عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

مِهَادُ التَّقديمِ: إنَّ أهمَّ ما يُميِّز قصيدة العمود الخليليَّة جماليَّاً وشكليَّاً مَنبريتُهَا الإيقاعيَّةُ في موسيقاها الخارجيَّة، وإنّ ما يلفت النظر فنيَّاً وإبداعيَّاً في قصيدةُ التَّفعيلةِ الحُرَّةُ شكليتها التعدُّدية وزناً وقافيةً وإيقاعاً. ومع هذا ذاك فإنَّ قصيدة النثر الشِّعريَّة التي هي إحدى نتاجات أجناس الحداثة الشعريَّة، وما بعدَ الحداثة شكلاً ومضموناً تمثِّل انتقالةً تجديديَّة مُهمَّة في مسار الشعر العربي عامَّةً والعراقيّ خاصَّةً.

فهيَ على الرُّغم من كونها تتحرَّر كليَّاً من تبعية الوزن والقافية، وتحتفظ قليلاً ببعض القوافي الترنميَّة التي تشكلُ تزويقاً لفظيَّاً وإيقاعيَّاً في نهايات أسطُرِها الشعريَّة، وبرغم التَّهويمَات والهَذرِ والهذيان اللُّغوي الذي أصابها، والإسهال اللَّفظي والجعجعة الصوتيَّة الجَوفاء التي طالت بِنيةَ جُملِها التركيبيَّة، وخاصةً عند الكثير من الشباب شعراءِ الغُموض اللَّا فنِّي والتعقيد اللَّفظي والمعنوي مِمَّن لا يُجيدون بِنيةَ الإيقاع الوزنيَّة، ولا يُدركونَ كُنهَهَا الحقيقيَ الإبداعيَ، وفنَّها الإمتاعي الجديد.

فإنَّها في الحقيقة تعتمد بالدرجة الأولى على عناصر فنيَّةٍ واشتراطاتٍ، وآليَّاتٍ إبداعيَّةٍ عديدةٍ ومهمَّةٍ مثل، (التَّكثيفُ الشِّعري اللُّغوي، والتركيز المَعنوي، والإشراقِ الضوئي، والإيقاع الداخلي)، كَالتَّكرَار الصَّوتي المُتجدِّد في الحُروف والكلمات والجُمل والمقاطع الشعريَّة التي تُضفي عليهاألقاً.2667 raheem

والحقُّ يقالُ إنِّ قصيدة النثر الشعريَّة الحداثويّة على الرُّغم من كونها تُعدُّ من أصعب الأجناس الشعريَّة الثلاثة المعروفة، وتَفتقدُ بنيتُها اللُّغويَّةُ إلى الموسيقى الخارجيَّة (وزنَاً وقافيَةً) في تأثيث شكلِ بِنيتِها الخارجيَّة، فإنَّها تَشترك مع أجناس الشعر الأُخرى في كثير من عناصره المُهمَّة، فتأخذ من الشعر العربي قديمه وحديثه -عدا (الوزنِ والقافيةِ)- خاصيةَ (التَّركيز المَعنوي، والإيجاز أو الاقتصاد اللُّغوي، والوحدة العضويَّة والموضوعيَّة المُغايرة، والإبداع الشِّعري، وثَراء المُوحيات الدلاليَّة والرمزيَّة والغُموض الفنَّي). وهذا التَّحرُّر الشكلي من النظام الوزني الخليلي قد قَربَ المسافة البَينيةَ والنفسيَّة الكبيرة بين الخِطابينِ الشِّعري والنثري في القصيدة كما ذهبَ لذلكَ أدونيس.

هذه المقدِّمة التي تصدَّرت مِهادَ الدِّراسة الشعرية، والَّتي سِقتُها حَولَ آليَّات واشتراطات كتابة قصيدة النثر الشعريَّة الحديثة تَنطبق تماماً في كثير من أنساقها الإبداعيَّة ورؤاها الفلسفيَّة والجماليَّة على تجربة الشاعر العراقي الجَنوبي المَيساني المُثابر الشَّاب رَحيم زَاير الغَانم في مجموعته الشعريَّة الموسومة، (أحدُ الظلَّينِ ..أنَا)، والصادرة بطبعتها الأولى عام2024م عن منشورات الاتَّحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، وبحجم كتابي متوسِّط القطع بلغ نحوَ سبعينَ صفحةً.

وهي المجموعة الشعرية الخامسة في سجِّل نتاجات ومدوَّنات الشاعر الغانم الإبداعية، وتمثِّل خلاصة ما وصلت إليه تجربته الشعرية من نضوج فنِّيٍ في تجريب إنساني ذاتي ومَعرفي جَمعي عَمَّا في قصيدة النثر من مخبُوءاتٍ جَماليَّة وقُدراتٍ إبداعيِّة فِي التعبيرعن تصاميم لوحاته الشعريَّة المُتعدِّدة الصور والدلالات والإيحاءات التي رسمها في مقارباته الذاتيَّة مع ظلِّه الآخر المنظور.

وقبلَ أنْ نُجيلَ النظر معرفيَّاً في البحث عن فتوحات الشاعر الغانم وتتبعِ أثرِ حُفريَّاته وَلُقَاهِ الشعريَّة في هذه المجموعة، ومن ثمَّ تقفِّي آثارها الموضوعية، والكشف عن وقعِ مُعمياتها الفنيَّة والجماليَّة والإشراقيّة -هذه المُدوَّنة- الِّتي تضمَّنت أربعاً وثلاثينَ نصَّاً من قصائد النثر القصيرة الطول ذاتَ الكثافة التعبيريَّة والاختيارات الموضوعيَّة المُلتقطة عيِّنَاتُ صُورِها الفنيَّة، ومُوحياتُها الرمزيَّة والدِّلاليَّة العَميقة بِعنايةٍ فائقةٍ وإدراكٍ ووعي كبيرمن مَنابت عَقابيل الواقع الجمعي المَّعيش ورهانته الوجوديَّة المُشتركة التي تُلامسُ طبيعةَ وحياةَ الإنسان ابن البيئة التَّحوُّلات العَصريَّة.

لا بُدَّ وأنْ نفككَ شفرات عتبة العنوان اللُغويَّة الرئيسة لِمجموعة الغانم (أحدُ الظلَّين.. أنا)، ونستجلي جمرات معانيها الجمالية المُتَّقدة، ونُسلطُ الضوءَ على أهمِّ مُوحيات مُوضوعاتِها المعنويَّة والدلاليِّة القريبةِ والبعيدةِ. هذه العنونة التي هي إحدى عتبات النصِّ المَوازي (الرسالة) المُهمَّة التي ارتكز عليها معجم الشاعر في بناء خطابه الشعري وهندسة عُمارة رسالته الشعريَّة الإنسانية حين قدَّم عَتبةَ النَّصَّ الجُزئي الداخلي الفرعيَّة (أحدُ الظلَّينِ ..أنا) على الكلِّ؛ لتكونَ لافتةَ العُنوان كُلَّاً موضوعيَّاً مُوحداً كَثُرَيَّا سامقةٍ مِنْ (ثُريَّات النِّصِّ) الضوئيَّةِ. والتي هي أيضاً بوابة الدخول الإبلاغيَّة المائزة التي تؤدِّي إلى مَدينة الشعر الفاضلة ومثاباتِ الشَّاعر ومحطَّاته الشعريَّة المُتشاطئة جَماليّاً.

فالمعنى الدَّلالي القريب لمُوحيات جملة العنوان الاسميَّة (أحدُ الظلِّينِ ..أنا)، تشي بأنَّ أحد ركني هذين الظلِّين، هو الشاعر ذاته، أو ما يُسمَّى في النقديَّة بـ (الذاتِ الشعريَّة)، ولا بدَّ أنْ يكون الشاعر رُكنها الأول اليَمين. وهو بالتالي يعدُّ إقراراً واعترافاً مباشراً عن سرِّ الذِّات الأنويَّة الشَّاعريَّة التي تقنَّعتْ بقناع الرُّكنية وتلبَّستْ به، وأُكَّدَتْ بضمير الشَّاعريَّة (أنَا) الرافع لنفسه خبرَاً. وهو بالتأكيد المعنى الدلالي الظاهر لنسق الشعريَّة الثقافي الذي لا يحتاج إلى تجلٍّ أكثر من هذا الأثر الأنوي.

أمَّا المعنى الدلالي البعيد، وهو النسق الثقافي الخفي لهذه الشعريَّة الثنائيَّة، فَتُشيرُ مُوحياته النسقيَّة بوضوحٍ وجلاءٍ إلى الذات الآخريَّة، سَواءٌ أكانت هذه الذات فرديةً أم جمعيَّةً مُشتركةً. وقد تكون هذه الذات التي رَمَزَ بِها إلى هُوِيَّة الآخرِ مَاديةً أو معنويةً، كأنْ تكونَ حَبيبةً أو وطناً أو مجتمعاً أو طبيعةً أو رمزاً مَعنويَّاً ما. فالمُعادل الموضوعي القائم بين معنى الدالتين (الظليَّة)، هو الهمُّ الجمعي المشترك، والخروج من حدود الذاتية الأنويَّة الضيِّقة إلى مرافئ وشطآن الأنوية الموضوعيَّة الجمعية المُشتركة التي تؤلِّفُ هرمَ الجامعة الإنسانية. وكأنَّ لسانَ حال الشاعر الغانم في تآلفه مع هُوِيَّة الآخر يُردِّدُ تلكَ العبارة الوجوديَّة الهَاملتيَّة الشَّهيرة (أكونُ أو لا أكونُ) إلَّا مع الآخر وإلَّا فَلَا.

وهذا يعني إجمالاً أنَّ الشاعر رحيم زاير الغانم في جميع مقارباته الصوريَّة وتدفقاته الشعريَّة وتناصاته اللُّغويَّة الرُّوحيَّة والدينيَّة، وتمثُّلاته الانزياحيَّة، وإيقاع جَمال بلاغته الأُسلوبية الجديدة، ومضمراته الشعريَّة الدافقة التي كانت أشدَّ ظهوراً وتأثيراً نفسيَّاً وصوتيَّاً واضحاً في تعبيراته التكثيفية. كانَ الغانمُ -بِحقٍّ- عاشقاً مُحبَّاً لِهُوِيَّةِ ظلِّ الآخر المُؤثِّر، بل كان في أعلى درجات الهُيَام به، لا مَعشوقاً من قبل الآخر. كونهُ الصَّوتَ الشِّعريَ المَحكيَ، والآخر هوَ الصَّدى الراجعُ عنهُ. فلا صَوتٌ من غير صدىً، ولا وجودٌ حقيقيّ من غَيرِ عَدمٍ، ولَا وَطنٌ من غيرِ أثرٍ لِمنفىً في الحياة. وقد نوَّهَ الشَّاعر لهذه الخاصية التأكيديَّة حينَ وظَّفها في عتبة الإهداء التي سبقت عتبات المُدَوَّنة.

"إلَى مَنْ يَعِي: إنَّ الأوطانَ فَضاءُ الحُرِّيَّة الرَّحِبُ، لَا مَرافِئَ لِلمَنفَى" (أحدُ الظلِّينِ.. أنَا، ص 5)

إنَّ فضيلةَ العنوان وجمالياتهِ اللُّغويَّةَ والدلاليَّةَ تُحيلَنا إلى التساؤل الفكري التالي الذي يلقي بنفسه على يقظة المتلقِّي الواعي، ويُثيرُ حفيظة القارئ النابه بحثاً عن إجاباتٍ شافيةٍ مُفيدةٍ ونافعةٍ للنفس: إذا كان الشاعر ذاتهُ أحدَ الظلِّين، وهو اعتراف مُباشر ظاهرٌ وإقرارٌ ذاتيّ بَائنٌ ومُعلنٌ لا خفاءَ لهُ سوى التجلَّي، فَيَا تُرَى مَا ذلكَ الظلُّ المُستترُ والمُضمرُ الآخرُ الذي يبحث عنه رحيم زاير الغانم في طيَّات نصوصه الشعريَّة المُحتشدة بالأفكار، ووحداته الموضوعيَّة المُكتنزةِ بِالتعدُّديَّة والتداخل المعرفي الواقعي والمخيالي الأسطوري الماتع.

-أربع وثلاثونَ قَصيدةً نَثريَّةً، كُلُّ نَصِّ من نصوصها النثريَّة يَطرحُ ظِلِاً شِعريَّاً مُستتراً آخر من ظلال الغانم الثقافيَّة والنَّسقية الجَوهريَّة المُضمرةِ الِّتي تَتطلَّب مِنَ القارئ الألمعي النابه تحليلاً موضوعيَّاً خاصَّاً في فَهم عَلاقتها التأصيليَّة المُتوحدنة مع تلابيب وجسد الوحدة العضويَّة لِهرمِ هذه المُدوَّنة الشعريَّة ونسيجها التكويني المُترابط شكلاً ومضموناً ولُغةً وأسلوباً شعريَّاً ومُعجميَّاً شاعريَّاً.

إنَّ أُوْلَى ظلالِ مرافئهِ الشعريَّة المُستترة، هيَ البَوحُ بعدالةِ الآخرِ، وثَاني ظلالهِ الجميلة، تلكَ القصيدة الداخلية التي تصدَّرت لَوحةَ الغلاف الأولى لهذه المجموعة، فكانت إلمامةً ذاتيةً جميلةً في البحث عن تمثُّلات الحُريَّة التي تجسَّدت في طائرين مُقيدينِ، جناحاهما أحد الظلِّين، فإمَّا حَياةٌ أو مماتٌ لا ثالثَ لَهما. فَلْنقرأ ما يقوله الغانم من تَهجُّدَاتٍ بحقِّ ظلِّه الآخر الذي التقاهُ بَعدَ ظلامٍ حَالكٍ:

قَالَ: أَحدُنَا لِأحدِنَا لِنَفتَرِقَ

عَلَّ وَاحدَاً مِنَّا يَنجُو،

غِرنَا فِي ظَلامٍ حَالكٍ

وَغَارتْ مَعنَا الأُمنيَاتُ

وَمَا التقينَا إلَّا بِانقشَاعِ غُبَارِ الخَوْفِ

ظِلَينِ مُرتعدِينِ فِي لَيلةٍ مُقمرَةٍ (أحدُ الظلَينِ.. أنَا، ص 9)

ثمَّ تتوالى ظلال الغانم الشعرية بتساوقٍ، فيأتي موضوع البحث عن التِّيهِ والشتات هروباً من قساوة الواقع اللَّاهب آخرَ الكي الذاتي، وتأتي مُتضادة (الكرِّ والفرِّ)، وجدليَّة (الغيابُ والحُضورُ) لتكشفَ عن بعضِ تَمظهرات هذه الظلَّيَّة الواثبة. وَعَلى الرُّغم من ذلك التَّشظي فلا بُدَّ من اللَّقاء، وإنْ كان ذلك حاصلٌ أمام بَراكينَ الأوطان الحَقيقيَّة. وقد يَكونُ اغتيالُ الجَسدِ الظِلِّي وبقاءُ الرُّوحِ موضوعاً روحيَّاً وفكريَّاً من تجليَّات تلكَ الظِّلالِ التَعدُدية التي تلوح في أفق الشاعر فتُعذِّب روحه الثائرة وتؤنِّب وجع ضميره المستتر خلف قضبان الروح السميكة.

ويَنزاحُ الغانمَ رَحيمٌ في أُسلوبيته الشعريَّة كثيراً، فيتساءل مُستنكراً سَاخراً، لمن تُغرِّدُ البلابل؟ كنايةً عن تلك الخسارات المتوالية التي تتعرَّضُ له أقبيةُ الذَّات المَأزومة. فتأتي مواسم العمر الكسيح الضائعة استكمالاً لمسار ذلك النشيد التغريدي المستهجن. ويتحدَّث الشاعر الغانم في نسغ تراتيله الظلِّية المتراتبة عن وقع الأيام البالية، وتأثيراتها النفسيَّة والرُّوحيَّة المُوجعة الأليمة.

وقد يَتبدَّد ذلك الشُّعور الضافي بالحسرات حِينَمَا يكون الحبُّ مَخصوصاً بِحُبِّ العراق الذي يُشكِّلُ وَلَهَ الشَّاعرِ الأثيرَ وَمكمنَ نجواهُ. وبَالرُّغم من ذلك الحُبِّ وقداسته الوطنية، فإنَّ نكبات الشاعر وخيباته تتكرَّر باستمرار، فتكونُ جَمراتُ الهَزيمة وَقَعَاً مُؤلمَاً من وقائعه الذاتية المُعلنة. وعلى الرُّغم من هذه المناورة الظلِّية وتلك فإنَّ الشاعر يَبحثُ عن وطنٍ صغيرٍ أو مَلاذٍ آمنٍ يأويه اسمه البلدة الصغيرة لتكونَ مثابةً لاحتواء الذات التي لا تُعمرُ أو تَخضرُّ إلَّا بانتظار الحَبيب المَوعودِ:

صَبَاحُ الخَيرِ يَا وِجْهَ أُمِّي

قِبْلَةٌ أُوْلَى عَلَى أعتَابِ الرُّوحِ

سَمَاءٌ مِنْ سُحَابِ اللهِ

تَفُوحُ نَدَىً وَطِيبَاً،

حُلمٌ بِربيعٍ تُخَلِّدهُ كَركرَةُ الصِّغِارِ

ظَلَالُ جَدائلِ الحَبيبَةِ

قَلبٌ يَفرُّ مِنْ عِنَاقٍ وَشَوقٍ (أحدُ الظلِّينِ أنَّا، ص 47)

وإذا كان الضياع عنوناً لإحدى مفردات الشاعر في خريف ظلاله الخفيَّة المتساقطة، فإنَّ النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله من حطبٍ، وتأخذ ما تُريده، هِيَ ضالتهُ الحِكَمِيَّةُ أمام الواقع الذي لا مناصَ من الإفلات منه. أمَّا موضوعاته الأخرى التي تصوُّر الغوص في المجهول واتِّساع رقعة البُؤس والشُّعور بالوحدة والاغتراب المكاني، فَهيَ لاشكِّ موضوعاته الأنويَّة مع هُوِيَّة الآخر. وهذا الآخر الذي تَظهر تمثُّلاتهُ في أصغر حبَّاتِ الكَرزِ، أو في حَبيبٍ لَذيذٍ يُشبِهُ قِطعَ حَبَّاتِ البَرَدِ.

وقد تتَّخذ تلكَ الهُوِيَّةُ الشعريَّةُ ظلالاً ومثاباتٍ ضوئيَّةً أخرى، فتأتي على شكل متوالياتٍ شعريةٍ تنتظم جملها الشعرية بعنواناتٍ صغيرةٍ مُبهرةٍ عَنْ مرادفة (الثورةِ والثَّائرِ)، وعنْ وجعَ الوَطنِ الجريحِ النَازفِ، وعن قيمِ الشَّهادةِ والتَّضحيةِ، وعنْ تَعَدُّدِ الهَجْرِ وأسبابه، وعن بَوحِ الشاعريَّة أمام لُغةِ الصَّمت، وعن الخَطيئةِ التي لا تُغتفرُ، وعنْ لِحظاتِ شهادةِ اغتيالِ الوَطن المُفاجِئ، وعن خَيَاراتِ المُصادفةِ التي لم تكُنْ خَياراً إراديَّاً مَطروحاً أمام تجلِّيات الواقع لمواجهة الحقيقة الناصعة.

ويأتي بابُ الحُريَّةِ الحمراءِ الَّتي تُؤخذ ولا تُوهبُ مَوضوعاً مصيريَّاً من أناشيد هذه المجموعة الذاتيِّة المَكَمّلة لِظلِّ الآخر؛ فتكونُ شَاهداً شعريَّاً على وقائع التاريخ الراهنِ. وَيَختتمُ الشَّاعرُ الغانمُ ظلالهُ الباطنيَّة المُتوارية خلفَ أنساقِها الثقافيَّة الجَوهريَّة في مدونته الشعريَّة (أحدُ الظلّينِ ..أنَا) بلوحةٍ شٍعريةٍ تًجريبيةٍ أطلقَ عليها اسمَ (أُحجِيَةً)، وَرَاحَ يُسائِلُها ذاتيَّاً عن الغدِ الآتي المُنتظر الذي يُفِّقسُ من بيوض طائر اسمه (الفَاختةُ)، ليكونَ رَمزاً لِحُلِمِه الآخر عَنِ النهرِ وغُصنِ الزيتون، وعنِ الفِردوسِ المُتواري خلف تلال الحياةَ الرُّوحيَّة البعيدةِ.فلنقفْ قليلاً أمامَ تساؤلاتِ الشَّاعر وتَكرَارَاتهِ:

أيتُّها الفَاختَةُ،

مَتَى يُفَقِّسُ مِنْ تَحتِكِ الغَدْ؟

مَتَى يُداهِمُ عَشَكِ الزَغَبْ؟

مَتَى يَدورُ الحَديثُ عَنْ طائِرِ الأحلام؟

عَنِ النَّهرِ وَغُصنِ الزَّيتُونِ

عَنِ الفِردوسِ المُتوارِي وَراءَ التَّلِّ

عَنْ صِبيَةٍ تَتْرُعُ فِي مَلكُوتِ اللهِ الأمنِ، (أحدٌ الظلِّينِ.. أنَا، ص 64)

على وفق هذه الشاكلة الفنية الدافقة شعراً، رَسمَ الغانم رَحيمُ خطوطَ لوحاته الشِّعرية الظاهرة والمُضمرة، إيماناً منه أنَّ الجواهر الخفيَّة ليس كالأعَراض الجَليَّة المَكشوفة للعيان، ولوَّنَ فَضاءَ مِساحاتِ لوحاته التجريبيَّة بألوان مختلفة شتّى من رؤاه الفلسفيَّة وصوره الفكريَّة المُتخيَّلة عن الآخر، وأسبغ عليها نسغاً من خزائن ثَراء تَجربته الشعرية المُتراكمة، وسعةِ قُدرتهِ الثقافيَّة المُكتسبةِ.

وكلُّ مُعطيات الشَّاعر وفتوحاته الشعريَّة النثرية في تلافيف قصائد مدوَّنته الشعرية هذه تُشيرُ بإنصافٍ وموضوعية إلى أنَّ رحيمَ الغَانمَ لا يَقولُ الشِّعرَ بطراً للآخرَ كيْ يَستمتعَ رُوحيَّاً ويُمتِّعَ ذائقتَهُ النفسيَّةَ بجمالياتهِ الشِّعريَّةِ الرَّائقةِ، وإنَّما كان يرى الشِّعر والتقاطاته الموضوعيَّة في عُيُون الآخرَ صُوراً تمرديَّةً وتحريضيَّةً تتابع مشاهدُها الحَدثيَّةُ تترى كي يُفكِّرَ بِها، وَيَستأثرَ بوقعهاالآسرِ؛ فينتقض على أعقاب الواقع التالف، وهذا هو الهدفُ والغاية والمَقصدُ الأهمّ من الجَوهر لا المظهر.

فالبيتُ أو السَّطر الشِّعري الذي لا يُصيبُ بِمعناهِ الشِّعري سِهامَ الحَقيقةَ ونبضَها يَخيبُ بَمبنَاهِ التَّركيبي ويَفشل في مواجهة الرَّاهن، والقصيدة النثريَّة التي لا تُخلِّد نفسَها وتَنهضُ بنفسها لا تُخلِّد شأنَ شاعرِها الرمز. والشَّاعر الألمعي الفحل الذي لا يَمتلك اللُّغة الحيَّة والإحساس العالي والثقافة الحقَّة لا يكونُ شَاعراً بِالمَعنى الإبداعي والجمالي، ولا يُمكنُ أنْ يكونَ صاحبَ مَشروعٍ فِكريٍّ وثقافيٍّ واثبٍ. وكلُّ هذا يشي بأنَّ قصيدة النثر الشعريَّة ليس من السهل أن ترفع من مَقام شَاعرهَا الهُمامِ مَا لَم يَمتلكْ أدواتهِ ويَتغلَّب على جميع عناصرها الأساسيَّة فَيسدُّ مَسدَّ هنَّاتِها بإمتاعٍ وابتداعٍ.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

من فلسفة العلامة إلى هندسة المعنى في النصّ الإبداعي

ليست اللغة في جوهرها مجرّد أداة تواصل، بل هي نظامٌ رمزيٌّ معقّد، تتداخل فيه الدلالة مع القصد، والإشارة مع الوعي، في شبكةٍ من العلاقات التي لا تُختزل في ظاهر اللفظ، بل تمتدّ إلى أعماق البنية الذهنية والثقافية للإنسان. ومن هذا الأفق، نشأت السيميولوجيا بوصفها علماً للعلامات، يتتبّع كيف يُنتج المعنى، لا كيف يُقال فحسب، وكيف يتشكّل الإدراك عبر وسائط رمزية تتجاوز اللغة إلى كلّ أنساق التعبير.

لقد مهّدت الفلسفة اليونانية لهذا التصوّر منذ البدايات، حيث انشغل أفلاطون بمشكلة العلاقة بين الأسماء والأشياء، متسائلاً عن مدى مطابقة اللغة للواقع، في حين جاء أرسطو ليؤسس لرؤية أكثر انتظاماً، حين ربط بين الصوت والمعنى والتصوّر الذهني، واضعاً بذلك بذور التفكير في العلامة بوصفها علاقة ثلاثية الأبعاد. غير أنّ هذه الإرهاصات الفلسفية لم تبلغ نضجها إلا في سياق الجدل الرواقي–الأبيقوري، حيث تبلور مفهوم العلامة في صيغته الأكثر تركيباً: دالٌّ يحيل، ومدلولٌ يُستحضر، وقصدٌ يوجّه عملية الإبلاغ.

ومن هنا، لم تعد العلامة مجرد وحدة لغوية، بل صارت فعلاً تداولياً يتوسّط بين الذات والعالم، ويشتغل ضمن نظامين متكاملين: نظام لساني لفظي يتمثّل في اللغة، ونظام غير لساني يتجلّى في الإشارات والرموز البصرية والاجتماعية، كعلامات المرور وسلوكيات الجسد. وقد أسهم في تطوير هذا الأفق السيميائي المعاصر باحثون مثل لويس برييتو وجورج مونان، حيث سعوا إلى توسيع مفهوم العلامة ليشمل كلّ أشكال التواصل الإنساني، بوصفها أنساقاً دلالية قائمة بذاتها.

في هذا السياق، يبرز المربّع السيميائي بوصفه أداةً تحليليةً مركزية، لا تكتفي بوصف العلاقات الدلالية، بل تكشف عن البنية العميقة التي تتحكّم في إنتاج المعنى. فهو يقوم على جدلٍ منطقيٍّ بين التضادّ والتناقض والتضمّن، حيث لا يُفهم المعنى إلا عبر علاقته بنقيضه، ولا تتحدّد الدلالة إلا ضمن شبكة من الاستلزامات المتبادلة. وهكذا، يغدو النصّ الإبداعي—وخاصة الشعري—مظهراً سطحياً لبنية عميقة تتحكّم فيها عمليات عقلية دقيقة، تتخفّى خلف جماليات التعبير.

إنّ سيميولوجيا الشعر، في هذا الإطار، ليست مجرّد منهج تحليلي، بل هي رؤية معرفية تسعى إلى تفكيك النصّ وإعادة بنائه، عبر مستويات متعدّدة تتكامل فيما بينها لتشكّل المعنى الكلي. فعلى المستوى الصوتي، يتجلّى الإيقاع بوصفه علامةً سمعيةً تُنتج دلالات وجدانية، حيث تتحوّل الموسيقى الداخلية إلى لغةٍ موازيةٍ للمعنى. وعلى المستوى الصرفي، تُسهم البنى الاشتقاقية في توسيع الحقل الدلالي، إذ تحمل الصيغة في ذاتها طاقةً إيحائية تتجاوز معناها المعجمي.

أما على المستوى التركيبي، فإنّ الجملة الشعرية لا تخضع لمنطق النحو التقليدي فحسب، بل تنزاح عنه لتؤسس نظامها الخاص، حيث يصبح التقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، أدواتٍ لإعادة توزيع المعنى داخل النص. ويتقاطع هذا المستوى مع البعد التناصي، حيث ينفتح النصّ على نصوص أخرى، يستدعيها أو يحاورها أو يعيد إنتاجها في سياق جديد، مما يضاعف من كثافة الدلالة.

وفي المستوى البلاغي، تتجلّى الاستعارة لا بوصفها زينةً لغوية، بل كآلية معرفية تُعيد تشكيل الواقع، حيث يُرى الشيء في غير صورته، ويُعاد تعريف العالم عبر المجاز. أمّا المستوى الدلالي، فهو الحقل الذي تتقاطع فيه جميع هذه المستويات، ليُنتج شبكةً من المعاني المتداخلة، التي لا تستقرّ على يقين، بل تظلّ مفتوحة على التأويل.

 سيميولوجيا الشعر العربي:

إذا انتقلنا إلى فضاء الشعر العربي، وجدنا أنّ السيميولوجيا لا تمثّل قطيعةً مع التراث بقدر ما تكشف عن إمكاناته الكامنة. فالشعر العربي، منذ نشأته، كان نظاماً علامياً مركّباً، تُنتج فيه الدلالة عبر شبكة من الرموز والإشارات المتوارثة، كالصحراء، والناقة، والطلل، والليل، وهي عناصر لا تُفهم بوصفها مفردات معجمية، بل بوصفها علامات ثقافية تختزن ذاكرة الجماعة وتجربتها الوجودية.

لقد أدرك النقّاد العرب القدامى، وإن بغير المصطلح السيميائي، طبيعة هذه العلاقات الرمزية، حين تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن “النظم” بوصفه علاقةً بين المعاني لا بين الألفاظ فحسب، وحين أشار الجاحظ إلى أنّ المعنى “مطروح في الطريق” وأنّ القيمة تكمن في كيفية صياغته. وهذه الرؤية، في جوهرها، تمثّل وعياً مبكّراً بالبنية العلامية للنصّ.

ومع تطوّر الشعر العربي الحديث، ولا سيّما مع تجارب الحداثة، تعمّقت هذه البنية السيميائية، حيث لم تعد العلامة ثابتة، بل غدت منزاحة، متحوّلة، قابلة لإعادة التأويل. فالرمز لم يعد يحيل إلى مدلول واحد، بل إلى شبكة من الإحالات المفتوحة، تتقاطع فيها الذات بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، واللغة بالوجود.

إنّ سيميولوجيا الشعر العربي تكشف عن خصوصية هذا الشعر في قدرته على الجمع بين التراث والتحوّل، بين الثبات والانزياح، حيث تتجاور العلامة القديمة مع تأويلها الجديد، في حركة دلالية مستمرة. وهكذا، يصبح النصّ الشعري العربي فضاءً تتفاعل فيه العلامات لا بوصفها وحدات جامدة، بل بوصفها كائنات حيّة، تتغيّر بتغيّر السياق، وتُعاد كتابتها مع كلّ قراءة، بما يجعل الشعر العربي حقلاً خصباً للتأويل السيميائي، ومجالاً رحباً لاكتشاف المعنى في تعدّده وثرائه.

إنّ الشعر، في ضوء السيميولوجيا، لا يُقرأ بوصفه خطاباً مباشراً، بل بوصفه نظاماً من العلامات التي تُخفي بقدر ما تُظهر، وتُلمّح أكثر مما تُصرّح. ومن هنا، فإنّ فعل القراءة يتحوّل إلى عملية تأويلية معقّدة، يسعى فيها القارئ إلى تفكيك هذه العلامات، وإعادة تركيبها ضمن أفقه المعرفي والثقافي.

وهكذا، يتبيّن أنّ سيميولوجيا الشعر ليست علماً بالعلامة فحسب، بل هي علمٌ بالمعنى في حالته المتحوّلة، حيث يغدو النصّ فضاءً دلالياً مفتوحاً، تتقاطع فيه اللغة والفكر، ويتحوّل فيه الجمال إلى معرفة، والمعرفة إلى تجربة وجودية. إنها دعوة إلى قراءة الشعر لا باعتباره قولاً يُفهم، بل عالماً يُكتشف، ونصّاً يُعاد خلقه مع كلّ قراءة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تحوّلات الرمز بين البوح الشعري والتأويل الوجودي قصيدة الأستاذة رجاء نور الدين

في تخوم الكتابة الشعرية الحديثة، حيث تتداخل الأجناس وتتفكك الحدود بين القول العاطفي والتأمل الفلسفي، ينبثق النص بوصفه كائناً دلالياً مفتوحاً، لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يعيد مساءلته وتفكيكه وإعادة تركيبه. وفي هذا السياق، تندرج قصيدة الأستاذة رجاء نور الدين بوصفها لحظة شعرية مكثّفة، تنبني على اقتصاد لغوي ورمزية شفيفة، تُشيّد عالمها عبر استعارة مركزية (ربطة العنق الحمراء) بوصفها علامة على الرغبة والاقتراب المؤجّل. غير أنّ هذا الرمز، في النص الموازي الذي كتبه عماد خالد رحمة، لا يظلّ في حدوده الأولى، بل يتعرّض لتحوّل جذري، حيث يُعاد إنتاجه داخل بنية حوارية ذات أفق وجودي، فينتقل من كونه زينة دلالية إلى كونه جرحاً مؤجّلاً، ومن علامة امتلاك إلى أثر فقدٍ وانكشاف.

إنّ هذه الدراسة لا تسعى إلى قراءة النصين بوصفهما بنيتين منفصلتين، بل بوصفهما فضاءً تناصّياً تتفاعل فيه الأصوات والرؤى، حيث يتحوّل النص اللاحق إلى مرآة تأويلية للنص السابق، لا عبر المحاكاة، بل عبر التفكيك وإعادة التشكيل. ومن هنا، فإن المقاربة النقدية المعتمدة تتأسّس على تعدّد المناهج (الأسلوبي، الجمالي، السيميائي، النفسي، والتأويلي)، إلى جانب استثمار النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة، لا تختزل في قراءة واحدة أو دلالة نهائية.

وعليه، فإن هذه الدراسة تروم الكشف عن البنية العميقة التي تحكم اشتغال الرمز، وعن تحوّلات اللغة من وظيفتها التعبيرية إلى طاقتها الإيحائية، كما تسعى إلى تفكيك المعمار الصوتي والدلالي للنصين، واستكشاف أبعادهما النفسية والاجتماعية، وصولاً إلى مساءلة البعد الإيروتيكي بوصفه طاقة كامنة في اللغة لا في الجسد. بذلك، يغدو النص الشعري هنا مجالاً لتوليد المعنى، لا لنقله، وفضاءً لتعدد التأويلات، لا لاختزالها، حيث تتقاطع الذات مع اللغة، ويتحوّل الحب من تجربة عاطفية إلى سؤال وجودي مفتوح.

أولاً: التنويه النقدي

يندرج النصّ الأول للأستاذة رجاء نور الدين ضمن كتابة نثرية شعرية مكثّفة، تقوم على الاقتصاد اللغوي والتركيز الرمزي، فيما يأتي نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة بوصفه نصاً حوارياً تفاعلياً، لا يكتفي بالمحاكاة، بل يعيد إنتاج البنية الأصلية عبر توسيعها دلالياً ونفسياً، وتحويلها من لحظة اعتراف أنثوي إلى جدلية وجودية بين ذاتين: ذات طالبة للحب وذات مترددة فيه.

وعليه، فالعلاقة بين النصين ليست علاقة تقليد، بل علاقة تناصّ خلّاق يتطور من الرمز إلى التأويل، ومن الصورة إلى الفلسفة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

نص رجاء نور الدين:

اللغة سليمة، تميل إلى البساطة الموحية.

التراكيب قصيرة، تعتمد الجملة الاسمية والفعلية المباشرة.

الانزياح محدود لكنه فعّال:

“هبط ليلها بأول قنديل” - انزياح دلالي جميل (الليل لا يهبط بقنديل).

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة:

لغة عالية الكثافة، مشبعة بالاستعارة المركبة.

تركيب الجمل:

تتراوح بين التقطيع الشعري والانسياب الطويل.

الانزياح:

كثيف ومتعدّد الطبقات:

“الخسارة باب صغير في جدار انتصار مؤجل”

“أخفيته عند عنقي كي لا يسيل الحنين”

 هنا نلحظ انتقالاً من الانزياح الجزئي إلى الانزياح البنيوي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

في النص الأول:

الفصاحة قائمة على الوضوح العاطفي.

في نصك:

الفصاحة قائمة على التوتر بين المعنى واللفظ.

مثال:

“هل يُختصر القلب في عقدة قماش”

جملة تجمع بين بساطة المفردات وعمق الإحالة الفلسفية.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص الأول:

إيقاع خفيف، يعتمد على:

التكرار الدلالي

التوازي التركيبي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة:

إيقاع داخلي معقّد:

التكرار: “أريدها… أريدها…”

التقطيع:

“قلتُ—

وكان الكلام…”

الموسيقى:

قائمة على التوتر، لا الانسياب

أقرب إلى “موسيقى الفكرة” لا “موسيقى الوزن”

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص الأول:

بنية خطية: رغبة - رمز - تحقق تخييلي

نصك:

بنية حوارية درامية:

صوت أنثوي

ردّ ذكوري

ذروة (الاعتراف)

انفتاح (القنديل)

 تحوّلت البنية من مونولوج إلى ديالوج وجودي.

٢. الرؤية الفنية

النص الأول للأستاذة رجاء نور الدين: رؤية عاطفية شاعرية.

نصّ عماد خالد رحمة.

: رؤية وجودية:

الحب بوصفه ارتباكاً

لا امتلاك فيه بل انكشاف

٣. الطابع الإبداعي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة

 يتجاوز الأصل عبر:

تعميق الرمز

تحويل “الربطة” من زينة إلى: جرح / علامة / ذاكرة

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص الأول: الحب يساوي رغبة في التماهي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة: الحب يساوي

توتر

فقد

انكشاف ذاتي

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع نصك مع:

الرومانسية الحديثة

الفلسفة الوجودية (الحب كقلق)

٣. الهيرمينوطيقا (البنية العميقة)

الربطة الحمراء:

سطحياً: زينة

عميقاً:

دم / جرح / اعتراف

علامة حضور الغائب

القنديل:

نور

لكنه ناتج عن: سقوط الليل - مفارقة وجودية

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النصان ينتميان إلى: قصيدة النثر العربية الحديثة

نصّ عماد خالد رحمة أقرب إلى:

تيار ما بعد الحداثة

حيث:

تفكك المعنى

تعدد الأصوات

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص الأول: حنين رقيق

النص الثاني:

قلق

رغبة

خوف من الانكشاف

٢. تحليل الشخصية

الأنثى:

في النص الأول: حالمة

في النص الثاني: واعية بحدود الحب

الرجل:

شخصية جديدة:

مرتبك

يخفي جرحه

٣. النبرة النفسية

النص الأول: حنين

نصك:

قلق زائد اعتراف زائد توتر إيروتيكي خفيف

سادساً: الأسس السوسيولوجية

النص الأول: فردي

النص الثاني:

يحمل بعداً اجتماعياً:

“سيعرف العابرون”

الحب كفعل يُرى ويُحاكم اجتماعياً

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الربطة تساوي القلب

الشعر الأسود يساوي الليل / الأنوثة

القنديل = المعرفة / الكشف

٢. الثنائيات

الحضور / الغياب

الضوء / الظلمة

الرغبة / الكبت

٣. النظام الرمزي

نص عماد خالد رحمة يبني نظاماً رمزياً متكاملاً حيث:

كل شيء قابل للتحول:

القماش - جرح

الصوت - ضوء

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا:

غير مباشرة

قائمة على:

القرب دون التحقق

التوتر الجسدي الرمزي

مثال:

“اقتربت من دفء صدرك”

 الجسد حاضر، لكن عبر اللغة لا الفعل.

تاسعاً: النقد الاحتمالي

النص مفتوح على قراءات متعددة:

احتمال ١:

قصة حب غير مكتملة

احتمال ٢:

تمثيل لعلاقة اللغة بالمعنى:

الربطة تساوي اللغة

القلب يساوي المعنى

احتمال ٣:

قراءة وجودية:

الإنسان يحاول تثبيت ذاته بعلامات خارجية

 المعنى هنا ليس ثابتاً، بل يتولد مع القارئ.

عاشراً: قراءة نحوية وصرفية مختارة

١. “كجائزةِ ترضيةٍ لوجعي”

كـ: حرف جر

جائزةِ: اسم مجرور وهو مضاف

ترضيةٍ: مضاف إليه

لوجعي:

اللام: حرف جر

وجعِ: اسم مجرور

ياء المتكلم: مضاف إليه

٢. “أعلّقها على شعري الأسود”

أعلّق: فعل مضارع مرفوع

ها: مفعول به

على: حرف جر

شعري: اسم مجرور + ياء

الأسود: نعت مجرور

٣. “هل يُختصر القلب في عقدة قماش”

هل: أداة استفهام

يُختصر: فعل مضارع مبني للمجهول

القلب: نائب فاعل

في: حرف جر

عقدة: اسم مجرور

قماش: مضاف إليه

٤. “كي لا يسيل الحنين”

كي: حرف تعليل

لا: نافية

يسيل: فعل مضارع

الحنين: فاعل

الخلاصة النقدية

نص رجاء نور الدين: قصيدة لحظة شعورية مكثفة

نص عماد خالد رحمة: قصيدة بنية فلسفية مركبة

تتجاوز الأصل عبر:

التوسيع

التعميق

الحوار

 الأهم: نص عماد خالد رحمة لا يكرر الرمز، بل يُفكّكه ويعيد تركيبه،

محوّلاً الحب من زينة تُعلّق

إلى

جرحٍ يُخفى… وقنديلٍ يُولد من العتمة.

النص الأول للأستاذة رجاء نور الدين:

وكجائزة ترضيةٍ لخسارتي

في مباراةِ الفوزِ بقلبك

أردتُ فقط ربطةَ عنقكَ الحمراء

أعلقها على شَعري الأسود

لتكون دليلَ كلِّ من رأى

وأكون أولَ امرأةٍ

كلّما سُمِعَ صوتها

هبطَ ليلها بأول قنديل

النص الثاني عماد خالد رحمة كٌتِبَ بوحي من النص السابق الذي كتبته الأستاذة رجاء نور الدين

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

ربطةُ قلبٍ لا تُعلَّق

قالتْ

وكأنَّ الخسارةَ

بابٌ صغيرٌ في جدارِ انتصارٍ مؤجَّل

كجائزةِ ترضيةٍ لوجعي

في مباراةِ الفوزِ بقلبكَ،

لا أريدُ سوى

ربطةِ عنقكَ الحمراء،

أعلِّقُها على شَعري الأسودِ

كرايةِ حبٍّ

تُشيرُ إليكَ… ولا تصل.

أريدُها

لتشهدَ العيونُ التي مرَّت بي

أنّي اقتربتُ من دفءِ صدركَ

قدرَ ما تقتربُ النارُ من حطبِها

ولا تحترق.

أريدُها

لتكونَ دليلًا

أنّني كنتُ هناك

في ارتباكِ نبضكَ

وفي حافَّةِ الاسمِ الذي لم تنطقْه.

وأكونُ

للمرَّةِ الأولى

امرأةً

إذا تكلَّمتْ

تساقطَ الليلُ من صوتِها

قنديلاً… قنديلاً،

حتى يضيءَ الطريقُ

للعابرينَ في عتمةِ الغياب.

قلتُ—

وكانَ الكلامُ

يتهيّبُ شفتيَّ

كما يتهيّبُ الغيمُ

سقوطَه الأوّل:

أيُّ ربطةٍ هذهِ

تريدينَها؟

وهل يُختصرُ القلبُ

في عقدةِ قماشٍ

شدَدْتُها

كي لا يفضحَ ارتباكي؟

يا امرأةً

تخيطُ الليلَ

من خيطِ صوتِها—

أنا لا أملكُ

إلّا هذا الارتباكَ

حينَ يراكِ.

ربطتي الحمراءُ

ليستْ سوى

جرحٍ صغيرٍ

أخفيتُه عند عنقي،

كي لا يسيلَ الحنينُ

على ملامحي.

فإن علَّقتِها

على شعركِ—

سيعرفُ العابرونَ

أنّني كنتُ هنا

وأنّ قلبي

انفلتَ من صدري

مرّةً…

ولم يعد.

تعالي—

لا كجائزةٍ

ولا كهزيمة،

بل كحقيقةٍ

تُولدُ بين نبضين:

خُذي الربطةَ

لكنْ—

دَعيني أعلِّقُها أنا

على ظلِّكِ،

كي إذا مرَّ الليلُ

تدلَّى منهُ

أوّلُ قنديل

***

عماد خالد رحمة - برلين

مقاربة فلسفية في الجماليات

ملخص الدراسة: تنخرط هذه الدراسة في مساءلة فلسفية معمّقة لمفهوم الجمال، من خلال تتبع تحوّلاته داخل تاريخ الفكر الجمالي، انطلاقًا من التصورات الكلاسيكية وصولًا إلى المقاربات المعاصرة. وقد انبنت على فرضية مركزية مفادها أن الجمال لا يُختزل في تعريف ثابت أو خاصية جاهزة، بل يتشكّل بوصفه بناءً فكريًا وتاريخيًا يعكس تحولات الوعي الإنساني في علاقته بالعالم.

وفي هذا السياق، استحضرت الدراسة التصور الميتافيزيقي للجمال عند أفلاطون، حيث يُفهم الجمال كحقيقة مفارقة تنتمي إلى عالم المثل، في مقابل تقليص قيمة الفن باعتباره محاكاة لواقع ناقص. غير أن هذا الأفق سرعان ما تعرّض لإعادة نظر مع أرسطو، الذي أعاد تأهيل الفن بوصفه فعلًا تخييليًا كاشفًا عن الممكن الإنساني، لا مجرد انعكاس للواقع. ومع الفلسفة الحديثة، دشّن إيمانويل كانط تحولًا حاسمًا، حين جعل من الجمال تجربة حكم ذاتي ذات طابع كوني، قائمة على متعة خالصة تتجاوز المنفعة والمفهوم.

وفي امتداد لهذا المسار، أبرزت الدراسة كيف نقل جيرار جينيت الجمال إلى مستوى البنية السردية، حيث يغدو العمل الفني نظامًا دلاليًا يُنتج المعنى عبر تنظيمه الداخلي، لا عبر مطابقته للواقع. كما كشفت عن الأفق الظاهراتي-التخيلي عند غاستون باشلار، الذي جعل من الصورة الشعرية والخيال مصدرًا أصيلًا للجمال، قبل أن تبلغ الجماليات بعدًا تحرريًا مع أدونيس، حيث يُفهم الجمال بوصفه فعل انزياح وخلق يعيد تشكيل اللغة والعالم.

وخلصت الدراسة إلى أن الجمال، في ضوء هذه التحولات، لم يعد يُفهم كمعطى ثابت، بل كأفق مفتوح للتأويل، يتقاطع فيه الحسّي بالعقلي، والذاتي بالكوني، والبنيوي بالتخيلي. ومن ثم، فإن الفن لا يقتصر على تمثيل الواقع، بل يضطلع بوظيفة أعمق تتمثل في إعادة بنائه وتأويله، بما يجعل الجمال تجربة وجودية مركّبة تعكس قدرة الإنسان على تجاوز المعطى نحو الممكن.

على سبيل الافتتاح:

لم تعد الجماليات في الفكر الفلسفي المعاصر مجرد حقل نظري معني بتحديد ماهية الجميل أو تصنيف الفنون، بل أضحت فضاءً معرفيًا مركبًا تتقاطع فيه أسئلة الوجود والإدراك واللغة والتجربة الإنسانية. فالجمال، في أبعاده العميقة، لم يعد يُختزل في كونه خاصية من خصائص الأشياء أو أثرًا حسيًا عابرًا، بل غدا بنية دلالية وثقافية ونفسية تتداخل فيها الذات مع العالم، والخيال مع الواقع، واللغة مع التجربة. من هذا المنطلق، تكتسب الجماليات طابعها الإشكالي، إذ لا تتحدد موضوعاتها بشكل نهائي، بل تنفتح باستمرار على إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم عبر الفن، وهو ما يجعلها مجالًا لتقاطع الفلسفة مع النقد الأدبي والأنثروبولوجيا وعلم النفس الثقافي.

وإذا كان تاريخ الجماليات قد ارتبط في بداياته بمحاولة تأسيس تصور ميتافيزيقي للجمال، كما هو الحال عند أفلاطون الذي ربط الجمال بعالم المثل بوصفه حقيقة مطلقة تتجاوز الحسّ (Plato, trans. 2007)، فإن هذا التصور لم يلبث أن تعرض لتحولات عميقة أعادت صياغة موقع الفن ووظيفته. فقد انتقل التفكير مع أرسطو إلى اعتبار الفن فعلًا تخييليًا يشتغل على الممكن لا على الواقعي فقط (Aristotle, 1996)، ثم مع إيمانويل كانط إلى تأسيس الحكم الجمالي بوصفه تجربة ذاتية ذات طابع كوني (Kant, 2000)، قبل أن يتخذ مع جيرار جينيت بعدًا بنيويًا يرى الجمال في تنظيم الخطاب (Genette, 1980). وفي امتداد معاصر، تعمق هذا التحول مع غاستون باشلار الذي جعل من الخيال الشعري مصدرًا لتوليد المعنى الجمالي (Bachelard, 1964)، ومع أدونيس الذي ربط الجمال بالفعل الإبداعي القائم على الانزياح والتجاوز (Adonis, 1985).

وعليه، فإن هذا البحث لا يسعى إلى تقديم تعريف جاهز للجمال، بقدر ما يهدف إلى تتبع مسارات تشكّله وتحولاته داخل الفكر الفلسفي، انطلاقًا من فرضية مفادها أن الجمال ليس معطى ثابتًا، بل بناء تاريخي وفكري يتغير بتغير أنماط التفكير في الإنسان والعالم. ومن هنا تنبثق أهمية هذا العمل، بوصفه محاولة لربط الجماليات بسؤال أعمق: كيف يعيد الإنسان تشكيل العالم عبر الفن؟ وهو سؤال يضع الجمال في قلب التجربة الوجودية لا في هامشها.

إشكالية البحث

ينبني هذا البحث على إشكالية مركزية تتعلق بطبيعة التحول الذي عرفه مفهوم الجمال عبر التاريخ الفلسفي، ويمكن صياغتها على النحو التالي: كيف انتقل الجمال من كونه حقيقة مفارقة تُدرك بالعقل، إلى كونه تجربة ذاتية، ثم إلى بنية لغوية وسردية، وصولًا إلى كونه فعلًا تخييليًا وشعريًا يعيد إنتاج العالم؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة المتداخلة التي لا يمكن فصلها عن سياقها النظري، من قبيل: هل الفن مجرد محاكاة للواقع أم إعادة خلق له؟ وهل الجمال خاصية موضوعية أم تجربة إدراكية ذاتية؟ ثم ما الدور الذي تلعبه اللغة والسرد في إنتاج المعنى الجمالي؟ وكيف يسهم الخيال في تجاوز حدود الواقع نحو أفق شعري أكثر رحابة؟ إن هذه الأسئلة، في ترابطها، تكشف أن الجماليات ليست علمًا بالمعنى الضيق، بل تفكيرًا فلسفيًا مفتوحًا على تعدد المقاربات، وهو ما أشار إليه كانط حين اعتبر أن الحكم الجمالي لا يقوم على مفاهيم محددة، بل على “شعور بالمتعة الخالصة” (Kant, 2000).

الجمال بين الحقيقة والمحاكاة: أفلاطون وأرسطو

يُعدّ تصور أفلاطون نقطة الانطلاق الأساسية في تاريخ الجماليات، حيث ارتبط الجمال لديه بنظام ميتافيزيقي قائم على التمييز بين عالمين: عالم المثل، الذي يمثل الحقيقة المطلقة والثابتة، والعالم المحسوس، الذي لا يعدو أن يكون انعكاسًا ناقصًا لتلك الحقيقة. ضمن هذا التصور، يصبح الجمال الحقيقي مفارقًا للحس، ولا يمكن إدراكه إلا عبر التأمل العقلي، في حين تظل الأشياء الجميلة مجرد ظلال أو تجليات جزئية لذلك المثال الأعلى. وقد عبّر أفلاطون عن هذا التصور في “أمثولة الكهف” حيث يظهر العالم المحسوس بوصفه عالم الظلال (Plato, trans. 2007).

ومن هنا ينبثق الموقف النقدي من الفن، إذ يُنظر إليه بوصفه محاكاة لعالم هو نفسه محاكاة، مما يجعله بعيدًا عن الحقيقة ومفتقرًا إلى القيمة المعرفية. فالفنان، في هذا السياق، لا ينتج معرفة، بل يعيد إنتاج المظهر، وهو ما يجعل الفن، بحسب أفلاطون، عرضة للتضليل والانفعال غير العقلاني.

غير أن هذا الموقف، على الرغم من صرامته، لا يمكن فهمه بمعزل عن رهانه الفلسفي العميق، الذي يتمثل في الدفاع عن الحقيقة ضد مظاهر الوهم. ومع ذلك، فإن هذا التصور سيُقابل بتحول نوعي مع أرسطو، الذي سيعيد الاعتبار للفن من خلال إعادة تعريف المحاكاة ذاتها. فالمحاكاة عند أرسطو ليست تقليدًا سطحيًا، بل فعلًا تخييليًا يعيد تنظيم الواقع وفق منطق الاحتمال والضرورة، حيث يرى أن “الشعر أكثر فلسفية من التاريخ لأنه يتحدث عن الكلي” (Aristotle, 1996).

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التطهير (الكاثارسيس) بوصفه لحظة مركزية في التجربة الجمالية، حيث لا يكتفي المتلقي بمشاهدة العمل الفني، بل ينخرط فيه وجدانيًا، ليعيش تجربة انفعالية تنتهي بتوازن نفسي ومعرفي. وهكذا، يتحول الفن من كونه نسخة ناقصة عن الواقع إلى كونه أداة لفهمه وإعادة تشكيله، مما يفتح المجال أمام تصور جديد للجمال بوصفه تجربة مركبة تجمع بين الإدراك والانفعال.

من الموضوع إلى الذات: كانط وتحول الحكم الجمالي

يمثل انتقال الجماليات إلى الفلسفة الحديثة، مع إيمانويل كانط، لحظة حاسمة في تاريخ التفكير الجمالي، حيث لم يعد السؤال منصبًا على ماهية الجمال في ذاته، بل على كيفية إدراكه والحكم عليه. فالحكم الجمالي، في نظر كانط، ليس حكمًا معرفيًا يستند إلى مفاهيم، ولا حكمًا أخلاقيًا يرتبط بالقيم، بل هو حكم خاص يقوم على الشعور بالمتعة الناتجة عن انسجام حر بين المخيلة والفهم.

وقد عبّر كانط عن ذلك بقوله إن الجميل هو “ما يبعث على المتعة دون مفهوم” (Kant, 2000)، وهو تعريف يكشف عن طبيعة الجمال بوصفه تجربة غير قابلة للاختزال في مفاهيم عقلية. غير أن هذا الحكم، رغم طابعه الذاتي، لا ينغلق داخل حدود الفرد، بل يحمل ادعاءً ضمنيًا بالكونية، إذ يفترض أن ما يُحسّ بوصفه جميلًا ينبغي أن يُحس كذلك من قبل الآخرين.

إن هذا التحول يعكس انتقال الجمال من كونه خاصية في الأشياء إلى كونه تجربة تعيشها الذات، مما يفتح المجال أمام تعددية في التذوق دون السقوط في نسبية مطلقة، وهو ما يجعل الجماليات الكانطية لحظة تأسيسية في الفكر الجمالي الحديث.

الجمال كبنية: جيرار جينيت وتحليل الخطاب السردي

مع تطور النقد الأدبي، خاصة في القرن العشرين، لم يعد الجمال مرتبطًا فقط بالمحتوى أو الموضوع، بل بطريقة تنظيمه داخل النص. وفي هذا السياق، يقدم جيرار جينيت تصورًا بنيويًا يرى أن العمل الأدبي يُفهم من خلال بنيته السردية، لا من خلال موضوعه فقط. فالسرد، بما يتضمنه من زمن وتبئير وصوت، لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله وفق نظام دلالي معقد (Genette, 1980).

إن هذا التحول من “ماذا يُقال” إلى “كيف يُقال” يعكس انتقال الجماليات إلى مستوى جديد، حيث يصبح الجمال نتاجًا للعلاقات الداخلية داخل النص، لا مجرد انعكاس لواقع خارجي. ومن هنا، فإن العمل الفني لا يُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على إنتاج المعنى عبر بنيته، وهو ما يجعل التحليل السردي أداة أساسية لفهم الجمال الأدبي.

جماليات الخيال: باشلار وأدونيس

يبلغ التفكير الجمالي أفقًا أكثر عمقًا مع غاستون باشلار، الذي يجعل من الخيال محورًا أساسيًا لفهم الجمال. ففي كتابه جماليات المكان، يؤكد أن “البيت هو كوننا الأول”، وأن الفضاءات التي نعيشها تحمل شحنات وجدانية عميقة (Bachelard, 1964). فالصورة الشعرية ليست انعكاسًا للواقع، بل خلق جديد للمعنى ينبثق من أعماق التجربة الإنسانية.

أما أدونيس، فيدفع هذا التصور إلى أفق أكثر راديكالية، حيث يرى أن الشعر ليس تمثيلًا للعالم، بل إعادة خلق له عبر اللغة. فالجمال، في نظره، يتحقق من خلال الانزياح وكسر المألوف، وهو ما يجعل الإبداع فعلًا تحرريًا بامتياز (Adonis, 1985). إن الجمال هنا لا يُقاس بالانسجام، بل بقدرته على إحداث الدهشة وإعادة تشكيل الرؤية.

خاتمة

يُظهر هذا المسار التحليلي أن الجماليات ليست علمًا ثابتًا، بل حقلًا متحولًا يعكس تطور الوعي الإنساني. فمن الجمال بوصفه حقيقة مفارقة عند أفلاطون، إلى الفن بوصفه إعادة خلق عند أرسطو، إلى الجمال كتجربة ذاتية عند كانط، إلى البنية السردية عند جينيت، ثم إلى الخيال الشعري عند باشلار وأدونيس، يتضح أن الجمال ليس معطى جاهزًا، بل أفق مفتوح لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن الفن، في نهاية المطاف، لا يعكس الواقع فحسب، بل يعيد تشكيله، ويمنح الإنسان القدرة على تجاوزه، ليصبح الجمال بذلك ليس مجرد قيمة، بل تجربة وجودية عميقة تتقاطع فيها الذات مع العالم، والخيال مع الحقيقة.

نتائج الدراسة

تكشف هذه الدراسة، من خلال تتبعها لتطور مفهوم الجمال عبر محطات فلسفية متعددة، أن الجماليات لم تكن يومًا مفهومًا ثابتًا أو منغلقًا، بل شكلت مجالًا ديناميكيًا يعكس تحولات الوعي الإنساني وأنماط إدراكه للعالم. فقد بيّن تحليل تصور أفلاطون أن الجمال ارتبط في بداياته بأفق ميتافيزيقي مفارق، حيث تم فهمه بوصفه حقيقة مطلقة قائمة في عالم المثل، مما أدى إلى تقليص قيمة الفن باعتباره محاكاة لعالم أدنى من الحقيقة. غير أن هذا الموقف، رغم طابعه الإقصائي للفن، أسس لإشكالية مركزية ستظل حاضرة في تاريخ الجماليات، وهي العلاقة بين الحقيقة والتمثيل.

وقد أظهرت الدراسة أن هذا التصور شهد تحولًا نوعيًا مع أرسطو، الذي أعاد الاعتبار للفن من خلال توسيع مفهوم المحاكاة، لتصبح فعلًا تخييليًا قادرًا على الكشف عن الممكن والإنساني، لا مجرد تقليد للواقع. وبذلك، انتقل الفن من الهامش إلى المركز، وأصبح أداة للمعرفة والانفعال في آن واحد، مما منح الجمال بعدًا إنسانيًا وتجريبيًا.

كما خلصت الدراسة إلى أن التحول الأكثر عمقًا تحقق مع إيمانويل كانط، حيث لم يعد الجمال خاصية في الأشياء، بل تجربة إدراكية تعيشها الذات، قائمة على حكم جمالي يجمع بين الذاتية والكونية. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف الجمال بوصفه تجربة حرة ومنفصلة عن المنفعة، مما أسس لمرحلة جديدة في التفكير الجمالي.

وفي سياق موازٍ، بيّنت الدراسة أن التحليل البنيوي مع جيرار جينيت قد نقل الجمال من مستوى الإدراك إلى مستوى البنية، حيث أصبح العمل الفني يُفهم من خلال تنظيمه الداخلي، لا من خلال مطابقته للواقع. وهنا، تحوّل الجمال إلى نتاج للعلاقات السردية، مما يعكس انتقال الجماليات إلى أفق لغوي- دلالي.

أما في المقاربات المعاصرة، فقد أظهرت الدراسة أن غاستون باشلار قد أعاد توجيه التفكير الجمالي نحو الخيال، حيث يصبح الجمال تجربة داخلية مرتبطة بالصورة الشعرية والذاكرة والفضاء الحميمي، في حين ذهب أدونيس إلى أبعد من ذلك، حين ربط الجمال بالفعل الإبداعي القائم على الانزياح والتجاوز، معتبرًا أن الجمال يتحقق في كسر المألوف وإعادة تشكيل اللغة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الدراسة أثبتت أن مفهوم الجمال قد انتقل عبر مسار معقد من:

حقيقة مفارقة إلى محاكاة إبداعية إلى تجربة ذاتية إلى بنية سردية إلى خيال شعري إلى فعل تحرري.

وهو ما يؤكد أن الجمال ليس معطى جاهزًا، بل سيرورة فكرية وثقافية مفتوحة.

التوصيات

في ضوء النتائج المتوصل إليها، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات التي تسعى إلى تطوير البحث في مجال الجماليات وتعميق فهمه:

أولًا، ضرورة تجاوز المقاربات الاختزالية التي تحصر الجمال في بعد واحد، سواء كان ميتافيزيقيًا أو ذاتيًا أو بنيويًا، والعمل على تبني مقاربة تكاملية تأخذ بعين الاعتبار تداخل الأبعاد الفلسفية والنقدية والتخييلية، بما يعكس تعقيد الظاهرة الجمالية.

ثانيًا، الدعوة إلى إعادة الاعتبار للخيال بوصفه عنصرًا مركزيًا في إنتاج المعنى الجمالي، على نحو ما بيّنه باشلار، وذلك من خلال إدماجه في الدراسات النقدية والفلسفية، بدل الاقتصار على التحليل العقلاني أو البنيوي.

ثالثًا، تشجيع البحث في الجماليات العربية المعاصرة، خاصة في ضوء أطروحات أدونيس، من أجل بلورة تصور جمالي ينبع من خصوصية الثقافة العربية، دون الانفصال عن الأفق الكوني للفكر الجمالي.

رابعًا، توسيع مجال الدراسات الجمالية ليشمل تحليل الخطاب الأدبي والفني من منظور سردي وبنيوي، كما عند جينيت، بما يسمح بفهم أعمق لآليات إنتاج المعنى داخل النصوص.

خامسًا، ضرورة الربط بين الجماليات والتجربة الإنسانية اليومية، بحيث لا يُنظر إلى الفن بوصفه مجالًا منفصلًا عن الواقع، بل كوسيلة لإعادة فهمه وتجاوزه، وهو ما ينسجم مع التصورات الحديثة التي ترى في الفن فعلًا تأويليًا وإبداعيًا.

وأخيرًا، يوصي البحث بفتح آفاق جديدة لدراسة الجماليات في تقاطعها مع مجالات أخرى، مثل علم النفس، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية، بما يعزز فهم الجمال كظاهرة إنسانية شاملة.

***

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ

..........................

لائحة المصادر والمراجع

Plato. (2007). The Republic. Oxford University Press.

Aristotle. (1996). Poetics. Penguin Classics.

Kant, I. (2000). Critique of Judgment. Cambridge University Press.

Genette, G. (1980). Narrative Discourse. Cornell University Press.

Bachelard, G. (1964). The Poetics of Space. Beacon Press.

Adonis. (1985). Introduction to Arab Poetics. University of Texas Press.

الأستاذة الدكتورة "آمنة ناجي الموشكي" تعمل موجهة تربويّة، ورئيسة لعدّة منتديات وروابط منها: منتدى الرابطة القلمية الثقافيّة – والرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربيّة فرع اليمن – وعضو الاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب – وعضو اللجنة الوطنية للمرأة – محاضرة في أدب الطفل – شاعرة وأديبة – منحت العديد من شهادة الدكتوراه الفخريّة والجوائز والأوسمة – صدر لها ديوان شعري بعنوان: عبرات شاعرة الوطن. ولها مئات القصائد التي نشرت في العديد من الصحف والمجلات اليمنيّة والمواقع الالكترونية العربيّة.

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة "ما أبشع الظلم":

يبدو أن الشاعر (أبو الطيب المتنبي) لم يكن مخطئا عندما قال:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد... ذا عفة فلعلة لا يظلم.

بل كان مصيبا كل الاصابة فيما قال، فالظلم كما يرى الشاعر هو من أهم سمات وخصائص علاقتنا الاجتماعيّة بكل مفرداتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، فهو يقع على الفرد مثلما يقع على المجتمع والدول أيضاً. وهذا الظلم بكل ما يحمل من مآسي استطاعت الشاعرة اليمنيّة "آمنة الموشكي" أن تصوره في قصيدة رائعة سمتها "ما أبشع الظلم". فها هي تفتتح قصيدتها بقوله: (عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) فهي تريد القول هنا بأن الظلم عندما يحل لا يستثنى منه أحد، بل يتحول الظلم إلى شكل من أشكال الفعل والرد الفعل، حتى يصبح الجميع يمارسه على الجميع ليحل أخيراً الألم ويسكن كل فرد دون استثناء.

وأما الظلمة من العابثين بأرواح العباد، فتراهم كما تقول الشاعرة: (بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.. صم وبكم وفي أكبادهم حمم.. تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجلاً محروماً من أمه والأب.. ليس به روح وقد غاب عن دنياه يرتحل..). هنا نجد متاهة العنف كيف تمارس على الجميع فلا يسلم منها لا أب ولا أم ولا طفل.

نعم هو الظلم بكل بشاعته وقسوته.. هو العذاب الذي سلط على من عاش وكأنه (مأسوراً خلف السور يشتعل).. في الوقت الذي ترى فيه نتيجة حصار الموت كما ترى الشاعرة (أكبادنا من شظايا القهر.. يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا).

لقد سدّتُ الآفاق وغاب الأمل في الخلاص ولم يبق إلا الله وحده قارب النجاة الذي ترفع له الأصوات بالدعاء للخلاص من المأساة، والذل والجور والقهر والمرض، لأناس شربوا كأس المنايا بدموع تحرق القلب والمقلتين معاً حيث تقول الشاعرة "الموشكي:

(يا (غارة الله) هيا حرري دولاً.. بالذل تقتات سم الجور والعلل.. أبناؤها من لظى نيرانها شربوا كأس المنايا بدمع أحرق

المقل...). ورغم كل المقاومة التي يبديها المظلومون بصمت، والمشبعة بأمنيات الخلاص من عذابهم، إلا أن هذه المقاومة ظلت أضغاث أحلام (في جوفها زلل.. وحلم يرقب الأجل.).

