عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

دراسة مقارنة بين جواهر البلاغة وأسرار البلاغة

يُعَدُّ القصر البلاغي من أكثر الأساليب البيانية قدرةً على تكثيف الدلالة وإحكام المعنى؛ إذ لا يقتصر دوره على تخصيص الحكم بالمقصور عليه، بل يتجاوز ذلك إلى بناء أفقٍ دلاليٍّ ينهض على التوكيد والإقناع والتأثير النفسي في المتلقّي. ومن هنا احتلّ القصر مكانةً مركزية في الدرس البلاغي العربي، لما ينطوي عليه من طاقاتٍ تعبيرية تجمع بين الاقتصاد اللغوي والعمق الدلالي، وتكشف عن براعة المتكلم في توجيه المعنى وفق مقتضى الحال. وقد تنبّه البلاغيون القدماء إلى هذه القيمة مبكرًا، فجعلوا القصر من الأساليب التي تتجلّى فيها فاعلية البلاغة بوصفها علمًا يتأسس على مطابقة الكلام لمقتضى المقام، لا مجرد تزيين لفظي أو صناعة شكلية.

وتنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى قراءة القصر البلاغي قراءةً مقارنة بين كتابين يُمثلان اتجاهين بارزين في التراث البلاغي العربي، هما كتاب «جواهر البلاغة» للسيد أحمد الهاشمي، وكتاب «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني. فإذا كان الهاشمي قد قدّم معالجة تعليمية منهجية للقصر ضمن إطار البلاغة المدرسية الحديثة، فإن الجرجاني قد نظر إليه بوصفه أداةً فاعلة في تشكيل النظم وإنتاج المعنى، مرتبطًا بالسياق النفسي والتركيبي للنص. ومن ثمّ فإن المقارنة بين الكتابين لا تكشف اختلافًا في العرض فحسب، بل تبرز تحولًا عميقًا في الرؤية إلى البلاغة ذاتها: أهي قواعد جامدة تُدرَّس، أم بنية فكرية وجمالية تُمارَس داخل النص؟

لقد تعامل «جواهر البلاغة» مع القصر باعتباره بابًا من أبواب علم المعاني، فركّز على تقسيماته التقليدية؛ كالقصر الحقيقي والإضافي، وقصر الصفة على الموصوف، وقصر الموصوف على الصفة، مع بيان أدواته من نحو النفي والاستثناء، و«إنما»، والتقديم والتأخير، والعطف بـ«بل» و«لكن». غير أن هذه المعالجة – على الرغم من قيمتها التعليمية – بدت أقرب إلى التصنيف المنهجي منها إلى الكشف عن البنية العميقة للنص البلاغي. فالهاشمي يقدّم القاعدة مقرونةً بالشاهد، لكنه لا يغوص كثيرًا في الأثر النفسي والجمالي الذي يحدثه القصر في عملية التلقي.

أما عبد القاهر الجرجاني، فإنه ينطلق من تصورٍ مغاير للبلاغة؛ إذ يرى أن قيمة الأسلوب لا تكمن في الألفاظ منفصلةً، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل النظم. ومن هنا جاء حديثه عن القصر متداخلًا مع نظريته في النظم، بوصفه وسيلةً لإعادة تشكيل المعنى وإنتاج الدلالة المقصودة وفق ترتيب خاص للكلام. فالقصر عند الجرجاني ليس مجرد تركيب نحوي، بل هو فعلٌ دلاليّ ينهض على الحذف والتقديم والتخصيص، ويستمد تأثيره من موقعه داخل البنية الكلية للنص. ولذلك تتجاوز بلاغة القصر عنده حدود التقرير إلى خلق التوتر الدلالي والإيحاء النفسي، وهو ما يمنح النص طاقته الجمالية وعمقه التأويلي.

وتتجلّى جماليات القصر البلاغي في كونه أسلوبًا يُعيد تنظيم العلاقة بين المعاني داخل الجملة، فيمنح بعض العناصر مركزيةً دلالية ويقصي عناصر أخرى، بما يحقق نوعًا من التركيز الفني الذي يشد انتباه المتلقي ويوجه إدراكه. فعندما يقول المتكلم: «ما الشاعر إلا رسولُ وجدانِ أمته»، فإن القصر هنا لا يكتفي بإثبات صفة الرسالة للشاعر، بل يحمّلها قيمةً رمزية ونفسية تجعلها محور الهوية الشعرية ذاتها. وهكذا يغدو القصر أداةً لإنتاج الرؤية، لا مجرد وسيلة للتوكيد.

ومن خلال المقارنة بين «جواهر البلاغة» و«أسرار البلاغة» يمكن القول إن البلاغة العربية قد شهدت انتقالًا من الفهم التعليمي الوصفي إلى الفهم التحليلي التأويلي. ففي حين ينزع الهاشمي إلى تبسيط القواعد وتصنيفها خدمةً للعملية التعليمية، يتجه الجرجاني إلى تفكيك البنية التعبيرية للكلام، وربط الظاهرة البلاغية بفاعلية المعنى وسياق التلقي. وهذا ما يجعل دراسة القصر البلاغي في الكتابين مدخلًا مهمًا للكشف عن تطور الفكر البلاغي العربي بين النزعة التعليمية والنزعة الجمالية التحليلية.

وعليه، فإن هذا البحث لا يهدف إلى استعراض أدوات القصر وصوره فحسب، بل يسعى إلى تحليل الأبعاد الدلالية والجمالية التي ينتجها هذا الأسلوب في النص العربي، وبيان الكيفية التي أسهم بها كلٌّ من الهاشمي والجرجاني في بناء التصور البلاغي للقصر، مع الكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بين الرؤيتين، وأثر ذلك في تطور الدرس البلاغي العربي.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

الهوامش والمراجع

أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تحقيق يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت، 1999، ص 112–118.

عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1991، ص 76–89.

شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، القاهرة، 1965، ص 214.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت، 1992، ص 133–140.

Heinrichs, Wolfhart, Arabic Rhetorical Tradition, Routledge, London, 2006, pp. 55–61.

Georges Bohas, Arabic Linguistics and the Classical Theory of Rhetoric, Curzon Press, 1990, pp. 102–109

مقاربة تأويلية في انفتاح النص الشعري

الملخص: يشكل شعر أدونيس أحد أكثر المشاريع الشعرية العربية الحديثة انفتاحًا على التأويل وتعدد القراءات، إذ تتأسس بنيته الجمالية على خلخلة المرجعيات الثابتة، وإعادة إنتاج الدلالة في فضاءات لغوية ورمزية تتجاوز التفسير الأحادي نحو تعددية المعنى. ومن هنا تبرز أهمية دراسة آليات إنتاج الدلالة في نصوصه، والكشف عن الكيفية التي تتحول بها القصيدة إلى فضاء تأويلي مفتوح يسمح بتعدد المقاربات واختلاف أفق التلقي. وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الدلالية في شعر أدونيس من خلال رصد مستويات الانزياح اللغوي، والرمز الأسطوري، والتناص الثقافي، بما يفضي إلى تعدد القراءات وتكاثر المعاني. كما تعتمد الدراسة المنهج التأويلي مدعومًا بآليات التحليل السيميائي وجمالية التلقي للكشف عن دينامية إنتاج المعنى في النص الأدونيسي.

الكلمات المفتاحية: أدونيس، تعدد القراءات، التأويل، جمالية التلقي، السيميائيات، احتمالات المعنى.

المقدمة

شهد الشعر العربي الحديث تحولات جذرية في بنيته الجمالية والمعرفية، كان من أبرز تجلياتها الانتقال من مركزية المعنى الواحد إلى انفتاح النص على إمكانات تأويلية متعددة. ويُعد أدونيس من أبرز الشعراء الذين أسهموا في ترسيخ هذا التحول عبر مشروع شعري يقوم على تفكيك الأنساق التقليدية للخطاب وإعادة بناء العلاقات بين اللغة والواقع والذات.

لقد تجاوز أدونيس مفهوم الشعر بوصفه أداة للتعبير المباشر إلى اعتباره ممارسة معرفية تنتج رؤى جديدة للعالم، وهو ما جعل نصوصه تتسم بدرجة عالية من الكثافة الرمزية والتشابك الدلالي. ومن ثم فإن قراءة شعره لا تقتصر على استنطاق المعنى الظاهر، بل تستدعي تفعيل آليات التأويل للكشف عن طبقات المعنى الكامنة في النص.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى مقاربة شعر أدونيس من زاوية تعدد القراءات، بوصفه أحد أهم المفاهيم النقدية التي ارتبطت بالنصوص الحداثية وما بعد الحداثية، حيث يصبح المعنى نتاجًا لتفاعل النص والقارئ والسياق الثقافي.

إشكالية الدراسة

تنطلق الدراسة من التساؤل المركزي الآتي:

كيف يسهم البناء الشعري عند أدونيس في إنتاج تعدد القراءات واحتمالات المعنى؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

- ما الآليات الفنية التي تجعل النص الأدونيسي مفتوحًا على التأويل؟

- كيف يسهم الرمز والأسطورة والتناص في تعدد الدلالات؟

- ما دور القارئ في إنتاج المعنى داخل النص الأدونيسي؟

- إلى أي مدى يمكن اعتبار شعر أدونيس نموذجًا للنص المفتوح؟

فرضيات الدراسة

يقوم شعر أدونيس على بنية لغوية مفتوحة تتيح تعدد مستويات القراءة.

تؤدي الرمزية الكثيفة والتناصات الثقافية إلى إنتاج دلالات متجددة. فيتحول القارئ في النص الأدونيسي من متلقٍ سلبي إلى شريك في بناء المعنى. كما تتجاوز دلالة القصيدة الأدونيسية حدود المرجع الواقعي نحو فضاءات تأويلية متعددة.

المنهجية

تعتمد الدراسة المنهج التأويلي بوصفه إطارًا رئيسًا لتحليل النصوص، مع الاستفادة من المنهج السيميائي وجمالية التلقي. ويُعنى المنهج التأويلي بالكشف عن العلاقات العميقة بين البنية النصية والمعنى، بينما تسهم السيميائيات في تحليل الأنظمة الرمزية، وتبرز جمالية التلقي دور القارئ في إنتاج الدلالة.

أولاً: انفتاح البنية الشعرية وإنتاج المعنى

تقوم اللغة الشعرية عند أدونيس على مبدأ الانزياح الذي يحرر العلامة اللغوية من دلالتها المعجمية المباشرة. فاللغة لا تشير إلى الأشياء بقدر ما تعيد تشكيلها داخل فضاء رمزي جديد.

فعندما يقول:

"أبحث عن وجهي في مرايا الغياب"

فإن الغياب لا يحيل إلى فقدان مادي فحسب، بل يتحول إلى بنية رمزية يمكن أن تشير إلى الاغتراب الوجودي أو ضياع الهوية أو أزمة الحضارة العربية.

إن هذا التعدد المرجعي يجعل النص قابلًا لقراءات متباينة تبعًا لأفق انتظار القارئ وخلفيته المعرفية.

ثانياً: الرمز والأسطورة بوصفهما مولدين للدلالة

يشكل الرمز أحد أهم مرتكزات المشروع الشعري عند أدونيس. فالرموز الأسطورية والتاريخية لا تُستحضر بوصفها عناصر زخرفية، بل بوصفها أدوات لإعادة إنتاج الواقع.

وتتكرر في شعره شخصيات مثل:

جلجامش، تموز، أورفيوس، الحلاج، المتنبي. وهي رموز تنفتح على أبعاد متعددة تجمع بين التاريخي والأسطوري والوجودي.

فشخصية الحلاج مثلًا قد تُقرأ بوصفها رمزًا للثورة الروحية، أو للتمرد الفكري، أو للاغتراب الوجودي، وهو ما يفتح النص على احتمالات تأويلية متجددة.

ثالثاً: التناص وإعادة إنتاج الدلالة

يُعد التناص من أبرز خصائص الكتابة الأدونيسية، إذ تتشابك في نصوصه أصوات متعددة تنتمي إلى التراث العربي والإسلامي والأساطير القديمة والفكر الغربي الحديث.

وتتجلى أهمية التناص في أنه يخلق شبكة من العلاقات النصية التي تجعل المعنى غير مكتمل داخل النص ذاته، بل ممتدًا نحو نصوص أخرى.

وبذلك يتحول القارئ إلى باحث عن العلاقات الخفية بين النصوص، الأمر الذي يؤدي إلى تعدد القراءات واختلاف مستويات الفهم.

رابعاً: القارئ وإنتاج المعنى

وفقًا لنظرية جمالية التلقي لا يمتلك النص معنى نهائيًا مغلقًا، وإنما يتشكل المعنى من خلال التفاعل بين النص والقارئ.

ويبدو هذا التصور حاضرًا بقوة في شعر أدونيس الذي يترك فراغات دلالية واسعة تدفع القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى.

ومن هنا تتعدد القراءات تبعًا لاختلاف:

الخلفية الثقافية.

المرجعية الفكرية.

الخبرة الجمالية.

السياق التاريخي.

فالنص الواحد قد ينتج قراءات سياسية أو فلسفية أو صوفية أو وجودية في الوقت نفسه.

خامساً: النص المفتوح واحتمالات التأويل

يتقاطع شعر أدونيس مع مفهوم "النص المفتوح" عند أمبرتو إيكو الذي يرى أن العمل الأدبي يظل قابلًا لإنتاج معانٍ متعددة دون أن يفقد تماسكه البنائي.

وتتجلى هذه السمة في اعتماد أدونيس على:

التقطيع الدلالي.

الصورة المركبة.

الإيحاء الرمزي.

تفكيك المرجعيات الثابتة.

وهذه العناصر تجعل القصيدة فضاءً للحوار بين المعاني المختلفة بدلًا من كونها خطابًا أحادي الدلالة.

النتائج

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

يعتمد شعر أدونيس على بنية لغوية ورمزية تجعل النص منفتحًا على تعدد القراءات.

يسهم الرمز والأسطورة في إنتاج مستويات دلالية متشابكة.

يؤدي التناص إلى توسيع أفق التأويل وربط النص بشبكات ثقافية متعددة.

يلعب القارئ دورًا جوهريًا في استكمال المعنى وإعادة إنتاجه.

يمثل شعر أدونيس نموذجًا متقدمًا للنص المفتوح في الشعر العربي الحديث.

الخاتمة

تكشف دراسة تعدد القراءات واحتمالات المعنى في شعر أدونيس عن مشروع شعري يتجاوز حدود التعبير الجمالي إلى تأسيس رؤية معرفية جديدة للعالم. فالنص الأدونيسي لا يقدم معنى جاهزًا، بل يفتح أمام القارئ مساحات واسعة للتأويل وإعادة إنتاج الدلالة. ومن هنا تتجلى فرادة هذا المشروع الشعري الذي جعل من القصيدة العربية الحديثة فضاءً للحوار والتعدد والانفتاح المعرفي.

***

بقلمي: ربى رباعي الاردن

.....................

المراجع العربية

أدونيس، الثابت والمتحول، دار الساقي.

أدونيس، زمن الشعر، دار العودة.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.

عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير.

محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري.

يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح النقدي.

عبد الملك مرتاض، في نظرية النص الأدبي.

سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي.

نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل.

المراجع الأجنبية

Hans-Georg Gadamer, Truth and Method.

Paul Ricoeur, Interpretation Theory.

Umberto Eco, The Open Work.

Roland Barthes, The Pleasure of the Text.

Julia Kristeva, Desire in Language.

Wolfgang Iser, The Act of Reading.

Hans Robert Jauss, Toward an Aesthetic of Reception.

Jonathan Culler, Structuralist Poetics.

رسائل ماجستير ودكتوراه مقترحة للاستفادة

البنية الأسطورية في شعر أدونيس – رسالة ماجستير.

التناص في شعر أدونيس – رسالة دكتوراه.

جمالية التلقي في الشعر العربي الحديث – رسالة دكتوراه.

البعد الصوفي في شعر أدونيس – رسالة ماجستير.

آليات التأويل في الخطاب الشعري المعاصر – رسالة دكتوراه.

دوريات وأبحاث علمية

مجلة فصول المصرية.

مجلة عالم الفكر الكويتية.

مجلة علامات في النقد.

مجلة الفكر العربي المعاصر.

Journal of Arabic Literature.

Comparative Literature Studies.

Modern Language Review.

Poetics Today.

Textual Practice.

تضمن مطلع عام 2026 دلالة رمزية تتلخص بمرور مئة عام على صدور كتاب: (في الشعر الجاهلي) عام 1926 النص المؤسس للنقد الأدبي العربي الحديث، فهو بحق يمثل ولادة النقد العربي الحديث ويمثل لحظة صيرورة ومخاض لتشكل الفكر العربي التنويري الحداثوي المنطلق من مرجعيات معاصرة في دراسة الأدب والتراث بنحو عام متجاوزا المسلمات التقليدية برؤاها التراثية من خلال تدشينه لمنهجيات تدين للاستقصاء والحفر في اجتراح المعارف وتطرح قبلياتها التصورية التاريخية وتخضعها للشك والمساءلة النقدية وتعيد النظر في المصادر التاريخية وتخضع مروياتها من اخبار إلى التحليل والفحص والمراجعة في حيثياتها الزمنية وصولا لإرساء تصورات معرفية تتسم بالموضوعية المنهجية المنضبطة، فقد اعتمد منهج الشك الديكارتي، فكان ما كان من نقده لأصول الشعر الجاهلي وقضية الانتحال، فهو يرى أن ملامح الحياة البدوية وصراعها القبلي لا تتراءى في مضامين الشعر الجاهلي فهو قد وضع في العصر الاموي، فالقرآن الكريم وحده من يمثل المصدر الذي يطمئن من خلاله لرسم ملامح الحياة الجاهلية و وثنيتها وصراعها القبلي . ولعل جرأته النقدية وتمييزه بين المعرفة الدينية والمعرفة التاريخية، فالاخيرة تستند في إثبات الوقائع على الأدلة والمصادر التنقيبية أقول لعل جرأته هي من فتحت عليه باب الخصومة العقائدية من خلال قوله: للتوراة أن تحدثنا عن نبي الله إبراهيم و للقرآن الكريم أن يحدثنا عنه ولكن تبقى مسألة القول بوجوده هي قضية تاريخية لا تثبت الا بالمدونات التاريخية والوثائق وحدها، مما اضطره بعد محاكمته للتراجع عن رأيه وحذف ما كان قد صرح به في كتابه وليعيد طباعته باسم جديد هو (في الادب الجاهلي). إن الاشتباك المعرفي المرتكز على الشك مع مرويات غير موثوقة انتهت به إلى أفكار عده كان من أبرزها نقده للمرويات التاريخية المتعلقة في نزوح ابراهيم وإسماعيل إلى مكة وما تتضمن من دلالة اجتماعية تبتغي خلق روابط تاريخية بين العرب واليهود بهدف خلق وفاق مشترك وتعايش سلمي بين مكونين يستوطنان المكان نفسه في الجزيرة العربية للتخفيف من وطأة الصراع العقائدي بينهما، فلاشك أن نقد السرديات المؤسسة للهوية يحدث جرحا نرجسيا لا يمكن أن يتحمل ألمه الشديد من ألف التفكير غير الحر ولم يألف النظر الأكاديمي المرتكز على مرجعيات منهجية موضوعية فاصطدم بالتفكير التقليدي في مؤسسة الأزهر على الرغم من أن مسألة الانتحال ليس بالمسألة الجديدة فقد هجست بها المصادر النقدية التراثية كطبقات فحول الشعراء لابن سلام وغيره، ولكن يبدو أن الصراع كان صراعا رمزيا حول احتكار المعرفة من قبل مؤسسة تقليدية محافظة وبين تشكل معرفة جديدة تدين للمنهج العلمي وتتحرر من أسر سلطة المعرفية التقليدية في انفتاحها على الحياة وأسئلة الواقع ومراجعة التراث ونقده، هذا الأمر يتأكد بنحو واضح بعد مطالعة كتاب (الايام) لطه حسين وتحديدا في جزئه الثالث فهو يصرح بأن تفرغ لكتابة سيرته بعد حادثة نشر كتابه (في الشعر الجاهلي) وبعد فصله من الجامعة في سيرة يرويها لابنته وابنه ذاكرا أن أباكم لم يكابد من محنة العمى وكف البصر وما قاساه من شظف العيش وفقر ذات اليد وحدهما بل واجه ما هو أقسى لقوله بآراء حرة تأبى التقليد وترفض المداهنة فحرص أن ينتقد أساليب التدريس التقليدية في معاهد الأزهر آن ذاك مصورا صراعهم وتدافعهم وتنافسهم النفعي بما لاينسجم مع القيم الدينية التي يبشرون بها، وروى بمرارة تعرضه للاقصاء والتهديد بالطرد بسبب جرأته النقدية لطريقة الشيوخ في التدريس . وبعد حين اختار طه حسين الكتابة التاريخية المباشرة في مراجعة حوادث الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان واخبار الاقتتال الاهلي بين أهل المدينة والبصرة والكوفة وحرب الامام علي مع معاوية والصراع مع عبد الله بن الزبير بتحليل تاريخي ينفذ للمحركات الاجتماعية بعيدا عن سرديات التاريخ الرسمية وبعيدا عن التاويلات التبريرية التي يفرزها فقه الأحكام السلطانية بمختلف مرجعياته المذهبية في التماس الأعذار للأطراف المناوءة لبعضها البعض واحقية موقف البعض وتأثيم الآخر ضمن أطراف الصراع والاقتتال الاهلي . فلحظة التدوين وتثبيت المرويات الشفوية وتحريرها بمدونات تاريخية رسمية هي مرحلة تشكل للذاكرة ويحكمها منطق الصراع والمصلحة فيتم استبعاد بعض الأخبار والإبقاء على البعض الآخر وصولا إلى الوضع وانتحال الاخبار بهدف التبرير والتأويل وإضفاء صفة شرعية على تصورات ومواقف تاريخية، فهو ينطلق من رؤى واقعية تتجاوز الموروث من تأويلات الفتنة وفعل التأثيم ومحاولا نزع الأسطرة والتعاطي بواقعية مع لحظة وفاة الرسول (ص) والتحاقه بالفريق الاعلى وما شكل ذلك من صدمة ومحنة كبيرة يصعب إدارة أزمتها على المسلمين، فحداثة التجربة في ادارة الكيان السياسي في الجزيرة العربية لا شك هي من تفضي لتلك الصراعات التي لا ترتكز إلى خبرات تنظيمية سابقة فهو قد استلهم فكرة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه:(الاسلام وأصول الحكم ) وقوله أن مشروع الرسول (ص) هو مشروع ديني وروحي وقيمي أخلاقي محض ولا يستند إلى بناء دولة بمفهومها السياسي. وعلي عبد الرزاق واجه الطرد والمحاكمة كما واجهها طه حسين نفسه ولم يفصل بين الحادثتين سوى عام واحد . ومن يراجع خطاب طه حسين الحجاجي في كتابه (الفتنة الكبرى) في دعوته للفصل بين التاريخ ومراجعة الوقائع والتحري منها في ضوء ظروفها الاجتماعية والسياسية وما بذل في سبيل ذلك من حشد تحليلي في أساليب التحرر من الأهواء والعواطف والمسلمات المذهبية بغية الاتصاف بالموضوعية سوف يدرك النضال الفكري المرير الذي كان يكابده في اقناع التلقيات التقليدية التي ليس في معهودها مراجعة الحوادث التاريخية الكبرى.

لعل المفكر العراقي علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) قد استلهم النقد التاريخي في اخبار الفتنة فهو يستأنس بأراء طه حسين صراحة وشكك أيضا بوجود شخصية عبد الله بن سبأ التي ينسب إليه بذر الفتنة والانشقاق بين المسلمين وهذا ما اقترب إليه طه حسين من قبل . وقد حاول الوردي  تجاوز القراءات المذهبية لاحداث الفتنة والانقسام مما أفرز سجالات بين الوردي وبين خصومه اضطرته إلى المضي إلى شوط أبعد في نقد نظم التفكير التراثية المستندة في جدلها إلى المنطق الأرسطي من خلال كتابه (مهزلة العقل البشري) ويعمق منهجه بعد حين في قراءة تاريخ العراق المعاصر من منظور المنحى التكويني الاجتماعي فأصدر موسوعته (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) والاثنان طه حسين والوردي لا ينهلان من المناهج الحديثة فحسب بل ثمة روافد مرجعية تراثية اجتماعية في نقد التاريخ نهلا منها تمثلت بفكر ابن خلدون في مقدمته الاجتماعية لكتاب في التاريخ(العبر وديوان المبتدا والخبر) فكلاهما عني بفكر ابن خلدون في مقدمته.

 و لا يخفى على المطلع على الدراسات النقدية للنظم المعرفية العربية مدى تطورها في توظيفها لمنهجيات متطورة جدا تبدو إزائها محاولة طه حسين التأسيسية متواضعة جدا كتجربة محمد عابد الجابري في كتابه: (تكوين العقلي العربي) وكتابات عبد الله العروي في نقد الأيديولوجيا وما كتبه نصر حامد ابو زيد في كتابه(الامام الشافعي تأسيس الأيديولوجيا الوسطية) فهذه الكتابات وغيرها من كتابات حداثوية نقدية متطورة لم تكتف بنقد المعرفة التاريخية بل قامت بتفكيك ونقد النظم المشكلة لتلك المعرفة في مشاريع التدوين الرسمي ونقدها للظروف التكوينية المسؤولة عن انبثاق علوم شارحة للنص القرآني المقدس في تشخيص المحركات والدوافع الاجتماعية التي تؤطر تاريخ التدوين وتشكل المعارف التراثية الأصولية فمنطق الصراع كان حاضرا ومهما بدت نظرات طه حسين متواضعة في نقد المعرفة التاريخية إزاء هذه الدراسات لكن تبقى نظراته هي النظرات المؤسسة لهذا النظر المعرفي وهي أول من اصطدم بالتابوات الثقافية. ومما يؤسف له أن معظم المراجعات الحفرية النقدية لتأسيس النقد العربي على يد طه حسين انشغلت بإثبات او نفي مرجعياته الاستشراقية في طروحاته النقدية ولم تنظر للظروف التكوينية الاجتماعية في تشكيل خطابه النقدي ومواجهه للمؤسسات التقليدية. بل حتى المنطلقات الحداثوية في حفرياتها المراجعة ما زال معظمها منشغلا بنفي علمانية طه حسين وقوله بمركزية القران الكريم في رسم الملامح للوقائع الجاهلية وأنه قد حج بيت الله الحرام وحينما وصل إلى الديار المقدسة في الحجاز قبل ثراها بلحظة انفال عاطفي في مشاعر روحية صادقة كل ذلك يوظف في خطاب يستحضر الآخر المشككك في رده النقدي بينما خاض العميد صراعه النقدي على الرغم من كف البصر وفقر ذات اليد والأذى في التشهير والتاثيم والأبعاد عن الوظيفة ولم يكن مأخوذا.

إن استدعاء طه حسين في حفريات المعرفة الحداثوية العربية والنظر إليه من خلال الحداثة النقدية الأدبية دون النفاذ إلى محركات الحداثة الاجتماعية ونقد سلطة المعرفة التراثية هو أمر يصب في تسطيح فكره التنويري الريادي ويشىء بأن خطاب الحداثة مازال مأخوذا برهاب خطاب التأثيم فيلوذ إلى ملاذات آمنة تلخص الحداثة بالحداثة الأدبية وحدها دون أن تشرع نوافذها على باحات الريادة والتنوير في الحداثة الاجتماعية والحداثة السياسية.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

دراسة بنيوية، سيميائية، نفسية، سياسية

تقوم ومضة «إلى سبطي حيدر» على مفارقة لافتة تتمثل في اجتماع البراءة والخوف داخل مشهد شعري شديد البساطة والتكثيف. فالشاعر لا يبدأ من حدث استثنائي أو موقف درامي صاخب، بل من صورة طفل منكفئ على نفسه، ليحوّل هذا المشهد الحميمي إلى مدخل للكشف عن واقع اجتماعي وسياسي مأزوم. ومن خلال مخاطبة حفيده «حيدر»، ينتقل النص من دائرة العائلة إلى دائرة الوطن، ومن سؤال فردي عن سبب القلق إلى مساءلة جماعية لأسباب الخوف الذي أصبح يطال حتى أكثر الفئات براءة.

وتنبع أهمية هذه الومضة من قدرتها على تحويل الخاص إلى العام، إذ لا يبقى الطفل شخصية فردية داخل النص، بل يغدو رمزًا للمستقبل ومرآة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب الواقع المحيط به. فكل صورة من صور الومضة، من «المزهرية المنكفئة» إلى «الملثمين» و«سوق المحاصصة» و«القناصين»، تسهم في بناء رؤية نقدية تكشف عن علاقة الخوف بالبنى السياسية والاجتماعية السائدة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات إنتاج المعنى في هذه الومضة عبر قراءة العنوان بوصفه عتبة نصية موجهة للقراءة، ثم تقديم تفسير نصي للأبيات، قبل الانتقال إلى دراسة الأبعاد البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية. وتهدف هذه المقاربة إلى بيان الكيفية التي استطاع بها يحيى السماوي أن يجعل من براءة طفل واحد علامة شعرية كثيفة الدلالة، تتحول في سياق النص إلى أداة لكشف اختلالات الواقع واستنهاض الوعي الأخلاقي والإنساني تجاهها.

ومضة

(الى سبطي حيدر)

يا سبطي الجميل

ما لمزهريةِ رأسك منكفئة بين راحتيك؟

//

آه لو أعرف ما يُقلقك!

//

أنتَ لستَ لصّاً فاسداً

فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ

ليقضموا الآلهةَ التمرَ ..

//

لستَ من المتظاهرين فيخطفكَ الملثَّمون  ..

//

ولا من المطالبين باستعادةِ وطنكَ المعروضِ

للبيعِ والإيجارِ في سوقِ المحاصصةِ

فيقنصكَ قنّاصو طرفِ الحكومة الثالث ..

//

لستَ عضوَ برلمان

فتخشى أن تخسر امتيازاتك الخرافية

حين يتم إغلاقه قريبا بإذن الله ..

//

لستَ شيخًا مُتقاعدًا

ولا موظفًا بسيطًا تأخّرَ راتبُهُ ..

فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟

***

تحليل العنوان

«إلى سبطي حيدر»

يأتي عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» في صيغة إهداء أو خطاب مباشر، لكنه يتجاوز وظيفته التعريفية ليشكّل مفتاحًا أساسيًا لقراءة النص. فمنذ الوهلة الأولى يضعنا الشاعر أمام علاقة حميمة تجمعه بمخاطَب قريب إلى قلبه، إذ توحي كلمة «سبطي» بوشيجة القرابة والامتداد العائلي، بما تحمله من مشاعر المحبة والرعاية والحرص. أما أداة الجر «إلى» فتضفي على النص طابع الرسالة الشخصية، وكأن الشاعر يخص هذا الطفل بكلام يبدو في ظاهره فرديًا، لكنه سرعان ما يتجاوز حدود العلاقة الخاصة ليحمل دلالات أوسع.

ويكتسب اسم «حيدر» أهمية خاصة داخل العنوان؛ فهو اسم ذو حضور ثقافي ورمزي في الوجدان العربي، يرتبط بمعاني الشجاعة والقوة والإقدام. غير أن اقتران هذا الاسم بصورة الطفل أو الحفيد يخلق منذ البداية مفارقة لافتة بين ما يوحي به الاسم من قوة وما تستدعيه الطفولة من براءة وهشاشة، وهي مفارقة ستتضح أبعادها مع تقدم النص.

ومن خلال هذه الصيغة المختصرة والمكثفة ينجح العنوان في بناء أفق انتظاري لدى القارئ، إذ يوحي بأن الخطاب موجه إلى طفل بعينه، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام قراءة أوسع تجعل من هذا الطفل رمزًا لجيل كامل يعيش في ظل واقع مضطرب. وهكذا تتحول المخاطبة الخاصة إلى مدخل للكشف عن همّ جمعي، وتغدو البراءة التي يمثلها «سبط حيدر» مرآة يُقاس بها حجم التشوه الذي أصاب الواقع المحيط.

وبذلك لا يقتصر العنوان على تحديد هوية المخاطَب، بل يؤدي دورًا تمهيديًا مهمًا في توجيه القراءة نحو التفاعل بين عالم الطفولة البريء والعالم الخارجي المثقل بالمخاوف والتناقضات، وهو التفاعل الذي ستنبني عليه حركة الومضة كلها.

تفسير الابيات

هذا القسم يقدّم قراءة نصية قريبة لكل بيت من وميضة يحيى السماوي «إلى سبطي حيدر» بصيغة وصفية وتحليلية موجزة، مع خلاصة بيتية في نهايتها تُستخدم لاحقًا كمرجع للأقسام المنهجية المستقلة.

1- «يا سبطي الجميل»

يفتتح الشاعر ومضته بنداء مباشر يشي بعلاقة وجدانية عميقة بين المتكلم والمخاطَب. فلفظة «سبطي» لا تكتفي بتحديد صلة القرابة، بل تستحضر معاني المحبة والرعاية والامتداد الإنساني، بينما تضفي صفة «الجميل» على المخاطَب هالة من البراءة والنقاء. ومن خلال هذا النداء الحميم يهيئ الشاعر القارئ لمشهد إنساني خاص، سرعان ما سيتجاوز خصوصيته ليعكس هماً أوسع من حدود العلاقة العائلية. كما أن النبرة الهادئة التي يبدأ بها النص تشكل خلفية تتقابل لاحقاً مع صور القلق والخوف التي ستتوالى في الومضة.

خلاصة بيتية: يؤسس النداء فضاءً حميمياً يجعل براءة الطفل نقطة الانطلاق في بناء الدلالة الشعرية.

2- «ما لمزهريةِ رأسك منكفئة بين راحتيك؟»

ينتقل الشاعر من النداء إلى رسم صورة بصرية مكثفة تقوم على استعارة الرأس بالمزهرية، وهي صورة تمنح الرأس صفات الجمال والرقة والهشاشة معاً. أما وصفها بـ«منكفئة» فيوحي بحالة من الانطواء والاستغراق في التفكير أو الهم، فيما يعزز وضع الرأس بين الراحتين مشهد القلق والتأمل الحزين. وبهذا تتحول الهيئة الجسدية البسيطة إلى علامة دالة على اضطراب داخلي يلفت انتباه الشاعر ويستدعي تساؤله. كما أن اختيار «المزهرية» دون غيرها يوحي بأن ما يراه الشاعر أمامه ليس مجرد حزن عابر، بل جمال مهدد بالانكسار.

خلاصة بيتية: تجسد صورة الرأس المنكفئ هشاشة البراءة أمام واقع يفرض على الطفل هواجس تفوق عمره.

3- «آه لو أعرف ما يُقلقك!»

ينتقل الشاعر من وصف هيئة الطفل إلى محاولة استكشاف ما يختبئ خلفها من مشاعر. فالتنهد في مطلع السطر يكشف حالة من الحيرة والأسى، ويعكس رغبة صادقة في فهم مصدر هذا القلق المبكر. كما أن صيغة التمني «لو أعرف» توحي بأن ما يعتمل في نفس الطفل يتجاوز المظاهر الخارجية، الأمر الذي يحول النص من مجرد وصف لحالة إلى بحث عن أسبابها العميقة. وبهذا السؤال يفتح الشاعر الباب أمام سلسلة من الاحتمالات المنفية التي ستكشف تدريجياً طبيعة الواقع الذي يحيط بالمخاطَب.

خلاصة بيتية: يتحول التساؤل إلى مدخل للكشف عن أسباب خوف لا تبدو منسجمة مع عالم الطفولة.

4- أنتَ لستَ لصّاً فاسداً  فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ  فتخاف عقابَ الشعبِ حين يثورُ الجياعُ  ليقضموا  الآلهةَ التمرَ

يستبعد الشاعر أن يكون الطفل خائفًا لأنه فاسد أو متورط في نهب حقوق الناس، فذلك هو خوف اللصوص لا خوف الأبرياء. ثم يستحضر صورة «آلهة التمر» ذات الجذور التراثية، في إشارة إلى الأصنام التي كانت تُصنع من التمر ثم تُؤكل عند اشتداد الجوع. وتكشف هذه الصورة عن هشاشة المقدسات الزائفة أمام الحاجة الإنسانية؛ فحين يثور الجياع تسقط الهالات المصطنعة، ويتحول ما بدا مقدسًا أو متعاليًا إلى شيء قابل للزوال. وهكذا يوظف الشاعر التراث في بناء صورة ساخرة تكشف أن الظلم الاجتماعي قادر على تحطيم الرموز التي يتستر خلفها الفاسدون.

خلاصة بيتية: يستحضر الشاعر رمز «آلهة التمر» ليؤكد أن الجوع قادر على إسقاط القداسات الزائفة وكشف هشاشة الفساد أمام غضب المظلومين

5- «لستَ من المتظاهرين فيخطفكَ الملثَّمون»

يواصل الشاعر بناء سلسلة النفي، فيستبعد أن يكون الطفل من المشاركين في الاحتجاجات الشعبية، وهي فئة ارتبطت في الواقع الذي يستحضره النص بمخاطر القمع والاختطاف. ويأتي لفظ «الملثَّمون» محمّلًا بدلالات الغموض وإخفاء الهوية، بما يجعل مصدر التهديد غير محدد بوضوح، لكنه حاضر بقوة في الوعي الجمعي. وبهذا ينتقل النص من الحديث عن الفساد إلى الحديث عن أدوات حمايته، حيث يصبح الخطف وسيلة لإسكات الأصوات المعترضة. غير أن المفارقة تبقى قائمة: الطفل لا ينتمي إلى هذه الفئة أصلاً، فما الذي يدفعه إلى القلق؟

خلاصة بيتية: يتسع فضاء الخوف ليشمل العنف الغامض الذي يلاحق المحتجين ويهدد الإحساس بالأمان.

6- «ولا من المطالبين باستعادةِ وطنكَ المعروضِ للبيعِ والإيجارِ في سوقِ المحاصصةِ / فيقنصكَ قنّاصو طرفِ الحكومةِ الثالث»

يبلغ الخطاب هنا مستوى أعلى من التصعيد الدلالي. فالوطن لم يعد يُصوَّر بوصفه كيانًا جامعًا لأبنائه، بل بوصفه سلعة «معروضة للبيع والإيجار»، وهي صورة مجازية تكثف شعور الشاعر بتفكك الدولة وتحول المصالح السياسية إلى سوق للمقايضة. أما عبارة «سوق المحاصصة» فتختزل منظومة سياسية قائمة على تقاسم النفوذ والمكاسب. ويكتمل المشهد بظهور «قنّاصي طرف الحكومة الثالث»، وهي صيغة ساخرة وملتبسة في آن واحد، توحي بجهة تمارس العنف دون أن تعلن هويتها صراحة. وهكذا يصبح المطالب باستعادة الوطن معرضًا للاستهداف، في صورة تكشف حجم الاختلال الذي أصاب العلاقة بين المواطن والدولة.

خلاصة بيتية: يكشف البيت عن وطنٍ تحوّل إلى موضوع للمساومة السياسية، وعن عنفٍ غامض يُستخدم لإسكات المطالبين باستعادته.

7- «لستَ عضوَ برلمانٍ / فتخشى أن تخسر امتيازاتكَ الخرافية / حين يتم إغلاقه قريبًا بإذن الله»

ينتقل الشاعر إلى فئة أخرى من فئات المشهد السياسي، فيستبعد أن يكون خوف الطفل نابعًا من فقدان سلطة أو امتياز. وتحمل عبارة «امتيازاتك الخرافية» نبرة تهكمية واضحة، إذ تبرز الفجوة بين واقع الناس الصعب وما يتمتع به أصحاب المناصب من مكاسب استثنائية. أما جملة «بإذن الله» فتأتي محمّلة بروح الدعاء والتمني، وتعكس موقفًا نقديًا من المؤسسة البرلمانية كما يراها الشاعر. وبذلك يرسخ النص مفارقته الأساسية: الطفل لا يملك سلطة ولا امتيازات، ومع ذلك يبدو قلقًا كما لو كان يعيش تبعات نظام كامل.

خلاصة بيتية: يفضح البيت التباعد بين امتيازات النخبة ومعاناة الناس، ويؤكد أن خوف الطفل لا يرتبط بمصلحة شخصية أو موقع سلطوي.

أن الخلاصات الثلاث مترابطة جيدًا؛ فهي ترسم تدرجًا من العنف غير المرئي إلى اختطاف الوطن ثم إلى امتيازات السلطة، وهو تدرج يخدم البنية التصاعدية للومضة قبل الوصول إلى خاتمتها.

8- «لستَ شيخًا مُتقاعدًا / ولا موظفًا بسيطًا تأخّرَ راتبُه»

يواصل الشاعر سلسلة النفي التي بنى عليها الومضة، فيستبعد أن يكون الطفل من الفئات التي تملك أسبابًا مباشرة للقلق المعيشي أو الوظيفي. ويجمع البيت بين نموذجين مختلفين اجتماعيًا: «الشيخ المتقاعد» الذي قد يرمز إلى فئة فقدت بعض حضورها أو امتيازاتها مع تقدّم العمر، و«الموظف البسيط» الذي يواجه أعباء الحياة اليومية ويعاني من تأخر راتبه. ويؤدي الجمع بين هذين النموذجين إلى توسيع دائرة المعاناة لتشمل شرائح متعددة من المجتمع. غير أن المفارقة تبقى قائمة، فالطفل لا ينتمي إلى أي من هذه الفئات، ومع ذلك يبدو مثقلًا بالهموم، الأمر الذي يجعل الخوف حالة عامة تتجاوز الحدود العمرية والاجتماعية.

خلاصة بيتية: لم يعد الخوف مرتبطًا بفئة اجتماعية بعينها، بل تحول إلى شعور عام يمتد أثره حتى إلى عالم الطفولة.

9- «فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟»

يعود الشاعر في خاتمة الومضة إلى النداء الذي افتتح به النص، فتكتمل الدائرة الفنية بين البداية والنهاية. غير أن السؤال الختامي لا يأتي بحثًا عن إجابة مباشرة، بل بعد سلسلة طويلة من النفي والاستبعاد التي أزالت جميع الأسباب التقليدية للخوف. ولهذا يتحول الاستفهام إلى وسيلة لكشف المفارقة الكبرى في النص: إذا كان الطفل بريئًا من كل ما سبق، فما الذي يدفعه إلى هذا القلق؟ وهكذا يغدو السؤال إدانة ضمنية للواقع الذي يسمح بتسرّب الخوف إلى نفوس الأبرياء، ويترك القارئ أمام مسؤولية التأمل في الأسباب العميقة لهذه الحالة.

خلاصة بيتية: يحول السؤال الختامي قلق الطفل من حالة فردية إلى علامة على أزمة عامة تتجاوز حدود الشخص الواحد.

أما الخلاصة القسمية:

يكشف تفسير الأبيات كيف ينتقل النص من مشهد عائلي حميم إلى رؤية نقدية واسعة للواقع الاجتماعي والسياسي. فمن خلال تتابع صور النفي والاستفهام والمفارقة، تتحول براءة «السبط» إلى أداة لقياس حجم الخلل في المجتمع، ويغدو خوف الطفل رمزًا لخوف جمعي يتجاوز الأفراد والفئات المختلفة. وتشكل هذه القراءة النصية أساسًا للأقسام المنهجية اللاحقة التي ستتناول البنية العميقة للومضة من زواياها المختلفة.

قراءة بنيوية وسيميائية ونفسية وسياسية للومضة

القراءة البنيوية

تهدف القراءة البنيوية إلى الكشف عن الكيفية التي تنتج بها الومضة معناها من خلال العلاقات الداخلية بين عناصرها اللغوية والتركيبية، بعيدًا عن المرجعيات الخارجية المباشرة. ولا تنشأ دلالة النص من الصور منفردة، بل من انتظامها داخل شبكة من العلاقات تقوم على النداء والتكرار والنفي والاستفهام والتدرج الدلالي. ومن هذا المنطلق يمكن تتبع البنية الداخلية للومضة ابتداءً من العنوان وانتهاءً بالسؤال الختامي.

1- العنوان بوصفه النواة البنيوية

يشكل العنوان «إلى سبطي حيدر» البؤرة الأولى التي تنتظم حولها عناصر النص اللاحقة. فهو لا يقدّم موضوع الومضة فحسب، بل يحدد طبيعة العلاقة الخطابية التي ستقوم عليها البنية كلها. فوجود المرسِل (الشاعر) والمرسَل إليه (السبط) يؤسس منذ البداية لبنية حوارية أحادية الاتجاه، حيث يصبح المخاطَب مركزًا تتجمع حوله الأسئلة والصور وسلسلة النفي اللاحقة.

كما أن العنوان يحدد قطبًا دلاليًا أساسياً هو قطب البراءة والحميمية، وهو القطب الذي ستتحرك بقية العناصر النصية في مواجهته. ومن ثم لا يؤدي العنوان وظيفة تعريفية فحسب، بل يضع الأساس البنيوي للتوتر الذي سيحكم حركة النص بين عالم الطفولة الخاص وعالم الواقع العام.

2- الافتتاحية والنداء بوصفهما نقطة الانطلاق

يفتتح النص بالنداء «يا سبطي الجميل»، وهو امتداد مباشر للعنوان وتفعيل داخلي له. فإذا كان العنوان قد عرّف بالمخاطَب، فإن النداء ينقله من مستوى التعيين إلى مستوى الحضور النصي الفعلي. وبهذا تتشكل وحدة بنيوية متماسكة بين العنوان والمطلع، حيث يتحول المخاطَب إلى المحور الذي تدور حوله جميع الوحدات اللاحقة.

ويؤدي هذا النداء وظيفة تنظيمية مهمة، لأنه يضع البراءة في مركز البنية، لتصبح جميع الصور التالية بمثابة تفسير أو تعليل لحالة هذه البراءة.

3- نقطة التحول البنيوية

يشكل قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك!» نقطة تحول داخل حركة النص. فبعد تقديم صورة الطفل المنكفئ، ينتقل الخطاب من الوصف إلى البحث عن السبب. وتكمن أهمية هذا الموضع في أنه يؤجل الإجابة ويخلق فراغًا دلاليًا ستعمل سلسلة النفي اللاحقة على ملئه تدريجيًا.

وبذلك يتحول النص من ملاحظة حالة فردية إلى عملية استقصاء داخلية تبحث عن مصدر القلق.

4- سلسلة النفي بوصفها العمود الفقري للبنية

تمثل سلسلة «لستَ...» البنية التركيبية الأكثر حضورًا في الومضة. وتتكرر هذه الصيغة عبر مقاطع متعددة، مما يمنح النص إيقاعًا خاصًا ويخلق تدرجًا دلاليًا متصاعدًا.

وتؤدي هذه السلسلة وظيفتين مترابطتين:

- وظيفة استبعادية، إذ تنفي عن المخاطَب جميع الصفات التي يمكن أن تفسر خوفه بصورة مباشرة.

- وظيفة تراكمية، إذ يؤدي كل نفي جديد إلى زيادة الضغط الدلالي داخل النص، بحيث يصبح استمرار الخوف أكثر إثارة للتساؤل.

ومن خلال هذا التراكم يصل القارئ إلى نتيجة بنيوية واضحة: الخوف لا يصدر من الطفل نفسه، بل من العالم المحيط به.

5- التدرج البنيوي والذروة

لا تأتي عناصر النفي بصورة عشوائية، بل تنتظم في مسار تصاعدي يبدأ بالفاسد الذي يخشى الحساب، ثم ينتقل إلى المتظاهر المهدد بالعنف، فالمطالب باستعادة الوطن، ثم أصحاب الامتيازات السلطوية، وأخيرًا الفئات المتضررة اجتماعيًا.

ويبلغ هذا المسار ذروته في صورة الوطن «المعروض للبيع والإيجار في سوق المحاصصة» وما يتصل بها من صورة القناصين، حيث تتكثف العلاقات الدلالية التي مهدت لها المقاطع السابقة. وتكتسب هذه الذروة أهميتها من موقعها داخل السلسلة التصاعدية أكثر مما تكتسبها من الصورة نفسها.

6- البنية الدائرية والخاتمة

تنتهي الومضة بالسؤال:

«فما الذي يقلقك يا سبطي الجميل؟»

وفي هذا الموضع يعود النص إلى نقطة بدايته، إذ يتكرر المخاطَب نفسه الذي افتتح به النص. غير أن العودة ليست تكرارًا شكليًا، لأن الدلالة تغيرت أثناء الرحلة النصية. فالنداء الأول كان افتتاحًا لعلاقة وجدانية، أما النداء الأخير فيأتي بعد سلسلة طويلة من النفي والتصعيد، فيتحول إلى سؤال يحمل في داخله إدانة ضمنية للواقع الذي أنتج هذا الخوف.

ومن ثم تتشكل بنية دائرية تبدأ بالمخاطَب وتنتهي به، مما يمنح الومضة وحدة عضوية وتماسكًا داخليًا.

خلاصة القراءة البنيوية

تكشف البنية الداخلية للومضة عن نظام متماسك يبدأ من العنوان بوصفه نواة للعلاقة الخطابية، ثم يتطور عبر النداء والوصف والاستفهام وسلسلة النفي والتدرج التصاعدي وصولًا إلى الخاتمة الدائرية. وبهذه الآليات يتحول الطفل من شخصية فردية داخل النص إلى مركز دلالي تنتظم حوله جميع العناصر، ويصبح القلق الفردي أداة بنائية تكشف اختلال العالم المحيط دون حاجة إلى تصريح مباشر.

البعد السيميائي

يهتم التحليل السيميائي بالكشف عن شبكة العلامات التي تنتج المعنى داخل الومضة، وكيف تتحول العناصر اللغوية والصور الشعرية إلى رموز ودلالات تتجاوز معناها المباشر. ومن هذا المنطلق لا تُقرأ مفردات النص بوصفها ألفاظًا منفصلة، بل بوصفها نظامًا من العلامات المترابطة التي تسهم مجتمعة في بناء رؤية النص للعالم.

لتفسير السيميائي لعنوان الومضة إلى سبطي حيدر

الخلاصة المختصرة

عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» يعمل كعلامة مزدوجة تجمع بين الخصوصي والرمزي. مخاطبة فردية تتحول إلى مؤشر دلالي يوجّه كل قراءة لاحقة، ويحوّل البراءة الشخصية إلى مرآة تكشف هشاشة البنى السياسية والاجتماعية.

دلالات لفظية ونحوية

- أداة الجر إلى تحول الخطاب من سرد عام إلى رسالة موجهة، فتمنح النص طابعًا خطابياً مباشراً وحميمياً.

- النداء المباشر يخلق علاقة خطابية أحادية الاتجاه، حيث يصبح المخاطَب محورًا للدلالة لا مجرد شخصية ضمن السرد.

- التركيب الاسمي البسيط يضفي على العنوان كثافة بلاغية، مناسبة لشكل الوميضة الذي يعتمد على التكثيف والاقتصاد اللفظي.

دلالة اسم حيدر كعلامة ثقافية

- حيدر اسم مشحون دلالياً في الذاكرة الثقافية، يرتبط بالشجاعة والبطولة والنقاء الرمزي. وضع هذا الاسم في موقع الطفل يخلق توتراً سيميائياً: حمولة بطولية مقابل وضعية هشّة.

- هذا التوتر يحوّل الاسم من دال شخصي إلى مدلول رمزي يمثل قيمة وطنية مهددة، فيصبح «حيدر» مرآة لكرامة المجتمع التي تتعرض للانكسار.

وظيفة المخاطبة كآلية ترميزية

-المخاطبة تجعل العنوان حاملًا أخلاقيًا، تمنح الشاعر تفويضًا أخلاقيًا للكشف والاتهام. مخاطبة الطفل هنا ليست مجرد وصف بل استدعاء للمسؤولية، إذ تُحوّل البراءة إلى معيار أخلاقي يقاس به فساد الواقع.

بهذا تتحول العلاقة الخاصة إلى أداة بلاغية لتمرير حكم عام، فالعنوان يهيئ القارئ لقراءة كل صورة في النص كدليل على مرضٍ اجتماعي.

البعد الرمزي والوطني

- العنوان يربط بين الخصوصي والوطني: اسم فردي يصبح رمزًا للوطن، والنداء العائلي يصبح استدعاءً لضمير المجتمع.

- هذه العملية السيميائية تجعل من البراءة الطفولية علامة تشخيصية، أي أن خوف الطفل أو انكماشه ليس حالة فردية بل مؤشر على فشل مؤسساتي وسياسي.

آليات دلالية ناشئة من العنوان

- التأطير: العنوان يحدد أفق القراءة، يجعل كل علامة لاحقة تُقاس بمدى قدرتها على تفسير حالة «حيدر».

- التفريغ والإسناد: مخاطبة الطفل تفريغ لذنب محتمل، ثم إسناد السبب إلى عوامل خارجية، ما يمهّد لسلسلة نفي واتهام في النص.

- التناصّ الضمني: الاسم والنداء يستحضران نصوصًا ثقافية وسياسية عن البطولة والبراءة، ما يثري القراءة بسياقات اجتماعية وسياسية أوسع.

أثر العنوان على استراتيجيات القراءة

- يوجّه القارئ إلى قراءة الصور النصية كـدلائل لا كزخارف؛ كل صورة تصبح علامة تُقرأ في ضوء سؤال العنوان: لماذا يخاف هذا الطفل الحامل لاسم بطولي؟

- يبرر الانتقال من الحميمي إلى السياسي داخل النص، ويمنح الشاعر شرعية نقدية لاستخدام الخصوصي كأداة اتهام

1- الوظيفة السيميائية لعنوان الومضة

يشكل عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» العتبة السيميائية الأولى التي توجه عملية القراءة. فكلمة «سبطي» لا تحيل إلى علاقة القرابة فحسب، بل تتحول إلى علامة على الامتداد الزمني واستمرار الحياة عبر الأجيال، في حين يستدعي اسم «حيدر» رصيدًا ثقافيًا يرتبط بمعاني الشجاعة والقوة. ومن التفاعل بين هاتين العلامتين تنشأ مفارقة دلالية تتضح داخل النص حين يظهر الطفل في حالة انكفاء وقلق. وبذلك لا يبقى المخاطَب فردًا محددًا، بل يتحول إلى رمز للمستقبل والبراءة، الأمر الذي يجعل كل ما يحيط به من صور وأحداث قابلًا للقراءة بوصفه مؤثرًا في مصير جيل كامل.

2- تفكيك العلامات الرئيسة

النداء: «يا سبطي الجميل»

تتحول المخاطبة الخاصة إلى علامة عامة تتجاوز حدود العلاقة العائلية. فصفة «الجميل» لا تصف الطفل جسديًا فقط، بل تضيف إلى شخصيته دلالات النقاء والبراءة، مما يجعل المخاطَب معيارًا تُقاس عليه بقية العلامات في النص.

المزهرية والانكفاء

في صورة «مزهرية رأسك منكفئة بين راحتيك» تتحول المزهرية إلى رمز للجمال الهش والقابل للانكسار. أما الرأس، بوصفه مركز الوعي والهوية، فيُعاد ترميزه من خلال هذه الاستعارة ليغدو علامة على براءة مهددة. ويعزز الانكفاء بين الراحتين دلالة الانغلاق والقلق الداخلي.

التنهد والاستفهام

يشكل قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك» علامة على وجود فجوة بين الظاهر والباطن. فالتنهد لا ينقل حالة انفعالية فحسب، بل يفتح مجال البحث عن معنى يتجاوز ما يظهر للعين، ويهيئ القارئ لإعادة تأويل العلامات التالية.

اللص وآلهة التمر

يظهر «اللص الفاسد» بوصفه علامة على النهب والاستغلال، بينما تستحضر «آلهة التمر» رمزًا ثقافيًا معروفًا يعبّر عن هشاشة المقدسات المصطنعة. فالجوع يحول ما يبدو مقدسًا إلى شيء قابل للاستهلاك، وبذلك تكشف الصورة زيف السلطة التي تستند إلى هالات رمزية قابلة للانهيار.

الملثمون

تمثل صورة الملثمين علامة على العنف المجهول أو غير المعلن. فإخفاء الوجه لا يحجب الهوية فحسب، بل يحيل إلى غياب المساءلة والشفافية، مما يجعل الخطر حاضرًا دون أن يكون محدد المصدر بصورة واضحة.

سوق المحاصصة والقناصون

يتحول الوطن في هذا الموضع إلى سلعة معروضة للتداول، بينما يصبح القناصون علامة على العنف الذي يحرس هذا الواقع. ومن خلال الجمع بين منطق السوق ومنطق السلاح تنشأ صورة مركبة تكشف ترابط المصالح السياسية مع أدوات القمع.

البرلمان والامتيازات

يتحول البرلمان من رمز للتمثيل السياسي إلى علامة على الامتيازات والفوارق. كما تؤدي السخرية في عبارة «امتيازاتك الخرافية» دورًا في إعادة ترميز المؤسسة من فضاء للشرعية إلى فضاء للمكاسب الخاصة.

الشيخ المتقاعد والموظف البسيط

تمثل هاتان الشخصيتان شريحتين مختلفتين من المجتمع، وتعملان بوصفهما علامتين على اتساع دائرة المعاناة. فالنص لا يحصر الأزمة في فئة واحدة، بل يجعلها شاملة لمستويات اجتماعية متعددة.

السؤال الختامي

يعيد السؤال الأخير استحضار المخاطَب بوصفه العلامة المركزية للنص. وبعد تراكم العلامات السابقة يتحول الاستفهام من طلب للمعرفة إلى مرآة تعكس اضطراب الواقع كله، فيغدو خوف الطفل علامة على أزمة أوسع من حدود الفرد.

3- الآليات الدلالية العامة

تعتمد الومضة على مجموعة من الآليات السيميائية المتداخلة، أبرزها:

- الاستعارة الاستبدالية: تحويل الرأس إلى مزهرية، والوطن إلى سلعة، والسلطة إلى آلهة تمر.

- التناص الثقافي: استحضار رموز وموروثات معروفة تمنح العلامات أبعادًا إضافية.

- التناوب بين المؤشر والرمز: فالملثمون والقناصون يعملون بوصفهم مؤشرات على العنف، بينما تمثل المزهرية وآلهة التمر رموزًا ثقافية أكثر تركيبًا.

- تحويل الخاص إلى عام: حيث تنتقل العلامات من دائرة الفرد إلى فضاء المجتمع بأكمله.

تكشف القراءة السيميائية أن الومضة تقوم على شبكة من العلامات المترابطة التي تجعل من الطفل مركزًا دلاليًا تنتظم حوله بقية الرموز والصور. ومن خلال تفاعل هذه العلامات يتحول الخوف من حالة فردية إلى علامة تشخيصية تكشف اختلالات أوسع في الواقع الاجتماعي والسياسي. وهكذا لا تصبح البراءة موضوعًا للنص فحسب، بل أداة لقياس حجم التشوه الذي أصاب العالم المحيط بها. وتكشف شبكة العلامات في الومضة أن البراءة لا تؤدي وظيفة موضوعية فحسب، بل تتحول إلى علامة مركزية يُقاس من خلالها حجم الاختلال الذي أصاب الواقع الاجتماعي والسياسي، فتغدو مرآة كاشفة للفساد وآثاره في الإنسان والمستقبل.

البعد النفسي

1- قلق الطفولة بوصفه مركز التجربة النفسية

ينطلق النص من صورة طفل منكفئ على نفسه، ما يجعل القلق الشعور المركزي الذي تنتظم حوله بقية الصور. ولا يُقدَّم هذا القلق بوصفه استجابة لحادثة محددة، بل بوصفه حالة نفسية عامة تحيط بالمخاطَب وتنعكس على وضعه الجسدي وهيئته المنكمشة.

2- الانكماش والخوف وفقدان الإحساس بالأمان

تكشف صورة «مزهرية رأسك منكفئة بين راحتيك» عن حالة من الانغلاق النفسي والبحث عن الحماية. فالراحتان تمثلان فضاءً دفاعيًا صغيرًا يحاول الطفل الاحتماء داخله، بينما يوحي الانكفاء بشعور داخلي بالهشاشة وعدم الاطمئنان. وهكذا يتحول الجسد إلى لغة صامتة تعبّر عما يعجز الكلام عن قوله.

3- المفارقة النفسية بين الاسم والحالة

يحمل اسم «حيدر» في الذاكرة الثقافية معاني القوة والشجاعة، غير أن النص يقدّم صاحبه في هيئة قلقة ومنكفئة. ومن هذه المفارقة يتولد توتر نفسي بين الصورة المتخيلة للذات والصورة التي يفرضها الواقع، بما يجعل القلق علامة على اختلال العلاقة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل.

4- انتقال الخوف من الفرد إلى الجماعة

لا يظل الخوف حبيس عالم الطفل، بل يتسع تدريجيًا ليشمل المجتمع بأسره. فالنفي المتكرر للفئات المختلفة (اللص، المتظاهر، الموظف، المتقاعد...) يوحي بأن القلق لم يعد مرتبطًا بسبب فردي محدد، بل أصبح شعورًا جمعيًا يتسرب إلى مختلف المستويات الاجتماعية. ومن ثم يغدو الطفل مرآة لحالة نفسية أوسع يعيشها المجتمع.

5- الشاعر وقلق العجز

يكشف قول الشاعر: «آه لو أعرف ما يقلقك» عن بعد نفسي آخر لا يتعلق بالطفل وحده، بل بالشاعر نفسه. فالتنهد والاستفهام يعكسان شعورًا بالعجز أمام تفسير هذا الخوف أو تبديده. وهكذا يتقاسم المتكلم والمخاطَب الإحساس بالقلق، وإن اختلف موقع كل منهما داخل التجربة.

تكشف القراءة النفسية أن الومضة لا تصور خوف طفل فحسب، بل ترصد تحوّل القلق إلى حالة وجدانية عامة تتجاوز حدود الفرد. فالطفل المنكفئ، والاسم المثقل بدلالات القوة، والاستفهام العاجز، كلها عناصر تتضافر لتقديم صورة نفسية لعالم فقد جانبًا من طمأنينته. ومن ثم تصبح البراءة في النص أداة لقياس حجم الاضطراب النفسي الذي ينعكس على الفرد والمجتمع معًا.

البعد السياسي

تكشف الومضة عن رؤية سياسية نقدية لا تُقدَّم عبر الشعارات المباشرة، بل من خلال صورة طفل قَلِق يتحول إلى مرآة تعكس اختلال الواقع العام. فالشاعر لا يناقش السياسة بوصفها صراعًا بين قوى متنافسة فحسب، بل بوصفها منظومة تؤثر في الحياة اليومية للإنسان العادي، حتى يصبح الخوف جزءًا من تجربة الطفولة نفسها. ومن خلال هذا المنظور تتحول البراءة إلى أداة لقياس مدى سلامة المجتمع ومؤسساته.

العنوان والبراءة بوصفهما معيارًا سياسيًا

يشكّل عنوان الومضة «إلى سبطي حيدر» نقطة الانطلاق في القراءة السياسية للنص. فالمخاطَب ليس شخصية عامة أو فاعلًا سياسيًا، بل طفل ينتمي إلى الدائرة العائلية الخاصة للشاعر. غير أن هذا التحديد الشخصي لا يبقى في حدوده الفردية، بل يتحول إلى رمز لجيل كامل يمثل المستقبل. ومن ثمّ يصبح السؤال عن أسباب خوف الطفل سؤالًا عن طبيعة الواقع السياسي الذي جعل البراءة نفسها تشعر بالتهديد.

وبهذا المعنى لا يؤدي العنوان وظيفة الإهداء فقط، بل يضطلع بوظيفة نقدية تجعل الطفل معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا تُقاس به كفاءة المؤسسات وقدرتها على توفير الأمن والكرامة للمواطنين.

السلطة وآليات إنتاج الخوف

تكشف الومضة عن مجموعة من الفاعلين الذين يسهمون في إنتاج مناخ الخوف. فصورة «اللص الفاسد» تحيل إلى الفساد بوصفه ممارسة تتجاوز الأفراد لتصبح جزءًا من بنية السلطة، بينما تشير صور «الملثمين» و«القناصين» إلى وجود قوى قادرة على ممارسة العنف دون أن تظهر بوضوح أو تتحمل مسؤولية مباشرة عن أفعالها.

ومن خلال هذا التعدد في الصور لا يقدّم النص الخوف بوصفه حالة نفسية فردية، بل نتيجة لبيئة سياسية مضطربة تتداخل فيها المصالح والقوة والعنف. وهكذا يصبح قلق الطفل انعكاسًا لواقع يشعر فيه المواطن بأن مصادر التهديد متعددة وغير محددة بصورة واضحة.

المحاصصة وتحويل الوطن إلى سلعة

تبلغ الرؤية السياسية للنص ذروتها في صورة «الوطن المعروض للبيع والإيجار في سوق المحاصصة». فالوطن هنا لا يُصوَّر بوصفه فضاءً جامعًا للمواطنين، بل بوصفه موضوعًا للتقاسم والتوزيع وفق المصالح والنفوذ. وتكشف هذه الصورة عن نقد حاد للمنظومات السياسية التي تتعامل مع الدولة ومؤسساتها بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة.

كما أن اقتران هذه الصورة بالقناصين يوحي بأن المصالح السياسية لا تكتفي بإعادة توزيع النفوذ، بل تحتاج أيضًا إلى وسائل حماية تضمن استمرارها. ومن ثمّ تتداخل في النص دلالات السلطة والمال والعنف داخل بنية واحدة تنتج الخوف وتعيد إنتاجه.

أزمة التمثيل والشرعية

يواصل الشاعر نقده للمؤسسات من خلال الإشارة إلى البرلمان و«الامتيازات الخرافية». فالمؤسسة التي يفترض أن تمثل المواطنين تظهر هنا مرتبطة بمصالح خاصة أكثر من ارتباطها بالمصلحة العامة. وتأتي السخرية في هذا السياق لتقويض الصورة المثالية للمؤسسة السياسية وإخضاعها للمساءلة النقدية.

ولا يقتصر الأمر على البرلمان وحده، بل يمتد إلى مختلف البنى التي يفترض أن تؤمن العدالة الاجتماعية. ولهذا تبدو الومضة وكأنها تطرح سؤالًا ضمنيًا حول العلاقة بين السلطة والمواطن، وحول مدى قدرة المؤسسات على القيام بالدور الذي أُنشئت من أجله.

اتساع دائرة المتضررين

حين يذكر الشاعر «الشيخ المتقاعد» و«الموظف البسيط الذي تأخر راتبه»، فإنه يوسع دائرة النقد لتشمل شرائح اجتماعية متعددة. فالأزمة لم تعد مرتبطة بفئة محددة، بل أصبحت تمس قطاعات مختلفة من المجتمع. ومن خلال هذا التعداد يقدّم النص صورة لواقع تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث يتحول القلق إلى تجربة مشتركة يعيشها الجميع بدرجات متفاوتة.

وهكذا يصبح خوف الطفل جزءًا من مشهد أوسع يعكس شعورًا عامًا بعدم الاستقرار وفقدان الثقة بالمستقبل.

البلاغة السياسية في الومضة

تعتمد الومضة على عدد من الآليات الفنية التي تمنح خطابها السياسي فاعليته. فالتكرار المتتابع لصيغة «لستَ» يبرئ الطفل من كل الأسباب المحتملة للخوف، ويحوّل الانتباه تدريجيًا نحو الواقع المحيط به. كما أن المزج بين اللغة الحميمية والصور السياسية يجعل النقد أكثر تأثيرًا، لأن الشاعر لا يبدأ من قضية مجردة، بل من تجربة إنسانية قريبة ومؤثرة.

ويعزز شكل الومضة القائم على التكثيف هذه الوظيفة، إذ تتراكم الصور بسرعة لتبني رؤية سياسية كاملة دون حاجة إلى خطاب مباشر أو مطوّل.

تكشف القراءة السياسية للومضة أن الشاعر يستخدم صورة الطفل بوصفها أداة نقدية تكشف اختلال العلاقة بين المواطن ومؤسسات السلطة. فالخوف الذي يحيط بالمخاطَب لا يصدر عن فعل ارتكبه، بل عن واقع سياسي واجتماعي مضطرب تتداخل فيه مظاهر الفساد والعنف والمحاصصة وأزمة التمثيل. ومن خلال هذا البناء تتحول البراءة الطفولية إلى مرآة تعكس حال الوطن، ويغدو السؤال الختامي دعوة مفتوحة إلى مساءلة الواقع الذي جعل حتى الأطفال يشعرون بالقلق وعدم الأمان.

الخاتمة

تكشف قراءة ومضة يحيى السماوي «إلى سبطي حيدر» أن الشاعر استطاع، عبر نص قصير ومكثف، أن يحوّل مشهدًا عائليًا حميميًا إلى رؤية نقدية واسعة الأفق. فالعنوان، بما يحمله من خصوصية وجدانية، لا يؤدي وظيفة الإهداء فحسب، بل يؤسس منذ البداية لفضاء دلالي تصبح فيه براءة الطفل معيارًا تُقاس به أحوال المجتمع والوطن.

وقد أظهرت الدراسة أن الومضة تبني معناها من خلال تفاعل مجموعة من المستويات النصية المتداخلة؛ فالبنية القائمة على النداء والاستفهام وسلسلة النفي المتتابعة تقود القارئ من دائرة الخاص إلى دائرة العام، بينما تكشف شبكة العلامات والرموز عن واقع تتجاور فيه الهشاشة الإنسانية مع مظاهر الفساد والعنف والاختلال المؤسسي. وفي الوقت نفسه، يبرز البعد النفسي للنص من خلال تصوير الخوف بوصفه حالة تتجاوز الفرد لتصبح شعورًا جمعيًا، في حين يفتح البعد السياسي أفقًا نقديًا يربط هذا الخوف بسياقات اجتماعية ووطنية أوسع.

ومن ثمّ لا تبدو الومضة مجرد تعبير عن قلق طفل أو حزن جدٍّ على حفيده، بل تتحول إلى شهادة شعرية على واقعٍ تتعرض فيه البراءة للتهديد، ويغدو السؤال البسيط الذي يختتم النص سؤالًا موجّهًا إلى المجتمع بأسره. فخوف «حيدر» لا يُقرأ بوصفه حالة فردية معزولة، بل بوصفه علامة كاشفة لاختلالات أعمق تمسّ الإنسان والوطن معًا.

وتؤكد هذه القراءة أن قوة الومضة لا تكمن في حجمها النصي، بل في قدرتها على تكثيف تجربة إنسانية وسياسية معقدة داخل صورة شعرية واحدة، تجعل من البراءة أداة كشف، ومن السؤال الشعري فعلًا أخلاقيًا يدعو إلى التأمل والمساءلة.

***

سهيل الزهاوي

 

كان ذلك قبل أيام خَلَت عندما وصلتني رسالة من محرر جريدة الأيام الجزائرية الأخ المبدع خالد عز الدين يطلب مني كتابة قراءة نقدية لرواية "أجنحة الأمل والنور"، ظننت في البداية أنني سأتعامل مع نص أدبي آخر يمرّ عبر الذاكرة كغيره من النصوص؛ لكي أقرأه بعين الناقد، وأغادره بهدوء بعد انتهاء القراءة؛ لكنني لم أكن أعلم أنّ تلك الرسالة الصغيرة ستفتح فجأة أبوابًا موصدة في القلب، وأنها ستوقظ في داخلي أرشيفًا كاملًا من الوجع النائم يستحضر وجوهًا غابت، وأصواتًا انطفأت، وذكريات ظننت طويلًا أنّ الزمن استطاع تهدئتها.

أذكر أنني بقيت للحظات أحدّق في عنوان الرواية، بينما كان شيء غامض يتسلل ببطء إلى أعماقي.

 كان العنوان وحده كافيًا ليربك قلبي "أجنحة الأمل والنور"… ويكأنّ الكلمات جاءت محمّلة بأرواح أولئك الذين مرّوا من هنا ذات ألم، ثم رحلوا تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.

كانت رسالته بسيطة في ظاهرها، لكنها لعمري ثقيلة في أثرها؛ إذ أخبرني برغبته في نشر قراءات نقدية لهذا العمل الروائي لما يحمله من أبعاد إنسانية عميقة تتناول مرضى السرطان ومعاناتهم النفسية والوجودية، وكيف يمكن للأمل أنْ يولد حتى من قلب الألم.

وما إنْ بدأت أتصفح الرواية حتى عاد شريط الذاكرة إلى الخلف دفعة واحدة…

عاد بي الزمن إلى صديقتي الراحلة الأخت الغالية مها أبو سرور، والتي اختطفها هذا المرض اللعين قبل أقل من شهر.

تذكرت ضحكتها، وشغفها بالحياة، وحضورها الإنساني النبيل، وكيف كانت تقاوم الألم بابتسامة تشبه الضوء.

كانت تحب الحياة بطريقة تجعل مَن حولها يؤمنون أنّ الروح الجميلة لا تهزم بسهولة حتى وهي تتآكل بصمت.

ثم قفزت الذاكرة فجأة نحو وجوه أخرى رحلت بالطريقة ذاتها…

وجوه أحببناها طويلًا، ثم اختطفها السرطان دون رحمة، تاركًا في القلب فراغات لا تُملأ. وفي مقدمة هؤلاء جميعًا حضرت أمي حبيبة قلبي التي رحلت قبل أربع سنوات بعد رحلة موجعة مع المرض.

لقد عشت معها كل تفاصيل تلك الرحلة الثقيلة منذ لحظة اكتشاف المرض الأولى، مرورًا بجلسات العلاج الكيماوي، وتبدلات الجسد، وانطفاءات التعب، وحتى اللحظة الأخيرة التي ودعت فيها الحياة.

كنت أراقبها وهي تتشبث بالأمل كلّ يوم، وكيف كانت تحب الحياة بصورة مؤلمة، وكأنها تخشى أنْ تترك الأشياء التي أحبتها خلفها.

كانت تؤمن بالشفاء حتى في أشد اللحظات قسوة، وكانت تتحدث عن الأيام القادمة وكأنها قريبة جدًا، فيما كان المرض يسرقها منا ببطء موجع لا يُرى.

لهذا كله… أردت في البداية أنْ أعتذر عن كتابة هذه القراءة. شعرت أنّ الرواية لن تكون مجرد نص أدبي بالنسبة لي، إنما ستكون مواجهة مباشرة مع الذاكرة، ومع الفقد، ومع تلك الوجوه التي لم تغادر القلب يومًا.

لكنني بعد تردد طويل أدركت أنّ الكتابة عنها ستكون بمثابة شكل من أشكال الوفاء.

فكتبت…

كتبت تخليدًا لذكرى أمي، ولروح الأخت الغالية مها أبو سرور، ولكل مَن عبروا هذا الألم بصبر ومحبة، ثم رحلوا تاركين في أرواحنا أثرًا لا يزول.

وكتبت أيضًا لأنّ هذه الرواية لا يقتصر حديثها عن المرض وحده، فهي تتحدّث عن الإنسان الذي يقف عاريًا أمام هشاشته، ثم يحاول رغم ذلك أنْ يحب الحياة، وأنْ يضيء عتمة الآخرين ولو كان قلبه مثقلًا بالأوجاع.

ومن هنا جاءت هذه القراءة ممزوجة بالذاكرة، والوجع، والوفاء، والإيمان العميق بأنّ الأدب الحقيقي هو ذاك الذي يجعلنا نرى أنفسنا داخل صفحاته.

تأتي رواية "أجنحة القلم والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي عملًا إنسانيًا وجدانيًا يتكئ على الألم كمعبر نحو النور، ويجعل من معاناة مرضى السرطان مادة سردية نابضة بالحياة والوعي والرجاء.

تُعدّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي من الأصوات الأدبية العربية الشابة التي بدأت تبرز في مجال الرواية الإنسانية والاجتماعية ذات الطابع النفسي الوجداني، وقد ارتبط اسمها مؤخرًا بصدور روايتها "أجنحة الأمل والنور" التي تناولت قضية مرضى السرطان، ومعاناتهم النفسية والإنسانية بلغة يغلب عليها الحس التأملي والبعد الروحي.

وبحسب المعلومات المتاحة فإنّ رزان الرابي تنتمي إلى الأردن، وتعمل كذلك في مجال تدريس اللغة العربية، الأمر الذي يفسر حضور اللغة الأدبية الوجدانية في نصوصها، واعتمادها على الصور البلاغية والتراكيب ذات النفس الشعري، كما يظهر من أسلوبها ميل واضح إلى الأدب الإنساني الذي يركز على الألم النفسي، والتحولات الداخلية للشخصيات، وأسئلة الحياة والموت، وقيمة الأمل في مواجهة الانكسار.

وقد وصفت روايتها "أجنحة الأمل والنور" بأنها تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الإنساني المعاصر، إذ لا تنظر إلى السرطان كونه تجربة وجودية كاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مراجعة معنى الحياة والعلاقات والوعي بالذات.

ومن خلال تتبع لغة الرواية وبنيتها يمكن ملاحظة سمات بارزة في تجربة رزان الرابي الأدبية أذكر منها:

- اعتمادها على السرد الشعوري أكثر من السرد الحدثي.

- توظيف ثنائية النور والعتمة بوصفها رمزًا للتحول النفسي.

- التركيز على البعد الإنساني العاطفي للشخصيات.

- استخدام لغة شفافة مشبعة بالمجازات الضوئية والوجدانية.

- الميل إلى الخطاب التحفيزي التأملي الذي يمنح النص طابعًا روحيًا.

كما تبدو الكاتبة مهتمة بإبراز دور الكتابة كوسيلة مقاومة وشفاء نفسي، وهو ما يظهر بوضوح في شخصية "سلمى" بطلة الرواية، والتي تتحول فيها الكتابة إلى فعل نجاة داخلي.

والرواية صدرت عن مبادرة السارة للطباعة والتوزيع، وجاءت في (174) صفحة ضمن الأدب الاجتماعي المعاصر.

ورغم حداثة حضورها في المشهد الروائي إلّا أنّ تجربة رزان الرابي تكشف عن حساسية إنسانية واضحة، واهتمام بالأدب الذي يلامس التجارب القاسية للإنسان خصوصًا تلك المرتبطة بالفقد والمرض والصمود النفسي، وهو ما يجعل كتابتها أقرب إلى "أدب المواساة الإنسانية" الذي يسعى إلى منح القارئ شعورًا بالأمل، والقدرة على الاستمرار رغم الألم.

والرواية، وإنْ بدت في ظاهرها حكاية مريضة سرطان، إلّا أنها في عمقها رواية عن الإنسان عندما يُدفع إلى حافة هشاشته، فيكتشف فجأة أنّ الحياة أكبر من الألم، وأنّ الروح قادرة على صناعة الضوء حتى في أكثر اللحظات عتمة.

تقوم رواية "أجنحة الأمل والنور" للكاتبة رزان نواف حلمي الرابي على بنية سردية إنسانية تتجاوز مفهوم الرواية العلاجية أو رواية المرض إلى فضاء أكثر اتساعًا وعمقًا، إذ تتحول التجربة المرضية داخل النص إلى معبر فلسفي وروحي يعيد مساءلة معنى الإنسان، وجدوى الألم، وقدرة الروح على ترميم ذاتها حتى في أكثر اللحظات هشاشة. ومن هنا فإنّ القيمة الحقيقية للرواية تكمن في الحدث الحكائي إلى جانب طاقتها الشعورية، وفي قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني عام يمسّ القارئ من الداخل.

ومنذ الوهلة الأولى التي تقع فيها العين على عنوان رواية "أجنحة الأمل والنور" يشعر القارئ أنه أمام نص يسرد الحكاية، ويسعى إلى بناء عالم رمزي كثيف تتحول فيه الكلمات إلى كائنات مضيئة، ويتحول الألم إلى مادة روحية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فالعنوان إلى جانب تأديته لوظيفة تعريفية فإنه يمثل البوابة التأويلية الكبرى التي يدخل منها القارئ إلى فضاء الرواية النفسي والإنساني.

إنّ الكاتبة رزان نواف حلمي الرابي لم تختر مفرداتها اعتباطًا، إنما بَنَت عنوانها على ثلاث ركائز رمزية متجاورة: "الأجنحة"، و"الأمل"، و"النور"، وهي ثلاثية تؤسس منذ البداية لفكرة التحليق الروحي، والانتصار الداخلي على هشاشة الجسد.

وفي زمن تتكثف فيه التجربة الإنسانية بين هشاشة الجسد وضغط الوعي تبرز رواية أجنحة الأمل والنور لتضع الإنسان في مواجهة عارية مع حدوده القصوى، فلا يعود المرض حدثًا طبيًا؛ لكنه يتحول إلى تجربة وجودية شاملة تعيد تفكيك علاقة الذات بذاتها وبالعالم.

فالرواية تنفتح منذ عتبتها الأولى على سؤال المعنى في لحظة الانكسار في الوقت الذي تتراجع فيه اليقينيات الكبرى لصالح قلق داخلي يتسرب إلى تفاصيل الإدراك اليومي، فيغدو الجسد مجالًا للتهديد، والزمن مساحة غير مستقرة، والهوية بِنية قابلة لإعادة التشكل المستمر.

وفي هذا السياق تتأسس الدلالة داخل العمق النفسي للشخصيات، ويتحول السرد إلى آلية لفهم الاضطراب الداخلي أكثر من كونه نقلًا للأحداث.

فالتجربة المرضية هنا تعمل محفزًا لانكشاف الذات، إذ تُجبر الشخصية على إعادة النظر في علاقتها بالألم، وبالموت، وبالآخر، وبالمستقبل، بما يجعل الرواية أقرب إلى دراسة أدبية في تشكل الوعي تحت الضغط الوجودي.

وتتجلى أهمية هذا النص في كونه يعيد صياغة مفهوم الأمل على أنّه بنية نفسية معقدة تتشكل داخل لحظة الانهيار فيظهر كآلية داخلية لإعادة تنظيم الفوضى النفسية ومنع التفكك الكامل للذات، كما يتداخل البعد العلاجي مع البعد الرمزي ما يعمل على تحويل اللغة والسرد والعلاقات الإنسانية إلى وسائل لإعادة بناء المعنى داخل عالم يتعرض للاهتزاز المستمر.

ومن هنا تكتسب المقاربة النفسية للنص أهميتها، إذ تسمح بكشف الطبقات العميقة للتجربة السردية، وفهم كيفية انتقال الشخصية من حالة الانكسار إلى حالة التكيف التدريجي عبر مسار يتداخل فيه القلق بالوعي، والألم بإعادة التفسير، والغياب بمحاولة استعادة الحضور.

بهذا المعنى تقدم الرواية تأملًا في الإنسان الذي يُجبر على إعادة اختراع ذاته داخل أقسى تجارب الوجود.

وترتكز رواية "أجنحة الأمل والنور" على بنية سردية يمكن قراءتها من منظور نفسي يشتغل على تفكيك العالم الداخلي لشخصية سلمى، وإعادة تشكيله في سياق تجربة مرضية حادة يتشكل فيها السرد ليتتبّع تحولات نفسية متراكبة تتداخل فيها الصدمة بالوعي، والانهيار بإعادة التوازن، والقلق بمحاولات التكيف.

تبدأ التجربة النفسية في لحظة اكتشاف المرض، إذْ تتجلى الصدمة التي باتت اختراقًا مفاجئًا للبنية النفسية المستقرة سابقًا، فتعمل اللحظة انهيارًا داخليًا يطال الإحساس بالسيطرة واليقين.

في هذا السياق يتفكك الشعور بالأمان الجسدي والنفسي، ويبدأ الوعي في الدخول إلى حالة من الاضطراب تتراوح بين الإنكار والذهول والارتباك.

ويمكن فهم هذه المرحلة في ضوء التصور النفسي للصدمة كلحظة يتجاوز فيها الحدث قدرة الجهاز النفسي على الاستيعاب، ما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم جذرية للذات.

مع استمرار التجربة المرضية ينتقل السرد إلى مستوى أعمق من التحليل النفسي يتمثل في تشكل القلق الوجودي، فلا يعود الخوف مرتبطًا بالألم الجسدي بقدر ما يتسع ليشمل الخوف من الفقد وتغير الهوية وانكشاف محدودية الجسد.

هنا يتبدل إدراك الزمن، ويصبح المستقبل مصدر تهديد بدل من أن يكون مجالًا للامتداد، بينما يتكثف الحاضر على شكل لحظة مثقلة بالوعي والهشاشة.

هذا التحول يعكس إعادة تشكيل جذري للعلاقة بين الذات والزمن، ليصبح الزمن عنصرًا ضاغطًا يعيد إنتاج القلق باستمرار، كما يتبلور الأمل على شكل آلية دفاع نفسي معقدة أكثر من كونه حالة شعورية بسيطة.

فهو يعمل على إعادة تنظيم الفوضى الداخلية عبر تحويل التجربة المؤلمة إلى إمكانية للاستمرار، وقدرة على التعايش مع الألم، وإعادة تأويله داخل بنية نفسية تبحث عن التوازن على شكل سموّ نفسي يسمح للذات بالبقاء في مواجهة التهديد دون انهيار كامل.

وتتخذ شخصية سلمى مسارًا نفسيًا تدريجيًا يقوم على التذبذب بين الانكسار وإعادة البناء، فتمر عبر سلسلة من التحولات الانفعالية التي تتداخل فيها مشاعر الخوف والرفض والقبول والبحث عن معنى جديد للوجود.

هذا التدرج يعكس طبيعة التكيف النفسي مع الصدمات المزمنة التي يتحقق فيها التوازن عبر مسار طويل من إعادة التقييم الداخلي، فتتفكك الهوية السابقة تدريجيًا وتتشكل هوية أكثر وعيًا بهشاشتها، وأكثر قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.

ويمثل المرض في الرواية عنصرًا كاشفًا للبنية النفسية العميقة للشخصية، فإحداث الألم يعيد تفكيك العلاقات الداخلية والخارجية للذات، ويتحول الجسد إلى موضوع للوعي بدل أنْ يكون امتدادًا طبيعيًا له، ما يخلق حالة من الاغتراب الجسدي، لتصبح الذات في موقع المراقبة المستمرة لجسدها، وهذا الانفصال بين الذات والجسد يعكس توترًا نفسيًا عميقًا يعيد تشكيل إدراك الشخصية لوجودها.

تؤدي العلاقات الإنسانية دورًا حاسمًا في إعادة التوازن النفسي داخل النص من خلال شخصية يوسف الذي يظهر على شكل عنصر دعم نفسي يساهم في تخفيف حدة القلق الداخلي دون أنْ يتحول إلى قوة إنقاذ خارجية، وتقوم العلاقة بينه وبين سلمى على المرافقة الوجدانية لا على الحلول المباشرة، ما يعكس طبيعة الدعم الاجتماعي الذي أضحى عاملًا أساسيًا في التكيف النفسي مع المرض، وهذا النمط من العلاقة يعيد إنتاج مفهوم الشفاء كعملية تشاركية لا فردية.

في المقابل تؤدي الشخصيات الثانوية دورًا رمزيًا في توسيع التجربة النفسية، فالطفلة ليلى تمثل نموذجًا للبراءة غير المشروطة بالوعي المرضي، ما يخلق تباينًا نفسيًا يبرز أثر التجربة المرضية في تشكيل الإدراك، أما شخصيات الدعم النفسي فتسهم في إبراز فكرة الشفاء الجماعي كمساحة يتقاطع فيها الألم الفردي مع التجربة الإنسانية المشتركة.

ويتجلى المرض في الرواية ليكون أداة لإعادة ترتيب الوعي، فهو يكشف حدود القوة الإنسانية، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وجسده وزمنه، وهذا الكشف يؤدي إلى إعادة بناء بطيئة للذات يتحول من خلالها الألم إلى عنصر معرفي يساهم في إنتاج وعي جديد أكثر عمقًا بالهشاشة الإنسانية.

كذلك تظهر الكتابة داخل النص على أنها آلية نفسية لتنظيم التجربة الداخلية، فهي تعمل لإعادة صياغة الألم وتحويله إلى معنى يمكن التحكم فيه.

من هذا المنظور تصبح الكتابة شكلًا من أشكال العلاج الرمزي الذي يسمح بتخفيف التوتر النفسي وإعادة بناء السيطرة على الذات.

أما الزمن الروائي فيتخذ شكلًا نفسيًا غير خطي، ويقاس بكثافة التجربة الانفعالية، فيتسع الزمن أو ينكمش تبعًا للحالة النفسية، ما يعكس طبيعة الزمن الذاتي في علم النفس بحيث يصبح الإدراك الزمني تابعًا للحالة الشعورية لا للتسلسل الموضوعي.

في ضوء هذا التحليل يمكن النظر إلى الرواية بأنها تمثيل أدبي لعملية التكيف النفسي مع الصدمة المرضية تتداخل فيها آليات الدفاع النفسي مع إعادة بناء الهوية لتعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم.

ومن خلال هذا التحول يتكشف أنّ الأمل والعلاقات الإنسانية والكتابة هي آليات نفسية عميقة تساهم في استمرار الذات، وإعادة إنتاج معناها داخل تجربة تهدد هذا المعنى باستمرار.

وبعد هذا الامتداد الذي فرضته الذاكرة على القراءة غدت رواية أجنحة الأمل والنور نصًا يُقارب بعين الناقد من جهة، وهو مساحة تتقاطع فيها الكتابة مع التجربة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقًا من جهة أخرى.

فقد تراجعت المسافة بين القارئ والنص، ووجدتُ نفسي داخل حالة من الاستدعاء الهادئ لوجوه لم تغب عن القلب رغم غيابها، فالرواية أعادت فتح أبوابٍ ظننتُ أنها أُغلقت منذ زمن.

والعنوان كان بداية لارتباك داخلي خفيف يشبه رجفة الذاكرة التي تُستدعى فجأة، فبدت "أجنحة الأمل والنور" تحمل ما هو أبعد من الكلمات، لتشير إلى ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بحياته عندما تضيق به الطرق، ويصبح البقاء فعل مقاومة صامتة لا يُرى.

ومع تقدم القراءة لم تعد الشخصية الروائية منفصلة عن الواقع، إذ بدأت ملامح سلمى تتداخل مع صورٍ أعرفها جيدًا، مع وجوه مرّت بتجربة الألم نفسها، ومع محطات فَقْد تركت أثرها في الداخل دون أنْ تخفت.

عند تلك النقطة أصبح المرض حالة إنسانية عامة تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تترك الأثر ذاته في الروح، هو ذلك التوتر بين الخوف من الانطفاء والرغبة في الاستمرار.

كان حضور الأمل في الرواية يتسلل بهدوء كحالة خفيفة تشبه الضوء الذي يمر على جدار متعب، لم يكن يرفع الألم، لكنه كان يغيّر طريقة النظر إليه، فالمعاناة نفسها يمكن أنْ تُرى من زاوية أخرى أكثر رحمة، وأقل قسوة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأ المعنى يتشكل خارج النص، وداخل التجربة الشخصية للقارئ، لتختلط القراءة بالذاكرة دون فاصل واضح بينهما.

ومع كل صفحة كان الزمن يبدو أكثر ليونة، وكانت الرواية تعيد ترتيب الإحساس بما حدث؛ لتتقاطع الأصوات بين الماضي والحاضر، وتظهر الوجوه التي غابت لتعود للحظة قصيرة، ولتذكّر بأنّ الحب لا ينتهي بالغياب، وأنّ الأثر الإنساني لا يُمحى حتى عندما يغادر أصحابه.

وفي اللحظة التي وصلت فيها القراءة إلى نهايتها بقي ذلك الصمت العميق الذي يلي المواجهة مع شيء أكبر من الكلمات.

لقد شعرت أنّ الرواية تركت نافذة صغيرة مفتوحة على الداخل، نافذة لا تسمح بالنسيان، لكنها تمنح قدرة خفيفة على الفهم، وعلى التعايش مع ما لا يُنسى.

لقد أصبحت الكتابة عن هذا النص شكلًا من أشكال الاستجابة الإنسانية لتجربة تمس جوهر الوجود، فبعض النصوص لا تنتهي عند آخر صفحة، إنما تستمر في الداخل بهدوء، وتعيد تشكيل طريقة النظر إلى الحياة دون أنْ تُعلن ذلك.

انتهت القراءة في مساء يوم السبت التاسع من أيار 2026-  قرب نافذةٍ تُطِلّ على مدينةٍ صامتة تتنفس على مهل بين الضوء والظلال- أكتب توقيعي لألتقط لحظةً عابرة من الزمن قبل أنْ تنسحب بهدوء- أشعر بسكونٍ داخليّ دافئ يشبه الطمأنينة التي تأتي بعد طول تأمل؛ لتمنح القلب فرصة أنْ يسمع نفسه قبل أنْ يغادر...

***

غدير حميدان الزبون -  بيت لحم / فلسطين

 

الملخًّص: يرومُ هذا البحث الكشفَ عن التَّفاعلات الجماليَّة والتّواصليّة بين الرّؤيا السّرديّة والخطاب البيانيّ في البناء النصّيّ الرّوائيّ، من خلال التّركيز على تقنيّات الإضمار والمجاز بوصفهما وسيلتين لخلق طبقات من المعنى تتجاوز المباشر إلى التّأويليّ. يتمّ استقراء نماذج أدبيّة روائيّة عربيّة معاصرة مختارة تُظهر كيف يُوظّف الإضمار كاستراتيجيّة لخلق فراغات دلاليّة تنفتح على تعدّد التّأويلات، وكيف يتكامل المجاز مع الرّؤيا السّرديّة ليمنح النّص بعدًا رمزيًّا يُثري التّواصل بين المبدع والمتلقّي.

يناقشُ البحثُ أيضًا كيف يُسهِم هذا التَّداخل بين السَّرد والبيان في تفعيل آليَّة الإقناع والتَّأثير، ويطرح رؤية نقديَّة تحليليّة حول التّوازن الفنّيّ بين الوضوح والإبهام، والظّاهر والخفيّ، في الكتابة الأدبيّة الحديثة. كما يُفكّك البنية البلاغيّة للنّصوص محلّ الدّراسة باعتماد منهج تحليليّ تركيبيّ، يجمعُ بين المقاربة السّيميائيّة والبلاغية والنّقد السّرديّ، لبيان كيفيّة اشتغال الخطاب داخل النّصوص كبنية متعدّدة الأصوات والدّلالات.

الخطاب البيانيّ التّواصليّ

تقومُ الرّؤية التّواصليّة الدّلاليّة على الخطاب المباشر البيانيّ، وما يجسّده الحوار البيانيّ التّواصليّ بين الشّخصيّات؛ وذلك بهدف توصيل الغاية من الرّسالة بطريقة فنيّة جماليّة، مقوّماتها الرّؤى السّرديّة القائمة على مؤشّرات تواصليّة واضحة ومباشرة ودلالات مفهومة لا غموض فيها. ويقوم تحليل الأنماط السّرديّة وتشكيلاتها اللّغويّة على حوار نصّيّ واصف بين الشّخصيّات، ويمكن توضيح ذلك من خلال العلاقة بين التّأريخ والسّرد في الخطاب التّاريخيّ، حيث تتجاوز تحديد عناصر القصّة والفرق بينها وعناصر الحبكة في الخطاب التّاريخيّ إلى التّركيز على فهم الأحداث، وتتبّع دلالاتها التّواصليّة (وذلك بأن تكشف في النّهاية عن بنية كانت محايثة immanence للأحداث في جميع المراحل... مع محاولة ترسيخ طبيعة هذه المحايثة في أيّ عرض سرديّ للأحداث الواقعيّة، الأحداث التّي تقدّم على أنّها المحتوى الصّحيح للخطاب التّاريخيّ. هذه الأحداث واقعيّة، ليس لأنّها حدثت بل في المقام الأوّل لأنّه يتمّ تذكّرها، وثانيًا لأنّها قادرة على العثور على مكان في تتابع مرتّب زمنيًّا)[1] وهذا الخطاب المسمّى بخطاب الواقع، يقابله خطاب الخيال، أو خطاب الرّغبة، وفي خطاب الواقع رؤية تواصليّة تعبّر عن واقع مجتمع معيّن في فترة محدّدة، كما هو في روايات الطّاهر وطّار، ورواية نيران وادي عيزر لمحمّد ساري، ورواية اللّص والكلاب لنجيب محفوظ، ورواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي وغيرها من الرّوايات التّي تعبّر عن واقع إنسانيّ عربيّ مشترك من حيث الظّلم والمعاناة والاستغلال والاستعمار.

أداء الإضمار البيانيّ والمجازيّ

إذا كان الأداء البيانيّ التّواصليّ يؤدّي دلالته السّرديّة بشكل مباشر وواضح، بعيدًا عن التّعقيد والغموض؛ فإنّ كلاّ من الأداء الإضماريّ البيانيّ والجازيّ يقومان على كيفيّة تأدية النّص رسالته من حيث التّوصيف البلاغيّ، دون أن يفصح عنها؛ فالكاتب يعبّر عن المقصود بدلالات إيحائيّة يترك للقارئ مجال استخلاصها بطريقته، مستعينًا بإشارات سيميائيّة، ورموز، وعلامات، تتضمّن مضمرات وبيانات مجازيّة بلغة واصفة، ومواراة للمعاني بدل الإفصاح عنها. ويمكن تلخيص أشكال الصّمت في أنّها (تتحقّق من خلال الالتماس إليها بالمضمر الرّمزيّ، أو الإيحائيّ، أو الإشاريّ، أو الاستعاريّ، خاصّة الصّمت الاختياريّ؛ فتلك الشّيفرات ظاهرة تتّجه للغياب المسمّى صمتًا مضمرًا خفيًّا؛ بل هو ضرب من ضروب الوجود، وقد يكون الصّمت اللاّمقصود في بعض المواضع، مغامرة من الكاتب، خاصّة إذا أغرق في الغموض؛ ممّا يصعّب تأويله وفهمه والاستدلال عليه نتيجة الغرابة والالتباس. مع أنّ الأهمّ في موضوع الصّمت بأصنافه وأنواعه وأمثلته هو متى يوظّفه الكاتب؟ وكيف؟ ولماذا؟ لأنّ الصّمت حينما يحقّق وظائفه، يُعدُّ مطلبًا مهمًّا ينبغي مراعاته؛ إذ قد يؤدّي وظيفة إبلاغيّة أو تعبيريّة. ومن بلاغات الصّمت تحفيز القارئ على التّمعّن لاستخلاص المتخفّي، وهي براعة من الكاتب لإشراك المتلقّي، بوصف الصّمت خطابًا تعبيريًّا وشكلاً سرديًّا مضمرَ الملفوظات، يهدفُ إلى تعميق الفهم لدى المتلقّي. وتقنيّات توظيف الصّمت في النّصوص السّرديّة وخاصّة منها الرّواية تتفاوت أشكالها وخصوصيّاتها من كاتب لكاتب حسب طبيعة الموضوع والأهداف المراد تبليغها، وحسب شخصيّات النّص وأحداثه ووقائعه، كما يختلف فهمها وتأويلها من قارئ لآخر حسب درجة الوعي، وحسب طبيعة العلاقات بين البنى اللّغويّة ودلالة العلامات والشّيفرات المعبّرة عن ملفوظات صموتة مضمرة)[2]. ولعلّ الأداءات الإضماريّة البيانيّة والمجازيّة في رواية الإسفنجة للأزهر الزّنّاد تصوغ تصوّرات تراوحت بين الأداءات المتخفيّة واللاّمرئيّة والمجهولة، وذلك للدّلالات المضمَّنة لتحوّلات العالم وعلاقة الغالب بالمغلوب بين الغرب والشّرق، والدّلالة الرّمزيّة للإسفنجة التّي تتعدّد وظائفها، وما تحمله الذّاكرة المثقلة بالهموم والتّوقّعات والتّأملات، وفي فصل الرّواية حول (ميلاد الإسفنجة)[3] تسردُ الشّخصيّة الرّئيسيّة مجريات المناقشة العلميّة وتفاصيلها في جملة من التّمثيلات السّرديّة لمجموعة من الأحداث التّي تلخّص رؤى سرديّة متباينة للشّخصيّات، وهذا ملمح من ملامح الخطاب السّرديّ الذّي لا يتكوّن (من شيفرة واحدة تُستَخدَم بشكل أحاديّ، بل من مجموعة معقّدة من الشّيفرات التّي يشهد نسجها من المؤلّف لإنتاج قصّة غنيّة بشكل لا نهائيّ بالإيحاء وتنوّع العواطف، ناهيك بموقفها وتقويمها المتسامي لمادّتها، بمواهبه كفنّان وليس كخادم للشّيفرات المتوافرة لاستخدامه)[4] ويُحيلنا هذا النّص إلى ربط موضوع الشّيفرات المعقّدة والإيحاء اللاّمتناهي، وتنوّع العواطف والمواقف المتسامية بما ورد من رؤى سرديّة في رواية الإسفنجة والتّي تقوم على تعدّد طبقات الخطاب السّرديّ وأداءاتها المجازيّة المعقّدة، وما يترتّب عنها من نماذج أدائيّة تتحوّل في عديد المقامات إلى جهاز لإنتاج المعاني، وتتجاوز نقل المعلومات حول أيّ مرجع خارجيّ، وذلك ما يندرج تحت مسمّى اللّغة الضّمنيّة التّي تهتمّ بالمسكوت عنه، ممّا يتوجّب البحث والاستبصار فيما خفي من دلالات خارجة عن متن النّص بين الدّال ومدلوله (والكلمات ليست إلاّ علامة على شيء أدركناه من قبل، الكلمة بطاقة توضع على أصناف المرئيّات، وقد أدّى هذا الفهم للنّص الأدبيّ إلى العناية بمدلولات الشّعر دون دوّاله؛ بمقول القول لا بالأداة التّي تصنع القول)[5]، والواضح من هذا أنّ المسكوت عنه هو الدّلالة الضّمنيّة المضمرة التّي تتجاوز ظاهر النّص ومتنه، لتحقّق جملة من الاحتمالات والفرضيّات، ويكون بهذا (المعنى الضّمنيّ حصيلة الفؤاد (المضمر) في اللاّمقول في النّص، في مقابل لَبُوس النّص الملفوظ بما يلائمه من استحكام التّوابع البلاغيّة، والتّمكّن منها، وهو ما يميّز الخطابين، من حيث إنّهما نمطان من اللّغة، لغة الإضمار ولغة الخطاب، وهما لغتان مترادفتان، مشتركتان في الوظيفة، مختلفتان في الأداء الإجرائيّ، وإذا كانت لغة الخطاب/التّخاطب – بما في ذلك اللّغة الجسديّة - يحميها نظام التّواضع بالقواعد واستعمالات معيّنة، فإنّ الثّانية متفلّتة من أيّ نظام، قد يقودها إلى نسيج من الخصوصيّة المنكفئة عن الجادّة، وقد تتقاطع إحداهما مع الأخرى)[6]، ورواية الإسفنجة تعكس رؤيتها السّرديّة دلالات ضمنيّة، تمثّل المخزون الذّهنيّ للكاتب وتصوّراته المضمرة الوجدانيّة، وذلك ما يجعل الوصول لمكامن المعاني في النّص وتشتّتها، وفي ذلك تعبير بليغ عن خلجات الضّمير، وتوسيع دائرة المدلول.

ونجدُ في رواية حكاية العربيّ الأخير لواسيني الأعرج العديد من المقاطع، التّي تشكّلت من ملفوظات أسهمت في تركيبها بهدف إنتاج رؤى متباينة من حيث عمقُها وخلفيّتها ومرجعيّتها وأبعادها الدّلاليّة؛ لأنّ موضوع الرّواية يرتبطُ أساسًا بموضوع الهويّة، وشخصيّة آدم التّي جسّدت "المهانة والخيانة" حينما احتقر رموز الحضارة، وتجاهل مكوّنات الشّخصيّة والموروث، ودخلت الشّخصيّة في صراع عبثيّ واهن لإرضاء الآخر؛ والانتقال إلى (قلعة آرابيا) لسرد أحداثها التّي شابها الخداع والمكر والطّمع؛ إذ نجد شخصيّات الرّواية بارعة في تدبير المكائد، وخاصّة استغلال ضعاف العقول والجاهلين، وهذه دلالة على ضرب الحضارة والثّقافة، واندحار الأخلاق، وفشل الدّفاع عن ذلك ينجم عنه الارتهان بالاستعمار القائم على الاستغلال ونهب الخيرات والثّروات وحتّى العقول[7] فقلعة آرابيا فقدت موقعها الحضاريّ، ولم تعرف يومًا انتظامًا يليقُ بالقيادة الرَّشيدة؛ إذ سيطرَ عليها التّشرذم والاضطراب، فكان الانقسام والتّبدُّد نتيجة حتميّة. تفتّتت الهويّة، وانهارت الرّموز الموحية، إمّا عبر تغلغل الآخر في إرادة ضعيفة يسهل انتزاعها، أو بسبب غياب الانسجام والتَّكافل، أو نتيجة تغليب نزعة الفرد على حساب قوَّة الضّمير الجمعيّ. وإلى ذلك، برز التّخلّي عن روح المسؤوليّة التّاريخيّة، التي كان يفترضُ أن تصون الذَّاكرة الجماعيّة وتحميها من التَّلاشي.

وإذا طال التّأثير على الذّاكرة التّاريخيّة والجمعيّة؛ فإنّ آليّات التّأثير قد أدّت دورها السّلبيّ بنجاح على الأفراد؛ ولأنّ تلك الذّاكرة هي شكل من أشكال الثّقافة المؤديّة إلى تماسك الأفراد والمجتمعات، ومعلم من معالم رقيّها وحضارتها. والضّمير الجمعيّ النّاتج عن تجمّع عقول الأفراد والتحامها كما حدّده إميل دوركايم David Émile Durkheim، إذا تخلّى عن خصوصيّاته ووظائفه وأدواره؛ فإنّ معتقدات المجتمع كلّها تتأثّر، فضلاً عن تأثر أنماط التّفكير والشّعور والسّلوك الجماعيّ للأفراد، وهذا أسلوب سرديّ جديد يتلخّص في صراع "الهويّات المتباينة" ومناهضة الآخر، وما يسمّى كذلك القوى الاستعماريّة النّاعمة، والمدّ الثّاقفويّ Culturalisme، الذّي يخلق الفتن لأيّة ثقافة أخرى، ويسهم في نشر الصّراعات والأوهام والأكاذيب والتّضليل، وكلّ ذلك يقود إلى هدم العلاقات الإنسانيّة، وتشتيت المجتمعات، وضياع الأفراد، فضلاً عن ضياع الهويّة، وهذا ما ينعكس على النّصوص السّرديّة على وجه التحديد، وهو ما يعني إدراك الوعي، وتنشيط حركة الفكر، وبذلك يتمّ (فهم الواقع النّهائيّ الذّي يمثّله الحاضر المستمرّ، فلابدّ من دمج الإدراك والخلق في وحدة آنيّة تستبعد جميع الوعي، الذّي لا علاقة له بالحاضر. وهذه البداهة، بالنّسبة إلى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برجسون Henri Bergson ليست مُتاحة إلاّ نظريّا؛ لأنّ الإدراك كلّه يجنّد لمساعدة الذّاكرة، ونحن لا ندرك إلاّ بتعابير تَمَّ تعلّمها في الماضي، أمّا الحاضر البحت، فليس أكثر من مجرّد، الاستمرار غير المرئيّ للماضي الذّي يتلاشى في المستقبل...)[8].

وفي ضوء ذلك يقومُ فهم الواقع النّهائيّ في الرّواية على فهم الزّمن وأبعاده ودلالاته، التّي تحدّد مسارات الخطاب السّرديّ في مسارات متنوّعة، وصور تكثيفيّة في خطّين متوازيين ينتجان دلالتين دلالة الأداء البيانيّ التّواصليّ في مقابل دلالة الأداء البيانيّ المجازيّ، وفق علاقات تماثليّة أفقيّة وعموديّة، تحدّدها الوحدات السّردية ومتواليّات الرّؤى العامّة، التّي توحي بطبيعة الأداءات، وتسِمُ كيان الذّات المشحونة بالرّؤية الكليّة للوجود بتجاوز الواقعيّ في الأداء البيانيّ المجازيّ، لاتّسامه بالرّتابة والملل والرّكود؛ ممّا لا يسعف الذّات لتحقيق ما تصبو إليه، ومنه تسعى إلى احتضان العوالم الممكنة التّي تخضع لاحتمالات متنوّعة ولا نهائيّة. وتلك هي الطّبيعة الإنسانيّة الرّامية إلى التّذكّر، والنّسيان، والتّوقّع، وتجسيد تحويل الواقع المادّي إلى مثاليّ مجازيّ، قد يرقى بالحياة إلى السّمو، ممّا يستوعب آفاق الحياة الرّحبة، ويسبر أعماق الذّات الإنسانيّة.

انزياح التّبئير في السّرد

يشهدُ الخطابُ الرّوائيّ تبدّلات سرديّة متنوعة، تبرزها مجمل الرّؤى، ثابتة كانت أو متحوّلة أو متعدّدة، وقد تكون صيغ الخطاب المسرود في توازٍ مع صيغ الخطاب المعروض على المستوى الكمّي، وتظهر العلاقة بين هذه الصّيغ والرِّؤى السّرديّة، التّي تنتج عنها على المستوى الأفقيّ، الذّي يتحقّق على طول الخطاب، وعلى المستوى العموديّ حينما نتعامل مع الصّيغة الواحدة في وحدة مستقلّة، وتتشاكل نتيجة هذه العلاقة بين المستويين الأفقيّ والعموديّ ما يسمَّى بأشكال الرّؤية السّرديّة، وهو ما سنقف عنده بشيء من التّفصيل والتّحليل والتّمثيل، ولعل مجمل الانزياحات تتحقّق في الرّؤية السّرديّة:

أوّلا: الرّؤية السّرديّة الصّفريّة

من المعلوم أنّ الرؤّية السّرديّة تتعلّقُ بالكيفيّات التّي يتمُّ إدراك العمليّة السّرديّة من خلالها، وتشخيص السّارد لجملة من الأحداث لتقديمها عبر تبئير سرديّ، ويغلبُ توظيف الرّؤية من الخلف (Vision par derriére)؛ لأنّها تحيطُ بالسّرد من حيث الأزمنة والأمكنة، وفي رواية (الديوان الإسبرطيّ) لعبد الوهّاب العيساوي نجد أنّ الزّمن تحكّم في سرد الأحداث، وتبيين العلاقة بين الذّات والهويّة في ظلّ فترة الوجود العثمانيّ، وفترة تقهقره التّي شهدت تضييع المحروسة (الجزائر). وفي الحوار الذي جرى بين ابن ميّار والقنصل جاء الحديث عن الباشا على لسان القنصل بضمير الغائب، حينما بيّن تفريطه في المحروسة بسبب بعض الحماقات الصّغيرة[9] وحتّى في الحديث عن مقاومة الأمير عبد القادر لم يذكر اسمه؛ لأنّه لم يُصرّح بمعرفته له وذكر ذلك ابن ميار في مناجاته ملفوظ (الأمير الشّابّ): (يزعم أنّ هناك عيونا للأمير بالمدينة. لم أؤمن بالأمير يوما، وما اعتقدت فيه الإمارة، كيف يفقه هؤلاء البدو تقاليدها، أيمكن أن تجتمع حفنة من النّاس ويعلنون رجلا من بينهم أميرا؟)[10] وفي ذلك إشارة إلى كشف لحقيقة الهويّة، ونقد وعي المجتمع في تلك الفترة؛ حيث كان الانشغال بالملذّات والاهتمام بالهوى على حساب الضّمير الواعي المسؤول، والخيانة المضمرة بسبب بيع القيم والتّخلّي عن المبادئ، التّي تُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعيّ والسّياسيّ والثّقافيّ، واستبدالها بانتهاك الحرمات، وخيانة العهود، وتفكّك المشاعر والغواية والأذى والإهمال، وهو إهمال طال المحروسة من أهلها الذين غيّبوا عقولهم، وكانوا سببًا في سقوطها وتراجعها.

ثانيًا: الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة:

إنّ التّأكيد على الفعل السّرديّ كما وضّحه رولان بارت يقوم على القراءة السّرديّة، بوصفها تطبيقًا منهجيًّا، يعتمدُ على نظام توالي الأحداث، وتتابعها، ويكون بذلك النّص السّرديّ محمّلا بالعناصر الدّلاليّة وتقابلاتها الثّنائيّة؛ بهدف إعادة صياغة الممكن القرائيّ، ومعرفة طبيعة الأحداث وتنوّعاتها عبر مستويات متعدّدة؛ للكشف عن البنيات المتشابكة للنّص السّرديّ، وهذه الشّيفرات تتعالق مع مستوى الملفوظات الصّموتة في النّص الذّي يصبح شبكة من التّفاعلات العلائقيّة المفتوحة على القراءة والتّأويل، ويُرجعنا ذلك إلى البحث عن بؤر الانطلاق للمعاني (Les départs de sens) التّي ينتجها النّص السّرديّ، والنّظر في تآلفها مع نصوص ومقاطع سرديّة وشيفرات أخرى. ويضاف إلى ذلك التّبئير الدّاخليّ، الذّي يقوم على السّرد بالصّيغة الشّخصيّة أو العاكسة (Figuralor reflector mode) ويعرف بقراءة أذهان النّاس (Reading people minds)، ويندرج هذا ضمن ملفوظ الصّمت بشكل واضح؛ بالنّظر إلى العالم التّخييليّ للنّص السّرديّ، وما ينتجُ عنه من إدراكات حسيّة لشخصيّة ما، أو أكثر، أو الاقتراب إلى أذهانها خارجيًّا وداخليًّا، وخاصّة استخلاص التّبئير الدّاخليّ الغامض، وكذلك السّرد غير الطّبيعيّ الذّي يندرج ضمن السّرد التّأليفيّ (Authorial narrative)؛ لأنّه يتلاءم وسرد الأوضاع غير الطّبيعيّة ومعانيه الدّاخليّة الغامضة المضمرة، التي من شأنها أن  تكون أكثر تأثيرا ممّا هي عليه في السّرد الطّبيعيّ الواضح[11].

وتحدثُ الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة عندما يتمّ تقديم الأحداث من وجهة نظر شخصيّة واحدة داخل القصّة. وتكون المعرفة محدودة بما تعرفه هذه الشّخصيّة فقط، ممّا يسمح للقارئ بفهم أفكار هذه الشّخصيّة، ومشاعرها، على نحو ما ورد في رواية (مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير Gustave Flaubert الذّي يستخدم التّبئير الدّاخليّ؛ لتقديم الأحداث من وجهة نظر إيما بوفاري. والقارئ يتّبع أفكار إيما، ومشاعرها، ويعيش تجربتها العاطفيّة والدّاخليّة بشكل مكثّف. ولعل هذا النّوع من التّبئير يسمحُ للقارئ بفهم دوافع إيما ورغباتها وأحزانها بشكل عميق، فحينما تشعر إيما بالملل من حياتها اليومّية، وتجدُ في القراءة ملاذًا لها، كانت تتخيّل عوالم بعيدة، مليئة بالرّومانسيّة والمغامرة، ممّا زاد من إحباطها من واقعها البسيط.

ونجدُ في رواية عناق الأفاعي للرّوائيّ عزّ الدّين جلاوجي تواتر السّرد وتكاثف الدّلالات الوصفيّة من خلال شخصيّة شامخة التّي عبّرت عن ذاتها ومشاعرها قرائن دلاليّة، وهو تعبير داخليّ ورؤية سرديّة داخليّة، يحسّها كلّ محبّ لوطنه؛ لأنّ شامخة تمثّل شموخ الوطن والهويّة، ومقاومة كلّ من تسوّل له نفسه بأن يستغلّ خيرات الوطن ويحاول طمس هويّته ومعالمه، وقد انعكس صراعها الدّاخليّ على تحدّيها للأعداء الثّلاثة (اليهوديّ، والأشقر الفرنسيّ، ومدبّب الأنف) ومواجهتها لهم، ومع تغلّبها على اليهوديّ والأشقر فقد ضربها مباغتا ومخادعا مدبّب الأنف[12]، فتحوّلت إلى نجمة مضيئة في السّماء ليهتدي بها الآخرون، ويقتدي بها من ينتهج سبيلها. ولعلّ هذه الرّؤية تجعل من التّاريخ سردًا فنيّا من خلال وصف مجمل الأحداث التّاريخيّة لتُسهمَ في تنامي الأنساق الثّقافيّة وتكاثف دلالاتها القيميّة لتعزيز الهويّة الوطنيّة، وكانت (ثلاثيّة الأرض والرّيح) لعزّ الدّين جلاوجيّ تنمُّ عن تجربته واهتمامه بالتّراث الزّاخر، وترسيخ الوعي التّاريخيّ في نسق وصفيّ سرديّ، يجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث التّي تمزج بين الماضي، وتنتقل إلى الواقع؛ لإيصال مختلف الرّؤى السّرديّة.

أ - الرّؤية السّرديّة الثّابتة

يقومُ الخطاب الرّوائيّ على تبدّلات سرديّة تبرز الرّؤى المتنوّعة، ويقدّم الكاتب رؤية ثابتة، وقد يركّز في عرضه للشّخصيّات على حدث بعينه، بوصفه حدثا مركزيّا ومحوريّا، ومنه تتفاعل الأحداث وتنسجم لتتطوّر اتّجاهاتها وتتنوّع دلالاتها؛ لتحقيق غايات فنيّة وجماليّة وسمات أسلوبيّة تضبط تمفصلات الرّؤية السّرديّة، ومؤشّراتها الصّيغيّة، وهذا ما يتيح لنا التّمييز بين الخطابات الرّوائيّة المستعملة، وما ينتج عنها من رؤية سرديّة. ونجد في رواية مدام بوفاري (Madame Bovary) للرّوائيّ الفرنسيّ غوستاف فلوبير Gustave Flaubert أنّه يتمّ تقديم الأحداث غالباً من وجهة نظر إيما بوفاري، وهي الشّخصيّة الرّئيسيّة، ووجهة رؤيتها للحياة واحدة قبل زواجها وبعده؛ فهي دوما تنظر إلى الحياة بيأس وملل، وتحسّ بضرورة التّغيير في كلّ مرحلة من مراحل حياتها؛ فكانت رؤيتها هذه قبل زواجها بالطّبيب شارل الذي كان يعالج والدها بسبب كسر في رجله، وبعد سفرها لتلقّي الدّروس من طرف ليون في البيانو لأنّها محبّة للفنون وقراءة الرّوايات، وتعيش حالمة في عالم رومانسيّ، وحتّى بعد إنجابها لابنتها تشعر بخيبة الأمومة، ودوما تسعى إلى الهروب من الواقع، وتدخل في ملل متجدّد، ورتابة وجمود، ولوضعها المادّي البورجوازيّ تلجأ إلى صرف الأموال بشكل جنونيّ حتّي توصل عائلتها للإفلاس والدّيون، ولم تجد من يساندها ويقف معها لتخرج من أزمتها؛ فقرّرت الانتحار بعد تسميم نفسها، وعبّرت شخصيّة إيما من خلال تصرّفاتها، وطريقة تفكيرها عن هجاء الواقع والمجتمع، وأتقن الكاتب في تفاصيل السّرد بدقّة وعناية لتقديم رؤية الشّخصيّات، وخاصّة شخصيّة إيما، فعندما تشعر بالملل يستغرق في العمليّة الوصفيّة، ويكثّف أحداثها حتّى يشعر القارئ بذلك الملل، والرّؤية السّرديّة التّي تتكرّر دلالاتها في رواية "مدام بوفاري" توحي بواقع طبقيّ، وتعب وجوديّ إنسانيّ، ينمّ عن تأزّم الواقع النّفسيّ الإنسانيّ؛ الرّامي إلى تحقيق عوالم خاصّة، متجاوزًا مظاهر المدنيّة ورتابة البورجوازيّة الجامدة.

ب - الرّؤية السّرديّة التّحويليّة

غالبًا ما تعيش الطّبيعة الإنسانيّة في صراعات مستمرّة، وإذا مارست مجمل الإمكانيّات السّلبيّة فإنّها ستؤثّر على مجرى الأحداث والرّؤية السّرديّة، وتحدّد ضوابط تفاعل الشّخصيّات، ومعايير ظهورها في مختلف الحالات والوضعيّات، ويكون تركيز المتلقّي حينها لا على ما تمثّله معاييرها؛ وإنّما على ما تقصيه تمثيلاتها، ومقدار التّجارب الإنسانيّة التّي تتلقّى قمعا من أنظمة فكريّة، وقد تحدث تلك التّحويلات للرّؤية السّرديّة (حينما تكون المعايير هي الموضوعة الأماميّة، ويبقى منظور البطل يمثّل الخلفيّة التّي تشترط بوجهة نظر القارئ. ولكن حينما يصبح البطل هو الموضوعة، وتشكّل معايير الشّخصيّات الثّانويّة وجهة النّظر، فإنّ تلقائيّته حسنة القصد تنحلُّ إلى فساد طبيعة متهوّرة. وهكذا، فإنّ موقع البطل يتحوّل أيضًا لأنّه لم يعد نقطة الارتكاز التّي سنحكم، من خلالها، على المعايير، وبدلاً من ذلك، فنحن نرى أنّ أفضل التّأويلات تصبحُ بلاَ قيمة إذا لم يوجِّهها الاحتراس، ويجب أن يتحكّم الحذر)[13]، وفي رواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي انتصار للقيم الإنسانيّة، وحياة الحبّ والحريّة بمرجعيّة تاريخيّة، يتمّ استخلاصها بناء على وقائع الرّواية وأحداثها وتحوّلاتها؛ لاكتشاف الثّنائيّات الضّديّة، وهي رواية تبحثُ عن الانزياح، وتصوّر الواقع المعاش في علاقته بالماضي، وتسردُ أحداثًا تاريخيّةً مصيريّةً من المقاومة الجزائريّة لإثبات الهويّة الوطنيّة بكلّ مقاييسها، وتنطلقُ من الواقع إلى التّخييل، وهذا في حدّ ذاته تحوّل مهمٌّ في تاريخ الكتابة الإبداعيّة السردية، وكيف يُحوّل الكاتبُ تقنيّات السّرد للتّفريق بين الرّواية التّاريخيّة ورواية التّخييل التّاريخيّ، وعلى الشّاكلة ذاتها قامت كتابات إبداعيّة سرديّة - روائيّة وقصصيّة - لكتَّاب جزائريّين أمثال: الطّاهر وطّار، ومرزاق بقطاش،  وأحلام مستغانميّ، ومحمّد ساري ومحمّد مفلاح، وغيرهم كثير. وهذه الرّؤية التّحويليّة تقوم على مهارات القارئ ومدى مشاركته الفعّالة؛ ولعلّ مجمل التّحويلات السّرديّة التّي تحدثها الذّات الفاعلة؛ مرتبطة بالأوضاع المتغيّرة، والأحداث المتبدّلة، ضمن حقل مرجعيّ معيّن يقوم على الاسترجاع فيؤثّر ذلك بشكل رجعيّ على وجهة نظر القارئ، ويتحوّل التّحويل المتبادل إلى تحويل تأويليّ بشكل تلقائيّ حتّى وإن لم يدرك القارئ العمليّة التّأويليّة وأنّه يمارسها من خلال استخلاص وجهات نظره؛ فإنّ عدم الإدراك يحوّل الحقول المرجعيّة إلى وجهات نظر منتقلة إلى بنيات سرديّة منتظمة تكشف مدى تفاعل القارئ بالنّص.

ج - الرّؤية السّرديّة المتعدّدة

يؤدي التّبئير دورًا مهمًا في تشكيل تجربة القراءة وفهم النّص، حيث يؤثّر على كيفيّة تقديم الشّخصيّات والأحداث والمعلومات، وهو ما يمكن أن يخلق تأثيرات دراميّة، أو توتّر، أو تعاطف معيّن لدى القارئ. ولعلّ تعدّد الرّؤية السّرديّة يتَّضح في واحدة من روائع الأدب العالميّ رواية (مائة عام من العزلة) لغابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel Garcia Marquez) والمكتوبة باللّغة الإسبانيّة، حيث يتمّ السّرد من وجهات نظر متعدّدة؛ ممّا يعطي القارئَ صورةً شاملةً عن الأحداث والشّخصيّات، ويرجع هذا التّعدّد السّرديّ إلى طبيعة موضوع الرّواية، التّي يسرد من خلالها الكاتب أحداث المدينة الخياليّة ماكوندو من خلال سيرة عائلة (بوينديا)، طيلة ستّة أجيال كاملة، وهذه العائلة قامت بتأسيس تلك القرية، ومن الطّبيعيّ أن يعتري أحداث هذه الفترة - الممتدّة إلى عشرة قرون - صراعات كثيرة، خاصّة بين المحافظين والأحرار، وما تخلّل أمريكا الجنوبيّة من عزلة تضمَّنتها روابط مثّلها الغجر، وكان التّركيز على السّياق التّاريخيّ الكولمبيّ عقب خروج الاستعمار الإسبانيّ، ومجمل الإصلاحات السّياسيّة التّي نهجت نهجًا ليبيراليّا، ويُضاف إليها أحداث حرب الألف يوم التّي امتدّت من 1899م إلى 1902م، وسجّل ماركيز من خلال روايته حدث تشييد أوّل خطّ للسّكّة الحديديّة في كولومبيا سنة 1854.

وبما أنّ رواية مائة عام من العزلة تجمع بين الواقعيّة السّحريّة والسّرد؛ فإنّ تحليل أحداثها، وفهمها، يرجع للمتلقي؛ كلّ يفسّرها بحسب نظرته الخاصّة، ورؤيته للأحداث المتعدّدة، التّي تبدأ بجريمة قتل (خوسيه أركاديو بوينديا) لأحد أصدقائه حينما وصفه بأنّه عاجز جنسيّا؛ لأنّه لم ينجب، وكان ذلك بسبب حوف زوجته (أورسولا) من إنجاب طفل مشوّه بسبب زواجها من ابن خالتها، وهذه الجريمة دفعت بخوسيه إلى مغادرة قريته مع زوجته وبعض أفرادها، وحينما استقرّ في مكان حلم بقرية يستقرّ فيها مع مرافقيه، ولمّا أفاق وجد أنّ المكان يشبه المكان الذّي حلم به؛ فشيّد قريته فيه، وسمّاها ماكوندو، وكانت منعزلة عن العالم الخارجيّ حتّى يبقى مجتمعه مثاليّا، ولكن رؤية القارئ لهذه العزلة تخضع لعدّة احتمالات منها أنّ خوسيه لم ينعزل لتحقيق المثاليّة في قريته، بدليل أنّه سمح لزعيم الغجر (ملكياديس) أن يزور القرية كلّ موسم، ويعلّم سكّان القرية كلّ ما كانوا يجهلونه، مثل المغناطيس والمنظار، وبعض الألعاب السّحريّة وغيرها، وحتّى خوسيه تعلّم عن زعيم الغجر نفسه علوما كثيرة، مثل الفلسفة والفلك وغيرها، ورؤية أخرى للعزلة هي خشية خوسيه ممّا تركه ملكياديس في آخر زيارة له للقرية، حيث ترك له رقائق وأوراق وهي بمثابة نبوءة تتعلّق بمثير القرية بأن ستلحقهم لعنة تهلكهم، وتهلك السّلالات اللاّحقة؛ بسبب ما يرتكبونه من خطايا، وكانت الأحداث تتعاقب وفي غالبها اتّسمت بالمأساويّة.

تعدُّ رواية "الطّلب الأخير" للكاتب الإنجليزيّ غراهام سويفت Graham Swift، من الأعمال الأدبيّة البارزة كونها تتمحور حول جاك بويس، وهو خادم مُهمل يعمل لدى الفنّان المشهور على مدى 30 عامًا، ويتعرّض لهزّة في حياته عندما يُفاجأ بأنّه سيتمّ تقاعده، ويجد نفسه يستعرض حياته، وأحداثها المهمّة خلال هذه السّنوات. تنقل الرّواية ببراعة بين الزّمن الحاضر والماضي، وتركّز على العلاقات الإنسانيّة والتّأمّلات الفلسفيّة حول الحياة والموت. وقد تميّزت الرّواية بأسلوب عميق، ومعقّد، كما تعدّ "الطّلب الأخير" من الأعمال التي تترك أثرًا عميقًا في القارئ بفضل تعقيد شخصيّاتها وعمق ما تناولته من مواضيع.

ويشيعُ في هذه الرّواية استخدام التّبئير المتعدّد؛ حيث تتناوبُ وجهات النّظر بين الشّخصيّات المختلفة، ممّا يمنح القارئ رؤية متعدّدة الأبعاد للأحداث، حيث ترسم كلّ شخصيّة طرق حياتها التّي سلكتها من خلال المونولوج واسترجاع الذّكريات، وخاصّة الرّجال الأربعة الذّين فقدوا صديقهم المقرّب جاك الجزّار اللّندنيّ، واجتمعوا لتحقيق أمنيته الأخيرة، والمتمثّلة في نثر رماده في البحر، وهم يستقلّون سيّارة المرسيدس، ذات اللّون الأزرق الملكيّ، تستحضر كلّ شخصيّة أحداث الحرب العالميّة الثّانية وتبعاتها، ومآسي العائلات، وجعل سويفت كلّ شخصيّة تتحدّث عن نفسها بطريقتها وأسلوبها، ممّا جعل الأصوات تتعدّد ووجهات النّظر تجاه الحياة، وعبّر عن ذلك بتقنيّة سرديّة تبيّن موقف كلّ شخصيّة وطريقة تفكيرها ورؤيتها للحياة، وكيفيّة تقديم المبرّرات. ونجد ما يعبّر عن تعدّد الرّؤية السّرديّة في رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا (Don Quijote de la Mancha) للرّوائيّ الإسبانيّ ميغيل دي ثيربانتس سابيدا Miguel de Cervantes Saavedra‏، الذّي قدّم روايته في قالب سرديّ وموضوع واقعيّ أدبيّ، وتعدّ بداية الرّوايات متعدّدة الألحان، كما تميّزت بثراء معلوماتيّ لا ينضب، يغلب عليه طابع السّخريّة والفكاهة التي تعبّر عن مجتمعات القرون الوسطى، والأفكار الفلسفيّة والأخلاقيّة، التي كانت سائدة في ذلك الوقت. يتخيّل دون كيشوت، البطل الرّئيسيّ، نفسه فارسًا من العصور الوسطى، وينطلق في مغامرات غير عادية، تكشف عن تناقضات المجتمع وتحدّياته. وفضلاً عن ذلك، تُظهر الرّواية شخصيّات معقّدة ومتناقضة، خاصّة دون كيشوت وصديقه سانشو بانزا. حيث يتقاطع الخيال بالواقع في شخصيّة دون كيشوت، الذي يراه المجتمع كمجنون، لكنّه يحمل طموحات نبيلة، ويتعامل مع الواقع بطريقة مختلفة تمامًا، مستندًا في ذلك إلى تأمّلات فلسفيّة؛ إذ تناول الكاتب في الرّواية مجموعة من القضايا الفلسفيّة والأخلاقيّة، مثل الحقيقة والخيال، والتّضحية والشّجاعة، والبحث عن الهويّة والغاية الحقيقيّة في الحياة؛ بأسلوب سرديّ مبتكر ومتميّز، حيث تنسجم الأحداث الكوميديّة مع التّأمّلات العميقة، وتنسجم اللّغة الأدبيّة بشكل لافت مع الأحداث والشّخصيّات؛ وبما تتضمّنه من عمق فلسفيّ، ودهشة أسلوبها السّرديّ، وتعقيد شخصيّاتها التي تعكس التّناقضات الإنسانيّة بشكل لافت، ممّا يجعلها أحد أعظم الأعمال الأدبيّة في التّاريخ، التي تتعدّد فيها الرّؤية السّرديّة، بالنّظر إلى ميغيل ركّز فيها على إمكانيّة إيجاد المُثُل في العالم الواقعيّ كمثاليّة الأدب، ومثاليّة الحبّ والسّياسة وغيرها، والانطلاق من موضوع العمل المرتبط بالمبدأ الأخلاقيّ، وصلته بالحريّة في الحياة البشريّة، وبذلك يكون ميغيل قد وظف تقنيّات سرديّة في مثل تلخيص الأحداث، وإبراز التّناقض بين الشّخصيّات المتصارعة، حيث جمع الشّخصيّات المفضّلة في ثنائيّات لمساعدة بعضها من خلال الحوار القائم على التّفهمّ، وتقبّل الرّأي الآخر لمناقشته، وإبداء وجهات النّظر لكلّ شخصيّة.

ثالثًا: الرّؤية السّرديّة الخارجيّة

يتمُّ تقديم الأحداث من منظور شخص خارج القصّة، مثل الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات والأحداث، ولكنّه لا يشارك في القصّة بنفسه. ويمكن التّمثيل للرّؤية السّرديّة الخارجيّة برواية (الحرب والسّلم) لتولستوي الذي يتحدّث عن غزو نابيلون لروسيا سنة 1812، ويستخدم الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات وتفاصيل الأحداث التّاريخيّة، وتمرّ الأحداث مركّزة على ثلاث شخصيّات رئيسيّة هي بيير بيزوخوف، والأمير أندريه بولكونسكي الذي ترك عائلته والتحق بصفوف القتال ضدّ نابليون، وناتاشا روستوف وهي شابّة جميلة ابنة أحد النّبلاء، وأثناء سرد عمليّة الغزو تلك يقدّم تولستوي شخصيّات روايته بشكل دقيق ووصف بارع، يعرّف بخلفيّاتهم الاجتماعيّة على اختلاف مهامّهم ووضعيّاتهم من نبلاء وفلاّحين وجنود ومدنيّين وغيرهم، وكيفيّة مجابهتهم لمشاغل الحياة ومشاكل مجتمعهم، وكلّما تتقدّم أحداث الرّواية يحسّ القارئ بأنّ شخصيّاتها أصبحت مألوفة وأكثر تأثيرا، وهذا لأنّ الكاتب يسرد أحداث حرب واقعيّة لأنّه كان حاضرا في ساحة الحرب، ولديه معلومات عن الحروب النّابولينيّة، لذلك وظّف كلّ ما يعرفه من أحداث تاريخيّة ببراعة، ومجمل الأسماء والعائلات المذكورة معروفة وحقيقيّة إلاّ تعديلات بسيطة ممّا جعل الأحداث مألوفة، وتلك الحقائق ساعدت تولستوي على تقديم التّفاصيل بشكل فنيّ يستوفي شروط الوصف السّرديّ وعناصره. ويشيرُ التّبئير الخارجيّ إلى السّرد الذّي لا يقتصر على وجهة نظر محدّدة واحدة، بحيث يمكن للرّاوي أن ينقل الأحداث من وجهة نظر عدّة شخصيّات، ممّا يوفّر رؤيةً شاملةً للقصّة.

الرّؤية السّرديّة التّبادليّة

تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" لألبير كامو Albert Camus في البحث الدّائم عن معنى الحياة والقيم الإنسانيّة دون أن يجد جواباً شافيًا. كما تُعدّ من الأعمال الأدبيّة البارزة في الأدب الفرنسيّ الحديث والفلسفة الوجوديّة. تمّ نشرها في عام 1942 وقد أثارت جدلاً واسعًا؛ بسبب موضوعاتها وأسلوبها الفريد، وبالنّظر إلى أنّها تعكسُ عدّة دلالات: من خلال المكوّنات التي يمكن تبئيرها وترتيبها في سياق تأويل الأحداث التي يسوقها البطل الرّئيس للرّواية (ميرسو)، الذي يشعر بالغربة والعزلة في العالم الذي يعيش فيه. بخاصّة حين يفتقد القدرة على التّعبير عن مشاعره بشكل طبيعيّ، ممّا يجعله يبدو "غريبًا" على الآخرين، وغير مبالٍ في حياته الفارغة من العواطف، ومن دون هدف في الحياة.

وفي ضوء ذلك تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" في عدّة جوانب متداخلة تعكس تجربة الشّخصيّة الرّئيسيّة، ميرسو، وكيفيّة تفاعله مع العالم من حوله ومع ذاته. بطريقة يبدو فيها البطل غير مكترث على الرّغم من أنّه يحاول أن يُحسّ بمتعة الحياة والمشاعر، لكنّه يعجز عن التّعبير عنها، أو الشّعور بها بشكل عميق؛ لذل يبدو متجاهلاً للعواطف البشريّة التّقليديّة كالحبّ والحزن، ويعبّر عن ذلك بلغة مباشرة وخالية من العواطف، فضلاً عن البنيات المبأرة التي ينبني على السّرد تقوم على دعامتين، أوّلهما تشتمل على تجربة حياة، وثانيهما تكمن في ترصُّد حياة الشّخصيّة الرّئيسة بطريقة تسرد تجربة يغلب عليها طابع اللامبالاة تجاه الموت، وهي واحدة من أبرز جوانب التّبئير في الرّواية، التي عكست عدم اكتراث ميرسو لموت والدته. وحين تواجهه هذه الفاجعة، لا يظهر أيّ نوع من الحزن أو الأسى العميق، بل يتجاوزها كأمر طبيعيّ، ولا يعبّر عن أيّ شعور قويّ تجاه فقدانها، ما يعني ميرسو يعيش حياة تخلو من الهدف، أو المعنى الواضح، رغم أنّه يسعى باستمرار إلى البحث عن معنى الحياة، ولكنّه لا يجد إجابات مرضية. ولعلّ هذا البحث الدّائم يساهم في شعوره بالتّبئير والفراغ الدّاخليّ، الذي يعكس الغياب الحقيقيّ للقيمة الإنسانيّة، ومن هنا تتجلّى ظاهرة التّبئير في العلاقات السّطحيّة التي يملكها ميرسو مع النّاس من حوله، حيث لا يظهر أيّ تواصل حقيقيّ أو تأثير عاطفيّ بينه وبين الآخرين.

ومع تقدّم الرّواية، يبدأ القارئ بفهم دوافعه الدّاخليّة ومشاعره العميقة. وتتنامى الأحداث حينما يتلقّى ميرسو رسالة من دار المسنّين تبلغه بوفاة والدته التّي أودعها هناك بسبب عدم قدرته على إعالتها ورعايتها، ويصوّر الكاتب سفره الشّاق وهو متّجه للدّار لإجراء مراسيم الدّفن، حيث استغرق في النّوم طيلة الطّريق، وحتّى حينما وصل واطّلع على جثمان والدته يبقى غارقا في التّدخين والتّفكير، وحتّى في أثناء الدّفن لم تظهر عليه مشاعر الحزن والتّأثّر؛ بل لا يذكر متى توفيت أمّه (اليوم ماتت أمّي. أو لعلّها ماتت أمس. لست أدري...)[14]، والمدهش كان في أثناء خروجه في اليوم ذاته مع صديقته للسّينما، ثمّ كيف يتحوّل فجأة إلى قاتل بالخطأ ودخوله المحكمة لاحقا بتهمة القتل، وفي كلّ المقاطع كانت تبدو على ميرسو العبثيّة واللاّمبالاة والإهمال، وقد عبّرت الشخصية الرئيسة من خلال هذه الصّفات عن الإنسان الذي يتجرد من مشاعره الإنسانيّة، ويتبع خطوات عبثيّة أوصلته للهاوية، فعاش غريبًا في بلدته وغربته عن النّاس والعالم، ومن مقاطع الرّواية (عشت بهذه الطّريقة، وكان بالإمكان أن أعيش بطريقة أخرى. قمت بهذا، ولم أقم بذاك. لم أفعل أشياء، في حين فعلت أشياء أخرى. وماذا بعد؟ كأنّي انتظرت طيلة عمري كي أبلغ تلك الدّقيقة، ذاك الفجر الذّي سأنال فيه جزائي. لا شيء كان ذا أهمّيّة)[15]، يحملُ هذا النّص مبالغة في فهم الحياة، ويكون ذلك نتيجة الجهل بالأمور؛ لأنّ الإنسان حينما يكوّن نمطًا متطاولاً فيه على نفسه، ومتماديًا فيما يجهله من الأشياء، فإنه يضيّعُ فرصَ الحياة لدرجة النّهاية المأساويّة، كما هو الشّأن لميرسو حينما وقف أمام المحكمة، وكان يبدو غير مهتمّ بالدّفاع عن نفسه. لكن في أعماقه، كان يمرّ ببحر من الأفكار والمشاعر التي لم يكن قادرًا على التّعبير عنها.

الصّيغة السّرديّة الاحتماليّة

لقد عُرفت صيغ الملفوظات السّرديّة بفعاليّة الإنجاز التّواصليّ أو التّداوليّ، وبمختلف تحوّلات المحمول والموضوع بوصفها رؤيا، وموقفًا، فغدت أحد أهمّ الأشكال السّرديّة، والأكثر تأثيرًا وهيمنة في الرّؤيا الدّالّة على العلاقة بين السّارد والمتلقي، وبما تتضمّنه مـــن حمـــولات دلاليـــّة، تُعدُّ أكثرها حيويّة، من وظائف العوامل والعلاقة المترتّبة عن الفواعل، نتيجة التّطوّر الحاصل بين الذّات والموضوع، تحكمها تحوّلات الأنساق المختلفة، والسّياقات الممكنة؛ لبناء الملفوظ السّرديّ؛ على وفق الرّؤية المفوَّضة للشخصيّات في علاقتها بأنماط الخطاب السّرديّ في مختلف مجالاته؛ لأنّ بنية الرّواية تنفتح على جميع الاحتمالات، وهي بذلك تطوّع الألفاظ المؤثّرة فيما بين العوامل، كالعلاقة التّي تجمع بين الذّات والموضوع، بما في ذلك تأثيرها في وعي المتلقي بالألفاظ اللّسانيّة، أو بالقدر الذي أصبحَ فيه المضمر في المسكوت عنه، يأخذُ حيّزا ملحوظًا في مسار فعل التّلفّظ، سواء من السّارد المتكلِّم، أم من السّارد الصّامت، المتعلّق بما يمكن أن نُطلق عليه (ملفوظ الصّمت)، الذي من شأنه أن يكشف عن سريرته إخفاءً وإضمارًا، فالصّمت القرائنيّ الذي يتضمّنه النّص، يُجسّد لغة ما في طويّة الشّخصيّة بجدليّة حاضنة لدلالات المسكوت عنه، ويقدّم نسقًا فنيًّا، يجعلُ القارئ جزءًا من فعل التّلفّظ، الذي تتضمّنه الرّؤية السّرديّة، وواقعها المأزوم، وصراعات شخصيّاتها بين واقعين الأوّل فعليّ والثّاني فنيّ؛ ممّا تجسّده العمليّة السّرديّة في مجمل علاقاتها التّفاعليّة فيما أرساه غريماس Algirdas Julien Greimas بخصوص علاقة السّيميائيّات السّرديّة البنيويّة مع اللّغة والنّحو، من خلال مجمل التّمظهرات اللّسانيّة، وغير اللّسانيّة، ومن بعده بروب Propp  Vladimir  في ضبط الوظائف السّرديّة المنمذجة، والمصّنافات العامليّة المنتدبة لأداء البرنامج السّرديّ، سواء تعلّق الأمر بالوظيفة التّواصليّة، أم التّفسيريّة، التي تستدعي الوقوف على العمليّة التّأويليّة؛ ليتحقّق ما تصبو إليه تلك الوظائف، ضمن سياقات تراعي السّمات الملازمة، وغير الملازمة، وكذا الأبعاد التّي ترمي إليها الرّؤية السّرديّة من اجتماعيّة، ومعرفيّة، وإيديولوجيّة، وتاريخيّة، وثقافيّة، وغيرها[16].

ونجدُ في رواية (موسم الهجرة للشّمال) للكاتب الطّيب صالح شخصيّة مصطفى سعيد، الطّالب العربيّ الذّي يسافر إلى الغرب، وهو لا يعرف شيئًا عن الثّقافة الغربيّة، ومع ذلك يحصل على وظيفة في جامعة بريطانيّة، ويتبنّى قيم المجتمع البريطانيّ، ويتعرّف إلى (جين موريس) التّي تصبح زوجته، وترفض املاءاته، ويحاول استرجاع هويّته من خلال غزوه للأنوثة البريطانيّة، وفي ملفوظ (الاغتراب)، دلالات الهجرة الثّقافيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. ولعلّ عودة مصطفى سعيد إلى بلده وزواجه مجدّدا، وتغيّر طباعه وحياته، فيها دلالة الهجر لكلّ ما هو سلبيّ، وهي دلالات احتماليّة تتّضح من إثارة أسئلة كيفيّة تغيّر الهويّة الفرديّة والجماعيّة في ظلّ مختلف التّحوّلات التّاريخيّة والثّقافيّة، ومنه فإنّ الرّواية هي بمثابة تلخيص لأبعاد تسريد الهويّة، وإشارة إلى مختلف التّفاعلات الثّقافيّة بين الشّرق والغرب والانبهار الحضاريّ، والعلاقة بينهما التّي تبدو دوما ناقصة، بسبب الإيديولوجيات الاستعماريّة، وتدعو تلك الظّروف إلى الهجرة، وبعد تجربة الهجرة ومغامراتها تكون العودة، وفي الرّواية عودة البطل مصطفى سعيد الرّجل النّرجسيّ اللّعوب من غربة أكاديميّة علميّة عمليّة في البلاد الأوروبيّة إلى قريته في بلده السّودان.

واعتبارا لذلك، فإنّ صراع الهويّة، وأزمة الانتماء نجم عنهما تأثير على الفكر والحياة الإنسانيّة. كما أن الصّيغ الاحتماليّة السّرديّة تبحث عن اللاّمقول في النّص، وهي ذات صلة بمقدار نسبة الحقيقة في الخطاب السّرديّ، التّي ترتبطُ بالمُضّمَّن، بوصفه يمثّل الحقيقة المقصودة. وقد يكون الإبهام في الحوار التّواصليّ من أهمّ معالم الغموض السّرديّ؛ لصرف النّظر عن الحقيقة المباشرة؛ لأنّ الرّؤية السّرديّة  تنبني أساسًا (على اللّغة التّي تقوم على ارتباط البنى العميقة بالبنى الدّلاليّة، وتفاعلها بمستويات محايثة، وخاصّة مستويات السّياق الذي يمارس على الملفوظات، ويتحقّق من خلال عمليّات تلفّظيّة متباينة، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الاهتمام بالملفوظات لا ينفي أهميّة  ملفوظات الحالة وملفوظات الأفعال؛ لأنّ تحليل مجمل الإرجاعات النّصيّة يستند إلى المستوى التّلفّظيّ بشكل كبير، ضمن توالي الوحدات السّرديّة وما تحمله من قيم ودلالات ترمي إلى تحقيق العمليّة التّواصليّة، التّي تتّخذ عدّة أشكال ومظاهر يحدّدها السّياق، كما تتحدّد من خلال إرغامات داخليّة أو خارجيّة للملفوظات، وما يتّصل بالذّات في جوانبها التّفكيريّة والعاطفيّة والاجتماعيّة، وغيرها من الدّوافع والأفكار التّي تفتح مجالات متنوّعة في النّص السّرديّ، وما يعتريه من تحوّلات وتقاطعات للأمكنة والأزمنة ومجمل الفضاءات الدّالّة وهو ما يرمي إلى تحقيق الوظائف التّواصليّة في الملفوظات. ونشيرُ إلى أنَّ الوظائف التّواصليّة تتّخذُ أسلوب التّفاعل بوصفه نتاجًا للتّأثير من خلال عدّة أنماط في الملفوظات، ولكلّ عمليّة تواصليّة وظيفة تستخلص من دلالاتها السّياقيّة، وما يُسَند إليها من علاقات في تزامنها مع الشّخصيّات والأحداث ومساراتها، وما يمكن تحليله من تمظهرات وتحوّلات تتولّد من ملفوظات صيغيّة ووصفيّة، تحقّق برنامجا احتماليّا، يحقّق رغبات متنوّعة، وقد يحمل هذا البرنامج رغبات الذّات وأفكارها وتفاعلها في الرّؤية السّرديّة)[17] ونشيرُ في هذا السياق أيضا إلى  ظهور الذّات الاستهوائيّة في رواية (حكاية العربيّ الأخير)[18] لواسيني الأعرج تشكّل ديناميّة الإنجاز لتحقيق الموضوع، حينما شعرت شخصيّة آدم بهوى بعد التقائه بصديق الدّراسة الذّي ساعده في الأبحاث النّوويّة المسمّى (سميث غوردن)، الذّي تكفّل بعمليّة الشّرح والتّوضيح لكلّ ما هو غامض، كما أجابه عن جميع أسئلته واستفساراته، وأنّه موجود لحمايته وليس لتقييده، كما أكّد له أنّه مازال اسمه ضمن قائمة المرشّحين لنيل جائزة نوبل للفيزياء، ومن بعد التّكوّن يأتي عنصر (التّأهّب) ويتلخّص في الرّواية ضمن المقطع السّرديّ الذّي يعبّر عن مؤهّلات الذّات في الرّواية، فتعبّر عن هوى معيّن، وذلك عندما تمّ تقديم جملة من الامتيازات لآدم؛ حيث تمّ توفير مكان للعمل؛ المتمثّل في المختبر، وكذلك فريق العمل والبحث، وقبول كلّ شروطه التّي فرضها، وإقناعه بتوفير القنبلة بهدف حماية البشريّة من خطر التّنظيم؛ فعاد آدم إلى بحوثه لتنفيذ المشروع، بعد قناعة ذات اتّصال قيميّ بالموضوع. ويتّضح "الصّوغ الاستهلاليّ" في الرّواية، حينما دخل آدم في حالة تردّد بين قبوله إنجاز المشروع وتحقيقه، وبين حالته القلقة والمضطربة، نتيجة خوفه من النّتيجة، وما كان يتعرّض له من ضغوطات نفسيّة داخل القلعة وخارجها. ومن خلال تلك المواقف ظهرت انفعالات شخصيّة آدم في الرّواية بعد بقائه خمس سنوات في القلعة، حيث مقرّ المختبر، وعاطفته التّي استيقظت لمّا علم أنّ [أمايا] مازالت على قيد الحياة، ورجع لحياته الطّبيعيّة مع زوجته وابنته، ليبدأ في تنفيذ مشروعه الذّي ما إن أكمله يكتشف أنّ أمايا قتلت وصديقه سميث توفي، وأنّه كان ضحيّة مخطّط استغلاليّ قذر.

***

أ. د. سعاد بسناسي - جامعة وهران1

عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة/ الجزائر

....................

[1] - ينظر، هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّاريخيّ، تر، نايف الياسين، هيئة البحرين للثّقافة والآثار، ط2، 2019، ص64.

[2] - ينظر، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ط1، دار كنوز المعرفة، الأردن، ص80.

[3] - الأزهر الزّنّاد، الإسفنجة، ص 40 وما بعدها.

[4] - هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّارخيّ، ص 113.

[5] - ينظر، محمّد الغزّيّ، وجوه النّورس..مرايا، دراسة في الخطاب الواصف في الشّعر العربيّ الحديث، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، القيروان، تونس، ط1، 2008، ص 08.

[6] - ينظر، عبد القادر فيدوح، بلاغة التّأويل في الشّعر الواصف، دائرة الثّقافة، الشّارقة، الإمارات العربيّة المتّحدة، ط1، 2022، ص 25/26.

