عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

يتشكل كتاب "خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، للقاص المغربي أحمد شرقي، من 25 قصة موزعة بين قسمين: أول موسوم ب " خَفْق إلى أعلى "، وقسم ثاني معنون ب " خَفْق إلى أسفل " ومنهما يتكون عنوان الكتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، ورغم ما تزخر به قصص المدونة السردية من انزياحات صادرة عن اختلاف في الرؤية والنهج القصصيْن فإنها ظلت رهينة لعناصر القصة وثوابتها المعروفة من شخوص مثل: " الرايس " بقال الحي في القصة الأولى " هَبَّة "، ورئيس تحرير جريدة وهو مغربي سبعيني، والمخرج السينمائي الشاب المغربي، والسيدة الأمريكية اللاتينية الأربعينية، والطالب المغربي الذي يدرس الصيدلة بأوكرانيا الذين جمعتهم قصة " رحلة "، ومنال وصديقتها وفاء في قصة " شعاع ودائرتان "، والراوي وصديقه " أَنَس " في قصة " فرح آخر "، وفؤاد (مول التفاحة) في قصة " الجمال "، وعثمان في نص " صديقي فلوبير ". وعنصر المكان الذي تعددت محطاته. فضلا عن عناصر قصصية أخرى من وصف، وحوار داخلي (مونولوغ)، وخارجي، واسترجاع واستباق... وهو ما يؤكد امتلاك القاص لأدوات وعناصر السرد الأساسية، واستعمالاته وتوظيفه لها بشكل يمنح متنه القصصي أسسه ودعائمه المعروفة والمتبعة. قبل الانتقال والخوض في أشكال أخرى تعبيرية ودلالية متمثلة في علاقة السارد بقصصه والتي ينساق لكتابتها بدوافع ونزعات مختلفة كما يصرح بذلك: " وبقدر ما يحفزني شغفه على امتشاق القلم، وكتابة القصة القصيرة التي أعشق... " ص 68، والتي سببها عشق صديقه للرواية النابع من نرجسية محمومة، ورغبة جامحة: " كنت أستغرب من نرجسيته، وحبه للرواية من أي شيء آخر، أو شخص آخر.. يقرأها، ويكتبها يوميا.. " ص 68، وأيضا نفوره من دروس الجامعة الجافة والتي لا تتماشى وميولاته الإبداعية لما تخضع له من قيود منهجية، وغزارة في المعلومات تلتزم التدرج المنطقي، والكم الهائل من المعلومات... مما جعله يجنح إلى القصة دون غيرها لما تتميز به من حرية وتكثيف... إلا أن هذا الولع بكتابة القصة لا يخلو من معاناة وجَلًد للتمكن من استدراجها، وتليين استعصائها وتمنعها، وارتباطا بعلاقة الكاتب مع القصة تم طرح موضوع العنوان، وما يشكله من قيمة داخل نسق الكتابة القصصية كما ورد في قصة " العنوان " حين بادرته الفتاة العشرينية السمراء داخل فضاء المقهى بسؤال عن عنوان قصته، ومن ثمة الانتقال إلى عنوان حياته، ويمضي السارد مستطردا في تحديد ماهية العنوان وقيمته الدلالية والرمزية: " أحرجني سؤالها. ربما لا تعلم أن للعناوين سلطتها وهيبتها، عتبتها عالية، ومنحنياتها متعنتة وعرة... " ص61، فيجيب عما تتطلبه العناوين من جهد ذهني، وحيز زمني لتكتمل وتتحدد، وعطفا على العلاقة بموضوع الكتابة القصصية يحضر الناشر الذي طلب من الراوي تغيير عنوان مجموعته القصصية، وكان العنوان الجديد الذي استوحاه من خلال حوار جمعه بصديقه المتشائم الذي حدد زمن كتابة قصصه و قراءتها في الصيف، فاهتدى إلى عنوان: " قصص الصيف " الذي راق الناشر واستحسنه، وموقف صديقه العاشق لكتابة الرواية وقراءتها في قصة " صديقي فلوبير "، من النشر: " أظن أن القصص التي تنشرها لك بعض الجرائد الورقية، مصحوبة بصورك (السيلفي)، التي تلتقطها لنفسك، ستجعلك كاتبا معروفا؟!..." ص69، كما وردت في قصص الكتاب موضوعات مثل الهجرة في قصة " الجمال "، وما يرتبط به من أسباب اجتماعية ترى الرحيل عن الوطن خلاصا من أوضاع مزرية كما نقرأ في القصة: " على جدار المدرسة المقابلة لبيت والديه للدار البيضاء... كتب مشاغبون: لا تأخذ قرضا لتشتري شقة في السكن الاقتصادي.. اجمع المال، وهاجر... " ص 44، وإن كان هذا الحلم المختزل في الهروب من موطن القبح إلى قارة الجمال: " أين المال؟ ولمن سأعطيه حتى أفلت من جحيم هذا القبح؟ واعبر إلى قارة الجمال... " ص44، يصطدم بعراقيل قاسية ومكلفة أحيانا تحول دون إطالة هدف المهاجرين المتمثل في بلوغ الضفة الأخرى، فمآسي الهجرة تتعدد صورها ومشهدياتها في قصص أخرى مثل " المنقذة "، و" المطرود " كحلم يكشف انسداد أفق،الراغبين في الهجرة، داخل وطنهم الذي تقل فيه فرص شغل يضمن استقرارا ماديا، وحياة كريمة إلا أنها مغامرة غالبا ما تصطدم بمخاطر وعراقيل مكلفة ومؤلمة. كما أن التفكير فيها، والعزم على ركوب مخاطرها، وتجشم أعبائها تعكس ما تعيشه مجتمعات الراغبين في مغادرتها من أعطاب واختلالات. وضمن الجانب الاجتماعي تناولت قصص الكتاب مواضيع أخرى مثل الزواج، في نص " شعاع ودائرتان "، بمشاكله العويصة والمعقدة ؛ كالخيانة في حال منال مع زوجها الذي اكتشفت خيانته لها رغم ما يسوقه من مبررات لم تعد تأبه بها، فضلا عن سخريته واستخفافه من اهتمامها بالفن التشكيلي، وما تبدعه من لوحات: " زوجي لا يفهم في الفن شيئا، ولا يكتفي بالإهمال واللامبالاة، بل يسخر من اللوحات التي أبدعتها قبل أن ألد ابني الأول... " ص 27، وصديقتها وفاء الإخصائية النفسية التي درست بفرنسا، ولم تفكر في الزواج حتى بلغت سن الأربعين حيث تعرفت على شاب وسيم زارها في عيادتها قصد العلاج، وتطور إعجابها به إلى اتفاق على زواج محفوف بتحدي كبير لأنه متزوج مما يحتم عليها القبول بان تصبح زوجة ثانية وهو اختيار دافعت عليه في البداية أمام رأي صديقتها منال، إلا أنها عادت لتفكر بجد في إنهاء هذه العلاقة: " ـ على كل حال، سألتقيه اليوم، ويبدو أنني سأقترح عليه الفراق... " ص 31، وتناولت قصص الكتاب كذلك موضوع المرض متجسدا في كورونا، وما أحاط به من مظاهر احترازية، وسلوكات غيرت من طبيعة العلاقات بين الأفراد، من توخي الحذر، والتقيد بإجراءات من قبيل التباعد، واستخدام للكمامة... وباء تطور إلى نوع آخر جديد عرف ب " هيدنوفوبيا " حسب ما أعلنته مقدمة الأخبار. وإلى جانب عشق الكاتب لجنس القصة، وما نسجه معه من علاقات مختلفة ومتنوعة فإنه ابتكر لبعض قصصه نهايات تشذ عن المألوف كما في قصة " العنوان "، والتي تجاهل فيها النادل طلب الراوي بإحضار ما تطلبه جليسته وما صدرعنه من استغراب وضحك، وهو ما تكرر في نص " حلم " والتي كان سبب وفاة المحارب فيها هو الحلم بالنجاة: " قرأ في سبب الوفاة: كان يحلم بالنجاة. " ص75، كما ورد في سياق أحداث المتن القصصي ومجرياته، ذكر أسماء أدباء من قبيل الروائي الأمريكي اللاتيني ماريو فارغاس يوسا وكتابه "حرب نهاية العالم " التي انهمكت سيدة أربعينية من أمريكا اللاتينية في قراءته، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وروايته " مائة عام من العزلة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، والروائي الفرنسي فلوبير في قصة يحمل عنوانها اسمه " صديقي فلوبير "، والشاعر الفلسطيني محمود درويش: " رهن هاتفها... لأن رنته قصيدة لمحمود درويش... " ص 26، وبعض رموز الميتولجيا الإغريقية مثل " إيروس " وهو إله الرغبة والحب والجنس في نص معنون باسمه " إيروس " ص79، وقصة " بروميتيوس " ص82، وهو شخصية أسطورية يونانية من الجبابرة.

لنخلص إلى أن كتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل " يحتوي قصصا انبنت على علاقة القاص الخاصة والمختلفة مع نصوصه، والتي أبدع في رسم مساراتها بأشكال خارج نسق الكتابة النمطية المعهودة، رغم انضباطها لمقومات السرد المعروفة، وأدوات تعبيرية مغايرة أكسبت منجزه القصصي سمات تجديد وخلق وابتكار.

***

عبد النبي  ابزاز

............................

* خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل (قصص) أحمد شرقي - دار ذاتك للنشر والتوزيع مصر 2024.

 

بعنوان «أشجان الخلود»

تنهض قصيدة «أشجان الخلود» بوصفها نصًا شعرياً كثيف الدلالة، يتوسّل اللغة بوصفها أفقاً للخلاص الوجودي، ويُحيل التجربة الذاتية إلى سؤال كوني يتأرجح بين القيد والانعتاق، وبين الفناء والرغبة في الخلود. إننا إزاء نصّ تتداخل فيه الحقول النفسية والفلسفية والرمزية، وتتشابك فيه الرؤية الجمالية مع القلق الوجودي، ما يجعله قابلًا لقراءات نقدية متعدّدة المستويات.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وببناء تركيبي متماسك يعتمد الجملة الفعلية القصيرة، المشحونة بالدلالة، ما يضفي على النص توتراً داخلياً مستمراً. تعتمد الشاعرة الانزياح التركيبي والدلالي بوصفه أداة لتجاوز اللغة التقريرية، كما في:

«الريحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي»

حيث يتحوّل العنصر الطبيعي إلى علامة وجودية، ويتحوّل الجسد إلى مركز للقلق والتساؤل.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة فصيحة، منتقاة بعناية، توازن بين الجزالة والشفافية. لا تقع الشاعرة في فخ الزخرفة المجانية، بل توظّف المفردة بما يخدم الموضوع المركزي: الحنين، القيد، الرغبة، والبحث عن المعنى. اللفظ هنا ليس زينة بل وسيط كشف.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر، لكنها تحقّق إيقاعها عبر:

١- التكرار الدلالي (الجناح، الأفق، الخلود).

٢- التوازي التركيبي.

٣- الجرس الداخلي للأصوات الرخوة (السين، الشين، الراء) التي تعزّز النبرة الحزينة والتأملية.

٤- الإيقاع هنا داخلي، متولّد من توتّر المعنى لا من الوزن الخليلي.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص أقرب إلى مشهد شعري متدرّج، يبدأ من القيد (السجن، الطاعة العمياء)، وينتهي بصورة التحليق (الصقر، السحاب، الخلود). لا شخصيات بالمعنى السردي، بل ذات شعرية واحدة تتشظّى عبر صور واستعارات متلاحقة.

تعتمد الشاعرة المنهج الوصفي-التحليلي في آن، حيث تصف الحالة الشعورية ثم تفككها من الداخل.

2. الرؤية الفنية:

رؤية إخلاص فرنسيس للعالم رؤية وجودية-شاعرية، ترى الإنسان كائناً معلّقاً بين الرغبة في الانعتاق وثقل القيود غير المرئية (الطاعة، الذاكرة، الحزن). يتجلّى انسجام واضح بين الشكل والمضمون؛ فاللغة المتكسّرة تعكس ذاتاً متكسّرة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تنجح القصيدة في إنتاج الدهشة عبر صور غير مألوفة:

«يفترسني مثل حرفٍ مثقلٍ بالرغبة»

هنا يتحوّل الحرف – أداة اللغة – إلى كائن مفترس، في إشارة إلى سلطة اللغة نفسها على الوجود.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

ينطوي النص على أسئلة وجودية عميقة:

١- ما معنى الحرية؟

٢- هل الخلود خلاص أم عبء؟

٤- هل العشق طريق إلى المعنى أم إلى الفناء؟

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع مرجعيات:

١- صوفية (الجناح، الفناء، العشق).

٣- وجودية (القلق، العبث، البحث عن المغزى).

٣- حداثية في تعاطيه مع اللغة بوصفها سؤالًا لا جواباً.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

في العمق، القصيدة ليست عن الحزن بقدر ما هي عن إعادة كتابة الوجود:

«ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ»

وهو تصريح تأويلي يضع الشاعرة في موقع الخالق الرمزي للمعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يمكن قراءة القصيدة ضمن سياق ثقافي عربي مأزوم، حيث الفرد محاصر بالبنى المغلقة، السياسية والاجتماعية والرمزية، ما يجعل الحنين إلى الحرية والخلود فعل مقاومة.

2. تطوّر النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى قصيدة النثر العربية الحديثة، ويحتل موقعاً متقدّماً ضمن مسارها من حيث الكثافة والصورة والرؤية.

3. الارتباط بالتراث

تفاعل غير مباشر مع:

١- الرمز الصوفي (الطيران، العشق).

٣- البلاغة العربية القائمة على الاستعارة والكناية، لكن بروح حداثية.

خامساً: الأسس النفسية:

1. تحليل البنية الشعورية

تسود القصيدة مشاعر:

١- القلق الوجودي

٢- الحنين

٣- التوق إلى الانفلات من القيد

2. تحليل الشخصية الشعرية:

الذات هنا مأزومة، واعية بأزمتها، لا تنكفئ بل تسعى إلى التحوّل، حتى لو كان التحوّل موجعاً.

3. النبرة النفسية:

نبرة مركّبة تجمع بين:

١- الحزن المرهف

٢- الاحتجاج الصامت

٣- الرغبة العارمة في الحياة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

تعكس القصيدة اغتراب الفرد داخل منظومات الطاعة والعادات والقيود غير المرئية.

2. الخطاب الاجتماعي:

يوجّه النص نقداً مبطّناً لسلطة القمع الرمزي، حيث تتحوّل الطاعة إلى سجن.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

تكتب إخلاص فرنسيس من موقع الذات المقاومة، التي تستخدم الشعر كمساحة تحرّر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات:

١- الجناح: الحرية/التحوّل.

٢- السجن: القيد الوجودي.

٣- الصقر: القوة والسمو.

٤- الأفق: الممكن المؤجّل.

2. شبكات الدلالات

حضور تقابلات واضحة:

١- القيد / الانطلاق

٢- الحزن / العشق

٣- السقوط / التحليق

3. النظام الرمزي العام:

الفضاء الشعري مفتوح، علوي، يرفض الأرض بوصفها قيداً، ويطمح إلى السماء بوصفها أفقاً للمعنى.

ثامناً: الأسس المنهجية

تستند هذه القراءة إلى:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

٣- المنهج النفسي مع الحفاظ على صرامة تحليلية وتكامل منهجي.

- خاتمة:

تشكل «أشجان الخلود» نصاً شعرياً ناضجاً، يزاوج بين الحساسية الجمالية والعمق الفكري، ويؤكّد قدرة إخلاص فرنسيس على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية كونية، تجعل من الشعر مساحة للسؤال، ومن اللغة جناحاً نحو الخلود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

أشجانُ الخلودِ

ثمّ عادتْ إلى سجنِها حرّةً

مشحونةً بالطاعةِ العمياءِ

بينها وبينَ الفضاءِ خفقةُ جناحٍ

وعزفُ وترٍ ينادي بالإطلاقِ

خيطٌ من حنينٍ وارتعاشةٌ

الرّيحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي

قلعةٌ يعشّشُ الفراغُ في زواياها

حجارةٌ تتهامسُ

وذكرى لهفةٍ انكسرَتْ تصطادني

خيالٌ شفافٌ يشنقُني على الأسوارِ

يلقي عليّ النظرةَ الأخيرةَ،

يحصي نموَّ عشبِ الغيابِ

فوقَ شفتي

ولدغةُ الأفقِ فوقَ جبيني

أشرعُ لهُ بابي

فيوقدُ بصدري الأحلامَ

أعدو خلفَه

يفترسُني مثلَ حرفٍ مثقلٍ بالرغبةِ

ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ

تستحيلُ الألوانُ، وتتساقطُ أوراقُ الزمنِ

أيها الحزنُ المرهفُ

كن جناحي لأطيرَ إليكَ

أفتتحُ سفرَ العشقِ بكَ

فتولدُ النجومُ بينَ أهدابي

صقراً ملحميّاً ينثرُ ريشَه

يراقصُ السحابَ

غارقاً في أشجانِ الخلودِ

***

اخلاص فرنسيس

 

مقاربة تفكيكية لأمثلة من السرد العربي الوسيط

مقدمة: يهدف هذا البحث إلى معالجة مفهوم "المحكيات الصغرى" بوصفه ركيزةً إبستمولوجية في الخطاب النقديّ ما بعد الحداثيّ، كما صاغه جان فرانسوا ليوتار، واستكشاف إمكانات تطبيقه على أنماط السرد العربيّ في العصر الوسيط (العصر العباسي).

تظهر أهميّة الدراسة في قدرتها على مساءلة المركزية السردية وفتح أفقٍ جديدٍ لقراءة التراث الأدبي العربي خارج أسر السرديات الكبرى، عبر أدواتٍ نقدية حديثة (التفكيك، الميتاسرد، التناص، موت المؤلف). تستند المقاربة إلى فرضية أنّ نصوصاً مثل "ألف ليلة وليلة"، "المقامات"، "أدب الرحلات"، وكتب الأدب الشذرية، لم تكتفِ بتقديم الحكايات الهامشية، بل أسّست أنماطاً سرديّةً تُشظّي المعنى وتزعزع أنظمة الهيمنة، بما يتقاطع بنيوياً مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ ومن هنا، تتحدّد إشكالية البحث في اختبار مدى فاعلية هذا المفهوم في تحليل البنية السردية للتراث العربي، بعيداً عن الإسقاطات التاريخية المباشرة، مع تقديم معالجة نقدية منهجية للأمثلة والنماذج التطبيقية.

الإطار المفاهيمي: المحكيات الصغرى والسرديات الكبرى في فكر ليوتار وأدوات ما بعد الحداثة

يرتكز مفهوم "المحكيات الصغرى" (Petits Récits) لدى ليوتار على نقد السرديات الكبرى (Metanarratives) التي تدعي الشمول وتحتكر التفسير النهائي للتاريخ والمعرفة والذات، لتفسح المجال أمام الحكايات الجزئية، المحلية، والمتشظية، التي تقاوم التمركز وتعيد الاعتبار للهامش والاختلاف[1]. تعكس هذه المحكيات تفكيكاً للبنى السلطوية والمعرفية، وتحتفي بالتجربة الذاتية والتمثيل النسبي للواقع.

تتضافر في هذا السياق أدوات ما بعد الحداثة:

- التفكيك: ممارسة نقدية تهدف إلى كشف التوترات الداخلية في النص وتقويض الثنائيات الضدّية (مركز/هامش، سلطة/خضوع)، دون إنتاج مركزٍ بديل[2].

- الميتاسرد: وعي السرد بذاته وانكشاف آلياته، بما يؤدي إلى زعزعة الإيهام بالشفافية والمحايدة[3].

- موت المؤلف: تحرير النص من القصدية الأحادية، وإعادة توزيع سلطة المعنى بين النص والقارئ والسياق التداولي[4].

- التناص: كشف النص كفضاءٍ تتقاطع فيه خطاباتٌ متعددة، بما ينفي فكرة النقاء النصّي ويبرز التعدّد الصوتي[5].

حدود المقاربة وإشكالات الإسقاط

توظيف أدوات النقد ما بعد الحداثي في دراسة السرد العربي الوسيط قدرا من التحفظ المنهجي، تفادياً لمزالق الإسقاط التاريخي أو الأنسنة المفاهيمية. لا يفترض البحث وجود وعي ما بعد حداثي ضمن الثقافة العربية الوسيطة، ولا يدعي تماثل الأفق النظري مع ليوتار أو دريدا أو فوكو. بل تتم المقاربة على صعيد البنية السردية والوظيفة الخطابية، حيث تُستخدم مفاهيم مثل "المحكيات الصغرى" و"التفكيك" كأدوات تحليلية إجرائية لفحص آليات إنتاج المعنى، دون فرض توصيفات أنطولوجية أو أحكام قيمية.

تتيح هذه المنهجية المقارنة البنيوية الكشفَ عن تقاطعاتٍ وظيفيّةٍ بين أنساقٍ سرديةٍ متباعدةٍ زمنياً، مع الحفاظ على الفوارق التاريخية والخصوصيات الثقافية، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الدراسات السردية التي تفصل بين المفهوم كأداة تحليل، والمفهوم كمنتجٍ تاريخي.

التحليل التطبيقي

أ. ألف ليلة وليلة: الميتاسرد واستراتيجية إرجاء السلطة

تُعد "ألف ليلة وليلة" مثالاً مركزياً لتجلّيات المحكيّات الصغرى عبر بنيةٍ ميتاسرديّةٍ معقدة، حيث يتحوّل فعل الحكي إلى السرد ذاته. تعتمد شهرزاد استراتيجية الإرجاء (Différance) بتعليق نهاية الحكاية واستمرار السرد، مما يحول دون تحقّق السلطة المطلقة لشهريار. يتوالد السرد في حكاياتٍ متداخلة (مثل حكاية الصياد مع العفريت، الملك يونان والحكيم رويان، وحكايات السندباد)، فتتشتّت سلطة السارد المركزي وتتشظّى الحقيقة، بما يطابق منطق اللا-يقين ما بعد الحداثي. تفكّك هذه الاستراتيجية مركزية السلطة الذكورية عبر التعدّد الصوتي والتوالد الحكائي، لتؤسّس نموذجاً مبكراً لـ"ديمقراطية الحكاية" وإعادة توزيع السلطة السردية.

ب. المقامات: البطولة المضادّة وتقويض الخطاب الرسمي

تشتغل المقامة العربية، كما في نصوص الهمذاني والحريري، كخطابٍ مضادٍّ يفكّك السرديات الأخلاقية المركزية. بطل المقامة (أبو الفتح الإسكندري، أو أبو زيد السروجي) ليس بطلاً قيمياً، بل بطلٌ مضادٌّ يعيش في الهامش الاجتماعي، ويعتمد على الحيلة واللغة بدل السلطة أو النسب[6]. تبرز المحاكاة الساخرة في استعارة لغة الفقهاء والعلماء، لا لترسيخ سلطتهم، بل لتعريتها وكشف قابليتها للتلاعب والسخرية. في "المقامة المضيرية"، مثلاً، يتمّ تفكيك خطاب الطبقة الثريّة عبر السخرية من المبالغة في وصف النعم، فتتحول المحكية الصغرى (قصة الاحتيال) إلى أداةٍ لتعرية زيف السردية الكبرى (الوقار الاجتماعي)، وتعيد الاعتبار للمعرفة الموقِعية ولذكاء الهامش.

ج. أدب الرحلات: المعرفة الموقعية ونسبية التمثيل

يقدّم أدب الرحلات، خصوصاً عند ابن بطوطة وابن جبير، نموذجاً لتحوّل المعرفة من الشمولية إلى الموقعية. لا يدّعي الرحّالة تقديم حقيقةٍ كليةٍ عن العالم، بل يدوّن مشاهداتٍ جزئيّةً مرتبطةً بموقعه الثقافي والزمني، ويمنح الوكالة السردية للآخر [7]. في وصف ابن بطوطة لبلاد "المالديف" أو "الصين"، تتعدد الأنظمة المعرفية وتتشظى الرؤية، بما ينسجم مع تفكيك المركزية المعرفية والاعتراف بتعددية الثقافات. يصبح النص الرحلي فضاءً لحفر معرفي لا يسعى لتثبيت المعنى، بل لتتبع تشكلاته، ويؤكد نسبية التمثيل وضعف ادعاء الحياد.

د. كتب الأدب الشذريّة (الجاحظ والأصفهاني): التناصّ وتعدّد الأصوات

تعتمد كتب مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني على مبدأ التناص ورفض الوحدة العضوية للنص. تُكتب هذه النصوص في شكلٍ شذريٍّ، حيث تتقاطع الحكايات والأخبار والأمثال، ويمنح الساردُ الأصواتَ الهامشيّةَ حقَّ التعبير عن وجهات نظرها[8]. في "البخلاء"، مثلاً، يمتلك البخلاء منطقاً دفاعيّاً خاصّاً بهم، ما يكسر احتكارَ الحقيقة الأخلاقية، ويحوّل الرذيلة إلى وجهة نظرٍ نسبيّة. هذا التعدّد الصوتي (Polyphony) يعكس تفكيك السرديّة الكبرى وإعادة الاعتبار للهامش والتجربة الفردية.

تحوّلات الوكالة السردية: انتقال السلطة للهامش

تؤدّي المحكيّات الصغرى، في ضوء النماذج المدروسة، إلى تحوّلٍ جوهريٍّ في مفهوم الوكالة السردية. لم يعد الهامش مجرّد موضوعٍ للسرد، بل تحوّل إلى ذاتٍ فاعلةٍ في إنتاج المعنى: المرأة (شهرزاد) في الليالي، المحتال في المقامة، والغريب في الرحلة، والبخيل في كتب الأدب. يعكس هذا التحوّل تفكيك منطق الصوت الواحد وإعادة توزيع السلطة السردية، بما يؤسّس لديمقراطية الحكاية وتجاور الأصوات دون إقصاء.

خاتمة

تُظهر إعادة قراءة السرد العربي في العصر الوسيط، في ضوء مفهوم المحكيات الصغرى، بنىً سرديّةً مقاومةً للهيمنة، ومؤسّسةً لتعدّد المعنى وتشظيه. لا تدّعي الدراسة وجودَ وعيٍ ما بعد حداثيٍّ في النصوص التراثية، لكنها تؤكّد إنتاجها لآلياتٍ سرديّةٍ تتقاطع، بنيوياً، مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ وبذلك، يُعاد الاعتبار للتراث السردي العربي كفضاءٍ معرفيٍّ حيٍّ، وشريكٍ في إنتاج إمكانات المقاومة والتعدّد ومساءلة السرديات الشمولية القديمة والجديدة. يحرّر هذا التوظيفُ المنهجيُّ النصوصَ التراثيةَ من التحنيط، ويفتح أفقاً جديداً للقراءة النقدية المعاصرة.

***

منذر فالح الغزالي

فاختبيرغ 01.01.2026

..........................

الهوامش

1.  المحكيات الصغرى (Petits Récits): مفهوم طرحه جان فرانسوا ليوتار، يشير إلى الحكايات المحلية والجزئية في مقابل السرديات الكبرى التي تدعي الشمول.

2.  التفكيك: ممارسة نقدية أسسها جاك دريدا، تهدف إلى زعزعة الثنائيات الضدية وكشف هشاشة البنى المركزية.

3.  الميتاسرد: نوع من السرد يصبح فيه فعل الحكي ذاته موضوعاً للسرد، بما يؤدي إلى زعزعة وهم الشفافية السردية.

4.  موت المؤلف: نظرية رولان بارت، تدعو إلى تجميد دور الكاتب وتحويل الاهتمام إلى النص وتأويل القارئ.

5.  التناص: مفهوم جوليا كريستيفا، يرى أن النص فضاء تتقاطع فيه نصوص سابقة ومعاصرة.

6.  المقامات: نصوص بديع الزمان الهمذاني والحريري، تمثل خطاباً هامشياً ساخراً يفكك الخطاب الرسمي.

7.  أدب الرحلات: نصوص ابن بطوطة وابن جبير، تقدم المعرفة بوصفها جزئية ونسبية ومتعددة الأصوات.

8.  كتب الأدب الشذرية: مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، تعتمد على تقنيات التناص وتعدد الأصوات.

المراجع

- ليوتار، جان فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة. ترجمة أحمد حسان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- دريدا، جاك. الكتابة والاختلاف. ترجمة كاظم جهاد، بيروت: دار توبقال.

- فوكو، ميشيل. أركيولوجيا المعرفة. ترجمة سالم يفوت، الدار البيضاء: دار توبقال.

- بارت، رولان. موت المؤلف ونصوص أخرى. ترجمة مجموعة مترجمين، بيروت: دار الطليعة.

- الجاحظ، أبو عثمان. البخلاء. تحقيق: طه الحاجري، دار المعارف.

- الحريري، أبو محمد. مقامات الحريري. المكتبة الثقافية.

- ابن بطوطة. تحفة النظار في غرائب الأمصار. تحقيق عبد الهادي التازي، الرباط: أكاديمية المملكة المغربية.

- ابن جبير. الرحلة. بيروت: دار صادر.

- الأصفهاني، أبو الفرج. الأغاني. بيروت: دار صادر.

- ساروب، مادان. ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة. ترجمة: عماد مرتضى، دار نينوى.

 

المقدّمة النظرية: القصيدة بوصفها تفكيرًا في الوجود

لا تُقرأ قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لجواد غلوم بوصفها تعبيرًا عن حالة نفسية عابرة، ولا بوصفها شكوى ذاتية من تعب فردي، بل بوصفها خطابًا شعريًا كينونيًا يتشكّل عند تقاطع التجربة الشخصية مع التاريخ السياسي، والزمن النفسي مع الذاكرة الجمعية. فالقصيدة لا تكتب الحزن، بل تكتب استقرار الألم، ولا تصف السأم، بل تفكّكه بوصفه شرطًا وجوديًا يلازم الذات في زمن فقد معناه.

ينتمي هذا النص إلى نمط من الشعر الذي لا يبحث عن الخلاص، بل عن التسمية الدقيقة للخراب. وهو ما يضعه في تماس مباشر مع الأسئلة الفلسفية الكبرى التي اشتغل عليها الفكر الكينوني والنقدي في القرن العشرين، ولا سيما عند ألبير كامو، بول ريكور، وثيودور أدورنو. فالسأم هنا لا يُفهم بوصفه مللًا نفسيًا، بل بوصفه ما سمّاه كامو "الوعي الفجائي بعبث العالم"، بينما يتحوّل الغمّ إلى أثر زمني جريح، قريب من مفهوم ريكور عن الذاكرة التي لا تُشفى، وعن الزمن الذي لا يُستعاد.

تنطلق هذه الدراسة من وعيٍ نقدي يرى أن التجربة الشعرية لا تنفصل عن شروطها التاريخية، دون أن تُختزل فيها، وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه بعض القراءات المادية النقدية التي تؤكد استقلالية الشكل الجمالي رغم تشبّعه بالتناقضات الاجتماعية. (1)

أفق التجربة الشعرية تعتمد الدراسة منهجًا نقديًا تكامليًا، يجمع بين:

- التحليل البنيوي الداخلي

- القراءة السيميائية

- المقاربة الفلسفية الكينونية

- والتحليل السياسي–التاريخي

وذلك بهدف الكشف عن البنية العميقة للنص، دون اختزاله في بعد واحد، أو إخضاعه لقراءة أحادية.

نص القصيدة

غـمٌّ وسأمٌ

على حين غرّة

أطللتَ عليّ؛ أيّها السأم

مادّاً عنقَك فضولاً

حاملاً زفراتِك الحرّى

رافعاً خيمتَك المهلهلة الوسِخة

واضعاً ظِلَّك الثقيل وسط دارتي

تعجّلتَ الحضور

أنت حللتَ وحلاً ونزلتَ قحلا

فذا اليومُ ليس يوم نحسي

كنتُ أتفجّرُ فرحا

منتشياً بقصيدةٍ اصطدتُها توّاً

وسط أسراب القوافي الهائمة فيَّ

أراك تخبئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة!

وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرَخ

أيّها السأم الزائر الثقيل الظِّل

لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟

تزيدُ من أنقاض وجعي

إن أردتَ زيارتي

أطرق الباب بتوئدة

واسترق النظر يمنة ويسرة

ترقّب الريح هنا وهناك

خشيةً أن تراك مندسّا

بين ثقوب الديدان

وشِباك العناكب

فيشتدّ هبوبها ويعلو صفيرها غضباً

ولتكن السماء غبراء مكفهرّة

والهلال ضائعا في أقاويل حلول الأعياد

وتآويل دعاة الباحثين ...

عن أيام السعْد

كن وديعا هادئا كالذكريات النائمة

لاتقف كالطود الراسخ قبالتي

هازئا بوحدتي وشرودي

أدري بأني فقدتُ ظِلِّي

ورفيقي التوأم

في الليالي الحالكة السّواد

حين أغضبْتُ الشمس

ولم تعدْ تزورني

وتشرقُ لي بدفئِها وابتسامتها المعهودة

ليس لي سوى خيالٍ جانح

يأخذني بعيدا... بعيدا

إلى ملاعب صباي

حيث وجه حبيبتي يترقب وقْع أقدامي

وننسلّ معا إلى شقاوات الفتوة

نتدفق مع ميعة الصِّبا

نتبادل القبلات

يحفُّ بنا قطيعٌ من الهمسات

تتناجى بين شفاهنا

وفي أوّل المساء

ننزوي في الحدائق المعتمة

تفتحُ أبوابها للعشاق شاحذي الأرصفة

ومتأبطي الصحف والكتب الصفر

تضللهم من اللصوص الرقباء

ذوي العيون الفاضحة الوقحة

ندسُّ أجسادنا في زحام الأشجار

وتشابك الغصون في جسدينا

نغيب في المعاصي والآثام

كما يدّعون كذبا وميْنا

نفترشُ عشب الخطايا

نكبو معاً في الموبقات

حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية وفلسفية

«غَمٌّ وسَأمٌ»: من التسمية إلى الشرط الكينوني

لا يأتي عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يعمل بوصفه عتبة دلالية كثيفة تؤسّس أفق القراءة منذ اللحظة الأولى. فالغمّ والسأم لا يُقدَّمان كحالتين عارضتين، بل كشرطين متلازمين يحدّدان طبيعة الوجود داخل النص.

من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا العنوان في ضوء ما يطرحه ألبير كامو حول السأم وصفه لحظة انكشاف فجائي لعبث العالم، حيث لا ينبع السأم من الفراغ، بل من انهيار المعنى. أما الغمّ، فيحيل إلى أثر زمني متراكم، قريب مما يسميه بول ريكور «الذاكرة الجريحة»، أي الذاكرة التي لا تُشفى، بل تستمر في إعادة إنتاج الألم.

الواو في العنوان ليست أداة جمع محايدة، بل تؤسّس علاقة تراكبية:

الغمّ يولّد السأم، والسأم يعمّق الغمّ، في حركة دائرية مغلقة. وبذلك يتحوّل العنوان إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركة القصيدة، لا إلى لافتة خارجية.

ثانيًا: تفسير وتحليل الأبيات – الحركة الداخلية للنص

1- السأم بوصفه اقتحامًا وجوديًا

"على حين غرّة   أطللتَ عليّ؛ أيّها السأم   واضعًا ظِلَّك الثقيل وسط دارتي"

يفتتح الشاعر النص بنداء مباشر، يُشخّص السأم بوصفه كائنًا دخيلًا، لا حالة نفسية. هذا التشخيص ينقل السأم من الداخل النفسي إلى الفضاء الكينوني، حيث تتحوّل الدار (الذات) إلى مكان مُحتلّ.

السأم هنا لا يأتي نتيجة تعب، بل يقتحم لحظة الحياة نفسها، ما يمنحه طابعًا قدريًا.

2- المفارقة البنيوية: الفرح بوصفه لحظة هشّة

"كنتُ أتفجّرُ فرحًا    منتشيًا بقصيدةٍ اصطدتُها توًّا"

تتشكّل هنا مفارقة مركزية: السأم لا يظهر بعد الحزن، بل في ذروة الامتلاء الإبداعي.

هذه المفارقة تُخرج السأم من سياقه النفسي التقليدي، وتضعه في أفق العبث الكينوني كما عند كامو، حيث يصبح الفرح نفسه هشًّا، قابلًا للانكسار في أي لحظة.

3- تراكب الغمّ والسأم

"أراك تخبّئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة   وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرخ"

في هذا المقطع، يتحقّق الاندماج الكامل بين مفهومي العنوان.

السأم لم يعد حالة مستقلة، بل صار مولّدًا للغمّ.

سيميائيًا، الأقبية والمرايا المشروخة علامات على ذاكرة معطوبة وذات منقسمة.

4- السأم والشيخوخة: الزمن بوصفه عبئًا

«لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟»

لا تُقدَّم الشيخوخة بوصفها مرحلة بيولوجية، بل بوصفها مرحلة تاريخية– كينونية، حيث تتراكم الخسارات، ويغدو الزمن نفسه مصدرًا للغمّ. هنا يتحوّل العنوان إلى توصيف لمسار حياة كامل.

5- محاولة ترويض السأم

«إن أردتَ زيارتي   أطرق الباب بتؤدة…»

ينتقل النص من المواجهة إلى المساومة.

هذا التحوّل يعكس وعيًا فلسفيًا باستحالة طرد السأم، فيُعاد تعريف العلاقة معه بوصفها تنظيمًا للحضور لا مقاومة له.

6- الذروة الوجودية: فقدان الظل

"أدري بأني فقدتُ ظِلِّي ورفيقي التوأم"

 الظلّ رمز للهوية والاتكاء الكينوني.

فقدانه يعني انكشاف الذات أمام العدم، وتحويل الغمّ من حزن إلى فقدان للذات كما كانت.

7- الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقتًا

"ليس لي سوى خيالٍ جانح   يأخذني بعيدًا…"

الذاكرة هنا لا تُنتج خلاصًا، بل تعليقًا مؤقتًا للألم.  وهي، وفق ريكور، ذاكرة لا تشفي الجرح، بل تؤجّل حضوره.

8. الخاتمة الشعرية: القبول الحذر

«حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل»

تبلغ القصيدة في هذا المقطع ذروتها التأملية، حيث لا تُختتم بخلاص أو انتصار، بل بما يمكن تسميته القبول الحذر. فالرحيل هنا لا يتمّ بفعل إرادة حاسمة، ولا نتيجة تحوّل جذري في الوعي، بل يظلّ معلّقًا على «إذن» يمنحه الظلام ذاته، بوصفه القوة التي أحكمت سيطرتها على التجربة منذ بدايتها.

لا يُقدَّم الظلام في هذا السياق بوصفه نقيضًا أخلاقيًا للنور، ولا باعتباره شرًّا مطلقًا، بل بوصفه سترًا أخيرًا، يسمح بانسحاب هادئ من صخب المعنى المنهار. إنه فضاء كفٍّ عن المواجهة، لا فضاء هزيمة، حيث تتخلّى الذات عن وهم السيطرة، وتكتفي بإدارة حضورها داخل عالم لم يعد قابلًا للفهم أو التبرير.

بهذا المعنى، لا تمثّل الخاتمة انكسارًا نهائيًا، ولا مصالحة مكتملة، بل لحظة وعي بحدود الإمكان الكينوني، حيث يصبح الصمت، والانسحاب، والقبول المشروط أشكالًا بديلة للبقاء. وتغدو القصيدة، في نهايتها، شهادة على استنفاد المعنى لا على تجاوزه، وعلى حكمة التوقّف لا على وعد الاستمرار.

الفصل الثالث: الدراسة متعددة المناهج: تفكيك الغمّ والسأم عبر مستويات القراءة.. تمهيد منهجي

تقتضي طبيعة قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» اعتماد مقاربة نقدية متعددة المناهج، نظرًا لتراكب مستوياتها البنيوية، والدلالية، والنفسية، والسياسية. فالنص لا يكتفي بتسجيل حالة شعورية عابرة، بل يبني رؤية كينونية تتقاطع فيها الذات مع الزمن، والذاكرة مع التاريخ. ومن ثمّ، لا تُعتمد المناهج هنا بوصفها أدوات متجاورة أو قراءات منفصلة، بل بوصفها مسارًا تحليليًا متدرّجًا، يبدأ من الداخل النصّي، وينفتح تدريجيًا على الأفق الفلسفي–التاريخي الأوسع.

وانطلاقًا من هذا التصوّر، تعتمد الدراسة توزيعًا منهجيًا مرنًا للمقاربات الفلسفية، بحيث تُستثمر أطروحات ألبير كامو ضمن القراءة البنيوية، بوصفها كاشفة عن البنية الدائرية للعبث والسأم، حيث لا يتقدّم النص نحو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج حالته الكينونية في حركة مغلقة. وفي المقابل، تُوظَّف مفاهيم بول ريكور داخل القراءة السيميائية، نظرًا لاهتمامه بالرمز والذاكرة والدلالة الزمنية، بما يسمح بقراءة العلامات الشعرية بوصفها حوامل لمعنى جريح لا يُستعاد خارج الزمن. أما المقاربة النفسية– الكينونية، فتستند إلى تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، حيث لا يُقرأ الانكسار النفسي بوصفه حالة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا تاريخيًا مستقرًا في الوعي، يكشف عن فشل الوعود الخلاصية لا عن إمكان تجاوزها.

كما تنفتح الدراسة، في أحد مستوياتها، على المنهج المادي الديالكتيكي، لا بوصفه أداة تفسير أيديولوجية مباشرة، بل بوصفه أفقًا نقديًا يكشف عن العلاقة الجدلية بين التجربة الشعرية والبنية التاريخية التي أنتجتها. فالنص لا يُقرأ هنا بوصفه انعكاسًا آليًا للواقع، بل بوصفه شكلًا جماليًا مشحونًا بتناقضات الواقع، حيث يتحوّل الألم الفردي إلى أثر تاريخي، وتغدو القصيدة شهادة على فشل الوعود الخلاصية لا على تحققها.

أولًا: المنهج البنيوي الداخلي

العنوان بوصفه بنية مولِّدة

من منظور بنيوي داخلي، يعمل عنوان القصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه بنية مولِّدة تتحكّم في حركة النص بأكمله، لا بوصفه عتبة خارجية فحسب. فالثنائية العنوانية لا تقوم على التضاد، بل على التراكب، حيث لا يقود النص إلى تحوّل نوعي أو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج الحالة نفسها بصيغ شعورية مختلفة.

ويتجلّى ذلك في الحركة الدائرية للقصيدة، التي تنتقل من لحظة امتلاء إبداعي، إلى اقتحام السأم، ثم تحوّله إلى غمٍّ متجذّر، قبل أن تنتهي بمحاولة ترويض هذا الحضور عبر الارتداد إلى الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقّتًا.

هذه الحركة المغلقة تؤكّد أن القصيدة لا تسرد تطوّرًا نفسيًا، بل تكتب استقرار الحالة، ما يجعل العنوان مركزًا بنيويًا لا يمكن تجاوزه. (2)

ثانيًا: المنهج السيميائي

الغمّ والسأم بوصفهما شبكة علامات

في القراءة السيميائية، يتحوّل الغمّ والسأم من مفهوميْن مجرّدين إلى شبكة علامات تنتشر داخل النص، وتعيد تنظيم فضائه الدلالي. فالقصيدة مشبعة بعلامات مثل: الظل، الخيمة، الأقبية، والظلام، وكلّها تحيل إلى ثقل الإقامة القسرية، وإلى احتلال داخلي لا عابر.

الظلّ، على سبيل المثال، لا يعمل بوصفه عنصرًا بصريًا، بل بوصفه علامة على فقدان الحماية والاتكاء الكينوني، فيما تشير الخيمة المهلهلة إلى إقامة هشّة داخل الذات نفسها. وبهذا المعنى، تتحوّل الذات إلى فضاء منفيّ، لا إلى مأوى للمعنى. وهذا يتقاطع مع ما يذهب إليه بول ريكور حول قدرة العلامة على حمل أثر الزمن والذاكرة الجريحة، بحيث لا تُقرأ العلامة بوصفها صورة، بل بوصفها أثرًا دلاليًا يتجاوز ظاهرها. (3)

ثالثًا: المنهج النفسي– الكينوني

من الصدمة إلى الاعتياد

من منظور نفسي– كينوني، يمكن قراءة الغمّ بوصفه أثر الصدمة الأولى المرتبطة بالقمع والمنفى والفقد، بينما يمثّل السأم مرحلة ما بعد الصدمة، حين يتحوّل الألم من حدث طارئ إلى حالة اعتيادية مستقرة. ويتجلّى ذلك في فقدان الظل والرفيق التوأم، بما يحمله هذا الفقد من دلالة على انقسام الذات وتفكّك تماسكها الداخلي.

أما اللجوء إلى الخيال والذاكرة، فلا يُقرأ بوصفه خلاصًا، بل بوصفه آلية دفاع نفسي تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه، وتؤكّد استحالة العودة إلى زمن غير مثقل بالوعي بالخسارة. وهذا يتقاطع مع ما يطرحه ثيودور أدورنو حول استقرار الألم بوصفه معرفة سلبية، لا تُفضي إلى تجاوز، بل تكشف عن عمق الجرح واستمراره. (4)

رابعًا: المنهج السياسي–التاريخي

الغمّ والسأم بوصفهما خلاصة مسار تاريخي

لا تنفصل التجربة الشعرية في «غَمٌّ وسَأمٌ» عن سياقها السياسي–التاريخي. فالغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى، بينما يحيل السأم إلى خيبة ما بعد التغيير، حيث لم يُفضِ التحوّل التاريخي إلى خلاص، بل إلى شكل جديد من الإحباط وانسداد الأفق. وفي هذا السياق، لا يظهر السأم بوصفه نقيضًا للغمّ، بل امتدادًا له، ما يجعل القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية، لا على تحققها. وهذا يتقاطع مع ما يشير إليه مهدي عامل حول كون الشكل الجمالي مشروطًا دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه، وبأن الوعي الفردي لا ينفصل عن شروطه الاجتماعية والسياسية. (5)

خامسًا: التركيب الفلسفي للمناهج

الغمّ والسأم بوصفهما شرطًا وجوديًا

في ضوء تلاقي هذه المقاربات، يتّضح أن الغمّ والسأم في القصيدة لا يعملان بوصفهما حالتين نفسيّتين، بل بوصفهما شرطين وجوديين يتقاطع فيهما العبث، والذاكرة الجريحة، والمعرفة السلبية. فالسأم، كما عند ألبير كامو، لا ينبع من الفراغ، بل من انكشاف عبث العالم في لحظة الامتلاء، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته. أما الغمّ، فيتجلّى بوصفه أثرًا زمنيًا متراكمًا، قريبًا مما يصفه بول ريكور بالذاكرة الجريحة، التي لا تشفي الألم، بل تعيد إنتاجه عبر الزمن. وفي الأفق الأوسع، يكتسب هذا الألم بعده التاريخي، حيث يصبح، على نحو ما يذهب إليه ثيودور أدورنو، معرفة سلبية تشهد على فشل اليوتوبيا، لا على إمكان تجاوزها.

وفي هذا السياق، يقتضي التمييز بين الأفق الكينوني الذي اعتمدته الدراسة في تحليل التجربة الشعرية، وبين المنهج المادي الديالكتيكي بوصفه إطارًا تفسيريًا أوسع للسياق التاريخي.

يختلف المنهج المادي الديالكتيكي عن المنهج الكينوني في زاوية مقاربته للتجربة الشعرية؛ فبينما ينظر الأول إلى النص بوصفه شكلًا جماليًا مشروطًا بتناقضات الواقع التاريخي والاجتماعي، يركّز الثاني على كيفية انكشاف الكينونة الإنسانية داخل اللغة الشعرية. ولا يقوم هذا الاختلاف على التعارض، بل على التكامل، إذ يفسّر المنهج الديالكتيكي شروط إنتاج الألم، فيما يصف المنهج الكينوني أنماط عيشه داخل الوعي واللغة.

وهو ما ينسجم مع ما يشير إليه مهدي عامل من أن الشكل الجمالي مشروط دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه. (6)

خاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أن عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لا يعمل بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يتشكّل بوصفه مركزًا بنيويًا ودلاليًا تتحرّك القصيدة في فضائه، وتعيد إنتاجه عبر مستوياتها المختلفة. فالعنوان لا يظلّ خارج النص، بل يتحوّل إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركته الداخلية، وتكشف عن طبيعة التجربة الشعرية بوصفها تجربة وجودية–تاريخية مركّبة.

وقد أظهر التحليل البنيوي، في ضوء التصوّر الكاموي للعبث والسأم، أن الثنائية العنوانية (الغمّ/السأم) تُعاد إنتاجها داخل النص من خلال حركة دائرية مغلقة، لا تقود إلى انفراج دلالي أو خلاص نهائي، بل تؤكّد استقرار الحالة الوجودية وتكرارها. فالسأم لا يظهر بوصفه نقيضًا للفرح، بل بوصفه بنيته الخفيّة، التي تنكشف في لحظة الامتلاء نفسها، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته.

وفي المقابل، بيّنت القراءة السيميائية، المستندة إلى أفق بول ريكور التأويلي، أن العنوان يتحوّل إلى علامة على المنفى الداخلي، تتجسّد عبر شبكة من الرموز مثل الظل، والثقل، والخيمة، والظلام. وهي علامات لا تُقرأ بوصفها صورًا معزولة، بل بوصفها حوامل لمعنى جريح، يتشكّل داخل زمن غير قابل للشفاء، حيث لا تعمل الذاكرة على استعادة الماضي بقدر ما تعيد إنتاج أثره المؤلم في الحاضر.

أما المقاربة النفسية–الوجودية، في ضوء تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، فقد كشفت أن اقتران الغمّ بالسأم لا يشير إلى حالة نفسية فردية عابرة، بل إلى انكسار ذاتي مستقر، ناتج عن تراكم الصدمة التاريخية. فالألم في القصيدة لا ينفجر، بل يستقرّ، ويتحوّل إلى اعتياد صامت، فيما تغدو الذاكرة والخيال آليات دفاع مؤقّتة، لا تفضي إلى شفاء، بل تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن القصيدة لا تكتب الغمّ والسأم بوصفهما شعورين ذاتيين، بل تعيد تشكيلهما بوصفهما شرطًا وجوديًا يلازم الذات الشاعرة داخل وطن لم يستعد معناه بعد. وهكذا تغدو «غَمٌّ وسَأمٌ» شهادة شعرية على مأزق العودة، حيث ينتهي المنفى الجغرافي ليبدأ منفى أعمق، يسكن الوعي واللغة معًا، ويحوّل الشعر إلى فعل معرفة، لا وعدًا بالخلاص.

***

سهيل الزهاوي

.....................

الهوامش

1- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991، ص 52–65.

 مهدي عامل يؤكّد في كتاباته على فكرتين مركزيتين:

اولًا- أن الوعي الفردي مشروط بالبنية التاريخية والاجتماعية

ثانيًا- وأن الشكل الجمالي مستقلّ نسبيًا، لكنه مشبع بالتناقضات البنيوية

 2- ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 2006، ص 23–30.

3- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، ص 78–90

4-   ثيودور أدورنو، نظرية جمالية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1995، ص 34–45.

5- مهدي عامل، نقد الفكر اليومي، دار الفارابي، بيروت، 1988، ص 40–55

مهدي عامل يطرح ثلاث أفكار تتطابق تمامًا مع تحليل المنهج السياسي–التاريخي:

اولًا- الألم الفردي هو أثر تاريخي وهذا يتطابق مع «الغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى…»

ثانيًا - خيبة ما بعد التغيير جزء من البنية التاريخية وهذا ينسجم مع: «السأم يحيل إلى خيبة ما بعد التغيير…»

ثالثًا - فشل الوعود التاريخية وهذا هو جوهر العبارة: "القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية…"

6- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991 ص 52–65.

بعنوان: "أسئلة"

تأتي قصيدة «أسئلة» لتوفيق أحمد بوصفها نصاً قلقاً يتخذ من السؤال جوهره، ومن الشك أفقه الجمالي والفكري، حيث يُعيد الشاعر مساءلة اللغة، والتراث، ووظيفة الشعر في عالم مأزوم بالمعنى. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة نقدياً، كاشفةً بنيتها اللغوية والجمالية والفكرية، ومبيّنةً موقعها ضمن سياقها الثقافي بوصفها فعل مقاومة جمالية واستعادة لدور الشعر بوصفه سؤالًا مفتوحاً.

القصيدة بوصفها بياناً شعرياً، لا تُقرأ قصيدة «أسئلة» بوصفها نصاً وجدانياً أو تأملياً فحسب، بل يمكن عدّها بياناً شعرياً نقدياً يعلن موقف الشاعر من: اللغة، البلاغة، التراث، الحداثة.

- وظيفة الشعر ذاتها.

إنها قصيدة تسائل الشعر بالشعر، وتضع الشاعر داخل محرقة الوعي الجمالي، حيث لا يقين إلا السؤال، ولا خلاص إلا بالكتابة.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

اللغة في القصيدة سليمة نحوياً وصرفياً، لكنها ليست حيادية؛ بل لغة مشدودة إلى أقصى طاقتها الدلالية.

يعتمد الشاعر توفيق أحمد على:

جُمل فعلية متوترة («أنا لا أقول»، «عندي كلام»، «هذا الفراغ يقودني»)

ضمير المتكلم بوصفه مركزاً للخطاب (أنا/عندي/أريد)

الانزياح اللغوي يتجلّى في:

تشخيص المجرّد («الفراغ يصوغ قيد الهلوسات»)

قلب الوظائف البلاغية («أحبّ الجراح»، «عرس الأغنيات لمأتمي»)

وهنا تتحوّل اللغة من أداة وصف إلى ساحة صراع معرفي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

فصاحة النص ليست زخرفية، بل احتجاجية:

الألفاظ مألوفة، لكن علاقاتها غير مألوفة

لا انفصال بين اللفظ والمعنى؛ إذ إن التوتر الدلالي هو المعنى ذاته

اللغة ملائمة تماماً لموضوع القصيدة:

قصيدة تسائل البلاغة لا يمكن أن تُكتب بلغة مطمئنة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة على بحر الكامل في أغلب مقاطعها، مع انزياحات إيقاعية مقصودة.

القافية متحرّكة وغير رتيبة.

الجرس الصوتي قائم على:

١- تكرار الصوامت القاسية (ق، ك، ص، ض)

٢- مقابلة بين أصوات الاحتقان والانفجار.

٣- الموسيقى الداخلية تتولّد من:

التكرار («أنا لا أريد…»، «عندي…»)

٤- الاستفهام العائد («هل غادر الشعراء…»)

٥- الإيقاع هنا فكري بقدر ما هو سمعي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً، لكنها تمتلك سردية فكرية:

١- بداية: إعلان القلق.

٢- وسط: تفكيك اللغة والبلاغة.

٣- نهاية: الدعوة إلى تجاوز إبداعي.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل، لكن الغالب هو:

المنهج التحليلي الجدلي مع أسلوب مقارن ضمني (القصيدة الحديثة - البلاغة القديمة).

2. الرؤية الفنية.

رؤية الشاعر للعالم:

١- العالم مأزوم لغوياً

٢- البلاغة التقليدية عاجزة.

٣- الشعر الحقيقي فعل مقاومة معرفية.