لقد غاب من يقاوم الظلم، وما عاد فيه روح تنقذ من أحاط به الظلم والهلاك من الضعفاء والمساكين حيث تقول الشاعرة: (غابوا وما عاد فيهم روح تنقذنا...مما نعاني ولا من حل يحتمل). ولم يبق إلا الله قد فوض الأمر له بكل عجزنا: (يارب قد مزقت كل الحبال وما.. عادت تقينا وما عدنا لها أمل...فأمنن علينا بحبل منك يوثقنا يا مالك الملك أنت الواحد الأزل.).

البعد الاجتماعي في القصيدة:

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً يشكل جزءاً من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً...هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف. ولم تكن الشاعرة المبدعة الدكتورة "آمنة الموشكي" بعيدةً في تصوراتها وأحاسيسها وفكرها وهمومها عن هم الوطن والمواطن بشكل خاص، وعن الهم الإنساني بشكل عام. وهذا ما وجدناه في بنية القصيدة حيث تقول: (تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل... محروم من أمه والأب ليس به روح وقد غاب عن دنياه

يرتحل...ما أبشع الظلم ما أقسى العذاب على... من عاش مأسوراً خلف السور يشتعل..)

البعد الفني والجمالي للقصيدة:

البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:

يظل العنوان في سياقه العام يشكل المفتاح الدلالي لأي عمل أدبي شعراً كان أو قصة أو رواية، وعنوان قصيدة الشاعرة "آمنة الموشكي" (ما أبشع الظلم)، جاء في حقيقته وبنيته الدلاليّة مطابقاً تماما لمضمون القصيدة، وقد بينا ذلك من خلال عرضنا للبنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة.

الصورة في النص الشعري:

تظل اللغة في نحوها وبلاغتها ومحسناتها البديعيّة، كالترادف، والطباق، والمقابلة، والتقديم والتأخير، والتورية، وكثرة الانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة، وتراكيب جملها، أداةً للتصوير الأدبي في الشعر. والشعر من الفنون الجميلة، له غاية جماليّة وفكريّة هي التأثير في المتلقي. والشاعر يصل لهذه الغاية عند جعل اللغة التي يستخدمها أكثر تأثيراً من خلال استخدامه للمفردات اللغويّة بطريقة إبداعيّة، تختلف عن الاستخدام العادي أو المعياري لها في حالة التداول اليومي المباشر بين الأفراد والجماعات. إن الشعر فن ينتهي إلى غايته الجماليّة والتوصيليّة عن طريق اللغة التي يشكل منها الشاعر عالمه الشعري. فالشعر كما يقول أحد النقاد هو(تفكير بالصور). أي إن الصورة هي أساس بناء الشعر.

إن الشاعر بوساطة التصوير الشعري، يقوم بعمليّة التخطي والتجاوز للمعني الإدراكي المباشر للأشياء، أي هو يقوم بإلغاء العلاقة الأصليّة الحقيقيّة الموجودة بين الدال والمدلول، محاولاً خلق علاقة جديدة بصور ذهنيّة مجازيّة، ورغم أنها متخيلة إلا أنها تشكل علاقة تظل مرتبطة في الواقع، فلا شيء يفرخ مجرداً حتى الوهم.

لقد استطاعت الشاعر "آمنة الموشكي"، أن تصور واقعها الاجتماعي عبر صور ذات حمولة فكريّة وعاطفيّة أو وجدانيّة عالية، جسدت المعنى المتخيل في نصها كمصورة فوتوغرافية، امتازت صورها بالوضوح أمام المتلقي الذي راح يتمتع بجماليّة هذه الصورة التي اعتمدت فيها الشاعرة التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. تقول:

(والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل...)... (صم وبكم وفي أكبادهم حمم.. تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل)... (أكبادنا من شظايا القهر يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا)... (أين الأجلاء في دنيا ممزقة بين الأسى والجفا تقتاتها الحيل؟.).

هكذا نرى أن الصورة الشعريّة بكل دلالاتها في هذا النص، لم تأت بها الشاعرة " الموشكي" للتزيين والزخرفة اللفظيّة، وإنما جاءت تعبيراً أصيلاً أملته ظروف إحساسها بالظلم في كل تجلياته والذي ترك آثاره على حالتها النفسيّة والشعوريّة معاً، لذلك كانت الصور حاملاً أميناً لمشاعر الشاعرة وتُرجماناً لنفسية الشاعرة، ولصدق أحاسيسها وعواطفها.

اللغة في القصيدة:

جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هذا وتتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "آمنة الموشكي" في قولها:

(عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) أو في قولها:( والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى.. أو بدمع الرفق تكتحل.). وفي قولها: (أبناؤها من لظى نيرانها شربوا

كأس المنايا بدمع أحرق المقل).

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها، وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة، وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة، التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة، ومع تأكيدنا على هذا الفرق بين موسيقى الخارج والداخل، إلا أن الشاعر الحديث المتمكن من حرفته يستطيع أن يلغي تلك الفروقات الطفيفة ليجعل من موسيقى قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته.

إن الشاعرة "الموشكي) التي بنت موسيقا قصيدتها على البحر (البسيط) بكل جمال موسيقاه القائمة على الوزن والقافية، غير أنها استطاعت وبجدارة أن تخلق موسيقا داخليّة لنصها الشعري من خلال، تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، وبالترابط ما بين المعنى والمبنى، حيث جاء الصوت أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. تقول الشاعرة "آمنة الموشكي":

(أكبادنا من شظايا القهر يعصرها..قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا). أو في بوح رتمها الحزين حيث تقول: (عين تموت وعين مالها آمل..والعين بالعين والآلام تكتمل.. والعابثون بأرواح العباد بلا.. عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.).

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.............................

ما أبشع الظلم

عين تموت وعين مالها

آمل

والعين بالعين والآلام

تكتمل

والعابثون بأرواح العباد

بلا

عين ترى أو بدمع الرفق

تكتحل

صم وبكم وفي أكبادهم

حمم

تغلي فتقتل طفلاً باكياً

وجل

محروم من أمه والأب

ليس به

روح وقد غاب عن دنياه

يرتحل

ما أبشع الظلم ما أقسى

العذاب على

من عاش مأسوراً خلف

السور يشتعل

أكبادنا من شظايا القهر

يعصرها

قهر أشد من الإخوان إذ

خذلوا

يا غارة الله هيا حرري

دولاً

بالذل تقتات سم الجور

والعلل

أبناؤها من لظى نيرانها

شربوا

كأس المنايا بدمع أحرق

المقل

ثاروا بصمت في دور

معتقة

بالأمنيات التي في

جوفها الزلل

أعمارهم من سنين الشح

واقفة

ما بين خوفهم وحلم

يرقب الأجل

أين الأجلاء في دنيا

ممزقة

بين الأسى والجفا تقتاتها

الحيل؟.

غابوا وما عاد فيها روح

تنقذنا

مما نعاني ولا من حل

يحتمل

يارب قد مزقت كل

الحبال وما

عادت تقينا وما عدنا لها

أمل

فأمنن علينا بحبل منك

يوثقنا

يا مالك الملك أنت

الواحد الأزل.

***

د. آمنة الموشكي

مقاربة تحليلية تأويلية في ضوء شرفات الشوق ونبضاتي

مقدّمة: يمثّل الدكتور خالد الفهد مياس (مواليد 1963م) نموذجًا للشاعر الأكاديمي الذي تتقاطع في تجربته المعرفة العَروضية والنقدية مع الحسّ الوجداني والالتزام الجمالي. فهو أستاذ في اللغة العربية، وباحث في الإيقاع الشعري، إلى جانب كونه شاعرًا يمتلك مشروعًا نصّيًا واضح المعالم، يتجلّى في دواوينه، ولا سيما شرفات الشوق (2007) ونبضاتي.

إنّ هذه الدراسة تنطلق من زاوية تحليلية تأويلية تسعى إلى استنطاق البنية النصية عند مياس، بوصفها بنيةً تتشابك فيها العلامة الصوتية بالصورة الرمزية، ويتفاعل فيها الذاتيّ بالوجوديّ، ضمن أفق جمالي يستثمر التراث دون أن يقع في أسر محاكاته.

أولًا: الإيقاع بوصفه بنية دلالية

لا يقف الإيقاع في شعر مياس عند حدود الوزن الخليلي أو انتظام القافية، بل يتجاوزهما إلى ما يمكن تسميته بـ«الإيقاع الدلالي»، أي الإيقاع الذي يتولّد من تكرار المفردة، ومن الحقول الصوتية، ومن تواتر الأفعال ذات الطابع السمعي.

يقول في شرفات الشوق:

«وتبقى الحروفُ تدلُّ عليك

وتعزفُ لحنَ الرجوعِ الأخير

تحنُّ إليك

ونبضُ القصيدةِ لحنٌ بديع

يئنُّ ويبكي على مقلتيك…»

إنّ الحقول المعجمية هنا (الحروف، تعزف، لحن، يئنّ) تؤسّس شبكة صوتية تجعل النصّ حدثًا سمعيًّا قبل أن يكون خطابًا لغويًّا. فالفعل «تعزف» يُحوِّل الحروف إلى كيان موسيقي، بينما «يئنّ» ينقل الصوت من بعده الجمالي إلى بعده الوجداني، فيتداخل السمعي بالانفعالي.

ومن منظور بنيوي–دلالي، فإنّ هذا التنامي الصوتي يُنتج ما يسمّيه النقد الحديث بـ«المعنى المتولّد» (Emergent Meaning)، حيث لا يتشكّل المعنى من المفردة المفردة، بل من حركتها الإيقاعية داخل النسق.

إنّ الإيقاع هنا ليس إطارًا شكليًا، بل بنية تؤدي وظيفة وجودية: فالحروف «تدلّ»، أي أنّ الصوت يصبح طريقًا إلى الحضور. وبذلك تتحول اللغة إلى وسيط استدعائي يعوّض غياب الآخر عبر استدامة العلامة.

ثانيًا: الصورة الشعرية بين الحسيّ والرمزي

تتسم الصورة عند مياس بتركيبها الجدلي بين الحسّ والرمز. فهو لا يكتفي بتصوير المشهد، بل يُحمّله كثافة دلالية تتجاوز المحسوس إلى أفق وجودي. في قوله:

«تحنُّ إليك

ونبضُ القصيدةِ لحنٌ بديع

يئنُّ ويبكي على مقلتيك…»

تتجاور «القصيدة» بوصفها كيانًا مجرّدًا مع «المقلتين» بوصفهما عنصرًا جسديًا ملموسًا. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته «التجسيد الرمزي»؛ إذ تصبح القصيدة جسدًا نابضًا، وتتحول العين إلى وعاء للذاكرة.

إنّ الدمج بين البعدين يُنتج صورة مركبة، تتجاوز البلاغة التقليدية إلى ما أشار إليه W.J.T. Mitchell في حديثه عن «فاعلية الصورة»؛ فالصورة لا تمثّل المعنى فحسب، بل تُنتجه وتطلبه وتعيد تشكيله.

وبذلك يغدو النصّ فضاءً تتقاطع فيه العلامات، حيث تتوالد الدلالة من احتكاك الصوت بالجسد، والذكرى بالحنين.

ثالثًا: جدلية الحضور والغياب وبنية الذاكرة

يبرز في شعر مياس موتيف الحضور/الغياب بوصفه محورًا دلاليًا ثابتًا، يتجلّى في نصوص الرثاء أو الخطاب الموجّه إلى الشهيد:

«…ألا أيُّها الشهيد

رحلتَ… وشعرك باقٍ

ونبضُك راقٍ…»

يقوم هذا المقطع على مفارقة وجودية: الرحيل الجسدي مقابل البقاء الرمزي. فالفعل «رحلت» يحيل إلى الفناء، بينما «باقٍ» و«راقٍ» يؤسسان استمرارية العلامة.

من منظور تأويلي، يمكن قراءة النصّ في ضوء مفهوم «البقاء الدلالي»، حيث تبقى الذات حيّة من خلال خطابها. فالقصيدة تتحول إلى وثيقة وجود، ويغدو الشعر حارس الهوية ضد العدم.

وهنا تتقاطع التجربة الذاتية مع البعد القومي؛ إذ إنّ الشهيد لا يُستدعى بوصفه فردًا فقط، بل رمزًا للذاكرة الجمعية. وبذلك يكتسب النصّ بعدًا أنطولوجيًا يتجاوز لحظة الرثاء إلى سؤال البقاء.

رابعًا: اللغة بوصفها وعيًا بالعلامة

إنّ الخلفية الأكاديمية لمياس، ولا سيما في مجال العروض والإيقاع الشعري، تتبدّى في وعيه العميق بوظيفة الكلمة. فاللغة لديه ليست حاملة للمعنى فحسب، بل هي موضوع اشتغال جمالي.

إنّ توظيفه مفردات مثل «الحروف»، «اللحن»، «النبض»، «النفس» يدلّ على إدراكه للطبيعة المزدوجة للعلامة: فهي صوت ودلالة في آنٍ واحد.

ومن منظور سيميائي، تتجاوز الكلمة معناها القاموسي لتغدو علامة مفتوحة، قابلة لإعادة التأويل بحسب سياقها.

وهذا ما يمنح نصوصه طابعًا تفاعليًا؛ إذ لا يُقدَّم المعنى جاهزًا، بل يُستثار القارئ للمشاركة في بنائه. وهنا يتحقق ما يسميه النقد التأويلي «أفق التلقي»، حيث يلتقي النصّ بذات القارئ في عملية إنتاج مشترك للمعنى.

خامسًا: شعرية الحزن والحنين كأفق وجودي

يمثل الحزن في شعر مياس طاقةً شعريةً لا تنحصر في البكاء على الفقد، بل تتخذ بعدًا تأمليًا. فالحنين ليس مجرد عاطفة، بل رؤية إلى الزمن بوصفه انكسارًا دائمًا بين ما كان وما سيكون.

في كثير من نصوصه، يتحوّل الوجدان الفردي إلى سؤال كوني عن الهوية والذاكرة. وهنا يتقاطع شعره مع ما يُعرف بـ«الشعرية الوجودية»، التي تجعل من الألم نقطة انطلاق نحو الكشف عن معنى الوجود.

إنّ الحزن عنده ليس ضعفًا، بل فعل مقاومة؛ إذ يحفظ الذاكرة من التلاشي، ويصوغ للإنسان حضورًا رمزيًا في مواجهة العدم.

خاتمة

تكشف القراءة التحليلية التأويلية لشعر الدكتور خالد الفهد مياس عن تجربة شعرية متماسكة البنية، واعية بأدواتها الإيقاعية واللغوية، ومشحونة بطاقة رمزية تنفتح على أسئلة الوجود والهوية والذاكرة.

فالإيقاع عنده ليس زينة شكلية، بل أداة دلالية؛ والصورة ليست زخرفًا بل بنية تفكير؛ واللغة ليست وعاءً بل كيانًا حيًا يولّد المعنى.

إنّ نصوصه، كما في شرفات الشوق ونبضاتي، تقدّم نموذجًا للشعر الذي يجمع بين أصالة التشكيل وعمق الرؤية، ويستحقّ أن يُقرأ في ضوء مناهج النقد البنيوي والتأويلي والسيميائي الحديثة، لما ينطوي عليه من ثراء دلالي وجمالي.

***

بقلمي ربى رباعي/الاردن

..................

المراجع

- مياس، خالد الفهد. شرفات الشوق. عمّان: 2007.

- مياس، خالد الفهد. نبضاتي. عمّان.

- مياس، خالد الفهد. العروض والإيقاع الشعري (دراسة نقدية

الحدث الروائي يعتمد على منصات رمزية وفكرية متنوعة التعبير، وتكوين الصياغة التعبيرية بشكل بليغ في المعنى والمغزى، وكذلك على أنواع مختلفة من التناص، في براعة الابتكار في الصياغة الحديثة في سياق الحدث وتكوينه، براعة في الانزياح من عمق التاريخ القديم، وجره الى متطلبات المرحلة الحالية، وواقع الحياة الفعلي، اي انها براعة في خلق صياغة التناص ونسجه بصياغة حديثة في التعبير، والرؤية الفكرية الناضجة والمدركة لواقع الحال، من سورة أهل الكهف، الى الموروثات التاريخية والشعبية والفنية، لتصب هذه المكونات أو المنصات في الحدث الفكري الدال على احداث واقعنا ومجرياته الحالية، اي اننا ازاء سيميائية (علم الدلالة والاشارة) بشكل واسع الأفق والتعبير، رغم ان الحدث الروائي وشخصياته تتحدث عن العصر العباسي، ولكن دلالته تدل على الواقع الحديث في زمانه ومكانه، هي بغداد المدورة ومحافظة ذي قار، التي شهدت أحداث عاصفة من درامية الصراع الدموي في الفترة الاخيرة، التي اتخذت شكل العنف الدموي والقتل الموت الطائش والمجاني، في المواجهة الحادة بين شباب مثقف وواعي يدرك حقوقية متطلباته المشروعة، في العيش الكريم وحياة آمنة ومستقرة، في ظل تحقيق العدالة الاجتماعية، وحياة بلا عنف وإرهاب، نجد آلة القتل والموت باسلحة حديثة وفتاكة ومتطورة حديثاً، وليس اسلحة العصر العباسي، السيوف والرماح والنبال، وتناص اهل الكهف ليس في صيغته الدينية المذكورة، ولكن بصيغة حديثة، نفسية وسيكولوجية، اي الخروج عن صومعة الصمت والتقوقع الى النهوض والمطالبة والرفض، وحالة التذمر من البطش والتنكيل ضد الناس الابرياء، لا تستند الى قانون ونظام وشريعة، بل تنتمي الى العنف المفرط من اجهزة النظام الطاغي، الذي يعتمد على القوة القمعية من الشرطة أو العسس، في مواجهة الغليان الشعبي في مطالبه العادلة، في مواجهة الشباب المتمرد، الذي يصر على مواصلة مطالبه المشروعة، رغم الارهاب والبطش، الحدث الروائي يعتمد على حكايات يرويها الحكواتي، يسردها في المجالس والمقاهي، تقول، بأن هناك شبان سبعة بدو مع كلبهم الثامن، يخرجون من صومعة الكهف ويواجهون القتل من قبل العسس، واحداً تلو الآخر حتى كلبهم الوفي والحارس الامين، لم يسلم من القتل والموت، هؤلاء الشبان السبعة، هم طلبة العلم والفكر والدراسة، مسالمين لا يحملون إلا الخير والفكر الحر، واسمائهم هي عنوان الجمال في البشر والطبيعة، بما اكمل الله من خلق من جمال، الذي يفيد البلد والناس بالخير، في خصب ثمارهم الجميلة، وتبدأ اسماء الشبان السبعة حسب ترتيب خلق الكون والبشر في رقم سبعة، واسمائهم (جميل. حلو. نور. ضياء. نهار. قداح. ريحان وكلبهم الثامن الجميل ذو الشعر الابيض). هؤلاء الشبان السبعة، كل يوم يخرج واحد منهم من الكهف الى الخارج الى السوق والمدينة (بغداد المدورة) لطلب الخبز والماء، يصحب الكلب الوفي معه، لكنه يتعرض للقتل والموت من قبل الشرطة أو العسس، وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبراً، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة ربما تعود لشاب بدوي، والشرطة تجري تحقيقات لمعرفة أسباب القتل، ولكي تعرف على البيانات الكاملة، هذه الصيغة ذكر الحدث المأساوي، تتكرر مع كل شاب من هؤلاء الشبان السبعة، يواجه مطاردة الشرطة او العسس حتى تتمكن من قتله أو قطع رأسه، و تتنصل من جريمة القتل والاتهام، البعد الرمزي والفكري في خروج الشبان السبعة من الكهف، الى طلب الطعام والماء، يعني مطالبة الباب بالعيش الكريم وحياة مستقرة وآمنة بدون عنف وارهاب، تعني هذه الدلالة الرمزية، بأن الصراع بين الخير والشر هو ازلي منذ العصور القديمة الى عصرنا الحاضر، الصراع بين الجمال والقبح مستمر ويدور ويتشكل بأوجه وصفات مختلفة ومتنوعة، الصراع بين الفكر الحر النبيل، وعقلية الإرهاب والقتل تظل حية وقائمة وتشتد اكثر عنفاً في كل زمن، مثلما نجده في واقعنا الحاضر، قوائم وركائز الصراع القائم حالياً بين العدل والباطل، الأول يملك العقل والوعي والإدراك والمحاججة والحوار، والثاني يملك لغة السلاح الفتاك، ولكن عندما يوجد ظلم وحرمان توجد ردة فعل بالرفض والتمرد والمقاومة بشكل طبيعي، وعلمتنا تجارب التاريخ، بأن اصحاب العلم والفكر التنويري والحر، هم ضحية الانظمة الطاغية، وعلمنا التاريخ والقديم، الكثير من شهداء الحق والكلمة الحرة، فهم مطاردون نصيبهم الاعتقال والسجن والموت من الشرطة المغولية (خرجت مفرزة العسس من بناية المكتبة المركزية يتقدمهم آمرهم المقدم، فيما هم يكبلون ايدي الشبان السبعة ويغطون رؤسهم بأكياس قماشية سوداء، لا يرى منها شيئاً، وقد وضع كل عسس يده الاخرى على رأس شاب من الشبان السبعة فأحناه، واحنى ظهره، واركبوهم العربة الخشبية وسارت بهم نحو مركز بغداد المدورة) ص35، هذا مغزى الصراع من اجل الحرية المفقودة الطريق، ليس سهلاً، بل معبداً بالدماء والشهداء، التضيحية من اجل الوطن والمثل والمبادئ العليا، تتطلب جهداً وكفاحاً متواصلاً، بجمع صفوف الشعب في كتلة موحدة في الصمود والمقاومة، لذا فأن هؤلاء الشبان السبعة يمثلون كل اطياف الوطن ونسيجه ولحمته الوطنية الجامعة، يمثلون صورة البلد المشرقة والمضيئة، امام الظلام الطغاة، هؤلاء الشبان يمثلون القيم السامية، وصادقون في جهادهم البطولي، بأقدام وثبات، رغم البطش والتنكيل، تضحية الشباب من اجل قضية نبيلة جامعة، هي اروع صور الفداء والتضحية للبلاد.

- كيف تم قتل الشبان السبعة؟؟

1- الشاب نور: يخرج من الكهف وينزل الى سوق المدينة، برفقة الكلب الوفي، لشراء الحاجات الاساسية، الطعام والماء، كأنه يطالب بحقوقه الاساسية في العيش الكريم، الخبز والحرية والسلام، وينزل الى شوارع بغداد المدورة، بغداد الحديثة من الاسمنت والشوارع المبلطة، وحركة السيارات والمارة، لكنه يواجه العسس في منع شراء رغباته، وتطارده في سياراتهم، حتى دهسته وارتدته قتيلاً، وفي اليوم التالي: تنشر الجريدة المحلية خبراً، مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة لشاب بدوي في احد الشوارع، وتجري التحريات والتحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الموت، ومعرفة البيانات الكاملة.

2 - الشاب جميل: يتذمر من حالة الناس في محاصرة الحياة وخنقها، ويحزن مع رفاقه بخسارة صديقهم نور، في دهسه في سيارة العسس، رغم انه شاب مسالم طالب العلم والدراسة، لقد غادر (جميل) المكتبة المركزية الى المدينة، كأنه غادرها الى المجهول ولن يعود.. بقية الشبان يحذرون (جميل) من العسس، أن يكون حذراً، لان اجراءات الارهاب صارمة بالقتل والعنف، وجعلوا المدينة في حالة خوف ورعب، وتساءل مع نفسه (هل هناك أزمة بين الناس والشرطة؟ أم أن كلمة أزمة كبيرة على هذه العلاقة؟ أم أنها كانت ملائمة لتوصيف هذه العلاقة؟ ربما كانت هي كذلك) ص73، واوقفه المارة في اخباره عن مصير صاحبه، فقالوا (اذا كنت تبحث عن صاحبك فقد دهسته سيارة، ومات، وجثته في مركز البلدة) ص74. وفجأة سمع لغطاً مدوياً كأنه كالرعد القاصف، وفجأة توقف كل شيء، برصاصة طائشة اخترقت ملابسه وجلده واستقرت في قلبه، ليسقط قتيلاً يسبح في دمائه، وهو يلفظ انفاسه الاخيرة، هكذا بكل بساطة قتل الشاب (نور) بسلاح الشرطة المسدس، وليس بسلاح السيف والرمح والنبال، وفي اليوم التالي: نشرت جريدة المحلية خبراً، بأن (الشرطة عثرت على جثة شاب متوفى، يعتقد بأنه شاب بدوي، والتحقيقات مستمرة لمعرفة البيانات الكاملة) ص80.

3 - الشاب حلو: يخرج من الكهف الى مكتبة المدينة، وهو في حالة حزن عن فقدان أصحابه (نور وجميل) بالموت المجاني، رغم أنهما كرس حياتهما للعلم والدراسة والفكر ولكل شيء جميل في البشر والطبيعة، في صفاتهم الصدق والنزاهة، وقول الحقيقة والحق، لكن الحياة تطارد كلمن يحمل في قلبه جميل، وكل منْ يطالب بالحق والحقيقة ويقولبحسرة (- أهكذا كتب عليناان ننهي حياتنا، ونحن نودع بعضنا البعض؟) ص80.، أهكذا تكون الحياة رخيصة بلا ثمن، كأن لا قيمة لحياة.، وجد نفسه محاصراً من قوات العسس، تراجع الى الوراء، حاول التخلص من محاصرتهم، لكن طاردوه حتى فتكوا به بقطع رأسه أمام عيون الناس، سقط على الأرض يسبح في بركة من الدماء، وسط احتجاج الناس لهذه الوحشية الدموية (- الله أكبر، لقد قتل حلو، هذا الذي احلى من عسل نحل البرسيم الصافي وكان ذكياً في درس الفلسفة، فكيف يموت؟ ولماذا يموت؟ وعلى أي شيءٍ يموت؟) ص88.. وفي اليوم التالي كالعادة، نشرت الجريدة المحلية، خبراً مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة شاب يعتقد انه بدوي مقطوع الرأس، وان التحقيقات جارية على قدم وساق لمعرفة الأسباب والبيانات الكاملة.

هكذا تدور نوائب الموت تخطف الشبان السبعة بالموت المجاني، حتى لم يسلم كلبهم من الموت، كأنها عملية مسح آثار الجرائم التي ارتكبتها قوات العسس و والتنصل منها، بالتلفيق الكاذب والمتعمد، بهذا الصراع الدموي العنيف، امتلئت ثلاجة الطب العدلي بجثث الشبان (كانت جثث الشباب المتوفين مكدسة في ثلاجة الموتى كوديعة) ص109. ولكن رغم العنف الدموي، فأن الشباب يواصلون التحدي والمقاومة، لأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة، هي قضية الناس والبلاد، وهتافهم المركزي (بالروح بالدم نفديك يا عراق) ص117. وان يكون العراق للعراقيين وليس لغيرهم، وان الحرية المفقودة طريقها صعباً (لم يكن طريق الحرية سهلاً يسيراً) ص134. ولكن الحياة تتجدد وتحيا من رمادها.

***

جمعة عبد الله

من الواقعية الاجتماعية إلى القلق الوجودي وتفكك الذات السردية

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل رواية الشحاذ لنجيب محفوظ بوصفها نصًا مفصليا في تطور المشروع الروائي العربي، حيث تمثل انتقالا من الواقعية الاجتماعية إلى أفق رمزي ووجودي يعيد مساءلة الذات والوجود والمعنى. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الرواية لا تكتفي بتمثيل الواقع، بل تعمل على تفكيك بنياته العميقة من خلال إعادة تشكيل الوعي الإنساني في سياق تاريخي مأزوم يتسم بانهيار اليقينيات الكبرى وصعود القلق الوجودي.

اعتمدت الدراسة مقاربة سيميولوجية وسردية متعددة المرجعيات، استندت إلى تصورات جيرار جينيت حول الزمن السردي، وغاستون باشلار حول شعرية المكان، وفيليب هامون حول الشخصية، وتزفيتان تودوروف حول تعدد الأصوات. وقد أظهرت النتائج أن شخصية عمر الحمزاوي تمثل نموذجا للذات المأزومة التي تعكس تفكك المشروع الثوري وتحول الإنسان من الفعل الجماعي إلى القلق الفردي.

كما أبرز التحليل أن الفضاء الروائي يتأسس على ثنائية الانغلاق والانفتاح بوصفها تعبيرًا عن أزمة الوعي، وأن الزمن السردي يتخذ بنية متكسرة تعكس انهيار الاستمرارية النفسية والتاريخية. وتخلص الدراسة إلى أن الشحاذ ليست مجرد رواية عن أزمة فرد، بل نص يعكس تحولات حضارية عميقة في الوعي العربي، ويؤسس لانتقال الرواية من الواقعية الاجتماعية إلى الرمزية الوجودية.

مدخل عام: نجيب محفوظ ونحول المشروع الروائي:

يحتل نجيب محفوظ موقعا تأسيسيا في مسار تشكّل الرواية العربية الحديثة، لا بوصفه مجرد كاتب غزير الإنتاج، بل باعتباره صاحب مشروع سردي متكامل أعاد من خلاله تعريف وظيفة الرواية ذاتها، إذ نقلها من مستوى التمثيل الواقعي المباشر إلى أفق تأملي يجعل منها أداة مساءلة للإنسان العربي في علاقته بذاته وتاريخه ومصيره. ففي المراحل الأولى من تجربته، انشغل محفوظ بتصوير البنية الاجتماعية وتحليل تناقضاتها ضمن منظور واقعي، غير أنه ما لبث أن تجاوز هذا الأفق نحو ما يمكن تسميته بالواقعية الرمزية، حيث لم يعد الواقع يُقدَّم كما هو، بل يعاد بناؤه داخل نص تتشابك فيه الأبعاد النفسية والفكرية والوجودية. وفي هذا الإطار تبرز رواية الشحاذ بوصفها منعطفا حاسما في هذا التحول، إذ تنتقل من رصد اختلالات المجتمع إلى تفكيك أزمة الذات، ومن تحليل البنية الطبقية إلى مساءلة الوعي الفردي في لحظة تاريخية مشبعة بالقلق والانكسار.

إن هذا التحول الجوهري في مشروع نجيب محفوظ لا يمكن استيعابه إلا في ضوء التحولات التي عرفها الخطاب السردي الحديث، وهو ما أشار إليه جيرار جينيت حين اعتبر أن السرد لم يعد يقوم على تعاقب زمني خطي للأحداث، بل على إعادة تشكيل الزمن بوصفه بنية دلالية تخضع لمنطق الوعي الداخلي للشخصية (Genette, 1972). ومن ثم، فإن ما نلاحظه في الشحاذ ليس مجرد تتابع حكائي، بل تشظي في التجربة الزمنية، حيث يتداخل الزمن النفسي بالزمن التاريخي، ويتحول السرد إلى فضاء تأملي تتقاطع فيه الاسترجاعات والاستباقات والانقطاعات، بما يعكس حالة الاضطراب الوجودي التي يعيشها البطل. وهكذا، يغدو النص المحفوظي في هذه المرحلة مختبرا سرديا يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم، ويجعل من الرواية مجالًا لإنتاج المعنى لا لنقله، وهو ما يؤكد أن مشروع محفوظ لم يكن مجرد تطور تقني، بل تحوّل إبستمولوجي عميق في فهم الأدب ووظيفته.

الشخصية المركزية: أزمة الوعي وتشظي الهوية عند عمر الحمزاوي:

تتأسس رواية الشحاذ لـنجيب محفوظ على بناء شخصية محورية تُعد من أكثر النماذج تعقيدًا في السرد العربي الحديث، وهي شخصية "عمر الحمزاوي" التي لا يمكن اختزالها في بعدها الحكائي البسيط، بل ينبغي قراءتها بوصفها بنية دلالية مكثفة تعكس أزمة الوعي في سياق تاريخي مأزوم. فهذه الشخصية لا تتحرك داخل الرواية باعتبارها فاعلا سرديا يؤدي وظيفة تقليدية، بل كذات متصدعة تتجسد فيها تحولات الإنسان العربي في مرحلة ما بعد انهيار المشاريع الكبرى، حيث تتقاطع خيبات السياسة مع انكسارات الذات، ويتحول الماضي من مصدر للمعنى إلى عبء ثقيل يفاقم الإحساس بالتيه.

إن ما يمنح عمر الحمزاوي هذا العمق الإشكالي هو كونه يعيش حالة انقسام داخلي حاد، تتجاذبه قوتان متعارضتان: ذاكرة نضالية مثقلة بقيم الالتزام الجماعي والإيمان بالتغيير، وواقع حاضر يتسم بالفراغ واللاجدوى والانزلاق نحو البحث عن خلاص فردي هش، يتجلى في علاقاته المرتبكة بالحب والجسد والمعنى. ومن ثم، تتشكل داخل النص ثنائية مركزية تحكم دينامية الشخصية، قوامها التوتر بين الشعور بالذنب بوصفه صدى للماضي، والرغبة في التحرر بوصفها محاولة للانفلات من هذا الماضي، وهو توتر لا يُفضي إلى حسم بقدر ما يعمّق حالة التردد والقلق.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم عمر الحمزاوي من خلال ما طرحه فيليب هامون حول مفهوم  " الشخصية الإشكالية"، حيث لا تبنى الشخصية ككيان ثابت ومستقر، بل كفضاء دلالي مفتوح تتصارع داخله القيم والدوافع والتمثلات (Hamon, 1977). فالبطل هنا ليس مجرد حامل للأحداث، بل هو ذاته موضوع السرد ومحوره، تتشظى داخله الأزمنة وتتداخل، ويتحول إلى مرآة تعكس تفكك الهوية الحديثة التي فقدت انسجامها الداخلي. ومن هذا المنظور، لا يعود مسار الشخصية خطيا أو تصاعديا، بل يصبح سلسلة من التراجعات والانكسارات التي تكشف عجز الذات عن تحقيق التوازن بين ماضيها الثوري وحاضرها المنهك.

هكذا تتجاوز شخصية عمر الحمزاوي حدود التمثيل الفردي لتغدو تجسيدًا رمزيًا لجيل كامل وجد نفسه في مواجهة فراغ وجودي عميق، حيث لم تعد الأطر الجماعية قادرة على احتواء تطلعاته، ولم يتمكن، في المقابل، من بناء بديل فردي متماسك. وبذلك، تتحول هذه الشخصية إلى بؤرة دلالية تكشف عن مأزق الإنسان الحديث في السياق العربي، مأزق يتجلى في فقدان المعنى، وتشظي الهوية، واستمرار البحث القلق عن يقين مفقود.

المكان: جدلية الانغلاق والانفتاح بوصفها تمثيلًا لأزمة الذات

لا يشتغل المكان في رواية الشحاذ لدى نجيب محفوظ بوصفه مجرد إطار جغرافي محايد تدور فيه الأحداث، بل يتحول إلى بنية دلالية عميقة تعكس توتر الذات وتشظيها، حيث يتأسس الفضاء الروائي على ثنائية حادة بين الانغلاق والانفتاح، بين الداخل الضيق والخارج المترامي. فالمكان المغلق، المتمثل في الغرفة أو الشقة، لا يقدَّم كمأوى أو فضاء للألفة، بل كحيز خانق تتكثف فيه مشاعر القلق والاختناق، ويغدو امتدادا مباشرا لحالة الانحباس النفسي التي يعيشها عمر الحمزاوي، إذ تتحول الجدران إلى حدود رمزية تعكس عجز الذات عن الانفلات من أزمتها. في المقابل، يبدو الفضاء المفتوح كالشارع أو الفضاء الخارجي حاملًا لإيحاءات التحرر والانعتاق، غير أن هذا الانفتاح يظل نسبيا ومؤقتًا، إذ لا يفضي إلى خلاص حقيقي، بل يظل حركة دائرية داخل أفق القلق ذاته، وكأن الذات، حتى وهي تغادر المكان المغلق، تظل سجينة توترها الداخلي.

ومن هذا المنظور، يتجاوز المكان وظيفته التقليدية ليصبح مرآة نفسية تعكس دينامية الانقسام الداخلي، وهو ما ينسجم مع التصور الذي بلوره غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان، حيث يؤكد أن الفضاء في الأدب ليس معطى خارجيًا، بل "امتداد للخيال والذاكرة والقلق" (Bachelard, 1957). وبهذا المعنى، فإن توزيع الأمكنة في الرواية لا يخضع لمنطق واقعي صرف، بل لمنطق نفسي ورمزي، يجعل من الانتقال بين الداخل والخارج ترجمة سردية لحركة الذات بين الانكماش والرغبة في الانفلات. غير أن هذه الحركة لا تبلغ أبدا نقطة توازن، بل تكشف عن مأزق أعمق يتمثل في استحالة التوفيق بين الحاجة إلى الانغلاق بوصفه حماية، والرغبة في الانفتاح بوصفه تحررا.

هكذا يغدو المكان في النص المحفوظي عنصرًا فاعلا في إنتاج الدلالة، لا خلفية صامتة للأحداث، إذ يسهم في تعرية البنية الوجودية المضطربة للشخصية، ويكشف أن أزمة عمر الحمزاوي ليست فقط أزمة فكر أو موقف، بل أزمة وجود تتجسد حتى في علاقته بالفضاء الذي يسكنه، حيث يتحول العالم الخارجي والداخلي معا إلى فضاء واحد تتردد فيه أصداء القلق نفسه.

الزمن: بنية متكسرة وإعادة تشكيل الوعي السردي:

لا يتحدد الزمن في هذا المقطع من الشحاذ لدى نجيب محفوظ وفق منطق خطي تقليدي يقوم على تعاقب الأحداث وتسلسلها، بل يتخذ شكلا مركبًا ومتشظيًا يجعل منه بنية دلالية كاشفة عن اضطراب الوعي ذاته. فالسرد هنا لا ينمو عبر تدرج زمني منتظم، وإنما يتأسس على تقنيات التقطيع والاسترجاع والاستباق، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، ويتقاطع الزمن النفسي مع الزمن التاريخي، في بنية تعكس اهتزاز الإحساس بالاستمرارية. وهذا ما ينسجم مع التصور الذي بلوره جيرار جينيت حين أكد أن الزمن السردي لم يعد مجرد إطار تنظيمي للأحداث، بل أصبح عنصرًا بنيويًا يعاد تشكيله وفق منطق الوعي الداخلي للشخصية (Genette, 1972).

إن هذا التشظي الزمني يكشف عن انهيار التجربة الزمنية بوصفها مسارًا متصلًا، إذ تتحول حياة عمر الحمزاوي إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة التي لا يجمعها رابط سببي واضح، بل يوحدها شعور عميق بالقلق واللايقين. فالماضي لا يعود بوصفه ذكرى مستقرة، بل كعبء ضاغط يتسلل عبر الاسترجاع، والحاضر لا يُعاش بوصفه لحظة مكتملة، بل كحالة عابرة مشوبة بالتوتر، أما المستقبل فيظل معلقًا في أفق احتمالي غامض. ومن هنا، يغدو الزمن انعكاسا مباشرا لحالة التمزق الداخلي، حيث تتشظى الذات كما يتشظى إدراكها للزمن.

ويمكن داخل هذا البناء تمييز مستويين زمنيين متداخلين: أولهما زمن تاريخي يحيل إلى سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وهو زمن يُلقي بظلاله على الشخصيات ويؤطر أزماتها؛ وثانيهما زمن نفسي ذاتي، يتشكل من تدفقات الوعي وتقلباته، ويعكس اضطراب الشخصية وتذبذبها بين ماضيها الثوري وحاضرها المأزوم. غير أن هذين المستويين لا يوجدان بشكل منفصل، بل يتداخلان ليشكلا شبكة زمنية معقدة تجعل من الزمن ذاته أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد خلفية للأحداث.

هكذا يتحول الزمن في النص من عنصر محايد إلى فاعل دلالي يكشف عن طبيعة الأزمة الوجودية التي يعيشها البطل، حيث لا يعود السرد وسيلة لتمثيل الواقع، بل يصبح فضاءً لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية في بعدها الأكثر هشاشة وتوترًا، بما يؤكد أن تفكك الزمن هو في جوهره تعبير عن تفكك الوعي نفسه.

الشخصية بوصفها علامة سيميولوجية وشبكة دلالية للصراع القيمي:

لا يمكن مقاربة الشخصيات في رواية الشحاذ لدى نجيب محفوظ بوصفها مجرد كائنات نفسية أو أفرادًا يحاكون الواقع، بل ينبغي النظر إليها ضمن أفق سيميولوجي يجعل منها علامات دلالية تتحرك داخل شبكة من العلاقات النصية المتشابكة. فالشخصية، وفق التصور الذي بلوره فيليب هامون، ليست معطى جاهزًا أو هوية ثابتة، بل بناء نصي يتحدد من خلال موقعه داخل البنية السردية وعلاقته بباقي العناصر، وهو ما يجعلها حاملة لدلالات تتجاوز بعدها الفردي لتغدو تمثيلًا لصراعات فكرية واجتماعية أعمق (Hamon, 1977).

انطلاقًا من هذا المنظور، تتوزع شخصيات الرواية وفق نظام رمزي دقيق يكشف عن توتر القيم داخل المجتمع العربي في لحظة تاريخية حرجة. فشخصية عمر الحمزاوي لا تُقرأ فقط كبطل مأزوم، بل كعلامة على انهيار المشروع الثوري وتفكك الإيمان بالتحولات الجماعية، حيث يتحول من مناضل يحمل أفقًا تغييريًا إلى ذات مترددة غارقة في الشك والبحث الفردي العقيم. وفي مقابل هذا الانهيار، تبرز شخصية عثمان خليل بوصفها تجسيدًا للضمير الثوري الصلب، إذ تمثل استمرارية الإيمان بالمبادئ رغم القمع والسجن، وكأنها تُعيد إلى النص إمكانية المعنى الذي فقده البطل، دون أن تنجح في إنقاذه فعليًا. أما مصطفى المنياوي، فيتخذ بعدًا رمزيًا مغايرًا، حيث يعكس انحراف الوعي الثقافي نحو السطحية والانتهازية، ويتحول إلى صورة للثقافة حين تفقد رسالتها التنويرية وتستسلم لمنطق الاستهلاك والتفاهة.

وفي خضم هذا التوتر، تحضر بثينة بوصفها علامة مضادة، تمثل أفقًا جماليًا وإنسانيًا جديدًا، حيث تلتقي فيها قيم العلم والفن، لتجسد إمكانية ولادة وعي بديل يتجاوز انكسارات الجيل السابق. وبهذا التوزيع، لا تعود الشخصيات عناصر متجاورة داخل السرد، بل تتحول إلى شبكة رمزية متكاملة، تتقاطع فيها الدلالات لتشكّل خريطة للصراع القيمي داخل المجتمع، حيث يتواجه الماضي الثوري مع الحاضر المنهك، والالتزام مع الانتهازية، واليأس مع إمكان الأمل.

هكذا ينجح محفوظ في تحويل الشخصية من مجرد أداة حكائية إلى جهاز دلالي معقد، يجعل من الرواية فضاءً لتجسيد الأفكار في هيئة بشرية، ويمنح النص عمقًا سيميولوجيًا يكشف أن الصراع الحقيقي لا يجري فقط بين الشخصيات، بل داخل البنية القيمية التي تمثلها.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية والفكرية: من تفكك البنية إلى أزمة المعنى:

لا يقف نص الشحاذ عند حدود تصوير أزمة فردية معزولة، بل ينفتح على أفق أوسع يكشف من خلاله عن اختلال عميق في البنية الاجتماعية والسياسية والفكرية، بحيث تغدو أزمة الذات امتدادًا مباشرًا لأزمة المجتمع في كليته. فمن الناحية الاجتماعية، يبرز النص ملامح تفكك الروابط الأسرية وتآكل قيم الانتماء، حيث يعيش عمر الحمزاوي حالة اغتراب داخل فضائه العائلي ذاته، فلا تعود الأسرة إطارًا للحماية والتواصل، بل تتحول إلى فضاء صامت تتآكل فيه العلاقات لصالح شعور دائم بالانفصال الداخلي. ومن ثم، فإن العزلة التي يعيشها البطل ليست اختيارًا فرديًا خالصًا، بل نتيجة بنية اجتماعية فقدت قدرتها على الاحتواء.

ويتعمق هذا الاختلال من خلال تمثيل وضعية المرأة، التي تظهر في النص بين قطبين متناقضين: التشييء والاستغلال من جهة، وإمكانية الخلاص الجمالي والإنساني من جهة أخرى. فالمرأة لا تُقدَّم ككائن مستقل، بل كعلامة على خلل أعمق في بنية المجتمع، حيث تُختزل أحيانًا في وظيفة جسدية أو اجتماعية، في حين تبرز في لحظات أخرى—كما في شخصية بثينة—بوصفها أفقًا لإعادة التوازن. وبهذا المعنى، لا يشتغل محفوظ على نقد مباشر، بل يبني نسقًا رمزيًا يجعل من وضع المرأة مرآة لاختلال القيم في المجتمع ككل.

غير أن هذا البعد الاجتماعي لا ينفصل عن سياقه السياسي، إذ يحمل النص في عمقه آثار خيبة المشروع الأيديولوجي الذي ارتبط بأحلام التغيير الثوري، خاصة في سياق التحولات الاشتراكية وما رافقها من توترات. فشخصية عمر الحمزاوي، التي كانت في الماضي جزءًا من هذا الحلم، تجد نفسها وقد انفصلت عنه، في تجسيد واضح لانهيار الوعود الكبرى وتحولها إلى مجرد ذكرى مثقلة بالخيبة. كما تحضر في خلفية النص إشارات إلى القمع السياسي والاعتقال والخوف من السلطة، وهو ما يعكس مناخًا عامًا مشحونًا بالتوتر بين الفرد والدولة، غير أن السياسة هنا لا تُطرح كموضوع مباشر، بل كقوة خفية تعيد تشكيل الوعي الفردي وتؤثر في علاقته بذاته وبالعالم.

ومن داخل هذا التشابك الاجتماعي والسياسي، ينبثق البعد الفكري والديني بوصفه المركز الحقيقي للأزمة، حيث يتحول السؤال عن الله والمعنى والسعادة إلى جوهر القلق الوجودي الذي يعيشه البطل. فهذه الأسئلة لا تُطرح بوصفها تأملات نظرية، بل كحاجة داخلية ملحّة ناتجة عن انهيار اليقين، بحيث يغدو غياب المرجع الروحي سببًا مباشرًا في تفكك الذات. ومن هنا، يتحول البحث عن “النشوة” إلى محاولة تعويضية عن فقدان المعنى الكلي للحياة، في دلالة على عجز البدائل الحسية عن ملء الفراغ الوجودي. وبذلك، لا يقدم النص الدين كخطاب وعظي، بل كإشكالية عميقة ترتبط بأزمة الإنسان الحديث في علاقته باليقين.

ويتجلى هذا الاضطراب على المستوى السردي من خلال ما أشار إليه تزفيتان تودوروف حول “تعدد الأصوات”، حيث لا يخضع النص لصوت واحد مهيمن، بل ينفتح على تعددية خطابية تتجسد في الحوار الداخلي والخارجي (Todorov, 1969). غير أن هذا التعدد لا يؤدي إلى إثراء المعنى بقدر ما يكشف عن تفككه، إذ يصبح الحوار ذاته عاجزًا عن إنتاج يقين نهائي، ويتحول إلى فضاء يعكس ارتباك الفكر وتشتت الرؤية. فاللغة هنا لا تؤسس التواصل، بل تكشف عن حدوده، مما يعمّق الإحساس باللااستقرار المعرفي والوجودي.

وفي المحصلة، يتجاوز النص هذه المستويات جميعها ليؤسس لبعد وجودي عميق، حيث لا تعود القضايا الاجتماعية أو السياسية هي المركز، بل يصبح السؤال عن المعنى ذاته هو المحور الأساس. وهذا التحول يعكس انتقال محفوظ من الواقعي إلى الوجودي، حيث لم يعد الإنسان يبحث فقط عن تغيير واقعه الخارجي، بل عن تبرير وجوده الداخلي في عالم فقد انسجامه. ومن ثم، تتقاطع الرواية مع فلسفات القلق الوجودي التي ترى في الإنسان كائنًا في حالة بحث دائم، غير قادر على بلوغ يقين نهائي، وهو ما يجعل من الشحاذ نصًا لا يقدّم أجوبة، بل يفتح أفقًا من الأسئلة التي تعكس عمق الأزمة الإنسانية في العصر الحديث.

على سبيل الختام: نحو فهم أزمة الإنسان في "الشحاذ" وآفاق القراءة النقدية:

يُفضي هذا التحليل إلى أن رواية الشحاذ لـنجيب محفوظ لا تُقرأ بوصفها نصًا حكائيًا يعيد تمثيل الواقع، بل باعتبارها مشروعًا فكريًا وجماليًا يعيد مساءلة الإنسان في لحظة تاريخية مأزومة، حيث تتقاطع التحولات الاجتماعية والسياسية مع الانكسارات النفسية والفكرية. فالأزمة التي يجسدها عمر الحمزاوي لا تنحصر في حدود تجربته الفردية، بل تمتد لتغدو تعبيرًا عن تحوّل حضاري أوسع، يتجلى في انهيار اليقينيات الكبرى التي كانت تؤطر وعي الإنسان، وصعود قلق وجودي يجعل من البحث عن المعنى مهمة مفتوحة بلا أفق حاسم. ومن ثم، ينجح محفوظ في نقل الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى التفكير، حيث تتداخل الأبعاد النفسية والسياسية والاجتماعية والدينية في نسيج واحد، يجعل النص فضاءً ديناميًا لإنتاج الأسئلة أكثر من كونه حقلًا لتقديم الأجوبة.

وقد أفضت الدراسة إلى جملة من النتائج الأساسية، لعل أبرزها أن الشحاذ تمثل لحظة انتقال نوعي في المشروع السردي المحفوظي، حيث يتحول الاهتمام من تصوير البنية الاجتماعية إلى تفكيك البنية الداخلية للذات، ومن رصد الصراع الطبقي إلى مساءلة المعنى الوجودي للحياة. كما بيّنت أن عناصر السرد—من شخصية وزمن ومكان—لا تؤدي وظائف وصفية محايدة، بل تتحول إلى بنى دلالية منتجة للمعنى، تعكس في تفاعلها حالة التشظي التي تطبع التجربة الإنسانية الحديثة. وأظهرت الدراسة كذلك أن الشخصية المركزية ليست بطلًا تقليديًا، بل “علامة” سيميولوجية تختزل أزمة جيل كامل، وأن تفكك الزمن وتوتر الفضاء السردي ليسا مجرد تقنيات فنية، بل تجليات عميقة لاضطراب الوعي وفقدان الانسجام الداخلي.

وانطلاقًا من هذه النتائج، يمكن اقتراح جملة من التوصيات التي من شأنها تعميق فهم هذا النص وأمثاله داخل الأدب العربي الحديث. أولًا، ضرورة إعادة قراءة أعمال نجيب محفوظ ضمن أفقها الكلي بوصفها مشروعًا سرديًا متكاملًا، بدل مقاربتها بشكل تجزيئي يعزل النصوص عن سياقها التطوري. ثانيًا، توسيع اعتماد المقاربات السيميولوجية والسردية والفلسفية—كما عند جيرار جينيت وغاستون باشلار وتزفيتان تودوروف—لما تتيحه من أدوات قادرة على تفكيك البنى العميقة للنصوص الروائية. ثالثًا، تشجيع الدراسات المقارنة التي تربط بين الأدب العربي والتحولات الفكرية العالمية، بما يسمح بفهم أعمق لتموقع الرواية العربية داخل السياق الإنساني العام.

وبهذا المعنى، تظل الشحاذ نصًا مفتوحًا على تأويلات متعددة، لا يقدّم خلاصات نهائية بقدر ما يؤسس لأسئلة كبرى حول الإنسان والمعنى والوجود، وهو ما يمنحها قيمتها بوصفها نصًا تأسيسيًا في مسار الانتقال من الواقعية الاجتماعية إلى أفق رمزي-وجودي أكثر تعقيدًا وعمقًا في الرواية العربية الحديثة.

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقظ وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقظ وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

............

لائحة المراجع والمصادر:

نجيب محفوظ. (1965). الشحاذ. القاهرة: دار الشروق.

بحراوي، حسن. (1990). بنية الشكل الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. (1998). في نظرية الرواية. الكويت: عالم المعرفة.

فضل، صلاح. (1998). نظرية البنائية في النقد الأدبي. القاهرة: دار الشروق.

يقطين، سعيد. (1997). تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Genette, G. (1972). Figures III: Discours du récit. Paris: Seuil.

Bachelard, G. (1957). La poétique de l’espace. Paris: PUF.

Hamon, P. (1977). “Pour un statut sémiologique du personnage”. Poétique, n° 29.

Todorov, T. (1969). Grammaire du Décaméron. The Hague: Mouton.

تفكيكُ البنية الدراماتورجيّة في مونودراما "رئيسة التحرير" للدكتور عزيز جبر الساعدي

يبلغُ النصُّ المونودراميُّ نضجَهُ الأجناسيَّ حين يتحوّلُ من حكايةٍ فرديّةٍ إلى حقلِ توتّرٍ أنطولوجيٍّ يتقاطعُ فيه الصوتُ بالصمت، والجسدُ بالفراغ. في مونودراما "رئيسةُ التحرير"، قَدَّم الدكتور المثمر وجوداً أنيقاً عزيز جبر الساعدي نصاً يُراوغُ التصنيفَ الجاهز؛ فهو "مونودراما شعريّة بصوتين". يُشكِّلُ هذا التوصيفُ مفارقةً بنيويّة - أي تناقضاً داخلياً يُنتجُه التركيبُ العضويُّ للنصّ - تستدعي التأمّل. تتأسسُ المونودراما كلاسيكياً على خطابِ ذاتٍ واحدةٍ منفردة، غير أنّ الساعدي يشقُّ هذه الذاتَ شقاً مسرحياً واعياً عبر صوتين رئيسين: الصوتُ الأوّلُ هو الممثّلُ الذي يحتلُّ الخشبةَ ويتناوبُ أداؤه بين قناعَيْن (هي / هو)، والصوتُ الثاني هو الراوي المتسلّلُ من خلف الكواليس بوصفه ضميراً ميتامسرحياً - أي وعياً داخلَ العرضِ يكشفُ للمتفرّجِ الطبيعةَ اللعبيّةَ للمسرحِ - يُعلِّقُ على الحدثِ من مسافةٍ جماليّةٍ محسوبة.

تأسّست بنيةُ الشخصيّة المزدوجةِ هنا على ما يمكن تسميتُه "انشطارَ الأنا الدراميّة"، أي انقسامَ الذاتِ الواحدةِ إلى قوّتين متصارعتين داخلَ جسدٍ واحدٍ على الخشبة. يغدو الممثّلُ فضاءً جسدياً تتصارعُ داخلَهُ سلطتان: سلطةُ الكتابةِ المتمثّلةُ في "هو" (الكاتبُ المتمسّكُ بحريةِ الكلمة)، وسلطةُ المؤسّسةِ المتمثّلةُ في "هي" (رئيسةُ التحريرِ التي تختصرُ العالمَ في أوامر). يجري التحوُّلُ الجسديُّ بين القناعين عبر تبدُّلٍ في الإيقاعِ الصوتيِّ والنبرةِ والإيماءة، مبتعداً عن الاستعانةِ بالإكسسواراتِ الخارجيّة. يُحيلُ هذا الأداءُ مباشرةً إلى تقنية "الجسد بوصفه نصاً" - أي تحوّلَ جسدِ الممثّلِ نفسِهِ إلى حاملٍ للدلالةِ ومُنتجٍ لها - وهي التقنيةُ التي كرّسها غروتوفسكي في مسرحِه الفقير. تقفُ الخشبةُ عاريةً مكتفيةً بطاولةٍ وكرسيٍّ وكومةِ أوراقٍ وقلم؛ أدواتٌ تتحوّلُ من وجودٍ مادّيٍّ صِرفٍ إلى حواملَ لاستعاراتٍ وجوديّةٍ عميقة.

وظَّفَ الساعدي السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريِّ على الخشبةِ عبر الإضاءةِ وحدَها كبديلٍ عن العمارةِ والديكور - لبناءِ العرض. فالإضاءةُ هي التي "تصنعُ الأمكنة… والذاكرة" وفقاً للإرشادِ المسرحيِّ - تلك التعليماتُ التي يُدوِّنُها المؤلّفُ بين قوسين لتوجيهِ المخرجِ والممثّلِ - في الاستهلال. يُمثّلُ هذا التصريحُ بياناً جمالياً يكشفُ ذهنيّةَ فضاءِ العرض؛ فخيطُ الضوءِ في المشهدِ الأوّلِ يُنجبُ الشخصيّة، والإضاءةُ الحادّةُ في المشهدِ الثالثِ تُعلنُ ولادةَ السلطة، بينما يختزلُ الضوءُ الضيّقُ في المشهدِ الأخيرِ العالمَ في بؤرةِ وداعٍ بين كاتبٍ وقلمِه. تتوازى هذه الدلالةُ البصريّةُ مع مفهومِ "العلامة المسرحيّة المركّبة" عند بافيس - أي المعنى الناتجِ عن تشابُكِ الضوءِ والصمتِ والحركةِ والصوتِ معاً في لحظةٍ أدائيّةٍ واحدة.

احتلَّ الراوي موقعاً إشكالياً في البنية؛ فقد كان أقرب إلى "ضميرِ النصّ" المتكلّمِ من منطقةِ ما-بعد-الحدث، متجاوزاً وظيفةَ الكورسِ الإغريقيِّ أو الساردِ التقليديّ البريختي. حين يقولُ الراوي: "كانت تخجلُ من الضوء…"، فإنّه يُمارسُ "الاستباقَ التأويليّ" - أي تلميحَ السردِ إلى مآلِ الشخصيّةِ استباقياً، مانحاً المتلقّي بوصلةَ قراءةٍ مبكّرة. يُحدثُ هذا الفعلُ شرخاً في التوقّع الدراميّ، كابحاً الاندماجَ العاطفيَّ الكامل، ومُبقياً المتفرّجَ في حالةِ يقظةٍ تأويليّةٍ دائمة. تُقاربُ هذه الآليّةُ التغريبَ البريختيَّ - أي جعلَ المألوفِ غريباً لاستفزازِ العقلِ - معتمدةً على أدواتٍ شعريّةٍ خالصة.

على المستوى الثيماتيّ، شيَّد النصُّ جدليّةً ثلاثيّة: الكلمةُ في مواجهةِ السلطة، والذاتُ في مواجهةِ الدور، والصمتُ في مواجهةِ الكلام. يُمثّلُ "هو" الكتابةَ بوصفها فعلَ حرّيةٍ وجوديّة، فيما تُمثّلُ "هي" المؤسّسةَ الساعيةَ لتحويلِ الإبداعِ إلى وظيفة. تكمنُ المفارقةُ العميقةُ في سكنى كليهما داخلَ الجسدِ ذاتِه، جاعلاً الصراعَ صراعاً باطنياً للذاتِ مع أقنعتِها؛ وهو جوهرُ المونودراما في أرقى تجلّياتها. عبارةُ "كنتُ أنا الإيقاع" تُعلنُ انهيارَ العقدِ الرمزيِّ بين المبدعِ والمؤسّسة؛ مؤكّدةً أسبقيّةَ النبضِ الإبداعيِّ على القوالبِ الجاهزة.

بلغَ المشهدُ الأخير - "موتُ الحبر" - ذروةً مضادّة - أي لحظةَ الانفراجِ الهادئةِ المعاكسةِ للانفجارِ الدراميِّ المتوقّعِ - حاملةً ثقلاً استثنائياً. ينتهي الحوارُ الحميمُ بين الكاتبِ وقلمِه بدفعِ القلمِ بعيداً ببطء. يحملُ هذا الفعلُ الجسديُّ البسيطُ ثقلاً سيميائياً - أي دلالياً يتجاوزُ ظاهرَ الحركةِ إلى شبكةِ المعاني الرمزيّة - هائلاً. تُجسّدُ هذه اللحظةُ "الموتَ المسرحيَّ"؛ موتَ الوظيفةِ الرمزيّةِ للكتابةِ والفعلِ المانحِ للشخصيّةِ مبرّرَ وجودِها على الخشبة. تُنجزُ العبارةُ الختاميّةُ مفارقةً وجوديّة - تناقضاً ظاهرياً مُبطّناً بحقيقةٍ أعمق - مُعيدةً تعريفَ الصمتِ بوصفه أعلى أشكالِ البلاغة. يُعلنُ الكاتبُ نهايتَه صوناً لخلودِه، متوقّفاً إدراكاً منه لانعدامِ جدوى المحاولةِ في عالمٍ مستهلك، ومستدعياً موقفاً عبثياً يؤكّدُ أزمةَ التعبيرِ بصمتٍ بليغ.

تشتغلُ لغةُ الساعدي في هذا النصِّ بمنطقِ الشعرِ مبتعدةً عن الحوارِ الدراميِّ التقليديّ؛ الجملُ قصيرةٌ مبتورة، وما بعدها من مسافات تتكاثرُ كعلاماتِ تنفُّسٍ مسرحيٍّ - فراغاتٌ زمنيّةٌ مقصودةٌ تمنحُ الممثّلَ مساحةً لملءِ الصمتِ بالجسدِ والنظرةِ عوضاً عن الكلام. تمظهرت هذه الصياغةُ البليغة في كتابةً واعيةً بالركح - أي بفضاءِ الأداءِ الحيِّ وشروطِه وإيقاعاته - مُميّزةً الدراماتورجيَّ - المُفكِّرَ بالنصِّ والعرضِ معاً - عن الأديبِ المكتفي بجماليّاتِ الورقة. يُعيدُ هذا النصُّ التفاوضَ مع حدودِ الجنسِ المسرحيِّ متسلّحاً بالشعريّةِ وقابليّةِ التجسيدِ الركحيّ، شاطراً الممثّلَ الواحدَ إلى ذواتٍ متصارعةٍ ضمن وحدةِ الرؤية، ومُحوّلاً الخشبةَ العاريةَ إلى فضاءٍ مُشبعٍ بالدلالاتِ عبر اقتصادٍ صارمٍ في العلاماتِ المسرحيّة. تغدو المونودراما هنا، بفضلِ الوعيِ التأليفيِّ المزدوجِ، شكلاً مسرحياً شديدَ الفاعليّةِ في تعريةِ الإنسانِ أمامَ ذاتِه، تحديداً في تلك اللحظةِ الفاصلةِ بين فعلِ الكتابةِ وفعلِ الصمت.

جمالياً، وظّف النص السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريّ بالضوءِ وحدَهُ - كأداةِ كشفٍ داخليّ، مانحةً العلامةَ الواحدةَ كثافةً دلاليّةً عالية. يُعيدُ نص "رئيسة التحرير" تفكيكَ علاقةِ الإنسانِ بالسلطةِ واللغةِ عبرَ تحوّلاتٍ صوتيّةٍ وجسديّةٍ دقيقة، مُبقياً بابَ التأويلِ مُشرَعاً على أسئلةٍ أخلاقيّةٍ تخصُّ ثمنَ الصعودِ ومصيرَ صانعيه.

***

بقلم: كاظم أبو جويدة

جدلُ الإشارة والعَلَم في تراث النحو العربي

ليست “المعرفة” في الدرس النحوي مجرد تصنيفٍ شكليّ للأسماء، بل هي بناءٌ دلاليّ يكشف عن صلة اللفظ بالعالم، وعن كيفية حضور الشيء في الوعي: أهو حاضرٌ بالعين، أم مُستدعى بالقلب، أم مُشارٌ إليه بوساطةٍ تجمع الحسّ والتجريد؟ ومن هنا، نشأ الخلاف العميق بين المدرستين البصرية والكوفيّة في مراتب المعارف، لا بوصفه تبايناً في التقعيد فحسب، بل باعتباره اختلافاً في فلسفة الإدراك اللغوي.

أولاً: مفهوم “المعرفة” وحدودها

عرّف النحاة “المعرفة” بأنها ما دلّ على معيَّنٍ معروفٍ في الذهن أو الخارج، مقابل النكرة التي تدل على الشيوع والإبهام. غير أنّ هذا “التعيين” ليس درجةً واحدة؛ فالمعرفة تتفاوت بحسب قوّة الدلالة على المعيَّن، وبحسب وسيط الإدراك: أهو حسّيّ مباشر، أم ذهنيّ مستحضر، أم سياقيّ مُنشأ؟

ثانياً: مذهب البصريين – العَلَم ذروةُ التعيين

يرى البصريون، وفي طليعتهم سيبويه، أنّ أعرف المعارف هو اسم العَلَم؛ لأنّه يدلّ على فردٍ بعينه بلا واسطةٍ إضافية ولا قرينةٍ مُلحِقة. فقولنا: الخليل يُحيل مباشرةً إلى شخصية محدّدة لا يشاركها غيرها في هذا اللفظ.

ويؤكّد هذا الاتجاه المبرّد، إذ يجعل العَلَم في قمة الهرم المعرفي، لأنّ دلالته مُعيِّنة بذاتها، لا تحتاج إلى سياقٍ يُتمّها. فالعَلَم – في نظرهم – هو الاسم الذي استقلّ بالتعيين، واكتفى بذاته عن كلّ مُكمِّل.

ثالثاً: مذهب الكوفيين – الإشارة أبلغُ حضوراً

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فيذهبون إلى أنّ أعرف المعارف هو اسم الإشارة: هذا، هذه، هذان…، لأنّه يدلّ على المعيَّن دلالةً حسّيّةً مباشرة، مقرونةً بالإشارة العيانية.

فالقول: هذا الرجل لا يكتفي بالتسمية، بل يُحيل إلى حاضرٍ مُشارٍ إليه، تُدركه العين ويثبّته السياق. ومن ثمّ، فاسم الإشارة عندهم يجمع بين:

التعيين الذهني

والتعيين الحسّي

وهنا ينبثق احتجاجهم الشهير:

المعروف بطريقتين (العين والقلب) أعرفُ ممّا يُعرف بطريقةٍ واحدة (القلب وحده).

رابعاً: بين ثعلب والمبرّد – تقاطعُ الرأيين

يمثّل ثعلب (أبو العباس) صوتاً كوفيّاً يميل إلى تقديم اسم الإشارة، تأسيسًا على قوّة حضوره الحسّي، غير أنّه – كغيره من أئمة العربية – لم يُنكر مكانة العَلَم، بل رأى أنّ التفاوت بينهما تفاوتُ درجاتٍ لا تضادّ.

أمّا المبرّد، فظلّ وفيّاً للمنظور البصري، معتبراً أنّ العَلَم أبلغُ في التعيين لأنه لا يفتقر إلى قرينةٍ خارجة، في حين أنّ اسم الإشارة قد يحتاج إلى سياقٍ يُحدِّد المشار إليه إن التبس المقام.

خامساً: المعرفة بين العين والقلب – تأويلٌ فلسفي

يمكن قراءة هذا الخلاف في ضوء ثنائيةٍ أعمق: العين والقلب.

حين نقول: نعرف الخليل بن أحمد الفراهيدي، فإنّ معرفتنا به قلبية/ذهنية؛ إذ نستحضره عبر الذاكرة والتاريخ، لا عبر الحضور الحسيّ.

