عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كان ارنست همنغواي يعمل كسائق إسعاف للصليب الأحمر الأمريكي في إيطاليا اثناء الحرب العالمية الأولى وأيضا كان مراسلا أجنبيا أعجب جدا بمصارعة الثيران. امتلك همنغواي روحا مغامرة وكان كثير الأسفار. أبوه علّمه الصيد البري وصيد الأسماك في عمر مبكر وهي المهنة التي طورها لاحقا الى صيد الطرائد. وبالرغم من زواجه من أربع نساء في حياته، لكن حبه الأكبر كان كوبا حيث عاش فيها فترة أطول مما عاش في أي مكان آخر في العالم. تجارب همنغواي الراسخة في الذاكرة وجدت طريقها الى أعماله.

نظرية جبل الجليد، نظرية الإغفال Theory of omission، هي تكنيك للكتابة صاغه همنغواي. هو اعتقد انه عبر اسقاط سبعة أثمان القصة، سيؤدي بدوره الى تقوية القصة عبر السماح للقراء باستنباط معاني مختبئة في النص. همنغواي طور هذا الأسلوب في الاختزال اثناء عمله كمراسل لصحيفة كانساس ستي ستار، حيث عمل بعد المرحلة الثانوية ، وكمراسل اجنبي لتورنتو ستار بعد انتقاله الى باريس عام 1921.

 همنغواي اعتقد بان المشاعر الصادقة كانت معروفة لدى الجميع، لهذا، يجب على الكاتب ان يعرف ما يكفي حول ما يكتب ويكون قادرا على اسقاط التفاصيل. هذا بدوره سوف يكشف الكثير في ذهن القارئ عن القصة وشخصياتها. بالنسبة لهمنغواي، هذا يمكن إنجازه فقط عندما يختار الكاتب التفاصيل الملائمة مما عاشه في تجاربه الخاصة.

في عام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، لم يُسمح لـ ارنست همنغواي المتلهف والبالغ 17 عاما بالتطوع للقتال بسبب سوء بصره. وبصرف النظر عن ذلك، ونظرا لإصراره للوصول الى خطوط الجبهة الامامية، تطوع مع فيلق المركبات التابع للصليب الأحمر واُرسل الى إيطاليا كسائق اسعاف، حيث وصل الى ميلان في شهر مايو عام 1918.

الواجبات اليومية لهمنغواي تطلبت تسليم مواد مثل القهوة، الشوكولاته، السكائر، والبطاقات البريدية الى الجنود في الخنادق. وفي جولاي 8 عام 1918، بينما كان ينفذ واجباته قرب نهر بيافي، سقطت قذيفة هاون نمساوية بجانبه. وعلى الرغم من اصابته بشضايا في ساقيه وارتجاج في المخ، فقد استمر يلتقط الجنود الجرحى الايطاليين ويحملهم خارج المخبأ. وبسبب أعماله، مُنح همنغواي وسام الاستحقاق الحربي الإيطالي والمدالية الفضية الإيطالية للبسالة العسكرية.

أمضى همنغواي الكثير مما تبقى من الحرب في مستشفى الصليب الأحمر الأمريكي في ميلان. هو حظي برعاية فون كروفسكي Agnes Von Kurowsky، الممرضة في الصليب الأحمر الأمريكي وكانت لها معه قصة حب عابرة. كانت كروفسكي مصدر إلهام لشخصية كاثرين باركلي في روايته عام 1929، وداعا للسلاح. الرواية ترسم العديد من أوجه التشابه بين تجاربه الخاصة اثناء الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك اصابته بنيران قذائف الهاون وتطوير علاقة مع الممرضة التي اهتمت به.

في الحقيقة، كروفسكي نُقلت الى مستشفى في فلورنسا. وبينما استمرا بتبادل الرسائل ومناقشة الزواج، لكن كروفسكي بالنهاية أنهت العلاقة معه تاركة همنغواي محطما بعد عودته الى الولايات المتحدة. في الكتاب، كاثرينا أصبحت حاملا، وضعت طفلا ميتا اثناء الولادة، وهو ما خلّد معاناة همنغواي من انفصاله من كروفسكي.

مهرجان سان فيرمين هو مهرجان سنوي عُقد في بامبلونا في اسبانيا، تكريما للاسقف الأول في المدينة والراعي القديس فيرمين. المهرجان يبدأ ظهرا في 6 جولاي وينتهي عند منتصف الليل في 14 جولاي. أبرز فعاليات المهرجان هي سباق الثيران اليومي، وهو المظهر الذي أعجب به همنغواي عند حضوره لأول مرة عام 1923. حضر همنغواي المهرجان بصحبة زوجته الأولى هادلي ريتشاردسون، ثم العودة في السنة اللاحقة عام 1924 ومرة أخرى عام 1925. وبعد وقت قصير من انتهاء المهرجان في عام 1925، بدأ همنغواي العمل في ما أصبح اول رواية له، الشمس تشرق أيضا، ليكمل العمل في ثمانية أسابيع فقط.

المجموعة الأساسية التي حضرت المهرجان عام 1925 كانت همنغواي والليدي داف تويسدن، وهارولد ليب، وبات غوثري. هؤلاء جرى تجسيدهم في الرواية بقالب روائي يمثله جاك بارنز، الليدي اشلي بريت، روبرت كون، ومايك كامبل.

تماما مثلما في الرواية، برز توتر في الحياة الواقعية مع الليدي دف تويسدن. ورغم انها كانت تسافر مع بات غوثري، هي بدأت علاقة غرامية مع هارولد لوب. الشرب الثقيل والتوتر في الرواية كانا أحداثا واقعية. أصبح لوب يشعر بالغيرة الشديدة على توايسدن التي عزلته عن بقية المجموعة. مشاحنات اندلعت بين لوب وهمنغواي وغوثري. رغم ان همنغواي أصيب بجراح من جراء الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تتركه عاجزا عن ممارسة الجنس مثل جاك بارنيس في الرواية. عجزْ جاك الجنسي يعكس الجروح النفسية التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى في "الجيل الضائع". الرجال الذين عادوا من الحرب كافحوا لإستعادة الأفكار التقليدية للرجولة والبطولة والهدف، لكنهم تُركوا بلا معنى في عالم تحوّل بسبب العنف وخيبة الأمل.

هذه الرمزية تأكّدت مرة أخرى من خلال الماتادور الاسباني كايتانو اوردونيز الذي يُعرف في الرواية، بـ بيدرو روميرو. خلافا للانحلال الأخلاقي للزوار الأجانب، يمثل روميرو الانضباط والشجاعة واحساس واضح بالهوية، لم تنل منه الفوضى التي صبغت الجيل الضائع لما بعد الحرب.

ان افتتاحية رواية همنغواي القصيرة عام 1936، ثلوج كليمنجارو، تشير الى فهد متجمد على القمة الغربية لجبل كليمنجارو. في عام 1926، اكتشف قس لوثري اسمه ريتشارد رويش فهدا محنطا ومتجمدا انثنت قوائمه وسط الثلوج عند حافة فوهة كيبو أعلى منطقة بركانية في جبل كليمنجارو. بقايا عنز وُجدت على بعد مئات الاقدام من الفهد. تكهّن رويش بان الفهد لاحق العنز الى أعلى كليمنجارو قبل الاستسلام للظروف البيئية.

عاد رويش في السنة اللاحقة وأزال أحد اذني الفهد للاحتفاظ بها كتذكار. عند عودة رويش اللاحقة، لم يُعثر على الفهد في أي مكان مع عدم وجود تفسير لذلك . ورغم الاختفاء الغامض، لكنه تم تجسيده في أبهى صورة في قصة همنغواي.

ثلوج كليمنجارو تتبع شخصية هاري، كاتب الموت بسبب الغرغرينا، الذي علق في رحلة سفاري في افريقيا مع زوجته هيلين. همنغواي وزوجته الثانية، بولين فايفر، ذهبا في رحلة سفاري لعشرة أسابيع الى كينيا في شهر ديسمبر عام 1933. هما أقلعا من مرسيليا وأبحرا لمدة أسبوعين قبل الوصول الى مومباسا. من هناك، زارا نيروبي وماشاكوس في كينيا، ثم انتقلا الى سير ينغيتي وبحيرة مانيارا وهي المنطقة التي تُعرف الان بتنزانيا.

في شهر جنوري عام 1934، أصيب همنغواي بمرض بسبب الزحار الاميبي الذي أدى الى انزلاق في الأمعاء. وخلافا لهاري في ثلوج كلمنجارو، كان همنغواي نُقل بالطائرة الى نيروبي لإجراء علاج طبي. وفي منتصف جنوري، شُفي همنغواي تماما ليعود الى تنجانيقا ليبدأ الصيد. هذه السفرة من عشرة أسابيع الى افريقيا وفرت لهمنغواي مواد كافية لكتابة عمله الثاني من الادب الواقعي، تلال افريقيا الخضراء، بالإضافة الى اثنين من أشهر رواياته القصيرة، ثلوج كليمنجارو والحياة القصيرة السعيدة لفرانسيس ماكومير. كان صيد الطرائد في افريقيا في الثلاثينات من القرن الماضي هواية فاخرة ونخبوية مخصصة للاثرياء الغربيين. رحلات الصيد هذه عادة يتم تنسيقها وتنظيمها من قبل محترفين من "الصيادين البيض" من أصل اوربي. عادة، هؤلاء الصيادون أجروا ترتيبات محلية، جمعوا وعبأوا الامدادات واستأجروا العمال من أصل افريقي للقيام بأدوار الحمالين ومسؤولي الخيام والحراس المسلحين.

الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية ثيودور روزفلت ساهم في الترويج لصيد الطرائد الافريقية الكبيرة بعد ان باشر تغطية إعلامية واسعة للرحلة عام 1909. هذه الرحلة الاستكشافية ستؤثر لاحقا على سفرات همنغواي ذاته لأفريقيا لنفس الهدف. فيليب بيرسيفال philip percival كان مشهورا كصياد بريطاني ابيض عمل كمساعد في سفاري روزفلت عام 1909. ومع التقدم في السن ومزيد من التجربة، ذهب لإرشاد همنغواي اثناء اول رحلة سفاري له. بيرسيفال وهمنغواي طورا صداقة قوية. بيرسيفال أيضا اصطحب همنغواي في رحلته الثانية عام 1953.

استوحى همنغواي شخصية روبرت ويلسون بعد بيرسيفال في روايته القصيرة. الحياة السعيدة القصيرة لفرانسيس ماكومير. القصة تتبع الثري الأمريكي فرانسيس ماكومير وزوجته مارغوت، في رحلة في افريقيا تحت ارشاد روبرت ويلسون. القصة تبلغ ذروتها عندما أطلقت مارغوت النار على جاموس كان يندفع نحوها، لكنها بدلا من ذلك اطلقت النار على فرنسيس وقتلته. ما اذا كان ذلك بقصد ام لا يبقى لغزا.

اثناء رحلتهما في افريقيا، روى بيرسيفال عن فضيحة وقعت في رحلة عام 1909 يشترك بها الصياد الأبيض باترسون J.H.Patterson. وبينما يرشد جندي بريطاني اودلي بليت وزوجته ايثل، مات بليث اثر عيار ناري في ظروف غامضة. ومع انه لم يتقرر ان كان موته انتحارا او جريمة قتل، انتشرت شائعة ان باترسون وايثيل كانا في علاقة غرامية. لم تُوجّه تهمة ضد بيترسون لكن هذا الحدث أضر بشكل دائم في سمعته في افريقيا.

اول زيارة لهمنغواي لكوبا كانت عام 1928، خلال توقّف مؤقت في اسبانيا. هو زار الجزيرة على مر السنين، بما في ذلك عام 1932، عندما جلب معه صديقين لكي يمكنهم صيد سمكة المارلين على ساحل الخليج. همنغواي وزوجته الثالثة مارتا جيليهورن، اشتريا مزرعة لوكاوت Lookout farm في ضواحي هافانا. همنغواي وقع في حب كوبا، اطلق عليها اسم بلده في الثلث الأخير من حياته. هو أمضى 20 سنة في كوبا وهي أطول فترة عاشها في أي مكان في العالم حيث اندمج في الحياة الكوبية، يشرب الموجيتو في لابوديغويتا، مكوناً علاقات مع الصيادين الكوبيين في قرية كوجلمار.

اثناء الثلاثينات، حكى صياد كوبي اسمه كارلوس غوتيريز لهمنغواي قصة حول رجل كبير في السن وسمكة مارلين عملاقة . هذا سيكون لاحقا أساسا لرواية همنغواي القصيرة لعام 1952 الشيخ والبحر.

وبينما كان همنغواي يعيش في كوبا، احتفظ بقارب الصيد والدعائم راسيات في ميناء انكولمار، حيث يغامر مع جوتيريز بالخروج الى تيار الخليج بحثا عن السمكة مارلين. وصف الرواية للصيد في بحر عميق كان يتجذر في تجربة همنغواي الأولى في كوبا وبيميني. عندما يسحب الصيادون سمكة المارلين الى القارب، هم أحيانا لا يعثرون الاّ على الرأس والذيل بسبب تعرضها للنهش من اسماك القرش. حل همنغواي للتعامل مع هجوم القرش على صيده كان اطلاق النار على القرش. في احدى المرات هو اطلق النار على ساقيه.

***

حاتم حميد محسن

..................................

المصدر: The colector, Sep 3, 2026

يُعدّ فقه اللغة العربية أحد أعرق العلوم التي تأسست في الحضارة الإسلامية للكشف عن أصول الألفاظ وتاريخها ودلالاتها، لكنه ظلّ في الوعي التقليدي علماً مقصوراً على الاشتقاق والنحو والصوتيات والمعاجم. غير أنّ تطوّر النظريات اللسانية والفلسفية في الغرب منذ البنيوية وصولاً إلى التفكيكية والسيميائيات فتح أفقاً جديداً يعيد النظر في النصوص العربية، ليس باعتبارها أوعية للمعنى فحسب، بل كشبكات علامات قابلة للتفكيك والتأويل. وهكذا يصبح فقه اللغة اليوم ملتقى بين التفكيك البنيوي الذي يخلخل استقرار البنية، والتحليل السيميائي الذي يدرس العلامات في ترابطها الثقافي والاجتماعي.

أولاً: فقه اللغة بين التقليد والتجديد

كان ابن جني (ت. ٣٩٢هـ) في الخصائص من أوائل الذين أدركوا أن اللغة ليست بريئة، بل هي "أصوات يُعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"، أي أنها حاملة للنية والغرض والثقافة. واهتم الجرجاني (ت. ٤٧١هـ) في دلائل الإعجاز بفكرة النظم، حيث المعنى لا ينفصل عن التركيب. هذه الإشارات التأسيسية تلتقي مع ما طرحه لاحقاً فرديناند دي سوسير (١٨٥٧-١٩١٣) في محاضرات في اللسانيات العامة، من أن اللغة نسق من العلامات يقوم على علاقة الدال بالمدلول.

لكنّ البنيوية لم تلبث أن اهتزت مع جاك دريدا (١٩٣٠-٢٠٠٤) الذي رأى أن المعنى مؤجَّل دوماً، وأن النص لا يحتوي حقيقة واحدة بل ينفتح على لانهائية من القراءات. هذا الأفق يجعل فقه اللغة العربي قابلاً للتجديد، إذ لم يعد المعجمي أو النحوي وحده قادراً على حسم الدلالة، بل بات النص يحتاج إلى منهج تفكيكي وسيميائي يكشف طبقاته المتراكبة.

ثانياً: التفكيك البنيوي والنص العربي

يعمل التفكيك على خلخلة استقرار النصوص وإبراز تناقضاتها الداخلية. فإذا طبقناه على الشعر العربي، القديم أو الحديث، وجدنا أن الوزن والقافية – اللذَين عُدّا قديماً قيوداً شكلية – يتحولان في القراءة التفكيكية إلى فضاء تناقض: بين التقييد والإبداع، بين التكرار والاختلاف. كما تكشف الصور البلاغية عن توتر بين ظاهر الحُسن وباطن الصراع النفسي.

يرى بول ريكور أن النصوص الكبرى ليست مجرد أقوال، بل "عوالم مفتوحة" تحيا عبر تأويل القارئ. وهذا ما يجعل القصيدة العربية فضاءً يتجاوز مقاصد الشاعر إلى إمكانيات القراءة المتعددة.

ثالثاً: الترابط السيميائي والعلامة الثقافية

السيمياء تدرس اللغة باعتبارها نظام علامات يتجاوز حدود اللفظ إلى الرمز والصورة والأسطورة. وقد أشار رولان بارت إلى أن النص "نسيج من اقتباسات" يتقاطع فيه الثقافي بالاجتماعي والسياسي. وبالمنظور العربي، نجد أن الرمز في الشعر – كالناقة عند الجاهليين أو الطلل – ليس مجرد علامة شعرية بل هو شيفرة ثقافية تعكس البنية الاجتماعية والأنثروبولوجية للعرب.

أما الشعر الحديث، من السياب إلى أدونيس، فقد أعاد إنتاج العلامات في سياقات جديدة، حيث تتحول مفردة "المطر" إلى دلالة على الخصب والحياة، لكنها في الآن نفسه علامة على الانكسار والخذلان الجمعي. هذا التعدد الدلالي لا يُفهم إلا عبر المنهج السيميائي الذي يدرس العلامة في شبكة علاقاتها.

رابعاً: نحو فقه لغة جديد:

يستدعي الجمع بين التفكيك والسيمياء إعادة تعريف فقه اللغة العربية كعلم يتجاوز الاشتقاق والنحو إلى تأويل النصوص في أفق فلسفي ولساني.

- من جهة التفكيك: نحن أمام نصوص لا ثبات لها، تُقرأ في ضوء تناقضاتها وانفتاحها على الاختلاف.

- من جهة السيمياء: نحن أمام علامات متشابكة لا يمكن فهمها إلا باستحضار سياقها الثقافي والتاريخي.

وبذلك يتحقق ما دعا إليه هايدغر حين قال إن اللغة "بيت الوجود"، وما أكد عليه عبد الله العروي في مشروعه الفكري من أن اللغة ليست مجرد أداة، بل وعاء حضاري يشكل وعينا الجمعي.

الخاتمة:

إن فقه اللغة العربية بين التفكيك البنيوي والترابط السيميائي ليس مشروعاً نظرياً فحسب، بل هو دعوة لتجديد علاقتنا بالنصوص العربية الكلاسيكية والحديثة معاً. فالتفكيك يحرر النص من سلطة القراءة الأحادية، والسيمياء تكشف عن شبكة العلامات التي تصوغ وعينا الثقافي. وبذلك يصبح الأدب العربي مجالاً للحوار مع الفكر الإنساني الكوني، حيث تلتقي إشارات ابن جني والجرجاني مع تنظيرات سوسير ودريدا وبارت، في أفق معرفي يفتح اللغة على غير المحدود من المعاني والتأويلات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقاربة نقدية بلاغية في قصيدة (كلام الليل) للشاعر وليد صفاء

جلستُ وفِى محط-اتِ القِطار ِ

بنصفِ الليل ِ ينعدِمُ الصِّ-ياحْ

نظ-رتُ إذا بأرض ٍ ليس فيها

سوانا وارتِداداتِ الرِّياحْ

فرُحت ُ أُب-ين-ها نفسِى، وراحَتْ

ت-وارِى نفسَها خَل-فَ الوشاحْ

شَعَرْتُ كأن-نا قبْلُ التقيْنا

نَظ-رْتُ لها إذا بالبدر ِ لاحْ

وحينَ تبسَّمَتْ - عَرَض-ا - ب-وجْه-ى

تنف-سَ في تنف-سِها الصَّباحْ

ف-ب-ى سِرٌّ عل-ى وشكِ اكتِمال ٍ

وعَيْن-ى آذنَتْ بالاِفتِضاحْ

وقلبِى باتَ يَجْبُرُهُ انكِسارٌ

وأَتعَبَهُ الشُّعورُ بالاِرتياحْ

فقلتُ: تسافِرِين وأنتِ أُن--ث-ى

ولا قمرٌ سِواكِ ولا مِلاحْ ؟!

فقالتْ: قِطعَة ٌ هُوَ مِنْ عَذاب ٍ

ولكنْ بعضُ تعذيب ٍ مُباحْ

فقلتُ: بِهِ أذًى ! قالتْ: ك-ف-ت-نِى

ب-كَ الش-رَّ المروءَة ُ والسَّماحْ

ف-رِح-تُ، ف--رُحْ-تُ أجمعُ شملَ ذاتى

لأُبدِىَ مِنْ تماسُكِها المُتاحْ

فقالتْ: لِى ظروفٌ قاسِياتٌ

وبعضُ الظ---لم ِ إطلاقُ السَّرَاحْ

وَوارَتْ دمعة ً ت-بْ-دِى كلامًا

وت-خ--فِى بينَ ما ت-بدى الج-راحْ

ولا أدرى لِمَ أحْسَسْتُ خوف-ا

وخ-ف--ق-ا بالجَوانِح ِ كالجَناحْ ؟!

مِنَ الإشْفاق ِ حِينَ وضعْتُ ك-ف-ى

على صدرِى، وجدْتُ القلبَ راحْ !

أَرَدْتُ البَوْحَ، قالتْ لِى: قطارِى

أت-ى، ومَضَتْ بوجْهٍ قَدْ أشاحْ

فقلتُ لها: أحب--كِ، هلْ سُمِعتِ

فقالت: كيفَ ذاكَ ؟! كَف-ى مُزاحْ

كلامُ الليل ِ مَدْهونٌ بزُبد ٍ

إذا ط-ل-عَ الصَّباحُ عليهِ ساحْ

تنهض قصيدة «كلام الليل» على تجربة شعرية ذات طابع قصصي واضح، إذ لا يكتفي الشاعر بالتعبير المباشر عن مشاعره، وإنما يبني مشهدًا شعريًا تتداخل فيه عناصر السرد والحوار والوصف، فتتحول القصيدة إلى حكاية قصيرة نابضة بالعاطفة.

ويعتمد الشاعر في هذا البناء على السرد القصصي الذي يقوم على الصراع والحركة وغير ذلك من عناصر التعبير الدرامي كالحوار والأحداث والأبطال..، وذلك لإبراز الدلالة التي يشكلها تشكيلاً درامياً، فتتجمع وتتداخل وتجمع شتاتها تلك البنية الفنية والصورة الشعرية.

" وليس من السهل أن يتحقق البناء الدرامي في عمل شعري ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما بدونها، وأعنى بذلك الإنسان والصراع وتناقضات الحياة، فالإنسان والصراع وتناقضات الحياة هي العناصر الأساسية لكل قصيدة لها هذا الطابع الدرامي " (1).

يفتتح الشاعر قصيدته بفعل سردي مباشر: «جلستُ وفي محطات القطار»، ثم يحدد الزمان بقوله: «بنصف الليل»، والمكان بمحطة القطار، وبذلك يضع المتلقي منذ البداية داخل إطار قصصي واضح. فالسرد هنا لا يأتي بوصفه وسيلة لنقل الأحداث فحسب، بل يؤدي وظيفة نفسية؛ فالليل والمحطة والهدوء عناصر تتآزر لتكوين جو من العزلة والترقب. ويؤكد ذلك قوله: «ينعدم الصياح»، ثم قوله: «نظرتُ فإذا بأرض ليس فيها / سوانا وارتدادات الرياح». إن النفي في «ليس فيها سوانا» يضاعف إحساس الوحدة، ويجعل ظهور المرأة حدثًا استثنائيًا داخل فضاء خالٍ إلا من شخصيتين وصوت الرياح.

ويستمر السرد في بناء المشهد من خلال تتابع الأفعال: «نظرتُ»، «فرحت»، «شعرتُ»، «نظرتُ»، «تنفّست»، «قلتُ»، «قالت»، «فرحت»، «أرادت»، «مضت». وهذا التتابع يمنح القصيدة حركة واضحة، ويجعلها أقرب إلى مشهد سينمائي تتعاقب فيه اللقطات. فالشاعر لا يصف المرأة وصفًا خارجيًا طويلًا، وإنما يجعل أفعالها وإشاراتها ولحظات الصمت والرحيل هي التي تكشف شخصيتها. ومن هنا تأتي قيمة السرد؛ لأنه يترك للقارئ فرصة المشاركة في اكتشاف الحدث بدل أن يقدم له المعنى جاهزًا.

من ثم يلجأ الشاعر إلى استعارة بعض أدوات وتكنيكات الأجناس الدرامية، كالمسرحية والقصة، إذ يستعير من الأولى تعدد الأصوات، فلا يبنى قصيدته على صوت واحد، وإنما على عدة أصوات تتحاور وتتصارع فيما بينهما، كما يأخذ من القصة أسلوب " السرد " أو " القص " والمونولوج الداخلي ..، وغير ذلك من أدوات الفن القصصي، التي يستعين بها الشاعر في التعبير عن تعدد الأبعاد والمستويات الشعورية والنفسية في رؤيته الشعرية .

وفي البناء الدرامي " تتعدد الأصوات والمستويات اللغوية، وترتفع درجة الكثافة نتيجة لغلبة التوتر والحوارية، مع اجتراحه لمغامرة التجربة الفنية الكثيفة، إلى جانب التجارب الحيوية المثيرة " (2).

وتتطور التجربة السردية من المشاهدة إلى المشاركة الوجدانية. ففي البداية يقول الشاعر: «فرحتُ أبينها نفسي، وراحت / تواري نفسها خلف الوشاح»، فنحن أمام شخصيتين متقابلتين: شخصية تحاول الكشف، وأخرى تميل إلى الإخفاء. ويشكل «الوشاح» هنا أكثر من مجرد قطعة من لباس؛ فهو يتحول إلى رمز للحجاب النفسي والكتمان، فيوحي بأن المرأة تحمل سرًا لا تريد أن تكشفه بسهولة. ويزداد هذا الإيحاء وضوحًا عندما يقول: «فبي سرٌّ على وشك اكتمال / وعيني آذنت بالافتضاح». فالعين تصبح أداة للبوح قبل اللسان، ويقابل الشاعر بين «السر» و«الافتضاح»، بما يكشف الصراع بين الرغبة في الاعتراف والخوف من انكشاف المشاعر.

وتحتل المرأة في القصيدة موقعًا مركزيًا، غير أن الشاعر يتعمد إحاطتها بالغموض، فيستعين بمجموعة من الصور البلاغية التي تجعل حضورها مرتبطًا بالليل والنور في آن واحد. فعندما يقول: «نظرتُ لها فإذا بالبدر لاح»، يشبه وجهها أو حضورها بالبدر، وهي استعارة أو تشبيه ضمني يرفع المرأة من المستوى الواقعي إلى مستوى الحلم والجمال. ثم يقول: «حين تبسمت عرضًا بوجهي / تنفّس في تنفّسها الصباح»، فيجعل ابتسامتها باعثة على انبثاق الصباح، وكأن حضورها قادر على تحويل ظلمة الليل إلى إشراق. وتكمن المفارقة الفنية في أن المرأة تظهر في الليل، لكنها تحمل في ابتسامتها الصباح؛ وهذا التداخل بين الظلمة والنور يعكس التحول النفسي الذي أحدثه اللقاء في ذات الشاعر.

ويزداد البناء الوجداني تعقيدًا في قوله: «وقلبي بات يجبره انكسارٌ / وأتعبه الشعور بالارتياح». فالجمع بين «الانكسار» و«الارتياح» يمثل مفارقة نفسية لافتة؛ إذ يشعر الشاعر بالفرح لأنه التقى من يحب، لكنه في الوقت نفسه يحمل ألمًا داخليًا. وتكشف هذه المفارقة أن اللقاء ليس بداية حب مستقر، بل لحظة مشحونة بالقلق، وأن الراحة نفسها تحمل في داخلها نذر الألم.

لكن الشاعر لا يلجأ إلى السرد المباشر وإنما بواسطة القول الخاطف تنتقل المشاهد وتتعدد المشاعر، وبواسطة الحركة التصويرية تتكشف أبعاد الموقف الدرامي خلال " آليات إنتاج شعرية تعتمد على تشكيل لغوي عماده الفعل والفاعلون، دون أن يكون الهدف إنتاجاً لحكاية أو خبر، وإنما إنتاج وضعية نصية معقدة ومتشابكة، لا يمكن أداؤها من خلال الانفعال الشعري المميز للغنائية " (3).

وعندما يبدأ الحوار المباشر، تنتقل القصيدة من السرد إلى المشهد الدرامي. يقول الشاعر: «فقلتُ: تسافرين وأنتِ أنثى / ولا قمرٌ سواكِ ولا ملاح؟!» ثم تأتي إجابة المرأة: «فقالت: قطعةٌ هو من عذاب / ولكن بعض تعذيب مباح». ويتميز هذا الحوار بأنه ليس مجرد تبادل للكلام، بل هو وسيلة للكشف التدريجي عن الشخصيتين. فالشاعر يسأل بدافع الاهتمام والقلق، بينما تجيب المرأة بإجابات موحية لا تكشف الحقيقة كاملة. ولذلك يظل الغموض حاضرًا حتى نهاية القصيدة.

وتكشف إجابة المرأة عن عمق التجربة التي تحملها: «لي ظروف قاسيات / وبعض الظلم إطلاق السراح». وهذه العبارة من أكثر العبارات كثافة في القصيدة؛ إذ تقوم على مفارقة دلالية، لأن «إطلاق السراح» يرتبط في الظاهر بالتحرر، لكنه يأتي هنا في سياق «الظلم»، فيوحي بأن الرحيل أو الفراق قد يكون أحيانًا نتيجة قسرية للظروف. وبذلك تنتقل القصيدة من قصة لقاء عاطفي إلى تأمل في علاقة الإنسان بالظروف التي قد تحول دون اكتمال ما يريده.

ويستخدم الشاعر في هذا الموضع لغة الإيحاء بدل التصريح، فتقول المرأة: «وَوَارَتْ دمعةً تُبدي كلامًا / وتُخفي بين ما تُبدي الجراح». وهنا تتجسد البلاغة في المفارقة بين «تبدي» و«تخفي»؛ فالدمعة تبدو شيئًا ظاهرًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل كلامًا غير منطوق وتخفي وراءها جراحًا عميقة. وهذا من أجمل مواضع القصيدة؛ لأن الشاعر يجعل الدمع لغة بديلة عن الكلام، ويجعل الصمت أكثر إفصاحًا من القول.

ومن اللافت أن الحوار لا يكشف المرأة وحدها، بل يكشف الشاعر أيضًا. فعندما يقول: «ولا أدري لم أحسست خوفًا / وخفقًا بالجوانح كالجناح؟!» تظهر حالة الاضطراب النفسي التي يعيشها. وقد استعان الشاعر بالتشبيه في «خفقًا بالجوانح كالجناح»، فجعل اضطراب القلب شبيهًا بحركة الجناح، بما يوحي بسرعة النبض وشدة القلق. ثم تأتي الصورة الحسية: «حين وضعت كفي / على صدري، وجدت القلب راح»، فيتحول الشعور الداخلي إلى فعل جسدي محسوس.

ويبلغ الحوار ذروته حين يقول الشاعر: «أردت البوح، قالت لي: قطاري / أتى، ومضت بوجه قد أشاح». هنا يتدخل الحدث الخارجي -- وصول القطار -- ليقطع الحدث الداخلي قبل اكتماله. والقطار ليس مجرد وسيلة للنقل، وإنما يتحول إلى رمز للفراق والزمن والفرص العابرة. فكما أن القطار لا ينتظر طويلًا، فإن فرصة اللقاء والحب لا تنتظر أيضًا. ويزيد من قوة المشهد قوله: «ومضت بوجه قد أشاح»، فالإعراض هنا قد يكون إعراضًا عن النظر، أو محاولة لإخفاء التأثر، وهو ما يترك النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة.

ثم تأتي لحظة الاعتراف الصريح: «فقلت لها: أحبك، هل سمعتِ»، لكن الاعتراف يأتي متأخرًا، بعد أن أصبح الرحيل واقعًا. وتجيب المرأة: «فقالت: كيف ذاك؟! كفى مزاح». وهنا تنشأ مفارقة مؤلمة بين جدية الشاعر واستخفاف المرأة أو عدم تصديقها. فالاعتراف الذي كان ينتظره الشاعر يصبح في نظرها كلامًا عابرًا، وربما لأن اللحظة نفسها كانت عابرة، أو لأن «كلام الليل» لا يملك القوة الكافية ليصمد أمام وضوح النهار.

وقد اتخذ الشاعر من هذا المثل دعامة أساسية لتأكيد دلالة النص، فضلاً عن " تأصيل الفكرة وتوشية النص بإضفاء مسحة جمالية تراثية على صياغته، وبلورة هذه الصياغة في رؤية شعرية عميقة " (4).

ومن الناحية النقدية، فإن جمال القصيدة لا يقوم على كثرة الأحداث، وإنما على قدرة الشاعر على تحويل حدث بسيط -- لقاء عابر في محطة قطار -- إلى تجربة إنسانية ذات أبعاد نفسية ورمزية. وقد نجح السرد في المحافظة على الحركة، بينما منح الحوار القصيدة طابعًا دراميًا، وجعل الشخصيتين حاضرتين بأصواتهما لا بوصف الشاعر لهما فقط. كما أن التوازن بين الكلام والصمت، وبين الكشف والإخفاء، وبين الليل والصباح، وبين اللقاء والفراق، يمنح القصيدة بناءً قائمًا على الثنائيات المتقابلة.

أما من الناحية البلاغية، فقد وظف الشاعر التشبيه والاستعارة والكناية والمفارقة توظيفًا يخدم التجربة لا مجرد الزينة اللفظية. فالبدر والصباح والوشاح والدمعة والقطار والزبد ليست ألفاظًا منفصلة، بل تشكل شبكة رمزية متكاملة: البدر والصباح يمثلان إشراق الحب، والوشاح والدمعة يمثلان الكتمان والألم، والقطار يمثل الرحيل، والزبد يمثل هشاشة الكلام أمام حقيقة الواقع.

ويؤدي التكرار دورًا إيقاعيًا ودلاليًا واضحًا، ولا سيما تكرار أفعال القول: «فقلتُ»، «فقالت»، «فقلتُ»، «قالت»، وهو تكرار يرسخ البنية الحوارية للقصيدة. كما أن القافية الموحدة بحرف الحاء، مع امتداد الصوت في كلمات مثل «الصياح، الرياح، الوشاح، لاح، الصباح، الافتضاح، الارتياح»، تمنح القصيدة موسيقى حزينة ممتدة، وتنسجم مع أجواء الليل والحنين والفراق.

وهكذا تبدو «كلام الليل» قصيدة تتجاوز الحكاية العاطفية المباشرة إلى تأمل في طبيعة الكلام حين يولد في لحظة استثنائية، ومن خلال السرد والحوار استطاع الشاعر أن يجعل القارئ يعيش اللقاء لحظة بلحظة، وأن ينتقل معه من فضاء الوحدة إلى فضاء الأمل، ثم إلى الصدمة والفراق. ولذلك تأتي النهاية منسجمة تمامًا مع التجربة.

***

دكتور جمال فودة

....................

1- عز الين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر (قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية) - الطبعة الخامسة -- المكتبة الأكاديمية - القاهرة -1994 م 0/ 243، 244

2- صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة - الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1996 م 0/ 64

3- محمد فكرى الجزار: لسانيات الاختلاف -الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1995 م - 342

4- حسن فتح الباب: سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر -الهيئة المصرية العامة للكتاب -القاهرة -1997 -ص 242

حين يتحوّل الوجعُ إلى بنيةٍ معرفية وجمالية

ليس الألمُ في الأدب انفعالاً عابراً، ولا دفقاً عاطفيّاً يندلق على الصفحة؛ بل هو ـ كما يصفه رولان بارت ـ «شكلٌ من أشكال المعرفة، يُصيب اللغةَ فتتوترُ وتبحثُ عن شكلٍ جديدٍ لقول ما استعصى قوله». فالأدب، في جوهره، هو تلك القدرة الفريدة على تشييد معمارٍ من الجراح، وابتكارِ هندسةٍ للوجع توازي هندسة العالم، أو تتفوّق عليها.

١. وجعُ الشعر: اللغة بوصفها جرحاً مفتوحاً

يرى أدونيس أن الشعر «يمتاح من جرحه الخاص»، وأن الشاعر لا يبتكر اللغة إلا حين يُصاب بها. ولعلّ شعراء الحداثة ـ من بودلير إلى درويش ـ أدركوا أن القصيدة ليست تعبيراً عن الألم، بل هي صياغتُه في بنيةٍ تكثفية تُعيد ترتيب الفوضى الداخلية في إيقاعٍ قادرٍ على حمل ما لا يُحتمل.

إنها هندسةٌ عمودية، تُشيّد من النزيف سلّماً نحو المعنى؛ فالشاعر يفتح الجرح لا ليصرخ، بل ليجعل الصرخةَ شكلًا لغويّاً يُقيم فيه القارئ.

٢. وجع القصة: الحكاية كأداة لقياس الشقوق الدقيقة في النفس.

اعتبر أنطون تشيخوف أن "القصة الجيدة هي التي تُشعر القارئ بأن روحه قد خُدشت بطريقة ما"، فالقصة القصيرة تعمل كعدسةٍ مكبّرة تلاحق التفاصيل التي تُهملها الحياة. إنها هندسةٌ أفقية، تختبر هشاشة الإنسان وهو يواجه قدراً صغيراً لكنه قاسٍ.

وفي هذا الفضاء، لا ينقل الكاتب الألم فحسب، بل يشكّله: يصمّم حركته، ويمنحُ الصمتَ هندسةَ حضور، ويجعل من الجرح نقطة ضوء تتوزّع على المسار القصصيّ.

٣. وجع الرواية: المعمار الكبير للانكسار الإنساني.

يذهب ميلان كونديرا إلى أن الرواية ليست إلا «مختبرًا للوجود الإنساني»، أي المكان الذي تُختبر فيه قابلية الروح للانكسار وإعادة التشكل. فالرواية هندسةٌ مترامية الأطراف تُقيم جسوراً بين الذكريات والجراح والأحلام، وتجعل الإنسان مرئيّاً في أعمق لحظاته.

دوستويفسكي، من جهته، جعل الألم حجر الزاوية في بنية الرواية؛ فشخصياته تبحث عن الخلاص من جحيمها الداخلي عبر السير في دهاليز النفس. إنها هندسةٌ درامية تصنع من كل عطبٍ كياناً روائيّاً يعبر عن صراع الإنسان بين السقوط والنهضة.

٤. وجع المسرح: الجسد بوصفه نصّاً من الألم الحيّ.

يرى أرتو في “مسرح القسوة” أنّ المسرح الحقيقي لا يُمثّل الألم بل يجسّده، ويخلق لغةً جديدة تصرخ بالجسد كما تصرخ بالكلمة. ففي المسرح، الألمُ معماريٌّ بامتياز: له حركةٌ، وصوتٌ، وظلٌّ، ومسارٌ على الخشبة.

وتتحوّل الخشبة، عند توفيق الحكيم وسعد الله ونوس، إلى مختبر سياسيّ وروحيّ، حيث يُعاد ترتيب الوجع الجمعيّ في مشاهد قادرة على إيقاظ الضمير أو فضح العبث.

٥. الألم كقيمة معرفية وجمالية:

اعتبر نيتشه أن «كل فنٍّ عظيم يولد من الألم»، ليس بوصفه ندبةً، بل بوصفه قوّةً خالقة. فالأدب لا يهرب من الوجع، بل يحوّله إلى أداةِ تنقيبٍ في الأعماق، وإلى لغة ثانية للإنسان.

أما بول ريكور فيرى أن السرد، بكل أشكاله، هو محاولة لإعادة تأويل الجرح، وجعله جزءاً من هويةٍ قابلةٍ لأن تُروى؛ أي تحويل الألم إلى معنى.

٦. هندسةُ الألم الأدبي: من الجرح إلى المعنى.

بهذا المعنى، فإن هندسة الألم الأدبي ليست انفعالًاً ولا شكوى، بل معمارٌ دقيق تُعاد فيه صياغة التجربة الوجودية عبر الشعر والقصة والرواية والمسرح.

إنها هندسةٌ للنجاة، تُعيد ترتيب الخراب الداخلي ليصير معرفة، وتحوّل الندبة إلى علامة قراءة.

وهي في الوقت نفسه هندسةٌ للحرية: لأن الإنسان، حين يُعيد تأويل ألمه، يملك دوره في كتابة قدره.

فالأدب العظيم، في كل أشكاله، ليس إلا محاولةً جريئة لترويض الألم، وتشكيلِه في بنيةٍ جمالية تُنير الطريق، وتترك في الروح أثرًا لا يُمحى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.

ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.

من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر (وُلد 1976) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك (وُلد 1944). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.

حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.

أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.

يحبُّ الناسُ أن يتعاملوا معَ التاريخ باعتباره شيئًا انتهى. يضعون له التواريخ، ويُرتِّبون أحداثَه، ويحفظون أسماءَ مراحله، ثم ينتقلون إلى الحاضر كأنَّ الماضي غرفة أُغلقتْ بالمفتاح. لكنَّ الرواية تعرف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.

الماضي لا يغادرنا لأنَّنا نُقَرِّر أنَّه غادرَ. قد يختبئ، وندفنه تحت طبقات من النسيان، ونتعلَّم كيف نتحدث عن أشياء أُخرى، وتنشغل الأجيالُ الجديدة بحياتها اليومية، لكنَّ شيئًا ما يبقى في الداخل. كلمة، أو صورة، أو رائحة، أو اسم مدينة، أو حكاية ناقصة، أو خوف غامض، أو صمت عائلي لا نفهم سببَه. وهُنا تبدأ الرواية.

حجي جابر يعرف هذه المنطقة جيدًا. في عالَمه الروائي لا تبدو الهُوية بطاقة تعريف بسيطة، ولا يكون الوطنُ مكانًا جغرافيًّا يمكن الإشارة إليه على الخريطة ثم الانتهاء من الأمر. الوطن تجربة نفسية، وذاكرة، ولغة، وفقدان، وسؤال مؤلم، ماذا يبقى من الإنسان حين يُنْتَزَع من المكان الذي كان يظنُّه جزءًا من تعريفه لنفسه؟.

في المقابل، يذهب شلينك إلى سؤال آخر، لكنَّه لا يقلُّ قسوةً، ماذا يحدث حين يكون الماضي الذي نرثُه مرتبطًا بجريمة تاريخية؟، هل يكفي أن نقول: لَم نفعل شيئًا؟، وهل يستطيع جيل لَم يرتكب الجريمة أن يعيش خارج ظِلِّها؟، وما هي حدود المسؤولية؟، ومتى يتحول الاعترافُ بالذنب إلى عبء لا يعرف صاحبُه كيف يَحمله؟. هُنا يصبح التاريخُ أشبه بأب غائب، لكنَّه حاضر في كل شيء. لا نراه، لكنه يحدد كثيرًا من تفاصيل حياتنا.

في تجربة حجي جابر، تبدو الجغرافيا في كثير من الأحيان أقل ثباتًا مِمَّا نظن. الإنسانُ قد يَعبر الحدودَ، لكن الحدود لا تَعبره بالضرورة. وقد يغادر المكانَ، لكنه لا يستطيع أن يغادر ما صنعه المكان فيه. وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تجربة المنفى، أن تصل إلى مكان جديد بجسدك، بينما تظلُّ رُوحك مُعلَّقة في مكان آخر.

ليس المنفى مُجرَّد انتقال من بلد إلى بلد، إنَّه اضطراب في العلاقة بين الإنسان وذاكرته. فجأةً، تصبح الأشياءُ التي كانت عادية ثمينة. والشوارعُ القديمة تتحوَّل إلى أساطير شخصية، والأسماء التي لم نكن نلتفت إليها تصبح أبوابًا لزمن كامل. واللغة تصبح مأوى، وتتحوَّل في الوقت نفسه إلى تذكير دائم بما فُقد.

عند حجي جابر، لا يظهر التاريخُ بوصفه محاضرةً سياسية، بلْ بوصفه أثرًا على مصائر الأفراد. الروايةُ لا تقول لنا فقط إنَّ بلدًا عاش الحربَ أو الاستعمار أو القمع أو الانقسام. الروايةُ الحقيقية تسأل: ماذا فعل كُلُّ ذلك بامرأةٍ واحدة، أو برجلٍ واحد، أو بعائلة، أو بطفل، أو بحبيب، أو بإنسان وجد نفسه ذات صباح مضطرًا إلى أن يختار بين ذاكرته وحياته؟. هُنا تتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تؤلم.

والإنسانُ لا يعيش التاريخ في الكتب، بل يعيشه في الأشياء اليومية، في حقيبة سفر، أو اسم مُستعار، أو صورة قديمة، أو رسالة لَم تصل، أو شخص لَم يعد، أو بيت لا يستطيع صاحبُه العودةَ إليه، أو وطن صار أكثر حضورًا كلما ابتعد عنه الإنسان. لذلك تبدو رواية حجي جابر، في جوهرها، محاولة للإنصات إلى الإنسان حين يصبح الوطنُ سؤالًا بدل أن يكون جوابًا.

وإذا كان حجي جابر يكتب كثيرًا عن التاريخ من جهة مَن اقْتُلِعُوا منه، أو وَجدوا أنفسهم في مواجهته، فإنَّ شلينك يقترب منه من جهة أُخرى، من جهة الذين ورثوا تاريخًا مثقلًا بالعارِ والمسؤولية، حيث يَحمل الأبناءُ خطايا الآباء. وهذه زاوية شديدة التعقيد، فالجيلُ اللاحق لا يستطيع أن يتحمل المسؤوليةَ عن جريمة لَم يرتكبها، لكنَّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتصرف كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث.هُنا ينشأ السؤالُ الأخلاقي المُربك:ما علاقة الإنسان بما فعله أسلافُه؟.

رُبَّما يقول العقل: لا علاقة له، لكن الذاكرة تقول: هُناك علاقة. ليس لأنَّ الابن مذنب بما فعله الأب، وإنما لأنَّ الماضي دخل بالفعل في تشكيل العالَم الذي يعيش فيه الابن. لقد تركت الجريمةُ وراءها قوانين وخرابًا وصمتًا وعلاقات مكسورة، وَرُبَّما تركتْ أيضًا طريقة في النظر إلى الذات والآخَر. ومِن هُنا تصبح مواجهة الماضي فِعلًا أخلاقيًّا، وليس اهتمامًا بالتاريخ فحسب.

شلينك لا يترك شخصياته في منطقة مريحة، لا يمنحها أجوبة سهلة، إنَّه يدفعها إلى مواجهة الأسئلة التي نُفَضِّل عادةً أن نهرب منها: هل الحُب قادر على تجاوز التاريخ؟، وهل المعرفة تُبرِّئنا أمْ تُعذِّبنا؟، وهل الاعتراف يكفي، وهل يمكن أن يكون الإنسان في الوقت نفسه ضحيةً وجلادًا، أو مُحِبًّا ومشاركًا في الصمت، أو بريئًا من الفعل لكنَّه متورط في نتائجه؟. إنها أسئلة لا تنتهي، لأن التاريخ لا يُقَدِّم لها نهاية نظيفة.

هناك فرقٌ عميق بين أن نتذكر وأن نفهم. قد نتذكر شيئًا سنوات طويلة دون أن نعرف كيف نضعه في مكانه الصحيح داخل حياتنا. الذاكرةُ ليست أرشيفًا محايدًا، إنها كائن حي، تنتقي، وتُخفي، وتُضخِّم، وتنسى، وتستعيد ما ظنناه مات، وقد تفعل ذلك كُلَّه دون إذن مِنَّا. وهذا ما يجعل التعاملَ معَ الذاكرة في الأدب شديد الحساسية.

عند حجي جابر، تتحوَّل الذاكرةُ إلى محاولة لاستعادة معنى ما، ورُبَّما لاستعادة ذات تاهتْ بين الأمكنة والتاريخ والتحولات. وعند شلينك، تتحول الذاكرةُ إلى محكمة داخلية لا يعرف الإنسانُ كيف يخرج مِنها.

في التجربتين، هُناك رغبة في العدالة، لكنَّ الأدب لا يُقَدِّم العدالةَ بطريقة قانونية. إنَّه يبحث عن عدالة أُخرى، عدالة أن يُروَى ما حدث، ويُسمَع صوت مَن لَم يَسمعه أحد، ونعرف أنَّ وراء الحدث الكبير إنسانًا صغيرًا كان يعيش يَوْمَه، ويُحب، ويخاف، ويَحلم، ثم جاء التاريخ، وأفسدَ عليه ترتيبَ الأشياء.

مِن السهل أن نقول إنَّ علينا مواجهة الماضي، لكن ماذا يعني ذلك فِعلًا؟. هل يكفي أن نعترف بأنَّ الماضي كان مؤلمًا؟، وهل يكفي أن نُسمِّي الجريمةَ باسمها؟، وهل تكفي الكُتب والمتاحف والنُّصب التذكارية؟. الجُرحُ التاريخي ليس جُرحًا في ورقة، إنَّه جُرح في أشخاص.

حين يكتب حجي جابر عن آثار التاريخ في الوجود الإريتري، وحين يضع شلينك الإنسانَ أمام ثقل الماضي الألماني، فإنَّهما لا يتعاملان معَ الذاكرة باعتبارها واجبًا ثقافيًّا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا للإنسان.

ماذا نفعل بما نعرفه؟. هذا واحد من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها الرواية. المعرفةُ ليست بريئةً دائمًا. حين نعرف، يصبح علينا أن نعيد النظرَ في أشياء كثيرة، في أنفسنا وعائلاتنا وبلادنا، والصورةِ التي صنعناها عن الخير والشر، والقصصِ التي اعتدنا أن نُصدِّقها دون أن نسأل مَن الذي كتبها ومَن الذي غاب عنها.

وهُنا يصبح الأدبُ خطرًا بطريقة جميلة، إنَّه يزعزع الروايةَ المريحة، ويمنعنا من تحويل الضحية إلى رمز جامد. التاريخُ الرسمي يُحب الأرقام، والروايةُ تُحب الوجوه، والتاريخ يقول: مات الآلاف، والرواية تسأل: كيف عاش واحد منهم يومَه الأخير؟، والتاريخ يقول: هاجرَ الناسُ، والرواية تسأل: ماذا حدث للأم التي أغلقتْ بابَ بيتها وهي لا تعرف إن كانت ستراه مَرَّةً أُخرى؟، والتاريخ يقول: وقعت الجريمة، والرواية تسأل: ماذا حدث بعد ذلك داخل رأس الشخص الذي عرف الحقيقةَ متأخرًا؟. وهذه النقلة من الرقم إلى الإنسان هي إحدى أعظم وظائف الأدب.

حجي جابر لا يترك الذاكرةَ في مستوى الشعارات. حين يقترب من الوطنِ والاقتلاع والهُوية، فإنَّه يجعل هذه المفاهيم تمرُّ عبر الجسدِ والحياة اليومية. وشلينك، من جهته، لا يسمح للذنب التاريخي بأن يبقى مفهومًا مُجَرَّدًا، يضعه داخل علاقات بشرية، داخل الحُبِّ والأسرة والصداقة والرغبة والشك. كأنَّهما يقولان لنا بطريقة مختلفة: التاريخُ لا يؤلم لأنه حدث فقط، بلْ لأنه حدث لأشخاص. واختلافُ الجُرح لا يلغي وحدةَ الإنسان.

إنَّ تجربة الاستعمار والاقتلاع والهُوية والمنفى ليست هي تجربة مواجهة إرث النازية والذنبِ التاريخي. لكلِّ مجتمع ذاكرته، ولكلِّ جُرح لغته، ولكلِّ ضحية سياقها، ولكلِّ تاريخ شروطه التي لا يجوز محوها باسم التشابه.

ومعَ ذلك، فإنَّ الإنسان يظلُّ هو الحَلْقة التي تصل بين التجارب. الخوفُ واحد حين يدخل الجسد، والفقدُ واحد حين يصبح الغائب حاضرًا في كل شيء، والحنينُ واحد حين يتحوَّل المكانُ إلى شيء لا يمكن الوصول إليه، والعارُ واحد حين يكتشف الإنسانُ أن الصورة التي حملها عن نفسه ليست كاملة. لهذا يمكن للأدب أن يَعبر الحدودَ التي لا تستطيع السياسةُ عبورها بسهولة.

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في أدب الذاكرة سؤالُ الأجيال.ماذا يفعل الأبناءُ بتاريخ لَم يصنعوه؟، وهل يحق لهم أن يبدؤوا من الصفر؟، رُبَّما لا يوجد بدء من الصفر أصلًا.

كُلُّ جيل يصل إلى العالَم ولديه أشياء لَم يخترها: لغة، وعائلة، وبلد، وذاكرة، ومعتقدات، وصور عن الآخَر، ومخاوف قديمة، وأسرار.

وهُنا يلتقي حجي جابر وشلينك، رغم اختلاف المسارات، في منطقة شديدة الحساسية: الإنسان ليس ابن الحاضر وحده. إنَّه ابنُ ما سبقه أيضًا، لكن أن تكون ابنًا للتاريخ لا يعني أن تكون أسيرَه، وهذا هو التحدي الحقيقي، أن نتذكر دون أن نتحول إلى سجناء للذاكرة، ونعترف بالماضي دون أن نُقَدِّسَه، ونُحاسِب دون أن نرثَ الكراهية، ونحب الوطنَ دون أن نُحوِّله إلى صنم، ونعرف الجريمةَ دون أن نعيش إلى الأبد داخل دور الجلاد أو الضحية. هذه الموازنة صعبة، لهذا تبدو الرواية المكان الأنسب لطرحها. الروايةُ لا تحتاج إلى إصدار حُكم نهائي، يكفيها أن تتركنا أمام السؤال.

في عالَم شلينك، يصبح الصمتُ شيئًا لا يقل أهمية عن الكلام. وفي تجربة حجي جابر، لا تكون الأشياءُ التي لا تُقَال أقل حضورًا من الأشياء التي تُقَال.

والصمتُ ليس فراغًا، أحيانًا يكون الصمتُ أكثر الأشياء امتلاءً، لأنه يَحمل ما لم نستطع قولَه، أو ما لم نرد قولَه، أو ما لم نَعرف كيف نقوله، لهذا تبدو الروايةُ كأنها عملية تفكيك لهذا الصمت المتراكم.

شلينك يجعل المسؤوليةَ الأخلاقية حاضرة حتى حين يصبح تحديدها مُعَقَّدًا، وحجي جابر يَجعل آثارَ الماضي قائمة حتى حين يحاول الإنسانُ أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في الحياة.

حجي جابر وشلينك لا يكتبان كَي يمنحا القارئَ راحةً سهلة، إنهما يضعانه أمام تاريخ غير مريح، وأسئلةٍ لا يمكن الإجابة عنها بجملة واحدة. والروايةُ ليست عيادةً تعطي الماضي دواءً، إنها غرفة يضيء فيها القارئُ مصباحًا، وينظر إلى ما كان يخاف أن يَراه.

حين يعطي حجي جابر مساحة للذاكرة الإريترية، فإنه لا يكتب عن بلد فحسب، بل يفتح نافذةً على إنسان قد لا يجد مكانَه في الرواية الكبرى التي تكتبها السياسة.

وحين يعيد شلينك فتحَ ملفات الماضي الألماني داخل العلاقات الشخصية، فإنه يُذكِّرنا بأن التاريخ لا ينتهي حين تنتهي المحاكم. هناك محاكم أُخرى: الضمير والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

إنَّ دراسة الظَّواهر المَرَضيَّة أوجب عِلميًّا من دراسة الظَّواهر الصِّحيَّة. غير أنَّ كثيرًا من الدراسين لا يدرسون لوجه العِلم، ولا بموضوعيَّته، وإنَّما تبدو دراساتهم تبشيريَّة، ترويجيَّة، دعائيَّة لأعمال معيَّنة، يحبُّها الدارس، ويتبنَّى مضامينها، عاطفيًّا أو أيديولوجيًّا. ولذا تأتي في هذا السياق تُهمة «الحداثة»، مثلًا، كتُهمة «القَدامة» و«التقليديَّة» لدَى فريقٍ مقابل. مع أنَّ المنهاج العِلمي ينبغي أن يتجرَّد عن الأفكار السابقة، وترديد نمطيَّات تعبيريَّة سائدة، ومصادرات حُكميَّة فاشية. وإلَّا فما منَّا مَن لا يمكن أن يُصنَّف أو يُلقَّب. من حيث إنَّنا جميعًا واقعون في مزالق التصنيف، وإنَّما الرشيد من احترمَ عقله، ونَظَرَ بموضوعيَّة، دون أن ينجرف في تقليدٍ أو تيَّارٍ، أو ينساق مع قطيع. أمَّا ما يُقال، أو يُكال، فثقافةٌ مشتركة، يأخذ منها كلُّ طَرَفٍ بطَرَف!

لأجل هذا يلحظ المراقب للحراك الثقافيِّ العَرَبيِّ أنَّه- كما اتُّخذِت الكتابة الروائيَّة مطيَّةً أحيانًا- يُتَّخَذ البحث حولها مطيَّة أيضًا، فيُصبِح احتفائيًّا، انتقائيًّا، لترسيخ أسماء، أو تعميم أفكار، أو لمجرد ميلٍ ذاتيٍّ وهوًى نفسيٍّ. وبسبب هذا كانت معايير الخطط العِلميَّة، التي تستحق هذا الاسم، تسأل عن أسباب اختيار الموضوع، والأهداف العِلميَّة، التي يلزم أن تكون عِلميَّة، مقْنِعةً «عِلميًّا»، لا عاطفيًّا.

في هذا المضمار هبَّت عاصفة الرواية، بعد 2001 على عالمنا العربي، بما أثارته من زوابع هنا وهناك. وقد دهمت الساحات طافحةً بدوافع الفضح الاجتماعي. وذلك لعاملَين: الأوَّل يتعلَّق بماردٍ تحرَّرَ من قُمقم كبتٍ طويل، فكان تخبُّطه صاخبًا، كتخبُّط (عفريت القماقم)، شغفًا بالحُريَّة، أو بـ«التنوير»، كما تحلو التسمية، أو حسب روايةٍ أخرى: شغفًا بالنظر بعينَي (زرقاء اليمامة)، أو قُل بعيني (يوسف زيدان)! الذي يرى نفسه (زرقاء يمامة) مِصْريَّة، أصبحت ترى أشياء كثيرة، لم تكن تراها بالأمس. وما يُدرينا، فقد ترَى زرقاء يمامةٍ عمياء غدًا ما لا تراه اليوم، في عصرنا الضبابي هذا! على رأي الشاعر اللُّبناني (طانيوس عبده، -1926):

ما مضَى فاتَ، والمؤمَّلُ غيبٌ،

ولكَ الساعـةُ التي أنتَ فيهـا

بمعنى: «الساعة التي مصالحك فيها»! وأمَّا العامل الآخَر، فيتعلَّق بماردٍ سرديٍّ، كان محاصَرًا بالشِّعر والشِّعريَّة، وهو مندفع ليحظى بمقعده الروائيِّ، بأيِّ ثمن. ولقد أسال العاملان- مع ما واكبهما من ضخٍّ إعلاميٍّ، فَتَحَ باب الشُّهرة لكلِّ مَن سَرَدَ- لُعابَ أقلامٍ شتَّى، بعضها ليس لها رصيد، لا معرفي ولا فنِّي، في مجال الرواية، وربما لا حظَّ لها يُذكَر في مجال الأدب أصلًا.

وهكذا نُشرت روايات لا روايات فيها، ولا هدف لبعضها- إلى هدف الشُّهرة، وشَرَف المنع من قِبَل الرقابة، ونَعْتِ الجرأة والتمرُّد، وازرقاق العينَين اليماميَّتَين- غير تملُّق الآخَر الغربي. لسان حالها: ها نحن هؤلاء لا نقلُّ عنكم انحلالًا! وهذا هو معيار الحُريَّة والتحضُّر، كما يفهمهما بعضنا في أزمتنا الحضاريَّة (العغربيَّة). أو ربما كانت الرسالة على نحوٍ آخَر، «أَثْوَل» اللِّسان والجنان: ها هي ثقافتنا العَرَبيَّة والإسلاميَّة ثقافة نفاق، ظاهرها طُهوريٌّ، وباطنها حيواني. ولهذه الحالة تاريخٌ عريق، وسَلَفٌ طالح، من أدباء التراث وفقهائه ومؤلِّفيه. لماذا نظلم حضارتنا وفيها ما فيها من تلك الصفحات المشرقة؟! فلئن هزمَنا الغربُ في العلوم والفنون والتقنية، فلا أقلَّ من أن نُثبِت جدارتنا في وجوه أخرى من التفوُّق، وأن نحطِّم الأرقام القياسيَّة في هذا المضمار الحيويِّ من تخطِّي الحواجز! ولعلَّنا نستطيع أن نغزوه مجدَّدًا، كما غزوناه مقدَّمًا، عبر عابرة القارات «ألف ليلة وليلة»، بجواريها وسيِّداتها وغلمانها وعبيدها! ولهذا، فحبَّذا أن تكون المؤلِّفة اليوم، أو على الأقلِّ بطلة النصِّ الروائي، (شهرزاد معاصرة)، كالمرحومة جدَّتها؛ لأنَّ ذلك أنكَى تاريخيًّا وأدلُّ على مقولة: إنَّ التاريخ يعيد نفسه! وتلك هي المهمَّة الجليلة التي اضطلعتْ بمشروع البرهنة عليها بعض الماجدات العربيَّات من شهرزاداتنا المعاصرات!

وفي هذا المقام لامست الكاتبة والناقدة الفنِّـيَّة المغربيَّة (زهرة زيراوي، -2017)- وهي ذات مشاركات بالعديد من أعمالها في جهاتٍ مختلفة، في (المغرب) و(بلجيكا) و(النمسا)- هذه الظاهرة. مشيرةً في مقالة لها تحت عنوان «ما الكتابة؟: هل يُزهر الأدب في الأرض اليباب؟»، ضمن كتاب عنونته بـ«الأرض برتقالة زرقاء/ ما الكتابة؟»، إلى تركيز بعض كُتَّاب الرواية وكاتباتها من العَرَب على الغرائز والعاميَّات، اعتقادًا أنهم بذلك يؤسِّسون لشيءٍ جديد. ولا داعي لذكر الأسماء هاهنا، حتى لا يُستثار «الغضب الملحمي» على الطريقة «الترمبيَّة»! ويأتي في مقابل هذا «العاصوف» الروائي أن تتناول أقلامٌ نقديَّةٌ أعمالًا روائيَّة لمجرَّد احتفائها بما يودُّون الاحتفاء به؛ فإذا «النقد» يرى فيها استثناءً لأنها عرَّت المستور. وهي الحجَّة الرائجة اليوم، تحت شِعار: (كشف المسكوت عنه). وباللَّهجات العاميَّة في بعض الروايات يكتمل سرد الضحالة: سوقيَّة اللُّغة وانحطاط المضامين، التي تعطي للـ(هُوَ)- بمصطلح (سيجموند فرويد)- السيادة المطلقة في البوح بما لا يبوح به الشيطانُ ابن الأبالسة!

ثمَّ تستشهد الكاتبة على تهافت الرواية العَرَبيَّة بأمثلة، للمقارنة مع الرواية المحتفى بها في الغرب، كرواية «الرِّقَّة التي تغتال»، لـ(فرانسواز دورنيه)، الصادرة عام 2004، الحائزة على جائزة أفضل رواية فرنسيَّة، وروايات (شاركدي إمره)، مثل روايته «سمعان العامودي»، أو «المخطوط القرمزي»، للإسباني (أنطونيو غالا). هذا العمل الضخم الذي تقرأ فيه قطعةً من تاريخ الأندلس، و(أبي عبد الله الصغير) آخِر أمراء الأندلس. وهي رواية نالت جائزة بلانيتا عام 1990، التي تُعدُّ من أهم جوائز الرواية في إسبانيا. وهكذا كُتِب هذا الجانب من تاريخنا الأندلسي بقلم روائيٍّ أندلسيٍّ إسباني، ولم يُمِط عنه اللِّثام قلمٌ عربيٌّ؛ لأنَّ رَبعنا الروائيِّين العَرَب مشغولون بحاراتهم، وبما في ثيابهم، وبهمومهم التافهة اليوميَّة! صحيح أنه يحضر في تلك الأعمال الغربيَّة عنصر الجنس، لكنه حضورٌ ذو معنَى، لا تمحُّكًا بدائيًّا مريضًا، كحال بعض الأعمال العَرَبيَّة.

وهنا عَينُ المسألة النجلاء؛ من حيث إنَّ الموقف النقدي ليس من ورود مكونٍ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ ما في العمل السَّردي، بوصفه مكوِّنًا طبيعيًّا من نسيج العمل، موظَّفًا للتعبير عن قضيَّة، دون تبذُّل، ولا في أسلوبٍ شارح للتفاصيل، التي تعرفها كل الكائنات الحيَّة. بل الموقف من أن يبدو ذلك هو المتن الأساس، والمحكُّ الأوَّل والأخير في تلك الأعمال السرديَّة في العالم العربي- وكذا في الأفلام السينمائيَّة- وكلُّ ما عداه يبدو هامشًا، ووسيلةً إلى غاية. وهنا تصبح الغاية دونيَّةً خُلُقًا، سمجةً إبداعًا.

إنَّ بوسع القارئ أن يجد في العمل الروائي الغربيِّ الجيِّد، وكذا في الفِلْم الغربي، القيمتَين الإنسانيَّة والفنِّيـِّة، بخلاف معظم الأعمال العَرَبيَّة. وذلك- ببساطة- لأنَّ تلك الأقلام والأفلام في سياقنا المكبوت لا قضايا لها، ولا يقف وراءها مبدعٌ حقيقي، بل دَعِيٌّ، يتسوَّل غرائز الناس، أو غِرٌّ يبحث عن شُهرة. فالجمال- حتى في صورته العارية- قيمةٌ عُليا، إنْ ارتفعَ به الذوق الراقي إلى سماوات التأمُّل، الذي يتخطَّى خِسَّة العضويِّ المحض إلى نورانيَّة الروح.

لقد ظلَّ السؤال الجَمالي الأزلي- في مثل هذا الشأن-: هل الجَمال جسد؟ أم هو روح، وفكر، وثقافة؟  والإجابة الصادقة: أنَّه الاثنان.. أو بالأصح الأربعة!  وجَمال الجسد، من حيث هو، قيمةٌ روحيَّةٌ أيضًا، وفكريَّة، وثقافيَّة.  غير أنَّ الإشكال يكمن في اختزال قيمة الجمال في شكل مادَّته، وإهمال جوهره. ولا شكَّ أنَّ الرَّجُل معذورٌ في تطلُّب الجَمال في المرأة، فذاك أمرٌ فطري، والمرأة تتطلَّب مثل ذلك في الرَّجُل.  لأنَّ الحُبَّ شيءٌ وأن تعشق (مكتبة الكونجرس) شيءٌ آخَر!  بَيْدَ أنَّ الجَمال الغَبِيَّ يبدو أقبح من القُبح الذَّكي، لدَى الإنسان السوي.  على حدِّ قول (أبي تمَّام):

لَيسَ الغَبِـيُّ بِسَيِّدٍ فـي قَـومِهِ

لَكِـنَّ سَيِّدَ قَــومِهِ المُـتَغــابي

والسبب أنَّ الإنسان السَّويَّ لا تُحرِّكه نزوعات الغريزة وحدها، ولا ظاهريَّات الخَلْق لحالها، بل هو يتطلَّب درجاتٍ عُليا من الكمال والتكامل، بين جماليَّات الصورة وجماليَّات العقل والروح.  أمَّا الحيوان، فلا يهفو إلَّا إلى ما يُروي غريزته. بل هو لا يفقه حتى في جماليَّات الجسد وأسرارها شيئًا.  وكثيرٌ ما هُم، ولا سيما في ثقافة تشحن الغرائز – بآدابها وفنونها- بمتطلَّبات الحيوان من الحيوان لا الإنسان من الإنسان.

ذلكم، إذن، هو الفارق البيِّن، الذي يُصِرُّ على عدم فهمه بعض الكتَّاب- عجزًا، أو مكابرة، أو تجارة- بين كتاباتٍ استهلاكيَّةٍ غبيَّة، بلا امتدادٍ فكريٍّ، وكتاباتٍ تنظر إلى ما وراء المظاهر والممارسات من قِيَمٍ ودلالات.

...........

* مرفأ:

لَئِنْ كَانَ لِلْكَـوْنِ عَـيْـنَانِ: شَمْـسٌ،

وعَـيْنٌ، بِـعَـيْنِ اللُّـغَـاتِ: القَـمَــرْ

فعَـيْـناكِ شُـهْبُ الكَـوَاكِـبِ، إِمَّـا

تَـرَانَــا نَـرَاهَــا كـحُــلْـمٍ عَــبَـرْ

ولـكِـنْ نَـظَـلُّ نَــدُوْرُ نَــدُوْرُ

كَـمَا دَارَ جَـفْـنَاكِ حَـوْلَ الحَــوَرْ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

قِراءةٌ تَأمُّليَّةٌ في سَرديَّاتِ أدبِ المَنطقَةِ الرَّماديَّةِ (سَردُ الحَافَّةِ)

مَفهومُ أدبِ المَنطقةِ الرَّماديَّةِ (سَردُ الحَافَّةِ):

تَقديمُ: يُعدُّ سردُ أدب المنطقة الرمادية أو (الوسطى)، أو ما يُعرَفُ حديثاً في الأوساط النقديَّة بـ (سَردُ الحَافَّةِ)، أو (سَردُ الهامشِ) العائم من أخطر ألوان السَّرد إشكاليَّةً وعَصرَنَةً وَجِدَّةً، بل وأكثرها حداثةً اليومَ، وأجملها شكلاً ومضموناً من جهةٍ؛ ومنْ جهةٍ أخرى؛ كونه لا يخضع مُطلقاً لفرضيَّة أو خانة التجنيس الأدبي الشعري أو النثري المُقنَنِ بآليات معروفةٍ، بل يقع بينيَّاً في منطقةٍ حذرةٍ وسطيَّةٍ مُحايدةٍ بين (هذا وذاكَ، وأنا وأنتَ) .على الرغم أنَّ المناطق الوسطيَّة مناطق إشكاليَّة خطرة.

فهو بالمعنى التوصيفي الدقيق ليس قصَّةً أو روايةً مَحكيَّةً بمعناها الحقيقي الفاعل المَعروف، وليس شعراً أو نثراً خاصَّاً، إنَّما هو سردُّ نصِّي يُكتَبُ وسطيَّاً من تأثيرات حافَّة النصِّ، وليس من داخله أو خارجه. ولا يعتمد في تأثيثه النصَّي على ما تقدِّمهُ البدايات أو المُستهلَّات المحمودة، ولا على وقع النهايات الختامية المحسومة المذمومة دراميَّاً وحدثيَّاً. إنَّما يقف عند النهايات المبتورة غير المُكتملة التي تحتمل الكثير من التأويل والتحليل الذي يَلفت نظر القارئ للوقوف عند أثرهِ.

وعلى وفق ذلك التنظير الوصفي الدقيق فإنَّ أدب سَرد الحافَّةِ لا يخضع فنيَّاً لاشتراطات قصيدة النثر وفلسفة تقعيداتها البنائيَّة والجماليَّة، ولا يَستجيبُ كُليَّاً وإجرائيَّاً لأُسس وعناصر السَّرد الأساسيَّة المعروفة كاملةً. فهو يقفُ مُتأرجحاً بين منطقتين جنَّة الشعر ونار السَّرد (تَسريدُ الشِّعرِ)، أو (القصَّةُ الشِّعريَّةُ)، فيأخذ من خاصيَّة الشعر المنثور نظام إيقاعه الأُسلوبي التَّدفُقي المُتراتب، ونظام تسطيره الكتابي المعروف في استنطاقه النصِّي وبُوحه الدِّلالي. ويشتركُ مع السَّردِ القَصصي التعبيري في استحضاره لبعض شخصيَّاته الفواعلية، وفي استدعائه لوحداته الزمانية؛ لذلك كان أدباً رماديَّاً.

ولا يشتغل تسريده النصَّي في توظيف العناصر البنائية الأخرى مثل (الأحداث والوحدات المكانيَّة والحِبْكَة والعُقَد والنَّهايات الإدهاشيَّة الصادمة)، وتقانات السرد الأخرى، بل يعتمد كليَّاً على النهايات النصيَّة التأمليَّة المفتوحة التي تُشرِكُ المتلقِّي في التفكيربشأنها وإيجاد مخارج نصيَّة مناسبة لِحلِّها.

لقد اتَّضحَ لنا جليَّاً مفهوم أو مصطلح أدب سَرد الحافَّة (الهامشي العائم)، ولكنَّ المعنى الدلالي الدقيق لكلمة (الحافَّة) بحاجةٍ لتقريبٍ وتوضيحٍ، والحَافَّةُ هنا لها ثلاثة معانٍ دلاليةٌ متتاليةٌ، أول هذه المعاني الدلاية (حافَّةُ المعنى)، وثانيها (حافَّةُ الذاتِ)، وثالثها تسمَّى (حافَّةُ النَّوعِ الأدبي)، ولكلِّ حافَّةٍ منها لها خاصيتها الفعليَّة ومعناها الدلالي الفاعل في تأثيث وبناء النصَّ السردي التجريبي الجديد.

فأمَّا المقصود بحافَّة المعنى فإنَّ الفضاء النصِّي في سرديَّات أدب الحافَّة لا يُخبِرُ عن كلِّ شيءٍ فيها، ولا يسكت في الوقت ذاته عن كلِّ شيءٍ فيه أيضاً، وإنَّما يضعُ القارئ أو المتلقِّي على حرف الهاوية، أي أنَّ بناءه القصِّي أُسسَ (عَلى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ) أي على حافَّةِ طرفِ الهَاوية القصصيَّة.

فَقد يُخبرُ مُتلقِّيه بثلاثة أرباعه، ويَتركُ الربعَ الأخيرَ منه لألمعية القارئ النابه ووعيه الفكري في المشاركة النصيَّة لِيقعَ فيها أو يَطيحَ بِأُتونها التأمليَّة. وهذا المعنى ما نجده إجرائيَّاً في المجموعة القصصيَّة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) السرديَّة، لمؤيَّد الشَّاوي كاتبها المُؤلِّف وساردها الألمعي النابه. حيث تطالعك النهايات الختامية المفتوحة أو (المَبتورة)، والجُمل النثرية القصيرة المُكثَّفة، والصمت المُركَّز المقصود في فهم بنائها السَّردي واللُّغوي الذي يحتاج إلى تأمُّلٍ أدبيٍّ وفكريٍّ فلسفيٍ عميقٍ.

أمَّا حافَّة الذات فَتَشِي بأنَّ السَّارد فيها يقف قلقاً ونابهاً حَذراً بين جدليَّة (الأنا) أو الذَّات، وبين الذات الآخر (هوَ)، وبين الواقع المَعيش واللَّا واقع (الهَذيانِ) التَّخيُّلي، وبين العاقل المُفكِّر والجاهل الشَّقي غيرِ المُدبِّر، وكأنَّه يمشي على سلكٍ أو حبلٍ أو على جدارٍ أو سُورٍ، وأيُ خَللٍ أوتحرُّكٍ غيرِ مَحسوبٍ بدقهٍ يؤدِّي إلى السقوط في حبائل هاويةِ الجُنون، أو في منطقة الصَّواب، منطقة العقل.

في حين أنَّ حافَّة النوع الأدبي، (التصنيفُ أو التَّجنيسُ)، فيعني الإشكاليَّة في كونها ليست قصَّةً قصيرةً، ولا هي قصيدةُ نثرٍ شعِريَّةٍ، ولا حتَّى في كونها أدبَ ذكرياتٍ أو يوميَّاتٍ سيريَّةً أدبيَّةً، سواء أكانت تقريريَّة أمْ تَوثيقيَّةً. وفي ضوء ذلك يُوصف أدب سرد الحافَّة بأنَّه أدبُ مُتفلِّتٌ في تجنيسه النوعي، وأدبٌ إشكاليٌّ في لونه الأدبي الفضفاض.

وباختصارٍ شديدٍ فَإنَّ (سَردَ الحَافَّةِ) أو ما يُعرفُ بِسردِ الهامش، هوَ نزهةٌ إبداعيَّةٌ جميلةٌ على جدار بين عالمينِ سرديينِ مُختلفينِ في الطريق ومُتوحدنينِ في البناء السردي لواقعة الحدث الموضوعيَّة الشعرية أو القصصيَّة القارّة نصيَّاً. ومثل هكذا نُزهة سرديَّة لها موجباتها وسلبياتها.

ولهذه الأسباب وتلكَ مجتمعةً يُعتبرُ أدب المنطقة الرماديَّة (اللَّا سوداء واللَّا بيضاء) أدباً إشكاليَّاً في تجنيسهِ الأدبي المُستقل، وهذا هو سرُّ مشكلته ومتعة جماله. فمدرسة السَّرد التقليديَّة تصفه بأنَّه ليس قصةً ولا روايةً كما أسلفنا، في حينَ يُقرُّ سَردُ الحافة بنسفه، ويُؤكَّد أنَّه ليس أيَّاً منهما، وإنَّما هو ما (بَينَ بَينَ) . وأنَّ المُسوغَ الفنِّي الذي يجعل منه أدباً إشكالياً؛ كونه أدباً يرفضُ الأنساق التالفة ولا يسعى إلى القوالب التنميطيَّة الجاهزة أو العاطلة؛ لذلكَ لا عُقدةَ فيه تَحكمهُ ولا بدايةَ له أو نِهايةَ إيجابيةً أو سلبيةً تُحسمه، وإنَّما فيه شظايا من بعض تلكَ العناصر الأساسيَّة المُهمَّة في سرد القصِّ.

فَهوَ يَميلُ إلى الخلطٍ بين الأجناس الأدبية الأخرى من شعرٍ وسردٍ وفلسفةٍ ويوميَّاتٍ واقعيةٍ تداوليةٍ ومخياليَّةٍ في بوتقة نصٍّ أدبيٍ سرديٍ واحدٍ اسمه (أدبُ الحَافَّة)، كما هو حاصل إجرائياً في سرديَّات الكاتب مُؤيَّد الشاوي في مدونته (أثرُ المَلك السٌّومريّ) . كما أنَّه يُشَوشُ فكر القارئ ويُربِكُهُ ذهنياً؛ لأنَّ القارئ يُريدُ منهُ مَعنىً سرديَّاً كاملاً وجاهزاً، في حينَ أنَّ سرد الحافَّة يَأمرُ القارئ ذاته بأنْ يقوم بصنعه بنفسه. ولأجل ذلك التخليق الأدبي المصنَّع سماه النقَّاد (أدبُ المنطقةِ الرَّماديَّة) العائمُ.

ولا أدُلُّ على ذلك الأدب العائم على سبيل التمثيل ما قاله عربياً الشَّاعر محمود درويش في بعض نصوصه النثريَّة، وما كتبه الكاتبُ أحمد خالد توفيق في بعض نصوصه عن (مَا وراءُ الطَّبيعةِ) الَّتي فيها لمحاتٌ من سرد الحافَّة. أمَّا ما قاله عالمياً فنجده ماثلاً عند الكاتب التشيكي (فرانز كافكا) في روايته (التحوُّلُ) أو (المِسخُ) الذي يقف فيه عند حافَّة الإنسان والحشرة. وكذلك نقرأهُ عندَ الكاتبة الناقدة والروائية الأمريكية (سُوزان سونتاج) في مجموعاتها المقاليَّة ضد المرض والتأويل كاستعارةِ التَّصورات السائدة، وتأكيد المُباشرة الحسيَّة للفنِّ والأدب السردي الذي يَسيرُعلى الحافَّة. وقد أفاد الشَّاوي في قصته الشِّعريَّة الجميلة (النَّملةُ والذبابةُ) من تجربة كافكا ومن تحوُّلاته الحافيَّة.

وخلاصة القول، إنَّ أدب الحافَّة يَعِدُّ نفسه من الناحية السرديَّة أدبَ مُقاومةٍ، مناهضاً ضد رتائبيَّة التصنيف والتجنيس. فهوَ أدبٌ ألمعيٌّ تجريبي ومغاير جديد على الذوق العام ومُغْرٍ بشكله ونوعه للذوق الأدبي الخاصِّ؛ لذلك يرى نفسه ليس (هُنا)، وليس (هُناكَ)، وإنَّما هو مُعلَّقٌ على الجدار أو واقف عل السور يَرى الآخرينَ من عَلٍ أو من فوق. وتطبيقات تقاناته السرديَّة كثيرةٌ تَحفلُ بها نصوص السرد القصصيَّة والشعريَّة لمجموعة الرَّائي القاصِّ مُؤيَّد الشَّاوي (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) .3248 mouayid

تَقنياتُ سَردِ الحَافةِ الفنيَّةُ:

وحين نُجيلُ النظرَ مَليَّاً، متأملينَ نُصوصَ أدبِ سردِ الحّافَّة في اشتغالات القاصِّ مُؤيَّد الشَّاوي الإجرائيَّة السرديَّة في تجربته القصصيَّة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ)، نجد أنَّ الكاتب السارد قد وظَّف العديد من تقانات سرد الحافة توظيفاً إجرائيَّاً مَركزيَّاً مُحكَمَاً. وجاءت توظيفاته التطبيقية طبيعية موافقة لوقائع الحدث السرديَّة وثيمها التعدُّديَّة التي يحفل بها كلُّ نصٍّ من نصوصها التقصيصيَّة.

وعلى الرُّغمِ من أنَّ هذه التقنيات الفنيَّة التي تشكِّل عناصر مهمَّة في كتابة سردِ الحَافَّة، والَّتي لا بُدَّ من توافرها في النصِّ كضرورةٍ حتميَّةٍ لإتمام بنية هذا السرد الحَافَّي بأيِّ تقنيةٍ لغرض معرفة وتمييز هذا اللَّون الإشكالي؛ فإنَّ القاصَّ الشَّاوي قد أدخلها في صفحات نصوصه التسريديَّة بشكلٍ إبداعيٍ وإمتاعيٍ تلقائيٍ وغيرِ مُتكلِّفٍ، وكانَ عفويَّاً من السهل الأسلوبي التعبيري المُمتنع، بعيداً عن كل أشكال التصنُّع التكلُّف والتعسُّف التعبيري الجبري. مما أضفى عليها لوناً جديداً ماتعاً من ألوان التلقِّي القرائي السردي والمعرفي اللَّذيذ. وسنقف في دراستنا التأمليَّة عند بعض هذه التقانات الفنيَّة.

1- تَقنيةُ الجُملِ المَبتورةِ:

ونعني بها توقُّف النصِّ السَّردي القِصصِي قبلَ اكتمال المعنى المطلوب، وتُوضعُ نقاطُ تركٍ فراغيةٍ (...) قبل نهاية السطر من أجل استكمالها نصيَّاً وإبداعيَّاً. وأنَّ مُهمَّة إيلائها وإتمامها معنويَّاً وفكريَّاً ودلاليَّاً تُتركُ لمشاركة القارئ الواعي؛ كي يستكملَ تَتمَّةَ الفُراغِ البياضي المُنقَّط المُتروكِ وفقَ ما يَراهُ مناسباً لتركيب الجملة السرديَّة الملغومة قصديَّاً بالأنساق الثقافيَّة السرديَّة المُضمرة. فلو قرأنا نصَّ الكاتب الشَّاويّ السَّردي الموسومَ (طِفلُ الشَّاي) ذا التشعير القَصَصِي، لوجدنا أنَّه قد وظّف هذه التقنية الفنيَّة ثلاث مَرَّاٍتٍ بطريقةٍ وأُسلوبٍ لافتٍ للنظر يدعو القارئ لمشاركته النصّ:

وكانتْ أُمُّهُ ...

تَعدُّ الوَقتَ لَا السَّاعاتِ

فِي البَيتِ كَانتْ الأمُّ تُناجِي الغِيَاَبَ:

 (يَا رَبِّ... أعُدهُ لِي سَالِمَاً) . (أثرُ المَلكِ السّومريّ، ص 27)

وَهَمَسَتْ: (تَعِبثُ يَا وَلَدَي ...

سَأحمِلُ عَنكَ مَا تَبَقَّى) (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 28)

ويُلحَظُ في النماذج النصيَّة الثلاثة إنَّ الكاتب السار حذفَ النهايات السَّطريَّة المُتمِّمة لها لغرض أُسلوبي فنِّي وبلاغي تعبيري من أجل حثِّ القارئ الواعي وحضِّه على مشاركته النصيَّة في إتمام ما تضمره شخصياته من ألمٍ وتوجع إنساني حيالَ تلك الطفولة البريئة المكتنزة بالهُموم والآلام.

2- تَقنيةُ السَّردِ العَائِمِ:

وفي هذه التقنية العائمة يأتي التعبير الجُمَلِي السَّردي مَرةً بلغةِ ضمير التكلُّم (أنا)، ومرَّةً أخرى بلغة ضمير الخطاب (أنتَ)، وقد يتعدَّى التعبير البنائي للجُملة السَّرديَّة بلغة ضمير الغائب (هوَ) أو (هِيَ) . وفي هذه الحال يُبدِّل السارد الضمير كلَّما اشتدت الدفقة الشعورية العاطفية وهمَّ بِتغير سياق بنية الحوار الداخلي للنصِّ القصصِي. ولَعلَّ نُموذجَ (لَيلةُ الطَّلقةِ الأخيرةِ) خَيرُ مثالٍ على فاعلية تقنية السَّرد العائم الذي يعتمد على تشخيص الضمير في بنية قصِّ سرد الحافَّة والقصَّة الشِّعريَّة:

"أنَا هُنَا، عَلَى حَقِّي، وَعَلَى كُلِّ مَا أملكُ. وَأنتَ ... هَلْ تَساءَلتَ عَنْ دَوافعكَ قَبلَ أنْ تَتَهِمَنِي؟"، (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص47) . وّهكذّا يّمضي السَّردُ القَصصي العَائم بهذه الاشتغالات الفنيَّة المُتقنة بِالضمائر.

رُبَّمَا يُمكننِي أنّْ أغرقَ أنَا، أوْ أنْتِ،

لَيسَ فِي المَاءِ، بَلْ في التَّرَدُّدِ، (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 11)

3- تَقنيةُ الوَثيقةِ المُزَيَّفَةِ:

وتعتمد هذه التقنية على إرصادٍ أو إدخالِ تقريرٍ أو رسالةٍ ما، أو ورقةِ رسميَّةٍ أو وصفةٍ طبيَّةٍ مُعينةٍ أو محضرِ تحقيقٍ إجرائيٍّ من دائرة الشرطة أو الأمن العام داخل النصِّ القصصي، وخلال هذا التطبيق الإجرائي يقوم السارد أو الكاتب الرائي بكسر لُغةِ السَّردِ بنصٍّ رسميٍّ باردِ الأثر يَقلِبُ فيه الحقيقة أو يُغيِّرُ وجهَها بالتزييف والمُماطلة والتسويف الذي يَطوي الحقائق. وحينَ نَبحثُ عن تطبيقات هذه التقنية نجدها ماثلةً في صفحات قصَّة الكاتب السرديَّة (في هَيئةِ ضَوءٍ) التي يقول فيها:

"ألمَحُ وَرَقةً قَديمَةً، مَطويَّةً تَحتَ حَجَرٍ صَغيرٍ، فَتَحهَا فَوَجدَهَا مَمهورَةً بِاسمِ (نَدَى)، وَفِيهَا كُتِبَ (إنْ مُتُّ قَبلَكَ، فَانتظرنِي عِندَ العَمُودِ الَّذِي كُنّا نَمُرُّ بِهِ كُلَّ صَبَاحٍ... سَأكونُ هُنَاكَ، لَا بِجسدِي، بَلْ بِمَا عَلَّمَنَا. سَأجِيءُ عَلَى هَيئةِ ضَوءٍ، أوْ ظِلٍّ، أوْ تَذكُّرٍ. فًإنْ لًمْ تَرَنِي.. اِجلِسْ، وَتَذكَّرْ. فَفِي التَّذكُرِ تَعودُ الأرواحُ إلَى المَقاعِدِ الأُولَى.". (أثرُ المَلك ِالسُّومريَ، ص 80) .

4- تَقنيةُ الزَّمنِ المَكسورِ:

إنَّ جملة تقنية الزمن المكسور أو المُتشظِّي لا تُوظَّفُ وحدَها باستخدام الزمن الماضي أو الحاضر الأني (اليومي) في التطبيق الإجرائي السَّردي، بل يوظَّف فيها مَا يَدلَّ على بنية الزمن المُستقبلي باستخدام الأداة أو الظرف الزماني (غداً)، أو مشفوعاً بالأداة الزمانية (أمسِ) مع بعضها في سياق الجملة الواحدة. والشَّاويّ كثيراً ما يَعتمد في تسريداته على الزمن الحالي أو الحاضر أو المُستقبلي:

وَحِينَ أنظرُ إلَى المَرآةَ،

أرَى وَطَنَاً صَغيرَاً يَتنفسُ فِي عَينَي،

يَترَدَّدُ بَينَ الضَّوءِ وَالعُتمَةِ،

وَيَقولُ لِي بِصوتٍ هَادِئٍ:

"لَيسَ البَيتُ مَا تَأوِي إليهِ،

بَلْ مَا يَخرج ُمِنكَ حِينَ تَرحَلُ". (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 93)

والفعلانِ المُضارعان (أنظرُ، وَأَرَى) من أفعال الرؤية المُستقبلية، في حين أنَّ أفعال المشاركة الأخرى، (يَتنفسُ، ويَتردَّدُ، ويَقولُ، وتَأوي) دلالاتها الحدثية الفاعليَّة تُشيرُ إلى الزمن الحالي الآني. وقد أسهمت هذه الأفعال التَّشاركية في تحريك زمن بنية النصِّ والانتقال به من حالٍ إلى حالٍ أخر.