٤- الشكل (قصيدة تساؤلية، متكسّرة، احتجاجية) منسجم كلياً مع المضمون (رفض الجاهز).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

الإبداع لا يكمن في الصورة فقط، بل في:

١- تفكيك مفهوم البلاغة.

٢- رفض القوالب («أنا لا أريد على البلاغة قيّمًا»).

٣- إنتاج دهشة فكرية لا حسّية.

القصيدة تتجاوز المألوف لأنها تجعل السؤال مادة شعرية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية وفكرية:

١- ما الشعر؟

٢- ما دور الشاعر؟

٣- هل اللغة قادرة على قول الحقيقة؟

وترفض:

١- العنف باسم الجمال

٢- القتل باسم العقيدة أو اللغة

السلطة الجمالية الجاهزة

2. الأفق المعرفي

النص يتقاطع مع:

التراث (الاقتباس الواعي من زهير: هل غادر الشعراء…)

الحداثة الشعرية

الفكر الصوفي (الأسئلة، القلق، الكشف)

لكن دون انتماء أيديولوجي صريح.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، القصيدة تقول:

اللغة مأزومة، لكن الصمت ليس حلًّا،

والسؤال هو النجاة.

السؤال هنا ليس نقصاً، بل شرط المعرفة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة تُكتب في سياق:

١- أزمة عربية عامة.

٢- عنف رمزي ومادي.

٣- تآكل المعنى في الخطاب العام.

2. تطور النوع الأدبي

تنتمي إلى:

١- الشعر العربي الحديث

٢- مرحلة ما بعد الحداثة النقدية حيث القصيدة تُراجع ذاتها

3. علاقتها بالتراث

التراث حاضر:

لا بوصفه قداسة، بل بوصفه مادة مساءلة.

الاقتباس من زهير بن أبي سلمى تفكيكي لا استدعائي.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- قلق معرفي.

٢- غضب واعٍ.

٣- توتر إبداعي.

2. تحليل الشخصية

الذات الشعرية:

ناقدة، غير منكسرة، ترفض الامتثال

3. النبرة النفسية.

النبرة الغالبة:

احتجاج تأملي لا صراخ فيه.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

القصيدة تُدين: تزييف الخطا، السلطة الرمزية. تحويل الجمال إلى أداة قمع

2. الخطاب الاجتماعي.

رفض صريح:

١- للطاعة العمياء

٢- للأخلاق المصطنعة

٣- للبلاغة السلطوية

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

توفيق أحمد يظهر:

مثقفًا نقدياً، لا شاعر عزلة، بل صاحب موقف

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- النار: القلق/الوعي

٢- الفراغ: ضياع المعنى

٣- القيد: اللغة المؤدلجة

2. الثنائيات

١- المعنى / الهراء

٢- اللغة / الصدأ

٣- الجمال / العنف

3. النظام الرمزي

نظام يقوم على:

تفكيك اللغة بوصفها سلطة

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج التفكيكي

٣- التحليل النفسي غير الاختزالي

٤- التأويل الهيرمينوطيقي

بصرامة وتكامل.

- خاتمة:

قصيدة «أسئلة» ليست نصاً يُقرأ، بل موقفاً يُفكَّر فيه.

إنها قصيدة تعلن أن:

الشعر الحقيقي لا يطمئن، ولا يجيب،

بل يُبقي السؤال مفتوحاً كي يبقى الإنسان حيّاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

أســـئلة

شعر: توفيق أحمد

أنا لا أقولُ و«ألفُ نارٍ في دمي»

هل غادر الشعراء من متردَّم

*

عندي كلام لم يزل يحتلني

ويضيفُ أسئلة الجنون إلى دمي

*

عندي جراحٌ ما أزال أحبُها

لأضيف عرس الأغنيات لمأتمي

*

أنا لست أحتقر النجوم لبعدها

عنّي وأكره قرب كلّ منجّم

*

الاستعاراتُ القديمةُ أَخْفَقَتْ

في حلِّ بعض توحُّشي وتأزُّمي

*

وَهَوَتْ بِيَ اللغةُ العجوزُ لشرفةٍ

أُخرى وأسلمني الصراخُ إلى فمي

*

هذا سؤالُ أَستعينُ بكم على

ما فيه من صوفيّةٍ وتكلُّمِ

*

أنا لا أريد القتلَ ضَرْبَ هوايةٍ

لكنْ أريد الآن كشف المجرم

*

هذا الفراغ إلى الفراغ يقودني

ويصوغ قيد الهلوسات لمعصمي

*

لا وقت للمعنى فما هذا الذي

يجري بقاموس الهراء المظلم

*

هي حكمتي أُفضي بها لجميعِ مَنْ

ستُثيرُهُمْ عفويتي وتهكُّمي

*

شُقُّوا ثيابَ الأمس إني تائبٌ

عما به من زائفٍ ومنمنم

*

شقوا العصا عن طاعةٍ لم تعطنا

وقتاً به قلقُ القصيدة يحتمي

*

أنا ضدُّ تدمير الجمال حماقةً

بيدٍ تحدّدُ جنتي وجهنمي

*

لغةٌ بلا لغةٍ وأكسَدةٌ بها

صَدِئَ الكلامُ وصار مَحْضَ توهُّمِ

*

سبحان هذا الشعر إبداعاً بلا

فوضى وطيشٍ عابرٍ وتشرذم

*

أنا لا أريد على البلاغة قيِّماً

فالشعرُ لا يَعنيه شَكْلُ القَيِّمِ

*

إنَّا نُريدُ قصيدةً لم نَكْتَشِفْ

بحراً لها ووليدةً لم تُفْطَمِ

*

الشعرُ خارطةُ الجمال وكيفما

صَحَّتْ لك الأمداءُ فيه فَحَوِّمِ

*

جاوزْ إذا كان التجاوُزُ مُبْدِعاً

هل غادر الشعراء من مُتَرَدَّمِ

***

دراسة في قصيدة "تبكي على بابي"

***

تَبْكي عَلَى بابي

تَبْكي عَلَى بابي خُيولُ الغَيْمِ

تَبْكي عَلَى بابي..

في سَرْجِها أَنَّتْ رِياحُ الضَّيْمِ

مِن جَورِ أَعْرابي..

*

هذا الصَّهيلُ نَواحُ

هذا صَهيلٌ ما تَعَوَّدْناهُ..

هذا صَهيلُ جِراحٍ

مِنْ أَيِّ كَيٍّ قَدْ جَرَّعْتِ الآهِ..

*

تَهْوي عَلَى بابي نُجومُ اللَّيْلِ

وتَغوصُ في الظُّلْمَةِ..

مِنْ أَيِّ ثَوْبِ عَباءَةٍ يا لَيْلُ

قَصُّوا لَكَ العَتْمَةَ..؟!!

***

مقدمة: الشاعر الذي يبحث عن خلود القصيدة

يُعَدُّ الشاعر السوري سامر كحل واحداً من الأصوات الشعرية المهمة التي سعت إلى تأسيس بصمة خاصة في مدونة الشعر السوري المعاصر. يمثل مشروعه الشعري بحثاً مستمراً عن "خلود القصيدة واستمراريتها"، حيث يتبنى رؤية فنية تقوم على التكثيف والدهشة كأساسين جوهريين للإبداع الشعري. تنطلق هذه الدراسة من قصيدته "تبكي على بابي" كنموذج تطبيقي لاستجلاء آليتي الرمز والجمال في تشكيل عالمه الشعري المميز، مستندةً إلى شهادات من تجربته الشعرية العامة.

في قصيدة "تبكي على بابي"، لا يكتب سامر كحل نصاً شعرياً تقليدياً، بل ينحت من حروف الألم نواحاً كونياً. القصيدة هي مرثية مُصغَّرة لوطنٍ يبكي على عتبته، حيث تتحول العناصر الطبيعية إلى كائنات حزينة تشارك الإنسان هول الفقد. هنا، لا يُخاطب الشاعر الناسَ فحسب، بل يخاطب الريحَ والغيمَ والليلَ، في حوار درامي يرفع المأساة الشخصية إلى مصاف المأساة الوجودية.

الفصل الأول: تشريح الرمز: لغة الكون المعذَّب

يُجسِّد سامر كحل في قصيدته فلسفةً شعوريةً عميقةً: الألم الكبير لا ينطقه البشر وحدهم. الرمز عنده ليس زينة لغوية، بل هو لغة بديلة يصبح فيها الكون شريكاً في المعاناة:

الخيول التي تبكي: "تبكي على بابي خيولُ الغيم". الخيل في المخيال الجمعي العربي رمز القوة والفروسية والحرية. تحويلها إلى كائنات باكية على الباب يعني أن الحرب قد نهشت حتى رموز القوة في الذات والهوية. البكاء على الباب – العتبة الفاصلة بين الداخل والخارج – يجعل من الدمار انتهاكاً للحرمة الأكثر حميمية.

الصهيل الذي أصبح نواحاً: "هذا الصّهيلُ نواح". هذا الانزياح الدلالي هو قلب جمالي مبدع. فالصهيل، صوت الفخار والانطلاق، يتحول إلى صوت النواح، صوت الموت والرثاء. الاستمرار في التكرار "هذا صهيلٌ ما تعوّدناه.. هذا صهيل جراح" يحوِّل الصوت إلى إحساس جسدي، وكأن الجرح نفسه يصرخ.

نجوم تسقط: "تهوي على بابي نجومُ الليل". النجوم، الرمز الأزلي للهداية والثبات والأمل، لم تعد تلمع بل "تهوي" و"تغوصُ في الظلمة". هذا السقوط الدراماتيكي هو سقوط للبوصلة الوجودية، انطفاء للنور الداخلي الذي يهدي الإنسان في ظلمة الحياة.

الفصل الثاني: موسيقى الكارثة: إيقاع النواح الداخلي

يبتعد سامر كحل عن الوزن التقليدي ليخلق موسيقى عضوية تنبع من نبض المأساة نفسها. إيقاعه هو إيقاع النفس المجهود والقلب المكلوم:

تكرار المرثية: التكرار هنا ليس أداة زخرفية، بل هو نسيج القصيدة العاطفي. "تبكي على بابي... تبكي على بابي" – كلمة "تبكي" التي تفتتح القصيدة وتتكرر، تضع القارئ فوراً في مناخ من البكاء المستمر، كالمطر الذي لا ينقطع. التكرار اللاحق "هذا الصهيلُ... هذا صهيلٌ... هذا صهيل..." يُحاكي تردد أنين الجريح، أو دقات مطرقة الألم التي لا تتوقف.

توازي السقوط: هناك إيقاع نزولي مهيمن يشبه سقوط الشهب: "تهوي... نجومُ الليل" ثم "تغوصُ في الظلمة". هذه الأفعال المتتالية (تهوي، تغوص) تخلق إحساساً بالغرق والهاوية، موسيقياً ودلالياً.

صرخة الاستفهام: تبلغ الذروة الموسيقية في السؤال المزلزل: "من أيّ ثوبِ عباءةٍ يا ليل / قصّوا لك العتمة..؟!!". الجملة الطويلة التي تبدأ باستفهام استنكاري ("من أيّ") وتنتهي بعلامتي تعجب واستفهام، تحوِّل التساؤل إلى صيحة اتهام. الإيقاع هنا هو إيقاع الصدمة، صدمة من يرون ظلمة الليل – رمز السكون – وقد تحولت إلى "عتمة" مقطوعة بقسوة.

الفصل الثالث: الباب: العتبة التي أصبحت وطناً

"الباب" في هذه القصيدة ليس كلمة عابرة؛ إنه الرمز المركزي الذي تدور حوله كل الدموع. الباب في الأدب العالمي هو عتبة التحول، مكان اللقاء والفراق، الحماية والتهديد. بكاء خيول الغيم ونجوم الليل على الباب يحوِّله من جزء من بيت إلى:

1. نصب تذكاري للوطن السليب.

2. مكان شاهد تجتمع عنده كل أحزان الكون.

3. حدّ فاصل بين عالمين: عالم الداخل المأمول (الذي ربما لم يعد موجوداً) وعالم الخارج المدمر.

سؤال القصيدة الكبير: إذا كان الكون نفسه يبكي على العتبة، فما مصير من هم داخل البيت؟ الجواب يكمن في الصمت المطبق بين السطور، في ذلك الفراغ الذي يملأه القارئ.

خاتمة: الشعر حين يتحول إلى ضمير

قصيدة سامر كحل "تبكي على بابي" هي شهادة شعرية على زمن الانهيار. إنها لا تروي حدثاً بقدر ما تنحت حالة وجدانية جامعة. الشاعر هنا لا يصف الدمار من الخارج، بل يستدعيه إلى لغته، فيجعل من الصهيل نواحاً، ومن النجوم كائنات غارقة، ومن الليل ضحية لجريمة "قصّ العتمة".

في هذه القصيدة، يثبت سامر كحل أن الجمال الشعري الحقيقي لا ينفصل عن عمق المأساة وصدق التعبير. اللغة عنده تصير جسداً ينزف، والإيقاع يصير نبض جرح. إنه الشعر الذي لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يتحول إلى ضمير يسمع بكاء ما لا صوت له: بكاء الغيم، صهيل الجراح، وصرخة الليل المقطوع الثوب. وهنا تكمن قوته الخالدة: في قدرته على تحويل الوجع الإنساني إلى صورة كونية تبقى نابضة في ذاكرة الزمن.

***

بهيج حسن مسعود

 

تأتي قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» للشاعرة المغربية حفيظة الفائز بوصفها نصّاً إشكالياً كثيفًا، لا يكتفي بتسجيل انفعال وجداني عابر، بل ينخرط في مساءلةٍ عميقة لعلاقة الذات بالرغبة، وبالغياب، وبالمقدّس حين يتقاطع مع العاطفي. إننا أمام نصٍّ يتجاوز حدود الغنائية التقليدية، ليؤسس خطابًا شعرياً مركّبًا، تتجاور فيه اللغة الحسية مع الرمز الطقوسي، ويشتبك فيه الحب مع الخوف، والاشتهاء مع الكفّ، في بنيةٍ لغوية ودلالية مشدودة على قلق الوعي لا على طمأنينة القول.

تنفتح القصيدة على حوار داخلي (قال/قالت) لا بوصفه تقنية سردية فحسب، بل باعتباره آلية كشفٍ نفسي وفكري، تتيح تفكيك العلاقة غير المتكافئة بين ذاتٍ تمنح حتى الذوبان، وذاتٍ تنسحب متذرّعة بالتحفّظ والاعتكاف. ومن خلال هذا الحوار، تُعيد الشاعرة إنتاج التجربة العاطفية بوصفها طقسًا معطوبًا، يُؤدّى دون اكتمال، ويُعاد دون خلاص، حيث يتحوّل الطواف إلى دوران، والسعي إلى خطأ في العدّ، والصلاة إلى نشازٍ خجول.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً موسّعة، تنطلق من تحليل الأسس اللغوية والبلاغية، وتنتقل إلى تفكيك البنية الجمالية والفنية، قبل أن تنفذ إلى مستوياتها الفكرية والفلسفية، والنفسية، والسوسيولوجية، والسيميائية، في ضوء منهج وصفي–تحليلي–تأويلي، مع الاستفادة من المقارنة حين يقتضي السياق. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وعن الكيفية التي تُنتج بها القصيدة دهشتها، وتبني عالمها الرمزي، وتؤسّس لرؤية شعرية خاصة، تُثبت حضور الشاعرة بوصفها صوتًا واعيًا باللغة، وبالذات، وبأسئلة الوجود المعاصر.

تنهض قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» على توتّرٍ داخليٍّ عالٍ بين الرغبة والكفّ، بين الانجذاب والانسحاب، وبين المقدّس والعاطفي، في نصٍّ يتكئ على خطاب حواري مزدوج (قال/قالت)، يُنتج دراما لغوية داخلية لا تقوم على الحدث، بل على الاحتكاك الدلالي بين ذاتين: ذاتٍ مأزومة بالاشتهاء، وأخرى مأزومة بالخوف من الاشتهاء.

إننا أمام قصيدة نثر ذات حساسية إيقاعية عالية، توظّف المجاز الديني، والانزياح البلاغي، والرمز الطقوسي، لتفكيك علاقة حبٍّ مختلّة، تتنازعها الرغبة والانسحاب، الفعل والتعليق، الحضور والغياب.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز لغة النص بـ:

١- سلامة نحوية واضحة

٢- تراكيب مشدودة ومكثّفة

انزياحات دلالية واعية غير مفتعلة

مثل:

١- «تجتاحين هشاشتي»

٢- «شباكَ حبالٍ تشنق المعنى»

التركيب هنا يزاوج بين الفعل الجسدي والفعل النفسي، حيث تتحول الهشاشة إلى فضاء يُجتاح، ويتحوّل المعنى إلى كائن يمكن شنقه. هذا ليس تزيينًا لغويًا، بل تفكير بالمجاز.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ:

١- غير متكلّفة

٢- ملائمة للموضوع ٣- الوجداني–الطقوسي

٤- مشبعة بحمولة رمزية

تنجح الشاعرة في خلق توازن دقيق بين:

١- حرارة الانفعال.

٢- وبرودة الصياغة المتأنية.

فلا تنزلق إلى الغنائية المفرطة، ولا إلى الجفاف الذهني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول على:

١- الجرس الداخلي

٢- التوازي التركيبي

٣- التكرار الدلالي

مثل:

«قديمٍ

قديمٍ جدًّا»

«سبعًا في سبعٍ»

التكرار هنا ليس إيقاعًا صوتيًا فقط، بل إيقاع وجودي يعكس الدوران، العجز، والطقس غير المكتمل.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص قائم على:

١- حوار شعري داخلي

٢- تقابل صوتي (قال/قالت)

٣- بنية مشهدية لا سردية

٤- لا شخصيات بالمعنى السردي، بل أصوات نفسية تتواجه. الزمن ليس خطيًا، بل دائري، يعيد إنتاج الفعل نفسه (الاقتراب/الانسحاب).

المنهج الوصفي يبيّن أن النص:

يصف حالة لا حدثًا

شعورًا لا واقعة

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعرة للعالم:

١- الحب اختبار أخلاقي

٢- والرغبة امتحان للوعي

٣- والطقس الديني استعارة للارتباك الوجودي

هناك انسجام واضح بين:

١- شكل النص المتقطّع

٢- ومضمونه القلق

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تتجلّى الدهشة في:

«ترتدي زمن الإحرام»

«اعتكاف الحلزون»

وهي صور:

غير مستهلكة

ذات طاقة تأويلية عالية

تمزج المقدّس باليومي دون ابتذال

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحب خلاص أم فخ؟

هل الرغبة خطيئة أم طقس؟

هل الصبر فضيلة أم خوف؟

هذه أسئلة وجودية، تُطرح دون إجابات، وهو ما يمنح النص عمقه.

2. الأفق المعرفي

يحيل النص إلى:

المرجعية الدينية (الطواف، السعي، الإحرام)

دون خطاب وعظي

بل بوصفها لغة رمزية للتيه

وهو ما يضع النص في تماس مع شعر الحداثة الروحية.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، النص عن:

علاقة غير متكافئة

ذات تعطي وذات تنسحب

عشق يُؤدَّى كطقس بلا اكتمال

الطواف دون المحبوب، السعي بالنيابة، الخطأ في العدّ:

كلها إشارات إلى اللاجدوى الوجودية.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

النص مكتوب في سياق:

ذات أنثوية عربية معاصرة

تحاول استعادة صوتها

دون الوقوع في خطاب احتجاجي مباشر

2. تطور النوع الأدبي

ينتمي النص إلى:

قصيدة النثر التأملية

ذات البعد الصوفي–الوجداني

المتقاطعة مع الشعر النسوي غير الشعاري

3. الارتباط بالتراث

الاستدعاء الديني:

واعٍ

غير زخرفي

يُوظَّف بوصفه رمزًا لا اقتباسًا

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق

٢- التوق

٣- الخجل

٥- الشعور بالذنب

2. تحليل الشخصية

الشخصيتان:

«هو»: انسحابي، متردّد، يخشى الاكتمال

«هي»: مبادرة، معطاءة، مأزومة بالعطاء

3. النبرة النفسية

النبرة الغالبة:

١- حنين مكسور

٢- قلق وجودي

٣- خجل روحي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يلامس:

صورة الأنثى العاطفية في مجتمع محافظ

علاقة السلطة داخل الحب

الانسحاب الذكوري بوصفه شكلًا من أشكال الهيمنة الصامتة

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- العطر: الذاكرة

٢- الطواف: البحث

٣- الإحرام: الكفّ

٤- الحلزون: الانغلاق

2. الثنائيات

١- حضور / غياب

٢- طقس / رغبة

٣- صلاة / نشاز

3. النظام الرمزي

النص يبني عالمًا:

مغلقًا

دائريًا

محكومًا بالتكرار

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- التأويل الرمزي

٤- المقاربة السيميائية

مع وضوح منهجي وتكامل قرائي.

خاتمة:

«سهاد على ناصية الشوق» قصيدة ناضجة، عميقة، لا تراهن على الانفعال السريع، بل على التراكم الدلالي. نصٌّ يحترم القارئ، ويستفزّ وعيه، ويؤكّد أن الشاعرة حفيظة الفائز تمتلك:

حساسية لغوية

وعيًا رمزيًا

وصوتًا شعريًا خاصًا

وهي قصيدة تستحق أن تُدرَس، لا أن تُقرأ فقط.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

سهاد على ناصية الشوق

قال لها:

تجتاحين هشاشتي

حين يلوح عطرُكـ

على مشارفِ الذاكرة

تسكنينني

يا امرأةً بأسلحةٍ ضارية

تشهقين بحدسِ الأنثى

تفُكٌين أزراري

شباكَ حبالٍ

تشنُقُ المعنى

فيتهدّى الضجيجُ على صدري

كومضات شِعرٍ

 بلا قافية

كهذيانِ قديم

قديمٍ جدّا

صدّقَ

أن ينالَ الطّوفانُ

من سفينةِ نوح

بشراهتِهِ العالية

*

قالت له:

يكفيك باقةُ فرحٍ

بدَلَ الوَجسِ على الناصية

لتكونَ وِشاحاً

لبيضِ ليالي

لكنك تسكبُني

دمعةً يتيمةً

من حياضِ عينيك

لسديمِ عينيَّ

*

ولما يضُمُّ عطرُكَ شغفي

ترميه مرَقاً شهيّاً

في طبقٍ مكسور

وعلى ميقاتي

ترتدي زمنَ الإحرام

*

تلْزَمُ قوقَعتَك

في اعتكافِ الحلزون

وأنا أطوفُ بدلاً عنك

وأعُدُّ سعْيِيَ

سبعاً في سبعٍ وأخطئُ العدّ

*

يعتريني نشازٌ

لا يليقُ بالصلاة

فيعجبُ محرابي مني

وأخجلُ من حِلْمِهِ عليّ

*

يتنبّأُ الأفقُ بتعبِ الطريق

فأناشِدُهُ إشراقاً

يجفِّفُ الحياةَ من عرقٍ زائد

من حمّى سهادِك

وسُهْدِ لياليّ

***

حفيظة الفائز 2|1|2026

 

انتهى بنا الحوار في المساق السابق إلى أنَّ الشِّعر العَرَبي عِلْم العَرَب، وفنُّهم الوحيد، وسِجِلُّ تاريخهم، وديوان ثقافتهم، ولغتهم اليوميَّة، وما كانوا ليَدَعوه حتى تَدَع الإبل الحَنين. فقلت لمحاوري (ذي القُروح):

- ولن تَدَعَ الإبل الحَنين، ولن يَدَع العَرَب الشِّعر وثقافته!

- ولن يَدَع العَرَب الإبل وثقافتها أيضًا. حتى إنَّ (أبا تمَّام)(1) يكاد يجعل ممدوحه (محمَّد بن عبدالملك الزيَّات) قَتَب ناقة، أو جَملًا، في أجمل صُوَرِه، أو يجعله دَلْوَ ماء:

وتَحتَ ذاكَ قَضاءٌ حَزُّ شَفرَتِهِ

كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ

*

لا سَوْرَةٌ تُتَّقَى مِنهُ ولا بَلَهٌ

ولا يَحيفُ رِضًا مِنهُ ولا غَضبُ

*

أَلقَى إِلَيكَ عُرَى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد

شدَّ العِناجُ مِنَ السلطانِ وَالكَرَبُ

بالرغم من أنَّ حِدَّةً لا تعدو أن تكون «كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ» ليست بحِدَّةٍ تُذكر، ولا بمدحٍ يُؤثَر، ولا بقضاءٍ يُشكَر!

- هلَّا جعله سيفًا صارمًا، مثلًا؟ لا مجرَّد قَتَبٍ، إنَّما «يَعَضُّ»! وأين؟ «بأعلى الغارب»!

- وقد قيل: إنَّما نقلَ قوله هذا عن قول (نُصيب بن رباح)(2):

هَلْ وَصْلُ غانيةٍ عَضَّ العَشيرُ بها

كما يَعَضُّ بِظهْر الغاربِ القَ-تَبُ

*

إلَّا ظنونٌ كوِرْك القَوس إِنْ تُرِكتْ

يَوْمًا بِلا وَتَرٍ فالوِرْكُ منقلِبُ(3)

فأخذ الشطر الثاني برُمَّته، ووقع في فخِّه!

- ولكن شتَّان بين الصُّورة المنسوبة ل-(نُصيب)، وبيت (أبي تمَّام).

- نعم؛ لأنَّ تعبير (نُصيب) مناسبٌ لسياقه، في تصوير ملازمة العشير للغانية، كملازمة القَتَب لغارب البعير. ولقد ذكر أبو تمَّام نُصيبًا في القصيدة، كأنما ليلفت نظر النقَّاد إلى نَظَره في شِعره، وأَخْذِه منه قَتَبه وغاربه، حيث قال- وهو كذلك، كما أشرنا في مقاربة سابقة، ما ينفكُّ يحضره الجنس والنساء والدِّماء، حين يذكر القوافي-:

أَمَّا القَوافي، فَقَد حَصَّنتَ عُذرَتَها

فَما يُصابُ دَمٌ مِنها ولا سَلَبُ

*

مَنَعتَ إلَّا مِنَ الأَكفاءِ ناكِحَها

وكانَ مِنكَ عَلَيها العَطْفُ والحَدَبُ

*

ولَو عَضَلتَ عَنِ الأَكفاءِ أَيِّمَها

ولَم يَكُن لَكَ في أَطهارِها أَرَبُ

*

كانَت بَناتِ (نُصيبٍ) حينَ ضَنَّ بِها

عَنِ المَوالي ولَم تَحفَل بِها العَرَبُ(4)

على الرغم من تنصُّله من الأخذ عن غيره، قائلًا، على طريقة «كاد المريب أن يقول خذوني!»:

لا يُستَقَى مِن جَفيرِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ(5)

لكنَّ هذا الرَّونق قد عِيب عليه أيضًا. فقال (المعرِّي): إنَّ الجَفير إنَّما هو للسِّهام، وربما سَمَّوه (جَفْرًا). والجَفْر: البئر قليلة الماء، لكنَّها لا تُسمَّى جَفيرًا. واقترح لو قال: «من حَفير الكُتْب»؛ لأنَّ كلَّ بئرٍ حَفير. واقترح (ابن المستوفي)(6) صياغةً إنقاذيَّةً أخرى، هي أن يكون البيت:

لا يُستَقَى مِن خيارِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن جَفْرها الكُتُبُ

ويمكن أن أضيف أنا صياغةً أراها أفضل:

لا يُستَقَى مِن بِحارِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ

- غير أنَّ عِلَّة (أبي تمَّام)- إلى جانب (التناص/ التلاص)- تظلُّ إلحاح مفردات البادية على معجمه.

- صحيح. فإذا هي تحضر في بلاط الوزير الممدوح، مصطحبةً حاشيتها من «الغارب، والقَتَب، والعِناج، والكَرَب»، حتى أفضى إلى تصوير (الزيَّات) هكذا، بهذه الصُّورة الكاريكاتوريَّة، قَتَبًا على غارب بعير، أو دَلْوًا يَشدُّ عليه السُّلطان العِناج والكَرَب! ذلك أنَّه ما يفتأ يرى في ممدوحيه بُعرانًا، عليها الأقتاب والأكوار، مقارنةً بالنُّوق من بنات المخاض! كقوله عن ممدوحٍ آخر، سنرى صُوَر مديحه إيَّاه لاحقًا:

تِلكَ بَناتُ المَخاضِ راتِعَةً

والعَودُ في كُورِهِ وفي قَتَبِهْ(7)

- ثمَّ لا أدري ما سِرُّ «الدِّلاء» و«الأرشية» في شِعر (أبي تمَّام)؟!

- حكايتهما حكاية! حتى إنَّهما لا يكادان يفارقان مخيلته وصوره، في ما تبدو لديه وراءهما عُقدة ثقافيَّة ما، تتجلَّى بتكرار ذكرهما. عُقدة أشدَّ ممَّا تتجلَّى عُقدة (ترمب) من (بايدن) بتكرار اسمه في صحوه ومنامه! فالممدوح لديه أو المرثي: «قَليب أو رِشاء قَليب»! يقول مثلًا(8):

- إِذا تَ-يَمَّ-من-اهُ ف-ي مَطلَ-بٍ

كانَ قَليبًا أَو رِشاءَ القَليبِ!

- فَإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ رِشاءً

وإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ قَليبا

- ووَرَدناهُ ساحِ-لًا وقَلي-بًا

ورَعَ-يناهُ بارِضًا وَجَ-ميما

- لَ-م أَزَل بارِدَ الجَ-وانِحِ مُذ خَض-

-خَضتُ دَلوي في ماءِ ذاكَ القَليبِ

- إلى حائِطِ الثَّغرِ الَّذي يورِدُ القَنا

مِنَ الثُّغرَةِ الرَيَّا القَليبَ المُهَ-دَّما

- كلُّ هذا؟! وكأنَّ (أبا تمَّام) جاءنا سقَّاء ماءٍ لا شاعرًا!

- هذه مجرد أمثلة. ولكن أقلتَ كأنه سقَّاء ماء؟ هو كذلك بالفعل، فقد اشتغل في (مِصْر)، زمنًا في حداثته، يسقي الماء، قبل أن يشتغل بسقي الشِّعر؛ فظلَّت حرفته الأُولى عالقة بمعجمه. فلا عجب من إدلائه بدلائه وأرشيته كثيرًا في تضاعيف ديوانه. وقد عاد لتأكيد تعلُّقه بالدِّلاء في قوله:

بَلَى لَقَد سلَفَتْ في جاهِلِيَّتِهِمْ

لِلحَقِّ لَيسَ كَحَقِّي نُصرَةٌ عَجَبُ

*

أَنْ تَعْلَقَ الدَّلْوُ بِالدَّلْوِ الغَريبَةِ أَو

يُلابِسَ الطُّنُبَ المُستَحْصِدَ الطُّنُبُ(9)

- كنَّا قد تطرَّقنا في لقاء سابق إلى حكاية الدِّلاء والأرشية، في شِعر (أبي تمَّام)، خلال مدائحه، وقلتَ: إنَّه في بعض مدحه- مستعمِلًا تلك الأدوات- تنطبق على نظرته إلى ممدوحيه المقولة الشَّعبيَّة «الأعور في ديرة العُميان مَلِك»!(10)

- هذا كلُّه في كفَّةٍ وامتداح الوزير (الزيَّات) بتلك الخصلة النادرة- وهي أنه لم يكن يعاني من (البَلَه)- في كفَّة قائمة بذاتها!

- وإذن، لو عزَّر الممدوحُ الشاعرَ على مثل هذا المديح، لما ناله ملام!

- كانت تلك صَنْعَة (أبي تمَّام)، يقفز إلى السماء وسرعان ما ينحطُّ إلى الحضيض!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...........................

(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عَزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 249- 251/ 32- 34.

(2) يُنظَر: (1989)، النِّظام في شرح شِعر المتنبِّي وأبي تمَّام، دراسة وتحقيق: خلف رشيد نعمان، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 3: 96.

وفيه: «ما وصل غانية عَضَّ العشيُّ بها!» وأخطاء طبعة كتاب (ابن المستوفي) هذه ما أظنُّ لها نظيرًا!

(3) ليس البيتان في ديوان (نُصيب)، الذي جمعه: (داود سلوم). لكنَّهما في (ابن سيده، المخصَّص، (ورك))، غير منسوبَين.

(4) ديوانه، 1: 252- 253/ 39- 42.

(5) م.ن، 1: 259/ 59.

(6) يُنظَر: النِّظام، 109- 110.

(7) ديوان أي تمَّام، 1: 273/ 29.

(8) م.ن، 4: 49/ 13، 1: 171/ 51، 3: 227/ 28، 1: 124/ 30، 3: 234: 9.

(9) م.ن، 1: 256- 257/ 51- 52.

(10) يُراجَع المقال بعنوان : «قراءة في شِعر البحتري وأبي تمَّام»، صحيفة «الجزيرة»، 25- 26 ربيع الأوَّل 1447ه-:

https://www.al-jazirah.com/2025/20251017/cm16.htm

تُعدّ القصيدة الحديثة فضاءً مركّباً تتقاطع فيه اللغة بالفكر، والجمال بالمعرفة، والتجربة الفردية بالسياق الجمعي، بحيث يغدو النصّ الشعري وثيقةً جماليةً تكشف عن أنماط الوعي الإنساني في لحظة تاريخية محدّدة. وفي هذا الإطار، تبرز قصيدة «عامٌ انقضى» للشاعرة اللبنانية كوثر فقيه بوصفها نصّاً تأمّلياً كثيف الدلالة، يُعيد مساءلة الزمن لا باعتباره تعاقباً حسابياً للأيام، بل بوصفه تجربةً وجوديةً مثقلة بالألم، والبحث، والمقاومة، والرجاء.

لا تتعامل الشاعرة مع العام المنصرم كذكرى عابرة أو سجلّ أحداث، بل تُحوّله إلى بنية رمزية تُجسّد علاقة الإنسان المعاصر بذاته وبالعالم؛ علاقة يشوبها القلق والاغتراب، لكنها لا تخلو من إرادة الصمود والانبعاث. ومن هنا، فإنّ النصّ يتجاوز حدود البوح الشخصي ليؤسّس خطاباً إنسانياً عاماً، تتداخل فيه الأسئلة الوجودية بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، ضمن معمار لغوي مشدود إلى التكثيف والانزياح الدلالي.

وانطلاقًا من هذا التصوّر، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تعتمد تعدّد المناهج وتكاملها، من التحليل اللغوي والبلاغي، إلى القراءة الجمالية والفنية، فالتأويل الفكري والفلسفي، وصولًا إلى الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. وتهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء آليات اشتغاله اللغوي والدلالي، وبيان موقعه ضمن سياق الشعر العربي المعاصر، بوصفه نصًّا يُعبّر عن كينونة الإنسان في زمنٍ مأزوم، ويؤكّد، في الآن ذاته، قدرة الشعر على تحويل الألم إلى وعي، والزمن المنقضي إلى معنى قابل للاستمرار.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تنهض القصيدة على لغة عربية فصيحة سليمة في عمومها، تخلو من الكسور النحوية الجسيمة، وتعتمد جُمَلًا خبرية قصيرة ومتوسطة الطول، ما يمنح النص إيقاعاً متدرّجاً متماسكًا.

الأسلوب يقوم على التراكم الدلالي عبر جمل متعاطفة، دون انقطاع فجائي أو قفز غير مبرّر، وهو ما ينسجم مع فكرة الزمن المتراكم (عامٌ كامل).

تُلاحظ انزياحات لغوية واعية، مثل:

١- لياليه المحشوّة بالأرق

٢- أسرّة الأسى

٣-جدار الوعي

٤-أنفاق الروح

وهي انزياحات لا تُثقِل اللغة، بل ترفعها من المباشر إلى المجازي دون غموض مُفرِط.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ المختارة ذات حمولة شعورية مناسبة للموضوع (الأرق، الصخب، الأسى، المواجع، العطش، الكبد)، ويظهر توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في البلاغة ولا فقر في التعبير.

اللغة هنا ملائمة تمامًا لموضوع الزمن الوجودي القاسي، إذ تتجنّب المفردات المضيئة الساذجة لصالح قاموس الألم والصبر والمقاومة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، حيث:

يتولّد الإيقاع من:

١- التكرار (مرّ… مرّ، لهثنا، انتفضنا)

٢-:التضاد (خفيفة/ثقيلة – أجساد/نفس)

٣-الجرس الصوتي للألفاظ (الأرق، الصخب، الأسى، الوجع)

لا تعتمد القصيدة وزناً خليلياً ولا قافية ثابتة، لكنها تحقق موسيقى داخلية هادئة، تتناسب مع نبرة التأمّل لا الانفعال الصاخب.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

البنية قائمة على سرد شعري تأمّلي:

١-الزمن: عام كامل (زمن دائري، ٢- ٢- مغلق، لكنه قابل للتجاوز)

٣- الشخصية: ذات جماعية (أرواحنا، هزمناه، لهثنا)

٤- الحدث: صراع الإنسان مع الزمن والألم والمعنى

المعمار الشعري يتقدّم من:

١- توصيف الزمن

٢- توصيف الألم

٣- مقاومة الألم

تجاوز الألم (النور – الروح)

وهو بناء تصاعدي منطقي متماسك.

2. الرؤية الفنية:

تنظر الشاعرة كوثر فقيه إلى العالم من منظور إنساني وجودي، لا عدمي ولا استسلامي.

فالعالم قاسٍ، نعم، لكن الإنسان:

عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع

وهنا يتحقق انسجام واضح بين الشكل الهادئ والمضمون الصبور.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي :

لا تقوم القصيدة على مفاجآت لغوية صادمة، بل على دهشة هادئة نابعة من صدق التجربة.

الانزياح الجمالي يتمثّل في تحويل المعاني المجرّدة (الزمن، الألم، الوعي) إلى صور حسّية قابلة للتخييل.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية واضحة:

معنى العيش وسط الألم

جدوى البحث عن المعنى

قدرة الإنسان على الصمود

وهو موقف يقترب من الفلسفة الوجودية الإنسانية (كامو – مارسيل)، دون تبنٍّ صريح.

2. الأفق المعرفي

تتداخل في النص:

مرجعية دينية: «الروح من أمر خالقها»

مرجعية إنسانية كونية: فكرة الكبد، الصبر، المقاومة

وهذا التداخل يمنح النص أفقًا حداثيًا غير قاطع مع التراث.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

على المستوى التأويلي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

نصًا عن الإنسان العربي المعاصر

أو عن الذات الأنثوية الصابرة

أو عن الزمن السوري الجريح (قراءة غير مباشرة)

طبقات المعنى مفتوحة، غير مغلقة على تأويل واحد.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

القصيدة تُكتب في زمن عربي مثقل:

١- بالحروب

٢- بالاغتراب

٣- بالقلق الوجودي

لكن الشاعرة لا تُسمّي السياق صراحة، بل تشفّره شعريًا.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية، ضمن مسار تطورها العربي، مع نبرة أنثوية هادئة.

3. الارتباط بالتراث

يحضر التراث:

قرآنيًا (خُلق في كبد)

بلاغيًا (التشبيه، الاستعارة)

دون استدعاء مباشر للأسطورة أو الشعر القديم.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بمشاعر:

١- القلق

٢- التعب

٣- البحث

٤- الأمل الحذر

وهي مشاعر تتكامل ولا تتنافر.

2. تحليل الشخصية:

الذات هنا ذات جمعية متعبة لكنها واعية، لا ضحية سلبية ولا بطلة متعالية.

3. النبرة النفسية:

النبرة الأساسية: صبر وجودي هادئ، يخلو من الصراخ أو الشكوى المباشرة.

سادسًا: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

النص يلامس:

١- اغتراب الإنسان

٢- استنزاف العمر

٣- البحث عن مأوى نفسي

2. الخطاب الاجتماعي

يحضر نقد ضمني لقسوة الواقع، دون خطاب أيديولوجي مباشر.

3. الشاعرة فاعل اجتماعي

تؤدي الشاعرة دور الشاهد الإنساني لا المُنظِّر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات

١- العام: الزمن

٢- العطش: الحرمان الوجودي

٣- النور: الأمل/الوعي

٤- الروح: الثبات

2. شبكات التقابل

١- العطش / الإشباع

٢- الظلام / النور

٣- الكبد / الروح

3. النظام الرمزي

النص ينتظم حول رمزية الصمود.

ثامنًا: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- التأويل الهيرمينوطيقي

٤- المقارنة الضمنية مع شعر التأمل الحديث

والنص يحتمل هذه المناهج دون مقاومة.

الخلاصة النقدية

قصيدة «عامٌ انقضى» نصّ ناضج، متوازن، يمتلك:

١- لغة سليمة

٢- رؤية إنسانية

٣- بنية فنية واضحة

٤- عمقًا تأويليًا مفتوحًا

وهي قصيدة لا تصرخ، بل تضيء، ولا تُعلن البطولة، بل تؤكد الاستمرار.

نصّ يؤشّر إلى صوت شعري صادق، قابل لمزيد من التوهّج والتجذّر في التجربة الإنسانية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

عامٌ انقضى

الشاعرة السورية كوثر فقيه

انتهى عامٌ كامل

بلياليه المحشوّة بالأرق

ونهاراته المسكونة بالصّخب

مرّت بعض أيّامه خفيفةً كضوء

ومرّ بعضها الآخر ثقيلاً كوهم

تمرّدت فيه أرواحنا ضدّ الألم

هزمناه مراراً

 وأسقَطَنا مرّاتٍ أخرى على أسرّة الأسى

نلعق مرّ المواجع

تشاغلنا عن داخلنا

كي لا نصطدم بحائطٍ أجوف

معلّق بين سمائنا وأرض الواقع

خضنا حروباً مع الأسئلة

المسدلة كصنّارة صيّاد

تتوق لالتقاط فتات معنى

من معاني الوجود الّتي أرهقت بواطننا

أنفقنا السّاعات الثمينة من حصاد أعمارنا

ونحن نفتّش لنا على هذه الأرض

من فيء تستظلّ فيه أرواحنا المتعبة

لهثنا لنُشبِع أجسادنا والنّفس عطشى

استرسل الوقت في كيّنا

وكلّما لجمتنا أعقاب الآلام

انتفضنا أكثر

لأنّ الإنسان الذي خُلق في كبد

عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع

وقفز من فوق جدار الوعي

استطاع أن يلتقط النّور

ووصل إلى أعماق أنفاق الرّوح

والرّوح من أمر خالقها

لا تنطفئ.

كوثر فقيه

 

من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا

توطئة: كان قلق الكائن الذاتي دائما خاضعا لإيقاع حياتي ــ وجودي محسوس يتراوح ما بين (من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا) لكن الحقيقة الكبيرة للأنسان في مشاغل فن الروايات عادة ما تكون هوية المرء عرضة إلى حدود المابين (الحلم ــ الواقع) وصولا إلى دائرة نقطة المغامرة في الأفكار والمشاعر والرؤى. لعلنا في رواية (سنة موت ريكاردو ريس) نعثر على ذلك النوع الخاص من الأبطال الذين تغالبهم الرؤيا الماقبلية للاحوال في حالات العالم الخارجي، فهذه الشخصيات تأتي في ولادة الاضطرابات الوضعية العامة والخاصة دون أن تكون لذواتها علاقة مدروسة بين وجودها وخلفيات عوالمها النفسية والحسية، لذا واجهتنا في الفصول علاقات فردانية تسعى إلى توليد ثوابتها الموضوعية والذاتية من خلال مواقف ورؤى العالم الكلي، لا نتيجة ردة فعل خلاصة آنية من مستحدثات حالات الأفعال، لذا يظل موقفها ذي نظرة فوقية مقابل ترك دلالات العوامل تبدو كصور ذهنية أو يوميات قد لا تتناسب في الظهور لبعض التفاصيل الغائبة والحاضرة.. تكاد أن تكون أحيانا صورة الشخصية ريكاردو ريس هي من الأوضاع الحقيقية من الداخل، ولكن لمجرد خروجها للخارج بدت وكأنها الصورة الكائنية في ذهن زمن المرايا أو اللحظات الأكثر غورا في تماثلات المراحل الزمنية الزاحفة ما بين الواقع والمنشطر عن حدوده المفردة والمتعددة.

العتبات السردية ومواقع الفعل العاملي

تتكون عناصر النمذجة السردية التي يقترحها مدخل رواية (سنة موت ريكاردو ريس) مجموعة من البنيات التكوينية الخاصة بدوافع الأبعاد والأنساق التي تتحدث عن علامات مختلفة من هوية السرد: (هنا ينتهي البحر ويبدأ البر، تمطر السماء على المدينة الشاحبة، النهر ينقل مياها طمية والضفاف مغمورة: تصعد سفينة سوداء عكس التيار القائم إنها (الهايلاند بربغاد) التي أتت على الرسو عند رصيف ألكانترا، وهي سفينة إنكليزية من الأسطول الملكي تعمل بين لندن وبونيس آيرس وتعبر الأطلسي من إحدى ضفتيه إلى الأخرى. / ص 11 الرواية) ترسم هذه التحولات الوصفية ــ الانتقالية ــ عملية مجيء الشخصية ريكاردو ريس من البرازيل إلى البرتغال. وهذه العملية تتطلب عدة تمظهرات وصيفة بحته في الكشف عن طبيعة دخول الشخصية إلى مدينته المفتوحة على ممكنات القراءة والتأويل: (لم تكن التغييرات تبدو، في عين المسافر، بهذه الأهمية، الشارع الذي كانا يجتازانه يقابل إجمالا الذكرى التي أحتفظ بها عنه، الأشجار وحدها كانت أعلى، ولم يكن في هذا ما يدهش، فقد كان لديها ستة عشرة سنة لتنمو. / ص18 الرواية) من هنا يحدد لنا السارد العليم مدة الفترة الزمنية التي غاب فيها ريكاردو ريس عن وطنه تحديدا (ستة عشرة عاما ؟) وأمام هذه البنية الإحصائية تتقدم عناصر المخيلة وفقا لذلك النموذج الذي يتوخى الكشف عن كل العلامات والأنساق التي تركها منذ ذلك الزمن الداخل النصي.

1ــ الفاعل الذاتي واستراتيجية السنن الدلالي:

لا ينبغي فهم كلمة (سنن) هنا الإ بالمعنى الصارم العلمي للمصطلح: السنن هي حقول تداع تنظيم فوق نصي من الإشارات التي تفرض فكرة معينة. إن راهنية السنن، بالنسبة لنا هي أساسا ثقافية: السنن هي أنماط معينة لما سبق رؤيته، ولما سبق قراءته، ولما سبق فعله، لذا فلسنن هو شكل هذا الشيء السابق المكون لكتابة العالم. وتبعا لهذا فإن السنن في محصلة خطوات الرواية موضع بحثنا لها وجودا قبليا أي هي تتجاوز حرفية الانطباعات والسلوكيات لدخلنا في تفاصيل شديدة كممارسة فردية ذهنية خاصة بالإحالات والنماذج التصويرية المكنونة: (صعد آخر درجات سلم الفندق التي تطل على الشارع وقد فهم أن هذه أفكار رجل متعب جدا. / ص19 الرواية) قلنا سابقا أن السنن يرتكز على تمييز الحدود الشكلية المختلفة التي بفضلها يتم مقاربة الأنموذج الشخوصي وكيفية حالاته المطروحة منذ البداية كحالة متكافئة بالمقومات والإيحاءات، بدون ربطها بعدة تفاصيل في مواضع قبلية ما. وعلى هذا النحو تلعب سنن الأفعال في مجموع الأحداث السردية دوالا تتحكم في عملية الإنتاج للدلالات، بلوغا نحو توصيف المستويات الأكثر ذروية في الأستجلاء للمواضع المبهمة: (أتعجبك هذه الغرفة ؟ كان المدير هو الذي يسأل بصوت من اعتاد أن يأمر ويفرض سلطته ولكنه مع ذلك مجامل كما يناسب وظيفته. / ص20 الرواية) كذلك نعاين في وحدات أخرى مدى تجليات سنن التصور في مخيلة الفاعل الذاتي: (حوار مألوف في هذا النوع من الظروف، ومع ذلك، فهناك شيء زائف. / ص21 الرواية) يصبح الإشكال الذاتي للشخصية في ما يتعلق والتعقد الدلالي والبنائي، والنتيجة أن هذا الأمر يعود إلى السنن السياقي للتلفظ، فليس هناك محددات قبلية أو تحيينية لمثل هكذا ومضات في المعنى، ولكن الحالة السردية هنا تقودنا نحو وحدات تفترض علاقات مسبقة كحال مثل هذه الوحدة (جلس ريكاردو على كرسي، ألقى نظرة حوله، هنا سوف يعيش زمنا لا يعرفه. / ص23 الرواية).

2ــ السرد والاستبعاد:

كانت العلامات بالنسبة لنقاد الرواية وخصوصا في ما أشار إليه ديريدا (بنية استبعاد؟) لاقت فكرة العلامة بوصفها حاملا لمعنى مبني على مبدأ إمكانية عزل المعنى عن غيره من المعاني، لذلك نلاحظ سياق الوحدات الفصولية في رواية جوزيف ساراماغو عبارة عن (تعليقات للمعنى) بلوغا كيفيا نحو مستوى مقيدا من السرد: (لا يزال يلهث، أخذ قلما وكتب على صفحة السجل المخططة، ما معرفته ضرورية. ما يدعى كونه أسمه، ريكاردو ريس، عمره، ثمانية وأربعون سنة، مولود في بورتو عازب، مهنته طبيب، آخر عنوان له، ريو دو جانيرو البرازيل، من هناك أتى، مسافر على الهايلاند بربغارد. يخيل إلى المرء بداية اعتراف، بداية ترجمة ذاتية. / ص22) ولكن الحقيقة تقع بكل المجهول في هذه السطور، بوصفها وسيطا بين الخطاب الأعترافي الكامل وذلك الاختلاف في أفعال استبعادية خاصة سنواجهها في حينها داخل ذلك الوجود المتشظي والمنقسم بين هوية الشخصية والاستعدادات الظاهرة من حقيقة النص. وإحدى الصور الأكثر شيوعا إلى بنية الاستبعاد هو ظهور الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا وهو في واقع الأمر ميتا منذ عدة شهور تقريبا: (كانت أيام ثلاثة قد أنقضت ولم يعد فرناندو بيسوا. لم يكن ريس يقول لنفسه لقد حلمت دون شك. / ص90. ص91 الرواية) لربما كان ساراماغو يسعى إلى خلق متخيلا منشطرا أو مشتظيا، ليس له من وجود سوى في متاهات ريكاردو الذهنية، لذا فالتفاصيل لا تغيب عندما راح السارد العليم يتحدث بلسان حال ريكاردو كحالة توفر لنا قصدا مغايرا في حكاية بيسوا: (حتى لو أنبثق فرناندو بيسوا هنا في هذه اللحظة، وأنا أهبط شارع داليبرداد فإنه لم يكن فرناندو بيسوا، ليس لأنه ميت، بل لأنه لن يستطيع شيئا إلى ما كانه إلى ما فعل إلى ما عاشه وكتبه. / ص95 الرواية) تنتمي العلاقة الانشطارية ما بين (ريكاردو = بيسوا) إلى النمط المضمر من العلاقة المتشظية. فريكاردو يمتلك وظيفة استحضار عين الماضي في حدود معادلة مزدوجة بين الأنا والعالم، بلوغا نحو ذاكرة المتخيل وفحوى الاستعادة، وإلا كيف من مات يعود حيا في الزمن الذي يفترض به أن ريكاردو ظاهرة في وعي الاستعادة للشخصية بيسوا، وربما من جهة ما يمكننا أن نرجح زمن موت ريكاردو أيضا في حدود الباث المشترك بين الشخصيتين، لذا فاللعبة هنا تعود إلى موقع السارد العليم عندما يستحضر كلتا الشخصيتين على أساس من إنهما تصورين في عين اللحظة المستعادة ؟.

هوامش السرد في مؤشرات مسرح الرواية

تتعدد مجالات السرد الحكائي والخطابي ضمن تمفصلات فضاءات الشخصية ريكاردو. والسؤال يبقى مطروحا إلى أين يقود ساراماغو شخصيته الروائية المنصصة في صياغات إنطلاقاتها المكانية والزمنية والذاتية والعاطفية ؟ تبلغنا مؤشرات الرواية أن ريكاردو ريس يحيا مأزومية حاجز الأصل والأصول العرقية، فهو يتابع ثمة رجل ضخم المظهر وأبنته المصابة بشلل في إحدى يديها: (الدكتور سامبايو وأبنته يصلان اليوم، هذا ما قاله سلفادور فرحا كما لو كان قد وعد بجائزة مستحقة / التقى ثلاثتهم في الاستراحة التالية. وعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفون بعضهم بعض، فقد أقتضى الأمر إجراءات التقديم، ريكاردو ريس، مرساندا سامبايو. / ص117 الرواية).

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة تأتي مستويات البناء الروائي ضمن حدود ترسيخ رؤية منظورية خاصة بالحكي إذ يسعى من خلالها جوزيف ساراماغو إلى حالات كثيفة من الأبهام والخفية بالافعال الكشوفية التي يتضمنها النص الروائي على حد تقديري. إذ يكشف التقابل ما بين علاقة ريكاردو ريس وفرناندو بيسوا إلى حالة من التداخل القائم بين نموذج (الأنا ــ الأنت) فكلاهما يعنيان بصورة من الداخل حيث الأوضاع كانت وكأنها تتشظى في الحضرة المؤطرة ما بين كلتا الشخصيتين، فيما تبقى دوافع ريكاردو إزاء مرساندا تشوبها حالات من الاستهواء والود رغم أن الأخير لا يهوى غواية الفتيات، أن رواية (سنة موت ريكاردو ريس) وعبر مبحثها الأولي هذا، حاولنا إبراز أهم الأفعال الروائية الدالة كمؤشر أولي دالا عن مستوى الوصف والاحساس والوظائف الأولى المفعلة في زمن تقادم الأنا العاملة من العالم النواتي ومن العالم إلى مراحل تمظرات تشظيات الذات الفاعلة في مدار الآخر المتموضع في بنية اللامرئي.

***

حيدر عبد الرضا

تأتي هذه الدراسة النقدية بوصفها محاولة للاقتراب من قصيدة «طيورك في النوم» للشاعر المغربي إبراهيم العمر اقترابًا معرفيًّا وجماليًّا، لا يكتفي بقراءة السطح اللغوي أو الاكتفاء بالانطباع، بل يسعى إلى تفكيك البنية الداخلية للنص، والكشف عن آلياته التعبيرية، ورهاناته الفكرية، وطبقاته الدلالية العميقة. فالقصيدة، منذ مطلعها «في فضاءٍ لا تحدّه الجغرافيا»، تعلن انتماءها إلى أفق شعري يتجاوز المكان المادي نحو فضاء رمزي يتداخل فيه الحلم بالذاكرة، والغياب بالحضور، والذات بالعالم.

وإذ تنتمي هذه القصيدة إلى مناخ الشعر العربي المعاصر، فإنها تستدعي قراءة مركّبة تستثمر مناهج متعددة: الأسلوبي، والبلاغي، والنفسي، والسيميائي، والهيرمينوطيقي، دون الوقوع في انتقائية اعتباطية أو إسقاطات خارجية. فاللغة هنا ليست أداة تعبير فحسب، بل هي حقل توتّر دلالي، والإيقاع ليس زينة صوتية، بل بنية شعورية، أما الصورة الشعرية فتغدو وسيطًا معرفيًّا يفتح النص على أسئلة الوجود والحنين والذاكرة.

من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة القصيدة في مستوياتها المختلفة: من سلامة اللغة وجماليات الأسلوب، إلى الرؤية الفنية والفكرية، مرورًا بالبنية النفسية والاجتماعية والرمزية التي تؤسس عالمها الشعري. كما تسعى إلى وضع النص ضمن سياقه الثقافي والتاريخي، واستجلاء موقعه داخل تطور قصيدة النثر العربية، بوصفها شكلًا تعبيريًا بات يحتمل التأمل الفلسفي بقدر ما يحتمل الانفعال الجمالي.

إنها قراءة تحاول أن تُنصت إلى ما يقوله النص، وإلى ما يلمّح إليه، وإلى ما يسكت عنه، باعتبار الشعر فضاءً للتأويل لا للاستهلاك، وتجربةً تُعاش قبل أن تُشرح.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغة عربية سليمة، مشدودة إلى الفصحى المعاصرة، خالية من الترهل أو الاضطراب النحوي، مع قدرة واضحة على تطويع التراكيب لخدمة الدلالة الشعورية. يعتمد الشاعر أسلوب الجملة الفعلية بكثافة:

«تتسلّل»، «تحلّق»، «تجمع»، «تطرّز»، «تُسدل»، «تعانق»

وهو اختيار دالّ؛ إذ يضفي حركية داخلية مستمرة، تجعل النص في حالة تدفّق لا سكون.

الانزياح اللغوي حاضر بوصفه أداة جمالية لا افتعالًا زخرفيًا، كما في:

«تطرّز ردائي بأزرار الأمل»

حيث يُنزاح الفعل من مجاله الحسي المباشر إلى حقل رمزي نفسي، فتتحول الخياطة إلى فعل ترميم وجودي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ فصيحة، مألوفة، لكنها موظفة في سياقات غير مبتذلة، مما يحقق توازنًا دقيقًا بين الوضوح والعمق. لا يلجأ الشاعر إلى الغموض المعجمي، بل إلى الغموض التركيبي والدلالي، وهو غموض مشروع فنّيًا، يتولد من تشابك الصور لا من تعقيد اللغة.

اللغة ملائمة تمامًا لموضوع القصيدة: الحلم، الحنين، الغياب، والذاكرة؛ فلا نجد لفظًا صلبًا أو فجًّا يكسر نعومة الجو النفسي العام.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة مكتوبة في إطار قصيدة النثر الإيقاعية، حيث لا وزن خليليًّا صارمًا، لكن ثمة موسيقى داخلية قوية، تتجلى في:

التكرار البنائي:

«لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم»

تكرار اللازمة يمنح النص إيقاعًا دائريًا، يوحي بالاستمرارية والانتظار والعودة الأبدية للحلم.

الجرس الصوتي:

تكرار الأصوات اللينة (النون، الميم، الواو) يعزز الإحساس بالحنين والاحتواء.

التوازي التركيبي الذي يخلق تنغيمًا داخليًا يعوّض غياب الوزن.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات بنية تراكمية–تصاعدية، لا سردية بالمعنى التقليدي، لكنها تبني سردًا شعوريًا عبر المشاهد. الزمن فيها زمن نفسي، دائري، لا خطي؛ كل مقطع يعيد إنتاج اللحظة نفسها من زاوية وجدانية مختلفة.

المنهج الوصفي حاضر بقوة، لكنه وصفٌ داخلي، لا خارجي، وصف للانفعال لا للحدث. أما المنهج التحليلي فيبرز في تفكيك حالات الوعي والذاكرة، بينما يمكن، بالمقارنة، وضع النص في سياق الشعر العربي الحديث الذي جعل من الحلم أفقًا دلاليًا (السيّاب، أدونيس، أنسي الحاج).

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعر للعالم تقوم على تعليق الواقع داخل الحلم؛ فالحلم ليس نقيض اليقظة، بل بديلها الأكثر صدقًا. يتماهى الشكل مع المضمون: لغة منسابة لحلم منساب، وبنية مفتوحة لوجود غير مكتمل.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

القصيدة قادرة على إنتاج الدهشة دون صدمة لغوية. التجديد هنا ليس في كسر اللغة، بل في إعادة شحن الصور المألوفة (الطيور، الليل، الندى، القمر) بطاقة شعورية جديدة، عبر علاقاتها الداخلية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية ضمنية:

هل الوجود يتحقق في اليقظة أم في الحلم؟

هل الغياب نقص أم شكل آخر من الحضور؟

الحلم هنا فضاء أنطولوجي بديل، تُستعاد فيه الذات من تشظّي الواقع.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع مرجعيات صوفية (الحلم ككشف)، وحداثية (اللاوعي، الزمن النفسي)، دون إحالات مباشرة، ما يمنحه طابعًا كونيًا غير محلي.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الطيور ليست رمزًا واحدًا ثابتًا، بل شبكة دلالية:

الحرية

الرسالة

الذاكرة المتحركة

والنوم ليس غياب الوعي، بل شرط انفتاحه. المعنى يتكشّف عبر طبقات، لا عبر تصريح.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي النص إلى لحظة شعرية عربية معاصرة مأزومة بالاغتراب، والحنين، وانكسار اليقين، حيث يصبح الشعر ملاذًا وجوديًا.

2. تطوّر النوع الأدبي

يقع النص ضمن مسار قصيدة النثر العربية، لكنه يحافظ على حسّ غنائي واضح، ما يضعه بين الغنائية الحديثة والتأمل الفلسفي.

3. التفاعل مع التراث

تتردد أصداء بلاغية قديمة (الطير، الليل، الحلم)، لكنها موظفة توظيفًا حداثيًا، منزوعًا من السياق الخطابي القديم.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بالحنين، القلق الوجودي، والانتظار. اللاوعي حاضر عبر صور النوم، الهمس، الجروح، والأحلام المؤجلة.

2. تحليل الشخصية

الذات الشاعرة شخصية حسّاسة، مفرطة التعلّق، تعيش على تخوم الفقد، لكنها لا تستسلم له.

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من الشجن، الحنان، والاحتجاج الصامت على الواقع.

سادسًا: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

لا يعالج النص قضايا اجتماعية مباشرة، لكنه يعكس اغتراب الفرد في عالم قاسٍ، حيث يصبح الحلم تعويضًا عن الفقد الاجتماعي.

2. الخطاب الاجتماعي

القصيدة تنطوي على نقد ضمني لواقع يخنق العاطفة ويهمّش الذات.

3. الشاعر فاعلًا اجتماعيًا

الشاعر هنا شاهد روحي، لا خطيبًا، يقدّم مقاومة جمالية صامتة.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. العلامات والرموز

الطيور: الحرية، الرسالة، الذاكرة

الليل: العمق، اللاوعي

الضوء: الخلاص المؤقت

2. شبكات الدلالات

حضور/غياب – حلم/يقظة – دفء/برد – نور/عتمة.

3. النظام الرمزي العام

الفضاء مفتوح، علوي، متحرّك، ما يعكس توقًا دائمًا إلى الانفلات من الثقل الأرضي.

ثامنًا: الأسس المنهجية

النص قابل للقراءة عبر مناهج متعددة (أسلوبي، نفسي، هرمنيوطيقي)، وقد حافظت هذه الدراسة على صرامة منهجية عبر:

الاستشهاد من داخل النص

الفصل بين المستويات التحليلية

تجنّب الإسقاط التعسفي

خاتمة

«طيورك في النوم» قصيدة ناضجة، مشغولة بعناية لغوية وفكرية، تنتمي إلى شعر الوعي لا إلى شعر المناسبة، وتؤكد أن الشعر لا يزال قادرًا على أن يكون ملاذًا معرفيًا وجماليًا في زمن القسوة واليقين المكسور. إنها قصيدة تُقرأ بوصفها تجربة وجودية، لا نصًا لغويًا فحسب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

طيورك في النوم

بقلم الشاعر إبراهيم العمر

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تتسلّل من سراديب الذات،

تُحلّق في بساتين الغروب،

تجمع قبلات الأمس من خدود الذاكرة،

وتطرّز ردائي بأزرار الأمل،

تُسدل هواجس الربيع على شتاء الروح،

وتعانق أصداء حوارك المتروك في زوايا الصمت،

فأساير بقايا نفسي بنسمات الوهم،

وأنسج من خيوط اليأس ألوانًا للذكرى،

علّني أرى، ولو فكرةً واحدة،

أرسم بها على صفحات الفجر

صورةً عاريةً للحقيقة.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تشرّد على نوافذ الحلم،

تعزف خلف ستائر الهمّ

أغانيك المنسيّة في جيوب الغمّ،

تحملني على بساط الريح،

ترميني بين القمر والمريخ،

تداعب روحي برفوف النور،

وتواسي همومي بكفوف الضوء،

تلفّ بساط الليل عن زهور المرج،

وتربط حبّات الندى بخيوط الوهج،

ثم تسرق نظراتي من جرود الليل.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تخطفني من دروب الشرود،

تنقر بحبّات المطر على قرميد الذاكرة،

تنشد تهاليل الأمل وتنفخ على جروحي،

وترسل لي من عند الشمس

أحلام الماضي التي زرعتها بالهمس.

كلّ ليلةٍ أنتظر طيورك،

وأخبّئ ضمّات الشوق لأوقات الغربة والبرد،

وأزرع لك شتلة ياسمين

على التلة في أعلى الجرد،

تنام بجانبي ولا ترحل.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تعشّش على أغصان الحور،

ترقص وتفجّر حبّها المكبوت،

تتغطّى بأوراق التوت،

تنتظرني على صخور السور،

تذكّرني بحكاياتي ووعودي،

ورحلاتي في بلاد البور،

طيور الجنة تبعث لي عصفورًا

يهفهف بالعطر نسمات الجو،

يوقظني ويخطفني من جرودي،

ويقطف لي من الوادي المهجور

باقةً من زهوري وورودي.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تلفحني مع نسمات الحلم،

تغطّيني بحرام الشوق،

تدفئ قلبي البردان،

والشمعة التي انطفأت منذ زمان

تضيء ليالي الوحدة والسهر،

والكلمات التي لم تقوليها في اليقظة

أسمعها أغاني وقصائد غزل،

وألمسها بشفتيك على صدري النعسان،

أسمع لهثات روحك،

وأنسى أنني لست في البال،

وأنني لم أكن يومًا ذكرى… ولا نسيان.

***

إبراهيم العمر

 

منذ تَشكّل المجتمع الإنساني، وتَكامل وجودُه، وترسّخت أُسسُه ومَفاهيمُه، ووُضعَت قوانينُه اللازمة لاستمراريّة الحياة المَعيشيّة بين أفراده ومجموعاته المُتجانسة والمختلفة كان الإنسانُ الفردُ من حيث يدري ولا يدري يقوم بحركات وإشارات جسَديّة، ويُسمِعُ أصواتا مختلفة ليُعبِّرَ بها عن فكرة أو موقف أو رغبة. وكانت المناسبات الجَماعيّة المُتعارَف عليها أو حتى الخاصّة تكون الفرصة السّانحة لهذا الإنسان كي يُظهرَ مواهبَه التي تشدّ الآخرين إليه فيستزيدونه أو يؤنّبونه ويحذّرونه من تكرار فعلته، حتى كان وأصبحت هذه العروض الفَرديّة تتحوّل لجَماعيّة تستقطب اهتمامَ الناس فيأتون للمشاهدة ويخرُجون وهم يحملون مختلف الآراء والمواقف من القضايا والأفكار التي عُرِضَت أمامهم.

وما الحركاتُ والإشاراتُ والتّلاعب بالجسد والعيون والأيدي والأرجل وتغيير ملامح الوجه التي يقوم بها ممثل البانتوميم إلّا تجسيدا لتلك التي طالما مارسها وقام بها الإنسانُ الفَرْد مع نفسه أمام المرآة أو بدونها أو مع أفراد أسرته وأصدقائه ومَعارفه وفي المناسبات المختلفة فيقبلها البعضُ ويرفضُها الآخر.

هكذا كان المسرح الابنَ الشّرعي والطبيعي للإنسان، فتَشَكّل ليكون صوتَ الجماهير الواسعة وحاملَ همومهم، ومُحرّكَ أفكارهم، ومُفجِّرَ غضبهم، ودالّا لهم على طريق الوصول للحرية والعدالة وبناء المجتمع السّليم. فالمسرح إضافة إلى كونه وسيلةَ ترفيه، فهو المُعبِّرُ عن القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة وما يتطلّع إليه الفردُ وكذلك المجموعة لتحقيق العدالة والحرية للجميع. وهو العاملُ المهم في تشكيل الهويّة الثقافية بإحياء التراث والحفاظ على اللغة وتطوّرها وملاحقتها للتطورات المُتجدّدة وهو الذي يربط الإنسان بماضيه وتاريخه البعيد ويعمل على صيانة الخصوصيّة الثقافيّة واللغويّة.

كذلك أهميّة المسرح في دوره وسيلة مهمّة في النَّقد والتّغيير بطرح القضايا التي تُشغلُ الجماهير مثل الظلم والفساد واستغلال السلطة للمَكاسب الخاصّة والانتقام من الخصوم والمُعارضين لمجرّد أنهم يرفضون الطّاعة العَمياء للحاكم. فالمسرح لا يكتفي بعَرْض الأزمة أو المشكلة، بل يدفع الجمهور إلى التّفكير بالحلول ويخلق الحوار بين الناس ويطرح الأفكار والمواقف المختلفة. وبذلك هو عامل مهمّ للتأثير والتَّغيير ورفع نسبة الوعي بين الناس.

كما يعمل المسرح على المساعدة في خَلْق مجتمع مُبدع مُنْتمٍ لوطنه، يعمل على تقوية التّواصل والعمل الجماعي ويزيد من أهمية التفكير النَّقْدي والقُدرة على اكتشاف الإنسان لذاته وسط هذا العالم المحيط به.

هكذا فالمسرح، كما يتّفق الجميع، هو حاجة إنسانيّة مُلازمة للإنسان منذ لحظة ولادته وصُراخه وحركات يديه ورجليه وعينيه داعيا مُستنجدا طالبا من أمّه ومَن حوله مساعدته في توفير الحاجيّات له. وهكذا يظل المسرح حاجة ملازمة ومهمة في حياة الإنسان الفرد والمجتمع ككل.

وشعبُنا الفلسطيني عرف المسرحَ وعُرِضَت المسرحيات المختلفة على المسارح التي كانت في مختلف المدن الفلسطينية أيام الانتداب الإنكليزي على البلاد، وخاصة مسارح يافا وحيفا والقدس. والعديد من المسرحيات كُتبت أو تُرجمَت وعُرضت للجمهور. لكنّ نكبة عام 1948 وتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، وتشريده في دول الجوار والعالم أجمع أبقت البقيّةَ الباقية مُجَرّدة من أهلها وتاريخها وثقافتها وأرضها ووطنها تعيش ضمن حدودٍ تعزلُها عن كلّ العالم، وتنتظر لتكون الفرصةُ لتعمل على إعادة ترسيخ وجودها وبَعْث لغتها والتّشبّث بأرضها واستخلاص حقوقها وتأمين وجودها وتوفير فُرَص العمل للجميع لتعودَ لتُمارسَ حياتَها الطبيعية فتستعيد عافيتها وتبني مجتمعاتها وتعمل على تطويرها وانْبعاثها.  

حتى أواخر سنوات الستين من القرن الماضي، القرن العشرين، كانت الكتاباتُ المسرحيّة مُجرّدَ محاولات إبداعيّة استثنائيّة، كان الأديب المرحوم سليم خوري (1934- 1991) أبرز كُتّابها حيث أصدر عام 1960 مسرحيّة "آمنة" وفي عام 1961 مسرحيّة "وريث الجزّار"، والكاتبة نجوى قعوار فرح (1923-2015) التي أصدرت عام 1958 مسرحية "سرّ شهرزاد" وعام 1961 مسرحيّة "ملك المَجد". وكانت العروض المسرحيّة تنحصر بمُعظمها ضمن اجتهادات لطلاب المدارس في مناسبات عامّة أو خاصّة بالمدرسة نفسها.

لكنّ التقاء المُبدعين بأشقائهم في المناطق المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) بعد حرب حزيران 1967، ووصول الإبداعات المسرحية العربية من العالم العربي، والمترجمة عن الآداب العالمية، وخروج كوادر من الشباب لدراسة المسرح في الدول الاشتراكية وغيرها، ومن ثمّ عودتهم ومساهمتهم في خَلْق واستمرار النشاط المسرحي، تغيّر الواقعُ وأصبح المسرح بشقَّيْه: الكتابة المسرحية والعَرْض المسرحي، يجذب الاهتمام ويشدُّ القارئَ والمُشاهد.

هذا التّغيّر ساهم في تحريك الحركة الثقافيّة المحليّة وجعل العديد من المبدعين في الشعر والقصة والرواية يُجرِّب حظَّه في كتابة المسرحية، وبالفعل أصدر الكاتب هاشم خليل عدّة مسرحيات تحت اسم "قهوة الصباح" سنة 1970، وأصدر سهيل أبو نوّاره عام 1975 مسرحية "زغرودة الأرض" والشاعر أدمون شحادة عدّة مسرحيّات: "برج الزجاج"1974، "سور البلالين"1975، "الصمت والزّوال" 1978، "القديسة" 1980، "بيت في العاصفة" 1982، "الخروج من دائرة اللون الأحمر"1985، "زهرة الكستناء". وأصدر الدكتور الشاعر سليم مخولي مسرحيّة “الناطور” عام 1979 والقاص زكي درويش أصدر مسرحيّتيه “الموت الأكبر” عام 1979, “لا” عام 1980. وصدرت مسرحية الشاعر سميح القاسم الشعرية “قراقاش” عام 1979 وقد لاقت اهتماما كبيرا وعُرضت على عدّة مسارح في الدول العربية، كما كتب سميح القاسم عدّة مسرحيات قصيرة نشرها في مجلة "الجديد" وعاد ونشرها في مجموعاته الكاملة، ومنها مَا عُرضَت على المسارح في البلاد وخارجها مثل: "هكذا استولى هنري على المطعم الذي كان يُديره رضوان وشلومو، وحوّله إلى دكّان لتجارة المعلّبات" و"المؤسسة الوطنيّة للجنون م.ض." و "كيف ردّ الرّابي مندل على تلاميذه؟" و "الابن" و "المُغتَصَبة". ومسرحية "قدر الدنيا" لإميل حبيبي نشرها عام 1963 ومسرحيّة “لكع بن لكع” عام 1980، ومسرحية "أمّ الرّوبابيكا، هند الباقية في وادي النسناس" سنة 1992. وأصدرت الكاتبة فاطمة ذياب مسرحيتي "سرك في بير" و "ممنوع التجوّل" سنة 1987.

ونشر عفيف شليوط عدّة مسرحيات منها: يوم في عيادة" 1983 و "كفى" 1984 و "أبو مطاوع وحريّة المرأة" 1990 وصدرت مسرحيّة "عندما يسود الجراد" 1991 لكمال بشارات.

تبعَ هذا الكَمّ من المسرحيّات حركة نَقْد أثارت اهتمام القرّاء ومُحبّي الأدب، ولفتت الانتباه في العالم العربي.

وفي تسعينات القرن العشرين الماضي وفي القرن الحادي والعشرين صدرت العديد من المسرحيات لعدد من الكتّاب أذكرُ بعضها مثل مسرحيات لجمال قعوار صدرت عام 1995 "بنت الرجال" و"كروم الدوالي" و"قنديل الحب" كما ازدهر المسرح المحلي بإقامة العديد من المسارح في حيفا، والناصرة، وأم الفحم، ويافا وشفاعمرو وغيرها.

وكما في الكتابة المسرحيّة، هكذا حدثت طفرة كبيرة ومباركة في العروض المسرحية، وبرز عدد كبير من المُخرجين مثل صبحي داموني وأنطوان صالح وجوزيف أشقر وأدوار شرش، ومن الشباب الذين درسوا فنَّ الإخراج المسرحي في الجامعات الأوروبية، خاصة الدول الاشتراكية، أمثال المرحوم الفنان رياض مصاروة وفؤاد عوض وأديب جهشان وعلي نصّار ومنير بكري. وأيضا سليم ضو وراضي شحادة، فازدهر المسرح الفلسطيني المحلي وعُرضت المسرحيات الهادفة، منها المترجمة ومنها العربية ومنها التي كتبها المخرجون أنفسُهم.

وظهرت مواهب كبيرة في التمثيل مثل عبد الله الزعبي ولطف نويصر وجوزيف أشقر وإميل روك وحنا شحادة ومنصور أشقر وإبكار حداد، ومنها مَن وصلت إلى درجة أنْ فرضت نفسَها على المسرح العبري والفن السينمائي أمثال محمد بكري ومكرم خوري ويوسف أبو وردة وسليم ضو وسعيد سلامة إلى جانب مواهب سرعان ما اشتدّ عودُها وساهمت في تنشيط العمل المسرحي وجعله حاجة مُلحّة للناس أمثال عفيف شليوط وأسامة مصري وعدنان طرابشة وناظم شريدي ومحمود صبح ومروان عوكل ومازن غطاس وميسلون حمود وإبراهيم خلايلة وخالد عوّاد ونبيل عازر وقاسم شعبان ونايف خوري. كما ساهم العشرات من الممثلين الشباب في مختلف العروض المسرحيّة مثل: محمد عوده الله وفكتور صالح وطارق قبطي ويوسف حبيش وفراس سويد وبيان عنتير، ومنهم من استمرّ ولا يزال، ومنهم من توقّف واختار طريقا جديدا في حياته مثل نظير مجلي.

وشاركت الفتاة العربية وأثبتت وجودها على خشبة المسرح وشكّلت ركنا أساسيّا وحيويّا مثل أميرة قزعورة وجزيل عامر وناديا كسابري وأليس أبو سمرة وسامية قزموز وسلوى نقارة وسلمى وفريال خشيبون وريم تلحمي وروضة سليمان وبشرى قرمان وداليا عوكل وناهد شُرّش وناديا عوكل وروضة أبو الهيجا ونسرين حبيشي ورائدة أدون ومنى حوا وسناء جماليّة وشادن قنبورة وشمس زاهر ولمى نعامنه وكرمة زعبي وغيرهن كثيرات.

وهذا النشاط المسرحي المُتواصل رغم الهنّات التي كانت تحدث والنّكسات التي عطّلت ظلّ يتطوّر ويقوى ويُبدع بفضل العديد من المسارح الرئيسيّة التي عملت على نشر الوعي بالمسرح وأهميته وقدّمت العروض العديدة. وأذكر منها مسرح "بيت الكرمة" ومن ثم مسرح "الميدان" والآن يُعْرَف بمسرح "سَرْد" في حيفا الذي شكّل ركنا أساسيا في النشاط المسرحي بعشرات المسرحيات التي قدّمها، واهتم بشكل خاص بتقديم المسرحيات لطلاب المدارس إضافة إلى المسرحيات الأخرى. و "المسرح الناهض" الذي تأسس عام 1967 وكان المُخرج أديب جهشان من مؤسسيه الرئيسيين ومعه رضا عزام ويوسف عبد النور، وساهم في التمثيل العشرات من الممثلات والممثلين مثل مكرم خوري وسليم ضو وفريال خشيبون وحبيب خشيبون وسميه زهر عبود ولطف نويصر وحسن شحادة ومروان عوكل وعادل غريب وروزا جهشان. كما تأسس في حيفا "المسرح الحر" سنة 1971 وعرض مسرحية "زغرودة الأرض" لسهيل أبو نوّاره وإخراج أنطوان صالح وشارك في التمثيل: يوسف فرح وبشرى قرمان وجورج ناصر ويوسف عبد النور وغادة يوسف وهبة ومصلح فرح وبشارة وهبه وسمير البيم.

كما أقيمت في مدينة شفاعمرو العديد من المسارح التي قدّمت العروض المسرحية العديدة منها: المسرح الثائر ومسرح آذار ومسرح أبناء شفاعمرو والمسرح الشعبي ومسرح بيت الشبيبة والمسرح البلدي والمسرح الحديث ومسرح الغربال ومسرح مؤسسة الأفق ومسرح العندليب. ومن شفاعمرو كان المخرجون والممثلون رياض خطيب سعيد سلامة وزيدان سلامة ومحمود صبح وعفيف شليوط ومروان عوكل.

والمسرح الحديث في الناصرة الذي تأسس سنة 1965وقدّم العديد من المسرحيات من إخراج أنطوان صالح وجوزيف أشقر وصبحي داموني وإدوار شرش. والمسرح الشعبي في الناصرة سنة 1967 أقامه صبحي داموني وشارك في العمل فيه طارق قبطي وإبكار حداد ويوسف فرح وأديب جهشان. ثم تأسّس مسرح "بيت الصّداقة" بمبادرة رياض مصاروه وقدم العشرات من العروض المسرحية أهمها "رجال في الشمس" و " الأعمى والأطرش" لغسان كنفاني وعمل فيه العشرات من الممثلات والممثلين المعروفين.

وفي يافا بادر المُخرج أديب جهشان بإقامة مسرح "السرايا "سنة 1998وقد عرض عدّة مسرحيات مهمّة، كما اهتم بتقديم المسرحيات للأطفال، ومن الممثلين الذين شاركوا في العروض نورمان عيسى وميرا عوض وفاتن خوري وعماد جبارين وروضة سليمان وخولة دبسي وعلي سليمان.

وفي أم الفحم كان النشاط المسرحي مُهما ومُؤثِّرا، وظهر العديد من الممثلين والممثلات والمُخرجين. ومن المسارح المهمة كان "مسرح ديوان اللجون" أنشأه الممثل غسان عباس سنة 2000.

في هذا الكتاب تناولتُ نماذج مُتميّزة من الكتابات المسرحيّة النثريّة، ووقفتُ عند بعض العُروض المسرحيّة الهامّة، اخترتُ أن تكون موزّعة على فترات زمنية مُتباعدة منذ سبعينات القرن الماضي حتى السنوات الأخيرة، وقصدتُ أن أضيفَ دراستي عن مسرحيّة "الاغتصاب" لسعد الله ونّوس لتميّزها وقوّتها وعُمقها وتأثيرها لتكون نموذجا للمسرحيّة المَرجوّة، كذلك ما كتبتُه حول مسرحية "باب الحارة" لما أثارته من اهتمام جماهير وفئات مختلفة ومن كل الأجيال ودَفْعهم  للحنين إلى الماضي وبَعْث الكثير من الأفكار والعادات والتّقاليد والمَفاهيم التي كانت ورأيت في ذلك انحرافا سيّئا في تنشئة أبنائنا وإبْعادا للناس بكل تنوّعاتهم عن تبَنّي المواقف الإيجابية والبحث عن المواضيع التي ترفع من شأن ومَكانة إنساننا العربي. وقد اختلفت الآراء حول ما كتبتُ ما بين المُنتقد والغاضب والمُؤيّد المُتحمِّس.

***

د. نبيه القاسم

...................

* نصّ المُقدّمة التي كتبتُها لكتابي "مُقاربات مسرحيّة في نقد المَسرح الفلسطيني المحلّي" الصّادر عن "دار راية للنشر.

من أمتع ما يمارسه الباحث الأصولى، فكرة اللهجات ودراستها ومحاولة فض مكنونها، واستبصار الفارق بين اللهجة واللغة. وكذا هى متعة رائقة للقارىء العادى أو المتخصص، إذن هى متعة مزدوجة، علم مغلف بالاستمتاع وشغف المعرفة. وفكرة اللهجات ليست قاصرة على العربية كما يخال البعض، لغات الأرض جميعًا كل لغة ولها لهجاتها، تجد ذلك على سبيل المثال فى الإنجليزية، فلهجة الأمريكى غير لهجة البريطانى فى الاستعمال، وكذا بقية الشعوب التى تتحدث الإنجليزية، مع أن اللغة واحدة، إلا أن لكل أمة لهجتها فى استعمال اللغة.

مفهوم اللهجة ومفهوم اللغة

اللهجة هى: اختلافات صوتية أو صرفية أو دلالية عند أداء الألفاظ فى بيئة معينة أو زمن معين. وهذا هو التعريف الذى نجتهد فى الوصول إليه ونقدمه للقارىء. وتعريفات اللهجات تجدها تحوم فى هذا المعنى، حتى عند الغرب، فنجد على سبيل المثال قاموس أكسفورد، يعرِّفها بأنها: طريقة التحدث أو الكلام المميزة لشخص أو فئة معينة [قاموس أوكسفورد].

واللهجة تنطق بإسكان الهاء أو بفتحها، فتقول: لهْجة أو لهَجة. وسميت اللهجة بهذا الاسم، لأنها مأخوذة من " لهَج" أى امتص، فيقال: لهج الفصيل ضرع أمه أى امتصه. ولأن الإنسان يمتص الكلام والدلالات والتراكيب التى تجرى على لسانه من بيئته المحيطة، صار ذلك " لهجة ".

أما اللغة فقد دأب السابق واللاحق على توارث مفهومها، بأنها رموز وعلامات صوتية يتواصل بها أفراد الجماعة فيما بينهم. وقد تعددت مفاهيم اللغة، إلا أن هذا هو الشائع. واللغة من " لغا " أى تكلم . واللغة خلاف اللغو الذى هو باطل القول أو الإثم.

إذن اللغة تواصل لسانى واللهجة أيضـًا تواصل لسانى، فما الفرق إذن بين اللغة واللهجة؟

اللغة هى الأم واللهجات هى المتفرعات منها مع حدوث اختلافات ناشئة فى اللهجات تختلف فيها مع اللغة الأم فى طريقة نطق الكلمة أو بنية حروفها أو دلالتها، وهو اختلاف مشروع، اللغة نفسها سمحت به، وهذا ما سنعرفه، بل نعطيك نبذة الآن، فالدليل الأول على سماح اللغة بهذه الاختلافات والتميزات، هو نزول القرآن الكريم بلسان عربى مبين يحتوى كل لهجات العرب الفصيحة فى انسجام تام. الدليل على ذلك أيضًا هو نزول القرآن على سبعة أحرف، أى القراءات المتواترة التى أقرها النبى ﷺ، فترى الآية تـُقرأ بكذا طريقة وكلها صواب رغم الاختلاف بين القرائتين أو أكثر من قراءة.

العرب كانوا قديمًا لا يفرقون فى الاصطلاح بين اللغة واللهجة

العرب قديمًا كانوا يعرفون جيدًا الفرق بين اللغة واللهجة، وهم أول من تناول هذه الفروق. إلا أنهم من حيث الاصطلاح لم يفرقوا بين اللغة واللهجة، فتراهم يقولون اللغة وهم يريدون اللهجة. ومن ذلك قولهم: لغة قريش، لغة تميم، لغة هذيل، وهم يقصدون لهجة قريش ولهجة تميم ولهجة هذيل، تجد ذلك فى مؤلفات اللغويين الأوائل والقواميس والمعاجم الأولى وعند شراح الدواوين الشعرية حين يتعرضون لمسألة لغوية .

من هنا يتضح جيدًا فهمهم العميق للهجات والفرق بينها واللغة الأم، إلا أنهم لم يكونوا قد توصلوا بعد لاستعمال كلمة " لهجة " فى موضعها الاصطلاحى المناسب، وكذا كانوا يعبرون بكلمة " اللسان " وهم يقصدون بها اللغة أو اللهجة. فاستقرار كلمة لهجة فى موضعها والتفريق الاصطلاحى بينها واللغة هو حديث نسبيًا.

متى نشأت اللهجات إذن؟

اللهجات قديمة قِدَم اللغة، ما إن تتفرق الجماعة إلى قبائل حتى تشق كل قبيلة لنفسها لهجتها. والدليل على قِدَم اللهجات، هو اكتشاف لهجة طسم وجديس، وهما قبيلتان عربيتان من القبائل البائدة، تم الوصول إلى ذلك من النقوش المعثور عليها، فاللغة عربية، ولكن ثمة اختلافات لهجية بين القبيلتين.

وبعد ذلك نجد لهجة مَعِين واللهجة السبأية ولهجة حِمْيَر القديمة واللهجة الحضرمية، كل ذلك توصل إليه الباحثون بالدليل العلمى من النقوش والمخربشات والآثار التى عُثر عليها فى شبه الجزيرة العربية ومحيطها . ثم تتوالى الأزمنة وتتابع اللهجات المختلفة حتى عصرنا الحالى، ولا شك إذن بالمنطق والقياس العلمى أن المستقبل سيشهد لهجات أخرى جديدة .

نماذج للهجات

1 - كلمة الصقر، هى فى اللغة صقر ومن توافقت لهجاتهم مع الأصل اللغوى يقولونها صقر. ولكن تجدها فى لهجات " سقر " وأخرى " زقر " . فمن ذلك أن اختلف أعرابيان فى الصقر، فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين، فاحتكما إلى أول قادم عليهما، فقال: لا أقول كما قلتما، ولكنى أقول: الزقر. إذن كلمة الصقر فيها ثلاث لهجات: صقر، سقر، زقر. وعند القدماء كانوا يقولون فيها ثلاث لغات وهم يقصدون لهجات، كما بينا.

2 - كلمة " وثب " فى لهجات تعنى القفز، وفى لهجة حمير تعنى " الجلوس " . ومن ذلك رُوى أن زيد بن عبدالله بن دارم الحجازى، دخل على ملك حمير فى مدينة ظفار، فقال له الملك: ثِبْ، أى اجلس، فى لسان حمير. ففهمها الحجازى على مقتضى لغته هو، فقفز على الكرسى، فوقع واندقت رجلاه. فسأل الملك عن ذلك الفعل الذى فعله، فأخبروه أنه فهم " ثب " بلغة أهل الحجاز لا حِميَر.

3 - الهجرس تعنى القرد عند أهل الحجاز، وتعنى الثعلب عند تميم.

4 - كلمة " رَغيف " بفتح الراء، تنطقها تميم " رغيف " بكسر الراء، وهو ما عليه لهجات عامية كثيرة الآن، فهى تنطق لهجة تميم وهى لهجة فصيحة دون أن يعرفوا أنهم ينطقون بلهجة عربية فصيحة، هى لهجة تميم.

5 - همزة " إمَّا " مكسورة، أما فى قيس وتميم وأسد يفتحون الهمزة، فتكون " أمَّا "، ومن ذلك قول الشاعر:

ياليتما أمنا شالت نعامتها أمَّا إلى جنة أمَّا إلى نار

وهذا استعمال أيضًا فى لهجات عامية عديدة الآن، فيظنون أنها عامية، ولكنها لهجة عربية فصيحة.

6 - " هُوَ " " هِىَ " بفتح الواو وفتح الياء. أما قيس فتسكنها " هُوْ " " هِىْ "، ولهجات أخرى تسكن الهاء وتفتح الواو إن سبقها ما يسمح بذلك كحرف عطف، فيقولون: وهْوَ - وهْىَ . وفيهما لهجة ثالثة بالتشديد: هُوَّ - هِىَّ، وتلك لهجة همدان. وهذا ما عليه أيضًا بعض اللهجات العامية الآن، فهى تنطق على وجه من أوجه الفصحى وهم لا يعلمون.

7 - " حتى " تقولها هذيل " عتى " فيبدلون الحاء عينـًا، ومن ذلك قرأ سيدنا عبد الله بن مسعود {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}[يوسف/35]، {لَيَسْجُنُنَّهُ عَتَّى حِينٍ} .

8 - " الذين " تلزم هذه الصورة فى كل الحالات الإعرابية فهى مبنية، أما هذيل وعقيل يعربونها بعلامات إعراب جمع المذكر السالم، فيرفعونها بالواو " اللذون "، ومن ذلك قول الشاعر:

نحن اللذون صبحوا الصباحا يوم النخيل غارة ملحاحا .

9 - حرف الجر " مِن "، خثعم وزبيد من قبائل اليمن يحذفون نونها، فيقولون" جئت م البيت، ومن ذلك قول الشاعر:

أبلغ أبا دختنوس مألكة غير الذى قد يقال م الكذب

يقصد" من الكذب"، والمألكة أى الرسالة. ونلاحظ أن هذا الحذف يتفق تمامًا مع كثير من لهجاتنا اليوم التى نظن أنها عامية مقطوعة عن الفصحى، فى حين أنها لهجة عامية ذات أصول فصيحة كما تبينا نفس السمة فى بعض المواضع السابقة.

10 - لغة القصر، وهى تعنى لزوم المثنى بالألف فى كل الحالات الإعرابية، وتعرب الكلمة بعلامات مقدرة. فتقول: مررت برجلان، إن الرجلان عظيمان، الرجلان فاضلان. ومن ذلك قوله تعالى {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}[طه/63]. إذ أعرب نفر من النحويين " هذان " على أنها اسم إنْ المخففة منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على لغة القصر، أى لهجة القصر. وسميت بلغة القصر لأن الاسم المقصور يلزم العلامات المقدرة دائمًا. فأجروا المثنى فى العلامات الإعرابية كأنه اسم مقصور.

أردنا التنويع فى هذه النماذج لتحقق ما قلناه فى تعريف اللهجات أنها اختلافات صوتية أو صرفية أو دلالية. فهذه النماذج توزعت فيها الاختلافات بين صوتية وصرفية ودلالية. ولعله بعد عرض هذه النماذج، قد اتضح أكثر وأكثر الفرق بين اللهجة واللغة. وقد رأينا بالتطبيق العملى كيف تكون هذه الاختلافات بين اللهجة واللغة.

والآن ألا يحق لك أن تسأل فى تراتب منطقى، قائلا: ما السبب إذن فى نشأة اللهجات ؟ لماذا هذه الاختلافات، ولماذا لمْ تظل الجماعات اللغوية على لغة واحدة؟ نقول: من أبرز أسباب نشأة اللهجات:

1 - العامل الجغرافى

وهو توزع الأفراد على دول مختلفة، وداخل الدولة الواحدة توزعهم على بلاد مختلفة، فداخل الدولة الواحدة تجد العديد من اللهجات.

2 - العامل البيئى

تجد الذين يعيشون فى بيئة زراعية لهم لهجتهم، والذين يعيشون فى المدن لهم لهجتهم، وسكان البيئات الصحراوية أو التى يغلب عليها الطابع الصحراوى لهم لهجتهم.

3 - اختلاف الطبائع والأيدلوجيات والثقافات.

4 - التطور والامتداد الزمنى

ذلك بما يصحبه من تغيرات على كافة الأصعدة، ولاسيما التطورات الحضارية التكنولوجية، والذى نلاحظه بلا شك هو مدى أثر هذا التطور الزمنى والتكنولوجى فى اللهجات المختلفة، حيث ظهور ألفاظ جديدة، دلالات جديدة، تراكيب جديدة. وتوارى ألفاظ أخرى وهيئات فى النطق ودلالات تغيب عن المشهد الكلامى. ومثال ذلك تجد على سبيل المثال: نفسبك أى الجلوس على الفيس بوك، ننتت: نجلس على النت، متفيرس: أى مصاب بمرض وأصبحت تطلق على الإنسان لا الحوسبيات وأجهزة الاتصالات فقط. مهنج/ فاصل: أى ليس لديه القدرة على فعل شىء، وغير ذلك كثير.

5 - التقليد أو التأثر

قد تروق لجماعة لغوية أو لواحد فى هذه الجماعة، لفظة سمعها من خارج بيئته أو طريقة كلامية أو هيئة نطق، فيقلدها. ثم تتكرر ويترامى استخدامها على الأسماع فتصير من مكونات لهجة هذه الجماعة. أو قد يعيش واحد أو مجموعة صغيرة داخل بيئة فيتكلمون بلهجتهم بين أفراد هذه البيئة فيؤثرون فيهم ويتأثرون بهم. إن اللغات مثلما عرفت ظاهرة الاقتراض اللغوى بين اللغات، فكذلك اللهجات تعرف أيضًا ظاهرة الاقتراض، فاللهجات تقترض من بعضها.

6 - التقدم أو ضده حيث الانحطاط القيمى والأخلاقى

التقدم القيمى والأخلاقى، ونقيضه الانحطاط القيمى والأخلاقى، لا شك هو أحد العوامل البارزة فى نشوء لهجات جديدة " بهيئة نطق أو دلالات أو ألفاظ أو تراكيب " . كنا قديمًا نسمع " نهارك سعيد ". الآن " صباحو قشطة ". تجد المنحرفين أخلاقيًا لهم هيئة معينة فى نطق الكلام، وتجد أصحاب الفضيلة لهم هيئة معينة فى نطق الكلمة، كل ذلك أنت تلاحظه فى حياتك اليومية.

العلاقة بين ثنائية سوسير واللهجات

مفاد نظرية " دى سوسير " الشهيرة التى عُرفت بالثنائية السوسرية، أنه فرَّق لغويًا بين اللغة والكلام. اللغة هى الالتزام بالقواعد والنظام الصوتى والدلالى. أما الكلام فهو الخروج عن هذا الالتزام، هو الكلام العادى الذى نمارسه فى حياتنا اليومية دون التزام بقواعد اللغة.

يمكننا إذن بعبارة أخرى أن نقول إن المرادف فى لغتنا لهذه النظرية " اللغة والكلام "، هو أن نقول " الفصحى والعامية" . ومن الرائق فى إطار حديثنا عن اللهجات أن نلتقط علاقة بين ثنائية سوسير واللهجات، ولعلنا قبضنا على طرف منها بعدما تعرفنا مفاد نظرية سوسير. فحين نقول اللغة والكلام أو مرادفها عندنا " الفصحى والعامية "، فإننا تعرَّفنا بذلك أن الشق الثانى من هذه النظرية وهو " الكلام أو العامية " هو متعلق أصيل باللهجات، فى أنها اشتقت لنفسها نظامًا مخصوصًا يخصها عن اللغة الأم.

هل اللهجات عيبًا أو لحنـًا؟

هذا آخر ما نود أن نختم به حديثنا، أن نكشف أن اللهجات ليست عيبًا أو لحنـًا فى اللغة. ولعله مما سبق قد تبينا ذلك جيدًا بما لا يدع مجالا للشك. وقد سبق أن ذكرنا أن الاختلافات الناشئة فى اللهجات عن اللغة الأم، هى اختلافات مشروعة، وقد أقرتها اللغة الأم. وقدمنا خير دليلين على ذلك، وهما:

أ - ضم القرآن الكريم فى انسجام تام للعديد من اللهجات العربية الفصيحة.

ب - القراءات السبع المتواترة خير مؤيد للإقرار بمشروعية اللهجات، والأمثلة كثيرة، ومنها {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}[ يوسف/17] فتـُقرأ {فأكله الذيب}. وقوله تعالى {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}[يوسف/23] فتـُقرأ {هِيتَ لك - هَيتُ لك- هِئتُ لك} . وقد مر بنا {إنا أعطيناك الكوثر - إنا أنطيناك الكوثر}، {حتى حين- عَتـَّى حين}، وغير ذلك مما هو قائم فى أصله وأساسه على اللهجات.

وحكمة جليلة فى ذلك أن القرآن راعى كل هذه اللهجات لتسهل قراءة القرآن والتعبد به على الجميع، فلا يشق على أحد. ولماذا هذه السبع مع أن اللهجات كثيرة؟ هذه السبع هى التى فى كل واحدة منها تجد سهولة على العديد من أصحاب اللهجات، فكل أصحاب مجموعة لهجات تجد لنفسها قراءة من السبع تسهل عليها. وبذلك وجد الجميع السهولة فى هذه القراءة، فكل مجموع لهجات وجد بُغيته فى قراءة من القراءات.

ج - النبى ﷺ، كان يخاطب القبائل، كل قبيلة بلهجتها لتفهم وتعى ويصلها المراد بلا مشقة. ومن ذلك أحاديث تتفق مع لهجات هذه القبائل. ومنها ما ورد للقبيلة التى تبدل أداة التعريف" ال " فتجعلها " ام "، فبدلا من الشجر تقول: امشجر. والحديث الشهير هو (ليس من البر الصوم فى السفر)، فحين خاطبهم النبى ﷺ بلهجتهم، قال (ليس من امبر امصوم فى امسفر) [مسند الإمام أحمد- ج5 - ح434] .

د - اللهجات العامية فى عدد وافر من ألفاظها، هى فى الأصل كما مر بنا ألفاظ عربية فصيحة، فالعامية نحا لسانها فى كثير من الألفاظ منحى لهجات عربية فصيحة، أو أنها ورثتها، ونحن نتداولها ولا نعلم تلك الحقيقة.

و- قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ}[الروم/22] . اختلاف ألسنتكم ليس فى اللغات فحسب، بل فى اللهجات أيضًا داخل اللغة الواحدة، أن تكون اللغة واحدة وفيها اختلاف ألسن. فسبحان الخالق القدير الذى وهب الإنسان اللسان يشكره وينطق بسحر البيان.

***

د. أيمن عيسى - مصر

............................

مصادر ومراجع أفادت منها الدراسة

1 - أصول تراثية فى اللسانيات الحديثة- د / كريم حسام الدين - مكتبة النهضة المصرية- ط3/ 2001م.

2 - الجاسوس على القاموس - أحمد فارس- مطبعة الجوائب - 1883م.

3 - حياة اللغة العربية - الشيخ/ محمد الخضر حسين - مجمع البحوث الإسلامية - 1444هـ.

4 - الخصائص - ابن جنى - تحقيق/ محمد على النجار - المكتبة العلمية - 1957م.

5 - الفسر - ابن جنى - تحقيق د / رضا رجب - دار الينابيع - دمشق - 2001م.

6 - اللهجات العربية - د/ إبراهيم محمد نجا- مطبعة السعادة - 1972م.

7 - ما اللغة - د / فتح الله سليمان- الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2021م.

8 - محاضرات فى اللهجات العربية - د / عبد الحميد محمد أبو سكين - مطبعة الأمانة - 1974م.

9 - المزهر فى علوم اللغة العربية - جلال الدين السيوطى - تحقيق/ محمد جاد المولى وآخرون - مطبعة عيسى البابى الحلبى - دت.

10 - مسند الإمام أحمد - مؤسسة الرسالة - 1996م.

"ليلى إلهان"، شاعرة يمنيّة – عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين – عضو نادي القصة اليمني (المقة) – صدر لها:

1- فاتحة القصيدة – 2- القمر الذي كرغيف السكر – 3- قليلاً ما أكون – 4- أنا وكأني خارج الخدمة – 5- دون سابق حب – 6 – كأنك زهر الكولونيا -7- شارع سبعة – 8- غزل- 9- ظلال لا تطير.

حصلت على جائزة الدولة للشباب في فن الشعر اليمني – وجائزة الدكتور عبد العزيز المقالح للإبداع الأدبي –حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون –

ترجم لها آفاق لبنان بعض النصوص للغة الانكليزية في ملف خاص بالأدب اليمني المعاصر –

نشرت الكثير من نصوصها الابداعيّة في الصحف اليمنية والعربيّة.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة:

الضياع والفقد والغربة ويباس الروح، وتلاشي الفرح وحضور الألم وتصحر الأحلام، والآمال في البحث عن فتح ألف باب قد أغلقت في وجوهنا في زمن اللامعقول.

"ليلى الهان". في قصيدتها (ريح كفيفة) تقدم لنا هذه اللوحة المأساويّة في عالم فقد انسانيته، وتحولت الألوان كلها فيه إلى لون رمادي وكأنه أبواب سجن من حديد قد أغلقت علينا ورحنا نبحث عن مخرج أو مخارج لكل مظاهر حياتنا.. لم تعد نسائم الفرح وما تحمله من عبق الحياة تمر بنا وتحولت إلى (ريح كفيفة) تعصف بكل ما يضللنا من أمن وسعادة، بل وتقتلع كل أزهار فرحنا ومواعيد الحب بين المحبين والعاشقين. تقول "ليلى":

ريح كفيفة تلتهم

مظلاتنا،

أزهارنا،

والمواعيد الغرامية المهزومة.

"ريح كفيفة" حملت معها القتل والدمار وغربة الأحبة، فتلاشت تلويحاتنا الجميلة المشبعة بالحب والوداد، وتلاشت معها حتى تلويحاتنا (الغريبة) لأناس لم يعودوا في قائمة الأصدقاء. ثم تقول:

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

لأناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

"ريح كثيفة" تطرزت باللون الرمادي لمعطف من تناجيه الشاعرة، وهي تريد من اللون الرمادي ذاك اللون غير الثابت في دلالاته، والذي يراد منه هنا تعبيراً عن تلك المعاناة والشقاء الذي حل في وطنها أو العالم الذي يحيط بها وغابت عنه كل مسارات الفرح والسعادة، وحتى ما تبقى من أفراحه وجماليّة حضوره التي كانت تؤنسها وتفرح بها كعلامات فارقة في حياتها، أصبحت مليئة بالصر والسلوان. تقول "ليلى"

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

"ريح كفيفة" تحولت بكل ما حملته لنا من قهر وعذاب وتشرد وفقد، راحت هي ذاتها ترأف بحالنا وتبحث لنا عن أيّة وسيلة لفتح أبواب للنجاة تُفرج عن كل الأسرار المحبوسة الحزينة المتأرجحة فيها.. لقد ضاقت تلك الريح العمياء بتلك الرزايا التي عصفت بنا.. ضاقت من شدّة ما قاسينا متمنية أن نجد مخرجاً لمآسينا كي نعود نحلق من جديد كسرب بوح، أو سرب فرح، في وطن تسوده الحريّة والعداة والمساوة وكسر عضد كل ما ساهم في شقائنا. تقول الشاعرة: ليلى الهان:

ريح كفيفة

تبحث عن مقبض

لتفتح كل الأسرار

المتأرجحة في قلوبنا

الحبيسة الحزينة،

تريد أن يفتح لها ألف

باب

كي تحلق كسرب بوح طليق.

البنية الفكرية للقصيدة:

لم تعد اليمن السعيدة، سعيدة شأنها شأن الكثير من الدول العربيّة التي نالها القهر والاستبداد والصراعات الطبقيّة والحروب الأهليّة المشبعة بالطائفيّة والقبليّة، هذه الحروب التي أوجدت كل هذا القهر والدمار والغربة الروحيّة والجسديّة لتحقيق مصالح أنانيّة فرديّة كانت أو جماعيّة، فحطمت كل ما هو جميل في حياة هذه الشعوب، وأوصلتهم إلى ما هم فيه من عذاب كما جاء في متن القصيدة.

البنية الفنيّة أو الشكليّة في القصيدة:

أهمية قصيدة النثر:

إن قصيدة النثر أو الشعر المنثور هي قطعة نثر، غير موزونة، وتأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الابيات وأحياناً تكون غير مقفاه، تحمل صورًا ومعانٍ شاعريّة، أغلبها يشكل موضوعاً واحداً.

ويمكننا القول أيضاً إنّ قصيدة النثر، هي ذلك الشكل الفنيّ الذي يسعى إلى التخلّص من قيود نظام العروض في الشعر العربيّ، والتحرّر من الالتزام بالقواعد الموروثة من القصائد التقليديّة، وبناءً على ذلك، فقد عرفّها بعض الأدباء بأنّها عبارة عن نصّ تهجيني يمتاز بانفتاحه على الشعر والسرد والنثر الفني، ويتسم بافتقاره للبنية الصوتيّة ذات التنظيم، إلا أنّ له إيقاعاً داخليّاً منفرداً بعدم انتظامه.

ومن أهم خصائص قصيدة النثر، 1- خلوّها من الوزن والقافية. 2- 3- هذا ويسود السكون نهايات الجمل والسطور والمقاطع في قصيدة النثر4- وبالتالي إمكانيّة قراءة مفردات القصيدة الداخليّة دون الالتزام بالحركات، أي تعميم السكون على كامل القصيدة. 5- كما يتجلى الغموض في القصيدة وصعوبة الفهم والتفسير بشكل مطلق. وبالتالي هي مفتوحة الدلالات أمام المتلقي، لذلك وصفت بإسفنجيّة البناء والتركيب.

إن ما يميز قصيدة النثر في الشعر الحديث، هو أن الشاعر الحداثي يمارس حريته في القول بعيدًا عن أي سلطة خارجيّة تُملي عليه طريقة الكتابة والتعبير، سواء كانت سلطة المجتمع أو الدين أو اللغة أو التراث، لتخرج لنا تجارب ملهمة عبر التجريب الشعري الذي يصنع هويّة جديدة للشعر، حيث تصبح القصيدة مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن ثم يصبح الشعر مفتوحًا للمتلقي على التأويل والتفسير والقراءات المتعددة.

وبناء على ذلك جاءت قصيدة " ريح كفيفة" مفتوحة على كل الدلالات، حيث مارست فيها الشاعرة "ليلى" حريةً في القول، بعيدًا عن أي سلطة خارجيّة تُملي عليها طريقة الكتابة والتعبير، سواء كانت سلطة المجتمع أو الدين أو اللغة أو التراث، لتخرج لنا تجربة ملهمة عبر التجريب الشعري الذي يصنع هويّة جديدة للشعر، حيث تصبح القصيدة كما أشرنا أعلاه مفتوحة على كل الاحتمالات، أي يصبح الشعر مفتوحًا للمتلقي على التأويل والتفسير والقراءة.

البنية السيمائية للعنوان:

"ريح كفيفة" يحمل العون في مضمونه دلالات واسعة عن عمق المآسي التي تمر بالفرد او المجتمع، فالريح يرافقها العصف الشديد الذي يقتلع كل شيء أمامه، فكيف إذا كانت هذه الريح كفيفة، فهي هنا أشبه بالتسونامي في قوته وجبروته.

"التّعبير" و"العبور" في القصيدة:

إذا كان (التّعبير) في الشعر يتمّ في يقظة الحواسّ، نتيجة لاستحضار الموجودات بهذه الحواس ذاتها، فإن (العبور) يتمّ بالرؤيا المجرّدة والتخيل، من هنا فـ (التّعبير) يقتضي يقظة الحسّ، وعند غياب هذه اليقظة، يتمّ (العبور) عبر التّخيُّل والرّؤيا المجرّدة حيث تقول الشاعرة:

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

أناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

*

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

هنا كما يتبين معنا يغيب الاحساس المباشر بالأشياء عند الشاعرة "ليلى" ويبقى التخيل للأحداث التي تعبر عنها القصيدة غارقة في خيال الشاعرة، لترسم من هذا الخيال عوالم لأشياء تجعل المتلقي يلهث وراء كشف أسرارها وهذا ما منح القصيدة غموضاً في التقاط الدلالات الحقيقية للحدث سنبينه بعد قليل.

التجريد في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعرة "ليلى الهان " من خلال قدرتها على التجريد، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أي التعبير عما هو موجود وراءها أو في جوهرها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد، وكأنّ الشاعر المصوِّر المبدِع، يصوِّر عبر رموزه وإشاراته ما يتمناه لكي يمحو "الصّورة" الحقيقية التي يريد البوح بها وإيصالها إلى المتلقي عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه تقول:

(ريح كفيفة.... والمواعيد الغراميّة المهزومة... ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي، بشاماتك أسفل أصابعي...