أمّا حين نقول: هذا الرجل، فنحن نعرفه بالعين والقلب معاً؛ نراه ونُعيّنه في اللحظة ذاتها.

وعلى هذا الأساس، بنى الكوفيون تفضيلهم:

المعرفة المركّبة (حسّ زائد ذهن) أبلغُ من المعرفة الذهنية الصِّرفة.

لكنّ البصريين يردّون بأنّ ثبات التعيين واستقلاله أولى من قوّة الحضور العارض؛ فالعَلَم يبقى مُحدِّداً وإن غاب صاحبه، بينما اسم الإشارة يزول تعيينه بزوال المقام.

سادساً: أثرُ الخلاف في بناء الدرس اللغوي

ليس مصادفةً أن تبدأ كتب النحو بباب أسماء الإشارة؛ ففي ذلك إيماءٌ إلى أنّ اللغة تنطلق من الإشارة إلى العالم قبل تسميته، ومن الحضور قبل التجريد. غير أنّ استقرار الدلالة لا يتمّ إلا بالعَلَم، حيث تنتقل اللغة من “هذا” إلى “من هو هذا”.

وقد أشار ابن جني إلى أنّ اللغة نظامٌ متحرّك، تتفاعل فيه الوسائط الدلالية، فلا يُحسم التفاضل فيها إلا بالنظر إلى السياق والاستعمال، لا إلى التقعيد المجرد.

خاتمة:

إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين في مراتب المعارف ليس خلافاً في ترتيبٍ مدرسيّ، بل هو جدلٌ في طبيعة المعرفة ذاتها:

أهي حضورٌ حسّيّ مباشر؟

أم تعيينٌ ذهنيّ مستقل؟

وبين “هذا” و“الخليل” يتشكّل وعيُ اللغة بالعالم:

من الإشارة التي تُري، إلى التسمية التي تُثبّت.

وهكذا، تظلّ العربية – في عمقها – ساحةً يلتقي فيها الحسّ بالعقل، والعين بالقلب، في محاولةٍ دائمةٍ لإحكام القبض على المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

خلال فترة ليست بالطويلة أثبتت السيدة الأديبة سعاد الراعي حضورها ووجودها كاتبة في حقل الرواية والقصّة القصيرة، فما تكتبه أجده مميزا من حيث اللغة والأسلوب، والفكر أيضا، فلغتها صافية مرنة، وأسلوبها جيد غير مباشر، والقضايا التي تناقشها في أعمالها تخص مشاكل مهمة يعاني منها المجتمع العراقي والمجتمعات العربية بشكل عام، بتعبير آخر الكاتبة تتطرق في أعمالها الأدبيّة إلى مواضيع حساسة تخص الإنسان المعاصر وتصف أحاسيسه ومواقفه بدقّة متناهية.

والكتاب الذي بين يدي الآن عنوانه "من مذكّرات أستاذة" يتألّف من 133 صفحة كتب مقدمته الدكتور الأديب عادل حنظل، وهي مقدمة رصينة أوفت الكتاب بعض حقّه، ولا عجب في ذلك فالدكتور عادل حنظل يملك بالإضافة إلى كونه قاصا وشاعرا حِسّا نقديا لا يغبط حقّا لأيّ نص أدبيّ.

قصص الكتاب:

القصة الأولى عنوانها "إن شاء الله يا أستاذة" تعالج الكاتبة فيها موضوع التطرف الديني والتعصب الذي نعاني منه الآن وهي -القصة- عن طالب في معهد يرفض حضور محاضرات الأستاذة لأنها غير محجبة، مرونة البطلة الأستاذة وتحجّر الطالب ولعلّه يلين في آخر المطاف. .

القصة الثانية "ذاكرة في ظلال الغياب" تعالج موضوع الاغتراب والغربة والمهجر وهي القصة التي استوقفتني أكثر من مرّة بصفتها تهتمّ بموضوع المهجر والهجرة والاغتراب وهو الموضوع الذي خصّصت له حيزا واسعا من رواياتي وقصصي وأعمالي الشعريّة، فلم يعد المهجر عنوانا ومحطة لشعر الحنين والتغنّي بجمال الوطن بل هو الآن تفاعل بين مهاجر ومجتمع جديد هذا التفاعل امتدّ إلى الأعمال القصصية والروائية فمعظم الروائيين في الخارج لجأووا إلى ذاكرتهم ليستقوا منها روايات قد تكون جميلة جدا وغفلوا عن تفاعل وانفعال المهاجر الحالي واندماجه بالمجتمع الجديد. إنّ قصة "ذاكرة في ظلال الغياب" تتحدث عن أستاذة جامعية في قسم الاقتصاد وتلميذتها من العراق كلتاهما تعيشان في بلد ليس بلدهما والقصة على وفق هذا المدلول تجعل من المكان هو البطل الحقيقي، الأستاذة الجامعية تغادر بلدها الأصلي، والطالبة تترك بلدها، فتلتقيان في بلد ثالث يمكن أن نطلق عليه بلد الأمان ثمّ يطلع علينا مكان آخر ينبثق من الأمكنة الثلاثة ألا وهو مكان المصحّة الذي يعيش في أذهاننا. الأستاذة تصاب بمرض الزهايمر فينقلها ابنها أو أولادها من بيتها إلى دار العجزة.

المصحة تساوي بلد المنفى.. لقد بأنا بالرحلة إلى المنفى وانتهينا بمنفى صغير. مجتمع لايفهم فيها أي نزيل الآخرين.

يبدو أن المهجر حسب الواقع الذي نعيشه يلاحقنا بصورة أخرى ناعمة فلا نستطيع أن نفلت منها حيث يمحو جميع الأمكنة ويخلق فينا نحن المكان الذي يريده هو والذي نعيه ولا نعيه، وخير دليل على قولنا تصوّر الأستاذة "أنّها وزوجها كانا بالأمس في حفلة بهيجة حضرها البروفيسور كروكوف والرفيق يوري وآخرون" مع أن من ذكرتهم كلهم في عداد الموتى. إنّه المكان الذي تخلقه ذاكرة ممسوحة لا تملك إلا اللغة واللغة في علم النفس والطب هي مهارة مثل مهارة السباحة وسياقة السيارة لايفقدها من يصاب بفقدان الذاكرة بسبب حادث أو من يفقد ذاكرته لكبر السنّ، فالقصة تعزف على ذاكرة المكان أو المكان الأخير ا-المصحّة- الذي اختصر جميع الأمكنة السابقة وامتد بنعومته العنيفة إلى الزمان فروّضه على وفق هواه.

القصة الثالثة عنوانها "عندما يكون الفكر ثالثهم" تحكي عن اعتراض طالب على أستاذته وتبين تعصب التلميذ وسماحة المرأة وهي مثل القصة الأولى تخصّ تحجر فكر الرجال بما يقابله من تسامح وحرية بتعفف من قبل المرأة، هناك في القصة الأولى الطالب يرفض الحضور لكون أستاذته غير محجبة وهنا الطالب يتحدث عن الحلال والحرام وحرية المرأة في العمل .

القصة الرابعة جاءت بعنوان (حلم لم يولد) وهي تعالج موضوعا اجتماعيا يتمثّل بعدة محاور أو موضوعات، المحور الأوّل هو الحب، فتاة تحبّ شخصا مُطلَّقا، والمحور الثالث، الرجل يحبها من دون أن يخبرها أنّه عقيم لا ينجب ميؤوس من حالته، القضية الثالثة المعاناة أو الشعور بالنقص من قبل الرجل والمعاناة التي تحسها الزوجة بسبب رغبتها في الأمومة والإنجاب.

القصة الرابعة (في حضرة الأستاذة) تتحدّث عن طالب يعجب أو يحبّ أستاذته فيأتي مبكرا كلّ صباح ليضع لها على الطاولة وردة حمراء، والمدهش في هذه القصة هو شخصية المرأة فقد عرفنا من خلال روايات الكاتبة وقصصها أنّ شخصية المرأة تكون قوية حين تحاور وتساجل ذوي النزعات الدينية الذين ابتلينا بهم، أما هذه القصة فتعالج موضوع الحب من طرف واحد، اختارت الوردة الحمراء لأنها رمز عالميّ للحبّ بين حبيب وحبيبته، لكن قوة المدرّسة تظهر حين تعتزّ بمركزها التدريسي فتحذر الطلبة والطالبات من أنْ ليس هناك عواطف في مجال العلم، وإنّها لن تقبل بأيّ وضع سوى السلوك الواقعي.

أمّا هشام فيبدو في قصة (عقدة كاتب) متعجرفا على الرغم من كونه زوجا لأستاذة جامعية في علم الاجتماع ولا يقف بوجه عجرفته وغروره إلا امرأة كاتبة تكتب القصص فحاول أن يجرح مشاعرها خلال توقيعها لآخر كتاب طبعته لكنها تعرف كيف تعامله باحتقار . القصة تشير إلى زيف الكتّاب وقوة المرأة ووثوقها من نفسها.

وفي قصة (الماضي يطرق بابنا) نطالع موضوعا يخص الصدق في العلاقة الزوجيّة.

فكرة القصة تتمحور حول حبّ قديم يعيشه الزوج لكنْ لظروف ما ينتهي هذا الحب، وعندما تعود الفتاة بعد سنوات وهي من أقاربه إلى الاتصال به تحدث بينه وبين زوجته انتقالة أشبه ما تكون بفترة نقاهة من مرض قديم اختفى وظهرت آثاره عليه. القصة لا تعني الخيانة لأنّه هو نفسه صارح زوجته بالأمر، لكن المرأة القوية الزوجة المتماسكة لاترغب في أن ترى على زوجها آثار مرض قديم، ولو مجرد آثار، فتكون تلك اللحظات-لحظات المكاشفة- بمثابة تيار جديد يمسح سنين طويلة، تقول في نهاية القصة (وفي تلك الليلة، لم نغلق باب امرأة من الماضي فحسب، بل ثبّتنا حدود الحاضر، وأعدنا تعريف الوفاء لا بوصفه شعوراعابرا، بل اختيارا واعيا، يعاد اتخاذه كلَّ يوم)

أما بطلة قصة (طيف على حدود العالم) فتستعرض محورين، الأول قضية اللجوء وعقباتها وصعوبتها، وقضية اغتصاب اللاجئات وهن في الطريق إلى بلدان الأمان. بطلة القصة تعرضت لاغتصاب بشع. ماتت أمها في الغابة بسبب البرد، ووصلت إلى المانيا مكسورة مهانة تحمل في أحشائها جنينا، فتقابل الكاتبة وترجوها أن تصبح مترجمتها. قد تبدو البطلة مكسورة في المشهد لكنها لاتخضع للهزيمة بل تحاول أن تقاوم الشرور في هذا العالم وتستقل بنفسها. إنها تسعى للتغلّب على هزيمتها وذلك يعني منهى الشجاعة.

القصة الأخيرة (الدرس الأخير) تناقش قضيّة المثلية حسبما . طالبة تحبّ أستاذتها فتحاول الأستاذة أن تستوعب الصدمة، وتفسر الحب باتجاه صحيح غير أن الطالبة تصر على أنه حب من نوع آخر. ربما هي القصة الوحيدة من المجموعة تعالج موضوعا نراه نحن الشرقيين شاذا إذ أن المثلية لا تعد في أوروبا شذوذا ولا عارا أو مرضا. القصة تنتهي نهاية سلبية وهي إن الطالبة في الأخير لم تستطع مقاومة حبها للأستاذة التي تجاهلتها فتترك المدرسة إلى غير رجعة.

هناك من يرى أنّ هذه المواضيع – مواضيع المثلية وما شاكلها- من المحظورات في الدول العربية من قبل المجتمعات والحكومات، لكنني يجب أن أتذكر قول أحد المدرسين الدنماركيين حين قال يجب أن نعمل على أن تكون الأمور واضحة عندنا ظاهرة. عندكم في الشرق كثير من الممنوعات تُعَدُّ من المحرمات لكننا لانمنعها فنعرفها جيدا ولا نخفيها. لا نتستر عليها. .

خلاصة القول إنّي قرأت في هذا الكتاب قصصا جميلة استوعبتْ بدقة وأسلوب رصين مشاكل أبطالها وما يفكرون به ويحلمون .

***

قصي الشيخ عسكر

 

من الشحاذ إلى قشتمر والحرافيش

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الفكرية والجمالية في ثلاثية سردية ممتدة داخل مشروع نجيب محفوظ الروائي، تتمثل في روايات "الشحاذ" و"قشتمر" و"الحرافيش"، من خلال مقاربة تُركز على تطور الوعي الإنساني من الفرد المأزوم وجوديًا إلى الجماعة المتماسكة بالذاكرة، وصولًا إلى البنية التاريخية للصراع الاجتماعي. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن محفوظ لا يقدم روايات منفصلة، بل يبني رؤية سردية متكاملة تجعل من الإنسان محورًا لتحولات المكان والزمن والشخصية. وقد تم توظيف مقاربات نظرية مستمدة من باشلار وتودوروف وجينيت وهامون لتفسير هذه التحولات. وتخلص الدراسة إلى أن المشروع المحفوظي يعيد صياغة سؤال الإنسان في علاقته بالمعنى والسلطة والتاريخ، دون تقديم إجابات نهائية، بل عبر فتح النص على احتمالات تأويلية متعددة.

نص الدراسة:

منذ اللحظة التي يتأمل فيها القارئ عالم نجيب محفوظ الروائي، لا يعود بإمكانه أن يتعامل مع نصوصه بوصفها أعمالًا منفصلة، بل بوصفها مشروعًا سرديًا ممتدًا يعيد عبره الكاتب تشكيل سؤال الإنسان في علاقته بالذات والمجتمع والتاريخ. فالرواية عند محفوظ ليست حكاية تُروى، بل بنية فكرية تتراكم عبرها التحولات، بدءًا من القلق الوجودي الفردي في "الشحاذ"، مرورًا بالذاكرة الجماعية والحميمية اليومية في "قشتمر"، وصولًا إلى البنية الأسطورية للصراع الاجتماعي في "الحرافيش". هذا الامتداد يكشف عن منطق داخلي يحكم مشروعه الروائي، يقوم على تحويل الإنسان من ذات متصدعة إلى ذاكرة جماعية، ثم إلى كائن تاريخي محكوم بدورات الصراع.

في "الشحاذ" يتجسد الإنسان في صورة المثقف المأزوم الذي فقد يقيناته القديمة بعد التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، ليجد نفسه في حالة بحث دائم عن معنى للحياة. هذا البحث لا يتعلق بالوجود المادي، بل بالمعنى الوجودي الذي يربط الفرد بذاته وبالعالم. إن عمر الحمزاوي ليس مجرد شخصية روائية، بل هو نموذج للإنسان العربي الحديث في لحظة انكسار القيم الكبرى، حيث تتداخل الأسئلة النفسية مع الدينية والسياسية في بنية واحدة من القلق المستمر.

غير أن هذا القلق لا يبقى محصورًا في الفرد، بل يتسع في "قشتمر" ليأخذ شكل الذاكرة الجماعية. فالمقهى يتحول إلى فضاء رمزي للصداقة والاستمرارية، حيث يصبح اللقاء اليومي فعل مقاومة ضد الزمن. هنا ينتقل محفوظ من تفكيك الذات الفردية إلى بناء جماعة صغيرة تحتمي بالروابط الإنسانية في مواجهة التفكك العام. ومع ذلك، فإن هذا التوازن يظل هشًا، لأن الزمن يواصل عمله في إعادة تشكيل المصائر.

أما في "الحرافيش" فإن البناء السردي يأخذ بعدًا أكثر تركيبًا، حيث تتحول الحارة إلى نموذج كوني للصراع الاجتماعي والتاريخي. لم يعد الإنسان هنا فردًا يبحث عن ذاته أو جماعة تحتمي بذاكرتها، بل أصبح جزءًا من دورة تاريخية تتكرر فيها أنماط السلطة والتمرد. الزمن لم يعد خطيًا بل دائريًا، يعيد إنتاج نفسه في أشكال متجددة من الظلم والعدل، مما يعكس رؤية فلسفية تعتبر التاريخ بنية مفتوحة على التكرار لا على التقدم الخطي.

إن هذا التحول من الفرد إلى الجماعة إلى التاريخ يكشف عن مركزية المكان والزمن والشخصية في المشروع المحفوظي. فالمكان يتحول من فضاء نفسي في "الشحاذ" إلى فضاء حميمي في "قشتمر" ثم إلى فضاء صراعي في "الحرافيش"، بينما يتحول الزمن من قلق داخلي إلى ذاكرة ممتدة ثم إلى دورة تاريخية مغلقة. أما الشخصية فتنتقل من ذات مأزومة إلى رمز جماعي ثم إلى نموذج تاريخي.

نتائج الدراسة:

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، أهمها أن نجيب محفوظ لا يكتب روايات مستقلة بل مشروعًا سرديًا متكاملًا يعيد من خلاله صياغة سؤال الإنسان في العصر الحديث. كما تبين أن التحول من "الشحاذ" إلى "قشتمر" إلى "الحرافيش" يعكس تطورًا في بنية الوعي من الفردي إلى الجماعي إلى التاريخي. وأظهرت الدراسة كذلك أن المكان والزمن والشخصية ليست عناصر وصفية في السرد المحفوظي، بل هي بنى دلالية تنتج المعنى وتعيد تشكيله.

كما أكدت النتائج أن القلق الوجودي في "الشحاذ" يتحول إلى ذاكرة مقاومة في "قشتمر" ثم إلى وعي تاريخي مأزوم في "الحرافيش"، مما يجعل المشروع الروائي لمحفوظ مشروعًا في فهم تحولات الإنسان العربي الحديث.

التوصيات:

توصي الدراسة بضرورة إعادة قراءة أعمال نجيب محفوظ في إطارها الكلي وليس بشكل تجزيئي، مع التركيز على البنية الفكرية المشتركة بين رواياته. كما توصي بتوسيع استخدام المقاربات السيميولوجية والفلسفية في تحليل الرواية العربية الحديثة، لما لها من قدرة على كشف البنية العميقة للنصوص. وتدعو أيضًا إلى إدراج أعمال محفوظ ضمن دراسات مقارنة تربط بين الأدب والفكر والتاريخ لفهم أعمق لتحولات الوعي العربي.

***

د. منير محقق

.....................

المراجع:

Bachelard, G. (1957). La poétique de l’espace. F.

Genette, G. (1972). Figures III. Seeuil.

Hamon, P. (1977). Pour un statut sémiologique du personnage. Poétique. Todorov, T. (1969)Grammaire du Décaméron.

وكَشْفُها للمُعَوِّقات والمَخاطر التي هدّدَت وتُهدّدُ تلاحمَ وتطوّرَ مجتمعنا الفلسطيني

"الفراديس الملغومة" رواية الكاتبة نسب أديب حسين الصادرة حديثا عن "دار طباق للنشر والتوزيع" رام الله 2026

الزمن: من 5.3.2017 حتى 7.12.2017

المكان: مدينة القدس العربية ومدن وقرى عربية في الضفة الغربية وداخل حدود 1948.

الفراديس جمع فِرْدَوْس وهي الجنّة (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (المؤمنون 11). وأرض فلسطين هي جنّة الله على الأرض فيها عاش الأنبياء والرّسل، وفي القدس قبر المسيح ومَسْرى الرسول.

لكن الكاتبة لم تجد الرّاحة والأمان في جنّة الله على الأرض وإنما الاضطراب والقلق والصّراع والظلم، وكأنّ ما قُدِّر لسكان هذه البلاد التي عُرِفَت:

 بــــــــ "بلد السّلام" أن لا يعيشوا بهدوء وسلام، وإنّما في خوف وترقّب للأسوأ الآتي.

وببلد الأنبياء وموطن الرسالات السّماوية ومَبْعثها، فكانوا سببَ الخلافات والصّراعات والحروب الدّامية.

وببلاد الخيرات والعسَل والحليب فكانت بلد النّزاعات وسَفك الدّماء.

صحيح يعيشون في فراديس الرّب التي يحسدُنا عليها الآخرون، ولكنّها فَراديس ملغومة قد تنفجر في كل لحظة.

"الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، بشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المفردات ورسم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائي والمَلحمي، يتقاسم الأدوار فيه العديد من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية.

عدد الشخصيّات الفاعلة إحدى عشرة شخصية في السنة الأخيرة من دراستهم الجامعية، سبع طالبات وأربعة طلاب إضافة إلى كمال طالب جامعة وجورج الدليل السياحي من القدس وعمّار الصحفي من غزة.

توزيع الشخصيات حسب أماكن سكناهم وانتمائهم الديني:

جوليا: من قرية إقرث المُهجّرة، تسكن في قرية الرامة - مسيحية كاثوليكية

 رَنْد: من قرية كفر ياسيف – درزية

عائشة: من مدينة باقة الغربية – مسلمة

ريماس: تسكن في مدينة حيفا – مسلمة

محمد: يسكن في قرية بدوية غير معترف بها – مسلم

ريم: لاجئة تسكن في مخيم الأمعري – مسلمة

ياسين: يسكن في مدينة الخليل - مسلم

حمزة: يسكن في مدينة طول كرم – مسلم

قيس: صاحب مكتبة في القدس، يسكن في شقة مستأجرة في كفر عقب – مسلم

سُلاف: تسكن في منطقة سلوان في القدس – مسلمة

جورج: دليل سياحي من القدس – مسيحي روم أورثوذكس

عمّار: صحفي من غزة - مسلم

كمال: من بيت جن طالب جامعي – درزي

ينقسمون إلى ستة من عرب الداخل وأربعة من الضفة الغربية وواحد من القدس وواحدة من سلوان (محاذاة القدس) وواحد من غزة.

وكان المطلوب جمع عشرة طلاب من عرب 1948 يدرسون في الجامعة العبرية في القدس وعشرة طلاب من جامعة القدس العربية وأبو ديس في لقاءات مشتركة تعمل عليه طالبة دكتوراة في العلوم الاجتماعية في جامعة لندن تدعى سائدة، حضرت إلى الوطن لمدة شهرين في سبيل العمل المَيداني لإجراء مقابلات وجمع استبيانات عن تأثير الجدار الذي أقامته السلطات الإسرائيلية لفصل الضفة الغربية عن أراضي 1948 على نفسيّات الشباب، والاحتلال على هويّة الشباب الفلسطيني، كما أنّها ستفحص تأثيرات تَعارف الطلاب على بعضهم البعض، وإن كان سيُؤدّي إلى علاقات بينهم، وسيُؤثر على نظرة الواحد للآخر.

التّوزيع كان على خمسة فصول واثنين وخمسين مشهدا، والمشهد الثالث والخمسون كان لدُرّة الأمكنة مدينة القدس. كلّ فصل بمشاهده يَحكي مرحلة مهمّة من حياة الشخصيات.

في الفصل الأول

كان التّعارف بين الجميع في مناسبات وصُدَف واجتماعات مختلفة، خاصّة في اللقاء الأوّل في رام الله الذي ضمّ الجميع، كلّ واحد أسهب في الحديث وتعريف الآخرين بنفسه، وحدثت تفاهمات واستلطافات، وحتى بداية بوادر علاقات حبّ بين البعض.

في الفصل الثاني

توطّدت العلاقات بين البعض: جوليا وجورج، عائشة وحمزة، محمد وسلاف، وزاد تعلّق ياسين بريم. ولكن بعض المشاكل بدأت تطفو وتُعكِّر العلاقة والجوّ العام عند البعض مثل مشكلة قيس وزوجته، وانفصال رند عن خطيبها.

في الفصل الثالث

قَويَت العلاقات بين المجموعة كلّها، ولكن ظهرت بعض المُنغّصات مثل طلاق قيس من زوجته، وكشف محمد عن إصابته بمرض كرون الخطير.

في الفصل الرابع

تتأزم الأجواء السياسية في القدس بسبب إعلان الرئيس الأمريكي رونالد ترامب قراره بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس منتصف شهر أيار 2017، ويزيد توتّر العلاقات بين أفراد المجموعة على أثر مقتل شرطيين من أبناء الطائفة الدرزية في باحة المسجد الأقصى على يد شابين من أم الفحم، ومشاركة بعض الشخصيات العربية في تشييعهما، وتُلقي بتأثيراتها على بعض من أفراد المجموعة، كما ويعود الحديث عن تجَنّد الدروز والبدو في الجيش الإسرائيلي، ويشعر محمد البدوي بالضيق والحَرَج في حواره مع أصدقاء له، وتتضايق رند كثيرا مع اقتراب سفرها للولايات المتحدة. وبالفعل تسافر وتترك البلاد.

في الفصل الخامس

تتطوّر الأحداث بشكل سلبي وخطير، محمد يخسر في المحكمة ويصدر القرار بمصادرة أرضهم، فيشعر بانتهاء حلمه ببيت وحياة جميلة تمنّاها، فيعتزل الناس والحياة ويختار حياته مع قطيع الماعز. حمزة يُقتل على يد مستوطن وهو عائد بسيارته إلى بيته في طول كرم فتحزن عائشة وتعتزل أهل بيتها ثم تقرر العودة إلى القدس لفترة التمرين. رند تقطع علاقتها بماهر، صديقها اللبناني في الولايات المتحدة لاختلافهما في المفاهيم والتّقاليد والسّلوكيات. وتُتابع دراستها في الجامعة لنيل اللقب الثاني، ولكنّها تظلّ على تواصل مع زميلاتها وزملائها من الجامعة في القدس.

تميّز "الفراديس الملغومة"

ما ميّز الروايات الفلسطينية، سواء التي صدرت في الخارج أم في الضفة الغربية وغزة أو لدى عرب الداخل 1948 أنّها تناولت مشاكل وهموم وطموحات وانتكاسات وطَرْد وتشريد وظلم ومُعاناة واستغلال ومُلاحقات كانت من نصيب الفلسطيني أينما وُجِد. وفي "الفراديس الملغومة" تعمل الكاتبة نسب حسين على تقديم صورة بانورامية للمآسي والمَظالم والمشاكل التي تُواجه الإنسان الفلسطيني في حياته العامّة، ومواجهته للمُحتل الإسرائيلي ومُضايقاته، وكذلك المشاكل والصّراعات والخلافات التي تُفَتِّت المجتمع الفلسطيني على المُستويَين الخاصّ والعام بإثارة الخلافات السياسية والثقافيّة والاجتماعية والدينية والطبقية التي تُذكي الحساسيّات وتُؤدّي لتمزيق أواصر العلاقة بين أبناء الشعب الواحد.

ولهذا اهتمت الكاتبة أنْ تكون شخصياتُها من الطبقة المتعلمة، طلاب جامعة في سنة دراستهم الأخيرة، جمعتهم مدينة القدس، مُوزّعين على مناطق مُتباعدة من البلاد، وينتمون لمعتقدات دينيّة ولمَفاهيم اجتماعية مختلفة. وهذا كلّه ضمن ظروف الاحتلال والمُواجهات اليومية.

قد تبدو بعض الاختلافات بسيطة، ولكنها سرعان ما تكشف عن تراكمات عميقة ومُتجذّرة في النّفسيّات ممّا تجعلها قابلة للتّفجّر والتّدمير وتجاهل كلّ أواصر القُرْبى والتّقارب والحياة المشتركة والمصير الواحد.

الاختلاف الطبقي

كان من مُخلَّفات نكبة عام 1948، إضافة إلى طَرْد وتشريد مُعظم الشعب الفلسطيني، أنْ قامت السلطاتُ الإسرائيليّة بتهجير ونَقْل سكان العشرات من القرى العربية التي بقي سكانها ضمن حدود دولة إسرائيل إلى قرى أخرى ليعيشوا لاجئين في وطنهم، ممّا كان يُثيرُ الكثيرَ من الحَساسيّات، وأحيانا الصّدامات بين سكان هذه القرى والمُهجَّرين إليها. ويتحمّل أبناء القرى المُهَّجَرة قسوةَ تعامل أبناء القرى الأصلانيين وتَعاليهم عليهم والنظر إليهم كلاجئين يفتقدون لكلّ الحقوق، فجوليا تقول:

-أنا من قرية "إقرث" الواقعة على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وقد هُجِّر أجدادي منها إلى قرية "الرامة" وتمّ تفجير بيوت القرية عام 1952 وبقيت الكنيسة والمقبرة فقط، ويُسمَحُ لنا بالعودة أمواتا لنُدْفَن هناك. ورغم أنّني ووالداي وُلدنا في الرامة لكننا نشعر أحيانا بتعامل يُشعرنا أننا لسنا من سكان القرية الأصليين، ولا أُنكر أننا نسعى في كل حين للتأكيد أننا من "إقرث" لئلّا ننسى حقَّنا" (ص54)

-وهذا التّباعد من سكان القرى الأصلانيين كان يؤدّي إلى رفض إقامة العلاقات الاجتماعية أو التزاوج مع أبناء القرى المهجّرة، ولا يختلف عن تعامل أبناء العائلات بترفّع وتَعالٍ مع أبناء العائلات الفقيرة من الفلاحين والناس العاديين.

فأم ياسين رفضت زواج ابنتها من شاب من عرب النّعيم تعرّفت عليه في الجامعة، والسبب أنّه فلاح ليس من مستواهم الاجتماعي. وعندما سألها ياسين مُظهرا موافقته على هذا الزواج جحظت عينا أمه وهي تقول له بحدّة:

-"هل توافق أن تزوِّج شقيقتك لفلاح؟" وتابعت بغضب:

-فلاحوش دين مالْهُمْش، وبيتك تْدَخِّلْوهمْش، وبنتَك تَعطيهُمش. أتُريد أنْ تَسْخر عمّاتُك وخالتُك منّا كلّ العمر؟ أخبرتُك كي تأتي وتُقْنعها للعُدول عن رأيها، قبل أنْ يصل الخبر والدك ويكون ردّه قاسيا عليها. هذه الزّيجة لن تتمّ". (ص41/42)

وسمع ياسين صوت والده، واستعدّ لمُواجهة معركة جديدة، معركة عدم تقبّلنا لبعضنا، وأفكارنا المُسبقة عن بعض. وتساءل:

-تُرى لو ابتسم لي القدر ووقعنا أنا وريم في الهوى هل سيتحتّم عليَّ مواجهة ذات المعركة؟ هل من الأفضل أن أسألهم الآن إنْ كان مسموحا أنْ أرتبط بفتاة من مخيّم إذا حدث ووقعنا في الحبّ؟ كي أعرف كيف أوجّه مشاعري؟

وتابع بألم: ياه هذا سبب آخر للرّحيل من هذه البلد، إذا كان البيض الذين استعبَدوا الأفارقة، صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألم يحن الوقت أنْ نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45)

ولم يقتصر تَعال ونُفور ورفْض البعض من أبناء العائلات من عرب 1948 تجاه أبناء القرى الأخرى الذين لجأوا أو رُحِّلوا إلى هذه القرية أو تلك عام النكبة، بل تعدّاه إلى سكان الضفة الغربية، وقطاع غزّة، والجولان السوري. فعائشة ابنة "باقة الغربية" رفض والدُها زواجها من حمزة المُقيم في "طول كرم" بحجّة أنّ التّواصل ما بين باقة الغربية وطول كرم سيكون صعبا وقد ينقطع كليا، وحمزة نفسه كان متردّدا في علاقته

بعائشة ويسأل نفسه:

-هل سيقبل والداها أن ترتبط بضفّاوي تتحكّم الحواجز بكل تحرّك لهما. وهل سنستطيع أن نعيش معا براحة وهدوء بال؟ (ص151)

وحتى صديقه ياسين ابن مدينة "الخليل" سأله مُستغربا عندما أخبره بحبه لعائشة:

-عائشة الصبيّة المُتدينة بجلباب؟ لكنّها من عرب إسرائيل؟ وهذه العبارة التي ستقولها لك أمّك حين تصدمها ذات يوم بأنّك ترغب في الزواج بفتاة من الداخل(ص151/152)

كذلك سلاف ابنة " سلوان - القدس" سألت عائشة:

- ماذا عن أهلك؟ هل سيوافقون أن ترتبطي بشاب من الضفّة؟ أما أنا فوالدي كان سيتخوّف ويُفكر أكثر في الموضوع لو أخبرته أني سأتزوّج من الضفة. (ص255)

وعائشة تسأل نفسها بعد مرور ستة أيام على قَتْل المُستوطن لحبيبها حمزة ورفض والدها زواجها منه:

-أعود للتفكير بأبي وكلّ ما حصل، هل يُعقل أن يصير مُتفهِّما بعد أن مات حمزة؟ أن يعتذر، ويمنع دموعه، ويطلب أنْ أسامحه؟ هل أستطيع أنْ أسامحه؟ لا! لستُ قادرة الآن، أنا أَغْلي غضبا وحزنا، ولولا المُهدّئات التي أتناولها منذ ذلك اليوم، ربّما لجُننتُ. حتى الله، الذي أصلّي لأجله الآن، لا أفهمه، لماذا فعل هذا أبي؟ لماذا لم يكشف المَخفي لأبي، ليوافق على زواجي بحمزة قبل أن يموت، بل لماذا مات حمزة؟ (358-359).

ومثل عائشة كثيرات من الفتيات في كثير من القرى العربية في الجليل والمثلث اللاتي أحبَبن شبابا من القرى التي هُجِّر سُكانها وسَكنوا في قراهن، رفض أهلهن زواجَهن من هؤلاء الشباب بحجّة أنه غريب، وقد يعود إلى بلدته. ويكون السبب الحقيقي أنهم ينظرون إليه من عَلٍ، وكأنه وأهله لاجئون فقراء مساكين ليسوا في المستوى الاجتماعي المطلوب.

الاختلاف الديني

وقد سبّب الاختلاف الديني الكثير من الحروب على مرّ التاريخ، وأهمّها الحروب الصليبيّة التي دفعت لها الحاجيّات الاقتصادية والطّمع بثروات وأسواق الشعوب، ولكنها تخفّت مُتزيّنة بشعار "إنقاذ قبر المسيح من الكُفّار". ومحاكم التفتيش في أوروبا، والحرب بين البروتستانت والكاثوليك في إنكلترا. والنّزاعات الطائفية والدينية، وما كانت ولا تزال تجلبه من مجازر ومآس وتدمير وتهجير وسَلب، وما شهدناه في سنوات الربيع العربي وما فعلته المنظماتُ الدينية المُتشدّدة مثل "القاعدة وداعش والنّصرة" ولا تزال في بلادنا العربية خاصّة سوريا والعراق والسودان.

نجد هذا الموقف المُتشدّد من جوليا المسيحيّة الكاثوليكية المُهجََّرَة من قريتها "إقرث" إلى قرية "الرامة" حيث تُقيم الآن، التي اشترطت على خطيبها جورج المسيحي الروم أرثوذكسي ابن مدينة القدس أنّ مَراسيم الزواج يجب أن تكون في كنيسة إقرث. وكادت جوليا تقطع علاقتها بجورج يوم حاول اقناعها بإجراء مراسيم الزواج في القدس في زواج أورثوذكسي نزولا عند رغبة أمّه. "فبينما كانا يسيران في جولة ممتعة في القدس مقابل قبّة الصّخرة سألها متظاهرا بالبراءة:

- هل ستقبلين أن يكون عرسُنا هنا والكنائس هنا جميلة؟

حاولتْ أنْ تفهم قصدَه وسألتُه:

-هل تقصد بأنّك تريد أنْ نُقيم الإكليل هنا وليس في إقرث؟

وأبعدَت ذراعَه وجسَدَه عنها، ووقفت وقالت بصوت مخنوق، إنّها تريد العودة للبيت. حاول التّراجع بدهاء. وتابعت قولها:

-جملتك هذه تدلّ أنّك بعيدٌ عنّي.. أبعد ممّا كنتُ أتصوّر بكثير!

 وبدأت بالسير مُبتعدة. حاول تهدئتها طالبا منها المُناقشة في الموضوع، فقالت:

-الموضوع ليس للنقاش. أخبرتك منذ بداية علاقتنا أنّ هذا الأمر شرط أساسي بالنسبة لي. ولن أكون مستعدّة لأيّ تنازل في هذا الشأن. وإنْ كان غير مقبول عليك فلنفترق من البداية. وأنت وافقتَ وقلتَ ليس لديك مشكلة. هل تتذكّر ما قلتَ عن الدين والأديان وقتها؟ ما الذي حصل الآن ليعود لك الانتماء الأورثوذكسي فجأة؟ فأجابها:

-ليس عندي، وإنّما عند والدتي.

وقالت له عندما وصلا لمكان سَكَنها:

-التسوية لن تجدها عندي.. ابحثها مع أمّك، وإنْ تعسّر الأمر أخبرني، كي أسوّيه نهائيّا.

 وهذا ذكّرني بما كُنّا نسمعه من أهالينا في قرية "الرامة" وغيرها ما كان يُردِّدُه بعضُ المُتَعصّبين من الكاثوليك: "زَوِّجْ بِنْتَك للدّرزي ولا تْزَوِّجْها للرّومي"

وعائشة تعترف بصعوبة تقبّلها السّكن مع شريكات من أديان أخرى في مساكن الطلبة في القدس في الأشهر الأولى لدراستها في الجامعة والسبب أنّها عاشت في بيئة دينيّة محافظة في بلدتها باقة الغربية ولم تختلط مع أديان أو توجّهات أخرى. (ص59)

الخلاف على الانتماء والهويّة، والتَّخوين ورَفْض الآخر

وهذه القضيّة تُعتَبر من القضايا المهمّة التي شغلت جماهيرَنا العربية هنا في الدّاخل وحتى العربية عامّة. وأعني الخلاف على هوية أبناء الطائفة الدرزية وانتمائهم القومي وتجنّدهم في الجيش الإسرائيلي بفرض قانون التجنيد الإجباري عليهم من قبل الحكومة الإسرائيلية عام 1956. وتكفيرهم بتهمة الارتداد عن الإسلام، وكانت فتوى محمد بن تيمية (1263-1328) هي الأقسى والمُؤثّرة والمُنتشرة بين عموم المسلمين السُّنّة.

هذا النّفور والرّفض والتّخوين والتَّكفير لاحق الدروز ولا يزال، وساعد على الجَفاء وحتى ضعف التّواصل والتّعاون، واستغلّته الحكومات الإسرائيلية وشجَّعته بسياسة "فرّق تسد" التي انتهجتها في تعاملها مع الجماهير العربية، كما ساعد عليه أيضا تجاهلُ القيادات العربية والطبقاتُ الثقافية والمتعلمة في الدّاخل، والحكوماتُ العربية، والأحداثُ المؤسفة التي حدثت في العالم العربي وظهورُ الفئات المتطرّفة مثل "القاعدة وداعش والنُّصرة".

رَنْد الفتاة الدرزية ابنة قرية "كفر ياسيف" عانت من صغرها من طلاق والديها واحتضان جدّها لأمها لهم. فنشأت كباقي فتيات العائلة تلتزم بالعادات والتقاليد والمفاهيم الدينية وخُطبَت لماجد، جندي في حرَس الحدود يعمل في القدس. التحاق رند بالجامعة العبرية في القدس، وزمالتها وتعرّفها وسَكَنها مع طالبات وطلاب عرب، والتعرّف على سكان القدس العرب والارتباط بصَداقات، جعلها تنكشف على أفكار ومَفاهيم وعادات غير التي تَعوّدتها في أسرتها وبلدتها. ومع المدّة بدأت تشعر بانتمائها الثقافي والقومي لهؤلاء الناس حتى أصبح انتماؤها الفلسطيني والعربي هو الغالب عليها مع تمسّكها بمُعتقدها الديني كدرزية مُؤمنة ومُلتزمة. وهذا الوعي والانتماء بدأ يُبعدها عن خطيبها ويؤكِّدُ لها استحالةَ الحياة معه لكونه جنديّا يحمل أفكارا لا تقبلُها ولا يمكنها التّعايشُ مع ما يُؤمن ويعمل به.

واجهت رند في بداية دراستها الجامعية وسَكنها في مَساكن الطلبة بعضَ النّفور من بعض الزميلات والمَعارف العرب، وفي سفرها مع الزميلات للقاء المُخَطّط له مع طلاب من الضفة في رام الله كانت قلقة وتسأل نفسَها " لا أعلم كيف ستتَقَبَّلني الشابات والشبّان من الضّفة؟ قد يكون بعضُهم يلتقي للمرّة الأولى بشخص درزي، قد يحملون الكثير من الأفكار المُسْبَقة السّلبية عنّا.. هل سأجدني في قاعة محاكمة ينهالون عليَّ بالاتّهامات والأسئلة؟ (ص46).

وترى أمامها على الجدار الفاصل المُحاذي لحاجز قلنديا لوحة عليها رسم الرئيس ياسر عرفات ومروان البرغوثي، وقد أعجبتها هذه اللوحة منذ زيارتها الأولى لرام الله، وأصبح حاجز قلنديا يرتبط بها. وخاطبت نفسها "أجدني أنظر إليهما وفي داخلي بعضُ الاعتذار، فقط منذ ثلاثة أعوام بدأت أفهم أنَّ هذين الشخصين ليسا عَدُوَّين، وأرى الوجهَ الآخر لهما وللفلسطينيين، شعور غريب بالضّيق يُداخلني كلّما فكّرتُ في هذا" (ص46-47) وتذكّرت مقولة ريماس لها:

-عندما تكفّين عن الشعور أنك غريبة وغير منتمية لمجموعة ما، فلن تبقي كذلك! وحاولتْ أن تتناسى الحواجز النّفسيّة التي بينها وبينهم، وأن تنظر للقاء على أنّه لقاء عادي.

تدريجيّا قلّ توتّرها كلّما ازداد عدد الحضور، وشعرتْ بأجواء إيجابيّة ومُريحة بين الجميع، بدت على وجوههم الطيّبة. (ص48)

وبعد الجلوس بشكل دائري استعدادا لبداية اللقاء خفق قلب رند بشدّة وتخيّلت النظرات التي ستنصبّ عليها إن عرفوا أنّها درزيّة؟ (ص49) لكن وجود طالب جامعة درزي من قرية بيت جن اسمه كمال خفّف عنها الثّقل وأثار الكثير من الرّاحة والطمأنينة في داخلها. وقد عرّف كمال بنفسه، وأنه رفض الخدمة الاجبارية في الجيش الإسرائيلي، ولوحق وسُجن، وتحدّث عن "لجنة المبادرة الدرزية" المُعارضة لتَجَنُّد الشباب الدروز في الجيش ونشاط والده فيها.

وعندما طُلب من رند أن تُعرِّف على نفسها فاجأت الجميع بجرأتها في حديثها عن أسرتها وعيشها في بيت جدّها لأمّها بعد طلاق والديها، وكيف كانت الأسرة تشعر بانتماء أكبر لإسرائيل واثنين من أخوالها يعملان في الشرطة الإسرائيلية، وأن ابن عمّ أمها قُتل في حرب لبنان عام 1982 وخطيبها جندي في حرس الحدود. (ص53)

وكانت صدمة حمزة عندما بدأ ياسين ابن مدينة الخليل باستعراض قصّة رند ليس لكونها درزية، بل أنّ خطيبها السّابق كان جنديا وقد يكون قد قتل أحد أبناء شعبه، وأنَّ المتحدّث عنها هو ياسين الذي تعرّض إلى مواجهة مع جندي درزي صفَعَه صَفْعة قويّة أسقطته أرضا وجعلته ينقُم على الدروز. وعندما انتهى ياسين من الكلام عن رند كانت الصدمة ظاهرة على الجميع من التّحوّل الذي حصل في هويّة رند بعد تعرّفها على الصبايا في السّكن. ومن سؤال طالب اسمه يزيد: - اعذروني، لكني لا أفهم لماذا لدى الدروز هذا الانتماء لإسرائيل؟

وكان جواب الطالب كمال من بيت جن الواضح" لماذا تُعمّمُ؟ ها أنا نموذج للرّفض أمامك هنا. التجنيد فُرض علينا عام 1956، بقبول من 16 شخصيّة مُتعاونة، فيما وُقِّعَت عريضة من قبل 1500 من الطائفة يرفضونه، ولم ينجحوا لأنها كانت سياسات مُعدّة من أجل تفريقنا، رافقتها سياسات كثيرة متتالية. كانت سياسات مُعَدّة من أجل تفريقنا. كان عدد الدروز عام 1956 حوالي 16 ألف نسمة وبالكاد كان من أبنائها في الخمسينات عشرة طلاب جامعيين، وأبناء الطوائف العربية الأخرى والحزب الشيوعي لم يمدّوا يدا مساندة ضدّ أسرلتها.

 وهنا تدخل حمزة مُوجِّها كلامَه لرند:

-كل الاحترام يا أختي، وأهلا وسهلا بك بيننا. أنا سعيد جدا أنك حظيت بالفرصة لتُدركي هويّتك، وسعَيْتِ إليها رغم الثمن الذي أظنّه لم يكن سهلا عليك. (ص61)

كان من نتيجة التّحوّل في هويّة رند وشعورها القويّ بانتمائها الفلسطيني والعربي أن قرّرت الانفصال عن خطيبها جندي حرس الحدود، والاختلاف مع ابن خالها الذي تنازل عن حلمه بالدراسة الجامعية واختار البقاء في الجيش لما يضمن له من دَخْل ماديّ عال وتقاعد مُبكّر وكثير من المُغريات. وعندما اتهمته بأنه بكونه جنديّا سيظلم أبناء شعبه ويجلب العار والسُّمعة السيئة للطائفة، دافع عن نفسه بقوله:

-أنا لا أظلم أحدا، ولم أطلق رصاصة واحدة على أحد، بل على العكس أساعد عندما أستطيع هذا.

وازدادت حدّة العداء للدروز على أثر مقتل شرطيين درزيين عند أحد مداخل المسجد الأقصى على يد ثلاثة شباب من أم الفحم هم قُتِلوا أيضا. حتى أنّ رند بدأت تلاحظ تغيّرا في تصرّف بعض الزميلات بقولهن: هي جماعتك عملوا هيك. (ص260) فهن يشملن الجميع، وبدأت رند تخاف الدخول إلى القدس لاكتشاف أحد أنّها درزية فيُعْتَدى عليها. وتتذكر يوم كانت في رحلة مع مجموعتها من الزميلات والزملاء في مدينة نابلس وفقدت الاتصال بهم ولم تهتد إليهم وفكّرت بأن تذهب إلى بقالة قريبة لطلب المساعدة، ثم توقّفت وتساءلت:

-لكن ماذا لو.. عرفوا من لهجتي أنّي درزية؟ كيف سيتعاملون معي؟ هل سيُحمّلونني وِزْرَ ما فعله الجنود الدروز؟

وكبر خوفها وقرأت الفاتحة لتهدأ، وأخذت تنادي نفسها:

-رند مِنْ أنتِ؟ هل أنتِ إسرائيلية أم فلسطينيّة؟ هيّا قولي لي مِنْ أنتِ؟

وتُفكّر بتردّد: هل أنا فلسطينيّة؟ هل حقًّا أشعر بهذا؟ ألستُ هنا بين أبناء شعبي؟ ألستُ أشعر بالرّاحة والسّعادة كلّما تعرّفتُ على مزيد من الأصدقاء من الضفّة الغربية؟ إذا ما الذي يُقلقني؟ (ص226)

وتلتقي رند بمحمد بعد ابتعاده عن صلاح في طريقه إلى الصيدلية لشراء الدواء، تبادلا الحديث حول الأوضاع وما دار بينه وبين صلاح من جدال، ثم قالت رند لمحمد عمّا بدأت تشعر به من تصرّف بعض الزميلات على أثر أحداث الأقصى ومَقْتل الشرطيين:

-الإسرائيليون وضعوا علم الدروز على بلدية نتانيا وغيرها من البلديات، ولا يدّخرون طريقة ليُظهروا كم يُحبّون الدروز ولا تسأل عن الفتنة عندنا. وما يتداولون على وسائل التّواصل. وفي زيارتي الأخيرة للبيت رأيت ولمستُ شعورَ الدروز أنّهم مظلومون، ويعتقدون أنّ شباب أم الفحم جاءوا ليقتلوا شرطيين درزيين يقفان لحماية الأقصى. تصوّر يا محمد أنّهم يفكرون هكذا. ويعتبرون أنّ الشرطيين يقومان بعملهما بسلام ويحرسان المكان. وقالت لمحمد إنّ الصبايا يفكّرون بالتّوجّه اليوم إلى البلدة القديمة للرباط هناك، وحضور صلاة المغرب، وأنّها تخشى إنْ رافقتهن وسمع أحد هناك من أهل القدس أنها درزية أن تتعرّض لاعتداء.

فطمأنها محمد: ما هذا الكلام يا رند؟ سأذهب معكن لا تقلقي وسأخبر قيس ليكون بانتظارنا. (ص261).

وتذكر رند ساعة كانت تجلس مع زميلاتها قُرب باب الأسباط في موقع الرّباط فترة هبة البوّابات في القدس، ومرّ شرطيّان فسمعت صديقة زميلتها سلاف تهمس: درزي! فنبّهتها سلاف: بالمناسبة رند درزية، وها هي معنا.. فسارعت صديقتها لتعتذر: أنا آسفة لا أقصد. وقالت لها رند: هذان الشرطيان ليسا درزيين. فأجابتها: لكنّ أحدهما أشقر ويبدو درزيّا! فابتسمت رند ساخرة وقالت:

-ومَن قال إنّ كل الدروز شُقر؟ المعظم ليسوا كذلك. وليس كل مَنْ تحدّث العربية من الشرطة والجنود درزيّا. هناك من جميع الطوائف وهناك مستعربين من اليهود. فردّت صديقة سلاف:

-أنا آسفة، لكثرة ما تعرّضنا من مواقف في القدس، صرنا نقول تلقائيّا عن كل جندي عربي إنه درزي، وخاصّة الآن مع توتّر الوضع. (ص271)

ويروي قيس قصة علاقته بالضابط الدرزي الذي كان يُنبههم ليكونوا على حذر قبل وقوع أي حدث، فكان يقترب منه ويقول له: ابعد بدنا نضرب. (ص268).

ولم يسلم البدو من تُهمة الخيانة

وكما الدروز لم يسلم البدو من تهمة الخيانة بسبب خدمتهم في الجيش تطوّعا. فعندما اشتدّ العداء للدروز على أثر مقتل الشرطيين الدرزيين على يد ثلاثة شباب من أم الفحم قُتلوا هم أيضا قال صلاح بحدّة:

-الدروز خَوَن. فأجابه محمد:

-لا تُعمّم ليس موقف الدروز واحدا، هناك دروز وطنيون وشخصيات معروفة، وشبّان يرفضون الخدمة في الجيش ويعانون الأمرّين من كل ما يحصل.

فكان جواب صلاح قاسيا: أعذرني يا محمد، لكن لا أستغرب أن تتحدّث عن الدروز وتُدافع عنهم لأنك بدويّ، فالكثير من البدو في الجيش، كلاكما في نفس الوضع. تصوّر يوم أمس عندما أذّن المؤذن للصلاة، وإذا بنا نرى جنديّا يصلي على مسافة غير بعيدة منّا، وكان بدويّا من النقب.

وتذكّر محمد عندما كان في جولة مع المجموعة داخل أسوار القدس كيف رأى قريبا من باب الأسباط جنديّا يُصلي، وكيف أشار نحوه وقال لقيس وجورج ومصعب: أنظروا ماذا أرى؟ هل فاتته صلاة العصر؟ فيُصلّيها الآن ونحن نُشارف على المغرب؟ فقال قيس مُعقِّبا: هذا الجندي الإسرائيلي من بدو الجنوب من بئر السبع، وأحيانا تكون له الفرصة بأن يصلّي في ذات وقت الصلاة إنْ لم يكن مشغولا بمراقبتنا. ألم أقل لك إنّ البلد مفصومة؟ (ص269).

واستاء محمد من كلام صلاح الذي استمرّ قائلا: مُعظم توجّه البدو متعاون مع الدولة ويتبرّعون للخدمة بالجيش، بينما الدروز الخدمة إجباريّة، والمصيبة مع البدو أنّهم مسلمون سنيّون، أي أنّ الشّعور أسوأ تجاه هذا التّصادم. 

أثاره صلاح بكلامه لكنّه تماسك وقال له:

-هل تعلم حضرتك كيف تقوم الدولة اليوم بالضحك على شباب البدو واستمالتهم؟ وكيف عملت على غسل عقولهم هم والدروز في المدارس واستغلال كل فرصة ممكنة؟ أين باقي المسلمين من كلّ هذا؟ لماذا لم يقوموا بعمل مناهض للتوعية ومُساندة الوطنيين من الأقليّات في نضالهم؟ أتعلم لماذا؟ لأنّ معظمنا يعيش لترقّب أخطاء الآخر، وحين يقع الخطأ تصدح الأصوات بالتذنيب والتّخوين؟ ها هي ظاهرة الخدمة الوطنيّة تستقطب الفتيات العربيات على اختلاف الديانات، وتنتشر دون أصوات رادعة، سنرى في المستقبل ماذا سيقول أمثالك عندما تتحوّل إلى ظاهرة؟ ولماذا اختار شباب مدينة أم الفحم القيام بالعملية أمام باب المسجد، وإقحام المسجد في مسألة خطيرة كهذه؟ أنت وأمثالك جالسون لبيع كلام عاطفي دون التفكير العقلاني والتّصرّف حسبه، هل تعلم أنّ كلّ هذا الحديث فقط يؤدّي لزرع الفتنة بيننا. (ص258-259).

والتقى محمد عند زيارته لقريته بسالم ابن عمّته الجندي في الجيش الذي فاتحه بالكلام: عَمْ بَفَكّر أمضي "كيباع" مع الجيش. وهناك وعد بالحصول على قسائم بناء للجنود.

فعلّق محمد: مهما فعلتَ ستبقى في نظرهم عربيا، أدنى منهم.

فأجابه سالم: يعني هم العرب بحترمونا كثير؟ بدك تقولي ما بتحسّ إنهم بنظرولنا إحْنا البدو أقلّ قيمة منهم. أصلا لمّا واحد فيهم بحاول يقلّل بقيمة الثاني بقول له "يا بدوي".

فقال محمد: أنت فخور إنّك بدوي، ما بهمّك حَدا مِن هالنَّوْعيّات المريضة اللي بتحكي هيك، بعدين عم بتحكي هُمّي، ما كلنا عرب، يعني إحنا أجانب؟

فأجابه سالم: بس إحنا قوميّتنا بدو، والتّعامل معنا غير عنهم، وين عايش أنت؟

فقال محمد بتحدّ: ومين حَدّد القوميّة وكتبها بهوياتنا؟ يعني حضرتك بدوي وبطّلت عربي، والدرزي درزي وبطّل عربي؟ والإسلام والمسيحيّة هُمّي العرب، هاي غير إنّه في دعاية كمان إنّه المسيحيين آراميين ومش عرب، آه! معناه بس المسلمين السّنّة بالبلد هم العرب، طيّب شو دينّا إحنا، مش مسلمين سُنّة يعني؟ (ص209-211).

مفهوم الوطن والصّراع على البيت والأرض

منذ تفجّر الصّراع على الوطن بين اليهود والعرب اجتهد زعماء الحركة الصهيونية في تأكيد حقّ اليهود بفلسطين اعتمادا على وعد الله لهم في العهد القديم "التوراة". ورغم تحقيق اليهود لحلمهم بإقامة الدولة واعتراف دول العالم بها وتهجير معظم الفلسطينيين خارج الوطن، وقسم كبير من الباقين هُجّروا إلى قرى أخرى، ودُمّرت قراهم وصودرت أرضهم. وأنّ الكثير من القرى العربية، وخاصة البدوية لم يُعترَف بها فحُرمت من كل الحقوق التي تُؤَمّن للإنسان الظروف المَعيشية اللازمة.  الّا أنّ الصّراع يزداد حدّة بتمسك الفلسطيني بحقّه في وطنه وبيته ممّا يجعل المُواجهة لا تهدأ ووصلت أوجَها في مُواجهات يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976.

قوانين عديدة صدرت وطُبِّقَت منذ قيام الدولة مثل قانون "الحاضر الغائب" وقانون "تركيز الأراضي" تَحرم العربي من أرضه أو تُقاسمه عليها بمختلف الحجج. فمحمد البدوي الذي يسكن قرية غير مُعتَرف بها يُعاني من ظروف المعيشة البائسة، حيث لا تحظى بلدته بأي مساعدات حكومية، ويُمنع السكان من القيام بأيّ تصليحات ونشاطات لتوفير حياة أفضل للسكان، حتى أنّ الكثير من الشباب يفكّرون بترك البلدة والهجرة. ومحمد ينتظر قرار المحكمة بخصوص قطعة الأرض التي يملكها ويُسمّيها "الجنة" وتدّعي الدولة بأحقيّتها بها، ويربط كل مستقبله وحياته بقرار المحكمة حتى إذا صدر القرار بملكية الدولة للأرض انهار محمد:

-"أشعر بأني أختنق.. بل مُقَيَّد.. بل أشعر أني سأنفجر. جنّتي لم تعُد لي. أنظر إلى كلّ شيء حولي ولا أصدّق.. أنّ الأرض لم تعُد لي. سأجن.. سأنفجر.. منذ يومين لم أنطق بأيّ كلمة.. لا أنجح حتى في البكاء. "(ص327) فقدتُ كلّ شيء مع فقد الأرض، ماضي ومستقبلي، رحل ما تبقّى من أحلامي. وماذا تبقى منّي بهذا الجسد المريض؟ ما فائدة الحياة؟ لماذا عليَّ أن أستمر وأعيش؟ أستجمع أنفاسي وأصرخ بكل قوتي: لماذا نسيتني يا الله؟" (ص329)

واعتزلَ الحياة والناس وقطعَ علاقتَه بسلاف:

-"منذ فقدتُ الأرض وانفصلتُ عن سلاف، لا أحمل جوّالا، وبلا تواصل مع العالم الخارجي. إلّا في ساعات المساء أعتني بالماشية، أعزف لها، وأحيانا تمرّ أكثر من ساعتين وأنا مُستلق على الأرض أتأمّل السماء"" (ص376).

وكما محمد أيضا سُلاف ابنة "سلوان" في القدس فقدت نصف بيتها واحتلّ المستوطنون نصفَ غرف البيت وحتى غرفتها التي كانت تنام فيها بحجّة أن الدار يجب أن تُقسَم بين والد سلاف وأخيه، ولأن الأخ يعيش بعيدا عن الوطن فقانون "الحاضر الغائب، أملاك الغائبين" يُعطي ملكية نصيبه من البيت ومن كل ما تركه الأب بعد موته للدولة، وكل ذلك باسم القانون. وهكذا فقدت أسرة سلاف نصف بيتها وشاركتهم أسرة يهودية استوطنت نصف البيت". (ص62-63) و (ص102)  وتقول سلاف:

-عندنا هنا في القدس قصص المصادرة والهدم والاستيلاء يومية، فحي البستان في بلدي سلوان كلّها مُعرَّضة للمصادرة، ويعيش فيه نحو ألفي شخص ستُهدَم بيوتهم ويفقدون ذكرياتهم ويتشرّدون، وما سبب المصادرة؟ إقامة حديقة توراتيّة حيث كان الملك سليمان يتمشى وزوجته". (ص346).

وكثيرا ما كانت تجري عمليات غش من قبل سماسرة اشتروا أرضا للمستوطنين وطردوا أصحابها العرب منها (ص102). كما وصدرت عدّة أوامر هدم لبيوت غير مرخّصة في الداخل، أي ليس فقط في القدس. (ص263)

إشكاليّة مفهوم الوطن

أذكر ادّعاء أحد الكتّاب اليهود (لا أذكر اسمه) قبل سنوات بعيدة أنّ الشاعرة فدوى طوقان ترى في مدينة نابلس وطنها وليس في فلسطين كلّها، وحجّته أنها تتحدّث عن مدينتها نابلس فقط. بينما اليهودي يشعر ويعتبر كلّ البلاد وطنه، وأينما أقام فهو في وطنه، فإذا سكن سنوات في تل أبيب وانتقل إلى كريات شمونة مثلا، قد لا تُعجبه المعيشة فيها، ولكنّه يظلّ يشعر أنه في وطنه سواء كان في الجليل أو النقب أو المركز. بعكس العربي الذي ينحصر الوطن عنده في بلدته وحيّه.

أستعيد هذه المقولة بعد قراءتي لكلمات جوليا المُصرّة على عَقْد حفل إكليلها على جورج في بلدتها التي هجِّرت منها "إقرث" وليس في قرية "الرامة" حيث تُقيم وأسرتها فهي تقول مخاطبة زميلتها ريماس:

-مسألة موقع الإكليل ليست موضوعا للنقاش عندي، هي أملي الوحيد بالشعور بالانتماء والوطن.

هذا الكلام يُفْهَم منه أنّ جوليا تعتبر قريتها إقرث هي الوطن وهي الانتماء، أمّا وجودها في الرامة أو أيّ بلدة أخرى فيُشْعرها بالغربة وعدم الانتماء وفقدان الراحة ورفض القبول واستحالته.. وكان سؤال ريماس لها تحدّيا:

-جوليا ما هو الوطن في رأيك يا صديقتي؟

شعرت جوليا بارتباك، وفكّرت بمعنى الوطن. ما هو الوطن؟ هل هو المكان الذي ولدنا فيه؟ أم مكان تربطنا به ذاكرة وثقافة؟ هل هو كلاهما أم غير ذلك؟

وأجابت بنفسها: أرى أنّ الوطن هو حيثما لديّ أصدقاء وأماكن تربطني بهم، وذكريات أصنعها بوجودي معهم. بسبب هذه العلاقة، ترونني سعيدة سواء في حيفا أو القدس أو رام الله، لأنني لا أتوقّف مثلك لأحصر أفعالا معيّنة لأماكن معيّنة، ولا أقف على الأطلال. ألا تعتقدين أنّك أنت مَنْ صنعت الغربة بينك وبين الرامة؟ لم تُحاولي أن تندمجي لتشعري أنّها قريتك، والآن لك فرصة مع القدس أيضا، ما المشكلة أن تنتمي لإقرث والرامة والقدس؟ ألن يكون الأمر جميلا؟

مضايقات الجنود والمستوطنين

منذ هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967 واحتلال الجيش الإسرائيلي لكامل الوطن الفلسطيني إضافة إلى سيناء المصرية والجولان السوري يُعاني السكان، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة من ظلم وتعسّف جنود الاحتلال ومُضايقات وتحرّشات المجموعات الاستيطانية التي عملت ولا تزال على طرد السكان من أماكن سكناهم والاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم بهدف تكريس الاستيطان اليهودي لهذه البلاد التي يدَّعون بأنّها هبة الله ووعده لهم كما جاء في العهد القديم.

فياسين صُفع من قبل جندي ألقاه أرضا، وابن خال قيس قُتل وبعد عناء طويل سلّموا جثمانه وفرضوا على أهله دفنه في ساعة متأخرة من الليل بهدوء وبحضور ثلاثين شخصا فقط. والجنود يُضايقون الناس في الشوارع، وعلى الحواجز، وفي الأقصى، ويعتدون عليهم في الكثير من المرّات. ويقول قيس لرند الموجودة في الولايات المتحدة التي تسأله عن الحالة في البلدة القديمة عبر الهاتف:

-اليوم ظهرا في تجمّعنا أنا وأبناء حارة باب حطّة والسّعديّة عند باب العمود، كان معنا حفّار القبور، يُصغي لأحاديثنا، وطلب أنْ نُخبرَه مُسبقا قبل أنْ نستشهد، كي يُجهِّز نفسَه ولا نضغطه في الوقت.

وسألته سلاف: هل تتكلّم ساخرا أم بجديّة؟ قال: كلاهما معا، هو فعلا قال لنا هذا، لكن هل يضمن أيٌّ منّا في أيّ لحظة يُمكن أن يستشهد؟ أليس من المحتمل الآن أنْ يُجَنَّ أحد الجنود الذين حولنا في أبراج المُراقبة، ويُطلق الرّصاص علينا جميعا؟ نحن في هذا البلد نعيش مع الموت بخطٍّ متوازٍ، قبل يومين كان من المحتمل أن أصير شهيدا بسبب عطسة. (ص392)

 والمستوطنون يُمْعنون في ملاحقة الناس في بيوتهم وأراضيهم وأماكن عملهم، والمَسّ بهم وإجبارهم على التّخلّي عن أراضيهم وحتى ترك بيوتهم والرّحيل. إضافة إلى الاعتداء الجسدي وحتى القتل كما حدث وقتلوا حمزة وهو عائد بسيارته إلى بيته ومدينته طول كرم. وكل هذا ينضاف إلى القوانين الجائرة وقرارات المحاكم الظالمة التي دائما يكون الفلسطيني فيها الخاسر.

وكان الوضع في قطاع غزة أصعب فعمّار ابن خان يونس يقول عبر سكايب: عشتُ ثلاثة حروب، أقساها كانت حرب 2014، فقد عملت مع وكالة إعلام عربية بعد إتمام دراستي الجامعية في الإعلام، وهكذا رأيت بعيني قبل انتهاء الحرب بيومين فقدتُ ثلاثة من أعزّ الناس عليَّ صديقين وأبي بسكتة قلبية في لحظة قصف مبنى قريب من بيتنا. (ص55) ويصف عمّار مشاعره ومشاهداته وانفعالاته وغبطته وحزنه وفرحه وتعلّقه بكلّ ما يراه ويتعرّف عليه في زيارته لرام الله والتقائه بالطالبات والطلاب الجامعيين في اللقاء المهم. ويُقارن بصمت حزين كل ذلك مع حياته في غزة حيث الحصار الشديد من المحتل والبؤس، والفقر، والسجن، والتعذيب، والقتل، والحرب. (ص156-166)

إهمال الجماهير العربية في الدّاخل

 وتَرْكها تحت رحمة عصابات الاجرام، وللنزاعات المختلفة التي تُمزِّق المجتمع وتجعل كلّ فرد عرضة للاستباحة والاعتداء وحتى القتل، وذلك بتغاضي السلطات والشرطة عن هؤلاء الذين يعيثون فسادا في المجتمع، وعدم القبض عليهم وإيداعهم في السجون. فريماس تقول:

-نظريا هناك مساواة، لكن فعليا تظهر الفروق في عدّة مسائل فمثلا مخصّصات الميزانيّات. البلدان العربية تتلقّى ميزانيّات أقل بكثير من البلدان اليهوديّة. وإذا تعرّض يهوديّ لاعتداء تكتشف الشرطة المُعتدي ولو اختفى تحت سابع أرض، أمّا العرب فيُقتَل أكثر من مئة في العام الواحد ويبقى قاتلوهم مجهولين.

وتابعت رند قائلة:

-هذا عدا السرقات وإطلاق الرصاص والقنابل في الكثير من البلدان، دون أيّ حماية أو تدخّل من الشرطة. فالسلطات بدأت تغضّ الطرف عن مسألة تهريب المخدرات وبيع الأسلحة، لا تعرف بأي لحظة تُقتَل برصاصة طائشة، الكل يخاف من الكلّ ومَن ينطق بما يعرف سيُقتَل هو أو أحد أفراد عائلته. وهناك فترات نخشى فيها أن نتجوَّل في القرية بعد الساعة التاسعة مساء. (ص 168)

وقضية مصادرة الأراضي والعمل على تهجير العديد من سكان القرى خاصة البدوية وفي النقب، والاستيلاء على الكثير من الأراضي والبيوت بتفعيل قانون الحاضر الغائب، وحق الدولة في الاستيلاء عن أملاك الشخص الذي لم يُسَجَّل أسمه سنة قيام الدولة عام 1948 لكونه خارج البلاد أو متغيّبا عن بيته أو ولد ويُقيم خارج البلاد.

