والمهارات والمعارف التي يجب أن يحيوا من خلالها، حتى يتمكنوا من التصدي بفاعلية للمشاكل التي يواجهونها مهما كانت، وفي العلاج بالرواية يسعى المعالج لمساعدة الشخص في عن طريق مشاركته في تأليف رواية جديدة عن نفسه من خلال التحقيق في تاريخ تلك الصفات.

3.  التروما (trauma): والتي تعني الإصابة بصدمة نفسية نتيجة مرور الشخص بتجربة سلبية مؤلمة.

4. اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) حالة صحية عقلية تنجم عن حدث مثير للتوتر أو مرعب للغاية يحدث لك أو تشهده. وقد تشمل أعراضه استرجاع الأحداث والكوابيس والقلق الشديد إلى جانب الأفكار التي لا يمكن السيطرة حول ذلك الحدث.

5.  التسمية/ التعيينية (aptronym): وتعني الاسم الذي يلائم صاحب الاسم في مهنته وتصرفاته، ويسمى في العربية (اسم على مسمى).

6. النوستالجيا / الحنين إلى الماضي (Nostalgia): حالة الشعور بالحنين والشوق إلى جوانب من الماضي الشخصي للفرد، وغالبًا ما تكون مرتبطة بفترة زمنية أو مكان معيّن يحملان ذكريات وأحداثًا إيجابية.

7. عتبة تحول (Turning Point): حادث تاريخي عارض أو جوهري يؤدى إلى حدوث تغير أو انقلاب في الأحداث اللاحقة.

8. المرشد الروحي (The Mentor): ويُسمّى أيضاً 'الموجّه'، هو شخص يقدم المعرفة والحكمة والنصائح، لشخص آخر أقل خبرة منه، من أجل دعمه وإرشاده.

رابط القصة في المثقف:

https://www.almothaqaf.com/nesos/987884

تسعى هذه الورقة إلى طرح عددٍ من القضايا بقدرٍ من الصراحة والوضوح، دون مواربة أو رغبة في النيل من تجارب بعينها؛ إذ لا يعنيها سوى المكاشفة النقدية، بعيدًا عن إثارة صراعاتٍ لا طائل منها قد تُبدّد الجهد وتصرف الانتباه عن المقصد الجمالي الذي يتوخّاه أيّ فنّ إبداعي يمتلك قيمة الهايكو وفرادته. وغاية هذا المسعى أن نضع أيدينا على بعض العوارض التي تعيق بلوغ هذا الفنّ مستوى يليق بما ينطوي عليه من جمال وإدهاش، أو تحول دون تشكّل رؤية جمالية قادرة على ترسيخ تجربة حقيقية تُضاف إلى المكتبة العربية. فحين نعرض للأسباب التي مثّلت عائقًا أمام توطين الهايكو عربيًا، ونسعى إلى مقاربة تلك الإشكالات والبحث عن حلول لها، يمكن عندئذٍ أن تتشكّل ملامح هايكو عربي فريد، يستمدّ خصائصه وجمالياته من تفاصيل البيئة العربية، ومن علاقتها الخاصة بالإنسان الذي يحيا في فضائها ويتفاعل مع يوميّاتها وتحولاتها الدقيقة.

لقد عرف العالم العربي فنّ الهايكو في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا التأخر في استيعاب هذه التجربة وخوض غمارها نتيجة عوامل عدة؛ منها ما هو ثقافي، ومنها أيضًا ما يتصل بإشكالات الترجمة وآليات التلقي. يتمثل العامل الثقافي في وجود هوّة واسعة واختلاف عميق بين الثقافتين العربية واليابانية. فقد ظلّ الشعر العربي، عبر مراحل طويلة، أسير الأشكال التقليدية المرتبطة بالتراث، ولا سيّما إذا نظرنا إلى مساره التاريخي منذ نشأته الأولى القائمة على وحدة البيت، والبلاغة، وجزالة اللفظ، والإيقاع الموسيقي، مع غلبة النزعة الخطابية التي تهدف إلى التأثير المباشر في المتلقي. كما تأثر هذا الشعر بفترات طويلة من الضعف والركود، بدأت منذ القرن الثالث عشر الميلادي، عقب سقوط بغداد، واستمرت إلى المرحلة التي ظهرت فيها مدرسة الإحياء والبعث في أواخر القرن التاسع عشر.

لقد أعادت مدرسة الإحياء والبعث الشعرَ العربي إلى جذوره الأولى، بوصفها ذروة الهرم الشعري والمثال الأعلى الذي ينبغي الاحتذاء به. وقد بلغ إعجاب شعرائها بالتراث حدَّ معارضة الروائع الشعرية، فنظموا قصائد تحاكيها في الوزن والقافية والغرض؛ وليس أدلّ على ذلك من معارضة أمير الشعراء أحمد شوقي لقصيدة البردة للإمام البوصيري. ومع ذلك، فقد أضفى شعراء هذه المدرسة على القصيدة روحًا جديدة تنسجم مع التحولات الوطنية والسياسية، مع الحفاظ على صفاء اللغة الشعرية والابتعاد عن التكلّف والجمود.

حاول شعراء هذا التيار، وفي مقدمتهم محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، إدخال قدر من التجديد على مستوى اللغة والوصف والموضوع، غير أنّ هذا التجديد لم يبلغ حدّ التمرّد الكامل أو القطيعة مع الأشكال السائدة. فقد ظلّ اهتمامهم منصبًّا، إلى حدّ كبير، على الأحداث الكبرى والذات الإنسانية بوصفها محورًا مركزيًا في الشعر العربي منذ نشأته، من دون أن تسترعي انتباههم تفاصيل الحياة اليومية أو المشاهد الكونية الدقيقة. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى ما أنجزته مدرسة الإحياء باعتباره خطوة أولى مهّدت الطريق أمام تيارات شعرية لاحقة أكثر جرأة على مستوى الشكل والرؤية واللغة.

بدأت ملامح الحداثة في الظهور على يد شعراء التفعيلة، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ونازك الملائكة، إضافة إلى شعراء آخرين مثل نزار قباني وأحمد مطر وغيرهم من الذين اتجهوا إلى كتابة نصوص تعكس اندماجًا أعمق مع تفاصيل الحياة اليومية، ما أكسب لغتهم قدرًا من البساطة والحيوية وجعلها أقرب إلى ذائقة المتلقي العام. كما وفدت إلى الساحة الشعرية العربية قصيدة النثر، نتيجة تأثر جيلٍ من الشعراء الطامحين إلى التجديد بالتيارات الغربية التي حملت رؤى وأشكالًا إبداعية مغايرة. وقد صاحب ظهور هذين التيارين جدلٌ نقدي واسع ومعارك فكرية حادة حول طبيعة الشعر ووظيفته، الأمر الذي أسهم في انشغال الوسط الثقافي بقضايا الشكل والتحول، وحال دون تهيئة مناخ يسمح بتلقي أشكال شعرية شديدة الخصوصية والاختلاف مثل الهايكو.

وربما كان، ولا يزال، من أسباب التأخر في وصول التجربة اليابانية إلى العالم العربي أيضًا غياب الوعي النقدي الحقيقي بهذا الفن. فكثير مما كُتب عربيًا تحت مسمى الهايكو لم يكن سوى نصوص قصيرة، أو خواطر مكثفة، أو ومضات لا تلامس خصوصية وجوهر هذا الفن ، الأمر الذي باعد بين هذه التجارب وبين الهايكو في صورته المثالية كما تشكّل تاريخيًا. فقد تأسس هذا النوع من الشعر- منذ بداياته مع باشو تحت مسمى "الهوكو" في القرن السابع عشر وحتى اليوم - على رؤية جمالية مغايرة، انطلقت من فلسفة الزّن التي تحتفي بالبساطة، والاقتصاد اللغوي، والتقاط اللحظة العابرة، إلى جانب الإيحاء والتلميح، والفراغ الدلالي الذي يترك مساحة واسعة لتفاعل القارئ. إنه شعر التفاصيل الهامشية الصغيرة: ضفدع يقفز، ورقة خريف تتساقط، فراشة عالقة، أو زخات مطر على زجاج نافذة. لذا، فقد بدا الهايكو، عند تعرّف الثقافة العربية عليه، وكأنه ينتمي إلى خلفية ثقافية وجمالية مختلفة، لا تكتفي بتغيير الشكل الشعري فحسب، بل تطال جوهر الشعر والرؤية تجاه العالم والوجود.

زهور البرسيم

يتأرجح دون أن تتساقط

حبات الندى

(ماتسو باشو)

ومن تلك الأسباب الجوهرية التي أسهمت في ضبابية المشهد ضعف الترجمة، إذ وصل الهايكو إلى العربية غالبًا عبر لغات وسيطة، بخاصة الإنجليزية والفرنسية، الأمر الذي أفقده كثيرًا من خصوبته وجماله. كما أسهم غياب الوعي العميق لدى بعض المترجمين بالثقافة والبيئة اليابانية والبعد التأملي لفلسفة الزّن الذي تنطلق منه نظرية الهايكو، في نقله بصورة غير واضحة وأصيلة لا تعكس الروح الجمالية لهذا الفن. فالنص ليس مجرد ثلاثة أسطر، بل رؤية إبداعية متكاملة، يعتمد على الإدراك الحسي، في نقل اللحظة العابرة. وحين ينقل المترجم عن اليابانية دون وعيٍ بخصوصيتها وحمولتها الثقافية والجمالية، يتلاشى جزء كبير من جوهر التجربة داخل النص.

ومن الظواهر اللافتة في هذا السياق، ادّعاء البعض ريادة هذا الفن، دون أن يكون لهم منجز أو تاريخ متراكم من الكتابة فيه. ففي صيف 2024، تواصل معي أحدهم عبر تقنية "المسنجر"، وأخبرني أنه رائد الهايكو في مصر، على الرغم من أن اسمه لم يكن مألوفًا لديّ، ولم يسبق لي أن اطّلعت على نصوص له ذات حضور نقدي أو جمالي في هذا المجال. وعند مراجعة بعض منشوراته، تبيّن - في حدود ما اطّلعت عليه - أنها لا تنسجم، في الغالب، مع طبيعة هذا الوافد الإبداعي وخصائصه المتعارف عليها، سواء من حيث التكثيف أو الإيحاء أو بناء اللحظة الشعرية.

ولا يختلف هذا النوع من الادّعاء كثيرًا عن محاولات البعض عزو الريادة إلى الشاعر عز الدين المناصرة، استنادًا إلى نصّ أو نصّين لا علاقة لهما من قريب أو بعيد بجماليات الهايكو. لننظر إلى هذا المثال:

يا باب ديرنا السميك

الهاربون خلف صخرك السميك

افتح لنا نافذة في الروح.

المتأمل في هذا النص يلحظ ابتعاده عن جوهر الهايكو القائم على التقاط اللحظة الجمالية المكثفة؛ إذ يتبدد المشهد بفعل الإغراق في الأنسنة والتكرار غير الضروري، بما يضعف خاصيتي الاختزال والدهشة. كما أن استخدام فعل الأمر في جملة: «افتح لنا نافذة في الروح» — بما تنطوي عليه من لغة مجازية - يؤثر في قدرة الصورة على التمثل في ذهن المتلقي، إذ تتحول القصيدة من لقطة حسية صافية إلى خطاب إنشائي يحفّه التجريد والخيال.

  إن انصراف المناصرة عن الهايكو لا ينتقص من مكانته في عالم الشعر؛ إذ كرّس معظم كتاباته لفن «التوقيعة»، ورأى في هذا الشكل المختزل خيارًا جماليًا أكثر اتساقًا مع مشروعه الإبداعي. وقد احتفى بهذا الفن في منتديات عديدة إلى جانب مجايليه من شعراء التفعيلة، دون أن ينسب إلى نفسه أيّة نوع من الريادة في الهايكو.

 وتجاوز الأمر موضوع الريادة إلى مسألة المسمى البديل للهايكو. فقد ذهب البعض إلى تسميته بغير مسمّاه. بيد أن تلك المسميات التي سمعنا بها كالـ"هكيدة" و"التصويرة" لا تنطلي على هذا الفن، ولا تعبّر بدقّة عن خصوصيته الفنية، و تعجز عن الإحاطة بما يمتلكه هذا الفن من عبقرية واختلاف. فهو أبعد ما يكون عن مجرّد قصيدة عربية، كما لا يمكن إدراجه ضمن أطر الشعر المنثور. وهذا الخلط في التسمية ليس إلا نتيجة لغياب الوعي بالثقافة التي أنتجت هذا الفن. ولعلّ من الغرابة أيضا أن نعود قرابة قرن من الزمان إلى الوراء، فنختزل الهايكو في مفهوم "صورة" على غرار الحركة التصويرية التي سعت، في بداياتها، إلى الاقتراب من روح هذا الفن، غير أنّ محاولاتها، على أهميتها، لم تُفضِ إلى تمثّلٍ حقيقي لجوهره. ومع ذلك، أسهم هذا المسعى في إحداث تحوّل ملحوظ في مفاهيم الشعر الأوروبي خلال القرن العشرين، على الرغم مما شابه من اختلافات وتباينات في رؤى مؤسّسي تلك الحركة. ويتجلّى وجه الاختلاف بين موقفهم ونظرتنا إلى الهايكو في أنّهم، منذ البدايات الأولى وحتى تبلور تجربتهم، لم ينتسبوا إليه بوصفه جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته، بل اكتفوا بكتابات مختزلة وتركوا العنان لأقلامهم في حقل التجريب حتى توصلوا إلى الشكل الذي ينسجم مع ميلهم الشعري وتجربتهم الخاصة.  

من الملاحظ أنّ كثيرًا من النصوص المطروحة في المنتديات الإلكترونية، ومن كتب ورقية في عالمنا العربي  ليست سوى استنساخٍ للتجربة اليابانية، أو مجرّد كتابة تأخذ من تلك التجربة هيئة الأسطر الثلاثة، من دون أن تلامس عمقها وجوهرها. ولا يزال بعض الكتّاب يتعاملون مع الهايكو باعتباره مجموعةً من القواعد الجامدة التي يكفي اتّباعها لبلوغ نصّ مكتمل، في ظلّ غياب واضح لمفهوم الإبداع الحقيقي القائم على استيعاب هذه القواعد وتجاوزها. ومن الطبيعي أن ينطلق المبتدئ في عالم الهايكو بالتعرّف إلى قواعده وتقنياته، غير أنّ هذه المعرفة تظلّ مجرّد عتبة أولى، لكنها لن تستطيع أن ترتقي بكتاباته إلى مستوى التحليق والتميز الإبداعي.

 على هذا الأساس يمكن القول إن الهايكو ليس في أفضل حالاته، على الرغم من المحاولات الراهنة لتعزيز حضوره داخل فضاءات الساحة الشعرية العربية. صحيح أنّ هناك بعض الإصدارات التي يمكن النظر إليها بوصفها لبناتٍ أولى ومحاولات جادّة لترسيخ التجربة العربية، غير أنّ هذا المنتج، على أهميته، لم يستطع حتى الآن أن تضع إطارًا جماليًا واضحًا، أو أن ترسم ملامح مشهد متماسك يمتلك خصوصيته ورؤيته الفنية. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى التفاوت الكبير في فهم الهايكو ذاته؛ إذ لا يزال البعض يعتبره مجرد نص قصير أو خاطرة مكثفة، في حين أنّ هذا الفن يتطلب وعيًا عميقًا ببنيته الجمالية وفلسفته المبنية على التلميح والاختزال والإدراك الحسي، وعلى تلك الدهشة التي تتولد من المفارقة.

من المهم أن يكون الهايكو العربي انعكاسًا لبيئته، فمن خلالها يستطيع كلّ هايجن أن يكوّن عبقًا خاصًا لكتاباته، ولن يتحقق ذلك إلا عبر انصهار الذات الشاعرة مع تفاصيل العالم المحيط. فالبيئة العربية لها طقسها الخاص، وما تنتجه من نباتات وكائنات وأشكال فريدة، إلى جانب يومياتها الدقيقة وسلوكياتها وإيماءاتها المتنوعة يمكن أن يكون مادة تشكل اللحظة الجمالية. هذه البيئة تختلف عن نظيرتها في اليابان، كما تختلف عن أيّ بقعة أخرى في العالم، وكذلك يختلف السلوك العربي عن سلوك الإنسان في الثقافات الأخرى. وما يعنينا هنا هو طبيعة العالم الذي نحيا فيه. فالإنسان العربي قد يعيش في المزارع والحقول، وقد يعيش في المدن الأسمنتية الصاخبة، وكلا العالمين المتنافرين يمتلك تفاصيله الخاصة التي تسهم في استلهام تلك اللحظة الجمالية.

يمكن للكتابات العربية أن تحرص على تحقيق نوع من الوحدة العضوية داخل العمل الواحد، وتلك اللمسة - إن تحققت - قد تمثّل إضافة جديدة إلى التجربة اليابانية، لا سيّما أن معظم ما قرأناه من إصدارات لكتّاب يابانيين وأوروبيين يضمّ نصوصًا متجاورة تفتقد إلى خيط شعوري أو تيمة جامعة تمنح التجربة تماسكها الداخلي. ولعلّ ما نطمح إليه مستقبلًا هو أن نرى مجموعات هايكو تتشكّل من نصوص متسلسلة تدور حول فضاء واحد تتعدد داخله المشاهد والزوايا؛ كتفاصيل نهر، أو مقهى، أو يوميات تعبّر عن واقع المحيط العربي وتحولاته الدقيقة. وبذلك تصبح هذه المجموعات أشبه بلوحات متجاورة تنبض بروح المكان والإنسان، ويصبح الهايكو بلورة حقيقية لهذا العالم الثري بكل ما يختزنه من تفاصيل وتجارب.

كما لا ينبغي أن يشغلنا المسمّى بقدر ما ينبغي أن ينصرف اهتمامنا إلى تبيئة الهايكو عربيًا، بخاصة ونحن لا نزال في بداية الطريق؛ فهذه هي القضية المركزية والنبيلة التي يتعيّن الاشتغال عليها حتى يصبح هذا الفن تجربةً أصيلةً تنضاف إلى مكتبة الشعر العربي. ولن يتحقق ذلك إلا عبر تجارب مبدعين قرؤوا التجربة اليابانية بعمق، واستوعبوا خصائصها وجمالياتها، ثم كوّنوا رؤيتهم الخاصة في ضوء بيئتهم وثقافتهم ووعيهم المتشابك بالعالم.

ولعلّ هذا الطرح يؤكّد - دون أن ينفي أو يعكس نزعة تشاؤمية أو ضبابية - وجود ما يسمى بـ"هايكو عربي"، فما نشهده اليوم من تجارب إبداعية - على اختلافاتها في الرؤى - تتصاعد وتيرتها حينًا وتخفت حينًا آخر، يمكن اعتبارها نواةً أولى تمهّد الطريق لظهور جيلٍ يكمل مسار هذا الفن. ومن المرجّح أن يواصل هذه الجيل مشواره بطاقة هائلة، انطلاقًا من الإيمان بما يمتلكه الهايكو من قدرة على التحليق، وفرادة في اكتشاف العالم عبر التفاصيل الصغيرة المدهشة.

***

حسني التهامي

قراءة في قصيدة «ما كاد يُنسى» للشاعرة الكولومبية فالنتينا روخاس

تنتمي الشاعرة الكولومبية فالنتينا روخاس، المولودة عام 1998 في مدينة إنفيغادو، إلى جيل جديد من الشعراء في أمريكا اللاتينية، جيل يجمع بين الحساسية الشعرية والعمل الثقافي والتربوي وهو منفتح على الآخر والتجارب الجديدة وكذلك يعود ويبحث عن جذوره ورموزه.

أما عن فالنتينا فهي شاعرة ومعلّمة وناشطة ثقافية، تشارك في مهرجانات وملتقيات شعرية داخل كولومبيا وخارجها، وتُرجمت بعض نصوصها إلى عدة لغات، كما صدر لها كتاب ثنائي اللغة بعنوان «عُري الظل». غير أن التعرف إلى فالنتينا من خلال سيرتها وحدها لا يكفي لفهم طبيعة تجربتها الشعرية، فبعض النصوص تفتح نافذة أعمق على صاحبها مما تفعله السير الذاتية، وهذا ما نجده في قصيدتها «ما كاد يُنسى».

تأتي هذه القصيدة لتور بعمق وصدق تجربة إنسانية شديدة القسوة. فقد تعرضت الشاعرة لتمدد شرياني في الدماغ تسبب في نزيف خطير، ثم خضعت لعمليات جراحية معقدة استُخدمت فيها مشابك من التيتانيوم لمعالجة الشريان،ثم واجهت مضاعفات صحية أخرى استدعت تركيب جزء تعويضي في الجمجمة. ورغم استمرار المتابعة الطبية، تعود إلى حياتها وإبداعها حاملةً معها وعيًا مختلفًا بالزمن والجسد والهشاشة الإنسانية، تظهر في صور جميلة وتتفاعل مع قصائد وأهازيح الحياة والحب.

إن هذه التجربة في القصيدة ا تظهر كمادة سردية مباشرة. لا نجد وصفًا للمستشفيات أو العمليات أو الألم الجسدي. فالشاعرة لا تروي ما حدث بقدر ما تتأمل ما بقي بعد حدوثه. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة هذا النص؛ إذ يتحول الحدث الشخصي إلى تأمل إنساني أوسع يمكن لأي قارئ في الكون أن يجد نفسه فيه.

تبدأ القصيدة بدعوة هادئة: «أغمض عينيك، وأدر ظهرك للباب الضيق». منذ السطور الأولى نشعر أننا مع خطاب داخلي أكثر من كونه خطابًا موجهًا إلى شخص آخر. نتأمل ونجد أن هذه القصيدة كُتبت بضمير المخاطب، لكن هذا المخاطب يبدو أقرب إلى الذات نفسها إلى ما تبقى من الجسد والروح والحياة. كأن الشاعرة تقف أمام صورتها بعد التجربة، وتحاول أن تتحدث معها بلغة أكثر هدوءًا ومصالحة.

من الناحية الفنية، يعتمد النص على الاقتصاد اللغوي والابتعاد عن الزخارف المصطنعة. فالجمل قصيرة، والصور محدودة لكنها مؤثرة. نشعر أن الشاعرة لم تسعى إلى إبهارنا بسلسلة من الاستعارات والرموز المعقدة، لكنها تترك للصورة الواحدة أن تنمو بهدوء داخل النص.

فمثلاً صورة «الباب الضيق»، أو صورة «الشرير واعترافه على رصيف غير موجود»، أو صورة «الخسارة الملتصقة بجذرها». كلها صور تفتح باب التأويل دون أن تفرض تفسيرًا واحدًا.

ومن الجميل أن القصيدة لم تتعامل مع الخسارة كحدثٍ قد انتهى وأصبح من الماضي، النص يرسم بنعومة حالة مستمرة ومركبة.

تقول الشاعرة: «كم هي مقنّعة هذه الخسارة، ملتصقة بجذرها». هنا لا تبدو أه هذه الخسارة تعني شيئًا خارجيًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل جزءًا من تجربتها المعاشة الإنسانية نفسها أو قدرها الأبدي . إن الخسارة هنا قد تتغير في أشكالها وأقنعتها، لكنها لا تنفصل تمامًا عن جذورها وعن الألم الذي تسببه.

كما أن النص يتجنب كليًا تقريبًا ثنائية الانتصار والهزيمة. فالقصيدة ليست احتفالًا بالنجاة، وليست مرثية للألم. نشعر أنها تتحرك في منطقة وسطى أكثر تعقيدًا. هناك اعتراف بالضعف والألم، لكن من دون استسلام ودون فخر ولا مبالغات. وهناك أمل، لكنه لا يأتي هنا في صورة شعار أو وعد سهل. ولهذا تبدو خاتمة القصيدة من أكثر مقاطعها نجاحًا فعندما تل إلى  وصف الأمل بأنه «قبلة تتجاهلها، قبلة تتحاشاها في الشارع، لكنها في النهاية تدركك».

هذه الصورة الأخيرة كأنها تختصر رؤية النص بأكمله. فالأمل هنا ليس قرارًا إراديًا يتخذه الإنسان أو شيء يُوهب له، بل هو أشبه بالقوة الخفية لتي تستمر في العمل حتى عندما لا ننتبه إليها. وربما لهذا السبب جاءت القصيدة هادئة إلى هذا الحد؛ لأنها لم تحاول العمل على إقناع القارئ بالأمل، هي تتركه يكتشفه بنفسه.

ومن المهم أن نتأمل أيضًا حضور مفردات مثل الرقة والوفاء والحقيقة. فبعد الاقتراب من تجربة الموت لا تنشغل الشاعرة بالبطولة أو التحدي أو الانتصار على القدر، الأكر أهمية أنها اهتمت بأشياء أكثر بساطة وإنسانية. كأن التجربة أعادت ترتيب أولوياتها، وجعلتها ترى قيمة التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.

من وجهة نظرنا لم تقدم فالنتينا روخاس في «ما كاد يُنسى» بيانًا فلسفيًا ولا اعترافًا شخصيًا كاملًا. إنها تقدم نصًا يتأمل ما يبقى في الإنسان بعد أن يمر من منطقة الخوف والضعف والنجاة. ولهذا تبدو هذه القصيدة أقرب إلى همس داخلي مرتفع النبرة.

يمكن القول إذن بأن جمال النص ليس في فرادته الموضوعية فحسب، فالأدب العالمي مليء بقصائد كُتبت بعد المرض أو الاقتراب من الموت، وإنما في الطريقة التي عالج بها هذه التجربة. فالشاعرة لم تبحث عن التأثير العاطفي السريع، ولا عن صناعة دراما أو تراجيديا محزنة، ولكن ربما عن درجة من الصفاء تسمح لها بالنظر إلى التجربة من الداخل.

لهذا تترك القصيدة أثرها بهدوء. إنها لا تصرخ في وجه القارئ، ولا تطلب منه التعاطف والبكء ولا التصفيق، بل تدعوه إلى التأمل. ومن خلال هذا التأمل تنجح فالنتينا روخاس في تحويل تجربة شخصية شديدة الخصوصية إلى نص إنساني مفتوح على أسئلة الحياة والمرض والذاكرة والأمل. إنها قصيدة تذكّرنا بأن بعض التجارب لا تغيّر أجسادنا فقط، بل قد تغيّر أيضًا الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، وإلى أنفسنا، وإلى المعنى الذي نمنحه للحياة.

***

حميد عقبي

........................

النص مترجم من الإسبانية

ـ ما كادَ يُنسَى ـ

أغمِضْ عينيكَ، وأدِرْ ظهرَكَ

للبابِ الضيّقِ

حيثُ يشتعلُ رأسُكَ.

ما زالتِ الحنانةُ خصبةً

في اسمِكَ الممزّقِ.

تعلّمتَ أن تتغذّى

ممّا لا يتغيّرُ،

وأن تعانقَ تلك القطعةَ

من الحقيقةِ.

لا وجودَ للسلبِ،

ولا للتجرّدِ،

مهما كانَ الفعلُ عنيدًا،

ومهما كانتِ الخطوةُ خاطئةً.

شيءٌ من الوفاءِ ينتظرُ

الشريرَ،

واعترافَهُ على رصيفٍ غيرِ موجودٍ.

كم هي مقنّعةٌ هذه الخسارةُ،

ملتصقةً بجذرِها.

الأملُ مسيرةٌ،

قبلةٌ تتجاهلُها،

وقبلةٌ تتحاشاها في الشارعِ،

لكنّها في النهايةِ

تدركُكَ.

***

فالنتينا روخاس

.............

رابط مداخلة نقدية موسعة عن النص

https://youtu.be/ZxEHAR9V5oI?si=TyuvIK3eB4LvTt4i

في السرد العراقي المعاصر

صدرت حديثاً رواية (مذكرات خاتون كرخيّة) للقاص والروائي العراقي خضير فليح الزيدي، في (165) صفحة من القطع المتوسط، لتضيف منجزاً جديداً إلى مشروعه السردي المعروف بانشغاله بالتحولات الاجتماعية والنفسية للشخصية العراقية، واستثماره فضاءات الذاكرة الشعبية والمدينة بوصفها حاضنة للحكاية ومصدراً لإنتاج المعنى.

تنهض الرواية على بناء سردي يجمع بين تقنية المذكرات الشخصية والرواية الاجتماعية، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية لمدينة بغداد، ولا سيما جانبها الكرخي الذي يحضر بوصفه فضاءً مكانياً ورمزياً في آن واحد. ومن خلال شخصية (الخاتون)، يستعيد الزيدي عالماً تتشابك فيه الوقائع اليومية بالأسئلة الوجودية، وتتداخل فيه الحكاية الشخصية مع مصير الجماعة.

اعتمد الروائي على بنية سردية متشظية تقوم على التقطيع وتعدد المقاطع والفصول، فجاءت الرواية موزعة على وحدات سردية ذات عناوين دالة مثل: (صفحة الوفيات)، (باب الكهف)، (مذكرات النوم)، (باب الروشن)، (ماء غريب)، (زجاجة العمر)، (عقدة الأجداد)، (ليلة الاغتصاب)، (الفرصة الذهبية)، و(لقاء الخاتون). وهذه البنية لا تؤدي وظيفة تنظيم الحكاية فحسب، بل تعكس أيضاً التشظي النفسي والوجودي الذي تعيشه الشخصيات.

لا تنشغل الرواية بسرد الأحداث وفق تسلسلها التقليدي، بقدر ما تنشغل بالكشف عن أزمة الإنسان المعاصر في عالم فقد يقيناته الكبرى. ومن هنا تبدو أقرب إلى نص وجودي يستثمر أدوات السرد الحديثة للكشف عن العبث الذي يطبع الحياة اليومية، وعن العدمية التي تتسلل إلى الوعي الجمعي، وعن الركود الفكري الذي يهيمن على الواقع الثقافي والاجتماعي.

يشكل المقهى المركز الرمزي الأبرز في الرواية، فهو ليس مجرد مكان تجتمع فيه الشخصيات، بل فضاء دلالي يختزل صورة المجتمع بأكمله. هنا تتعرى الشخصيات من أقنعتها الاجتماعية، وتنكشف هشاشتها الداخلية، فيما يتحول المقهى إلى وطن بديل، أو إلى ما يشبه (جمهورية المهمشين) التي فقدت ثقتها بالمستقبل وبقدرة الواقع على إنتاج المعنى.

في هذا الفضاء العبثي تتحرك الشخصيات كما لو أنها عالقة داخل دائرة مغلقة. فالزمن يتكرر دون تغيير، والأحلام تتآكل قبل تحققها، والأفعال تفقد غاياتها الأصلية. فالمطرب يغني في فضاء بلا جمهور، والطبيب يمارس مهنته في ظروف تفتقد شروطها الطبيعية، والكاتب نفسه يعجز عن إتمام مشروعه الإبداعي رغم إيمانه العميق بالكتابة. وهكذا يتحول الوجود إلى سلسلة من المحاولات غير المكتملة، حيث يصبح الانتظار بديلاً عن الفعل، ويتحول الكلام إلى دوران في فراغ المعنى.

وتحضر الفلسفة الوجودية في الرواية بوصفها خلفية فكرية غير معلنة. فالشخصيات تبدو حرة من الناحية النظرية، لكنها عاجزة عن ممارسة حريتها فعلياً. إنها شخصيات تواجه عبء الاختيار في عالم مضطرب، وتعيش قلقاً دائماً إزاء جدوى أفعالها ومصيرها. وهذا ما يجعل الرواية تقترب من تصورات جان بول سارتر حول الحرية والمسؤولية والقلق الوجودي.