الغموض في القصيدة

إن الشاعر المبدع أو الأديب بشكل عام، هو من يستطيع أن يتجاوز المباشرة في التعبير ليجعل ما يراه حسيّاً، ليس إلا عتبة لما لا يراه، ولا يُعنَى في بوحه هنا بالصّورة زخرفاً وشكلاً، وإنّما يُعنَى من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى. ولا تكمن أهميّة الصّورة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما وباباً يقود الناظر إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات أو في الطّبيعة. كقول الشاعرة: (ريح كفيفة... أو تلتهم مظلاتنا... أو ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي.. هذا إضافة إلى استخدامها الرمز في هذه القصيدة الأمر الذي عمق في غموضها عند المتلقي. فاستخدامها لمفردات مثل: ريح.. كفيفة.. اللون الرمادي.. شاماتك ..مظلاتنا.. المعطف.. مقبض. فكل مفردة هنا تحمل دلالات كنا قد أشرنا إلى دلالاتها من خلال السياق العام في نقدنا للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة.

إن نص قصيدة "ريح كفيفة" يظل عند المتلقي مفتوحاً في دلالاته، بناءً على ثقافة المتلقي ودرجة اهتمامه بالنص، وعلى هذا الأساس يتفاعل المتلقي مع النّصّ ويمارس إحساساً شخصيّاً وثقافة خاصّة تُوجِّه متعته وفهمه في إطار منظور خاصّ به.

الصورة في القصيدة

يعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في الأداء أو التعبير من جهة، ومن جهة أخرى تعد مقياساً فنيّاً وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة والتخيليّة، التي تجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل.

لقد شكلت الصورة عنصرًا بارزًا ومهمًّا في هذا النص الشعري، إذ لجأت الأديبة "ليلى الهان" إلى تغليف أفكار النص وتثبيتها في نفس وذهنية القارئ بالصور التخيليّة، المشبعة بالعبور والغموض معاً. وهذا ما أيقظ العواطف والعقل معاً عند المتلقي، من لغتها التصويريّة. لقد كانت الشاعرة أكثر قدرة على التعبير في بوحها من التقرير. وبالتالي كلما كان الأدب تعبيريًّا كانت الصور هي التي تتشكل في ذهن القارئ. أما حين يكون الأدب تقريريًّا فإن الأفكار تطغى على الصور.

لقد جاءت الصورة عندها جزئيّة ومباشرة ومشبعة بمفردات البلاغة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز في قولها: (ريح كفيفة تلتهم مظلاتنا، أزهارنا،... وفي قولها ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي، بشاماتك أسفل أصابعي، بضحكتك المليئة بالصبر والسلوان).

ولكون الشاعرة استطاعت أن تجعل من تراسل صورها حكاية أو اقصوصة قهر وظلم وفقد وغربة، فقد أَلَفَتْ هذه الصور الجزئيّة مع بعضها نسيجاً حيّاً من الدلالات المتكاملة والمترابطة ليس مع بعضها فحسب، بل ومع مكونات وخلجات الشاعرة النفسيّة والفكريّة أيضاً لتصبح في الغالب صوراً جديدةً من نسج جديد، يتراءى فيها عالم الشاعرة الداخلي وارتباطه بعالمها الخارجي، الذي تدفقت عواطفها وأحاسيسها نحوه دون حساب من أجل الارتقاء به وتجاوز محنته.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، ومن ثمة صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة بوصفها مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثله قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة " ريح كفيفة" للشاعرة "ليلى اليان: لقد استطاعت عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري، أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (ريح كفيفة تبحث عن مقبض لتفتح كل الأسرار المتأرجحة في قلوبنا الحبيسة الحزينة، تريد أن يفتح لها ألف باب كي تحلق كسرب بوح طليق).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الصور بكل جماليتها ومصداقيتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك خوالج الروح والجسد معا. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

اللغة في القصيدة:

لقد توشحت لغة القصيدة بالسماحة والسهولة والترابط والسبك والغموض في الدلالة. والأهم أنها كانت لغةً فصيحةً بسيطةً في الظاهر، بيد أنها ليست لغة تقريريّة. إن حسن اللفظ في القصيدة حقق إلى جانب كل سماتها التي أشرنا إليها، رنتها الموسيقية اللذيذة في الأذن أيضاً، فكانت اللفظة الواحدة منسجمة مع بقية أجزاء الكلام، وهنا يكمن سر غرابة السبك وبراعة الصياغة وفن التعبير.

ملاك القول:

نحن أمام نص شعري معقد يجنح نحو العقل أكثر من جنوحه نحو العاطف، وهذا ما يجعل المتلقي يقف كثيرا أمام كل مفردة أو عبارة وردت فيه، يبحث عن دلالات في رموزه وبنيته السرديّة بشكل عام.

مثلما نحن أمام شاعرة متمكنة من حرفتها .. مبدعة في التعبير عن عمق أحاسيسها الداخليّة وخلجات هذه الأحاسيس والعقل معاَ، وبالتالي قدرتها على نقل هذه الأحاسيس والمشاعر إلى المتلقي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

............................

ريح كفيفة

ليلى الهان - شاعرة من اليمن

ريح كفيفة تلتهم

مظلاتنا،

أزهارنا،

والمواعيد الغرامية المهزومة.

...

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

أناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

.....

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

،،،

ريح كفيفة

تبحث عن مقبض

لتفتح كل الأسرار

المتأرجحة في قلوبنا

الحبيسة الحزينة،

تريد أن يفتح لها ألف

باب

كي تحلق كسرب بوح طليق.

 

دراسة نقدية نفسية – بلاغية في قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي

تندرج قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي ضمن أفق الغزل العربي الكلاسيكي، غير أنّها لا تقيم فيه بوصفه مأوى نهائياً، بل تتخذه معبراً لإنتاج خطاب شعري مشحون بطاقة نفسية وإيروتيكية عالية، يتشابك فيها العشق بالوجع، والتلذّذ بالألم، والجسد باللغة، في بنية دلالية مركّبة تتجاوز الوظيفة الغزلية التقليدية.

إننا إزاء نص لا يُقرأ باعتباره تعبيراً عن حالة وجدانية فحسب، بل بوصفه مشهداً نفسياً–جسدياً تُفصح فيه الذات الأنثوية عن وعي عميق بجسدها، وبالرغبة، وباللغة كأداة تعويض، وكساحة صراع بين القيم الموروثة والانجذاب الحسي.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تكاملية، تمزج بين التحليل النفسي الإيروتيكي والتحليل البلاغي والإيقاعي، للكشف عن آليات الرغبة، وبنية الألم المختار، ووظيفة الصورة، ومكانة التراث العروضي بوصفه حاملاً لا قيدًا.

أولًا: البنية النفسية للذات العاشقة

1. الحب بوصفه احتراقًا داخليًا

منذ المطلع:

"أَضْرَمْتُ قلبي كي يلوذَ بدفئِهِ"

تضع الشاعرة القارئ أمام مفارقة نفسية دقيقة: الاحتراق بوصفه ملاذاً. فالذات لا تطلب الدفء من الخارج، بل تحرق ذاتها لتستدفئ بها، في صورة تعكس وعيًا مأساويًا بالحب بوصفه فعل إيذاء ذاتي واعٍ.

نفسيًا، نحن أمام ذات لا ترى في الحب خلاصًا، بل قدرًا داخليًا، حيث الألم ليس عارضًا، بل شرطًا للمعنى.

2. اللذة بوصفها ألمًا مختارًا

يتكرّر في القصيدة معجم الجرح، السُّقم، القتل الرمزي، والدمع، ما يحيل إلى بنية نفسية قريبة من المازوشية العاطفية، حيث تتماهى اللذة بالألم، ويغدو الوجع وسيلة تأكيد للوجود العاطفي:

حُمِّلتُ جرحًا منذ كتبتُ قصائدًا

فالجرح هنا ليس نتيجة الحب، بل ملازم للقول الشعري نفسه، وكأن الكتابة هي إعادة إنتاج واعية للألم.

ثانيًا: الإيروتيكا بوصفها بلاغة جسدية

1. الجسد المتخيَّل لا الجسد العاري

الإيروتيكية في القصيدة لا تقوم على العري المباشر، بل على التلميح المشبع: الشفاه، القبلة، الوجنتان، الثغر، الرضاب.

هذه المفردات لا تُستعمل استعمالًا تشريحيًا، بل تتحوّل إلى رموز حسّية، حيث اللغة تؤدي وظيفة اللمس، والاستعارة تقوم مقام العناق. إننا أمام إيروتيكا لغوية لا تستفز الأخلاق، بل تستنطق الذاكرة الحسية.

2. الحواس المتداخلة وكيمياء الرغبة:

يتداخل الذوق (الملوحة)، والشمّ (الأريج)، والسمع (الهسيس)، في تواشج حسي واضح:

أَتَطيبُ قُبلتُهُ وثغريَ مالِحٌ

وهسيسُ دمعي في صلاتي أملحُ

هذا التشابك الحسي يعكس، نفسيًا، حالة اندماج كاملة، حيث لا تعود الحواس منفصلة، بل تتحوّل إلى كتلة شعورية واحدة، وهو ما يُعدّ من أعلى درجات التوتر الإيروتيكي في الخطاب الشعري.

ثالثًا: جدلية التعفّف والرغبة:

تحضر في النص مفارقة أخلاقية دقيقة بين العفّة والتعشّق، دون حسمٍ قاطع لصالح أحد الطرفين. فالتعفّف لا يُلغى، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة بوصفه توترًا دائمًا، لأن الرغبة لا تشتدّ إلا في حضرة المنع.

هذا التوازن الهشّ بين الكفّ والانجذاب يمنح القصيدة عمقها النفسي، ويمنعها من السقوط في الإباحية أو الوعظ.

رابعًا: اللغة بوصفها جسدًا بديلًا

1. الشعر كآلية تعويض نفسي

تعلن الشاعرة – ضمنيًا – أن الكتابة ليست ترفًا بل ضرورة:

ما همّني الشعر الموشّى حرفه

هذا النفي الظاهري لقيمة التزويق البلاغي ينقلب، نفسيًا، إلى اعتراف بوظيفة الشعر العلاجية؛ فاللغة هنا تقوم بما يعجز الجسد أو الواقع عن تحقيقه. إنها مساحة تفريغ، وترميم، وإعادة امتلاك للذات.

2. الشفاه كنصّ:

أقرأتُهُ سفر الشفاه تهيُّمًا

تبلغ الاستعارة هنا ذروة كثافتها؛ إذ تتحوّل الشفاه إلى كتاب، والقبلة إلى قراءة، والقراءة إلى فعل امتلاك حسي. إنها لحظة تماهٍ تام بين النص والجسد، حيث لا يعود القول وصفًا، بل يصير فعلًا.

خامساً: البناء اللغوي والإيقاعي

1. اللغة: فخامة بلا افتعال:

ينتمي النص بوضوح إلى تقاليد الغزل العربي الكلاسيكي، من حيث جزالة اللفظ، وسلامة التركيب، وحسن اختيار المفردة التراثية. غير أن الشاعرة تُحسن تطويع هذا الإرث دون تكلّف، فتبدو اللغة حيّة لا متحفية.

2. الإيقاع: موسيقى الانفعال:

يحافظ النص على إيقاع رصين وقافية موحّدة، تمنحه نغمة إنشادية تناسب التوتر العاطفي العالي. صحيح أن الالتزام بالشكل العمودي يحدّ من المغامرة الشكلية، لكنه في المقابل يعزّز الإحساس بالتماسك والاكتمال، ويخدم طبيعة الخطاب الوجداني.

خاتمة:

تقدّم قصيدة ناهدة الحلبي نموذجاً ناضجاً لقصيدة غزلية حديثة في وعيها، تراثية في موسيقاها، جريئة في إيروتيكيتها، وعميقة في بنيتها النفسية. إنها قصيدة لا تحتفي بالجسد بوصفه موضوع شهوة عابرة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا، وذاكرة حسّية، وساحة صراع بين القيم والرغبات.

الإيروتيكا هنا ليست خروجاً أخلاقياً، بل إعادة تعريف للحب:

حبٌّ بوصفه جرحاً جميلًا، ووعيًا مؤلمًا، ولغةً لا تصف الجسد… بل تصير جسدًا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

.....................

ناهدة الحلبي

حَيَّيْتُهُ أَرْوى فَمي تَقْبيلا

لَيْتَ التَحِيَّةَ بُكْرَةً وَأَصيلا

*

يُغْذي عَذابَ المُسْتَهامِ بِجَفنِهِ

أرْنو فَتَرْميني الِّلحاظُ قَتيلا

*

ما هَمَّني الشِّعْرُ المُوَشَّى حَرْفُهُ

ما القلبُ في بُرْءٍ وَكانَ عَليلا

*

رَصَّعْتُ جيدَ البَدرِ مِنْ نَفَحاتِهِ

وَأَريجَ مِسْكٍ للرُّضابِ أُهيلَ

*

جاوَزْتُهُ في الشَّوْقِ بَعْدَ تَحَيُّفٍ

أَرْجو مِنَ الطَّرْفِ الكَحيلِ مَخيلا

*

إِنَّ التَعَشُّقَ لوْ قَضاهُ تَعفُّفًا

لَتَوسَّدَ الكَفَّ القَشيبَ وَعيلَ

*

أقرَضْتُهُ هَوَسَ الحَواسِ وَدُمْلُجًا

وَمِنَ العَقيقِ خَميلةً وَجَديلا

*

سُكْناكَ قَلْبي فالعُيونُ نَواظِرٌ

وَالسِّحْرُ جَفْنٌ يُتْقِنُ التَّسْبيلا

*

إن رُحْتُ أَذكُرُهُ توجَّعَ خاطِري

مُسْتَعْذِبًا سَقْمًا أطالَ حُلولا

*

أقْرَأتُهُ سِفْرَ الشِّفاهِ تَهَيُّمًا

وَلأجْلِ عيْنَيْهِ بُعِثْتُ رَسولَ

*

نَفَحَتْ عَلى وَجَعي نَسائمُ قُبْلةٍ

فَانْداحَ مِنْ حُلْوِ المَذاقِ قَتيلا

 

"القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية"

لا يقدّم نصّ «القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية» نفسه بوصفه حكاية سفر عابرة، ولا شهادة ذاتية محضة، بل باعتباره نصاً سردياً تأملياً مركّباً، يتقاطع فيه اليومي بالوجودي، والسياسي بالإنساني، والذاتي بالجمعي. إنّه نصّ عن المنع بوصفه تجربة وجود، وعن الحدود حين تتحوّل من خطوط جغرافية إلى جدران هوياتية.

النص يشتغل على لحظة بسيطة في ظاهرها، عميقة في بنيتها: ورقة نشاط سياحي، كلمة واحدة («Jerusalem»)، وجواب إداري جاف، لكنها تتحوّل سردياً إلى صدمة أنطولوجية تمسّ معنى الانتماء، وشرعية الحلم، وحق الذاكرة في الجسد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتّسم النص بسلامة لغوية عالية، وبناء نحوي متين، مع قدرة واضحة على تطويع اللغة الفصيحة داخل سرد معاصر غير متكلّف. الجمل غالباً متوسطة الطول، تُوظَّف فيها الوقفات، والنقاط، والتكرار البنائي، لإنتاج إيقاع داخلي محسوب.

الانزياح اللغوي حاضر بذكاء، لا على مستوى الغموض، بل عبر نقل الكلمات من دلالتها التداولية إلى شحنة رمزية:

«ورقة صغيرة.. لكنها كانت أكبر من القلب»

«المدينة تُلغى»

«رسالة رفض رسمية من التاريخ»

هنا لا تُستعمل اللغة للزينة، بل كأداة كشف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الفصاحة نابعة من ملاءمة اللغة للموضوع: لغة هادئة، غير خطابية، تخلو من الصراخ، وهو ما يزيد من وطأة الألم. النص يرفض البلاغة العالية الصاخبة، ويختار بلاغة الخيبة الصامتة.

التوازن بين اللفظ والمعنى دقيق؛ فلا يوجد فائض لغوي بلا ضرورة دلالية، ولا جفاف تعبيري يفرّغ التجربة من بعدها الإنساني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول بإيقاع داخلي واضح:

التكرار (القدس – الورقة – الهوية)

الجُمل القصيرة المتتابعة في لحظات الصدمة

الوقفات التأملية التي تُحاكي التردّد والانكسار

الإيقاع هنا نفسي قبل أن يكون صوتيًا، وهو ما يمنح النص موسيقى داخلية خافتة لكنها مستمرة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على السرد الذاتي بضمير المتكلم، مع توظيف ذكي للزمن:

١- زمن الحكاية: لحظة واحدة.

٢- زمن الوعي: ممتد، متشظٍّ، تأملي.

لا شخصيات بالمعنى التقليدي؛ المنسّق ليس شخصية بقدر ما هو وظيفة سلطوية، والراوي هو الذات العربية/الإنسانية التي تواجه نظام المنع.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل الذاتي، دون انقطاع سردي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية تنطلق من منظور إنساني نقدي يرى العالم بوصفه منظومة فرز هويّاتي. الشكل (السرد الهادئ، اللغة البسيطة) منسجم تمامًا مع المضمون (المنع الصامت، القمع غير الصاخب).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الإبداع لا يقوم على حدث غير مألوف، بل على إعادة تأويل حدث مألوف (المنع الإداري) وتحويله إلى مجاز وجودي. الدهشة هنا فكرية وأخلاقية، لا سردية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة عميقة:

من يملك حق الوصول؟

هل الهوية جريمة؟

هل الذاكرة تُعاقَب؟

إنه نص عن اغتراب الإنسان داخل العالم المعاصر، حيث تتحوّل القيم إلى معايير أمنية.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص ضمنيًا مع:

فلسفة الهوية

نقد السلطة الحيوية

مفهوم المنع الرمزي في الفكر ما بعد الكولونيالي

لكن دون إحالات مباشرة، ما يمنحه استقلاله الأدبي.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القدس ليست مدينة، بل:

ذاكرة ممنوعة

اختبار هوية

مرآة كاشفة لعنف النظام العالمي

العنوان نفسه مفتاح تأويلي عميق: الإغلاق في الهوية لا في الخريطة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص مكتوب في لحظة عربية مأزومة، حيث:

تُباع القدس سياحياً

وتُغلق سياسياً

وتُجرَّم هويّاتياً

2. تطوّر النوع الأدبي:

يقع النص ضمن السرد التأملي السياسي، القريب من أدب الشهادة، لكنه يتجاوز التقريرية.

3. العلاقة بالتراث:

يحمل النص روح المراثي العربية القديمة، لكن دون استعارات تراثية مباشرة، ما يجعله حداثياً في أداته، تراثياً في روحه.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

المشاعر المسيطرة:

الدهشة

الخيبة

الانكسار الهادئ

لا غضب انفجاري، بل ألم ناضج.

2. تحليل الذات الساردة

الراوي ليس ضحية باكية، بل ذات واعية تُحلّل صدمتها، ما يمنح النص نضجاً نفسياً.

3. النبرة النفسية:

نبرة احتجاج صامت، مشوبة بحنين ومرارة.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

النص يفضح:

آليات الإقصاء.

عنف البيروقراطية.

تصنيف البشر وفق الهويات.

2. الخطاب الاجتماعي

ينقد السلطة دون شعارات، ويُظهر كيف تعمل عبر لغة «الاعتذار».

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الكاتب يمارس دور الشاهد النقدي، لا المُحرِّض ولا الواعظ.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الورقة = وعد زائف

المعبر = السلطة

القدس = الذاكرة/الحق

2. الثنائيات

الحلم / المنع

القرب / الاستحالة

الاسم / الجغرافيا

3. النظام الرمزي

كل الأشياء اليومية تتحوّل إلى علامات قمعية.

ثامناً: الأسس المنهجية

النص صالح للقراءة:

الأسلوبية

التأويلية

السوسيولوجية

ويحافظ على موضوعية داخلية عالية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم

حرية، كرامة، حق الحلم.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات فلسطينية، عربية، إنسانية كونية.

3. البعد الإنساني والسياسي

إنه نص عن الإنسان حين يُرفض لا لفعله، بل لكونه هو نفسه.

خاتمة:

يُعدّ نص سعيد علي البطاط عملًا سردياً تأملياً عالي القيمة، يجمع بين:

١- صدق التجربة

٢- نضج الرؤية

٣- جمال اللغة

٤- عمق الفكرة

وهو نص يؤكّد أن الأدب حين يلامس الهوية، يصبح فعل مقاومة ناعمة، وأن القدس، في هذا النص، ليست مكاناً، بل سؤالًا أخلاقياً مفتوحاً على العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

الطريق الذي أُغلق في القلب

حصل معي موقفٌ لم يكن غريبًا فحسب، بل كان غامضًا ومؤلمًا على نحوٍ لا يُقال بسهولة.

وجعه لم يكن في الكلمات التي قيلت، بل في تلك التي لم تُقَل، في الفراغ الذي خلّفته الحقيقة حين سقطت فجأة، بلا تمهيد.

في صباحٍ هادئ من صباحات دهب، وجدت ورقةً موضوعة عند باب غرفتي. ورقة عادية، تشبه غيرها، لكنها كانت تحمل وعدًا مبطّنًا بالحلم. نشاطاتٌ سياحية مقترحة: بحر، صحراء، رحلات، أسماء مدن تتبدّل كالألوان. قرأت بلا اكتراث.. حتى توقّفت.

Jerusalem.. القدس.

تجمّد الاسم في عينيّ.

لم يكن مجرّد مدينة، كان نداءً قديمًا، صوتًا أعرفه منذ الطفولة، يخرج من الحكايات، من الصلوات، من خرائط القلب التي لا تُدرَّس في المدارس.

كتبت الورقة ببرودٍ مهنيّ:

زيارة القدس وبيت لحم.

مكان ولادة السيد المسيح.

كنيسة القيامة.

المسجد الأقصى.

أهم المعالم في القدس وبيت لحم.

التكلفة:295 دولار.

الانطلاق الساعة الثالثة فجرًا، والعودة الواحدة ليلًا، عبر طابا.

أغلقت الورقة قليلًا، وقلت في سرّي:

يا إلهي.. يا ليت.

لم يكن تمنّي سائحٍ يبحث عن صورة، بل رجاء إنسانٍ يريد أن يلمس ذاكرته بقدميه، أن يرى بعينيه ما عاش في وجدانه عمرًا.

ذهبت إلى منسّق النشاطات. سألته بهدوءٍ متردّد:

- ممكن تشرح لي عن هاي الرحلة؟

نظر إليّ نظرةً سريعة، ثم تغيّر صوته فجأة، كمن وجد نفسه في مأزق لا يريد الدخول فيه. قال معتذرًا، متكسّر العبارات:

- أنا بعتذر يا باشا.. حقك علينا يا أخوي.. بس مش حتزبط.

سألته، وأنا أعرف الجواب قبل أن يُقال:

- ليش؟

تنفّس بعمق، ثم قالها كما تُقال الحقائق الثقيلة:

- لأنك أصلك عربي ومسلم.. مش غربي أصلي. الرحلة معقّدة. بيرجعوا أغلب الناس. حتى أوروبيين وأمريكان رجعوهم. الكونترول هناك بيستمر من ثلاث لأربع ساعات، وهم صعبين جدًا.. انسَ الموضوع يا باشا. حقك علينا.

لم أجادل.

لم أسأل أكثر.

كنت أعرف أن لا شيء يُناقَش حين تتحوّل الهوية إلى تهمة، والانتماء إلى حاجز.

خرجت وأنا أحمل الورقة مطويّة في جيبي، كأنها جواز سفرٍ لم يُختم أبداً. شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي، لا بصوت، بل ببطء. لم تكن القدس هي التي مُنعت عني، بل حقي في أن أشتاق إليها دون إذن.

قلت في نفسي، وأنا أكتم دمعةً لا تريد النزول:

أريد أن أبكي.. لأن بلادنا ليست لنا.

ليست لنا حين نُمنع من زيارتها ونحن نراها كل يوم في القلب.

ليست لنا حين تصبح الأسماء المقدّسة بنوداً سياحية متاحة للبعض، ومحظورة على أصحاب الحكاية.

ليست لنا حين نحتاج إلى أصلٍ آخر، وديانةٍ أخرى، ولهجةٍ أخرى، كي نقترب خطوة من تاريخنا.

عدت إلى غرفتي. فتحت الورقة مرةً أخيرة. قرأت كلمة Jerusalem ببطء، ثم أعدت طيّها. أدركت يومها أن بعض الرحلات لا تُلغى عند الحدود، بل تُمنع في الهوية، وأن أكثر الطرق إغلاقًا هي تلك التي تؤدي إلى ما نحب.

ومنذ ذلك الصباح، لم تعد القدس عندي مدينةً مؤجّلة،

بل جرحًا مفتوحًا،

وحلمًا يعرف طريقه..

لكنه مُنع من الوصول.

 

تشكل سردية الماء محاولة للانتقال من التأمل الوصفي إلى فهم أعمق للعلاقة بين الإنسان والعالم. فالماء يتجاوز كونه مجرد عنصر بيولوجي أو فيزيائي أساسي، ليصبح ظاهرة تعيد تشكيل إدراكنا للذات والآخر. ويمكن عده مكونا مزدوجا: شفافا على السطح وعميقا في الباطن، معبرا عن التباين بين ما نعرفه علميا وما يظل غامضا في تجربتنا الإنسانية.

في التصورات الأولى للوعي الانساني، كان المطر يتشكل وفق أنساق رمزية وأسطورية، إذ كان ينظر إليه بوصفه قوة فاعلة داخل نظام كوني متحرك، حيث صيغت الظواهر الطبيعية في سرديات تمنحها وظيفة تنظيمية في إدراك الزمن والدورة والانتظام. ففي الميثولوجيا اليونانية، كان المطر تمظهرا لقوة "زيوس" "Zeus" الأعظم، سيد الأولمب، الذي تحكم إرادته في الرياح وغيوم السماء، فكان هطول المطر هبة إلهية تغذي الأرض وتحييها، مجسدة الوصل بين سلطة السماء وعطاء الأرض، وحاملة دلالة القوة والسيادة على النظام الطبيعي.

ومع تطور التفكير الإنساني، انتقل المطر إلى أفق آخر من الفهم، فأدرج ضمن أنساق من العلل والتحولات المادية، الأمر الذي أتاح للوعي أن يعيد تموضعه داخل العالم بوصفه فضاء قابلا للإدراك والتنظيم. في هذا التحول، حافظ المطر على كثافته التجريبية، واستمر حضوره بوصفه حدثا يدرك عبر الحواس ويعاد تشكيله داخل الوعي، وبموجب ذلك تحول المطر إلى واقعة إدراكية مركبة تتشكل داخل الوعي بوصفه تدفقا مستمرا يعيد تنظيم العلاقة بين الإحساس والانتباه والذاكرة، ويتجاوز حضوره كونه معطى حسيا مباشرا لينتج شبكة من الآثار المتراكمة التي تتحول إلى بنية دلالية متحرّكة، فيغدو الوعي مجالا تتقاطع فيه الأصوات والحواس والإيقاعات الزمنية، وتتكون الممكنات الدلالية بعدها نتائج صيرورات داخلية غير مستقرة. وتساوقا مع هذه المقاربة يشتغل الشعر بوصفه تأويلا يعيد توليد التجربة بدل عكسها، وتعاد صياغة حضور المطر داخل اللغة باعده مسارا إدراكيا مفتوحا تتشابك فيه الحواس مع المخيلة، وتتحول الكلمات إلى  نصوص تحتضن ما يتسرب من العالم. يصبح المطر بموجب ذلك حركة فاعلة داخل النص وقوة اشتغال تحدث انزياحات في المعنى وتفتح إمكانات جديدة للفهم، وفعل تكون، لتظل الدلالة في حالة تشكل دائم.

وفن الشعر، بوصفه فنا تعبيريا رفيعا مشتركا بين الشعوب والثقافات، استطاع ان يحول المطر إلى جهاز حسي–دلالي متكامل، ويحول التجارب الإنسانية إلى أثر إنساني ينبض بالاستعارات الحية، منتجا أثرا إدراكيا يتجاوز حدود التوصيف إلى أفق التشكل الجمالي.

في الشعر العربي القديم، ظهر المطر يوصفه تجربة معيشة وجدت تحققا ابداعيا وفق ابستيمي المرحلة، لتتساوق اشكاله التعبيرية مع سنن بناء الجملة، والمعجم اللغوي، والمتواليات، والبنى الإيقاعية، وجماليات التصوير الشعري الحسي المرتبط بالمحاكاة بدل التخييل.

أما في الشعر الحديث، فقد اتسم حضور المطر بالتكثيف،  ليصبح نقطة التقاء بين الإيقاع الخارجي والحركة الداخلية، وتشكلت القصيدة لكونها طاقة إصغاء متكاملة، وتحولت الكتابة إلى ممارسة لتتبع الصيرورة، حيث يولد إيقاع الماء حالات شعورية دقيقة، لتعيد التجربة إنتاج نفسها بوصفها حركة مستمرة متعددة الأبعاد، تتفاعل فيها الذاكرة والحواس والمتخيل، وتتشابك فيها الدلالة مع الانفعال الحسي والرمزي.

بيد ان هذه الطاقة التأويلية تنكشف بوضوح في تجربة بدر شاكر السياب، حيث يتخذ المطر وظيفة تنظيمية داخل النظام الشعري، ويغدو زمنا معيشا على نحو انطولوجي، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع الامتدادات الجمعية، ويتحول الإيقاع الشعري إلى إبدال حسي-دلالي، وتشكل القصيدة فضاء تتحرك فيه الصيرورة التاريخية بوصفها باراديغما شعريا قادرا على دمج التجربة الحسية مع الوعي الزمني والاجتماعي.

وبناء على هذا المنظور، يصبح المطر طاقة منتجة للمعنى، غير خاضع لهيئة ثابتة، إذ يظل موقعه الدلالي في التجربة الإنسانية متجددا ومتشكلا باستمرار وفق حركة الوعي والشعور، داخل انساق مركبة من العلاقات بين الذات والعالم.

وفق هذه المقاربة التأويلية، يمكن النظر إلى المطر كشرط لإدراك الخبرة الإنسانية، وتشكل الزمن وممكنات فن العيش. يمتلك الماء القدرة على التوسط الرمزي وتنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، حيث يتمظهر الوجود في حركته المستمرة. التفكير في الماء يتيح إدراك الانسجام بين المادة والتجربة، ويؤسس لمفهوم (حدث ابداعي دائم التشكل مبني على الاختلاف وليس التماثل وفق جيل دولوز)، يركز على الحركة والصيرورة كخصائص أساسية لماهيته وللوجود.

***

د. عبد السلام دخان

قراءة تحليلية في انزلاق الخطاب النقدي من مساءلة الإبداع إلى توصيف الهيئة.. بدر شاكر السيّاب في مرايا النقد المعاصر

لا تبدأ أزمة النقد حين يخطئ في الإجابة بل حين يخطئ في السؤال وحين يُسأل عن المبدع من زاوية جسده بدل مشروعه ومن هيئة وجهه بدل بنية نصه فإننا لا نكون أمام قراءة بديلة بل أمام تحويل مسار معرفي يفرغ النقد من وظيفته التاريخية.

إن استعادة بدر شاكر السيّاب من بوابة ملامحه الجسدية كما أُثير في بعض الخطابات الثقافية المعاصرة تضعنا أمام إشكالية مركّبة تتجاوز شخص الشاعر لتطال بنية التفكير النقدي ذاته وحدود العلاقة بين الجسد والإبداع وبين الرمز وسلطته في الوعي الجمعي.

أولًا: الجسد في النظرية الثقافية – من الحضور الوجودي إلى الأداة الخطابية

في الفكر النقدي الحديث لم يعد الجسد مجرّد كيان بيولوجي بل أصبح نصًا ثقافيًا تُقرأ عليه آثار السلطة والمعرفة والطبقة فالجسد بحسب المقاربات ما بعد البنيوية موقع تُمارَس عليه السلطة الرمزية ويُعاد من خلاله إنتاج المعايير الجمالية والأخلاقية السائدة.

غير أن الخطورة لا تكمن في إدخال الجسد ضمن التحليل بل في الطريقة التي يُستدعى بها فحين يتحوّل الجسد من تجربة وجودية إلى معيار قيمي ومن سياق إنساني إلى أداة تصنيف وانتقاص يكون النقد قد انزلق من التحليل إلى الهيمنة، ومن المعرفة إلى الضبط الرمزي.

ثانيًا: تشييء الجسد بوصفه عجزًا عن تفكيك النص

إن اختزال المبدع في ملامحه أو هيئته الخارجية لا يحدث غالبًا إلا حين يعجز الخطاب عن مواجهة النص ذاته فبدل تفكيك اللغة والبنية الشعرية والتمرد الجمالي يتم الالتفاف على الرمز عبر جسده وكأن الجسد يصبح ساحة بديلة لتصفية الحساب الرمزي.

هذا النمط من الخطاب لا يختلف كثيرًا عن آليات الإقصاء الطبقي حيث يُحاكم الفرد وفق شكله لا وفق فعله ويُدان وفق مظهره لا وفق أثره وهو ما يجعل من توصيف الجسد ممارسة سلطوية ناعمة تتخفّى وراء لغة ثقافية لكنها في الجوهر تعيد إنتاج منطق الإلغاء.

ثالثًا: السيّاب كمشروع تاريخي لا كسيرة شكلية

إن بدر شاكر السيّاب لم يكن حالة فردية معزولة بل تعبيرًا مكثّفًا عن لحظة تاريخية مضطربة، تداخل فيها السياسي بالاقتصادي والوطني بالوجودي وقد كتب من موقع الانكسار لا من موقع الامتياز وكان جسده – المريض والمرهق – انعكاسًا لبنية اجتماعية مريضة لا دليلًا على ضعف ذاتي.

فالمرض في تجربة السيّاب ليس تفصيلاً سير ذاتيًا بل عنصرًا بنيويًا في تشكّل الحس المأساوي في نصه والفقر لم يكن علامة فشل شخصي بل نتيجة مباشرة لاختلال التوازن الطبقي أما اغترابه فكان اغتراب مثقف اصطدم بسلطة لا ترى في الشعر سوى تهديد.

رابعًا: ما أُثير عن ملامح السيّاب – قراءة في دلالات الخطاب

إن ما أُثير على لسان الباحثة بلقيس شرارة بشأن ملامح السيّاب الجسدية لا يمكن فصله عن هذا الإطار الإشكالي فحين تُستدعى هيئة الشاعر وتُوصَف ملامحه بطريقة تُحيل إلى “عدم الجمال” أو الهشاشة الشكلية فإن السؤال لا يكون عمّا قيل بل لماذا قيل وبأي وظيفة معرفية.

ليس المقصود هنا الطعن في النيّات بل تفكيك الخطاب ذاته إذ إن التركيز على الملامح الشكلية بدل المشروع الإبداعي ينقل السيّاب من موقع الرمز الثقافي إلى موقع “الحالة” ومن كونه منتج معنى إلى كونه موضوع توصيف وهذا التحوّل ليس بريئًا لأنه يُعيد ترتيب سلّم القيمة: الجسد قبل النص الصورة قبل الأثر الشكل قبل التاريخ.

إن هذا النمط من الاستعادة يندرج ضمن خطاب ثقافي أوسع يميل إلى تسييل الرموز أي نزع كثافتها التاريخية وتحويلها إلى صور قابلة للتداول الإعلامي حتى وإن كان ذلك تحت غطاء البحث أو التوثيق.

خامسًا: بين السيرة والتجريح – أين يتوقّف البحث وأين يبدأ العنف الرمزي؟

لا خلاف على مشروعية دراسة السيرة في البحث الأكاديمي لكن الخلاف يكمن في حدود الاستخدام فالسيرة ليست رخصة أخلاقية للانتقاص ولا مساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الأحكام الذوقية وحين تتحوّل السيرة إلى وصف جارح فإنها تفقد بعدها التحليلي وتتحوّل إلى خطاب قوة يُمارَس على الميت باسم المعرفة

وهنا يصبح الجسد أداة اقتصاص رمزي لا موضوع فهم. ويغدو النقد شكلًا من أشكال “العدالة المتأخرة” التي لا تُنصف، بل تُشوّه.

سادسًا: النقد البرجوازي ومنطق الجمال المعياري

ينتمي هذا الخطاب إلى ما يمكن تسميته بـالنقد البرجوازي الجمالي الذي يقيس القيمة وفق معايير الشكل والتمثيل لا وفق القدرة على زعزعة الوعي وهو نقد ينزعج من الرموز التي كُتبت من الهامش لأنها تفضح زيف المركز فيسعى إلى تحييدها عبر تشويه صورتها.

إن السيّاب بوصفه شاعرًا خرج من الفقر والمرض والمنفى الداخلي يشكّل تهديدًا لهذا المنطق لأنه يثبت أن الإبداع لا يحتاج إلى جسد “مكتمل” وفق المعايير السائدة بل إلى وعي مأزوم قادر على تحويل الألم إلى لغة.

سابعًا: الرمز الثقافي ومسؤولية الاستعادة النقدية

إن استعادة الرموز ليست فعلًا محايدًا بل ممارسة أخلاقية ومعرفية فالرمز الثقافي لا يُستعاد بوصفه فردًا بل بوصفه طاقة تاريخية ما تزال فاعلة وأي انتقاص من هذه الطاقة عبر توصيفات شكلية هو انتقاص من الذاكرة الجمعية ذاتها.

إن الدفاع هنا ليس عن السيّاب كشخص بل عن حق الإبداع في أن يُقرأ من موقعه الحقيقي: موقع الصراع لا الصورة ؛ موقع المعنى لا الملامح.

إن الحاجة الملحّة اليوم ليست إلى نقد أكثر جرأة في الوصف بل إلى نقد أكثر مسؤولية في المنهج ونقد يُعيد الاعتبار للنص بوصفه بنية مقاومة وللجسد بوصفه أثرًا تاريخيًا لا مادة استهلاك وللرمز بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا صورة قابلة للتداول

فالإبداع لا يُقاس بملامح الوجه بل بملامح الوعي الذي تركه في التاريخ وكل خطاب يتجاهل هذه الحقيقة إنما يشارك – وعيًا أو دون وعي – في إفراغ الثقافة من بعدها الاحتجاجي وتحويلها إلى أرشيف شكلي بلا ذاكرة ولا معنى.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

تُقدّم قصيدة «المرأة الطفلة» نصًّا شعريًا كثيفًا يقوم على تفكيك صورة الأنوثة من داخلها، لا بوصفها كيانًا مكتمل النضج أو رمزًا مثاليًا، بل بوصفها حالة وجودية مركّبة، يتجاور فيها الهشّ والملتهب، البراءة والدهاء، التعلّق والقدرة على إعادة الخلق. إنّها قصيدة لا تصف المرأة، بل تُصغي إلى ارتجافها الداخلي، وتحوّل هذا الارتجاف إلى مادة شعرية ذات بعد نفسي وإيروتيكي وفلسفي واضح.

أولًا: الرؤية الشعرية وبنية النص

ينبني النص على استعارة مركزية: المرأة = الطفلة. وهذه الاستعارة لا تُستخدم استخدامًا تزيينيًا، بل تؤسّس كامل البنية الدلالية. فالطفولة هنا ليست مرحلة عمرية، بل بنية شعورية مستمرّة، تسكن المرأة مهما تقدّم بها الزمن:

«كل امرأة طفلة

تسرب العمر من كفها»

إنها طفولة متسرّبة، غير قابلة للإمساك، مثل حبات العقيق المنفلتة من قلادة؛ صورة موفّقة تجمع بين الجمال والفقد، وتشي منذ السطر الأول بإحساس الزمن المهدور عاطفيًا.

النص يعتمد على التراكم الصوري بدل الحبكة الشعرية التقليدية؛ إذ لا ننتقل من حدث إلى آخر، بل من حالة نفسية إلى أخرى، ما يجعل القصيدة أقرب إلى مونولوغ داخلي ممتد، تُمسكه خيوط العاطفة لا المنطق السردي.

ثانيًا: البعد السيكولوجي – الطفلة الداخلية وجراح التعلّق

من منظور سيكولوجي، تنتمي القصيدة إلى فضاء الطفل الداخلي، حيث تستعاد ألعاب الطفولة (الدّمية، الزهور، لعبة يحبني/لا يحبني) بوصفها تمثيلات مبكّرة للقلق العاطفي:

«لتقطع الشك باليقين

يحبني

لا يحبني»

هذا الترديد الطفولي ليس بريئًا، بل يكشف عن قلق وجودي عميق: الحاجة إلى الاعتراف، والخوف من الهجر، والتأرجح الدائم بين الأمل والانكسار.

واللافت أنّ الشاعرة لا تحاكم هذه الحالة، بل تتركها تتكشّف كما هي، بعريها النفسي:

«ترميها جثتا عارية

لا الزهرات نجت من حتفها

ولا المزهرية نالت حظ الزينة»

هنا يتحوّل اللعب إلى عنف رمزي، ما يدلّ على ذاتٍ تعاقب الأشياء حين تعجز عن تثبيت الحب؛ وهي آلية نفسية معروفة في حالات التعلّق القَلِق.

ثالثًا: الإيروتيكي بوصفه طاقة حياة لا إثارة

الإيروتيكي في القصيدة مُضمَر لا فجّ، يقوم على رمزية الماء والنهر والاشتعال. فالجسد لا يُذكر مباشرة، لكنه حاضر عبر الحركة والحرارة والانسياب:

«تمرغ الأجساد الملتهبة

في دغدغة مويجاته الدافقة»

هذا الإيروس ليس استهلاكًا جسديًا، بل إيروس كوني، قريب من تصوّرات باشلار، حيث الماء عنصر حميمي يرمز إلى الذوبان والتجدد.

المرأة الطفلة هنا لا تطلب اللذة بقدر ما تطلب إعادة إحياء العالم:

«فلا جدوى من جريان النهر

دون أن تعشق اليمامة شطآنه»

العشق شرط المعنى، لا تفصيلًا إضافيًا للحياة.

رابعًا: اللغة والصورة والأسلوب

لغويًا، تعتمد القصيدة لغة واضحة لكنها مشحونة، توازن بين السرد الشعري والصورة المكثّفة. الصور في مجملها موفّقة، وإن كان بعضها يميل إلى الاسترسال أكثر من التكثيف، خصوصًا في المقاطع الأخيرة التي تطيل الفكرة بدل تعميقها.

أما المفارقة اللافتة فتظهر في هذا المقطع:

«لا يهمها إن كان العالم يسير إلى حتفه

ولا إن كانت الدنيا تضيق

كفستان مومس»

وهو مقطع جريء، يصطدم بالقارئ أخلاقيًا، لكنه يخدم الرؤية الشعرية: العالم بلا حبّ بلا قيمة، مهما بدا متماسكًا أخلاقيًا أو سياسيًا.

خامسًا: الدلالة الفلسفية – الحب كسلطة تشكيل

تبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في خاتمتها:

«تكفيها جرعات حب

ليصير العالم في كفها

قطعة عجين»

هنا تُستعاد فكرة قديمة بصيغة شعرية معاصرة: الحب سلطة تشكيل المعنى.

المرأة لا تغيّر العالم بالقوة، بل بالقدرة على إعادة تأويله، على جعله محتملًا، لينًا، قابلًا للعجن من جديد.

ملاحظات نقدية ختامية

قوة القصيدة في صدقها العاطفي وجرأتها النفسية.

الاستعارة المركزية ناجحة، لكنها كانت ستكسب عمقًا أكبر لو خفّ التعميم في بعض المواضع («كل امرأة»).

النصّ مشغول بعناية، ويجمع بين الحسّ الاعترافي والرؤية الرمزية دون سقوط في المباشرة.

خلاصة

«المرأة الطفلة» قصيدة عن الهشاشة بوصفها قوة، وعن الطفولة لا كبراءة ماضية، بل كجرح حيّ يُعيد تشكيل الرغبة والعالم.

إنّها كتابة تعرف ما تقول، وتعرف لماذا تقول، وتنجح في تحويل التجربة الأنثوية من حالة وجدانية خاصة إلى سؤال شعري إنساني:

كيف نحيا، إن لم نُطعِم العالم قليلًا من الحب؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

........................

المرأة الطفلة

كل امرأة طفلة تسرب العمر من كفها

كما تسربت حبات العقيق من قلادة

ما يزال الجيد يأمل عناقها

كل امرأة تحمل في صدرها لهيب شوق هارب

و ثقل صمت يكسره صدى أنفاسها

و هي تعاقر وحدتها وسط ضجيج

الخيبات المتناقضة

تلك المرأة

هي نفسها الطفلة التي غنت كثيرا لدميتها

و زينتها عروسا

ثم عادت جردتها من زينتها

و هي الفتات التي

قطفت الزهور من حقول الربيع

لا لتزين مزهريتها

و لكن لتقطع الشك باليقين

يحبني

لا يحبني

يحبني

لا يحبني

في كل مرة يختل مزاجها

ترميها جثتا عارية

لا الزهرات نجت من حتفها

و لا المزهرية نالت حظ الزينة

و هي المراة

التي عند الهجر

ترسل عصافير الشوق وراء ظلاله

و تنكر الفعل

في عزة حواء

و هي المرأة التي عند الجد

تتطاير شظية حارقة من رماد

تشعل الفتيل

على ضفاف

غفلة النهر الساكن

لتعود الحياة ....

فلا جدوى من جريان النهر

دون أن تعشق اليمامة شطآنه

و تمرغ الأجساد الملتهبة

في دغدغة مويجاته الدافقة

المرأة الطفلة

لا يهمها إن كان العالم   يسير

إلى حتفه معصوب العينين

و لا إن كانت الدنيا تضيق

كفستان مومس

تصدع من نظرات شبقية لا ترحم

عورات المساكين

المراة الطفلة

تكفيها جرعات حب

ليصير العالم في كفها

قطعة عجين تشكله

على الوجه المريح

***

حفيظة الفائز

17|11|2025

 

الفرار الى اللامكان

ولد في حي شعبي مكتظ بالناس يقع في قلب مدينة كركوك وأكمل دراساته الأولى في مدارسها لكنه وحالما إشتد عوده لم يختار الإقامة فيها طويلاً، رحل عنها ليعيش في المهجر، فهو دائب الحركة والترحال والسفر، كأن سيلاً من الذكريات والوقائع الأليمة تطارده، فكلما طال مكوثه في مكان ما كان شوقه المحموم لمغادرته وحافز الهروب منه يتآكله من الداخل فيشرع بالتنقل بين مدن العالم تاركاً وراءه في كل منها فيضاً من التأملات والكلمات التي تؤرخ لحزن ما أو لربما لحبٍ آفل، أو لفكرة عميقة تؤطر له أسرار الحركة فإستساغ السير في حواري وطرقات اماكنٍ نادرا ما إستقر فيها طويلاً لتتلقفه موجة جديدة تقذفه الى نقطة اللاعودة في بحرٍ متلاطم .

هكذا تنبئنا نصوص الرحالة الشاعر الدكتور حسين ابو سعود عن اماكنه المعلنة، فقبل ايام كان في كمبوديا، وقبلها كان في النرويج ماراً بنيروبي وعجمان وتنزانيا ومصر والعشرات من الدول والموانئ والمدن القصية وبعضها لم نسمع بها، حاملاً حقيبة اسراره وعابرا الفيافي والجبال والسهول والمحيطات متنقلاً بين القارات، وفي كل هذه الاماكن يتأمل في فلسفة الحياة ومعاناة الإنسان فيعيد الى ذاكرتنا المنسية تداعيات كتابات البير كامو او سارتر، ويتشبث بحلم مستحيل عن حرمانٍ مر أوغائب راحل او موعد لن يتحقق، ويترك بصمته الموجوعة فيكتب شعراً ونثرا وانطباعات عن الإنسان والطبيعة والاسرار الدفينة والمعالم الشهيرة والمجهولة لو ضمها في كتابٍ لكان نجماً في عالم الرحلات والسفر:

للحرمان جلبة تسمعها اضلعي

وبكائي مثل نهر هامد

يشتهي ان يعود من الحزن

الى منابعه في جنح الظلام

ويترك الأعشاش في هزالها

على الضفاف

عرضة للريح والظلمة

وعمري ذلك الهارب مني قد أعياه الجفاف

فلا قمر يزين الليل ولا شمعة تحترق معي

وكل ما هنالك غربة كبرى تطوقني

ولي في وحدتي طقوس

لا تعرفها حتى الجدران

التي تحيط باسراري !

لم تكن أسفار أبو السعود مجرد نزوة أو تحرق لمغامرة، بل إنها كانت حاجة نفسية ملحة تتطلب شجاعة القرار والتحدي والجَلد، لذا فإنه عندما كان ينفلت من القيود التي اثقلت روحه وتداعيات الواقع الحزين التي كتمت على أنفاسه وتوقه العارم الى الحرية، إختار الفرار الى المنافي ليجد خلاصه وكان بجانب مكابداته الدفينة ومثل أغلب الشعراء لابدّ له أن يتأبط قلبه الموجوع المترع بذكريات إمرأة ملهمة، تلك التي أرقت ليله واطاحت بهدوءه النفسي وقدرته على الاحتمال، يدعو طيفها، لينغمس في اتون تلك الأيام الملتهبة، لكنه يدرك قساوة اليأس فيشيح عنها أيضاَ نحو أرض الله الواسعة، في حالةٍ من الدوران اللامجدي حول نفسه خادعاً ذاته بالبعد الذي ليس سوى دنو وقرب، ليحملها أينما حل بين اهدابه غالقاً عليها لكن التكرار يقوده احياناً الى الجنون:

ملفوفا في ورق

ودعيني أعود الى ايام القلق

وليالي الأرق

وأقضي باقي أيامي في العراء

إنصرفَ الذين تعبوا من الوقوف

غيبتهم الظلمة الداكنة

والمطر سيزيل ما تبقى من آثارهم

قريبا ستغيب كل الشموس

وتترجل كل النجوم

وتظلُ وحيداً بين الناس

لا ترى احدا

ونفسك تأخذك طائعا نحو الجنون. !

وشاعرنا الرحال يدرك أن تفريغ موجبات الصراع الداخلي تتطلب لغةَ للتعبير وتوظيفاً مدهشاً لتحويل الكلمة الصامتة الى لغة مقروءة، فأضحى لا يجيد الترحال فحسب وإنما يتقن فنون توظيف التضمين الشعري في بنية نصوصه المخضبة بالوجع والأسى فحفلت بالصورة الشعرية والكناية والرمز بأسلوب سلس خالٍ من الغموض والمرادفات المركبة، فرمزَ للأحداث المؤلمة التي تلاحقه بالعاصفة اما الحارس الهزيل فلم يكن سوى تلك القيود التي تحيل الحياة الى جحيم، والمقاعد الاسمنتية المطلة على البحار الى مكمن الانتظار لفرح لا يأتي:

في وريد المدينة، يصرخ غضبٌ باهت

ينم عن حقد صدئ وضغينة

يحث النزلاء على إخلاء المقاعد الإسمنتية

وثمة حارس هزيل يلوح بسوط طويل

يضرب به ظهر الهواء

يطلق صوتا مزيجاً بين البكاء والغناء والهراء

وأنا عندما تيقنت من مجئ العاصفة

وضعت أوجاعي على قارعة الطريق

وصرت أتصنع الفرار واقفا في مكاني

فظنوا باني لست أني

وذلك الذي في داخلي يغني

مجرد شبح يشبهني

فطووا أوراقي

وأدرجوا اسمي ورسمي وروحي وجسمي

في عداد الراحلين .

وهكذا فإن الشاعر ابو السعود وجد خلاصه من أثقال الواقع المر بالترحال العنيد، فمثلما شبه البير كامو حياتنا المغلفة بالرتابة كحركة صخرة سيزيف الشاقة التي يدفعها لأعلى القمة لكنها تعود وتتدحرج نحو الاسفل دائما، ويتكرر ذلك الفعل إلى الأبد.. فإنه وجد أن الحل يكمن في مفهومه الفلسفي أي في التمرد على الواقع وعدم الخضوع للرتابة وهذا ما فعله فأختار حقيبة السفر لتكون رفيقته الاثيرة مادامه قادرا على ذلك !

مدي يدكِ اليمنى

تلقفي ريشةً خائفة ً من الغرقِ

عرضيها للشمس الدافئة

اغسلي عن نهايتيها

آثار القلق

لم يبق عندي الشغل الشاغل

سوى اعداد حقيبة السفر !! .

لكن حمل الحقيبة من مطارٍ الى آخر ومحطةٍ الى أخرى يثقل الكاهل، فيبدأ نسغ من الغضب والإحساس بالتعب يتصاعد رويدا رويدا في الجسد المنهك، حينئذ يثب الوطن الجريح بكل مآسيه ومظاهره السياسية والاجتماعية السلبية وتجربته العرجاء الى واجهة الشعور بالغربة وإلى ثنايا النص وفي لحظة غضب مفعم بتداعيات الغربة والبعد استعان الشاعر في نص موجوع يقطر أسى بحرف الروي الباء الساكنة ليعطي المتلقي ايقاعاً موسيقيا يذكرنا بفخامة الشعر الكلاسيكي الذي يتسم عادة بأسلوب مباشر وتقريري، هادفاً جوهر المعاناة ومتخطياً جماليات المظهر أو الشكل، ويقول لنا ان التعب الجسدي لا يرتقي الى مستوى التعب الحقيقي الذي يعدد مظاهره دون ان يتجاوز محنته في البعد عن الوطن:

التعب ان يمارس الطغاة معنا قلة الأدب

وتكون اعراضنا في أيديهم نهب

وان نُؤذى صباح مساء بلا سبب

التعب هو ان يشبع الحكام ويجوع الشعب

التعب شيء أمره عجب

التعب ان نُنسى في السجون حتى نصاب بالجرب

التعب ان يتساوى التراب والذهب

وان ننادي العرب فلا نجد العرب

التعب ان تجتمع الدنيا كلها

لتطفيء فينا ثورة الغضب

التعب هو ذاك اللهاث في الانفاق

ومنظر الميتين في الشاحنات المحكمة الإغلاق

التعب هو ان يضنينا الفراق

ونشتاق الى العراق

ونبعث اليه باشواقنا

فتعود الينا الاشواق!

في أغلب الاحيان كان السفر عند ابو السعود فرصة للتغيير وتلاقح الذوات وتبادل الثقافات وفهم الإنسان في كل مكان يحل فيه، بل كانت عملية إكتشاف مدهشة للغور في أعماق النفوس وزيادة المعارف أو محاولة تجاوز لمعاناة حدث أليم، لكن معه كان السفر بحثاً دؤوباً عن حلول مستحيلة على امتداد القارات، بل أنه في نهاية المسار المضني يختصرها ببساطة متناهية في حلم يسعى للغرق في لجة نهر!

وقبل أن انشد علنا ً أغنيتي الأخيرة

وقبل أن تصل الروح إلى النزع

انتزع روحي من قفصها

اضعها على حافة النهر

كي ترحل مع اي حلم يهوى الغرق.

ونحن إذ نقلب صفحات الحزن السرمدي في نصوص شاعرنا الدكتور حسين ابو السعود قد يكون هو الآن على ظهر باخرة تمخر عباب المحيطات أو داخل طائرة تتجه نحو مكان قصي لا يتسع هو الآخر لأحلامه فيبدأ رحلة آسرة من هناك حيث المجهول!

***

محمد حسين الداغستاني

أنقرة

تندرج قصيدة «أحتاج» للشاعرة السورية رجاء نور الدين ضمن أفق الشعر العربي المعاصر الذي جعل من الذات الموجوعة مركزًا للتجربة الجمالية، ومن اللغة وسيلةً لا للزخرفة بل للكشف والاعتراف. فهي قصيدة لا تُراكم الصور بقدر ما تُكثّف الإحساس، ولا تُراهن على البلاغة الصاخبة، بل على الهمس العميق الذي يتسلّل إلى بنية المعنى ويقيم فيها. تنطلق القصيدة من فعل بسيط في ظاهره—الحاجة—غير أنّه يتحوّل، عبر الانزياح اللغوي والتشكيل الإيقاعي، إلى سؤال وجودي مفتوح على الفقد، والحنين، واليُتم الإنساني.

إن هذا النص لا يُقرأ بوصفه تعبيرًا ذاتيًا معزولًا، بل باعتباره تمثيلًا رمزيًا لحالة إنسانية أوسع، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع القلق الجمعي، ويتحوّل الخاص إلى مرآة للعام. ومن هنا تأتي أهمية مقاربته نقديًا عبر مستويات متعددة: لغوية وبلاغية، جمالية وفنية، فكرية وفلسفية، نفسية وسوسيولوجية، وسيميائية، بما يسمح بالكشف عن طبقاته العميقة، وبنيته الداخلية، ورؤيته للعالم.

تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك النص قراءةً تحليليةً تأويلية، تستند إلى المنهج الوصفي والتحليلي، مع الإفادة من المقاربة الأسلوبية والمقارنة، للكشف عن آليات اشتغال اللغة، وطبيعة الإيقاع، وأنساق الدلالة، وحدود الابتكار الجمالي في القصيدة. كما تسعى إلى وضع النص في سياقه الثقافي والتاريخي، ورصد موقعه ضمن مسار تطوّر القصيدة العربية الحديثة، بوصفه خطابًا شعريًا يعيد مساءلة الإنسان، لا عبر اليقين، بل عبر الحاجة المفتوحة على الاحتمال.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغةٍ عربية سليمة، متماسكة نحويًا وصرفيًا، تميل إلى البساطة العميقة لا إلى التعقيد المتكلّف. التراكيب قصيرة نسبيًا، متوالدة، تعتمد الجمل الفعلية والاسمية في توازن دلالي يخدم البوح الداخلي.

الانزياح اللغوي حاضر بوضوح، لا سيما في مثل:

«لتُربّي الحنينَ في الصدر»

«ليقول نعم أدركتُ نعشي»

حيث ينتقل اللفظ من معناه التداولي إلى فضاء استعاري كثيف، يجعل الحنين كائنًا حيًا يُربّى، والموت وعيًا يُدرَك لا حدثًا يُصادَف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتميّز القصيدة بفصاحة هادئة، خالية من الغرابة المعجمية، لكنها مشبعة بدقة التعبير. هناك توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا فائض لغوي ولا جفاف دلالي. اللغة ملائمة لموضوع القصيدة القائم على الفقد، الحاجة، والتيه الوجودي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة التفعيلة الحرة/النثرية الإيقاعية، حيث:

يتشكّل الوزن عبر التوازي التركيبي.

يتولد الجرس من تكرار مفردة «أحتاج» بوصفها لازمة إيقاعية ودلالية.

الموسيقى الداخلية تتجلّى في تكرار الأصوات المهموسة (الحاء، السين، الصاد) التي تعزّز نبرة الحزن والهمس.

التكرار هنا ليس زخرفًا، بل بنية نفسية وإيقاعية تؤكد حالة العوز الوجودي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة بلا سرد تقليدي، لكنها تعتمد تناميًا شعوريًا يقوم على:

وحدات دلالية متتابعة.

تصاعد الحاجة من المادي (الدفاتر، الحروف) إلى الوجودي (الحنين، اليتم، الصباح).

المعمار الشعري يقوم على اللازمة الافتتاحية «أحتاج» التي تفتح كل مقطع، مانحة النص وحدة بنائية متماسكة.

2. الرؤية الفنية

ترى الشاعرة العالم من زاوية الذات الجريحة، حيث الوجود فعل نقص دائم. ثمة انسجام واضح بين الشكل والمضمون: اللغة المتكسّرة تعكس ذاتًا مكسورة، والإيقاع المتردّد يوازي القلق الداخلي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تنتج القصيدة دهشتها عبر:

قلب العلاقات المألوفة (الموت يُفسَّر، الحزن يُغنّي).

تحويل المجردات إلى كائنات فاعلة. وهو ما يمنح النص طابعًا تجديديًا بعيدًا عن الاستهلاك البلاغي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

القصيدة تطرح أسئلة وجودية صامتة:

ما معنى الحاجة؟

هل الحب خلاص أم جرح؟

هل الصباح وعد أم خيبة؟

إنها أسئلة أنطولوجية أكثر منها وجدانية.

2. الأفق المعرفي

تتجاور في النص مرجعيات:

صوفية (الحنين، الفقد).

حداثية (تفكك الذات، اغتراب المعنى). من دون إحالات مباشرة، بل عبر تداخل ثقافي شعوري.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

على المستوى التأويلي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

خطابًا عن اليتْم الوجودي.

أو نصًا عن غياب الآخر/الوطن/المعنى.

الطبقات الدلالية تتكشّف عبر التكرار والانزياح، لا عبر التصريح.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يندرج النص ضمن سياق القصيدة العربية المعاصرة المتأثرة بأزمات الإنسان العربي: الحرب، الفقد، التهجير، دون أن يصرّح بذلك.

2. تطور النوع الأدبي

القصيدة تمثل امتدادًا لقصيدة الحداثة العربية التي تجاوزت الوزن الصارم، لكنها لم تتخلَّ عن الإيقاع.

3. الارتباط بالتراث

التفاعل مع التراث هنا ضمني:

في مفردات مثل: الحنين، الندى، الصدى.

وفي الروح الغنائية التي تذكّر بالقصيدة العربية الوجدانية.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بمشاعر:

١- الحزن

٢- القلق

٣- الحاجة

٤- الفقد

وهي مشاعر تنبع من لاوعي جريح.

2. تحليل الشخصية

الذات المتكلمة ليست شخصية سردية، بل ذات شعرية مطلقة، تعيش حالة استنزاف نفسي دائم.

3. النبرة النفسية

النبرة الغالبة: حنين احتجاجي هادئ، بلا صراخ، لكنه عميق الأثر.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

تعكس القصيدة شعور الفرد المعاصر باليتم داخل مجتمع مأزوم.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة نقد ضمني:

١- لخذلان الجماعة.

٢- لانهيار المعنى المشترك.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

رجاء نور الدين هنا ليست شاهدة فقط، بل صوتًا نقديًا ناعمًا يكشف هشاشة الإنسان المعاصر.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الدفاتر: الذاكرة.

٢- الرصاصة: الفقد العنيف.

٣- الصباح: الأمل المؤجل.

٤- اليتم: فقد المعنى لا الأب فقط.

2. شبكات الدلالات

الحضور/الغياب – الحياة/الموت – الصوت/الصمت

كلها ثنائيات تحكم النظام الدلالي للنص.

3. النظام الرمزي العام

النص يبني عالمًا رمزيًا مغلقًا على الذات، مفتوحًا على التأويل.

ثامناً: الأسس المنهجية

التحليل التزم:

المنهج الأسلوبي في قراءة اللغة.

١- المنهج النفسي في تفكيك الذات.

٢- المنهج التأويلي في كشف المعنى العميق.

٣- مع صرامة منهجية واضحة، وتكامل بين المستويات.

- خاتمة:

قصيدة «أحتاج» نصّ شعري ناضج، يقوم على اقتصاد لغوي، وعمق دلالي، وحساسية نفسية عالية. إنها قصيدة لا تقول أكثر مما ينبغي، لكنها توجع أكثر مما تتوقع. نصّ يؤكد أن رجاء نور الدين صوت شعري يمتلك الصدق، والقدرة على تحويل الألم إلى بنية جمالية.

إن قصيدة «أحتاج» لرجاء نور الدين تشكّل نموذجًا متكاملًا للشعر المعاصر الذي يجمع بين الصدق الشعوري والعمق الدلالي، بين الاقتصاد اللغوي والغنى الرمزي. فهي نصّ يبرهن على قدرة الشعر على تحويل الألم الفردي إلى تجربة جمالية عامة، وعلى أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل فضاء لتشكيل المعنى واستدعاء الانفعال والتأمل.

لقد كشفت الدراسة أن النص يقوم على توازن دقيق بين الشكل والمضمون، بين الإيقاع الداخلي والانزياح البلاغي، بين التجربة الذاتية والمرجعية الثقافية والفكرية، بما يجعل من كل كلمة وكل صورة علامة تحمل أكثر من طبقة دلالية. كما أظهرت الدراسة أن الشاعرة استطاعت عبر هذا النص أن تُعيد صياغة الحاجة—التي تبدو بسيطة في ظاهرها—إلى فعل شعري ينطوي على فلسفة وجودية، ورؤية جمالية متكاملة، ورصد حقيقي للواقع النفسي والاجتماعي للإنسان المعاصر.

في النهاية، تُعدّ «أحتاج» شهادة على قدرة الشعر العربي المعاصر على التوسّع في البنية والدلالة، وعلى تجاوز المألوف لتوليد دهشة وتأمل مستمر، محافظةً على أصالة اللغة وعمق المعنى، ومؤكدةً أن الشعر يبقى دائمًا فضاءً للحقيقة الداخلية والبحث المستمر عن الذات والكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

رجاء نور الدين

أحتاج

كل دفاتركَ القديمة

لتربي الحنينَ في الصدر

ويئن كلما طُعِن برصاصة

ليقول نعم أدركتُ نعشي

ينطقُ الأسى لوعة وصبا

يفسر الموت حين يقصده

عابراً كل مجازات الصدى

يترك لحنَ الآه في عَبْرةٍ

ويكتب تفاصيل الحبِّ نوتةً

ترتلها كلما جاوروا الندى

أحتاج

كلَّ حرفٍ ينطقُ باسمي

لأحكي للمدى عن صدحَ رمشٍ

قد ورثتُهُ الحزن يغنّيه

يحملُ السهدَ ويتكل

يرميه في جروف الأسى

أحتاج

أغنية للصباح ارددها

تقاسمني اليتمَ

ليذهب سُدى

 

للشاعرة التونسية هادية السالمي

مَن يخلع الوشاح، يدفنه إحساسه في طُمرة عاتية من زمن، يدسه بين الذكريات الأليمة والمفرحة. وآخر الخلع هزيمة وغبن وملهاة بعيدة عن الواقع، يتشظى النص قهرًا، فلن يأتي بالحقيقة، بل سيظل الكاتب والنص مسافرين على الدوام، مقتنعين بأن خلع الوشاح سيزيد الأمر غُمّة، ولا يعطي للريح بهرجها المتولد من إرادة الله. فلا هي تهز نفسها بعلمها، بل برحمة الله.

يقول رولان بارت: "النص هو نسيج من العلامات، لا مرجعية له إلا ذاته" (Barthes, 1977)، وهو ما ينسجم مع فكرة النص المسافر والروح الباحثة عن معنى داخلي بعيد عن الواقع.

لِلَّيْلِ في الغُدرانِ أجنحة

مها كانت الغدران، فأجنحة الظلام مكسوة بعبير من الإسقاط الجميل على لوالب المعاني الكثيرة وهيامها بالبلاغة في نصوص مرتفعة، والأجنحة دروب وطرق تركن وتحاصر الليل. فلا هو عنها يستأخر، ولا يجب عليه ذلك، فقد خامر الدروب. فلتمسك لسانك ولا تجادل الليل، فقد دنا من أجنحته المحيرة: تارة تطلقها الريح، وأخرى يثنيها البساط الأبيض عن التقديم في لقاء ملكة الليل.

أشار كلود ليفي-ستروس إلى أن "الرمز البصري في النص يفتح أفقًا للمعنى متعدد الطبقات" (Lévi-Strauss, 1962)، وهو ما يظهر في النص من خلال أجنحة الليل والطرق المتشابكة.

كما له في كلّ القيعان أعمدة

وفي كل قاع مترفل الزوايا، توجد أعمدة خدومة متناسية التهميش، وهي انتقاء لمجموعة من الظروف شبهتها بالاعمدة، تصل بالكاد إلى أماكنها المثلجة بما يربد العطس ويزل الفتور والمرض.

في كفّهِ بَرْدٌ ومَسْغَبَةٌ، وفي مآقيه سَعِيرٌ، وبلاءاتٌ وحَنْظَلَةٌ...

حين تجرنا الأحزان، لا نملك إلا تلك البرودة القاسية التي تغطي كل أدمة يسكنها نسخ عصبي مارد، غير متجلي حتى طرفي الرمش والجبين، موضع الدموع تحترق داخليًا بدلالة رمزية رائقة، تخرج منها المحن المرة وما أخبر عن لمّا وضعت مفردة حنظلة ناسية انها فاكهة الدفلة.

و للعواصفِ صَهِيلُ الْحصَواتِ في مدامعه

والعواصف، في معانيها التخيلية، تكتب الأعاصير الدامغة لكل ذكرى كانت تتجمل لتخرجها المآقي دموعًا بلون الصهيل، يترجرج المعنى طربًا وحبوا نحو مكان التفضيل لعله يتذوق حلاوة الدموع المعبرة عندما تكون النار مشتعلة.

الليل يرسل ظلمته في شكل حجاب، وأجنحته مراتب ترقِّي إلى عالم رؤيوي لا يشبه مشهدًا سينمائيًا ولا غيره؛ فهو محاولة الاندماج في حضرة، فالظلام دومًا أمل للنور أو وصول إلى الشمس، والمكان في جوهره عالم من الترقي في بينة الأنثى وهي تفكر في الإضاءة والتنوير، فهي كالشمس تتمخض لتسرح لكيان الأنثوية، مرآة ترمز إلى ثورة صوفية.

للّيلِ في الغُدران أجنحَة،

ولِتِلالها على الأُخْدود أشرِعَة

مَوْعُودَة مُقْلَتُها بعِطْرِ يُوسُفَ ورُؤيَتِهِ،

ولِرِمالِها نُتُوءاتٌ وهَفْهَفَةُ أُغْنِيَةٍ.

كل الأوابد لها في رملها تعتمد القداسة كما فلقها قسم زليخة في يوسف، روح نورانية تمد الجمال والإيمان والتقوى لكل المقامات. فالشاعر شرّح الجمال بمده الشرعي بالتقوى والتسامي عبر المقامات، فقصيدته الكائنية هي مدرج نحو التنقل من مقام إلى مقام، وتسير الأنثى الكائنية حالمة في تصاعد متسامي عبر الطهر الكامل، تحوره بعد صقله الحضرة وسبوحاتها المثالية.

صَقْلٌ ومِطْحَنَةٌ

يا أيها الليل الذي أَسْدَلَ فوق كتفيها وجْهَهُ السَّمِج، فخلع الحجاب ليس وجهًا للتعرّي بقدر ما هو مربط كشف للوصول إلى حقيقة صوفية تبحث عنها أنثى في حجابها ومقامات الترقي إلى الحضرة القدسية.

اِخْلَعْ وِشاحَكَ،

فَإنَّكَ بِحَضْرَتِها،

وما على أقراطها

جِسرٌ لما تصبو وترتقب…

***

أ. د. حمام محمد – جامعة الجلفة / الجزائر

......................

اِخلعْ وشاحك

لِلَّيْلِ في الغُدرانِ أجنحة.

كما لَهُ في كلّ الْقيعانِ أعمدةٌ .

في كفّهِ بَرْدٌ و مَسْغَبَةٌ.

و في مآقيه سَعِيرٌ

وبَلاءاتٌ و حَنْظَلَةٌ.

و للعواصفِ صَهِيلُ الْحصَواتِ

في مدامعهِ.

للّيلِ في الغُدران أجنحَة.

و لِتِلالِها على الأُخْدودِ أشرِعَةٌ .

مَوْعُودَةٌ مُقْلَتُها

بعِطْرِ يُوسُفَ و رؤيَتِهِ.

و لِرِمالِها

نُتُوءاتٌ و هَفْهَفَةُ أُغْنِيَةٍ.

*

كلُّ الْأَوَابِدِ لها في رَمْلِها

صَقْلٌ و مِطْحَنَةٌ.

يا أيُّها اللّيلُ الّذي

أَسْدَلَ فوق كتِفَيْها

وجْهَهُ السَّمِجَ.

اِخْلَعْ وِشاحَكَ

فَإنَّكَ بِحَضْرَتِها.

و ما على أقْرَاطِها جِسْرٌ

لِمَا تَصْبُو وَ تَرْتَقِبُ...

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

قراءة نقدية في مجموعة «بعد أربعين عامًا من الثلج»

يمثل شعر الشاعرة فليحة حسن أحد المسارات الهادئة والعميقة في الشعر العراقي المعاصر، حيث لا تقوم الكتابة على الخطابية أو الانفعال اللحظي، بل على تأمل التجربة بعد إخضاعها لمسافة زمنية ونفسية. في مجموعة نصوصها «بعد أربعين عامًا من الثلج»، تبلغ هذه الرؤية ذروتها، إذ تتحول القصيدة إلى فضاء لاستعادة الأثر لا الحدث، وللذاكرة لا اللحظة.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة المجموعة من منظور نقدي، بالتركيز على بنية النص ودلالته، وتمثل الذات والزمن بوصفهما محورين أساسيين في الشعرية فليحة حسن.

العنوان والعتبة النصية

وفقًا لمفهوم جيرار جنيت* حول العتبات النصية، يؤدي عنوان المجموعة وظيفة تأويلية أولية.

العنوان «بعد أربعين عامًا من الثلج» يحيل إلى زمن ممتد، مؤجل، محمّل بالتجربة والتحول. الأربعون ترمز إلى نضج الألم، اختبار الوعي، وتحول الذكريات إلى معرفة. أما الثلج فيمثل الجمود والصمت، البياض القاسي، والتعليق العاطفي، ليضع القارئ فورًا في فضاء ما بعد التجربة، حيث الوعي بما مضى يتقدم على الحدث نفسه.

الذات الشعرية وتمظهراتها

الذات هنا ليست غنائية تقليدية، ولا اعترافية مباشرة، بل ذات متأملة، حسيّة، تتحرك بين الداخل والخارج، بين الذاكرة واللحظة الراهنة. يمكن قراءتها ضمن إطار الذات ما بعد الصدمة، حيث يتحول الألم من مادة انفعالية إلى معرفة شعرية متأملة.

تتميز هذه الذات بـ:

الهدوء الداخلي، بعيدًا عن الخطاب الاحتجاجي.

الانحياز للتأمل الداخلي والتفكير في الزمن والوجود.

رؤية أنثوية للعالم، لا بوصفها موضوعًا، بل كزاوية نظر تنتج معرفة شعورية متفردة.

في النصوص نجد الذات تتحرك في فضاء يومي وشعوري متشابك: من حضورها في «موعد في المطعم»، و«نحن النساء»، مرورًا بـ «هذا المساء» و*«مدرسة لم يخبروني أن لندن باردة»، وصولًا إلى نصوص الاستبطان مثل «حينما لا تحضر قصيدتي» و«أصدقائي القدامى»*. هذه الحركة تكشف عن الوعي بالتجربة والحنين إلى من كان، وما مضى.

اللغة الشعرية وبلاغة الصمت

تعتمد فليحة حسن لغة مكثفة، اقتصادية، دقيقة، حيث تقل الزخرفة لصالح الدلالة المكثفة. يمكن الحديث عن بلاغة الصمت، حيث يشكل الفراغ بين السطور، والبياض النصي، والأفعال المقتضبة جزءًا من إنتاج المعنى الشعوري.

الجملة الشعرية غالبا قصيرة غير مكتملة، وتترك للقارئ مهمة إتمامها. هذه الاستراتيجية تحوّل القراءة إلى فعل مشاركة تأويلية، حيث يتحرك القارئ مع الذات الحسية.

تظهر هذه الخصائص في نصوص تتناول الحياة اليومية والحواس: من «نيويورك» و*«الذي يدخن الآن تحت النافذة»، إلى نصوص أكثر رمزية مثل «بالوعة اسمها الحرب» و«في ليالي الحرب»*. حتى لحظات الهدوء الشخصي، كـ «وأنا أشرب الشاي في نيوجيرسي» أو «توكيد لمعنى النفي»، تتحول إلى فضاء شعوري مكثف يعكس التجربة والوعي الداخلي.

الزمن وبنيته غير الخطية

الزمن في المجموعة غير خطي، يتحرك في شكل دائري أو متشظٍ. الماضي لا يُستعاد بوصفه حنينا رومانسيا، بل كمادة للتفكير والمساءلة. القصائد تظهر كمقاطع زمنية منفصلة، يجمعها خيط الذاكرة والتجربة، لا التسلسل السردي.

هذا الوعي الشعري بالزمن يجعل من النصوص فضاء لتجربة الوعي بالذات، حيث تتفاعل الحاضر والغياب، والغائب والحاضر، والذكريات مع الإدراك اللحظي.

الجسد والمنفى

الجسد في النصوص أرشيف للذاكرة لا مجرد حامل للرغبة. إنه يتذكر أثر البرد، التجربة، والفقد، ويحتفظ بأثر التجربة على الذات. المنفى، من جانبه، لا يختزل في الجغرافيا، بل يُعاد تعريفه كحالة ذهنية ووجودية: حالة لا انتماء هادئ، بعيد عن الخطاب الاحتجاجي، ومفتوح على التأمل والشعرية النقدية للعالم.

تؤكد مجموعة «بعد أربعين عاما من الثلج» أن  الشاعرة فليحة حسن تكتب شعر التجربة العميقة، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة للتفكير، لا مجرد انفجار عاطفي. كتابة تقوم على ضبط اللغة، تأمل الزمن، وفكّ الذات دون ادعاء أو إكثار من العاطفة المباشرة.

النصوص، كما يظهر في مضامينها، تحرك الذات الحسية، الذاكرة، اللغة المكثفة، والإيقاع الداخلي، لتخلق تجربة شعرية تتجاوز الحدث إلى أثره، والفقد إلى إدراكه، واللحظة إلى صدى الزمن. بهذا، تمثل المجموعة إضافة نوعية للشعر العراقي المعاصر، ونموذجا لقصيدة المعرفة التي تنتج أثرها عبر الصمت بقدر ما تنتجه عبر القول

***

رائدة جرجيس

......................

* جيرارد جنيث: ناقد ومنظر فرنسي .

 

«حين يضيء الطين»

في فضاء الشعر الحديث، تتجلى النصوص النثرية بوصفها حقلًا خصبًا للتجريب اللغوي والفكري، حيث تتلاقى البلاغة بالمعنى، وتتصادم اللغة مع الوجود، لتنتج صورًا جمالية تحمل أبعادًا نفسية وفلسفية واجتماعية. ومن بين هذه النصوص، تبرز قصيدة سلوى السوسي التونسية بعنوان «حين يضيء الطين»، كنص شعري نثري غني بالإيحاءات الرمزية والدلالات المتعددة. فهي لا تكتفي بسرد حدث أو وصف مشهد، بل تغوص في أعماق الوجود الإنساني، وتستحضر الصراع بين الظلمة والنور، بين الجرح والشفاء، بين الذات والعالم المحيط بها.

تسعى هذه الدراسة النقدية إلى تحليل القصيدة على نحو موسّع، من خلال محاور لغوية وبلاغية وجمالية وفكرية وفلسفية ونفسية واجتماعية وسيميائية، بهدف الكشف عن الطبقات العميقة للمعنى، وإبراز قدرة النص على إنتاج الدهشة والتجديد، وبيان موقعه ضمن الشعر النثري المعاصر، فضلاً عن تقييمه كعمل إنساني وجمالي متكامل.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم لغة القصيدة على سلامة نحوية واضحة، مع وعي دقيق بالتراكيب العربية الحديثة التي توازن بين الفصاحة والتركيب الشعري الحر. نلاحظ اعتماد الشاعرة على الجملة الفعلية القصيرة والعبارات الاسمية المكثّفة، ما يضفي على النص توتّرًا دلاليًا وانسيابًا إيقاعيًا في آن.

تراكيب مثل:

«حين يضيء الطين»

«في طريق العودة إليّ»

تحمل انزياحًا دلاليًا واضحًا، إذ يُنقل “الطين” من دلالته الحسية (المادة/ الوحل/ الأرض) إلى دلالة إشراقية، ما يشكّل مفارقة بلاغية مؤسسة للنص بأكمله.

2. الدقة اللغوية والانزياحات:

الانزياح هنا ليس ترفًا أسلوبيًا، بل آلية توليد للمعنى.

فالزجاج المكسور لا يُرى بالعين، بل تلتقطه أعين المارّة ثم يتحول إلى فعل إيذاء رمزي:

«ترشقه في أضلعي»

هذا الانتقال من الإدراك البصري إلى الفعل الجسدي يعكس توتر العلاقة بين الذات والعالم، بين الداخل والخارج.

3. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات مختارة بعناية، تخلو من الترهل أو المباشرة، وتناسب موضوع القصيدة القائم على الاغتراب، العبور، والتطهير.

التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق، فلا تطغى الزخرفة على الدلالة، ولا تسقط القصيدة في تقريرية فكرية.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

1. الإيقاع الداخلي

القصيدة نثرية، لكنها مشحونة بموسيقى داخلية تقوم على:

التكرار: «في طريق العودة إليّ» (لازمة إيقاعية ودلالية)

التوازي التركيبي

التقطيع البصري عبر علامات الحذف (…)

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يعمّق البنية الدائرية للنص: عودة لا تكتمل، ومسار وجودي معلّق.

2. الجرس والموسيقى الداخلية:

نلحظ حضور الأصوات الرخوة (الضاد، النون، الراء) التي تعزّز الإحساس باللين، مقابل أصوات صلبة (القاف، الطاء) في مواضع التهديد والقطع:

«رجال البلاد يهدّدون بقطع الطريق»

هذا التضاد الصوتي يعكس انقسام العالم بين القمع والتطهير.

ثالثاً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص قائم على سرد شعري داخلي، بلا شخصيات تقليدية، حيث تتحول:

الذات المتكلمة - إلى مركز إدراكي

العالم -  إلى سلسلة قوى ضاغطة (رجال/ نساء/ تجّار/ ضوء)

الزمن زمن نفسي دائري، لا يتقدّم خطيًا، بل يعود باستمرار إلى لحظة «الطريق».

2. الرؤية الفنية

تنظر الشاعرة سلوى السوسي إلى العالم من منظور وجودي-تطهيري:

العالم ملوث، قاسٍ، متواطئ، بينما الخلاص مشروط بالضوء، لا بوصفه عنصرًا فيزيائيًا، بل قيمة معرفية وأخلاقية.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

أبرز مظاهر التجديد:

الوضوء بالشمس

التوبة الضوئية

الضوء بوصفه كائنًا أخلاقيًا (جسور، وديع، بريء)

وهي صور تُنتج الدهشة وتتجاوز الاستعارة التقليدية.

رابعاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

من يؤذي من؟

هل الطهارة ممكنة داخل عالم فاسد؟

هل العودة إلى الذات خلاص أم وهم؟

2. الأفق المعرفي

يحضر في النص أثر:

الفينومينولوجيا (الضوء بوصفه ظهورًا)

الصوفية (الطهارة، التوبة، النور)

الوجودية (الاختيار، الموت كما ينبغي)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الطين - الضوء

الجرح - التطهير

العودة - الموت

كلها ثنائيات تُنتج طبقات متعددة من المعنى، تجعل النص قابلًا لتأويلات متعدّدة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

النص مشحون بالقلق الوجودي، لكنه قلق منتج لا هدمي.

هناك صراع بين:

ذات مجروحة

ذات تسعى للتماسك عبر الضوء

2. النبرة النفسية

النبرة تجمع بين:

الاحتجاج الصامت

الصفاء الداخلي

القبول المأساوي بالمصير

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

تحضر السلطة عبر:

«رجال البلاد يهدّدون بقطع الطريق»

في مقابل نساء يحاولن تبرئة ذواتهن، ما يشي بنقد اجتماعي غير مباشر للهيمنة والعنف الرمزي.

2. الخطاب الاجتماعي

النص يفكك:

خطاب الطهارة الزائف

التوبة الشكلية

التجارة بالقيم

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية

الطين: الأصل، الانكسار، الجسد

الزجاج: الهشاشة، العنف الصامت

الضوء: الحقيقة، التطهير، الوعي

2. شبكات الدلالة

حياة /  موت

جرح /  شفاء

ظلمة /  نور

عودة /  فناء

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة تعتمد:

المنهج الأسلوبي

المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

التحليل النفسي الرمزي

المقاربة السيميائية

مع الالتزام بالموضوعية والتركيز على النص.

تاسعاً: القيم الإنسانية والجمالية العليا

القصيدة تحتفي:

بحرية الكائن

بحق الذات في النقاء

بجمالية المقاومة الهادئة

وهي نص إنساني يتجاوز الجغرافيا ليخاطب الإنسان في هشاشته وكرامته.

خلاصة:

قصيدة «حين يضيء الطين» نص نثري ناضج، يتكئ على لغة شفيفة، ورؤية فلسفية عميقة، وبناء جمالي محكم. إنها قصيدة عبور، لا تصالح مع الزيف، ولا استسلام للعتمة، بل بحث مؤلم وجميل عن ضوءٍ يستحق أن نُحيا به… وأن نموت كما ينبغي.

ختامًا، يمكن القول إن قصيدة «حين يضيء الطين» لسلوى السوسي تمثل نموذجًا شعريًا نثريًا متكاملًا، يجمع بين العمق النفسي والدلالات الرمزية واللغة المركبة والإيقاع الداخلي الدقيق. فقد نجحت الشاعرة في خلق فضاء شعوري ومعرفي يجمع بين التأمل الفلسفي في الوجود الإنساني والحساسية الاجتماعية تجاه واقع الإنسان ومجتمعه، مع الحفاظ على انسجام النص بين الشكل والمضمون، وبين الموسيقى الداخلية والرمزية التصويرية.

إن النص، بما يحمله من تعددية في الطبقات الدلالية وانفتاح على التأويلات، يتيح للقارئ أكثر من قراءة، ويقدم تجربة جمالية وفكرية متجددة، تؤكد قدرة الشعر الحديث على ملامسة الوجدان الإنساني، واستكشاف الذات، والتفاعل مع الواقع الاجتماعي والثقافي. وفي النهاية، يظل النص شاهدًا على حيوية الشعر النثري المعاصر، ومثالًا على قدرة اللغة على التعبير عن الصراعات الداخلية، والبحث عن الذات، والرغبة في الضوء وسط الطين.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.................

حين يضيء الطين

في طريقِ العودةِ إليّ

زجاجٌ مكسور…

تلتقطه أعينُ المارّة،

ترشقه في أضلعي.

رجالُ البلادِ يهدّدون بقطعِ الطريق،

والنساءُ يعتذرن لتاريخٍ

خدشته ظنوني،

ويقسمن أنّ أجسادهن

من الشمسِ بريئة.

في طريقِ العودةِ إليّ

تُجّارُ أسدافٍ

كسدت تجارتهم،

انقضت آجالُ بضاعتهم،

توضّؤوا بالشمس

وتابوا.

في طريقِ العودةِ إليّ

تأنّقت روحي

في حضرةِ جسدٍ

سطع في عينِ الضوء.

الضوءُ جسورٌ… جريء،

يرسمُ ظلّي عاريًا،

وينضو السِّتارُ عن روحي.

الضوءُ وديعٌ… بريء،

يعيد إليّ وجهي

لأحيا كما أشتهي،

وأموتَ كما ينبغي.

***

سلوى السّوسي | تونس

 

لَيْسَ النَّقْدُ الأدبيُّ مُجرَّد أدواتٍ إجرائية تُسْقِطُها القِراءةُ على النُّصُوصِ، بَلْ هُوَ رُؤيةٌ للعَالَمِ، وَمَوْقِفٌ مِنَ اللغةِ، وطَريقةٌ في مُساءلةِ التاريخِ والإنسانِ معًا. وَمِنْ هُنا تَتجلَّى أهميةُ المُقارَنةِ بَيْنَ نَاقِدَيْن يَنْتميان إلى فَضَاءَيْن ثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن، لكنَّهما يَلتقيان عِندَ جَوْهَرٍ واحدٍ، وَهُوَ البَحْثُ عَنْ مَعنى الأدبِ في سِياقِه الإنسانيِّ الواسعِ.

إحسان عَبَّاس (1920 - 2003) الناقدُ الفِلَسْطِينيُّ المَوْسُوعيُّ، وإريك أُورباخ (1892- 1957) العَالِم اللغوي الألماني الكبير، يُمثِّلان نَمُوذَجَيْن مُتَكَامِلَيْن لِفَهْمِ النَّصِّ الأدبيِّ عَبْرَ التاريخِ، بَيْنَ خُصوصيةِ التُّراثِ وكَوْنِيَّةِ التَّجْرِبَةِ الإنسانية.

انبثقتْ تَجْرِبَةُ عَبَّاس مِنْ قلبِ الثفافةِ العربية، مُتَّكِئَةً على تُراثٍ مُمْتَدٍّ، ومَشحونةً بأسئلةِ النَّهْضَةِ، والهُوِيِّةِ، وإشكالاتِ القِراءةِ الحَديثةِ للقَديمِ، وَقَدْ كانَ ابْنَ المَدرسةِ التُّراثيةِ الصارمةِ في أدواتِها، الحَديثةِ في أسئلتها. وَجَمَعَ بَيْنَ التَّحقيقِ العِلْمِيِّ للنُّصُوصِ، والوَعْيِ النَّقْدِيِّ المُتَجَدِّد. أمَّا أورباخ، فَقَدْ تَشَكَّلَتْ رُؤيته في رَحِمِ الفيلولوجيا (فِقْه اللغة) الأوروبية، حَيْثُ النُّصُوص تُقْرَأ بِوَصْفِها وثائق ثقافية، تَكشِف عَنْ تَحَوُّلاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ عَبْرَ العُصورِ.

يَخْتلفُ المُنْطَلَقُ الحَضاريُّ، لكنَّ القلقَ المَعرفيَّ واحدٌ: كَيْفَ نَفْهَمُ الأدبَ ؟، وكَيْفَ نَقرأ النَّصَّ في ضَوْءِ التاريخِ دُون أنْ نَخْتزله في التاريخِ ؟. يَرى عَبَّاس أنَّ النَّصَّ الأدبيَّ كِيَانٌ لُغَوِيٌّ مُستقِل، لا يُفْهَمُ إلا عَبْرَ لُغَتِه وبيئته، لكنَّه في الوَقْتِ نَفْسِه نِتَاجُ سِياقٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ، لذلكَ كانَ حريصًا على التَّوَازُنِ بَيْنَ التَّحليلِ الداخليِّ للنَّصِّ والوَعْيِ الخارجيِّ بِظُرُوفِ إنتاجِه. وَلَمْ يَكُن التاريخُ عِندَه سُلطةً قاهرةً على النَّصِّ، بَلْ أُفُقًا يُضِيءَ دَلالاتِه.

مَنَحَ أورباخ التاريخَ مَكانةً مَركزيةً في فَهْمِ الأدبِ، لكنَّه لَمْ يَتعاملْ مَعَهُ كَخَلْفيةٍ جامدةٍ، بَلْ كَقُوَّةٍ دِيناميَّةٍ تَتجسَّد في الأُسلوبِ، وَطَرائقِ تَمثيلِ الواقعِ. واللغةُ عِندَه لَيْسَتْ أداةً مُحَايِدة، بَلْ هِيَ سِجِلٌّ لِتَحَوُّلاتِ الرُّؤيةِ الإنسانيةِ. وَمِنْ هُنا جاءتْ تَحليلاتُه العميقةُ للفُروقِ بَيْنَ النُّصُوصِ.

تَمَيَّزَ مَنْهَجُ عَبَّاس بِصَرامةٍ عِلْميةٍ واضحة، خاصَّةً في مَجالِ التَّحقيقِ والنَّقْدِ التاريخيِّ، لكنَّه لَمْ يَقَعْ في جُمودِ المَدرسةِ التَّقليدية. كانَ مُنْفَتِحًا على المَناهجِ الحَديثةِ، دُون أنْ يَستسلمَ لَهَا بشكلٍ أعمى. تَعَامَلَ مَعَهَا بِوَصْفِها أدواتٍ قابلة للتَّطْويع، لا قَوالِب جاهزة تُفْرَضُ عَلى النَّصِّ فَرْضًا.

اتَّسَمَ مَنْهَجُ أورباخ بِشُموليةٍ إنسانيةٍ لافتةٍ. لَمْ يَلتزمْ بِمَنهجٍ واحدٍ صارمٍ، بَلْ بِنَظْرةٍ تَركيبيَّة تَجْمَعُ بَيْنَ التَّحليلِ اللغويِّ والرُّؤيةِ التاريخيةِ والحِسِّ الجَمَاليِّ. كانَ يَقْرَأ النُّصوصَ بِوَصْفِها تَمْثيلات للواقعِ لا مَرايا تَعكِسه حَرْفِيًّا، وهَذا يَعْني أنَّ النُّصُوصَ أشكالٌ فَنِّية تُعِيدُ تَشكيلَ الواقعِ.

وَقَفَ عَبَّاس عِندَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ بَيْنَ التُّراثِ والحَداثةِ. لَمْ يَعْتَبِر التُّراثَ مادةً للتَّقديسِ، ولا عِبْئًا للتَّجَاوُزِ، بَلْ مَجالًا للفَهْمِ النَّقْدِيِّ، لذلكَ دَعا إلى قِراءةِ التُّراثِ قِراءةً تاريخية واعية، تُميِّز بَيْنَ مَا هُوَ حَيٌّ وَمَا هُوَ مُنْقَضٍ. ورَأى أنَّ الحداثةَ الحقيقية لا تُبْنَى على القَطيعةِ، بَلْ على الفَهْمِ العميق.

أمَّا أورباخ، فكانَ التُّراثُ الغَرْبيُّ أمامَه سِلْسِلَةً مُتَّصِلة مِنَ التَّحَوُّلات، لا انقطاعات حَادَّة فيها. الحَداثةُ عِندَه نَتيجةُ تَرَاكُمٍ تاريخيٍّ، يَظْهَر في تَطَوُّرِ الأساليبِ والمَوضوعاتِ، لا في إعلانِ القَطيعةِ معَ الماضي.وَمِنْ هُنا جاءتْ نَظْرَتُه المُتصالِحة معَ التاريخِ التي تَرى في الأدبِ مَسارًا إنسانيًّا طَويلًا.

يَلْتقي الناقدان عِندَ نُقْطَةٍ جَوهرية: مَركزية الإنسانِ. عَبَّاس، رَغْمَ اشتغالِه الدَّقيقِ بالنُّصُوصِ، لَمْ يُغْفِل البُعْدَ الإنسانيَّ للأدبِ، وَرَأى أنَّ القيمة الحقيقية للنَّصِّ تَكْمُنُ في قُدرته على التَّعبيرِ عَنْ تَجْرِبَةٍ إنسانية صادقة. وأورباخ جَعَلَ مِنَ الإنسانِ مِحْوَرِ مَشروعِه النَّقْدِيِّ كُلِّه، فالأدبُ عِندَه سِجِلٌّ لِتَحَوُّلاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ، وَتَمثيلٌ لِمُعاناةِ البَشَرِ وأحلامِهِم عَبْرَ الزَّمَنِ.

قَدْ يَبْدو المَنهجُ النَّقْدِيُّ بَيْنَ عَبَّاس وأورباخ مُختلِفًا في أدواتِه وَمَساراتِه، لكنَّه يَلْتقي في غايته الكُبْرى، فَهْم الأدبِ بِوَصْفِهِ فِعْلًا إنسانيًّا مُرَكَّبًا يَتجاوزُ حُدودَ اللغةِ والزَّمَنِ. وكِلاهُما قَدَّمَ دَرْسًا بَالِغَ الأهميةِ، لا نَقْدَ بِلا مَعرفةٍ عَميقةٍ بالنَّصِّ، ولا قِراءة حقيقية دُون وَعْيٍ بالتاريخِ، ولا قِيمة للأدبِ إذا انفصلَ عَن الإنسانِ.

والمُقَارَنَةُ بَيْنَهما لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْريًّا، بَلْ ضَرورة لِفَهْمِ كَيْفَ يُمكِن للنَّقْدِ أنْ يَكُونَ جِسْرًا بَيْنَ الثقافاتِ، وَحِوَارًا بَيْنَ التُّراثِ والحَداثةِ، وَصَوْتًا للعَقْلِ وَهُوَ يُفَتِّشُ بِلا كَلَلٍ عَنْ مَعْنى الجَمالِ والحقيقةِ في الكَلِمَات.

يُمثِّل عَبَّاس وأورباخ نَمُوذَجَيْن مُتَمَايِزَيْن في النَّقْدِ الأدبيِّ، يَجْمعهما العُمْقُ المَنهجيُّ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهما السِّياقُ الثقافيُّ وأدواتُ التَّحليلِ. اعتمدَ عَبَّاس مَنهجًا تاريخيًّا تَحْقيقيًّا يَقُومُ على ضَبْطِ النَّصِّ وَتَوْثيقِه، وَرَبْطِه بِسِيَاقِهِ الثقافيِّ والحَضَاريِّ العَرَبيِّ، معَ عِنايةٍ صارمةٍ بالمَخطوطاتِ، وَتَطَوُّرِ الأجناسِ الأدبيةِ، وَهُوَ مَا يَتجلَّى في أعمالِهِ حَوْلَ الشِّعْرِ العَرَبيِّ والنَّقْدِ التُّراثيِّ. أمَّا أورباخ فَأسَّسَ مَنهجًا أُسلوبيًّا تَمْثيليًّا مُقَارَنًا، يَدْرُسُ طَرائقَ تَمثيلِ الواقعِ في الأدبِ الغَرْبيِّ عَبْرَ تَحليلٍ دَقيقٍ للأُسلوبِ واللغةِ داخلَ نُصُوصٍ مِفْصَلِيَّةٍ، معَ مَيْلٍ أقَل إلى التَّحقيقِ النَّصِّي، وأكثر إلى القِراءةِ التأويلية العابرةِ للعُصور.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

النهايات، بدايات لمتخيل جديد ينسجه القارئ

«كأن النّهايات ترمينا على شواطئ البدايات» (خالد حسين(1)

مفتتح..

ما الذي يتبقى حين ينهار العالم؟

هل نهاية الرواية تعني الانتهاء والتّمام، وأنّ السّارد أفرغ ما في جعبته ليركن إلى الصمت؟ وهل انتهى الكلام حين أعلن السّارد عن نهاية الحكي بعد أن أخذ قارئه في متاهات سردية، فانقطع ما كان بينهما إلى الأبد، أم سلّمه مفاتيح النهاية ليصوغ روايته على أساسها؟

تنتهي الرواية، أي رواية، وهي تحمل داخلها إرهاصاتٍ لبدايات جديدة، فالنّهاية آخر ما يبقى عالقا في ذهن القارئ المُبدع والمتخيِّل والمنتِج، حين يعيد إنتاج نصّه في تناصّ إبداعي مع الأصل وانطلاقا منه، مؤسِّساً بذلك مساراً جديدا بشخوص وفضاءات وأحداث وأزمنة جديدة يبني بها معماراً لنصٍّ آخر تشَكّل، حين القراءة الذّكية، في ذهنه النّشط.

فالنّهاية توقِف القارئ للتّأمّل، وتصوّر الجهد الذي تكبّده الكاتب وهو يبني روايته على أساسٍ من الإبداع والتّخيّل، يُنهيه بكثيرٍ من التّركيز والتّكثيف، رغم سرعة الانحدار إلى مآلها الأخير، وجمع شتات الحكي، ومنح النص حيوية وتأويلا منفتحا على المشاركة في بناء المعنى، فهي القفلة التي تترك أثرها في القارئ، تُكسّر توقعاته وتبني أفق انتظاراته، مانحة إياه دهشة وتأمُّلاً يحقّق استمرارية النص.

«سراديب النهايات(2)»، رواية الكاتب والمفكر المغربي الدكتور عبد الإله بلقزيز، عنوانٌ يخلق لدى القارئ توتُّراً وحافزاً يدفعه للاكتشاف والانخراط في مجريات الأحداث، وكل توتُّر لابد أن يُنتج السؤال والإبداع، فالسراديب، وهي جمعُ سرداب، وهو «الخباء تحت الأرض»(3)، وهو القبو والنّفق والمقبرة والمدفن، وهو المكان الضيق، وكل سردابٍ ظلامٌ وضيقٌ وسجنٌ، بل أكثر من ذلك، هو نهاية في حدّ ذاته، لكن الكاتب أراد لنهايات شخوصه أن تكون، كما في واقع النّاس المهمّشين والبُسطاء، أكثر ظلماً وظلاماً وقسوة وألماً، فجاءت النّهايات سراديب مخيفة.

شيء ما يتسرّبُ عبر هذه العتبة، يوحي بأن السّرد سيكون قويا مؤلما، متشابكا، يجمع نهايات متعدّدة بتعدّد الشخوص، يتقاذفهم الألم والظلم والخوف بلا رحمة، داخل سراديب الحياة المظلمة. وإذا كانت البدايات بذرة الفضول ومشعل التّوغّل في السرد، وحين يبرع الكاتب في غرسها في ذهن القارئ لتنمو، وينموَ النّص في وجدانه، يتحوّل إلى رحلة، قد تكون شاقّة، تخوض مَعْمَعَ الأحداث داخل السراديب إلى النّهاية التي لم يقف عندها الكاتب، بل احتراما لقارئه، ترك لها فُسحاً لأن تُبنى من جديد، بنظرة جديدة وبأحداث جديدة.

«سراديب النهايات»، تضع القارئ أمام نهايات متعدّدة، الشيء الذي يعني بدايات متعدّدة لقراءات منتجة، رصينة وواعية، فالسارد لا يضع حدّاً أو نهاية أو نقط الوقوف عند نهاية الأحداث، كما لا تعني بالضّرورة نهاية السرد، ونهايات الشخوص، بل، ذكاءٌ من الكاتب وقدرةٌ على أن يُشرك القارئ في همّهم، ويدفعه إلى طرح أسئلته، واقتراح تصوراته.

مسارات الحكي..

«سراديب النهايات »، رواية ، بمسارات ثلاث، تلتقي وتفترق، تصمد وتضعف عبر حكايات الإنسان العادي البسيط، الذي يصنع من أيامه ولياليه، بجهده وعرقه وصبره، بحبه وطيبوبته مسارا لحياة تنهض على إشاعة الدفء والكفاف والحب ونكران الذات، والبحث عن حياة أفضل، أقصاها غربةٌ أو شغلٌ، وآخر نقيضه، يأكل أهله الجشع والطّمع والاستغلال، يستبيحون حرمة وأسرار الآخرين وهم يتخندقون داخل نفق يسيرون فيه وحدهم يجمعون ويكنزون، تموج قلوبهم داخل سراديب مظلمة، لا يلج إليها نور المحبة أو الخير، «يريدُه إذاً، فقيراً مُعدِماً، يقف بالكاد، على قدميه، ولا يجمعُ طموحه لأكثر من الكفاية الذاتية، بحيث يظلّ مشدوداً بحبل الخصاصة إليه»(4)، وثالثٌ يتدخّل فيه السارد بحساب، ذكاء من الكاتب، حين يضع خطوطه وأبعاده، ويترك للقارئ أن يبني مساراً أو مسارات جديدة عبره، منها ينطلق ليُنْتِج نصّاً انطلاقته الرواية الأصل، «سراديب النهايات»، وانتهاءً بمتخيَّل ينسجه بذكائه، يجبره على التّباطؤ وهو يتتبع مسارات الحكي، كما يجبره على الإصغاء لإيقاعات عوالم الشخوص وهي تنهار، وما يكاد يستقيم أوَدُها حتى تنهار من جديد، متأرجحة بين اليأس والتّمسّك بالحياة بخيط رفيع يعني الكفاف وأقلّه، ويطرح السؤال: ما الذي يتبقّى حين ينهار العالم؟

الكاتب هنا، لا يكتب مآسي الشخوص، أو جشع الإقطاعيين والسلطة وأصحاب النفوذ، «.. العياشي الذي توسعت أرضه المتوسطة بالشراء من تخوم الفقراء والمعدِمين مثله، فتحوّلت من ضيعة متواضعة، كانت نواتُها في حدود ستة هكتارات، إلى ضيعة في ملكيته، وتحت يديه، من عقارات في بن جرير»(5) ولا يصف الإذلال المقيت الذي يمتد عميقا في كل مناحي الحياة، بل يكتب ليعيش القارئ مع شخوصه أصدق اللحظات وأقواها، في محاولة لدفعه لأن يكتب ضد هذا الذي ينخر جسد الحياة كالسوس، ليخلق بداية ممكنة لعالم جديد، ينطلق من القلق والبحث في معنى الوجود الإنساني أمام هشاشة الإنسان الذي تترادف أحزانه وانهياراته وخيباته وأحزانه، وهو يبحث، من دون جدوى، عن الخلاص، ماسكا قلبه المجروح ووصيّة الوالد.

فالرواية تحاول تجاوز الحكاية إلى البحث عن معنى الإنسان في عالم صعب يتغير باستمرار، لا يرحم، يأكل الضعيف، وتكشف عمق الوجود البشري في تفاصيله اليومية البسيطة والمعقّدة، فالسرد مرآة للناس في صراعهم وأحزانهم وأحلامهم وأفراحهم، ممّا يجعل الحياة جديرة بالكتابة والقراءة والتّأمّل، وهذا سرُّها، فحين تنبع من نبض الناس، وبساطة الناس، وقهر الناس، تظل قادرة على البقاء، وأكثر قوة في التّأثير على القارئ ليصبح جُزْءً منها، فاعلا منتجا غير متفرّج، ليحمل هو الآخر، قلق الإنسان في بحثه عن ذاته وعن موطئ قدم في محيطه الذي يرفضه.

الجشع والكفاف، مساران، أبداً لا يلتقيان، قد ينتصر الجشع حين يلوذ بالسلطة والمال والقوة، ماردٌ يسكن نفوس مجموعة من الإقطاعيين والقريبين من السلطة، يتحينون الفرص لنهب وسرقة ما بيد الآخرين الباحثين عن الظّل، ينسج بأحداثهم مسارا يستمدّ قوته من الاستحواذ والاكتناز والأنانية الخبيثة، بينما ينحصر الكفاف داخل أردية الخوف والتّردّد وضعف ذات اليد، يسير متردّداً على المسار الثاني مسلحاً بالقناعة والعرق، وكثير من الصّبر.

الجشع والكفاف، متوازيان، أبدا لا يلتقيان، لكنهما يسيران جنبا إلى جنب، قد ينجذبان، قد ينتصر الجشع حين يتّكئُ على السلطة والمال، لكن إلى حين، مآلهُ إلى مصير بارد في متاهات السراديب حيث يندثر ويضيع وتخبو جذوته ليبقى الكفاف مشعا متّكئاً على القناعة والمحبّة، يرسم على الأرض دوائر من نور بألوان الحب والمعاشرة الصادقة.

هذان المساران اللذان رسمهما الكاتب بذكاء وهدوء وعمق، يُشرِّحُ النفس البشرية وما يعتمل داخلها من مشاعر الحب والكره والأمل واليأس، والجشع والكفاف، وما يموج داخلها من اضطراب وتصدُّع، بلغة شفافة، قوية وسلسة، يرتاح لانسيابهما القارئ حين يسْرح داخل معانيها مكتشفا أسرار البناء التي تقيم صرح الرواية، مستشْعراً لذة القراءة ومتانة البناء، بتحريض من الكاتب الذي يفرض عليه أن يتمتع ويسمع لنبض الحياة التي تسري داخل المتن الروائي ويجمع شتات الحكي، يحيك وفي يده خيوط الأحداث التي تتقلب بين انتصار ونكوص، وجشع وقناعة، وأخذ وعطاء، ليبني نصا يبتدئ ليس عند نهاية الرواية، بل عند نهاية أحداث كل شخصية من شخوص الرواية .

مسار الجشع، مسارُ كبار الملاّك والسّلطة وأعوانها، «الحاج العياشي، الحاج الدفالي، أولاد الفقيه العثماني، الحاج بورحيم» ومن يسير على خطاهم، نفسٌ جشعة، متوحّشة، تحب ذاتها كما تحب الاكتناز والاستحواذ، «في منطقة منكوبة بالجفاف والفقر والتهميش»(6)، غاية شهوتها امتلاك ما امتد إليه بصرها، وإذلال الآخر «عبد الرحمن» الذي لا سند له سوى نفس أبية، وتمَسُّك بالمبادئ وقطعة الأرض، ووصية الوالد.

الجشع، ذلك المارد الذي يسكن نفوس مجموعة من الإقطاعيين، ينسج بهم الكاتب مساراً يمتدُّ من الاستحواذ والاكتناز والأنانية الخبيثة، مُروراً بالطّمع بما في أيدي صغار الفلاحين وضعفائهم، وانتهاءً بالسيطرة ووضع اليد على كل شيء، ليُصبح الإنسان مجرّد أداة للاستغلال والإنتاج، لا حقّ له في التّملّك، كائن يخرج من دَوّامة ليدخل أخرى أشدّ منها فتكا وقهرا وإذلالا، والاستحواذ على الأرض وسخرة الفلاحين البسطاء، مسلوخين من إنسانيتهم، مقهورين، مغلوبين يتعرّضون، عياناً، لفرض السطوة عليهم، وإذلالهم بالإخضاع والاتباع، «ما أسوأهُ حظُّه من حظٍّ، يملك أرضا، لكنه لا يملك أن يتمتع بثمْراتها وحده، ومعه عائلتُه، عليه أن يقتسم الأرباح مع غيره: منه البِذارُ، والحرثُ، والعمل، والسّقيُ، والحصادُ...، ومن شريكه الماء. يُعزّي نفسه بالقول إن الأرض، والبذار، والعمل، لا تساوي شيئاً من دون ماء.»(7) ويصبحوا خدماً في أرضهم، صابرين على ذلِّ الحاجة ومصاريف العيش التي لا تنتهي.

مسار الكفاف، وهو مسار عبد الرحمن وعائلته ومن يذوق قهْر السلطة والمال والقوة من صغار الفلاحين، الموازي «للعياشي» وطغمته، وهو الوجود الإنساني الخيّر، غايته الحفاظ على جذوره ثابتة فوق أرض الآباء، رغم أن «الحفاظ على الأرض في زمن الجذب»(8)، معادلة صعبة تسندها المكايد والتخويف والتجويع وقطْع الحياة على الأرض التي تشكو قلة القَطْر.

«عبد الرحيم، السي محمد، مهدي، صفية، فاطمة،» وآخرون، محطات تبرز على طول المسار، تنتصر «لعبد الرحمن» مرة، وتعمق جراحه مرّات، تحاول شدّ أزْره، لكن قصر ذات اليد، وغياب التفكير النّاجح للعناية بالأرض، وعدم مشاركة مهدي وعبد الرحيم في تحمّل المسؤولية، يقصم الظّهر، ويفتح للمسار طرقاً وعرة المسالك عامرة بالإحباطات والكرب واليأس وقليل من الأمل.