فمحمد ابن قرية بدوية غير مُعتَرَف بها، تُحرَم من كل الميزانيات الحكومية ومن المساعدات لتحسين الحالة المعيشية بكل نواحيها، كانت صدمته كبيرة بعد أن صدر قرار المحكمة بمصادرة أرضه التي حلم ييناء بيته عليها، كيف اتصل بمحبوبته سلاف وقال بصوت تخنقه الفاجعة:

-ضاعت الأرض يا سلاف. وضاع كلّ شيء.

وأقفل الهاتف وغاب واختفى تماما وقطع علاقته بكل الناس والعالم. (ص336)

 وكما التضييق على البلدات العربية، والتّجاهل لضائقة السكان فيها، ورفض توسيع مسطح القرى ممّا يدفع الكثيرين إلى بناء بيوتهم بدون الحصول على رخصة البناء، وهذا يؤدي إلى قيام السلطات في الكثير من الحالات، بهدم البيت وفرض الرسوم الباهظة على صاحب البيت.

وظلت قضايا تُشغل الناس كثيرا تطرّقتْ إليها الشخصيات مثل:

الحلم بالتّحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية الذي يبدو حلما بعيدا، وقد يكون مستحيلا بتغوّل الاستيطان، وتهجير الناس، والاستيلاء على الأرض، وإقامة المستوطنات التي تُمزّق الضفة الغربية. (173)

الانقسام بين حماس وفتح ممّا أدّى إلى العداء الشديد بينهما، وانفصلت غزة عن الضفة، ولم تعد الوحدة الفلسطينية قائمة مما يُعيق العمل، ويُبعد تحقيق التّحرّر والاستقلال. (ص173-175)

الحواجز التي تفصل بين المدن والقرى في الضفة الغربية وتُصَعِّب على السكان في تنقلاتهم، وتفرض عليهم الحصول على التّصاريح لدخول الضفة الغربية أو الخروج منها.

شخصيّات اختيرَت بذكاء

العدد الكبير من الشخصيات التي تتوحّد وتتساوى في أنها من الشباب في العشرينيات من العمر، طلاب وطالبات جامعة في سنتهم الدراسية الأخيرة للقب الجامعي الأوّل، من أُسَر متوسطة في مستوى معيشيّ جيّد مع استقلاليّة كل شخصيّة واختلافها في مكان السَّكَن والانتماء الديني والفكري والمَفاهيم الاجتماعية من عادات وتقاليد وسلوكيات، أعطت للنصّ التَّأرجُحَ في تعريفه ما بين الرواية والمَلحمة بمفهومها المُتواضع. فهذه الشخصيات بما اتّصفت كلّ منها، قدّمت لنا صورة بانورامية متكاملة لشعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده، والمهم أيضا أنّها أطلعتنا على التّحوّل الذي ساهم فيه هذا الجيل من الشباب والصبايا المتعلّم الذي تَعرَّف على مَواضع الضَّعف والتَّفتّت والخلاف والتّباعد وحتى العداء، وعمل على رأب التَّصدّعات وتأليف القلوب وتوحيد الجهود وتقريب الأفكار ممّا يساعد على إزالة الحواجز فتنتَفي الشكوك وتزول البغضاء ويتقبّل الواحدُ الآخر بمحبّة وتفهّم واقتناع ببناء وطن واحد للجميع.

هذه الشخصيّاتُ ساعةَ تركتْ بيوتَها وأُسَرَها كانت تحملُ كلَّ الموروثات التي كبُرت عليها وآمنت بها. وعندما وصلت إلى مدينة القدس ورحاب الجامعة ومَساكن الطَّلَبة وجدت نفسَها في وضع جديد من حيث السّكن وشريك المسكن وزميل الدراسة، والمفاهيم المختلفة، وأحيانا المرفوضة، والغريبة.

فعائشة المُحَجّبة ابنة باقة الغربية التي جاءت من أسرة مسلمة مُتديِّنة تحدّثت عن نفسها بصراحة في اللقَاء الذي تمّ في رام الله:

-التجربة الأولى لي لظهور هويّتي الفلسطينيّة كانت عندما بدأ الإسرائيليون ببناء الجدار الفاصل في منطقتنا، وفُصلنا عن باقة الشرقية في مناطق 1967. والحَدَث الآخر الذي أعتبره مهما في تعاملي مع هويّتي، وهو تطوّر قُدرتي على تقبّل وجهات النظر وأساليب الحياة التي تختلف عني. وهذا حصل مع انتقالي للسكن الجامعي في القدس، والشَّراكة في السَّكَن مع شريكات من أديان وبلدان مختلفة، الأمر الذي كان صعبا جدا عليّ في البداية، خصوصا أنني حتى حضوري للدراسة في القدس، كنت قد عشتُ فقط وسط بيئتي الدينيّة المُحافظة دون فرصة للاختلاط مع أديان أو توجّهات أخرى. تجربتي الشخصيّة في السَّكن الجامعي والتي دفعتني للانتقال إلى مراحل مختلفة من التفكير والتقبّل، جعلتني أرى الأمور بمنظار أوسع وأفهم التّعدديَّة سواء الدينية أو الفكرية التي في مجتمعنا، وأهمية تقبّلنا لبعضنا في سبيل التّغلّب على الكثير من الفِتَن التي تُثار بيننا وتَهدف لإضعافنا. (ص 58-59)

 وقد صارحَت حمزة عندما سألها عن صديقاتها في السَّكن وإنْ كانت على وفاق معهن فأجابت:

-لم يكن الأمر سهلا في البداية، وكانت هناك بعض المشاكل، خصوصا أنّني كنتُ الوحيدة بينهن القادمة من مكان غير مُختَلط دينيّا، فثلاثتهن من قرى أو مدن مختلطة، لذلك لم يبدُ الموضوعُ غريبا بالنسبة إليهن مثلي.

وسألها: لماذا رضيتِ بالسَّكن معهن؟

فقالت: في العام الأول سجّلتُ مُتأخرة للسكن الجامعي، وكان هذا الخَيار الوحيد، مع وعود بالانتقال إلى شقّة أخرى. ورويدا رويدا بدأتُ أعتادُ وتذكرتُ قولَه تعالى "ولو شاء ربّك لجعلكم أمّة واحدة". تعلَّمتُ أنْ أستفيدَ من هذه التجربة لأتعرّفَ على أشخاص مختلفين عن بيئتي من أبناء شعبي. (ص130)

وفي حديث طويل بعد أشهر، ومَقْتَل حبيبها حمزة تُصارحُ عائشة صديقتَها رند قائلة:

- هل أعترف لك بأمر؟ صرتُ أشكّ بإيماني.. أسأل الله كثيرا: لماذا حصل ذلك كلّه؟ وأنا أعرف أنّ هذا حرام، لكنني لا أقدر أنْ أكبت نفسي. ألا ترين أنّ كلّ ما يحصل لنا غريب.. طيلة حياتي وأنا مؤمنة وأقوم بواجباتي الدينيّة، وأنا التي كنتُ أعترض على تصرّفات ريماس، بل وأحيانا على جوليا. وانظري إلى مصيرينا، ها أنا فقدتُ مَنْ أحبُّ إلى الأبد، وأنتِ بسبب إيمانك وتوجّهك المُحافظ كذلك فقدتِ مَن تُحبّين، ونحن وحيدتان، بينما هما تسير حياتُهما بيُسْر، تزوَّجتا وتعيشان بهدوء وسلاسة كذلك في حياتهما العمليّة. لقد فقدتُ ثقتي بنفسي وبتوجّهاتي تماما! أسأل نفسي كثيرا بماذا أخطأتُ حتى أنال هذا العقاب القاسي. وتُتابع:

-رند! لا أعلم إنْ أخبرتك ريماس؟ اتّصلتُ بها واعتذرتُ لها عن كلّ ما بدر منّي تجاهها من قسوة في العام الأوّل لسَكَننا معا، كنتُ أنظرُ إليها أنّها زنديقة. أمّا جوليا فكنتُ أتماسك في تصرّفي معها لأنّها ليست مسلمة، لكنني كذلك لم أكنْ مُرتاحة للكثير من تصرّفاتها، وأعتذر منك أيضا على السّجالات التي خُضّتها مَعكِ حول عقيدتك. حاليا أشعر أنّ مفهوم الصّح والخطأ مُختلط عليّ، لم أعد أملكُ الثّقة للحُكم على أيّ شيء. (ص384)

وحتى ياسين ابن مدينة الخليل المحافظة يعترف أنه كبر وهو مُتشدّد في اعتقاده الدينيّ وانضم لتنظيم "الإخوان المسلمين"، وطورد وضُرب واعتُقل، وفي السجن وجد نفسه وسط مجموعات مختلفة من السّجناء المُنتمين إلى مختلف التيّارات السياسية مما جعله يتعرّف على أفكار وتوجّهات مختلفة:

- "حين أُخرِجْتُ من الحبس الانفرادي للقسم الآخر كان لي نصيب أنْ أُوَسّع قراءاتي ومعارفي وألتقي بأسرى من اتجاهات سياسية وفكريّة لم أقربها من قبل. خرجتُ من الأَسْرِ شخصا برُؤية نَقْديّة، وتصوّرات لتغييرات لتوجّهات الجماعة هنا، لكن الأمر قوبل بالرفض ممّا دفعني لإعلان انسحابي " (ص288)

وبعد خروجه من السجن اكتشف ياسين عوالم جديدة جعلته ينسحبُ من تنظيم "الإخوان المسلمين وحماس" ويستقل بآرائه ويحاول الانخراط في الحياة والتعرّف على الغير، حتى أنّه وقع في حبّ ريم من النظرة الأولى (ص31). ويعترف بتعلّقه بها:

- "فجأة يلوح وجهُ ريم في مخيّلتي، أشعر بانتعاش في صدري وأنا أتذكّرُ أنني سأراها بعد ثلاثة أيام، أعترف أنني لأوّل مرّة أُعْجَبُ بفتاة بهذه السرعة" (ص44-45)،

وكان تعرّفه على رند مُهما جدا لانتمائها للطائفة الدرزية التي كان يقف منها موقفا عدائيّا خاصّة بعد تصادمه مع جندي درزي صفعه على وجهه، وكذلك موقفه من عائشة بكونها مواطنة إسرائيلية حيث استغرب أن يُفكّر حمزة ابن طول كرم بالزواج منها. (ص152) فياسين أصبح إنسانا مُغايرا منفتحا مُتقبِّلا للغير وحاضنا له.

ويتساءل: إذا كان البيضُ الذين استعبَدوا الأفارقة صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألَم يحن الوقت أن نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45)

ومثلهما رند ابنة قرية كفر ياسيف المُنتمية لأسرة درزية روت قصّتها في لقاء رام الله بجرأة. قالت:

-حتى قبل ثلاث سنوات من اليوم كنتُ أُعرِّف نفسي أنّني فتاة درزية عربية إسرائيليّة.

وتحدّثت عن بداية دراستها في الجامعة، والسَّكن مع طالبات من انتماءات أخرى واختلاف الأفكار والعادات وصعوبة التوافق، وخوفها من التجوّل وحيدة في القدس واكتشاف كونها درزية. حتى أنها فكّرت عدم المشاركة في اللقاء الطلابي الذي تقرّر في رام الله خوف عدم تقبّلها من طلاب الضفة الغربية لكونها درزية. ولكنها فوجئت بتَفَهّم الجميع لها والتّرحيب بها حتى أنّ ياسين ابن مدينة الخليل تحدّث عنها ضمن مجموعتهما في اللقاء، وهي تحدّثت عنه. كذلك استطاعت أن تكون الزميلة المركزية حيث لاقت الاهتمام والمَحبّة والصّداقة من الجميع.

هذا ما ترك أثره على رند وزاد من مشاعر انتمائها الفلسطيني ورفضها التّوجّه الإسرائيلي لخطيبها وبيت جدّها، ووجدت أنّه من المُستحيل أنْ تستطيع الحياة مع جنديّ في حرس الحدود، فانفصلت عنه، وأخذت تُفكّر بالسفر إلى الولايات المتحدة حيث يعيش عمّها. وبالفعل سافرت، لكنّها ظلّت على تواصل وعلاقات قويّة مع كل زميلات وزملاء الدراسة الجامعية.

المكان وخاصّة القدس، والمَركزيّة التي احتلّها في بلورة الشخصيّات وصَقْلها

كان واضحا أثرُ المكان الذي عاشت فيه كلّ شخصيّة على تكوِّنها ومَفاهيمها وسلوكيّاتها. فبينما رأينا تَحَكّم العادات والتّقاليد والأفكار والمُعتَقَد الدّيني عند عائشة وياسين ورند، لمسنا التّحرّر في التّصرّف والكلام واللباس وسرعة تَقَبُّل الغير عند ريماس ابنة مدينة حيفا، والتّفهُّم والتّسامح والقُبول للغير عند سلاف ومحمد وحمزة وجورج وجوليا لسَكنهم في مدن وقرى ومناطق منفتحة على الغير، ولهم علاقات اجتماعية، واقتصادية، وعملية مختلفة، ومتشابكة.

أثرُ المكان يبقى قويّا على بلورة وتَكوّن ووَعي كلّ من الشخصيّات في مراحل حياته الأولى كما ظهر ذلك بشدّة في تمسّك جوليا وإصرارها على إجراء مراسيم إكليلها في كنيسة قريتها المدمّرة "إقرث"، وياسين في توجّهه الديني وانضمامه للإخوان المسلمين وحماس، وعائشة في تردّدها ورفضها لزميلاتها في الأشهر الأولى من دراستها الجامعية، ورند في تقوقعها في درزيّتها وتمسكها بإيمانها خاصة عندما تقوم بزيارة لمقام النبي الخضر القريب من منزها.

وشهدنا التّحوّل الكبير الذي حدث على ياسين عندما اختلط بالغير وتعرّف على رفاقِ سجن من تنظيمات مختلفة وأفكار جديدة، وبعد خروجه من السجن حيث اندمج في الحياة العامّة وتعرّف على طالبات وطلاب جامعة مُتنوّعي المُعتقد الديني ومكان السَّكن يحملون مفاهيم مغايرة وعادات غريبة عليه. ومثل ياسين حدث لعائشة التي وجدت نفسَها بعد أشهر تتقبّل زميلاتها وتتَعايش مع مفاهيمهن وعاداتهن وسلوكهن وحديثهن حتى أنّها مع المدّة أصبحت واحدةً منهن، وخرجت من قوقعتها وأحبّت وعشقت وتمرّدت وغضبت حتى أنها شكّت بإيمانها وبكل ما كانت تلتزم به. ومثلها جوليا تحرّرت من تعلّقها بإقرث وبدأتْ تشعرُ وترى في كلّ موقع من البلاد وطنَها، وهكذا رند، خروجها من بيتها وحيّها وبلدتها، وحياتها في الجامعة مع زميلات وزملاء من القدس والضفة الغربية إضافة إلى المُقيمين في الجليل والمثلث، ومشاركتها في مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية أخرجتها من شرنقتها الدرزيّة وعادت بإيمان صادق لانتمائها العربي الفلسطيني.

وكان لمدينة القدس التي يصفها قيس "دُرّة من دُرر المدن العربية" ويرى أنّ الأمة العربية  لا تستحقّها" (ص349) أثرُها وفَعاليّتُها في بلورة شخصية وأفكار وسلوكيّات الجميع حيث صهرتهم في بوتقة واحدة، وجَمَعتهم في مختلف الفَعاليّات والنّضالات والأحداث التي شهدتها القدس وشاركوا فيها، وخاصّة في باب العامود والأقصى.

والأمكنة التي انتمت اليها الشخصيّات بما فيها القدس حيث التقوا وتعارفوا وناضلوا ودرسوا في جامعاتها لم تبق مُجرّد مكان وُلِدَ الواحدُ منهم وكبُرَ فيه، بل أصبحت مُنصهرة في كيانهم وعقليتهم ومَشاعرهم، لا يذكرونها كأمكنة عاشوا فيها لفترة في شريط عابر لماض بعيد أو قريب، وإنّما أمكنَة تأخذُهم إليها، عايشتهم وحفظت قصصَهم وأسرارَهم حتى إذا ما عاد إليها أحدُهم واستثارها بمُداعبة الزمن البعيد واستذكار ما كان له في هذه الأمكنه، انتفضت هذه الأمكنة كأمٍّ عاد إليها ابنُها البعيد فتُحيي فيه كلَّ الماضي، وتُستعاد كلّ الأحداث والقصص والأشخاص الذين كانوا معه، فيذكر صديقا بَعُدَ، وقريبا فُقِد، وحبيبة هَجَرت، وبيتا هُدم، فترتسم البسمات، وتسيل الدموع، وتُمَدّ الأيدي للعناق، وتُسمَع التَّنهدات، وتتكشّف الأماكن التي اعتقدناها جامدة لا تحفظ أثرا ولا تصدُق مع أحد، ولا تذرف دمعا على ابتعاد وافتقاد مَن عايشها ورعاها ، تتكشف لنا بأنّها لم تتركنا، ولم تُغادر أرواحنا، وظلّت تعيش معنا، وترافقنا في تنقلاتنا بصَمْت وصَبْر وحبّ حتى تكون لحظة تحريكنا لها وإيقاظها من سباتها فتنتفض بكل حيويّتها لتأخذنا إليها وتُعيدنا لتلك الأيام والسنين والحياة اُلتي حُرمنا ولا نزال نَحِنُّ إليها.

وهذا ما لمسناه وعشناه مع جوليا وعلاقتها ببلدتها إقرث ورَنْد وارتباطها بحيّها وبلدتها كفر ياسيف ومقام النبي الخضر ومحمد والتصاقه بأرضه التي رأى فيها جنّته على الأرض ولم يتحمّل صدمة مُصادرتها وفَقْده لها حتى أنّه قطع علاقته بكل العالم وبأعزّ الناس عليه، محبوبته سلاف. وفي علاقة وارتباط الجميع، كل ببيته وبلدته وأرضه، وخاصة بمدينة القدس وشوارعها ومواقعها وحاراتها ومساجدها وكنائسها وناسها التي أصبحت مُكَوِّنا أساسيّا من وجودهم واهتمامهم. فغدت هذه الأماكن شريكا ملازما ووفيّا للشخصيّات، لها دورُها وأثرُها وفاعليتُها في صُنْع الأحداث وسيرورتها. فالتّلاحم اكتمل بين الشخصيات والأمكنة، فكما الشخصيّات أيضا الأمكنة، وبالذات القدس أصبحت ترى وجودَها وتكاملَها واستمراريتها لا يكون إلّا بهذا التّلاحم مع أبنائها الذين يفتدونها بأرواحهم. فبلاطها يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. (ص396)

جماليّة النّصّ

 أعود لأذكّرَ بما قلتُ في بداية كلامي:

"الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، وبشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المُفردات ورسْم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائيّ والمَلحميّ، يتقاسم الأدوارَ فيه العديدُ من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية.

فقد اهتمّت الكاتبة في سرديّاتها المُتشعبة أن تُحافظ على اللغة السّهلة المفهومة القريبة من لغة كلّ إنسان، فلا تنساق وراء التّعقيد في صياغة العبارة، ولا الإغراب والإعجاز في اختيار المفردات، ولا اللغة الشاعرية والتّحليق بعيدا عن الواقع. كما اهتمّت أن تحافظ على استقلاليّة كل شخصية في تفاعلها وتطوّرها وتقبّلها ورفضها، وكانت تدع كل شخصية تختار الضمير الذي تريده، فتارة تختار ضمير المتكلم وأخرى ضمير الغائب ومرّة أسلوب الحوار، ومراث تُؤثر الصّمت وتنطلق باستحضار ماض بعيد وأشخاص عايشتهم فيختلط الماضي بالحاضر وينطلق للمستقبل أحيانا كثيرة. والأزمنة تتداخل وتتباعد، ولا خطّ أفقيّ يأخذ بالقارئ من البداية حتى النهاية رغم أنّ الزمن يبدو وكأنّه مُحدّد من قبل الكاتبة بكتابة تاريخ اليوم والشهر والسنة، ولكنها تأخذ بالقارئ إلى أحداث وأمكنة وأزمنة متفاوتة، وليس ذكر اليوم والشهر والسنة في بداية المشهد إلّا لتحديد زمن الكتابة للنصّ.

خاتمة تُبشِّر بالبدابة

المشهد الثالث والخمسون هو الخاتمة المُبشِّرة بالبداية، هو مشهد القدس دُرّة دُرر المدن كما وصفها قيس، فكما كانت المُوحدة، وأزالت كل الفروق بينهم، هكذا هي في المشهد الأخير تعود لتحضنهم كلّهم وقد جاءوا لنُصرتها وحمايتها بالمشاركة في الوقفة والاحتجاج على قرار ترامب رئيس الولايات المتحدة بقراره في نَقْل سفارة بلاده من تل أبيب إليها.

وبينما كان ياسين يُقبّل أرض القدس ويُردّد: أخيرا أنا في القدس. وكل الأحباء حوله يقفون صامتين، وإذ بدأوا بالسَّير شعروا ببلاط القدس يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. والقدس فرحة سعيدة تبتسم وتُهلّل: لم أكن وحدي هذا المساء. (ص396)

***

د. نبيه القاسم

https://nabih-alkasem.com/

باستنطاق العدم وتقويض اليقين في نص (المصباح المظلم) للشاعر المصري المبدع محمد أبو عيد

المصباح المظلم

غيمة رماد ...

أمطار مظلمة...

النهار يحتاج إلى مصباح!

ابتلع آلاف السنين...

ومازال عارياً بلا طريق!؟

الأيام التي جمعتها أقدامه في مراياه

ليس فيها غير ذكرى وعدة أكوام من الوهم!

القناع الأليف داخل الدوامة

يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه!

في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة ؟

غضضت الطرف؛ لم يكن لي سوى ذلك!

زهرة الندم...

ذات البساتين والأضواء المطيرة

أراها تجلس على باب الخراب؛ ممزقة الأغصان

تتسول من الأحجار رعشة ماء!

ماتت على ذراع الجذر الناعس ...

الكوكب ينزف غباراً باردا

ارتدينا النوافذ الثقيلة

بنفيخ النايات أشعلنا الصمت

وتطوفنا حول المدفأة!

زهرة الغفلة عطرها أعمى

العائدون من الجفاف

أغرقوا المشهد في سؤال عقيم

في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف؟!!

صلاة الأوهام؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض

لسنا أنبياء؛ لا نملك عصفاً في العروق

لم يكن بخوراً هذا الذي أيقظنا به الابتهالات

كانت خمرة خطيرة الأهواء والألوان

على الحبلين؛ مارسنا كل طقوس الرقص

ارتعش الجذر؛ اهتزت كل الأغصان

تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة

دون أدنى شك

لن نجد ظلاً يواري عرايانا

كل من سقط بمحض إرادته

ليس له من السماء منحة ضوء

المصباح في كف أعمى

لا يمحو شخابيط الظلام

مقدمة منهجية رؤيوية:

إن الولوج إلى فضاء نص "المصباح المظلم" هو محاولة لترميم شتات الوعي الإنساني الذي بات يعاني من "تآكل اليقينيات"

 إن هذا النص لم يبرز استعاراته فقط لكنه يضعنا أمام "أنتولوجيا الفشل" عندما يتحول الوجود إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة التي تبدأ من الرماد وتنتهي بالعمى

فلو تمعنا بالنص نراه ينبثق من أفق تأويلي مركّب يستند إلى تقاطع المنهج التفكيكي مع الرؤية الوجودية لينفتح من خلال ذلك على الحسّ الفينومينولوجي حينها تتحوّل لغة الناص إلى مجال كشف إلى جانب التعبيرية وتتأسس القراءة هنا على استحضار تصوّر الكينونة عند (مارتن هايدغر) حيث الوجود ينكشف عبر القلق والتصدّع وعلى منطق الاختلاف والإرجاء عند (جاك دريدا)

إذ أنّ المعنى يظلّ منزاحاً مؤجّلاً وعلى التوتر العبثي عند (ألبير كامو) بحيث الإنسان يواجه كوناً منزوع الغاية وبهذا يغدو النص فضاء لتنازع الدلالات بحيث العلامة تتحرّك داخل شبكة من الإشارات المفتوحة

إذاً فالنص ينتمي إلى (شعرية الانكشاف) أو (الوجودية المتشائمة) فلقد تعامل الشاعر القدير مع لغته بحرفية لإبراز ملامحها فلم يعتمدها كتشخيص لحالة الوعي المحاصر

فالمنهج المتبّنى هنا هو "الظاهراتية الوجودية" بحيث يُنظر إلى العالم كحالة شعورية تتشكل من خلال "الوعي المأزوم"

 فالقصيدة بمعناها ترفض الاستقرار الدلالي وتعتمد "تفتيت الصورة" كآلية للتعبير عن تفتت الذات

الدلالة العنوانية

(المفتاح النصي):

يبقى العنوان هو "نواة تناقضية" بامتياز لدى شاعرنا

ف​دلالة المصباح هنا: تمثل في الفلسفة الغربية والشرقية رمز (العقل) (الأنوار) و(الهداية) و(المعرفة)

وأما دلالة المظلم:

فهي نفي للوظيفة الوجودية للمصباح

إذاً كنهج فلسفي فإن العنوان يتبنى "العدمية المعرفية" فنحن أمام حالة "عجز الآلة" عن أداء وظيفتها

فهو يُعلن مسبقاً أن "الأدوات" التي نمتلكها لفهم العالم (منطق- عقل- دين) قد فسدت وفقدت قدرتها على الإضاءة

فقيمة المفارقة أنطولوجياً

لل"المصباح المظلم" حين نلمسها كتركيب هي تؤسس منذ البدء لإنقلاب القيم بحيث النور يفقد يقينيته ويتحوّل إلى حامل للعتمة وهذه المفارقة تتجاوب مع تصور (دريدا) حول تقويض الثنائيات حيث أن النور ماعاد ذاك المركز الثابت إنما أصبح جزءاً من لعبة الاختلاف ومن زاوية (هايدغر) يمكن النظر إلى العنوان كعلامة على انحجاب الكينونة حين ذلك فإن أدوات الكشف ذاتها تدخل في دائرة الانطفاء

القراءة التحليلية الشمولية

 في (البنية- -والنحو- والسياق)

فلو نظرنا ​للمقطع الأول:

فإننا نحيله إلى "التأسيس العدمي"

كما في ​(غيمة رماد... أمطار مظلمة... النهار يحتاج إلى مصباح!)

أما عندما نحيله نحوياً:

 فالبدء كان بنكرة (غيمة- أمطار) لذلك فهذا يفيد "التعميم" والغموض ومع غياب الفعل في الصدر الأول تتحول الجملة إلى "صورة ثابتة"

وعن تشريحه سياقياً: ف"النهار" هو (الوضوح المطلق)

ومع ذلك يفتقر إلى المصباح (الوسيط)

فكيف يكون هذا ؟! من هنا تكمن المفارقة البنيوية إذا كان النهار يحتاج مصباحاً فهذا يعني أن الشمس (الحقيقة/المطلق) قد غابت أو فقدت دلالتها

أما لو إلتفتنا إلى دلالة الرماد:

فإن الرماد هو النتيجة النهائية للاحتراق

فالبداية ليست "بداية" لكنها "نهاية"

فالشاعر بالتأكيد كان يعني ذلك فلقد نحى نحو تفكك النظام الكوني

كما في:

 "غيمة رماد.. أمطار مظلمة.. النهار يحتاج إلى مصباح"

لتشتغل هذه البداية على هدم البنية الطبيعية للعالم

 فالغيمة التي يفترض أن تحمل ماء الحياة ترتبط بالرماد أثر الاحتراق

 فيما الأمطار تفقد خصوبتها لذلك يتبدّى هنا ما أشار إليه (كامو) من عبثية العالم بحيث العناصر التي تمنح الحياة تنقلب إلى نقيضها النهار في ذروته الضوئية يغدو محتاجاً كأن الوجود قد فقد توازنه

إذاً تتضح الحرفية العالية في النسيج البنيوي حين ننظر إلى اعتماد الشاعر على "الجملة الاسمية" في مستهل النص حيث "غيمة رماد" و"أمطار مظلمة"

فهذا التشكيل النحوي لم يكن اختياراً عفوياً إنما هو اختيار فلسفي يهدف إلى "تجميد الزمن" فالجملة الاسمية توحي بالثبات والدوام والرسوخ مما يعطي انطباعاً بأن هذه المأساة ماهي بالحدث العابر لكنها حالة وجودية أبدية

 هي واقع ثابت لا يزول

 وإن انتقاله بعد ذلك إلى الفعل "ابتلع آلاف السنين" يكسر هذا السكون ليحوله إلى "ديناميكية التهام" بحيث يصبح الزمن كائناً مفترساً يبتلع التاريخ وتظل الذات "عارية" وهذا العري النحوي (جاءت مفردة "عارياً" حالاً من ضمير مستتر) هو عري من المعنى

 عري من الغطاء الوجودي مما يضع القارئ أمام حقيقة أننا نعيش في "خواءٍ تاريخي"

أما لو استقرأنا المقطع الثاني: فإننا نسقط عليه (الزمن والافتراس) في جملة: ​"ابتلع آلاف السنين... ومازال عارياً بلا طريق!؟"

أما عن تحليله بنيوياً:

 فالفعل "ابتلع" يسند لفاعل مضمر (الزمن/العدم)

وقيمته النحوية:

"عارياً" حال من ضمير مستتر تقديره (هو)

 فالعري هنا لم يكن حسياً إنما هو "عري وجودي"

وعن "أكوام من الوهم" فهو تركيب إضافي يقلب المادي (أكوام) إلى تجريدي (وهم) مما يبرز "ثقل العدم" على كاهل الذات

إضافة نلمح الزمنية والعدم:

 أي الامتلاء الذي يقود إلى الفراغ

ونلمسه في:

"ابتلع آلاف السنين.. ومازال عارياً بلا طريق"

إن الزمن بالنص يتحول إلى قوة استهلاك

 غير أن هذا التراكم يقود إلى انكشاف في ضوء رؤية (هايدغر) بما معناه بأنه يمكن قراءة هذا العراء كحالة انكشاف الكائن أمام ذاته

إذ أن الزمن لم يمنح المعنى لكنه يكشف هشاشته

ف"أكوام من الوهم" تحيل إلى تفكك الذاكرة بما ينسجم مع طرح (دريدا) حول عدم استقرار المرجع حيث الماضي نفسه يصبح بناءً لغوياً متصدعاً

وما نستشفّ معناه في المقطع الثالث:

​"القناع الأليف داخل الدوامة / يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه!"

وكدلالة فلسفية: نرى أن "القناع الأليف" استعارة للمألوف الذي نرتديه (الاجتماعي- الثقافي)

​ونلمح ذاك التناقض السياقي في "مجهول نعرفه"

 فهنا بنية تناقضية تعبر عن "القلق الوجودي" نحن نعرف حقيقة وجودنا (أننا لا شيء) لكننا نجهلها (نرفض الاعتراف بها)

ف"القناع الأليف داخل الدوامة"

كي تحضرنا هنا رؤية (فريدريك نيتشه) حول الأقنعة بحيث الهوية تُبنى عبر التكرار والتخفي

 والألفة تمنح القناع شرعية فيما الدوامة تشير إلى غياب مركز ثابت

 والذات حينها تتحرك داخل تعددية لا تستقر

فجملة "مجهول نعرفه" هي عبارة تنتمي إلى منطق الاختلاف حيث المعرفة لا تبلغ يقينها إنما تظلّ على حافة الإدراك

ونستدل بتمعننا:

"في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة"

بأنه من خلال هذه الصورة التي تقترب من تصور (جان بول سارتر) حول الحرية المأزومة أن الفعل حتى في أنقى حالاته يتحول إلى اختيار مؤلم

فالدموع التي ترتبط عادة بالتطهير تنقلب إلى فعل تدميري مما يعكس تصدّع البنية الأخلاقية

أما ماتستنطقه دلالياً جملة زهرة الندم:

فمن خلالها تتبدى جمالية التلاشي

في "تتسول من الأحجار رعشة ماء"

إن الصورة هنا تنفتح على أفق عبثي يذكّر بتأملات (إميل سيوران) بحيث الرغبة تتجه نحو المستحيل

نحو مادة فاقدة للحياة

ومن هنا تتجسد ذروة الانكسار بحيث الحياة تطلب نفسها من العدم

وهنا نمنح التأويل في:

"ماتت على ذراع الجذر الناعس" بترسّيخ فكرة عجز الأصل وكأن المنبع ذاته دخل في سبات وجودي

أما عندما نعيد إنتاج ما معناه دلالياً في المقطع الرابع عن: زهرة الندم فهنا نمعن في (أنسنة الجماد) وهذا يحسب للشاعر المبدع القادر على إرسال وقع الجملة في إحالة مدهشة كما في:

 ​"زهرة الندم... / ذات البساتين والأضواء المطيرة / أراها تجلس على باب الخراب"

​وحين نسترسل في التحليل النحوي:

فإن إسناد فعل "تجلس"

لـ "زهرة" هو (استعارة مكنية)

فلقد تأصلت ​بنية عميقة حين: "زهرة الندم"

تجاور "باب الخراب"

إذ نلاحظ

التضاد بين "الزهرة

/البساتين" دلالة على (الحياة)

و"الخراب/الأحجار" دلالة على (الموت)

فالتناص هنا يشير إلى "عقم" المحاولة فالندم إذاً لا يثمر في أرض الجفاف

ومانفتحه دلالياً على التأويل أيضاً في المقطع الخامس:

في ​"الكوكب ينزف غباراً باردا / ارتدينا النوافذ الثقيلة / بنفيخ النايات أشعلنا الصمت"

​نجد أن "ينزف غباراً" صورة سريالية تعكس "تفسخ المادة"

و​بنية الفعل "ارتدينا" (نا الفاعلين) تعبر عن المسؤولية الجماعية

 "نفيخ النايات أشعلنا الصمت"

هنا تتبلور المفارقة في

إشعال الصمت" والتي تعبر عن محاولة يائسة لصناعة معنى في عالم أصم

ومانقرأه قراءة رمزية في المقطع السادس هو:

نقد الميتافيزيقا (قميص يوسف)

فنرى:

​"في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف ؟!! / صلاة الأوهام؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض"

ف​نستشف كتحليل بنيوي الانتقال من الصورة الشعرية إلى "الاستفهام الإنكاري"

وحين نفكك جملة "قميص يوسف" فهي رمز للمقدس والنجاة وإن وضع "قميص يوسف" في "صلاة الأوهام" هو فعل "تفكيكي" جريء بحيث تُسحب القداسة من الرمز وتُوضع في سياق العدم المعاصر وهنا تتمظهر حرفية الشاعر العالية في إحالاته الرمزية وإسقاطاته المجازية الملفتة

فالخلاصة النحوية نراها تتبدى واضحة في:

"لن تعيد" هنا (أداة النفي المطلق) فالقرار هنا نهائي:

 أي الرموز الدينية لا تقدم حلولاً لأزمة وجودية علمانية

وكما أخذنا الناص البارع إلى استنباط مانشير إليه

بالإنغلاق الجمعي: أي ارتداء العالم

"ارتدينا النوافذ الثقيلة"

فالصورة تحمل بعداً (هايدغرياً) حيث السكن في العالم يتحول إلى انغلاق

إلى لبس للحدود - النوافذ التي يفترض أن تفتح تغدو جداراً إضافياً بما يعمّق العزلة

ونمعن في التناص وإعادة تفريغ الرمز

"في أية ابتهالات يختبئ قميص يوسف"

ونحاول الإشتغال على تأويلية الرمز الديني الذي نرى بأنه يُعاد تأويله ضمن أفق جديد قريب من قراءة (بول ريكور) بحيث الرمز يحمل فائض معنى

 غير أن النص يفرّغ هذا الفائض فيتحول القميص إلى أثر مفقود وتغدو الصلاة عاجزة عن استعادته

 والمعجزة تنسحب تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً

إذاً لو دققنا بعمق أكثر كمعالجة سياقية للصورة الشعرية فهي تنطلق من تفكيك الرموز التراثية وهو ما يبرز نضج الشاعر شعرياً وقدرته على تجاوز التناص السطحي حين يطرح"قميص يوسف" فهو لا يستدع القصة الدينية في سياقها الإيماني إنما يستدعيها في سياق "سوسيولوجيا الوهم" إن السؤال "في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف؟" يحول الرمز من "بشارة" إلى مساءلة" فهو أي الناص هنا يسقط قداسة الرمز ويضعه في ميزان الخيبة المعاصرة مؤكداً أن "صلاة الأوهام" لا تملك سلطة التغيير وهذا التوظيف هو "تفكيك" حداثي بامتياز بحيث تتحول الأيقونات الثقافية إلى شواهد على عجزنا فتصير "الأغصان الممزقة" و"زهرة الندم" استعارات لحالة "العقم الإبداعي" الذي تعانيه الذات البشرية حين تجد نفسها مطوقة بجفاف الروح

ونفكك حدثية الطقس العبثي والسقوط التدريجي في:

"على الحبلين مارسنا كل طقوس الرقص"

فهنا الصورة تستدعي هشاشة التوازن حين الفعل يتم فوق فراغ -الطقس بدلاً من أن يمنح معنى يتحول إلى تكرار مهدد بالسقوط في انسجام مع العبث (الكاموي)

وفي "تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة"

فالشجرة نقرأها هنا

كرمز للحياة الجمعية وهي تفقد تماسكها تدريجياً في صورة تفكك حضاري ممتد

أما عن العمى باعتباره استعارة معرفية

"المصباح في كف أعمى"

نجد من خلال هذا بأن المفارقة القصوى تتكثف فأداة الكشف تقع في يد فاقد القدرة على الإدراك وهنا تتجلى أزمة المعرفة في أقصى صورها "لا يمحو شخابيط الظلام"

فالظلام يتحول إلى كتابة إلى أثر راسخ والمصباح يعجز عن محوه بما يعمّق الإحساس بسيطرة العتمة

وعن المقطع الأخير يتجلى هنا العجز المطلق:

​"المصباح في كف أعمى / لا يمحو شخابيط الظلام."​ حين نقرأ بروية فإننا نقترب من: العودة إلى "المصباح" (العنوان)

المصباح موجود لكن "الحامل" أعمى

​ومفردة "شخابيط" هي مفردة عامية/بسيطة تكسر حدة اللغة الفصيحة وهنا تلعب القصدية من قبل الشاعر القدير ليبرز "ضآلة الظلام" وعبثيته فهو لم يكن ذاك الظلام المهيب لكنه "شخابيط" لا قيمة لها ومع ذلك نحن عاجزون عن مسحها

إن هذا النص في بنيته الكلية ليس قصيدة لكنه "بيان وجودي" لقد استطاع الشاعر في هذا النص أن يحقق "وحدة العضوية" فكل فقرة هي لبنة في جدار القلق الذي بناه فلغته تمتاز بـ "التوتر الحاد" فالشاعر لم يصف العالم إنما إنفعل به واختياره للمفردات (رماد- خراب - جفاف - قميص

 - شخابيط) يشكل معجماً يسمى"معجم الانكسار" فالنهج السياقي الذي اتبعه في النص ينم عن وعي فائق باللغة بحيث لا توجد كلمة تائهة أو حشو زائد

الجملة عنده هي "وحدة طاقة" تبدأ بانفجار (غيمة رماد) وتنتهي بتلاشٍ (شخابيط الظلام)

لغة هي وثيقة إدانة لكل اليقينيات الزائفة التي نعيشها إنه نص "فيلسوف" لأنه لا يسأل "كيف؟" إنما يسأل "لماذا؟"

وبصمتٍ فجيعٍ لا يجد جواباً تاركاً القارئ في مواجهة المصباح المظلم

وفي خاتمة النص تكتمل الرؤية الفلسفية فالمصباح الذي بدأنا به كعنوان ينتهي وقد صار في "كف أعمى" هذه هي النقطة التي يلتقي فيها البنيوي بالفلسفي بحيث تنغلق الدائرة على نفسها مؤكدة أن المصير هو "الظلام"

إن خاتمة النص هنا لم تكن نهاية للقصيدة لكنها "حكمٌ على الواقع" حكم بالعدمية التي لم تتوظف من باب العبث الفراغي إنما من باب "الصدق الوجودي" الذي يرفض خداع النفس

إن هذا النص يمثل تجربة إنسانية متكاملة يبرز فيها تمكن الشاعر من أدواته ليس فقط في انتقاء المفردات لكن في قدرته الفائقة على حبك "خيوط المعنى" بحيث لا يمكن استخراج فكرة دون أن يتداعى النسيج كاملاً وهي سمة نادرة تدل على وعي عميق بضرورات البناء الشعري الحداثي بحيث تصبح اللغة هي الوجود والوجود هو القصيدة والقصيدة هنا هي"صرخة واعية" في وجه عالم يصر على البقاء في "المصباح المظلم"

فالنص منظومة شعرية عالية الاشتغال حين اللغة ترتقي إلى مستوى يمكن نعته بـ"اللغة الكينونية التأويلية" لغة تتجاوز حدود الوصف لتغدو أداة حفر في طبقات الوجود وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم ضمن أفق متوتر مفتوح على القلق والأسئلة

البنية تكشف عن وعي حاد بمسارات الدلالة كما نوهنا بحيث كل مفردة موضوعة ضمن شبكة دقيقة من العلاقات تتيح لها أن تتوالد دلالياً وتنتج فائضاً من المعنى فالصور لا تأتي للإستعراض لكنها تستنبط كأدوات تفكير تشتغل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه

والنهج السياقي يتدرج من الكوني إلى الذاتي ومن الطبيعي إلى الرمزي في حركة انسيابية محكمة تكشف عن شاعر يمتلك قدرة عالية على ضبط الإيقاع الداخلي للنص وعلى قيادة اللغة نحو تخومها القصوى هذا الاشتغال يمنح النص طابعه الفلسفي بحيث أن الشعر يتحول إلى ممارسة تأملية عميقة

فلقد أبهرتنا اللغة التي تتسم بكثافة نادرة وبقدرة على إنتاج المفارقة دون افتعال مما يجعلها لغة مشبعة بطاقة دلالية عالية يمكن إحالتها أيضاً إلى ما يمكن تسميته: "شعرية الانكشاف المعتم" حيث العتمة غير حاجبة للرؤية لكنها تعيد صياغتها وتمنحها عمقاً يتجاوز السطح

بهذا يتأكد حضور الشاعر ضمن أفق حداثي واعٍ يشتغل على تفكيك البنى الجاهزة ويعيد إنتاج اللغة كذات حية نابضة قادرة على ملامسة جوهر الكينونة وإعادة طرح الأسئلة الكبرى بصيغة شعرية تتقاطع فيها الفلسفة مع الجمال في أعلى تجلياتهما

بورك هذا القلم

مودتي والتحايا

***

مرشدة جاويش

 

يقوم البناء السردي لرواية " خروج من الشرنقة " للروائية التونسية بثينة طراد على عناصر ومقومات الحكي الأساسية والمعروفة، من شخوص، وأحداث، ومكان، وحوار ووصف... مع إضافة متغيرات على مستوى تعدد الرواة، وتناوبهم على الحكي، وتنويع أساليب السرد، وتقاطع مهام الشخصيات من تطويق للحدث، واستحضار وتعالق في الالتفاف حول ما يحيط به، ويؤثر على نسق وسيرورة مجرياته، مما يكسر رتابة السرد، ويحد من دفق استطراداته وتفاصيله.

ولعل ما يميز الرواية هو وفرة الشخوص، وكثرة الأحداث، وتعدد الرواة، إلا أن هناك شخصيات محددة هي التي أسهمت، وتحكمت في دفة تسيير الوقائع، ورسم مجرياتها ؛ ويبقى الحدث الأبرز منصب حول موضوع المرأة داخل وسط أسري يكبلها بقيود مواضعات لا تراعي إمكاناتها وقدراتها الشخصية، وتحد من حريتها الفردية، وتجهز على كل رغباتها الوجدانية، ومؤهلاتها المعرفية، وهو ما أثر على شخصية ثريا، وصديقاتها نور، وفاتن، وإشراق اللواتي تناوبن على رواية قصصهن، كاشفات على ما يوحدهن من معاناة، وما يجمعهن من هدف يختزله التمرد على نمط حياة أسرية واجتماعية لا تؤمن بإمكاناتهن الذاتية، وحقوقهن القائمة على مبدأ الحرية والاختيار. وكان لمُكوّن الشخصية حضور بارز ولافت في الرواية، وبالأخص ثريا ففي فصولها الثلاث عشرة لم يخل من حضورها سوى الفصل الثاني في انزياح عن خطية السرد، الذي لم تحضر فيه كشخصية محورية، لتبرز شخصيات مثل بسمة / نوارة، والأم خديجة، وابنتها زينب، وأم بسمة، وأختها الصغرى، وشقيقها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تساعده في تسيير أمور المتجر الوحيد بالقرية الذي خلفه والدها المتوفى، وأمها التي تهتم بشؤون البيت موازاة مع نسج الزرابي، وتربية الدجاج وبيع البيض، لتتماهى شخصية بسمة / نوارة مع شخصية ثريا في العديد من المواقف والوقائع، ويسهم الجد عبد المجيد بحكايته إلى جانب باقي الرواة الذين تناوبوا على سرد قصصهم في الفصول الأخيرة من الرواية كفاتن، وإشراق، ونور وثريا التي تظل محور الشخصيات التي تمسك بزمام الحكي وخيوطه، والتي تدور حولها أحداثه ووقائعه انطلاقا من محيطها الأسري، وطبيعة، وتنوع علاقتها بأفراده ؛ من زوج وأبناء، إلى تماهي هذه العلاقة ببسمة / نوارة خارج إيقاع خطية السرد ومجرياته، وصديقاتها نور، وفاتن وإشراق، فضلا عن شخصيات أخرى ارتبطت ببسمة مثل والديها، وأختها الصغرى، وأخيها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد لتظل ثريا المسيطرة على جل فصول الرواية وتفاصيلها منذ الفصل الأول الذي دشنته بوقوفها قبالة المرآة متأملة وجهها، وما صاحب ذلك من إحساس بما طرأ عليه من تغييرات: " ونظرت في المرآة وجدت شخصا آخر لا تعرفه غريبا عنها... " ص11، وما انتابها من استغراب تمثل في اصطدامها بوجه آخر غريب عنها ؛ كسته التجاعيد، وخفت توهج نظراته: " شخصا في العقد الخامس من عمره شعر فضي وتضاريس متنوعة تغطي كامل جسمها، مع وجه لعب به الزمن وملأه بالأخاديد وعيون منطفئة يسكنها الظلام والتيه " ص 11، إلى الفصل الثالث عشر والأخير والذي تضمن قصتها التي روتها بنفسها إتماما وتتويجا لرواية صديقاتها، تواليا، قصص حياتهن الزوجية بالخصوص فلا تتردد عن سرد حلمها الأخير لنوارة التي طلبت منها ذلك ذات تجلّ وتمظهر: " ـ هو حلم غريب، شعرت بأنني أسقط من أحد المرتفعات. وجدت نفسي بين أناس يحملون داخل صدورهم قلوبا ثقيلة كثقل الجبال، عكسنا تماما، نحن قلوبنا خفيفة كالفراش. " ص342. ومن أهم الأحداث التي تضمنتها الرواية، والمرتبطة ب ثريا حين تعرضت لانهيار عصبي ونفسي: " لم تتحمل المسكينة كل ذلك الضغط المسلط عليها والذي فاق قدرتها، فانهارت كالجرف على الأرضية وأغمي عليها. " ص19، مما جعلها تدخل في نوم امتد لثلاثة أيام والذي أشاع موجة من الخوف والهلع في نفوس أبنائها إلى أن طمأنهم الطبيب على حالتها بعد أن فحصها وسأله ابنها سفيان: " أخبره أنها بصحة جيدة وأن كل الذي تمر به عابرا وستتحسن قريبا بعد أخذها للعلاج اللازم... " ص48، كما أوصاهم بعرضها على أخصائي نفسي: " ثم أكد عليه عرضها على مختص نفسي لفهم الحالة ولمعرفة أسبابها، وحبذا أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن. " ص48. وعند زيارتها للطبيب النفسي كشفت الكثير من تفاصيل معاناتها قبل أن تتخذ قرار التمرد على وضع أغرقها في دوامة إهمال ذاتها وخدمة الآخرين: " لقد مرت مدة لا بأس بها وأنا على هاته الحالة، وها أنا في العقد الخامس من عمري وما زلت أنازع الرغبة في تحرير نفسي... أنا زوجة وأم مستميتة في أداء الدور المنوط بعهدتي. شديدة الحرص بأن لا أقصر في واجباتي تجاه البيت وكل أفراد الأسرة... كنت نسيت أن هناك شخصا آخر تستحق مني الرعاية والعناية... شخص آخر كان عليه أن يكون من أول أولوياتي... هذا الكائن المنسي هو أنا... " ص129، ثم مافتئت تتدارك الوضع لتعمل وتعمد بإصرار على الانتقال من حياة الرضوخ والخنوع إلى حياة مغايرة تهتم فيها بذاتها، وتوفر لها ما تستحق وتتطلب من سبل عيش أكثر انفتاحا وتحررا واتساعا، وقد أُعْجِب الطبيب بوعيها بحالتها، من خلال رؤيتها وتطلعها لحياة جديدة مختلفة عن تلك عاشتها لفترة طويلة حين أقر بذلك: " حقا إن دواءك بين يديك فمثلما شخصت العلة سارعي بتشخيص الدواء ثم القيام بخطوات فعالة، ما تريدينه موجود بداخلك، فقط ركزي على نفسك وستجدين تلك اللؤلؤة المفقودة التي تبحثين عنها... " ص138، لتمر زيارتها للطبيب النفسي بيسر وسلاسة بعيدا عن أي صعوبات أو تعقيدات بما أبدته وعبرت عنه من تفهم لوضعها النفسي بالخصوص، وما رسمته من خطط تغيير نابع من رغبة راسخة وقوية. وفي سياق ما تعيشه من إرهاصات تحول ولجت مكتبة زوجها التي ألهمها فضاؤها كتابة شعر مستوحى مما تمربه الثقافة من أوضاع مزرية، ثم فتحت كتابا ل تشيخوف على صفحة مطوية لقصة " المغفلة "، وهي قصة خادمة اعتبرت ضعيفة وهو عكس ما رأته ثريا كما صرحت بذلك: " بالنسبة لي فإن قراءتي مختلفة تماما فما رأيته أن " يوليا " لم تكن ضعيفة ولا مغفلة، وأيضا لم تكن خائفة وخانعة، بل كانت مستوعبة تماما الوضع والظروف والبيئة والثقافة التي تعيش داخلها، وأن ذلك الذي تراءى للقارئ ضعفا، إنما هو ضعف الحق الذي غاب في قلوب الطبقة الأرستقراطية وضعف القوانين التي تحمي الأشخاص وضعف الوحدة في الأفراد المستضعفين للمطالبة بحقوقهم مع غياب الضمير إن الصمت لا يعني دائما الخنوع. " ص150، مما حفزها للتفاعل والتجاوب مع هذه القصة: " جعلتها هاته القصة تفكر مليا في وضعها...فقد أسقطتها على حياتها وعلى حياة الكثير من النساء. " 154. هذا التغيير هبت رياحه لاجتراح أفق مواجهة غير مسبوقة مع زوجها: "ارتفعت درجة صوتها وقالت: ـ نعم غاضبة... أنا غاضبة ومغتاظة، منذ أن علمت بوعكتي كم مرة اتصلت بي...؟... ألهذه الدرجة صرت لا أعني لك شيئا ولا أستحق بعض مكالمات......؟ ص164، فتصدع بقرارها على التحول في علاقتها معه بدرجة أولى، ومع أفراد أسرتها بدرجة ثانية: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... نعم أنانية ولو لمرة واحدة في حياتي... سأتعلم ذلك... أجل سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ " ص 164، وشرعت فعلا في تغيير مجرى حياتها باتخاذ قرارات فردية وشخصية في الخروج وحدها لتختلي بنفسها، وهو سلوك أثار استغراب زوجها: " لم يصدق زوجها ذلك. استغرب أن تقدم زوجته على مثل ذلك وأن تذهب بمفردها إلى تلك الأماكن. فسألها إن كانت صحبة إحدى الأصدقاء، فأجابته أنها قد قالت له أنها أرادت أن تختلي بنفسها وأنها لوحدها. اقترح عليها بأن يلتحق بها ويمضيان اليوم معا، رفضت وأعلمته أنها تهم بالعودة للمنزل. " ص174، فتتوج خرجاتها الفردية برحلة جماعية رفقة صديقاتها أيام الدراسة ( نور، وإشراق، وفاتن ) وتقترح نور عليهن الحديث عن حياتهن بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة ؛ ف إشراق اشتغلت كأستاذة للغة العربية، تزوجت وأنجبت طفلين ثم تطلقت... أما فاتن فقد أصبحت طبيبة أطفال ولم تتزوج، وثريا أول من تزوجت بعد أن انقطعت عن الدراسة مبكرا وهي أم لثلاثة أبناء، ونور التي تخرجت من الجامعة كمحاسبة وتشتغل هي وزوجها في مصنع للملابس الجاهزة. وكانت وجهتهن السياحية مدينة جبلية ساحلية تطل على البحر من اليمين، وعلى بحيرة بين الجبال وسط الغابة من اليسار حيث قضين أوقاتا جميلة تمتعن فيها بسحر الطبيعة وجمالها، وقمن برحلات في محيطها الخلاب، وما يتميز به من تنوع في المناظر والفضاءات، لتشرع بعدها كل واحدة منهن في سرد وقائع حياتها. فقصة فاتن تلخصت في إنهاء علاقة جمعتها مع أحد زملائها بكلية الطب بعد أن تخلى عنها وارتبط بفتاة من اختيار والدته حسب ادعائه، فتفرغت لعملها كطبيبة أطفال منفتحة مؤخرا على طلب زواج من رجل خمسيني مطلق له مركز محترم إلا أن الموضوع ظل معلقا بسبب والدتها التي تعيش معها ووالده الذي لا يمكن أن يتخلى عنه بحكم أنه ابنه الوحيد. تليها قصة إشراق التي تزوجت بعد إنهاء دراستها العليا برجل نرجسي قررت طلب الطلاق منه إلا أن ذلك لم يؤثر على حياتها الأسرية بخصوص الأولاد: " ـ لقد فكرنا مليا قبل الطلاق وقررنا ألا يكون طلاقا على حساب الأولاد، سيكون فقط انفصالنا نحن الاثنين وليس تحطيما لعلاقتنا الاجتماعية ولا لأولادنا فهما أثمن شيء لدينا... " ص255، أما نور فقد كانت تشتغل رفقة زوجها في مصنع للألبسة الجاهزة، إلا أن المشكل الذي واجههما فتمثل في عدم الإنجاب الذي كان من جانب الزوج، ولم تخبره بذلك في بداية الأمر، وما عاشاه بسبب ذلك من مشاكل من قِبَل عائلته، فقررا تبني توأمين ( ذكر وأنثى )، إلى أن علمت بإصابتها بمرض خبيث في الدم، وأن حظوظ التعافي منه كبيرة مادام في بدايته وما خلفه ذلك من أثر على صديقاتها اللائي تمنين لها الشفاء. وكان الختم بقصة ثريا والتي لخصتها في دوافع العمل على تغيير نمط حياتها المتمثلة فيما طوقها من عزلة ورتابة ورضوخ وخنوع لالتزامات الأسرة، وما يترتب عنه من إرضاء لأفرادها حفاظا على نظام عيش وحياة تقوم على الهدوء والطمأنينة، ملخصة ذلك في قولها: " كم هو جميل أن يحرر الإنسان نفسه وروحه ويطلقها في سماء الحياة بأجنحة ينسجها بنفسه " ص327. وما دام أن ثريا تعتبر الشخصية المحورية التي تدور حولها جل الوقائع والأحداث، بل تمسك بخيوطها الأساسية، فقد ارتأينا أن نتطرق باختصار لأهم علاقاتها بباقي الشخوص، وفي مقدمتهم زوجها الذي تمردت على ما يربطها به من وشائج تقوم على مهادنة وقبول تحول إلى استسلام وخنوع، فرغم تقديره لها إلا أن ذلك لم يكن كافيا بحيث لم يكن يقنع رغباتها فيما هو وجداني وعاطفي، ويكتفي بما هو مادي: " هي تعلم أيضا أنه يحبها ويوفر لها كل وسائل الراحة ولا يبخل عليها بشيء... فقد كان يقدم لها مشاعره في شكل أشياء مادية في الوقت الذي كانت تتمنى أن يكون لها أذنا تسمعها وحضنا يحتوي قلقها وحزنها وكتفا تضع عليه رأسها حين تعبها... ويهتم بها كشخصية مستقلة ولها كيانها وذاتها وليس ذلك التملك والحب الأناني الذي يجبرها على إلغاء ذاتها لإرضائه... " ص55، هذا الزوج الذي كرس كل وقته وجهده للعمل: " العمل الذي يأخذ الاهتمام والنصيب الأكبر لديه... " ص155، مما يفضي إلى إهمال مسؤولياته غير المادية تجاه زوجته بالخصوص، وأولاده إلى حد ما: " وقد كان في كل مرة يهرب ويفلت كالزئبق متعللا بضرورة تأمين مستقبل أفضل للعائلة... هي ترى أنه لا قيمة للمستقبل إذا خسر الإنسان حاضره وفوت الاستمتاع بأوقاته مع أولاده كذلك زوجته التي تشعر بالغربة تجاهه، أما هو فهوسه بتأمين مستقبل مريح جعله يضحي بحاضره... " ص155، كلها عوامل وأسباب دفعتها إلى الوقوف في وجهه راكبة غمار التحدي، مقررة العيش لنفسها، وأن تصير أنانية مهما كلفها ذلك: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ أقسم أنني لن أتراجع ولن أتنازل عن حقي هذه المرة... " ص164، لترسم مسارا خاصا بها من خلال ما قامت به من خرجات بمفردها، إلى المشاركة في رحلة مع صديقاتها دون أن تعبأ بملاحظات زوجها واستفساراته مما أرغمه على الإذعان لقراراتها لما لمسه فيها من إصرار على تغيير علاقاتها معه بالخصوص. ومن أبرز العلاقات أيضا التي جمعتها ب بسمة / نوارة عبر تقاطع نفسي ووجداني غير محدد الملامح والمعالم ؛ ابتداء من الفصل الثاني الذي كسر هيمنة ثريا على مجريات السرد ومشهدياته، حيث برزت شخصيات من قبيل بسمة / نوارة، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تناوب في الحكي مع ثريا وصديقاتها بقصته الأسطورية عن الفتاة التي اختفت في حوض الحمام ليلة زفافها، وما نسج حولها من حكايات، وقصتها مع الجن الأحمر الذي سيخطفها وسيبقيها تحت الأرض، وما انتاب العريس من ردود أفعال صادرة عن شدة انفعال وغيظ وتذمر بسبب اختفاء العروس. وقد أبدت بسمة / نوارة اهتماما ومتابعة كبيرة لقصص الجد عبد المجيد التي تمزج بين الغيب والخيال. وقد كانت تظهر في العديد من المواقف في حياة ثريا كما حدث في سياق النصائح التى قدمها لها الطبيب النفسي بحيث تقاطعت مع نفس النصائح التي أدلت بها نوارة: " ثم قدم لي بعض النصائح التي شوشت تفكيري... كانت نفسها التي قدمتها لي نوارة وكأنه يعيد كلماتها أو ربما هي من كانت تعلم ماذا سيقول لي الطبيب ؟ " ص138، فيفتح جسرا للتماهي بين ثريا ونوارة عبر زيارتها للطبيب، وحضورها في موقف استبقت فيه نصائحه فغدت وكأنها هي التي أملتها عليه وزودته بها، لتغدو هي المسيطرة على تفكيرها، والممسكة بزمامه: " احتلت نوارة النصيب الأكبر من تفكيري. لقد كان أمر تلك المرأة لغزا حيث شخصت حالتي أكثر من الطبيب ذاته وكأنها تقول لي أن الطريقة الوحيدة للراحة أن تتصالحي مع نفسك ومع محيطك وأن تعيشي الحاضر بدون ماض يسحبك إلى الوراء أو مستقبل يجرك إلى الأمام داخل موجة من القلق والهموم. " ص139، ليتضح مدى التأثير الذي يحيطها به حضور نوارة عبر مختلف التجليات والتمظهرات خصوصا المتعلقة منها بوضعيتها الصحية، لتسألها في آخر الرواية أن تحكي ما شاهدته من أحلام في نومها: " وأضافت نوارة قائلة: ـ أين ذهبت بأحلامك هذه المرة ؟...هيا أتحفينا. " ص342.

وقد اعتمدت الرواية في بنائها السردي على العناصر المعروفة من حوار خارجي: " وسألته عن القصة فرد قائلا: ـ لن أروي لك هذه الأسطورة. سألته عن السبب، فأجابني: ـ ستكرهين الحمام وستخافين منه... " ص32، والداخلي (المونولوغ ): " ثم سألت نفسها: هل الكائنات الموجودة على هذه المجرة يشعرون بقيمة هذه النعمة ؟ " ص26، واسترجاع: " أخذتها الذكريات إلى سنوات زواجها الأولى، وكيف كانا لا يستطيعان تحمل البعد عن بعضهما البعض... " ص160، ووصف كما جاء في وصفها للأم خديجة: " وهي امرأة في العقد السادس من عمرها، لها جسم ممتلئ، قصيرة القامة، بيضاء البشرة وجهها مستدير... ولها عينان ناعستان يتوسطهما وشم أخضر فوق خطوط غائرة... كما كان فمها صغيرا بشفتين رقيقتين يحيط به زوج من التجاعيد العميقة... " ص27، ووصف الجد عبد المجيد: " كان الجد عبد المجيد قد تجاوز عقده السابع، وكان فوضويا وأشعث وكانت عيناه غائرتين جدا... امتلأ كل خط من خطوط تجاعيده بغبار رمادي... " ص31. كما تميزت لغة الرواية بانزياح عن خطها الواقعي إلى لغة ذات طابع رومانسي رهيف وجذاب: " وتنطلق نحو التلة التي خلف المنزل لتراقب طلوع الشمس وكيف تبزغ من وراء الجبال متقدمة شيئا فشيئا تتهادى ناشرة النور حولها باعثة الحياة في الأرجاء لتبدأ سمفونية الحياة بالعزف... صياح الديكة... زقزقة العصافير... ثغاء الخراف والأغنام مع خوار قطعان البقر وهي متجهة نحو المراعي الشاسعة والغضة... " ص26، فتتآلف عناصر الطبيعة مشكلة مشهدا لبزوغ الشمس من خلف الجبال، وجوقة يتناغم فيها صياح الديكة بشدو الطيور، بثغاء الخرفان والشياه، بخوار البقر فتطرب لوقعها الآذان، وتنشرح النفوس.

فأمام وفرة شخوص الرواية، وتعدد أحداثها، وتنوع سياقاتها لم تسعفنا الإمكانات المتاحة لمقاربتها بشكل مستفيض وشامل إلا أنه لابد من الإشارة أخيرا إلى تميز إيقاعها السردي بتوالي الاستطرادات والتفاصيل التي اقتضتها طبيعة بعض المستجدات، وما أفرزته من تحولات ومتغيرات.

***

عبد النبي بزاز

 

تقنيع الوجوه وسبر الكينونة

الذئب:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

و لا داست أرجله شبرا

غير جبهته

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد

أنفه مهووس بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم تلاحقه شروقا

وحتى الهزيع.

الأرنب:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار

إن دوى

لا آهة في الصدر

ترسلها

و لا دمعا يراق.

الجمل:

صبورا يظل ولو حرموه طعامه

صبورا يظل ولو إمتطى الفاسقون سنامه

صبورا وإن صلبوا الشوق في مقلتيه

و غالوا مرامه

و هاذي الصحاري التي لم يجبها سواه

تجدد مهما قست حلمه

و تذكي لدى كل فجر هيامه

و لكن إذا آغتيل فيه رغاء

يهز الدجى ويقيم القيامة.

التقديم: نشر هذا القصيد في مجلة الحياة الثقافية التي تصدر عن وزارة الشؤون الثقافية بتونس، العدد109  / نوفمبر 1999، ص 89 ، قصيد " ما لم يقله بيدبا "، بعنوانها المبني على النفي، نص مخاتل مغر بقدرات يستدعي الماضي، يفلت منه إلى آفاق قصية يؤسس في رحمها المختلف ليدهش ويباده. ستستنفر القصيدة كل الجوارح وتذكي الحدس وتلهب شعلة العقل والمعرفة حتى نستقبل عناصرها ومفرداتها. إتصلت القصيدة بعالم الحيوان الرحب إتصالا تقصده الشاعر وتعمده، فآنتقى منه ثلاثة حيوانات هي الذئب والأرنب والجمل دون أن يكون هناك رابط يجمعها سوى ذات الشاعر التي تلج تلك العوالم لتعيد صياغتها من جديد بما يتيحه الطقس الشعري من وسائل ورؤى فنية.