[7] - ينظر تفصيل ذلك، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 132.

[8] - جاكوب كورك، اللّغة في الأدب الحديث الحداثة والتّجريب، تر، ليون يوسف وعزيز عمانونيل، ص 63.

[9] - ينظر عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، دار ميم للنّشر، 2018، ص 282.

[10] - عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، ص 347.

[11] - سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 75/ 76.

[12] - عزّ الدّين جلاوجي، عناق الأفاعي، ص 683/ 685.

[13] - Henry Fielding. Tom Johns. III. 7 and XVIII. Chapter the Last (London. 1962. Pp. 92. 427.

[14] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان،  ص07.

[15] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان.

[16] - سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار كنوز المعرفة، ط1، الأردن، 2024، ص09/10.

[17] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار العلا للنّشر والتّوزيع، القاهرة، ط1، 2024، ص 47.

[18] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، ص84.

مقاربة ثقافية بلاغية

مقدمة: يُعدّ أبو العلاء المعري من أكثر الأدباء العرب قدرةً على بناء منظومة ثقافية متكاملة داخل النص الأدبي، إذ تجاوزت كتاباته حدود الإبداع اللغوي لتغدو فضاءً فكرياً تتشابك فيه الرؤية الفلسفية مع الأنساق الثقافية والاجتماعية والدينية. ولا يُنظر إلى الوصف في أدبه بوصفه أداة تصويرية محضة، بل باعتباره ممارسة ثقافية تكشف البنى العميقة للوعي الجمعي وتعيد تشكيلها عبر خطاب جمالي معقّد.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة جماليات النسق الثقافي وبلاغة الوصف في أدب المعري؛ لأن النص المعري لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يعمل على مساءلته وإعادة إنتاجه ضمن رؤية نقدية تتجاوز المألوف وتفضح المسكوت عنه في الثقافة السائدة.

أولاً: مفهوم النسق الثقافي في الخطاب الأدبي

يُعرَّف النسق الثقافي بأنه مجموعة القيم والمعتقدات والتصورات الكامنة التي تتحكم في إنتاج الخطاب وتلقيه. وقد أسهم النقد الثقافي الحديث في الكشف عن الأنساق المضمرة داخل النصوص الأدبية، ولا سيما عند نقاد مثل عبد الله الغذامي وإدوارد سعيد.

وفي ضوء هذا المفهوم، تبدو نصوص المعري حقلاً خصباً لتحليل الأنساق الثقافية؛ إذ تتجاور فيها أنساق:

الزهد والتقشف.

العقلانية النقدية.

التشاؤم الوجودي.

نقد السلطة الاجتماعية.

مساءلة الخطاب الديني والاجتماعي.

وقد كشفت دراسات حديثة عن حضور النسق الثقافي الأخلاقي والديني في شعر المعري بوصفه نسقاً مركزياً موجهاً للبنية الدلالية للنص.

ثانياً: بلاغة الوصف بوصفها استراتيجية ثقافية

لا يقوم الوصف عند المعري على النقل الحسي المباشر، بل يتحول إلى بنية تأويلية تحمل أبعاداً فلسفية وثقافية.

فحين يصف الطبيعة أو الإنسان أو الزمن، فإنه يحمّل الصورة دلالات تتجاوز ظاهرها، فتغدو الصورة الشعرية مرآةً لرؤيته للوجود.

ومن أبرز خصائص الوصف المعري:

1- الوصف الرمزي

يتخذ الوصف طابعاً رمزياً يحيل إلى معانٍ فلسفية عميقة، فالألوان والظلال والنجوم والليل ليست عناصر طبيعية فحسب، وإنما علامات ثقافية ترمز إلى المعرفة أو الجهل أو المصير الإنساني.

وقد أبرزت دراسة "ثنائية النور والظلام" في ديوان سقط الزند أن التضاد بين النور والظلام يشكل نسقاً جمالياً وثقافياً يعكس رؤية المعري للوجود والمعرفة.

2- الوصف النفسي

ينقل المعري الأشياء من مستوى الإدراك الحسي إلى مستوى الإدراك النفسي، فتغدو الطبيعة انعكاساً لحالته الوجدانية.

ويلاحظ الباحثون أن كثافة اللون الأسود في شعره لا ترتبط بالوصف البصري وحده، بل ترتبط ببنية نفسية وفلسفية تعكس رؤيته التشاؤمية للعالم.

موقع المجلات الجامعية

3- الوصف الفلسفي

يتميز الوصف المعري بقدرته على تحويل المشهد الجزئي إلى قضية وجودية كبرى؛ فالزمن يصبح رمزاً للفناء، والحياة تتحول إلى رحلة عبور نحو المجهول، والإنسان كائن محاصر بأسئلة المصير.

ثالثاً: الأنساق الثقافية المضمرة في الوصف المعري

أ- نسق العقلانية النقدية

يتجلى هذا النسق في توظيف الوصف للكشف عن تناقضات المجتمع ونقد المسلمات الفكرية.

فالمعري لا يصف الظواهر من خارجها، بل يعيد قراءتها بعين ناقدة تكشف هشاشتها الفكرية.

ب- نسق التشاؤم الوجودي

يعدّ التشاؤم أحد أبرز الأنساق الثقافية في أدب المعري؛ إذ يحضر الموت والفناء والعدم بوصفها حقائق وجودية تهيمن على رؤيته للعالم.

ويتجلى هذا النسق في كثافة الصور المرتبطة بالليل والقبور والصمت والخراب.

ج- نسق الاغتراب

ينتمي المعري إلى نموذج المثقف المعارض الذي يقف على مسافة من الجماعة، ولذلك ينعكس شعوره بالاغتراب في وصفه للأمكنة والناس والأحداث.

فالوصف عنده لا يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الذات والعالم، بل إلى إبراز التوتر القائم بينهما.

د- النسق الأخلاقي

تكشف نصوص المعري عن حضور قوي للقيم الأخلاقية، حيث تتحول الصورة الوصفية إلى وسيلة لتقويم السلوك الإنساني وإدانة الجشع والنفاق والفساد الاجتماعي.

المجلات

رابعاً: جماليات التشكيل البلاغي في الوصف

تعتمد بلاغة الوصف عند المعري على مجموعة من الأدوات الفنية التي تمنحه فرادته الأسلوبية:

1- التكرار

يشكل التكرار بنية إيقاعية ودلالية تسهم في تعميق المعنى وإبراز الفكرة المركزية داخل النص. وقد أكدت دراسات أسلوبية أن التكرار عند المعري يؤدي وظيفة جمالية وفكرية في آن واحد.

بوابة المجلات العلمية - جامعة المسيلة

2- الجناس

يُعد الجناس من أبرز مظاهر البراعة البلاغية في اللزوميات، حيث يوظفه المعري لإنتاج موسيقى داخلية وتوليد معانٍ متعددة تتجاوز الزخرفة اللفظية إلى البناء الفكري للنص.

Thamar University Journals

3- التضاد

يمثل التضاد أحد أهم محركات الصورة الوصفية عند المعري:

النور / الظلام

الحياة / الموت

العقل / الجهل

الحضور / الغياب

وهو ما يضفي على النص بعداً درامياً وفلسفياً عميقاً.

4- الانزياح اللغوي

ينحرف المعري باللغة عن مألوفها ليصنع صوراً مركبة تستفز القارئ وتدعوه إلى إعادة إنتاج المعنى.

خامساً: الوصف في اللزوميات بوصفه خطاباً ثقافياً

تكشف الدراسات الحديثة أن الوصف في اللزوميات لا يقتصر على تصوير الموجودات، بل يمثل خطاباً ثقافياً متكاملاً يعكس رؤية المعري للكون والإنسان والمعرفة. وقد أثبتت دراسة حديثة حول الوصف في اللزوميات أن المعري أعاد تشكيل الوصف الشعري وفق رؤيته الذاتية وفلسفته الخاصة، بحيث أصبح الوصف أداةً للتأمل الفكري أكثر من كونه أداةً للتصوير الحسي.

جامعة أم القرى

خاتمة

يتبين من خلال هذه القراءة أن جماليات النسق الثقافي وبلاغة الوصف في أدب أبي العلاء المعري تقوم على تفاعل معقد بين البنية البلاغية والرؤية الفكرية. فالوصف عنده ليس نشاطاً جمالياً معزولاً، بل ممارسة ثقافية تنتج المعنى وتكشف الأنساق المضمرة التي تحكم الوجود الإنساني. ومن ثم فإن فرادة المعري لا تكمن في مهارته اللغوية فحسب، بل في قدرته على تحويل الصورة الشعرية إلى أداة معرفية وفلسفية قادرة على مساءلة الواقع وإعادة تشكيله.

***

بقلمي ربى رباعي - الاردن

.....................

المراجع العربية

اللزوميات.

سقط الزند.

رسالة الغفران.

الغذامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية.

حمودة، عبد العزيز. المرايا المحدبة.

المنشاوي، محمد رجب عبد الحليم. "ثنائية النور والظلام في ديوان سقط الزند". حوليات آداب عين شمس.

أميرة ناصر محمود حسن مصطفى. "القيم الأخلاقية الدينية في شعر أبي العلاء المعري في ضوء النقد الثقافي". مجلة الزهراء.

المجلات

الدوريات العربية المحكمة

مجلة أم القرى لعلوم اللغات وآدابها.

جامعة أم القرى

مجلة الفنون للدراسات اللغوية والأدبية.

Thamar University Journals

مجلة العلوم الإسلامية.

مجلة العلوم الإسلامية

مجلة الكوفة للآداب.

موقع المجلات الجامعية

مجلة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب.

بوابة المجلات العلمية - جامعة المسيلة

المراجع الأجنبية

Zahia Smail Salhi & Abeer Abbasi, Astrology between Poetics and Politics in the Abbasid Period: Abu al-Ala al-Ma'arri as Case Study, Journal of Semitic Studies, Oxford University Press.

OUP Academic

Nicholson, R. A. A Literary History of the Arabs.

Reynold A. Nicholson, Studies in Islamic Mysticism.

Margoliouth, D. S. The Letters of Abu al-Ala al-Ma'arri.

مواقع إلكترونية أكاديمية مفيدة

academic.oup.com

قراءة تفكيكية بنيوية-دلالية في ديوان أوتار الرسالة للشاعر الدكتور رافد حميد فرج القاضي

النص بوصفه رسالة مؤجلة

يأتي ديوان “أوتار الرسالة” للشاعر العراقي رافد حميد فرج القاضي والصادر عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع بوصفه مشروعًا شعريًا يتجاوز حدود الغنائية التقليدية إلى فضاءٍ مركّب تتداخل فيه الرسالة الروحية والوعي التاريخي، والاشتغال الجمالي على اللغة بوصفها كيانًا مقاومًا للزوال.

إن العنوان نفسه يكشف عن مفارقة تأسيسية:

“أوتار” = إحالة إلى الموسيقى/الاهتزاز/الإحساس

“الرسالة” = إحالة إلى الثبات/المعنى/القداسة

وبينهما تتولد فلسفة الديوان: كيف تتحول الرسالة إلى نغمة، وكيف تصبح النغمة خطابًا وجوديًا...؟

أولاً: البنية السردية في الشعر – تفكك الحكاية وتعدد الأصوات

رغم أن الديوان شعري إلا أنه ينهض على ما يمكن تسميته بـ السرد الشعري المتشظي.

1. غياب السرد الخطي

لا يعتمد الديوان على تسلسل حكائي، بل على:

مقاطع شعورية منفصلة ومشاهد وجدانية مكتملة بذاتها وهذا يخلق ما يشبه “السرد المنقطع” الذي يعكس انكسار الزمن الداخلي للذات.

2. صوت الشاعر: من المتكلم إلى الشاهد

يتحول صوت الشاعر من:

ذاتٍ متكلمة إلى

شاهد على التاريخ والوجع والذاكرة

وهذا التحول يضع النص في منطقة بين: التأمل الفردي والوعي الجمعي

3. الزمن الشعري: زمن الارتداد

الزمن في الديوان ليس تقدميًا، بل:

ارتدادي دائري قائم على الاستحضار

وكأن النص يعيش داخل ذاكرة مفتوحة لا تغلق أبوابها.2828 rafid

ثانياً: البنية البنيوية – هندسة المعنى في مستويات متراكبة

1. العنوان كبنية مركزية

“أوتار الرسالة” ليس عنوانًا زخرفيًا، بل:

بنية دلالية توليدية تنتج شبكة من العلاقات بين الصوت والمعنى فهو يضع القارئ أمام معادلة: الرسالة لا تُكتب… بل تُعزف

2. ثنائية التوتر الداخلي

يقوم البناء على ثنائيات متصارعة:

الصمت / الصوت

الحضور / الغياب

المقدس / اليومي

الفردي / الجمعي

هذه الثنائيات لا تُحسم، بل تبقى في حالة توازن غير مستقر.

3. هندسة التكرار

يستخدم الديوان التكرار بوصفه:

تقنية إيقاعية وآلية دلالية والتكرار هنا ليس حشواً، بل تأكيد على القلق الداخلي للفكرة.

ثالثاً: التحليل الدلالي – الرسالة بوصفها قلقًا وجوديًا

1. الرسالة: من المعنى إلى السؤال

في الديوان، “الرسالة” ليست مضمونًا جاهزًا، بل: سؤال مفتوح

بحث دائم عن معنى غير مكتمل وهذا يجعل النص أقرب إلى القلق الفلسفي منه إلى اليقين الشعري.

2. الأوتار: جسد اللغة المرتجف

“الأوتار” تمثل: حساسية اللغة وقابليتها للاهتزاز مع قدرتها على إنتاج المعنى عبر الارتعاش لا التقرير وهنا تتحول اللغة إلى كائن حيّ يتألم ويغنّي في آنٍ واحد.

3. الدلالة بين المقدس والإنساني

يشتبك الديوان مع:

الإرث الديني والرمزي والواقع الإنساني اليومي في محاولة لخلق لغة وسطى: لا هي خطاب ديني خالص، ولا هي شعر دنيوي صرف.

رابعاً: اللغة والأسلوب – اقتصاد القول وبلاغة الإيحاء

1. لغة مشحونة بالتكثيف

تميل لغة الديوان إلى:

الجملة الموجزة والصورة المركبة والإيحاء بدل التصريح وهذا يعكس رغبة في ضغط المعنى داخل أقل عدد من الكلمات.

2. الصورة الشعرية: من التزيين إلى البناء

الصورة ليست زخرفًا، بل:

أداة تفكير وآلية كشف فالصور تعمل كـ مفاتيح معرفية للنص.

3. الموسيقى الداخلية

يظهر اشتغال واضح على:

التوازي الصوتي والتكرار الإيقاعي والانزياح الموسيقي مما يجعل الديوان أقرب إلى نص يُقرأ ويُسمع في آنٍ واحد.

خامساً: البعد الرمزي – النص بوصفه تجربة وجود

1. الرسالة كهوية

الرسالة في الديوان تتحول إلى:

هوية إنسانية ومسؤولية وجودية

ليست مجرد خطاب، بل طريقة للوجود في العالم.

2. الأوتار كجسد مهدد

الأوتار تشير إلى:

هشاشة الإنسان وقابليته للكسر

حاجته الدائمة إلى “عزف” يعيد توازنه

3. الشاعر بوصفه وسيطًا

يتحول الشاعر إلى:

وسيط بين المعنى والعالم لا مالك للحقيقة، بل ناقل لاهتزازها.

خاتما شعرية الرسالة المفتوحة

يمكن القول إن ديوان “أوتار الرسالة” يمثل مشروعًا شعريًا يقوم على:

تفكيك المعنى الثابت وإعادة إنتاج اللغة بوصفها تجربة وجودية إنه نص يشتغل على تحويل الشعر من “قول” إلى “حالة” ومن “رسالة مكتملة” إلى رسالة معلّقة على وتر السؤال.

وبهذا ينجح الدكتور رافد حميد فرج القاضي في تقديم تجربة شعرية تتقاطع فيها الحداثة التعبيرية مع العمق الرمزي والوعي الفلسفي بالكتابة.

***

د. علي سعود السرحان

 

حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا يكتبون القصيدةَ بوصفها زينة لغوية، بلْ بوصفها سِلاحًا رُوحيًّا، وأداةَ مُقاومةٍ.

وَمِنْ بَين أهمِّ هؤلاء الشعراء، يَبْرز الشاعرُ الفِلَسطيني سميح القاسم (1939 - 2014)، والشاعرُ الروسي فلاديمير ماياكوفسكي (1893 - 1930 انتحار)، بوصفهما صَوْتَيْن ثوريين انطلقا من بيئتين مختلفتين، لكنَّهما التقيا في جَوهر الرؤية الشعرية: الإيمان بأنَّ الكلمة قادرة على هَزِّ العالَم.

عاشَ القاسم تجربةَ الاحتلال والقهر والاقتلاع، فكانتْ قصيدته ابنة الأرض الفِلَسطينية الجريحة، بَينما عاشَ ماياكوفسكي اضطرابات روسيا الثَّوْرية وانفجاراتها الاجتماعية والسياسية، فصارَ شِعْرُه مِرآةً لعصرٍ يبحث عن ولادة جديدة. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والتاريخ، فإنَّ النبرة الثورية لدى الشاعرَيْن تكشف تشابهًا عميقًا في البِنْيَة النَّفْسية والفنية والفكرية.

لَم يكن التمردُ عند القاسم موقفًا عابرًا، بلْ كانَ جَوهرَ تَكوينه الشعري، فهو شاعر يَرى في الصمتِ خيانةً، وفي الكلمة مسؤولية أخلاقية. لذلك، جاءتْ قصائده حادَّة، وصاخبة، ومليئة بنداءات التحدي والصمود. لقدْ خاطبَ المُحْتَلَّ مباشرة، وخاطبَ شَعْبَه، وخاطبَ التاريخَ نَفْسَه، كأنَّه يريد أن يثبت أن الفِلَسطيني لا يُهزَم ما دامَ قادرًا على الكلام.

في قصائده تتحوَّل الذاتُ الفردية إلى رمز جَمَاعي، ويصبح الشاعرُ صُورةً للشعبِ بأكمله. الكِبرياءُ هُنا لَيست شُعورًا ذاتيًّا، بلْ هِيَ حالة مُقاومة. والنبرةُ المرتفعة، والإيقاعُ الحاسم، والجُمَلُ القصيرة المُتدفقة، كُلُّها تجعل القصيدةَ أقرب إلى خِطاب ثَوْري يُلْقَى في ساحةِ نضالٍ.

أمَّا ماياكوفسكي، فقدْ كانَ يَرى الشعرَ فِعلًا تغييريًّا مباشرًا. لقد تمرَّدَ على الأشكال الشعرية التقليدية، واللغةِ الهادئة، والنُّخبةِ الثقافية، وكتبَ شِعرًا يُشبِه الانفجارَ. كانَ يُريد للكلمة أن تكون مِطرقة، وللقصيدةِ أن تكون طلقة. ولهذا جاءتْ قصائدُه ممتلئة بالصُّراخ، والاستفزاز، والطاقةِ العنيفة التي تهزُّ القارئَ.

إنَّ ما يَجْمع بين الشاعرَيْن هو رفضهما لفكرة" الشاعر المنعزل". كِلاهما خرج مِن بُرج الشعر العاجي إلى الشارعِ والتاريخِ والجماهير، وصارَ الشعرُ عندهما مُمارسة نضالية لا نشاطًا جَمَالِيًّا فقط.

تميَّزت لغةُ القاسم بالقوةِ والوضوح والاندفاع، فهو لا يكتب بلغةٍ هامسة، بلْ بلغة تُواجِه وتَصطدم وتُعْلِن. تتكرَّر في شِعره الأفعالُ الحركية، وصِيَغ التحدي، والمفردات المرتبطة بالأرضِ والدَّمِ والحرية. ورُمُوزُه تظلُّ مشتعلة بالمعنى السياسي والإنساني. وقصيدته تتحرَّك بإيقاع جماهيري واضح، وكأنَّها كُتبت لِتُلقى أمام الحُشود. وهذا مَا منح شِعْرَه قُدرةً استثنائية على الانتشار والتأثير، إذْ لَم يبقَ حبيسَ النُّخبة الأدبية، بلْ تَحَوَّلَ إلى جُزء مِن الوِجدان الفِلَسطيني والعربي.

أمَّا ماياكوفسكي فقدْ أحدثَ ثورةً لغوية حقيقية في الشعر الروسي. لقدْ كسرَ نظامَ القصيدة التقليدية، واعتمدَ الجُملَ المتوترة، والإيقاعات المُفاجئة، والتراكيب الحادَّة. كانَ يكتب كما لَوْ أنه يَخطُب في مُظاهرة، أوْ يَصرخ مِن فَوق مِنَصَّة ثّوْرية. لذلك تبدو قصائده أحيانًا أقرب إلى العاصفة مِنها إلى الغِناء.

وقد استخدمَ الشاعران التَّكرارَ بوصفه أداةً تحريضية، فالتَّكرارُ عِندهما لا يُؤَدِّي وظيفةً موسيقية فَحَسْب، بلْ يَصنع حالةً نَفْسية جَمَاعية، ويمنح النَّصَّ قوةً خَطابية تُشبِه الهُتافَ الثَّوْري.

يؤمن القاسم بأنَّ الإنسان قادر على الانتصار، حتى في أقسى ظُروف القهر. لذلك تَظهر في شِعره صُورةُ الفِلَسطيني الصامد الذي يَتحوَّل إلى أُسطورة مُقاومة. إنَّه لا يُقَدِّم الضحيةَ بوصفها كائنًا منكسرًا، بلْ بوصفها قوةً أخلاقية تتفوَّق على جَلَّادها.

في المقابل، كانَ ماياكوفسكي مُنحازًا إلى الإنسان البسيط الذي سحقته الأنظمةُ الطبقية القديمة. لقدْ حَلُمَ بعالَم جديد أكثر عدالة، ورأى في الثَّورةِ البُلشفية خَلاصًا جَماعيًّا للإنسان. لذلك جاءتْ قصائده مملوءة بالعُمَّالِ والفقراء والجماهير الثائرة.

وهُنا تتجلى نقطةُ الالتقاء الكُبرى بين الشاعرَيْن: كِلاهما مُنحاز إلى الإنسان المقهور، ويَعتبر الشعرَ جُزءًا من معركة التحرُّر.

ورغم القوةِ الظاهرة في شِعرهما، فإنَّ المُتأمل العميق يكتشف أنَّ النبرة الثَّوْرية عند الشاعرَيْن تُخْفي جُرحًا داخليًّا هائلًا.

القاسم، خلف صَوته الصُّلب، كانَ يَحمل ألَمَ المنفى الداخلي والخوف على الهُوية الفِلَسطينية مِنَ المَحْو. لذلك تَظهر في بعض نُصوصه مساحاتٌ من الحُزن والتأمل والقلق الوجودي.

أمَّا ماياكوفسكي، فرغم صُراخه الثوري العنيف، فقدْ عاشَ صِراعًا نَفْسِيًّا عميقًا بين أحلامِ الثَّوْرة وواقعِ الحياةِ القاسي. كانَ يؤمن بالمستقبل، لكنَّه كان يشعر أيضًا بِوَحدة قاتلة، وانكسارٍ داخلي، انتهى بمأساة شخصية مؤلمة.

ومِن هُنا فإنَّ الثورة في شِعرهما لَيست مُجرَّد موقف سياسي، بلْ تجربة إنسانية مُعقَّدة تمتزج فيها القوةُ بالألم، والأملُ بالخَيْبَة، والحُلْمُ بالخسارة.

***

إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن

الجسد بوصفه نصاً: قراءة في "فن الأداء" وخرائط الألم في تجربة الصربية "مارينا أبراموفيتش" وانعكاساتها على المسرح العربي

لم تكن الخشبة يوماً فضاءً بريئاً؛ إنها بناءٌ جماليٌّ قائم على اتفاقٍ مسبق، ستارةٌ تُرفع، وإضاءةٌ تُسلَّط، ونصٌّ يُعاد إنتاجه داخل حدودٍ مرسومة سلفاً. غير أن هذا التصور التقليدي للعرض سرعان ما اهتزّ حين بدأ الفن يفتش عن منطقة إبداعية أخرى، تكون فيها التجربة تتقدم الحكاية، والحضور يتجاوز المحاكاة.

من هنا بدأت الحاجة إلى استعادة المسرح من نقطة تبدو في ظاهرها بديهية: المسرح الكلاسيكي، بصيغته الموروثة، لم يعد يملك الأثر نفسه في كثير من العروض العربية، كما أنه فقد جزءاً معتبراً من قدرته على الإبهار حتى في السياقات العالمية. الخشبة التي كانت يوماً مركزاً للدهشة صارت في كثير من الأحيان فضاءً مألوفاً، يتكرر فيه النص، وتتكرر فيه الإيماءة، وتتكرر فيه العلاقة ذاتها بين ممثل يؤدي وجمهور يتلقى. عند هذه النقطة يفقد العرض توتره الحيّ، ويصير أقرب إلى إعادة إنتاج شكل محفوظ منه إلى خلق تجربة فنية جديدة.

في المشهد العربي، تتضاعف الأزمة بفعل جملة من الأسباب التي تكاد تكون مشتركة: رقابة مباشرة أو غير مباشرة، تعتيم على التجريب، خوف مضاعف من مغبة الخروج عن القوالب، ضعف الثقة بالجسد وترهل انتقالاته بوصفه أداة للتعبير، وافتقار إلى الشجاعة الفنية التي تسمح للمبدع بأن يغامر خارج النص المطمئن.

يضاف إلى ذلك أن العلاقة بين الممثل والجمهور كثيراً ما تكون علاقة غير متوازنة؛ الممثل يقدم، والجمهور يتلقى من مسافة آمنة، من دون أن يتداخلا في التجربة أو يتحمل أحدهما مسؤولية ما يراه وما ينتج عنه. وهكذا يصبح المسرح تعليماً أو وعظاً أو تمثيلاً لما نعرفه مسبقاً، بدل أن يكون صدمة معرفية أو مواجهة حسية.2825 khadom

حتى عالمياً، لم يعد المسرح التقليدي بمنأى عن هذا الضعف. جزء منه صار أسير التكرار الجمالي، وجزء آخر انغلق داخل تقنيات الإبهار الشكلي: الهولوغرام وما شاكله من دون أن يقترب من جوهر التجربة الإنسانية. وهنا تبرز الحاجة إلى بذرة جديدة تعيد للمسرح وظيفته الأولى: أن يكون حدثاً حياً لا صورة مكررة، وأن يضع المتفرج داخل السؤال بدل أن يبقيه خارجه.

من هذه الحاجة يتقدم فن الأداء بوصفه أحد أهم المسارات التي حاولت تحرير المسرح من شكله الجامد. هذا الفن هو ابن ما بعد الحداثة، يفكك الحدود بين الممثل والمتفرج، بين الواقع والخيال، ليخلق لحظة حقيقية، حية، وعصية على التكرار. إنه مسرح يرفض الزيف، ويحتضن الخطر، ويجعل من الألم طريقاً للمعرفة. هذا الفن لا يقوم على النص وحده أو لا يقوم عليه أصلا، ولا على التمثيل بالمعنى المدرسي، إنما على الحضور المباشر، وعلى تحويل الجسد إلى أداة تفكير واشتباك.

في فن الأداء، يتأكد انزواء الكلمة المنطوقة إلى الحس والابتعاد عن الإنشاء والفذلكة، فلا يعود العرض مجرد قصة تُروى، إنما تجربة تُعاش أمام الجمهور. يصبح الزمن الحقيقي جزءاً من المادة الفنية، ويغدو المشاهد شريكاً في الحدث لا مراقباً له من بعيد.

في طليعة هذا المسار تقف الفنانة الصربية المبدعة مارينا أبراموفيتش، بوصفها إحدى أكثر التجارب راديكالية في هذا التحول والتي نقلت فن الأداء من الهامش إلى المركز، ومن الصدمة الفردية إلى التجربة الإنسانية الواسعة. ما يميزها أنها لم تتعامل مع الجسد كرمز فقط، بل كمنطقة اختبار كاملة؛ اختبار للألم، للصمت، وللعلاقة بين الفنان والجمهور مع رسالة رفض واضحة لما كان ويكون من امتهان وسخرية بالإنسان ومصيره من قبل قوى الظلام التي أتى فن الأداء من أجل محاربتها بالصدق والتجربة الجسدية الحية. لقد أدركت هذه المبدعة أن المسرح لا يستعيد قدرته إلا إذا امتلك الشجاعة ليعرض الإنسان كما هو، من دون تزيين زائد أو ستر مريح.

أدوات مارينا تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق في أثرها. أول هذه الأدوات هو الجسد ذاته، بوصفه مادة العرض ومركزه. الجسد عندها لا يؤدي دوراً، بل يدخل في التجربة مباشرة، ويتحمل نتائجها. يقول المخرج البولندي يرزي غروتوفسكي، أحد آباء المسرح الفقير، «على الممثل أن يقدم ذاته كقربان». أبراموفيتش أخذت هذه الفكرة إلى منتهاها. في أعمالها، يتحول الجسد إلى ساحة معركة، حيث تتحطم الحدود بين القدرة على التحمل والانهيار، وبين الفنان والإنسان.

الأداة الثانية هي الصمت الممتد؛ إذ تمنح الزمن حقه الكامل، فتسمح للفراغ الظاهر أن يتحول إلى امتلاء نفسي. يتحدث عنها الفنان والمصمم فيتو أكونتشي قائلاً: «لقد جعلت من حضورها غياباً لكل ما هو مصطنع».

الأداة الثالثة هي النظرة المباشرة، التي تجعل اللقاء بين الفنان والجمهور حدثاً قائماً بذاته، لا مجرد تفصيل جانبي. أما الأداة الرابعة فهي الألم أو الاحتمال الجسدي، لا بوصفه استعراضاً، إنما بوصفه كشفاً لحدود الإنسان وردود أفعاله. كذلك تعتمد على التكرار، وعلى تهيئة شروط صارمة تقود العرض إلى منطقة توتر قصوى.

بهذه الأدوات، يتحول العمل الفني إلى وضع وجودي كامل. لا يعود السؤال: ماذا يحدث في العرض؟ بل: ماذا يحدث للإنسان حين يوضع في هذا الوضع؟ هذا هو الفارق الجوهري بين المسرح التقليدي وفن الأداء كما صاغته أبراموفيتش.2826 khadom

سيرة مارينا وبداياتها:

ولدت مارينا أبراموفيتش في بلغراد سنة 1946، في بيئة سياسية صارمة، لوالدين ارتبطا بتاريخ المقاومة اليوغسلافية. هذا المناخ الصارم ترك أثره العميق في تكوينها النفسي والفني، وفتح أمامها سؤال الانضباط والحدود والتمرد. درست الرسم أولاً، غير أن اللوحة لم تكفها، لأنها كانت تبحث عن فعل مباشر لا يكتفي بالتمثيل البصري.

منذ بداياتها، اتجهت إلى اختبار الجسد بوصفه مساحة للتعبير والمواجهة. لم يكتف اهتمامها بالجمال الشكلي، فهو نقطة عجز واضح إنما تعدته لما يكشف عن تفاصيل هذ الجسد حين يوضع تحت ضغط حقيقي. وهنا بدأت ملامح مشروعها تتبلور: الفن ليس زخرفة للحياة، الفن مواجهة معها، واختبار لأسئلتها الأعمق. وتُرجِع مارينا أبراموفيتش انحيازها إلى فن الأداء إلى رغبتها في تجاوز زيف التمثيل المسرحي والاقتراب من خبرة أكثر مباشرة وصدقاً؛ فهي تؤكد في أحد حواراتها أن على فنان الأداء أن «يكره المسرح» لأنه، في تصورها، قائم على تمثيل غير حقيقي، بينما تصبح الذات والجسد في فن الأداء مادة العمل ومركزه.

تحررت تجاربها من قيد السرد الخطي المتدرج (البداية، الذروة، النهاية)، لتخلق "حالة" وجودية محضة، فالزمن عندها ليس وقتاً درامياً مكثفاً، بل هو الزمن الحقيقي الثقيل، الممتد، والموجع. عندما تنزف مارينا، فهي تنزف دماً حقيقياً. عندما تتألم، فإن ألمها لا يحتاج إلى ميكياج سينمائي. هذا الانتقال من "تمثيل" الواقع إلى "عيش" الواقع أمام الجمهور، هو ثورة إبستيمولوجية في فهمنا للعمل الفني. الفن هنا هو مرآة تعكس الحياة، وهو الحياة ذاتها مقطرة في أقسى لحظاتها.

في عام 1974، في مدينة نابولي الإيطالية، قدمت مارينا واحداً من أخطر وأهم أعمالها على الإطلاق: "إيقاع صفر". وقفت في قاعة عرض، ووضعت على طاولة 72 أداة. بعضها يرمز للذة والنعومة (وردة، ريشة، عسل، عنب)، وبعضها يرمز للألم والموت (مشرط، سكين، سوط، ومسدس محشو برصاصة واحدة).

علقت لافتة تقول: "أنا شيء، مجرد شيء أمامكم. يمكنكم استخدام هذه الأدوات عليّ كما تشاؤون لمدة 6 ساعات. أنا أتحمل المسؤولية كاملة".

ما حدث في تلك الساعات الست كان تشريحاً مرعباً للطبيعة البشرية. في الساعات الأولى، كان الجمهور خجولاً، يلامسها بالريشة، يطعمها العنب. ولكن، مع إدراكهم لغياب العواقب واستسلامها التام أمامهم، سقطت الأقنعة الحضارية. بدأوا في تمزيق ثيابها، غرزوا أشواك الورد في معدتها، جرحوا رقبتها وشربوا من دمها، وفي النهاية، وضع أحدهم المسدس المحشو في يدها ووجهه نحو رأسها ووضع إصبعها على الزناد، لولا تدخل بعض الحاضرين الذين ذعروا من الموقف. عندما انتهت الساعات الست، وتحركت مارينا، هرب الجمهور. لم يستطيعوا مواجهتها كإنسان، فقد تعاملوا معها كـ "شيء".

هنا يتجلى جوهر ما بعد الحداثة: إلغاء مركزية الفنان كصانع وحيد للعمل. في "إيقاع صفر"، لم تكن مارينا هي الفاعلة، بل كانت اللوحة البيضاء، والجمهور هو من رسم عليها أبشع صور الغريزة البشرية. هذا العرض هو درس قاسٍ في سيكولوجيا الجماهير التي تتحدث عنها نظريات علم الاجتماع، لكنه قُدم بلغة الفن.

كيف يمكن قراءة هذا في سياقنا العربي؟ نحن نعيش في مجتمعات تتأرجح بين السلطة والخضوع، بين القمع والتمرد. ماذا لو قدمنا أعمالاً مسرحية تسلب فيها السلطة تماماً من المؤدي وتمنح لجمهور لم يعتد إلا على التلقي السلبي؟ كيف سيتصرف الفرد العربي إذا مُنح حرية مطلقة في فضاء فني؟ هل سيبني أم سيدمر؟ تجربة أبراموفيتش تدفعنا للتفكير في "توريط" المتلقي، لجعله شريكاً في الجريمة الفنية، وليس مجرد مصفق في نهاية العرض.

وفي «عشاق» مع زميلها الفنان أولاي، تحولت العلاقة العاطفية إلى حدث فني. السير الطويل من طرفي سور الصين العظيم حتى اللقاء في المنتصف جعل الفراق نفسه جزءاً من اللغة الفنية.

وفي «البيت بمنظر المحيط» عاشت داخل فضاء مكشوف أمام الجمهور، لتختبر معنى العيش تحت المراقبة.

لعل أشهر أعمالها على الإطلاق هو ما قدمته في متحف الفن الحديث (MoMA) بنيويورك عام 2010. فكرة العرض عبقرية في بساطتها وراديكالية في تأثيرها. وضعت طاولة وكرسيين في بهو المتحف. جلست على أحد الكرسيين، وتُرك الكرسي الآخر للجمهور ليجلس عليه من يشاء، لتبادل النظرات مع مارينا في صمت تام، للمدة التي يريدها.

جلست هناك لـ 736 ساعة متواصلة، على مدى ثلاثة أشهر، لم تنطق بكلمة، لم تتحرك، لم تأكل أو تشرب أثناء العرض. نظرت في عيون أكثر من ألف وخمسمائة شخص.

ماذا حدث؟ كان الناس يجلسون أمامها، وينفجرون في البكاء. في عصر السرعة، والهواتف الذكية، والانفصال الشعوري الرقمي، وفرت مارينا شيئاً مرعباً وجميلاً في آن: "الحضور الكامل". إنها لا تحكم عليك، لا تتحدث إليك، مجرد مرآة روحية عاكسة. غياب الكلمة جعل المشاعر تفيض.

نحن في العالم العربي نعاني من تخمة بلاغية. مسرحنا، خطاباتنا، فنوننا، كلها مليئة بالكلمات المنمقة، بالصراخ، بالبيانات المباشرة. هل فكرنا يوماً في "أداء الصمت"؟ هل جرب المسرحي العربي أن يسحب اللغة من معادلة العرض ليترك المتلقي في مواجهة نفسه؟ الصمت في مسرح ما بعد الحداثة ليس فراغاً، الحداثة امتلاء مكثف بالمعاني التي تعجز الحروف عن حملها. تجربة "الفنان حاضر" تثبت أن أقوى أشكال التواصل البشري لا يتطلب نصاً درامياً متقناً، بل يتطلب صدقاً في الوجود المكاني والزماني. إن ما يجعل تجربة مارينا أبراموفيتش عصية على التصنيف التقليدي، ومستعصية على النمذجة الآلية لأساليب الكتابة، هو أن فنها ينبع من منطقة لا واعية، منطقة تصطدم بالبدائي والمقدس والمدنس في آن واحد. لقد استطاعت أن تحول مسار الفن الأدائي من هامش الفنون البصرية إلى مركز الثقل الثقافي العالمي.

لم تكن مارينا وحدها في هذا المسار، لكنها كانت الأشد حضوراً والأكثر تأثيراً. في السياق العالمي، نجد أسماء سبقتها أو واكبتها واشتغلت على الجسد والحضور: جوزيف بويس، يوكو أونو، كريس بوردن، فيتو أكونشي، تشنغ رانغ، وأولاي. هؤلاء جميعاً وسّعوا مفهوم الأداء، لكن مارينا امتلكت قدرة خاصة على تحويل الفعل الفردي إلى تجربة جماعية تمس المتلقي مباشرة. ولهذا وصفها بعض النقاد والمخرجين بأنها تعيد تعريف معنى الحضور ذاته.

روبرت ويلسون رأى فيها فنانة تعيد صياغة معنى الوجود على الخشبة. وهانز-تيس ليمان وضع أعمالها في قلب المسرح ما بعد الدرامي. أما ريتشارد شكنر فعدّها امتداداً حديثاً للطقوس القديمة، بينما قرأ فيها بيتر بروك ضرورة مسرحية لا تقبل التأجيل. هذه الشهادات لا تضيف لها قيمة شكلية فقط، بل تكشف أنها أصبحت مرجعاً نظرياً وعملياً في آن.

في العالم العربي، توجد محاولات مهمة اشتغلت على الجسد والحضور والذاكرة، لكنها بقيت غالباً فردية أو محدودة الانتشار. من هذه الأسماء وفاء بلال، جمانة إميل عبود، إضافة إلى ربيع مروة في تقاطعات مختلفة مع الأداء والفنون البصرية. غير أن الفارق بين هذه التجارب ومارينا يكمن في السياق والجرأة والبنية الإنتاجية.

وفاء بلال أدخل الجسد في وسيط رقمي، فصار الفعل مؤلماً لكن عبر شاشة، لا في مواجهة مباشرة كاملة. جمانة إميل عبود اشتغلت على الجسد بوصفه حاملاً للذاكرة والأرض، فاقتربت من الطقس أكثر من الصدام. ربيع مروة جعل الجسد أرشيفاً سياسياً. هذه الأعمال جميعاً مهمة، لكنها لا تصل إلى منطقة التفريط الكامل بالوساطة التي تميز مارينا.

السبب لا يعود إلى ضعف قدرات الفنان العربي أو تواضع في مكامن وعيه، بل إلى شروط محيطة: رقابة، حساسية اجتماعية، غياب الدعم المؤسسي، وتردد الجمهور أمام الأشكال الجديدة. لذلك يبقى فن الأداء العربي في طور التجارب المتفرقة، لا في طور التيار المستقر.

أهمية فن الأداء في السياق العربي أنه يفتح أفقاً جديداً للمسرح بعد أن ضاق أفق الشكل التقليدي. نحن لا ندعو إلى عرض الجسد عارياً لمجرد الصدمة، ولا إلى نقل التجربة الغربية بحرفيتها إلى مجتمعات تحكمها ضوابط دينية واجتماعية صارمة. المقصود هو التحرر من شكلانية المسرح الموروث، ومن الخطاب الذي فقد طاقته، ومن العلاقة الميتة بين الخشبة والجمهور.

فن الأداء يعلّم المسرح العربي أن الجسد ليس عيباً، وأن الصمت ليس فراغاً، وأن الجمهور قادر على أن يكون شريكاً لا متفرجاً فقط. كما يعلّمه أن الجرأة لا تعني الاستفزاز المجاني، بل تعني البحث عن صيغة جديدة تجعل العرض حدثاً يستدعي التفكير والاهتزاز الداخلي.

المطلوب اليوم فتح المجال أمام هذا الفن داخل المعاهد والمختبرات والورش، وتدريب الممثلين على الحضور، والتحمل، والنظر، والتعامل مع الزمن الحيّ. ينبغي إدخال فن الأداء إلى التعليم المسرحي لا بوصفه بديلاً نهائياً، بل بوصفه أداة توسعة للرؤية. كما ينبغي تشجيع التجارب التي تدرس علاقة الجسد بالمكان، والجمهور بالفعل، والفضاء بالمراقبة، من دون الوقوع في النسخ السطحي لما فعلته أبراموفيتش.

المسرح العربي يحتاج إلى أن يستعيد جمهوره، ولن يستعيده إلا إذا غادر الاطمئنان الزائد. يحتاج إلى أن يدهش، ويقلق، ويضع المتفرج في قلب الفعل. وهذه المهمة لا تنجزها الخطب، بل التجارب التي تفهم أن المسرح حياة تُخاض لا فكرة تُشرح فقط.

تجربة مارينا أبراموفيتش هي سيرة فنانة لامعة أي نعم، لكنها درسا مهما في معنى أن يصبح الجسد أداة مقاومة، وأن يتحول الحضور إلى فعل، وأن يغدو الصمت لغة ناضجة تغير باتجاه أكثر مسؤولية. من هنا تأتي قيمتها للمسرح العربي والعالمي معاً. إنها تذكرنا بأن المسرح حين يفقد مخاطرة الجسد، يفقد روحه. وحين يستعيدها، يعود قادراً على أن يوقظ المتفرج من ألفة التلقي إلى قلق المشاركة.

التساؤلات التي تفرض نفسها على الساحة الفنية العربية هي: كيف نكسر حاجز الأمان بين المؤدي والجمهور؟ كيف نتخلص من ديكتاتورية النص المسرحي لصالح حرية الجسد والحدث الآني؟ كيف نحول العرض من شيء يُشاهَد إلى تجربة تُعاش وتُختبر؟ كيف نستخدم التحمل الجسدي، والألم، والتكرار المفرط لخلق حالة من "التطهير" (Catharsis) لا تعتمد على الشفقة والخوف الأرسطي، بل على الصدمة والوعي المباشر؟

لقد استهلكنا قصصنا التاريخية، وأشبعنا قضايانا السياسية تنظيراً على الخشبات. ربما حان الوقت لكي نعود إلى النقطة الصفر، إلى اللحم والدم والأنفاس المتقطعة. أن نعترف بأن المسرحية انتهت، وأن ما يجب أن يبدأ الآن هو "الحدث".

***

بقلم كاظم أبو جويدة

نص مشدود لجراحات المكان وتحولاته العنيفة

في أواسط ستينيات القرن الماضي، كانت "الحرية" مدينة تحيا بعفوية وفرح، أنيقة بساكنيها، في بيوتها نسل ينتمي لكل الأعراق والقوميات، فسيفساء مختلف عن بقية أحياء بغداد، أهلها مدنيون ضاق بهم المركز، فانتشروا نحو الأطراف، نشمّ فيها رائحة الخبز، يتقاسمه الجميع.

 كانت الأزقة تحفظ وجوه العابرين، عند باب بيتنا، كان يمرّ شابٌ قصير القامة، أبيض القسمات، وسيم الوجه، أنيقاً. يحمل في ملامحه شيئًا من اللامبالاة، كأنه لا ينتمي تماماً إلى المكان، بل يمرّ به مروراً عابراً، تاركاً وراءه أسئلة عديدة.

الصبايا في الشارع يتهامسن، برغباتٍ مستورة وفضولٍ بريء، يتساءلن: من يكون هذا الذي لا يسكن بيننا، لكنه يجيء كأنه يعرف الطريق أكثر منا؟ كان يزور خاله القريب من منزلنا، ويمضي، غير عابئ بتلك النظرات التي تتبعه كخيطٍ من الضوء. لم أكن أدرك آنذاك أن ذلك الشاب هو زهير الجزائري، الذي أراه في مقهى البلدية. السنوات تدور لتجمعنا تحت سقفٍ واحد، نعمل معاً في جريدة طريق الشعب، طيلة فترة صدورها في سبعينات القرن الماضي.

حين أستعيد صورته الأولى، وهو يمرّ في شارعنا، أدرك أن بعض الوجوه لا تعبرنا صدفة، بل تترك فينا أثراً يمتدّ بعيدًا، كأنها كانت تعرف، منذ البداية، أننا سنلتقي مرة أخرى، لا في شارعٍ ضيق، بل في اتساع التجربة ومتبنياتها المشتركة.

هناك، في صخب العمل الصحفي، توثقت علاقتنا، لا بوصفها معرفة عابرة، بل بوصفها قرابة فكرية وسياسية ومهنية. كان زهير يكتب كما يعيش: باندفاعٍ صادق، وبإيمانٍ لا يلين،

ثم جاءت السنوات الثقيلة، سنوات القمع والديكتاتورية، حين صار الهواء نفسه محاصراً، وصار البقاء نوعاً من المجازفة. في وطن بدأ يحبل بالأفاعي. غادره زهير بجواز سفر مزوّر، حاملاً في داخله ذاكرة المكان وأحلام جيله. ومنذ ذلك الحين، صار اسمه يتنقل بين الجبهات: في بيروت، فلسطين، كردستان، حيث كانت النار أقرب إليه من حبل الوريد.

ثم التقينا بعد 2003، بعد أن تغيّر كل شيء تقريباً، إلا ذلك الخيط الخفي الذي يربطنا. لم يكن اللقاء استعادةً للماضي، بل تأكيد لعلاقة لم تهزمها المسافات ولا السنوات. جلسنا، كما لو أننا نكمل حديثاً انقطع بالأمس، لا منذ عقود.

أعاد لي الجزائري كل تاريخنا المشترك، بمحمولاته كافة، حين قرأت باستمتاع وشغف " موجاته المرتدّة" الصادرة عن دار المدى بأجزائها الثلاثة. ثمة كتب لا تُقرأ بوصفها نصوصًا فحسب، بل نحياها بوصفها تاريخاً وحقائق، يغدو السرد فيها أشبه بمرآة مكسورة تعكس وجوهاً متعددة لحقبة كاملة. هكذا تبدو "موجات مرتدّة" عملاً يتجاوز حدود اليوميات إلى تخوم السيرة المركّبة التي تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التاريخ الثقافي والسياسي للعراق الحديث.

العنوان ذاته، "موجات مرتدّة"، ليس استعارة عابرة، بل مفتاح جمالي وفكري يشي بطريقة بناء النص: حركة مستمرة للذاكرة، ارتداد دائم نحو البدايات، نحو الطفولة في النجف، حيث تتشكل البذرة الأولى للوعي المختلف. هناك، في مدينة مشبّعة بالقداسة والتقاليد، يختار الأب أن "يخرج قليلاً عن النص" فيؤسس داخل البيت فضاءً ثقافياً مغايراً، يتيح للابن أن يكتشف الكتب الحديثة، وأن ينحاز مبكرًا إلى أفق آخر، هو أفق الحرية والاختلاف.

في هذا المستوى، يتقاطع الجزائري مع تقاليد السيرة التي تمزج بين الحميمي والتاريخي، على نحو يذكّرنا بتجربة رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، أو بانسياب الذاكرة الشعرية في مذكرات بابلو نيرودا. غير أن "موجات مرتدّة" يظل نصاً عراقياً بامتياز، مشدوداً إلى جرح المكان وتحولاته العنيفة، وإلى مصائر جيل كامل تشكّل تحت ضغط السياسة والحلم معاً.

في الجزء الأول، نقرأ سيرة التكوين: النجف بوصفها فضاءً مزدوجًا، بين سلطة المقدّس وإغراء الحداثة. هناك تتشكل نواة "الجيل الستيني النجفي"، حيث تتجاور أسماء ستغدو لاحقًا علامات في المشهد الثقافي. غير أن أهمية هذا الجزء لا تكمن فقط في استعادة تلك الأسماء، بل في رسم المناخ الثقافي الذي أنتجها: المقاهي، المطبعة، المجلة، النقاشات حول قصيدة النثر، وحلم الخروج من الأشكال التقليدية. هنا، تصبح النجف، على غير صورتها النمطية، مختبراً للحداثة.

أما بغداد، في الجزء الأول أيضاً، فتظهر بوصفها مركزاً ديناميكياً يغلي بالأسئلة. يكتشف فيها الجزائري أن مجد الستينيات لا يقتصر على الشعر، بل يمتد إلى الفنون التشكيلية، هذا الوعي بالفن التشكيلي يمنح النص بعداً إضافياً، ينفتح على مجمل الحقول الإبداعية.

في الجزء الثاني، تنكسر الموجة الأولى على صخرة السياسة. تبدأ رحلة المنفى: بيروت، دمشق، كردستان، مدن تتوالى كأنها محطات في سيرة اقتلاع مستمر. هنا، يتحول النص إلى أرشيف حيّ للخيبة والأمل معاً. حضور العمل السياسي، والانخراط في الفصائل الفلسطينية، وتجربة الحرب الأهلية اللبنانية، كلها عناصر تمنح اليوميات كثافة تاريخية، لكنها لا تطغى على البعد الإنساني. فالجزائري يكتب عن الصداقة، الحب، الفقد، عن الوجوه التي تمرّ ثم تختفي، تاركة وراءها أثراً من الأسى.

هذا الجزء هو قلب الكتاب التراجيدي، حيث تتجلى المرثية بأوضح صورها. أسماء كثيرة تمرّ كأنها ظلال: مثقفون وشعراء عاشوا الحلم نفسه، ثم تفرقت بهم السبل أو انتهت حياتهم في المنافي. هنا، لا يكتب الجزائري تاريخاً رسمياً، بل تاريخاً حميمياً للهزيمة، حيث يصبح المنفى ليس مجرد مكان، بل حالة وجودية.

الجزء الثالث، يحمل مفارقة العودة. "العودة إلى البيت والسلطة" ليست عودة مكتملة، بل تجربة مشوبة بالقلق. يعود الكاتب إلى عراق تغيّر، إلى سلطة أكثر قسوة، إلى واقع لا يسمح باستعادة البراءة الأولى. وهنا، تكتمل الدائرة: من النجف إلى بغداد، ومن بغداد إلى المنافي، ثم إلى عودة ناقصة تنتهي بالخروج مجدداً، هذه المرّة إلى لندن، حيث تستقر الموجة، أو تتظاهر بالاستقرار.

يكتب زهير بلغة شفافة، تمزج بين السرد التوثيقي والنبرة التأملية. لا يسعى إلى البلاغة المتكلفة، بل إلى جمالية نابعة من صدق التجربة. الجملة لديه تتنفس، تتردد، تعود إلى نفسها، يكتب عن الحب والنساء وسط الحرائق، وفي أشدّ حالات الدخان كثافة، يختلس نظرة لساق امرأة بض، أو أثداء أخرى تلطم صدرها

"موجات مرتدّة"، نص ثلاثي المستويات: سيرة فرد، وسيرة جيل، وسيرة وطن. إنها كتابة ضد النسيان، وضد الاختزال، وضد السرديات الجاهزة. وهي، في الوقت نفسه، مرثية طويلة، تحتفظ بنبرة خفية من الامتنان لتلك الحقبة، رغم قسوتها.

أخيراً أتساءل: أي سرّ هذا الذي جعل زهير كائناً مغامراً، مقداماً؟ أهي الشجاعة وحدها، أم تلك الغريزة الغامضة التي يتعلمها بعض البشر كيف يعبرون الجحيم من دون أن يحترقوا؟ كان زهير يمشي في قلب النار، لادرع له سوى قلب تعلّم أن يخفق في العواصف من دون أن ينكسر. كل ما مرّ به كان كفيلاً بأن يطفئ حياة كاملة، لكنه ظلّ حياً. لأنه لم يكن وحيداً في مواجهة الموت، ربما كانت هناك يدٌ تمسك بخيط الحرير كي لا ينفلت.

***

جمال العتّابي

 

  من الممكن أن نكون في منطقة المفاهيم السلبية، ويكون للظنّ السلبي نتائج تؤدّي إلى جدليّة لغويّة من جهةٍ، وإلى جدليّة الأشياء من جهةٍ ثانية. والربط الذي يحضر بين التفكير الفلسفي في حالاته السلبيّة مع الأشياء، هو قائمة التسلط على المنافذ التي تخرج عن فلسفة الحِجاج كداعمة أولى للغة الحِجاجية للنصّ. عندما نقرأ نصّاً شعريّاً، يراودنا التفكّر من خلال منظوره التركيبي وانفعالاته وصوره التواصليّة، ومن هنا نكون في منطقة التفكّر الذاتي، فإما يفرض النصّ القناعة الكافية لتميزه، أو تجرّنا الظنون السلبيّة تجاه المفاهيم والتعبيرات كمحتوى تفاعلي بين النصّ والمتلقي.

إنّ اتزان النصّ ونموه الديناميكي يجعلان المتلقي منتمياً إلى معانيه وأفكاره، لذلك فإن السيطرة على المنحى السلبي تكون بالتغلغل بين عناصر النص، فكلما ازداد هذا التغلب ذابت الاتجاهات السلبية نحوه. والذات هي دفتر التفكير الذي يحوي على الوعي والأحاسيس، كانّنا أمام قائمة من العناصر التنويرية والمعارف الذاتية التي تساعدنا على الغوص في مفاهيم النصّ.

(إذا كانت الذات sujet هي ذلك الموجود الذي يكون تطابقه من الصلابة والتلاحم بحيث يتحمل التبدل والتحوّل، فإنّ أكثر الموجودات ذاتية عند ديكارت، أكثر الذوات ذاتية هو الموجود المتأكّد المتيقن من تطابقه وهويته: إنّه الأنا المفكر. الذاتية إذن هي الفكر والشعور والوعي. (1)).

 تبقى الذات، هي تلك الذات التأملية التي تقودنا إلى الجدليّة والتطابق، وإلى المنطق وعقلانية الاستدلال، حيث أنّ النصّ يحوي على مساحة استدلاليّة ولغة حِجاجية لا يمكنه أن يفارقهما؛ لذلك عندما تنتمي الذات إلى المدركات الحسّية تكون إحدى تلك العناصر المستقطبة هي ما تمليه عليها تلك المدركات.

تفرز الذات بين التفكير الطبيعي، والتفكير الناقد، فهي تختار من هذا التجمع المعلومات والمعاني والتأويلات كتفكير ناقد لخلقها وإعادة تفكيكها ودمجها بالمساحة النصّية، إذن هي تلوذ باختبارات نقديّة لتصفية الكتابة وتأهيلها في المنظور النصّي.

فلسفة التفكيك

تعتبر فلسفة التفكيك إعادة النصوص ضمن التفكير والتفكير الناقد، فهي المنظور المعرفي النقدي للوصول إلى معرفة نصّية بطراز حديث؛ لذلك لا خوف على النصّ عندما يخضع لرصد هذا الاتجاه والذي يعتبر ذا أهمّية في رصد المعاني والصيغة النصّية على أسس وعناصر تؤدّي إلى إلغاء مجانية الكتابة، فالرصانة والأسلوبيّة من متطلبات فلسفة التفكيك.

لكي نكون في منطقة التفكيك (2) بصيغته النصّية، خصوصاً في العلوم الشعريّة، هناك قاعدة نتكئ عليها، فالمقدّمة مثلا تقودنا إلى المعرفة النصّية، وبدون قاعدة المقدمة يكون الباث بطرق غير نافذة، والشيء الثاني؛ القيمة الاستدلاليّة للنصّ، حيث يشكّل الاستدلال عدّة اتجاهات معرفيّة، ومنها الاستدلال اللغوي، والاستدلال الحجاجي، والاستدلال التواصلي التصويري. فالتصوير النصّي يمنح النصّ الشعري منهجيّة تراكميّة يكون فيها التواصل النصّي ذا اختلافات مع الأدلة ووظيفة الحِجاج.

تعتبر سيطرة المفاهيم وعلاقاتها النصّية من أبرز الأمور التي تتناسق في النصّ الشعري، لذلك فالمحاولة التي نسعى إليها، هي الربط بين مفهوم النصّ والمفهوم الجمالي. ويبدو لنا من خلال الجماليّة أنّ النصّ يصبح مشروع تفكير، لذلك عندما نتطرّق إلى الحسّ الجمالي، فنحن في منطة الإستطيقا التي تتقبل عوامل خلق النصّ على أسس حسّية – جمالية.

عندما نكون مع الهدم (النسف)، هناك المضاد له، وهي مفردة البناء، فالمسألة التي تطرأ على المنظور البنائي، لا تسقط بموضوع النسف النصّي، والبناء، هو البناء الجمالي للنصّ، قبل أن يكون نصّاً قابلاً للهدم والنسف. وطالما هناك الجماليّة، إذن هناك علاقات بين العناصر لا نستطيع التخلي عنها، وهي التي تقودنا إلى معايير وقواعد بنائية.

يعتمد تفكيك النصّ على الاختلافات والتأويل غير المنتهي، وهذا يعني لا حدود للمعاني التي من الممكن تأجيل بعضها، وقد تطرق دريدا إلى هذه اللعبة؛ لعبة المعنى، اللعبة غير المنتهية، حتى أنّه قال: النقد؛ لعبة فنّ الكلام. ويشرك المتلقي مع النصّ، ويكون المتلقي مكملا للنصّ المكتوب، حيث يشكّل الجزء المكمّل للمعنى. فالاختلافات لا تُحسم، والمعنى لا يستقرّ بنقطة واحدة؛ ويولد المعنى من خلال شبكة من العلاقات، لذلك لا نهاية للإشارات التي ترافق النصّ. ويحمل الاختلاف معه فكرة الأثر (trace). يقول دريدا:

(الأثر لا يعني فقط اختفاء الأصل عنه، هذا يعني أنّه في الخطاب الذي نتبنّاه والمسار الذي نتبعه، أن الأصل لم يختف، إذ إنه لم يتكوّن يوماً إلا في مقابل الأصل؛ أي الأثر الذي يصبح هنا أصل الأصل. (3)).

البعد الجمالي في النصّ الشعري

إنّ الإدراك الجمالي مرتبط بالمعرفة، كلما تعمّقنا بالمعرفة، ازداد الجمال جمالاً، لذلك عندما نطلق على المعاني أنّها الجميلة، فهي تلك المعاني العميقة التي نتجت عن المعرفة لدى الشاعر. والثقافة الجماليّة جزء من علم الجمال، فلا يتخلى الشاعر عن هذا المنظور، حيث يشكّل الغاية العليا للنصّ عندما يتلو علينا معرفة الدهشة والغرائبيّة والعجائبيّة.

من خلال الحواس ومدركاتها تظهر لدينا الصورة والتصوير، الطبيعيتان منهما والحسّيتان، فعملية توليف الصورة الشعرية في النصّ، عملية إثارية بالدرجة الأولى، فالدهشة هي من مكوّنات الصور الشعرية، وكذلك التشبيه الحاد الذي يؤدّي إلى غرائبيّة اللغة والمعنى. فالصورة هي روحية النصّ وجماليته، وهي التي تتعين في الأذهان من خلال القصديّة. والمراد من ذلك، بأنّ هناك صورة ذوقية، تكون ذات علاقة بالذوق السليم، وهناك الصورة السمعية والصورة البصريّة، كلّ هذه الاتجاهات للتصوير الذاتي من الممكن جداً توظيفه في لغة شعريّة تتناسق مع النصّ وتبني سياقاته.

يحدّد هيجل معنى الصورة في الكلام، فيقول: (إنّ الصورة من حيث هي موجودة في ذاتها ولذاتها، هي أيضاً الحق في ذاته، وهي ما يشارك الروح بطريقة عامة، إنّها الروحي الكلي، إنّها الروح المطلقة. والروح المطلقة هي الروح من حيث هي كلية، لا من حيث هي جزئيّة ومتناهيّة. (4)).

تبعث الجماليّة النصّية الأريحية، في النفس أوّلا، وفي التفكير النصّي النقدي ثانياً، لذلك لا حدود للجماليّة عندما تغزو النصّ، إذن يكون اللامحدود سمة من سمات الجماليّة، والتي ترافقها اللغة الشعريّة، وفلسفة اللغة، والحركة الدلاليّة وهن ما يعطين أفقاً مفتوحاً في ارتداء ثيابها.

القيمة المهيمنة: إنّ قيمة النصّ الجماليّة هي المهيمنة على التواصل النصّي، لذلك عندما تظهر الإدراكيات الجماليّة، يظهر المزيج التكويني للموضوع الجمالي، وذلك بوصفه جزءاً من منظومة تأسيسيّة في خلق النصّ الشعري، ومن هنا تكون النصّية قد انتعشت من قبل أهمّ عنصر من عناصر النصّ الشعري ومؤسّسته الجماليّة. ويساهم الفعل الحركي الذاتي مع إمكانياته الإرساليّة في توضيح تلك العبارات والعوامل المحيطة بالذات الإدراكيّة في توسيع رقعة الجمال، فيكون للتأثير والمؤثر، مساهمة فعّالة ككشف تداخلي بينهما وبين السياقات المتعلقة بالنصّ.

مسلك التشبيه الجمالي: يعتبر التشبيه جزءاً من الاستعارة، ويكون للجماليّة مساحة للظهور الخفي وما يترتب من أبعاد من خلال المقاربات والمباعدات. التشبيه لغة التمثيل؛ والمشبه هو الأمر الذي يُراد إلحاقه بغيره، وكلما ازدادت جماليّة التشبيه، زاد التاثر والمتعة في المتلقي.

(أشار رومان جاكبسون إلى العلاقة الثنائية التي تقوم عليها الصورة الشعريّة، وعليها بنى نظرية الإنشائيّة، أمّا العلاقة الأولى فهي علاقة التشابه، والتي نجد لها حضوراً في بلاغنا التراثي مجسداً في طبيعة العلاقة بين طرفي التشبيه، وهذه العلاقة ندركها في الركن الرابع من أركان التشبيه "أي وجه التشبيه"، سواء كان هذا الوجه ظاهراً كما في التشبييه التام أو غير ظاهر كما في التشبيه البليغ أو الاستعارة بوصفها تشبيهاً حذف أحد طرفيه. (5)).

إنّ التآلف بين المشبه والمشبه به، هو عملية الاقتراب بينهما، لذلك فإنّ هناك بعض الصفات المتوفّرة لدى الحالتين، ومن هنا تزداد الجملة (الصورة الشعرية) جمالا، لأنّ المشبه به لا يدعيه الباث وهو خارج الجماليّة؛ لذلك نلاحظ أنّ عملية التركيب تكون من خلال أدوات ربط تجمعهما.

اللذة وقانون التجاذب: لا تكون اللذة خارج الجماليّة، فالذوق النصّي مكمّلا للمنظور الشعري ومكامنه التي تتكئ على الحسّ الجمالي و(الإدراك الحسّي، أو التأثيريّة)، فالمؤثرات التي نقصدها متعلقات أستطيقية تغزو النصّ الشعري، حيث يتكوّن لدينا قانون تواصليّ للتجاذب النصّي، ويكون للذات والألم مساحة يحقق الشاعر من خلالهما مبدأ التجاذب الحسّي. (ولكي نحصل على المجال الذي يشترك به الاثنان والذي توجد فيه الإدراكات الحسّية النقديّة أو الأحكام التي هي إدراكات حسّية يلزمنا أن نوسّع من تصوّرنا للنقد الواعي بحيث يشمل تلك الأحكام القيمية غريزيّة ومباشرة، أي بحيث يشمل حالات اللذة والألم، وفي الوقت نفسه يتحتم علينا أن نضيق لتصوّرنا للأستطيقا بحث نستبعد منها كلّ إدراك ليس ذوقاً، ولا تقديراً، ولا يجد قيمة في موضوعه. (6)).

ويكون الإدراك الحسي، إدراكاً إيجابياً، فالعلاقة التي نعنيها هي الانعطاف الذاتي نحو الشيء، لذلك فالتفكير يواجه الإيجاب، أمّا في حالة الألم، فالإيجابيّة تتركز على الألم الإيجابي، أي أنّ هناك متعة في الحزن أيضاً، وتتحلى المتعة بأشدّ أعماق الحزن.

التخييل الذاتي: ترتبط عملية التخييل الذاتي بالمتعة الشعريّة، فلإيصال المتعة لا بدّ أن يكون هناك تخييل من قبل الذاتي، ويعتبر أحد المؤثرات النصّية، فالواقع الذي نعيشه، واقع ينتمي إلى الضجيج تارة، وإلى السكون تارة أخرى، وهذا لا يناسب التأثيرات النصّية وقيمتها في إرسال فاعليتها الجماليّة.

ينتمي التخييل الذاتي إلى اللذة ومشتقاتها، فالانزياح الذي يواجهنا يعتبر جزءاً من هذا التخييل، وكذلك الاختلافات اللغوية والصور الشعريّة، كلها تعتبر من متعلقات الذات المتخيلة، لذلك تكون أهمّية التخييل الذاتي في النصّ التخييلي ذات سمة إشاريّة، فالنصّ التخييلي يحوي على العديد من العناصر، يأخذ بعضها من العالم الخارجي.

نزعة الظنّ واختلاف الأشياء: طالما أنّ هناك علاقة خياليّة بين الذات والنصّ، إذن هناك علاقة شكوكيّة أيضاً، فليست كلّ النصوص تامّة، ومن هنا يبدأ الظنّ بعد التواصل، أو هدم النصّ وإعادة بنائه، والهدم لا يعني النسف، بل هو إعادة بناء نصوص قد تكون ضمن النصوص الموازية، أو إعادة تأهيل النصّ.

تشكّل البيئة الموقع الحركي لصاحب الشأن، فالشاعر ينطلق من بيئته، إن كانت مأساوية، أو غير مأساوية، ففي الحالتين تكون الانطلاقة بفضاء ذاتي، حيث أنّ البيئة هي الفضاء الذي تسبح به الذات وتجمع مأساتها، أو المؤثرات الممكنة، ويكون الحزن أحد أهم المؤثرات البيئية في المجتمع.

يبني الشاعر من خلال الزمن الحاضر زمناً نصّياً، وهو ينطلق من الفعل الآني، أي أنّ الشاعر يكون مع التفكير الحاضر، لذلك تكون الأشياء حاضرة، ويكون تفكيره بزمن يحدّد هذا الحضور؛ مثلا؛ عندما تكون الأشياء معانقة للنصّ، فالأقرب من تلك الأشياء هي اللغة، وإعادة تمثيلها لا يتمّ إلا من خلال تنسيقها النصّي. ومن الطبيعي أنّ هناك أشياء محسوسة أيضاً، يبنيها الباث ويثبتها من خلال تقريبها الذاتي؛ فكلّما ابتعدنا من الشيء، صغر حجمه، وكلما اقتربنا، كبر حجم الشيء، فالأشجار التي نراها عن بعد، لا نستطيع أن نميّز أنواعها، لذلك فالرسام لا يعتني بالنوع، بقدر ما يعتني بالبعد البصري.

تكون الأشياء حاملة لخصائصها، وربّما تحمل خصائص مجاورة لها أو حركاتها التي تتميّز بين شيء وآخر، ومثال على ذلك الحيوانات.

القول والقول الفلسفي

عندما نشير إلى القول، فهو القول النصّي المتجانس مع القول الفلسفي، والقول يقودنا إلى القول الكتابي، ومن ثمّ قول المعنى، حيث أنّ الاندماج يشكّل حالة استدلاليّة، وذلك بتأثير الفلسفة على المنظور النصّي. وعندما نكون في القول الدلالي، فتكون الدلالة الإشاريّة ذات مساحة نشيطة.

عادة تكون الكتابة منتمية إلى قول القول، وهي القول الذاتي للكتابة، وقول الكتابة تتمّ عند إنجازها، ومن هنا تظهر لدينا اللغة الرصينة، أو لغة اللغة، وهي اللغة الطبيعيّة التفكرية، ولغة الكتابة النصّية، وعلى مستوى النصّ الشعري، نلاحظ أن اللغة الشعريّة هي التي تظهر وتتآلف مع عناصر النصّ، ومن أهمّ تلك العناصر لغة الخيال، حيث تشكّل تشخيصات شخصية ونصّية ولغويّة، فالشخص هو الخيال، وهو الحلم عندما يوظف لغة الأحلام، وهو اليقظة عندما يكون في منطقة الذات اليقظة.

ننظر فلسفياً إلى حالة اللامعنى، فعندما نتجاوز الممكنات، ستكون النتيجة في منطقة اللامعنى، فالقول الذي نقصده على علاقة بالممكن، وكلّ ممكن نستطيع توظيفه وتحويله إلى القول الشعري، فلا قول بدون الشيء الممكن، أو تلك الأشياء التي تمرّ بالذات الحقيقيّة.

من خلال التحقيق الفعلي ينتقل القول، من القول التفكيري، إلى القول الموازي للفعل النصّي، مثلا؛ حركة الأفعال، هي حركة قوليّة تتجانس مع المعنى، فالتداخل يحدث، بين المعنى الذي يرغب قوله، وبين التصوّر الذي يندمج مع المعنى، لذلك يبدأ القول كعلاقة دلاليّة، لأنّه يستقيم مع المفاهيم بعلاقة مشتركة لإنتاج الدلالات التي تؤدّي إلى التأويل أو المعنى.

من الممكن أن يشير الشاعر من خلال نصّه الشعري إلى بعض الاتجاهات المندمجة مع المنظور القولي الكتابي، مثلا؛ يتمّ الإشارة إلى الاختلاف اللغوي، عندما يكون المنظور النصّي مختلفا ويتكئ على عالم الخيال، ويشير إلى التشبيه عندما يكون القول الكتابي قد التجأ إلى الممكنات المتواجدة بالمثل؛ ويشير إلى الرمزيّة، عندما يكون في منطقة الرمز التوضيحي أو حالة من حالات الغموض، وجميع هذه الاتجاهات تتغذى بأبعاد جماليّة، لذلك تكون الصور الشعريّة قريبة من التأسيس، بل إنّ الإشارة هي بداية تأسيس لمشهد نصّي يرتبط ببعضه من خلال تلك الصور والتصوّرات والمعاني التواصليّة.

***

كتابة: علاء حمد

........................

المصادر

1- عبد السلام بنعبد العالي – أسس الفكر الفلسفي المعاصر – ط1 لسنة 1991م – دار توبقال، المغرب. - ص 108

2-  إنّ محاولة تقديم التفكيكيّة ضمن منظور فلسفي وجمالي لا تفسرها فقط إرادة تجنب تجريد مقاربة إجمالية متنافرة جداً، بل كذلك واقع أنّ الإيضاحات énoncés الرئيسيّة التي أدخلها دريدا في النقاش الفلسفي إنّما تتّجه جميعاً، على ما يبدو، نحو الإشكالية الجمالية. هذا وإنّ التفكيكيّة الفرنسية، التي يعود أصل أحد مفاهيمها الاساسيّة – مفهوم الانتشار Dissérnination – إلى مالارميه، إنّما تتجه نحو النصّ الأدبي، الشعري. – بيير ف. زيما – كتاب: التفكيكية دراسة نقدية - - تعريب: أسامة الحاج – ط1 لسنة 1996م – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت – ص 5.

3- جاك دريدا - كتاب: في علم الكتابة – ترجمة: أنور مغيث ومنى طبة – ط2 لسنة 2008م، المركز القومي للترجمة – ص 149

4-  د. عبد الرحمن بدوي – فلسفة الجمال والفن عند هيجل – ط1 لسنة 1996م، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت - ص 59

5- د. بغداد بردادي، جامعة سيدي بالعباس – جمالية الممثالة في أسلوبية بناء الصورة الشعرية – مجلة تاريخ العلوم، العدد الخامس – ص 95

6- جورج سانتيانا – الإحساس بالجمال – ترجمة: محمد مصطفى بدوي – ط1 لسنة 2011م، المركز القومي للترجمة، القاهرة - ص 43

قراءة سردية – بنيوية - دلالية في رواية "الهاتف الأخير" للدكتور رافد حميد فرج القاضي

تُعدّ رواية "الهاتف الأخير" للدكتور رافد حميد فرج القاضي والصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع نصًا سرديًا يتكئ على مفارقة معاصرة شديدة الحساسية: علاقة الإنسان بالأداة التي صنعت لتقريبه من العالم فإذا بها تعزله عنه. ومن هنا تنفتح الرواية على أفق نقدي واسع، يتقاطع فيه النفسي بالاجتماعي والتقني بالوجودي.

هذه الدراسة تسعى إلى مقاربة الرواية عبر ثلاثة مستويات متداخلة: السردي، البنيوي والدلالي للكشف عن آليات اشتغال النص وبنيته العميقة ورؤيته للعالم.

أولاً: التحليل السردي – تفكك الصوت وتعدد الرؤية

1. الراوي وإشكالية الحضور

يقدّم النص راوياً إشكالياً، لا يستقر على صيغة واحدة؛ فهو يتأرجح بين:

راوٍ عليم يراقب الشخصيات من علٍ

وراوٍ داخلي متورط في التجربة

هذا التذبذب ليس خللاً بل استراتيجية واعية تعكس اضطراب الذات المعاصرة التي لم تعد تمتلك مركزًا ثابتًا.

2. الزمن السردي: الانكسار بدل الخطية

الزمن في الرواية غير خطي، بل:

يتشظّى بين استرجاعات (فلاش باك)

واستباقات تُوحي بمصير محتوم

وهنا يتحول الزمن إلى بنية نفسية لا تقاس بالساعات، بل بالقلق والتوتر.

3. الشخصية: من الكيان إلى الإشارة

الشخصيات لا تُبنى بوصفها كائنات مكتملة بل كـ: شظايا وعي أو حالات شعورية

البطل تحديدًا ليس "بطلاً" تقليديًا، بل ذات مأزومة، يتماهى مع الهاتف، حتى يكاد يفقد حدوده الإنسانية.

ثانياً: التحليل البنيوي – هندسة النص وتوتر العلاقات

1. بنية العنوان: المفارقة الدلالية

"الهاتف الأخير" عنوان يحمل توترًا داخليًا:

"الهاتف" = الاتصال

"الأخير" = النهاية / القطيعة

وهنا تتأسس مفارقة: أداة الاتصال تصبح إعلانًا عن العزلة النهائية.

2. الثنائيات الضدية

تقوم الرواية على شبكة من الثنائيات:

الحضور / الغياب

الصوت / الصمت

الواقع / الافتراض

هذه الثنائيات لا تُحلّ، بل تبقى مفتوحة، مما يمنح النص طابعًا إشكاليًا.