أما شخصية (جميل القربان) فتؤدي دوراً محورياً في الكشف عن هذا العالم المأزوم. فهو ليس راوياً تقليدياً بقدر ما هو وسيط بين الحقيقة والوهم، وبين الماضي والحاضر. ومن خلال علاقته بالكاتب الراحل وابنه (زيد)، تتحول الرواية إلى تأمل عميق في فعل الكتابة ذاته، وفي حدود قدرة الأدب على استعادة الحقيقة أو إعادة بناء الذاكرة.

كما يوظف الزيدي تقنية (الرواية داخل الرواية)، حيث تصبح المذكرات مشروعاً سردياً جديداً يسعى الابن إلى استكماله بعد رحيل الأب. ومن خلال هذا التداخل بين النصوص والأصوات تتشكل لعبة سردية معقدة تجعل الحقيقة مؤجلة باستمرار، وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى بدلاً من تلقيه جاهزاً.

وتبلغ الرواية ذروتها الفكرية حين يتحول العبث إلى حالة عدمية شاملة. فالقيم تتآكل تدريجياً، واليقينيات تتداعى، والعلاقات الإنسانية تفقد تماسكها. الكذب يصبح وسيلة للنجاة، والنفاق أداة للتكيف، فيما تتراجع المعايير الأخلاقية أمام منطق المنفعة والمصلحة. وحتى الموت نفسه يفقد هيبته الرمزية، ليغدو حدثاً يومياً عادياً في عالم اعتاد الخراب.

وفي هذا السياق تبدو شخصية "الخاتون" أكثر من مجرد بطلة روائية؛ إنها استعارة رمزية لوطنٍ تعرّض للخيانة والانتهاك، ولذاكرة جماعية أثقلتها الحروب والانكسارات. ومن خلال حكايتها يفتح الزيدي باب التأويل على مصراعيه، تاركاً للقارئ حرية اكتشاف الدلالات الكامنة خلف السرد.

إن قوة رواية (مذكّرات خاتون كرخيّة) لا تكمن في الحكاية وحدها، بل في قدرتها على تحويل السرد إلى أداة للتفكير في الإنسان والعالم. فهي رواية تضع القارئ أمام أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والذاكرة والحرية والمعنى، مستثمرة لغة مشحونة بالسخرية السوداء والتوتر الوجودي والتأمل الفلسفي.

لقد نجح خضير فليح الزيدي في بناء نص سردي متماسك، رغم تشظيه الظاهري، يجمع بين خصوصية المكان العراقي وانفتاحه على الأسئلة الإنسانية الكونية. ولهذا يمكن النظر إلى (مذكّرات خاتون كرخيّة) بوصفها واحدة من الروايات العراقية التي استطاعت أن توظف تقنيات السرد الحديثة وأدب العبث في مقاربة الواقع العراقي المعاصر، ليس بوصفه حدثاً سياسياً أو اجتماعياً فحسب، بل بوصفه أزمة معنى يعيشها الإنسان في مواجهة عالم تتكاثر فيه الأسئلة وتغيب عنه الإجابات.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

تتمتع الاديبة سعاد الراعي بإمكانية مميزة، في اسلوب السرد، وقدرة على تقديم الحدث المرهف في حرارته ومنهجيته الديناميكية المتصاعدة، التي تشد القارئ في لهفة مؤثرة في متابعة الحدث، هذه الصياغة تمثل ابتكار نوعي في فن القصة المعاصرة، وتربطه في وشائج عميقة ودالة في الرؤية الفكرية، التي تخص مديات مجريات الأمور من الواقع الفعلي، هذه الواقعية في تكوين الحدث، يستند الى التجربة والخبرة والمعايشة الحميمة، لذا فأن الحدث السردي يملك احساساً فياضاً من الشخوص البارزة في الحدث، هي ظلت حية في الذاكرة والذكريات والقلب، وتملك شعور إنساني بسيط، وبريء، في تناول عالم الطفولة، ومفهوم هذا العالم النابض بالحركة والنشاط، بأنه عالم خاص ومتنوع، يرتكز في مؤثراته على الموروثات الشعبية والاجتماعية، عالم الطفولة يتميز بسمات خاصة تمتد من فعل البراءة والمشاكسة والشقاوة، بين المرح والحزن والوجع، بين الرفض والتمرد والمغامرة، والانتشاء في امتلاك شيء، حتى لو كان بسيطاً، مثل حصول على حفنات من التمر أو طلع النخيل، عالم يتمثل بالذكاء والفطنة، اضافة ان الحدث السردي يتناول عالم الطفولة في أماكن متنوعة، في الفرق الاجتماعي الشاسع في العادات والتقاليد في بيئتها المحلية، سواء كانت في الريف او المدينة، سواء كانت في بيئات مختلفة، من العراق (البصرة) الى اليمن، وفلسطين (غزة المنكوبة والمدمرة واطفالها يذقون طعم حنظل الطفولة، وهم منسيون من السماء والارض)، أو في الجانب الغربي. بلغاريا وألمانيا، اي تنوع البيئة الاجتماعية في الجانب الشرقي (اليمن) الانغلاق الاجتماعي والتأثيرات الدينية السلفية، الذي يجعل البيئة محددة بالأعراف الدينية الصارمة، ومن يتجاوزها يجد العدوانية وعدم القبول والنفور في وجهه، أو الاستفزاز، هناك حواجز قائمة في الاختلاط والعلاقة الاجتماعية، بينما نجد المجتمع الغربي (بلغاريا) الدعم والرعاية والانفتاح في العلاقات الاجتماعية، على ضفاف البيئة الجميلة، في كل الأحوال يدل عالم الطفولة على امتلاك مشاعر حساسة ونابضة، في صراعها مع الحياة العامة، ولا تقبل بالهزيمة، رغم الالم والوجع والحزن، لذا فأن سلاحها في الأوقات العصيبة هي الرفض والتمرد والمغامرة، أن تناول عالم الطفولة في النصوص القصصية التي تحتوي على عشرة نصوص قصصية في المجموعة، تشير ان عالم الطفولة، عالم نابض بالنشاط والحركة والفعل... ولابد ان نشير الى العنوان المجموعة (النخلة العمة)، والنخلة هي الملاذ الآمن والمأوى والوطن، ورمزيتها الايحائية متعددة العناوين، فهي تمثل الطيبة والرعاية والحماية، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، في قصة السيدة العذراء، التي انجبت عند جذعها السيد المسيح، أما في الحضارات العراقية القديمة، فهي تمثل الهوية والاصالة والشموخ والعطاء. لذا يتنوع الحدث السردي في الايحاءات الرمزية الدالة لعالم الطفولة، في مقدمتها العنف الاسري وسلطة الأب العليا في المجتمع الأبوي،، بينما نرى سلطة الأم نجد فيها الحنان والحب والرأفة والفهم والادراك، الفقر والحرمان علامة بارزة، وخاصة في طفولة الفئات الكادحة، وكذلك الطفولة في زمن الحرب والابادة، كما هو الحال إلى أطفال فلسطين (غزة المنكوبة والمدمرة)، وكذلك يشير الحث السردي الى الاهتمام بعالم الطفولة، رجال الغد أو المستقبل. إن المجموعة القصصية تصب اهتمامها الجدي لعالم الطفولة، يمثل هذا العالم المميز مثل ورقة بيضاء، والبيئة والمجتمع والاسرة، يكتبون حروفهم فيها، سواء ايجابية أو سلبية، هذه الرؤية الفكرية في ثنايا النصوص القصصية، ولابد من الاشارة الى التقديم الرائع في الاحاطة النقدية بتحليل الشاعر طارق الحلفي، في اشارته في اللمسات الانسانية لهذا العالم الندي والطري، حتى في شقاوته ومشاكساته ومغامراته، تدخل ضمن إطار البساطة البريئة.. والجدير بالذكر أن أشير الى بعض النصوص في المجموعة القصصية.

1- قصة: سهام الفتى عادل السليطة:

عادل ذو اثني عشرة عاماً، يملك الذكاء والفطنة والمغامرة والشقاوة، ويتباهى في مغامراته بين أفراد العائلة، ومغرم بصنع العابه، الطائرات الورقية، وصنع الأقواس والسهام للصيد العصافير، ويفتخر عند حلول المغرب، يعود الى بيته محملاً بغنائمه من العصافير، وكان يحظى بالرعاية والحب من ابيه، وفي احدى المرات السيئة، كان يطارد العصافير بسهامه، ولكن هذه المرة اخطأ السهم هدفه، فقد وقع السهم في جسد البقرة، واستشاطت البقرة بالجنون من ضربة السهم والدماء تنزف منها، فرجع الى بيته يلوكه الحزن والاحباط، في انتظار العقاب الصارم من أبيه، فصارح أمه بالخطأ الفادح الذي ارتكبه، بدلاً من السهم يصيب العصافير، وقع دون عمد على البقرة، وسمعت جدته الحكاية، وطلبت منه الكف عن هذه اللعبة العنيفة بالسهام، مقابل التدخل عند أبيه أن يعفو عنه، بالذهاب الى البستاني بالاعتذار ودفع التعويض المالي.

2 - قصة: هي أمي وإن قست:

سحر ذات الاعوام عشرة ربيعاً، منشغلة طوال النهار في ادارة البيت ترتبه وترتيبه، وهو يضم خمس عوائل، في جهدها اليومي المرهق والمتعب، حتى تقع على فراش النوم جثة هامدة من التعب والارهاق، وطبيعي هذا الجهد اليومي ينعكس سلباً على اجتهادها في الدروس والمدرسة، وظهرت نتيجة الامتحانات راسبة في درس الرياضيات، حزنت بشدة وسكبت دموعها، وشعرت بقلق وخوف كيف تواجه امها بالنتيجة السلبية، فاخذت تلف الطرق حتى أنهكها التعب، في جثمت على عتبة بيت غريب لتستريح من الارهاق والقلق والبكاء، ولكن اخيراً رجعت الى بيتها تحمل حزنها، وهي تقول: يارب. احميني.... وخفف عن أمي.. وخفف عني. واخيراً قررت ان ترجع الى البيت ومهما تكون النتيجة فهي امها الرحيمة.

3 - قصة: هديا من عتمة الركام: الى اطفال غزة:

الحياة في غزة تعيش تحت الركام المحطمة بالحرب المدمرة، وسط الأنقاض ينهشها الموت والخراب، فلا طفولة بل حياة منهكة بالانتهاك الوحشي من آلة الحرب، الاطفال يعيشون في الخيام دون رعاية ودعم، والأطفال يفتشون تحت البيوت المهدمة عن بقايا ذكرى، تعيدهم الى زمن كانت بيوتهم عامرة وحياة مستقرة تحول كل شيء الى خراب، طفلة صغيرة (هبة) تفتش عن ركام بيتها الذي تحول الى حطام وانقاض، تفتش عن شيء ثمين تقدمه الى امها صبيحة العيد، لذلك تفتش تحت الحجر عن بقايا من بيتها المحطم، الذي قصفته الصواريخ الهمجية، وخطف الموت أبيها وشقيقها، وهي تفتش في الركام وجدت على قطعة من الحجر، دماء ابيها واخيها معاً، حفظته، وكذلك وجدت ابزيم من حزام ابيها الجلدي، هذا ما تقدمه الى امها صبيحة العيد، هذه المأساة والنكبة تعجز الكلمات أن تصفها، هذه حياة الطفولة في غزة المنكوبة بالخراب والدمار.

4 - قصة: لظى في الخاصرة: الى ولدي مسار / الطفولة في بيئتين:

 مسار الابن البكر في ربيعه العاشر. عاش سنواته في بلغاريا، في مجتمع مناصر للطفولة في الرعاية والدعم، والعلاقات الاجتماعية، يملئها الثقافة والتعليم والدعم الاجتماعي للأطفال، مسارح. ملاعب، دورات تربوية وثقافية، فتعلم البلغارية والروسية بطلاقة، يساعده انه نشأ في بيت مثقف وعلمي، على ربوع الطبيعة الجميلة. قررت العائلة الرحيل الى اليمن، وهناك الصبي (مسار) اصطدم بمجتمع مختلف تماماً لم يألفه، مجتمع منغلق تؤثر فيه العادات والتقاليد الصارمة، مجتمع ديني منغلقاً تماما، شعر بالإحباط والعزلة، وخاصة زملائه التلاميذ يشعرون بأنه جسم غريب عنهم، غير مألوف، لذلك ينظرون إليه بنظرات زجرة عدائية في الاستفزاز، كأنهم يشكون بأنه مخلوق بشري (- هل انتم مسلمون؟.... لماذا لا ترتدي أمك الحجاب؟. لماذا لا يذهب والدك الى الجامع؟ وزاد الطين بلة، بأنه لم يحضر الدروس الدينية، هل انتم كفار؟ لان في أوربا درس الدين اختياري ولا يدخل ضمن الدرجات النجاح والرسوب، لان لم يدخل في التقييم الدرجات، درس اختياري محض. لذا عانى (مسار) المعاملة غير الانسانية من التلاميذ والمربين، ووقف ابيه الى جانبه في مواجهة مدير المدرسة (من حق ابني الدفاع عن نفسه ورأيه، أنني افتخر به وأثق بسلوكه، عليكم أن تتعاملوا معه باعتباركم تربويين، لا بأساليب استفزازية كهذه). وبعد الحرب الأهلية اصبحت الحياة لا تطاق بل جحيم (اليمن من دخلها مفقود، ومن خرج منها مولود) لذا قررت العائلة الرحيل من اليمن.

5 - قصة (النخلة العمة وأبناؤها الاشقياء:

هذه القصة تحمل عنوان المجموعة، غزيرة بالايحاءات الرمزية الدالة في المعنى والمغزى البليغ، مزية الحدث ورمزية النخلة في بعدها الحضاري والديني والشعبي. المكان في بصرة النخيل أو أم النخيل. بستان النخيل مرتع اللعب والمغامرة والشطارة، تبرز الشقاوات والذكاء للصبية، في الصعود وقطف الطلع أو التمر، تتوزع مجمعات الصبية، بين الحراسة من مداهمة البستاني، ومجموعة الحماية ومجموعة استلام الطلع الساقط أو حفنات التمر، برز من مجموعات الصبية (طلال) 12 عاماً يقود مجموعة الشقاوات والمغامرات والصعود الى النخيل، والصبية يعودن الى بيوتهم محملين بالطلع أو التمر، وهم فرحين، في احد الايام عند صعوده، يتفاجئ بوجود بحارس البستان، يمسكه بتهمة سرقة الطلع أو التمر، ليصب غضبه بالتهديد (انزل ايها اللص الصغير.. أو أصعد إليك) ولكنه يرفض النزول. بل يسمع همسات النخلة لتقول له (- لا تخف يا بني ابق بجانبي، سأحميك، رغم أنك استعجلت قطف ما كان يمكن اقدمه لك، حين يحين أوانه، ايها الشقي الصغير)، لذلك تلقى جرعة دعم وشجاعة وحماية، رفض النزول، وغير البستاني لهجته باسلوب العطف والرأفة، لكن لم يستجب إليه، بل هدده بالسقوط من النخلة، وهو يتحمل المسؤولية، إذا لم يذهب الى بيته، واصر على تنفيذ تهديده، فاضطر البستاني أن يغادر المكان، وبعدها نزل من النخلة بنشوة النصر. هكذا رمزية النخلة عمتنا الطيبة و الباذخة في العطاء، رمز الحماية والرعاية والدعم، ألم تنجب السيدة العذراء، السيد المسيح بجانب جذع النخلة، لذا النخلة تمثل في رمزيتها. الطيبة والشموخ والعطاء.

***

جمعة عبد الله

لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة ساخرة تفضح العَالَمَ أكثر مِمَّا تفضح صاحبَها.

في تاريخ الأدبِ الحديث يبرز اسمان استطاعا أن يُحوِّلا الألمَ إلى لغة ساخرة جارحة: الشاعر السوري محمد الماغوط (1934- 2006) في الشرق، والشاعر الأمريكي من أصل ألماني تشارلز بوكوفسكي (1920- 1994) في الغرب. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والثقافةِ واللغة، فإنَّهما التقيا عند نقطة إنسانية عميقة، نقطةِ الإنسان المكسور الذي لَم يجد وسيلةً للدفاع عن نَفْسِه سِوى السُّخرية.

كانَ الماغوط يكتب وكأنَّه يجرح الورقَ بسكين. لَم يكن شاعرًا يبحث عن الزخارف البلاغية، بلْ إنسانًا يطارد الحقيقةَ العارية وسط الخرابِ العربي. قصائدُه ونُصُوصُه مليئة بالخوفِ والقهر والهزائم السياسية والاجتماعية، لكنَّه لَم يواجهها بالخُطَب الحماسية، وإنَّما بالسُّخرية السوداء التي تَجعل القارئَ يضحك للحظة، ثُمَّ يكتشف أنَّ الضحكة خرجتْ من مكان مَوجوع في داخله.

أمَّا بوكوفسكي فقدْ جاءَ مِن عالَم مختلف، عالَم الحانات الرخيصة، والشوارع القاسية، والوظائف المُرهِقة، والعلاقات المُحطَّمة. كانَ يكتب عن البشر المنسيين الذين يعيشون على هامشِ المجتمع الأمريكي. لَم يكن بَطَلُ قصصه ثائرًا أوْ أُسطوريًّا، بلْ رَجلًا مهزومًا يُحاول النجاةَ مِن الأيام. ومِن خِلال هذه الهزيمة اليومية صَنَعَ أدبًا ساخرًا يكشف زَيْفَ الأحلامِ الكُبرى التي يبيعها المجتمعُ لأفراده.

السُّخريةُ عند الماغوط لَيست ترفًا أدبيًّا، بلْ وسيلة للبقاء. إنَّها صرخة خافتة ضِد الاستبداد والخوف والفقر. كانَ يَرى أن الواقع العربي بلغ من القسوة حدًّا يَجعل البكاءَ وَحْدَه عاجزًا عن التعبير، لذلك اختارَ الضحكَ المُر. عندما يَسخر من السُّلطة أو الشعاراتِ أو الهزائمِ، فإنَّه لا يبحث عن النُّكتة بِقَدْرِ ما يبحث عن الحقيقة المختبئة خلف الأقنعة.

وبالمِثْل، لَم تكن سُخرية بوكوفسكي بحثًا عن الفُكاهة. كانَ يضحك مِن العالَم لأنَّه فَقَدَ ثقته به. واعتبرَ المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية مسارح كبيرة للزَّيْفِ والخِداع. لذلك جاءتْ كتاباته مليئة بالتَّهَكُّم على النجاح والشُّهرة والسُّلطة، وحتى الحُب أحيانًا. لقد اعتمدَ على السُّخرية لأنَّه أدركَ هشاشةَ كُلِّ شيء.

لكنَّ الفارق الجَوهري بين الكاتبَيْن يَكمن في طبيعة الألم ذاته. الماغوط يَحمل وجعًا جَمَاعيًّا، وجع وطن وأُمَّة وتاريخ طويل مِن الخَيبات. عندما يَكتب عن نَفْسِه يَشعر القارئُ بأنَّه يتحدَّث باسمِ ملايين المُهمَّشين والخائفين والمقهورين. أمَّا بوكوفسكي فينطلق غالبًا من الألم الفردي، مِن جسده المُتعَب، ورُوحِه المنكسرة، وعلاقاته الفاشلة، وَوَحْدته العميقة. ومعَ ذلك، فإنَّ هذا الألم الشخصي يَتحوَّل في النهاية إلى تجربة إنسانية عامَّة يفهمها كُلُّ مَنْ عَرَفَ معنى الخسارة.

إنَّ مَا يَجْمع الماغوط وبوكوفسكي هو صِدقهما القاسي. كلاهما رفض تجميلَ الواقعِ أوْ الادِّعاء بامتلاك حُلول كُبرى. لَم يُقَدِّمَا للقارئ وُعودًا بالخلاص، بَلْ وضعاه أمام الحقيقة كما هي: عالَم مليء بالتناقضات والظلم والخيبات. ومِن هذه الحقيقة وُلدت السُّخرية، لا بوصفها هُروبًا مِن الألم، وإنَّما بوصفها شكلًا من أشكال مُواجهته.

السُّخرية هُنا لَيست نقيضَ الحُزن، بلْ وجهه الآخَر. الإنسانُ عندما يَعجز عن تغيير العالَم قدْ يلجأ إلى السُّخرية مِنْه. وعندما يشعر بأنَّ الكلمات المُباشرة فقدتْ تأثيرَها، يستخدم المُفارَقةَ والتَّهَكُّمَ لكشفِ العبث الكامن في الواقع. ولهذا تبدو نُصوص الماغوط وبوكوفسكي وكأنَّها مزيج غريب من الضحكِ والبكاء، والمَرارةِ والمُتعة، واليأسِ والرغبةِ المستمرة في قَول الحقيقة.

كَتَبَ الماغوط مِن قلبِ الخَوف العربي، وكَتَبَ بوكوفسكي مِن قلبِ الوَحْدةِ الغربية، لكنَّهما أثبتا أنَّ الألم لغة عالميَّة لا تحتاج إلى ترجمة. حِينَ يَتحوَّل الوجعُ إلى سُخرية صادقة، يُصبح أكثر قُدرةً على اختراقِ القلوب. رُبَّما لهذا السبب ما زالتْ نُصوصهما حَيَّةً حتى اليوم، لأنَّها لا تتحدَّث عن زمن مُحدَّد، أوْ مكان مُحدَّد، بلْ عن الإنسانِ حِينَ يكتشف أنَّ العالَم أقل عدالةً مِمَّا حَلُمَ، وأكثر قَسوةً مِمَّا تَوَقَّعَ.

الماغوط وبوكوفسكي لَم يَكُونا كاتبَيْن ساخرَيْن بالمعنى التقليدي، بلْ كانا شاعرَيْن للألَمِ المُتنكِّر في هَيئة ضحكة. اعتبرَ الماغوط السُّخريةَ شكلًا من أشكال المقاومة، واعتبرَها بوكوفسكي وسيلةً للنجاة. وبَين المُقاومةِ والنجاةِ تمتدُّ مساحة واسعة من الجُرح الإنساني، ذلك الجُرح الذي كُلَّمَا حاولَ أن يَبكيَ انفجرَ ضاحكًا.

المسافةُ بين دمشق الماغوط ولوس أنجلوس بوكوفسكي تلاشتْ تمامًا عند عتبة الألم. لَم يكن الألمُ الساخرُ لَدَيهما ترفًا فكريًّا، أوْ قِناعًا للمُناورة، بلْ كانَ الجسدَ الحقيقي لقضية وجودية كُبرى: كيف ينجو الإنسانُ بروحه حِينَ يغدو العَالَمُ مَسْلَخًا كبيرًا؟.

وَقَفَ الشاعران على الرصيف ذاته وإن اختلفَ الوجع، الماغوط يَعتصر خَيبات أُمَّة بأكملها، مُشْهِرًا سُخريته السوداء كخنجر في خاصرةِ القمع والزَّيْفِ السياسي، بَينما بوكوفسكي يَمضغ قذارةَ الهامشِ الأمريكي، مُحَوِّلًا الخِذلان اليومي والفقر والآلَة الرأسماليَّة إلى نُكتة جارحة.

ولَم تكن سُخريتهما دَعوةً إلى البَهجة، بلْ كانتْ بَتْرًا بلا تخدير، وانتزاعًا لآخِرِ جُذورِ الأمان، ليتركا خَلْفَهما خَرابًا ناصعًا لا يَصلح للعَودة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في "ألزهايمر أبي"

يبرز الجانب الواقعي في شعر "ألزهايمر يا أبي" للشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار حيث تستنفد جل مقاطعه موضوع إصابة الأب ب " ألزهايمر " والتي امتدت لخمس سنوات: " عاش والدي خمس سنوات ضباب ألزهايمر ثم غادر عالمنا الخريف الأخير. هذا النص منه وعنه وإليه " ص 7. فرغم اعتماد الشاعر على عناصر إيقاعية وبلاغية ومجازية تندرج ضمن تصوير معاناة الأب المصاب إلا أنها اتخذت أشكالا مختلفة في التعبير عما عاشه من توترات نفسية خلفت إحساسا بالإحباط والأسى لدى محيطه الأسري، والذي تكفل الشاعر بتصويره شعريا / إبداعيا، والغوص في مكونات علاقته بالأب، في رؤية شعرية تصدر عن إواليات حس ومقدرات خلق وابتكار نهجت أسلوبا مختلف ومغايرا في التصوير والتعبير اعتمادا على عناصر مادية، وأخرى ذهنية ووجدانية تؤسس لوضعية الأب المصاب والمبتلى من خلال مزيج من ذكريات، واستشرافات مصدرها المرض بحمولاته المؤثرة في التعبير عما يخاتله من أحاسيس، وما ينتابه من أفكار وتصورات تعجز عن رسم أشكال ثابتة وقائمة : " تحدق في ظلال تنأى وتدنو." ص 28، وإيقاع زمن متحرك ومهتز: " النهار أرجوحة / والليل مقص صدئ يجز حبالها. " ص28، فالنهار متحرك وغيرثابت، والليل يقطع بمقصه الصدئ حبال هذه الأرجوحة، أرجوحة النهار، فيوقف حركتها، وينهي دينامية إيقاعها الرتيب. فبعد الإسرار للنفس بكلمات غير مألوفة، ومعاينة السقف والجدران: " تهمس لنفسك بكلمات غريبة / وتحدق في السقف والجدران. " ص32، حيث تتقاطع الأحاسيس الداخلية بعناصر خارجية مثل السقف والجدران. واختزال حياة الأب في ما يصدر عنه من زفير محمل بتعب معاناة ناتجة عن خذلان وتخلي مقرون بالأرض والسماء: " زفرة مزارع متعب / خذلته أرض وسماء " ص33، وهو ما شكل فضاء اشتغاله بالأرض، والانغماس بكل قواه في خدمتها مُقَلِّبا نظراته وحسه بين الأرض والسماء، ولم ُيْبدِ أي خوف أو قلق من مصير تتضاءل فيه حظوظ الشفاء: " حَفَرْتَ مظاهر وأخاديد / ودسْتَ الخوف هناك. " ص34، فدفن مشاعر الخوف، وهواجس التوجس وتخلص منها بعد أن طمرها في أعماق الاندثار، وقيعان التلاشي والزوال.

 وفي تتبع حالات الأب الناتجة عن ألزهايمر، والتي يغدو أحد عناصرها النسيان مما يصعب معه القبول بذلك خصوصا لدى المقربين منه كالأبناء: " ربما كنت تمزح أيها الأب / كيف تنسى أولئك الذين / تعذبت لأجلهم طويلا... " ص18، ففي غمرة هذا النسيان وعدم التذكر، بل التنكر لأقرب أقاربه فيغدو بعيدا يبتلعه النأي، وتجلله الوحشة والاغتراب: " تبدو بعيدا عنا " ص18، فرغم ما تفتر عنه شفتاه من ابتسامة فإنه يعجز عن ذكر أسماء أقاربه حتى الذين تجمعه بهم صلة الدم، ورابطة الأبوة: " تنظر إلينا بابتسامة تَسَع الدهر / ولا تذكر أسماءنا / ولا تذكر أننا ماء سال من عينيك... " ص19، وهو ما لا يستدعي اللوم والمؤاخذة بل يتطلب التجاوز: " لا عليك أيها الأب / ربما نحن نسينا / أن الغدر قميص قديم / في دولاب الأيام " ص 19، في استحضار لغدر الزمن وتقلباته. وتحضر صورة الأب وهو في سن الثمانين التي توالت سنواتها بسرعة منفلتة من إهاب ثقل الزمن، وبطء إيقاعه : " وفي ثمانين عاما / عبرت مثل سحابة. " ص61، بطاقيته البيضاء وجلبابه المعتاد وهم يبادلونه نظرات ملؤها الحب والحنان: " وها نحن ننظر إلى طاقيتك البيضاء / وجلبابك السوي... " ص62، وما خلفته حالته، وهو ينقطع عن محيطه بعد أن طوقه النسيان، في نفوس ذويه من غم واسى لم يفقدهم بصيص أمل، وبارقة أماني في استعادة سابق عهده: " أيها الأب / لم تغمض عينيك عن العالم / والطريق مصباح تلو مصباح ؟ " ص68، وارتباطا بالأب تبرز صورة والدته التي تشبه نساء الهنود الحمر، وهي تلازم منسجها كأداة للخلق والابتكار، داخل غرفة ضيقة، واستعمالها الزيت في دهن شعرها وترطيبه: " والدتك التي تشبه نساء الهنود الحمر... " ص37، وهي تحمل منسجها: "حملت منسجها الذي نخرته الأيام / ونصبته في غرفة أضيق من عينيها... / كانت تدهن شعرها بالزيت / وتخضبه بالحناء... " 37. ورغم أن موضوع إصابة الأب ب " ألزهايمر " هو ما طغى على شعر المقطوعات فإنها لم تخل من عناصر إيقاعية وبلاغية كسرت رتابة الجانب النثري في خلق إيقاع داخلي طالعنا منذ البداية متمثلا في حرف الدال الذي تكرر في قول الشاعر: " يسقط دلو من دلوك/ ويندلق الماء على تل النحاس... " ص9، وحرف السين: " أيها أقسى، أن تتذكر أم تنسى ؟ " ص15، وهو ما أضفى من خلال تكرار نفس الحرف على المقطع الشعري تناغما وتجانسا إيقاعيا، انتقل إلى خلق نبرة خارجية في: " بيننا السنابل في زمن آخر... / وانتظرت الحنطة قبل المطر. " ص25، حيث اختتمت الجملتان بروي الراء ( آخر، والمطر )، وتوظيف الجناس كما نقرأ في: " والطريق مصباح تلو مصباح ؟ " ص68، والطباق كما ورد في قوله: " أيهما أقسى أتتذكر أم تنسى ؟ " ص15، وكذلك حين قوله: " ونحدق في ظلال تنأى وتدنو. " ص28، حيث تقابل: تتذكر وتنسى، وتنأى وتدنو. كما عمد إلى استعمال عنصر التشبيه مجرد عن الأداة: " في صنعتك كان الحزن دالية " ص13، فرغم ذكر المشبه (الحزن)، والمشبه به (دالية) فلم تذكر الأداة، وهو ما تكرر في قوله: " الصبر حصان يعدو بلا وجهة / والحظ كلام قديم منسي في كتاب. " ص17، واستخدام الكاف في: " كان يومك يمر / كأسير في قدميه كَبْل... " ص26، أو الأداة " مثل ": " بالرغم من أننا حولك / مثل فراشات حول مصباح " ص54، وكلها عناصر بلاغية خلعت على الشعر جمالية في المبنى والمعنى. موازاة مع تعابير مجازية كما نقرأ في مثل: " تتحسس حقلا على كتفك " ص10، وهي صورة تجسد نمو حقل وتشكله فوق كتف شخص، واستعمال الحلكة لملاءة: " ريثما تجر الحلكة ملاءتها بعيدا عن المدشر. " ص11، في تصوير مختلف بحمل الحلكة لملاءة دون تحديد لطرق وظروف الاستعمال. ويصير للحيرة جناحين: " وحين أفردت حيرتك جناحيها في ليل المشاع... " ص14، وإخفاء اليأس في مطامر وجحور... " ص21، ويغدو للأيام كاحل يصاب بالتواء: " ولأيام التوى كاحلها في الطريق. " ص56، وولادة الحنان على راحة اليد الذي تصير له أجنحة: " وعلى راحة يدك ولد الحنان / ونبتت له أجنحة... " ص31،وانخراط الحجر في النشيج والبكاء: " يبكي الحجر وينتحب بين يديك... " ص41، وكلها عناصر أغنت المتن الشعري، وشرعته على آفاق موسومة بالاختلاف والمغايرة، وإلى جانب ما هو إيقاعي وبلاغي عمد الشاعر إلى توظيف عناصر أخرى مثل الحوار الذي ورد في العديد من الأشكال و منذ أول مقطع ": " أنظر إليك / وتنظر إلي " ص9، في حوار بين الأب وابنه، وما يحمله من دلالات، وما يلمح إليه من أبعاد تتجسد في تبادل لنظرات حبلى بمشاعر من ألم وأمل، وسرعان ما ينتقل إلى تنصيب الشمس كطرف في الحوار: " وتقول للشمس التي تنزل من سمائها: / العمر حصان يعدو بلا وجهة... " ص17، ونذكر من المواضيع التي تكررت في مقاطع المتن الشعري موضوع الأمازيغية التي هي أصل الأب: " والدك الأمازيغي... / فر من جبال الجنوب كما لو أنه فر من ثأر. " ص22، والذي غادر، فرارا، جبال الجنوب دون تحديد أسباب ذلك مكتفيا بصيغة التشبيه (كما لو أنه فر من ثأر)، وذكر بعض تقاليد الأمازيغ، وما يندرج في صلب ثقافتهم مثل الوشم: " أو وشم في جبين امرأة / من بلاد الأمازيغ. " ص24،وما يجري في نسغ نظرات الأب من ماء أمازيغي: " غير أن نظرتك التي سقيتها بماء الأمازيغ... " ص40، وهو تجسيد لمظهر من مظاهر الأمازيغية التي يتغذى منها فكره ووجدانه.