6- تَقنيةُ الاِعترافِ الكَاذِبِ (المَعنَى المُعلَّقُ) :

وفي هذه التقنية، تقنيةِ المَعنى المُّعلَّق يَعترفُ سارد النَّصِّ في قول الحقيقة والبوح بها، ويؤكِّدها، لكنَّ صنوَهُ الآخر يَشكُّ في اعترافه فيظنُّ أنَّه يكذبُ ولا يَصْدِقَ القَولِ كما هو الحال في قول الساردة (هَديل) التي اِتَّهمها زوجها عماد بالخيانة مع زميلها في العمل المدعو سعد، وهي بريئةٌ:

"أتَتَّهمُنِي بِالخيانةِ... وَأنتَ مَنْ لَمْ يَعُدْ يَعرفُ طَريقَ الصِّدقِ! كُلُّ مَا فَعلتهُ كَانَ بَرِيئَاً، كُلُّ كَلمةٍ، وًكُلُ نَظرةٍ... لَمْ تَكُنْ خِيانةً! لَمْ أجرحكَ، وَلَمْ أستعملُ أحدَاً وَسيلةً لَأجلَ نَفسِي. كُنتُ هُنَا، أمامَكَ، بِكُلِّ وَضُوحٍ... وَكُلُّ الحَقائقِ مَوجودةٌ، لَيسَ كَمَا تَرَاهَا أنتَ، بِل كَمَا هِيَ". (أثرُ المَلك السُّومريّ، ص 46) .

وبهذه التقنيات الخمس تكتمل مُتعة سَرد الحَافَّة الهامشي التي يُكتبُ منها بحدود90%، ويُتركُ الباقي10% لتقدير ذائقة القارئ الواعي. فتكون الجُمل المبتورة، والسرد العائم المُعلَّق، والوثيقة المزيَّفة والزمن المكسور والاعتراف الكاذب كُلُّها عَلى حافَّة السَّرد، وليس على أطرافهِ أو بداياتهِ.

تَأثيثُ المُدوَّنةِ السَرديَّةِ أُسلوبيَّاً وَفنيَّاً:

 (أثرُ المَلكِ السُّومريّ)، هي لافتةُ العُنوانِ الرئيس ومرفأُ لوحته الضوئيَّة اللَّافتة، و (ثُريَّا النصِّ الموازي) في هذه المدوَّنة، وهي بوابة دخول القارئ النابه الأولى إلى أروقة عالم مدينة التسريد الشعري والقصصِي الفاضلة العادلة. والَّتي من خلالها يُدرِكُ المتلقِّي جيِّداً دهاليز وإشارات هذا العالم الداخلي القريبة والبعيدة، ويستوعبُ تُخومَ موحياتهِ الفنيَّة وأنساقه الثقافية الخارجيَّة المُنتَجة.

إنَّ مزيَّة هذا العمل الأدبي الإبداعي المُنضوي تحت مسمَّى (نصوصٌ سرديَّةٌ) أنتجه قلم الكاتب البَصرِيّ النابه القدير مُؤيَّد الشَّاويّ، والذي صدر بطبعته الأولى عام 2026م عن دار (إيتانا) للنشر في بغداد وبأُسلوبٍ كتابيٍّ نوعيٍّ فائقٍ مُكثفٍ ومُحتشدٍ، وحجمٍ كميٍّ ورقيٍّ وسطي بلغ (97) صفحةً.

وقد ضمَّتْ مُحتويات هذه المجموعة السرديَّة (19) نصَّاً سرديَّاً، ستةُ نُصوصٍ منها تقترب في بنية نظامها التركيبي والفنِّي من أُسلوبية تشعير السرد (السرد الشعري)، وثلاثة عشرَ نصَّاً منها جاءت على هيأة أو شاكلة نصوصٍ لقصصٍ سرديَّةٍ وتعبيريَّةٍ. وأنَّ اللَّافت في سمت نصوص هذه المُدوَّنة القصصيَّة، أنَّ ثلاثة من نصوص التشعير السردي (القصَّة الشعريَّة) قد تَصدَّرت فواتح الكتاب الأولى، وهي (الذبابةُ والنملةُ، وكُرسيّ عَلى الحَافَّة، وَطِفلُ الشَّايّ) . في حين أنَّ الثلاثة الأخرى من هذ النصوص جاءت في خواتيم الكتاب على التوالي، وهي (مَرثيةُ رَجلٌ لمْ يُدفنْ، ورَجلٌ نَزلَ وَحدهَ، وثُلاثيةُ الرَّمادِ والظِّلِّ والصَدَى)، ولم يكن ترتيبها الموضعي في طيَّات الكتاب عشوائيَّاً عَفوَ الخاطرِ، وإنَّما كان قصديَّاً من قبل الكاتب، ومراعاةً لآليَّات التلقّي القرائي المعرفي.

وإنَّ ما يميِّز فنية التعبير الأسلوبيَّة لهذه النصوص السرديَّة المُتجدِّدة أنها كُتُبَتْ بإمكاناتٍ سرديَّةٍ عاليةِ الجودةِ، وبأفكارٍ فلسفيَّةٍ تأمُّلية، وَثِيمٍ موضوعيَّةٍ عميقةٍ، هادفةِ الرَّصد بالتقطاتها العينيَّة. وتميَّزتْ بِلغةٍ تكثيفيَّةٍ شفافةٍ ونقيَّةٍ صافيةٍ من الشوائب، وخاليةٍ من زوائد اللَّمم والتَّرهُّلات اللُّغوية الفائضة. وعلى قَدرٍ كبيرٍ من خاصيَّة لُغة الاقتصاد والإيجاز البلاغي الذي يرتقي بسموِ النصِّ.

فضلاً عن ذلك كُلِّه ضبط إيقاع انزياحاته التعبيرية اللُّغوية، وجماليات أنسنته وتشيُّؤهُ الصوري وتركيزه المعنوي الدقيق، وإشراقه الدلالي التَّوهجي الذي يُغري ذائقة ومزاج القارئ ويَحضُّهُ على التواصل المعرفي (الابستمولوجي) معه. مَعَ تأكيده على شعريَّة قواعده الفنيَّة وآليَّات إنتاجها الفكري والإيقاعي الإبداعي المُثير. خاصَّةً وأن هذا اللَّون من الأدب الإشكالي الحديث يحتاج إلى وقفاتٍ تأمُّليَّةٍ واعيةٍ، وتأويليَّةٍ هرمنيوطيقية تكشفُ بدقةٍ عن تأصيل وجُوده الانطلوجي. والتعمُّق في سبر أغواره السرديَّة، وفهم تجلِّياته الكتابيَّة العصريَّة، واستقراء مرجعيّاته الثقافيَّة الحديثة بشكلٍ واعٍ.

تَجليَّاتُ ثُريَّا المُدوَّنةِ العُنوانيَّةِ:

مَنْ يَقرأْ نصوص مُدوَّنة (أثرُ المَلك السُّومريّ) السرديَّة بجديَّةٍ بالغةٍ، سَيُدهش –حقَّاً- لأوَّلِ وهلةٍ ببساطة العنوان الشكليَّة الظاهرة، وبلغة تواضعه الجُملي التركيبي النَّحوي، والاسمي الإخباري السهل؛ ولكنَّه حين يُجيل التفكيرَ وئِيداً بمغزى تشكُّلاته الفنيَّة السرديَّة، ويتقفَّى أثر حِفريَّاته القريبة، وينظرُ إلى أقانيم وتخوم تضاريسه الأرضيَّة البعيدة يحتاجُ إلى تنقيبٍ بسونارٍ ضوئيٍّ معرفيٍ دقيقٍ.

بَيدَ أنَّه من خلال هذا التَّراسل الزمني مع آثاره النصيَّة ولُقاهِ الفنيَّة سَيُصاب بضربةِ فأسٍ في جدار النسيان ماضياً وحاضراً. وعندما نتأمَّل بِتجلٍّ واضحٍ عتبةَ العنوان مرَّةً أخرى، ونعكفُ على تفكيكِ تراكيب شفراته اللُّغويَّة والمعرفيَّة الثلاث في الجملة كلمةً إثرَ كلمةٍ من حيثُ الدلالات المعنويَّة القريبة التي تضمَّنها التركيب العُنواني، نجدَ أنَّ كلمة أو دالة (أثرُ) التي تصدَّرت جملة عتبة العنوان الأولى تعني بقايا الشيء أو آثارهُ. وهذا الأثر المتبقِّي رُبُّما يكون حَجراً قديماً أو لوحاً طينياً أو رُقَيماً أو قِدَمَاً تاريخيَّاً أو لُقىً أثريَّةً ماديَّةً وعينيَّةً أُخرى لها قيمة تاريخيَّة لا تُقدرُ بِثمنٍ.

أمَّا عبارة (المًلكِ السُّومريّ)، فَبِكُلٍّ تأكيدٍ تعني هي الأُخرى، أوَّلَ ملكٍ عراقيٍّ تاريخيٍّ لِلأَوَلِ حِضارةٍ خُطَّت في لائحة التاريخ الإنساني، وأوَّل قانونٍ إنسانيٍ تشريعيٍ وضعه البشر في الأرض، وأوَّل وجعِ إنساني وُسِمَتْ بهِ الأُمَّةُ العراقيَّة القديمة في مجدها التُّراثي وتاريخهاالحضاري الطويل.

إنَّ مجموعة (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) السرديَّة تُفيدُ دلالاتها القريبة نبشاً في بقايا وآثار الإنسان القديم الذي هو عمقنا الداخلي وأثرنا الإنساني السَّحيق الضارب في عروق التاريخ، والذي لا يمكن نسيانه مطلقاً. وإنَّ كلَّ نصٍّ من نصوصها السرديَّة، الشعريَّة أمْ القصصيَّة يُعدُّ بمثابة لوحٍ طينيٍّ مكسورٍ عثرنا عليه في مَسرودات أدب حافَّة الروحِ لِمُؤيَّد الشَّاوي صاحب السَّبق السَّردي الجديد المُبتكر.

أمَّا المعنى الدَّلالي البعيد لِثُريَّا النصِّ العُنواني وتجلِّياته المَقصديَّة التي تَكمنُ هنا فهيَ، (الجَرأةُ والشجاعةُ والإقْدَامُ) الحِفري من خلال هذه الدراسة التأمُّليَّة التي تجمع بينَ سَطوة النقد الأكاديمي وبحبوحة النقد الأدبي الشاعري، وبينَ النظري والإجرائي. وهذا يَشي بأنَّ العُنوانَ من حيثُ كونه يحمل صفات الجِدَّةِ والجرأة والإقدام في الفتح السردي، فإنَّه يشتغل في منطقة البُؤَر ومركزيَّة الدلالات البعيدة في أدب المنطقة الرماديَّة على ثلاثة مستويات من سَردِالحافَّة في مَتنِ هذه المُدوَّنة.

وأوَّل هذه المستويات هو، المستوى التاريخي الزمني، وثانيها، المستوى النفسي الذاتي الأَنوي، وثالثها هُوَ، المستوى السردي الموضوعي. وحينَ نستعرضُ الحديثَ عن كشف أثرِ هذه الفُتوحات الثلاثة، ونسلط الضوء إجرائيَّاً على هُدى معانيها الدلالية البعيدة، يَتَّضح لنا بجلاءٍ أنَّ المستوى التاريخي تَشِي دلالتهُ الرمزيَّةُ والسيميائيَّةُ إلى خاصيَّة المَلك السومريِّ العِراقي الَّذي مَات وهلكَ قبلَ أكثر من خمسة آلاف سنةٍ تقريباً. لكنَّ المستوى الزمني التاريخي ما زال أثره راسخاً فينا، وتجلِّيات أثره الوضعي القديم تحكُمنا. فَهوَ الماضي الغابرُ والمتجدِّدُ الَّذي يحكم حاضرنا الحالي.

أمَّا المستوى النفسي الشعوري، فيعني أنَّ كلَّ شخصٍّ منا في داخله النفسي قناعٌ لملكِ سومريّ قديمٍ نابض ِالأثرِ، وطاغٍ مُتلسلِّطٌ في أنَاهِ الداخليةِ. وهوَ الذي يأمر وينهي ويتحكَّم فينا، بل ويَصدرُ ويَقبِضُ علينا، وأنَّ قصص هذه المجموعة المتجدَّدة تفتِّش عن أثره السردي فينا كقُرَّاءٍ ومُتلقِّينَ لها.

في حين أنَّ المستوى السردي الثالث لهذه الدلالة العميقة، فتومئ موحياته وتُخبِرُ بأنَّ السومريينَ هُم أولُ من كتبوا (ملحمةَ جلجامش)، تلك المُدوَّنة السرديَّة التاريخيَّة التي تجمعُ مكنوناتها بين السَّرد والشِّعر . ويُمكنُ أنْ نعدَها أوَّلَ سردِ حافَّة في التاريخ القديم بين الآلهة والبشر، وبين خلود الحياة والموت. وإنَّنا نرجع إلى هذا الأصل التاريخي الأوَّل الضارب في مَدارج إعماق التاريخ القديم.

إذنْ إنَّ سردَ الحافّةِ هُوَ سردٌ تَأصيلي راسخٌ في تُراثنا، وكأنَّ لسان حال المؤلِّف الرائي الشَّاويّ في عنوانه الأثير هذا يقول مصرِّحاً لنا:أنا لا أكتُبُ لكم قِصصَاً سَرديَّةً جديدةً ومبتكرةً بهذا التشكيل العنواني الفارق والمُتَّصل بزمن التاريخ، وإنَّما أنا استخرجُ لَكُم في كشوفاتي جواهرَ الآثارِ السَّرديَّةِ الَّتي هي تُمثِّلُ حاَفَّةَ الأشياءِ في المناطق الرمادية اللَا بيضاء أو سوداء، وكذاك أصفُ لكم المواقف الإنسانيَّةَ التي تقع على حافة الهامش، وهذا التخليق العُنواني يُعدُّ أثراً سرديَّاً فنيَّاً وانزياحيًّاً قَارَّاً.

إنَّ العنوان الرئيس على الرُّغم من كونه عنواناً فرعيَّاً جُزئيَّاً لنصٍّ قصصي سردي داخلي صار لافتةً لعُنوانٍ كُلِّيٍّ رئيسٍ، ولوحةَ الغلاف الأولى البَارزة لِوجهِ الكتاب؛ وذلك من باب تقديم الجُزء المُثير على الكل الأصيل؛ لاعتباراتٍ بلاغيَّةٍ ومُسوّغاتٍ أُسلوبيَّةٍ وفنيَّةٍ وجماليَّةٍ تَفرضُها قواعد الضرورة العنوانيَّة، وتَستحضرها أولويات العُنوان العصريَّة في السرديَّات الحداثوية، فإنَّه في الوقت ذاتهِ يُعدُّ عنواناً جزئيَّاً جريئاً مناسباً لواقعة حال هذا اللَّون من سرد الحافَّة التجريبي الجديد.

والدليل النقلي والعقلي على جُرأة سَردِ الحَافَّةِ القويَّةِ، أنَّه جاء نهضويَّاً مُتمرَّداً كَاسراً لجدار الزمن وقيودهِ؛ كونه يجمع بين زمنينِ مُختلفينِ، هما، الزمن السُّومريّ القديم جدَّاً، وزمن سرد الحّافَّة وهوَ الزمن الحديث جداً، وهذا بحدِّ ذاته يُعتبرُ كسراً حِجاجيَّاً لهيبة الزمن وتحطيماً لأسواره الصُّلبة.

كما أنَّ العنوان على الرُّغم ِمن سُهولته يحمل غموضاً فنيَّاً ويَطرحُ تساؤلاً فكريَّاً وتاريخيَّاً، من هُوَ الملك السومري المقصود في ثُريا العَنونة؟ هل هوَ أنا المُؤلِّف الرَّائي أمْ أنتَ القارئ المُتلقِّي، أمْ الحاكم المُبجَّل، أو هو الإلهُ المُقدَّسُ، أم هُويَّة الآخر المَجهول؟ إذنْ على القارئ اللَّبيب أنْ يِتوخى مَقصديَّاته البعيدة والقريبة وأنْ يِنبشِ في فتوحاته الغيبية وتجلِّياته وأنساقه الثقافيَّة الظاهرة والخفيَّة.

ومن نوافل مُوحياته الأخرى تُوصف بأنَّها ثقيلة؛ لأنَّ كلمةَ (أثرُ) بِحدِّ ذاتها ثقيلةٌ كالحجر، وكلمةَ (المَلكِ) ثقيلةٌ كالتَّاج المَلكي على الرأس، وكلمةَ (السُّومريّ) ثقيلة الوزنِ كما التاريخ. وعند مقاربة العُنوان أو موازنته بنصوص سرد الحافَّة يظهر البُونُ الوزني بينهما شاسعاً الفرقَ؛ كونها نصوصاً خفيفةً فُضفاضةَ ذاتَ طابعٍ هَامشيٍ عائمٍ وليسَ ثقيلةَ الوزن كَتَراكِيبِ العَنونة الدلاليَّة المُمتلئة قُوَّةً.

وعلى وفقِ تِلك الموازنة البينية بين ثُريا العُنوان ونصوص الخطاب السَّري الموازي، تُصبحُ هذهِ المُدوَّنة رَصينةً وَمَكينةً؛ لكنَّها ذاتَ أُسلوبٍ تَمرُّدي على الواقع السردي. أمَّا المسوغ الرابع والأخير لهذه الجرأة الموازية للنصِّ فتكمنُ في إشكاليَّة التجنيس الأدبي كما أشرنا لها مُسبقاً في مُوضع من هذه الدراسة. فالسومريونَ هُمْ - - بالضبط- ليسوا شعراً ولا نثراً، بل همُ، (مَساميرٌ تاريخية على الطينِ) أو ألواحٌ طينية تُؤرخن لسرديَّات عالم حضاري كبير اسمه الحاضر العراق.

وأنَّ نصوص سرد الحافَّة في تشكُّلاتها العائميَّة والهامشيَّة لا تُعدُّ قصيدةً أو قصَّةً بذاتها، وإنَّما هي أثر إنتاجي إسقاطي ناتجٌ عن تجلِّيات أو تمظهُرات ذلك الأثر السومري التاريخي. ومن وقائع هذا الأثر التراثي الكبير تَمخَّضتْ ولادة العُنوان (أثرُ المَلكِ السُّومريّ) كعملٍ أدبيٍّ سرديٍّ قائم بذاته. وبذلك يكون العنوان الموازي للنصِّ انزياحاً شِعريَّاً قارَّاً ومُدمَجَاً بفنِّ الاستعارة التصريحيَّة الَّتي كَشفت عن وجهه الصريح والمُتخيَّل، فضلاً عن الكلمتين اللَّتينِ أُضيفتْ إليهما من أدب سردالحافَّة.

وكأنَّ ثريا النص العنواني الموازي تُصدِرُ مُوحياتها الدلاليَّة للقارئ تنبيهاً وتحذيراً قويَّاً، وتؤكِّد بأنَّها تُعدُّ آثاراً وليس قصصَاً سرديَّةً وشعريَّة حِكائيةً تاَمَّةً. وكُلُّ أثرٍ منها له لعنتهُ التاريخيَّة المؤثِّرة. وكأنَّ العُنوان يُخبرُ بأنَّ الكاتب السارد فيه لا يكتبُ عن النَّص ذاته، إنَّما يَكتبُ من داخل أثر النصِّ، بل من وقع حافته النهائية؛لينتج لنا عملاً أدبيَّاً فارقاً في البناء واللُّغة والأسلوب السردي.

وخُلاصة القول في ثُريَّا العتبة العنوانيَّة إنَّ مدونة (أثرُ المَلكِ السومريّ)، هي نصوصٌ سرديَّةٌّ كُتبتْ على حافَّة الطِّين إذا جاز لنا التعبير المجازي البليغ، وأنَّ نصوص هذه المُدوَّنة العُنوانية تبلغُ تسعة عشرَ لوحاً سَرديَّاً من الهذيان النفسي الجاد والبوح الذاتي الإبداعي التخليقي المَكين. وأنَّ محتويات هذا العمل الأدبي الإثرائي السردي تعدُّ لقىًّ أثريةً ثمينةً وحفرياتٍ جمعيةً نفيسةً في نوازع الذات الإنسانية السرديَّة والشعريَّة التي أسقطتها وقائع التاريخ القديم على راهن الواقع الحياتي التداولي المعيش؛فتكسَّرتْ بذلك حواجز الزمن وتحطَّمتْ جُدران الموانع ومَصدَّات العقبات بين ظلالِ المَاضي التليد ورؤى الحاضر الآني والمستقبلي الوئيد الذي لا يعرف ثُقلَ المُستحيل.

ومن نافلة القول الأخير لِمقام وتجلِّيات الأثر العُنواني في سرديَّات أدب الحافَّة التَّخليقي الجديد، أنَّ التاريخ بكل مرجعياته أثرٌّ، وأنَّ التسريدَ العائم أثرٌّ، وأنَّ النقد القرائي التأمُّلي هو أثرٌ إبداعيٌّ على أثر إبداعي سردي إنتاجي مُبتكر على أثرٍ إبداعي تاريخيٍ حضاريٍّ شَاخصٍ ومُتجذرٍ عجيبٍ.

ولا عجبَ أنْ تجتمعَ سلسلة الإبداعات النصيَّة الثلاثة: (نَصُّ المدوَّنة السرديَّة، ونَصُّ التاريخ السُّومريّ، ونصُّ النقد) مُتعاضدةً ومُتوحدةً معاً في فنَارٍ سرديٍّ لهرمٍ ضوئيٍّ عُنوانيٍّ شاخصٍ كبٍير اسمه ثُريا النَّص الإبداعي، ولافتته الإخباريَّة المكتنزة بآثارٍ جميلةٍ من السرد القَصصي، والقَصصي المُشَّعر (أثرُ الملكِ السومريّ) العراقي القديم الذي أُسقطَ فيه الأثرُ التاريخي على الواقعي الحديث:

"لَمْ يَقولوا إنَّنِي مَلكٌ، بَلْ قَالُوا إنَّ شَيئَاً سُومريَّاً قًديمًاً بَدَأَ يَظهرُ فِيَّ. كَأنَّ الذَاكرةَ لَمْ تَمُتْ باِلكاملِ، بَلْ اِختارتٍ جَسَداً جَديدَاً لِتكمُلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكمُلْ. وَأنَا.. لَمْ أستطِعْ أنْ أنكرَ وَلَا أُؤكدَ؛ لِأنَّ مَا يَحدثُ لِي لَمْ يَكُنْ فِكرةً، بَلْ حَالةَ وُجودٍ. وفِي النّهايةِ، لَمْ أعُدْ أعرفُ إنْ كُنتُ أنَا مَنْ يَتَذَكَّرُ أمْ أنَّ شَيئَاً أقدمَ مِنِّي هُوَ الَّذِي بَدَأ يَتذكَّرُ العَالَمِ مِنْ خِلَالِي ". (أثرُ المَلكِ السُّومريّ، ص 72، 73) .

أهميَّةُ المُدوَّنةِ القَصصيَّةِ:

إنَّ من أهمَّ ما يُميِّز خصائص هذه المجموعة القصصيَّة (أثرُ الملكِ السُّومريّ)، هذا اللَّون الأدبي الرمادي المائز التَّمرُّد والمغايرة من التسريد النثري والتَّقصيص الشِّعري الذي يرفض الطاعة والانصياع الذاتي لقاعدة التجنيس الأدبي النوعي شعراً أو سرداً، هو فرادتُهُ التَّجدُّديَّة في إمساك عصا التَّبختر السَّردي من حافتها الوسطى القلبيَّة لا من بَدء أطرافها الأوليَّة أو أواخرها النهائيَّة.

تلكَ المزيَّة السرديَّة الشاخصة المُهمَّة التي تجعل منه جبلاً شامخاً متأرجحاً في وقوفه الباذخ أعلى منتصف السرد، وفي منطقة الهدف الوسطى التي تُسمَّى حافَّة السرد. ومن هذه الاستقلاليَّة التفرديَّة اكتسب صفة العائميَّة الفضفاضة في لُغة التعبيرالسردي الذي لا يستدعي كُلَّ عناصر السَّرد الجمَّة.

وبالتأكيد أنَّ امتناعه القوّي عن الانضواء تحت عباءة التصنيف الأدبي، ورفضه الشَّديد الصاد لشرائط التقعيد النوعي في التجنيس الأدبي المعروف هو من أهمِّ مزاياه التَّحرُّريَّة التي وسمته بأنْ يكون أدباً عصرياً إشكالياً مبتكراً من أكثر ألوان الأدب الجديدة الأخرى في الشِّعر والسَّرد. وتحت عنوان مَا يُسمَّى بالميتا سرد الحداثي، وما بعدها الحداثة التي تبحث عن مِساحاتٍ مفتوحةٍ للتغيير.

وليس كلُّ هذا ما يُميِّز لغة أدب سرد الحافَّةِ في هذه المدوَّنة وما لحقها من تقصيص سردي مَهيب، وإنَّما ما يُميِّز كاتبه المنتج النابه الشَّاويّ القدير على الابتكار والتجديد، وما امتلكه من قدرةٍ فنيَّةٍ مُذهلةٍ على التخليق في أبجديات هذا اللَّون السردي المُعصرن الجديد. وما يتمتع به من مُوهبةٍ فذةٍ، وقدرةٍ عاليةٍ من اليقظة والوعي المعرفي، والإدراك الحسَّي والفكري في صناعة سردٍ مُغايرٍ يحجز له مكاناً توثيقياً خاصَّاً بين صُفوف وأدراج مكتبة السَّرديَّات العربيَّة بوجهٍ عامٍ، والعراقية بشكلٍ خاصٍّ. وعلى الرُّغم مما يَشوبه في كونه أدباً إشكاليَّاً جريئاً على التمرُّد، عصيَّاً على نسق الأدب المُتعارف عليه، فإنَّه يبقى لوناً أدبيَّاًّ سرديَّاً ساحراً وحُرَّاً مستقلاً في رسم لوحات تجلِّياته التجريبية، وخطى فتوحات كشوفاته الإبداعية والثقافية المُتجدَّدة في الخطاب السردي الجمالي:

جَلسْتُ.

لَا لِأنَّ التَّعبَ سَبقنِي،

بَلْ لِأنَّ الوُقوفَ إعلانُ مُوقفٍ

وَأنَا اِكتفيْتُ بِالمُشاهدةِ

لَمْ يَكُنْ المَكانُ سَببَ جُلوسِي،

بَلْ المَسافةُ الَّتِي يَمنحُهَا. (أثرُ المَلكِ السُّومريَ، ص 19)

وختاماً تبقى تجربة الكاتب والقاصّ والرِّائيّ البَصري المُجدد المثابر مُؤيَّد الشَّاويّ السَّرديَّة في مُدوَّنته القصصيَّة هذه تجربةً إبداعية جاذبةً للرأي والرأي الآخر؛ كونها تفتح آفاقاً جديدةً رحبةً للحوار النقدي، وأنَّ أُكُلَها الإنتاجي التَّخليقي المُثير يأتي بثمار حمُولات فكريَّةٍ وفلسفيَّةٍ وفنيةٍ وجماليةٍ كثيرةٍ في نقد الخطاب النصِّي السردي المُبتكر الذي جاء بهذه التوليفة العجيبة من السَّرد والشِّعر الذي امتزجت فيه حكايات الواقع التَّداولي الحياتي اليومي بالمُتخيَّل الفكري والأُسطوري التَّأمُّلي الناضج.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

مرآة اللاوعي في الأدب والسينما

لم يكن الأدب يوماً مرآةً صافية للواقع، بل كان دوماً مرآةً مشروخة، تتكسّر فيها الصور لتكشف وجوهاً باطنةً لا تُدرك بالعين المجرّدة. وهنا يظهر الإسقاط النفسي، ليس كآلية دفاعية في حقل التحليل النفسي فحسب، بل كأداة جمالية تُعيد تشكيل الوعي عبر اللغة والصورة والحكاية.

- يرى فرويد أن الحلم هو الطريق الملكي إلى اللاوعي، وبالقياس يمكن القول إن القصة والرواية والسينما هي "أحلامٌ يقظة جماعية"، تُفصح عن رغبات مكبوتة ومخاوف دفينة عبر رموزٍ وحبكاتٍ تُنسب إلى الآخر لكنها في الأصل ارتدادات من أعماق النفس. وفي هذا السياق، تصبح الشخصيات الروائية أو السينمائية بمثابة مرايا، نرى فيها أنفسنا ونحن نختبئ خلف أقنعة السرد.

- أما كارل غوستاف يونغ فقد كشف أنّ الرموز والأساطير ليست مجرد زخرف بل أنماط أولية تُقيم في اللاوعي الجمعي، تعود لتُهيمن على السرديات الكبرى وتشكّل بنية الخيال الأدبي والسينمائي. وهكذا، يتجاوز الإسقاط البُعد الفردي ليصبح جزءاً من نسيج ثقافي مشترك، حيث تتحول شخصية البطل التراجيدي أو الشرير أو المنقذ إلى وعاء تتسرّب عبره رغبات وأزمات الجماعة.

لقد وعى الأدباء الكبار هذه القوة الخفية في الإسقاطات النفسية، فكان دوستويفسكي مثلاً لا يكتب شخصياته ليصفها من الخارج، بل ليغوص في جحيمها الداخلي، كاشفاً عن لحظات الجنون والهوس والذنب التي تعيد إنتاج إنسانٍ مأزوم تحكمه صراعات لا تنتهي. وفي السينما، أدرك إنغمار برغمان وألفريد هيتشكوك أن المشهد البصري لا يكتمل إلا حين يصبح انعكاساً لعالم باطني، فيتحول الخوف أو الرغبة أو الذنب إلى صورة نابضة تشدّ المتلقي إلى مواجهة ذاته.

وفي هذا، نقترب من رؤية ألبير كامو حين وصف العبث بأنه فجوة بين توق الإنسان للمعنى وصمت العالم، وهو توصيف ينطبق على كثير من الأعمال التي تجعل الإسقاط النفسي مسرحاً تُعرض عليه تناقضات الوجود، حيث لا يكون الصراع بين الشخصيات إلا ستاراً لصراعٍ أعمق في النفس الإنسانية.

إنّ الإسقاط النفسي في الأدب والسينما ليس ترفاً فنياً، بل هو انكشافٌ للطبقات الدفينة من التجربة البشرية. إنّه يفتح الباب لتأويلٍ متعدد، يربط بين الظاهر الحكائي والباطن النفسي، بين الواقعي والرمزي، وبين الفردي والجماعي. وهو بهذا المعنى يحقق ما أشار إليه بول ريكور في حديثه عن "الرمز الذي يعطي للفكر ما يفكّر به"، إذ يُتيح للنص أن يكون أوسع من نوايا كاتبه، وأن يُصبح نصاً مفتوحاً على قراءات لا متناهية.

وهكذا، فإنّ حضور الإسقاطات النفسية في السرد والسينما يعكس وظيفة الفن العميقة: أن يجعلنا نواجه ما نخاف أن نراه في ذواتنا، وأن يعرّي اللاوعي الجمعي أمام مرآة الإبداع، فيغدو النص فضاءً للتطهير والتعرّف وإعادة اكتشاف الإنسان في أبعاده الملتبسة والمتناقضة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من انتظام الوزن إلى انفجار الروح – في تمايز الإبداع عن الترصيع

ليس كل من قال بيتاً بشاعر، كما أن ليس كل من نظم كلاماً موزوناً مقفى قد لامس جوهر الشعر. فالشعر، في حقيقته العميقة، ليس فناً لغوياً يُجيد تقنيات الإيقاع والبلاغة فحسب، بل هو وعيٌ جماليٌّ مشحونٌ بالوجدان، متجاوزٌ لحدود اللغة نحو الإشراق الداخلي للمعنى. أما النظم فهو فن الصناعة اللفظية المحكمة، التي قد تُبهر الأذن ولا تُحرّك القلب، وتُغري بالوزن دون أن تفتح نوافذ الوجدان.

أولاً: جوهر الفارق بين الناظم والشاعر.

يقول عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: "ليس النظم هو التأليف اللفظي فحسب، بل هو وضع الكلام موضعه على مقتضى الحال." فالناظم عند الجرجاني قد يُحسن الصناعة، لكنه إن عجز عن النفاذ إلى الجوهر الشعوري للفكرة، صار شعره شكلاً بلا روح.

أما الشاعر فهو من يُحيل التجربة إلى كثافة وجدانية تنبض في كل بيت، فلا تكون لغته أداةً للقول بل كياناً قائلاً بذاته.

الناظمُ صانعُ إيقاعٍ خارجيٍّ؛ أمّا الشاعر فخالقُ نَفَسٍ داخليٍّ.

الناظم ينسج ألفاظاً تُرضي العروض، والشاعر يخلق صوراً تُربك المنطق وتُعيد تشكيل الوعي.

فالأول ينقل اللغة كما وجدها، والثاني يُعيد خلقها كما رآها بروحه.

ولذلك قال أبو نواس:

الشعر شيءٌ غير ما قد علمتَهُ

إذا لم يكن في القلبِ لم يُتَقبَّلِ.

ثانياً: الشعر كحدث روحي لا كصنعة لفظية

الفرق بين النظم والشعر يشبه الفرق بين الزهرة الطبيعية وتلك المصنوعة من الحرير. كلاهما جميلٌ في العين، ولكن واحدةً فقط تفوح بعطرها. الشاعر هو الذي يمنح اللغة رائحة الحياة، والناظم هو من يصوغ شكلها دون روح.

يقول نيتشه في "مولد التراجيديا": "الفن لا يولد من النظام، بل من الفيض، من العذاب والفرح معاً." فالشاعر هو من يعيش انفعالاً وجودياً يُترجم بالوزن لا يتقيد به. بينما الناظم يفتّش عن القافية كما يفتّش الصانع عن المسطرة، في حين يفتّش الشاعر عن ذاته الضائعة بين المفردات.

انظر مثلاً إلى المتنبي، الذي يُعدّ مثالاً أعلى للشاعر الذي يحمل بصمته حيثما كُتبت أبياته. لو ضاعت قصيدته من الديوان وظهرت دون اسم، لقال القارئ: “هذه له.” لأن فيها صهيل ذاته وكبرياء روحه. يقول:

أنامُ مِلءَ جُفوني عن شوارِدِها

ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ

هذا البيت ليس بناءً عروضياً فحسب، بل كيان وجوديّ يعبّر عن رؤية المتنبي للعالم، عن إحساسه بالعظمة والوحدة، عن فلسفة الكبرياء والاختلاف.

أما الناظم، فمهما أجاد السبك، لا يُخلّف أثراً إلا بمقدار زخرف عبارته. ولذا قيل عن بعض المتأخرين إنهم “أجادوا الصنعة وأفسدوا الشعر.”

ثالثاً: روح الإبداع في مقابل آلة النظم

الشاعر خالقٌ في حين أن الناظم مقلِّد. الشاعر يضيف إلى اللغة طاقة جديدة، بينما الناظم يعيد إنتاجها. وبهذا المعنى، يمكن أن نقرأ تمييز أدونيس حين قال: “الشعر ليس في الوزن بل في الانفجار الداخلي للمعنى.” فالناظم أسير الوزن، والشاعر سيده.

الشاعر يُنصت إلى صوته الداخلي قبل أن يكتب، بينما الناظم يُنصت إلى بحور الخليل ليُرضيها.

ولهذا السبب تشبه القصيدة النظمية دمية الذكاء الاصطناعي: تملك شكلاً بشرياً، لكنها بلا أنفاس.

في المقابل، لنقرأ من محمود درويش في قوله:

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة

على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أمّ البدايات... أمّ النهايات...

هنا تتجاوز اللغة معناها الظاهر إلى طاقة وجدانية وحضارية، إذ يتماهى اللفظ مع نَفَس الشاعر، وتتحوّل القصيدة إلى كينونة حيّة تتنفس فلسطين.

رابعاً: أثر السياق والذات في بناء الشعر

النظم يكتفي بما يُقال، أما الشعر فيستمد شرعيته مما لا يُقال.

ففي قصيدة إيليا أبو ماضي “الطلاسم”، يطرح الشاعر أسئلة الوجود والعدم في نسيج من الغموض الميتافيزيقي:

جئتُ لا أعلمُ من أين، ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيتُ

هنا لا نجد نظماً تعليمياً أو خطابياً، بل انفتاحاً على المجهول، وغموضاً مقصوداً هو روح الشعر ذاته.

في حين أن الناظم، لو عالج الفكرة ذاتها، لأقامها على منطقٍ خطابيٍّ يُفسد سحرها. فالناظم يشرح، والشاعر يُومئ.

خامساً: الشعر كهوية لغوية لا تُزَوّر

القصيدة الحقيقية لا تُنسب بالاسم، بل بالهوية. فالشاعر الحقيقي يترك في نصه رائحة ذاته، مثلما تترك الوردة أثرها في اليد التي قطفتها.

قال تي. إس. إليوت: “الشاعر العظيم يَسرقُ بذكاء، أما الضعيف فيقتبس دون روح.” أي أن العبقرية الشعرية لا تقاس بالملكية بل بالبصمة.

ولذلك، حين نقرأ بيتاً من السيّاب، ندرك فوراً أنه له، لأن اللغة عنده ليست ألفاظاً بل دمعاً سال من جرح العراق ، يقول:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحَرِ

أو شُرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرُ

إنه ليس نظماً، بل موسيقى ذاتية تنبع من عمق التجربة الوجودية.

خاتمة: الشعر كحقيقة للكينونة

النظم نظامٌ للعقل، أما الشعر فهو فوضى القلب التي تصنع الجمال.

الناظم يكتب ليُقال إنه كتب، والشاعر يكتب لأنه لا يستطيع ألا يكتب.

الناظمُ حرفيٌّ، والشاعرُ قدّيسُ اللغة.

فما أكثر الناظمين الذين يبرعون في الوزن ويُحسنون الصنعة، لكنهم لا يتركون أثراً، وما أقلّ الشعراء الذين يخطّون بيتاً واحداً فيتردّد صداه في الأبد.

ذلك لأن الشعر – كما قال ريلكه – “ليس مهنة، بل مصير.”

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

وهكذا، كلما تناسينا الحكاية، تذكرتنا

البداية ناجحة في شدّ الانتباه، والأهم أنها لا تعتمد على حدث صادم أو لغز مباشر، بل على صوت الراوي وطريقة إعلانه أن الحكاية ستتجاوز الحكاية التقليدية. وهذا اختيار روائي واعٍ.

1. العنوان: «كوكوش» و«هذه الليلة سجادة فارسية»

العنوان الأول «كوكوش» يبدو بسيطاً وغامضاً في الوقت نفسه. لا نعرف من هي كوكوش، لكن ورود الاسم منذ البداية بوصفه شيئاً من الماضي يجعل القارئ ينتظر تفسيره.

أما العنوان الثاني «هذه الليلة سجادة فارسية» فهو أكثر إثارة من الناحية الدلالية؛ لأنه لا يشرح الرواية، بل يقدم استعارة مفتاحية: «هل تعلم أن الذاكرة سجادة فارسية، كلما مر عليها يوم تألفت وتعتقت وزاد قدرها.» هنا تتحول السجادة من شيء مادي إلى بنية للذاكرة نفسها: خيوط، طبقات، ألوان، آثار أقدام، وشيء قديم تزداد قيمته كلما تقادم. والأهم أن السجادة ستعود في نهاية المقطع عندما يجلس لؤي وسارة عليها ويقول: «حسنًا. كان ياما كان...»

إذن العنوان ليس زينة؛ بل جزء من هندسة السرد. السجادة هي المكان الذي تنتقل فيه الحكاية من الحاضر إلى الماضي.

2. الاستهلال: الرواية تبدأ من خارج الحكاية، والجملة: «كلما تناسينا الحكاية، تذكرتنا.» موفقة جداً لأنها تضعنا فوراً أمام علاقة مقلوبة بين الإنسان والذاكرة: نحن لا نتذكر الحكاية فقط، بل الحكاية هي التي تستعيدنا. ثم يأتي: «لم أكن أنوي أن أبدأ الحكاية من هنا...» وهنا يدخل الكاتب مباشرة في الميتاسرد؛ فالراوي لا يحكي القصة فحسب، وإنما يتحدث عن فعل الحكي نفسه، وعن البداية والحبكة والعقدة والصمت. ثم هذه العبارة: «أنا النتاج لهذه الحكاية، وأنا من قرر لكل عقدة في الحبكة متى شد، ومتى تترك ناقصة...» تكشف للقارئ منذ البداية أن هناك راوياً واعياً بصناعته السردية. وهذا يعطي الاستهلال طابعاً حداثياً، ويعلن أن الرواية لن تكون مجرد حكاية خطية عن عراقي هاجر إلى كندا.

3. من الحاضر إلى الماضي: اختيار موفق، الكاتب لا يبدأ بالعراق مباشرة، ولا يبدأ بلحظة الفقد، بل يبدأ من Applewood Hills في كندا.

وهذا ذكي سردياً؛ لأن المكان الكندي نفسه يتحول إلى مرآة للعراق. لؤي اكتشف أنه يعيش فوق قرية اختفت، وهو نفسه رجل جاء من وطن ما زال موجوداً على الخريطة لكنه فقد شيئاً من وجوده في داخله. وهنا واحدة من أجمل الأفكار في البداية: «أنا لست غريباً كما أظن، ولا جديداً كما يبدو، أنا فقط حلقة أخرى في سلسلة طويلة من بشر مروا من هنا...» هذه الجملة تجعل الهجرة قضية إنسانية عامة لا مجرد تجربة عراقية. فالمهاجر العراقي يلتقي هنا بمهاجرين أيرلنديين وأسكتلنديين سابقين، وكأن الرواية تقول إن التاريخ يعيد إنتاج الهجرة والفقد بأسماء مختلفة.

4. اللقاء بين لؤي وإيما ليس مجرد قصة حب، هذه نقطة مهمة جداً. إيما ليست شخصية رومانسية فقط؛ إنها النظير السردي للؤي. هو فقد مدينة، وهي حفيدة مكان اختفى. هو يقول:

«في بلدي، القرى لا تختفي دائما... أحيانا تبقى، لكن أهلها هم من يختفون.» وهي تقول: «أنا من مكان لم يعد موجودا.» هنا تتأسس ثنائية جميلة: قرية اختفت / مدينة بقيت. مهاجر عراقي / أحفاد مهاجرين أوروبيين. فقد المكان / فقد الإنسان. ذاكرة فردية / ذاكرة جماعية

ومن ثم يصبح الزواج بينهما، رمزياً، زواج ذاكرتين مهاجرتين.

5. المكان هنا يؤدي وظيفة روائية قوية، Applewood Hills والمطار والمقبرة والقرية المطمورة ليست مجرد خلفية.

المطار تحديداً موفق جداً؛ فالطائرات: «تذكرني كل يوم بأنني لم أصل تماما وأنني، في الوقت نفسه، لم أغادر تماما أيضا.» هذه من العبارات التي تلخص وضع المهاجر الوجودي: جسده في كندا، لكن ذاكرته لم تغادر العراق. والأجمل أن المكان نفسه كان في الماضي موضع مهاجرين، ثم صار مطاراً، ثم صار موطناً لمهاجر جديد. أي أن المكان نفسه يتحول من طبقة تاريخية إلى أخرى. وهذا يتناغم بقوة مع استعارة السجادة الفارسية: طبقات فوق طبقات.

6. عودة كوكوش جاءت متأخرة، وهذا جيد. الكاتب لا يذكر كوكوش منذ السطر الأول ويشرح علاقتها بلؤي، بل يجعلها تظهر من خلال صورة قديمة. وهذا اختيار سردي جيد؛ لأن الصورة تصبح عتبة مادية للذاكرة.

والجملة: «وفجأة رأيتني أو رأيتها.» جميلة من الناحية السردية، لأنها تجعل اكتشاف الصورة أشبه باكتشاف الذات. ثم: «كانت هي.» هنا يتحول الماضي من شيء منتهٍ إلى شيء ما زال حياً وينتظر استدعاءه. والأهم أن كوكوش ليست مجرد فتاة من الطفولة؛ منذ هذه المقدمة تبدو وكأنها العقدة المركزية للرواية.

7. السرد: هناك قدرة روائية واضحة، خصوصاً في بناء صوت الراوي وربط المكان بالذاكرة. القدرة الروائية واضحة. توجد في النص أحياناً انتقالات سريعة كان يمكن تهذيبها. وهذا لا يلغي قوة البناء، لكنه يجعل الفكرة أضعف. كما أن الكاتب أحياناً يشرح الفكرة بعد أن يكون قد نجح في إيصالها. مثلاً، فكرة الاغتراب والذاكرة تتكرر بأشكال كثيرة. ولو خُففت بعض الشروحات لصار النص أكثر كثافة وقوة.

8. هناك أربعة أسئلة زرعتها البداية بذكاء تجعل القارئ يستمر

من هي كوكوش؟

ماذا حدث في البصرة قبل واحد وعشرين عاماً؟

لماذا يشعر لؤي بالذنب تجاهها؟

لماذا عادت الصورة الآن تحديداً؟

وهذه أسئلة سردية جيدة لأنها لا تقدم اللغز كله دفعة واحدة.

بل هناك سؤال خامس أعمق:

من هو لؤي فعلاً: الرجل الكندي المستقر أم الطفل العراقي الذي لم يغادر البصرة؟ وهذا، في رأيي، هو السؤال الأهم في الرواية.

9. الملاحظة النقدية الأهم

المقدمة تحمل مشروعاً روائياً أكبر من قصة حب أو حنين إلى الوطن. وهناك ثلاث طبقات تبدو منذ البداية:

الطبقة الأولى: حكاية كوكوش ولؤي.

الثانية: الاغتراب والهجرة والهوية المزدوجة.

الثالثة: الذاكرة بوصفها قوة تعيد تشكيل الماضي، لا مجرد أرشيف له.

وهنا تأتي «السجادة الفارسية» كاستعارة مركزية ممتازة: الحكاية نفسها سجادة؛ كلما فككنا خيطاً ظهر خيط آخر، وكلما ظننا أننا وصلنا إلى الماضي اكتشفنا طبقة أقدم منه.

هذه ليست بداية رواية تقول للقارئ «سأحكي لك قصة»، بل بداية تقول له: «سأريك كيف تصنع الذاكرة قصة الإنسان.» وآذا كانت كذلك فهذا هو مكمن قوتها. وأرى أن أفضل مدخل نقدي لمتابعة الرواية سيكون دراسة «الذاكرة بوصفها سجادة سردية»: كيف تتشابك خيوط العراق، كندا، كوكوش، إيما، المطار، المقبرة، الصورة، وسارة، بحيث يصبح الماضي حاضراً، والحاضر امتداداً لماضٍ لم يدفن.

ثانياً

في هذه المقاطع تحديداً بدأ يتضح أن «كوكوش» ليست مجرد رواية ذكريات طفولة ومهاجرة، بل رواية عن الذاكرة بوصفها وطناً بديلاً. وأظن أن أكثر ما يميزها حتى الآن هو طريقة انتقال السرد بين ثلاثة أزمنة وثلاثة أمكنة وثلاثة أنواع من الوعي، من دون أن تنفصل عن بعضها.

1. التحليق الأدبي هو أبرز ما ظهر حتى الآن

هناك فرق بين أن تحكي حادثة وأن تجعل القارئ يعيشها. مشهد السياج مثلاً لا يُروى باعتباره: «كنت طفلاً وكدت أسقط». بل يتحول السقوط إلى استعارة مبكرة لحياة الراوي كلها: «أجل سقوط رجل كامل.» وهذه جملة مهمة جداً؛ لأنها تعيد تفسير الحادثة من داخل الرجل الذي صار عليه الطفل، لا من داخل الطفل الذي كانه.

الأجمل أن السياج لا ينتهي بانتهاء الحادثة. يتحول لاحقاً إلى: «كل حياتي سيراً على حافة سياج يفصل بين عالمين... إقليم الماضي وإقليم الحاضر.»

هنا يحدث التحليق الأدبي الحقيقي: حادثة صغيرة تتحول إلى مفتاح لتفسير حياة كاملة.

2. الذاكرة ليست استرجاعاً للماضي، بل كائن حي، من أجمل الصور في المقطع: «تهتز بركة رأسي فتتحرك قوارب الذاكرة على سطحها» هذه ليست ذاكرة أرشيفية. الذاكرة هنا ماء وقوارب ورحلة. وهذا ينسجم مع طبيعة الرواية نفسها: لؤي يعيش في كندا، لكن الماضي لا يبقى خلفه؛ إنه يعود إليه كلما حركته ابنة، رائحة، أغنية، طقس، صورة، أو سؤال. وهنا يمكن أن تصبح عبارة مثل: «ليس بالخبز وحده يحيا المهاجر» أكثر من عنوان جميل؛ إنها تكاد تكون أطروحة الرواية. المهاجر يحتاج إلى خبز المكان الجديد، لكنه يحتاج أيضاً إلى خبز الذاكرة.

3. أجمل ما في «كندا والعراق» أنه ليس مقارنة جغرافية، لو كانت المقارنة:

العراق = حر .. كندا = برد فهي مقارنة سطحية. لكن النص يتجاوز ذلك إلى مقارنة حسية وثقافية ووجودية: العراق عند لؤي: العرق، النخيل، الرمان، الخبز، رائحة الطعام، أصوات الجيران، الألقاب، الأموات، صينية الرحمة، الأغاني، الزقاق

وكندا عنده: الثلج، التدفئة المركزية، الهدوء، المدينة المسطحة، الزجاج، المسافة، الهوية الجديدة، ابنته التي ولدت في ثقافة أخرى. لذلك تصبح جملة: «هي ابنة ثلج لا ينتهي، وأنا ابن غبار لا يرحل.» من أجمل الجمل في هذا القسم، لأنها تختصر اختلاف جيلين من دون خصومة بينهما. وهذا مهم جداً فنياً: سارة ليست ابنة «ضائعة» ينبغي إعادتها إلى العراق. هي كندية، ولها حقها في كندا، لكن الأب يحاول أن يمنحها ذاكرة لم تعشها. وهنا يولد الصراع الروائي الأعمق.

4. سارة ليست شخصية ثانوية؛ إنها أداة سردية ذكية، هذا من الأمور التي أراها قابلة للتطوير بقوة. لولا سارة ربما ظل الماضي مغلقاً في رأس لؤي. لكنها تسأله: «هل أحببت فتاة ما قبل ماما؟» فتفتح فجأة باب «كوكوش». إذن الابنة لا تسأل عن الماضي فقط، بل تستخرج الرواية من أبيها. وهذا بناء سردي جميل: الراوي لا يحكي لأنه قرر أن يحكي، وإنما هناك شخص في الحاضر يستفز الذاكرة لكي تتكلم. وبذلك تصبح سارة أشبه بـ«مفتاح الذاكرة».

5. «كوكوش» نفسها بدأت تتحول من فتاة إلى رمز. المقطع الأخير مهم لأننا لا نعرف كوكوش عبر وصف جسدي أو قصة حب مباشرة، وإنما نعرفها عبر: الضحك، الأغاني، الطفولة، الدروب، الزمن الضائع، الحضور الذي لا يُفسَّر، الغياب الذي لا يُعوض. وهذا أفضل من الإسراع في تعريف العلاقة. لأن الرواية تقول لنا ضمنياً: كوكوش ليست فقط فتاة أحبها لؤي؛ إنها جزء من العالم الذي فقده.

ولهذا سيكون من الخطأ، في رأيي، أن تتحول كوكوش لاحقاً إلى مجرد «حبيبة الطفولة». قيمتها أكبر من ذلك بكثير. يمكن أن تصبح الشخص الذي تجسد معه لؤي العراق الأول: العراق قبل أن يعرف أنه وطن، وقبل أن يعرف معنى الفقد والهجرة.

6. بيت «تيب توب» من أقوى الاختيارات السردية. هنا ظهرت موهبة أخرى في السرد: التاريخ الكبير يدخل من باب تفصيل صغير. طفل يرى بيتاً غريباً اسمه «تيب توب». لا يفهم اليهود، ولا الهجرة، ولا المصادرة، ولا الشتات، ولا إسرائيل، ولا تاريخ العراق الاجتماعي. لكنه يسمع: الضحكات، الموسيقى، لغة غريبة، رائحة القرمة سبزي، النان، الأرز، الرمان. الطفل لا يعرف التاريخ، لكنه يشم التاريخ ويسمعه. وهذه تقنية سردية جيدة جداً. بدلاً من أن تقول: «كان في البصرة مجتمع يهودي وإيراني وتنوع ديني وثقافي...» أنت تجعل الطفل يمر أمام بيت. وهذا أكثر أدبية.

7. «صينية الرحمة» أيضاً مشهد مهم جداً، لأنك تفعل شيئاً شبيهاً بما فعلته في بيت تيب توب. تأخذ فكرة دينية مجردة ــ الثواب والحسنات والجنة ــ وتجعلها تمر عبر طعام تقدمه امرأة. ثم يأتي عقل الطفل بأسئلته: «هل لديه دفتر حساب مثل البنك؟» ثم: «هل لدى الله كولا وشيبس وشوكولا في الجنة؟» وهنا تظهر قيمة أخرى للرواية: الفلسفة تأتي من أسئلة الطفل لا من خطبة الراوي. وهذا أسلوب روائي جيد جداً. والأجمل أن الأب لا يقتل السؤال، بل يحاول الإجابة بلغته. لكن هنا توجد ملاحظة نقدية مهمة: ينبغي الحفاظ على هذا المستوى من براءة السؤال، وعدم تحويل الطفل لاحقاً إلى فيلسوف بالغ يتكلم بلسان الكاتب. قوة هذه المقاطع أن الطفل يسأل لأنه لا يعرف، لا لأنه يريد إثبات فكرة. وأين يكمن «التحليق» تحديداً؟ أراه حتى الآن في أربع عمليات: التفصيل ثم الحاسة ثم الذاكرة ثم المعنى.

مثلاً: السياج، يليه الخوف من السقوط، يستحضر ذكرى الأب، ومعنى الخوف على من نحب، ثم استعارة الحياة كلها. ورائحة الطعام، تذكر ببيت تيب توب، وتستحضر اليهود والشتات، وتحضر البصرة المتعددة، والعراق الذي اختفى. والثلج تحضر كندا، وسارة، واختلاف الذاكرة، ثم سؤال الهوية. وصينية الطعام، تذكر الطعام، لأجل الموتى، وذاكرة الطفل، والسؤال عن الله والجنة.

وهذه هي النقطة التي تجعل النص يتجاوز السيرة الذاتية إلى الرواية الأدبية. لكن هناك شيء يحتاج إلى الانتباه إليه، النص جميل في صورته الشعرية، لكنه أحياناً يشرح الصورة بعد أن يكون قد نجح في صنعها. مثلاً عندما تقول صورة قوية ثم تضيف بعدها عدة جمل تشرح معناها، قد تخسر شيئاً من أثرها.

القاعدة التي أراها مناسبة لـ«كوكوش»: ثق بالصورة أكثر، واشرح أقل. إذا قلت: «هي ابنة ثلج لا ينتهي، وأنا ابن غبار لا يرحل.» فالقارئ فهم الكثير. لا يحتاج دائماً إلى فقرة تشرح له معنى الاختلاف.

وكذلك: «كل حياتي سيراً على حافة سياج يفصل بين عالمين.» هذه صورة تحمل الرواية كلها تقريباً. دعها تعمل. وأرى شيئاً أعمق يتشكل الآن، هناك ثنائية يمكن أن تصبح العمود الفقري الجمالي للرواية:

الحرارة / البرودة

السياج / السقوط

البيت / الغربة

الضحك / الفقد

الطعام / الجوع

الصورة / الحضور

الماضي / الحاضر

العراق / كندا

الأب / الابنة

كوكوش / سارة

وفي مركز كل هذه الثنائيات توجد كلمة واحدة: الذاكرة.

ثالثاً

تتقدم الرواية في هذا المقطع خطوة واضحة عن المقدمة، لأن الكاتب ينتقل من إعلان الحكاية إلى تجسيدها في طفولة لؤي. وأهم ما يلفتني أن كوكوش لا تدخل بوصفها «شخصية حب» منذ البداية، بل تدخل أولاً بوصفها لغزاً حسياً: بيت، نافذة، أصوات بنات، روائح طعام، أغانٍ فارسية، ثم صوت ينادي الطفل باسمه. وهذا بناء سردي موفق.

1. من السرد التأملي إلى السرد الطفولي

في البداية كان لدينا لؤي الراشد في كندا، الذي يتأمل ذاكرته. وهنا يعود السرد إلى وعي الطفل: «وأنا في السادسة من عمري، اعتقدت أن في بيت الـ"تيب توب" شيئًا سحريًا...» وهذا التحول ناجح؛ لأن الكاتب لا يكتفي بأن يقول لنا إن الطفل كان مفتوناً بالبيت، بل يجعلنا نرى العالم كما يراه الطفل: الجنية، النافذة، الصوت الغامض، التفاحة السحرية. وهذا مهم جداً في رواية تقوم على الذاكرة؛ فالطفولة لا تستعاد بعقل الرجل الراشد فقط، بل يعاد تركيبها من خلال منطق الطفل نفسه.

2. بيت «تيب توب» أصبح مركزاً سردياً، فالبيت من أقوى العناصر في هذا المقطع.

في البداية: «لم يكن بيتًا صامتًا ولا صاخبًا، كان في المنطقة الوسطى التي لا تُسمى.» ثم النافذة، ثم الأبواب، ثم البنات، ثم الروائح، ثم الموسيقى. البيت يتحول تدريجياً من مكان غريب إلى مكان سحري، ثم إلى بوابة للحب والذاكرة.

وهذا يتوافق مع فكرة الرواية كلها: الأماكن ليست جغرافيا فقط؛ إنها حوامل للذاكرة.

بل يمكن القول إن هناك ثلاث بوابات متتابعة في الرواية حتى الآن: (المطار والصورة والنافذة) المطار يفتح ذاكرة الهجرة، الصورة تفتح الماضي، والنافذة تفتح على كوكوش.

3. ظهور كوكوش موفق جداً

النداء: «لؤي... تعال... لؤي.» هو لحظة مهمة سردياً. قبل أن يرى كوكوش، يسمع صوتها. وهذا أجمل من تقديمها مباشرة، لأن الصوت يأتي أولاً من عالم مجهول، ثم تظهر الشخصية. ثم: «أنا گوگوش... ألا تعرفني؟» وهنا يحدث انقلاب صغير: الشيء الغامض يصبح إنساناً.

والتفاحة موفقة جداً: «إنها تفاحة سحرية.» التفاحة هنا تحمل أكثر من وظيفة: هدية، إغراء، سر، بداية علاقة، وربما إحالة رمزية إلى الخروج من براءة الطفولة. لكنني لا أرى أنها تحتاج الآن إلى تفسير رمزي مباشر؛ قوتها في بساطتها الطفولية.

4. أجمل ما في المقطع: الحواس، فالكاتب ينجح عندما يكتب بالحواس لا بالمعلومات. نحن لا نعرف البيت فقط، بل: نسمع ضحكات البنات. نشم رائحة الطعام. نسمع الموسيقى الفارسية. نرى النافذة المغبشة. نشعر بحرارة البصرة. نرى التفاحة الخضراء. نشعر بثقل الحقيبة المدرسية. وهذا يجعل الذاكرة جسدية وليست ذهنية فقط. وهنا تتصل الرواية مجدداً بعنوانها «السجادة الفارسية»: الذاكرة تُنسج من تفاصيل صغيرة، لا من الأحداث الكبرى وحدها.

5. الأغنية الفارسية ليست مجرد خلفية. إدخال أغنية گوگوش: «من آمده ام وای وای...» ذكي من ناحية بناء الهوية الثقافية. الطفل لا يفهم اللغة، لكنه يتشربها. وهنا يصبح السؤال مثيراً: كيف تتكون هوية الإنسان أحياناً من أشياء لا يفهم معناها؟ لؤي العراقي يتلقى ثقافة فارسية من بيت عراقي مختلف عن بيئته، ثم يحملها في ذاكرته إلى كندا. أي أن ذاكرته ليست «عراقية صافية» بالمعنى البسيط، وإنما مزيج من أصوات وروائح ولغات ووجوه. وهذا يمكن أن يصبح لاحقاً أحد الأبعاد المهمة للرواية.

6. هناك أيضاً تأسيس اجتماعي جيد. الـ«تيب توب» ليست مجرد عائلة غريبة لإثارة فضول الطفل. الكاتب يقدمها باعتبارها عائلة مختلفة داخل حي الكزارة. الغناء الفارسي، الطعام المختلف، أسماء البنات، طريقة الأم في فتح الباب، الأثاث، السجاد الفارسي؛ كلها علامات على اختلاف ثقافي داخل المجتمع العراقي نفسه. وهذا مهم لأن الرواية لا تجعل «الغريب» خارج العراق فقط؛ بل تجعل الغرابة موجودة داخل الوطن نفسه.

7. الانتقال إلى الأم الغائبة مهم جداً. في بداية المقطع: «لم أكن قد أشرت إلى أن والدتي لا تسكن معنا...» ثم: «فأبي قد أضاعها في إحدى رحلاته البحرية.» هذه من أكثر الجمل أهمية في البناء النفسي للشخصية. الطفل لا يعرف أنه يتيم الأم، فيُنتج له الأب تفسيراً خيالياً: الأب البحار أضاع الأم في البحر وما زال يبحث عنها. هذه ليست مجرد معلومة عن الأسرة؛ إنها تفسر لاحقاً قابلية لؤي للتعلق بكوكوش. فالطفل الذي حُرم من الأم يبحث عن صوت أنثوي، حضور أنثوي، بيت مليء بالبنات، دفء، موسيقى، وطعام. وهذا يجعل انجذابه إلى بيت تيب توب أكثر عمقاً من مجرد فضول طفل.

8. لكن هنا يبدأ النقد

هناك مواضع تضعف السرد لأنها تشرح أكثر مما ينبغي.

مثلاً: «الحب هناك لا يحتاج إلى لمس أو وعود، يكفي أن يسمع الطفل اسمه تنطقه شفاه من يحب، حتى يُولد في داخله نجم جديد.» المعنى جميل، لكنه صادر عن لؤي الراشد وليس عن الطفل. ولذلك ينقطع الإيهام قليلاً. الأقوى روائياً أن نترك التفاحة والحلم والانتظار يقولون لنا إن الطفل وقع في حب كوكوش، بدلاً من أن يشرح لنا الراوي ذلك.

وكذلك: «الصور القديمة لا تُخزن الذكريات، بل تخزن الأرواح.» عبارة شاعرية، لكنها تكرر ما سبق أن قالته الرواية عن الصورة والذاكرة.

9. المزج بين الجدية والفكاهة يحتاج ضبطاً

الجملة: «وربما أطلقت ريحًا من مؤخرتي بسبب القلق.» مضحكة، وتناسب طفولة الراوي، لكنها تبدو مختلفة قليلاً عن النبرة الشعرية الكثيفة المحيطة بها. ليست بالضرورة خطأ؛ بل يمكن أن تكون جزءاً من استعادة الوعي الطفولي، لكن ينبغي أن يكون هذا التفاوت مقصوداً ومتكرراً بحذر، حتى لا يتحول إلى كسر مفاجئ للمناخ السردي.

10. المعلومة عن حرارة البصرة. ذكر: «بلغت الحرارة 52 درجة مئوية» و: «80% بخار ماء و20% هواء» أضعف من المشهد نفسه. لأن حرارة البصرة يمكن أن نشعر بها من خلال العرق، الأسفلت، الرطوبة، الاختناق. أما النسبة الرقمية فتخرج قليلاً من السرد الروائي إلى التقرير التفسيري. والأجمل أن الطفل نفسه لا يفكر بهذه الطريقة. الكاتب يقول إن الطفل سمع النسبة من أبيه، وهذا يبررها جزئياً، لكنها تظل تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه.

11. هناك مشكلة تقنية ينبغي الانتباه إليها. الكاتب يستخدم الراوي الراشد ثم يعود إلى الطفل، ثم يعلق الراوي الراشد على تجربة الطفل: «لم أكن أعلم أن الحب في عمر الطفولة...» هذا يسمى عملياً التبئير المزدوج: نرى الحدث بعين الطفل، لكن الراشد يتدخل لتفسيره. الأسلوب مشروع، بل يمكن أن يكون جميلاً جداً، لكن نجاحه يتوقف على ضبط المسافة بين الصوتين. في بعض المواضع ينجح الكاتب: «وضعت التفاحة تحت وسادتي، ونمت وأنا أشم رائحتها.» هنا نحن مع الطفل.

وفي مواضع أخرى يخرج الطفل تماماً ويظهر الناقد/الفيلسوف: «الحب هناك لا يحتاج إلى لمس أو وعود...»

هنا نحن مع الكاتب. وهذه المسافة إذا لم تضبط قد تصبح من أبرز نقاط الضعف في الرواية.

12. ما الذي تحقق حتى الآن؟

أعتقد أن الرواية نجحت في بناء سلسلة سردية متصاعدة: الصورة، ثم الذاكرة، البصرة، الحي، بيت تيب توب، النافذة، الصوت، كوكوش، التفاحة، الأغنية، الحب الأول. وهذا تصاعد جيد؛ لأن كل عنصر يولد العنصر الذي يليه.

والأهم أن كوكوش لم تظهر كحدث مفروض على الرواية، بل أنبتها البيت والنافذة والصوت والموسيقى والانتظار. وهذا دليل على أن الكاتب يعرف كيف يبني الشخصية من خلال المحيط السردي قبل أن يمنحها حضوراً مباشراً.

حتى هذه النقطة، أرى أن قوة الرواية الحقيقية ليست في الحدث، بل في صناعة الذاكرة. الكاتب يريد أن يقول لنا عملياً: لؤي لا يتذكر كوكوش فقط؛ إنه يتذكر كيف وُلدت كوكوش في وعيه: أولاً بيتاً غامضاً، ثم صوتاً، ثم نافذة، ثم فتاة، ثم تفاحة، ثم أغنية، ثم حباً. وهذا أكثر نضجاً من أن يقول ببساطة: «كنت أحب كوكوش وأنا طفل». وإذا استطاع الكاتب أن يخفف الشرح ويترك التفاصيل الحسية والأفعال تقوم بالعمل، فسيصبح السرد أكثر قوة وأقل افتعالاً.

رابعاً

هذا المقطع يواصل بناء سرد طفولة لؤي مع گوگوش، لكنه يتجاوز مغامرة الأطفال البريئة إلى تأسيس ذاكرة ستصبح لاحقًا جزءًا من هوية الراوي. وأراه حتى الآن من المقاطع المهمة في الرواية، لأن اختفاء گوگوش لا يأتي بوصفه حدثًا عاطفيًا فقط، بل بوصفه أول اصطدام للطفل بالدولة والاختلاف والخسارة.

1. السياق الروائي

السياق يتحرك في ثلاثة مستويات متداخلة:

* الطفولة اليومية: اللعب، الحذاء الأحمر، الورقة، الدرهم، البخور، المدرسة، العقاب، مطاردة الفأر.

* اكتشاف الآخر: بيت گوگوش ليس مجرد بيت الجيران؛ إنه عالم لغوي وثقافي وحسي مختلف: الأغاني الفارسية، الأسماء، ماء الورد، السجاد، الخطوط، الروائح.

* الذاكرة اللاحقة: الراوي الكبير في كندا يعيد تفسير ما حدث للطفل. وهنا تظهر المسافة بين ما كان يعرفه الطفل وما يعرفه الرجل الآن.

وهذا مهم جدًا؛ لأن الرواية لا تجعل الطفل يفهم السياسة مباشرة. عبارة الجدة: «هذا حكم الدولة» تدخل إلى وعيه بوصفها جملة غامضة، لكن أثرها يصبح مفهومًا لاحقًا. هذه تقنية جيدة في السرد الاستعادي: الحدث يُرى بعين الطفل، لكن معناه يتضخم في ذاكرة الرجل.

2. أجمل ما في البناء: النافذة

النافذة أصبحت حتى الآن المحور الرمزي الأقوى في هذا الخط السردي. في البداية هي نافذة بيت الجيران، ثم تصبح: منفذًا لرؤية گوگوش.

حاجزًا بين عالمين. مصدر الصوت والأغنية. مكانًا للحب الأول. ثم مكانًا للغياب. وأخيرًا صورة للعالم الآخر الذي لم يستطع الطفل دخوله.

لذلك الجملة: «كانت النافذة كيانًا حيًا» ليست مجرد استعارة جميلة؛ الرواية أخذت بالفعل في تحويل النافذة إلى شخصية رمزية.

والأجمل أن الراوي الكبير يعود إليها في كندا، فيستمر المكان داخل الذاكرة رغم اختفاء المكان الأصلي.

3. البيئة: كيف صُورت حتى الآن؟

البيئة البصرية والحسية من نقاط قوة النص. البصرة لا تقدم بوصفها خلفية جغرافية محايدة، وإنما عبر الحواس:

الرطوبة الخانقة. انعدام الريح. تنور الجدة. البخور. ماء الورد. الهريس. الزقاق. الجدران. النوافذ الحديدية. المدرسة. السوق الشعبي. الأحذية. عربات الخردة. الشتاءات النادرة الباردة. وهذا يجعل المكان معاشًا لا موصوفًا فقط.

واللافت أن بيت گوگوش يجري تقديمه مقابل بيت الراوي: هناك رائحة مختلفة، أغنيات فارسية، سجاد فارسي، أسماء غير مألوفة، عطور، ترتيب داخلي، ألوان. لذلك البيئة تؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية وليست زخرفية.

4. گوگوش ليست شخصية فقط، حتى الآن گوگوش تؤدي ثلاث وظائف في آن واحد: طفلة يحبها لؤي، ثم بوابة إلى عالم ثقافي مختلف ثم رمز لشيء فقده ولم يفهم لماذا فقده. وهذا يجعلها أكبر من شخصية رومانسية طفولية. والأهم أن الراوي نفسه يشك في وجودها: «هل كانت گوگوش حقيقة؟ أم كانت طفلة من لحم ودم، أم كانت طيفًا نسجته وحدتي؟» هذه الجملة تفتح الباب أمام التباس الذاكرة والحقيقة، وهو عنصر يمكن أن يصبح لاحقًا من أهم مستويات الرواية.

5. الحذاء الأحمر وماء الورد والفأر

هناك شبكة رمزية بدأت تتكون بصورة واضحة:

الحذاء الأحمر: علامة الحب الأول والانتظار والفقد. ثم يتحول إلى ميدالية وشيء يحتفظ به الرجل الكبير. إنه أثر مادي للطفولة.

ماء الورد: أكثر نضجًا رمزيًا؛ فهو أول تماس جسدي وعاطفي حقيقي بين الطفل والفتاة، ولذلك يتحول من مادة منزلية إلى رمز لـ تطهير الذاكرة وتقديس اللحظة الأولى.

الفأر: هنا يحدث انتقال جميل إلى الكوميديا. الطفل يريد إثبات رجولته، فيصبح الفأر «مغامرة بطولية». ثم تأتي القبلة بوصفها مكافأة. المشهد يعيد إنتاج منطق البطولة الطفولية بطريقة ساخرة وحنونة.

6. حضور الأب

الأب مهم جدًا في هذه المقاطع، لأنه يمثل المرجع الذي يثق به الطفل. والحوار: «قصدت الصبيان وليس البنات.» يفتح مساحة لطيفة من الفكاهة، لكنه يؤدي وظيفة أخرى: الأب هو الذي يسمح للطفل بأن يعبر حاجز الخوف الاجتماعي تجاه گوگوش. ثم تأتي ملاحظته عن البحارة والنساء، فتربط عالم الطفل بعالم الأب المهني. الأب إذن ليس مجرد شخصية أسرية؛ هو وسيط بين الطفل والعالم.

7. اللغة والسرد

اللغة هنا أقرب إلى الاستعادة الشفوية للطفولة، وفيها مزج بين الفصحى والسرد العراقي المحكي في الحوار. وهذا مناسب جدًا للشخصية. لكن هناك نقطة ينبغي الانتباه إليها: أحيانًا يتدخل الراوي الكبير بتشبيهات وتفسيرات فلسفية كثيرة داخل المشهد، مثل: «الصور القديمة لا تخزن الذكريات بل تخزن الأرواح» و: «الصوت والصورة وجهان لعملة واحدة» و: «ماء الورد... لتطهير النفس وتصفية البال وتدشين الصداقة...» بعضها جميل، لكن كثرتها قد تجعل الراوي الكبير يطغى على الطفل. قوة هذه المقاطع تكون أكبر عندما نترك الطفل يتصرف ويتكلم، ثم ندع القارئ يستخرج المعنى.

8. الانتقال الأهم: من اللعب إلى التاريخ

أعتقد أن أقوى نقطة سردية حتى الآن هي اختفاء عائلة گوگوش. قبلها كان عالم الطفل: نافذة، صوت، فتاة، لعب، سر، حب أول.

خامساً

هنا يحدث تحول نوعي في وظيفة الفصل الأول. السياسة لم تدخل بوصفها موضوعًا جديدًا منفصلًا، وإنما بدأت تتسرب إلى عالم لؤي تدريجيًا، حتى يصبح ما كان في البداية لعبًا طفوليًا وعلاقة جوار وحبًا أول، جزءًا من تاريخ سياسي واجتماعي أكبر. وهذا يجعل نهاية الفصل أقوى بكثير إذا قرأناها بوصفها نتيجة لما سبق، لا مجرد انتقال إلى أحداث سياسية.

1. المسار الذي بناه الفصل الأول

إذا جمعنا المقاطع السابقة، نجد أن الرواية بنت المسار تقريبًا هكذا: البيت، النافذة، گوگوش، الاختلاف الثقافي، الصداقة، الحب، الدولة، الهوية، العنف، الموت. وهذا مسار منطقي جدًا.

في البداية لا يعرف لؤي لماذا تختلف عائلة «تيب توب». يعرف فقط أنهم يغنون بالفارسية، وأن أسماء بناتهم غريبة بالنسبة إليه، وأن بيتهم له روائح وأشياء مختلفة. ثم تأتي گوگوش بوصفها الآخر الجميل. وبمرور الزمن يبدأ الطفل في اكتشاف أن هذا «الآخر» ليس مجرد اختلاف في البيت واللغة، بل له تاريخ سياسي وهوية وذاكرة. وهنا تأتي قصة السافاك.

2. دخول السياسة جاء من المكان الصحيح

أجمل ما في دخول السياسة أنها لم تأتِ عبر خطاب سياسي أو تفسير من الراوي.

جاءت من حديث سمعه الطفل من بيت الجيران: «لقد قتل قريب لنا في إيران.. قتله السافاك خلال المظاهرات ضد الشاه.» ثم يسأل لؤي: «هل هو نوع من الطعام أو الشراب الإيراني؟» هذه من أنجح المفارقات في المقطع. لأن الطفل لا يعرف السياسة، وبالتالي فإن جهله نفسه يصبح أداة سردية. القارئ يعرف معنى «السافاك» والخميني والشاه، بينما لؤي لا يعرف. وهنا تنشأ مسافة جميلة بين وعي الشخصية ووعي القارئ. وهذه المسافة يمكن أن تستمر لاحقًا: الطفل يعيش التاريخ قبل أن يفهمه.

3. الأهم: السياسة تدخل عبر «الآخر» فهي لا تدخل إلى حياة لؤي من مدرسته أو من أبيه أو من الدولة العراقية أولًا. تدخل من بيت گوگوش الإيراني. وهذا ذكي سرديًا؛ لأن الرواية كانت قد أسست البيت باعتباره «العالم الآخر» منذ البداية. لذلك عندما نكتشف أن لهذا البيت علاقة بإيران وبالسافاك وبالخميني، لا نشعر أن الكاتب أدخل موضوعًا جديدًا، بل نشعر أن السر الذي كان خلف النافذة بدأ ينكشف.

النافذة التي كانت تخفي وجه گوگوش أصبحت الآن تسمح بمرور التاريخ. وهذه نقطة فنية مهمة جدًا.

4. صدام مقابل الخميني

هناك أيضًا بناء موازٍ مهم:

گوگوش تخبره: الشاه ذهب، والخميني جاء. ثم يعود لؤي ويخبرهم: النائب صدام أصبح رئيسًا. والرد: «طز فيك وبالأخبار.» وهذا الرد مهم أكثر مما يبدو. لؤي يرى الحدثين كأنهما خبران متشابهان: حاكم ذهب وحاكم جاء. لكن أهل تيب توب لا يرون السياسة بهذه البراءة. من تعبير وجوههم يدرك: «ربما يعلمون أشياء لا نعلمها عنه.» وهنا يبدأ الوعي السياسي عند الطفل بطريقة غير مباشرة: ليس عبر المعرفة، بل عبر ملاحظة خوف الآخرين وصمتهم.

وهذا تمهيد جيد جدًا لما سيأتي.

5. الحب والسياسة يتقاطعان

المثير أن السياسة تدخل في اللحظة التي يتحول فيها لؤي من طفل إلى مراهق. وهذا ليس مجرد تزامن زمني. هناك انتقالان يحدثان معًا: جسد لؤي يتغير، ووعيه بالعالم يتغير.. يظهر الشارب، يتغير الصوت، تظهر الرغبة، ويكتشف أنه يحب گوگوش. وفي الوقت نفسه يكتشف:

الشاه، السافاك، الخميني، صدام، العرب والعجم. أي أن الرواية تنتقل من اكتشاف الجسد إلى اكتشاف الهوية.

وهذا من أجمل مستويات المقطع.

6. لحظة «عجمية» مفصلية

أرى أن هذه الجملة من أهم الجمل في الفصل: «أتموت كافرًا لأجل واحدة عجمية؟» لأن كلمة «عجمية» تفعل شيئًا لم يكن موجودًا في وعي لؤي.

حتى تلك اللحظة: «كنا مثل الأهل.» فجأة يظهر تصنيف: نحن عرب / هم عجم. وهنا يتحول الاختلاف من اختلاف ثقافي جميل إلى حد هوياتي. وهذا مهم جدًا لأن الرواية بدأت بعكس ذلك تمامًا: الطفل لم يرَ اختلافًا يمنع المحبة. هو رأى: أغاني مختلفة، أسماء مختلفة، بشرة مختلفة، عادات مختلفة. ثم يأتي المجتمع ليقول له:

هذا الاختلاف له اسم. وهنا تبدأ السياسة فعلًا، حتى قبل أن تدخل الدبابات والجنود.

7. حادثة القبلة ليست مجرد حب

مشهد نوروز والقبلة يؤدي وظيفة أكبر من الرومانسية.

لؤي يقول: «أنا أحبك من زمان.» وگوگوش تقول: «وأنا أحبك من زمان.» ثم عندما يقبلها تقول: «نحن مثل الأخوة.» هنا ينكسر العقد الاجتماعي غير المكتوب. المشكلة ليست في الحب وحده، وإنما في انتقال العلاقة من: أخوة إلى رغبة. وهذا يكشف أن المجتمع كان يسمح بالتقارب طالما بقي داخل الحدود التي رسمها. بمجرد أن يصبح الحب معلنًا، تنقلب العلاقة كلها. ومن هنا يصبح طرد لؤي من البيت نتيجة منطقية جدًا لما سبق.

8. الجدّة تؤدي وظيفة «المجتمع»

والأجمل أن الجدة هي التي تكشف له أن المسألة ليست حبًا فقط: «عجمية.» هي هنا لا تتحدث باسمها الفردي فقط؛ إنها تحمل الوعي الجمعي الذي لم يكن الطفل يعرفه. وهذا يتفق مع البناء السابق: الجدة كانت مرجع الطفل في الدين والبيت والأسرار، والآن تصبح مصدرًا لاكتشاف الحدود الاجتماعية والهوياتية. وبذلك تتحول الجدة من شخصية حنونة/ساخرة إلى حاملة لقيم المجتمع.

9. الانتقال إلى أحمد بتور ورزوقي ممتاز وظيفيًا

قد يبدو لأول وهلة أن الرواية غادرت گوگوش والسياسة وانتقلت إلى صديقي الطفولة.

الفصل الثاني

هذا المقطع يمثل ذروة فنية وعاطفية واضحة في الفصل الثاني، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن بعض المواضع التي يحتاج فيها السرد إلى ضبط حتى لا يتحول التأثير العاطفي إلى إفراط.

1. هل ليلة الحفل هي «السجادة الفارسية»؟

باعتقادي، نعم، وهذه من أجمل البنى الرمزية التي تتشكل في المقطع. السجادة الفارسية ظهرت قبل الحفل بوصفها تشبيهًا لصوت گوگوش، ثم تحولت تدريجيًا إلى رمز أوسع: السجادة تحفظ التاريخ والزخارف والذاكرة. گوگوش تحفظ في صوتها ذاكرة إيران والمنفى والمنع. لؤي يرى طفولته عبر صوتها. الإيرانيون في المنفى يستعيدون وطنهم عبرها.

والعراقي لؤي يجد فيها جزءًا من ذاكرته هو أيضًا. لذلك يمكن قراءة الحفل كله باعتباره سجادة سردية تُنسج من خيوط متعددة: الطفولة، الحب، المنفى، الوطن، الهجرة، السياسة، والذاكرة.

وهذا يبرر بصورة جيدة انتقال الرواية من قصة لؤي الشخصية إلى فضاء أوسع يتعلق بمصائر جماعات كاملة.

2. أهم اكتشاف سردي: سر «الباب» أفضل ما في هذا المقطع ليس وصف الحفل، بل اكتشاف حقيقة الباب.

في البداية كان الباب تفصيلًا عابرًا: «الأبواب لا تفتح وحدها.» ثم يتضح أن لؤي، الطفل الذي كان يظن أنه فتح باب بيت الجيران، يحمل في ذاكرته ذنبًا عمره واحد وعشرون عامًا. هنا يتحول الباب من شيء مادي إلى رمز مركزي للرواية:

باب البيت، باب الخوف، باب السلطة، باب التهجير، باب الذاكرة، باب الذنب، باب العودة.. والأجمل أن گوگوش هي التي تعيد لؤي إلى هذه الحقيقة، لا باعتبارها قاضية عليه، بل باعتبارها شخصًا يحمل الجرح نفسه. وجملتها: «أنت الذي فتحت الباب.» تعمل كـ مفتاح سردي يعيد تفسير كل ما سبق. وهذا تطور ناجح جدًا؛ لأن القارئ كان يرى في طفولة لؤي مغامرات وغموضًا، ثم يكتشف أن وراء هذه الذكريات حادثة سياسية مأساوية.

3. اللقاء بين لؤي وطاهرة/گوگوش ناجح لأنه ليس مجرد مصادفة المصادفة هنا قابلة للتصديق روائيًا، لكن قيمتها ليست في احتمال حدوثها، وإنما في وظيفتها السردية. لؤي ذهب إلى حفلة گوگوش، وهناك التقى گوگوش صديقة طفولته التي أصبح اسمها «طاهرة».

إذن هناك تداخل مقصود بين:

گوگوش المغنية وگوگوش الطفلة وطاهرة المرأة والوطن المفقود.

وهذا من أقوى عناصر الفصل.

فالاسم نفسه أصبح قضية: «أنا الآن طاهرة.» كأن تغيير الاسم يختصر رحلة الشخصية كلها: گوگوش = طفولة وذاكرة وبصرة. أما طاهرة = إيران وإعادة تشكيل الهوية. وهنا تصبح الهوية ليست اسمًا فقط، وإنما نتيجة للتهجير والتاريخ السياسي.

4. الاندفاع العاطفي عند اللقاء

اندفاع لؤي عند رؤية گوگوش مفهوم ومبرر فنيًا؛ لأنه لا يرى امرأة أمامه فقط، وإنما يرى طفولته كلها فجأة. لكن هنا توجد ملاحظة مهمة: المقطع أحيانًا يشرح العاطفة أكثر مما ينبغي. مثل تكرار: طرت من الفرح. لم أصدق. الذاكرة. الحنين. الصمت. الزمن. واحد وعشرون عامًا. هذه المفردات نفسها تتكرر كثيرًا. كان يمكن ترك بعض العاطفة للمشهد والحوار والإيماءة بدل تفسيرها للقارئ.

فمثلًا، عندما تقول له: «أما زلت تذكر؟ أنا نفسي نسيت اسمي.» فهذه الجملة أقوى من فقرة كاملة تشرح معنى فقدان الهوية.

5. الحفل: نجاح كبير، لكن يحتاج إلى اقتصاد

وصف الحفل هو أوسع جزء في المقطع، وفيه قوة واضحة. الكاتب لا يرى الحفل كحفلة موسيقية، وإنما يحوله إلى: طقس جماعي لاستعادة الذاكرة، وهذه فكرة موفقة جدًا. الجمهور لا يأتي لسماع الأغاني فقط، بل: «جئنا لنشهد عودة الصوت.» هذه الجملة تصلح تقريبًا أن تكون مفتاحًا دلاليًا للمشهد كله. كما أن انتقال السرد من: لؤي الفرد إلى: الجمهور، الجماعة، ثم إلى: المهاجرين والمنفيين

يمنح الحفل بعدًا جماعيًا.

6. الأغاني تؤدي وظيفة سردية

الأغنيات ليست مجرد خلفية موسيقية، وإنما تتحول إلى علامات ذاكرة. الهجرة ثم المنفى. والطلاق ثم الانفصال. الغريب المعهود ثم الاغتراب. الجسر ثم محاولة العبور بين الماضي والحاضر. وهذا يجعل قائمة الأغاني جزءًا من البناء الرمزي وليس مجرد استعراض لمعلومات عن الحفل.

لكن هنا أيضًا يوجد خطر: كثرة شرح معنى كل أغنية قد تجعل الرواية أقرب إلى المقالة الثقافية منها إلى الرواية. الأفضل كان أن تترك بعض الأغاني تعمل في الخلفية، وأن تختار أغنية أو اثنتين فقط لتحملهما الرواية رمزيًا.

7. أجمل حركة فنية: انتقال الحفل من الخاص إلى العام

في البداية: لؤي يرى گوگوش. ثم: لؤي يرى طفولته. ثم: يرى تهجير عائلة تيب توب. ثم: يرى العراق وإيران. ثم: يرى المنفيين جميعًا. ثم: يرى نفسه. وهذا تصاعد جيد: الحفل الشخصي يقود إلى الذاكرة الشخصية ثم المأساة السياسية ثم ذاكرة المنفى الجماعية. وهذه هي النقلة التي تجعل الفصل أكبر من قصة حب طفولي.

8. المزاوجة بين العراق وإيران ناجحة، الرواية لا تجعل الألم الإيراني منفصلًا عن الألم العراقي. لؤي يقول، بصورة جوهرية: أنا عراقي، لكنني أشعر أن هذه الأغنية تخصني. وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا: المنفى لا يفرق كثيرًا بين الجنسيات. فالإنسان الذي اقتُلع من وطنه يمكن أن يجد نفسه في مأساة شخص آخر حتى لو اختلفت اللغة والقومية. وهذه واحدة من أكثر الأفكار نضجًا في المقطع.

9. ربما أشير إلى مشكلة فنية واضحة مثل تكرار الذروة، فهناك مقطعان متقاربان جدًا في المعنى: «أحد وعشرون عامًا من الصمت ليس رقمًا.»

ثم يعود النص مرة أخرى تقريبًا إلى: «أحد وعشرون عامًا من الصمت ليس رقمًا...»

وكذلك: «ماتت بلاد كاملة داخلها.» و«الكفن داخل الحنجرة» و«الزنزانة بلا نوافذ» و«الطائر الذي نسي كيف يطير». كلها صور قوية إذا استُخدمت مرة واحدة، لكن تراكمها يجعل الصورة الواحدة تفقد شيئًا من قوتها.

الأفضل اختيار صورة مركزية واحدة: حنجرة كُتمت واحدًا وعشرين عامًا. ثم ترك بقية الصور تتفرع منها بدل أن تتنافس معها.

10. السرد في مواضع كثيرة جميل، لكنه يميل إلى الشعرية العالية: «كانت التاريخ، كانت الثورة، كانت القهر...» «لم نأت لنشهد حفلاً. جئنا لنشهد عودة الصوت.» «عدنا نحن أيضًا إلى أنفسنا.» هذه الجمل جميلة، لكن كثرتها تجعل الراوي أحيانًا واعظًا أو شاعرًا أكثر منه شخصية تستعيد حدثًا. والرواية ستكون أقوى لو تركت بعض المعنى يستنتجه القارئ.

11. من الناحية السردية: هناك تطور مهم جدًا

في بداية الرواية كان لؤي: طفلًا يراقب بيت تيب توب من الخارج. الآن أصبح: رجلًا يدخل حفلة ويواجه امرأة من ذلك البيت. وفي طفولته كان يقف أمام النافذة ولا يعرف ماذا وراءها. وفي الحاضر يجلس أمام گوگوش ويكتشف ما وراء الباب.

إذن هناك بنية دائرية جميلة:

النافذة، الباب، گوگوش، الذاكرة، الحقيقة. وهذا من أنجح ما في بناء الفصل.

12. التقييم الأدبي للمقطع

أضع هذا المقطع في مستوى جيد جدًا من حيث البناء الرمزي والذاكرة السردية، وأقوى عناصره هي: رمزية الباب. ازدواج شخصية گوگوش/طاهرة. تحويل الحفل إلى طقس لاستعادة الوطن. امتزاج الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية. التداخل بين العراقي والإيراني والمنفى. العودة إلى حادثة الطفولة بعد واحد وعشرين عامًا. المزاوجة بين النافذة والباب بوصفهما حدّين بين عالمين. السرد الاسترجاعي الذي لا يكشف الحقيقة دفعة واحدة.

أما أهم ما يحتاج إلى مراجعة فهو: الاختصار، تخفيف التكرار، تقليل الشرح السياسي المباشر، وعدم مضاعفة الاستعارات في اللحظة العاطفية الواحدة.

والخلاصة الأهم: هذا الفصل لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فصل ظهور گوگوش فقط. إنه في العمق فصل: اكتشاف لؤي أن الماضي الذي ظنه قصة طفولة بريئة كان جريمة تاريخية شارك فيها، من غير أن يفهم، وأن لقاءه بصديقة الطفولة أعاد فتح الباب الذي ظل مغلقًا واحدًا وعشرين عامًا.