1 – تماهي الجسدي بالشعري

في المقطع الأول ينهض القول الشعري منشدا إلى ماهية الكائنات لينتشلها من التشيؤ والموت حين ترتكس في الإجترار وتترهل بفعل المألوف والمعتاد. منذ السطر الأول تتوالى الألفاظ التي تحيل إلى جوهر الكائن / الذئب " نهش " " أنياب " " جثة ". تتكثف حينئذ الإحالة على كل ما هو جسدي. ولعل ذلك ما يمنح القصيدة بعدها الحداثي. يرتد الجسدي على الجسدي نفسه ليحده في حركة دائرية تعود من حيث بدأت، من خلال أسلوب الحصر " ما...غير "، " لا...سوى " مثلما يكون القول الشعري فعلا لازما لا يتجاوز ذاته يقول الشاعر:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

ولا داست أرجله شبرا

غير جبهته.( 89)

إنه جسد متوحش لم تفعل فيه الثقافة بعد فعلها. إنه الكائن المتحفز دوما لإشباع غرائزه، فهو صورة للطبيعة في توحشها، إنه إنشداد الشاعر إلى لحظة البدء حيث مازالت الكينونة بكرا لم تمسسها الحضارة، التي ما إنفكت تصوغ الوجود الحيواني / الإنساني وفق معارف ومعتقدات وفنون وقوانين يستبطنها الإنسان في مجتمع ما، يقول الشاعر:

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد ( ص 89)

صورة الثقافة في هذا المقطع صورة سلبية، لأنها مضادة للطبيعة في نزوعها المتوهج نحو الإنفلات من كل ما هو مؤسسة / نظام وقوانين. إنها ذلك السيل الجارف نحو تنميط المجتمع/ الوطن وفق رؤية إيديولوجية تظل إحدى صور القمع الكابح للحرية والإختلاف. إنه تدجين لتلك الإنطلاقة الأولى في عفويتها وبراءتها. ولكن الذات التي لا تنظر إلى الوجود على كونه لعنة حلت بها وإنما تراه مغامرة تخوضها بكل مسؤولية وشجاعة لا تني تعمل على نحت كيانها بآستمرار وفق شروط تضعها بنفسها لنفسها دون وصاية من جهاز ثقافي تنتجه المؤسسة. يقول الشاعر:

أنفه مهووس

بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم مازالت تلاحقه

شروقا

و حتى الهزيع ( ص 89 )

2 – قلب الماهية/ مأساة الكائن

يدهشك المقطع الثاني بهيمنة أساليب الأنشاء التي طبعته بطابعها، فآستقام مشهدا قد إنقلبت فيه صورة الكائن/ الأرنب رأسا على عقب. لقد إستطاع الشاعر أن ينشئء بفضل مسوغات القول الشعري خطابا مضادا لما رسخته الحكاية الشعبية في ملفوظها الشفاهي المتداول. إننا إزاء كائن جديد قد نحته طقس القصيدة، فآستوى قائما بماهيته الجديدة. إنه مسخ مس جوهر الكائن دون أن ينال من شكله. تخترق صيغ الأمر وصيغة النفي تراكيب المقطع الثاني ووحداته لتسمه بسمة العجز عن الفعل: واصل منامك/ إلزم مكانك/ إعرض لا آهة.../ لا دمعا...إن الذات التي أنهكها إمتلاؤها بنفسها حد الغرور، ركنت للموجود تجتره، حتى فقدت خصائصها المميزة، ليتحول ما كان طارئا في حياتها إلى ثابت يتلون به جوهرها. يقول الشاعر:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى(ص 89)

من سجلات القول التي آثر الشاعر اللجوء إليها في هذا المقطع لتعميق أبعاد الخطاب المضاد، سجل يحيل على الإستكانة والحلم والماضي: أطياف المنى / نم.../ الحلم / أمجاد خلت.../ البارحة. لقد إستعصى على الكائن الذي وهنت عزائمه وتفتت إرادته أن يستجمع قواه لينهض من جديد، فآنقلبت حركة الجسد المتوثب – تلك الطاقة المتمحضة دوما للفعل- إلى حركة حبيسة داخل الذات تستعذب في منامها ما تجود به الذاكرة من أمجاد الماضي حتى تنسى هزائم الحاضر ونكباته. يقول الشاعر:

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت (ص 89)

إننا إزاء كائن موسوم بالزيف قد فقد كل علاقة حميمة بالوجود، إعترت حواسه حالة من الذهان تغيب فيها الذات عن عالمها المحسوس. إنها مأساة الكائن الذي لا يقدر على الإضطلاع بمسؤولية الوجود، فيحتمي بشعارات الماضي، إنه الفرار من خوض الصراع، يقول الشاعر:

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار إن دوى

لا آهة في الصدر ترسلها

و لا دمعا يراق.( ص 89)

3 – إستبطان الكائن: الهدوء/ الثورة

للمقطع الثالث والأخير نزوع إستبطاني، فالجمل – الكائن الذي إتصف إتصافا شديدا بالصبر. غاص الشاعر في كينونته يسبر أغوارها، حتى إختلطت صفة الصبر بجوهره فأصبحت السمة المميزة له، يعرف بها وتعرف به. فصيغة المبالغة – صبور التي تصدرت كل وحدة معنوية. أصبحت الماهية التي سبقت وجود الكائن، لا تختبرها التجربة بقدرما تؤكدها. لقد لامست هذه التجارب الجانب البيولوجي: "صبورا يظل ولو حرموه طعامه"، ثم الجانب الأخلاقي: " صبورا يظل ولو يمتطي الفاسقون سنامه "، كما لامست الجانب الوجداني: صبورا...و إن صلبوا الشوق في مقلتيه وغالوا مرامه. رغم قسوة الطبيعة: " الصحاري...قست " وتقلباتها: " أمطرتها...العواصف تعوي " تظل ماهية الكائن ثابتة، صامدة متناغمة مع محيطها تستمد القدرة على إستشراف الآتي عبر الحلم والقدرة على تغذية الوجدان وهزه. يقول الشاعر:

و هاذي الصحاري التي

لم يجبها سواه

تجدد مهما قست

حلمه

و تذكي لدى كل فجر

هيامه. (ص 89)

إلا أن الوحدة الأخيرة في هذا المقطع تضع حدا لتلك الجوهرانية الثابتة والتي تقصد الشاعر إيهامنا بديمومتها وإستحالة تبدلها. تقف أداة الإستدراك " لكن " على رأس هذه الوحدة مصحوبة بأداة الشرط " إذا "، فتتلاشى تبعا لذلك تلك الطاقة الجبارة على الصبر والتحمل لتنقلب إلى ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر. إن تحليل مضمون جملة الشرط ودلالتها يكشف لنا سبب هذا الانقلاب فيكون العنف الذي إصطبغ به جواب الشرط حينئذ مشروعا. الكائن إذ يتكلم يسمع حفيف نفسه، لأن المسافة بين الفم والأذن قريبة جدا، فيكون الحضور الكامل للذات مع الذات من خلال الصوت والكلام الشفهي. ويكون الوعي بالحميمية الداخلية. ولكن حين يمنع الكائن من الكلام – الرغاء- فذلك يعني فقدانه للإحساس بالإمتلاء / إمتلاء المعنى والحضور الكامل، إنه يعني الاطلالة على الخواء والفراغ، إنها فظاعة الإحساس بالرعب ينتفض لأجلها الكائن أيما إنتفاضة، يقول الشاعر:

و لكن إذا إغتيل فيه رغاء

يهز الدجى

و يقيم القيامة (ص 89)

ملاحظات أخيرة:

تمحضت قصيدة " ما لم يقله بيدبا " لإضفاء المعنى على بعض المخلوقات من خلال سبر كينونتها، والشعر أقدر الفنون على ذالك. فالإنسان كما يقول الأنتروبولوجيون قد يحتمل شظف العيش وكل ألوان الحرمان، لكنه لا يحتمل غياب المعنى.هنا تكمن أهمية الشعر في إضفاء المعنى على الوجود، ولا عجب أن تكون القصيدة حينئذ ضوءا ينبجس من رحم اللغة الشعرية ليضيء الإنساني في الإنسان عبر الحيوان. فلم يعد الحيوان في رؤية الشاعر مجرد قناع يمكن الكاتب كما في القديم من ممارسة النقد السياسي والإجتماعي تحت ستار من الحيطة والحذر، بل أصبح القناع وسيلة فنية ورؤية جمالية، يعرفه عبد الوهاب البياتي بقوله: " والقناع هو الإسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردا من ذاتيه، أي أن يعمد الشاعر إلى خلق وجود مستقل عن ذاته وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية. " (1) لقد أضحت الحيوانات بمقتضى هذه الرؤية – الأرنب، الذئب والجمل – ورغم ما تأصل ما تشيعه من دلالات ومعاني في القصص والأمثال الشعبية، كائنات تسنى للشاعر أن يرصدها وهي تخوض تجارب وجودية مختلفة ليكتشف ما يصيب كينونتها من تصدع وتبدل وإنقلاب ضمن رؤية شعرية تغير مفهوم الشعر مع تغير كل مقطع من مقاطع القصيدة، فالشعر في المقطع الخاص بالذئب مثول في جوهر الموجودات ومجاورة دائمة لكيانها ( 2 )، وفي المقطع الخاص بالأرنب تحويل لماهية الكائن، فيكون وسيلة لتحرير رؤيتنا للأشياء من المألوف والمعتاد، وفي المقطع الخاص بالجمل يكون الشعر تكريسا للمختلف عبر صياغة رؤية جديدة لكائن/ رمز قد إستهلكه الاستعمال اليومي حد الإهتراء فإذا الشعر مبادهة ودهشة

***

رمضان بن رمضان

.......................

الهوامش:

1 – ديوان عبد الوهاب البياتي، المجلد الثاني، تجربتي الشعرية، دار العودة، بيروت، 1979، صص 37 – 38.

2 – محمد لطفي اليوسفي، لحظة المكاشفة الشعرية، الدار التونسية للنشر، تونس، 1992، ص 273.

في قصص "عاشقات الحمام وعشاقهن" لِلقاصّة رجاء الجابري

عَرَفت القصة القصيرة، منذ نشأتها الحديثة، تحولات كبرى جعلتها أكثر الأجناس السردية قدرة على التقاط التوتر الإنساني في لحظته المكثفة. فقد انتقلت من الحكاية ذات النبرة التقليدية إلى بنية تقوم على الاقتصاد اللغوي، والمفاجأة، والاقتصاد في الحدث، والاشتغال على الدلالة أكثر من الحكاية المباشرة. وفي مسار تطورها العالمي، غدت القصة الحديثة أقرب إلى مختبر لغوي ونفسي، تتجاور فيه الواقعية مع الرمزية، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى علامات دالة على اختلالات كبرى في العالم والذات.

انفتحت مجموعة «عاشقات الحمام وعشاقهن» الصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع/ بغداد على كتابةٍ تشتغل من داخل التشظي، وتعيد ترتيب عناصر السرد بحيث يغدو الاسم علامة، والمكان سؤالًا، والغياب بنيةً، والحبّ شكلًا من أشكال التوتر الوجودي. ولا يقتصر حضور العنوان على قصته المفردة، بل يتسع ليصير خيطًا جامعًا يسري في المجموعة كلها، حتى يبدو الحمام فيها كائنًا رمزيًا معلّقًا بين الألفة والانفلات، بين الرسالة والضياع، بين العودة والارتحال.

ويستحضر هذا المنحى ما أشار إليه تزفيتان تودوروف حين رأى أن الأدب لا يقدّم معرفة جاهزة بقدر ما يفتح أفقًا جديدًا للفهم، وأن الغريب الفني يكمن في الالتباس نفسه. فالجابري لا تبني قصصها على يقينٍ سردي، بل على اهتزازٍ محسوب يجعل القارئ في منطقة بين التفسير والتأويل. ويقارب هذا البناء ما عبّر عنه ميخائيل باختين حين أكد أن "الحقيقة تولد في مجال الحوار بين الأصوات المتعددة"، لأن النص هنا لا ينغلق على صوت واحد، بل يتشكل من توتر الأصوات وتجاور المواقع. أما رولان بارت فقد لخص شرط الكتابة الحديثة في أن "النص هو نسيج من الاقتباسات، من المراجع، من الثقافات"، ومن ثمّ تبدو هذه المجموعة نصًا يطلب قارئًا شريكًا لا مستهلكًا، قارئًا يلتقط الفراغات بقدر ما يلتقط الجمل. ويضيء أمبيرتو إيكو هذا المسار حين يجعل "النص المفتوح مجالًا للتعدد والاحتمال، لا بنية مغلقة على معنى واحد".2658 rajaa

ارتقت القصة الأولى في المجموعة "السيدة والفتى" مسارات السرد الناضج بوصفها نقدًا جذريًا للخطاب المجتمعي حول النجاح الأكاديمي. الفتى الذي أخفق في دخول كلية الطب يظهر مجروحًا في كرامته، فتواجهه السيدة الخمسينية بخطابٍ ينقل الفشل من خانة الانكسار إلى خانة إعادة التقييم "العيب ليس فيك بل في أفكار المجتمع المعطل عضوياً ونفسياً" هنا تتحول المواساة إلى نقد اجتماعي، ويتحول الطب من رمز الامتياز إلى واحد من مجالات الخلق الإنساني إلى جانب الهندسة والزراعة والاقتصاد. وتغدو الأمومة، في هذا المقطع، شكلًا من أشكال إعادة تأويل الذات، لا مجرد تعزية عابرة.

أشرقت في قصّة "تأهيل بيت الحكمة" مفارقة دقيقة بين الهشاشة الأولى والتشييد الذاتي. رفاه لا تُقدَّم بوصفها مهندسة مكتملة، بل بوصفها ذاتًا تتعرض للامتهان قبل أن تعيد ترتيب موقعها داخل المؤسسة. يشي النص بعنف مهني واجتماعي يطاول المرأة من جهة الهيئة واللغة والجسد، غير أن السرد يلتقط لحظة التحول حين تستبدل رفاه الانفعال بوعيٍ تنظيمي. ومن دلالة التفاصيل أن سوء فهمها لتقبيل فاروق المولى يد الوزير يكشف محدودية معرفتها بشبكة السلطة والقرابة، قبل أن ينقلب الخطأ نفسه إلى بابٍ لفهم أعمق: فـ"تأهيل بيت الحكمة" لا يعني ترميم المكان وحده، بل تهذيب الإنسان، وهندسة الوعي، وإعادة صوغ العلاقة بين المعرفة والسلطة.

طلّت قصة "خالدة خالد" من زاوية مقاومة البيروقراطية باسم الماء. خالدة لا تكتب رسائلها الكاشفة عن انحسار الماء في النهر إلى الوزراء والمنظمات الدولية عبثًا، بل تمارس مقاومة خطابية تُبقي دجلة حاضرًا بوصفه كائنًا حيًا لا ملفًا إداريًا. وعندما تهطل الأمطار وتمتلئ الروافد، فإن تمزيق الرسائل وإلقاءها في الماء لا يجيء باعتباره استسلامًا، بل احتفاءً بعودة الطبيعة إلى سلطتها. هنا ينهض النهر بوصفه ذاكرةً حيّة، ويغدو العشق معرفةً بيئية وسياسية في آن.

كما برز في "رواية سادسة" أقصى درجات الجنوح الشمولي. فالحوار حول خلق "كون ثالث" بين الكونين السالب والموجب، أو حول تضخم القمر وتصغير الكواكب، يخلخل المنطق الأرسطي ويستبدله بمختبرٍ تخييلي يختبر الحدود القصوى للمعقول. ثم ينفتح النص على عالم مثالي بثلاثة رجال فقط دون وجود امرأة، مع روبوتات وطابقين ونهرين وجسر وسد، في مشهد يفضح حلم السيطرة حين يتصل بالهندسة والاقتصاد والنبوة والاحتيال معًا. وتأتي النهاية التي تكشف أن الصديقين شبحان لكاتبين ميتين لتعيد النص إلى وعيه الميتاسردي؛ فالأكوان هنا ليست حقائق، بل صيغ تخييل تتجاور فيها السخرية والاختبار والجنون.

انفتحت قصة "جيهان... جوان" على مسارٍ يبدأ بالشعر وينتهي بالفاجعة. المقطوعتان الشعريتان الافتتاحيتان لجيهان وجوان ترفعان العلاقة إلى مستوى لغوي كثيف، حيث الماء والتين والطين والملح والنار عناصر في تكوين الحب. ثم تتسلل هشاشة العالم إلى الجسد واللغة، فينفتح النص على منطق الاستهلاك والدين والسرقة، قبل أن يبلغ العنف ذروته تحت جسر الأحرار وموت متوقع لجيهان وجوان، وعندما لا يبقى منهما إلا المقطوعتان المحفوظتان على فلاشة USB، يتجلى هنا الحب بوصفه أثرًا لغويًا لا يفنى، بينما تكشف الصحافة عن عجزها حين تحاول تغطية الفاجعة بدل مواجهتها. هنا يشتغل النص على التناص بين العاطفة والخبر، وعلى المفارقة بين العيش والموت، وعلى تحوّل الجسد إلى ملف يستغل من الآخرين الذين هم الجحيم كما قال سارتر.

انكشف في "حفيف وأختها" اضطراب زمني يجاور الذاكرة بالذهان. الزمن لا يسير في خطٍّ مستقيم، بل يتشظى بين الوداع والاختلال والشيخوخة. تدخل حفيف إلى المشهد بوصفها كائنًا يربك اليقين، ثم تنقلب إلى امرأة في التسعين تستدعي الحلم، وتُذكَّر من أختها بأنها لم تتزوج أصلًا وأنها محظوظة جدا بانفلاتها من التاريخ وعقم مداعبته لأحلامنا. بهذا المعنى، لا تروي القصة سيرة فردية فقط، بل تصوغ استعارة عن ذاتٍ عالقة في طبقات من الالتباس، وعن وطنٍ يخرج من العدّ كما يخرج من المساءلة.

نهضت قصة "الطابق الثالث" على عزلة الفنان بوصفها محورًا للانكسار. غني فرات يعيش داخل عمارة عادية ظاهريًا، غير أن صراخه يكشف توترًا داخليًا يتصل بالذاكرة الفنية وبالحب وبخذلان التاريخ. الطابق الثالث لا يعود فضاء سكن، بل موضع قلق، فيما تفتح الإحالات إلى ليزا الترك وإسماعيل فتاح الترك وتضحيات الفنانين العراقيين بابًا على تاريخٍ جماليٍّ مثخن بالخسارة. وعندما يصل غني فرات إلى صفحة عام 2004، ينهار أمام كتاب تاريخ الفن، فيتجسد الخراب بوصفه خبرة شخصية وجماعية في آن.

لاحت "بنفسجة الروح" من خلال ثنائية العطر والسلطة. رياحين امرأة صنعت ذاتها بين الموهبة والمعرفة والإرث، ثم وجدَت مشروعها المهني داخل اختبار أخلاقي حين عاد رافد من جهة الاقتصاد والجسد معًا. المشتل هنا ليس مكانًا للعمل فقط، بل حقلًا رمزيًا لقياس العلاقة بين الكرامة والهيمنة. وتتجسد المفارقة في عبارتي "بنفسجة بلا عطر" و"بنفسجة برية"؛ الأولى تشير إلى خسارة الذات حين ترضخ، والثانية إلى بقاء الحرية خارج شروط السوق. لذلك تتجاوز القصة حكاية عاطفية إلى مساءلةٍ للنفوذ والاحتكار وفساد المال.

وفي إشراق آخر نضج في "تبللت ثياب الجد" مسار يعتمد على تشكيل الكائن بدل وصفه. العلاقة بين الخطيب وخطيبته تبدو، في عمقها، إعادة سبك للذات. والبيت الكبير، بغرفه وبستانه وطبقاته، يتحول إلى فضاء تربوي قاسٍ تُصاغ فيه الشخصية عبر المنع والإغراء والتأديب. يكتسب الطعام والماء والكيّ صفة العلامة، ويغدو النضج فعلًا يتشكل تحت الضغط. لذلك تنتهي القصة إلى معنى يتجاوز الزواج بوصفه عقدًا اجتماعيًا، ليقترب من الخلق الثاني، حيث تصنع الخطيبة الخطيب بقدر ما يصنعها.

من جانب ملهم تمظهر في قصة "ريقها" تشابه بين الرغبة والشفاء، وبين الحيوان والإنسان. الببغاء لا يظهر كطائر أليف فحسب، بل كمرآة لابنة البطل، وقرين للغته الداخلية. والعطش هنا ليس عرضًا جسديًا فقط، بل علامة على هشاشة الكائن حين يختل توازنه. ثم ينفتح النص على الخلفية التاريخية حين يُكشف أن الرجل عسكري سابق اقتنى الببغاء في لحظة حربٍ وطنية وانسحابٍ واختلال. وهكذا يتحول الطائر إلى أثرٍ من الابنة، وشاهد على الزمن، واستعارة عن أبٍ يوزع حنانه بين الجسد المريض والطائر المتعب.

وأخيرا بلغ تكثيف الرؤى ومسؤولية الخطاب السردي في "عاشقات الحمام وعشاقهن" الذروة الرمزية للمجموعة كلها. فالحمام، بوصفه علامة ثقافية للروح والسلام والحرية، ينقلب إلى كائنٍ معلق بين الألفة والضياع، بين العودة والارتحال. وحين يقول العاشق: "صرت حمامتي الرابعة والسبعين"، تنفلت العبارة من معناها المباشر إلى استعارة عن العدّ والاحتفاظ والتعيين. والخيط الأزرق ثم الأحمر على ساق الحمامة لا يظلان زينة، بل يصيران أثرًا للذاكرة والوفاء. ويأتي الوعد المؤجل: "سأخبرك في اللقاء اللاحق أمام حمام النساء" ليؤكد أن اللغة تحفظ ما لم يحدث بقدر ما تعلن ما سيحدث. ثم يتحول البيت من موضع للحب إلى ساحة تدريب عسكري ثم إلى مشفى للأمراض النفسية، فتُمحى الذاكرة ويُعاد استعمال المكان. ومن هنا تبدو تربية حمام الزاجل فعل مقاومة رمزي ضد انقطاع الرسالة وسقوط الأثر.

وتتصل هذه القصص جميعًا في أن الحوار فيها يشتغل بوصفه بنية دلالية لا مجرد تبادل كلامي. فالشخصيات تُكتب في منطقة بين الاعتراف والتخفي، بين القول والصمت، بين الرغبة في القبض على العالم وعجز اللغة عن الإمساك به. لذلك تبدو المجموعة أقرب إلى نص مفتوح، يرفض المركز الواحد، ويمنح التعدد حقه في التشكل، ويجعل من التفتت نفسه طريقة في بناء المعنى.

خاتمة

نهضت مجموعة «عاشقات الحمام وعشاقهن» للكاتبة رجاء الجابري على بناء سردي يشتغل على التمزّق والانزياح وتفكيك المركز وإعادة توزيع المعنى داخل حيوات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تنكشف بوصفها حيوات مشروخة، محكومة بالغياب وبأثر ما لا يكتمل. فقد تبدّى في هذه المجموعة انتماء واضح إلى أفق القصة الحديثة وجنوحها ما بعد الحداثوي، إذ استثمرت أدواتها في بناء عالمٍ نصيّ تتجاور فيه العلامة والصدمة، والذاكرة والخراب، والحميم والملتبس، وتتداخل فيه المستويات الواقعية بالخيالية حتى تنهار الحدود بين الذات والموضوع. لا تقدّم المجموعة شخصياتٍ مستقرة أو حبكاتٍ مغلقة، بل تضع القارئ داخل شبكة من الأصوات واللقطات والحوارات القصيرة التي تؤدي وظيفة كشف التوتر أكثر مما تؤدي وظيفة الإخبار؛ فالحوار فيها يأتي بوصفه أداةً لتشظية المعنى وإظهار ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. وقد نجحت الجابري في أن تصوغ من التفاصيل الصغيرة كثافةً دلالية عالية، وأن تجعل من المكان والاسم والجسد والحمام والغياب عناصر في معمار سردي واحد ينأى عن السرد التقليدي ليغوص في التفكيك البنائي والتجربة الوجودية معاً. ومن ثمّ، فإن قيمة المجموعة تكمن في قدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى كتابةٍ تشتغل على الأثر، وتراهن على الإيحاء، وتبقي المعنى في حركة مستمرة. هذه الكتابة التي ترفض الاكتمال وتختار التشظي والغموض المتعمّد وتستثمر في الفراغ، هي التي تمنح النص فرادته وتجعله يلامس القارئ في منطقة الهشاشة والبحث عن المعنى في عالمٍ لا يكتمل يقينه.

***

بقلم الكاتب: كاظم أبو جويدة

بين تقعيد النحاة وتأويل الدلالة

تنهض العربية، في بنيتها العميقة، على شبكة دقيقة من العلاقات التي لا تُفهم من ظاهر الإعراب وحده، بل من وشائج المعنى التي تتخلّل التراكيب وتعيد توزيع الوظائف بين الألفاظ. ومن أبرز هذه الظواهر التي تكشف عن مرونة النظام النحوي وثرائه: ظاهرة نزع الخافض، وما يتفرع عنها من مفاهيم كـ”المفعول منه” و”المفعول عليه”، حيث ينتقل الاسم من حيّز الجر إلى ساحة النصب، لا بتغيّر موقعه فحسب، بل بتحوّل دلالته ووظيفته.

أولاً: المفعول منه – بين الأصل المحذوف والوظيفة الظاهرة

يُطلق مصطلح “المفعول منه” على الاسم الذي يدلّ على الجهة أو المصدر الذي وقع منه الفعل، ويكون في الأصل مجروراً بحرف جر (غالباً “من”)، ثم يُنزع هذا الخافض فيُنصب الاسم، فيغدو مفعولاً به في الظاهر، مع احتفاظه بجذره الدلالي.

ومن الشواهد القرآنية التي استوقفت النحاة قولُه تعالى:

﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾

والتقدير عند كثير من النحاة: من قومه.

فـ”قومه” في الظاهر مفعول به أول، غير أنّ التحليل العميق يكشف عن أصله: مجرور بمن، أي أنّ الاختيار وقع منهم، لا عليهم.

التحليل الدلالي:

“قومه”: ليسوا محل الفعل (أي لم يقع عليهم الاختيار بوصفهم مفعولاً مباشراً)، بل هم المصدر الذي تمّ الانتقاء منه.

“سبعين رجلًا”: هم المفعول الحقيقي المختار.

وهنا يتجلّى الفرق بين:

المفعول به الحقيقي (المنتقى)

المفعول منه (المنتقى منهم)

ثانياً: نزع الخافض – اقتصاد لغوي أم توسيع دلالي؟

مفهومه:

نزع الخافض هو حذف حرف الجر مع إبقاء عمله معنًى، ونقل الاسم من الجر إلى النصب.

علله:

الاقتصاد اللغوي: حذف ما يُفهم من السياق.

التوسّع في الاستعمال: توسيع دائرة الأفعال لتتعدى بنفسها.

التخفيف الصوتي: إذ يجنح اللسان العربي إلى الإيجاز حيث لا لبس.

ثالثاً: مواقف النحاة

١. البصريون: القياس والتحفّظ

ذهب نحاة البصرة، وعلى رأسهم سيبويه، إلى أنّ نزع الخافض:

سماعي في أصله، لا يُقاس عليه إلا في مواضع محدودة.

يرون أنّ الأصل هو الجر، وأن النصب طارئ بسبب الحذف.

ويُفسّرون الآية على أنّ فيها حذفاً مقدّراً:

“واختار موسى من قومه سبعين رجلاً”

ويؤكدون أنّ:

الاسم المنصوب بعد نزع الخافض ليس مفعولاً به حقيقياً، بل هو منصوب على نزع الخافض.

المعنى هو الحاكم، لا الصورة الإعرابية الظاهرة.

٢. الكوفيون: التوسّع والمرونة

أما الكوفيون، فقد مالوا إلى:

إجازة القياس على نزع الخافض.

اعتبار الفعل قد يتعدّى بنفسه دون حاجة إلى تقدير حرف الجر.

وعليه، فهم:

قد يُجيزون أن يكون “قومه” مفعولاً به حقيقياً دون حاجة لتقدير “من”.

يرون أنّ العربية تسمح بتعدية الفعل بوجهين: بحرف الجر وبدونه.

وهذا يعكس نزعة كوفية نحو:

تحرير الفعل من قيود التعلّق الحرفي، وإفساح المجال لديناميكية التركيب.

رابعاً: فقهاء اللغة – بين المعنى والاستعمال

اهتم فقهاء اللغة، كابن جني وابن فارس، بالجانب الدلالي أكثر من الإعرابي، فرأوا أن:

نزع الخافض ليس مجرد ظاهرة شكلية، بل هو تحوّل في زاوية النظر إلى الحدث.

الفرق بين:

“أخذت من المال”

و”أخذت المال”

ليس فرقًا إعرابياً فحسب، بل:

الأول يشي بالتبعيض

الثاني قد يوهم الشمول

ومن هنا، فإن “المفعول منه” عندهم:

ليس وظيفة نحوية فقط، بل بنية دلالية تشير إلى الأصل والمصدر والانفصال.

خامساً: المفعول عليه – الجهة المقابلة

في مقابل “المفعول منه”، يظهر ما يمكن تسميته بـالمفعول عليه، وهو:

ما يقع عليه الفعل مباشرة.

مثال:

“ضربتُ زيدًا” -  زيد: مفعول عليه (وقع عليه الضرب)

أما:

“أخذتُ المالَ” - المال: مفعول عليه (إن لم يُقدّر “من”)

لكن:

“أخذتُ المالَ من زيد”- المال: مفعول عليه

- زيد: مفعول منه

الفرق الجوهري:

المفهوم

الدلالة

المفعول عليه

ما وقع عليه الفعل مباشرة

المفعول منه

ما كان مصدراً أو منطلقاً للفعل

سادساً: الأبعاد الفلسفية للظاهرة

تكشف هذه الظاهرة عن بُعد عميق في العربية:

اللغة لا تعبّر فقط عن “ماذا حدث”، بل عن “من أين حدث” و”كيف انتقل الفعل”.

هناك حسّ دقيق بالعلاقات:

بين الفاعل

والمفعول

والمصدر الذي انفصل عنه الفعل

إنّ نزع الخافض ليس حذفًاً، بل هو:

إعادة توزيع للمعنى بين البنية الظاهرة والبنية المقدّرة.

خاتمة:

تتجلّى في “المفعول منه” و”نزع الخافض” عبقرية العربية في الجمع بين الإيجاز والعمق، حيث يُحذف اللفظ ويبقى أثره، ويُغيب الحرف وتظلّ دلالته حيّة في نسيج الجملة. وبين صرامة البصريين ومرونة الكوفيين، يظلّ المعنى هو الحكم الأعلى، يوجّه الإعراب ويعيد تأويله.

وهكذا، فإنّ هذه الظاهرة ليست مجرد باب نحوي، بل نافذة على:

فلسفة اللغة، وحركية المعنى، ومرونة التعبير العربي في احتضان الاحتمال دون الوقوع في الالتباس

فالعربية، في جوهرها، لا تقول كل شيء… لكنها تترك كل شيء قابلاً لأن يُفهم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في جدل الصوت والمعنى بين البصريين والكوفيين وفقهاء العربية

ليست اللغةُ العربيةُ كياناً صلداً تُحدِّده حدودُ الاصطلاح وحدها، بل هي كائنٌ حيٌّ نابض، تتجاور فيه الأصواتُ والمعاني في شبكةٍ من التراسل الخفيّ، حتى ليغدو اللفظُ معبراً إلى غيره، والمعنى ظلّاً لمعانٍ أخرى تتجاوره وتتشابك معه. ومن هنا تنبثق فكرة "تثاقُب الألفاظ" كما تلوح في أفق التحليل اللغوي عند ابن جني، حيث لا يعود اللفظُ وحدةً منغلقة، بل نافذةً يتسرّب منها إلى غيرها صوتاً ودلالةً.

أولًا: في ماهية التثاقب اللغوي

التثاقب، في جوهره، هو تداخلٌ إيحائيّ بين البنى الصوتية والدلالية، بحيث تتقارب الألفاظ لتقارب مخارجها أو صفاتها، فتتداعى معانيها على نحوٍ يُشبه التواشج العضوي. وقد ألمح ابن جني في الخصائص إلى أن تقارب الحروف يستدعي تقارب المعاني، وأن في العربية ميلاً فطرياً إلى أن تُشاكل الأصواتُ الدلالاتِ، حتى كأن اللغة تُعيد إنتاج العالم في نظامٍ صوتيّ.

وهذا التداخل ليس من قبيل المصادفة العمياء، بل هو انتظام خفيّ يربط بين:

جرْس الحرف وقيمته الإيحائية

وبنية الكلمة ومجالها الدلالي

وحركة الاشتقاق واتساع المعنى

ثانيًا: البصريون ومنطق الصرامة النظامية

يميل نحاة البصرة، وفي طليعتهم سيبويه، إلى إحكام النظام اللغوي وردّ الظواهر إلى أصولٍ مضبوطة. فاللغة عندهم تقوم على:

القياس

والاطراد

وتحكيم القواعد العامة

ومن ثمّ، فإنهم يتحفظون على توسيع فكرة التثاقب إلى حدّ يجعل من التقارب الصوتي دليلاً كافياً على التقارب الدلالي. فالعلاقة بين اللفظ والمعنى – في نظرهم – يغلب عليها الطابع الاصطلاحي، وإن لم يُنكروا بعض الإيحاءات الصوتية.

غير أن هذا التحفّظ لا ينفي إدراكهم لظواهر مثل:

الإبدال

والإعلال

وتقارب المخارج

وهي ظواهر تومئ – من حيث لا يقصدون دائماً – إلى نوعٍ من التثاقب الخفيّ.

ثالثاً: الكوفيون وانفتاح الرواية اللغوية

أما نحاة الكوفة، مثل الكسائي والفراء، فقد اتّسم منهجهم بمرونةٍ أوسع، إذ اعتمدوا على:

السماع

وتعدّد اللهجات

وقبول الشاذّ بوصفه شاهداً

وهذا المنحى يفسح المجال لتقبّل فكرة التثاقب، لأن:

تعدّد الصيغ واختلاف الأبنية لا يُفسَّر دائماً بالقياس، بل بعلائق دلالية وصوتية متداخلة.

فالكوفيون، وإن لم يصوغوا النظرية بصيغة فلسفية، قد مارسوها ضمناً حين أقرّوا بتجاور الألفاظ ذات الجذور المتقاربة صوتياً ودلالياً.

رابعاً: فقهاء اللغة ونزعة الكشف عن العلل

يبلغ مفهوم التثاقب ذروته عند فقهاء اللغة، الذين سعوا إلى استكناه العلائق الباطنية بين الألفاظ والمعاني. ففي أعمال ابن فارس، ولا سيما في كتابه مقاييس اللغة، نجد محاولةً لإرجاع الألفاظ إلى أصول معنوية جامعة، وكأن كل جذرٍ هو نواةٌ دلالية تتفرّع منها المعاني.

كما يتجلّى هذا الوعي بوضوح عند عبد القاهر الجرجاني، الذي رأى أن المعنى لا يقوم في اللفظ منفرداً، بل في نَظْمه وعلاقاته، مما يفتح الباب لفهم اللغة بوصفها بنيةً علائقية، يتجاور فيها اللفظ مع غيره في شبكةٍ من التراسل.

خامساً: بين الاصطلاح والطبيعة: أفق فلسفي

ينتهي بنا النظر إلى أن مسألة تثاقب الألفاظ تُعيد طرح السؤال القديم:

هل اللغة اصطلاحٌ محض، أم لها جذور في الطبيعة؟

البصريون يميلون إلى الاصطلاح المنضبط

الكوفيون يفسحون المجال لـ التنوّع والتداخل

وفقهاء اللغة يقتربون من القول بـ حكمة باطنة في اللغة

وفي هذا التباين تتجلّى العربية لا كأداة تواصل فحسب، بل كـ نظام رمزيّ عميق، تتقاطع فيه:

الفيزيقا الصوتية

والأنطولوجيا الدلالية

والذائقة الجمالية

خاتمة:

إن "تثاقب الألفاظ" ليس مجرّد ملاحظة لغوية، بل هو مفتاحٌ لفهم الروح الداخلية للغة العربية، حيث لا تنفصل الأصوات عن المعاني، ولا تستقلّ الكلمات عن سياقاتها العلائقية. إنه إعلانٌ ضمنيّ بأن اللغة ليست بناءً ميكانيكياً، بل نسيجٌ حيّ، تتخلّله مسارب خفية من التفاعل والتوليد، بحيث يظلّ المعنى دائماً في حالة انبثاق، واللفظ في حالة عبور.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ملخص الدراسة: تندرج هذه الدراسة ضمن الحقول النقدية المعاصرة التي سعت إلى إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي، من خلال مقاربة مفهوم التناص بوصفه آلية مركزية في إنتاج المعنى، ومنطلقًا لفهم دينامية الكتابة الحديثة. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن النص لا يُبنى في عزلة، بل يتشكل داخل شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تعكس تفاعل الذاكرة الثقافية مع لحظة الإبداع.

وقد اعتمدت الدراسة مقاربة نظرية تحليلية، استحضرت التصورات المؤسسة لهذا المفهوم، كما بلورها ميخائيل باختين من خلال مفهوم الحوارية، الذي ينظر إلى الخطاب بوصفه فضاءً لتعدد الأصوات، إلى جانب جوليا كريستيفا التي صاغت مفهوم التناص باعتباره تقاطعًا للنصوص وامتصاصًا لها. كما استأنست الدراسة بإسهامات رولان بارت، خاصة أطروحته حول "موت المؤلف"، التي نقلت مركز الثقل من الكاتب إلى النص والقارئ.

وقد سعت الدراسة إلى تتبع تحولات مفهوم التناص من جذوره اللغوية إلى تبلوره الاصطلاحي، مرورًا بتمثلاته في النقدين العربي والغربي، وصولًا إلى تجلياته التطبيقية في الشعر العربي الحديث، من خلال تحليل قصيدة “ريتا والبندقية” للشاعر محمود درويش.

وخلصت الدراسة إلى أن التناص لا يمثل مجرد تداخل نصوصي، بل يشكل بنية عميقة في تشكيل النص، تقوم على إعادة إنتاج المعنى عبر آليات التحويل والتفاعل، بما يمنح النص انفتاحًا تأويليًا ودينامية دلالية متجددة.

على سبيل الافتتاح:

تُعدّ ظاهرة التناص من أبرز الإشكاليات النقدية التي استأثرت باهتمام الدارسين في الحقول الأدبية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تعقيد مفهومي وتعدد في المقاربات النظرية والتطبيقية. فقد أصبحت هذه الظاهرة محورًا تتقاطع عنده جهود النقاد العرب والغربيين على حد سواء، كما غدت أداة تحليلية فاعلة لفهم آليات اشتغال النصوص الأدبية، والكشف عن ديناميات إنتاجها وتلقيها.

ولا يقتصر التناص على كونه مجرد تداخل نصوصي سطحي، بل يتجاوز ذلك ليشكّل بنية عميقة تقوم على استحضار النصوص السابقة، وتحويلها، وإعادة توظيفها داخل نسيج جديد، بما يحقق تفاعلاً خلاقًا بين الماضي والحاضر. ومن هذا المنطلق، لم يعد الإبداع الأدبي فعلًا منفصلاً أو منغلقًا، بل أضحى نتاج شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تضمن استمرارية المعنى وتجدد الدلالة.

وانطلاقًا من هذا التصور، يتجه هذا البحث إلى استكشاف تجليات التناص في الشعر العربي الحديث، من خلال الوقوف على أنماطه ووظائفه، والكشف عن الكيفية التي يوظف بها الشاعر هذه الآلية الأسلوبية توظيفًا يوازن بين الإبداع والأمانة الأدبية، متجنبًا الانزلاق إلى مظاهر الانتحال أو التقليد المذموم.

ويثير هذا الطرح إشكالية مركزية مفادها:

كيف استطاع الشاعر الحديث استثمار التناص بوصفه أداة إبداعية، دون الإخلال بقيم الأصالة والابتكار؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى التناص بوصفه عملية تفاعلية مزدوجة، لا يكتفي فيها النص اللاحق بالاقتباس من النصوص السابقة، بل يعيد إنتاجها وتأويلها، بما يمنحها دلالات جديدة لم تكن متاحة في سياقاتها الأصلية. وهكذا يغدو التناص تجسيدًا لعلاقة جدلية بين الامتداد والتجاوز، بين الوفاء للتراث والانفتاح على آفاق الإبداع.

 مقدمة:

شهدت الدراسات النقدية، خاصة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، تحولات عميقة مست بنية النص الأدبي، حيث لم يعد النص يُنظر إليه بوصفه كيانًا مستقلاً، بل باعتباره فضاءً تتقاطع داخله نصوص متعددة، تتفاعل فيما بينها عبر آليات الحضور والغياب، والتداخل والامتصاص. وفي هذا السياق، برز التناص كأحد المفاهيم المركزية التي أعادت تشكيل فهمنا لطبيعة الإبداع الأدبي، من خلال نقله من دائرة الانغلاق إلى أفق التفاعل والانفتاح.

ويتمحور موضوع هذا البحث حول تجليات التناص في الشعر العربي الحديث، مع اتخاذ تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش نموذجًا للدراسة، بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تعيد صياغة العلاقة بين الذاتي والجماعي، وبين الجمالي والسياسي. ويكتسب اختيار قصيدته “ريتا والبندقية” دلالته الخاصة، لكونها تمثل نصًا شعريًا غنيًا بالتقاطعات الدلالية والرمزية، حيث يتداخل الحب بالصراع، ويتحول الخاص إلى تعبير عن مأساة جماعية.

ولا يمكن تناول تجربة محمود درويش بمعزل عن موقعه في الشعر العربي الحديث، إذ يُنظر إليه بوصفه شاعر الأرض والهوية، كما يُعد في الآن ذاته شاعر الحب والإنسان، حيث استطاع أن يمنح التجربة العاطفية بعدًا وجوديًا، يتجاوز الفردي إلى الكوني، وأن يجعل من المرأة في نصوصه رمزًا مركبًا يتقاطع فيه الجمالي بالسياسي، والذاتي بالوطني. ومن ثم، فإن شعره يشكل مجالًا خصبًا لدراسة التناص، لما ينطوي عليه من ثراء مرجعي وتعدد في المستويات الدلالية.

وقد اعتمد البحث مقاربة تحليلية تسعى إلى تتبع تطور مفهوم التناص عبر محطاته التاريخية، بدءًا من جذوره في النقد القديم، مرورًا بتبلوره في الدراسات الغربية الحديثة، وصولًا إلى تجلياته في التجربة الشعرية الحديثة. كما يهدف إلى الكشف عن أنماط التناص ومستوياته داخل النص الشعري، سواء على المستوى الدلالي أو الإيقاعي أو الرمزي.

وينقسم البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:

يُعنى المحور الأول بتتبع نشأة مفهوم التناص وتطوره،

بينما يركز المحور الثاني على تصورات النقاد العرب والغربيين لهذه الظاهرة،

في حين يُخصص المحور الثالث لدراسة تمظهرات التناص في قصيدة “ريتا والبندقية”، من خلال تحليل تطبيقي يكشف عن آليات اشتغال النص وتعدد مستوياته الدلالية.

ولا تخلو هذه الدراسة من صعوبات، لعل من أبرزها ندرة الدراسات المتخصصة في التناص الشعري مقارنة بوفرتها في المجال السردي، غير أن ذلك لم يمنع من محاولة تقديم قراءة تحليلية تسهم في إغناء هذا الحقل المعرفي.

وفي الختام، يطمح هذا البحث إلى الإسهام، ولو بقدر يسير، في تعميق الوعي بظاهرة التناص، وإبراز دورها في تجديد الخطاب الشعري، والكشف عن الكيفية التي يتحول بها النص الشعري، في تجربة محمود درويش، إلى فضاء تتقاطع فيه الأصوات والمرجعيات، في كتابة شعرية تجمع بين الجمال والمأساة.

المبحث الأول: تحولات نظرية التناص وأسسها المفهومية

 التناص: من الجذر اللغوي إلى التحديد الاصطلاحي

ينفتح مفهوم التناص، في أبعاده الأولى، على جذور لغوية عربية تُحيل إلى معاني الرفع والإظهار والتداخل، وهي دلالات تكتسب أهميتها حين تُستعاد في سياقها النقدي الحديث، حيث يصبح التناص تعبيرًا عن تراكب النصوص وتفاعلها داخل بنية واحدة. فكما يدل الازدحام في اللغة على تقارب الأجسام وتداخلها، فإن التناص يعكس ازدحام النصوص داخل فضاء دلالي مشترك.

غير أن هذا الامتداد اللغوي، على أهميته، لا يكفي لتحديد المفهوم في سياقه النقدي الحديث، إذ انتقل التناص إلى حقل الاصطلاح بوصفه مفهومًا إجرائيًا يعبّر عن تعالق النصوص وتفاعلها عبر آليات الامتصاص والتحويل وإعادة الإنتاج. فالنص، وفق هذا التصور، لا يُبنى من فراغ، بل يتشكل من خلال شبكة معقدة من الإحالات النصية التي تستدعي نصوصًا سابقة أو معاصرة، فتدمجها في بنيته الجديدة.

وقد تبلور هذا المفهوم بشكل أكثر وضوحًا مع الدراسات اللسانية والسيميائية الحديثة، حيث أصبح التناص يُفهم باعتباره بنية علائقية تجعل من كل نص نقطة تقاطع لعدد لا نهائي من النصوص، في عملية مستمرة من إعادة التشكيل الدلالي.

 نشأة المفهوم وتطوره في النقد الحديث

يرتبط التأسيس النظري لمفهوم التناص ارتباطًا وثيقًا بأعمال المفكر الروسي ميخائيل باختين، الذي قدّم تصورًا حواريًا للغة، مؤكدًا أن كل خطاب هو في جوهره استجابة لخطابات سابقة، وتمهيد لخطابات لاحقة. ومن هنا، لم يعد النص كيانًا مغلقًا، بل أصبح فضاءً حواريًا تتقاطع فيه أصوات متعددة.

وقد وجدت هذه الفكرة امتدادها وتطويرها عند الباحثة الفرنسية جوليا كريستيفا، التي صاغت مصطلح التناص في صورته الحديثة، معتبرة أن كل نص هو "فسيفساء من الاقتباسات"، وأنه يقوم على امتصاص نصوص أخرى وتحويلها. وبهذا المعنى، يتحول النص إلى بنية دينامية تتجاوز حدودها الذاتية لتدخل في شبكة لا نهائية من العلاقات النصية.

كما أسهم رولان بارت في تعميق هذا التصور، حين اعتبر أن النص ليس وحدة مغلقة، بل هو نسيج من الإحالات، وأن الكتابة ليست خلقًا من عدم، بل إعادة توزيع للغة داخل فضاء ثقافي مشترك. وهكذا، أصبح التناص تعبيرًا عن لا نهائية المعنى، وعن انفتاح النص على قراءات متعددة.

 التناص بوصفه بنية تفاعلية:

إذا كان التناص يُحيل إلى حضور نصوص داخل نص آخر، فإن هذا الحضور لا يكون بالضرورة مباشرًا أو ظاهرًا، بل قد يتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين الاقتباس الصريح والإيحاء الضمني. ومن هنا، يمكن النظر إلى التناص بوصفه عملية تحويلية يعيد فيها المبدع تشكيل النصوص المستحضرة، وفق رؤيته الخاصة وسياقه الإبداعي.

ولا يمكن فهم هذه العملية بمعزل عن ذاكرة المبدع الثقافية، التي تختزن نصوصًا متعددة، يعاد استدعاؤها بشكل واعٍ أو غير واعٍ أثناء عملية الكتابة. فالنص، في هذا السياق، يصبح نتيجة لتفاعل معقد بين الذاكرة واللغة، بين الحاضر والماضي، بين الذات والآخر.

ومن هذا المنظور، لا يعود التناص مجرد تقنية أسلوبية، بل يغدو آلية معرفية وجمالية تسهم في إنتاج الدلالة، وتمنح النص عمقه التأويلي. إذ إن تعدد الإحالات النصية يفتح المجال أمام القارئ لتأويلات متعددة، تبعًا لمرجعياته الثقافية وقدرته على تفكيك هذه الشبكة النصية.

 أنماط التناص ومستوياته:

تتعدد أشكال التناص تبعًا لطبيعة العلاقة التي تربط النصوص فيما بينها، ويمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسة:

التناص المباشر: حيث يظهر النص المستحضر بشكل واضح، من خلال الاقتباس أو الاستشهاد.

التناص الضمني: ويتجلى في الإيحاءات والظلال الدلالية التي تستدعي نصوصًا أخرى دون التصريح بها.

التناص التحويلي: حيث يتم إعادة إنتاج النصوص السابقة داخل بنية جديدة، بما يغير من دلالاتها الأصلية.

وتكشف هذه الأنماط عن أن التناص ليس مجرد تكرار، بل هو فعل إبداعي يقوم على إعادة تشكيل المعنى، وإدماجه في سياق جديد يمنحه أبعادًا مختلفة.

 على سبيل ختام المبحث الأول:

يتضح من خلال هذا العرض أن التناص يمثل تحولًا نوعيًا في فهمنا للنص الأدبي، إذ لم يعد النص يُنظر إليه بوصفه نتاجًا فرديًا خالصًا، بل باعتباره ثمرة تفاعل مستمر بين نصوص متعددة. ومن هنا، يغدو الإبداع الأدبي فعلًا مركبًا، يجمع بين الامتداد والتجديد، بين الذاكرة والابتكار.

المبحث الثاني: التناص في منظور النقاد: من التأصيل التراثي إلى التنظير الحديث

على سبيل التمهيد:

لم يظهر مفهوم التناص في صورته الراهنة دفعة واحدة، بل تبلور عبر مسار تاريخي طويل، انتقل فيه من إشارات ضمنية في النقد القديم إلى بناء نظري متكامل في النقد الحديث. ومن ثم، فإن فهم التناص يقتضي الوقوف عند تمثلاته المختلفة لدى النقاد، سواء في التراث العربي أو في الفكر الغربي المعاصر، للكشف عن أوجه التقاطع والاختلاف بين هذه التصورات.

 التناص في النقد العربي القديم: من السرقات إلى الوعي بالتداخل النصي:

على الرغم من حداثة مصطلح التناص، فإن جذوره تمتد عميقًا في التراث النقدي العربي، حيث انشغل النقاد القدامى بقضية السرقات الأدبية، بوصفها إشكالًا نقديًا وأخلاقيًا في آن واحد. وقد سعى هؤلاء النقاد إلى ضبط العلاقة بين النصوص، وتمييز حدود الأخذ المشروع من غير المشروع.

ويبرز في هذا السياق اسم عبد القاهر الجرجاني، الذي لم ينظر إلى التداخل النصي بوصفه سرقة بالمعنى السطحي، بل بوصفه عملية تركيب وإعادة بناء، حيث تتحدد قيمة النص في طريقة تنظيمه للعلاقات بين الألفاظ والمعاني، لا في مجرد استعارته لها. وهكذا، انتقل التفكير النقدي من محاكمة النصوص إلى فهم بنيتها الداخلية.

كما أسهم أبو هلال العسكري في بلورة هذا التصور، حين أكد أن الأخذ من السابقين ليس عيبًا في ذاته، بل يصبح مقبولًا إذا أعيدت صياغته في قالب جديد يضفي عليه قيمة جمالية مضافة. وهو ما يقترب، في جوهره، من مفهوم التناص الحديث القائم على التحويل والإبداع.

ومن هنا، يمكن القول إن النقد العربي القديم، رغم اعتماده مصطلحات مثل "السرقة" و"الأخذ"، كان واعيًا و بشكل ضمني، بظاهرة تداخل النصوص، لكنه تناولها من زاوية معيارية أخلاقية أكثر منها تحليلية.

التناص في النقد العربي الحديث: إعادة قراءة التراث في ضوء المفاهيم الجديدة:

مع انفتاح النقد العربي على المناهج الغربية الحديثة، أعيدت قراءة التراث النقدي العربي في ضوء مفهوم التناص، حيث سعى النقاد إلى تجاوز النظرة الأخلاقية الضيقة، واستبدالها برؤية تحليلية ترى في التناص آلية إنتاجية للنص.

ويعد محمد مفتاح من أبرز النقاد الذين أسهموا في ترسيخ هذا الاتجاه، إذ اعتبر أن التناص ليس ظاهرة عرضية، بل شرطًا أساسيًا في كل عملية إبداعية، لأن النص يتشكل من خلال تفاعل الكاتب مع مخزونه الثقافي. كما أكد على أن فهم التناص يتطلب إشراك القارئ، باعتباره طرفًا فاعلًا في كشف العلاقات النصية.

وقد عمل النقاد العرب المحدثون على إقامة جسور بين المفاهيم التراثية كالاقتباس والتضمين والمعارضة، ومفهوم التناص، معتبرين أن هذه المصطلحات تمثل أشكالًا مبكرة لما أصبح يعرف اليوم بالتناص. وهكذا، لم يعد التراث مجالًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من شبكة القراءة الحديثة.

 التناص في النقد الغربي: من الحوارية إلى التعالق النصي:

بلغ مفهوم التناص درجة عالية من النضج في النقد الغربي، حيث ارتبط بتطور الدراسات اللسانية والسيميائية. وقد شكلت أفكار ميخائيل باختين نقطة الانطلاق، من خلال مفهوم 'الحوارية"، الذي يرى أن كل خطاب يتحدد بعلاقته بخطابات أخرى.

ثم جاءت جوليا كريستيفا لتبلور هذا التصور في مصطلح "التناص"، مؤكدة أن النص ليس وحدة مستقلة، بل هو تقاطع لعدة نصوص. وقد أعادت صياغة العلاقة بين النصوص بوصفها علاقة امتصاص وتحويل.

أما جيرار جنيت، فقد وسّع هذا المفهوم من خلال نظريته في "التعالي النصي"، حيث ميز بين عدة أشكال من العلاقات النصية، مثل التناص، والمناص، والنص اللاحق، مما أضفى على المفهوم طابعًا منهجيًا دقيقًا.

في حين ذهب رولان بارت إلى أبعد من ذلك، حين أعلن "موت المؤلف"، معتبرًا أن النص هو نتاج تفاعل لغوي وثقافي، وأن القارئ هو من يمنحه معناه عبر تفكيك شبكة الإحالات التي يتضمنها.

مقارنة نقدية: بين التصورين العربي والغربي:

تكشف المقارنة بين النقدين العربي والغربي عن مجموعة من الملاحظات الأساسية:

أن النقد العربي القديم أدرك ظاهرة التداخل النصي، لكنه تعامل معها بمنطق أخلاقي معياري.

بينما نظر النقد الغربي إلى التناص بوصفه بنية معرفية وجمالية، تتجاوز مسألة الأصالة إلى مسألة الإنتاج الدلالي.

وقد حاول النقد العربي الحديث التوفيق بين هذين التصورين، عبر إعادة قراءة التراث في ضوء المناهج الحديثة.

ومن هنا، يمكن القول إن التناص يمثل نقطة التقاء بين الثقافات النقدية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن اختلاف في زوايا النظر، بين من يركز على “الأصل” ومن يركز على “العلاقة”.

على سبيل خلاصة المبحث الثاني:

يتبين أن التناص ليس مجرد مفهوم نقدي عابر، بل هو إطار نظري شامل أعاد تشكيل فهمنا للنص الأدبي، من خلال نقله من دائرة الانغلاق إلى فضاء الانفتاح والتفاعل. كما أن تعدد المقاربات النقدية لهذا المفهوم يعكس غناه ومرونته، وقدرته على استيعاب مختلف أشكال الإبداع.

المبحث الثالث: التناص في الشعر العربي الحديث: قراءة تطبيقية في قصيدة "ريتا والبندقية"

تمهيد:

ليس النص الأدبي صوتًا واحدًا كما يبدو للوهلة الأولى، بل هو في حقيقته مجموعة خفية من الأصوات، تتداخل فيها ذاكرة اللغة مع تاريخ الثقافة، وتتشابك داخلها نصوص سابقة، تُعيد الظهور في هيئة جديدة. فهل يكتب الشاعر نصه حقًا، أم أن النصوص هي التي تكتب نفسها من خلاله؟

في هذا الأفق، لا يعود الإبداع الأدبي فعلًا فرديًا معزولًا، بل يتحول إلى ممارسة معقدة تستند إلى تفاعل مستمر بين نصوص متعددة، تتجاور وتتقاطع وتتداخل، في ما يُعرف اليوم بمفهوم "التناص" وهنا، يغدو النص فضاءً مفتوحًا، لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يعيد إنتاجه باستمرار، عبر استدعاء الذاكرة الثقافية وإعادة تشكيلها داخل سياق جديد.

ولعل تجربة الشاعر محمود درويش، خاصة في قصيدته ريتا والبندقية، تمثل نموذجًا مكثفًا لهذه الدينامية، حيث يتقاطع الحب مع الصراع، والذاتي مع الجماعي، في نصٍّ يفيض بالإحالات والدلالات. هنا، لا يعود التناص مجرد تقنية، بل يصبح قدرًا شعريًا، يكتب من خلاله النص نفسه داخل شبكة لا نهائية من العلاقات.

من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف التناص بوصفه أفقًا نظريًا وجماليًا، يتيح لنا فهم الكيفية التي يتشكل بها النص الأدبي، ليس بوصفه بداية، بل بوصفه استمرارًا… ليس بوصفه صوتًا، بل بوصفه صدىً يتردد عبر الزمن.

 من التنظير إلى الممارسة النصية

إذا كان التناص قد تبلور كمفهوم نظري في الدراسات النقدية الحديثة، فإن أهميته الحقيقية تتجلى في قدرته على تفسير كيفية اشتغال النصوص الأدبية في بعدها التطبيقي. ومن هذا المنطلق، تمثل تجربة محمود درويش مجالًا خصبًا للكشف عن آليات التناص، نظرًا لغنى نصوصه وتعدد مرجعياتها الثقافية والتاريخية والرمزية.

وتُعد قصيدة “ريتا والبندقية” نموذجًا دالًا على هذا التفاعل، حيث تتقاطع فيها مستويات متعددة من التناص، تُسهم في بناء نص شعري مكثف بالدلالات، يجمع بين الذاتي والوطني، بين العاطفي والسياسي.

  التناص العاطفي والسياسي: جدلية الحب والصراع:

تقوم القصيدة على بنية تناصية مزدوجة، حيث يتداخل الخطاب العاطفي مع الخطاب السياسي، في علاقة جدلية تعكس مأساة الإنسان الفلسطيني. فـ"ريتا" لا تمثل مجرد حبيبة، بل تتحول إلى رمز مركب، يُحيل إلى الآخر/العدو، في سياق صراع وجودي.

وهنا، يتجلى التناص بوصفه إعادة إنتاج لثنائية قديمة في الأدب الإنساني: الحب المستحيل، لكن درويش يعيد توظيفها داخل سياق سياسي معاصر، مما يمنحها أبعادًا جديدة تتجاوز بعدها الفردي.

التناص الرمزي: من الخاص إلى الكوني:

تعتمد القصيدة على شبكة من الرموز التي تتجاوز دلالتها المباشرة، حيث تتحول "البندقية" إلى رمز للعنف والصراع، في مقابل "ريتا" التي تمثل البراءة المفقودة أو الحلم المستحيل.

هذا التوتر الرمزي يعكس تناصًا ضمنيًا مع أدبيات الصراع والحروب، حيث يُعاد إنتاج ثنائية الحب/الموت في سياق حديث، مما يمنح النص بعدًا كونيًا يتجاوز خصوصيته المحلية.

التناص الثقافي: استدعاء الذاكرة الجمعية:

ينفتح النص على مرجعيات ثقافية متعددة، تتجلى في استدعاء صور وتجارب إنسانية مشتركة، مما يجعل القصيدة قابلة للقراءة في أكثر من سياق. وهنا، يظهر التناص بوصفه استثمارًا للذاكرة الجماعية، التي يعيد الشاعر تشكيلها داخل رؤيته الخاصة.

ولا يتم هذا الاستدعاء بشكل مباشر، بل عبر إشارات ضمنية، تتطلب من القارئ تفعيل مخزونه الثقافي لفك شفراتها، وهو ما ينسجم مع تصور رولان بارت لدور القارئ في إنتاج المعنى.

من تعدد الأصوات إلى وحدة النص:

على الرغم من تعدد مستويات التناص داخل القصيدة، فإن النص يحافظ على وحدته الداخلية، من خلال انسجام إيقاعي ودلالي دقيق. فالتناص هنا لا يؤدي إلى تفكيك النص، بل يسهم في بنائه، عبر دمج عناصر مختلفة داخل رؤية شعرية موحدة.

وهذا ما يعكس وعيًا شعريًا عميقًا، يجعل من التناص أداة للإبداع، لا مجرد استحضار للنصوص.

على سبيل ختام المبحث الثالث:

تكشف قراءة "ريتا والبندقية" أن التناص في الشعر العربي الحديث لا يقتصر على استدعاء نصوص سابقة، بل يتجلى بوصفه عملية تحويلية معقدة، يعيد من خلالها الشاعر إنتاج المعنى داخل سياق جديد. وهو ما يجعل النص فضاءً مفتوحًا للتأويل، تتداخل فيه الأصوات، وتتجدد دلالاته مع كل قراءة.

خاتمة: التناص بوصفه هندسة خفية للنص:

إذا كان التناص قد ظهر في البداية بوصفه مفهومًا إجرائيًا لتحليل العلاقات بين النصوص، فإن ما تكشفه هذه الدراسة هو أنه يتجاوز هذا الإطار ليغدو بنية عميقة تحكم اشتغال النص الأدبي من الداخل، وتعيد تشكيل علاقتنا بفعل الكتابة ذاته.

فالنص، في ضوء ما سبق، لم يعد كيانًا مغلقًا أو مكتفيًا بذاته، بل أصبح فضاءً تتقاطع داخله أنماط متعددة من التناص، تتوزع بين مستويات دلالية وجمالية متداخلة، تشكل في مجموعها ما يمكن تسميته " بـالهندسة الخفية للنص".

 تمظهرات التناص: تعدد المصادر وغنى الدلالة:

لقد أبان التحليل النظري عن تعدد تمظهرات التناص، حيث يتخذ أشكالًا مختلفة، لكل منها وظيفته الخاصة داخل البنية النصية:

التناص الديني: الذي يستمد قوته من استحضار النصوص المقدسة، بما تحمله من حمولة رمزية وروحية، تُضفي على النص عمقًا دلاليًا، وتمنحه سلطة تأويلية تتجاوز المعنى المباشر.

التناص الأسطوري: الذي يوظف الرموز الكونية الكبرى، ليمنح التجربة الأدبية بعدًا إنسانيًا شاملًا، ويُخرجها من حدودها الزمنية الضيقة إلى أفق كوني مفتوح.

التناص الأدبي: الذي يقوم على الحوار مع التراث الشعري والنثري، حيث يعيد النص استحضار صور وأساليب سابقة، لكنه لا يكررها، بل يعيد إنتاجها داخل رؤية جديدة.

التناص التاريخي والسياسي: الذي يستثمر وقائع الماضي ورموزه، لإعادة قراءة الحاضر، وكشف أزماته، في إطار رؤية نقدية تتجاوز المباشر إلى الرمزي.

إن هذا التعدد لا يعكس تشتتًا في النص، بل على العكس، يكشف عن غناه، وعن قدرته على استيعاب مستويات متعددة من المعنى.

 من تعدد التناص إلى وحدة النص:

على الرغم من تنوع مصادر التناص، فإن النص لا يتحول إلى مجرد فسيفساء مفككة، بل ينجح، عبر آليات فنية دقيقة، في تحقيق نوع من الوحدة الداخلية، حيث تنصهر هذه العناصر المختلفة داخل بنية متماسكة.

وهنا تتجلى براعة المبدع، لا في استحضار النصوص، بل في كيفية دمجها وإعادة توظيفها، بحيث تصبح جزءًا من نسيج النص، لا عناصر دخيلة عليه. ومن ثم، فإن التناص لا يؤدي إلى تفكيك النص، بل إلى تعميقه، وإغنائه دلاليًا وجماليًا.

 التناص بين الذاكرة والإبداع:

تكشف الدراسة أن التناص يقوم على علاقة جدلية بين الذاكرة الثقافية والإبداع، حيث لا يكتفي النص باستعادة الماضي، بل يعيد إنتاجه داخل سياق جديد. وهنا، يتحول التراث من عبء إلى طاقة إبداعية، ومن مرجع ثابت إلى مادة قابلة للتحويل.

وبهذا المعنى، يغدو التناص تعبيرًا عن استمرارية الإبداع، وعن تلك الحركة الدائمة التي تربط بين النصوص عبر الزمن، في سيرورة لا تنتهي من التفاعل والتجدد.

 نتائج الدراسة:

في ضوء ما سبق، يمكن إجمال نتائج الدراسة في ما يلي:

التناص يمثل بنية مركزية في النص الأدبي، وليس مجرد تقنية أسلوبية.

الإبداع الأدبي يقوم على التحويل وإعادة الإنتاج، لا على القطيعة مع الماضي.

تعدد أنماط التناص يسهم في إثراء النص وتكثيف دلالته.

التناص يفتح النص على تعددية التأويل، ويمنحه دينامية مستمرة.

العلاقة بين التراث والحداثة هي علاقة تفاعل لا تناقض.

 توصيات الدراسة:

انطلاقًا من هذه النتائج، توصي الدراسة بما يلي:

ضرورة تعميق البحث في التناص، خاصة في مجاله التطبيقي داخل الشعر العربي.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي في ضوء المفاهيم الحديثة، للكشف عن استمراريته.

تطوير المناهج النقدية بما يسمح باستيعاب التحولات المعاصرة في فهم النص.

إدماج مفهوم التناص في المناهج التعليمية، لتنمية مهارات القراءة التحليلية.

تشجيع الدراسات التي تجمع بين البعد النظري والتطبيقي في تحليل النصوص.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ

 

جدلية العاطفة والوطن في قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة ناديا نواصر

تندرج هذه القصيدة ضمن أفق شعري تفاعلي يستدعي ظلال تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، لا بوصفه مرجعاً أسلوبياً فحسب، بل بوصفه بنية رمزية مُؤسِّسة لخطاب شعري يتأرجح بين الذاتي والجمعي، بين الإيروسي والوطني، بين الجسد والأرض. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي توظيف مقاربات متعددة: أسلوبية، سيميائية، نفسية، وتفكيكية، بما يسمح بالكشف عن بنية التوتر الدلالي التي تحكم النص.

إننا أمام نص لا يقول ذاته بقدر ما ينفتح على احتمالات لا نهائية من المعنى، حيث تتقاطع العلامات، وتتصدّع الثنائيات، ويتحوّل الخطاب إلى حقل تأويلي مفتوح، وفق مفهوم "النص الكاتِب".

أولاً: البنية الأسلوبية واللغوية – لغة الانزياح والتشظي

تتأسس البنية اللغوية في القصيدة على تراكيب انفعالية متوترة، يغلب عليها الطابع الإنشائي، خاصة الاستفهام:

"فكيف أغني صباح بلادي"

"فكيف أصلي لعينيك"

"كيف أقاوم هذا الضباب الكثيف"

هذا التكرار ليس مجرد تكرار بلاغي، بل هو تفجير دلالي للقلق الوجودي، حيث يتحول السؤال إلى بنية حجاجية داخلية تكشف عن عجز الذات عن التوفيق بين قطبين: الحب والوطن.

أما على مستوى المعجم، فنلحظ حقولًا دلالية متقابلة:

حقل الحب/الأنثى: (ريتا، عينيك، الياسمين، الربيع، الهمس…)

حقل الوطن/المأساة: (فلسطين، الجرح، الجياع، الثكالى، الخيام…)

وهذا التقابل المعجمي يُنتج انزياحاً دلالياً يُحوّل اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة رمزية كثيفة.

ثانياً: البنية الرمزية والسيميائية – ريتا بوصفها علامة

تُستدعى "ريتا" هنا بوصفها علامة سيميائية مركّبة، تتجاوز حضورها العاطفي إلى تمثيل "الآخر"، أو "الذات المؤجلة"، أو حتى "الحياة الممكنة".

"وأكتب شعراً جميلا لريتا"

لكن هذا الجمال يتصدّع أمام حضور فلسطين:

"ولكن فلسطين للقلب أقرب"

هنا تتفكك العلامة، وتدخل في صراع مع علامة أخرى (فلسطين)، لتُنتج ما يمكن تسميته بـالازدواج الرمزي، حيث لا يعود المعنى مستقراً، بل يتأرجح بين قطبين.

الريح، الجرح، الياسمين، الخيام… كلها علامات تُسهم في بناء شبكة دلالية مفتوحة، تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.

ثالثاً: الإيقاع والموسيقى – بين التفعيلة والنبض الداخلي

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكنها تعتمد أساساً على:

الإيقاع الداخلي (التكرار، التوازي، التضاد)

الموسيقى النفسية الناتجة عن الانفعال

نلاحظ مثلًا:

"ولكن… ولكن… ولكن…"

هذا التكرار يُحدث إيقاعًاً تقابلياً يعكس الصراع الداخلي.