فشعر " ألزهايمر يا أبي " بمقاطعه المتوالية المفتوحة والمنفتحة على آفاق شعرية غنية وممتدة عبر صور وإيقاعات تجسد حالات الأب المصاب ب " ألزهايمر "، وما ينجم عنها من أوضاع تتوزع بين أعراض المرض وتداعياته حافرة في مجرى محيطه، خائضة في أضابير ذكريات ما تفتأ تنبش في تفاصيلها، وتتورط في فك خيوطها لرسم لوحة إبداعية متعددة الخطوط والظلال والألوان لوَقْع المصاب، وما أفرزه من آثار، وما نجم عنه من مخلفات نفسية وذهنية على الأب وأفراد محيطه الأسري القريب.

***

عبد النبي بزاز

.................

ألزهايمر يا أبي (شعر) عبد الرحيم الخصار/ دار العين الإسكندرية ـ مصر2026.

في البنية اللغوية والجمالية والدلالية للشاعر أحمد يوسف داود

تأتي هذه الدراسة النقدية لقصيدة «قهوةٌ بالدّمّ» للشاعر أحمد يوسف داود بوصفها محاولةً للإنصات إلى نصٍّ يتجاوز حدوده اللغوية المباشرة نحو فضاء دلالي كثيف، تتداخل فيه العلامة الشعرية بالحدث الإنساني، وتتشابك فيه اليوميات البسيطة مع المأساة الكونية.

وتسعى هذه القراءة إلى تفكيك البنية العميقة للنص، لا بوصفه خطاباً شعرياً يصف واقعاً خارجياً فحسب، بل باعتباره بنيةً رمزية مفتوحة تنتج المعنى عبر التوتر بين الأضداد: الحياة والموت، القهوة والدم، الصباح والخراب، الهدوء والعنف.

ومن ثمّ فإن هذه المقاربة لا تكتفي بقراءة سطح النص، بل تتجه إلى تفجير طبقاته الدلالية عبر مقاربات لغوية وبلاغية وسيميائية ونفسية وفكرية، وصولاً إلى الكشف عن شبكة الاحتمالات التأويلية التي يتيحها النص للقارئ، في ضوء النقد الاحتمالي الذي يجعل من المعنى فعلاً متجدداً لا حقيقة مغلقة.

تنتمي قصيدة «قهوةٌ بالدّمّ» إلى الشعر العربي الحديث ذي النزعة الإنسانية الاحتجاجية، حيث تتحول التجربة اليومية البسيطة ــ إعداد فنجان قهوة الصباح ــ إلى مأساة كونية تعكس انهيار القيم الإنسانية في عالم تغمره الحروب والأخبار الدامية. والنص، على قصره النسبي، يمتلك كثافة شعرية عالية، إذ يبني شبكة معقدة من الرموز والعلاقات الدلالية التي تتجاوز ظاهر الحكاية إلى مستويات عميقة من التأويل.

فالقهوة ليست قهوة، والخبر ليس خبراً، والقتيل ليس فرداً بعينه، بل تتحول جميع العناصر إلى علامات سيميائية داخل بنية رمزية متماسكة تنقل الذات الشاعرة من المستوى الشخصي إلى المستوى الإنساني الكوني.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١- سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تميزت القصيدة بسلامة لغوية واضحة، إذ اعتمد الشاعر لغة فصيحة نقية بعيدة عن الترهل اللفظي والتعقيد المصطنع.

يقول:

"هوَ لم يَعُدْ مُهْراً يُؤرّقُهُ الصَّهيلُ"

يفتتح الشاعر نصه بجملة فعلية منفية:

"لم يعد مهراً"

وهي صيغة انتقال وتحول، لا صيغة وصف ثابت.

فالذات هنا لا تُعرَّف بما هي عليه، بل بما كانت عليه ثم فقدته.

وهذا الانزياح الزمني يؤسس للمسار الدرامي كله.

فالمهر في الثقافة العربية رمز:

١- الحرية

٢- الفتوة

٣- الانطلاق

٤- الحياة

بينما يتحول لاحقاً إلى كائن محاصر داخل الكابوس.

وهنا تتشكل أولى الصور التحولية في النص.

الانزياح التركيبي:

لم يقل الشاعر:

"لم يعد كالمهر"، بل قال: "لم يعد مهراً"

فحذف أداة التشبيه.

وبذلك انتقل من التشبيه إلى الاستعارة الكلية.

فالذات ليست شبيهة بالمهر، بل هي المهر ذاته. وهو ما يمنح الصورة كثافة دلالية أعلى.

جمال الصياغة:

يقول:

"روحُهُ تحتَ الأنينِ وقلبُهُ كالجُرحِ دامي"

لم يقل:

"روحه تتألم"

بل جعل الروح مكاناً غارقاً تحت طبقات الأنين.

فالألم هنا لم يعد حدثاً نفسياً بل فضاءً وجودياً.

أما القلب:

"كالجُرح دامي"، فهي صورة تجعل القلب والجرح متبادلين في الهوية.

فالقلب لم يعد يملك جرحاً.

بل أصبح هو الجرح نفسه.

وهذا ما يسميه النقد الحديث:

الاندماج الوجودي بين الذات والألم.

- فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ المختارة تنتمي إلى الحقل الدلالي للألم:

١- الكابوس

٢- الأنين

٣- الجرح

٤- الدم

٥- القتلى

٦- الأسى

٧- الوجع

لكنها لا تأتي متراكمة اعتباطياً.

بل تتدرج تصاعدياً حتى تبلغ ذروة الصدمة في عنوان النص:

"قهوة بالدّم"

وهو تركيب صادم يخرق أفق التوقع.

فالقهوة عادة تقترن بالدفء.

أما الدم فيقترن بالموت.

ومن ثم يتولد التوتر الشعري.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

الإيقاع الداخلي:

النص ينتمي إلى شعر التفعيلة الحرة. لكن موسيقاه لا تقوم على الوزن فقط. بل على التكرار والتوازي الصوتي.

مثال:

"بين دمٍ وبين دمٍ"

يتكرر التركيب مرتين.

فيتحول التكرار إلى إيقاع نفسي.

كما يتحول إلى دلالة:

فلا وجود لمسافة بين الدم والدم.

العالم كله أصبح حقلاً واحداً للنزف.

الموسيقى الداخلية:

لاحظ تكرار الأصوات المجهورة:

١- الدال

٢- الميم

٣- الباء

في:

دم دامي دم

وهي أصوات ثقيلة تتناسب مع جو المأساة.

كما تتكرر الحروف المهموسة:

١- السين

٢- الصاد

٣- الشين

في:

الصهيل السلام يسقط

فتولد نبرة انكسار خافتة.

الجرس الصوتي:

في قوله:

"ويصبُّ لكن ما يكاد يذوقها"

نلاحظ تعاقب:

الصاد والضاد والذال

وهي أصوات احتكاكية توحي بالفعل الحسي المباشر.

كأن القارئ يشارك الشخصية حركة إعداد القهوة.

ثم تنكسر الحركة فجأة أمام الخبر الدموي.

ثالثاً: الصورة الشعرية

الصورة الحركية

الصور في النص ليست ساكنة.

بل متحركة باستمرار.

يقول:

"تمشي الأرض بين دمٍ وبين دم"

الأرض هنا تتحرك. وهو إسناد غير مألوف.

فالذي يمشي عادة البشر. أما الأرض فتصبح كائناً مذعوراً يعبر بين بحرين من الدم.

الصورة التحولية:

أهم صور النص:

"قهوته تصير دماً"

هنا يحدث تحول جوهري.

القهوة - دم

الدفء - موت

الصباح - مجزرة

وهذا التحول يمثل مركز النص الدلالي.

الاندماج الحسي:

في:

"يغصُّ بنشرة الأخبار"

الخبر يتحول إلى شيء مادي.

يُبتلع. ويُحدث الاختناق. فقد امتزج الإدراك العقلي بالفعل الجسدي.

وهذا نموذج واضح للتبادل الحسي.

استعارة الامتزاج:

النص كله قائم على الامتزاج:

١- القهوة بالدم.

٢- الروح بالأنين.

٣- القلب بالجرح.

٤- السلام بالوجع.

وهذه الاستعارات تنتج رؤية مأساوية للعالم.

فالأشياء لم تعد نقية. بل اختلطت أضدادها.

رابعاً: القراءة الذرائعية

- وفق المنهج الذرائعي فإن قيمة النص لا تكمن في جماله وحده، بل في وظيفته الإنسانية.

النص يؤدي ثلاث وظائف متزامنة:

١- وظيفة جمالية عبر بناء الصورة.

٢- وظيفة وجدانية عبر نقل الألم.

٣- وظيفة أخلاقية عبر إدانة العنف.

فالشاعر لا يصف الدم بوصفه حدثاً إعلامياً. بل بوصفه كارثة إنسانية تمس الفرد في تفاصيل يومه الصغيرة.

حتى القهوة لم تعد قهوة.

وهنا تتحقق ذرائعية النص بوصفه خطاباً للمجتمع والضمير الإنساني.

خامساً: الرمزية المركبة

القهوة

ترمز إلى:

الحياة اليومية

الطمأنينة

الطقس الشخصي

الدم

يرمز إلى:

١- الحرب

٢- الموت

٣- الفقد

الأخبار، ترمز إلى:

١- سلطة الواقع

٢- عنف العالم المعاصر

القتيل:

يرمز إلى الضحية الإنسانية المطلقة.

السلام

في قوله:

"وجع السلام"

يصبح السلام نفسه مصدراً للألم.

وهذه من أكثر مفارقات النص عمقاً.

إذ يكشف الشاعر عن عالم أصبح فيه حتى السلام جريحاً.

المقاربة الهيرمينوطيقية والنقد الاحتمالي والبنية النفسية والسيميائية

سادساً: البنية العميقة للمعنى (القراءة الهيرمينوطيقية)

تقوم الهرمينوطيقا على تجاوز المعنى الظاهر إلى المعنى المضمر، أي الانتقال من "ما يقوله النص" إلى "ما يلمّح إليه النص".

وعلى المستوى السطحي يبدو النص مشهداً يومياً بسيطاً:

رجلٌ يعدّ قهوته الصباحية ويطالع الأخبار.

لكن هذا المعنى لا يمثل سوى الطبقة الأولى من النص.

أما الطبقة الثانية فتتمثل في انهيار العلاقة بين الإنسان والعالم.

فالإنسان هنا لم يعد متلقياً للأخبار، بل صار ضحية لها.

ويظهر ذلك في قوله:

"لكن ما يكاد يذوقها حتى يغصّ بنشرة الأخبار"

فالغصة ليست غصة القهوة، بل غصة الوعي.

إنها لحظة اصطدام الذات بالحقيقة الدموية للعالم.

ومن ثم يتحول النص من وصف فعل يومي إلى مساءلة وجودية للإنسان المعاصر الذي يستيقظ كل صباح على خرائط الموت.

تأويل "المهر"

يفتتح الشاعر نصه بقوله:

"هو لم يعد مهراً يؤرقه الصهيل"

هنا تتعدد إمكانات التأويل:

التأويل الأول

المهر رمز للشباب والحرية.

وبالتالي فإن النص يتحدث عن إنسان فقد براءته الأولى.

التأويل الثاني

المهر رمز للطاقة الثورية.

وبالتالي فإن الشخصية فقدت قدرتها على المقاومة.

التأويل الثالث

المهر يمثل الإنسان العربي قبل الحروب.

أما الكابوس فيمثل واقعه الراهن.

وهنا يصبح النص خطاباً حضارياً لا فردياً.

تأويل القهوة

القهوة ليست مشروباً.

إنها طقس وجودي.

لحظة تصالح الإنسان مع نفسه.

لكن الدم يقتحم هذه اللحظة.

فتتحول القهوة إلى رمز لفشل الذات في حماية مساحتها الخاصة من عنف العالم.

سابعاً: النقد الاحتمالي

النقد الاحتمالي لا يبحث عن معنى نهائي للنص.

بل يدرس شبكة المعاني الممكنة.

ومن هذا المنطلق يمكن إنتاج قراءات عديدة للقصيدة.

١- القراءة السياسية:

النص إدانة للحروب.

ويتجلى ذلك في:

"تمشي الأرض بين دم وبين دم"

فالعالم هنا محاصر بالمجازر.

٢- القراءة الوجودية:

النص يطرح سؤال الإنسان في عالم فقد معناه.

فالشخصية لا تواجه عدواً محدداً. بل تواجه عبثية الموت نفسها.

٣- القراءة الحضارية:

يمكن قراءة النص بوصفه تصويراً لانهيار المشروع الإنساني الحديث.

فالإنسان يمتلك التكنولوجيا والإعلام. لكنه عاجز عن وقف نزيف الدم.

٤- القراءة النفسية:

النص ليس وصفاً للعالم.

بل وصف لصدمة داخلية.

فالعالم الخارجي يتحول إلى حالة نفسية.

والأخبار تتحول إلى جرح مقيم داخل الذات.

٥- القراءة الصوفية الاحتمالية:

قد يُقرأ الدم بوصفه رمزاً للفناء الإنساني.

والقهوة بوصفها رمزاً للحياة.

ومن ثم يصبح امتزاجهما صورة لصراع الوجود والفناء.

ثامناً: البنية النفسية للنص

القلق الوجودي:

القصيدة مشبعة بالقلق.

ويتجلى ذلك في الألفاظ:

١- الكابوس

٢- الأنين

٣- الجرح

٤- الدم

٥- القتلى

٦- الأسى

وهذه المفردات ترسم حقلاً نفسياً مغلقاً.

الشعور بالعجز

الشخصية لا تفعل شيئاً.

إنها:

تستيقظ، تعد القهوة، تقرأ الأخبار، ثم تتلقى الصدمة.

وبالتالي فهي ذات متلقية لا فاعلة.

وهذا يكشف شعوراً عميقاً بالعجز أمام الواقع.

الصدمة النفسية:

في علم النفس تمثل الصدمة لحظة انهيار القدرة على الاستيعاب.

وهذا ما نراه في:

"يغصّ بنشرة الأخبار"

فالخبر يتحول إلى صدمة جسدية.

وليس مجرد معلومة.

اللاوعي الجمعي:

بحسب تصور عالم النفس كارل يونغ، فإن الرموز الكبرى تعبّر عن الوعي الجمعي.

وهنا نجد:

الدم، القتيل، البحر، الأرض

وهي رموز كونية تتجاوز التجربة الفردية.

تاسعاً: البعد السيميائي

سيميائية العنوان:

"قهوة بالدّم"

عنوان يقوم على مفارقة صادمة.

القهوة علامة للحياة.

الدم علامة للموت.

وعندما يجتمع الضدان تتولد الصدمة الدلالية.

سيميائية الأرض:

يقول:

"تمشي الأرض بين دم وبين دم"

الأرض هنا ليست مكاناً. بل شخصية رمزية. وهي تمثل الإنسانية كلها.

سيميائية البحر:

يقول:

"كأن البحر يرجف تحته"

البحر رمز الثبات والعظمة.

لكن البحر هنا يرتجف.

أي أن الرعب تجاوز حدود الإنسان إلى الكون ذاته.

سيميائية القتيل:

"يهمس آخر القتلى"

اختيار "آخر" مهم جداً.

لأنه لا يشير إلى فرد.

بل إلى سلسلة لا تنتهي من الضحايا.

فكل قتيل هو "آخر" مؤقت.

إلى أن يسقط قتيل جديد.

عاشراً: الشبكات الدلالية

يقوم النص على ثنائيات متقابلة:

الحياة، الموت، القهوة، الدم، الروح، الجرح، لصباح، القتلى، السلام، الوجع، البحر، الرجفة

وهذه الثنائيات تصنع التوتر الدلالي في القصيدة.

حادي عاشر: البعد الإيروتيكي

بالمعنى النقدي الواسع للإيروس بوصفه طاقة حياة، لا بوصفه دلالة جسدية.

يمكن القول إن القهوة تمثل مبدأ الحياة.

بينما الدم يمثل مبدأ الفناء.

وعليه فإن النص يصور صراع الإيروس والتاناتوس: أي صراع غريزة الحياة وغريزة الموت.

فكل محاولة للعيش تواجهها آلة الفناء.

وهذا أحد أعمدة البنية العميقة للقصيدة.

ثاني عشر: الانزياح الزمني

يتحرك النص زمنياً عبر ثلاث طبقات:

الماضي

"لم يعد مهراً"

وجود ماضٍ مفقود.

الحاضر

"يعد قهوته"

زمن يومي مباشر.

الزمن المفتوح

"تمشي الأرض بين دم وبين دم"

زمن مستمر لا نهاية له.

وكأن المأساة أبدية.

ثالث عشر: الصورة التحولية الكبرى

أعظم تحوّل في النص:

قهوة - دم

روح ← أنين

قلب - جرح

سلام - وجع

وهذه التحولات الأربع تشكل الهيكل العميق للقصيدة.

فكل قيمة إيجابية تتحول إلى نقيضها.

وهنا تتجسد رؤية الشاعر للعالم بوصفه فضاءً مقلوباً فقد توازنه الأخلاقي والإنساني.

ومن هذه الرؤية تنبع قوة النص وفرادته، إذ ينجح أحمد يوسف داود في تحويل مشهد يومي عابر إلى مأساة كونية مكثفة، تُقرأ بوصفها صرخة إنسانية ضد اعتياد الدم، وضد تحوّل الموت إلى خبر يومي يتسلل حتى إلى فنجان القهوة الصباحي.

المحورية في القصيدة.

الأسس التاريخية والثقافية: والبنيوية والتفكيكية والإعرابية

رابع عشر: الأسس التاريخية والثقافية

١- سياق النص واللحظة التاريخية

لا يصرّح الشاعر باسم مكان أو حرب أو حادثة بعينها، غير أن البنية الدلالية للنص تضعه داخل الفضاء الإنساني المعاصر الذي باتت فيه الحروب والمجازر جزءاً من المشهد اليومي. فالأخبار التي كانت وسيلةً لنقل المعرفة تحولت إلى وسيلة لنقل الفواجع، حتى غدا الإنسان يستقبل الموت مع فنجان قهوته الصباحية.

يقول:

"حتى يغصَّ بنشرة الأخبار"

إنّ الأخبار هنا ليست خبراً محدداً، بل تمثل الخطاب الإعلامي العالمي الذي ينقل صور الدم والخراب بصورة متواصلة. ومن ثم فإن النص يعكس مرحلة تاريخية اتسمت بتكاثر الحروب الأهلية والإقليمية، وتحوّل المأساة الإنسانية إلى مادة يومية متكررة.

٢- موقع النص في تطور الشعر العربي الحديث

تنتمي القصيدة إلى قصيدة التفعيلة الحديثة التي تجاوزت الوظيفة الغنائية التقليدية نحو الوظيفة الإنسانية والاحتجاجية.

فإذا كان الشعر العربي القديم يحتفي غالباً بالبطولة الفردية، فإن هذا النص يحتفي بالإنسان الجريح بوصفه ضحية كونية.

كما أن الشاعر لا يروي حدثاً تاريخياً محدداً، وإنما يصوغ نموذجاً إنسانياً قابلاً للتكرار في كل زمان ومكان.

وهذه إحدى سمات الحداثة الشعرية التي تنتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الواقعة إلى الرمز.

٣- ارتباط النص بالتراث

رغم حداثة الرؤية، فإن النص يستبطن إرثاً عربياً عميقاً.

فالمهر الذي يرد في المطلع:

"هو لم يعد مهراً يؤرقه الصهيل"

يحيل إلى المخزون الرمزي العربي المرتبط بالفرس والخيل بوصفها علامات على الحرية والقوة والفروسية.

كما أن صورة الدم تستدعي حضوراً واسعاً في الشعر العربي منذ المعلقات وحتى الشعر المقاوم الحديث.

لكن الشاعر يعيد إنتاج هذه الرموز داخل رؤية معاصرة، فتتحول من رموز بطولية إلى رموز مأساوية.

خامس عشر: البنية الفنية والمعمار البنيوي

البنية السردية للنص

يمكن تقسيم القصيدة إلى ثلاث وحدات بنائية:

المرحلة الأولى: التمهيد النفسي

"هو لم يعد مهراً يؤرقه الصهيل"

وفيها يرسم الشاعر حالة الانكسار الأولى.

المرحلة الثانية: الفعل اليومي

"ويعد قهوته"

حيث تنتقل الذات إلى ممارسة طقسها المعتاد.

المرحلة الثالثة: الانفجار الدلالي

"حتى يغص بنشرة الأخبار"

فتنقلب البنية كلها نحو المأساة.

ومن ثم فإن القصيدة تعتمد سردية تصاعدية تبدأ بالوصف وتنتهي بالصدمة.

وحدة النص العضوية

جميع الصور في النص تدور حول مركز واحد:

الدم.

فالمهر مكسور بسببه.

والأخبار ممتلئة به.

والأرض تسير فيه.

والقهوة تتحول إليه.

وهذا يمنح النص وحدة عضوية متماسكة.

سادس عشر: القراءة التفكيكية

تقوم القراءة التفكيكية على كشف التوترات الكامنة داخل النص.

ومن أبرز الثنائيات المتصارعة:

القهوة - الدم

الصباح - الموت

السلام - الوجع

الحياة - الفناء

تفكيك العنوان:

"قهوة بالدّم"

العنوان يهدم العلاقة الطبيعية بين الأشياء.

فالقهوة ترتبط بالحياة.

والدم يرتبط بالموت.

وعندما يجتمع الضدان ينشأ تصدع دلالي.

وهذا التصدع هو الذي ينتج المعنى الشعري.

تفكيك السلام

يقول:

"وتذوب في وجع السلام"

منطق اللغة يربط السلام بالطمأنينة.

لكن الشاعر يربطه بالوجع.

وبذلك ينسف العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول.

فتصبح كلمة السلام نفسها موضوعاً للشك.

وهذا من أعمق مفاصل النص الفلسفية.

سابع عشر: الكاتب بوصفه فاعلاً اجتماعياً

لا يظهر الشاعر واعظاً أو خطيباً.

بل شاهداً إنسانياً.

إنه لا يرفع الشعارات السياسية المباشرة.

وإنما يكشف أثر العنف في حياة الفرد البسيط.

ومن هنا تتجلى الوظيفة الاجتماعية للشعر.

فالقصيدة لا تحتج على الحرب من موقع أيديولوجي. بل من موقع إنساني وأخلاقي.

ثامن عشر: الموضوعية النقدية

من الضروري التنبيه إلى أن قوة النص لا تكمن في موضوعه وحده.

فالحرب موضوع متكرر في الأدب. لكن خصوصية هذه القصيدة تتمثل في نجاحها بتحويل حدث إعلامي مألوف إلى تجربة شعرية عميقة.

فالتميّز هنا ليس في القضية المطروحة، بل في طريقة تمثيلها فنياً.

تاسع عشر: إعراب بعض الجمل والمفردات المحورية

أولاً: إعراب قوله:

"هو لم يعد مهراً يؤرقه الصهيل"

هو: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.

لم: حرف نفي وجزم وقلب.

يعد: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون.

اسمه: ضمير مستتر تقديره هو.

مهراً: خبر يعد منصوب وعلامة نصبه الفتحة.

يؤرقه: فعل مضارع مرفوع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.

الصهيل: فاعل مرفوع.

ثانياً: إعراب قوله:

"روحُه تحت الأنين"

روحُ: مبتدأ مرفوع وهو مضاف.

الهاء: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.

تحت: ظرف مكان منصوب متعلق بخبر محذوف.

الأنين: مضاف إليه مجرور.

والتقدير:

روحه مستقرة تحت الأنين.

ثالثاً: إعراب قوله:

"قلبه كالجُرح دامي"

قلبه: مبتدأ.

الكاف: حرف جر.

الجرح: اسم مجرور بالكاف.

دامٍ: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو.

ويجوز اعتبار الجملة في محل نصب حال.

رابعاً: إعراب قوله:

"تمشي الأرض بين دم وبين دم"

تمشي: فعل مضارع مرفوع.

الأرض: فاعل مرفوع.

بين: ظرف مكان منصوب.

دم: مضاف إليه مجرور.

الواو: حرف عطف.

بين دم: معطوف على ما قبله.

خامساً: إعراب قوله:

"كيف الحال؟"

كيف: اسم استفهام مبني في محل رفع خبر مقدم.

الحال: مبتدأ مؤخر مرفوع.

خاتمة نقدية

تُعدُّ قصيدة «قهوة بالدّم» نموذجاً مكثفاً للشعر الإنساني الحديث الذي ينجح في تحويل اليومي والعابر إلى رؤية وجودية شاملة. فقد استطاع أحمد يوسف داود أن يبني نصاً قصيراً نسبياً، لكنه غني بالانزياحات اللغوية والصور التحولية والرموز المركبة، وأن يخلق من فنجان قهوة صباحي مشهداً درامياً يختزل مأساة الإنسان المعاصر في عالم تتكاثر فيه الحروب ويصبح فيه الدم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

ومن خلال القراءة الأسلوبية والسيميائية والنفسية والهرمينوطيقية والاحتمالية، يتبين أن النص لا ينغلق على معنى واحد، بل يظل مفتوحاً على تأويلات متعددة، وهو ما يمنحه حيوية فنية وجمالية عالية، ويجعله نصاً قادراً على الاستمرار في إنتاج الدلالة عبر قراءات متجددة ومتعاقبة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

قَـهوةٌ بالدّمّْ!.

أحمد يوسف داود

هوَ لم يَعُدْ مُهْراً يُؤرّقُهُ الصَّهيلُ!..

الآنَ صارَ يُفيقُ في الكابوسِ..

تنساهُ الحِكايةُ:

روحُهُ تحتَ الأنينِ

وقلبُهُ كالجُرحِ دامي!.

*

ويُعِدُّ قَهوتَهُ

كأَنّ البَحرَ يرجِفُ تحتَهُ!..

ويصُبُّ..

لكنْ مايَكادُ يَذوقُها

حتى يَغَصَّ بنَشرةِ الأَخبارِ!..

في الأَخبارِ تمشي الأرضُ

بين دَمٍ..

وبينَ دَمٍ!..

ويَهمِسُ آخِرُ القَتْلى:

(صباحُ المَوتِ.. كيفَ الحالُ)؟!..

يَشهَدُ كيفَ قَهوتُهُ تَصيرُ دماً

وكيفَ الرّوحُ تُغضي..

ثمّ تسقُطُ في الأسى

وتذوبُ في وَجَعِ السَّلامِ!.

 

دراسة مقارنة بين جواهر البلاغة وأسرار البلاغة

يُعَدُّ القصر البلاغي من أكثر الأساليب البيانية قدرةً على تكثيف الدلالة وإحكام المعنى؛ إذ لا يقتصر دوره على تخصيص الحكم بالمقصور عليه، بل يتجاوز ذلك إلى بناء أفقٍ دلاليٍّ ينهض على التوكيد والإقناع والتأثير النفسي في المتلقّي. ومن هنا احتلّ القصر مكانةً مركزية في الدرس البلاغي العربي، لما ينطوي عليه من طاقاتٍ تعبيرية تجمع بين الاقتصاد اللغوي والعمق الدلالي، وتكشف عن براعة المتكلم في توجيه المعنى وفق مقتضى الحال. وقد تنبّه البلاغيون القدماء إلى هذه القيمة مبكرًا، فجعلوا القصر من الأساليب التي تتجلّى فيها فاعلية البلاغة بوصفها علمًا يتأسس على مطابقة الكلام لمقتضى المقام، لا مجرد تزيين لفظي أو صناعة شكلية.

وتنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى قراءة القصر البلاغي قراءةً مقارنة بين كتابين يُمثلان اتجاهين بارزين في التراث البلاغي العربي، هما كتاب «جواهر البلاغة» للسيد أحمد الهاشمي، وكتاب «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني. فإذا كان الهاشمي قد قدّم معالجة تعليمية منهجية للقصر ضمن إطار البلاغة المدرسية الحديثة، فإن الجرجاني قد نظر إليه بوصفه أداةً فاعلة في تشكيل النظم وإنتاج المعنى، مرتبطًا بالسياق النفسي والتركيبي للنص. ومن ثمّ فإن المقارنة بين الكتابين لا تكشف اختلافًا في العرض فحسب، بل تبرز تحولًا عميقًا في الرؤية إلى البلاغة ذاتها: أهي قواعد جامدة تُدرَّس، أم بنية فكرية وجمالية تُمارَس داخل النص؟

لقد تعامل «جواهر البلاغة» مع القصر باعتباره بابًا من أبواب علم المعاني، فركّز على تقسيماته التقليدية؛ كالقصر الحقيقي والإضافي، وقصر الصفة على الموصوف، وقصر الموصوف على الصفة، مع بيان أدواته من نحو النفي والاستثناء، و«إنما»، والتقديم والتأخير، والعطف بـ«بل» و«لكن». غير أن هذه المعالجة – على الرغم من قيمتها التعليمية – بدت أقرب إلى التصنيف المنهجي منها إلى الكشف عن البنية العميقة للنص البلاغي. فالهاشمي يقدّم القاعدة مقرونةً بالشاهد، لكنه لا يغوص كثيرًا في الأثر النفسي والجمالي الذي يحدثه القصر في عملية التلقي.

أما عبد القاهر الجرجاني، فإنه ينطلق من تصورٍ مغاير للبلاغة؛ إذ يرى أن قيمة الأسلوب لا تكمن في الألفاظ منفصلةً، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل النظم. ومن هنا جاء حديثه عن القصر متداخلًا مع نظريته في النظم، بوصفه وسيلةً لإعادة تشكيل المعنى وإنتاج الدلالة المقصودة وفق ترتيب خاص للكلام. فالقصر عند الجرجاني ليس مجرد تركيب نحوي، بل هو فعلٌ دلاليّ ينهض على الحذف والتقديم والتخصيص، ويستمد تأثيره من موقعه داخل البنية الكلية للنص. ولذلك تتجاوز بلاغة القصر عنده حدود التقرير إلى خلق التوتر الدلالي والإيحاء النفسي، وهو ما يمنح النص طاقته الجمالية وعمقه التأويلي.