3. الفضاء الروائي

الفضاء ليس مكانًا جغرافيًا بقدر ما هو:

فضاء نفسي مغلق

محكوم بالشاشات والرسائل

المدينة في الرواية تُختزل إلى إشعارات، مما يعكس انكماش العالم داخل الجهاز.

ثالثاً: التحليل الدلالي – المعنى بوصفه قلقًا وجوديًا

1. الهاتف كرمز مركزي

الهاتف في الرواية ليس أداة، بل:

امتداد للذات ومرآة لفراغها إنه يمثل:

الرغبة في التواصل والخوف من المواجهة

2. العزلة الرقمية

الرواية تطرح سؤالاً جوهريًا:

هل نحن أكثر اتصالًا… أم أكثر وحدة...؟

وتجيب ضمنيًا بأن:

الاتصال التقني لا يلغي العزلة

بل يعيد إنتاجها بشكل أكثر قسوة

3. تفكك الهوية الشخصيات تفقد ملامحها تدريجيًا:

تتحول إلى حسابات أو أصوات بلا أجساد

وهذا يعكس أزمة الهوية في العصر الرقمي.

رابعاً: البعد الفلسفي – الإنسان في مواجهة ذاته تتجاوز الرواية بعدها الاجتماعي لتلامس أسئلة وجودية: من نحن خارج أجهزتنا...؟

هل ما نعيشه حقيقي أم مُبرمج...؟

وهنا يقترب النص من أطروحات:

العزلة الوجودية والاغتراب المعاصر

ليصبح الهاتف رمزًا لـ الوسيط الذي ابتلع الإنسان.

خامساً: جماليات اللغة والأسلوب

1. لغة مشحونة بالقلق

اللغة في الرواية:

مكثفة

متوترة

تميل إلى الإيحاء أكثر من التصريح

2. الاقتصاد والتكثيف

يعتمد الكاتب على: الجملة القصيرة واللقطات السريعة

وكأنه يحاكي إيقاع الرسائل والإشعارات.

3. التناص التقني

النص يتقاطع مع:

لغة التطبيقات والمحادثات الرقمية

مما يخلق نصًا هجينًا بين الأدب والتقنية.

ختاما...تكشف رواية "الهاتف الأخير" عن وعي سردي متقدم، يشتغل على تفكيك علاقة الإنسان بالتقنية، ليس بوصفها أداة، بل كقوة تعيد تشكيل وعيه وهويته.

ومن خلال بنية سردية متشظية، ورموز دلالية كثيفة، ينجح رافد حميد فرج القاضي في تقديم نص يعكس قلق الإنسان المعاصر، ويطرح أسئلة مفتوحة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تكشف عمق الأزمة.

***

د. علي السرحان

 

د. قصي الشيخ عسكر، أديب بارز ومتألق في ابداعاته الخلاقة، في الأجناس الادبية (الشعر والرواية)، بشكل مثابر وغزير الإنتاج، خلال مسيرته الادبية الطويلة في رحلات الادب المهجري المعاصر، ضمن الاتجاه الواقع، من تجربته، ومن الأحداث الفعلية والتاريخية حدثت فعلاً، ويمتلك اسماً ومكانة عالية التقدير، التي تألقت في مجال الادب المهجري عبر عقود طويلة، لذا يعتبر من ضمن الأسماء البارزة، التي وضعت بصماتها في الأدب في المهجر، واعطاء إبداعاته الادبية (الشعر والرواية) صفة المعاصرة، وهذه المعاصرة تختلف عن الأدب الروائي الكلاسيكي في المهجر، الذي كان يختص في معالجة ازمة الدارسين في بلدان الغرب، فيما يتعلق بالحب والعلاقة مع المرأة، من خلال الصراع الثقافي بين الشرق والغرب، بينما روايات أو الادب الروائي للاديب قصي الشيخ عسكر يعالج، أزمات مجتمع المهاجرين، في قضايا حياتية حساسة، في مختلف ميادين الحياة اليومية، على خلفية الأحداث التاريخية والسياسية، بما فيها الحرية الجنسية، والعلاقة مع المجتمع والمرأة، على خلفية الصراع الثقافي بين المجتمع الشرقي أو الاسلامي وتاثيراته الدينية من ناحية التأقلم والتكيف في المجتمع الغربي، ويضرب على الاوتار الحساسة في عقلية المهاجر وثقافته، ومدى قربه أو ابتعاده عن المجتمع الغربي في السلوك اليومي، واخلاقيات التعامل، ومن هذا المنطلق تشير دراسة الماجستير في تحليلها ونقدها الواقعي الى سمات مميزة، ما ورد في المتن الروائي لرواية (كورونا) واهمية ادب المهجر باعتباره (يعد أدب المهجر اكثر مجالات الادب العربي المعاصر، حيوية وتجدداً،ولا سيما ما يتصل منه، الكتابة عن الهوية والصراع الثقافي والنظام الجندري، تبحث هذه الدراسة من رواية (كورونا) للكاتب العراقي / الدنماركي قصي الشيخ عسكر) في تحليها ونقدها الادبي الواقعي، وجدت رصانة موضوعية في الاحداث السردية، وموضوعها البارز (البحث بهدف استقصاء السمات الواقعية، في هذا العمل الادبي، استقصاء منهجياً) وعن مكانة الاديب البارزة، من الاسماء اللامعة في ادب المهجر المعاصر، تعتبره من اعلام هذا الاتجاه في رواياته الصادرة، وفي هذه الرواية باشارتها الصريحة والمهمة من خلال البحث في هذه دراسة الماجستير (لا شك ان الكاتب العراقي / الدنماركي الدكتور قصي الشيخ عسكر، يحتل مكانة متميزة في مجال أدب المهجر المعاصر، بل تعتبره (رائد الادب في المهجر) في مميزاته الابداعية الطويلة، في اسلوب الطرح الحدث الروائي في الصياغة والمضامين الفكرية الدالة، يطرحها باحساس صادق ضمن اتجاهه الواقعي، ومن الخبرة والتجربة والمعايشة، على خلفية الاحداث التاريخية والسياسية والتأثيرات الدينية في عقلية المهاجر، وتؤكد هذه الدراسة حول رواية (كورونا) المميزات البارزة في في طرح الامور والقضايا الحساسة (ومن ناحية الثقافية تسجل روية كورونا باسلوبها الصريح، الذي لا يتحاشى التناقضات في الحياة اليومية، والصراع بين الاجيال، والمأزق الجندري في مجتمع المهاجرين المسلمين في بريطانيا، مما يمنحها قيمة توثيقية ثقافية مهمة، كما تسهم الدراسة المعمقة لهذا العمل، في تقديم صورة صادقة ومركبة لاوضاع الجماعات العربية المهاجرة، ولا سيما الجيل الذي ينشأ بين ثقافتين، وتكتسب اهمية مرجعية للباحثين الصينين المتخصصين في اللغة العربية) وتناقش الدراسة في بحثها، ضمن اطار نظرية النقد الادبي الواقعي في مناقشها الابعاد الخمسة، الذي يرتكز عليها النص الروائي ومناقشتها بالتفاصيل الدقيقة وهي: (التاريخي، والاجتماعي، والجندري، والنفسي، والمكاني، على البعد التاريخي، تسعى الدراسة الى كيفية دمج الرواية احداثاً تاريخية حقيقية، كحرب اكتوبر 1973، وحرب الخليج الثانية 1991، وجانحة كورونا، في نسيج سردي عائلي، يمتد عبر أجيال متعددة، وعلى البعد الاجتماعي . . تملك الدراسة الصورة التي تقدمها للفوارق بين الأجيال، والتوترات الثقافية داخل مجتمع المهاجرين)، وعن النص الروائي ومحتوياته التعبيرية والفكرية الواضحة، كتب الناقد الكبير د. عبد الرضا علي، مقدمة نقدية رائعة في صدر الرواية، وركز فيها بان الرواية في اشارته بالغة الاهمية والمعنى البليغ بأنها (تمتلك الجرأة (الكشف المسكوت عنها) إذ تواجه موضوعات يتحاشاها اغلب الادباء العرب، كالسلوك الجنسي والميول الجنسية) . وتشير الدراسة في بحثها النقدي، على استمرار النظام الأبوي في مجتمع المهاجرين، وتأثيراته في الحياة اليومية بالاخص في العلاقة مع المرأة، وتؤكد في دراستها في الاتجاه الواقعي للرواية، بأنها تسجل القضايا البارزة في النص الروائي، بصدق عالٍ لحياة اليومية لمجتمع المهاجرين في بريطانيا، بأن هناك صراع يكتنفهم بالتصادم، في السلوك اليومي، والميول الجنسية، بين الانغلاق في المجتمع الشرقي والانفتاح في المجتمع الغربي، ودور الأم في التربية، اختلافاً جذرياً بن الثقافتين (إذ تعلم الامهات الاوربيات بناتهن، بما يتعلق بالجنس، تندرج في الأدب العربي التقليدي، ضمن دائرة المحرمات)، والدراسة شملت مناقشة أبحاث متعددة، ضمن النص الروائي وطرحها برصانة واضحة، بصياغة تجمع الأكاديمية والمعاصرة معاً، في التقنيات السردية، اضافة الى منهج الوصف التحليلي، فهي (اعتمدت المنهج البنيوي الوصفي، وتناولت في ثلاثة فصول: عناصر السرد، والمحاور الموضوعية، والأساليب والتقنيات السردية الزمنية والفنية) وتضيف في دراستها عدة جوانب منها، تناولت قضية الجندرية ضمن اطاري (مفارقة الأجيال) و(ثقافة الآخر) في التباين والتناقض والمفارقة في السلوك وأخلاقيات التعامل داخل مجتمع المهاجرين .

 ×× الشخوص البارزة في النص الروائي:

1 - حسن: بطل الرواية أو (السارد العليم) شاب بريطاني من أصل عراقي، ولد عام 1999، ويعمل في المركز الطبي للاحتياجات الخاصة، خريج قسم علم النفس، يصف سيرته الحياتية، من أبيه الذي هاجر من العراق، بعد عام 1991 واستقر في بريطانيا، حتى لا يكون ضحية الحرب والإرهاب، وابيه (جد حسن) استشهد في حرب اكتوبر عام 1973 ( الحرب العربية الاسرائيلية) الى مصاحبة ابنه (حسن) الى الجامع، الى ان يذكر (حسن) خلال حياته الكثير من المفارقات والمشاهدات في تجربته الحياتية، فعندما كان في المدرسة المتوسطة، اصحب صديقته وضاجعها على الرمال حتى أزيل عذريتها، وهي فرحة بقولها (بأنها لم تعد عذراء)، بينما شقيقته (ماجدة) سلمت عذريتها الى زوجها الشاب الباكستاني المسلم، ودأب (حسن) على ممارسة الجنس على الفتيات الأخريات . تعرف ضمن المركز الطبي على مديرة المركز (ياسمين أو جاسمين) وهي يهودية الاصل لطيفة المعشر والتعامل مع الاخرين بكل أدب، لذلك بعض الأحيان، تتبادر في ذهنه (قد يكون جدها قتل جدي) . يتابع الاخبار والاحداث التاريخية التي حدثت في العراق والعالم، منها جانحة كورونا، وعدد ضحاياها يقول بأنها: خرجت من المطبخ الصيني ويقارنها مع القتلى المتظاهرين في الناصرية، والقتلى من الشباب في بغداد، ويقول وصل عدد القتلى المتظاهرين الى 800 ضحية .

2 - كام: الشاب الاسكتلندي، الشيوعي، مدرس اللغة الانكليزية، ارتبط بصداقة مع (حسن) ويحلل الأحداث والقضايا الساخنة وفق ايديولوجيته الشيوعية والسياسية، ويعتبر جانحة كورونا (حملة امبريالية وسخة) و(الرأسمالية دائماً تضخم الامور، ألم يدعوا من قبل، أن أصل مرض نقص المناعة من افريقيا) .

وهناك شخصيات ثانوية عديدة منها، المرأة البريطانية من أصل صومالي، عادت الى وطنها الام، لإجراء عملية الختان فلقيت حتفها، والمذيع المشهور بعد سنوات طويلة اعترف لزوجته وأم أطفاله، بأنه مثيلي . واخيراً تستخلص نتائج البحث في دراستها الرائعة، التي تناولت جوانب متعددة، في البحث والتقديم والتحليل النقدي الواقعي والموضوعي لرواية كورونا للأديب قصي الشيخ عسكر، الذي تعتبره (رائد أدب المهجر المعاصر، وتستحق للدراسة كل اعماله الادبية) بما يقدم خلاصة تجربته وملكته الخيالية في أعمال روائية قيمة في الاتجاه الواقعي، ومنها هذه الرواية، التي تمثل أخلاقيات السرد للجيل الثاني من المهاجرين، تتمثل في (السمة البارزة لرواية (كورونا) في رفضها تقديم مصالحة رخيصة أو خلاص مجاني، انها تعرض المشكلات كما هي، وتترك مسؤولية الاجابة للقارئ ...... وهذا يجسد الموقف الاخلاقي في الأساس للأدب الواقعي) .

***

 جمعة عبد الله

 

يمكن القول إن عنوان الرواية – موضوعة المقالة – للروائية العراقية المغتربة هاجر القحطاني، عنوان لافتٌ جداً يسهم في إيضاح حبكةٍ أرادت القحطاني تأكيدها، وهو أنَّ العراق ما زال تربةً خصبةً لبذار الأفكار المحليّة وإثمارها بالتسامح والعلاقات الإنسانية الصادقة، وبالتأنّي والصبر، على الرغم من الظروف الحالكة، إذ تجري أحداث الرواية، والعراق ما زال في جهادٍ متواصل مع التكفيريين «الدواعش».

تشويقٌ عاطفي

تتحدث الرواية عن قصّة تجربةٍ علميةٍ، لمعالجة عيناتٍ عراقيةٍ مختارة، عبر إعلانٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه العينات تعاني من حالاتٍ نفسيّة، مثل الاضطرابات السلوكية ـ والاكتئاب والقلق المُزمن. وبعد مقابلاتٍ أُجريت مع المتقدمين، تمّ اختيار عشرة ذكورٍ وثلاث إناث، يُسمّون في الرواية «المقيمين»، وليسوا مرضىً نفسيين، للتخفيف من ثقل التسمية الأخيرة عليهم. المتبنّي لهذه التجربة الدكتور حمزة، القادم من النمسا، بعد أن أمضى ثلاثين عاماً هناك، وهو يلعب كشخصيةٍ رئيسيةٍ في الرواية، ويرد ذكره بـ»هو»، حسب تصنيفات الراوي المشارك صفاء المراقب للتجربة والمدوّن لكلّ يوميّاتها، كما تلعب إحدى المقيمات واسمها «ريحان» كشخصيّةٍ أنثويّةٍ رئيسية، ويصنّفها الراوي صفاء بـ»هي»، لخلق نوعٍ من التناغم بين الشخصيتين «هو» و»هي» إذ يميل كلٌّ منهما للآخر. ثيمة العلاقة بينهما ستصبح من الثيمات الرئيسية في الرواية، ولا أخالُ أنّ القحطاني غاب عن بالها أهمية عنصر التشويق العاطفي في الرواية، التي وتدها الرئيس تجربةٌ علمية.

الراوي صفاء، هو ثالوث الشخصيات الرئيسية في الرواية، وهو يشترك مع الدكتور حمزة في الميل العاطفي إلى ريحان، ما يخلق حنقاً متزايداً على طول صفحات الرواية، من قبل صفاء تّجاه الدكتور حمزة، باعتبار الأخير خاطفاً لفرصةٍ ثمينةٍ اقتربت من صفاء، فضلاً عن شخصية «حامد» الذي تبنّى إنشاء المنتجع السياحي، في ريف محافظة واسط العراقية، وأخوه الحاج واثق، رجلٌ ثريٌّ موّل المشروع بكامله، ليضعه تحت إدارة أخيه حامد، والاثنان ابنا عم الدكتور حمزة.

التجربة التي يُراد لها أن تتمّ خلال ثلاثة أشهر، لم تستمرّ سوى خمسة أسابيع، والفترة الزمنية الباقية، تجري أحداثها خارج المنتجع، بين إسطنبول في تركيا والعاصمة بغداد.

المدوّن الميتاسردي

يمكن اعتبار تدوينات الراوي صفاء فعلاً ميتاسردياً، فهنا لدينا مرويّة صفاء في تضاعيف رواية القحطاني. كان يدوّن أن المشاركين في التجربة ـ ليس لهم إيمانٌ كاملٌ فيها، من حيث تعقيدات البرنامج ومفرداته الكثيرة، حتى إنّه وُزّعت عليهم استمارةٌ من سبعة عشر سؤالاً، لم يهتمّ بها أحدٌ من المقيمين، ولم يملؤوها. وإزاء عدم الإيمان الكامل للمقيمين بما سُمّي تجربةً علميةً وليس علاجاً نفسياً، رجّح صفاء ذلك بأنه يعود إلى عدم دقة الاختيار، فهم ليسوا بذلك التدهور النفسي الواضح «كمن يمشي متحدثاً مع نفسه في الشارع، أو ذاك الذي ينزل على الناس سباً وشتيمة دون سبب، أو تلك التي تنزوي في غرفتها طوال الليل والنهار»، أي أنّهم يبدون طبيعيين بالنسبة إليه، ذكوراً وإناثاً.

تحوّلات الشخصيّات

تلاحق الرواية تحوّلات الشخصيات، وأول المتحوّلين هو الراوي صفاء. مراقبة الآخرين، بكلّ حركة من تحرّكاتهم وسكناتهم، وتدوينه اليومي لما يحدث، بالإضافة إلى حبّه الجارف لريحان، كلُّ ذلك جعل منه شخصيّةً جديدة. فقد كان يتبرّم من وظيفته كمراقب، ويعدّ نفسه فاشلاً في ذلك، هو يريد أن يدوّن قصّته هو، كما للآخرين قصصهم. تخلّى عن حياديّته، حينما لاحظ أنّ غالبيتهم لم يلتزموا بها؛ لاحظ ذلك في الأطباء المساعدين الخمسة للدكتور حمزة، مثلما لاحظ ذلك في الأخير وهواه مع ريحان. درج صفاء، قبل التجربة وهو الصحافي المغمور، على أن يكون رجلاً عادياً، يرضى بالمُتاح، وبالمفتوح من الأبواب والمطروق منها. ما زال يترك الفرص تتسلّل بين يديه، لعلّه يقصد فرصته مع ريحان، التي ظلّت تعتبره صديقاً.

صفاء يضع رائد التجربة الدكتور حمزة تحت مجهر تأمّلاته فيراه مترفّعاً ومتكّبراً، ولم تتحوّل طينته تحت الظروف المختلفة، ويعرج الراوي دائماً على المحور العاطفي المقصود بريحان، وقبع في ذاكرته أنّ الدكتور حمزة يقاومها كلّ يوم، وهو أي صفاء يطلبها كلّ يوم، ويصرّح بذلك «لكنها قبلته وردتني».

بين العبثِ والالتزام

هناك مُحبطاتٌ أحاطت بالمشروع، لاسيّما بعد أن دهمت قوةٌ من الشرطة المكان، وحدث احتدامٌ بين حامد وقائد الشرطة، الذي نقل شكوك شيوخ العشائر المحيطة بالمنتجع، غير مصدّقين أنّ ما يحدث: تطبيق تجربةٍ علمية، كما نقل رغبتهم بضرورة وجود قوة شرطةٍ داخل المنتجع بشكل دائم. وفعلاً جرى انتشار تلك القوّة، فسرى انطباعٌ بأنّ المشروع بدأت تسوده الفوضى والعبثية، بعد ثلاثة أسابيع فقط من الالتزام والهدوء، ومن ثمّ الفشل والإغلاق جرّاء تطوّراتٍ متلاحقةٍ تمثّلت في اصطدامٍ بين إحدى الشرطيات وأحد المقيمين، ما أدّى إلى إسقاط جنينها وانهيار المقيم، ومن ثمّ انتحاره لاحقاً، وترتّبت على ذلك، تدخّلاتٌ عشائرية، وكان ما يُعتبر حدثاً تراجيدياً فرصةً للعشائر المحيطة بالمنتجع للسعي إلى إغلاقه، بسبب عدم مراعاة أجوائه للأعراف والتقاليد، مثلاً حوض السباحة.

رواية تساؤلات

وهنا نتساءل إلامَ يرمز اختيار هاجر القحطاني لتجربةٍ علميةٍ فانتازيةٍ كبؤرةٍ أساسيّة في روايتها، هل يرمز إلى رغبة الكفاءات العلمية المقيمة في الخارج، في العودة إلى البلاد، والمساهمة في تحقيق الازدهار في العراق، هل يعني فشل التجربة نسبياً، وعدم إكمالها للنهاية إلى العوائق التي تقف بوجه التقدم العلمي في العراق، ممثّلة بتدخّلات العشائر والجهات التي تريد للمنتجع الطراز الفريد ذاته من استثماره في أغراضٍ تجاريّة. ونتساءل أيضاً، إذا كان الدكتور حمزة يمثّل المواطن العراقي الصالح، الذي يحاول إنجاح تجربةٍ علمية، من الممكن أن تعمّم في علاج مئات الآلاف من العراقيين، الذي يعانون، مثل ما تعاني منه العيّنات المختارة للعلاج، من اضطراباتٍ سلوكيةٍ واكتئابٍ وقلقٍ مزمن، جرّاء الأوضاع الاستثنائيّة للعراقيين، فماذا ترمز ريحان، بنشأتها اليتيمة، هل ترمز إلى العراق، الذي يحتاج إلى حبّ مواطنيه وحرصهم عليه، فضلاً عن مساعيهم المخلصة إلى العمل على تحقيق ازدهاره.

الحبّ الضّار

وإن مضينا قدماً في ترميز شخصيات الرواية، للحدّ الذي نشعر فيه بعدم الوجود الاعتباطي لأيٍّ من الشخصيات، فإنّ شخصية البستاني سعد وحكمته في التعاطي مع الأمور، وتوثّق علاقته الإنسانية مع ريحان، ونصحه للراوي المشارك صفاء بعدم التهوّر في تعامله مع ريحان، بما سماه» الحب الضّار»، كل ذلك يمنح شخصيّته بعداً رمزياً، بوصفه مهتمّاً بالزراعة المحلية، والعنوان يشي بذلك «زارع الريحان»، ويحمل البستاني هذا نزعةً إنسانيةً في علاقاته بعيداً عن المصالح، هل هذا يعني أنّه ليس بالضرورة أن تكون معايير التجارب المستوردة ناجحةً لدينا دائماً؟

نهاياتٌ غير سعيدة

لماذا عمدت القحطاني إلى النهاية الكارثية بعد إغلاق المنتجع، حيث تسلّم زمام قيادة الحافلة الأولى «الستاركس» في القافلة، شابٌّ عشرينيٌّ متهورٌ يقود بسرعةٍ جنونية، ما أدّى إلى تصادم مع شاحنةٍ على الطريق، وسبّب تصادماتٍ متعدّدةٍ لبقية الحافلات، تسبّبت في موت الدكتور حمزة، وكذلك زوجة حامد، التي جاءت مع ابنتيها لرؤية المنتجع الذي بناه زوجها قبل أن يُغلق، كما تسبّب بإصابة صفاء بكسور، وسفره مع زوجته إلى إسطنبول في تركيا للنقاهة. هل تريد القحطاني أن تقول.. هذا هو حال العراق، كوارث في كلّ مكان، فبعد فشل التجربة داخلياً، وأسهمت في فشلها المعايير العلمية المفروضة بصرامة، وانتقامٌ شخصيٌّ من قبل الراوي صفاء بإرسال صورٍ حميمةٍ من داخل المنتجع إلى شيخ العشيرة التي تسيطر على المنطقة، التي بُني فيها المنتجع، مع ضعف المسؤولين الإداريين في المنطقة من حماية المنتجع. فشلٌ في داخل المنتجع وموتٌ خارجه. والحكمة هي في بناء العراق بالعلاقات الإنسانية القائمة على التسامح، وعدم فرض الأمر الواقع بالإكراه والانتقام. لكنَّ تلك القيم الإيجابية لم تتفعّل، فنهايات الرواية بأحداثها الحاسمة تشي بذلك، فموت زوجة حامد كان مفتاحاً لزواج ريحان منه، فأفلس صفاء، الذي يرى ريحان فردوسه المفقود بدلاً عن زوجته ابنة خالته، التي لا يطيق الاستمرار معها. لكنّ الأخيرة أثبتت جدارتها باعتراف صفاء بأنها لبوةٌ شرسةٌ في الحفاظ على بيتها وزوجها، بل تقول له ما معناه اذهب أينما شئت، ستعود إليّ حتماً. نهاية الرواية حسب عبارتها الأخيرة نهايةٌ مواربة، حيث يعود صفاء إلى النوم في سرير الزوجية، بدلاً عن أنّه كان ينام على أريكةٍ في الصالة، لكنّه كمقاتلٍ عنيد، حسب تحولاته، يتمنّى الموت، حين يقول «جاءت وغطّتني بدثار خفيف، تسرب خدرٌ موجعٌ إلى روحي، واشتهيت النوم إلى الابد».

***

باقر صاحب - كاتب عراقي

.....................

* صدرت الرواية عن دار الرافدين- بغداد – العراق عام 2024

 

في تاريخ الأدب العالمي كُتَّابٌ كثيرون كتبوا عن الزعماء، والثورات، والانتصارات الكُبرى، لكنَّ قليلين فقط امتلكوا القُدرةَ على الإصغاء إلى الإنسان البسيط، ذلك الكائن الذي يمرُّ في الشارع دون أن يلتفت إليه أحد، ويَحمل داخله عَالَمًا كاملًا من الألم والخوف والحُلْم والصمت. ومِن بين هؤلاء القلائل يَبْرز اسمان: الكاتب المصري يُوسُف إدريس (1927-1991) والكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860- 1904)، بوصفهما اثنين من أهمِّ الكُتَّاب الذين منحوا الإنسانَ البسيط مكانته الأدبية والإنسانية.

لَم يكن الإنسانُ عندهما قائدًا عظيمًا، ولا بطلًا خارقًا، ولا فارسًا أُسطوريًّا، ولا شخصية تصنع التاريخَ بقراراتها الكُبرى، بلْ كان موظفًا مُرهَقًا، أوْ فَلَّاحة مسحوقة، أو طفلًا حافي القدمين، أو مريضًا يجلس في زاوية منسية من الحياة. كلاهما آمنَ بأن المأسأة الحقيقية لا تكمن دائمًا في الحروب الكُبرى، بلْ في التفاصيل الصغيرة التي تفتك بالروح ببطء: نظرة احتقار، أوْ جُوع صامت، أوْ حُلْم مُستحيل، أو وَحدة لا يراها أحد.

كانَ أنطون تشيخوف، الطبيب الروسي الهادئ، ينظر إلى الإنسان بعين الرحمة والتأمل. شخصياتُه تبدو وكأنها تعيش داخل ضباب كثيف من الحُزن اليومي، لا تصرخ كثيرًا، لكنها تنكسر من الداخل. أبطالُه لا يَثُورون غالبًا، بلْ يتآكلون ببطء تحت وطأة العجز والرتابة والخذلان. في قصصه نشعر أن الحياة لَيست قاسية لأنها شريرة، بلْ لأنها باردة وغير مُبالية. ولهذا تبدو أعماله أشبه بمرآة صامتة يَرى الإنسانُ فيها هشاشته الخاصَّة.

أمَّا يوسف إدريس، فقدْ حَمَلَ الإنسانَ المِصري البسيط إلى قلب الأدب العربي الحديث بعنفٍ عاطفي وصدقٍ جارح. لَم يكتب عن الفقير بوصفه حالة اجتماعية فقط، بلْ بوصفه إنسانًا كامل الكرامة، ممتلئًا بالرغبةِ والألم والغضب. كانَ يَرى أن البسطاء لَيسوا هامشَ الحياة، بلْ حقيقتها العارية، ولهذا جاءتْ شخصياته نابضة بالحركة والصوت والانفعال، كأنها خارجة لِتَوِّهَا من الأزقةِ والحارات والحقول. وهُنا تتجلى القُدرة على تحويل مشهد يومي صغير إلى صرخة إنسانية هائلة.

وتشيخوف فَعَلَ الشيءَ نَفْسَه بطريقة مختلفة، فهو لا يَرفع صَوْتَه، بلْ يترك الألمَ يتسرَّب بهدوء إلى القارئ. شخصياتُه تبدو أحيانًا عاجزة حتى عن التعبير عن مأساتها، وكأن الصمتَ أصبحَ جُزءًا من تكوينها النَّفْسي. لذلك يشعر قارئ تشيخوف بحزن عميق لا يَعرف مَصْدَرَه بدقة، حُزن يُشبِه إدراكَ الإنسان لفشله في تغيير حياته.

ورغم اختلافِ البيئة بين روسيا القيصرية ومِصْر الحديثة، فإنَّ الإنسان عند الكاتبَيْن واحدٌ في جَوهره، كائن ضعيف يبحث عن معنى، وقليلٍ من الرحمة وسط عَالَمٍ قاسٍ. كِلاهما أدركَ أن البؤس الإنساني لا جنسية له، وأن الفقراء في كُلِّ مكان يتشابهون في أحلامهم الصغيرة وخَيْباتهم الكبيرة.

لكنَّ الفرق بينهما مُهم وعميق أيضًا. أنطون تشيخوف يقترب من شخصياته بمسافة تأملية هادئة، كأنه يُراقب الروحَ البشرية وهي تتداعى بصمت. أمَّا يوسف إدريس فيدخل إلى شخصياته من الداخل، يغضب معها، ويصرخ بها، وينحاز إلَيها بوضوح. عند أنطون تشيخوف نجد الحُزْنَ الإنساني، وعند يوسف إدريس نجد الحُزْنَ ممزوجًا بالاحتجاج.

كذلك تختلف اللغةُ بينهما اختلافًا يكشف طبيعةَ كُلِّ عَالَمٍ أدبي. لغة أنطون تشيخوف رقيقة، ومقتصدة، وشفافة، وتعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح. أمَّا يوسف إدريس فتمتاز لغته بحرارة الحياة اليومية، وتقترب من نبض الشارع المِصري وإيقاعه الشعبي. ومعَ ذلك، فَهُمَا يشتركان في قُدرة مذهلة على التكثيف، فلا جُملة زائدة، ولا مشهد بلا ضرورة إنسانية.

ولعلَّ أعظم ما يَجْمع بينهما أنهما أعادا الاعتبارَ للإنسانِ البسيط. ففي عالَم يحتفي بالأقوياء والناجحين، وقف الكاتبان إلى جانب المنسيين، أولئك الذين يعيشون ويموتون دون أنْ يُدوِّن أحدٌ أسماءَهم. جعلا مِن الأدب مساحةً للعدالةِ الرمزية، حيث يصبح للعامل الفقير، والطفلةِ البائسة، والمُوظَّف المُنْهَك، صَوْتٌ يُسمَع أخيرًا.

إنَّ الكاتبَيْن يكشفان الضعفَ الإنساني، والأحلامَ الصغيرة، والخوفَ مِن الوَحدة، والحاجةَ العميقة إلى مَن يَفْهَم الألمَ الوجودي الصامت. وَرُبَّما لهذا السبب بقي أدبُهما حيًّا حتى اليوم، لأنَّ الإنسان البسيط الذي كَتَبَا عنه لَم يَختفِ، بلْ ما يزال يسير في الشوارع نَفْسِها، حاملًا قَلْبَه المُثْقَلَ بالحياةِ نَفْسِها.

ثَمَّة خَيط سِري مشدود ببراعة، ومغموس في دموع الصامتين، يربط بين حارات قاهرة يوسف إدريس وقُرى روسيا القيصرية عند أنطون تشيخوف. لَم يكن الإنسانُ البسيط في أدبهما مُجرَّد شخصية عابرة تُزيِّن الهامشَ، بلْ كان هو المتن، وهو العدسة التي مِن خِلالها تفككتْ تعقيداتُ الوجودِ وتناقضاتُ المجتمع.

هُناك تقاطعات مذهلة بين هذين الأديبَيْن، تفصل بينهما الجُغرافيا، وتَجْمع بينهما وَحدة المُعاناة الإنسانية. غاصَ أنطون تشيخوف في أعماق الإنسان البسيط (الموظف المقهور، الفلاح المستسلم)، كَيْ يُعَرِّيَ آليَّات الانسحاق النَّفْسي، والخوف المُزمن مِن السُّلطة، أمَّا يوسف إدريس فهو يَقْتنص " الغلابة" من قاع المجتمع المِصري، ليعيد إلَيهم كرامتهم المنهوبة عبر لغة نابضة بالحياة، تلتقط لحظات التمرد الكامنة خلف الاستسلام الظاهري.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي والتناص الديني

المقدمة: تأتي قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نورعلي في سياق السنوات الأولى التي أعقبت احتلال العراق عام 2003، وهي مرحلة اتّسمت بانهيار البنى السياسية والاجتماعية وتحول الحياة اليومية إلى فضاء من الفوضى والتهديد. في هذا المناخ، لا يكتفي الشاعر بتسجيل الحدث، بل يعيد صياغته عبر لغة رمزية كثيفة تستثمر الأسطورة والحكاية الشعبية والدين والتاريخ، منتِجةً نصّاً يتجاوز حدود اللحظة السياسية إلى أفق تأويلي أوسع، حيث يتقاطع الرمز مع الذاكرة والجرح مع الهوية.

يؤسّس عنوان القصيدة «ليلى والذئب» لبنية رمزية كبرى تقوم على ثنائية الضحية/المفترس؛ فليلى تتحوّل إلى صورة العراق–الأنثى الجريحة الباحثة عن نور، بينما يتجسّد الذئب بوصفه قناعاً للاحتلال وقوى الفوضى. ومن خلال هذه الثنائية، ينفتح النص على فضاء دلالي تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، ويتحوّل الحدث السياسي إلى سردية رمزية قابلة للقراءة البنيوية–السيميائية.

تتشكّل القصيدة من شبكة من العلامات: الغابة، الليل، الكوخ، النهر، النورس، الصليب، بيلاطس، الملك المهووس، الأباتشي… وكلها لا تعمل كصور جمالية فحسب، بل كعناصر في بنية رمزية تعيد تشكيل التجربة العراقية في ضوء الاحتلال وانهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء مظلم. هنا تبرز أهمية القراءة السياسية في تتبّع تمثيلات الاحتلال والطغيان الجديد.

بالتوازي، ينهض النص على بعد نفسي واضح يتجلّى في صور الخوف، والتيه، والظل، والنزيف، بما يعكس الصدمة الجماعية للفرد العراقي. فليلى ليست رمزاً سياسياً فقط، بل ذات مجروحة، وقيس يتجاوز صورة العاشق التراثي ليغدو ضميراً معذّباً يراقب الخراب بلا قدرة على الفعل، الأمر الذي يستدعي توظيف أدوات التحليل النفسي.

إن تداخل البنية الرمزية مع السياق السياسي والبعد النفسي يجعل من «ليلى والذئب» نصاً متعدّد الطبقات، لا تُجديه مقاربة أحادية المنهج، بل يحتاج إلى قراءة تكاملية تجمع بين التحليل البنيوي–السيميائي من جهة، والتحليل السياسي–النفسي من جهة أخرى. ومن خلال هذه المقاربة، تتبدّى القصيدة كتراجيديا عراقية مكتوبة بلغة أسطورية، تُعيد صياغة الجرح الوطني في بنية شعرية تحفظ الذاكرة وتفتح أفق التأويل.

تحليل العنوان: «ليلى والذئب»

يحمل عنوان القصيدة «ليلى والذئب» بنية لغوية بسيطة تقوم على اسم علم مؤنث «ليلى» معطوفاً عليها «الذئب»، لكنه يخفي وراء هذا التركيب الموجز تعقيداً دلالياً واضحاً؛ فالعطف هنا لا يجمع بين متكافئين، بل يضع كيانين متضادين في علاقة سردية وصراعية: ضحية في مواجهة مفترس، أنثى إزاء وحش، براءة إزاء افتراس. ومنذ اللحظة الأولى، يستدعي العنوان طبقتين من المخيال: حكاية الفتاة والذئب في الذاكرة الحكائية العالمية (الطفلة البريئة في الغابة والذئب المتربّص)، ثم المخيال العربي الذي يجعل من «ليلى» –ليلى العامرية تحديداً– رمزاً للأنثى–المعشوقة، وللعشق المستحيل الذي كثيراً ما يُقرأ رمزاً للوطن والحلم. بهذا التراكب بين حكاية الطفلة والذئب وأسطورة قيس وليلى، يكتسب العنوان كثافة إيحائية قبل الدخول إلى النص.

في ضوء زمن الكتابة وسياقها (ما بعد احتلال العراق 2003)، يتحوّل هذا التركيب البسيط إلى استعارة كبرى: «ليلى» تصبح قناعاً للعراق بوصفه أنثى/أرضاً مخطوفة ومهدَّدة ومحاطة بـ«غابة» من القوى الإقليمية والدولية، لها تاريخ وحضارة لكنها تُعامَل كضحية، فيما يُجسِّد «الذئب» قوة الاحتلال: جيشاً مفترساً، حضورُه عواءٌ ليليّ وقوّة عمياء لا تستند إلى شرعية أخلاقية. العطف في «ليلى والذئب» هنا ليس عطف مساواة، بل عطف تضاد وتوتّر، يرسم منذ العنوان مشهداً أساسياً: ذات أنثوية هشّة في مواجهة مباشرة مع قوّة افتراس، من غير أن يحضر «الراعي» أو «المنقذ»، ما يجعل النص كله تطوّراً لحكاية صراع بين ضحية ووحش يعاد فيها توزيع الأدوار على رموز سياسية وتاريخية محددة.

بهذا المعنى، يقوم العنوان بوظيفتين متداخلتين: جمالية وإيديولوجية. فهو جمالياً يستثمر مخزوناً حكائياً مشتركاً يسهل به دخول القارئ إلى النص عبر باب مألوف، ثم يقلب توقّعاته، إذ يتبيّن أن الذئب ليس حيواناً في الغابة بل قناع لاحتلال معاصر، وأن ليلى ليست فتاة ساذجة بل وطناً معقّداً. وهو إيديولوجياً ينقل الخطاب من مستوى القول السياسي المباشر إلى مستوى التمثيل الرمزي، فيحوّل الاحتلال إلى «ذئب» والوطن إلى «ليلى»، ويحمّل المتلقي مسؤولية تأويل هذه المعادلة أخلاقياً وسياسياً، بحيث يُرى الاحتلال لا كحدث عسكري فحسب، بل كفعل افتراس لبراءة/أرض/أنثى، أي كجريمة إنسانية شاملة. هكذا ينهض العنوان بوظيفة «العقدة المكثفة» للنص: يلمّح إلى الشخصيات، وإلى طبيعة الصراع، وإلى الخلفية السياسية–الأسطورية للقصيدة، ويضع القارئ منذ البدء داخل أفق قراءة رمزية لواقعة 2003، من غير أن يصرّح باسم العراق أو الاحتلال تصريحاً مباشراً.

تحليل الابيات

البداية المظلمة: انطفاء النجم واستنفار الغابة وبداية مأساة ليلى

 خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ

واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ

تدعو للرَّحيلْ

فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ

وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً

ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ

تشكّل هذه الأسطر افتتاحية كثيفة الرموز، ترسم المناخ العام للقصيدة عبر مزج الصورة الكونية بالحدث التاريخي–السياسي. يبدأ الشاعر بقوله: «خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ»، فيقدّم لحظة انطفاء دلالية: خفوت النجمة لا يعني مجرّد اختفاء ضوءٍ فيزيائي، بل انطفاء رمز الهداية والأمل في لحظةٍ يتصاعد فيها «عواء الذئب»، أي حضور قوّة مفترسة عمياء، يمكن قراءتها في سياق القصيدة كقناع للاحتلال الذي جاء ليملأ فضاء الليل/الوطن بالصوت العنيف بدل النور الهادي. بهذا التقابل بين «النجمة» و«عواء الذئب» يتأسّس محور ثنائي: أملٌ يختفي في اللحظة نفسها التي يتكثّف فيها الخطر.

في السطر التالي: «واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ»، تتحوّل «الغابة» إلى فضاء رمزي واسع يضمّ العالم/المحيط/النظام الدولي، أو البيئة السياسية الملتبسة التي تتحرّك فيها القوى المتنازعة. فعل «استنفرت» يحمل دلالة التعبئة والاستدعاء القسري، فليلى (العراق) لا تدخل المشهد طواعية، بل تُستدعى إلى مسرح الكارثة، في حين أن «ثياب الريح» تكشف عن حالة هشاشة وعراء؛ فهي ليست ثياب حماية، بل ثياب انكشاف، ما يضاعف شعور الضحية بالعجز أمام القوى التي تستنفرها وتدفعها إلى مواجهة المصير.

يتعزّز هذا المعنى في قوله: «تدعو للرَّحيلْ / فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ»، إذ تُدفَع ليلى –بوصفها ذاتاً جمعية/وطنية– إلى نوع من الرحيل أو الفكاك، لكن هذا الرحيل ليس فوق أرض صلبة، بل فوق «بحر الحب والخبز»؛ أي فوق الحاجات الإنسانية الأساسية: العاطفة والعيش اليومي. البحر هنا ليس فقط فضاء اتساع، بل أيضاً فضاء اللاستقرار، ما يوحي بأن أبسط مقوّمات الحياة (الحب، الخبز) قد تحوّلت إلى سطحٍ مائع لا يمكن الاتكاء عليه، وأنّ الرحيل ذاته يجري فوق ما كان ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة، فإذا به يتحوّل إلى عنصر قلق واضطراب.

ويبلغ التوتّر ذروته في صورة «وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً / ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ». فـ«الشوق» هنا ليس حنيناً فردياً، بل حنينٌ جمعي لوطنٍ مستقرّ أو ماضٍ أقلّ قسوة. غير أنّ هذا الشوق يُصدم ويُصدَع؛ أي يُشقّ ويُفَتّت تحت وطأة «أقراص الصهيل». إنّ ربط الصهيل بـ«الأقراص» يحوّل صوت الخيل (ومن ورائها الآلة العسكرية والدبابات والمركبات المدرّعة) إلى ضربات معدنية متتالية، تشبه الأقراص الصلبة الثقيلة التي تهوي على رأس الشوق، فتشوّش عليه وتمنعه من أن يتبلور في أفق أمل. هكذا تتداخل لغة الحصان (الصهيل) بلغة الحرب الحديثة، فيتحوّل الحنين إلى ضحية مباشرة للآلة العسكرية، ويصبح صوت الشوق خافتاً، مكسوراً، داخل ضجيج الحرب.

بهذا الترابط بين خفوت النجمة، واستنفار الغابة، ورحيل ليلى فوق بحر مضطرب من «الحب والخبز»، ثم تكسّر صوت الشوق تحت ضربات الصهيل، يقدّم الشاعر لوحة افتتاحية متماسكة ترمز إلى لحظة دخول الاحتلال: لحظة ينطفئ فيها الأفق، تُستدعى فيها الضحية إلى مسرح العنف، يُقوَّض فيها أساس العيش الإنساني، ويُسحق فيها الحنين تحت وطأة الجيوش المتقدّمة.

بين جدار الليل وكوّة الكوخ: جدلية العتمة والأمل في مصير ليلى

في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ

ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً

طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ

في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ

بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ

وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ

يواصل الشاعر في هذه الأبيات بناء المشهد الكابوسي عبر صورة مكثّفة: «في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ». فالليل هنا ليس زمناً فحسب، بل يتحوّل إلى «جدار»، أي إلى حاجز كثيف يُغلِق الأفق ويمنع الرؤية، فيما يصدر من داخله «صراخ الغابة العمياء»؛ والغابة العمياء توحي بعالمٍ مفعم بالفوضى والخوف، يتحرّك ويصرخ دون بصيرة أو اتجاه، في إحالة إلى واقعٍ سياسي/إنساني يتخبّط في الظلام. في قلب هذا المشهد، تظهر ليلى بوصفها ذاتاً متلهّفة على الخلاص: «ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً / طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ». لا تبحث ليلى عن انفجار ضوءٍ كاسح، بل عن شعاع متواضع يخرج من «كوّة» في «كوخ بعيد»؛ ما يعني أنّ الأمل هنا محدود، وواهن، لكنه مع ذلك باقٍ، ومتموضع في صورة بيت صغير، هامشي، بعيد عن مركز السلطة والخراب. هذا التصغير المتعمّد للأمل (كوّة/كوخ/بعيد) يضاعف من دلالته: فالخلاص محتمل، لكنه ليس قريباً ولا ميسوراً.

ويزيد الشاعر من تعقيد الصورة في قوله: «في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ / بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ / وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ». فعبارة «النهايات التي تمتد» تحمل مفارقة دلالية: النهاية حدّ وانقطاع، لكنها هنا «تمتد»، أي تتحوّل إلى أفق طويل من الاحتضار، إلى زمنٍ ممدود من اللاخاتمة. هذا الامتداد يجري «بين الشجر الملتف بالصخر»، حيث تتداخل عناصر الحياة (الشجر) بعناصر القسوة والجمود (الصخر)، بما يصوّر وجوداً محاصَراً: حياة محاطة بكتل صلبة خانقة. أما «السيقان في قاع البحيرة» فيمكن قراءتها بوصفها جذوراً أو أجساداً غارقة، ما يعمّق الإحساس بالاختناق والغرق؛ فثمة قاع مائي يبتلع السيقان/الكائنات، ويحوّل الحركة إلى سكون ثقيل. بهذه البنية المتشابكة –جدار الليل، صراخ الغابة العمياء، كوّة الكوخ البعيد، النهايات الممدودة، الشجر المختنق بالصخر، والسيقان الغارقة– يرسم الشاعر مساراً درامياً لمصير ليلى/العراق: من عتمة مطبقة وصراخ بلا جدوى، إلى أمل ضئيل بعيد، محاط في الآن نفسه بظروف خانقة تجعل اقتراب ذلك الأمل مهمة شبه مستحيلة، من دون أن تلغيه تماماً من أفق التخييل.

ليلى في مرمى العيون وقيس في هامش الحرب: العشق شاهداً على الخراب

هذهِ ليلى تدورْ

بينَ أحداقِ الشَّجرْ،

قيسُ لا ينظرُ مِنْ فوَّهةِ السَّهمِ،

ولكنْ مِنْ زوايا الْعينِ في قافيةِ الْعشقِ

وأصداءِ الْحروفْ.

في هذه الأبيات يقدّم الشاعر مشهداً دلالياً مضاعفاً؛ فـ«هذه ليلى تدور بين أحداق الشجر» ترسم أولاً صورة كائنٍ تائه، يتحرك في دائرة مغلقة، لا يستقرّ على اتجاه. غير أنّ الشجر هنا ليس عنصراً طبيعياً محايداً، بل يُمنح «أحداقاً»؛ أي يتحوّل إلى عيون، إلى شبكات مراقبة ومحاصرة، وكأن ليلى–بوصفها رمزاً للعراق/الضحية– محاصَرة بنظرات الطبيعة/العالم/القوى المحيطة، تُراقَب أكثر مما تُنصَر، وتُشاهَد أكثر مما تُحمى. في المقابل، يحضر قيس بوصفه العاشق التاريخي، لكنه لا يأتي من «فوهة السهم»، أي لا ينظر بعين المقاتل أو من منظار السلاح، فلا يشارك في منطق العنف، بل «من زوايا العين في قافية العشق وأصداء الحروف»؛ أي من هامشٍ إنساني–جمالي يقع خارج مركز الفعل العسكري. هذا التموضع يحمّله وظيفة الشاهد المحبّ: فهو يرى من موقع العاطفة واللغة، من حافة القصيدة لا من فوهة البندقية، فيتحوّل إلى رمز للمثقف/الشاعر/العاشق الذي لا يملك سوى «قافية العشق» و«أصداء الحروف» لمواجهة مأساة ليلى. هكذا ينشأ تضاد لافت: ليلى في قلب دائرة الرصد والخطر، وقيس في هامش المشهد، أسلحته الكلام والحب لا السهام، بما يشي بإدانة ضمنية لعجز العشق والكتابة أمام واقع الاحتلال، مع الإبقاء عليهما مع ذلك كآخر أشكال المقاومة الرمزية الممكنة.

 «من قلب ليلى إلى منفى النورس: تحوّل الوطن إلى ظلّ ومصير إلى منفى

لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ

في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ

والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ

والنِّهرِ الَّذي يجري بغيرِ الزَّورقِ الْأبيضِ وسْطَ الْموجِ

والنَّورسُ قد هاجرَ في الْحُلْم صدىً

خلفَ بقاعِ الثَّلجِ مرشوقاً بأنواءِ الْمصيرْ.

يعمّق الشاعر في هذه المقاطع صورة التلاشي الداخلي لليلى/العراق عبر قوله: «لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ»، فالقلب الذي يفترض أن يكون مركز الحياة والحرارة العاطفية لم يعد يُدرَك إلا كـ«ظل» باهت، منطبِع على «ورق ذابل» مسوَّد، بما يوحي بأن حضورها الوجداني والسيادي تحوّل إلى مجرّد أثر باهت في وثائق وخطابات وتواريخ منهكة. ويتّخذ هذا الفقد بعداً مكانياً واضحاً في قوله: «في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ / والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ»، إذ ينتقل الشاعر من الغابة والكوخ إلى مشهد حضري صلد: إسفلت، شارع مظلم، انحدار نحو «الجسر»، كأن الوجود كله يسير نحو نقطة عبور حاسمة لا يُعرَف ما بعدها. غير أنّ النهر الذي يفترض أن يكون معبراً إلى الضفة الأخرى من الخلاص «يجري بغيرِ الزَّورقِ الأبیضِ وسط الموج»، فيغيب رمز العبور الآمن (الزورق الأبيض: السلام، البراءة، النجاة)، ويظلّ النهر فيضاً جارياً بلا وسيلة إنقاذ، ما يعمّق الشعور بالانحباس في الضفة المعتمة. وتبلغ الصورة ذروتها الرمزية باستحضار «النَّورس» الذي «قد هاجرَ في الحلم صدىً / خلف بقاع الثلج مرشوقاً بأنواء المصير»؛ فالنورس –طائر الساحل والحرية والحركة– لم يعد كائناً حياً في فضاء الوطن، بل تحوّل إلى «صدى» بعيد لا يتحقق إلا في الحلم، ثم يُقذَف إلى «بقاع الثلج» البعيدة الباردة، حيث يُرمى «بأنواء المصير»؛ أي تتكفّل به عواصف القدر في منفى قاسٍ. بذلك تتضافر عناصر الصورة كلها لتأكيد فكرة مركزية: قلب ليلى في الداخل لم يبقَ منه إلا ظلّ على ورق ميت، والنهر والجسر لم يعودا طريق نجاة، والنورس رمز الحرية لم يجد مكانه إلا في منفى ثلجي بعيد، فيتحوّل الوطن والإنسان معاً إلى ظلال مكسورة بين شارعٍ مظلم ونهر بلا زورق ومصير منفيّ خارج الجغرافيا والدفء.

ليلى والذئب بين جوع الأرض وذبح القطيع: تفكيك معادلة الراعي الغائب

هذه ليلى، وهذا الذِّئبُ،

في قصةِ جوعِ الْأرضِ للرَّاعي

قطيعاً منْ شياهٍ

في انتظارِ الذَّبحِ بالسَّيفِ..

لساناً ورقابا....

في هذه الأسطر يحسم الشاعر المعادلة الرمزية التي مهّد لها منذ البداية: «هذه ليلى، وهذا الذئب»، فيسمّي الطرفين تسمية مباشرة، مثبتاً ثنائية الضحية/المفترس في صورتها العارية، ومنقلاً الحكاية من مستوى الإيحاء إلى مستوى التصريح. غير أنّ المفارقة الأعمق تظهر في قوله: «في قصةِ جوعِ الأرضِ للرَّاعي»، فالأرض –التي يُفترَض أن تكون موضوع رعاية– تُنسب إليها حالة «الجوع للراعي»، أي جوعٌ إلى قيادة عادلة، وحماية، ونظام يرعى القطيع. غير أنّ هذا الجوع نفسه ينفتح على كارثة: حين تغيب صورة الراعي الحقيقي، تتقدّم صورة الذئب ليملأ الفراغ؛ فيتحوّل احتياج الأرض للراعي إلى فرصةٍ سانحة لافتراسها.

في هذا السياق يَرِد تركيب «قطيعاً من شياهٍ / في انتظارِ الذبحِ بالسيف»، حيث تُختَزل الجماعة/الشعب في صورة قطيع مستسلم، لا يملك من أمره شيئاً، ينتظر الذبح بوصفه قدراً محتوماً. وتأتي إضافة «لساناً ورقابا» لتوسّع معنى الذبح من بعده الجسدي إلى بعدٍ رمزي أشمل: فالذبح يصيب «الرقاب» (الحياة، الجسد، الوجود الفيزيقي) و«اللسان» (الهوية، اللغة، الخطاب، القدرة على الشهادة والاحتجاج). بهذا لا يعود العنف مقتصراً على القتل المادي، بل يشمل أيضاً إسكات الصوت ومحو الذات الثقافية.

تتكوّن لدينا، من خلال هذا المقطع القصير، بنية دلالية مركّبة:

أرض جائعة لراعٍ غائب، وقطيع بلا حماية، وذئب يملأ فراغ السلطة، وذبح يطال الجسد واللغة معاً.

وبذلك يتجاوز الشاعر سرد حكاية «ليلى والذئب» بوصفها مواجهة فردية، ليقدّمها كقصة انهيارٍ شامل لمنظومة الرعاية والعدل، وكمجازٍ عن واقعٍ سياسي تتحوّل فيه الشعوب إلى قطعان معطّلة الإرادة، في ظلّ أرضٍ تستدعي من يرعاها، فلا يأتيها إلا الذئب.

قيس في سعير الكوخ وذبح الورد: احتراق العشق تحت طائرات الأباتشي

آهِ، يا ليلى،

هوَ الْعاشقُ قيسٌ يتلوَّى

منْ سعيرِ الْكوخِ في هاويةِ الْعشقِ

وفي أطرافها عَظْمُ الْحمامْ

ريشةٌ تسقطُ في الشَّوقِ نزيفاً

مِنْ ضلوعِ الْوردِ لمْ يُهدَ،

ولكنْ ذُبِحَتْ أغصانُهُ،

قُطِّعتْ أوصالُهُ،

بينَ دروبِ الْغابةِ الْمفتوحةِ الْأشداقِ والْأحداقِ

في سِرْبِ الأپاتشي....

يفتتح الشاعر هذا المقطع بالنداء: «آهِ، يا ليلى»، ليؤطّر ما يليه في خطاب رثائي مباشر للأنثى–الوطن، قبل أن يقدّم صورة قيس: «هو العاشق قيسٌ يتلوّى / من سعير الكوخ في هاوية العشق». لم يعد قيس عاشقَ البادية الرومانسي، بل كائناً يحترق «من سعير الكوخ»، أي من نارٍ مشتعلة في فضاء السكن البسيط، الكوخ–البيت الشعبي، في إشارة إلى أن العشق نفسه بات يتموضع في «هاوية»؛ فالحب هنا ليس خلاصاً بل سقوطاً معذِّباً. وتتجسّد فظاعة هذه الهاوية في أطرافها حيث «عظم الحمام»؛ فالحمام، رمز السلام والبراءة، لم يبقَ منه سوى العظم، أي أن السلام كقيمة ووجود قد قُتل، ولم يبقَ إلا هيكله. ويستكمل الشاعر هذا الخط التصويري بصورٍ متلاحقة: «ريشةٌ تسقط في الشوق نزيفاً»؛ فالريشة –التي يمكن أن تُقرأ كريش حمام أو كقلم كتابة– لا تسقط سقوطاً عادياً، بل «نزيفاً»، فيرسم بذلك تماهياً بين الدم والحبر والحنين، كأن الشوق نفسه جرح نازف. وهذه الريشة النازفة «من ضلوع الورد لم يُهدَ» تشير إلى وردةٍ كان يفترض أن تُهدى في سياق حب وسلام، لكنها لم تُمنَح لأحد؛ إذ لم يتح للحياة أن تأخذ مسارها الطبيعي، بل إن «أغصانه ذُبحت، قُطّعت أوصاله»، فيتكرّس ذبح الجمال والنعومة والوداعة في صلب المشهد.

هكذا ينتقل العنف من ذبح القطيع سابقاً إلى ذبح الورد نفسه هنا، بما يحوّل الطبيعة الرقيقة إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب. ويُكمِل الشاعر بناء المشهد الكابوسي بقوله: «بين دروب الغابة المفتوحة الأشداق والأحداق / في سرب الأپاتشي»، حيث تعود «الغابة» كفضاء رمزي، لكنها الآن «مفتوحة الأشداق والأحداق»: أفواه وحشية فاغرة وعيون متربصة، في إحالة إلى عالمٍ/نظام دولي/محيط يراقب ويفترس في آن واحد. وتتوجّ هذه الصورة بذكرٍ صريح لـ«سرب الأباتشي»، فيخرج النص من حقل الرموز المجازية الخالصة إلى التسمية المباشرة لآلة الحرب الأميركية. بذلك يتجاور قيس العاشق المحترق في كوخه، والحمام المكسور، والورد المذبوح، مع طائرات الأباتشي في مشهدٍ واحد؛ فيغدو العشق والثقافة والجمال كلّها مكوّنات تحترق تحت واقعٍ عسكري عنيف، وتتحوّل «هاوية العشق» إلى استعارة شاملة لسقوط الإنسان–العاشق في زمن الاحتلال، حيث لا مكان للحمام والورد والكوخ الآمن أمام جبروت «سرب الأباتشي» و«الغابة المفتوحة الأشداق.

 راقصة المعبد والملك المهووس وبيلاطس: مسرح الدم و تبرؤ السلطة من الجريمة

هذهِ ليلتُها راقصةُ الْمعبدِ،

هذا الْملكُ الْمهووسُ يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً

من دم المسفوحِ فوق الخشبهْ،

ولسانُ الذَّبحِ ممدودٌ الى أيدي السَّرايا النَّائمهْ

وبيلاطسْ،

ذلك الْهاربُ منْ ذَنْبِ الصَّليبْ

غاسلاً وجهَ يديهِ، صارخاً:

إني بريءٌ من دمِ الْقدِّيس هذا،

فخذوهْ،

وانظروا فيهِ،

ويبقى صامتاً،

يرقبُ فوقَ الْعرشِ تاريخَ الصَّليبْ.

 في هذا المقطع ينقل الشاعر المشهد من غابة الحرب وأطراف الكوخ إلى فضاء طقسي–مسرحي كثيف الرموز: «هذه ليلتُها راقصةُ المعبدِ». تُقدَّم ليلى هنا في هيئة «راقصة المعبد»؛ أنثى تُستَخدم في طقس يبدو مقدساً، لكنه في العمق طقس استغلال وعرض. فالمعبد، بوصفه مكاناً للقداسة، يتحول إلى مسرح، والراقصة إلى جسدٍ يُستثمر ضمن طقس دموي، في إحالة إلى استغلال الوطن/العراق في طقوس سياسية–إعلامية تبريرية تُدار فوق دم الضحية.

في مواجهة هذه الراقصة يظهر «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً من دمٍ مسفوحٍ فوق الخشبة». الملك هنا رمز للسلطة المطلقة، المحلية أو الكونية، التي تتصرّف بهوس وتموضع الحرب في هيئة طقس شرب للدم؛ فالأرض تُسقى دماً كما لو كان نبيذاً، و«الخشبة» تتحول إلى منصة للذبيحة: خشبة مسرح، أو منصة إعدام، أو امتداد لصورة الصليب اللاحقة. هكذا تتخذ الحرب شكل «مسرح مقدس زائف» تُدار فيه طقوس التضحية بالبشر على يد ملك مأخوذ بجنون السلطة.

ويزيد الشاعر وضوح البعد الدموي بقوله: «ولسانُ الذبحِ ممدودٌ إلى أيدي السرايا النائمة». فـ«لسان الذبح» هو حدّ السكين وأداة القتل، وهو هنا ممدود إلى أيدٍ ليست بريئة من الدم؛ إذ تحيل «السرايا النائمة» في سياق ما بعد 2003 إلى الخلايا والتنظيمات المسلحة ذات الطابع الأصولي، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة والجماعات المشابهة التي مارست التفجيرات والذبح والقتل الطائفي داخل المشهد العراقي. وبهذا يوسّع الشاعر دائرة المسؤولية؛ فالدم ليس نتاج الملك المهووس وحده، بل تشارك فيه تلك السرايا التي انتقلت من «النوم» إلى ممارسة العنف الأعمى، فالتقطت «لسان الذبح» وأسهمت في تعميق المأساة وتمزيق النسيج الاجتماعي.

عند هذه النقطة يدخل «بيلاطس» إلى المشهد بوصفه رمزاً تاريخياً–دينياً: «ذلك الهارب من ذنب الصليب، غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا، فخذوه، وانظروا فيه». يستدعي الشاعر شخصية بيلاطس البنطي الذي، في الرواية المسيحية، غسل يديه معلناً براءته من دم المسيح. غير أن القصيدة تعرّي هذه البراءة؛ فبيلاطس «هارب من ذنب الصليب»، أي شريك ضمني في الجريمة، يختبئ خلف طقس غسل اليدين والعبارة القانونية–الخطابية. يُسقِط الشاعر هذا النموذج على الواقع السياسي المعاصر، حيث تتنصّل قوى كبرى من مسؤوليتها عن الدماء المسفوكة عبر خطاب قانوني/أخلاقي يسلّم الضحية للجلادين («فخذوه، وانظروا فيه») ثم يتراجع إلى موقع المتفرج.

ويُختَم المشهد بقول الشاعر: «ويبقى صامتاً، يرقبُ فوق العرش تاريخَ الصليب». فـ«بيلاطس» المعاصر، أي سلطة القرار العالمية، يجلس فوق العرش في موقع السيادة، لا يفعل سوى أن يراقب تكرار تاريخ الصلب، أي إعادة إنتاج مشاهد الذبح والتضحية بالشعوب والأبرياء، بصمت ثقيل. هكذا يتشكّل مشهد ثلاثي الطبقات:

- ليلى/راقصة المعبد: الضحية المستثمَرة في طقس الدم،

- الملك المهووس والسرايا النائمة: سلطة قمعية وسرايا مسلحة تشارك بالفعل أو بالصمت في إنتاج المذبحة،

- وبيلاطس: نموذج التبرؤ الكاذب من الدم، يراقب من عرشه «تاريخ الصليب» وهو يتكرر.

بهذا تتحول الحرب على العراق، في هذا المقطع، إلى «مسرح لاهوت سياسي» مقلوب: معبد وراقصة وملك وسرايا وبيلاطس جديد يرفع شعار البراءة، فيما تُدار أمامه أعنف طقوس الذبح والتضحية

من ليلى إلى (أنتم جميعاً): مساءلة الجماعة في ليل الصلب والعويل والدخان

هذهِ ليلتُكم، أنتمْ جميعاً،

فوق صُلبانِ الرَّحيلْ،

ايُّها الرَّكبُ الْموالي لظلامِ الْكأسِ والْموجةِ

والْعاصفةِ الرَّعناءِ، والْعشق الْحرامْ.

هذه ليلتُكمْ،

في الْغابةِ المُختلَّةِ الْأرجاءِ بالرُّعبِ،

وأقدامِ الظَّلامْ،

ودروبِ الْأُفعوانْ...

هذهِ ليلتكُم..

فيضُ عويلٍ مِنْ سراديبِ الْمَلِكْ

والدَّهاليزِ الْعميقهْ

في مزاميرِ الدُّخانْ....

في هذا المقطع ينتقل الشاعر انتقالة حاسمة من خطاب الضحية المفردة (ليلى) إلى خطابٍ جمعي يتوجّه إلى «أنتم جميعاً»، فيقول: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». لم تعد الليلة ليلة ليلى فقط، بل باتت ليلة الكل: الجلّاد والضحية، المتفرّج والمتواطئ، الساكت والمشارك. تعبير «فوق صلبان الرحيل» يقدّم الرحيل –الهجرة، النزوح، الفقدان– لا كخيار حرّ، بل كنوعٍ من الصلب الوجودي؛ فالإنسان المقهور مصلوبٌ على صليب الغربة والاقتلاع، وكأن الرحيل نفسه عقوبة وجلد. ويتوجّه الشاعر مباشرة إلى «الرَّكبِ الْموالي لظلام الكأس والموجة والعاصفة الرعناء والعشق الحرام»، فيدين منظومة كاملة من القيم والسلوكيات:

«ظلام الكأس» يحيل إلى سُكرٍ/لاوعي سياسي وأخلاقي، «و الموجة» إلى الانقياد الأعمى للتيارات الإعلامية/السياسية،

«والعاصفة الرعناء» إلى الحروب والقرارات المتهوّرة، «والعشق الحرام» إلى التحالفات والمصالح غير المشروعة.

بهذا يكون الخطاب موجَّهاً إلى قوى وأنظمة وجماهير اختارت الاصطفاف مع العتمة، أو انجرفت معها، فيُحمِّلها الشاعر نصيبها من المسؤولية عن الكارثة.

ويعمّق الشاعر هذا الاتهام حين يعلن مجدّداً: «هذه ليلتكم»، ثم يرسم فضاءها: «في الغابة المختلة الأرجاء بالرعب، وأقدام الظلام، ودروب الأفعوان». الغابة هنا تعود رمزاً للعالم/النظام الدولي، لكنها «مختلّة الأرجاء»؛ أي فقدت توازنها وغاياتها، وصارت مُفكَّكة، تسيطر عليها «أقدام الظلام»؛ فالظلام لم يعد حالة سكونية، بل قوة تمشي وتغزو وتطأ. أما «دروب الأفعوان» فتوحي بطرق متعرّجة، خادعة، مملوءة بالسمّ، في إحالة إلى سياسات ملتوِية، ومؤامرات، وتحالفات سريّة تحكم حركة هذا «الركب» في ليله. ويصل المقطع إلى ذروته في الخاتمة: «هذه ليلتكم.. فيض عويلٍ من سراديب الملك، والدهاليز العميقة، في مزامير الدخان». فالعويل هنا لا يأتي من الشوارع فقط، بل من «سراديب الملك» و«الدهاليز العميقة»: أقبية السلطة، غرف القرار، المخابئ المحصّنة؛ أي من قلب البنى الحاكمة ذاتها. و«مزامير الدخان» عبارة كثيفة تربط بين «المزامير» (أناشيد، تراتيل، نصوص مقدّسة أو خطابية) و«الدخان» (النار، الحرب، الإخفاء، الغموض)، لتشير إلى أن الخطابات التي تُنتَج من تلك الدهاليز –سواء كانت خطاباً دينياً أو سياسياً أو إعلامياً– ليست سوى تراتيل مغطاة بالدخان، تبرّر الخراب وتؤدلجه وتغطي على صوته الحقيقي، الذي يبقى «فيض عويل». بهذه البنية المتماسكة، يغلق الشاعر القصيدة بإعادة توزيع المسؤولية: لم يعد الليل ليل ليلى وحدها، بل ليل الجميع، حيث تتجاور صلبان الرحيل، وغابة الرعب، ودروب الأفعوان، وعويل السراديب، ومزامير الدخان؛ فيتحوّل النص كله إلى شهادة إدانة لزمنٍ كامل، لا لحدث احتلالٍ منفرد فقط.

 البنية الرمزية والتناص الديني–السياسي في قصيدة «ليلى والذئب»

 نهض قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نور علي على بنية رمزية كثيفة تستثمر الحكاية الشعبية، والأسطورة، والدين، والتاريخ، في إعادة تمثيل اللحظة العراقية بعد احتلال 2003. فالقصيدة لا تتعامل مع الحدث السياسي بوصفه واقعة مباشرة، بل تعيد صياغته في صورة نظام علاماتي تتجاور فيه الشخصيات والأمكنة والحركة والظلال لتنتج «أسطورة عراقية» جديدة. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تستند إلى البعد البنيوي–السيميائي في تحليل اشتغال الرمز، وإلى البعد السياسي–النفسي في إضاءة الخلفية التاريخية والجرح الجمعي الذي يقوم عليه النص.

يبدأ النص بعنوانه «ليلى والذئب»، وهو عنوان يقوم على قناع رمزي مزدوج؛ فـ«ليلى» لا تُستحضَر بوصفها شخصية تراثية بريئة فحسب، بل بوصفها صورة للعراق–الأنثى، الجريحة، المطاردة، الباحثة عن نور بعيد. و«الذئب» لا يُقرأ باعتباره حيواناً مفترساً، بل قناعاً لقوّة الاحتلال وقوى الفوضى التي اجتاحت البلاد. وبهذا التأسيس، يُدخل العنوان القارئ مباشرة في ثنائية مركزية هي ثنائية الضحية/المفترس، وهي ثنائية تتكرر على امتداد القصيدة وتشكّل محوراً بنيوياً يمكن تتبّعه عبر المستويات المختلفة للنص.

منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، تتكرّس لحظة الانهيار: انطفاء الضوء وعلوّ صوت المفترس. النجمة علامة الأمل، و«عواء الذئب» علامة الخراب القادم. هذا التوتر بين الضوء والعواء يفتح النص على فضاء رمزي تتداخل فيه الطبيعة مع السياسة، ويتحوّل الليل إلى بنية دلالية تمثل الفوضى والاحتلال. في هذا السياق، تغدو «الغابة» في الأبيات اللاحقة رمزاً لـ«فضاء سياسي مختلّ»، حيث تُستنفَر ليلى «في ثياب الريح»؛ أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إحالة إلى انهيار اليومي وتصدّع البنية المعيشية في مواجهة آلة الحرب.

يتعمّق البناء الرمزي بحضور شخصية قيس، العاشق الذي «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس هنا لا يعود مجرّد عاشق تراثي، بل يتشكّل رمزاً للمثقف/الشاعر العراقي الذي يرى الخراب ولا يملك سوى اللغة أداةً للمواجهة. إنّه شاهدٌ عاجز، يراقب ليلى وهي تتحوّل إلى «ظلّ في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل. هذا الانتقال من الجسد إلى الظل، ومن الحضور الحيّ إلى «الورق الذابل»، يكشف البعد النفسي للنص، حيث تتجسّد الصدمة الجماعية في صور الانطفاء والذبول والتلاشي.

وتتسع الدلالة حين ينتقل النص إلى فضاء المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه الصور لا تُقرأ بوصفها وصفاً طبيعياً، بل بوصفها علامات سياسية تشير إلى مدينة فقدت أمنها، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ غادر فضاء الوطن. في هذا المستوى يتجلّى بوضوح عمل القراءة السيميائية في ربط العلامة بسياقها التاريخي والسياسي.

في المقطع الذي يقول فيه الشاعر: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي»، تتبلور البنية السياسية للقصيدة بأقصى درجات وضوحها. فـ«جوع الأرض للراعي» يشي بعراقٍ بلا قيادة حقيقية، وبلا حماية، وبشعبٍ يُختزَل في صورة «قطيع في انتظار الذبح». والذبح هنا لا يُفهم كاستعارة بعيدة، بل كإحالة مباشرة إلى العنف المنفلت الذي اجتاح البلاد بعد الاحتلال. وتأتي صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من الدم» لتؤكد هذا المعنى، حيث يتحوّل الحاكم إلى رمز للطغيان الجديد، وتتحوّل الأرض إلى خشبة مسرح تُسفك عليها الدماء.

يبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء شخصية بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا». هذا التناص يفتح النص على فضاء ديني–تاريخي واسع يربط بين العراق والمسيح، وبين الاحتلال والصلب، وبين العالم وبيلاطس الذي يغسل يديه من الدم. إنه تناص يكشف تواطؤ القوى الدولية، ويحوّل العراق إلى «قدّيس» يُصلب أمام أنظار عالمٍ يكتفي بإعلان البراءة اللفظية. في هذا الموضع يتجلى بوضوح دور التناص الديني في تعميق البعد الأخلاقي–السياسي للقصيدة.

تكتمل اللوحة حين يعلن الشاعر: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». فالصلبان هنا ليست دينية خالصة، بل صلبان سياسية: صلبان المنافي، والتهجير، والرحيل القسري. وتتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» بوصفها علامات على دهاليز السياسة الجديدة التي دُفع إليها العراق بعد 2003: طرق ملتوِية، وبُنى سلطة معتمة، وخطابات تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».

بهذا تتكامل البنية الرمزية مع التناص الديني–السياسي في إنتاج نص يقوم على تراكب طبقات المعنى:

- طبقة أسطورية: (ليلى/الذئب/الغابة)،

- طبقة سياسية: (الاحتلال/الملك/الأباتشي)،

- طبقة دينية: (بيلاطس/الصلب/القديس)،

- طبقة نفسية: (الخوف/التيه/الظل/النزيف).

وتعمل هذه الطبقات مجتمعة على تحويل التجربة العراقية إلى تراجيديا كونية، تُقرأ فيها الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحيةً تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وبهذا تتجاوز القصيدة حدود اللحظة السياسية المباشرة لتغدو نصاً رمزياً مفتوحاً يشتغل على الذاكرة والجرح والهوية، ويعيد صياغة الواقع عبر لغة أسطورية مكثّفة تجعل من الشعر شهادةً على زمنٍ يتداخل فيه الدم مع الأسطورة، والليل مع التاريخ، والرمز مع الحقيقة.

قراءة بنيوية–سيميائية وسياسية–نفسية في قصيدة «ليلى والذئب »

تقدّم قصيدة «ليلى والذئب» علي بنية رمزية كثيفة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد احتلال 2003 عبر شبكة من العلامات يتداخل فيها الأسطوري بالحكائي، والديني بالتاريخي، والذاتي بالمديني، بحيث يغدو النص فضاءً دلالياً متعدّد الطبقات. ومن هنا تبرز أهمية قراءته قراءة بنيوية–سيميائية تكشف انتظام العلامات في نسيجه الداخلي، وقراءة سياسية–نفسية تضيء خلفيته التاريخية والجرح الجمعي الكامن فيه.

ينطلق النص من عنوانه «ليلى والذئب»، القائم على قناع رمزي مزدوج: فـ«ليلى» لا تُفهم هنا بوصفها شخصية بريئة فحسب، بل قناعاً للعراق–الأنثى/الأرض، الجريحة المطاردة الباحثة عن نور. و«الذئب» ليس الحيوان المفترس بل قناع الاحتلال وقوى الفوضى. هكذا يتأسس منذ العتبة الأولى محورٌ بنيوي ضديّ (ضحية/مفترس) يعمل منظِّماً دلالياً يربط بين الصور والمقاطع.

منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، يستعلن مشهدُ الانهيار: انطفاءُ الضوء وصعودُ صوت الخراب. النجمة علامة أمل، و«عواء الذئب» علامة تهديد، والليل يتحوّل إلى بنية دلالية تُمثِّل الفوضى/الاحتلال. في هذا الإطار تُستَنفَر «ليلى في ثياب الريح»، أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إشارة إلى أنّ أبسط مقوّمات الحياة (العاطفة، العيش اليومي) قد تزلزلت تحت وطأة الحرب. هنا يشتغل التحليل السيميائي على تتبُّع تحوّل عناصر الطبيعة إلى علامات سياسية.

يتعمّق البناء الرمزي بحضور قيس: «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس ليس العاشق التراثي فحسب، بل نموذج المثقف/الشاعر العراقي الذي لا يملك في مواجهة الخراب سوى اللغة، فيرى ولا يغيّر، ويشهد ولا يَفعل. تتحوّل ليلى في منظوره إلى «ظل في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل، وهو ما يفتح أفق قراءة نفسية تلاحق آثار الصدمة الجماعية في صور الذبول والانطفاء.

يتسع فضاء القصيدة بالانتقال إلى المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه ليست لوحات طبيعية بل علامات على مدينة مهدّدة، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ منفيّ. يتوازى ذلك مع التصريح بالمعادلة الرمزية: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي». الأرض الجائعة للراعي هي عراق بلا قيادة حامية، وشعبٌ «قطيع في انتظار الذبح»، بما يحيل مباشرة إلى العنف والانهيار الأمني بعد 2003.

يتبلور البعد السياسي–الأسطوري أكثر في صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من دم مسفوح فوق الخشبة»، حيث تغدو الحرب طقساً دموياً يُدار فوق خشبة مسرح/صليب، وتتحوّل الأرض إلى مسرحٍ مفتوح للذبيحة. ويبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا»، بما يربط بين مأساة العراق ومشهد صلب المسيح، ويرمز إلى القوى الدولية التي تغسل يديها من الدم وهي في قلب ماكينة القرار. هكذا يغدو العراق «قدّيساً» يُصلب أمام أعين عالم يتواطأ بالصمت أو بالتبرير.

في الخاتمة، ينقل الشاعر الخطاب من «ليلها» إلى «ليلتكم أنتم جميعاً»: «فوق صلبان الرحيل». الصلبان هنا صلبان المنفى والتهجير والاقتلاع، لا الصليب الديني وحده. تتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» علاماتٍ على دهاليز السياسة الجديدة: مسارات ملتوِية، أنظمة رعب، وخطابات (مزامير) تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».

بهذا تتكامل مستويات القراءة البنيوية–السيميائية مع الأبعاد السياسية والنفسية، لتكشف أن القصيدة لا تكتفي بوصف الحدث العراقي، بل تعيد كتابته بلغة أسطورية مكثفة تجعل من التجربة المحلية تراجيديا كونية؛ حيث تُقرأ الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحية تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وهكذا يتبدّى النص بنية رمزية مفتوحة تتجاوز لحظة 2003 لتندرج في سردية أعمق عن الجرح والهوية والذاكرة.

 خاتمة

تُظهر القراءة المتكاملة لقصيدة «ليلى والذئب» أنّ النص يقوم على بنية رمزية محكمة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد 2003 ضمن منظومة دلالية يتشابك فيها الرمز بالسياق، والذات بالفضاء الجمعي. لا يتعامل الشاعر مع الاحتلال بوصفه واقعة سياسية فحسب، بل لحظة تأسيسية لإعادة تشكيل الوعي، وهو ما يفسّر لجوءه إلى بناء أسطوري–رمزي يستثمر الحكاية الشعبية والدين والتاريخ لتوليد خطاب شعري قادر على احتواء الصدمة وتمثيلها.

كشف المنهج البنيوي عن مركزية ثنائية «ليلى/الذئب» بوصفها محوراً دلالياً تتفرّع عنه ثنائيات أخرى: نور/ظلام، ضحية/مفترس، مدينة/غابة، عشق/ذبح. وتبيّن عبر التحليل السيميائي أنّ العلامات الكبرى—مثل الغابة، والليل، والكوخ، والنورس، والشارع المظلم، والصلب، وبيلاطس—تنتظم في شبكة واحدة تُحوّل الحدث التاريخي إلى سردية رمزية ذات طابع كوني.

أما البعد السياسي فليس طبقة خارجية، بل جزء من نسيج النص؛ إذ تتجسّد آثار الاحتلال في صور الذبح والدم والملك المهووس والأباتشي والغابة المختلّة، بما يعيد تمثيل انهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء للرعب، ويُظهر رؤية شعرية تُحمّل الاحتلال والسلطة معاً مسؤولية التفكك. وفي المستوى النفسي، تجلّت الصدمة الجماعية في صور الظل والذبول والنزيف والتيه؛ فليلى ذات مجروحة تبحث عن خلاص بعيد، وقيس ضمير مأزوم يراقب الخراب عاجزاً عن الفعل، بما يؤكد وظيفة الشعر في محاولة ترميم الوعي الفردي والجماعي.

إن تضافر القراءات البنيوية والسيميائية والسياسية والنفسية يبيّن أن «ليلى والذئب» نصّ متعدّد الطبقات لا يُجدي معه منهج أحادي، لأنه يعيد بناء الواقع عبر لغة رمزية كثيفة تجعل من التجربة العراقية تراجيديا ذات أبعاد كونية؛ تُقرأ فيها الجغرافيا قدراً، والتاريخ صليباً، والإنسان ضحية تبحث عن نورٍ في «كوّة الكوخ». وبهذا تقدّم القصيدة نموذجاً لشعر يدمج بين الجمالي والتاريخي، ويجعل من الرمز أداة لإعادة بناء الوعي في زمن الانهيار.

***

سهيل الزهاوي

 

دراسة نقدية موسّعة لقصيدة «في غربتي» للشاعرة آمال بوحرب

تُعَدّ الغربة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً وتشظّياً، لأنها لا تتمثّل في الابتعاد عن المكان فحسب، بل في انفصال الذات عن يقينها الداخلي، وعن اللغة التي كانت تؤويها، وعن الذاكرة التي تمنح الوجود معناه. ومن هنا، فإن الشعر الحديث لم يعد يتعامل مع الغربة بوصفها موضوعاً وجدانياً عابراً، بل بوصفها أزمة أنطولوجية تمسّ الكينونة ذاتها، وتكشف هشاشة الإنسان أمام التحوّلات الوجودية والنفسية والثقافية التي تعصف بعالمه الداخلي والخارجي معًا.

وفي هذا السياق، تأتي قصيدة «في غربتي» للشاعرة التونسية آمال بوحرب بوصفها نصّاً شعرياً كثيفاً ومفتوحاً على مستويات متعددة من القراءة والتأويل، حيث تتجاوز القصيدة حدود التعبير العاطفي المباشر لتؤسس رؤية شعرية وفلسفية عميقة، تجعل الغربة حالةً من الانشطار الداخلي، والتبعثر الهويّاتي، والتشظّي الوجودي. فالذات في هذا النص لا تفقد المكان فقط، بل تفقد انسجامها مع اسمها، وصوتها، وذاكرتها، وحتى مع لغتها التي تتحوّل في النهاية إلى كيان يتيم: «لغةً بلا أهل».

وتنبع أهمية هذه القصيدة من قدرتها على بناء معمار لغوي ورمزي شديد الكثافة، قائم على الانزياحات التركيبية، والصور التحوّلية، والتبادل الحسي، والانفتاح التأويلي، بما يجعل النص فضاءً حيّاً لإنتاج المعنى، لا بنية مغلقة ذات دلالة واحدة. كما تتجلّى فيها طاقة شعرية واضحة من خلال الإيقاع الداخلي، والتكرار البنائي، والموسيقى الخفيّة، فضلًا عن توظيف الرموز والإشارات بوصفها أدوات لكشف البنية العميقة للاغتراب الإنساني.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة، تنفتح على المناهج الأسلوبية، والبلاغية، والنفسية، والسيميائية، والتفكيكية، والهيرمينوطيقية، فضلاً عن النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة، لا على معنى أحادي نهائي. ومن ثمّ، فإن هذه الدراسة لا تبحث عن “المعنى الصحيح” للنص، بقدر ما تحاول الكشف عن طاقته التأويلية، وعن تعدّد طبقاته الدلالية والفلسفية والجمالية.

كما ستتوقّف الدراسة عند البنية اللغوية والصرفية والنحوية للقصيدة، وعند صورها الحركية والتحوّلية، وانزياحاتها الزمنية والتركيبية، فضلاً عن أبعادها النفسية والاجتماعية والرمزية، للكشف عن الكيفية التي استطاعت بها الشاعرة آمال بوحرب أن تحوّل تجربة الغربة من حالة فردية إلى تجربة إنسانية كونية، يتقاطع فيها الألم الشخصي مع سؤال الوجود، ويتحوّل فيها الشعر إلى محاولة لاستعادة الذات عبر اللغة، أو الاحتماء بها من السقوط النهائي في العدم.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتميّز القصيدة بسلامة تركيبية عالية، وباقتصاد لغوي شديد الكثافة، حيث تميل الشاعرة آمال إلى الجمل القصيرة المتوترة دلالياً، مع توظيف الانزياح بوصفه أداة لإعادة تشكيل العالم لغوياً.

تقول:

«أتمدّدُ خريطةً بلا حدود

تُخطئني الجهات»

الجملة هنا تقوم على انزياح تركيبي ودلالي معاً؛ فالذات لا “تحمل” خريطة، بل “تصير” خريطة. إنّه انتقال من الامتلاك إلى التماهي. وهذا التحوّل يخلق استعارة وجودية كبرى تجعل الجسد فضاءً جغرافياً ضائعاً.

أما قولها:

«أُجزِّئ اسمي

أناديه فلا يلتفت»

فهو من أعمق الانزياحات النفسية في النص؛ إذ يتحوّل الاسم من علامة تعريف إلى كائن مستقلّ، ينفصل عن صاحبه. هنا تتجلّى أزمة الهوية في أرقى صورها البلاغية.

ويُلاحظ اعتماد الشاعرة على الأفعال المضارعة: (أتمدّد، أجزّئ، أمشي، أحمل، أصادق، أزرع، أغنّي…)

وهو اختيار دقيق يمنح النصّ حركية واستمرارية، وكأنّ الغربة فعلٌ دائم الحدوث لا ينتهي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

لغة النصّ متوازنة بين الرهافة الفكرية والاقتصاد الشعري. لا وجود للترهّل أو الحشو. المفردات تنتمي إلى حقلين متقابلين:

حقل الضياع: (الريح، الذئب، الصدى، الغروب، الغريب، الأسئلة)

وحقل الهوية: (الاسم، البيت، الصوت، اللغة، الذاكرة)

هذا التوتر المعجمي يخلق دينامية داخلية تجعل النص يتحرك بين التلاشي والتشبث بالوجود.

وتبرز وجاهة التعبير في صور مثل:

«الوقتُ يدور حولي

كذئبٍ أليف»

إنها صورة تجمع بين الألفة والافتراس في آنٍ واحد، فتنتج مفارقة نفسية عالية العمق.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، لكنها تمتلك موسيقى خفيّة قائمة على:

التكرار البنائي:

«في غربتي»

هذا التكرار يعمل كعتبة إيقاعية ونفسية، ويشكّل لازمة شعورية تُعيد القارئ إلى مركز الألم.

الجرس الصوتي: التقارب بين الأصوات المهموسة: (الصاد، السين، الشين) في:

«أحصدُ صمتي

في سنابلَ من حنين»

يخلق موسيقى حزينة متدفقة.

الإيقاع النفسي: النص يعتمد على التقطيع البصري والوقفات القصيرة، ما يعكس التقطّع الداخلي للذات.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النصّ يقوم على بنية دائرية تبدأ بالغربة وتنتهي باللغة بوصفها الملاذ الأخير:

«أستيقظ وحدي

لغةً بلا أهل»

وهنا تتحوّل الذات إلى لغة مهجورة، بما يحيل إلى اغتراب الإنسان حتى عن وسيلته التعبيرية.

كما أن القصيدة تعتمد معماراً تصاعدياً:

أ- ضياع المكان

ب- تشظّي الاسم

ج- انهيار البيت

د- انقسام الملامح

ه- اغتراب اللغة

أي أننا أمام رحلة تفكك تدريجي للذات.

٢. الرؤية الفنية

ترى الشاعرة العالم بوصفه فضاءً متحوّلًا فاقدًا للثبات:

«المدن تتبدّل في وجهي»

فالمدينة هنا ليست مكاناً، بل قناعاً متغيّراً. وهذا يضع النص ضمن الحساسية الحداثية التي ترى الواقع سائلاً ومتقلّباً.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص غنيّ بالصور التحوّلية:

الصورة الحركية

«الطريق يتبعني»

انقلاب العلاقة التقليدية بين الإنسان والطريق.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

«أحمل بيتي على ظهري»

تحوّل البيت إلى عضو جسدي.

استعارة الامتزاج

«أكتبني قصيدة»

الذات تمتزج بالنص حتى تصبح كتابةً خالصة.

الانزياح الزمني

«كأنّي كنتُه مرّةً

ثم انصرفت»

انقسام زمني بين الذات الماضية والحاضرة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري للنص

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

أ- من أنا؟

ب- ما معنى الانتماء؟

ج- هل يمكن للغة أن تعيد تشكيل الذات؟

إنها قصيدة هوية مكسورة.

٢. الأفق المعرفي

النص يتقاطع مع:

الوجودية عند جان بول سارتر

الاغتراب عند مارتن هايدغر

المنفى الروحي عند إدوارد سعيد

ويستحضر أيضًا الحسّ الصوفي في البحث عن الذات الضائعة.

٣. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الغربة هنا ليست جغرافية فقط، بل:

١- غربة داخل اللغة

٢- غربة داخل الجسد

٣- غربة داخل الذاكرة

ومن ثمّ يصبح النصّ قابلًا لتأويلات متعددة:

١- تأويل نفسي

٢- تأويل سياسي

٣- تأويل نسوي

٤- تأويل أنطولوجي

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ابنُ اللحظة العربية الحديثة، حيث يعيش الإنسان العربي حالة اقتلاع مستمر:

١- حروب

٢- منفى

٣- تفتت الهويات

٤- انهيار اليقين

كما أن القصيدة تستثمر التراث العربي في صورة الترحال والحنين، لكنها تعيد إنتاجه ضمن حساسية حداثية.

خامساً: الأسس النفسية

١. تحليل البنية الشعورية

يسيطر على النص:

أ- القلق

ب- الانشطار

ج- الحنين

د- فقدان الهوية

وتبدو الذات منقسمة:

«عين تبكي

وأخرى تراقب

وثالثة تبحث عني»

وهذا تصوير نفسي بالغ العمق لانقسام الأنا.

٢. النبرة النفسية

النبرة تتراوح بين:

التأمل

الاحتجاج الصامت

الحزن الوجودي

من دون سقوط في المباشرة العاطفية.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

القصيدة تعبّر عن إنسان معاصر فقد يقينه الاجتماعي والثقافي. إنها تمثيل للهامش الإنساني الحديث.

«لغةً بلا أهل»

هنا يتحول الانفصال اللغوي إلى رمز لانهيار الجماعة والانتماء.

سابعاً: الأسس السيميائية

١. تحليل العلامات والرموز

الريح

رمز التيه والتحوّل.

البيت

رمز الهوية والأمان.

الذئب الأليف

رمز الزمن المفترس المتواطئ مع الذاكرة.

اللغة

رمز الوجود الأخير.

٢. الثنائيات الدلالية

أ- الحضور - الغياب

ب- الذات - الآخر

ج- الصوت - الصدى

د- البيت - المنفى

ه- الاسم - النسيان

ثامناً: النقد الاحتمالي والنص الممكن

وفق النقد الاحتمالي، لا يوجد معنى نهائي للنص، بل شبكة احتمالات:

احتمال أول:

النص عن المنفى الجغرافي.

احتمال ثانٍ:

النص عن الانفصال النفسي عن الذات.

احتمال ثالث:

النص عن اغتراب المرأة داخل البنية الاجتماعية.

احتمال رابع:

النص عن الشاعر بوصفه كائناً لغوياً بلا وطن.

وهكذا يصبح القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، لا مستهلكاً له.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا ليس جسدياً مباشراً، بل وجودي رمزي.

يتجلّى في:

علاقة الذات باسمها

احتضان البيت داخل الصدر

محاورة الصوت والظل

إنه توقٌ إلى الامتلاء والاتحاد بعد التشظّي.

عاشراً: قراءة نحوية وصرفية

إعراب جملة:

«الطريقُ يتبعني»

الطريقُ: مبتدأ مرفوع.

يتبعني: فعل مضارع مرفوع، والنون للوقاية، والياء مفعول به.

والجملة الفعلية خبر.

الدلالة: تقديم “الطريق” يمنحه سلطة رمزية، ويقلب العلاقة التقليدية.

إعراب:

«أكتبني قصيدة»

أكتب: فعل مضارع مرفوع.

النون للوقاية.

الياء: مفعول به أول.

قصيدةً: مفعول به ثانٍ.

والجملة قائمة على انزياح نحوي؛ لأن الذات تصبح موضوعًا للكتابة.

خاتمة:

تنجح قصيدة «في غربتي» في بناء عالم شعري شديد الكثافة، تتداخل فيه اللغة بالفلسفة، والرمز بالوجدان، والغربة بالهوية. إنها قصيدة لا تصف المنفى، بل تُحوّل الإنسان نفسه إلى منفى متحرّك.

لقد استطاعت الشاعرة التونسية د.آمال بوحرب أن تكتب نصّاً مفتوحاً على التأويل، متيناً لغوياً، غنياً بالانزياحات، ومشحوناً بطاقة رمزية وفلسفية عالية، بحيث يغدو النصّ تجربة وجودية كاملة، لا مجرّد قصيدة عن الحنين.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

في غربتي

أتمدّدُ خريطةً بلا حدود

تُخطئني الجهات

وتدلّني عليّ الريحُ إن ضللتُ…

*

في غربتي

أُجزِّئ اسمي

أناديه فلا يلتفت

كأنّي كنتُه مرّةً

ثم انصرفْتُ…

*

أمشي

ولا أرضَ تُقِلُّ خطاي

الطريقُ يتبعني

والمدنُ تتبدّل في وجهي

كأنها وجوهٌ

لم أُحسنْ حفظها…

*

في غربتي

أحملُ بيتي على ظهري

فإذا استرحتُ تهدّم

وإذا بنيتُه في صدري

ضاق بي واتّسع …

*

أصادقُ ظلّي

أحيانا عند الغروب

يخذلني

وأحادثُ صوتي

فيرتدّ غريبًا

كأنّي لم أنطقه…

*

في غربتي

تتعدّدُ ملامحي

عينٌ تبكي

وأخرى تراقب

وثالثةٌ تبحث عني

في وجوه العابرين…

*

أزرعُ خطاي

فتنبتُ أسئلة

وأحصدُ صمتي

في سنابلَ من حنين…

*

في غربتي

الوقتُ يدور حولي

كذئبٍ أليف

يقتاتُ من ذاكرتي

ويتركني نصفَ حكاية…

*

أغنّي

فلا صوتَ لي

إلا صدى

يتعلّم اسمي

ببطءٍ…

وفي آخر الليل

حين ينامُ العالمُ

في لغاته

أستيقظُ وحدي

لغةً بلا أهل

*

وأكتبني قصيدة

قُدّت من المسكوت فيّ

فيتفجّر سيل كلم

***

د. آمال بوحرب

للشاعر السوري "يونس السيد علي"

الشاعر "يونس السيد علي"، من سوريا – محافظة دير الزور – ولادة 1956- حائز على شهادة دار المعلمين – كان ميالاً للشعر منذ صغره – كتب قصيدته الأولى في عام 1977 لأسباب عاطفيّة كما يقول – نزح إلى دمشق مع بداية الأزمة السورية ا2011 – ولم يزل فيه- فاز بالعديد من الجوائز على مستوى القطر – صدر له مجموعتان شعريتان:

الأولى: "ترانيم على قارعة الحرف".

والثانية: "مطايا الوجد".

اخترنا من ديوانه (مطايا الوجد) هذه القصيدة لدراستنا وهي بعنوان (الشوق معراج الهوى).

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة:

نحن أمام قصيدة في الحب، حاول الشاعر "يونس السيد علي" أن يوصف لنا فيها حالات الوجد التي نالت المحب الذي هامه الشوق لحبيبته، هذا الشوق الذي تحول إلى نار حارقة تسعر في قلبه وعقله وأحاسيسه، لقد شعر المحب بأن حرارة الشمس في عز ظهيرة الصيف قد أوقدت لهيبها من نار شوقه هو، فراحت تشتكي من حرارة شوقه لحبيبته، لقد كوته نار شوقه، فراح يستنجد بمن ألهب نار شوقه أن يدله على السبيل لإطفاء سعير هذه النار. يقول الشاعر "يونس":

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

*

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هلْ تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

يعود الشاعر ليبين لمن يريد الدخول في عالم الحب بعد أن جرب هو عالمه وعاش حالات عطشه الروحي ووهج ناره ليقول:

مَنْ لم يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ لعوالمِ الإبهار

*

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ

ورغم قساوة نيران الحب على المحب، إلا أن الشاعر يحسد من يحب، أو من لامسه الحب، حيث يقول له طوبى لك يامن أرداك الهوى:

لا دمعةٌ لا بسمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ أنقى دونَ حُبًّ ساري

ومن ذا الذي يستطيع تأجيج الأشواق عند المحب غير فقد الحبيب، فراح ذاك المغرم يبحث عن حبيبه أو حبيبته في كل مكان لعله يظفر به، ورغم عذاب معانته وشقائه في البحث عن الحبيب إلا أنه يجد في هذه المعاناة كل الرضا والراحةالنفسيّة والروحيّة حيث عند لقائه به يقول:

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُغرمٌ

يطوي الفيافي شوقُهُ بظِفارِ

*

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ رَاحةٌ لِمُداري

يصف لنا الشاعر "يونس" قلوب المحبين كيف ترنوا إلى لقاء الحبيب وهي تتمختر شوقاً له، رغم كل ما أصابها من معاناة الفراق، ومع ذلك تظل قلوب المحبين تمنح عواطفها الجياشة للحبيب، ويظل شوقها له كشوق الأرض الجدباء القفر لقطرات المطر.. فيزهر الحب في القلوب من جديد كزهر الربيع.. وهل يزهر الربيع دون المطر. يقول الشاعر "يونس":

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلها يبقى مَدى الأسفارِ

*

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبة العطشى لِقا الأمطارِ

*

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

*

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ.

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

جاء عنوان القصيدة " الشّوقُ مِعراجُ الهوى" مطابقا كل المطابقة للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة. فحمولة العنوان الدلاليّة مشبعة بالوجد والعاطفة الجياشة اتجاه الحبيب إلى درجة " النسيب"، فالشوق في العنوان جاء معراجاً للحب والشوق عند الشاعر، وهذا ما أشرنا إليه عند دراستنا للبنية السرديّة للقصيدة.

العاطفة في القصيدة:

تظل العاطفة في سياقها العام، حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیها. وهي تقابل العقل في الحقيقة، إلا أنها لا توافقه، فما یراه العقل ويريده، غير ما تهواه العاطفة في أغلب الأحيان. فالعاطفة مرتبطة بالشعور والأحاسيس الإنسانيّة ولا تنفصل عنها مهما كان الإنسان عنيداً في كبت مشاعره". لذلك فالعاطفة في الأدب شديدة الارتباط بالأديب. فالأديب أو الشاعر لا یصدر نصه في الغالب ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات دوافع العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة.. إلخ...

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعر "يونس السيد علي" تظهر لنا العاطفة عنده بكل صدقها، وصحتها، وقوتها.. إنها عاطفة جياشة، مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام فراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تتفتح عند الشاعر أسارير الروح وتزهر، فلقاء الحبيب عنده كالمطر الذي يحيي أرضا جدباء فيحل بها الربيع بكل تجلياته، وهنا نجد كيف راحت عاطفة الشاعر تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها تشبه الطبيعة في ربيعها وهجيرها.. إن لقاء الحبيب عند الشاعر كنَسِيمَ الصَّبَا، أو كماء يروى عطش القلب والروح التي اشتعلت فيها نيران الشوق.. فمع قدوم الحبيب تزدهر حياة الحبيب من جديد.

لقد امتزجت عاطفة الشاعر في حبه بسبب فقده للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. ومع عودته يشعر الشاعر أن حياته قد عادت لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة، رغم أن الشاعر قد استخدم بعض الألفاظ القاموسيّة مثل (إوار- تجيس – سماري- ورفيلها – الجدبة.). فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعر "يونس السيد علي" في قوله:

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هل تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟.

أو في قوله:

فالشوق معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ.

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود الموسيقى الخارجيّة في القصيدة المتعلقة بوزنها وقافيتها في الشعر التقليدي، وهذه الموسيقا تتجلى في تفعيلات البحر (الكامل) هنا والقافية المنتهية بحرفي (الراء والياء) ففي هذين الحرفين تلعب القافية دوراً محورياً في بناء القصيدة؛ فهي ليست مجرد زينة صوتيّة. بل عنصر حيويُّ يربط إيقاع النص بمعانيه، ويؤثر بشكل مباشر على نفسيّة المتلقي. إلا أن الايقاع الداخلي في القصيدة الذي يسمى بالموسيقا الداخليّة، راح يتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من الصوت الداخلي للنص، الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر، التي تتطابق وتتناغم مع نسيج الحروف والكلمات داخل النص، لتشكل وحدة موسيقيّة متكاملة تنسجم معها. وهنا نسجل للشاعر تمكنه من إلغاء تلك الفروقات بين موسيقا الخارج وموسيقا الداخل، ليجعل من موسيقا قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، والترابط ما بين المعنى والمبنى، فكل ذلك جاء أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي نجده في قصيدة الشاعر "يونس" بقوله:

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

أو في قوله:

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسها شدوٌ وصوتُ كناري

*

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام، التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أو عاطفي/ وجداني ،حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة، ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية، وبها يكون المعنى متجليا أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة.

ويعود الاهتمام بالصورة، بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير، مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل، وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة " الشوق معراج الهوى " للشاعر "يونس السيد علي" معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركهما فَقْدُ الحبيب عند المحب من جهة، وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بإمكانيّة لقائه من جهة أخرى. لقد استطاع الشاعر أن يرسم بعواطفه الجياشة وعمق أحاسيسه صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع، وذلك من خلال ربطه العميق فيها بين المعنى والمبنى معا، وهذا ما يحقق عند المتلقي الدهشة. وها هو يصور لنا حالة الشوق ولهيب الروح والعاطفة عند المحب الذي ينتظر لقاء حبيبته بقوله:

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري.

أو في قوله في وصف حالة ترقب الحبيب وكيف يتحول القلب إلى إنسان امتلكته اللهفة وهو يرنو للقاء الحبيب:

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِ.

لقد اندمجت في القصيدة الصورة الحسيّة البلاغيّة بالصورة التخيليّة، ومن هذا الاندماج، استطاع الشاعر " يونس السيد علي" أن يخلق من صور نصه علاقات روحيّة متكاملة في أسلوب إبداعي.

أما الخيال فلم يكن مجرد تصور أشياء غائبة عن الحس عنده، إنما الخيال وما يجسده من صور ابداعيّة جاءت معبرة عن عوالم حسيّة تحيط بالشاعر وتشغل عالمه الداخلي ورغباته وأمانيه، حيث عمل على تجريدها ليجعل منها أقنعة تفرضها معطيات الواقع وعاداته وتقاليده ومخاوفه كما في قوله:

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.................

الشّوقُ مِعراجُ الهوى

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هلْ تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

مَنْ لم. يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ لعوالمِ الإبهار.ِ

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ

يا مِنْ تجيسُ الحُبَّ أرداكَ الهوى

طوبى لِمنْ اردى الهوى سُمّاري

لا دمعةٌ لا بسمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ أنقى دونَ حُبًّ ساري

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُغرمٌ

يطوي الفيافيَ شوقُهُ بظِفارِ

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ لرَاحةٌ لِمُداري

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِِ

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ

***

يونس السيد علي

من مجموعته الشعريّة الثانيه "مطايا الوجد".

 يتوجّه الكاتب، حين يشرع في الاشتغال على مشروعه الأدبي، إلى قارئ ضمنيّ يدخل معه في حوار باطنيّ مستمرّ، يتراوح نسقه بين الهدوء والتوتّر، وقد يبلغ حدّ القطيعة أحيانا، فيتوقّف عن الاستمرار في عمله إلى حين استعادة نقطة تواصل جديدة بينهما. يبدأ هذا الحوار منذ اللحظة التي تلامس فيها شفة القلم بياض الورقة، إلى أن تستقرّ نقطة الختام عند طرف الحرف الأخير؛ تلك النقطة التي قد تتفكّك بدورها إلى نقاط متتابعة، مانحة القارئ مساحته الخاصّة للإبداع عبر القراءة والتأويل وإنتاج نصّه الخاصّ على نصّ الكاتب الذي بين يديه.

هذا القارئ ليس فردا معيّنا في الهويّة والعدد، ولا جماعة محدّدة بالمعنى المباشر، بل ذات افتراضيّة يحتاج إليها الكاتب لتنمية الفكرة وتوليد المعاني بعضها من بعض، ولإضفاء حيويّة حواريّة تخييليّة على النصّ أثناء الكتابة وبعد اكتماله.غير أنّ السؤال هنا يتعلّق بماهيّة القارئ الضمنيّ في الأدب الذي يستهدف الأطفال واليافعين، وبطبيعة الأعمال الأدبيّة التي قد تستهوي طفلا أو شابّا من الأجيال الرّقمية، "ألفا" و"بيتا" التي ولدت في بيئة تكنولوجيّة شديدة التطوّر فيخرج عن سلطة الأضواء المنبعثة من جهازه الالكتروني بالغ الذّكاء مقبلا على "أنوار" الأدب الذي تزعم الكتب المؤلفة لليافعين أنّها تبثّها بأشكال وأساليب متنوّعة.

لمقاربة السؤال سرديّا في رواية "أبناء النور" الصادرة مؤخّرا عن الدار المصريّة "فاصلة للنشر والتوزيع"، انطلقت من حدثين مهمّين ذاتيّ وفنّي. في عمر يناهز السنتين، كان ابني كلّما استمع إلى الأذان، قال "الله يُغنّي"، ويظلّ منصتا في خشوع ورهبة لذلك الصوت السحريّ الغامض النازل من علٍ، حتى ينتهي "الله" من الغناء. تكشف هذه الحقيقة الشعريّة، في بساطتها وتلقائيّتها، عن آليّة اشتغال الخيال لدى الطّفل. إذ تسمح لنا بتأمّل طبيعة التلقّي لديه، وكيفيّة تتشكّل علاقته الأولى والفريدة بالأماكن والوجوه والأصوات والصّور والمعاني فيبدو كلّ العالم الحقيقيّ عالما آخر على معنى ما يرتسم في تصوّره الخاصّ، وهذا الانزياح عن الواقع عبر الحلم والخيال ينعكس كذلك على طبيعة تلقّي الطفل للقصص وغيرها من المنتجات الفنيّة.2790 basma

من أجل ذلك استعرنا عبارة "الله يغنّي" من بعدها الشعريّ الخالص إلى عالم السرد، فتخلّقت من أمشاج التخييل شخصيّة الدّيك يقظان، انطلاقا من علاقة الديك المباشرة بالفجر، ومن مرتبته الرمزيّة في التراث الميثيولوجيّ الإنسانيّ، والمخيال الشعبيّ، فـ "الديكة ترى الملائكة" كما يتردّد في القول المأثور. يقظان في "أبناء النور" هو استعارة مركزيّة للطفل الآن واليافع غدا. إذ هو الكائن القادر على الإيقاظ لحظة نبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتأخذ الشّمس في نشر نورها على الكون متسللة أيضا إلى ذواتنا من خلال جراحنا الصغيرة، وأحلامنا التي نبتت أجنحتها وآن لها أن تحلّق خارج القفص الصّدري. وهو بالتالي يمثّل، صحبة عدد آخر من شخصيات الرواية فئة "أبناء النور"، في مواجهة عصابة "بلاك لوكست/الجراد الأسود"، العالميّة المختصّة في الاتجار غير المشروع بالأحياء المميّزين والمختلفين من أبناء الإنسان والحيوان والأنواع النباتيّة النادرة، موظّفة في استدراجهم كلّ الإمكانات البشرية والماديّة للمكنة، فضلا عن التقنيات لتكنولوجيّة والمنصات الافتراضيّة المختلفة.

هناك لحظة مؤثّرة أخرى ساعدت بشحنتها الفلسفيّة والروحيّة العميقة في ميلاد رواية "أبناء النور"، وهي مشهد سينمائيّ من الفيلم "سبع سنوات في التّبت" (1997)، المأخوذ عن سيرة متسلّق الجبال النمساويّ هانريش هارر في التّبت، حيث تعرّف على زعيمها الروحي دالاي لاما[2] وهو في سنّ الرابعة عشر. مثّل دلاي لاما مركز الفيلم ونقطة قوته الباهرة. لقد كان هذا اليافع مزيجا عجيبا جمع في ذات إنسانية واحدة براءة الطفولة ونقاوتها وصفائها الروحي مع قوّة الحكمة ورجاحة العقل ونفاذ البصيرة، مزيج منحه القدرة الناعمة على قيادة الراشدين وتوجيههم روحيّا وفلسفيّا وسياسيّا.. في الفيلم عثر بعض رجال الدّين التبتيّين، أثناء حفر الأرض، على ديدان الأرض الصّغيرة، فخفّوا يلتقطونها بدهشة الأطفال، وتلقائيّتهم، وصخبهم الاحتفاليّ المفعم بالحبّ والتقدير الإنسانيّين لكلّ الكائنات الحيّة الأخرى التي تشاركنا السكن في هذا العالم، ثمّ وضعوها في مكان آمن لحمايتها من الموت أو الأذى. لوهلة بدا لنا المشهد تعبيرة سينمائيّة عن أنّ الطفولة ليست مجرّد مرحلة عمريّة يمرّ بها الإنسان، بل هي "منتهى الإنسانيّة"، هي " نِعم مقدّسة لإعادة تشكيل قيم جديدة وابتكارها"[3] .

 ما حاولت الرواية الاشتغال عليه استنادا لما سبق وسواه هو ماهية الكائن الحيّ في ذاته ومستحقاته، من خلال ما يميّزه فعلا، وليس فقط من خلال نوعه أو أصله أو مرتبته الاجتماعيّة. وهو حقّ لا يترسّخ فقط كمنحة طبيعيّة، بل كسعي دؤوب تعمل من خلاله شخصيّات الرواية على إثبات ذاتها وتطوير قدراتها، والتعرّف على هويّتها وتاريخها عبر طرح سؤال" من أنا"، وكذلك عبر البحث في داخلها عن ثرواتها الباطنيّة الخاصّة. الأمر أشبه بالحذاء الزجاجيّ ذلك الذي لم يكتسب أهميّته إلاّ لمّا لم تستطع أيّ قدم نسائيّة أخرى أن تنتعله سوى سندريلّا. إنّ هذا الحذاء هو الشّيء الخاص بها هي بالذّات دون سواها، شخصيّتها المميّزة، ذاتها المختلفة، والطريق التي لا يستحقّها غيرها، تماما كأيّ فرد من أبناء النور في الرواية أو في الحياة الواقعيّة: لكلّ فرد حذاؤه الزجاجيّ الخاص به هو وحده.

 في تحقيق هذه الفكرة الجوهريّة وسواها، اعتمدت رواية "أبناء النور" نموذجا أسريّا مختلطا مخصوصا. فالسيّد سمير الذي فقد أبناءه الثلاثة في ظروف غرائبيّة غامضة سيعرفها القارئ، يقرّر هو وأمّه السيّدة هدباء أن يتبنّيا ثلاثة من أطفال الحيوان لتربيتهم كما لو كانوا أطفالا من بني الإنسان: الكلب عسبور، والأرنب درّة، والديك يقظان.

هذا البناء السرديّ ليس مجرّد اختيار غرائبيّ، أو سيرا على نهج الأوّلين في إنطاق الحكمة على لسان الحيوان أو استمالة للطفل الذي يسهل عليه التفاعل مع شخصيّة حيوانيّة لتلقّي معارف أو معلومات مقصودة لذاتها، بل اقتراح تخييليّ فنيّ قام على منطق سببيّ اجتهدت الكاتبة في جعله مُحكما من حيث علاقة الترابط الوثيقة بين السبب والنتيجة، واختيار جماليّ تمّ استدعاؤه لإعادة بناء العلاقات الإنسانيّة على أساس التنوّع والتّكامل، في إطار حقّ الجميع في العيش معا في حدود العالم الذي يجمعنا، مقابل عصر رقميّ يذهب بنا يوما عن يوم نحو العزلة والتفكّك في الأسرة والمجتمع، عصر تحلّ فيه الشاشة محلّ الوجه، والخوارزميّة محل العلاقة الإنسانية المباشرة، والروبوت محلّ الصّديق الحقيقيّ.

إنّ محاولة أنسنة الروبوت المزوّد بقدر هائل من الذّكاءات المختلفة بما فيها محاكاة "الذّكاء العاطفي" المثير للدّهشة، هو إن شئنا نوع آخر من "الاستنساخ"، ليس ببعث الروح البشريّة في جسم حيوان كما يُعتقد لدى بعض الحضارات الروحيّة، بل بمحاولة "تنزيلها" في جسم إنسان آليّ. ونقد هذا التشييء الأخير للإنسان، ليس رفضا لما توصّل إليه التقدم التكنولوجي المبهر، فالتكنولوجيا أداة ضرورية جدّا اليوم وفي المستقبل، بلدفاعا عن الغنسان في حدود إنسانيته الثريّة، فالأداة، مهما بلغت كفاءتها لا تُقاس بذاتها بل بمدى نفعيّتها للإنسان، وتأثيرها في تفعله في إنسانيّته. وكما هو الطفل غاية الإنسان كما أسلفنا مع نيتشه، فإنّ الحيوان هو أصله الذي يروم التقدّم عليه في بعديْه: الفطريّ السليم، ممثّلا في أطفال هذه الأسرة وغيرهم من شخصيّات الرواية، والغرائزيّ المتوحّش ممثّلا في عصابة بلاك لوكست وعملائها  في كلّ مكان أكانوا من الأشخاص الطبيعيين ومن "الذّوات" الافتراضيّين.

وتتجلّى ثيمة الحكاية داخل هذا الفضاء السرديّ من خلال شخصيّة هدباء، الجدّة والأمّ في آن، تلك التي تستثمر فنّ القصّ، شفهيّا ومكتوبا، في تربية أطفالها، بعيدا عن الإملاء المباشر أو القسر التربوي. فالحكاية هنا ليست وسيلة تلقين، بل فضاء حوار، يتيح للطفل أن يشارك في بناء المعنى وإثرائه، وفي خلق معانٍ جديدة للحياة في الراهن وفي المستقبل، وهو ما حاولت الرواية أن تقوله بشكل غير مباشر عبر إقحام الشّخصيات الفتية في التجربة الأولى الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، فالنور لا يُرى إلاّ بانكشاف العتمة كما الفجر الضحوك يخرج من جبّة الليل السوداء. فهذه اللّحظة تعلّمنا جميعا أطفالا وكهولا كيف نتمسّك بالأمل لنواجه مصاعب الحياة ونجتاز عقباتها بروح قويّة قادرة على المواجهة. وفنّ المواجهة هو ما تعلّمه الطفل يقظان من القصص التي روتها له ميما هدباء كما سنقرأ. إنّه، في رمزيّته، قريب من صورة الطفل/الملاك في المخيال الشعبي، لكن مع تحوير دلاليّ عميق: فبراءته ليست سكونا، بل طاقة. وهشاشته ليست ضعفا، بل شرطا للإبداع والانفتاح. وصوته ليس مجرّد موهبة إلهيّة نادرة يعلن بها عن ميلاد  اليوم الجديد كلّ يوم، بل وسيلته في الدفاع عن نفسه، وطاقة التحرّر الخيّرة التي سيعمل على إيقاظها في نفوس أصدقائه من ضحايا بلاك لوكست ليهبّ كل أبناء النور في هذا الكون، من كلّ أشكال الحياة، ما يُرى منها بالعين المجرّدة، وما لا يُرى ممّا يوجد على سطحه وفي جوفه وفي سمائه.. الجميع سيثور ثورة واحدة لتخليص أنفسهم هم وكلّ الضحايا الذين لا يمتلكون صوتا أو يعجزون لسبب ما عن رفعه في مواجهة هذه العصابة العالمية وأذرعها العنكبوتية المتغلغلة في العالمين الواقعيّ والافتراضيّ.

إنّ فنّ القصّ، وغيره من الفنون التي تستدعيها الرواية، يفتح للقارئ المشرئبّ نحو المستقبل مجال التّجربة الذّهنية والوجدانيّة لا بوصفه متلقّيا فقط، بل بوصفه أيضا منتجا محتملا للفنّ والجمال، قادرا بوعيه الذّاتي وقدرته على التمثّل والتأويل على اكتشاف منبع النور في نفسه، ومكانته في المجتمع، ودوره في إضاءة طريقه الخاصّ وطريق من يشاركه السّير على نفس الدّرب، درب الحياة والنجاح والتميّز، خاصّة عندما يغادر، كما غادر يقظان، منطقة الأمن والرّفاه الأسريّين ليواجه مصاعب الحياة وتحدّياتها بنفسه البريئة وجسمه الصغير الهشّ.

***

بسمة الشوالي

....................

[1] -ألقيت الشهادة في ندوة "الكتابة لليافعين" ضمن أنشطة جمعية الكتاب التونسيين الأحرار بنزرت - تونس.

[2] -عماري خيرة، " الطفل كإمكانيةّ حقيقيّة للخروج من العدميّة"، مجلة تدوين المجلّد 15 العدد1 (2023)، ص 124- 201

[3]- دلاي لاما الرابع عشر (تينزن غياتسو1935 م– حتى الآن) هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين وحتى عام 1959 م كان دالاي لاما يمثل القيادتين الروحيّة والدنيويّة في إقليم التبت. (التبت إقليم يتبع جمهورية الصين الشعبيّة ويتمتّع بالحكم الذّاتي).

 

في قصص: "مضاجع ملغومة"

لعل ما يميز المجموعة القصصية " مضاجع ملغومة " للقاصة المغربية نعيمة القضيوي الإدريسي هو لغة الكشف والفضح بنبشها في خبايا وخفايا تندرج ضمن المسكوت عنه خصوصا فيما يربط علاقة المرأة بالرجل في جوانبها الحميمية، وما يحيط بها، ويطوقها من علائق تدخل ضمن خانة العادات والتقاليد بحمولاتها الراسخة التي تشكل قاعدة وقناعة لدى فئات عريضة من أفراد العائلات والمجتمع. وهو ما يطالعنا منذ النص الأول " سرير مقعر"، الذي كشف عن علاقة متخيلة بين الرجل الأنيق الذي تُدَوِّخ رائحة عطره، ومظهره المبهر الكثير من نساء الإقامة التي يقيم بها، مما جعلهن ينسجن خيوط علاقة تجمعه بأرملة شابة تقطن في نفس الإقامة، وما تتميز به من جمال، وهو ما لاحظته من خلال ما راج حول علاقته بها من إشاعات: " أمشي بزهو، أعرف أنهن يخفن جمالي، اتسعت رقعة الإشاعات عني حكاياتهن عن علاقتي بجاري الذي بابه قبالة بابي، جاري الذي من كثرة الإشاعات تمنيت رؤيته وشكره، لأنه جعلني محطة تلوكها لكالألسن، بعد أن كنت في مقبرة النسيان.. " ص12، وهو أمر استحسنته لأنه أخرجها من دائرة التهميش إلى أضواء الاهتمام، وقد راقها ذلك أكثر حين جمعهما سرير واحد في علاقة حميمية لتغدو الإشاعة حقيقة أسعدتها كثيرا: " جرني من يدي وبصمت دخلنا غرفة ثالثة، قارعنا نخب لقائنا، من يومها أخرست الإشاعات، لكن لا أحد يعلم أننا شاركنا سريعا مقعرا..." ص13، فتتوالى الحكايا تباعا داخل متن المجموعة كما في قصة " سر الوجع " التي تروي حكاية فتاة عانت من السلوكات الشاذة لزوج أمها كما تحكي ذلك: " وأنا صغيرة كان زوج أمي يقوم بتحميمي، ودوما أشعر بأصابعه تتمادى.. في يوم وأنا نائمة أحسست بجسد يلامسني استيقظت مذعورة، وجدته بجانبي.. " ص23، قصة فتاة هي ضحية لتفكك أسري ابتعدت بسببه عن والدها الذي تفارق مع والدتها عقب مشاكل اختزلتها في إقباله على شرب الخمر: " لا تسأليني عن السكير لو تذكرك لسأل عنك. " ص24، هذه الأم التي وضعتها بين أحضان زوج عديم الأخلاق قادها إلى التيه في عالم الدعارة والضياع: " قررت التحرر من زوج أمي الذي مارس علي كل أشكال الغواية وعلمني كيف أخرج لدرب الدعارة من بابه الواسع.. ولا أعرف لي قريبة، أعرف أمي التي لا تلزم البيت كثيرا وتتركني مع الحمار الوحشي ينهش لحمي ويلقنني فنون العهر.. " ص25، إلى أن أصيبت بمرض عضال قربها من موت وشيك: " وسأموت قريبا، دفعت ثمن خطيئة لم أخترها بإرادتي ولم أحاول الانعتاق من مسار حياتي، يكفي الآن دائي مميت سيريحني من هذا العالم القذر بكل أدرانه.. " ص27، فتنتقل لتصوير جوانب أخرى مثل حالة دون جوان يعاني من عجز فند كل ادعاءاته لحظة عاشتها بين أحضانه بعد أن كان يشنف مسامعها بحلو الكلام ومعسوله: " كان لا يتوانى في إسماعها من تيسر من الكلام المعسول وتقديم الهدايا.. " ص30، لتتأكد من خطل أقواله، ووهم الصورة التي شيدها كلامه عن نفسه حين قالت: " بدا أن الدنجوان، مجرد سكير وعاشق للعاهرات، ينام على صدورهن ليحكي حكاياته الخيالية، تنتهي بالبكاء على نهودهن وبعدها يخر نائما كالحيوان ليستيقظ صباحا مفتخرا بفحولة واهية.." ص31، بناء على تجربتها معه والتي باءت بالفشل، وآلت إلى الخيبة والخدلان: " وما أن هم بها حتى خذلته فحولته، فأجهش بالبكاء، مثل طفل افتقد أمه، ونام.. بينما هي باتت تندب خيبنها !" ص31. والمفارقة التي جسدتها قصة فتاة السادسة عشرة وجليستها الضيفة عن العلاقة بين صديقين في قصة " أرجوحة " حين سألتها عن صديقها، وإحساسها حين تجالسه وتختلي به: " ـ تكلمي عن صديقك المقرب، وسيم، عصبي، هادئ كيف هو؟.. كيف تقضيان الوقت بم تشعرين حين يقبلك؟ ويدغدغ نهديك؟.. دعينا نتشارك الأسرار سأحكي لك عن صديقي أيضا.. " ص33، إلا أنها لم تعش أي تجربة من هذا النوع حسب ردها: " ـ لكن ليس لدي صديق، ولم يكن لدي يوما، ما زلت صغيرة على هذا؟!" ص 34، مشجعة إياها على فضح المستور، وكشف علاقتها مع صديقها: " ـ ما تحشميش حنا بنات. " ص34، إلا أن الرد كان حاسما وقاطعا: " القضية وما فيها لا حشمة ولا هم يحزنون، أكون رفقة أختي، ولا أهتم بماذا سأسبح، فإن أغوتني المياه فقد أرتمي بملابسي، لا يشكل الأمر إحراجا لدي. " ص34، بل مستنكرة تدخلها في خصوصياتها، وأمورها الشخصية والذاتية: " ـ وأنت مالك؟، لِمَ كل التحقيق في خصوصياتي؟ " ص 34،ولم يردعها ذلك من الاسترسال في الحديث عن علاقتها بصديقها بشكل سافر ومكشوف قائلة: " لدي صديق أمس نمت عنده في البيت، واو كان رائعا.. / ـ في ماذا؟ / ـ في الفراش، في قبلاته، في ممارسته، في دغدغته.. " ص35، فتؤكد صديقتها، بعد سماع ما حكته عن الضيفة، أنها تدخل ضمن خانة العهر والدعارة: " حكيت لصديقة ما جرى بيني وبين الضيفة، فقهقهت عالية، وقالت: ـ لا بد أنها عاهرة.. " ص 35، وهي حكاية أطلقت فيها الضيفة العنان لرغباتها العاطفية والجنسية التي خاضت في الحديث عن تفاصيلها بجرأة مكشوفة لجليستها التي لم تعش مثل هذه التجارب، ولم تفكر في ذلك لصغر سنها أولا، وربما طبيعة محيطها الأسري وما يحكمه، ويتحكم فيه من مواضعات وثوابت أخلاقية، وهو ما يؤسس لمفارقة محددة المعالم والأركان. وتطرقت كذلك القاصة لموضوع الخيانة في قصة " أمل... لم يولد بعد "، وما خلفه في نفسية الزوجة من آثار مهينة كما عبرت عن ذلك: " وأعزي النفس بما تفعله تصرفاتك اتجاهي، حين تحط من قدري وتهين وجودي، وتلغي ذاتي كأنثى، وهبت حياتها لإسعادك.. " ص37، حين تتأكد من ذلك، وتستنكر استبلاد الزوج لها: " حين ترتكب جرما في حقي تظن أني بلهاء، تعود وعطر أخرى يفوح منك، أو بقايا أحمر شفاه على ياقة قميصك.. " ص37، فكان رد فعلها انتقاما تمردت فيه على حالة الخضوع والاستسلام، وطوقته بإحساس مرير من الغيرة التي اكتوت بنيرانها قبله: " تركت زميلي ينفث سيجارته بالمكتب وأتعمد الاقتراب منه حتى تطال شعري رائحة التبغ، لم تكن تجرؤ على الكلام، مجرد شك يصيبك بنزيف داخلي، أستشعره بضغطك على الفراميل، وابتسم تذوق من نفس الكأس يا حبيبي.. " ص39. وضمن الحكايات التي تعج بها الأضمومة، والتي تصور معاناة المرأة في سياقات ومواقف تجمعها بالرجل ما ورد في قصة " عانقت خيبتها " بخصوص وضع المرأة العاملة، وما تبذله من جهد مضاعف موزع بين العمل داخل البيت وخارجه: " كانت كلما عادت من العمل تجد نفسها أكثر تأففا وتذمرا لأن بالبيت عمل آخر ينتظرها، تطبخ تكنس، تضع الغسيل في الغسالة تجهز العشاء، وتعد غذاء اليوم التالي وتضعه في الثلاجة، وترضع الصغير وتنومه. وحين ولج المدرسة تذهب وتأتي به.. " ص43، بينما ينعم الزوج بحياة هادئة موزعة بين مشاهدة التلفاز، وملاعبة ابنه: " في خضم انشغالاتها يكون زوجها أمام التلفاز أو يلعب مع صغيره.. تبتسم باستهزاء، وتتمنى لو كانت رجلا لو لو.. " ص44، بل لا تقف الأمور عند هذا الحد بحيث يتضاعف منسوب التعب بمجهود آخر في سرير النوم الذي يجمعهما: " تدلف إلى الغرفة تجد زوجها قد رمى بجسده الثقيل على السرير وتجرد من ملابسه.. " ص44، وفي خضم زحمة المعاناة، وضغط إكراهات المهام تقتنص لحظات تستلها من أيام العطلة: " كم كانت تفرح ليوم العطلة أو أيام إجازتها السنوية.. وساعة فرحها حين ترى الصغير يلعب مع والده وكلاهما مسرور، تعرف بأن لها طفلان بحاجة إلى رعايتها.. كانت تحس بسعادة زوجها وهي تدعوه إلى الفراش.. " ص44، لحظات انفراج عابرة ما تفتأ تنقضي بسرعة لتفاجأ بمستجدات مكلفة ومؤثرة كحملها غير المتوقع رغم ما اتخذته من احتياطات واحترازات: " لم تصدق خبر حملها مرة أخرى، الوقت غير مناسب، كيف حدث ذلك رغم احتياطها، قررت الإجهاض لكن الزوج كان سعيدا بإنجازه.. " ص45، وساهم ذلك في تغير بارز بخصوص زوجها الذي لم يعد يبخل عن مساعدتها، ومد يد العون لها فيما يتعلق بصغيرهما: " في هذه الفترة ترى تغيرات من زوجها، أضحى يساعدها ويلاطف الصغير كثيرا، بل بات طفله شغله الشاغل، وخفف من عبئها التغير المفاجئ.. " ص45، إلا أن وفاته المباغتة، إثر نوبة قلبية، أوقف بداية تحول لافت على مجريات حياتهما، واجتث إرهاصاته، وأجهز عليه: " قيل لها فيما بعد من طرف زملائه في العمل أنه أحس بتغير مفاجئ لذلك غادر باكرا، وكشف التقرير الطبي أنه مات بسكتة قلبية مفاجئة.. " ص46، ومن المواقف التي تضمنتها قصص المجموعة موقف التنكر لأيام زمن عشق ولى زرع بذوره في قلب العاشق كما صرح بذلك في بداية الأمر: " ـ حبيبتي أنت نور عيني وستظلين شجرتي الوارفة. / ـ أنت زهرتي الوحيدة التي لن تذبل، لهذا اخترتك شريكة لحياتي." ص 50، موقف سرعان ما تبدل، فانقلب عما كان يحس به اتجاهها، وتنكر لكل مشاعر الود التي غرستها في وجدانه وإحساسه بخلفية عدم قدرتها على الإنجاب: " ـ لا يمكنك أن تبقي في عصمتي، هذا شرط عروسي الجديدة. " ص51، تنكر فتح بداخلها جرحا غائرا لتصدع بمرارة ما استشعرته من خيانة وجحود: " ـ أي سكين ذبحتني به، لم تجد صيغة أفضل، لتبرر هجرانك؟ " ص 51، متحسرة على ثقتها به، وتصديق عبارات حب قائم على الخداع والخذلان.

وإذا كان موضوع المرأة في علاقتها بالرجل هو الطاغي على جل نصوص المجموعة، والذي عمدت القاصة إلى اختراق غشاوته السميكة، والنفاذ إلى خباياه، وخفاياه لاستجلائها، وكشف ما يترسب في قيعانها من محظور ومسكوت عنه بلغة تنم عن جرأة وجسارة غير مألوفتين فهناك ذكر لبعض العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج، وما يصاحبها من طقوس كليلة الدخلة التي تختبر فيها عذرية العروس: " سروال ليلة الدخلة الذي يجب أن يكون ملوثا بالدم ليدل على عذرية الفتاة " ص 53، وما يعرف، في نفس السياق، ب " التقاف " وهي حالة تلم بالعريس فيعجز معها بالدخول على العروس، فيتم اللجوء إلى طرق معروفة للتخلص منه بارتداء جلباب مقلوب، ويتم تبخيره داخل أجواء من الشعوذة والخرافة. ولجأت القاصة كذلك، في كتابة قصصها، إلى عنصر الاستيحاء كما جاء في قولها: " وقالت الصباح رباح.. وسكتت عن الكلام المباح... " ص21، هي صيغة وردت في قصص ألف ليلة وليلة حين تنهي شهرزاد قصتها. وفي قولها أيضا: " ولم يستيقظ فينيقها بعد.. " ص52، في استحضار لطائر الفينيق الأسطوري الذي حين يشعر باقتراب موته يحترق ليولد من رماده، وهي نماذج من التراث القصصي والأسطوري القديم غنية بحمولاتها الرمزية والدلالية التي أسهمت في إثراء المتن القصصي وتنويع أبعاده ومعانيه. كما تميزت لغة المجموعة باستعمالات مختلفة من الدارجة كما ورد في قصة " سرير مقعر: " كيدخل ويخرج في العيالات.. أش منك يا السمرا يا لبيضا، العريضة، الطويلة القصيرة.. " ص9، وما تتضمنه بعض العبارات العامية من أقوال مأثورة مثل: " إلى مشى الزين تبقى حروفه.. " ص20، وفي: " خرجوا رجليها الشواري.. " ص10، وما تحيل عليه من معاني حِكَمية ووعظية في الغالب، وعبارات فصيحة ذات مسحة مجازية كما في قولها: " ظلت تغذيه من رحيق شهدها.. " ص51، وقولها كذلك: " ويتجدد مجرى نهر الوصال وربما صبيب الحب يرتفع.. " ص52، وتوظيف لعبارات بالفرنسية: " تتذكر وعوده، وأنشودة جاك بريل..Ne me quitte pas -: " ص 52.

وقد استوفت قصص المجموعة أهم العناصر والضوابط القصصية من شخصيات، وحوار، ووصف.. وإن كانت تفردت بميزة الجرأة في فضح، وكشف ما ظل مستورا، وغير معبر عنه في علاقة المرأة بالرجل، وما يجللها من سلوكيات شائنة حينا، ومجحفة أحيانا لا يتم التعبير والإعلان عنها فتبقى حبيسة السر والكتمان.

***

عبد النبي بزاز

...............

- مضاجع ملغومة (قصص قصيرة) نعيمة القضيوي الإدريسي / سليكي أخوين ـ طنجة2014. 

 

من التنظير البلاغي إلى الإبداع السردي

(أحلام مستغانمي نموذجًا)

***

تمهيد: ارتبط علم البديع في الدرس البلاغي العربي، منذ نشأته، بفكرة الصنعة اللغوية القائمة على تصنيف المحسّنات اللفظية والمعنوية وضبط حدودها الاصطلاحية. وقد أسهم هذا التصوّر في ترسيخ صورةٍ عن البديع بوصفه علمًا يُعنى بالزخرفة أكثر من العناية ببناء المعنى. غير أن تطوّر الأجناس الأدبية الحديثة، ولا سيما الرواية، أعاد طرح سؤال البديع من زاوية جمالية جديدة، تتجاوز حدود الصنعة إلى أفق الابتكار والخيال.

وانطلاقًا من هذه الجدلية، يسعى هذا المقال إلى مقاربة البديع بوصفه طاقة جمالية فاعلة في السرد الحديث، لا مجرّد حيلة أسلوبية، وذلك عبر الجمع بين الإطار النظري البلاغي والتحليل التطبيقي، مع اتخاذ تجربة أحلام مستغانمي نموذجًا دالًا على تحوّل البديع من الصناعة الواعية إلى الإبداع الحر.

أولًا: البديع بين المفهوم التراثي والتحوّل الوظيفي

نشأ علم البديع، كما هو معروف، مع محاولات الوصف الأولى للظواهر الجمالية في الكلام، لا سيما عند ابن المعتز في كتابه البديع، حيث كان الهدف رصد الأساليب المبتكرة في الشعر والكلام، دون أن تتحوّل إلى قواعد ملزمة. غير أن مسار البلاغة العربية، خاصة مع السكاكي ومن جاء بعده، اتجه إلى التقعيد والتصنيف، مما أضفى على البديع طابعًا صناعيًا صارمًا.

وقد نبّه عدد من النقّاد إلى مخاطر هذا التحوّل؛ إذ يرى عبد القاهر الجرجاني، وإن لم يفرد للبديع علمًا مستقلًا، أن القيمة الجمالية لا تكمن في المحسّن لذاته، بل في موقعه من النظم، حيث يقول:

«ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله»

(دلائل الإعجاز).

من هذا المنطلق، يتبيّن أن الإشكال لا يكمن في البديع ذاته، بل في طريقة توظيفه:

فإن استُخدم بوصفه غايةً مستقلة، تحوّل إلى تكلّف.

وإن اندمج في النسيج الدلالي، أصبح أداة لتكثيف المعنى وبناء الرؤية.

ثانيًا: البديع في السرد الحديث – من الزخرفة إلى الوظيفة

مع تحوّل الكتابة السردية الحديثة نحو تعميق البعد النفسي والرمزي، تغيّرت وظيفة البديع. فلم يعد يظهر في صورة الجناس والطباق المصرّح بهما، بل اتخذ أشكالًا أكثر اندماجًا، مثل:

التكرار الدلالي

التوازي التركيبي

المقابلات الرمزية الكبرى

المفارقة الأسلوبية

وقد أشار صلاح فضل إلى هذا التحوّل بقوله إن البلاغة الحديثة «لم تعد علم تحسين العبارة، بل علم إنتاج الدلالة داخل النص» (بلاغة الخطاب وعلم النص).

وبذلك، أصبح البديع في الرواية جزءًا من آليات البناء السردي، لا عنصرًا خارجيًا ملحقًا به.

ثالثًا: اللغة البديعية عند أحلام مستغانمي – ملامح عامة

تُعدّ تجربة أحلام مستغانمي من أبرز التجارب السردية التي يتداخل فيها النَفَس الشعري مع البناء الروائي. فاللغة عندها ليست مجرّد وسيط حكائي، بل حقلًا دلاليًا مشحونًا بالإيقاع والتوتر الوجداني.

وتتجلّى ملامح البديع في كتابتها من خلال:

المقابلة الدلالية: حب/فقد، وطن/منفى، ذاكرة/نسيان

التكرار بوصفه إيقاعًا نفسيًا، لا إعادة شكلية

المفارقة التي تعكس انقسام الذات بين الرغبة والواقع

التماثل الصوتي الذي يخلق موسيقى داخلية للنص

هذه العناصر، وإن كانت قابلة للتوصيف البلاغي، فإنها لا تُستدعى بوصفها صنعة واعية، بل تنبع من طبيعة التجربة الشعورية نفسها.

رابعًا: البديع بين الصنعة والابتكار في ذاكرة الجسد

في رواية ذاكرة الجسد، يتحوّل البديع إلى بنية شعورية شاملة. فالتكرار، مثلًا، لا يهدف إلى الإيقاع اللفظي فحسب، بل إلى تكريس الإحساس بالفقد والحنين، كما في تكرار مفردات: الجسد، الذاكرة، الألم، الغياب.

وتقوم الرواية على مقابلة رمزية كبرى بين:

الجسد المعطوب

والوطن الجريح

وهي مقابلة تتجاوز حدود المحسّن المعنوي، لتشكّل الهيكل العميق للنص. تقول مستغانمي:

«الوطن ليس مكانًا، بل ذاكرة… وكل ذاكرة معرضة للبتر»

(ذاكرة الجسد).

هنا يتجلّى البديع بوصفه طريقة في التفكير قبل أن يكون طريقة في القول، إذ تتحوّل البلاغة إلى أداة لبناء الرؤية لا لتزيين العبارة.

خامسًا: البديع والأنوثة اللغوية – الإبداع بوصفه موقفًا

تُعيد أحلام مستغانمي من خلال لغتها البديعية صياغة العلاقة بين البلاغة والذات الأنثوية. فبلاغتها لا تسعى إلى الإبهار التقني، بل إلى:

تفجير الذاكرة الفردية والجماعية

مساءلة الحب والخسارة

فضح التمزّق بين الحلم والواقع

وهكذا، يصبح البديع عندها موقفًا إبداعيًا، لا مجرّد مهارة لغوية، وتنتقل البلاغة من الصنعة الواعية إلى الابتكار الحر.

خاتمة

يكشف هذا المقال أن البديع في السرد العربي الحديث لم يعد حبيس التصنيفات البلاغية التقليدية، بل أصبح جزءًا من آليات بناء النص الروائي.

فهو عند أحلام مستغانمي ليس زخرفة لفظية، بل لغة شعورية تُنتج المعنى وتبني الذاكرة وتُشكّل الرؤية.

وعليه، يمكن القول إن أجمل أشكال البديع هي تلك التي تتحقق في المنطقة الوسطى بين الصنعة والخيال، حيث تتوازن القاعدة مع الابتكار، والتقنية مع التجربة.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...................

المراجع

- ابن المعتز، كتاب البديع، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، دار المعرفة.

- السكاكي، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية.

- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.

- أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، دار الآداب.

- عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، المركز الثقافي العربي.

تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَةُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ

سَلَامٌ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ القَصِيدَةَ وَالقَمْحَ،

وَسَلَامٌ عَلَى وَطَنٍ كُلَّمَا ضَاقَتْ زَنَازِينُهُ اتَّسَعَتْ فِي أَبْنَائِهِ الحُرِّيَّةُ،

وَسَلَامٌ عَلَى أَرْوَاحِ المُقَاوِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا مِنَ الكَلِمَةِ نَافِذَةً لَا تُغْلِقُهَا السَّلَاسِلُ.

وَسَلَامٌ عَلَى أَسْرَانَا البَوَاسِلِ، حُرَّاسِ الكَرَامَةِ خَلْفَ القُضْبَانِ.

وَسَلَامٌ عَلَى رُوحِ محمود درويش الَّذِي عَلَّمَ القَصِيدَةَ كَيْفَ تُقَاوِمُ، وَكَيْفَ يُولَدُ الضَّوْءُ مِنْ عَتْمَةِ الزَّنَازِينِ.

رُبَّمَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارُ الحَدِيثِ عَنْ محمود درويش بِالنِّسْبَةِ لِي قَرَارًا نَقْدِيًّا خَالِصًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اسْتِجَابَةٌ لِذَاكِرَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَجَمْعِيَّةٍ تَشَكَّلَتْ فِي الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.

لَقَدْ جَاءَ اخْتِيَارِي لِهَذَا المَوْضُوعِ؛ لِأَنَّنَا تَعَرَّفْنَا عَلَى شِعْرِ محمود درويش مِنَ الحَيَاةِ، وَمِنْ أَصْوَاتِ الِانْتِفَاضَةِ الأُولَى، وَالحِجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ تَكْبُرُ فِي الشَّوَارِعِ قَبْلَ أَنْ تَكْبُرَ فِي أَيْدِينَا، وَمِنَ الأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُرَدِّدْنَ مَقَاطِعَ شِعْرِهِ مِثْلَ الدُّعَاءِ اليَوْمِيِّ.

لَقَدْ تَزَامَنَتْ طُفُولَتُنَا مَعَ زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ فِلَسْطِينُ تُقْرَأُ فِي القَصِيدَةِ، وَفِي نَشَرَاتِ الأَخْبَارِ. كُنَّا نَسْمَعُ:

"سَجِّلْ! أَنَا عَرَبِيٌّ" قَبْلَ أَنْ نُدْرِكَ تَمَامًا مَعْنَى الهُوِيَّةِ، وَنُرَدِّدُ: "عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ" قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْكَلِمَاتِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى وَطَنٍ.

فِي ذَاكِرَتِي الطُّفُولِيَّةِ يَتَصَاعَدُ اسْمُ محمود درويش نَشِيدًا خَاصّا بِالرُّوحِ الفِلَسْطِينِيَّةِ.

كُنْتُ أَنْتَظِرُ صَوْتَهُ بِشَغَفٍ طُفوليٍّ خَالِصٍ، وَأَطِيرُ فَرَحًا كُلَّمَا أَعْلَنَ المِذْيَاعُ أَوِ التِّلْفَازُ عَنْ أُمْسِيَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَوْ لِقَاءٍ مُبَاشِرٍ لَهُ.

كَانَ صَوْتُهُ يَدْخُلُ البُيُوتَ الفِلَسْطِينِيَّةَ بِهَيْبَةِ الوَطَنِ، وَتَتَحَوَّلُ اللَّحْظَةُ إِلَى طَقْسٍ جَمْعِيٍّ تَتَوَحَّدُ فِيهِ القُلُوبُ حَوْلَ الكَلِمَةِ.

أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كُنْتُ أُصْغِي إِلَى نَبْرَتِهِ وَأَنَا أُحَاوِلُ فَهْمَ ذَلِكَ السِّحْرِ الَّذِي يَجْعَلُ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ وَالأُمِّ وَالحُلْمِ.

كَانَ اسْمُهُ يَحْمِلُ فِي وَعْيِي وأنا طفلة صُورَةَ فِلَسْطِينَ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ شَعَرْتُ أَنَّ الوَطَنَ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ أَعْمَقَ مِنَ الخُطَبِ وَالأَخْبَارِ.

وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِهِ يَبْدُو أَنَّ الزَّنْزَانَةَ تَحَوَّلَتْ فِي وُعْيِهِ الشِّعْرِيِّ إِلَى مَسَاحَةٍ لاِكْتِشَافِ الإِنْسَانِ لِقُوَّتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، ففِي تِلْكَ العَتْمَةِ وُلِدَ خِطَابٌ شِعْرِيٌّ يَمْلَأُ المَكَانَ بِالكَرَامَةِ وَالإِصْرَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِالحَيَاةِ، وَسرعان ما صَارَتِ القَصِيدَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَسِيرِ وَوَطَنِهِ، وَبَيْنَ الجُرْحِ وَالأَمَلِ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالمُسْتَقْبَلِ.

فِي شِعْرِ دَرْوِيش يَتَشَكَّلُ الوَعْيُ المُقَاوِمُ مِنْ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ تَحْمِلُ عُمْقَ الحَيَاةِ من رَائِحَة الخُبْزِ، وَصَوْت الأُمِّ، وَالنَّافِذَة المُطِلَّةُ عَلَى سَمَاءٍ بَعِيدَةٍ، وَخُطُوَات الحَالِمِينَ بِالحُرِّيَّةِ.

تِلْكَ الصُّوَرُ تَمْنَحُ القَصِيدَةَ قُدْرَةً عَلَى حِفْظِ الهُوِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ فِي وَجْهِ المَحْوِ، وَتَجْعَلُ الأَسِيرَ حَاضِرًا فِي الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ رمزًا لِلصُّمُودِ وَالكَرَامَةِ.

محمود درويش يَكْتُبُ القَصِيدَةَ فيَفْتَحُ نَافِذَةً فِي جِدَارٍ مُغْلَقٍ، تَدْخُلُ مِنْهَا الشَّمْسُ وَأَصْوَاتُ القُرَى وَحُلُمُ العَائِدِينَ، وَمِنْ هُنَا اكْتَسَبَ خِطَابُهُ الشِّعْرِيُّ قُوَّتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ وَالوَطَنِيَّةَ، حَتَّى غَدَتْ قَصَائِدُهُ مَسَاحَةً يَلْتَقِي فِيهَا الأَلَمُ بِالجَمَالِ، وَتَلْتَقِي فِيهَا فِلَسْطِينُ بِصَوْتِهَا الَّذِي لا يَغِيبُ.

وَهُنَا تَحْدِيدًا يَكْمُنُ الدَّافِعُ الحَقِيقِيُّ لِاخْتِيَارِ شِعْرِ محمود درويش؛ فهو الشَّاعِرُ القَرِيبُ مِنْ تَفَاصِيلِنَا، حتى بات جُزْءًا مِنَ الوَعْيِ الَّذِي تَشَكَّلَ دَاخِلَنَا مُبَكِّرًا.

لَقَدْ دَخَلَتْ قَصَائِدُهُ البُيُوتَ وَالمَدَارِسَ وَالمُخَيَّمَاتِ، وَاخْتَلَطَتْ بِصَوْتِ الِانْتِفَاضَةِ، وَصَارَتِ اللُّغَةُ عِنْدَهُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ البَقَاءِ النَّفْسِيِّ وَالوَطَنِيِّ.

إِنَّ عُنْوَانَ مُدَاخَلَتِي يَحْمِلُ شَبَكَةً مِنَ المَفَاهِيمِ الحَيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالسِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ مَعًا.

فَعِنْدَمَا نَقُولُ: "تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ"، فَنَحْنُ لُغَوِيًّا أَمَامَ كَلِمَةِ "تَجْرِبَةٍ" المُشْتَقَّةِ مِنَ الفعلِ "جَرَّبَ"، أَيْ: المُعَايَشَةُ وَالِاخْتِبَارُ وَالمُرُورُ الفِعْلِيُّ بِالأَلَمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَالتَّجْرِبَةُ حَالَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَتْرُكُ أَثَرَهَا فِي الوَعْيِ وَاللُّغَةِ وَالذَّاكِرَةِ.

أَمَّا "الِاعْتِقَالُ"، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الفِعْلِ "اعْتَقَلَ"، أَيْ: الحَبْسُ وَالمَنْعُ وَالتَّقْيِيدُ. لَكِنَّهُ فِي السِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ يَتَجَاوَزُ الجُدْرَانَ الحَدِيدِيَّةَ؛ لِيُصْبِحَ صُورَةً لِحِصَارِ الإِنْسَانِ فِي وَطَنِهِ، وَمُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى صَوْتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ.

وَعَنْ عِبَارَةِ "الوَعْيِ المُقَاوِمِ"، فَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ المَفَاهِيمِ عُمْقًا فِي هَذَا البَحْثِ؛ فَالوَعْيُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مُشْتَقٌّ مِنْ "وَعَى"، أَيْ: أَدْرَكَ وَفَهِمَ وَحَفِظَ، لَكِنَّهُ فِي التَّجْرِبَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ حَالَةُ يَقَظَةٍ وَطَنِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ قَادِرًا عَلَى مُقَاوَمَةِ الطَّمْسِ وَالنِّسْيَانِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ شِعْرُ محمود درويش وَعْيًا يُعَادُ تَشْكِيلُهُ دَاخِلَ النَّصِّ، وَعْيًا يَصْنَعُ مِنَ الأَلَمِ مَعْنًى، وَيُهَنْدِسُ مِنَ الخَسَارَةِ قُدْرَةً عَلَى الِاسْتِمْرَارِ.

ثُمَّ تَأْتِي عِبَارَةُ "بِنْيَةِ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ" لِتَقُودَنَا إِلَى مُسْتَوًى آخَرَ مِنَ القِرَاءَةِ، فَالبِنْيَةُ تَعْنِي النِّظَامَ وَالتَّرْكِيبَ وَالعَلَاقَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا النَّصُّ، بَيْنَمَا الخِطَابُ هُوَ مَوْقِفٌ وَرُؤْيَةٌ وَصَوْتٌ يَسْعَى لِلتَّأْثِيرِ وَالإِقْنَاعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَاقِعِ.

فَالقَصِيدَةُ الدَّرْوِيشِيَّةُ فَضَاءٌ كَامِلٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ اللُّغَةُ مَعَ التَّارِيخِ، وَالرَّمْزُ مَعَ الذَّاكِرَةِ، وَالفَرْدُ مَعَ الجَمَاعَةِ.

فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ قَصِيدَةً كُتِبَتْ فِي زِنْزَانَةٍ أَوْ تَحْتَ الإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ قَادِرَةً عَلَى البَقَاءِ كُلَّ هَذِهِ العُقُودِ؟

وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ نُصُوصَ محمود درويش تَتَجَاوَزُ زَمَنَهَا السِّيَاسِيَّ؛ لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنَ الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ؟

إِنَّ السِّرَّ - فِي تَقْدِيرِي - يَكْمُنُ فِي أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يُخْتَبَرُ فِي حُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ، لِذَلِكَ ظَلَّ شِعْرُهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَوِّلَ الخَاصَّ إِلَى إِنْسَانِيٍّ، وَاليَوْمِيَّ إِلَى رَمْزِيٍّ، وَالأَلَمَ إِلَى جَمَالٍ.

وَلَعَلَّ مَا يَلْفِتُ الانتباهَ فِي شِعْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ المُقَاوَمَةَ بِلُغَةٍ عَالِيَةٍ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ حَرَارَةَ الإِنْسَانِ البَسِيطِ، فالقَصِيدَةُ تبدو عَمِيقَةً وَمَفْهُومَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَلِذَلِكَ شَاعَتْ نُصُوصُهُ وَذَاعَتْ بَيْنَ النُّقَّادِ، وَبَيْنَ النَّاسِ العَادِيِّينَ، بَيْنَ الأَطْفَالِ، وَالطَّلَبَةِ، وَالأَسْرَى، وَالأُمَّهَاتِ.

إِنَّ محمود درويش- بِحَقٍّ - شَاعِرٌ عِمْلَاقٌ نَحَتَ مِنَ اللُّغَةِ تِمْثَالًا أُسْطُورِيًّا لِلْوَطَنِ البَدِيلِ عِنْدَمَا ضَاقَ الوَطَنُ الحَقِيقِيُّ عَلَى أَبْنَائِهِ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ.

وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ مُحَاوَلَةً لِقِرَاءَةِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تَحَوَّلَ فِيهَا الِاعْتِقَالُ مِنْ تَجْرِبَةِ قَهْرٍ إِلَى طَاقَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَنْتَجَتْ خِطَابًا مُقَاوِمًا مَا زَالَ حَتَّى اليَوْمِ قَادِرًا عَلَى مُلَامَسَةِ الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالعَرَبِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ.

وَاعْتَمَدْتُ فِي وَرَقَتِي البَحْثِيَّةِ عَلَى المَنْهَجِ الوَصْفِيِّ التَّحْلِيلِيِّ، مُسْتَفِيدَةً مِنْ مُقَارَبَاتِ تَحْلِيلِ الخِطَابِ، عَبْرَ قِرَاءَةِ نَمَاذِجَ مُخْتَارَةٍ مِنْ شِعْرِ محمود درويش فِي مَرْحَلَتِهِ المُبَكِّرَةِ، خَاصَّةً النُّصُوصَ المُرْتَبِطَةَ بِالسِّجْنِ، وَالمُلَاحَقَةِ، وَالإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ.

سَأَكْتَفِي في مداخلتي المخصّصة للعرض في المؤتمر بِتَنَاوُلِ نَصَّيْنِ شِعْرِيَّيْنِ يُمَثِّلَانِ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ لِلشَّاعِرِ الرَّاحِلِ محمود درويش، وَهُمَا:

قَصِيدَةُ "بَرْقِيَّةٌ مِنَ السِّجْنِ" الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ "عاشق من فلسطين"، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1966م، وَالقَصِيدَةُ مُثْبَتَةٌ ضِمْنَ قَصَائِدِ الدِّيوَانِ المُبَكِّرَةِ المُرْتَبِطَةِ بِتَجْرِبَةِ السِّجْنِ وَالمُقَاوَمَةِ.

وَقَصِيدَةُ "لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ" الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ آخر الليل، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1967م، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ قَصَائِدِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي هَذَا الدِّيوَانِ، وهما جزء من بحث ضافٍ يتضمّن نماذج متعدّدة للشاعر الراحل محمود درويش، والتي ستنشر ضمن جسم البحث الكامل فيما بعد.

وَعَنِ القَصِيدَةِ الأُولَى، يَقُولُ الشَّاعِرُ:

"مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي

تَشُدُّ أَيْدِيَكُمْ رِيحًا عَلَى نَارِ

أَنَا هُنَا، وَوَرَاءَ السُّورِ أَشْجَارِي

تُطَوِّعُ الجَبَلَ المَغْرُورَ.. أَشْجَارِي

مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ، مَا ارْتَفَعَتْ

غَيْرُ النُّجُومِ عَلَى أَسْلَاكِ أَسْوَارِي

أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادَ حَوْلَ يَدِي:

هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي

فِي حَجْمِ مَجْدِكُمُ نَعْلِي، وَقَيْدُ يَدِي

فِي طُولِ عُمْرِكُمُ المَجْدُولِ بِالعَارِ.

أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَا

أسَرَى مَحَبَّتِكُمْ فِي المَوْكِبِ السَّارِي

فِي اليَوْمِ، أَكْبُرُ عَامًا فِي هَوَى وَطَنِي

فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ"

يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِقَوْلِهِ:

"مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي"

وَتَقُومُ الصُّورَةُ الشِّعْرِيَّةُ هُنَا عَلَى مُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ؛ فَالسِّجْنُ مَكَانٌ لِلإِغْلَاقِ، بَيْنَمَا يَرْتَبِطُ الفِعْلُ "طَارَتْ" بِالتَّحَرُّرِ وَالِانْطِلَاقِ. وَهَذَا الِانْزِيَاحُ يَكْشِفُ قُدْرَةَ الشَّاعِرِ عَلَى قَلْبِ وَظِيفَةِ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءٍ لِلْقَمْعِ إِلَى مُنْطَلَقٍ لِلْحُرِّيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ، ولكُم أنْ تتابعوا معي إِضَافَةَ "كَفٍّ" إِلَى "أَشْعَارِي"، والتي تَجْعَلُ القَصِيدَةَ امْتِدَادًا جَسَدِيًّا لِلشَّاعِرِ، فالشِّعْرُ يُمَارِسُ المُقَاوَمَةَ نِيَابَةً عَن الشّاعر.

ثُمَّ تَتَصَاعَدُ لُغَةُ التَّوَتُّرِ وَالمُقَاوَمَةِ فِي قَوْلِهِ:

"مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ"

فالكِتَابَةُ كانت سَبَبًا لِلِاعْتِقَالِ، و"الحَرْفُ" قِيمَةٌ نِضَالِيَّةٌ تَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ، وَهُنَا يَتَجَلَّى وَعْيُ محمود درويش المُبَكِّرُ بِأَنَّ الشِّعْرَ مَوْقِفٌ سِيَاسِيٌّ وَوَطَنِيٌّ، وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ السِّجْنُ ثَمَنًا لِلْكَلِمَةِ الحُرَّةِ، واسْتَحضَرْتُ هنا الشاعرَ عبد يغوث الحارثي الفارس الجاهلي اليَماني الذي أسَرَتهُ بنو تميم، وتجربتُهُ في الأسرِ تُعدُّ من أكثر التجارِب الشّعرية انفجارًا بالصدق والألم، ففي قصيدته "ألا لا تلوماني" قال:

أَلاَ لا تَلُومَانِي كَفى اللَّوْمَ ما بِيَا *** وما لَكُما في اللَّوْمِ خَيْرٌ ولا لِيَا

أَقُولُ وقد شَدُّوا لسانِي بِنَسْعَةٍ *** أَمَعْشَرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا عن لِسَانِيَا

فأصبحَ الأسرُ سببًا في خلودِ صوتِه لا في غيابه، ومن هنا يتقاطعُ مع تَجرِبةِ محمود درويش، فكلاهما جعلَ من القيدِ ولادةً للكلمةِ الحُرةِ، فالأسرُ كان مَهْرًا للشعرِ الذي بقيَ حيًا عَبْرَ الزمن.

وَفِي قَوْلِهِ:

"هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي"

يَعْمِدُ الشَّاعِرُ إِلَى تَحْوِيلِ الأَصْفَادِ مِنْ رَمْزٍ لِلإِذْلَالِ إِلَى رَمْزٍ لِلصُّمُودِ، وَهِيَ تِقْنِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ المَعْنَى المُضَادِّ؛ فَالقَيْدُ صَارَ دَلِيلًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالمَوْقِفِ بَعِيدًا عَنِ الهَزِيمَةِ، وَمِنْ خِلَالِ هَذَا التَّحْوِيلِ تَنْبَنِي لُغَةُ الخِطَابِ المُقَاوِمِ الَّتِي تَرْفُضُ الِاعْتِرَافَ بِسُلْطَةِ السَّجَّانِ النَّفْسِيَّةِ.

كَمَا يَبْرُزُ البُعْدُ الجَمَاعِيُّ فِي النَّصِّ مِنْ خِلَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ ضَمِيرِ الأَنَا إِلَى ضَمِيرِ الجَمَاعَةِ:

"أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَا"

فَالسَّجِينُ يَتَحَدَّثُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَطَنِيَّةٍ كَامِلَةٍ، وَبِذَلِكَ تَتَحَوَّلُ تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ إِلَى تَجْرِبَةِ شَعْبٍ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا البُعْدَ قَوْلُهُ:

"فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ"

لاحظوا معي كيف تَتَوَلَّدُ صُورَةٌ حَرَكِيَّةٌ عَنِيفَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّيحِ وَالنَّارِ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَلَالَاتِ الثَّوْرَةِ وَالِاشْتِعَالِ وَالِاسْتِمْرَارِ.

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى البِنْيَةِ الخِطَابِيَّةِ، فَإِنَّ القَصِيدَةَ تَقُومُ عَلَى أُسْلُوبِ المُوَاجَهَةِ المُبَاشِرَةِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ أَفْعَالِ القَوْلِ.

-  أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادِ.

-  أَقُولُ لِلنَّاسِ.

فَالنَّصُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِطَابٍ احْتِجَاجِيٍّ يُوَاجِهُ السَّجَّانَ مِنْ جِهَةٍ، وَيَتَوَاصَلُ مَعَ الجَمَاعَةِ الوَطَنِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلِهَذَا تَتَدَاخَلُ فِي القَصِيدَةِ اللُّغَةُ الوِجْدَانِيَّةُ بِاللُّغَةِ التَّحْرِيضِيَّةِ، فَتُنْتِجُ خِطَابًا شِعْرِيًّا مُقَاوِمًا يَجْمَعُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالتَّحَدِّي.

أَمَّا النَّصُّ الثَّانِي المُتَمَثِّلُ فِي قَصِيدَةِ "لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ"، فَهِيَ أُنْمُوذَجٌ مُتَقَدِّمٌ لِتَحَوُّلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش مِنْ تَجْرِبَةِ قَمْعٍ مَادِّيٍّ إِلَى تَجْرِبَةِ وَعْيٍ دَاخِلِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ، فَيَقُولُ:

"كَعَادَتِهَا

أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي

وَمِنْ صَدَأِ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ

عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ

وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ

وَأَسْمَاءَ مَنْ فَقَدُوا أَمْسِ أَسْمَاءَهُمْ

عَلَى تُرْبَةِ المَعْرَكَةِ

سَأَعْتَرِفُ الآنَ،

مَا أَجْمَلَ الِاعْتِرَافَ

فَلَا تَحْزَنِي أَنْتِ يَوْمَ الأَحَدِ

وَقُولِي لِأَهْلِ البَلَدِ:

سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ

إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ

تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي

وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي... وَاليَاسَمِينُ

وَتَنْقُصُ أَعْدَادُ مَنْ يَرْقُصُونَ

وَيَذْبُلُ صَوْتُكِ قَبْلَ الأَوَانِ

وَلَكِنَّ زِنْزَانَتِي

كَعَادَتِهَا،

أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ

زِنْزَانَتِي...

وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

فَشَعَّ فَوْقَ الجِدَارِ"

يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِمُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ لَافِتَةٍ:

"أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي"

فالزِّنْزَانَةُ الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ رَمْزًا لِلْمَوْتِ وَالعَزْلِ تحولت إِلَى وَسِيلَةِ إِنْقَاذٍ، وَهَذِهِ المُفَارَقَةُ تَكْشِفُ طَبِيعَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عِنْدَ محمود درويش؛ فَهُوَ يُعِيدُ إِنْتَاجَ الأَشْيَاءِ بِصُورَةٍ مُضَادَّةٍ لِوَظِيفَتِهَا الوَاقِعِيَّةِ، فَالسِّجْنُ لَا يَقْتُلُ الشَّاعِرَ وهذا ما صرّحَ به، وَإِنَّمَا يَحْمِيهِ مِنْ:

"صَدَأ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ"

أَيْ مِنَ المَوْتِ الرُّوحِيِّ وَالرُّكُودِ الفِكْرِيِّ، فالِاعْتِقَالُ لَحْظَةَ وَعْيٍ وَتَجَدُّدٍ.

ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّصُّ إِلَى بِنَاءِ صُورَةِ الحُرِّيَّةِ دَاخِلَ فَضَاءِ السِّجْنِ:

"وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ"

وَتَقُومُ الصُّورَةُ هُنَا عَلَى جَدَلِيَّةِ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ؛ فَالسَّقْفُ الَّذِي يُمَثِّلُ الحَدَّ المُغْلَقَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَاحَةِ انْفِتَاحٍ بَصَرِيٍّ وَوَطَنِيٍّ، واسْتِحْضَارُ "بَيَّارَةِ البُرْتُقَالِ" يَحْمِلُ دَلَالَةً فِلَسْطِينِيَّةً وَاضِحَةً تَرْتَبِطُ فيها أرضُ البُرْتُقَالِ بِالهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ، فَالوَطَنُ يَظَلُّ حَاضِرًا دَاخِلَ الزَّنْزَانَةِ رَغْمَ العَزْلِ.

كَمَا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ لُغَةِ فَقْدٍ وَانْكِسَارٍ فِي قَوْلِهِ:

"تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي

وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي"

فَالعَصَافِيرُ وَالنَّجْمُ رَمْزَانِ لِلْحُلْمِ وَالحُرِّيَّةِ وَالجَمَالِ، وَابْتِعَادُهُمَا يَعْكِسُ أَثَرَ السِّجْنِ النَّفْسِيَّ وَالوِجْدَانِيَّ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الإِحْسَاسَ بِالفَقْدِ لَا يَقُودُ إِلَى الِاسْتِسْلَامِ بدليل أنّ الشَّاعِرَ يَعُودُ فِي نِهَايَةِ النَّصِّ إِلَى العِبَارَةِ المركزيّة:

"أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زَنْزَانَتِي"

وَيَكْشِفُ هَذَا التَّكْرَارُ البِنْيَةَ الدَّائِرِيَّةَ لِلنَّصِّ القائمةَ على إِصْرَارِ الشَّاعِرِ عَلَى تَحْوِيلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ إِلَى مَصْدَرِ قُوَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ.

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ، فَيُلَاحَظُ تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ بِالوَطَنِيِّ، فحَدِيثُ الشَّاعِرِ عَنْ تَأْجِيلِ حَفْلِ الزَّفَافِ في قوله: " سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ" يُقْرَأُ رَمْزًا لِتَأْجِيلِ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الِاحْتِلَالِ وَالسِّجْنِ، فالتَّجْرِبَةُ الفَرْدِيَّةُ مِرْآةً لِمُعَانَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ.

وَعَلَيْهِ، يُبْرُزُ النَّصُّ كَيْفَ اسْتَطَاعَ محمود درويش أَنْ يُحَوِّلَ الزِّنْزَانَةَ إِلَى فَضَاءٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ، وَأَنْ يَبْنِيَ خِطَابًا جَمَالِيًّا يَقُومُ عَلَى المُفَارَقَةِ وَالأَمَلِ وَاسْتِعَادَةِ الوَطَنِ دَاخِلَ اللُّغَةِ، وهذا بدورهِ يَجْعَلُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ عُنْصُرًا أَسَاسِيًّا فِي تَشْكِيلِ وَعْيِهِ الشِّعْرِيِّ المُقَاوِمِ.

تَكْشِفُ دِرَاسَةُ نَصَّيْ "بَرْقِيَّةٍ مِنَ السِّجْنِ"، وَ"لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ" فِي شِعْرِ محمود درويش أَنَّ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ شَكَّلَتْ مَنْبَعًا أَسَاسِيًّا فِي مَسِيرَةِ دَرْوِيشَ الشِّعْرِيَّةِ، وَعَمِلَتْ عَلَى تَكْوِينِ خِطَابِهِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَتِهِ الجَمَالِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ.

وَقَدْ أَفْضَى تَحْلِيلُ النَّصَّيْنِ إِلَى النَّتَائِجِ الآتِيَةِ:

1.تَحَوُّلُ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءِ قَمْعٍ إِلَى فَضَاءِ إِنْتَاجٍ شِعْرِيٍّ وَمُقَاوِمٍ

فَقَدْ نَجَحَ محمود درويش فِي قَلْبِ الدَّلَالَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلسِّجْنِ المُتَمَثِّلَةِ بِالعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ إِلَى فَضَاءٍ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ الحُرِّيَّةِ وَالهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: "أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي".

2.بِنَاءُ خِطَابٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ قَائِمٍ عَلَى المُفَارَقَةِ

اعْتَمَدَ الشَّاعِرُ عَلَى المُفَارَقَةِ كَتِقْنِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ؛ فَالقَيْدُ يَتَحَوَّلُ إِلَى "أَسَاوِرِ أَشْعَارٍ"، وَالزِّنْزَانَةُ باتت مَصْدَرَ نَجَاةٍ، وَالسِّجْنُ هو مُنْطَلَقٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا التَّحْوِيلُ الدَّلَالِيُّ يَعْكِسُ قُدْرَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى مُقَاوَمَةِ سُلْطَةِ الوَاقِعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ جَمَالِيًّا.

3.تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ وَالجَمْعِيِّ فِي التَّجْرِبَةِ الشِّعْرِيَّةِ

لَقَدْ نَقَلَتِ القَصَائِدُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ مِنَ الإِطَارِ الفَرْدِيِّ إِلَى المُسْتَوَى الجَمْعِيِّ الَّذِي يُمَثِّلُ صوتَ الجماعةِ ووجعَ الوطنِ وحُلْمَ الحريّةِ والتمسّكَ بالهُويّةِ؛ لِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ ضَمَائِرُ الجَمَاعَةِ وَصِيَغُ الخِطَابِ المُوَجَّهِ إِلَى الشَّعْبِ وَالأَحْبَابِ وَالوَطَنِ.

4.هَيْمَنَةُ المُعْجَمِ الدَّالِّ عَلَى المُقَاوَمَةِ وَالحَيَاةِ

أَظْهَرَتِ النُّصُوصُ حُضُورَ مُعْجَمٍ مُضَادٍّ لِمُعْجَمِ السِّجْنِ، فَإِلَى جَانِبِ مُفْرَدَاتِ: "السَّلَاسِلِ، وَالأَسْوَارِ، وَالمَوْتِ"، حَضَرَتْ مُفْرَدَاتُ: "الرِّيحِ، وَالعَصَافِيرِ، وَالبُرْتُقَالِ، وَالنُّجُومِ، وَالحُرِّيَّةِ"، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ سَعْيَ الشَّاعِرِ إِلَى تَرْسِيخِ الأَمَلِ فِي مُوَاجَهَةِ القَمْعِ.

5.تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ عَبْرَ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ

إِنَّ الشِّعْرَ عِنْدَ محمود درويش وَسِيلَةُ تَعْبِيرٍ وِجْدَانِيٍّ، وَأَدَاةُ مُقَاوَمَةٍ وَتَثْبِيتٍ لِلْهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِذَلِكَ ارْتَبَطَ الِاعْتِقَالُ عِنْدَهُ بِالفِعْلِ الشِّعْرِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: "مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ".

6.اعْتِمَادُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى البِنْيَةِ الحِوَارِيَّةِ وَالتَّحْرِيضِيَّةِ

كَشَفَتِ القَصَيدتانِ عَنْ حُضُورٍ وَاضِحٍ لِأَفْعَالِ القَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالخِطَابِ المُبَاشِرِ، مَا مَنَحَ النُّصُوصَ طَابِعًا احْتِجَاجِيًّا وَتَعْبَوِيًّا، وَجَعَلَ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى رِسَالَةِ مُقَاوَمَةٍ جَمَاعِيَّةٍ.

تَوْصِيَاتُ البَحْثِ

1.تَوْسِيعُ دِرَاسَةِ أَدَبِ السُّجُونِ الفِلَسْطِينِيِّ

لِمَا يَكْشِفُهُ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ وَجَمَالِيَّةٍ أَسْهَمَتْ فِي تَشْكِيلِ الوَعْيِ المُقَاوِمِ فِي الأَدَبِ الفِلَسْطِينِيِّ الحَدِيثِ.

2.الِاهْتِمَامُ بِالبِنْيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالخِطَابِيَّةِ فِي شِعْرِ المُقَاوَمَةِ

وَعَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى المَضَامِينِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالإِيقَاعِ تُؤَدِّي دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي بِنَاءِ الخِطَابِ المُقَاوِمِ.

3.إِبْرَازُ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ كَعُنْصُرٍ مُؤَسِّسٍ فِي شِعْرِ محمود درويش

لِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ وَاضِحٍ فِي تَطَوُّرِ رُؤْيَتِهِ لِلْحُرِّيَّةِ وَالوَطَنِ وَالهُوِيَّةِ.

4.تَشْجِيعُ الدِّرَاسَاتِ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجَارِبِ السِّجْنِ العَرَبِيَّةِ في العصور كافّة

مِثْلَ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجْرِبَةِ محمود درويش وَتَجْرِبَةِ طَرَفة بن العبد، وأبي العلاء المعري، أو تجربة أمل دُنقُل، أو محمد الماغوط، لِلْكَشْفِ عَنِ اخْتِلَافِ تَمَثُّلَاتِ السِّجْنِ بَيْنَ الخِطَابِ الوَطَنِيِّ وَالخِطَابِ الوُجُودِيِّ.

5.إِدْخَالُ نُصُوصِ شِعْرِ السِّجْنِ ضِمْنَ المَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ

لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ قِيَمٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى تَرْسِيخِ الوَعْيِ بِالحُرِّيَّةِ وَمُقَاوَمَةِ القَهْرِ.

6.دِرَاسَةُ تَطَوُّرِ صُورَةِ السِّجْنِ فِي المَرَاحِلِ الشِّعْرِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ عِنْدَ محمود درويش

بَدْءًا مِنَ السِّجْنِ الوَاقِعِيِّ فِي القَصَائِدِ المُبَكِّرَةِ، وُصُولًا إِلَى السِّجْنِ النَّفْسِيِّ وَالوُجُودِيِّ فِي أَعْمَالِهِ المُتَأَخِّرَةِ مِثْل ديوانِ "جدارية" الذي نُشِر في عام ألفَين.

وأختمُ بسطورٍ من الجدارية فأقول:

سنكونُ يوماً ما نريدُ

لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى

فلنذهبْ إلى أَعلى الجداريات:

أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ،

وأَنا البعيدُ

أَنا البعيدُ

غريبٌ أَنتَ في مَعناكْ.

يكفي أَنْ تكونَ هُناكْ.

اكتُبْ تَكُنْ!

واقرأْ تَجِدْ!

وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ، يَتَّحِدْ

ضدَّاكَ في المعنى.

وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الوَرَقَةِ البَحْثِيَّةِ تَبْقَى تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش نَصًّا مَفْتُوحًا عَلَى وَجَعِ الإِنْسَانِ وَكَرَامَةِ الوَطَنِ وَجَمَالِ اللُّغَةِ.

فَمِنْ قَلْبِ الزَّنَازِينِ خَرَجَتِ القَصِيدَةُ مُثْقَلَةً بِرَائِحَةِ الأَرْضِ، وَمُضِيئَةً بِحُلْمِ الحُرِّيَّةِ، وَمَحْمُولَةً عَلَى صَوْتِ شَعْبٍ يُجِيدُ النُّهُوضَ كُلَّمَا اثْقَلَهُ الجُرْحُ.

هَا هِيَ القُيُودُ تَتَحَوَّلُ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَسَاوِرَ مِنْ صَبْرٍ، وَهَا هِيَ الزَّنْزَانَةُ تَتَّسِعُ لِبَيَّارَاتِ البُرْتُقَالِ وَأَصْوَاتِ العَائِدِينَ وَخُطُوَاتِ الحَالِمِينَ بِفَجْرٍ يُشْبِهُ فِلَسْطِين. فالشَّاعِر كَانَ يَغْرِسُ فِي الجِدَارِ نَافِذَةً، وَيَغْرِسُ فِي القَلْبِ وَعْيًا، وَيَغْرِسُ فِي الزَّمَنِ قَصِيدَةً تُشْبِهُ البَقَاءَ.

يَا أَيُّهَا الحَرْفُ الفِلَسْطِينِيُّ، امْضِ فِي الطَّرِيقِ مُتَوَهِّجًا كَالسَّنَابِلِ فِي مَوْسِمِ الرِّيحِ، وَاحْمِلْ مَعَكَ حِكَايَاتِ الأَسْرَى إِلَى العَالَمِ؛ لِتَبْقَى أَسْمَاؤُهُمْ مُعَلَّقَةً عَلَى جِهَةِ الضَّوْءِ.

وَيَا قَصِيدَةَ محمود درويش، خُذِي بِيَدِ الوَطَنِ نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ الجَمَالِ وَالكَرَامَةِ وَالحَيَاةِ.

فَلْتَبْقَ الكَلِمَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَرْضِ وَأَبْنَائِهَا، وَلْتَبْقَ فِلَسْطِينُ مِئْذَنَةً لِلرُّوحِ وَالقَصِيدَةِ وَالحُرِّيَّةِ، وَلْيَكْتُبِ الأَحْفَادُ يَوْمًا عَلَى جُدْرَانِ الفَجْرِ: هُنَا مَرَّ شُعَرَاءُ حَوَّلُوا الأَلَمَ إِلَى وَرْدٍ، وَحَوَّلُوا السِّجْنَ إِلَى نَشِيدٍ يُرَدِّدُهُ الوَطَنُ عَلَى مَدَى الدَّهْرِ.

***

غدير حميدان الزبون– فِلَسْطِينُ

............................

* المداخلة البحثيّة الخاصة بمؤتمر أدب الأسرى مع وزارة الثقافة الفلسطينيّة

قائمة المصادر والمراجع:

- أبو العلاء المعري. اللزوميات. بيروت: دار صادر، د.ت.

- أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة، 1972م.

- أمل دنقل. الأعمال الشعرية الكاملة. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2007م.

- برادة، محمد. الأسئلة والرواية: مقاربات نقدية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996م.

- التبريزي، الخطيب. شرح ديوان الحماسة. بيروت: دار القلم، د.ت.

- الجيوسي، سلمى الخضراء. الأدب الفلسطيني الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997م.

- خليل، إبراهيم. الشعر الفلسطيني الحديث: من المقاومة إلى الانتفاضة. عمّان: دار المسيرة، 2003م.

- خليفة، خليل. تجليات السجن في الأدب الفلسطيني المعاصر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010م.

- درّاج، فيصل. ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني. بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 2002م.

- مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004م.

- محمد الماغوط. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: دار العودة، 2006م.

- محمود درويش. آخر الليل. بيروت: دار العودة، 1967م.

- محمود درويش. الجدارية. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 2000م.

- محمود درويش. عاشق من فلسطين. بيروت: دار العودة، 1966م.

- يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989م.

لكلّ شيءٍ مفهومه في المنظور النصّي، وربّما يعتقد بعضهم أنّ الأشياء هي تلك الكيانات المنظورة الماديّة التي يمكن التعامل معها من خلال الرؤية فقط. غير أنّ للأشياء مفاهيمَ متعدّدة؛ فعندما نقول: (الكرسيّ ينتظر)، فإنّ ذلك يعني وجود حركةٍ شيئيّة، وعلاقةٍ بين الكرسيّ وفعل الانتظار. وهذا يفترض حالةً متكرّرةً مرتبطةً بالكرسيّ من قبل شخصٍ ما، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أشياء كثيرة يمكن تحريكها داخل النصّ الشعري.

ينبني المفهوم الشيئي على التصوّرات والأحلام والخيال؛ فليست كلّ الأشياء تستحضرها الذاتُ الواقعيّة، بل إنّ هناك اختراعاتٍ تمنح الخلقَ الشيئي مساحةً حركيّةً داخل النصّ الشعري الحديث. ولم تعد المساحة النصّية مركزاً للمعنى المباشر، بل أصبحت قائمةً على مساءلةٍ دائمة، بما يتيح استنتاج أسئلةٍ حركيّة عبر الاستدلال النصّي، للوصول إلى نتائج تُظهر المعاني المرتبطة بالنصّ من جهةٍ، وبحركة الأفعال (الحركيّة، والتموضعيّة، والانتقاليّة الدلاليّة) من جهةٍ ثانية. فالدلالة التي نعنيها هنا متعدّدة الأبعاد، حيث إنّ كلّ شيءٍ دالّ على ذاته، ويُنتج المعنى عبر التأويل، أو من خلال الدلالة اللغويّة التي تنسج علاقاتها مع بنية المعنى.

إنّ الدلالة على الشيء تختلف عن دلالة الشيء؛ فالأولى تشير إلى العلامة الواقعة على الشيء وخصوصيّته، إذ إنّ لكلّ شيءٍ خصائص تميّزه، لذلك تكون دلالة الشيء محدودة نسبيّاً. أمّا الدالّ على الشيء، فيتجلّى في الإيحاء والرمز، وما يحمله من إشاراتٍ إلى أشياء أخرى؛ وهنا نكون أمام دلالةٍ واسعةٍ ضمن مفاهيم مفتوحة لا تنتهي عند حدّ، حيث يستوعب اللامحدود هذا الدالّ ويمدّ مساحته داخل النصّ الشعري.

أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ

الذي لا يقف

إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى،

عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار

كما ننسى أشياء كثيرة.

عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً،

والدقات إخوةً فرقتهم الريح

وجاؤوا ليطمئنوا عليها،

أريد أن أصف لكِ الألم

لكن الكلمات تسقط من فمي

كماءٍ في نهارٍ قائض

من قصيدة: يوم شاق – ص 5

تُعدّ الصورة الذاتيّة بناء يتشكّل داخل اللغة، ومن خلال ذلك يظهر الوعي المتماسك، والعلاقة بين الصورة بوصفها معطى تخزينيّاً مرتبطاً بالذات الحقيقيّة، وبين الأثر النصّي الذي يحوي الصور والتصوّرات التي تميل إلى التصوّر الطبيعي للعالم الذي في مدار الشاعر. ومن هنا، يجري تحويل الأشياء والخروج عن طبيعتها المباشرة، حيث تظهر دلالة المعنى وعلاقتها التأويليّة.

أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ + الذي لا يقف + إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى، + عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار + كما ننسى أشياء كثيرة. + عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً، + والدقات إخوةً فرقتهم الريح + وجاؤوا ليطمئنوا عليها، + أريد أن أصف لكِ الألم + لكن الكلمات تسقط من فمي + كماءٍ في نهارٍ قائض

يفتتح الشاعر العراقي حمدان ظاهر مجموعته الشعريّة بقصيدة (يوم شاق)، وهو ينتمي إلى أقرب الأشياء التي تعوم حوله، لكنّه في الوقت ذاته يبني تصوّراته من خلال مفهوم الـ "أنا"، وهذا المفهوم يتعرّض للمسائلة الدائمة، حيث يكون للأنا ميزة التواصل الذاتي بينها وبين الأشياء التي عدّدها في النصّ المكتوب.

بين حقيقة الشيء والتصوّر الذاتي، يبني الشاعر حمدان طاهر تصوّراته الدلاليّة؛ فلكلّ شيءٍ دلالةٌ تعني المعنى الملازم لصفات الشيء. ومن هنا، تتقاطع الأشياء بعضها مع بعض؛ فمثلاً: النهر وشيئيّته عدم الوقوف، أي إنّه يجري، والأنهار بطبيعتها الواقعيّة تعتمد الجريان. وقد أدخل الشاعر بعض الأشياء المتجانسة مع النهر، ومنها الطيور، واشتقّ من ماهيّتها (الحمامة)، ثم أدخل عامل التشبيه ليعيد للنهر دلالته.

(الحقيقي هو الصحيح، والصحيح هو ما يتطابق مع الوقائع، وهو يتطابق عندما يصيب هذه الوقائع، أي عندما يهتدي بكيف تكون الأشياء ذاتها. – مارتن هايدغر – السؤال عن الشيء – ص 70).

العلاقة بين الذات والأشياء

تُعتبر العلاقة بين الذات الحقيقيّة والأشياء علاقةَ تفاعلٍ نصّي، وذلك بسبب البراهين النصّية التي تكون مكتومةً وضمنيّة في النصّ الشعري؛ فالذات قد تذوب في تلك الأشياء، ولا نلاحظ سوى أثرها النصّي، وأحياناً يكون تأثير الشيء في إعادة اكتشاف الذات من جديد. ومن هنا يظهر البعد الزمني للأشياء، إذ إنّ الشيء المحسوس يختلف عن الشيء اللامحسوس؛ فالأوّل منظور عبر الطبيعة، بينما الثاني حسّي يتجاوزها.

يقول مارتن هايدغر: (إنّ الشعر – وهو يلامس الحكمة كالعقل – يخلّص الإنسان من التشيّؤ الملموس، لكنّه يتجاوز العقل في تحرير الكائن من التناهي المعقول، ومن سيطرة العقل على الوعي الباطن، محفّزاً إرادة الإبداع على الخلق الذي ينحرف عن المثال والنموذج والنظام. – الشعر، الوجود والزمان – ص 8–9).

فتخرج الجمل النصّية من دائرة المألوف إلى دائرة الخيال الذاتي، حيث يُعاد إنتاجها وتشكيلها.

أردتّ أن أكلّم الظلامَ،

أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى

دون سبب،

لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت.

مرّ الغريبُ من أمامي،

ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة،

تدحرج جسدي فجأةً،

ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة،

كبرت تلك الحصاة،

صارت جبلاً

من قصيدة: حجر كبير – ص 12

إنّ ما يفصل الذات عن الأشياء هو شاعريّة اللغة؛ إذ يتحقق من خلالها التجانس الكتابي بين اللغة النصّية وشاعريّتها، حيث تتجلّى الأشياء بوصفها معاني تصويريّة وتخيّليّة. وقد يكون بعضها خارج الطبيعة أو خارج الذات، لكن ذلك لا يمنع من انصهارها في الذات الكتابيّة لإنتاج حركة الدلالة وتكوين بنية نصّية قائمة على اللغة وتواصلها الفنّي.

أردتّ أن أكلّم الظلامَ، + أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى + دون سبب، + لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت. + مرّ الغريبُ من أمامي، + ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة، + تدحرج جسدي فجأةً، + ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة، + كبرت تلك الحصاة، + صارت جبلاً

تكون الأشياء متماسكةً بالجمل الشعريّة، والجملة هي المكوّن الأساسي للنصّ، إذ يُنظر إلى النصّ بوصفه نظاماً يفسّره النظام اللغوي. ومن خلال المنظور النصّي الذي يطرحه الشاعر حمدان طاهر، نلاحظ أنّ الرمزيّة متشابكة مع الأشياء؛ فالظلام فسّره النصّ بوصفه صمتاً، وهو جزء من الأشياء، بينما الصمت الذي يعنيه الشاعر هو سكون الموتى. وهنا تكون العلاقة علاقة الجزء بالكلّ، لا علاقة الشيء بنفسه. ومن ثمّ تُكسَر العلاقة التقليديّة بين الدالّ والمدلول، لأنّ الشيء لا يحمل معنى ثابتاً، بل يتشكّل معناه داخل السياق النصّي.

يعتمد النصّ على سيولة المعنى وتعدّده، والجملة تمثّل وحدةً أساسيّة تتدرّج ضمنها الوحدات اللغويّة، بحيث تمتدّ كلّ جملةٍ إلى الأخرى. أمّا الذات، فهي في حالة تشكّلٍ دائم، تخرج من الجمود القولي إلى فضاءٍ متجدّد، تتقاطع فيه الأصوات وتتعدّد مستويات القول.

أحدّق في خطوط يدي،

لأرى حياتي الصغيرة،

التي كبرت كساقية من دمع.

أدخل بين خطوطها الثلاثة،

باحثاً عن ولد صغير،

دخل من الباب،

ولم يعرفْ طريقَ الخروج.

قصيدة: طريق – ص 28

تُعدّ لغة النصّ لغة تواصليّة غير جامدة، وهي تفاعليّة في المقام الأوّل، إذ تستقطب المضامين والدلالات بالاشتراك مع المنظور الشيئي. ولا يكاد نصّ يخلو من حضور الأشياء، التي تُعاد معالجتها داخل «مختبر» النصّ لإنتاج مشاهد مختلفة تقود إلى تأويلات متعدّدة.

أحدّق في خطوط يدي، + لأرى حياتي الصغيرة، + التي كبرت كساقية من دمع. + أدخل بين خطوطها الثلاثة، + باحثاً عن ولد صغير، + دخل من الباب، + ولم يعرفْ طريقَ الخروج.

تعمل الذات من خلال فعل الـ (أنا) على تحقيق اندماجٍ كلّي مع الأشياء، وتحويلها من منظورٍ شيئي إلى فعل وجودٍ داخل النصّ. ومن هنا تتجلّى العلاقة بين الأشياء والكتابة، سواء عبر الرمزيّة أو عبر التمثيل المباشر للمعنى. ويؤكّد الشاعر ذلك من خلال أفعالٍ حركيّة مثل: (أحدّق، أرى، أدخل)، وهي أفعال تمنح الجمل الشعريّة حضورها الفعلي.

إنّه ولدٌ غريب،

في الخمسين من عمره،

يحافظ على أوقات الدواء.

كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده،

ويجلسان على عتبات الألم،

أحياناً ينسى كهولته،

ويركض مع الصغار إلى المدرسة،

وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين،

ربّما عادوا،

ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.

من قصيدة: يد مهجورة – ص 44

قد نأخذ الكلام القصدي من الحياة اليوميّة، ومن خلال الصيغة الفنيّة نعيد صياغة الأشياء بطرازٍ جديد؛ أي بحيث يكون الشيء المعتمد ذا صلةٍ بالحدث. والأحداث اليوميّة كثيرة؛ فمن الناس من تتقاطع نظرته معها، ومنهم من يتأثّر بها برؤيةٍ مباشرة، ومنهم من تكون له علاقةٌ قصديّة بمنظور الحدث؛ أي إنّ الحدث قد مرّ به، أو أنّ هناك ما يشبهه. لذلك يتحقق التواصل عبر العلاقات المعرفيّة التي تُسهم في فهم الخطاب وتوجيهه.

إنّه ولدٌ غريب، + في الخمسين من عمره، + يحافظ على أوقات الدواء. + كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده، + ويجلسان على عتبات الألم، + أحياناً ينسى كهولته، + ويركض مع الصغار إلى المدرسة، + وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين، + ربّما عادوا، + ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.

يتعامل الشعر الحديث – في كثير من الأحيان – مع الأشياء بوصفها حاضرة بذاتها، لا بوصفها انعكاساً مباشراً للمشاعر. ومن هنا تأتي عمليّة النقل بوصفها إعادة إنتاج دلالي، حيث تتحوّل الأشياء إلى عناصر تأويليّة داخل النصّ. فالعناصر مثل: (الولد، الدواء، النهار، الألم، الصغار، المدرسة) تمثّل تحوّلاتٍ دلاليّة مستمدّة من بيئة الشاعر، أعاد توظيفها ضمن بنية نصّية تكشف طبقات الزمن والذاكرة والوجود.

نستنتج من ذلك أنّ هناك قصديّة تتحقق، وفعلًا قصديّاً يمكن إنجازه؛ فالمنظور القصدي يتحقق بوصفه رؤية، بينما يرتبط الفعل القصدي بنيّة التحقيق. ومن هنا تتجلّى المقاصد العامّة والخاصّة، حيث تختلف الرغبة عن الفعل المتحقّق.

نافذة تطلّ على الفراغ

تعتمد هذه المجموعة الشعريّة على نصوصٍ طويلة الجمل نسبياً. وفي هذا الإطار، تتداخل الصورة الذاتيّة مع تصوّرات المعنى ضمن علاقة جدليّة معقدة؛ إذ لا يستقرّ المعنى عند منحى واحد، بل يتأسّس على الانزياح والمساحة الدلاليّة، ويتولّد عبر فجواتٍ نصّية، ويُبنى في المنظور الكتابي، الدالّ والمدلول، ضمن أفقٍ واسع يعكس دلالات الأشياء.

تقع المجموعة في (94) صفحة، من الحجم المتوسّط، وقد صدرت عن دار أهوار للنشر والتوزيع – بغداد، والتصميم الداخلي: علي حيدر.

الشاعر العراقي حمدان طاهر أصدر عدّة مجاميع شعريّة منذ عام 2013 حتى الآن.

..................

كتابة: علاء حمد

ليست الصورة الفنية في الأدب ترفاً بلاغيّاً عابراً، ولا زينةً لغوية تُعلَّق على جدران النصوص كما تُعلَّق الحُليّ على الأجساد، بل هي الكيان الجوهري الذي تتجلّى عبره روح اللغة حين تتحوّل من أداة إخبار إلى طاقة كشفٍ وخلقٍ وإيحاء. فالكلمة في الخطاب الأدبي لا تُستعمل لكي تُسمّي الأشياء فحسب، وإنما لكي تُعيد ولادتها داخل الوعي الإنساني في هيئةٍ أكثر كثافةً ودهشةً وامتلاءً بالمعنى. ولهذا لم يكن الشعراء الكبار يصفون العالم كما هو، بل كما يُرى من داخل التجربة الوجدانية والخيال الخلّاق.

إنّ الصورة الفنية هي اللحظة التي تتجاوز فيها اللغة حدودها التداولية المباشرة لتدخل فضاء المجاز، حيث لا يعود البحر ماءً، ولا الليل زمناً، ولا الريح حركةً هوائية، بل تتحوّل الأشياء إلى رموز نابضة وموجودات حيّة تتداخل فيها النفس بالطبيعة، والخيال بالحقيقة، والمرئيّ بالمضمر.

ومن هنا، فإنّ جوهر الصورة الفنية يكمن في قدرتها على تحويل المعنى العقلي الجامد إلى كيان حسّي نابض. فالإنسان لا يعيش العالم بالمنطق وحده، بل بالصور والانفعالات والإيحاءات. ولذلك قال أرسطو إنّ الشعر أكثر فلسفةً من التاريخ، لأنّه لا ينقل الوقائع كما حدثت، بل يكشف ما يمكن أن يحدث في جوهر النفس البشرية.

الصورة الفنية في نظر البلاغيين والنحاة:

لقد أدرك البلاغيون العرب منذ وقت مبكر أنّ اللغة الأدبية ليست مجرّد نظام نحوي، بل نظام جمالي قائم على العلاقات الخفيّة بين الكلمات والدلالات. ويبرز هنا دور عبد القاهر الجرجاني الذي جعل من “النظم” جوهر البلاغة، حيث لا تكمن القيمة في الألفاظ منفردة، بل في طريقة انتظامها وتفاعلها داخل السياق. فالصورة عنده ليست شكلاً خارجياً، وإنما بنية فكرية وشعورية تنشأ من العلاقات بين المعاني.

وقد ميّز النحاة العرب، ولا سيما الكوفيون والبصريون، بين اللغة بوصفها نظاماً معيارياً، واللغة بوصفها طاقة استعمالية حيّة. وإذا كان البصريون قد اتجهوا نحو الصرامة القياسية والاحتكام إلى القواعد الدقيقة، فإنّ الكوفيين كانوا أكثر انفتاحاً على السماع والمرونة والتنوّع الأسلوبي، وهو ما أتاح للصورة الفنية مجالاً أوسع للتشكّل.

فالنحاة البصريون رأوا أنّ سلامة التركيب هي أساس الفصاحة، ولذلك اعتنوا بالبنية المنطقية للجملة، وضبط العلاقات الإعرابية التي تحفظ المعنى من الالتباس. أما الكوفيون فقد كانوا أقرب إلى روح الشعر واللغة الحيّة، إذ أجازوا كثيراً من الانزياحات التعبيرية التي رفضها البصريون، انطلاقاً من إيمانهم بأنّ اللغة لا تُختزل في القياس وحده، بل تتسع للذوق والسماع والتجربة.

ومن هنا نشأت مساحة جمالية مهمّة في الشعر العربي، لأنّ الصورة الفنية كثيراً ما تقوم على الانحراف المقصود عن المألوف اللغوي. فالاستعارة، والتقديم والتأخير، والحذف، والانزياح التركيبي، كلها وسائل تُحرّر اللغة من آليتها النحوية الجامدة لتجعلها لغةً موحية نابضة.

الصورة الفنية وفقهاء اللغة

أما فقهاء اللغة فقد نظروا إلى الصورة الفنية من زاوية العلاقة بين اللفظ والمعنى، ورأوا أنّ جمال التعبير لا يكمن في غرابة الألفاظ، بل في قدرتها على حمل التجربة الشعورية بأقصى درجات الكثافة والانسجام.

وقد أشار ابن جني إلى أن بين الأصوات والمعاني صلةً خفيّة، وأنّ بعض الحروف يحمل طاقة إيحائية خاصة. فاللغة ليست أصواتاً اعتباطية بالكامل، بل كيانٌ حيّ له موسيقاه الداخلية وإيحاؤه النفسي. ولذلك كان الشعر العربي يعتمد على التناسب الصوتي والإيقاع بوصفهما جزءاً من بناء الصورة الفنية.

فحين يقول الشاعر:

“تكسّرتِ الأمواجُ فوقَ صخورِ الروح”

فإنّ فعل “تكسّرت” لا ينقل الحدث فقط، بل يُحدث صوتياً نوعاً من الإحساس بالتحطّم والعنف الداخلي، وهنا تتداخل الموسيقى بالصورة، ويتحوّل اللفظ إلى تجربة حسّية.

الصورة الفنية وعلم السيمياء

ومع تطوّر الدراسات اللسانية الحديثة، لم تعد الصورة الفنية تُدرس بوصفها زخرفة بلاغية، بل بوصفها نظاماً من العلامات والدلالات. وهنا يبرز علم السيمياء الذي أسّسه فرديناند دي سوسير وطوّره لاحقاً رولان بارت وأمبرتو إيكو.

فالصورة الفنية، من منظور سيميائي، ليست مجرد تركيب لغوي، بل علامة تتجاوز معناها المباشر لتنتج شبكةً من الإيحاءات الثقافية والنفسية والرمزية. فالقمر في الشعر العربي، مثلاً، لا يدلّ على جرم سماوي فحسب، بل قد يرمز إلى الحبيب أو الجمال أو الغياب أو الحنين أو المطلق.

إنّ السيمياء تكشف أنّ اللغة الأدبية ليست مرآةً للواقع، بل إعادة ترميز له. فالأديب لا يصف العالم كما هو، بل يُعيد إنتاجه داخل نسق رمزي يجعل الأشياء قابلةً لتعدّد التأويلات.

ولهذا رأى غاستون باشلار أنّ الصورة الشعرية ليست استعادةً للواقع، بل انبثاقٌ تخييليّ يولد في لحظة الدهشة، ويمنح الإنسان إمكاناً جديداً لرؤية الوجود.

الجمال اللغوي وتحويل اللغة إلى كائن حيّ

إنّ الجمال اللغوي في الصورة الفنية لا يتحقّق عبر الزخرفة اللفظية الفارغة، بل عبر الانسجام العميق بين الفكرة والإيقاع والخيال والعاطفة. فحين تبلغ اللغة ذروة جمالها، تصبح الكلمات كائنات حيّة تتحرّك وتتألّم وتتنفّس.

وهنا تكمن عبقرية الأدب العظيم؛ إذ يجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية لتصبح تجربة وجودية. فالشاعر الحقيقي لا يكتب الكلمات، بل يخلق عالماً موازياً من الرؤى والانفعالات.

ولذلك كانت الصورة الفنية هي قلب الأدب النابض، لأنها المساحة التي يلتقي فيها الفكر بالجمال، واللغة بالخيال، والإنسان بأعماقه الخفية. إنها ليست وصفاً للعالم، بل إعادة اكتشاف له؛ وليست انعكاساً للوجود، بل خلقٌ جديدٌ له داخل مرآة اللغة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقدمة: الشاعرة إنعام كمونة تكتب النصوص النثرية التي تدخل في دائرة التدوير أي الجملة المتواصلة أو النص النثريّ وفي الوقت نفسه تكتب قصيدة النثر. كنت أقدِّر محاولاتها الأدبية في نصوصها التي تنشرها في صحيفة المثقف وهي نصوص قوية محكمة تدل على موهبتها الأدبيّة وحين طالعت محاولاتها في قصيدة أدركت أنها لا تقل جمالا عن نصها النثري المدور.

لذلك ستقتصر دراستي هذه على قصيدة النثر المتمثلة بمجموعتها (اصطفيتك همسا) آمل أن أجد من الوقت مايسمح لي بدراسة نصوصها الأخرى.

البحث

لا أختلف مع من يقول إنّه (عالم العرفان) أو من يقول (العالم الصوفي) كلاهما اسم لمسمى واحد مع أنّي أفضّل للسيدات مصطلح (العرفان) لما في كلمة عرفان من امتداد وانفتاح لفظيّ تليق برقة المرأة وروحها وشفافيتها المتمثلة بالحياة نفسها وجمالها ورشاقتها.

أوّل ما يطالعنا في المجموعة هو الكتابة الجمالية التي تتمثّل بانفتاح الحرف الواحد وتكراره، نجد تلك السعة الحرفيّة في التأمل والتفكير بالذات الإلهية والابتعاد عن العالم المادي بتكرار حرف الألف أو المدّ، كقولها:

ياااا كرمة نسق الضياء

أيدنس ضوعك لسع ضلاله ص10

الكرمة من الأشجار الدائمة التي تمنحنا ثمارها كل عام، فتعني ديمومة مستمرة تمهّد لها الشاعر بامتداد حرف الألف من خلال تكراره، فهي اختارت الكرمة أمّ الخمرة، فبعد أسطر تعزِّز الامتداد المفتوح عبر الألف المطلق والمنطلق في الامتداد الأفقي إلى الامتداد المدوّر:

وسواحل عشتار

تموووج

يترادف حرف الواو ثلاث مرات، وترادفه يتطابق مع موج البحر الذي تلخّصه حركة الرقص الصوفيّ الدائرية حين يشتدّ الحماس بالمنشد فيروح يلتف على نفسه ليرتفع إلى السماء، أو الحلقة المجتمعة التي تدور، وهكذا تنتهي الدوائر بانفتاحات عليا:

فتنحني زفرااات الدموع

حيث تتحول الحلقات الدائريّة إلى امتدادات أفقيّة عبر الألف لتعود إلى حلقة واحدة هي حرف الواو ضمن كلمة تقابل البحر هي الدموع، ويمكن ترجمة تكرار (أأأأ وووو) بمتابعة شريط لراقص صوفيّ يدور حولة نفسه ثوبة من الأسفل يتسع ورأسه نحو السماء

أما الوسيلة الأخرى، فهي التعامل مع التراث بصفته خيرا لا بصفته سلبا، إنها تأخذ الرموز التاريخية القديمة وتضعها بميزان الخير لأنّ المحبة تشمل الجميع، وهذا ما نجده في محاولتها جذب رموز ما قبل الإسلام إلى مداها العرفانيّ الروحي فالذي يطّلع على العهد السومري يجده عصرا وثنيا، في الوقت نفسه هو عصر علم ومعرفة وجمال، هؤلاء الوثنيون علموا العالم الكتابة، والقراءة، والشعر والتفكير فيالحياة والموت، لذلك تستدرج الشاعرة الروح الخلّاقة الإيجابية من عمق السلب أو الحي من الميت الكامن في تاريخنا القديم لتظهره بصيغة أخرى:

كنَا نسرد أحلامنا الفتية لنجوم (إينانا)

فتهدينا زهرة زقورية

تهودج المدى أعياد شبعاد

بأهزوجة حصاد

تراقص منجل جدي

القطعة أعلاه من قصيدة عنوانها ( ترنيمة سومرية) ص 22 نجد الشاعرة تستدرج فيها الرموز فتضعها في نسق روحاني يتماشى مع الحاضر بصفاء باستلهام روح (أنانا) الإلهة القوية الخالقة المبدعة، فتحوّلها من إلهة مسعورة مفتونة بالحرب والجنس إلى امرأة نقية، نحن في الأرض ونجوم إينانا في السماء، كأننا في العصر الحالي نناغي الماضي البعيد والرابط بيننا هو المنجل الذي يرمز إلى الحصاد والخصب. هي الطقوس الحية التي نمارسها لكي نحيى بلا ذنوب يكفينا فقط أن نرث منجل الجد.

وهناك اعتماد الأسلوب القرآني من خلال الإزاحة اللغوية، في قصيدة (أهازيج شعاع) تقول:

أرى الطير ينقر خبزها

يسكب خمرها

هناك كلمتان وردتا في القرآن الكريم، هما الطير في قصة النبي يوسف، والخمر (إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) يوسف، الأية 36، فقد جعلت الشاعرة الصورتين القرآنتين في صورة واحدة، الطير رسول المعرفة، وتناول الخبز عماد الحياة، وسكب الخمر، إن مدلول الخمر يتخذ معنى واسعا في التفاتة الشاعرة إلى مبدأ الاخترال والإزاحة اللغوية، فمرة تذكرها كما هي، وتصرح باسمها بعدِّها وسيلة عقلية روحية (أنهار من خمور) ولنا مثال في قصيدة (تنهدات نزوة) ص29:

ذبلت شفاه قهوتي

أأأ.. نزوة لوعة ضلت قناديل انتظارة

في النص أعلاه تطابق الشاعرة بين الخمرة التي تصرح باسمها، فيلفت نظرنا الذبول، تحول القهوة إلى كائن بشري يصيبه الملل من شدة الانتظار وبين الضلال الذي هو عين الهداية لكن الشاعرة لا تقول (خمرتي) لأنها تلجأ إلى الاسم القديم للخمرة، ففي ترثنا العربي كانت القهوة تعني الخمرة، يقول الأعشى:

نازَعتُهُم قُضُبَ الرَيحانِ مُتَّكِئاً

وَقَهوَةً مُزَّةٌ راوُوقُها خَضِلُ (راجع ديوانه المعلقة)

فقد كانت كلمة (القهوة) تعادل كلمة (الخمر) أما استعمال كلمة قهوة المعروفة اليوم، حسبما تشير إليه المصادر الإنكليزية التي بين يدي فإنه استخدام يعود إلى القرن السابع عشر حينما جلب حبوب القهوة الإنكليز من أثيوبيا، فأزحنا كلمة (قهوة) من معناها الأصلي إلى معنى آخر معاصر.

ومن الطرق التي اتبعتها الشاعرة تفكيك بدايات الكلمات لتنتهي أمام كلمة قرآنية تندمج فيها الروح بشغف شفاف. نجد ذلك في قصيدتها (نص مثابر)ص20 حيث تختار الحرف الأول من كلمة:إقرأ القرآنية وهي أول كلمة نزل بها الوحي:

إقرأ

واللافت للنظر أن إقرأ تبدأ بالألف وتنتهي به ثمّ تتوالى أخذ الحروف من مقدمة الكلمات:

تحتضن:فاء فتات الخيال

راء:رموز هنا موازاة الحرف بكلمة جديدة.

سين:سطوع هنا أيضا موازاة حرف السين بكلمة جديدة.

ميم مخاض

إنّ الشاعرة تستوعب -عبر صيغة التفكيك والتركيب - بعض الحروف المتقدمة التي تبدأ بها بعض سور القرآن مثل (ألم) أو (ألمر) لتستخرجها من الكلام أو من حياتنا العادية التي نحياها بحلوها ومرها وخيرها وشرها لتصل إلى

تجلّ جديد يتطابق مع روحها التي تبحث عن الأفضل والأنقى:

تضوع بريعان تناسخ

لهيت أوراقي

كلمة هيت ختمت المطاف بتقبل إيجابي نحو السمو، فقد استخدمت الشاعرة لمحة خفية بكسرة (التنوين) ليس هناك من كسرة في نون النسوة بل الفتحة تكبينَ .. أو يسمعنَ والذي تقصده هو الانثى في حالة الخطاب أنتِ لأنّ الشاعرة تخاطب في قصائدها نفسها أو الآخر حتى تصل إلى عالم (هيت) الكلمة المستوحاة من القرآن (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف 23. )، ولم تكن هيت التي وردت في القصيدة هي نفسها هيت التي نطقت بها الشاعرة، فهي في مجالها الشعري الواسع تخرجها من معناها الحسيّ السلبيّ لتضعها في المطلق غير المحدد بحسّ حيث لا مكان ولا زمان فتميل بها إلى الخير والإيجاب.

إنها تقرأ المعنى الأعمق لحالة المرأة:لم تتعلق امرأة العزيز بشخص عاديّ مثل كاتب هذه السطور ولا مثل القارئ إنها تعلقت بنبي آية في الجمال ودعته ب (هيت) فهي في أمان لأنها تعلقت بما هو أسمى وأرفع ما ومن في الوجود.

ومثلما استوعبت الشاعرة في صعودها العرفاني، التراث القديم، والفكر الإسلامي وجلبته إلى شعرها بصورة جمالية فلم يبد علىعبارتها عليه الافتعال نجدها تستدرج إلى قصائدها الحكاية العربية القديمة أو الحكاية الخرافية، تقول في قصيدتها

وتغص جفوة الموج سواحل مد

ليثمل طين الفرات شهد السلام

وبشهقة فجر غجري الضياء

هديل أنثى

الثمل السكر، والثمل يمهد لمأساة عاشتها عشتار وكلّ البشريّة هي فقدان السلام، نحن ندخل السلام لكننا عشنا مأساة حقيقة ففقدنا نفوسنا مثلما فقدت أنثى الحمام ذكرها، فقد خرج ذات يوم ليجلب القوت لها فتعرض له نسر افترسه فأخذت الحمامة تندبه كل يوم. (راجع: معجم الأساطير الجاهلية، قصي الشيخ عسكر حرف الهاء هديل) لكنّ المأساة تنتهي بالفجر الذي يمثل حياة جديدة (والفجر: سورة الفجر 1) حيث يحتل النور الحقيقة محل الوهم والفرح بدل المأساة على صوت الهديل صوت بكاء الحمامة.

أضف إلى ذلك أن الشاعرة استفادت من المسيحية ودعوتها للسلام، فنطقت عنها بروحانية شفّافة في قصيدة (وجعهن وجعي ص9) التي أهدتها إلى سبايا القرن الحادي والعشرين)، فذكرت الغراب الذي نتشاءم منه حيث تقول:

سواحل عشتار

تموووج

بغربان القبور

بلد الشاعرة تعرض إلى انتهاك عنيف مدمر مفجع لا رحمة فيه عانت منه الأزيديات والمسيحيات بصورة وحشية من المسيحيات ربما أكثر، فكان عليها أن تكون وهي أمام عرش الرب أن تجسد صورة الخراب بغراب لا الغراب الدال على المعرفة يوم علم قابيل كيف يدفن أخاه القتيل بل غراب الشرّ الذي يعيش في أذهاننا الدال على الشؤم والخبث (راجع قصي عسكر معجم الأساطير الجاهلية حرف الغين غراب) بعد الغراب تتدرج الشاعرة إلى سلام تنشده في حضرة الذات الإلهية، فتلوح كلمة السلام التي التي جاء بها السيد المسيح (وصاح الديك ثانية، فتذكّر بطرس القول الذي قاله له يسوع "إنّك قبل أن يصيح الديك مرّتين، تنكرني.. مر -1472) بمعناها العميق في نص الشاعرة: الديك صاح فصلب المسيح وبصلبه ارتفع إلى السماء فأصبح مع المطلق ليعمّ سلام على العالم، تصور الشاعرة رحلتها، ورحلتهن إلى المطلق مع المسيح:

سيقبّل الديك خدّ الصباح

وتبزغين

الخاتمة:

ماكتبته أعلاه مجمل ملاحظات عن شعر الشاعرة إنعام كمونة قد تحفز هذه الملاحظات ذاكرتنا نحن القرّاء إلى مواطن جمالية أخرى، فالمجموعة هذه تبدو مثل صيحة ناعمة في عالم ماديّ صاخب لا يريد أن يعيش بسلام ولعل هذه الصيحة تعيد نفوسنا إلى طمأنينتها الأولى.

***

قصي الشيخ عسكر

 

لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية (وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين (1924- 1987).

يلتقي الكاتبان - رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري - عند مشروع إنساني واحد: تفكيك الأب بوصفه رمزًا للهيمنة، وكشف التشققات الأخلاقية والنَّفْسية التي تُخلِّفها السُّلطة الذكورية في الفردِ والمجتمع.

كتب فرح من قلب التجربة الأفريقية المُمزَّقة بين الدكتاتورية والعشيرة والسُّلطة الذكورية، بينما كتب بالدوين من قلبِ التجربة الأمريكية السوداء التي أنهكتها العُنصرية والعُنف الدِّيني والتمييز الطبقي. أدركا أنَّ السُّلطة السياسية تبدأ غالبًا من داخل البَيْت، وأن الطُّغيان الكبير يجد صورته الأُولَى في الأبِ المُستبد، أو في المجتمع الذي يَمنح الذَّكَرَ حقَّ التحكم في مصائرِ الآخَرين.

إنَّ قراءة أعمال فرح وبالدوين لَيست مُجرَّد قراءة أدبية، بلْ هي قراءة في معنى الحرية الإنسانية، والكَيفيةِ التي تتحوَّل بها العائلة أحيانًا إلى مؤسسة قمع، ويتحوَّل فيها الحُب إلى خَوف، والطاعة إلى شكل من أشكال الموت البطيء.

في أعمال فرح، لا يظهر الأبُ باعتباره فردًا فقط، بلْ باعتباره امتدادًا للعشيرةِ والسُّلطةِ السياسية، فالمجتمعُ الصومالي الذي يُقَدِّمه فرح مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة، حيث تُختزَل المرأة في الطاعة، ويُختزَل الابنُ في الامتثال. والأبُ هُنا لَيس شخصًا، بلْ مؤسسة كاملة.

ويُصبح الانتماءُ العائلي نوعًا مِن الأسْرِ الوجودي. الشخصياتُ تعيش تحت وطأة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية، ويُصبح الجسدُ مَيدانًا للسَّيطرة. المرأةُ تُراقَب باسمِ الشرف، والطفلُ يُشكَّل وفق نموذج ذُكوري صارم، وأيَّة محاولة للخروج من هذا النسق تُعَدُّ خيانة للجماعة.

أمَّا بالدوين، فيتناول السُّلطةَ الأبوية من زاوية مختلفة، لكنها لا تقلُّ قسوةً. يَظهر الأبُ بوصفه رَجل دِين مُتسلطًا يستخدم الخِطابَ الدِّيني لتبرير عُنْفِه واستبدادِه. والأبُ يُمارس سُلطةً مُزدوجة: سُلطة الرَّجل، وسُلطة المُقَدَّس. لذلك يُصبح التمردُ عليه أكثر تعقيدًا، لأنَّ الابن لا يواجه شخصًا فقط، بلْ يُواجه بُنيةً أخلاقية كاملة تُقْنعه بأن الطاعة فضيلة، وأن الرغبة خطيئة.

وهكذا يكشف الكاتبان أن السُّلطة الأبوية لا تعتمد على القوة الجسدية وحدها، بلْ على إنتاج الشعورِ بالذنب والخوف. إنها سُلطة تَجعل الإنسانَ يُراقب نَفْسَه بِنَفْسِه، ويقمع رغباته الداخلية خشية العِقاب الاجتماعي.

مِن أبرز الأمور المُشتركة بين فرح وبالدوين أن الجسد في أعمالهما لَيس مُجرَّد حُضور بيولوجي، بلْ مساحة للصراعِ السياسي والأخلاقي. فالسُّلطةُ الأبوية تسعى دائمًا إلى السيطرةِ على الجسدِ: كيف يتحرَّك؟، كي يُحِبُّ؟، كيف يَرغب؟، كيف يُعبِّر عن ذاته؟.

في روايات فرح، يبدو الجسد الأنثوي تحديدًا مَوضوعًا للهَيمنة. المرأةُ تُحاصَر بالأعرافِ، وتُختزَل في أدوارِ الإنجابِ والطاعة. لكنَّ فرح يمنح شخصياته النسائية قوةً داخلية استثنائية، فهي لا تُواجه السُّلطةَ بالصُّراخ فقط،بلْ بالمُقاومة الصامتة أحيانًا، وبإعادةِ تعريفِ ذاتها خارج شروط الرجل. والمرأةُ عند فرح لَيست ضحية مُطْلقة، بلْ هي ذات تبحث عن حُريتها وسط عالَم عدائي. ولهذا فإن رواياته تُمثِّل نقدًا جذريًّا للبُنية الذكورية في المجتمع الأفريقي التقليدي، دون أن تقع في التبسيط أو الشعاراتية.

أمَّا عِند بالدوين، فإنَّ الجسد يرتبط بالهُوية الجنسية والعِرقية معًا. الرَّجلُ الأسود في المجتمع الأمريكي يعيش قمعًا مزدوجًا: قمع العُنصرية البيضاء، وقمع السُّلطة الذكورية داخل مجتمع نَفْسِه. ولهذا كانتْ كتابات بالدوين شجاعة بصورة استثنائية، لأنه لَم يكتفِ بفضخ العُنصرية، بلْ كشفَ أيضًا هشاشةَ النموذج الذكوري التقليدي. يَتحوَّل الجسدُ إلى سؤال وجودي: هلْ يستطيع الإنسانُ أن يحب بحرية دون خوف من المجتمع؟، وهل يُمكن للهُوية أن تتحقق خارج قوالب الذكورة المفروضة؟. وقدْ أدركَ بالدوين أن السُّلطة الأبوية لا تقتل الحريةَ فقط،بلْ تقتل القُدرةَ على الحُبِّ الصادق.

ما يُميِّز مشروع فرح بصورة خاصة هو الرابط العميق بين السُّلطة الأبوية والسُّلطة السياسية. فالدكتاتور في رواياته يُشبِه الأبَ المُستبد، وكلاهما يقوم على إخضاع الفرد، وتجريده من صوته الخاص.

لقدْ عاشَ فرح تجربة المنفى بسبب معارضته السياسية، لذلك جاءت رواياته مُحمَّلة بسؤال الحرية. والدَّولةُ في عَالَمه لَيست سِوى نُسخة مُكبَّرة من العائلة السُّلطوية، حيث يُطلَب من المواطن الطاعة المُطْلقة، ويُنظَر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للنظام.

وفي المقابل، يرى بالدوين أن الدَّولة الأمريكية قامتْ على بُنية أبوية عُنصرية، تَجعل الرجلَ الأبيضَ مركزَ السُّلطة والمعنى. لذلك، فإنَّ نقده للأبِ يمتدُّ تلقائيًّا إلى نقدِ المجتمع الأمريكي كُلِّه.

لقد فهمَ بالدوين أن العُنصرية لَيست مُجرَّد كراهية لَون، بلْ هي نظام سُلطة متكامل يقوم على إخضاع الآخَر، وتجريده من إنسانيته.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كرست المبدعة سعاد الراعي ابداعها في مجموعتها القصصية الجديدة التي حملت عنوان (النخلة العمة وابناءها الاشقياء) المحتوية على 10 قصص قصيرة عن الأطفال.. تناولت من خلالها موضوع العنف الموجهة للأطفال.. وما يترافق في سياق هذا السرد القصصي لمظاهر التفكك الاسري وانعكاساته المباشرة على الأطفال..

واختلاف الثقافات والقيم الاجتماعية.. من خلال الأماكن التي حددت معالمها ابتداء من العراق حيث البصرة والعشار ومروراً باليمن وصوفيا وبلغاريا وبقية بلدان المهجر..

التي انتقلت فيها العوائل قسراً بحكم تواصل الملاحقات والقمع السائد الذي تتفرع منه جملة مواقف لا تخلو من مظاهر العنف.. بحكم اختلاف المفاهيم وتعدد أوجه الثقافة.. وما يرافقها من تصرفات بريئة او متمردة للأطفال.. بحكم قساوة الجو..

كما هو الحال في البصرة ولجوء الأطفال للاستحمام والسباحة في الشط.. وما يرافق هذا التصرف.. من قلق وتوتر يؤدي لشدة تعامل.. يلجأ من خلالها الاب للعنف لكي يضع حداً لهذه التصرفات.. لا تخلو من جوانب ساخرة.. حينما يلجأ الأطفال للحيل وتجفيف سراويلهم المبللة تحت عجلات السيارات المارقة في الشارع العام.. وتكون النتيجة تعلق بعضها في إطار العجلات ومصيبة للأطفال.. تعرضهم للعنف الأسري..

سرعان من نجد في النهاية مفاجأة تنهي هذا العنف من خلال توسط الجدة او رجل تقي لجأ له الأولاد للحماية من غضب ابٍ طفران.. قرر ملاحقة ابنه وتكون النتيجة مساومة مقبولة يفوز بها الأطفال.. تعكس بعداً اجتماعياً واخلاقياً تربوياً.. تشخص بديلاً مقنعاً للعنف.. تنبه له الكاتبة من خلال قصصها التي كرستها كهدف منها لنقد السلوك الاجتماعي.. الذي يستسهل العنف الموجه للأطفال وممارساته البشعة..

طالما كان بالإمكان خلق البديل التربوي.. واللجوء للتفاهم والتوجيه المقنع والعفو.. بدلاً من المنع والقسوة التي تلاحق الطفولة وتحطم شخصيتهم..

دون ان نغفل إن أجواء القصص لا تخلو من حالات مزح وسخرية تجعل القارئ يتمتع بما تسرده بشوق الكاتبة مع كل قصة بأسلوب لا يشعرك بالملل.. كأنك طفل صغير تعود لملاعب الصبا.. مقاعد الدراسة.. اجواء الاحياء التي مررت بها ومارست شقاوتك فيها.. في تلك المراحل..

ولا تكتفي القصص بهذا المستوى من الطرح.. فتنقلك الى مستوى اخر من التعامل الأخلاقي مع العنف.. الذي يتطلب الإدانة.. ويطال حالات جماعية لسكان غزة في قراءة أولية لطبيعة العنف الممارس..

الذي عكست أبشع صوره فيها وتحول من عنف فردي أسرى محدود موجه للأطفال في نطاق عوائلهم ومساكنهم.. واحياناً محيطهم القريب في ذات الحي او المدينة والشاطئ كما هو الحال مع البصرة والعشار..

الى فضاء الدمار الشاسع الذي يحيط بالفلسطينيين واطفالهم الذي خلف الايتام في سياق هدف أوسع يسعى للإبادة الجماعية.. والقضاء على الطفولة.. التي لا تجد وسط الخراب.. الاّ بقايا الدم المراق من الاب والام.. لتقدمه الطفلة الناجية من الموت هدية لشقيقها الآخر في غزة المنكوبة..

بهذه المجموعة القصصية.. المكرسة لمعاناة الأطفال.. من جراء العنف الاسري والاجتماعي والسياسي.. تجعلك سعاد الراعي تعيد موقفك ألف مرة قبل ان تنهر طفل شقي.. مهما تمادى في شقاوته.. لتبحث اولاً عن بديل مقنع وصيغ تربوية للتفاهم مع جيل من الورود البشرية.. في عصرنا الذي ما زال تتواتر فيه نزعات الحروب والاقتتال بين البشر.. لأسباب اقل ما يمكن القول انها تافهة.. لا تليق بالشر.. ولا يمكن تبريرها وقبولها.. يكون فيه الاطفال أولى ضحاياها.. وتتطلب موقفاً مناهضاً للعنف والحروب.. بهذه القصص المناهضة للعنف الموجه للأطفال.. تجسد سعاد الراعي موقفها الثقافي الرافض لكافة اشكال ومظاهر العنف السائدة في عصرنا..

ثقافة ضد العنف.. تنتصر للإنسان وتنبه لأهمية تنشئته من الطفولة.. حري بكل عائلة ان تقرأ هذه المجموعة القصصية.. ولأهمية محتواها.. ادعو وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في العراق لتبنيها وإعادة طبعها..

***

صباح كنجي

18.05.2026

في أنطولوجيا اللغة حين تتحوّل الروح إلى موسيقى

حين قال الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل إنَّ «الشعر هو الفن المطلق للعقل، الذي أصبح حرّاً في طبيعته، والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادة الحسية الخارجية، ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطني للأفكار والمشاعر»، لم يكن يعرّف الشعر بوصفه نوعاً أدبياً فحسب، بل كان يضعه في مرتبةٍ أنطولوجية عليا، تتجاوز حدود التعبير اللغوي إلى تخوم الوعي الإنساني ذاته. فالشعر، عند هيغل، ليس زخرفة للواقع، ولا صناعة لفظية للتسلية الجمالية، بل هو أعلى درجات تحرّر الروح من كثافة المادة، وأقصى أشكال تجلّي العقل في صورته اللامرئية. إنّه الفن الذي لا يحتاج إلى الرخام كما يحتاج النحت، ولا إلى اللون كما يحتاج الرسم، ولا إلى الجسد كما يحتاج المسرح؛ لأن مادته الوحيدة هي الروح حين تتكلّم، والوعي حين يتحوّل إلى إيقاع.

إنَّ الفنون جميعها تبدأ من الخارج لتصل إلى الداخل، إلا الشعر، فإنه يبدأ من الداخل ليعيد خلق الخارج. ولذلك بدا أكثر الفنون التصاقاً بالكينونة الإنسانية، لأنه لا يستعير العالم، بل يعيد ولادته من جديد عبر اللغة. ومن هنا قال الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين إنَّ «الإنسان يسكن العالم شعرياً»، لأن الشعر ليس خطاباً إضافياً للحياة، بل هو الطريقة الأكثر عمقاً لفهم الوجود وتأويله. فحين يعجز العقل البرهاني عن ملامسة المناطق الغامضة في النفس والكون، يتقدّم الشعر ليقول ما لا تستطيع الفلسفة قوله بلغة المفاهيم الجافة.

لقد أدرك الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هذه الحقيقة حين رأى أن اللغة ليست أداةً للتعبير، بل «بيت الكينونة»، وأن الشعراء هم حرّاس هذا البيت. فالكلمات الشعرية ليست إشارات تقنية تُستعمل للتواصل، وإنما هي كائنات روحية تفتح المعنى وتكشف المستور في الوجود. ولذلك كان الشعر، عند هايدغر، نوعاً من الإنصات العميق لصوت الكينونة، لا مجرّد بناءٍ بلاغي أو تمرين جمالي. إنَّ القصيدة الحقيقية لا تشرح العالم، بل تخلقه من جديد، وتمنح الأشياء أسماءها الأولى، كما لو أن اللغة تستعيد طفولتها البدئية قبل أن تُفسدها الاستعمالات اليومية المبتذلة.

ولعلّ هذا ما جعل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور يرى أن الفن، وفي مقدمته الشعر، هو المهرب الوحيد من استبداد الإرادة العمياء التي تحكم العالم. ففي لحظة الشعر يتحرّر الإنسان مؤقتاً من ثقل الرغبات والمصالح والضرورات، ويصعد إلى مستوى التأمل الخالص. وهنا يغدو الشعر خلاصاً روحياً، لا مجرد متعة فنية. إنّه نوع من التطهير الوجودي الذي يعيد للإنسان صفاءه الداخلي وسط عالم ملوّث بالمنفعة والعنف والابتذال.

ولأن الشعر هو الفن الأكثر تحرّراً من المادة، فقد كان أيضاً الفن الأكثر اقتراباً من الحرية. فاللغة الشعرية لا تخضع بالكامل لمنطق العقل الأداتي، بل تتمرّد عليه باستمرار. إنها تكسر النحو أحياناً لتُنقذ المعنى، وتخرق المألوف لتعيد اكتشاف الحقيقة. ولذلك كان الشعراء الحقيقيون غالباً غرباء عن مجتمعاتهم، لأنهم يرون ما لا يراه الآخرون، ويسمعون ما لا تستطيع الضوضاء اليومية التقاطه. لقد كان الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه يرى أن الشاعر كائنٌ يخلق قيماً جديدة، لأنه يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى جمال، والفوضى إلى إيقاع، والعدم إلى معنى. ومن هنا فإن الشعر ليس انعكاساً للحياة، بل مقاومة ضد ابتذالها وانحدارها.

إنَّ أخطر ما يهدّد الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الرمزي أيضاً؛ أي موت الخيال، وجفاف الروح، وتحويل اللغة إلى أداة استهلاكية باردة. ففي عصر التقنية الهائلة، حيث تتحوّل الكلمات إلى بيانات، والمشاعر إلى رموز إلكترونية، يبدو الشعر آخر حصون الإنسان الداخلية. إنه الدفاع الأخير عن هشاشة الروح ضد صلابة الآلة، وعن الحلم ضد هيمنة الواقع النفعي. ولهذا لم يكن غريباً أن يقول الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو إنَّ الفن الحقيقي هو شكل من أشكال المقاومة ضد التشيؤ. فحين يتحوّل الإنسان إلى رقم في منظومة اقتصادية أو سياسية، يأتي الشعر ليعيد إليه فردانيته وفرادته الإنسانية.

إنَّ الشعر العظيم لا يصف الأشياء كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى. إنه يحرّر العالم من رتابته، ويمنح الوجود أفقاً أكثر اتساعاً. ولذلك فإن القصيدة الحقيقية ليست مجرد نص، بل تجربة وجودية كاملة، يدخلها الإنسان ليخرج منها أكثر وعياً بنفسه وبالعالم. إنها لحظة التقاء الفكر بالموسيقى، والعقل بالحدس، واللغة بالصمت. فالشاعر الحقيقي لا يكتب الكلمات، بل يوقظ ما كان نائماً داخلها.

ولعلّ هذا ما جعل الشاعر والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث يقول إنَّ الشعر «معرفة وخلاص وسلطة وتخلٍّ». فهو معرفة لأنه يكشف أعماق الإنسان، وخلاص لأنه ينقذه من قسوة العالم، وسلطة لأنه يعيد تشكيل الوعي، وتخلٍّ لأنه يحرّر الذات من أنانيتها الضيقة.

في هذا المعنى يصبح الشعر فعلاً وجودياً بامتياز، لا ترفاً لغوياً. إنه محاولة الإنسان الدائمة لتجاوز محدوديته، والانتصار على موته الرمزي. فالقصيدة ليست كلمات تُقرأ فقط، بل روح تُعاش. وكلما انحدرت اللغة في المجتمع، انحدرت معها الروح الإنسانية، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل صورة الوعي ذاته. ولذلك فإن الدفاع عن الشعر هو، في جوهره، دفاع عن الإنسان نفسه.

إنَّ الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن وأسواق ومصانع، بل أيضاً بما تنتجه من شعر، لأن الشعر هو المقياس الأعمق لحيوية الروح البشرية. وحين تموت القصيدة داخل أمة، يبدأ الخراب بصمت، حتى لو ظلّت الأبنية قائمة والضوضاء مستمرة. فالأمم التي تفقد شعرها، تفقد تدريجياً قدرتها على الحلم، والأمم التي تفقد قدرتها على الحلم، تتحوّل إلى جماعاتٍ تدير حياتها بالغريزة لا بالبصيرة.

وهكذا يبقى الشعر، كما رآه هيغل، الفن المطلق للعقل الحر؛ الفن الذي لا يحتاج إلى مادة سوى الإنسان نفسه، ولا إلى فضاء سوى ذلك الكون الخفي الذي يسكن في أعماقنا. إنه النداء الأخير للروح كي لا تتحوّل الحياة إلى آلة، ولكي يبقى الإنسان أكثر من مجرد كائن يستهلك الوقت ويمضي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(الصوت كحامل للمعنى، قراءة في كون الطيب صالح كاتبًا يُسمَع أكثر مما يُقرأ)

ثمة أصوات تبقى في الذاكرة أكثر من أصحابها، وثمة كُتّاب تسبق نبرتهم كلماتهم. وفي عالم الطيب صالح تبدو شخصياته أحيانًا وكأنها نبرات تمشي على ساقين.. فالصفحة في أيٍّ من كتبه تتحول إلى فضاءٍ ثريّ تتجاور فيه أصوات القرية، ووقع الخطى، وطبقات الكلام التي تحمل تاريخ المكان في نبرتها.

منذ الصفحات الأولى في "موسم الهجرة إلى الشمال"، يجيء صوت الراوي كأنه عائد من مسافة بعيدة، لا يخبرك بما جرى، وانما يجعلك تسمعه.. الجملة عنده تتقدّم على مهل، وفيها شيء من هدير النيل، وشيء من تردّد السؤال في صدر صاحبه. حين يقول:

“عدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة..”

تشعر أن المعنى لا يقف عند العودة فحسب، وأن هناك طبقة أخرى في النبرة تتحسس طريقها إلى الأذن، فيها شيء من الحنين الممزوج بالقلق، يشعرك وكأن الرجل يعود وفي داخله غريب آخر، يقترب من ذلك الصوت الخافت الذي يقول:

“كنت أشعر أنني لست واحدًا منهم.. ولا واحدًا من هؤلاء”

ونلاحظ أن هذه الحساسية السمعية تبلغ ذروتها في الحوارات، في مجالس الرجال في القرية، حيث إن الأصوات لا تتشابه ولكنها تنسجم داخل هارموني واحد، فكل صوت يحمل مقامه، طبقته، موقعه، ولا يخرج عن الإيقاع. تسمع الشيخ وهو يوازن بين الحكمة والتهكّم، وتسمع الشاب وهو يتعجّل الكلام، وتسمع من بين ذلك كله صمتًا كثيفًا، صمتًا له وزن، يوازي الكلام في الأثر.

وفي اللحظة التي يتوقف فيها الكلام، لا ينتهي المعنى، بل يظل معلقًا، يتردد في الهواء كأنه ينتظر من يلتقطه.

 في أحد مجالس ود حامد، قبل أن تُفهم الجملة، يُسمع صوت صب الشاي ساخنًا، وتتصاعد رائحته مع نبرة صوت خفيض.

أحدهم يضحك فجأة، ضحكة قصيرة تقطع الحكاية، وآخر يسكت، كأنه ابتلع كلمة كادت أن تفلت من لسانه بعد أن قرر ألّا يُخرجها.

وثالث يعيد عبارة واحدة ببطء.. يمدّها، يثقلها، كأنه يختبرها في فمه قبل أن يتركها تمضي.

هنا، المعنى لا يمرّ من الكلمة وحدها.. بل يمرّ من الطريق الذي سلكته داخل الحلق والحنجرة.

ونجد في "عرس الزين" أن القرية تتحول إلى جوقة كاملة. لا يُقدَّم الزين في الرواية كبطل أو شخصية تُحلَّل، وإنما يُقدَّم كصوت يُسمع. ضحكته، اندفاعه، حضوره المفاجئ في كل مكان، كل ذلك يُبنى عبر الإيقاع، فحين يجري الزين في طرقات القرية وأزقتها، تحس أن الجملة نفسها تجري معه. وحين يسكن، تسكن اللغة.

كأن حضوره كله يختصر في إيقاع بسيط، مباشر، لا يحتاج تفسيرًا:

“الزين يحب.. والناس تضحك”

وهذا التواطؤ بين الصوت والحركة هو ما يجعل الشخصية حيّة خارج حدود الحكاية.

أما في دومة ود حامد، فالصوت يأخذ شكلًا آخر. هناك إيقاع أبطأ، كأن الزمن نفسه يمرّ عبر الحنجرة قبل أن يصل إلى السمع. الشيوخ يتحدثون، لكن ما يثقل الجو أكثر من الكلام نفسه هو ما يتراكم حوله من تاريخ، ومن ذاكرة، ومن أشياء لم تُقل.. الدومة نفسها تبدو كأنها تسمع، تحفظ، وتعيد بثّ ما مرّ بها عبر أجيالٍ جلست تحت ظلالها.

وفي زعمي أن هذه ليست حيلة أسلوبية كما تبدو، بقدر ما هي رؤية للغة.

“الكلمة لا تبدأ في المعجم.

تبدأ حين تُقال”

تبدأ في الفم الذي ينطقها، وفي الأذن التي تستقبلها. لذلك تتداخل الفصحى مع العامية في كتابات الطيب صالح من غير صدام. ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أنها ليست مسألة مستويات لغوية، وإنما مسألة طبقات صوتية، كل طبقة تحمل جزءًا من العالم الذي يخصها.

كثير من القراءات التي كُتبت عن الطيب صالح تعاملت معه ككاتب فكرة، أو كروائي اشتغل على الهوية والاستعمار والذاكرة. غير أن شيئًا أساسيًا ظل يتسلل من بين هذه القراءات دون أن يُلتقط تمامًا، وهو الصوت.

في كتابه “المِتن الروائي المفتوح”، اقترب محمد خلف من هذه المنطقة حين تعامل مع تعدد الأصوات وانفتاح السرد بوصفهما جزءًا من حيوية النص، وليس مجرد تكنيك روائي. وكذلك دينيس جونسون-ديفيز، فقد بدا واعيًا بهذه المسألة من زاوية أخرى، إذ تكشف ترجماته عن إدراك لصعوبة نقل النبرة السودانية إلى الإنجليزية دون أن تفقد شيئًا من روحها.

أما فدوى مالطي-دوغلاس وإدوارد سعيد فقد اقتربا من الفكرة من زاويتين مختلفتين، أحدهما عبر “جسد اللغة”، والآخر عبر “خبرة المكان”، لكن الصوت نفسه ظل يتحرك في الخلفية دون أن يتحول إلى مفهوم نقدي واضح.

في هذا السياق، تبدو كتابة الطيب صالح كأنها تعيد ترتيب العلاقة بين الصوت والسلطة. فالقرية حين تتكلم، تروي، تضحك، وتتهكم، لا تبدو موضوعًا للحكاية بقدر ما تبدو منتجة لها. ولهذا تبدو بعض الشخصيات وكأنها تُعرف من نبرتها قبل أفعالها..

مصطفى سعيد، مثلًا، لا يُفهم عبر ما يقوله فقط، وإنما عبر برودة صوته وطريقته في إخفاء الانفعال، كأن صوته نفسه يخرج من عمق النص ليقول:

“أنا جئتكم غازيًا في عقر داركم”

فنجد أن ما يُقال مهم، وما لا يُقال لا يقل وزنًا.

وكذلك الزين لا يعيش في الذاكرة كشخصية مرسومة بعناية، يعيش كإيقاع وضحكة وحضور صوتي متفلت.

من هنا يمكن فهم تلك المساحات التي تبدو كأنها غائبة في نصوص الطيب صالح، كالأحداث التاريخية التي لم تُذكر صراحة، وطبقات الماضي التي تمرّ من طرف الكلام. هذا الغياب ليس فراغًا، هو جزء من البناء. الصمت هنا شكل من أشكال القول. القارئ لا يُعطى كل شيء، وإنما يُدعى إلى الإصغاء.

وكثيرًا ما يترك الطيب صالح في الجملة فراغًا صغيرًا، مساحة غير مكتملة، كأنه يطلب من القارئ أن يُنصت لما لم يُكتب أيضًا.

 ولهذا تبقى هذه النصوص حيّة. القارئ لا يكتفي بقراءتها، يعود إليها ليسمعها من جديد. كل قراءة تمنحها نبرة مختلفة، وكل زمن يضيف طبقة أخرى من السمع. النص المكتوب ثابت، لكن الصوت الذي يمرّ فيه يتغير، ومعه يتغير المعنى.

فهل نقرأ الطيب صالح.. أم نسمعه؟

ربما تبدأ الإجابة في تلك اللحظة التي تتأخر فيها الكلمة قليلًا قبل أن تُقال..

في ذلك التردد الخفيف، حيث يصبح الصوت هو المعنى.

***

إبراهيم برسي

مقاربة بنيوية، سيميائية، نفسية-سياسية

المقدمة: تسعى هذه الدراسة إلى قراءة ومضة يحيى السماوي قراءةً متعددة المستويات، بالاستناد إلى مقاربات بنيوية وسيميائية ونفسية، إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي للنص. وتنطلق من محاولة الكشف عن البنية الدلالية التي تقوم عليها الومضة، وكيفية تحوّل صور الألم والخسارة داخلها إلى علاماتٍ للوعي والانبعاث والتجدد.

وتعتمد الدراسة على تتبع الحركة الداخلية للنص بوصفه بناءً تصاعديًا يبدأ بنفي الوعود الزائفة، ثم ينتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل المرثية إلى ميلاد جديد، قبل أن يربط بين المأساة وإمكان العيد، وصولًا إلى صورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والحياة.

كما تحاول الدراسة إبراز العلاقة بين الذاتي والجماعي في القصيدة، حيث لا يظهر الحزن بوصفه تجربة فردية معزولة، بل باعتباره تعبيرًا عن معاناةٍ إنسانية واجتماعية أوسع. ومن خلال ذلك تتكشف الومضة بوصفها خطابًا شعريًا يواجه الوهم والخلاص السهل، ويمنح الوعي والإرادة الإنسانية دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الواقع ومقاومة الانكسار.

ومـضـة

لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ ..

فـقـد كـان وَعِـيـدا:

*

هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ ..

وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا

*

إنْ يـكـنْ يـومـيَ مـأسـاةً

فـإنَّ الـغـدَ قـد يُـصـبـحُ عِـيـدا

*

حَـبَّـةُ الـقـمـحِ إذا تُـدفَـنُ

قـد تـمـلأُ بـالــخـضـرةِ والـسـنـبـلِ بِـيـدا

**

تفسير الابيات

الوعي بوصفه نقيض الوعد

لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ.. فـقـد كـان وَعِـيـدا:

يفتتح يحيى السماوي ومضته بنفيٍ حاسم لأي وعدٍ بالخلاص المطلق، إذ تأتي عبارة:

"ليس وعدًا بالفراديس"

لتقويض الأحلام الطوباوية والخطابات التي تعد الإنسان بجنّةٍ مؤجلة بعيدة عن واقع الألم والمعاناة. فالفراديس هنا ليست مكانًا دينيًا فحسب، بل رمزٌ للخلاص السهل الذي اعتادت الشعوب أن تُخدَّر به وسط القهر والانكسارات.

لكن الشاعر يفاجئ القارئ بالانتقال من "الوعد" إلى "الوعيد"، فينقلب الخطاب من لغة التطمين إلى لغة الإنذار. غير أن "الوعيد" لا يظل في معناه المباشر بوصفه تهديدًا فقط، بل يتحول إلى حالةٍ من اليقظة والإدراك؛ فالمعاناة نفسها تصبح مصدرًا للوعي. وكأن الشاعر يرى أن الشعوب لا تبلغ حقيقتها عبر الأحلام، بل عبر الصدمات التي تكشف الواقع وتدفع إلى المقاومة.

ومن الناحية النفسية، يكشف البيت عن ذاتٍ فقدت ثقتها بالوعود الكبيرة بعد تجارب قاسية، لذلك لم تعد تنتظر فردوسًا قادمًا، بل صارت أكثر التصاقًا بالحقيقة مهما كانت مؤلمة. أما سياسيًا، فالبيت يحمل رفضًا ضمنيًا للخطابات الزائفة التي تؤجل العدالة وتَعِد بالخلاص دون تغييرٍ حقيقي، ليصبح الوعي بالفعل التاريخي واليقظة الجماعية هو البديل عن انتظار المعجزة.

وهكذا يؤسس البيت منذ بدايته لرؤيةٍ فكرية ترى أن الخلاص لا يولد من الوهم، بل من الإدراك العميق للمأساة ومواجهتها.

من وعيِ المرثية إلى صناعةِ الميلاد

هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ.. وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا

في هذا البيت يبني يحيى السماوي ثنائيةً حادة بين الموت الرمزي والانبعاث، عبر تقابلٍ دلالي بين "المرثية" و"الميلاد". فقولُه:

"هيأتْ مرثيةً لي"

يوحي بأن قوىً خارجية — سياسية أو اجتماعية أو تاريخية — دفعت الذات نحو الخسارة والحزن، حتى بدا وكأن المصير المعدّ لها هو الرثاء والانطفاء. فالمرثية هنا لا تعني الموت الفردي فقط، بل تشير إلى محاولة إلغاء الإنسان معنويًا وتاريخيًا.

غير أن الشاعر يقلب هذا المصير عبر الجملة المقابلة:

"وأنا هيأتُ ميلادًا جديدًا"

إذ تنتقل الذات من موقع المتلقي للخراب إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره. والميلاد هنا لا يحمل معنى البداية البيولوجية، بل يرمز إلى ولادة وعيٍ جديد وإرادة مقاومة تتجاوز آثار الهزيمة.

ويكتسب البيت قوته البلاغية من تكرار الفعل "هيأت"، فالفعل ذاته استُعمل في اتجاهين متضادين: الخارج يُعِدّ المرثية، بينما الذات تُعِدّ الميلاد. ومن خلال هذا التوازي تتجلى إرادة التحدي؛ إذ يتحول الألم من نهايةٍ مغلقة إلى نقطة انطلاق نحو بناء جديد.

وعلى المستوى الرمزي، يجعل الشاعر من الحزن شرطًا للانبعاث، وكأن المراثي نفسها تصبح التربة التي ينمو منها الميلاد القادم. لذلك لا يبدو البيت استسلامًا للمأساة، بل إعلانًا لقدرة الإنسان على تحويل الخسارة إلى فعل خلقٍ وتجدد.

جدل المأساة والعيد: احتمال التحوّل

في هذا البيت يواصل يحيى السماوي بناء رؤيته القائمة على تحويل الألم إلى أفقٍ جديد، عبر صياغة شرطية تجمع بين الاعتراف بالمأساة والانفتاح على إمكان التغيير:

"إنْ يكنْ يوميَ مأساةً

 فإنَّ الغدَ قد يُصبحُ عيدًا"

يفتتح الشاعر الجملة بأداة الشرط "إنْ"، وكأنه يواجه الواقع كما هو، دون إنكارٍ للوجع أو تجميلٍ للمحنة. فالمأساة هنا ليست احتمالًا بعيدًا، بل تجربة معيشة تثقل الحاضر وتكشف قسوة الزمن.

غير أن البيت لا يتوقف عند حدود الألم، بل ينتقل إلى المستقبل عبر كلمة "الغد"، التي تحمل إيحاءً بزمنٍ مفتوح على التحول. ويأتي استخدام أداة الاحتمال "قد" بالغ الدلالة؛ إذ لا يمنح الشاعر وعدًا يقينيًا بالخلاص، بل يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التغيير. وهذا ما يمنح الأمل طابعًا واقعيًا لا وهميًا، فالعيد لا يتحقق بوصفه معجزة جاهزة، بل بوصفه ثمرةً محتملة للصبر والمقاومة والاستمرار.

وتنبع قوة البيت من هذا التوتر بين المأساة والعيد، بين الحاضر المثقل بالخسارة والمستقبل القابل للانبعاث. فالشاعر لا ينفي الألم، بل يجعله جزءًا من الطريق نحو التحول، وكأن المعاناة نفسها قد تصبح الشرط الذي يمنح الفرح القادم معناه الحقيقي.

وعلى المستوى الرمزي، يتحول "العيد" من مناسبة زمنية إلى رمزٍ للتحرر واستعادة الكرامة والانتصار على الانكسار، ليغدو البيت بأكمله إعلانًا عن إيمانٍ إنساني بأن أكثر اللحظات ظلمة قد تحمل في داخلها بذور الفجر القادم.

جدل الدفن والانبثاق

يختتم يحيى السماوي ومضته بصورةٍ زراعية كثيفة الدلالة، تجعل من الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية:

"حبّةُ القمحِ إذا تُدفنُ

 قد تملأُ بالخُضرةِ والسنبلِ بيدًا"

تقوم الصورة على مفارقة عميقة؛ فالدفن، الذي يرتبط عادةً بالموت والفناء، يتحول هنا إلى الشرط الضروري للحياة والخصب. فحبّة القمح لا تنبت إلا حين تختفي في باطن الأرض، وكأن الشاعر يؤكد أن الانبعاث الحقيقي لا يولد إلا من رحم المعاناة والتلاشي الظاهري.

ويمنح استخدام أداة الاحتمال "قد" الصورةَ بُعدًا واقعيًا؛ فالخُضرة ليست نتيجةً آلية أو مضمونة، بل ثمرةٌ ممكنة لما يُبذل من صبر وتضحية واستمرار. لذلك لا تبدو القصيدة وكأنها تعد بخلاصٍ سهل، بل تؤمن بأن الألم قد يتحول — عبر الزمن والفعل — إلى حياة أكثر اتساعًا.

كما تتسع الصورة لتأخذ بعدًا إنسانيًا وجماعيًا؛ فحبّة القمح المفردة لا تُثمر سنبلةً واحدة فحسب، بل تملأ "بيدًا" كاملة بالخضرة، فيتحول الفقد الفردي إلى خصبٍ جماعي. وهنا يكتسب البيت إيحاءً اجتماعيًا وسياسيًا، إذ تصبح التضحيات الصغيرة بذورًا قادرة على صناعة مستقبل أوسع وأكثر حياة.

وتنبع قوة البيت من اعتماده على دورة الطبيعة بوصفها قانونًا رمزيًا للوجود: فكل ميلادٍ حقيقي يسبقه دفنٌ ما، وكل خُضرةٍ تحتاج أولًا إلى أن تعبر عتمة التراب. وهكذا يختتم الشاعر ومضته بإيمانٍ عميق بأن ما يبدو نهاية قد يكون في حقيقته بدايةً أخرى أكثر خصبًا واتساعًا.

مقاربة بنيوية/ سيميائية/ نفسية/ سياسية

تقوم ومضة يحيى السماوي على حركة دلالية قصيرة لكنها شديدة الكثافة، تبدأ برفض الوعود الزائفة، ثم تنتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل الحزن إلى فعل، قبل أن تنتهي بصورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والانبعاث. لذلك لا يقدّم النص خلاصًا جاهزًا أو يقينًا مطلقًا، بل يفتح أفقًا إنسانيًا يقوم على الوعي والصبر والقدرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة.

البنية العامة (مقاربة بنيوية)

تتحرك الومضة عبر بناءٍ تصاعدي يقوم على أربع مراحل مترابطة:

1. نفي الوهم والخلاص السهل

 في قوله:

 "ليس وعدًا بالفراديس"

 يفتتح الشاعر النص برفض الخطابات التي تعد بالخلاص السريع، واضعًا القارئ منذ البداية أمام واقعٍ لا يحتمل التزييف أو التجميل.

2. الانتقال من الرثاء إلى الفعل

 في قوله:

 "هيّأتْ مرثيةً لي… وأنا هيّأتُ ميلادًا جديدًا"

 تنتقل الذات من موقع المتلقي للحزن إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره، فيتحول الرثاء من نهايةٍ إلى بداية.

3. جدلية الألم والأمل

 في قوله:

 "إن يكن يومي مأساةً

 فإن الغد قد يصبح عيدًا"

 يربط الشاعر بين الحاضر المؤلم والمستقبل الممكن، دون أن يمنح وعدًا يقينيًا، فالعيد يبقى احتمالًا يحتاج إلى صبرٍ واستمرار.

4. الدفن بوصفه شرطًا للانبعاث

 في قوله:

 "حبّة القمح إذا تُدفن

 قد تملأ بالخضرة والسنبل بيدًا"

 تبلغ الحركة الدلالية ذروتها، إذ يتحول الدفن من رمزٍ للفناء إلى مقدمة ضرورية للحياة والخصب.

وبذلك تقوم البنية العامة للنص على مسارٍ تحويلي يبدأ بالنفي وينتهي بالانبعاث:

 وهم → وعي → مقاومة → خصب وحياة.

المقاربة السيميائية (شبكة العلامات)

يبني النص شبكة من العلامات المتقابلة التي تتحول فيها الدلالات السلبية إلى طاقة إيجابية عبر الوعي والإرادة.

العلامات المرتبطة بالألم:

- الفراديس: ترمز إلى الوعود الزائفة والخلاص الوهمي.

- المرثية: تشير إلى الحزن والانكسار.

- المأساة: تعكس قسوة الحاضر.

- الدفن: يرمز إلى الفقد والتلاشي الظاهري.

العلامات المرتبطة بالتحول:

- الميلاد الجديد: رمز للتجدد والانبعاث

-  العيد: دلالة على الفرح والتحرر.

- الخضرة والسنابل: رمزان للخصب والحياة الجماعية.

غير أن هذه العلامات لا تبقى ثابتة، بل تدخل في حركة تحول مستمرة؛ فالمرثية تقود إلى الميلاد، والمأساة تنفتح على احتمال العيد، والدفن يصبح طريقًا إلى الخضرة. ومن خلال هذه الإزاحات الدلالية تتحول اللغة من توصيف الألم إلى إعادة إنتاج معناه بصورة جديدة.

البعد النفسي

يكشف النص عن ذاتٍ لا تنكر الألم، لكنها ترفض الاستسلام له. فالوعي هنا ليس تأملًا سلبيًا، بل طريقة لمواجهة الواقع وتجاوزه.

فالذات الشعرية تبدأ من إدراك الخسارة، لكنها لا تبقى أسيرة الحزن، بل تعمل على تحويله إلى قوة داخلية قادرة على إنتاج بداية جديدة. لذلك يبدو "الميلاد" في القصيدة ميلادًا نفسيًا أيضًا، أي انتقالًا من الانكسار إلى القدرة على الاستمرار.

كما أن استخدام أداة الاحتمال:

"قد يصبح عيدًا"

يكشف عن وعيٍ واقعي لا يعتمد على الأوهام، بل يؤمن بإمكانية التغيير دون أن يضمنه بصورة مطلقة.

أما صورة حبّة القمح، فتعكس بُعدًا نفسيًا عميقًا؛ إذ يصبح الدفن رمزًا لانتهاء مرحلة قديمة، تمهيدًا لولادة أكثر نضجًا واتساعًا.

البعد السياسي والاجتماعي

تحمل الومضة بُعدًا سياسيًا غير مباشر، يتجلى عبر نقد الخطابات التي تَعِد بالخلاص دون أن تغيّر الواقع فعليًا.

فرفض "الفراديس" يوحي برفض الوعود الشعبوية أو الأيديولوجيات التي تخدّر الإنسان بالأمل المجرد. وفي المقابل، يمنح الشاعر قيمة كبرى للوعي والفعل والإرادة الإنسانية.

كما أن الحزن في النص لا يبدو فرديًا خالصًا، بل يتسع ليحمل همًّا جماعيًا يرتبط بالمهمشين والمقهورين وكل من يعيش تجربة الخسارة والقمع.

وتتحول صورة حبّة القمح إلى رمزٍ اجتماعي؛ فالبذرة الصغيرة التي تُدفن في الأرض لا تمنح خصبها لنفسها، بل تملأ المكان بالخضرة والسنابل، وكأن التضحية الفردية يمكن أن تتحول إلى حياةٍ جماعية أكثر اتساعًا وعدالة.

الإزاحة الدلالية وآليات التحول

يقوم النص على سلسلة من التحولات الدلالية التي تمنح الومضة وحدتها الداخلية:

وعد → وعي  مرثية → ميلاد  مأساة → عيد  دفن → خضرة

ومن خلال هذه التحولات يعيد الشاعر تشكيل المعاني التقليدية للكلمات، بحيث لا تبقى المرثية نهاية، ولا الدفن فناءً، بل تتحول الصور كلها إلى مقدمات للانبعاث والتجدد.

الاستعارات المركزية

- استعارة البذرة:

 الدفن يتحول إلى شرط للحياة، بما يجعل الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية.

- استعارة الزمن:

 اليوم والغد لا يدلان على الزمن فقط، بل على الانتقال من المعاناة إلى إمكان الفرح.

- استعارة الميلاد:

 الميلاد هنا ليس بيولوجيًا، بل ولادة وعيٍ جديد وقدرة على تجاوز الانكسار.

الخاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن الومضة لدى يحيى السماوي، على الرغم من تكثيفها الشديد، تقوم على بناءٍ دلالي متصاعد يحوّل الألم إلى وعي، والمرثية إلى بدايةٍ للميلاد، والمأساة إلى أفقٍ لاحتمال العيد، والدفن إلى شرطٍ للخصب والانبعاث. وقد بيّنت المقاربة البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية أن النص لا يكتفي بتجسيد تجربةٍ ذاتية، بل ينفتح على رؤيةٍ جماعية تجعل الوعي بديلًا للوعود الزائفة، والفعلَ الإنساني بديلًا للاستسلام.

ومن خلال شبكةٍ من الصور والاستعارات المتحولة، يبني الشاعر تصورًا يرى أن الخسارة ليست نهايةً مغلقة، بل إمكانيةً لبداية جديدة أكثر نضجًا واتساعًا. وهكذا تتجاوز الومضة حدودها الشعرية المكثفة لتغدو خطابًا إنسانيًا يربط بين الألم والتحول، وبين المعاناة وإمكان الخصب والتجدد.

***

سهيل الزهاوي

(قراءة في الإبداع الشعري ما بعد الحداثوي لقصائد فراس طه الصگر)

في عتبة الاشتباك النقدي الثقافي اليومي الذي نعيشه، لا بد من التوقف أمام اكتشاف مدهش يتجلى بين سطور هذه التجربة؛ إذ نجد أنفسنا أمام "أدونيس" حقيقي، جليّ الرؤية، غير ملتبس ولا ضبابي، يطل علينا بحروفه المشعة ليفرض علينا التزاماً معرفياً وجمالياً بمتابعة هذا التوهج الإبداعي للشاعر (فراس طه الصگر) بجدية مفرطة. إن لكتاباته قدرة استثنائية على اختراق الحُجب وفتح أبواب الحقيقة المغلقة؛ حقيقة الوجود ذاته، وتتبع مسارات من طار وحلق في فضاءاته من الموجودات. هذا الانكشاف الشعري يجعلنا مُلزمين بالوقوف طويلاً أمام نصه، ليس بوصفه مجرد قصيدة، بل كشفاً أنطولوجياً يضعنا وجهاً لوجه أمام جوهر الأشياء.

نقف هنا حيث اللحظات المعرفية الأنيقة أمام تجربة شعرية مغايرة للشاعر المتمرد (فراس طه الصگر)، في قصيدة اختار لها، بوعي فلسفي عميق وقصدية حادة، أن تكون "بلا عنوان". هذا التجرد من العتبة الأولى ليس مجرد صدفة، بل هو انحياز لانعتاق جمالي من سطوة التسمية التي تقيّد النص وتحدد أفقه.

ولتقريب هذه الرؤية العميقة وتفكيك شفراتها للقارئ، اعتمدنا في هذه المقالة آلية نقدية مزدوجة تجمع بين الاستعراض النصي والتحليل التفكيكي؛ حيث قمنا بهندسة المقالة وتوزيعها على أربعة مقاطع نقدية توازي تماماً مقاطع القصيدة الأربعة. في كل قسم، نضع (النص الشعري) وجهاً لوجه أمام (الرؤية النقدية) الخاصة به، ليعيش القارئ لحظة الاشتباك المباشر بين الدفقة الشعرية وتأويلها الفلسفي الذي يتكئ على مفاهيم الفيلسوفين: جاك دريدا؛ عرّاب "التفكيكية" الذي زلزل استقرار اللغة وكشف عن انفلات المعنى واستحالة القبض عليه، وجان بودريار؛ فيلسوف "المحاكاة" والواقع المفرط الذي فكّك سطوة الوهم حين يبتلع حقيقة الأشياء ويحل محلها. لتكون هذه الإضاءة الفلسفية نافذةً أعمق لفهم مأزق الذات الشاعرة وصراعها مع العدم.

ولتعويض الغياب الفلسفي المتعمد للعنوان الرئيسي للقصيدة من قبل الشاعر (الصگر)، ارتأينا عنونة كل مقطع نقدي بمعزل عن الآخر؛ حيث صغنا لكل جزء عنواناً مكثفاً يستقطر الجوهر الفلسفي والجمالي لتلك المحطة الشعرية (كاللمس، المحاكاة، الغياب، والمحو). هذه العناوين الفرعية تعمل كعتبات إضاءة متدرجة، تقودنا في رحلة مريرة مع العدم، حيث تنسج الكلمات أكفانها بيدها، وتغدو الكتابة مرثية كبرى للمعنى.

المقطع الأول: عدوى اللمس ومرثية البياض

النص الشعري:

بيديَّ هاتين

أشرتُ إلى الليل،

فاسودّت أصابعي كلُّها..

وبالأصابعِ ذاتها

أشرتُ إليكِ،

فاسّاقطتْ قصائدَ بيضاء..

الرؤية النقدية:

تنطلق القصيدة من تلك العتبة الملتبسة التي تنتهي عندها حدود اللغة، حيث تتفحم الكلمات متخلية عن معناها، ويغدو "الدال" شبحاً يطارد "مدلولاً" أزلي الغياب. في هذا المشهد، تحمل اليدان اللتان تشيران إلى الليل سر التحول الأنطولوجي؛ إذ يصبح اللمس عدوى، والإشارة عبوراً للاندماج في جوهر الأشياء. هذا الاسوداد الذي أصاب الأصابع يكشف عن ذوبان الذات الشاعرة لدى (فراس طه الصگر) وتلوثها في عتمة العالم الآخر العالم السارتري الجحيمي الذي تحاول تسميته، في تجسيد لجدلية "دريدية" خالصة: كل اندفاع نحو الخارج هو تدمير داخلي للذات، وكل محاولة للإمساك بالليل تعني الانزلاق الحتمي في بئره السحيقة وكذا الحال في وصف الآخر.

ومن رحم هذه العتمة، تنبثق الحركة الثانية المدهشة؛ حين تتجه الأصابع ذاتها، المثقلة بسواد الليل، نحو المحبوبة، لتُساقط "قصائد بيضاء". هنا يتجلى "منطق الأثر" الذي يجعل كل حضور مسكوناً بشبح غيابه، وكل بياض ملوثاً حتماً بالسواد الذي سبقه. تتهاوى هذه القصائد كأوراق الخريف أو كجثث الطيور، ليصبح فعل التساقط رمزاً للانحدار والموت، لا ثماراً دانية للقطاف. هكذا، يُولد البياض ميتاً، وتأتي النصوص حاملةً نعواتها، ليتحول فعل الإبداع نفسه عند (الصگر)، بوصفه شاعراً يدرك مأزق اللغة، إلى وجه آخر للفناء؛ وكأن الكتابة عن الحب، في جوهرها المأزوم، ليست احتفاءً ببهجة الحضور وإن بدا كذلك، إنما الحقيقة تقول هي طقس رثائي خالص، وتدوين موجع للخسارة، وما بعد الموت.

المقطع الثاني: انزياح الدلالة ومحاكاة الوهم

النص الشعري:

في الليلِ نفسهِ..

حينما أضحى الندمُ مسافةً للعشق

والعشقُ زمناً للغياب..

تركتكِ ترحلين،

كصحراء تعاظمَ سرابُها

فاستحالتْ حكايةً من الوهمِ،

والغياب

الرؤية النقدية:

في هذا المقطع، يغور النص عميقاً في مسارات الانزياح الدلالي وصولاً إلى الانفصام التام عن أي مرجعية واقعية. هنا، تتشابك التحولات الأنطولوجية لتذيب صلابة المفاهيم المعجمية، وتجعل من الكلمات مجرد جسور معلقة فوق هاوية المعنى؛ فيستحيل "الندم"، بوصفه شعوراً نفسياً داخلياً، إلى بُعد مكاني ومسافة للعبور، ويتحول "العشق" الوجداني إلى امتداد وزمن خالص للغياب. هذا الترحيل القسري للمفاهيم عن طبائعها الأصلية يكشف عن عنف لغوي مُمارس ضد المعنى، يقوده (الصگر) ببراعة الشاعر الخبير بخبايا الكلمة، غايته تفجير الدلالة من الداخل، ودفع اللغة لتشهد على عجزها الخاص.

وفي ذروة هذا التفكيك، تبرز إحدى أعنف استعارات النص حين تُترك المحبوبة لترحل كـ "صحراء تعاظم سرابها". تتحول المرأة هنا إلى جغرافيا قاحلة وفضاء مسكون بالوهم؛ سرابٌ ينمو ويتضخم مبتلعاً كل شيء، حتى تذوب الصحراء الحقيقية وتستحيل بدورها إلى مجرد حكاية. في هذه الرقصة المدوخة التي يتبادل فيها الحقيقي والوهمي مواقعهما، يكتسب السراب (الوهم) قوة الوجود كحقيقة وحيدة. إن هذا المشهد يجسد ببراعة ما أسماه الفيلسوف بودريار بـ "عصر المحاكاة"، حيث تسبق الصورة الواقع، وتُنتج العلامة مرجعها عوضاً عن الإحالة إليه؛ لتغدو المحبوبة من خلال عدسة (فراس طه الصگر) الشعرية محاكاة صرفة، ووهماً هائلاً يلتهم الحقيقة التي كان يُفترض أن يمثلها.

المقطع الثالث: مركزية الغياب والتشظي الكوني

النص الشعري:

في الغياب..

حينما ترحلُ الصورُ..

والوجوهُ..

والوشايات..

حيث الرمالُ أقربُ ما نستطيعهُ

والمياهُ مجردُ حكايةٍ..

هناك،

لن أجدَ مبرراً لنسيانكِ

سوى أنكِ

مجرّةٌ من الذكريات..

الرؤية النقدية:

في هذا المقطع، يتجذر الغياب ليغدو المركز الغائب الذي يدور في فلكه كل دوال النص وموضوعه الأوحد. ومع رحيل الصور والوجوه والوشايات، تبرز تلك النقطتان المعلقتان في الهواء بعد كل سطر كاعتراف صارخ بعجز اللغة عن الإحاطة والإحصاء؛ فهي إقرار بذاك الفائض المستحيل الذي ينفلت دائماً من قبضة الكلام ليبقى خارج النص. هنا، تصير الرمال القاحلة أقرب ما يمكن الإمساك به، بينما تُجرد "المياه" - بكل ما تحمله من دلالات الحياة والخصوبة والاستمرار - من ماديتها لتستحيل مجرد حكاية وسردية تحل محل الماء ذاته. ويتجلى في هذا الانزياح أعنف قوانين الكتابة التي يعيها الشاعر: الكلمة تقتل الشيء، والتسمية تغتال المسمّى، والنص يبتلع الواقع.

وفي امتداد هذا الغياب، تُوصَف المحبوبة في مخيلة (فراس طه الصگر) المتقدة بأنها "مجرة من الذكريات"، في استعارة كونية تنطوي على عنف تجريدي مرعب. إذ تتشظى صورة المحبوبة الواحدة المتماسكة وتنفجر إلى كثرة لانهائية من العلامات المبعثرة والذكريات المتناثرة كنجوم في فضاء الوعي، تفصل بينها مسافات كونية شاسعة. ولا تكتفي هذه "المجرة" بتجسيد الاستحالة والانفصال الأبدي فحسب، بل تحيلنا إلى حقيقة فلكية موجعة: فكما أن الضوء الذي يصلنا من النجوم قد يكون مجرد شبح وأثر لأجرام ماتت منذ ملايين السنين، كذلك المحبوبة في رؤيا (الصگر)؛ فما يتبقى منها في الذاكرة ليس سوى أشباح وآثار ضوئية لحضور انقضى، وصدى لحبٍ ربما مات قبل أن يولد.

المقطع الرابع: فانتازيا المحو ووهم الحضور الصوتي

النص الشعري:

الآن..

سأمحو الندمَ بأصابع النسيان

ثم سأمحو النسيانَ كذلك..

سأمحو قبلةً ورديةً على شفةِ الموت

ثم أمحو الموتَ كذلك..

سأمحو من الصحراءِ ليلةً ماطرة..

سأمحو من العمرِ أقمارَه

ومن أقمارهِ لياليه..

سأمحو كل ليلةٍ لم يشعّ بهاؤك فيها

ثم سأنسى كل هذا..

سأنسى أنني أمحو..

وأنسى أنني نسيت..

أتعلمين لماذا؟

ذلك أنكِ

ذكرى تتحدّث..

الرؤية النقدية:

ثم يأتي المقطع الرابع ليحمل معه فانتازيا المحو الأكثر جنوناً في النص. حيث تعلن الذات الشاعرة لدى (فراس طه الصگر) برنامجاً تدميرياً شاملاً: سأمحو الندم، سأمحو النسيان، سأمحو القبلة، سأمحو الموت، سأمحو الليلة الماطرة، سأمحو الأقمار، سأمحو الليالي. هذا التكرار القهري لفعل المحو يحمل طبيعة طقسية، كأنه شعيرة تطهيرية أو ممارسة سحرية تحاول من خلال تكرار الفعل اللغوي أن تحقق تأثيراً واقعياً. الذات تتوهم أن اللغة قادرة على المحو، أن الكلمة قادرة على إلغاء ما تسميه، وهذا الوهم هو بالضبط ما تعيشه الذات الحداثية التي تؤمن بقدرة الكلام على تغيير الواقع، بسلطة الدال على المدلول.

المحو يتصاعد من محو الندم إلى محو النسيان نفسه، وهنا يضعنا (الصگر) في المفارقة المنطقية الأولى: كيف يمكن محو النسيان؟ محو النسيان يعني التذكر، يعني عودة المحو، يعني إلغاء فعل المحو الأول. الذات تقع في حلقة مفرغة، في دوامة منطقية تجعل كل فعل محو يستدعي محواً آخر. ثم تمحو القبلة الوردية على شفة الموت، وهذه الصورة السريالية تجمع بين الحياة (القبلة، الوردي) والموت في تجاور مستحيل، ثم تعلن محو الموت نفسه. محو الموت حلم الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون، حلم الخلود والحضور الأبدي، ومحوه عند الشاعر يعني إلغاء الزمن، إلغاء الفناء، وتحقيق الثبات المطلق.

الذات تمحو من الصحراء ليلة ماطرة، وهذه الليلة الماطرة في الصحراء هي المعجزة، الاستثناء. محوها يعني محو الأمل، محو اللحظة الوحيدة التي شهدت فيها الصحراء على معجزة. ثم تمحو الذات من العمر أقماره، ومن أقماره لياليه، في حركة متسلسلة تشبه تفكيك بناء مكون من طبقات. الأقمار هي مصدر الضوء، محوها يعني الظلام المطلق، والليالي هي الزمن نفسه، محوها يعني الخروج من التاريخ.

ثم يأتي التصريح الأكثر قسوة: سأمحو كل ليلة لم يشع بهاؤك فيها. هنا تريد الذات اختزال الوجود كله في لحظات الحضور، في تلك الشقوق الضوئية التي شع فيها بهاء الآخر. العالم كله يصير فائضاً، والوجود الحقيقي يُختزل في ومضات اللقاء. هذا اختزال قاس للوجود يجعل معنى الحياة معلقاً بحضور الآخر، وكل ما عداه عدماً يستحق الإلغاء.

ثم تعلن الذات أنها ستنسى كل هذا، ستنسى أنها تمحو، وستنسى أنها نسيت. هنا نصل إلى الميتا-محو، إلى نسيان فعل النسيان. هذه حركة تفكيكية بامتياز تلتهم نفسها. الذات التي تعلن نسيان النسيان تظل واعية به، وبالتالي تبقى حاضرة في اللحظة التي تعلن فيها غيابها. هذا الوعي يجعل المحو مستحيلاً، لتبقى الذات مسجونة في قفص الوعي.

ثم يأتي السؤال الاستنكاري: أتعلمين لماذا؟ كأن الذات تقدم عرضاً مسرحياً للآخر، تتباهى فيه بسلطتها على الذاكرة والزمن. ثم يأتي الجواب الذي صاغه (فراس طه الصگر) بكثافة فلسفية مرعبة: "ذلك أنكِ ذكرى تتحدث". المحبوبة ذكرى (ماضٍ، غياب، أثر)، لكنها تتحدث (تحضر الآن، تملك صوتاً). الماضي يصير حاضراً عبر فعل الكلام.

هذا ما أسماه دريدا بالصوتانية، ذلك الوهم الميتافيزيقي الذي يجعل الصوت أقرب إلى الحضور والحقيقة من الكتابة. المحبوبة التي تتحدث كذكرى هي وهم الحضور الصوتي، وهم أن الكلام قادر على إحضار الغائب. هذا الوهم هو ما يجعل الذات غير قادرة على النسيان، لأن الذكرى ما دامت تتحدث فهي حاضرة.

القصيدة تكشف في نهايتها عن حقيقتها الأعمق: إنها نص عن اللغة أكثر منها نص عن الحب، ونص عن استحالة القول. الكتابة هنا تدوين للعجز، شهادة على أن اللغة تخون دائماً؛ تخون الحب حين تحاول قوله، وتخون الحضور حين تحاول تسميته. كل نص هو في جوهره نصب تذكاري لشيء مات في اللحظة التي وُضع فيها على الورق.

المحو المتكرر في القصيدة يكشف عن رغبة (الصگر) في العودة إلى ما قبل اللغة، إلى حالة الصمت الأصلي واللحظة السابقة على التسمية. محو الكلمات هو محاولة لمحو الخطيئة الأصلية (خطيئة الكلام). الذات تريد العودة إلى ما قبل الوعي، لكنها محكومة بأن تستخدم الكلمات لمحو الكلمات، وهنا تكمن المفارقة المأساوية: اللغة هي السجن والمفتاح معاً.

القصيدة بعمومياتها التأويلية، وبقلم (فراس طه الصگر) الاستثنائي، هي نص مأزوم بامتياز، يعرف أنه يخون ما يحاول قوله، وأن كل دال سيخذل مدلوله. هذا الوعي بالخيانة يجعل النص شجاعاً وصادقاً في عجزه. القصيدة شهادة على أن الكلام عن الحب كذب جميل، وأن كل نص هو في النهاية نص عن اللغة، عن حدودها، وعن كذبها الضروري.

***

بقلم: كاظم أبو جويدة

يُشكّل الشعر العربي الحديث فضاءً معرفيّاً وجماليّاً تتقاطع فيه الأزمنة، وتتداخل عبره المرجعيات التاريخية والأسطورية والوجودية، بحيث يغدو النص الشعري أكثر من مجرّد بناء لغوي أو تشكيل إيقاعي؛ إنّه ممارسة تأويلية تعيد مساءلة الإنسان والتاريخ والسلطة والهوية. ومن هذا المنظور، تأتي قصيدة الشاعرة ربيعة غانم الموسومة بـ:

«استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً / فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان»

بوصفها نصّاً شعريّاً كثيف البنية، متعدّد الطبقات الدلالية، ينفتح على فضاءات رمزية وتاريخية ونفسية عميقة، مستثمراً شخصية امرئ القيس لا باعتبارها استعادة تراثية جامدة، بل بوصفها قناعاً حضارياً ووجودياً يعكس مأزق الذات العربية المعاصرة، وقلقها التاريخي، وانكسارها أمام أسئلة السلطة والمنفى والفقد.

فالقصيدة لا تُعيد إنتاج الحكاية الجاهلية في بعدها السردي فحسب، بل تعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل أفق حداثي تتجاور فيه:

التراجيديا السياسية، والرؤية الفلسفية، والانكسار النفسي، والاحتجاج الحضاري.

ومن هنا، تتحوّل شخصية امرئ القيس من شاعر طريد يبحث عن ملك أبيه، إلى رمز للذات الممزقة بين الحلم والسقوط، وبين الرغبة في استعادة المجد، والوعي العميق باستحالة العودة إلى زمن البطولة الأولى.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كون النص يتيح إمكانات واسعة للقراءة النقدية المتعددة، إذ تتشابك فيه:

البنية اللغوية والبلاغية، والمعمار الصوتي والإيقاعي، والرمزية المركبة، والصور التحولية، والانزياحات التركيبية والزمنية، والبنية النفسية والسيميائية، والأبعاد الفكرية والاجتماعية والتاريخية.

كما أنّ القصيدة تُعدّ نموذجاً خصباً لتطبيق ما يُعرف بـ«النقد الاحتمالي» أو «النص الممكن»، ذلك المنهج الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على تعدد المعاني، لا تُختزل في تفسير نهائي، بل يُعاد إنتاجها باستمرار عبر تفاعل القارئ مع السياقات الثقافية والمعرفية والتاريخية المختلفة. فالمعنى هنا لا يُعطى جاهزاً، بل يتولّد من حركة القراءة ذاتها، ومن التوتر القائم بين الظاهر والمضمر، بين التاريخي والرمزي، وبين الواقعي والمتخيّل.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة، تنفتح على مناهج متعددة:

الأسلوبي، والبنيوي، والرمزي، والتفكيكي، والنفسي، والسيميائي،

والتأويلي (الهيرمينوطيقي)، وذلك للكشف عن البنية العميقة للنص، وتحليل شبكات الدلالات التي تتحرك داخله، واستجلاء آليات إنتاج المعنى، وكيفية تشكّل الرؤية الشعرية والفلسفية لدى الشاعرة.

كما ستتوقف الدراسة عند:

فصاحة اللفظ، وجمال الصياغة، ودقة التراكيب، والإيقاع الداخلي، والجرس الصوتي، والصورة الحركية، واستعارة الامتزاج،

والاندماج الحسي، والانزياحات الزمنية والتركيبية، فضلاً عن تحليل البعد الإيروتيكي بوصفه طاقة رمزية تتقاطع فيها الرغبة مع السلطة والفقد والبحث عن الخلاص.

إنّ هذه القصيدة، بما تمتلكه من كثافة لغوية وثراء رمزي، لا تُقرأ بوصفها نصاً عن امرئ القيس وحده، بل بوصفها خطاباً شعرياً عن الإنسان العربي في محنته الوجودية والتاريخية؛ عن الكائن الذي ما يزال، منذ قرون، يبحث عن «ملكه الضائع» بين خرائب الداخل ومرايا الخارج، ويعيد إنتاج أسئلته القديمة بأقنعة جديدة، في زمن تتكرّر فيه الهزائم، لكن بأسماء مختلفة.

تُعدّ هذه القصيدة من النصوص الشعرية التي تنفتح على مستويات متشابكة من القراءة؛ إذ لا تكتفي باستدعاء الشخصية التراثية المتمثلة في امرئ القيس بوصفها رمزاً تاريخياً، بل تعيد إنتاجها داخل سياق وجودي وسياسي وثقافي معاصر، بحيث يتحوّل النص إلى مرآة مزدوجة: مرآة للذات العربية المنكسرة، ومرآة للوعي التراجيدي الذي يتأرجح بين الحلم والانهيار، بين البطولة والتيه، وبين الحنين إلى المجد والاصطدام بخراب الواقع.

ومنذ العنوان:

«استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً / فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان»

يدخل النص في فضاء المقارنة التاريخية والتماثل الرمزي، حيث لا يعود امرؤ القيس فرداً تاريخياً، بل يتحوّل إلى استعارة كبرى للذات العربية التي تبحث عن خلاصها خارج ذاتها، فتقع في مأزق الارتهان والانكسار.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١ ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتأسس لغة القصيدة على بناء لغوي رفيع يستثمر المعجم الجاهلي والتراثي دون أن يقع في أسر المحاكاة التقليدية. فالشاعرة تستعيد مفردات مثل:

«عسيب»، «ذرا دمون»، «سقط اللوى»، «كندة»، «قيصر»، «الخليع»

«الطريد».

لكنها لا تستخدمها بوصفها زخرفة تراثية، بل باعتبارها وحدات دلالية حية تؤسس لمعمار رمزي كثيف.

ويظهر التماسك الأسلوبي في التراكيب المتوالدة القائمة على الانزياح:

«خليل ذؤبان تفور بروح كندة فوق مسرجة اللهب»

فهنا تتحوّل الذات إلى كائن أسطوري هجين:

صديق للذئاب، حامل لروح القبيلة،

ومشتعل فوق نار الثأر.

إن الجملة لا تسير وفق نظامها التداولي المألوف، بل وفق نظام شعري احتمالي يخلق المعنى عبر التوتر الداخلي بين الكلمات.

- الانزياح التركيبي:

من أبرز خصائص النص تفكيك البنية النحوية التقليدية، مثل:

«وعرش كسرى يمتطي

شبق الدبور ولا مدد»

فالفعل «يمتطي» أُسنِد إلى «عرش كسرى»، وهو إسناد انزياحي، لأن العرش يتحوّل إلى كائن راغب، يتحرك بدافع «شبق الدبور».

وهنا تتجلّى:

استعارة التشخيص، والانزياح الدلالي، والتفكيك الرمزي للسلطة.

فالعرش لم يعد رمز استقرار، بل صار جسداً مضطرباً تقتاده الريح العاتية.

٢ ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تمتاز القصيدة بفصاحة عالية لا تقوم على الجزالة القديمة وحدها، بل على التوازن بين:

الفخامة، والتوتر الشعوري، والانكسار الوجودي.

في قولها:

«فسكنت أروقة الخيال محاولاً

ملكاً يعود ولا مدد»

نلاحظ:

الاقتصاد اللغوي، والضغط الدلالي،

والفراغ الإيقاعي الناتج عن تكرار «لا مدد».

فالعبارة القصيرة تتحوّل إلى هاوية صوتية تعكس العجز الوجودي الكامل.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

١ ـ الموسيقى الداخلية:

النص قائم على موسيقى داخلية كثيفة تتولد من:

التكرار، والتوازي، والتدوير، والتقطيع الصوتي.

مثل:

«بها وقفت

بها بكيت»

التكرار هنا ليس زخرفة، بل حركة ارتدادية نفسية تُجسد الوقوف في دائرة الفقد.

٢ ـ الجرس الصوتي

يتكرر حضور الحروف الصلبة:

أ- القاف،

ب- الطاء،

ج- الضاد،

د- الكاف،

في مقاطع الثأر والانكسار:

«فسكنت أروقة الخيال»

«تختطف الظنون»

بينما تظهر الحروف الرخوة:

١- السين،

٢- الشين،

٣- الهاء،

في المقاطع الحزينة:

«شجناً بأزمنة الطرب»

وهذا التوزيع الصوتي يخلق ما يُعرف بالمعمار السمعي الداخلي للنص.

٣ ـ الإيقاع النفسي:

الإيقاع هنا لا يخضع فقط للوزن، بل لما يمكن تسميته: «الإيقاع الوجودي».

فالتكرار:

«ولا مدد»

«لا مدد»

يُنتج إيقاعاً نفسياً قائماً على الانقطاع والفراغ.

ثالثاً: الصورة الشعرية والتحولات الجمالية

الصورة الحركية

النص مليء بالصور المتحركة:

«والريح قد هبت تجوب الخافقين»

فالريح ليست عنصراً طبيعياً، بل طاقة تاريخية جارفة.

الصور التحولية

في قولها:

«وعرش كسرى يمتطي شبق الدبور»

يتحول:

العرش - إلى جسد،

الريح - إلى شهوة،

السلطة - إلى اضطراب غرائزي.

وهذا من أرقى مستويات الصورة التحولية.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

في قولها:

«تفور بروح كندة فوق مسرجة اللهب»

تمتزج:

الروح بالنار،

القبيلة باللهب،

التاريخ بالجسد.

فتنشأ حالة من «التبادل الوجودي» حيث تتداخل المادة والروح والهوية.

استعارة الامتزاج

النص يقوم على امتزاج:

الإنسان بالمكان، والزمن بالهوية، والجسد بالتاريخ.

فـ«سقط اللوى» ليس مكاناً فقط، بل ذاكرة شعورية.

-الانزياح الزمني:

النص يخلخل الزمن التاريخي:

١- الماضي الجاهلي،

٢- الحاضر العربي،

٣- الزمن الأسطوري،

٤- والزمن النفسي،

كلها تتداخل في بنية واحدة.

ولهذا يصبح امرؤ القيس:

شخصية تراثية، ورمزاً معاصراً، وكائناً وجودياً في آن.

رابعاً: البنية الفكرية والفلسفية

١ـ سؤال السلطة والضياع

القصيدة تطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن استعادة الملك عبر الارتهان للخارج؟

وهنا يصبح «قيصر الروم» رمزاً:

للاستقواء بالآخر،

ولعجز الداخل،

ولتفكك الإرادة الحضارية.

٢ ـ البعد الوجودي:

النص لا يتحدث عن ملك سياسي فقط، بل عن:

ضياع الهوية، وانهيار المعنى، واغتراب الذات.

في قولها:

«ومكثت دهرك تصطلي

ما دارت الأفلاك موتاً»

يتحول الزمن إلى عقوبة كونية.

خامساً: البنية النفسية

القلق الوجودي

النص مشبع بنبرة:

١- الخوف،

٢- والتيه،

٣- والاحتراق الداخلي.

امرؤ القيس هنا ليس بطلاً منتصراً، بل ذاتاً مهددة بالعدم.

عقدة الفقد

يتكرر الفقد عبر:

الملك، القبيلة، الحبيبة، الوطن، المعنى.

ولهذا تتكاثر صور:

التشرد، والرياح، والخراب، والموت.

سادساً: البنية السيميائية

ثنائية الحضور والغياب

يتأسس النص على تقابل:

الملك - الضياع،

النار - الرماد،

العرش - التيه،

الوطن - المنفى.

رمزية المكان

«أنقرة» ليست مكان موت فقط، بل رمز:

للمنفى، وللفشل التاريخي، ولاغتراب البطل.

سابعاً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا ليس حسياً مباشراً، بل رمزيّاً وجودياً.

في قولها:

«خمر وهذا اليوم خمر»

الخمر ليست شراباً فقط، بل:

نشوة السلطة، ودوار الرغبة، والرغبة في نسيان الانكسار.

كذلك فإن العلاقة بين:

الجسد، والثأر، والملك، تظهر بوصفها شبكة رغبات متداخلة.

ثامناً: النقد الاحتمالي والنص الممكن

وفق النقد الاحتمالي، لا يمكن اختزال النص في معنى واحد.

فامرؤ القيس يمكن قراءته بوصفه:

١- رمزاً للحاكم العربي،

٢- أو للمثقف المنفي،

٣- أو للذات الحضارية الممزقة،

٤- أو للإنسان الوجودي الباحث عن خلاص مستحيل.

وهنا يصبح النص «نصاً ممكناً» مفتوحاً على احتمالات لا نهائية.

تاسعاً: قراءة نحوية وصرفية

إعراب جمل مختارة

«هُجر المزار»

هُجر: فعل ماضٍ مبني للمجهول.

المزارُ: نائب فاعل مرفوع.

الدلالة: حذف الفاعل يوسّع دائرة التأويل: من الذي هجر؟ الإنسان؟ الزمن؟ التاريخ؟

«لا تفيء إلى أحد»

لا: نافية.

تفيءُ: فعل مضارع مرفوع.

إلى أحدٍ: جار ومجرور.

الفعل «تفيء» يحمل معنى العودة والانكسار معاً.

«فسكنت أروقة الخيال»

الفاء: استئنافية.

سكنتَ: فعل وفاعل.

أروقةَ: مفعول به.

الخيالِ: مضاف إليه.

لكن الانزياح يكمن في أن «الخيال» صار مكاناً مادياً له أروقة.

عاشراً: البنية الإنسانية العليا

القصيدة ليست استعادة تاريخية فحسب، بل احتجاج حضاري ضد:

الانكسار، والارتهان، وضياع الهوية.

وهي تنجح في تحويل التاريخ إلى سؤال إنساني مفتوح: هل يعيد الإنسان أخطاءه لأن الزمن يتكرر، أم لأن الوعي لم يتغير؟

لقد استطاعت الشاعرة ربيعة غانم أن تُنتج نصاً ذا كثافة رمزية عالية، يجمع بين:

١- الفخامة اللغوية،

٢- والعمق الفلسفي،

٣- والبعد التراجيدي،

٤- والانفتاح التأويلي.

وهو نص لا يُقرأ مرة واحدة، لأن معناه لا يستقر، بل يظلّ يتوالد مع كل قراءة جديدة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

في زمن امرىء القيس

(استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً

فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان)

هُجرَ المزارُ..

 وما اقتربتَ من الهوى..

و" عسيبُ " ما برحَ المقيمَ كما تراه..

ولئن أتاك وأنتَ تلتحف الرمالَ..

على ذرا دمون عامر..

هَالكَ النبأ العظيمُ ودهشةٌ..

لتروحَ بين مرارتين ومنتهى..

حَسَبٌ عدوتَهُ..

ما ارتويتَ عروقٓهُ..

وفتوّةٌ ركبتْ عبابَ مجونِها..

وتعشّقتْ لعباً يضيع على جوارحه النسبْ..

خلعوكَ من ومضاتهم..

لتحوم في فلوات طي..

من حمى قيس بن غيلان شريداً..

لا تفيءُ إلى أحدْ..

وبها وقفتَ..

بها بكيتَ..

قطفت من ولع الحبيب لواعجاً..

لتموجَ من ذكراكَ من " سقط اللوى "..

شجناً بأزمنة الطربْ..

آمن الخليع من الطريد..

خليل ذؤبان تفور بروح " كندة "..

فوق مسرجة اللهبْ..

يومان للقلب المثلج بابنة الكرم..

على ثارات " كندة "..

يا امرأ القيس الأمير..

خمرٌ وهذا اليوم خمرْ..

وغداً لنا في الناس أمرْ..

 وعلوت فوق صهيل ثأركَ..

لا توادعهم ولو حَمْلَ النساء..

نكثت عهدك فيهمُ..

لتصولَ ضلّيلاً يطوفُ..

 بلا ظلال أو رَشدْ..

هرقت دماء كنانةٍ..

من غير ذنبٍ أو سببْ..

 وعدوتَ فوق بلائها..

وجعاً تورّق بالأسى..

في طيف أحزان البلدْ..

 أوَ تستريحُ ؟

كذاك شؤمك لم يُرحْ..

والرّيح قد هبت تجوب الخافقين..

وعرشُ كسرى يمتطي..

شبق الدبور ولا مدد..

فسكنت أروقة الخيال محاولا..

ملكا يعود ولا مددْ..

ضاقت بك الأدواء والأمداءُ..

لكن لا مددْ..

فمضيت تختطف الظنونَ..

وما دريتَ الخافيات وما جرى..

وبحلة عبرت جنونك صبوةٌ..

سقط الفؤاد مقرحاً ومعفرا..

وسقطت ترتقب المزار وقيصرا..

ومكثتَ دهرك تصطلي..

ما دارت الأفلاك موتاً..

أن تبوح فتُعذرا..

وعسيبُ بعدك لن يرى..

قمراً لكندة عاشقاً

وكذاك مثواك الغريب..

بأنقرهْ..

***

شعر: ربيعة غانم

..............................

- ذرا دمون: رأس الجبل

- خليل ذؤبان: صديق الذئاب

- شبق الدبور: الريح العاتية

 

في عالَمٍ يزداد قسوةً كُلَّ يوم، يبدو الإنسانُ أكثرَ هَشاشةً مِمَّا يَظُن. المدنُ تكبر، والضجيجُ يعلو، والتكنولوجيا تتوحَّش، لكن القلبَ البشري يبقى ذلك الكائن المرتجف الذي يخاف الوَحدةَ، ويبحث عن معنى، ويحتمي بالأحلام الصغيرة من الانهيار الداخلي الذي لا يراه أحد. ولعلَّ الأدب هو ذلك الفن القادر على كشف هذه الهشاشة العميقة دُون خَطابة أوْ ضجيج، بلْ عَبْرَ التفاصيل الصغيرة، والعابرين المنسيين، والصمتِ الطويل الذي يسكن الأرواحَ.

مِن بَين الأصوات الروائية المعاصرة التي استطاعتْ أن تلامس هذا الجُرْحَ الإنساني العميق، يبرز اسمُ الروائي السوداني أمير تاج السر (وُلد 1960 م)، والروائي الياباني هاروكي موراكامي (وُلد 1949م). ورغم اختلاف الجُغرافيا والثقافةِ واللغةِ، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة مركزية: الإنسان كائن هَش، وحيد، مُرتبك، يعيش في عالَمٍ أكبر مِن قُدرته على الفهم.

لا يكتب أمير تاج السر عن الأبطال العِظَام،ولا عن الشخصيات المنتصرة.أبطالُه غالبًا كائنات مسحوقة ومنسية، تعيش على هامش الحياة، موظفون بسطاء، مرضى، بائعون، مهاجرون، أشخاص لا يَلتفت إليهم أحد. إنهم بشر يعيشون في الظل، لكنَّ الكاتب يمنحهم فجأةً مركزَ الضوء، وكأنه يقول إن المأساة الحقيقية للعالَم لا تسكن القُصورَ، بل الأزقة المنسية والقُلوب المُتعَبة.

في المقابل، يصنع هاروكي موراكامي أبطالَه بالطريقة ذاتها تقريبًا. رجال عاديون، موظف يستمع إلى الموسيقى وحده، شاب يطهو المعكرونة بصمت، امرأة تختفي بلا تفسير، شخص يمشي في المدينة دون هدف واضح. لكن خلف هذا العاديِّ تختبئ هُوَّةٌ هائلة من القلقِ الوجوديِّ والوَحدةِ والانكسارِ الداخلي.

يُدرك الكاتبان أن الإنسان لا ينهار دائمًا بسبب الحُروبِ الكُبرى أو الكوارثِ العنيفة، بلْ قدْ يتحطم بِبُطء بسبب العُزلة، والرتابة، والخِذلانِ اليَومي، والشعورِ الغامض بأن الحياة تفقد معناها شيئًا فشيئًا.

الوَحدةُ عند أمير تاج السر لَيست مُجرَّد حالة نَفْسية، بل تكاد تكون قَدَرًا اجتماعيًّا. شخصياتُه تعيش وسط الناس، لكنها معزولة عنهم. المُدُنُ مزدحمة، لكنَّ الأرواح فارغة، حتى العلاقات الإنسانية تبدو عاجزةً عن إنقاذِ الإنسان من سقوطه الداخلي. هُناك دائمًا مسافة خَفِيَّة بين البشر، ومساحات باردة لا يستطيع أحد عُبورَها.

أمَّا عِند هاروكي موراكامي، فإنَّ الوَحدة تتحوَّل إلى عالَم كامل. شخصياتُه لا تخاف الوَحدةَ فقط، بلْ أحيانًا تتصالح معها، وتسكنها كما يَسكن الناسُ بُيُوتَهم. الوَحدةُ عنده لَيست غيابَ الآخرين فَحَسْب، بَلْ هي شُعور غامض بانفصالِ الإنسان عن العالَم نَفْسِه. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تتحرك داخل حُلْم طويل، أو داخل نفق نَفْسي لا نهاية له. لكنَّ الفارق الجَوهري أن أمير تاج السر يربط هذه الوَحدةَ غالبًا بالواقعِ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بَينما يجعلها هاروكي موراكامي أزمةً وجودية كَونية، تتجاوز المجتمعَ لتصل إلى معنى الحياةِ ذَاتِه.

يَجمع الكاتبَيْن تَوَتُّرٌ غريب بين الواقعي والغرائبي. في روايات أمير تاج السر، يبدو الواقعُ أحيانًا أكثر عبثية من الخيالِ نَفْسِه. هُناك أحداثٌ غير منطقية، وشخصيات مُشوَّهة نَفْسِيًّا، ومواقف تتأرجح بين السُّخريةِ والكابوس. لكنَّه لا يغادر الواقعَ تمامًا، بلْ يَجعل القارئَ يشعر أن الحياةَ نَفْسَها تَحمل قَدْرًا من الجنونِ الخَفِيِّ.

أمَّا هاروكي موراكامي، فإنَّه يذهب أبعد في هذا الاتجاه. الآبار العميقة، القِطَط المُتكلمة، العوالم المُوازية، الاختفاءات الغامضة، كُلُّها عناصر تَجعل القارئَ غير قادر على الفصلِ بين الحقيقةِ والحُلْمِ. ومعَ ذلك، فإنَّ هذه الغرائبية لَيست هُروبًا من الواقع، بلْ مُحاولة لفهمه. والإنسانُ يعيش داخل مَتاهة نَفْسية يصعب تفسيرها بالعقل وحده. والغرابةُ عند الكاتبَيْن لَيست زينة فنية، بل وسيلة للكشف عن هَشاشةِ الإنسانِ أمامَ عالَم غير مفهوم.

بِحُكم خلفيته الطبية، يمتلك أمير تاج السر قُدرةً استثنائية على تصوير الجسدِ البشري بوصفه مساحةً للألمِ والانهيار. المرض، التعب، الشَّيخوخة، العجز، كُلُّها حاضرة بقوة في أعماله. لكنَّه لا يكتب الجسدَ بطريقة بيولوجية باردة، بلْ يَجعله مِرآةً للروحِ المنكسرة.

يهتمُّ هاروكي موراكامي أكثر بالجِراحِ النَّفْسيةِ غير المرئية، الاكتئاب، الفقد، الذكريات الثقيلة، الانفصال الداخلي. شخصياتُه تبدو سليمة من الخارج، لكنَّها تتآكل من الداخل بصمتٍ قاتل.

ويلتقي الكاتبان حول فِكرة مركزية واحدة: الإنسان هَش، سواءٌ انهارَ جسدُه أوْ رُوحُه، وسواءٌ جاءَ الألمُ من الخارج أوْ مِن أعماقه الخاصَّة. ويُدركان أن الإنسان لا يستطيع النجاةَ دُون قليل مِن السُّخرية، لأنها آخر دفاعاته أمام قَسوةِ العالَم. ومعَ هذا، فَهُمَا لا يُقَدِّمان حُلولًا كُبرى. لا تُوجد نِهايات بُطولية، ولا انتصارات كاملة، ولا يقين مُطْلَق. لكنَّهما يَمنحان القارئَ شيئًا أكثر عُمقًا: الاعتراف بضعف الإنسان، وأنَّ الهشاشة جُزء أصيل من التجربة البشرية. وتبدو الكتابةُ عِندهما كأنها مُحاولة هادئة لإنقاذ الإنسانِ من الغرق الكامل، لَيس عبر القوة، بل عبر الفهم والتأمُّل.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست اللغةُ العربيةُ مجرّدَ أوعيةٍ للألفاظ، بل هي هندسةٌ دقيقةٌ للوعي، تُحمِّلُ الكلمةَ شحنةً نفسيةً وفلسفيةً وأخلاقيةً تتجاوز ظاهرَ المبنى إلى عمق المعنى. ومن الألفاظ التي استوقفت اللغويين والمفسّرين والمتكلّمين والنحاة لفظةُ «ضِيزَى» الواردة في قوله تعالى:

﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

— سورة النجم، الآية ٢٢

وهي كلمةٌ نادرةٌ في الاستعمال، غريبةُ الجرس، كثيفةُ الإيحاء، حتى إنّ غرابتَها الصوتية تبدو مقصودةً لتصوير غرابةِ المعنى واختلالِه. فالقرآن لم يقل: «قسمةٌ جائرة» أو «ظالمة»، بل اختار لفظًا ذا نحتٍ صوتيٍّ حادٍّ، كأنّ الحروفَ نفسَها تحتجُّ على الظلم.

الأصل اللغوي لكلمة «ضِيزَى»

ذهب أئمةُ اللغة إلى أنّ «ضِيزَى» تعني: الجائرة الناقصة غير العادلة. وهي مأخوذة من الفعل:

ضازَ يَضِيزُ ضَيْزاً

أي: جارَ وظلمَ ونقَصَ الحقَّ.

قال ابن منظور في لسان العرب:

«ضازَ في الحكم: جارَ، وضازَه حقَّه: نقصه إيّاه».

وقال الزجّاج:

«القِسمة الضيزى هي القسمة الجائرة التي تميل عن العدل».

فاللفظةُ تدورُ كلّها حول معنى الميل والانحراف عن القسط، لا مجرّد الظلم الخامّ، بل الظلم الذي يُلبَس ثوبَ الشرعية والعقلانية.

البناء الصرفي وإشكاليته

استوقفت كلمة «ضِيزَى» علماءَ الصرف والنحو؛ لأنها جاءت على وزنٍ غيرِ مطّرد في العربية. وقد اختلفوا في أصلها ووزنها.

رأي البصريين:

ذهب نحاةُ البصرة، وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد، إلى أنّ «ضِيزَى» على وزن فِعلى، كـ«ذِكرى» و«بُشرى»، إلا أنها صفةٌ مؤنثةٌ بمعنى الجور.

ورأى بعضهم أنّ الياء فيها منقلبةٌ عن واو، وأصلها «ضُوزى»، لكنّ الواو كُسرت فقُلبت ياءً لمجانسة الكسرة، وفق قوانين الإعلال الصوتي.

وكان البصريون شديدي العناية بالقياس، لذا اعتبروا اللفظةَ شاذةً في السماع، لكنها صحيحةٌ في الاستعمال القرآني، لأنّ القرآن عندهم هو الحُجّة العليا التي يُقاس عليها ولا يُقاس هو على غيره.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون فكانوا أوسعَ قبولاً للسماع وأقلَّ تشدداً في القياس، فرأوا أنّ «ضِيزَى» لفظةٌ عربيةٌ فصيحة جاءت على لهجة بعض العرب، ولا ضرورةَ لتكلّف تأويلات صرفية معقّدة.

وقد ذهب بعضهم إلى أنّ غرابةَ الكلمة مقصودةٌ بلاغيّاً؛ لأنّ العرب كانت تستقبحُ الأصواتَ الثقيلة حين تُستعمل في سياقات الذمّ، فجاءت «ضِيزَى» بجرسٍ حادٍّ متكسّر ليُحاكي قبحَ القسمة نفسها.

وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ يتحوّل الصوتُ إلى موقفٍ دلالي، وتصبح الموسيقى اللغوية جزءًا من المعنى.

«قسمة ضيزى» في السياق القرآني

جاءت الآية في سياق نقد التصوّر الوثني عند عرب الجاهلية، حين جعلوا لله البناتِ — بزعمهم — ولأنفسهم البنين، فقال تعالى:

﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

أي: أيُّ عدلٍ هذا الذي تمنحون فيه أنفسَكم ما تستحسنون، وتنسبون إلى الله ما تستقبحون؟

فالآية ليست مجرّدَ اعتراضٍ ديني، بل نقدٌ عميقٌ لبنية التفكير المنحاز؛ إذ إنّ الإنسانَ حين يُؤسّس القيمَ على الهوى، يتحوّل العقلُ إلى أداةِ تبرير، لا أداةِ حق.

ومن هنا التقى علماءُ الكلام مع اللغويين في فهم هذه الآية؛ لأنّ المسألة لم تعد صرفًا أو نحوًا فحسب، بل أصبحت سؤالًا في العدالة والمعرفة والمنطق.

علماء الكلام ومفهوم «الضيزى»

رأى المعتزلة، الذين جعلوا العدلَ أصلًا من أصولهم، أنّ الآيةَ تحمل إدانةً عقليةً قبل أن تكون دينية؛ لأنّ العقل السليم يرفض التناقض في المعايير.

أما الأشاعرة فركّزوا على فساد القياس العقدي عند المشركين، إذ إنهم نسبوا إلى الله ما لا يرضونه لأنفسهم، وهذا عندهم قمّةُ الاختلال المعرفي.

وقد تنبّه المتكلّمون إلى أنّ «القسمة الضيزى» ليست مجرّدَ ظلمٍ اقتصادي أو اجتماعي، بل هي صورةٌ من صور الانحراف الإدراكي؛ حين يُصبح الإنسانُ أسيرَ الهوى في تعريف الحقيقة نفسها.

وهذا ما يجعل اللفظةَ حيّةً في كلّ عصر؛ إذ ما أكثرَ «القِسمات الضيزى» في السياسة والثقافة والاقتصاد والمعرفة، حين تُوزَّع الحقوقُ وفق القوة لا وفق العدل.

فقهاء اللغة ودلالة الانحراف

فرّق فقهاءُ اللغة بين ألفاظ الظلم في العربية:

الجور: الميل عن الحق.

الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

الحيف: النقص المتعمّد.

الضيزى: ظلمٌ منحازٌ مشوَّهُ المعيار.

ولهذا كانت «ضيزى» أعمقَ من مجرد «جائرة»، لأنها توحي بوجود ميزانٍ مختلٍّ من أساسه، لا مجرد خطأٍ عابر في التطبيق.

فاللفظةُ تحمل في جوفها فلسفةً كاملةً عن اختلال القيم.

البلاغة الصوتية في الكلمة

إنّ تأمّل أصوات الكلمة يكشف عن عبقرية التعبير العربي:

الضاد: حرفٌ ثقيلٌ مجهور يوحي بالضغط والانقباض.

الياء المكسورة: تمنح اللفظةَ انكساراً صوتيّاً.

الزاي: صفيرٌ حادّ يشبه الاحتكاك.

الألف المقصورة في النهاية: امتدادٌ يوحي بالتبرّم والاستنكار.

وكأنّ الكلمةَ نفسها تحتجُّ على الظلم قبل أن يكتمل معناها.

وقد أدرك البلاغيون أن العلاقة بين الصوت والدلالة ليست اعتباطية، بل إنّ العربية كثيراً ما تجعل البنيةَ الصوتيةَ مرآةً للحالة النفسية والمعنوية.

«الضيزى» بوصفها بنيةً حضارية

ليست «القسمة الضيزى» حادثةً تاريخيةً من بقايا الجاهلية، بل هي نمطٌ متكرّرٌ في الوعي البشري؛ فكلُّ مجتمعٍ يوزّع الحقوقَ على أساس العِرق أو الطائفة أو الطبقة أو القوة إنما يُعيد إنتاج «الضيزى» بلغةٍ جديدة.

وحين يُصبح القانونُ خادماً للنفوذ، والثروةُ حكرًا على فئة، والحقيقةُ رهينةَ الدعاية، فإنّنا نكون أمام حضارةٍ تمارس «القسمة الضيزى» باسم الحداثة أو الوطنية أو حتى الدين.

ولهذا بقيت الكلمةُ القرآنية حيّةً؛ لأنها لا تصف واقعةً جزئية، بل تكشف آليةَ الانحراف حين يفقد الإنسانُ ميزانَ العدل الداخلي.

خاتمة:

إنّ لفظةَ «ضِيزَى» شاهدٌ على عبقرية العربية في تكثيف المعنى داخل بنيةٍ صوتيةٍ موجزة. فهي ليست كلمةً غريبةً فحسب، بل رؤيةٌ كاملةٌ للظلم حين يتحوّل إلى نظامٍ فكريٍّ ومعياريّ.

وقد كشف النحاةُ عن بنيتها، وفسّر اللغويون أصلَها، وتأمّل المتكلّمون دلالتَها العقلية، بينما جعلها القرآنُ رمزًا لكلِّ ميزانٍ مختلٍّ يتستّر بثوب الشرعية.

وهكذا تبقى «القسمة الضيزى» ليست مجردَ تعبيرٍ لغوي، بل تحذيراً حضاريّاً دائماً:

أنّ أخطرَ الظلم ليس ما يُمارَس بالقوة وحدها، بل ما يُمارَس باسم العدل نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

وانتقاداته للسلبيّات التي تُعاني منها مجتمعاتنا العربية

يكاد الاتّفاق يكون بين معظم الذين تناولوا رواية واسيني الأعرج "مستر ولاشي" بأنّها "كوميديا سوداء"، مُركِّزين على الضحية الرئيسية "نوفل"، مُستحضرين شخصية دون كيشوت الذي أراد أنْ يُعيد للفروسية مجدَها ويقضي على قوى الشرّ والتّخلف التي تسود المجتمع.

والذي أراه أن رواية "مستر ولاشي" التي صدرت قبل مدّة قصيرة، هي صرخة واسيني الأعرج العالية الغاضبة احتجاجا على كل ما يسود المجتمع الجزائري والعربي وحتى العالمي من ظلم واضطهاد وهضم حقوق واستغلال ظروف ومآس، وقد يكون لهاث الرئيس الأمريكي رونالد ترامب وسَعيه المُتواصل للحصول على جائزة نوبل للسلام هي الدّافع المُحرّك لفكر وخيال ورَغبات واسيني الأعرج للمُواجهة الشاملة مع كل ما يسود المجتمع من سَيِّئات.

وإغراءات جائزة نوبل لم تمس رغبات الرئيس ترامب فقط، الذي أرادها ليكون الندّ القويّ للرئيس أوباما حامل الجائزة، وإنّما كانت حلمَ الكثيرين في العالم. ولا نزال في عالمنا العربي ننتظرها كلّ سنة لعلّ وعسى يفوز بها عربي بعد نجيب محفوظ، ونحزن مع أدونيس مُرشّحنا الدّائم لها، ونتذكر حلمَ إميل حبيبي وهو يؤكّد أنّ الجائزة تقرّرت له فالتصقنا بجهار الراديو لسماع البُشرى التي لم تأت. ويوسف إدريس الذي غضب لأنّها تجاوزته إلى نجيب محفوظ فرفض حضور حفل التكريم الذي حضره الرئيس حسني مبارك احتفالا بنيل نجيب محفوظ لجائزة نوبل للآداب، وما كان من الرئيس العراقي صدّام حسين أنْ منح يوسف إدريس جائزة كبيرة تَرْضية له وتعويضا عن نوبل نجيب محفوظ.

ومثل نوفل آل فريد اللاهث وراء نوبل للآداب نعرف العشرات من الشعراء والكتّاب الذين يسعون دون كلل للحصول على أيّة جائزة يُعلَن عنها رغبة في الظهور بالتميّز والتّفوّق، وكَيْد العُذّال والحاسدين. تماما كما كان يقول نوفل الضحيّة المسكين في لحظات التّجلي والوّهم بحصوله على نوبل: "المهم الحصول على نوبل لمُواجهة أبناء الكلب الذين يعتبرونني كاتب المناسبات والبلديات" (ص62) و "أعتقد أنّ وقتي قد حان للانتقام من نقّاد أربعة. أبناء الكلب الذين سخروا مني ومن كتاباتي، ويُقهقهون في مجالسهم الفارغة، كانوا يسمونها كتابات الإسْهال اليومي، حتى جوائزي لم تسلم من حقاراتهم وسُخريتهم"ص 162)

نوفل آل فريد كرّس حياته ووقته كلّه للكتابة والإبداع فنتج عن ذلك إهماله لأفراد أسرته(ص29)، وقد يكون هرب من واقع بيته البائس الحزين بسبب التشوهات التي كانت من نصيب كل بناته (ص28-29)، وكانت ردّة فعل الأم بأخذ بناتها والعودة إلى بيت والديها ومن ثم طرد نوفل عندما جاء لزيارتهم، فأصيب باليأس وشعر بأنّ الكتب هي سبب خرابه الكلّي وضياع عائلته. لم يستوعب كيف تطرده ابنته الكبرى، كاد هذا اليأس أنْ يقودَه إلى حَرْق كتبه"(ص35). ومثل نوفل نجد الكثيرين مَنْ تُدَمَّر حياتُهم البيتية والأُسَريّة نتيجة لتكريس الأب أو الأم كلّ وقته للعمل الذي يعزله عن الأسرة والبيت فتكون الخلافات والمشاكل التي قد تؤدّي للفرقة أو للعيش حياة بائسة مُدَمَّرة يكون ضحيّتها الأولاد بشكل خاص.

اختيار واسيني الأعرج لشخصية نوفل كانت المُنطَلق ليسلِّط الضوء على العديد من السّلبيّات التي يُعاني منها مجتمعنا وإنساننا العربي.

فنوفل إنسان مثقف وأستاذ وكاتب وشاعر، وقع في حبّ طالبة من طالباته، تزوّجها ورُزق منها عشر بنات، معظمهن وُلدن مُشوَّهات، وابن واحد مات وهو صغير. حبُّه للأدب والكتابة جعله يهمل أسرتَه، ممّا دفع بزوجته إلى أخذ بناتها لتعيش بعيدا عنه، وطرده عندما قام بزيارتهن. وهكذا عاش وحيدا مع كُتبه ونشاطاته الأدبية التي وفّرت له الفوز بمختلف الجوائز البلدية التي كان يتقدّم إليها ممّا جعله مشهورا ومحسودا من قبل الكتّاب والشعراء الآخرين الذين كانوا يسخرون منه ويتعرّضون له بمختلف البذاءات والاتّهامات، ولكنه كان قويَّ الشخصية، مثابرا في نشاطاته الثقافية مُكتفيا بحلقة صغيرة من أصدقاء مُقرّبين مُتابعين: الزبير كان في شبابه طالبا مُتطوّعا في صالح الثورة الزراعيّة وكان متحمّسا، يُضرَب به المثل: وهو ثوري حقيقي. وقف حتى ضدّ أهله وانتصر للثورة. وفرح لأنّ جدّه لم ينج من التأمينات الكبرى التي مسّت كبار الملّاكين. (ص88) ثم شغل منصب أستاذ جامعي وكان شاعرا، لكنّه أنهى عمله في الجامعة بعد مضايقته لطالبتين يُدَرّسهما فعمل مع ابنته زها في تربية العجول وتهجينها بأبقار هولندية. وكانت زها ابنة الزبير من أفراد الحلقة القريبة من نوفل خرّيجة كلية الزراعة بدرجة دكتوراة. ثلاث سنوات انتظرت تعيينها في منصب في الجامعة ولما لم يتحقّق أملُها اتّجهت للعمل الحرّ بتربية العجول وتهجينها. والصديق الثاني داود بلجنّي ضليع باللغة وموسوعة في المعرفة. ومولاي أحمد جعبوق بن فرماش. وكثيرا ما كان نوفل مع صديقيه الزبير وداود بلجني يتحدثون حول الحالة الثقافية في البلاد وما كان من تدهور الإبداع في الكتابة السردية والشعر وباقي فروع الأدب من نقد وبحث ودراسات. (ص34)

كانت بداية التحوّل الأولى في فكر نوفل يوم جلس مع أصدقائه في مطعم "المكتوب" ولفت داود بلجني انتباه نوفل إلى التّشابه بين اسمه واسم نوبل ألفرد، ومُصادفة جلوسهم في مطعم "المكتوب" (ص9) حيث نبَّهه داود إلى أحقيّته في التقدّم لجائزة نوبل، وأنه آن الأوان وهو الآن يُصدر مؤلفه الواحد بعد المئة "مارلين مونرو في ضيعتنا" أن يخرج من محليّته والجوائز البسيطة التي تُمنح له ليتقدّم للحصول على جائزة نوبل. وأعجبته كلمات داود بلجني وبدأت تشغل فكره، حتى أنه حلم بأنّه فاز بالجائزة واستلمها من ملك السويد في حفل فخم بهيج حضره كبار القوم والشعراء والكُتّاب والمُثقَّفين ورجال الدولة. (ص17-25)

كان هذا الحلم نقطة التحوّل الكبيرة في تصرفات وفكر نوفل، وتساءل:

أين هو المشكل؟ لستُ أقلّ من الآخرين. كل شيء يبدأ بحلم وينتهي بحقيقة. (ص27)

 وسببا في استمرار صديقيه الزبير وداود بلجنّي بدَفْعه للتقدّم لنَيْل جائزة نوبل: فالزبير قال له:

-نوفل ما رويتَه لي ليس حلما، ولكنّه رُؤيا. أحسدك على بقائك في الأدب وتخلّصك من المصاعب التجارية وتفرّغك كليا للأدب. لقد تخطيتَ كلّ العتبات الوطنية. فأنت لستَ أقلّ من أيّ واحد من الفائزين بنوبل، ما عليك إلّا أنْ تؤمن داخليا لينصاع لك قَدَرُ نوبل. آن الأوان لتترشّح لنوبل للآداب، يا صديقي وأصالتُك هي التي تقودك نحو نوبل.

 قال له الزبير ذلك وهو يُقلِّبُ في صفحات روايته الأخيرة "مارلين مونرو في ضيعتنا". فأجابه نوفل:

-لا أدري كيف أقنعتني أنت وداود بلجنّي، ربما لأنّي أنا نفسي مقتنع بالأصل منذ أن غزتني تلك الرؤية الغريبة التي رأيتُ نفسي فيها في دهاليز الجائزة. (ص42)

وبدأ نوفل يجمع كتبَه كلَّها لإرسالها إلى السويد، وفي البريد استقبلته موظفة عرَفَت كيف تكسبُ ثقته وتُقنعه بالمرور بالشركة التي تعمل فيها حيث يقومون هم بكل شيء وبطريقة حرفية، وبعد حوار حول شروط التَّقَدّم لجائزة نوبل أقنعته بإمكانيّاتهم في شركتها القيام بكل الشروط التي تتطلّبها الجائزة.

وبالفعل توجّه نوقل نحو الشركة "بيتنا" واستقبلته هناك الموظفة التي تَعرّف عليها في البريد، وأقنعته بالتّعامل معهم والاعتماد عليهم. وخلال زياراته المُتكرّرة للشركة تعرّف على العديد من الموظفات ووقع في حبّ الموظفة شميسة. وعاش في حلم جميل لعدّة أشهر دفع مبالغ كبيرة من المال للشركة، مقابل العديد من الطَّلَبات والفَعاليّات التي طلبوها منه.

كان نوفل واثقا من حصوله على الجائزة بعد كل ما رآه من عمل موظفي الشركة الذين لم يتركوا ثغرة صغيرة في المطلوب لتحقيق الفوز، وخاصة بعد لقائه بمندوبي الجائزة أوسكار ميرابو وماريا ماكنزي اللذين نجحا في إيهامه، ويقينه الأكيد بفوزه بنوبل:

-هذه آخر جلسة تجمعنا، أحببنا أنْ نخبركم أنّ أكاديميّة نوبل استقرّت على اسمكم من بين الخمسة المُتبَّقين، وبهذا ستكونون الفائز لهذه السنة بجائزة نوبل. مبروك. يجب احتفاظ السريّة حتى يُعلَن الخبر رسميا من أكاديمية نوبل نفسها.

بقي نوفل جامدا في مكانه، لسانه جمد، وشعرَ بحرارة الدموع تُحدث مجرى على وجهه. فقالت له مدام ماريا مكانزي:

-نعرف أنَّ تَحَمُّل خبر سعيد كهذا أمر شاق جدا وصعب، ولكنها الدنيا يا سيّد نوفل آل فريد.

فسارع نوفل بشكرهما:

-شكرا.. شكرا.. شكرا لقد تعبت كثيرا.

ودّعاه بكلمات أسعدته: إلى اللقاء في ستوكهولم. (ص147)

ومرّت أيام، وفي حديث له مع زها ابنة صديقه الزبير حول الجائزة وتقدّمه لها قال:

--شوفي يا زها ابنتي، إذا مكتوبة ستأتي، وإذا مش مكتوبة سنواصل الكتابة إلى أن تأتي.. جايّة يعني جايّة، لا ريب فيها. (ص82)

وكان اليوم الموعود التاسع من أكتوبر يوم إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب.

وكانت الجلسة الاحتفاليّة التي دعا إليها نوفل أصدقاءه الزبير وابنته زها وداود بلجني وأحمد جعبوق بن فرماش لتناول الطعام بمناسبة الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للآداب.

وكانت صدمة نوفل قاسية حيث مُنحت الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبية. وثقل كل شيء وبدأت الصورة تغيب شيئا فشيئا والصوت ينداح إلى الوراء ليتحوّل إلى مجرّد طنين بلا معنى. أصبح رأس نوفل ثقيلا بينما كان الضيوف قد بدأوا بالأكل والفرقة الموسيقيّة في العزف. اقتربت زها من نوفل لمواساته:

- عمّي نوفل كل الخير؟ لا عليك.

ظلّ صامتا، لم يستطع أن يقول أيّة كلمة في حالة دوار، بلع ريقه بصعوبة وتمتم في أعماقه الجريحة:

-يا إلهي؟ ما هذا؟ أين نحن؟ في أيّ عالم نعيش؟ وأيّة فداحة؟ جهد عمر يتبخّرُ في ثانية.

وفي خضمّ هذه الحالة الصعبة لنوفل يسأله جعفر جعبوق ابن صديقه أحمد جعبوق بن فرماش بعد تعزيته بقوله:

الصدمة كانت قوية لنا جميعا. وماذا أفعل أنا بالمقالة؟ المقالة جاهزة يا أستاذ نوفل.

وبغباء بغير إحساس ومراعاة لمشاعر نوف يسأله أن يعطيه بعض المعلومات عن الكورية التي فازت بنوبل.

ومثله كان تصرّف الزبير بلبحري والد زها الذي كان يتجشأ من أكل الشواء إذ لم يتوقّف منذ أن وضع ساق الخروف على طاولته.

ولم يكن مولاي أحمد جعبوق بن فرماش أقلّ غباء منه، فقد قال بكل ثقة:

-هذه مَكيدة صهيونيّة. أنت رجل متعاطف مع فلسطين وأصدرتَ دواوين كثيرة لمناصرة غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني. أنت تواجه مؤسسة صهيونية شديدة الخطورة لن تقبل بك. خلّ البقية للمولى وتعال تغذّ معنا.

وبدون أيّة مشاعر التفت إلى صحنه، فقد وجد صعوبة في أكل الشواء، وأخذ يقص اللحم بأصابع يده ويأكله ويقول مخاطبا نوفل: كل خويا. عَمِّر كرشَك وغدا ربي يدبّر. لا يمكن أنْ تُضَيِّعَ هذه المأدبة وهي على شرفك.

واعتذر نوفل عن مشاركتهم في الأكل وفضّل تركهم والخروج.  (169-173).

حاول نوفل وزها الاتّصال بموظفات شركة "بيتنا" وخاصة بشميسة ولم ينجحا، فجميع الهواتف مقفلة. واكتشف نوفل أنّ أصحاب الشركة خدعوه وأخذوا ماله بوعودهم الكاذبة، وكانت مفاجأته بعد أن أوصلته زها إلى مقهى طلب الجلوس فيه ليرتاح عندما رأى أوسكار ميرابو وماري ميكانزي مندوبي جائزة نوبل اللذين استقبلاه في شركة "بيتنا" وأكدا له فوزه بالجائزة يدخلان المقهى بأسماء أخرى عربية "سكر عبد النبي" و "كنزة ماريا". لم يصدّق ما ترى عيناه وما تسمع أذناه، وبعد أن تأكّد بما سمع من نادل المقهى قام وتوجّه نحوهما شاتما غاضبا وضرب على الطاولة بعنف وحاول أنْ يعتدي عليهما، لكن الشرطة اعتقلته، وكانت النهاية بإطلاق سراحه وهو حزين مُهان لا يُصدّق ما جرى له.

هكذا انتهت حياة نوفل التي سارت بخط أفقي مُتدرّج من البداية حيث جذبه الأدب وتفرَّغ لكتابة الروايات ونَيْل الجوائز العديدة ثم الدخول في فترة الوهم الكبير بالحصول على جائزة نوبل للآداب ممّا أوقعه تحت سيطرة عصابة عرفت كيف تستغل لهاثه وراء نوبل لتأخذ المبالغ النقدية الكبيرة منه حتى النهاية المأساوية واكتشافه الخديعة الكبرى التي وقع فيها.

نوفل الضحيّة وليس البهلوان

لم يكن نوفل شخصية بهلوانيّة ركضت وراء سراب خادع اسمه جائزة نوبل للآداب. نوفل كان إنسانا مثقفا مُدرّسا كاتبا معروفا يعيش في أجواء الطبقة المثقّفة مع مجموعة من الأصدقاء وَثقَ بهم وأخلص لهم. كرّس حياته للكتابة والإبداع، يُقدَّر من قرّائه والناس، له مواقفه في الحالة الثقافية السائدة في البلاد، يُشارك زملاءَه في انتقاد الفوضى التي تسود الإفرازات السَّيّالة الهزيلة في مختلف جوانب الإبداع من شعر ورواية ونقد، ويهدف من خلال إبداعه أن يخلق جيلا مرتبطا بقيَمه الوطنيّة وبتاريخه"(ص41) كان يشارك في الندوات الثقافية والوطنية مثل ندوة ميراث الثورة بمناسبة يوم الشهيد، وعندما سألته موظفة في البريد كانت قد تابعت مجرى الندوة:

-وهل بقي ميراث ثوري؟ أشكرك على تفاؤلك. لقد أكلوه، نهبوه، دمّروه.

أجابها بأهمية التفاؤل وإمكانية التغيير: 

-يجب ألّا نقنط من رحمة ربي. الشباب ما يزال حيّا. المستقبل ليس مظلما.

فأجابته بحقائق ملموسة عن الوضع:

-أي شباب يا أستاذ نوفل؟ كلّهم مُبَرْمَجون وفق التيكتوك والنّت والفيسبوك والمسنجر وسناب شات، واليوم الذكاء الاصطناعي. (ص 50)

وهو في تقدّمه لنيل جائزة نوبل أراد أن يُحَصِّلَ حقّا للعرب حُرموا منه رغم أنهم كانوا ضحية اختراع نوبل للديناميت.

واهتم واسيني على لسان الراوية وشخصيّات أخرى أن ينتقد الوضع السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، والأمني، والديني. ففي الحوار بين زها ابنة الزبير وأحمد جعبوق بن فرشان صديق والدها ونوفل أراد أن يقنعها بأهمية وواجب لباس الحجاب. قالت زها:

-لا يُمكنك أن تُسَيّر النّفسَ الإنسانيّة بالقوّة. ليتعلّم الناس في هذه البلاد أنْ ينظروا للمرأة بوصفها كائنا كليّا وليس جزئيّا. مُخ وعقل وجسد وروح وثقافة عالية أيضا، وإلّا سنصبح مُجرّد حيوانات تزحف على الأرض. أنظر عن قرب كيف تحوّل العالم. يجب أن تخرجوا من هذه البوتقة الضيِّقة.

وبعدما أصرّ على أنّ الحجاب يُهذِّب المجتمع، قالت له:

-شوف من حولك؟ مجتمعنا الصغير. قالوا الحجاب حتى يتهذب العالم فزاد توحّشا. يَحكي لي والدي عن البنات في فترة السبعينات ولا واحدة كانت بالحجاب. كنَّ يخرجن في حملات التّطوّع الطلابي بكل احترام ولا أحد يعتدي على الآخر. أنظر اليوم. بعد سنوات الحجاب الإجباري، وعشرية سوداء، وسنوات ما بعد الحرب الأهلية، كل شيء يستفحل. كيف نحمي أنفسَنا؟ أنا مثلا مضطرة أنْ أتعامل مع مؤسسات الحراسة لأحمي مالي وبيتي وأهلي. ثقتي انهارت. مُجبرة. يجب أن نعترف أننا نعيش في وضع صعب، كلّ شيء أصبح خاضعا للمال.

وعندما سألها عن دور الدولة؟ قالت:

-لا أطلب منها شيئا سوى أنْ تحمي البلاد من أيّ انهيار يتهدّدها؟ الجهل جعل الناس ينامون سعداء في جهلهم بوصفه الحلّ الجميل.

وكان نوفل الوحيد من بين الحاضرين الذي فرح وأيّد كلامها وقال:

-معك حق. برافو، بنت مثلك تساوي عشرة ذكور.

وأجابته زها بكل الحب: أنا سعيدة كوني امرأة يا عمي نوفل. فرحانة أنّك قرّرتَ أخيرا التّرشّح لنوبل التي لن يُنافسك فيها أحد، على الأقل في بلادنا. (ص84-86).

وتُتابع زها نقدها للواقع الذي يعيشه الناس من خلال ما واجهته هي بعد تخرّجها بشهادة دكتوراة في الزراعة وعدم تعيينها في أي منصب في الجامعة مما جعلها تتّجه للعمل الحرّ في تربية العجول وتلقيح البقر الهولندي بعجول وطنية أصيلة، ووالدها الزبير يعمل معها بعد أن فُصل من التدريس في الجامعة واعتزل قَرْض الشعر. وتُنهي كلامها بقولها:

-نحتاج إلى قليل من الإيمان. عمّي نوفل لأنّه فنان ومُبدع، كان الوحيد الذي آمن بي وبمشروعي. وهو مثلي بدأ مشروعه بحلم وها هو يركض وراءه. ليس شرطا أن ينجح فيه كما يُريده لكنّه مُؤمن فيه.

ووافقها داود بلجني، وذكّر بأنه ووالدها الزبير كانا وراء إقناع نوفل بالتّقدّم للجائزة. (ص89)

ومن قصّة نوفل آل فريد ومؤسسة "بيتنا" يُصوّرُ قمّة الفساد والبلطجيّة في المؤسسات الوهميّة والجماعات السلبية في المجتمع مثل مؤسسة "بيتنا" الوهمية التي تشكلّت من مجموعة من الموظفين وأصحاب المراكز والمال والتّأثير، التي تقوم باصطياد البسطاء أصحاب القلوب والجيوب النظيفة والأهداف النبيلة والسّعي لتحقيق آمالهم وأهدافهم وطموحاتهم في الحياة أمثال نوفل آل فريد فيقع في مَصائدهم ويستغلون طيبته ليُعَيّشوه في حلم كبير يرسمونه له، وأنّه سيكون مُلْكَ يديه فقط بعد تنفيذه لما يطلبونه منه. وبعد استسلامه لكل طلباتهم وسَلْبهم كلَّ ماله يتركونه لربِّه، ويقطعون كلّ صلة به. وإذا ما تجرأ وغضب وشتم وهدّد، يجد نفسَه بين أيدي الشرطة، وفي السجن وقرارات المحاكم المُجَرّمة له. تماما كما حدث لنوفل آل فريد مع شركة "بيتنا".

لكن المجتمع لا يفتقد الإنسان الطيّب المُحب المُتعاطف والمُندفع ليُقدِّم المساعدة، وهذا ما أكده واسيني الأعرج في نماذج عديدة إيجابية مثل النادل بوب في مطعم روايال الذي استقبل نوفل بمحبّة وفرَح ووقف معه ساعة مُواجهته مع سكر عبد النبي وكنزة ماريا اللذين خدعاه بكونهما ممثلي جائزة نوبل وأكدا له فوزه بها وكانا بإسْمَين آخرين، كما قام بوب بتنبيه نوفل إلى وضع حارس سكر عبد النبي إصبع مخدرات في جيبه للإيقاع به مع الشرطة. كذلك نجد الشرطية الطيّبة سامية التي كانت شاهدة على محاولة الإيقاع بنوفل بتهمة المُخدرات فتعاطفت معه وقد عرفته ككاتب أحبَّت كتاباته وحضرت له ندوة ثقافية قبل مدة قصيرة فأقنعت الشرطي المسؤول معها على إطلاق سراح نوفل دون أخذه إلى مركز الشرطة. وكذلك شميسه الموظفة في مؤسسة بيتنا التي كانت تستقبل نوفل في كلّ زيارة يقوم بها للمؤسسة، وتُرافقه حتى وقعا في حبّ مُتبادل، فقد شعرت شميسه بالجريمة التي ارتُكبَت في حق نوفل وتعاطفت معه وجاءته لتكون معه في محنته الصّعبة. 

بداية القصة

لم تبدأ قصة نوفل آل فريد بتلك الجلسة التي جمعته بصديقيه الزبير وداود بلجني وبلفت انتباه بلجني لنوفل بتشابه اسمه باسم ألفريد نوبل، ومُصادفة وجودهم لأوّل مرّة في مطعم "المكتوب". فنوفل كما وضّحْتُ كان إنسانا مثقفا وأستاذا محبوبا وكاتبا له جمهوره المُقَدِّر له، وكان صاحبَ مواقف إيجابية ومبادئ يعيش من أجلها، يسعى لتغيير الواقع إلى الأفضل، مُحبّا كريما، طاهر القلب. يحمل رسالة من أجل سعادة الجميع. يؤلمه استهزاء البعض، وإلغاء البعض له، وتلميحات المُقرَّبين المُثيرة المُغْضِبة. وقد بالغ بلجني بتلك المصادفة وبهذه اللفتة الذكية منه التي دفعته للمبالغة في كلامه وتمجيده بصديقه نوفل ليُدلّل على ذكائه هو وانّه ضالع باللغة وذكي في الربط بين الأسماء ورؤيتها ومآلاتها في المستقبل على أصحابها. وقد يكون جادّا في كلامه ووجد منفذا للمزاح والضحك في الربط بين اسم نوفل آل فريد وألفريد نوبل واسم المطعم "المكتوب" وكأن القَدر يجمع بينهم ويُخطط لمستقبل كبير بهيج آت.

-هل انتبهت لاسمك؟ نوفل آل فريد؟ ألا يُذكرك اسمُك بشيء خاص؟ اسمع مليح نغمة اسمك نوفل آل فريد واسم آخر: نوبل ألْفريد. أكثر من هذا. يتقاطع مع اسمك: نوفل آل فريد.

ولما اعترض نوفل، ورفض كلامه، ولم يفهم قصْدَه، تابع داود بلجني في توضيح كلامه وتوجيهه:

-لم تفهمني. ابق معي قليلا. يا إلهي أيّة صدفة. أنت كاتب كبير. مُتحصّل على كل الجوائز الجَهويّة والولائيّة. تواضعك الزّائد لا يُعجبني مطلقا. تواضَع يطؤك السّفلة. لا بُدّ أن يكون صوت خفيّ في مكان ما، يُناديك، وعليك أن تستمع إليه. يريد أن يقول لك شيئا. حتى الذكاء الاصطناعي لما سألته عن آل فريد لم يُجبني إلّا بسلسلة من الكذبات المضحكة: آل فريد.. قومية قادمة من جبال آلاسكا.. ثم قادني ليقول لي إنّ الكلمتين مجرّد تحريف لألفريد نوبل. شخصيّا قرأتُ في ذلك علامة تتكلم بصمت، وهي موجهة لك تحديدا.

وأجابه نوفل آل فريد: يوما ما تقتلك هذه اللغة. تعصرها حتى تجفّفها من الداخل.

أجابه بلجني: لا يا عزيزي. هذه ملاحظة عن شيء موجود. ليست اختراعا.

فعلق نوفل قائلا: يا حبيبي يمكن أن يكون ذلك مجرّد صدفة عابرة. أنت بحكم تخصّصك اللغوي ترى معنى لكلّ شيء، حتى لو كان اعتباطيّا.

لكنّ نوفل وقع في حالة من الضياع والتّساؤل، رشف قهوته وكرّر لا شعوريّا الإسمين: ألفريد نوبل.. آل فريد نوفل؟ ما هذا التّطابق الغريب؟ حقيقي داود بلجني يرى ما لا نراه.

وتابع داود بلجني في ملاحقة نوفل: شوف اسم المقهى. المكتوب. ما الذي قادنا إلى هذا المقهى وهو ليس مَقْهانا الصباحي على الأقل؟ تطابق الاسمين؟ المكتوب أو القَدَر؟ غريب.. أشعر كأنّ شيئا ما يحوم حولنا. (ص9-11)

دلالة اسم الرواية

اختيار واسيني الأعرج لاسم الرواية فيه الذكاء الكبير والدّلالة القويّة والإيحاء الآخذ بالقارئ إلى عوالم مُتداخلة

فلو اقتصر اسم الرواية على "مستر ولاشي" لكان المفهوم يقتصر على نَبْذ الناس لهذا الشخص، وأنه بالنسبة لهم لا يساوي شيئا، فوجودُه وعدمُه واحد، فحتى لو تزيّن بصفة المستر يظل انسانا تافها غير مُعتَبر من الآخرين، فهو في اعتبارهم عابر لا أهميّة له، ولن يترك أيّ أثر بعده، فكأنّه ما كان، فهو لا شيء، كان وذهب، ولا شيء بقي منه. لكنّ واسيني الأعرج أضاف للعنوان هذه الكلمات "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة" وهنا قفزت الحروف تَشعُّ وتُنَبِّه، والدّلالاتُ تترامى في كلّ الاتّجاهات، والإيحاءات تأخذُ بالقارئ إلى مَلكوت السّماوات، فتشع الأنوار، وتتعالى الموسيقى، وتُسْمَع الترانيم الرّوحانيّة مُردّدة "المسيح قام.. حقّا قام".

فواسيني الأعرج لم ير في نوفل آل ألفريد مُجرّد ظلّ كان واختفى، فهو ككل كاتب يحمل رسالة، هو قدّيس يعمل من أجل نشر رسالته للجميع وعلى استعداد للتضحية من أجل الغير. وكما دعا المسيح تلاميذه الإثني عشر للعشاء الأخير، هكذا دعا نوفل أصدقاءه والمُقرّبين منه لمأدبة بمناسبة فوزه بجائزة نوبل الموعودة، وصفها واسيني "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة"، تشبُّها بالعشاء الأخير الذي دعا المسيح تلاميذَه إليه". وكما تألَّم المسيح وهو مُحاط بآسريه، هكذا كان نوفل يتألَّم لخيبة أمله ومنح الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبيه في الوقت الذي كان الآخرون لاهين بتناول الطعام أو بكلمات تعزية عابرة، والتفكير بخسارات لوعود كانوا ينتظرونها من نوفل لو فاز بنوبل..

نوفل تُرك وحيدا ترعاه زها ابنة الزبير قارئته ومُساندته ومُشاركته حزنه وألمه كما المسيح، تركه تلاميذُه في قبضة الجند وفقط مريم المجدلية ظلت مُرافقته وحارستة والباكية حزنا على ما آلت إليه حالتُه.

هكذا يرى واسيني الأعرج الكاتبَ في مقام النبي والرسول، يحمل رسالة يعمل لنشرها رغم كل ما قد يعانيه من عذابات وصعويات وتعدّيات.

 الكاتب هو في مَصاف الأنبياء، هكذا هو نوفل وكل كاتب ومُبدع. وهكذا هو واسيني الأعرج أيضا، الذي يُواجه الكثير من الانتقادات والمُضايقات في بلده الجزائر مع كلّ صدور لرواية جديدة له، وخاصّة ما واجهه بعد صدور روايته عن عبد القادر الجزائري ورواية "حيزيّة".

اللغة والأسوب في "مستر ولاشي"

عوّدنا واسيني الأعرج في معظم رواياته على اللغة الرّاقية بمفرداتها المتناسقة المُنْسابة الآخذة بدَلالاتها وتشعّباتها وإيقاعاتها الشادّة بالقارئ إلى عالم بعيد عن واقعه، ولأجواء سرمديّة يضيع في مَتاهاتها، ويسحرنا بعباراته المُتناسقة المُتشابكة المُدْخِلة القارئ في عَوالم روحانية بالمشاهد التي يرسمها والحوارات التي يُبدع في خلقها فنستحضر "مريم" في "سيّدة المَقام" و"ميّ زيادة" و "لينا" العازفة في مسرح البيكادلي. وهذا كلّه نفتقده في روايته "مستر ولاشي"، فواسيني في روايته هذه يكتب بأسلوب سَرْدي بسيط قريب من اللغة العاديّة للطبقة المثقفة المتعلمة من الناس، بعيدا عن اللغة الرّاقية الشاعريّة الإيحائية التي تعوّدناها منه. كان بإمكان الكاتب التألّق في لغته وشاعريّته وخياله في الكثير من المشاهد مثل:

1. حياة نوفل البيتية المأساوية مع عشر بنات ولدتْ معظمهن مع عاهة مستدامة وزوجة تطمح لحياة أفضل.

2.علاقة الألفة والحبّ التي ربطته بشميسة الوحيدة التي أخلصت له ووقفت إلى جانبه من كلّ موظفات وعاملي مؤسسة "بيتنا"، وقد يكون واسيني قصد السّرد العاديّ والحوارات البسيطة وإدخال الكلمات العامية لتخفيف صدمة حَجْب جائزة نوبل عن نوفل آل فريد والإشارة للقارئ المُتعاطف: أنّ نوفل لم يكن ذلك الكاتب الذي يستحقُّ نَيْلَها.

وحتى لا يطول الكلام

رغم شدّة الصّدمة التي حلّت بنوفل إلّا أنّه سرعان ما استعاد ثقته بنفسه وإيمانه بصواب تفكيره ورنين كلمات المُدرّب الياباني في رأسه:

-اجعل من ظلامك نورا. من خسارتك ربحا. الفرق بينك وبين الإنسان العادي هو أنّك تملك طاقة جبّارة لتحويل كل شيء. تأمّل جيّدا السرديّة لتُحدّد نقطة الخلل. تعامل معها بهدوء. لا تتركها تأكلك. فيك طاقة مُخَزّنة، استخرجها واستثمرها". (ص174)

وتابع طريقَه للقاء شميسة التي استقالت من عملها في شركة بيتنا بعد أن اكتشفت ألاعيبهم واستغلالهم للناس وسَرقة أموالهم، فجمعت الكثيرَ من المُستندات المُدينة لهم، وتركتهم على أمل أن تدينهم وتنتقم منهم وتُريح المجتمع من سيئات أعمالهم. (ص199)

وأُنهي بالتأكيد على نجاح الكاتب واسيني الأعرج في توجيه انتقاداته للعيوب التي توجد في المجتمع، والتي تَشمل مختلف نواحي الحياة الخاصّة والعامّة، وتركيزه على الطبقة المثقفة المُتعلّمة التي تُدير شؤون البلاد في كلّ المَجالات، وكيف أنَّ الكثيرين يستغلون مراكزَهم وتأثيرَهم وتسامحَ القوانين معهم لاستغلال عامّة الشعب والغنى على حسابهم كما حدث لنوفل. وفرض ارتداء الحجاب على المرأة ورفع شعارات الدين وواجب الالتزام بتعاليمه لاضطهاد المرأة وإخراجها من دائرة التأثير والعمل في المجتمع. كما ينتقد الفوضى التي تسود الحياة الثقافية والأدبية والسطحية والسّهولة والسّيولة في النشر وإصدار الكتب والسّعي وراء الحصول على الألقاب والدّرجات العلمية المُزيّفة التي تنتشر بشكل مخيف، فكل مؤسسة تدّعي العمل الثقافي وكل صاحب موقع يوزّع الشهادات والألقاب الأكاديميّة المدفوعة الثمن في أغلب الحالات، والتّسابق على الجوائز التي تتزايد في مختلف الدول العربية وتُشكّل سببا مهمّا في تدجين الكتّاب والشعراء والصحفيين وتحويلهم لخدمة السلطة ممّا فرّغ الإبداع من مضامينه الأساسيّة ورسالته المقدّسة.

هذه هي رسالة الروائي واسيني الأعرج المهمة في روايته "مستر ولاشي" التي صدرت هذا العام 2026. وهذا هو واسيني الأعرج الذي يعرف كيف يختار مواضيعَه ويستحضرُ شخصيّاته ويأخذ قارئه بسحر مُفرداته وجماليّة عباراته في رحلة يعود منها وهو ليس هو الذي كان قبلها.

***

د. نبيه القاسم

قراءة وجودية في ضوء جان بول سارتر ومسرح العبث

تمهيد: تقدّم رواية "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عالماً سردياً مشبعاً بكوميديا سوداء خافتة، تنتزع من القارئ ضحكة غير مسموعة ودمعة غير مرئية في آنٍ واحد. فهي لا تنشغل بالحكاية بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل بوصفها وسيلة لكشف خلل عميق في بنية الوجود الإنساني، حيث يتبدى الإنسان ككائن يعيش على هامش المعنى، محاطاً بعالم فقد قدرته على تفسير نفسه. ومن هنا، تتشكّل الرواية كمساحة تأمل في ثلاثة مستويات متداخلة:

العبث كتجربة معيشة، والعدمية كنتيجة فلسفية، والكساد الفكري كبيئة تنتج هذا التآكل المستمر

يظهر "المقهى" بوصفه الفضاء المركزي الذي يختزل هذا العالم، ليس كمكان عابر، بل كبديل رمزي للوطن حين يفقد اسمه ودلالته ويتحوّل إلى مجرد مساحة للعيش. في هذا المكان، تبدو الحياة باردة، برائحة متغيرة، كأنها تبدّل جلدها دون أن تغيّر جوهرها. هنا، تتعرّى النفس، كما يرى الراوي سليم القربان، من كل غطاء يزيّفها، فينكشف الإنسان على حقيقته الهشة، بلا أقنعة ولا أوهام قادرة على حمايته. وهكذا، يصبح المقهى "جمهورية" قائمة بذاتها، تتجاوز مفهوم الوطن، بل وتفرغه من معناه، في عالم لم يعد فيه الانتماء سوى وهم قديم.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الرواية في ضوء الفلسفة الوجودية كما صاغها جان بول سارتر، حيث يُلقى الإنسان في عالم بلا معنى مسبق، ويُترك وحيداً ليصنع دلالته، كما يمكن ربطها بتقاليد مسرح العبث عند صامويل بيكيت ويوجين يونسكو، حيث اللغة تتعثر، والحدث يدور في حلقة مفرغة، والوجود يفتقر إلى غاية نهائية.

العبث بوصفه تجربة وجودية

يتجلّى العبث في الرواية بوصفه حالة شاملة تحكم تفاصيل العالم السردي. فالمقهى لا يقدّم نفسه كمكان للقاء بقدر ما يظهر كخشبة مسرح عبثي، تتحرك فوقها شخصيات بلا هدف، تتبادل الكلام دون أن تصل إلى معنى. إنهم يمجّدون الكسل ويقدّسون الملل، وكأن الزمن نفسه قد فقد وظيفته، وتحول إلى عبء يُستهلك بدلاً من أن يُعاش. هذه الحالة تذكّر مباشرةً بعالم صامويل بيكيت، حيث الانتظار يصبح الفعل الوحيد الممكن، دون أمل في تحقق.

يتعمّق هذا العبث في طبيعة الشخصيات التي تبدو جميعها وكأنها تعيش اختلالاً ما- فهناك الغاضبون الفارون من ماضٍ لا يستطيعون تجاوزه، والخائفون من مستقبل لا يملكون القدرة على مواجهته، والسعداء بجهلهم لأنهم لم يدركوا بعد حجم الفراغ الذي يعيشونه. في هذا التقسيم، يغيب الإنسان المتوازن، ويصبح الوعي عبئاً يقود إلى القلق، بينما يتحول الجهل إلى ملاذ زائف.

تتجسد العبثية أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يفقد كل فعل معناه الأصلي. فالمطرب الذي صدأ صوته لم يعد يغني إلا داخل لعبة دومينو، والطبيب يمارس مهنته بوسائل بدائية، والمتسول يجمع المال ليعيد توزيعه، وكأن الأفعال قد انفصلت عن غاياتها، وتحولت إلى طقوس فارغة. حتى اللغة نفسها تفشل في نقل التجربة، فيعجز السارد عن إكمال الحكاية، لتصبح الكلمات مجرد محاولة يائسة للإمساك بمعنى يتفلت باستمرار، وهو ما يقارب عالم يوجين يونسكو حيث تنهار اللغة وتفقد قدرتها على التواصل.

الوجودية: الحرية والقلق والعبء الوجودي

في ضوء الرؤية الوجودية، تبدو شخصيات الرواية ككائنات حرة، لكنها عاجزة عن ممارسة هذه الحرية. فالكاتب، الذي يفترض أن يكون قادراً على خلق المعنى، يجد نفسه مشلولاً أمام الورق، تتبخر أفكاره كلما حاول الكتابة. هذا العجز لا يعكس نقصاً في القدرة بقدر ما يعكس قلقاً وجودياً عميقاً، حيث تتحول الحرية إلى عبء ثقيل، ويصبح الفعل مستحيلاً رغم إمكانية حدوثه.

هذا التوتر يتكرر في أكثر من شخصية، فالقربان يعيش عمره وهو يخطط لمشاريع لا تنجز، ويؤمن بالكتابة كشرط للحياة دون أن يحققها، بينما يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في العمل، لكنه ينتهي إلى المقهى، حيث تتساوى كل الأفعال في لا جدواها. هنا، يصبح الآخر أيضاً مصدر تهديد، لا ملاذاً، إذ تنهار الثقة بين الأفراد، ويتحول الجميع إلى كائنات متوجسة، تعيش في عزلة داخل جماعة.

الحرية في هذا العالم لا تقود إلى الاختيار الواعي، بل إلى الانزلاق الأخلاقي. فالكاتب يتحول إلى عرضحال يكتب حسب الطلب، و يفشي أسرار الخاتون، والمثقف يتخلى عن دوره النقدي ليصبح جزءاً من منظومة التزييف. إنها حرية بلا ضوابط، تعكس المأزق الذي أشار إليه جان بول سارتر حين جعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله في عالم بلا مرجعية أخلاقية ثابتة.

العدمية: سقوط المعنى وانهيار القيم

حين يبلغ العبث ذروته، يتحول إلى عدمية شاملة، حيث لا يبقى لأي شيء معنى ثابت. في هذا العالم، تتآكل القيم تدريجياً، فيصبح الكذب فضيلة، والنفاق وسيلة للنجاح، والدعارة مهنة يمكن تبريرها، بينما يتحول الإيمان إلى طقس فارغ. هنا، لا يعود هناك معيار للحكم على الأفعال، بل تتساوى جميعها في خوائها.

يتجلى هذا الانهيار في صورة الإنسان نفسه، الذي يبدو فارغاً كزجاجة عطر مرمية، فقدت رائحتها وقيمتها. كما يظهر في العلاقات الاجتماعية التي تتفكك، حيث يغيب الانتماء، ويتحول الفرد إلى كائن معزول، بلا عائلة أو جذور. حتى الموت يفقد جلاله، حين لا يجد الميت تابوتاً يليق به، ويُكتب اسمه بخطأ إملائي، في إشارة إلى موت القيم ذاتها.

يمتد هذا الانهيار إلى الحزن، الذي يتحول إلى طقس اجتماعي يُمارس بلا شعور، وإلى الذاكرة، التي لم تعد تنتج سوى أوهام. هنا، تتقاطع الرواية مع تصور فريدريك نيتشه حول "موت القيم"، حيث ينهار كل ما كان يمنح الحياة معناها، ويُترك الإنسان في مواجهة فراغ لا نهائي.

الكساد الفكري: البنية العميقة للأزمة

لا يمكن فهم هذا العالم دون العودة إلى الكساد الفكري الذي يشكّل بنيته العميقة. فالمثقفون في الرواية لا ينتجون معرفة، بل يعيدون تكرار خطاب واحد، والقراءة تنحسر، والكتابة تنعزل، بينما تهيمن الصور السطحية على المشهد الثقافي. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى مهنة مأزومة، تفقد قيمتها في مجتمع لا يقرأ، ويغيب فيه القارئ القادر على التفاعل.

القربان، الذي يقضي حياته في التخطيط دون إنجاز، يجسد هذا الكساد، كما يجسده الكتّاب الذين تحولوا إلى عرضحالجية، يقتاتون على معاناة الآخرين دون أن يقدموا حلولاً. حتى الزمن نفسه يصبح معطلاً، بفعل كثرة العطل والمناسبات، فيتوقف العمل، ويتكرس الركود.

هذا الكساد لا يقتصر على الفكر، بل يمتد إلى السياسة والاقتصاد، حيث تغرق الشخصيات في الديون، وتبتكر معاهدات وهمية لتبرير عجزها، وتعيش على قصص مختلقة تمنحها شعوراً زائفاً بالانتصار. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى منظومة مغلقة، تعيد إنتاج فشلها باستمرار.

البنية السردية بوصفها انعكاساً للعبث

لا يقتصر العبث على مضمون الرواية، بل يمتد إلى شكلها السردي. فالنص يتسم بالتشظي، وتعدد الأصوات، وغياب التسلسل الزمني الواضح، ما يعكس الفوضى الداخلية التي تعيشها الشخصيات. كما أن تكرار المشاهد داخل المقهى، دون تطور حقيقي، يعزز الإحساس بالدوران في حلقة مفرغة، حيث لا شيء يتغير رغم مرور الزمن.

تكتسب قصة الخاتون بعداً رمزياً عميقاً، إذ يمكن قراءتها بوصفها استعارة للوطن المغتصب، الذي تواطأ أبناؤه على خيانته. فالصراع على الإرث، والخيانة، والعنف، كلها تعكس بنية السلطة والمجتمع في آنٍ واحد. ومع ذلك، لا تقدم الرواية حلاً لهذه الأزمة، بل تكتفي بكشفها، تاركة القارئ في مواجهة أسئلتها المفتوحة.

خاتمة

تكشف "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عن عالم يتآكل من الداخل، حيث يتداخل العبث مع العدمية، ويتغذى كلاهما على كساد فكري عميق. إنها رواية عن إنسان يدرك هشاشته، لكنه يعجز عن تجاوزها، وعن مجتمع يعيش على أطلال معنى فقده منذ زمن بعيد. ومن خلال هذا التداخل، لا تسعى الرواية إلى تقديم خلاص، بل إلى تعرية الواقع، وفضح أوهامه، وترك القارئ في مواجهة سؤال الوجود كما هو: مفتوحاً، قلقاً، بلا إجابة نهائية. ومن خلال ربطها بفلسفة جان بول سارتر ومسرح العبث، يتضح أن الرواية لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تجسدها فنياً، عبر لغة متوترة، وسرد متشظٍ، وشخصيات مأزومة.

إنها رواية تضع الإنسان أمام حقيقته العارية: كائن حرّ، لكنه عاجز، واعٍ، لكنه تائه، يبحث عن معنى، في عالم لا يقدّمه.

وفي هذا التوتر تحديداً، تكمن قوة النص: أنه لا يمنح القارئ عزاءً، بل يتركه داخل السؤال.

***

بشرى الهلالي

يكشف الواقع العربي الحالي عن عمق التناقضات المتجذرة في تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وهي تناقضات تُبرز هشاشة الهوية الإقليمية، فما إعتدنا على تسميته نحن ب"المنطقة العربية" أو "الإقليم العربي" – الذي يمتد من المغرب العربي إلى الخليج العربي – يُعرف في تقارير البنك الدولي والمؤسسات المؤثرة مثل صندوق النقد الدولي بـ"منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (MENA)، مما يمحو الطابع العربي صراحةً ويُزيل منه التاريخ واللغة والتراث قبل الجغرافيا، ليصبح تمييز الدول إقليمياً بهويات محلية أي دون هوية مشتركة. ويُطلق البعض الآخرعلى المنطقة تسمية "الشرق الأدنى" في السياقات الأكاديمية الغربية، بينما يُكتفى في أحيان أخرى بتسمية "الخليج" دون إضافة "العربي"، كما في خرائط الأمم المتحدة أو وسائل إعلام غربية، مما يعكس صراعاً جيوسياسياً حول التسميات.

أما على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، فتظهر فوارق هائلة بين دول غنية، تُثير شهية القوى الكبرى، ودول أخرى تغرق في الفقر المدقع وتتصدر قوائم المساعدات "الإنسانية" من تلك القوى، إضافة الي المعونات التي تقدمها منظمات مثل الأمم المتحدة والهيئات المماثلة. وتتجلى هذه التناقضات بوضوح أكبر حتى داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش مئات الآلاف أو الملايين في الأحياء الفقيرة، بينما تتركز الثروة في العواصم، وفي دول أخرى تنقطع الصلات غالباً بين السلطة والشعب جراء طبيعة النظام الحاكم. كما يبرز تباين كبير بين دول أنتجت حضارة كونية كبرى ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، وأخرى ذات تاريخ أكثر تواضعاً.

يتضح مما سبق، أن هناك سلسلة من العوامل والعوائق المؤثرة في إنبثاق "مسرح عربي" ذوسمات وطابع، وملامح يتناغم وتلّون طبائع وسمات المجتمعات العربية المتعددة.  أولى تلك العوائق الأساسية التي تبرز هي غياب هوية عربية موحدة، أو بوضوح تام، إنعدام وجود هوية مشتركة في المسرح، وهو أحد أهم مسببات إفتقاد ما يمكن ان يُسمى "بمسرح عربي" ذو سمات تتصل بكل أو غالبية المجتمعات العربية. فإصطلاح "المسرح العربي" يواجه تحديات بنيوية عميقة، تحول دون تشكيل هوية مشتركة واضحة، تجمع بين التراث والحداثة عبر المنطقة العربية بأكملها. حيث إن النشأه المتأخرة للمسرح في البلدان العربية، في القرن التاسع عشر، (مع مارون النقاش  (1848، دون جذور عضوية تاريخياً، ومقلداً النماذج الأوروبية، عرّض المسرح للتناقضات الثقافية والسياسية.

ومن العوائق الهامة والملموسة إن لكل مجتمع عربي ثقافته، وتقاليده، ولغته الخاصة المحكية، مما يٌسهّل إنبثاق فجوة بين عموم الجماهير. فعائق اللغة حقيقي وكبير في البلدان العربية. لإن إستخدام اللغة الفصحى لا يسمح بالتواصل مع الجماهير الواسعة، بينما اللغات المحكية أو العامية المحلية تحول دون توحيد تلك الجماهير. مما يجعل المسرح نخبوياً، غائباً عن الجمهور الواسع، فعلى سبيل المثال، يزخر المسرح المصري بتاريخه وأسلوبه، بل وجمهوره بينما يعكس المسرح المغربي، والتونسي، والجزائري والسوري، والعراقي واللبناني والاردني والخليجي مجموعة متنوعة ومختلفة من التأثيرات. لا شك ان هذا التنوع جميلًا ومفيداً، ولكنه يُزيد الامر صعوبة، فهو لا يخدم هدف إنشاء هوية مشتركة تُخاطب جميع المجتمعات في المنطقة العربية. فمهمة بناء مسرح عربي حقيقي ستستلزم، إنبثاق مواضيع، وحكايا، وسرديات تُلامس مختلف الثقافات، وتُكتب بلغة، ربما وسيطة، بين اللغة الفصحى المبسّطة واللغة المحكية، وتستكشف خطوطاً مشتركة بين هذه المجتمعات وتبرزها كعناصر جوهرية للفهم المشترك.

كذلك فإن دور الجمهور في خلق مسرح عربي هومن الأمور الحاسمة، حيث إن الجمهور هو الركن الأساسي في المسرح ويجب النظر اليه كشريك عضوي في الفعل المسرحي وليس "كمتلقي". لا يمكن ان يكون هناك مسرح، حتى علي الصعيد المحلي، بتوصيف الجمهور "كمتلقي"، لأن ذلك يُحيل الى حالة من الترفّع في المسرح بنظرة إستعلائية وإقصائية للجمهور. إن مصطلح "المتلقي" ليس فقط إقصائياً بل هو حالة إستكبارية من "الأبارتايد" لا تسمح بالمشاركة او التواصل، في حين ان أي هوية، حتى محلية، للمسرح لا تتكامل الاّ بالجمهور بصفته مشاركا ومتواصلاً. فالمسرح يحتاج إلى الجمهور ليُضفي عليه الحياة، وبدونه لا وجود للعرض المسرحي. فليس خافياً أن تواجه، العديد من المسارح في العالم العربي، تحديات في استقطاب المشاهدين، وقد يعود ذلك إلى نقص الوعي، أو ارتفاع أسعار التذاكر، أو التعويض بالتلفزيون، او السينما، أو ببساطة عدم تقديم عروض تتصل بالحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، تستطيع المسرحيات التي تتناول قضايا اجتماعية، كالوضع الاقتصادي أو الصراعات السياسية، أن تجذب الجمهور بشكل أكثر فعالية من العروض المسرحية التجريدية أو الفنية الملتبسة أوالرمزية المفرطة في الغموض. فإنعكاس إهتمامات الجمهور بالموضوعات الأساسية في المسرح، سواء سياسياً او إقتصاديا أوإجتماعياً، سيزيد من فرص حضوره للعروض ودعمه للمسرح المحلي.

من الأدوات الخافية، ولكنها أساسية في صياغة هوية موحدة للمسرح العربي، هي "النقد المسرحي". فالنقد يتجاوز دوره التحليلي ليصبح عماداً يربط بين الإبداع الفني والسياقات الثقافية والاجتماعية. ومن خلال مدارس النقد المتشعبة، يعزز النقد الوعي الجماعي بالمسرح كفضاء ثقافي متكامل، يجمع بين التراث والحداثة. فمن المدرسة التاريخية، كما عند أرسطو في "فن الشعر"، الى المدرسة الواقعية في القرن التاسع عشر، مع أنطون تشيخوف وهنريك إبسن، الى مدارس العصر الحديث، حيث تبرز المدرسة الشكلانية (Formalist school ) لدى فيكتور شفلوفسكي، التي تركز على اللغة والإيقاع، مما يعمق الوعي بالشكل كعنصر للهوية. كذلك، يساهم النقد البنيوي لدى رولان بارت في تفحص هيكلية اللغة والمعاني مما يسهل تفكيك الرموز، بينما يقدم النقد ما بعد الحداثي، كما عند جاك دريدا، تحدياً للهويات الثابتة، محولاً المسرح الثابت إلى مسرح للتمعن في الاختلاف. هذه المدارس المتعددة لا تتنافس، بل تتكامل في نسيج يوحد المسرح عربياً ودولياً. ففي السياق العربي، يعيد النقد المسرحي تثبيت الهوية الثقافية من خلال نقد التاريخ الاستعماري وإستكشاف مواضع التنويرفي فكر وفلسفة الحداثة. بهذا، يصبح النقد حارساً للهوية المسرحية، يمنع التشتت ويبني جسراً بين التراث والمعاصرة، ضامناً استمرارية المسرح كصوت ثقافي موحد يعكس نبض المجتمعات.

اما في الطرف الآخر من العوائق التي أثرت على تشكيل هوية موحدة حقيقية لمسرح عربي هي حالة إنحسار مساحات الحرية في البلدان العربية، على الصعيدين الفردي والجمعي، فبغياب الحرية، بمفهومها الواسع، وتقييد حدود الأفكار والرؤى لتتناسب ومفاهيم السلطات المحلية لكل بلد، نشأ مسرح منحني تماماً لإرادة هذه السلطات كما نشأ مسرح ملتبس غني بالغموض، بعيد عن الجمهور، مسرح منفّر وليس جاذب للجمهور، بعيد عن هموم الناس، على الصعيد المحلي، وهو بعيد عن اهتمامات الجمهور على الصعيد العربي، أي مسرح يُهمل ما يمكن ان يؤسس لمشتركات إجتماعية بين مختلف الدول العربية، ويتحول الى مسرح معادي للهوية، وهو، غالباً، متناقض مع متطلبات وجود مسرح عربي مشترك.

هذه العوائق ليست طارئة أو عابرة، بل متجذرة في السياقات التاريخية والاجتماعية، وتتطلب جهوداً منهجية لتجاوزها. لعل أهم المتطلبات للتغلب على هذه العوائق هو إبدء إرادة سياسية وثقافية ممنهجة وقوية وواضحة، تنشئ إستراتيجيات تمكينية مفصّلة ومستدامة، فضلاً عن البحث في ثراء الإمكانيات المتوفرة في التراث الغني وتشجيع النزوع الطامح للشباب المسرحي. بإغفال هذه العوامل سيبقى المسرح "بغياب الهوية"، مجرد تهويمات منفصلة عما يُمكن تسميته ب "المجتمع العربي"، ما يزيد عن كونه إنعكاسات لصدى العوامل والاشتراطات المحلية. لذلك فإن بناء هوية مشتركة ليست خياراً، بل ضرورة جوهرية لتعزيز مفهومي الفن والثقافة لإنشاء مسرح عربي، وتعظيم الوعي العربي في عالم معولم.

إن إنبثاق مسرح عربي ذو سمات تتصل بغالبية المجتمعات العربية يستوجب العمل على الحد من العوائق والبدء ببلورة هوية مشتركة لهذه المجتمعات تمنح المسرح العربي ذاتاً متفردة، مع ملاحظة ان إلهوية المشتركة يُمكن ان تتضمن تأثيرات من ثقافات وتراث مجتمعات أخرى، سيما في هذا الركن العربي المعولم على إختلافه.  في هذا الصدد، تلعب المهرجانات المسرحية، ذات الهويات الواضحة، دوراً بارزاً في تجاوز العوائق الثقافية والسياسية التي تحدّ من تشكّل هوية موحدة للمسرح العربي، حيث تتحول، المهرجانات، إلى جسور حية تربط بين التنوع الإقليمي والرؤية المشتركة. ففي ظل التحديات التاريخية، مثل التشتت الجغرافي، والانقسامات السياسية، والتأثيرات الاستعمارية التي فرضت هويات محلية مجزّأة، تقدم هذه المهرجانات فضاءً للتنوع والإختلاف عبر حوار غير مقيد، يجمع فنانين من مختلف الدول العربية والأجنبية، ليتبادلوا الرؤى والخبرات، ويختزلوا الاختلافات في لغة مسرحية تطمح أن تكون مشتركة وأصيلة.

من الأمثلة الناجحة على ذلك، والتي تستطيع المهرجانات أن تكشفها، استلهام التراث والمورث العربي وإسقاطه، من منظور تنويري وحداثي، على الحاضر اليومي سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، كأعمال الطيب الصديقي من المغرب وبعض أعمال قاسم محمد من العراق. هذه الاعمال تُمثّل بعض الحلول التي تجذب جماهير من مختلف الخلفيات وتخلق شعورًا بالتراث المشترك أي بناء هوية مشتركة.

وفي النهاية، يظل البحث عن المسرح العربي رحلةً مضنيةً في دهاليز الهوية المعتمة، وطموحاً مشروعاً لكسر الرتابة التي فرضتها الجغرافيا السياسية المثقلة بالتبعية والتشظي. إن المسرح الذي نطمح اليه، ليس مجرد رقعة خشبية تُستعاد عليها أمجاد الماضي، بل هو مختبر حي تنصهر فيه اللهجات المحلية المحكية بوقار اللغة الفصحى، وتذوب فيه المسافات بين "الممثل" و"الجمهور" لتُستبدل بعلاقة عضوية نابضة، تعيد للجمهور دوره كصانع للمعنى وشريك في الحلم.

إن بناء كينونة مسرحية عابرة للحدود يستلزم شجاعةً في مواجهة "التابوهات"، واستعادةً لمساحات الحرية التي صودرت تحت ذرائع شتى، فالمسرح في جوهره هو رئة التنفس للمجتمعات، وحين يضيق أفق الحرية، يختنق الإبداع في غرف الرمزية المغلقة. إن المهرجانات المسرحية الجادة، والتبادل الثقافي الحقيقي هما النافذتان اللتان يمكن من خلالهما عبور نفق الانعزال نحو فضاء عربي رحب، يستلهم من "الطيب الصديقي" جرأته وريادته ومن "قاسم محمد" عمقه ومغامرته، ليصيغ سردية مشتركة تجمع شتات الروح العربية.

وختامآً، إن البحث عن الهوية المسرحية المشتركة لا يعني إطلاقاً البحث عن مسرح متجانس حد التطابق، بل عن مسرح يحترم التنوع ويحيله إلى سيمفونية بصرية وفكرية موحدة، قادرة على انتزاع الصرخة من الشفاه الصامتة، وإحالة العتمة إلى ضياء كاشف يعري الهشاشة ويبني القوة. إنها دعوة لاستعادة الذات المسرحية من مخالب التغريب والتبعية، ليصبح المسرح العربي مرآةً صافية، لا تعكس وجوهنا المتعبة فحسب، بل ترسم ملامح مستقبلنا المشترك في عالم معولم لا يعترف إلا بالأقوياء بهويتهم، والواضحين في رسالتهم. وبذلك وحده، يكف المسرح عن كونه ترفاً نخبوياً ليصبح ضرورة وجودية، وصوتاً للحقيقة لا يغلبه الصمت.

***

علي ماجد شبو

 

هايكو الشاعرة بلقيس خالد

اتسم مفهوم "الهايكو العراقي" عند الشاعرة بلقيس خالد برصد الواقع العراقي وأحيا الروح في الأشياء الجامدة لتبدو كائناتٍ حيةً تتفاعل، لا مجرد أجرامٍ ساكنة. وتعد هذه الأنسنة مفرطةً أحياناً من وجهة نظر الهايكو الكلاسيكي، لكنها تبدو طبيعية إذا نظرنا إليها كأسلوب سريالي في الهايكو الحديث، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نصنف هذه النصوص كسريالية أم لا؟ كما في الهايكو التالي:

 تدعوني الطاولة أَن أَضعَ يدي عليها،

 لأشعرَ بهِ:

 دفءٌ بثتهُ الشمس..

**

من البديهيات المتعارف عليها في الهايكو مبدأ "أرِني ولا تخبرني" وقد نجحت هذه النصوص في تحقيق هذا المبدأ بمشهدية محايدة، اقتنصت لحظات ا دون حشو أو زخرفة لغوية. ومع استخدام علامة القطع (النقطتين الرأسيتين مثلا)، خلق النص فراغاً ومعادلاً موضوعياً بين نهاية القطع والسطر الذي يليه:

 يكتبُ رسائلَ صغيرةً

 إلى الهواء:

 بخارٌ يتصاعدُ من فنجان قهوة.

**

 من السدرةِ تهبط العصافير..،

 وتختبئُ

 في جيبِ ابن الجيران.

**

أما هذه النصوص:

 لأَولِ مرةٍ لم يُطاردني،

يركضُ حافياً..

 الوقت.

**

أَطفو بين فكرةٍ وأُخرى،

فتتساقط على الأَوراق.. بتلات:

الحروف.

**

 مُعلّمٌ.. قاسٍ وجميلٌ: الشوق.

**

 أَلمسُ الأَشياء فتُغني،

 عدوى لطيفةٌ انتشرت في أَصابعي:

 الحب.

**

 كأننا عشنا أَلف وداعٍ

قبل أَن نتعلم كيف نقولُ:

 مرحباً.

**

 كأَنها طريقٌ مقصودٌ: أَخطاؤنا.

**

 نسيتُها..

 في اللحظة المناسبة:

كلمةٌ، كنتُ على وشك قولها.

هي أقرب إلى الومضة والحكمة، إذ لم نجد فيها من تقنيات الهايكو —كلاسيكياً كان أم حديثاً— وهذا لا ينفي عنها جماليتها . وتبرز اللغة الاستعارية في تعبيرات مثل: "عدوى الحب" و"بتلات الحروف"، وهي من تأثيرات قصيدة النثر حيث يتداخل المفهوم المجرد مع الصورة البصرية، مما يضفي طبقة من الضبابية على تقنيات الهايكو الرئيسية، وهي "الصورة الحسية المشهدية". الملاحظة الثانية هي استخدام كاف التشبيه لو افترضنا أن هذه النصوص هايكو. طبعا التشبيه من تقنيات الهايكو لكن استخدامه بكثرة في الهايكو يضعف الهايكو وقد تجاوز الهايكو المعاصر هذه التقنية بتقنية التجاور دون الحاجة إلى استخدام أدوات التشبيه منذ هايكو عزرا باوند الشهير:

ظهور هذه الوجوه في الحشد

بتلاتٌ على غصنٍ رطبٍ، أسود

**

وفي السياق ذاته، جاء النص الأخير أقرب إلى الدعاء والمناجاة، وهو نص صوفي بامتياز:

إلهي..

كطفلةٍ.. تطلبُ أَن يُعاد خلقها من الضوءِ،

وقفتُ على بابكَ.

وهذا النص متناصٌّ مع النص المنسوب إلى "حبيبة العدوية" في مذهب الحب الإلهي، وثنائية الضوء والجمال، وموضوعة الباب المفتوح:

"إلهي.. غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك".

إن تجربة الشاعرة بلقيس خالد تتأرجح بين رصد الطبيعة (**هايكو**) ورصد الطبيعة الإنسانية (**سينريو**) بصدق وعاطفة عراقية جياشة. تتجلى الطاقة السائلة في هايكو بلقيس خالد في تمردها الواعي على صرامة الأشكال اليابانية، وانزياحها نحو سيولة تتجاوز ضيق التقنيات لتذيب الحدود المتعارف عليها بين الأنا وبين الطبيعة. فنصوصها لا تقيدها لحظة الاقتناص، إنما تولد كتدفق عضوي يشكل ماهية القصيدة لحظة ولادتها؛ فتارة تطل علينا بجنس الهايكو، وتارة كومضة أو حكمة، وأحياناً كمناجاة صوفية. أمام هذا التدفق المنفلت من القوالب، يبرز تساؤل نقدي ملح: لماذا نحصر هذا الفضاء الجمالي الرحب تحت تسمية "الهايكو العراقي"؟ إن حصر هذه التجربة ضمن هذا العنوان الضيق (الهايكو) قد يؤدي، دون قصد، إلى تحجيم طاقتها التعبيرية وتقويض حيويتها التي تتجاوز الهايكو إلى أشكال تعبيرية لا تقل أهمية عن الهايكو.

***

عباس محمد عمارة

.........................

* ملاحظة: نشرت هذه النصوص (تفسير ما لا يقال) في موقع "الحوار المتمدن"، العدد 8704، بتاريخ 11/5/2026، في محور الأدب والفن.

للشاعرة هادية السالمي

تمضي قصيدة "شتاء على كتفيَّ" للشاعرة هادية السالمي دجبي في مسارٍ وجوديّ عميق، حيث لا يعود الشتاء فصلًا مناخيًا، بل يتحوّل إلى بنية أنطولوجية تُقيم داخل الذات، وتعيد تشكيل علاقتها بالغياب، والزمن، واللغة، والرجاء. ومن منظور "فلسفة الأمل الكوني"، يمكن قراءة هذا النص بوصفه صراعًا بين انكسار الكينونة وإرادة النجاة الروحية، بين خراب العالم الداخلي وإمكانية استعادة المعنى عبر الدعاء والنور.

منذ المطلع، نواجه ذاتًا تتجدّف داخل الفراغ:

"فراغُ الغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى"

إن القلب هنا لا يعيش الغياب كحالة نفسية عابرة، بل كفضاء كوني فارغ، أشبه ببحرٍ بلا ضفاف. واللافت أن فعل "يجدّف" يوحي بمحاولة النجاة، أي أن الذات لم تستسلم تمامًا للعدم، بل لا تزال تُقاوم. وهذه المقاومة، وإن بدت واهنة، تمثل في فلسفة الأمل الكوني الشرارة الأولى للإنسان الإنساني؛ فالإنسان لا يُعرَّف بسلامه، بل بقدرته على الاستمرار داخل العاصفة.

القصيدة مشبعة بصور الانهدام: الجدار الذي كان مأوى "قضى"، الأغاني "تلاشت"، العطاف "هوى"، والسماء يغشاها الدخان.

إننا أمام عالم يفقد تدريجيًا عناصره الحامية: الموسيقى، الحميمية، الضوء، وحتى اللغة نفسها. لذلك يصبح "شتاء الحروف" أخطر من الشتاء الطبيعي، لأنه يعني انهيار القدرة على التعبير، أي انهيار المعنى ذاته. فاللغة في التجربة الإنسانية ليست أداة وصف فقط، بل بيت الوجود كما يرى Martin Heidegger، وحين تتجمّد الحروف يصبح الإنسان منفيًا حتى من صوته الداخلي.

غير أن النص، رغم كثافته السوداوية، لا يغرق في العدمية المطلقة. هنا تتجلّى خصوصية القصيدة؛ فهي لا تنتهي إلى الإنكار، بل تعبر نحو التوسّل النوراني:

"و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى"

هذه النقلة من الغياب إلى الدعاء تمثل لحظة التحول الفلسفي الكبرى في النص. فالأمل هنا لا يأتي من الواقع الخارجي، ولا من الحبيب الغائب، بل من الارتباط بالمطلق الرحيم. إن الذات حين تعجز عن ترميم العالم بالأغنية والمجاز، تتجه نحو البعد الروحي بوصفه آخر إمكانات الخلاص.

ومن منظور فلسفة الأمل الكوني، فإن هذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه يؤكد أن الإنسان حين يفقد المعنى الأرضي لا يموت بالضرورة، بل قد يعيد اكتشاف المعنى عبر الوعي الكوني المتجاوز للألم. لذلك يصبح الدعاء في القصيدة فعل مقاومة وجودية، لا مجرد ابتهال ديني.

القصيدة أيضًا تؤسس لما يمكن تسميته "جغرافيا الغياب". فالغياب لا يسكن شخصًا واحدًا، بل ينتشر في الأشياء كلها: في العشب، في النوافذ، في الحديقة، في التراب، وفي القصيدة ذاتها.

وهنا يتحول العالم إلى مرآة داخلية للحزن. فالطبيعة لم تعد كائنًا حياديًا، بل أصبحت امتدادًا للذات المجروحة. وهذا البعد يقترب من الرؤية الصوفية التي ترى الكون متلبسًا بأحوال الروح؛ فإذا انطفأت الروح اظلمت الأشياء كلها.

كما أن تكرار سؤال:

"فأيُّ مجازٍ..."

ليس سؤالًا بلاغيًا فقط، بل سؤال معرفي وأنطولوجي: هل ما تزال اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟ هل يستطيع الشعر أن يرمّم الخراب؟

والقصيدة لا تقدّم جوابًا مباشرًا، لكنها تُلمح إلى أن المجاز الحقيقي ليس في الزخرفة اللغوية، بل في القدرة على تحويل الألم إلى صلاة، والغياب إلى بحث عن نور.

إن "الشتاء" في النص ليس نهاية مطلقة، بل مخاض روحي عسير. ولذلك تنتهي القصيدة لا بالانطفاء، بل بالرغبة في الإفاقة:

"فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني"

وهذا النجم، في القراءة الكونية، هو رمز الوعي، والأمل، والإشراق الداخلي الذي لا يزال ممكنًا رغم كل هذا الركام.

لقد استطاعت الشاعرة أن تكتب نصًا يتجاوز الرثاء العاطفي التقليدي إلى تجربة وجودية شاملة، حيث يمتزج الشعر بالفلسفة، والحزن بالدعاء، والخراب بإرادة الخلاص. إنها قصيدة تُعلن أن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته بردًا ووحدة، يظل قادرًا على أن يرفع قلبه نحو الضوء.

***

الأستاذ الناقد إبراهيم عثمان - الجزائر

........................

شتاء على كتفيَّ

فراغُ الْغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى.

و لا بدرَ في الدَّربِ

يَرْتُقُ ما جرَّفَتْهُ سياطُ الْجَوَى .

و كلُّ الْأغاني تلاشَتْ

و ذاكَ الْعِطافُ هَوَى.

و ذاك الْجِدارُ الّذي

كنتُ أسْري إليْه

قَضَى.

و حَطَّ الشّتاءُ على كتِفَيَّ

و شَظَّى الْعِصِيَّ.

*

تجاويفُ وجهي

يُجَدِّفُ فيها غبارُاللّظَى.

و يَغْشَى الدُّخَانُ سمائي

و يَطْغَى الْأسى.

وهذي الْغُيُومُ

تُشَظِّي قصيدي

و تُدْمِي يَدِي.

*

ثقيلا يجيءُ شتاءُ الْحُروفِ

و لستَ معى.

و لا شيءَ في الْكَلماتِ

يُعَطِّرُ مِحْبرَتي.

و لا سَقفَ

يَحرُسُ دفءَ شهِيقي وحُنجُرَتي.

فأَيُّ مَجازٍ

يُطَرِّزُ للّيْلِ أجنِحَةً؟؟؟

و لستُ أرى برتقالا

بغير ازرِقاقٍ أبي.

*

و هذا الْغيابُ

يُرَصِّفُ في الصّدرِ أقفاصَهُ.

و كلُّ نوافذِ فجري

تُغَلِّقُها زَفَراتُ الْغُروبِ أبي.

فأيُّ مجازٍ

به أَفتَحُ الْيوْمَ للنُّورِ

بابًا يُدَفِّئُني؟؟؟

أُفتِّشُ في الدّارِ

عن وجهِ أُغنيَةٍ كنتُ أَلْمَسُها.

فيَهْمي السّرابُ على مُقْلَتَيَّ

كثيفا،

و يَرْغُو الصَّدَى.

ولا نغمَ الْيوْمَ

يُوقِظَ فيَّ الطُّفولَةَ أو فَيْأَها.

و لا عنبَ الْيوْمَ يكتُبُني

في ومِيضِ السَّماواتِ

أو ريشِها.

و أسألُ عشبَ الْحديقةِ عنكَ

فلا يبتَسِمُ لي.

و يهطِلُ منه سوادٌ

يُغَشِّي الْأديمَ و يَحرِقُني .

و يَخْتَضُّ بين يَدَيَّ

تُرابٌ جَفَتْهُ خُطاكَ

فما خَمَدَتْ نارُهُ.

*

ثقيلٌ جُؤُومُ الشّتاءُ على مِعصمي.

و لستُ أُفيقُ

لِأَقطِفَ نورا يُحَدِّثُني.

فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني.

*

و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى

أنْ يُغِيثَ الْفُؤَادَ

بِنُورِ السَّلامِ وفيْضِ التُّقَى.

و إنِّي لَأَدْعُو الرَّحِيمَ

يُفيضُ رِضاهُ عليكَ فَتَرْضَى.

***

بقلمي هادية السّالمي دجبي- تونس