كما أن التوازي التركيبي:

"لصوتك… ولكن صوت الجياع"

"لهمسك… ولكن صراخ الثكالى"

يُنتج إيقاعاً جدلياً، يُجسّد الانقسام النفسي.

رابعاً: البنية النفسية – انشطار الذات بين الإيروس والتضحية

وفق قراءة نفسية، يمكن القول إن القصيدة تُجسّد صراعاً بين الأنيما (الأنثى الداخلية) والوطن بوصفه "الأب الرمزي".

"نحن نقيضان"

هذا الاعتراف يكشف عن انشطار في البنية النفسية، حيث تعجز الذات عن تحقيق التكامل.

الحنين هنا ليس عاطفة، بل هو ألم وجودي:

"يعصر قلبي الحنين إليك، فلسطين أولى"

إنه انتقال من الحب الفردي إلى حب جمعي تضحيّ، حيث تُستبدل الأنثى بالوطن، لا اختياراً، بل قسراً.

خامساً: القراءة التفكيكية – تقويض الثنائيات

من منظور تفكيكي (دريدا)، تنهار الثنائيات التي يقوم عليها النص:

حب / وطن

ريتا / فلسطين

الجمال / الألم

إذ لا تنتصر ثنائية على أخرى، بل تتداخل وتُقوّض بعضها:

"ورائحة الأرض أطيب"

مقابل

"لجسمك رائحة الياسمين"

هنا لا يُلغى أحد القطبين، بل يُعاد تأويله داخل شبكة من الاختلافات.

سادساً: النقد الاحتمالي والنص اللانهائي

وفق مفهوم "النص المفتوح"، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

نصاً عن فلسطين

أو نصاً عن الخيانة العاطفية

أو نصاً عن استحالة الاختيار

أو حتى نصاً عن فشل اللغة في التعبير.

إنها بنية احتمالية لا نهائية، حيث كل قراءة تُنتج نصاً جديداً.

بل يمكن القول إن "ريتا" ليست امرأة، بل استعارة لكل ما هو قابل للفقد، وأن "فلسطين" ليست جغرافيا، بل أفق أخلاقي.

سابعاً: تحليل نماذج دلالية

النموذج الأول:

"تمر الرياح على الجرح تنثر ملحاً وتمضي"

صورة تجمع بين:

١- الطبيعة (الريح)

٢- الألم (الجرح)

٣- القسوة (الملح)

إنها صورة تراجيدية مكثفة، تُجسّد عبثية الألم.

النموذج الثاني:

"ولكن صوت الجياع أهم"

تحوّل من الجمالي إلى الأخلاقي، حيث يُلغى الصوت الفردي لصالح صوت الجماعة.

خاتمة:

تكشف هذه القصيدة عن وعي شعري مأزوم، يتأرجح بين نداء القلب ونداء الأرض، بين الرغبة والتضحية، بين الجمال والواجب. وهي بذلك تُعيد إنتاج الإشكالية الدرويشية في سياق جديد، حيث لا يكون الوطن بديلاً عن الحب، بل مأزقاً وجودياً يبتلع كل إمكانات الفرح.

إنها قصيدة عن استحالة التوفيق، وعن إنسان يُجبر على أن يكون أكثر من ذاته، وأقل من حلمه.

في محصّلة هذه القراءة المتعدّدة المناهج، تتجلّى قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة الجزائرية ناديا نواصر بوصفها نصّاً شعرياً مأزوماً بالمعنى الوجودي العميق، حيث لا يُختزل الصراع في ثنائية الحب والوطن، بل يتجاوزها إلى محنة الكائن في مواجهة اختيارات لا تقبل التوفيق. إن الذات الشاعرة هنا لا تعيش مجرد انقسام عاطفي، بل تعاني تشظّياً أنطولوجياً يجعل من كل اختيار خسارة مؤجَّلة.

لقد كشفت البنية الأسلوبية عن لغة مشحونة بالانزياح والتوتر، فيما أبانت المقاربة السيميائية عن رموز متنازعة تُنتج دلالات غير مستقرة، في حين عرّت القراءة النفسية عمق الانشطار الداخلي، وفضحت المقاربة التفكيكية هشاشة الثنائيات التي يتكئ عليها النص. أما على مستوى التأويل، فقد بدا النص مفتوحاً على احتمالات لا نهائية، بما يجعله نصاً متجدّداً بتجدّد قرّائه.

وعليه، فإن هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها خطاباً عاطفياً أو وطنياً فحسب، بل بوصفها بنية معرفية وشعورية مركّبة، تُعيد مساءلة مفاهيم الحب، والانتماء، والتضحية، ضمن أفق إنساني يتجاوز المحلي إلى الكوني. إنها قصيدة تُعلن، في عمقها، أن الإنسان قد يُجبر أحياناً على أن يُحبّ ما يُؤلمه، وأن يُضحّي بما يُنقذه، وأن يعيش في منطقة بين-بين، حيث لا خلاص كامل ولا فقدان كامل، بل توتر دائم هو جوهر الوجود ذاته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

رسائل إلى محمود درويش

الرسالة 13

ناديا نواصر

مصابٌ بضربٍ من الخيبةِ العربية

مصابٌ بجرحي

إلى آخرِ الجرحِ

يا آخرَ الأبجدية

فكيف أُغنّي صباحَ بلادي

وأكتبُ شعرًا جميلًا لريتا

برائحةِ الصندلِ الزكيّة؟

وكيف أُخاتلُ خطوي الجريءَ

إلى النهرِ أُقصُّ

على الريحِ أحلامَنا الضائعةَ؟

تمرُّ الرياحُ على الجرحِ

تنثرُ ملحًا وتمضي...

وتفتحُ بابًا لقهرِ الزمنِ

فكيف أُصلّي لعينيكِ؟

كيف أقاومُ هذا الضبابَ الكثيفَ

وأُقنعُ ريتا بأننا حبيبانِ؟

نحن نقيضانِ،

يجمعُنا الحبُّ، ثم تُفرّقُنا الأمنياتُ

وكيف أكونُ حبيبًا لغيرِ البلادِ؟

فمهما يُحاصرني الشوقُ

يعصرُ قلبي الحنينُ إليكِ—

فلسطينُ أولى

لجسمكِ رائحةُ الياسمينِ،

ورائحةُ الأرضِ أطيبُ

لروحكِ في الروحِ قُربُ الوريدِ،

ولكن فلسطينَ للقلبِ أقربُ

لعينيكِ لونُ الربيعِ،

ولكن عيونَ البلادِ

أحلى وأحلى، وفي الحسنِ أعجبُ

لصوتكِ عزفُ المساءِ،

ولكن صوتَ الجياعِ أهمُّ

لهمسكِ بالليلِ سحرٌ غريبٌ،

ولكن صراخَ الثكالى في الجرحِ أغربُ

لليلكِ عمرُ الأغاني الجميلةِ،

وطعمُكِ فاكهةُ العمرِ،

لكنَّ طعمَ الخواءِ

وجوعَ الصغارِ،

وطعمَ العراءِ لشعبي الأبيِّ،

وطعمَ الليالي ببردِ الخيامِ

في الروحِ أقسى

ومن فرطِ حزني

فروحي إلى الموتِ أقربُ

مصابٌ بهذا النداءِ المقدّسِ

فلا تسأليني إلى أين أمضي

وكيف انتهينا

برغم العناقِ وكوبِ الشرابِ

ورائحةِ الياسمين؟!

 

قراءة نقدية موسَّعة في قصيدة الشاعرة رضا عبد الوهاب

تنهض هذه القصيدة على توترٍ وجوديٍّ عميق، حيث تتقاطع الذّات مع انكساراتها، ويغدو القول الشعري فعلَ مقاومةٍ ضد التلاشي. إنّنا إزاء نصٍّ لا يكتفي بوصف الألم، بل يعيد إنتاجه جمالياً عبر شبكة من الصور والانزياحات، تجعل اللغة ذاتها كائناً مجروحاً. ومن هنا، فإنّ مقاربة هذا النص تستدعي تضافر مناهج متعددة، تُضيء طبقاته المتراكبة: من البنية الأسلوبية إلى التشكّل الرمزي، ومن البعد النفسي إلى الأفق التأويلي المفتوح.

أولاً: البنية اللغوية والأسلوبية – انزياح المعنى وتكثيف الدلالة:

تتأسّس اللغة في النص على اقتصادٍ تعبيريٍّ مشحون، حيث يُستبدل المباشر بالإيحائي، والتقريري بالانزياحي.

نقرأ:

"وكنتُ أُهدرُ من قلبي قساوتَهُ

وأنقشُ الظلَّ من عمري الذي سُرقا"

هنا يتبدّى الانزياح في مستويين:

دلاليّاً: إهدار القسوة فعلٌ مفارق، إذ القسوة تُمارَس لا تُهدر، مما يُحوّل الذات إلى فاعلٍ ضد ذاته.

تصويريّاً: نقش الظل استعارة تُشيّد مفارقة بين الملموس (النقش) واللاملموس (الظل)، في إحالة إلى محاولة تثبيت ما هو زائل.

المعجم الشعري ينهل من حقول:

الزمن المنكسر: (عمري، الأيام، النهاية)

العاطفة المتوترة: (قساوة، حزن، عتب، شوق)

العناصر الكونية: (النجم، الموج، البحر، الماء)

وهذا التداخل يُنتج لغةً كونية-نفسية تُسقط الداخل على الخارج.

ثانياً: الصور الشعرية والرمزية – تشظّي الذات في مرايا الكون

الصور في النص ليست زخرفاً بل بنية معرفية:

"أرنو إلى النجمِ مُشتاقًا لأنثرهُ"

النجم هنا ليس جرماً سماوياً، بل رمزٌ للمعنى المتعالي الذي تسعى الذات إلى امتلاكه، لكنها تريد نثره، أي تفكيكه.

"جمعتُ أصدافَ بحرِ الحبِّ في كبدي"

الصورة مركّبة:

١- البحر: اللاوعي/اللانهاية

٢- الأصداف: الذكريات/الأصداء

٣- الكبد: موضع الألم

فنحن أمام ترحيلٍ للكون إلى الجسد، حيث يتحوّل الداخل إلى أرشيفٍ رمزي.

ثالثاً: الإيقاع والموسيقى – هندسة الألم الصوتي

الإيقاع في القصيدة يقوم على:

توازن الشطرين (نَفَس عمودي مكسور)

تكرار الأصوات الحلقية والرخوة (ح، ع، م) التي تعكس الحزن

المدود الصوتية التي تمنح النص امتداداً أنينياً

"ألملمُ الحرفَ عن جفنٍ يؤرقني"

تكرار اللام والميم يمنح الجملة تموّجاً صوتياً يحاكي الأرق.

 الهيرمينوطيقيا الصوتية

الإيقاع هنا ليس زينة، بل دلالة مضمرة:

إنه يُحاكي التردّد الوجودي، ويحوّل الصوت إلى معنى، حيث تتكلّم الموسيقى بما تعجز عنه العبارة.

رابعاً: الدلالات الفكرية والفلسفية – الوجود بوصفه فقداً

تطرح القصيدة سؤالاً مركزياً:

هل يمكن للذات أن تستعيد ذاتها عبر اللغة؟

نقرأ:

"الكلُّ صفرٌ وحولي الناسُ تنظرني"

هنا تتجلّى نزعة عدمية قريبة من التصورات الوجودية:

١- العالم: فراغ

٢- الآخر: متفرّج

٣- الذات: مركز الألم

إنها لحظة انكشاف، حيث يتحوّل الوجود إلى معادلة صفرية.

خامساً: البنية النفسية – الذات بوصفها حقل صراع

القصيدة تُشيّد ذاتاً:

١- منكسرة: (سُرقا، غرقا، رهقا)

٢- باحثة: (أرنو، أمني، أمضي)

٣- منقسمة: (أمضي لذاتي… يجتاحها عتب)

"كالطفل يحمل في أوصاله برقًا"

صورة نفسية مكثفة:

الطفل: البراءة

البرق: الصدمة

أي أن الذات تعيش طفولة مجروحة، حيث البراءة مشحونة بالعنف.

سادساً: التحليل التطبيقي – نماذج دلالية

النموذج ١:

"أحدثُّ الموجَ، هل صلّى على شفتي"

١- الموج: الآخر/الكون

٢- الصلاة: الطهر/الرجاء

٣- الشفاه: القول

- علاقة ثلاثية بين القول والقداسة والطبيعة

النموذج ٢:

"هذي أنا أي شعرٍ لا يُقارضني"

هنا يتحوّل الشعر إلى كائن حاكم، والذات إلى موضوع للمساءلة، في قلبٍ للمعادلة الإبداعية.

سابعاً: النقد الاحتمالي – النص بوصفه أفقاً مفتوحاً

في أفق النقد الاحتمالي، لا يُقرأ النص بوصفه معنى ثابتاً، بل كشبكة إمكانات:

قد يكون النص مرثية ذاتية

أو بياناً وجودياً ضد العدم

أو سيرة رمزية للخذلان العاطفي

النص الممتد (اللامتناهي)

يمكن تخيّل امتداد النص:

لو قالت: "وأزرعُ في فمِ الصمتِ ارتباكي"

فإنها ستواصل بناء عالمٍ حيث:

الصمت يتكلم

واللغة تتكسّر

والمعنى يتوالد بلا نهاية

وهنا يغدو النص مفتوحاً على لانهائية التأويل.

خاتمة:

إنّ قصيدة رضا عبد الوهاب ليست مجرد بوحٍ شعري، بل هي بنية وجودية متشظّية، تتقاطع فيها اللغة مع الألم، والرمز مع الذاكرة، والإيقاع مع القلق الكوني. وقد أظهرت المقاربة المتعددة أنّ النص:

يُراوغ المعنى عبر الانزياح

ويُنتج دلالته عبر التوتر

ويظلّ مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي

وبذلك، تنجح الشاعرة في تحويل التجربة الفردية إلى أفق إنساني شامل، حيث يغدو الشعر ليس تعبيراً عن الألم، بل طريقةً في التفكير به، وإعادة تشكيله جمالياً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

القصيدة

وكنتُ أُهدرُ من قلبي قساوتَه

وأنقشُ الظلَّ من عمري الذي سُرقا

*

وصرتُ أحبو إلى لقياكَ يا أملي

ودمعتي تهملُ المعنى الذي غَرقا

*

أرنو إلى النجمِ مُشتاقا لأنثرُه

كأنَّ عمري وحيداً بعدما عَشقا

*

أُمنّي الروحَ، ذاك الصوتُ أسمعُه

فليت خِلَّا حبيباً يُحسنُ الطَرْقا

*

أمضي لذاتي إذ يجتاحها عتبٌ

كالطفلِ يحملُ في أوصالهِ برْقا

*

ومُزنةُ الحزنِ في الأيامِ ترمُقني

جوراً وهذا اكتمالُ العمرِ اذ رهقا

*

جمعتُ أصدافَ بحرِ الحبِّ في كَبدي

غرباً سيركضُ بي إذ خلتُه شرقا

*

ألملمُ الحرفَ عن جفنٍ يؤرقني

وأرسمُ القلبَ بالسهمِ إذ شُنقا

*

أحدثُّ الموجَ، هل صلَّى على شفتي

صليتُ فوق كفوفِ الماءِ فانبثقا

*

أقمتُ في لُجةِ الظلماءِ أحسبُها

أنثى من التيهِ نشوى تصنعُ الفرقا

*

بعضُ الرؤى فوضوياتٌ مساحتها

تمضي إلى موجةٍ قد طوَّحت أرقا

*

هذي أنا أي شعرٍ لا يُقارضني

إن مدَّ جزراً هواه الآن ما صدَقا

*

الكلُّ صفرٌ وحولي الناسُ تنظرني

كيف النهايةُ؟ بي رفقا وما رَفقا

*

أني احتدامُات نجمٍ من توجُعه

يكفي أرتلُ فيكَ الناسَ والفلقا

***

الشاعر رضا عبد الوهاب

١٣/١١/٢٠٢٥

"العشاء الأخير في حضرة دافينشي"

هي مجرد قراءة أولى، لذلك لن تكفي حتى وإن كانت لمجرد استكشاف نصوص المجموعة القصصية "العشاء الأخير في حضرة دافينشي" للصديق المبدع محمد محضار جميعها؛ بل إن الاقتصار على قراءة نصوص-اختيرت أو أخذت منها عينة عشوائية- لن يفي بالغرض لوضع اليد على كل مؤشرات الجودة الفنية في مجموعة كهاته، كل نص فيها يحمل جودته في ذاته، لتتكامل في نهاية المطاف من حيث تيماتها وتماثل بنائها الفني؛ وإن تراوح أسلوبها بين الشعرية في المقاطع الوصفية و بين المباشرة أحيانا في فقرات الحكي التأريخي، كما تفاوتت في الأحجام (أصغرها "لحظة امتعاض" في ثلثي صفحة حتى كادت تندرج ضمن القصة القصيرة جدا وأطولها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة في ثلاث وعشرين صفحة" حتى كادت تشكل رواية قصيرة OMANR iMiN

.. وقد تباعدت تواريخ كتابة هذه النصوص (أقدمها "وجود الشيء واحتراقه" 1974، وأحدثها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة" 30/ 8/ 2025) حتى كادت تشكل مشروعا سرديا اِمتد إنجازه على مدى 51 سنة، وكان يكفي الوصل بينها عبر خيط زمني واسترسال سردي رابط لتلحيم أشلائها ودمجها ضمن متن روائي جامع .

لأنها (وكما سبقني إلى إدراك ذلك الصديق الناقد الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي) نصوص محكومة بصدق التجربة ووحدة الرؤية بل وشاهدة على مهارة -لا تُخطئها العين- في التحكم في آليات السرد.

وقد فضل المبدع الأستاذ محمد محضار أن يعنون المجموعة بعنوان لقصة تتوسط المجموعة، وبذلك تكاد هاته القصة تشكل قلب المجموعة النابض دلاليا وجماليا وهي (العشاء الأخير في حضرة دافينشي ص: 57)

يتشكل العنوان من شقين (كما لاحظ ذلك الأستاذ التدلاوي)؛ ولمزيد من التوسيع؛ فالشق الأول منقول عن تسمية متداولة منذ زمن بعيد (العشاء الأخير) أما ثاني الشقين فموضوع من إبداع المؤلف نفسه (في حضرة دافينشي)، الشق الأول يحيل على تسمية من التسميات التي اشتهرت بها جدارية ليوناردو دافينشي في سانطا ماريا ديل كرازي بمدينة ميلانو الإيطالية؛ ويُختصر اِسمها عادة في أدبيات الفن ب neèC LA: والتي يتوسطها المسيح كمركز اهتمام وهو يسِرُّ إلى حوارييه الاِثني عشر، بأنه سيطعمهم بلحمه وسيسقيهم بدمه؛ لتلوح على ملامحهم علامات الصَّدمة والشَّك والغضب إحساسا بالخيانة التي تتربص بالمسيح؛ وذلك قبيل توقيفه وصلبه؛ بينما يُحيل الشق الثاني (الموضوع) على ذائقة (المؤلف) الفنية على لسان السارد والتي يؤكدها ويكشف عنها مَطلع القِصّة التي تحمل العنوان نفسه (ص: 57) .. ليتكامل العنوان واللّوحة التي تتوسط الدفة الأولى من غلاف المجموعة مثلما تتوسط صورة المؤلف ونبذة تعريفية به الدفة الخارجية الأخيرة إضافة الى آخر جُملة من الاهداء، فيقوي كل ذلك افتراضا مفاده أن تيمة الشك والتوتر والقلق والإحساس بالغدر ستشكل القاسم المشترك بين تيمات جل نصوص المجموعة؛ وهي دلالة تقويها بوضوح عناوين أغلب النصوص؛ ومنها (العجوز والموت/ زمن التمزق والتشظي/ نهاية سيدة من الزمن الماضي/ لحظة امتعاض/ روائح العصيان/..إلخ)

إلا أن طول مدة الإنجاز ترك أثرا واضحا على بنية النصوص لغويا وفنيا على الرغم من تردد التيمات المشتركة ذاتها (الغدر/ الخيانة/ حركية الزمن/ صورة الوجود بين الحقيقة والوهم...) فإن كان الجامع بين النصوص القديمة هو خطية الزمن ورتابة الحكي؛ فإن النصوص الحديثة العهد تتسم في مجملها (وهي الغالبة) بمركزية الشخصية وكثافة اللغة وإيحائية اللفظ واستبطان ذوات الشخوص بدل الاكتفاء بالتأثيث الخارجي؛ بينما لم تَخْلُ نصوصٌ قديمةٌ (على قِلَّتِها) من مقاطع مباشرة تَنزل في بعضِ الفقرات الى الوصفِ التقريري أو الخطاب التأريخي يُرافقه التفسير أحيانا (كما لو أن السّارد يتولى مهمة قارئ لحادثة تاريخية يوجه القارئ ليقاسمه المعلومة (هي سنة الحياة؛ ما من صعود وطلوع إلا ويتبعه نزول وسقوط، من سوء حظ أبو عبد الله أن سقوط غرناطة ارتبط باسمه وربما كان هذا سبب عيشه منبوذا بمدينة فاس التي هاجر إليها وحتى ضريحه لم يتم ترميمه إلا مؤخرا.....ص: 153 "شيطان الظهيرة....").. والملاحظة ذاتها تصدق على خطية الزمن في النصوص القديمة بينما يتموج الزمن أو يتخلله التقاطع بين الاسترسال والاسترجاع والاستشراف في نصوص أخرى، علما بأن عنصر الزّمن في الكثير من النصوص يتجاوز وظيفته التقنية ليتحول هو ذاته إلى تيمة مركزية إما بلفظة "زمن" أو بإحدى مشتقاتها أو بكناية دالّة عليها، كما في نصوص من قبيل (الأيام الشاحبة- زمن التمزق والتشظي- زمن البرشمان- زمن التفاصيل- نهاية سيدة من الزمن الماضي ..). ولعل ما يُفسر هذا الحضور اللّافت للزمن -باعتباره إحدى التيمات المركزية التي تكاد تحضر في السواد الأعظم من النصوص- هو الاقتناع برؤية تعتبر قراءة الحاضر رهينة باستحضار الماضي وهي رؤية عبر عنها المؤلف صراحة من خلال صوت السارد في ص: 143 ضمن نص (شيطان الظهيرة...): "النبش في الماضي يَمنحنا فُرصة لإعادة ترتيب الأوراق وقراءة الحاضر بنكهة الأمس..."؛ والدّليل الأقوى على ذلك هو التَّقابل (الضِّدي) الذي يلمسُه القارئ بوضوح خلال استحضار الماضي في الحاضر؛ حتى وإن اختلفت فضاءات الحدث وتعددت أمكنته، فالمكان ذاته ليس مجرد مساحة ثابتة بقدر ما ترتبط صورته بالأجواء النفسية والوجدانية، لذلك غالبا ما تفقد الأمكنة القديمة بريقها في الحاضر (عندما نزل الى الشارع صدمه مشهد العمارة التي عاش بها أكثر من نصف عمره فجدرانها كساها السخام....) ص: 41 (زمن التفاصيل). وقد كان للعناية المُفرطة بثنائية الماضي/ الحاضر ووَقْعُها على نفسية الشُّخوص وتوجيه رؤيتها للعَالم؛ تأثيرٌ واضح على بناء الحبكة القصصية، إذ غالبا ما يخلو تَشييدها من تَوْتِير للصراع أو تعقيد للحدث بهدف إيصاله الى دُروة مشوقة تستفز تساؤلات المتلقي؛ بخلاف ذلك يسترسل المؤلف في بناء السرد بتلقائية غير آبه بتعقيد الحبكة؛ عبر توالي الحكي والوصف والحوار وكأنه يمسك بيد المتلقي ليستدرجه إلى التفكير في خاتمة مفتوحة لـ(أغلب النصوص) او ليُشركه في استكمال القصة أو في افتراض اِنفتاح نهايتها على بداية قصة جديدة

وهذا ما يفسر إسناد وظيفة السرد لراوٍ "عليم" يرصد أحوال وأفعال وحركات الشخصيات مستعملا ضمير الغائب ويعلم ما تخفي وما تعلن بل ويتوقع ما ستقدم عليه (انتهت المكالمة ولم تنته هواجس خديجة؛ وبقيت ظلال من الحزن تخيم عليها وأسئلة لا حدود لها تشج رأسها وتبعثر أفكارها ....ص: 34.. زمن التمزق والتشظي)

(..ولكن هذا لم يؤثر على ما تحسه جوارحه ويصدقه عقله؛ فالتغيير بالنسبة له قادم لا محالة في يوم ما ...ص: 91. ... القطيعة الابستيمولوجية)؛ بينما تتقاطع نصوص يوظف فيها ضمير المتكلم باعتباره شخصية مشاركة مع مذكرات شخصية تكاد تنتفي فيها الحدود بين السارد والمؤلف نفسه (جالسا في باحة المقهى؛ ساهما أفكر في أشياء حدثت ذات زمن؛ أحفر بهدوء في تعاريج الذاكرة ص: 49.. صحراء الحاضر...)

وقلما يتم توظيف ضمير المخاطب في بعض المقاطع تحقيقا لرغبة واضحة في إشراك المتلقي، مثلا حين مَسرحة المشهد؛ من ذلك في مطلع (فاقد الشيء 52)

كما يكشف المسار القرائي عن أن لغة السارد تَتَوزّعها حُقول مُعجمية متداخلة، تتراوح بين النفسي والتأملي الذهني من جهة، والزّمني من جهة أخرى، بما يُضفي على الخطاب بعدًا دِيناميًا متحركًا. غير أن اللّافت في هذا النسيج اللغوي هو الحضور القوي للمعجم التأريخي؛ أو الديني، سواء عبر الاستشهاد المباشر بالنص المحفوظ، كما في قوله تعالى: "وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها..." أو (ماكذب الفؤاد ما رأى ..) أو (وأن مع العسر يسرا..) أو من خلال تناصات ضمنية لاواعية يشي بها المعجم المُوظّف (حسبي الله ونعم الوكيل/ زور وبهتان/ ..) فضلا عن إحالات لافتة على نصوص أعلام من الأدب و الفلسفة (نيتشه/ إميل سيوران/ توماس هوبس...)؛بل وتوظيف مصطلحات متداولة من الحقل الفكري (القطيعة الابستيمولوجية) بما يعكس عمق المرجعية الثقافية للنص ويمنحه كثافة دلالية إضافية وإن سَلب العِبارة السردية شيئا من بعدها الإيحائي .

ختاما؛ يعلم صديقي العزيز سيدي محمد بأن مسار الإبداع سفرٌ متواصل بلا محطة نهائية، وأن هذا المنجز القيم بالإضافة إلى منجزاته الأخرى هي مجرد خطوات بِنِيَّة مواصلة السير مادام كما أعرفه يمتلك شجاعة الاِستمرار

بالتوفيق والسداد.

***

بقلم: علي درويش - أديب وناقد مغربي

قراءة في تحولات المفهوم داخل النقد الأدبي الحديث

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم التناص بوصفه أحد المفاهيم المركزية التي أعادت تشكيل فهم النص الأدبي في النقد الحديث، حيث لم يعد النص ينظر إليه باعتباره بنية مغلقة أو إنتاجا فرديا معزولا، بل أضحى فضاءً ديناميًا تتقاطع داخله نصوص متعددة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التناص لا يمثل مجرد ظاهرة أسلوبية، بل يشكل مبدأً بنيويا يحكم إنتاج المعنى داخل النص.

وقد اعتمدت الدراسة مقاربة نظرية تحليلية، استندت إلى أبرز التصورات النقدية التي بلورها كل من ميخائيل باختين في مفهوم الحوارية، وجوليا كريستيفا في صياغة التناص، إضافة إلى الرؤية التأويلية التي قدمها أدونيس في إعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة.

وخلصت الدراسة إلى أن التناص يمثل آلية معرفية وجمالية لإعادة إنتاج النصوص، وأن الإبداع الأدبي يقوم على التفاعل المستمر بين الذاكرة الثقافية ولحظة الكتابة، بما يجعل النص فضاء مفتوحا للتأويل والتجدد.

على سبيل الافتتاح: التناص وتحول النظرة إلى النص الأدبي

عرفت الدراسات النقدية المعاصرة تحولات عميقة مست جوهر النظر إلى النص الأدبي، حيث لم يعد يُفهم بوصفه وحدة مكتفية بذاتها، بل بوصفه كيانًا علائقيًا ينفتح على نصوص أخرى، تتداخل داخله بشكل يثري بنيته ويعقّد دلالته. وفي قلب هذا التحول، يبرز مفهوم التناص باعتباره أحد المفاتيح النظرية التي أعادت تشكيل وعي النقد بطبيعة الإبداع.

فالنص، وفق هذا التصور، لا يُكتب من فراغ، بل يتشكل من خلال تفاعل معقد مع نصوص سابقة، يعاد استدعاؤها وتحويلها داخل بنية جديدة. وقد عبّرت جوليا كريستيفا عن هذا المعنى حين اعتبرت أن " كل نص هو فسيفساء من الاقتباسات" (Kristeva, 1980)، وهو ما يحوّل النص إلى فضاء متعدد الأصوات.

ويتقاطع هذا الطرح مع تصور ميخائيل باختين الذي يرى أن الخطاب الإنساني ذو طبيعة حوارية، حيث يتحدد معناه عبر علاقته بخطابات أخرى (Bakhtin, 1981). أما في السياق العربي، فقد أعاد أدونيس التفكير في مفهوم الأصالة، مؤكدًا أن الإبداع لا يقوم على استنساخ التراث، بل على إعادة بنائه وتأويله (Adonis, 1978).

وانطلاقًا من هذه الرؤية، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك مفهوم التناص، والكشف عن أبعاده النظرية، بوصفه آلية لإعادة إنتاج المعنى داخل النص الأدبي.

التناص بين الامتداد اللغوي والتأسيس الاصطلاحي:

من الدلالة اللغوية إلى البناء المفاهيمي:

يحمل التناص في جذوره اللغوية دلالات التداخل والازدحام، وهي معانٍ تكتسب بعدًا أعمق حين تُستعاد في سياقها النقدي، حيث يصبح التناص تعبيرًا عن تداخل النصوص داخل بنية واحدة. غير أن هذا الامتداد اللغوي لا يكفي لفهم المفهوم في أبعاده الحديثة، إذ انتقل التناص إلى مستوى اصطلاحي أكثر تعقيدًا.

التناص كشبكة علاقات نصية:

في صيغته الحديثة، يشير التناص إلى شبكة من العلاقات التي تربط النصوص ببعضها، حيث لا يكون النص وحدة مستقلة، بل نقطة تقاطع لعدد لا نهائي من النصوص. وهنا، لا يعود المعنى ناتجًا عن النص وحده، بل عن علاقته بالنصوص الأخرى، وهو ما يمنح القراءة طابعًا تأويليًا مفتوحًا.

التناص كحوار معرفي: من باختين إلى كريستيفا:

الحوارية: الأساس الفلسفي للتناص:

يُعد تصور باختين للحوارية الأساس الفلسفي الذي مهّد لظهور التناص، حيث يرى أن كل خطاب هو استجابة لخطابات سابقة، وأن المعنى يتولد من التفاعل بين الأصوات المختلفة (Bakhtin, 1981). وبذلك، يصبح النص فضاءً حواريًا لا يمكن عزله عن سياقه.

كريستيفا: من الحوارية إلى التناص:

جاءت كريستيفا لتترجم هذا التصور إلى مفهوم التناص، حيث اعتبرت أن النص ليس سوى تقاطع لنصوص أخرى، يتم امتصاصها وتحويلها داخل بنية جديدة. ومن هنا، لم يعد التناص مجرد علاقة بين نصوص، بل أصبح مبدأً بنيويًا في تشكيل النص.

(Kristeva,1980)

التناص وإعادة كتابة التراث: قراءة في تصور أدونيس:

التراث بوصفه مادة قابلة للتحويل:

يقدّم أدونيس تصورًا مغايرًا للعلاقة بين التراث والحداثة، حيث لا يرى في التراث نموذجًا يُحتذى، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. فالإبداع، في نظره، لا يتحقق إلا عبر تفكيك البنى القديمة وإعادة بنائها داخل رؤية جديدة (Adonis, 1978).

التناص كفعل إبداعي:

في هذا السياق، يصبح التناص فعلًا إبداعيًا، لا يقوم على النقل أو التقليد، بل على إعادة إنتاج المعنى. وهو ما يجعل النص فضاءً للتجديد، لا مجرد امتداد للماضي.

التناص بوصفه آلية لإنتاج الدلالة:

من التكرار إلى التحويل:

لا يقوم التناص على تكرار النصوص، بل على تحويلها، بحيث تُعاد صياغتها داخل سياق جديد يمنحها دلالات مختلفة. وهنا، يتحول النص إلى بنية دينامية، تتغير مع كل قراءة.

التناص وانفتاح المعنى:

يؤدي التناص إلى فتح النص على تعددية الدلالات، حيث لا يعود المعنى ثابتًا، بل يصبح قابلًا للتأويل وفق خلفية القارئ. وهو ما يجعل القراءة فعلًا إبداعيًا موازياً للكتابة.

على سبيل الختام: التناص كأفق مفتوح للفكر الأدبي:

يتضح من خلال هذه الدراسة أن التناص لا يمثل مجرد مفهوم نقدي عابر، بل يشكل تحولًا جذريًا في فهم النص الأدبي، حيث انتقل به من حالة الانغلاق إلى فضاء الانفتاح والتفاعل. فالنص، في ضوء هذا التصور، ليس كيانًا ثابتًا، بل بنية متحركة، تتشكل من خلال تفاعل مستمر مع نصوص أخرى.

ومن ثم، فإن الإبداع الأدبي لا يقوم على القطيعة مع الماضي، بل على إعادة إنتاجه داخل أفق جديد، بما يجعل التناص تعبيرًا عن استمرارية الفكر الإنساني، وعن تلك العلاقة الجدلية التي تربط بين الذاكرة والابتكار.

نتائج الدراسة:

نحو إعادة تعريف النص بوصفه فضاءً تفاعليًا:

تكشف المقاربة النظرية التي اعتمدتها هذه الدراسة، في ضوء التصورات التي بلورها كل من ميخائيل باختين وجوليا كريستيفا وأدونيس، عن جملة من النتائج الأساسية التي تسهم في إعادة بناء فهمنا لطبيعة النص الأدبي ووظيفته:

التناص بوصفه بنية تأسيسية لا تقنية عرضية:

أظهرت الدراسة أن التناص لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تقنية أسلوبية أو أداة زخرفية، بل يتجاوز ذلك ليشكل بنية عميقة تحكم إنتاج النص. فالنص لا يتأسس في فراغ، وإنما ينبني على شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تسهم في تشكيل معناه، وهو ما يجعل التناص شرطًا من شروط الإبداع لا خيارًا من خياراته.

انزياح مفهوم الأصالة من الابتداء إلى التحويل:

أفضت الدراسة إلى أن مفهوم الأصالة لم يعد يُفهم بوصفه قطيعة مع النصوص السابقة، بل بوصفه قدرة على تحويل هذه النصوص وإعادة إنتاجها داخل سياق جديد. وهو ما يتقاطع مع الرؤية التي تجعل الإبداع فعلا قائمًا على إعادة التشكيل لا على الخلق من عدم. (Kristeva, 1980).

الحوارية كأفق مولّد للمعنى:

بيّنت الدراسة أن مفهوم الحوارية عند باختين يشكل أساسًا فلسفيًا لفهم التناص، حيث إن المعنى لا يُولد داخل النص في عزلة، بل يتشكل من خلال التفاعل بين أصوات متعددة. ومن ثم، يصبح النص فضاءً حواريًا تتداخل فيه الخطابات، مما يمنحه طابعًا ديناميًا ومتجددًا (Bakhtin, 1981).

التناص كآلية لانفتاح النص على التأويل:

أثبتت الدراسة أن التناص يسهم في فتح النص على تعددية دلالية، حيث لا يعود المعنى ثابتًا أو نهائيًا، بل يصبح قابلا لإعادة القراءة وفق خلفيات القراء المختلفة. وهذا ما يجعل النص الأدبي فضاءً مفتوحًا للتأويل، تتجدد دلالاته باستمرار.

العلاقة الجدلية بين التراث والحداثة:

كشفت الدراسة، في ضوء تصور أدونيس، أن العلاقة بين التراث والحداثة ليست علاقة تناقض، بل علاقة جدلية تقوم على التفاعل والتحويل، حيث يتم استيعاب التراث وإعادة إنتاجه داخل رؤية معاصرة (Adonis, 1978).

نحو تعميق الوعي بالتناص في النقد العربي:

انطلاقًا من النتائج التي تم التوصل إليها، تقترح هذه الدراسة مجموعة من التوصيات التي من شأنها تطوير البحث في مجال التناص وتعزيز حضوره في الدراسات الأدبية:

تعميق الدراسات النظرية والتطبيقية:

توصي الدراسة بضرورة توسيع نطاق البحث في التناص، سواء على المستوى النظري أو التطبيقي، من خلال تحليل نصوص أدبية مختلفة للكشف عن تنوع تمظهراته، بدل الاقتصار على الطرح المفاهيمي العام.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي:

تدعو الدراسة إلى إعادة النظر في مفاهيم التراث النقدي العربي كالسرقات الأدبية، والاقتباس، والتضمين، في ضوء مفهوم التناص، بما يسمح بإبراز استمرارية الفكر النقدي بدل الفصل بين القديم والحديث.

تطوير المناهج النقدية العربية:

تشدد الدراسة على أهمية تطوير المناهج النقدية في العالم العربي، عبر الانفتاح الواعي على النظريات الحديثة، مع تكييفها بما ينسجم مع خصوصية النص العربي.

إدماج التناص في الممارسة التعليمية:

توصي الدراسة بضرورة إدراج مفهوم التناص ضمن مناهج تدريس الأدب، لما له من دور في تنمية مهارات القراءة التحليلية والتأويلية لدى الطلبة.

تعزيز القراءة التأويلية للنصوص:

تؤكد الدراسة على أهمية الانتقال من القراءة التقريرية إلى القراءة التأويلية، التي تنظر إلى النص بوصفه فضاءً مفتوحًا للتفاعل، لا مجرد بنية ثابتة.

خلاصة للنتائج والتوصيات:

إن ما تكشفه هذه النتائج والتوصيات هو أن التناص لم يعد مجرد مفهوم نقدي، بل أصبح أفقًا معرفيًا يعيد تشكيل علاقتنا بالنص، ويمنح الإبداع بعده التفاعلي. ومن ثم، فإن تطوير الوعي بهذا المفهوم من شأنه أن يسهم في تجديد النقد الأدبي، وتعميق فهمنا لطبيعة الكتابة بوصفها فعلًا مستمرًا من التفاعل والتحو.

***

بقلم: د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ.

 

علم الكلام برأي هو علم يدخل في مجال الفلسفة، أي في مجال العقل والفكر والرأي الحر، أو بتعبير آخر، هو يدخل في المجال الذي يؤكد على دور ومكانة العقل البشري في البحث عن سعادة الإنسان وعدالته وحريته وكل ما يحقق إنسانيته بعيداً عن أيّة سلطة فكريّة أو عقديّة او أيديولوجيّة مسبقة من خارج تاريخ حياة الإنسان، وذلك من خلال استخدام وسائل وأساليب معرفيّة تقوم على البحث والاستقراء والاستنتاج والتحليل والتركيب وأخيراَ البرهان. وإذا كان علم الكلام قد وجد ما له وما عليه في العصور الوسطى من التاريخ الإسلامي، من حيث تأثره في الفكر أو المنطق الفلسفي اليوناني، ومحاولة حملته من الفلاسفة العرب والمسلمين تفسير قضايا لاهوتية من خلاله، من منطلق مادي  يؤمن بالحقيقة العيانيّة، ويحاول إقصاء كل ما هو غيبي وأسطوري من عالم هذا اللاهوت، أو التفسير من منطلق فلسفي مثالي يتناول (وجود الله ووحدانيته وصفاته .. الخ)، وهذا ما اشتغل عليه في الحقيقة معظم الفلاسفة المسلمين، وحتى ذوي النزعة الماديّة لم يستطيعوا تجاوز هذه المسأل العقديّة في طروحاتهم، ومع ذلك لم يسلم هؤلاء الفلاسفة ذوي النزعة الماديّة من حملات الإقصاء وحرق كتبهم والتنكيل بهم، التي كان يقودها رجالات ومشايخ (الفكر السلفي)، بل والأكثر غرابة هو استمرار حملة أصحاب الفكر السلفي هذا في ملاحقة أصحاب الفكر التنويري العقلاني حتى اليوم، من المنطلق ذاته الذي حورب به أصحاب هذا الفكر من المعتزلي في العصور الوسطى. وبناءً على ذلك تأتي أهميّة هذه المقالة في كشف أبعاد هذا الفكر ومن الذين يحاربونه حتى اليوم. وبالتالي ما هي أهمية علم الكلام إذا ما ربطناه بالفلسفة العقلانيّة التي نحن بأمس الحاجة لها اليوم لتجاوز تخلفنا المعرفي والمنهجي الذي فرضه علينا أصحاب النقل وثقافة الفم لا العقل وحرية الإرادة. هذا وقد وقفنا هنا عند المواقف الفكريّة للشافعي الذي أسس لمحاربة العقل أنموذجا.

على العموم: سُمي علم الكلام "كلاماً" لكثرة البحث والكلام في "كلام الله" وصفاته، أو لاعتماده على الجدل والمنطق. ويُعتبر عند أصحابه كـ (الأشاعرة والماتريديّة) وسيلة لإثبات العقائد المتعلقة بالله ووحدانيته وصفاته والقديم والمحدث من جهة، بينما حذر منه بعض السلف وكفروا دعاته من جهة ثانية.

يقول السلفيون بأن "علم الكلام" علم دخيل على الإسلام، استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس للإعراض عن ظاهر النصوص، كما يقول "الإمام أحمد بن حنبل" (1).

إذن إن علم الكلام هو أحد أبرز العلوم الإسلاميّة الذي اهتم بدراسة إثبات العقائد الإيمانية (أصول الدين) والدفاع عنها، باستخدام الأدلة العقليّة والبرهانيّة وفقاً للمنطق الصوري، أو الاستنتاج المنطقي، إلى جانب علوم النقل (الكتاب والسنة)، وذلك للرد على الشبهات والفرق المخالفة. وهو يبحث في الذات الإلهية، الصفات، الأفعال، التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، المعاد، والإمامة. والعمل أيضاً على حماية العقيدة الإسلاميّة كما يراى دعاة السلفيّة ما أصابها من الانحرافات والشبهات، وتثبيتها بالحجة والبرهان. وذلك من خلال منهج دمج العقل والنقل معاً، في الوقت الذي بقي فيه دور العقل هنا هو النظر والبرهان لتثبيت ما ورد في هذا النص ولس الحكم عليه.

هذا وتأتي أهميّة علم الكلام في الخطاب المعاصر برأيي، كضرورة من أجل تجديد مناهج علم الكلام، ليصبح "علم كلام جديد" قادراً على مواجهة التحديات الفكريّة والفلسفيّة والعمليّة الحديثة الوضعيّة والدينية منها.

رأي السلفيين في علم الكلام:

إن طريقة علماء الكلام، في الحديث عن الجواهر والعراض، والحادث والقديم، هي طريقة مبتدعة برأي علماء السلفيّة، وهي طريقة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح، لذا هم – أي مشايخ السلفيّة - يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله. وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام، يقر بأن المنهج السلفي  لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي:

1- رفض التأويل بغير دليل.

2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدين.

3- هذا وإن هناك أقوالاً رواها الإمام "الشافعي" في موقفه من علم الكلام كما ذكر "الذهبي" في ترجمته عن الإمام "الشافعي" حيث وجد جملة نصوص تدل بوضوح على موقف الشافعي من علم الكلام وهي نصوص اعتمد عليها معظم أئمة ومشايخ الفكر السلفي سابقا ولاحقا، بل حتى تاريخنا المعاصر ومنها قوله:

آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد.

ب - ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.

ج - والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

د - وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً: لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

هـ - وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال: سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !. وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة.

ح - وقال: حُكْميَ في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

ك - وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني: كان الشافعي ينهى عن علم الكلام. وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام  فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

ل - وقال الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!

م - وقال: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!. (2).

ومن يتتبع كلام الأئمة السلفين في العصور الوسطى من الخلافة الإسلامية، سيجد لمثل هذه الأقوال الشافعيّة المعاديّة للعقل ومنطق العصر نظائر كثيرة، في تاريخنا المعاصر لا زالت سائدة في الخطاب الإسلامي، وتشكل عقبة أمام انطلاقة الفكر العقلاني النقدي.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.......................

1- كما ورد عند محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة).

2- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث.

الرواية جنس أدبي يستلهم التفاعلات داخل النفس البشرية الناتجة عن ضغوطات الحياة وما تفرزه اشتراطات المحيط الخارجي، وقد تجلّى هذا الاستشفاف من متون رواية (توقيت آخر للحياة)، إذ نجد الساردة في صراع مع ذاتها ومع الآخرين..

قراءة الغلاف:

عند تمعننا في سيميائية الغلاف؛ يطالعنا عنوان (توقيت آخر للحياة) بخط عريض، يعلوه اسم الكاتبة (بشرى الهلالي)، وتحته مفردة التعريف بالجنس العمل (رواية).. وفي محاولة لتسريد هذا الإعلان البصري يمكننا ملاحظة الكتل اللونية ودلالتها المتوزعة في عموم التصميم؛ نجد في أسفل هذا المعمار التشكيلي عنصراً باللون الأسود، أو أنه مقتطع من حيّز مظلم، وهذا العنصر تشكل على هيأة امرأة تتطلع نحو الأفق بثبات، وتنطلق بخطوة واسعة ملؤها الثقة، تجر خلفها حقيبة بعجلات صغيرة.

إن ميلان الحقيبة دليل على إصرار المرأة على الإقدام نحو انتقالة غير محددة المعالم، هرباً من ماضٍ مررته الأيام بتجارب التعاسة، وما يمر به العراق من ظروف لا تدعو للطمأنينة.

نلاحظ في خلفية اللوحة صورة شبحية لنصب الحرية وملامح بغداد بشكل غائم يميل للعتمة، وكأنها مدينة أشباح، تفصلنا عنها طبقة من زجاج في طريقه للتهشم، كما تصاعدت من الأرضية كتل الدخان الأبيض إشارة إلى مظاهر العنف ضد المتظاهرين السلميين، في المقابل انبثقت وردة حمراء، تمثل الضحايا الأبرياء الذين سقطوا أمام القنابل الدخانية والرصاص الحي.

هذا التأويل يحيلنا إلى متون الرواية التي انفتحت مع الساردة، وأطلعتنا على صفحات من تأريخ دول القارة الأفريقية (أوغندا وكينيا)، وكيف عبرت هذه الدول فصولاً من الطغيان تحت ظلال الدكتاتورية، وما جرى للناس البسطاء الذين سحقتهم أسنان العنف تزامناً مع الانقلابات الدموية وما تلاها.

العنوان:

تتكون هذه العتبة من ثلاث مفردات (توقيت، آخر، للحياة)، لتشكّل تركيباً لغوياً يقبل التأويل وتعدده، بجملة إخبارية تقارب الحكمة، أو هي استنتاج فلسفي يمثل خلاصة تجربة إنسانية تبدو عائمة، قد يبدو العنوان محدود الدلالة، ويؤدي وظيفة تعريفية بالنص؛ لكن مع التوغل في ثنايا المتون تتكشف مستويات التعالق النصي، وينفتح التسارد على مديات غير محسوبة، إذ يحيلنا التلقي إلى أن هذا التوقيت الجديد يشتغل على المستوى الفردي، وهنا نشير إلى حالة الساردة (ملك)، وأن الحياة التي كانت تنشدها مع (م) وما سببه لها من تعب نفسي، يمكن استبداله وتعويضه بتجربة تبدو أكثر رسوخاً، وأن الطرف الآخر أكثر رصانة وشفافية والمتمثل بشخصية (عادل).

كذلك يمكن إسقاط العنوان على الحالة الجماعية؛ فإن تجربة نظام الحكم في العراق وما رافقها من خروقات ومآس؛ يمكن استبدالها بما خلصت إليه تجارب مماثلة في أفريقيا، وهذا ما يتطابق مع طموحات الشباب الثائر في ساحات تشرين..

كما يتجلى العنوان في الخاتمة المفتوحة؛ فقد وجدت الساردة في الغابات العذراء براءة روحها المستباحة، وحاولت التوحّد معها، إذ انساقت إلى الأماكن التي لم تطؤها قدم إنسان، وتواصلت مع كائنات الغابة الحية من نباتات وأشجار لم تلوثها أيدي المتطفلين.

وقفة مع عناصر السرد:

اعتمد النص على تنقلات مكانية وزمانية، فقد أثثت الكاتبة فضاءها الروائي منطلقة بالخطاب من مطار إنتيبي، وتوسعت أفقياً وعامودياً مع استعادات أماكن وأزمنة متفرقة في العراق، ومن ضمنها ساحات التظاهر أيام تشرين..

ابتدأ تزمين الخطاب مع لحظات هبوط الطائرة، ليأخذ مساراً مستقيماً باتجاه الخاتمة، حيث مشهد الغابة مع استرجاعات في أزمنة متعددة من ماضي الساردة (ملك)، وتداعيات بأسلوب السرد النفسي، إذ تعري الساردة أفعالها وأقوالها بعد مراجعات ومقارنات مستفيضة، معتمدة أسلوب التقطيع والانتقالات الرشيقة بين الكتل اللغوية...

فواعل السرد:

وظفت الكاتبة شخصياتها بمستويات ومواقف متفاوتة على وفق الدور المسند إليها في مجمل الخطاب..

الساردة (ملك): قادت متون السرد، وعرّفت المتلقي بأسرار عملها، وقدمت باقي الشخصيات.. هي شخصية إشكالية تحاول إثبات ذاتها، واكتشاف عوامل تجعلها تشعر بالحرية والرصانة.

نجوى: رافقت الساردة في رحلتها التدريبية، وقد شغلت حيزاً مهماً من العمل، وكانت في بعض المواقف مرآةً صادقة للساردة، وقد انزاحت صورتها الأولية التي انطبعت في ذهن المتلقي بسكونيتها ومعادلة النموذج السطحي؛ لنجدها شخصية مركبة ذات عمق فلسفي ناضج.

(م): الحبيب الأول للساردة وزوجها في السر الذي منحته مشاعرها وجسدها، لكنه خذلها وهي حامل منه، مع ذلك يبقى يطاردها ويعرض عليها مغريات، لتعوضها عما لحق بها من أذى.

 يمثل (م) نموذج الشخصيات المتسلقة في عراق ما بعد الاحتلال، الذين تمكنوا من نهب المال العام وتوظيفه لتنفيذ رغباتهم المريضة والتحكم بمصائر الناس.

سيا: موظفة الفندق الأنيقة التي لم تنسجم مع الساردة، لكنها تفصح عن شخصية أخرى.

ديمبي: فاعل مهم في الرواية، وهي شاهدة على التحولات السياسية في بلدها (أوغندا) وانعكاساتها على مصائر الناس، كانت هناك محطات مشتركة بينها وبين الساردة، فكلاهما معنفة جنسياً مع اختلاف المسميات والظروف، وقد ظهرت في النص شخصية غامضة ومعقّدة ومقعدة على كرسيّ متحرك، لنعرف فيما بعد أنها جدة (سيا)، وهي مختفية عن الأنظار منذ الانقلاب الذي أطاح بعيدي أمين، إذ نجت بأعجوبة من مجزرة في القصر الرئاسي، والناس يحسبونها في عداد الأموات، لكنها هربت وأخفيت بمساعدة صاحب الفندق الذي نعرف أنه كان أحد الضباط المناوئين لعيدي أمين.. وكلاهما (ديمبي وملك) فقدت حملها، إذ تخلصت (ملك) من جنينها، أما ديمبي فقد سُلب منها وليدها لحظة ولادته ولم تره بعدها ذلك.

عادل: البديل الذي عوضها عن (م)، وحاول أن يملأ الفراغ العاطفي في نفس ملك، التي شغف بها منذ لقائهما في ندوة عامة، وصبر عليها مدة ثلاث سنوات، وهو يتابع منشوراتها ويحلل شخصيتها، وبعد أن وجدت فراغاً في حياتها جاملته تزجية للوقت، لكنها تغير نظرتها عنه فهو صادق في مشاعره ومستعد لإرضائها، وقد عبر عن ذلك بحضوره إلى مكان إقامتها في (أوغندا)..

ميشيل: امرأة ساندت ملك وساعدتها في اكتشاف نفسها واتخاذ قرارات تتوافق مع ذاتها الطامحة للحرية.

الشبح: الذي شغلنا به مع الساردة وهي تلفت نظرنا إليه، وجعلتنا نطارده معها بين الخيال والواقع، لنكتشف في الأجزاء الأخيرة من الرواية أنه خطيب (ديمبي) قبل أن تسلب منه وتصبح محظية الرئيس، لكنه بقي وفياً لحبهما النقي، ولا يصدق أقاويل مقتلها، وهو مهووس بها ويشعر بأنها ما تزال على قيد الحياة، لذلك يواصل البحث عنها والتردد على الفندق.

وبقيت صور أسرة الساردة عالقة في الذهن، فنجد الأب منفتحاً يتضامن مع ابنته، ويحترم خياراتها حتى وهو في قمة حاجته إليها، والأم المتزمتة التي تعامل ملك بفضاضة منذ طفولتها، ولا تتوانى عن طردها من البيت بعد اقترانها السري من رجل السلطة (م)، أما رنا فكانت متفاعلة مع ملك وآوتها أيام محنتها وهي حامل بجنين غير مرغوب به، والأخ خالد هرب إلى الخارج، ولم يعد فاعلاً في مسارات النص.

 لقد كانت أكثر فواعل السرد نامية ومتفاعلة مع الظروف الضاغطة، تمثّل ذلك في شخصية الساردة (ملك) التي عاندت الآخرين، وصارعت نفسها في اتخاذ مواقف تحاول تكييفها مع الظروف، وما ترغب به نفسها.

حاولت الساردة الخروج من تجاربها المريرة بخلاصات تنير فضاءات القابل من أيامها، وأن تتعلق بهوامش حريتها في الوجود، وتتمسك بالقرارات التي تخصها، وتتمكن من الاختيار دونما إملاءات مفروضة عليها.

***

مقاربة: مهدي علي ازبيِّن

..............

* توقيت آخر للحياة، رواية، بشرى الهلالي، دار بابل- دار الحكمة، لندن، 2026م.

 

قراءة احتمالية في قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" للشاعرالشيخ ولد بلعمش

في أفق الشعر العربي المعاصر، حيث تتقاطع الذاكرة بالتحوّل، وتتشابك البلاغة التراثية مع قلق الحداثة، تبرز قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" للشاعر الموريتاني الشيخ ولد بلعمش بوصفها نصّاً ينهض على تخوم متعددة: تخوم اللغة والمعنى، والذات والجماعة، والرحلة والمرسى. فهي ليست مجرّد تجربة شعرية تنسج خيوط الشوق والحنين، بل هي بنية دلالية كثيفة تتداخل فيها الأصوات، وتتراكب فيها الرموز، بما يجعلها قابلة لقراءات متعدّدة تتجاوز ظاهر القول إلى عمق التأويل.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص عبر منظومة نقدية شاملة، تستنطق أسسه اللغوية والبلاغية، وتفكّك بنيته الجمالية والفنية، وتغوص في طبقاته الفكرية والنفسية، مع استحضار أبعاده التاريخية والسوسيولوجية والسيميائية. كما تعتمد هذه القراءة على النقد الاحتمالي، الذي لا يبحث عن معنى واحد نهائي، بل ينفتح على شبكة من الدلالات الممكنة، حيث يتشكّل المعنى في تفاعل النص مع القارئ والسياق.

ومن هنا، فإنّ هذه المقاربة لا تدّعي امتلاك الحقيقة التأويلية، بقدر ما تسعى إلى إضاءة مسالك المعنى، والكشف عن التوترات الداخلية التي تمنح النص حيويّته وفرادته، ليغدو الشعر – في هذا السياق – ليس قولاً مكتملاً، بل سؤالاً مفتوحاً على احتمالات الوجود والمعنى.

تتأسّس هذه القراءة على تعدّد المناهج وتكاملها: الأسلوبي، والبلاغي، والنفسي، والسيميائي، مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً، لا يسعى إلى القبض على معنى واحد نهائي، بل إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يولّدها النص عبر تفاعل القارئ معه.

فالنص هنا لا يُقرأ بوصفه خطاباً مكتملًا، بل بوصفه كائناً دلالياً متحوّلًا، تتوالد معانيه في كل قراءة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النص يتكئ على فصاحة تراثية مصقولة، حيث تبرز سلامة التراكيب، مع ميلٍ إلى الأسلوب الإنشائي:

أكلَّما قلتَ يا عرشَ الرؤى أرِني

أنظرْ إليك يقولُ انظر فسوف ترى؟

نلحظ هنا:

تداخل الخطاب (أنا/أنت/هو)، وهو انزياح يُربك المرجعية ويُغني الدلالة.

توظيف الاستفهام لا لطلب الجواب، بل لإنتاج قلق معرفي.

أما على مستوى الانزياح:

"عرش الرؤى" تركيب يُحيل إلى استعارة مركّبة تمزج بين السلطة والحلم.

"شفاهك... أصبحت ثمرا" انتقال من الجسد إلى الطبيعة، في تجسيد حسّي للمعنى.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة متوازنة بين:

جزالة التراث (عرش، طبَق، شنقيط)

ورهافة الحداثة (التحوّل، التكسّر، الذات القلقة)

ولا يبدو اللفظ منفصلًا عن المعنى، بل هو امتداد له، حيث تتجلّى ملاءمة اللغة للموضوع: الشوق، الرحلة، الترقّي، والانكسار.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تشتغل على:

إيقاع عمودي تقليدي (بحر وقافية)

لكن مع اهتزاز داخلي في البنية

مثلاً:

ترقى إلى طبَقٍ / عانق ويحك القمرا

نجد:

تصاعداً صوتياً (ترقى / طبَق)

يقابله انفجار وجداني (ويحك)

كما أن التكرار (انظر، ترى) يُنتج:

موسيقى دلالية لا صوتية فقط

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

٢. البنية الفنية:

القصيدة تقوم على بنية رحلية تصاعدية:

بداية: شوق

وسط: ترقٍّ وتجربة

نهاية: مأزق وجودي

يا بحرُ ما أنا بالناجي إذا غرقوا

هنا يتحوّل المسار من فردي إلى مصير جماعي.

٢. الرؤية الفنية.

الرؤية قائمة على:

الترقّي الروحي (من طبَق إلى طبَق)

يقابله سقوط محتمل (الغرق)

وهو توتر بين:

العلو / السقوط

الأمل / الفقد

٣. الطابع الإبداعي

النص يُنتج دهشته عبر:

تفكيك الصور المألوفة

وإعادة تركيبها في علاقات غير متوقعة

مثل:

كان القصيد تماثيلا... استوى بشرا

تحوّل الفن إلى إنسان يساوي أنسنة الجمال.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الترقّي خلاص أم وهم؟

هل الشاعر قائد أم تابع؟

٢. الأفق المعرفي

إحالات إلى:

التراث (امرؤ القيس، شنقيط)

النص القرآني (سورة الشعراء)

وهذا يخلق حواراً بين الماضي والحاضر.

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص بوصفه:

رحلة صوفية

أو تجربة شعرية

أو سيرة ذاتية رمزية

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يتغذّى من:

الفضاء الموريتاني (شنقيط) كرمز للعلم والأصالة

وفضاء الخليج (أبو ظبي) كرمز للاحتضان والتحوّل

- ثنائية:

الأصل / الامتداد

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

الشوق

القلق

التوق إلى الاعتراف

٢. النبرة النفسية

تتراوح بين:

نشوة الترقّي

وخوف السقوط

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يعكس:

موقع الشاعر داخل الجماعة

ومسؤوليته:

ما أنا بالناجي إذا غرقوا

- الشاعر هنا ضمير جمعي.

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

البحر يساوي الوجود / المجهول

السفينة يساوي الجماعة

القمر يساوي الطموح / المثال

٢. الثنائيات

الشوق / الوصول

الصعود / الغرق

الجفاف / الثمر

ثامناً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى بشكل رمزي غير مباشر:

شفاهك... أصبحت ثمرا

هنا:

الجسد يتحوّل إلى حقل دلالي خصب

الشوق يتجاوز الروحي إلى حسّية شفيفة

تاسعاً: القراءة الاحتمالية

النص يظل مفتوحاً على قراءات:

قراءة صوفية:

الترقّي تساوي سلوك روحي نحو المطلق

قراءة شعرية-نقدية:

القصيد يتحوّل من زخرفة إلى إنسان - نقد للبلاغة التقليدية

قراءة وجودية:

الخوف من الغرق يساوي قلق الإنسان في العالم

قراءة اجتماعية:

الشاعر قائد جماعي لا ينجو وحده

عاشراً: قراءة لغوية (صرفية ونحوية)

أدمنتَ شوقًا:

"أدمن" فعل يفيد الاستمرارية - دلالة الإلحاح

أنظرْ إليك يقولُ انظر:

تكرار فعل الأمر يساوي توتر إدراكي

ترقى إلى طبَق:

الفعل المضارع يساوي استمرارية الصعود

كثافة الأفعال تساوي

 دينامية داخل النص تقابل ثقل المعنى

خاتمة:

هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها نصًا مغلقًا، بل بوصفها بنية احتمالية تتناسل دلالاتها. إنها قصيدة تقف بين:

التراث والحداثة

الجسد والروح

الفرد والجماعة

وفي هذا التوتر، يتشكّل جمالها الحقيقي:

ليس فيما تقول فقط، بل في ما تتركه مفتوحًا للقول.

خاتمة:

في ختام هذه المقاربة، يتبيّن أنّ قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" لا تستقرّ على تخوم دلالة واحدة، بل تنفتح على أفقٍ تأويليّ رحب، تتجاور فيه مستويات اللغة مع طبقات الرمز، ويتعالق فيه الذاتي بالجمعي، والوجداني بالفكري. لقد كشفت القراءة، عبر تعدّد مناهجها، أنّ النص لا يُبنى على تماسكٍ سطحيّ فحسب، بل على توترات داخلية خلاقة، تُغذّي حركته الدلالية وتمنحه طاقته الإيحائية.

إنّ البنية اللغوية المتقنة، وما تنطوي عليه من انزياحات بلاغية، لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لإنتاج معنى متحوّل، يتشكّل في جدلٍ مستمر بين الإيقاع والدلالة، بين الصورة ومرجعها، وبين الحضور والغياب. كما أنّ الرؤية الفنية للنص، بما تحمله من قلقٍ وجوديّ وتوقٍ إلى الترقّي، قد أسهمت في تشكيل عالمٍ شعريّ تتداخل فيه الرحلة الواقعية مع الرحلة الرمزية، فيغدو الشوق طاقةً كاشفة، لا مجرّد انفعال عابر.

ومن منظور النقد الاحتمالي، يتأكّد أنّ النص لا يُختزل في قراءة واحدة، بل يظلّ قابلاً لإعادة الإنتاج الدلالي مع كلّ قارئ جديد، وفي كلّ سياق مغاير. فالمعنى هنا ليس معطًى جاهزًا، بل هو ثمرة تفاعل حيّ بين النص ووعينا به، وهو ما يمنح القصيدة قابليتها للاستمرار والتجدّد.

وعليه، يمكن القول إنّ هذه القصيدة تمثّل نموذجًا لنصٍّ شعريّ يوازن بين أصالة التعبير وجرأة الرؤية، ويؤكّد أنّ الشعر الحقيقي ليس ما يُقال فقط، بل ما يُثيره من أسئلة، وما يفتحه من آفاق. وهنا، يكمن جوهر الإبداع: في أن يظلّ النصّ أوسع من تأويله، وأعمق من حدوده الظاهرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

أدمنت شوقاً إلى شطآنهم السهرا

بقلم: الشيخ ولد بلعمش

أدمنتَ شوقاً إلى شطآنها السَّهرا

فاعبُرْ على ذاتِ ألواح كَمنْ عَبَرا

أكلَّما قلتَ يا عرشَ الرؤى أَرِني

أنْظُرْ إليكَ يقولُ انظُر فسوفَ تَرى؟!

وصرتَ منْ طبَقٍ ترقى إلى طبَقٍ

إذاَ وصلتَ فعانقْ ويْحك القمراَ

بدأتَ مسراكَ من شنقيط فاتْلُ بها

على الورى ثُمُنا من سورة الشُّعرا

تريدُ ملكا فيبكي صاحب حزَنا

على امرئ القيس لما أزمع السفرا

وتصطفيكَ أبو ظبي كعادتِها

أُمًّا تُلاقي ابنَها منْ بعدِما انتظرا

كانت شفاهُك طول الدرب ذابلةً

فكيفَ في لَحَظاتٍ أصبَحتْ ثمرا؟!

كان القصيد تماثيلا تُزخرفها

وحين لامسه النقد استوى بشرا

على السفينة عشرون الرياح بهم

طورا تميل وتأتي مرةً نُشُرا

يا بحرُ ما أنا بالناجي إذا غرقوا

ولا الأمير إذا لم يُصبحوا أُمرا

دراسة لغوية في الأصل والوزن والدلالة عند النحاة وفقهاء اللغة

تُعَدّ لفظة «الإنسان» من الألفاظ العربية الكثيفة دلالياً، إذ تختزن في بنيتها الصوتية والصرفية أبعاداً لغوية وفلسفية تتجاوز حدود المعجم إلى أفق التأويل الوجودي. وقد شكّلت هذه الكلمة ميداناً خصباً لاختلاف مدرستي البصريون والكوفيون، من حيث الأصل الاشتقاقي والوزن الصرفي والبنية الدلالية، فانبثق من هذا الخلاف تصوّران متكاملان لطبيعة الإنسان في اللغة والفكر.

أولاً: في أصل «الإنسان» – بين الأُنس والنسيان

١. مذهب البصريين: الاشتقاق من الأُنس.

ذهب أعلام البصريين، وفي مقدمتهم سيبويه وابن جني، إلى أن أصل «الإنسان» مشتق من:

الأُنس (أَنِسَ – يأنسُ)

أي: الألفة والميل إلى الاجتماع.

فالإنسان عندهم:

كائنٌ مدنيّ بالطبع (كما سيصوغها لاحقًا الفلاسفة).

لا يستغني عن غيره، بل يأنس بالاجتماع.

 يقول ابن جني في الخصائص ما يفيد أن الاشتقاق يكشف عن طبيعة المعنى، فالألفاظ عنده ليست اعتباطية، بل تنطوي على مناسبة بين الصوت والدلالة.

٢. مذهب الكوفيين: الاشتقاق من النسيان

في المقابل، رأى أعلام الكوفيين، وعلى رأسهم الفراء، أن أصل الكلمة من:

النسيان (نَسِيَ – ينسى)

فالإنسان:

كثير النسيان.

عرضة للغفلة والخطأ.

 وهذا المعنى يجد صداه في النص القرآني:

«وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ» (طه: ١١٥)

فكأنّ النسيان صفة تأسيسية في ماهية الإنسان.

ثانيًا: في الوزن الصرفي لكلمة «إنسان»

١. عند البصريين

يميل البصريون إلى تحليل الكلمة على أحد الأوزان:

إِفْعَال (إنسان ← من أُنس)

أو يرون أن أصلها: إنسيان

ثم حُذفت الياء تخفيفًا، فصارت إنسان.

 وهذا التحليل يقوم على قاعدة التخفيف الصوتي التي أشار إليها سيبويه في كتابه.

٢. عند الكوفيين

يربط الكوفيون الوزن بالفعل نسي، ويذهبون إلى أنها على صيغة:

إِفْعِلان أو صيغة مبالغة في الصفة

أي: تدل على امتلاء الكائن بصفة النسيان.

ثالثاً: في فقه اللغة – توسيع الدلالة

تناول فقهاء اللغة هذه المسألة بمنهج أكثر تركيبًا، ومن أبرزهم:

ابن فارس في مقاييس اللغة

الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن

الزمخشري في أساس البلاغة

موقفهم:

حاولوا التوفيق بين الرأيين، فذهبوا إلى أن:

«الإنسان سُمّي إنسانًا لأمرين متلازمين: الأُنس والنسيان»

فهو:

يأنس بغيره -  بعد اجتماعي

وينسى -  بعد نفسي/وجودي

 وهذا الجمع ينسجم مع طبيعة اللغة العربية التي تحتمل تعدّد الاشتقاق.

رابعًا: نماذج تطبيقية دلالية

١. في القرآن الكريم

«خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل» (الأنبياء: ٣٧)

- دلالة على الضعف والاندفاع (صلة بالنسيان والغفلة)

«يا أيها الإنسانُ ما غرّك بربك الكريم» (الانفطار: ٦)

- دلالة على النسيان الوجودي

٢. في الاستعمال العربي

أنِسَ بفلان - ألفه واطمأن إليه

نسي العهد - غفل عنه

 وكأن الكلمة تجمع بين:

الحاجة إلى الآخر (أُنس)

والعجز عن الثبات (نسيان)

٣. في الشعر العربي

قال بعض الشعراء في معنى الأنس:

وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لأنّهُ

يؤانسُ غيرَهُ فيعيشُ أو يَبلى

وفي معنى النسيان:

نَسيتُ… فصرتُ إنساناً كما

أرادَتْ طبيعةُ النقصِ فينا

خامساً: قراءة تركيبية جامعة

يمكن أن نعيد صياغة الخلاف لا بوصفه تضاداً، بل تكاملًا:

الإنسانُ كائنٌ يأنس لينجو من وحدته،

وينسى ليحتمل وجوده.

فالنسيان:

يخفّف وطأة الذاكرة

والأُنس:

يرمّم كسور الذات

خاتمة:

إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين حول لفظة «الإنسان» ليس مجرّد اختلاف في الاشتقاق، بل هو اختلاف في رؤية الإنسان نفسه:

أهو كائن اجتماعي (أُنس)؟

أم كائن ناقص متقلّب (نسيان)؟

غير أن عبقرية اللغة العربية تكمن في قدرتها على احتواء التناقضات، فجمعت في لفظٍ واحدٍ طبيعتين متقابلتين، لتقول لنا:

إنّ الإنسان ليس تعريفاً واحداً، بل هو توتّرٌ دائمٌ بين ما يربطه بالآخر، وما يفصله عن ذاته.

وهكذا تغدو الكلمة، في بنيتها، مرآةً للوجود الإنساني بكل هشاشته وعمقه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في زمن تتقلص فيه مساحات القراءة الطويلة، وتتسارع فيه إيقاعات الحياة إلى حدٍّ يكاد يبدّد قدرة الإنسان على التلقي المتأني، تبرز القصة القصيرة جدًا بوصفها أحد أكثر الأشكال السردية تعبيرًا عن حساسية العصر. حضورها المتزايد في المشهد الأدبي العربي والعالمي لا يمكن عزله عن هذا التحول العميق في علاقة الإنسان بالزمن، ولا عن تبدّل أنماط القراءة التي لم تعد تستوعب الامتداد بقدر ما تنجذب إلى الكثافة والاختزال.

تنبني القصة القصيرة جدًا على وعي حاد باللغة، وعلى إدراك دقيق لوظيفتها داخل النص. كل كلمة فيها تُكتب تحت ضغط الضرورة، وكل جملة تُقاس بقدرتها على الإيحاء، لا على الإخبار. إننا أمام كتابة تُراهن على الاقتصاد، لكنها لا تفقر المعنى، بل تدفعه إلى أقصى درجات التوتر، حيث تتحول اللغة إلى أداة شديدة التركيز، قادرة على حمل دلالات متعددة في حيّز ضيق. بهذا المعنى، يغدو الحذف استراتيجية جمالية، لا مجرد اختصار، وتصبح المسكوتات جزءًا من بنية النص، لا فراغًا عارضًا فيه.

يُفضي هذا التكثيف إلى إعادة النظر في مفهوم الحدث السردي نفسه. فالحدث في القصة القصيرة جدًا لا يُبنى عبر تعاقب الوقائع وتناميها، بل يتكثف في لحظة مفصلية، قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالة عميقة. لحظة واحدة قد تكشف مصيرًا كاملًا، أو تضيء تناقضًا خفيًا، أو تضع القارئ أمام مفارقة تهزّ يقينه. هكذا يتقلص الزمن السردي إلى حدوده الدنيا، ويتحول الامتداد إلى ومضة، غير أن هذه الومضة تظل قادرة على إشعال أفق واسع من التأويل.

وتتخذ المفارقة، في هذا السياق، موقعًا مركزيًا داخل البناء النصي. كثير من نصوص القصة القصيرة جدًا تنتهي بانزياح دلالي مفاجئ، يعيد ترتيب المعنى، ويدفع القارئ إلى مراجعة ما قرأه. هذا الانزياح لا يُستعمل كحيلة شكلية، بل ينبع من رؤية للعالم تقوم على زعزعة البداهات، وكشف التوتر الكامن في الواقع. إن المفارقة هنا شكل من أشكال الوعي، وطريقة في مساءلة ما يبدو مألوفًا أو بديهيًا.

وإذا كان النص يقوم على الحذف والتكثيف، فإن القارئ يجد نفسه في موقع مختلف، يتجاوز التلقي إلى المشاركة. فالقصة القصيرة جدًا لا تمنح كل مفاتيحها دفعة واحدة، بل تترك فراغات محسوبة، تُعوِّل فيها على يقظة القارئ، وعلى قدرته في الربط والاستنتاج. إن القراءة، في هذا الأفق، تتحول إلى فعل تأويلي نشيط، حيث يُعاد بناء النص في ذهن المتلقي، وتتعدد إمكاناته بتعدد القراءات. هذا التواطؤ الضمني بين الكاتب والقارئ يمنح النص حياة تتجاوز حدوده اللغوية.

وتكشف هذه الخصائص عن تقاطع واضح بين القصة القصيرة جدًا وبعض أشكال الكتابة الشعرية، خاصة في ما يتعلق بالكثافة والاعتماد على الصورة والإيحاء. غير أن هذا التقاطع لا يُلغي خصوصيتها السردية، إذ تظل قائمة على نواة حكائية، وعلى تحول ما، حتى وإن كان خافتًا أو داخليًا. هذا التوازن الدقيق بين السردي والشعري يمنحها مرونة لافتة، ويتيح لها استيعاب تجارب إنسانية متعددة، تمتد من اليومي البسيط إلى الأسئلة الوجودية المعقدة.

وقد ساهمت الوسائط الرقمية في ترسيخ حضور هذا الشكل السردي، حيث وجدت القصة القصيرة جدًا في الفضاءات الافتراضية بيئة مناسبة للانتشار والتداول. طبيعتها المكثفة تجعلها قابلة للقراءة السريعة، والمشاركة الواسعة، والتفاعل المباشر. غير أن هذا الانتشار يطرح، في المقابل، إشكالات تتعلق بالمعايير، إذ أصبح القِصر في ذاته يُغري بالكتابة، دون امتلاك الأدوات الفنية الضرورية. من هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين نص يحقق شروط هذا الجنس، ونص يكتفي بالشكل دون العمق.

إن كتابة القصة القصيرة جدًا تتطلب حساسية خاصة، وقدرة على ضبط الإيقاع الداخلي للنص، وعلى بناء دلالة مركبة في أقل عدد ممكن من الكلمات. الخطأ فيها مكشوف، والزيادة فيها تُخلّ بالتوازن، لذلك تبدو هذه الكتابة أقرب إلى الاشتغال على حافة دقيقة، حيث يتجاور النجاح مع السقوط. إنها كتابة تتطلب وعيًا بما يُكتب، وبما يُترك، وبالطريقة التي يُدار بها الصمت داخل النص.

وإذا نظرنا إلى هذا الشكل السردي في أفقه الأوسع، أمكن اعتباره تعبيرًا عن تحوّل في مفهوم الأدب نفسه، حيث لم تعد القيمة مرتبطة بالحجم أو الامتداد، بل بقدرة النص على إحداث أثر. الأثر هنا ليس نتيجة مباشرة للقول، بل لما يخلّفه من صدى في وعي القارئ. نص قصير قد يفتح أسئلة طويلة، وقد يظل حاضرًا في الذاكرة، أكثر من نصوص مطولة تفقد تأثيرها مع الزمن.

بهذا المعنى، تواصل القصة القصيرة جدًا ترسيخ موقعها داخل الخريطة السردية المعاصرة، بوصفها شكلًا مفتوحًا على التجريب، وقادرًا على التقاط تحولات الحساسية الإنسانية. إنها كتابة تُراهن على اللمحة التي تكشف، وعلى العبارة التي تختزن، وعلى الصمت الذي يوازي الكلام في إنتاج المعنى. ومن خلال هذا الأفق، يتشكل هذا الجنس الأدبي في تفاعل مستمر مع زمنه، ساعيًا إلى ابتكار لغة أكثر توترًا، وأكثر قدرة على ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في أقل مساحة ممكنة.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

على سبيل التقديم: "أنا يوسف يا أبي"، هو الاسم الذي اختاره القاص والمترجم الأردني باسم إبراهيم الزعبي، لمنجزه الروائي الأول، الصادر عن مؤسسة الآن ناشرون وموزعون بعمان، على امتداد 251 صفحة، وبعشرين فصلا معنونا، وتدثره مجموعة من النصوص الموازية، وأخص بالذكر الإهداء الذي جاء كالتالي:" إلى ضحايا الحروب الأبرياء "، وبمقطع من قصيدة محمود درويش " أنا يوسف يا أبي "، ثم بإشارة مقتضبة، وكلها تحيل، على الحروب، والموت، والفساد، والخيانة، ثم تقديم صغير بعنوان "أنا يوسف ":" تأمل الصورة، بدت مألوفة، فيها شيء لا يتذكره لكن يعرفه جيدا، اللقطة ذاتها، والقميص ذاته الذي تصور به مع أبيه في الصورة التي بقي يحتفظ بها طيلة سنوات عمره، تلك الصورة التقطتها ريمة " ص13، تجسد صورة الغلاف التي اختارها الكاتب عتبة نصية وهوية بصرية، نابعة من كونها سندا للدلالة المضمونية. فما الذي تحكيه هذه التجربة الرواية التي تعزز الريبورتوار الإبداعي بلاسم إبراهيم الزعبي؟

المتن الروائي:

تحكي =رواية " أنا يوسف +يا أبي " عن المهندس «عون»، الذي يضطر إلى مغادرة وطنه في اتجاه روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بمسقط رأس زوجته غالينا، التي تخرج من إحدى جامعاتها بعد إحالته إلى التقاعد حيفا بسبب استقامته، ونظافة يده، ومواقفه الصلبة ضد الفساد الإداري المستشري في الشركة التي يعمل بها.

لكن حياته ستزداد تعقيدا ومحنا بسبب رداءة أحوال علاقته العاطفية مع زوجته غالينا التي تورطت في الخيانة التي تفطن إليها ابنهما محمد؛ مما انعكس على نفسيته، وتسببت له في أزمة هوية عاطفية وأسرية، فيقرر الهرب، ويلتحق بالجماعات المسلحة في سوريا، ومن ثم التخلص من هذه الحياة العائلية التي لم يعد يطيقها ويتحملها، أما شقيقته "ريمة" فقد تحجبت والتحقت بزوجها في إحدى دول الخليج بعد سوء تفاهم بينها وأمها غالينا، وفتور علاقتها مع والدها " عون "، لكن كل هذه الشخصيات التي تتحرك فوق ركح الرواية لم تستكن لأزماتها وإحباطاتها وتمزقاتها، بل قاومت، لتنهض من جديد في فعلٍ يؤكد على تعلُّقها بالحياة وحقّها في العيش الكريم.

و من المهم أن نشير إلى أن هذه الرواية تجسد الواقع الاجتماعي والسياسي، وتسرد ظواهر الحياة فنجد الوطن والاغتراب موضوعتين بارزتين، وهما ما سنحاول ملامستهما في هذا التمرين النقدي لرواية " أنا يوسف يا أبي ".

1- موضوعة الوطن:

الوطن مكان جغرافي ومنزل الإقامة، إحساس نفسي، وصورة ثابتة خالدة لا تتغير، هو الأرض الرحبة التي نحيى فيها ونموت، " ومساحة الأرض أو المنطقة التي يرتبط بها الشعب ارتباطا تاريخيا طويلا "1، ولا حياة للإنسان دون وطن ينتسب إليه، أو يحيى فيه بكرامته.

وعليه، فإن فكرة الوطن من أبرز ما حظي به الأدب شعرا ونثرا، وساهم في ترسيخ قيم المواطنة والوفاء والتضحية، " كما اهتم بتشنيع عدوه الخارجي المستعمر، الغازي، المتآمر على أمنه ووحدته، الناهب لترواثه "، والداخلي " الخائن، المتواطئ، السلطة القامعة، المخرب، المحتكر، المفسد" وتبشيع صوره وأفعاله"2.

وعطفا على ما سبق، رسم المحكي التخييلي للوطن صورا متعددة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وحاول محاكاة الواقع بما فيه من فساد، وارتشاء، ومحسوبية، وعطالة وأوجاع على حياة شخصيات، وخاصة " عون" الذي عاش أحداثا عكست معاناته داخل الوطن وعمقت مكابداته:" حقد على كل شيء شيء: الشركة، والقطاع الخاص، والحكومة التي لا تفرض رقابتها عليه " ذلك القطاع الجشع، والفاسد، واللاإنساني " حسب رأيه " ص 19، ليقرر الهروب الذي لم يكن قطيعة مع الوطن ورغبة في نسيانه، وإنما هو هروب إليه في المنفى، أو الوطن البديل الذي لا يمكن أن ينسي جحيمه، الذي مكنت الفاسدين من تحويل الوطن إلى بقرة حلوب، وطاردت بكل الوسائل الطاقات الخلاقة المبدعة الرافضة للانخراط في لعبة الفساد، ولعبة التآمر ضد الوطن، وتقديمه لقمة سائغة للمحتكرين، بكل جروحه وخيباته وفساد مؤسساته، يقول السارد على لسان " عون ":" فأنا عشت طويلا في أوروبا، وسافرت إلى بلاد كثيرة، وكنت دوما أشتاق إلى هذا البلد الصغير الدافئ، الحنون " ص 4، لأن الوطن على رأي الروائي حجي جابر مهما قسا هو جزء منا، ومجرد التنكر له يشبه مريضا يريد التخلص من وجع يده بقطعها.

وهذا الجحيم نرى حضوره واضحا أيضا لدى شقيقته " عائشة " يقول السارد: " لا نت عائشة، لم تعد مستفزة وهجومية، بل أظهرت شيئا من التعاطف: اللعنة على حكومتنا، الفساد طاغ على كل شيء، ولا كرامة لشريف في وطنه " ص 34، وكذلك لدى شقيقه " صالح ":" أتساءل أحيانا: إذا كنا نعرف أن أغلب الأغنياء في بلدنا جمعوا ثروتهم بطرق غير مشروعة: التجارة غير المشروعة، استخدام السلطة، الفساد.. وأن الجزء الآخر المتبقي مشتبك في علاقاته الاقتصادية مع الجزء الأول، وكلهم يتحولون إلى بق يمتص دماءنا، فأين نحن؟ وأي حياة نعيش؟" ص 42

يبدو أن باسم إبراهيم الزعبي، يجعل من روايته مرآة صادقة تعكس مظاهر الحية المضطربة، وعبرت عنه من خلال الشخصيات الروائية عون، وعائشة، وصالح، ومدى تأثرهم بهذه الأوضاع السيئة، ونتيجة لهذه المحن، كان اغتراب عون، وتشظيه عن أرض الوطن، والعودة إلى روسيا لأنه شعر بأن الوطن لا يعيره التفاتا ولا يعيره حقه رغم رغم قيامه بواجبه كما ينبغي أن يكون،

هذا الخطاب المفعم بالأعطاب والفوضى والعنف الرمزي في وطن " عون"، لا يختلف عما هو عليه من حديث عن الوطن العربي، فتعود الرواية لتصور بمثيل سردي بشاعة تكالب ومكائد الأطماع الاستعمارية، وما اقترفته من بشاعة في حق الوطن العربي:" أما عون فكانت له مواقف وطنية عامة، فهو يكره الأنجليز لأنهم من وجهة نظره السبب في القضاء على حلم الدولة العربية الواحدة، وتقسيم البلاد العربية وإثارة الفرقة بين العرب، وهم من ساعد الصهاينة على احتلال فلسطين واستمرار المأساة الفلسطينية " ص 16.

بل وتعود الرواية للحديث عن الأعطاب واغتيال الثورة في سوريا التي التحق بها محمد أو يوسف اسما حركيا، لكن بارتفاع منسوب سوداويتها الكئيبة ورعبها الذي يقض المضاجع، ويرسم المحكي الروائي ملامحها المكروبة، إذ لا شيء يعلو على ثقافة الموت سمادا ومادة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وهذا ما نلمسه في قاموسها اللغوي كالتالي: " عسكرة، مدافع رشاشة، راية سوداء، الزناد، رشقات من الرصاص، السلاح، القتال، المقاتلين، الحماعات المسلحة، الإعدام، القصف، دبابة...".

وضمن هذا الإطار نورد بعضا من نماذج الوطن السوري وما تحكيه الرواية من مشاهد مليئة بالموت والتشدد والكوابيس الجاثمة فوق صدره مرادفا للكوابيس والتقتيل الذي نال نصيب الأسد:

- " خرج أحدهم يرتدي الأسود، ويضع على رأسه قبعة مشغولة بالصنارة سوداء أيضا، ولحية سوداء كثيفة، بدا كالزاغ بسواده، وقف موجها الرشاش صوب المتجمهرين " ص 160

- " نهارا يتجول المقاتلون بأسلحتهم على البيوت في القرى ص165

- كانوا يشاهدون أكثر مما يقرأون، بشكل خاص الأفلام التي يبثها التنظيم بما في ذلك مشاهد الإعدام المرعبة التي كانوا يبثونها " ص 174

أمام هذه الفوضى الذي تتعايش فيها المتناقضات، وفي هذا الجو الكافكاوي المكتظ بالتشدد والكراهية والتعصب الأعمى، والاعتداء على المخالفين في الرأي الذي يرفس كل الحق في الحياة والاختلاف، ولم تعد للمواطن وجهة نظر" نحن مقاتلو الدولة الإسلامية، جئنا محررين لكم من حكم النظام النصيري الكافر، أنتم مسلمون، مكانكم الحقيقي إلى جانبنا، من أراد أن معنا فسيحظى برعايتنا، ومن أراد أن يكون ضدنا فسيدفع الثمن غاليا " ص 160، يعلو صوت يوسف محبطا " كان يوسف صامتا يفكر طوال الطريق، ما الذي جاء بي إلى هنا؟ سأقاتل من؟ أنا لا أعرف ضد من سأقاتل اليوم، هل هو فصيل آخر منافس، أم الجيش السوري، أم الجيش الحر؟" ص 182.

إن الرواية لا تخفي من خلال هذه المقاطع السردية المرعبة أن الوطن يعيش محنة وتأزما، وكل شيء يجسده القتل، والتشدد، ومصادرة الرأي والفكر، وسياسة القطيع والتطرف الظلامي الذي صحر البلاد، وتشوهت فيها كل القيم.

2- موضوعة الاغتراب

يعتبر الاغتراب سمة ضاربة في القدامة، وظاهرة سلبية تتمثل في اغتراب الفرد عن مكانه وثقافته، واضطراب علاقته بنفسه والعالم، والشعور باليأس والعجز والانفصال عن الذات وعن الآخر، ومدى اغترابه عن الوطن، وإحساسه بالضياع والقلق والانكفاء عن الذات.

وقد أخذت هذه الظاهرة حيزا في الرواية العربية منذ بدايات القرن العشرين، وتشكلت عبر ملامح متعددة، ومن تجليات صورها في رواية " أنا يوسف ياأبي ":

- الاغتراب المكاني الذي يعني " مغادرة المكان طوعا أو كرها وتكون في الغالب لأسباب سياسية او اقتصادية او ثقافية3"، وهو ما يجسده " عون" الذي اختار الاستقرار بروسيا مكرها، ويتضح ذلك في المقطع السردي على لسان "عون " مخاطبا شقيقته عائشة وهو يخبرها بقراره مغادرة الوطن:"كان ذلك قراري، لم أعد أتحمل أن أبقى من دون عمل، لست بلا كرامة، ياعائشة، محمد مقبل على التوجيهي، ريمة بعيدة، لم يعد لدي دخل " ص 34.

- الاغتراب الاجتماعي والنفسي، ونعني به انفصال الفرد عن المجتمع، وإحساسه بالعزلة التي تشير إلى الحالات التي تتعرض فيها الشخصية إلى الانسحاب والانزواء بعيدا عن المحيط الاجتماعي، ومن ثم انكسار أحلامه، والانشطار، والضعف، والانهيار، وهو ما يبدو من اصطدام "عون" بالواقع الذي ساهمت في تفاقمه زوجته " غالينا، ومن ثم انعزاله ومقاطعته لكل من حوله:" صار يستغرق في المشروب، يمضي يومه في المنزل، لا يفعل شيئا سوى احتساء الفودكا، لا يخرج، لا يقرأ الصحف، لا يتابع الأخبار، لا يجيب على اتصالات، لا يفتح الأنترنت=" ص 86، والدخول في دوامة من المشاعر السوداوية " في اللحظة التي قرر فيها عون أن يوقف كل أشكال التواصل مع الآخرين، كان قد حكم على نفسه بالموت البطيء من غير أن يشعر، هو بالتأكيد لم يكن يقصد الانتحار، لكن كان يسوق نفسه إليه " ص 107

ونفس الاغتراب يعاني منه ابنه وامتداده محمد، الذي يجسد النمو المشوه وفقدان كل مقومات الإحساس المتكامل بالوجود والديمومة، بسبب انحلال الأسرة وغربة المكان، نقرأ للسارد " أنا لست ابن حياة، إنه لا يرى قيمة لحياته، الهذا الحد هي ثقيلة همومه؟"ص 98، ونقرأ أيضا " عزيزتي، عزرائيل لا يفارقني، أراه يشخص أمامي ماثلا في كل الأشخاص الذين أعيش معهم، وفي كل زاوية ألجأ إليها " ص 99، وهو ما حفزه للهروب والالتحاق بالجماعات المسلحة والظلامية للتخلص من هذه الحياة المفعمة بالخيانة والتمزقات النفسية، و" إعادة سرد لما مرت به حياة يوسف، نموذج الشباب العربي الضائع، وهي عرض أمين لضياع جيل يبحث عن خلاصه وهويته" على رأي المبدعة والناقدة سميحة خريس بالدفة الثانية من غلاف الرواية.

على سبيل الختام

وخلاصة القول، يبدو هذا المشروع السردي الطموح، تجربة تستحق كل الاحتفاء، بما تتوفر عليه من مقاربة واعية تتجاذبها موضوعتا الوطن والاغتراب، ومزيتها أنها احتفت بالحياة بالرغم من أعطابها واغترابها، وحاولت أن تبعث التفاؤل في عصر صار فيه كل شيء فاقدا لمعناه، ووبناء فني محبوك ومشوق، وهو ما نأمله أن يتحقق في رواية قادمة للقاص والروائي باسم إبراهيم الزعبي.

***

عبد الله المتقي

......................

المصادر

- باسم إبراهيم الزعبي، أنا يوسف يا أبي، الآن ناشرون وموزعون، 2023

1- محمد العربي، الوطن في الذهنية العربية بين الماضي والحاضر، مجلة اللغة العربية، المجلس الأعلىللغة العربية، العدد 36 ص180

2- شفيع بالزين، الوطن في الرواية العربية، أشغال الملتقى الدولي للرواية العربية ببنزرت، دار خريف، ص

3- نوزاد حمد عمر، الغربة في شعر كاظم السماوي، دار غيداء للنشر والتوزيع نعمان، 2012، ص 39

من الانزياح إلى النزعة التشكيلية للومضات

صدر مؤخرا للشاعر السورية الأستاذة ميادة سليمان مهنا ديوان شعري موسوم بعنوان " يُخلق من الشبه ياسمين" وهو ديوان اختارت له شاعرته القصيدة التوقيعية أو قصيدة الومضة التي تتميز كما عَرّفها الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة:" بكونها قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافة)، تتناسب مع الاقتصاد، والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوَتُّر. عَصَبُها (المفارقة)، الساخرة، والإيحاء، والانزياح، والترميز. ولها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي أنَّ لها (قفلة) تشبه (النَقْفَة) المتقنة، ملائمة للحالة. تحكُمُها الوحدة العضوية، فهي متمركزة حول ذاتها، (مستقلة)

ولجوء الشّاعرة المُميزة لهذا النَّوع من الكتابة الشعرية يُعتبر إِضافة نوعية إلى حسنات إبداعها إن جاز التعبير، لعدة اعتبارات، لعل أبرزها الإقبالُ الكبير للشعراء على هذا الجنس الأدبي الذي يتقاطع مع الهايكو الياباني الذي يحاول من خلاله الشاعر التعبير عن أحاسيسه الجياشة التي تضطرم داخل وجدانه بألفاظ قليلة. في كلمة موجهة للقارئ تقول الشاعرة:

هنا مائتا ومضة

وربما

مئتا ياسمينة

أرجو أن يعجبك

فوح حروفي

هي كلمة موجزة تحمل في طيّها إشارات واضحة على أن ميادة سليمان تدعو القارئ لدخول بستان ومضاتها بما قلّ ودلّ، اعتبارا لتطور الحياة وسرعة الانسياب الزمني الذي لم يعد يسمح بنصوص طويلة وأحيانا مملة، وهي بهذا تتفق مع يوسف الخال الشاعر اللبناني الكبير وأحد شعراء الحداثة المجددين في الشعر العربي الذي يقول:" نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تجدّدنا، فنجاحنا مؤكد ولا حاجة لنا بأي صراعٍ معَ القديم. القافية التقليدية ماتت على صخَبِ الحياة وضَجيجها والوزنُ الخليلي الرتيب ماتَ بفعلِ تشابك حياتنا وتغير سيرها. وكما أبدعَ الشاعرُ الجاهلي شكله الشعريّ للتعيير عن حياته، علينا نحنُ كذلك أن نبدع شكلنا الشعريّ للتعبير عن حياتنا التي تختلفُ عن حياته» ميادة اختارت شكلها الشعري الخاص المعبر عن انطباع جلي وواضح يمتزج فيه الدفق الشعوري السريع الموازي لإيقاع العصر بلمحات واقعية تحوطها عاطفة عميقة، تنتهي بمفارقة قوية تُحدث عند القارئ تأثيرا ذهنيا ووجدانيا قويّاً.

العتبات

لنبدأ بغلاف الديوان باعتباره جزءً من النص الموازي PARTEXTE (العتبات) على حد تعبير جيرار جينت الذي يحدده في: العنوان، العناوين الفرعية، العناوين الداخلية، اسم الناشر، تاريخ النشر، المقدمة، الملاحظات، الرسوم التوضيحية، جدول المحتويات، الخاتمة...

يُشكل الغلاف في ديوان "يُخلق من الشبه ياسمين" بوابة حسية للولوج إلى عالم ميادة سليمان الشعري، في الصورة الأمامية تُطالعنا صورة فتاة مسبلة العينين بشعر متهدل على كتفيها تلوح معالم البراءة على محياها في إشارة جلية إلى سحر أنثوي ناعم، خلفية الصورة يمتزج فيها اللون البنفسجي الفاتح القريب من الأرجواني الرامز للرقة والسكينة والنعومة مع ألوان أخرى متداخلة وحاضنة لزهرات الياسمين بلونيها الأبيض والأصفر، يتكرر عنوان الدِيوان بلونين مختلفين، الأسود والبنفسجي في إشارة سيمائية دالة تسعى لخلق الإدهاش لدى القارئ، اسم الشاعرة بالحروف العربية واللاتينية يحتل مكانا في أعلى الغلاف في تناغم راق مع عنوان الديوان مما يخلق نوعا من المتعة البصرية جاذبة.

لنتوقف لحظة أمام العنوان "يُخلق من الشبه ياسمين" الذي يذكرنا بالمثل الشائع يخلق من الشبه أربعين، نستطيع أن نتحدث عن تناص بلاغي مبني على جماليات يُمكن تلمسها من خلال البعد الدلالي الذي تتجسد عَبره تطريزات لغوية يمكن اعتبارها عتبة للدخول إلى المتن الأصلي، اِجتيازنا العتبة سيفضي بنا إلى بوابة عالم ميادة مهنا سليمان الساحر والمفعم بروح جامحة متوثبة ولكن دعونا قبل ولوج هذا العالم نتعرف على مضمون العنوان تركيبيا، هو جملة فعلية مبنية للمجهول، حيث يُخلقُ فعل مضارع مرفوع، وياسمينُ نائب فاعل مرفوع بالضمة، وشبه الجملة "من الشبه" متعلقة بالفعل يخلق.

 ويمكن تفصيله إعرابيا كالتالي:

يُخلقُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

من: حرف جر.

الشبهِ: اسم مجرور بـ (من) وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يُخلق)

ياسمينٌ: نائب فاعل (للفعل يُخلق) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره (أو تنوين الضم). تقول الشاعرة ميادة سليمان مهنا:

حين ترمينهُ

من شرفة قلبكِ

لا تنظري

أيّة امرأةٍ

تلتقطه

أقتطف هذا النموذج "الومضة" الذي هو أقرب للبرقية الشعرية التي تجمع بين الصورة الحسية (الدال) والمشهد الذهني (المدلول) وينتهي الأمر إلى القفلة المشحونة بالمفارقة.

وأقتطف أيضا هذه الومضة:

في ليالي الاشتياق

يصرخ قلبه:

إن بعد الضم حُلْم

ومضة مكثفة وتتضمن حالة شعرية مبنية على الإدهاش وقفلتها تستند على مفارقة عميقة، تشمل تناصّا جليّا على الأقل في الشكل وإن لم يكن في الموضوع "إن بعض الضم حلمٌ " تحيل على جزء من الآية الكريمة 12 من سورة الحجرات: "إن بعض الظنّ إثم "، وللإشارة يمكن أن نلمس هذا الأمر حتى في عنوان المجموعة "يخلق من الشبه ياسمين"

الانزياح وشعرية الومضات

يعتبر الانزياح واحدا من أشهر مصطلحات الأسلوبية ومفاهيمها التي ظهَرت مع الشِّعرية الحديثة، وهذا يمكننا تلمّسه خاصة في الشعر باعتباره مجالا خصبا للغةٍ إيحائية تفتح الباب أمام المتلقي على عوالم من التأويلات، التي تفرضها اللغة سواء كان ذلك على المستوى الصوتي أو الصرفي أو التركيبي أو الدلالي.

والومضة الشعرية (القصيدة الومضة) لا يمكن أن تخرج عن هذا السياق لأن الشاعر يحاول قدر الإمكان شدَّ القارئ إلى ومضته متوسلا بعدد من الوسائل للوصول به إلى حالة الإبهار والإدهاش، والانزياح واحد من أهم هذه الوسائل التي تتحقق من خلالها المتعة والاستمتاع للمتلقي باعتبار أن النص الشعريَّ يُميِّز نفسه بالخروج عن المألوف، ومن أبرز النقاد الذين تبنوا مفهوم الانزياح جون كوهين الذي يؤكد أنّ " "أن الشرط الأساسي والضروري لحدوثِ الشِّعرية هو حصول الانزياح، باعتباره خرقًا للنظام اللُّغويِّ المعتاد، وممارسة استيطيقيةً"

وإذا كان العديد من النقاد يعتبرون الانزياح خروجا عن المألوف وتجاوُزاً للسائد والمتعارف عليه، كقول الشاعر والرياضي الفرنسي "بول فاليري": "إن الأسلوب في جوهره اِنحرافٌ عن قاعدةٍ ما"، فهو لا يتحقق إلا إذا حقق قيمة جمالية وتعبيرية تُثري تجربة الشاعر الإبداعية وتضيف لِنصوصه أصالة تتقاطع مع الشعرية المتوخاة والمطلوبة وتسمو بلغتها إلى درجة اللغة الأدبية.

يرى مايكل ريفاتير أن الإنزياح "يكون خرقًا للقواعد حينًا، ولجوءً إلى ما ندر حينًا آخر، فأما في حالته الأولى، فهو من مشمولات علم البلاغة، فيقتضي إذًا تقييمًا بالاعتماد على أحكامٍ معيارية، وأما في صورته الثانية، فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة، والأسلوبية خاصة

 بعد هذه الإضاءة الوجيزة في مصطلح الانزياح، حَقّ لنا أن نتسأل إلى أي حدّ اِستطاعت شاعرتنا القديرة النجاح في توظيف الانزياح في ومضاتها من خلال

الابتعاد عن القواعد النحوية أو المعجمية المعتادة لتحقيق جمالية تعبيرية وإيحاءات دلالية جديدة، باللجوء: للاستعارات والتشخيص، والتقديم والتأخير

(الانزياح الدلالي، الانزياح التركيبي)

لنتأمل هذه الومضة:

على خشبة الحب

يقف كساحر جميل

يمسك قلبي

فيخرج منه

فراشات وقصائد

ومضة عميقة تفيض بالصّور الشعرية المبتكرة والمجازات التي تستعمل الشاعرة من خلاله أساليب بلاغية كلمات في غير معناها الحقيقي وهذا نستجليه من خلال انزياحات تركيبية وأخرى دلالية منحت الومضة شعريتها.

على خشبة الحب: قامت الشاعرة بتقديم شبه الجملة (الخبر) على المبتدأ المحذوف، في انزياح تركيبي، أفضى إلى انزياح دلالي نتج عنه أنسنة الحب ونقله من التجريد إلى المحسوس المادي باعتبار أن الخشبة لا تكون إلا في المسرح وهذا حَوّل الحالة الشعورية التي ألمحت إليها الشاعرة حدثا فنيا.

يقف كساحر جميل

يُمسك قلبي

 فيخرج منه

فراشات وقصائد

تستعمل الشاعرة تركيبا يجمع المحسوس المادي المتمثل في مسك القلب، والمجرد من طرف المحبوب (الساحر) وما ترتب عن ذلك من خروج فرشات وقصائد وهذا ينقلنا مباشرة إلى انزياح دلالي حيث يتم استعارة وصف الساحر الجميل لوصف الحبيب للانتقال من الوضع العادي إلى حالة الإبهار والدهشة.

نلاحظ أيضا أنه تم تجسيد القلب فهو أقرب إلى قبعة الساحر التي تخرج منها عادة حمامات تطير، لكن قلب الشاعرة تخرج منه فراشات وقصائد.

إن جَمْع الشّاعرة بين الانزياح التركيبي والدلالي في ومضتها خلق نوعا من التكامل والتداخل الذي أفضى إلى الانتقال من الاستعارة والتشبيه إلى الصيرورة والكينونة.

وهذا يُمْكِن أيضا اِستجلاؤه في العديد من الومضات والتي نذكر منها أيضا:

حرائق كثيرة

كانت ستحدث

لو تسرّبت من قلبي

شرارة اِشتياق صغيرة

إلى غابات خصامك

مرة ثانية نلاحظ أنه تم الانتقال من السياق المادي للألفاظ إلى السياق الشعوري

المعنوي ونتج عن ذلك صورا بيانية، (شرارة الاشتياق الصغيرة) الاشتياق تحول إلى مادة قابلة للاشتعال تتسبب في شرارة، وهو تحويل لإحساس داخلي إلى طاقة مدمرة، "تسربت شرارة الاشتياق" استعمال الشاعرة لفعل تسربت هو للدلالة على قوة الحب وانفلاته وصعوبة السيطرة عليه، ( إلى غابات خصامك)

تحويل الخصام الذي هو عبارة عن حمولة جفاء وتنافر إلى غابات، يعني أن الفضاء باعتباره متشابكا، قابلٌ للاحتراق والخراب، وهذا يعني أن هناك نوعا من الإسقاط الداخلي على المحيط "الانزياح العلاقة" مما يجعل الربط بين الحرائق الكثيرة بشرارة الاشتياق الصغيرة يصب في اتجاه علاقة شرطية.

 النزعة التشكيلية في ومضات الديوان

تتمثل النزعة التشكيلية في القصيدة الومضة في تكثيف الصورة الشعرية وخلق نوع من الايجاز المبني على توسيع المعنى وتجويع اللفظ مع الاعتماد على الصورة البصرية والمفارقة، والاقتصاد اللغوي، لإحداث الإبهار والدهشة لدى القارئ مما يجعل المشهد أقرب إلى لقطات بصرية مليئة بدلالات مُسْتَلْهَمَةٍ من تقنيات السرد والفنون البصرية كالسينما.

وكخلاصة يمكن أن نحصر أهم ملامح النزعة التشكيلية في القصيدة الومضة في التالي:

- التكثيف والاختزال

- الصورة البصرية

- المساحات البيضاء

- التضاد

- الإيقاع الداخلي

إن المتأمل للومضات الشعرية لميادة سليمان يجد نفسه امام لوحات فنية تحتوي على صور شعرية، تنفتح على التكثيف العميق والمفارقة المدهشة، متكِئَة على تقنيات من قبيل الفلاش باك، المنولوج الداخلي، وتقنية القناع وسنحاول إدراج بعض الومضات واستجلاء ملامح النزعة التشكيلية في مقاطعها، ومحاولة الكشف عن أنواع البنية التشكيلية المرصودة. تقول الشاعرة:

لم يقل لي

"صباح الخير"

سأعيره مشط غيرتي

كي يسرح بهِ

شَعرَ لا مبالاته

وكم أخشى

أن يكون

أصلع الشغف!

في هذا النص نستطيع أن نستجلي حالة تقابلية بين صورتين:

الصورة الأولى:

سأعيره مشط غيرتي

كي يُسَرّح بهِ

شَعْرَ لا مبالاته

في هذه الصورة نلتقط مشهدا يجمع بين الملموس المجسد في المِشط والشَّعْر والمجرد المتمثل في الغيرة واللامبالاة، الشاعرة استطاعت خلق تفاعل وتناغم نتج عنه صورة فنية ومشهد سينمائي يجمع بين الإدهاش والاختصار

الصورة الثانية:

وكم أخشى

أن يكون

أصلع الشغف!

في هذه الصورة تجمع الشاعرة بين المحسوس (أصلع) والمجرد الشعوري(الشغف).

دعونا نتأمل هذه الومضة التي أَعْتبِرُها لوحة فنية صِيغت بحرفية واشتغال ملحوظ:

قلبه أمّيٌّ

لا يستطيع

فكَّ حروف قصائدي

سأفتح

له دورة محوِ حبٍّ

 نحن أمام شاعرة صادقة المشاعر متفجرة الأحاسيس، تجمع بين الانفعال والاشتغال على اللغة، وهذا يتجلّى في هذه الومضة المختارة على سبيل المثال:

هذه الومضة اشتغلت فيها الشاعرة على ما يمكن أن نسميه "بنية ضدية" تعتمد مشهدا متوترا ينتهي بمفارقة تعتمد على انزياحات دلالية تغير المعنى عن قصد:

قلبه أميٌّ / سأفتح له دورة محو الحب، هنا نلمس تقابلا و تنافرا بين عناصر الصورة الشعرية بسبب صراع بين نزعتين انسانيتين، قلب أُميُّ لا يستطيع فكّ حروف القصائد، وقلب يحاول تعليمه أبجدية الحب، استعمال مصدر " محو" رغم حمولته التي تبدو منافية للسياق فأنا أرى أن الشاعرة استعملتها فقط لتبرير لامبالاة الحبيب.

 وكخلاصة لا يسعنا إلا التأكيد على أن الشاعرة ميادة مهنا سليمان استطاعت أن تمنحنا وجبة ثرية وغنية من الومضات الشعرية العميقة المتضمنة لكل سمات وخصائص هذا الجنس الأدبي الذي يمكن اعتباره من وسائل التجديد الشعري، وشكلا من أشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث، ومسايرة التطورات الأدبية المعاصرة، وكتعبير عن روحها، وأنا أعتبر أنه يمكن رصد ملامح كتابة نسوية في ومضاتها نستشفها من الطاقة الدلالية والقوة الجمالية والبعد الفني الظاهر والمضمر بين السطور، إن الشاعرة تمارس لعبة تحريك الكلمات واستخدام التناقض بين الكلمات أو الجمل (الطباق/المقابلة) لبناء المفارقة

وخلق الإدهاش لإثارة اِنفعال القارئ ودفعه للمشاركة في الدلالة وأختم بهذه الومضة الجميلة كنموذج لومضات ميادة المائتين المبنية على الشعرية العميقة والجماليات المتجددة، والقراءات المتعددة نتيجة لتشظي المعنى وتجميعه في صورة واحدة .

خُبز حبِّنا الطّازج

لم أذقه هذا الصباح!

فكل ما مَنَحنِيْهِ

كسرة لهفةٍ بائتَةٌ

غص بها قلبِي

***

محمد محضار - أديب مغربي

 

الكرامة الإنسانية شُعورٌ عميق بالقيمة الذاتية، والحقِّ في الحُريةِ والاعتراف، وهي النبراس الذي يستشرفه الأدبُ في أبهى صُوَره. في هذ الصدد، يُمثِّل كُلٌّ مِن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل/ عرار (1899 - 1949)، والشاعر الأمريكي والت ويتمان (1819 - 1892) نماذج فريدة تتقاطع فيها الرؤى الإنسانية مع الشعور بالحرية الفردية والاجتماعية، لِيُقَدِّما صُورةً متكاملة عن الإنسان الذي يرفض التنازلَ عن ذاته، مهما كانت الظروف.

مصطفى وهبي التل (عرار) المعروف بشاعر الأردن، ابن البيئة العربية المُشْبعة بالتحولات الاجتماعية والسياسية في أوائل القرن العشرين، جسَّد في أشعاره نزعة الدفاع عن الكرامة الإنسانية الوطنية والفردية معًا. وقد عانى التل من القيود السياسية والاجتماعية في زمن كان فيه الاستعمار والتسلُّط يطغيان على حياة الإنسان العربي، لكنَّه ظلَّ صامدًا في موقفه الأخلاقي، مُدافعًا عن حق الإنسان في الحرية والعدالة.

في أشعاره، نجد لغةً عاطفية شديدة القوة، تُعبِّر عن الكرامة كحق أصيل لا يمكن التفريط به، وتكشف عن إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الإنسانِ والمجتمع معًا. فهو لَم يكتفِ بالتعبير عن الألم والمُعاناة، بل دعا إلى العمل والتمرُّد على الظُّلْم من أجل استعادة الكرامة الإنسانية.

على الجانب الآخَر، نجد والت ويتمان، شاعر الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، الذي جسَّد في أعماله رؤيةً متفردة للكرامة الإنسانية من منظور فرداني شامل. وهو يعتبر الإنسان كائنًا قائمًا بذاته، ومُبدعًا، وفخورًا بجسده وروحه، ومُتَّصِلًا بالعالَم الطبيعي والكَون كَكُل.

لَم تكن كرامته مقتصرة على حقوقه القانونية أو السياسية، بل شملتْ أبعادًا رُوحانيَّة وشخصية، حيث يُمثِّل التعبيرُ عن الذات والاعترافُ بالآخرين مُكوِّنات أساسيَّة لهذه الكرامة.وقد احتفلَ ويتمان بتنوُّع الإنسان وفرادته، مؤكِّدًا أنَّ كُلَّ فرد يمتلك قيمة متأصِّلة، بغضِّ النظر عن أصله، أو مكانته الاجتماعية.

رغم اختلاف السياقَيْن التاريخي والثقافي بين الشاعرَيْن، إلا أنَّ هناك تلاقيًا عميقًا في رؤيتهما للكرامة الإنسانية. التل -في مجاله العربي- ربطَ الكرامةَ بالحرية والمُقاومة والعدالة الاجتماعية، مُعتبرًا أنَّ استعادة الكرامة تتطلَّب وعيًا جَماعيًّا وعملًا مشتركًا. أمَّا ويتمان، فقدْ أكَّد على الكرامة الفردية، والحقِّ في الاعتراف بالذات، وارتباطِ الكرامة بالحُب الشامل للإنسانية والطبيعة.

والتل يرى الكرامة في إطار جَماعي يتفاعل معَ المُحيط، بَينما يَرى ويتمان الكرامةَ في إطار الفرد الذي يكتشف ذاته، ويحتفل بها. ومعَ ذلك، كِلاهما اتَّفَقَ على أنَّ الكرامة لَيست مُجرَّد شعور سطحي أوْ حالة اجتماعية، بل هي قوة داخلية تمنح الإنسانَ القُدرةَ على الوقوف بثقة في مُواجهة الظُّلم والقيود، على اختلافِ طبيعتها.

لغةُ الشِّعْر عند الشاعرَيْن تلعب دورًا مِحوريًّا في نقل هذه الكرامة. في شِعر التل، نجد استخدامًا مُؤثِّرًا للصور الشعرية التي تَجمع بين الحزن والأمل، والانكسارِ والمُقاومة، والألمِ الشخصي والمُعاناةِ الجَمَاعِيَّة.

أمَّا ويتمان، فتتجلى الكرامة في تراكيب شِعرية مفتوحة، وحُرَّة، تنساب مِثل النهر، وتُعبِّر عن الامتداد والاتِّساع، واحتفاءِ الذات بكلِّ أبعادها الجسدية والروحية.

اللغةُ عِند كُلٍّ مِنهما لَيست مُجرَّد وسيلة للتعبير، بل هي فِعل مُقاوَمة، وفِعل تأكيد للإنسانية، فهي تَرفع من قيمة الفرد، وتؤكِّد على الحق في الاعتراف به ككائن كامل ومستقل.

إنَّ الكرامة الإنسانية في شِعر التل وويتمان تُمثِّل رحلة متصلة بين الفرد والجماعة، والذاتِ والمُجتمع، والحُرِّيةِ الشخصية والعدالةِ الاجتماعية. التل يَمنح الكرامة بُعدًا مُقاومًا ووطنيًّا، ويحتفي بها كحق مُكتسَب يجب الدفاع عنه، أمَّا ويتمان فيمنحها بُعدًا رُوحيًّا وفرديًّا، ويؤكِّد على قيمتها الكامنة في التقدير الذاتي، والاحتفاءِ بالإنسانية الجامعة. وبهذا، يُصبح الأدبُ جسرًا يربط بين هذه الرؤى، ويؤكِّد على أنَّ الكرامة الإنسانية لَيست مفهومًا نظريًّا فَحَسْب، بل هي أيضًا فِعل حياة، وطاقة إبداع، ورسالة مستمرة لكلِّ مَن يَسعى إلى أنْ يكون إنسانًا حُرًّا وكاملًا.

والرحلةُ بَين عالمَي مُصطفى وهبي التل (عرار) ووالت ويتمان، تُوضِّح أنَّ الكرامة الإنسانية لَيست قيمةً نظريةً تجريدية، أو شُعورًا عابرًا، بل هي نبض الحياة ذاته. إنَّها قوة تقف في وجه الظُّلْم، وحُريةٌ تتجسَّد في الفِكر والفِعل، واعترافٌ بالذاتِ والآخَر.

أهمُّ نقاط التقاطع بين الشاعرَيْن:

1- وَحدة الوجع الإنساني: كلاهما رأى أنَّ جُرح الكرامة عند الفرد هُو جُرح للإنسانية جَمعاء.

2 - اللغة المُتمردة: استخدما لُغة قريبة من الناس (العاميَّة المَحكية) عِند التل، والسطر الشِّعري الحُر عِند ويتمان) لكسرِ الحواجزِ السُّلطوية.

3- الانحياز للمُهمَّشين والفقراء: كِلاهما كان صوتَ مَنْ لا صَوت لهم. التل عاش مع النَّوَرِ (الغَجَر)، وجعلهم رمزًا للحُريةِ والانعتاقِ من قيود المُجتمع والسياسة. وويتمان احتفى بالعامل البسيطِ، والمُزارع، والمُهمَّشين في المجتمع الأمريكي، مُعتبرًا أنَّ كُلَّ فرد هو لبنة أساسيَّة في بناء الأُمَّة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أنطولوجيا الشهقة: قراءة كونية إنسانية في قصيدة "الصبح شهقتي" لهادية السالمي دجبي

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة كونية إنسانية لقصيدة "الصبح شهقتي" للشاعرة هادية السالمي دجبي، من خلال تحليل بنيتها الرمزية والوجودية، واستكشاف تمثّلات الألم، والذات، والعالم، والآخر داخلها. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن النص يؤسس لما يمكن تسميته "أنطولوجيا الشهقة"، حيث يتحول الألم إلى مبدأ كاشف للوعي، وتغدو الذات فاعلًا في إعادة إنتاج المعنى داخل عالم متصدّع. تعتمد الدراسة على مقاربات وجودية وتأويلية، مستأنسة بأفكار مارتن هايدغر وجان بول سارتر، مع توظيف أبعاد من النقد النفسي عند إريك فروم.

المقدمة

لم يعد الشعر المعاصر مجرّد تعبير جمالي، بل صار فضاءً أنطولوجيًا يعيد مساءلة شروط الوجود الإنساني. وفي هذا السياق، تأتي قصيدة "الصبح شهقتي" بوصفها نصًا يتجاوز البوح إلى تشييد تجربة وجودية كاملة، حيث يتقاطع الألم مع الوعي، والخراب مع الرغبة في التأسيس.

تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية:

كيف يتحول الألم في النص الشعري إلى أفق لإنتاج المعنى الكوني؟

أولًا: الأنا بوصفها انبثاقًا مؤلمًا

يكشف العنوان "الصبح شهقتي" عن مفارقة دلالية:

الصبح: رمز البداية والنور

الشهقة: فعل اختناق وانفجار داخلي

تُنتج هذه المفارقة تصورًا وجوديًا للإنسان قريبًا من تصور مارتن هايدغر، حيث يُلقى الإنسان في العالم، غير أن النص يضيف بعدًا شعريًا يتمثل في الوجود ليس مجرد انكشاف، بل هو انبثاق مؤلم للوعي.

ثانيًا: الطبيعة بوصفها انعكاسًا لانهيار المعنى

تحضر الطبيعة في النص بصيغتها المنكسرة:

دالية بلا حسّون

أعناب غائبة

غابة خريفية

إنها طبيعة فاقدة لوظيفتها الحيوية، مما يعكس:

تفكك العلاقة بين الإنسان والعالم

وبذلك تتحول الطبيعة إلى مرآة:

لا تعكس الجمال

بل تكشف انهيار الانسجام الكوني

ثالثًا: الآخر ككائن مستهلك للجرح

يتخذ الآخر في النص صورة سلبية:

"ترقصون فوق جرحي"

هذا التصوير يكشف عن:

تفكك الروابط الإنسانية

تحوّل الآخر إلى مستهلك للألم

وهو ما ينسجم مع تحليل إريك فروم للمجتمع الاستهلاكي الذي يُفرغ العلاقات من بعدها الإنساني.

رابعًا: البعد الجحيمي للذات

يحضر دانتي أليغييري بوصفه رمزًا للجحيم:

"كأن دانتي في سراديبه ألاقيه"

لكن الذات لا تعبر الجحيم، بل:

تتموضع داخله وتعتلّ به

وهذا يشير إلى:

تحوّل الجحيم من تجربة إلى بنية

اندماج الألم في كينونة الذات

خامسًا: من الانكسار إلى التأسيس

في المقطع الأخير، يحدث التحول الجوهري:

"وأبتني منارتي"

تتحول الذات من موضوع للألم إلى فاعل للمعنى.

وهذا يتقاطع مع أطروحة جان بول سارتر حول الإنسان بوصفه مشروعًا يصنع ذاته.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن قصيدة "الصبح شهقتي" تؤسس لرؤية كونية للإنسان، حيث يصبح الألم شرطًا للوعي، والخراب منطلقًا لإعادة البناء. ومن ثم، يمكن اعتبار النص تجسيدًا شعريًا لما سمّيناه "أنطولوجيا الشهقة"، حيث لا يُختزل الصبح في كونه زمنًا، بل يغدو فعلًا وجوديًا ينبثق من عمق المعاناة.

ثانيًا: ربطها بفصل من "فلسفة الأمل الكوني"

من أنطولوجيا الجرح إلى أنطولوجيا الأمل: الشهقة كمولّد كوني للمعنى:

1. تمهيد نظري

في إطار "فلسفة الأمل الكوني"، لا يُفهم الأمل بوصفه تفاؤلًا ساذجًا، بل باعتباره:

فعل مقاومة وجودية ينشأ من قلب الانكسار

2. الشهقة كنقطة عبور

تكشف القصيدة أن:

الألم ليس نهاية، بل بداية إدراك كوني

أي أن الشهقة = لحظة انتقال من الانهيار إلى الوعي.

3. الإنسان الكوني: من الاحتواء إلى الخلق

الذات في النص:

تحتضن الألم

لا تنتظر الاعتراف

تعيد إنتاج المعنى

وهذا ينسجم مع تصور:

الإنسان الكوني هو الذي يمنح دون انتظار، ويخلق دون ضمان

4. الصبح كفعل داخلي

الصبح في القصيدة ليس ظاهرة طبيعية، بل حدث وجودي داخلي، وهذا يدعم أطروحة فلسفة الأمل الكوني:

الأمل هنا ليس ما يأتي من العالم، بل ما ينبثق من الذات رغم العالم .

5. نحو نظرية: "الأمل المنبثق من الألم"

يمكن تأطير ذلك نظريًا كالتالي:

الألم - وعي

الوعي - تمرد

التمرد - خلق

الخلق - أمل

خلاصة - الربط

تشكل القصيدة نموذجًا تطبيقيًا حيًا لفلسفة الأمل الكوني، حيث لا يُلغى الألم، بل يُعاد توظيفه كطاقة تأسيسية للمعنى.

إبراهيم عثمان - الجزائر

.....................

الصبح شهقتي

في قَدَحِي دالِيَةٌ فارَقَها الْحَسُّونُ

مُذْ بَعْثَرَهَا الصَّدَى.

وغابَةٌ تُنْبِتُها أَلْوِيَةُ الْخريفِ

في الْمدَى.

لا فيْءَ في دَوَارِقِي يَنْدَى بهِ وجْهي

ولا أَعْنَابَ فيها أَرْتَجِي .

يَمْتَشِقُ التُّفَّاحُ مِنْ كَأْسي الْحَساسينَ

فَأَقْفُو أثَرَ الْفَراشِ،

أَدْعوهُ فلا يُطْعِمُنِي.

كأَنَّ " دانْتِي " في سَرَادِيبِهِ

أُلاقيهِ فَأَعْتَلُّ بِهِ .

أَبْسُطُ كَفِّي للسَّحابِ

أْرْتَجِي مَوْعَدَةً،

فَيَشْتَكِي مِنْ ظَمَإٍ يُلْهِبُهُ.

*

يُخْبِرُني الْبَرْقُوقُ

عَمَّنْ أجْدَبَ الْوَقْوَاقُ

غُصْنًا يَتَفَيَّؤُونَهُ…

ويَسْتَفِيضُ في السّؤالِ

عن سماءٍ يَقْتَاتُ غِرَاسَها،

فَتَصَّاعَدُ في صَدْرِي

تَبارِيحُ الْأَسَى.

أُوَّاهُ يا مَنْ تَرْقُصُونَ فوق جُرْحي،

لِمَ تُلْقُونَ قِلادتي لِمَنْ يُتْلِفُها؟

وتَقْبَعُونَ في الْمَلاهِي

تَتَلَهَّوْنَ بِأَطْوَاقِ يَدِي؟؟؟

على ضِفافِ الْحُلْمِ تُلْقُونَ شِرَاعَكُمْ

وتُصْغُونَ إلى الرّيحِ

وصَوْلاتِ ضَجِيجِها.

*يا مَنْ تَهِيمُون بِألوَانِ الدُّجى

حتّامَ يَشْتَدُّ على صدري شِتاؤُكُمُ؟

يا مَنْ تَهِيمُونَ بِألْوَانِ الدُّجى

" ما أَقْدَرَ الْخَيْلَ على خَلْقِ الضِّياءْ! "

كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُحَدِّثُ الرِّياحُ حالَها.

مُذْ أَمَدٍ لُذْتُ بِكُمُ

وما إلَيَّ اسْتَبَقَتْ خُيُولُكُمْ،

ولا تَنَدَّتْ بِسُرَاكُمْ أَضْلُعِي.

ها أَقِفُ الْيَوْمَ هُنا وحدي

على ناصِيَةِ الْحُلْمِ

وأَبْتَنِي مَنارَتِي.

وحدي أَدُعُّ العالِقِينَ في رِدائِي وأُنَادي:

أيُّها الْعالِقُ في ثَوْبي!

أَمَا تَرَاكَ عَنِّي راحِلا؟

يا أَيُّها الْعالِقُ في ثَوْبي!

أَمَا تَدْرِي

بِأَنَّ الصُّبْحَ شَهْقَتِي؟؟؟

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

تندرج قصيدة "الخطر في السقف" للشاعر عباس بيضون ضمن أفق شعري حداثي يتجاوز البنية التقليدية للقصيدة، ليؤسس خطاباً قلقاً ومفتوحاً على احتمالات متعددة من المعنى. فهي ليست نصاً يُقرأ في مستوى واحد، بل بنية لغوية ودلالية مركّبة، تتشابك فيها الأصوات والصور والرموز، وتتحول اللغة فيها من أداة وصف إلى فضاء إنتاج للدهشة والتوتر والتفكيك. ومن هنا، تأتي هذه الدراسة لتقارب النص عبر مستويات متعددة: لغوية وبلاغية، جمالية وفنية، فكرية وفلسفية، نفسية وسوسيولوجية، وصولاً إلى القراءة الاحتمالية التي ترى في النص شبكة من المعاني الممكنة لا معنى واحداً نهائياً. إن هذه المقاربة تسعى إلى الكشف عن البنية العميقة للنص، وقراءة انزياحاته بوصفها تجليات لوعي شعري مأزوم يعيد مساءلة العالم واللغة معاً.

تُعدّ قصيدة "الخطر في السقف" للشاعر عباس بيضون نموذجاً دالاً على تحوّلات القصيدة العربية المعاصرة، حيث تتداخل اللغة الشعرية مع بنية سردية وقلق وجودي عميق، في نصّ يشتغل على تفكيك الثنائيات التقليدية (الأعلى/الأسفل، النقاء/التلوث، الخلاص/الهلاك).

إننا أمام نصّ لا يُقرأ بوصفه خطاباً مغلقاً، بل بوصفه بنية مفتوحة على احتمالات التأويل، تتكثف فيها الرموز، وتتشظّى فيها الدلالات.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النصّ يقوم على لغة سليمة نحوياً، لكنها مُنزاحة دلالياً، حيث تتفكك العلاقات المنطقية لصالح علاقات إيحائية:

"الفراغ ليس خالياً" → مفارقة لغوية تُحوّل الفراغ إلى كيان ممتلئ بالتهديد.

"النسمة قد تكون جيفة" - انزياح صادم يُسقط النقاء الحسي في القذارة الرمزية.

البنية التركيبية:

هيمنة الجمل الفعلية القصيرة (لا تنظري، لا تبتسمي، لا تفكري) → خطاب تحذيري/سلطوي.

تكرار النفي - خلق مناخ قمعي.

غياب الروابط المنطقية - تفكك نحوي مقصود يعكس تفكك العالم.

البنية الإعرابية

حضور الجمل الاسمية ذات الطابع التقريري: "الفضاء أيضا عدو"

حذف الخبر أحياناً أو الإيجاز الشديد - تكثيف دلالي.

التراكيب تميل إلى الاقتصاد اللغوي مع شحنة إيحائية عالية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة متوازنة بين:

المعجمي اليومي: (التراب، السقف، الفئران)

المعجمي الرمزي: (الأطياف، الحنوط، السراديب)

هذا التداخل يخلق:

توتراً بين الواقعي والمتخيل، بين الحسي والميتافيزيقي.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

غياب الوزن الخليلي - قصيدة نثر.

اعتماد الإيقاع الداخلي:

التكرار: "لا تنظري… لا تبتسمي… لا تفكري"

التوازي التركيبي

الجرس الصوتي قائم على:

الحروف القاسية (ق، ط، ص) - توتر

المقاطع القصيرة - تسارع القلق

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النصّ يقوم على:

خطاب موجّه (أنا/هي)

غياب السرد التقليدي

حضور مشاهد متقطعة (السقف، السماء، الفوهة…)

البنية تساوي تشظي زائد تداعٍ حر

٢. الرؤية الفنية

العالم عند بيضون:

عالم مقلوب:

السماء تساوي خطر

الأرض تساوي ملاذ هش

الرؤية تساوي تشاؤمية/تفكيكية

٣. الطابع الإبداعي

كسر التوقع

صور صادمة: "الجثث التي كانت أقوالاً"

توليد الدهشة عبر تفجير العلاقة بين الدال والمدلول

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النصّ يطرح:

سؤال الأمان في عالم معادٍ

فقدان الثقة بالمعنى

انهيار المرجعيات

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

نقد الحداثة

تفكيك السلطة

قلق ما بعد الحداثة

٣. البنية الهيرمينوطيقية

الدلالات العميقة:

السقف يساوي سلطة/ميتافيزيقا

السماء تساوي وهم الخلاص

الأسفل يساوي واقع منحط لكنه “حقيقي”

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى:

واقع عربي مأزوم (حروب، قمع، انهيار المعنى)

٢. تطور النوع

قصيدة نثر متقدمة

تفكيك للبلاغة التقليدية

٣. العلاقة بالتراث

قلب ثنائية:

السماء (الخير) - السماء (الخطر)

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

قلق

خوف وجودي

بارانويا رمزية

٢. النبرة النفسية

تحذير

ارتياب

توتر دائم

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالواقع

نقد المجتمع الخاضع

تفكيك الخطاب السلطوي

٢. الخطاب الاجتماعي

فضح:

السلطة

النفاق

الزيف الثقافي

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

السقف يساوي العلو السلطوي

الفئران تساوي الانحطاط

السماء يساوي خطر مقلوب

٢. الثنائيات

فوق / تحت

طهارة / فساد

معنى / ضجيج

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا مضمرة ومقلوبة:

الجسد مُقيّد: "لا ترفعي بصرك… صوتك أو يدك"

الرغبة تساوي محاصرة

العلاقة تساوي سلطة/خضوع

تاسعاً: النقد الاحتمالي

النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

احتمال ١: قراءة سياسية

السقف يساوي السلطة القمعية

السماء تساوي خطاب أيديولوجي

احتمال ٢: قراءة وجودية

العالم بلا معنى

كل شيء مهدد

احتمال ٣: قراءة نفسية

النص يساوي وعي مريض بالارتياب

احتمال ٤: قراءة لغوية

انهيار اللغة نفسها:

"القصاصات… الأبيات المشطورة"

- تفكك الخطاب

عاشراً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١. القيم:

النص لا يحتفي بالجمال، بل: يكشف القبح، ويفضح الزيف.

٢. الانفتاح التأويلي:

نصّ مفتوح بامتياز:

لا يقدّم أجوبة، بل يوسّع الأسئلة.

٣. البعد الإنساني

الخوف الكوني

هشاشة الإنسان

ضياع المعنى:

خاتمة:

قصيدة "الخطر في السقف" ليست مجرد نص شعري، بل بنية تفكيكية عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والعالم.

إنها قصيدة تُمارس الشكّ بوصفه فعلاً جمالياً، وتحوّل الخوف إلى أداة كشف، وتفتح المعنى على احتمالات لا نهائية.

وفي ضوء النقد الاحتمالي، يغدو النصّ فضاءً للتفاعل، حيث لا يُكتشف المعنى، بل يُنتَج في كل قراءة من جديد—وذلك هو جوهر حداثته وقيمته الفنية. تكشف قصيدة "الخطر في السقف" عن تجربة شعرية كثيفة، تُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم عبر لغة متوترة ومشحونة بالرموز والانزياحات. فهي نصٌّ يُفكك اليقين، ويزعزع الثنائيات المستقرة، ويُعيد توزيع المعنى في فضاء مفتوح على التأويل. ومن خلال القراءة الاحتمالية، يتضح أن النص لا ينغلق على دلالة محددة، بل يظل قابلًا لإعادة القراءة والإنتاج، وفق تفاعل القارئ مع بنيته الرمزية واللغوية. وهكذا، تبرز قيمة القصيدة في قدرتها على توليد القلق الجمالي والمعرفي، وفي انتمائها إلى شعرية حديثة تجعل من الغموض والالتباس طاقة إبداعية، لا نقصًا دلاليًا، مؤكدةً أن الشعر—في جوهره—هو فعل كشفٍ لا ينتهي، وسؤالٌ مفتوح على أفق لا يُستنفد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

الخطر في السقف

بقلم: عباس بيضون

أقولُ لها: الخطرُ في السقف،

لا تنظري، قد يُصيبُكِ حجر.

إنهم بالتأكيد فوق،

الفضاءُ أيضًا عدوّ.

المساحاتُ مسمَّمة، والفراغُ ليس خاليًا.

ثمة أطيافٌ ملعونة،

نفوسٌ تجولُ غاضبة،

دعاءٌ ينفثُ كراهية،

كلامٌ مقصوص، شَفْرَةٌ من الهواء.

ثمة رعبٌ سماويّ، نسيمٌ مؤبَّد.

لا تبتسمي،

فالنسمةُ قد تكونُ جيفةً على الوجه.

لا تفكّري، لا نعلمُ من أين تأتي الأفكار،

ثمة حنوطٌ فيها،

فسادٌ، وربما لطخة،

غرغرةٌ أو خُوار.

لا ترفعي بصركِ،

صوتكِ أو يدكِ،

كوني كلَّكِ في الأسفل،

حيثُ نيّةٌ سيئةٌ تحكمُ وحدها،

حيثُ الترابُ يحلمُ وحده،

حيثُ الوقائعُ بنفسِ عطبِ المبادئ،

والجثثُ التي كانت أقوالًا،

وكلُّ هذه البدايات

التي سرعان ما هلكتْ في المضيق.

العَمى ينتظرُ فوق السقيفة،

الكلامُ الذي يصرُّ في فمٍ مكسور،

الماضي الذي يصلُ بلا عينين

وبرائحةِ السراديب.

السقفُ للفئران، وربما لصيّادي العِبَر،

أو للمجنَّحين فوق العتم.