أما الحفل فهو السجادة الفارسية التي يجلس فوقها الماضي والحاضر معًا: صوت گوگوش يفتح ذاكرة الإيرانيين، وذاكرتها تفتح ذاكرة لؤي، وذاكرة لؤي تفتح جرح عائلة تيب توب. وهنا يصبح عنوان «ظهور گوگوش» أوسع من ظهور شخصية؛ إنها ظهور الحقيقة نفسها بعد واحد وعشرين عامًا من الاختفاء

ثانياً

هذا المقطع، في تقديري، يرفع قيمة الفصل الثاني كله؛ لأنه لا ينهي قصة اللقاء بين لؤي وگوگوش فحسب، بل يعيد تفسير ما سبقها. فإذا كان ظهور گوگوش قد أعاد الماضي إلى الحاضر، فإن نهاية الفصل تكشف أن الماضي نفسه كان يخفي حقيقة سياسية وتاريخية أكبر من الشخصيتين.

1. القيمة الروائية للمقطع

القيمة الأساسية هنا أن الرواية تنتقل من: حكاية صداقة طفولية إلى ذاكرة جرح إلى مأساة تهجير إلى سؤال الذنب والمسؤولية.

لؤي لم يعد يتذكر گوگوش بوصفها «حب الطفولة» فقط؛ بل صار يكتشف أن صورتها مرتبطة بعائلة اقتُلعت من مكانها، وبمرحلة كاملة من تاريخ العراق وإيران. وهذا يعطي الفصل عمقًا يتجاوز الحكاية العاطفية. الأهم أن الرواية لا تقول إن لؤي هو الذي تسبب في المأساة، بل تضعه أمام ذنب الطفل الذي ظن أنه ارتكب ما لم يكن قادرًا على فهمه أو منعه. وهذه نقطة نفسية وروائية قوية جدًا.

2. الوداع ليس نهاية اللقاء بل بداية الحقيقة

الجميل أن اللقاء ينتهي بصورة تبدو دافئة: «سنجتمع مرة ثانية وثالثة وتمل مني.» ثم: «سيكون أغلى ملل على قلبي.» لكن تحت هذا الحوار المرح توجد مأساة كاملة.

گوگوش تعود إلى حياتها، ولؤي يعود إلى بيته، لكن لا أحد منهما يعود كما كان. لذلك الوداع هنا ليس وداع شخصين، بل وداع: الطفولة. البصرة. البيت. العائلة. الأسماء القديمة. الوهم الذي عاشه لؤي واحدًا وعشرين عامًا.

3. الصورة التي عثرت عليها سارة: تفصيل سردي ذكي

الصورة تؤدي وظيفة مهمة جدًا. في البداية كانت گوگوش ذكرى في عقل لؤي. ثم تصبح صورة مادية تعثر عليها سارة. وهكذا تنتقل الذكرى: من الذاكرة الشخصية إلى الدليل المادي إلى ذاكرة الابنة إلى الحاضر.

وهذا ممتاز سرديًا؛ لأن الرواية لا تجعل الماضي مجرد استرجاع نفسي، وإنما تمنحه أثرًا ماديًا يمكن أن تنتقل ملكيته بين الأجيال. والأجمل أن سارة هي التي تعثر على الصورة، ثم تقول: «هل لديك أسرارًا؟» وهذه الجملة تفتح بابًا جديدًا: الحكاية التي أخفاها الأب عن ابنته وزوجته.

4. الزوجة إيما تؤدي وظيفة مهمة, قد يبدو مشهد غيرة إيما كوميديًا بعد كل هذا الثقل، لكنه يؤدي وظيفة سردية. فالرواية تعيد لؤي فجأة إلى حياته الكندية العادية: زوجة، ابنة، بيت، غيرة، نوم، عمل. وهنا يظهر التناقض: لؤي يعيش في الحاضر، لكن روحه ما زالت عالقة في البصرة. وهذا التناقض مهم جدًا في رواية عن الهجرة. إيما تمثل الحاضر الذي بناه. گوگوش تمثل الماضي الذي لم ينته. وسارة تمثل الجسر بين الاثنين.

5. «الباب» أصبح الرمز المركزي للفصل, وأعتقد أن هذا أهم اكتشاف فني في الفصل الثاني كله. الكاتب بدأ بالنافذة: الطفل يقف خارج بيت تيب توب وينظر. ثم دخل البيت. ثم جاءت حادثة الباب. ثم عاد الباب في حديث گوگوش: «أنت الذي فتحت الباب.» ثم يعود لؤي إلى الباب في ذاكرته. ثم يصبح الباب: باب القدر، باب الخطيئة، باب السلطة، باب الذاكرة. وهذا بناء رمزي متماسك جدًا. حتى الجملة: «الأبواب القديمة.. لم تعد خشبًا وحجرًا، بل صدى في القلب.» تختصر وظيفة الرمز كله.

6. تشبيه الباب بالخطيئة الأولى، التشبيه بآدم والجنة مثير للاهتمام: «هل كنت أنا من أخرج عائلة تيب توب من جنتهم؟» هنا يتحول الطفل لؤي إلى شخصية تحمل وعيًا دينيًا/أسطوريًا للخطيئة. لكن هناك ملاحظة مهمة للقارئ: هذا الجزء يحتاج إلى تخفيف قليل. لأن: آدم ـ حواء ـ الجنة ـ الخطيئة الأولى ـ الباب ـ لؤي

كلها رموز كبيرة جدًا تأتي متتابعة. الأقوى ربما أن يبقى الباب هو الرمز الأساسي، ويُترك تشبيه آدم كإشارة قصيرة، لا أن يصبح مسارًا تأمليًا مستقلًا.

7. أجمل ما في النهاية: الطفل لا يفهم الحدث، هذا من أقوى العناصر أن الرواية لا تجعل الطفل شاهدًا واعيًا على السياسة. نسمع من خلاله كلمات: «قصف حدود... قومية... مجوس...» لكنه لا يفهمها. هذه طريقة جيدة جدًا في تقديم التاريخ.

السياسة تدخل بيت الطفل قبل أن يفهم السياسة. وهذا مهم؛ لأن الرواية لا تريد أن تقول لنا فقط ماذا حدث للعائلة، بل كيف كانت الدولة والصراع القومي والسياسي يدخلان إلى حياة الأطفال والأسر العادية دون أن يفهموا شيئًا. وهنا يصبح لؤي نموذجًا لجيل كامل.

8. «سافروا... أو سُفّروا»

هذه جملة تختصر المأساة كلها: السفر فعل اختياري. التسفير فعل قسري. والفرق بين الكلمتين هو الفرق بين حياة طبيعية وحياة اقتُلعت من جذورها. هذه الجملة أقوى من صفحات من الشرح السياسي.

9. صورة الدم والزجاج

مشهد الدم الذي يراه الطفل من خلال الزجاج قوي جدًا من الناحية النفسية. فالزجاج كان في بداية الرواية: وسيلة لرؤية گوگوش. وفي النهاية يصبح حاجزًا يرى الطفل من خلاله المأساة. وهذا تطور رمزي جميل: النافذة التي أدخلت الحب إلى حياته، تصبح نافذة يدخل منها الموت إلى ذاكرته. وهنا تكتمل دائرة النافذة/الزجاج/الباب.

10. «هل تحبني؟ نعم ـ لا ـ ربما»

هذا التفصيل البسيط جميل جدًا لأنه يعيدنا إلى الطفل بعد كل التاريخ والسياسة.

بعد أن رأينا: الحرب، التهجير، الخوف، المنفى، الذنب، الزمن...

تعود الرواية إلى ورقة طفولية صغيرة: «هل تحبني؟ نعم - لا - ربما». وهذا ممتاز لأنه يمنع الرواية من التحول إلى رواية سياسية فقط.

في النهاية هناك طفل كان يريد أن يعرف فقط: هل گوگوش تحبه؟ بينما العالم من حوله كان يصنع مأساة أكبر بكثير من قدرته على الفهم.

11. جملة النهاية

«عزيزي لؤي، لم أنس من كنتَ منهم. جد لك نافذة جديدة، ستنسى كل هذا حين تكبر... وداعا.» هذه نهاية موفقة جدًا من حيث المعنى؛ لأنها تجمع: النافذة + گوگوش + الطفولة + الذاكرة + الفراق.

لكنني أرى أن هناك سؤالًا مهمًا جدًا يجب الانتباه إليه في الفصل القادم: هل هذه العبارة صوت گوگوش الحقيقي في الذاكرة؟ أم حلم؟ أم اختراع من وعي لؤي؟ وهذا الغموض جميل، والأفضل ألا يُحسم بسرعة.

12. ما الذي أنجزه الفصل الثاني روائيًا؟

أرى أن الفصل حقق أربع نقلات أساسية:

الأولى: من المغنية إلى الإنسانة، فگوگوش ليست النجمة فقط؛ إنها طاهرة، طفلة، مهاجرة، زوجة وأم.

الثانية: من الصداقة إلى الذاكرة، فالعلاقة التي بدأت بطفل يراقب نافذة تتحول إلى ذاكرة عمر كامل.

الثالثة: من الخاص إلى التاريخ، فقصة لؤي وگوگوش تكشف مرحلة من تاريخ العراق وإيران: الخوف، التهجير، القومية، الحدود، المنفى.

الرابعة: من الذاكرة إلى المسؤولية، السؤال لم يعد: ماذا حدث لگوگوش؟ بل: من المسؤول؟ وهل يمكن لطفل أن يحمل ذنب نظام كامل؟ وهذا هو السؤال الأخلاقي الأقوى في الفصل.

التقييم النهائي للفصل الثاني:

أراه من أكثر فصول الرواية أهمية حتى الآن من الناحية السردية؛ لأن فيه بناءً واضحًا للرموز، وتصاعدًا من الطفولة إلى الحاضر، ثم كشفًا تدريجيًا للماضي. وأبرز إنجاز فني فيه هو أن الحدث السياسي لا يأتي منفصلًا عن الحياة اليومية؛ بل يظهر من خلال نافذة، ورائحة طعام، وأغنية، وصحن، وطفلة، وباب، ثم فجأة تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى تهجير وموت ومنفى. وهذا هو ما يجعل الرواية روائية فعلًا، لا مجرد سرد تاريخي.

أما الإفراط أحيانًا في الشعرية والتفسير والتكرار، فليس ضعفا، فالكاتب يمتلك صورًا قوية، لكنه لا يحتاج إلى استخدامها كلها. لو حُذفت نسبة من الاستعارات والتأملات، ستصبح المشاهد أكثر قوة، لأن الحدث نفسه قوي بما يكفي.

والخيط الذي أراه جديرًا بالحفاظ عليه في الفصول التالية هو: النافذة، الباب، الصورة، الذاكرة، المنفى، الهوية.. فهذا الخيط يمكن أن يحمل الرواية كلها، ويجعل قصة لؤي وگوگوش مدخلًا إلى سؤال أكبر: كيف تصنع الأنظمة السياسية تاريخًا يدخل إلى حياة الأطفال، ثم يظل يعيش داخلهم حتى بعد أن يغيّروا أوطانهم؟

ثالثاً

هذا المقطع، في تقديري، يرفع قيمة الفصل الثاني كله؛ لأنه لا ينهي قصة اللقاء بين لؤي وگوگوش فحسب، بل يعيد تفسير ما سبقها. فإذا كان ظهور گوگوش قد أعاد الماضي إلى الحاضر، فإن نهاية الفصل تكشف أن الماضي نفسه كان يخفي حقيقة سياسية وتاريخية أكبر من الشخصيتين.

1. القيمة الروائية للمقطع

القيمة الأساسية هنا أن الرواية تنتقل من: حكاية صداقة طفولية إلى ذاكرة جرح إلى مأساة تهجير إلى سؤال الذنب والمسؤولية.

لؤي لم يعد يتذكر گوگوش بوصفها «حب الطفولة» فقط؛ بل صار يكتشف أن صورتها مرتبطة بعائلة اقتُلعت من مكانها، وبمرحلة كاملة من تاريخ العراق وإيران. وهذا يعطي الفصل عمقًا يتجاوز الحكاية العاطفية. الأهم أن الرواية لا تقول إن لؤي هو الذي تسبب في المأساة، بل تضعه أمام ذنب الطفل الذي ظن أنه ارتكب ما لم يكن قادرًا على فهمه أو منعه. وهذه نقطة نفسية وروائية قوية جدًا.

2. الوداع ليس نهاية اللقاء بل بداية الحقيقة

الجميل أن اللقاء ينتهي بصورة تبدو دافئة: «سنجتمع مرة ثانية وثالثة وتمل مني.» ثم: «سيكون أغلى ملل على قلبي.» لكن تحت هذا الحوار المرح توجد مأساة كاملة.

گوگوش تعود إلى حياتها، ولؤي يعود إلى بيته، لكن لا أحد منهما يعود كما كان. لذلك الوداع هنا ليس وداع شخصين، بل وداع: الطفولة. البصرة. البيت. العائلة. الأسماء القديمة. الوهم الذي عاشه لؤي واحدًا وعشرين عامًا.

3. الصورة التي عثرت عليها سارة: تفصيل سردي ذكي

الصورة تؤدي وظيفة مهمة جدًا. في البداية كانت گوگوش ذكرى في عقل لؤي. ثم تصبح صورة مادية تعثر عليها سارة. وهكذا تنتقل الذكرى: من الذاكرة الشخصية إلى الدليل المادي إلى ذاكرة الابنة إلى الحاضر.

وهذا ممتاز سرديًا؛ لأن الرواية لا تجعل الماضي مجرد استرجاع نفسي، وإنما تمنحه أثرًا ماديًا يمكن أن تنتقل ملكيته بين الأجيال. والأجمل أن سارة هي التي تعثر على الصورة، ثم تقول: «هل لديك أسرارًا؟» وهذه الجملة تفتح بابًا جديدًا: الحكاية التي أخفاها الأب عن ابنته وزوجته.

4. الزوجة إيما تؤدي وظيفة مهمة, قد يبدو مشهد غيرة إيما كوميديًا بعد كل هذا الثقل، لكنه يؤدي وظيفة سردية. فالرواية تعيد لؤي فجأة إلى حياته الكندية العادية: زوجة، ابنة، بيت، غيرة، نوم، عمل. وهنا يظهر التناقض: لؤي يعيش في الحاضر، لكن روحه ما زالت عالقة في البصرة. وهذا التناقض مهم جدًا في رواية عن الهجرة. إيما تمثل الحاضر الذي بناه. گوگوش تمثل الماضي الذي لم ينته. وسارة تمثل الجسر بين الاثنين.

5. «الباب» أصبح الرمز المركزي للفصل, وأعتقد أن هذا أهم اكتشاف فني في الفصل الثاني كله. الكاتب بدأ بالنافذة: الطفل يقف خارج بيت تيب توب وينظر. ثم دخل البيت. ثم جاءت حادثة الباب. ثم عاد الباب في حديث گوگوش: «أنت الذي فتحت الباب.» ثم يعود لؤي إلى الباب في ذاكرته. ثم يصبح الباب: باب القدر، باب الخطيئة، باب السلطة، باب الذاكرة. وهذا بناء رمزي متماسك جدًا. حتى الجملة: «الأبواب القديمة.. لم تعد خشبًا وحجرًا، بل صدى في القلب.» تختصر وظيفة الرمز كله.

6. تشبيه الباب بالخطيئة الأولى، التشبيه بآدم والجنة مثير للاهتمام: «هل كنت أنا من أخرج عائلة تيب توب من جنتهم؟» هنا يتحول الطفل لؤي إلى شخصية تحمل وعيًا دينيًا/أسطوريًا للخطيئة. لكن هناك ملاحظة مهمة للقارئ: هذا الجزء يحتاج إلى تخفيف قليل. لأن: آدم ـ حواء ـ الجنة ـ الخطيئة الأولى ـ الباب ـ لؤي

كلها رموز كبيرة جدًا تأتي متتابعة. الأقوى ربما أن يبقى الباب هو الرمز الأساسي، ويُترك تشبيه آدم كإشارة قصيرة، لا أن يصبح مسارًا تأمليًا مستقلًا.

7. أجمل ما في النهاية: الطفل لا يفهم الحدث، هذا من أقوى العناصر أن الرواية لا تجعل الطفل شاهدًا واعيًا على السياسة. نسمع من خلاله كلمات: «قصف حدود... قومية... مجوس...» لكنه لا يفهمها. هذه طريقة جيدة جدًا في تقديم التاريخ.

السياسة تدخل بيت الطفل قبل أن يفهم السياسة. وهذا مهم؛ لأن الرواية لا تريد أن تقول لنا فقط ماذا حدث للعائلة، بل كيف كانت الدولة والصراع القومي والسياسي يدخلان إلى حياة الأطفال والأسر العادية دون أن يفهموا شيئًا. وهنا يصبح لؤي نموذجًا لجيل كامل.

8. «سافروا... أو سُفّروا»

هذه جملة تختصر المأساة كلها: السفر فعل اختياري. التسفير فعل قسري. والفرق بين الكلمتين هو الفرق بين حياة طبيعية وحياة اقتُلعت من جذورها. هذه الجملة أقوى من صفحات من الشرح السياسي.

9. صورة الدم والزجاج

مشهد الدم الذي يراه الطفل من خلال الزجاج قوي جدًا من الناحية النفسية. فالزجاج كان في بداية الرواية: وسيلة لرؤية گوگوش. وفي النهاية يصبح حاجزًا يرى الطفل من خلاله المأساة. وهذا تطور رمزي جميل: النافذة التي أدخلت الحب إلى حياته، تصبح نافذة يدخل منها الموت إلى ذاكرته. وهنا تكتمل دائرة النافذة/الزجاج/الباب.

10. «هل تحبني؟ نعم ـ لا ـ ربما»

هذا التفصيل البسيط جميل جدًا لأنه يعيدنا إلى الطفل بعد كل التاريخ والسياسة.

بعد أن رأينا: الحرب، التهجير، الخوف، المنفى، الذنب، الزمن...

تعود الرواية إلى ورقة طفولية صغيرة: «هل تحبني؟ نعم - لا - ربما». وهذا ممتاز لأنه يمنع الرواية من التحول إلى رواية سياسية فقط.

في النهاية هناك طفل كان يريد أن يعرف فقط: هل گوگوش تحبه؟ بينما العالم من حوله كان يصنع مأساة أكبر بكثير من قدرته على الفهم.

11. جملة النهاية

«عزيزي لؤي، لم أنس من كنتَ منهم. جد لك نافذة جديدة، ستنسى كل هذا حين تكبر... وداعا.» هذه نهاية موفقة جدًا من حيث المعنى؛ لأنها تجمع: النافذة + گوگوش + الطفولة + الذاكرة + الفراق.

لكنني أرى أن هناك سؤالًا مهمًا جدًا يجب الانتباه إليه في الفصل القادم: هل هذه العبارة صوت گوگوش الحقيقي في الذاكرة؟ أم حلم؟ أم اختراع من وعي لؤي؟ وهذا الغموض جميل، والأفضل ألا يُحسم بسرعة.

12. ما الذي أنجزه الفصل الثاني روائيًا؟

أرى أن الفصل حقق أربع نقلات أساسية:

الأولى: من المغنية إلى الإنسانة، فگوگوش ليست النجمة فقط؛ إنها طاهرة، طفلة، مهاجرة، زوجة وأم.

الثانية: من الصداقة إلى الذاكرة، فالعلاقة التي بدأت بطفل يراقب نافذة تتحول إلى ذاكرة عمر كامل.

الثالثة: من الخاص إلى التاريخ، فقصة لؤي وگوگوش تكشف مرحلة من تاريخ العراق وإيران: الخوف، التهجير، القومية، الحدود، المنفى.

الرابعة: من الذاكرة إلى المسؤولية، السؤال لم يعد: ماذا حدث لگوگوش؟ بل: من المسؤول؟ وهل يمكن لطفل أن يحمل ذنب نظام كامل؟ وهذا هو السؤال الأخلاقي الأقوى في الفصل.

التقييم النهائي للفصل الثاني:

أراه من أكثر فصول الرواية أهمية حتى الآن من الناحية السردية؛ لأن فيه بناءً واضحًا للرموز، وتصاعدًا من الطفولة إلى الحاضر، ثم كشفًا تدريجيًا للماضي. وأبرز إنجاز فني فيه هو أن الحدث السياسي لا يأتي منفصلًا عن الحياة اليومية؛ بل يظهر من خلال نافذة، ورائحة طعام، وأغنية، وصحن، وطفلة، وباب، ثم فجأة تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى تهجير وموت ومنفى. وهذا هو ما يجعل الرواية روائية فعلًا، لا مجرد سرد تاريخي.

أما الإفراط أحيانًا في الشعرية والتفسير والتكرار، فليس ضعفا، فالكاتب يمتلك صورًا قوية، لكنه لا يحتاج إلى استخدامها كلها. لو حُذفت نسبة من الاستعارات والتأملات، ستصبح المشاهد أكثر قوة، لأن الحدث نفسه قوي بما يكفي.

والخيط الذي أراه جديرًا بالحفاظ عليه في الفصول التالية هو: النافذة، الباب، الصورة، الذاكرة، المنفى، الهوية.. فهذا الخيط يمكن أن يحمل الرواية كلها، ويجعل قصة لؤي وگوگوش مدخلًا إلى سؤال أكبر: كيف تصنع الأنظمة السياسية تاريخًا يدخل إلى حياة الأطفال، ثم يظل يعيش داخلهم حتى بعد أن يغيّروا أوطانهم .

الفصل الثالث

أولاً

هذا المقطع يمثل تحولًا مهمًا في تقنية الرواية، وأراه بداية موفقة للفصل الثالث لأنه لا يكرر الفصلين السابقين، بل يعيد فتحهما من زاوية جديدة: الذاكرة حين تتحول من تجربة شخصية إلى شهادة قابلة للرواية والتوثيق.

1. التحول من السرد إلى «السرد المسرحي»

أبرز ما يحسب للمقطع أن الكاتب لم يجعل لؤي وكوكوش يرويان الماضي بالطريقة التقليدية، بل وضعهما في استوديو، أمام ميكروفونين، وتحت عين المخرج والكاميرا. وهنا يصبح الحوار نفسه نوعًا من المسرح:

ميكرو 1: لؤي، ميكرو 2: كوكوش، صمت، مقاطعة، تنفس، بكاء، استراحة، عودة إلى السرد.

وهذا يجعل القارئ كأنه مستمع ثالث إلى البودكاست، لا قارئ لحكاية منقولة. والأهم أن الميكروفون يصبح أداة سردية: ما كان مخزونًا داخل الذاكرة ينتقل الآن إلى الصوت. وهذه نقلة ذكية من: الله الذاكرة الشخصية إلى الحوار إلى الشهادة إلى التاريخ.

2. وجود الزوجين مهم جدًا

وجود زوج كوكوش وزوجة لؤي ليس تفصيلاً عائليًا. إنه يمنع الرواية من الانزلاق إلى قصة حب قديمة بين لؤي وكوكوش. فهما يلتقيان أمام شاهدين ينتميان إلى الحياة التي بُنيت بعد الفراق. لؤي لم يعد الطفل، وكوكوش لم تعد طفلة البصرة. لكل منهما زواج وأسرة وجنسية وبلد جديد.

لذلك يصبح السؤال: هل يستطيع الماضي أن يعود من دون أن يهدم الحاضر؟ وهذا يعطي الحوار توترًا خفيًا ومفيدًا. كما أن عدم غيرة الزوجة، وهدوء الزوج، يخرجان العلاقة من إطار الغيرة العاطفية إلى إطار أعمق: شراكة في الذاكرة وشهادة على تاريخ مشترك.

3. «من البصرة إلى هنا» مفتاح الفصل، الجملة: «من البصرة... إلى هنا.» موفقة جدًا؛ لأنها تختصر المسار الروائي كله. البصرة ليست مجرد مكان طفولة، وكندا ليست مجرد مكان إقامة. بينهما توجد: البصرة والتهجير وإيران ورفحاء والهجرة وكندا. وهذا يجعل الجغرافيا نفسها بنية سردية للاغتراب. وكذلك جملة كوكوش: «ليست صورة... بل صوت.» هذه من أجمل مفاتيح المقطع؛ لأن الرواية منذ ظهور كوكوش بنت علاقتها بالذاكرة على الصوت والعطر والأغنية. والآن يعود الصوت بوصفه مدخلًا إلى الماضي.

4. الميكروفون مقابل الباب

هناك رابط فني جميل بين الفصلين الثاني والثالث:

في الفصل الثاني كان الباب هو الرمز المركزي: «الأبواب لا تفتح وحدها.» باب فتحه لؤي الطفل، فدخل منه التاريخ والعنف والتهجير. أما في الفصل الثالث فلدينا الميكروفون. الباب كان ينقل الإنسان من عالم إلى عالم بالقوة، والميكروفون ينقل الذاكرة من الداخل إلى الخارج بالإرادة. وهكذا يتحول الرمز: الباب = دخول المأساة.. الميكروفون = إخراج المأساة من الصمت. وهذا اتصال بنيوي قوي بين الفصلين.

5. الذاكرة لم تعد ملكًا للؤي وحده

في الفصل الثاني كان لؤي يحاول معرفة: هل كنتُ مسؤولًا؟ هل فتحت الباب؟ هل ارتكبت ذنبًا؟ أما الآن، فإن وجود كوكوش يسمح بتعدد الذاكرة. وهذا مهم جدًا روائيًا، لأن الرواية تبدأ بالانتقال من ذاكرة أحادية إلى ذاكرة مزدوجة. كل واحد يمتلك قطعة من «البازل». ولهذا جاءت عبارتهما: «قطعة منك وقطعة مني» وهي تلخص تقنية الفصل كله. فالحقيقة لن تأتي من راوٍ واحد، بل من تقاطع الروايتين.

6. «كتلة خراء هائلة» لها وظيفة

التشبيه صادم وخشن، لكنه مقصود؛ لأنه يكسر اللغة العاطفية الجميلة التي سادت في الفصل الثاني. كوكوش تقول إن الحكاية: «خراء ممزوج بالدم، بالطعام، بالتاريخ، باللغة...» هنا تنتقل الرواية من الحنين الرومانسي إلى تفكيك الواقع القذر الذي صنع المأساة. وهذا مهم، لأن خطر الفصلين السابقين كان أن يصبح الحنين إلى الطفولة والحب القديم أقوى من التاريخ السياسي الذي أنتج المأساة. وهذا الحوار يعيد التوازن.

7. البرتقالة من أفضل التفاصيل السردية

مشهد لؤي الطفل في الـ«بيتونة»: «كنت عالقًا بين طعمين: قشر مر، ولب حلو.»

هذا تفصيل روائي ناجح جدًا.

فالبرتقالة تصبح صورة مكثفة للطفولة نفسها: القشر المر = العنف والخوف.. اللب الحلو = الطفولة والبراءة. ثم تأتي الجملة: «كنت أبكي... لا لأنني حزين، بل لأنني فهمت فجأة أنني كبرت.» هذه لحظة نضج سردية مهمة جدًا؛ فالطفل لا يكبر بالسنوات، وإنما بالصدمة.

8. البعد التاريخي بدأ يتسع

هنا تظهر قيمة هذا الفصل بالنسبة إلى الرواية كلها.

القصة لم تعد: لؤي + كوكوش + عائلة تيب توب. بل أصبحت: العراق + إيران + التبعية + الترحيل + رفحاء + المنفى + الشتات + كندا.

أي أن الشخصيتين بدأتا تتحولان إلى شاهدين على مرحلة تاريخية، وهذا يبرر وجود الوثائقي داخل الرواية؛ فالكاتب يحتاج الآن إلى وسيلة تسمح للشخصيات بأن تروي التاريخ مباشرة، بدل أن يظل التاريخ خلفية للأحداث.

9. وهناك طبقة ميتاسردية واضحة

الكاتب لا يكتفي بأن يجعل الشخصيات تحكي، بل يجعلها تفكر في فعل الحكي نفسه: «هل هذه حكايتك أم مجرد صوت آخر يمر في الطريق؟»

وهذا سؤال ميتاسردي صريح. فالرواية تسأل: من يملك الماضي؟ هل الذاكرة حقيقة أم إعادة بناء؟ هل التوثيق يكشف الحقيقة أم يعيد تشكيلها؟ هل يستطيع الإنسان أن يروي ماضيه من دون أن يغيره أثناء الرواية؟ وهذا يتصل مباشرة بما سبق في الفصل الثاني من شك لؤي في ذاكرته.

10. القيمة الفنية للمقطع

أرى أن هذا المقطع أقوى بنيويًا من مجرد حوار عاطفي؛ لأنه يؤدي عدة وظائف في وقت واحد: يستمر في قصة لؤي وكوكوش. ويعيد تفسير الفصلين السابقين. ويفتح الذاكرة الإيرانية والعراقية. وينقل الرواية من الخاص إلى العام. كمايقدم تعدد الأصوات. ويدخل السرد المسرحي/الحواري. ويخلق مسافة بين الشخصيات وذكرياتها. ويمهد للوثيقة والشهادة والتاريخ. ويحافظ على سؤال الذنب عند لؤي. كما يجعل «المنفى» موضوعًا جماعيًا لا تجربة فردية. والأهم: أن الكاتب لم يعد يحكي لنا فقط ما حدث؛ بل جعلنا نشاهد كيف يحاول الناجون أن يحكوا ما حدث.

وهذه نقلة سردية حقيقية.

ملاحظة نقدية واحدة

المقطع في بدايته قوي، لكن ينبغي في الاستمرار ألا يتحول البودكاست إلى محاضرة تاريخية. قوته الآن في التوتر بين الصوتين، والصمت، والذكريات المتناقضة، والتفاصيل الصغيرة. الأفضل أن يظل التاريخ يخرج من التجربة الإنسانية، لا أن تدخل الشخصيات في شرح تاريخي طويل. فبدل أن تقول كوكوش مثلًا: حدث كذا بسبب السياسة العراقية الإيرانية، الأفضل أن تستدعي مشهدًا أو شخصًا أو رائحة أو خوفًا أو قرارًا، ومن خلاله يستنتج القارئ التاريخ.

وهذا سيجعل الفصل الثالث امتدادًا فنيًا للفصل الثاني، لا مجرد تفسير له.

إذن، الفصل الثاني كان فصل العودة واللقاء واستعادة الجرح، أما الفصل الثالث فيبدأ كفصل تحويل الجرح إلى شهادة. والخط السردي أصبح: الباب الذي فتحه الطفل ثم العائلة التي اختفت ثم كوكوش التي عادت ثم الحفل بوصفه سجادة ذاكرة ثم اللقاء، واستذكار الذنب، فالميكروفون، والشهادة. ومن هنا يمكن أن تصبح الرواية، تدريجيًا، ليست حكاية لؤي وكوكوش فقط، وإنما رواية جيل كامل اقتلع من مكانه ثم اضطر إلى إعادة اختراع نفسه في المنفى.

ثانياً

هذا المقطع الثاني من الفصل الثالث يحقق تحولًا مهمًا في بنية الرواية: من حكاية لقاء شخصين بعد واحد وعشرين عامًا إلى استعادة تاريخ كامل من خلال ذاكرة شخصين. ولذلك فإن الاستطراد هنا ليس زائدًا في جوهره، ما دام يؤدي وظيفة كشفية وتاريخية ونفسية، لا مجرد ملء الفراغ.

1. قيمة المقطع في بناء الرواية

أهم ما أنجزه الفصل الثالث حتى الآن أنه وسّع دائرة الحكاية: لؤي وكوكوش والعائلتان والبصرة والتهجير وإيران ورفحاء وكندا والمنفى.

وبذلك لم تعد كوكوش مجرد صديقة طفولة، ولا لؤي مجرد طفل يطارده شعور الذنب؛ أصبحا شاهدين على مسارين مختلفين للمأساة العراقية: كوكوش: اقتلاع قسري من البصرة إلى إيران.

لؤي: هروب من العراق إلى رفحاء ثم إلى كندا. وكلاهما ينتهي في المنفى، لكن عبر طريقين مختلفين. ثم تجمعهما الصدفة في تورنتو، وكأن التاريخ نفسه أعادهما إلى نقطة واحدة. وهنا تظهر واحدة من أجمل مفارقات الرواية: هما لم يعودا إلى البصرة؛ البصرة هي التي عادت إليهما.

2. البودكاست: لفتة سردية موفقة جدًا

إدخال الاستوديو والميكروفونين والزوجين والمخرج ليس مجرد تغيير في المكان، بل تغيير في تقنية السرد. الرواية تتحول مؤقتًا من السرد الروائي التقليدي إلى ما يشبه المشهد المسرحي/السيناريو الوثائقي:

ميكرو (1) — لؤي

ميكرو (2) — كوكوش

وهذا مناسب جدًا للمادة؛ لأن الكاتب يريد أن يجعل الشخصيتين ترويان تجربتهما بأصواتهما مباشرة.

والأهم أن وجود: زوج كوكوش، زوجة لؤي، المخرج، الكاميرات، الميكروفونات. يمنع اللقاء من التحول إلى قصة حب قديمة مستعادة. بل يضع الماضي أمام شهود حاضرين. وهذا مهم جدًا؛ لأن الرواية تقول ضمنيًا: الماضي ليس ملكًا للعاشقين وحدهما؛ إنه تاريخ له شهوده ونتائجه وأسرته وأبناؤه.

3. المأساة لم تعد حدثًا، أصبحت أثرًا. وهذه أقوى نقطة في المقاطع الأخيرة.

الكاتب لا يكتفي بأن يقول: تم ترحيلهم أو هرب لؤي إلى رفحاء. بل يرينا آثار الحدث: التحقيق. الإهانة. الخوف. الجوع. فقدان الاسم. فقدان البيت. تغير اللغة. الحجاب بوصفه قانونًا لا اختيارًا. الشعور بأنك غريب حتى وأنت آمن. الإحساس بالذنب لأنك نجوت. صعوبة الإجابة عن سؤال: «من أين أنت؟».

وهنا تصبح الرواية تاريخًا إنسانيًا لا تاريخًا سياسيًا.

وهذا بالضبط ما يحول أن تصبح الرواية مجرد يوميات.

فالتاريخ يقول: في عام 1981 جرى تهجير فئة من العراقيين. أما الرواية فتسأل:

ماذا فعل ذلك التهجير بطفلة؟ باسمها؟ بلغتها؟ بجسدها؟ بذاكرتها؟ بعلاقتها بالبيت؟ وبإحساسها بالانتماء بعد هذه الأعوام الطويلة؟ وهنا تتحول الواقعة التاريخية إلى أدب.

4. التحقيق من أقوى المقاطع وأكثرها خطورة فنيًا

مشهد التحقيق مع كوكوش يؤدي وظيفة كبيرة؛ لأنه يكشف كيف تتحول الهوية إلى أداة اضطهاد. المحقق لا يبحث عن حقيقة؛ هو يبحث عن ذريعة. اسم «گوگوش» يصبح موضع اشتباه، ثم اللغة، ثم الأصل، ثم الأب، ثم العائلة. وبذلك يتحول التحقيق إلى عملية: تفكيك للإنسان إلى تهم. وهذه الجملة بالذات تلخص المشهد: «لم يكن التحقيق بحثًا عن حقيقة، بل تدريبًا مبكرًا على الإهانة.»

وهي من العبارات التي تحمل قيمة روائية وفكرية في آن.

لكن هناك ملاحظة فنية: مشهد التحرش والإهانة مباشر نسبيًا. قوته موجودة، لكن الرواية لا تحتاج دائمًا إلى مضاعفة العنف اللفظي حتى يشعر القارئ بفظاعته. أحيانًا يكون الإيحاء والصمت أكثر قسوة. وقد يكون للكاتب رأي يوصله من هذه الممارسات.

5. الاغتراب هنا يتطور على مراحل، وهذا من أنجح البناءات في الفصل.

لدينا عمليًا ثلاثة أنواع من الاغتراب:

لؤي: العراق → رفحاء → كندا.

كوكوش: العراق → إيران → كندا.

لكن الأهم أن الاغتراب لا ينتهي عند الوصول. هناك:

اغتراب جغرافي واغتراب اجتماعي واغتراب نفسي واغتراب هوياتي. وهذه جملة كوكوش: «الإنسان يتعلم كيف يعيش، لكنه لا يتعلم كيف ينتمي.» تكاد تكون مفتاح الفصل كله. وكذلك: «الغربة الطويلة لا تطردك من المكان فقط، بل من نفسك القديمة.» هاتان العبارتان تختصران البعد الفلسفي للرواية.

6. رفحاء مقابل إيران

المقارنة بين تجربتيهما موفقة لأنها تمنع الرواية من تقديم مأساة واحدة بل مأساة مزدوجة. كوكوش عاشت التهجير القسري. لؤي عاش اللجوء والهروب. لكن كلاهما يكتشف أن: النجاة ليست نهاية المأساة. وهذه فكرة أساسية جدًا في الرواية. فالخروج من العراق لا يعني الخلاص من العراق. الحدود تنتهي، لكن الحدود تنتقل إلى داخل الإنسان. ولهذا يصبح الوطن: مكانًا وذاكرة وجرحًا وسؤالًا عن الهوية.

7. كندا: الاغتراب بعد النجاة

وهنا أضاف الكاتب طبقة مهمة جدًا. كان يمكن للرواية أن تجعل كندا «الخلاص». لكنها لم تفعل. كندا توفر: القانون. الأمان. النظام. العمل. الحياة الطبيعية. لكنها لا تعيد: البيت. الطفولة. الأب. العائلة. اللغة الأولى. الإحساس القديم بالانتماء. ولهذا فإن العبارة: «أمن بلا جذور وحرية بلا ذاكرة» مهمة جدًا. فالرواية لا تقول إن الغرب سيئ، ولا تقول إن الشرق جيد؛ بل تطرح مشكلة أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يحصل أخيرًا على الأمن، لكنه اكتشف أن الجزء الذي كان يريد إنقاذه منه قد ضاع؟

8. الإسقاطات التي يبنيها الكاتب

الإسقاط السياسي واضح، لكنه ليس مباشرًا فقط. هناك إسقاط على: الدولة الأمنية: حين يتحول الاسم إلى ملف، والهوية إلى تهمة.

القومية المتطرفة: حين يصبح الأصل العرقي سببًا للعقوبة.

الحرب: بوصفها آلة تنتج اللاجئين حتى بعد توقف الرصاص.

المنفى: ليس كجغرافيا فقط، بل كحالة نفسية.

الهوية: هل الإنسان عراقي لأن وثيقته تقول ذلك؟ أم لأن ذاكرته تقول ذلك؟

الزمن: لا يعالج كل شيء؛ أحيانًا يحفظ الجرح بطريقة أكثر عمقًا.

النجاة: هل النجاة انتصار أم شكل آخر من أشكال الذنب؟

9. لماذا بقي السرد مشدودًا رغم كثرة التفاصيل؟ لأن الكاتب يستخدم عدة محركات في الوقت نفسه:

- سر قديم: ماذا حدث لعائلة تيب توب؟

- ذنب لؤي: هل كان فتح الباب سببًا في الكارثة؟

- مصير كوكوش: ماذا حدث لها بعد الترحيل؟

- الهوية: عراقية أم إيرانية أم أمريكية/كندية؟

- الحب القديم: ماذا بقي منه؟

- الذاكرة: هل يمكن الوثوق بها؟

- التوثيق: ماذا سيحدث عندما تصبح الحكاية أمام الكاميرا؟

- السؤال التاريخي: من المسؤول عن هذه المأساة؟

لذلك لا يشعر القارئ أن الشخصيتين تستذكران الماضي لمجرد الاستذكار؛ بل كل معلومة جديدة تعيد تفسير ما سبق. وهذا عنصر مهم في الحبكة.

10. الباب ما يزال الرمز المركزي

اللافت أن الكاتب لم يتخل عن رمز الباب منذ الفصل السابق. الباب بدأ بوصفه فعلًا طفوليًا: فتح لؤي الباب. ثم تحول إلى: باب التهجير وباب الحدود وباب المنفى وباب الذاكرة وباب الحكاية وباب الاستوديو.

والآن البودكاست نفسه يصبح بابًا جديدًا. لؤي وكوكوش يفتحان الماضي أمام الكاميرا. وهنا يمكن أن تكون هناك مفارقة جميلة جدًا: الطفل فتح بابًا دون أن يعرف ما وراءه، والرجل يفتح باب الذاكرة وهو يعرف أن وراءه كل شيء. هذه من أهم البنى الرمزية في الرواية حتى الآن.

11. المقطع الثالث: ما الذي ننتظره منه؟

أعتقد أن المرحلة القادمة يجب ألا تضيف مأساة جديدة لمجرد زيادة الألم، بل ينبغي أن تحول التفاصيل السابقة إلى معنى. كيف بقي العراق داخلهما. ماذا فعلت هذه التجربة بشخصيتيهما؟

وهذا سيمنع الفصل الثالث من التحول إلى وثيقة تاريخية طويلة، ويعيده إلى جوهر الرواية: إنسانان يحاولان معرفة ما الذي فعله التاريخ بحياتهما.

الخلاصة النقدية

هذا الفصل، حتى هذه النقطة، يرفع القيمة الروائية للعمل بوضوح؛ لأنه ينقل الرواية من حكاية طفولة ولقاء عاطفي إلى رواية ذاكرة ومنفى وهوية وتاريخ شخصي. وأفضل ما فيه أن التاريخ لا يأتي على هيئة معلومات، وإنما يمر عبر الجسد والاسم والبيت واللغة والجوع والخوف والحنين والذنب.

حتى الآن، فإن تقنية البودكاست/المشهد المسرحي إضافة فنية ذكية؛ لأنها جعلت الرواية تدخل مرحلة جديدة: لم تعد الشخصيات تتذكر فقط، بل أصبحت شاهدة على نفسها أمام جمهور. وهنا تبدأ الرواية بطرح سؤال أعمق:

هل رواية الماضي تحرر الإنسان منه، أم أنها تعيد بناء السجن داخله بصورة أكثر وضوحًا؟ وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي ينبغي أن يحمل المقطع الثالث وما بعده.

ثالثاً

هذا المقطع الثالث أنجز وظيفة مهمة جدًا في بنية الرواية؛ فهو لا يضيف أحداثًا كثيرة بقدر ما يعيد صياغة ما حدث في الفصلين السابقين من داخل الذاكرة، ثم يحوّل الذاكرة إلى مشهد مسموع ومرئي. وهذا هو سبب اختلاف لغته وأسلوبه عن السرد السابق.

1. ماذا ترك الفصل الثالث فينا؟

ترك ثلاث طبقات متراكبة:

أثر التهجير: لم يعد التهجير مجرد حدث سياسي؛ صار اقتلاعًا للاسم والبيت واللغة والهوية.

أثر المخيم: رفحاء وإيران لا تظهران كمكانين فقط، بل كمرحلتين في تشكل شخصية المنفي.

أثر النجاة: الوصول إلى كندا لا ينهي المأساة؛ ينقلها إلى الداخل. لذلك تصبح الجملة الأخيرة شديدة الدلالة: «أنا لا أتذكره، بل أعيشه.» وهذه ربما أهم نتيجة للفصل كله: الماضي لم يعد ماضيًا زمنيًا، بل حاضرًا نفسيًا.

2. هل الأسلوب المسرحي مناسب؟

مناسب نعم، بل أراه من أنجح الاختيارات الفنية في هذا الفصل، لكن الأدق أن نسميه سردًا دراميًا/سينمائيًا ذا بنية إذاعية، وليس مسرحًا بالمعنى التقليدي. وجود:

ميكرو (1) — ميكرو (2)

المذيع، المخرج، الكاميرا، الضوء الأحمر، الصمت، الاستراحة، المؤثرات الصوتية. يجعل القارئ لا يقرأ الحكاية فقط، بل يشاهدها ويسمعها في مخيلته.

وهذا مناسب جدًا لموضوع الرواية، لأن القضية هنا هي: كيف تتحول الذاكرة إلى شهادة؟ فالبرنامج الوثائقي يصبح داخل الرواية جهازًا لإعادة إنتاج الماضي. وهنا توجد لمسة ميتاسردية جميلة: الرواية تروي أشخاصًا يروون حياتهم أمام برنامج يسجل روايتهم. أي: حياة تتحول إلى ذاكرة ثم تصبح شهادة فتسجيل فرواية.

3. لماذا كان الأسلوب المسرحي ضروريًا هنا؟

لو استمر الكاتب في السرد التقليدي لؤي يقول: حدث كذا، ثم حدث كذا، ثم حدث كذا، لربما أصبحت التفاصيل التاريخية ثقيلة. أما الحوار بين لؤي وكوكوش فيجعل التاريخ يخرج من أفواه أصحابه. وهذا مهم جدًا لأن الفصل يريد أن يقول ضمنيًا:

التاريخ ليس فقط ما تكتبه الدول في الوثائق؛ التاريخ أيضًا ما بقي في أجساد الذين عاشوه. لذلك تصبح الأنفاس، الترددات، الصمت، البكاء، ارتجاف الصوت، وحتى طلب التدخين، جزءًا من الوثيقة.

4. التصعيد الفني في الفصل

أرى أن الفصل مبني على تصعيد واضح: استدعاء الماضي ثم الاعتراف، وصف التهجير، وصف المخيم، وصف إيران ثم كندا وفيها عودة الذاكرة وعودة الجرح النفسي.. والتصعيد لا يحدث بالأحداث فقط، بل بدرجة الاقتراب من الجرح. في البداية نتلقى معلومات عن التهجير. ثم نسمع التجربة. ثم ندخل إلى تفاصيل التحقيق. ثم نشاهد الإهانة. ثم نصل إلى المخيم. ثم إلى الاغتراب. ثم كندا. ثم نكتشف أن الخروج الجغرافي لم يكن خروجًا نفسيًا. وأخيرًا ندخل إلى الوعي المضطرب للناجي في مقطع: «أيها الصبي القاتل، لماذا فتحت الباب على نهايتنا؟» هنا ينتقل السرد من الذاكرة الجماعية إلى الذاكرة الشخصية المريضة بالذنب. وهذا انتقال فني مهم.

5. الحنين في الفصل ليس حنينًا تقليديًا

أعجبني توظيف الحنين بطريقتين مختلفتين. ( اللي مضيع وطن، وين الوطن يلقاه) لؤي يستدعي الوطن عبر الشعر الشعبي والغناء، بينما كوكوش تستدعيه عبر الأشياء الصغيرة: البيت، المفتاح، شهادة الميلاد، رائحة البصرة، اللغة، اسمها.

وهذا يعطي الحنين بعدين:

لؤي: الوطن بوصفه ذاكرة جماعية.

كوكوش: الوطن بوصفه ذاكرة شخصية وجسدًا وهوية.

والأجمل أن الحنين لا يتحول إلى تمجيد ساذج للوطن؛ فالوطن نفسه هو الذي طردهما أو عجز عن حمايتهما.

لذلك تأتي عبارتها: «لم نغادر الوطن... الوطن هو الذي غادرنا.» كأنها قلبٌ لمعنى المنفى.

6. كوكوش و«فتح الباب»: من أجمل التحولات النفسية

الخاتمة هنا مهمة جدًا لأنها تفتح جرحًا جديدًا لم يكن حاضرًا بهذه القوة. «أيها الصبي القاتل، لماذا فتحت الباب على نهايتنا؟» الصبي هنا ليس مجرد شخصية من الماضي؛ إنه جزء من ذاكرة لؤي لم يستطع التصالح معه.

والأقوى: «كنت فقط مطيعًا.» هذه العبارة تنقل المسألة من الذنب الفردي إلى المسؤولية تحت الإكراه. هل هو مذنب لأنه فتح الباب؟ أم ضحية لأنه كان طفلًا؟ هل الهروب فعل نجاة أم فعل تسبب في كارثة؟ ثم تأتي: «الاعتراف مخدر مؤقت للضمير.» وهنا يتحول البرنامج نفسه إلى نوع من محاولة التطهير النفسي. لكن الكاتب لا يمنحنا تطهيرًا كاملًا، لأن الماضي يعود فورًا في الحوار مع إيما: «لأني لم أعشه كاملا.» وهذه من أقوى جمل الفصل. لأنها تفسر لماذا لا تكفي الذاكرة وحدها: هناك فرق بين أن تتذكر ما حدث، وأن تستوعب أنك كنت تعيشه وأنت عاجز عن فهمه.

7. هل طبيعة البث والإخراج هي التي فرضت هذا الأسلوب؟

جزئيًا نعم، لكن الكاتب استثمر طبيعة البث عمدًا. الكاميرا والميكروفون والمخرج والاستراحة والإضاءة ليست تفاصيل تقنية مجانية؛ إنها أدوات سردية. فالبرنامج يسمح للكاتب بأن يفعل ثلاثة أشياء في وقت واحد: يستعيد الماضي. ويُظهر أثر الماضي على الشخصيات في الحاضر. ثم يجعل القارئ واعيًا بأن ما يقرأه هو حكاية يجري إنتاجها أمامه. وهذا الثالث هو البعد الميتاسردي.

8. لغة الفصل الثالث

اللغة هنا تختلف عن الفصلين السابقين. هي أكثر: بصرية.، صوتية.، مقطعية.، حوارية.، ذات جمل قصيرة.، تعتمد الصمت والانقطاع.، وتستعمل المؤثرات كأنها علامات ترقيم. وهذا مناسب للتحول من الرواية السردية إلى الرواية المسموعة/المشاهدة.

في بعض المواضع تشرح اللغة المعنى بعد أن تكون الصورة قد أوصلته بالفعل. مثلاً، عندما تكون الصورة قوية جدًا: خيمة، وثيقة، طفل يلتفت، باب يغلق، صوت ختم، صمت... فإن إضافة تفسير فلسفي بعدها مباشرة قد تقلل شيئًا من قوة الصورة. الصورة والصمت والحوار قوة في ذاتها؛ لأنها في هذا الفصل أقوى من الشرح.

9. هل بقي الفصل مشدودًا؟

نعم، والسبب أن الكاتب لم يجعل التوثيق هدفًا وحيدًا. التاريخ موجود، لكن وراء التاريخ سؤال عاطفي: ماذا فعل هذا التاريخ بالإنسان؟ ولهذا لا يصبح الفصل تقريرًا عن التهجير العراقي، ولا عن رفحاء، ولا عن إيران، ولا عن كندا. إنه في جوهره سؤال: ماذا يبقى من الإنسان بعدما يُنتزع من المكان مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا؟

والإجابة التي يبنيها الفصل تدريجيًا هي: يبقى الاسم، واللغة، والذاكرة، والحكاية.

ولهذا تأتي عبارة كوكوش في النهاية عن الطائر مناسبة جدًا: «الطيور، حتى حين تُحبس، تعرف أن السماء موجودة.» فهي تلخص مسارها كله: من السجن إلى التهجير إلى الاغتراب ثم إعادة تشكيل الهوية مع الاحتفاظ بإمكانية التحليق.

يبقى أن الفصل الثالث هو فصل التحول من الرواية إلى الشهادة، ومن السرد إلى الأداء، ومن استعادة الأحداث إلى استعادة أثرها النفسي. والأسلوب المسرحي/الإذاعي لم يكن زينة شكلية؛ بل خدم الفكرة الأساسية: جعل الذاكرة تتكلم بصوت أصحابها. وأقوى ما أنجزه الفصل هو أنه جعل الهجرة ثلاثية المراحل: اقتلاع من الوطن إلى إقامة في المنفى ثم اكتشاف أن المنفى انتقل إلى الداخل.

أما خاتمته فتنقل الرواية من سؤال «ماذا حدث لنا؟» إلى السؤال الأعمق: «ماذا فعل ما حدث بنا؟» وهذا بالضبط ما يجعلنا الآن مستعدين للمقطع التالي؛ لأن الحكاية لم تعد تحتاج إلى إثبات ما حدث، بل إلى كشف ما تركه ذلك كله في شخصية لؤي وكوكوش وفي علاقتهما بالحاضر، وبالزوجين، وبالحب القديم، وبفكرة الوطن نفسها.

رابعاً

عود على بدء

في بداية الفصل الثالث كان المدخل مهمًا جدًا في سياق الرواية، رغم قصره؛ لأنه يربط بين زمن الحاضر الروائي وزمن الذاكرة، ويضع حكاية لؤي وكوكوش داخل لحظة تاريخية محددة: العراق قبيل حرب 2003.

وكن الاختيار لهذه الفترة ليس اعتباطيًا. لؤي يستيقظ في كندا، في حياة عائلية هادئة نسبيًا: إيما، سارة، القهوة، الروضة، التلفاز. ثم تأتي صورة العراق على الشاشة.

هنا يحدث التصادم: من حياة المنفى المستقرة إلى صورة الوطن المضطرب إلى استدعاء الماضي. والأهم أن الكاتب لا يعيدنا إلى العراق مباشرة، بل يجعل الإعلام هو الوسيط. لؤي لا يرى العراق بعينيه، بل عبر شاشة التلفزيون. وهذا مناسب جدًا لشخصية مهاجر صار وطنه صورة وذاكرة وخبرًا تلفزيونيًا.

1. «بوش وصدام» بوصفهما حدث الساعة, فعبارة: «بدا الأمر كما لو أن صدام وبوش عالقان في خصومة شخصية» ليست مجرد تعليق سياسي؛ إنها تقدم إحساس المواطن العربي في تلك اللحظة بأن مصير بلد كامل أصبح معلقًا بين إرادتين سياسيتين، بينما السكان أنفسهم يتحولون إلى وقود.

والكاتب هنا لا يدخل في تحليل أسباب الحرب، وهذا جيد؛ لأن الرواية ليست كتابًا في التاريخ السياسي. يكفي أن يجعل الحرب الوشيكة خلفية ضاغطة على الذاكرة.

لكن هناك نقطة أدق: الحرب القادمة تعيد فتح سؤال الحرب السابقة.

لؤي يرى أخبار العراق سنة 2002/2003 تقريبًا، لكن الشاشة تستدعي له: العراق والبصرة والتهجير ورفحاء ثم المنفى. أي أن الحدث السياسي الجديد لا يخلق ذاكرته، بل يفتح ذاكرة قديمة كانت نائمة.

2. المفارقة الزمنية هي أجمل ما في البداية. لؤي في غرفة صغيرة في كندا, خارج النافذة: «أضواء السيارات العابرة» وفي التلفزيون: بغداد، صدام، التفتيش، الحرب.. ثم تتصل كوكوش وتقول: «شيء يخصنا.» وهنا تصبح كلمة «نا» مفتاحًا سرديًا مهمًا جدًا. فـ«نا» تبدأ وكأنها تشير إلى الحب القديم، لكنها سرعان ما تتسع لتشمل: طفولة مشتركة وتهجير مشترك وذاكرة مشتركة ثم منفى، فحكاية ستروى أمام العالم. وهذا انتقال ذكي من الضمير الشخصي إلى الذاكرة الجماعية.

3. لماذا الـBBC في هذا الموضع؟

وجود الـBBC ليس مجرد وسيلة لإجراء مقابلة. إنه يسمح للرواية بأن تنقل الحكاية من مستوى: «أنا أتذكر» إلى: «نحن نشهد».

وهذا مهم لأن لؤي وكوكوش عاشا تاريخًا لم يكن لهما دور في صنعه، لكنهما يحملان آثاره. الآن يأتي الإعلام ليمنحهما فرصة تحويل التجربة الشخصية إلى شهادة تاريخية. وهنا تتداخل ثلاثة أنواع من التاريخ: التاريخ الذي صنعته الدول. والتاريخ الذي عاشه الناس. والتاريخ الذي تحفظه الرواية. وهذا يتفق تمامًا مع المسار الذي بدأ يظهر في الرواية: الرواية ليست يوميات للتهجير، لكنها تجعل المعاناة الإنسانية وثيقة موازية للتاريخ الرسمي. وقد يكون وراء اللقاء هدف خفي للBBC.

4. المدخل أيضًا يهيئ للفصل الثالث، وهذا مهم بنيويًا.

المشهد يبدأ بـ: التلفزيون ثم أخبار العراق ثم اتصال كوكوش ثم الـBBC ثم رفحاء ثم الذاكرة. ثم ينتهي الفصل الثالث لاحقًا بـ: البرنامج والاعتراف والذاكرة والجرح النفسي.. أي أن البداية والنهاية متصلتان. في البداية الإعلام يوقظ الذاكرة، وفي النهاية الذاكرة تتحول إلى إعلام وشهادة. وهذه دائرة سردية جميلة: الخبر يوقظ الذاكرة، والذاكرة تتحول إلى حكاية، والحكاية تصبح وثيقة.

5. هل الفترة التاريخية مهمة للتوثيق الروائي؟

بالتأكيد نعم، ولكن أهميتها ليست في ذكر التاريخ لذاته.

تحديد هذه اللحظة يجعلنا نعرف أن الشخصيات تعيش بين حربين: حرب قديمة اقتلعتهم من العراق، وحرب جديدة تقترب من العراق وهم في المنفى، وهذا يمنح وضع لؤي النفسي معنى أقوى: لقد خرج من العراق، لكنه لا يستطيع أن يخرج من زمن العراق. ولذلك أرى أن هذه البداية القصيرة ضرورية وليست زائدة. إنها بمثابة «ساعة تاريخية» تضبط الفصل كله. ولو أردنا تلخيص وظيفتها نقديًا في جملة واحدة: اختار الكاتب لحظة ما قبل حرب 2003 ليجعل العراق يعود إلى لؤي عبر شاشة التلفزيون، فيتحول الحدث السياسي الراهن إلى محفز للذاكرة القديمة، ومن ثم إلى مناسبة لتحويل تجربة التهجير والمنفى من ذاكرة شخصية إلى شهادة روائية ذات قيمة تاريخية وإنسانية.

وهذا بالذات يجعل الفصل الثالث أكثر من فصل استرجاع؛ إنه نقطة التقاء التاريخ الرسمي بالتاريخ الشخصي.

الفصل الرابع

أولاً

العودة الى البصرة

الكاتب هنا لا يريد فقط أن يعيد لؤي وكوكوش إلى البصرة، بل يريد أن يختبر سؤالًا أكبر: ماذا يحدث للجذر حين يعود صاحبه إليه بعد أن تغيّر هو وتغيّرت الأرض؟

وأرى أن الحكاية تتحرك الآن في ثلاث دوائر متداخلة:

المنفى والذاكرة والعودة.

في المقاطع السابقة كان الوطن موجودًا في الذاكرة، ولذلك أمكن احتماله، واستعادته بالكلمات والروائح والأغاني. أما هنا فالعودة تجعل الذاكرة تصطدم بالحاضر. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كوكوش ولؤي عادا إلى المكان، لكنهما لم يعودا إلى الوطن الذي غادراه.

البصرة موجودة جغرافيًا، لكن البصرة التي في الذاكرة لم تعد موجودة بالصيغة نفسها.

ولهذا فإن الحوار: «من نحن؟ وما الجذور التي بكينا دما عليها في المنفى؟» هو في الحقيقة سؤال الفصل كله.

المفارقة الأقوى: عادوا إلى البيت، لكن البيت لم يعد لهم

مشهد منزل عائلة «تيب توب» هو حتى الآن المحور الفني الأقوى في الفصل. فالكاتب يبني المشهد بطريقة سينمائية: الزقاق نفسه، النوافذ، الطابوق، السماء... ثم فجأة: رايات جديدة، رجل مسلح، حزب، مقر، أوامر عليا، ومنع من الاقتراب. وهنا تتحول العودة إلى مفارقة موجعة: المكان الذي كان يمثل الطفولة والبيت والهوية صار مكانًا يملكه حاضر آخر.

وهذا أعمق من مجرد القول إن العراق تغير. إنه يقول إن التاريخ لا ينتظر أبناءه الغائبين. حين يعودون، يجدون أن المكان الذي تركوه قد دخل في تاريخ جديد، وربما صار غريبًا عنهم.

جاءت رحلة كندا في الرواية قبل العودة، لأن الكاتب لم يجعل العودة مباشرة. أعطى لؤي حياة كاملة في كندا: زوجة، ابنة، بيت، أمان، لغة، عمل، ثم أعاده إلى العراق. وبذلك نشأ سؤال آخر: أي الوطنين أصبح وطنه؟

كندا أعطته الحاضر والأمان، والعراق أعطاه الماضي والذاكرة. لكن العراق في 2004 لا يستطيع أن يعيد له الماضي، وكندا لا تستطيع أن تمنحه ذلك الجذر القديم.

وهذه هي مأساة الشخصية:

ليس فقدان وطن واحد، بل امتلاك وطنين ناقصين.

وجاءت الحرب هنا ليست كمجرد خلفية تاريخية فاختيار 2004 موفق جدًا من الناحية الروائية. فالكاتب لا يعيد الشخصيتين إلى عراق مستقر بعد سقوط صدام، وإنما إلى عراق دخل مرحلة أخرى من العنف والفوضى.

وهذا مهم لأن الرواية بذلك ترفض النهاية السهلة: سقط النظام وعاد المهجرون واستعادوا وطنهم ثم انتهت المأساة.

بل الرواية تقول العكس: سقوط النظام لا يعني بالضرورة استعادة الوطن.

بل قد يبدأ سؤال جديد: من يملك المكان الآن؟ ومن يملك تعريف الوطن؟ ومن يحق له أن يقول: هذا بيتك؟ ٠ولهذا كان مشهد الرجل المسلح أمام بيت كوكوش مهمًا جدًا.

هناك إسقاط سياسي واضح

الكاتب يبني تماثلًا بين مرحلتين:

النظام القديم: صادر الاسم، الهوية، البيت، وأخرج الناس من وطنهم.

الحاضر الجديد: يمنع أصحاب البيت من الاقتراب منه باسم سلطة جديدة وشعارات جديدة. وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: الرواية لا تقول إن المرحلتين متطابقتان تمامًا، لكنها تضع أمام القارئ مفارقة السلطة:

كل سلطة تستطيع أن تنتج غريبًا داخل وطنه إذا احتكرت المكان والحق في تعريف الانتماء. وهذا يجعل عبارة كوكوش: «أنا اقتلعتُ من هنا» تتطور في هذا الفصل إلى سؤال أشد قسوة:

هل يمكن اقتلاع الإنسان من وطنه مرتين؟ مرة عندما يُرحّل جسديًا، ومرة عندما يعود فلا يجد مكانه فيه.

عودة كوكوش إلى الفارسية ذكية جدًا، هذه من أجمل التفاصيل الرمزية. كوكوش التي كان اسمها نفسه موضع اتهام في التحقيق القديم، والتي عانت بسبب علاقتها باللغة والهوية الإيرانية، تستخدم الفارسية الآن للتواصل مع الرجل المسلح في بيتها القديم. هنا تنقلب الوظيفة: في الماضي كانت اللغة سببًا في الاشتباه بها.

الآن تصبح اللغة أداة للعبور إلى الآخر وفك التوتر. وهذا يضيف تعقيدًا جميلًا للشخصية؛ فهي ليست شخصية تختزل هويتها في «العراق ضد إيران»، بل تحمل البلدين داخل تجربتها.

الأسلوب في هذا المقطع

الكاتب يقترب هنا أكثر من السرد السينمائي الوثائقي.

هناك: شاشة تلفزيون. نشرات إخبارية. مراسل. لقطات الفلوجة والنجف وبغداد. انتقالات كاميرا. سيارة. مطار. فندق. فريق BBC. سترات واقية. كاميرات. منزل قديم. رجل مسلح. وهذا ليس ترفًا شكليًا؛ إنه يتناسب مع كون الرواية نفسها تستخدم الفيلم الوثائقي داخل الرواية بوصفه وسيلة لاستعادة التاريخ.

لكن توجد ملاحظة نقدية مهمة: أحيانًا يزداد الوصف السينمائي والإخباري حتى يقترب من التقرير الصحفي، خصوصًا في وصف مشاهد الحرب. قوة الرواية ستكون أكبر عندما ينتقل الكاتب سريعًا من الحدث العام إلى أثره في لؤي وكوكوش.

فالقارئ لا يحتاج أن يعرف فقط ماذا حدث في الفلوجة والنجف؛ الأهم: ماذا فعلت هذه الصور بذاكرة لؤي؟ وهنا الرواية تكون في أفضل حالاتها.

أين نجح الكاتب حتى الآن؟

أعتقد أنه نجح في خمسة أمور أساسية:

أولًا: بناء المأساة على مراحل.

لم يلقِ مأساة التهجير دفعة واحدة، بل جعلها تتراكم:

البصرة ثم التسفير ثم إيران ثم رفحاء ثم كندا ثم الذاكرة ثم العودة. وهذا أعطى المعاناة تاريخًا نفسيًا، لا مجرد تاريخ سياسي.

ثانيًا: جعل الاغتراب يتغير.

وهذه نقطة قوية جدًا في الرواية: في إيران: اغتراب قسري. في رفحاء: اغتراب الانتظار. في كندا: اغتراب الأمان. في العودة: اغتراب الجذر نفسه. وهذا تطور فني حقيقي، وليس مجرد تكرار لموضوع المنفى.

ثالثًا: جعل التفاصيل الصغيرة حاملة للتاريخ. المفتاح، الوثيقة، الاسم، المعطف، الخيمة، الطابور، الشاي، الأغنية، البيت...

هذه الأشياء الصغيرة تؤدي وظيفة أكبر من حجمها؛ إنها أرشيف شخصي للتاريخ.

رابعًا: عدم اختزال الشخصيات إلى ضحايا.

لؤي وكوكوش لا يبقيان مجرد «مهجرين». لديهما حياة جديدة، عائلات، مواقف، ذاكرة، تناقضات، وحتى اختلاف في علاقة كل منهما بالعراق.

خامسًا: خلق مفارقة العودة.

وهذه في رأيي هي النقلة الأهم . ففي السابق كان السؤال: كيف نعيش بعيدًا عن الوطن؟ أما الآن فأصبح: كيف نعيش عندما نعود إلى الوطن فلا نجده كما تركناه؟ وهذا سؤال روائي أقوى بكثير.

ما الذي يبدو أن الكاتب يريد أن يغلق الحكاية فيه؟

البنية حتى الآن توحي بأن النهاية لن تكون في استعادة البيت، بل في إعادة تعريف معنى الوطن.

الرواية بدأت تقريبًا بفكرة: «الوطن غادرنا.» ثم مرّت عبر: «نحن لا ننتمي إلا للحكاية.» والآن وصلت إلى: «لقد عدنا، لكن المكان لم يعد يعرفنا.»

لذلك أتوقع أن تكون الخاتمة الأقوى، إذا حافظ المقطع الأخير على هذا المسار، هي أن تكتشف الشخصيات أن الوطن ليس المكان الذي يمكن استعادته كما كان، بل الذاكرة والعلاقات والحكاية التي يحملها الإنسان معه، مع ضرورة مواجهة التاريخ لا الهروب منه.

بعد هذا المشهد تحديدًا، هناك ثلاثة أسئلة ينبغي أن يجيب عنها الجزء الأخير:

هل سيتمكن لؤي وكوكوش من الوصول فعلًا إلى منزل عائلة تيب توب؟

ماذا سيحدث عندما تصطدم الذاكرة القديمة بالسكان الجدد وبالعراق الجديد؟

هل ستنتهي رحلة البحث عن الجذور باستعادتها، أم باكتشاف أن الجذر نفسه أصبح ذاكرة؟

إذا استطاع المقطع الأخير الإجابة عن هذه الأسئلة دراميًا لا بخطبة فلسفية، فستكون بنية الفصول الثلاثة السابقة قد وجدت مبررها.

والأهم أن عبارة «ربع قرن من الغياب: البحث عن الجذور المقطوعة» لم تعد مجرد عنوان للبرنامج داخل الرواية؛ لقد أصبحت عنوانًا للرواية كلها تقريبًا. فالمقطع الأخير ينبغي أن يحسم: هل الجذور مقطوعة فعلًا، أم أنها ظلت حية في الذاكرة رغم اقتلاع أصحابها

ثانياً

أظن أن الرواية وصلت إلى خاتمة دائرية مقصودة، والأهم أنها لا تختم الحكاية بحلٍّ للمأساة، بل تختمها بإعادة إنتاج السؤال نفسه في زمن جديد. وهذا، في تقديري، هو مفتاح فهم النهاية كلها.

الفصل الرابع ليس مجرد فصل «العودة إلى العراق»، بل هو اختبار أخير لكل ما بنته الرواية منذ البداية.

في الفصول السابقة كان لدينا: الاقتلاع والمنفى والذاكرة والتكيف والحنين والتوثيق ثم العودة.

وفي الفصل الرابع يحدث الاصطدام: العودة ثم اكتشاف وطن مختلف ثم اكتشاف أن البيت لم يعد بيتًا ثم محاولة استعادة الذاكرة ثم العجز عن استعادتها ثم إعادة إنتاج العنف.

ولهذا فالفصل لا ينتهي عندما يكتشف لؤي وكوكوش البيتين، بل ينتهي عندما يكتشفان أن الماضي لم ينتهِ، وأن آلياته يمكن أن تعود بأسماء جديدة. وهذه نقطة مهمة جدًا.

1. البيت هو الرمز المركزي في الخاتمة، لدينا بيت كوكوش. ثم بيت لؤي.

بيت كوكوش ما زال قائمًا، لكنه لم يعد بيتها.

بيت لؤي لم يعد قائمًا أصلًا.

وهذا ترتيب شديد الذكاء:

الأول يمثل استمرار المكان وانقطاع الملكية والهوية.

الثاني يمثل محو المكان نفسه.

ثم يأتي كورنيش شط العرب، أي الفضاء العام، لنكتشف أن حتى التماثيل قد تعرضت للمحو. إذن الرواية تتحرك من: البيت، الحي، المدينة، الوطن. وفي كل مستوى هناك شيء من الماضي جرى محوه أو الاستيلاء عليه أو إعادة تعريفه. وهنا تصبح جملة: «رحلتي من كندا إلى البصرة انتهت بلا شيء.» أعمق مما تبدو. هي ليست «بلا شيء» تمامًا؛ لقد حصل على شيء أهم: حصل على الحقيقة.

الحقيقة أن الوطن الذي عاشه في الذاكرة لا يمكن استعادته بمجرد العودة الجغرافية.

2. أجمل مفارقة في النهاية: بيت كوكوش

المفارقة شديدة القوة: البيت الذي طُردت منه عائلة كوكوش بسبب «التبعية» يصبح لاحقًا مقرًا لحزب جديد. أي أن المكان نفسه يشهد تتابع السلطات والهويات: عائلة يهودية ثم عائلة كوكوش ثم سلطة حزبية قديمة ثم سلطة حزبية جديدة. والبيت وحده هو الشاهد. وهنا يتحول المنزل من مكان خاص إلى أرشيف للتاريخ العراقي. بل إن الجدار نفسه يحمل آثار التعذيب.

أي أن الكاتب جعل البيت يحتفظ بطبقات التاريخ كلها:

اليهودي، العراقي، المهجّر، الحزبي، السجين، السلطة الجديدة. وكأن الرواية تقول:

المشكلة ليست فقط أن العراقيين اقتُلعوا من بيوتهم؛ المشكلة أن البيوت نفسها أصبحت مسرحًا لتبدل أصحاب السلطة، بينما يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف.

3. مشهد الأغنية والذاكرة من أنجح مشاهد الرواية

هنا تحدث نقلة سردية جميلة.

كوكوش لا تستعيد بيتها بالوصف فقط، وإنما تستعيده بالحواس. الأغنية تفتح الذاكرة: الأصوات، الصور، الطعام، الروائح، العائلة، الطفولة. ثم يتحول المنزل إلى فضاء شبه عجائبي: «تحولت الهمسات إلى عطور وروائح طعام...» وهذا متسق جدًا مع طبيعة الرواية منذ بدايتها؛ فالذاكرة عند الكاتب ليست معلومات، وإنما حواس وأصوات وروائح وأسماء.

والأجمل أن هذا العالم لا يستمر.

باب يُغلق. وهذا الإغلاق ليس مجرد تصرف من المسؤول. إنه رمز. الذاكرة فتحت الباب، ثم جاء الحاضر وأغلقه. وكأن الماضي استطاع أن يعود لدقائق، لكنه لا يستطيع أن يستعيد المكان.

4. صفق المسؤول للباب لحظة رمزية مهمة

أعتقد أن هذه من أهم التفاصيل في النهاية. هو لا يقول: «اخرجوا.» بل يصفق الباب. وهذا يعيدنا بصورة غير مباشرة إلى كل أبواب الرواية: باب الأمن، باب الترحيل، باب الحدود، باب البيت، باب الذاكرة. وفي النهاية هناك باب جديد يغلق في وجه أصحاب البيت.

وهنا تصبح النهاية دائرية بالفعل.

5. لماذا لم يجعل الكاتب لؤي وكوكوش يستعيدان البيتين؟

لأن استعادة البيت كانت ستصنع نهاية رومانسية سهلة، بينما الرواية كلها كانت تقول شيئًا آخر. لو وجدا البيت، وبكيا، ودخلاه، واستعادا طفولتهما، لانتهت الرواية عند مستوى الحنين.

لكن الكاتب يريد أن يتجاوز الحنين إلى سؤال التاريخ.

لذلك: كوكوش تجد البيت قائمًا لكنه محتل من حاضر آخر. ولؤي لا يجد البيت أصلًا. وهكذا لا يستطيع أي منهما أن يقول: عدنا إلى وطننا. وهذه، في رأيي، هي الإجابة الأكثر اتساقًا مع الرواية.

6. ثم يأتي الكباب وشط العرب!

وهذه ليست استراحة عابرة.

بعد كل هذا التاريخ الثقيل، يذهبان إلى الكباب والضحك والأغنية. وهنا يفعل الكاتب شيئًا مهمًا جدًا: يعيد الشخصيات إلى الحياة اليومية. فهما ليسا «ضحيتين تاريخيتين» فقط. هما شخصان يريدان أن يأكلا، أن يضحكا، يغنيا، ويتسكعا على شط العرب. وهذه اللحظة بالذات تجعل الضربة التالية أكثر قسوة. لأن الرواية تقول:

حتى عندما تحاول أن تعيش لحظة طبيعية، يستطيع التاريخ أن يعود.

7. الخطف هو الصدمة الأخيرة

وهنا تصل الحبكة إلى التكرار الدائري. في البداية:

السلطة تفتح بابًا ثم يأتي التهجير. في النهاية: رجال مسلحون يقتربون ثم يُعاد الاختطاف. وبينهما ربع قرن.

ولهذا فإن عبارة: «الزمن يستدير كأفعى تعض ذنبها.» تشرح البناء كله.

المأساة ليست حادثة انتهت في الثمانينيات. المأساة هي قابلية التاريخ لإعادة إنتاج نفسه. وهذا هو أخطر ما تقوله الرواية.

8. هل الخطف في النهاية موفق؟

فنيًا: نعم، لكنه خيار شديد القسوة. وهو مناسب إذا كان هدف الكاتب أن يقول إن العودة لم تمنح الشخصيتين الخلاص الذي انتظرتاه. لكن هناك شرط مهم: يجب ألا يُقرأ الخطف باعتباره مجرد «مفاجأة تشويقية».

إذا كان مجرد محاولة لإحداث صدمة في آخر الصفحات، فهو يضعف الرواية. أما إذا كان المقصود: إعادة الشخصيتين إلى نقطة البداية، ولكن في عراق جديد وبسلطة جديدة وأدوات جديدة، فهو ناجح جدًا. وهنا يصبح الخطف خاتمة فلسفية لا حادثة بوليسية.

9. والأقوى أن الخاطفين يشبهون الماضي

العبارة: «ربما هي السيارات نفسها التي سفرت گوگوش وعائلتها إلى المجهول قبل ربع قرن.» هذه ليست حقيقة واقعية بقدر ما هي استعارة زمنية. السيارات ليست بالضرورة نفسها. لكن التاريخ نفسه يبدو كأنه عاد. وهذا من أجمل عناصر الخاتمة: الوسيلة تغيرت، لكن الإحساس لم يتغير.

في الماضي: اقتلاع. في الحاضر: اختطاف. وفي الحالتين: الإنسان يفقد حقه في تقرير مصيره.

10. أغنية «نافذتان» جاءت كخاتمة رمزية

الأغنية هنا تؤدي وظيفة شبيهة بوظيفة الأغاني السابقة، لكنها أكثر تركيزًا.

هناك: نافذتان وأسيران وواحد هنا وواحد هناك ولقاء بعيد ثم موت/تحرر.

وهذا يكاد يكون تلخيصًا شعريًا لمسار لؤي وكوكوش.

هما أصلًا: شخصان من بيتين. فرقتهما الجغرافيا. عاش كل منهما منفى مختلفًا. التقيا بعد عقود. حاولا استعادة الماضي. ثم أعادهما العنف إلى المجهول. لذلك فإن اختيار الأغنية في النهاية ليس زينة موسيقية؛ إنها تعليق شعري على المصير.

11. فلسفة الفصل الرابع

إذا أردنا اختصار فلسفة الفصل الرابع في جملة واحدة: العودة إلى الوطن لا تعني استعادة الوطن، لأن الوطن الذي تحفظه الذاكرة قد يكون قد تغير أكثر مما يستطيع الإنسان أن يتغير.

لكن هناك فكرة أعمق: الرواية لا تقول إن المشكلة في فقدان المكان فقط. بل في استمرار إنتاج الغربة داخل المكان نفسه.

وهذا يجعل الفصل الرابع امتدادًا طبيعيًا للرواية كلها:

في إيران كانا غريبين.

في رفحاء كانا غريبين.

في كندا كانا غريبين بطريقة أكثر هدوءًا.

وفي البصرة، المفارقة الكبرى:

عادا إلى وطنهما فوجدا نفسيهما غريبين فيه أيضًا. هذه هي دائرة الاغتراب الكاملة.

12. الآثار النفسية التي يتركها الفصل

الفصل الرابع يترك عدة آثار متراكبة:

أ. خيبة العودة

القارئ ينتظر لحظة اللقاء بالبيت منذ وقت طويل.

ثم تأتي النتيجة:

البيت موجود، لكنه ليس له.

ثم: البيت الآخر غير موجود.

وهذا يخلق خيبة أقوى من خيبة المنفى نفسها.

ب. انهيار وهم استعادة الماضي

الذاكرة تستطيع أن تعيد البيت في المخيلة، لكنها لا تستطيع إعادته في الواقع.

وهذه واحدة من أكثر الأفكار إيلامًا في الرواية.

ج. استمرار الصدمة

الخطف في النهاية يمنع القارئ من الاطمئنان.

الرواية لا تسمح لنا أن نقول:

«انتهت المأساة.»

بل تقول: المأساة لم تكن الماضي فقط.

د. الذنب والنجاة

منذ رفحاء كان سؤال لؤي: هل كان اختياري للنجاة صائبًا؟ ثم تأتي العودة وكأنها محاولة لمراجعة ذلك القرار.

لكنه لا يجد جوابًا. لذلك فإن النجاة نفسها تصبح تجربة ملتبسة: نجوت، لكن ماذا فعلت بي النجاة؟

13. وإذا وصلنا الفصل الرابع بالرواية كلها، يمكن الآن رؤية البناء الكامل بوضوح.

هذا بناء دائري محكم.

والأهم أن البرنامج الوثائقي داخل الرواية ليس إطارًا زائدًا كما قد يبدو في البداية؛ أصبح وسيلة لجمع الماضي كله وإعادة الشخصيات إلى نقطة البداية.

14. هل نجح الكاتب في إغلاق الحبكة؟

إلى حد كبير، نعم. لكن ليس لأنه أغلق كل الأسئلة، بل لأنه أغلق السؤال المركزي. الرواية لم تكن في جوهرها تبحث عن إجابة: «أين عاش لؤي وكوكوش؟» بل: ماذا يفعل الاقتلاع بالإنسان عبر الزمن؟ والجواب جاء تدريجيًا:

يقتلع المكان، يشطر الهوية، يحول الذاكرة إلى وطن، يجعل العودة مؤلمة، ثم يكتشف الإنسان أن التاريخ قادر على إعادة إنتاج غربته.

وهذا يتوافق بقوة مع أهداف الرواية.

15. أعتقد أن أهم إنجاز للرواية هو أنها لم تجعل المنفى جغرافيا فقط.

فالمنفى تحول إلى حالة وجودية. لؤي يستطيع أن يعيش في كندا، لكن جزءًا منه في رفحاء.

وكوكوش تستطيع أن تعيش في كندا، لكن جزءًا منها في البصرة وإيران.

وعندما يعودان إلى البصرة، لا يعود الجزء المفقود إلى مكانه. وهكذا تصبح الرواية في جوهرها رواية عن: الاقتلاع، والذاكرة، والهوية، والنجاة، واستحالة العودة الكاملة.

وأخيرًا: هل النهاية معبرة عن أهداف الرواية؟

أقول: نعم، وبقوة، إذا قرأناها رمزيًا لا بوصفها نهاية مغامرة.

لكن لدي ملاحظة نقدية واحدة على الخاتمة:

الخطف قوي جدًا، ولذلك يحمل خطر أن يطغى على كل ما سبقه.

كلما كانت الصفحات الأخيرة أكثر هدوءًا واختصارًا، وكلما ترك الكاتب للقارئ مساحة ليفهم معنى التكرار بنفسه، أصبحت النهاية أكثر أدبية.

أما إذا توسع بعد الخطف في شرح ما حدث أو تفسيره، فسيفقد المشهد بعض قوته.

فاللحظة الأخيرة المثالية للرواية تكاد تكون هي:

اختفاء الصوت، الأغنية، الصمت. وهذا ينسجم بصورة مذهلة مع بداية الرواية التي بدأت أصلًا من صوت وذاكرة.

وكأن الرواية تقول في آخر لحظة: بدأنا بمحاولة تذكّر ما حدث، وانتهينا بحادثة جديدة لا نعرف بعد كيف ستُروى.

وهنا تصبح الرواية نفسها جزءًا من الحكاية: الحكاية التي نجت لأن أحدًا استطاع أن يرويها قبل أن يغلق الباب من جديد.

سردية موازية

Dixie Road 12220

Mississauga, ON L5B 2C9

Canada

لو شئت، تعال إلى العنوان. ستجدني بانتظارك، أدعوك إلى قدح شاي عراقي ثقيل، وأحكي لك المزيد مما فاتني ذكره. لكن لا تبحث عن مكان يُدعى منزل تيب توب"، فقد مر على ذلك أكثر من نصف قرن. ربما أزالوه، وربما أزالوا الشارع نفسه، وربما أزالوا المدينة ... البصرة بأكملها. لكن من يستطيع أن يزيل ذاكرة صديقين قالا ما عندهما من مأساة وملهاة للعالم كله؟

هذه سردية موازية كما جعلها الكاتب مادة لوحدها لا مع الفصل الثالث ولا مع الفصل الرابع، وهي دعوة تتضمن تاريخا ورؤية

عزل هذه الفقرة عن الفصلين الثالث والرابع قرار سردي مقصود وذكي، وأظن أن أهميتها أكبر من كونها مجرد «دعوة» من كوكوش إلى لؤي.

هي أقرب إلى سردية موازية قصيرة، أو عتبة بين الرواية والحكاية والشهادة.

لو وُضعت داخل الحوار مباشرة، لبدت جزءًا من الحديث بين لؤي وكوكوش. أما حين تُفصل هكذا، فإنها تكتسب استقلالًا دلاليًا، وكأن الرواية تتوقف لحظة لتقول للقارئ: هذه ليست معلومة عابرة؛ هذه وثيقة وجدانية عن المكان والذاكرة.

العنوان نفسه:

Dixie Road 12220 — Mississauga, ON — Canada

يؤدي وظيفة شديدة الأهمية.

فهو يضع أمامنا عنوانًا حقيقيًا/معاصرًا في مواجهة المكان الذي اختفى: «منزل تيب توب» وهنا تحدث المفارقة: عنوان حاضر يمكن الوصول إليه مقابل بيت ماضٍ لا يمكن الوصول إليه. وهذه في رأيي هي الفكرة المركزية في الفقرة. إنه عنوان مقابل الذاكرة. وكوكوش تستطيع أن تقول للؤي: «لو شئت، تعال إلى العنوان.» مكان حاضر يمكن الوصول إليه.

لكنها في اللحظة نفسها تقول له: «لا تبحث عن مكان يُدعى منزل تيب توب.» أي أن المكان الأهم في حياتهما لم يعد موجودًا. وهكذا يصبح لدينا نوعان من المكان:

المكان الجغرافي: Dixie Road، يمكن تحديده على الخريطة. المكان الذاكروي: بيت تيب توب، لا يوجد إلا داخل الذاكرة. وهذه ثنائية عميقة جدًا في الرواية كلها.

المهاجر يستطيع أن يصل إلى أي عنوان، لكنه لا يستطيع الوصول إلى المكان الذي تركه وراءه. «ربما أزالوا المدينة» جملة تتجاوز البيت، التدرج هنا مهم جدًا: ربما أزالوه، ربما أزالوا الشارع نفسه، ربما أزالوا المدينة، البصرة بأكملها

الكاتب يبدأ من البيت ثم يوسّع دائرة الفقد: بيت، شارع، مدينة، وطن. وهذا يلخص تجربة التهجير كلها في أربع درجات. فالخوف الحقيقي ليس أن يضيع البيت؛ بل أن يأتي يوم لا يعود فيه حتى المكان الذي كان البيت جزءًا منه موجودًا بالصورة التي عرفها. ثم تأتي الجملة التي تمنح الفقرة معناها الكامل «لكن من يستطيع أن يزيل ذاكرة صديقين...» فقد تُمحى الجغرافيا، لكن لا يمكن محو الذاكرة. وقد يختفي البيت والشارع، لكن الرواية تعيد بناءهما بالكلمات. وهنا تتضح الوظيفة الميتاسردية للفقرة: ما عجز التاريخ عن حفظه، تحاول الرواية أن تحفظه. فالرواية نفسها تصبح نوعًا من بيت بديل للذاكرة.

لماذا «مأساة وملهاة»؟

هذه العبارة مهمة لأنها تمنع الرواية من التحول إلى سجل مآسٍ فقط. لؤي وكوكوش لم يعيشا الموت والتهجير والخوف فقط؛ عاشا أيضًا: طفولة. صداقة. حبًا. ضحكًا. تفاصيل يومية. أغاني. طعامًا. أحلامًا. أي أن الكاتب يريد حفظ الحياة التي كانت داخل المأساة، وليس المأساة وحدها. وهذا أكثر إنسانية من تحويل الشخصيات إلى مجرد «ضحايا تاريخ».

وهي أيضًا دعوة للقارئ، لا للؤي وحده. ظاهريًا تقول كوكوش: تعال إلى عنواني. لكن على مستوى أعمق، النص يقول للقارئ: تعال معي إلى المكان الذي لم يعد موجودًا. وهذا مهم جدًا لأن القارئ، بعد صفحات التهجير والمنفى، يُدعى للمرة الأولى إلى الدخول إلى الذاكرة بوصفها مكانًا. فالعنوان الكندي هو الباب، لكن الوجهة الحقيقية ليست ميسيساغا. الوجهة هي: البصرة القديمة.

وتأتي هذه السردية مستقلة بين الفصلين، لأنها تعمل كـ مفصل.

الفصل الثالث كان استعادة جماعية للماضي عبر البرنامج الوثائقي. أما هذه الفقرة فتخرج من الاستوديو ومن التقنية ومن الميكروفونات، وتعيدنا إلى الصوت الإنساني الخاص بين صديقين. ثم يمكن أن يأتي الفصل الرابع وقد حمل معه سؤالًا جديدًا: بعد أن حكينا الماضي، ماذا بقي لنا في الحاضر؟

إذن الفقرة تغيّر زاوية النظر.

الفصل الثالث يقول: نحن نروي ما حدث. السردية الموازية تقول: ما حدث انتهى، لكن المكان الذي حدث فيه لم يعد موجودًا؛ لذلك لم يبقَ إلا أن نعيده بالكلام. وهي أيضًا إعلان عن وظيفة الرواية نفسها. فالكاتب هنا يكاد يعلن للقارئ، من دون أن يقول ذلك مباشرة: هذه الرواية ليست فقط عن شخصين هُجّرا من البصرة؛ إنها محاولة لإنقاذ عالم كامل من المحو. لذلك تصبح «تيب توب» أكثر من منزل. إنها رمز لعالم اجتماعي كامل: بيت، شارع، طفولة، مدينة، علاقات، لغة، ثقافة، وطن.

ولهذا فإن عبارة: «ربما أزالوا المدينة.. البصرة بأكملها»

ويمكن قراءتها أيضًا بوصفها خوفًا من محو الذاكرة الجماعية. لكن الكاتب يرد على هذا الخوف بالرواية نفسها: «من يستطيع أن يزيل ذاكرة صديقين؟» والإجابة الضمنية: لا أحد، ما دامت الذاكرة قد تحولت إلى سرد.

أرى أن عزل هذه الفقرة موفق؛ لأنها ليست فصلًا من الأحداث بقدر ما هي تعليق روائي على الأحداث. ولهذا يمكن اعتبارها «وثيقة ذاكرة» داخل الرواية، بل وربما واحدة من العتبات التي تكشف وعي الكاتب بأن الرواية نفسها أصبحت وسيلة لإنقاذ ما لم يعد له مكان على الخريطة

تحليل أدبي للرواية

ما يلفتني في قراءة الرواية بوصفها بناءً كليًا، أنها لا تريد أن تكون مجرد حكاية تهجير عراقيين، ولا مجرد رواية عن صديقين افترقا ثم التقيا؛ بل تبني فوق هذه الحكاية سؤالًا أكبر: ماذا يفعل التاريخ بالإنسان بعد أن ينتهي الحدث السياسي؟ والأهم أن النهاية تعيد تفسير أجزاء كثيرة مما سبقها.

أولًا: الفكرة العميقة للرواية

يمكن اختزال مركز الرواية في جملة: الوطن يمكن أن يُنتزع من الجغرافيا، لكنه لا يُنتزع من الذاكرة؛ غير أن الذاكرة نفسها قد تتحول إلى منفى إذا عجز الإنسان عن التصالح معها. لذلك فالرواية تتحرك في ثلاثة مستويات متداخلة: الوطن والمنفى والذاكرة. لكنها لا تتوقف عند المنفى الجغرافي.

لؤي وكوكوش يخرجان من البصرة، إلى إيران ورفحاء، ثم كندا، لكن المشكلة لا تنتهي عند الوصول إلى المكان الآمن. فهناك تبدأ مرحلة أخرى: المنفى الداخلي. وهذا هو السبب في أهمية العبارة المتكررة في الرواية حول أن اللاجئ لا "يصل" تمامًا.