كما أن المزج الجميل والذكي بين الفضاءات ونفسية الشخوص والأحداث يجعل من السرد لوحة فسيفسائية تجمع بين الجمال والقبح، الجشع والكفاف، الطمع والقناعة، المكر والوفاء، فالفضاءات تنسجم وروح الأحداث والتيمات وكذا الشخوص، فسرايفو وأفغانستان مثلا فضاءات للحرب والظلم والبطش التي تنسجم والمسار الأول، بينما فرنسا ومراكش وغيرها فضاءات يغلب عليها الهدوء والحب، فضاءات تنسج بالحكي متاهات وسراديب وأنفاق تنفتح أسرارها مرة وتنغلق مرة لتصب في نهايات معَلّقة ومنفتحة على السؤال وبدايات أخرى ينسج القارئ تفاصيلها ليؤسّس نصّاً جديداً لا يكتفي بالتّجاور مع النّص المقروء، بل يدخل معه في محاورة تفكيكية لآليات بنائه، ويحمل تمثلات دلالاته لإنتاج معنى آخر يفتح للتلقّي أحداثا لنص إبداعي ينفتح انطلاقا من علائق النص الأول.

تيمات الرواية، تصب في قالب برأسين، الخير والشر، الجشع والكفاف، «العياشي» و«عبد الرحمن»، عندما يسيران في اتجاه واحد، لكن إلى نهايات مختلفة، يؤثر الأول في الثاني الذي يظهر بمظهر الضعف، لكنه ضعف مشوب بقوة حين لا يستسلم للجشع والإذلال، ليظل المساران مُنجذبين إلى بعضها في بحث حثيت عن نهايات مفتوحة على آتٍ مُنتظرٍ يبني معماره القارئ.

يارا، مسار وحده، لا تربطه بالمسارين أية علاقة، هو مسار وحده، ينساب دافئا، هادئا، طاهرا يعيد الإنسان إلى طبيعته، ويُذكر بالخير الثاوي فيه، تبرز «يارا» ببراءتها لتقول للجشع «قف» وتفسح للحب مجالا أرحب للتأثير وصبغ المحيط بألوان الحب والنقاء.

«يارا» اسم تمتزج فيه المعاني باختلاف الموارد التي يغترف منها؛ فهو الصاحب والمعشوق والقدرة والتمكُّن والشجاعة عند أهل النيروز بفارس، كما هو الماء اللعاب بأرض الأناضول، وهو الزهرة الجميلة أو الشهر السرياني أيار، أو قل هو الحبيبة والعشيقة والصاحب المعين في أرض صيدا وصور؛ تلك الأرض التي ركب أهلها البحر وجابوا فيروز الشُطآن بالمتوسط. لعل الاسم رحل من هناك أو هناك أخلد إلى الأرض بمغرب الشمس عند هذه الزهرة اليانعة. كذلك «يارا» اسم يطلق على أول زهرة تخرج في الشجرة بعد فصل الإمطار والشتاء، كمجيء هذه الحسناء باكورة أمّها مع أول إثمار»(9).

«يارا»، الْتِفاتةٌ ذكية من الكاتب تجعل القارئ يرتاح، ولو إلى حين، من جشع «العياشي» وزيغ «مهدي» وتيه «عبد الرحمن»، وينفت بتواجدها في روعهم دفئا يُحيي موات النفس التي ران عليها اليأس والخوف والقهر، «يارا» بنت عبد الرحيم وكريستين الفرنسية، التي حلّت بسؤال مربك، «في المرة الأخيرة التي تحدثا فيها بالهاتف، وكان ذلك قبل سفره إلى بوردو بعشرة شهور، وأخبره بأنه رُزق ببنت سمّاها يارا، بم يعرف عبد الرحمن إن كان الاسم عربيّاً أم إفرنجياً، بل رجّح أن يكون من أسماء الفرنسيات. وحين سأل أخاه الأصغر مهدي في الأمر، أخبره الأخير بأن اللبنانيين يطلقون هذا الاسم على بناتهم، فاطمأنّت نفسه، وإن ظلّ يشكّ في بقاء زوجة أخيه على دين آبائها وأجدادها.»(10)

«يارا»، مسار وحده، ينبض بالحب والبراءة حين يبزغ للقارئ، يشع بين ثنايا الحكي ينصهر ومسار «عبد الرحمن» العم، و«صفية» الخالة و«الوالدة» الجدّة، وينفر من الآخر الذي يسير أعرج لا يكاد يستقيم إلى جنبه لكنه ضده، رغم أنه لا يخل بمسار الحكي في كليته، بل يضيف إليه مسحة من جمال يُبرِّد النفس، ويهدّئ من قسوة الأيام، ولا يوجِدُ لنفسه حضوراَ قويا يساير الحكي، بل يترك الكاتب للقارئ أن ينظر فيه، ويصبغه بما يجعله يؤسس لبداية ونهاية جديدة بملامح تحمل طابعه الخاص. «سُرَّ لزيارة أخيه المفاجئة. وسُرَّ أكثر لرؤية ابنته يارا لأول مرة. بسمل كثيرا وهو يتأمّل وجهها الصّبوح الجميل... ثم انحنى فحملها على كتفه وبدأ يجول بها في أنحاء الضّيعة»(11)

بداية النهايات..

لكل شخص من شخوص الرواية أسراره التي يُجَلّيها السارد بهدوء وروية، ليُدخِل القارئ في تجاويف ذاتها ليكتشف أسرار الذات البشرية وغربتها وتقلباتها وعمقها، حيث تختزن الجمال والقبح، والجشع والكفاف عبر تقاطعات سردية تسير به ليختبر ذاته هو عبر الذوات المؤسِّسة لمتن الرواية والمحركة لأحداثها، التي تصور الإنسان عاريا، كتابا مفتوحا على قراءات متعددة، بقوته وضعفه، بفرحه وحزنه، بجبروته وتواضعه وهو يسير إلى سراديب نهاياته، لتصبح كل نهاية لحظة كشفٍ وتحولٍ وانفتاحٍ على آتٍ غامض، تُشرك القارئ في التأويلات الممكنة، والأسئلة المقلقة إلى ما بعد النهاية بوساطة وعي فضولي تخييلي برع الكاتب في فتح فُرْجاته، ليزجّ به في خضمّ اللعبة بتسليمه مفاتيح الاحتمالات الممكنة والأسرار التي عليه أن يسبر أغوارها، «دهش حين رأى أمامه أربعة رجال، وجوه متجهمة، بدت له مكفهرة، ونظرات حادة مصوبة إليه كالسهام، نطق أحدهم:

أنت عبد الرحيم؟

نعم..

تفضل معنا..»(12).

تلك نهاية الرواية، ونهاية عبد الرحيم، وللقارئ أن يتخيل بداية لهذه النهاية عبر مسار رابع،  نهاية «عبد الرحيم» والآخرين «مهدي» و«حليمة»، التي بُنيت بداياتها حين كان لهم وجود وتواجد، وتلك غاية الكاتب، إشراك القارئ في لعبة الحكي تنطلق من النهاية/النهايات، لأن القارئ الإيجابي النّشط والمبدع الذي رغم انتهاء الأحداث، يؤسس بدايات نص جديد على أنقاض هذه النهايات بنفس الشخوص أو شخوص غيرها، من نسج خياله، تأسيساً جديد يرفع قواعده وهياكله عند نهاية الحكاية، حكاية «مهدي» و«عبد الرحمن» و«حليمة» الذين زُج بهم في سراديب ومتاهات يغلفها المجهول ليظل السؤال مشاغبا ومشاكسا.

وماذا بعد؟

من هنا يبدأ نص القارئ ويؤسس مساره الخاص، رغم أن الكاتب بنى لبعض شخوصه نهايات حتمية، إلا أنه سكت عن بعضها ليترك للقارئ أن يوظف قراءاته ومعارفه وخياله ليصنع من النهايات بدايات لسراديب تنتظر فاتحة فاها لاستقبال شخوص وأحداث جديدة تنطلق في مغامرة جديدة ابتدأها الكاتب ليُنهيها القارئ.

تلك هي «سراديب النهايات»، النهايات التي تركها الكاتب للقارئ أن يتصور فضاءاتها ومتاهاتها، وأن يفتح لشخوص روايته مجاهيل وسراديب أخرى، ويبني لهم متنا روائيا متخيلا يُدخلهم فيه، ويحركهم كما يشاء، ويختار لهم نهايات غير النهايات، ويؤسس معهم وبهم، نصا آخر يُنهي به فعلا سراديب النهايات، أو بدايات النهايات.

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء ـ المغرب

................................

(1) . خالد حسين. سميائيات الكون السردي. دراسات نقدية. منشورات رامينا 2023. (ص48).

(2)  . عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف بيروت 2014.

(3)  ـ محمد بن مكرم بن علي بن منظور. لسان العرب. الطبعة الثالثة. دار صادر بيروت 1993.

(4)  عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف بيروت 2014. (ص 13).

(5)  المصدر نفسه (ص 9).

(6)  المصدر نفسه (ص 15).

(7)  المصدر نفسه (ص 11).

(8) المصدر نفسه (ص 157).

(9) محمد رزيق. طارق ويارا. نص في إطار التّشكّل.

(10)  عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف. بيروت 2014. (ص 38).

(11) المصدر نفسه (ص 173).

(12) المصدر نفسه ص 351.

 

رواية " دروب الشاكرية" للروائي احمد عواد الخزاعي، تنتمي الى الواقعية النقدية بسياقها الفني، لأنها تنقل لنا الحياة الذاتية لبطل الرواية ريسان الذي ترتبط سيرته بحركة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد، وقد عمل المؤلف في سياق تدوينه للحركة السردية لأحداث الرواية، بجعلهما تناوبية في فصولها المرقمة، بين الماضي والحاضر، وبلغة سردية جاءت منسجمة مع الاحداث، وطيعة ومرنة تنساب بشكل متدفق دون زوائد أو سرد فائض يصيب القارئ بالملل والرتابة، مما خلف ذلك إيقاع متزن رافق سير الاحداث منذ بدايتها وحتى انتهاءها، كوننا سنكون مع ريسان بطل الرواية، وهو يعاني بمرض سرطان المثانة واحتباس الادرار والالم القاسي الذي يرافق هذا المرض، ليعود بنا الى حياته  في الاهوار ، عندما توفي والده أثر شجار عشائري، حيث كان يحمل راية العشيرة، وكذلك وفاة أمه بعده.

وينقل لنا الروائي البيئة الريفية وحياة أهل القرية في أهوار الجنوب، وكذلك هيمنة الشيخ وسلطته على الفلاحين، وجلبهم للعمل معه (صخرة) أي بدون أجر في مواسم الحصاد الذي يسمى الحشر .

كذلك نتابع الصراع النفسي لبطل الرواية وهو يعيش تحت ضغط الشيخ وازلامه لسحبه للعمل عنوة في (السخرة)، وهنا أود الأشارة الى أن الروائي نقل لنا تفاصيل حياة الفلاحين وصراعهم مع الشيخ في روايته السابقة الموسومة بــ (الحشر)، مما يتبين لنا أن هذه الرواية امتداد لروايته السابقة، او الجزء الثاني لها دون أن يشير الروائي الى ذلك، إذ نجد أن أحداث هذه الرواية تأخذ منحاً آخر، بعد أن يواجه ريسان الشيخ رافضاً الانصياع لاوامره، حيث يعاقب برميه بــ (الطامور) وهي غرفة من الطين مغلقة دون باب أو نوافذ، وهو العقاب لمن يخالف اوامر الشيخ، الامر الذي حدى بريسان الهرب من الاهوار، لتنتقل بنا الاحداث الى بغداد، مدينة الشاكرية، ونتابع تفاصيل دروبها كما تشير بنية العنونة .

وهكذا تنقسم الحركة السردية الى ثلاث محاور، حياة البطل ريسان داخل مدينة الشاكرية، وتفاصيل غائرة في العمق في عملية تبئيرية لحياة ريسان في الاهوار، وصفحة  من حياته، التي يقوم برواية جزء منها داخل النص كسارد ضمني، كما في قصة حربي ابو ضفيرة الذي يقوم مع رفاقه ووفق خطة محكمة باغتيال الحاكم العثماني، بعد أن يتفق مع ابناء القرية بإقامة زفة عرس داخل الهور لنتمكن من الهرب من رجال الحاكم العثماني ومطاردتهم لهم، بالاختفاء مع الزفة ليصعب ملاحقتهم، الا ان رجال السلطة العثمانية يتمكنوا من القبض على اثنان من رفاقه واعدامهما، ويستطيع حربي النجاة، وكذلك تفاصيل مرض ريسان وشفائه وهو المحور الثاني، أما الثالث فهو حياته في مدينة الشاكرية .

حيث تتناسل صفحات جديدة من الاحداث في تلك المدينة، وهي بمثابة السيرة الادبية والنضالية والاجتماعية لحياته الجديدة في المدينة، فتظهر علاقته العاطفية مع جانيت التي تسير احداثها مع مسار حركة السرد، والتي تبوء بالفشل، لاسباب سيعرفها القارئ عندما يتابع الاحداث، كذلك سنشهد ظهور حميد الشقاوة الشخصية المركبة الغريبة، فهو شقي ولص محترف، وكذلك يعمل لصالح السلطة في ذلك الوقت.

ونعود الى الماضي في هذا التناوب في الفصول، ليحدثنا بطل الرواية، عن تفاصيل مهمة في حياته وله أثر كبير داخل نفسيته:

قتل أبي بنزاع عشائري في هور العمارة، كنت حينها في التاسعة من عمري، كان حامل بيرغ العشيرة، التحقت به أمي بعد عام، تشاجرت اختي الكبرى مع زوجها سيد هادي، تدخلت أمي، ضربته واسقطت عمامته، رفع رأسه الى السماء وهو يردد (اريد شارة عمامة رسول الله تبين في الحال) قبل ان يركب مشحوفه، تقيأت امي دماً وماتت، ومنذ ذلك اليوم وهي تأتيني بين فترة واخرى في المنام، اراها والدماء تملئ فمها." (ص 38

وهكذا تسير بنا أحداث الرواية، بين مرض ريسان ومعاناته وهو يطل بنا على الماضي، وبين هذا لتبئير في الاحداث في عمق الماضي، وكذلك حياته في مدينة الشاكرية.

لنكون مع ريسان وهو يعمل مع شاؤول اليهودي، والذي تعرض للاذى والتهديد والخوف، ولا يجد بداً هذا اليهودي الا الهرب، ويظل ريسان خال من العمل.

وفي رؤية فنية ممسرحة داخل النص الروائي، يوظف المؤلف مشهد ما حصل له عند مواجهة للشيخ ورفضه العمل معه:

" عصا صغيرة تضرب على كتفه، وهو يقف حافي القدمين في طابور طويل من الفلاحين الفقراء، صدى قادم من بعيد، من ستون عام مضت، تردد على مسامعه (ريسان ابن حمود شغلتك نقل الطين للسدة) تداخلت الاصوات: صوت السركال (هذا الذي هرب من الحشر) صوت الشيخ (ابنو طامورة وذبوه بيهة حتى يتعلم شلون يطيع شيوخه ويصير آدمي. صوت بكاء، امتزج مع صوت اسراب طيور الهور." (ص 82)

وهكذا تمضي الاحداث بتناوب متناغم بين فصول الرواية، نحو نهايتها، الحزينة القاسية، إذ تسحبه أمه ليرحل معها بعد ان اختفى الدم من فمها، ويترك جثته مسجاة.

رواية " دروب الشاكرية " للروائي احمد عواد الخزاعي، خطوة موفقة ومتطورة للروائي، تؤكد امكانيته على المضي بعالم السرد الروائي بنجاح.

الرواية من اصدرات دار ومكتبة كلكامش للطباعة والنشر لعام 2025.

***

يوسف عبود جويعد

لم تكن الهوية، في التجربة الفلسطينية، مفهوماً مجرداً أو معطى ثابتاً، بل ظلت على الدوام سؤالاً مفتوحاً، محفوفاً بالاقتلاع والتهديد وإعادة التعريف القسري. ففي سياق تاريخي طويل من الفقد والمنفى والاحتلال، لم يعد الفلسطيني يعيش أزمته بوصفها حدثاً طارئاً، بل بوصفها حالة نفسية ممتدة، تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتُنتج وعياً قلقاً بالذات، هشّاً في يقيناته، ومحمّلاً بأسئلة الانتماء والاعتراف والوجود. من هنا، تتخذ الأزمات النفسية لدى الفلسطينيين طابعاً بنيوياً، لا مرضياً، إذ تنشأ من اختلال العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين اسمه وما يدلّ عليه، وبين ذاكرته وما يُسمح له بالاحتفاظ به.

في هذا الأفق المأزوم، يغدو سؤال الهوية أكثر من بطاقة تعريف أو اسم شخصي؛ إنه معركة دلالية على الحق في الوجود، وعلى استمرارية الذات في عالم يسعى إلى محوها أو استبدالها. فالهوية الفلسطينية ليست امتيازاً، بل عبئاً وجودياً يُلاحَق صاحبه في اللغة، والوثيقة، والجسد، والذاكرة. وحين تتعرّض هذه الهوية للاهتزاز، لا يظهر الاضطراب في شكل صراخ أو مواجهة مباشرة، بل يتسرّب إلى الداخل، متجسداً في القلق، والارتياب، والانقسام النفسي، والشعور الدائم بأن الذات مهددة بأن تصبح «غيرها».

ضمن هذا السياق، تأتي قصة «حقيبة ليست لي» للأديب الفلسطيني زياد خداش بوصفها نصاً سردياً يتجاوز الحكاية الغرائبية إلى تشريح نفسي عميق لمعنى فقدان الهوية في واقع لا يعترف بثبات الأنا. فالحقيبة التي تحمل الاسم ذاته ولا تحمل الحياة ذاتها، والرقم الذي يعود على صاحبه بصوت آخر، ليست مجرد مفارقات سردية، بل استعارات مكثفة لأزمة فلسطينية مركّبة، حيث يمكن للإنسان أن يُجرَّد من اسمه دون أن يفقد وعيه، وأن يُتَّهم بالجنون لأنه الوحيد الذي يرى الخلل في نظام يبدو للآخرين طبيعياً.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى قراءة القصة قراءة نقدية موسعة، تُقارب بنيتها اللغوية والفنية والدلالية، وتكشف عن طبقاتها النفسية والفكرية والسيميائية، واضعة النص في تماس مباشر مع سؤال الهوية الفلسطينية بوصفه سؤالاً إنسانياً كونياً، لا يخص شعباً بعينه، بقدر ما يفضح هشاشة الإنسان حين تُسحب منه أبسط ضمانات التعريف بذاته.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتسم لغة القصة بسلامة تركيبية واضحة، وبأسلوب سردي مباشر، يعتمد الجملة المتوسطة الطول، مع ميل إلى التتابع السريع الذي يحاكي ارتباك الشخصية المركزية. لا يلجأ القاص زياد خداش إلى التعقيد النحوي، بل إلى البساطة المشحونة، ما يجعل اللغة أداة لنقل التوتر لا لاستعراض البلاغة.

يتجلّى الانزياح الأسلوبي في الانتقال من الواقعي المألوف إلى الغرائبي، دون فواصل لغوية حادة؛ فالسرد يبقى هادئاً حتى حين يصبح الحدث صادماً، وهذا ما يُعرف بـالاقتصاد البلاغي الذي يُضاعف أثر الدهشة.

مثال ذلك:

«لم تكن حقيبتي… لكن اسمي ورقم هاتفي مكتوب عليها، وبخط يدي».

الجملة هنا تنشئ مفارقة منطقية تُبنى لغوياً لا خطابياً، وتُدخل القارئ مباشرة في مأزق الهوية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تنجح القصة في تحقيق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى. الألفاظ يومية، مألوفة، لكن توظيفها في سياق غير مألوف يمنحها بعداً دلالياً جديداً. لا توجد لغة فائضة أو جُمل زائدة عن الوظيفة السردية.

اللغة ملائمة تماماً للموضوع، لأن سؤال الهوية والجنون لا يُقال بلغة فخمة، بل بلغة واقعية تُخفي تحت بساطتها اختلالاً عميقاً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

رغم أن النص نثري، إلا أن له إيقاعاً داخلياً قائماً على:

التكرار (الاسم «زياد»، كلمة «أهلا»)

الجمل القصيرة المتلاحقة في لحظات الذعر

التوتر الصوتي بين الهدوء والانفجار

كلمة «أهلا» تتحول من تحية بريئة إلى علامة صوتية مرعبة، وهو توظيف ذكي للجرس اللغوي في خدمة الدلالة النفسية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية.

1. البنية الفنية للنص:

تعتمد القصة بنية سردية تصاعدية:

١- بداية واقعية: حقيبة في مطار

٢- تفاقم غرائبي: الاتصال بالرقم نفسه

٣- انفجار سردي: تعدد «زياد»

خاتمة مفتوحة/صادمة: فقدان الاسم والهوية

الزمن خطّي ظاهرياً، لكنه زمن نفسي في جوهره، يتمدد ويتقلص تبعاً لحالة البطل. الشخصية المركزية وحيدة، بلا اسم فعلي في النهاية، بينما تتحول الشخصيات الثانوية (الأب، العم، الطبيب) إلى شهود على انهيار اليقين.

المنهج الوصفي حاضر في التفاصيل اليومية، بينما المنهج التحليلي يتجلى في بناء المفارقة الكبرى، مع قابلية النص للمقارنة بأدب كافكا وبورخيس من حيث العبث الوجودي.

2. الرؤية الفنية:

رؤية زياد خداش للعالم رؤية قلقة، عبثية، لا يقينية. العالم ليس مكاناً مستقراً للهوية، بل فخٌّ إداري–تقني–اجتماعي قادر على سلب الإنسان اسمه بسهولة.

الشكل السردي (اللغة البسيطة، الحدث المتدرج) منسجم تماماً مع هذا المضمون.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

تكمن إبداعية النص في:

تحويل رقم الهاتف إلى سؤال وجودي.

تحويل الحقيبة إلى كائن مستقل

تحويل الاسم إلى عبء لا علامة تعريف

الدهشة لا تُنتج عبر الخيال الجامح، بل عبر تخريب المألوف.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

تطرح القصة أسئلة عميقة:

من أنا إذا لم يكن اسمي لي؟

هل الهوية معطى ذاتي أم نظام خارجي؟

أين يبدأ الجنون: في الفرد أم في الواقع؟

2. الأفق المعرفي يتقاطع النص مع:

الفلسفة الوجودية. نقد الحداثة التقنية التي تُشيِّئ الإنسان

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

الحقيبة ليست أشياء نسوية فحسب، بل حياة بديلة، و«زياد الآخر» ليس شخصاً، بل احتمالاً وجودياً. القصة تُؤوَّل بوصفها نصاً عن الاستبدال القسري للذات.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

النص فلسطيني بامتياز، وإن خلا من المباشرة السياسية. الهوية هنا هشّة، قابلة للمحو، في سياق استعماري–بيروقراطي طويل.

2. تطوّر النوع الأدبي

تنتمي القصة إلى القصة القصيرة الحديثة، ذات النفس الفلسفي، التي تجاوزت الحكاية إلى السؤال.

3. الارتباط بالتراث:

رغم حداثة النص، يلامس فكرة الاسم في التراث العربي بوصفه جوهراً ووجوداً، لا علامة محايدة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

القلق

الارتياب

الذعر الوجودي

2. تحليل الشخصية

الشخصية ليست مريضة نفسياً، بل منكشفة على حقيقة لا يحتملها العقل.

3. النبرة النفسية

النبرة تبدأ ساخرة، ثم تتحول إلى هلع، وتنتهي ببرود مأساوي.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

ينتقد النص:

سلطة التقنية

هشاشة الفرد أمام النظام

قابلية الإنسان للاستبدال

2. الخطاب الاجتماعي

المجتمع يُسارع إلى تفسير الاختلاف بوصفه جنوناً.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي:

زياد خداش يمارس نقداً اجتماعياً غير مباشر، عبر السرد لا الخطابة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

الحقيبة: الهوية المحمولة

الرقم: اختزال الإنسان

الاسم: جوهر مهدد

2. الثنائيات

أنا / الآخر

العقل / الجنون

الثبات / السيولة

3. النظام الرمزي

كل شيء يتحول إلى علامة قابلة للاستبدال.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: سردي–تحليلي–سيميائي–تأويلي

الصرامة: التركيز على النص

الموضوعية: غياب الانطباعية

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

القصة تدافع عن حق الإنسان في اسمه، في ذاته، في تفرّده.

2. الانفتاح على التأويل

النص يولد قراءات نفسية، سياسية، فلسفية.

3. البعد الإنساني الشامل

القصة فلسطينية في جذورها، كونية في معناها.

خلاصة:

تمثل «حقيبة ليست لي» نصاً قصصياً ناضجاً، ينجح في تحويل تفصيل يومي بسيط إلى مأزق وجودي شامل، ويؤكد قدرة زياد خداش على توظيف الغرائبي لا بوصفه زخرفة، بل أداة لكشف هشاشة الإنسان المعاصر، حيث قد يستيقظ المرء يوماً ليكتشف أن اسمه، وحياته، وحتى حقيبته.. لم تعد له.

خاتمة:

تُظهر القراءة النقدية لقصة «حقيبة ليست لي» أن زياد خداش لا يكتب حكاية غرائبية عن التباس عابر في الأشياء، بل يُنجز نصاً سردياً عميقاً يُعرّي واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في التجربة الفلسطينية: أزمة الهوية حين تُنتزع من معناها الإنساني، وتُختزل إلى رقم، أو وثيقة، أو تسمية قابلة للاستبدال. فالقصة، في جوهرها، لا تتناول الجنون بوصفه اختلالاً فردياً، بل تكشفه بوصفه ردّ فعل عقلاني على واقع فقد معاييره، حيث يصبح الثابت مشكوكاً فيه، ويغدو الطبيعي أكثر غرابة من الخيال.

لقد بيّن التحليل أن البنية اللغوية البسيطة، والسرد المتدرج، والاقتصاد البلاغي المقصود، كلها عناصر أسهمت في تعميق الأثر النفسي للنص، وجعلت القارئ شريكاً في ارتباك الشخصية لا مراقباً لها. كما كشفت الدراسة أن الرمز المركزي ــ الحقيبة ــ لا يؤدي وظيفة سردية فحسب، بل يتحول إلى علامة سيميائية مكثفة تختزن معنى الهوية المحمولة، والهشّة، والمهددة بالمغادرة في أية لحظة، تماماً كما يغادر الاسم صاحبه في الخاتمة الصادمة للنص.

وفي مستوى أعمق، تضع القصة القارئ أمام سؤال أخلاقي وإنساني بالغ الخطورة: من يُحدّد هوية الإنسان؟ أهو وعيه بذاته، أم اعتراف الآخرين به، أم نظام تقني-اجتماعي قادر على أن ينزع الاسم ويُعيد توزيعه بلا اكتراث؟ هنا، تتجاوز القصة سياقها الفلسطيني المباشر لتغدو شهادة إنسانية كونية عن هشاشة الذات المعاصرة، خصوصاً في البيئات الواقعة تحت القهر المزمن، حيث يتحول القلق النفسي إلى بنية دائمة من بنى الوجود.

وعليه، يمكن القول إن «حقيبة ليست لي» تمثل نموذجاً ناضجاً للسرد الفلسطيني الحديث، الذي لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يُفككه جمالياً وفكرياً، ويعيد صياغته في بنية فنية مفتوحة على التأويل. إنها قصة تؤكد أن فقدان الهوية ليس لحظة درامية عابرة، بل عملية صامتة، تبدأ حين يشك الإنسان في اسمه، وتنتهي حين يكتشف أن العالم اعتاد غيابه أكثر مما اعتاد حضوره.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

زياد خداش

حقيبة ليست لي

لم تكن حقيبتي، رغم أنها تشبه حقيبتي لونا ونوعا وحجما، لكن الغريب أن اسمي ورقم هاتفي مكتوب عليها، وبخط يدي، استرخيت على الكنبة وحدقت في السقف طويلا وأنا أحاول فك هذا اللغز، خطي ورقمي واسمي على الحقيبة بقلم ماجك أسود، لكن محتويات الحقيبة ليست لي، ولن يقدر احد على إقناعي أنها لي، فأنا لست امرأة أولا، ولا زوجة لي أو حبيبة، تنتظر مني مثل هدايا كهذه، كل ما في الحقيبة متعلقات نسوية لا تخصني، كنت عائدا من إسطنبول، إلى رام الله، بعد مشاركتي في مهرجان المسرح المدرسي الدولي، تفقدت الحقيبة غرضا غرضا، وتضاعفت حيرتي، لا شيء فيها ينتمي لأحلامي أو واقعي، قلبتها على وجهها، وفردت كل شيء على السرير باحثا عن ثغرة تقود إلى هويتي؟.

كانت الفكرة جنونية ومضحكة، نفيتها من رأسي فورا، لكن صوتا قال حولي: جربها لن تخسر شيئا ثم ان أحدا لن يعرف، ماذا يعني أن أتصل برقمي لأتأكد أن الحقيبة لي؟ سمعت نفسي أضحك، وأنا أنقر أرقامي من موبايلي، قبل آخر رقم توقفت، هاتفت صديقا يعمل في شركة جوال:

- أحمد اسمعني، لو بدي أتصل على رقمي من رقمي شو ممكن أسمع؟، سمعت ضحكة مدوية من أحمد وهي ضحكته التي نعرفها جميعاً، التي تشبه سكينا حين تكون ساخرة أو مستهترة بالأشياء، أغلق أحمد الخط في وجهي لانشغاله أو لاستهتاره بالفكرة أو لأنه ظن أني أسخر منه ومن شركته، عاد لي في المساء ليخبرني بأنه نقل سؤالي لمدير الشركة والموظفين الذين فرطوا من الضحك.

- أحمد بحكي جد، تقنيا بزبط إني أتصل على رقمي من رقمي نفسه؟

- يا زلمة ليش بتسأل جرب بنفسك وشوف شو بتسمع!

طب سؤال ثاني تحملني أرجوك، ممكن يكون نفس الرقم مع شخصين!

مستحيل يا صديقي شو هالحكي حل عني يا زلمة مالك شو في؟

أغلقت الخط في وجه أحمد خجلا منه أو يأسا منه لأنه لم يحاول فهمي.

نقرت على أرقامي، انتظرت صوتا آليا يقول لي، إن هناك خطأ تقنيا أو أنه مستحيل توقع رد من شخص آخر، المفاجأة أني سمعت بوضوح رنة انتظار، وجاء صوت من الطرف الآخر:

- مرحبا

ـ أهلا

أقفلت الخط وبدني كله يرتجف، سقط الموبايل من يدي، تركته على الأرض، ركضت نحو الحمام، متعثرا بالكراسي، لاهثا كأن قاتلا بمنشار يلاحقني، أخذت دوشا قويا، تركت رأسي تحت الماء، أحاول أن لا أفكر في شيء، لكن صوت الرجل الذي يحمل رقمي نفسه لم يترك رأسي:

أهلا

خرجت من تحت الماء، وحولي ترن بتتابع مخيف كلمة: أهلا أهلا أهلا أهلا أهلا أهلا، هاتفت صديقي أحمد،

أحمد حبيي اوعا اتسكر الخط، أرجوك صدقني اتصلت برقمي فرد عليّ شخص آخر!

أغلق احمد الخط وبقايا ضحكته تختلط مع كلمة «أهلا»، خرجت مسرعا من البيت، أمام مطعم المنسي تذكرت أني حافي القدمين، عدت سريعا، انتعلت حذائي، وخرجت، توقفت لاهثا أمام مطعم أبو خليل، التقيت صديق دراسة قديما، أهلا قال لي مبتسما، فدب الذعر في أقدامي، وقعت على الأرض، تقدم مني طبيب كان يقف في طابور المطعم:

- عندك يا ابني سكري إشي؟

- لا، لا دكتور لا ما عندي إشي شكرا شكرا.

«أهلا» رد الطبيب، وهو يعود إلى طابور الفلافل، ركضت بأقصى قوتي، ركضي السريع المتعثر لفت

انتباه الناس، صاح بعض من يعرفني: زياد شو في؟

انجنيت انت شكلك؟.

أعدت في البيت الاتصال برقمي، جاء الصوت حاسما:

- أهلا

- مين حضرتك ممكن أعرف؟.

حضرتك إلي مين؟ انت بتتصل من رقمي، على رقمي كيف ممكن يصير هيك؟.

ما بعرف، انت اللي بتحمل نفس رقمي، وهذا غريب.

طب شو اسم حضرتك؟.

زياد.

وحضرتك؟

زياد.

في مشفى الأمراض النفسية، ببيت لحم، جلست في غرفة وحدي، أحدق في اللاشيء، رأيت ممرضا، يتحرك حولي، سألته: شو اسمك أستاذ؟

زياد، أجاب.

ضحكت وضحكت وضحكت.

دخل الطبيب: عندي إحساس انه اسمك زياد يا دكتور صح؟

صح والله شو عرفك يا زياد؟.

في سيارة الإسعاف، جلس قربي الممرض زياد، وكان معي أبي وعمي وشقيقي، إلى أين تأخذوني؟

إلى البيت يا زياد، سترتاح هناك، وسنقنعك بأنه من المستحيل تقنيا الاتصال برقمك من رقمك، سنفعل ذلك أمامك، وستعود إلى عافيتك قريبا.

جلسنا جميعا في البيت، وكانت حقيبة السفر ما زالت على وجهها على السرير، وكل الأشياء متناثرة هناك وهناك، أخذ أبي موبايلي، نقر على رقمي نفسه: وكانت المفاجأة:

- وبعدين يا زياد جننتني شو بدك يا زلمة، ليش بضل اترن عليّ شو في؟.

سقط أبي على الأرض، وسقط فوقه عمي وشقيقي، نظرت إلى حقيبتي فإذا بها تنهض، وتنهض معها أغراضها النسوية، كانت الحقيبة تمشي أمامي، متجهة نحو الباب، الذي انفتح لها تلقائيا، خرجت الحقيبة، ومعها رقمي واسمي، ولم تعد، نهض أبي وشقيقي وعمي، قليت لهم بيضا وبطاطا، صنعت لهم شايا بالليمون، وحين هموا بالخروج، وعلى الباب، نظر لي عمي باستغراب قبل أن يخرج مع أبي وشقيقي، وشعرت أني عرفت سر استغرابه أو اضطرابه كان يريد أن يقول لي تصبح على خير يا زياد فتذكر أنني لم أعد زياد.

 

فتاة سليمان، أديبة وكاتبة سيناريو من سورية، تحمل إجازة في اللغة الانكليزيّة، لها محاولات عديدة في كتابة القصة القصيرة، ما يميز كتاباتها القصصية العمق الفكري والبحث عن قضايا إشكاليّة في عالم الفرد والمجتمع.

اخترنا من بين أعمالها القصصيّة، قصة (لعبة الكراسي) وهي موضوع دراستنا.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصة:

تقول القاصة عندما كانت (صغيرة)، كانت تلعب مع رفاقها لعبة الكراسي، وهي لعبة يوجد فيها كراسي أقل من عدد اللاعبين بكرسي، ولها (حكم) يحمل صافرة، وعندما يبدأ اللاعبون بالدوران حول الكراسي يصفر الحكم، والشاطر في مهاراته البدنيّة والذهنيّة هو من يجلس على الكرسي ويخرج منتصراً، ويبقى الخاسر وهو الشخص الذي مهاراته هي الأقل... هي لعبة كانت تتصورها أو تتخيلها بطلة القصة بأنها لعبة رياضيّة، تعتمد على المهارات الشخصية للاعب، ومدى قدرته على مسك الكرسي والجلوس عليه في النهاية، بغض النظر عن لون وجنس وشكل وانتماء اللاعب.

أما اللاعب الخاسر، فتجده في نهاية اللعبة يفكر بصوت داخلي محدثاً نفسه: ( كم هو الألم الذي كنت أتعرض له حين يصفر الحكم.. رِجْلٌ تركنني من هنا، ويد تلكزني من هناك.. لم أكن أحزن أو أغار منهم فليس عليهم ملامة.. فكل منهم يريد الفوز لنفسه، لأن الخسارة تعني الخروج من اللعبة.. وكم حزنت حين خسرت.. وبدأت أعاتب نفسي.. هل كان أدائي ضعيفا؟، أم أنني لم أكن أجيد اللف والدوران حول الكرسي؟..).

أما الجمهور، وفي كل مرة كان  يزاح كرسي تجده يصفق للرابح ويسخر من الخاسر..

بيد أن القاصة - وهي بطلة القصة -، عندما خرجت من اللعبة وجلست بين الجمهور، أدركت عندها أن الحكم كان يطلق صافرته حين يرى اللاعب الذي يريده أن يفوز في موقع يسمح له بالحصول على الكرسي دون عناء أو جهد.. وأدركت أن الخاسر الوحيد في مثل هذه الحالة كانت هي.

البنية الفكريّة للقصة:

تدخل البنية الفكريّة للقصة في عالم القصة الرمزيّة، وهي تريد أو تهدف برمزيتها، إلى القول بأن المجتمعات المتخلفة في منطقها وقيمها السلوكيّة والأخلاقيّة تحابي القريب على الغريب في تحقيق المنافع المعنويّة أو الماديّة، وهذا يحدث في السياسة أكثر وضوحاً، ففي السياسة تجد الحاكم يقرب من يصفق له ويكون ولاءاه مطلق حتى ولو كان فاشلا في مهاراته وقدراته في المهمة التي يكلف بها، ويبعد الأكثر قدرة ومهارة وخبرة.. فالولاء يأتي قبل الخبرة والكفاءة. وكذا الحال نجده في العلاقات الاجتماعيّة، فالقريب أولى بالمعروف، و(حبيبي يا نافعني) كما يقول المثل الشعبي.

البنية الفنيّة للقصة:

أولاً- البنية السيمائيّة أو الدلالية للعنوان: (لعبة الكراسي):

يشير العنوان في دلالاته العميقة، بأن الوجاهة والمكانة الاجتماعيّة والسياسيّة في الدولة والمجتمع، هما هدف عند الكثير من أبناء المجتمع، بيد أن الحصول عليهما يظل محفوفاً بمعوقات كثيرة داخل المحيط الذي يتواجد فيه طالب هذه الوجاهة والمكانة، وهذا ما بيناه عند حديثنا عن البنيّة الفكريّة للقصة.

ثانياً: الرمز في القصة:

الرمز هو الإيماء والإشارة والعلامة. والرَّمْزُ (في علم البيان) هو الكناية الخفيَّة، وجمعها رُمُوزٌ. وبالتالي هو أسلوب فني يستخدمه الأديب، بحسب تجربته الشّعوريّة أو نظرته الفنيّة، ويساهم في تشكيل المعنى الذي يودّ هذ أو الأديب أو ذاك إيصاله إلى المتلقي. والرمز قد يكون كلمةً أو عبارةً أو شخصيّةً، أو اسم مكان، وهو يتضمن دلالتين، إحداهما مباشرةٌ وظاهرةٌ ويمثل هذه الدلالة مثلاً (علم أو تمثال أو صرح فني أو شخصيّة تاريخيّة أو معاصرة لها حضورها في حياة الأمّة أو الشعب.. الخ)، والأخرى باطنةٌ مرتبطةٌ بالمعنى المُراد تبليغه، مثل استخدام الحمامة رمزًا للسلام، والدماء رمزًا للحرب والقتل، والمطر رمزًا للخير، والميزان رمزًا للعدالة.

على العموم نستطيع القول إن الرمز هو اقتصاد لغوي يكثف مجموعة من الدلالات والعلاقات، في بيئة ديناميّة تسمح لها بالتعدد والتناقض... وهو لذلك علاج لنقض المنطق، وضيق البنى التي ترفض التناقض والاختلاف، كما أنه علاج لجمود المعطيات والمفاهيم الثابتة. فمن خلال الرمز يمكن للأدب تجاوز الثبات للتعبير عن أوجه التناقض، أو الكشف عن الثنائيات المتقابلة التي تشمل الوجود الانساني.

وهذا في الحقيقة ما وجدناه في قصة الأديبة "فتاة سليمان"، فالرمز بكل دلالاته واشاراته إن كان كلمةً أو عبارةً أو شخصيّةً، أو اسم مكان.

إن (الكرسي) هنا، جاء دلالةً على المكانة الماديّة أو المعنويّة بكل أشكالها التي يحوز عليها الفرد في مجتمعه، ففي القصة جاءت دلالاته تحمل بعداً اجتماعيّاً وسياسيّاً كما بينا عند حديثنا عن البنية السيمائيّة لعنوان القصة. و(الحكم) هو القاضي الذي يحكم بين الناس.. و(الصافرة) هي القانون الذي يخضع له الناس، و(الجمهور) هو القطيع الذي يحكم على الظاهرة من الخارج ولا يدخل في أعماق ما يجري أمامه من أحداث... الخ.

لقد استطاعت القاصة "فتاة" أن تستخدم الرمز في حرفيّة عالية تنم عن قدرات فكريّة وفنيّة وأسلوبيّة عاليّة، تحقق الدهشة عند المتلقي. وهذا يعود إلى اشتغالها في كتابة السيناريو التي تساهم في تكثيف الفكرة والغوص في أعماق الشخصيّة.

ثالثاً: اللغة:

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة "فتاة" سليمة وفصيحة، وسهلةً، وواضحةً، سمحةً، ناصعةً، ومسبوكة الألفاظ، ومنسجمة مع بعضها في بنية القصة، وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة الصياغة وتسلسل العبارات وتخير الألفاظ وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الذي استخدمت فيه هذه اللغة من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة، وهذا يدل في الحقيقة على ثراء المفردات عندها وبالتالي امتلاكها قدرة التعبير وقوة وتصوير الحدث ببراعة في آن واحد. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال وعي القاصة أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها، إضافة لعمق إحساسها.

رابعاً: الغموض في القصة:

لقد قلنا بأن القاصة الأديبة "فتاة" قد اشتغلت عل المنهج أو المذهب الرمزي، وهذا ما يؤدي إلى خلق حالات من الغموض في فهم دلالات النص عند المتلقي البسيط، فالكرسي هنا ليس لعبة رياضيّة فحسب.. والصافرة ليست لضبط اللعبة الرياضيّة.. والدوران حول الكرسي ليس حركات تهدف إلى الوصول إلى الكرسي.. وتصفيق الجمهور للفائز ليس احتفاءً بانتصاره في هذه اللعبة.. الخ ففي كل هذه الرموز كانت تشير إلى المسكوت عنه، وما يحمل من دلالات تعبر عن قيم اجتماعيّة وسياسيّة وأخلاقيّة وثقافيّة كما بينا عند دراستنا لقضية الرمز في القصة أعلاه.

ملاك القول:

نعود لنقول: إن الأديبة القاصة والسيناريست "فتاة سليمان"، أنموذجا للقاص المبدع الذي لا تهمه زخرفة اللفظ والعبارة، أو البحث عن المدهش في الصورة والبيان والمحسنات البديعيّة لشد المتلقي، بقدر ما يهمها الفكرة التي تفرض على هذا المتلقي أن يدرك عمق دلالاتها الإنسانيّة، ومدى قدرتها على التغير في البنية الفكرية والسلوكية له.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

..........................

لعبة الكراسي

فتاة سليمان

عندما كنت صغيرة كنت العب مع رفاقي لعبة الكراسي.. حيث نضع عدداً ن الكراسي أقل من عدد اللاعبين بواحد، ونبدأ بالدوران حولها.. وهناك شخص يراقب اللعبة.. وحين يطلق صافرته كان على كل منا أن يجلس على كرسي.. ولأن عدد الكراسي أقل من عددنا.. كان على الشخص الذي لم يحظ بكرسي أن يغادر اللعبة.. وقبل أن يطلق الحكم صافرته للبدء بدوران جديد.. وجب علينا أن نزيح كرسياً كي تبق الحالة التنافسية موجودة..إلى أن نصل لنهاية اللعبة حيث يبقى كرسي واحد ومتنافسان.. أقصد لاعبان.

. وفي كل مرة كنا  نزيح كرسياً كان الجمهور يصفق للرابح ويسخر من الخاسر..

. لهثت كثيرا ولكني لم أحظ بكرسي..

. لم أسى كم الألم الذي كنت أتعرض له حين يصفر الحكم.. رجل تركنني من هنا ويد تلكزني من هناك..لم أكن أحزن منهم فليس عليهم ملامة.. فكل منهم يريد الفوز بكونه لنفسه لأن الخسارة تعني الخروج من اللعبة.. كم حزنت حين خسرت..وبدأت أعاتب نفسي.. هل كان أدائي ضعيفا؟، أم أنني لم أكن أجيد اللف والدوران حول الكرسي؟... ولكن عندما خرجت وأصبحت بين الجمهور أصبحت الرؤية عندي أوضح.. وأدركت أن الحكم يطلق صافرته حين يرى اللاعب الذي يحب في موقع يسمح له بالحصول على الكرسي دون عناء او جهد.. وأدركت أن الخاسر الوحيد إن كان عدد الكراسي يساوي عدد اللاعبين هو أنا.

تتجاوز قصيدة «يا شِعر» للشاعر توفيق أحمد حدود القول الغنائي المباشر، لتدخل تخوم الكتابة الميتاشعرية التي تجعل من الشعر موضوعاً للتأمل والاعتراف والمساءلة الوجودية. فالنص لا يكتفي بتجسيد التجربة الشعورية، بل يُحوِّل العلاقة بين الشاعر وشِعره إلى علاقة إشكالية مركّبة، تتقاطع فيها نشوة الإبداع مع كلفته النفسية، والجمال مع الفناء، والاختيار الحر مع الإكراه الداخلي. من هنا، تنبثق أهمية هذا النص بوصفه خطاباً ذاتياً واعياً بذاته، وبالشروط القاسية التي يُنتَج فيها الشعر في زمن القلق والخذلان.

وتنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية شاملة، تتوسل مناهج متعددة (الأسلوبي، الجمالي، النفسي، السيميائي، والتأويلي)، بغية الكشف عن البنى اللغوية والبلاغية التي شكّلت معمار القصيدة، وعن الأبعاد الفكرية والفلسفية التي تضمرها. كما تسعى إلى قراءة النص في سياقه الثقافي والتاريخي، دون الوقوع في اختزال سيروي أو انطباعي، واضعةً القصيدة في مركز التحليل بوصفها كياناً لغوياً مستقلاً، ومنجزاً جمالياً قابلاً لتعدد القراءات. وعليه، فإن هذه الدراسة تحاول الإمساك بالقصيدة لا باعتبارها نصاً عن الشعر فحسب، بل بوصفها شهادة جمالية على مأزق المبدع الحديث، وعلى هشاشة العلاقة بين الإنسان وما يخلقه ليمنحه معنى.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغة عربية فصيحة، سليمة من حيث التركيب والنحو، تتكئ على جُمَل فعلية متعاقبة تُنشئ إيقاع العودة والاستذكار:

وبعد سبعةِ أعوامٍ من القلقِ

وبعدما رَمَّدتْ بي جمرةُ الألقِ

هذا التوازي التركيبي (الاستفتاح بـ«وبعد إعادة افتتاح الزمن») يمنح النص تماسكًا أسلوبيًا، ويؤسس بنية زمنية ارتجاعية تتقدم عبر التراكم لا عبر السرد الخطي.

أما الانزياح البلاغي فيتجلّى في تحويل المجرد إلى محسوس:

جمرة الألق (استعارة مزدوجة تجمع الضوء بالاحتراق)

أشلاء مملكة (تفكيك الذات الإبداعية إلى أنقاض سيادية)

وهي انزياحات لا تقع في المجانية، بل تُخدم الرؤية العامة للنص بوصفه مرثية العلاقة بين الشاعر والشعر.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير.

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى عبر اختيار ألفاظ ذات حمولة وجدانية عالية (القلق، الوهج، الحرق، الفناء)، دون الوقوع في التهويم أو التضخم الخطابي. اللغة ملائمة تماماً لموضوع القصيدة، إذ لا يمكن لهذا الصراع الوجودي مع الشعر أن يُقال بلغة محايدة أو تقريرية.

نلاحظ وجاهة التعبير في مثل:

فالشعر أنتِ احتمالاتُ الضياعِ به

حيث يُختزل التعريف الفلسفي للشعر في صورة واحدة جامعة، تُعيده إلى أفق المجاز لا المفهوم.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة موزونة على بحر خليلي رصين (الكامل أو ما يقاربه في التفعيلة والجرس)، مع قافية موحّدة بحرف القاف المكسور، وهو حرف حادّ، يناسب ثيمة القلق والاختناق.

التكرار: (وبعد، وأنتِ، الشعر) يعمّق البنية الإنشادية.

الموسيقى الداخلية: ناتجة عن الجناس الخفيف (قلق/حرق/عرق) والتوازي الصوتي.

الجرس: يراوح بين الانسياب والحدّة، بما يعكس توتر العلاقة مع الشعر.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات معمار شعري اعترافي، تتكئ على المخاطبة المباشرة (يا شعر)، فتُشخصن الشعر بوصفه كائناً أنثوياً متمنعاً، وتمنح النص بُعداً درامياً داخلياً.

لا شخصيات سردية بالمعنى التقليدي، لكن هناك:

ذات شاعرة متأزمة

موضوع/آخر (الشعر) يتخذ هيئة الحبيبة القاسية.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل النفسي، بينما يتيح المنهج المقارن قراءة النص في ضوء تقاليد الشعر الاعترافي العربي (من السياب إلى محمود درويش في نصوصه الميتاشعرية).

2. الرؤية الفنية:

الرؤية قائمة على وعي مأساوي بالشعر: ليس خلاصاً مطلقاً، بل قيدٌ جميل، وهاوية مختارة. الشكل (الوزن، القافية، الخطاب الإنشائي) منسجم تماماً مع هذا المضمون القَلِق.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تتجلّى الدهشة في قلب الصورة النمطية للشعر:

الشعر ليس إلهاماً فقط، بل حبلاً على العنق.

ليس نشوة فقط، بل نشوة الأرق.

هذا الانزياح يمنح النص طابعاً حداثياً داخل بنية تقليدية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية حول:

١- معنى الإبداع

٢- ثمن الجمال

٣- حدود الفناء الاختياري

الشعر هنا قدرٌ لا مهنة، وامتحان أخلاقي لا متعة بريئة.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١- التصوف (الفناء، الاحتراق، العشق المؤلم)

٢- الرومانسية المتأخرة

٣- التصورات الحديثة للشعر كقلق دائم (ضمنياً)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، القصيدة ليست خطاباً للشعر، بل خطاب اعتراف بالاستلاب. الشعر هو مرآة الذات، وسبب جرحها، ومصدر معناها في آن.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يُفهم النص ضمن لحظة ثقافية عربية مأزومة، حيث فقد الشعر مركزه الاجتماعي، وبات الشاعر يكتب من الهامش الوجودي لا من المنبر.

2. تطوّر النوع الأدبي

القصيدة تقع بين:

القصيدة العمودية المتأخرة

والقصيدة الوجدانية الحديثة ذات البعد الميتاشعري

3. التفاعل مع التراث

نلحظ صدى:

الغزل العذري

الشعر الصوفي

استعارات الخمر والاحتراق التراثية، مع إعادة شحنها دلالياً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

القلق الوجودي

الحنين الممزوج بالندم

الإصرار القهري على العشق المؤلم

2. تحليل الذات:

الذات الشاعرة تعاني علاقة اعتمادية مع الشعر، ترفض الفكاك منه رغم إدراك أذاه.

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من:

الاحتجاج

التوسل

الاعتراف

والقبول المأساوي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس النص اغتراب الشاعر في مجتمع لا يكافئ الشعر، بل يستنزفه.

2. الخطاب الاجتماعي

الشعر يظهر كفعل مقاومة رمزية ضد الابتذال والفراغ.

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهد مأزوم، لا داعية، يمارس نقداً وجودياً لا خطابياً.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الخمر: النشوة/الذنب

الحبل: الفناء/العقاب

النهر: الذاكرة/الزمن

2. الثنائيات

العشق / الفناء

النشوة / الأرق

العطاء / البخل

3. النظام الرمزي

كل المفردات تصب في شبكة دلالية واحدة: الشعر كقوة مزدوجة.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: أسلوبي–تحليلي–تأويلي

التركيز على النص لا على السيرة

غياب الإحالات الخارجية لا يخلّ بالبنية، لكن إدراجها أكاديمياً سيعزّز الدراسة

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الجمال والحرية

القصيدة تحتفي بالإنسان المبدع رغم هشاشته.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات نفسية، فلسفية، سيميائية متعددة.

3. البعد الإنساني الشامل

يتجاوز النص خصوصية التجربة ليعبّر عن محنة المبدع في العالم الحديث.

قصيدة «يا شِعر» نص ناضج فنياً وفكرياً، ينجح في تحويل العلاقة مع الشعر إلى تجربة وجودية مكتملة، تجمع بين الاعتراف والجمال والألم، وتؤكد أن الشعر، في أرقى تجلياته، ليس زينة لغوية، بل قدرٌ يُختار رغم نزيفه.

خاتمة:

تكشف القراءة النقدية الموسَّعة لقصيدة «يا شِعر» أن الشاعر توفيق أحمد قد نجح في تشييد نص متماسك فنياً، غني دلالياً، ومشحون بوعي وجودي عميق بطبيعة الفعل الشعري وحدوده المأساوية. فالقصيدة لا تحتفي بالشعر بوصفه خلاصاً مطلقاً، ولا تدينه بوصفه لعنة خالصة، بل تضعه في منطقة التوتر الخلّاق بين العشق والفناء، حيث يصبح الإبداع فعلاً اختيارياً مشوباً بالألم، وشرطاً للمعنى لا يخلو من الاحتراق.

لقد أظهر التحليل أن اللغة في النص ليست أداة نقل، بل فضاء اشتغال جمالي وفكري، وأن الإيقاع ليس زخرفاً صوتياً، بل جزء من البنية الدلالية التي تُجسِّد القلق والتكرار والدوران حول الجرح ذاته. كما برزت الأبعاد النفسية والفلسفية بوصفها عمقاً حاكماً للتجربة الشعرية، فيما أسهمت الرموز والاستعارات في بناء نظام سيميائي متكامل، يفتح النص على تأويلات متعددة تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني أشمل.