وتتجلّى جماليات القصر البلاغي في كونه أسلوبًا يُعيد تنظيم العلاقة بين المعاني داخل الجملة، فيمنح بعض العناصر مركزيةً دلالية ويقصي عناصر أخرى، بما يحقق نوعًا من التركيز الفني الذي يشد انتباه المتلقي ويوجه إدراكه. فعندما يقول المتكلم: «ما الشاعر إلا رسولُ وجدانِ أمته»، فإن القصر هنا لا يكتفي بإثبات صفة الرسالة للشاعر، بل يحمّلها قيمةً رمزية ونفسية تجعلها محور الهوية الشعرية ذاتها. وهكذا يغدو القصر أداةً لإنتاج الرؤية، لا مجرد وسيلة للتوكيد.

ومن خلال المقارنة بين «جواهر البلاغة» و«أسرار البلاغة» يمكن القول إن البلاغة العربية قد شهدت انتقالًا من الفهم التعليمي الوصفي إلى الفهم التحليلي التأويلي. ففي حين ينزع الهاشمي إلى تبسيط القواعد وتصنيفها خدمةً للعملية التعليمية، يتجه الجرجاني إلى تفكيك البنية التعبيرية للكلام، وربط الظاهرة البلاغية بفاعلية المعنى وسياق التلقي. وهذا ما يجعل دراسة القصر البلاغي في الكتابين مدخلًا مهمًا للكشف عن تطور الفكر البلاغي العربي بين النزعة التعليمية والنزعة الجمالية التحليلية.

وعليه، فإن هذا البحث لا يهدف إلى استعراض أدوات القصر وصوره فحسب، بل يسعى إلى تحليل الأبعاد الدلالية والجمالية التي ينتجها هذا الأسلوب في النص العربي، وبيان الكيفية التي أسهم بها كلٌّ من الهاشمي والجرجاني في بناء التصور البلاغي للقصر، مع الكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بين الرؤيتين، وأثر ذلك في تطور الدرس البلاغي العربي.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

الهوامش والمراجع

أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تحقيق يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت، 1999، ص 112–118.

عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1991، ص 76–89.

شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، القاهرة، 1965، ص 214.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت، 1992، ص 133–140.

Heinrichs, Wolfhart, Arabic Rhetorical Tradition, Routledge, London, 2006, pp. 55–61.

Georges Bohas, Arabic Linguistics and the Classical Theory of Rhetoric, Curzon Press, 1990, pp. 102–109

مقاربة تأويلية في انفتاح النص الشعري

الملخص: يشكل شعر أدونيس أحد أكثر المشاريع الشعرية العربية الحديثة انفتاحًا على التأويل وتعدد القراءات، إذ تتأسس بنيته الجمالية على خلخلة المرجعيات الثابتة، وإعادة إنتاج الدلالة في فضاءات لغوية ورمزية تتجاوز التفسير الأحادي نحو تعددية المعنى. ومن هنا تبرز أهمية دراسة آليات إنتاج الدلالة في نصوصه، والكشف عن الكيفية التي تتحول بها القصيدة إلى فضاء تأويلي مفتوح يسمح بتعدد المقاربات واختلاف أفق التلقي. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الدلالية في شعر أدونيس من خلال رصد مستويات الانزياح اللغوي، والرمز الأسطوري، والتناص الثقافي، بما يفضي إلى تعدد القراءات وتكاثر المعاني. كما تعتمد الدراسة المنهج التأويلي مدعومًا بآليات التحليل السيميائي وجمالية التلقي للكشف عن دينامية إنتاج المعنى في النص الأدونيسي.

الكلمات المفتاحية: أدونيس، تعدد القراءات، التأويل، جمالية التلقي، السيميائيات، احتمالات المعنى.

المقدمة

شهد الشعر العربي الحديث تحولات جذرية في بنيته الجمالية والمعرفية، كان من أبرز تجلياتها الانتقال من مركزية المعنى الواحد إلى انفتاح النص على إمكانات تأويلية متعددة. ويُعد أدونيس من أبرز الشعراء الذين أسهموا في ترسيخ هذا التحول عبر مشروع شعري يقوم على تفكيك الأنساق التقليدية للخطاب وإعادة بناء العلاقات بين اللغة والواقع والذات.

لقد تجاوز أدونيس مفهوم الشعر بوصفه أداة للتعبير المباشر إلى اعتباره ممارسة معرفية تنتج رؤى جديدة للعالم، وهو ما جعل نصوصه تتسم بدرجة عالية من الكثافة الرمزية والتشابك الدلالي. ومن ثم فإن قراءة شعره لا تقتصر على استنطاق المعنى الظاهر، بل تستدعي تفعيل آليات التأويل للكشف عن طبقات المعنى الكامنة في النص.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى مقاربة شعر أدونيس من زاوية تعدد القراءات، بوصفه أحد أهم المفاهيم النقدية التي ارتبطت بالنصوص الحداثية وما بعد الحداثية، حيث يصبح المعنى نتاجًا لتفاعل النص والقارئ والسياق الثقافي.

إشكالية الدراسة

تنطلق الدراسة من التساؤل المركزي الآتي:

كيف يسهم البناء الشعري عند أدونيس في إنتاج تعدد القراءات واحتمالات المعنى؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

- ما الآليات الفنية التي تجعل النص الأدونيسي مفتوحًا على التأويل؟

- كيف يسهم الرمز والأسطورة والتناص في تعدد الدلالات؟

- ما دور القارئ في إنتاج المعنى داخل النص الأدونيسي؟

- إلى أي مدى يمكن اعتبار شعر أدونيس نموذجًا للنص المفتوح؟

فرضيات الدراسة

يقوم شعر أدونيس على بنية لغوية مفتوحة تتيح تعدد مستويات القراءة.

تؤدي الرمزية الكثيفة والتناصات الثقافية إلى إنتاج دلالات متجددة. فيتحول القارئ في النص الأدونيسي من متلقٍ سلبي إلى شريك في بناء المعنى. كما تتجاوز دلالة القصيدة الأدونيسية حدود المرجع الواقعي نحو فضاءات تأويلية متعددة.

المنهجية

تعتمد الدراسة المنهج التأويلي بوصفه إطارًا رئيسًا لتحليل النصوص، مع الاستفادة من المنهج السيميائي وجمالية التلقي. ويُعنى المنهج التأويلي بالكشف عن العلاقات العميقة بين البنية النصية والمعنى، بينما تسهم السيميائيات في تحليل الأنظمة الرمزية، وتبرز جمالية التلقي دور القارئ في إنتاج الدلالة.

أولاً: انفتاح البنية الشعرية وإنتاج المعنى

تقوم اللغة الشعرية عند أدونيس على مبدأ الانزياح الذي يحرر العلامة اللغوية من دلالتها المعجمية المباشرة. فاللغة لا تشير إلى الأشياء بقدر ما تعيد تشكيلها داخل فضاء رمزي جديد.

فعندما يقول:

"أبحث عن وجهي في مرايا الغياب"

فإن الغياب لا يحيل إلى فقدان مادي فحسب، بل يتحول إلى بنية رمزية يمكن أن تشير إلى الاغتراب الوجودي أو ضياع الهوية أو أزمة الحضارة العربية.

إن هذا التعدد المرجعي يجعل النص قابلًا لقراءات متباينة تبعًا لأفق انتظار القارئ وخلفيته المعرفية.

ثانياً: الرمز والأسطورة بوصفهما مولدين للدلالة

يشكل الرمز أحد أهم مرتكزات المشروع الشعري عند أدونيس. فالرموز الأسطورية والتاريخية لا تُستحضر بوصفها عناصر زخرفية، بل بوصفها أدوات لإعادة إنتاج الواقع.

وتتكرر في شعره شخصيات مثل:

جلجامش، تموز، أورفيوس، الحلاج، المتنبي. وهي رموز تنفتح على أبعاد متعددة تجمع بين التاريخي والأسطوري والوجودي.

فشخصية الحلاج مثلًا قد تُقرأ بوصفها رمزًا للثورة الروحية، أو للتمرد الفكري، أو للاغتراب الوجودي، وهو ما يفتح النص على احتمالات تأويلية متجددة.

ثالثاً: التناص وإعادة إنتاج الدلالة

يُعد التناص من أبرز خصائص الكتابة الأدونيسية، إذ تتشابك في نصوصه أصوات متعددة تنتمي إلى التراث العربي والإسلامي والأساطير القديمة والفكر الغربي الحديث.

وتتجلى أهمية التناص في أنه يخلق شبكة من العلاقات النصية التي تجعل المعنى غير مكتمل داخل النص ذاته، بل ممتدًا نحو نصوص أخرى.

وبذلك يتحول القارئ إلى باحث عن العلاقات الخفية بين النصوص، الأمر الذي يؤدي إلى تعدد القراءات واختلاف مستويات الفهم.

رابعاً: القارئ وإنتاج المعنى

وفقًا لنظرية جمالية التلقي لا يمتلك النص معنى نهائيًا مغلقًا، وإنما يتشكل المعنى من خلال التفاعل بين النص والقارئ.

ويبدو هذا التصور حاضرًا بقوة في شعر أدونيس الذي يترك فراغات دلالية واسعة تدفع القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى.

ومن هنا تتعدد القراءات تبعًا لاختلاف:

الخلفية الثقافية.

المرجعية الفكرية.

الخبرة الجمالية.

السياق التاريخي.

فالنص الواحد قد ينتج قراءات سياسية أو فلسفية أو صوفية أو وجودية في الوقت نفسه.

خامساً: النص المفتوح واحتمالات التأويل

يتقاطع شعر أدونيس مع مفهوم "النص المفتوح" عند أمبرتو إيكو الذي يرى أن العمل الأدبي يظل قابلًا لإنتاج معانٍ متعددة دون أن يفقد تماسكه البنائي.

وتتجلى هذه السمة في اعتماد أدونيس على:

التقطيع الدلالي.

الصورة المركبة.

الإيحاء الرمزي.

تفكيك المرجعيات الثابتة.

وهذه العناصر تجعل القصيدة فضاءً للحوار بين المعاني المختلفة بدلًا من كونها خطابًا أحادي الدلالة.

النتائج

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

يعتمد شعر أدونيس على بنية لغوية ورمزية تجعل النص منفتحًا على تعدد القراءات.

يسهم الرمز والأسطورة في إنتاج مستويات دلالية متشابكة.

يؤدي التناص إلى توسيع أفق التأويل وربط النص بشبكات ثقافية متعددة.

يلعب القارئ دورًا جوهريًا في استكمال المعنى وإعادة إنتاجه.

يمثل شعر أدونيس نموذجًا متقدمًا للنص المفتوح في الشعر العربي الحديث.

الخاتمة

تكشف دراسة تعدد القراءات واحتمالات المعنى في شعر أدونيس عن مشروع شعري يتجاوز حدود التعبير الجمالي إلى تأسيس رؤية معرفية جديدة للعالم. فالنص الأدونيسي لا يقدم معنى جاهزًا، بل يفتح أمام القارئ مساحات واسعة للتأويل وإعادة إنتاج الدلالة. ومن هنا تتجلى فرادة هذا المشروع الشعري الذي جعل من القصيدة العربية الحديثة فضاءً للحوار والتعدد والانفتاح المعرفي.

***

بقلمي: ربى رباعي الاردن

.....................

المراجع العربية

أدونيس، الثابت والمتحول، دار الساقي.

أدونيس، زمن الشعر، دار العودة.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير.

محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري.

يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح النقدي.

عبد الملك مرتاض، في نظرية النص الأدبي.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي.

نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل.

المراجع الأجنبية

Hans-Georg Gadamer, Truth and Method.

Paul Ricoeur, Interpretation Theory.

Umberto Eco, The Open Work.

Roland Barthes, The Pleasure of the Text.

Julia Kristeva, Desire in Language.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Jonathan Culler, Structuralist Poetics.

رسائل ماجستير ودكتوراه مقترحة للاستفادة

البنية الأسطورية في شعر أدونيس – رسالة ماجستير.

التناص في شعر أدونيس – رسالة دكتوراه.

جمالية التلقي في الشعر العربي الحديث – رسالة دكتوراه.

البعد الصوفي في شعر أدونيس – رسالة ماجستير.

آليات التأويل في الخطاب الشعري المعاصر – رسالة دكتوراه.

دوريات وأبحاث علمية

مجلة فصول المصرية.

مجلة عالم الفكر الكويتية.

مجلة علامات في النقد.

مجلة الفكر العربي المعاصر.

Journal of Arabic Literature.

Comparative Literature Studies.

Modern Language Review.

Poetics Today.

Textual Practice.

تضمن مطلع عام 2026 دلالة رمزية تتلخص بمرور مئة عام على صدور كتاب: (في الشعر الجاهلي) عام 1926 النص المؤسس للنقد الأدبي العربي الحديث، فهو بحق يمثل ولادة النقد العربي الحديث ويمثل لحظة صيرورة ومخاض لتشكل الفكر العربي التنويري الحداثوي المنطلق من مرجعيات معاصرة في دراسة الأدب والتراث بنحو عام متجاوزا المسلمات التقليدية برؤاها التراثية من خلال تدشينه لمنهجيات تدين للاستقصاء والحفر في اجتراح المعارف وتطرح قبلياتها التصورية التاريخية وتخضعها للشك والمساءلة النقدية وتعيد النظر في المصادر التاريخية وتخضع مروياتها من اخبار إلى التحليل والفحص والمراجعة في حيثياتها الزمنية وصولا لإرساء تصورات معرفية تتسم بالموضوعية المنهجية المنضبطة، فقد اعتمد منهج الشك الديكارتي، فكان ما كان من نقده لأصول الشعر الجاهلي وقضية الانتحال، فهو يرى أن ملامح الحياة البدوية وصراعها القبلي لا تتراءى في مضامين الشعر الجاهلي فهو قد وضع في العصر الاموي، فالقرآن الكريم وحده من يمثل المصدر الذي يطمئن من خلاله لرسم ملامح الحياة الجاهلية و وثنيتها وصراعها القبلي . ولعل جرأته النقدية وتمييزه بين المعرفة الدينية والمعرفة التاريخية، فالاخيرة تستند في إثبات الوقائع على الأدلة والمصادر التنقيبية أقول لعل جرأته هي من فتحت عليه باب الخصومة العقائدية من خلال قوله: للتوراة أن تحدثنا عن نبي الله إبراهيم و للقرآن الكريم أن يحدثنا عنه ولكن تبقى مسألة القول بوجوده هي قضية تاريخية لا تثبت الا بالمدونات التاريخية والوثائق وحدها، مما اضطره بعد محاكمته للتراجع عن رأيه وحذف ما كان قد صرح به في كتابه وليعيد طباعته باسم جديد هو (في الادب الجاهلي). إن الاشتباك المعرفي المرتكز على الشك مع مرويات غير موثوقة انتهت به إلى أفكار عده كان من أبرزها نقده للمرويات التاريخية المتعلقة في نزوح ابراهيم وإسماعيل إلى مكة وما تتضمن من دلالة اجتماعية تبتغي خلق روابط تاريخية بين العرب واليهود بهدف خلق وفاق مشترك وتعايش سلمي بين مكونين يستوطنان المكان نفسه في الجزيرة العربية للتخفيف من وطأة الصراع العقائدي بينهما، فلاشك أن نقد السرديات المؤسسة للهوية يحدث جرحا نرجسيا لا يمكن أن يتحمل ألمه الشديد من ألف التفكير غير الحر ولم يألف النظر الأكاديمي المرتكز على مرجعيات منهجية موضوعية فاصطدم بالتفكير التقليدي في مؤسسة الأزهر على الرغم من أن مسألة الانتحال ليس بالمسألة الجديدة فقد هجست بها المصادر النقدية التراثية كطبقات فحول الشعراء لابن سلام وغيره، ولكن يبدو أن الصراع كان صراعا رمزيا حول احتكار المعرفة من قبل مؤسسة تقليدية محافظة وبين تشكل معرفة جديدة تدين للمنهج العلمي وتتحرر من أسر سلطة المعرفية التقليدية في انفتاحها على الحياة وأسئلة الواقع ومراجعة التراث ونقده، هذا الأمر يتأكد بنحو واضح بعد مطالعة كتاب (الايام) لطه حسين وتحديدا في جزئه الثالث فهو يصرح بأن تفرغ لكتابة سيرته بعد حادثة نشر كتابه (في الشعر الجاهلي) وبعد فصله من الجامعة في سيرة يرويها لابنته وابنه ذاكرا أن أباكم لم يكابد من محنة العمى وكف البصر وما قاساه من شظف العيش وفقر ذات اليد وحدهما بل واجه ما هو أقسى لقوله بآراء حرة تأبى التقليد وترفض المداهنة فحرص أن ينتقد أساليب التدريس التقليدية في معاهد الأزهر آن ذاك مصورا صراعهم وتدافعهم وتنافسهم النفعي بما لاينسجم مع القيم الدينية التي يبشرون بها، وروى بمرارة تعرضه للاقصاء والتهديد بالطرد بسبب جرأته النقدية لطريقة الشيوخ في التدريس . وبعد حين اختار طه حسين الكتابة التاريخية المباشرة في مراجعة حوادث الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان واخبار الاقتتال الاهلي بين أهل المدينة والبصرة والكوفة وحرب الامام علي مع معاوية والصراع مع عبد الله بن الزبير بتحليل تاريخي ينفذ للمحركات الاجتماعية بعيدا عن سرديات التاريخ الرسمية وبعيدا عن التاويلات التبريرية التي يفرزها فقه الأحكام السلطانية بمختلف مرجعياته المذهبية في التماس الأعذار للأطراف المناوءة لبعضها البعض واحقية موقف البعض وتأثيم الآخر ضمن أطراف الصراع والاقتتال الاهلي . فلحظة التدوين وتثبيت المرويات الشفوية وتحريرها بمدونات تاريخية رسمية هي مرحلة تشكل للذاكرة ويحكمها منطق الصراع والمصلحة فيتم استبعاد بعض الأخبار والإبقاء على البعض الآخر وصولا إلى الوضع وانتحال الاخبار بهدف التبرير والتأويل وإضفاء صفة شرعية على تصورات ومواقف تاريخية، فهو ينطلق من رؤى واقعية تتجاوز الموروث من تأويلات الفتنة وفعل التأثيم ومحاولا نزع الأسطرة والتعاطي بواقعية مع لحظة وفاة الرسول (ص) والتحاقه بالفريق الاعلى وما شكل ذلك من صدمة ومحنة كبيرة يصعب إدارة أزمتها على المسلمين، فحداثة التجربة في ادارة الكيان السياسي في الجزيرة العربية لا شك هي من تفضي لتلك الصراعات التي لا ترتكز إلى خبرات تنظيمية سابقة فهو قد استلهم فكرة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه:(الاسلام وأصول الحكم ) وقوله أن مشروع الرسول (ص) هو مشروع ديني وروحي وقيمي أخلاقي محض ولا يستند إلى بناء دولة بمفهومها السياسي. وعلي عبد الرزاق واجه الطرد والمحاكمة كما واجهها طه حسين نفسه ولم يفصل بين الحادثتين سوى عام واحد . ومن يراجع خطاب طه حسين الحجاجي في كتابه (الفتنة الكبرى) في دعوته للفصل بين التاريخ ومراجعة الوقائع والتحري منها في ضوء ظروفها الاجتماعية والسياسية وما بذل في سبيل ذلك من حشد تحليلي في أساليب التحرر من الأهواء والعواطف والمسلمات المذهبية بغية الاتصاف بالموضوعية سوف يدرك النضال الفكري المرير الذي كان يكابده في اقناع التلقيات التقليدية التي ليس في معهودها مراجعة الحوادث التاريخية الكبرى.

لعل المفكر العراقي علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) قد استلهم النقد التاريخي في اخبار الفتنة فهو يستأنس بأراء طه حسين صراحة وشكك أيضا بوجود شخصية عبد الله بن سبأ التي ينسب إليه بذر الفتنة والانشقاق بين المسلمين وهذا ما اقترب إليه طه حسين من قبل . وقد حاول الوردي  تجاوز القراءات المذهبية لاحداث الفتنة والانقسام مما أفرز سجالات بين الوردي وبين خصومه اضطرته إلى المضي إلى شوط أبعد في نقد نظم التفكير التراثية المستندة في جدلها إلى المنطق الأرسطي من خلال كتابه (مهزلة العقل البشري) ويعمق منهجه بعد حين في قراءة تاريخ العراق المعاصر من منظور المنحى التكويني الاجتماعي فأصدر موسوعته (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) والاثنان طه حسين والوردي لا ينهلان من المناهج الحديثة فحسب بل ثمة روافد مرجعية تراثية اجتماعية في نقد التاريخ نهلا منها تمثلت بفكر ابن خلدون في مقدمته الاجتماعية لكتاب في التاريخ(العبر وديوان المبتدا والخبر) فكلاهما عني بفكر ابن خلدون في مقدمته.

 و لا يخفى على المطلع على الدراسات النقدية للنظم المعرفية العربية مدى تطورها في توظيفها لمنهجيات متطورة جدا تبدو إزائها محاولة طه حسين التأسيسية متواضعة جدا كتجربة محمد عابد الجابري في كتابه: (تكوين العقلي العربي) وكتابات عبد الله العروي في نقد الأيديولوجيا وما كتبه نصر حامد ابو زيد في كتابه(الامام الشافعي تأسيس الأيديولوجيا الوسطية) فهذه الكتابات وغيرها من كتابات حداثوية نقدية متطورة لم تكتف بنقد المعرفة التاريخية بل قامت بتفكيك ونقد النظم المشكلة لتلك المعرفة في مشاريع التدوين الرسمي ونقدها للظروف التكوينية المسؤولة عن انبثاق علوم شارحة للنص القرآني المقدس في تشخيص المحركات والدوافع الاجتماعية التي تؤطر تاريخ التدوين وتشكل المعارف التراثية الأصولية فمنطق الصراع كان حاضرا ومهما بدت نظرات طه حسين متواضعة في نقد المعرفة التاريخية إزاء هذه الدراسات لكن تبقى نظراته هي النظرات المؤسسة لهذا النظر المعرفي وهي أول من اصطدم بالتابوات الثقافية. ومما يؤسف له أن معظم المراجعات الحفرية النقدية لتأسيس النقد العربي على يد طه حسين انشغلت بإثبات او نفي مرجعياته الاستشراقية في طروحاته النقدية ولم تنظر للظروف التكوينية الاجتماعية في تشكيل خطابه النقدي ومواجهه للمؤسسات التقليدية. بل حتى المنطلقات الحداثوية في حفرياتها المراجعة ما زال معظمها منشغلا بنفي علمانية طه حسين وقوله بمركزية القران الكريم في رسم الملامح للوقائع الجاهلية وأنه قد حج بيت الله الحرام وحينما وصل إلى الديار المقدسة في الحجاز قبل ثراها بلحظة انفال عاطفي في مشاعر روحية صادقة كل ذلك يوظف في خطاب يستحضر الآخر المشككك في رده النقدي بينما خاض العميد صراعه النقدي على الرغم من كف البصر وفقر ذات اليد والأذى في التشهير والتاثيم والأبعاد عن الوظيفة ولم يكن مأخوذا.

إن استدعاء طه حسين في حفريات المعرفة الحداثوية العربية والنظر إليه من خلال الحداثة النقدية الأدبية دون النفاذ إلى محركات الحداثة الاجتماعية ونقد سلطة المعرفة التراثية هو أمر يصب في تسطيح فكره التنويري الريادي ويشىء بأن خطاب الحداثة مازال مأخوذا برهاب خطاب التأثيم فيلوذ إلى ملاذات آمنة تلخص الحداثة بالحداثة الأدبية وحدها دون أن تشرع نوافذها على باحات الريادة والتنوير في الحداثة الاجتماعية والحداثة السياسية.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

دراسة بنيوية، سيميائية، نفسية، سياسية

تقوم ومضة «إلى سبطي حيدر» على مفارقة لافتة تتمثل في اجتماع البراءة والخوف داخل مشهد شعري شديد البساطة والتكثيف. فالشاعر لا يبدأ من حدث استثنائي أو موقف درامي صاخب، بل من صورة طفل منكفئ على نفسه، ليحوّل هذا المشهد الحميمي إلى مدخل للكشف عن واقع اجتماعي وسياسي مأزوم. ومن خلال مخاطبة حفيده «حيدر»، ينتقل النص من دائرة العائلة إلى دائرة الوطن، ومن سؤال فردي عن سبب القلق إلى مساءلة جماعية لأسباب الخوف الذي أصبح يطال حتى أكثر الفئات براءة.

وتنبع أهمية هذه الومضة من قدرتها على تحويل الخاص إلى العام، إذ لا يبقى الطفل شخصية فردية داخل النص، بل يغدو رمزًا للمستقبل ومرآة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب الواقع المحيط به. فكل صورة من صور الومضة، من «المزهرية المنكفئة» إلى «الملثمين» و«سوق المحاصصة» و«القناصين»، تسهم في بناء رؤية نقدية تكشف عن علاقة الخوف بالبنى السياسية والاجتماعية السائدة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات إنتاج المعنى في هذه الومضة عبر قراءة العنوان بوصفه عتبة نصية موجهة للقراءة، ثم تقديم تفسير نصي للأبيات، قبل الانتقال إلى دراسة الأبعاد البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية. وتهدف هذه المقاربة إلى بيان الكيفية التي استطاع بها يحيى السماوي أن يجعل من براءة طفل واحد علامة شعرية كثيفة الدلالة، تتحول في سياق النص إلى أداة لكشف اختلالات الواقع واستنهاض الوعي الأخلاقي والإنساني تجاهها.

ومضة

(الى سبطي حيدر)

يا سبطي الجميل

ما لمزهريةِ رأسك منكفئة بين راحتيك؟

//

آه لو أعرف ما يُقلقك!

//

أنتَ لستَ لصّاً فاسداً

فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ

ليقضموا الآلهةَ التمرَ ..

//

لستَ من المتظاهرين فيخطفكَ الملثَّمون  ..

//

ولا من المطالبين باستعادةِ وطنكَ المعروضِ

للبيعِ والإيجارِ في سوقِ المحاصصةِ

فيقنصكَ قنّاصو طرفِ الحكومة الثالث ..

//

لستَ عضوَ برلمان

فتخشى أن تخسر امتيازاتك الخرافية

حين يتم إغلاقه قريبا بإذن الله ..

//

لستَ شيخًا مُتقاعدًا

ولا موظفًا بسيطًا تأخّرَ راتبُهُ ..

فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟

***

تحليل العنوان

«إلى سبطي حيدر»

يأتي عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» في صيغة إهداء أو خطاب مباشر، لكنه يتجاوز وظيفته التعريفية ليشكّل مفتاحًا أساسيًا لقراءة النص. فمنذ الوهلة الأولى يضعنا الشاعر أمام علاقة حميمة تجمعه بمخاطَب قريب إلى قلبه، إذ توحي كلمة «سبطي» بوشيجة القرابة والامتداد العائلي، بما تحمله من مشاعر المحبة والرعاية والحرص. أما أداة الجر «إلى» فتضفي على النص طابع الرسالة الشخصية، وكأن الشاعر يخص هذا الطفل بكلام يبدو في ظاهره فرديًا، لكنه سرعان ما يتجاوز حدود العلاقة الخاصة ليحمل دلالات أوسع.

ويكتسب اسم «حيدر» أهمية خاصة داخل العنوان؛ فهو اسم ذو حضور ثقافي ورمزي في الوجدان العربي، يرتبط بمعاني الشجاعة والقوة والإقدام. غير أن اقتران هذا الاسم بصورة الطفل أو الحفيد يخلق منذ البداية مفارقة لافتة بين ما يوحي به الاسم من قوة وما تستدعيه الطفولة من براءة وهشاشة، وهي مفارقة ستتضح أبعادها مع تقدم النص.

ومن خلال هذه الصيغة المختصرة والمكثفة ينجح العنوان في بناء أفق انتظاري لدى القارئ، إذ يوحي بأن الخطاب موجه إلى طفل بعينه، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام قراءة أوسع تجعل من هذا الطفل رمزًا لجيل كامل يعيش في ظل واقع مضطرب. وهكذا تتحول المخاطبة الخاصة إلى مدخل للكشف عن همّ جمعي، وتغدو البراءة التي يمثلها «سبط حيدر» مرآة يُقاس بها حجم التشوه الذي أصاب الواقع المحيط.

وبذلك لا يقتصر العنوان على تحديد هوية المخاطَب، بل يؤدي دورًا تمهيديًا مهمًا في توجيه القراءة نحو التفاعل بين عالم الطفولة البريء والعالم الخارجي المثقل بالمخاوف والتناقضات، وهو التفاعل الذي ستنبني عليه حركة الومضة كلها.

تفسير الابيات

هذا القسم يقدّم قراءة نصية قريبة لكل بيت من وميضة يحيى السماوي «إلى سبطي حيدر» بصيغة وصفية وتحليلية موجزة، مع خلاصة بيتية في نهايتها تُستخدم لاحقًا كمرجع للأقسام المنهجية المستقلة.

1- «يا سبطي الجميل»

يفتتح الشاعر ومضته بنداء مباشر يشي بعلاقة وجدانية عميقة بين المتكلم والمخاطَب. فلفظة «سبطي» لا تكتفي بتحديد صلة القرابة، بل تستحضر معاني المحبة والرعاية والامتداد الإنساني، بينما تضفي صفة «الجميل» على المخاطَب هالة من البراءة والنقاء. ومن خلال هذا النداء الحميم يهيئ الشاعر القارئ لمشهد إنساني خاص، سرعان ما سيتجاوز خصوصيته ليعكس هماً أوسع من حدود العلاقة العائلية. كما أن النبرة الهادئة التي يبدأ بها النص تشكل خلفية تتقابل لاحقاً مع صور القلق والخوف التي ستتوالى في الومضة.

خلاصة بيتية: يؤسس النداء فضاءً حميمياً يجعل براءة الطفل نقطة الانطلاق في بناء الدلالة الشعرية.

2- «ما لمزهريةِ رأسك منكفئة بين راحتيك؟»

ينتقل الشاعر من النداء إلى رسم صورة بصرية مكثفة تقوم على استعارة الرأس بالمزهرية، وهي صورة تمنح الرأس صفات الجمال والرقة والهشاشة معاً. أما وصفها بـ«منكفئة» فيوحي بحالة من الانطواء والاستغراق في التفكير أو الهم، فيما يعزز وضع الرأس بين الراحتين مشهد القلق والتأمل الحزين. وبهذا تتحول الهيئة الجسدية البسيطة إلى علامة دالة على اضطراب داخلي يلفت انتباه الشاعر ويستدعي تساؤله. كما أن اختيار «المزهرية» دون غيرها يوحي بأن ما يراه الشاعر أمامه ليس مجرد حزن عابر، بل جمال مهدد بالانكسار.

خلاصة بيتية: تجسد صورة الرأس المنكفئ هشاشة البراءة أمام واقع يفرض على الطفل هواجس تفوق عمره.

3- «آه لو أعرف ما يُقلقك!»

ينتقل الشاعر من وصف هيئة الطفل إلى محاولة استكشاف ما يختبئ خلفها من مشاعر. فالتنهد في مطلع السطر يكشف حالة من الحيرة والأسى، ويعكس رغبة صادقة في فهم مصدر هذا القلق المبكر. كما أن صيغة التمني «لو أعرف» توحي بأن ما يعتمل في نفس الطفل يتجاوز المظاهر الخارجية، الأمر الذي يحول النص من مجرد وصف لحالة إلى بحث عن أسبابها العميقة. وبهذا السؤال يفتح الشاعر الباب أمام سلسلة من الاحتمالات المنفية التي ستكشف تدريجياً طبيعة الواقع الذي يحيط بالمخاطَب.

خلاصة بيتية: يتحول التساؤل إلى مدخل للكشف عن أسباب خوف لا تبدو منسجمة مع عالم الطفولة.

4- أنتَ لستَ لصّاً فاسداً  فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ  فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ  ليقضموا  الآلهةَ التمرَ

يستبعد الشاعر أن يكون الطفل خائفًا لأنه فاسد أو متورط في نهب حقوق الناس، فذلك هو خوف اللصوص لا خوف الأبرياء. ثم يستحضر صورة «آلهة التمر» ذات الجذور التراثية، في إشارة إلى الأصنام التي كانت تُصنع من التمر ثم تُؤكل عند اشتداد الجوع. وتكشف هذه الصورة عن هشاشة المقدسات الزائفة أمام الحاجة الإنسانية؛ فحين يثور الجياع تسقط الهالات المصطنعة، ويتحول ما بدا مقدسًا أو متعاليًا إلى شيء قابل للزوال. وهكذا يوظف الشاعر التراث في بناء صورة ساخرة تكشف أن الظلم الاجتماعي قادر على تحطيم الرموز التي يتستر خلفها الفاسدون.

خلاصة بيتية: يستحضر الشاعر رمز «آلهة التمر» ليؤكد أن الجوع قادر على إسقاط القداسات الزائفة وكشف هشاشة الفساد أمام غضب المظلومين

5- «لستَ من المتظاهرين فيخطفكَ الملثَّمون»

يواصل الشاعر بناء سلسلة النفي، فيستبعد أن يكون الطفل من المشاركين في الاحتجاجات الشعبية، وهي فئة ارتبطت في الواقع الذي يستحضره النص بمخاطر القمع والاختطاف. ويأتي لفظ «الملثَّمون» محمّلًا بدلالات الغموض وإخفاء الهوية، بما يجعل مصدر التهديد غير محدد بوضوح، لكنه حاضر بقوة في الوعي الجمعي. وبهذا ينتقل النص من الحديث عن الفساد إلى الحديث عن أدوات حمايته، حيث يصبح الخطف وسيلة لإسكات الأصوات المعترضة. غير أن المفارقة تبقى قائمة: الطفل لا ينتمي إلى هذه الفئة أصلاً، فما الذي يدفعه إلى القلق؟

خلاصة بيتية: يتسع فضاء الخوف ليشمل العنف الغامض الذي يلاحق المحتجين ويهدد الإحساس بالأمان.

6- «ولا من المطالبين باستعادةِ وطنكَ المعروضِ للبيعِ والإيجارِ في سوقِ المحاصصةِ / فيقنصكَ قنّاصو طرفِ الحكومةِ الثالث»

يبلغ الخطاب هنا مستوى أعلى من التصعيد الدلالي. فالوطن لم يعد يُصوَّر بوصفه كيانًا جامعًا لأبنائه، بل بوصفه سلعة «معروضة للبيع والإيجار»، وهي صورة مجازية تكثف شعور الشاعر بتفكك الدولة وتحول المصالح السياسية إلى سوق للمقايضة. أما عبارة «سوق المحاصصة» فتختزل منظومة سياسية قائمة على تقاسم النفوذ والمكاسب. ويكتمل المشهد بظهور «قنّاصي طرف الحكومة الثالث»، وهي صيغة ساخرة وملتبسة في آن واحد، توحي بجهة تمارس العنف دون أن تعلن هويتها صراحة. وهكذا يصبح المطالب باستعادة الوطن معرضًا للاستهداف، في صورة تكشف حجم الاختلال الذي أصاب العلاقة بين المواطن والدولة.

خلاصة بيتية: يكشف البيت عن وطنٍ تحوّل إلى موضوع للمساومة السياسية، وعن عنفٍ غامض يُستخدم لإسكات المطالبين باستعادته.

7- «لستَ عضوَ برلمانٍ / فتخشى أن تخسر امتيازاتكَ الخرافية / حين يتم إغلاقه قريبًا بإذن الله»

ينتقل الشاعر إلى فئة أخرى من فئات المشهد السياسي، فيستبعد أن يكون خوف الطفل نابعًا من فقدان سلطة أو امتياز. وتحمل عبارة «امتيازاتك الخرافية» نبرة تهكمية واضحة، إذ تبرز الفجوة بين واقع الناس الصعب وما يتمتع به أصحاب المناصب من مكاسب استثنائية. أما جملة «بإذن الله» فتأتي محمّلة بروح الدعاء والتمني، وتعكس موقفًا نقديًا من المؤسسة البرلمانية كما يراها الشاعر. وبذلك يرسخ النص مفارقته الأساسية: الطفل لا يملك سلطة ولا امتيازات، ومع ذلك يبدو قلقًا كما لو كان يعيش تبعات نظام كامل.

خلاصة بيتية: يفضح البيت التباعد بين امتيازات النخبة ومعاناة الناس، ويؤكد أن خوف الطفل لا يرتبط بمصلحة شخصية أو موقع سلطوي.

أن الخلاصات الثلاث مترابطة جيدًا؛ فهي ترسم تدرجًا من العنف غير المرئي إلى اختطاف الوطن ثم إلى امتيازات السلطة، وهو تدرج يخدم البنية التصاعدية للومضة قبل الوصول إلى خاتمتها.

8- «لستَ شيخًا مُتقاعدًا / ولا موظفًا بسيطًا تأخّرَ راتبُه»

يواصل الشاعر سلسلة النفي التي بنى عليها الومضة، فيستبعد أن يكون الطفل من الفئات التي تملك أسبابًا مباشرة للقلق المعيشي أو الوظيفي. ويجمع البيت بين نموذجين مختلفين اجتماعيًا: «الشيخ المتقاعد» الذي قد يرمز إلى فئة فقدت بعض حضورها أو امتيازاتها مع تقدّم العمر، و«الموظف البسيط» الذي يواجه أعباء الحياة اليومية ويعاني من تأخر راتبه. ويؤدي الجمع بين هذين النموذجين إلى توسيع دائرة المعاناة لتشمل شرائح متعددة من المجتمع. غير أن المفارقة تبقى قائمة، فالطفل لا ينتمي إلى أي من هذه الفئات، ومع ذلك يبدو مثقلًا بالهموم، الأمر الذي يجعل الخوف حالة عامة تتجاوز الحدود العمرية والاجتماعية.

خلاصة بيتية: لم يعد الخوف مرتبطًا بفئة اجتماعية بعينها، بل تحول إلى شعور عام يمتد أثره حتى إلى عالم الطفولة.

9- «فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟»

يعود الشاعر في خاتمة الومضة إلى النداء الذي افتتح به النص، فتكتمل الدائرة الفنية بين البداية والنهاية. غير أن السؤال الختامي لا يأتي بحثًا عن إجابة مباشرة، بل بعد سلسلة طويلة من النفي والاستبعاد التي أزالت جميع الأسباب التقليدية للخوف. ولهذا يتحول الاستفهام إلى وسيلة لكشف المفارقة الكبرى في النص: إذا كان الطفل بريئًا من كل ما سبق، فما الذي يدفعه إلى هذا القلق؟ وهكذا يغدو السؤال إدانة ضمنية للواقع الذي يسمح بتسرّب الخوف إلى نفوس الأبرياء، ويترك القارئ أمام مسؤولية التأمل في الأسباب العميقة لهذه الحالة.

خلاصة بيتية: يحول السؤال الختامي قلق الطفل من حالة فردية إلى علامة على أزمة عامة تتجاوز حدود الشخص الواحد.

أما الخلاصة القسمية:

يكشف تفسير الأبيات كيف ينتقل النص من مشهد عائلي حميم إلى رؤية نقدية واسعة للواقع الاجتماعي والسياسي. فمن خلال تتابع صور النفي والاستفهام والمفارقة، تتحول براءة «السبط» إلى أداة لقياس حجم الخلل في المجتمع، ويغدو خوف الطفل رمزًا لخوف جمعي يتجاوز الأفراد والفئات المختلفة. وتشكل هذه القراءة النصية أساسًا للأقسام المنهجية اللاحقة التي ستتناول البنية العميقة للومضة من زواياها المختلفة.

قراءة بنيوية وسيميائية ونفسية وسياسية للومضة

القراءة البنيوية

تهدف القراءة البنيوية إلى الكشف عن الكيفية التي تنتج بها الومضة معناها من خلال العلاقات الداخلية بين عناصرها اللغوية والتركيبية، بعيدًا عن المرجعيات الخارجية المباشرة. ولا تنشأ دلالة النص من الصور منفردة، بل من انتظامها داخل شبكة من العلاقات تقوم على النداء والتكرار والنفي والاستفهام والتدرج الدلالي. ومن هذا المنطلق يمكن تتبع البنية الداخلية للومضة ابتداءً من العنوان وانتهاءً بالسؤال الختامي.

1- العنوان بوصفه النواة البنيوية

يشكل العنوان «إلى سبطي حيدر» البؤرة الأولى التي تنتظم حولها عناصر النص اللاحقة. فهو لا يقدّم موضوع الومضة فحسب، بل يحدد طبيعة العلاقة الخطابية التي ستقوم عليها البنية كلها. فوجود المرسِل (الشاعر) والمرسَل إليه (السبط) يؤسس منذ البداية لبنية حوارية أحادية الاتجاه، حيث يصبح المخاطَب مركزًا تتجمع حوله الأسئلة والصور وسلسلة النفي اللاحقة.

كما أن العنوان يحدد قطبًا دلاليًا أساسياً هو قطب البراءة والحميمية، وهو القطب الذي ستتحرك بقية العناصر النصية في مواجهته. ومن ثم لا يؤدي العنوان وظيفة تعريفية فحسب، بل يضع الأساس البنيوي للتوتر الذي سيحكم حركة النص بين عالم الطفولة الخاص وعالم الواقع العام.

2- الافتتاحية والنداء بوصفهما نقطة الانطلاق

يفتتح النص بالنداء «يا سبطي الجميل»، وهو امتداد مباشر للعنوان وتفعيل داخلي له. فإذا كان العنوان قد عرّف بالمخاطَب، فإن النداء ينقله من مستوى التعيين إلى مستوى الحضور النصي الفعلي. وبهذا تتشكل وحدة بنيوية متماسكة بين العنوان والمطلع، حيث يتحول المخاطَب إلى المحور الذي تدور حوله جميع الوحدات اللاحقة.

ويؤدي هذا النداء وظيفة تنظيمية مهمة، لأنه يضع البراءة في مركز البنية، لتصبح جميع الصور التالية بمثابة تفسير أو تعليل لحالة هذه البراءة.

3- نقطة التحول البنيوية

يشكل قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك!» نقطة تحول داخل حركة النص. فبعد تقديم صورة الطفل المنكفئ، ينتقل الخطاب من الوصف إلى البحث عن السبب. وتكمن أهمية هذا الموضع في أنه يؤجل الإجابة ويخلق فراغًا دلاليًا ستعمل سلسلة النفي اللاحقة على ملئه تدريجيًا.

وبذلك يتحول النص من ملاحظة حالة فردية إلى عملية استقصاء داخلية تبحث عن مصدر القلق.

4- سلسلة النفي بوصفها العمود الفقري للبنية

تمثل سلسلة «لستَ...» البنية التركيبية الأكثر حضورًا في الومضة. وتتكرر هذه الصيغة عبر مقاطع متعددة، مما يمنح النص إيقاعًا خاصًا ويخلق تدرجًا دلاليًا متصاعدًا.

وتؤدي هذه السلسلة وظيفتين مترابطتين:

- وظيفة استبعادية، إذ تنفي عن المخاطَب جميع الصفات التي يمكن أن تفسر خوفه بصورة مباشرة.

- وظيفة تراكمية، إذ يؤدي كل نفي جديد إلى زيادة الضغط الدلالي داخل النص، بحيث يصبح استمرار الخوف أكثر إثارة للتساؤل.

ومن خلال هذا التراكم يصل القارئ إلى نتيجة بنيوية واضحة: الخوف لا يصدر من الطفل نفسه، بل من العالم المحيط به.

5- التدرج البنيوي والذروة

لا تأتي عناصر النفي بصورة عشوائية، بل تنتظم في مسار تصاعدي يبدأ بالفاسد الذي يخشى الحساب، ثم ينتقل إلى المتظاهر المهدد بالعنف، فالمطالب باستعادة الوطن، ثم أصحاب الامتيازات السلطوية، وأخيرًا الفئات المتضررة اجتماعيًا.

ويبلغ هذا المسار ذروته في صورة الوطن «المعروض للبيع والإيجار في سوق المحاصصة» وما يتصل بها من صورة القناصين، حيث تتكثف العلاقات الدلالية التي مهدت لها المقاطع السابقة. وتكتسب هذه الذروة أهميتها من موقعها داخل السلسلة التصاعدية أكثر مما تكتسبها من الصورة نفسها.

6- البنية الدائرية والخاتمة

تنتهي الومضة بالسؤال:

«فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟»

وفي هذا الموضع يعود النص إلى نقطة بدايته، إذ يتكرر المخاطَب نفسه الذي افتتح به النص. غير أن العودة ليست تكرارًا شكليًا، لأن الدلالة تغيرت أثناء الرحلة النصية. فالنداء الأول كان افتتاحًا لعلاقة وجدانية، أما النداء الأخير فيأتي بعد سلسلة طويلة من النفي والتصعيد، فيتحول إلى سؤال يحمل في داخله إدانة ضمنية للواقع الذي أنتج هذا الخوف.

ومن ثم تتشكل بنية دائرية تبدأ بالمخاطَب وتنتهي به، مما يمنح الومضة وحدة عضوية وتماسكًا داخليًا.

خلاصة القراءة البنيوية

تكشف البنية الداخلية للومضة عن نظام متماسك يبدأ من العنوان بوصفه نواة للعلاقة الخطابية، ثم يتطور عبر النداء والوصف والاستفهام وسلسلة النفي والتدرج التصاعدي وصولًا إلى الخاتمة الدائرية. وبهذه الآليات يتحول الطفل من شخصية فردية داخل النص إلى مركز دلالي تنتظم حوله جميع العناصر، ويصبح القلق الفردي أداة بنائية تكشف اختلال العالم المحيط دون حاجة إلى تصريح مباشر.

البعد السيميائي

يهتم التحليل السيميائي بالكشف عن شبكة العلامات التي تنتج المعنى داخل الومضة، وكيف تتحول العناصر اللغوية والصور الشعرية إلى رموز ودلالات تتجاوز معناها المباشر. ومن هذا المنطلق لا تُقرأ مفردات النص بوصفها ألفاظًا منفصلة، بل بوصفها نظامًا من العلامات المترابطة التي تسهم مجتمعة في بناء رؤية النص للعالم.

لتفسير السيميائي لعنوان الومضة إلى سبطي حيدر

الخلاصة المختصرة

عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» يعمل كعلامة مزدوجة تجمع بين الخصوصي والرمزي. مخاطبة فردية تتحول إلى مؤشر دلالي يوجّه كل قراءة لاحقة، ويحوّل البراءة الشخصية إلى مرآة تكشف هشاشة البنى السياسية والاجتماعية.

دلالات لفظية ونحوية

- أداة الجر إلى تحول الخطاب من سرد عام إلى رسالة موجهة، فتمنح النص طابعًا خطابياً مباشراً وحميمياً.

- النداء المباشر يخلق علاقة خطابية أحادية الاتجاه، حيث يصبح المخاطَب محورًا للدلالة لا مجرد شخصية ضمن السرد.

- التركيب الاسمي البسيط يضفي على العنوان كثافة بلاغية، مناسبة لشكل الوميضة الذي يعتمد على التكثيف والاقتصاد اللفظي.

دلالة اسم حيدر كعلامة ثقافية

- حيدر اسم مشحون دلالياً في الذاكرة الثقافية، يرتبط بالشجاعة والبطولة والنقاء الرمزي. وضع هذا الاسم في موقع الطفل يخلق توتراً سيميائياً: حمولة بطولية مقابل وضعية هشّة.

- هذا التوتر يحوّل الاسم من دال شخصي إلى مدلول رمزي يمثل قيمة وطنية مهددة، فيصبح «حيدر» مرآة لكرامة المجتمع التي تتعرض للانكسار.

وظيفة المخاطبة كآلية ترميزية

-المخاطبة تجعل العنوان حاملًا أخلاقيًا، تمنح الشاعر تفويضًا أخلاقيًا للكشف والاتهام. مخاطبة الطفل هنا ليست مجرد وصف بل استدعاء للمسؤولية، إذ تُحوّل البراءة إلى معيار أخلاقي يقاس به فساد الواقع.

بهذا تتحول العلاقة الخاصة إلى أداة بلاغية لتمرير حكم عام، فالعنوان يهيئ القارئ لقراءة كل صورة في النص كدليل على مرضٍ اجتماعي.

البعد الرمزي والوطني

- العنوان يربط بين الخصوصي والوطني: اسم فردي يصبح رمزًا للوطن، والنداء العائلي يصبح استدعاءً لضمير المجتمع.

- هذه العملية السيميائية تجعل من البراءة الطفولية علامة تشخيصية، أي أن خوف الطفل أو انكماشه ليس حالة فردية بل مؤشر على فشل مؤسساتي وسياسي.

آليات دلالية ناشئة من العنوان

- التأطير: العنوان يحدد أفق القراءة، يجعل كل علامة لاحقة تُقاس بمدى قدرتها على تفسير حالة «حيدر».

- التفريغ والإسناد: مخاطبة الطفل تفريغ لذنب محتمل، ثم إسناد السبب إلى عوامل خارجية، ما يمهّد لسلسلة نفي واتهام في النص.

- التناصّ الضمني: الاسم والنداء يستحضران نصوصًا ثقافية وسياسية عن البطولة والبراءة، ما يثري القراءة بسياقات اجتماعية وسياسية أوسع.

أثر العنوان على استراتيجيات القراءة

- يوجّه القارئ إلى قراءة الصور النصية كـدلائل لا كزخارف؛ كل صورة تصبح علامة تُقرأ في ضوء سؤال العنوان: لماذا يخاف هذا الطفل الحامل لاسم بطولي؟

- يبرر الانتقال من الحميمي إلى السياسي داخل النص، ويمنح الشاعر شرعية نقدية لاستخدام الخصوصي كأداة اتهام

1- الوظيفة السيميائية لعنوان الومضة

يشكل عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» العتبة السيميائية الأولى التي توجه عملية القراءة. فكلمة «سبطي» لا تحيل إلى علاقة القرابة فحسب، بل تتحول إلى علامة على الامتداد الزمني واستمرار الحياة عبر الأجيال، في حين يستدعي اسم «حيدر» رصيدًا ثقافيًا يرتبط بمعاني الشجاعة والقوة. ومن التفاعل بين هاتين العلامتين تنشأ مفارقة دلالية تتضح داخل النص حين يظهر الطفل في حالة انكفاء وقلق. وبذلك لا يبقى المخاطَب فردًا محددًا، بل يتحول إلى رمز للمستقبل والبراءة، الأمر الذي يجعل كل ما يحيط به من صور وأحداث قابلًا للقراءة بوصفه مؤثرًا في مصير جيل كامل.

2- تفكيك العلامات الرئيسة

النداء: «يا سبطي الجميل»

تتحول المخاطبة الخاصة إلى علامة عامة تتجاوز حدود العلاقة العائلية. فصفة «الجميل» لا تصف الطفل جسديًا فقط، بل تضيف إلى شخصيته دلالات النقاء والبراءة، مما يجعل المخاطَب معيارًا تُقاس عليه بقية العلامات في النص.

المزهرية والانكفاء

في صورة «مزهرية رأسك منكفئة بين راحتيك» تتحول المزهرية إلى رمز للجمال الهش والقابل للانكسار. أما الرأس، بوصفه مركز الوعي والهوية، فيُعاد ترميزه من خلال هذه الاستعارة ليغدو علامة على براءة مهددة. ويعزز الانكفاء بين الراحتين دلالة الانغلاق والقلق الداخلي.

التنهد والاستفهام

يشكل قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك» علامة على وجود فجوة بين الظاهر والباطن. فالتنهد لا ينقل حالة انفعالية فحسب، بل يفتح مجال البحث عن معنى يتجاوز ما يظهر للعين، ويهيئ القارئ لإعادة تأويل العلامات التالية.

اللص وآلهة التمر

يظهر «اللص الفاسد» بوصفه علامة على النهب والاستغلال، بينما تستحضر «آلهة التمر» رمزًا ثقافيًا معروفًا يعبّر عن هشاشة المقدسات المصطنعة. فالجوع يحول ما يبدو مقدسًا إلى شيء قابل للاستهلاك، وبذلك تكشف الصورة زيف السلطة التي تستند إلى هالات رمزية قابلة للانهيار.

الملثمون

تمثل صورة الملثمين علامة على العنف المجهول أو غير المعلن. فإخفاء الوجه لا يحجب الهوية فحسب، بل يحيل إلى غياب المساءلة والشفافية، مما يجعل الخطر حاضرًا دون أن يكون محدد المصدر بصورة واضحة.

سوق المحاصصة والقناصون

يتحول الوطن في هذا الموضع إلى سلعة معروضة للتداول، بينما يصبح القناصون علامة على العنف الذي يحرس هذا الواقع. ومن خلال الجمع بين منطق السوق ومنطق السلاح تنشأ صورة مركبة تكشف ترابط المصالح السياسية مع أدوات القمع.

البرلمان والامتيازات

يتحول البرلمان من رمز للتمثيل السياسي إلى علامة على الامتيازات والفوارق. كما تؤدي السخرية في عبارة «امتيازاتك الخرافية» دورًا في إعادة ترميز المؤسسة من فضاء للشرعية إلى فضاء للمكاسب الخاصة.

الشيخ المتقاعد والموظف البسيط

تمثل هاتان الشخصيتان شريحتين مختلفتين من المجتمع، وتعملان بوصفهما علامتين على اتساع دائرة المعاناة. فالنص لا يحصر الأزمة في فئة واحدة، بل يجعلها شاملة لمستويات اجتماعية متعددة.

السؤال الختامي

يعيد السؤال الأخير استحضار المخاطَب بوصفه العلامة المركزية للنص. وبعد تراكم العلامات السابقة يتحول الاستفهام من طلب للمعرفة إلى مرآة تعكس اضطراب الواقع كله، فيغدو خوف الطفل علامة على أزمة أوسع من حدود الفرد.

3- الآليات الدلالية العامة

تعتمد الومضة على مجموعة من الآليات السيميائية المتداخلة، أبرزها:

- الاستعارة الاستبدالية: تحويل الرأس إلى مزهرية، والوطن إلى سلعة، والسلطة إلى آلهة تمر.

- التناص الثقافي: استحضار رموز وموروثات معروفة تمنح العلامات أبعادًا إضافية.

- التناوب بين المؤشر والرمز: فالملثمون والقناصون يعملون بوصفهم مؤشرات على العنف، بينما تمثل المزهرية وآلهة التمر رموزًا ثقافية أكثر تركيبًا.

- تحويل الخاص إلى عام: حيث تنتقل العلامات من دائرة الفرد إلى فضاء المجتمع بأكمله.

تكشف القراءة السيميائية أن الومضة تقوم على شبكة من العلامات المترابطة التي تجعل من الطفل مركزًا دلاليًا تنتظم حوله بقية الرموز والصور. ومن خلال تفاعل هذه العلامات يتحول الخوف من حالة فردية إلى علامة تشخيصية تكشف اختلالات أوسع في الواقع الاجتماعي والسياسي. وهكذا لا تصبح البراءة موضوعًا للنص فحسب، بل أداة لقياس حجم التشوه الذي أصاب العالم المحيط بها. وتكشف شبكة العلامات في الومضة أن البراءة لا تؤدي وظيفة موضوعية فحسب، بل تتحول إلى علامة مركزية يُقاس من خلالها حجم الاختلال الذي أصاب الواقع الاجتماعي والسياسي، فتغدو مرآة كاشفة للفساد وآثاره في الإنسان والمستقبل.

البعد النفسي

1- قلق الطفولة بوصفه مركز التجربة النفسية

ينطلق النص من صورة طفل منكفئ على نفسه، ما يجعل القلق الشعور المركزي الذي تنتظم حوله بقية الصور. ولا يُقدَّم هذا القلق بوصفه استجابة لحادثة محددة، بل بوصفه حالة نفسية عامة تحيط بالمخاطَب وتنعكس على وضعه الجسدي وهيئته المنكمشة.

2- الانكماش والخوف وفقدان الإحساس بالأمان

تكشف صورة «مزهرية رأسك منكفئة بين راحتيك» عن حالة من الانغلاق النفسي والبحث عن الحماية. فالراحتان تمثلان فضاءً دفاعيًا صغيرًا يحاول الطفل الاحتماء داخله، بينما يوحي الانكفاء بشعور داخلي بالهشاشة وعدم الاطمئنان. وهكذا يتحول الجسد إلى لغة صامتة تعبّر عما يعجز الكلام عن قوله.

3- المفارقة النفسية بين الاسم والحالة

يحمل اسم «حيدر» في الذاكرة الثقافية معاني القوة والشجاعة، غير أن النص يقدّم صاحبه في هيئة قلقة ومنكفئة. ومن هذه المفارقة يتولد توتر نفسي بين الصورة المتخيلة للذات والصورة التي يفرضها الواقع، بما يجعل القلق علامة على اختلال العلاقة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل.

4- انتقال الخوف من الفرد إلى الجماعة

لا يظل الخوف حبيس عالم الطفل، بل يتسع تدريجيًا ليشمل المجتمع بأسره. فالنفي المتكرر للفئات المختلفة (اللص، المتظاهر، الموظف، المتقاعد...) يوحي بأن القلق لم يعد مرتبطًا بسبب فردي محدد، بل أصبح شعورًا جمعيًا يتسرب إلى مختلف المستويات الاجتماعية. ومن ثم يغدو الطفل مرآة لحالة نفسية أوسع يعيشها المجتمع.

5- الشاعر وقلق العجز

يكشف قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك» عن بعد نفسي آخر لا يتعلق بالطفل وحده، بل بالشاعر نفسه. فالتنهد والاستفهام يعكسان شعورًا بالعجز أمام تفسير هذا الخوف أو تبديده. وهكذا يتقاسم المتكلم والمخاطَب الإحساس بالقلق، وإن اختلف موقع كل منهما داخل التجربة.

تكشف القراءة النفسية أن الومضة لا تصور خوف طفل فحسب، بل ترصد تحوّل القلق إلى حالة وجدانية عامة تتجاوز حدود الفرد. فالطفل المنكفئ، والاسم المثقل بدلالات القوة، والاستفهام العاجز، كلها عناصر تتضافر لتقديم صورة نفسية لعالم فقد جانبًا من طمأنينته. ومن ثم تصبح البراءة في النص أداة لقياس حجم الاضطراب النفسي الذي ينعكس على الفرد والمجتمع معًا.

البعد السياسي

تكشف الومضة عن رؤية سياسية نقدية لا تُقدَّم عبر الشعارات المباشرة، بل من خلال صورة طفل قَلِق يتحول إلى مرآة تعكس اختلال الواقع العام. فالشاعر لا يناقش السياسة بوصفها صراعًا بين قوى متنافسة فحسب، بل بوصفها منظومة تؤثر في الحياة اليومية للإنسان العادي، حتى يصبح الخوف جزءًا من تجربة الطفولة نفسها. ومن خلال هذا المنظور تتحول البراءة إلى أداة لقياس مدى سلامة المجتمع ومؤسساته.

العنوان والبراءة بوصفهما معيارًا سياسيًا

يشكّل عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» نقطة الانطلاق في القراءة السياسية للنص. فالمخاطَب ليس شخصية عامة أو فاعلًا سياسيًا، بل طفل ينتمي إلى الدائرة العائلية الخاصة للشاعر. غير أن هذا التحديد الشخصي لا يبقى في حدوده الفردية، بل يتحول إلى رمز لجيل كامل يمثل المستقبل. ومن ثمّ يصبح السؤال عن أسباب خوف الطفل سؤالًا عن طبيعة الواقع السياسي الذي جعل البراءة نفسها تشعر بالتهديد.

وبهذا المعنى لا يؤدي العنوان وظيفة الإهداء فقط، بل يضطلع بوظيفة نقدية تجعل الطفل معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا تُقاس به كفاءة المؤسسات وقدرتها على توفير الأمن والكرامة للمواطنين.

السلطة وآليات إنتاج الخوف

تكشف الومضة عن مجموعة من الفاعلين الذين يسهمون في إنتاج مناخ الخوف. فصورة «اللص الفاسد» تحيل إلى الفساد بوصفه ممارسة تتجاوز الأفراد لتصبح جزءًا من بنية السلطة، بينما تشير صور «الملثمين» و«القناصين» إلى وجود قوى قادرة على ممارسة العنف دون أن تظهر بوضوح أو تتحمل مسؤولية مباشرة عن أفعالها.

ومن خلال هذا التعدد في الصور لا يقدّم النص الخوف بوصفه حالة نفسية فردية، بل نتيجة لبيئة سياسية مضطربة تتداخل فيها المصالح والقوة والعنف. وهكذا يصبح قلق الطفل انعكاسًا لواقع يشعر فيه المواطن بأن مصادر التهديد متعددة وغير محددة بصورة واضحة.

المحاصصة وتحويل الوطن إلى سلعة

تبلغ الرؤية السياسية للنص ذروتها في صورة «الوطن المعروض للبيع والإيجار في سوق المحاصصة». فالوطن هنا لا يُصوَّر بوصفه فضاءً جامعًا للمواطنين، بل بوصفه موضوعًا للتقاسم والتوزيع وفق المصالح والنفوذ. وتكشف هذه الصورة عن نقد حاد للمنظومات السياسية التي تتعامل مع الدولة ومؤسساتها بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة.

كما أن اقتران هذه الصورة بالقناصين يوحي بأن المصالح السياسية لا تكتفي بإعادة توزيع النفوذ، بل تحتاج أيضًا إلى وسائل حماية تضمن استمرارها. ومن ثمّ تتداخل في النص دلالات السلطة والمال والعنف داخل بنية واحدة تنتج الخوف وتعيد إنتاجه.

أزمة التمثيل والشرعية

يواصل الشاعر نقده للمؤسسات من خلال الإشارة إلى البرلمان و«الامتيازات الخرافية». فالمؤسسة التي يفترض أن تمثل المواطنين تظهر هنا مرتبطة بمصالح خاصة أكثر من ارتباطها بالمصلحة العامة. وتأتي السخرية في هذا السياق لتقويض الصورة المثالية للمؤسسة السياسية وإخضاعها للمساءلة النقدية.

ولا يقتصر الأمر على البرلمان وحده، بل يمتد إلى مختلف البنى التي يفترض أن تؤمن العدالة الاجتماعية. ولهذا تبدو الومضة وكأنها تطرح سؤالًا ضمنيًا حول العلاقة بين السلطة والمواطن، وحول مدى قدرة المؤسسات على القيام بالدور الذي أُنشئت من أجله.

اتساع دائرة المتضررين

حين يذكر الشاعر «الشيخ المتقاعد» و«الموظف البسيط الذي تأخر راتبه»، فإنه يوسع دائرة النقد لتشمل شرائح اجتماعية متعددة. فالأزمة لم تعد مرتبطة بفئة محددة، بل أصبحت تمس قطاعات مختلفة من المجتمع. ومن خلال هذا التعداد يقدّم النص صورة لواقع تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث يتحول القلق إلى تجربة مشتركة يعيشها الجميع بدرجات متفاوتة.

وهكذا يصبح خوف الطفل جزءًا من مشهد أوسع يعكس شعورًا عامًا بعدم الاستقرار وفقدان الثقة بالمستقبل.

البلاغة السياسية في الومضة

تعتمد الومضة على عدد من الآليات الفنية التي تمنح خطابها السياسي فاعليته. فالتكرار المتتابع لصيغة «لستَ» يبرئ الطفل من كل الأسباب المحتملة للخوف، ويحوّل الانتباه تدريجيًا نحو الواقع المحيط به. كما أن المزج بين اللغة الحميمية والصور السياسية يجعل النقد أكثر تأثيرًا، لأن الشاعر لا يبدأ من قضية مجردة، بل من تجربة إنسانية قريبة ومؤثرة.

ويعزز شكل الومضة القائم على التكثيف هذه الوظيفة، إذ تتراكم الصور بسرعة لتبني رؤية سياسية كاملة دون حاجة إلى خطاب مباشر أو مطوّل.

تكشف القراءة السياسية للومضة أن الشاعر يستخدم صورة الطفل بوصفها أداة نقدية تكشف اختلال العلاقة بين المواطن ومؤسسات السلطة. فالخوف الذي يحيط بالمخاطَب لا يصدر عن فعل ارتكبه، بل عن واقع سياسي واجتماعي مضطرب تتداخل فيه مظاهر الفساد والعنف والمحاصصة وأزمة التمثيل. ومن خلال هذا البناء تتحول البراءة الطفولية إلى مرآة تعكس حال الوطن، ويغدو السؤال الختامي دعوة مفتوحة إلى مساءلة الواقع الذي جعل حتى الأطفال يشعرون بالقلق وعدم الأمان.

الخاتمة

تكشف قراءة ومضة يحيى السماوي «إلى سبطي حيدر» أن الشاعر استطاع، عبر نص قصير ومكثف، أن يحوّل مشهدًا عائليًا حميميًا إلى رؤية نقدية واسعة الأفق. فالعنوان، بما يحمله من خصوصية وجدانية، لا يؤدي وظيفة الإهداء فحسب، بل يؤسس منذ البداية لفضاء دلالي تصبح فيه براءة الطفل معيارًا تُقاس به أحوال المجتمع والوطن.

وقد أظهرت الدراسة أن الومضة تبني معناها من خلال تفاعل مجموعة من المستويات النصية المتداخلة؛ فالبنية القائمة على النداء والاستفهام وسلسلة النفي المتتابعة تقود القارئ من دائرة الخاص إلى دائرة العام، بينما تكشف شبكة العلامات والرموز عن واقع تتجاور فيه الهشاشة الإنسانية مع مظاهر الفساد والعنف والاختلال المؤسسي. وفي الوقت نفسه، يبرز البعد النفسي للنص من خلال تصوير الخوف بوصفه حالة تتجاوز الفرد لتصبح شعورًا جمعيًا، في حين يفتح البعد السياسي أفقًا نقديًا يربط هذا الخوف بسياقات اجتماعية ووطنية أوسع.

ومن ثمّ لا تبدو الومضة مجرد تعبير عن قلق طفل أو حزن جدٍّ على حفيده، بل تتحول إلى شهادة شعرية على واقعٍ تتعرض فيه البراءة للتهديد، ويغدو السؤال البسيط الذي يختتم النص سؤالًا موجّهًا إلى المجتمع بأسره. فخوف «حيدر» لا يُقرأ بوصفه حالة فردية معزولة، بل بوصفه علامة كاشفة لاختلالات أعمق تمسّ الإنسان والوطن معًا.

وتؤكد هذه القراءة أن قوة الومضة لا تكمن في حجمها النصي، بل في قدرتها على تكثيف تجربة إنسانية وسياسية معقدة داخل صورة شعرية واحدة، تجعل من البراءة أداة كشف، ومن السؤال الشعري فعلًا أخلاقيًا يدعو إلى التأمل والمساءلة.

***

سهيل الزهاوي

 

كان ذلك قبل أيام خَلَت عندما وصلتني رسالة من محرر جريدة الأيام الجزائرية الأخ المبدع خالد عز الدين يطلب مني كتابة قراءة نقدية لرواية "أجنحة الأمل والنور"، ظننت في البداية أنني سأتعامل مع نص أدبي آخر يمرّ عبر الذاكرة كغيره من النصوص؛ لكي أقرأه بعين الناقد، وأغادره بهدوء بعد انتهاء القراءة؛ لكنني لم أكن أعلم أنّ تلك الرسالة الصغيرة ستفتح فجأة أبوابًا موصدة في القلب، وأنها ستوقظ في داخلي أرشيفًا كاملًا من الوجع النائم يستحضر وجوهًا غابت، وأصواتًا انطفأت، وذكريات ظننت طويلًا أنّ الزمن استطاع تهدئتها.

أذكر أنني بقيت للحظات أحدّق في عنوان الرواية، بينما كان شيء غامض يتسلل ببطء إلى أعماقي.

 كان العنوان وحده كافيًا ليربك قلبي "أجنحة الأمل والنور"… ويكأنّ الكلمات جاءت محمّلة بأرواح أولئك الذين مرّوا من هنا ذات ألم، ثم رحلوا تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.

كانت رسالته بسيطة في ظاهرها، لكنها لعمري ثقيلة في أثرها؛ إذ أخبرني برغبته في نشر قراءات نقدية لهذا العمل الروائي لما يحمله من أبعاد إنسانية عميقة تتناول مرضى السرطان ومعاناتهم النفسية والوجودية، وكيف يمكن للأمل أنْ يولد حتى من قلب الألم.

وما إنْ بدأت أتصفح الرواية حتى عاد شريط الذاكرة إلى الخلف دفعة واحدة…

عاد بي الزمن إلى صديقتي الراحلة الأخت الغالية مها أبو سرور، والتي اختطفها هذا المرض اللعين قبل أقل من شهر.

تذكرت ضحكتها، وشغفها بالحياة، وحضورها الإنساني النبيل، وكيف كانت تقاوم الألم بابتسامة تشبه الضوء.

كانت تحب الحياة بطريقة تجعل مَن حولها يؤمنون أنّ الروح الجميلة لا تهزم بسهولة حتى وهي تتآكل بصمت.

ثم قفزت الذاكرة فجأة نحو وجوه أخرى رحلت بالطريقة ذاتها…

وجوه أحببناها طويلًا، ثم اختطفها السرطان دون رحمة، تاركًا في القلب فراغات لا تُملأ. وفي مقدمة هؤلاء جميعًا حضرت أمي حبيبة قلبي التي رحلت قبل أربع سنوات بعد رحلة موجعة مع المرض.

لقد عشت معها كل تفاصيل تلك الرحلة الثقيلة منذ لحظة اكتشاف المرض الأولى، مرورًا بجلسات العلاج الكيماوي، وتبدلات الجسد، وانطفاءات التعب، وحتى اللحظة الأخيرة التي ودعت فيها الحياة.

كنت أراقبها وهي تتشبث بالأمل كلّ يوم، وكيف كانت تحب الحياة بصورة مؤلمة، وكأنها تخشى أنْ تترك الأشياء التي أحبتها خلفها.

كانت تؤمن بالشفاء حتى في أشد اللحظات قسوة، وكانت تتحدث عن الأيام القادمة وكأنها قريبة جدًا، فيما كان المرض يسرقها منا ببطء موجع لا يُرى.

لهذا كله… أردت في البداية أنْ أعتذر عن كتابة هذه القراءة. شعرت أنّ الرواية لن تكون مجرد نص أدبي بالنسبة لي، إنما ستكون مواجهة مباشرة مع الذاكرة، ومع الفقد، ومع تلك الوجوه التي لم تغادر القلب يومًا.

لكنني بعد تردد طويل أدركت أنّ الكتابة عنها ستكون بمثابة شكل من أشكال الوفاء.

فكتبت…

كتبت تخليدًا لذكرى أمي، ولروح الأخت الغالية مها أبو سرور، ولكل مَن عبروا هذا الألم بصبر ومحبة، ثم رحلوا تاركين في أرواحنا أثرًا لا يزول.

وكتبت أيضًا لأنّ هذه الرواية لا يقتصر حديثها عن المرض وحده، فهي تتحدّث عن الإنسان الذي يقف عاريًا أمام هشاشته، ثم يحاول رغم ذلك أنْ يحب الحياة، وأنْ يضيء عتمة الآخرين ولو كان قلبه مثقلًا بالأوجاع.

ومن هنا جاءت هذه القراءة ممزوجة بالذاكرة، والوجع، والوفاء، والإيمان العميق بأنّ الأدب الحقيقي هو ذاك الذي يجعلنا نرى أنفسنا داخل صفحاته.

تأتي رواية "أجنحة القلم والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي عملًا إنسانيًا وجدانيًا يتكئ على الألم كمعبر نحو النور، ويجعل من معاناة مرضى السرطان مادة سردية نابضة بالحياة والوعي والرجاء.

تُعدّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي من الأصوات الأدبية العربية الشابة التي بدأت تبرز في مجال الرواية الإنسانية والاجتماعية ذات الطابع النفسي الوجداني، وقد ارتبط اسمها مؤخرًا بصدور روايتها "أجنحة الأمل والنور" التي تناولت قضية مرضى السرطان، ومعاناتهم النفسية والإنسانية بلغة يغلب عليها الحس التأملي والبعد الروحي.

وبحسب المعلومات المتاحة فإنّ رزان الرابي تنتمي إلى الأردن، وتعمل كذلك في مجال تدريس اللغة العربية، الأمر الذي يفسر حضور اللغة الأدبية الوجدانية في نصوصها، واعتمادها على الصور البلاغية والتراكيب ذات النفس الشعري، كما يظهر من أسلوبها ميل واضح إلى الأدب الإنساني الذي يركز على الألم النفسي، والتحولات الداخلية للشخصيات، وأسئلة الحياة والموت، وقيمة الأمل في مواجهة الانكسار.

وقد وصفت روايتها "أجنحة الأمل والنور" بأنها تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الإنساني المعاصر، إذ لا تنظر إلى السرطان كونه تجربة وجودية كاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مراجعة معنى الحياة والعلاقات والوعي بالذات.

ومن خلال تتبع لغة الرواية وبنيتها يمكن ملاحظة سمات بارزة في تجربة رزان الرابي الأدبية أذكر منها:

- اعتمادها على السرد الشعوري أكثر من السرد الحدثي.

- توظيف ثنائية النور والعتمة بوصفها رمزًا للتحول النفسي.

- التركيز على البعد الإنساني العاطفي للشخصيات.

- استخدام لغة شفافة مشبعة بالمجازات الضوئية والوجدانية.

- الميل إلى الخطاب التحفيزي التأملي الذي يمنح النص طابعًا روحيًا.

كما تبدو الكاتبة مهتمة بإبراز دور الكتابة كوسيلة مقاومة وشفاء نفسي، وهو ما يظهر بوضوح في شخصية "سلمى" بطلة الرواية، والتي تتحول فيها الكتابة إلى فعل نجاة داخلي.

والرواية صدرت عن مبادرة السارة للطباعة والتوزيع، وجاءت في (174) صفحة ضمن الأدب الاجتماعي المعاصر.

ورغم حداثة حضورها في المشهد الروائي إلّا أنّ تجربة رزان الرابي تكشف عن حساسية إنسانية واضحة، واهتمام بالأدب الذي يلامس التجارب القاسية للإنسان خصوصًا تلك المرتبطة بالفقد والمرض والصمود النفسي، وهو ما يجعل كتابتها أقرب إلى "أدب المواساة الإنسانية" الذي يسعى إلى منح القارئ شعورًا بالأمل، والقدرة على الاستمرار رغم الألم.

والرواية، وإنْ بدت في ظاهرها حكاية مريضة سرطان، إلّا أنها في عمقها رواية عن الإنسان عندما يُدفع إلى حافة هشاشته، فيكتشف فجأة أنّ الحياة أكبر من الألم، وأنّ الروح قادرة على صناعة الضوء حتى في أكثر اللحظات عتمة.

تقوم رواية "أجنحة الأمل والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي على بنية سردية إنسانية تتجاوز مفهوم الرواية العلاجية أو رواية المرض إلى فضاء أكثر اتساعًا وعمقًا، إذ تتحول التجربة المرضية داخل النص إلى معبر فلسفي وروحي يعيد مساءلة معنى الإنسان، وجدوى الألم، وقدرة الروح على ترميم ذاتها حتى في أكثر اللحظات هشاشة. ومن هنا فإنّ القيمة الحقيقية للرواية تكمن في الحدث الحكائي إلى جانب طاقتها الشعورية، وفي قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني عام يمسّ القارئ من الداخل.

ومنذ الوهلة الأولى التي تقع فيها العين على عنوان رواية "أجنحة الأمل والنور" يشعر القارئ أنه أمام نص يسرد الحكاية، ويسعى إلى بناء عالم رمزي كثيف تتحول فيه الكلمات إلى كائنات مضيئة، ويتحول الألم إلى مادة روحية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فالعنوان إلى جانب تأديته لوظيفة تعريفية فإنه يمثل البوابة التأويلية الكبرى التي يدخل منها القارئ إلى فضاء الرواية النفسي والإنساني.

إنّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي لم تختر مفرداتها اعتباطًا، إنما بَنَت عنوانها على ثلاث ركائز رمزية متجاورة: "الأجنحة"، و"الأمل"، و"النور"، وهي ثلاثية تؤسس منذ البداية لفكرة التحليق الروحي، والانتصار الداخلي على هشاشة الجسد.

وفي زمن تتكثف فيه التجربة الإنسانية بين هشاشة الجسد وضغط الوعي تبرز رواية أجنحة الأمل والنور لتضع الإنسان في مواجهة عارية مع حدوده القصوى، فلا يعود المرض حدثًا طبيًا؛ لكنه يتحول إلى تجربة وجودية شاملة تعيد تفكيك علاقة الذات بذاتها وبالعالم.

فالرواية تنفتح منذ عتبتها الأولى على سؤال المعنى في لحظة الانكسار في الوقت الذي تتراجع فيه اليقينيات الكبرى لصالح قلق داخلي يتسرب إلى تفاصيل الإدراك اليومي، فيغدو الجسد مجالًا للتهديد، والزمن مساحة غير مستقرة، والهوية بِنية قابلة لإعادة التشكل المستمر.

وفي هذا السياق تتأسس الدلالة داخل العمق النفسي للشخصيات، ويتحول السرد إلى آلية لفهم الاضطراب الداخلي أكثر من كونه نقلًا للأحداث.

فالتجربة المرضية هنا تعمل محفزًا لانكشاف الذات، إذ تُجبر الشخصية على إعادة النظر في علاقتها بالألم، وبالموت، وبالآخر، وبالمستقبل، بما يجعل الرواية أقرب إلى دراسة أدبية في تشكل الوعي تحت الضغط الوجودي.

وتتجلى أهمية هذا النص في كونه يعيد صياغة مفهوم الأمل على أنّه بنية نفسية معقدة تتشكل داخل لحظة الانهيار فيظهر كآلية داخلية لإعادة تنظيم الفوضى النفسية ومنع التفكك الكامل للذات، كما يتداخل البعد العلاجي مع البعد الرمزي ما يعمل على تحويل اللغة والسرد والعلاقات الإنسانية إلى وسائل لإعادة بناء المعنى داخل عالم يتعرض للاهتزاز المستمر.

ومن هنا تكتسب المقاربة النفسية للنص أهميتها، إذ تسمح بكشف الطبقات العميقة للتجربة السردية، وفهم كيفية انتقال الشخصية من حالة الانكسار إلى حالة التكيف التدريجي عبر مسار يتداخل فيه القلق بالوعي، والألم بإعادة التفسير، والغياب بمحاولة استعادة الحضور.

بهذا المعنى تقدم الرواية تأملًا في الإنسان الذي يُجبر على إعادة اختراع ذاته داخل أقسى تجارب الوجود.

وترتكز رواية "أجنحة الأمل والنور" على بنية سردية يمكن قراءتها من منظور نفسي يشتغل على تفكيك العالم الداخلي لشخصية سلمى، وإعادة تشكيله في سياق تجربة مرضية حادة يتشكل فيها السرد ليتتبّع تحولات نفسية متراكبة تتداخل فيها الصدمة بالوعي، والانهيار بإعادة التوازن، والقلق بمحاولات التكيف.

تبدأ التجربة النفسية في لحظة اكتشاف المرض، إذْ تتجلى الصدمة التي باتت اختراقًا مفاجئًا للبنية النفسية المستقرة سابقًا، فتعمل اللحظة انهيارًا داخليًا يطال الإحساس بالسيطرة واليقين.

في هذا السياق يتفكك الشعور بالأمان الجسدي والنفسي، ويبدأ الوعي في الدخول إلى حالة من الاضطراب تتراوح بين الإنكار والذهول والارتباك.

ويمكن فهم هذه المرحلة في ضوء التصور النفسي للصدمة كلحظة يتجاوز فيها الحدث قدرة الجهاز النفسي على الاستيعاب، ما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم جذرية للذات.

مع استمرار التجربة المرضية ينتقل السرد إلى مستوى أعمق من التحليل النفسي يتمثل في تشكل القلق الوجودي، فلا يعود الخوف مرتبطًا بالألم الجسدي بقدر ما يتسع ليشمل الخوف من الفقد وتغير الهوية وانكشاف محدودية الجسد.

هنا يتبدل إدراك الزمن، ويصبح المستقبل مصدر تهديد بدل من أن يكون مجالًا للامتداد، بينما يتكثف الحاضر على شكل لحظة مثقلة بالوعي والهشاشة.

هذا التحول يعكس إعادة تشكيل جذري للعلاقة بين الذات والزمن، ليصبح الزمن عنصرًا ضاغطًا يعيد إنتاج القلق باستمرار، كما يتبلور الأمل على شكل آلية دفاع نفسي معقدة أكثر من كونه حالة شعورية بسيطة.

فهو يعمل على إعادة تنظيم الفوضى الداخلية عبر تحويل التجربة المؤلمة إلى إمكانية للاستمرار، وقدرة على التعايش مع الألم، وإعادة تأويله داخل بنية نفسية تبحث عن التوازن على شكل سموّ نفسي يسمح للذات بالبقاء في مواجهة التهديد دون انهيار كامل.

وتتخذ شخصية سلمى مسارًا نفسيًا تدريجيًا يقوم على التذبذب بين الانكسار وإعادة البناء، فتمر عبر سلسلة من التحولات الانفعالية التي تتداخل فيها مشاعر الخوف والرفض والقبول والبحث عن معنى جديد للوجود.

هذا التدرج يعكس طبيعة التكيف النفسي مع الصدمات المزمنة التي يتحقق فيها التوازن عبر مسار طويل من إعادة التقييم الداخلي، فتتفكك الهوية السابقة تدريجيًا وتتشكل هوية أكثر وعيًا بهشاشتها، وأكثر قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.

ويمثل المرض في الرواية عنصرًا كاشفًا للبنية النفسية العميقة للشخصية، فإحداث الألم يعيد تفكيك العلاقات الداخلية والخارجية للذات، ويتحول الجسد إلى موضوع للوعي بدل أنْ يكون امتدادًا طبيعيًا له، ما يخلق حالة من الاغتراب الجسدي، لتصبح الذات في موقع المراقبة المستمرة لجسدها، وهذا الانفصال بين الذات والجسد يعكس توترًا نفسيًا عميقًا يعيد تشكيل إدراك الشخصية لوجودها.

تؤدي العلاقات الإنسانية دورًا حاسمًا في إعادة التوازن النفسي داخل النص من خلال شخصية يوسف الذي يظهر على شكل عنصر دعم نفسي يساهم في تخفيف حدة القلق الداخلي دون أنْ يتحول إلى قوة إنقاذ خارجية، وتقوم العلاقة بينه وبين سلمى على المرافقة الوجدانية لا على الحلول المباشرة، ما يعكس طبيعة الدعم الاجتماعي الذي أضحى عاملًا أساسيًا في التكيف النفسي مع المرض، وهذا النمط من العلاقة يعيد إنتاج مفهوم الشفاء كعملية تشاركية لا فردية.

في المقابل تؤدي الشخصيات الثانوية دورًا رمزيًا في توسيع التجربة النفسية، فالطفلة ليلى تمثل نموذجًا للبراءة غير المشروطة بالوعي المرضي، ما يخلق تباينًا نفسيًا يبرز أثر التجربة المرضية في تشكيل الإدراك، أما شخصيات الدعم النفسي فتسهم في إبراز فكرة الشفاء الجماعي كمساحة يتقاطع فيها الألم الفردي مع التجربة الإنسانية المشتركة.

ويتجلى المرض في الرواية ليكون أداة لإعادة ترتيب الوعي، فهو يكشف حدود القوة الإنسانية، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده وزمنه، وهذا الكشف يؤدي إلى إعادة بناء بطيئة للذات يتحول من خلالها الألم إلى عنصر معرفي يساهم في إنتاج وعي جديد أكثر عمقًا بالهشاشة الإنسانية.

كذلك تظهر الكتابة داخل النص على أنها آلية نفسية لتنظيم التجربة الداخلية، فهي تعمل لإعادة صياغة الألم وتحويله إلى معنى يمكن التحكم فيه.

من هذا المنظور تصبح الكتابة شكلًا من أشكال العلاج الرمزي الذي يسمح بتخفيف التوتر النفسي وإعادة بناء السيطرة على الذات.

أما الزمن الروائي فيتخذ شكلًا نفسيًا غير خطي، ويقاس بكثافة التجربة الانفعالية، فيتسع الزمن أو ينكمش تبعًا للحالة النفسية، ما يعكس طبيعة الزمن الذاتي في علم النفس بحيث يصبح الإدراك الزمني تابعًا للحالة الشعورية لا للتسلسل الموضوعي.

في ضوء هذا التحليل يمكن النظر إلى الرواية بأنها تمثيل أدبي لعملية التكيف النفسي مع الصدمة المرضية تتداخل فيها آليات الدفاع النفسي مع إعادة بناء الهوية لتعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم.

ومن خلال هذا التحول يتكشف أنّ الأمل والعلاقات الإنسانية والكتابة هي آليات نفسية عميقة تساهم في استمرار الذات، وإعادة إنتاج معناها داخل تجربة تهدد هذا المعنى باستمرار.

وبعد هذا الامتداد الذي فرضته الذاكرة على القراءة غدت رواية أجنحة الأمل والنور نصًا يُقارب بعين الناقد من جهة، وهو مساحة تتقاطع فيها الكتابة مع التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقًا من جهة أخرى.

فقد تراجعت المسافة بين القارئ والنص، ووجدتُ نفسي داخل حالة من الاستدعاء الهادئ لوجوه لم تغب عن القلب رغم غيابها، فالرواية أعادت فتح أبوابٍ ظننتُ أنها أُغلقت منذ زمن.

والعنوان كان بداية لارتباك داخلي خفيف يشبه رجفة الذاكرة التي تُستدعى فجأة، فبدت "أجنحة الأمل والنور" تحمل ما هو أبعد من الكلمات، لتشير إلى ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بحياته عندما تضيق به الطرق، ويصبح البقاء فعل مقاومة صامتة لا يُرى.

ومع تقدم القراءة لم تعد الشخصية الروائية منفصلة عن الواقع، إذ بدأت ملامح سلمى تتداخل مع صورٍ أعرفها جيدًا، مع وجوه مرّت بتجربة الألم نفسها، ومع محطات فَقْد تركت أثرها في الداخل دون أنْ تخفت.

عند تلك النقطة أصبح المرض حالة إنسانية عامة تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تترك الأثر ذاته في الروح، هو ذلك التوتر بين الخوف من الانطفاء والرغبة في الاستمرار.

كان حضور الأمل في الرواية يتسلل بهدوء كحالة خفيفة تشبه الضوء الذي يمر على جدار متعب، لم يكن يرفع الألم، لكنه كان يغيّر طريقة النظر إليه، فالمعاناة نفسها يمكن أنْ تُرى من زاوية أخرى أكثر رحمة، وأقل قسوة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأ المعنى يتشكل خارج النص، وداخل التجربة الشخصية للقارئ، لتختلط القراءة بالذاكرة دون فاصل واضح بينهما.

ومع كل صفحة كان الزمن يبدو أكثر ليونة، وكانت الرواية تعيد ترتيب الإحساس بما حدث؛ لتتقاطع الأصوات بين الماضي والحاضر، وتظهر الوجوه التي غابت لتعود للحظة قصيرة، ولتذكّر بأنّ الحب لا ينتهي بالغياب، وأنّ الأثر الإنساني لا يُمحى حتى عندما يغادر أصحابه.

وفي اللحظة التي وصلت فيها القراءة إلى نهايتها بقي ذلك الصمت العميق الذي يلي المواجهة مع شيء أكبر من الكلمات.

لقد شعرت أنّ الرواية تركت نافذة صغيرة مفتوحة على الداخل، نافذة لا تسمح بالنسيان، لكنها تمنح قدرة خفيفة على الفهم، وعلى التعايش مع ما لا يُنسى.

لقد أصبحت الكتابة عن هذا النص شكلًا من أشكال الاستجابة الإنسانية لتجربة تمس جوهر الوجود، فبعض النصوص لا تنتهي عند آخر صفحة، إنما تستمر في الداخل بهدوء، وتعيد تشكيل طريقة النظر إلى الحياة دون أنْ تُعلن ذلك.

انتهت القراءة في مساء يوم السبت التاسع من أيار 2026-  قرب نافذةٍ تُطِلّ على مدينةٍ صامتة تتنفس على مهل بين الضوء والظلال- أكتب توقيعي لألتقط لحظةً عابرة من الزمن قبل أنْ تنسحب بهدوء- أشعر بسكونٍ داخليّ دافئ يشبه الطمأنينة التي تأتي بعد طول تأمل؛ لتمنح القلب فرصة أنْ يسمع نفسه قبل أنْ يغادر...

***

غدير حميدان الزبون -  بيت لحم / فلسطين

 

الملخًّص: يرومُ هذا البحث الكشفَ عن التَّفاعلات الجماليَّة والتّواصليّة بين الرّؤيا السّرديّة والخطاب البيانيّ في البناء النصّيّ الرّوائيّ، من خلال التّركيز على تقنيّات الإضمار والمجاز بوصفهما وسيلتين لخلق طبقات من المعنى تتجاوز المباشر إلى التّأويليّ. يتمّ استقراء نماذج أدبيّة روائيّة عربيّة معاصرة مختارة تُظهر كيف يُوظّف الإضمار كاستراتيجيّة لخلق فراغات دلاليّة تنفتح على تعدّد التّأويلات، وكيف يتكامل المجاز مع الرّؤيا السّرديّة ليمنح النّص بعدًا رمزيًّا يُثري التّواصل بين المبدع والمتلقّي.

يناقشُ البحثُ أيضًا كيف يُسهِم هذا التَّداخل بين السَّرد والبيان في تفعيل آليَّة الإقناع والتَّأثير، ويطرح رؤية نقديَّة تحليليّة حول التّوازن الفنّيّ بين الوضوح والإبهام، والظّاهر والخفيّ، في الكتابة الأدبيّة الحديثة. كما يُفكّك البنية البلاغيّة للنّصوص محلّ الدّراسة باعتماد منهج تحليليّ تركيبيّ، يجمعُ بين المقاربة السّيميائيّة والبلاغية والنّقد السّرديّ، لبيان كيفيّة اشتغال الخطاب داخل النّصوص كبنية متعدّدة الأصوات والدّلالات.

الخطاب البيانيّ التّواصليّ

تقومُ الرّؤية التّواصليّة الدّلاليّة على الخطاب المباشر البيانيّ، وما يجسّده الحوار البيانيّ التّواصليّ بين الشّخصيّات؛ وذلك بهدف توصيل الغاية من الرّسالة بطريقة فنيّة جماليّة، مقوّماتها الرّؤى السّرديّة القائمة على مؤشّرات تواصليّة واضحة ومباشرة ودلالات مفهومة لا غموض فيها. ويقوم تحليل الأنماط السّرديّة وتشكيلاتها اللّغويّة على حوار نصّيّ واصف بين الشّخصيّات، ويمكن توضيح ذلك من خلال العلاقة بين التّأريخ والسّرد في الخطاب التّاريخيّ، حيث تتجاوز تحديد عناصر القصّة والفرق بينها وعناصر الحبكة في الخطاب التّاريخيّ إلى التّركيز على فهم الأحداث، وتتبّع دلالاتها التّواصليّة (وذلك بأن تكشف في النّهاية عن بنية كانت محايثة immanence للأحداث في جميع المراحل... مع محاولة ترسيخ طبيعة هذه المحايثة في أيّ عرض سرديّ للأحداث الواقعيّة، الأحداث التّي تقدّم على أنّها المحتوى الصّحيح للخطاب التّاريخيّ. هذه الأحداث واقعيّة، ليس لأنّها حدثت بل في المقام الأوّل لأنّه يتمّ تذكّرها، وثانيًا لأنّها قادرة على العثور على مكان في تتابع مرتّب زمنيًّا)[1] وهذا الخطاب المسمّى بخطاب الواقع، يقابله خطاب الخيال، أو خطاب الرّغبة، وفي خطاب الواقع رؤية تواصليّة تعبّر عن واقع مجتمع معيّن في فترة محدّدة، كما هو في روايات الطّاهر وطّار، ورواية نيران وادي عيزر لمحمّد ساري، ورواية اللّص والكلاب لنجيب محفوظ، ورواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي وغيرها من الرّوايات التّي تعبّر عن واقع إنسانيّ عربيّ مشترك من حيث الظّلم والمعاناة والاستغلال والاستعمار.

أداء الإضمار البيانيّ والمجازيّ

إذا كان الأداء البيانيّ التّواصليّ يؤدّي دلالته السّرديّة بشكل مباشر وواضح، بعيدًا عن التّعقيد والغموض؛ فإنّ كلاّ من الأداء الإضماريّ البيانيّ والجازيّ يقومان على كيفيّة تأدية النّص رسالته من حيث التّوصيف البلاغيّ، دون أن يفصح عنها؛ فالكاتب يعبّر عن المقصود بدلالات إيحائيّة يترك للقارئ مجال استخلاصها بطريقته، مستعينًا بإشارات سيميائيّة، ورموز، وعلامات، تتضمّن مضمرات وبيانات مجازيّة بلغة واصفة، ومواراة للمعاني بدل الإفصاح عنها. ويمكن تلخيص أشكال الصّمت في أنّها (تتحقّق من خلال الالتماس إليها بالمضمر الرّمزيّ، أو الإيحائيّ، أو الإشاريّ، أو الاستعاريّ، خاصّة الصّمت الاختياريّ؛ فتلك الشّيفرات ظاهرة تتّجه للغياب المسمّى صمتًا مضمرًا خفيًّا؛ بل هو ضرب من ضروب الوجود، وقد يكون الصّمت اللاّمقصود في بعض المواضع، مغامرة من الكاتب، خاصّة إذا أغرق في الغموض؛ ممّا يصعّب تأويله وفهمه والاستدلال عليه نتيجة الغرابة والالتباس. مع أنّ الأهمّ في موضوع الصّمت بأصنافه وأنواعه وأمثلته هو متى يوظّفه الكاتب؟ وكيف؟ ولماذا؟ لأنّ الصّمت حينما يحقّق وظائفه، يُعدُّ مطلبًا مهمًّا ينبغي مراعاته؛ إذ قد يؤدّي وظيفة إبلاغيّة أو تعبيريّة. ومن بلاغات الصّمت تحفيز القارئ على التّمعّن لاستخلاص المتخفّي، وهي براعة من الكاتب لإشراك المتلقّي، بوصف الصّمت خطابًا تعبيريًّا وشكلاً سرديًّا مضمرَ الملفوظات، يهدفُ إلى تعميق الفهم لدى المتلقّي. وتقنيّات توظيف الصّمت في النّصوص السّرديّة وخاصّة منها الرّواية تتفاوت أشكالها وخصوصيّاتها من كاتب لكاتب حسب طبيعة الموضوع والأهداف المراد تبليغها، وحسب شخصيّات النّص وأحداثه ووقائعه، كما يختلف فهمها وتأويلها من قارئ لآخر حسب درجة الوعي، وحسب طبيعة العلاقات بين البنى اللّغويّة ودلالة العلامات والشّيفرات المعبّرة عن ملفوظات صموتة مضمرة)[2]. ولعلّ الأداءات الإضماريّة البيانيّة والمجازيّة في رواية الإسفنجة للأزهر الزّنّاد تصوغ تصوّرات تراوحت بين الأداءات المتخفيّة واللاّمرئيّة والمجهولة، وذلك للدّلالات المضمَّنة لتحوّلات العالم وعلاقة الغالب بالمغلوب بين الغرب والشّرق، والدّلالة الرّمزيّة للإسفنجة التّي تتعدّد وظائفها، وما تحمله الذّاكرة المثقلة بالهموم والتّوقّعات والتّأملات، وفي فصل الرّواية حول (ميلاد الإسفنجة)[3] تسردُ الشّخصيّة الرّئيسيّة مجريات المناقشة العلميّة وتفاصيلها في جملة من التّمثيلات السّرديّة لمجموعة من الأحداث التّي تلخّص رؤى سرديّة متباينة للشّخصيّات، وهذا ملمح من ملامح الخطاب السّرديّ الذّي لا يتكوّن (من شيفرة واحدة تُستَخدَم بشكل أحاديّ، بل من مجموعة معقّدة من الشّيفرات التّي يشهد نسجها من المؤلّف لإنتاج قصّة غنيّة بشكل لا نهائيّ بالإيحاء وتنوّع العواطف، ناهيك بموقفها وتقويمها المتسامي لمادّتها، بمواهبه كفنّان وليس كخادم للشّيفرات المتوافرة لاستخدامه)[4] ويُحيلنا هذا النّص إلى ربط موضوع الشّيفرات المعقّدة والإيحاء اللاّمتناهي، وتنوّع العواطف والمواقف المتسامية بما ورد من رؤى سرديّة في رواية الإسفنجة والتّي تقوم على تعدّد طبقات الخطاب السّرديّ وأداءاتها المجازيّة المعقّدة، وما يترتّب عنها من نماذج أدائيّة تتحوّل في عديد المقامات إلى جهاز لإنتاج المعاني، وتتجاوز نقل المعلومات حول أيّ مرجع خارجيّ، وذلك ما يندرج تحت مسمّى اللّغة الضّمنيّة التّي تهتمّ بالمسكوت عنه، ممّا يتوجّب البحث والاستبصار فيما خفي من دلالات خارجة عن متن النّص بين الدّال ومدلوله (والكلمات ليست إلاّ علامة على شيء أدركناه من قبل، الكلمة بطاقة توضع على أصناف المرئيّات، وقد أدّى هذا الفهم للنّص الأدبيّ إلى العناية بمدلولات الشّعر دون دوّاله؛ بمقول القول لا بالأداة التّي تصنع القول)[5]، والواضح من هذا أنّ المسكوت عنه هو الدّلالة الضّمنيّة المضمرة التّي تتجاوز ظاهر النّص ومتنه، لتحقّق جملة من الاحتمالات والفرضيّات، ويكون بهذا (المعنى الضّمنيّ حصيلة الفؤاد (المضمر) في اللاّمقول في النّص، في مقابل لَبُوس النّص الملفوظ بما يلائمه من استحكام التّوابع البلاغيّة، والتّمكّن منها، وهو ما يميّز الخطابين، من حيث إنّهما نمطان من اللّغة، لغة الإضمار ولغة الخطاب، وهما لغتان مترادفتان، مشتركتان في الوظيفة، مختلفتان في الأداء الإجرائيّ، وإذا كانت لغة الخطاب/التّخاطب – بما في ذلك اللّغة الجسديّة - يحميها نظام التّواضع بالقواعد واستعمالات معيّنة، فإنّ الثّانية متفلّتة من أيّ نظام، قد يقودها إلى نسيج من الخصوصيّة المنكفئة عن الجادّة، وقد تتقاطع إحداهما مع الأخرى)[6]، ورواية الإسفنجة تعكس رؤيتها السّرديّة دلالات ضمنيّة، تمثّل المخزون الذّهنيّ للكاتب وتصوّراته المضمرة الوجدانيّة، وذلك ما يجعل الوصول لمكامن المعاني في النّص وتشتّتها، وفي ذلك تعبير بليغ عن خلجات الضّمير، وتوسيع دائرة المدلول.

ونجدُ في رواية حكاية العربيّ الأخير لواسيني الأعرج العديد من المقاطع، التّي تشكّلت من ملفوظات أسهمت في تركيبها بهدف إنتاج رؤى متباينة من حيث عمقُها وخلفيّتها ومرجعيّتها وأبعادها الدّلاليّة؛ لأنّ موضوع الرّواية يرتبطُ أساسًا بموضوع الهويّة، وشخصيّة آدم التّي جسّدت "المهانة والخيانة" حينما احتقر رموز الحضارة، وتجاهل مكوّنات الشّخصيّة والموروث، ودخلت الشّخصيّة في صراع عبثيّ واهن لإرضاء الآخر؛ والانتقال إلى (قلعة آرابيا) لسرد أحداثها التّي شابها الخداع والمكر والطّمع؛ إذ نجد شخصيّات الرّواية بارعة في تدبير المكائد، وخاصّة استغلال ضعاف العقول والجاهلين، وهذه دلالة على ضرب الحضارة والثّقافة، واندحار الأخلاق، وفشل الدّفاع عن ذلك ينجم عنه الارتهان بالاستعمار القائم على الاستغلال ونهب الخيرات والثّروات وحتّى العقول[7] فقلعة آرابيا فقدت موقعها الحضاريّ، ولم تعرف يومًا انتظامًا يليقُ بالقيادة الرَّشيدة؛ إذ سيطرَ عليها التّشرذم والاضطراب، فكان الانقسام والتّبدُّد نتيجة حتميّة. تفتّتت الهويّة، وانهارت الرّموز الموحية، إمّا عبر تغلغل الآخر في إرادة ضعيفة يسهل انتزاعها، أو بسبب غياب الانسجام والتَّكافل، أو نتيجة تغليب نزعة الفرد على حساب قوَّة الضّمير الجمعيّ. وإلى ذلك، برز التّخلّي عن روح المسؤوليّة التّاريخيّة، التي كان يفترضُ أن تصون الذَّاكرة الجماعيّة وتحميها من التَّلاشي.

وإذا طال التّأثير على الذّاكرة التّاريخيّة والجمعيّة؛ فإنّ آليّات التّأثير قد أدّت دورها السّلبيّ بنجاح على الأفراد؛ ولأنّ تلك الذّاكرة هي شكل من أشكال الثّقافة المؤديّة إلى تماسك الأفراد والمجتمعات، ومعلم من معالم رقيّها وحضارتها. والضّمير الجمعيّ النّاتج عن تجمّع عقول الأفراد والتحامها كما حدّده إميل دوركايم David Émile Durkheim، إذا تخلّى عن خصوصيّاته ووظائفه وأدواره؛ فإنّ معتقدات المجتمع كلّها تتأثّر، فضلاً عن تأثر أنماط التّفكير والشّعور والسّلوك الجماعيّ للأفراد، وهذا أسلوب سرديّ جديد يتلخّص في صراع "الهويّات المتباينة" ومناهضة الآخر، وما يسمّى كذلك القوى الاستعماريّة النّاعمة، والمدّ الثّاقفويّ Culturalisme، الذّي يخلق الفتن لأيّة ثقافة أخرى، ويسهم في نشر الصّراعات والأوهام والأكاذيب والتّضليل، وكلّ ذلك يقود إلى هدم العلاقات الإنسانيّة، وتشتيت المجتمعات، وضياع الأفراد، فضلاً عن ضياع الهويّة، وهذا ما ينعكس على النّصوص السّرديّة على وجه التحديد، وهو ما يعني إدراك الوعي، وتنشيط حركة الفكر، وبذلك يتمّ (فهم الواقع النّهائيّ الذّي يمثّله الحاضر المستمرّ، فلابدّ من دمج الإدراك والخلق في وحدة آنيّة تستبعد جميع الوعي، الذّي لا علاقة له بالحاضر. وهذه البداهة، بالنّسبة إلى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برجسون Henri Bergson ليست مُتاحة إلاّ نظريّا؛ لأنّ الإدراك كلّه يجنّد لمساعدة الذّاكرة، ونحن لا ندرك إلاّ بتعابير تَمَّ تعلّمها في الماضي، أمّا الحاضر البحت، فليس أكثر من مجرّد، الاستمرار غير المرئيّ للماضي الذّي يتلاشى في المستقبل...)[8].

وفي ضوء ذلك يقومُ فهم الواقع النّهائيّ في الرّواية على فهم الزّمن وأبعاده ودلالاته، التّي تحدّد مسارات الخطاب السّرديّ في مسارات متنوّعة، وصور تكثيفيّة في خطّين متوازيين ينتجان دلالتين دلالة الأداء البيانيّ التّواصليّ في مقابل دلالة الأداء البيانيّ المجازيّ، وفق علاقات تماثليّة أفقيّة وعموديّة، تحدّدها الوحدات السّردية ومتواليّات الرّؤى العامّة، التّي توحي بطبيعة الأداءات، وتسِمُ كيان الذّات المشحونة بالرّؤية الكليّة للوجود بتجاوز الواقعيّ في الأداء البيانيّ المجازيّ، لاتّسامه بالرّتابة والملل والرّكود؛ ممّا لا يسعف الذّات لتحقيق ما تصبو إليه، ومنه تسعى إلى احتضان العوالم الممكنة التّي تخضع لاحتمالات متنوّعة ولا نهائيّة. وتلك هي الطّبيعة الإنسانيّة الرّامية إلى التّذكّر، والنّسيان، والتّوقّع، وتجسيد تحويل الواقع المادّي إلى مثاليّ مجازيّ، قد يرقى بالحياة إلى السّمو، ممّا يستوعب آفاق الحياة الرّحبة، ويسبر أعماق الذّات الإنسانيّة.

انزياح التّبئير في السّرد

يشهدُ الخطابُ الرّوائيّ تبدّلات سرديّة متنوعة، تبرزها مجمل الرّؤى، ثابتة كانت أو متحوّلة أو متعدّدة، وقد تكون صيغ الخطاب المسرود في توازٍ مع صيغ الخطاب المعروض على المستوى الكمّي، وتظهر العلاقة بين هذه الصّيغ والرِّؤى السّرديّة، التّي تنتج عنها على المستوى الأفقيّ، الذّي يتحقّق على طول الخطاب، وعلى المستوى العموديّ حينما نتعامل مع الصّيغة الواحدة في وحدة مستقلّة، وتتشاكل نتيجة هذه العلاقة بين المستويين الأفقيّ والعموديّ ما يسمَّى بأشكال الرّؤية السّرديّة، وهو ما سنقف عنده بشيء من التّفصيل والتّحليل والتّمثيل، ولعل مجمل الانزياحات تتحقّق في الرّؤية السّرديّة:

أوّلا: الرّؤية السّرديّة الصّفريّة

من المعلوم أنّ الرؤّية السّرديّة تتعلّقُ بالكيفيّات التّي يتمُّ إدراك العمليّة السّرديّة من خلالها، وتشخيص السّارد لجملة من الأحداث لتقديمها عبر تبئير سرديّ، ويغلبُ توظيف الرّؤية من الخلف (Vision par derriére)؛ لأنّها تحيطُ بالسّرد من حيث الأزمنة والأمكنة، وفي رواية (الديوان الإسبرطيّ) لعبد الوهّاب العيساوي نجد أنّ الزّمن تحكّم في سرد الأحداث، وتبيين العلاقة بين الذّات والهويّة في ظلّ فترة الوجود العثمانيّ، وفترة تقهقره التّي شهدت تضييع المحروسة (الجزائر). وفي الحوار الذي جرى بين ابن ميّار والقنصل جاء الحديث عن الباشا على لسان القنصل بضمير الغائب، حينما بيّن تفريطه في المحروسة بسبب بعض الحماقات الصّغيرة[9] وحتّى في الحديث عن مقاومة الأمير عبد القادر لم يذكر اسمه؛ لأنّه لم يُصرّح بمعرفته له وذكر ذلك ابن ميار في مناجاته ملفوظ (الأمير الشّابّ): (يزعم أنّ هناك عيونا للأمير بالمدينة. لم أؤمن بالأمير يوما، وما اعتقدت فيه الإمارة، كيف يفقه هؤلاء البدو تقاليدها، أيمكن أن تجتمع حفنة من النّاس ويعلنون رجلا من بينهم أميرا؟)[10] وفي ذلك إشارة إلى كشف لحقيقة الهويّة، ونقد وعي المجتمع في تلك الفترة؛ حيث كان الانشغال بالملذّات والاهتمام بالهوى على حساب الضّمير الواعي المسؤول، والخيانة المضمرة بسبب بيع القيم والتّخلّي عن المبادئ، التّي تُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعيّ والسّياسيّ والثّقافيّ، واستبدالها بانتهاك الحرمات، وخيانة العهود، وتفكّك المشاعر والغواية والأذى والإهمال، وهو إهمال طال المحروسة من أهلها الذين غيّبوا عقولهم، وكانوا سببًا في سقوطها وتراجعها.

ثانيًا: الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة:

إنّ التّأكيد على الفعل السّرديّ كما وضّحه رولان بارت يقوم على القراءة السّرديّة، بوصفها تطبيقًا منهجيًّا، يعتمدُ على نظام توالي الأحداث، وتتابعها، ويكون بذلك النّص السّرديّ محمّلا بالعناصر الدّلاليّة وتقابلاتها الثّنائيّة؛ بهدف إعادة صياغة الممكن القرائيّ، ومعرفة طبيعة الأحداث وتنوّعاتها عبر مستويات متعدّدة؛ للكشف عن البنيات المتشابكة للنّص السّرديّ، وهذه الشّيفرات تتعالق مع مستوى الملفوظات الصّموتة في النّص الذّي يصبح شبكة من التّفاعلات العلائقيّة المفتوحة على القراءة والتّأويل، ويُرجعنا ذلك إلى البحث عن بؤر الانطلاق للمعاني (Les départs de sens) التّي ينتجها النّص السّرديّ، والنّظر في تآلفها مع نصوص ومقاطع سرديّة وشيفرات أخرى. ويضاف إلى ذلك التّبئير الدّاخليّ، الذّي يقوم على السّرد بالصّيغة الشّخصيّة أو العاكسة (Figuralor reflector mode) ويعرف بقراءة أذهان النّاس (Reading people minds)، ويندرج هذا ضمن ملفوظ الصّمت بشكل واضح؛ بالنّظر إلى العالم التّخييليّ للنّص السّرديّ، وما ينتجُ عنه من إدراكات حسيّة لشخصيّة ما، أو أكثر، أو الاقتراب إلى أذهانها خارجيًّا وداخليًّا، وخاصّة استخلاص التّبئير الدّاخليّ الغامض، وكذلك السّرد غير الطّبيعيّ الذّي يندرج ضمن السّرد التّأليفيّ (Authorial narrative)؛ لأنّه يتلاءم وسرد الأوضاع غير الطّبيعيّة ومعانيه الدّاخليّة الغامضة المضمرة، التي من شأنها أن  تكون أكثر تأثيرا ممّا هي عليه في السّرد الطّبيعيّ الواضح[11].

وتحدثُ الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة عندما يتمّ تقديم الأحداث من وجهة نظر شخصيّة واحدة داخل القصّة. وتكون المعرفة محدودة بما تعرفه هذه الشّخصيّة فقط، ممّا يسمح للقارئ بفهم أفكار هذه الشّخصيّة، ومشاعرها، على نحو ما ورد في رواية (مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير Gustave Flaubert الذّي يستخدم التّبئير الدّاخليّ؛ لتقديم الأحداث من وجهة نظر إيما بوفاري. والقارئ يتّبع أفكار إيما، ومشاعرها، ويعيش تجربتها العاطفيّة والدّاخليّة بشكل مكثّف. ولعل هذا النّوع من التّبئير يسمحُ للقارئ بفهم دوافع إيما ورغباتها وأحزانها بشكل عميق، فحينما تشعر إيما بالملل من حياتها اليومّية، وتجدُ في القراءة ملاذًا لها، كانت تتخيّل عوالم بعيدة، مليئة بالرّومانسيّة والمغامرة، ممّا زاد من إحباطها من واقعها البسيط.

ونجدُ في رواية عناق الأفاعي للرّوائيّ عزّ الدّين جلاوجي تواتر السّرد وتكاثف الدّلالات الوصفيّة من خلال شخصيّة شامخة التّي عبّرت عن ذاتها ومشاعرها قرائن دلاليّة، وهو تعبير داخليّ ورؤية سرديّة داخليّة، يحسّها كلّ محبّ لوطنه؛ لأنّ شامخة تمثّل شموخ الوطن والهويّة، ومقاومة كلّ من تسوّل له نفسه بأن يستغلّ خيرات الوطن ويحاول طمس هويّته ومعالمه، وقد انعكس صراعها الدّاخليّ على تحدّيها للأعداء الثّلاثة (اليهوديّ، والأشقر الفرنسيّ، ومدبّب الأنف) ومواجهتها لهم، ومع تغلّبها على اليهوديّ والأشقر فقد ضربها مباغتا ومخادعا مدبّب الأنف[12]، فتحوّلت إلى نجمة مضيئة في السّماء ليهتدي بها الآخرون، ويقتدي بها من ينتهج سبيلها. ولعلّ هذه الرّؤية تجعل من التّاريخ سردًا فنيّا من خلال وصف مجمل الأحداث التّاريخيّة لتُسهمَ في تنامي الأنساق الثّقافيّة وتكاثف دلالاتها القيميّة لتعزيز الهويّة الوطنيّة، وكانت (ثلاثيّة الأرض والرّيح) لعزّ الدّين جلاوجيّ تنمُّ عن تجربته واهتمامه بالتّراث الزّاخر، وترسيخ الوعي التّاريخيّ في نسق وصفيّ سرديّ، يجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث التّي تمزج بين الماضي، وتنتقل إلى الواقع؛ لإيصال مختلف الرّؤى السّرديّة.

أ - الرّؤية السّرديّة الثّابتة

يقومُ الخطاب الرّوائيّ على تبدّلات سرديّة تبرز الرّؤى المتنوّعة، ويقدّم الكاتب رؤية ثابتة، وقد يركّز في عرضه للشّخصيّات على حدث بعينه، بوصفه حدثا مركزيّا ومحوريّا، ومنه تتفاعل الأحداث وتنسجم لتتطوّر اتّجاهاتها وتتنوّع دلالاتها؛ لتحقيق غايات فنيّة وجماليّة وسمات أسلوبيّة تضبط تمفصلات الرّؤية السّرديّة، ومؤشّراتها الصّيغيّة، وهذا ما يتيح لنا التّمييز بين الخطابات الرّوائيّة المستعملة، وما ينتج عنها من رؤية سرديّة. ونجد في رواية مدام بوفاري (Madame Bovary) للرّوائيّ الفرنسيّ غوستاف فلوبير Gustave Flaubert أنّه يتمّ تقديم الأحداث غالباً من وجهة نظر إيما بوفاري، وهي الشّخصيّة الرّئيسيّة، ووجهة رؤيتها للحياة واحدة قبل زواجها وبعده؛ فهي دوما تنظر إلى الحياة بيأس وملل، وتحسّ بضرورة التّغيير في كلّ مرحلة من مراحل حياتها؛ فكانت رؤيتها هذه قبل زواجها بالطّبيب شارل الذي كان يعالج والدها بسبب كسر في رجله، وبعد سفرها لتلقّي الدّروس من طرف ليون في البيانو لأنّها محبّة للفنون وقراءة الرّوايات، وتعيش حالمة في عالم رومانسيّ، وحتّى بعد إنجابها لابنتها تشعر بخيبة الأمومة، ودوما تسعى إلى الهروب من الواقع، وتدخل في ملل متجدّد، ورتابة وجمود، ولوضعها المادّي البورجوازيّ تلجأ إلى صرف الأموال بشكل جنونيّ حتّي توصل عائلتها للإفلاس والدّيون، ولم تجد من يساندها ويقف معها لتخرج من أزمتها؛ فقرّرت الانتحار بعد تسميم نفسها، وعبّرت شخصيّة إيما من خلال تصرّفاتها، وطريقة تفكيرها عن هجاء الواقع والمجتمع، وأتقن الكاتب في تفاصيل السّرد بدقّة وعناية لتقديم رؤية الشّخصيّات، وخاصّة شخصيّة إيما، فعندما تشعر بالملل يستغرق في العمليّة الوصفيّة، ويكثّف أحداثها حتّى يشعر القارئ بذلك الملل، والرّؤية السّرديّة التّي تتكرّر دلالاتها في رواية "مدام بوفاري" توحي بواقع طبقيّ، وتعب وجوديّ إنسانيّ، ينمّ عن تأزّم الواقع النّفسيّ الإنسانيّ؛ الرّامي إلى تحقيق عوالم خاصّة، متجاوزًا مظاهر المدنيّة ورتابة البورجوازيّة الجامدة.

ب - الرّؤية السّرديّة التّحويليّة

غالبًا ما تعيش الطّبيعة الإنسانيّة في صراعات مستمرّة، وإذا مارست مجمل الإمكانيّات السّلبيّة فإنّها ستؤثّر على مجرى الأحداث والرّؤية السّرديّة، وتحدّد ضوابط تفاعل الشّخصيّات، ومعايير ظهورها في مختلف الحالات والوضعيّات، ويكون تركيز المتلقّي حينها لا على ما تمثّله معاييرها؛ وإنّما على ما تقصيه تمثيلاتها، ومقدار التّجارب الإنسانيّة التّي تتلقّى قمعا من أنظمة فكريّة، وقد تحدث تلك التّحويلات للرّؤية السّرديّة (حينما تكون المعايير هي الموضوعة الأماميّة، ويبقى منظور البطل يمثّل الخلفيّة التّي تشترط بوجهة نظر القارئ. ولكن حينما يصبح البطل هو الموضوعة، وتشكّل معايير الشّخصيّات الثّانويّة وجهة النّظر، فإنّ تلقائيّته حسنة القصد تنحلُّ إلى فساد طبيعة متهوّرة. وهكذا، فإنّ موقع البطل يتحوّل أيضًا لأنّه لم يعد نقطة الارتكاز التّي سنحكم، من خلالها، على المعايير، وبدلاً من ذلك، فنحن نرى أنّ أفضل التّأويلات تصبحُ بلاَ قيمة إذا لم يوجِّهها الاحتراس، ويجب أن يتحكّم الحذر)[13]، وفي رواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي انتصار للقيم الإنسانيّة، وحياة الحبّ والحريّة بمرجعيّة تاريخيّة، يتمّ استخلاصها بناء على وقائع الرّواية وأحداثها وتحوّلاتها؛ لاكتشاف الثّنائيّات الضّديّة، وهي رواية تبحثُ عن الانزياح، وتصوّر الواقع المعاش في علاقته بالماضي، وتسردُ أحداثًا تاريخيّةً مصيريّةً من المقاومة الجزائريّة لإثبات الهويّة الوطنيّة بكلّ مقاييسها، وتنطلقُ من الواقع إلى التّخييل، وهذا في حدّ ذاته تحوّل مهمٌّ في تاريخ الكتابة الإبداعيّة السردية، وكيف يُحوّل الكاتبُ تقنيّات السّرد للتّفريق بين الرّواية التّاريخيّة ورواية التّخييل التّاريخيّ، وعلى الشّاكلة ذاتها قامت كتابات إبداعيّة سرديّة - روائيّة وقصصيّة - لكتَّاب جزائريّين أمثال: الطّاهر وطّار، ومرزاق بقطاش،  وأحلام مستغانميّ، ومحمّد ساري ومحمّد مفلاح، وغيرهم كثير. وهذه الرّؤية التّحويليّة تقوم على مهارات القارئ ومدى مشاركته الفعّالة؛ ولعلّ مجمل التّحويلات السّرديّة التّي تحدثها الذّات الفاعلة؛ مرتبطة بالأوضاع المتغيّرة، والأحداث المتبدّلة، ضمن حقل مرجعيّ معيّن يقوم على الاسترجاع فيؤثّر ذلك بشكل رجعيّ على وجهة نظر القارئ، ويتحوّل التّحويل المتبادل إلى تحويل تأويليّ بشكل تلقائيّ حتّى وإن لم يدرك القارئ العمليّة التّأويليّة وأنّه يمارسها من خلال استخلاص وجهات نظره؛ فإنّ عدم الإدراك يحوّل الحقول المرجعيّة إلى وجهات نظر منتقلة إلى بنيات سرديّة منتظمة تكشف مدى تفاعل القارئ بالنّص.

ج - الرّؤية السّرديّة المتعدّدة

يؤدي التّبئير دورًا مهمًا في تشكيل تجربة القراءة وفهم النّص، حيث يؤثّر على كيفيّة تقديم الشّخصيّات والأحداث والمعلومات، وهو ما يمكن أن يخلق تأثيرات دراميّة، أو توتّر، أو تعاطف معيّن لدى القارئ. ولعلّ تعدّد الرّؤية السّرديّة يتَّضح في واحدة من روائع الأدب العالميّ رواية (مائة عام من العزلة) لغابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel Garcia Marquez) والمكتوبة باللّغة الإسبانيّة، حيث يتمّ السّرد من وجهات نظر متعدّدة؛ ممّا يعطي القارئَ صورةً شاملةً عن الأحداث والشّخصيّات، ويرجع هذا التّعدّد السّرديّ إلى طبيعة موضوع الرّواية، التّي يسرد من خلالها الكاتب أحداث المدينة الخياليّة ماكوندو من خلال سيرة عائلة (بوينديا)، طيلة ستّة أجيال كاملة، وهذه العائلة قامت بتأسيس تلك القرية، ومن الطّبيعيّ أن يعتري أحداث هذه الفترة - الممتدّة إلى عشرة قرون - صراعات كثيرة، خاصّة بين المحافظين والأحرار، وما تخلّل أمريكا الجنوبيّة من عزلة تضمَّنتها روابط مثّلها الغجر، وكان التّركيز على السّياق التّاريخيّ الكولمبيّ عقب خروج الاستعمار الإسبانيّ، ومجمل الإصلاحات السّياسيّة التّي نهجت نهجًا ليبيراليّا، ويُضاف إليها أحداث حرب الألف يوم التّي امتدّت من 1899م إلى 1902م، وسجّل ماركيز من خلال روايته حدث تشييد أوّل خطّ للسّكّة الحديديّة في كولومبيا سنة 1854.

وبما أنّ رواية مائة عام من العزلة تجمع بين الواقعيّة السّحريّة والسّرد؛ فإنّ تحليل أحداثها، وفهمها، يرجع للمتلقي؛ كلّ يفسّرها بحسب نظرته الخاصّة، ورؤيته للأحداث المتعدّدة، التّي تبدأ بجريمة قتل (خوسيه أركاديو بوينديا) لأحد أصدقائه حينما وصفه بأنّه عاجز جنسيّا؛ لأنّه لم ينجب، وكان ذلك بسبب حوف زوجته (أورسولا) من إنجاب طفل مشوّه بسبب زواجها من ابن خالتها، وهذه الجريمة دفعت بخوسيه إلى مغادرة قريته مع زوجته وبعض أفرادها، وحينما استقرّ في مكان حلم بقرية يستقرّ فيها مع مرافقيه، ولمّا أفاق وجد أنّ المكان يشبه المكان الذّي حلم به؛ فشيّد قريته فيه، وسمّاها ماكوندو، وكانت منعزلة عن العالم الخارجيّ حتّى يبقى مجتمعه مثاليّا، ولكن رؤية القارئ لهذه العزلة تخضع لعدّة احتمالات منها أنّ خوسيه لم ينعزل لتحقيق المثاليّة في قريته، بدليل أنّه سمح لزعيم الغجر (ملكياديس) أن يزور القرية كلّ موسم، ويعلّم سكّان القرية كلّ ما كانوا يجهلونه، مثل المغناطيس والمنظار، وبعض الألعاب السّحريّة وغيرها، وحتّى خوسيه تعلّم عن زعيم الغجر نفسه علوما كثيرة، مثل الفلسفة والفلك وغيرها، ورؤية أخرى للعزلة هي خشية خوسيه ممّا تركه ملكياديس في آخر زيارة له للقرية، حيث ترك له رقائق وأوراق وهي بمثابة نبوءة تتعلّق بمثير القرية بأن ستلحقهم لعنة تهلكهم، وتهلك السّلالات اللاّحقة؛ بسبب ما يرتكبونه من خطايا، وكانت الأحداث تتعاقب وفي غالبها اتّسمت بالمأساويّة.

تعدُّ رواية "الطّلب الأخير" للكاتب الإنجليزيّ غراهام سويفت Graham Swift، من الأعمال الأدبيّة البارزة كونها تتمحور حول جاك بويس، وهو خادم مُهمل يعمل لدى الفنّان المشهور على مدى 30 عامًا، ويتعرّض لهزّة في حياته عندما يُفاجأ بأنّه سيتمّ تقاعده، ويجد نفسه يستعرض حياته، وأحداثها المهمّة خلال هذه السّنوات. تنقل الرّواية ببراعة بين الزّمن الحاضر والماضي، وتركّز على العلاقات الإنسانيّة والتّأمّلات الفلسفيّة حول الحياة والموت. وقد تميّزت الرّواية بأسلوب عميق، ومعقّد، كما تعدّ "الطّلب الأخير" من الأعمال التي تترك أثرًا عميقًا في القارئ بفضل تعقيد شخصيّاتها وعمق ما تناولته من مواضيع.

ويشيعُ في هذه الرّواية استخدام التّبئير المتعدّد؛ حيث تتناوبُ وجهات النّظر بين الشّخصيّات المختلفة، ممّا يمنح القارئ رؤية متعدّدة الأبعاد للأحداث، حيث ترسم كلّ شخصيّة طرق حياتها التّي سلكتها من خلال المونولوج واسترجاع الذّكريات، وخاصّة الرّجال الأربعة الذّين فقدوا صديقهم المقرّب جاك الجزّار اللّندنيّ، واجتمعوا لتحقيق أمنيته الأخيرة، والمتمثّلة في نثر رماده في البحر، وهم يستقلّون سيّارة المرسيدس، ذات اللّون الأزرق الملكيّ، تستحضر كلّ شخصيّة أحداث الحرب العالميّة الثّانية وتبعاتها، ومآسي العائلات، وجعل سويفت كلّ شخصيّة تتحدّث عن نفسها بطريقتها وأسلوبها، ممّا جعل الأصوات تتعدّد ووجهات النّظر تجاه الحياة، وعبّر عن ذلك بتقنيّة سرديّة تبيّن موقف كلّ شخصيّة وطريقة تفكيرها ورؤيتها للحياة، وكيفيّة تقديم المبرّرات. ونجد ما يعبّر عن تعدّد الرّؤية السّرديّة في رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا (Don Quijote de la Mancha) للرّوائيّ الإسبانيّ ميغيل دي ثيربانتس سابيدا Miguel de Cervantes Saavedra‏، الذّي قدّم روايته في قالب سرديّ وموضوع واقعيّ أدبيّ، وتعدّ بداية الرّوايات متعدّدة الألحان، كما تميّزت بثراء معلوماتيّ لا ينضب، يغلب عليه طابع السّخريّة والفكاهة التي تعبّر عن مجتمعات القرون الوسطى، والأفكار الفلسفيّة والأخلاقيّة، التي كانت سائدة في ذلك الوقت. يتخيّل دون كيشوت، البطل الرّئيسيّ، نفسه فارسًا من العصور الوسطى، وينطلق في مغامرات غير عادية، تكشف عن تناقضات المجتمع وتحدّياته. وفضلاً عن ذلك، تُظهر الرّواية شخصيّات معقّدة ومتناقضة، خاصّة دون كيشوت وصديقه سانشو بانزا. حيث يتقاطع الخيال بالواقع في شخصيّة دون كيشوت، الذي يراه المجتمع كمجنون، لكنّه يحمل طموحات نبيلة، ويتعامل مع الواقع بطريقة مختلفة تمامًا، مستندًا في ذلك إلى تأمّلات فلسفيّة؛ إذ تناول الكاتب في الرّواية مجموعة من القضايا الفلسفيّة والأخلاقيّة، مثل الحقيقة والخيال، والتّضحية والشّجاعة، والبحث عن الهويّة والغاية الحقيقيّة في الحياة؛ بأسلوب سرديّ مبتكر ومتميّز، حيث تنسجم الأحداث الكوميديّة مع التّأمّلات العميقة، وتنسجم اللّغة الأدبيّة بشكل لافت مع الأحداث والشّخصيّات؛ وبما تتضمّنه من عمق فلسفيّ، ودهشة أسلوبها السّرديّ، وتعقيد شخصيّاتها التي تعكس التّناقضات الإنسانيّة بشكل لافت، ممّا يجعلها أحد أعظم الأعمال الأدبيّة في التّاريخ، التي تتعدّد فيها الرّؤية السّرديّة، بالنّظر إلى ميغيل ركّز فيها على إمكانيّة إيجاد المُثُل في العالم الواقعيّ كمثاليّة الأدب، ومثاليّة الحبّ والسّياسة وغيرها، والانطلاق من موضوع العمل المرتبط بالمبدأ الأخلاقيّ، وصلته بالحريّة في الحياة البشريّة، وبذلك يكون ميغيل قد وظف تقنيّات سرديّة في مثل تلخيص الأحداث، وإبراز التّناقض بين الشّخصيّات المتصارعة، حيث جمع الشّخصيّات المفضّلة في ثنائيّات لمساعدة بعضها من خلال الحوار القائم على التّفهمّ، وتقبّل الرّأي الآخر لمناقشته، وإبداء وجهات النّظر لكلّ شخصيّة.

ثالثًا: الرّؤية السّرديّة الخارجيّة

يتمُّ تقديم الأحداث من منظور شخص خارج القصّة، مثل الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات والأحداث، ولكنّه لا يشارك في القصّة بنفسه. ويمكن التّمثيل للرّؤية السّرديّة الخارجيّة برواية (الحرب والسّلم) لتولستوي الذي يتحدّث عن غزو نابيلون لروسيا سنة 1812، ويستخدم الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات وتفاصيل الأحداث التّاريخيّة، وتمرّ الأحداث مركّزة على ثلاث شخصيّات رئيسيّة هي بيير بيزوخوف، والأمير أندريه بولكونسكي الذي ترك عائلته والتحق بصفوف القتال ضدّ نابليون، وناتاشا روستوف وهي شابّة جميلة ابنة أحد النّبلاء، وأثناء سرد عمليّة الغزو تلك يقدّم تولستوي شخصيّات روايته بشكل دقيق ووصف بارع، يعرّف بخلفيّاتهم الاجتماعيّة على اختلاف مهامّهم ووضعيّاتهم من نبلاء وفلاّحين وجنود ومدنيّين وغيرهم، وكيفيّة مجابهتهم لمشاغل الحياة ومشاكل مجتمعهم، وكلّما تتقدّم أحداث الرّواية يحسّ القارئ بأنّ شخصيّاتها أصبحت مألوفة وأكثر تأثيرا، وهذا لأنّ الكاتب يسرد أحداث حرب واقعيّة لأنّه كان حاضرا في ساحة الحرب، ولديه معلومات عن الحروب النّابولينيّة، لذلك وظّف كلّ ما يعرفه من أحداث تاريخيّة ببراعة، ومجمل الأسماء والعائلات المذكورة معروفة وحقيقيّة إلاّ تعديلات بسيطة ممّا جعل الأحداث مألوفة، وتلك الحقائق ساعدت تولستوي على تقديم التّفاصيل بشكل فنيّ يستوفي شروط الوصف السّرديّ وعناصره. ويشيرُ التّبئير الخارجيّ إلى السّرد الذّي لا يقتصر على وجهة نظر محدّدة واحدة، بحيث يمكن للرّاوي أن ينقل الأحداث من وجهة نظر عدّة شخصيّات، ممّا يوفّر رؤيةً شاملةً للقصّة.

الرّؤية السّرديّة التّبادليّة

تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" لألبير كامو Albert Camus في البحث الدّائم عن معنى الحياة والقيم الإنسانيّة دون أن يجد جواباً شافيًا. كما تُعدّ من الأعمال الأدبيّة البارزة في الأدب الفرنسيّ الحديث والفلسفة الوجوديّة. تمّ نشرها في عام 1942 وقد أثارت جدلاً واسعًا؛ بسبب موضوعاتها وأسلوبها الفريد، وبالنّظر إلى أنّها تعكسُ عدّة دلالات: من خلال المكوّنات التي يمكن تبئيرها وترتيبها في سياق تأويل الأحداث التي يسوقها البطل الرّئيس للرّواية (ميرسو)، الذي يشعر بالغربة والعزلة في العالم الذي يعيش فيه. بخاصّة حين يفتقد القدرة على التّعبير عن مشاعره بشكل طبيعيّ، ممّا يجعله يبدو "غريبًا" على الآخرين، وغير مبالٍ في حياته الفارغة من العواطف، ومن دون هدف في الحياة.

وفي ضوء ذلك تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" في عدّة جوانب متداخلة تعكس تجربة الشّخصيّة الرّئيسيّة، ميرسو، وكيفيّة تفاعله مع العالم من حوله ومع ذاته. بطريقة يبدو فيها البطل غير مكترث على الرّغم من أنّه يحاول أن يُحسّ بمتعة الحياة والمشاعر، لكنّه يعجز عن التّعبير عنها، أو الشّعور بها بشكل عميق؛ لذل يبدو متجاهلاً للعواطف البشريّة التّقليديّة كالحبّ والحزن، ويعبّر عن ذلك بلغة مباشرة وخالية من العواطف، فضلاً عن البنيات المبأرة التي ينبني على السّرد تقوم على دعامتين، أوّلهما تشتمل على تجربة حياة، وثانيهما تكمن في ترصُّد حياة الشّخصيّة الرّئيسة بطريقة تسرد تجربة يغلب عليها طابع اللامبالاة تجاه الموت، وهي واحدة من أبرز جوانب التّبئير في الرّواية، التي عكست عدم اكتراث ميرسو لموت والدته. وحين تواجهه هذه الفاجعة، لا يظهر أيّ نوع من الحزن أو الأسى العميق، بل يتجاوزها كأمر طبيعيّ، ولا يعبّر عن أيّ شعور قويّ تجاه فقدانها، ما يعني ميرسو يعيش حياة تخلو من الهدف، أو المعنى الواضح، رغم أنّه يسعى باستمرار إلى البحث عن معنى الحياة، ولكنّه لا يجد إجابات مرضية. ولعلّ هذا البحث الدّائم يساهم في شعوره بالتّبئير والفراغ الدّاخليّ، الذي يعكس الغياب الحقيقيّ للقيمة الإنسانيّة، ومن هنا تتجلّى ظاهرة التّبئير في العلاقات السّطحيّة التي يملكها ميرسو مع النّاس من حوله، حيث لا يظهر أيّ تواصل حقيقيّ أو تأثير عاطفيّ بينه وبين الآخرين.

ومع تقدّم الرّواية، يبدأ القارئ بفهم دوافعه الدّاخليّة ومشاعره العميقة. وتتنامى الأحداث حينما يتلقّى ميرسو رسالة من دار المسنّين تبلغه بوفاة والدته التّي أودعها هناك بسبب عدم قدرته على إعالتها ورعايتها، ويصوّر الكاتب سفره الشّاق وهو متّجه للدّار لإجراء مراسيم الدّفن، حيث استغرق في النّوم طيلة الطّريق، وحتّى حينما وصل واطّلع على جثمان والدته يبقى غارقا في التّدخين والتّفكير، وحتّى في أثناء الدّفن لم تظهر عليه مشاعر الحزن والتّأثّر؛ بل لا يذكر متى توفيت أمّه (اليوم ماتت أمّي. أو لعلّها ماتت أمس. لست أدري...)[14]، والمدهش كان في أثناء خروجه في اليوم ذاته مع صديقته للسّينما، ثمّ كيف يتحوّل فجأة إلى قاتل بالخطأ ودخوله المحكمة لاحقا بتهمة القتل، وفي كلّ المقاطع كانت تبدو على ميرسو العبثيّة واللاّمبالاة والإهمال، وقد عبّرت الشخصية الرئيسة من خلال هذه الصّفات عن الإنسان الذي يتجرد من مشاعره الإنسانيّة، ويتبع خطوات عبثيّة أوصلته للهاوية، فعاش غريبًا في بلدته وغربته عن النّاس والعالم، ومن مقاطع الرّواية (عشت بهذه الطّريقة، وكان بالإمكان أن أعيش بطريقة أخرى. قمت بهذا، ولم أقم بذاك. لم أفعل أشياء، في حين فعلت أشياء أخرى. وماذا بعد؟ كأنّي انتظرت طيلة عمري كي أبلغ تلك الدّقيقة، ذاك الفجر الذّي سأنال فيه جزائي. لا شيء كان ذا أهمّيّة)[15]، يحملُ هذا النّص مبالغة في فهم الحياة، ويكون ذلك نتيجة الجهل بالأمور؛ لأنّ الإنسان حينما يكوّن نمطًا متطاولاً فيه على نفسه، ومتماديًا فيما يجهله من الأشياء، فإنه يضيّعُ فرصَ الحياة لدرجة النّهاية المأساويّة، كما هو الشّأن لميرسو حينما وقف أمام المحكمة، وكان يبدو غير مهتمّ بالدّفاع عن نفسه. لكن في أعماقه، كان يمرّ ببحر من الأفكار والمشاعر التي لم يكن قادرًا على التّعبير عنها.

الصّيغة السّرديّة الاحتماليّة

لقد عُرفت صيغ الملفوظات السّرديّة بفعاليّة الإنجاز التّواصليّ أو التّداوليّ، وبمختلف تحوّلات المحمول والموضوع بوصفها رؤيا، وموقفًا، فغدت أحد أهمّ الأشكال السّرديّة، والأكثر تأثيرًا وهيمنة في الرّؤيا الدّالّة على العلاقة بين السّارد والمتلقي، وبما تتضمّنه مـــن حمـــولات دلاليـــّة، تُعدُّ أكثرها حيويّة، من وظائف العوامل والعلاقة المترتّبة عن الفواعل، نتيجة التّطوّر الحاصل بين الذّات والموضوع، تحكمها تحوّلات الأنساق المختلفة، والسّياقات الممكنة؛ لبناء الملفوظ السّرديّ؛ على وفق الرّؤية المفوَّضة للشخصيّات في علاقتها بأنماط الخطاب السّرديّ في مختلف مجالاته؛ لأنّ بنية الرّواية تنفتح على جميع الاحتمالات، وهي بذلك تطوّع الألفاظ المؤثّرة فيما بين العوامل، كالعلاقة التّي تجمع بين الذّات والموضوع، بما في ذلك تأثيرها في وعي المتلقي بالألفاظ اللّسانيّة، أو بالقدر الذي أصبحَ فيه المضمر في المسكوت عنه، يأخذُ حيّزا ملحوظًا في مسار فعل التّلفّظ، سواء من السّارد المتكلِّم، أم من السّارد الصّامت، المتعلّق بما يمكن أن نُطلق عليه (ملفوظ الصّمت)، الذي من شأنه أن يكشف عن سريرته إخفاءً وإضمارًا، فالصّمت القرائنيّ الذي يتضمّنه النّص، يُجسّد لغة ما في طويّة الشّخصيّة بجدليّة حاضنة لدلالات المسكوت عنه، ويقدّم نسقًا فنيًّا، يجعلُ القارئ جزءًا من فعل التّلفّظ، الذي تتضمّنه الرّؤية السّرديّة، وواقعها المأزوم، وصراعات شخصيّاتها بين واقعين الأوّل فعليّ والثّاني فنيّ؛ ممّا تجسّده العمليّة السّرديّة في مجمل علاقاتها التّفاعليّة فيما أرساه غريماس Algirdas Julien Greimas بخصوص علاقة السّيميائيّات السّرديّة البنيويّة مع اللّغة والنّحو، من خلال مجمل التّمظهرات اللّسانيّة، وغير اللّسانيّة، ومن بعده بروب Propp  Vladimir  في ضبط الوظائف السّرديّة المنمذجة، والمصّنافات العامليّة المنتدبة لأداء البرنامج السّرديّ، سواء تعلّق الأمر بالوظيفة التّواصليّة، أم التّفسيريّة، التي تستدعي الوقوف على العمليّة التّأويليّة؛ ليتحقّق ما تصبو إليه تلك الوظائف، ضمن سياقات تراعي السّمات الملازمة، وغير الملازمة، وكذا الأبعاد التّي ترمي إليها الرّؤية السّرديّة من اجتماعيّة، ومعرفيّة، وإيديولوجيّة، وتاريخيّة، وثقافيّة، وغيرها[16].

ونجدُ في رواية (موسم الهجرة للشّمال) للكاتب الطّيب صالح شخصيّة مصطفى سعيد، الطّالب العربيّ الذّي يسافر إلى الغرب، وهو لا يعرف شيئًا عن الثّقافة الغربيّة، ومع ذلك يحصل على وظيفة في جامعة بريطانيّة، ويتبنّى قيم المجتمع البريطانيّ، ويتعرّف إلى (جين موريس) التّي تصبح زوجته، وترفض املاءاته، ويحاول استرجاع هويّته من خلال غزوه للأنوثة البريطانيّة، وفي ملفوظ (الاغتراب)، دلالات الهجرة الثّقافيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. ولعلّ عودة مصطفى سعيد إلى بلده وزواجه مجدّدا، وتغيّر طباعه وحياته، فيها دلالة الهجر لكلّ ما هو سلبيّ، وهي دلالات احتماليّة تتّضح من إثارة أسئلة كيفيّة تغيّر الهويّة الفرديّة والجماعيّة في ظلّ مختلف التّحوّلات التّاريخيّة والثّقافيّة، ومنه فإنّ الرّواية هي بمثابة تلخيص لأبعاد تسريد الهويّة، وإشارة إلى مختلف التّفاعلات الثّقافيّة بين الشّرق والغرب والانبهار الحضاريّ، والعلاقة بينهما التّي تبدو دوما ناقصة، بسبب الإيديولوجيات الاستعماريّة، وتدعو تلك الظّروف إلى الهجرة، وبعد تجربة الهجرة ومغامراتها تكون العودة، وفي الرّواية عودة البطل مصطفى سعيد الرّجل النّرجسيّ اللّعوب من غربة أكاديميّة علميّة عمليّة في البلاد الأوروبيّة إلى قريته في بلده السّودان.

واعتبارا لذلك، فإنّ صراع الهويّة، وأزمة الانتماء نجم عنهما تأثير على الفكر والحياة الإنسانيّة. كما أن الصّيغ الاحتماليّة السّرديّة تبحث عن اللاّمقول في النّص، وهي ذات صلة بمقدار نسبة الحقيقة في الخطاب السّرديّ، التّي ترتبطُ بالمُضّمَّن، بوصفه يمثّل الحقيقة المقصودة. وقد يكون الإبهام في الحوار التّواصليّ من أهمّ معالم الغموض السّرديّ؛ لصرف النّظر عن الحقيقة المباشرة؛ لأنّ الرّؤية السّرديّة  تنبني أساسًا (على اللّغة التّي تقوم على ارتباط البنى العميقة بالبنى الدّلاليّة، وتفاعلها بمستويات محايثة، وخاصّة مستويات السّياق الذي يمارس على الملفوظات، ويتحقّق من خلال عمليّات تلفّظيّة متباينة، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الاهتمام بالملفوظات لا ينفي أهميّة  ملفوظات الحالة وملفوظات الأفعال؛ لأنّ تحليل مجمل الإرجاعات النّصيّة يستند إلى المستوى التّلفّظيّ بشكل كبير، ضمن توالي الوحدات السّرديّة وما تحمله من قيم ودلالات ترمي إلى تحقيق العمليّة التّواصليّة، التّي تتّخذ عدّة أشكال ومظاهر يحدّدها السّياق، كما تتحدّد من خلال إرغامات داخليّة أو خارجيّة للملفوظات، وما يتّصل بالذّات في جوانبها التّفكيريّة والعاطفيّة والاجتماعيّة، وغيرها من الدّوافع والأفكار التّي تفتح مجالات متنوّعة في النّص السّرديّ، وما يعتريه من تحوّلات وتقاطعات للأمكنة والأزمنة ومجمل الفضاءات الدّالّة وهو ما يرمي إلى تحقيق الوظائف التّواصليّة في الملفوظات. ونشيرُ إلى أنَّ الوظائف التّواصليّة تتّخذُ أسلوب التّفاعل بوصفه نتاجًا للتّأثير من خلال عدّة أنماط في الملفوظات، ولكلّ عمليّة تواصليّة وظيفة تستخلص من دلالاتها السّياقيّة، وما يُسَند إليها من علاقات في تزامنها مع الشّخصيّات والأحداث ومساراتها، وما يمكن تحليله من تمظهرات وتحوّلات تتولّد من ملفوظات صيغيّة ووصفيّة، تحقّق برنامجا احتماليّا، يحقّق رغبات متنوّعة، وقد يحمل هذا البرنامج رغبات الذّات وأفكارها وتفاعلها في الرّؤية السّرديّة)[17] ونشيرُ في هذا السياق أيضا إلى  ظهور الذّات الاستهوائيّة في رواية (حكاية العربيّ الأخير)[18] لواسيني الأعرج تشكّل ديناميّة الإنجاز لتحقيق الموضوع، حينما شعرت شخصيّة آدم بهوى بعد التقائه بصديق الدّراسة الذّي ساعده في الأبحاث النّوويّة المسمّى (سميث غوردن)، الذّي تكفّل بعمليّة الشّرح والتّوضيح لكلّ ما هو غامض، كما أجابه عن جميع أسئلته واستفساراته، وأنّه موجود لحمايته وليس لتقييده، كما أكّد له أنّه مازال اسمه ضمن قائمة المرشّحين لنيل جائزة نوبل للفيزياء، ومن بعد التّكوّن يأتي عنصر (التّأهّب) ويتلخّص في الرّواية ضمن المقطع السّرديّ الذّي يعبّر عن مؤهّلات الذّات في الرّواية، فتعبّر عن هوى معيّن، وذلك عندما تمّ تقديم جملة من الامتيازات لآدم؛ حيث تمّ توفير مكان للعمل؛ المتمثّل في المختبر، وكذلك فريق العمل والبحث، وقبول كلّ شروطه التّي فرضها، وإقناعه بتوفير القنبلة بهدف حماية البشريّة من خطر التّنظيم؛ فعاد آدم إلى بحوثه لتنفيذ المشروع، بعد قناعة ذات اتّصال قيميّ بالموضوع. ويتّضح "الصّوغ الاستهلاليّ" في الرّواية، حينما دخل آدم في حالة تردّد بين قبوله إنجاز المشروع وتحقيقه، وبين حالته القلقة والمضطربة، نتيجة خوفه من النّتيجة، وما كان يتعرّض له من ضغوطات نفسيّة داخل القلعة وخارجها. ومن خلال تلك المواقف ظهرت انفعالات شخصيّة آدم في الرّواية بعد بقائه خمس سنوات في القلعة، حيث مقرّ المختبر، وعاطفته التّي استيقظت لمّا علم أنّ [أمايا] مازالت على قيد الحياة، ورجع لحياته الطّبيعيّة مع زوجته وابنته، ليبدأ في تنفيذ مشروعه الذّي ما إن أكمله يكتشف أنّ أمايا قتلت وصديقه سميث توفي، وأنّه كان ضحيّة مخطّط استغلاليّ قذر.

***

أ. د. سعاد بسناسي - جامعة وهران1

عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة/ الجزائر

....................

[1] - ينظر، هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّاريخيّ، تر، نايف الياسين، هيئة البحرين للثّقافة والآثار، ط2، 2019، ص64.

[2] - ينظر، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ط1، دار كنوز المعرفة، الأردن، ص80.

[3] - الأزهر الزّنّاد، الإسفنجة، ص 40 وما بعدها.

[4] - هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّارخيّ، ص 113.

[5] - ينظر، محمّد الغزّيّ، وجوه النّورس..مرايا، دراسة في الخطاب الواصف في الشّعر العربيّ الحديث، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، القيروان، تونس، ط1، 2008، ص 08.

[6] - ينظر، عبد القادر فيدوح، بلاغة التّأويل في الشّعر الواصف، دائرة الثّقافة، الشّارقة، الإمارات العربيّة المتّحدة، ط1، 2022، ص 25/26.

[7] - ينظر تفصيل ذلك، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 132.

[8] - جاكوب كورك، اللّغة في الأدب الحديث الحداثة والتّجريب، تر، ليون يوسف وعزيز عمانونيل، ص 63.

[9] - ينظر عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، دار ميم للنّشر، 2018، ص 282.

[10] - عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، ص 347.

[11] - سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 75/ 76.

[12] - عزّ الدّين جلاوجي، عناق الأفاعي، ص 683/ 685.

[13] - Henry Fielding. Tom Johns. III. 7 and XVIII. Chapter the Last (London. 1962. Pp. 92. 427.

[14] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان،  ص07.

[15] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان.

[16] - سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار كنوز المعرفة، ط1، الأردن، 2024، ص09/10.

[17] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار العلا للنّشر والتّوزيع، القاهرة، ط1، 2024، ص 47.

[18] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، ص84.

مقاربة ثقافية بلاغية

مقدمة: يُعدّ أبو العلاء المعري من أكثر الأدباء العرب قدرةً على بناء منظومة ثقافية متكاملة داخل النص الأدبي، إذ تجاوزت كتاباته حدود الإبداع اللغوي لتغدو فضاءً فكرياً تتشابك فيه الرؤية الفلسفية مع الأنساق الثقافية والاجتماعية والدينية. ولا يُنظر إلى الوصف في أدبه بوصفه أداة تصويرية محضة، بل باعتباره ممارسة ثقافية تكشف البنى العميقة للوعي الجمعي وتعيد تشكيلها عبر خطاب جمالي معقّد.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة جماليات النسق الثقافي وبلاغة الوصف في أدب المعري؛ لأن النص المعري لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يعمل على مساءلته وإعادة إنتاجه ضمن رؤية نقدية تتجاوز المألوف وتفضح المسكوت عنه في الثقافة السائدة.

أولاً: مفهوم النسق الثقافي في الخطاب الأدبي

يُعرَّف النسق الثقافي بأنه مجموعة القيم والمعتقدات والتصورات الكامنة التي تتحكم في إنتاج الخطاب وتلقيه. وقد أسهم النقد الثقافي الحديث في الكشف عن الأنساق المضمرة داخل النصوص الأدبية، ولا سيما عند نقاد مثل عبد الله الغذامي وإدوارد سعيد.

وفي ضوء هذا المفهوم، تبدو نصوص المعري حقلاً خصباً لتحليل الأنساق الثقافية؛ إذ تتجاور فيها أنساق:

الزهد والتقشف.

العقلانية النقدية.

التشاؤم الوجودي.

نقد السلطة الاجتماعية.

مساءلة الخطاب الديني والاجتماعي.

وقد كشفت دراسات حديثة عن حضور النسق الثقافي الأخلاقي والديني في شعر المعري بوصفه نسقاً مركزياً موجهاً للبنية الدلالية للنص.

ثانياً: بلاغة الوصف بوصفها استراتيجية ثقافية

لا يقوم الوصف عند المعري على النقل الحسي المباشر، بل يتحول إلى بنية تأويلية تحمل أبعاداً فلسفية وثقافية.

فحين يصف الطبيعة أو الإنسان أو الزمن، فإنه يحمّل الصورة دلالات تتجاوز ظاهرها، فتغدو الصورة الشعرية مرآةً لرؤيته للوجود.

ومن أبرز خصائص الوصف المعري:

1- الوصف الرمزي

يتخذ الوصف طابعاً رمزياً يحيل إلى معانٍ فلسفية عميقة، فالألوان والظلال والنجوم والليل ليست عناصر طبيعية فحسب، وإنما علامات ثقافية ترمز إلى المعرفة أو الجهل أو المصير الإنساني.

وقد أبرزت دراسة "ثنائية النور والظلام" في ديوان سقط الزند أن التضاد بين النور والظلام يشكل نسقاً جمالياً وثقافياً يعكس رؤية المعري للوجود والمعرفة.

2- الوصف النفسي

ينقل المعري الأشياء من مستوى الإدراك الحسي إلى مستوى الإدراك النفسي، فتغدو الطبيعة انعكاساً لحالته الوجدانية.

ويلاحظ الباحثون أن كثافة اللون الأسود في شعره لا ترتبط بالوصف البصري وحده، بل ترتبط ببنية نفسية وفلسفية تعكس رؤيته التشاؤمية للعالم.

موقع المجلات الجامعية

3- الوصف الفلسفي

يتميز الوصف المعري بقدرته على تحويل المشهد الجزئي إلى قضية وجودية كبرى؛ فالزمن يصبح رمزاً للفناء، والحياة تتحول إلى رحلة عبور نحو المجهول، والإنسان كائن محاصر بأسئلة المصير.

ثالثاً: الأنساق الثقافية المضمرة في الوصف المعري

أ- نسق العقلانية النقدية

يتجلى هذا النسق في توظيف الوصف للكشف عن تناقضات المجتمع ونقد المسلمات الفكرية.

فالمعري لا يصف الظواهر من خارجها، بل يعيد قراءتها بعين ناقدة تكشف هشاشتها الفكرية.

ب- نسق التشاؤم الوجودي

يعدّ التشاؤم أحد أبرز الأنساق الثقافية في أدب المعري؛ إذ يحضر الموت والفناء والعدم بوصفها حقائق وجودية تهيمن على رؤيته للعالم.

ويتجلى هذا النسق في كثافة الصور المرتبطة بالليل والقبور والصمت والخراب.

ج- نسق الاغتراب

ينتمي المعري إلى نموذج المثقف المعارض الذي يقف على مسافة من الجماعة، ولذلك ينعكس شعوره بالاغتراب في وصفه للأمكنة والناس والأحداث.

فالوصف عنده لا يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الذات والعالم، بل إلى إبراز التوتر القائم بينهما.

د- النسق الأخلاقي

تكشف نصوص المعري عن حضور قوي للقيم الأخلاقية، حيث تتحول الصورة الوصفية إلى وسيلة لتقويم السلوك الإنساني وإدانة الجشع والنفاق والفساد الاجتماعي.

المجلات

رابعاً: جماليات التشكيل البلاغي في الوصف

تعتمد بلاغة الوصف عند المعري على مجموعة من الأدوات الفنية التي تمنحه فرادته الأسلوبية:

1- التكرار

يشكل التكرار بنية إيقاعية ودلالية تسهم في تعميق المعنى وإبراز الفكرة المركزية داخل النص. وقد أكدت دراسات أسلوبية أن التكرار عند المعري يؤدي وظيفة جمالية وفكرية في آن واحد.

بوابة المجلات العلمية - جامعة المسيلة

2- الجناس

يُعد الجناس من أبرز مظاهر البراعة البلاغية في اللزوميات، حيث يوظفه المعري لإنتاج موسيقى داخلية وتوليد معانٍ متعددة تتجاوز الزخرفة اللفظية إلى البناء الفكري للنص.

Thamar University Journals

3- التضاد

يمثل التضاد أحد أهم محركات الصورة الوصفية عند المعري:

النور / الظلام

الحياة / الموت

العقل / الجهل

الحضور / الغياب

وهو ما يضفي على النص بعداً درامياً وفلسفياً عميقاً.

4- الانزياح اللغوي

ينحرف المعري باللغة عن مألوفها ليصنع صوراً مركبة تستفز القارئ وتدعوه إلى إعادة إنتاج المعنى.

خامساً: الوصف في اللزوميات بوصفه خطاباً ثقافياً

تكشف الدراسات الحديثة أن الوصف في اللزوميات لا يقتصر على تصوير الموجودات، بل يمثل خطاباً ثقافياً متكاملاً يعكس رؤية المعري للكون والإنسان والمعرفة. وقد أثبتت دراسة حديثة حول الوصف في اللزوميات أن المعري أعاد تشكيل الوصف الشعري وفق رؤيته الذاتية وفلسفته الخاصة، بحيث أصبح الوصف أداةً للتأمل الفكري أكثر من كونه أداةً للتصوير الحسي.

جامعة أم القرى

خاتمة

يتبين من خلال هذه القراءة أن جماليات النسق الثقافي وبلاغة الوصف في أدب أبي العلاء المعري تقوم على تفاعل معقد بين البنية البلاغية والرؤية الفكرية. فالوصف عنده ليس نشاطاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة ثقافية تنتج المعنى وتكشف الأنساق المضمرة التي تحكم الوجود الإنساني. ومن ثم فإن فرادة المعري لا تكمن في مهارته اللغوية فحسب، بل في قدرته على تحويل الصورة الشعرية إلى أداة معرفية وفلسفية قادرة على مساءلة الواقع وإعادة تشكيله.

***

بقلمي ربى رباعي - الاردن

.....................

المراجع العربية

اللزوميات.

سقط الزند.

رسالة الغفران.

الغذامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية.

حمودة، عبد العزيز. المرايا المحدبة.

المنشاوي، محمد رجب عبد الحليم. "ثنائية النور والظلام في ديوان سقط الزند". حوليات آداب عين شمس.

أميرة ناصر محمود حسن مصطفى. "القيم الأخلاقية الدينية في شعر أبي العلاء المعري في ضوء النقد الثقافي". مجلة الزهراء.

المجلات

الدوريات العربية المحكمة

مجلة أم القرى لعلوم اللغات وآدابها.

جامعة أم القرى

مجلة الفنون للدراسات اللغوية والأدبية.

Thamar University Journals

مجلة العلوم الإسلامية.

مجلة العلوم الإسلامية

مجلة الكوفة للآداب.

موقع المجلات الجامعية

مجلة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب.

بوابة المجلات العلمية - جامعة المسيلة

المراجع الأجنبية

Zahia Smail Salhi & Abeer Abbasi, Astrology between Poetics and Politics in the Abbasid Period: Abu al-Ala al-Ma'arri as Case Study, Journal of Semitic Studies, Oxford University Press.

OUP Academic

Nicholson, R. A. A Literary History of the Arabs.

Reynold A. Nicholson, Studies in Islamic Mysticism.

Margoliouth, D. S. The Letters of Abu al-Ala al-Ma'arri.

مواقع إلكترونية أكاديمية مفيدة

academic.oup.com

في المثقف اليوم