كندا تمنحه الأمان، لكنها لا تمنحه الماضي. والعودة إلى البصرة لا تعيد الماضي أيضًا. وهنا تبلغ الرواية سؤالها الفلسفي: إذا عدت إلى المكان الذي فقدته، ولم تجد المكان الذي تتذكره، فأين يكون الوطن؟ وهذا سؤال أقوى بكثير من مجرد سؤال "هل يعود المهاجر إلى وطنه؟".

ثانيًا: الرواية في جوهرها رواية عن الزمن، ولكنها لا تستخدم الزمن كخلفية للأحداث فقط، وإنما تجعل الزمن شخصية خفية.

لدينا: البصرة في الطفولة. التهجير. إيران. رفحاء. كندا. لقاء تورنتو. البرنامج الوثائقي. العودة إلى البصرة عام 2004. ثم النهاية العنيفة.. أي أن الماضي لا يسير وراء الحاضر بصورة خطية، وإنما يعود إليه باستمرار. وهذا قريب جدًا مما تسميه السرديات الحديثة دراسة العلاقة بين زمن القصة وزمن الخطاب: فالاسترجاع، والقفز الزمني، وإعادة الحدث من منظور جديد، كلها تجعل القارئ لا يعيش الأحداث بحسب ترتيبها الزمني البسيط. لكن الكاتب يذهب أبعد من مجرد الاسترجاع الفني، الماضي في الرواية لا يُسترجع؛ بل يقتحم الحاضر. وهذا يفسر النهاية.

ثالثًا: معنى النهاية

النهاية في رأيي هي أكثر أجزاء الرواية قابلية للنقاش، لكنها ليست اعتباطية. لؤي يعود إلى البصرة لكي يبحث عن البيت. فيجد: بيت كوكوش موجودًا، لكنه لم يعد بيتها. بيت لؤي اختفى تمامًا. المكان نفسه صار مسرحًا لتحولات سياسية جديدة. البيت الذي كان عائليًا أصبح مقرًا سياسيًا. الماضي اليهودي للمكان يظهر. الماضي البعثي يظهر. الحاضر الإسلامي السياسي يظهر. ثم يعود العنف في النهاية. إذن البيت نفسه يتحول إلى صورة مصغرة للعراق. وهذه من أنجح الرموز في الرواية.

أي أن البيت لم يعد ملكًا لأحد.

وهنا يصبح عنوان "البيت" أوسع من المنزل: العراق نفسه بيتٌ تتعاقب عليه السلطات، بينما يبقى أهله الأصليون في حالة بحث عنه.. هذه فكرة قوية جدًا.

رابعًا: لماذا كان وجود البيت اليهودي مهمًا؟ هذه ليست معلومة تاريخية عابرة. إنها توسع دائرة الرواية من مأساة كوكوش ولؤي إلى تاريخ العراق المتعدد الذي تم محوه طبقة بعد طبقة. البيت له أكثر من هوية: بيت عائلة يهودية. بيت عائلة عراقية مهجرة. مقر سلطة سياسية. مكان تعذيب. ثم موقع ذاكرة. وأخيرًا مكان تصوير رواية الماضي. وهنا تظهر فكرة عميقة: المكان لا يملك ذاكرة واحدة. فكل جماعة تترك أثرها فيه، ثم تأتي جماعة أخرى وتمحو بعض الأثر وتضيف أثرًا جديدًا. فالمكان والزمن لا يعملان منفصلين، بل يصبح المكان حاملًا للتاريخ، وتصبح الأحداث السياسية متجسدة في الأمكنة. ولهذا فإن العودة إلى البيت ليست عودة إلى مكان، وإنما دخول إلى طبقات زمنية متراكبة.

خامسًا: الشخصيات وقيمتها الفنية

1. لؤي: لؤي ليس بطلًا تقليديًا. إنه بطل الذاكرة. هو لا يخوض مغامرة بحثًا عن الثروة أو السلطة أو الحب، بل يخوض رحلة بحث عن: "من أنا بعد كل هذا؟" لؤي نفسه موزع بين:البصرة.، رفحاء.، كندا.، الماضي. الحاضر. الأسرة الجديدة. الصداقة القديمة. الطفل الذي كانه. الرجل الذي أصبحه. ولهذا فهو شخصية ذات هوية مركبة. والميزة أن الكاتب لا يجعله ضحية صامتة فقط؛ فهو يراقب ويسأل ويسخر أحيانًا ويشك في نفسه، ولذلك تصبح الشخصية أوسع من وظيفة "اللاجئ".

لكن توجد مشكلة فنية: أحيانًا يتحدث لؤي بوعي نقدي وفلسفي أعلى مما تسمح به شخصيته في بعض اللحظات، فيبدو لسانًا للكاتب أكثر منه شخصية مستقلة.

2. كوكوش: أعتقد أن كوكوش هي أقوى شخصية فنيًا في الرواية، لأنها تحمل تناقضات الرواية كلها: عراقية، مُهجّرة، عاشت في إيران، حملت اسم مطربة إيرانية، تعرضت لمحاولة إعادة تعريف هويتها، تعلمت لغة المكان الجديد، ثم حملت ذاكرتها العراقية، وعادت إلى بيتها القديم، فوجدت أن البيت لم يعد لها.

اسمها نفسه يصبح رمزًا.

كوكوش يساوي الاسم الذي نجا من محاولة محو الهوية. وهذه لعبة رمزية ذكية. كما أن علاقة كوكوش بالمطربة الإيرانية تمنح الرواية بعدًا ميتاسرديًا، الاسم الحقيقي يدخل في علاقة مع الاسم الفني، والشخصية الروائية تتقاطع مع شخصية ثقافية حقيقية في الذاكرة.

3. إيما: إيما ليست شخصية مركزية، لكنها مهمة جدًا. هي تمثل: الحاضر الآمن. وفي مقابلها يمثل العراق: الماضي الخطر. لذلك اعتراضها على سفر لؤي ليس مجرد موقف زوجة خائفة على زوجها؛ بل يمثل صراعًا بين عالمين: حياة جديدة تريد الاستقرار، وماضٍ يريد استعادة حقه في الذاكرة.

4. سارة: وجودها قليل لكنه رمزي. السؤال: ماذا ستخبر ابنتي سارة زميلاتها عن بلدها العراق؟ يكشف أن القضية لم تعد قضية لؤي وحده، إنها قضية انتقال الذاكرة بين الأجيال، هل يرث الطفل وطنًا لم يعشه؟ وهل يمكن أن يكون العراق جزءًا من هوية شخص وُلد في كندا؟ هذا سؤال مهم جدًا في الرواية.

سادسًا: نوع الحبكة

الحبكة ليست حبكة بوليسية ولا حبكة مغامرة بالمعنى التقليدي. إنها حبكة دائرية ذات بنية استرجاعية وميتاسردية. البداية كانت الخروج من العراق. والنهاية هي العودة إلى العراق ثم الخروج منه مرة أخرى، لكن هذه المرة بالعنف. وهذا يعطي الرواية شكلًا دائريًا. لكنها ليست دائرة كاملة؛ لأن لؤي في النهاية ليس الشخص نفسه الذي خرج في البداية. وهنا تصبح الرحلة: رحلة مكانية دائرية، لكنها رحلة نفسية تصاعدية.

سابعًا: أهم سيميائيات الرواية

الرواية غنية جدًا بالعلامات.

الباب من أهم الرموز، فالباب في البداية باب الخروج من البيت. وفي الذاكرة الباب الذي فتحه الصبي فدخل منه المصير. وفي النهايةباب البيت الذي أُغلق تاريخيًا وسياسيًا. ولهذا فإن "فتح الباب" ليس حدثًا صغيرًا، بل يتحول إلى علامة على بداية الكارثة.

النافذة

النوافذ تتكرر مع رؤية الماضي، النظر من الخارج، الفراق، أغنية "نافذتان". والنافذة هي الحد الفاصل بين: من هو داخل الوطن ومن هو خارجه. ولهذا فإن أغنية "نافذتان" في النهاية ليست مجرد موسيقى؛ إنها تلخص علاقة الشخصيتين بالمكان: اثنان متباعدان، لكنهما ينظران إلى العالم من نافذتين متقابلتين.

البيت

أقوى رمز في العمل. البيت = الوطن. لكن الرواية تفكك هذه المعادلة: البيت يمكن أن يبقى قائمًا، بينما الوطن يختفي. ويمكن أن يهدم البيت، بينما تبقى صورته في الذاكرة.

الاسم

اسم كوكوش من أجمل العلامات السيميائية. الاسم الذي كان يفترض أن يكون علامة حب الأب يصبح: دليل اتهام. وهنا يحدث انقلاب سيميائي، ما هو شخصي يصبح سياسيًا.

الطريق

الطريق ليس انتقالًا فقط. هو:

المنفى. كل طريق يقود إلى مكان جديد، لكنه لا يقود إلى "الوصول". ولهذا تتكرر الحدود والطائرات والمخيمات والمطارات.

ثامنًا: الأسلوب المسرحي والوثائقي

هنا أرى أن الكاتب قام بتجربة لافتة. البرنامج الوثائقي ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبح جزءًا من بنية الرواية نفسها. أي أننا أمام: رواية داخلها برنامج وثائقي، وداخل البرنامج شهادات، وداخل الشهادات ذكريات، وداخل الذكريات مشاهد متخيلة. هذه بنية ميتاسردية واضحة. والكاتب يجعل القارئ يتساءل: هل ما أشاهده وثيقة؟ أم ذكرى؟ أم رواية؟ أم إعادة بناء فنية للوثيقة؟ وهذا التردد مقصود.

والسرد الحديث كثيرًا ما يستفيد من تعدد المستويات السردية ومن التمييز بين الحدث وطريقة إنتاج الخطاب عنه.

تاسعًا: هل الأسلوب المسرحي مناسب؟

نعم، لكنه مناسب بدرجة أكبر في المقاطع الوثائقية منه في السرد الروائي كله. المقاطع التي تعتمد: المذيع، الميكروفون، الكاميرا، المخرج، الموسيقى، المؤثرات، القطع، الصمت. تمنح الرواية طبيعة شبه سينمائية. وهذا مناسب جدًا لموضوعها؛ لأن الذاكرة هنا ليست فقط كلامًا، وإنما صورة وصوت ووثيقة وشهادة.

عاشرًا: تعدد الأصوات

الرواية ليست ذات صوت واحد. لدينا: صوت لؤي. صوت كوكوش. صوت المذيع. صوت المخرج. صوت الذاكرة. صوت الوثيقة. صوت الأغنية. صوت المكان. أصوات السلطات. أصوات اللاجئين.

وهذا يجعلها قريبة من مفهوم التعدد الصوتي والحوارية؛ فالرواية الحديثة تستطيع أن تجمع لغات اجتماعية ومواقف أيديولوجية مختلفة، بدل أن تكون مجرد صوت المؤلف الواحد.

لكن التعدد الصوتي هنا ليس كاملًا دائمًا؛ لأن صوت الكاتب التحليلي يعود أحيانًا ليفسر لنا ما ينبغي أن نستنتجه من المشهد. وهذا يقلل قليلًا من استقلالية الأصوات.

الحادي عشر: الرواية والتاريخ

هذه من أهم خصائص العمل.

الرواية تقول ضمنيًا: التاريخ الرسمي لا يكفي. التاريخ يقول: حرب. تهجير. مخيم. نظام سياسي. سقوط نظام. احتلال. حكومة جديدة.

أما الرواية فتقول: ماذا حدث للإنسان عندما وقعت هذه الأشياء؟ وهنا تتحول الرواية إلى تاريخ من الأسفل. تاريخ الطفل. تاريخ الأسرة. تاريخ الاسم. تاريخ البيت. تاريخ الجسد. تاريخ الذاكرة.

وهذه قيمة مهمة جدًا للعمل.

فالرواية لا تنافس الكتاب التاريخي في توثيق الوقائع، بل تكشف الحقيقة الشعورية للتاريخ.

الثاني عشر: الإسقاط السياسي

الكاتب لا يتوقف عند إدانة النظام الذي هجّر الشخصيات.

وهذه نقطة جيدة. لأن العودة إلى البصرة تكشف أن سقوط نظام قديم لا يعني بالضرورة استعادة الوطن.

كوكوش تجد بيتها وقد أصبح مقرًا لقوة سياسية جديدة. وهكذا تنتقل الرواية من: مأساة التهجير القديم. إلى: مأساة الوطن الذي لم يتعلم من تاريخه. وهذه من أكثر الأفكار السياسية عمقًا في الرواية. فالمشكلة ليست فقط: "من ظلمنا؟" بل: لماذا يعيد المكان إنتاج علاقات القوة نفسها بأسماء مختلفة؟ وهنا تصبح الرواية أوسع من قضية المهجرين.

الثالث عشر: العودة ليست خلاصًا

هذه ربما الفكرة الأهم في الفصل الرابع. الروايات التقليدية عن المنفى كثيرًا ما تنتهي بالعودة. أما هنا: العودة لا تعيد الوطن. بل تكشف استحالة العودة.

لؤي يعود: إلى مكانه، لكنه لا يعود إلى وطنه. وكوكوش ترى غرفتها: لكنها لا تستعيد طفولتها. والبيت موجود، لكنه ليس بيتها. والبيت الآخر هُدم. ثم يحدث الاختطاف في النهاية. إذن العودة لم تكن "حل العقدة". كانت كشفًا للعقدة.

الرابع عشر: النهاية العنيفة: هل هي موفقة؟ هنا يجب أن نكون دقيقين. من ناحية الدلالة، النهاية قوية جدًا. لأن التاريخ الذي ظن الشخصيتان أنه أصبح ماضيًا يعود فجأة في صورة عنف جديد. وهذا يحقق العبارة السابقة: الزمن يستدير كأفعى تعض ذنبها. أي أن الماضي لم ينته.

لكن من الناحية الفنية هناك مشكلة محتملة: الانتقال من التأمل والذاكرة إلى الاختطاف سريع جدًا. لذلك يمكن أن يشعر القارئ بأن الكاتب احتاج إلى "حدث صادم" لإغلاق الرواية. وهذا قد يراه بعض النقاد تصعيدًا دراميًا زائدًا.

لكن إذا قرأنا النهاية باعتبارها رمزًا لا مجرد حادثة، فإنها تصبح أكثر قوة: الشخص الذي عاد بحثًا عن ذاكرته يجد أن التاريخ ما زال قادرًا على اختطافه. أي أن الرواية تنتهي حيث بدأت فلسفيًا: الإنسان لا يستطيع أن يخرج بسهولة من التاريخ الذي صنعه.

الخامس عشر: ما الذي تتركه الرواية نفسيًا؟

أعتقد أن أثرها النفسي الأساسي ليس الحزن. بل القلق من فقدان المكان.

القارئ يخرج منها وهو يشعر أن: البيت ليس مضمونًا. الاسم ليس مضمونًا. اللغة ليست مضمونة. الذاكرة معرضة للمحو. الوطن يمكن أن يتحول إلى صورة. العودة ليست دائمًا خلاصًا. النجاة لا تعني انتهاء المأساة. والأهم: أن الإنسان قد ينجو جسديًا، لكنه يحمل الحدث معه طوال حياته. ولهذا جاءت جملة: "أنا لا أتذكره، بل أعيشه." كأنها المفتاح النفسي للرواية كلها.

السادس عشر: إلى أي جنس أدبي تنتمي الرواية؟ وأي منهج يمكن أن تنتسب إليه؟

أولا: أنا لا أضعها في خانة "الرواية التاريخية" وحدها. الأدق أنها: رواية ذاكرة ومنفى ذات بنية وثائقية وميتاسردية. ويمكن وصفها أيضًا بأنها: رواية تاريخية-نفسية / رواية اغتراب / رواية وثائقية متخيلة. وفيها عناصر من:

الرواية التاريخية. رواية المنفى. الرواية السياسية. الرواية النفسية. الرواية الوثائقية. الرواية الميتاسردية. الرواية ذات الطابع السينمائي. لكن المركز الحقيقي هو رواية الذاكرة والمنفى.

ثانيًا: إلى أي المناهج الأدبية تنتمي الرواية؟

المنهج النقدي الأنسب للرواية هو منهج مركب، وهنا يجب التفريق بين الجنس الأدبي والمنهج النقدي.

الرواية لا "تنتمي" إلى منهج نقدي؛ بل يمكن قراءتها بمناهج متعددة.

أما من حيث طبيعتها الفنية، فأقرب تصنيف لها هو: رواية الذاكرة والمنفى ذات البنية الوثائقية والميتاسردية. ويمكن أن نضع تحتها:

- الرواية التاريخية، لأنها تستند إلى أحداث عراقية حقيقية وتحولات سياسية.

- رواية المنفى والاغتراب

لأن تجربة الاقتلاع وإعادة بناء الهوية هي مركزية.

- الرواية النفسية، لأن الحدث الحقيقي المهم فيها هو ما يفعله التاريخ داخل النفس.

- الرواية الوثائقية، بسبب البرنامج، التسجيل، المقابلات، الأخبار، الأصوات، والشهادات.

- الرواية الميتاسردية، لأن الرواية تتحدث عن صناعة الحكاية وتسجيلها وعرضها، وتضع فعل السرد نفسه داخل الرواية.

لكنني لا أساوي بين هذه المستويات.. المركز هو رواية الذاكرة والمنفى، أما المناهج النقدية الأنسب:

* المنهج السردي هو الأول

لأنه يكشف: تعدد الرواة. الاسترجاع. القفز الزمني. مستويات الحكاية. البرنامج داخل الرواية. الحوار. المونولوج. تغير وجهة النظر.

وهذا مهم جدًا لأن الرواية لا تسرد الماضي من بدايته إلى نهايته، بل تعيد تركيبه من الحاضر.

* نقد الذاكرة، وهو في رأيي المنهج الأعمق، لأن السؤال الحقيقي: كيف تتشكل الذاكرة؟ وكيف تنتقل من: ذاكرة فردية إلى ذاكرة عائلية إلى ذاكرة جماعية إلى ذاكرة وطنية؟

* نظرية الصدمة، وهي مهمة جدًا لفهم: التكرار. العودة القهرية للماضي. اضطراب الزمن. الخوف. عدم القدرة على إغلاق الحدث. النهاية التي تعيد إنتاج العنف.

دراسات الصدمة السردية نفسها تستخدم أحيانًا الجمع بين الذاكرة والفضاء والزمن لفهم كيفية تمثيل التجربة الصادمة.

* باختين: الحوارية والكرونوتوب (وهو مصطلح أدبي عند النتقد الروسي ميخائيل باختين، يعني الزمكان، أي الامتزاج المتبادل بين الزمان والمكان في العمل الأدبي) وهذا المنهج مهم بصورة استثنائية هنا. لأن الرواية كلها قائمة على أماكن مشحونة بالزمن: البصرة وإيران ورفحاء وميسيساغا وتورنتو ثم البصرة من جديد. كل مكان ليس مجرد جغرافيا؛ بل مرحلة في تكوين الشخصية. ولهذا يمكن القول إن الرواية تمتلك خريطة كرونوتوبية للمنفى. أي أن المكان يتحول إلى سجل زمني للهوية. وهذا قريب جدًا من الدراسات التي تستخدم الكرونوتوب لفهم علاقة الذاكرة بالمنفى والهوية.

* السيميائيات وهو منهج مساعد شديد الفائدة. لأن الرواية مبنية على علامات: الاسم — البيت — الباب — النافذة — المعطف — الحقيبة — الوثيقة — الحدود — المخيم — الأغنية — الطريق.

كل علامة تبدأ بمعنى صغير، ثم يتسع معناها مع تقدم الرواية. وأبرزها:

البيت يبدأ بوصفه منزلًا وينتهي بوصفه وطنًا مفقودًا.

والاسم يبدأ بوصفه اسمًا شخصيًا وينتهي بوصفه ساحة صراع على الهوية.

والخلاصة النقدية الأهم

أعتقد أن الرواية يمكن أن تُقرأ بوصفها رواية انتقال من ذاكرة الطفولة إلى وعي التاريخ. فالطفل يرى الأشياء. واللاجئ يحفظها. والمغترب يحن إليها. والبالغ يحاول تفسيرها. والكاتب يحولها إلى شهادة. ثم يعود الإنسان إلى المكان ليتأكد من ذاكرته، فيكتشف أن الواقع خان الذاكرة، لكن الذاكرة لم تخنه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

البصرة تتغير، العراق يتغير، الأنظمة تتغير، الحدود تتغير، والمهاجر نفسه يتغير؛ وحدها الذاكرة تبقى تحمل صورة المكان الأول، حتى يصبح المكان الذي في الذاكرة أكثر حقيقة من المكان الذي عاد إليه.

لذلك، لو أردنا اختيار منهج واحد يكون عنوانًا للدراسة النقدية الكبرى للرواية، فسأختار: السرديات والذاكرة في أدب المنفى، ثم أجعل تحته ثلاثة أذرع تحليلية: باختين/الكرونوتوب ثم الذاكرة والهوية ثم سرديات الصدمة. وهذا أقوى بكثير من تصنيفها فقط كرواية سياسية أو تاريخية؛ لأن السياسة والتاريخ في كوكوش هما المادة الخارجية، بينما الذاكرة هي الآلية التي تحول هذه المادة إلى أدب

وقد استطاع الكاتب أن يمتلك أطراف الرواية على مستوى الفكرة والبناء العام، لكن ليس دائمًا على مستوى الاقتصاد السردي.

وهذا فرق مهم.

الكاتب يعرف جيدًا: أين بدأت الحكاية. لماذا حدث التهجير. لماذا جاءت إيران. لماذا جاءت رفحاء. لماذا جاءت كندا. لماذا حدث اللقاء. لماذا ظهر البرنامج الوثائقي. لماذا عاد إلى البصرة. لماذا كان البيت مركزًا للذاكرة. ولماذا انتهت الرواية بالعنف.

إذن هناك تصميم بنيوي واضح.

لكن في بعض المواضع:

الشرح يزيد. التأمل يتكرر. بعض الحوارات تبدو مكتوبة لتوصيل فكرة أكثر من كونها كلامًا طبيعيًا لشخصية.

وهذا يجعل الرواية أحيانًا تقول للقارئ ما يمكن أن تجعله يشعر به وحده.

السابع عشر: أين تكمن القيمة الفنية الحقيقية؟

ليست القيمة الكبرى في المآسي التي ترويها. فالمأساة التاريخية وحدها لا تصنع رواية عظيمة. القيمة الحقيقية تكمن في أن الكاتب أخذ هذه المأساة وحوّلها إلى بنية عن الذاكرة. وأفضل ما فعله هو الربط بين: الاسم والبيت والمكان والمنفى والذاكرة والعودة. وهذه سلسلة رمزية متماسكة. وكوكوش تحديدًا تحمل هذه السمات كلها.

الحكم النهائي

بتقديري، هذه ليست رواية عادية عن التهجير. هي محاولة لبناء رواية عراقية عن المنفى والذاكرة والعودة المستحيلة، تستخدم الوثيقة والتسجيل والحوار والأغنية والصورة والسينما والميتاسرد لتقول إن التاريخ لا ينتهي بانتهاء الحدث السياسي، بل يبقى مقيمًا في أجساد الناجين وبيوتهم وأسمائهم ولغتهم. وأقوى ما فيها هو:

الفكرة المركزية، شخصية كوكوش، ثنائية لؤي/كوكوش، رمزية البيت، بنية العودة، تعدد الأزمنة، والانتقال من التاريخ الرسمي إلى التاريخ الشخصي.

أما من حيث القيمة الأدبية، فهي في تقديري عمل طموح وذو مشروع واضح، يتجاوز الحكاية الشخصية إلى سؤال الهوية والذاكرة والمنفى. لكنها تحتاج في صيغتها النهائية إلى تحرير أسلوبي صارم يزيل الزائد ويترك البنية العميقة تظهر بقوة أكبر.

وأظن أن أفضل صيغة نقدية جامعة لها هي: رواية الذاكرة المستحيلة: رحلة إنسان خرج من وطنه، ثم عاد يبحث عنه، فاكتشف أن الوطن لم يعد مكانًا يمكن العودة إليه، وإنما تاريخًا يسكنه. وهذا هو السبب في أن النهاية لا تقول إن الرحلة انتهت؛ بل تقول إن الماضي لم ينتهِ. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تصبح الرواية كلها دائرة واحدة: خرج لؤي من البصرة، وعاد إليها، لكنه لم يجد البصرة؛ وفي اللحظة التي ظن فيها أنه استعادها، أعاده التاريخ مرة أخرى إلى المنفى. وهذه بنية خاتمية قوية جدًا من الناحية الدلالية.

الغربة وآثارها

في «كوكوش» لا تظهر الغربة بوصفها مجرد انتقال من العراق إلى إيران أو السعودية ثم كندا، بل تتحول تدريجيًا إلى حالة وجودية وذاكرة مقيمة في الإنسان. وهذا من أقوى الخيوط التي تنتظم الرواية كلها.

1. الغربة تبدأ قبل مغادرة الوطن

أهم ما يفعله النص أنه يقلب المفهوم المعتاد للغربة. فالإنسان لا يصبح غريبًا لحظة عبوره الحدود؛ بل يصبح غريبًا حين يفقد حقه في أن يكون نفسه داخل المكان الذي ينتمي إليه. ولهذا تأتي العبارة: «الغربة لم تبدأ عند الحدود، بل في البصرة نفسها» وهي مفتاح ممتاز للرواية كلها. فـ«التبعية» ليست مجرد تهمة سياسية؛ إنها الآلية التي يبدأ بها نزع الوطن من الإنسان وهو لا يزال في وطنه. ثم تأتي الحدود لتجعل الانفصال جغرافيًا بعد أن أصبح نفسيًا وسياسيًا. وهنا تقترب الرواية من مفهوم الاغتراب الذي درسته تجارب السيرة والمنفى: الواقع الخارجي القاسي ينتج شعورًا بالضياع والانفصال، ويتحول ذلك إلى مادة فنية وفكرية في السرد.

2. الغربة عند كوكوش: «أنا عراقية أكثر مما ينبغي»

كوكوش تمثل الغربة الأولى: غربة الطفلة التي اقتُلعت من البصرة إلى إيران. لكن المفارقة أنها لا تصبح إيرانية رغم إقامتها الطويلة هناك، ولا تستطيع أن تبقى عراقية بالمعنى الطبيعي بعد أن انقطعت عن وطنها. لذلك تأتي عبارتها: «كنت عراقية أكثر مما ينبغي، وغير عراقية بما يكفي.» هذه ليست جملة عن الجنسية فقط، وإنما عن انشطار الهوية. ثم تتطور الغربة عندها: عراقية في الذاكرة. غريبة في إيران. مهاجرة في كندا. غريبة حين تعود إلى البصرة نفسها. وهذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية؛ لأن الرواية تصل إلى نتيجة مؤلمة: حتى العودة لا تلغي الغربة.

3. لؤي يمثل الوجه الآخر للغربة، إذا كانت كوكوش غادرت طفلة، فإن لؤي يغادر وهو أكثر وعيًا بالتجربة.

غربة كوكوش تبدأ من الاقتلاع، أما غربة لؤي فتتحول إلى وعي بالاقتلاع.

وهذا يفسر الفارق بين الشخصيتين. كوكوش تحمل البيت في ذاكرتها. لؤي يحمل السؤال: «هل أنا فعلا ابن هذه المدينة، البصرة؟» وعندما يعود إليها بعد ربع قرن، لا يجد الوطن الذي كان يبحث عنه. هنا تبلغ الغربة ذروتها: الغريب يعود إلى وطنه فيكتشف أن الوطن نفسه صار غريبًا عنه.

ولهذا أرى أن لؤي وكوكوش ليسا شخصيتين منفصلتين فقط، بل هما صورتان مختلفتان للإنسان العراقي المهجّر: كوكوش = الذاكرة التي لم تستطع أن تنسى. ولؤي = الوعي الذي لم يستطع أن يجد ما يتذكره.

4. كندا: الغربة الهادئة، الرواية لا تجعل كندا امتدادًا للمأساة العراقية.

في إيران هناك: غربة الخوف والإجبار. في رفحاء: غربة الانتظار. في كندا: غربة الأمان. وهذا مهم جدًا.

لؤي يقول: «اكتشفت نوعًا آخر من الاغتراب أن تكون آمنا ولا تكون حاضرا.» هذه ربما من أهم جمل الرواية في موضوع الغربة. لأنها تكسر الثنائية السهلة: الوطن = الأمان / المنفى = الخطر.

الرواية تقول إن الإنسان يستطيع أن يكون آمنًا جدًا، لكنه يظل فاقدًا لشيء أساسي: الإحساس بأن حياته متصلة بجذورها. ولهذا تبدو ميسيساغا جميلة ومنظمة، لكنها لا تمتلك الذاكرة التي تمتلكها البصرة.

5. الغربة تتحول من مكان إلى حالة نفسية، وهنا تتطور الرواية فنيًا.

في البداية: الغربة تعني المكان. ثم تصبح الغربة تساوي حدود. ثم الغربة تنتقل في الذاكرة. ثم الغربة هي هوية. وفي النهاية: الغربة تصبح طريقة في الوجود. ولهذا يقول النص: «الغربة الطويلة لا تطردك من المكان فقط، بل من نفسك القديمة.» هذه العبارة تلخص المسار النفسي للشخصيات. فالمنفى لا يقول للإنسان فقط: أنت بعيد عن وطنك. بل يقول له تدريجيًا: أنت لم تعد الشخص الذي كان يعيش هناك. وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز الرواية السياسية إلى الرواية النفسية والوجودية.

6. الغربة تنعكس على اللغة

اللغة نفسها تصبح حاملة للغربة. نلاحظ: العربية. الفارسية. الإنجليزية. اللهجة العراقية. أسماء المدن. أسماء الأماكن. الأغاني. كل لغة تمثل طبقة من طبقات الهوية.

ولذلك يصبح اسم «كوكوش» رمزًا بالغ الأهمية. الاسم نفسه يفتح سؤال الهوية: «المشكلة أنكم عجم.. والعجم دائما يكذبون.» ثم تدافع كوكوش عن اسمها العراقي. وفي النهاية تقول: «ربما، لهذا لم أكره اسمي يوما.» ثم: «والطيور، حتى حين تُحبس، تعرف أن السماء موجودة.» هنا يتحول الاسم من تهمة إلى علامة مقاومة للطمس. وهذا من أجمل التحولات الرمزية في الرواية.

7. الغربة تنعكس على القارئ

القارئ لا يتلقى الغربة كمعلومة تاريخية فقط. الكاتب يجعله يعيش آلية الاقتلاع من خلال التفاصيل: الباب، الوثيقة، الحقيبة، البيت، رائحة الطعام، المدرسة، الخيمة، الطابور، الحدود، اللغة، اسم العائلة، ثم العودة. لذلك لا يقول لنا فقط: هؤلاء هُجّروا. بل يجعلنا نفهم ماذا يعني أن يتحول: البيت إلى ذكرى، والاسم إلى تهمة، واللغة إلى حاجز، والحدود إلى قطيعة، والوطن إلى شيء يسكن الرأس أكثر مما يسكن الجغرافيا. وهذا هو الفرق بين توثيق الحدث وتجسيد المعاناة.

8. الغربة الجماعية لا الفردية

الرواية لا تحصر الغربة في لؤي وكوكوش. رفحاء توسع الدائرة: «كل واحد كان يحمل عراقه الخاص في عينيه: بيتا، نخلة، قبرا، أو اسمًا بقي هناك.» وهذه جملة شديدة الدلالة. فالمنفى هنا لا يصنع حكاية شخصين؛ بل يصنع ذاكرة جماعية. وهذا ينسجم مع ما لاحظه النقد في أدب الاغتراب العراقي تحديدًا: أن الحروب والاستبداد والاقتلاع جعلت الاغتراب عنصرًا عضويًا في السرد العراقي الحديث، وأن المدن البعيدة تتحول إلى فضاءات للضياع بينما يبقى المكان الأصلي فردوسًا مفقودًا في الذاكرة.

9. الوطن نفسه يصبح غريبًا

وهنا أعتقد أن الرواية تبلغ أكثر مستوياتها عمقًا.

في النهاية يعود لؤي وكوكوش إلى البصرة. لكن ماذا يجدان؟ بيت كوكوش موجود، ولكنه أصبح مقرًا لحزب آخر. بيت لؤي غير موجود أصلًا. الكورنيش تغير. التماثيل أزيلت. المدينة محاطة بالخوف. إذن السؤال لم يعد: كيف نعود إلى الوطن؟ بل: أي وطن سنعود إليه؟ وهذه نقطة فلسفية مركزية في الرواية. المنفى غيّر الإنسان، لكن الزمن غيّر الوطن أيضًا. ولذلك لا يمكن لأي منهما أن يستعيد الماضي كما كان.

10. الغربة تبلغ ذروتها في النهاية، النهاية شديدة القسوة لأنها تلغي وهم العودة.

بعد أن قطعا المسافات كلها:

البصرة، إيران، رفحاء، كندا، البصرة.. يحدث الاختطاف. وكأن التاريخ يقول لهما:

لم تنتهِ الغربة. ولهذا تبدو العبارة: «الزمن يستدير كأفعى تعض ذنبها.» مناسبة جدًا لبنية الرواية. فالرواية ليست خطًا مستقيمًا: وطن ثم منفى ثم عودة ثم خلاص. بل دائرة: وطن ثم اقتلاع ثم منفى ثم ذاكرة ثم عودة ثم اكتشاف وطن آخر ثم اقتلاع جديد.. وهذا يجعل الغربة بنية زمنية أيضًا، لا مكانية فقط.

11. ماذا يبقى في القارئ؟

أظن أن الأثر الأساسي الذي تريد الرواية تركه هو أن القارئ يخرج منها وهو يشعر بأن الوطن ليس حدودًا على الخريطة. الوطن في «كوكوش» هو: لغة + بيت + أسماء + رائحة + طفولة + أهل + ذاكرة + شعور بالانتماء. ولهذا فإن أخطر ما يفعله التهجير ليس نقل الإنسان من مكان إلى مكان، بل محاولة قطع السلسلة التي تصل الإنسان بماضيه.

لكن الرواية تقدم مقاومة لهذا القطع: السرد نفسه. وهنا تصبح الكتابة فعل استرداد. إذا لم تستطع كوكوش استرداد بيتها، فإنها تستطيع أن تسترد حكاية البيت. وإذا لم يستطع لؤي استرداد طفولته، يستطيع أن يستعيدها بالسرد. ومن هنا تصبح الحكاية نفسها وطنًا بديلًا، كما تقول الرواية: «نحن لا ننتمي الآن إلا للحكاية، هي الوطن الوحيد الذي لم يُصادر.» هذه، في رأيي، هي الخلاصة الفلسفية الأهم للغربة في «كوكوش».

والخيط النقدي الذي يجمع كل ذلك.

يمكن صياغة مسار الغربة في الرواية هكذا: غربة المكان ثم غربة الهوية ثم غربة اللغة ثم غربة الذاكرة ثم غربة الذات وكلها تساوي غربة الوطن نفسه.

ومن الناحية النقدية، فإن أفضل مقاربة ليست «نقد الغربة» وحده، بل مقاربة سردية-ذاكراتية تجمع بين السرد والذاكرة والهوية والمنفى؛ لأن الغربة هنا ليست ثيمة خارجية أضافها الكاتب إلى الرواية، وإنما هي التي تؤثر في الزمن، والضمائر، والمكان، واللغة، والشخصيات، وبناء الذاكرة. وهذا قريب مما تذهب إليه بعض القراءات السردية الحديثة التي ترى الغربة بنيةً تنظم شكل الرواية لا مجرد موضوع فيها.

واللافت أن استدعاء الذاكرة والحوار الداخلي والاسترجاع يمكن أن يمنح السرد قدرة على كشف ما لا تستطيع الحكاية الزمنية المباشرة كشفه. لذلك يمكن القول في جملة واحدة: «كوكوش» ليست رواية أناسٍ غادروا وطنهم؛ إنها رواية وطنٍ غادر أبناءه، ثم ظل يطاردهم في الذاكرة أينما ذهبوا. وهذا هو السبب في أن الغربة فيها لا تنتهي حتى عندما يصل الأبطال إلى كندا، ولا حتى عندما يعودون إلى البصرة.

تحولات الذاكرة

أظن أن قراءة تحولات الذاكرة هي المدخل الأكثر قدرة على جمع الرواية كلها؛ لأن الذاكرة في كوكوش ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي التي تنتقل بالشخصية من الطفولة إلى الوعي، ومن المكان إلى الوطن، ومن الوطن إلى المنفى، ثم من المنفى إلى إعادة اكتشاف معنى الوطن.

الذاكرة في الرواية ليست ثابتة، بل تتطور، ويمكن تقسيم مسارها إلى خمس مراحل: ذاكرة الطفولة وذاكرة الصدمة وذاكرة المنفى وذاكرة الوعي وذاكرة العودة.. وهذه المراحل ليست منفصلة، بل كل واحدة تعيد تفسير السابقة.

1. ذاكرة الطفولة: البصرة قبل أن تصبح قضية

في البداية لا تعرف كوكوش معنى الوطن. هي لا تقول: أنا عراقية لأن لدي تصورًا سياسيًا للعراق. بل تعرف العراق من خلال: البيت. الأب والأم. الأخوات. الطعام. النخل. الشارع. المدرسة. الأغاني. وأن اسمها "كوكوش". وتذكر علاقاتها مع لؤي.. هذه هي الذاكرة الحسية. والطفل لا يحفظ الوطن كخريطة سياسية بل يحفظه كروائح وأصوات وأشياء صغيرة. ولهذا كانت البصرة الأولى في الرواية أقرب إلى فردوس طفولي، لا لأنها مدينة مثالية، وإنما لأن الوعي لم يكن قد اكتشف بعد معنى السلطة والطائفية والتهجير والحرب. وهنا تكمن أهمية الطفولة: الطفولة هي المرحلة التي كان فيها الوطن مكانًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تعريف.

2. لحظة الانكسار: عندما تتحول الذاكرة إلى سؤال

مع التسفير يتغير كل شيء.

الطفلة التي كانت تعرف نفسها من خلال البيت والأسرة والمدينة تصبح مطالبة بإثبات: من أنت؟ وهنا يحدث انقلاب خطير: الاسم يصبح تهمة. العائلة تصبح شبهة. اللهجة تصبح علامة. والانتماء يتحول إلى ملف أمني. وهكذا تنتقل الذاكرة من: "هذا بيتي" إلى: "هل يحق لي أن أقول إن هذا بيتي؟" هذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الذاكرة الواعية.. فقدان الوطن هو الذي يجعل الإنسان يكتشف معنى الوطن.

3. الذاكرة في المنفى: عندما يصبح الماضي وطنًا

ففي إيران ثم رفحاء لا تستطيع الشخصيات استعادة البصرة، فتبدأ بإعادة بنائها بالكلام. وهذه نقطة شديدة الأهمية فنيًا.

الشخصيات: تحكي عن الشوارع. تستعيد البيوت. تتذكر الطعام. تستعيد الأسماء. تتحدث عن النخيل. تغني. تحكي عن الموتى والغائبين.. أي أنها تفعل شيئًا يمكن تسميته: إعادة بناء الوطن بالسرد. وهنا تتحول الذاكرة من سجل للماضي إلى وسيلة مقاومة للمحو.

وهذا قريب مما بينته دراسات أدب المنفى: فالذاكرة قد تصبح وسيلة لإعادة بناء المكان المفقود وإعادة إنتاج تجربة الانتماء خارج الجغرافيا.

لذلك فعبارة الرواية: "كنا نتحدث عن العراق... أعدناه بالكلمات شارعًا شارعًا، حتى لا يضيع." تكاد تكون مفتاح الرواية كلها.

4. من ذاكرة كوكوش إلى ذاكرة لؤي وهنا تتسع الرواية. لم تعد الذاكرة فردية.

كوكوش تحمل ذاكرة التسفير.

ولؤي يحمل ذاكرة رفحاء. لكن الاثنين يلتقيان في: البصرة. وهكذا تصبح الذاكرة جماعية. كل واحد يحمل جزءًا من العراق المفقود. وهنا يتحول الحوار بينهما إلى نوع من استعادة الذاكرة المشتركة. كل واحد يذكّر الآخر بشيء كاد يضيع. وهذا يفسر لماذا كان لقاؤهما في تورنتو مهمًا جدًا: لم يكن لقاء صديقين قديمين فقط. كان: لقاء ذاكرتين عراقيتين.

5. الغربة تغيّر معنى الذاكرة

في إيران: الذاكرة كانت دفاعًا عن الهوية.

في رفحاء: الذاكرة كانت مقاومة للانتظار.

في كندا: الذاكرة تصبح أكثر تعقيدًا، لأن الشخص أصبح آمنًا.. وهنا تظهر المفارقة: حين يختفي الخطر الخارجي، يظهر الماضي بقوة أكبر.

لؤي في كندا يستطيع أن يعيش، يعمل، يتزوج، وينجب سارة. لكن سؤال العراق لا يختفي. بل ينتقل من: كيف أنجو؟ إلى: من أنا؟ وهذا انتقال أساسي من ذاكرة البقاء إلى ذاكرة الهوية.

6. الذاكرة تتحول إلى وعي بتاريخ العراق

وهنا يبدأ لؤي في النظر إلى طفولته بعين الرجل الذي عرف التاريخ.

الطفل رأى: بيتًا. الرجل يرى: سياسة وتهجيرًا وحربًا وتحولات اجتماعية.

الطفل رأى: رحيلًا. الرجل يفهم: عملية اقتلاع ديموغرافي وسياسي.

الطفل عرف: الخوف. الرجل يعرف: مصدر الخوف وبنية السلطة التي أنتجته.

إذن هناك حركة من: الإحساس إلى الفهم. وهذا من أهم تحولات الشخصية.

7. الحرب تجعل الذاكرة عراقًا كاملًا

عندما يبدأ لؤي في كندا بمشاهدة أخبار العراق، يعود العراق إليه من خلال التلفاز.

وهنا تحدث مفارقة جميلة: في البداية كان الوطن مكانًا بعيدًا يُتذكر. ثم يصبح: صورة إعلامية.. بغداد، الفلوجة، النجف، الحرب، الجنود، الخراب... لكن الصورة الإعلامية ليست العراق الذي في ذاكرته. وهنا يتصادم: العراق المتذكر مع: العراق المرئي. وهذه من أقوى طبقات الرواية. لأن لؤي لا يعود فقط إلى سؤال: ماذا حدث للعراق؟ بل: هل العراق الذي أراه هو العراق الذي أحمله في داخلي؟

8. البرنامج الوثائقي: الذاكرة تنتقل من الداخل إلى الخارج

وهنا تأتي وظيفة البرنامج الوثائقي. قبل البرنامج: الذاكرة شخصية.. بعد البرنامج: الذاكرة تصبح شهادة.. وهذا تحول جوهري.

لؤي وكوكوش لا يعودان مجرد شخصين يتذكران. إنهما يرويان للآخرين. وبالتالي يصبح السرد فعلًا من أفعال استعادة الذاكرة الجماعية. الرواية نفسها تصبح فوق ذلك طبقة أخرى: الشخصيات تحكي ذاكرتها أمام الكاميرا، والروائي يحكي لنا ما قالته.

أي أن لدينا: حدثًا وذاكرة وشهادة وتسجيل ورواية.. وهذا ما يمنح العمل طابعه الميتاسردي والوثائقي.

9. العودة إلى البصرة: اختبار الذاكرة وهنا يبلغ البناء ذروته.

العودة ليست عودة جغرافية فقط. إنها اختبار: هل تتطابق الذاكرة مع الواقع؟ والجواب:

لا.. بيت كوكوش موجود، لكنه لم يعد بيتها. بيت لؤي غير موجود. الشارع موجود، لكنه تغير. المدينة موجودة، لكنها تغيرت. والأشخاص تغيروا. والقوى السياسية تغيرت. إذن: الذاكرة احتفظت بمدينة لم تعد موجودة. وهذه هي المأساة الكبرى.

***

رياض درار

مقاربة بنيوية - سيميائية في الأبعاد النفسية والفلسفية والتناصية من خلال تحليل الأبيات

المقدمة: تنهض قصيدة «البُرْدان» لعبد الستار نورعلي على سؤال فكري وشخصي: كيف يمكن أن يجتمع في ذات واحدة «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، مع ما يبدو بين المرجعيتين من اختلاف؟ ولا تحاول القصيدة أن تثبت تطابق الدين والماركسية من الناحية الفلسفية، بل تبحث عن إمكان تلاقيهما داخل تجربة الإنسان؛ حيث يمثل الأول البعد الروحي والأخلاقي، ويمثل الثاني الوعي النقدي والانحياز إلى العدالة الاجتماعية ومقاومة الفقر.

وتعتمد القصيدة بناءً حواريًا يبدأ باعتراض الآخرين، ثم ينتقل إلى جواب الشاعر، قبل أن ينتهي بإعلان موقفه القائم على التناغم بين الفكر والضمير، وبين الروح والعقل. كما يتفاعل النص مع الموروث الشعري والديني والفكري من خلال استحضار أبي العلاء المعرّي، والمأثور العربي المتصل بـ«الأصغرين»، والقول الشائع في ذم الفقر، فضلًا عن الحضور الدلالي لاسم ماركس. ومن خلال تحليل الأبيات تتكشف الأبعاد البنيوية والسيميائية والنفسية والفلسفية والتناصية من غير فصلها عن نسيج القصيدة.

نص القصيدة

البُرْدان

ويقولُ قائِلُهُمْ: وكيفَ تسالَما

بُرْدُ الصَّلاةِ وبُرْدُ ماركسَ وهوَ ما

لم يتفقْ أبداً، وظلَّ مَصارِعاً

حتى الرِّكابِ دماً وفكراً قائما

وبلادُ خَلْقِ اللهِ في دوّامةٍ

والنَّاسُ في حيصٍ وبيصٍ دائما!

فرفعْتُ رأسي والضِّياءُ يضمُّني

فأجابَ عنّي الأصغرانِ كلاهما:

إنْ صحَّ قولُهُمو فما مِنْ مَثْلَبٍ

مادامَ فكرُكَ والضَّميرُ تناغَما

فاللهُ قد خلقَ العقولَ وصاغَها

هو خيرُ مَنْ يهدي وخيرٌ حاكما

حتَّى رهينُ المحبسينِ تراكمَتْ

فيهِ الفؤوسُ ففجَّرَ المتراكِما:

«إنْ صحَّ قولُكما فلسْتُ بخاسرٍ

أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما»

وبعدَ هذا أقولُ للمندهشين والمندهشاتِ، والمعارضين والمعارضاتِ، والمصدومينَ والمصدوماتِ:

لا يعجبَنْ أحدٌ، فإنِّي أنظُرُ

متأمِّلاً مُتفحِّصاً لا أخسَرُ

دُنيايَ في عينيْ وقلبيْ مُفعَمٌ

بالنُّورِ ينبضُ بالأمانِ ويكبرُ

ما ضرَّ إنْ كانَ الَّذي أسرى بنا

روحٌ، وعقلٌ مُبصِرٌ، ومُفكِّرُ!

هذي الحياةُ: مسيرةٌ وتجدُّدُ

لا شيءَ يبقى والفواصلُ تُصهَرُ

أَوَ لمْ يقلْ ذاكَ النَّقيُّ الطَّاهرُ:

«لو كانَ في الفقرِ الرُّجولةُ يُقبَرُ»

أيلول 2024

العنوان بوصفه مدخلًا إلى القصيدة

جاء العنوان مثنّى: «البُرْدان»، والبُرد هو الثوب أو الرداء. غير أن الشاعر ينقله من معناه الحسي إلى معنى رمزي، فيصبح «بُرد الصلاة» علامة على الإيمان والروح والضمير، ويصبح «بُرد ماركس» علامة على الفكر النقدي والعدالة الاجتماعية. ومن اللافت أن الشاعر يقابل بين الصلاة، وهي ممارسة روحية، وماركس، وهو اسم علم يتحول بالمجاز إلى دال على منظومة فكرية. ويمنح هذا التفاوت بين طرفي المقابلة العنوان توتره، لأن الرداءين لا ينتميان ظاهريًا إلى مستوى واحد، لكن الذات تجمعهما في تجربتها.

ولا يستخدم الشاعر عبارتي «الدين» و«الماركسية» بصورة مباشرة، لأن ذلك كان سيمنح النص طابعًا تقريريًا. أما تحويلهما إلى رداءين فيجعل العلاقة أكثر التصاقًا بالذات؛ فالرداء يُرتدى ويلامس الجسد ويعلن هوية صاحبه. ومن ثم لا يشير البُردان إلى منظومتين خارجيتين فحسب، بل إلى بُعدين يعيشان داخل شخصية واحدة. وتحمل لفظة «البُرد» كذلك دلالات الستر والدفء والحماية؛ فكأن الشاعر يجد في الصلاة طمأنينة روحية، وفي فكر ماركس وعيًا نقديًا يحول دون الاستسلام للظلم والفقر.

ولا تنحصر دلالة العنوان في رمزية «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، بل تقوم أيضًا على تناص مباشر مع أبيات أبي العلاء المعرّي التي أرفقها الشاعر بالنص عند نشره. فقد ورد عند المعرّي ذكر تطهير الثوب للصلاة والبكور في «البُردين» طلبًا للرحمة.(1) ويعيد عبد الستار نورعلي إنتاج هذه العلامة التراثية، فينقل البردين من معناهما المتصل بالثوب والطهارة الدينية إلى رداءين رمزيين يمثلان الإيمان والفكر الماركسي. وبذلك لا يقتبس العنوان لفظة تراثية فحسب، بل يحوّل دلالتها ويجعلها أساسًا لحوار معاصر بين الروح والعقل والعدالة الاجتماعية.

البنية العامة للقصيدة

تتكون القصيدة من قسمين مترابطين يفصل بينهما مقطع نثري قصير. يعرض القسم الأول موقف الآخرين من اجتماع الصلاة والفكر الماركسي في تجربة الشاعر، ثم يتدرج نحو تقديم جوابه عن هذا الاعتراض. أما القسم الثاني فينتقل إلى إعلان موقفه الشخصي بصورة أكثر مباشرة، مؤكدًا اعتماده على التأمل والفحص وتمسكه بالتكامل بين البعدين الروحي والعقلي.

وتتحرك القصيدة من صوت الجماعة إلى صوت الذات، ومن عرض التعارض إلى البحث عن إمكان التناغم، ثم تنتهي بربط هذا التناغم برفض الفقر والدفاع عن كرامة الإنسان. ويرافق هذا الانتقال تغير في القافية؛ إذ تقوم قافية القسم الأول على الألف والميم، بينما تقوم قافية القسم الثاني على الراء المضمومة، بما يعزز استقلال كل قسم مع المحافظة على وحدة الموضوع.

تحليل الأبيات

ويقولُ قائِلُهُمْ: وكيفَ تسالَما

بُرْدُ الصَّلاةِ وبُرْدُ ماركسَ وهوَ ما

يفتتح الشاعر القصيدة بصوت الآخرين، لا بصوته. وتدل عبارة «قائلهم» على أن الاعتراض لا يصدر عن فرد محدد، بل يمثل موقفًا اجتماعيًا عامًا يستغرب الجمع بين الصلاة وماركس. أما الاستفهام «وكيف تسالما؟» فينطوي على حكم مسبق يرى العلاقة بينهما قائمة على التناقض.

واختيار الفعل «تسالما» دقيق؛ فهو لا يعني التطابق، وإنما توقف الخصومة وإمكان التعايش. وهنا يظهر منذ البداية أن القضية ليست دمج منظومتين فلسفيتين في منظومة واحدة، بل تفسير الكيفية التي اجتمعتا بها في تجربة الشاعر. ويظل المعنى معلقًا عند عبارة «وهو ما»، فلا يكتمل إلا في البيت التالي، مما يصل البيتين ويشد القارئ إلى متابعة حجة المعترضين.

لم يتفقْ أبداً، وظلَّ مَصارِعاً

حتى الرِّكابِ دماً وفكراً قائما

يواصل البيت عرض رأي المعترضين؛ فالعلاقة بين الدين والماركسية، في نظرهم، لم تكن علاقة اتفاق، بل اتخذت صورة صراع فكري وسياسي. ويجمع الشاعر بين «الدم» و«الفكر» ليشير إلى مستويين من الصراع: مستوى نظري يتصل باختلاف الرؤى إلى الإنسان والعالم، ومستوى تاريخي تحوّل في بعض التجارب إلى اضطهاد وعنف.

وتوحي عبارة «حتى الركاب دمًا» بشدة الصدام واتساع آثاره، حتى كأن الدم بلغ الركاب. أما بقاء الصراع «قائمًا» فيدل على أنه لم ينتهِ، بل ما زال حاضرًا في الوعي الثقافي والسياسي. وهكذا لا يتجاهل الشاعر الاختلاف التاريخي والفلسفي، وإنما يبدأ بالاعتراف به قبل تقديم جوابه.

وبلادُ خَلْقِ اللهِ في دوّامةٍ

والنَّاسُ في حيصٍ وبيصٍ دائما!

ينقل الشاعر النظر من الخلاف العقائدي إلى الواقع الإنساني. فالبلاد في «دوامة»، والناس في «حيص وبيص»، أي في حيرة وشدة واضطراب لا يهتدون معها إلى مخرج. وتعبير «خلق الله» يعيد البشر، على اختلاف أديانهم وأفكارهم، إلى أصل إنساني مشترك، بينما ترمز «الدوامة» إلى عالم يدور في أزماته من غير أن يتجاوزها.

ويكشف البيت أن معيار الأفكار عند الشاعر لا يقتصر على صحة مبادئها المجردة، بل يشمل قدرتها على مواجهة معاناة الإنسان. فبينما يستمر الجدل العقائدي، تظل الشعوب غارقة في الحروب والفقر والضياع. وبذلك يبدأ البعد الاجتماعي في الظهور بوصفه الأرضية التي سيحاول الشاعر أن يجمع فوقها البردين.

فرفعْتُ رأسي والضِّياءُ يضمُّني

فأجابَ عنّي الأصغرانِ كلاهما

ينتقل النص هنا من صوت الجماعة إلى صوت الشاعر. ورفع الرأس حركة نفسية ترمز إلى الثقة بالنفس ورفض الشعور بالخجل من الجمع بين البردين. أما «الضياء» فيوحي بالمعرفة والهداية والصفاء الداخلي؛ ولا يكتفي الشاعر برؤيته، بل يجعله يضمّه، فيتحول النور إلى فضاء من الطمأنينة والاحتضان.

ويشير «الأصغران» في المأثور العربي إلى القلب واللسان؛ فالقلب موضع النية والضمير، واللسان أداة التعبير. وإجابتهما معًا تعني أن ما يعلنه الشاعر بلسانه ينسجم مع ما يستقر في داخله. غير أن البيت التالي يعيد توجيه الدلالة نحو «الفكر والضمير»، فيغدو الجواب صادرًا عن وحدة الوعي العقلي والأخلاقي. وهنا يظهر تناص تراثي غير مباشر، إذ يستدعي الشاعر عبارة موروثة ثم يوظفها في بناء موقفه المعاصر.

إنْ صحَّ قولُهُمو فما مِنْ مَثْلَبٍ

مادامَ فكرُكَ والضَّميرُ تناغَما

لا ينفي الشاعر ما يقوله المعترضون نفيًا مطلقًا، بل يبدأ بصيغة شرطية: «إن صح قولهم». وحتى إذا صح وجود التعارض التاريخي والفلسفي، فإن ذلك لا يجعل تجربته الشخصية موضعًا للوم، ما دام فكره منسجمًا مع ضميره.

وتشكل كلمة «تناغما» مركز القصيدة الدلالي؛ لأنها لا تعني أن الفكر والضمير شيء واحد، بل إنهما صوتان مختلفان يؤلفان نغمة منسجمة. وبهذا ينقل الشاعر القضية من التطابق العقائدي إلى الصدق الأخلاقي. ويكشف البيت نفسيًا أن سلام الذات لا يتوقف على رضا الجماعة، بل على اتساق الإنسان مع نفسه؛ فالذات تتجاوز ضغط الآخرين من خلال مصالحة داخلية لا تشعر معها بالانقسام بين الإيمان والقناعة الاجتماعية.

فاللهُ قد خلقَ العقولَ وصاغَها

هو خيرُ مَنْ يهدي وخيرٌ حاكما

يدعم الشاعر موقفه بحجة إيمانية: إذا كان الله قد خلق العقل، فإن استعماله في التأمل والنقد لا يناقض الإيمان. فالعقل ليس خصمًا للدين، بل قدرة إنسانية تدخل في نظام الخلق. ويجمع البيت بين «العقول» و«الهداية»، رافضًا الفصل الحاد بين التفكير والإيمان؛ فالإنسان يستطيع أن يستعمل عقله بحرية مع احتفاظه بمرجعية روحية وأخلاقية.

وتقوم فلسفة البيت على التكامل لا الإلغاء: فالهداية لا تعطل العقل، والعقل لا ينفي الحاجة إلى القيمة والغاية. ومن هنا يمهد البيت للجمع اللاحق بين «روح» تقود الإنسان و«عقل مبصر ومفكر» يختبر الطريق.

حتَّى رهينُ المحبسينِ تراكمَتْ

فيهِ الفؤوسُ ففجَّرَ المتراكِما

يحيل «رهين المحبسين» إلى أبي العلاء المعرّي، والمحبسان هما العمى ولزوم البيت، وقد أضاف إليهما المعرّي في بعض شعره محبس الجسد. ويستحضره الشاعر بوصفه رمزًا للعقل المتأمل الذي واجه المألوف بالسؤال والمحاججة.

أما «الفؤوس» فترمز إلى الضغوط والاتهامات والأسئلة التي تنهال على العقل المفكر. والمفارقة أن تراكمها لا يؤدي إلى إسكات الفكر، بل إلى تفجير ما تراكم فيه. وبذلك تتحول أداة القمع إلى دافع لإطلاق القول، ويصبح المعرّي تمهيدًا للانتقال من الإشارة إلى صاحب النص إلى الاقتباس المباشر منه.

«إنْ صحَّ قولُكما فلسْتُ بخاسرٍ

أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما»

ينتقل التناص هنا من الإشارة إلى الاقتباس الصريح. والبيتان جزء من قصيدة للمعرّي تبدأ بمحاورة المنجّم والطبيب اللذين يقولان إن الأجساد لا تُحشر، فيرد عليهما بأن صحة قولهما لا تجعله خاسرًا، بينما تكون الخسارة عليهما إذا صح قوله في الحشر.(2)

ولا يمثل البيتان موقفًا شكيًّا محضًا، ولا يصوران المعرّي واقفًا في مواجهة المؤمنين؛ لأنهما يقدمان، في سياقهما الأصلي، محاججة عقلية تنحاز إلى الإيمان بالحشر. ويستثمر عبد الستار نورعلي هذا التناص ليؤكد أن الإيمان لا يقتضي تعطيل العقل، وأن التفكير يستطيع أن يكون سبيلًا إلى ترسيخ القناعة الروحية، لا نقيضًا لها. ومن ثم يؤدي استحضار المعرّي وظيفة مركزية في القصيدة؛ إذ يدعم رؤية الشاعر إلى إمكان التناغم بين الفكر والإيمان.

الانتقال إلى الجواب المباشر

يفصل الشاعر بين قسمي القصيدة بعبارة نثرية يوجهها إلى «المندهشين والمندهشات، والمعارضين والمعارضات، والمصدومين والمصدومات». وتوسع هذه العبارة دائرة الخطاب، كما تحمل نبرة ساخرة خفيفة من المبالغة في الاستغراب من موقفه.

ويؤدي هذا الفاصل وظيفة بنيوية؛ فالقسم الأول يعرض الاعتراض ويرد عليه بالحجة والاستشهاد، بينما ينتقل القسم الثاني إلى إعلان موقف الشاعر مباشرة. ويصاحب ذلك تغير القافية من الألف والميم، مثل «تسالما» و«تناغما» و«عليكما»، إلى الراء المضمومة، مثل «أخسرُ» و«يكبرُ» و«تُصهرُ» و«يُقبرُ». ويعزز هذا التحول الانتقال من الجدل مع الآخرين إلى تقرير رؤية الذات.

لا يعجبَنْ أحدٌ، فإنِّي أنظُرُ

متأمِّلاً مُتفحِّصاً لا أخسَرُ

يؤكد الشاعر أن جمعه بين البردين ليس نتيجة جهل أو تقليد، بل ثمرة نظر وتأمل وتفحص. وترسم الكلمات الثلاث درجات متصاعدة في المعرفة: فالنظر بداية الإدراك، والتأمل تعمق فيه، والتفحص اختبار نقدي لما يعرض على العقل.

أما «لا أخسر» فتستعيد صدى قول المعرّي في المقطع السابق، فلا ينتهي الاقتباس عند حدوده المباشرة، بل يمتد أثره إلى صوت الشاعر نفسه. غير أن العبارة تكتسب هنا معنى أوسع؛ فالتفكير الحر لا يمثل خسارة، بل يحمي الإنسان من الجمود ويمنحه القدرة على اختيار موقفه بوعي.

دُنيايَ في عينيْ وقلبيْ مُفعَمٌ

بالنُّورِ ينبضُ بالأمانِ ويكبرُ

ينتقل الشاعر من المحاججة إلى وصف عالمه الداخلي. فالعين تحيل إلى رؤية الواقع الخارجي بما فيه من فقر وصراع، والقلب يحيل إلى الباطن المفعم بالإيمان والطمأنينة، بينما يجمع النور بين المعرفة والهداية.

ويعيد البيت تصوير العلاقة بين البردين: فالعين المنفتحة على العالم تمثل الوعي النقدي، والقلب الممتلئ بالنور يمثل البعد الروحي. ولا يلغي أحدهما الآخر؛ إذ تواجه الذات الواقع من غير أن تفقد أمانها الداخلي. ومن الناحية النفسية، تبلغ الذات هنا مرحلة الطمأنينة بعد أن بدأت القصيدة تحت ضغط سؤال الآخرين.

ما ضرَّ إنْ كانَ الَّذي أسرى بنا

روحٌ، وعقلٌ مُبصِرٌ، ومُفكِّرُ!

يطرح الشاعر سؤالًا إنكاريًا: ما الضرر في أن يقود الإنسان روح مؤمنة وعقل مبصر مفكر؟ واختيار الفعل «أسرى» يمنح الرحلة الفكرية إيحاءً روحيًا، ويفتح اللفظة على الذاكرة الدينية من غير أن تتحول إلى اقتباس مباشر.

ولا يجعل الشاعر الروح بديلًا للعقل، ولا العقل نافيًا للروح، بل يجعلهما شريكين في قيادة الإنسان. كما ينقل صفة الإبصار من العين إلى العقل، ليؤكد أن الرؤية الحقيقية لا تقتصر على مشاهدة الأشياء، بل تشمل فهم معانيها وعلاقاتها. وهنا تبلغ المصالحة النفسية والفلسفية أوضح صورها: الروح تمنح الإنسان قيمته ووجهته، والعقل يمنحه القدرة على الفحص والتمييز.

هذي الحياةُ: مسيرةٌ وتجدُّدُ

لا شيءَ يبقى والفواصلُ تُصهَرُ

يعبر البيت عن رؤية ترى الحياة حركة وتحولًا مستمرين، لا ثباتًا وجمودًا. وهي رؤية تقترب من التفكير الجدلي الذي ينظر إلى الظواهر في تغيرها، كما تنسجم مع خبرة روحية ترى الحياة رحلة متجددة.

وترمز «الفواصل» إلى الحدود الصلبة التي تفصل بين الأفكار والهويات، بينما يدل «الصهر» على إعادة تشكيلها. ولا يعني ذلك أن الاختلافات الفلسفية تختفي، بل إن التجربة الإنسانية تستطيع تجاوز الحواجز التي تمنع التفاعل بينها. وهكذا تصبح ذات الشاعر بوتقة يلتقي فيها البعد الروحي بالوعي الاجتماعي من غير أن يفقد أي منهما خصوصيته.

أَوَ لمْ يقلْ ذاكَ النَّقيُّ الطَّاهرُ:

«لو كانَ في الفقرِ الرُّجولةُ يُقبَرُ»

يختم الشاعر قصيدته باستحضار قول مأثور شائع في ذم الفقر، ويرجح أن عبارة «ذاك النقي الطاهر» تحيل إلى الإمام علي بن أبي طالب، الذي تُنسب إليه مقولة «لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، وإن لم تثبت هذه النسبة في مصدر قديم موثوق. لذلك يقوم البيت على تناص مع قول شائع في الذاكرة الثقافية، بصرف النظر عن ثبوت نسبته التاريخية.

ولا ينقل الشاعر المقولة بحروفها، بل يعيد صياغتها لتلائم قافية الراء وبنية البيت، فيتحول التناص من اقتباس إلى إعادة إنتاج. والمقصود رفض الفقر بوصفه حالة تسلب الإنسان كرامته، لا إدانة الفقير أو الانتقاص منه. ويمثل هذا البيت نقطة الالتقاء العملية بين «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»: فالقيمة الدينية تدعو إلى صيانة كرامة المحتاج ورفع الظلم عنه، بينما يكشف الفكر الماركسي البنى الاجتماعية والاقتصادية المنتجة للفقر. وبذلك تنتهي القصيدة لا عند الجدل النظري، بل عند الإنسان وحقه في حياة كريمة.

التناص ووظيفته في بناء الدلالة

لا يظهر التناص في «البُرْدان» بوصفه زينة ثقافية تضاف إلى النص، بل بوصفه عنصرًا مكوّنًا لبنيته وحجته. فالعنوان نفسه يعيد إنتاج «البردين» الواردين في أبيات المعرّي، ثم يحولهما من رداءين في سياق الطهارة والصلاة إلى علامتين على مرجعيتين تتجاوران داخل الذات. ويقوم هذا التحويل على الاحتفاظ باللفظة القديمة مع نقلها إلى سؤال فكري معاصر.

ويتخذ التناص في القصيدة أشكالًا متعددة: فهو تناص إشاري في لقب «رهين المحبسين»، وتناص اقتباسي في بيتي «إن صح قولكما»، وتناص مأثوري في «الأصغران»، وتناص تحويلي في البيت المتصل بالفقر. وإلى جانب ذلك، يعمل اسم «ماركس» بوصفه تناصًا فكريًا مكثفًا؛ فالاسم لا يحيل إلى شخصه وحده، بل يستدعي منظومة من المفاهيم المرتبطة بنقد الاستغلال والفقر والصراع الاجتماعي.

كما يتشكل النص من حوار بين معجمين: معجم ديني يضم الصلاة والله والهداية والروح والضياء والنور، ومعجم فكري واجتماعي يضم ماركس والعقل والتفحص والتجدد والفقر. ومن تفاعل المعجمين تنشأ هوية القصيدة، فلا يُستدعى التراث لإغلاق السؤال بسلطة الماضي، ولا يُستدعى ماركس لنفي البعد الروحي، بل يدخل الطرفان في حوار غايته الدفاع عن حرية العقل وكرامة الإنسان.

وتتمثل أهم وظائف التناص في منح تجربة الشاعر الشخصية عمقًا ثقافيًا وتاريخيًا. فصوت الذات لا يبقى منفردًا أمام المعترضين، بل يدخل في حوار مع المعرّي والمأثور العربي والذاكرة الدينية والفكر الماركسي. وبذلك يصبح التناص نفسه صورة فنية لفكرة «البردين»: اجتماع أصوات مختلفة داخل نص واحد من غير أن يفقد كل صوت خصوصيته.

خاتمة

تدافع قصيدة «البُرْدان» عن حق الإنسان في تكوين هوية فكرية وروحية متعددة المصادر. وقد بنى عبد الستار نورعلي قصيدته على حركة تبدأ باستغراب الآخرين من اجتماع «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، ثم تنتقل إلى جواب الذات التي تحتكم إلى تناغم الفكر والضمير، وتنتهي بإبراز الروح والعقل شريكين في فهم الحياة وتوجيهها.

وتنجح القصيدة في بناء رمز مركزي واضح هو «البُرْدان»، وفي تحويل تجربة فكرية شخصية إلى سؤال إنساني أوسع. كما يصنع الانتقال من صور الدم والدوامة والحيرة إلى الضياء والنور والأمان حركة دلالية ونفسية تتجه من الصراع والاضطراب إلى المصالحة والطمأنينة. وتتضافر مع ذلك شبكة من التناصات تبدأ من العنوان، وتمر بالمأثور العربي وأبيات المعرّي، وتنتهي بالقول الشائع في ذم الفقر، فتمنح النص امتدادًا يتجاوز التجربة الفردية.

ولا تسعى المصالحة التي تقترحها القصيدة إلى حل جميع التناقضات الفلسفية بين الدين والماركسية أو إثبات التطابق بينهما، بل تتجاوز حدة التعارض من خلال التركيز على المشترك الأخلاقي، ولا سيما الدفاع عن كرامة الإنسان ورفض الظلم والفقر. وهذا ليس نقصًا في النص؛ لأن القصيدة ليست بحثًا في تاريخ الفلسفة، وإنما تعبير شعري عن تجربة ذاتية تحاول الجمع بين الإيمان بالعدالة والتفكير النقدي.

أما المقطع النثري الفاصل، فيؤدي وظيفة واضحة في الانتقال من عرض اعتراضات الآخرين إلى إعلان موقف الشاعر مباشرة، وإن قطع قليلًا انتظام الإيقاع. ويظل البيت الأخير شديد التكثيف من الناحية التركيبية ويحتاج إلى قراءة متأنية، غير أن دلالته العامة تنسجم مع رؤية القصيدة في رفض الفقر وإذلال الإنسان.

وبذلك لا يدل البردان على انقسام الذات، بل على سعيها إلى التكامل: يمنحها أحدهما أفقًا روحيًا وأخلاقيًا، ويمنحها الآخر وعيًا نقديًا بالظلم الاجتماعي. وما يجمعهما في النهاية هو الإنسان نفسه: عقله وضميره وكرامته وحقه في التحرر من الفقر والخوف.

***

سهيل الزهاوي

..................

الهوامش

(1) عبد الستار نورعلي، «البُرْدان»، صحيفة المثقف، 8 أيلول/سبتمبر 2026. وقد أُرفقت بالنص أبيات المعرّي كاملة، ومنها الأبيات التي تذكر الثوب والصلاة و«البردين»:

https://www.almothaqaf.com/nesos/989783

(2) أبو العلاء المعرّي، لزوم ما لا يلزم، قصيدة «قال المنجّم والطبيب كلاهما»، وانظر النص الكامل المثبت في ذيل نشر قصيدة عبد الستار نورعلي المشار إليه في الهامش السابق.

يُعتَبر سهيل كيوان أحد أبرز كتاب الرّواية والقصة القصيرة في الأدب العربي الفلسطيني داخل دولة إسرائيل، وقد تعرّض في قصصه ورواياته وكتاباته المختلفة لمعظم القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية التي شغلت مجتمعنا العربي منذ حدوث النكبة عام 1948 حتى يومنا هذا. متّبعا في كتاباته أسلوبا يمزج فيه ما بين السخرية الجارحة ورسم الشخصيّات بواقعيّة تطغى أحيانا عل الواقع المَعيش، وتَحَرُّر شخصياته من المُراقبة والتّوجيه لتنطلق على سجيّتها بلغتها المَحكيّة ليرسم المَشهدَ المُثير أو السّاخر أو الجارح والمُبْكي  في الحوار أو اللغة  المعياريّة في السّرد التي كثيرا ما كان يُطعّمها بالمَثل حينا وبقصّة من التراث العربي أو العهد القديم  التي تمتزج فيها مع اللغة الشاعرية الرّاقية، فترتسم العبارات بجماليّاتها البلاغية وانسيابيّة مفرداتها وتَلاقحها مستحضرة المكان والزمان لتَخلقَ واقعا يتداخل فيه الواقعُ مع الخيال لنجد أنفسنا من حيث لا ندري مع الشخصيات التي انطلقت من داخل النصّ ليلتبسَ علينا المَشهد فنضيع ما بين بين.

واهتمّ كذلك بإرسال إشارات ليزريّة ناعمة، وأخرى حارقة، وأحيانا بأسلوب تهكّميّ ساخر "قالوا لهم إنّ الله غائب، والدولة وضعت يدَها على أملاكه" (بلد المنحوس ص150). وقد كانت روايته "بلد المنحوس"(إصدار مكتبة كل شيء - حيفا 2018) دُرّةَ إبداعه.

كما وعمل سهيل كيوان في الصحافة وحرّر الصفحات الأدبية وكتب التّقارير المهمّة وأجرى المقابلات العديدة، كذلك اهتم بأدب الأطفال والفتيان، وكتب العديد من القصص الخاصة بهم.

و "أوتار لم تنقطع" إصدار مكتبة كل شيء لصاحبها صالح عبّاسي– حيفا 2026 العمل الإبداعي الأخير لسهيل كيوان، وهو عبارة عن "قصّة للفتيان" كما يُعَرّفها سهيل. ولكنّ القارئ من الكلمات الأولى للقصة حتى الأخيرة يجد قصةَ رجل كبير السّن، خرج للتّقاعد من عمله كآذن في المدرسة ليواجه حياة فارغة لم يعد له هدفٌ فيها ولا أمل يسعى لتحقيقه، يمشي في البيت من غرفة النوم إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى غرفة الاستقبال، ثم إلى الشرفة، ثمّ إلى ساحة البيت، ينظر إلى أحواض الزّهور وإلى شُجيرة البرتقال الصيني" (ص7) إلى أنْ سمع فجأة، لَحْنا يُعْزَف على الجيتار. يأتي من مكان ما في الحيّ، راقت له النّغمات وأيقظت شيئا نائما في مشاعره وذكرياته لطالما حلم بأن يعزف على آلة موسيقيّة وخاصة الجيتار، لم ينم تلك الليلة وفي الغد سارع إلى "بيت الموسيقى" وتَنقّل بين الآلات الموسيقية واستوضح أسعار الجيتارات المختلفة. وعاد ثاني يوم، واشترى الجيتار الذي أعجبه، وفي البيت بدأ يتدرّب على العَزف ثم التحق بدورة خاصّة. وبالفعل نجح وأخذ مع الأيام يقضي الوقت الطويل مع جيتاره يعزف ويحلم حتى كانت اللحظة الأسعد في حياته وهو يعزف على جيتاره مع حفيدته التي تعزف على البيانو معزوفة "سنة حلوة يا جميل" وكل أفراد الأسرة يحيطون به.

وكأني بسهيل كيوان يستعيدُ حياتَه السابقة عندما كان في مَطلع شبابه حالما، متفائلا، يريد امتلاكَ العالم، يحضر الأفراح في بلدته، وتجذبه أصواتُ الآلات الموسيقيّة التي يعزف عليها شبّانٌ مثله، ويشدّه بشكل خاص عازف الجيتار بوقفته وعزفه ونغمات جيتاره السّاحرة، ويحلم: هل سيملك النقودَ ليشتري الجيتار ويعزف، ويُسْمِع فتاة أحلامه وكلّ الناس، ألحانَه الجميلة؟

وتأخذ الحياة ومشاغلها بطل القصّة، ويبتعد حلمُه ويُجافيه في غمار مَشاقِّ الحياة وتقلّباتها، وتمضي السنوات متتالية، ولكنّه ظلّ في كثير من ساعات استراحاته يستعيد الماضي البعيد، والأحلام التي كانت له، ويشعر أنّ أحلى أحلامه وآماله لم يتحقق، ويتساءل إذا كان وقد فاتته السنوات، يليق به وقد أصبح جدّا، أن يقتني جيتارا ويعزف كحفيدته التي تعزف على البيانو؟ حتى كانت لحظة القرار واشترى الجيتار وتعلّم في دورة موسيقية وأتقن العزف، وأصبحت أحلى ساعات فرحه وسعادته وهو يمسك الجيتار ويضرب على أوتاره ويعزف المعزوفات التي طالما حلم بعزفها وإسماعها لفتاة أحلامه وكل الناس.

قد أكون شططتُ بالقصّة من العام إلى الخاصّ، وحصرتها في شخصيّة الكاتب، إذ يكثر ما يكتبُ الروائي قصّتَه أو جزءا منها فيُلبسها لبطل قصته أو يوزّعها على عدّة شخصيّات. والكاتب سهيل كيوان قد يكون أوقعنا بتَحديده أنّ قصّته للفتيان فاعتقدنا أنّ شخصيّاته ستكون من الفتيات والفتيان الشابات والشباب المُنْفتحين على الحياة بلهفة واندفاع، ففاجأنا برجل أنهكته الحياة، خرج للتّقاعد لم تعد له أيّة آمال وأحلام، وانحصرت حياتُه مع أفراد أسرته، من زوجة وأبناء وأحفاد، حتى كانت لحظةٌ فارقةٌ نبّهته رَجْفةٌ، هزّت كيانَه بسَماعه لحنا يُعزَفُ على الجيتار، وَانْشَدّ إليه وأخذه إلى سنوات بعيدة تُقارب الخمسين سنة عندما كان في السابعة عشرة من عمره، حلمُه أن يشتري جيتارا ويعزف ألحانا يُسمعها لفتاة أحلامه وكلّ الناس.

وقرّر أنْ يحقّق الحلم الآن وقد قاربَ السبعين من العمر، لكنه اصطدم بملاحظات المُحيطين به، والمُستغربين لما يقوم به، وهو بدَل أن يواجهَهم بحقيقة ما يشعر وما يريد، وَلِمَ عاد ليحلم به، حاول التّملّصَ والتّهرّب والاعتذارَ، وكأنه وقع مُتلبّسا بذنب يُلام عليه. فالبائعُ الشاب سأله بودّ بعدما سأله عن ثمن الجيتار:

- هلْ تعزف حضرتك أم تُريدها لحفيدتك؟

فأجابه بخجل وهو يعرف أنّه يكذبُ:

- للحفيدة.

ولاحقه البائع الشاب بالسؤال:

- ما شاء الله، على علمي أنّها تتعلّم على الأورغ.. فهل ترغب في الجيتار أيضا؟

فأجابه بخفوت وحياء: صحيح. (ص12- 13)

وعاد إلى البيت يحمل الجيتار، ودخل غرفة النوم، كأنه يختلس شيئا ما، وبدأ يضرب على أوتار جيتاره بشغف وحبّ ويتعرّف على كلّ منها، وكان ينتظر كلّ يوم خروجَ زوجته إلى العمل ليبقى وحده مع الجيتار، يحضنه ويشعر بشيء غريب، رجل في السابعة والستين يُخفي هوايته القديمة الجديدة كأنّها سرّ.

وعندما فاجأه ابنُه بدخوله عليه وسأله:

- هل هذا أنت؟ أنت الذي كنتَ تعزف؟

تردّد في جوابه وأجاب بصوت هادئ:

- أتسلّى.

فقال الابن وهو يبتسم:

- لمَ لا؟ جميل أن تُسَلّي نفسَك بهواية جميلة.

شعر بخجل وقال شبه معتذر:

- هذه اشتريتُها هديّة منّي لأمل.

ولم يتركه ابنُه فعلّق قائلا:

- أمل تُحبُّ البيانو والأورغ، لقد اقترحتُ عليها أن تتعلّم الجيتار، ولكنها تحبُّ الأورغ. (22)

وكانت المُواجهة الصّعبة مع زوجته عندما ضبَطتْه يعزف فاستنكرت عملَه قائلة وهي تبتسم:

- هل رجعتَ مُراهقا؟ (ص23)

فلم يُجبها وآثر الصّمت

وعندما دخلت عليه حفيدتُه أمل وهو يعزف انتفض ورفع رأسَه بسرعة كأنه أُمسك متلبِّسا وقال:

- أهلا أمل.. أين أنتِ؟ هذا الجيتار اشتريتُه لك، تعالي خُذيه.

فأجابته: أنا أحبّ البيانو

فقال: لكن الجيتار أجمل.

فقالت: أنا قرّرتُ البيانو.

وحتى يُقنعها بأنه اشترى الجيتار لها قال:

- في اللحظة التي تشائين تستطيعين أن تأخذيه.. فهو لكِ. (ص26)

ثم كانت زيارة صديقه له ورؤيته للجيتار وسرعته في التَّبْرير:

- اقتنيتُه لحفيدتي، ولكنها تحبّ البيانو فقرّرتُ أنْ آخذه أنا وأتعلّم. فانفجر الصديق ضاحكا:

- لقد هرمْنا يا رجل.

وأجابه بصدق:

- أشعر بسعادة كبيرة كلّما أتقنتُ جملة موسيقيّة.

حمل الجيتار وبدأ بالعزف. (ص41)

لكنه عاد ليشعر بالخجل والرّغبة في التَّستّر وهو يحمل جيتارَه ويمرّ قُرب بيت جاره، فأخفض رأسَه لأنّه يخجل أنْ يراه جارُه مع الجيتار. (ص47)

هكذا يصوِّر لنا الكاتب الضغطَ الاجتماعي والأُسَري على الواحد فيجد نفسَه مُراقَبا ومُتَّهما ويحتاج لصكِّ البراءة من التُّهم المُوجّهة ضدّه. ولمجرّد أنّه يريد استرجاعَ فترة زمنية من الماضي، وحادثة مرّت به، وأحبّاء كانوا الأقرب إلى قلبه، يُواجَه بكلمات الاستنكار والرّفض والسُّخرية والهزء والتّأنيب والتّذكير بعمره المُتَقدّم، فيستسلم معظمُ الناس وينطوون على أنفسهم ويكبتون رغباتهم ويحاولون مَحوَ ذكرياتهم ونسيانَ كلّ الذين مرّوا في حياتهم. فكم من قصة كُتِمَت وطُويَتْ ورسائل متبادلة حُرقَِتْ، وأمنية وُئِدَتْ، وأناسٍ ماتوا قَهرا وحزنا إرضاء لكلّ الواقفين لهم بالمرصاد بحجّة المحافظة على العادات والتّقاليد وتشابك العلاقات الاجتماعيّة وتقدّم السّن.

لكنَّ بطل قصة سهيل كيوان تمرّد على القيود وتناسى الخجلَ والمُداراةَ وتجاهل تعليقات الناس واستهجانهم، ووجد في حفيدته المُشجّعةَ والمُساعدةَ والدّافعةَ لتحقيق الحُلم الذي طالما أراد تحقيقَه بأنْ يشتري جيتارا يعزف عليه أحلى المَعزوفات التي كان يتمنى أنْ تسْمعَها فتاةُ أحلامه وكلُّ الناس.

وتشدُّنا المَشاهدُ التي تتكشّفُ فيها مَشاعرُ بطل القصّة وهو يُكلّم حفيدتَه ويكشف لها عن حُبّه الذي كان للجيتار، وتغمرُه السّعادةُ، ويرقصُ الفرحُ على وجنتيه فيضيء وجهُه مُتألّقا وهو يعود بذكرياته ليستعيدَ أحلامَه وأشواقَه وناسَه وأحباءَه عندما كان في السابعة عشرة من عمره يحمل جيتارَه ويجلس وصديقه يعزفان بشغَف وفرح. لكنّه سرعان ما ينكمشُ وهو يحكي لحفيدته ما جرى لصديقه الذي كان يُشاركه العزفَ على الجيتار، وكيف أثّر عليه:

- صديقي.. شريكي في العَزف كان يعمل نجّارا، فَقَدَ أصابعَ يده اليسرى في حادث عمل. ومن يومها توقّفتُ عن الدروس، ثم أهملتُ الجيتار، وتبرّعتُ به إلى النادي الشبابي، لأدعَ غيري يعزف. (ص28- 29)

لكنّ الأمنيةَ التي تُعَششُ في عقولنا، والأحلامَ التي تظل تُطاردنا تكونُ الأقوى، وتنتظرُ لحظة الإشعاع لتنطلق قويّة رافضة كلّ المُسَلّمات والمَفاهيم والمُعَوّقات.. وهذا الذي كان لبطل قصة سهيل كيوان "أوتار لم تنقطع"

وتظل "أوتار لم تنقطع" قصّة للفتيان كما أرادها كاتبُها الذي حرص على بساطة وسَلاسة العبارات، وتبادل الحوارات، واستحضار الماضي البعيد بما حمل من أمنيات وأحلام ورغبات ليلتقي بطل القصّة -  ولو في تصادم ناعم -  مع الواقع المعيش مُتجاوزا بمساعدة ابنه وحفيدته - نموذج جيل الفتيات والفتيان الشباب-  كلّ المُعَوِّقات والادّعاءات وتَقدُّم العمر، ويثبت للجميع أنَ الإنسان طالما حرص على ما تمناه وحلم به خلال سنوات عمره المتتالية فإنه لا بَدّ وسيجدُ الفرصة التي سيحقق فيها ما تمنّى وحلم وإن كان في حدود المَعقول.

هكذا هو بطل قصة "أوتار لم تنقطع" نموذج يُحتذى لكل فتى وفتاة اضطرته ظروفُه الحياتية أن يتنازل عمّ يحلم به ويتمنّاه أن يكون على ثقة أنّه طالما يحرص على حلمه وأمنيته فلا بدّ أنْ يحقِّقهما وإن تقدّمت به السنوات.

***

د. نبيه القاسم

توطئة لابدّ منها:

(رابعةُ الأثافي) ديوانٌ يعومُ انثيالُه الإبداعيّ داخل مساحةٍ تجنيسيّةٍ إشكاليّةٍ واسعةِ النظر والتنظير والتظهير. وهي مساحةُ قصيدةِ النثر الحداثية الّتي تسعى دائبةً إلى توطينِ ذاتِها خارجَ جدالِ التبعية الشِّعرية الفارِضةِ بعضَ الوصايةِ أو كلّ الوصايةِ على القول الشّعري.

ونحن في هذا السياقِ، سياق مقاربة ديوان (رابعة الأثافي) لا نخوضُ في إشكالية التعريف والتحديد والماهية، وإشكالية الاختلاف بين رفضِ قصيدة النثر أو قبولها، فهذا بابٌ طُبِخَ درسًا وتمحيصا، ولا نفعَ في زوبَعَتِه الآن... ومع ذلك سنسطّر في هذا الشأن ما يخدم اتّجاه المقاربة في تحليل متنِ الديوان الشعري بهدف الإضاءة لا بهدف المناظرة.

وقصيدة النثر في (رابعة الأثافي) ترقى بالنوعِ النّثري إلى مراقي الشعر وتسمو به إلى سديمه، في تميّزٍ بائنٍ بينونةً كبرى يدرك معه القارئُ تميّزَ الصوغِ الشعريّ البعيد كل البعدِ عن شعر التفعيلة وقصيدة النثر في بدايات تجلّيها. بمعنى أن (رابعة الأثافي) تصنع لذاتِها انخراطًا فنيًّا مسؤولًا يقول بالماهية في حريةِ الإبداع وخصوصيته.

إننا نظلم قصيدة النثر الحداثية عندما نُحاكِمُها من داخل التراث، إنها بحكم تعلّقها بالنثر تفرض علينا قراءتها داخل هذا المنظور. وهذا في نظرنا المتواضع فيصلٌ نقديٌّ جادٌّ لقراءة قصيدة النثر الحداثية بشكلٍ عام، وقراءة (رابعة الأثافي) بشكل خاص، وقراءة ما جرى مجراها، إنصافًا للنوع وتقريبًا للمفاهيم وتنسيبًا للمخرجات.3244 hanif

الديوان:

(رابعةُ الأثافي) إنجازٌ شعريٌّ حداثيٌّ مشتركٌ بين صوتيْنِ متمايزيْنِ على عدّة مستويات:

- مستوى النوع، وفيه يتجلى قول المذكر وقول الأنثى في غير قصديّةٍ أو تخطيط، اللهم سديمُ تجانسٍ روحيٍّ فرض هذا الانثيال الجمالي الوازن.

- مستوى الأرومة... فالديوان منجزٌ شعريٌّ مشتركٌ بين شاعرٍ مغربيٍّ وشاعرة سوريّة. وفي هذا التمايز إمكانُ غنىً وثراءٍ للديوان وللرؤية الشعرية وللرؤيا معا...

و الديوانُ في الأصل بعيدٌ كل البعد عن مفهوم "المُعارضة" كما انطبعتْ في أذهاننا النازحة من التراث والقائمة على التشابه في موضوع القصيدتين وفي وزنهما وقافيتهما ورويّهما... إن الأمر يتعلق بوعيٍ فنيٍّ يرسل فيه الشاعرُ القصيدة وتعطفُ عليه الشاعرةُ بقصيدة أخرى بتواصلٍ فنيٍّ يرومُ نسج الجمالِ في ثوبِ الدهشة أكثر من روْمِهِ خلق تناظرٍ أو تعارضٍ أو تجانس بين القصيدة الفاعلة وبين القصيدة المنفعلة...

و الأمر في هذا النزوع الشعري لا يتعلّق بالمحاكاة بتاتًا، ذاك أن المعارضة في التراث ترتبط أساسًا بالشكل، فيما هي في القصيدة النثرية الحداثية لا تتسمّى بهذا الاسم أوّلًا ، وتتجلى في لبوسات تختلف من قصيدة إلى أخرى ثانيا... إنها تنأى بذاتِها عن فكرة الغرضِ الشعري، وتتعلق أساسًا بالرؤيا والكشف والمحاورة.

في الاحتراز المنهجي:

أول الاحترازات المنهجية في هذا المنجز النقدي هو أننا نتعامل لا مع نص واحدٍ متجانسٍ في ذاتِهِ لشاعر واحد، وإنما نتعامل مع عمل شعريٍّ مشترك بين شاعرٍ وشاعرة، يختلفان في كل شيء، ويلتقيان في قصيدة النثر. وهذا يشي بتوتّر مقولات التجانس بين القطبيْن. أمّا مقولاتُ التشعّب فهي أمر واردٌ جدًّا بل هي شأنٌ قاعِديٌّ باعتبارِها درجة البدءِ في التناول.

فأن نتناول متْنًا شعريًّا حداثيًّا موقّعًا من طرفيْن مختلفيْن في جنس الكينونة وفي نشأةِ الكينونة، وفي ملامح أخرى عديدة، معناه أننا نرومُ مغامرةَ أدبيةً تعومُ في مقولة الاختلاف والتمايز والتشعب الذاهِبةِ مذهب الاستشكال المنهجي أكثر منها إلى انسيابيته وتراخيهِ بين أيدينا الشارحة والمُشرّحة. فنحن لا نقضمُ من قطنٍ بقدر ما ننحتُ من صخر أثناءَ قراءتنا لهذا التوقيع الشعري الثنائي المنفلت.