وعليه، يمكن القول إن قصيدة «يا شِعر» تمثل نموذجاً للشعر العربي المعاصر الذي يحافظ على صرامته الفنية وجذوره الإيقاعية، دون أن يتخلى عن أسئلته الحداثية وقلقه المعرفي. إنها قصيدة تؤكد أن الشعر، حين يبلغ نضجه، لا يكون ترفاً لغوياً ولا خطاباً إنشادياً، بل ممارسة وجودية تُعرّي الذات، وتضع الإنسان وجهاً لوجه أمام ما يخلقه ليقاوم به العدم، ولو كان ثمن ذلك أن يُمسك بالحبل وهو يعرف جيداً حدَّ الخنق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

يــا شــعر

شعر: توفيق أحمد

وبعد سبعةِ أعوامٍ من القلقِ

وبعدما رَمَّدتْ بي جمرةُ الألقِ

*

وبعدما ضاع وجهٌ كنت آلفُهُ

كالعطر في الزهر أو كاللمع في الأُفُقِ

*

أعودُ أبحثُ عن أشلاء مملكةٍ

كانت بقيةَ ما أبقيتِ من مزقي

*

كأنني وشربتُ الكأس صافيةً

يا خمرةَ الأمسِ لم أعصرْ ولم أَذُقِ

*

قصائدي طالما عانَقْتِها طرباً

وقلتِ للنائمِ الغافي بها: أَفِقِ

*

قَصَّتْ ضفائرها حزناً على زمنٍ

أضعتِهِ وانتهى وَهْجاً على شفقي

*

أتذكرين وكم أَدْمَيتِهِ قلقاً

وكان أجملَ حتى وَهْوَ في قلقِ

*

لم يرضَ إلاّ لهيباً منكِ يسكنُهُ

بكلّ ما فيه من تَوْقٍ ومن حُرَقِ

*

أصابعي وسألتُ الزهرَ هل يَدُهُ

تلك التي نَثَرَتْ زهراً على طُرُقي

*

حسبُ الهنيهاتِ أني عشتُها أرقاً

وأنَّ للشعر منها نشوةَ الأرقِ

*

وأنَّ عشقاً أنا اخترتُ الفناءَ به

كانت نهايتُه حبلاً على عُنُقي

*

يأبى عليَّ ويَدْري كيف أُرجعُهُ

أحلى بما نال من جهدي ومن عرقي

*

لا تفتحيهِ على هَمٍّ يكلفني

عمري، فما فيه شيءٌ غيرُ محترقِ

*

فالشعر أنتِ احتمالاتُ الضياع به

وأنتِ في كل بحرٍ فكرةُ الغرقِ

*

أنا أحبك شِعراً ما ضَنَنْتُ به

فأنتِ كالوشْمِ في حِبري وفي ورقي

*

أُضيفُ أمحو أُعيدُ الذكريات إلى

نهرٍ تعتَّق أضواءً على الحَدَقِ

*

فيا البخيلةُ هَمُّ الشِّعرِ يذبحني

وقد مَنَحْتُكِ صَكَّ العَفْوِ فانطلقي

 

سأتناول في هده الورقة البحثية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في زمننا الراهن؛ قضية تتقاطع فيها التحولات الثقافية مع الأسئلة الكبرى حول الهوية والخصوصية والمعرفة، وهي علاقة السرد بالعولمة، وكيف واجه الأدب هذا المدّ المتسارع الذي أذابت موجاته الحدود الجغرافية والرمزية، وجعلت العالم فضاءً واحداً تتداخل فيه الأصوات والثقافات.

ورغم أن العولمة استطاعت أن تُعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة وأنماط العيش، فإن السرد الأدبي، في مختلف تجلياته، ظل بإصرار لافت وفياً للزمان والمكان، وهما العنصران اللذان حاولت العولمة طمسهما عبر تسطيح الفوارق وتوحيد النماذج. وكلما ازداد تأثير العولمة اتساعاً، ازداد الأدب تعلقاً بجذوره الأولى. وكأن السرد يقول للعالم المُعولَم: إذا ألغيتِ المسافات، سأعيد أنا بناءها، وإذا صهرتِ الخصوصيات، سأستعيدها في لغة الحكاية، وفي ذاكرة الشخصيات، وفي تفاصيل المكان.

من هنا ينبثق سؤال جوهري: هل نجحت العولمة في احتواء السرد الأدبي كما احتوت غيره من القطاعات؟ أم أن السرد استطاع أن يروض العولمة، فيستفيد من أدواتها دون أن يذوب في نمطها الموحد؟ هذا السؤال لا يتعلق بالأدب العالمي فحسب، بل يطرق أبواب السرد العربي بإلحاح، لأن هذا الأخير يعيش اليوم لحظة انتقالية دقيقة بين المحلية والكونية، بين مرجعياته التراثية وفضاءات القراءة الجديدة، بين لغته العميقة وأدوات العصر.

عندما نتأمل المشهد السردي العالمي خلال القرن العشرين وما بعده، نلاحظ أن أهم الأعمال الروائية خرجت من أصقاع مختلفة: من أوروبا والصين، ومن أمريكا اللاتينية وأفريقيا، ومن الشرق الأوسط وآسيا. ولم تتخلَّ هذه الروايات عن جغرافياتها، بل جعلت من المكان بطلاً، ومن الزمن ذاكرة حية. فمو يان، في «الذرة الرفيعة الحمراء»، أعاد تقديم الصين من خلال المهمشين وبسطاء الريف. وماركيز شيد ماكوندو ليقدّم أمريكا اللاتينية بطاقة أسطورية متفردة. ونجيب محفوظ قدّم أحياء القاهرة ككائنات نابضة، تتنفس وتتحرك وتتكلم، حتى صار المكان جزءاً لا يتجزأ من الحكاية.

هكذا بدا المشهد: العولمة تُذيب، بينما السرد يُعيد البناء. العولمة توحّد، بينما السرد ينوّع. العولمة تسعى إلى النموذج الواحد، بينما الأدب يحتفي بالاختلاف، ويرى في التنوع طريقاً إلى الفهم العميق للذات والعالم. ومع ذلك، لم يعلن السرد عداءه الصريح للعولمة؛ بل اقترب منها بحذر، واستثمر أدواتها: الترجمة العابرة للقارات، وسائل الإعلام، الانتشار الرقمي، الجوائز العالمية. لقد فهم السرد أن الأدب الذي يبقى حبيس لغته وحدوده لن يصل، فاستعمل آليات العصر ليؤكد حضوره، وليصل إلى القارئ حيثما كان.

إن السرد، في جوهره، ذاكرة مقاومة. إنه إحدى أكثر الوسائل الإنسانية قدرة على الحفاظ على التاريخ العميق للإنسان، وعلى ما يختزن من مشاعر وتجارب وصراعات. وفي عصر سريع الاستهلاك، يصبح الأدب بطيئ الحركة ولكنه عميق الأثر؛ إنه يعيد كتابة الأزمنة التي تُطمر، ويستخرج من الأمكنة ما تخفيه التحولات الكبرى، ويمنح لكل مكان حقه في الظهور، ولكل زمان حقه في أن يُروى.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يمكن أن نطرح السؤال نفسه على السرد العربي: كيف يتعامل مع العولمة؟ هل يتراجع أمام النموذج الثقافي الطاغي؟ أم يجد طريقه إلى العالمية دون أن يتخلى عن جذوره؟ في السنوات الأخيرة، شهد الأدب العربي تحولات مهمة؛ فقد بدأ يخطو نحو ما يمكن تسميته «عولمة عربية للسرد»، أي القدرة على تقديم خصوصيتنا الحضارية بلغة قادرة على السفر عبر العالم.

وقد ظهرت أعمال عربية كثيرة تشتغل بعمق على التاريخ والمكان والإنسان، وتجعل من الهوية العربية مادة قابلة للقراءة الكونية. رواية «عزازيل» ليوسف زيدان أعادت تقديم التاريخ الديني والفلسفي في صيغة روائية انتشرت عالمياً. و«واحة الغروب» لبهاء طاهر مزجت بين التاريخ كأرشيف والإنسان ككائن وجودي، وجعلت من الصحراء فضاءً كاشفاً لتوتر الهوية. و«الخبز الحافي» لمحمد شكري مثّلت نموذجاً آخر لعولمة السرد، فالهامش المغربي تحوّل إلى نص يقرأه العالم بلغات متعددة. أما «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، فقد فتحت جسوراً عميقة بين الجنوب والشمال، وخلقت سرداً يتجاوز الحدود الجغرافية والفكرية معاً.

إن السرد العربي اليوم لا يبحث عن العالمية بوصفها موضة، بل بوصفها ضرورة تاريخية، شريطة أن يحتفظ بجذوره. فالعالمية ليست نقيض المحلية، بل امتداد لها. والكونية ليست ذوباناً في الآخر، بل تعبيراً عن الذات بطريقة تجعل الآخر يفهمها ويتفاعل معها.

وإذا كانت العولمة قد وفرت أدوات جديدة للنشر والتوزيع والترجمة والتواصل، فإن السرد العربي مطالب بأن يستثمر هذه الأدوات دون أن يسمح لها بتفريغه من مضمونه. فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها في ظاهرها تهديد للنصوص الطويلة والعميقة، فقد تحولت إلى فضاء يتيح للكتاب العرب الحضور والتفاعل، وإعادة تشكيل جمهور جديد من القراء عبر العالم. لقد أصبحت الوسائط الحديثة قوة دفع لا تقل أهمية عن النشر التقليدي، لأنها تمنح النص فرصة العبور إلى قارئ لم يكن متاحاً في الماضي.

التحدي الحقيقي الذي يواجه السرد العربي اليوم هو: كيف نكون عالميين دون أن نفقد جذورنا؟ كيف نستطيع تقديم حكايات المكان العربي، وتاريخنا المعقد، وهموم الإنسان العربي، بلغة لا تقصي القارئ العالمي ولا تعزله؟ فالأسئلة الكبرى التي يطرحها الأدب العربي: الهوية، الحرية، الاغتراب، الهجرة، العنف، السلطة، الجسد، الروح… كلها أسئلة إنسانية لا تخصّ ثقافة بعينها، لكنها تتخذ في الأدب العربي ملامح محلية تجعلها أكثر عمقاً وصدقية.

وفي نهاية هذه المداخلة، يمكن القول إن السرد العربي يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«مرحلة عولمة السرد من الداخل»؛ أي بناء نصوص تستثمر الموروث العربي العميق، لكنها تُكتب بوعي حديث، وتُقدَّم بلغة سردية تسمح لها بالسفر والامتداد. الطريق ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة. فلدينا من الروافد الحضارية ما يجعل الأدب العربي قادراً على الحضور الفاعل في المشهد العالمي.

إن السرد، في النهاية، هو مقاومة للذوبان، وحماية للذاكرة، وبناء لجسور جديدة بين الذات والآخر. وإذا استطاع السرد العربي أن يوازن بين جذوره وامتداده، بين خصوصيته وطموحه، فإنه سيكون قادراً على مواجهة تحديات العولمة، ليس بصفته تابعاً لها، بل شريكاً في إعادة رسم ملامح الثقافة الإنسانية.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

للشاعرة ريما سليمان حمزة

لم تعد القصيدة الحديثة مجرّد بناء لغوي محكوم بالإيقاع أو الصورة، بل غدت فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الوعي الجمعي، ويتحوّل فيه القول الشعري إلى فعل وجودي يسائل المعنى والهوية والذاكرة. في هذا الأفق، يندرج ديوان «ريما وقصائد أخرى – أنا الخيط الذي أصبح وترًا» بوصفه نصًا شعريًا يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس كتابةً مشدودة بين الألم والصوت، بين الهشاشة والتشكّل، حيث لا تُستعمل اللغة للزينة، بل بوصفها أداة كشف ومقاومة.

ينفتح الديوان على ذاتٍ قلقة لا تبحث عن اكتمالها، بل عن صيغة ممكنة للبقاء وسط الفقد والتشظّي. فالقصيدة هنا ليست ملاذًا جماليًا بقدر ما هي ساحة اشتباك مع الذاكرة، والجسد، والمدينة، والحقيقة نفسها. ومن خلال بنية نثرية عالية الكثافة، وانزياحات دلالية حادّة، وتوظيف واعٍ للرمز والمجاز، يقدّم النص تجربة شعرية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بشعر ما بعد الفاجعة، حيث يصبح الصوت بديلًا عن الخلاص، والكتابة فعل نجاة لا ادّعاء حقيقة.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة الديوان قراءةً نقدية موسّعة، تستند إلى المنهج الهيرمينوطيقي والأسلوبي والرمزي والنفسي، في محاولة للكشف عن البنى العميقة التي تشكّل خطابه الشعري، وتتبع تحوّلات الذات فيه من الخيط الهشّ إلى الوتر الرنّان. كما تسعى إلى إبراز كيفية تحوّل التجربة الفردية في النص إلى أفق إنساني أوسع، تتجاور فيه اللغة والجرح، الصمت والمعنى، لتؤكد أن القصيدة، في هذا العمل، ليست نهاية القول، بل بدايته.

أولاً: مدخل منهجي – الديوان بوصفه نصًّا مفتوحًا

لا يقدّم هذا الديوان نفسه كـ«كتاب قصائد» بالمعنى التقليدي، بل كـ فضاء تأويلي تتحرّك فيه اللغة بين الاعتراف، والأسطورة، والجرح الجمعي، والأنوثة بوصفها كينونة لا هوية بيولوجية.

العنوان المركزي: «أنا الخيط الذي أصبح وترًا» يعلن منذ البداية تحوّل الذات من الامتداد الهشّ إلى الأداة الرنّانة؛ من الخفاء إلى الصوت، من الانكسار إلى الموسيقى. إنه عنوان أنطولوجي لا وصفي، يؤسّس لرؤية وجودية: الذات لا تُعطى، بل تُصاغ عبر الألم.

من هنا، فإن القراءة الهيرمينوطيقية لا تبحث عن «معنى نهائي»، بل عن حركة المعنى داخل النص، عن انزلاقاته، عن توتّر الدال والمدلول، وعن الصمت الذي يجاور القول.

ثانياً: القراءة الهيرمينوطيقية – اللغة بوصفها أفقًا للكشف

1. النص كرسالة كونية

المفتتح:

«رسالة في بريد السماء»

يضع القارئ أمام خطاب يتجاوز الأرضي، ويتجه إلى المطلق (الأب/السماء/الفردوس). غير أن هذه السماء ليست خلاصًا ميتافيزيقيًا بقدر ما هي مرآة للفقد. الرسالة هنا ليست تواصلًا، بل اعترافٌ بالعجز عن الوصول.

هيرمينوطيقيًا، السماء ليست «علوًّا»، بل مسافة، والكتابة محاولة لعبورها.

2. التكرار بوصفه حركة تأويل

يتكرر في الديوان:

الغياب

النافذة

الوسادة

المقهى

المدينة

الوجه

الضوء/العتمة

وهذا التكرار لا يعمل بوصفه زخرفة بلاغية، بل بوصفه إعادة مساءلة للمعنى. كل عودة إلى الرمز ليست تكرارًا، بل انزياحًا تأويليًا جديدًا.

فالوسادة مثلًا:

مرة: مكان للحنين

مرة: ساحة حرب صامتة

مرة: ذاكرة جسدية للفقد

وهذا ما يجعل النص يتمنّع على القراءة الأحادية.

ثالثاً: التحليل الأسلوبي – اقتصاد اللغة وكثافة الصورة

1. النثر الشعري بوصفه إيقاعًا داخليًا

الديوان يشتغل على قصيدة النثر عالية الإيقاع، حيث لا يعتمد الموسيقى الخارجية، بل:

التوازي

التكرار البنيوي

الجمل القصيرة المتقطّعة

المفارقة اللغوية

مثال:

«الوسادةُ

ساحةُ حربٍ صامتةٍ»

الجملة الاسمية المكثفة تُسقِط الفعل، وكأن الفعل مستهلك، والعنف أصبح حالة ثابتة.

2. الانزياح الدلالي

اللغة هنا لا تصف العالم، بل تُعيد خلقه:

الحقيقة لا تهدي تصفيقها

الضوء خطأ فادح

الكلمات قنابل من ورق

هذه الانزياحات تُنتج لغة قلقة، غير مطمئنة، وهي سمة أساسية في شعر ما بعد الكارثة.

رابعاً: القراءة الرمزية – الجسد، المدينة، الأنثى

1. الأنثى كرمز كوني

الأنثى في الديوان ليست موضوع غزل، بل:

وطن

ذاكرة

جرح

لغة

في «لوحات ليست للبيع»، تتحوّل الأنثى إلى مشهد تشكيلي، لكنها في الوقت ذاته ترفض التشييء. اللوحات ليست للبيع، أي أن الذات غير قابلة للاستهلاك.

2. المدينة بوصفها جسدًا مجروحًا

المدينة لا تظهر كمكان، بل ككائن:

يشيخ

يختفي

يسعل

يفقد وجهه

المدينة = الذات = القصيدة

وهذا التماهي يُنتج شعرية سياسية غير مباشرة، لا تهتف، بل تنزف.

خامساً: التحليل النفسي – الكتابة كفعل نجاة

1. الذات المجروحة والكتابة التعويضية

من منظور نفسي (لا سيما فرويدي/يونغي)، يمكن قراءة الديوان بوصفه:

تفريغًا رمزيًا للصدمات

إعادة تمثيل للفقد

محاولة لترميم الهوية عبر اللغة

الكتابة هنا ليست ترفًا، بل آلية بقاء:

«أكتبُ لأبقى»

2. الانقسام الداخلي

يتكرر الانشطار:

بين الحضور والغياب

بين الجملة والنقطة

بين الوجه والمرآة

وهذا يدل على ذات لم تكتمل بعد، أو ترفض الاكتمال لأنه يعني التوقف.

سادساً: الديوان والوعي الجمعي – من الذاتي إلى الكوني

قصائد مثل:

«آخر قيامات الدم»

«الحقيقة لا تهدي تصفيقها»

«المجاز آخر من غادر الحرب»

تنقل النص من الذاتي إلى الجرح الجمعي، من الحزن الفردي إلى الأسئلة الكبرى:

الحرب

الشهادة

الخديعة

اللغة نفسها كأداة نجاة أو خيانة

الشاعرة هنا لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تكشف عجز اللغة أمام الخراب، ومع ذلك تكتب.

خاتمة: الديوان كبيان شعري وجودي

يمكن القول إن «ريما وقصائد أخرى» ليس ديوانًا يُقرأ، بل يُعاش.

هو نصّ:

ضد الاطمئنان

ضد الاكتمال

ضد الاستهلاك

ديوان يؤمن أن:

اللغة لا تشفي، لكنها تمنحنا اسمًا آخر للألم.

إنه عمل شعري ناضج، ينتمي إلى شعر ما بعد الفاجعة، حيث لا خلاص، لكن هناك صوتًا…

والصوت، في النهاية، هو آخر ما يملكه الإنسان.

إذا رغبت، أستطيع:

تحويل هذه الدراسة إلى بحث أكاديمي للنشر

إضافة مراجع نظرية (غادامير، ريكور، باشلار، يونغ…)

أو إعداد قراءة مقارنة مع دواوين عربية معاصرة مشابهة

فقط أخبرني بالاتجاه الذي تريده.

خاتمة

يخلص هذا التحليل إلى أن ديوان «ريما وقصائد أخرى – أنا الخيط الذي أصبح وترًا» للشاعرة ريما سليمان حمزة  لا يُقارب بوصفه مجموعة نصوص شعرية مستقلة، بل ككيان دلالي متماسك تتوالد قصائده من جرح واحد تتعدّد أصواته وتجلياته. فالقصيدة في هذا العمل ليست غاية جمالية مكتفية بذاتها، وإنما مسار وجودي تتشكّل فيه الذات عبر اللغة، وتُعاد فيه صياغة الألم بوصفه طاقة صوتية لا صمتًا معطِّلًا. ومن هنا، يغدو التحوّل من «الخيط» إلى «الوتر» استعارة مركزية لمسار تشكّل الذات: من الهشاشة إلى الرنين، ومن التمزّق إلى القدرة على الإيحاء.

لقد كشفت القراءة الهيرمينوطيقية والأسلوبية والرمزية والنفسية أن الديوان يشتغل على تفكيك المعنى الجاهز، وخلخلة العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول، ليقيم شعرية قوامها القلق، والانزياح، والاقتصاد اللغوي المكثف. كما يتبدّى أن الأنثى، والمدينة، والجسد، والذاكرة، ليست ثيمات منفصلة، بل علامات متداخلة في بنية رمزية واحدة، تتحوّل فيها التجربة الفردية إلى مرآة لجرح إنساني أوسع، يتجاوز حدود الزمان والمكان.

وعليه، يمكن القول إن هذا الديوان يندرج ضمن الكتابة الشعرية التي لا تسعى إلى التطمين أو المصالحة السهلة مع العالم، بل إلى مساءلته وتعريته عبر لغة واعية بحدودها وعجزها، لكنها مع ذلك تُصرّ على الكلام. فالشعر هنا لا يعد بالخلاص، لكنه يمنح الصوت، ولا يداوي الفقد، لكنه يسميه. وفي هذا التسمية بالذات تتجلّى قيمة الديوان، بوصفه نصًا شعريًا يراهن على المعنى لا باعتباره حقيقة مكتملة، بل بوصفه إمكانية مفتوحة، وعلى الكتابة لا كترف جمالي، بل كفعل مقاومة ووجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لتركية لوصيف.. دراسة أسلوبية مقارنة

ملخّص البحث: تتناول هذه الدراسة رواية «أسطورة سنجابي» للكاتبة تركية لوصيف بوصفها نصًا سرديًا يتجاوز تصنيفه الظاهري ضمن أدب الأطفال واليافعين، ليؤسّس خطابًا رمزيًا مركّبًا يستند إلى البنية الأسطورية العالمية، وبخاصة نموذج «رحلة البطل» كما نظّر له جوزيف كامبل، مع إعادة صياغته داخل أفق ثقافي عربي معاصر.

وتنطلق الدراسة من مقاربتين متكاملتين: مقاربة أسلوبية تفكّك البنية اللغوية، وتشكيل الشخصيات، ووظيفة الفضاء السردي ، ومقاربة مقارنة تربط الرواية بأنماط الأسطورة العالمية (الإغريقية، الشرقية، والعربية).

وتخلص الدراسة إلى أن الرواية، رغم بساطة لغتها وسلاسة خطابها، تُنتج طبقة دلالية عميقة تسمح بقراءات سياسية ووجودية وتربوية، ما يجعلها إضافة نوعية إلى مسار الأدب الرمزي العربي الموجّه لليافعين.

المقدمة

أضحى الأدب الموجّه لليافعين أحد أكثر الحقول السردية قدرة على استيعاب الرمز الأسطوري وإعادة تشغيله، لما يتيحه من حرية تخييلية ومسافة آمنة بين الخطاب والمعنى. ففي هذا النوع من الأدب، لا تُقدَّم القيم في صيغة تعليمية مباشرة، بل تُنسج داخل الحكاية، وتُحمَّل على أكتاف الرحلة، والتحوّل، والصراع الوجودي.

وفي هذا السياق، تبرز رواية «أسطورة سنجابي» بوصفها نصًا يعيد الاعتبار للحكاية الخرافية لا بوصفها ملاذًا للبراءة فحسب، بل باعتبارها بنية معرفية قادرة على مساءلة مفاهيم الهوية، والسلطة، والعدالة، والوعي.

تكمن أهمية دراسة هذا النص في كونه يجمع بين سردية بسيطة تستجيب لأفق المتلقي اليافع، وطبقة رمزية كثيفة تستدعي مناهج تحليلية حديثة، ولا سيما النقد الأسلوبي والدراسة المقارنة للأسطورة.

الإطار النظري:

أولًا: الأسطورة وبنية رحلة البطل:

يُعدّ مفهوم «الأسطورة الأحادية»  الذي صاغه جوزيف كامبل في كتابه البطل بألف وجه من أكثر النماذج تأثيرًا في دراسة السرديات ذات الطابع الأسطوري. يقوم هذا النموذج على سلسلة من المراحل المتكرّرة في الحكايات الإنسانية الكبرى، من الدعوة إلى المغامرة، مرورًا بالعبور والاختبار والمواجهة، وصولًا إلى التحوّل والعودة.

وتُظهر رواية «أسطورة سنجابي» تقاطعًا بنيويًا واضحًا مع هذا النموذج، غير أنها لا تنقله نقلاً حرفيًا، بل تعيد تشكيله داخل سياق رمزي يستثمر الحيوان بوصفه ذاتًا واعية في طور التكوين.

ثانيًا: النقد الأسلوبي:

ينطلق النقد الأسلوبي من افتراض أن المعنى لا يُستخلص من الحدث وحده، بل من الكيفية التي يُصاغ بها لغويًا. وعليه، فإن تحليل الإيقاع، والصورة، وبناء الجملة، ووظيفة المجاز، يُعدّ مدخلًا أساسياً لفهم الأبعاد العميقة للنص.

ويبدو هذا المنهج ملائمًا لرواية تقوم على الإيحاء، وتُراهن على اقتصاد اللغة، وتكثيف الدلالة، بدل الشرح والتفسير.

ثالثًا: المقارنة السردية:

تتيح المقاربة المقارنة وضع النص في شبكة أوسع من الحكايات الإنسانية، بما يسمح بفهم خصوصيته من خلال ما يشترك فيه مع الأساطير الكبرى، وما يختلف عنه.

وفي هذا الإطار، تُقارن الرواية بأساطير التحوّل الإغريقية، والحكمة الشرقية، والحكاية العربية الشعبية.

الجوانب الأسلوبية في الرواية:

- اللغة والإيقاع:

تتسم لغة الرواية بالسلاسة والاقتصاد، مع اعتماد واضح على الجمل القصيرة المتتابعة، وهو ما يُحاكي إيقاع الحكاية الشفاهية. غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي قدرة عالية على إنتاج الرمز، حيث تتحول اللغة إلى أداة إيحائية تفتح النص على تأويلات متعددة.

فالتحوّل الحيواني لا يُقدَّم بوصفه حدثًا غرائبيًا، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا للذات، وكشفًا عن طبقة دفينة من الوعي.

- بناء الشخصيات:

تُبنى الشخصيات وفق نموذج رمزي واضح، يقوم على الثنائيات الأسطورية الكبرى:

- السنجابي: البطل الصغير الذي يحمل قوة كامنة لم تتبلور بعد، ويمثّل الذات في طور التشكّل.

- فوستيكا: تجسيد للقوة المظلمة، لا بوصفها شرًا مطلقًا، بل عائقًا أمام اكتمال الوعي.

- توتو: الوجه الوجداني والأخلاقي للرحلة، الذي يمنح المسار بعده الإنساني.

يمنح هذا التشكيل الشخصيات بعدًا يتجاوز وظيفتها السردية، لتغدو تمثيلات رمزية لمسارات داخلية.

- الفضاء والرمز المكاني

تؤدي الأمكنة دورًا دلاليًا محوريًا في الرواية:

- القلعة: رمز للهوية والعدل والنظام.

- الغابة: فضاء اللاوعي والتحوّل.

- الصحراء: تمثيل للفراغ الوجودي والتيه.

- الواحات: محطات الاستراحة الروحية وإعادة التوازن.

وبذلك يتحوّل المكان من خلفية جغرافية إلى خريطة نفسية لمسار البطل.

الرواية في ضوء الأسطورة العالمية:

- التقاطعات الإغريقية

يحيل التحوّل الحيواني إلى أساطير التحوّل الإغريقية، ولا سيما عند أرتميس وسيرس، غير أن الرواية تعيد تأويل هذا التحوّل بوصفه فعل تحرّر وكشف للقوة، لا لعنة أو عقابًا إلهيًا.

- التقاطعات الشرقية

تستثمر الرواية فكرة «القوة الكامنة» التي لا تظهر إلا في لحظة الخطر، وهي فكرة مركزية في الميثولوجيا الصينية والهندية، كما تستلهم العلاقة العضوية بين الذات والطبيعة، على نحو يذكّر بالأدب الفارسي والياباني.

- التقاطعات العربية

يتجلى أثر الحكاية العربية الشعبية من خلال بنية الرحلة، والمنفى، والعودة، وحضور الحيوان العاقل، كما في كليلة ودمنة. غير أن الرواية تنزاح عن منطق الحيلة الخارجية، لتؤكد التحوّل الداخلي بوصفه جوهر الخلاص.

- التحليل الرمزي:

يمكن قراءة الرواية بوصفها تمثيلًا رمزيًا لصراعات إنسانية كبرى:

- الوعي في مواجهة الجهل

- الهوية في مواجهة الضياع

- القوة في مواجهة البراءة

- العدالة في مواجهة الاستبداد

وعليه، تغدو القلعة رمزًا للدولة العادلة أو الذات الواعية، فيما يمثّل السنجابي الإنسان الذي يستعيد وعيه بعد رحلة شاقة عبر الخوف والتحوّل.

الخاتمة

تُظهر هذه الدراسة أن «أسطورة سنجابي» ليست مجرّد حكاية موجهة لليافعين، بل نصا أسطوريا حديث، يزاوج بين شاعرية الحكاية الشعبية وعمق البنية الأسطورية العالمية.

وتكشف الرواية عن وعي سردي قادر على إنتاج خطاب رمزي مفتوح، يسمح بقراءات سياسية ووجودية وتربوية، ما يجعلها إضافة لافتة إلى مسار الأدب العربي المعاصر، ولا سيما في مجال السرد الرمزي ذي النزعة الأسطورية.

***

مجيدة محمدي - تونس

....................

المراجع

- كامبل، جوزيف. البطل بألف وجه. ترجمة: حسن صقر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

- إلياد، ميرسيا. الأسطورة والواقع. ترجمة: عبد الهادي عباس، دار الحوار، دمشق.

- بروب، فلاديمير. مورفولوجيا الحكاية الخرافية. ترجمة: أبو بكر أحمد باقادر، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- غريماس، أ. ج. السيميائيات السردية. ترجمة: عبد السلام المسدي، دار توبقال، الدار البيضاء.

- عبد الفتاح، صبري. الرمز والأسطورة في السرد العربي الحديث. دار الفكر العربي، القاهرة.

- بنكراد، سعيد. السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. دار توبقال، المغرب.

 

للشاعر والناثر خلدون عماد رحمة – ألمانيا

يأتي هذا النص في تخومٍ دقيقة بين النثر الشعري والرؤيا الوجودية، حيث يتقاطع الحلم مع الوعي، واليقظة مع الغياب، والذات مع الفراغ. لا يقدّم الكاتب حكاية بالمعنى السردي التقليدي، بل يبني مشهداً كينونياً تتشظّى فيه الذات داخل فضاء رمزي كثيف، تتحرك فيه اللغة بوصفها أداة كشف لا وصف، واستنطاق لا تقرير.

النص ينتمي إلى كتابة حداثية واعية بذاتها، تستثمر الانزياح، والتجريد، واللغة الرؤيوية، في مساءلة الوعي الإنساني وحدود الإدراك.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النص مشغول بلغة سليمة نحوياً وصرفياً، خالية من الاضطراب أو الترهل، تقوم على جمل متوسطة الطول تُحافظ على توترٍ إيقاعي دون إنهاك القارئ.

التراكيب تتسم بالمرونة، وتتحرك بين الجملة الخبرية ذات الطابع الوصفي، والجملة الانفعالية المشحونة بالتجريد:

«كلّما أحسستَ بدغدغة الصحو قذفتكَ أيادٍ لا مرئية نحو ذروات غامضة»

هنا يظهر الانزياح الدلالي في تحويل الصحو إلى كائن ملموس له «دغدغة»، واليد إلى قوة قَدَرية غير مرئية، وهو انزياح منتج للدهشة لا اعتباطي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات منتقاة بعناية، تجمع بين المعجم الحسي (عينان، جسم، ظل، ضباب) والمعجم الميتافيزيقي (فراغ كلي، بصيرة، حكمة، معنى).

ثمة توازن واضح بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في الزخرفة، ولا فقر في التعبير. اللغة ملائمة تماماً لموضوع النص: التيه الوجودي وحافة الوعي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص يخلو من الوزن الخليلي، لكنه يبني موسيقى داخلية عبر:

التكرار: «رأيت، رأيتَ شيئاً ما»

التوازي التركيبي: «لا حدّ لهذا الفضاء، لا شكل ولا زمن»

الجرس الصوتي الناتج عن حروف المد والهمس (الضاد، الظاء، السين)

الإيقاع هنا نفَسيّ تأملي، يتباطأ مع الضباب، ويتكثف مع لحظة الرؤية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية رؤيوية غير خطيّة، بلا سرد حدثي ولا شخصيات متعدّدة. الشخصية الوحيدة هي الذات المخاطَبة (أنت)، وهي في الحقيقة انعكاس للأنا الكاتبة.

الزمن معطَّل، والمكان متحوّل، ما يضع النص ضمن الكتابة التأملية الوصفية ذات البعد الفلسفي.

المنهج الوصفي حاضر، لكنه ليس وصفاً سطحياً، بل وصفاً معرفياً، فيما يشتغل المنهج التحليلي ضمنياً عبر تفكيك حالات الوعي.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الكاتب للعالم تقوم على أن:

الوعي ليس لحظة مكتملة

اليقظة ليست خلاصاً نهائياً

المعرفة تولد من الغموض لا من الوضوح

ثمة انسجام عميق بين الشكل والمضمون؛ فاللغة الملبّدة تعكس مضمون التيه، والضباب اللغوي يقابل الضباب الوجودي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة لا تنتج من حدث، بل من التحول الرمزي:

«كان أسوداً مائلاً إلى الكحليّ… لأنك شعرتَ ببياضٍ يسكن باطنه»

هذا الانقلاب اللوني يفتح أفقاً تأويلياً عميقاً، ويؤكد قدرة النص على تجاوز المألوف.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية كبرى:

متى نفيق؟

هل الوعي ممكن دون ألم؟

هل النسيان نهاية أم ضرورة؟

إنه نص عن الوعي المعلّق بين النوم واليقظة، بين الجهل والمعرفة.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

الفلسفة الوجودية (الكينونة والقلق)

التصوف (الحجاب، الباطن، الكشف)

الحداثة الأدبية (الرؤيا بدل الحكاية)

لكن دون إحالات مباشرة، بل عبر تشربٍ معرفي غير تصريحي.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الضباب، العتمة، البياض، الهمس… كلها علامات تشير إلى:

المعرفة المؤجلة

الحقيقة التي تتكشف من الداخل

النسيان كمرحلة تطهير لا فقدان

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يُكتب النص من فضاء الاغتراب (ألمانيا)، ما يمنحه حسّ الانفصال الوجودي عن المكان، دون أن يتحول إلى نص شَكوى.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى النثر الشعري العربي الحديث، متجاوزاً الخطابية، ومتماهياً مع نصوص الرؤيا عند العديد من الشعراء، دون استنساخ.

3. الارتباط بالتراث

الحجاب، العتمة، الباطن، الكشف: مفردات ذات جذور صوفية، أعيد توظيفها ضمن سياق حداثي.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق الوجودي

٢- اللذة المعرفية

٣- التوتر بين الخوف والاطمئنان

2. تحليل الشخصية:

الشخصية تعاني من انقسام داخلي: تريد المعرفة، لكنها تخشى اكتمالها.

3. النبرة النفسية

النبرة هادئة، تأملية، غير صاخبة، يغلب عليها القلق النبيل لا الصراخ.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع:

النص لا يعالج المجتمع مباشرة، لكنه يعكس أزمة الإنسان المعاصر: فقدان المعنى وسط فرط الإدراك.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة نقد ضمني لعالم لا يتيح يقظة حقيقية، بل يكرّس النوم الواعي.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

يمارس دور المثقف التأملي لا الواعظ، ويفتح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

النوم: الغفلة الوجودية.

الضباب: حجاب المعرفة.

البياض في السواد: الأمل الكامن.

2. الثنائيات

١- نوم / يقظة

٢- عتمة / نور

٣- نسيان / معنى

3. النظام الرمزي

النص عالم مغلق رمزياً، لكنه مفتوح تأويلياً.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: أسلوبي – تأويلي – نفسي

الصرامة: عالية، بلا استطراد

الموضوعية: التركيز على النص لا على سيرة الكاتب.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بحرية السؤال، لا براحة الجواب.

2. الانفتاح التأويلي:

النص قابل لقراءات فلسفية، نفسية، صوفية.

3. البعد الإنساني:

يمسّ تجربة الإنسان في كل زمان: التيه، البحث، النسيان.

- خاتمة:

يُعدّ نص «كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ»  للشاعر والناثر خلدون عماد رحمة عملاً نثرياً رفيعاً، يجمع بين الوعي اللغوي، العمق الفلسفي، والاقتصاد الجمالي. إنه نص لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُستعاد، لأن قيمته لا تكمن في ما يقول، بل في ما يفتحه من أسئلة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ

خلدون عماد رحمة - ألمانيا.

كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ، عيناكَ مُجهَدَتان وجسمكَ خفيف كالظلّ، لا تستطيع احتواﺀ ذاتك وأنت تعوم على محيطات فراغ كلّيّ، كلّما أحسستَ بدغدغةِ الصحو قذفتكَ أيادٍ لا مرئية نحو ذروات غامضة.

لا حدّ لهذا الفضاﺀ، لا شكل ولا زمن، كم كنتَ تحاولُ التحديق بكلّ ما أوتيتَ من كهرباﺀ الحواس والبصيرة لاكتشاف شيﺀ ما، لكنّ ضباباً كثيفاً تسلل إلى نومكَ وغطى المشاهد بحجابٍ سميك.

*

تكاثفَ الضبابُ أكثرَ، لكنكَ رأيت، رأيتَ شيئاً ما يحاول البزوغ من الخفاﺀ، لم تكُ قادراً على إدراكِ ماهيّته ومراميه، كان أسوداً مائلاً إلى الكحليّ، لمْ تخفْ منه، لأنك شعرتَ ببياضٍ يسكنُ باطنه، وسمعْتهُ يهمس من داخله مُتململًا : حجاب العتمة يتآكل من حولي.

*

متعِبةٌ هذه الرؤى التي لا تُفصحُ عن مُبتغاها، لكنها عميقة على أيّ حال، تدخِلكَ في لذّةٍ لا حدود لطاقة نشوتها، إنها لوعة جديرة باكتشافِ الحكمةِ والمعنى...

والنسيان.

 

في الايام الاخيرة انتهيت من قراءة رواية ممتعة بعنوان " عينا مونا " كتبها مؤرخ الفنون الفرنسي توماس شليسير "، وقد وضعت دار النشر مقطع من لوحة فتاة ترتدي قرطًا من اللؤلؤ للفنان الهولندي الشهير " يوهانس فيرمير " المولود " في 31 تشرين الاول عام 1632، والذي تمر اليوم – 15 كانون الاول – ذكرى رحيله الـ " 350 ".

تبدأ رواية " عينا مونا" بإصابة الفتاة الصغيرة ذات السنوات العشر " مونا " بنوبة عمى مفاجئة وغامضة: " " شَعرتْ بظلّ ثقيل ينزل على عينيها، كما لو أراد أحد مُعاقبتهما، لكونهما زرقاوين، كبيرتين جداً، نقيتين جداً". ستتعافى منها بعد اكثر من ساعة، إلا أن والديها يخشيان أن تفقد بصرها بشكل دائم ويستشيران طبيب العائلة، في هذه الاثناء يتدخل هنري، جد " مونا " الذي يقرر اصطحاب حفيدته الى المتاحف بدلاً من الاطباء، فهو يعتقد أن ما تحتاجه " مونا " هو علاج جديد ومبتكر، وسنجده ينطلق معها كل أربعاء في مغامرة فنية، حيث يزوران أشهر الأعمال في متاحف باريس على مدار عام. يبدأن بمتحف اللوفر، حيث أعمال رافائيل وجيرار ودافنشي ورامبرانت ومايكل انجلو وآخرين. ثم يتجهان إلى متحف أورسيه هناك تجد مونا نفسها في مواجهة انطباعية كلود مونية وبول سيزان ومانيه، إلى جانب فان كوخ وكليمت،، ويختتمون الجولة بمركز بومبيدو، حيث تسكن الحداثة في أعمال كاندينسكي ودوشامب.

يطلب الجد من حفيدته " مونا "، أن تتأمل العمل الفني لدقائق في صمتٍ تام، ثم تستمِع بعدها إلى ما سيشرحه لها عن عناصرهذا العمل، والهدف الذي ابتغاه الفنان من رسمه أو نحته، بعد ذلك عليها أن تقدم انطباعها عما فهمته.

من خلال هذه الاعمال الفنية يحاول الجد ان يكتشف لحفيدته طريقة جديدة لفهم الحياة: المحبة، الكرم، والشجاعة، والشك، والكآبة، والتمرد، وغيرها الكثير. حيث تدور أحداث الرواية حول فكرة أن الفن يعلمنا أن نعيش، لا أن نعرف فحسب.

مع مرور الايام التي تقضيها مونا امام روائع الفن التشكيلي، نتابع صحوتها الروحية التي تنشأ بفضل سلطة الفن، صحوة تقودها إلى اكتشاف عينٍ مطلقة تتحدى الظلام، تساعدها على البحث ورؤية ذلك النور الذي يومض داخلها.

بصفته مؤرخ للفنون يستخدم توماس شليسّير، خبرته لدمج السرد الروائي الذي يسير بانسياب ومتعة، مع النقد الفني، فمن خلال حوارات " مونا " وجدها هنري، نتعرف إلى أعمال فنية شهيرة من عصر النهضة إلى الفن الحديث، مع تحليل دقيق لأبعادها الفنية والفلسفية، وإضاءة وافية عما دار في أزمنة الرسامين، مما جعل الرواية تجمع بين المتعة الأدبية والمعرفة الفنية.. فعندما يقف الجد مع خفيدته امام لوحة " عالم الفلك " ليوهانس فيرمير" حيث يشرح لها كيف عاش هذا الرسام الهولندي حياة بسيطة لكنها محاطة بالتكتم، عمله بمفرده وعاش في منزل صغير.

وانا اقرأ الفصل الخاص بيوهانس فيرمير تذكرت حكايتي البسيطة مع هذا الرسام الهولندي الغريب الطباع والتي ابتدأت من جملة قرأتها في رواية مارسيل بروست " البحث عن الزمن المفقود " حيث وجَدتُ سوان الخبير بالفنون عندما يلتقي مع اوديت، تبادر الى دعوته لتناول الشاي غير انه: " كان رهن متعة عمل، مقال عن فيرمير، وهو مقال في الواقع كان قد اهمله منذ سنين ".

قبل وفاته بعام، تحامل مارسيل بروست على نفسه وقرر ان يحث خطاه المتعبه باتجاه المعرض الاول من نوعه الذي يقام في مدينة باريس للفن الهولندي، حيث كانت تعرض ضمن اعمال المعرض، ثلاث لوحات للفنان يوهانس فيرمير، كان بروست بصحة سيئة وحالة الربو تتفاقم، لم يكن يخرج من بيته، وعندما كان ينهض ساعة واحدة في غرفته فانه يشاهد متلحفا بالبطانيات والاغطية وبكل ما يمكن للانسان ان يتدثر به عندما يصاب بنوبة برد، لكنه اآن قرر الخروج، نصحه بعض اصدقاءه بعدم مغادرة المنزل حتى لا يعرض نفسه لازمة صحية حادة، فقال وهو يمزح: " ماذا تريدون يا اعزائي، فقد قال انكساغوراس ان الحياة سفر "

كان بروست مغرما بلوحات " يوهانس فيرمير " المولود غرب هولندا، والذي عانى من الاهمال اثناء حياته مثلما عانى بروست، فلم يكن فيرمير معروفا ومعترفا حتى بعد موته بسنوات، لم يرسم كثيرا.. هناك فقط 35 لوحة تمت نسبتها الى فيرمير الذي يعد اليوم واحدا من اشهر فناني عصر النهضة، لم يبع فيرمير لوحة واحدة اثناء حياته، لكنه رهن عددا منها ضمانا حتى يسدد ما بذمته من ديون، فقد قضى حياه القصيرة (عاش 43 عاما) غارقا في الديون، لم يحقق لنفسه او لأسرته شيئا، كما انه مثل مارسيل بروست كان يعاني من مرض مزمن حاله بينه وبين رسم عدد اكبر من اللوحات، ومثل بروست كان مهموما بموضوع واحد هو الزمن.. ففي معظم رسوماته نشعر وكأن الزمن قد توقف، لان الرسام لم يكن يرغب بتعكير صفو فتاياته المستغرقات في الحلم، فنراهن مره يطرزن، وفي لوحة اخرى وهن يقرأن رسالة جاءت من مكان بعيد.. ومثل بروست لم يكن فيرمير يحب الخروج من المنزل، ولعل من المرات القليلة والنادرة التي قرر فيها الخروج كان لرسم لوحته الشهيرة " مشهد من دلفت"، وهي اللوحة التي اهتم بها مارسيل بروست كثيرا وكتب عنها في روايته " البحث عن الزمن المفقود " و " دلفت " هي المدينة التي عاش فيها فيرمير معظم حياته.

كان بروست قد سافر الى هولندا عام 1921 وهناك شاهد لوحة فيرمير " " مشهد من دلفت "، فكتب عنها في سجل المتحف بانها " اجمل لوحة في العالم "، وبعد سنوات سيخبر اندريه جيد بان اللوحة اوحت له وهو يذهب إلى فراش النوم في التاسعة مساء، بان يبدا رحلة مع الماضي

 في كتاب مارسيل بروست بقلمه نقرأ: " على سلم بيته، واثر دوار رهيب استولى عليه ترنح وتوقف ثم تابع سيره.. كان على (فوادواييه) ان يمسك بذراعه ويوجه خطاه المتداعية نحو لوحة (مشهد من ديلفت).. في الربع السفلي الايمن من اللوحة، الذي ياتي مباشرة إلى يسار البرج الاول القائم على البوابة المائية المظللة، شاهد جزءا من قمة سقف مسه ضوء الشمس لذلك المساء الصيفي الخالد ". كان فان كوخ قد راى عام 1880 اللوحة التي رسمها مواطنه فيرمير، وقد كان شديد الحماس لها، يكتب في احدى رسائله لشقيقه: " اذا شاهد المرء منظر المدينة لفيرمير، عن قرب شديد، فيبدو له امرا لايصدق. لقد رسمت بالوان مغايرة كليا لتلك التي قد يتوقعها المشاهد من مسافة بضع خطوات عنها ".

ويحاول مارسيل بروست في " البحث عن الزمن المفقود " ان يعطي اهمية كبيرة للوحات فيرمير: " فهمت ان الغرابة الآخاذة، الجمال المخصوص في هذه التصاوير يكمن إلى حد كبير في الدور الذي تلعبه رموزها في كل واحدة منها، بينما كانت حقيقة ان هذه الصور لم تصور على انها رموز، إذ ان الفكرة المرموز اليها لم يعبر عنها فيها، بل صورت من قبل الرسام على انها اشياء، حقيقية، محسوسة بالفعل او ملموسة لمسا ماديا ".

في الخامس عشر من شهر كانون الاول عام 1675، يتوفى يوهانس فيرمير بعد معاناة مع المرض.. كان قد تعرض خلال سنوات حياته الى مصاعب مالية.. فهو يعيل احد عشر طفلا.. وقد تقدمت زوجته بطلب الى المحكمة لاعفائها من الديون المترتبة على زوجها المتوفي.. إلا ان المحكمة قررت تعيين احد موظفيها لجرد ملكية الفنان الراحل، كان في البيت عددا كبيرا من اللوحات، وكرسيان وحامل للرسم، وطاولة خشبية، وسرير قديم، وعدد من الصحون.. تم حجزها جميعا لصالح الدائنين.

قبل سنوات حصلت على كتاب بعنوان " قبعة فيرمير " – ترجمة شاكر عبد الحميد – يتناول فيه مؤلفه تيموني بروك باسلوب ممتع تفاصيل بعض اللوحات الشهيرة التي رسمها " فيرمير، ورغم ان الكتاب مخصص للرسام الهولندي الشهير إلا اننا نجد انفسنا نقرأ كتابا يجمع بين الفن التشكيلي والادب والاقتصاد والسياسة، ونجد فيرمير ورامبرانت وعالم القرن السابع عشر، وبعد ان انتهيت من " قبعة فيرمير " تمنيت لو يكتب كتابنا ونقادنا كتابا مثل هذا عن رموزنا الثقافية والفنية.

في الكثير من الحوارات التي اجريت معه عبر سلفادور دالي عن اعجابه المفرط بـ " فيرمير " وفي سيرته الذاتية " انا والسيريالية " – ترجمة اشرف ابو اليزيد- يقدم دالي تصنيفا لاعظم الفنانيين، وفيه نجد ان فيرمير يتفوق على رفائيل ودافنشي، وبسبب اعجابه الشديد رسم دالي لوحة بعنوان " طيف فيرمير ".

رصدت اعمال فيرمير حياة هولندا اليومية في عصرها الذهبي، عبر الانطباعات الضوئية الساطعة على جدران البيوت في " منظر من دلفت ". اللوحة الاجمل في العالم كما قال بروست، والأولى في العالم التي تصور مدينة قاتمة بدقة بالغة.. كان بيكاسو يقول ان فيرمير لا يحتاج الى الخيال، فكل النساء عنده متشابهات، لهن وجوه مستديرة، وعيون لامعة، ويرتدين القبعات.. فهل كان مثيرا للضجر؟. يجيب اندريه مالرو كان في غاية الجاذبية، بتقنية المثيرة، وتكاد وانت تنظر الى اللوحات تمد يدك، كي تجس اشياء يخيل اليك انها حقيقية. يكتب بروست لا مكان للاوجاع، والهوى، والجنس في فن فيرمير.

في رواية " عينا مونا " يصف الجد فيرمر بانه: " لم يكن مشهوراً على نوع خاص. كان جزءا من شبكطة رسامين ليس هو المبدع الأكثر إثارة للصخب فيها، فهو يعيد تناول موضوعات تناولها آخرون: لحظات من الحياة المنزلية في أجواء حميمية ساكنة، تتعايش في فضائها شخصية او اثنتان مع حشد من اشياء غالباً ما تكون معقدة جداً.. إن إعطاءه ما يستحقه من قيمة، وتمييز سماته الفريدة حقاً، مسألة أحتاجت لوقت، واعبقرية بعض المشاهدين الخبيريين. يحتاج كبار العباقرة لمتفرجين منتبهين وأصحاب بصيرة يا مونا ".- عينا مونا ترجمة روز مخلوف.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

دراسة لغوية وجمالية وتأويلية

تمثّل قصيدة «نخلة وموج» للشاعر السوري توفيق أحمد نصاً غنائياً-رمزياً يحتشد بطاقة دلالية وجمالية عالية، حيث تتشابك عناصر الطبيعة (النخلة، الموج، الرمل، القمر، النجم) لتشكّل معماراً شعرياً قائماً على التلاقي بين الثبات والحركة، اليابسة والماء، الذاكرة والزمن. ويقوم هذا النص على رؤية إنسانية-وجدانية تجعل من الحبّ والوطن والطبيعة حقولاً دلالية متداخلة، تُقرأ بوصفها استعارات كبرى للوجود والهوية والحنين.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية موسّعة، وفق محاور لغوية وبلاغية، وجمالية وفنية، وفكرية وفلسفية، وتاريخية وثقافية، ونفسية، واجتماعية، وسيميائية، ومنهجية، وصولاً إلى القيم الإنسانية والجمالية العليا التي ينفتح عليها النص.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

تقوم لغة القصيدة على سلامة نحوية وصرفية واضحة، مع اعتماد تراكيب سلسة لا تعقيد فيها، لكنها مشحونة بانزياحات شعرية رقيقة. يتكرر التركيب الظرفي «في مساءٍ» بوصفه مدخلاً إيقاعياً ودلالياً، يرسّخ الزمن الشعري بوصفه زمناً وجدانياً لا زمنَ ساعة. الانزياح هنا يتمثّل في إضفاء صفات إنسانية وحسّية على المجردات: ينعس النجم، دقّة القلب لها لغة، وهو ما يندرج ضمن التشخيص البلاغي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ فصيحة، شفافة، ذات حمولة إيحائية عالية، تتوازن فيها الموسيقى مع المعنى. لا نجد لفظاً نافراً أو غريباً عن السياق، بل تأتي المفردات منسجمة مع موضوع الحبّ/الوطن/الطبيعة، مثل: النخل، الموج، الرمل، الكوثر، الوطن. هذا التناسب يخلق وجاهة تعبيرية تجعل اللغة خادمة للرؤية لا متسلطة عليها.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة ذات إيقاع خليلي واضح، مع قافية موحّدة تقريباً تنتهي بالراء المضمومة، ما يمنح النص جرساً موسيقياً هادئاً متدفقاً. تتعزز الموسيقى الداخلية عبر التكرار (في مساءٍ)، والجناس الصوتي، والتوازن التركيبي. الإيقاع هنا ليس زخرفاً، بل حاملٌ للشحنة العاطفية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

تعتمد القصيدة بنية تراكمية تصويرية، لا سردية بالمعنى الحكائي، حيث تتوالد الصور من بعضها البعض وفق منطق التداعي. الزمن دائري، والمكان مفتوح (شرفة، شاطئ، وطن متخيَّل). المنهج الوصفي حاضر بقوة، لكنه وصف تحليلي-وجداني، لا خارجي محايد.

2. الرؤية الفنية:

تقوم الرؤية الفنية على الانسجام بين الشكل والمضمون؛ فالمعجم الطبيعي يعكس رؤية شاعرية للعالم ترى في التلاقي (نخل/موج، شمس/قمر) شرطاً للخصب والمعنى. العالم ليس صراعاً، بل لقاءً.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تتجلّى الدهشة في الجمع بين متقابلات مألوفة بطريقة غير مألوفة: قمران التقيا، جنتان اخضرتا من شغف. الانزياح هنا جمالي لا غامض، يوسّع أفق التلقي دون إغلاقه.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري للنص.

ينطوي النص على أسئلة وجودية ناعمة حول اللقاء، والانتماء، والذاكرة، دون خطاب مباشر. الحبّ يتحوّل إلى معادل وجودي للوطن، والوطن إلى حالة وجدانية لا جغرافيا فقط.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع مرجعيات شعرية عربية قديمة (الطبيعة، التشبيه الكوني)، ومع حساسية حداثية تجعل الرمز مفتوحاً والتجربة ذاتية.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

النخلة ترمز إلى الثبات والامتداد، والموج إلى الحركة والقلق، ولقاؤهما يؤوَّل بوصفه مصالحة بين الأنا والعالم، أو بين الإنسان ومصيره. الوطن في العمق ليس مكاناً بل علاقة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يمكن قراءة القصيدة في سياق ثقافة عربية مثقلة بالحنين والبحث عن وطن آمن، دون إحالات سياسية مباشرة، ما يمنحها بعداً إنسانياً عاماً.

2. تطوّر النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى الشعر العمودي المتجدّد، الذي يحافظ على الوزن والقافية، لكنه يحمّلهما رؤية حديثة وصوراً غير تقليدية.

3. الارتباط بالتراث:

يحاور النص البلاغة العربية الكلاسيكية (التشبيه، الاستعارة)، مع إعادة توظيفها في أفق معاصر.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

تسود نبرة الطمأنينة المشوبة بالحنين. اللاوعي الجمعي حاضر عبر صورة الوطن/الحبيبة.

2. تحليل الشخصية:

الشخصية الشعرية ذات واحدة، عاشقة، متماهية مع المكان والآخر، بلا صراع حاد.

3. النبرة النفسية:

النبرة الغالبة هي الحبّ والسكينة، مع خفوت قلق وجودي يُحلّ باللقاء.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

يعكس النص حاجة الإنسان العربي إلى وطن معنوي، لا تدمّره التحولات الاجتماعية.

2. الخطاب الاجتماعي

لا خطاب سلطوي مباشر، بل خطاب قيم: الانتماء، العطاء، المشاركة.

3. الشاعر فاعلاً اجتماعياً

يؤدّي الشاعر دور المرمّم الوجداني للذاكرة الجمعية.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات:

النخلة، الموج، القمر، الكوثر: علامات خصب ونقاء ودوام.

2. شبكات الدلالات:

ثنائيات: ثبات/حركة، حضور/ذاكرة، فرد/وطن.

3. النظام الرمزي:

الطبيعة تتحوّل إلى لغة بديلة للتعبير عن الإنسان.

ثامناً: الأسس المنهجية:

1. الصرامة المنهجية:

تم اعتماد المنهج الوصفي-التحليلي، مع مقارنات ضمنية بالتراث.