السماءُ تهبطُ فوق المائدة،

السماءُ المَلأى بالقصاصاتِ والأبياتِ المشطورة،

والأنصافِ التي ترقصُ في الوسط،

وهذا الضجيجُ الذي يأكلُ معانيه.

لا تنظري إلى فوق،

اللصوصُ قد يخرجون في تلك اللحظة،

لن تقولي إنّه الخلاص،

لن يعودَ الابنُ من الغيبة.

الأنصافُ وحدهم يصعدون من الفوّهة،

لهم وجهٌ واسمٌ وقناع،

لهم بارحةٌ مديدةٌ وعاقبةٌ قصوى،

وبالطبع أبٌ مزعوم، وخالةٌ صلعاء،

وتاريخٌ مع النجوم.

ستكونُ لهم بلادٌ بعرض الكتفين،

ودارٌ للعميان، وفصحى،

وديوانٌ للفقر، خواتمُ وعناوين،

خارجَ السمعِ أو خارجَ الوعي.

لا نقولُ ذلك في المجلس،

فنحنُ هنا لاستشارةِ الطيور،

إذا خسرنا السماء،

فلِمَن نبيعُ هذا الخطاب؟

وكيف يكونُ النصرُ رابعَنا،

وأحفادُ الغائبِ أصهارَنا وحواشينا؟

كيف نخرجُ متوَّجين من الهزيمة،

سلاطينَ من الهباء؟

 

يندرج نص "أميرة" للشاعر توفيق أحمد ضمن الأفق الشعري العربي الحديث الذي لم يعد ينظر إلى القصيدة بوصفها بنية مغلقة ذات معنى واحد، بل باعتبارها كياناً دلالياً مفتوحاً، يتشكّل عند تخوم اللغة والخيال والتجربة الوجدانية. ومن هذا المنطلق، يغدو الاشتغال النقدي على هذا النص ضرورة معرفية وجمالية، تستدعي مقاربة متعددة المستويات، تتجاوز القراءة الانطباعية إلى تحليل علمي يستند إلى الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، وصولًا إلى الأبعاد النفسية والسيميائية والاجتماعية.

إن هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية الداخلية للنص، والكشف عن آلياته التعبيرية، من خلال رصد دقة التراكيب اللغوية، وثراء الانزياحات البلاغية، وتناغم الإيقاع والمعمار الصوتي، إلى جانب تحليل الرؤية الفنية التي تحكم النص، واستجلاء طبقاته الدلالية العميقة وفق منظور هيرمينوطيقي. كما تنفتح هذه القراءة على ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا يختزل المعنى في تأويل واحد نهائي، بل ينظر إلى النص بوصفه شبكة من الإمكانات التأويلية، حيث يتولد المعنى عبر تفاعل النص مع القارئ والسياق.

وعليه، فإن نص "أميرة" لا يُقرأ بوصفه قصيدة غزلية فحسب، بل باعتباره بنية رمزية معقدة، تُعيد صياغة مفاهيم الجمال والحب والوجود، وتطرح أسئلة ضمنية حول العلاقة بين الحقيقة والخيال، وبين الذات والعالم، في سياق شعري يزاوج بين الكثافة التعبيرية والانفتاح الدلالي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النص يتمتع بسلامة لغوية عالية، تخلو من الانكسارات النحوية أو الركاكة التركيبية، ويعتمد على جمل قصيرة مكثّفة ذات بنية شعرية واضحة.

نلحظ هيمنة الجملة الفعلية (تجاوزَ، صار، يشهق، يشرد، تضيع...)، ما يمنح النص ديناميكية حركية تعكس تحوّل "أميرة" من حالة ثابتة إلى كيان متحوّل.

على مستوى الصرف والنحو:

تجاوزَ الجمالُ الجمالَ:

تركيب يحمل مفارقة دلالية عبر تكرار اللفظ واختلاف الوظيفة النحوية (فاعل/مفعول به)، وهو ما يخلق انزياحاً دلالياً يفتح النص على أفق ما فوق الجمال.

صار المدى والنهرَ والسهولَ والتلالْ:

تعدّد المعطوفات المنصوبة يشي باتساع دلالي وانفجار في الحقول المعجمية.

الحذف واضح في مواضع عدة، مثل:

"أميرةٌ يشهقُ في دفترها السؤال"

حيث يُقدَّم المبتدأ ويؤخر الخبر في صورة انزياحية تُربك الترتيب النحوي التقليدي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة شفافة، تنتمي إلى المعجم العاطفي الرمزي:

(المدى، النهر، السهول، التلال، الحنين، الخيال، الضياع...) وهي ألفاظ ذات طاقة إيحائية عالية.

التوازن بين اللفظ والمعنى قائم على:

اقتصاد لغوي (قلة الألفاظ/كثافة الدلالة)

تراكم تصويري (توالي الصور بدل الشرح)

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص يقترب من شعر التفعيلة الحر مع نزوع إلى النثر الشعري.

مظاهر الإيقاع:

التكرار:

"أميرةٌ..."، "حبكِ..." - بناء لازمة إيقاعية

الجرس الصوتي:

التكرار الصوتي لحرف الراء (النهر، الحنين، الشراع، العصفور) يعطي رخامة وانسياباً

الموسيقى الداخلية:

التوازي التركيبي:

كالصيف... كقدح الخمر... كفرح العصفور...

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النص ينقسم إلى مقطعين:

مقطع "أميرة": ذو طابع تصويري رمزي

مقطع "حبكِ": ذو طابع وجداني مباشر

البنية هنا حلزونية:

تبدأ بالجمال

تتسع إلى الطبيعة

تنتهي بالحب ككون مغلق

٢. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

تحويل الأنثى إلى كينونة كونية

"أميرة" ليست امرأة، بل:

فضاء

ذاكرة

سؤال

وأفق خلاص من الضياع

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

أبرز الانزياحات:

يصبح الحقيقة الخيال: قلب العلاقة بين الواقعي والمتخيل

يشهق في دفترها السؤال: تشخيص السؤال (أنسنة المجرد)

النص ينتج الدهشة عبر:

١- تفكيك المنطق العادي

٢- إعادة تركيب العالم شعريًا

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة ضمنية:

ما الجمال؟

ما الحقيقة؟

هل الخيال أصدق من الواقع؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

- التصوف (تحويل المحبوبة إلى مطلق)

- الرومانسية الحديثة

- نزعة ما بعد الحداثة (تفكيك الثنائيات)

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل "أميرة" بوصفها:

- المرأة

- اللغة

- القصيدة ذاتها

- أو اليوتوبيا المفقودة

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى الشعر العربي الحديث الذي:

- تحرر من الوزن التقليدي

- اتجه نحو الرمزية

٢. تطوّر النوع الأدبي

النص يقع بين:

شعر التفعيلة

وقصيدة النثر

٣. علاقته بالتراث

يحاور:

الغزل العربي القديم (المحبوبة المركز)

لكن يعيد تشكيلها رمزياً لا جسدياً

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

- الحنين

- التوق

- البحث

٢. تحليل الشخصية

"أميرة" تمثل:

صورة مثالية

إسقاطاً لرغبات الشاعر

٣. النبرة النفسية

تتراوح بين:

- النشوة (حبك كالصيف)

- القلق (السؤال، الضياع)

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يشتغل مباشرة على الواقع الاجتماعي، لكنه:

- يعكس نزعة فردانية

- ويؤسس لعالم بديل (مدينة مسحورة مغلقة)

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

- النهر: التدفق

- الجزيرة: العزلة

- الشراع: الرحلة

- السور: الانغلاق

٢. الثنائيات

الحقيقة / الخيال

الضياع / العودة

الداخل / الخارج

٣. النظام الرمزي

العالم كله يتحول إلى:

شبكة علامات تتمحور حول "أميرة"

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: تكاملي (أسلوبي زائد تأويلي زائد نفسي زائد سيميائي)

النص يسمح بقراءة علمية لا انطباعية

قابل للتوثيق ضمن دراسات الشعر الحديث

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

يحتفي النص بـ:

١- الحب

٢- الجمال

٣- الخيال

يفتح المجال لتعدد القراءات

يمسّ وجداناً إنسانياً عاماً

عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا: رمزية لا جسدية

تقوم على:

١- الجمال

٢- الشعر

٣- الانجذاب الروحي

"غابة الضفائر" مثلاً:

تحمل إيحاءً حسياً

لكن ضمن إطار جمالي لا فاضح

أحد عشر: النقد الاحتمالي (القراءة المفتوحة)

وفق هذا المنهج، يمكن إنتاج قراءات متعددة:

١. قراءة وجودية

"أميرة" تساوي معنى الحياة المراوغ

٢. قراءة لغوية

"أميرة" تساوي اللغة التي يتشكل فيها الشعر

٣. قراءة نفسية

"أميرة" تساوي صورة الأنثى في لاوعي الشاعر

٤. قراءة طوباوية:

"المدينة المسحورة" تساوي عالم مثالي مغلق ضد الفساد الخارجي

خلاصة:

النص ينجح في: ١- بناء عالم شعري متماسك٢- توظيف اللغة بانزياح جمالي٣- إنتاج دلالات متعددة

لكنه:

يميل أحياناً إلى التعميم الرمزي

ويخفّ فيه الاحتكاك بالواقع.

تكشف هذه الدراسة، عبر محاورها المتعددة، أن نص "أميرة" يتجاوز حدوده الظاهرية بوصفه نصاً غزلياً، ليغدو فضاءً تأويلياً غنياً، تتقاطع فيه البنية اللغوية مع الرؤية الجمالية، ويتداخل فيه الحسّ الوجداني مع الأفق الفلسفي. فقد استطاع الشاعر أن يوظّف اللغة بوصفها أداة خلق لا مجرد وسيلة تعبير، فأنشأ عبر الانزياح والتكثيف والتكرار عالماً شعرياً نابضاً بالدلالات، تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، والواقعي بالممكن.

كما أبرزت القراءة أن النص يمتلك طاقة سيميائية عالية، تجعل من رموزه وعلاماته مفاتيح متعددة للدخول إلى معانيه العميقة، في حين يضفي البعد الإيروتيكي الرمزي عليه مسحة جمالية شفيفة، ترتقي بالحب من مستوى الحسّ إلى أفق التجريد والتخييل. أما من منظور النقد الاحتمالي، فقد تبيّن أن النص لا يستقر على معنى واحد، بل يظل مفتوحاً على قراءات متجددة، تتعدد بتعدد القرّاء واختلاف سياقات التلقي.

وعليه، يمكن القول إن قصيدة "أميرة" للشاعر توفيق أحمد تمثل نموذجاً للشعر الحديث الذي يراهن على الغموض المنتج، والدهشة الجمالية، والانفتاح التأويلي، حيث لا تُستهلك القصيدة في قراءة واحدة، بل تستمر في إنتاج معناها عبر الزمن، مؤكدة أن الشعر، في جوهره، ليس قولاً مكتملاً، بل سؤالٌ دائمُ التجدّد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

أمـيرة

تجاوز الجمالُ في قاموسها الجمالْ

صار المدى والنهرَ والسهولَ والتلالْ

وقصةَ الدموع في العيون

ونشوةَ الحنينْ

أميرةٌ يشهقُ في دفترها السؤالْ

يشردُ في أحرفها المحالْ

تضيعُ بين همسةٍ وهمسةٍ جبالْ

ويُصبحُ الحقيقةَ الخيالْ

أميرةٌ تسكنُ في جزيرةْ

وتُرجعُ الشراعْ

من رحلةِ الضَّياعْ

وتكتبُ القصيدةَ الأخيرَهْ

عن عاشقٍ يولد كالمساءْ

في غابةِ الضفائرِالطويلهْ

وينسجُ العباءة الجميلةْ

لآخر النساءْ

وأجملِ النساءْ

حُـبُّـكِ

حبُّكِ كالصيفِ الذي أُحبُّهُ

كقدح الخمر الذي أَصبُّهُ

كفرحِ العصفورِ بالعصفورْ

كَشَهقاتِ النورْ

**

حُبّكِ يا حبيبتي مدينةٌ مسحورةٌ

أسكنُها وحدي أنا والشّعْرُ والطيورْ

لا أحدٌ يخرجُ أو يدخُلُ يا حبيبتي

للعالم المسحورْ

لا أحدٌ يعبُرُ فوق السُّورْ

***

شعر: توفيق أحمد

من سبك العبارة إلى سيمياء المعنى وبناء الملحمة الحديثة

تمثّل ملحمة الجزائر الكبرى للشاعر عبد العزيز شبين تجربة شعرية تتجاوز حدود القول إلى فضاء الرؤية، وهي نص يُقرأ ومشروع فكري وجمالي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الحاضر وممكناته المستقبلية.

من حيث البنية الثقافية، تنهض الملحمة على وعيٍ جمعي يتكئ على الذاكرة الجزائرية بوصفها حاضنة للبطولة والصمود، غير أن الشاعر لا يقع في أسر التوثيق أو التمجيد السردي المباشر، إنه يشتغل على تحويل هذا الإرث إلى طاقة رمزية متجددة، إن الجزائر هنا ليست جغرافيا محدودة، هي استعارة كبرى للحرية والانبعاث، ما يجعل النص مفتوحًا على قراءات عربية وإنسانية أوسع.

أما على مستوى العطاء الفكري الشعري، فإن النص يكشف عن تلاحم واضح بين الفكرة والصورة؛ فلا تأتي الفكرة بوصفها خطابًا تقريريًا، الفكرة تتجسد عبر تشكيلات لغوية كثيفة، تتقاطع فيها اللغة الإيحائية مع النبرة الملحمية، هذا التلاحم يمنح العمل بعدًا تأمليًا، ويجنّبه الوقوع في المباشرة، ليغدو الشعر هنا أداة تفكير بقدر ما هو أداة إحساس.

وفي نظرة الشاعر للحياة تتبدّى فلسفة تقوم على جدلية الألم والأمل، فالحياة في الملحمة حالة ساكنة، وصيرورة متحركة في آن تتخللها صراعات وانكسارات، لكنها تظل مشدودة إلى أفق النهوض، هذه الرؤية تمنح النص بعدًا إنسانيًا عميقًا، ويتحول فيها الخاص الوطني إلى تجربة كونية تعكس قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية.

أما عنصر التجديد يتجلى في محاولة الشاعر إعادة صياغة الشكل الملحمي بروح حديثة، فهو يخفف من ثقل السرد التقليدي لصالح تكثيف شعري يعتمد على الإيقاع الداخلي والصورة المركبة، كما يشتغل على تحديث اللغة دون أن يقطع صلتها بجذورها التراثية ما يخلق توازنًا بين الأصالة والمعاصرة.

وفي مخاطبة العاطفة والنفس الإنسانية ينجح النص في استثارة مستويات متعددة من التلقي، هو يخاطب الوجدان عبر صور مشحونة بالانفعال، وفي الوقت ذاته يستفز العقل بأسئلته المفتوحة، هذه الثنائية تمنح الملحمة طاقة تأثيرية تجعلها قادرة على التفاعل مع القارئ على المستويين الحسي والفكري.

أما فيما يتعلق بالمستقبل وتحدياته فإن الملحمة لا تكتفي باستحضار الماضي أو توصيف الحاضر، فهي تتجه نحو استشراف أفق قادم، وتطرح رؤى تتعلق بالحرية، والهوية ومصير الإنسان في عالم متغير، وهنا تتخذ الملحمة طابعًا تحذيريًا وأملًا في آن، إذ تضع القارئ أمام مسؤولية المشاركة في صنع هذا المستقبل.

وإن ملحمة الجزائر الكبرى عمل شعري يتسم بالعمق والتركيب يجمع بين الحس الملحمي والرؤية الفكرية، ويقدّم نموذجًا لقصيدة قادرة على استيعاب التاريخ، ومساءلة الحاضر، واستشراف المستقبل، ضمن لغة شعرية تنبض بالحياة والوعي.

وفي امتداد الرؤية التي تشي بها (الجزائريادة) يمكن تلمّس نزوعٍ طموح لدى الشاعر عبد العزيز شبين إلى تجاوز النموذج الملحمي الكلاسيكي إلى إعادة تعريف جوهر الملحمة ذاتها، فالشاعر لا يكتفي بأن يسير في ظل عمالقة مثل هوميروس وفيرجيل والفردوسي فهو يطمح إلى تفكيك أنماطهم وإعادة بنائها ضمن أفق معاصر حيث لم تعد البطولة فعلًا فرديًا ولا الحدث التاريخي غاية في ذاته، هو يسعى لتشكيل المدخل للوعي الإنساني الأشمل.

وإذا كانت ملاحم هوميروس كالإلياذة قد أقامت مجدها على صليل السيوف وصراع الآلهة والبشر، فإن الجزائريادة تنقل البطولة من ساحة الحرب إلى فضاء الوعي؛ حيث يصبح الإنسان بحد ذاته معركة مفتوحة ضد النسيان والتشظي، وهنا يتفوق شبين لا في حجم الحدث بل في عمق الدلالة، إذ تتحول المعركة من واقعة زمنية إلى سؤال وجودي دائم.

أما فيرجيل في الإنيادة فقد سعى إلى تأسيس هوية إمبراطورية مانحًا روما سرديتها الكبرى؛ غير أن شبين يتجاوز هذا التأسيس الأحادي ليكتب هويةً متعددة الطبقات لا تنغلق في قومية صلبة بل تنفتح على إنسانية رحبة حيث الجزائر ليست مركزًا للهيمنة بل نقطة إشعاع أخلاقي وثقافي، وبهذا فإن الجزائريادة لا تؤسس لإمبراطورية بل لضمير.

وفي مواجهة ملحمة الفردوسي في الشاهنامة التي خلدت الملوك والأبطال في إطار تاريخي أسطوري يأتي شبين ليحرر البطولة من مركزيتها النخبوية مانحًا الصوت للإنسان العادي للذاكرة الشعبية وللتفاصيل التي كانت تُهمَّش في السرديات الكبرى، إنه انتقال من بطولة الفرد إلى بطولة الجماعة، ومن الأسطورة المغلقة إلى الملحمة المفتوحة.

تفوق الجزائريادة – في هذا السياق – لا يقوم على نفي السابقين، وإنّما يقوم على استيعابهم وتجاوزهم فهي ملحمة تكتب نفسها في زمن ما بعد الأسطورة، حيث لم يعد القارئ يبحث عن بطل خارق، فهو يبحث عن معنى ينقذه من التلاشي، ولذلك فإن شبين يعيد صياغة اللغة الملحمية لتغدو أكثر شفافية وقلقًا، وأكثر اتصالًا بأسئلة العصر.

إنها ملحمة لا تتكئ على الماضي لتتجمد فيه، إذ تستدعيه لتجاوزه، ولا تستعير من التراث إلا ما يمنحها القدرة على الانفلات منه، ويمكن القول إن الجزائريادة تمثل لحظة تفوق نوعي حيث تنتقل الملحمة من كونها سجلًا للبطولات إلى كونها مختبرًا للوعي ومن كونها حكاية تُروى إلى كونها تجربة تُعاش.

تتجلّى الجزائريادة بوصفها نصًا شعريًا متعدد الطبقات، تتداخل فيه الأبعاد السيميائية مع الوعي التاريخي، وتتعانق فيه العاطفة مع الرؤية الفكرية في بناء ملحمي يسعى إلى تثبيت الجزائر لا كجغرافيا فقط بل وعلامة كبرى في الوجدان الإنساني.

الأبعاد السيميائية في الجزائريادة: ينهض النص على شبكة من الرموز والإشارات التي تتجاوز ظاهر اللغة إلى عمق الدلالة؛ فالجزائر تتحول إلى علامة كونية، ترمز إلى الحرية والمقاومة والانبعاث، كما تتكاثر الرموز المرتبطة بالأرض، الدم، الذاكرة...، لتشكل نظامًا دلاليًا متماسكًا، وتُقرأ المفردة فيها بمعناها المباشر، وبوصفها حاملة لحمولات تاريخية ونفسية، إن الشاعر هنا يكتب بلغة الإيحاء جاعلًا من كل صورة بوابةً لمعنى أوسع.

الزخم التاريخي: تتغذى الملحمة من تاريخ جزائري كثيف يستدعي لحظات النضال والتحرر ويأتي هذا الاستدعاء بوصفه سردًا توثيقيًا، وبوصفه إعادة تشكيل شعري للتاريخ، فالزمن في النص متداخل، تتجاور فيه الأزمنة وتتقاطع بما يمنح العمل طاقة ديناميكية تجعل الماضي حاضرًا فاعلًا لا مجرد ذكرى، هذا الزخم يمنح الملحمة عمقها ويجعلها قادرة على حمل ذاكرة أمة بكاملها.

مخاطبة العاطفة: تتسم الجزائريادة بقدرتها العالية على استثارة الوجدان؛ إذ يعتمد الشاعر على صور مشحونة بالانفعال وإيقاع داخلي يتسلل إلى نفس القارئ فالعاطفة هنا ليست عبثية بل ضرورة جمالية تُستخدم لتعميق الارتباط بين المتلقي والنص ولتحويل القراءة إلى تجربة شعورية تتجاوز حدود الفهم العقلي.

تقييم المواقف: لا تقف الملحمة عند حدود الاحتفاء تتجاوزه لتمارس فعلًا نقديًا ضمنيًا حيث تُقيِّم المواقف التاريخية والإنسانية وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والصمود... هذا البعد يمنح النص بعدًا أخلاقيًا، ويجعله نصًا حيًا قادرًا على محاورة القارئ لا تلقينه.

فرض مكانة الجزائر: تعمل الملحمة على تثبيت الجزائر في موقع رمزي متقدم من خلال تراكم الصور والدلالات التي تُعلي من شأنها، فالجزائر مركز إشعاع تتقاطع عنده القيم الكبرى: الحرية، الكرامة، والتاريخ الحي...

الوطنية الجزائرية: تتجلى الوطنية في الجزائريادة بوصفها شعورًا عميقًا لا شعارًا سطحيًا؛ فهي وطنية واعية، تتأسس على معرفة بالتاريخ وإدراك لتحديات الحاضر وينجح الشاعر في تقديم نموذج للوطنية التي تجمع بين الاعتزاز والانفتاح بين الخصوصية والبعد الإنساني.

وتقترب الملحمة في بعض مقاطعها من النشيد، حيث تتصاعد النبرة الإيقاعية وتتكرر البنى التعبيرية، بما يمنح النص طابعًا احتفاليًا، هذا النشيد زخرف صوتي، وأداة لتعزيز الشعور الجمعي، وتحويل النص إلى صوت جماعي يعبر عن أمة بأكملها.

الفخر بتاريخ الجزائر: يُبنى الفخر في الملحمة على أساس معرفي وجمالي؛ نتيجة لاستحضار تاريخ غني وإعادة صياغته شعريًا، يتجلى هذا الفخر في الصور التي تمجد الأرض والإنسان وفي النبرة التي تمزج بين الاعتزاز والتأمل، ما يمنح النص توازنًا بين العاطفة والوعي.

وهذه الملحمة هي نصّ يُقرأ وفق المعايير اللسانية فيها نغدو داخل نسيجٍ حيٍّ تتحوّل فيه هذه المعايير إلى أعصابٍ نابضة تشدّ المعنى وتوزّع الحياة في جسد الملحمة، إنها كتابة تُحاور أدوات التحليل ذاتها وتعيد إنتاجها في لغةٍ تتقاطع فيها المعرفة بالوجدان، وهذا توضيحها بإيجاز:

أولا: السبك الرصفي (Cohesion): هندسة اللغة وهي تمشي على إيقاع الذاكرة:

يتجلّى السبك في الجزائريادة كخيوط حريرية غير مرئية تربط الكلمات كما تربط الذاكرة أبناءها في لحظة استدعاء؛ الضمائر، أدوات العطف، الإحالات، والتكرار الإيقاعي، كلّها تعمل بوصفها وسائل نحوية إلى جانب وصفها جسورًا شعورية تعبر فوقها الدلالات، فالكلمة لا تُجاور أختها اعتباطًا، إذ تتساند معها كما تتساند جدران بيتٍ قديم يحمل تاريخًا أكثر مما يحمل حجارة، وهنا يغدو السبك ترتيبًا تآلفيا حيث اللغة تتماسك لأنها تؤمن بما تقول.

ثانيًا: الحبك الدلالي (Coherence): منطق المعنى وهو يكتب مصيره:

أما الحبك فيتجاوز التسلسل الظاهري إلى بنية عميقة، حيث المعاني تتوالد من بعضها كما تتوالد الأمواج من البحر، انسياب خفيّ يجعل القارئ يشعر بأن كل صورة كانت تنتظر الأخرى، إن الجزائريادة تسرد وتتنامى ككائنٍ حيٍّ تتكامل أعضاؤه دون أن تُعلن عن نظامها الداخلي، فإن الحبك ترابط منطقي وقدرٌ دلاليٌّ يُحكم قبضته على النص، فيجعله وحدةً متماسكة رغم اتساعه الملحمي.

ثالثًا: المقامية (Situationality): النص وهو يرتدي زمنه وتاريخه:

النص في هذه الملحمة لا يُفهم خارج مقامه؛ فهو ابن لحظةٍ تاريخية وثقافية مشحونة تتداخل فيها الذاكرة الاستعمارية مع طموح الاستقلال، والجرح مع الحلم، المقامية روحٌ تسكن النص، تجعل كل عبارة مشروطة بسياقها وكل صورة مشبعة بزمانها، إن الجزائر مقامًا يُكتب من داخله، ومن ثمّ يصبح النص خطابًا موجّهًا إلى وعيٍ جمعيٍّ يعرف رموزه قبل أن تُقال.

رابعًا: المقبولية (Acceptability): حين يصدّق القارئ لأنه يشعر:

تبلغ الجزائريادة درجة عالية من المقبولية لأنها تراعي توقعات القارئ، وتعيد تشكيل هذه التوقعات، القارئ يبحث عن حقيقةٍ منطقية، وصدقٍ شعوري والشاعر يمنحه هذا الصدق عبر لغةٍ لا تتكلّف ولا تتصنّع، إن النص يُقنع لأنه يُحسّ، ولأنه يلامس منطقةً في الإنسان تسبق الحكم العقلي، فتجعل القبول فعلَ استجابةٍ داخلية لا قرارًا نقديًا باردًا.

خامسًا: الإبلاغية / الإخبارية (Informativity): المفاجأة بوصفها ولادة المعنى:

تقوم إبلاغية النص على نقل معلومة، وعلى خلق دهشة؛ فالمعنى يُسلَّم جاهزًا ويُنتزع من رحم الصورة، كل مقطع يحمل قدرًا من الانزياح، يجعل القارئ يعيد النظر فيما يعرفه، إن الإخبارية هنا كمًّا من المعلومات، ونوعية من الكشف حيث تتحول اللغة إلى أداة إضاءة، تكشف ما كان مستترًا في الوعي والتاريخ.

سادسًا: الأسلوبية والنسق، بصمة الشاعر وهو يعيد تشكيل اللغة:

يتبدّى الأسلوب في الجزائريادة كهوية لا تخطئها العين؛ لغة مشحونة بالصور متكئة على الإيقاع الداخلي، وتمزج بين النبرة الملحمية والتأمل الفلسفي، أما النسق فهو النظام الخفي الذي يضبط هذا التدفق حيث تتكرر الثيمات (الأرض، الدم، الحرية...) في بنى مختلفة، فتخلق وحدةً داخل التنوع، إن الشاعر هنا يكتب بأسلوب ويصنع أسلوبه كما يصنع النهر مجراه.

سابعًا: السيميائية، حين تتحول الجزائر إلى علامة كونية:

في البعد السيميائي تتجاوز الجزائر كونها مدلولًا جغرافيًا لتغدو دالًا مفتوحًا على معانٍ لا نهائية. فكل رمز في النص يعمل ضمن شبكة دلالية، حيث يتجاوز معناه المباشر ليحمل شحنات ثقافية ونفسية، إن العلاقة بين الدال والمدلول متحركة تتسع مع كل قراءة، ما يمنح النص طاقة تأويلية لا تنضب.

ثامنًا: الدال والمدلول: رقصة المعنى على حافة اللغة:

يستقر الدال في الجزائريادة على مدلول واحد ثم يراوغ، ينزاح، ويتكاثر، الكلمة تقول أكثر مما تعلن، وتخفي أكثر مما تقول، وهنا تكمن جمالية النص في هذه المسافة بين ما يُقال وما يُراد، حيث يُدعى القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى، إن الملحمة تفتح أفقًا من الاحتمالات، تجعل القراءة فعل خلقٍ مشترك.

إن الجزائريادة نصٌّ يكتب نفسه وفق معايير اللسانيات، لكنه في الوقت ذاته يتجاوزها، كأنها سلّمٌ صعده ثم تركه خلفه، فيها السبك كنبضٍ خفي، والحبك كقدرٍ دلالي، والمقامية كروحٍ تاريخية، والمقبولية كصدى شعوري، والإبلاغية كدهشةٍ مستمرة، أما سيميائيتها، فهي فضاء تتلاشى فيه الحدود بين الدال والمدلول، ليبقى المعنى معلقًا كنجمةٍ لا تُمسك، لكنها تُنير.

وختامًا تبدو الجزائريادة للشاعر عبد العزيز شبين نصًا يتجاوز كونه ملحمةً شعرية إلى كونه كيانًا لغويًا نابضًا، تتضافر فيه معايير السبك والحبك والمقامية والمقبولية والإبلاغية ضمن نسيجٍ واحد، حيث لا تنفصل البنية عن الدلالة، ولا الشكل عن الروح، إنها ملحمة تُحسن إدارة اللغة بوصفها طاقة دلالية مفتوحة، تُشيّد المعنى عبر رموزها، وتُعمّق أثرها عبر عاطفتها، وتُثبت حضورها عبر وعيها التاريخي والوطني، وفي هذا التآلف المركّب ينجح النص في أن يكون خطابًا جماليًا وفكريًا في آن، يكتب الجزائر بوصفها موضوعًا، وبوصفها علامةً كبرى، ويكتب الإنسان بوصفه قارئًا وشريكًا في إنتاج المعنى، هكذا تنتهي الملحمة دون أن تنغلق وتستقر في الذاكرة لكنصٍّ مكتمل وأفقٍ مفتوح على قراءة لا تنتهي.

***

بقلم: د. عباس عبد الحميد مجاهد - فلسطين

 

يُعدّ السرد المعاصر فضاءً ديناميًا تتقاطع فيه التحولات الجمالية والفكرية، حيث لم يعد الخطاب الروائي مجرد حكاية تُروى وفق نسق خطي مستقر، بل أضحى مجالًا مفتوحًا لإعادة تشكيل العالم عبر أشكال سردية متحولة، تتجاوز القوالب التقليدية نحو أفق أكثر تعقيدًا وتشظيًا. من هذا المنطلق، تغدو دراسة تحولات الخطاب الروائي مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الرواية المعاصرة، بوصفها خطابًا يعكس قلق الإنسان الحديث وتوتراته الوجودية، كما يكشف عن انزياحات عميقة في طرائق بناء المعنى وتمثيل الواقع.

لقد شهد الخطاب الروائي انتقالًا ملحوظًا من مركزية الحكاية إلى مركزية الخطاب، حيث لم يعد المهم هو “ماذا يُروى”، بل “كيف يُروى”. هذا التحول أفضى إلى إعادة النظر في البنيات السردية التقليدية، فانهارت خطية الزمن، وتفككت وحدة الحدث، وتعددت الأصوات، مما جعل النص الروائي أقرب إلى فسيفساء دلالية تتجاور فيها الأزمنة والوقائع والرؤى. ولم يعد الراوي سلطة مطلقة تُحكم قبضتها على مجريات السرد، بل صار صوتًا من بين أصوات متعددة، تتنازع تمثيل الحقيقة، وتُدخل القارئ في لعبة تأويلية مفتوحة.

في هذا السياق، برزت تحولات عميقة على مستوى الزمن الروائي، إذ لم يعد الزمن خطًا مستقيمًا يتجه من الماضي إلى الحاضر، بل أصبح زمنًا متشظيًا، تتداخل فيه الاسترجاعات والاستباقات، وتتقاطع فيه الأزمنة الذاتية مع الأزمنة التاريخية. هذا الانكسار في الزمن يعكس، في جوهره، وعيًا جديدًا بالوجود، حيث لم يعد الإنسان قادرًا على إدراك العالم في كليته، بل يعيش في حالة من التمزق بين الذاكرة والتجربة، بين ما كان وما يمكن أن يكون.

أما على مستوى الشخصية، فقد تراجعت صورة البطل المتماسك، لتحل محلها شخصية قلقة، مهشمة، تعاني من اغتراب وجودي وهوياتي. لم تعد الشخصية مركزًا للثبات، بل غدت كيانًا متحولًا، يعكس هشاشة الذات في عالم متغير. وغالبًا ما تتوزع هذه الشخصية بين ذوات متعددة، أو تتلاشى في خطاب داخلي يكشف عن تصدعاتها النفسية، مما يجعلها أقرب إلى تمثيل رمزي لحالة إنسانية عامة.

اللغة بدورها لم تسلم من هذا التحول، إذ انتقلت من وظيفتها الإبلاغية إلى وظيفة جمالية وإيحائية، حيث أصبحت اللغة فضاءً للتجريب والانزياح، تُراوغ المعنى بدل أن تُثبّته، وتفتح النص على احتمالات دلالية متعددة. وقد أدى هذا إلى ظهور كتابة روائية تتسم بالكثافة والالتباس، تتطلب قارئًا فاعلًا، قادرًا على تفكيك شفراتها والانخراط في إنتاج معناها.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجتها، إذ تعكس الرواية المعاصرة تحولات عميقة في بنية المجتمع، من قبيل تسارع التغيرات، وتفكك المرجعيات، وصعود أسئلة الهوية والمنفى. في هذا الإطار، يغدو الخطاب الروائي فضاءً لمساءلة الذات والآخر، ولتفكيك السرديات الكبرى التي كانت تؤطر الوعي الجمعي، مما يجعل الرواية أداة نقدية بامتياز، تكشف عن تناقضات الواقع وتعيد تشكيله رمزيًا.

إن تحولات الخطاب الروائي في السرد المعاصر لا تعني القطيعة التامة مع الماضي، بقدر ما تشير إلى إعادة توظيفه داخل أفق جديد، حيث تتداخل الأجناس، وتتقاطع المرجعيات، ويُعاد بناء النص بوصفه كيانًا مفتوحًا على التأويل. وهكذا، لم تعد الرواية مجرد مرآة تعكس الواقع، بل صارت مختبرًا لتفكيكه وإعادة تركيبه، في ضوء رؤية جمالية وفكرية تتسم بالقلق والانفتاح.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الخطاب الروائي المعاصر قد انتقل من اليقين إلى الشك، ومن الوحدة إلى التعدد، ومن الاستقرار إلى التحول، وهو انتقال يعكس، في عمقه، تحولات أوسع تطال بنية الفكر والوجود معًا. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يظل رهينًا بمقاربة نقدية قادرة على استيعاب تعقيد النص الروائي، والانفتاح على تعددية دلالاته، بما يسمح بإدراك الرواية المعاصرة بوصفها خطابًا حيًا، يتشكل باستمرار في قلب التحولات الثقافية والإنسانية.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

مقاربة نقدية موسّعة في بنية الشعر والرؤيا عند. د. علاء عبد الهادي

تُعدّ قصيدة "تجريد الأغاني" نصاً شعرياً مركّباً يتداخل فيه البعد الغنائي مع النزعة التجريدية، بحيث لا يعود الغناء صوتاً خارجياً، بل يتحوّل إلى بنية شعورية داخلية تتشظّى بين الذاكرة والوجد واللغة. ومن هنا، فإنّ مقاربة النص تقتضي النظر إليه بوصفه نصاً مفتوحاً، تتعدد فيه طبقات المعنى، وتتفاعل فيه اللغة مع الرؤية، والصوت مع الدلالة.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتكئ النص على لغة فصيحة متينة، تمتح من المعجم الكلاسيكي، وتستعيد روح البيان العربي القديم، كما يظهر في تراكيب من قبيل:

"لا تعتب القلب في عشق بليت به"

"وارم الشقاء على خطو الوصال"

 نلاحظ: سلامة نحوية عالية مع ميل إلى التقديم والتأخير.

حضور الأسلوب الإنشائي (الأمر والنهي)، مما يضفي طابعاً تأملياً إرشادياً.

اعتماد الانزياح البلاغي، مثل: "أنصت بعينك" (مزج الحواس).

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة هنا ليست مباشرة، بل مكثفة ومشحونة بالدلالة:

الألفاظ منتقاة بعناية (الوصال، المهجة، النأي، الحشا).

هناك توازن بين جزالة اللفظ ورهافة المعنى.

غير أن: بعض التراكيب تميل إلى التكلف الكلاسيكي، مما قد يخلق مسافة مع القارئ الحديث.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تقوم على إيقاع عمودي تقليدي (بحر وقافية موحّدة غالباً)، مما يمنحها:

- وحدة موسيقية واضحة

- جرساً متماسكاً

كما يظهر: التكرار الصوتي (الحروف المهموسة واللينة) لخلق نغمة وجدانية.

موسيقى داخلية قائمة على التوازي والتركيب المتوازن.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص ليس سردياً، بل:

يقوم على تدفّق وجداني

يتنامى عبر مقاطع شعورية متعاقبة

الشخصية المركزية:

- ذات عاشقة متأملة، تتحرك بين:

الحضور/الغياب

اللذة/الألم

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا رومانسية- تأملية:

- الحب ليس تجربة حسية فقط، بل مسار وجودي.

- المرأة تتحول إلى رمز كوني للجمال والامتلاء.

٣. الانزياح الجمالي

يتجلى في:

- تشخيص المجرد (النور يمضي بها)

- تجريد المحسوس (المهجة الورقاء)

 النص ينجح في خلق دهشة جمالية، لكنه أحياناً يقع في تكرار الصور التقليدية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري.

النص يطرح أسئلة ضمنية:

هل الحب خلاص أم عذاب؟

هل الجمال امتلاك أم فقد؟

٢. الأفق المعرفي

يتكئ على:

- التراث الشعري العربي (الغزل العذري والعباسي)

- نزعة صوفية خفيفة (الذوبان في المحبوب)

٣. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

النص قابل لقراءات متعددة:

- قراءة عشقية مباشرة

- قراءة صوفية (المحبوب يساوي المطلق)

- قراءة نفسية (المرأة تساوي إسقاط للذات)

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. السياق

ينتمي النص إلى:

شعر عربي معاصر يستعيد العمود الكلاسيكي بروح حديثة

٢. تطور النوع

يقع في منطقة وسطى بين:

الشعر العمودي التقليدي

والانزياح الحداثي في الصورة

٣. العلاقة بالتراث

واضحة من خلال:

المعجم

الصور البلاغية

البناء العروضي

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

- الحنين

- التوتر العاطفي

- التذبذب بين اللذة والألم

٢. النبرة النفسية

نبرة مركبة:

- وجد

- شجن

- نشوة مؤقتة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يشتبك مباشرة مع المجتمع، لكنه:

يعكس فردانية رومانسية

ينتمي إلى خطاب الذات العاشقة المنعزلة

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

النور - المعرفة/الانكشاف

العين - الرؤية/ الوعي

الطريق - المسار الوجودي

٢. الثنائيات

حضور / غياب

قرب / نأي

عري / احتجاب

ثامناً: الأسس المنهجية

النص يسمح بتطبيق:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج النفسي

٣- المنهج التفكيكي

وهو نص غني بالقرائن الداخلية، مما يدعم قراءة علمية موضوعية.

تاسعاً: البعد الإنساني والجمالي

- يحتفي النص بالحب كقيمة إنسانية عليا

- ينفتح على تأويلات متعددة

- يلامس التجربة الإنسانية في بعدها العاطفي العميق

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى في:

وصف الجسد (القدّ، النهد)

لكن بصورة مواربة جمالية لا فجّة الإيروتيكية هنا: - ليست جسدية خالصة - بل ممزوجة بالوجد والرمز

الحادي عشر: النقد الاحتمالي (قراءة مفتوحة)

وفق هذا المنهج: النص ليس معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

١- نص غزلي تقليدي

٢- نص صوفي (المحبوب = المطلق)

٣- نص نفسي (تفكك الذات)

٤- نص جمالي عن اللغة نفسها (تجريد الأغاني يساوي تفكيك التعبير)

 المعنى هنا لا يُستخرج، بل يُنتَج عبر القراءة.

ثاني عشر: قراءة صرفية نحوية

هيمنة الجمل الفعلية - ديناميكية الشعور

كثرة الأفعال المضارعة - الاستمرارية

حضور الضمائر - مركزية الذات

كما يظهر: استعمال التراكيب الكلاسيكية (المصدر، النعت، الحال)

ميل إلى التراكيب المتوازية

خاتمة:

قصيدة "تجريد الأغاني" نصٌّ يجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على التجريد، ويقدّم تجربة شعرية قائمة على تحويل الغناء من صوت خارجي إلى بنية داخلية.

وإذا كان النص ينجح في:

١- بناء لغة متينة

٢- خلق إيقاع موسيقي واضح

٣- إنتاج صور جمالية

فإنه، في المقابل:

يظلّ أسيراً جزئيًاً للمعجم التقليدي

ويحتاج إلى مزيد من المغامرة الحداثية في الصورة والرؤية

ومع ذلك، يبقى نصاً غنياً، مفتوحاً، قابلاً لإعادة القراءة، حيث لا يُختزل في معنى، بل يتكاثر في أفق احتمالي لا نهائي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

تجريد الأغَانِي

لا تَـعْتـِبِ الْقَـلْبَ فِي عِشْقٍ بُلِيــتَ بِـهِ

أو تــَأْسَـــفَــنَّ لِـحُـبٍّ بَـعَــدَ مَا ذَهَــبَـا

*

وَارْمِ الشَّقَاءَ عَلَى خَطْوِ الوِصَالِ وَكُنْ

مِثـْـلَ الهَواءِ خَـفِـيفاً، طَـلَّ أو شَـغـَبـَا

*

يَــا مَنْ شَـهـِدْتَ مِنَ العُـشَّـاقِ آهَتَهُمْ

أنْصِتْ بِعَيْنِــكَ لا تُـنْصـِتْ لِمَـنْ غَـرَبَا

*

وَامْتَحْ مِنَ الشِّعْرِ قَدْ تَحْنُو مَحَاسِنُهَا

واثـْـبُـتْ حَـسيـِـباً لِـحُبٍّ بَعْـَدمَا خَلـَـبـَا

*

هَـلْ كُنْتُ أبْحَثُ عَنْ حِضنٍ ألُوذُ بِهِ

فِي مُـقْـلَـتَـيِهَـا، لـكَيْمَا أتْـرُكُ الهَــرَبَا!

*

يَوْمَ اللِقَـاءِ وَكَـانَ البَـدْرُ مُحْتَـشِـمًا

فِـي حَضْرَةِ المُرتَجـَى يَحْيا وَلا عَجَبَا

*

تَــفِــرُّ مِـنِّي قـَـلِـيـلاً ثـُـمَّ تَـشْـتَـعِـــلُ

كَي تَفْـتَحَ الْـمُهْجَةَ الوَرْقَاءَ والنَّصَـَبَـا

*

أنَا الْمَـشَـاءُ بلى أُغْرَى بِفِــضَّـتـِهَـا

بـالْـقـدِّ لَــمَّا اسْتَــوَى، بَالنَّهدِ حِينَ قَبَا

 *

حِينَ ارْتَحَلْتُ إِلَى وَجـْــدٍ لأنْـسُجـَـهُ

حَـتّى يُعَـايِـنَ نِـنُّ العَـيْـنِ مَـا ارْتَـقـَـبَــا

*

يَمْضِي بِهَا النُّورُ تُرضِيهِ وَتُطْـلِقــُهُ

فِي الـدَّرْبِ يَحْـمـِلُـنِي نـَأْيًـا وَمُقْـتَـرَبـَا

*

يَسْرِي لَهَا الْحُسْنُ أنْـوارًا لِيَشْمَـلَهَـا

تَـغـْشَـى بـِهِ العَـيْنَ عُرْيَانًا وَمُنْـتَـقـَـبَـا

*

مَـا أَطْيَبَ الْعِـشْـقَ فِيهَا حِينَ أَبـْذُلُـهُ

بـَلْ حِينَ أَحْتَالُ، أوْ يَخْـتَالُ مَنْ طـَلَبَا

*

عُـذِّبْـتُ فِيهَا غَرَامـاً كَـمْ أَحِـنُّ لَـهَـا

مِثْلُ الرَّغَامِ يُنَـادِي الْـمَاهَ وَالسُّـحـُبـَـا

*

مَـنْ ذَا يُـريـحُ فُؤَادًا مِـنْ مَحَـبَّـتِـــهِ

أَوْ مِنْ جَمَالِ حضورٍ فِي الحَشَا نَشَبا

*

بَـْينَ الطَّرَائِقِ ظِـلِّي فَاسْـتَـمِلْـتُ لَـهُ

جِسْمِي، فَعُدتُ.. إَلـَى أحْضَانِهَا، فَرَبَا

*

كــَانَـتْ تؤانِسُـنَي والْـفَرْحُ ثَالِـثُـنَـا

مَا أشْرَقَ الصُّبْحُ أوْ أمْسَى الَّذِي لَغـَبـا

*

فَـكَـمْ تـَرَكـْتُ رَمَـادِي فِـي مَحَبَّـتِهـَا

وَالعِـشْـقُ لَـمْ يَـمْحُ أَشْوَاقًا، وَلا عَطـَبَـا

*

طُوبَى لِقَلْبَيْنِ مِنْ هَجْـرٍ وَمـِنْ أَرَقٍ

مَـازِلـْتُ أَهْـوَى زَمَـانًـا قـَـلـَّـمَا وَهَـبــَا

*

فَالْحُـبُّ يُـهْـدِي نَـوَالاً إن أرادَ بـِنَـا

خَـيـْـراً رَوَانَا، وَشَـرًّا إنْ نَـوَى تَـعَـبــَا

***

بقلم: د. علاء عبد الهادي

هل يستطيع الكاتب أن يخلق من المعارف العلمية خيالا؟ وهل للفنتازيا منطق ان هي اقترنت بالعلم؟ ام إن تداخل المحسوس والملموس من شأنه أن يخلق في مفهومنا مجالا موحّدا نسمّيه فنتازيا واقعية؟

ان القاء نظرة استكشافية على أبطال الرواية التي بين أيدينا وأحداثها قد لا يكفي لتصنيفها عندما نكتشف اننا نمشي على حبل معلق في الفضاء او على ارض زلوق، نحس بأن الأبطال، وهي خلايا الجسم، تحيا وتتحرّك على أرض الواقع ولكننا لا نراها بالعين المجرّدة فنكتفي بتخيّلها، وكذلك الأعضاء، لا يقدر على رؤيتها وهي تنبض بالحياة الا الجرّاح الذي يباشر عليها عملياته. وحتى ليلى، الامرأة التي يذكرها النص في أكثر من موضع، أليست المرأة الأسطورية في المخيال العربي؟

في هذه الورقة محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.

قلت سابقا في رواية الظّل للمولدي فرّوج "إن من لم يقرأها مات بلا خيال". وكنت أعتقد أن المولدي فرّوج وصل في تلك الرّواية العلميّة الى حدود عالية جدّا من الخيال المتفرّع عن الواقع. وها أنا أقف مشدوها أمام رواية " محاكمة نطاف" التي صدرت أخيرا للكاتب الدكتور، فقد قلبت الموازين في نظري وجعلتني أتساءل إمّا أن يكون خيال هذا الرّجل لا حدود له كلّما كتب الرّواية، أو إن للشّعر تأثيرا كبيرا عليه باعتباره عصارة خيال.2629 almawldi

 تبدو الرواية في الظّاهر مأخوذة من الواقع بل وصفية أحيانا، تؤكد لنا ذلك أحداثها التي تدور بين قفص الاتهام ومصطبة القضاء فيبدو مضمونها صورة منقولة لما يدور بين خلايا الجسم الواحد. وكم أحسن الكاتب استغلالها ليقدّمها لنا في شكل نصّ شيّق وممتع. لكأننا نسمع تصاريح الناس الذين يقطنون هذا الوطن المسيج بالجلد فنتفاعل إيجابا مع الكاتب ونشاركه في تخيّل النّصّ.

يشدّك العنوان ويرجّك رجّا جميلا حتى تنطق سائلا: كيف يمكن أن تحاكم الخلية المنوية (النّطاف)؟ وما هي التهمة التي تقاد من أجلها الى المحاكمة كلّما نضجت وصارت قادرة على القيام بواجبها الذي خلقت من أجله؟

سأكتفي بكتابة انطباعي الأولي أو قراءتي الأولية لهذه الرّواية علّني أنصفها وأنصف كاتبها، فأنا قارئ إيجابي أسعى دائما الى التفاعل بعشق مع النّصّ الجيّد. ولعلّي صرت أهذي اعجابا وأصرّح انها رواية شيّقة، رواية طريفة، رواية عجيبة او رواية ذكيّة. وأسأل هل هي رواية من الخيال العلمي أم هي من الفنتازيا الواقعية؟ لا أجد كلمة واحدة يمكنها اختزال هذه الصّفات والالمام بكل هذه النعوت لأن الرواية أكبر من كل هذا سواء من ناحية طرافة الموضوع او حلاوة الحكي وغرابة الشخصيات او مكان الاحداث وزمانها. فوقائعها تدور بصفة مسترسلة في مكان يشبه كل الأمكنة، إنه جسم الانسان الذي يمثل الوطن الشاسع بحدوده الجلدية المرسومة بكل عناية والتي ما تنفكّ تتمدّد وتتمطّط من أجل أن تسع سكّانها الذين يعدّون بالمليارات.  المواطنون هم مجموعة الخلايا يدير شؤونهم رئيس من نفس القطيع، انه النيرون أو الخليّة الدماغية، أكبر الخلايا وأطولها عمرا، كما يعلمنا الرّاوي بذلك. لم ينتخبه أحد ولم تتساءل الخلايا عمّن ولّاه خوفا من ملامسة الكفر كما يقول الكاتب (النيرون). وتلك حدود الشكّ لا يقربها البسطاء والخوّافون. النّيرون لم يجد ما يمنع به الخلايا من السؤال سوى ادّعاءه أن يدا خفيّة وضعته على كرسيّ العرش وأوكلت اليه مهمّة رعاية القطيع. لذلك سارع منذ تولّيه شؤون الوطن بتكوين ما سمّاه مجلس النبلاء وهو عبارة عن مجلس وزاري كوّنه من بعض الأعضاء الهامّة في الجسم. أما بقية الخلايا فهي تمثّل عموم الشّعب وتؤدّي مهمّتها ثم تمشي الى حتفها فتُسحل في بعض الأماكن من الجسم وينكّل بجثثها لتسحب منها العناصر التي قد تصلح لتكوين الخليّة المعوّضة. عليّ أن أصدّق كلّ هذه الأمور العلمية لأفهم الرّواية وأستمتع بها. وعليّ أن أعترف بأن للمنطق فنتازيا. 

تبدو هذه الشخصيّات منضبطة في القيام بمهامها التي خلقت من أجلها، مهامّ حقيقية، واقعيّة، يراها الانسان بالعين المجرّدة (في خياله) فيشعر أنه بصدد مشاهدة فِلْم أو مسرحية. الاحداث الاساسية للرّواية من وضع خيال الكاتب مما لا شكّ فيه، ولا نستعرب من ذلك فالروائي طبيب يعرف جيّدا كيف تعمل مختلف الأعضاء داخل الجسم والطريقة التي تؤدّي بها الخلايا دورها في الحياة ويعرف بالتالي كيف يبني احداث روايته من هذه الأدوار التي تمثل الحركة الدائمة لكلّ عنصر وجعل بين الخلايا علاقات اجتماعية مشابهة للعلاقات التي تربط بين افراد أي مجتمع. بنى روايته على المنطق الذي يوفّره له العلم وتحديدا علم الطّبّ. لذلك حوّم بنا وطوّف في الخيال بأجنحة المنطق لتكون روايته فنتازيا من صلب المنطق إن صحّ التعبير.

لقد تعوّدنا على قراءة قصص وروايات سمّيناها روايات الخيال العلمي وجعلنا لها، نحن القراء والنقاد، ضوابط وشروطا تحدّد مجالها وتمنحها خصوصيّتها، واتفقنا على أن هذا النّوع من الكتابات ينطلق من خيال الكاتب ويحلّق به في فضاء الاحتمال والمحسوس ليحطّ به وبنا على أرض الواقع وفي عالم الملموس فيصبح الأمر حقيقة. وقد تتطوّر هذه الحقيقة الى تطبيق للتصوّر الذي جاء به النّصّ فيعطينا ثماره شكلا مبتدَعا جديدا قد يكون صناعة أو قاعدة علمية." كلّ الاختراعات الكبرى بدأت بحلم أو بسؤال بسيط وساذج أحيانا". أما في هذه الرّواية: محاكمة نطاف فإن المولدي فرّوج قلب المعادلة وأصاب، واتخذ من معارفه الطبية ومن مكاسبه العلمية مجالا ملائما لإنجاز روايته بشخوصها وأحداثها فكانت النّهر والرّوافد وكانت الموقد والجمرات وكانت العناصر والهيكل    وكانت السّبب والنّتيجة وكانت الصّلصال الذي صاغ منه الخرافة والخيوط التي نسج منها لوحات متكاملة نصبها في خيال القارئ والنّاقد بلغة سلسة وبألفاظ مختارة.

فهل نجح المولدي فرّوج الطبيب فيما لم يسبقه اليه المولدي فروج المبدع؟ بكل صراحة أقول نعم. قلب الموازين وأعاد اتزان الرواية وبنى لها خيمة في الخيال فأبدع واقنع.

بنى الكاتب روايته عن شكوى يتقدم بها أعضاء مجلس النبلاء الى النيرون باعتباره اعلى سلطة في الجسم، يتهمون فيها النّطاف (الخلية المنوية) بالخيانة العظمى متمثّلة في جمعه للمادة الوراثية التي ينتجها الجسم. يبادر هذا النّطاف بحمل المخزون الجيني والهرب به لزرعه في جسم غريب هو رحم ليلى (اختارها الكاتب لأنها تمثّل المرأة المرجعية في المخيال العربي) متواطئا مع البويضة التي تستقبله في مناخ من البهجة. ولكنّ النّطاف المتّهم يدّعي أنه المسؤول الأوحد على التواصل البشري لتعمير الأرض و أنّ مسؤولية التكاثر البشري على سطح المعمورة تعود اليه وحده.

لم يجد النّيرون إمكانية التّهرب من مسؤوليته فأعضاء المجلس صادقوا على قانون الخيانة العظمى و أوعزوا الى شعب الخلايا بالتحرّك لمناصرتهم فانطلقت الاحتجاجات و كثرت المظاهرات وهرول شاهدو الزور و المتطفّلون، كل يصيح بالحرص على عدم الإفلات من العقاب و على ضرورة محاربة الفساد و دعوا الرئيس الى الوقوف بحزم والضرب على ايدي المهرّبين فاضطر الرئيس ( النّيرون) الى تكوين محكمة و تعيين قضاة وتكليف محامين لم يرغب النطاف في تعيينهم لأنّه يعتقد راسخا ان الحقيقة واضحة لا تحتاج الى مهمّة الدفاع بل و يذهب ابعد من ذلك فيطالب بتسليط أقسى درجات العقاب على نفسه نكاية في الاخرين.

***

الياس قعلول

مرسيليا ( فرنسا) في 4/4/2026

قصيدة الشاعر المناصرة بوصفها نصّاً شعريّاً كثيفاً، تتقاطع فيه مستويات اللغة بالتاريخ، وتتجاور فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ضمن بنية رمزية مفتوحة تستدعي التراث العربي القديم وتعيد إنتاجه في سياق معاصر مثقل بالتراجيديا. فالشاعر لا يستحضر شخصية زرقاء اليمامة بوصفها أسطورة ماضوية فحسب، بل يعيد توظيفها كوعي استباقي مأساوي يرى الكارثة قبل وقوعها، دون أن يجد من يصدّق نبوءته، فيتحول النص إلى مأساة إبصارٍ لا يُنقذ.

تنبثق أهمية هذه القصيدة من كونها تمثّل نموذجاً مركّباً للشعر العربي الحديث، حيث تتداخل البنية السردية مع الغنائية، ويتحوّل الصوت الشعري إلى شاهدٍ على العنف التاريخي والاقتلاع الوجودي. ومن هنا، فإنّ مقاربة هذا النص لا يمكن أن تقتصر على قراءة سطحية أو تأويل أحادي، بل تستدعي منهجاً نقدياً متعدّد المستويات، يستحضر الأبعاد اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلاً عن السياقات التاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية التي يتغذّى منها النص.

إنّ هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية النصّية للقصيدة عبر جملة من المقاربات المنهجية، تبدأ بتحليل سلامة اللغة وبنية الأسلوب، وما تنطوي عليه من انزياحات دلالية وتركيبية، ثم تنتقل إلى استكشاف الإيقاع والمعمار الصوتي بوصفهما حاملين خفيين للدلالة، قبل أن تغوص في البنية الجمالية والرؤية الفنية التي تشكّل أفق النص الإبداعي. كما تتوسّع القراءة لتشمل البعد الفكري والفلسفي، عبر الكشف عن الأسئلة الوجودية والرمزية التي يطرحها النص، وصولاً إلى تحليل طبقاته العميقة وفق مقاربة هيرمينوطيقية تستنطق المسكوت عنه.

ولا تقف هذه الدراسة عند حدود التحليل البنيوي، بل تنفتح على الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية، لرصد التوترات الداخلية للنص، وتمثلاته للواقع الاجتماعي، وشبكة علاماته الرمزية. كما تعتمد — في إطارها النظري — على ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على إمكانات متعددة من المعنى، بحيث لا يُختزل في قراءة واحدة، بل يُعاد إنتاجه باستمرار عبر تفاعل القارئ مع بنيته وسياقه.

ومن هذا المنطلق، تغدو قصيدة "زرقاء اليمامة" فضاءً تأويلياً رحباً، تتجاور فيه الحقيقة والرمز، والتاريخ والأسطورة، والواقع والحلم، لتؤسّس خطاباً شعرياً يقاوم النسيان، ويستبقي الذاكرة حيّة في وجه العدم.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم اللغة في نص "زرقاء اليمامة" للشاعر عز الدين المناصرة على بنيةٍ سليمة من حيث التراكيب النحوية والصرفية، غير أنّ هذه السلامة لا تعني الجمود، بل تُخترق بانزياحات مقصودة تُعيد تشكيل العلاقة بين الدال والمدلول. فالأسلوب هنا ليس تقريرياً، بل إيحائيّاً، يعتمد على تفجير الطاقة الكامنة في المفردة عبر إخراجها من سياقها المألوف.

نلحظ، على سبيل المثال، قوله:

"تتدلّى أشجارُ التين على الحيطان الشرقية"

فالتركيب سليم نحوياً، لكنّ الفعل "تتدلّى" يُحمّل الأشجار بعداً حركياً إنسانياً، ويمنح المكان حياةً نابضة، في حين تتحول "الحيطان الشرقية" إلى فضاءٍ رمزي مشحون بالإحالة إلى الشرق بوصفه موطن الذاكرة والجراح.

كما تتكثف الانزياحات في قوله:

"الأشجار تسير على الطرقات كجيشٍ محتشد"

حيث تنتقل الأشجار من كونها عناصر طبيعية ساكنة إلى كائنات متحركة، ذات إرادة جماعية، وهو انزياح تشخيصي-استعاري يعكس توتر الواقع، ويؤسس لصورة كارثية تتجاوز الحسّ المألوف.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى في النص عبر اقتصاد لغوي دقيق، حيث تتجنّب القصيدة الترهل اللفظي، وتعتمد على مفردات مألوفة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالات عميقة. فالألفاظ مثل: التين، التوت، البئر، السكاكين، الراية، تبدو بسيطة، لكنها تتحول داخل السياق إلى علامات رمزية.

اللغة ملائمة تمامًا لموضوعها؛ فهي تتراوح بين البراءة (الطفولة، الحلم) والعنف (المجزرة، النحر)، مما يخلق توترًا دلاليًا يعكس مأساة التجربة.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

ينتمي النص إلى شعر التفعيلة، حيث يتحرر من القافية الموحدة، لكنه يحافظ على موسيقى داخلية قائمة على:

التكرار: "في اليوم التالي يا زرقاء"

التوازي التركيبي: "مرّ الليل، مرّ الليل يا زرقاء"

التدوير الإيقاعي بين الأسطر

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يرسّخ الإحساس بالتراجيديا الزمنية، وكأن الحدث يعاد إنتاجه بلا نهاية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النص ذو طبيعة سردية-شعرية؛ إذ يتداخل فيه السرد مع الغنائية. يبدأ بمشهد طفولي (الدرس، الشمس، التين)، ثم يتصاعد نحو الكارثة (المجزرة، اقتلاع العين)، ثم ينتهي إلى وعي مأساوي.

يمكن تقسيمه إلى ثلاث حركات:

البراءة الأولى (الطفولة/الحلم)

الانكشاف الكارثي (الرؤية/المجزرة)

الوعي المتأخر (الندم/الذاكرة)

٢. الرؤية الفنية

تقوم الرؤية على ثنائية:

الإبصار / العمى

التحذير / التكذيب

فالشخصية المركزية المستلهمة من زرقاء اليمامة تمثل الوعي الذي يرى الحقيقة، لكن الجماعة ترفض تصديقه، مما يحوّل الرؤية إلى لعنة.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تكمن جمالية النص في قدرته على دمج الأسطورة بالتاريخ، وتحويل الواقعة السياسية إلى بنية رمزية. فالمجزرة ليست حدثاً عابراً، بل هي نموذج متكرر في الوعي الجمعي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة عميقة:

لماذا لا يُصدَّق من يرى الحقيقة؟

هل المعرفة نعمة أم لعنة؟

ما جدوى الوعي إذا كان عاجزًا عن التغيير؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

التراث العربي (الأسطورة)

التاريخ الفلسطيني (الاقتلاع/المجزرة)

الحداثة الشعرية (تفكيك السرد التقليدي)

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص على مستويات:

مستوى تاريخي: إشارة إلى النكبة/العنف

مستوى رمزي: صراع الوعي مع الجماعة

مستوى وجودي: مأساة الإنسان العارف

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي النص إلى سياق عربي مأزوم، حيث تتكرر الهزائم، ويُقصى الصوت التحذيري.

٢. تطور النوع الأدبي

يمثل النص تطورًا في الشعر العربي الحديث، حيث:

يتجاوز الغنائية الخالصة

يمزج السرد بالشعر

يوظف الرمز والأسطورة

٣. التفاعل مع التراث

يستعيد الشاعر أسطورة زرقاء اليمامة، لكنه يعيد تأويلها لتصبح رمزًا معاصرًا.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

تتراوح بين:

الحنين

القلق

الفاجعة

الشعور بالذنب الجمعي

٢. النبرة النفسية

نبرة النص مأساوية، تتصاعد نحو الذروة في مشهد اقتلاع العين، وهو رمز لقتل الرؤية.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يكشف:

عجز الجماعة عن الإصغاء

هيمنة العنف

تواطؤ الصمت

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

التين/التوت: الخصوبة والحياة

البئر: العمق/الموت

العين: الوعي

الراية: السلطة

٢. الثنائيات

الحياة / الموت

الرؤية / العمى

البراءة / العنف

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد الدراسة على:

المنهج الأسلوبي

المنهج الرمزي

المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

النقد الاحتمالي

تاسعاً: النقد الاحتمالي (شبكة المعاني الممكنة)

وفق هذا المنهج، لا يُختزل النص في معنى واحد، بل ينفتح على احتمالات:

قد تكون "زرقاء اليمامة" رمزاً للمثقف

أو للمرأة/الأرض

أو للضمير الجمعي

المعنى هنا يُنتَج عبر التفاعل بين النص والقارئ.

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يظهر البعد الإيروتيكي بشكل خفي، عبر:

رمزية الخصوبة (التين، التوت)

العلاقة بين الجسد والأرض

لكنه ليس إيروتيكية جسدية، بل إيروتيكية وجودية مرتبطة بالحياة والموت.

خاتمة:

إنّ نص "زرقاء اليمامة" ليس مجرد قصيدة، بل بنية رمزية مفتوحة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتطرح سؤالًا إنسانيًا دائمًا:

هل يكفي أن نرى الحقيقة… أم يجب أن نجد من يصدّقها؟

وهكذا، يتحول النص إلى مرآة للوعي المأساوي، حيث تكون الرؤية عبئًا، والذاكرة جرحًا لا يندمل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

زرقاء اليمامة

"تتدلَّى أشجارُ التين على الحيطان الشرقيةْ

نتلقى الدرس الثاني،

تحت الشمس الصاحية النيسانيَّةْ

نكْبرُ، نهجر ساحةَ شيخِ الحانوتْ

نحلم بالشرنقة المنسوجة من أوراق التوتْ

لكنْ يا جفرا الكنعانية

قلتِ لنا إنّ الأشجار تسيرُ على الطرقاتِ،

كجيشٍ مُحتشدٍ تحت الأمطارْ

أقرأ أشجاري، سطراً سطراً، رغم التمويةْ

لكنْ يا زرقاء العينين ويا نجمةَ عتمتنا الحمراءْ

كنا نلهث ﻓﻲ صحراء التيهْ

كيتامى منكسرين على مائدة الأعمامْ

ﻭﻟﻬﺬﺍ ما صدَّقكِ سوايْ:

تخبأتُ ﻓﻲ عُبّ داليةٍ، ﺛﻢ شاهدتُ من فتحة ضيقةْ

سكاكينهمْ ... والظلال

ﺛﻢ شاهدتُ مجزرةً لُطّختْ بالرمالْ

وشاهدتُ ما لا يقال

كان الجيشُ السفّاحُ مع الفجرْ

ينحر سكانَ القريةِ ﻓﻲ عيد النحرْ

يُلقي تفّاح الأرحام بقاع البئرْ.

رفَّتْ عيني اليُسرى ... شبّتْ نارْ

ورأيتك ﻓﻲ الصورةِ تحت التوتةِ ﻓﻲ قلعِ الدارْ

إلفُكِ مدَّ جناحيه، توارى، غابْ

ينقش أشعار الحزن على تفّاحةْ

يأتي العفن المزمن يا زرقاء

يمحو من ذاكرتي صُوَرَ الأحباب.

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء

قلعوا عين الزرقاء الفلاّحة

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء

خلعوا التينَ الأخضرَ مِنْ قلبِ الساحة

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء.

ومرَّ الليلُ، مرَّ الليلُ يا زرقاءُ،

كنَّا نرقبُ الأسحارْ

نصوغ قصائدَ العنبِ المُعرّشِ ﻓﻲ روابينا

ونكتبُ أصدق الأشعارْ

ونزرع ﻓﻲ رفوف الدارْ

فسيلاتٍ ، تَمُدُّ العُنْقَ،

تحضنُها سواقينا

نَبُلُّ الريقَ، يُطفي بعضُنا جوعَهْ

ولكنّا،

ولكنّا،

نسينا أن عين الحلوة الزرقاء مخلوعة

وأن الراية الأولى على الحيطان ممنوعة !

وأن الراية الأخرى على الأسوار مرفوعة !"

***

عز الدين المناصرة