من هنا ضرورة التناول في أفق مراعاة الأسئلة التالية:

- هل المشترك هدمٌ لسلطة الكاتب الواحد؟

- لكل مبدعٍ صوته... فهلِ الصّوتانِ معًا شرطٌ إضافيٌّ للزيادة في النبض والإشراق والخلق الشّعري؟

- في منهج التناول:

سنحتكم إلى فعل نقدي ثنائيِّ الأبعاد في تصوّرٍ يستدعِي تظافر نتائج أدوات درس العلامة سيميائيًّا، وكذا مخرجات درس التأويل، علمًا أن سياقات التحليل قد تفرِضُ بعض الاتجاهات النقدية الأخرى التي نعضد بها قراءتنا ونستأنِسُ بها في مقاربتنا...

تقديم الديوان:

في تجربة شعرية جديدة تجمع خمسَ عشرة قصيدة، للشاعر (عبدالرحمن بوطيب) ومثلُها للشاعرة (روضة الدخيل) في مجموع ثلاثين قصيدة، تؤثّت صفحات الديوان البالغة في مجمله مائة وأربع عشرَة صفحة، من الحجم المتوسّط والصادر عن منشورات النورس، عام 2026.

تتحاور النصوص الشعرية بالتتابع، في نسقٍ فنيٍّ يردُّ نصٌّ على نصٍّ آخر من بداية الديوان حتى نهايته. وفيه يبدأ الشاعر (عبدالرحمن بوطيب) بالقول في تيمةٍ محدّدة، ثم تعقبه الشاعرة (روضة الدخيل) بالرّد، وإن شئنا قولًا دقيقًا ومنصفًا نقول: إنها تعقّب بالتفاعل.

و هما في هذا الديدنِ المشترك لا يقولان لمجرد القول الشعري بقدر ما هما يبنيان إمكانَ قصيدة النثر الحداثية داخل وضعٍ تجريبيٍّ عامرٍ باسطيطيقا المغامرة الماتحة جماليتها من تركيب حواريٍّ كيميائيٍّ مدهشٍ يرسم أكثر ممّا يقول، ويشكّل أغزرَ ممّا ينْظِم.

هكذا ينثال الديوان على شكل حوارية شعرية مفتوحة تقضِمُ مادّتها من مجموعة من الموضوعات الشعرية التي تبحث عن الإنسان في قلقه الجمالي عبر ملامسة قضايا الوطن والحب والمكان والزمان والتاريخ ...

المقاربة

1 - نظام العلاقات:

نعتبر ديوان (رابعة الأثافي) قيمةً مضافةً لقصيدة النثر الحداثية العربية النازحة من معينيْنِ مختلفين متجانسيْن، ونقصد معين النزوح المغربي ثم معين النزوح السوري. وفي كلٍّ ثراء، وفي كلٍّ خصوصية تعلن عن اختلافها الجغرافي لتصبّ في تجانس الانتماء الروحي.

 من هنا فالديوان ليس تمريناً يروم الخروج عن سلطة الوزن العربي القديم، بقدر ما هو استبدالٌ فنيٌّ لمفهوم البحر الخليلي بمفهوم الفراغ المرتبط بمقولة البياض والتفضية المرتبطين أيضًا بهندسة النص الشعري حيث تكون المسافات البصرية لا تسطيرًا ناشفًا بقدر ما هي بابٌ لإنتاج عوالم من الرؤيا تعيد تعريف الشعر خارج المعيار.1

و من ثمة فالشعر انطلاقًا من هذا الديوان هو حدثٌ معرفيٌّ وجماليٌّ تتواطأ فيه اللغة مع الفضاء مع الرؤيا لإنتاج العلاقات الشعرية والوجودية البعيدة في اجتراح الدلالة المعانقة لسحر الغموض الدلالي الوظيفي المشفّر والحامل ضمنيًّا لبعض المفاتيح لقراءته موضوعيًّا حتى لا يشطّ في دوائر الغموض المتسيّب.

 ينطلق كلّ من الشاعر(ع ب) والشاعرة (رد) من اعتبار القصيدة عالمًا من العلاقات لا عالما من المفردات المعتقلة داخل صرامة القاموس:

هات ما لديك من المحن

ففي المفردات ألوان

وإن عمي البصر ... 2

و هي العلاقات التي لا تعيد نظام العالم القائم ولا وصفه وتوصيفه. إنها العلاقات التي تقيم في اللغة المتجلية لا اللغة الآلة. والتجلي هنا ليس بيانًا فحسب وإنما وأيضًا هو انثيالٌ من القصيد في القصيد وفي الماحول بقدرة جمالية قادرة على إحداث الرجفة في الوعي، لا الاكتفاء بالدغدغة المجانية لوجدان المتلقي العربي وغير العربي. ولعل أقرب ما يصدّق دعوانا هاته قول الباحث عبدالعزيز المقالح (تتمثل قصيدة النثر كإبداع في علاقتها بفكرة إنسانية يعيشها إنسان. إنها فعلٌ اختراقيٌّ في الجوهراني من العناصر لا فعلُ لعبٍ بالشكلاني). 3

و العلاقات في الديوان متعددة الوجوه وحمّالة لكثير من الدلالات، ولا نقصد بها ما هو مستهلك كعلاقة الذات بالماحول، وإنما نقصد المكونات والعناصر المؤسسة للُحمة الديوان كاللغة والرمز والإيقاع والأسطورة وما جرى في هذا التكوين الشعري الحداثي الموسوم بالاختراق وتكسير المألوف لا الراقد في مقولات الشبه.

2 -  اشتغال رابعة الأثافي:

كيف يشتغل الديوان في داخله؟ وكيف تتجانس مكوناته اللغوية والرمزية والإيقاعية والأسطورية المتشعّبة في بناء الأثرالجمالي؟

ليس ديوان (رابعة الأثافي) هيكلًا نظرياً جافًّا وصارِمًا وبارِدا... بل هو كينونة حيّة تنبض خلاياها بالمعنى النازح من جوانية المبدع (ع ب) والمبدعة (ر د)، وهو المعنى الذي لا يفرض على المتلقي سلطة التأويل بقدر ما يفتح أمامه فائض المعنى وفيض المعنى بدل المعنى الأوحد الذي يمسك بأزمّة التأويل في صورة التلقي المشوّه.

من هنا فالملفوظ اللسني في (رابعة الأثافي) يصبح علامةً لا تحيل إلى الشيء مباشرة، وإنما تحيلُ إلى سلسلةٍ لا تنتهي من التأويلات. وفي هذا الأفق السيميائي، تغدو قصيدة النثر شبكةً من العلامات المتداخلة، لا يُقرأ فيها الرمز منفرداً ومعزولا عن سياقاته الممكنة، ولا الصورة مستقلة نازلة من مجال معرفي متعالٍ، ولا الأسطورة بوصفها زينةً ثقافية أو زخرفًا يستجدي التاريخ، بل باعتبارها وحداتٍ عضويةً تدخل في صميم الإبداع الشعري وتشترك جميعها في إنتاج المعنى وفائض المعنى المتجه نحو ممكنات التأويل.

أنظر كيف وظّف الديوان شخصية عنترة بن شداد:

خذْ من حروفك رحيل كُحلِيّ ابن زبيبة

خذ تيه ضليل

لا وقوف

لا بكاء

لا رسوم

لا أثاف... 4

فعنترة يسكن في الذات المتكلمة ويسكن في وجدان المتلقي. وكذا يسكن فيهما السموأل وعروة بين الورد وغيرهما من العلامات الأسطورية الموظّفة بذكاء حداثي في الديوان، حيث لا مسافة بين الحاضر والتاريخ. وحيث لا مسافة بين إفراد عنترة كالبعير المعبّد وبين الذات المتكلمة المبعدَة من سياقاتها الثقافية. التجربة الأسطورية تتكرر هناك وهنا، بحيث تفقد معناها إذا حاصرها المتلقي في اعتبارها ظلًّا تاريخيا يهب الديوانَ بعض الحكمة أو بعض الحضور...

ثم تعطف الشاعرة (ر د) على هذا الانزياح الأسطوري بلغة تقترب من التجلّي النقدي أكثر منها إلى البلاغي. قالت:

انتق ما طاب لك

من أساطير الحكايا

في الوغى نحن الصهيل

و (نحن أبناء يعرب)

نقارع الرمال والغبار...5

و في هذا التوظيف تردم الشاعرة (ر د) المسافة بين الحاضر حيث مقارعة الرمال والغبار، وبين التاريخ حيث الصهيل. ونكاد نشتمّ في شجبِها الارتماء في أحضان الأسطورة بحثًا عن حلٍّ حضايٍّ لأزمة الراهن بعض السخرية المُمضّة والواخزة والمعلنة أن الأفقيْنِ معًا، الماضي والحاضر، الأسطورة والراهن هما أفقان يعجّان بالخواء والصهيل، وينطقان فقط بالخيبة والأحلام المفلسة... للاستزادة أنظر الصفحة 27 من الديوان.

و الخلاصة أن الديوان لا يستدعي بوسيدون أو نيرون أو عنترة أو أدونيس ليزخرف ذاته الإبداعية بأسماءٍ عامرة بالرّنين التاريخي، وإنما ليستثمر الشحنات الرمزية الكامنة فيها، بإعادة تشكيلها داخل سياقٍ جديد ومختلف، تصبح فيه الأسطورة لغةً ثانيةً تنوب عن اللغة الآلة في التعبير والبيان وصناعة الإدهاش...

3 - الصورة في رابعة الأثافي:

يستدرج الديوانُ المعنى استدراجًا ذكيًّا وهو يمنحه مساحاتٍ واسعةً من التوتّر بين أطراف ثنائية أذكى، تعجن الحضور في الغياب، والإفصاح في الكتمان، والقول في الصمت. وفي هذا الاستدراج الفني تنمو اللغة في الظل بمفهومه الوارف أكثر مما تنمو في الضوء... وينعكس هذا الخيار الإبداعي بالتالي على مناطق الصورة الشعرية التي لا تقوم على تسجيل الواقع ونقلِ اشيائه كما هي، بقدر ما تقوم على إعادة خلق هذا الواقع لينمو كيانًا أدبيًّا داخل المخيلة. بل يتناسل شأن هذه الصورة ولادةً جديدةً في كلّ لحظة قراءةٍ يمارسُها القارئ، سواء أكان قارئًا ذاتيًّا أم خارجيًّا أم ضمنيًّا. وفي هذا التناسل الإبداعي تتحول الصورة من محسّن بلاغي إلى أداة معرفية منبثقة تنثالُ منها وفيها موجوداتٌ لغويةٌ نازحةٌ من الطبقات الخفية من هذا الّذي نسمّيه "الوعي"...

و لنضرب لذلك أمثلة من الديوان، تمثيلًا لا حصرا... فهي التي أملتْ علينا هذا التخريج النظري:

قال الشاعر (ع ب):

فجرٌ تنحّى عن طريق

هو الليل ليل لا يرحل يا رفيق

عوتْ ذئاب

تشظّت قوافٍ جريحة

زفرَ نظمٌ شهقةَ غيابٍ في غاب - 6

قالت الشاعرة (ر د):

صقيعٌ

يجتاح تضاريس الروح

تتصلّب في لساني

صرخة البوح

و في بحيرة الفكر يموج

نوحٌ وهذيان - 7

يبني الديوان في كلٍّ من حالة الشاعر (ع ب) والشاعرة (ر د) الصورة الشعرية بشكلٍ لا يعيق هذه الطفرة الممكنة في انثيال النفس خارج نسق الانغلاق. أي أن هذه النفس تشتغل دائما في الداخل عبر مقولة التخيّل لبناء صورة شعرية تتمثل أساسًا في إعطاء العالم شكله الجديد... فمخيالُ الشاعر (ع ب) يمسك بمقولة (الفجر) يفرغُها من تمثلات المتلقي المرتبطة بالزمن، ثم يحشرها في سديم الكينونة المتشيّئة عبر فعلِ (تنحّى). وهو فعلٌ على بساطته نجده قد مكَرَ بالصورة أيّما مكر، وهو يحوّل مجرى التخييل من سحر البيان إلى قوةِ البرهان. ومن ثمّة تكون الصورة إعادةً جماليةً لشكل العالم حيث الفجر كائنٌ يتنحّى والليل يمارس فعل الرحيل، والقوافي جريحة، والنظمُ يرسل الشهقة في الغياب،و الغياب سديم مقروءٌ في مساحاتِ الغاب، والغاب ظلمناه إن وصفناه في قبضة الفضاء... عالمٌ جديدٌ يمتطي مركبة الخيال المنفتحة والمراوغة تنحى بالتأويل منحىً الدلالة الجديدة البانية للقصيدة المدهشة التي وصفها المفكر غاستون باشلار قائلًا (القصيدة اندهاش بشكل دقيق جدا على مستوى الكلام، داخل الكلام وبواسطة الكلام حيث القصيدة حرّةٌ إزاء ذاتِها تعتمد على قوى اندفاعها الخاص، فتيّة دون توقّف على شاكلة طائر الفينيق، ذاك الطائر الأسطوري المنبثق من رماده الخاص) - 8

في الضفّة الأخرى تكون الصورة الشعرية في قبضة الشاعرة (ر د) نتاجًا لحظيًّا لنفسيتها عند مركز الذات (تتصلّب في لساني) في غير تجرّدٍ عن سياق الماحول (و في بحيرة الفكر يموج نوحٌ وهذيان). هكذا ينبجس المكان (التضاريس – البحيرة) ليتدفقَ مذهلًا في إضاءة روحية لا توقف الانبجاس في حالةِ التصلّب بقدر ما تفتح أمامه إمكان الحركة (يموج) حتى لو تعلّق الأمر بحركة النوح والهذيان باعتبارهما حالةً بدئيةً من حالات الخروج والانعتاق. فالنوحُ تعبير والهذيان تعبير، وكلاهما انسيابٌ يفتّت حالة الفتور ويقرّب المتلقي من عمق الصورة الشعرية وهي تطرق باب المتخيّل الذي يمارسُ تفريغًا للوعي بـ(الصقيع) ودرجة قسوته في منظور الشاعرة، وفي منظور المتلقي على حدٍّ سواء.

هكذا تأملنا نموذجيْن من الصورة الشعرية وفق نظام نفسي وسيميائي سعيْنا فيه إلى التماهي مع مفهوم الفوضى الخلّاقة لدى كلٍّ من الشاعريْن (ع ب) و(ر د) كأداة هدم وبناء وتفكيك للقوالب القديمة لبناء نظام شعريا جديدا يعتمد على حرية التعبير وتدفق الوعي. أنظر مثلا كيف تسامى الشاعر (ع ب) بمقولة الفجر من المقولة المألوفة في تمثلات المتلقي، وأعاد ترتيبها في مخياله الخاص... وانظر أيضًا كيف صاغت الشاعرة (ر د) من الصقيع عالمًا شعريًّا يموج بالحركة.

4 - ظاهرة التناص في رابعة الأثافي:

التناص مصطلحٌ نقديٌّ حديثٌ يقصد به تعالق النصوص وتقاطعها والحوار فيما بينها. وهو في عمق التحليل صلةٌ قائمةٌ بين النص المدروس في قبضتنا وبين نصوص سابقة يستحضرها صاحب هذا النص إما لتكثيف رؤياه الخاصة وإما لمناقضتها أو لامتصاصها بطريقةٍ أو بأخرى في انسجامٍ بنيويٍّ حتى تستجيب لمقاصده وغاياته...

و هو في (رابعة الأثافي) شكلٌ من أشكال تعددية الأصوات، يحضر بقوة في معظم مقاطع الديوان حضورًا يضفي على المتن الشعري المشترك سحرا خاصًّا، يستمد ألقَهُ من تنوع مشارب هذه الأصوات، بين القرآن، والأسطورة، والتاريخ، والفلسفة، والشعر، والمَثل وغيرها من مصادر الحوار الثقافي الّذي لا يستثني أحدًا من المبدعين في شرق الأرض وغربها، على اعتبار أن التناص قدرٌ جماليٌّ يطولُ الإنسان بشكل عام. وفي هذا السياق وجب التذكير أن الكائن الوحيد الّذي لم يتناصَّ مع أحد هو "آدم" عليه السلام.

رابعة الاثافي تجربةٌ شعريةٌ تخييلية لا تكتفي باستحضار النص الغائب لمحاورته فحسب، وإنّما وأيضًا وأساسًا تقوم الأثافي بتحديد المرجعيات الأصلية للنصوص المنصهرة في بوثقة النص تجعل النص في حركية دائمة تتجاوز الآنية إلى معانقة التاريخ في مفهومه المطلق.

و لنضرب لذلك أمثلة تمثيلية لا حصرية تفيد في إضاءة (رابعة الأثافي) على مستوى المحاورة:

- قال الشاعر (ع ب):

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا

و لا تبقي جروح روابينا

ما أطلسك غدا اليوم أمس في عرس جديد

هو العيد بعيد

صقيع يلف الصقيع – 10

و السياق الباعث على هذه المحاورة هو عنوان القصيدة (نبيذ... إدمان سكرة) وهو سياقٌ ارتبط بالذاكرة الموشومة في وجدان الشاعر الراهن الذي استحضر الشاعرَ الماضويَّ القابعَ في التراث البعيد (عمرو بن كلثوم) النازح من الزمن الجاهلي، والوصفُ هنا تحقيبٌ لا حكم قيمة...

في هذا التناص تجلّى ذكاء الشاعر الممارس لفعل المحاورة وهو يلقي بالقارئ في قبضة التاريخ الثقافي لماضوية كانت تعجّ بالعطاء. مع تخصيص المحاورة بخصوصية واضحة، إذ الشاعر لا يطلب خمرا، بقدر ما يطلب التذكير بالجروح (و لا تبقي جروح روابينا)، علمًا أن الروابي هنا معادلٌ موضوعيٌّ لمفردة (الأندرين) وهي مدينة في الشام تُصنع فيها الخمور... وهي الفضاء المشيرُ بطريقة تلميحة إلى مسقط رأس الشاعرة (ر د) المقيمة في (رابعة الأثافي) تحاور الشاعر ويحاورها.

إذن... هو تناصٌّ ماكرٌ لا يروم بيانَ تحكّم في الثقافة بقدر ما يروم استخلاص مصداقية راهنة لهذا المشترك الشعري الذي تبدو فيه الذوات منتشية لا بخمرة الأندرين بقدر ما هي منتشية بخمرة الجرح العربي هنا (المغرب) وهناك (الشام\سوريا). يؤكّد ذلك توجّه القصيدة نحو استثمار أمكنة ترتبط بالمغرب وبالشرق عامّةً (سبو- بردى – النيل – الفرات – الهلال الخصيب) استثمارًا يقدم السؤال ويركز على المساءلة أكثر من الوصف المجاني... ويفيدنا هي هذا التخريج الدلالي ويؤكده قول الشاعر في نفس القصيدة:

رحل الذين عرفتهم ما يدقّون اليوم جدار خزّان من عرق

و صديد

ارحلْ

لا تنتظرني – 11

و هنا ينبجس تناصٌّ آخر ويتعلّق بمحاورة رواية (رجال في الشمس) للمبدع الفلسطيني الراحل "غسّان كنفاني". وفي هذا الحوار شجبٌ وتنديدٌ لواقعٍ اختارَ الصمت ولم يختر فكرة النشيد من الأطلس حتى الهلال الخصيب... (لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟)... (لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟)... لماذا؟...

هذا غيضٌ من فيض في أطاريح ظاهرة التناص عند الشاعر (ع ب) اكتفينا بهذا العبور المتكلّم بكثير من الدلالات. وفي الضفة الأخرى اختارت الشاعرة (ر د) مجموعة من المحطّات تناصّتْ فيها مع مصادر ثقافية متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أيضًا ما يلي:

- التناص الرّاهن:

يا الهارب من حصار الغزل

كيف طاوعك الفؤاد على الإقصاء رغما

و ما إقصاؤك إقصاء

لكن حصاري هو الحصار

لن تموت من اغتراب

و الفرار  – 12

و لو أن السياق سياقان واحد يتغنى بالحرية في ظل الحصار السياسي والثاني يتغنى بالعشق في ظل الحصار الوجداني والعاطفي إلا أن التناص بينهما واضح وجليّ وذكي في استثمار المقولات بطريقة لا يحسّ فيها القارئ بليِّ أعناق النصوص المتحاورة. وفي هذا النزوع مالتِ الشاعرة إلى توظيف اللمح بدل التصريح ممتطيةً بعض التشابه بين النص النواة والنص المتحاوَرِ معه انطلاقًا من التركيز على علامتيْ التكرار (حصاري هو الحصار) والإيحاء عبر مفردة (الفرار) التي تحيل بمكر فنيٍّ على العبارة في سياق الشاعر محمود درويش (حاصر حصارك لا مفرّ).

- التناص الأسطوري:

هلّا طرّزت مناديل

الانتظار

بتلويح إياب - 13

في قول الشاعرة أعلاه ذكاء في بناء التناص، حيث لا تمارس مجانيةً تفي بالمفردات في وضوحِها المبتذل. وهي في هذا المنحى تحترم ذائقة المتلقي وذكاءه معًا على اعتبار أنها تثق في المشترك المعرفي بينها وبينه وهي تلقي به في أتون الأسطورة دون مساعدته بصريح العبارة. إنها ترشّ رذاذَ التناص ولا تفضحه.

المتلقي يدرك أن المحور الحاضر يحيل على محور غائب:

- التطريز مقابل الغزْل

- الغائبة مقابل بينيلوب

- الانتظار مقابل الانتظار

- التلويح مقابل يقين بينيلوب بعودة أوليس

و يشفع لنا هذا التأويل حضور علامات في سياق القصيدة قبل حدوث التناص... ذكرت الشاعرة فكرة الفارس والترحال والغياب والانتظار والمنفى والبحر... وكلها علامات لسنية مشحونة بالدلالة التاريخية الموغلة في الأسطورة.

- تناص التراث:

... حزم هموم

يطمس كل شعاع

كي لا يرى السمار في نجوى

و لا ليلى

تواعد المجنون – 14

في هذا التوجّه الغارف من حكاية تراثية تتعلق بقيس وليلاه، تميل الشاعرة لا إلى التباكي داخل عذرية العلاقة، تكررها وتنسخها نسخا وتعيدها تكرارا باهتا ومملّا... بقدر ما تربط التناص فيها بحركية النفي (لا لون – لا يرى السمار – ولا مروى للصادي – ولا شروق يسطع...) وهو النفي الذي تبنيه الشاعرة داخل المحكي القديم في لبوس الاعتمال الشخصي الحديث، تتقمّصه وتعيد إنتاجه بخلفية جديدة تعلن على نضوب العلاقة كلّما وجّهها الرحيل وأطرها الانفصال إلى درجة قاسية تختم فيها الشاعرة هذه الماضوية بفكرة الموت، والارتماء في جوف ليل أعجف ينطق فيه الحجر ولا شيء غير الحجر...

تناصٌّ بنكهة القسوة يفيد في إعادة قراءة القصيدة الحداثية داخل منظورات أكثر دينامية وأكثر استيعابا للحظة الراهنة تجنّبًا للتكرا وللبكائيات التي تشدّ أجنحة قصيدة النثر الحداثية عن التحليق.

- التناص القرآني:

كيف تجتاح البوادي

ريح صرٍّ عاتية

تنثر الروح هباء

فوق أشواك الوهم – 15

يأتي هذا المقطع واضحًا وجليًّا في اتكائه على الآية القرآنية التالية (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ). مع تصرّفٍ من طرف الشاعرة في إبدال مفردة الصرصر وتعويضها بمفردة الصر، على اعتبار التوظيف الشاعري الذي لا يؤمن بالنقل الحرفي للنص المتحاور معه. وهنا ذكاء الشاعرة إذ فضّلت مفردة (الصِّر) وتعني الريح الباردة زيادةً في التنكيل بالصورة الشعرية والذهاب بها مذهب الالوخز الشديد للمشهد. ولعلّ الشاعرة تستفيد من قوله تعالي في سياق آخر (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) – 16

إن اختيار الشاعرة لهذه العلامة السيميائية اختيارٌ ذكيّ وموفّق وبعيد في اجتناء الدلالات الممكنة لرسم غيبوبة هذا الموضوع الذي تزيح عنه بعض أوراق التوت، ونقصد موضوع الوطن الذي عطفتْ فيه الشاعرة عطفًا ماكرا على النص الفاعل الذي ألقاه الشاعر (ع ب) في بداية الديوان تحت عنوان(هذا قصيدي يا وطني)...

هناك – على سبيل التمثيل – تناص قرآني آخر:

و يا لقلبي

كم عليه أن يغوص في حمم

ليت البراكين الخامدة تثور

و التنور يفور - 17

و النص المُحَاوَرُ هنا هو الآية القرآنية التالية: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) – 18

لا يقع التقاطع هنا داخل التشابة في الموضوع أو القضية، فللسياق القرآني حرمته وللسياق البشري مصداقيته. فقط هو الاستئناس بالملفوظ المقدّس، نظرًا لقوةِ صوغِه وجمال تصويره وجلالِ إشارته وبشارته، تمتح منه الشاعرة بعضَ سندٍ لا يصف جوانيتَها بقدر ما يؤكّدها ويعزّزها ويُثرِيها على مستوى البناء.

من هنا يمكن قياس الحاضر على الغائب، وقياس الذاتِ في تجربتها النازفة على تجربة التاريخ القديم في شخص نوح عليه السلام تستمد منه الذاتُ مقولاتِ القوة والصبر والقرار الحكيم. وذلك لأن فوران التنور في مخيالنا الديني مرتبط بقرار الركوب ثم الرحيل في إطار فوز القلّة لا الكثرة (وما آمن معه إلا قليل). وفي المقابل يكون سفر الشاعرة لا عبر السفينة وإنما عبر فعل التمني (ليت البراكين الخامدة تثور). والثورة هنا مسعىً قادرٌ على فعل التغيير لتتبدّد الأوجاع وتتحرر الذوات (عساها تتبدّد أوجاع الورى ويتحر من شجنه الفؤاد الأسير)...

- الختم:

لم نكن بصدد مقاربة نقدية لديوان (رابعة الأثافي) في مفهوم المقاربة الشاملة والمغطيّة لكل مستويات الخطاب الشعري. واكتفينا بمناورة بعض المحاور في أفق واحد يتعلق بتقريب الإشكال المتعلق بثنائية التأليف بين شاعر وشاعرة من مشربيْن مختلفين، وكيف حقّقا بعض التجانس الدلالي وهما في ضفّتيْن متباعدتيْن كل التباعد. بمعنى أننا حاولنا قراءة مفهوم التشعب في دوائر التجانس. فحظينا من خلال ذلك برؤيا شعرية مشتركة بين الشاعر المغربي (عبدالرحمن بوطيب) وبين الشاعرة السورية (روضة الدخيل).

وحظينا عبر ذلك بإمكان الكشف عن هذه الرؤيا المشتركة المرتبطة بقصيدة النثر الحداثية المختلفة في قوانينها الداخلية عن قوانين القصيدة العمودية. وهي رؤيا تتبنى مقولة الفوضى الخلّاقة التي لا تعني البتّةَ حريةً في التسيب أو تسيّبًا في الحرية. والدليل أن ظاهرة الغموض الدلالي في الديوان كانت عمقًا في البناء وفي التصوير وفي الانزياح وفي معانقة الرمز والأسطورة دون التشظي داخل مركب الغموض المجاني اللاعب على مهارات تكسير أعراف اللغة. لقد كان غموضًا دلاليًّا بمفاتيح يتركها كلٌّ من الشاعر والشاعرى قيد التناول لفك شفرات المقول الشعري في (رابعة الأثافي).

هكذا كان الديوان. نموذجا للنص الحداثي الحقيقي الذي يمتلك نظامه الخاص، غير أن هذا النظام لا يفرض نفسه من الخارج، بل ينبثق من داخل التجربة الشعرية ذاتها، وهي التجربة المشتركة بين ذاتيْن، وهنا كانت الصعوبة والإشكال، وهنا أيضًا نحج كل من الشاعر والشاعرة في توحيد المختلف وتوطين المؤتلف في هذا الخطاب الشعري غير المفتوح على العبث، بقدر ما كان خطابا مفتوحا على مقولة الاحتمال...

***

نورالدين حنيف

..................

إحالات

1 - أنظر نموذجًا للتفضية المتكلمة بالخروج من الديوان ص 68

2 - روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 74

3 - محمد العباس؛ ضد الذاكرة (شعرية قصيدة النثر). المركز الثقافي العربي. بيروت – البيضاء ط 1 – 2000 – ص 48

4 - روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 25

5 – المرجع نفسه - ص 27

6 – المرجع نفسه - ص 61

7 – المرجع نفسه - ص 49

8 - غاستون باشلار : شذرات شعرية النار، باريس 1988 ، ص 29

9 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 31

10 – المرجه نفسه – ص 31

11 – المرجع نفسه – ص 33

12 – المرجع نفسه – ص 87

13 – المرجع نفسه – ص 89

14 – المرجع نفسه – ص 101

15 – المرجع نفسه – ص14

16 - سورةآل عمران – الآية 117

17 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 113

18 – سورة هود – الآية40

قراءة نقدية لغوية وهيرمينوطيقية وأسلوبية ونفسية وسيميائية في قصيدة آمال صالح.

حين يثقل العالم بالصمت، وتتحول الأيام إلى مواعيد متشابهة، والطرقات إلى طوابير، والوجوه إلى عابرين لا يلتفت أحدهم إلى أحد، يصبح الشعر أكثر من لغة؛ يصبح موقفاً من الحياة. فثمة لحظات لا يكفي فيها أن نرى، بل ينبغي أن نبصر؛ ولا يكفي أن نسمع، بل ينبغي أن نصغي؛ ولا يكفي أن نعبر، بل ينبغي أن نتوقف أمام ما يستحق أن يُعاش.

من هذا القلق الإنساني ولدت قصيدة «لا تكونوا محايدين»؛ قصيدة ترفض أن يكون الإنسان مجرد متفرج على العالم، أو رقماً في ساعة، أو اسماً في عنوان، أو جسداً يصطف في طابور طويل من العادات والمواعيد. إنها دعوة إلى استعادة الدهشة، وإلى تحرير الروح من القوالب التي تجعل الحياة نسخة باهتة من نفسها.

لا تكتب آمال صالح هنا عن الحرية بوصفها شعاراً بعيداً، بل تستدعيها من التفاصيل الصغيرة: من حلم ينبغي أن نصغي إليه، ومن زهرة تتفتح، ومن يد تصافح، ومن ابتسامة تُمنح لغريب، ومن عصفور مهاجر يعلّمنا أن للروح حقاً في التحليق.

إن «لا تكونوا محايدين» ليست دعوة إلى موقف عابر، بقدر ما هي سؤال عن معنى أن نكون أحياء: هل نمر في العالم مروراً عابراً، أم نترك فيه أثراً من دفء أرواحنا؟ وهل نكتفي بمراقبة الجمال، أم نشارك في صناعته؟ وهل نستسلم للزمن كما تقيسه الساعات، أم نستعيد زمناً آخر، زمن الحلم والصدفة والحب والقصيدة؟

لهذا تأتي القصيدة كنافذة تُفتح في جدار المألوف، وكصرخة هادئة في وجه الاستسلام، وكإيمان بأن العالم، مهما أثقلته العتمة، ما يزال قادراً على أن يخضرّ من جديد.

ومن هنا يبدأ النداء...

لا تكونوا محايدين.

نص القصيدة:

لا تكونوا محايدين...!

بقلم آمال صالح

حين تتكلم الأحلام اصغوا لها...

لا تمروا محايدين

توقفوا عند العتبات

واصرخوا...

اضحكوا حتى تتفتح الأزهار

بكامل وعيها

توحي للطبيعة

أن تعطيكم أسرارها

لا تمروا محايدين

اخرجوا من بوابات الحروف المنسقة

بنظام شديد

حفظتها المدن

وعلامات المرور

أرجوكم لا تكونوا محايدين

أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة

حتى وإن غاب الأخضر

وأصبحت الأشجار تنمو

في رحاب منطفئة

اخترعوا قواميسا جديدة

وتعالوا نكتب

ذلك الكون ليس للموت

ذلك الكون هو الأخضر

في يد تصافح

وجبين تخرج منه تباشير الصباح

أما المساء

فهو حين تشتعل المدينة

فقط من صدى قصيدة

لا تكونوا محايديين

تسايرون الزمن بالمواعيد

وتركبون الأماكن حسب العناوين

اخرجوا يوما الصدفة من جيوبكم

ابتسموا لغريب

واحلموا مع العصافير المهاجرة

لا تصطفوا دوما في الطوابير

انزعوا الساعات

وانسوا أنكم مقيدين

تعالوا إلى جمال الكون

بفتحة في نافذة الروح

حين تصبح الأيام مثل نوتات موسيقية

تعزف لكم أغنية

خارجة عن المألوف

أرجوكم لا تكونوا محايدين...!

القصيدة بوصفها موقفاً من العالم:

ليست قصيدة «لا تكونوا محايدين...!» للشاعرة آمال صالح نصاً يكتفي بتأمل العالم من مسافة آمنة، ولا قصيدة تستسلم لجماليات الوصف المحايد؛ إنها نصٌّ يضع القارئ في قلب المسؤولية، ويحوّل الشعر من مساحة للتلقي إلى مساحة للفعل. ومنذ عتبتها الأولى، يستقبلنا فعل الأمر: «لا تكونوا»، وكأن الشاعرة لا تريد قارئاً يتفرج على القصيدة، بل قارئاً يدخلها، ويتورط في أسئلتها، ويعيد النظر في موقعه من الحياة.

إن كلمة «محايدين» ليست في النص مجرد صفة، بل تتحول إلى مركز دلالي تدور حوله شبكة واسعة من الأفعال والصور والرموز: الإصغاء، الصراخ، الضحك، الخروج، الاختراع، المصافحة، الابتسام، الحلم، نزع الساعات، نسيان القيود، والانفتاح على جمال الكون.

ومن هنا يمكن القول إن القصيدة تؤسس ثنائية جوهرية:

الحياد - الفعل

ثم تتشعب عنها ثنائيات أخرى:

المدينة - الطبيعة،

النظام - العفوية،

الساعة - الحلم،

الطابور - الصدفة،

المواعيد - الحرية،

الموت - الخضرة،

المألوف - المختلف،

الصمت - الصرخة.

وبقدر ما تبدو القصيدة بسيطة في معجمها، فإنها عميقة في بنيتها الدلالية؛ لأنها تستخدم المفردة اليومية لكي تنقلها من معناها المباشر إلى معنى وجودي وأخلاقي.

أولاً: العنوان بوصفه عتبة تأويلية

«لا تكونوا محايدين...!»

عنوان شديد الكثافة؛ لأنه لا يقدم موضوع القصيدة بقدر ما يقدم موقفها.

إنه تركيب إنشائي قائم على النهي، والنهي هنا لا يؤدي وظيفة المنع فحسب، وإنما يتحول إلى فعل احتجاج ومساءلة. أما الجمع في «تكونوا» و«محايدين» فينقل الخطاب من الفرد إلى الجماعة، ومن التجربة الذاتية إلى المجال الإنساني العام.

واللافت أن علامات الحذف المتبوعة بعلامة التعجب تمنح العنوان امتداداً صوتياً ونفسياً؛ فكأن العبارة لم تُغلق عند حدودها اللغوية، وإنما بقيت مفتوحة على صدى يتواصل في ذهن المتلقي.

إنها ليست: لا تكونوا محايدين وحسب، بل:

لا تنسحبوا من الحياة.

لا تقفوا خارج الألم والجمال.

لا تجعلوا أنفسكم متفرجين.

لا تسمحوا للزمن أن يحولكم إلى أرقام.

وهنا يتحول العنوان إلى مفتاح قرائي يضيء معظم مفاصل النص.

ثانياً: البنية اللغوية ـ اللغة بين البساطة والانزياح

تقوم لغة آمال صالح على مفردات مألوفة في ظاهرها، لكنها تكتسب داخل السياق طاقة إيحائية تتجاوز معناها القاموسي.

فالألفاظ:

الأحلام، العتبات، الأزهار، الطبيعة، المدن، الأشجار، القواميس، الكون، الأخضر، اليد، الجبين، الصباح، المساء، الصدفة، العصافير، الطوابير، الساعات، نافذة الروح، النوتات، الأغنية

تنتمي في معظمها إلى الحقل الحسي واليومي، غير أن الشاعرة تعيد ترتيبها بحيث تصبح اللغة اليومية لغةً فلسفية.

فـ«الساعات» ليست ساعات زمنية فقط، بل تتحول إلى علامة على الزمن الذي يضبط الإنسان.

و«الطوابير» ليست مجرد تجمع بشري، وإنما علامة على الامتثال الجماعي.

و«العناوين» لا تحيل إلى الأمكنة وحدها، بل إلى نظام تصنيفي يريد أن يضع الإنسان داخل خانة محددة.

أما «الصدفة» فتظهر بوصفها نقيضاً لهذا النظام كله؛ لأنها تمثل المفاجأة، والممكن، والانفتاح على ما لا يخضع للجدولة.

وهنا يكمن أحد أجمل التحولات الدلالية في النص:

من الإنسان الذي يسير وفق المواعيد إلى الإنسان الذي يستعيد الصدفة.

وهذا انتقال من حياة مبرمجة إلى حياة محتملة.

ثالثاً: فعل الأمر وبناء الخطاب

تتأسس القصيدة أسلوبياً على كثافة الأفعال الإنشائية، ولا سيما الأمر:

اصغوا،

توقفوا،

اصرخوا،

اضحكوا،

اخرجوا،

اخترعوا،

تعالوا،

ابتسموا،

احلموا،

انزعوا،

انسوا.

وهذا التتابع لا يمكن اعتباره مجرد تنويع نحوي؛ إنه بنية عميقة في تشكيل القصيدة.

كل فعل أمر يفتح نافذة جديدة في الجدار.

اصغوا يحرر السمع.

توقفوا يعيد الإنسان إلى لحظة التأمل.

اصرخوا يحرر الصوت.

اضحكوا يستعيد الجسد حقه في الفرح.

اخرجوا يعلن مغادرة القوالب.

اخترعوا يدعو إلى خلق لغة جديدة.

ابتسموا يعيد العلاقة الإنسانية إلى بساطتها.

احلموا يسترد المستقبل.

انزعوا الساعات يحرر الإنسان من سلطة الزمن الميكانيكي.

وهكذا يتحول الأمر النحوي إلى درجات في سلم التحرر.

فالقصيدة لا تقول للقارئ ماذا يفكر فقط؛ إنها تقول له ماذا يفعل.

وهذا أحد أسرار قوتها الخطابية.

رابعاً: التكرار بوصفه لازمة طقسية

تعود العبارة:

«لا تكونوا محايدين»

في مواضع متعددة، فتتحول من جملة إلى لازمة إيقاعية ودلالية.

التكرار هنا ليس حشواً، وإنما هو أشبه بدقات متتابعة على باب مغلق.

كلما ظن القارئ أن النص ابتعد عن مركزه، تعيده اللازمة إلى السؤال الأساسي: ماذا يعني أن تكون إنساناً في عالم يحتاج إلى موقف؟

ومن الناحية الإيقاعية، تمنح اللازمة القصيدة بنية دائرية؛ فهي تبدأ منها وتعود إليها، وبذلك يصبح النص أشبه بحركة موجية:

نداء - صور - أفعال - تحريض - تأمل - نداء.

وهذا البناء يفسر الطابع الإنشادي الذي يميز القصيدة.

خامساً: الهيرمينوطيقا ـ من ظاهر الحياد إلى باطن المسؤولية

تفتح القصيدة مجالاً خصباً للتأويل الهيرمينوطيقي؛ لأن كلمة «الحياد» تبدو في ظاهرها مفهوماً سياسياً أو اجتماعياً، لكنها في السياق تتحول إلى مفهوم وجودي.

ما الذي تعنيه الشاعرة حين تقول:

«لا تمروا محايدين»؟

إنها لا تتحدث عن موقف سياسي محدد فقط، بل عن طريقة في الوجود.

فالمرور المحايد يعني أن يرى الإنسان العالم ولا يتأثر به، أن يرى الحزن ولا يتحرك، أن يرى الجمال ولا يحتفي به، أن يرى الإنسان الآخر ولا يمد يده إليه.

من هنا تصبح القصيدة سؤالاً أخلاقياً:

هل يستطيع الإنسان أن يعيش دون أن ينحاز إلى شيء؟

وتأتي الإجابة ضمنية: لا.

فالإنسان، في تصور القصيدة، لا يصبح إنساناً كاملاً بمجرد وجوده، وإنما عندما يدخل في علاقة حية مع العالم.

ومن هنا يمكن قراءة النص باعتباره انتقالاً:

من الحضور الفيزيائي إلى الحضور الأخلاقي.

أن تكون موجوداً لا يعني أنك حاضر.

الحضور الحقيقي هو أن تكون لك استجابة.

سادساً: «حين تتكلم الأحلام»: أنسنة المجرد وتحويله إلى كائن حي

تفتتح الشاعرة:

«حين تتكلم الأحلام اصغوا لها...»

وهذه العبارة تحمل انزياحاً شعرياً واضحاً؛ فالأحلام لا تتكلم بالمعنى الحرفي، لكنها تُمنح صوتاً إنسانياً.

إنها عملية تشخيص تجعل الحلم كائناً قادراً على الخطاب.

والأهم أن الشاعرة لا تقول: حققوا الأحلام، وإنما تقول:

«اصغوا لها»

وهذا فرق دقيق وعميق.

فالتحقق يأتي لاحقاً، أما البداية فهي الإصغاء.

إن الشاعرة بذلك تؤسس أخلاقاً جديدة للعلاقة مع الذات: قبل أن تفعل، اسمع ما تقوله أحلامك.

وهنا يتحول الحلم من خيال إلى خطاب داخلي.

سابعاً: الطبيعة بوصفها شريكاً في المعنى

تحتل الطبيعة موقعاً مركزياً في القصيدة:

الأزهار، الأشجار، الأخضر، العصافير المهاجرة، الصباح، الكون.

لكن الطبيعة ليست خلفية جمالية، وإنما كيان مشارك في عملية الخلاص.

تقول الشاعرة:

«أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة»

وهذه من أكثر الصور كثافة في النص.

فالمدينة والطبيعة تبدوان في الأصل عالمين متباعدين، لكن الشاعرة تريد المصالحة بينهما.

الرقص هنا ليس مجرد حركة؛ إنه استعادة للتناغم.

المدينة تمثل النظام، والتخطيط، والمواعيد، والعناوين، والطوابير.

والطبيعة تمثل الحركة الحرة، النمو، الصدفة، الخضرة، الهجرة، التفتح.

وعندما تقول:

«أريد أن ترقص المدينة مع الطبيعة»

فإنها تقترح، في العمق، مصالحة الإنسان مع الجزء الطبيعي المنسي فيه.

ثامناً: «الأزهار بكامل وعيها» ـ شعرية المفارقة

من أجمل الانزياحات في القصيدة:

«حتى تتفتح الأزهار

بكامل وعيها»

فالزهرة لا تمتلك وعياً بالمعنى العقلاني، لكن الشاعرة تمنحها وعياً مجازياً.

والنتيجة أن الطبيعة تدخل في مجال الإنسان، والإنسان يدخل في مجال الطبيعة.

إنها ليست زهرة فحسب؛ إنها زهرة واعية بوجودها.

وبذلك يصبح التفتح فعلاً معرفياً، وليس فعلاً نباتياً فقط.

وهذه الصورة تكشف عن فلسفة خفية في النص: الحياة الحقيقية هي أن تتفتح بكامل وعيك.

تاسعاً: المدينة بوصفها استعارة للاغتراب

في القصيدة مدينة أخرى غير المدينة الجغرافية.

إنها المدينة التي تحفظ:

«بوابات الحروف المنسقة

بنظام شديد»

وتعيش وفق:

«علامات المرور»

وتسير خلف:

«المواعيد»

وتحدد الأمكنة بواسطة:

«العناوين»

وتصطف في:

«الطوابير»

وتقيس الحياة بواسطة:

«الساعات».

إننا أمام مدينة تتحول فيها الحياة إلى نظام من التعليمات.

ولهذا تبدو الدعوة إلى الخروج منها دعوة إلى كسر آلية الاستلاب.

المدينة هنا ليست ضد الطبيعة لأنها حضرية، بل لأنها أصبحت رمزاً للإنسان الذي فقد عفويته.

عاشراً: «اخترعوا قواميس جديدة» ـ ثورة اللغة

هذه العبارة من أكثر عبارات القصيدة أهمية:

«اخترعوا قواميسا جديدة»

فالقاموس، في ظاهره، كتاب للغة، لكنه في القراءة التأويلية يصبح رمزاً للنظام الذي يحدد الأشياء بأسمائها ومعانيها.

وعندما تطالب الشاعرة باختراع قواميس جديدة، فهي لا تطالب بتغيير الكلمات فقط، بل بتغيير طريقة رؤية العالم.

إنها دعوة إلى إعادة تسمية الأشياء.

فالحرية تحتاج إلى لغة.

والحب يحتاج إلى لغة.

والاختلاف يحتاج إلى لغة.

والإنسان الذي يستخدم قاموساً قديماً لواقع جديد قد يظل عاجزاً عن التعبير عن تجربته.

من هنا تصبح الكتابة نفسها فعلاً تحررياً.

الحادي عشر: «ذلك الكون ليس للموت» ـ جدلية الموت والخضرة

تصل القصيدة إلى نقطة فلسفية واضحة:

«ذلك الكون ليس للموت

ذلك الكون هو الأخضر»

هنا يتحول الأخضر إلى مفهوم كوني.

إنه ليس لوناً فقط، بل استعارة للحياة والنماء والأمل والقدرة على التجدد.

والمقابلة بين:

الموت - الأخضر

ليست مقابلة بين نهايتين فقط، وإنما بين تصورين للعالم.

عالم يرى الحياة طريقاً إلى الفناء.

وعالم يراها إمكانية دائمة للإنبات.

ولذلك يصبح الأخضر في النص شبيهاً بفلسفة مضادة للعدم.

الثاني عشر: اليد والجبين والصباح ـ من التجريد إلى الجسد

من الصور الجميلة:

«في يد تصافح

وجبين تخرج منه تباشير الصباح»

بعد أن كانت القصيدة تتحدث عن الكون والطبيعة والمدينة، تنزل فجأة إلى الجسد.

اليد رمز للعلاقة.

والمصافحة فعل اتصال.

أما الجبين فيحمل معنى الكرامة والإنسانية والبداية.

والصباح يخرج من الجبين كما لو أن الإنسان نفسه أصبح مصدراً للنور.

وهنا تتجسد الفكرة الكبرى: التغيير لا يأتي دائماً من الخارج؛ قد يبدأ من يد تمتد إلى الآخر، أو من جبين يحمل بشارة جديدة.

الثالث عشر: المساء الذي تشتعل فيه المدينة

تقول الشاعرة:

«أما المساء

فهو حين تشتعل المدينة

فقط من صدى قصيدة»

وهنا تبلغ القصيدة درجة عالية من المجاز.

فالشعر لا يعود وصفاً للمدينة، بل يصبح قوة قادرة على إشعالها.

و«الاشتعال» هنا لا يعني بالضرورة الاحتراق، وإنما الاستيقاظ.

المدينة المطفأة تحتاج إلى شرارة.

والقصيدة يمكن أن تكون تلك الشرارة.

إنها رؤية تمنح الشعر وظيفة تتجاوز التزيين؛ فالشعر قادر على إحداث تحول في الوعي.

الرابع عشر: البنية النفسية ـ القلق من إنسان فقد دهشته

على المستوى النفسي، يمكن قراءة النص باعتباره صادراً عن قلق عميق من الاعتياد.

فالشاعرة لا تخشى الموت وحده؛ إنها تخشى حياة تشبه الموت.

وهذا أكثر حضوراً في صور:

المواعيد،

العناوين،

الطوابير،

الساعات،

الأماكن المحددة،

اللغة المنسقة،

الزمن المبرمج.

كلها تشير إلى إنسان يعيش، لكنه لا يختار.

ومن هنا تأتي الرغبة في:

الصدفة،

الابتسامة،

الحلم،

الهجرة،

نزع الساعة،

الخروج من المألوف.

النفس الشعرية إذن تبحث عن استعادة الدهشة.

والدهشة في هذا النص ليست ترفاً جمالياً؛ إنها علامة على أن الروح ما تزال حية.

الخامس عشر: الصدفة في مواجهة النظام

تقول الشاعرة:

«اخرجوا يوما الصدفة من جيوبكم»

صورة شديدة الذكاء؛ لأن الصدفة لا توضع عادة في الجيب.

وهنا تكمن المفارقة.

إن الشاعرة تتعامل مع الصدفة كما لو أنها شيء يحتفظ به الإنسان ثم ينساه.

وهذا يعني، رمزياً، أن الإنسان يحمل داخله إمكانية المفاجأة، لكنه يدفنها تحت ثقل العادة.

إخراج الصدفة من الجيب هو، في العمق:

إخراج الممكن من أسر الممنوع.

السادس عشر: العصافير المهاجرة ـ صورة الذات التي لا تعترف بالحدود

«واحلموا مع العصافير المهاجرة»

العصفور المهاجر هنا ليس صورة للطيران فقط، وإنما صورة للذات التي ترفض أن يكون المكان سجناً.

والهجرة تمنح الرمز بعداً وجودياً: الانتقال، البحث، التجربة، المغامرة.

وفي الوقت نفسه، فإن العصافير لا تحمل خرائط بيروقراطية؛ إنها تعرف طريقها بالحدس.

وهنا تعود القصيدة إلى صراعها المركزي:

الإنسان الذي يعيش وفق الخرائط

في مقابل الكائن الذي يعرف طريقه بالإحساس.

السابع عشر: الساعات والطوابير ـ نقد الزمن الميكانيكي

من أكثر المقاطع دلالة:

«لا تصطفوا دوما في الطوابير

انزعوا الساعات

وانسوا أنكم مقيدين»

الساعات هنا ليست أدوات لقياس الزمن فحسب، وإنما رمز إلى استبداد الزمن الخارجي.

حين تصبح الساعة هي التي تحدد متى نعمل، ومتى نصل، ومتى نغادر، ومتى نلتقي، يفقد الإنسان شيئاً من زمنه الداخلي.

ولهذا فإن نزع الساعة لا يعني رفض الوقت، بل استعادة الزمن الإنساني.

زمن التأمل.

زمن الحب.

زمن المصادفة.

زمن الحلم.

الثامن عشر: «نافذة الروح» ـ الانفتاح بوصفه خلاصاً

تبلغ القصيدة واحدة من أجمل صورها في:

«تعالوا إلى جمال الكون

بفتحة في نافذة الروح»

فالروح تصبح بيتاً، والبيت له نافذة، والنافذة تحتاج إلى فتحة.

إنها استعارة مركبة للانفتاح.

الكون جميل، لكن الجمال لا يدخل الروح إذا كانت نوافذها مغلقة.

وهكذا لا تجعل الشاعرة الخلاص في تغيير العالم وحده، بل في تغيير قابلية الإنسان لرؤية العالم.

وهذه نقطة هيرمينوطيقية بالغة الأهمية:

العالم لا يتغير فقط عندما نغيره، بل عندما نغير الطريقة التي نقرأه بها.

التاسع عشر: الأيام بوصفها موسيقى

تقول الشاعرة:

«حين تصبح الأيام مثل نوتات موسيقية

تعزف لكم أغنية

خارجة عن المألوف»

وهنا تنتقل القصيدة من البصري إلى السمعي.

الأيام تتحول إلى نوتات.

والحياة تصبح موسيقى.

وهذا التحول يؤكد أن الشاعرة لا تريد مجرد حياة جديدة، وإنما تريد إيقاعاً جديداً للحياة.

إن «الأغنية الخارجة عن المألوف» تختصر مشروع القصيدة كله.

فالمألوف هو ما قاومته الشاعرة منذ البداية:

المرور المحايد،

الطوابير،

الساعات،

المواعيد،

العناوين،

القواميس القديمة.

أما الخروج عن المألوف فهو أن يستعيد الإنسان حقه في أن يكون مختلفاً.

العشرون: الموسيقى الداخلية ـ الإيقاع خارج الوزن

على الرغم من أن القصيدة تنتمي إلى الكتابة الحرة- النثرية ولا تقوم على نظام عروضي صارم، فإنها ليست خالية من الإيقاع.

إيقاعها ينبع من:

التكرار،

التوازي،

تتابع الأفعال،

قصر الجمل،

الوقفات،

علامات الحذف،

علامات التعجب،

التجاور الصوتي،

والتدرج الدلالي.

وتشكّل سلسلة:

اصغوا ـ توقفوا ـ اصرخوا ـ اضحكوا

موجة صوتية متصاعدة، قبل أن تنتقل القصيدة إلى:

اخرجوا ـ اخترعوا ـ تعالوا

ثم إلى:

ابتسموا ـ احلموا ـ انزعوا ـ انسوا.

إنها موسيقى فعلية، لكنها ليست موسيقى الوزن، بل موسيقى الحركة.

وهذا ينسجم تماماً مع جوهر القصيدة: نص يريد أن يحرك الساكن.

الحادي والعشرون: الشعر بوصفه مقاومة للاستلاب

إذا جمعنا الخيوط السابقة، وجدنا أن القصيدة لا تهاجم الحياد وحده؛ إنها تقاوم منظومة كاملة من الاستلاب.

فالإنسان المستلب هو الذي:

يمر ولا يتوقف،

يرى ولا يصغي،

يعيش ولا يحلم،

يمشي في الطابور،

يضبطه عقرب الساعة،

يتنقل بين العناوين،

ويستخدم القواميس نفسها التي ورثها دون أن يسأل إن كانت ما تزال صالحة.

في المقابل، تقترح الشاعرة إنساناً آخر:

يصغي،

يصرخ،

يضحك،

يخرج،

يخترع،

يبتسم،

يحلم،

ينزع الساعة،

ويفتح نافذة الروح.

وبذلك تصبح القصيدة مشروعاً لإعادة صناعة الإنسان من الداخل.

الثاني والعشرون: البعد الأخلاقي ـ هل الحياد فضيلة دائماً؟

تثير القصيدة سؤالاً أخلاقياً بالغ الأهمية:

هل الحياد فضيلة في كل الظروف؟

إن النص يجيب بالنفي، لكنه لا يفعل ذلك من خلال خطاب فلسفي مباشر، وإنما من خلال الشعر.

فحين يصبح الصمت أمام القبح مشاركة فيه، يتحول الحياد من فضيلة إلى موقف يحتاج إلى مساءلة.

غير أن قوة القصيدة تكمن في أن مفهوم الحياد لديها أوسع من المجال السياسي؛ فهو يشمل أيضاً الحياد تجاه الحب والجمال والحلم والإنسان.

ولهذا يمكن أن نقول إن الشاعرة لا تدعو إلى الانحياز الأعمى، وإنما إلى استعادة الفاعلية الإنسانية.

الثالث والعشرون: ما تحت الجلد الشعري

ما تحت الجلد الظاهر للقصيدة ليس مجرد احتجاج على مدينة جامدة، وإنما خوف عميق من أن يتحول الإنسان إلى نسخة مكررة من نفسه.

إنها تخشى أن يفقد الإنسان قدرته على المفاجأة.

أن يصبح له موعد لكل شيء، إلا الحلم.

وعنوان لكل مكان، إلا الروح.

وساعة لكل لحظة، إلا الحب.

وطابور لكل حركة، إلا الخيال.

لذلك تبدو القصيدة، في جوهرها، دفاعاً عن الإنسان غير القابل للقولبة.

إنها تقول، في طبقتها العميقة:

لا تسمحوا للعالم أن يحولكم إلى وظائف، وأرقام، ومواعيد، وعناوين.

كونوا بشراً قبل أن تكونوا أفراداً داخل نظام.

الرابع والعشرون: ملاحظات لغوية وفنية

تتميز القصيدة في مجملها بسلامة لغتها وانسيابها، مع وجود بعض المواضع التي يمكن ضبطها تحريرياً إذا أريد للنص أن يخرج في صيغة نهائية منشورة.

من ذلك:

«لا تكونوا محايديين»

والصواب:

«لا تكونوا محايدين».

كما أن عبارة «قواميسا» يمكن ضبطها كتابياً بحسب نظام التنضيد إلى «قواميسَ» إذا أريد إظهار العلامة الإعرابية، لكن تركها من دون تشكيل هو الأنسب في النشر الشعري المعاصر.

وهذه ملاحظات تحريرية لا تنتقص من القيمة الشعرية للنص، بل تتصل بمرحلة الصياغة النهائية والتدقيق.

قصيدة تريد للقارئ أن يتحول

إن قصيدة «لا تكونوا محايدين...!» لآمال صالح ليست نصاً عن الحياد بقدر ما هي نص عن الإنسان حين يستعيد حقه في أن يكون حاضراً.

قوتها الأساسية أنها لا تضع الحرية في مستوى الشعارات، وإنما تربطها بتفاصيل صغيرة:

أن تصغي إلى حلمك.

أن تتوقف عند عتبة.

أن تصرخ.

أن تضحك.

أن تبتسم لغريب.

أن تحلم مع عصفور مهاجر.

أن تخرج الصدفة من جيبك.

أن تنزع ساعتك.

أن تفتح نافذة روحك.

ومن هنا تتشكل فلسفة القصيدة:

الحرية ليست دائماً حدثاً عظيماً؛ قد تبدأ من حركة صغيرة يقوم بها الإنسان ضد اعتياده.

إن الشاعرة تنقل القصيدة من مجال القول إلى مجال الفعل، ومن الجمال إلى الأخلاق، ومن الطبيعة إلى الوجود، ومن اللغة إلى المسؤولية.

ولعل أجمل ما في النص أن الشاعرة لا تكتفي بأن تقول للآخرين: لا تكونوا محايدين؛ إنها، في العمق، تواجه كل واحد منا بسؤال أكثر قسوة:

ماذا فعلتَ بالحياة حين مررتَ بها؟

هل كنتَ مجرد عابر؟

أم كنتَ يداً تصافح؟

أم جبيناً تخرج منه تباشير الصباح؟

أم نافذة مفتوحة على الكون؟

أم قصيدة قادرة على أن تشعل مدينة كاملة من صدى الكلمات؟

هنا تكمن القيمة الحقيقية للنص؛ إذ يتحول الشعر من مرآة للعالم إلى قوة لتغييره، ومن لغة تصف الحياة إلى لغة تطالبنا بأن نعيشها بطريقة أخرى.

وهكذا تأتي اللازمة الأخيرة:

«أرجوكم لا تكونوا محايدين...!»

لا بوصفها نهاية للقصيدة، وإنما بوصفها بداية لسؤال يبقى معلقاً خارج النص، في ضمير القارئ.

فالقصيدة تنتهي على الورق،

لكن نداءها يبدأ في الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

لهيب عبد الخالق بين جدية الفقد واللامبالاة

- جسدت فضاءً شعرياً لا متناهي مغمس بالوجع الذي يعانيه الواقع المازوم

- أَطَرَت صورتها الشعرية بتبدل الحال من الاستقرار الحتمي إلى ما تخلفه الحروب من دمار

***

في قصيدتها "شجرٌ يهاجر قبل الطيور" تفتح لهيب عبد الخالق أفقًا شعريًا مشبعًا بالفقد والتحوّل، إذ جعلت لهيب من الشجرة رمزًا للمكان والجذور والذاكرة، لكنها هنا تفارق موطنها على نحوٍ غير مألوف، قبل الطيور ذاتها. وتوحي هذه الصورة بانهيار عميق في علاقة الإنسان بمكانه، حين تصبح الهجرة قدراً للأشياء الثابتة، وتتحول الذاكرة إلى ركامٍ يبحث عن مأوى. إنها قصيدة تستنطق وجع الاقتلاع، وتؤرخ شعرياً للحظة ينهار فيها المكان فتضطرب معه خرائط الروح والحنين.

تستهل لهيب عبد الخالق قصيدتها " شجرٌ يهاجر قبل الطيور" على مفارقة مركزية ومقاربة نصية وسياقية متوازنة لا تفصل البنية الفنية عن التجربة الإنسانية، ولا تختزل القصيدة في صورة الحدث. ذلك أن الدراسات النقدية "تنظر إلى الصورة باعتبارها وسيطًا لاكتشاف التجربة، وإلى الإيحاء والخيال بوصفهما من آليات بناء المعنى في الشعر الحديث" (1).

 في ذلك ذهبت لهيب في نصها هذا لتشكيل بنية درامية مبنية على ثلاث مقاطع، اعتمدت فيها تقنيات التكثيف الرمزي والتصوير والتشخيص. في الأولى أرادت منه أن تخلق حالة من أرباك المشهد الشعري، لتلبس على القارئ رؤاه التي اعتادها في الأشياء، فجعلت (الشوارع تُحدث) بمشهد تقني مكثف، ثم أوردت صورة قد توصف بأنها خارجة عن المألوف حين قالت (النوافذ تسرق الأجفان)، وفي الثالثة تشخيص لحالة اعتبرتها (لهيب) واقعة فوصفت حبكتها بأن (المدن تتبرأ من ناسها)، أرادت لهيب أن تنفتح بنصها على فضاء شعري لا متناهي مغمس بالوجع الذي يعانيه الواقع المازوم الذي نعيشه، بتشابك معاناة الذات مع المأساة الجمعية.

حَدَّثتنا الشوارعُ.. قالتْ:  سيمشي غريبٌ بغيرِ طريقٍ..بلا قدمينِ،

وتلكَ ُالنوافذُ تسرقُ أجفانَ مَن رَحَلوا، وتلوذُ المصابيحُ بالعتمةِ المستبدةِ..

أبحثُ عنِّي..

اشتغلت لهيب بآليات البناء الدلالي والتصوير الفني، وبنت نصها على ثنائية الغياب والحضوركما لا حظنا، ببراعة تتقنها، فالشاعرة لم تكن لترصد الأحداث عن بعد، بل انخرطت في ثنايا الحدث عبر ما أوردته بضمير المتكلم، باحثة من خلاله عن الهوية التي تمثل ذلك الحدث.  "أبحث عنِّي.. فألقى دمي يتسلّى به العابرون". جسدت من خلاله المأساة التي صورتها في نصها بما كرسته من حبكة ضمنتها القصيدة.

فألقى دمي يَتَسَلّى بهِ العابرونَ، ولستُ أطيقُ السكوتَ،

ولكنّ صَوتَ البنادقِ أعلى من الأغنياتْ...

المفارقة أن لهيب عبد الخالق جاءت بصورة غرائبية تحمل الدهشة قبل الفجيعة التي ضمنتها عنوان قصيدتها، غيرت فيها طبيعة الأشياء بين مستقرطبيعي (الشجر) أضفت عليه صفة الحركة، وجعلته يهاجر تاركاً جذوره، وهذا توصيف غرائبي لايذهب إليه الشعراء إلا ما ندر، فيما الكائنات الأخرى التي يفترض أنها تتحرك وتذهب وتهاجر، جسدتها بصورة فاقدة للاستقرار الوجودي كنتيجة حتمية للخوف الذي سيطرعلى المشهد.

هنا تؤطر لهيب عبد الخالق صورتها الشعرية بتبدل الحال من الاستقرار الحتمي إلى ما تخلفه الحروب من دمار وخراب، يحول الأمان المنشود إلى أمنية مستحيلة في ظل المقايضة التي تمارسها السلطة باستبدال السلام بالتهجير والقتل. استطاعت لهيب أن تستنطق النص وتمنحه القدرة على التعبير عن الوجدان الجمعي من خلال توظيف لغة شعرية تتماثل والتشظي الذي يعيشه المجتمع. كما سعت لالتحام النص مع الذات الشاعرة والحبكة، وتحويل المعاناة اليومية إلى رموز دالة تعبر عن كل مقهور ومهمش.

فارَقَ الناسُ أحلامَهمْ..

والشيوخُ يبيعونَ فجرَ الصغارِ لشيطانِ هذا الزمانِ،

وليسَ من العدلِ.. أنْ نشتري الموتَ بالذكرياتْ...

بنيت قصيدة (شجرٌ يهاجر قبل الطيور) على تجربة شعرية مشبعة بإحساس الفقد والاقتلاع والخوف وانهيار منظومة الأمان الإنساني. وهي، وإن كانت تستمد مادتها الأولى من واقع مضطرب تحضر فيه (الحرب والبنادق والمدن الخائفة والجوع والموت والهجرة)، فهي لا تقع في أسر التسجيل المباشر للحدث السياسي؛ إذ تنقل الواقع من مستواه الإخباري إلى مستوى شعري رمزي تتداخل فيه (المدينة بالإنسان، والذاكرة بالمكان، والدم بالياسمين، والخبز بالموت، والصمت بالكلام).

لهيب لم تقدم صورة الحرب بمشهد وصفي خارجي، بل سعت لتورد الحديث على لسان "الحرب" وهي صورة غير معتادة او غير مالوفة كما ذكرنا، سمعنا القصص تتحدث بلسان الحيوانات، وحتى الجماد والمدن، لكن أن نقدم حديثاً لآثار الحرب أو الحرب كحدث يتكلم ويصف الأشياء والأحداث والكائنات، وهذه ميزة مهمة في دراما القصيدة وحبكتها، (الشوارع تتحدث، والنوافذ تسرق أجفان الراحلين، والمصابيح تلوذ بالعتمة، والشجر يهاجر، والمدن تتبرأ من ناسها، والخوف كهاجس يتحول إلى قوة مسيطرة تحكم العقول).

مدنٌ تتبرأُ من ناسِها..

تَرتدي ذُعرَها في الصباحِ،

وتُخفي الكوانينُ خبزَ الجياعِ

الصورة عند لهيب عبد الخالق في نصها هذا توحي بأنها قد فقدت توازنها (هذا ما أرادت لهيب) قوله، ان عالم الشعر فقد توازنه في عصر الغرائبية الذي نعيش، لذلك تأتي الصور التي بنت عليها الشاعرة حبكتها على نمط من الغرائبية اللفظية والتصويرية، ربما هي خارجة عن المألوف الحسي والسمعي وحتى المنظور الحسي أيضا، ما يفرض على الأشياء المحيطة أن تتصرف بطريقة مغايرة وغير طبيعية، (فالشجر يهاجر قبل الطيور، والمدينة تتبرأ من سكانها، والإنسان يبحث عن نفسه فلا يجد إلا دمه في أيدي العابرين).

وهذا يتفق مع المنظور الذي يجعل الشعر الحديث أكثر اتصالًا بالعمق النفسي والفكري للتجربة، وهو ما يؤكده إحسان عباس في دراسته للشعر العربي المعاصر، إذ اختار النظر إلى الشعر الحديث من خلال مواقفه الفكرية والنفسية، ومن علاقته بالزمن والمدينة والتراث والمجتمع، لا من خلال التصنيف السياسي أو الموضوعي المجرد وحده.

أرى امرأةً من طحينٍ ودمْ..

تَقِفُ الآنَ بين الروايةِ والمقصلةْ..

وهنا نرى أكثر صور القصيدة كثافة؛ فالطحين  يرمز للحياة اليومية، بينما يحيل الدم إلى الجرح والقتل. والمرأة تمثل جسد الوطن، فحين يختلط فيه الجوع بالعنف. ولا تقف هذه المرأة في مكان مستقر، بل «بين الرواية والمقصلة». الرواية تمثل الذاكرة والحكاية ومكان الشهادة، في حين تمثل المقصلة النهاية القسرية وإلغاء الصوت. وبوقوفها بينهما، تصبح المرأة حارسة لتاريخ وسيرة وطن مهدد بالإبادة.

في تناولنا لقصيدة لهيب عبد الخالق (شجرٌ يهاجر قبل الطيور)، أردنا أن يكون العرض المفاهيمي بشكل عام ينطلق من فرضية "تبسيط النص النقدي" التي عمل عليها "الدغمان" كمنهج لتبسيط النص وتخليصه من التعقيد الاصطلاحي الذي يحجب المعنى عن القارئ، مع الإبقاء على الأسس الإجرائية للتحليل (2).

أبحث عنِّي.. فألقى دمي يتسلّى به العابرون

ومن خلال الصورة المرفقة التي احتواها البيت السابق، تنتقل لهيب بصيغة (المتكلم) في نصها من الحديث عن المكان إلى انكشاف الذات. إلا أن  لهيب تضعنا في هذا الكشف أمام صورة غير نمطية، بل بالغة التعقيد، تكشف لنا تحول ملكية "دم" المتكلم لغير صاحبه، والأكثر أنه قد وجد دمه "مادةً لفرجة العابرين"، وهي بذلك الاستبدال تكون قد وظفت "الدم" كرمز للدلالة على الهوية والقرابة والتاريخ، لكن تلك الدلالة يتعامل معها العابرون ( الطارئون) ببرود العابث، لذلك جاءت لهيب ب"أبحث" قرب "يتسلى" متجاوران، لتنشئ صورة للتناقض الذي أرادته بين جدية الفقد واللامبالاة التي يتعامل بها المجتمع.

ولست أطيق السكوت، ولكن صوت البنادق أعلى من الأغنيات

وهذا تعبير أخر عن اللامبالاة، حين يعلوا صوت البنادق على ما سواه، فيغيب العقل، وتطغى الفوضى لتصبح سيدة المشهد، فتخفي رموزعدة، أبرزها القانون، والعرف والتقليد. فيغدو مصير الأجيال سلعة توحي بأنهيار الأفق وليس تجسيد الحزن فقط.

الناس فارقوا أحلامهم

يبيعون فجر الصغار لشيطان هذا الزمان

قدمت لهيب عبد الخالق أبياتها تلك من باب (إن نفعت الذكرى)، أن تضع المسؤولية الأخلاقية على جيل يفترض أن يحمي المستقبل، عبرت عنها  ب(الفجر)، وهي استعارة لما هو قادم  وللبراءة ايضاً، و(بيعه) يعني تحويل حق الأطفال في الحياة إلى  تجارة وصفقات مشبوهة. ولم تكتفي لهيب بأن يكون الموت حاضراً في نصها وبكثافة، بل سعت لأن تصوره سلعة متداولة يباع و يشترى، وله أثمان باهضة يعاد من خلالها برمجة الواقع المخزي، وتُستغل فروضه لتبرير العنف وتغييب الهوية.

وليس من العدل أن نشتري الموت بالذكريات

أبدعت لهيب حين وظفت التعميم الرمزي في خطابها الشعري، فهي لم تذهب للتخصيص، ولا كرست الخطاب المباشر في نصها، ولم توظف التحديد أو المناطقية، او حتى التوصيف في صياغة الخطاب الشعري، بل بنت نصها على عناصر التعميم التوصيفي للحالة العامة بتكريس الدلالة، (شيطان هذا الزمان، صوت البنادق، جيش من الخوف)، ذلك الخطاب المباشر منح نصها قابلية مطلقة للتأويل، بالمقابل هي لم تلغي المرجعية الدلالية في الخطاب، بل سعت وبدقة لتثبيت قراءة النص بوصفه ماساة وطن، وفي دراسة الدكتور خليل إبراهيم "(استقبال النظرية: مثل من نحو النص) إشارة واضحة إلى ذلك المفهوم جاء فيها "يُبين البحث أن استيعاب الخطاب الإبداعي يتطلب الربط بين معايير النص اللسانية والأبعاد الرمزية والتراثية الكامنة في الخطاب. وتتجلى هذه الفكرة في عبارة البحث التي تؤكد أن خير طرق استقبال النظريات النقدية هي التي تعتدل في التنظير وتلتفت إلى التراث" (3).

نتحاور صمتًا، فنحن اثنتان نشف غبار الحكايات

وبقيمة تواصلية جعلت لهيب الصمت لغة للحوار في هذا البيت عن لسان المتكلم، رغم استحالة أن تعبر اللغة المنطوقة عن مغزى الكلام تحت أساليب القمع، لذلك استعاضت بالصمت (نتحاور صمتاً)، لتضفي صفة الزوال على بقايا الحديث (نشف غبار الحكايات) "حديث عابر يتطاير مثل تطاير الغبار"، استبدال رائع ودلالة ضمنية معبرة عن الحدث، ما ينم عن رغبة مستحيلة ومعلقة بين النجاة واستحالة الاستقرار.

شجر في بلادي يهاجر قبل الطيور

قد ينظر البعض إلى هذا البيت على أنه تكرار، لكن في الوافع هو إعادة منتجة وظفتها لهيب لتثبيت الرمزية في النص، فالشجر الذي كان عنواناً يصبح شاهداً، وتتسع دلالته من صورة غرائبية إلى حكم على الوطن. إذا كانت الطيور تهاجر عادةً بحثًا عن الدفء، فإن هجرة الشجر تعني أن المكان فقد شروط الحياة حتى بالنسبة إلى أكثر الكائنات ارتباطاً به "يقوم شعر التفعيلة على أساس تكراري يتمثل في تكرار التفعيلة أو الوحدة الإيقاعية. وتظهر في هذه القصائد أنماط متعددة من التكرار كشفت عنها الدراسات النقدية الحديثة لتمنح النص أبعاداً صوتية وإيقاعية متنوعة" (4).

جيش من الخوف يحكم هذي العقول

لم تقدم لهيب عبد الخالق الخوف كشعور فردي، بل جاءت به كوحدة منظمة تملك السلطة والحضور وقد تكرس في العقول قبل الأجساد، لذلك صورته لهيب في نصها بأنه بات طريقة تفكير أي (منهج)، وأوردت السؤال الأكثر إلحاحاً في نصها، حين قالت:

فأينَ الأمانُ إذا كانَ مَن يَمنحُ السلمَ.. يتركُ للعنقِ ظلَّ الحبالْ؟

لتكرس صورة التناقض المشروع في القصيدة، والذي تمثل ما بين من يسعى للسلم، ومن يتخذ من الحبال أثراً للتسلط. ما يمثل جواباً ضمنياً لتعسف السلطة، وكشف الفجوة بين خطاب الأمان ومن يمارس التهديد والوعيد.

كانَ يبحثُ عن كاذبٍ صادقٍ..

 يَستدلُّ بهِ في الزحامْ..

غابرٌ يسرقُ النبضَ من جثّةِ الياسمينِ،

ويعرِضُ للبيعِ ألوانَنا،

مثل آلهةِ الحربِ تجلسُ في ظلِّ مقهى،

وتشربُ شايَ المساءِ،

وتضحكُ من خيبةِ الأنبياءْ..

ونتيجة لاختلاط الحقيقة مع التزييف والخداع، جمعت لهيب عبد الخالق بين النقيضين، فاليوم لانلمس الحقيقة كاملة، وليس هناك شفافية فيما ينقل، لذلك نرى أن الصورة تشي بان الكاذب موثوق، والقاتل مكفول، ما يخلق أزمة معرفة تحتاج إلى تمحيص جاد لتكريس الحقيقة، وذلك لا يحصل إلا ما ندر. أحالت لهيب (الياسمين) إلى جثة جمعتها والزمن، وقالت (غابر)، لتوظف الإسقاط على سرقة الجَمال من تفاصيل الحياة، فهي لم تكتف بالماضي الذي أوردته، بل أعادته ليسرق ذلك الجَمال الذي يمثله الياسمين. فيما عملت على أنسنة الشر الذي مثلته ب(آلهة الحرب) التي وظفت وجودها بتهكم واضح حين أجلستها في المقهى تضحك من خيبة الأنبياء، صورة ساخرة تقدم سيطرة الشر، فتحيل الحرب من خلالها لقوة تتلذذ بانعدام الأخلاق وعجزها وانكسار الثابت من القيم ، "إن المفارقة تقوم في جوهرها على بنية التعارض والتضاد؛ حيث يعمد الشاعر إلى جمع النقيضين في سياق تصويري واحد، ليس بهدف إحداث خلل منطقي، بل لتفجير طاقات النص الإيحائية وصدمة المتلقي، مما يحول التناقض الظاهري إلى تلاحم فني يعبرعن عمق التجربة الوجودية والنفسية التي يمر بها المبدع" (5).

 سقطتْ خُطْوتي في الرمادِ،

ولمْ يبقَ في جيبِ ذاكرتي، غيرُ حرفٍ عنيدٍ،

يُفتّشُ عن غائبٍ لنْ يعودَ،

لكي يتعلم كيفَ سنبكي بغيرِ دموعٍ،

ولا كبرياءْ...

السقوط المدوي الذي جاءت به لهيب عبد الخالق في نصها، لم يكن سقوطاً عادياً،بل كان أنهياراً تمثل بسقوط الحركة برمتها ، وليس الذي يمثل تلك الحركة ( أي الأشخاص)، وفي إشارة رائعة أبقت على بعض من القيم التي يعاند البعض بالتمسك بها، ما يوحي بأمل وسط تلك الفاجعة، حين قالت (ولمْ يبقَ في جيبِ ذاكرتي، غيرُ حرفٍ عنيدٍ)، (يفتش عن غائب لن يعود)، لكنها لم تجزم بعدم عودته حين كَرست لبصيص من الأمل، وهو ما يتمثل في مقاومة الواقع المزري الذي يمثله الشر، والذي يتربص عودة ذاك الغائب الذي يرفض الاستسلام على الرغم من عدم امتلاكه أي شيء.

الحرف العنيد المتبقي لا يستعيد الغائب، بل يريد أن يتعلم «كيف سنبكي بغير دموع، ولا كبرياء». هنا تبلغ القصيدة ذروة التجريد: (البكاء بلا دموع يعني أن الحزن صار داخلياً ومستنزفاً، وانعدام الكبرياء يعني أن المأساة نَزعت من الإنسان حتى حقه في التعبير النبيل عن ألمه).

كتبت لهيب نصها ببنية غير مقيدة، لا ينتظم النص عندها في قافية واحدة أو وزن ظاهر، بل يتولد إيقاعه من التكرار، والتوازي، وتجاور الجمل الفعلية، وعلامات الحذف، وتقطيع الأسطر. كررت أصوات ذات صلة بالحرب والفقد: (الدال والراء والقاف والباء)، إلى جانب نهايات مثل (الطريق، الأغنيات، الذكريات، الارتحال، الحبال، الأنبياء، كبرياء). وهذه النهايات لا تؤدي وظيفة القافية التقليدية، لكنها تمنح المقاطع صدى صوتياً متقارباً، يجعل القصيدة تتحرك بين الاستمرارية والانقطاع.

نجحت لهيب عبد الخالق في بناء عالم شعري متماسك تتلاحم فيه المفارقة والتشخيص والرمز والإيقاع الداخلي. وجاءت قوة القصيدة الأساسية في أنها لم تكتفي بتسمية الحرب، بل جعلت آثارها تتحول إلى اختلال في وظائف الأشياء: (الشوارع تتكلم، النوافذ تسرق، المصابيح تخاف، المدن تتبرأ، والشجر يهاجر). وبذلك يصبح الخراب بنية شاملة تمس المكان واللغة والذاكرة والضمير(6).

وقد يلاحظ القارئ أن بعض العبارات تقترب من التقرير، خصوصاً حين تتصل مباشرة بالخوف والبنادق والذكريات، لكن هذه المباشرة لا تفسد التجربة؛ لأنها تأتي محاطة بصور مركبة تمنحها عمقاً إيحائياً. وفي منظور (الفرضية المفرغة)، "والتي انتهج فيها الدغمان "أسلوباً مغايراً لأساليب النقد الأدبي التقليدية التي اتسمت بالغموض وخلق إشكاليات لفظية لدى القارئ"(7). لا ينبغي أن نعدّ وضوح هذه العبارات نقصاً فنياً لمجرد أنها مفهومة؛ فوظيفة النقد ليست تعمية النص لإثبات سلطة الناقد، بل بيان كيف تعمل العبارة داخل التجربة. لذلك يمكن القول ببساطة "إن القصيدة تستخدم لغة واضحة حين تريد إعلان موقفها من الحرب، وتستخدم لغة تصويرية حين تريد جعل آثار الحرب محسوسة في الأشياء والأجساد والذاكرة". كما أن غياب التحديد الزمني والمكاني الصريح يحفظ للنص طاقته الرمزية، وإن كان يقلل من إمكان قراءته بوصفه شهادة وثائقية. في المحصلة، تقدم القصيدة خطاباً شعرياً عن وطن يتآكل من داخله، وعن إنسان يحاول أن يحفظ ما تبقى من صوته (8). وإذا كان القوانين قد وعدت بحماية الإنسان، فإن القصيدة ترد على الوعد بسؤال مرير مفاده: ما قيمة القانون حين يهاجر الشجر، ويعلو صوت البنادق على الحلم والأمل؟.

***

سعد الدغمان

......................

المصادر:

1-أحمد حسين جودة عناي الشريفي، «الصورة الشعرية في الأدب الإنكليزي والعربي»، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، 2-10- 2021.

2- سعد الدغمان، الفرضية المُفَرَغة، آراء في تبسيط النص النقدي، المثقف، 24 تشرين الثاني-نوفمبر- 2023.

3- إبراهيم خليل، «استقبال النظرية: مثل من نحو النص»، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، مج 27، ع 105، 2009، ص 111–145.

 4- إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الأولى، 1978.

5-د. ناصر شبانة، المفارقة في الشعر العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،2002 ،الأردن.

6- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة كتاب "علم المعرفة" (العدد 164)، دولة الكويت، أغسطس 1992.

7- ضياء باني، ذهب لتبسيط المفاهيم النقدية، مقال في صحيفة كتابات، 14 أغسطس 2021.

8- سعد الدغمان، الحداثة في شعر ساجدة الموسوي للناقد،صحيفة المثقف، 6 أيار 2024.

بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو

هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي (1943 - 2022) المعروف باسم هدراوي، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو (1932 - 2017). أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية.

ومعَ ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة. ليست قرابة في اللغة والتاريخ والجغرافيا، ولا حتى في البنية الفنية المباشرة للقصيدة، وإنما في شيء أعمق، وهو الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.

كان محمد إبراهيم ورسمي واحدًا من أبرز شعراء الصومال، حتى عُدَّ من أعلام الشعر الصومالي، ولُقِّبَ أحيانًا بـ " شكسبير الصومالي". أمَّا يفتوشينكو، فقد كان من أبرز أصوات الشعر الروسي في القرن العشرين، وارتبط اسمُه بالجيل الذي وَجد في الشعر وسيلة للتعبير عن أسئلته الأخلاقية والسياسية والإنسانية.

لكن الأهم من السيرة هُنا هو المشهد، حيث يكون الشاعر على منصة، والجمهور أمامه، والقصيدة بينهما. هذا المشهد البسيط يكشف الكثيرَ، ويدل على أنَّ الشاعر لا يريد أن يكون وحده.

وإحدى مشكلات الشعر الحديث أنه انفصل كثيرًا عن صوته الأول. صار النص في الديوان، والديوان على الرف، والرف في مكتبة، والمكتبة في غرفة، والقارئ وحده أمام الورق. لا مشكلة في ذلك طبعًا، فالشعرُ العظيم يستطيع أن يعيش في الصمت، ورُبَّما يحتاج إليه، لكنَّ ثَمَّة شِعْرًا آخَر يفقد شيئًا من طاقته حين يُنْتَزَع من الصوتِ والجمهور والإيقاع الحي.

القصيدة عند محمد إبراهيم ورسمي (هدراوي) ليست مجرد ترتيب جميل للكلمات، إنها صوتٌ اجتماعي، وذاكرةُ مجتمع، وقلقُه، ونظرته إلى نفسه، وأسئلته الأخلاقية والوطنية. وتكشف نصوصُه عن تصوُّر واضح للشعر بوصفه أكثر من زخرفة لغوية، فهو إحساس ومعنى وصوت للمُجتمع وذاكرة وهُوية.

والشاعرُ حين يرى نَفْسَه صوتًا للجماعة، لا يعود يتعامل مع القصيدة باعتبارها مِلْكًا شخصيًّا خالصًا. القصيدةُ تصبح شيئًا يحدث بينه وبين الآخرين. هو يقول، والناسُ يَرُدُّون، وقد لا يكون الرد كلامًا، رُبَّما يكون صمتًا، أو دمعةً، أو هتافًا، أو تصفيقًا مفاجئًا يجعل الشاعرَ يدرك أن الكلمات التي ظنَّ أنها خرجتْ منه وحده، كانت تسكن في الآخرين أيضًا.

الشعرُ الصومالي ارتبط تاريخيًّا بقوة الأداء الشفهي، والحفظِ، والمجالسِ، والمناسبةِ، والحضورِ الاجتماعي للشاعر، لذلك فإنَّ القصيدة لا تكون مكتملة تمامًا إلا حين تستعيد صوتَها. وهذا يُفَسِّر إلى حد بعيد لماذا يمكن لشاعر مثل هدراوي أن يصبح أكثر من مجرد صاحب دواوين، إنَّه يصبح ذاكرةً ناطقة. حين يقول الشاعرُ شيئًا عن الوطن، لا يعود الوطنُ فكرةً مُجرَّدة، يصبح هو المكانَ الذي يعرفه السامعون، والوجوهَ التي تركوها خلفهم، والقبيلةَ، والمجتمعَ، واللغةَ، والأرضَ، والغيابَ، والأيامَ التي عاشوها بالفِعْل. لذلك فإنَّ شعر هدراوي لا يمكن فهمه بالكامل إذا حُصر في الكلمات المكتوبة وحدها. الكلمةُ عنده لها ظِل، ونبرة، ومقام، وجمهور، والشعرُ بالنسبة إليه هو مِرآة المجتمع وصرخته ودليله وتراثه. وهذه الرؤية ليست تفصيلًا هامشيًّا، بل هي مفتاح لفهم العلاقة بين الشاعر والجمهور في تجربته.

الشاعرُ هُنا لا يقف فوق الناس، إنَّه يقف بينهم. وقد يكون أحيانًا في مقدمتهم، لكنَّه لا يتعالى عليهم، وهذا بالضبط ما يجعل الشاعرَ الشعبي الكبير مختلفًا عن شاعر الشهرة. الأول تصنعه الجماعة، لأنه استطاع أن يُعبِّر عنها، أمَّا الثاني فيحاول أن يصنع جماعةً حَول اسمه.

يفتوشينكو استطاع أن يصل إلى جمهور واسع جدًّا، خصوصًا بين الشباب والطلاب، وأمسياته الشعرية كانت أحداثًا جماهيرية حقيقية، حيث يتجمع آلاف المستمعين في القاعات والساحات والملاعب، بسبب ارتباطه بأسئلة الحرية والعدالة والإصلاح وهمومِ الجيل الذي عاش التحولات السوفييتية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

هدراوي كان يتحدث من قلب مجتمع له لغته وذاكرته وتحوُّلاته وصراعاته، لذلك لَم تكن القصيدة عنده ترفًا ثقافيًّا مستوردًا، وإنما جُزء من نسيج الحياة نفسها. وهُنا يصبح الشعرُ وسيلةً للتعرف إلى الذات.

لكن السؤال الأصعب هو: هل الشاعر يقود الجمهور أم الجمهور يقود الشاعر؟. رُبَّما الاثنان معًا. الشاعرُ يلتقط شيئًا في الهواء، أو إحساسًا غير واضح، أو غضبًا لَم يجد لغةً، أو خوفًا لا يعرف الناسُ كيف يُسَمُّونه، أو حنينًا منتشرًا بين البيوت، ثم يصنع منه قصيدةً. وعندما يسمعها الناسُ يقولون: نعم، هذا ما كُنَّا نشعر به. وهُنا يبدو الشاعرُ كأنه قائد، لكنه في الحقيقة كان مستمعًا بارعًا، وهذه هي قوة الشعر الجماهيري حين يكون صادقًا، إنَّه لا يفرض على الناس شعورًا من الخارج، بلْ يمنحهم لغةً لشعورٍ موجودٍ أصلًا في داخلهم. رُبَّما لهذا السبب استطاع هدراوي أن يحتل مكانةً خاصة في الوجدان الصومالي، ورُبَّما لهذا السبب أيضًا كانت قصائد يفتوشينكو الاحتجاجية تجذب أعدادًا كبيرةً من الشباب.

عَرَفَ الشاعران أن الشعر يمكن أن يكون فِعلًا اجتماعيًّا، ولَم يتعاملا معَ القصيدة باعتبارها لعبةً لغوية معزولة، واستطاعا أن يصنعا علاقةً مع الجمهور تتجاوز الإعجابَ الجمالي إلى الإحساس بالانتماء.

هُناك شِعرٌ يصف الحياةَ، وشِعرٌ آخَر يحاول أن يحاسبها. يفتوشينكو كان كثيرًا ما يقف في المساحة الحرجة بين الاثنين. شِعرُه يرفض القمعَ والتمييز، ويمتلئ بالأسئلة الأخلاقية والوطنية والإنسانية التي شغلتْ مُجتمعه. وهذا يُفَسِّر جزءًا من حضوره.

والجمهورُ لا يحتاج دائمًا إلى شاعر يُطمئنه، أحيانًا يحتاج إلى شاعر يُزعجه، ويُوقظه، ويجعله يفكر، ويضع أمامه مِرآةً لا يستطيع الهربَ منها، وهُنا يصبح التصفيق شيئًا مُعقَّدًا. هل صَفَّقَ الجمهور لأن الشاعر قال كلامًا جميلًا أمْ صَفَّقَ لأن الكلام أصابَ جُرحًا؟. رُبَّما لهذا كان تصفيق الجمهور في أمسيات يفتوشينكو أقرب إلى رد فِعل سياسي وأخلاقي مِنْه إلى إعجاب أدبي فقط. وهُنا تتحول القصيدةُ إلى موقف، والمنصة إلى ساحة عامَّة، والتصفيق إلى لغة.

أمَّا عند هدراوي، فإن العلاقة بين الشعر والجماعة تأخذ بُعدًا آخر شديد الحساسية (الهُوية). حين يكتب الشاعرُ عن لغته الأم، والمجتمعِ، والوطنِ، فهو لا يكتب عن أشياء خارجية عنه، إنَّه يكتب عن البيت الداخلي للإنسان.