2. التوثيق:

الدراسة تركّز على النص ذاته، وفق مقاربة نصّية.

3. الموضوعية النقدية:

تم تجنّب الانطباعية والتركيز على البنية والدلالة.

تاسعاً: القيم الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بالإنسان عبر الجمال والحبّ.

2. الانفتاح التأويلي

القصيدة قابلة لقراءات متعددة: حبّ، وطن، وجود.

3. البعد الإنساني الشامل

تنجح القصيدة في ملامسة وجدان إنساني يتجاوز المكان والزمان.

- خاتمة:

تُعدّ قصيدة «نخلة وموج» نموذجاً لشعر عربي يزاوج بين الأصالة والحداثة، ويجعل من الصورة والرمز وسيلتين لقول الإنسان والعالم بلغة شفافة، موسيقية، وعميقة الدلالة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

نخلـة ومـوج

شعر: توفيق أحمد

في مساءٍ ينعسُ النجم بِهِ

وعصافيرُ البراري تسهرُ

في مساءٍ دقةُ القلب لَها

لغةٌ يطربُ منها الوترُ

في مساءٍ وقفَ الحلمُ على

خده يسألهُ ما الخبرُ

يلتقي نخلٌ وموجٌ مثلما

تلتقي شمسُ الضُحى والقمرُ

لا تسل كم ألفِ ميلٍ عَبَرت

موجةٌ نحوَ الشواطي تُبحرُ

إنها وشوشةُ النخل التي

رشّها في كُلِّ دربٍ قبَّرُ

إنها ذاكرةُ الرمل وكم

ألفِ ليلى خلفهَا تستترُ

الحبيبان ولا أحلى ولا

فمتى نوجزُ أو نختصرُ

قمرانِ التقيا في شرفةٍ

ليس في العالم دربٌ موعرُ

جنتانِ اخضرتا من شغفٍ

وجرى فوقَ الشفاهِ الكوثرُ

أنتِ ضوءُ العين مَنْ يسألني

كم تماهى في هواكِ البصرُ

عرشُكِ الرائعُ نجوى وطنٍ

صاغهُ رملٌ وتلٌ أخضرُ

وطنٌ نأكلُ من خيراتِهِ

وبأوراقِ الربى ندّثرُ

وطنٌ نحياه في وجداننا

وبه كلُّ الأماني تكبرُ

 

"منى صنع الله" أديبة وقاصة يمنيّة، من مواليد 1993، تجيد اللغات العربيّة والألمانيّة والانكليزيّة، تحمل ماجستير في اللغة العربيّة، وبكالوريوس في الشريعة الإسلاميّة، خريجة جامعة (توبنغن) في ألمانيا، تعمقت في دراسة الفلسفة للاكتشاف فقط كما تقول. لديها العديد من الشهادات المتعلقة بالتدريب وتنمية المهارات العمليّة والعقليّة والابداعيّة للفرد، وتمارس العديد من المهارات والهوايات الفرديّة ومنها ركوب الخيل.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصة

إن الحب الحقيقي ليس نزوةً عابرةً في قلوب وعقول المحبين، إذا كان صادقا في دلالاته الإنسانيّة، فالحب الصادق يتجذر في القلب والعقل والروح، ويتحول إلى موقف حياة عند المحبين، قد تَحُولُ بعضُ المعوقات في تحقيق نتائجه المرجوة منه، أو حتى في استمراريته إن كان بفعل معوقات موضوعيّة أو ذاتيّة، ولكنه يبقى مستعراً في قلوب المحبين كجمرة تحت الرماد، يمكن أن تعود للاشتعال والتوهج عندما تسنح لها الظروف، أو أن هناك استعداداً عند المحبين لإعادة اشتعال هذه الجمرة كي يشع نورها ودفؤها من جديد.

في قصة (ميرو) "إليك أمضي)، نقف أمام فتاة (أمل) أحبت بصدق حتى تغلغل الحب شغاف قلبها، واتخذ من هذه الشغاف منزلاً له. بيد أن هناك ظروفاً ما استطاعت أن توقف مسيرة هذا الحب لم تعلن عنه القاصة، لكنه توقف وقررت الحبيبة أن لا تترك حبيبها فحسب بل تترك البلد الذي هو فيه وتهاجر إلى بلد آخر.

حملت " أمل" حقيبتها واتجهت إلى محطة القطار، لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة من حيث المكان.. لكن خطوات "أمل" في الزمان كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل في عمق تفكيرها وعواطفها.. فها هو المساء يهبط ببطء كما تقول القاصة (منى)، وقد تلونت السماء بدرجات لون البنفسج المشبع بالحزن رغم بهجته، وكأنه قد أضفى الحزن على الدنيا كلها، وهي تستعد لوداع لا يُعرف كيف سيكون..

منذ أسابيع و"وأمل" تقاوم فكرة الرحيل.. المدينة لم تعد لها.. والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار.. لم يبق لها سوى رسالة واحدة.. كتبتها له ولم ترسلها.. هنا يقف الحب بكل جبروته وقوته أمام قرار "أمل" بالرحيل، فمسيرة حبهما رغم ما اعترضها من ألم وجمود، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً من نسيج قصة حبهما لم يزل يسيج عقلها وروحها، ويفرض عليها أن تخط له رسالة أخيرة مشبعة بالأمل تقول فيها له: (ما  بيني وبينك مسافة لا تقاس، لكنها وحدها التي تدفعني إليك أمضي).

نعم رغم بُعْدِ المسافة الزمنيّة التي كسرها الجفاء بينها وبين حبيبها، إلا أن هناك في مسيرة حبهما ما بقي يدفعها إليه من جديد. وربما الذي دفعها للحيرة في أمر رحيلها هو  ما تبقى من حبها له.. وهو الأمر ذاته الذي جعل حبيبها يلحق بها لمحطة القطار ويسلمها رسالته الأخيرة وقد دون فيها: (.. لا تمضي بعيداً فوجهتك عندي..). فتحت الرسالة القصيرة فكانت الجملة الوحيدة فيها تشبهه.. ورغم بساطتها إلا أنها أربكت قلبها وفتحت عينيها إليه.. فابتسم تلك الابتسامة التي وحدها كانت قادرة على سد كل الطرق.. وأشعرتها بأن المحطة لم تعد محطة.. وأن الرحيل لم يعد قراراً، وأن الطريق تغير فجأة من مدينة مجهولة إلى قلب تعرفه جيدا.

قال لها بهدوء المحب الصادق: (إن أردت الذهاب فلن أمنعك.. ولكن إن أردت البقاء.. فها أنا ذا.. إليك أمضي إن مضيت.. ومعك أبقى إن بقيت..).

ترددت لحظة.. ثم أغلقت يدها على الورقة الصغيرة ونهضت.. القطار أطلق صفارته.. الناس هرعوا.. إلا هي.. استدارت نحوه.. وقالت بصوت يشبه قراراً طال انتظاره.. (هذه المرة لن أمضي وحدي.. ).

ومعاً غادرا المحطة.

البنية السيمائيّة للعنوان:

(إليك أمضي). يحمل هذا العنوان حمولة عاطفيّة ووجدانيّة ليس لها حدود، فـ "أمل" رغم قرارها بالرحيل وترك حبيبها والمكان الذي يقيم فيه، والذي فرضه عليها شدّة ما لاقته في حبه من معاناة، إلا أن حبها الصادق له، ظل يحرك مكامن اللوعة في قبلها له، وبالتالي جعل رحيلها يتحول بفضل هذا الحب ولوعته من الخارج إلى الداخل.. أي أن تعود في قرارها لتحول وجهة الرحيل إليه من جديد، وتقول له عندما جاءها إلى المحطة بقلبه المشبع بحبها : (هذه المرة لن أمضي وحدي.. ).

البنية الفكرية للقصة:

تريد القاصة أن تقول بأن الحب ليس بطاقة عبور بين القلوب لحضور حفلة موسيقيّة أو فلم سينمائي مشوق تنتهي فاعليته بانتها الحفلة أو الفلم، بل هو بطاقة قُدّت من شغاف القلوب، وكُتبت حروفها بالألم والشوق والحنين واللهفة للقاء الحبيب والتواصل معه، وهي تذكرت سفر بين القلوب حُددت فيها مسارات أجسادنا وأرواحنا وقلوبنا، وسيجت هذه المسارات بأسلاك وقيود أحكم إغلاقها ولم يعد من السهولة الخروج منها.

البنية الفنية للقصة:

اللغة في القصة:

لقد اعتنت القاصة عناية بالغة باللغة وتركيب مفرداتها التي صيغت بطريقة أقرب إلى الشاعريّة. حيث تجد في تركيب مفرداتها الكثير من المحسنات البديعيّة، والتورية، والانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة، كما ظهر لنا كل ذاك التعدد في نوعيّة الجمل التي كانت تنوس بين الخبر والانشاء، هذا إضافة إلى ورود الجمل ذات المعنى الحقيقي والمعنى المجازي أيضاً.

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة سليمة وفصيحة، وسهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصة، وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة الصياغة وتسلسل العبارات وتخير الألفاظ وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الذي استخدمت فيه هذه اللغة من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة، وهذا يدل في الحقيقة على ثراء المفردات عندها وبالتالي امتلاكها قدرة التعبير وقوة التصوير في آن واحد. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال وعي القاصة أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها، إضافة لعمق إحساسها.

الصورة في قصة (إليك أمضي):

يأتي الاهتمام النقدي بدراسة بناء الصورة في الأدب بشكل عام، وفي القص الأدبي بشكل خاص، من منطلق أن الصورة أساس الخلق الفني، كونها تحمل المواقف الاجتماعيّة والفنيّة والجماليّة وخلجات الروح الداخليّة للقاص في النص الأدبي. كما وتسهم في فهم تجربة الأديب الإبداعيّة ذاته من خلال قدرة الصورة على بناء الأشكال المجازيّة التي تنقل رؤية الأديب للمتلقي. وتعمل على تحويل الواقع الحسي إلى عوالم إبداعيّة خلاقة.

لنتابع بعض هذه الصور الإبداعيّة التي جادت بها قريحة وخبرة وعمق تجربة القاصة "منى صنع الله". وهي هنا تتكئ على صور جمعت بين الحسيّة والتخيليّة، لتترك المتلقي في حالة اندهاش من قدرتها على الغوص في أعماق شخوصها. حيث تقول:

(كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل.). وفي قولها: (المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..). أو في قولها: (ولكن شيئاً ما كان يسحبها إلى الخلف.. ذكرى وعد.. أو ربما قلب لم يتعلم بعد كيف ينسى) وفي قولها: (والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار)... الخ.

لقد استطاعت القاصة أن تجعل من صورها التخيليّة داخل القصة أكثر حسيّة وجماليّة، حيث تميزت القصة بحشد التفاصيل الأساسيّة للحدث، ونقل هذه التفاصيل عبر وعي حاذق للقاصة، التي استمدت هذه الصور عبر الحواس أولاً، وعبر التخيل والمجاز ثانياً، مما ساهم في رسم صور بصريّة حققت قدرتها التأثيريّة على المتلقي.

المكان والزمان في القصة:

يعتبر كل من المكان والزمان من العوامل المؤثرة في العمل السردي عموماً، حيث يمكن أن يكونا خلفيّةً للأحداث، أو يكونا عنصرًا مهمًا في تطور القصة وسياقها. ويمكن للمكان أن يكون حقيقيًّا أو خياليًّا.. مغلقاً أو مفتوحا، ويمكن للزمان أن يكون ماضيًا أو حاضرًا أو مستقبلًا أو حتى هلاميّا، وقد يكون المكان معبراً في دلالاته عن طبيعة المأساة الواردة في القصة.

إن الزمان والمكان في قصة (إليك أمضي) لهما دلالاتهما العميقة. فإذا كان الزمان في القصة قد توقف ولم تعد "أمل" قادرة على تحديد أبعاده ومدى قدرته على التأثير فيها، وكل ما ذكر عن الزمان في القصة قولها (المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..).. ففكرة الزمان ارتبطت هنا بفكرة الرحيل وقسوته لا أكثر.

أما المكان فله دلالاته العميقة رغم أنه مغلق أو محدود (محطة القطار)، إلا أنه يعبر عن قضيّة إنسانيّة عميقة في آلامها وعذابها وحيرتها وقلقها.. فالمكان (المحطة) يرهق العقل والروح والجسد معاً، خاصة إذا كان الرحيل قد فرض قسراً. ها هي "أمل" تعبر عن المكان بقولها الذي يختصر كل شيء في بنية القصة (لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة.. لكن خطوات (أمل) كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل.

الرمز والايحاء في القصة:

لقد اعتمدت القاصة أسلوباً ممتعاً في تصوير الحدث، من خلال اتكائها على استخدام الرمز في تفرعاته الخصبة من إيحاء وإشارة وتلميح، حيث تقول: (كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل...). وهذه إشارة إلى عمق مأساة الفراق والرحيل الذي يفرض على الإنسان فرضاً. أو في قولها: (يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..)، والبنفسج هنا رغم جماليته إلا أن طبعه حزين، والحزن الذي يعبر عنه هذا اللون في القصة هو الفراق والبعد وألمهما... الى آخره من رموز وإشارات أخرى يمكن للقارئ أن يتابعها في النص.

***

د. عدنان عويّد

.........................

إليك أمضي

منى صنع الله

لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة.. لكن خطوات (أمل) كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل..

المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج..وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..

منذ أسابيع وهي تقاوم فكرة الرحيل.. المدينة لم تعد لها.. والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار.. لم يبق لها سوى رسالة واحدة.. كتبتها له ولم ترسلها.. (ما بيني وبينك مسافة لا تقاس لكنها وحدها التي تدفعني إليك أمضي).

جلست في المحطة على مقعد خشبي تستمع إلى أصوات العابرين.. وصدى صفارات القطار.. كانت تعرف أن الرحلة ستأخذها إلى مدينة جديدة.. ولكن شيئاً ما كان يسحبها إلى الخلف..ذكرى وعد.. أو ربما قلب لم يتعلم بعد كيف ينسى..

وفجأة.. رأت ظلاً يقترب.. لم تكن بحاجة لرفع رأسها كي تعرفه.. خطوات تحفظها كما تحفظ قصائدها.

قال بصوت منخفض: (ما رلت تنوين الرحيل؟.).

لم تجبه..

كانت الكلمات ستنكسر لو تكلمت..

جلس بقربها.. ثم أخرج من معطفه ورقة صغيرة ووضعها في يدها..

- (كنت سأرسلها لك.. لكن خفت أن تصل متأخرة..).

فتحت الورقة.. كانت الجملة الوحيدة فيها تشبهه... بسيطة.. لكنها تربك القلب.. لا تمضي بعيداً فوجهتك عندي..

رفعت عينيها إليه.. فابتسم تلك الابتسامة التي وحدها كانت قادرة على سد كل الطرق.. شعرت بأن المحطة لم تعد محطة.. وأن الرحيل لم يعد قراراً، وأن الطريق تغير فجأة من مدينة مجهولة إلى قلب تعرفه جيدا.

وقف وقال بهدوء: (إن أردت الذهاب فلن أمنعك.. ولكن إن أردت البقاء.. فها أنا ذا.. إليك أمضي إن مضيت.. ومعك أبقى إن بقيت..

ترددت لحظة.. ثم أغلقت يدها على الورقة الصغيرة ونهضت.. القطار أطلق صفارته.. الناس هرعوا.. إلا هي..

استدارت نحوه.. وقالت بصوت يشبه قراراً طال انتظاره.. (هذه المرة لن أمضي وحدي..).

ومعاً غادرا المحطة.

قراءة نقدية في قصيد "يومان في الفردوس أم لحظتان" ليحيى السماوي

مقدمة: تنهض قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» للشاعر يحيى السماوي بوصفها تجربة شعرية مكثّفة، تُعيد مساءلة مفهوم الزمن من خلال مفارقة دلالية تقوم على تعارض الامتداد واللحظة. فالقصيدة لا تتعامل مع الزمن بوصفه قياسًا خطيًا، بل بوصفه تجربة وجودية تتشكّل في فضاء رمزي تتقاطع فيه الأضداد، حيث يتعطّل القياس الزمني لصالح كثافة الحضور.

ومن هذا المنطلق، يتجاوز النص البنية الغزلية التقليدية ليقارب أسئلة تتعلّق بالزمن والاكتمال والهوية الإنسانية في مواجهة الفناء. فالعشق لا يُقدَّم بوصفه تجربة عاطفية فحسب، بل يتحوّل إلى أفق تأويلي يُعاد من خلاله تعريف الزمن والمكان والجسد، ضمن رؤية شعرية تنفتح على أبعاد صوفية ووجودية دون أن تنغلق في خطاب عقائدي مباشر. كما تستثمر القصيدة شبكة من العلامات الرمزية التي تُحيل إلى الامتداد الإنساني، وتستدعي الطفولة بوصفها حالة وجودية تتجاوز حدود العمر الزمني.

تنطلق هذه الدراسة من قراءة نقدية متعددة المقاربات، تجمع بين التحليل الكينوني، والقراءة السياقية غير التصريحية، والمقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، إضافة إلى الأفق الصوفي، بهدف الكشف عن البنية الدلالية العميقة التي يقوم عليها النص. وتُظهر القراءة أن الزمن في القصيدة لا يُقاس بالامتداد الكمي، بل بكثافة اللحظة وامتلائها الوجودي، حيث تتحوّل اللحظة إلى معادل رمزي للفردوس.

كما تكشف الدراسة عن حضور الطفولة بوصفها حالة كينونية وروحية، لا مرحلة عمرية، وعن الجسد بوصفه فضاءً للخصب والخلق، لا موضعًا للخطيئة. وتُبرز القراءة الصوفية العشق باعتباره تجربة كاشفة تُعلّق الزمن وتُعيد وصل الأضداد، في حين توضّح والمقاربات البنيوية والسيميائية كيف تُبنى القصيدة على شبكة من الثنائيات والعلامات المنزاحة التي تُنتج المعنى عبر التفاعل لا الفصل.

وتخلص الدراسة إلى أن القصيدة تمثّل تجربة شعرية مركّبة، ترى في العشق فعلًا لمقاومة الفناء، وفي اللحظة المكتملة شكلًا من أشكال الخلود، بما يجعل النص مفتوحًا على مستويات متعددة من التأويل، ويؤكّد ثراءه الدلالي والجمالي.

أولًا: سؤال الزمن وكثافة اللحظة

يفتتح الشاعر نصه بسؤال ظاهره الاستفهام وباطنه التفكيك: «يومان في الفردوس؟ أم لحظتان؟»

لا يبحث هذا السؤال عن إجابة عددية، بل يزعزع مفهوم الزمن الخطي القائم على الامتداد والقياس. فالزمن في القصيدة لا يُقاس بطوله، بل بكثافته الكينونية؛ إذ تصبح اللحظة المكتملة معادلة لعمر كامل، بينما يفقد الامتداد الفارغ قيمته. وهنا ينتقل الزمن من كونه إطارًا خارجيًا إلى كونه تجربة معيشة، تُقاس بالامتلاء لا بالعدّ.

ثانيًا: اللازمان واللامكان – تعليق الكينونة

تستند القصيدة إلى ثنائية اللازمان واللامكان بوصفها آلية شعرية لتعليق شروط الوجود المألوف. فاللازمان لا يعني نفي الزمن، بل تعطيله بوصفه سلطة قاهرة، وتحويله إلى حضور خالص. أما اللامكان، فهو نفي للتثبيت الجغرافي، بما يجعل التجربة العشقية حالة وجودية لا تُؤرشف ولا تُستعاد، بل تُعاش في لحظتها.

ثالثًا: الطفولة بوصفها حالة وجودية

تتكرر صورة الطفولة في القصيدة بوصفها استعارة مركزية، لا تحيل إلى عمر بيولوجي، بل إلى حالة وجودية تتسم بالعفوية، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة هنا ليست حنينًا إلى الماضي، بل عودة إلى الحضور الخالص، حيث تُعاش اللحظة دون خوف من الفقد أو القلق من الامتداد.

رابعًا: الجسد بين الخصب والقداسة

يقدّم السماوي الجسد بوصفه فضاءً للخلق لا للخطيئة. فالرموز الزراعية المتكررة، مثل المحراث، والتنّور، والقمح، تحيل إلى دورة الحياة والخصب والاستمرار، لا إلى الشهوة المجردة. الجسد في هذا السياق لا يُعرّى، بل يُنير، ولا يُستهلك، بل يُثمر، ليغدو العشق فعلًا كونيًا يشارك في إعادة إنتاج المعنى.

خامسًا: العشق بوصفه صلاة موازية

في لحظة مفصلية، يلتقي العشق بالمقدّس، لا بوصفه نقيضًا له، بل بوصفه امتدادًا وجوديًا له. فالدعاء الذي يسبق الأذان لا يُطلب فيه الخلاص الأخروي، بل تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل. العشق هنا يتحوّل إلى طقس وجودي، لا يناقض الإيمان، بل يعيد تعريفه بوصفه حضورًا ممتلئًا.

سادسًا: قراءة سياقية غير تصريحية – الطفل بوصفه حضورًا دلاليًا خفيًا

لا تُقدّم القصيدة الطفل بوصفه شخصية نصيّة سردية مكتملة، ولا تُقيم حوله مشهدًا حكائيًا مباشرًا، على الرغم من حضور لفظي صريح لصورة «الطفلين». غير أنّ البنية الدلالية للنص تتيح قراءة سياقية تستند إلى ما يمكن تسميته ب«الحضور غير التصريحي»، حيث يتحوّل الطفل من كيان سردي إلى علامة رمزية تُحيل إلى لحظة كينونية يتقاطع فيها استرجاع الطفولة مع وعي الشيخوخة، بما يتجاوز التفسير الغزلي المحض، ويفتح أفقًا تأويليًا أعمق يتصل بسؤال الامتداد والاكتمال.

يتجلّى هذا الحضور في الإلحاح على تعليق الزمن، وفي استدعاء مفردات الخريف، والخصب، والقمح، وهي علامات تعبّر عن وعيٍ ما بعد اكتمالي يرى في الحياة سلسلة متصلة لا لحظة منفصلة. فالزمن في هذا السياق لا يُستعاد بوصفه ماضيًا، بل يُعاد تشكيله بوصفه حضورًا ممتدًا، تتداخل فيه البداية والنهاية ضمن رؤية وجودية واحدة.

وفي هذا الإطار، يمكن تأويل صورة «الطفلين» بوصفها تمثيلًا مزدوجًا: طفلٍ يحضر بوصفه رمزًا للحياة المتجددة والامتداد الإنساني، وذاتٍ ناضجة تستعيد طفولتها عبر هذا الحضور، لا عبر الحنين أو الاسترجاع العاطفي. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية، بل حالة كينونية تُحرّر الذات من ثقل الحساب الزمني، وتعيدها إلى دهشة الوجود الأولى.

وبهذا المعنى، لا يغدو الطفل عنصرًا سرديًا داخل النص، ولا إحالة سيرية مباشرة، بل يتحوّل إلى قوة دلالية محرّكة، تُعيد صياغة علاقة الشاعر بالزمن والمعنى، وتمنح القصيدة عمقها الوجودي، دون أن تُقحمها في إطار تأويلي مغلق أو قراءة سِيَرية قسرية.

سابعًا: النصفان المستجمعان – اكتمال الكينونة

تُختتم القصيدة باستعارة حبة القمح، بوصفها رمزًا للاكتمال المشروط بالانقسام. فالإنسان بلا نصفه الآخر وجود ناقص، بلا معنى، يتحوّل إلى ما يشبه الدخان. العشق هنا ليس إضافة عاطفية، بل شرط اكتمال وجودي، يعيد الكائن إلى صورته الأولى، حيث لا فردية معزولة، بل وحدة مزدوجة.

ثامنًا: تفسير الأبيات في ضوء البنية الدلالية

1. حسام الشوق وغصن البان

السيف هنا هو «حسام الشوق»، أي طاقة العشق المكبوتة التي تتحوّل إلى فعل. والكرّ باللثم على غصن البان يترجم اندفاعًا لا افتراسًا، حيث تتحوّل لغة الحرب إلى لغة قبلة.

2. زيق القميص والفرقدان

الانكشاف عبر زيق القميص لا يُقدَّم كفضيحة، بل كإشراق، إذ يشعّ الضحى من الجسد كما يشعّ الفرقدان في الدجى.

3. المحراث والتنّور وجمر المغان

رموز الخصب تؤكد أن العشق فعل خلق واستمرار، حيث الجسد أداة إثمار لا استهلاك.

4. العصفورتان في الغيث

صورة البراءة والهشاشة، حيث الشيخ يستعيد طفولته عبر هذا الارتجاف.

5. محراب الصلاة والحان

الجمع بين المقدّس والدنيوي، حيث العشق طقس وجودي لا ينفي الإيمان.

6. النصفان المستجمعان وحبة القمح

اكتمال الكينونة عبر الآخر، حيث يصبح الإنسان بلا امتداد وجودًا ناقصًا.

تاسعًا: القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا

تاسعًا: قراءة بنيوية للقصيدة

تقوم البنية الداخلية للقصيدة على نظام من الثنائيات المتقابلة التي تُنتج المعنى عبر التوتر لا عبر السرد. فالعنوان نفسه يؤسس لهذا البناء البنيوي القائم على المفاضلة بين الامتداد الزمني («يومان») والكثافة الوجودية («لحظتان»)، وهو تقابل يتكرّر في مختلف مستويات النص.

على المستوى الدلالي، تتوزع القصيدة على حقول متقابلة:

- الزمن/اللازمن

- الطفولة/النضج

- المقدّس/الدنيوي

- الماء/النار

ولا تعمل هذه الثنائيات بوصفها تناقضات حادّة، بل بوصفها عناصر متجاورة داخل بنية واحدة، حيث يُعاد إنتاج المعنى من خلال الجمع لا الفصل. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يتجاور معه، كما لا تُلغى الصلاة بالاشتهاء، بل يُعاد تعريفهما داخل وحدة دلالية واحدة.

أما على المستوى التركيبي، فتتسم القصيدة بحركة دائرية تبدأ بالسؤال وتنتهي بالاكتمال الرمزي (حبة القمح)، بما يمنح النص بنية مغلقة نسبيًا، تُحيل النهاية إلى البداية، وتؤكد أن الاكتمال لا يتحقق بالامتداد الخطي، بل بالعودة إلى الجوهر.

وتُسهم الصور المتكررة ذات الطابع الزراعي والكوني في تثبيت هذه البنية، إذ تعمل بوصفها وحدات دلالية متوازنة، تتكرر بصيغ مختلفة دون أن تفقد وظيفتها البنيوية، مما يمنح النص تماسكًا داخليًا قائمًا على التكرار التحويلي لا التكرار اللفظي.

وبذلك، يمكن القول إن القصيدة تُبنى بنيويًا على جدلية الأضداد المتآلفة، حيث لا يُنتج المعنى من عنصر واحد، بل من العلاقة التي تنشأ بين العناصر داخل النسق النصي.

عاشرًا: القراءة السيميائية للقصيدة

تقوم البنية السيميائية للقصيدة على تحويل العلامات من معناها التداولي المباشر إلى معنى رمزي مركّب، حيث لا تعمل الصورة الشعرية بوصفها وصفًا، بل بوصفها علامة دلالية تُنتج المعنى عبر الانزياح والتراكب.

يُعدّ العنوان نفسه علامة سيميائية مركزية، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للقياس، و«اللحظة» بوصفها وحدة وجودية غير قابلة للعدّ. هذا التقابل لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يُبقي المعنى معلّقًا، بما ينسجم مع رؤية القصيدة لتعليق الزمن وإعادة تعريفه.

وتتجلّى السيميائية بوضوح في العلامات الزراعية المتكررة، مثل المحراث، التنّور، القمح، التي تنزاح من دلالتها المادية إلى دلالة وجودية، حيث تتحوّل إلى رموز للخصب، والاستمرار، والاكتمال. ف«حبة القمح» لا تُقرأ بوصفها عنصرًا غذائيًا، بل بوصفها علامة على الكينونة المكتملة المشروطة بالانقسام، إذ لا تتحقق دلالتها إلا عبر نصفها الآخر.

كما تعمل العلامات الكونية، مثل الليل، الضحى، الفرقدان، بوصفها إشارات إلى الانتقال من العتمة إلى الكشف، ومن الغياب إلى الحضور. وهي علامات لا تؤدي وظيفة وصفية، بل تؤسس لمسار دلالي يُعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والنور، وبين العشق والمعرفة.

أما ثنائية المحراب والحان، فتُعدّ من أكثر العلامات السيميائية كثافة، إذ تُنتج معناها من الجمع بين المقدّس والدنيوي، لا من الفصل بينهما. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يُعاد تعريفه داخله، لتتحوّل العلامة الدينية إلى علامة وجودية، والعشق إلى طقس دلالي موازٍ للصلاة.

وفي هذا السياق، تكتسب صورة "الفرقدين" كثافة سيميائية خاصة، إذ تنزاح من دلالتها اللغوية بوصفها نجمين يُستدلّ بهما على الثبات والاهتداء، إلى إحالة جسدية–كونية تُعيد شحن العلامة بمعنى الخصوبة والجذب والامتلاء. فالفرقدان لا يحضران بوصفهما عنصرًا فلكيًا وصفيًا، بل يتحوّلان إلى قطبين دلاليين يُعيدان تنظيم العلاقة بين الجسد والنور، حيث يغدو الجسد مركزًا للهداية لا نقيضًا لها، وتتحوّل العلامة السماوية إلى رمز وجودي يربط العشق بالكشف، لا بالاشتهاء العابر.

وبذلك، تُبنى القصيدة سيميائيًا على شبكة من العلامات المنزاحة، التي لا تُحيل إلى مدلول واحد ثابت، بل تُنتج معناها عبر التفاعل بين الحقول الدلالية المختلفة، مما يجعل النص مفتوحًا على تعدد التأويل، دون أن يفقد تماسكه الداخلي.

أحدَ عشرَ: التحليل النفسي للقصيدة

وتنفتح هذه القراءة، إلى جانب مقارباتها البنيوية والسيميائية والأنطولوجية، على أفق نفسي–وجودي، ويتجلّى هذا البعد النفسي–الوجودي في استدعاء الطفولة لا بوصفها زمنًا منقضيًا، بل حالة شعورية تستعاد في لحظة العشق، حيث يتقاطع الحنين مع وعي الفناء، ويغدو الزمن تجربة داخلية مشحونة بالتوتّر بين الرغبة في الاكتمال والخوف من الانطفاء.

الثاني عشرَ: القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا

تنهض القصيدة على رؤية صوفية للعشق بوصفه كشفًا روحيًا لا تجربة عاطفية عابرة. فالعشق هنا ليس غاية في ذاته، بل طريق إلى تجاوز الزمن، وتعليق القياس، والدخول في لحظة حضور مطلق، وهي لحظة تتقاطع مع مفهوم «الوقت» في التجربة الصوفية، حيث لا يُقاس الزمن بالامتداد، بل بالامتلاء.

يؤسس العنوان نفسه لهذا الأفق الصوفي، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للعدّ، و«اللحظة» بوصفها زمن الكشف. فاللحظة في التصوف هي لحظة الفتح، حيث يتكثّف الوجود، ويذوب الامتداد، ويغدو الزمن حالة شعورية لا إطارًا خارجيًا. ومن هنا، يصبح السؤال: «يومان أم لحظتان؟» سؤالًا عن طبيعة الوجود لا عن مدته.

وتتجلّى الصوفية بوضوح في ثنائية «المحراب والحان»، التي لا تُطرح بوصفها تضادًا أخلاقيًا، بل بوصفها وحدة وجودية. فالمحراب لا يُلغى بالحان، كما لا يُلغى الحان بالمحراب، بل يلتقيان في نقطة واحدة هي العشق بوصفه طقسًا كونيًا. وهذا الالتقاء يعكس الرؤية الصوفية التي ترى أن الطريق إلى المطلق لا يمرّ عبر نفي الجسد، بل عبر تطهيره وتحويله إلى وسيلة للمعنى.

كما تحضر ثنائية الماء والنار بوصفها رمزًا صوفيًا مركزيًا، حيث لا تعمل العناصر بوصفها متناقضات، بل بوصفها قوى متكاملة. فالنار هنا ليست إحراقًا، بل شوقًا، والماء ليس إطفاءً، بل صفاءً. وبهذا، يتحوّل العشق إلى حالة توازن بين الاحتراق والسكينة، وهي من سمات التجربة الصوفية العميقة.

أما صورة الطفولة، فتُقرأ صوفيًا بوصفها عودة إلى الفطرة الأولى، حيث البراءة، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة ليست مرحلة عمرية، بل حالة روحية يسعى المتصوف إلى استعادتها عبر الفناء في المحبوب، والانعتاق من الأنا.

وفي هذا السياق، يصبح تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل، تعبيرًا عن الرغبة في الخروج من الزمن الدنيوي إلى زمن الكشف، حيث لا بداية ولا نهاية، بل حضور دائم. وهكذا، تتحوّل القصيدة إلى تجربة وجدانية تقترب من خطاب العشق الصوفي، الذي يرى في الحب طريقًا إلى المعرفة، وفي الجسد معبرًا إلى الروح، وفي اللحظة الفردوس الحقيقي.

خلاصة صوفية

تقدّم القصيدة رؤية صوفية للعشق بوصفه حالة فناء في الحضور، لا علاقة عابرة، حيث يتجاوز الإنسان الزمن، ويتصالح مع الأضداد، ويستعيد دهشته الأولى. وبذلك، لا يكون الفردوس مكانًا مؤجّلًا، بل لحظة مكتملة تُعاش خارج القياس، في قلب العشق ذاته.

خاتمة

تقدّم قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» رؤية شعرية عميقة ترى في العشق مقاومة للزمن، وتعليقًا للفناء، واستعادة للوجود الأصيل. فالزمن لا يُقاس بعدد الأيام، بل بقدرة اللحظة على أن تكون فردوسًا. وهكذا، لا تغدو القصيدة احتفاءً بلحظة عشق فحسب، بل فعل نجاة وجودية، حيث تصبح الشيخوخة قابلة للتجاوز عبر الامتلاء بالحياة في أكثر صورها صفاءً، سواء تجلّت في العشق، أو في الامتداد الإنساني الذي يعيد للذات دهشتها الأولى. كما تُظهر القراءات الصوفية والبنيوية–السيميائية أن النص مفتوح على مستويات متعددة من التأويل، مما يؤكد ثراءه وعمقه، ويجعل منه تجربة شعرية تتجاوز الغزل إلى أفق فلسفي وروحي ودلالي متكامل.

***

سهيل الزهاوي

......................

يومان؟ أم لحظتان؟

يَومانِ في الفردوسِ؟

أمْ لحظتانْ؟

*

عشناهما طفلينِ

في اللازمانْ؟

*

مَرّا كما الأحلامُ في مُقلةٍ

أدمنتِ السهادَ في اللامكانْ

*

في جَنَّةٍ أرضيَّةٍ عَرضُها

عشرةُ أنهارٍ وبَحرا أغانْ

*

ما وطأتْها قدمٌ قبلَنا

ولا اختلى في فيئِها عاشقانْ

*

طفلينِ لم يَدَّخِرا لُعبةً

إلآ ومن لَذّاتِها ينهلانْ

*

يَستجديانِ الليلَ لا ينجلي (*)

والصبحَ أنْ يبقى حَبيسَ الأوانْ

*

ناما  وما ناما  وإنْ أطبَقَتْ

جفونَها من خَدَرٍ مُقلتانْ

*

تَبَتَّلا

واستَمطرا غيمةً..

وابتهلا

قُبيلَ صَوتِ الأذانْ:

*

أنْ تُسْجَنَ الساعاتُ في حُجرَة

صَمّاءَ

لا تنفذ منها الثوانْ

*

شَمَّرَ عن خريفِهِ حاسِرًا

عن شَبَقِ الربيعِ للأقحوانْ

*

سَلَّ حسامَ الشوقِ من غِمدِهِ

وكَرَّ باللثمِ على

غُصنِ بانْ

*

وشَعَّ من زيقِ القميصِ الضحى

كما يشعُّ في الدُّجى الفرقدانْ (**)

*

راوَدَها عن خبزِ تنُّورِها

فأطعَمَتْ..

فكانَ نَهمًا.. وكانْ..

*

فاستيقظَ المحراثُ من نومِهِ

وشَبَّ في التنُّورِ جَمرُ

المَغانْ

*

تناولا ألذَّ ما يُشتهى..

وارتَشَفا من الرَّحيقِ

الدِّنانْ

*

مَكَّنها من حُضنِهِ فاغتدَتْ

مشكاتَهُ والبدرَ والشمْعَدانْ

*

ومَكَّنتْهُ من فراديسِها

يقطفُ من قاصٍ خبيءٍ

ودانْ

*

ما اسْتفتَيا غيرَ سريرِ الهوى

ولا سوى نشوتِهِ يطلبانْ

*

ألبَسَنا الليلُ: الدُّجى..

والضحى

دَثَّرَنا: صَبَّا مَشوقا

بِثانْ

*

وقامَ بَردٌ فارتجَفنا كما

تَبَلَلتْ في الغيثِ

عصفورتانْ (***)

**

ألبَستُها مِنْ قُبَلٍ بُردة..

وألبَسَتني مِعطفا من جُمانْ

*

كيفَ التقَينا ياسريرَ المُنى

ماءٌ ونيرانٌ..

وأُنسٌ وجانْ

*

إنْ عَطِشا

صَبَا بكأسَيهِما

سُلافةَ اللثمِ

ويَستَطمِعانْ:

*

بِشَمِّ زهرِ اللوزِ في روضةٍ

أندى من الرَّيحانِ والزُّعفرانْ

*

ويقطِفانِ منْ جِنى واحةٍ

ما لمْ تنَلْهُ من قطوفٍ يَدانْ

*

يومانِ في الفردوسِ؟

أمْ لحظتانْ

ما بينَ محرابِ صلاةٍ

وحانْ !

*

تَشابها

حتى كأنْ لم يكنْ

بينها فرقٌ

كما توأمانْ:

*

كلاهما يسعى الى حَتفِهِ

عشقا..

هما:

نِصفانِ مُستَجْمَعانْ

*

ك" حَبَّةِ القمحِ ": (****)

بلا نصفِها

تُصبحُ كاللاشيءِ

صنوَ الدخانْ

***

تُمثّل هذه قصيدة «نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تذكُّرَهُ!»، نموذجاً لقصيدة الذات المأزومة في الشعر العربي المعاصر، حيث يتحوّل النسيان من فعل عابر إلى موقف وجودي واعٍ، ويغدو الصمت، واللا مبالاة، والانسحاب، أدوات مقاومة ضد فائض الأسئلة، وضجيج المعنى، واستنزاف الذات. العنوان نفسه ليس إخباراً، بل إعلان قطيعة مع الذاكرة بوصفها عبئاً أخلاقياً ووجدانياً.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتسم القصيدة بسلامة لغوية رفيعة، وانضباط نحوي دقيق، مع اعتماد التراكيب المركّبة ذات النفس الكلاسيكي، وهو ما يضع النص في منطقة وسطى بين القصيدة العمودية الحديثة والقصيدة التأملية المعاصرة.

- الأسلوب يقوم على:

١- الجملة الخبرية ذات الحمولة الفلسفية

٢- الاستفهام الإنكاري

٣- لشرط والتعليل

مثل:

" وأيُّ حرفٍ – تُرى – يُبدِي تأثُّرَهُ؟!"

وهو استفهام يتجاوز البلاغة إلى التشكيك في قدرة اللغة ذاتها على المواساة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:المفردات منتقاة بعناية عالية، تنتمي إلى حقل:

١- الوعي (المعنى، السؤال، التفسير)

٢- الألم (اليأس، الحزن، الاحتراق)

٣- العزلة (الصمت، الوحدة، الابتعاد)

يتحقق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في المجاز، ولا جفاف في التقرير. اللغة هنا تفكّر بقدر ما تُحسّ.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة مكتوبة على بحر خليلي محافظ نسبياً، مع قافية موحّدة (ـهُ) تُنتج أثراً صوتياً يوحي بالانغلاق والدوران حول الذات.

الموسيقى الداخلية تتجلّى في:

١- التكرار الدلالي: (سَلْني – لا – ليس – وحدي)

٢- الجرس الحزين لحروف الهاء والراء والنون

٣- الوقفات النفسية داخل السطر الشعري

٤- القافية الواحدة تُحاكي نفسيًا فكرة الدوران في حلقة اليأس.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة مبنية على سرد داخلي تأملي، بلا أحداث خارجية تقريبًا. الزمن نفسي لا تاريخي، والشخصية الوحيدة هي الـ«أنا» المتشظية.

البنية تقوم على:

١- إعلان النسيان

٢- مساءلة اللغة

٣- تفكيك السؤال

٤- تمجيد الصمت

٥- الانسحاب من العالم

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر للعالم رؤية شكّية – عدمية جزئياً؛ العالم فاقد للمعنى، واللغة عاجزة، والسؤال عبء، والانتظار وهم.

ينسجم الشكل (قصيدة متماسكة الإيقاع، منغلقة نسبياً) مع المضمون (انسحاب، عزلة، اكتفاء بالذات).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي؛

يتجلّى الانزياح في صور غير مألوفة مثل:

" أنا نبيٌّ محا الطوفانُ قريتهُ"

وهي صورة تجمع بين:

١- النبوّة (المعنى)

٢- الطوفان (الخراب)

٣- فقدان الجماعة (القرية)

كما أن:

" قلبي بيتُ عائلةٍ من اليتامى"

صورة عالية الكثافة الرمزية، تُنتج الدهشة لا بالغرابة بل بالصدق الوجداني.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

١- هل الذاكرة خلاص أم عبء؟

٢- هل الصمت أصدق من الكلام؟

٣- هل السؤال ضرورة أم فخّ؟

٤- النسيان هنا اختيار أخلاقي لا عجز.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١- الفلسفة الوجودية (كامو، سيوران)

٢- شعرية الشك عند أبي العلاء

٣- النزعة التأملية الحديثة

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

في العمق، القصيدة ليست عن النسيان، بل عن:

١-رفض التورّط في زيف المعنى

٢- تفكيك سلطة اللغة

٣- الانسحاب من لعبة التفسير

" أما السؤال فقد طوَّحتُهُ بيدي"

هنا يتم إعدام السؤال بوصفه سلطة معرفية قاهرة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة ابنة زمن عربي مثقل:

١- بالخيبات

٢- بانهيار السرديات الكبرى

٣- بتآكل المعنى الأخلاقي

2. تطوّر النوع الأدبي:

تنتمي القصيدة إلى الشعر التأملي الحديث الذي يستثمر الشكل الكلاسيكي ليقول رؤية حديثة.

3. الارتباط بالتراث:

تحضر إشارات:

١- نبوية

٢-لغوية

٣-أخلاقية

لكنها تُفكَّك ولا تُستعاد بوصفها يقيناً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بـ:

١- اليأس العميق

٢- الحزن الناضج

٣- العزلة المختارة

2. تحليل الشخصية:

الشخصية الشعرية:

١- حسّاسة

٢- واعية

٣- متصالحة مع وحدتها

٤- غير عدوانية رغم الألم

3. النبرة النفسية:

النبرة تجمع بين:

١- الحزن الهادئ

٢- الحكمة المُرّة

٣- اللامبالاة الدفاعية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع.

القصيدة تعكس اغتراب المثقف العربي داخل مجتمعه.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمّة نقد ضمني:

١- للضجيج.

٢- للخطاب الفارغ.

٣- للتأويل القسري

3. الشاعر كفاعل اجتماعي:

اختار الشاعر الانسحاب الواعي بدل الخطاب المباشر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز:

١- الماء: الذاكرة

٢- الاحتراق: الفناء الواعي

٣- الصمت: الحقيقة

٤- النافذة: المراقبة دون مشاركة

2. الثنائيات:

١- الكلام / الصمت

٢- السؤال / اليقين

٣- الحضور / الغياب

ثامناً: الأسس المنهجية

القصيدة قابلة للتحليل:

١- الأسلوبي

٢- النفسي

٣-التأويلي

وتتسم بانسجام داخلي يسمح بتعدد القراءات دون تفكك.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم الإنسانية:

تحتفي القصيدة:

١- بالصدق الداخلي

٢- بحقّ الفرد في الانسحاب

٣- بكرامة الألم الصامت

2. الانفتاح التأويلي:

النص مفتوح، لا يفرض تأويلًا واحدًا.

3. البعد الإنساني الشامل

تتجاوز القصيدة سياقها المحلي لتلامس الإنسان المعاصر المرهق بالأسئلة.

- خاتمة:

تمثّل قصيدة «نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تذكُّرَهُ!» نصًا ناضجًا في الشعر العربي المعاصر، يجمع بين الصياغة المحكمة، والرؤية الفلسفية، والعمق النفسي. إنها قصيدة لا تصرخ، بل تنسحب بكرامة، وتعلن أن الصمت – أحيانًا – هو أصدق أشكال القول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تَذكُّرَهُ!

وقلتُ فليصدقِ المعنى، لأنكِرَهُ

*

وليبتعِدْ كلُّ شيءٍ مثلَ عادتِهِ

فقد قضيتُ من المشوارِ أكثَرَهُ

*

أنا نبيٌّ مَحَا الطوفانُ قريتَهُ

أمَّا كلامي..

فقد أحرقتُ دفتَرَهُ

*

ماذا تقولُ اللغاتُ الأمُّ عن تَعَبِي؟

وأيُّ حرفٍ -تُرَى- يُبدِي تأثُّرَهُ؟!

*

يأسي عميقٌ،

كأنَّ الأرضَ قد ذهَبَتْ إلى سوايَ،

ولا شيءٌ لأخسَرَهُ

*

أما السؤالُ فقد طوَّحتُهُ بِيَدِي

لا غايةٌ لانتظاري،

كي أفسِّرَهُ

*

ولا أسمِّي شرودي غيرَ نافذتي،

حتى أراقبَ شيطاني، فأحذَرَهُ

*

سَلْنِي عن الصمتِ،

أغلى ما أجودُ بِهِ،

ولو لمستُ وراءَ الشكلِ جوهَرَهُ

*

في اللا مبالاةِ ما في اليأسِ من سَعةٍ،

وفي الكلامِ خِصامٌ سَلَّ خِنجَرَهُ

*

سَلْنِي عن الحزنِ،

قلبي بيتُ عائلةٍ من اليتامى،

ظلامُ الخوفِ سوَّرَهُ

*

وحدي تمامًا،

وأصحابي قد ابتعدوا

كلٌّ له سببٌ عندي لأعذِرَهُ

*

أسامحُ المرءَ، حتى لو أرادَ دمي!

ما دامَ خلفَ حجابي ما تَصَوَّرَهُ

*

ليحدثِ الأمرُ دوني،

ليسَ لي شغفٌ بما يدورُ،

ومَنْ في الليلِ دبَّرَهُ

*

لي صورةٌ في كتابِ الماءِ أعرفُهَا

وموعدٌ لاحتراقي لنْ أؤخِّرَهُ

 

تقدّم رواية (أوجاع على نهر الغراف) وهي باكورة أعمال الكاتب الواسطي الدكتور (رحيم جودي) مادة ثرية للدراسة النقدية، إذ تكشف عن تقنيات سردية عديدة من بينها: المزاوجة بين الواقعية القاسية والتكثيف الشعري. استمدّت الرواية قوّتها من قدرة الكاتب على تشريح الواقع الاجتماعي والسياسي لمدينة الكوت ومحلّة (الكريمية) تحديدًا، فقد استطاع الكاتب أن يحوّل تلك المدينة التي عاشت في قبضة الأزمات إلى شخصية سردية محورية تعكس صراعًا وجوديًّا متعدّد الأبعاد.

تناولت الرواية مجموعة من القضايا الجوهرية التي تعكس واقعًا مُعذَّبًا، وقامت على أساس ثيمة الخراب والتحلّل المادي والنفسي، إذ لا يقتصر العنف بوصفه حدثًا خارجيًّا، بل صار بنية ميتافيزيقية سيطرت على الفضاء العام والخاص، وتحوّلت محلّة (الكريمية) إلى (مسرح العبث) إذ يصف السارد العليم العنف الطائفي كصراع "تُعلِنُه الحروب باسم الله"، مؤكدًا تقاطع المقدّس مع المدنّس في سياق الدمار. هذا التوصيف يجعل (سيمفونية الموت) العازف الوحيد، ويحيل الجدران الحاضنة للقذائف إلى شواهد على فشل الحياة.

عالج السارد –ومن ورائه الكاتب- ثيمة الحرب والخراب بما فيها من حضور طاغٍ للعنف، والموت، والأشلاء المتناثرة، وكذلك الصراعات الطائفية والقومية وما أفرزته من قتل وتهجير، وتناول الفقر والحرمان والطبقية، وقضية المرأة والقيود الاجتماعية المفروضة عليها، وسلّط الضوء على غياب العدالة وتفشي العشائرية، إذ صوَّر مجتمع الرواية بأنّه مجتمع يسيطر عليه العنف المنظّم مشيرًا إلى فشل المؤسسات الرسمية وظهور السلطة غير المشروعة.

اعتمد النص على تفكيك مفهوم السلطة التقليدية والحديثة، وسعى إلى توضيح كيف أن العنف هو النظام العلائقي البارز، وهو ما يفسّر تحوّل النزاع إلى حروب بدائية وصراعات لأجل كسب المال والسلطة، حيث تكون السلطة دافعًا ووقودًا لهذه الحروب. هذا التصوير ينقل الصراع من حقل السياسة إلى حقل الاجتماع الأنثروبولوجي حيث يسود المنطق العشائري، ممَّا يقوّض أي أمل في العدالة الاجتماعية أو دولة القانون.

شخصيات الرواية الرئيسة ليست سوى كائنات مأزومة تبحث عن ملاذ آمن، لكنّها لا تجد سوى أوهام الخلاص، فشخصية (يوسف النجار) نموذجًا لـلبطل المُناوئ الذي يمثل نتاجًا مباشرًا للصدمة التاريخية المتمثّلة بمقتل أبيه في الحرب (العراقية-الإيرانية) وما علاقته بالحب والأوهام، وبيعه الكلمات المعسولة بأرخص الأثمان، تكشف عن محاولة تجارة الخلاص، حيث يستثمر عاطفيًّا في حرمان الآخرين بينما هو نفسه باع مشاعره. شخصيته هي تقاطع مؤلم بين الوسامة المفتولة العضلات والماضي المكلوم، ممَّا يخلق تناقضًا يلخّص هشاشة القوة في وجه القدر.

أمَّا شخصية (أحلام) فمثّلت مركز الثقل الدرامي للرواية. عانت من منفى داخلي مضاعف: فقر، وبؤس، وعبء الرغبة المُجهضة (الزواج) التي تمثّل قمة الإدانة الاجتماعية، إذ يُربَط تحقيق الذات الأنثوية بالنجاح في الرهان التقليدي، تحت ظل تسرّب العمر بين الأصابع. (أحلام) كائن حاول الهرب والنجاة من واقع مؤلم عاشته على يد زوجة أبيها الخائنة نحو وهم يوسف النجار، الأمر الذي جعل خلاصها المستقبلي مهددًا بوصفه امتدادًا لوهم الماضي.

اعتمد الكاتب على لغة شديدة الإيحاء، تستخدم التناغم بين العناصر الوصفية والنفسية، إذ يجد القارئ تشخيصًا مكثفًا للمفاهيم المجرّدة، "تتشابك الأحلام كأوراق الشجر"، و"العنوسة تقتل الروح". كما لا يمكن فصل الوصف في هذه الرواية عن الحدث؛ فغروب الشمس ليست ظاهرة طبيعية فحسب، بل هو إنذار بالخراب، حيث "تنزع نحو المغيب" معلناً "هجوم الظلام". هذا التزامن بين الطبيعة والحدث منح النص اتساقًا موضوعيًّا ووحدة عضوية متماسكة، فمقاطع الرواية الستة جميعها خدمت رؤية واحدة وهي تصوير مجتمع مُنهار داخليًا وخارجيًا. كما نجح الكاتب في رسم عوالم الشخصيات وغاص في أعماقها الداخلية وصوّر معاناتها ممَّا أكسبها تعاطف القارئ.

في المحصّلة، أظهرت رواية (أوجاع على نهر الغراف) نسيجًا سرديًا غنيًا وعميقًا مزج بين الواقعية القاسية واللغة الشعرية المكثفة، وتناولت قضايا اجتماعية وسياسية وطبقية معقّدة تمحورت حول شخصيات عاشت في كنف الحرمان والأزمات. فالرواية عمل سردي جاد ومُهمّ، يتمتّع بقدرة فائقة على التقاط التناقضات الحادّة في الحياة المعاصرة لمدن الشرق الأوسط المتأزّمة. امتلك الكاتب ناصية اللغة، واستخدمها بمهارة فائقة لبناء عوالم مرئية ومحسوسة تُدين العنف والفساد وتناصر ضحايا الحرمان. تندرج الرواية ضمن الروايات الواقعية النقدية التي تحاول تشريح الواقع المُركَّب، وتثبت أن الذاكرة والأحلام هما الملجأ الأخير للإنسان في زمن الخراب. لقد نجحت الرواية في تقديم سردية ما بعد الصدمة، حيث يختلط زمن الحرب بزمن الذاكرة. إنه نص يرفض السرد الساذج للبطولة، ويُفضل تشريح الضحية والجلاد في آن واحد، مؤكدًا أن العيش في هذا الواقع هو نوع من البقاء الجريح الذي يدفن الأحلام في "صندوق الصدر" تاركًا القارئ أمام إدانة صريحة للعنف الذي ابتلع المدينة والإنسان معًا.

ولابدّ من الإشارة إلى أنَّ كثافة الحزن وطغيان الطابع السوداوي على الرواية، والإفراط في تصوير البؤس والخراب أدّى إلى إرهاق القارئ. كما أن إيقاع الرواية ليس خطيًا بسيطًا، وإنّما يبدأ بوصف مكثف للمكان والمشاعر، ثم ينتقل إلى استعراض سيرة الشخصيات، ويتصاعد في وصف العنف والخراب. هذا التداخل عكس تداخل الزمن النفسي مع الزمن الواقعي، فضلاً عن أن السرد انتقل بسلاسة بين التركيز على الشخصيات الفردية (أحلام)، و(يوسف النجار)، و(أم غائب)، و(كريم العلاف)، وغيرهم، ووصف المشهد الاجتماعي العام.

لقد امتازت الرواية بلغة شعرية عالية، جعلت القراءة تجربة فنيّة ممتعة على الرغم من قسوة المشاهد، ورفعت النص من مستوى السرد الإخباري إلى مستوى فنّي مؤثّر لكن هذه اللغة الشعرية أخذت مساحة واسعة من الرواية، ووسمتها بميسم الشعرية وابتعدت بها عن الخطاب الروائي المباشر. فقد احتلّت هذه اللغة مساحة لافتة على حساب الأحداث، وعلى الرغم من أن الوصف كان جزءًا من الحدث، وجعل المكان شخصية قائمة بذاتها تعكس حالة المجتمع إلا أن الكاتب بالغ كثيرًا في الوصف الأمر الذي أضعف حبكة الرواية إلى حدٍ كبير، وجعل النص أقرب للرحلة منه إلى السرد الروائي.

***

د. إحسان الزبيدي