والجماهيريةُ عند يفتوشينكو ليست مُجرَّد شهرة إعلامية، إنها نتيجة تفاعل بين شخصيته الأدائية، وقوةِ حضوره، والأسئلةِ التاريخيةِ التي حَمَلَها، ورغبةِ جيلٍ كاملٍ في العثور على صوت يُعبِّر عن تطلعاته.

قوةُ الشاعرَيْن جاءتْ من قدرتهما على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس مشترك، وهذا أصعب ما يمكن أن يفعله الشعر. أن تبدأ من "أنا" وتنتهي عند"نحن". سوف تنطفئ المنصة، ويتفرَّق الجمهور، وتُطوَى المقاعد، وتنتهي الأمسية. لكن إذا بقيتْ جُملة واحدة من القصيدة في رأس إنسان، فشيء من الشاعر ما زال حيًّا.

هدراوي رحل، لكن حضوره الشعري لَم يرحل بالطريقة نفسها، وما زالت نصوصُه تُقْرَأ، ويُستعاد صوتُه في سياق الحديث عن الشعر الصومالي والهُويةِ والمجتمع.

ويفتوشينكو رحل أيضًا، لكن ظاهرة الشاعر الذي يقف أمام آلاف الناس، ويجعل القصيدةَ قضية عامَّة بقيتْ واحدةً من الصور اللافتة في تاريخ الشعر الروسي الحديث.

وهذا هو الاختبارُ الأخير للشاعر، ليس كَم شخصًا صفَّق له في حياته، بلْ كم شخصًا ظلَّ يسمعه بعد أن انتهى التصفيق.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تغيرت معالم الحياة الإنسانية بشكل جذري مع ظهور العصر الرقمي الذي غيّر أسلوب تفاعل البشر مع العالم والمعلومات والفنون. الأدب لم يكن استثناء من هذه التحولات فقد شهدت نصوصه وأشكاله وأدوات إنتاجه تغيرات عميقة انعكست على طريقة قراءته واستقباله. يمكن القول إن الأدب الرقمي يمثل مرحلة جديدة من مراحل تطور الأدب الإنساني حيث تجاوز الشكل الورقي التقليدي ليندمج في فضاءات افتراضية متعددة تستخدم فيها الوسائط المتنوعة مثل النصوص والصور والفيديو والصوت، ما أتاح للكاتب والمتلقي أفقًا جديدًا من التواصل والتفاعل. في الماضي كان الأدب يعتمد على الكتابة المطبوعة والقراءة الفردية حيث يلتقي القارئ بالنص بطريقة خطية محددة تتبع تسلسل الصفحات والحروف، أما في العصر الرقمي فقد أصبح بالإمكان قراءة النصوص بطريقة غير خطية حيث يقفز القارئ بين الروابط والتفرعات المختلفة للنصوص، ويصبح جزءًا من عملية الإنتاج الأدبي من خلال التعليقات والمشاركة والتعديل في بعض الحالات، وهذا يشير إلى تحول جذري في مفهوم المؤلف والقارئ حيث لم تعد العلاقة ثابتة بل أصبحت ديناميكية وتفاعلية.

الأدب الرقمي لا يقتصر فقط على النص المكتوب بل يمتد ليشمل أشكالًا أخرى مثل الرواية التفاعلية والألعاب السردية والقصص المصورة الرقمية والمدونات والقصص على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأشكال الجديدة تعيد تعريف مفهوم السرد والأحداث والشخصيات حيث يمكن للقارئ أن يختار مسارات مختلفة للأحداث أو أن يؤثر في مسار القصة بطريقة لم يكن ممكنة في الأدب التقليدي. هذا التفاعل يجعل الأدب تجربة جماعية وشخصية في الوقت ذاته ويعطي النص بعدًا متعدد الأبعاد يجمع بين القراءة والتفاعل الفني والتقني. علاوة على ذلك فإن الأدوات الرقمية توفر إمكانيات لغوية جديدة للكاتب الذي يمكنه استخدام الرموز والوسائط المتعددة والتصميم المرئي لخلق نصوص تحمل طبقات من المعاني والإيحاءات التي لا يمكن تحقيقها في النص الورقي التقليدي.

من جهة أخرى أثر انتشار الأدب الرقمي على طبيعة اللغة نفسها. اللغة في النصوص الرقمية غالبًا ما تكون أكثر مرونة وقد تحتوي على اختصارات ورموز وإيموجيات وعبارات متداخلة بين اللغات المختلفة، كما أن سرعة إنتاج المحتوى الرقمي واستجابته الفورية جعلت من الأدب تجربة لحظية متغيرة تتفاعل مع الأحداث الجارية وتطلعات الجمهور اللحظية. هذه الطبيعة السريعة والمتغيرة للنصوص الرقمية تعكس تحولًا في فهم الزمن الأدبي الذي لم يعد مرتبطًا بالصبر والتمهل كما كان في العصور التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بالسرعة والتفاعل اللحظي. يمكن ملاحظة هذا بوضوح في منصات مثل المدونات ومنصات النشر الذاتي ومواقع التواصل الاجتماعي التي تسمح للكتاب بنشر نصوصهم فورًا ومتابعة تفاعل القراء في الوقت الحقيقي.

الأدب الرقمي أثر أيضًا على ثقافة النشر والتوزيع فقد أتاح للكتاب المستقلين فرصة الوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى دور نشر تقليدية أو قنوات توزيع معقدة. هذا الانفتاح ساعد على ظهور أصوات جديدة ومتنوعة لم تكن لها فرصة في الماضي ليتم سماعها، ما ساهم في زيادة التنوع الثقافي والأدبي. ومع ذلك فإن هذا التوسع يصاحبه تحديات مثل الفوضى المعلوماتية وغياب الرقابة النوعية على النصوص، ما جعل القارئ أكثر مسؤولية في اختيار المحتوى الذي يقرأه وتقييمه. كذلك فإن حقوق الملكية الفكرية تواجه تحديات جديدة في ظل سهولة النسخ والمشاركة الرقمية للنصوص الأدبية.

تغيرت أيضًا طرق دراسة الأدب وتحليله، فقد أصبح من الممكن تحليل النصوص الرقمية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وبرامج التحليل الكمي والنوعي للنصوص، مما يوفر أدوات جديدة للباحثين لفهم الأنماط اللغوية والأسلوبية والموضوعية للنصوص بشكل أكثر دقة وعمق. هذا التحول يشير إلى أن الأدب الرقمي لا يمثل مجرد تغير في الشكل بل يتضمن أيضًا تحولًا في منهجية البحث والدراسة والتفسير، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام النقد الأدبي ويعيد تعريف مفاهيم مثل القيم الجمالية والمعنى الأدبي.

من ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن الأدب الرقمي أثر على القيم الإنسانية المرتبطة بالقراءة والتأمل، فقد أصبح الكثير من القراء يعتمد على النصوص القصيرة والمختصرة والتفاعلية، ما أثر على قدرة بعض الأجيال على القراءة الطويلة والتأمل العميق للنصوص الكبيرة والمعقدة. لكن في المقابل فإن الأدب الرقمي أتاح فرصًا لإدماج عناصر متعددة من الفنون المختلفة، مثل الموسيقى والفيديو والتصوير والفن التفاعلي، مما يجعل تجربة القراءة أكثر شمولية وحسية ويخلق علاقة أعمق بين النص والمتلقي. هذا يوضح أن الأدب الرقمي ليس فقط مجرد شكل جديد من أشكال الكتابة بل هو تجربة متعددة الحواس تعكس تغيرًا ثقافيًا وفنيًا يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والفن.

أخيرًا يمكن القول إن الأدب في العصر الرقمي أصبح أكثر تنوعًا ومرونة وتفاعلية، فهو يدمج بين الكتابة التقليدية والوسائط المتعددة والتفاعل اللحظي، كما يعيد تعريف العلاقة بين المؤلف والقارئ ويؤثر على طبيعة اللغة وأساليب النشر والتوزيع والثقافة القرائية. هذا التحول يعكس التغيرات العميقة التي يشهدها المجتمع الرقمي ويفتح آفاقًا جديدة أمام الأدب ليصبح أكثر قدرة على التعبير عن تعقيدات الحياة الحديثة والتفاعل مع التطورات التكنولوجية والاجتماعية بطريقة لم تكن ممكنة من قبل. الأدب الرقمي ليس مجرد تطور شكلي بل هو تحول جوهري في مفهوم الأدب ذاته كفن وتجربة إنسانية، ويعد بمستقبل غني بالابتكار والتجريب والاندماج بين التقنية والثقافة والفنون المختلفة.

لقد شهد الأدب في العصر الرقمي تنوعًا وإبداعًا كبيرين في الشكل والمضمون، مما فتح آفاقًا جديدة أمام التجربة الأدبية وتفاعل القراء معها، ليمنح القارئ تجربة سردية غير خطية تختلف باختلاف اختياراته أثناء التفاعل مع النصوص الرقمية. وهو عمل رقمي متفاعل يُبرز التلاعب بتوقعات القارئ وكيف يمكن للنص الرقمي أن يخلق إحساسًا بفقدان السيطرة، وبالتالي يقدم تجربة أدبية مختلفة تمامًا عن الرواية المطبوعة التقليدية. أن الأدب الرقمي لا يقتصر على السرد فقط، بل يمتد إلى أشكال شعرية رقمية، مما يغير بالكامل من علاقة القارئ بالنص ويجعله مشاركًا في بناء المعنى بدلًا من كونه متلقيًا سلبيًا.

إنّ الأعمال الرقمية تعكس حقيقة أن الأدب في العصر الرقمي لم يعد مقتصرًا على النصوص المطبوعة وحسب، بل أصبح كيانًا متكاملًا يستفيد من أدوات التكنولوجيا الحديثة لخلق تجارب سردية متعددة الأبعاد. فبينما توفر الرواية المطبوعة مساحة ثابتة للتفكير العميق والتمهل في النص، تقدم الأعمال الرقمية تجارب تفاعلية تجعل من القارئ مشاركًا فاعلًا في بناء السرد والمعنى، وهذا بدوره يغير من طبيعة العلاقة بين النص والقارئ ويمنح الأدب بعدًا جديدًا يتجاوز حدود الكلمة المكتوبة على الورق ليشمل الصوت والحركة والصورة والتفاعل اللحظي.

وبهذا يصبح العصر الرقمي ليس مجرد بيئة لنشر الأدب، بل فضاءً حقيقيًا لإعادة اختراع الأدب نفسه، حيث الاحتمالات لا تنتهي ولا تتوقف عند حدود كتابة القصة التقليدية، بل تمتد إلى فنون جديدة تتفاعل مع التكنولوجيا وتستفيد من قبضة العصرية على أدوات التعبير الفني.

***

عصام البرّام - القاهرة

بدأت الحكاية بلون في صفحةٍ من كتاب استوقف عيني أكثر مما استوقفتها الجملة التي احتوته.

بقيتُ لحظاتٍ أمامه، أقرأ ما حوله، ثم أعود إليه، ويكأنّ في ذلك اللون شيئًا يطلب مني أنْ أمهله قليلًا.

كنت يومها أقرأ محمود درويش كما أفعل دائمًا، وأترك للقصيدة أنْ تقودني بين صورها وموسيقاها وذاكرتها، وأتنقل بين الكلمات التي أحبها حتى بدأت ألتقط حضور الألوان بين السطور.

كان اللون يطلّ من النص بخفة، ثم يستقر في الذاكرة بثقلٍ أكبر من حجمه.

تكررت الحكاية.

لونٌ هنا.

وظلّ هناك.

بياضٌ يتسع في موضعٍ ما، وسوادٌ يكتسب كثافةً في موضع آخر، وأخضرٌ يحمل رائحة الأرض، وأحمرٌ يمرّ في النص محمّلًا بذاكرة الدم والحب والحياة.

وبدأتُ أعود إلى النصوص بعينٍ مختلفة. صرت أتعقب اللون كما يتعقب القارئ أثرًا قديمًا في مدينة يعرفها جيدًا، ثم يكتشف فيها للمرة الأولى بابًا صغيرًا يقوده إلى شارعٍ آخر.

كان اللون يتكاثر أمامي كلما تعمقت في القراءة، ومعه كانت تتسع مساحة الدلالة.

وفي إحدى قراءاتي لديوان "لا تعتذر عما فعلت" شعرت أنني دخلت إلى طبقة أخرى من شعر درويش، طبقة تسكن تحت الكلمات، وتتحرك في ظلالها، وتمنح الصورة الشعرية طاقةً تتجاوز حدود الوصف.

كان اللون هناك كائنًا حيًا يتبدل موقعه، وتتغير نبرته، وتتشكل علاقته بما يجاوره، ثم يعود في موضع آخر محملًا بذاكرة جديدة.

منذ تلك اللحظة بدأت علاقتي الأكاديمية باللون، وأخذت دفاتري تتغير.

صفحاتٌ امتلأت بملاحظات صغيرة، وأسماء ألوان، ومواضع ورودها، وعلاقاتها بالصور الشعرية.

كنت أضع إشارات متجاورة، وأعود إليها بعد أيام، ثم أكتشف خيطًا جديدًا يصل بينها.

شيئًا فشيئًا أخذت تلك الخيوط تتشابك حتى بدت أمامي خريطة كاملة، خريطة من الألوان، وكلّ لون فيها يفتح ممرًا إلى معنى، وكلّ معنى يقود إلى طبقة من التجربة الدرويشية، وفي قلب تلك الخريطة كان اللون علامة.

هنا اتخذت الحكاية شكلها الأكاديمي، فاخترت أطروحتي للدكتوراه حول "سيميائية اللون ودلالاته الرمزية في ديوان لا تعتذر عما فعلت لمحمود درويش"، وكان الاختيار امتدادًا طبيعيًا لتلك اللحظة الأولى التي توقفت فيها أمام لونٍ صغير، ثم اكتشفت أنّ وراءه عالمًا واسعًا من العلامات.

قادني البحث إلى السيميائيات، فوجدت أمامي فضاءً رحبًا لفهم الطريقة التي تتشكل بها الدلالة، وكيف تتحول التفاصيل البصرية إلى إشارات ثقافية ونفسية وحضارية.

ومع كلّ صفحة كنت أكتبها كان اللون يبتعد أكثر عن مفهومه البسيط، ويقترب من جوهر التجربة الشعرية.

صار الأخضر ذاكرةً للأرض، وصارت بعض درجات الأبيض مساحةً للصفاء والغياب والبدء، واكتسب الأحمر طاقةً تتصل بالحياة والدم والحب والجرح، وتحوّل الأسود في سياقات مختلفة إلى كثافةٍ شعورية، وإلى ظلٍّ يرافق الذاكرة.

أما الأزرق فكان يفتح فضاءات البحر والسماء والامتداد والحلم.

هكذا أخذت الألوان تتحول أمامي من مفرداتٍ بصرية إلى مفرداتٍ دلالية.

ومن هنا اتسعت رؤيتي للفن كله.

أدركت أنّ العين تحمل ذاكرةً خاصة بها، وأنّ اللون يستطيع أنْ يستدعي مكانًا كاملًا، وأنّ علامة صغيرة قادرة على استحضار وطن، وأنّ تفصيلًا بصريًا قد يحمل تاريخًا طويلًا من الثقافة والهوية.

وعندما خرجت من صفحات درويش إلى فضاء الفن التشكيلي بدا الانتقال طبيعيًا.

فاللوحة تفعل باللون ما تفعله القصيدة بالكلمة، وتضعه في سياق، وتمنحه علاقات، وتفتح له أبوابًا من الدلالة.

هناك، على سطح القماش تصبح الألوان لغةً صامتة، وتصبح الخطوط إيقاعًا، وتصبح المساحات ذاكرة، ويصبح الضوء شريكًا في صناعة المعنى.

ومن هنا بدأت أنظر إلى اللوحة بعين الباحثة التي تعلّمت من الشعر أنّ لكلّ تفصيل مكانه، وأنّ لكلّ لون نبرته، وأنّ خلف المرئي طبقاتٍ من المعنى.

صرت أرى في اللوحة أكثر من مشهد.

أرى زمنًا، وأرى مكانًا، وأرى ثقافةً، وأرى هويةً، وأرى يد الفنان وهي تترك أثرها على ذاكرة العالم.

وهنا اكتملت لديّ صورة العلاقة بين المثقف والفن، فالمثقف الذي يقرأ اللون في القصيدة يستطيع أنْ يقرأه في اللوحة، والذي يفتش عن الرمز في النص يستطيع أنْ يتتبع الرمز في الصورة، والذي يعرف أنّ الذاكرة تسكن التفاصيل يدرك أنّ شجرةً في لوحة قد تحمل تاريخ وطن، وأنّ ثوبًا مطرزًا قد يحفظ سيرة شعب، وأن ّبيتًا حجريًا قد يستعيد قرية كاملة، وأنّ نافذة صغيرة قد تفتح على وطنٍ بأسره.

ومن هذه المسافة بين القصيدة واللوحة بدأت أرى الفن التشكيلي واحدًا من أعمق أشكال الذاكرة الإنسانية.

فالإنسان القديم ترك كفّه على جدار الكهف، فحفظ لنا حضوره عبر آلاف السنين.

والحضارات تركت ألوانها ونقوشها وتماثيلها وزخارفها، فبقيت أصواتها حاضرةً بعد رحيل أصحابها.

والفنان المعاصر يواصل الحكاية بالأدوات الجديدة فيحمل ذاكرة المكان إلى اللوحة، ويمنح الهوية صورةً قادرةً على السفر.

هكذا أصبح اللون بالنسبة إليّ أكثر من مادة جمالية، لقد صار أثرًا، وصار ذاكرة، وصار لغةً ثانية للهوية.

ومن هنا تأتي علاقة المثقف بالفن التشكيلي، هي علاقة تتصل بالوعي والذاكرة والجمال والانتماء، وتمتد إلى مسؤولية أوسع في حماية الصورة الثقافية للمجتمع، وفي تقديم وجوه الحضارات إلى العالم عبر لغة يفهمها الجميع.

لقد بدأت رحلتي مع اللون من صفحةٍ في كتاب، وانتهت إلى عالمٍ كاملٍ من الفن.

وما بين الصفحة واللوحة خيطٌ رفيع اسمه المعنى.

وما بين اللون والذاكرة خيطٌ آخر اسمه الهوية.

أما بين الفنان والمتلقي، فهناك مساحة واسعة اسمها التأويل.

ومن تلك المساحة تولد الحكايات، فكل لوحة تحمل حكايةً يكتب الفنان بدايتها، ثم يترك للعين والذاكرة والثقافة أنْ تكمل فصولها.

وكلّ لون يحمل أثرًا من حياة صاحبه، ومن زمنه، ومن المكان الذي جاء منه.

لهذا حينما أقف أمام لوحة اليوم أتذكر ذلك اللون الأول الذي أوقفني أمام قصيدة لدرويش.

وأتذكر كيف قادني من صفحةٍ صغيرة إلى أطروحةٍ كاملة، ومن الشعر إلى السيميائيات، ومن الكلمة إلى الصورة، ومن الصورة إلى سؤال الهوية والذاكرة والحضارة.

وأشعر أنّ الرحلة ما زالت مفتوحة.

فاللون الذي ظننته يومًا تفصيلًا صغيرًا كشف لي اتساع العالم.

ومنذ ذلك الحين أصبحت أرى وراء كلّ لون حكاية، ووراء كلّ لوحة ذاكرة، ووراء كلّ صورة وطنًا صغيرًا يبحث عن عينٍ تمنحه فرصةً أخرى للحياة.

فثمّةَ لحظةٌ غريبةٌ تحدث عندما نقف أمام لوحةٍ لا نعرف صاحبها، ولا نعرف تاريخها، ولا نملك مفاتيح المدرسة التي تنتمي إليها، هي لحظةٌ تشبه أن تفتح بابًا لا تعرف ما وراءه، ثم تدخل.

في البداية ترى اللون، ثم ترى الخط، ثم شيئًا لا تستطيع أنْ تسميه.

تتقدم خطوة فتتخيّل أنّ اللوحة تناديك. تنظر إلى وجهٍ مرسوم، فتشعر أنك رأيت هذا الوجه من قبل، لا في شارعٍ ولا في صورة، وإنما في مكانٍ أعمق.

إنها الذاكرة، نعم هي الذاكرة لا غيرها تلاحق نافذةً صغيرة في زاوية اللوحة، فتتساءل: لماذا وضعها الفنان هناك؟ ولماذا ترك نصفها في الظل؟ ولماذا يبدو الضوء الخارج منها مثل وعد بعيد؟

ثم تكتشف أنك لم تعد تنظر إلى اللوحة، فاللوحة هي التي بدأت تنظر إليك.

وهنا تحديدًا يبدأ الفن.

إنّ الفن الحقيقي لا يكتفي بأنْ يُرى، فسرعان ما يستدرجنا إلى أنْ نرى أنفسنا في ما نراه.

وقد ندخل قاعة المعرض بحثًا عن لوحة، ثم نخرج منها حاملين سؤالًا عن الوطن، أو الذاكرة، أو الحب، أو الفقد، أو الإنسان، أو الزمن.

ذلك أنّ اللوحة ليست ألوانًا موضوعة فوق قماش.

إنها لغة أخرى للإنسان في اللحظة التي تضيق فيها الكلمات عن حمل ما في داخله.

ومن هنا يأتي السؤال: ماذا يعني أنْ نقرأ لوحة؟

ولماذا يحتاج المثقف إلى الفن التشكيلي؟

وهل يمكن للون أنْ يحمل ذاكرة أمة، وأنْ يصبح الخطّ شاهدًا على حضارة، وأنْ تتحول اللوحة إلى وثيقة تقاوم النسيان؟

أظنّ أنّ الإجابة تبدأ من العودة قليلًا إلى الوراء عندما بدأ الإنسان يرسم قبل أنْ يعرف الكتابة، وقبل أنْ يكتشف الإنسان الحروف عرف الخط، وقبل أنْ يؤسس الكتب ترك أثر كفه على جدار.

وقبل أنْ يكتب حكايته بالحبر كتبها بالصبغة والحجر والفحم.

في الكهوف القديمة لم تكن هناك صحف ولا مكتبات ولا شاشات، ورغم ذلك رسم الإنسان الحيوان والصياد والحركة والطقس والمطاردة.

كانت تلك الرسوم محاولة الإنسان الأولى لأنْ يقول: كنت هنا، ورأيت هذا، وعشت هذه اللحظة.

لقد رسم كي يحفظ، ورسم كي يتواصل، ورسم كي يمنح تجربته فرصةً للعبور إلى من سيأتي بعده.

ومن هذه البدايات البعيدة يمكن أنْ نفهم أنّ الفن التشكيلي لم يولد ترفًا، وإنما وُلد من حاجة إنسانية عميقة إلى التعبير وتثبيت الوجود في مواجهة الزمن.

إنّ الإنسان الذي يرسم لا يكتفي بإعادة إنتاج الأشياء؛ إنه ينتزعها من زوالها، وهنا تكمن قوة الفن.

فالزمن يمحو الوجوه، لكنّ الفن يستطيع أنْ يعيد إليها ملامحها، والحروب تهدم البيوت، لكنّ لوحة واحدة قد تحفظ شكل نافذةٍ لم يعد لها جدار.

والأجيال ترحل، لكنّ وجه امرأة في لوحة قد يظل يحمل ملامح جيل كامل.

لقد تركت كلّ حضارة أثرها البصري في العمارة، وفي النحت، وفي الزخرفة، وفي الأثواب، وفي النقوش، وفي المخطوطات، وفي الفنون التي شكّلت علاقة الإنسان بالمكان والرمز واللون.

ولهذا فإنّ تاريخ الفن هو أحد مسالك تاريخ الحضارات الأساسية.

وعندما نتأمل الفن المصري القديم، أو الفسيفساء الرومانية، أو المنمنمات الإسلامية، أو الزخارف العربية، أو الخط العربي، أو العمارة الأندلسية فإننا نرى أشكالًا جميلة إلى جانب أنظمة كاملة من التفكير.

فالإنسان يرسم بالطريقة التي يفكر بها.

ويختار رموزه بالطريقة التي يرى بها العالم، ويمنح الألوان قيمًا ترتبط بعقيدته وبيئته وذاكرته وتصوراته عن الحياة والموت والجمال.

لهذا يمكن للفن أنْ يكون وثيقة حضارية لا تقل أهمية عن الوثيقة المكتوبة.

وقد نختلف في قراءة نص تاريخي، لكنّ حجرًا منقوشًا، أو لوحةً، أو زخرفةً قد يكشف لنا عن تفاصيل الحياة اليومية والرموز والأذواق والملابس والأماكن وطرائق التفكير.

الفن إذن هو مرآة للحاضر وحده، وأرشيفٌ للإنسان.

وعندما يتعلق الأمر بالوطن يصبح الفن أكثر من جمال فيتحول إلى ذاكرة.

وما أكثر ما نحتاج إلى الذاكرة في عالمٍ تتعرض فيه الأمكنة والوجوه والحكايات لمحاولات المحو.

في فلسطين مثلًا لا يمكن فصل الفن عن سؤال الأرض والهوية والاقتلاع والذاكرة.

فشجرة الزيتون، والبيت الحجري، والمفتاح، والثوب المطرز، والقبة، والقرية، والنافذة، والكرمة، والبحر داخل اللوحة تخرج عن كونها عناصر طبيعية بريئة من الذاكرة، وكلّ واحد منها يستطيع أنْ يحمل طبقات من المعنى.

قد يرسم الفنان بيتًا صغيرًا، لكنْ خلف البيت حكاية قرية، وقد يرسم امرأة ترتدي ثوبًا فلسطينيًا، لكنه في الحقيقة يرسم ذاكرة أمه وجدته ونساء المكان، وقد يرسم زيتونة، فيكون قد رسم قرونًا من العلاقة بين الإنسان والأرض.

وبالتالي تتحول اللوحة إلى فعل مقاومة للغياب.

إنها تقول إنّ ما تحاول الذاكرة أنْ تحتفظ به يمكن أنْ يجد لنفسه مكانًا في اللون.

ولا يقتصر دور المثقف على القراءة وملء الصفحات بالمعلومات، وإنما عليه أنْ يوسع مساحة الوعي في المجتمع، والفن التشكيلي واحد من أهم هذه المساحات.

إنّ المثقف الذي يهتم بالشعر والرواية والفلسفة ثم يعامل اللوحة كزينةٍ على هامش الثقافة، إنما يترك جزءًا من اللغة الإنسانية خارج دائرة اهتمامه.

فاللوحة نصّ، والموسيقى نصّ، والعمارة نصّ، والجسد في المسرح نصّ، واللون نصّ.

وكلها تحتاج إلى قارئ يمتلك الحساسية الكافية لاكتشاف ما وراء ظاهرها.

ومن هنا يمكن للمثقف أنْ يكون جسرًا بين الفنان والجمهور، وأنْ يقرّب الفن من الناس دون أنْ يسطّحه، وأنْ يشرح دون أنْ يغلق باب التأويل، وأنْ يفتح النقاش حول الأعمال بدل أنْ يحولها إلى طقوس احتفالية، وأنْ يدافع عن حق الفنان في التجريب، كما يدافع عن حق الجمهور في الفهم والسؤال.

ولكن لماذا نحتاج إلى المثقف التشكيلي؟

والجواب من وجهة نظري لأنّ المجتمعات التي تهمل ثقافتها البصرية قد تصبح أكثر عرضة لأنْ تستهلك صور الآخرين دون أنْ تنتج صورتها عن نفسها.

نحن نعيش في عصر الصورة، والصورة اليوم أسرع من الكتاب، وأحيانًا أكثر قدرة على الانتشار منه.

وقد يستطيع مشهد واحد أن يصل إلى ملايين الناس في دقائق.

لذلك لم يعد السؤال: هل نهتم بالصورة؟

لقد أصبحت الصورة جزءًا من حياتنا شئنا أم أبينا.

والسؤال الأهم هو: من يصنع صورتنا؟ وكيف نقرأها؟

هنا تبرز ضرورة الثقافة البصرية، فالمثقف يستطيع أنْ يساعد المجتمع على امتلاك أدوات قراءة الصورة حتى لا يصبح متلقيًا سلبيًا أمام ما تعرضه الشاشات.

كما أنّ قراءة اللوحة هو تدريب على قراءة العالم، ومن يتعلم كيف يسأل: لماذا اختير هذا اللون؟ ولماذا وضعت هذه الشخصية في المركز؟ ولماذا غاب هذا الجزء؟ ولماذا يظهر الضوء من هنا؟ يصبح أكثر قدرة على مساءلة الصور التي تحيط به في حياته اليومية.

فكيف نقرأ اللوحة؟

ربما لا تحتاج اللوحة إلى قارئ يعرف كل تاريخ الفن بقدر ما تحتاج إلى إنسان يعرف كيف ينظر.

لنبدأ من العين.

ماذا ترى أولًا؟

لونًا؟ أم وجهًا؟ أم خطًا؟ أم فراغًا أم حركة؟

ثم نسأل: إلى أين تقودنا العين؟

الفنان لا يوزع عناصر اللوحة اعتباطًا، فهناك مركز وثقل وإيقاع ومسارات بصرية، وهناك ما يقترب وما يبتعد، ما يضيء وما يختفي، ما يصرخ وما يهمس.

ثم يأتي اللون، فنسأل: لماذا هذا اللون هنا؟

الأحمر بجوار الأسود غير الأحمر بجوار الأبيض، والأزرق في السماء غير الأزرق في وجه امرأة، والأخضر في شجرة غير الأخضر في ثوب، لأنّ المعنى يولد من العلاقة، ثم ننتقل إلى الضوء: من أين يأتي؟ وما الذي يضيئه؟ وما الذي يتركه في العتمة؟

فأحيانًا يكون ما أخفاه الفنان أهم مما أظهره.

ثم نسأل عن الصمت: ما المساحة التي تركها فارغة؟ ولماذا؟

فالفراغ في اللوحة ليس دائمًا غيابًا، فقد يكون انتظارًا، أو فقدًا، أو مساحةً للمتلقي كي يدخل.

واللون ذاكرة، فلا يوجد لون بريء تمامًا في الفن، وتدخل الألوان إلى حياتنا محملة بتجارب وثقافات ورموز، فالأبيض قد يكون بداية أو حدادًا أو سلامًا، والأسود قد يكون خوفًا أو قوة أو مهابة، والأحمر قد يكون حبًا أو ثورة أو دمًا، لكنّ الخطأ هو أن نضع قاموسًا ثابتًا ونقرأ كلّ لوحة وفقه، فالفن لا يعمل بهذه البساطة، واللون يتغير بتغير السياق.

ولهذا فإنّ قراءة اللوحة تشبه قراءة الشعر، إذْ لا يكفي أنْ تعرف معنى الكلمة في القاموس، فعليك أنْ تعرف ماذا فعل بها الشاعر داخل القصيدة، وكذلك اللون، فليس المهم أن نعرف ماذا يعني الأزرق في الثقافة العامة، ويكفي أن نعرف ماذا يعني الأزرق هنا في هذه اللوحة، وفي هذه اللحظة، وبجانب هذه الألوان تحديدًا.

فهل نحتاج إلى معرفة قصد الفنان؟

نعم، لكنها ليست نهاية القراءة، فالفنان يشرح لوحته، ويضيء لنا جزءًا من الطريق، لكنه لا ينبغي أنْ يغلق الطريق كله، والفنان يرسم من تجربته، والمتلقي يقرأ من تجربته.

وقد يرى الفنان في نافذته ذكرى بيت طفولته، بينما يرى المتلقي فيها نافذة وطن، وقد يقصد الفنان امرأةً عابرة، فيراها المتلقي أمًا، وقد يقصد البحر على أنه مكان، فيراه آخر فراقًا، وليس معنى ذلك أنّ كل تفسير صحيح، فالقراءة الجيدة يجب أنْ تستند إلى أدلة داخل اللوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تُختزل في نية الفنان وحدها، فبمجرد أنْ تخرج اللوحة إلى العالم تبدأ حياة جديدة.

هذا وإنّ الأمم التي تحترم الفن تحترم الفنانين، وتحترم صورتها عن نفسها.

والفن قادر على أنْ يصنع صورة حضارية للوطن تتجاوز الأخبار والسياسة، فعندما يبدع الفنان، فهو يقدم وطنه من زاوية أخرى.

إنه يقول للعالم: نحن لسنا مجرد أرقام، ولسنا مجرد أحداث سياسية، ولسنا مجرد أخبار عابرة، نحن أيضًا أصحاب ذاكرة وجمال وحكاية وذائقة ورؤية.

وهذا بالضبط ما يجعل الفن قوة ناعمة بالغة التأثير.

فاللوحة تستطيع أنْ تعبر الحدود دون جواز سفر، واللون يستطيع أنْ يصل إلى إنسان لا يعرف لغة الفنان.

والصورة قد تفتح بابًا للحوار في الوقت الذي تعجز فيه الخطب الطويلة.

لهذا فإنّ دعم الفن ليس ترفًا ثقافيًا؛ إنه استثمار في صورة الوطن، وفي ذاكرته، وفي قدرته على مخاطبة العالم.

وكلّ وطن مهدد بالنسيان إذا لم يروِ حكايته، والحكاية لا تُروى بالكلمات وحدها، فقد يكتب المؤرخ عن مدينة، ويكتب الشاعر عنها، ويغني المغني لها، لكنّ الفنان يستطيع أن يمنحها وجهًا، والوجه أخطر ما يمكن أنْ يضيع.

لذلك تصبح اللوحة في كثير من الأحيان شاهدًا صامتًا على زمنها، تحفظ ما مرّ بنا، وتحفظ ملامح الناس، والأماكن، والبيوت، والأزياء، والأحلام، والخسارات حتى التفاصيل التي لا يلتفت إليها المؤرخ، وهنا تكمن عظمتها.

فالفن يحفظ التاريخ الذي يسكن في التفاصيل، والبيت الذي يعلّق ذاكرته على الجدار.

ولست أرى اللوحة عنصرًا لتزيين البيت فقط، فالبيت الذي يعلق لوحة جميلة لا يملأ جدارًا فارغًا؛ إنه يختار أي عالم يريد أنْ يعيش معه.

فقد تكون اللوحة نافذة، وقد تكون ذاكرة، وقد تكون سؤالًا يوميًا.

والأجمل أنْ يعتاد الطفل في البيت أنْ يسأل عن لوحة، وأنْ يعرف اسم الفنان، وأنْ يحكي ماذا يرى فيها.

هكذا تبدأ التربية الجمالية من الحياة.

ونحن بحاجة إلى أنْ نعيد الفن إلى البيت والمدرسة والجامعة والشارع، وأنْ نجعل المعرض حدثًا ثقافيًا لا مناسبة بروتوكولية، وأن نصطحب الأطفال إلى اللوحات كما نصطحبهم إلى الكتب، وأن نسألهم: ماذا رأيتم؟

وقد فتح الفن المعاصر أبوابًا واسعة للتجريب، فلم تعد اللوحة محصورة في شكلها التقليدي، ودخلت التكنولوجيا، والتجهيز، والفن الرقمي، والخامات المختلفة، وتداخلت الفنون.

وهذا كله دليل على أنّ الفن حيّ، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديًا مهمًا: فكيف نحافظ على العمق وسط هذا الكم الهائل من الصور؟

علينا أنْ نعلم أنّه ليست كلّ صورة فنًا، وليست كلّ غرابة إبداعًا، وليس كلّ غموض عمقًا، فالعمل الفني الحقيقي يملك ضرورة داخلية، ويشعر المتلقي أنّ وراء الشكل فكرة، ووراء الفكرة تجربة، ووراء التجربة سؤالًا إنسانيًا قد يكون بسيطًا، لكنه ليس ساذجًا، وقد يكون غامضًا، لكنه ليس مغلقًا، وقد يكون حديثًا، لكنه لا يقطع جذوره عن الإنسان.

والمثقف الذي يتعلم أنْ يرى

ربما يكون أعظم ما يمكن أنْ يفعله للفن أنْ يتعلم هو نفسه كيف يرى.

فالمثقف الذي لا يرى إلا ما يعرفه يظل أسير معرفته، أما المثقف الحقيقي فيترك للفن فرصة أنْ يفاجئه، ويقول له شيئًا لم يكن ينتظره، ويهزّ يقينه، ويجعله يعيد التفكير في معنى الجمال، والوطن، والإنسان، والذاكرة.

إنّ المثقف لا ينبغي أنْ يدخل المعرض وفي يده إجابات جاهزة إذْ يتوجّب عليه أنْ يدخل وفي يده سؤال، والسؤال هو أول أبواب المعرفة.

إنه سؤال عن الإنسان: كيف ننظر؟ وكيف نتأمل؟ وكيف نختلف؟ وكيف نبحث عن المعنى دون أنْ نصادره؟ وكيف نحترم ما لا نفهمه حتى نتعلمه؟

إنّ اللوحة تعلمنا كلّ ذلك: تعلمنا أنّ الأشياء ليست دائمًا كما تبدو، وأنّ اللون قد يحمل جرحًا، والظل قد يخفي حكاية، والفراغ قد يكون أكثر امتلاءً من الأشياء.

وأنّ ما يبدو لنا صامتًا قد يكون أكثر الأشياء كلامًا.

لهذا، حينما نقف أمام لوحة ينبغي أن نسأل: ماذا قالت اللوحة لي أنا؟ وماذا أيقظت في ذاكرتي؟ وأي باب فتحته في داخلي؟

فربما لم يرسم الفنان نافذة، ربما رسم لنا فرصةً لنطلّ منها على أنفسنا.

وربما لم يرسم بيتًا، ربما رسم المكان الذي نخشى أنْ نفقده.

وربما لم يرسم امرأة، ربما رسم أمًّا، أو وطنًا، أو انتظارًا، أو عمرًا كاملًا.

وهنا فقط ندرك أنّ خلف اللون حكاية، وخلف الحكاية ذاكرة، وخلف الذاكرة إنسانًا يحاول أنْ يقول للعالم:

أنا هنا.

ولا توجد قراءة وحيدة للوحة، كما لا توجد حياة واحدة للإنسان.

هناك ما أراده الفنان، وما تقترحه اللوحة، وما يراه المتلقي، وما تضيفه الذاكرة.

ولهذا فإنّ أجمل اللوحات هي تلك التي تبدأ بعد تفسيرها، واللوحة العظيمة لا تمنحك جوابًا جاهزًا؛ إنها تمنحك عينًا جديدة، وتجعلك ترى الشجرة بطريقة مختلفة، والبيت بطريقة مختلفة، والوجه بطريقة مختلفة، واللون بطريقة مختلفة.

وربما تجعلنا نكتشف أنّ الثقافة أنْ نعرف أسماء الأشياء، ونمتلك القدرة على رؤيتها من جديد.

إنّ الفن التشكيلي ليس هامشًا في حياة الأمم، إنه ذاكرتها حين تخشى النسيان، وصوتها حين تضيق الكلمات، ووجهها حين تريد أنْ تقدم نفسها للعالم، ومرآتها حين تريد أنْ ترى حقيقتها.

ولهذا يحتاج الفن إلى المثقف كما يحتاج المثقف إلى الفن.

فالفنان يمنحنا الصورة، والمثقف يفتح حولها الأسئلة، والجمهور يمنحها حياةً جديدة.

أما الوطن فيبقى المستفيد الأكبر حين تتحول ألوانه إلى ذاكرة، وذاكرته إلى هوية، وهويته إلى رسالة حضارية تتجاوز الجدران والحدود.

فإذا وقفنا يومًا أمام لوحة ولم نفهمها من النظرة الأولى، فلنغادرها ببطء، ولنمنحها فرصة أخرى.

فربما لم تكن اللوحة غامضة، وربما كانت عيوننا هي التي لم تتعلم بعدُ كيف تقرأ، وربما كان الفنان قد ترك لنا عمدًا شيئًا ناقصًا...كي نكمله نحن.

فوراء كلّ لون حكاية، ووراء كلّ لوحة ذاكرة، ووراء كلّ عينٍ قارئة عالمٌ كامل، وألفُ حكايةٍ تُروى وراءَ اللون.

وفي آخر الطريق عدتُ إلى تلك الصفحة الأولى التي أوقَفني عندها لونٌ صغير فوجدتني أمام الحكاية وقد اكتملت دائرتها بلون قادني إلى درويش، ودرويش قادني إلى السيميائيات، والسيميائيات فتحت أمامي أبواب اللوحة، واللوحة أعادتني إلى الإنسان وذاكرته ومكانه. ومنذ ذلك اليوم صرتُ كلما وقفت أمام لوحة أمهل عيني قليلًا مترقبة خروج الحكاية من بين طبقات اللون.

أرى شجرةً فتنهض في داخلي أرضٌ كاملة، وألمح نافذةً فتتسع خلفها ذاكرة بيت، وأتوقف عند ثوبٍ فتعود ملامح نساءٍ حملن الوطن في خيوطه.

عندها أفهم أنّ الفنان يضع اللون على القماش، ثم يتركه يسافر وحده، من عينٍ إلى عين، ومن ذاكرةٍ إلى ذاكرة حتى يصبح أثرًا حيًا في وجدان من يراه.

وتبقى اللوحة معلّقة على الجدار بينما تبدأ حكايتها الحقيقية في القلب.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين 🇵🇸

 أصيب الشاعر المجدد والناقد والأديب الياباني الكبير ماساوكا شيكي (1867 – 1902) بالسل الرئوي لأول مرة وهو في الواحد والعشرين من عمره، وكان ذلك في شهر أيلول عام 1889 (1)، لما كان طالبا بالمدرسة التحضيرية لجامعة طوكيو الإمبراطورية التي التحق بها عام 1890 (2)، وتفاقم بعدها مرضه على نحو بين وسريع،  فاضطر معه لترك الدراسة عام 1892، لما كان في المرحلة الجامعية الثالثة، وكان ينفث دما (السعال المدمى)، ولازمه الداء حتى مماته مشلولا، بعد صراع مرير مع هذا المرض المقيت الذي انتشر أخيرا في هيكله العظمي المنهك (داء بورت).

و كان (شيكي) خلال السنوات الأخيرة من عمره طريح الفراش، تغطيه الدمامل السلية المؤلمة (الخراج السلي النقيلي) ومختلف التقرحات، عاجزا عن التقلب، ومحدود الحركة، وبخاصة حركة الجزء السفلي من بدنه الواهن، بسبب تلك الدمامل التي كانت تفرز القيح دوما، ولكن دون فقدانه للقدرات العقلية واللغوية، ودون تأثر حباله الصوتية، مع احتفاظه بقدرته على الكتابة، إلا في أيامه الأخيرة حيث كان يملي مؤلفاته على أخته (ريتسو) ووالدته (ياي) (3)، مع الاعتماد على المورفين بالدرجة الأساس، وعلى غيره من المسكنات المتوفرة آنذاك للتخفيف من آلامه المبرحة.

و قد كتب (ماساوكا شيكي) خلال تلك السنوات (1895 – 1902) العديد من الأعمال الأدبية الخالدة التي أدرج معظمها ضمن (أدب المرض) الذي يزخر به عموم الأدب الياباني، وفي جميع مراحله، مثل قصائد (يامانؤويه نو أوكورا وماتسوو باشو وتاكوبوكو إيشيكاوا وكاتسوشيكا هوكوساي)، ومنها قصائد تانكا وهايكو، وثق بها (ماساوكا شيكي) أوجاعه الشديدة ومعاناته المريرة التي تحملها بصعوبة بالغة، ولكن دون أن يستسلم، ودون أن يكف عن الكتابة، وليبلغ بذلك ذروة نضوجه الإبداعي، وتطبيقا لمبدأ ال (شاسي) الذي استحدثه، وسعى من أجله حتى آخر أيامه، ويعني (الرسم التخطيطي للحياة أو المحاكاة المباشرة للطبيعة والواقع)، بحسب وصف العالم اللغوي والمترجم المعروف (د. دونالد كين) (1922 – 2019) مؤلف (شمس الشتاء تشرق في الداخل: حياة ماساوكا شيكي، مطبعة جامعة كولومبيا 2013) الذي كتب قائلا: (يمثل شعر المرض عند شيكي ذروة نتاجه الإبداعي، وأحد مظاهر التحديث في الأدب الياباني المعاصر). وهناك وصف قريب قدمه (د. بيرتون واتسون) في كتابه (ماساوكا شيكي: قصائد مختارة، مطبعة جامعة كولومبيا  1997 و1998) وآخر قدمته (د. جانين بيشمان) في كتابها (ماساوكا شيكي: حياته وأعماله، دار تواين للنشر 1982). وأوصاف إشادة وثناء قدمها (هيرواكي ساتو، إيتشيكاوا سايشوه، شيبا ريوتارو، وتسوبوي شيجيو) وغيرهم كثر. ونقدم أدناه إضمامة من (قصائد المرض) ل (شيكي) الموزعة بين التانكا والهايكو، والمترجمة من اللغة الإنكليزية، وهي كما يلاحظ غير (قصائد الموت – وداع الحياة - الجيسي) الثلاث المشهورة التي كتبها (4)، والتي سنتناولها قريبا في مقال آخر:

(1)

لا أعلم

متى سينتهي ألمي

و لكنني جعلتهم يزرعون

بذور الزهور الخريفية

في الجنينة الصغيرة

كتب شيكي هذه القصيدة في أواخر ربيع 1901، وكان ملازما لفراشه المتواضع بطول ستة أقدام يابانية تقليدية (شاكو) أي (180 سم) (5)، بسبب تطور السل الرئوي لديه إلى السل العظمي الشديد، وكان متقبلا لفكرة الموت المحتوم في حالته التي انقطع الأمل تماما من إصلاحها أو شفائها.

(2)

رأيت زهور الوستارية

في كاميدو

في ربيع العام الماضي

تذكرتها الآن

عند رؤيتي لها مجددا

أعرب فيها الشاعر عن شوقه البين لمحاسن الطبيعة التي ما عاد يستمتع بها، وهو على هذا الحال، ومقارنا اياها عند رؤيته لها مع تلك التي في معبد (كاميدو تينجين) بطوكيو الزاخر بمثل هذه الزهور الآسرة التي طالما جذبت الزوار من كل صوب، ومستخدما هنا أسلوبه المبتكر المعروف بشاسي الذي يعني الرسم أو التخطيط من واقع الحياة.

(3)

لم يعد موجودا

الرجل الذي كنت التقيه

في المرآة

أشاهد الآن وجها ضالا

يذرف الدمع

(4)

ثمة شجرة برتقال بالقرب من نافذتي

حيث أتمدد بجانبها سقيما

تتفتح  وتتناثر أزهارها

ثم تثمر

لم أزل مريضا ها هنا

كتبها في خريف عام 1897، ويقارن فيها بين حالة جسده المنهك جراء المرض وبين الدورة الحيوية المعطاءة الخصيبة والنماء المستدام.

(5)

ستائر الشباك مسحوبة

ما برح الإمبراطور

يخفي حبه

تسقط أشعة شمس الصباح

على زهرة الفاوانيا القرمزية

يعرب فيها الشاعرعن عجزه الشديد عن الحركة داخل غرفته شبه المعتمة، والتي ما عاد يستطيع مغادرتها، وتعزله الستائر عن العالم الخارجي، وتمنعه من الفوز برؤية زهرة الفاوانيا القرمزية الأخاذة والاستمتاع بنور الشمس في الخارج.

(6)

أحلم ببناء

عريشة من القصب

لتعتليها زهور القمر

و لكن هل سيطول بي العمر

حتى أرى الخريف ؟

تعتبر هذه القصيدة واحدة من أشهر القصائد التي كتبها شيكي، ممزجا بين الأمنية والواقع، وهو الأسلوب الذي طغى على أعماله في أواخر حياته. أما زهور القمر، فهي أزهار ليلية بيضاء جميلة على شكل بوق، تتفتح عند الغسق و حتى شروق الشمس. تتسلق بسهولة وتحتاج إلى دعامات لتسهيل ذلك، وترمز إلى الجمال المؤقت والبريق في العتمة.

(7)

وضعت إضمامة

من زهور الوستارية

في المزهرية

و لكنها قصيرة جدا

و لا تبلغ حصائر التاتامي

يعرف عن التاتامي بأنه حصير ياباني تقليدي له العديد من الاستخدامات، نسج قديما من لب قشر الأرز ونبات الأسل.

(8)

انسكب ماء الجردل

قطرة إثر قطرة

و ذهب سدى

ما أشبه قطرات الندى على زهور الخريف

بحبات اللؤلؤ

ربط (شيكي) في قصيدته هذه بين حادثة بسيطة، وهي انسكاب ماء الجردل وخسارة الماء الموجود فيه والمنظر الطبيعي الجميل السائد خارج غرفته التي لا يستطيع مغادرتها وإن لفترة قصيرة، وذلك تطبيقا لمبدأ (الشاسي – التصوير من واقع الطبيعة) أيضا، والذي طرحه رسميا وللمرة الأولى من خلال مقاله النقدي والنظري الشهير (السرد – النثر السردي - جوجيبون) المنشور في جريدة (نيهون) عام 1990  كأداة فعالة مؤثرة لتحديث الهايكو والتانكا، والذي أعده النقاد الحجر الأساس في تحديث الأدب الياباني في عصر (ميجي) (1868 – 1912). وهو مبدا تعددت آراء وقراءات النقاد والكتاب بخصوصه، ولم تزل، ومنهم (ماكوتو أودا) (1933 – 2007) الذي أنصف (شيكي) على نحو بين، و(كانيكو توتا) (1919 – 2018) الذي انتقد طريقة فهم هذا المبدأ عند البعض، وتلميذه (تاكاهارا كيوشي) (1874 – 1959) الذي اعتمد مبدأ الموضوعية التامة في الشاسي، و(هارو شيراني) (1951 - ؟) الذي نظر إلى (الشاسي) كضرورة لإنجاء الهايكو والتانكا ولحمايتهما من الفناء.

(9)

إنها تثلج

باستطاعتي رؤية ذلك من خلال

الثقب الموجود في النافذة الورقية

(10)

كل ما يشغلني

في هذا المنزل المغطى بالثلج

هو تمددي ها هنا

(11)

أتناول التفاح الأخضر

بإزاء زهرة الفاوانيا

سأقضي نحبي

كتبها شيكي في شهر أيار 1899، وكان عليلا، شاعرا باقتراب أجله، وتم ذلك بكل بساطة وبوعي مباشر. وهو يصف هنا كيفية تناوله التفاح الأخضر الذي أحبه بالاضافة إلى فواكه أخرى مثل البرسيمون (الكاكي) التي تحتفل بها اليابان في 26 تشرين الأول من كل عام، ومنذ عام 2005 بعد أن استحدثه (الاتحاد الوطني لبحوث الفاكهة) تكريما له، وذلك استنادا إلى حدث مهم يعود إلى اليوم الذي كتب فيه شاعرنا قصيدة أخرى حول الكاكي في عام 1895 عند زيارته لمعبد (هوريوجي) في (نارا) (6). وهناك إشارة إلى هذا الجانب من صديقه المقرب الروائي (ناتسومي سوسيكي) (1867 – 1916) عندما أشار في روايته (سانشيرو) إلى تناول (شيكي) ل (16) حبة منها في وجبة واحدة (7)، ولذلك سمي ب (عاشق الهايكو الآكل للكاكي – كاكي كوو هايكو كا) بناء على وصيته قبل وفاته، وإشارة إلى عبارة وردت في مقالة له جاء فيها (أخبركم، كنت آكلا للكاكي، ومحبا للهايكو).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...................

(1) – بين (1888 – 1889) وفقا لبعض المصادر.

(2) – عرفت هذه المدرسة باسم (يوبيمون)، وكانت تهدف إلى تأهيل الطلاب علميا ولغويا قبيل دخولهم بالجامعة، وفقا للنظام التعليمي الحديث السائد في عصر (ميجي).

(3) -  ابنة العالم والمفكر الكونفوشيوسي المعروف (أوهارا كانزان) (1875 – 1818). تعلم منه خارج المدرسة حفيده (شيكي) أسس الأدب والشعر الكلاسيكي لما كان في السابعة من العمر.

(4) – ينظر: (قصائد الموت اليابانية)، ترجمة بنيامين يوخنا دانيال، (حانة الشعراء)، عدد يوم 29 / 8 / 2026 . و(الموت.. قصائد يابانية)، ترجمة بنيامين يوخنا دانيال، مجلة (المنار)، عدد يوم 1 سبتمبر 2026.

(5) – بحسب وصفه في مذكراته (فراش مريض طوله ستة أقدام – بيوشو روكوشاكو) التي كتبها عام 1992. وله أيضا مذكرات بذات الموضوع بعنوان (قطرة حبر بوكوجو إيتيكي 1901) و(ملاحظات متفرقة أثناء الاستلقاء على ظهري – جيوغا مانروكو 1901 – 1902).

(6) – ترجمنا من الإنكليزية ونشرنا قصيدة الهايكو تلك وثماني قصائد أخرى لشيكي حول الكاكي في عدد يوم 20 أيار 2024 من (الأنطولوجيا).

(7) – أشار سوسيكي إلى شيكي في الفصل الأول من الرواية المذكورة من باب التكريم الرمزي، وذلك خلال حديث أجراه البطل (سانشيرو) على متن القطار مع الأستاذ (هيروتا) عن حب ماساوكا شيكي لفاكهة الكاكي (البرسيمون)، وكيفية تناوله تلك الكمية منها في وجبة واحدة. والرواية مترجمة إلى الإنكليزية من قبل (جاي روبين) وصادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة جامعة واشنطن 1977.

حين تكتب القارّة ذاكرتها من قلب الصحراء

الأدب الإفريقي ليس أدبَ جغرافيا بعيدة فحسب، ولا سرداً عن قارةٍ تختصرها الصور النمطية في الصحراء والمجاعة والحروب؛ إنّه كونٌ أدبيّ واسع تتجاور فيه الأسطورة والتاريخ، الصحراء والغابة، الذاكرة الشفوية والرواية الحديثة، الاستعمار والمقاومة، الطقس والعادة، الفرد والجماعة. ولعلّ أجمل ما في هذا الأدب أنّه يتيح للقارئ أن يدخل إفريقيا من بابها الداخلي، لا من الصور التي صنعتها عنها عيون الآخرين.

لقد كتب الأفارقة من عمق التجربة، ومن قلب القرى والمدن والمرافئ والغابات والصحارى، وكتبوا عن مجتمعات لها نظمها الأخلاقية والروحية، وعن عاداتها وطقوسها وأساطيرها، وعن علاقتها بالأرض والأسلاف والموت والحب والزواج والقبيلة واللغة. لذلك فإن قراءة الأدب الإفريقي ليست متعة جمالية فحسب؛ إنها رحلة أنثروبولوجية وفلسفية في طرائق مختلفة للعيش والتفكير وتأويل العالم.

الأدب بوصفه استرداداً للصوت

كان الاستعمار لا يحتل الأرض وحدها، بل يسعى أيضًا إلى احتلال الذاكرة وصناعة صورة المستعمَر بما يخدم رواية المستعمِر. ومن هنا اكتسب الأدب الإفريقي الحديث وظيفة تتجاوز الفن إلى استعادة حق الإنسان الإفريقي في أن يروي نفسه بنفسه.

وهنا تبرز رواية «الأشياء تتداعى» للنيجيري تشينوا أتشيبي، الصادرة عام ١٩٥٨، بوصفها إحدى العلامات الكبرى في الرواية الإفريقية؛ فهي تستعيد المجتمع الإيغبو قبل الاستعمار، ثم ترصد أثر التغلغل البريطاني والتحولات التي أصابت منظومته الاجتماعية والثقافية. وقد اختيرت ضمن قائمة «أفضل مئة كتاب إفريقي في القرن العشرين».

وفي هذه الرواية لا تظهر إفريقيا باعتبارها أرضاً بلا تاريخ، بل مجتمعاً له نظامه وقيمه ومؤسساته وطقوسه ولغته وذاكرته. وهنا تكمن قوة الأدب الإفريقي: إنه لا يكتفي بمقاومة المستعمر سياسياً، بل يقاومه سردياً؛ أي إنه يسترد حقه في تعريف ذاته.

من الأسطورة إلى الرواية

إنّ خصوصية الأدب الإفريقي تكمن أيضًا في صلته العميقة بالتراث الشفوي. فالحكاية الشعبية، والحكمة، والمثل، والأسطورة، وأغاني الجماعة، وحكايات الأسلاف، كلها لم تختفِ عندما ظهرت الرواية الحديثة، وإنما تسللت إلى بنيتها وأساليبها.

ولهذا استطاع الأدب الإفريقي أن يخلق مزاوجة مدهشة بين الشفوية والكتابة، بين الموروث المحلي والتقنيات الروائية الحديثة. ويظهر ذلك بوضوح في أعمال كتّاب مثل نغوجي واثيونغو، الذي جعل سؤال اللغة والاستعمار الثقافي محوراً فكرياً أساسياً في كتابه «تصفية استعمار العقل»، كما كتب بالإنجليزية وبالغيكيو، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما وعاء للذاكرة والهوية.

أما النيجيري وول سوينكا، فقد وسّع فضاء الأدب الإفريقي ليشمل المسرح والشعر والرواية والمقالة والسيرة، وحصل عام ١٩٨٦ على جائزة نوبل للآداب، وكان أول كاتب إفريقي يفوز بها. وقد تُرجمت أعماله وأُخرجت مسرحياته في أنحاء مختلفة من العالم. ومن أبرز أعماله «موت الملك وحارس الخيل» و«المفسرون» و«سجلات من أرض أسعد الناس على وجه الأرض».

أدب المقاومة وأدب ما بعد الاستعمار

لم تكن المقاومة في الأدب الإفريقي مجرد مواجهة عسكرية للاستعمار، بل كانت أيضاً مواجهةً للغة التي حاول بها الاستعمار أن يعرّف الشعوب الإفريقية.

ولهذا أصبح سؤال الهوية مركزياً: من نحن؟ من أين جئنا؟ ماذا بقي من ذواتنا بعد الاستعمار؟ وهل يمكن بناء المستقبل من دون استعادة الذاكرة؟

وفي هذا السياق تبرز أعمال آشيلي أرما، وفرناندو أوونو، وعثمان سمبين، ومرياما با، وغيرهم ممن جعلوا الرواية فضاءً للصراع بين الموروث والاستعمار، وبين السلطة والمجتمع، وبين الماضي والمستقبل.

وتأتي رواية مرياما با «رسالة طويلة» مثالًا مهماً على انتقال الأدب الإفريقي إلى قضايا المرأة والأسرة والتحولات الاجتماعية، بينما تمزج أعمال الموزمبيقي ميّا كوتو بين الموروث الشفوي واللغة البرتغالية، كما في «أرض نائمة».

الأدب الإفريقي يدخل العالمية

لقد خرج هذا الأدب من حدوده المحلية ليصبح جزءاً أصيلاً من الأدب العالمي. فالعمل الأدبي الإفريقي لم يعد محصوراً في بيئته، وإنما أصبح يُترجم ويُقرأ ويدرس في جامعات العالم.

وقد أسهمت الترجمة في انتقال روايات مثل «الأشياء تتداعى» و«رسالة طويلة» وغيرها من المجال المحلي إلى فضاء الأدب العالمي؛ فالعالمية لا تعني أن يتخلى الكاتب عن خصوصيته، بل إنّ المفارقة الجميلة هي أن النص يصبح عالمياً كلما كان صادقاً في محليته وقادراً على تحويل المحلي إلى سؤال إنساني عام.

ومن الأسماء الإفريقية التي بلغت العالمية أيضاً التنزاني عبد الرزاق قرنح، الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام ٢٠٢١، وكتب كثيراً عن الاستعمار والاقتلاع والهجرة والذاكرة وما بعد الاستعمار.

كما برزت النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي بأعمال مثل «نصف شمس صفراء» و«أمريكانا»، لتضيف إلى الرواية الإفريقية المعاصرة أسئلة الحرب والهوية والهجرة والجندر والاغتراب.

وحين تكتب إفريقيا بالعربية

غير أنّ الحديث عن الأدب الإفريقي لا يكتمل من دون الالتفات إلى الأدب الإفريقي المكتوب بالعربية؛ فالعربية ليست لغة وافدة على القارة، بل لغة ذات حضور تاريخي عميق، ولا سيما في شمال إفريقيا والسودان ومناطق واسعة من الساحل الإفريقي.

ومن أبرز الأسماء السودانية الطيب صالح، الذي جعل القرية السودانية فضاءً روائياً بالغ الثراء في «موسم الهجرة إلى الشمال»، إحدى أهم الروايات العربية الحديثة، حيث تتقاطع الهوية والاستعمار والاغتراب والجنس والسلطة والشرق والغرب. وقد دخلت الرواية في حوارات نقدية واسعة مع أعمال إفريقية أخرى، ومنها «الأشياء تتداعى» لأتشيبي.

ويبرز كذلك الليبي إبراهيم الكوني، الذي جعل الصحراء فضاءً أسطورياً وفلسفياً، وحوّل الطوارق والواحة والجمل والرمل والظمأ إلى عناصر في بناء عالم روائي يتجاوز المكان إلى أسئلة الوجود والحرية والمصير.

وفي مصر، يقف نجيب محفوظ في ذروة الرواية العربية والإفريقية معاً؛ فقد حصل على نوبل للآداب عام ١٩٨٨، وكان أول كاتب عربي يفوز بها، وكتب أكثر من ثلاثين رواية ونحو ٣٥٠ قصة قصيرة، وجعل القاهرة مختبراً للإنسان والتاريخ والمجتمع.

وهنا تتضح حقيقة شديدة الأهمية: الأدب الإفريقي ليس لغةً واحدة ولا ثقافةً واحدة ولا تجربةً واحدة. إنه فسيفساء هائلة من اللغات والثقافات والأديان والبيئات والتواريخ؛ من العربية والأمازيغية إلى الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية واللغات الإفريقية المحلية.

إفريقيا التي لم نقرأها بعد

ربما تكون أجمل طريقة لاكتشاف إفريقيا هي أن نقرأ أدبها بعيداً عن القوالب الجاهزة. أن نقرأ الصحراء لا بوصفها فراغاً، بل بوصفها ذاكرةً ومجازاً وموطناً للروح؛ وأن نقرأ القرية لا باعتبارها مكاناً بدائياً، بل مجتمعاً له منطقه الأخلاقي والرمزي؛ وأن نقرأ الأسطورة باعتبارها طريقةً أخرى لفهم العالم؛ وأن نقرأ المقاومة لا باعتبارها بندقيةً فقط، بل باعتبارها حفاظاً على اللغة والاسم والذاكرة والحكاية.

لقد كتب الأفارقة من أعماق الصحراء، ومن ظلال الغابة، ومن ضفاف الأنهار، ومن المدن التي ترك الاستعمار على جدرانها ندوبه؛ لكنهم كتبوا أيضاً من عمق الإنسان.

وهذا هو سر سحر الأدب الإفريقي: أن خصوصيته لا تغلقه على نفسه، بل تفتح منه طريقاً إلى العالم.

فحين نقرأ أتشيبي نكتشف إفريقيا قبل أن تُروى بأقلام الآخرين. وحين نقرأ سوينكا نرى المسرح الإفريقي وهو يحاور الأسطورة والسياسة. وحين نقرأ نغوجي نفهم أن اللغة قد تكون ساحة معركة. وحين نقرأ قرنح نكتشف جراح المنفى والاقتلاع. وحين نقرأ الطيب صالح والكوني نكتشف أن إفريقيا العربية تمتلك عالمًا سردياً وفلسفياً لا يقل ثراءً عن أي مركز أدبي في العالم.

إن الأدب الإفريقي ليس أدب الهامش؛ إنه أحد المختبرات الكبرى التي يعيد فيها الأدب العالمي اكتشاف الإنسان، حين يكون الإنسان ممزقًا بين الذاكرة والاستعمار، بين الأرض والمنفى، بين الأسطورة والحداثة، وبين الرغبة في البقاء وحقه في أن يكتب حكايته بلسانه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

1- الحرية والهوية: تمثلُ الكتابة عن المرأة الشاعرة تحديا نقديا بسبب اختلاف طبيعتها وتجاربها وتطورها وعدم ثباتها ؛ لأنها انطلقت من أفق ضيق إلى حرية بلا حواجز ولا تابوهات ولا محرمات ولا نماذج ذهنية أو أيديولوجية ؛ لأنها تقوم على مفاهيم الموقف والأحوال والمقامات ثم اللحظة، وإن كان البعض يرى أنهم تأثروا بالفكر الغربي بأن الأدب والفن بلا غائية (1) - وأصبحت المرأة الشاعرة لديها الجرأة على النبش والاقتحام لكل مجهول ومحرم ومغلق (2) بل لديها فوران إبداعي لأن "شاعر قصيدة النثر شاعر حر، وبمقدار ما يكون إنساناً حراً، أيضاً، تعظم حاجته إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، لغة ترافق جَرْيَه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معاً. ليس للشعر لسان جاهز، ليس لقصيدة النثر قانون أبدي(3) فالقصيدة النثرية لا قانون يحكيمها منذ بديتها على يد الرواد وهذا ادى الى التجريب في كتابتها وجعل العديد من الكتاب والنقاد يصفونها بأنها أكثر عدائية لأنها تهاجم القارئ دفعة واحدة ولا تصبر على الحكم والقيم التي كانت سائدة في القصيدة التقليدية لأن هذه "القصيدة مليئة بشهوة النقض والخلق، شهوة الحركة والبحث والتجاوز، تؤكد سلطة الجنون، أي سلطة الشعر هذه السلطة الشعرية المتحدية الضّارية (4).

وهذه السلطة والجنون الشعري يجعلنا نثير عدة تساؤلات عن الانتاج الشعري للشاعرة مجيدة محمدي وهي شاعرة تونسية تُعد من أبرز الأصوات النسائية في الشعر العربي المعاصر، حيث تجمع بين الشعر والمقال، وتكتب بروحٍ تعتبر الكتابة فعل حياة ومقاومة للصمت، وقد صدرت لها أعمال مثل أنا وأخرياتي والعين الثالثة ولها ديون مخطوط، كما أنها صوت أنثويٍّ يرفض الانغلاق، ويبحث عن الحرية عبر الكلمة، والكتابة لديها ليست ترفًا، بل فعل حياة، ومقاومة للصمت، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم من منظور المرأة، هذا وقد تابع النقاد كتاباتها الشعرية فمنهم الشاعر والناقد العراقي رياض عبد الواحد، و الدكتور والباحث التونسي محمد عيسى مهنا،و الشاعرة والإعلامية التونسية نجاة الماجريو الشاعرة تحاول من خلال مشروعها الإبداعي أن تثير قضايا وتساؤلات متعددة في الدين: هل يمكن أن يكون الشك طريقًا إلى إيمان جديد، لا مجرد قطيعة مع القديم؟ كيف يتأرجح الكائن الإنساني بين خطيئته الأرضية وجوعه الروحي اللامتناهي للتطهر؟كما في نصها مموس تائهة و التي تطرح من خلاله سؤالاً عميقاً حول التطهر الروحي والخلاص بالبحث في ثنائية (المدنس والمقدس)، وكيف يصارع الإنسان عزلته وندمه بحثاً عن السلام الداخلي والارتباط بالقوة الروحية العليا بعيداً عن أحكام المجتمع وصدمات الواقع؟ و هل التوبة تكفي لمحو الخطيئة، أم أن المجتمع يظل يلاحقها؟

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي.

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي

فالشاعرة في هذا النص تتناول صراعاً وجودياً عميقاً من خلال اعترافات تكشف أزمة الوعي والشك في اليقين، كما تكشف عن صراع وجودي عميق بين الخطيئة والوعي، بين الجوع الروحي والقيود الجسدية، وبين زيف الأخلاق وعجز اللغة، منخلال صور بلاغية مكثفة، تجربة الخطيئة والصراع بين الجوع الروحي والقيود الجسدية، إلى جانب نقد زيف الأخلاق الاجتماعية وعجز اللغة، لتنتهي بانتصار الذات عبر الرفض والانعتاق، حيث الابتسامة الأخيرة إعلان حرية داخلية رغم قسوة الواقع فالعنوان يجمع بين متناقضين و يقوم على المفارقة: الجمع بين الخطيئة والخلاص في تركيب واحد،و يخلق توترًا دراميًا منذ البداية، إذ يضع القارئ أمام سؤال: هل الاعتراف بداية خلاص أم استمرار للعار؟ فكلمة مموس كلمة عربية قديمة تعني البغي، وتحمل حمولة ثقيلة من العار والنبذ وهي تضع النص في فضاء الاعتراف والفضيحة، وتكسر التابوهات الاجتماعية والشاعرة من خلال استخدامها لتك الكلمة (مومس) توجه نقدا مباشرا للأخلاق الزائفة التي تجرّم المرأة وتترك المجتمع بلا مساءلة، كلمة تائبة صيغة اسم فاعل مؤنث، تعكس فعلًا مستمرًا لا لحظة عابرة، أي أن التوبة فعل وجودي دائم، و تمنح النص بعدًا روحيًا، كما تفتح بابًا للتأمل في الخلاص، و تكشف عن جدلية الدين والوعي: هل التوبة تكفي لمحو الخطيئة؟ فالعنوان

ازدواجية المجتمع: يدين المرأة باسم الأخلاق لكنه يتغاضى عن خطاياه

جدلية الدين والحرية: هل التوبة فعل فردي أم خضوع لسلطة اجتماعية؟

أزمة الوعي واليقين: هل يمكن أن يتحول العار إلى خلاص؟

فالعنوان في مومس تائبة ليست مجرد عنوان، بل هومفتاح القراءة الذي يحدد طبيعة النص: اعتراف وجودي، نقد اجتماعي، وصراع فلسفي بين الخطيئة والتوبة. إنها عتبة مشحونة بالرموز، تجعل القارئ يدخل النص وهو محاصر بالتوتر بين العار والخلاص، بين الوعي والشك، وبين اللغة والاعتراف.

لقد مر النص بعدة مراحل فالبداية: مأساوية تكشف عن افتراس الزمن للجسد (هذا الليل يأكل من خاصرتي) وهذا هو القدر القاسي والاغتراب إذ يتحول الليل إلى وحش مفترس مع هذه الممومس وتلك حقيقة لا مراء فيها (لا رغيف لي سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح)، وهذا أدى بها إلى الشعور بالمعاناة الداخلية التي تتجاوز الجوع المادى إلى الجوع الروحي وغياب دعم المجتمع، ومن ثم تتصاعد أزمتها لتصبح أزمة وعي (قبيلة من الأسئلة ضلّت طريق اليقين) وهي أزمة يقين وجودية لدى تلك المومس التائبة حيث الشك يهيمن عليها، وعندئذ تشعر بأن المجتمع / الأخلاق يحاصرها ويعيد إنتاج الخطيئة (ذئاب شبيقة تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة) وهي تعيش وحدتها من مجتمع يعيش ماضيها ولا يتضامن معها فهي تعيش غربة في ظلمة الليل ووحدة منتظرة الخلاص (لا رفيق لي، لا أحد يجمع شظايا النجوم)، لأن الخطيئة تطاردها تنهش جسدها وهي قدر اجتماعي مفروض عليها رغم توبتها (الخطيئة المرّة تنهش جسدي، تقدم لي كأسها المعتمة)، لكنها في النهاية استطاعت أن تواجهها (أبتسم لها، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي) وهي لحظة الانعتاق الداخلي رغم استسلامها الظاهري لحظة انتصار الذات عبر الرفض والابتسام .

نعم لقد استطاعت الشاعرة أن توزع حقولها الدلالية عبر مفردات النص ومراحل بنائه وتصاعد توتره الدرامي من الحزن والألم والاعتراف بالخطيئة فتبدأ القصيدة بقولها: (هذا الليل يأكل من خاصرتي كما تأكل النار آخر أوراق الخريف) وهي مرحلة الاعتراف بالجرح أي الذات في مواجهة الخطيئة، وهي لحظة الوعي بالخطيئة قبل التوبة لذا نجد الإيقاع بطيء، والصور مشبعة بالاحتراق والانكسار، مما يهيئ القارئ لدخول منطقة الألم الداخلي، ثم تأتي ذروة التوتر الدرامي في النص عندما تتحول الذات من الاعتراف إلى المواجهة مع المجتمع والقدر واللغة وتتكثف الصراعات بين الذات وهذه الثلاثية (المجتمع – اللغة – القدر):

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي

فالشاعرة هنا تصل بنصها إلى ذروة الصراع والتوتر الدرامي حيث ذروة الألم في مواجهة الوعي فتتقاطع الخطيئة مع أسئلة الشك واليقين، بل إن اللغة ذاتها تصبح ساحة صراع نفسي لدى الذات (لا رغيف، لا رفيق،لا أحد)، ثم تتحول بنية النص / الذات من الانكسار إلى الانعتاق في محاولة للمقاومة (أبتسم لها، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي) فالابتسامة ليست سخرية بل مقاومة للواقع المر رغم الغرق فيتحول الصراع إلى وعي وجودي بالذات / الشاعرة ومن ثم يتحول الايقاع من من اللانكسار والتوتر إلى السكون والانعتاق

 ومن ثم يمكن القول إن مشروع مجيدة محمدي هو مشروع كتابة الحرية، حيث تتحوّل القصيدة إلى مختبر وجودي، وتصبح اللغة أداة لإعادة تشكيل الذات والعالم، إنه مشروع يواجه الزمن والسلطة عبر الشعر، ويحوّل الهزيمة إلى سؤال، والسؤال إلى أفق مفتوح ومشروعها الشعري يقوم على يقوم على جدلية الجسد والروح، والخطيئة والخلاص، والمرأة والسلطة ففي هذه النصوص الثلاث (مومس تائبة – هروب – قديسة مرجومة) تمثّل مراحل متكاملة في مشروعها الشعري من الاعتراف بالخطيئة (مومس تائبة)، إلى الهروب نحو الحرية (هروب)، وصولًا إلى المقاومة والقداسة المهدورة (قديسة مرجومة)، إنها رحلة وجودية وشعرية، تكتب المرأة كذات فاعلة تواجه العالم عبر اللغة، وتحوّل الألم إلى معنى، والقيود إلى أجنحة

فالحقول الدلالية في القصائد الثلاث هي (الجسد – الروح – المرأة –الكتابة – السؤال –السلطة) أولا: الجسد ففي مومس تائبة: وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فالجسد هنا فضاء للذنب والاعتراف، حيث يولد الوعي من الألم وفي نص هروب

 2- كسر الأنماط وتطوير الجماليات الإيقاعية

شهد الإبداع الشعري العربي المعاصر تحولات بنيوية وجذرية قلبت الموازين الجمالية المستقرة، وكان أبرز تجلياتها نشأة وتطور "قصيدة النثر" متمردة على ثنائية الوزن والقافية؛و لم تعد -هذه القصيدة- مجرد خيار أسلوبي بديل، بل أصبحت رؤية وجودية ومعرفية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون واللغة، وفي خضم هذا الحراك الإنساني والجمالي، برزت أصوات شعرية متعددة في المغرب العربي منها الشاعرة مجيدة محمدي، التي استطاعت أن تمنح قصيدة النثر أبعاداً تجديدية مغايرة، ؛ لأنها تنطلق من وعي معرفي مزدوج يجمع بين موهبة المبدعة المتمردة وعين الناقدة الفاحصة. فمن خلال منجزها الشعري، ولا سيما ديوانها البارز "أنا وأخرياتي"، نجحت الشاعرة في تخطي الأنماط التقليدية الجاهزة لقصيدة النثر، مخرجةً إياها من شرنقة البوح العاطفي المباشر أو السرد الوجداني المغلق، إلى آفاق المساءلة الفلسفية والاغتراب الوجودي الكوني، وظهرت قدرة الشاعرة الفائقة على تطويع النص النثري؛ ليصبح مسرحاً لتعدد الذوات وتداخل الهويات، مستعيضة عن الغنائية الرتيبة بهندسة إيقاعية داخلية صارمة تعتمد على التكرار الذكي، والمفارقة، وبلاغة الانزياح، والصورة البصرية الجارحة؛ لأنها كشفت في نصوصها- الشعرية - عن مفهوم جديد للكتابة، بوصفها طاقة تعبيرية حية، وفعل تطهير روحي يعيد ترتيب الفوضى الداخلية للإنسان المعاصر ويتطهر من فائض الصمت.

التكرار الذكي في تجربة مجيدة المحمدي: لقد تجاوز التكرار كونه مجرد أداة بلاغية لتوكيد اللفظ أو الزينة الأسلوبية الزائدة،بل أصبح بنية حركية هندسية تسهم في صياغة معمار النص الشعري وتشكيل هويته الجمالية؛ وخاصة في سياق قصيدة النثر، التي تخلت طواعية عن الأطر الموسيقية الخارجية كالوزن والقافية، و تحول التكرار من صيغته النمطية التكرارية إلى التكرار الذكي، وهو إنتاج واعي للأصوات، أو الكلمات، أو العبارات، أو تراكيب نحوية محددة في مواضع مفصلية من جسد النص، لا بغرض التثبيت الدلالي الساكن، وإنما لتوليد طاقة إيقاعية باطنية بديلة للوزن العروضي، وتعميق الأبعاد الدرامية والفلسفية المتنامية في القصيدة

وعند قراءة إنتاج الشاعرة التونسية مجيدة المحمدي، يتضح لنا أن التكرار الذكي هو عصب المعمار الإيقاعي والدلالي في قصيدتها المعاصرة؛ إذ توظف الشاعرة الإعادة المنظمة كآلية لخلخلة السرد النثري العادي، وتحويل السطر إلى بؤرة شحن درامي تتبدى عبر ثلاثة مستويات تطبيقية رئيسية

التكرار في الاستهلال لخلق الإيقاع

فعندما تغيب التفعيلة الخليلية يصبح التكرار الذكي نقطة ارتكاز نغمية ترتد إليها أذن المتلقي بشكل منتظم لخلق هزة موسيقية داخلية تعوض النقص العروضي، حيث تصبح لازمة شعورية في فواتح القصائد والمقاطع ؛ تعود إليها الروح الشاعرة بشكل دائري،إذن، التكرار المركزي في قصيدئها ليس مجرد تقنية بلاغية، بل هو جوهر النص الذي يحوّل الحرفة اليومية إلى خطاب وجودي، ويجعل منه أرشيفًا للذاكرة، كما في العديد من قصائدها نص القصيدة (سقوط الأسماء) نجدها تنهض على تكرار مركزي يوجّه بنيتها ويمنحها إيقاعًا داخليًا متماسكًا، حيث تتكرر صيغ بعينها لتصبح محورًا دلاليًا لا ينفكّ النص عن الدوران حوله. ففي المطلع تكرار السؤال "ماذا لو": النص يبدأ بسلسلة من الأسئلة الاستفهامية المتكررة ("ماذا لو انسكبت الذاكرة… / ماذا لو صرنا نصحو فجأةً…")، وهذا التكرار يرسّخ حالة القلق الوجودي ويضع القارئ في دائرة من الاحتمالات المفتوحة.

سننسى كيف كانت الأم تضع يدها على جبيننا إذا اشتعلت الحمى،

وسننسى أن ضحكة الأب كانت موسيقى خفيّة،

سننسى كيف كنّا نضحك حين نركض تحت المطر،

سننسى الأخطاء الجميلة التي علمتنا الحياة،

تكرار فعل النسيان: "سننسى… سننسى…" يتكرر في مقاطع متعددة، ليؤكد على مركزية فقدان الذاكرة كجوهر النص وكذلك تكرار الفعل المضارع في قولها

سنفقد طريق العودة إلى الأماكن الصغيرة،

سننسى كيف كنّا نضحك حين نركض تحت المطر،

ولكن، هل سنجني شيئًا؟

ربما سنحبّ الناس بلا ذاكرة سابقة،

سننظر إلى الوجوه كأنها لوحات بلا توقيع،

سنصافح العالم بأيدٍ بيضاء،

سنبدأ القصّة من سطرها الأول،

في قصيدة "سقوط الأسماء" يظهر التكرار المركزي للفعل المضارع بشكل واضح، وهو عنصر أساسي في بناء النص وإيقاعه ؛ليؤكد على الحاضر المستقبلي للنسيان، وكأن فقدان الذاكرة قدر محتوم يتجدد مع كل صورة، كما أن تكرار سنفقد: يُبرز ضياع الروابط الإنسانية والأماكن الصغيرة، مما يعمّق مأساة الانقطاع عن الماضي والفعل سنرى وسنكمل: هذه الأفعال المضارعة تضع القارئ في مشهد مستقبلي متكرر، حيث الحياة تستمر لكن بلا ذاكرة أو جذور.

تكرار سنبدأ: في الخاتمة، يتكرر الفعل ليؤكد على بداية جديدة، لكنها بداية بلا ماضٍ، بلا أسماء، بلا حنين الأفعال المضارعة المتكررة تربط المقاطع المختلفة في شبكة دلالية واحدة

الأفعال المضارعة المتكررة تربط المقاطع المختلفة في شبكة دلالية واحدةالتكرار يخلق مفارقة بين الاستمرار في الحياة (المضارع) وفقدان الذاكرة (المحتوى).

الأفعال المضارعة المتكررة تمنح النص موسيقى داخلية قائمة على الترديد، وتُعطيه طابعًا إنذاريًا، واستخدام المضارع مع السين يجعل النسيان والضياع قدرًا لا مفر منه، يتكرر في المستقبل القريب وهذا التكرار المركزي للفعل المضارع ليس مجرد أسلوب لغوي، بل هو جوهر النص الذي يحوّل فكرة النسيان إلى قدر وجودي يتكرر في كل صورة، ويمنح القصيدة إيقاعًا داخليًا قائمًا على الحتمية والدوار وفي نص لست منهم:

لستُ منهم

أولئك الذين يبيعون صمتهم في مزاد الكلام،لستُ منهم الذين يرتدون وجوهاً مستعارة ليرضوا المارة،لستُ منهم.. ولن أكون

إن عبارة "لستُ منهم" تشكل هنا نقطة الارتكاز النغمية البديلة للوزن. والذكاء الأسلوبي الماثل في النص يكمن في أن هذا التكرار يقود المتلقي في كل مرة إلى فضاء دلالي مغاير ومفاجئ تفرضه طبيعة السياق الجديد؛ ففي المرة الأولى يرتبط التكرار بـ (ابتذال الكلام/الصمت)، وفي المرة الثانية بـ (الزيف الاجتماعي/الوجوه المستعارة)، لينتهي التكرار في المرة الثالثة بقفلة حاسمة وتامة (ولن أكون) هنا تحول التكرار من أداة تأكيد جامدة إلى أداة نمو درامي وموسيقي تمنع النص من السقوط في رتابة الإعادة المجانية التي تبعث على الملل الأسلوبي

ثانياً: التكرار البنيويوهندسة التوازي

يستند التكرار الذكي في بعده الهندسي إلى فكرة "المادة اللاصقة" التي تربط مفاصل القصيدة المفتوحة عبر تقنية التوازي الهندسي، حيث تتناظر الجمل هندسياً وتتوازن بنيوياً، مما يمنع النص النثري من الاسترسال العشوائي، ويحقق له وحدة عضوية متماسكة تلائم قلق الإنسان المعاصر ولا تقف الشاعرة / مجيدة عند تكرار الألفاظ المتطابقة بحروفها، بل تعمد إلى تكرار الجذور اللغوية والاشتقاقات البنيوية المتوازية داخل المقطع الواحد، مما يخلق تآلفاً جرسياً خفياً يعوض غياب القافية، كما نلحظ في نصها أنا لا أكتب حسب الطلب

أنا لا أكتب حسب الطلب،

ولا أعبّئ المعاني في علبٍ أنيقةٍ بمقاسات السوق،

ولا أطبع القصيدة كأنها قميصٌ صُنع ليُرضي ذوق الزبائن المترددين،

أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق،

ولا أعترف بالمواد الحافظة في نصوصي،

أنا لا أكتب حسب رغبتكم في نسيان ما لا ينسى،

أنا لا أكتب كي أريحكم،

بل لأقلب وسائدكم قبل النوم،

أنا لا أبيع الحروف،

ولا أملك دكاناً في سوق البلاغة،

أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم،

أنا أكتب لأن الكلمات تطالبني بالعدالة،

أنا أكتب كي لا يموت الصدق اختناقاً

.......................

فمن سيكتبني كما أنا؟

…من سيكتبني كما أنا؟

يبرز التكرار هنا في صورته البنيوية الهندسية الخفية؛ فالشاعرة تكرر البنية الصرفية والنحوية للجمل هذا التكرار التركيبي المتوازي، فالجمل المنفية للفعل أكتب (9) مرات

أنا لا أكتب حسب الطلب

أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق

أنا لا أكتب حسب رغبتكم في نسيان ما لا ينسى

أنا لا أكتب كي أريحكم

أنا لا أكتب كي أكون صالحة للنشر

أنا لا أكتب كي أكون على مقاس قلقكم

أنا لا أكتب لإرضاء اللجنة

أنا لا أكتب كي تصفقوا لي

أنا لا أكتب حسب الطلب (تكرار ختامي)

في حين أن الفعل المثبت لفعل "أكتب" المثبت

أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم

أنا أكتب لأن الكلمات تطالبني بالعدالة

أنا أكتب كي لا يموت الصدق اختناقاً

أنا أكتب كما تصرخ الأرض حين تلد زلزالها

أنا أكتب حسب قناعاتي

أنا أكتب بمبادئي

أنا أكتب لأنني لا أعرف أن أكون غير ذلك

وهذا التوازي بين النفي والإثبات يصنع هندسة لغوية متوازنة، حيث النفي يرسّخ موقفًا احتجاجيًا، والإثبات يعلن هوية وجودية للشاعرة، كما يولد نغماً داخلياً متوازناً يشع ببطء في أذن القارئ. والذكاء الأسلوبي للتجربة يكمن في ربط هذا التكرار الهندسي بتراسل الحواس وأنسنة اللغة؛ فالأحرف والنقاط والعلامات تكررت بنيوياً لتخدم فكرة نامية تتطور تدريجيًا من الرفض إلى الاعتراف، ومن النفي إلى الإثبات، في حركة تصاعدية تشبه نمو الكائن الحي أو بناء معماري يتدرج من الأساس إلى القمة

مرحلة الرفض: تبدأ الفكرة بالنفي المتكرر: أنا لا أكتب حسب الطلب"، "أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق هذه المرحلة تؤسس موقفًا احتجاجيًا ضد السوق، الرقابة، والتزييف.

مرحلة المقاومة: تتوسع الفكرة لتشمل رفض تحويل الشعر إلى سلعة: "ولا أطبع القصيدة كأنها قميص"، "ولا أبيع الحروف" هنا يظهر البعد الأخلاقي والوجودي في الكتابة.

مرحلة الاعتراف: تتحول الفكرة من النفي إلى الإثبات: "أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم، بل لأن الكلمات تطالبني بالعدالة الكتابة تصبح فعلًا وجوديًا لا خيار فيه، بل ضرورة داخلية

مرحلة الانفجار الشعوري:

الفكرة تبلغ ذروتها في الصور الحسية: "كما تصرخ الأرض حين تلد زلزالها"، "كما تنفجر حبة رمان في وجه السكين هنا تتحول الكتابة إلى صرخة كونية، لا مجرد موقف شخصي مرحلة الهوية: تنتهي الفكرة بإعلان الهوية: "أنا أكتب لأنني لا أعرف أن أكون غير ذلك

الفكرة النامية تصل إلى اكتمالها: الكتابة ليست خيارًا، بل قدرًا وجوديًا.

ثالثاً: التكرار الدائري الوجودي (تكرار المفارقة)

البُعد الدلالي المتنامي في التكرار يشير إلى أن الكلمة أو العبارة المُكررة تشبه "الكائن الحي"؛ إذ تكتسب في كل مواجهة ظلالاً دلالية جديدة وشحنات شعورية مغايرة تفرضها طبيعة السياق المعرفي والنقدي الذي سِيقَت فيه (فضل، 1998، ص 88). وتستخدم المحمدي هذا التكرار الدائري لتجسيد الأزمات الوجودية الكبرى كالموت، والزمن، والانتظار، حيث تأتي بالعبارة وتكررها لاحقاً لتقلب دلالتها عبر مفارقة صادمة تدهش القارئ، كما في قولها:

"نحنُ نموتُ ببطء..لا لأننا نكبر، بل لأن مياهنا الداخلية تكفُّ عن الجريان،ولأننا نموت ببطء.. حين تضيق الرؤية وراء المرايا الواسعة."

تكرار جملة "نموت ببطء" في هذا المقطع يمثل ذروة التكرار الدرامي والذكي الذي تتقاطع فيه النظرية بالتطبيق. ففي المرة الأولى، تطرح الشاعرة العبارة ليذهب ذهن المتلقي تلقائياً إلى الموت الفيزيائي أو الجسدي المعتاد تحت تأثير عامل الزمن، لكن عند تكرارها في المرة الثانية، تنزاح بها الشاعرة انزياحاً عميقاً لتربطها بالموت المعرفي والفلسفي (ضيق الرؤية/الزيف). إن إعادة إنتاج العبارة ذاتها بسياقين مختلفين يمنح قصيدة النثر عندها طاقة تعبيرية حركية ترفض الركود، وتجعل من التكرار وسيلة لتفكيك وعي القارئ وإعادة صياغته.

تثبت مجيدة المحمدي من خلال هذا التوظيف الأسلوبي المدمج أن التكرار في قصيدة النثر معيار نضج أدبي؛ فقد استطاعت عبر التكرار الاستهلالي، والموازاة البنيوية، والتدوير الدرامي، أن تبني إيقاعاً باطناً مفارقاً يزاوج بين عذوبة الصوت وعمق الفلسفة الميتافيزيقية، محققة لقصيدتها مشروعية جمالية متميزة في فضاء الشعر العربي الحديث.

3- الاغتراب عند الشاعرة مجيدة محمدي

قد يكون مفهوم "الاغتراب" من أكثر المفاهيم تنوعاً وتداولاً في الكتابات التي تعالج أزمة الإنسان المعاصر، وعلى الرغم من هذا التنوع والتداول، فإن هذا المفهوم لم يأخذ معنى محدداً مستقراً إلى الآن وخصوصاً في الدراسات الأدبية والنقدية؛ فمن المعروف أن مفهوم الاغتراب بدأ فلسفياً، فقد تناوله كثير من الفلاسفة والمفكرين ثم دخل إلى حيز الدراسات الاجتماعية والنفسية، ويُعَدّ دخول المصطلح إلى حيز الدراسات الأدبية أمراً حديثاً نسبياً ودخوله إلى حيز الدراسات في النقد العربي الحديث هو أمر أكثر حداثة

فالاغتراب في الأصل ظاهرة انسانية فلسفية وجودية اعتنى بها كثير من الفلاسفة المعروفين،و ودخول الاغتراب للدراسات النقدية يعد حديثا وهاما لأن المبدع عموما عرضة للاغتراب نظرا لحساسيته المفرطة ولوعيه الحاد ورفضه لما يدور حوله من أزمات انسانية وجودية نتيجة للحروب والدمار والفناء الذي يهدد الوجود الإنساني والتكنولوجيا التي تهدد إنسانيته ومن ثم فالمبدع أصلا انسان مغترب لانه يري ويسمع ويشعر أكثر مما يجب كما يقول كولن ولسن في كتابه اللامنتمي.

يُمثل الاغتراب (Alienation) في المنجز الشعري للشاعرة التونسية مجيدة محمدي أحد المرتكزات الفلسفية والوجودية الجوهرية التي تنهض عليها قصيدتها. فالاغتراب في نصوصها ليس مجرد حالة عاطفية عابرة أو بكاء على الأطلال، بل هو أداة نقدية ورؤية للعالم تعكس تصدع العلاقة بين الذات الشاعرة من جهة، والواقع واللغة والمجتمع من جهة أخرى.

* الاغتراب الوجودي والمكاني لاغتراب

الوجودي هو حالة شعورية وفكرية يعيش فيها الإنسان إحساسًا عميقًا بالانفصال: عن ذاته، وعن الآخرين، وعن العالم من حوله. إنه شعور بأن الوجود فقد معناه، وأن الإنسان غريب داخل حياته نفسها، كأنه يعيش في عالم لا ينتمي إليه

لا يقتصر الاغتراب الوجودي على العزلة الاجتماعية، بل يتجاوزها إلى اغتراب داخلي؛ حيث يشعر الفرد أن أفكاره وأفعاله لا تعبّر عنه حقًا، وأنه مجرّد كائن يؤدي أدوارًا مفروضة عليه. وهنا يصبح الإنسان حاضرًا جسديًا، لكنه غائب روحيًا ومعنويًا. (برودة الرصيف والغربة في المدن)و يتجلى الاغتراب المكاني لدى مجيدة محمدي من خلال تصوير "المدينة" أو "الشارع" كفضاء بارد وموحش لا يحقق الأمان الروحي. في نصها "باردةٌ جدًّا خطى الأسفلت"، يبرز الرصيف والزقاق المهجور كرموز للغربة الوجودية:"باردةٌ جدًّا خطى الأسفلت، كأنها تُخبرُ المارين أنّ الليل ليس سوى وشاحٍ من البرد والصمت... عيناه تبحثان عن وجهٍ غريب، عن دفءٍ غائب".هنا يتحول المكان إلى فضاء غريب يعمق عزلة الذات، وتتحول الحركة (السير) إلى رحلة بلا وجهة محددة، محملة بـ "ذاكرة مكتظة بالوجوه التي غادرت"

كما أكثر يتجلى الاغتراب الوجودي في شعرها من خلال فقدان الطمأنينة، والوقوف الدائم على حافة التساؤل والبحث عن المعنى المفقود. الوجود كاحتمال للهاوية: في نصها الاستثنائي "نص بلا خاتمة"، تصيغ الشاعرة رؤيتها الوجودية المغتربة قائلة: "أن يولد المعنى أعزل من يقينه، ويمشي على حافة السؤال.. فكل باب هو احتمال هاوية أو احتمال سماء". تعبر هنا عن حتمية القلق البشري وغياب النهايات الجاهزة أو الثوابت الروحية قائلة:

ويشاءُ أنْ

تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،

أن يولدَ المعنى أعزلَ

من يقينِه،

ويشاءُ أنْ

يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،

أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،

ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،

فكلُّ بابٍ

هو احتمالُ هاوية

أو احتمالُ سماء.

ويشاءُ أنْ

نُخطئ الطريقَ بوعيٍ كامل،

لأنّ الخرائطَ

تكذبُ حين تدّعي

أنّ النهايةَ معروفة

ويشاءُ أنْ

نصادقَ الهشاشة،

أن نعترفَ

أنّنا لم نُخلقْ مكتملين،

بل قابلين للتصدّع،

ويشاءُ أنْ

تتركَ الحياةَ

مسوّدةً مفتوحة،

نصًّا بلا خاتمة

* اغتراب الوعي واقتلاع اليقين

ففي نصها حكمة جدي تقول:

تعلَّمْ، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحثِ،

أنَّ السؤالَ لا ينبتُ مصادفةً، كنباتٍ طفيليٍّ،

بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتينِ الحيرةِ…

إنْ تأمَّلتَهُ، ليس واحدًا كما يبدو،

بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّةٍ.

بعضُهُ مُرٌّ

كجذرٍ اقتُلِعَ من تربةِ اليقينِ،

يتركُ في الفمِ طعمَ الشكِّ

ويوقظُ في الروحِ عطشَ المعرفةِ.

فاحذرْ، أيُّها السائرُ في طرقِ المعنى،

أن ترميَ سؤالًا

كحجرٍ أعمى في بئرِ الكلامِ

اصقلْهُ أولًا

كما يُصقَلُ الضوءُ في عينِ الفجرِ،

وزِنْهُ

كما يزنُ الصائغُ ذهبَ الحكمةِ.

فالسؤالُ الدقيقُ

هو المفتاحُ الوحيدُ

الذي يعرفُ كيف يوقظُ الأبوابَ.

أمّا السؤالُ المرتبكُ

فليس سوى ضبابٍ

يمرُّ على المعنى

دون أن يراهُ

والشاعرة هنا تصف الفكر والوعي بأنه "مُرٌّ كجذرٍ اقتُلِعَ من تربةِ اليقينِ، يتركُ في الفمِ طعمَ الشكِّ ويوقظُ في الروحِ عطشَ المعرفةِ". هذا الانتزاع يمثل قمة الاغتراب الوجودي؛ حيث تصبح المعرفة والوعي عبئًا يُقلق الكينونة ولا يريحها

* الاغتراب المكاني (فضاءات الغياب والألفة الكاذبة)

المكان في شعر مجيدة محمدي ليس مجرد حيز جغرافي صامت، بل يتحول إلى مرآة تعكس العزلة الداخلية، حتى تصبح فضاءات الألفة مصدراً للاغتراب ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" تقول: لستُ أذكر متى أصبحتُ فارغًا.

وأنا أجمع الغياب كما يجمع البحر أمواجه المتكسرة

مرَّ عليَّ عاشق، وترك على خشبي رعشة يدٍ أحجمت عن العناق في اللحظة الأخيرة

وجلس عليَّ شاعر، ونسي بيتًا كاملًا بين مسمارين، فصرتُ أردده للغبار كلما دخلت الشمس من النافذة

وأتتني امرأة تخفي دمعها خلف ابتسامة مهذبة، وتبكي أيامها المهدورة. وحين نهضت، بقي الحزن جالسًا، ورحلت هي

أنا الوحيد الذي يعرف أوزان الأرواح، فالأجساد متشابهة، أما الخيبات، فلكل واحدة منها وزنها الخاص.

فالأشياء تفقد وظيفتها المكانية: تلجأ الشاعرة إلى أنسنة الجمادات داخل المكان لتعبر عن غربتها؛ ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" يصبح الكرسي والمنزل فضاءً لجمع "الغياب" بعد رحيل الآخرين. تقول على لسان الكرسي: "ومُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ". تكتسب الجمادات في مكانها المحدود وعيًا بالوحشة يفوق وعي البشر.

فالأشياء في الشعر لا تبقى أشياء، بل تتحول إلى كائنات تنبض بالوعي والشاعرة مجيدة محمدي في نصها “مذكرات كرسي فارغ” تمنح الكرسي صوتا، لكنه ليس صوت جماد يتكلم، بل صوت الإنسان حين يعجز عن الاعتراف ومن ثم تكمن خصوصية النص؛ إذ لا يتخذ الكرسي رمزًا زخرفيًا، وإنما يجعله مستودعًا للذاكرة الإنسانية، ومرآةً تعكس هشاشة البشر

وهنا تلجأ الشاعرة إلى أنسنة الجمادات داخل المكان لتعبر عن غربتها؛ ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" يصبح الكرسي والمنزل فضاءً لجمع "الغياب" بعد رحيل الآخرين. تقول على لسان الكرسي: "ومُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ". تكتسب الجمادات في مكانها المحدود وعيًا بالوحشة يفوق وعي البشر.

* التداخل بين الوجودي والمكاني (قلق الأدوات)

تدمج الشاعرة بين اغتراب ذاتها الوجودي واغتراب أدواتها داخل الفضاء الأدبي. يظهر ذلك بوضوح في قصيدة "حتى أنتَ، يا قلمي..."، عندما تكتشف غربة القلم الذي يشاركها المكان والورق فتسأله: "أأنتَ الذي كنتَ تتيم يدي؟ أم أنكَ كنتَ غريبًا يلبسُ هيئةَ الألفة؟". هذا التساؤل يعري زيف العلاقات والأشياء المحيطة بالذات، مؤكداً أن الاغتراب يبدأ من نقطة التماس الأولى مع الذات وأدواتها وهي تقول:

أيها العارفُ بأسرارِ الورق،

الساكنُ في جُبَّةِ المعاني،

الحافي على سطورِ التنهيدة،

لماذا انحنيتَ فجأةً،

كأنكَ هويتَ مع أولِ رعشةِ خذلان؟

أأنتَ الذي كنتَ تتيم يدي؟

أم أنكَ كنتَ غريبًا يلبسُ هيئةَ الألفة؟

ألم نكن نتواطأ معًا على العتمة؟

ألم أرسم بكَ اقواس النسيانِ فوقَ الجراح،

وأعلِّقُ على سنِّك الهزيلِ دُموعَ المدنِ الميتة؟

لماذا إذن

حين استوحشتُ الدربَ من صمتِهم،

حين اختنقَ الحرفُ في صدري كصرخةٍ مشنوقة،

تراجعتَ؟

تلعثمتَ؟

بل، ارتعدتَ كطفلٍ رأى أباه يبكي؟

حتى أنتَ...؟

يا من كنتَ آخِرَ أعمدةِ المعنى،

سحُ بصماتِه عن جريمةٍ مخفية

حتى أنتَ؟

حتى أنت، يا قلمي،

خُنتَني مثلهم؟

سأكسرُك

لا، بل سأدفنكَ في دفتري الأخير،

وأكتبُ فوق قبرِك بالحرفِ الدامي،

"هنا يرقدُ القلمُ الذي خان الحُرقة،

حين أرادت أن تصيرَ قصيدة

4- التناص المضاد / أسطرة الواقع

يعد مصطلح التناص من أكثر المصطلحات انتشارا في الدراسات النقدية، الغربية والعربية على حد السواء، وهو ترجمة للمصطلح الفرنسي الذي ظهر على يد جوليا كريستيفا، بين سنتي،1966،1967 والذي حمل مفهوم التقاطع بين عدة نصوص في نص واحد، ومن ذلك الحين شهد المصطلح انتشارا واسعا، حيث أخذ معان عديدة، تختلف من ناقد لآخر، ومن اتجاه لآخر، كل حسب التصور والمرجعية المعرفية والفكرية المنطلقة منها، وسيتم التطرق على سبيل المثال لا الحصر لبعض من تعرضوا لهذا المصطلح، وقدموا له دلالات خاصة

فالتناص هوتفكيك ثم إعادة بناء لنصوص سابقة من أجل إنتاجها في سياق نص جديد إبداعي، يحمل جينات النصوص المستوحى منها ولكن له ملامحه المميزة والمختلفة عن والديه. وهو حلول نص في جسد نص آخر وامتصاصه له، من أجل إحياء النص السابق في النص الجديد، وعلى المتلقي أن يستنبط ويستخرج إشارات التناص (الثقافية) عن طريق

والشاعرة التونسية مجيدة محمدي لا تكتفي بممارسة التناص بوصفه استدعاءً للنص الغائب، بل ترتقي به إلى مرتبة "التناص المضاد"، وهو استدعاءٌ يقوم على قلب الدلالة الأصلية للنص المتناص معه، وتفكيكه، وإعادة بنائه بما يخدم مشروعاً جمالياً وفكرياً قائماً على مقاومة الخطاب الذكوري المهيمن،مستخدمة العديد من آليات التناص منها التناص المضاد/ المقلوب (تناص التخالف/ النفي): هو مصطلح نقدي وأدبي يُقصد به العلاقة الصراعية أو المعارضة بين النص الحاضر (الجديد) والنص الغائب (المرجعي أو التراثي)، والشاعر يهدف هنا إلى مطابقة المعنى القديم أو التألف معه، بل يقوم بتحويره، أو قلبه، أو نقض دلالاته السابقة، لتوليد دلالة جديدة تعارض الفكرة التاريخية أو الثقافية السائدة؛ أي

استدعاء الشاعر لنص سابق ومعارضته فكرياً أو قلب معانيه تماماً لإنتاج دلالة جديدة، من خلال سعيه إلى تفكيكه، أو السخرية منه، أو التمرد على سلطته المعرفية والتاريخية.

يُعدّ حضور التناصّ المضاد في شعر مجيدة محمدي علامة فارقة في المشهد الشعري العربي الحديث، إذ لا تتعامل مع الموروث بوصفه نصًا مغلقًا أو تراثًا جامدًا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل وفق مقتضيات العصر. فهي لا تهدم الرموز الدينية أو الصوفية أو الأسطورية، بل تُعيد أسطرتها في ضوء رؤيتها الوجودية، لتصبح القصيدة فضاءً لإعادة إنتاج المعنى لا لتكراره، إنها تُمارس فعلًا شعريًا يقوم على قلب الدلالات،لذا تُعيد الشاعرة صياغة الأسطورة والرمز لا لتقويضهما، بل لتوظيفهما في كشف هشاشة الإنسان المعاصر، الذي يعيش بين إرثٍ ثقيل وواقعٍ متشظٍ، ومن ثم تفتح حوارية جديدة مع التراث، حيث لا يكون الشعر مجرد امتثال للموروث، بل مواجهة نقدية تُعيد بناءه في سياق فلسفي وجمالي يواكب تحولات العصر. وهكذا، يصبح التناصّ المضاد عند مجيدة محمدي أداة لإعادة أسطرة الواقع، أي تحويل التجربة اليومية الممزّقة إلى نصّ شعري ينهض بالرموز القديمة في ثوب جديد، يعبّر عن قلق الإنسان وأسئلته المفتوحة وفي هذا النص (لا تطمعوا في انكساري) تُعيد أسطرة الواقع عبر قلب الدلالات التراثية واالدينية، لتجعل من الصمت والنجاة والجذر والأرض رموزًا أسطورية جديدة. إنها لا تهدم الموروث، بل تُعيد بناءه بما يتناسب مع مقتضيات عصرها، لتعلن أن الذات ليست بقايا ما سقط، بل ابنة ما نجاوهي تقول:

لا تطمعوا في انكساري لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،

وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.

التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي،

فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،

وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.

أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،

وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.

فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،

أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.

قَدْ أَصْمُتُ،

وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا،

إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.

وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،

لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.

فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي،

فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،

فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ

أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.

وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،

فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ،

رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،

الشاهدة على سقوطكم.

أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،

فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،

وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.

أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،

وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.

فالشاعرة منذ العنوان لا تحكي قصة انكسارها بل تعلن نهاية الانكسار فترفض الانكسار والانحناء كهوية وجودية للمرأة قائلة (لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ، وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي) محاولة إعادة بناء الذاكرة الجمعية للأمة في أسطوتها الجديدة التي تقوم على الكرامةوالصمود لذا فهي ليست (أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا، وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ) وهنا تستدعي الشاعرة أسطورة الشجرة رمز الخلود والرسوخ فذاتها جذر عميق لا يقتلع ولم تعد الشجرة التي تنحني أمام الطبيعة أو تؤثر الانحناء من أجل العيش أو الحياة بل هنا تستدعي قول الله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) سورة إبراهيم (24) ومن ثم هي ثابتة الجذور والفروع مهما كانت قوة الرياح والأعاصير، إنها صامدة ثابتة صامتة وصمتها قوة وليس علامة للضعف والخضوع فهي القديسة مريم (قَدْ أَصْمُتُ، وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا) مستدعية للواقع قوة الصمت التي اتخذتها السيدة مريم في وجه كهنة المعبد قائلة (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) سورة مريم (26) فالصمت هنا قوة وليس ضعفا أو إقرارا بالهزيمة بل قوة وجودية قادرة على تجاوز الواقع اليومي واللغة الحياتية وهي أسطورية الوجود كلما تحطمت (فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ، أَكْثَرَ صَلَابَةً) إنها العنقاء خرجت من بين الركام قوية بل هي طائر الفينق الذي يولد من رماد احتراقه ويخرج من بين الركام فهي رغم الضربات والمعاناة والظروف التي مرت بها كانت كفيلة بتحويلها إلى "ركام"، لكن النتيجة جاءت عكسية؛ حيث تحول الحطام إلى مصنع للصلابة والأصالة الوجودية ("فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ أَكْثَرَ صَلَابَةً") وعندما تفاجئ الجميع قائلة لمن يطمعون في انكسارها قائلة لهم (رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ، الشاهدة على سقوطكم) فالأرض رمز الثبات والخلود أصبحت شاهدة على سقوطكم فالأرض شاهدة على مصائر البشر كما قال الشاعر العربي القديم(خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْـ أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ) فهي هنا تؤسطر كونية الأرض وشهادتها على سقوط من يطمعون في المرأة ويصل النص إلى ذروته الدرماتيكية عندما

تختتم الشاعرة النص برفض قاطع لأن يتحول ضعفها إلى حكاية يتداولها الآخرون (فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا، وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا). الكاتبة هي المالكة الوحيدة لدفتر حياتها وها هي تعلن عن ولادتها الجديدة فهي (أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا، وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ)مجسدة

التتويج النهائي للهوية الثائرة: "أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا، وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ". هنا قطع تام مع الماضي المنكسر، وتأكيد على أن الهوية تُبنى على "فعل النجاة" والانتصار، لا على بقايا الهزائم، فالنجاة فعل صلابة وصمود ومن ثم تصبح النجاة أسطرة كهوية وجودية تتجاوز حدود الفرد إلى رمز كوني ولم تعد شهر زاد / الشاعرة / المرأة تحكي لشهريار كي تعيش لذا فالشاعرة تعيد بناء الأسطورة متناسبة مع مقتضيات الواقع الجديد فهي تحكي من موقع الصمود والتمرد لا موقع الانحناء والخذلان .

فهي تخلق قانونها فكل ضعف في القديم تحول لقوة في القانون الجديد الطرق ← الإغلاق الانحناء ← التجذر، الصمت ← قوةوهي صاحبة السرد والحكي ليس غيرها قائلة: رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،

فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ،

رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،

الشاهدة على سقوطكم أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،

فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،

وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا

فالشاعرة لا تتعامل مع التراث بوصفه نصًا مغلقًا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل. فهي لا تهدم الرموز الدينية أو الصوفية أو الأسطورية، بل تُعيد صياغتها بما يتناسب مع قلق العصر من خلال قلب الدلالات؛ فالصمت يتحوّل من ضعف إلى قوة، الميل من خضوع إلى وعي، النجاة من استسلام إلى صلابة، والحكمة من يقين إلى شكّ وجودي وأسطرة الواقع ؛ فالتجربة اليومية تُرفع إلى مستوى أسطوري، فتصبح الذات جذرًا كونيًا، أو عنقاء تنهض من الحطام، أو أرضًا شاهدة على سقوط الآخرين والمفارقة والصدمة الشعورية تكسر أفق توقع القارئ، وتجعل النص فضاءً لإعادة إنتاج المعنى لا لتكراره

فالتناصّ المضاد عند مجيدة محمدي ليس مجرد تقنية بلاغية، بل هو مشروع شعري وفلسفي يواجه الموروث ليعيد بناءه في ضوء تجربة الإنسان المعاصر. إنه يفتح النص على حوارية جديدة مع التراث، حيث تتحوّل الرموز القديمة إلى أدوات لكشف هشاشة الواقع، وتصبح القصيدة فعلًا وجوديًا يعلن أن الذات ليست بقايا ما سقط، بل ابنة ما نجا.

***

الاستاذ: محمد مكادي - مصر 

..........................

المراجع:

1- محمود أمين العالم (أزمة الشعر وأزمة الحضارة) مجلة إبداع مجلة ابداع مارس 1991 مارس السنة التاسعة، ص22

2- حلمي سالم، فصول، مج1، ع 16 -1997ص322 (ا، 16

3- أنسي الحاج، لن، دار الجديد، ط2، بيروت، 1990، ص 32.

4- خالدة سعيد، حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، دار الفكر، ط2، بيروت، 1990، ص: 92

فضل، صلاح (1998). شفرات النص: دراسات سيميولوجية في الشعريّة العربية. دار الفكر العربي، القاهرة، ص 88.

الرباعي، عبد القادر (2003). "جماليات الإيقاع في قصيدة النثر". مجلة أبحاث اليرموك (سلسلة الآداب واللغويات)، جامعة اليرموك، المجلد 21، العدد 2، ص ص 14-30.

الوادي، علي توفيق (2014). "بنية الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر العربية المعاصرة". مجلة جامعة دمشق للعلوم الإنسانية، المجلد 30، العدد 1، ص ص 45-72.

قراءة نقدية في رواية عمرو عبد الحميد

مقدمة: تقدم رواية «مينتو» لعمرو عبد الحميد تصورًا لعالم يتحول فيه الجسد من كونه ملكية ثابتة للإنسان إلى كيان قابل للاستئجار والتداول وفق شروط محددة، لتطرح الرواية من خلال هذه الفكرة أسئلة عميقة حول العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين الوعي والهوية، وبين الحرية والاختيار. ولا تكتفي الرواية بتوظيف التكنولوجيا في إطار الخيال العلمي، بل تجعلها وسيلة لإعادة التفكير في معنى الإنسان ذاته، إذ يصبح الجسد مساحة للصراع حول الذات والقرار والوجود.

وتتجلى خطورة هذا التحول في إمكانية أن يجد الإنسان نفسه خاضعًا لنتائج اختيار سابق لم يعد قادرًا على التحكم في تبعاته، فتنتقل الرواية من التساؤل حول ملكية الجسد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمدى امتلاك الإنسان لذاته. فإذا أمكن فصل الجسد عن صاحبه، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت الهوية تستند إلى الجسد أم إلى الوعي والذاكرة، وإذا أصبح الجسد موضوعًا للتعاقد، فإن ذلك يقود إلى التساؤل عما إذا كانت الحرية ذاتها يمكن أن تصبح قابلة للتنازل.

ومن ثم، تتجاوز «مينتو» حدود الخيال الروائي لتطرح أزمة تمس الإنسان المعاصر، مؤكدة أن التطور التكنولوجي لا يقتصر تأثيره على تغيير أدوات الحياة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل تصور الإنسان عن ذاته وهويته وحدود حريته وملكيته لجسده.

أولا: تكنولوجيا الجسد وتحول الإنسان إلى موضوع للتداول

تقوم الفكرة المركزية في «مينتو» على تصور يصبح فيه الجسد البشري قابلًا للاستئجار وفق شروط واتفاقات مسبقة، مما يحوله من مساحة خاصة للوجود إلى كيان يمكن إدخاله في علاقات تعاقدية. ويجد الإنسان نفسه أمام إمكانية انفصال جسده عن إرادته، فتتحول الملكية الشخصية من أمر بديهي إلى علاقة تحكمها الشروط والاتفاقات. وتظهر التكنولوجيا بوصفها الوسيط الذي يسمح بتحويل ما هو شخصي وحميم إلى شيء قابل للتبادل، بل وإعادة تعريف الجسد باعتباره موردًا يمكن استثماره. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا حول حدود ما يمكن أن يخضع للملكية والتعاقد، وما إذا كان تحويل الجسد إلى سلعة يؤدي بالضرورة إلى تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة. كما تفتح فكرة استئجار الجسد مجالًا لفحص علاقة التكنولوجيا بالسلطة والاقتصاد والسيطرة على الإنسان.

وتكشف الرواية عن مفارقة أساسية تتمثل في أن التكنولوجيا التي تبدو وسيلة لتوسيع الخيارات قد تتحول إلى وسيلة لتقييد الإنسان، فكلما اتسعت قدرته على استخدام جسده بطرق جديدة، اتسعت إمكانية إخضاعه لأنظمة وشروط تتجاوز إرادته المباشرة. لذلك تظهر التكنولوجيا بوصفها قوة مزدوجة لا يمكن الحكم عليها باعتبارها خيرًا أو شرًا في ذاتها، إذ تتحدد قيمتها الأخلاقية وفق طريقة استخدامها والعلاقات التي تنتجها بين الأفراد. وفي «مينتو» لا تمثل التكنولوجيا مجرد خلفية للأحداث، بل تصبح جزءًا من بنية العالم، فتعيد تنظيم العلاقة بين الفرد وجسده، وبين الفرد والآخر، وبين الإنسان والنظام الذي يحكم حياته. وبذلك تنتقل من كونها أداة خارجية إلى قوة تؤثر في تعريف الذات نفسها، إذ لا يكتفي الإنسان باستخدام التقنية، وإنما يصبح معرضًا لأن تعيد التقنية تشكيل شروط وجوده. ومن هنا تتجاوز الرواية السؤال عن إمكان التكنولوجيا إلى السؤال عن نتائج استخدامها على الكرامة الإنسانية.

وتكشف فكرة الجسد المستأجر كذلك عن إمكانية تحوله إلى مساحة للصراع بين إرادات متعددة، فعندما يصبح الجسد قابلًا للاستئجار، لا يعود الشخص وحده صاحب القرار فيما يحدث داخله أو من خلاله. ويؤدي الانفصال بين الجسد والإرادة إلى زعزعة إحدى أكثر المسلمات رسوخًا في التجربة الإنسانية، وهي تعامل الإنسان مع جسده بوصفه الامتداد الأكثر مباشرة لذاته وخصوصيته. أما في عالم «مينتو»، فتصبح هذه العلاقة قابلة للتفاوض والتعاقد وإعادة التوزيع، ويظهر الجسد باعتباره مجالًا يمكن للسلطة أن تمارس من خلاله تأثيرها على الفرد. ولا تقوم السيطرة هنا بالضرورة على القوة المباشرة، بل يمكن أن تمر عبر الرضا والموافقة والشروط، وهو ما يجعل الرواية أكثر تعقيدًا؛ لأن الخضوع قد لا يأتي في صورة إجبار واضح، بل يبدأ من قرار يظنه الإنسان حرًا. ومن ثم تطرح الرواية سؤالًا حول طبيعة الحرية عندما يكون الإنسان هو من يوافق على شروط ستقيده لاحقًا، ليصبح الجسد نقطة التقاء بين التكنولوجيا والعقد والسلطة والإرادة الفردية.

ولا تقتصر دلالة تكنولوجيا الجسد في «مينتو» على المستقبل المتخيل، وإنما تمتد إلى واقع معاصر تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على اختراق خصوصية الإنسان. فقد أصبح الجسد حاضرًا في منظومات رقمية وطبية واستهلاكية واسعة تتعامل معه بوصفه مصدرًا للبيانات والمعلومات، مما يجعل الرواية قابلة للقراءة بوصفها تنبيهًا إلى مستقبل محتمل يتحول فيه الجسد إلى مورد تقني. وكلما ازدادت قدرة الأنظمة على جمع المعلومات عن الإنسان، ازدادت أهمية السؤال عن حدود السيطرة على جسده وحياته. وتستثمر الرواية الخيال العلمي لتضخيم هذه الإمكانية ووضعها في صورة أكثر حدة ووضوحًا، فلا تصبح التكنولوجيا عنصرًا غرائبيًا فحسب، بل أداة تكشف اتجاهات كامنة في الواقع. وتكمن القيمة النقدية في جعل القارئ يعيد النظر في الأشياء التي تبدو طبيعية في حياته اليومية، لأن ما يبدو خدمة أو اتفاقًا أو خيارًا تقنيًا قد يحمل مستقبلًا آثارًا أعمق على استقلال الإنسان. ومن خلال الجسد تكشف الرواية قدرة التكنولوجيا على إعادة صياغة الحدود بين الخاص والعام، وبين الإنسان والشيء، ليصبح «مينتو» تأملًا في مستقبل قد تتغير فيه طبيعة العلاقة بين الإنسان وجسده.

ثانيا: أزمة الهوية بين الجسد والوعي

تضع «مينتو» مفهوم الهوية أمام اختبار جذري من خلال جعل الجسد قابلًا للانفصال عن صاحبه، بعدما كانت الهوية في التجربة اليومية مرتبطة بالجسد والوجه والصوت والحضور المادي. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا حول ما يجعل الإنسان هو نفسه رغم تغير جسده: أهي الذاكرة، أم الوعي الذي يمنحه الشعور باستمرار وجوده، أم أن الجسد عنصر أساسي في تشكيل الهوية؟ ولا تقدم الرواية هذه الأسئلة باعتبارها مسائل نظرية مجردة، بل تجعلها جزءًا من الأزمة التي يعيشها الإنسان داخل العالم الروائي، فتحول أزمة الجسد إلى أزمة في تعريف الذات. فإذا فقد الإنسان يقينه بأن الجسد الذي يعيش فيه هو جسده، فقد معه أحد أهم مصادر يقينه بذاته. وتكشف الرواية أن الهوية ليست حقيقة بسيطة يمكن اختزالها في عنصر واحد، بل تتكون من شبكة معقدة من الذاكرة والجسد والتجارب والعلاقات والوعي بالذات، بحيث يؤدي اهتزاز أحد هذه العناصر إلى اضطراب صورة الإنسان عن نفسه.

وتنتج أزمة الهوية في «مينتو» عن انهيار العلاقة المألوفة بين الجسد والذات، إذ تحتاج الذات إلى مرجع تستند إليه لتأكيد استمراريتها عبر الزمن، لكن قابلية الجسد للتبديل أو الاستئجار تفقد هذا المرجع ثباته. وهنا تتحول الهوية إلى عملية مستمرة من البحث عن الذات وإعادة تعريفها، فلا يعود الإنسان قادرًا على الاعتماد على مظهره الخارجي بوصفه دليلًا نهائيًا على شخصيته، ويصبح مطالبًا بالبحث عن عناصر أعمق تمنحه الإحساس بأنه ما يزال هو نفسه. كما تطرح الرواية تناقضًا بين الهوية الداخلية والصورة الخارجية، فقد يحتفظ الفرد بذاكرته ووعيه ومشاعره، بينما يصبح الجسد الذي يظهر من خلاله مختلفًا عن الصورة التي اعتاد أن يعرف نفسه بها. وينتج عن ذلك انفصال بين الطريقة التي يرى بها الإنسان ذاته والطريقة التي يراه بها الآخرون، لأن المجتمع يتعامل غالبًا مع الأشخاص من خلال علامات الجسد والمظهر والاسم والهوية الظاهرة، بينما ترتبط التجربة الداخلية بالوعي والذاكرة والشعور بالاستمرارية.

وتكشف «مينتو» من خلال هذا التناقض هشاشة الهوية عندما تصبح العلامات الخارجية غير قادرة على التعبير عن الحقيقة الداخلية، وتطرح أسئلة حول معرفة الشخص الحقيقي، ونسبة الأفعال إلى صاحبها، والمسؤولية التي تترتب عندما تنفصل الأفعال عن الشخص الذي يعتقد أنه صاحب الجسد. وهكذا تتداخل أزمة الهوية مع أزمة المسؤولية الأخلاقية والقانونية، ويتحول سؤال «من أنا؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بالأساس الذي يمكن من خلاله نسبة الفعل إلى الإنسان. ومن خلال هذا الصراع، تؤكد الرواية أن الهوية ليست مجرد امتلاك اسم أو جسد، وإنما تجربة مستمرة من الإحساس بالذات، فالإنسان يحتاج إلى الشعور بوجود استمرارية بين ماضيه وحاضره ومستقبله. وعندما تنكسر هذه الاستمرارية، يصبح وجوده النفسي مهددًا حتى لو ظل وعيه حاضرًا، ولذلك لا تقتصر التكنولوجيا في «مينتو» على تغيير الجسد، بل تهدد البنية التي يستند إليها الشعور بالذات.

وتظهر قيمة الخيال العلمي في الرواية بوصفه وسيلة لاختبار الحدود القصوى للمفاهيم الإنسانية، إذ تأخذ «مينتو» مفهومًا مألوفًا مثل الهوية وتضعه في ظرف استثنائي للكشف عن مكوناته الخفية. ومن خلال هذا الاختبار يصبح القارئ أمام تساؤلات حول العناصر التي يصعب التخلي عنها في تعريف الإنسان لنفسه: هل يمكن أن يظل الإنسان هو نفسه إذا تغير جسده بالكامل؟ وهل يستطيع الوعي وحده الحفاظ على الهوية من الانهيار؟ وتظل هذه الأسئلة مفتوحة، بما يمنح الرواية بعدها التأملي والنقدي، ويجعل أزمة الجسد مدخلًا لإعادة التفكير في معنى الهوية واستمرارية الذات وحدود العلاقة بين الجسد والوعي.

ثالثا: الحرية والمسؤولية في عالم التعاقد التقني

تقدم «مينتو» مفهوم الحرية في صورة إشكالية، إذ لا تواجه الشخصيات دائمًا قوة تفرض عليها اختياراتها بصورة مباشرة، بل ينشأ جزء من الأزمة من موافقة سابقة على شروط تصبح نتائجها لاحقًا أكثر قسوة مما كان متوقعًا. ومن هنا تضع الرواية مفهوم الموافقة أمام اختبار أخلاقي، فتطرح سؤالًا حول مدى حرية الموافقة إذا لم يكن الإنسان قادرًا على إدراك نتائجها كاملة، وحول ما إذا كانت موافقة الشخص على الشروط تجعله مسؤولًا عن كل ما يترتب عليها. وتكشف الرواية أن العلاقة بين الحرية والمسؤولية تتجاوز مجرد الاختيار بين القبول والرفض، فالقرار قد يبدو حرًا لحظة اتخاذه، لكنه قد يتحول لاحقًا إلى قيد يصعب التخلص منه. وبذلك يمكن أن يتحول العقد من أداة لتنظيم الحرية إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة، خاصة عندما تكون النتائج غير واضحة أو غير قابلة للتراجع، مما يجعل ليست كل موافقة تعبيرًا كاملًا عن الحرية.

ويظهر البعد الأخلاقي بصورة أوضح عندما تصبح مسؤولية الإنسان مرتبطة بجسد قد لا يكون تحت سيطرته، إذ لا تحدد الهوية الجسدية من يكون الإنسان فقط، وإنما قد تحدد أيضًا الأفعال التي يمكن أن تُنسب إليه. وعندما يحدث الانفصال بين الشخص والجسد، يصبح مفهوم المسؤولية موضعًا للتساؤل، فيبرز السؤال حول تحمل الإنسان مسؤولية فعل ارتُكب بجسد لم يعد يسيطر عليه، وإمكان فصل المسؤولية عن الوعي والإرادة. وهكذا تتحول أزمة الجسد إلى أزمة أخلاقية وقانونية في الوقت نفسه، لأن التكنولوجيا حين تعيد تشكيل الجسد تستطيع أن تعيد تشكيل المفاهيم التي قامت عليها المسؤولية الإنسانية. فالأنظمة الأخلاقية والقانونية تفترض عادة وجود علاقة واضحة بين الفاعل والفعل والجسد، لكن هذه العلاقة تصبح مضطربة في عالم يمكن فيه فصل الجسد عن صاحبه. ومن هنا يستخدم الخيال العلمي لاختبار صلاحية المفاهيم القديمة أمام التحولات التي تفرضها التكنولوجيا الجديدة.

وتكشف الرواية كذلك خطورة تحول الإنسان إلى طرف داخل منظومة تقنية لا يملك السيطرة الكاملة عليها، فكلما ازداد اعتماد الفرد على النظام الذي ينظم استخدام الجسد، أصبح أكثر ارتباطًا بالقواعد التي يضعها هذا النظام. وتظهر التكنولوجيا هنا بوصفها بنية اجتماعية وليست مجرد أدوات محايدة، لأن الخطر لا يأتي من الجهاز أو التطبيق وحده، وإنما من القواعد والمؤسسات والمصالح التي تحدد كيفية استخدامه. ومن ثم تنتقد «مينتو» فكرة أن التقدم التقني يعني بالضرورة مزيدًا من الحرية، فالتكنولوجيا قد تمنح الإنسان إمكانات جديدة، لكنها قد تفرض عليه في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من التبعية. وقد يصبح الاختيار نفسه جزءًا من نظام أكبر يحدد الخيارات المتاحة مسبقًا، فتتداخل الحرية مع السلطة في علاقة يصعب الفصل بين عناصرها. لذلك يصبح السؤال الأهم ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا فعله، وإنما من يملك حق تحديد كيفية استخدامها، وبذلك تنتقل الرواية من نقد التكنولوجيا إلى نقد البنية الاجتماعية التي تمنحها سلطتها.

وفي النهاية، تستخدم «مينتو» الخيال العلمي لتفكيك عدد من المسلمات المتعلقة بالإنسان والجسد والحرية، فالجسد ليس مجرد مادة بيولوجية، وإنما مجال للصراع على الهوية والملكية والإرادة، والتكنولوجيا ليست مجرد وسيلة متقدمة، بل قوة يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته. أما الهوية فتظهر باعتبارها بناءً هشًا يتأثر بالجسد والوعي والذاكرة والآخرين، بينما تصبح الحرية أكثر تعقيدًا عندما تدخل التكنولوجيا في صميم الاختيارات الإنسانية. فقد يختار الإنسان، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في نتائج اختياره، وقد يملك جسده، لكن ملكيته قد تصبح موضعًا للتفاوض داخل نظام تقني جديد. ومن هنا تكمن القيمة النقدية للعمل في تحويل سؤال المستقبل إلى سؤال عن الإنسان في الحاضر؛ فالرواية لا تسأل فقط عما يمكن أن تفعله التكنولوجيا بالجسد، بل عما يمكن أن تفعله بالمعنى الذي يمنحه الإنسان لذاته، ليصبح القلق الحقيقي فيها ليس فقدان الجسد وحده، وإنما احتمال فقدان الإنسان لقدرته على تعريف نفسه بنفسه.

خاتمة

تكشف رواية «مينتو» عن عالم يصبح فيه الجسد نقطة التقاء أساسية بين التكنولوجيا والهوية والحرية والمسؤولية، ومن خلال تحويله إلى كيان قابل للاستئجار، تضع الرواية التصورات التقليدية المتعلقة بملكية الإنسان لذاته أمام اختبار حاد. وفي قراءتي لهذا التصور، أرى أن خطورة الفكرة لا تتوقف عند إمكانية استخدام الجسد أو تداوله، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة التي تربط الإنسان بجسده بوصفه جزءًا من هويته ووجوده. فالتكنولوجيا التي تبدو في ظاهرها وسيلة لتوسيع إمكانات الإنسان قد تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيله والسيطرة عليه، خاصة عندما يصبح الجسد خاضعًا لشروط واتفاقات تتجاوز الإرادة المباشرة للفرد. ومن هنا تكشف الرواية عن مفارقة أساسية تتمثل في أن التقنية قد تمنح الإنسان إمكانات جديدة، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه مجالات جديدة للتبعية والسيطرة، وهو ما يجعل علاقتها بالإنسان بحاجة إلى مساءلة أخلاقية تتجاوز حدود الاستخدام التقني المباشر.

ومن منظور الباحثة، تبرز أزمة الهوية بوصفها إحدى أهم النتائج الفلسفية التي يثيرها انفصال الجسد عن صاحبه. فالإنسان اعتاد أن يرى جسده باعتباره امتدادًا مباشرًا لذاته، وأن يستند إلى ملامحه وصوته وحضوره المادي في تأكيد هويته واستمراريته. لكن «مينتو» تقلب هذا التصور عندما تجعل الجسد قابلًا للتبديل والاستئجار، فتفتح المجال أمام التساؤل حول العناصر التي تجعل الإنسان هو نفسه رغم تغير جسده. وهنا تتداخل أسئلة الجسد والوعي والذاكرة، إذ لم تعد الهوية حقيقة ثابتة يمكن ربطها بالجسد وحده، بل تصبح بناءً أكثر تعقيدًا تشترك في تشكيله الخبرات والذكريات والوعي بالذات. وتكشف الرواية، في هذا السياق، أن اضطراب العلاقة بين الجسد والذات يمكن أن يؤدي إلى اضطراب صورة الإنسان عن نفسه، لأن فقدان اليقين بالجسد يعني فقدان أحد المراجع الأساسية التي يستند إليها الشعور بالهوية. ومن ثم فإن تكنولوجيا الجسد لا تغير المظهر الخارجي للإنسان فحسب، وإنما تمس البنية التي يقوم عليها إدراكه لذاته واستمراره عبر الزمن.

وتتعمق هذه الأزمة عندما يرتبط استخدام الجسد بالاختيار والموافقة والتعاقد، إذ يصبح الإنسان أمام قرارات قد تبدو حرة لحظة اتخاذها، لكنها قد تتحول لاحقًا إلى التزام يصعب التراجع عنه. وهنا أرى أن الرواية تطرح مفهوم الحرية في صورته الأكثر تعقيدًا، لأن الحرية لا يمكن اختزالها في مجرد القدرة على القبول أو الرفض، وإنما ترتبط كذلك بمدى قدرة الإنسان على إدراك نتائج اختياره والتحكم في تبعاته. فإذا كان الإنسان يوافق على شروط لا يستطيع تقدير نتائجها بصورة كاملة، فإن مفهوم الموافقة ذاته يصبح موضعًا للتساؤل. كما تفتح الرواية بابًا أمام إعادة التفكير في المسؤولية، خاصة عندما يصبح الجسد منفصلًا عن صاحبه، إذ تظهر أسئلة تتعلق بمن يتحمل مسؤولية الفعل عندما لا يكون الجسد تحت السيطرة الكاملة لصاحبه، وما إذا كان يمكن فصل المسؤولية عن الوعي والإرادة. وبذلك يتحول الجسد في «مينتو» إلى مجال تتقاطع فيه الحرية مع السلطة، والتكنولوجيا مع العقد، والاختيار مع المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

ولا تقف الدلالة النقدية للرواية عند المستقبل المتخيل، بل تمتد إلى الحاضر الذي تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على الوصول إلى خصوصية الإنسان والتعامل مع جسده بوصفه مصدرًا للبيانات والمعلومات. ومن خلال هذه الزاوية، يمكن قراءة «مينتو» بوصفها تنبيهًا إلى إمكانية مستقبلية يتحول فيها الجسد إلى مورد تقني واقتصادي، وتصبح الحدود بين الإنسان والشيء، وبين الخاص والعام، أكثر هشاشة. فالخطر، كما تكشف الرواية، لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في النظام الاجتماعي والمؤسساتي الذي يحدد كيفية استخدامها، وفي المصالح والقواعد التي يمكن أن تمنحها سلطة متزايدة على الإنسان. لذلك لا أرى أن الرواية تقدم التكنولوجيا باعتبارها شرًا مطلقًا أو خيرًا مطلقًا، وإنما تكشف طبيعتها المزدوجة؛ فهي قادرة على توسيع إمكانات الإنسان، وفي الوقت نفسه قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التبعية إذا أصبحت جزءًا من منظومة لا يملك الفرد السيطرة الكاملة عليها. ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي الأهم ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا فعله بالجسد، وإنما من يملك حق تحديد كيفية استخدامها، ومن يملك سلطة التحكم في نتائجها.

وبناءً على ذلك، أرى أن القيمة النقدية الأساسية لـ«مينتو» تتمثل في قدرتها على استخدام الخيال العلمي لتفكيك عدد من المسلمات المتعلقة بالإنسان وجسده وهويته وحريته. فالجسد في الرواية ليس مجرد مادة بيولوجية، وإنما يصبح مجالًا للصراع على الملكية والإرادة والهوية، بينما تتحول التكنولوجيا من أداة يستخدمها الإنسان إلى قوة يمكن أن تعيد تشكيل شروط وجوده. كما أن الهوية لا تظهر باعتبارها حقيقة ثابتة، وإنما بوصفها بناءً هشًا يتأثر بالجسد والوعي والذاكرة والعلاقات مع الآخرين. أما الحرية، فتغدو أكثر إشكالية عندما تدخل التكنولوجيا في صميم الاختيارات الإنسانية، لأن الإنسان قد يختار بإرادته، لكنه قد لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في نتائج اختياره. ومن خلال هذا التحليل، يتضح أن المستقبل الذي ترسمه الرواية، رغم ظهوره في صورة بعيدة عن الواقع، يستند إلى أسئلة حاضرة بالفعل حول الخصوصية والجسد والاختيار والسيطرة. وهنا تكمن أهمية «مينتو» في أنها تحول سؤال المستقبل إلى سؤال عن الإنسان في الحاضر، وتدفعني كباحثة إلى إعادة التفكير في الحد الفاصل بين استخدام التكنولوجيا للإنسان واستخدام الإنسان للتكنولوجيا، وصولًا إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا أصبح الجسد قابلًا للتبديل والاستئجار، فما الذي يبقى للإنسان ليقول عنه بثقة: هذا أنا؟

***

آلاء صلاح - كاتبة وباحثة أكاديمية

مقاربة نقدية لأنطولوجيا الكتابة الشعرية عند رولان بارت

لا تكفّ الكتابةُ الشعرية في المتخيَّل البارتي عن مراوغة كل تعريفٍ يُراد لها أن تستقر عنده. فهي ليست جنساً أدبياً يُحصى بقوافيه وأوزانه، ولا سجلّاً معجمياً مرتفع النبرة، بل هي، على نحوٍ أدقّ، مسرحُ محاكمةٍ تُقام فيها اللغةُ نفسها موضعَ اتهام. بصفتي دارساً لتراث بارت النقدي ومعنياً بتقاطعات الفلسفة القارّية والشعرية المعاصرة، أزعم أن أيّ مقاربة أمينة لهذا الموضوع لا يمكن أن تكتفي بسرد أطروحاته بحيادٍ موسوعي، بل عليها أن تُخضع هذه الأطروحات - من "درجة الصفر" إلى "الحياد" - لمساءلةٍ تكشف عن التصدّعات الكامنة في وعدها بالتحرر. هذا ما يحاول هذا المقال إنجازه: تتبّع نسب الكتابة الشعرية عبر محطّات المدوّنة البارتية، ثم إخضاعها لنقدٍ يستعير أدواته من مؤرّخي بارت أنفسهم ومن منتقديه البنيويين.

في الفصل الذي خصّصه بارت لمساءلة وجود كتابةٍ شعرية أصلاً - وعنوانه الاستفهامي بذاته، "هل ثمة كتابةٌ شعرية؟"، دالٌّ على حذره من مأسسة الشعر - يقيم تمييزاً حادّاً بين شعرين: شعرٌ كلاسيكي ظلّ، رغم زخرفته الصوتية، امتداداً أفقياً لمنطق النثر ذاته، إذ لا يعدو أن يكون زينةً تُضاف إلى خطابٍ اجتماعيٍّ متصل السياق؛ وشعرٌ حديث، منبثقٌ من رامبو لا من بودلير - الذي يظلّ، في نظر بارت، آخر ورثة تلك الوحدة الكلاسيكية للغة - يفجّر هذا الاتصال من الداخل. الكلمة هنا لم تعد حلقةً في سلسلةٍ نحوية تُفضي إحداها إلى الأخرى بمنطق الجملة، بل غدت "علامةً منتصبة" (Signe Érect)، تشعّ في اتجاهاتٍ معجمية وصوتية واشتقاقية متزامنة، حاملةً كل احتمالاتها دفعةً واحدة.

هذا الانتصاب العمودي للكلمة هو ما يفسّر افتتان بارت بشاعرين مثل رونيه شار وفرانسيس بونج، اللذين حوّلا القصيدة إلى تجمّعٍ من "كلماتٍ-أشياء" (mots-objets)، متجاورة لا متصلة، منعزلة عن شبكة العقد الاجتماعي الذي يحكم النثر التواصلي. فمن هذا التجاور المتقطّع "ينبثق تدريجياً، بفعل مصادفة الكلمات لا بفعل قصديةٍ سابقة عليها، كثافةٌ ذهنية أو وجدانية ما كان لها أن توجد لولا هذا التجاور بعينه". وبونج نفسه، في مجموعته "انحياز إلى جانب الأشياء" (Le Parti pris des choses)، يجعل من هذا الانحياز مذهباً قائماً بذاته: أن يُصغي الشاعر إلى صمت الأشياء بدل أن يفرض عليها معجمه الجاهز.

بيد أن هذا الانتصاب، بقدر ما يُقدَّم بوصفه انعتاقاً من زيف اللغة الاجتماعية، ينطوي على مفارقةٍ أولى ينبغي تظليلها منذ البداية: فـ"الكلمة-الشيء" لا تتحرّر من الشبكة إلا بوصفها فعلاً بلاغياً يُدرَك على خلفية تلك الشبكة عينها؛ إذ لولا القارئ المزوَّد بكفاءةٍ لغوية ونوعية، لما أمكن التمييز أصلاً بين انتصابٍ شعري وضوضاء لغوية عارية من كل دلالة. هذه المفارقة، التي سنعود إليها لاحقاً، تجعل من "قتل اللغة" الذي يتحدث عنه موريارتي أقرب إلى طقسٍ يُؤدَّى داخل اللغة منه إلى خروجٍ فعلي عليها.

إذا كانت الأسطورة عند بارت نسقاً سيميولوجياً من الدرجة الثانية، يستولي على علامةٍ أولى (دالّ + مدلول) ليحوّلها بدوره إلى مجرّد دالٍّ لمدلولٍ أيديولوجي جديد، مضخِّماً بذلك المعنى حتى يبدو طبيعياً وبديهياً، فإنّ الكتابة الشعرية، في القراءة التي يقترحها غوميز، تسلك مساراً معاكساً تماماً: فبدل التضخّم نحو فائض الدلالة، تنحو الكلمةُ الشعرية نحو "تحت-الدلالة" (infra-signification)، ساعيةً إلى خدش القشرة الأسطورية التي رانَ بها الاستعمال الاجتماعي على الأشياء، لتلامس ما تبقّى منها عارياً من كل توظيفٍ أيديولوجي.

هذا المسعى يمنح الشاعر، في عرف بارت، موقعاً هو الأقلّ شكلانية بين الكتّاب جميعاً؛ فهو لا يؤمن بأنّ معنى الكلمة نهائيٌّ أو مكتفٍ بذاته، بل يراه قشرةً يُراد اختراقها وصولاً إلى ما بعد اللغة - إلى تلك الصفة المتعالية للشيء التي لا تسكن في المعجم بل في الصمت الذي يسبقه ويعقبه.

غير أنّ هذا المسعى، مهما بدا رومانسياً في طموحه، محكومٌ بذات القانون الذي صاغه بارت لتفسير الأسطورة نفسها: فالثقافة البرجوازية، كما يُقرّ بارت في خاتمة "درجة الصفر"، تملك قدرةً لا تُقهر على الامتصاص، بحيث إن كل محاولةٍ لإفراغ الكلمة من دلالتها المتراكمة سرعان ما تُعاد أسطرتها من جديد بوصفها أصالة أو عمقاً - وهو ما يجعل من "تحت-الدلالة" غايةً لا تُدرَك إلا لتنفلت من بين الأصابع فور بلوغها، أقرب إلى أفقٍ يتراجع كلما تقدّم الشاعر نحوه منه إلى محطّة وصول.

يبلغ هذا الأفق المتراجع ذروته في افتتان بارت المتأخر بالهايكو الياباني، حيث يجد أخيراً نموذجاً للغةٍ معفاةٍ من المعنى (exemption du sens): لغةٌ بلا مراسٍ، لا تشرح ولا تُفسِّر، بل تكتفي بالإشارة: "انظر"، "ها هو ذا" - وفي ذلك وحده يكمن ما يجعل الممارسة الاعتيادية للغتنا، أي التعليق، مستحيلةً أمامها.

بيد أنّ ديانا نايت تكشف، في قراءتها الدقيقة لهذا الافتتان، عن الثمن الخفي لهذه اليوتوبيا: فاليابان التي يكتب عنها بارت ليست يابان الإثنوغرافيين، بل نسقٌ متخيَّل يجعله بارت مختبراً لفرضياته الخاصة عن اللغة، حتى إنّ المعنى فيه لا يُلغى بقدر ما يُبقى على مسافة، أشبه بسرابٍ في الأفق. وهذا ما يضع مشروع بارت كله على تخوم نقاشٍ أوسع حول الاستشراق، حيث يتحوّل الشرق - كما ترصد نايت - إلى شاشةٍ يُسقَط عليها حلمٌ غربيٌّ بلغةٍ نقيةٍ من ثقل التاريخ. فما يبدو تحرّراً من الدوكسا الأوروبية قد يكون، في وجهٍ آخر منه، إعادة إنتاجٍ لدوكسا استشراقية أرقّ حجاباً، لا نقيضاً لها.

وكما يلاحظ الناقد جونثان كَلر في دراسته الموجزة عن بارت، فإن هذا الانتقال يكشف عن الوجهين المتنازعين في مشروعه كله: العالِم الباحث عن نسقٍ للأدب، والمتلذّذ الذي يمنح القارئ دوراً منتجاً بدل أن يُسلمه لدور المستهلك. بحلول السبعينيات، ينتقل بارت من مفردات العلم البنيوي إلى مفردات الجسد، فيستبدل بثنائية الدالّ والمدلول ما يسمّيه الدالّية (Signifiance): طاقة توليدٍ لا تُختزل إلى معنى محدَّد.

في كتابه "S/Z"، يُقابل بارت بين النص المقروء (lisible)، الذي يُسلَّم للقارئ جاهزاً كمنتَجٍ مغلق، والنص المكتوب (scriptible)، الذي هو حاضرٌ دائم لا يقبل أن تُطبَّق عليه لغةٌ لاحقة تجمّده في ماضٍ محسوم. والكتابة الشعرية، بهذا المعيار، هي النموذج الأمثل للنص المكتوب: نصٌّ يقاوم أن يُختزل إلى مغزى يمكن استخلاصه وإعادة صوغه نثراً دون خسارة.

هذه المقاومة هي ما يمنح القصيدة قدرتها على إنتاج ما يسمّيه بارت المتعة (plaisir) حين تظلّ مطمئنةً داخل شفرات القراءة، أو اللذة القصوى (jouissance) حين تخلع القارئ عن موقعه كذاتٍ مستقرة وتُسلمه إلى تصدّعٍ لا يمكن استعادة تماسكه. إنها لغةٌ يسكنها الجسد قبل أن يسكنها المعنى - حشرجةٌ أقرب إلى الغناء منها إلى الخطاب، تنبض تحت سطح الرسالة المشفَّرة.

غير أنّ هذا الصرح النظري، على تماسكه الداخلي، لا يخلو من تصدّعاتٍ ثلاثة تستحق أن تُساءل بوضوح، بدل أن تُطوى في هامش الإعجاب.

التصدّع الأول بنيوي: فقد بيّن جوناثان كَلر، في نقده للشعرية البنيوية عموماً - وبارت أحد أعمدتها - أن محاولة تأسيس تفرّد العلامة الشعرية على خصائص لغوية داخلية محضة تصطدم بحقيقة أن أي أثرٍ شعري لا يُقرأ إلا من خلال كفاءةٍ أدبية يكتسبها القارئ من تعوّده على اصطلاحات النوع؛ أي أن الانتصاب الذي يزعمه بارت للكلمة الشعرية ليس خاصية كامنة في الكلمة بقدر ما هو أثرٌ تُنتجه مواضعةٌ قرائية مسبقة. وبهذا يُصبح قتل اللغة أداءً تقوم به اللغة ذاتها، لا انفلاتاً منها.

التصدّع الثاني ذاتيّ التقويض: ففي مقالته عن "أثر الواقع" (l'effet de réel)، يبرهن بارت نفسه على أن وهم التماس المباشر مع الشيء في ذاته - ذلك التفصيل السردي الذي يبدو زائداً عن وظيفة الحكاية فلا يفعل شيئاً سوى أن يقول أنا الواقع - ليس انعتاقاً من الشيفرة بل شيفرةٌ من نوعٍ أرقّ. فإذا صحّ هذا في النثر الواقعي، فما الذي يمنع تطبيقه على "الكلمة-الشيء" عند بونج؟ أليست هذه الأخيرة بدورها أثراً شعرياً، يُنتج وهم الحضور العاري بقدر ما يُنتج أثر الواقع وهم الموضوعية، دون أن يكون أيٌّ منهما خروجاً حقيقياً على منطق العلامة؟ هذه النتيجة، وإن لم يصرّح بها بارت صراحةً، منطويةٌ في صميم منهجه السيميولوجي، مما يجعل صمته عنها لافتاً بقدر ما هو دالٌّ.

التصدّع الثالث، وهو الأعمق، تاريخيٌّ واعترف به بارت نفسه: فالحرية التي تحقّقها الكتابة، كما يكتب في خاتمة "درجة الصفر"، ليست إلا «لحظةً» عابرة، إذ سرعان ما تمتصّها الدوكسا البرجوازية وتُعيد تدجينها اصطلاحاً جاهزاً. وهذا ما يجعل من الكتابة الشعرية، في نهاية المطاف، لا إنجازاً يُختزن كرصيدٍ مكتسب، بل مراوغةً متكررة، أقرب إلى ما سيسمّيه بارت لاحقاً إرباك المفارقة (déjouer le paradigme) في محاضراته عن الحياد: فعلٌ عنيدٌ يتجدّد لأنه يعرف مسبقاً أنه سيُهزَم.

لا تنتهي الكتابة الشعرية عند بارت، إذن، إلى حالٍ مستقرة يُطمأنّ إليها، بل إلى رهانٍ يتجدد عند كل نص، عارفاً سلفاً بهشاشته. وربما كانت هذه الهشاشة عينها - لا التماسك النظري - هي ما يبقيها حيّة أخلاقياً: فالشاعر الذي يرفض أن يمنح العالم حقيقةً سرية واحدة، مفضّلاً أن يُشرع النص على تعدديةٍ لا تُستنفد إنما يمارس ما تبقّى له من حرية في عالمٍ تحكمه الشيفرات: أن يخسر المعركة في كل مرة بطريقةٍ مختلفة قليلاً عن سابقتها. وفي هذا التكرار المهزوم سلفاً، لا في وهم الانتصار النهائي، تكمن - إن جاز القول - المراوغة الصامتة الأخيرة لكل كتابةٍ تستحق أن تُسمّى شعرية.

***

د. كرار عيسى عبد الحسين

..........................

قائمة المصادر والمراجع

Barthes, Roland. Criticism and Truth. Translated by Katrine Pilcher Keuneman. Continuum, 2007.

Barthes, Roland. Empire of Signs. Translated by Richard Howard. Hill and Wang, 1983.

Barthes, Roland. The Grain of the Voice: Interviews 1962–1980. Translated by Linda Coverdale. Hill and Wang, 1985.

Barthes, Roland. The Neutral: Lecture Notes at the Collège de France, 1977–1978. Translated by Rosalind Krauss and Denis Hollier. Columbia University Press, 2005.

Barthes, Roland. The Rustle of Language. Translated by Richard Howard. Hill and Wang, 1986.

Barthes, Roland. S/Z. Translated by Richard Miller. Hill and Wang, 1974.

Barthes, Roland. Writing Degree Zero. Translated by Annette Lavers and Colin Smith. Jonathan Cape, 1984.

Barthes, Roland, and Annette Lavers. Mythologies. Farrar, Straus and Giroux, 1972.

Culler, Jonathan. Barthes (Fontana Modern Masters). Fontana Press, 1983.

Culler, Jonathan. Structuralist Poetics: Structuralism, Linguistics and the Study of Literature. Routledge & Kegan Paul, 1975.

Gomez, John. An Analysis of Roland Barthes's Mythologies. Macat Library, 2017.

Knight, Diana. Barthes and Utopia: Space, Travel, Writing. Clarendon Press, 1997.

Moriarty, Michael. Roland Barthes (Key Contemporary Thinkers). Stanford University Press, 1991.

في رواية الفراغ للروائي محمد عيّاشين

يقول الكاتب الروائي محمد عياشين في مقدمة روايته معرّفا الفراغ: (ليس المقصود بالفراغ هنا ذاك التعريف البارد الذي تطرحه كتب الفيزياء والفلسفة، بل الفراغ هو ذلك الحيّز من الزمن الذي نعيشه بين مهامنا اليومية، في مكاتبنا، في الأسواق، في قاعات التدريس، أو حتى بين جدران منازلنا، ونحن نؤدي أعمالا تبدو اعتياديّة) ص 05. وهو لعمري، أول اعتداء ابداعي وتجاوز سردي من الروائي على حقّ من حقوق الناقد. وإذا كان الكاتب هو الذي يقوم بتفكّيك رموز عمله الإبداعي، بأسلوب مباشر أو غير مباشر، ويتقمّص دور الناقد لعمله، فماذا سيترك للناقد؟

سيميائية العنوان: العنوان هو عتبة النص الشعري والسردي، القصصي والروائي، تمارس وظائف تداوليّة وجمالية تفضي إلى تفكيك النص وتأويله. يكشف العنوان عن البنية العميقة لجمالية التلقي في ضوء سيميائية النص ودلالته وتوجّهاته. ويُنظر إلى العنوان كـ (سيميولوجيا) (علم العلامات) لا كجملة عابرة، بل كبؤرة رمزية تختزل مضمون النصّ وتوحي للقارىء، للوهلة الأولى، أنّه أمام عنوان مجازيّ اللغة، فلسفيّ المعنى، عنوان حمّال أغراض بلاغيّة. عنوان حدّد هوية النص وربطه بمتن معين. هدفه جذب انتباه القاريء وإثارة فضوله مما يجعله سحرا للكلمة الأولى. توجيه القاريء نحو أفق معين. كلمة، جملة فعلية، جملة اسمية، شبه جملة. العنوان هو المُولّد الفعلي لتشابكات النص، وبينهما علاقات جدلية؛ إذ يساهم العنوان في ضبط اتساق النص وانسجامه، ويعيد انتاج نفسه داخل المتن السردي أو الشعري.

سيميائية الفراغ:

الفراغ، ذلك الشعور العميق بالتحرّر من الواجبات والمسؤوليات نحو المجتمع. يوحي بالعدم بالعجز بالخمول. هو نعمة في حياة الإنسان السويّ، إذا أحسن استغلاله واستثماره واغتنامه لقضاء مشاغله وحاجاته. فهو نعمة مميّزة في حياة القاريء الشغوف بالقراءة والاطّلاع، وهو نعمة في يوميات الفلاّح الدؤوب على خدمة أرضه وبستانه، وهو أيضا نعمة في حياة الأمم الساعية إلى البناء الحضاري والتطوّر والازدهار وتشييد العمران، وبالمقابل، هو نقمة في حياة الإنسان المنحرف عن السيبل السويّ، كما قدّمه الروائي محمد عياشين في معماره السردي الروائي " الفراغ " الذي نحن بصدد دراسته. الفراغ لا تستسيغه الطبيعة الفطريّة السويّة، لأنّه هو الميدان الخصب الذي يغتنمه الشيطان لتفعيل وساوسه الماكرة، ويزيّن للإنسان سبل الانحراف ليكبّه على وجهه في الجحيم.

الفراغ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقيّ وبعد إنسانيّ وقد يأخذ أبعادا سياسيّة وإيديولوجيّة. فإنّ المجتمعات والأمم الغالبة، والتي سقطت أو اندثرت بعد فترة من القوة والمنعة والازدهار، إنّما كان من بين أسباب هذا السقوط، الفراغ وما أفرزه من تهافت على حياة الترف واللهو والانغماس في الملذّات.

من المشاهد الاجتماعية الدالة على ذلك لجوء الشباب إلى المقاهي والملاهي وتورّطهم في استهلاك المخدّرات والمتاجرة بها وممارسة الأفعال المنافية للدين والأخلاق والقيّم والعرف الاجتماعي. إنّ دلالات الفراغ تأخذ أبعادا فضفاضة في خضّم تصادم العلاقات الاجتماعيّة وتناقضاتها أو توافقاتها عبر تفاعلات كيميائيّة الزمان والمكان. فقد استثمر الشاعر السوري أدونيس، رمزيّة الفراغ في تشخيص الداء الذي تعاني منه الأمة العربيّة والإسلاميّة ووصف أحوالها الاجتماعيّة والسياسيّة. في قوله: " فراغ زمان بلادي فراغ ". ولم يعد الفراغ عند أدونيس، كما هو عند الروائي محمد عياشين، سلوكا فرديّا وقضيّة أحاديّة، بل أخذ مفهوم " الظاهرة " ومصطلح " النمطيّة " في النسيج الاجتماعي الوطني والقومي.3225 ayashen

ثنائيّة الفراغ والجريمة: ولأنّ الروائي محمد عيّاشين يؤمن، انطلاقا من واقعه المعيش، ومعايشته له، وتجربته الحياتيّة، بأن الفراغ إذا استحكم في حياة الشباب، سيكون مرتعا للشيطان، الذي سيسوقهم، حتما، عاجلا أم آجلا، إلى الضلال والضياع والجريمة وممارسة الأفعال المخلّة بالقيّم الاجتماعيّة، لأنّ الطبيعة الإنسانيّة والفطرة السليمة لا تحتملان الفراغ، خارج دائرة الالتزام الأخلاقي، مهما كانت ألوانه ومقدّماته ومبررّاته.

في رسمه القاتم لملامح شخصيات روايته، الرئيسة والثانويّة، الجاهزة والناميّة، الحاسمة والثانويّة، عمد الروائي محمد عياشين إلى المزاوجة بين الفراغ والجريمة، ليأخذ الفراغ، في سيرورة أحداث الرواية، طابعا مأساويّا بحتا، ويتحوّل، من كونه سلوكا فرديّا، إلى ظاهرة اجتماعيّة سلبيّة ومدمّرة للعلاقات الإنسانيّة القائمة على الثقة والتكافل والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، ويمسي، أيضا، سببا في تفكيك النسيج الاجتماعي الآمن وإضعافه وتخريب اللحمة العائليّة، حين يستحكم في الأنفس الضعيفة والمنهكة والمهلهلة، فيجرها إلى السجن أو إلى التطبّع بعادات سيئة، يصبح إصلاحها أمرا عويصا أو مستحيلا.

لقد قدّم لنا الروائي محمد عيّاشين نموذجا فاشلا لشخصيّة الإمام، من خلال شخصيّة ابنه المنحرف " كريم " الذي وقع فريسة للفراغ السلبي، الصفري، كون مرتبة الإمام في المجتمع هو رجل دين وصاحب رسالة دينيّة وتربويّة واجتماعيّة منوط به الإصلاح والنصح والإرشاد. للدلالة على إفلاس الخطاب الديني في بيئة تتحكّم فيها الأميّة وينخر عظامها الجهل، ويعربد بين شبابها الفراغ القاتل. إنّ فشل الإمام وإفلاسه في تربيّة ابنه وإبعاده من عالم الجريمة، وحماية المجتمع من أفعاله السيّئة، لا مبرّر له سوى التقصير عن أداء الواجب. وممّا يدل على ضعف الخطاب الديني وصف الكاتب للإمام في قوله: " إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق " ص 41. وقوله أيضا: " حديث العام والخاص من المصلين في المسجد والمقاهي عن إمامنا الذي كثُرت غياباته، وعظمت الملامة عليه بأنّ ابنه كريم كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف ومجالسة رفقاء السوء " ص 36 / 37. إنّها صورة سلبية دالة على الإفلاس الأخلاقي للخطاب الديني التقليدي وضعفه وهامشيّته في زمن انتشار التواصل الرقمي وهيمنة الفضاء الافتراضي الأزرق وسرعة انتشار المعلومة بشكل فيه الكثير من الإغواء والإغراء.

ويصنّف الروائي محمد عيّاشين " الفراغ " ضمن الأسباب الرئيسيّة والمباشرة في لجوء فئة كثيرة من الشباب إلى إدمان عادات وسلوكيات مدمّرة للنفس والجسد معا كالإدمان على المخدّرات بكلّ أشكالها وعلى تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي - التي تحوّلت إلى مواقع لنشر الرذيلة والفحشاء والتنابز بالأسماء الفاسقة والألقاب السيّئة والسخرية واللمز والهمز والقذف وغيرها من الأوصاف المشينة – وذلك بحثا عن المتع واللذات الظرفيّة ورغبة في استهلاك الوقت دونما فائدة دنيوية أو ثواب أخرويّ.

روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك). إنّ اغتنام الفراغ، هو استثمار أوقات الراحة فيما ينفع قبل أن تكثر المسؤوليات وتراكم المشاغل. وسيسأل المرء يوم القيامة عن وقته فيما أنفقه، وعن فراغه فيما استثمره، كما يُسأل عن كلّ مراحل حياته.

وما انتشار المتاجرة بالمخدّرات واستهلاكها وتوسّع الجريمة العادية والسيبرانيّة، إلاّ صورة تعكس حجم " الفراغ " الذي عشّش في أذهان بعض شبابنا، الذين يعانون من داء البطالة والحاجة وضعف الوازع الديني والجهل وغياب الضمير الواعي. دون أن نبرىء السلطة السياسيّة والإداريّة وأهل الحلّ والعقد من المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. وصدق الشاعر أدونيس حين قال:

فراغ زمان بلادي فراغ،

وتلك المقاهي،

وتلك الملاهي،

فراغ،

وهذا الذي ذُل في أرضه وأنكرها واستكانا،

ولوّث أنهارنا وربانا،

فراغ،

وذاك الذي ملّ من شعبه)*

المتأمّل للنص الروائي " الفراغ " للأستاذ الروائي محمد عياشين، يلاحظ اعتماد الكاتب على سرد الأحداث يجعل القاريء، يتفاعل إزاءها سلبا وإيجابا. يقدّم الكاتب شخصيّاته في أثواب ضحايا لوضع اجتماعي، مأساوي، ويحمّلها المسؤوليّة كاملة، نتيجة التقصير الأسري والاجتماعي والتربوي.

بنية الرواية تعكس الخلفية الاجتماعية، وتبرز جوهر الصراع النفسي في مضمونها، وصراع يتنازعه الخير والشر، لكنّ مهما طغى الشرّ على النفس، فإنّ الخير كان هو الغالب في نهاية أحداث الرواية بفضل توبة " كريم "، وعودته إلى جادّة الصواب، وإفراغ الفراغ من الشرّ وملئه بالخير. " صمد كريم، الابن الوحيد، التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ " ص 94. العائلة (الاب والام) شاركا باهمالهما تربية كريم في صناعة مصير ابنه. وكأنّ الروائي محمد عياشين أراد أن يقول: إن انحراف الأبناء ليس سلوكا منفصلا بذاته، بل هو سلسلة من المسؤوليات؛ مسؤولية الأسرة، مسؤولية المحيط الاجتماعي، مسؤولية المجتمع. السؤال المطروح: من هو المذنب الحقيقي؟ أو الابن الذي انحرف وارتكب الجريمة، أو الأب الإمام الذي أهمل تربيّة ابنه تربيّة سليمة رغم منصبه الديني والعلمي والاجتماعي؟ أم الأم التي كانت تتستّر على انحراف ابنها، مدفوعة بعاطفة الأمومة؟ وهكذا يقع " كريم " ضحيّة، مجنيّا عليه بسبب الإهمال الأسري، قبل أن يتحوّل إلى سجين، جانٍ، عقابا له على ما اقترفه في حقّ المجتمع من ذنوب وجرائم مهلكة.

جاء على لسان الإمام، معبرا عن ندمه ومسؤوليته: (قد حصدت ما زرعتُ..) ص 36

وقال أيضا معترفا بتفريطه في تربيّة ابنه كريم:

(أنا الطالح، فرّطت وتغافلت عن تربية أبنائي) ص 36

أمّا الزوجة (والدة كريم)، فقد اعترفت بالتقصير في تربيّة ابنها. جاء على لسانها: (أنا الشريك الأكبر، قصّرت في متابعة ومراقبة حضوره وغيابه، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة، أن كنت؟ ولم تأخرت؟ ومع من كنت؟ ومن اشترى لك هذا الحذاء الفاخر؟) ص 36

وهكذا يحيلنا الروائي محمد عياشين إلى حقل فلسفيّ، تتجاذبه مفاهيم الحريّة والمسؤوليّة. فالابن " كريم " ورفاقه، قد زلّت بهم أقدامهم في وحل الحرام والممنوع تحت سقف الحريّة والفراغ، ناسين أو متناسين تبعة ذلك المنحى الشيطاني، الذي ساقهم وإلى انتهاك حقوق المجتمع وقيّمه النبيلة.

من خلال تيمة الفراغ، وضع الروائي محمد عياشين أصبعه على الأدواء التي أفرزها الفراغ. فالفراغ في الرواية لا يعبّر عن حيّز مكانيّ ملموس ومحسوس. بل تمدّد في اتّجاهات شتّى وتمطّى كليل امريء القيس. فأصبح فراغا دالا على ديمومة الغياب، وخلوّ الذاكرة، ونضوب العاطفة، ويباب النفس، وانعدام الشخصيّة. ممّا خلق توتّرا سيميائيّا بين عبثيّة الوجود والوجود العبثيّ في صيرورة الحياة الإنسانيّة وغايتها.

لم يبق العنوان محصورا في دلالته اللغويّة المباشرة، بل اكتسب علامة أيقونية (رمزية) تشير إلى ظاهرة تجريد المشهد الإنسانيّ من آليات الروح الإيجابيّة والقيّم النبيلة. إنّ مفهوم " الفراغ " في معمار الرواية، قد تجاوز معناه اللغوي، التقليدي ليكتسب معانيه المجازيّة والفلسفيّة والميتافيزيقيّة، كما هو معروف في سيمياء الصمت والسطور المنقوطة.

تحيل رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين القاريء الشغوف بالقراءة، والناقد الباحث عمّا وراء الألفاظ والعبارات والفقرات، كالفيلسوف المتطلّع إلى ما وراء الطبيعة، إلى عوالم الخلو والعدم والخمول والتخلّف والضياع، وهي عوالم تفضي إلى مساءلة الذات والمجتمع، وإلى تفعيل فلسفة الحريّة والمسؤوليّة وإعادة تعريفهما وترميم عناصرهما الهشّة في المجتمعات الرازحة تحت نير الجهل والتخلّف والعادات والتقاليد البائدة وترّهات الخرافات والأساطير.

ولم تكتف رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين بآليات سرد أحداثها ووصفها وتشخيصا فقط. بل منح القاريء والناقد كليهما مساحة للتفاعل التشاركي في مراقبة نمو الأحداث وسيرورتها الفطريّة (الطبيعيّة) أو الواقعيّة أو الحدسيّة. لقد منح بطل روايته (الشخصيّة الرئيسة) " كريم " مقود الأمل والنجاة من الهلاك. كما هو ظاهر في قوله:

(صمد كريم، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ) ص 94.

الوقوف بعد هول السقطة، الصمود والتوبة النصوح وصحو الضمير ويقظة الوعي، بعد رحلة ضلال وضياع في يباب فلاة من سراب ظنّه كريم ماء، وعودة وإلى كنف الأسرة والمجتمع.

أقول، إنّ العنوان هو عتبة أيّ نص إبداعي، سواء أكان شعرا أو نثرا، قصيدة أو نصّ سرديّا. هو البوابة والممر الذي يفضي بنا إلى مضمون النص. لهذا كان العنوان، ومازال، وسيبقى، علامة بارزة في لفت انتباه القاريء، وربّما في إغرائه، ودفعه إلى اقتناء الكتاب، وإشعال شغف قراءته.

الفراغ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقي وبعد إنساني وقد يأخذ أبعادا سياسيّة وإيديولوجيّة. ولأنّ الطبيعة لا يوجد فيها فراغ، ولا تحتمل الفراغ، بل إنّ الفراغ له بعدان: إيجابيّ وسلبيّ، أي نعمة ونقمة. ومنهما انطلق الروائي محمد عياشين، في رسم شخصيات روايته، الرئيسة والثانويّة، الجاهزة والناميّة، الحاسمة والثانويّة...

يأخذ الفراغ في أحداث الرواية طابعه الاجتماعي المأساوي البحت. حين يجر ضحاياه إلى السجن أو إلى ممارسة عادات سيئة، تصبح عويصة الإصلاح. يقول الكاتب: (إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق) ص 41.

وعندما يحاول الإمام الإصلاح، بمبدإ وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتعرّض لاعتداء وحشيّ من فتية الفراغ والسوء والقمار. (في عصبيّة سبقت الكف السب والشتم لتسقط إمامنا على أرض الرصيف وعلى الفور ينقل إلى مستشفى المدينة، فيجبس الحوض بعد عمليّة جراحية وتبعده عن المسجد) ص 42. ليدخل المجتمع في فراغ أخلاقي نظير غياب اللإمام. وهنا يقف الكاتب محمد عياشين على ظاهرة العجز الأسري، والاعتداء على القدوة (الإمام)، هو ذروة الإفلاس التربوي في مجتمع تحكمه القيّم ويوجهه الوازع الديني. ويعتبر الإمام عروته الوثقى، وحبل اعتصامه بالقيّم النبيلة والأخلاق الساميّة.

كان هدف الروائي محمد عياشين من اختيار الإمام في هذا الموقف المأساوي، تفعيل رمزيّة بلاغيّة، وإثارة شغف السؤال لدى القاريء: ما مصير المجتمع الذي لا يقدّر قدواته الدينيّة والعلميّة والثقافيّة والأخلاقيّة؟

من المؤكّد، أنّ القاريء في خصمّ هذا السؤال الملغوم، أنه سيبحث عن الجواب في واقعه المعيش. هذا الواقع الذي رسمه الروائي محمد عياشين ثم بناه ثم أثثه بسلوكيات شخصياته ومواقفها.

البعد السيميائي لشخصيات النص:

اختار الكاتب بطله (كريم) ابن (الإمام) الذي (كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف ومجالسة رفقاء السوء) ص 37. للدلالة على عمق الأزمة (التأزّم) العلاقات الاجتماعية. ومسؤوليّة الخطاب الديني. فإذا عجز الإمام عن تربيّة ابنه، فما مصير الآخرين. والسؤال الذي يُطرح: لماذا فشل الإمام في تربية ابنه (كريم)، بينما هو الرجل القدوة في المجتمع، المنوط بالمسؤولية الاجتماعيّة، وهو ملجأ التائهين والمربّي " كريم " ابن الإمام، السيئ السلوك والسمعة، الذي جرّ شباب الأحياء إلى طريق السوء. لم يكن اختيار بطل الرواية أو الشخصيّة الرئيسة (كريم) اعتباطا، أو عاديا، أو صدفة، والكاتب الروائي، عادة، لا يكتب إلاّ إذا نضجت لديه التجربة الفنيّة السرديّة وفيض التفاعل، مثله كمثل الشاعر الذي تلزمه التجربّة الشعريّة التي يصاحبها الصدق الفنّي. إنّ العمليّة الإبداعية أعقد بكثير من العمليّة الجراحيّة على الأعصاب. لأنّها يحتاج فيها الأديب المبدع إلى تمثّل مجتمع إنساني بكامله؛ بأحاسيسه ومشاعره وردود أفعاله، ينتقل في النص الأدبي من زمن مضى إلى آخر حاضر إلى زمن مستقبل، ومن مكان إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، بكل ما يحمله من مشاعر الفرح أو الحزن أو الأمل أو اليأس.

تطوّرت أحداث الرواية الفراغ بشكل دراميّ، مأساوي، لكنّ بطلها " كريم " لم يخرج من جحيم الفراغ فارغ الوفاض. فقد سارت الأحداث رويدا رويدا، لينجو البطل في آخر المطاف من الغرق والهلاك. (صمد كريم، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ) ص 94.

كريم العائد إلى وعيه ورشده، العائد إلى قريته ومسقط رأسه وأرض أبيه وأجداده، خاطب أمّه بنبرة الحزم والعزم والطموح، قائلا:

" أمّي، سأنبت هنا، أنبت الزرع والشجر إن شاء الله، وسأحوّل أرضنا إلى غرس لم يعرفه الأولون، وجداول إلى مجار في كلّ الاتّجاهات، وسأعيد الأرجوحة إلى شجرة الخرّوب طويلة الأفنان، عريضة الأغصان، وسأكتب اسم أبي في بستانتي بحروف من الورود متعدّدة الألوان والأصناف " ص 95

الإمام، والد كريم، لم يشفع له منصبه الديني وهيبته الأخلاقيّة ومكانته الاجتماعية، كونه شخصيّة محوريّة ومؤثرة في واقعه. يسعى دائما لإلى إصلاح المجتمع، من خلال خطبه ونصائحه، ولكنّه فشل في تربيّة ابنه تربيّة مثاليّة وبناء أسرة نبيلة. هل هو رمز إلى فشل الخطاب الديني وحده في حفظ المجتمع من الآفات المدمّرة. وتنشئة النشء على مكارم الأخلاق. لقد الإمام فقد هيبته الدينيّة ومكانته الأخلاقيّة لدى أهل المدينة، وصار عرضة للهمز واللمز واللوم والعتاب والنقد. (الكلّ يُسخط ويلعن الإمام، كيف بإمام يريد إصلاح بيوت غيره، ويتجاهل ما في كانونه) ص 14.

فالمدينة كلّها تحمّله المسؤوليّة الأخلاقيّة، بحكم منصبه الديني فيها.

إنّ توظيف صورة الإمام بهذا الشكل فيه إيحاء بعجز الخطاب الديني في مجتمع محكوم بأغلال الجهل والأميّة والعادات المميتة.

يقول الإمام: (قد حصدت ما زرعتُ..) ص 36

(أنا الطالح، فرّطت وتغافلت عن تربية أبنائي) ص 36

زوجة الإمام (أمّ كريم): يقول شاعر النيل، حافظ إبراهيم في بيان دور الأم ومكانتها في الأسرة والمجتمع:

الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيّب الأعراق.

الأم أستاذ الأساتذة الألى...شغلت مآثرهم مدى الآفاق.

فأم " كريم " أمّ مفرّطة، مقصّرة، تتحمّل مسؤوليّة انحراف ابنها، وتبعاته. وهي تعترف بذلك ولا تنكر مسؤوليتها، لكن بعد فوات الأوان، ووقوع الفأس على الرأس، كما يقال. (أنا الشريك الأكبر، قصّرت في متابعة ومراقبة حضوره وغيابه، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة، أن كنت؟ ولم تأخرت؟ ومع من كنت؟ ومن اشترى لك هذا الحذاء الفاخر؟) ص 36

الأسرة: أقصد الأب والأم، شريكان في تربيّة الأبناء. شريكان في الربح والخسارة. شريكان في المسؤوليّة الأخلاقيّة. (كلّكم راع، وكلّ راع مسؤول عن رعيته...).

الاسرة هي المدرسة الأولى للطفل، أساتذتها الأم والأب.

البيئة: تدور أحداث الرواية في بيئة مدنيّة، حضريّة، بعد نزوج الإمام وأسرته إليها، ومغادرة قريته الآمنة.

أصدقاء كريم، ثلاثة هم: جعفر الملقّب (جعو)، نذير الملقّب (الغائب)، صهيب الملقّب (الساكت)،

الطاكسيور (صاحب سيارة أجرة): شخص جشع، محب للمال، صاحب معارف لدى فرق أمن الطرقات وشوارعها.

محفوظ القهواجي المتواطىء مع الولد بائع المخدّرات: الذي يحفظ أكياس المخدّرات ويساهم في تسويقها، وهو بمثابة وسيط بين الولد البائع وكريم ورفاقه الذين صاروا يتاجرون في بيع المخدّرات ترويجها في أوساط المجتمع.

كلّهم ضحايا التسرّب المدرسي. ضحايا الإهمال الأسري في بيئة حضريّة يستعبدها المال الحرام ويطوّقها الطمع والجشع للكسب غير المشروع.

لقد طرحت رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين سؤالا فلسفيّا من رحم الواقع المعيش، لا من الحقل الميتافيزيقي المبني على الخيال. والروايّة في حدّ ذاتها تجسّد مقولة (الأدب في خدمة المجتمع). رغم أنّ الأدب لا يمنح حلولا ومخارج للأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة، لكنّه يؤدي دورا مهمّا ورسالة تنويريّة في خدمة المجتمع، في إطار مبدأ الالتزام لا الإلزام. إنّ المدرسة الواقعيّة لعبت دورا، ومازالت كذلك، في إيقاظ الوعي الاجتماعي لدى طبقة المثقفين وكشف أدواء المجتمع بمنهج نقدي، هدفها في ذلك بث روح التقويم والإصلاح ومحاربة الآفات المميتة بأسلوب واقعيّ، بعيدا عن الفلسفة العبثيّة والمنهج السرياليّ الغارقين في الغموض والغائيّة الميتافيزيقيّة.

وختاما، فإنّ روية " الفراغ " للروائي محمد عياشين، إضافة مميّزة للمعمار السردي الجزائري والعربي، لها مكانتها في المكتبات الوطنيّة العامة والمكتبات المدرسيّة، ليطّلع عليها القاريء الشغوف بالقراءة، ويستخلص من أحداثها العبرة السانحة والموعظة الحسنة.

***

بقلم الأستاذ: علي فضيل العربي / روائي وناقد جزائري

....................

هامش:

* مقطع من قصيدة " فراغ " للشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس).

وأنا أقرأ رواية «عند باب الأزج» لنيران العبيدي، لم أستطع أن أتعامل مع بغداد باعتبارها مكاناً تجري فيه الحوادث فحسب. فالمدينة كانت تتقدم كلما تقدمت الصفحات، وتتزاحم الشخصيات، وتفرض رائحتها وصوتها وطبقاتها القديمة على الحكاية: الجامعة، المقهى، باب الشيخ، باب الأزج، التكية، الأزقة، المقابر، والشوارع التي تبدل وجوهها حين يتبدل وجه الزمن. لم تعد المدينة وعاءً للحكاية، بل غدت جزءاً من نسيجها ومن المصائر التي تتحرك داخلها.

هذه، في رأيي، واحدة من أهم فضائل الرواية. نيران العبيدي لا تذهب إلى التاريخ من بابه الرسمي. لا تبدأ من القصور والخطب والبيانات لكي تهبط بعد ذلك إلى الناس، بل تدخل إليه من نافذة بيت، ومن خوف أم، ومن نقاش بين الطلبة، ومن فتاة جاءت إلى بغداد للدراسة فاكتشفت أن المدينة ستعلمها أشياء لا علاقة لها بالمناهج والجامعة.

ضحى هي العين التي نرى بها هذا العالم وهو يتسع ويضيق في الوقت نفسه. جاءت إلى بغداد وفي داخلها دهشة القادم إلى مدينة أكبر من معارفه السابقة. أرادت أن تتعلم، وأن ترى، وأن تختبر الحياة بوعيها هي. وتختصر علاقتها الأولى بالعاصمة بعبارة صغيرة وحادة:

«جئت للدراسة، بغداد جذابة وغدارة.» (ص 26)

لكن المدينة التي فتحت لها باب المعرفة فتحت أمامها أبواباً أخرى أقل طمأنينة. الحب، والدين، والعائلة، والطبقة، والسياسة، والخوف. ومن هنا تخرج ضحى تدريجياً من حدود بطلة قصة حب لتصبح الشخصية التي تتجمع عندها أسئلة الرواية.

أهم ما فيها أنها لا تعرف كل شيء منذ البداية. تتردد، وتصدق، وتشك، وتخاف، وتغضب، وتتغير بعض أفكارها مع التجربة. وهذا أقرب إلى طبيعة الإنسان من تقديم امرأة تدخل الرواية مكتملة الوعي، حاملة أجوبتها الفكرية معها. الوعي لا يصل عادة إلى الإنسان دفعة واحدة. التجربة هي التي تفتح فيه مواضع السؤال.

وحين تواجه ضحى محاولة اختزالها في أصلها العائلي تقول:

«أنا ابنة مالك، وهذا لا ينقص من إيماني وتفكيري.» (ص 59)

لا تبدو هذه العبارة إعلاناً أيديولوجياً عن «تحرر المرأة»، بقدر ما هي دفاع عن حق الإنسان في ألا يحكم عليه من اسمه وأصله وميراثه العائلي. ومن هذه المواقف الصغيرة يتكون الجانب النسوي في الرواية بصورة أكثر إقناعاً من الشعارات المباشرة.

الدراسة، واختيار الحب، وتأجيل الزواج، والسؤال في الدين، والخروج إلى المجال العام، والاحتفاظ بحق التفكير خارج الإجابات الموروثة، لا تظهر في حياة ضحى قضايا منفصلة. إنها متشابكة، لأن المرأة لا تواجه سلطة واحدة. العائلة قد تحاصرها باسم الحماية، والمجتمع باسم السمعة، والسياسة باسم القضية، والدين حين يتحول من إيمان شخصي إلى تعريف يضعه الآخرون لها.

لكن الرواية لا تبسط العالم إلى رجال ظالمين ونساء مظلومات. بعض النساء أنفسهن يحملن شيئاً من النظام الذي يقيدهن، ويسهمن، بقصد أو من دونه، في حراسته. وهذا أكثر صدقاً من توزيع البراءة والذنب على أساس الجنس وحده.

ثم يأتي حسين البهرزي. كان من الممكن أن تبقى علاقته بضحى قصة حب مألوفة، لكن الرواية تمنح هذه العلاقة معناها الأعمق عندما يبدأ الغياب. فبعد أن يتراجع حضور حسين المباشر، يصبح وجوده في حياة ضحى مرتبطاً بالانتظار والخبر الناقص والرسالة والخوف والذاكرة. والغائب، أحياناً، لا يختفي من حياة من أحبوه، بل تتولى الذاكرة إعادة حضوره كلما ابتعد الزمن.

ومن هنا تدخل السياسة في العلاقة بين الاثنين، لا بوصفها نقاشاً يجري خارج حياتهما، وإنما قوة تغير مصائر البشر نفسها. تقول ضحى:

«لو كان للحب معنى لما وجدت كل هذه الصراعات... كرهت كلمة السياسة لأنها فرقت ما بيني وأبناء عمومتي.» (ص 50)

تبدأ السياسة في الجامعة والمقاهي نقاشاً بين الطلبة وأفكاراً متعارضة، ثم لا تلبث أن تغادر الكلام إلى الملاحقة والاعتقال والرصاص والموت والاختفاء. عند ذلك يصبح من الصعب الفصل بين الحياة الخاصة والحياة السياسية.

في العراق الذي تستعيده الرواية كان الخلاف السياسي قادراً على اقتحام الوظيفة والبيت والعائلة والصداقة والحب، ثم الوصول إلى حياة الإنسان نفسها. وتكشف شخصية عبد العزيز هذا التحول بقسوة. ما يبدأ موقفاً أو رأياً يتحول إلى مطاردة، ثم ينتهي إلى موت. وعندها تفقد النقاشات الأولى شيئاً من براءتها، لأن السلاح حين يدخل المشهد لا يترك للأفكار المساحة نفسها التي كانت تملكها.

لكن الرواية، وهي تنجح في إظهار أثر التاريخ في حياة الشخصيات، تدخل إلى باب آخر أحياناً عندما تتولى شرح التاريخ بدلاً من تركه يعمل داخل السرد.

تمتلك نيران العبيدي مادة واسعة من الأنساب والعائلات والقبور والأحداث السياسية والشخصيات التاريخية والمرويات الشعبية، وصولاً إلى ابن العلقمي وسقوط بغداد والتحولات الاجتماعية والدينية. ليست المشكلة في وجود هذه المادة، فبعضها ضروري لفهم العالم الذي تستعيده الرواية. المشكلة تظهر عندما تنفصل المعلومة عن حركة الشخصية وتصبح قائمة بذاتها، فنغادر السرد للحظات إلى مادة أقرب إلى البحث التاريخي.

ومن الأمثلة الواضحة افتتاح أحد المقاطع بهذه الصيغة:

«كان بيدي كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي، يقول ابن العلقمي وزير المستعصم بالله خائن...» (ص 95)

السؤال التاريخي هنا مهم، لكن الأهم روائياً هو الطريقة التي يدخل بها إلى حياة الشخصية. فهناك فرق بين أن نعرف التاريخ لأن ضحى اصطدمت بأثره في حياتها، وبين أن تتوقف حركتها كي يفسح السرد المجال لمعلومة تاريخية مطولة.

الرواية تكون أقوى كلما وثقت بالمشهد. جنازة تمر في الزقاق، امرأة تنتظر خبراً، مقهى تتغير وجوه رواده ونبرات أصواتهم، كلها تستطيع أن تحمل من السياسة والتاريخ أكثر مما تحمله أحياناً صفحات التفسير. المشهد الروائي لا يحتاج دائماً إلى أن يقول كل شيء، لأن جزءاً من قوته يأتي مما يتركه للقارئ.

ولهذا كنت أميل أكثر إلى المقاطع التي تخف فيها رغبة الراوية في الشرح، وتبدأ التفاصيل الصغيرة بأداء دورها. بغداد في هذه المقاطع حاضرة بقوة. رائحة ماء الورد، حلقات الذكر، أصوات الباعة، التكايا، المقاهي، المتسولون، الجسور، الشوارع، الجنازات، المقابر، الشتاء، ومياه الأزقة.

حتى عبارة عابرة مثل:

«رائحة ماء الورد تكثر على القادمين من كربلاء.» (ص 31)

تمنح المكان جسداً وحاسة وذاكرة. تستطيع الوثيقة أن تحدد الحكام والانقلابات والسنوات، لكنها لا تستطيع دائماً أن تستعيد رائحة الشارع ولا صوت الناس ولا ملمس حياتهم اليومية. هنا تتقدم الرواية إلى المنطقة التي تعجز عنها الوثيقة.

والمكان عند نيران العبيدي ليس مجرد أسماء تحفظها ذاكرة بغداد. لكل مكان طبقته الاجتماعية ونبرته وطريقته في تشكيل حياة من يسكنه. وحين تنتقل ضحى بين الأمكنة، فإنها لا تقطع مسافة جغرافية فحسب، بل تنتقل بين مستويات اجتماعية وتصورات مختلفة عن الحياة.

حتى الشارع نفسه يتغير مع الزمن. الطريق الذي كان ممراً إلى الجامعة والمقهى وموعد الحب يمكن أن يصبح بعد ذلك طريقاً للخوف أو الجنازة أو المطاردة. ولا تحتاج المدينة إلى أن تعلن إصابتها لكي نشعر بما حدث لها. يكفي أن تتغير علاقة الناس بشوارعها.

وثمة طبقة أخرى في الرواية تتصل بالعلاقة بين الذاكرة والحقيقة. فالراوية تنقب في القبور والأنساب والحكايات وما يقوله الناس، وتحاول أن تعرف أين ينتهي الخبر وأين تبدأ الأسطورة العائلية. وهذه منطقة خصبة في السرد العراقي، لأن تاريخ البلاد لم يكن محفوظاً في الكتب وحدها. هناك تاريخ يعيش في اسم الجد، وفي البيت الذي هدم، وفي قبر تختلف الروايات حول صاحبه، وفي حكاية تتناقلها العائلة حتى تختلط فيها الحقيقة بما أضافته السنوات.

وأظن أن الرواية كانت تستطيع أن تذهب أبعد في هذا الاتجاه لو تركت بعض هذه الحكايات في منطقة الالتباس، من دون محاولة الوصول دائماً إلى تفسير نهائي لها. فالشك نفسه قد يكون أحياناً جزءاً من حقيقة الذاكرة.

أما اللغة، فإنها تكون أكثر حياة حين تقترب من ألسنة الناس ولا تحاول تهذيبهم أدبياً أكثر مما ينبغي. الحوار العراقي يمنح الشخصيات حرارة وانتماءً، واللهجة ليست زينة محلية تضاف إلى الرواية، بل تساعد في تحديد الشخصية ومكانها وعمرها وطبقتها الاجتماعية.

لكن اللغة تصبح أثقل عندما تكلف بعض الشخصيات بشرح خلفيات تاريخية للقارئ. عندها لا نعود دائماً نسمع الشخصية نفسها، بل نسمع المعلومة التي يريد السرد إيصالها من خلالها. وكان من الممكن أن تستفيد هذه المقاطع من شيء من الاختصار والتحرير.

الرواية لا تحتاج إلى المزيد من المادة. لديها منها ما يكفي وأكثر. ما تحتاجه أحياناً هو الانتقاء، لأن كثرة المادة لا تتحول وحدها إلى قوة روائية.

في «عند باب الأزج» أكثر من مسار: سيرة امرأة، وذاكرة مدينة، وقصة حب، وتحولات سياسية، وأنساب عائلية، وتأمل في الدين والتصوف والتاريخ. تكون الرواية في أفضل حالاتها عندما تمر هذه المسارات جميعاً من خلال تجربة ضحى، وتضعف حين يستقل أحدها عنها زمناً أطول مما يحتمل السرد.

ولهذا لا أظن أن قيمة الرواية الأساسية تكمن في إحكام الحبكة بالمعنى التقليدي. فهي ليست رواية تتحرك وفق بناء شديد الاقتصاد، ولا يخدم كل جزء فيها وظيفة محسوبة بدقة. قوتها في مكان آخر، في قدرتها على استعادة عالم كامل بتناقضاته وطبقاته وذاكرته.

نشعر أن وراء الصفحة حياة كانت موجودة فعلاً، وأن الشخصيات لا تتحرك في فراغ تاريخي. وهذه من الأشياء التي يحتاجها السرد العراقي حين يعود إلى ماضيه، لا لكي يعيد سرد الأحداث الكبرى مرة أخرى، وإنما ليستعيد الإنسان الذي كان يعيش تحت ثقلها.

من السهل أن نعرف أن انقلاباً حدث، أو أن نظاماً سقط، أو أن حزباً صعد وآخر اختفى. لكن الرواية تذهب إلى نتائج أخرى لهذه الأحداث: ماذا جرى لفتاة كانت تحب؟ ماذا حدث لأم تنتظر ابنها؟ ماذا بقي من صداقة قديمة؟ وكيف يتحول طريق كانت تسلكه امرأة بلا خوف إلى مكان تتلفت فيه وراءها؟

لهذا بقيت ضحى في ذهني أكثر من كثير من الأحداث السياسية، وبقي حسين مرتبطاً في الذاكرة بغيابه، وبقيت بغداد حاضرة وراء الجميع.

بغداد البيوت والمقاهي والأزقة والطلبة والأمهات والعشاق. ليست بغداد الصورة التي تحفظها الكتب السياحية، ولا بغداد التي تتنازعها الخطب السياسية، وإنما المدينة التي يحملها من عاشوها حتى بعد أن تتغير بعض ملامحها أو تختفي.

وقرب النهاية تأتي عبارة تلتقي فيها ذاكرة الحبيب بذاكرة المدينة:

«تذكرتك مرة أخرى، وكيف لا وأنت لا زلت هنا في القلب، في هذه الأزقة المثقلة بالتراب والخيبات.» (ص 150)

ومن هنا يكتسب عنوان «عند باب الأزج» معنى يتجاوز الإشارة إلى حي قديم. الباب يصبح موضعاً تتجاور عنده الأزمنة والحكايات، وما عاشته الشخصيات، وما بقي منها بعد أن تغيرت المدينة وتغير العراق.

قيمة الرواية، في رأيي، ليست في أنها تخبرنا بما حدث للعراق، فالوثائق وكتب التاريخ أكثر قدرة على تسجيل الوقائع وتواريخها. الرواية تفعل شيئاً آخر. إنها تنظر إلى أثر تلك الوقائع في البشر، وإلى ما يبقى في حياتهم وذاكرتهم بعد مرور الأحداث الكبرى.

والسؤال الذي يبقى بعد القراءة ليس فقط: ماذا حدث للعراق؟

بل ماذا حدث بأولئك الناس العاديين الذين حاولوا أن يعيشوا حياتهم بينما كان العراق يتغير من حولهم؟

***

فؤاد ميرزا

من أرشيف الذاكرة إلى أنطولوجيا الكينونة، قراءة ببليوغرافية وأنطولوجية في قصيدة تجعل الأسطورة مرآةً للإنسان، والحصى ذاكرةً، والبوح امتحاناً للموت

ليست بعض القصائد نصوصاً تُقرأ ثم تُطوى، لأن قيمتها لا تستنفدها لحظة النشر، ولا يحدّها زمن كتابتها، وإنما تتحول، حين تبلغ درجة معينة من التكثيف والرؤية، إلى وثائق روحية تحفظ للإنسان صورته في لحظة تاريخية ونفسية وحضارية محددة. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى قصيدة «بَطْنُ الأَسَاطِيرِ» للشاعرة هدى عزالدين بوصفها نصاً يتجاوز وظيفته الشعرية المباشرة، ليغدو شاهداً على إنسان معاصر يقف بين ركام الذاكرة وقلق المستقبل، بين الأسطورة بوصفها ماضياً مؤسساً، والذات بوصفها حاضراً مأزوماً، وبين الرغبة في الخلود والوعي العميق باستحالة الإفلات من الموت.

إن أهمية هذه القصيدة لا تنبع من كثرة الرموز التي تستدعيها فحسب، وإنما من الطريقة التي تعيد بها ترتيب العلاقة بين الرمز والإنسان. فالأسطورة لا تظهر هنا باعتبارها مادة حكائية جاهزة، ولا باعتبارها زخرفاً ثقافياً يستعرض معرفة الشاعرة بالموروث، بل تتحول إلى مختبر وجودي تُعاد داخله صياغة الأسئلة القديمة في لغة إنسان جديد.

ومن هنا فإن «بطن الأساطير» ليست قصيدة عن الأسطورة بقدر ما هي قصيدة عن الإنسان الذي اكتشف أن الأسطورة تسكن داخله.

أولاً: القيمة الببليوغرافية للنص ـ حين يصبح الشعر وثيقةً للذاكرة

الببليوغرافيا، في معناها الأعمق، ليست مجرد تسجيل لاسم المؤلف والعنوان ومكان النشر وتاريخ الإصدار؛ إنها أيضاً محاولة لحفظ أثر النص في زمنه، وتحديد موقعه في سلسلة الذاكرة الثقافية التي تنتقل من جيل إلى جيل.

ومن هذه الزاوية، تأتي «بطن الأساطير» بوصفها نصاً قابلاً للأرشفة النقدية؛ لأنها تختزن مجموعة من العلامات التي تكشف عن حساسية شعرية تنتمي إلى زمن تتداخل فيه الأسطورة مع علم النفس، والوجودية مع الذاكرة، والهوية الفردية مع الموروث الجمعي.

فالقصيدة لا تتعامل مع الأسطورة كما تعاملت معها الملاحم القديمة؛ لا تعيد بناء عالم الآلهة والأبطال، ولا تستعيد الحكاية الأسطورية بوصفها حدثاً خارجياً، وإنما تُدخل الأسطورة إلى الجسد الإنساني.

وهذه النقلة هي التي تمنح النص قيمته الوثائقية.

إنها تسجل، شعرياً، انتقال الإنسان من مرحلة كان يبحث فيها عن تفسير العالم خارج ذاته، إلى مرحلة صار فيها العالم كله يُعاد تأويله من خلال الداخل الإنساني.

وبذلك تصبح القصيدة وثيقة عن تحوّل الوعي: من الأسطورة بوصفها تفسيراً للكون، إلى الأسطورة بوصفها تفسيراً للذات.

وهنا تكمن إحدى إمكانات النص في البقاء؛ فالأجيال المقبلة قد لا تعيش الظروف النفسية والثقافية نفسها التي كتبت فيها القصيدة، لكنها ستظل قادرة على التعرف إلى نفسها في سؤالها المركزي: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش وهو يحمل في داخله المتناقضات كلها؟

ثانياً: من «الحصى» إلى «الهرم» ـ أرشيف الأشياء الصغيرة

تبدأ القصيدة من مادة متواضعة:

«جَمَعْتُ بَعْضَ الحَصَى

كَيْ أَبْنِيَ هَرَمًا»

وهنا تتأسس المفارقة الأولى.

فالهرم، في المخيال الإنساني، علامة على العظمة والاستمرار ومقاومة الزمن؛ أما الحصى فمادة صغيرة، متواضعة، متناثرة. لكن الشاعرة تجعل من هذه المادة الصغيرة أساساً لبناء ضخم.

إنها بذلك تؤسس فلسفة شعرية يمكن اختزالها في فكرة:

العظيم لا يولد بالضرورة من العظيم؛ فقد يكون الخلود نفسه محصلةً لتراكم الأشياء التي ظن الإنسان أنها صغيرة.

الحصى هنا ليس حجراً وحسب؛ إنه بقايا التجربة.

كل حصاة يمكن أن تكون ذكرى، جرحاً، خوفاً، خسارة، حلماً، كلمة لم تُقل، أو لحظة لم تجد طريقها إلى النسيان.

وحين تجمع الذات الحصى، فإنها لا تجمع الأشياء بقدر ما تجمع شظايا وجودها.

وهكذا يتحول البناء إلى فعل نفسي وأنطولوجي في آن واحد: الذات تريد أن تمنح حياتها شكلاً، وأن تحول الفوضى إلى هندسة، والبعثرة إلى كيان، والزمن المتساقط إلى أثر يقاوم السقوط.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا الهرم يُقام على:

«أرض الأساطير»

أي على أرض غير مستقرة تماماً، لأن الأسطورة ليست تاريخاً محضاً، وليست واقعاً محضاً؛ إنها منطقة وسيطة بين الحقيقة والخيال، بين الذاكرة والتخييل، بين ما حدث وما كان ينبغي أن يحدث.

وهكذا يصبح أساس البناء نفسه موضع سؤال.

ثالثاً: «بطن الأساطير» ـ الرحم الأول للإنسان

العنوان وحده يستحق قراءة مستقلة.

«بطن الأساطير» تركيب شديد الكثافة؛ لأن كلمة «البطن» تستدعي الرحم، والمولد، والداخل، والمخبوء، والمجهول، كما تستدعي في الوقت نفسه المكان الذي تتشكل فيه الأشياء قبل خروجها إلى العالم.

أما «الأساطير» فتشير إلى الذاكرة الجمعية التي راكمتها البشرية منذ أن بدأت تسأل عن أصلها ومصيرها.

ومن التقاء الكلمتين يتشكل فضاء رمزي يمكن تسميته:

رحم الوعي الجمعي.

إن الشاعرة لا تقف خارج الأسطورة لترويها، بل تدخل إلى بطنها، إلى مكان تشكلها الأول، لتبحث عن الإنسان قبل أن تكتمل صورته.

وهنا يأخذ العنوان بعداً أنطولوجياً عميقاً:

من أين يولد الإنسان؟

هل يولد من النور وحده؟

أم من الظلام والنور معاً؟

هل يكون خيراً خالصاً؟

أم أن الشر جزء من بنيته الأولى؟

هل يستطيع أن يفهم نفسه إذا حذف نصفه المظلم؟

إن «البطن» في القصيدة ليس بطن الجسد وحده، وإنما باطن الكينونة.

رابعاً: الماء والسماء والنجم ـ صعود الذات من المادة إلى المعنى

بعد الحصى والهرم تنتقل الذات إلى الماء والسماء:

«وَهَا أَنَا أَسِيرُ فَوْقَ المَاءِ»

ثم:

«أُقَبِّلُ شَفَتَيِ السَّمَاءِ»

ثم يظهر:

«نَجْمٌ»

وهذه الحركة ليست انتقالاً مكانياً عابراً، بل هي حركة أنطولوجية من الثقل إلى الخفة، ومن الأرض إلى الماء، ومن الماء إلى السماء.

الحصى يمثل الثقل.

الماء يمثل التحول.

السماء تمثل التطلع.

والنجم يمثل الإمكان.

كأن الذات تبدأ من المادة ثم تحاول تجاوزها، لكنها لا تستطيع التخلص منها تماماً. فهي تحمل الحصى في ذاكرتها، حتى وهي تمشي فوق الماء، وتبحث عن السماء وهي تعرف أنها ابنة الأرض.

وهنا يتجلى جوهر التجربة الإنسانية:

نحن كائنات أرضية تتطلع إلى السماء.

نعيش في الجسد، لكننا نحلم بالمعنى.

نولد في الزمن، لكننا نتوق إلى الخلود.

نسكن الأرض، لكننا لا نتوقف عن البحث عن نجم يدلنا على الطريق.

خامساً: حين يتكلم الحصى ـ انقلاب العلاقة بين الإنسان والعالم

من أكثر اللحظات دلالة في القصيدة أن الحصى يفقد صمته:

«حَدَّثَنِي الحَصَى قَائِلًا»

هنا تنقلب العلاقة التقليدية بين الذات والموضوع.

لم تعد الشاعرة هي التي تمنح الأشياء معناها؛ الأشياء نفسها أصبحت قادرة على مساءلتها.

وهذا التحول يعيدنا إلى بنية قديمة في الوعي الإنساني، حين كان الإنسان يرى في الأشياء علامات ورسائل وأصواتاً. لكن الشاعرة لا تعود إلى ذلك الوعي عودةً ساذجة؛ بل تستثمره لكي تجعل العالم الخارجي لغةً للداخل.

الحصى يتكلم لأن شيئاً في الذات يريد أن يتكلم.

ومن هنا يصبح السؤال الذي يوجهه الحصى سؤال الذات نفسها:

«هَلْ جَمَعْتَنِي لِرَجْمِ شَيْطَانٍ،

أَمْ أُقِيمُ فِي بَيْتٍ خَالٍ مِنَ المَلَائِكَةِ؟»

إن السؤال لا يضعنا أمام الخير والشر وحدهما، بل أمام سؤال أخطر:

ماذا يحدث للإنسان حين يحارب الشر ولا يجد الخير؟

فالفراغ من الملائكة قد يكون أفظع من حضور الشيطان.

وهذه إحدى أكثر الطبقات الفلسفية عمقاً في النص؛ لأن الشر يمكن مقاومته، أما غياب المعنى فيجعل المقاومة نفسها موضع شك.

سادساً: الشيطان والملك ـ أنطولوجيا الإنسان المزدوج

تبلغ القصيدة ذروتها في الصورة:

«لَيْتَنِي أَشُقُّ بَطْنِي نِصْفَيْنِ،

لِأَكُونَ حَبْلَى بِشَيْطَانٍ وَمَلَكٍ»

إنها ليست صورة غرائبية لمجرد الإدهاش؛ إنها قلب القصيدة الفلسفي.

فالذات لا تقول: أريد أن أقتل الشيطان.

ولا تقول: أريد أن أكون ملاكاً.

بل تقول، في جوهر رؤيتها:

أريد أن أحمل الاثنين.

وهذا يعني أن الإنسان، في التصور الشعري للنص، ليس كائناً أحادي البنية، وإنما كائن مركب من النقيضين.

وهنا تتجاوز الشاعرة الثنائية الأخلاقية المبسطة لتصل إلى سؤال أنطولوجي:

هل يمكن للإنسان أن يكون إنساناً من دون ظله؟

إن محاولة حذف الجانب المظلم من الذات قد تكون في بعض الأحيان محاولة لحذف جزء من الحقيقة الإنسانية.

فالشيطان هنا يمكن أن يكون رمزاً للرغبة، والغضب، والتمرد، والخوف، والجموح، والجانب المكبوت؛ بينما الملك يمثل النقاء، والضمير، والرحمة، والتعالي، والبحث عن المعنى.

والذات تريد ولادة الاثنين.

وهذا يعني أن القصيدة لا تدعو إلى الشر، ولا تمجد النقيض، وإنما تقول شيئاً أكثر تعقيداً:

إن اكتمال الإنسان لا يتحقق بإنكار تناقضاته، بل بالوعي بها.

سابعاً: الهرم من الرمل ـ مأساة الخلود الهش

ثم تأتي المفارقة:

«فِي هَرَمٍ مِنْ رَمْلٍ»

وهنا يعود الهرم، لكن بعد أن فقد صلابته.

في البداية كان الهرم مشروع خلود؛ وفي النهاية يتحول إلى بناء رملي.

وهذا من أجمل مفاتيح القصيدة.

فالإنسان يريد أن يبني ما يبقى، لكنه يبني بمواد قابلة للفناء.

يكتب، كي يقاوم النسيان.

يحب، مع علمه بالفراق.

ينجب، وهو يعرف الموت.

يبني، وهو يعرف أن الزمن سيعيد تشكيل ما بناه.

إن مأساة الإنسان ليست في أنه يموت فحسب، بل في أنه يبني وهو يعرف أنه سيموت.

ومن هنا تصبح الكتابة نفسها فعلاً مضاداً للفناء.

والقصيدة، في هذه الحالة، ليست مجرد تعبير عن الموت؛ إنها مقاومة شعرية له.

ثامناً: الخوف بوصفه مادةً ـ حين يتحول المجرد إلى محسوس

تصل التجربة إلى:

«بَيْنَ حَصَوَاتِ خَوْفِي»

وهنا تعود الحصوات من جديد.

لكن الحصى الذي بدأ بوصفه مادة بناء يتحول الآن إلى مادة خوف.

وهذه الدائرة الداخلية شديدة الإحكام:

الحصى → البناء → الهرم → الخوف → الحصى.

كأن الإنسان قد يبني من مخاوفه ما يظنه خلاصاً، ثم يكتشف أن خلاصه نفسه يحمل آثار خوفه.

فالخوف ليس شعوراً عابراً في القصيدة، بل مادة تتشكل منها الذات.

وهذا يمنح النص بعداً نفسياً وفلسفياً معاً: الإنسان لا يعيش فقط بما يحب، بل أيضاً بما يخافه.

تاسعاً: البوح ـ اللغة حين تصبح هاوية

تقول القصيدة:

«ثُمَّ يُغْرِقُنِي البَوْحُ»

وهذه العبارة تختزل موقفاً شعرياً بالغ النضج.

فالكتابة ليست خلاصاً دائماً.

والبوح ليس تطهيراً مضموناً.

قد يكون الكلام أحياناً أشبه بفتح سدٍّ أمام مياه الذاكرة.

حين نتكلم، لا نخرج الجرح دائماً؛ قد نستدعيه.

وحين نكتب عن الموت، لا نبتعد عنه بالضرورة؛ قد نصير أكثر قرباً منه.

وحين نكشف أعماقنا، قد لا نتحرر من غموضها، بل نكتشف طبقات جديدة من المجهول.

ولهذا فإن البوح في القصيدة فعل مزدوج:

نجاة وغرق، كشف واختفاء، تطهير واستدعاء للجرح.

وهنا تتحول اللغة من وسيلة اتصال إلى كائن وجودي؛ فالقول نفسه يصبح تجربة، وليس مجرد وصف للتجربة.

عاشراً: «موعد جديد للموت» ـ الموت الذي يتكاثر

تختم القصيدة بكشف:

«مَوْعِدًا جَدِيدًا لِمَوْتِي»

ولعل كلمة «جديد» هي مفتاح الخاتمة.

فالموت ليس موعداً واحداً.

هناك موت الجسد، ولكن هناك أيضاً موت الأحلام، وموت اليقين، وموت العلاقات، وموت الأمكنة في الذاكرة، وموت النسخ القديمة من ذواتنا.

قد يموت الإنسان مرات كثيرة قبل موته الأخير.

ولهذا يصبح الموت في «بطن الأساطير» عملية وجودية مستمرة، لا مجرد نهاية بيولوجية.

والقصيدة، إذ تنتهي بالموت، لا تنتهي فعلياً؛ لأن سؤال الموت يعيد فتح سؤال الحياة.

حادي عشر: القصيدة بوصفها أنطولوجيا للإنسان

إذا أردنا اختزال البنية العميقة للنص في سؤال واحد، فلن يكون:

ما معنى الأسطورة؟

بل:

ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً؟

ومن هنا يمكن قراءة القصيدة باعتبارها أنطولوجيا شعرية صغيرة، ترسم الكائن الإنساني في حالاته المتناقضة:

إنسانٌ يبني وهو يعرف الفناء.

ويحب وهو يعرف الفقد.

ويبوح وهو يخشى الغرق.

ويطلب النور وهو يحمل الظلام.

ويبحث عن الخلاص وهو يعرف أن الخوف يسكنه.

ويصنع الهرم من الرمل، ثم يقف أمامه مبهوراً وهشاً.

وهذا تحديداً ما يمنح القصيدة قيمتها العابرة للزمن؛ لأنها لا ترهن نفسها لحدث واحد، ولا لمناسبة محددة، ولا لموقف سياسي عابر، بل تنزل إلى الطبقة التي لا تتغير كثيراً في الإنسان: خوفه، ورغبته، وذاكرته، وحاجته إلى المعنى، ورعبه من الفناء.

ثاني عشر: من الأسطورة الجمعية إلى الأسطورة الشخصية

الأسطورة في القصيدة ليست ماضياً جاهزاً، بل مادة أولية لصناعة أسطورة جديدة: أسطورة الذات.

وهنا يتحقق التحول الأكبر.

فالأساطير القديمة كانت تمنح الإنسان تفسيراً للعالم.

أما الشاعرة فتستخدم الأسطورة لكي تمنح الإنسان تفسيراً لنفسه.

وهذا انتقال من:

الميثولوجيا إلى السيكولوجيا،

ومن السيكولوجيا إلى الأنطولوجيا،

ومن الأنطولوجيا إلى الشعر.

فالشيطان والملك ليسا شخصيتين أسطوريتين وحسب؛ إنهما احتمالان داخل الإنسان.

والهرم ليس بناءً أثرياً؛ إنه صورة للذاكرة.

والحصى ليس حجارة؛ إنه فتات التجربة.

والماء ليس عنصراً طبيعياً؛ إنه فضاء للتحول.

والسماء ليست سقفاً كونياً؛ إنها أفق التطلع.

والنجم ليس جسماً سماوياً؛ إنه علامة على إمكان الخروج من العتمة.

والبطن ليس عضواً جسدياً؛ إنه المختبر الأول للكينونة.

ثالث عشر: اقتصاد اللغة وكثافة العلامة

من الناحية الفنية، تقوم القصيدة على اقتصاد لغوي واضح؛ فهي لا تحتاج إلى الإسهاب كي تنتج فضاءً تأويلياً واسعاً.

وهذا من سمات الشعر الذي يثق بالصورة.

فالمفردة في النص لا تؤدي وظيفة معجمية فقط، بل تحمل شبكة من الإيحاءات.

الحصى يحمل معنى الصلابة والتفتت معاً.

الهرم يجمع الخلود والهشاشة.

الماء يجمع الحياة والغرق.

السماء تجمع العلو والبعد.

النجم يجمع الظلام والهداية.

الشيطان يجمع الخوف والتمرد.

الملك يجمع النقاء والسلطة الروحية.

البطن يجمع الولادة والانقسام.

الرمل يجمع التراكم والانهيار.

البوح يجمع النجاة والغرق.

الموت يجمع النهاية والبداية.

وهكذا لا تعمل الرموز منفردة، بل داخل منظومة دلالية واحدة؛ وهذا ما يجعل القصيدة قابلة لإعادة القراءة من زوايا متعددة.

رابع عشر: لماذا يمكن أن تبقى «بطن الأساطير» وثيقة للأجيال؟

لأن الوثيقة الأدبية الحقيقية لا تحفظ الحدث فقط؛ إنها تحفظ طريقة الإنسان في الشعور تجاه الحدث.

وقد لا يعرف قارئ بعد خمسين أو مئة عام كل الظروف الدقيقة التي أحاطت بكتابة هذه القصيدة، لكنه حين يقرأها سيجد فيها إنساناً يسأل:

كيف أحمي نفسي من خوفي؟

كيف أحمل تناقضاتي؟

كيف أبني شيئاً يبقى؟

كيف أواجه الموت؟

كيف أقول ما لم أستطع قوله؟

كيف أكون خيراً من دون أن أنكر ظلي؟

هذه الأسئلة لن تنتهي بانتهاء زمن الشاعرة؛ لأنها أسئلة الإنسان نفسه.

ومن هنا فإن القيمة التاريخية للقصيدة لا تكمن فقط في أنها تنتمي إلى مرحلة شعرية معينة، وإنما في قدرتها على أن تصبح شهادة على الوعي الإنساني في عصرها.

إنها تسجل لحظة كان الإنسان فيها محاطاً بكثرة المعلومات، لكنه لا يزال يواجه الأسئلة القديمة ذاتها: الخوف، المصير، الحب، الشر، الخير، الموت، والبحث عن المعنى.

خامس عشر: هدى عزالدين ـ الشاعرة التي تستدعي الأسطورة لكي تنقض سلطتها

لا تستعير هدى عزالدين الأسطورة لتختبئ وراءها؛ بل تستخدمها لكي تكشف هشاشتها.

إنها لا تقول لنا: هذه هي الأسطورة.

بل تقول، على نحو مضمر:

هذه هي الأسطورة حين تمر عبر جسد إنسان معاصر.

وبذلك لا تعود الأسطورة سلطة فوق الإنسان، وإنما تصبح مادة طيعة في يد الوعي الشعري.

وهذه نقطة مهمة في تجربة الشاعرة؛ لأنها تكشف عن كتابة لا تتعامل مع التراث باعتباره متحفاً مغلقاً، وإنما باعتباره مادة قابلة لإعادة الخلق.

إنها لا تكرر الأسطورة، بل تُشخّصنها.

لا تستعيدها، بل تؤنسنها.

لا تعيد روايتها، بل تجعلها تعبر من الخارج إلى الداخل.

وهنا تكمن حداثة الاشتغال.

خاتمة: حين يصبح الشعر أثراً يقاوم النسيان

إن «بطن الأساطير» قصيدة صغيرة في حجمها، لكنها واسعة في مجالها الوجودي. تبدأ بحصى، وتنتهي بالموت، وبين البداية والنهاية تقطع الذات مسافةً هائلة من الأرض إلى الماء، ومن الماء إلى السماء، ومن السماء إلى الباطن، ومن الباطن إلى الخوف، ومن الخوف إلى البوح، ومن البوح إلى سؤال المصير.

إنها قصيدة لا تسأل فقط: ماذا نبني؟

بل تسأل:

ممَّ نبني؟

ونكتشف أن الإنسان لا يبني أهرامه من الحجارة وحدها؛ بل يبنيها من ذاكرته، وخوفه، وحبه، وفقده، وأخطائه، وأسئلته، وأحلامه، ومن الكائنات المتناقضة التي تسكن أعماقه.

ثم يقف أمام ذلك البناء ويسأل:

هل شيدتُ أثراً يقاوم الموت؟

أم صنعتُ قبراً جميلاً للخوف؟

وفي هذه المنطقة المعلقة بين الخلود والفناء، بين الملاك والشيطان، بين الهرم والرمل، بين البوح والغرق، تستمد القصيدة قوتها الحقيقية.

إن «بطن الأساطير» لا تقدم إجابة نهائية؛ وهذه إحدى فضائلها الكبرى. فالنص الشعري الكبير لا يغلق السؤال، وإنما يمنحه قدرةً جديدة على البقاء.

ولعل هذا هو ما يجعل القصيدة جديرة بأن تُحفظ في الذاكرة الأدبية لا بوصفها نصاً منجزاً في زمنه فحسب، بل بوصفها وثيقةً عن إنسان ظل، عبر الأزمنة، يحاول أن يفهم نفسه وهو يعرف أن نهايته تنتظره في آخر الطريق.

إن هدى عزالدين، في هذه القصيدة، لا تكتب الأسطورة من خارجها؛ إنها تدخل إلى بطنها، وتبحث هناك عن الإنسان الأول: ذلك الكائن المرتجف أمام المجهول، الحالم بالخلود، الحامل للنور والظلام، الذي يجمع حصواته واحدةً واحدة، ثم يبني منها هرماً، ويضع فوق قمته سؤالاً لا يموت:

ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط كل شيء؟

ولأن السؤال أقدم من القصيدة وأبقى منها، فإن القصيدة تكتسب فرصتها في الخلود.

فالشعر الذي ينجح في أن يجعل من تجربة فردية ذاكرةً إنسانية مشتركة، لا يعود ملكاً لكاتبه وحده؛ بل يصبح جزءاً من الأرشيف الروحي للبشر.

وهكذا يمكن أن تبقى «بطن الأساطير» شاهداً للأجيال على أن الإنسان، مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة، سيظل يحمل في داخله ذلك الرحم القديم نفسه: رحم الأسطورة، ورحم الخوف، ورحم الحلم، ورحم السؤال؛ ومنه، كلما ضاقت به الحياة، يولد الشعر.

***

عماد خالد رحمة ـ برلين

قِراءةُ تأمُّليَّةٌ فِي مُدوَّنةِ (صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، لِكرَّار حدَّاد

1- شِعريَّةُ العُنوانِ:

(صَفعةٌ عَلَى وجْهِ الغِيَابِ)، جُملةٌ شعريَّةٌ اسميَّة فارقة الأثر، وعتبةٌ عنوانيَّةٌ صارخةُ الضرب لديوانٍ شعريٍ قوِّيٍّ ناريٍّ وتمرُّدي، وهي في الأصل مجموعة قصائد شعر نثريَّة لمؤلِّفها الشَّاب الطموح المثابر الشاعر كرَّار حدَّاد، والصادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار منشورات الزمن بكركوك،

وقد مزجَ شاعرها المنتج الهُمام بهذه العَنونة الجريئة بين لُغة الانزياح الشِّعري الثوري التمرُّدي، وجماليات بلاغة الاستعارة التصريحية البيانية، أي أنَّه جمع بين لغة الاثنين معاً تآلفاً وتوائماً، وبذلك التَّشكيل المِعماري الهندسي يُعدُّ العنوان انزياحاً شعريَّاً قاراً مائةً بالمائةِ، وإن كان التوليف بينهما مُتوحدناً بلغة وأسلوب انزياحي تصريحي واحدٍ لا يمكن التفريق بينهما إبداعيَّاً،

فمن حيثُ أنَّهُ انزياحٌ شعريٌّ؛ كون الشاعر حدَّاد قد خرجَ باللُّغة من سياق المألوف العام التداولي المُعجمي إلى نسق اللَّا مألوف الخاصِّ التعبيري، فكسر بذلك أفقَ التَّوقُّع الحالي حينما قال مُنزاحاً: (صَفعةٌ عَلَى وجهِ الغِيابِ)؛ لأنَّ الطبيعي المُتعَارَف عليه أنْ يَقولَ مُقِرَّاً: (صَفعةٌ عَلَى الوِجْهِ)، وهُنا الشَّاعر اللبيب قد زَحزَحَ الوجهَ الإنساني المَادي المَعروف إلى (الغِيابِ) اللَّا مَادي غيرِ المَعروف،

وهو ما يُعرف نقديَّاً بالمَفهوم المعنويّ المُجرَّد وليس المفهومَ الماديَّ المَحسوس المُقرَّبَ، فَكسرَ الشَّاعرُ النَّابهُ الوَاعي بذلك التعبير الشعري الُعنواني المُتفرِّد قانون اللُّغة العادي، وهذا هو ما يُسمَّى ب (الانزياحِ الشِّعريّ) عَينِهِ لُغةً وتعبيراً وإبداعاً، إذنْ العُنوان الرئيس بأكمله يعدُّ انزياحاً؛ لأنَّه جعل للغياب وجهاً إنسانياً يُضربُ صفعةً، أمَّا كونه استعارةً تصريحيَّة؛ فإنَّه قدْ ذكرَ المُشبَّهَ بهِ المُصرَّحَ به وَهوَ (الوَجْهُ)، وحذف المُشبَّهَ وَهوَ (الغِيابُ)، وكذلك حذف من الجملة أداة التشبيه بلاغةً ونضوجاً،

وهذا يعني أنَّ كرَّاراً الشاعرَ قد شبَّهَ الغيابَ (عَدمَ الحُضورِ) بإنسانٍ قائمٍ حاضر بذاته له وجه يُصْفَعُ، وحذف الإنسان المصرَّح عنه بالوجه؛ ولهذا يكونَ تعبيرُهُ (وَجْهِ الغيابِ) استعارةً تصريحيَّةً، ويكون العنوان بأكمله (صَفعةٌ عَلَى وَجْهِ الغيابِ) انزياحاً شعرياً صادماً وعَنيفاً مُرَّاً غيرَ مُتوقَّعٍ أبداً،

وعلى وفقِ ذلك التَّصريحِ الجُمَلي الشعري المُبتَدَع أصبح العُنوانُ قَويَّاً جدَّاً ومُؤثِّراً وناجحاً؛ بوصفه عنواناً جمع بين دالتي (العنفِ والغِيابِ)، أي قَرَنَ المُزاوجةَ بين الصفة الماديَّة فعلِ (الصَّفعِ)، والصفة المَعنويَّة أثرِ (الغِيابِ)، وأكدَّ فاعليَّة المُواءمة بينَ ثنائيةِ (الحُضورِ والغِيابِ)، أو مَا يُسمَّى بجدليَّة الفَعلِ والفَعلِ المُضادِ بين فعل الصَّفعة التي تمثّل الحُضُورَ القَوِّيّ، والغِيابِ الذي يُمثِّل اللَّا حضور المعنوي، وأن هذا اللَّون من التَّشكيل العُنواني المَائز التَّعبير يَشِي بكونه تمرُّداً ثورياً عنيفاً على جدار الواقع النسقي التَّداولي الصُلب القارّ على الرُّغم من علامات التشظي الأمل والألم والوجع والتِّيهِ والضياع والرفض والتمرُّد التي نستشعرُ فعلها الحدثي المُلتَهِب في نصوص الشاعر،

إنَّ هذه المقدِّمَةَ المِهَاديَّةَ النقديَّةَ لِشعريَّةِ العُنوانِ تُؤكِّد كُلَّ التأكيد أنَّه ديوان شعر لقصائدَ نثريَّةٍ دالةٍ على لُغة التَّمرُّد وأسلوب الرَّفض والحِجاجيَّةِ الطامحة بالتَّجديد والتأثير والتغيير نحو الأفضل، وكأنَّ لِسانَ حَالِ الشَّاعر كرَّار يَلهجُ القولَ بالإيحاءً تارةً، وبالتلميح تارةً أُخرى، وبوسيلة التَّصريح تارة ثالثةً قَائلاً: أنَا أكتُبُ الشِّعرَ لِكي أضرِبَ وأصفَعَ، ولَا أكتُبَ الشِّعرَ كَي أبكيَ وأحزنَ وأتَوجَّعَ وأنكُصَ مَأسوراً ومَأزومَّاً في وَحَلِ الهَزيمةِ، وإنَما عنواني الكبير هو المقاومةُ لا الاستسلامُ الذَّليلُ،

أمَّا العُنواناتُ الفَرعيَّة الدَّاخليَّة الأُخرى للنصِّ الشِّعري المُوازي والبالغةُ أربعةً وثلاثينَ عُنوانَاً، والتي هي عددُ قَصائدِ الدِّيوان؛ فإنَّ أكثر من عِشرينَ عُنوانَاً مِنهَا قدْ جاءتْ صياغتُهُ التَّركيبيةُ والتعبيريَّةُ على شكل جُملٍ شِعريَّةٍ فنيَّةٍ وجماليَّةٍ لافتةٍ بإشراقاتِها الضوئيَّةِ نظرَ القَارئ لها وانجذابَ المُتلقِّي الواعي إليهَا تَفكُّرَاً بها وتأمُّلاً بنسغها، وكانت موضوعاتها الفكرية وثيمها الشِّعرية تَنبضُ بِحبِّ المَرأة والحياة والأمل والألم والفناء والذات والوجود الآخر، وعن الطبيعة المُتحرِّكة والمتاهة،

وَلَعلّ هذا التَّراتُب العُنواني المُذهلِ تَنظيمَاً وتركيباً يُحسبُ إبداعياً وفنيَّاً لأُسلوبيَّة الشاعر وقُدرتهِ الشِّعريَّة الفذَّةِ على مُمارسة الإنتاج والابتداع والتَّخليق الفنِّي في تأثيث عنواناتٍ شعريَّةٍ جاءتْ صادحةً ومُشرقةً ونابضةً بديوانه، (الأفقُ جَريمةٌ مُؤجَلةٌ، جُرذانُ المَقهَى تَنهشُ ظِلِّي، عَنادُكِ العَذبُ، جَناحٌ يِتآكلُ فِي فَم ِالرِّيحِ، تَرنيمةُ الفَناءِ، نَبضُ الوُجودِ الغِائبِ، الأمُّ مَدرسةٌ، نَيزكٌ يَسكُنُ قَلبِي، عِندَمَا تَغدو الحَياةُ حَفلةً تَنكُّريَّةً، لِأنَّكِ جِئتِ تُغيَّرَ الكَونُ، اللِّصُّ والدِفءُ الأخيرُ، نَكدٌ بِطعمكِ الجَميلِ، حِينَ تَخَلَّتِ الجُذورُ عَنْ أبنائِها، حِينَ غَابَ ظِلَّهُ، أنغامٌ مُعتَّقةٌ، نَبِيٌّ مَنسيٌّ، كُلُّ رُومًا تٌؤدِّي إليَّ، عُصفورٌ يًكتبُ وَصيتَهُ إلَى الرِّيحِ، الكَافورُ يُزهِرُ فِي فَمِ أُمِّي، حِينَ صَلَّى النَّدمُ وًحدًهُ، مَقصُّ الثَّأرِ)، وغيرها من العنوانات المباشرة التي تقترب كثيراً من الشِّعريَّة في ثيم صياغتها التعبيريَّة،

ونذهب في هذا الاتّجاه إلى عنوان قصيدته (جَناحٌ يَتآكلُ فِي فَمِ الرِّيحِ) الدالة على لوحة معانيها التجريبية البعيدة، ونقرأ من خلالها عمق أفكار كرَّار حدَّاد وصدق تجربته الشُّعوريَّة المحتشدة، ونستشرف في الوقت ذاته جماليَّات صوره الشعرية المُتحركة والثابتة والتقاطاته الزمكانية الهادفة:

أترُكُ رِسالَةً

لَكِ وَحدَكِ فِي مَسرحِ الصَّمتِ

حُروفُهَا تَئِنُّ تَحتَ وَطأَةِ الزَّمنِ

وَتَسقَطُ كَأوراقِ الخَرِيفِ

تَتَطايرُ فِي الهَوَاءِ

تَبحثُ عَنْ قَلبِ يِقرؤُهَا

أتركُ رِسالةً تَهمسُ فِي العَدَمِ،

(صَفعةٌ فِي وَجهِ الغِيابِ، ص 20)

إنَّ تكرار جُملة (أتركُ رِسالَةً..) خمس مرَّاتٍ في مقاطع القصيدة نفسها دليل نقليٌّ مباشرٌ على تأكيد فاعلية الترك لهُويَّة الآخر الذي وقع عليه فعل الترك المحبَّب؛ لتصل الرسالة إليه كاملةً دون واسطة أخرى، وأنَّ أفعال المضارعة الحالية أو المُستقبلية (أتركُ، وتَئنُّ، وتَسقطُ، وَتَتطايرُ) أسهمت إسهاماً كليَّاً فاعلاً في تجسيد وحدة الحدث الموضوعية المتعاضدة، وتفعيل مسار رقعة مشاركتها الزمكانية لواقعة الدفقة الشُّعوريَّة التي جرت فعليَّاتها الحدثية الواثبة في مسرح الصمت الشعري،

وإنَّ جملاً شعريةً صوريةً مُؤنسنةً احتشدت بنيتها التركيبية أربع مرَّات متتاليةً في مقطع واحدة من القصيدة ذاتها مثل (حروفٌ تَئنُ تَحتَ وَطأةِ الزَّمنِ)، و(وَتَسقطُ كَأوراقِ الخَريفِ)، و(تَتَطايرُ فِي الهَواءِ)، و(تبَحثُ عَنْ قَلبٍ يقرؤُها)، هي كفيلة في نقل معالم الواقع التداولي المُرّ ورسم لوحته الفنيَّة الحزينة، وهذا التجريب الشعري الذي يتقنَّع خلفَهُ الشَّاعرُ مُضمراً تارةً، وظاهراً تارةً أخرى دليلٌ واضح على حُسن تجربته الشعريَّة، وعلامةُ صِدقٍ على تَفَتُّحِ موهبته وَسعةِ ثقافته الشِّعريَّة المَكينَة،

2- شِعريَّةُ النِّصِّ المُوازِي:

من يقرأ بعينٍ شعريةٍ ونقديةٍ ثالثةٍ قصائد كرَّار حدَّاد النثرية الموثَّقة مُتونُ صفحاتها الورقيَّة في مجموعته الشعريَّة المَوسومةِ (صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، النافذة الضوئية المُشرقة لتي أطلَّ منها على آفاق ورؤى عالمه الشعري الداخلي الموَّار بفعل التَّداعيات الإشكاليَّة المُتحركة، والمُضمَّخ فنيَّاً بوجع المفارقات الإنسانيَّة المتشابكة، والالتقاطات الجماليَّة الفاعلة، سيجدْ أنَّ الشَّاعر الواثب الثائر يبحث بتؤدةٍ في محاولاته الذاتية الأنويَّة وتجربته الشِّعريَّة الموضوعية المُنتَخَبَةِ الحديثة عن أثر تجلِّيات اللَّحظة الشُّعورية الفارقة وتمظهراتها الفنيَّة الهاربة، وَيُلاحقُهَاً فكريَّاً وفلسفيَّاً وإنسانيَّاً،

وأنَّ قصائده التَّحرُّريَّة هذه تخضعُ حتماً لاشتراطات ونهج عناصر قصيدة النَّثر الناجحة من حيثُ شعرية (التكثيفِ، والتَّركيزِ، والتَّرميزِ، والإشراقِ اللُّغويّ والمِعنويّ، والإيقاعِ الدَّاخلي)، وغير ذلك من تَقعيداتِ قصيدة النثر الحقيقية المُواكبة لِلحداثةِ، وما بعد الحداثة الشعرية، وفضلاً عن هذا كُلِّهِ سَيجدُ المُتتبعُ أيضاً أنَّ قصائده النثرية ذاتَ الطابع الفَردي الأنوي والجَمعي الإنساني المُشترك تأخذ من صفاتِ الشِّعر عَامةً، عَدا الإيقاع الخارجي (الوزنُ والقافيةُ) الكَثيرَ من عناصره الفنيَّة والأساسيَّة المهمَّة مِثلَ، (التَركيزِ المَعنوي، والوحدةِ العُضويَّةِ، ولُغةِ الإبداعِ الشِّعريّ، وثَراءِ الإيحاءاتِ والمَرموزاتِ الدَّلاليَّةِ القَريبةِ والبَعيدةِ، وعنصرِ الإدهاشِ الشِّعري الصَادم والمُباغتَة):

كُلَّمَا تَعسَّرتِ الفَريضَةُ الخَامِسةُ

لِعاشقٍ مِثلِي صَلَّى فِي مِحرابِهَا

وَلَا يَعرفُ كَيفَ يِتِمُّ السُّجودَ!

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 61)

فكرَّار حدَّاد في تأثيثه الشِّعري لقصائده النثريَّة هذهِ قدْ قرَّبَ فنيَّاً وإبداعياً هُوَّةَ المَسافةِ بينَ لُغة الخطاب الشِّعري (المُوزون عَروضيَّاً)، والنَّثري غير الموزون إيقاعيَّاً مِنْ خلال تحرُّره التَّجديدي الواعي من قيد النظام الخليلي العَروضي وإلزاماته الكثيرة، ذلك النظامُ الصارم الَّذي ظَلَّ كثيراً حاجزاً بينياً ونفسيَّاً مؤثراً في مسيرة الشعر العربي الحديث كما يرى أدونيس في عملية التجديد والتطوير والتغيير المواكبة لحركة العصر وتحوُّلاته الثقافيَّة والسياسيّة والاجتماعيَّة والفلسفيَّة الجَمَّة الدالة على التَّحرُّرِ والانعتاق الذاتي الذي يسعى إليه إنسان هذا العصر الجديد ويَتوقُ لِدَفقِ حراكه،

لقد كشفتْ قصائد الشَّاعر الشَّاب حدَّاد النثريَّة عن طاقاتٍ تعبيريَّةٍ خَلَّاقةٍ، وعن أساليبَ شِعريةٍ فذةٍ مَشحونةٍ أُسلوبيتها المُعجمية بأرصفةِ الدَّهشةِ ومَرافِئ الصَّدمةِ وشطآنِ الحَقيقة المَبتدعةِ الحَقَّة، والتي لا تستطيع قصيدة العمود الشعري الوزنية أن تستحضرها كُليَّاً مثلما تستدعيها قصيدة النثر الشعرية الصَّعبة، وتستنطقها إنتاجياً وتخليقيَّاً وزمكانيا عبرَ أثير هذه المِساحة الفنيَّة من فضاء الحُريَّة التعبيرية المُتدفقة الأخاذة، وكثرة الانتقالات الشعورية والموضوعية الدافقة الخَطرة، والمَواقف الشِّعريَّة المُتجدِّدة النابعة من رَحمِ فلسفة الشَّاعر الشخصية، ومن آيدلوجيا تمظهرات مُعجمه الشَّعري شكلاً ومضموناً ولُغةً وتجربةً تفرديَّةً ناهضةً تستدعي الباحثينَ والنُّقادَ لقراءتها:

أنتِ الخَطيئَةُ الأخيرَةُ

الِّتِي اِختبَأتْ فِي عَباءَةِ اللهِ

قَبَّلتُكِ السَّماءُ بِقُبْلًةٍ فًسقطتْ كًشظيَّةٍ مُشعَّةٍ

أحرقَتْ عَوالِمَ بِأكملِهَا

(صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ، ص 70)

لَقدْ أظهرِ الحِسُّ النَّابهٌ لِكرَّار حِدَّاد عما في دواخل نصوصه الشِّعريَّة من مكنوناتٍ دُرَريَّة وصَدفيَّةٍ ثمينةٍ بالغةٍ الأثرٍ، ومخبوءاتٍ مُوضوعيَّةٍ وجماليَّةٍ مُتجدَّدةِ النَّظرِ، وكشفً عن قُدرةٍ شِعريَّة وإبداعيَّةٍ تخليقيةٍ في التأليف الشِّعري المُتعدَّد الدِّلالاتِ والإيحاءاتِ التعبيريَّة القريبة والبعيدة الهادفة في تنمية حِفريَاتهِ المُلتقطة واقعياً، وتعضيدِ فتوحاته الشِّعريَّة الحَديثة التي تُشكِّلُ الهَاجسَ لِوجعِ شِعريتهِ:

فِي تِلكَ الزَّوايَا المُظلمَةِ مِنْ أرواحِنَا

تَكمنُ الحَقيقةُ الصَّادمَةُ

الَّتِي لَا يَرغَبُ أحدٌ فِي مُواجهتِهَا

نَحنُ الَّذينَ اِخترنَا الحَياةَ بَينَ الكِلابِ وَالقِطَطِ،

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 28)

3- شِعريَّةُ التَّمايزِ الأُسلوبِي:

إنَّ ما يُميِّز شعريَّة التمايز الأسلوبي لكرَّار حدَّاد في قصائد مدوَّنته الشعرية الثائرة بالهمِّ والوجع (صَفعةُ عَلَى وَجهِ الغِيابِ)، أنَّها في كثير من الأحايين -ومنْ دُونِ مُبالغةٍ فِي التَّوصيف- تمتلكُ تأثيراً أُسلوبياً مُقنعاً، وسحراً صوتياً واضحاً، وتبرز إيقاعاً أسلوبياً مُعبِّراً، وأشدَّ ظهوراً وإشراقاً في تكوين جمالياته التعبيريَّة، وفي تأثيث بنيته التركيبية للجُمل والعبارات الشعريَّة المرتبطة بوحدة الموضوع، والتي تُشكِّل نسيجَ وحدة القصيدة العضوية الكبرى جسداً وروحاً، وسبكاً وحبكَاً لُغوياً ودلالياً دقيقاً لواسطة العِقد الفَريد الذي لا تَنفرطُ حبَّاته المُنتظمة، ولا تنقطع جواهره المُنصهِرَةَ،

وتسعى في الوقت ذاته قصائده النثرية على قلَّة تجربته الشِّعريَّة إلى خلق زمن شعري وثقافي واسع المدى معاً؛ فتكون فضاءً رَحباً لجنسٍ شعريٍّ جديد، وقد يخرجُ الشاعر المُهتاج فيها أحياناً عن صمت سكَّته الشِّعريَّة الواثبة إلى أنْ يكون الخطاب الشعري لديه نصَّاً مفتوحاً تماشياً مع لُغة ما بعد الحداثة الشعرية، وقد بلغ الهجس الشُّعوري الذاتي والشِّعري الفائر بالشاعر كرَّار حدَّاد في انطلوجيا تكراراته النصيَّة، ومرجعيات أنساقه الثقافية المُضمرة، وتناصَّاته التاريخية والدينية والأدبية والمكانيَّة والمَعرفيَّة المُعبِّرة عن وجعه الشِّعري وهمِّه المُستديم أنْ يكون صوته المحكي الشعري أشبهَ بنبيٍّ مَنسيٍّ في التاريخ الحديث، وليس صدى عابراً لحدودها وأقانيمها الوجودية:

بِالدِمُوعِ الَّتِي اِدَّخَرتُها فِي هَذَا الوَطَنِ

سَأشترِي مَنفىً وَسَأبلغُ البَحرَ

أوْ أُسافرُ مِنْ خِلالِهِ عَلَى بَقايَا آخرَ السُّفنِ

بِشراعٍ عَصفتْ بِهِ رِياحٌ لِسنينَ بِلَا أمَلٍ

لَستُ سِوَى لَاجِئٍ يَعيشُ عَلَى هَامشِ الحَياةِ

مَا ذَنبِي يَا نُوحُ؟

كَفَى بِحقِّ اِللهِ أنْ تَتركَنِي غَرِيقَاً

فِي عِراقٍ ارتَضَاهُ اللهُ قِبْلَةً لِلنحرِ،

(صَفعةٌ عَلَى وَجهِ الغِيابِ، ص 62)

ولكنه أيُّ نبيٍّ هذا؟ النبيٌّ الغارق بدمه المِهراق ووجعهِ الإنساني المَذبوح في عِراق صارَ قِبلةً للانفلات وَمَحجَّةً للقتلِ والنحر والدماء الرخيصة على الهُوِيَّةِ، ومثابةً للتِيهِ والضياع والتشظي والانشقاق الذي أسقطته مقارباته الشعرية النابضة بالألم في عُتمة زَحام رُوما، وفي متاهات سوقِ (المَاجديَّة) وشعابها الحزينة، وتراتيل رعد زامل السومريَّة، ووقع أناشيده الكونية المُضمَّخة بأحمال الوجع الجَنوبي في أرصفة الدهشة ومَلاذات الشَّكوى والتَّغريب، وخَيباتِ الأحلام الفاشلة والتمنيَّات المُرَّة الموءُودة، حيثُ يَبدأ العَالمُ السِّحرِيُّ عِندَهُ بأفقَه الشِّعري الموعودِ وينتهي بخيباتٍ تأكلُ خَيباتٍ، فالحياة عن كرَّار حدَّاد أشبهُ بحفلةٍ تَنكُّريَّةٍ تبدأ بدعوات الرِّب العَليَّة وتنتهي بالضياع دونَ جدوى:

فِي آخرَ زَاويَةٍ مِنْ سُوقَ (المَاجِدِيَّةِ)

أعنِي أُستاذَاً لًمْ يَكسبْ شَيئَاً سِوَى الدُّروسِ الفَارِغَةِ،

وَلَنْ يُقابلَ اللهَ إلَّا بِقصيدةٍ قَالَهَا رَعدُ زَاملُ

أصحُو عَلَى ضَرباتِ الجَزَّار الَّذِي يُقَطِّعُ هُدوئِي المِزعُومَ

تُرًى مَنْ يُنقذنِي مِنْ حَياتِي؟ مِنْ هَذهِ الحَفلةِ التَّنَكُّريَّةِ؟

سَأموتُ وإلَى الآنَ لَمْ أتعرَّفْ بِها عَلَى أَحَدٍ،

(صَفعةٌ عَلى وَجهِ الغِيابِ، ص 37، 38)

ويبقى الألم المستديم والوجع الجريح الصبور، والاغتراب الوجودي هاجساً ذاتياً مُلحَّاً في شعريَّة كرَّار حدَّاد التَّمرُّديَّة، وعلامةً إنسانيةً شاخصةً من علاماتِ ثورية الشعر المُقاوم، ومهمازاً حضورياً نفسيًّاً وهَّاجاً مُوقظاً يُعدُّ من أهمِّ أدوات الشَّاعر الثائر على نفسه أولاً، وعلى عقابيل محيطه الوجودي الآخر، ذلك التمرُّد الإيجابي الذي لا يَعرف لُغة الذُّلِّ والخنوع والانقياد السهل من أجل وضاءة النفس الكريمة وتعفيرها شعريَّاً بدمِ الحُريَّة الحمراء التي لا تُوهب لمن يَرومُها دون مقاومةٍ فذَّةٍ وتضحياتٍ جِسَامٍ قبلَ وضاءتها بنمير الماء المُطهِّر الذي يُمكنُ الحصول عليه بالمجانِ،

لقد دَرَجتِ العادةُ أنْ يكونَ الشِّعر الحقيقي صوتَ الشَّاعرِ العالي المُدوُّي وثورته الشعرية البيضاء المِقدَامة على رهانات الظُّلم وتَخَرُّصَات الظالم، فكان كرَّار حدَّاد في خطاب مدوُّنته النثرية الصوتَ المَحكيَ والثائر شعريَّاً، وكان صُنوهُ الآخر هو الصدى الناتج عن رجع ذلك الصوت الذي اخترقَ الحَواجزَ والبُروجَ المُشيَّدَةَ وملأ الأجواء بالعدل والإنصاف، فكان الشعر بحقٍّ ميدانَ القتال، وكان الشَّاعر المثابرُ الجنديُّ الباسل الأمين المحافظ على صوت القصيدة المُتفجِّرة عبر الزَّمكان.

*** 

د. جبَّار ماجد االبهادليّ

هناك نقاد يقرأون النصوص كما تُقرأ الوثائق: يثبتون حدودها، يسمّون عناصرها، ثم يمضون. وهناك من يقترب من النص كما يقترب المرء من مكان يعرف أن في صمته كلامًا لم يُقل بعد. أ.د. نادية هناوي من الصنف الثاني؛ الباحثة والناقدة وأستاذة النقد الحديث والنظريات النقدية والسرديات في الجامعة المستنصرية، التي جعلت من البحث الأدبي إقامة طويلة في السؤال، ومن النقد طريقًا لاكتشاف ما يظل في النص بعد أن تفرغ القراءة من ظاهره.

يمتد منجزها في مساحات واسعة من النقد الحديث والسرديات وفلسفة الجمال، ويتصل بالتحولات التي شهدتها الكتابة العربية ومناهج قراءتها. وقد راكمت خلال سنوات عملها الأكاديمي والثقافي عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات والبحوث، حتى غدت تجربتها واحدة من التجارب النقدية العراقية الحاضرة في المشهد العربي، بما راكمته من معرفة ومتابعة واجتهاد، وبما منحتْه للنص العربي من قراءات تتسع لأسئلته وتحولاته.. وتكفي عناوين كتبها لتلمّح إلى اتساع هذا الطريق؛ ففي «موسوعة السرد العربي: معاينات نقدية ومراجعات تاريخية» تقترب من الذاكرة السردية العربية وطبقات تشكلها، وفي «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» تتابع التحولات التي وسّعت أفق السرديات وأسئلتها، بينما تذهب في «أقلمة المرويات التراثية العربية» و«أقلمة السرد العربي من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر» إلى تتبع حركة المرويات والتقاليد السردية بين الأزمنة والثقافات، ثم تفتح في «الرواية التسجيلية: اشتراطات النوع السردي» منطقةً دقيقة بين التسجيل والتاريخ والتخييل، وتواصل النظر في مستقبل هذا الحقل في «الآفاق المستقبلية في نقد السرديات العربية». وإلى جانب هذه المشاريع تمتد كتبها ودراساتها في نقد النقد، وتحدي الشكل، ومخاتلة الدلالة، والبحث الحفري، ومشاعية تقاليد السرد العربي، وغيرها من الموضوعات التي تكشف عن باحثة لا تستقر طويلًا عند باب واحد.

ومن وراء هذا التنوع خيط يمكن تلمسه في معظم اشتغالاتها: رغبة في أن يُقرأ السرد العربي في حركته، وفي علاقته بتاريخه وذاكرته وتحولاته، وأن تُختبر المفاهيم النقدية أمام النص بدل أن يُختزل النص في المفهوم. لذلك حضرت «الاختلافية» في رؤيتها بوصفها طريقة في النظر؛ طريقة تترك الباب مفتوحًا أمام الأسئلة الجديدة، وتتعامل مع النقد باعتباره معرفة قابلة للتجدد.

وهكذا تبدو كتبها، على اختلاف عناوينها وموضوعاتها، كأنها محطات في رحلة واحدة؛ رحلة باحثة تذهب إلى النص من أكثر من طريق، وتعود منه وفي يدها سؤال آخر.

ولذلك كان لقراءتها لمجموعتي القصصية «باصات أبو غريب» وقع خاص في نفسي.

حين كتبت نادية هناوي عن المجموعة في «الشرق الأوسط»، لم تتوقف عند حكايات السجن بوصفها موضوعًا، وإنما أصغت إلى المكان وهو يتحول داخل السرد إلى ذاكرة، وإلى الجسد وهو يحمل آثار الترويع، وإلى الوثيقة والشهادة والذاكرة الشفهية وهي تدخل في نسيج الحكاية. قرأت السجن بوصفه أكثر من مكان؛ بوصفه أثرًا يبقى في الإنسان حتى بعد أن يغادر المكان. وتوقفت عند عدد من قصص المجموعة، فرأت في تفاصيلها صلات بين التاريخ والجسد والذاكرة، وانتهت إلى تقدير ما أنجزته المجموعة في بناء سرديات السجن والترويع.

كنت، وأنا أقرأ قراءتها، أشعر أن الكتاب الذي خرج من يدي ذات يوم قد عاد إليّ من طريق آخر. ثمة أشياء يكتبها الكاتب ولا يعرف تمامًا أنها استقرت في النص؛ ظلال تتوارى خلف الجملة، وعلاقات بين المكان والذاكرة والجسد لا تظهر إلا حين يأتي قارئ يعرف كيف يصغي إلى ما بين السطور.

وهذا تحديدًا ما منحته لي قراءة نادية هناوي. أعادت إليّ بعض ما كتبت، لكن بعد أن أضاءت له مواضع لم أكن أراها بالوضوح نفسه. جعلتني أنظر إلى المجموعة من مسافة جديدة، وأدرك أن الكتاب حين يغادر صاحبه يدخل في حوار آخر مع قارئ يمتلك أدواته وحساسيته وتجربته.

لهذا أعتز بقراءتها لـ«باصات أبو غريب» اعتزازًا يتجاوز المجاملة. إنها قراءة جاءت من ناقدة تعرف السرد من داخله، وتعرف في الوقت نفسه كيف تمنح النص فسحة أوسع من حكايته المباشرة. بعض القراءات تمر على الكتاب ثم تنصرف؛ وبعضها يترك فيه أثرًا يجعل الكاتب نفسه يعود إلى صفحاته القديمة كأنه يراها للمرة الأولى.

ولعل أجمل ما في تجربة نادية هناوي أنها تجمع بين صرامة الباحث وكرم القارئ. وراء المصطلح عقل يبحث، ووراء التحليل حساسية ترى الإنسان. ولذلك حين تكتب عن نص، يشعر صاحبه أن تجربته وجدت قارئًا يمنحها وقتًا كافيًا كي تكشف عن طبقاتها، ثم يترك لها حقها في الغموض والاتساع.

وفي بغداد، حيث تتراكم الذاكرة فوق الأمكنة، تبدو تجربتها النقدية متصلة بهذه المدينة بقدر ما هي متصلة بالكتاب. مدينة تحفظ حكاياتها في الحجر، وتترك بعضها للوثيقة، وبعضها للذاكرة، وبعضها الآخر ينتظر أن تأتيه كتابة تمنحه شكلًا جديدًا. وربما لهذا ظلت أسئلتها مشدودة إلى السرد والتاريخ والذاكرة والجسد؛ أشياء لا تنتهي بانتهاء الحدث، وإنما تبدأ أحيانًا بعده.

أكتب عنها اليوم بامتنان هادئ؛ عن الباحثة التي أفنت سنوات في مطاردة الأسئلة، وعن الناقدة التي وسعت مساحة النظر في السرد العربي، وعن الأستاذة التي جعلت من المعرفة الأدبية عملًا يوميًا طويل النفس. وأكتب أيضًا بامتنان شخصي، لأن كتابًا كتبته ذات وقت، وسط ذاكرة مثقلة بالمكان والوجع، وجد في قلمها قارئًا أنصف قلقه، وذهب به إلى مساحة أوسع من حدود الحكاية.

وفي هذه الأيام، أضع لها من القلب دعاءً صغيرًا يليق بمقام الامتنان، متمنياً الشفاء الناجز: أن تأتيها العافية هادئةً، وأن تستعيد أيامها خفتها، وأن يعود إلى الوقت فسحته، وإلى القلب طمأنينته، وأن تظل الكتب قريبة من يدها، والأسئلة التي أحبّتها مفتوحةً أمامها.

شكرًا يا أستاذة نادية على ما منحتِ النصوص من وقتك، وعلى ما منحتِ النقد من استقلال السؤال، وعلى قراءتك التي جعلت «باصات أبو غريب» تعود إليّ بوجه آخر. شكرًا لأنك تركتِ للنص جهةً أخرى، ولأنك، في كل مرة تكتبين فيها، تتركين للقارئ فسحةً يرى منها أبعد قليلًا.

وأنا، كاتبًا قرأتْه نادية هناوي ذات يوم، أحتفظ لتلك القراءة بمكان خاص في ذاكرتي. يكفيني أنها جاءت من ناقدة تعرف أن الكتابة لا تنتهي عند آخر سطر، وأن أجمل ما يمكن أن تفعله القراءة أن تفتح في النص ممرًا جديدًا، ثم تمضي بهدوء، تاركةً وراءها أثرًا لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

أ.د. نادية هناوي الباحثة والناقدة وأستاذة النقد الحديث والسرديات، التي تترك للنص جهةً أخرى، وللقارئ نافذةً يرى منها ما كان غائبًا.

***

بولص آدم

........................

لتحميل المجموعة القصصية..

https://alketaba.com/%D8%A8%D9%8A-%D8%AF%D9%8A-%D8%A5%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%BA%D8%B1/

سرديات السجن والترويع الجسدي

بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

د. نادية هناوي

https://aawsat.com/home/article/3049381/%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D8%AF%D9%8A?page=7

يشعرك النص أن الشاعرة لا تبحث عن تفسير للعالم بقدر ما تحاول أن تتعايش معه. وهذا فرق مهم. القصيدة لا تبدأ من فكرة فلسفية تريد أن تثبتها، بل من إحساس بأن شيئًا ما في حياتنا ظل ناقصًا، وأننا نمضي داخل هذا النقص من دون أن نعرف تمامًا ماذا ننتظر.

تكرار "احتمالٌ، أنْ" هو أول ما يلفت الانتباه. لكنه سرعان ما يتم يتجاوز فكرة التكرار. كل "احتمال" تبدو كأنها محاولة أخرى لفهم شيء لا يمكن الإمساك به. عندما لا نعرف لماذا حدث او ما حدث، نبدأ في اختراع الاحتمالات. ربما لأن النفس لا تحب الفراغ. وتحتاج إلى معنى، حتى لو كان مؤقتًا.

ولهذا أحببت صورة العالم بوصفه "مسودةً أُهمِلَتْ على طاولة الغيب". فيها شيء شخصي جدًا. كل واحد منا يعرف إحساس أن تكون حياته، أو جزء منها، قد بقي معلقًا ولم يكتمل كما أراد. ثم تأتي عبارة "هوامشُها المرتعشة" لتزيد هذا الشعور وضوحًا. الإنسان هنا لا يقف وسط العالم بثبات؛ هو يتحسس طريقه داخله.

لكن القصيدة لا تبقى في الداخل طويلًا. ثمة كراسٍ تنتظر، وجدران تتذكر أسماء الذين مروا ولم يعودوا. عند هذه النقطة يتغير معنى النص. فالانتظار ليس حالة نفسية فقط. أحيانًا يصنعه الواقع نفسه: حرب، فراق، هجرة، موت، أو سنوات تمر ولا يحدث ما كنا نظنه سيحدث. وحين يتكرر ذلك، يدخل التاريخ إلى النفس من دون استئذان. ما نعيشه يوميًا قد يتحول بعد فترة إلى خوف دائم، أو حذر، أو تعلق بالماضي.

ومن هنا تبدو عبارة "الخسارة طريقة أخرى لترتيب الروح" من أكثر عبارات القصيدة صدقًا. الخسارة لا تنتهي عندما يغيب الشخص أو يسقط الشيء من أيدينا. تبقى فينا، وتغير طريقة نظرنا إلى الأشياء. وربما تجعلنا أكثر حذرًا، أو أكثر تعلقًا بما بقي.

حتى الرجاء لا يبدو كاملًا. "أثر قدمٍ على ماء" صورة جميلة لأنها لا تقول إن الأمل غير موجود، بل تقول إنه سريع الزوال. وهذا قريب من حياة عاش أصحابها طويلًا في ظروف لا تمنحهم فرصة كافية للاطمئنان.

ومع ذلك، لا تتحول القصيدة إلى شكوى. في مقطع الطريق والدعاء يحدث تحول هادئ. لا يعود المطلوب الوصول بأي ثمن. المهم أن نتعلم كيف نواصل السير، ونحن نعرف هشاشتنا. حتى الإيمان هنا لا يأتي بوصفه إجابة جاهزة؛ الله "قريب إلى حد الصمت"، والدعاء يصبح إصغاءً إلى ما نعجز عن قوله.

ثم تأتي النهاية، وهي في رأيي أجمل ما في النص. "ألا نصل" لا يعني أن الرحلة بلا قيمة. ربما العكس. نحن نتغير أثناءها. نصير أقل ثقة بالإجابات السهلة، وأكثر انتباهًا لما يحدث في داخلنا وحولنا.

لهذا أقرأ "احتمال" بوصفها قصيدة عن الإنسان حين يكتشف أن حياته لا تسير وفق مخطط واضح. النفس تحاول أن تفهم، والتاريخ يضغط، والواقع يترك ندوبه، ومع ذلك نستمر. وفي النهاية لا نحصل على يقين جديد، بل على شيء أكثر تواضعًا: قدرة أكبر على احتمال السؤال.

***

الأستاذ شهاب أحمد الفضلي

.........................

احتمال

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ العالمُ

مسودةً أُهمِلَتْ

على طاولةِ الغيب،

وأننا

هوامشُها المرتعشة

نحاولُ إقناعَ المعنى

بالبقاء.

*

إحتمالٌ، أنْ

تستيقظَ الأشياءُ قبلنا،

أنْ تفهمَ الكراسي

ثِقَلَ الانتظار،

وأنْ تحفظَ الجدرانُ

أسماءَ الذين مرّوا

ولم يعودوا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ القلبُ

خطأً جميلاً في الحساب،

وأنَّ الخسارة

طريقةٌ أخرى

لترتيبِ الروح.

*

إحتمالٌ، أنْ

نكونَ قد عشنا

حياةً ناقصةَ الضوء،

فاستعارَ الحلمُ

صوتَهُ من الظلال،

وصارَ الرجاءُ

أثرَ قدمٍ

على ماء.

*

إحتمالٌ، أنْ

الطريقَ لا يقودُ إلى مكان،

بل يعلّمُنا

كيف نمشي

خفيفين

فوق هشاشتنا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ اللهُ

قريبًا

إلى حدِّ الصمت،

وأنَّ الدعاءَ

ليسَ طلبًا

بل إصغاءً طويلًا

لما لا يُقال.

*

إحتمالٌ،

أنْ لا نصلَ أبدًا،

لكننا،

في هذا العبورِ المؤجَّل،

نصيرُ

أكثرَ إنسانية،

وأقلَّ يقينًا،

وأشدَّ

شبهًا

بالسؤال.

***

مجيدة محمدي

مقاربة بلاغية وأسلوبية وسيميائية وذرائعية ونفسية في قصيدة فوز حمزة

قبل أن نمضي في تفكيك البنى الجمالية والدلالية والإيقاعية في قصيدة «ملكة الجبال»، يجدر بنا أن نصغي إلى النص في كليته؛ لأن القراءة النقدية لا تكتمل إلا حين تضع القصيدة في فضائها الأول، حيث تتجاور اللغة والصورة والإيقاع والرؤية في نسيج واحد. فالنص الشعري ليس مادةً خاماً للنقد، بل هو الأصل الذي تستمد منه القراءة أسئلتها وأدواتها.

ومن هنا نورد القصيدة كاملة، محافظةً على بنائها وروحها وصوت شاعرتها، لتكون أمام القارئ أولًا بوصفها تجربة شعرية مستقلة، ثم نعود إليها محللين مفرداتها، وتراكيبها، ووقفاتها، وتكراراتها، وصورها، وإيحاءاتها النفسية والسيميائية، للكشف عن الآليات التي صنعت شعريتها وأكسبتها قدرتها على التأثير في المتلقي.

نص القصيدة:

ملكة الجبال

لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...

عالمٌ ينهمرُ المطرُ فيه برغبةٍ مني،

كي يتغيّر لونُ الأرض،

فتصبح بلونِ ظلالِ التين.

ثمّة شحرورٌ يغنّي بحزن،

وشابٌّ يعزف بحماسٍ ومرارة

لحنَ أغنيةٍ قديمة.

ما دام يسري في عروقِنا دمٌ واحد،

ما دامت البئرُ لا تزال تعكس صورةَ البدر،

سيأتي بعد كل ليلٍ نهار،

وشيئًا فشيئًا،

سيأتي بعد كل ربيعٍ شتاء.

بعضُ الموت يثير الأسى،

وبعضُه يثير الضحك.

وأنا أصغي للصوت القادم من الأعماق،

تركتُ حقيبةَ الخطايا خارج السور،

بدفء الغروب المعانق للغسق،

بذراعين مفتوحتين،

وبضحكةٍ فيّاضة.

رأيتُ كيف يحيا الآخرون،

كيف، على حوافِّ الموج، يترنّح

ظلُّ زهرةِ اللوتس،

بينما على الشواطئ،

لحظةَ انتهاء العاصفة،

دون رغبةٍ مني،

يبلّله مطرٌ منهمر...

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة قصيدة «ملكة الجبال» للشاعرة العراقية فوز حمزة من منظور نقدي متعدد المناهج، يجمع بين البلاغة والأسلوبية والسيميائيات والذرائعية والنقد النفسي. وتنطلق القراءة من العنوان بوصفه عتبة نصية ومفتاحاً تأويلياً، ثم تتتبع مستويات الصوت والتركيب والدلالة والصورة والإيقاع النفسي، للكشف عن كيفية انتقال القصيدة من المكان الطبيعي إلى المكان النفسي، ومن المطر بوصفه ظاهرة كونية إلى المطر بوصفه علامة على التطهر والتجدد. كما تتوقف الدراسة عند إشكالية قصيدة النثر، ومقدار قدرتها على إنتاج إيقاع بديل عن الوزن، قائم على التكرار والتوازي والوقفات وتوتر الدلالة.

 الشعر حين يتحول المكان إلى مرآة للروح

ليست الطبيعة في الشعر العظيم منظراً يُرى من الخارج، وإنما كائناً يُرى من الداخل. وحين تدخل الجبال والمطر والبئر والبدر والعاصفة إلى القصيدة، فإنها لا تعود عناصر في مشهد طبيعي، بل تتحول إلى علامات نفسية ووجودية تعكس قلق الإنسان ورغبته في العبور من حال إلى حال.

من هذه المنطقة الجمالية تنبني قصيدة «ملكة الجبال» لفوز حمزة؛ فهي لا تكتب الجبل بوصفه تضريساً جغرافياً، وإنما بوصفه مقاماً للارتقاء، ولا تكتب المطر بوصفه ماءً هابطاً من السماء، وإنما بوصفه احتمالاً للتطهر والولادة الجديدة.

إن عبارة:

«لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...»»

تؤسس منذ البداية انتقالًا من العالم الواقعي إلى عالم شعري بديل. وهذا الانتقال هو جوهر التجربة؛ إذ تصبح القصيدة نفسها جبلًا رمزياً تصعد إليه الذات لكي ترى العالم من علوّ مختلف.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أن قصيدة النثر لا تستمد مشروعيتها من غياب الوزن وحده، وإنما من قدرتها على خلق نظام إيقاعي ودلالي وجمالي بديل. فحين تغيب الموسيقى العروضية لا يجوز أن يغيب الإيقاع، وحين تتحرر القصيدة من القافية لا ينبغي أن تتحرر من ضرورات الانسجام الداخلي.

فوز حمزة: استعادة الصولجان في محراب الشعرية

تكشف تجربة فوز حمزة عن حساسية شعرية تنحاز إلى الخيال والطبيعة والإنسان والذاكرة، وتؤمن بأن الكتابة فعل ثقافي يتجاوز إنتاج النص إلى المشاركة في صناعة المشهد الأدبي.

ويكتسب حضورها الثقافي أهمية إضافية من خلال إدارتها «مملكة العشق في سماء الأشعار»، وما تضطلع به من دور في نشر الثقافة والأدب والفكر. ومن هنا يمكن النظر إلى لقب «الملكة» في القصيدة لا بوصفه مجرد استعارة، وإنما باعتباره تمثيلاُ رمزياً لسلطة الشعر حين تستعيد اللغة قدرتها على خلق عالم موازٍ.

إنها لا تستعيد الصولجان لتفرض سلطتها على القصيدة، بل لتعيده إلى محراب الشعرية العربية؛ حيث لا تكون السيادة للوزن وحده، ولا للنثر وحده، وإنما للقدرة على صناعة الشعر.

العنوان: العتبة النصية الأولى

يؤسس عنوان «ملكة الجبال» علاقة مركبة بين الأنوثة والعلو، السلطة والطبيعة، الذات والمكان.

فالملكة علامة على السيادة، والجبال علامة على الثبات والارتفاع والشموخ. ومن ثم فإن العنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام شخصية شعرية لا تقف في سفح العالم، بل تعتلي قمته الرمزية.

ويتأكد هذا التأويل في المطلع:

«لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...»

فالملكة هنا تتحول إلى قوة ناقلة، والجبال إلى وسيلة عبور. إن الذات لا تصعد الجبل، بل يحملها الجبل؛ وهذه المفارقة تمنح المكان قدرة فاعلة، وتجعل الطبيعة شريكاً في تشكيل الذات.

الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا تنتظم القصيدة على وزن خليلي محدد، لكنها لا تخلو من الموسيقى. إنها تعتمد ما يمكن تسميته إيقاع الرؤية والدلالة.

ويظهر ذلك بوضوح في التكرار:

«ما دام يسري في عروقنا دمٌ واحد،

ما دامت البئر لا تزال تعكس صورة البدر»

فالتوازي بين «ما دام» و«ما دامت» يخلق انتظاماً صوتياً وتركيبياً، بينما يربط بين الدم والبئر، وبين الإنسان والطبيعة.

ثم يأتي التكرار الأكثر وضوحاً:

«سيأتي بعد كل ليلٍ نهار،

وشيئًا فشيئًا،

سيأتي بعد كل ربيعٍ شتاء.»

إن تكرار «سيأتي» لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يتحول إلى فعل مقاومة لليأس؛ فالمستقبل هنا ليس زمنا ًنحوياً فقط، وإنما أفق نفسي للخلاص.

أما عبارة «وشيئاً فشيئاً» فتؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية في آن واحد؛ إذ تبطئ حركة الجملة لتجعل القارئ يشعر بالتدرج نفسه الذي تقوله العبارة.

المستوى الفونولوجي: حين تسمع القصيدة قبل أن تفسرها

يتيح المستوى الفونولوجي قراءة القصيدة بوصفها بنية من الأصوات المتآلفة والمتعارضة. فالأصوات اللينة والممدودة في ألفاظ مثل:

«المطر، الأرض، ظلال، التين، شحرور، البدر»

تمنح النص انسياباً موسيقياً يتناسب مع المشهد الطبيعي، في حين تكتسب بعض الكلمات ذات الأصوات الأشد صرامة، مثل:

«الخطايا، السور، العاصفة»

طاقة صوتية تتلاءم مع لحظات التوتر.

وهكذا لا يكون الصوت مجرد غلاف للمعنى، بل يصبح جزءاً من إنتاجه. فحين تقول الشاعرة:

«تركت حقيبة الخطايا خارج السور»

تتقاطع القسوة الصوتية في الخاء والطاء والقاف مع الدلالة النفسية لفعل التطهر.

التكرار والجناس والتوازي

لا يقوم النص على كثافة المحسنات البديعية التقليدية، ومن ثم فإن الحديث عن الجناس ينبغي أن يكون حذرًا. والأبرز فيه هو التوازي التركيبي والتكرار الدلالي والمجانسة الصوتية.

ويظهر التوازي في:

ليل - نهار

ربيع - شتاء

الموت - الحياة

الحزن - الضحك

العاصفة - المطر

وهذه الثنائيات لا تعمل باعتبارها أضداداً منفصلة، بل باعتبارها حلقات في قانون واحد: قانون التحول.

ولهذا فإن:

«بعض الموت يثير الأسى،

وبعضه يثير الضحك.»

تبدو للوهلة الأولى مفارقة غرائبية، لكنها سرعان ما تنسجم مع المنطق الداخلي للنص؛ فالموت ليس صورة واحدة، وإنما تجربة تتعدد وجوهها بحسب علاقتها بالذات والذاكرة.

اللغة والأسلوب والانزياح

تتميز لغة القصيدة بسلامة عامة وفصاحة واضحة، وتستفيد من المعجم الطبيعي دون الوقوع في الوصف الفوتوغرافي.

وفي:

«فتصبح بلون ظلال التين»

نجد انزياحاً تصويرياً لافتاً؛ فالأرض لا تأخذ لون التين ذاته، وإنما لون ظلاله. إن انتقال اللون من الشيء إلى ظله يفتح الدلالة على منطقة أكثر حلمية، ويحوّل الواقع إلى صورة نفسية.

وفي:

«ظل زهرة اللوتس»

لا تعود الزهرة مجرد نبات، بل تصبح علامة على الجمال الخارج من الماء، وعلى الحياة التي تنهض من بيئة مضادة لها.

التركيب والعلاقات الإعرابية

تتأسس القصيدة على تنوع نحوي يخدم حركتها النفسية.

في:

«سيأتي بعد كل ليل نهار»

«سيأتي» فعل مضارع مرفوع، و«بعد كل ليل» ظرف زمان متعلق بالفعل، أما «نهار» فهو فاعل مؤخر مرفوع، وتأخيره يمنحه بؤرة دلالية؛ إذ لا يظهر النهار إلا في نهاية الجملة، تماماُ كما لا يأتي الخلاص إلا بعد الليل.

وفي:

«تركت حقيبة الخطايا خارج السور»

«حقيبة» مفعول به منصوب، و«الخطايا» مضاف إليه مجرور، و«خارج السور» ظرف ومضاف إليه.

أما:

«ما دامت البئر لا تزال تعكس صورة البدر»

فإن «البئر» اسم «دامت» مرفوع، وجملة «لا تزال تعكس...» في محل نصب خبرها، و«صورة» مفعول به، و«البدر» مضاف إليه.

وتكشف هذه البنية عن وعي تركيبي جيد، مع إمكان تشذيب بعض الجمل الطويلة ترقيمياً لتقوية الوقفة الشعرية دون المساس بروح النص.

البعد السيميائي: من الأشياء إلى العلامات

تتأسس القصيدة على شبكة من العلامات:

الجبل: العلو والثبات.

المطر: التطهر والتجدد.

البئر: العمق والذاكرة.

البدر: الاكتمال والنور.

السور: الحد الفاصل بين الماضي والحاضر.

حقيبة الخطايا: عبء الذاكرة والذنب.

اللوتس: الانبعاث.

العاصفة: الأزمة والتحول.

وهكذا تتحول الطبيعة إلى معجم رمزي للروح.

الرغبة والآخر: قراءة لاكانية

من منظور نفسي لاكاني، لا تُفهم الذات منفصلة عن الآخر وعن اللغة. وتبدو القصيدة في أكثر من موضع مشدودة إلى سؤال الرغبة: ماذا تريد الذات؟ وما الذي تريد التخلص منه؟

تقول:

«وأنا أصغي للصوت القادم من الأعماق»

إن «الأعماق» هنا يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة للداخل النفسي؛ حيث لا يعود الصوت خارجياً، وإنما يصبح نداءً صادراً من منطقة مكبوتة أو غير مكتملة في الذات.

ثم تقول:

«رأيت كيف يحيا الآخرون»

فتظهر الذات أمام مرآة الآخر. إنها لا تكتفي بأن ترى العالم، بل ترى نفسها من خلاله.

والأكثر دلالة:

«دون رغبة مني»

فالتنصل من الرغبة يكشف مفارقة نفسياً: فالذات تقول إنها لا تريد، لكنها تظل داخل بنية الرغبة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يخرج من الرغبة بمجرد نفيها.

الذرائعية وتأثير القصيدة في القارئ

لا تكتفي القصيدة بإنتاج جمال لغوي، بل تحمل رسالة ضمنية قوامها الأمل والتطهر وقبول التحول. وهذا هو بعدها الذرائعي؛ فالنص يتوجه إلى قارئ يعيش، مثل الذات الشعرية، داخل عالم تتناوبه العاصفة والمطر، الليل والنهار، الفقد والرجاء.

ومن هنا فإن عبارة:

«سيأتي بعد كل ليل نهار»

تتحول من جملة وصفية إلى رسالة تداولية؛ إنها تفعل في القارئ ما تقوله: تمنحه احتمال الأمل.

البنية الفنية والجمالية: قصيدة العبور

تتحرك القصيدة وفق مسار دائري متصاعد:

العالم الآخر - المطر - الأرض - الذاكرة - قانون التعاقب - الموت - الأعماق - الخطيئة - التطهر - الآخر - العاصفة - المطر.

وهذا البناء يمنح القصيدة وحدتها الداخلية.

واللافت أن الخاتمة تعيدنا إلى المطر، لكن المطر في البداية كان يأتي «برغبة مني»، بينما يأتي في النهاية:

«دون رغبة مني،

يبلله مطر منهمر...»

وهنا تحدث النقلة الأعمق في النص: من إرادة السيطرة إلى قبول الحياة.

خاتمة نقدية

تنجح فوز حمزة في «ملكة الجبال» في بناء قصيدة نثر لا تجعل غياب الوزن غياباً للموسيقى، ولا تجعل انفتاح الشكل انفلاتاً من ضرورة البناء. فإيقاعها يتخلق من التكرار والتوازي والوقفات والتضاد والصورة والإيقاع النفسي.

والقصيدة، في جوهرها، ليست عن الجبال وحدها، بل عن الإنسان الذي يصعد إلى أعالي ذاته؛ وليست عن المطر وحده، بل عن الماء الذي يغسل الذاكرة؛ وليست عن العاصفة وحدها، بل عن لحظة انكشاف ما بعدها.

إن أجمل ما في التجربة أن الشاعرة لا تنتهي إلى خلاص جاهز، وإنما إلى حكمة شعرية أكثر عمقاً: ليس كل ما يحدث لنا مرهوناً برغبتنا، وربما تبدأ حريتنا حين نتخلى عن وهم التحكم في كل شيء.

وهنا تستعيد القصيدة صولجانها الحقيقي: لا من سلطة الوزن، ولا من زخرفة اللغة، بل من قدرتها على أن تجعل اللغة تفكر، والصورة تشعر، والإيقاع يتنفس، والقارئ يعيد اكتشاف نفسه داخل النص.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم