عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

ليست قصص مجموعة "براري النساء" لحسن حميد الصادرة عن مكتبة كل شيء – حيفا 2025 لصاحبها الناشر صالح عباسي مجرد إضافة عدديّة للمجموعات القصصية التي صدرت وستصدر عن دور النشر العربية المختلفة، بل هي قصص تُثير القضية الأساس والأهم التي تُواجه مجتمعاتنا العربية في كلّ الأقطار العربية بمُلامسة ناعمة لا تجرح ولا تُثير ولا تُغْضِب. صحيح أنّ الروائي حسن حميد قال في لقائه الصحفي لجريدة "الجريدة" يوم 5.11.2019 إنّه "ينطلق في نصوصه بالموضوع الحيّ (لمعنى)، والجمال العمرانيّ (المبنى) وعلى الإقناع، والمتعة، والوظيفية". وهو في قصص مجموعته هذه كشف المَخْفي الظاهر المَعلوم عن مجتمعاتنا العربية التي يعيش معظم قاطنيها يرُاودون الأحلامَ التي تُسَكّنُ أوجاعَهم ليستطيعوا الاستمرارَ في هذه الحياة البائسة التي يعيشونها. وأيضا في قصصه هذه عرف كيف يختار الموضوعَ الحيَّ الشاغل لمعظم الناس، وأنْ يُقدِّم القصة المُتماسكة القويّة التي تأخذ بالقارئ بأسلوبها ومُفرداتها وعباراتها المُتناغمة الشاعريّة، وحوارات شخصياتها المَشدودة إلى بعضها، والفضاء الحاضن لها، المُبْعِد بالقارئ عن فضائها الواقعي التَّعس حتى آخر كلمة، فتتركه في مَتاهة وتساؤل وحَسْرة وحزن دَفين وفراغ لا يعرف كيف يخرج منه ليعودَ إلى واقعه الحقيقي.

ما يجمع بين هذه الشخصيات: الفقيرة منها التي تشقى في حياتها، وأمضَتْ عمرَها كلَّه في السَّعي وراء تأمين قوت يومها، والشخصيات المَيسورة التي عاشت في وضع ماديّ جيد وشغلت وظائف مختلفة، وما بين الشخصيات المُتَفاوتة في الأعمار وتجارب الحياة أنّها كلّها شخصيات منزوعة الشخصية وفاقدة التّفكير الحرّ، لا تملك الجُرأةَ للتّمرّد على واقعها البائس. فهي لا تشكو حالتَها، ولا تعمل للتّغيير، ولا يُشغلها ما يجري حولها من أحداث كبيرة كانت أم صغيرة. وإذا ما اختَلَتْ بنفسها تجد نفسَها منساقة في أحلامها الجميلة فتعيش الحياة التي تُعوَّضها عن حياة البؤس التي تعيشها في الواقع. فالرجل، يجد ملجأه في المرأة التي تستقبله وتحضنه وتنسيه الهموم والأحزان كلّها. والمرأة تسعد بوجود الرجل قُربها ليخرجَها من وحدتها ويوفِّر لها أمْنَها وحياتَها التي تريد.

وتكون المأساة عندما يكتشف الرجل ومثله المرأة أنّ ما اعتقدا أنّهما حصلا عليه ليس إلّا وَهْما فيكون الانكسار وزيادة الشعور بالخذلان.

هكذا يصوّر حسن حميد الحالةَ المأساوية التي وصل إليها الإنسان في العالم العربي، فحتى الأحلام التي يهرب إليها من واقعه التَّعس تفجعه وتُعيدُه لحياته البائسة.

براري النساء

هو الاسم الذي اختاره الكاتب لمجموعة قصصه، وبه يؤكّد على أهميّة المرأة ومَركزيّتها في الحياة، وبإضافة البراري للنساء يُحمّل المرأة دورا مهمّا في حفظ التّوازن في الحياة واستمراريتها والقبول بها. فالبريّة هي الفضاء الواسع الذي لا حدود له، فيها لا وجود للقيود والمفاهيم والعادات والتّقاليد والمُحرّمات، والمَسموحات، والاعتقادات، والالتزامات. الإنسان الفَرد هو سيّد نفسه، ولا مَن يراقبه ويُحاسبه ويُعاقبه على ما يقوم به. والبريّة هي مَهرب الخارجين على القوانين الاجتماعية والمُطاردين والمجرمين، كما هي الحاضنُ الآمن للزاهدين والراغبين في التّخلّص من كلّ لَوْثات الحياة للتّوحّد والتّعبّد. البريّة تقبل بالجميع وتحضنهم، وتوفّر البيتَ والمأكل والمَشرب وكل ما يُحْتاجُ اليه. وبتصدّر المرأة للبريّة تتحوّل لتكون الجنة التي يهفو إليها كلّ إنسان ضاقت عليه حياتُه.

وهكذا في الواقع المَعيش، المرأة هي الأساس في استمرارية الحياة، وهي التي تُضفي عليها رونقَها وجمالها وتألّقَها، وهي باعثة الدفء، والأمان، والسّعادة.

المرأة في قصص براري النّساء

تبدو المرأة في معظم قصص المجموعة مخلوقا مجبولا من كلّ ما في الطبيعة من جمال، فهي "قطعة من البحر أو الرّذاذ الذي ترميه الشّلالات" (ص12) وهي "أشبه بالغيمة وهي تركض، وتمطّ جسدَها وتجمعه ثمّ تطويه وتُمدّدُه" (ص15) و "لا بُدّ لهذه القَدم من أن تنزلق ألف مرّة بهذا الجسد الكارثيّ! فلا قدم، ولا يد، ولا رأس، ولا عَيْن.. تحتمل جمالَ هذا الجسد." (ص17)، رأيتها تسبح وهي تضحك، والموسيقى تلفّها، وتلفّ المَسبح، والنباتات، والأزاهير، والسّجادة، والنوافذ، والكراسي، والأَسِرّة. وحين خرجت من المسبح، كانت كائنا من ماء أو زجاج أو مرايا." (18) و "فتحة صدرها اندلقت إلى الأسفل مثل ماء الشلال. فهي امرأة أشبه بغابة، أو عريشة عنب خرافية، لعلّ القدرة الإلهيّة كانت تودّ أن تخلقها غابة، أو عريشة عنب، وقد تصير نحلة هفهافة." (ص93)، وهي "امرأة من ألوان، وأشواق، وأحلام، ومَسرّات، لا تنتهي! كانت أشبه بقلعة اجتاحتها رغائبُ الرّجال وأحلامهم"(ص 120) و " كانت صبية لها وجه مقمّر.. وحار مثل رغيف الطابون، لا سُمرة له ولا شقرة! وجه له لون ربّانيّ، وجه كلّه.. نداءات" (ص132)، و "دنتْ حَذرة مثل طير الدُّرج، وأنا أرامقها بذهول، إنّها تدنو مثل هودج ريحان رَوّاه النّدى، فحلا له الزهو، وتتقدّم وهي تأخذ شعرَها الطويل بأصابعها الروادف، ويرتج جسدُها كلّه بالأنوثة.. كلّما نقلت خطوها! واتكأت على طرف الباب مثل دالية انحنت، لكأن لا ميل في ميلتها، ولا انحناء في انحناءاتها." (ص133) و " لكأنني نُوِّمتُ أو لكأنها ضوء النهار الذي مشى بي، أو لكأنها هي الخدر اللذيذ، أو النّعاس المُشتهى، أو السّحر الحلال. وأيّ جمال يتهاطل على روحي إذا ما قيَّضت لي الدنيا أن أراها في ارتباكها الأنثويّ حيرة، حذرة.. مثل الطيور." (135)، يا لهذا الجسد المحرقة، يا لهذا الوجه الذي دمّرني، تدنو مثل مدينة.. ولا تدنو! أشعر بأنني داخل جهجهة من ضوء، وعتمة، وأنّ ضبابا رخيّا كالفضّة المُذابة يلفّها. أراها تلفّ بي وتدور لكأنّها هي الريح، وأنا الضّباب، أو كأنّها هي هذا الدّبيب الذي يمشي في جسدي. أشعر بها ترتمي في صدري، تُرَنّخ صدري بالدَّمع، أرفع وجهَها إليَّ.. فيبدو سماء ماطرة، أمرّ بالوجه طوافا، وتمرُّ بي.. برقا ورعدا، فأنا ما عُدتُ أنا، أدور بها وتدور بي، أناديها وتناديني، تطردني وأطردها، أهفو إليها وتهفو إليَّ، تُهَمهم وأُهَمهم، تسأل وأسأل، تخاف وأخاف، تبكي وأبكي، تطير وأطير، تذوب وأذوب، وتهدأ وأهدأ.. فنعود معا إلى وَعْينا." (ص140)

مثل هذه المرأة التي كانت تأتي بنعومتها لتحتلَّ رغباتِ أبطال قصص "براري النساء" تُخرجهم من واقعهم المَعيشيّ البائس، تُدغدغ رغباتهم وتُجمّل أحلامَهم فيعيشون أجمل اللحظات التي تأخذهم، فيتوهَّمون أنّها حقيقيّة حتى يُفاجأ كلُّ واحد بعد أن تُغادرَه أنّه كان في وَهْم كبير جميل سرعان ما يعود بعده للمُعاناة والعذاب والشقاء.

المرأة كما الرجل تشقى وتتعذّب وتنتظره لينقذها

ولم تكن حظوظُ المرأة أفضل من الرجل، ففي قصة "المرأة في الشرفة" نجد المرأة التي اختارت حُريَّتَها واستقلالها وتحقيق رغبتها في العلم، رفضت الشباب الذين تقدّموا لخطبتها، وتركت أسرتَها وبلدتَها ورحلت إلى المدينة، وعملت ممرضة في أحد المستشفيات. وبعد سنوات وتقدّم العمر انتبهت إلى حالتها وأنها وحيدة لا مَنْ يهتم بها ويسأل عنها.. مُهملة من الجميع، و "أنّ ما فات فات، وأنّ النَّدم ما عاد يُفيدُها بشيء، لذلك علّقت حياتَها على نهار دافئ قادم أو على مساء فضيّ بَليل.. قد يأتي" (ص47) ولم يكن أمامها غير الجلوس كلّ ليلة في شرفتها تستعيد ذكرياتها وتنتظر الغد لعلّه يأتي بجديد. حتى كان وتلبّسها وهمٌ أنَّ رجلا يمرّ تحت شرفتها تظنه يقصدها، ولكنه يتجاوزها ويختفي، وأخذت تنتظره كلّ ليلة، وصار أكثر ما يعذّبُها في لياليها أنْ يإخذها النومُ قبل قدومه أو أنْ تُطيل سهرَها من دون أن يجيء. حتى باتت تترك بابَها مفتوحا لعلَه يدخل غرفتها. واشتد عليها الوَلَه حتى أكّدت لنفسها في ليلة انتظرته أنّه قادم، فوظبت البيتَ ونظّفت كلّ زاوية، ورتّبته بشكل جميل، "وقبل أن يطويها النوم واليأس معا، رأته قادما كالضباب.. مُنقادا لخطا رَخيّة يدنو على ريث شديد. ولما اقترب أكثر سيّجته بنظرها واهتاجت الروحُ في داخلها وضجّت قدماها بالحركة، ودونما إبطاء انطلقت إليه لتستقبله قبل أنْ يذوبَ في المَدخل" (ص51). وهكذا انساقت وراء خيالاتها حتى عادت إلى وعيها واكتشفت أنّها كانت تعيش حلما جميلا سرعان ما تلاشى، وعادت إلى واقعها الذي تُعاني منه.

ومثلها النساء الثلاث المُتقدّمات في العمر، اللاتي اخترن حياةَ الحرية والاستقلال، وقد اتّفقن على القيام برحلة، وأنْ لا تتحدّثن عن الرجال مُطلقا، وأن تبتعدن عن ذكرياتهن وتاريخهن معهم "قرّرن نسيان تاريخ الرجال كلّه، من أيام حمورابي إلى زمن محمد علي كلاي، حتى أنَّ إحداهن قالت: بلا رجال بلا بطيخ كل شيء في هذه الرحلة سيكون أنثويّا، سيكون مديحا للمرأة والأنوثة" (ص113).

وكان شاطئ البحر ممتلئا بالنساء والرجال والأطفال وكذلك الغابات، وكانت قُرب البحر عرائشُ مختلفة، فأثارتهن، ورغبن في اكتشاف ما فيها، واتّفقن على ترك أيّ عريشة يجدن فيها رجالا. وكان، وبدأن صباح الغد بتَفقّد العرائش. وحدث أن اختارت كلٌّ منهن عريشة من الخيزران، دخلتها ولم تُغادرها إلّا قبَيْل الغروب، ولمّا التقت الصديقات رأت كلّ واحدة في وجه الثانية هالةَ قمر. فقد وجدت كلّ منهن في العريشة التي دخلتها رجلا أسعدها وعيَّشها ساعات من المُتعة والسعادة والفرح كانت ترغب فيها وتنتظرها.

هكذا يؤكّد لنا الكاتب أنَّ الحياة لا تكتملُ ولا تكون فيها سعادة وفرحٌ وطمأنينة وأمن إلّا بوجود المرأة والرجل، ففيهما معا تتحقّق الجنّةُ وتَنْوجد، وبافتقاد الواحد للثاني يكون الشقاءُ والعذاب.

هموم الناس الأخرى

ومن الشخصيّات التي عرفناها في القصص انكشفنا على الحياة البائسة التَّعسة التي يحياها الإنسان العربي في معظم بلدان عالمنا العربي. فالإنسان العربي من كلّ الطبقات الاجتماعية يفتقد للحرية والعدالة والشعور بالأمان في بيته وبلدته ووطنه، فسيفُ الحاكم الظالم يبقى مُسَلَّطا على عنقه، فلا يملكُ الواحدُ حريةَ الكلام وحرية الكتابة وحرية الشكوى، وحتى تُحرَّم عليه الآمالُ والرّغبات والأمنيات، وليس له من مَهرب غيرُ الأحلام التي تُخرجه من واقعه البائس ولو للحظات تُعَيِّشُه في سعادة يتمناها وتُساعده على مواصلة درب الشقاء في سنواته الباقية له.

الهرب ليس الحلّ المطلوب

حتى مَنْ يُخطّطُ للهَرب إلى مكان قد يوفّر له الحياة الأفضل لن يحظى بما أراد، فابنُ الريف يُفكِّر بالرحيل إلى المدينة، ففيها، كما يعتقد، فرصُ النّجاح أكبر، فيصطدم بواقع شرس قاس، كما حدث للطلاب الذين قصدوا المدينة للدراسة فسحقتهم وضيّعتهم، والفتاة التي رحلت للمدينة فوجدت نفسها آخر سنوات عمرها وحيدة مُهمَلَة تنتظر مُنْقذا لن يأتيها، فتعيش على أحلامها التي تزيدها شقاء.

وقد يفكر الواحد بترك الأهل والبلدة والوطن والرّحيل إلى بلاد بعيدة غريبة، فقد ينجح ويَغتني ويستقر في حياة هانئة آمنة، لكنه يظل يعيش مع شعور الغريب البعيد عن كل مَن أحبّ، وفي قلق دائم على غَدِ أبنائه وأحفاده في الغربة، ومصير أهله ووطنه في البعيد. فلا يجد الرّاحة ولا السّعادة، مُمَزّقا بين عالمَين مُتباعدَين كما رأينا ما حدث لبطل قصة "الغربة".

إنسان فقَدَ الإحساسَ بالظلم

المؤلم المُثير الذي تكشفه لنا قصص "براري النساء" أنّ الإنسان العربي في الوطن العربي، من كلّ طبقات الشعب في هذا الزمن الرديء فقَد الإحساسَ بعالَمه الذي يعيش فيه، وبالعالم الواسع الذي يُحيطه، فهو مُنغلقٌ على ذاته، لا يُفكّر إلّا باحتياجاته الماديّة والرَّغبويّة العابرة، فهموم الناس والوطن والعالم أصبحت غريبة عنه، حتى قضاياه هو ومجتمعه الصغير، لا يُعيرُها اهتمامَه، فهو مستسلم لواقعه وكأنه قَدَرُه، لا يفكِّر بتحسينه وتغييره أو حتى الشكوى منه، وتغيبُ عنه صرخة أبي ذرّ الغَفاري: - عجبتُ لمَن لا يجدُ القوتَ في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفَه.

 فيندفع للتمرّد على أوضاعه ويعمل على تغييرها.

وهنا توجد الطامة الكبرى، أنْ لا وجود في هذا العالم العربي اليوم لمَنْ يرفع صوته ويصرخ: كفى.. ولن نقبل بالسّكوت بعد اليوم.

جماليّات القصص

لغة قصص "براري النساء" جميلة مُنسابة بإيقاعها الجميل، تصل في بعض تعابيرها إلى حدود الشعر المُتغلغل في الأعماق. والحبُّ هو اللحن الطاغي على معظم الشخصيات، حبٌّ يأخذ بالواحد إلى عالم مِنَ النَّقاء والطّهارة والجمال والفَرح، ولكنه سرعان ما يختفي ويترك صاحبَه في بؤس وتعاسة وعذاب. والأحداث غير المتوقّعة، تتواصل ما بين واقع مَعيش ملموس وآخر مُتَخيّل سحري، لا ما يفصل بينهما. وشخصيّات بائسة قلقة تُحبُّ ولا تعرف الكُرْهَ. تتعايش وتتواصل وتتباعد وتحزن وتفرح وترضى وتأتي وتروح بهدوء. وبدايات تشدُّنا لمُتابعة الحكايات فتُعَيِّشنا أجملَ اللحظات، وتدفعنا لذَرْف الدموع أحيانا كثيرة، وللغضب والرّغبة في الهَرب. وتكون النهايات التي تتركنا في مَتاهات تُضيّعنا، فلا نعرف كيف ستكون هذه النهايات.  نهايات كلّها غير محسومة في خواتمها. تتركنا لنُقرّرَ كيف ستكون مآلات الناس الذي عايشناهم لدقائق أو ساعات اختلينا بهم.

***

د. نبيه القاسم

ينتمي الشاعر المصري هاني شعيب إلى جيل الستينيات، ذلك الجيل الذي تبلورت تجربته في سياق التحولات العميقة التي شهدتها القصيدة المصرية الحديثة، وضمّ أصواتًا شعرية بارزة، مثل أمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وفاروق شوشة، وأحمد سويلم، إلى جانب شعراء آخرين أسهموا في تجديد اللغة الشعرية، وتطوير أدواتها الفنية والتعبيرية. وقد اتجهت تجارب كثيرة من هذا الجيل إلى التمرّد على الأشكال التقليدية، وتوظيف الرمز والأسطورة والتراث، والانشغال بالذات الإنسانية بما تنطوي عليه من قلق واغتراب وخيبة. وفي هذا السياق، تتسم تجربة هاني شعيب بموسيقاها الداخلية، وميلها إلى التكثيف والإيحاء، واستدعاء الموروث الثقافي والديني، فضلًا عن قدرتها على تحويل التجربة الذاتية إلى أفق إنساني أرحب.

تتناول هذه الدراسة قصيدة (دم يوسف)، التي يوظِّف فيها الشاعر التناص الديني (Religious Intertextuality)، مستلهمًا قصة يوسف الواردة في القرآن الكريم، بعد اشتغاله على المرجعيتين الأسطورية والتاريخية في قصيدته الطويلة نسبيًا (بردية إيزيس العصرية... من متون بهية). ويكشف هذا التوجّه عن اهتمامه بإعادة تشكيل الموروث، لا بوصفه حكايات مكتملة تُستعاد كما وردت، بل بوصفه مادة رمزية قابلة لإنتاج دلالات جديدة داخل التجربة الشعرية المعاصرة.

تتألف (دم يوسف)، بحسب إحصاء النص المعتمد في هذه القراءة، من 147 كلمة موزعة على أربعين سطرًا شعريًا، يتفاوت طولها بين كلمة واحدة وخمس كلمات. وتوحي هذه البنية المقتصدة بوعي واضح بالتكثيف، إذ تتضافر المفردات والصور والإيقاعات لتشكيل نسيج متماسك يصعب فصل عناصره بعضها عن بعض من دون التأثير في دلالته الكلية. ولا تستمد القصيدة قوتها من كثافة الصور وحدها، وإنما من تفاعل هذه الصور مع حركة وجدانية تتدرج من التعلّق والشغف بالمحبوبة إلى الإحساس بالجُرح والخذلان، ثم تنتهي إلى اتهام صريح يعيد توجيه قراءة النص بأكمله.

عتبة يوسف

يمثل العنوان عتبة نصية أساسية تهيئ القارئ للدخول إلى العالم الدلالي للقصيدة. فاسم (يوسف) يستدعي قصة قرآنية راسخة في الذاكرة الثقافية، بينما تحيل إضافة (الدم) إلى مشهد القميص الذي جاء به إخوة يوسف إلى أبيهم، مدّعين أن الذئب أكله، في حين تصف الآية الكريمة ما جاؤوا به بأنه ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (يوسف: 18). وهكذا يجمع العنوان بين شخصية دينية معروفة وعلامة مادية تختزن معاني الضحية والادعاء والخداع.

غير أن الشاعر لا يعيد سرد قصة يوسف كاملة، ولا يتقيد بتفاصيلها الحكائية، بل ينتقي منها عناصر محددة يعيد توظيفها في سياق عاطفي مغاير. فالمحبوبة التي تبدو في مطالع القصيدة مصدرًا للبهجة والإلهام تصبح في نهايتها موضع لومٍ واتهام، ويغدو المتكلم ذاتًا مجروحة تستدعي صورة يوسف لتعبّر عن براءتها المهدورة. أما الذئب، فيتحول إلى علامة على الذريعة التي يُراد بها التستر على المسؤولية الحقيقية عن الأذى.

وتنبع أهمية هذا التناص من المسافة التي يقيمها الشاعر بين الحكاية الأصلية وتجربته الخاصة. فالقصة القرآنية تستحضر محنة يوسف وما تعرض له من كيد إخوته، ثم انتقاله عبر الجُب والعبودية والسجن إلى التمكين في الأرض واجتماع الشمل بأبيه، بينما تركز القصيدة على الجرح العاطفي والخذلان. وبذلك لا يكون التناص مجرد إحالة إلى مرجع ديني معروف، بل وسيلة لتوسيع التجربة الذاتية ومنحها أبعادًا تتجاوز حدود العلاقة العاطفية الفردية.

وتتأكد هذه الوظيفة حين نقرأ العنوان في ضوء الخاتمة؛ إذ لا تتضح دلالة (دم يوسف) على نحوها الكامل إلا بعد أن يكشف الشاعر عن اتهامه للمحبوبة. عندئذ يعود القارئ إلى العنوان، فيعيد تأويله بوصفه مفتاحًا للبنية الدرامية، لا مجرد تسمية للقصيدة. ومن هنا تتشكل علاقة دائرية بين العنوان والنهاية، بحيث يضيء كل منهما الآخر، ويكتسب النص تماسكه من هذا التفاعل المحكم.

إيقاع التعلّق

تزخر القصيدة بأساليب بلاغية تتداخل فيها الوظيفة التعبيرية مع الوظيفة الإيقاعية. ومن أبرزها التكرار الاستهلالي (Anaphora)، كما في قول الشاعر:

(وكنتُ، إذا ما تثاءبتِ، أغفو

وكنتُ، إذا ما ضحكتِ، أُغنّي

وكنتُ، إذا ما همستِ، أُناجي).

يتكرر التركيب (وكنتُ، إذا ما) في مطالع الأسطر الثلاثة، فيربط بينها ويمنحها وحدة إيقاعية ودلالية. ولا يقف أثره عند توكيد المعنى، بل يكشف عن حالة من التماهي الوجداني؛ إذ تتحول حركات المحبوبة إلى دوافع مباشرة لاستجابات العاشق. فهو يغفو حين تتثاءب، ويغني حين تضحك، ويناجي حين تهمس، وكأن عالمه الداخلي لا يستقل عن عالمها، بل يتشكل وفق إشاراتها الصغيرة.

ويكشف هذا التدرج عن انتقال الاستجابة من حالة جسدية هادئة إلى تعبير غنائي، ثم إلى مناجاة تنطوي على قدر أكبر من الحميمية. وهكذا يغدو التكرار أداة لبناء الشخصية العاشقة، لا مجرد مُحسِّن لفظي يضفي نغمة متجانسة على الأسطر الشعرية.

ويتصل بذلك الأسلوب الشرطي (Conditional Construction)، الذي يتجلى في تكرار «إذا ما». فالعلاقة بين الشرط وجوابه تجعل أفعال المتكلم مرتبطة بأفعال المخاطَبة، وتوحي بأن حالته النفسية مرهونة بحضورها وحركاتها. غير أن هذا الارتباط، الذي يبدو في البداية مصدرًا للانسجام العاطفي، يحمل في داخله بذور الاختلال؛ لأن الذات التي تجعل مشاعرها تابعة للآخر تصبح أكثر عرضة للخيبة حين ينقطع التواصل أو يغيب التجاوب.

ويبرز التكرار المعجمي (Lexical Repetition) في قوله:

(أُنادي عليكِ نداءَ الشريدِ،

أُنادي، أُنادي...

ولا تسمعي).

يتكرر الفعل (أنادي) ليجسِّد الإلحاح في طلب التواصل، فيما تكشف عبارة (نداء الشريد) عن شعور بالضياع وفقدان الأمان. ثم تأتي جملة (ولا تسمعي) لتضع هذا الإلحاح في مواجهة الصمت. وهنا تنشأ مفارقة مؤثرة بين كثافة الصوت وغياب الاستجابة؛ فكلما تكرر النداء ازداد الإحساس بالمسافة الفاصلة بين العاشق والمحبوبة. وبذلك يتحول التكرار من وسيلة للتوكيد إلى أداة درامية تكشف فشل التواصل.

وتتعزز هذه المفارقة من خلال التقابلات الدلالية (Semantic Contrasts) التي تتوزع في القصيدة، مثل (شبابًا) و(مشيبي)، و(جديدًا) و(سرابًا)، و(رغيدًا) و(يبابًا). ففي هذه العلاقات يتحول الأمل إلى خيبة، والحياة المتجددة إلى وهم، والبيت الذي يُفترض أن يوفر الطمأنينة إلى فضاء موحش. كما أن المقابلة بين (لا توصدين) و(ولا تفتحين) ترسم حالة من التعليق والجمود؛ فالمحبوبة لا تحسم موقفها بالرفض النهائي ولا تمنح العاشق فرصة للعبور، الأمر الذي يضاعف حيرته ويطيل أمد معاناته.

وهج الصورة الشعرية

وتتجلى فاعلية الصورة الشعرية كذلك في الاستعارة والتشخيص. ففي عبارة (يبكي الكمان) يُمنح الكمان فعلًا إنسانيًا، فيتحول الصوت الموسيقي إلى كائن يشارك الذات حزنها. وفي (يموت النشيد) تتجسد نهاية الغناء بوصفها موتًا، بما يوحي بانطفاء القدرة على الفرح والتعبير. أما صورة (انصهرتُ بناركِ) فتستثمر دلالة النار لتصوير الحب بوصفه قوة تستولي على العاشق وتذيبه في لهيبها. وتؤدي هذه الصور وظائف متكاملة؛ إذ تنقل الانفعال النفسي إلى مشاهد حسية، وتجعل الألم قابلًا للتجسيد والإدراك.

ويحضر التشخيص أيضًا في قوله (وتصحو عرائسُ حُلمكِ في مخدعي)، حيث تتحول عرائس الحلم إلى كائنات قادرة على الاستيقاظ والحركة. وتوحي الصورة بأن المحبوبة لا تزال حاضرة في مخيلة الشاعر حتى في غيابها الواقعي؛ فالأحلام تعيد إنتاج حضورها، لكنها لا تعوض بالضرورة انقطاع التواصل معها.

ولا تقل المحسنات البديعية أهمية عن الصور والاستعارات، إذ يستثمر الشاعر التضاد بين الموت والخلود، والشروق والمغيب، لإبراز التوتر بين انطفاء التجربة وإمكان استمرارها في الذاكرة. كما يسهم تكرار النهايات الصوتية، ولا سيما الألف الممدودة في كلمات مثل (شبابًا) و(سرابًا) و(يبابًا) و(بابًا)، في خلق تناغم صوتي يربط بين وحدات النص. وليس هذا الانسجام مجرد زينة موسيقية، بل يرفد الحركة الدلالية، إذ تتجاور الكلمات المتقاربة صوتيًا رغم اختلاف إيحاءاتها، فتتولد مفارقة بين انتظام النغمة واضطراب التجربة العاطفية.

أما الأساليب الإنشائية، فتظهر بوضوح في صيغة النهي «فلا تدّعي»، التي تتجاوز معناها النحوي إلى الرفض والاحتجاج والاتهام. وتكشف الصيغة عن تحول المتكلم من موقع العاشق المتعلق بالمحبوبة إلى موقع من يواجهها ويطالبها بألا تتذرع بالبراءة. وينبغي هنا التمييز بين النهي والنفي؛ فالنهي طلب الكف عن فعل، في حين ينفي النفي وقوع فعل أو ثبوت حالة. ولذلك يمكن قراءة (ولا تسمعي) بوصفها صيغة نهي بحسب سياقها وضبطها، أما (لا توصدين ولا تفتحين)، مع بقاء النون، فتُقرأ في سياقها بوصفها نفيًا. كذلك فإن (أنادي عليكِ) تدل على فعل النداء ومحاولة الوصول إلى المخاطبة، لكنها ليست نداءً نحويًا صريحًا. وهذا التمييز ضروري حتى لا تختلط الوظيفة التعبيرية بالتصنيف النحوي.

دراما الخذلان

تتجلى البنية الدرامية للقصيدة في انتقالها من الاستغراق في الحب إلى مواجهة الخذلان. ففي البداية يبدو العاشق مستجيبًا لكل حركة تصدر عن المحبوبة، وكأن وجوده يستمد معناه من وجودها. ثم يبدأ هذا الانسجام بالتصدع، ويغدو النداء المتكرر علامة على تعذر الوصول إليها. وبعد ذلك تتكاثر صور الفراغ والخيبة، إلى أن تنتهي القصيدة باتهام يغيّر منظور القارئ إلى المقاطع السابقة. وتبلغ هذه الحركة ذروتها في الخاتمة:

(فلا تدّعي،

براءةَ ذئبِ البرّيةِ،

من دمِ يوسفَ

في مصرعي!).

تستعيد هذه الأسطر عناصر العنوان، لكنها تنقلها من مستوى الإيحاء إلى مستوى المواجهة المباشرة. فالذئب الذي ارتبط في الذاكرة الدينية بادعاء إخوة يوسف يصبح هنا استعارة للبراءة الزائفة، فيما يضع الشاعر نفسه في موقع الضحية التي انتهت تجربتها إلى مصرع رمزي. ولا يقتصر هذا المصرع على الموت بمعناه الحرفي، بل يمكن أن يدل على انكسار الذات العاشقة وانهيار العالم الذي بنته حول المحبوبة.

وتنبع قوة الخاتمة من أنها لا تضيف معنى منفصلًا عما سبق، بل تعيد تنظيم معاني القصيدة بأكملها. فالتعلق الذي بدا في المطلع دليلًا على الحب يصبح، في ضوء النهاية، مقدمة لمأساة؛ والنداء الذي حمل رجاء التواصل يتحول إلى شهادة على غيابه؛ أما استدعاء يوسف فيمنح الجرح الشخصي لغة رمزية مشتركة يستطيع القارئ من خلالها تأويل الخذلان خارج حدود التجربة الفردية.

وهكذا ينجح هاني شعيب في الجمع بين التكثيف اللغوي والتصاعد الدرامي والتناص الديني، مستفيدًا من قصة يوسف لا لاستنساخها، وإنما لإعادة تشكيلها في ضوء تجربة عاطفية معاصرة. وتكشف القصيدة عن قدرة الموروث على تجديد دلالاته حين يدخل في حوار مع الذات، كما تبرهن على أن قِصر النص لا يحول دون اتساع أفقه الرمزي. ومن خلال العلاقة المحكمة بين العنوان والخاتمة، والتضافر بين التكرار والصورة والإيقاع، تتحول (دم يوسف) إلى قصيدة عن البراءة المجروحة والاتهام والخِذلان، وعن المسافة المؤلمة بين صدق العاطفة وعجزها عن ضمان استجابة الآخر.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

فعل تشكل الأكوان المتوازية في الفيزياء والمسرح

يعد المسرح من الفضاءات التي من الممكن أن تُطبق عليها مفاهيم تتشارك معها في واجهة إبداعية ما، على الرغم من الاختلاف في جانب آخر من المعرفة، سواء أكانت هذه المعرفة ترتبط بما هو مادي، أو بما هو غير مادي يرتبط بمفهوم التجريد في التصورات التي تحاكي صياغة فرضية ما أو نظرية ما يحاول العاملون عليها إيجاد تصورات لتطبيقها.

فبين المسرح ونظرية الأكوان المتوازية الفيزيائية علاقة قائمة على أصل البحث المشترك الذي يربطهما معاً في حقل التوازي بين الواقع من جهة، وبين المسرح والنظرية الفيزيائية؛ فهل إن النظرية الفيزيائية هي جزء من البحث بالواقع المعاش مباشرة؟ أم هي تبحث في مجال يقترب من الخيال، أو التجريد للفكرة التي لا يمكن أن تتحقق في أرض الواقع من خلال العمل غير المباشر؟ تساؤلات من الممكن أن تقودنا إلى فعل الاشتراك بين التصورين المسرحي والفيزيائي في النظرة إلى ما يسمى التصورات التي تبتني على فعل الحضور المباشر، وفعل الاعتقاد الذي يرسم لنا تصورات غير مباشرة في فهم الحياة.

نعم، الكثير ممن يشتغل في المسرح يعتقد أن الحياة هي مسرح من نوع آخر، والبعض الآخر يعتقد العكس؛ أن المسرح هو إعادة صياغة الحياة بفعل إبداعي قائم على الإضافة لكل ما هو جديد مما يمكن أن يغير نظرتنا للحياة ذاتها بعد توظيف الفعل الإبداعي وفق الرؤية التي يبتغيها المفسر والمؤول الناظر إلى الحالة المراد دراستها وتقديمها على المسرح. وكذلك الفيزيائي الذي ينظر إلى الحياة والواقع ويراهما بطريقته الخاصة، وفي الكيفية التي من الممكن أن يفسر بها هذه الحياة من خلال البحث في التصورات الجديدة التي تسهم في طرح طرائق جديدة في فهم الكون بصورة عامة وجزيئاته بصورة خاصة.

فالمسرحي يصنع من خلال وقوفه على المسرح عالماً موازياً لها، يكون مادياً بأدواته لكنه مغاير عنها في الطرح الذي يقدمه على الخشبة؛ فمنذ بداية ظهور المسرح مع الاحتفالات الأولى عند الإغريق وإلى الآن لم ينحرف المسرح عن كونه صياغات إبداعية موازية للحياة الواقعية على الرغم من جعل نظرياته -أي المسرح- تقترب من محاكاة الواقع كما في الواقعية وقريناتها القريبات من الواقع ذاته، أو تبتعد عن الواقع ومحاولة تجريده وتشكيل عالم آخر يبتعد عن فكرته الأصيلة إلى ما هو البحث في متبنيات العقل واستنتاجاته الجديدة في مجال البحث عن آفاق مهمة ومغايرة.

إذن، هل المسرحي الأول في إبداعه للمسرح كخطوة موازية للحياة بموجوداتها العينية خطوة تقترب وتكاد تتقارب من الخطوة الأولى لوجود الفيزيائي الأول في فهمه للكون ومحاكاته، لكن بطريقة من محاولة إيجاد صورة مقاربة وقد تكون متطابقة لهذا المفهوم؟

هل الفيزياء بحثت في كل شيء حتى وصلت إلى ابتكار الأكوان المتوازية، التي وجدها المسرحي الأول منذ اللحظة الأولى من اشتغاله الإبداعي؟ فالمسرح عالم يصنع أكواناً متوازية وعوالم متداخلة لا يفقهها إلا من جاء إلى هذا العالم الجديد بعد أن دخل في عالم ممل ليبحث هو أيضاً -كمتلقٍ- عن المتعة في المغامرة التي تبعده عن الواحدية في وجوده الواقعي.

في المسرح فضاءات متعددة وفضاءات متداخلة، وفيه صناعة إبداعية قائمة على إيجاد الشيء من شيء آخر؛ هذه الفضاءات المتداخلة قد تعيد صياغات الحدث الذي يقع في تاريخ ما، أو قد يقع بفعل متوازٍ في حاضر ما، أو قد يقع في مستقبل ما؛ فالفعل الإنساني وما يتشكل منه من أحداث قائم على التكرار، وهذا التكرار قد يولد مساحات من الحركة التي تؤدي إلى أفعال تسير باتجاهات عديدة تتطابق مع مخططات يرسمها المبدع في لحظة ما. وهذه الفكرة التي قد يقوم بها مؤدٍ مبدع لحركة ما يتطابق في فعلها مع أفعال في نفس العالم، لكن الفعلين المتطابقين يقعان في التوازي، سواء علم أصحابها أم لا؛ فالمطابقة في الفعل والمخالفة في النتيجة، وكل فعل يطابق فعلاً يخالفه في النتيجة يعطي كل منهما مساحة من الاختلاف؛ فإذا تطابقا ستكون نفس النتيجة، وإذا تباعدا تختلف النتيجة، وفي المخالفة يقع فعل الابتعاد. لكن الناظر المتأمل يصل إلى أن التطابق هو في عين ذاته اختلاف، والاختلاف هو في عين ذاته تطابق، وهذه من متبنيات نظرية "الحكمة المتعالية" التي تركز على أن الوحدة في عينها كثرة والكثرة في عينها وحدة، إذا ما كانت هذه الوحدة والكثرة غير تقابلية؛ كذلك المسرح وفق هذه النظرة قد يرجعنا إلى وحدة الفعل وفي نفس الوقت يعطينا مع الحياة اختلافاً في النتيجة على الرغم من هذه الوحدة؛ الاختلاف مع من؟ الاختلاف مع الحياة ذاتها. والفيزياء تبحث في فضاءاتها المتعددة وأكوانها المتوازية حتى تُثبت بطريقة ما بأن هذا العالم ليس عالماً واحداً، بل هو عوالم متوازية ومتداخلة في نفس الوقت.

الفيزياء وما يتقابل معها في الفعل الإبداعي في الرؤية يتشاركان في التقابل بين الاستخدام والنتيجة؛ فالمسرح يسعى إلى الاستخدام الأمثل للفكرة التي تكون مختلفة عن الواقع المعاش، أو فكرة تكون موازية لهذا الواقع. التشظي المستمر الذي تسعى إليه الفيزياء في الأكوان المتوازية، يسعى إليه كذلك المسرح؛ فهل المسرح يريد أن يعيد المتلقي إلى الواقع؟ أم يريد أن يأخذ بيد المتلقي وخياله إلى عوالم أبعد يتشظى في كل لحظة وحين أمامه حتى يتشكل من جديد في صور أخرى قد تعيده إلى ما هو عليه وتذهب به مرة أخرى، أو قد تأخذه دون عودة إلى عالم من الخيال والتجريد تكون فيه أفعال الدهشة والانجذاب حاضرة في صدمة تخرجه من أجوائه المشحونة من واقعيته المادية التي تكلست فيها أحجار الهموم، أو قد وصل إلى مرحلة التكرار المستمر والبداهة التي لا يمكن أن يخرج منها إلا بفعل صدمة تمزق في داخله الانغلاق الحاصل والمغطي على عينيه بشكل مستمر.

إذن، فالتشظي والبحث من خلال هذا التشظي عن نوافذ أخرى يبدعها المسرح ويقدمها في عوالم جديدة؛ هذه العوالم فيها الكثير من المواد التي ألفها المتلقي في الحياة اليومية، لكنها متغايرة في دخولها إلى عالم المسرح، فيصبح لها ظهور جديد؛ أي إن أشياءه اليومية من الممكن أن تكون في الوقت ذاته هي صورة مملة، وفي وقت آخر هي صورة مدهشة، فالاستخدام قد اختلف في المسرح فدخولها قد يجعل منها حالة مدهشة وقد يجعلها حالة بديهية. متى تكون مدهشة؟ ومتى تكون بديهية؟ تكون كذلك عندما توجد في عدة حالات مختلفة، وهذا الفعل في الظهور يشير إلى فكرة الجسيمات التي من الممكن أن توجد في عدة حالات، وهذا ما يسمى التراكب الكمي في الفيزياء، وفي المسرح يسمى التراكب الإبداعي. فالمسرح ينتج فعل تراكب، ويقع هذا الفعل في كل ما يمكن أن يوظف في المسرح؛ فالفكرة من الممكن أن تخضع لفكرة التراكب الإبداعي، والأشياء من الممكن أن تخضع لفكرة التراكب الإبداعي في المسرح، وعناصر العرض من الممكن أن تخضع لهذا المسمى الإبداعي. فالفيزياء أوجدت التراكب الكمي من الحياة ونظرتها إلى الجسيمات التي تشكلت منها هذه الحياة وهذا الكون، والمسرح هو في الأساس يشكل في داخله عالم الأكوان المتوازية، والمسرح هو في حد ذاته يدخل كعالم موازٍ لعالم الوجود الفعلي والحقيقة اليومية التي يعيشها الإنسان.

والمسرح ينظر إلى الواقع عندما يريد أن يقدمه فإنه يقع أمام خيارين أو أكثر، فهو ينقسم في الأصل إلى العالم الواقعي والعالم الإبداعي، والعالم الإبداعي ينقسم إلى فعل التكرار للحياة وما يدور فيها، وإلى ما يغايرها ويختلف عنها؛ فالمسرح يختزل في داخله عالماً يكون فيه نسخة معدلة وهو المجال الإبداعي، ونسخة مكررة وهو ما يحوله إلى حافظة تقع بين طيات الزمن قد تنتج فعلاً إبداعياً جديداً إذا ما ظهرت في وقت لاحق، وهذه نفسها لعبة يقدمها من يفكر في الفيزياء كقراءة جديدة للكون بكلياته، أو جزئياته التي تدخل في تراكبها الكمي.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

الحدبة والمرآة والكتاب: من اعوجاج الداخل إلى بقاء الأثر

تنهض رواية " أحدب بغداد" منذ عتبتها الأولى على مفارقة دلالية مركزية: رجل يحمل انحناءة جسدية ظاهرة، في حين تتوارى " حدبات" أخرى لا تستقر على الأجساد، وإنما تتشكل في الداخل. ومن هذه المفارقة تنشأ البنية الرمزية للرواية، إذ لا تبقى الحدبة وصفاً لهيئة الشخصية، بل تتحول تدريجياً إلى علامة سردية ومعرفية وأخلاقية يعاد إنتاجها عبر مسار الرواية كله. وتقوم هذه العلامة على انتقال متدرج من المرئي إلى الخفي، ومن الجسد إلى النفس، ومن رؤية الآخر إلى مساءلة الذات. فعبد الرحمن يعرف منذ طفولته أن جسده يحمل انحناءة إثر سقوطه، لكنه يكتشف لاحقاً أن آخرين يحملون انحناءات أشد خطراً، وإن كانت العين العادية عاجزة عن رؤيتها. ولهذا تأتي عبارته: " لو عرفوا كم من الحدبات لا ترى لرحموا هذه الانحناءة الصغيرة" بوصفها مفتاحاً تأويلياً مبكراً لمسار التجربة.

ومن منظور سيميائي، لا تعمل الحدبة بوصفها علامة منفردة، وإنما داخل شبكة من العلامات المتكررة: المرآة، الظهر، العين، الوجه، النارنج، بغداد، دجلة، الكتاب، القبور، والرحيل. وهذه العلامات لا تستمد قيمتها من حضورها الوصفي وحده، بل من علاقاتها المتبادلة داخل البنية السردية. ويتقاطع ذلك مع التصور التأويلي للرمز عند بول ريكور .فاللغة الرمزية لا تستنفد في معناها الأول، وإنما تفتح إمكانات متعددة للفهم والتفسير. ويختصر ريكور هذه العلاقة في عبارته المعروفة.

 " الرمز يفضي إلى الفكر" بما يجعل الرمز منطلقا لفعل التأويل لا خاتمة للمعنى. وعلى هذا الأساس، تتأسس الدراسة على مقاربة سيميائية،تأويلية ذات بعد نفسي، تتتبع السيميائية شبكة العلامات وعلاقاتها، وتنفتح التأويلية على تعدد مستويات الدلالة، فيما يستقرئ البعد النفسي أثر الخوف والشك ومراقبة الذات وتحول المعرفة إلى عبء داخلي.

الحدبة من العاهة الجسدية إلى العلامة الأخلاقية

تبدأ الرواية بتثبيت المعنى الواقعي للحدبة: "انحنى ظهره قليلاً إثر سقوطه عن سطح البيت وهو صبي" . وهذه البداية تمنح الانحناء سببا مادياً واضحاً، فلا تكون الحدبة منذ البداية عقوبة رمزية أو علامة أخلاقية. عبد الرحمن لم يختر حدبته ولذلك لا تنتقص من قيمته الإنسانية. غير أن السرد ينقل مركز الثقل تدريجيا من جسد عبد الرحمن إلى أجساد الآخرين. فعندما يرى في المرآة " انتفاخاً صغيراً" خلف ظهر الموظف المرتشي، ثم يراه لدى السياسي، والرجل الذي يسيء إلى غيره، تتغير وظيفة العلامة. لم تعد الحدبة وصفاً جسدياً، بل أصبحت ترجمة بصرية لفعل أخلاقي مستتر. وهنا تتولد إحدى أهم المفارقات في الرواية: الجسد يصبح شاشة تكشف ما تعجز اللغة عن إظهاره. فالحدبة تتصل بسلوكيات مثل الرشوة والنفاق والظلم والإهانة واستغلال الضعيف، في حين تغيب عن بعض الشخصيات التي تمارس فعلاً إنسانياً نزيهاً، كما في مشهد الموظف الذي يساعد الأرملة، أو بائع الرز الذي يزيد في الكمية من غير مقابل.ومن ثم تنشأ ثنائية دلالية:

استقامة الجسد لا تعني بالضرورة استقامة الروح. وانحناء الجسد لا يعني انحناء الإنسان أخلاقياً. وبذلك يصبح عبد الرحمن، الذي يراه المجتمع "الأحدب"، مفارقة حية بين ظاهر الجسد وباطن الإنسان. فالحدبة التي يحملها ليست معياراً لقيمته، بينما تكشف حدبات الآخرين عن مسافة بين المظهر والحقيقة. وهنا يبدأ الرمز في تجاوز دلالته الجسدية إلى سؤال أكثر عمقاً: من الذي يستحق أن يسمى أحدب؟ وهل الانحناء صفة للجسد أم نتيجة لطريقة الإنسان في العيش والاختيار؟.

 المرآة بوصفها جهازا للرؤية والمعرفة

إذا كانت الحدبة هي العلامة، فإن المرآة هي جهاز الكشف عنها.

ومن هنا يأتي فصل "صاحب المرايا" بوصفه نقطة تحول في البنية الدلالية للرواية. يقول صاحب المرايا لعبد الرحمن: "ليست كلها جميلة... بعضها صادق"، ثم يضيف: "الناس... هم الذين يجعلونها تكذب" .بهذا تنتقل المرآة من وظيفتها الفيزيائية في عكس الصورة إلى وظيفة معرفية تكشف ما يستتر خلف المظهر. وهي لا تمنح الحقيقة جاهزة، بل تفتح مجالاً لرؤية مختلفة. ويزداد غموضها حين يقول صاحب المرايا: "لأن الوجوه تتشابه... أما الأرواح فلا" . فهذه العبارة تمنح الشخصية وظيفة تتجاوز الحضور الواقعي، إذ يغدو صاحب المرايا وسيطاً بين الرؤية الحسية والرؤية الباطنية، وبين ما يظهر للعين وما يستتر في النفس.ومن هنا يصبح "الانعكاس الأول" أكثر من صورة ثانية لعبد الرحمن؛ إنه بداية انقسام في الوعي بين عالم تراه الجماعة، وعالم آخر تكشفه المرآة. وتتعمق المفارقة حين يقف عبد الرحمن أمام مرآته فلا يرى سوى " انحناءه القديم" بينما يرى حدبات الآخرين في المرايا والزجاج والشاشات. وهنا تنتقل الرواية من سؤال القدرة الخارقة إلى سؤال أخلاقي ومعرفي: هل يستطيع الإنسان أن يرى اعوجاجه الداخلي بالوضوح نفسه الذي يرى به اعوجاج الآخرين؟ هذا السؤال سيظل ممتداً عبر الرواية حتى نهايتها.

عبد الرحمن وتحول الرؤية إلى عبء نفسي

لا تقدم الرواية قدرة عبد الرحمن الجديدة باعتبارها امتيازاً خالصاً، وإنما تجعلها عبئاً معرفياً يتنامى مع اتساع الرؤية.

في البداية يشعر بالدهشة، ثم بالريبة، ثم يبدأ في تجنب النظر إلى ظهور الناس. ومع انتقال التجربة إلى المجال العائلي، يتحول ما كان موجهاً إلى الآخر إلى امتحان للذات.ويكتب عبد الرحمن في دفتره:

"أخشى أن تؤذيهم الحدبات التي لا يرونها".

تكشف العبارة عن تحول جوهري في مركز الصراع. لم يعد السؤال: من الفاسد؟ بل أصبح: هل يمكن أن أفسد أنا أيضاً؟

وهنا تكتسب الشخصية بعداً نفسياً لأنها لا تبقى في موقع "الرجل الصالح الذي يكتشف فساد الآخرين"، بل تدخل في دائرة الشك ومراقبة الذات. فالوعي بالانحراف لا يعود معرفة بالآخر فقط، بل يصبح احتمالاً داخلياً يهدد صاحب الرؤية نفسه.ويتبلور هذا المعنى لاحقا في العبارة:

"المصيبة ليست أن ترى الحدبات... المصيبة أن تخاف يوما أن تتوقف عن رؤية الإنسان" .

إن أهمية هذه العبارة أنها تعيد تعريف الرؤية ذاتها. فمعرفة خطأ الآخر لا تكتمل قيمتها الأخلاقية إلا إذا ظلت الذات قادرة على رؤية الإنسان خلف خطئه. وبذلك تنتقل الرواية من سؤال فساد الآخر إلى سؤال الوعي الذي يراقبه ويحكم عليه.

 بغداد بوصفها علامة ثقافية وفضاء للاختبار

لا تظهر بغداد في الرواية بوصفها ديكوراً محايداً، فالكرخ، ودجلة، وشارع الرشيد، وشارع المتنبي، والدائرة الحكومية، والسوق الشعبي، والمقهى، وشجرة النارنج، كلها فضاءات تدخل في تشكيل التجربة الدلالية. ومن هنا يكتسب عنوان " أحدب بغداد" دلالته المتنامية. فعبد الرحمن ليس أحدب بغداد لأنه يعيش فيها فحسب، وإنما لأن جسده يتحول إلى مرآة لمفارقتها: مدينة ذات تاريخ وذاكرة، يعيش فيها الإنسان بين صور متعددة من النقاء والانحراف، والضمير والمصلحة، والحقيقة والتبرير. وتكتسب التفاصيل المكانية أهميتها لأنها تمنح الرمز جذوره الواقعية: شجرة النارنج التي زرعتها الأم، دجلة، الكتب القديمة، شارع المتنبي، عربات الشاي، والدائرة الحكومية. وبهذا لا تنفصل العلامة الرمزية عن المكان، بل تنشأ منه وتعود إليه. وهنا يمكن فهم بغداد باعتبارها أكثر من مكان روائي، إنها فضاء ثقافي تختبر فيه الرواية علاقتها بالإنسان والقيم والذاكرة.

سالم والمرآة الثانية

تؤدي شخصية سالم وظيفة موازية لعبد الرحمن. فالأول يرى انحرافات المجتمع من خلال الكتابة، والثاني يراها من خلال المرآة. كلاهما يبحث عن الحقيقة، لكن بأداتين مختلفتين.

تتضح هذه الوظيفة في قوله:

"التعب من أجل الحقيقة أخف من الراحة مع الكذب".

ثم تأتي عبارته:

"هذه ليست مشكلة العين يا صديقي... هذه مشكلة الضمير".

فتصبح العين والمرآة والضمير حلقات في سلسلة واحدة: العين ترى، والمرآة تكشف، والضمير يؤول ما يرى.

ومن هنا لا يعود سالم شخصية مساندة فحسب، بل يتحول إلى قرين تأويلي لعبد الرحمن، فإذا كان عبد الرحمن يكتشف الحدبات بصرياً، فإن سالم يحولها إلى خطاب مكتوب. الأول يحمل المرآة، والثاني يحمل الكتاب. وبذلك تتسع ثنائية الرواية من " الأحدب/المستقيم" إلى ثنائيات أعمق: المثقف/السلطة، الضمير/المصلحة، الحقيقة/التبرير، الرؤية/الصمت.

من الرمز الفردي إلى البنية الاجتماعية

في الجزء اللاحق من الرواية يتسع معنى الحدبة حين تظهر "مجلس الأحداب" وهنا ينتقل الرمز من التجربة الفردية إلى المجال الاجتماعي. فالحدبة لم تعد اثراً لانحراف شخص واحد، وإنما أصبحت علامة على منظومة تتشكل من الأفكار والتبريرات وعلاقات القوة. وبذلك يتحول الاعوجاج من اختيار فردي إلى بنية تستطيع أن تنتج خطابها الخاص وتمنح انحرافها مشروعية داخلية. وهذا التحول مهم في البناء الرمزي، لأن الرواية لا تكتفي بتصوير الخلل الأخلاقي بوصفه حالة شخصية، وإنما تدفع العلامة نحو مستوى اجتماعي، حيث يصبح الانحراف قابلاً للتنظيم والدفاع عنه وتطبيع حضوره.

وعند هذه النقطة يتغير موقع عبد الرحمن وسالم، فهما لم يعودا أمام أفراد يحملون " حدبات" خفية، وإنما أمام منظومة تحاول تحويل الاعوجاج إلى قاعدة، والاستقامة إلى حالة استثنائية.

 من كشف الحدبات إلى أزمة الوعي

يتخذ المسار النفسي في الرواية شكلاً تصاعدياً: دهشة، ثم خوف، ثم عزلة، ثم مراجعة للذات، ثم محاولة لاستعادة التوازن. وتصبح "حدبة العزلة والهروب" امتداداً منطقياً لهذه الرحلة. فحين يقول صاحب المرايا لسالم:

" هذه حدبة العزلة والهروب... عد إلى عملك ومارس حياتك واكتب شعرك وأنا أوعدك أنك لن ترى الحدبات بعد اليوم بأم عينيك رغم وجودها، ليكتمل شفاؤك وتبدأ رحلة البناء الباطني".

تنتقل الرواية من رؤية الحدبة بوصفها علامة على الآخرين إلى فهمها بوصفها احتمالاً نفسياً داخل الذات. وبذلك تصبح الرؤية نفسها موضوعاً للسؤال: ماذا يحدث للإنسان حين يرى أكثر مما يحتمل؟ وهل يمكن للوعي أن يتحول من أداة للتحرر إلى عبء إذا انفصل عن التوازن الداخلي؟

وهنا تكتسب رحلة سالم أهمية خاصة، لأنه لا يتعلم فقط كيف يرى، بل كيف يعيش مع ما يراه.

كتاب الجد والذاكرة الأخلاقية

يؤدي " كتاب الجد" وظيفة رمزية تتجاوز كونه أثراً عائلياً، فهو يربط الحاضر بالماضي، والتجربة الفردية بالذاكرة الأخلاقية، ويمنح السؤال الذي تعيشه الشخصية امتداداً يتجاوز زمنها الخاص. فالكتاب يصبح حاملاً للذاكرة، ثم يتحول لاحقاً إلى وسيط لاستمرار التجربة بعد غياب صاحبها.

ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين المرآة والكتاب بوصفها علاقة تكاملية: المرآة تكشف. الكتاب يحفظ. الذاكرة تستمر.

وعندما يصل عبد الرحمن إلى لحظة الرحيل، لا يعود الكتاب مجرد وثيقة عن تجربة شخصية، بل يصبح أمانة تتجاوز صاحبها.

 الرحيل والنجف والانتقال من الخارج إلى الداخل

يأتي الرحيل إلى النجف في سياق التحول من الصراع الخارجي إلى البحث عن السكينة الداخلية. فالطريق إلى النجف، ووادي السلام، والقبور، والزيارة، والدعاء، لا تعمل بوصفها محطات جغرافية فحسب، وإنما تدخل في تشكيل الحركة الباطنية للشخصية. إن زيارة القبور تستحضر سؤال الزمن والمصير، وتعيد ترتيب العلاقة بين الحياة والعمل والأثر. ومن هنا تصبح الرحلة الجغرافية معادلا ً لحركة داخلية: من اضطراب الرؤية إلى محاولة استعادة التوازن.وفي هذا السياق تتخذ عبارة عبد الرحمن:

" الحمد لله... لقد وصلت الأمانة إلى صاحبها"

دلالة تتجاوز لحظة الاعتراف الشخصي؛ فالأمانة هنا هي التجربة نفسها، وما حملته من سؤال عن الإنسان والضمير والاستقامة.

 الوصية بوصفها انتقالاً للأمانة

مع اقتراب الموت، تتغير وظيفة الكتاب. لم يعد عبد الرحمن في حاجة إلى الدفاع عن رؤيته، فالوصية تنتقل إلى سالم.

يقول له: " إذا انتهيت من دفني... فاقرأها وحدك، لا قبل ذلك".

وتكشف هذه اللحظة عن تحول مهم: انتقال الصوت من صاحبه إلى قارئه. فالرواية هنا تعيد تعريف الكتاب بوصفه رسالة مؤجلة لا تكتمل إلا بعد غياب صاحبها. وبذلك يصبح الموت ليس نهاية للخطاب، وإنما لحظة لتحريره من سلطة صاحبه.

وتؤكد الرسالة هذا المعنى حين يقول عبد الرحمن إن قيمة الإنسان لا تقاس بطول حياته، وإنما بما يتركه في القلوب، ثم يمنح سالم حرية التعامل مع الكتاب: إن لم يكن جديراً فليحرقه، وإن كان نافعاً فلا يغير حرفاً منه، وليدع الناس يختلفون حوله. هذه الحرية مهمة تأويلياً، لأنها تنقل النص من رغبة المؤلف في امتلاك المعنى إلى حق القارئ في إنتاجه ومساءلته.

 الموت بوصفه بداية أخرى

حين يدخل سالم غرفة عبد الرحمن ويجده قد مات بهدوء، لا تتعامل الرواية مع الموت بوصفه إغلاقاً لمسار الشخصية، وإنما بوصفه نقطة انتقال. فالكتاب يبقى على الطاولة، والرسالة تنتظر قارئها، والأثر ينتقل من الفرد إلى الجماعة.

ويقول صاحب المرايا:

" انتهت رحلتك... وبدأت رحلتهم".

وهذه العبارة تختصر البنية الدائرية للرواية، فرحلة عبد الرحمن تنتهي جسدياً، لكنها تبدأ رمزياً في الآخرين.

ومن هنا يغدو الموت انتقالاً من حضور الشخصية إلى حضور الفكرة.

الكتاب من الذاكرة الفردية إلى الوعي الجمعي

حين يقرر سالم نشر الكتاب، ينتقل النص من فضاء التجربة الخاصة إلى المجال العام. ويختار مطبعة أبي ياسين القديمة، فيأتي قوله:

" هذا ليس مجرد كتاب يا بني... هذا وجع مرسوم على ورق" .

وهنا يتخذ الكتاب بعداً جديداً، إنه ليس مجرد تسجيل لما حدث، بل تحويل للألم الفردي إلى خطاب قابل للتداول.

وتنتشر النسخ في أماكن مختلفة: مكتبة قديمة في المتنبي، أرشيف الدائرة التي عمل فيها عبد الرحمن، مقهى الحي،و دكان صاحب المرايا. وتوزيع الكتاب بهذه الصورة ليس تفصيلاً مكانياً عابراً، إذ يعيد الرمز إلى الأمكنة التي شهدت بدايته.

فالكتاب ينتقل من المكتب إلى الشارع، ومن الذاكرة إلى التداول، ومن الفرد إلى المدينة.

وتصبح العبارة:

" لم أكتب هذا الكتاب لأدين الناس... بل لأحذر نفسي"

مفتاحاً أخلاقياً متأخراً يعيد تفسير التجربة كلها. فالكتاب الذي قد يبدو في بدايته أداة لكشف الآخرين ينتهي إلى الاعتراف بأن الرؤية الحقيقية تبدأ من الذات.

مجلس الأحداب وانقلاب الصراع

بعد موت عبد الرحمن، لا يعود الصراع موجهاً إلى شخصه. وهنا يتغير موقع مجلس الأحداب. فالخصم لم يعد الرجل الذي يحمل المرآة، بل المرآة نفسها. وحين يدرك المجلس أن الكلمات الصادرة من قلب صادق لا يمكن حبسها، ينتقل الصراع من مواجهة الفرد إلى مواجهة الأثر. وهنا تتسع الدلالة الاجتماعية للكتاب: السلطة تستطيع ملاحقة الجسد، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها ملاحقة المعنى حين ينتقل بين القراء.

وبذلك تعيد الرواية صياغة مركز الصراع: الجسد يمكن أن يغيب، أما العلامة فتستمر ما دام هناك من يقرأها.

المرآة من أداة للكشف إلى أداة لمراجعة الذات

يعود صاحب المرايا في نهاية الرواية، لكن المرآة لم تعد هي المرآة الأولى.في البداية كانت تكشف حدبات الآخرين، ثم أصبحت وسيلة لمواجهة الذات، وفي النهاية تغدو فضاءً عاماً لمراجعة الإنسان نفسه. ولهذا يقول صاحب المرايا:

" وهل يعيش الإنسان أمناً إذا هرب من ضميره؟"

ثم ينظر إلى المرآة الكبرى ويقول:

" اللهم... لا تجعلني أعتاد رؤية حدبات الناس حتى أنسى أن أراقب ظهري" .

بهذا تكتمل الوظيفة الرمزية للمرآة. إنها لا تمنح الإنسان حق إدانة الآخر، بل تعيده إلى نفسه. ومن هنا يصبح صاحب المرايا نفسه جزءًا من نظام الرؤية الذي أنشأه، فهو لا يقف خارج التجربة، وإنما يخضع لها أيضاً. وهذه النقلة تمنح الرمز بعداً دائرياً: من يرى الآخرين مطالب بأن يرى نفسه.

البيت بوصفه فضاء لاستمرار الأثر

 البيت، لكن البيت لم يعد المكان نفسه لأن غياب الأب أعاد توزيع حضوره داخل الأشياء والذاكرة. أم أحمد تستعيده بسلام، وأحمد يحمل مسبحته، ومريم تحتفظ برسمته. وعندما يقرأ أحمد عبارة أبيه:

" ليس كل من حمل حدبة هلك... وإنما الهالك من أحياها، ودافع عنها، ومات وهي زينته"

يتحول المعنى من تجربة الأب إلى موقف الابن.

ثم يضع الكتاب فوق صندوق الجد، ويقول:

" اطمئن.... لن ننحني ".

هنا تتضح وظيفة الكتاب بوصفه حلقة وصل بين الأجيال. فالأثر لا يستمر لأنه محفوظ في الورق فقط، وإنما لأنه يتحول إلى سلوك.

الزقاق القديم وإعادة إنتاج الرمز

في المشهد الأخير يستمر دكان المرايا، لكن وظيفة المكان تتغير. لم يعد الناس يدخلونه بحثاً عن زينة أو صورة خارجية، وإنما بحثاً عن مواجهة داخلية. يقول رجل لصاحب المرايا إنه يشعر بثقل على كتفه، فيجيبه بأن المرآة تظهر ما تشعر به الروح، وأن رؤية الثقل تعني أن القلب ما زال حياً وقادراً على التخلص منه.وهكذا ينتقل الرمز من التجربة الفردية إلى قابلية التكرار، فكل إنسان يمكن أن يدخل الدكان، وكل إنسان يمكن أن يصبح موضوعاً للمرآة. وحين يلتقي سالم بصاحب المرايا، يقال له إن الكتاب كان الشرارة، أما الفتيل فكان الأرواح التي تنتظر الحقيقة.بهذا يصبح عبد الرحمن غائباً جسدياً، لكنه حاضر بوصفه أثراً ثقافياً وأخلاقيا ً. أما الشمس الذهبية فوق بغداد ودجلة، فتمنح الخاتمة صورة ضوئية تقابل العتمة التي رافقت مراحل الصراع، وكأن المكان نفسه دخل في دورة التحول.

 البنية السيميائية الكلية للرواية

إذا قرئت الرواية في مسارها الكامل، تتضح شبكة من العلامات المتساندة:

الحدبة: اعوجاج الداخل، أو العلامة المرئية للخلل المستتر.

المرآة: الرؤية والكشف ومساءلة الذات.

الظهر: موضع ما لا يراه الإنسان في نفسه.

العين: أداة الإدراك وحدوده.

صاحب المرايا: وسيط المعرفة والكشف.

مجلس الأحداب: انتقال الانحراف من الفرد إلى البنية الاجتماعية.

سالم: الكتابة بوصفها مرآة ثانية للواقع.

كتاب الجد: الذاكرة الأخلاقية واستمرار السؤال عبر الأجيال.

الرحيل: الانتقال من الصراع الخارجي إلى البحث عن السكينة.

القبور: استحضار الموت وإعادة ترتيب معنى الحياة.

الوصية: انتقال الأمانة من صاحب التجربة إلى قارئها.

الكتاب المنشور: انتقال التجربة من الذاكرة الفردية إلى الوعي الجمعي.

البيت: استمرار الأثر داخل الأسرة.

دكان المرايا: إعادة إنتاج السؤال في كل إنسان.

وبذلك لا تعمل العلامات منفردة، وانما تتآزر لتكوين بنية سيميائية واحدة مركزها: الرؤية، والاعوجاج، والوعي، ومساءلة الذات، واستمرار الأثر.

من الحدبة إلى الكتاب، الحركة العميقة للرواية

يمكن اختزال الحركة الدلالية الكبرى للرواية في انتقالات متتابعة:

الجسد ← العلامة ← المرآة ← الرؤية ← الوعي ← الشك في الذات ← الكتاب ← الموت ← الأثر.

فالحدبة تبدأ بوصفها انحناءة جسدية، ثم تتحول إلى علامة أخلاقية، ثم تصبح المرآة وسيلة لكشفها، ثم يتحول الكشف إلى أزمة وعي، وتنتقل الأزمة من عبد الرحمن إلى سالم، ومن سالم إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ.وهنا تكمن وحدة المشروع الرمزي للرواية إذ لا ينتهي الرمز عند اكتشاف "الحدبات"، بل يصل إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يفعل الإنسان بما اكتشفه؟ومن ثم فإن الاستقامة في الرواية لا تبدو حالة مكتملة، وإنما ممارسة يومية مرتبطة بالاختيار والمراجعة والقدرة على الاعتراف….

وعليه، تكشف " أحدب بغداد" في بنيتها الكلية عن مشروع روائي يجعل من الحدبة مركزاً لشبكة رمزية تتجاوز الجسد إلى الأخلاق والوعي والذاكرة. فالحدبة ليست موضوع الرواية النهائي، وإنما أداة لإعادة صياغة السؤال القديم حول الإنسان: من المستقيم؟ ومن المنحني؟ وهل تستطيع العين أن تكشف حقيقة الروح؟

وتتضافر المرآة مع الحدبة في بناء هذا السؤال؛ فالمرآة تكشف ما يستتر خلف المظهر، والحدبة تمنح المستتر شكلاً مرئياً، بينما يتحول عبد الرحمن من شخص ينظر إلى العالم إلى ذات تكتشف أن الرؤية نفسها مسؤولية أخلاقية. ثم تتسع الدائرة: من عبد الرحمن إلى سالم، ومن المرآة إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ، ومن القارئ إلى الذات. ولذلك لا تكون نهاية الرواية مجرد نهاية لحياة الشخصية، وإنما اكتمالاً لدورة الرمز فالكتاب يبقى، والمرآة تستمر، والبيت يحتفظ بالأثر، والمدينة تواصل اختبارها.

ومن هذه الزاوية يمكن الإفادة من تصور جورج لوكاش للرواية الحديثة بوصفها شكلاً يتولد حين لا تكون كلية المعنى في العالم معطاة بصورة مكتملة، بل تصبح موضع بحث وتجربة. وقد وصف لوكاش الرواية بأنها " ملحمة عالم هجره الله" في سياق تصوره للعالم الروائي الحديث بوصفه عالماً أصبحت فيه دلالة الحياة مشكلة تحتاج إلى البحث عنها. ولا يعني استحضار هذا التصور مطابقة عالم "أحدب بغداد" لعالم لوكاش التاريخي والفلسفي، وإنما يضيء جانباً من بنيتها: فالقيم في الرواية معلنة، لكن تحققها في السلوك يظل موضع اختبار، ولذلك تبحث الشخصية عن علامة تكشف المسافة بين ما يقوله الإنسان وما يكونه فعلاً. وتؤدي المرآة وظيفة الكشف، فيما تمنح الحدبة ذلك الانفصال صورة حسية قابلة للرؤية.

وفي ضوء تصور ريكور، يمكن القول إن الحدبة في الرواية لا تستنفد معناها في الإحالة إلى الانحراف الأخلاقي فهي "تفضي إلى الفكر" وتفتح أسئلة تتجاوز دلالتها الأولى نحو الوعي والضمير وعلاقة الإنسان بالآخر وبذاته.وعليه، فإن الحركة العميقة في الرواية ليست من الاستقامة إلى الانحناء، بل من رؤية الآخر إلى رؤية الذات ومن الاعتقاد بأن الحدبة تخص الآخرين إلى إدراك أن الإنسان مطالب دائما بأن يراقب ظهره هو أيضاً. ولهذا تصبح العبارة الختامية التي تختزل مشروع الرواية:

" هل تستطيع أن ترى حدباتنا قبل أن نعتادها؟"

سؤالاً لا يخص عبد الرحمن وحده، ولا شخصيات الرواية وحدها، بل يظل موجهاً إلى فعل القراءة نفسه. فالقارئ الذي يرى حدبة الآخر ولا يعود إلى نفسه لم يكتمل تأويله بعد.

وهكذا تنتهي رحلة عبد الرحمن، لكن السؤال لا ينتهي لأن الحدبة انتقلت من الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى القارئ، ومن القارئ إلى ذاته.

وهنا تبلغ الرواية ذروة دائرتها الرمزية: يموت الأحدب، لكن المرآة تبقى، يغيب صاحبها، لكن السؤال يستمر…..

***

د. فاطمة عبد الله

 

لم ينقل الكاتب الفِلَسطيني جبرا إبراهيم جبرا (1919- 1994) النظامَ الفني الذي تقوم عليه رواية الصخب والعنف (نُشرت عام 1929 / تُرجمت إلى العربية عام 1961) للروائي الأمريكي وليام فوكنر (1897- 1962 / نوبل 1949)، بل نقلَ الرواية إلى نظام لغوي عربي أكثر انتظامًا وانضباطًا مما تحتمله طبيعتها الأصلية.

وهُنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يبقى من "الصخب والعنف" إذا جرى تهذيب أصواتها، وتسوية تفاوتاتها اللغوية، وتخفيف غرابتها، وإعادة ضبط إيقاعها، والتعامل معَ اضطرابها الأسلوبي بوصفه مشكلة ينبغي حلها بدل اعتباره جزءًا من بنائها؟. يبقى قَدْر مهم من الحكاية، وتبقى الشخصيات والأحداث والصور الكبرى، لكن شيئًا جوهريًّا من الطريقة التي صنع بها فوكنر روايته يتعرض للتآكل، وهذا هو موضع الخلل الأكبر في ترجمة جبرا.

المشكلة ليست في نقل الكلمات، بل في نقل الرواية نفسها. "الصخب والعنف" ليست رواية يمكن التعامل معها باعتبارها سلسلة من الجُمل والمعاني التي يكفي العثور على مقابل عربي لها. الرواية مبنية على تفكك الوعي، والتداخل الزمني، وتفاوت الإدراك، واختلاف الأصوات، واضطراب العلاقة بين الذاكرة والحاضر، والانتقال من الوعي الفردي إلى الصوت الاجتماعي والثقافي المحيط بالشخصيات. لذلك فإن لغة الرواية ليست وعاء للأحداث، وإنما جزء من الحدث نفسه.

حين تتغير اللغة تتغير الشخصية، وحين تتغير درجة اضطراب اللغة تتغير طبيعة الوعي، وحين تختفي الفوارق بين الأصوات تختفي فوارق أساسية بين الشخصيات، وحين يصبح الإيقاع أكثر استقامة يصبح الزمن أكثر استقامة، وحين تُمحَى العلامات التي تجعل النص غريبًا ومربكًا يصبح القارئ أمام رواية أسهل، لكنها ليست الرواية الأصلية. وهذا تحديدًا ما يُضعف ترجمة جبرا.

تعاملَ جبرا مع مادة فوكنر باعتبارها مادة أدبية ينبغي إعادة إنتاجها بلغة عربية متينة ومتماسكة، بينما كان المطلوب في حالة كهذه أن تحافظ الترجمة على مقدار الفوضى المقصودة في الأصل، والتوترِ بين اللغة والمعنى، والتشققِ الداخلي في الأصوات، والمسافةِ الاجتماعية والثقافية التي تجعل بعضَ الكلام مختلفًا عن بعضه الآخر. والمترجم هُنا لا يملك حق تسوية كل شيء، ولا تجوز تسوية الفوارق بين الأصوات.

مِن أهم أخطاء جبرا في ترجمته أنه يميل إلى منح الشخصيات والأصوات المختلفة مستوى لغويًّا أكثر تجانسًا مما ينبغي. وهذا ليس تفصيلًا أسلوبيًّا. فوكنر لا يجعل الشخصيات تتحدث بالطريقة نفسها، ولا يجعل وعيها يتحرك بالطريقة ذاتها، ولا يمنحها الدرجة نفسها من التنظيم الذهني واللغوي. اللغة عنده تحمل الطبقة الاجتماعية، والمنشأ، والوعي، والاضطراب النفسي، والذاكرة، والعمر، والبيئة، والعلاقة بالقوة والآخرين.

عندما تُنقَل هذه الأصوات إلى عربية فصيحة رصينة ذات نبرة متقاربة، يحدث نوع من التسطيح. تصبح الشخصيات، على مستوى اللغة، أقرب إلى بعضها مما هي في الأصل. وهُنا تفقد الرواية تعددها الصوتي.

المشكلة أن الفُصحى التي اختارها جبرا لا تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها الاختلافات اللغوية في النص الأصلي. أصبحت الفروقُ الاجتماعية والصوتية أقل وضوحًا، وتَحَوَّلَ الاختلافُ بين الشخصيات من اختلاف في طريقة الكلام والرؤية إلى اختلاف في مضمون الكلام وحده. وهذا فرق بالغ الأهمية. الرواية لا تقول فقط إن شخصًا مختلف عن شخص آخر، إنها تُسمِع القارئ هذا الاختلاف، وعندما لا تنقله الترجمة، فإنها تفقد جزءًا من هندسة الرواية.

أحد أكثر العيوب إزعاجًا في ترجمة جبرا هو تحويل الغرابة إلى فصاحة، فهو يميل إلى العربية الأدبية المصقولة، وهذا يتعارض معَ طبيعة النص الأصلي الذي كتبه فوكنر.

فوكنر لا يكتب دائمًا لكي يكون جميلًا. أحيانًا يكتب لكي يكون مضطربًا، أو متقطعًا، أو غائمًا، أو ناقصًا، أو عَصِيًّا على الترتيب. هذه الصفات ليست عيوبًا في النص الأصلي تحتاج إلى إصلاح، بل هي أدوات روائية، وتقنيات سردية، وأسلوب مقصود ومتعمد لإيصال أفكار مُعيَّنة.

أمَّا ترجمة جبرا التي تحرص على إنتاج عبارة عربية مكتملة ومتماسكة وأنيقة في كل موضع، فهي تجعل ما كان مقصودًا أن يبدو مضطربًا أكثر وضوحًا مما ينبغي. وهُنا يتحوَّل المترجم من ناقل إلى محرر للنص. والمشكلة أن التحرير غير مُعلَن. والقارئ العربي يقرأ نصًّا عربيًّا متماسكًا، وسوف يظن أن هذا التماسك موجود في النص الأصلي بالدرجة نفسها، بينما جزء من خصوصية فوكنر قائم على مقاومة هذا التماسك.

جبرا لا يخطئ فقط عندما يترجم معنى بطريقة أقل دقة، بل يخطئ أيضًا عندما يجعل النص يقول الشيءَ بطريقة تختلف عن الطريقة التي اختار فوكنر أن يقوله بها. والطريقةُ في الأدب ليست زينة، الطريقة هي المعنى.

"الصخب والعنف" من الروايات التي تجعل الوعي مادة سردية قائمة بذاتها. الأفكار لا تأتي دائمًا في ترتيب منطقي، والذكريات لا تظهر وفق خط زمني مستقر، والانفعالات تتداخل معَ الحواس والصور، والزمن الداخلي لا يطابق الزمن الخارجي. لذلك فإن أية ترجمة تميل إلى ترتيب العبارة، وإزالة الالتباس، وتثبيت العلاقات بين الجُمل تضعف تيارَ الوعي، حتى لو بقيت المعاني الأساسية موجودة. وهذا من العيوب الجوهرية في ترجمة جبرا.

حافظَ جبرا على كثير من المادة، لكنه لم يحافظ على درجة اضطرابها. والنتيجة أن القارئ العربي يستطيع أن يتابع الرواية، لكنه لا يعيش الاضطرابَ الداخلي الذي أراد فوكنر أن يجعل القارئ يعيشه. وهُنا ينبغي التفريق بين فهم الرواية واختبار الرواية.

الترجمة الجيدة لا تكتفي بأن تجعل القارئ يعرف ما الذي يحدث، عليها أن تجعله يختبر كيف يحدث الإدراك داخل الرواية. وإذا كان النص الأصلي يجعل القارئ يتعثر في الوعي، ثم تأتي الترجمة لتزيل هذا التعثر، فإنها لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها، مهما كانت عباراتها جميلة.

واللهجات في "الصخب والعنف" ليست زخرفة محلية فحسب. إنها مرتبطة بالهوية والطبقة والتاريخ الاجتماعي والعلاقات بين الشخصيات. عندما تُرَد هذه المستويات المختلفة إلى عربية فصيحة متقاربة، فإن النتيجة ليست مجرد فقدان نكهة محلية، وإنما ضياع البناء الاجتماعي للصوت. لهذا فإن من أكبر عيوب ترجمة جبرا أنها لا تعطي الفروق اللهجية والاجتماعية وزنها الفني. وكان ينبغي البحث عن تدرجات في العربية، ومستويات مختلفة من الفصاحة، وتفاوت في البنية والتركيب والإيقاع والمعجم، بحيث يشعر القارئ بأن الأصوات ليست صادرة من حنجرة لغوية واحدة. أمَّا جعل الجميع يتكلمون داخل فضاء عربي فصيح متقارب، فهو حل مريح للمترجم، لكنه مدمر للرواية، ويقضي على تميُّزها وفرادتها.

والتعدد الصوتي في "الصخب والعنف" ليس تعددًا في المتكلمين فقط، إنه تعدد في طُرق رؤية العالَم. كل صوت يحمل معه منطقًا خاصًّا في ترتيب الأشياء، وتفسيرها، وتذكُّرها، وربطها ببعضها. وعندما تضع الترجمة هذه الأصوات في لغة واحدة شبه متجانسة، يختفي التعدد، وتتحوَّل الرواية من بنية تتصارع فيها أصوات وطرائق إدراك إلى نص تتكلم فيه شخصيات متعددة داخل نظام لغوي واحد مستقر. وهكذا تخسر الرواية المترجمة الأسلوبَ الفني الموجود في النص الأصلي. وفوكنر لا يريد من القارئ أن يسمع أصواتًا فقط، يريد منه أن يشعر بأن كل صوت يصنع عالَمه الخاص. ومشكلة جبرا أنه ينقل الأصوات، لكنه لا يحافظ على المسافات الفاصلة بينها.

من السهل النظر إلى علامات الترقيم باعتبارها مسألة تقنية ثانوية، لكن هذا خطأ كبير في قراءة فوكنر. علاماتُ الترقيم في النص الأدبي تتحول إلى أدوات للتحكم في النَّفَسِ والإيقاع والتوقف والتوتر والانتقال بين الأفكار. وعندما يتصرف المترجم في هذه العلامات بطريقة تجعل الجُمل أكثر انتظامًا، فإنه لا يُغَيِّر الشكلَ فقط، بل يُغَيِّر طريقةَ القراءة، ويُحطِّم زوايا الرؤية.

في ترجمة جبرا، يظهر هذا الخلل في التعامل معَ البنية الإيقاعية للنص. هناك مَيل إلى جعل الجُملة العربية أكثر قابلية للقراءة وفق الأعراف العربية المعتادة، في حين أن غرابة فوكنر جزء من أسلوبه الفني المقصود. والنتيجة أن القارئ العربي يحصل على إيقاع أكثر استقرارًا من الإيقاع الذي ينبغي أن يصطدم به.

يمكن بسهولة اكتشاف خطأ معجمي، لكن الأخطاء الأكثر خطورة في هذه الترجمة ليست في الكلمات المفردة، وإنما في الأصوات. الجملةُ قد تكون صحيحة من الناحية المعجمية والنحوية، لكنها خاطئة روائيًّا إذا خرجتْ من فم شخصية بطريقة لا تشبهها، أو جاءت بنبرة لا تناسب وعيها، أو إذا بدَّدت التوترَ الذي يصنعه السياق. والقوةُ اللغوية لا تعني الأمانة الفنية، قد تكون الجُملة العربية أجمل من الأصل، ومعَ ذلك تكون الترجمة أسوأ. وقد تكون العبارة العربية أقل أناقة، لكنها أقرب إلى روح النص.

في ترجمة "الصخب والعنف" كان ينبغي أن تكون الأولوية للصوت، وإيقاعِ الوعي، والاختلاف بين المتكلمين، والاضطراب المقصود، وليس إنتاج عربية أدبية مصقولة في كل صفحة. ومشكلة جبرا أنه يترجم المعنى، ويترك الحدثَ اللغوي. وهذه هي المشكلة الأكثر تعقيدًا.

والجملة الأدبية قد تؤدي وظائف متعددة في وقت واحد، تحكي، وتوحي، وتُشوِّش، وتكشف شخصية، وتُخفي معلومة، وتُنتج إيقاعًا، وتصنع مسافة بين القارئ والمتكلم. وإذا نَقَلَت الترجمة المعنى المعجمي وحده، فإنها تكون قد نقلت طبقةً واحدةً، وتركت الطبقات الأخرى. وهذا يحدث بدرجات مختلفة في ترجمة جبرا. إنَّه يوصل قَدْرًا كبيرًا من المحتوى السردي، لكنه لا يحافظ على الحدث اللغوي الذي يصنعه فوكنر. وهُنا تكمن المفارقة، يمكن للقارئ أن يقرأ الترجمة، ويفهم الرواية، ثم يخرج بانطباع عن فوكنر أكثر انتظامًا مما ينبغي. وهذا في حد ذاته دليلٌ على أن الترجمة غيَّرت تجربة النص.

حين يفقد المترجم خاصية في النص الأصلي، قد يحاول تعويضها بخاصية أخرى. وهذا يبدو واضحًا في تجربة جبرا، فهو عاجز عن المحافظة على مستويات التعدد، أو الغرابة، أو اللهجة، فَيُعَوِّض ذلك بجزالة عربية وصياغة أدبية قوية. لكن التعويض ليس حقيقيًّا. إذا كان الأصلُ فقيرًا في الزخرفة، وغنيًّا بالاضطراب، فلا يمكن أن تُعوِّض اضطرابَه بثراء العبارة. وإذا كان الأصل قائمًا على تفاوت الأصوات، فلا يمكن أن تُعوِّض اختفاءَ هذا التفاوت بجودة عربية عامة. والترجمة ليست ميزانية مالية يمكن أن تخسر في بند، وتربح في بند آخر، ثم تخرج متعادلة. هناك خصائص لا يُعوِّض بعضُها بعضًا.

أخطر ما يمكن أن يحدث في ترجمة كاتب ذي صوت شديد الخصوصية هو أن يبدأ صوتُ المترجم بالظهور فوق صوت المؤلف. وفي ترجمة جبرا يمكن ملاحظة حضور المترجم بوصفه كاتبًا عربيًّا له ذائقته الخاصة، ولغته الخاصة، ومَيله الخاص إلى الفصاحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح صوتُ المترجم أكثر وضوحًا من الاختلافات التي أراد المؤلف أن يجعلها واضحة. وهُنا يفقد القارئ خشونةَ فوكنر، ومحليته، وتشظيه، وغرابة صوته. يصبح الأمريكي فوكنر عربيًّا، وهذا عَيْبٌ كبير في الترجمة.

هناك اعتقاد ساذج في التعامل معَ الترجمة الأدبية يقول إن المترجم الناجح هو الذي يجعل النص سهل القراءة. وهذا غير صحيح، خصوصًا معَ رواية مثل "الصخب والعنف". إذا كان النص الأصلي صعبًا لأن بنيته صعبة، فإن تخفيف الصعوبة يعني إلغاء جزء كبير من التجربة والرؤية. وليس دور المترجم أن يحمي القارئ من النص. القارئ يجب أن يواجه صعوبة النص، خصوصًا عندما تكون هذه الصعوبة جزءًا من بنائه الجمالي وأسلوبه الفني وتعقيده السردي المقصود.

من الخصائص المركزية في الرواية أن الزمن لا يتحرك بالطريقة نفسها في كل مستوياتها. هناك زمن خارجي، وزمن ذاكرة، وزمن شعور، وزمن نَفْسي يتوقف أو يقفز أو يكرر نفسه. اللغة هي التي تجعل هذه المستويات محسوسة. وعندما تصبح الجملة العربية أكثر استقرارًا، وتُضبَط الروابط، ويخف اضطراب الانتقال، يصبح الزمن أكثر قابلية للمتابعة، لكن ما يُسهِّل متابعة الأحداث يُضعف الإحساسَ بتشظي الزمن، وهذا التشظي مقصود في الأصل، وليس عفويًّا أو تلقائيًّا. وترجمة جبرا تساعد على تنظيم ما كان فوكنر قد تركه غير مُنظَّم عمدًا، ليُشير إلى صراع الشخصيات على الصعيدَيْن النَّفْسي والاجتماعي.

أخطأ جبرا حين اعتقدَ أنَّ الفصاحة يمكن أن تنقذ كُلَّ شيء. الفصاحة ليست تذكرة مرور إلى الأمانة. قد تكون اللغة العربية رفيعة، ولكن إذا كانت ترفع صوتَ المترجم فوق أصوات الشخصيات، فهي تصبح مشكلة. وقد تكون الصياغة جميلة، ولكن إذا مَحَتْ غرابةَ الأصل، فهي تصبح مشكلة.

خسرت الروايةُ في ترجمة جبرا العربيةِ التعددَ، واللهجةَ، والتفاوتَ الاجتماعي بين الأصوات، والاضطرابَ المقصود، والإيقاعَ، والقوةَ البصرية للنص، والشعورَ المزعج الذي يجعل القارئ غير واثق من الزمن، والذاكرة، والمتكلم، وحدود الواقع والوعي. وهذه ليست خسائر هامشية. إنها مرتبطة مباشرة بالطريقة صَنَعَ فوكنر بها الروايةَ.

عَجَزَ جبرا عن المحافظة على الآليَّات اللغوية والفنية والسردية الموجودة في الأصل. لقد نقلَ الرواية، لكنه أعادَ تنظيمها، وأخضعَ صَوْتَها لِصَوته الخاص، وخفَّف أسبابَ صعوبتها، ولم يحافظ على البنية التي تجعل المضمونَ يعمل بطريقة فوكنر. ولا ينبغي للمترجم أن يكون وصيًّا على المؤلف، وليس مطلوبًا من المترجم أن يُعيد إنتاج نص المؤلف اعتمادًا على رؤيته الشخصية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في الأدب العربي والغربي

في البداية علينا أن نقرأ المفاهيم والجذور النظرية والمناهج التطبيقية وأبرز النقاد والنماذج الأدبية، فحين تغادر الطبيعة هامش النص تصبح شريكاً في إنتاج المعنى.

لم تعد الطبيعة في الدراسات الأدبية المعاصرة مجرد خلفية تتعاقب فوقها الأحداث، أو فضاء تتزيّن به القصيدة، أو مرآة تستعير الذات الإنسانية من تضاريسها صور الحزن والفرح والحنين. لقد أضحى العالم الطبيعي، في ضوء التحولات التي شهدتها العلوم الإنسانية والنقد الأدبي، مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالوجود، وفي الحدود الفاصلة بين الذات ومحيطها، وفي المسؤولية الأخلاقية التي تترتب على قدرة الإنسان على تغيير الأرض واستنزاف مواردها وتدمير توازناتها.

من هنا تبلور النقد الإيكولوجي، أو النقد البيئي، بوصفه اتجاهاً نقدياً يدرس العلاقات المتشابكة بين الأدب والبيئة، ويحلل طرائق تمثيل الطبيعة والكائنات غير البشرية في النصوص، ويستكشف ما تنطوي عليه تلك التمثيلات من تصورات فلسفية وثقافية واجتماعية وسياسية. وهو لا يكتفي بالسؤال عن كيفية وصف الغابة أو البحر أو النهر، بل يتجاوز الوصف إلى مساءلة الرؤية التي تنتظم هذا الحضور: هل تظهر الطبيعة كيانًا له قيمته وفاعليته، أم تتحول إلى مورد خاضع للمنفعة البشرية؟ وهل تتكلم الأرض في النص بصوتها الخاص، أم لا نسمع فيها إلا صدى رغبات الإنسان ومخاوفه ومشروعاته؟

إن التحول الجوهري الذي يقترحه هذا المنهج يتمثل في نقل الطبيعة من موقع الموضوع الصامت إلى موقع العنصر المشارك في تشكيل المعنى. فالشجرة ليست بالضرورة استعارة للحياة فحسب، والنهر ليس مجرد رمز للزمن، والحيوان ليس صورة مجازية للغريزة، والأرض ليست وعاءً للأحداث؛ إذ يمكن لكل منها أن يكشف عن نظام من العلاقات المتبادلة بين الإنسان ومحيطه، وعن أنماط السيطرة والاستغلال والتعايش والفقد والانتماء.

ومن هذا المنطلق، يغدو النقد الإيكولوجي مدخلًا لإعادة قراءة التراث الأدبي العربي، والشعر الحديث، والرواية المعاصرة، والأدب الفلسطيني خصوصاً؛ حيث تتداخل الأرض والذاكرة والاقتلاع والمنفى والموارد الطبيعية في تشكيل التجربة الإنسانية والجمالية. كما يتيح حواراً مثمراً مع النقد الغربي الذي راكم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، مفاهيم وأدوات تساعد على فهم الأزمة البيئية بوصفها أزمة ثقافية وحضارية، لا مجرد خلل في الطبيعة.

١- المفهوم الأولي والجذور النظرية للنقد الإيكولوجي

تعود كلمة «إيكولوجيا» إلى أصل يوناني يرتبط بالمسكن أو الموطن، وبالعلم أو الدراسة. وقد صاغ عالم الأحياء الألماني إرنست هيكل مصطلح أيكولوجي سنة ١٨٦٦ للدلالة على دراسة العلاقات بين الكائنات الحية وبيئتها. أما انتقال التفكير الإيكولوجي إلى الدراسات الأدبية فقد جاء نتيجة تفاعل طويل بين الفلسفة البيئية، وحركات حماية الطبيعة، والنقد الثقافي، والدراسات الاجتماعية، والوعي المتنامي بأخطار التصنيع والتلوث والاستنزاف البيئي.

ظهر مصطلح النقد الإيكولوجي بوضوح في أعمال الناقد الأمريكي ويليام روكرت، ولا سيما مقاله «الأدب والإيكولوجيا: تجربة في النقد الإيكولوجي» المنشور عام ١٩٧٨. غير أن ترسخ هذا الاتجاه داخل المؤسسات الأكاديمية ارتبط بصورة بارزة بكتاب قارئ النقد البيئي الذي حررته شيريل غلوتفلتي وهارولد فروم عام ١٩٩٦، وبأعمال الناقد لورنس بويل، ثم بكتاب غريغ غارارد النقد البيئي الصادر عام ٢٠٠٤.

وقد تطور النقد الإيكولوجي من الاهتمام بالطبيعة في الأدب، ولا سيما الأدب الرعوي وأدب البرية والمناظر الطبيعية، إلى دراسة أوسع تشمل المدن والتلوث والمناخ والحيوانات والأمراض البيئية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي للاستغلال الطبيعي.

وبذلك لم يعد السؤال النقدي مقتصراً على: كيف يصوّر الكاتب الطبيعة؟ بل صار يتضمن أسئلة أعمق: ما التصور الذي يحكم علاقة الإنسان بالعالم غير البشري؟ كيف تتوزع المنافع والأضرار البيئية بين الطبقات والجماعات؟ كيف تتحول الأرض إلى سلعة أو وطن أو ذاكرة أو ضحية؟ وما الدور الذي تؤديه اللغة في تطبيع الهيمنة على الطبيعة أو مقاومة أشكالها؟

ومن الضروري هنا التمييز بين النقد الإيكولوجي بوصفه حقلاً نقدياً، والإيكولوجيا بوصفها علماً يدرس النظم البيئية، والكتابة البيئية بوصفها جنساً أو نمطاً أدبياً. فليس كل نص يصف الطبيعة نصاً بيئياً بالمعنى النقدي، وليس كل ناقد إيكولوجي عالماً في الأحياء؛ إذ تتحدد هوية المقاربة من خلال أسئلتها وأدواتها وطبيعة الأدلة التي تستند إليها.

٢- بين الوعي بالطبيعة وتأسيس المقاربة النقدية - النقد الإيكولوجي في الأدب العربي

إذا كان النقد الإيكولوجي قد تبلور في الجامعات الغربية بوصفه حقلاً نقدياً ذا مصطلحات ومؤسسات بحثية، فإن الأدب العربي يمتلك، في المقابل، مدونة واسعة من النصوص التي يمكن مقاربتها إيكولوجياً، من الشعر الجاهلي ووصف الصحراء والمطر والحيوان، إلى شعر الطبيعة في العصرين الأموي والعباسي، وصولًا إلى الشعر الحديث والرواية المعاصرة التي تناولت التصحر والتلوث والحرب والاقتلاع والتحولات التي تصيب المكان.

غير أن وجود الطبيعة في التراث الأدبي لا يعني أن النقد الإيكولوجي كان قد تبلور آنذاك بوصفه منهجاً مستقلًا. والأدق أن نقول إن النصوص القديمة تنطوي على تمثيلات وعلاقات بيئية قابلة لإعادة القراءة بأدوات معاصرة، مع مراعاة سياقاتها التاريخية وعدم إسقاط مفاهيم القرن الحادي والعشرين عليها بصورة آلية.

أما في الدراسات العربية الحديثة، فقد شهد النقد البيئي توسعاً تدريجياً، وظهرت بحوث تربط الأدب بالبيئة من خلال السيميائيات والأسلوبية والبنيوية والدراسات الثقافية وما بعد الاستعمار. وتشير دراسة منشورة سنة ٢٠٢٦ تتبعت الجهود النقدية العربية بين عامي ٢٠٠٤ و ٢٠٢٥ إلى انتقال هذا الاهتمام من مرحلة التشكّل إلى اتساع التطبيقات، مع استمرار التباين بين النقاد في المصطلحات والإجراءات، وعدم استقرار منهجية عربية موحدة تمامًا.

وهذا يعني أننا أمام حقل يتنامى، لا أمام مدرسة عربية مكتملة الحدود والمفاهيم.

١- الناقد اليمني عبد العزيز المقالح : صنعاء بوصفها وكاناً ووعياً وذاكرة بيئية.

يمثل الشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح نموذجاً مهماً لإمكانات القراءة الإيكولوجية في الشعر العربي الحديث.

ففي دراسة بعنوان صنعاء والمشهد اليمني: الشعرية البيئية لعبد العزيز المقالح، تناول باحثون شعر المقالح من منظور الشعرية البيئية، ودرسوا الصلة بين الجغرافيا اليمنية وتجربة الشاعر، وبين المكان والذاكرة والتحولات التي تطرأ على علاقة الإنسان بموطنه.

ومن الممكن توسيع هذه القراءة عبر تحليل صورة صنعاء في الشعر: كيف يتحول المكان إلى عنصر في بناء الهوية؟ وكيف تتداخل الجغرافيا المحسوسة مع المدينة المستعادة في الذاكرة؟ وما الذي يحدث حين يصبح المكان البعيد أكثر حضورًا في الوعي من المكان الذي يعيش فيه الإنسان فعليًا؟

هنا لا تكون البيئة مجرد منظر شعري، بل تصبح بنية من الانتماء والذاكرة والفقد. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين شعرية المكان والنقد الإيكولوجي بالمعنى الدقيق؛ فلا تصبح القراءة إيكولوجية إلا حين تبحث أيضًا في علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي، وفي أثر التحولات البيئية في بناء النص ودلالته.

الباحثة

٢- نادين عادل سينو باحثة في جامعة فرجينيا.

تعتبر الباحثة نادين عادل سينو المتخصصة في اللغة العربية والأدب العربي الحديث والدراسات الثقافية، من أهم الباحثات في مجال النقد الإيكولوجي ، فهي تعمل في جامعة فيرجينيا للتقنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتشغل منصب أستاذة للعربية ومديرة برنامج اللغة العربية.

تتركز اهتماماتها البحثية في الأدب العربي الحديث، والأدب العربي الأمريكي، والدراسات النسوية، والنقد الإيكولوجي، والثقافة البصرية، والترجمة الأدبية.

وتعدُّ من الباحثات اللواتي أسهمن في إدخال الأدب العربي الحديث إلى الحوار الأكاديمي العالمي حول النقد الإيكولوجي.

فقد كتبت دراسة بعنوان: " إضفاء الطابع الأخضر على الأدب العربي الحديث: تفسير بيئي لروايتين عربيتين معاصرتين"، بحثت في إمكان قراءة روايتين عربيتين معاصرتين من منظور إيكولوجي، ودعت إلى توسيع حضور الأصوات العربية والشرق أوسطية في هذا الحقل النقدي.

تكمن أهمية هذا المسار في أنه يرفض التعامل مع الأدب العربي بوصفه مادة هامشية في النظريات التي نشأت في الغرب، ويدعو إلى حوار نقدي متبادل: تستفيد الدراسات العربية من الأدوات النظرية العالمية، لكنها تقدم في المقابل تجارب تاريخية وثقافية وبيئية قد تدفع النظرية نفسها إلى التطور.

فالأدب العربي لا يتعامل مع الطبيعة في فراغ؛ إذ تتصل صور الأرض والماء والصحراء والمدينة بذاكرة المكان، والتحولات الاجتماعية، والهجرة، والحرب، والاستعمار، والاقتصاد، والتفاوت في الوصول إلى الموارد. ومن هنا تبرز ضرورة تطوير قراءة تستجيب لخصوصية النصوص العربية، بدل الاكتفاء بنقل المصطلحات الغربية دون اختبار قدرتها التفسيرية.

٣- الباحث جهاد محمود كتب عدة دراسات حول العنف الاجتماعي وعلاقته بالعنف البيئي

كما كتب دراسة يتساءل فيها كيف يمكن للتلوث وتدمير البيئة والتنافس على الموارد أن تتداخل مع الفقر والتهميش والنزاعات الاجتماعية،

كما لا يمكننا أن نغفلالعديد من الشخصيات الهامة . ومن الأسماء البحثية التي تستحق المتابعة جيهان محمد زكريا محمود التي ارتبط عملها البحثي بمشروع عن العنف الجندري والعنف البيئي في الأدب والثقافة العربية، ضمن دراسة روايات عربية حديثة ومعاصرة.

ينطلق هذا المسار من سؤال عن كيفية تداخل أشكال العنف الموجهة إلى النساء مع أشكال العنف الموجهة إلى البيئة، وعن الكيفية التي تتقاطع بها السيطرة على الأجساد مع السيطرة على الموارد والمكان.

ولا ينبغي فهم هذا التقاطع على أنه تطابق بين المرأة والطبيعة أو اختزال إحداهما في الأخرى، بل بوصفه سؤالًا عن أنظمة الهيمنة حين تتكرر منطقًا وممارسة في أكثر من مجال.

وتتيح هذه المقاربة قراءة الرواية العربية باعتبارها فضاءً تتفاعل فيه السلطة الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية مع المكان والكائنات والموارد، مع ضرورة إثبات هذه العلاقات من داخل النصوص نفسها، لا افتراضها قبل القراءة.

٤- هل يمكن قراءة الأدب العربي والشعر العربي الجاهلي إيكولوجيًا؟

نعم، يمكن ذلك، بشرط التمييز بين الوعي البيئي في النصوص القديمة وبين النقد الإيكولوجي بوصفه منهجًا حديثاً.

فالشعر الجاهلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئة الصحراء: المطر والجدب والخصب والرحيل والنجوم والحيوان والآبار والنبات. وهذه العناصر ليست تفاصيل هامشية، بل تدخل في تشكيل المعجم الشعري، وبناء الصورة، وتحديد علاقة الإنسان بالمكان.

وقد تناولت دراسة مقارنة حديثة تمثيلات الوعي الإيكولوجي في الأدب العربي قبل الإسلام وفي بدايات العصر الإسلامي، مستندة إلى قراءة نصوص شعرية من المرحلتين.

ومن أمثلة الأسئلة التي يمكن طرحها:

كيف تصوغ المعلقات علاقة الإنسان بالمكان الذي يرحل عنه؟

- ما وظيفة المطر والكلأ والحيوان في تشكيل التجربة الشعرية؟

- كيف تتحول آثار الديار إلى علامات على تغير البيئة ومرور الزمن؟

- كيف يؤثر إيقاع الحياة الصحراوية في الصور الشعرية وبنية الوصف؟

- هل تظهر الطبيعة بوصفها قوة مستقلة، أم بوصفها مجالًا للصراع من أجل البقاء؟

إن مثل هذه الأسئلة لا تعني أن الشاعر الجاهلي كان يحمل مفهوم الإيكولوجيا الحديث، بل تعني أن نصه يتيح لنا فهم أنماط تاريخية من التفاعل بين الإنسان وبيئته

في المحصلة، يفتح النقد الإيكولوجي أفقًا جديدًا لقراءة الأدب، يصل الجماليات بالبيئة، واللغة بالذاكرة، والإنسان بالعالم الحي. وتكشف المدونة العربية، ولا سيما الأدب الفلسطيني، عن إمكانات ثرية لفهم الأرض بوصفها موطنًا وذاكرة ونظامًا بيئيًا يتأثر بالعنف والاقتلاع والاستنزاف. ولا تكمن غاية هذا المنهج في إسقاط مفاهيم جاهزة على النصوص، بل في تطوير أدوات نقدية تستجيب لخصوصيتها التاريخية والثقافية، وتكشف كيف يصبح الأدب مساءلةً لعلاقة الإنسان بالطبيعة، ولشروط الحياة والوجود المشترك على هذه الأرض.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

يُعدّ الشاعر المغربي الأستاذ أبو شامة نور الدين حنيف واحداً من الأصوات الشعرية التي تستحق التوقف عندها وتأمل عوالمها؛ إذ تتسم نصوصه بعمقٍ فكري يكشف عن رؤية واعية للإنسان والحياة، وجمالٍ لغوي يضفي على عباراته سحراً خاصاً، وصدق شعوري يجعل القارئ قريباً من نبض تجربته. ولا تقف قصائده عند حدود التعبير عن المشاعر، بل تتجاوز ذلك إلى ملامسة قضايا الإنسان وأسئلته وقلقه وأحلامه، في لغةٍ تجمع بين قوة المعنى ورهافة الإحساس. ومن هنا، تبدو قراءة شعره رحلةً ثريةً في عوالم الفكر والجمال والشعور...

القصيدة:

عندَما تتحوّل عدْوى القطيعِ منَ الدّهْماءِ إلى النّخبة:

دَهْماءُ شانَتْ وُجودَها سائِمَهْ

مِثْلَ الْقَطِيعِ انْساقَتْ بِلا لائِمَهْ

*

عَذَرْتُها إذْ لَفَّتْ بِها ثُلّةٌ

خَرْقاءُ مِنْ أحْزابٍ غَدَتْ حاكِمَهْ

*

و الْمَشْهَدُ الْآنَ: نُخْبَةٌ شَابَهَتْ

دَهْماءَ... قدْ رامَتْ جَهْلَها راغِمَهْ

*

كِلاهُما اسْتَحْلى صَمْتَهُ تابِعًا

رأْسٌ بِقاعِ الرّمْلِ انْطَوَتْ نائِمَهْ

*

تخْشَى صَهِيلَ الْبَقَا لَدَى عِزّةٍ

عنْ رَكْضِها اخْتارَتْ راحَةً واهِمَهْ

*

تهْفُو إلى عيْشٍ يرْتَضِي نِعْمةً

مِنْ طاعِمٍ كَاسٍ... رَامَها دائِمَهْ

*

غِرّانِ... غَرّتْهُما الدُّنَى لَذَّةً

أرْدَتْهُما خَيْبَةً... قَضَتْ لاطِمَهْ

*

قَطِيعُ نُخْباتٍ باعَ ذِمّاتِهِ

بَخْسًا بِسُحْتٍ... بضاعةٌ عادِمَهْ

*

بِنَرْجِسٍ ساوَمَ الْوَرى تافِهًا

قدْ قدّمَ الذّاتَ قُبْلَةً لاثِمَهْ

*

نُخْباتُ مسْخٍ تملّقَتْ زُلْفَةً

تسَلّقَتْ نجْمَةً... بدَتْ فاحِمَهْ

*

هذا مَقَالِي... تنْسِيبُهُ واجِبٌ

فَلا تُقَوِّلْنِي كذْبَةً رَاجِمَهْ

هذه القصيدة تحتمل قراءة فلسفية عميقة؛ لأنها لا تتحدث عن القطيع بوصفه جماعة من العامة فقط، بل تنقل السؤال إلى مستوى أكثر إزعاجاً: ماذا يحدث عندما تفقد النخبة وظيفتها النقدية، وتتحول هي الأخرى إلى قطيع؟

- القراءة الفلسفية

المحور الأساسي في النص هو مفارقة القطيع. الشاعر يبدأ من الصورة التقليدية للدهماء التي تنساق بلا تفكير:

"مثلَ القطيعِ انساقتْ بلا لائمه"

لكن المفاجأة الفلسفية تأتي حين يقول:

"والمشهدُ الآن: نخبةٌ شابهتْ

دهماءَ... قد رامتْ جهلَها راغمه"

هنا تنقلب المعادلة: المشكلة لم تعد في أن العامة يقلدون، وإنما في أن النخبة تتخلى طوعاً عن وعيها النقدي. وكأن الشاعر يقول إن الجهل ليس دائماً غياباً للمعرفة؛ أحياناً يكون اختياراً مريحاً للتخلي عن المعرفة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

 فالإنسان لا يصبح تابعاً لأنه يجهل فقط، بل قد يصبح تابعاً لأنه يفضّل السلامة والراحة والمصلحة على مسؤولية التفكير.

1 - من قطيع العامة إلى قطيع النخبة

القصيدة تهدم ثنائية شائعة: العامة مقابل المثقفين.

فالنخبة، بحسب النص، ليست محصّنة من عقلية القطيع:

"كِلاهُما استحلى صمتَهُ تابعاً"

وهنا يصبح الصمت موقفاً فلسفياً، لا مجرد غياب للكلام.

الصمت في القصيدة ليس حياداً؛ إنه نوع من المشاركة السلبية. فحين يمتلك الإنسان القدرة على الكلام ثم يختار الصمت خوفاً أو طمعاً أو حفاظاً على امتيازاته، يصبح الصمت نفسه فعلاً له تبعات.

ومن هنا يمكن قراءة القصيدة في ضوء سؤال فلسفي قديم:

هل مسؤولية المثقف أن يعرف فقط، أم أن عليه أن يقول ما يعرفه؟

الشاعر يميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني.

2 - الراحة في مواجهة الحرية

من أجمل الصور في النص:

"تخشى صهيلَ البقا لدى عزّةٍ

عن ركضها اختارتْ راحةً واهِمَهْ»"

الحرية هنا ليست شيئاً مريحاً.

إنها «ركض»، و«صهيل»، ومواجهة، ومخاطرة.

بينما التبعية تمنح الإنسان شيئاً مغرياً: الراحة.

وهنا تظهر مفارقة عميقة: الإنسان قد يتنازل عن حريته لأنه يخاف كلفتها.

فالحرية تعني أن تتحمل مسؤولية اختيارك، بينما القطيع يتيح لك أن تقول: الجميع فعلوا ذلك، فلماذا أتحمل أنا المسؤولية؟

إذن القصيدة تضعنا أمام ثنائية:

الحرية = مسؤولية ومخاطرة

التبعية = راحة وأمان ظاهري

ولذلك وصف الشاعر الراحة بأنها «واهِمَة»، لأنها راحة مؤقتة تنتهي إلى الخيبة:

"غرّانِ... غرّتهما الدنى لذّةً

أردتهما خيبةً..."

3 - الإنسان الذي يستبدل الكرامة بالمصلحة

ثم تنتقل القصيدة من نقد التبعية إلى نقد بيع المبدأ:

"قطيعُ نخباتٍ باعَ ذمّاتِهِ

بخساً بسُحتٍ..."

هنا لم يعد الأمر مجرد ضعف أو خوف، بل أصبح مقايضة أخلاقية.

الضمير له ثمن، والكرامة لها ثمن، والموقف له ثمن.

لكن المفارقة أن الشاعر يقول «بخساً»؛ أي أن الإنسان لا يبيع قيمته بثمن عظيم حتى، بل قد يبيعها مقابل منفعة صغيرة أو امتياز عابر.

وهذه من أقسى أفكار النص:

أحياناً لا تكون المأساة في أن الإنسان باع نفسه، بل في أنه باعها بثمنٍ بخسٍ تافهٍ.

4 – النرجس بوصفه فلسفة للذات

البيت:

"بنرجسٍ ساومَ الورى تافهاً

قد قدّمَ الذاتَ قبلةً لاثمه"

يمكن قراءته رمزياً باعتباره نقداً لـ النرجسية الثقافية.

النرجس هنا ليس مجرد حب للذات، بل ذات أصبحت مركز الحقيقة، بحيث يتحول المثقف من صاحب رسالة إلى شخص يبحث عن الاعتراف، والتصفيق، والقرب، والمكانة.

وبذلك تصبح «النخبة» نخبة بالاسم فقط، بينما سلوكها محكوم بحاجتها إلى الزلفى والقبول الاجتماعي.

وهذا يتصل بالبيت:

"نُخباتُ مسخٍ تملّقتْ زُلْفَةً

تسلّقتْ نجمةً..."

فالترقي هنا ليس نتيجة الاستحقاق بالضرورة، بل نتيجة التملق.

والقصيدة بذلك تطرح سؤالاً مؤلماً:

هل قيمة الإنسان فيما هو عليه، أم فيما يستطيع أن يصل إليه؟

5 - أخطر ما في القصيدة: تحوّل النخبة إلى قطيع

العنوان نفسه يحمل المفارقة المركزية:

"عندما تتحول عدوى القطيع من الدهماء إلى النخبة"

كلمة «عدوى» شديدة الدلالة؛ لأنها تجعل القطيع ليس مجرد سلوك جماعي، وإنما مرضاً اجتماعياً ينتقل من فئة إلى أخرى.

وهنا يصبح القطيع حالة ذهنية، لا طبقة اجتماعية.

فقد يكون الإنسان مثقفاً، شاعراً، أستاذاً، مفكراً، أو صاحب مكانة، ومع ذلك يتصرف بعقلية القطيع إذا أصبح:

يخشى الاختلاف.

يقدّم السلامة على الحقيقة.

يبحث عن رضا الجماعة.

يصمت حين ينبغي أن يتكلم.

يبيع موقفه مقابل منفعة.

يجعل القبول الاجتماعي معياراً للحقيقة.

وهكذا تقول القصيدة ضمنياً:

النخبة لا تكون نخبة بما تملكه من معرفة، بل بما تفعله بهذه المعرفة عندما تصبح مكلَّفة.

6 - خاتمة القصيدة: الدفاع عن مسؤولية القول

"هذا مقالي... تنسيبُه واجبٌ

فلا تقوّلني كذبةً راجمه"

 هنا الشاعر ينتقل من نقد القطيع إلى تأكيد مسؤولية الكلمة.

هو لا يريد أن يُنسب إليه ما لم يقله. وكأن القصيدة، في نهايتها، تدافع عن مبدأ أساسي: حرية القول مرتبطة بدقة القول ومسؤوليته.

وهذا يجعل النهاية أكثر من مجرد احتراز أدبي؛ إنها امتداد لفلسفة النص كلها.

فالقصيدة تدافع عن الإنسان الذي يملك صوته ولا يسمح للجماعة أن تتكلم باسمه.

في جوهرها القصيدة ليست هجاءً للدهماء بقدر ما هي محاكمة لفكرة التبعية نفسها. وهي أكثر قسوة على النخبة من العامة، لأن النخبة يفترض أن تمتلك أدوات السؤال والتمييز والمقاومة.

وأعمق سؤال تتركه القصيدة في ذهن القارئ هو:

متى يتوقف الإنسان عن أن يكون فرداً يفكر، ليصبح مجرد رأسٍ آخر في القطيع؟

والأجمل أن النص لا يجعل «القطيع» طبقة اجتماعية؛ بل يجعله إغراءً يمكن أن يسقط فيه أي إنسان، حتى من يظن نفسه فوق القطيع.

ولهذا يمكن اختزال فلسفة القصيدة في عبارة واحدة:

أخطر أشكال القطيع هو القطيع الذي يظن أفراده أنهم نخبة.

يبحث عن رضا الجماعة.

يصمت حين ينبغي أن يتكلم.

يبيع موقفه مقابل منفعة.

يجعل القبول الاجتماعي معياراً للحقيقة.

وهكذا تقول القصيدة ضمنياً:

النخبة لا تكون نخبة بما تملكه من معرفة، بل بما تفعله بهذه المعرفة عندما تصبح مكلَّفة.

***

بقلم الناقدة السورية "هاله السروجي"

 

اللسانيات بين مختبر الفونيتك ووعي النحاة العرب

لغتنا العربية ليست ألفاظاً تُرصّ في جمل، ولا أصواتاً تتعاقب في الهواء ثم تنقضي؛ إنها كائن حيّ تتشابك في بنيته طبقاتٌ متراكبة، يبدأ بعضها من المادة الصوتية، وينتهي بعضها الآخر إلى المعنى والدلالة. ومن هنا جاءت اللسانيات الحديثة لتقرأ اللغة في مستوياتها المختلفة: صوتاً، ونظاماً صوتياً، وبنيةً تركيبية، ودلالةً، في حين كان علماء العربية الأوائل قد خاضوا، بمناهجهم الخاصة، في كثير من هذه القضايا قبل أن تتبلور في صورتها الاصطلاحية الحديثة.

أولاً: علم الأصوات والفونيتك

يُعنى الفونيتك بدراسة الصوت اللغوي من حيث إنتاجه وانتقاله واستقباله؛ أي إنه ينظر في الجهاز النطقي، ومخارج الأصوات وصفاتها، والخصائص الفيزيائية للصوت.

وهذه المسألة ليست غريبة عن التراث العربي؛ فقد أفرد الخليل بن أحمد الفراهيدي كتابه «العين» لنظام لغوي يقوم، في جانب مهم منه، على ملاحظة مخارج الحروف، وجعل الحروف في ترتيب يبدأ من أعمق مواضع النطق في الحلق ويتدرج نحو الشفتين.

ثم جاء سيبويه فوسّع النظر في الأصوات ومخارجها وصفاتها، وتحدث عن الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح وغيرها من الخصائص. ومن أمثلة ذلك التمييز بين السين والصاد؛ فهما متقاربان في المخرج، لكن الصاد تتميز بالإطباق والاستعلاء، ولذلك يختلف الأثر الصوتي والدلالي في كلمات مثل:

سَبَرَ - صَبَرَ

سارَ - صارَ

فالتغير في صوت واحد قد يفضي إلى تغير المعنى كله.

ومن هنا تبدو قيمة الملاحظة الصوتية عند النحاة العرب، إذ لم تكن عنايتهم بالصوت منفصلة عن بنية الكلمة واستقامة النطق، بل كانت متصلة بقضايا الإدغام والإعلال والإبدال والإمالة والوقف والابتداء.

ثانياً: من الفونيتك إلى الفونولوجيا

إذا كان الفونيتك يدرس الصوت بوصفه حدثاً نطقياً وفيزيائياً، فإن الفونولوجيا تنظر إلى الأصوات باعتبارها عناصر تؤدي وظائف داخل النظام اللغوي.

فالفرق بين -س-و- ص لا يكمن فقط في كيفية نطقهما، وإنما في قدرتهما على التمييز بين الكلمات والمعاني:

سارَ -صارَ

سيف - صيف

سراط - صراط في بعض الاستعمالات واللغات أو اللهجات.

والمهم هنا أن اللغة لا تحتاج إلى عدد لا نهائي من الأصوات، وإنما تنتظم أصواتها في نظام يقوم على التقابل والتمييز.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الفونيم، وهو الوحدة الصوتية التي يؤدي استبدالها بغيرها إلى تغيير المعنى في سياق معين.

ففي العربية:

قَلْب - كَلْب

التغيير من - ق- إلى – ك - لم يكن تغيراً صوتياُ عابراً، بل أنتج كلمتين مختلفتين دلالياً.

وهنا تلتقي اللسانيات الحديثة مع حسّ لغوي مبكر عند علماء العربية؛ إذ كانوا يدركون أن تغيير الصوت قد يؤدي إلى تغيير البنية والمعنى، ولذلك درسوا ظواهر الإبدال والمماثلة والمخالفة والإدغام دراسة دقيقة.

ثالثاً: البصريون والكوفيون وصناعة القاعدة

إذا انتقلنا من الصوت إلى النحو وجدنا أنفسنا أمام مدرستين كبيرتين أسهمتا في تشكيل الفكر النحوي العربي: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة.

وقد غلب على البصريين الميل إلى التقعيد والقياس والبحث عن العلة، فكانوا أكثر تشدداً في الاحتجاج بالشواهد، وأميل إلى بناء نظام نحوي منضبط يمكن ردّ الجزئيات إليه.

أما الكوفيون فكانوا، في الجملة، أوسع في قبول الرواية والشاهد واللغات العربية المختلفة، وأقل تضييقاً في باب القياس، ولذلك اتسعت عندهم دائرة المسموع.

وهذا الفرق المنهجي يظهر في عدد من المسائل النحوية، وإن كان من المهم ألا نحوله إلى ثنائية مطلقة، فلكل مدرسة تنوع داخلي، ولم يكن الخلاف بين البصريين والكوفيين مجرد خصومة في النتائج، بل كان في جانب منه اختلافاً في طرائق بناء المعرفة اللغوية.

ومن المسائل التي اشتهر فيها الخلاف قضية (ليس) وأحكامها، وقضايا تتصل بالعطف والاشتغال والحال والتمييز وبعض مسائل القياس والسماع.

والقيمة الحقيقية لهذا التراث أنه لم يتعامل مع العربية بوصفها مادة محفوظة فحسب، وإنما بوصفها نظاماً يمكن اكتشاف قوانينه من خلال الاستقراء والتحليل والموازنة بين الشواهد.

رابعاً: التركيب؛ حين تتجاوز الكلمات مفرداتها

يأتي التركيب في مستوى أعمق، لأنه يبحث في كيفية انتظام الكلمات داخل الجملة والعلاقات التي تنشأ بينها.

فالجملة:

(قرأَ الطالبُ الكتابَ)

لا تستمد معناها من الكلمات منفردة فقط، فالترتيب والعلاقات النحوية تحدد الوظائف:

قرأَ فعل، والطالبُ فاعل، والكتابَ مفعول به.

ولو قلنا:

(قرأَ الكتابَ الطالبُ)

لم يختفِ المعنى الأساسي، لكن تغير التنظيم المعلوماتي والإيقاع والاهتمام. أما إذا قلنا:

(الطالبُ قرأَ الكتابَ)

فقد انتقل التركيز إلى المبتدأ أو الموضوع بحسب السياق.

وهنا يتضح أن النحو ليس مجرد علامات إعرابية، بل هو هندسة للعلاقات بين الوحدات اللغوية.

ومن أروع ما في النحو العربي أن العلامة الإعرابية تستطيع أن تؤدي وظيفة تمييزية بالغة الدقة:

أكرمَ خالدٌ محمداً.

أكرمَ خالداً محمدٌ.

فالحركات وحدها تكشف الفاعل والمفعول به، حتى عندما يسمح ترتيب الكلمات بأكثر من احتمال.

وهذه الخصيصة تجعل العربية مثالًا غنياً لدراسة العلاقة بين التركيب والصوت والدلالة.

خامساً: من التركيب إلى الدلالة

لا تكتمل اللغة عند حدود الصوت ولا عند حدود النحو، إذ تنتهي كل هذه المستويات إلى الدلالة.

فالكلمة لا تعيش في فراغ، والجملة لا تستمد معناها من مجموع كلماتها بصورة آلية، بل يتشكل المعنى من تفاعل المعجم والسياق والتركيب والمقام.

خذ مثلاً كلمة (عين)، فهي قد تدل على:

العين الباصرة،

وعين الماء،

والجاسوس،

والذات أو الشخص،

والذهب أو المال في بعض الاستعمالات القديمة.

لكن السياق هو الذي يحدد المقصود:

أصابَت العينُ الهدفَ.

جَرَت العينُ في الوادي.

كان عيناً على القوم.

واللفظة واحدة، لكن البنية والسياق يفتحان أمامها مسارات دلالية مختلفة.

وهنا تظهر ثراء العربية؛ فاللغة لا تمنحنا معنى جامداً، بل تمنحنا إمكاناً دلالياً يتشكل داخل الاستعمال.

سادساً: فقه اللغة واللسانيات؛ اختلاف المصطلح وتقارب السؤال

كان فقهاء اللغة العربية معنيين بجمع اللغة وتفسير مفرداتها، وتتبع لهجات العرب، والكشف عن الفروق بين الألفاظ، ودراسة الاشتقاق والتطور الدلالي، وبيان الفصيح والنادر والمولد والدخيل.

وقدّم ابن جني في (الخصائص) تصوراً بالغ العمق لطبيعة اللغة، حتى إنه تناول قضايا تتصل بالأصوات والاشتقاق والمناسبة بين اللفظ والمعنى، وبحث في كيفية نشوء الأبنية والعلاقات بين عناصر اللغة.

وإذا كانت اللسانيات الحديثة تستعمل مصطلحات مثل الفونيتك، الفونولوجيا، المورفولوجيا، التركيب، الدلالة والتداولية، فإن التراث العربي امتلك جهازاَ اصطلاحياً آخر، لكنه كان يطرح في مواضع كثيرة أسئلة تلتقي مع أسئلة اللسانيات الحديثة.

فالسؤال واحد في جوهره: كيف تعمل اللغة؟

غير أن المنهج والمصطلح والسياق المعرفي مختلف.

سابعاً: اللغة نظام متكامل لا جزر منفصلة

يمكن النظر إلى اللغة باعتبارها سلسلة مترابطة:

الصوت - النظام الصوتي - الكلمة- التركيب - الدلالة - السياق

فلو تغير الصوت تغيرت الكلمة، وإذا تغيرت الكلمة تغير التركيب، وإذا تغير التركيب قد يتغير المعنى.

خذ الفرق:

عَلِمَ الطالبُ الدرسَ.

عَلَّمَ الأستاذُ الطالبَ الدرسَ.

إن إضافة التضعيف في (علّم) ليست مجرد ظاهرة صوتية، إنها تغير بنيوي صرفي أنتج تغيراً في العلاقات التركيبية والدلالة: فالفعل الأول يدل على حصول العلم، بينما الثاني يدل على نقل العلم أو التعليم.

وهنا تتجلى عبقرية النظام اللغوي: الصوت قد يصبح صرفاً، والصرف يصبح تركيباً، والتركيب ينتج دلالة.

إن أعظم ما تكشفه اللسانيات الحديثة، حين تُقرأ في ضوء التراث العربي لا في قطيعة معه، أن اللغة ليست مجموعة قواعد مدرسية جامدة، وإنما بنية معرفية متحركة تتفاعل فيها المادة الصوتية مع البناء الصرفي، ويتشابك التركيب مع الدلالة، ويعيد السياق تشكيل المعنى.

وقد كان النحاة العرب، بصريين وكوفيين، وفقهاء اللغة والمشتغلين بالأصوات، يواجهون هذه الأسئلة بأدوات عصرهم؛ فدرسوا المخارج والصفات، والقياس والسماع، والإبدال والإدغام، والاشتقاق والتركيب، والفروق الدلالية.

ولذلك فإن الانتقال من الفونيتك إلى الفونولوجيا، ومن التركيب إلى الدلالة ليس انتقالاً بين علوم متجاورة فحسب، بل هو انتقال داخل جسد اللغة نفسها: من الصوت الذي نسمعه، إلى النظام الذي يحكمه، إلى التركيب الذي ينظمه، إلى المعنى الذي يمنحه وجوده الإنساني.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تُعدّ الرواية من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على التعبير عن قضايا الإنسان وتحولات المجتمع، لما تتيحه من مساحة واسعة لتصوير الواقع واستكشاف أعماق النفس البشرية ورصد التغيرات الفكرية والاجتماعية التي تصاحب الأفراد والجماعات. وقد شهدت الرواية العراقية المعاصرة تطوراً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، متأثرةً بما مرّ به العراق من حروب وأزمات وتحولات سياسية واجتماعية عميقة تركت آثارها الواضحة في الوعي الجمعي. ومن بين الموضوعات التي شغلت الروائيين العراقيين تبرز قضايا المنفى والهوية والاغتراب بوصفها تجارب إنسانية عاشها عدد كبير من العراقيين داخل الوطن وخارجه. وفي هذا السياق تبرز رواية "ليلي ابن زوال" للروائي العراقي كريم كطافة بوصفها عملاً سردياً يتناول نجربة الاغتراب والهجرة وما يرتبط بها من أسئلة الهوية والانتماء والبحث عن الذات.

تستمد الرواية أهميتها من قدرتها على الجمع بين البعد الواقعي والبعد الإنساني العميق، فهي لا تكتفي بسرد أحداث تتعلق بالهجرة والعمل والتنقل بين البلدان، بل تتجاوز ذلك إلى الكشف عن الآثار النفسية التي يخلّفها المنفى في روح الإنسان. وتقدم الرواية صورة مؤثرة عن الفرد الذي يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة وطنه تحت ضغط الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فيدخل في رحلة طويلة من البحث عن الأمان والاستقرار، لكنه يكتشف أن المسافة الجغرافية ليست سوى جانب واحد من معاناة الاغتراب، بينما تكمن المعاناة الأشد في الشعور المستمر بالاقتلاع من الجذور وفقدان الإحساس الكامل بالانتماء.

ويُعد كريم كطافة من الأصوات السردية العراقية التي اهتمت بتصوير التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة، مع التركيز على الإنسان العادي بوصفه محور الحكاية ومركزها. وتمتاز كتاباته بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة فنية غنية بالدلالات، كما يولي اهتماماً خاصاً للعالم النفسي للشخصيات وللتحولات التي تطرأ على وعيها نتيجة الصدمات والتجارب الحياتية. ومن خلال هذا التوجه استطاع أن يقدم في رواية "ليالي ابن زوال" عملاً يجمع بين الواقعية الاجتماعية والتأمل الوجودي، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود الزمان والمكان.Screenshot

تدور أحداث الرواية حول شخصية خالد زوال، الشاب الذي تدفعه الظروف الصعبة إلى مغادرة وطنه والعمل بحاراً على متن سفينة يونانية تجوب البحار والموانئ. ومنذ اللحظة الأولى لمغادرته تبدأ رحلة الاغتراب التي تشكل المحور الأساسي للأحداث. فالبحر الذي يقطع المسافات بين البلدان لا ينجح في تقليص المسافة النفسية بين خالد ووطنه، بل يزيد إحساسه بالبعد والحنين. ومن خلال تنقلاته المستمرة بين المدن والموانئ الأجنبية يتعرف إلى أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويخوض تجارب متنوعة تكشف له جوانب متعددة من الحياة، لكنه يظل يحمل داخله شعوراً دائماً بأنه غريب مهما طال بقاؤه في الأمكنة الجديدة.

ويعتمد السرد في الرواية على تقنية الاسترجاع الزمني، حيث تتداخل أحداث الحاضر مع ذكريات الماضي، فتتشكل صورة متكاملة عن حياة البطل. وبينما يعيش خالد واقعاً جديداً في البحر والموانئ البعيدة، تظل ذاكرته مشدودة إلى الوطن وأهله وأصدقائه وأماكن طفولته. وتؤدي هذه التقنية دوراً مهماً في تعميق البعد النفسي للرواية، إذ تجعل القارئ يعيش التوتر الدائم بين زمنين: زمن الذكريات الذي يمنح الشخصية شعوراً بالأمان والانتماء، وزمن الحاضر الذي يفرض عليها مواجهة واقع جديد مليء بالتحديات.

تمثل شخصية خالد زوال محور الرواية وشخصيتها الرئيسة، وهي شخصية تتميز بالحساسية والتأمل والقدرة على مراقبة العالم من حولها. ولا يظهر خالد بطلاً خارقاً أو نموذجاً مثالياً، بل إنساناً عادياً يحمل نقاط القوة والضعف معاً، وهو ما يمنحه صدقية فنية ويجعله قريباً من القارئ. وتتجلى معاناته في الصراع المستمر بين رغبته في بناء حياة جديدة وبين تمسكه بذكرياته وجذوره الأولى. وهذا الصراع لا يقتصر على المستوى الشخصي، بل يتحول إلى تعبير عن معاناة شريحة واسعة من المهاجرين الذين يعيشون بين ثقافتين وعالمين مختلفين.

أما الشخصيات الثانوية فتسهم في توسيع أفق الرواية وإغناء دلالاتها الإنسانية. فكل شخصية تقدم نموذجاً مختلفاً من نماذج الاغتراب أو البحث عن الاستقرار، سواء كانت شخصيات مهاجرة مثل خالد أو شخصيات تنتمي إلى البيئات التي يمر بها خلال رحلته. ومن خلال هذه الشخصيات يبرز الكاتب تنوع التجارب الإنسانية واختلاف طرق التعامل مع الغربة، كما يكشف أن الشعور بالوحدة والبحث عن المعنى ليسا مرتبطين بجنسية أو ثقافة معينة، بل يمثلان تجربة إنسانية مشتركة.

ويؤدي المكان دوراً أساسياً في بناء الرواية ودلالاتها الفكرية. فالوطن يظهر بوصفه فضاءً للذاكرة والحنين والانتماء، حتى عندما يكون غائباً عن الأحداث المباشرة. إنه حاضر في وجدان الشخصية وفي أحاديثها واسترجاعاتها المستمرة. أما المدن الأجنبية والموانئ البعيدة فتبدو فضاءات للعبور المؤقت، حيث يقيم البطل دون أن يشعر بأنه ينتمي إليها حقاً. وتتحول السفينة إلى مكان رمزي يجسد حالة اللااستقرار الدائمة، فهي لا تستقر في مكان واحد، تماماً كما أن خالد لا يجد موطناً نهائياً يحتضنه.

ومن أبرز القضايا التي تعالجها الرواية قضية الهوية. فخالد لا يفقد ارتباطه بوطنه وثقافته، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات الاندماج في بيئات جديدة تختلف عن البيئة التي نشأ فيها. ومن هنا ينشأ سؤال الهوية: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على انتمائه الأول وهو يعيش في مجتمع مختلف؟ وكيف يستطيع التوفيق بين ماضيه وحاضره؟ لا تقدم الرواية إجابات جاهزة لهذه الأسئلة، بل تتركها مفتوحة أمام القارئ للتأمل، وهو ما يمنحها عمقاً فكرياً ويجعلها تتجاوز حدود الحكاية الفردية.

كما تتناول الرواية قضية الاغتراب بوصفها حالة نفسية تتجاوز البعد الجغرافي. فالغربة ليست مجرد الابتعاد عن الوطن، بل شعور داخلي بالانفصال عن المكان والناس وحتى عن الذات أحياناً. ويعاني خالد هذا النوع من الاغتراب حين يجد نفسه عاجزاً عن الانتماء الكامل إلى الواقع الجديد، وفي الوقت نفسه غير قادر على العودة إلى الماضي كما كان. ومن خلال هذا التصوير تكشف الرواية عن الأثر العميق الذي تتركه الهجرة في تكوين الفرد النفسي والاجتماعي.

وعلى المستوى الفني، اعتمد الكاتب السرد الذاتي والحوار الداخلي والمنولوج النفسي، وهي تقنيات أتاحت للقارئ الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية الرئيسة وفهم دوافعها ومشاعرها المتغيرة. كما اتسم الحوار بالواقعية والقدرة على التعبير عن اختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية للشخصيات. أما الوصف فجاء دقيقاً ومعبراً، سواء في تصوير البحر والموانئ والمدن أو في تصوير المشاعر الإنسانية المعقدة كالحنين والخوف والوحدة والأمل.

وتتميز لغة الرواية بالوضوح والسلاسة مع احتفاظها بقدر من الشعرية التي تضفي على النص بعداً جمالياً. وقد نجح الكاتب في توظيف الرموز بطريقة طبيعية وغير متكلفة، فالسفينة ترمز إلى الرحلة المستمرة وإلى المصير الإنساني المتقلب، بينما يرمز البحر إلى المجهول والتحديات التي تواجه الإنسان في حياته. أما الوطن فيمثل الجذر الذي يمنح الشخصية هويتها، في حين يكتسب الليل دلالات التأمل والوحدة واستعادة الذكريات، وهو ما ينسجم مع عنوان الرواية وما يحمله من إيحاءات نفسية وزمنية.

وتكمن قيمة الرواية في قدرتها على تحويل تجربة فردية إلى تجربة إنسانية عامة. فخالد زوال ليس مجرد شخصية روائية، بل يمثل نموذجاً لإنسان العصر الذي يجد نفسه مضطراً إلى التنقل بين الأمكنة والثقافات بحثاً عن حياة أكثر أمناً وكرامة. ومن خلال قصته تعكس الرواية واقع آلاف المهاجرين والمنفيين الذين يعيشون التمزق بين الحنين إلى الماضي ومحاولة التأقلم مع الحاضر.

وفي الختام، تمثل رواية "ليالي ابن زوال" عملاً مهماً في مسار الرواية العراقية المعاصرة، لما تطرحه من قضايا إنسانية وفكرية تتصل بالهوية والانتماء والمنفى والبحث عن الذات. وقد نجح كريم كطافة في تقديم نص يجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري، ويمنح القارئ فرصة للتأمل في مصير الإنسان المعاصر وتحدياته. وبذلك تغدو الرواية شهادة أدبية مؤثرة على تجربة الاغتراب، ووثيقة فنية تسجل جانباً من معاناة جيل كامل عاش التحولات الكبرى التي شهدها العراق والعالم العربي في العقود الأخيرة.

***

جورج منصور

النقد الإيكولوجي من جمالية الطبيعة إلى أخلاق الوجود

لم تعد الطبيعة في الأدب الحديث مجرد مشهد تتكئ عليه الحكاية، ولا خلفية صامتة تتحرك أمامها الشخصيات، ولا مفردات زخرفية تستعير منها اللغة ألوانها وروائحها وأصواتها. لقد أخذت، في لحظة نقدية فارقة، تستعيد حقها في أن تكون موضوعاً للسؤال، وشريكاً في إنتاج المعنى، وربما ذاتاً لها حضورها وذاكرتها وحقها في الوجود. ومن هنا جاء النقد الإيكولوجي لا ليضيف الطبيعة إلى قائمة موضوعات النقد الأدبي، بل ليعيد النظر في موقع الإنسان نفسه داخل العالم.

فالسؤال الإيكولوجي لا يتوقف عند: كيف وصف الأدب الطبيعة؟ وإنما يذهب إلى ما هو أعمق: أي علاقة يقيمها النص بين الإنسان والعالم الطبيعي؟ وهل يرى الإنسان مالكاً للطبيعة أم كائناً مندرجاً في نظامها؟ وهل الأرض مجرد مادة للاستهلاك، أم ذاكرة حية تتشكل فيها هوية الإنسان ومصيره؟

إن هذه الأسئلة تنقل النقد من حدود الوصف الجمالي للطبيعة إلى مساءلة البنية الفكرية التي أنتجت علاقتنا بها. فالطبيعة، في المنظور الإيكولوجي، ليست شيئاً يقع خارج الإنسان، وإنما هي المجال الذي يتشكل فيه وجوده المادي والرمزي والأخلاقي. ولذلك فإن تدمير الغابة ليس تدميراً للأشجار وحدها، وتجفيف النهر ليس إلغاءً للماء فحسب، واقتلاع شجرة ليس فعلاً مادياً عابراً؛ فقد يكون ذلك كله محواً لذاكرة، وقطعاً لجذر، وإعادة صياغة قسرية للمكان والإنسان معاً.

- من مركزية الإنسان إلى أخلاق الكائن

من أهم التحولات التي أحدثها النقد الإيكولوجي مساءلته للمركزية الإنسانية، ذلك التصور الذي وضع الإنسان في مركز الكون، ونظر إلى الكائنات الأخرى باعتبارها موارد أو أدوات قابلة للتملك والاستثمار والاستهلاك.

لكن ماذا لو قلبنا السؤال؟

ماذا لو لم نسأل فقط: ماذا تمنحنا الطبيعة؟، بل سألنا: ماذا فعلنا نحن بالطبيعة؟

عند هذه النقطة يتغير موقع الإنسان في النص. يصبح النهر أكثر من مجرى للماء، والغابة أكثر من فضاء للوحشة أو الجمال، والحيوان أكثر من استعارة، والصحراء أكثر من مكان جغرافي، والشجرة أكثر من صورة شعرية. إنها كائنات تشارك في صناعة الدلالة، حتى وإن لم تتكلم بلسان بشري.

وهنا تكمن إحدى أجمل إمكانات الشعر: أن يمنح الصامت لغة، وأن يجعل ما لا يستطيع الكلام حاضراً في بنية القول. حين يقول الشاعر إن الأرض تتنفس، أو إن الشجرة تحفظ أسماء الغائبين، أو إن النهر يشيخ، فهو لا يمارس لعبة بلاغية فحسب، وإنما يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. اللغة نفسها تصبح وسيلة لتفكيك الحدود الوهمية بين ما نسميه «الإنسان» وما نسميه «الطبيعة».

- الأرض ليست مكاناً

في الأدب العربي، وخصوصاً في الشعر، لا تظهر الأرض دائماً بوصفها جغرافيا محايدة. إنها في كثير من النصوص أمٌّ وذاكرةٌ ونسبٌ وبيتٌ وهوية.

وهنا تكتسب القراءة الإيكولوجية خصوصيتها، لأن الأرض لا تُقرأ باعتبارها تربة فحسب، بل باعتبارها حاملةً لتاريخ الإنسان. الحقل ليس مساحة زراعية وحسب، والشجرة ليست نباتاً فقط، والماء ليس عنصراً طبيعياً مجرداً، فكل واحد منها قد يتحول إلى مستودع للذاكرة.

ولذلك يمكن للنقد الإيكولوجي أن يفتح في النص العربي أسئلة جديدة حول العلاقة بين الإنسان والمكان: كيف تتحول الأرض إلى هوية؟ كيف يصبح اقتلاع الشجرة اقتلاعاً للذاكرة؟ كيف يتحول النهر إلى استعارة للحرية؟ وكيف تصبح الصحراء فضاءً للوجود والتيه والبحث عن الذات؟

إن الطبيعة هنا لا تُستعمل لتزيين النص، بل تتحول إلى بنية دلالية تشارك في تشكيله.

- فلسطين: حين تصبح البيئة جزءاً من سؤال الوطن

ولعل الأدب الفلسطيني يقدم واحداً من أكثر المجالات خصوبة أمام القراءة الإيكولوجية؛ لأن العلاقة بين الإنسان والأرض فيه ليست علاقة جمالية أو وجدانية فقط، وإنما هي علاقة وجودية وتاريخية وسياسية.

فحين تُقتلع شجرة الزيتون، لا يُنتزع جذع من الأرض وحسب؛ إذ يمكن أن يُقتلع معه تاريخ عائلة، وذاكرة قرية، وطقس فلاحي، وسلسلة من الأسماء التي توارثت المكان جيلاً بعد جيل.

وحين تُجرف الحقول، لا يختفي محصول موسمي فقط، بل تتعرض منظومة كاملة من العلاقة بين الإنسان والمكان للتفكيك. وحين تُصادر المياه أو تتغير معالم الأرض أو تُقتلع الأشجار، يصبح السؤال البيئي متشابكاً مع سؤال السلطة والسيادة والعدالة والحق في المكان.

من هنا لا يعود ممكناً قراءة الأرض في الشعر الفلسطيني باعتبارها رمزاً سياسياً فقط. إنها كائن حي داخل منظومة الذاكرة والمقاومة.

إن الزيتونة الفلسطينية، مثلاً، لا تختزل في رمزيتها السياسية الشهيرة؛ إنها أيضاً شاهد نباتي على الاستمرار، وكائن يختزن الزمن في جذعه، ويصل الماضي بالحاضر، ويمنح الذاكرة شكلاً مرئياً. ولذلك فإن الاعتداء عليها يمكن أن يُقرأ في مستويين متداخلين: اعتداء على البيئة، واعتداء على الذاكرة.

وهنا يلتقي النقد الإيكولوجي بالنقد ما بعد الاستعماري؛ إذ يتبين أن السيطرة على الأرض كثيراً ما تعني السيطرة على مواردها، ومائها، وأشجارها، وحيواناتها، ومساراتها الزراعية، وعلى العلاقة الثقافية التي بنتها الجماعة مع المكان.

- الاستعمار بوصفه استيلاءً على الإنسان والطبيعة

لم يكن الاستعمار في تجاربه التاريخية الكبرى سيطرة على الإنسان وحده، فقد كان أيضاً إعادة تنظيم قسرية للعلاقة بين الإنسان والأرض.

الأرض تُرسم حدودها، والماء يعاد توزيعه، والغابة تتحول إلى مورد اقتصادي، والحيوان إلى سلعة، والمعدن إلى ثروة تستخرج وتُنقل، بينما يُدفع سكان المكان الأصليون تدريجياً إلى الهامش.

ومن هنا تتولد فكرة العدالة البيئية: من يملك الموارد؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يدفع ثمن استنزافها؟ ومن يتحمل آثار التلوث والتجريف والتصحر وتغير المناخ؟

إن هذه الأسئلة تجعل النقد الإيكولوجي يتجاوز الطبيعة بوصفها موضوعاً جمالياً إلى الطبيعة بوصفها مسألة عدالة.

وهنا تتجاور الإيكولوجيا مع النقد الاجتماعي والسياسي وما بعد الاستعماري، فتغدو قراءة الأدب قراءةً في أنظمة القوة التي تحدد من يحق له أن يسكن، ومن يحق له أن يملك، ومن يحق له أن يشرب الماء، ومن يدفع ثمن الخراب.

- حين تصبح الشجرة شخصية أدبية

في القراءة التقليدية قد تكون الشجرة وصفاً للمشهد. أما في القراءة الإيكولوجية فقد تصبح الشجرة شخصيةً صامتة في النص.

ليس لأنها تتكلم بالضرورة، بل لأنها تؤثر في مسار الوعي، وتختزن الزمن، وتستدعي الذاكرة، وتربط الإنسان بمكانه.

الشجرة التي يقف تحتها الطفل ليست الشجرة نفسها حين يعود إليها بعد عقود. لقد تغير الطفل، وربما تغير المكان، لكن الشجرة تظل حافظةً لما لا يستطيع الإنسان الاحتفاظ به.

وهنا تنفتح البلاغة على الفلسفة: ما الذي يجعل شيئاً ما حياً في وعينا؟ وهل الذاكرة ملك للإنسان وحده؟ أم أن المكان نفسه يشارك في حفظها؟

إن النقد الإيكولوجي يتيح لنا أن نقرأ الاستعارة بوصفها أكثر من تزيين لغوي. فعندما تصبح الأرض أماً، والشجرة ذاكرة، والبحر غاضباً، والنهر شاهداً، فإن اللغة لا تصف الطبيعة فقط، وإنما تعيد توزيع الكينونة بين الإنسان وغير الإنسان.

- مناخ النص ومناخ العالم

ولا تقف الإيكولوجيا الأدبية عند الأشجار والمياه والحيوانات؛ إذ يمكن أن تمتد إلى المدينة الحديثة بما تحمله من ضجيج واستهلاك وتلوث واغتراب.

فالمدينة في الرواية والشعر قد تبدو فضاءً للحركة، لكنها قد تكون أيضاً فضاءً لاختناق الإنسان بالطوب والإسمنت والآلة. وقد تتحول العمارة إلى استعارة لانفصال الإنسان عن الطبيعة، بينما يصبح الحنين إلى الريف أو الحديقة أو البحر حنيناً إلى توازن مفقود.

ومن هنا يستطيع النقد الإيكولوجي أن يقرأ حتى الصمت في النص: ماذا غاب عن المشهد؟ أين اختفت الطيور؟ لماذا لم يعد النهر كما كان؟ لماذا صار الهواء ثقيلاً؟ لماذا تحولت الحقول إلى إسمنت؟

أحياناً تكون الكارثة البيئية أكثر حضوراً فيما لا يقوله النص مما يقوله.

- الأدب بوصفه تمريناً على المسؤولية

لكن هل يستطيع الأدب أن ينقذ العالم؟

ربما لا.

غير أنه يستطيع أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

وهذه ليست وظيفة قليلة.

فالأدب لا يقدّم بالضرورة حلولاً علمية للاحتباس الحراري، ولا يستطيع أن يعيد نهراً إلى مجراه، لكنه قادر على أن يجعل القارئ يرى الشجرة بوصفها أكثر من خشب، والماء بوصفه أكثر من مادة، والحيوان بوصفه أكثر من سلعة، والأرض بوصفها أكثر من عقار.

إنه يعيد للوجود قدرته على إثارة الدهشة، وللأشياء التي اعتدناها حقها في أن تُرى من جديد.

وهنا تكمن القيمة الأخلاقية للنقد الإيكولوجي: إنه لا يقرأ الأدب فقط، بل يحاول أن يقرأ علاقة الإنسان بالعالم من خلال الأدب.

- نحو إيكولوجيا عربية للنص

ولعل الأدب العربي بحاجة إلى تطوير حساسيته الإيكولوجية الخاصة، لا باستنساخ المفاهيم الغربية، وإنما باستعادة ما تختزنه الثقافة العربية نفسها من تصورات عميقة عن الماء والشجرة والصحراء والحيوان والأرض والمطر والمواسم.

ففي التراث العربي والإسلامي طبقات واسعة من الوعي بالطبيعة وبالتوازن بين الكائنات، كما أن الشعر العربي القديم حافل بتفاصيل النبات والحيوان والمطر والبرق والروابي والوديان والنجوم. لكن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الطبيعة بوصفها مادة وصفية، بل إعادة مساءلة علاقتنا بها في ظل عالم يواجه التصحر، وشح المياه، والتلوث، وتغير المناخ، والزحف العمراني، والاستغلال المفرط للموارد.

ومن هنا يمكن للنقد الإيكولوجي العربي أن يؤسس مساحته الخاصة عند تقاطع الأدب والبيئة والهوية والذاكرة والعدالة والاستعمار والاقتصاد والثقافة.

إنه نقد لا يسأل فقط: ماذا قال الشاعر عن الشجرة؟ بل يسأل أيضاً: أي عالم أنتج هذا القول؟ وأي علاقة بالطبيعة تكشفها اللغة؟ ومن يملك الأرض في النص؟ ومن يُقتلع منها؟ ومن يتكلم باسمها؟ ومن يصمت حين تُدمَّر؟

- حين تستعيد الأرض صوتها

في النهاية، لا يكمن جوهر النقد الإيكولوجي في تحويل الأدب إلى منشور بيئي، ولا في مطالبة الشاعر بأن يكون ناشطاً في حماية الغابات والأنهار، وإنما في إعادة اكتشاف حقيقة أكثر عمقاً: أن الإنسان ليس جزيرة منفصلة عن العالم، وأن خراب الطبيعة هو، في جانب منه، خراب للإنسان نفسه.

وحين يقرأ النقد الأدب من هذه الزاوية، فإنه لا يبحث عن الطبيعة في النص فقط، بل يبحث عن النص الذي تكتبه الطبيعة داخل الإنسان.

ربما لهذا تصبح الشجرة أكثر من شجرة، والنهر أكثر من ماء، والبحر أكثر من أفق، والأرض أكثر من تراب.

تصبح كلها صفحاتٍ من كتاب الوجود.

وعندئذ لا يعود السؤال: كيف كتب الإنسان الطبيعة؟

بل يصبح السؤال الأكثر قلقاً:

ماذا ستكتب الطبيعة عن الإنسان، حين تنتهي البشرية من كتابة تاريخها؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ملاحظة: نخصّ بهذا الكلام النصّ السردي فللشّعر خصوصيات أخرى... دائرةُ الضّوء على النّصّ الذي أتشره يصنعُها القرّاءُ والنّقادُ وكتَبةُ الذّاكرة.

القرّاءُ، مجانينُ الحكاية والنّصّ أفيونيهم، يحبّون الأفكار ولا يرغبون في تمثيل الأدوار، يمجّدون الفعلَ ولا يؤدّونه، ويمدحون الفاعلَ ولا يأخذون مكانه. بعضهم مفتون بالتّواكل، يحبّ قراءة النصوص بألسنة الآخرين فيسعى الى البحث عنه مسموعا إن استطاع الى ذلك سبيلا ويتمكّن منه في حالة استرخاء ليستمتع به دون عناء يقلقه يرهقه ابداء الرأي فيه ولو انطباعيا. واذا دعي، مكرها أو متصدّقا، الى تناول النّص بالتقييم، كان شحيحا في كلامه مراوغا أحيانا مادحا أو قادحا دون إثبات، غرضه من كل هذا أن يقفز على مطبّات اللوم وألا يستفزّ الكاتب.

بعض آخر من القرّاء مغرم بالبحث عن زلات الكاتب لا غير وعن الأخطاء التي ارتكبها سهوا أو جهلا، فلا يركّز اهتمامه الا عليها ولا يعتق النّصّ الا بعد أن يغربله غربلة وينفضه نفضا الى حين توليد الخطأِ منه ولو قيصريا. كأنما لا يعنيه النصّ في عمقه وأبعاده ولا في شكله وانما في لسانه.

أما أنا فأفصل بين القراء بالحسنى والصراحة، وفضّل القارئ المجادل الذي يبحث عن مكان له فيما أكتب، ليكون قارئا إيجابيا يساهم في صدى النّص أو يكون جزءًا من ارتداده، يتناوله فيقلّبه بين يديه ويتكلّم لغته وينصهر في أحداثه ويذوب اعجابا أو ينتفض رفضا. بغير هذه القراءة المتكاملة لا يكتمل النّص ولا يخرج في شكله البهيّ الذي أسعى دائما الى تحقيقه.

ولهذا أجدني أهمل القارئ المتواكل الذي يطمع في الحكاية ويريدها بسيطة كانسياب الماء في الحلق.

على طرف الورق المقابل نجد النقّاد يحاولون أن يكونوا قوة دفع مفروضة على النّص فيجتهدون في التصنيف والتوصيف والجمع والتفريق وفرز الجيّد من الرديء طبقا لذائقتهم ومستوى تفكيرهم، منتصرين حقا أو باطلا للأدبية والجمالية. والنّقاد، كالشّعراء، أصناف ودرجات، فمنهم العاشقون للنّصّ، الجادّون في اختيارهم والباحثون عن لذة القراءة شكلا دون اجتهاد في عمق النّص وأبعاده، أولئك الذين أسمّيهم جوْعى النّص، يتساقطون على الطّبق فيَمشّون عظامه حتى إذا شبعوا تركوه مكتفين بالتعليق على شكله الخارجي معبّرين عن اعجابهم ببنيته، ولسان حالهم يقول: هذا نصّ جميل وكفى، إنما الفنّ للفنّ فلا حاجة لنا الى معرفة ولا الى رأي أو وجع دماغ.. هؤلاء يتحولون الى أنصاف نقّاد يتكلّمون ولا يفكّرون ولا يضيفون الى النص ولا الى كاتبه أو الى القارئ شيئا ذا بال فيصبحون في آخر الأمر وسطاء غير مرغوب فيهم بين المؤلف والقارئ.

ومن النّقّاد صنف مغرمون بالنّقر على النّصوص بأصابع ومعاول مستوردة يحصلون عليها من التّناص أو من صورة الحافر الذي وقع على الحافر. فاذا ما سقط نصّ بين أيديهم تراهم يعتصرونه ويقلّبونه ويعجنونه ويجبرونه على أن يتطابق مع ذائقتهم ورؤيتهم للنّقد التي يستمدّونها من مدارس نقدية وهميّة. ففي اعتقادنا أن لكل نصّ، مدرسته تولد معه، لأنّه يولد في بيئة مختلفة وفي لحظة لا يعيشها الا الكاتب وحتى  ان عاشها فلن تتكرر ما دامت طقوس الولادة لا تتكرر أبدا.

ان النّاقد، وهو يضع جسد النص الادبي على طاولة الفحص إنّما هو طبيب يحاول ان يستنطق الجسد المريض لتحصل عنده فكرة كلية نسميها البنيويّة ( l’état général) معتمدا على علم الاسلوبية (الفيزيولوجيا = (la physiologie ومتبيّنا على السيميولوجيا (sémiologie). هذه المراحل في نظري ضرورية لانتاج نص نقدي جدير بأن يفيد ويكون قاطرة للفهم فيؤدّي دوره الرّيادي ويفيد القارئ والكاتب والنصّ.

وما بين القارئ والناقد يتلجلج قلب الادب خوفا وارتيابا

فهو الطفلٌ الذي لا يريد أن يضيع شيئا من أشيائه التافهة. يكتبه المنخدع بنفسه فيمحو النّقّاد والقرّاء ويكتبه المبدع الفنّان الذي ينسج نصّه ويستمتع به قبل غيره، وثمة صنف ثالث من الادب يكون مزيجا من الواقع والخيال.

أمّا اللغةُ فإنّها تضيء البيتَ المظلمَ أمام داخله.

و لا يجب أن ننسى أن الفكرة تكون أحيانا جميلة برشاقتها وطرافتها فتطغى على الشّكل وتقلِب موازينَ النّقد وتدفعُ القارئ نحو الانتصارِ لرأي الكاتب وإن ضحّى بقسط من الجمالية في سبيل القيام بدوره ككاتب مسؤول .

***

المولدي فروج

في ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة" للشاعر هزبر محمود

تُعد المفارقة تقنية أسلوبية ولعبة لغوية تقوم على خلق تضاد بين ظاهر النص والمعنى الخفي المراد توصيله؛ إذ يُعبر الأديب عن شيء دون الإفصاح عنه مباشرة، مما يُحفز القارئ على تجاوز المعنى الحرفي واكتشاف الحقيقة المتوارية خلف السطور(1)، وقد تأثر النقد العربي الحديث بالدراسات الغربية في تناوله لمفهوم المفارقة الأدبية، وتعددت الرؤى حولها؛ إذ يُعرفها البعض بكونها علاقات ذهنية بين الألفاظ أو نشاطاً عقلياً معقداً، بينما يراها آخرون تضاداً بين المنطوق والمعنى غير المباشر، أو انحرافاً لغوياً يمنح القارئ مساحة واسعة للتأويل. وتقوم المفارقة على التناقض بين البنية السائدة للنص ورؤية المبدع الخاصة الناتجة عن خبرته الحياتية، مما يساعد على كشف الحقائق المتوارية خلف ظاهر النص ويعكس براعة الكاتب الفنية ومراوغته الأسلوبية(2).

وفي ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة" للشاعر العراقي هزبر محمود، وهو آخر الدواوين الصادرة للشاعر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق- 2024، تنهض التجربة الشعرية على وعي واضح بأن المعنى لا يستقر في جهة واحدة، وأن التجربة الإنسانية، ولا سيما تجربة الحب، لا يمكن اختزالها في ثنائيات مستقرة من قبيل القوة والضعف، والحضور والغياب، والفرح والحزن، والانتصار والهزيمة؛ لذلك يلجأ الشاعر إلى بناء عالمه الشعري من خلال المفارقة، بوصفها آلية تتجاوز حدود الزخرفة البلاغية لتصبح طريقة في النظر إلى الذات والعالم، فالمعنى في القصيدة يتولد من اصطدام دلالتين متباعدتين، أو من انقلاب وضع كان يبدو ثابتًا إلى نقيضه.

وتتخذ المفارقة في هذا الديوان أشكالًا متعددة؛ فهي مرةً تنشأ من التناقض بين ظاهر الحالة وباطنها، ومرةً من انقلاب الأدوار بين العاشق والمعشوق، أو الصائد والفريسة، ومرةً من الجمع بين المتناقضات داخل الرؤية نفسها، كما تتجاوز المفارقة تجربة الحب لتصل إلى علاقة الشاعر بالقصيدة، وإلى طريقة استدعائه للتراث والفنون، وبهذا تغدو المفارقة تقنية منظمة للتجربة الشعرية وتندرج معها بقية مكونات التجربة، وأبرز ما تكشفه هذه المفارقة هو أن الذات الشاعرة لا تظهر في صورة ثابتة؛ فهي ذات قوية ومهزومة، واثقة وقلقة، عاشقة ومتمردة، مالكة ومملوكة في الوقت نفسه، وكلما دخلت الذات في علاقة مع الآخر، أعادت اكتشاف صورتها من خلال نقيضها، ولذلك يسعى هذا المقال إلى كشف تجليات المفارقة في الديوان، وبيان الكيفية التي أسهمت في بناء تشكيل الرؤية الشعرية وبناء المعنى، ويمكن قراءة هذا الديوان  من خلال جدلية أساسية قوامها المفارقة وتحولات الذات.

أولًا: المفارقة كأداة لتشكيل الذات:

تتشكل الذات الشعرية في هذا الديوان من خلال المواجهة والاختبار، لذلك فإن المفارقة تؤدي وظيفة أساسية في إنتاج صورتها؛ إذ يكشف الشاعر عن ذاته عبر الجمع بين حالتين تبدوان متعارضتين، أو عبر منح الهزيمة معنى لا يساوي الانكسار، ومنح النصر معنى يتجاوز الغلبة المباشرة، ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة "هزيمة"، يقول:

"جاء

مهزوماً بلا منقصةٍ

كهزبرٍ هاربٍ من غَزَلِ"(3)

تكمن المفارقة هنا في الجمع بين لفظة «مهزوم» وعبارة «بلا منقصة». فالهزيمة، في منطقها المعتاد، تعني فقدان القوة أو نقصان المكانة، لكن الشاعر يفصل بين الهزيمة والمنقصة، ليجعل الذات مهزومة دون أن تكون ناقصة، والأكثر دلالة أن هذه الذات تُشَبَّه بـ«هزبر»؛ أي الأسد، بما يحمله الرمز من قوة وهيبة وشراسة، لكنه يظهر في اللحظة نفسها «هاربًا من غزل»، وبذلك تتجاور صورة القوة مع صورة الهرب، فينشأ التوتر المفارق، واللافت للنظر الطريقة التي يعيد بها الشاعر تعريف الذات العاشقة. فالهزيمة هنا ليست سقوطًا، وإنما نتيجة طبيعية لدخول ذات قوية إلى فضاء الحب؛ ولذلك لا تتخلى الأنا عن قوتها، بل تكتشف أن هناك قوة أخرى لا تُقاوَم بالأدوات التي اعتادت استعمالها. إن «الهزبر» لا ينهزم لأنه فقد صفته الأسدية، بل لأنه دخل مجالًا مختلفًا عن مجال الصراع المعتاد، وهكذا يصبح الحب قوةً تعيد ترتيب مقاييس القوة ذاتها.

وتتأكد هذه الآلية في قصيدة "نصر"، حيث يقول:

"ولم

أجهَلْ فنونَ الرَّمْيِ لكنْ

وجدتُ النصرَ أبلغَ بالتَّصدّي"(4)

هنا تنتقل المفارقة من معنى الهزيمة إلى معنى النصر. فالذات تعلن امتلاكها «فنون الرمي»، لكنها تختار «التصدي» وترى فيه نصرًا أبلغ، والمفارقة أن الانتصار لا يتحقق بفعل الهجوم، وإنما بفعل الامتناع عنه،

وبذلك تتحول المفارقة إلى وسيلة لإعادة تعريف الذات؛ ففي «هزيمة» لا تعني الهزيمة نقصانًا، وفي «نصر» لا يعني النصر هجومًا. وبين الحالتين تتشكل ذات تمتلك القوة لكنها لا تجعل القوة معيار وجودها الوحيد، بل بمنطق أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الرغبة والكبرياء والانكشاف.

ومن هنا تتجلى الوظيفة الثانية للمفارقة فهي إلى جانب وظيفتها الجمالية، فهي تؤدي وظيفة معرفية؛ فهي تكشف للذات حقيقتها من خلال نقيضها، فالشاعر لا يقول لنا مباشرة: «أنا قوي رغم الحب» أو «أنا قادر على الانتصار»، وإنما يجعل النص نفسه يختبر هذه الحقيقة عبر مفارقتي «الهزيمة بلا منقصة» و«النصر بالتصدّي». وبذلك تصبح المفارقة طريقة في بناء الأنا الشعرية وإعادة تعريفها.Screenshot

ثانيًا: المفارقة وآلية انقلاب الأدوار

تتخذ المفارقة شكلًا أكثر عمقًا حين تتصل بانقلاب الأدوار بين الشاعر والآخر؛ إذ لا تبقى المواقع التي تبدأ منها الشخصيات ثابتة، بل سرعان ما تنقلب: القوي يصبح ضعيفًا، والصياد يصبح فريسة، والعاشق الذي يبدو مالكًا لأدواته العاطفية يجد نفسه واقعًا تحت سلطة من يحب. ويمنح هذا الانقلاب النصوص طاقة حركية، لأن الذات لا تعرف موقعها النهائي إلا بعد أن تدخل في علاقة مع الآخر.

ومن أبرز النماذج التي تكشف هذا الانقلاب قصيدة "قبل أن تفلتني اليمامة"، إذ يبدأ الشاعر بتقديم نفسه في صورة كائن مكتمل القوة والسيطرة:

"لي سَمائي وجَناحايَ ولي

فِطْرةُ الصَّيدِ وأَسبابُ الزَّعامَةْ"(5)

تتأسس صورة الأنا هنا على امتلاك السماء والجناحين وفطرة الصيد وأسباب الزعامة؛ وهي مفردات تنتمي إلى حقل القوة والعلو والسيطرة. فالذات لا تدخل العالم بوصفها فريسة، وإنما بوصفها صيادًا يمتلك أدواته الطبيعية ويثق بقدرته على إخضاع الآخرين. ويزداد هذا الإحساس بالقوة حين يقول:

"وأَنا السَّهمُ السَّماوِيُّ، فَمَا

سُرْعَةُ الرِّيمِ ومــــا حَجْمُ النَّعامَةْ؟"(6)

إن تشبيه الذات بالسهم السماوي يرفعها إلى مستوى السرعة والقوة والحسم، بينما تأتي الغزالة والنعامة في موقع المقارنة التي تبدو عاجزة عن مجاراتها، غير أن هذا البناء كله ينقلب عندما يقول:

"كُلُّ هذا لم أَعُدْ أَذْكُرُهُ

بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ صَيْداً ليَمامَةْ"(7)

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالصياد يصبح صيدًا، وصاحب السماء والجناحين يقع أسير كائن يبدو في التصور التقليدي أقل قوة منه، والأهم أن الفاعل في هذا الانقلاب ليس صقرًا ولا نسرًا ولا مفترسًا، بل «يمامة»، وهي صورة ترتبط عادة بالوداعة والسلام والرقة، ولذلك فإن المفارقة لا تقوم على مجرد تبادل المواقع، وإنما على إعادة توزيع القوة بطريقة غير متوقعة، فــ«اليمامة» هنا تتجاوز كونها كائنًا طبيعيًا لتصبح صورة للقوة العاطفية التي لا تحتاج إلى أدوات الصيد كي تحقق غلبتها، فالشاعر الذي كان يملك «فطرة الصيد» يجد أن أدواته كلها عديمة الجدوى أمام تجربة الحب، وبذلك يتحول الحب إلى قوة قادرة على إعادة ترتيب العالم الرمزي الذي أقامته الذات حول نفسها.

ويتخذ انقلاب الأدوار صورة أكثر هدوءًا في قصيدة "تُرى هل سَلَتْكُ"، حيث تتدرج علاقة الذات بالمرأة من محاولة الإمساك بالحياة إلى الذوبان فيها:

"عليها تعلَّمتَ رَكْضَ الحياةِ

ليبدأَ رَكْضُكَ من حبِّها

فعلَّمتَها المشيَ -مشيَ الملوكِ-

وها قد تلاشيتَ في خطوِها"(8)

تبدأ العلاقة هنا من موقع يبدو فيه الشاعر صاحب تأثير؛ فهو الذي علّمها «المشي»، بل «مشي الملوك»، أي أنه يمنح الآخر من خبرته وقوته ورمزيته. لكن النهاية تنقلب بصورة حادة: «تلاشيتَ في خطوها»، فالذي كان يعلّم يصبح متلاشيًا، والذي كان فاعلًا في تشكيل الآخر يصبح هو نفسه مشكّلًا به.

وتكشف عبارة «تلاشيتَ في خطوها» عن مفارقة تتجاوز معنى الخضوع العاطفي؛ فالذات لا تفقد وجودها بسبب الهزيمة، بل تفقد حدودها الفردية أمام حضور الآخر، أي إنها لا تقول: «غلبتني»، وإنما «تلاشيتُ في خطوها»، وكأن الحب لا يمحو الذات بقدر ما يعيد صياغة حدودها، وهنا يتحول الآخر من موضوع للحب إلى قوة تدخل في تكوين الأنا نفسها.

ومن خلال النصين يتضح أن الشاعر يستثمر انقلاب الأدوار بوصفه استراتيجية لكشف هشاشة القوة. فالذات التي تقدم نفسها صيادًا وسهمًا سماويًا تنتهي صيدًا ليمامة، والذات التي تبدأ معلمةً للآخر تنتهي متلاشية في خطاه. وبهذا يصبح الانقلاب وسيلة لتعرية التصور التقليدي للبطولة والسيطرة، وإحلال تجربة عاطفية أكثر تركيبًا مكانه.

إن المفارقة في هذه الحالة لا تقول إن القوي أصبح ضعيفًا فحسب، وإنما تقول إن القوة نفسها تتغير عندما تدخل مجال الحب؛ فما كان قوة في عالم الصيد لا يبقى قوة في عالم العشق، وما كان امتلاكًا للآخر قد يتحول إلى ذوبان فيه. ومن هنا يتخذ انقلاب الأدوار بعدًا دلاليًا يتجاوز الغزل، ليصبح وسيلة لفهم الذات وهي تواجه حدودها.

ثالثًا: الحب بوصفه اختبارًا للذات وتحولاتها

إذا كانت المفارقة تكشف هشاشة القوة وتقلب مواقع الذات والآخر، فإن الحب في هذه التجربة يمثل المجال الأوسع الذي تتكشف فيه هذه التحولات. فالعاشق لا يدخل الحب وهو يحمل صورة مستقرة عن نفسه، وإنما يعيد اكتشاف ذاته من خلال ما يفرضه الحب من فقد وانتظار وغيرة وثقة وخوف. لذلك لا يظهر الحب بوصفه حالة وجدانية ساكنة، بل بوصفه تجربة اختبار تكشف ما تخفيه الذات عن نفسها.

وتتجلى هذه الفكرة في قصيدة "خبرة"، التي تقوم منذ عنوانها على مفارقة بين التجربة والألم، يقول فيها:

"لم تدرِ

أني عندما فارقتُها

يومينِ، قد فارقتُ عُمْري كلَّهْ"(9)

يُقيم الشاعر هنا علاقة غير متناسبة بين زمن الفراق وزمن الحياة؛ فـ«يومان» من الناحية الزمنية مدة قصيرة، لكنهما يتحولان نفسيًا إلى «العمر كله». والمفارقة لا تكمن في المبالغة العاطفية وحدها، وإنما في تحويل الزمن من مقدار خارجي إلى تجربة داخلية؛ فالعمر لا يُقاس بعدد الأيام، وإنما بما تتركه التجربة في الذات. ثم تأتي عبارة:

"لكنَّ

فرقي أنني ذو خبرةٍ،

رغمَ اللهيبِ بدتْ أُموري سهلةْ"(10)

لتضيف طبقة أخرى من المفارقة. فـ«اللهيب» يوحي بالاحتراق والألم، بينما «سهولة الأمور» توحي بالتماسك والسيطرة. ويبدو الشاعر، من الخارج، أكثر خبرة وقدرة على التعامل مع الألم، لكن هذا التماسك لا يلغي عمق التجربة السابقة. ومن هنا تصبح «الخبرة» نفسها نتيجة للمعاناة؛ فالذات لا تصل إلى القوة إلا بعد أن تمر بالاحتراق. وهذا يكشف أن الحب يؤدي وظيفة معرفية في التجربة الشعرية؛ فهو يختبر قدرة الذات على تحمل الفقد، ويجعلها أكثر وعيًا بحدودها. فالخبرة ليست معرفة نظرية، وإنما معرفة تُكتسب من الألم، ولذلك ترتبط في النص ارتباطًا مباشرًا بـ"اللهيب".

وفي قصيدة "حبيبتي"، يقول الشاعر:

"هذي التي تتصيدون زمانكم في مقلتيها

هذي التي تتساءلون عن الذي سكب الوثوق براحتيها

هذي التي ما خفتُ من غزلٍ عليها

ما خفتُ من عطرٍ عليها

ما خفتُ من بلدٍ عليها

ما خفتُ من رجلٍ عليها"(11)

تقوم المفارقة في هذا المقطع على وجود جماعة من المنافسين تحيط بالمحبوبة، في مقابل ذات عاشقة لا تظهر عليها الغيرة أو الخوف، فالأفعال التي تتكرر في النص: «تتصيدون»، «تتساءلون»، «تتقربوا»، و«تشهروا أسماءكم» تؤسس فضاءً مزدحمًا بالراغبين في الوصول إلى المحبوبة، بينما يواجه الشاعر هذا الازدحام بسلسلة من النفي، وهنا تتولد المفارقة من أن كثرة المنافسين لا تنتج خوفًا، وإنما تنتج ثقة، فالشاعر يقلب النتيجة؛ فكلما ازدحم الآخرون حول المحبوبة، ازداد يقينه بموقعه الخاص، وتبلغ المفارقة ذروتها في قوله:

"قد تنعمون بعطفها وبنظرةٍ من عرشها

لكنّها لم ترضَ إلا أن تكون حبيبتي

وسوايَ ظلٌّ يقتفيها"(12)

فالمفارقة هنا أن الآخرين يحضرون بكثرة، لكن حضورهم يظل هامشيًا؛ في حين أن الشاعر، رغم عدم انشغاله بمنافستهم، يحتفظ بالمكانة المركزية، واللافت أن الشاعر لا يبني انتصاره على إقصاء المنافسين، بل على التفوق الرمزي؛ فهو لا يمنعهم من الوقوف عند باب المحبوبة، بل يقول:

"من حقِّكم هذي الإطالةُ في الوقوفِ

فزهرةُ التفاح لن تجدوا لها أبداً شبيها"(13)

وهذا موقف مفارق؛ إذ يتحول وجود المنافسين من مصدر تهديد إلى مناسبة لإظهار تفرد المحبوبة، ومن ثم تفرد مكانته عندها، فالمحبوبة محاطة بآلاف المشاعر والعاشقين، لكن الشاعر يرى أن هذا الازدحام كله لا يمس علاقته بها، ولذلك تأتي العبارة الختامية:

"وهي الحبيبةُ

آخرُ العنقودِ من كل النساء"(14)

لتؤكد أن التجربة لا تنتهي عند مجرد امتلاك المحبوبة، بل عند تحويلها إلى خاتمة لسلسلة طويلة من التجارب.

رابعًا: فاعلية التراث والفنون في إنتاج المفارقة

 لا يتعامل الشاعر مع التراث بوصفه مادة جاهزة يستعيدها للتزيين أو لإظهار سعة المعرفة، بل يدخله في نسيج التجربة الشعرية، ثم يعيد توجيهه بما يخدم رؤيته المعاصرة، ومن هنا تتولد المفارقة من المسافة بين المعنى التراثي المألوف والمعنى الذي يمنحه الشاعر له داخل سياقه الجديد، فالتراث لا يبقى ثابتًا، وإنما يدخل في حوار مع الذات والحب والكتابة، وقد ينقلب أحيانًا على دلالته الأصلية، وتتضح هذه الآلية في قصيدة "بدر الأغاني"، التي يقول فيها:

"ببدرٍ بينَ قافيةٍ وبحرِ

مشى شرفُ الأوائل نحوَ شعري

وسلسلةٌ من الذهبِ انتقتني

كمالاً بعدَ أحمدَ والمَعرّي"(15)

يستدعي الشاعر أسماء ذات مكانة مركزية في تاريخ الشعر العربي، ولا سيما أحمد شوقي والمعرّي، ليضع تجربته ضمن سلسلة شعرية ممتدة، ويبدو في ظاهر النص أن الشاعر يرفع من شأن ذاته إلى مستوى هؤلاء الشعراء، لكن المفارقة تتشكل من الطريقة التي يمزج بها هذا الادعاء الكبير بنبرة ساخرة من الذات، فبعد هذا البناء الذي يوحي بالعظمة الشعرية يقول:

"فأضحكني - أنا بدرُ الأغاني -

وقوفُ النايِ ليلاً عندَ غيري

وأجملُ ما سمعتُ من التَّجَنّي

مقالُ الناسِ: أشعرُ من هُزَبْرِ"(16)

هنا يتدخل الضحك ليقلب النبرة السابقة، فالشاعر الذي يقدّم نفسه باعتباره «بدر الأغاني» لا يستسلم تمامًا لصورة الشاعر العظيم، بل يسخر من المبالغة التي تحيط به، والمفارقة أن التعظيم يتحول إلى مادة للسخرية، والمديح يصبح قريبًا من "التجني".

وهذا النوع من المفارقة مهم؛ لأنه يكشف أن الأنا الشعرية، حتى عندما تعلن اعتزازها بموهبتها، تمتلك وعيًا ساخرًا تجاه هذا الاعتزاز، فالشاعر يمدح نفسه، لكنه في الوقت نفسه يضحك من صورة الممدوح التي صنعها، وهكذا لا تأتي المفارقة من التناقض بين الشاعر وموقف خارجي فحسب، وإنما تنشأ داخل الذات نفسها: أنا تعتز بشاعريتها، وأنا أخرى تراقب هذا الاعتزاز وتسخر منه، وهذا ما يجعل استدعاء التراث جزءًا من استراتيجية الشاعر في بناء صوته الخاص؛ فهو لا يقطع صلته بالماضي، ولا يذوب فيه، وإنما يدخل معه في علاقة حوارية تعيد إنتاج دلالاته داخل تجربة شعرية معاصرة.

الخاتمة

تكشف قراءة هذه النصوص أن المفارقة ليست مجرد تقنية بلاغية عابرة، وإنما تمثل آلية أساسية في بناء التجربة الشعرية وتشكيل رؤيتها إلى الذات والحب والكتابة والعالم. فالشاعر لا يقدم المعنى في صورته المباشرة، بل يتركه يتولد من التوتر بين الأشياء ونقائضها؛ بين القوة والهزيمة، والحضور والغياب، والامتلاك والفقد، كما أظهرت القراءة أن المفارقة تبدأ من بناء الذات الشعرية؛ فالذات التي تبدو قوية سرعان ما تكتشف حدود قوتها، من خلال الحب الذي يصبح قوة قادرة على إعادة ترتيب مواقع الذات، لا مجرد موضوع للغزل.

أما في المجال العاطفي، فقد ظهر الحب بوصفه اختبارًا للذات؛ فهو يحوّل اليومين إلى عمر، والخبرة إلى نتيجة للألم، ومن هنا لا تبدو الذات العاشقة ثابتة، بل ذاتًا تتعلم وتتغير وتعيد اكتشاف نفسها من خلال التجربة. وعليه، فإن القيمة الجمالية للمفارقة في هذه التجربة لا تنحصر في إحداث الدهشة أو المفاجأة، وإنما تكمن في قدرتها على إنتاج معنى مركب لا يستقر على دلالة واحدة. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يبني جزءًا مهمًا من خصوصيته الشعرية على منطق المفارقة والانقلاب؛ إذ لا يواجه العالم من خلال إجابات نهائية، وإنما من خلال علاقات متوترة تظل مفتوحة على أكثر من احتمال.

وفي النهاية، فإن ما يمنح هذه التجربة فرادتها هو أن المفارقة لا تأتي منفصلة عن جماليات الحب واللغة والوعي بالتراث، بل تتشابك معها جميعًا لتنتج صوتًا شعريًا قادرًا تحويل هذا التناقض إلى جمال ومعنى.

***

عذراء محمد صبحي

...................

الهوامش

1)  ينظر: تجليات المفارقة في شعر دريد بن الصمة الجشمي، دراسة تحليلية، جابر خميس عباس، مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، المجلد:18، العدد:2، 2026.

2)  ينظر: المفارقة، نبيلة ابراهيم، مجلة فصول، المجلد:7، العدد: 3-4 ، 1987: 132. و المفارقة في الشعر العربي الحديث، قاسم شبانة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2002: 30، والمفارقة في القص العربي المعاصر، سيزا قاسم، مجلة فصول، المجلد:2 ، العدد:2، 1982: 143.

3)  ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة"، هزبر محمود، ط:1، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق،2024: 74.

4)  المصدر نفسه: 46.

5)  المصدر نفسه: 117.

6)  المصدر نفسه:  117.

7)  المصدر نفسه:  117.

8)  المصدر نفسه: 65.

9)  المصدر نفسه: 34.

10) المصدر نفسه: 34.

11)  المصدر نفسه: 32.

12) المصدر نفسه:32.

13) المصدر نفسه:33.

14)  المصدر نفسه:33.

15) المصدر نفسه: 30.

16) المصدر نفسه: 30.

قراءة في قصيدة (عُمان شموس تزيح الظلاما) للشاعر عبد الحليم البداعي

عُمَانُ شُمُوسٌ تُزِيحُ الظَّلَامَا

 وَمَجْـــــدٌ تَأَصَّلَ عَــامًا فَعَامَا

*

وَشَــــلّالُ حُـــــبٍّ تَحَدَّرَ لُطْفًا

 وَأَمْطَرَ عَطْفًا وَسَالَ انْسِجَامَا

*

بِلَادٌ هِيَ الْعِزُّ فِي شَكْلِ أَرْضٍ

 وَفِيهَا اسْتَـــقَرَّ وَفِيهَا أَقَـــامَا

*

بِهَا الشَّعْبُ يَرْسُمُ صَفْحَةَ مَجْدٍ

 بِصَدْرِ الزَّمَانِ فَكَانَتْ وِسَامَا

***

وَهُمْ تَرْجَمُوا الْفَخْرَ فِعْلًا وَقَوْلًا

 فَسَادُوا وَجَادُوا فَبَزُّوا الكِرَامَا

*

وَطَابُوا نُفُوسًا وَأَعْطَوا دُرُوسًا

فَكَانُوا شُمُوسًا وَبَدْرًا تَمَامَا

*

هُمُ اللُّطْفُ سِلْمًا، هُمُ البَطْشُ حَرْبًا

 هُمُ المَوْتُ فَتْكًا لِخَصْمٍ تَعَامَى

*

بِهــــَذَا تَتِيهُ عُمَـــــانُ فَخَــــــارً

 وَتَبْرُزُ اِسْمًا وَتَعْلــــُو مَقَامَا

***

وَهَيْثَمُ يَمْضِي بِهَذِي الْبِلَادِ

 وَبِالشَّعْبِ فِيهَا إِلَى حَيْثُ رَامَا

*

بِعَزْمٍ أَكِيدٍ وَحَــــــزْمٍ شَدِيدٍ

 وَفِــكْرٍ سَـــدِيدٍ يَنَالُ الْمَــــرَامَا

*

يُذَلِّلُ صَــــعْبًا يُمَـــهِّدُ دَرْبًا

 يُحَقِّقُ كَسْـــبًا عَظِيــــمًا تَنَامَى

*

يَخُطُّ مَسَـــارًا وَيُعْلِي مَنَارًا

 وَيُمْلِي قَــــرَارًا بِهِ الْــعِزُّ دَاما

***

بِنَجْلَيْهِ نَأْمَنُ صَرْفَ الزَّمَانِ

 وَنَحْفَظُ مَجْـــــــدًا تَلِيدًا تَسَامَى

*

فَيَا رَبِّ سَدِّدْ خُطَاهُمْ وَسَدِّدْ

 خُطَـــــانَا، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا الوِئَامَا

*

وَحَقِّقْ إِلَهِي مُرَادَ الْجَـــمِيعِ

 وَظَلِّلْ عَلَيْنَا إِلَــــهِي الْغَمــــَامَا

*

وَخُـــــذْ بِعُمَانَ إِلَى مَا تُحِبُّ

 إِلَهِي، وَأَنْعِــــــمْ وَزِدْهَا سَلَامَا

تنهض قصيدة «عُمان شموس تزيح الظلاما» للشاعر عبد الحليم البداعي على تجربة وطنية وجدانية واضحة، يتداخل فيها حب الوطن مع الفخر بتاريخه وشعبه وقيادته، ويتحوّل الانتماء إلى عُمان من مجرد إحساس عاطفي إلى رؤية شعرية تستحضر المجد بوصفه قيمة متأصلة في الذاكرة والوجدان. ومنذ مطلع القصيدة يضع الشاعر المتلقي أمام صورة مشرقة للوطن، حين يقول: «عُمانُ شموسٌ تزيحُ الظلاما / ومجدٌ تأصّلَ عامًا فعاما»، فيجعل عُمان جمعًا من «الشموس» التي تبدد الظلام، وهي صورة استعاريّة تقوم على تحويل الوطن إلى مصدر للنور والهداية والأمل. ولا يكتفي الشاعر بإضاءة الحاضر، بل يربط هذه الإضاءة بمجد ممتد عبر الزمن، إذ إن المجد عنده لم ينشأ طارئًا، وإنما «تأصّل عامًا فعاما»، بما يوحي بالاستمرارية والتراكم التاريخي.

وتتنامى في النص صورة الوطن من خلال شبكة من الاستعارات والصور الحسية التي تمنح المعاني المجردة حركة وحياة. ففي قوله: «وشلالُ حبٍّ تحدّرَ لطفًا / وأمطرَ عطفًا وسالَ انسجاما» تتوالى الأفعال المرتبطة بالماء: «تحدّر، أمطر، سال»، لتجسيد الحب والعطف والانسجام في صورة شلال متدفق. وهذه الصورة تمنح العاطفة الوطنية طابعًا حركيًا؛ فالحب ليس ساكنًا في النفس، بل هو فيض متواصل ينساب ويغمر المكان. كما أن الجمع بين «الحب» و«العطف» و«الانسجام» يوسّع المجال الدلالي للقصيدة من مجرد الفخر إلى الإحساس بالألفة والتآخي والسلام.

ويستثمر الشاعر كذلك أسلوب التشخيص في قوله: «بلادٌ هي العزُّ في شكل أرضٍ / وفيها استقرَّ وفيها أقاما»، فيمنح «العز» وجودًا مكانيًا يستقر في الأرض، وكأن العز قيمة متجسدة يمكن أن تتخذ من عُمان موطنًا ومستقرًا. وتبدو العلاقة بين المكان والقيمة علاقة عضوية؛ فالأرض ليست مجرد جغرافيا، وإنما حاضنة للعز والمجد. ثم ينتقل الشاعر إلى الشعب بوصفه شريكًا في صناعة هذه الصورة الحضارية: «بها الشعب يرسم صفحة مجدٍ / بصدر الزمان فكانت وساما». ويبرز هنا الفعل «يرسم» بوصفه استعارة تجعل التاريخ صفحة، والشعب فنانًا يخط عليها أثره، بينما يتحول المجد إلى «وسام» يزيّن صدر الزمان. وتتشكل من هذه الصور لوحة وطنية تجعل الماضي والحاضر متصلين في مشروع واحد.

وفي المقطع الثاني ينتقل الشاعر من وصف الوطن إلى وصف أبنائه، فيؤكد أن الفخر العماني ليس مجرد شعور أو ادعاء، وإنما يتحول إلى سلوك وممارسة، كما في قوله: «وهم ترجموا الفخر فعلًا وقولًا». ويحمل الفعل «ترجموا» دلالة مهمة؛ إذ يجعل الفخر لغةً تحتاج إلى ترجمة، ولا تكون الترجمة إلا بالفعل والقول معًا. ومن ثم يربط الشاعر قيمة الإنسان بما يقدمه ويجسده من أخلاق ومواقف. ويأتي بعد ذلك تتابع الأفعال: «فسادوا وجادوا فبزّوا الكراما»، وهو تتابع يمنح البيت حركة وإيقاعًا متسارعًا، ويؤكد تعدد مظاهر الفضل والكرم والسيادة.

ويواصل الشاعر بناء صورة الإنسان العماني من خلال الجمع بين القيم الأخلاقية والقدرة على مواجهة التحديات، فيقول: «وطابوا نفوسًا وأعطوا دروسًا / فكانوا شموسًا وبدرًا تماما». ويتضح هنا توظيف الصورة الضوئية مرة أخرى من خلال «الشموس» و«البدر»، وهي مفردات تنتمي إلى الحقل الدلالي للنور الذي تأسس منذ مطلع القصيدة. وبذلك تتماسك الصور الشعرية بتكرار رموز الضوء، وكأن الشاعر يريد أن يجعل النور علامة ملازمة لعُمان وأهلها.

ويبلغ هذا التصوير ذروته في قوله: «هم اللطف سلمًا، هم البطش حربًا / هم الموت فتكًا لخصم تعامى». ويقوم هذا التركيب على المقابلة بين «اللطف» و«البطش»، وبين «السلم» و«الحرب»، ليبرز قدرة الإنسان العماني على الجمع بين المسالمة والقوة بحسب الموقف ، " وبين استيحاء الدلالة واستيحاء عكسها تكمن المفارقة وتنمو وتتشابك وتتفاعل ، مما يجعل النص قادراً على البث المتجدد " (1) .

كما يتكرر ضمير «هم» في بداية العبارات، وهو تكرار يمنح المقطع قوة إيقاعية ويؤكد حضور الشعب بوصفه محورًا أساسيًا في التجربة الشعرية. ولا تأتي القوة هنا منفصلة عن الأخلاق، وإنما تظهر في سياق الدفاع والرد على الخصم، بينما يظل السلم واللطف قيمة أساسية في الصورة التي يرسمها الشاعر.

وفي المقطع الثالث ينتقل الخطاب إلى القيادة ممثلة في قوله: «وهيثم يمضي بهذه البلاد / وبالشعب فيها إلى حيث راما». ويصبح الشاعر هنا أكثر تحديدًا في رسم صورة المستقبل، إذ يربط مسيرة الوطن بقيادته، ويصوّر هذه المسيرة بوصفها حركة مقصودة نحو غاية منشودة. ويتكثف هذا المعنى في البيت: «بعزم أكيد وحزم شديد / وفكر سديد ينال المراما»، حيث تتجاور الألفاظ «عزم، حزم، فكر»، وهي ألفاظ تنتمي إلى المجال الدلالي للإرادة والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار. كما أن التقارب الصوتي بين «أكيد، شديد، سديد» يمنح البيت جرسًا موسيقيًا واضحًا، ويجعل الصفات متتابعة في نسق متوازن يخدم المعنى.

وتبرز في هذا المقطع ظاهرة التوازي التركيبي، ولا سيما في قوله: «يذلل صعبًا يمهد دربًا / يحقق كسبًا عظيمًا تنامى»، ثم «يخط مسارًا ويعلي منارًا / ويملي قرارًا به العز داما». إن تتابع الأفعال المضارعة «يذلل، يمهد، يحقق، يخط، يعلي، يملي» يمنح النص إحساسًا بالحركة والاستمرار، ويجعل القيادة في الصورة الشعرية فعلًا متواصلًا لا حالة جامدة، إذ يتم إنتاج الدلالة في وسط زمني ينتمى إلى المستقبل من خلال مجموعة " المضارعات " التي تفجر بعداً زمنياً خاصاً إذ " تتحرك الصياغة حركة مزدوجة ، حيث تتعلق بالماضي وتشده إلى الحاضر، كما تتعلق بالحاضر وتشده إلى الماضي ، فتخلق بهذه الازدواجية معادلاً يوازى تجربتها خارج إطار الزمن ، وهى تجربة تجمع بين الذات وموضوعها في لحظة مطلقة تؤكد أهمية العزم والحزم في مواجهة التحديات، وتحقيق الطموحات، وصناعة المستقبل " (2).

كما أن الشاعر ينتقل من «تذليل الصعب» إلى «تمهيد الدرب»، ثم إلى «تحقيق الكسب»، وهي حركة دلالية تنتقل من مواجهة العائق إلى فتح الطريق ثم الوصول إلى النتيجة.

وفي المقطع الأخير يتغير مسار الخطاب من الإخبار والوصف إلى الدعاء والمناجاة: «فيا رب سدّد خطاهم وسدّد / خطانا، وحبب إلينا الوئاما». وهذا التحول يمنح القصيدة خاتمة وجدانية وروحية، إذ ينتقل الشاعر من الحديث عن الوطن والشعب والقيادة إلى التوجه مباشرة إلى الله. ويكرر الفعل «سدّد» مرتين، في الأولى للقيادة، وفي الثانية للجماعة، بما يعكس رؤية تقوم على وحدة المصير بين القيادة والشعب.

وتصل القصيدة إلى خاتمتها بقوله: «وخذ بعمان إلى ما تحب / إلهي، وأنعم وزدها سلاما»، وهي خاتمة تتسم بالبساطة والوضوح، وتجمع بين الدعاء للوطن وبين الأمل في استدامة السلام والنعمة. ويلاحظ أن الشاعر يعود في النهاية إلى اسم «عمان» صراحة، بعد أن تنوعت الإشارات إليها عبر الأرض والبلاد والشعب والمجد، وكأن القصيدة تعود في خاتمتها إلى مركزها الأول: الوطن.

ومن الناحية الفنية، تقوم القصيدة على وحدة وجدانية واضحة قوامها الحب والفخر والدعاء، وتتدرج في بنائها من الوطن إلى الشعب، ثم إلى القيادة، لتنتهي بالدعاء للجميع ولعُمان. وهذا التدرج يمنح التجربة الشعرية مسارًا تصاعديًا يبدأ بصورة الوطن المضيء، ثم يفسر مصدر مجده من خلال أبنائه، ثم يلتفت إلى قيادته ومسيرتها، وأخيرًا يستودع المستقبل في الدعاء.

وتتميز اللغة الشعرية في القصيدة بوضوحها ومباشرتها، مع حضور ملموس للمفردات ذات الدلالة الوطنية والوجدانية، مثل: «المجد، الفخر، الكرام، الشموس، البدر، مقامًا، السلام».

وتكشف القصيدة في مجملها عن رؤية شعرية تجعل الوطن ذاكرةً ومجدًا وحاضرًا ومستقبلًا في آن واحد. فعُمان في النص ليست مكانًا فحسب، بل قيمة متكاملة تتجسد في الأرض والشعب والقيادة والتاريخ، ويظل الحب فيها مرتبطًا بالفعل، والفخر مرتبطًا بالإنجاز، والمستقبل مرتبطًا بالأمل والدعاء، وبذلك تتكامل في النص ثلاثة أبعاد أساسية: بُعد وجداني يقوم على الحب، وبُعد وطني يقوم على الاعتزاز، وبُعد روحي يتجسد في الدعاء، لتتشكل قصيدة وطنية ذات نبرة احتفالية واضحة، تستمد جمالها من تآزر الصورة والإيقاع مع صدق العاطفة وعمق الدلالة.

***

دكتور جمال فودة - أستاذ النقد والبلاغة

.....................

(1) مصطفي السعدني: البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ـ منشأة المعارف – إسكندرية - 1987 م / 231

(2) محمد عبد المطلب: قراءات أسلوبية في الشعر العربي الحديث – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1995 / 193

"منزل اﻷموات".. يبعث بين اﻷحياء

"منزل اﻷموات" لدستويفسكي رواية تنتمي إلى سرديات القرن التاسع عشر، وحين خرجت من   تجربة شخصية للكاتب عن عالم يعيش فيه المحكومين تحت سلطة العقوبة والعمل القسري في سيبيريا. لامست موضوعا عاما جعل من الرواية قابلة للقراءة على أكثر من سياق وخارج نطاقها الروسي والتاريخي، حتى أنها مازالت إلى اليوم تقرأ بوصفها نصا مبكرا في نقد المؤسسة العقابية، والحدود الفاصلة بين العقوبة واﻹصلاح. السؤال الذي اتجهت إليه الدراسات اﻷخيرة حول الرواية: ماذا تكشف الرواية عن المجتمع الذي قد يساهم في صناعة المجرم من خلال مؤسساته العقابية ؟، عودة الاهتمام بالرواية دفعها إلى مناطق أخرى، بعد أن كانت تقرأ طويلا بوصفها شهادة أدبية على تجربة كتبها ديستويفسكي السجين داخل السجن. وإذا كان دستويفسكي لا يلغي مسؤولية الجريمة، فأنه يرفض أن تستغرق الجريمة حياة اﻹنسان بالكامل.. الفرق هنا بين من أرتكب الجريمة، ومن وصم باﻹجرام ولا شيء يمكن معرفته عنه سواه. في "منزل اﻷموات" يقاوم دستويفسكي هذا الاختزال. فالسجين القاتل يمكن أيضا أن يضحك، ويحب، ويغضب، ويتصرف بشرف، ويمارس لعبة، أو يبحث عن مساحة ولو صغيرة من الحرية. اﻹنسان فيه لا يختفي تماما بعد الحكم عليه. وهذا ما جعل دستويفسكي لا يرى السجناء مخلوقات شريرة يجب أن يوضعوا في دائرة واحدة، ويأمنهم المجتمع بهذا العقاب الصارم المفروض عليهم، وينسى أنهم بشر لهم ذكرياتهم، ورغباتهم، ويعيشون التناقضات نفسها. من هنا يكون السجن موضوعا له صلة بالمجتمع كمؤسسة إصلاحية لا أن يصبح مؤسسة أقوى من الفرد تحدد صورته عن نفسه، عبر نظام كامل من اﻷوامر، والعقوبات، والعمل، والمراقبة، واﻷذلال، لذلك فأن الحرية ليست التحرر من الجدران بقدر ما هي احتفاظ اﻹنسان بجزء من ذاته داخل السجن. والتفاصيل التي قد تبدو هامشية في الرواية، المزاح، الشراب، العلاقات بين السجناء، ومناوشات التمرد البسيطة، كلها محاولات ﻹستعادة شيء من الذات.، ليس كل ما يفعله السجين هروبا من الواقع أحيانا يكون محاولة ﻷثبات أنه مازال إنسانا. في الدراسات الحديثة عن الرواية تظهر واحدة من أهم النقاط إثارة. كان من السهل أن نقرأ الرواية بوصفها تحول روحي. رجل يدخل بيت اﻷموات، ويعيش الجحيم ثم يخرج منه إنسانا جديدا، لكن دراسة لرودريغو بيدرسو تقترح قراءة أكثر تعقيدا لشخصية الكسندر بتروفتش، ومعاناته ليس وجوده داخل السجن، إنما المشكلة في الذاكرة نفسها التي لا تسعفه إلى الطريق الطبيعي للخلاص، حين نتحدث عن الجمود الزمني، والجمود العاطفي، وانفصال الراوي عن التجربة الجسدية، وهنا يتغير شيء جوهري في فهم الرواية. وتنفى فكرة التطهير ربما كان دستويفسكي أكثر تشاؤما في السجن يعرف اﻷثر الذي يمكن أن يتركه لهذا لا ينسى بعد الخروج منه، واﻷكثر من ذلك أن دستويفسكي لم يكتف بتسجيل تجربته كسيرة ذاتية بل أعاد تشكيل حياته بصنع شخصية، وسيطة هي الكسندر بيتروفتش تمر عبر راو بأكثر من مستوى للسرد، وأكثر من وظيفة للراوي. يقترح "زاخاروف" قراءة شديدة اﻷهمية للرواية من خلال "الكوميديا اﻹلهية" لدانتي السجن يصبح نوع من الجحيم الشخصي، بينما يتحول الخروج منه إلى بداية حياة أخرى، لكن ما يلاحظ هنا أن بتروفتش لا يمر بسهولة من الجحيم إلى الفردوس، ويظل ما سيحدث بابا مفتوحا على المستقبل. بيت اﻷموات ليس مكانا يعيش فيه الموتى إنما مكان يعامل فيه اﻷحياء، كما لو أنهم خرجوا من عالم اﻹنسان. تظهر دراسة "زاخاروف" أن مشاهد المرض والعلاج تؤدي وظيفة بنائية وفكرية، فالجسد المريض، والجسد المعاقب،كلاهما في حالة تقاطع، يتحول السجين فيهما إلى مساحة تمارس عليها السلطة، العنف، العمل، المرض، المستشفى، التعب، الطعام، النوم، النظافة، من خلالها يفقد اﻹنسان السيطرة على أبسط شروط وجوده. من جهة أخرى تشير دراسة "ياشا كلوتس" إلى أن "بيت اﻷموات" نقطة مرجعية أساسية لكثير من كتاب "الغولاغ" وتأثيرها الهائل في أدب السجون. الكثير من الروايات التي كتبت لاحقا عادت إليها باعتبارها النموذج. وهنا ينبغي الحذر من تجربة دستويفسكي بتجربة الغولاغ، الفارق التاريخي واﻷخلاقي، وقد أشار " زاخاروف" إلى "كوليما" بيت اﻷموات كانت تجربة إبادة مختلفة في طبيعتها، ورغم ذلك بقيت "بيت اﻷموات" على وجودها بوصفها أصلا أدبيا لسرديات السجن. الجديد اﻷهم أن النقد المعاصر يعيد وضع الرواية داخل أسئلة مؤسساتية بالنسبة لتحديد الجريمة، ووظيفة العقوبة، هل السجن يصلح اﻹنسان،أم يعيد إنتاج العنف، وهل يمكن للنظام العقابي أن يفصل بين فعل اﻹنسان وهويته ؟ بمعنى أن يعاقبه دون أن ينزع عنه إنسانيته؟. و المفارقة الكبرى أن الرواية تبحث عن بقاء شيء حي تحت الموت. السجين الذي يضحك، والممثل الذي يؤدي دورا على مسرح السجن، والسجين الذي يحتفظ بلزمة صغيرة تعود عليها، حتى يتذكر حياته السابقة، ومن يتطلع ليوم الخروج، كل هؤلاء يؤكدون أن السلطة قد تحاصر الجسد، ولكنها لا تستطيع وضع حدا للحياة الداخلية. في قراءة الجديدة يصبح دستويفسكي قريبا من أسئلة علم اﻹجرام النقدي، والكسندر بتروفتش شخصية أكثر ألتباسا من كونه شخصية في رواية، وهو سبب جديد لعودتها لدائرة النقد المعاصر.. ربما خلاصة ما نصل إليه بعد كل ذلك من هذ اﻷثر العظيم. ماذا يفعل اﻹنسان في السجن، وكيف تنحت اﻷربعة جدران في جسده من العلامات ما تظل تلاحقه طوال عمره، عند هذه النقطة تستعيد "منزل اﻷموات" قوتها بعد أكثر من نصف قرن تقريبا، رواية يمكن أن ندخلها من أبواب، علم النفس، ونقد العقوبة، ودراسة السلطة، ربما هذا سرها العلني، أن نرى ذلك اﻹنسان خلف الاسم والحكم والجريمة، اﻹنسان الذي لم يمت بعد. وهى رحلة تبدو عكسية من الأجرام إلى اﻹنسانية.

"بيت اﻷموات"

يعامل فيه اﻷحياء

كما لو أنهم خرجوا

عن عالم اﻹنسان.

***

عبد الحكيم كشاد

مقاربة بنيوية وسيميائية بأبعاد نفسية وفلسفية في نص أرض تكتسي بالبياض

مقدمة: تتخذ فاطمة الفلاحي في نص «أرض تكتسي بالبياض» من مشهد طبيعي بؤرةً تتجمع حولها انفعالات الذات وأسئلتها عن الزمن والمكان. وتتوزع التجربة على خمس ومضات، تستهل كل منها بالعبارة نفسها، ثم تتجه إلى صورة مختلفة، تجعل البياض متغير الدلالة رغم ثبات حضوره. فالأرض التي تستوقف القلب وتوقظ الدفء هي نفسها التي تقترن باضطراب الوقت، وتعانق الزنبق، وتجاور الزيتون والخيام، قبل أن تنتهي إلى تهاوي الألوان و«كريستال الدهشة».

تنبع خصوصية النص من العلاقة بين اقتصاد العبارة واتساع الصورة؛ إذ تلتقي مفردات حسية مألوفة بتراكيب تنقلها إلى علاقات غير مألوفة، مثل «نبتة الوقت» و«خرائط الريح». وتكتسب هذه العلاقات عمقًا خاصًا في ضوء تجربة الشاعرة العراقية فاطمة الفلاحي في المنفى؛ إذ يتداخل المكان المعيش مع الوطن المستعاد في الذاكرة. ومن هذا التداخل تتشكل جدلية الوطن والمنفى، عبر صور تستبقي الدفء والجذور، وأخرى تستدعي الحركة واضطراب الاتجاه. ويضيء هذا السياق محورًا أساسيًا في القراءة، مع بقاء الصور مفتوحة على معانٍ تتجاوز الإحالة إلى التجربة الشخصية.

تقرأ هذه الدراسة بنية التكرار، وتحولات العلامات، والاستعارات والإزاحات الدلالية، ثم تتوقف عند ما تتيحه من أبعاد نفسية وتأملية. وتستند القراءة إلى الشواهد الداخلية، بحيث تظل الدلالة المقترحة مرتبطة بالصورة التي تولّدها.

النص الشعري

أرض تكتسي بالبياض - نصوص هايكو

أرض تكتسي بالبياض-

يتوقف عندها قلبي،

جمرات الدفء!

*

أرض تكتسي بالبياض-

ونبتة الوقت لا تدركني،

خرائط الريح!

*

أرض تكتسي بالبياض-

تعانق باقات الزنبق،

دهشة النبض!

*

أرض تكتسي بالبياض-

وعرش غابات الزيتون،

أساطير الخيام!

*                    

فاطمة الفلاحي

هايكو_عراقي

***

أولًا: العنوان واللازمة ــ ثبات العبارة وتحول الدلالة

تؤدي عبارة «أرض تكتسي بالبياض» وظيفتين متداخلتين: فهي عنوان يوجّه القراءة، ولازمة، أي عبارة استهلالية متكررة، تربط المقاطع وتعيد وصلها ببؤرة دلالية مشتركة. وتَرِد «أرض» نكرةً، فلا تعيّن بلدًا أو مكانًا محددًا، وإنما تتيح للمشهد أن يتسع لخبرات مكانية ووجدانية متعددة. أما فعل «تكتسي» فينقل فعل اللباس إلى الأرض، فيمنحها هيئة جسد يتغير مظهره، ويجعل البياض حالةً تطرأ عليها، لا صفةً أصلية ثابتة.

لا يحدد النص مصدر هذا البياض. ويمكن أن يستدعي الثلج أو الصفاء، لكن ربطه بالبرد يظل احتمالًا سياقيًا، يقوّيه حضور «جمرات الدفء» في المقطع الأول. وبالمثل، لا تكتسب دلالة المحو قوتها من اللون وحده، وإنما من اقترانه في النهاية بتهاوي الألوان. هكذا تتشكل دلالة العلامة داخل علاقاتها، بدل أن تكون قائمة جاهزة من المعاني الرمزية.

ويكشف التكرار عن بناء يجمع العودة والتقدم: تعود البداية نفسها، بينما تغيّر الأسطر التالية طريقة استقبالها. فالقارئ لا يواجه خمسة مشاهد متطابقة، وإنما خمس زوايا للنظر إلى مشهد تتراكم دلالاته. ومع أن كل ومضة تحتفظ باستقلال نسبي، فإن اللازمة تجعلها أجزاءً من تجربة مترابطة.

ثانيًا: بناء المقاطع وحركة الصورة

1. القلب والجمر: الاستيقاف واستبقاء الدفء

في قول الشاعرة «يتوقف عندها قلبي» تؤدي «عندها» دورًا دقيقًا؛ إذ يمكن أن يكون التوقف استغراقًا في المشهد أو انجذابًا إليه، ولا يلزم أن يدل على صدمة أو انقطاع النبض. ثم تأتي «جمرات الدفء» لتضع أمام العين أثرًا حسيًا يقابل البياض ويمنحه حرارة داخلية.

تختزن الجمرة نارًا باقية دون لهب ظاهر، وهو ما يسمح بقراءتها صورةً لعاطفة مستمرة تحت السكون. وفي سياق تجربة المنفى، تغدو الجمرات صورةً لدفء الصلة بالوطن، كما تستبقيه الذاكرة أمام مشهد قد يوحي بالبرودة. فالمكان الحاضر يستوقف العين، بينما يستجيب القلب بما يحمله من ألفة وحنين. وتنبع قوة الصورة من تداخل المشهد المعيش والمكان المستعاد، دون أن تصبح الجمرات رمزًا مغلقًا على معنى واحد.

2. نبتة الوقت وخرائط الريح: اضطراب الصلة بالزمن والمكان

تجمع «نبتة الوقت» بين مفهوم مجرد وكائن محسوس، فتمنح الزمن هيئةً نامية. ويضيف «لا تدركني» تشخيصًا آخر، يحتمل عدم اللحاق بالذات أو عدم الإحاطة بها وفهمها. وبذلك تصبح العلاقة بالوقت غير متوافقة؛ كأن إيقاع نموه لا يلتقي بإيقاع التجربة الداخلية.

ويقابل هذا الاضطراب الزمني تركيب «خرائط الريح». فالخريطة أداة لتعيين المواضع وتثبيت الاتجاهات، بينما تستدعي الريح الحركة والتبدل. وإسناد الخرائط إليها يزعزع وظيفة التحديد نفسها: ما يفترض أن يدل على الطريق يصير تابعًا لقوة متحركة. وفي ضوء تجربة المنفى، يكتسب هذا التركيب دلالة جغرافيا مضطربة، لا تكفي حدودها لإعادة الإحساس بالانتماء. فالذات تعرف موضع إقامتها، لكن صلتها بالمكان تتوزع بين حاضر تعيشه ووطن تستحضره؛ ولذلك تتسع الصورة للحيرة وتغير وجهة الحياة أيضًا.

ويتصل الاضطراب المكاني بانقسام الزمن بين حاضر الإقامة وزمن الذاكرة؛ فلا تلتقي حركة الأيام بالضرورة مع إيقاع الحنين. وبذلك يمنح تجاور «نبتة الوقت» و«خرائط الريح» تجربة المنفى بُعديها الزمني والمكاني، دون تحويل المقطع إلى رواية لحدث محدد.

3. الزنبق والنبض: المشهد بوصفه علاقة حميمة

في «تعانق باقات الزنبق» تتحول الأرض إلى كائن قادر على فعل حميم. ولا تعود الطبيعة خلفيةً للانفعال، بل تدخل في حركة تواصل واحتواء. كما أن «باقات» تقدم الزنبق في هيئة جماعية منتظمة، تستدعي إمكان الإهداء والاحتفاء، دون أن تحصر الصورة في مناسبة محددة.

وتعيد «دهشة النبض» وصل المشهد بالذات. فبعد القلب الذي يتوقف عند الأرض في الومضة الأولى، يحضر النبض هنا مقترنًا بالدهشة. ويمكن قراءة العلاقة بينهما بوصفها انتقالًا من الاستيقاف إلى تجدد الإحساس بالحياة. أما الزنبق فيمنح هذا التجدد رقةً حسية، دون أن يستلزم وحده دلالة النقاء أو الانكسار.

وتبقى جهة العناق مفتوحة على قدر من الالتباس: فالأرض هي الفاعل الأقرب، بينما يتيح القطع بين الأسطر تداخل فعل العناق مع انفعال النبض. ومن هذا التداخل تتولد وحدة المشهد والشعور.

4. الزيتون والخيام: الرسوخ وقابلية الرحيل

ينقل «عرش غابات الزيتون» المشهد من المجال النباتي إلى مجال المكانة والسيادة. فالعرش استعارة ترفع الغابة إلى حضور مهيب، وتجعل رسوخ الأشجار مركزًا للصورة. وتجاوره «أساطير الخيام»، التي تنقل المأوى إلى عالم الحكاية والذاكرة المتوارثة.

تتكون بين الزيتون والخيام علاقة يمكن قراءتها على محور الثبات والحركة: الشجرة تتجذر، والخيمة قابلة للنقل. غير أن هذا التقابل لا يجعل الخيمة مرادفًا حتميًا للجوء؛ فقد تستدعي الترحال أو المأوى المؤقت أو حياةً تحفظها الحكايات. كذلك يتيح الزيتون تداعيات الانتماء والأرض، دون أن يعيّن وطنًا محددًا.

وتبرز هنا أهمية التجاور بدل الشرح. فالمقطع يضع الغابات والخيام في مجال تصويري واحد، فتتقاطع فيه صورة الجذور مع صورة الرحيل. وفي سياق المنفى، يكثّف هذا التجاور التوتر بين رسوخ الوطن في الذاكرة وقابلية المأوى للتبدل، بينما تصل «الأساطير» المكان بالحكايات التي تحملها الذات معها. وهكذا يغدو الانتماء صلةً تستمر عبر الترحال، وإن غاب الحضور المباشر للأرض الأولى.

5. الألوان والكريستال: من التهاوي إلى تبلور الدهشة

تمنح «تهاوت كل الألوان» المشهد حركة انهيار؛ فالألوان لا تختفي بهدوء، وإنما تسقط كما تسقط أشياء ذات قوام. ويقوّي «كل» الإحساس بشمول التحول، حتى يبدو البياض مستحوذًا على المجال البصري.

لكن «كريستال الدهشة» يغيّر اتجاه الخاتمة. فالدهشة، وهي انفعال، تكتسب هيئة مادة يمكن تخيل لمعانها وشفافيتها وتبلورها. وقد تستدعي الصورة هشاشةً أو برودةً، إلا أن أثرها الأوضح هو تحويل الشعور إلى تكوين بصري محسوس. ولا يصبح غياب الألوان فراغًا خالصًا؛ إذ تنشأ منه صورة أخرى قادرة على استيقاف النظر.

وتتصل هذه النهاية بالمقطع الثالث عبر تكرار «الدهشة». هناك اقترنت بالنبض، وهنا اقترنت بالكريستال؛ فتتحول من حركة حيوية إلى هيئة متبلورة. وتكسب هذه العودة النص تماسكًا إضافيًا إلى جانب اللازمة، وتترك النهاية معلقة بين الإحساس بالخسارة والانجذاب إلى جمال جديد.

ثالثًا: الاستعارة والإزاحة الدلالية وشبكة العلامات

تقوم أبرز صور النص على نقل المفردات من مجالاتها المعتادة إلى علاقات جديدة. ففي «نبتة الوقت» ينتقل الزمن إلى مجال النمو العضوي، وفي «خرائط الريح» ترتبط أداة التثبيت بقوة التبدل، وفي «عرش غابات الزيتون» يكتسب النبات مكانة سيادية، بينما يحوّل «كريستال الدهشة» الانفعال إلى مادة. أما «تكتسي» و«تعانق» فيمنحان الأرض أفعالًا ذات صلة بالجسد والعلاقة الإنسانية.

هذه الإزاحات ليست زينةً بلاغية؛ فهي تنشئ طريقة إدراك المشهد. فالوقت لا يُشرح، بل يُرى نبتةً؛ والحيرة المكانية لا تُسمّى، بل تُلمح في خرائط تنسب إلى الريح. وتتيح الصورة بذلك أن يلتقي المحسوس بالمجرد داخل عبارة قصيرة.

وسيميائيًا، تنتظم العلامات في علاقات متحولة، أهمها توتر البياض والدفء، والتوقف والنبض، والتعيين والحركة، والرسوخ والترحال. ولا تنقسم المفردات إلى فريق يمثل الوطن وآخر يمثل الغربة؛ فالبياض نفسه يحتمل الصفاء والمحو، والخيمة تحمل معنى المأوى كما تحمل قابلية الرحيل. ومن تفاعل هذه العلامات تتشكل جدلية الوطن والمنفى: حضور المكان في الذاكرة يقابل تبدل المواضع، واستبقاء الدفء يجاور الإحساس بالفقد. وتمنح ازدواجية الرموز هذه الجدلية غناها، وتتيح لها أن تتداخل مع أسئلة الحياة والزمن والجمال.

رابعًا: الأبعاد النفسية والتأملية

تظهر الذات صراحةً في «قلبي» و«لا تدركني»، ثم يتراجع حضورها النحوي، فيما تبقى استجابتها موزعةً على النبض والدهشة والصور المختارة. ويتيح هذا التحول قراءة انتقال الانفعال من البوح المباشر إلى الأشياء؛ كأن المشهد الخارجي يصبح وسيلةً لتجسيد ما يصعب قوله في صيغة تقريرية.

وتتراوح التجربة بين انجذاب إلى المكان، وعدم توافق مع الوقت، وإحساس بالاحتواء، ثم مواجهة تهاوي الألوان. ولهذا لا يصح ردها إلى الحزن وحده أو وصفها بحالة نفسية ثابتة. ويتخذ الحنين في سياق المنفى شكل علاقة متجددة بالوطن؛ فهو يحضر في الدفء والرسوخ، بينما يظهر أثر المسافة في اضطراب الوقت والخرائط. وتكشف هذه الحركة عن ذات تتفاعل مع مكان إقامتها وتحمل في الوقت نفسه ذاكرة أرضها الأولى. ويظل ذلك وصفًا لبناء التجربة الشعرية، دون افتراض تطابق كل انفعال فيها مع واقعة من حياة الشاعرة.

أما بعدها التأملي فيتصل بمقدار ما تمنحه الأشياء من يقين. فالخريطة لا تضمن الاتجاه حين تقترن بالريح، والوقت لا يضمن التوافق حين تعجز نبتته عن إدراك الذات. وفي المقابل، يبقى العناق والنبض والدهشة إمكانات لاستعادة الصلة بالعالم. وتطرح الخاتمة سؤالًا ضمنيًا: هل يؤدي زوال التعدد المرئي إلى انطفاء الإحساس، أم يتيح شكلًا آخر من الرؤية؟ يترك النص هذا السؤال قائمًا في تجاور التهاوي والكريستال.

خامسًا: شعرية الومضة وخصوصية البناء

يستثمر النص شعرية الومضة من خلال قصر المقاطع، وحضور الطبيعة، وتجاور الصور، وترك الروابط بينها غير مصرح بها. ويتيح هذا الاقتصاد اللغوي بناء صور كثيفة، تتسع دلالاتها عبر العلاقة بين المشهد الحسي والاستجابة الوجدانية.

وتنتهي المقاطع بتراكيب اسمية موجزة: «جمرات الدفء»، و«خرائط الريح»، و«دهشة النبض»، و«أساطير الخيام»، و«كريستال الدهشة». ويمنحها موقعها الأخير قدرةً على إعادة إضاءة السطرين السابقين وفتح دلالتهما. ويتجلى ذلك في الومضة الأخيرة؛ إذ تتيح صورة «كريستال الدهشة» قراءة تهاوي الألوان بوصفه انكشافًا لصفاء جديد، إلى جانب ما يوحي به من فقد ومحو. وهكذا تتجاوز النهاية اختتام المشهد إلى تغيير طريقة تلقيه، فيما تؤكد علامات التعجب كثافة الانفعال المصاحب له.

وتتمثل خصوصية البناء في اجتماع استقلال كل ومضة ووحدة المتوالية. فاللازمة «أرض تكتسي بالبياض» تربط المقاطع، بينما تمنحها الصور اللاحقة دلالات متجددة. وتكشف قراءتها مجتمعةً عن صلات بين توقف القلب والنبض، وبين «دهشة النبض» و«كريستال الدهشة»؛ فتنتقل الدهشة من حركة الحياة إلى هيئة متبلورة، ويظل البياض فضاءً تتداخل فيه الذاكرة والدفء والزمن وتحول الرؤية

خاتمة

تكمن قوة «أرض تكتسي بالبياض» في جعل العبارة المتكررة موضعًا لتحول المعنى. فالبياض يكتسب دلالته كل مرة من صورة تجاورُه، وتمنح الاستعارات الأشياء قدرةً على تجسيد علاقة الذات بالوقت والمكان. ومن هذا البناء تتجلى العلاقة بين الوطن والمنفى، بوصفها تداخلًا بين مكان تعيشه الذات وآخر تستبقيه وجدانيًا. فالوطن يحضر عبر الدفء والجذور والذاكرة، والمنفى يظهر في اضطراب الصلة بالزمن والمكان، فيما تمنح الدهشة هذا التوتر قدرةً على إنتاج رؤية شعرية متجددة.

وتحتفظ الصورة الأخيرة بتوتر التجربة: تتهاوى الألوان، لكن الدهشة تتبلور. فلا تمحو النهاية أثر الفقد، ولا تمنحه الكلمة الأخيرة؛ بل تترك القارئ أمام جمال يستوقفه وهو يتشكل في لحظة التحول. هكذا يظل النص مفتوحًا، وتنبع كثافته من المسافة التي يصنعها بين ما تقوله الكلمات وما تتيحه علاقاتها من معنى.

***

سهيل الزهاوي

 

ناقشَ مساق الأسبوع الماضي ظاهرة التبذُّل في الشِّعر العبَّاسي، ولاسيما في عصرٍ عريقٍ في ثقافته غير الإنسانيَّة، المعتَّقة بمجتمعها الطبقي، المتشظِّي بين السَّادة والعبيد، وحواشي ذلك، من غلمانٍ وجوارٍ، وتُجَّار بشَر. وحينما تترسَّخ هذه الثقافة تمَّسخ الطبائع والقِيَم؛ لتنحطَّ في دركاتها عن حياة الحيوان، الأرقى أحيانًا ممَّن يُسمَّى الإنسان، تلك الحياة الحيوانيَّة التي لا طبقيَّة فيها ولا رِقَّ ولا تبديل لسُنن الله في خلقه. ولذا رأينا أنَّ العصر العبَّاسي كان يبدو- غالبًا- غارقًا إلى أُذنيه في مستنقع الرَّذيلة، بلا شعور بقبحيَّاته. بل سعى- من خلال وسائل إعلامه، الشِّعر والشُّعراء- إلى التفنُّن في تجميل تلك القبحيَّات، والتنافس في تلميع أربابها. ضاربين المَثَل ببعض شِعر (أبي تمَّام)، وهو شاعر السيف والحرب، فكيف بغيره؟! ورأى (ذو القُروح)- مع أنه يعاني أحيانًا من بعض الذُّباب الطائر على رؤيته- أنَّنا لا نقرأ التُّراث، وإنَّما نُصفِّق ونُردِّد ونَحفظ، مغمضي العقول؛ ولذا تصدمنا المكاشفات! قال: وهذا هو «المسكوت عنه» الواجب كشفه؛ لتعرف عمَّن تأخذ عقلك وقِيَمك، وإلَّا كنتَ كالمريض الذي لا يُحِب أن يعلم شيئًا عن واقعه المَرَضي ولا عن تاريخ حالته المزمنة. قلتُ- وقد استفزَّني بثقته الزائدة في ما يقول-:

ـ وهل الفساد الأخلاقي في النصِّ فسادٌ أخلاقيٌّ في الشخص (الكاتب)؟

ـ ليس بالضرورة.. ولكن حينما يكون فساد النصِّ (شكلًا ومضمونًا)، ولا يبدو للناقد وراء الصورة الأدبيَّة مغزًى أدبيٌّ، فلا مناص من محاكمة الكاتب أخلاقيًّا وفكريًّا على ما اقترفت يداه.

ـ هذا في التراث. ولكن ما أشبه اللَّيلة بالبارحة! فقد حدَّثتَنا في مساق سابق عن مقولة معاصرة تتذرَّع بأنَّ اللُّغة العَرَبيَّة ليست بلغةٍ مقدَّسة، ولا يمكنك صناعة (عجَّة/ شكشوكة) دون أن تكسر بيضًا، حسب مقولة (لينين)!

ـ ليَّنَ الله عريكتك! دع عنك مسألة «القداسة» تلك، وولِّ وجهك شطر احترام الذات والهويَّة من خلال اللُّغة، قبل الأدب. فلن تجد أُمَّةً في الكون، ولا في التاريخ، ترفع رايةَ لغةٍ غير لُغتها، في المطارات، والمستشفيات، الحكوميَّة والأهليَّة، والجامعات، والتعليم، والإعلام- لا شرقًا ولا غربًا، ولا قديمًا ولا حديثًا- غير الأُمَّة العَرَبيَّة اليوم، إنْ صحَّت تسميتها بأُمَّة، بما يعنيه هذا الاصطلاح!

ـ لِـمَ لا تلتمس لها العذر؟ فهي أُمَّةٌ مغلوبةٌ على أمرها، مستلبةٌ للآخَر، مسيَّرةٌ لا مخيَّرة!

ـ هذا عُذرٌ أقبح من ذنب. ولا سبب لهذا إلَّا أنَّ العَرَب ما انفكوا مستعبَدين، يرزحون تحت نِيْر الاحتلال اللُّغوي والثقافي، منذ ما يربو عن مئة عام. ولا أمل يلوح في الأفق لتحرُّرهم من عبوديَّتهم؛ لأنَّه إذا كان يمكن التحرُّر من المستعمِر الغازي، فإنَّه يطول جِدًّا الوصول إلى التحرُّر من المستعمِر الوطني. ذلك أنَّ العَرَب، كما قال (البردُّوني)، في قصيدته «الغزو الداخلي»:

وفي عَودِ احتـلالِ الأمـسِ

فـي تشكيـلـهِ العـصـري

تراهم مهطعين في غرامهم إلى الدُّعاة من كلِّ صَوْب، يتأرجحون- راضين، بل متباهين بأنفسهم- بين الاستعمارَين:

فمِـن مستعـمِـرٍ غــازٍ

إلـى مستعمِـرٍ وطـنـي!

أمَّا في الأدب، فها هو ذا النَّشْر الإلِكتروني المبارك يضطلع بدَوره اليوم، تحت شعارات منها: «الواقعيَّة الرقميَّة». وهي واقعيَّة لا تخلو من توسُّل مفردات الرواية الورقيَّة الشائعة- بدعوَى الواقعيَّة- ولاسيما ثالوث الحساسيَّة المعروف: الدِّين والجنس والسياسة. وتلك شنشنة روائيَّة عربيَّة بامتياز، تتغنَّى بـ(الواقعيَّة) من أجل واقعيَّة أخرى، هي (واقعيَّة السُّوق والبَيع) لجماهير عالَمٍ مكبوت، وسيلة جذبه الأُولى هي تلك المحرَّمات الثلاث. ملقيةً عُرض الحائط بمسؤوليَّاتها الأدبيَّة والأخلاقيَّة عمَّا عدا قِيَم الشراء، خائنةً العَقد الاجتماعي الإنساني، المتعلِّق ببناء الأُسرة والمجتمع والعلاقات الإنسانيَّة النبيلة، والمتَّفَق عليها كونيًّا، بصرف النظر عن الهويَّات والأديان.

ـ وفي المحصِّلة؟

ـ في المحصِّلة فإنَّ تلك الممارسات تُغفل، في غباء، طموحاتها إلى ما فوق الجسد والإثارة الشعبيَّة الرخيصة! ولا شكَّ أنَّ خطورة هذه (الواقعيَّة الإنترنتيَّة) على البنية التربويَّة السويَّة تفوق مورِّثتَها المسكينة (الواقعيَّة الورقيَّة)، في الوقت الذي لا تضيف إلى خصوصيَّة الأدب الإلِكترونيِّ شيئًا، بل إنَّ ضرورات السُّوق هاهنا منتفية، ما دامت المادَّة معروضة على الشبكة، ومجانًا!

ـ غير أنَّها تبقى سُوق الأضواء والذُّيوع وإغراءاتهما.

ـ والمفارقة الرئيسة في هذا المضمار: أنْ يُعلِن عملٌ ما أنه ينقد الواقع، فإذا هو يكرِّسه وينشر أوبئته على أوسع نطاق، ما يدلُّ على زيف الدَّعوَى، وأنانيَّة الهدف! وبمنظورٍ مُوازٍ، فإنَّ التقنية لم تزدنا- فيما يبدو- إلَّا عشقًا لعوالمنا البدائيَّة الغريزيَّة المتَّقدة العريقة؛ إذ وُظِّفت لبثِّ تلك العوالم الدُّنيا، لا ارتفاعًا إلى ما يفترضه عالمها الرقمي من قِيَم عقلٍ وعلمٍ وفكرٍ وروحٍ وإبداع.

ـ ما رسالة الفن إذن؟ وهل تتناقض جماليَّةُ الفنِّ مع الأخلاق؟

ـ سؤال عتيق. تلك هي رسالة الفنِّ، تربية الذوق، وتبصير الإنسان، لا إفساد ذوقه وإغواء عقله ونفسه. فالفنُّ أداةٌ أخلاقيَّة، وتلك وظيفته منذ أن كان. والخلاف القديم، الذي دار بين (أفلاطون) و(أرسطو)، مثلًا، حول المدينة الفاضلة، إنَّما كان يدور حول: كيف يؤدِّي الفنُّ وظيفته الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة؟ وهو ما لم يتفهَّمه أفلاطون، فيما رأى أرسطو ذلك عبر فكرة «التطهير»؛ فالجريمة في العمل الأدبي تَرِد لهدفٍ سامٍ من تخليص النفوس من مكبوتاتها، وتبصير الإنسان بالطبيعة البَشريَّة وتركيباتها، وإيجاد العِبَر والدُّروس. أمَّا حين لا يحتوي العمل على أيِّ بُعد من تلك الأبعاد، من قريبٍ أو بعيد، بل حينما يصبح ترويجًا لأمراض النفوس والعقول وتطبيعًا للنفس على التعايش مع تلك العاهات والتكيُّف مع سوءاتها، فهو حينئذ عملٌ لا أخلاقي ولا فنِّي.

ـ ولا مبرِّر لوجوده؟

ـ ولا مبرِّر لوجوده؟ إلَّا إنْ كان للجريمة مبرِّر وجود! فهو بصفته تلك جريمة من أخطر الجرائم التي ينبغي أن يعاقب عليها القانون.

ـ أنا لا أميل إلى ثقافة المنع، بما أنَّ تلك سياسة من لا سياسة له، وحلُّ من لا حلَّ له.

ـ ولا أنا. بل تَصْدُق هنا مقولة «كلُّ ممنوع مرغوب». لكن ما الحل؟ لا بُدَّ ممَّا ليس منه بُد.

ـ ولثقافة المنع تلك، وخطلها، فإنك ترى أنَّنا حتى في أنظمة مرورنا نَسُدُّ شوارعنا، بعد أن شُقَّت، ونحرِّف مساراتها بعد أن أُقيمت، لأنَّنا في حاقِّ الواقع عاجزون عن إيجاد الحلول الناجعة!

ـ وتلك حيلة المتخلِّف العاجز، أو من يريد أن يُلقي عن كاهله عبء المسؤولية والتدبير والجهد، فإذا هو يقفلها ويستريح، على طريقة المثل العامِّي (العظيم!)، حول: «الباب الذي يجيء لك منه الرِّيح».

ـ ولا غرو، فهناك دول بأكملها تُقفِل على نفسها حين تعجز عن ابتكار حلول لنوافذ الرِّيح، أو تكسل عن ذلك.

ـ وذلك منهاجٌ تقليديٌّ لبعض المجتمعات؛ حيث تمنع الأمر برمَّته، لأنَّ شُبهةً عَرَضَتْ فيه؛ فيُمنَع حقٌّ بدعوَى باطل، وخيرٌ بشُبهة شَرٍّ محتمَل، وإيجابيَّات كثيرة بحُجَّة سلبيَّات، ولو متوهَّمة! وما شاهدُ الضجَّة حول مخاطر قيادة المرأة للسيارة- قبل سنوات- عنَّا بعيد!

ـ سدُّ الذرائع منهاجٌ لا مندوحة عنه كسدِّ الشوارع، يا (ذا القُروح)!

ـ وهذا يذكِّرنا بسخرية (ابن رشد) في «فصل المقال» ممَّن حرَّموا الفلسفة؛ فشبَّههم بقومٍ مَنَعوا العطاشَى من شُرب ماء حتى ماتوا من العطش؛ بحُجَّة أنَّ قومًا ما شَرِقوا به فماتوا! ومع هذا فإنَّ حُجَّة ابن رشد هنا مغالطة منطقيَّة. فشتَّان بين الفلسفة والماء! فلتكُن الفلسفة ماءً، جُعِل منه كلُّ شيء حيًّا، وعندئذٍ أهلًا وسهلًا بالفلسفة-الماء. أمَّا الهرطقة، والسفسطة و«هواريت» المثاليَّات، فحتى (برتنارد رسل، -1970) حرَّم هاتيك الضروب من التفلسف على طريقته في التحريم؛ من حيث رفضَ الفلسفة المثاليَّة، وسعَى إلى جعل الفلسفة عِلمًا، كالرياضيَّات، داعيًا إلى الفلسفة التحليليَّة، بغضِّ النظر عن مدَى توفيقه لتحقيق هدفه الفلسفي. كما جاء بعده من قال بموت الفلسفة في عصر العِلم، وأنَّها قد استُهلِكت، وانتهت صلاحيتها للعقل اليوم؛ فباتت مضيعة وقت، ووسيلة إلهاءٍ للشعوب، وبالجملة لم تعد سِوَى هرطقة جديدة لمآرب أيديولوجيَّة أخرى. وهذا مخاضٌ آخَر على كلِّ حال.

ـ غير أنَّ جذور الفلسفة كانت مشرقيَّة- لا غربيَّة ولا إغريقيَّة- نشأت في أكناف الحضارتين الإنسانيَّتين الأُولَيين في بلاد الرافدين ووادي النيل، إلَّا أنها عادت إلى ديارها غريبة، بعد حين من الدَّهر، وانحدارٍ من الأجيال، ممَّن انقطعوا عن ماضيهم وجهلوا تراثهم، فاستُغرِبت، وأُنكِرت، وتنصَّل منها أحفادُ مَن أَلْقَوا بِذارها أوَّل مرَّة. وسخريَّة ابن رشد تمتدُّ بنا إلى من يشكِّكون في عقيدته، بل إنَّ بعض الملحدين والشكَّاكين يتَّخذونه رمزًا من رموزهم في هذا الصَّدد.

ـ هؤلاء إمَّا أنهم لا يفقهون خطاب (ابن رُشد) وفِكره، وإمَّا أنهم لا يفقهون عقيدته، وربما كلا الأمرين. والشاهد هنا- عودًا على بدء- أنَّ المنع ليس بعلاجٍ ثقافي، لكنه علاجٌ إجرائي؛ لحماية المجتمع من وباء داهم. وما لا يتحقَّق الواجب إلَّا به فهو واجب!

ـ لكنَّ المنع الرَّقمي مستحيل، يا حبيبي!

ـ فاتتني هذه! إذن، دعنا نقل: لا مانع إلَّا بحصانة الوعي. أمَّا إذا لزم الأمر، فالسيف أصدق إنباءً من التوعية!

ـ ماذا تعني؟

ـ أعني ما ستقرأه في المقال المقبل!

.....................

* مرفأ:

لَأَنْـتِ الَّتِي... لَوْ كَتَبْـنَا اسْمَهَا

لَسَارَتْ بِنُـوْرِ الحُـرُوْفِ السِّـيَرِ

وأَنْتِ الَّتِي... لَوْ جَلَوْنَا الذُّرَى

لَسَالَـتْ جِـبَالٌ وطَـارَتْ غُـرَرْ

وأَنْتِ الَّتِي... لَوْ رَسَمْنَا الثَّرَى

مَـحَـوْنَـا بِعِقْـدِ الثُّـرَيـَّا الأَثَـرْ

ففِيْهَا الَّذِي ما وَعَتْـهُ الـمَعَانِـي

وفِيْهَا الَّذِي بِالشَّـذَا ما خَـطَـرْ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح

تمهيد: ليست الهجرة في «موسم الهجرة إلى الشمال» رحلةً من مكان إلى آخر بالمعنى الذي توحي به الجغرافيا وحدها. ما يحدث في الرواية أعمق من انتقال الجسد؛ فالشخصية التي تغادر الجنوب إلى الشمال لا تعود إلى المكان الأول كما غادرته، حتى وإن بقيت القرية على حالها، وبقي النيل يجري في مجراه، وبقيت الوجوه مألوفة. الذي تغيّر هو الإنسان نفسه، أو صورته عن نفسه، أو المسافة التي بات يرى من خلالها المكان والآخر والعالم.

وهنا تكمن أهمية الرواية. فالطيب صالح لا يكتب عن الهجرة بوصفها تجربة فردية منعزلة، وإنما يجعلها مدخلًا إلى أسئلة أوسع: ماذا يحدث للهوية حين تدخل في تماس مباشر مع ثقافة أخرى؟ ماذا يبقى من صورة الإنسان عن وطنه حين يعيش زمنًا طويلًا بعيدًا عنه؟ وهل تكون العودة نهاية الرحلة، أم أنها بداية مواجهة جديدة مع الذات؟

من هذه الزاوية يمكن قراءة الرواية في ضوء سوسيولوجيا الكتابة؛ أي النظر إلى العمل الأدبي بوصفه نتاجًا يتفاعل مع شروط اجتماعية وثقافية وتاريخية، من غير أن يتحول النص إلى وثيقة اجتماعية فحسب. فالكتابة هنا لا تعكس المجتمع بصورة فوتوغرافية، وإنما تعيد ترتيب تناقضاته داخل شخصيات وأمكنة وأصوات وحكايات.

ولعل هذا ما يجعل «موسم الهجرة إلى الشمال» نصًا مفتوحًا على أكثر من قراءة. فقد صدرت الرواية سنة 1966، وظلت منذ ذلك الوقت حاضرة في النقاشات المتعلقة بالاستعمار وما بعد الاستعمار والهوية والهجرة والعلاقة بين الشرق والغرب. وتؤكد دراسات نقدية حديثة أن الرواية ما تزال تُقرأ بوصفها نصًا مركزيًا في مساءلة الهوية وآثار الاستعمار والاقتلاع الثقافي.

لكنني لا أرى أن الرواية تختصر في ثنائية جاهزة اسمها «شرق/غرب». هذه الثنائية موجودة في بنيتها، لكنها ليست نهايتها. فالطيب صالح يذهب أبعد منها؛ إذ يجعل السؤال في نهاية المطاف متعلقًا بالإنسان نفسه: كيف يمكن أن يعيش وهو يحمل داخله أكثر من مكان، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صورة للذات؟

الكتابة بوصفها أثرًا اجتماعيًا

حين نقرأ الرواية من منظور سوسيولوجي، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قالت عن المجتمع؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: لماذا كُتبت بهذه الطريقة؟ ولماذا اختار الكاتب هذه الشخصيات تحديدًا؟ وكيف تحولت التحولات الاجتماعية والتاريخية إلى مادة سردية؟

هنا تبرز أهمية مفهوم «سوسيولوجيا الرواية» عند لوسيان غولدمان، الذي بحث العلاقة بين البنى الأدبية والبنى الاجتماعية التي تتشكل في ظلها. فالرواية، في هذا التصور، ليست نسخة عن الواقع، بل بناء فني يمكن أن يكشف عن توترات المجتمع وقيمه وصراعاته من خلال الشكل الروائي نفسه.

وفي «موسم الهجرة إلى الشمال» لا نجد خطابًا مباشرًا عن التاريخ الاستعماري بقدر ما نجد آثاره تسكن الشخصيات. الاستعمار لا يظهر دائمًا في صورة سلطة سياسية، بل يظهر في اللغة، والتعليم، ونظرة الإنسان إلى ذاته، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى الآخر.

ولهذا تبدو شخصية مصطفى سعيد أكثر من شخصية روائية منفردة. إنها تحمل تاريخًا كاملًا من الصدام بين عالمين. ذهب إلى الشمال طالبًا للمعرفة، لكنه وجد نفسه في مواجهة صورة جاهزة عنه بوصفه «شرقيًا» أو «إفريقيًا» أو «آخر». وفي المقابل، لم يكتفِ برفض هذه الصورة، بل دخل أحيانًا في لعبة استثمارها.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

مصطفى لا يقف خارج الصورة التي صنعها الآخر عنه، بل يستخدمها لمصلحته. يعرف ما ينتظره منه الآخر، ويعرف أيضًا كيف يتلاعب بهذه التوقعات. وكأن الاستعمار لم يكتفِ باحتلال الأرض؛ لقد ترك وراءه نظامًا من الصور والتصورات يستطيع المستعمَر نفسه أن يعيد استخدامها.

وهذه واحدة من أكثر مناطق الرواية إثارة للقلق؛ لأن مقاومة الآخر لا تؤدي بالضرورة إلى التحرر منه. قد يتحول الآخر إلى جزء من تكوين الذات، حتى عندما نحاول مواجهته.

الهوية: شيء يتشكل ولا شيء جاهز

تبدو العودة في بداية الرواية لحظة اطمئنان. يعود الراوي إلى قريته بعد سنوات من الغياب، فيجد المكان الذي يعرفه تقريبًا كما تركه. لكن المفارقة أن المكان لم يتغير كثيرًا، بينما تغيرت عينه التي تنظر إليه.

وهذه المفارقة هي المدخل الحقيقي إلى أزمة الهوية.

فالهوية ليست شيئًا نحتفظ به في حقيبة ونستعيده عند العودة. إنها تتغير مع التجربة، وتتأثر باللغة والتعليم والذاكرة والاحتكاك بالآخر. ولهذا يبدو الراوي، رغم عودته إلى القرية، شخصًا يقف على مسافة منها.

يمكن الاستفادة هنا من تصور ستيوارت هول للهوية الثقافية؛ فالهوية عنده ليست جوهرًا ثابتًا مكتملًا، بل تتكون من خلال التاريخ والتمثيل والاختلاف والتجربة. وقد نُشر نصه الشهير «الهوية الثقافية والشتات» سنة 1990 ضمن كتاب «Identity: Community, Culture, Difference».

وهذا التصور يضيء تجربة الراوي بصورة واضحة. فهو لا يعود إلى «هوية أصلية» فقدها ثم وجدها، وإنما يعود وهو يحمل طبقات جديدة من التجربة. ولذلك يصبح الوطن نفسه موضوعًا لإعادة الاكتشاف.

الأهم أن الرواية لا تمنحنا هوية مستقرة في النهاية. لا تقول لنا إن الحل هو العودة إلى القرية، ولا إن الحل هو الذوبان في الشمال. إنها تترك الشخصية في منطقة معلقة بين الاثنين.

وهذه المنطقة المعلقة هي، في رأيي، قلب الرواية.

مصطفى سعيد: حين تتحول المعرفة إلى مأزق

لم يكن مصطفى سعيد جاهلًا حين ذهب إلى أوروبا. على العكس، كان يحمل معرفة واسعة وقدرة استثنائية على استخدام اللغة والذكاء في التعامل مع المجتمع الجديد. لكن المعرفة التي يفترض أن تمنحه الحرية تتحول تدريجيًا إلى وسيلة أخرى للصراع.

لقد دخل مصطفى إلى الشمال من الباب الذي فتحه الاستعمار نفسه: التعليم.

وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فالتعليم الذي كان أحد أدوات تحديث المجتمعات المستعمَرة، يمكن أن يصبح أيضًا طريقًا إلى التورط في منظومة الثقافة التي صنعت صورة المستعمَر.

مصطفى يتعلم لغة الآخر، ويعرف تاريخه، ويقرأ ثقافته، لكنه لا يدخلها بوصفه إنسانًا محايدًا. يدخلها وهو يحمل تاريخًا كاملًا من العلاقة غير المتكافئة.

لذلك لا يمكن تفسير سلوكه في لندن باعتباره نزوة فردية فقط. فالرواية تضع حياته الشخصية داخل سياق تاريخي أوسع. النساء اللواتي يدخل علاقات معهن، والغرفة السرية التي يخفي فيها آثاره، واللغة التي يستخدمها، كلها تتحول إلى عناصر في لعبة أكبر من الرغبة الشخصية.

إنه يحاول أن يقلب علاقة القوة.

لكن المفارقة المؤلمة أنه حين يحاول أن يصبح الطرف الأقوى، يعيد إنتاج منطق القوة نفسه.

وهنا لا يعود مصطفى ضحية للاستعمار فقط، ولا منتصرًا عليه فقط. إنه شخصية مأزومة، تحمل داخله آثار الطرفين.

الغرفة السرية: سيرة أخرى للهوية

من أكثر العناصر دلالة في الرواية غرفة مصطفى سعيد السرية.

الغرفة ليست مجرد مكان يخفي فيه الرجل أسراره؛ إنها أشبه بمتحف شخصي للهوية المزدوجة. الكتب والصور والوثائق والآثار القادمة من الشمال تجعل المكان منفصلًا عن القرية، لكنه ليس منفصلًا عنها تمامًا.

إنها مساحة تقع بين عالمين.

ومن هنا يمكن قراءة الغرفة بوصفها صورة مكثفة للهوية التي يعيشها مصطفى نفسه: لا هو جزء كامل من الشمال، ولا هو قادر على العودة إلى الجنوب بصورة بسيطة.

والمثير أن الراوي حين يكتشف الغرفة لا يكتشف أسرار رجل غريب فقط، بل يكتشف جانبًا من العالم الذي عاد منه هو أيضًا.

كأن مصطفى سعيد كان موجودًا في القرية قبل أن يعرف الراوي أنه موجود، وكأن الشمال الذي ظن الراوي أنه تركه وراءه قد ترك نسخة منه في المكان.

وهذا من أجمل تعقيدات البناء الروائي؛ فمصطفى سعيد والراوي ليسا شخصيتين متقابلتين بصورة سهلة. بينهما تشابه واختلاف، انعكاس وتحذير. كل واحد منهما يضيء منطقة معتمة في الآخر.

المرأة والجسد: الأزمة الثقافية في أكثر صورها حساسية

لا يمكن قراءة الرواية من دون التوقف عند حضور المرأة.

فالجسد الأنثوي في تجربة مصطفى سعيد يصبح إحدى الساحات التي تظهر فيها علاقة الشرق بالغرب. لكن الرواية لا تقدم مصطفى بوصفه ضحية بريئة لصورة الآخر؛ فهو يمارس بدوره سلطة على النساء اللواتي يدخلن عالمه.

وهنا تصبح القراءة أكثر قسوة.

فإذا كان مصطفى يرفض أن يكون موضوعًا لنظرة الآخر، فإنه يحول المرأة أحيانًا إلى موضوع لنظرته هو. ولذلك فإن الرواية لا تكتفي بإدانة الاستعمار، وإنما تفتح سؤالًا آخر يتعلق بالسلطة الذكورية وبكيفية انتقال العنف من سياق إلى آخر.

وتتأكد هذه المسألة بصورة أكثر وضوحًا في شخصية حسنة بنت محمود.

مع حسنة تعود الأزمة من الشمال إلى القرية. لم تعد المسألة متعلقة بأوروبا أو الاستعمار وحده، بل أصبحت متصلة بالبنية الاجتماعية المحلية: الزواج، والسلطة، والشرف، ونظرة الجماعة إلى المرأة، وحدود الاختيار الفردي.

وهنا تكشف الرواية عن موقف بالغ الأهمية: الأزمة الثقافية ليست مستوردة بالكامل من الخارج.

هناك مشكلات داخلية أيضًا.

فالاستعمار ترك آثاره، نعم، لكنه لم يصنع وحده كل أشكال القهر الموجودة في المجتمع. ولذلك فإن اختزال الرواية في مواجهة الشرق بالغرب يحجب جانبًا أساسيًا من نقدها للمجتمع نفسه.

إن مأساة حسنة تجعلنا نعيد النظر في السؤال كله. فماذا يعني أن ننتصر على الآخر إذا بقي الإنسان عاجزًا عن منح أقرب الناس إليه حق اختيار حياتهم؟

القرية والنيل: المكان حين يصبح ذاكرة

في الرواية حضور قوي للمكان، لكنه ليس حضورًا زخرفيًا.

القرية ليست خلفية للأحداث، والنيل ليس مجرد منظر طبيعي. المكان يحمل الذاكرة ويحتفظ بما لا تستطيع الشخصيات قوله.

حين يعود الراوي، يعود إلى المكان بوصفه ذاكرة قبل أن يعود إليه بوصفه جغرافيا. ولذلك فإن إحساسه بالانتماء ليس كاملًا ولا مفقودًا. إنه متردد، مثل شخص يعرف البيت جيدًا لكنه يشعر للمرة الأولى أن البيت ينظر إليه أيضًا.

النيل، في هذا السياق، يبدو أكثر ثباتًا من البشر.

الناس يغادرون، يموتون، يتغيرون، يحملون أسرارهم، أما النهر فيستمر. ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه أحد الرموز التي تمنح الرواية إمكانية الاستمرار في مواجهة التشظي.

غير أن النهاية لا تجعل النهر رمزًا رومانسيًا للعودة الآمنة. ففي لحظة الصراع معه، يصبح النيل نفسه اختبارًا للوجود.

وهنا تنتقل الرواية من سؤال الهوية الثقافية إلى سؤال الحياة والموت.

بين الراوي ومصطفى سعيد: مساران لأزمة واحدة

إذا كان مصطفى سعيد قد ذهب إلى الشمال وانتهى إلى العزلة والموت، فإن الراوي يعود إلى الجنوب، لكنه لا يعود سالمًا تمامًا.

وهذا الفرق مهم.

فالراوي يمثل إمكانية أخرى للتعامل مع تجربة الهجرة. إنه لا يحاول أن ينتصر على الشمال، ولا أن يذوب فيه. لكنه يحمل آثاره معه.

لذلك يمكن القول إن الشخصيتين تمثلان مسارين مختلفين لأزمة واحدة.

مصطفى حاول أن يحول الصراع الثقافي إلى معركة شخصية، بينما ظل الراوي يبحث عن إمكانية العيش بين التجارب المتناقضة.

لكن الرواية لا تمنحه جوابًا نهائيًا.

وهذا ما يجعلها أكثر صدقًا.

فالطيب صالح لا يكتب رواية عن شخصية وجدت الحل، وإنما عن إنسان لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالأجوبة القديمة.

سوسيولوجيا الكتابة: من المجتمع إلى النص

من هنا تصبح «سوسيولوجيا الكتابة» مدخلًا مناسبًا لفهم الرواية.

فالعمل الأدبي لا يولد بعيدًا عن المجتمع، لكنه أيضًا لا يكرر المجتمع بصورة مباشرة. إنه يعيد إنتاج الأسئلة الاجتماعية داخل لغة وشخصيات وبنية سردية.

وهذا يقترب من تصور بيير بورديو للحقل الثقافي؛ إذ ينظر إلى الأدب ضمن شروط إنتاجه وتداوله ومؤسساته وعلاقاته بالسلطة والقيمة والاعتراف. وقد جمع بورديو في كتابه «الحقل الثقافي: مقالات في الفن والأدب» عددًا من دراساته حول هذه العلاقة بين العمل الثقافي والظروف الاجتماعية التي ينتج ويتداول فيها.

وإذا طبقنا هذا التصور على رواية الطيب صالح، فإن أهميتها لا تكمن في موضوع الهجرة وحده، بل في الطريقة التي استطاعت بها أن تجعل تجربة سودانية محلية تدخل في أسئلة إنسانية وثقافية أوسع.

وهنا تصبح الرواية نفسها جزءًا من حركة ثقافية: كاتب سوداني يكتب عن علاقة الجنوب بالشمال، بلغة عربية، ثم ينتقل النص إلى لغات أخرى ودوائر قراءة مختلفة، فيصبح العمل الأدبي ذاته عابرًا للحدود التي يناقشها.

وهذه مفارقة جميلة تستحق التأمل: الرواية التي تسأل عن أثر الهجرة في الإنسان، هي نفسها رواية هاجرت بين اللغات والثقافات.

من صراع الشرق والغرب إلى سؤال الذات والآخر

ربما يكون من السهل قراءة الرواية بوصفها مواجهة بين شرق وغرب، لكن هذه القراءة لا تكفي.

فالشرق والغرب في الرواية ليسا كتلتين صافيتين.

هناك شرق يحمل تناقضاته، وغرب يحمل تناقضاته، وشخصيات تتحرك بين الاثنين وهي غير قادرة على أن تكون نسخة كاملة من أي منهما.

وهنا يمكن استحضار مفهوم «التهجين الثقافي» في الدراسات ما بعد الاستعمارية، لكن من دون تحويله إلى احتفال ساذج بالاختلاط الثقافي. فالهوية الهجينة قد تكون مساحة غنى، لكنها قد تكون أيضًا مساحة اضطراب وفقدان وتوتر.

وهذا تحديدًا ما تكشفه شخصية مصطفى سعيد.

فهو يعرف العالمين، لكنه لا يستقر في أي منهما.

أما الراوي، فيحاول أن يعيش مع هذا التعدد بدل أن يحوله إلى حرب.

ومن هنا يبدو أن الرواية لا تسأل: من انتصر، الشرق أم الغرب؟

بل تسأل سؤالًا أشد عمقًا:

كيف يستطيع الإنسان أن يبني ذاته بعدما يصبح الآخر جزءًا من تكوينه؟

خاتمة

تكشف «موسم الهجرة إلى الشمال» أن الهجرة لا تنتهي بالوصول، كما أن العودة لا تعني بالضرورة استعادة ما كان.

قد يعود الإنسان إلى بيته، لكنه يحمل معه أماكن أخرى. وقد يترك بلدًا، لكنه يكتشف بعد سنوات أن البلد لم يتركه.

ومن هذه النقطة تحديدًا تتضح قيمة الرواية في قراءة سوسيولوجيا الكتابة وتمثلات الهوية. فالطيب صالح لم يجعل المجتمع موضوعًا خارجيًا للرواية، بل جعل التحولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية تدخل في تكوين الشخصيات نفسها. الاستعمار يظهر في التعليم واللغة والصورة والذاكرة؛ والهجرة تظهر في الاغتراب؛ والهوية تظهر بوصفها شيئًا يتشكل باستمرار؛ والأزمة الثقافية تظهر حين يصبح الإنسان غير قادر على العودة إلى صورة بسيطة عن نفسه.

لكن الرواية لا تمنحنا خلاصًا سهلًا.

لا تقول إن الغرب هو المشكلة كلها، ولا إن العودة إلى الوطن تحل كل شيء، ولا تجعل مصطفى سعيد نموذجًا للضحية أو للمنتصر. تتركه في المنطقة الأصعب: منطقة الإنسان الذي حاول أن يواجه الآخر، فاكتشف أن الآخر يسكن بعضًا منه.

أما الراوي، فيبقى أمام النهر، في لحظة يتداخل فيها الخوف والرغبة في النجاة. وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح السؤال أكبر من الهجرة وأكبر من الاستعمار وأكبر من الشرق والغرب.

إنه سؤال الإنسان حين يجد نفسه بين حياتين، وبين صورتين للذات، وبين ماضٍ لا يستطيع محوه ومستقبل لا يعرف كيف يصنعه.

ولعل هذا هو سر بقاء الرواية حيّة بعد عقود من كتابتها: لأنها لم تكتب عن المهاجر فقط، بل عن الإنسان الذي يعبر الحدود ثم يكتشف أن أصعب الحدود ليست تلك التي تفصل البلدان، وإنما تلك التي تتشكل داخله.

***

بقلمي: ربى رباعي – الأردن

.......................

المراجع

أولًا: المصدر الأساسي

صالح، الطيب. موسم الهجرة إلى الشمال. بيروت: دار العودة، 1966.

ثانيًا: المراجع العربية والأجنبية

Bourdieu, Pierre. The Field of Cultural Production: Essays on Art and Literature. Edited and introduced by Randal Johnson. New York: Columbia University Press, 1993.

Goldmann, Lucien. Towards a Sociology of the Novel. London: Tavistock, 1975.

Hall, Stuart. “Cultural Identity and Diaspora.” In Jonathan Rutherford (ed.), Identity: Community, Culture, Difference. London: Lawrence & Wishart, 1990, pp. 222–237.

Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.

Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Alfred A. Knopf, 1993.

Hassan, Waïl S. Tayeb Salih: Ideology and the Craft of Fiction. Syracuse: Syracuse University Press, 2003.

John, Joseph; Tarawneh, Yosif; Tawarneh, Yosif. “Quest for Identity: The I-Thou Imbroglio in Tayeb Salih’s ‘Season of Migration to the North’.” Arab Studies Quarterly, Vol. 8, No. 2, 1986, pp. 161–177.

Fottouh, Nihad. “Navigating Identity and Colonialism: A Comparative Study of Solé’s Birds of Passage and Salih’s Season of Migration to the North.” Journal of Faculty of Arts, Benha University, Vol. 64, No. 1, 2025, pp. 133–159.

Çulhaoğlu, Tahsin. “A Post-Colonial Construction of an Authentic and Dignified Identity: Tayeb Salih’s Season of Migration to the North.” Journal of Academic Studies in World Languages, Literatures and Translation, Vol. 5, No. 2, 2024, pp. 151–169.

Husain, Saman A. “Uncovering Identity Complication in Season of Migration to the North, a Novel by Tayeb Salih.” Mitanni Journal for Humanities and Social Sciences, Vol. 1, No. 1, 2020, pp. 33–37.

Page 1 of 6

كيميائية الصلصال وصراع آلية الدلالة المحبطة.. الفصل الخامس ــ المبحث (1)

توطئة: إن تقسيم الحكي إلى قصة وخطاب ونص، يدلل على أن الزمن المقروء في التفصيل الروائي يسير نحو تفاعلات مفصلية خاصة في ظل آليات تمظهرات وقائعية المراحل الزمنية في مستوياتها الأكثر غورا في الأبعاد التراتيبية من (زمن القصة = بداية ــ وسط ــ نهاية) وتبعا لذلك تواجهنا القيمة السردية والجمالية في عملية إنتاج دلالات العلاقات بين البنيات التي تتشكل على هيئة (فعل ــ تفاعل ــ صراع) ومعنى ذلك أن إنتاجية جدلية المعنى تنفتح على منظومة ديناميتية في الكشف عن مكونات الخطاب والنص والحكاية بالتصور الذي يجليه الترابط والتحقيق في ماهية النص.

ــ المكان بوصفه فضاء روائياً

كما تخترق العلاقات المكانية - الزمانية الواقع الحياتي والمعيشي للناس فندخل في نسيج وعيهم ولا وعيهم، وتشكل الفضاء الرحب للحلم والذاكرة، فإنها تخترق البرنامج السردي. فلا أحداث، ولا شخوص خارج المكان الروائي، حتى لو كانت هذه الشخوص والأحداث في أقصى درجات الاحتمالية والتخييل أو هي في عالم ميتافيزيقي محض. من هنا تواجهنا دلالات الفصول الأولى من رواية (الكهف) لجوزيه ساراماغو، ارتكازا على محفزات ذواتية وموضوعية في زمن المكان اللامتعين، بفضاءاته المتعددة مثل (ورشة صناعة الخزف ــ الأزقة ــ الأقبية ــ عجلة نقل الخزف) وهذه الأماكن التي بها عادة الأحداث العاصفة في سكونيتها، ولحظات الانعطاف الحادة في مصائر الشخوص، كما يحضر بصورة سكونية الإشكال الذي وقع فيه الشخصية سيبريانو ألغور بصدد عدم شراء مركز المبيعات نصف حمولته المجهزة بالخزف. والإحساس بهذا الأمر تتواشج به بنية الأحداث في إظهاره وهو يحتل القسم الأكبر من مسار الأحداث الروائية.

1ــ مشاعر كامنة تقودنا إلى فاعلية التشكيل:

لا تكتفي بعض المتون في رواية (الكهف) بأن تقدم الأحداث مرة واحدة، وإنما تعتمد نظاما يكررها أكثر من مرة، فتتكرر الأحداث بمكانها وزمانها والشخصيات بها، أو يعاد الحدث بدون تقاطع تفاصيله مع المرة الأولى فيكون بمثابة تتمة له، ومن المنطقي أن يأتي التكرار ــ غالبا ــ مصاحبا لتعدد الرؤى، كحال فقرات عدم تسلم مركز المبيعات لنصف حمولة الشاحنة لدى الشخصية ألغور: (أنزل نصف ما أحضره وطابقه مع عقد التسليم. فسأله سيبريانو ألغور متفاجئاً ومذعوراً، النصف، لماذا، المبيعات انخفضت كثيرا خلال الأسابيع الماضية، وربما سنضطر إلى أن نعيد إليك ما هو في المستودع، بسبب عدم بيعها. / ص19 الرواية) بهذه الصورة المشهدية تتموقع موقعية حبكة البائع الذي ردت إليه نصف بضاعته. وبهذه السمات الوظائفية أيضا نلاحظ كيفية متعلقات هذه الحادثة المحورية وكيفية تعالقها على سنن اللامبالاة وتهميش الدور من قبل إدارة مركز المبيعات السلطوي.

2ــ التقاطب بين رهافة العنفوان وبلادة الواقع:

تتموقع لآليات ثيمة عدم شراء المنتج الخزفي الصلصالي من قبل الشخصية ألغور، مزيدا من طاقة التوتر وأقصى مراحل اليأس لدى الشخصية ألغور وأبنته المدعوة مارتا، فهذه الأخيرة كانت بمثابة الشريك الاستراتيجي بالنسبة لوالدها ألغور. وبتأثير ما أصبحت مع مهنة الخزف وطقوسها البنت مارتا من أمهر صانعات الصلصال وجماليات صورة الأيقونية المغبطة. وعلى هذا النحو تتشارك مارتا ووالدها عملية الحزن على حادثة عدم شراء مجسمات قطع الخزف من والدها ليهجسان الأثنان معا عنف مصائرية هذه القسرية في دكتاتورية التعامل من قبل مركز المبيعات. ولو قارنا أوجه التشابه بين صانع الخزف ورفض إنتاجه من قبل مركز المبيعات، لوجدنا العملية تقارب كفة قوى دكتاتورية باطشة مأخوذة بصراع قاهر ضد الطبقات المهمشة من قبل أفراد كيان مسحوق تماما.

3ــ الابعاد الروائية وتجليات المعادل التحولي:

تروي لنا الأحداث الروائية حكاية الفتاة مارتا مع حكاية زوجها الحارس المؤقت في مركز المبيعات وكيفية محاولة التواصل معه كواسطة لمعرفة الأسباب المركزية في عدم شراء المركز لمنتجات الأب العجوز ألغور. ولكن للأسف كان مرسيال غاتشو ممن يتصاغر حجمه أمام أرباب هذا المركز خوفا من فقدان وظيفته الصغرى داخل غرف هذا المركز الكبير. لعل رواية (الكهف) من الأعمال الروائية التي تخفي أسرارها بصورة مغرضة، أو لعلها تصون حدود وقائعها بموضوعية (المسكوت عنه) لذا فإننا لحد الآن لا نعلم جيدا عن خفايا اسرار ذلك المدلول الكهفي، ولا من جهة ما الأحداث الجارية التي جعلت من الشخصية مارتا تقترح على والدها التحول من صناعة الأواني إلى حرفية صناعة الدمية المصنوعة من كيميائية الصلصال وزمنها المخبوء خلف زمن مركز المبيعات الموحش في الأداة والعلامة والتسمية.

ــ تعليق القراءة:

يبدو أن مجتمع دلالات الرواية (الكهف) يقتضي وجود اسطورة في شكل ظاهرة عميقة الرمز والترميز، إذ تؤكد الرواية في متون فصولها الأولى بأن هناك حالات من المقاربة والإيحاء بأن ثيمة مركز المبيعات يشكل بذاته ذلك الزمن السلطوي الذي يسود بهيمنته على جميع الفئات الصغرى من الشخوص والأماكن والزمن المتمثل برقعة الأكواخ الطينية المتفرقة، فيما تشكل آليات مشغل صناعة الصلصال كموقعية في كيميائية اللغة والإنتاج والهوية والصراعات بين منظومة الاطار الأعلى وبطشه لحياة مكابدات رجل الصلصال ومصنوعاته الممزوجة بروائح تواريخ نصف آدمية سحيقة ومسحوقة. فيما تبقى آلية صعود الدلالات نحو تجسيد مادية العنف وكيميائية تساؤلات رجل الصلصال المحبط.

***

حيدر عبد الرضا

كسر عنوان المسرحية معادلة المقولة التقليدية (وجهان لعملة واحدة) وخلق حافزا لاكتشاف المغزى من عبارة (العملتين بوجه واحد) ويتم ذلك عند الانتهاء من قراءة النص كاملا، وهذا امر يندر وجوده في الكثير من النصوص التي غالبا ما يلجأ المؤلفون إلى الكشف عن مغرى عناوين نصوصهم في الصفحات الاولى، أما المؤلف الذي يضمر مغرى ومرامي عنوان نصه فهو -بلا شك- عميق التفكير ويدرك مكامن أسرار الدراما، ومنها أهمية أن لا يقول كل شيء منذ البداية، ويخلق محفزات للمتابعة حتى النهاية.

أوجز المؤلف في التوطئة التي سبقت النص المحاور الفكرية التي سيجري التصدي لها، بصيغة قصيدة شعرية، تمهيدا للدخول في لجة جدلية: الخلود والفناء - الحضور والغياب، عبر صراع وجودي بين كينونة الفنان والعمل الفني.

تقسيم خشبة المسرح بحسب إرشادات المؤلف يمنح الاخراج مساحة للعمل، وبالوقت نفسه يوحي بأن المؤلف يمتلك رؤية فنية/ اخراجية لتجسيد الزمن الحاضر في الجانب الأيمن، وأزمان مختلفة في الجانب الأيسر تبدأ في عام 1619 في فرنسا وتنتهي عام 1911 في إيطاليا، كما يساعد هذا التقسيم السينوغراف في إنشاء وتبديل المنظر بسهولة. يبدو الانتقال من القسم الأيمن إلى الأيسر لأول وهلة وكأنه ذهاب للاستذكار والرجوع إلى الماضي، ولكنه في جوهره - وإن استند إلى صورة تاريخية للوحة الموناليزا وتنقلاتها بين قصرين وغرفة نوم ومخزن - أنشأ واقعا متخيلا لعملية تلقي وتفاعل الزوار مع اللوحة. تنطوي عملية تقسيم الخشبة والانتقالات من قسم إلى آخر على جرأة المؤلف على تجريب في بنية الدراما المسرحية عبر الزمان والمكان بمرونة، مع المحافظة على تماسك وحدة الفعل واستمرارية الحدث الدرامي الكامن في باطن الشخصيات والظاهر في سلوكها وحوارها المكتنز بالأفكار والمشاعر.

سبعة شخصيات تتحاور على مدى أكثر من ستين صفحة، شخصية (الموناليزا) و(دافنشي) لا تغادر الخشبة، هي القاسم المشترك ومحور الصراع بين مشاهد النص، وتتنقل بين الأمكنة والأزمنة بغية التوصل إلى حقيقة وجودهم، والكشف عن واقع متلقي الفن ومآربهم عبر زمن امتد لأربعة قرون.

يتكون هيكل النص من تسعة مشاهد، خمسة لقاءات بين (دافنشي) و(الموناليزا) يضاف اليهم (الحارس) في المشهد الخامس، واربعة مشاهد تجمع الزائرين الأربعة مع دافنشي والموناليزا، وقد عنون المؤلف هذه المشاهد بما يوحي بمضمونها ومحور حواراتها:

1. الزيارة الأولى بعنوان المشهد (الحضور والغياب) في قصر فونتينبلو لملك فرنسا فرانسوا الأول عام 1619.

2. الزيارة الثانية بعنوان (الانتظار) في قصر فرساي الذي يسكنه ملك فرنسا لويس الرابع عشر عام 1715.

3. الزيارة الثالثة بعنوان (السلطة والحرية) في غرفة نوم القائد نابليون بونابرت في فرنسا عام 1800.

4. الزيارة الرابعة بعنوان (الذات والآخر) في أحد المخازن او البيوت في إيطاليا عام 1911.

التحولات المشهدية زاخرة بالتنوع الزماني والمكاني وحضور شخصيات جديدة، مما يجعل لغة التأليف/الاخراج متدفقة بالإثارة والتشويق وذات إيقاع متصاعد حتى وإن اكتفى المخرج بتجسيد ما جاء في إرشادات المؤلف الصريحة والضمنية المتواجدة بين طيات الحوار.

لغة النص الشاعرية حافلة بالصور والاستعارات تعمل على تحفيز التفكير وتثير الخيال بشكل يجعل قارئ النص ومشاهد العرض متمسكا بالمتابعة، ويحفز الإخراج على تجسيد حركي يدعم صور الحوار، لتتكامل الصورة الكلية للنص/ العرض. بناءً على تكرار مفردات منذ الحوارات الأولى مثل: (الحضور والغياب) و(الخلود والفناء) ص18: الموناليزا: هل تجد غيابها في حضوري؟ - ص18: زائر١: حضورك يملأ فراغ الغياب - ص18: الموناليزا: كل فقدان يمكن أن يخلق مجالا للحضور- ص19: الموناليزا: كل غياب يحمل وعدا بوجود جديد.

منذ بداية اللقاء الأخير (1) في متحف اللوفر يوضح المؤلف العلاقة الندية بين لوحة الموناليزا ومبدعها دافنشي، ذلك أن العمل الفني (وهذا ينطبق على أي عمل يخلفه الإنسان ويغيب عنه) لا يحتاج مبدعه مع تقادم الزمن لانه اصبح كينونة مستقلة واكتفى بذاته.

الزيارات الأربعة

أربعة زيارات قام بها دافنشي للموناليزا وفي كل زيارة يجد عندها زائرا جديدا ينظر إليها ويكشف عن غاية يرمي الى تحقيقها:

الزيارة الأولى (الحضور والغياب) قصر فونتينبلو لملك فرنسا فرانسوا الأول عام 1619. يحضر دافنشي بعد مئة عام لزياة لوحته لأول مرة، تعاتبه وتغار عليه، يرقصان، يعزف، انه لقاء عاشقين، يقطع تدفق مشاعرهم دخول الزائر الأول الذي يرى في الموناليزا حبيبته غادرته (أنني آتي إلى هنا كثيرا أبحث عن ذكراها ص17) ويقول للموناليزا (حضورك يملأ فراغ الغياب ص18)

زيارة دافنشي الثانية للوحة الموناليزا كانت في قصر فرساي عام 1715 بعد مئة عام من الانتظار، حدثت تغييرات كثيرة في العالم والموناليزا باقية كما هي. يأتي الزائر الثاني الذي يقول حالما يرى اللوحة (يا للروعة … الجمال الخالد، أنت ليست مجرد لوحة … أنت سيدة الكمال) انه يرغب بشدة بتملكها بعد طول انتظار، ولكنه يواجه بالرفض لأنها عصية على الخضوع لغريزة تملك شخص واحد، فهي ليست ملكا لأحد، ولا حتى لمبدعها/دافنشي.

يزور دافنشي اللوحة للمرة الثالثة، يجدها محبوسة في غرفة نوم (نابليون) الذي امتلكها عام 1800، وهذا لم يبعدها عن الزائر الثالث (أحد الخدم) يريد سرقتها بقصد تحريرها من سلطة نابليون، يريد أخذها إلى بيته لتجد الأمان، لكنها ترى في ذلك قيد جديد وتقول : (من الاجمل أن اكون محاطة بالجمال والحياة بدلاً من ان اكون محصورة في مكان واحد ص46) وتقول الموناليزا: (أدركت أن الحرية ليست في المكان بل في كيف يُنظر إلي في المتاحف … رمزا للإلهام. ص47).

يعثر دافنشي في الزيارة الرابعة على الموناليزا في مخزن أو بيت داخل صندوق في إيطاليا/ موطنها الأصلي، يخرجها دافنشي من صندوق ويعلقها على حائط، يدخل الزائر الرابع (حارس) وهو في حقيقته ليس مجرد حارس بل هو رسام يعود الى اللوحة بين حين وآخر، لأنه يرى في ابتسامتها شيء لم يره الاخرون، (نصفها حزين والآخر سعيد) ويرغب بتحرير يديها ورسم شخصا آخر بجانبها لانها تعاني الوحدة، النقاش بينهم لا يفضي إلى نتيجة بقدر ما يثير تساؤلات عن أن اللوحة الناقصة بتعمد. وان عبقرية دافنشي جعلتها هكذا لان هذا هو الكمال وهو من عناصر الخلود.

محاكاة معاصرة:

اللقاء الأخير 4 يتناول الرسم على جهاز الايباد والفن الرقمي الذي لا يحتاج إلى جدار ليعلق عليه ولا اية مادة سوى الضوء الملون، ومديات البقاء بالمقارنة مع اللوحة المرسومة بالفرشاة والألوان وهنا يتساءل دافنشي: (هل خلودك كان بسبب وجودك في إطار أم لأن فكرتك تجاوزت حدود الزمن؟ ص49) وهنا يكسر المؤلف إطار التاريخ ويمد الزمن إلى الآن والآتي. ذلك "إن ما ترسمه الروح من منابعها الباطنية الخاصة في الأعمال الفنية إنما تسبغ عليها الدوام في وجودها الخارجي ايضا، ومن جهة أخرى فإن الشيء الحي الفردي في الطبيعة هو شيء وقتي متلاش متغير في المظهر الخارجي، بينما العمل الفني يستمر حتى إذا لم يكن مجرد دوام مما يشكل انبثاقه الاصيل متفوقا على الواقع الطبيعي" (فريدريك هيجل: علم الجمال وفلسفة الفن، تر: مجاهد عبد المنعم مكتبة دار الكلمة، ط١، القاهرة،2010، ص66)

منطلقات الصراع والتحولات الدرامية

1. يبدأ الصراع بين الذات (دافنشي) الذي صنع خلود العمل الفني (الموناليزا) وبين العمل الفني (الآخر) الخارج عن السيطرة، ولا يمكن التحكم بما سيؤول إليه، بمعنى أن الموناليزا خرجت من ذاته وتحررت منه، وأصبحت (الآخر) الذي امتلك معنى الخلود المستقل بذاته

2. يتصاعد الصراع بين ذات دافنشي الذي منح الخلود للآخر (الموناليزا) وأراد أن يخلد من خلالها، ولكنه تفاجأ بأنه لا يتمكن من التحكم بمعنى ذلك الخلود، لأن الآخر (الموناليزا ما عادت تحت سيطرته، وآلت أمورها الى جمهورها، فالجمهور هو من خلد الموناليزا، أما دافنشي فقد أوجد فيها عوامل الخلود.

3. التحول الدرامي وذروة الأزمة: اللقاء الاخير/الخامس يلعب دافنشي والموناليزا لعبة تبادل الأدوار، تخرج هي من إطار اللوحة ويدخل هو ضمن حدود الإطار، ينتابهم شعور غريب، يفاجئهم حارس المتحف الذي يعرف اللوحة ودافنشي جيدا، يأمرهم بالعودة إلى أدوارهم الأصلية، هنا تبدأ الأزمة والتحول الدرامي، عندما يتغير شكل الموناليزا.

الموناليزا:لقد بدأت أتحرر من ربقة الخلود، انه حمل ثقيل ووهم كبير.

دافنشي: وبدأت أتحمل وزر ذلك وأنا غير قادر عليه.

4- يبدأ حسم الصراع (الحل) عندما يحاول الحارس إرجاعهم بسحب دافنشي خارج إطار اللوحة، لا يتمكن من ذلك، يسحب الموناليزا واذا بها (تتفكك بين يديّ .. وتتقطع أوصالها كأنها دمية ص63) يخرج دافنشي من الإطار الذي يتحول الى مرآة وكل من يقترب من الإطار يرى نفسه فيه، الحارس ذي الوجه العابس والموناليزا التي بدأت تهرم … يختم المؤلف مسرحيته بالحوار التالي: الموناليزا: … أنا كنت واهمة أن الخلود سيحميني من الفناء الذي لابد وأنه جارٍ حتى الخلود لا يستطيع أن يتحدى النهاية… انها لعبة نلعبها ونعرف أننا خاسرون.

دافنشي: انتهت اللعبة.

بمعنى انتهت لعبة جدل الحياة/الموت - الحضور/الغياب - الخلود/ الفناء.

يمكن استنباط فكرة أولية للنص من الحوار التالي : (الخالق يُفنى ويبقى المخلوق ص21) أن عمل الإنسان الإبداعي، أو العمل الذي يكون قبلة للناس للعمل بموجبه او مشاهدته او سماعه او قراءته او الافادة منه يبقى هذا العمل حاضرا، رغم غياب/موت مبدعه/ خالقه/ صانعه. وبالنتيجة أعمال الناس تبقى بعد ذهاب الناس.

تقول الموناليزا لمبدعها: (لقد تحكمت بي واطلقت العنان لابداعك لكنني تحررت منذ اللحظة التي فارقت فيها يدك، انت تملك السلطة فقط على الفعل … لكني أملك القوة على الوجود .. ص35)

مفهوم الفن يقوم على وضع الفكرة في إطار حسي/ فني، وهذا ما يجعل فكرة الفنان تخلد العمل الفني (المحسوس) لأن الفكرة هي الاساس الذي ينبثق عنه الفن، وما يجذب المتلقي إلى الفنون عامة هو العناصر الجمالية الكامنة فيها، فالفنون تقترن بالجمال، وقد عرف (فريدريك هيغل 1770-1831 ) "الجميل بأنه التظاهر الحسي للفكرة" (هيغل: المدخل إلى علم الجمال – فكرة الجمال، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط3، 1998، ص189) فاللوحة المرسومة من قبل الفنان إن هي إلا تجلٍ لأفكاره بصورة جمالية. وعليه يقول المؤلف (الامير حيدر) على لسان شخصياته: (الأعمال الفنية تعيش أكثر من البشر ص30) لأن العمل الفني في جوهره (فكرة) يصعب فناءها، مع الأخذ بالاعتبار تغير تسلسل أطراف العمل الفني الثلاثة، ففي البداية يكون (الفنان - الفكرة - العمل الفني) وعندما يكون النظر إلى من وجهة التلقي فالتسلسل هو (العمل الفني - الفكرة - الفنان) وقد عرض المؤلف أربع وجهات نظر لاربعة زائرين/ متلقين للوحة (الموناليزا) في أربعة ازمنة وامكنة مختلفة.

فكرة نهائية

لكل شيء - حتى الأشياء التي نراها خالدة- لها نهاية.

بعد النهاية المأساوية يتضح مغزى عنوان المسرحية (وجه واحد لعملتين) ذلك أن (الموناليزا) عملة، و(دافنشي) عملة ثانية، لكنهما يحملان الوجه نفسه لأن أحدهما انعكاس للآخر، احدهما تسلط على الاخر، حضور أحدهما يعني حضور الآخر، وغياب اللوحة (الموناليزا) هو غياب (دافنشي) وان الجدلية القائمة للأبد -إلى ما شاء الله- تكمن في السؤال التالي: هل أن حضور الموناليزا تخليد لدافنشي؟ ام ان دافنشي خلّد الموناليزا وغَيَّبَ نفسه؟ ام أنهما مقترنين للابد حضورا وغيابا؟ مآلات الأمور متروكة للمتلقي: العمل الفني يخلد الفنان ام الفنان خالد بعمله الفني، أم أن لكل شيء نهاية وما الخلود إلا فكرة اخترعها الانسان وهو يعلم أن لا وجود للخلود بالفعل.

نظرا للغموض الجمالي والعمق الفكري -ربما- تتطلب قراءة هذا النص واستجلاء مضمونه عدم الانقطاع عن قراءته ثم العودة إليه بعد زمن طويل نسبيا، وقد تبرز الحاجة إلى قراءة ثانية.

اختم المقال بالتمني على المسرحيين أن يقرأوا للمؤلفين الشباب.. انهم يمتلكون رؤى رائعة.

***

د. حبيب ظاهر

.......................

* المسرحية من منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

واستدعاء النقد الموضوعاتي

قمت مؤخرا بنوع من (المسح القرائي) للمدونات الأدبية الجزائرية قصة وشعرا ورواية، تلك التي تناولت موضوع الحريق أو النار واتخذت منه موضوعا للإشتغال الإبداعي.

فلم أعثر سوى على عدد قليل جدا من المدونات الأدبية الحاملة لموضوع الحريق أو النار كتيمة لها على غرار النصوص التالية:

الحريق للروائي محمد ديب

حرائق البحر للقاص عمار بلحسن

الكتابة بالنار للشاعر عثمان لوصيف

مضغة النار للروائي قربوعة عبد الباقي

نار ونور للروائي عبد المالك مرتاض

هذيان النار لنادية نواصر

بيت النار للقاصة والمترجمة فاطمة ياسمينة بريهوم

دمية النار للروائي مفتي بشير

دخان من صدري للروائي الطاهر وطار

على خط النار للروائي رحو شرقي

زنادق النار للشاعر عبد السلام بشوات

رماد الشرق لواسيني الأعرج

حطب سراييفو للروائي السعيد خطيبي

سقوط سارق النار للشاعر عبد الله بوخالفة

و هذه الأخيرة هي مجموعة منتخبات شعرية قام بجمعها الناقد الثقافي الأستاذ أحمد دلباني وأصدرها ضمن فصول كتابه المهم (فجيعة التروبادور حول الشاعر عبد الله بوخالفة).

فضل أحمد دلباني وضع هذه النصوص (سقوط سارق النار)، ضمن ما يسمى (بالملحقات النصية).

ويعنى بذلك فهرسة الكتاب بالمعنى الذي يقدم في سرديات النقد العتباتي كما تأسس لدى الناقد الفرنسي جيرارجينيت، عندما يعتبر جيرار جينيت ومن معه من النقاد العرب الذين استلهموا خطاب العتبات النقدي ويأتي على رأسهم في الجزائر الناقد الدكتور عبد الحق بلعابد أن بعض النصوص التي يتم وضعها في نهاية الكتاب أي كتاب داخل ما يسمى بالفهرس يمكن اعتبارها تشكل نوعا من (الملحقات النصية).

غير أن حضور هذه (الملحقات النصية) في متن وفهرسة الكتاب كان لا بد منها لأن تشكل البراديغم الذي ينهض على أساسه عنوان الكتاب ومتنه.

رغم أني لا أدري لماذا أعطى أحمد دلباني لهذه النصوص هذا العنوان (سقوط سارق النار منتخبات شعرية) على الرغم من أن القارئ لهذا الكتاب لايعثر أصلا على ماله صلة بسرقة النار ضمن العناوين الداخلية للنصوص المختارة بوصفها بمفهوم جيرار جينيت (النصوص الموازية أو النصوص المصاحبة).

إلا إذا اعتبرنا بأن لحظة رحيل عبد الله بوخالفة بتلك الطريقة الدرامية هي نوع من السقوط المماثل لسقوط سارق النار برمثيوس في الأسطورة اليونانية المعروفة.

ناهيك عن نصوص ابداعية أخرى من خارج الفضاء الإبداعي الجزائري من مثل:

رواية (ثمرة النار) للروائية اللبنانية حنين الصائغ أو رواية (حرائق قرطاج) للروائي التونسي خير الدين جمعة أو كتاب (شهد النار نصوص الجسد) للأديب الفلسطيني المتوكل طه.

وفي واقع الأمر لا أزعم بأني على اطلاع واسع جدا على مختلف مدونات الأدب الجزائري، التي تكون قد تناولت تيمة الحريق أو النار بصيغها المختلفة، غير أن اطلاعي المحدود لم يسعفني سوى بهذه النصوص التي ذكرتها الحاملة لهذه التيمة الحريق أو الحرائق أو النار وهي كلها صيغ تؤدي نفس المعنى.

وأعتقد بأننا في حاجة ماسة إلى نوع من النقد التوثيقي العتباتي القادر على أن يقدم لنا (مسحا خرائطيا) بمفهوم الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بمجمل النصوص السردية والشعرية التي تكون قد اتخذت من تيمة الحرائق أو النار موضوعا لها.

عمل يستعين فيه الباحث أيضا بما يسمى في العلوم الإجتماعية السوسيولوجيا الإحصائية لتقديم أنطولوجيا نقدية موسعة تستوعب مجمل ماكتب في هذا السياق واضعة إياه ضمن خطة مدروسة لا تكتفي بما كتب عن موضوع الحريق باللغة العربية فقط.

بل ينبغي أن يشمل البحث والتحري أيضا تلك النصوص السردية والشعرية التي اتخذت من

موضوع الحريق أو النار تيمة لها في اللغات الأخرى الفرنسية والأمازيغية والأنجليزية

وحتى في الشعر الشعبي الجزائري أو ما يسمى في الفضاء الثقافي المغاربي الشعر الملحون.

، كما فعل السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي مع الرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية في صلتها بحضور حرب التحرير الجزائرية فيها في كتابه المعروف (في الكتابة والتجربة).

عندما قدم في (الكتابة والتجربة) مسحا احصائيا لعدد من النصوص الروائية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية التي يحضر فيها موضوع حرب التحرير الجزائرية حضورا قويا.

على الرغم من أن الخطيبي لا يعالج هذه النصوص / النصوص الروائية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية من المنظور الموضوعاتي بل يقاربها من المنظور السوسيو نقدي بوصفه سوسيولوجيا في المقام الأول.

غير أنه لا ينبغي التوقف عند هذه التيمات كما تحضر (كعتبات نصية) في مجمل النصوص الحاملة لموضوع الحريق أو النار أو الوثوق بها وثوقا ميكانيكيا.

بل لابد من التمعن فيها وقراءتها دلاليا لإستنباط المعنى السيميولوجي منها.

قبل القول بأنها على صلة بموضوع الحريق في بعده المادي لأن بعض (العتبات النصية).

لا تمنح دلالاتها بوضوح للقارئ الكسول، الذي قد يكتفي بإستنباط المعنى المباشر من العنوان من دون الغوص في أعماق النص بخبرة الناقد التأويلي أو الناقد السيميولوجي الباحث عن صلب المعاني العميقة والدلالات الكامنة وراء عنوان النص والموضوعات الحاضرة فيه بنوع من ما يسميه رومان ياكبسون (العنصر المهيمن).

ولم لا الإستعانة ببعض الخطوات التحليلية التي قدمها الفيلسوف الفرنسي غاستور باشلار عندما كان بصدد تقديم قراءة نفسية للنار للإحاطة بأشكال تجلي النار في النص الأدبي.

وقد تكون بعض النصوص السردية والشعرية الحاملة لموضوع الحريق أو النار لا تنطوي بالضرورة على المعنى المجرد المباشر للنار في دلالته المادية.

ولذلك ينبغي الحذر قدر الإمكان من مأزق القراءة الميكانيكية لدلالة العنوان في صورته المباشرة.

وأقول لكم بصدق بأني تعجبت كيف لم تنل كل هذه النصوص وغيرها، ممن لم أذكرها.

أو هي غائبة عني حقها من التناول النقدي من منظور النقد التيماتي أو النقد الموضوعاتي، الذي من جدول أعماله أنه هو النقد الكفيل بتناول النصوص الحاملة لهذه التيمات والموضوعات تناولا موضوعاتيا.

حتى ولوكان النقد الموضوعاتي يكاد يكون حاضرا في شقه النظري كما في شقه التطبيقي من بعض الزوايا الأخرى في راهن وتحولات المشهد النقدي الجزائري، أتذكر هنا بعض كتابات الناقد الجزائري الدكتور يوسف وغليسي خاصة كتابه المهم (التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري الجزائري).

يضاف إلى ذلك كتابا آخر له حمل عنوان (التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري كلام المنهج فعل الكلام)

قسمه إلى قسمين القسم النظري ثم القسم التطبيقي:

تضمن القسم النظري ثلاثة فصول مهمة وهي على التوالي:

الفصل الأول كلام في المنهج الموضوعاتي وتطبيقاته النقدية

يليه الفصل الثاني:

مقدمة في تاريخ المنهج الموضوعاتي.

ثم الفصل الثالث:

الموضوع والموضوعاتية في الممارسة النقدية العربية

ناهيك عن كتاب الدكتورة مسعودة لعريط (النقد الموضوعاتي).

وهو كتاب قسمته الدكتورة مسعودة لعريط إلى فصلين:

الفصل الأول:

خصصته للجانب النظري فيما الفصل الثاني:

فقد جعلته حكرا على الجانب التطبيقي وقد قرأت على ضوءه بعض قصص الطفولة محللة إياها من منظور النقد الموضوعاتي.

ولا ينبغي التغاضي أيضا عن ما قدمه الباحث الجزائري الدكتور محمد عبد الكريم أوزغلة على الصعيدين النظري والتطبيقي عندما يتعلق الأمر بشواغل النقد الموضوعاتي في المشهد النقدي الجزائري فقد حرص في كتابه الذائع الصيت لدى عشاق الرواية والفانتازيا وهو كتاب (شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580) في الفصل الثالث من هذا الكتاب على تأثيث الفصول المندرجة في سياق النقد الموضوعاتي ببعض القراءات على غرار:

القراءة الموضوعاتية / مدخل نظري

قراءة الموضوع وموضوع القراءة

معالم القراءة الموضوعاتية الجزيئية عند جون بيار ريشار

ثم حاول تقديم قراءة هي في نقد النقد الموضوعاتي أعطاها عنوانا لافتا للنظر هو:

نقد المنهج الموضوعاتي في النقد.

وقراءة أخرى خصصها لما سيسميه بالجهاز المفاهيمي للنقد الموضوعاتي وضع فيها أمام القارئ عددا من المفاهيم والأدوات الإجرائية المساعدة على التحليل الموضوعاتي حصرها في الآتي ذكره:

01) الموضوع الحافز

Thememotif

02) الإطرادية

larecurrence

03)الحسية

sensualite

04) الإنسجام

coherence

وفي نهاية عمله النقدي أفرد محمد عبد الكريم أوزغلة لقصة الأسير قراءة تطبيقية من منظور النقد الموضوعاتي قارئا فيها موضوع الأسر من منظور النقد الموضوعاتي.

مع العلم أن الإستئناس ببعض انتاجية التحليل النفسي في سياق الممارسة النقدية الموضوعاتية ليس جديدا ولا هو أمرا طارئا على الدرس النقدي الموضوعاتي.

فقد ذكر محمد عبد الكريم أوزغلة بأن الإستئناس بالتحليل النفسي في تجارب النقد الموضوعاتي في العالم برز أول مرة في أعمال رينيه ريشار سنة 1974 من خلال دراسته (بروست وعالم الإحساس).

الأمر الذي اقتضى منه أعني صاحب كتاب (شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580) القول بأن " النقد الموضوعاتي إذ يقوم باستثمار مايطرحه التحليل النفسي إنما يضع على رأس مسلماته حضور وعي الكاتب بوصفه المبدأ الأصيل ومركز التنظيم والإنتاج للعمل الأدبي " (01).

وفي ضوء هذا التعالق المنهجي بين النقد الموضوعاتي والتحليل النفسي يحذر محمد عبد الكريم أوزغلة عندما ينبه إلى ضرورة عدم الإنسياق وراء الفوضى الناجمة عن شبكة التداخل بين المنهجين قائلا بأن المقاربة الموضاعاتية هي مقاربة للنص الأدبي في شقه المتعلق بالقبض على الدلالات المضمونية للنص وهي مختلفة عن النقد النفسي وهذا موضوع آخر ليس هنا مجال مناقشته بشكل موسع.

وأعتقد بأن هذه المهمة مهمة قراءة النصوص الأدبية الجزائرية كالتي ذكرناها في ضوء النقد الموضوعاتي لتفكيك دلالات النار أو الحريق عندما تشكل (عنصرا مهيمنا) فيها ليست مهمة فرد واحد مهما أوتي من العبقرية والكفاءة النقدية بالنظر لتباعد النصوص الحاملة لتيمة الحريق أو النار مابين السرد والشعر ومابين القصة والرواية وتشعب دلالاتها وما ينجر عن ذلك من انزياحات عتباتية وسيميولوجية ومورفولوجية وغيرها.

لا أطرح بصراحة هذا الإشكال بهدف الإثارة النقدية أو استغلال ظرف خاص كالحرائق التي مست بعض المدن الجزائرية لتحقيق بعض المكاسب النقدية الظرفية.

بل إني أطرحه رغبة مني في فتح نقاش نقدي موسع حول مساحات النقد الموضوعاتي وآفاقه المنتظرة، والمهام التي على الناقد التيماتي القيام بها لنقل موضوع الحريق من الحقل الواقعي المادي إلى الحقل النقدي خدمة للنص الإبداعي الجزائري الذي تفاعل منتجوه مع كارثة الحريق في بعدها المادي.

مع الإنفتاح قليلا على بعض اشعاعات (نظرية الحقل) والنتائج المترتبة عنها في النقد العربي.

كما تأسست لدى أحد علماء الإجتماع وهو بيير بورديو لتطعيم النقد التيماتي ببعض افرازاتها الأساسية.

الكفيلة بقراءة دلالات تجلي موضوع النار في النص الإبداعي الجزائري تجليا لافتا للنظر النقدي.

من جهة النظر إلى محمولات حقل النار في الثقافتين العربية والغربية مع تعقد اسقاطاتها الواعية أو اللاواعية في نسيج النص الإبداعي الحامل لموضوع النار أو الحريق.

وأعتقد بأنه لا يمكن القبض على المفاصل الأساسية للدلالة السيميولوجية للنار من دون العودة إلى ذلك الإرث الإبستمولوجي الذي خلفه لنا غاستون باشلار، عندما قدم تحليلا نفسيا غير مسبوق بوصفه (الإطار المرجعي) بمفهوم محمد عابد الجابري لظاهرة تداعي تيمة النار في النصوص الإبداعية الجزائرية والعربية على سبيل الإستئناس ليس إلا.

في ظل ماتواتر لدى عدد من دارسي غاستون باشلار على غرار ما قدمه الناقد المغربي سعيد بوخليط ضمن فصول كتابه المهم (غاستور ياشلار نحو نظرية في الأدب).

الكتاب الذي ضمنه مقالا مهما لآليات التحليل النفسي للنار كما قدمه باشلار بعنوان (التحليل النفسي للنار أو البحث عن حدود جديدة للمنهج الباشلاري).

خاصة وأن النار كما تتجلى في المجهود التحليلي النفساني لغاستور باشلار على مايرى سعيد بوخليط " تحمل مجموعة من الدلالات الفلسفية للموت تتجاوز في نواح كثيرة المستوى البيولوجي لتأخذ أبعاد أنطولوجية أكثر عمقا " (02).

الأبعاد المتجلية بصيغ مختلفة كموضوعات قارة أو متحولة في المتن النصوصي للنصوص الإبداعية الجزائرية لدلالات النار في عتباتها النصية وفي متونها الداخلية كنصوص تنتظر من الناقد الموضوعاتي الكشف عنها وتفكيك دلالاتها الإستعارية.

وهو الجهد الذي لم يبذل بعد وأتمنى أن يحدث ذلك قريبا ضمن عمل جماعي نقدي تتولاه جهة أكاديمية أو مؤسسية، يتم فيه توزيع أدوار الكتابة النقدية من هذا المنظور على عدد من النقاد المتخصصين وغير المتخصصين ضمن حقل النقد الموضوعاتي الكفيل بوضع هذه النصوص (نصوص النار) داخل دائرة التحليل النقدي الموضوعاتي.

والله الموفق.

***

قلولي بن ساعد / كاتب وناقد جزائري

................

هوامش

01) شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580

محمد عبد الكريم أوزغلة ص 114 دار القصبة الجزائر 2012

02) أنظر مقال التحليل النفسي للنار أو البحث عن حدود جديدة للمنهج الباشلاري ضمن كتاب غاستون باشلار نحو نظرية في الأدب سعيد بوخليط ص 119 منشورات الإختلاف / دار الفارابي الجزائر / بيروت 2011

للكاتبة فوز أبو سنينة

أعود بذاكرتي إلى سنوات الطفولة الأولى فتترقرق أمام عيني صور تلك السقطات المنسية على أرصفة الحيّ القديم، آنذاك كان الارتطام بالأرض تبادلاً كيميائياً خاطفاً بين جسد نضير طريّ وطين أزليّ لا يرحم، فكانت الركبة الصغيرة هي المحطة الأولى التي تعلن انكسار الهيبة الطفولية وشعور الفجيعة الطازج أمام جاذبية الأرض، وكان الغبار العالق بها يمثل البصمة الأولى لوجودنا الماديّ الشاخص في هذا العالم.

كبرنا وكبرت معنا السقطات، واستحالت خدوش الركب إلى ندوب غائرة في الروح، غير أنّ طعم التراب وعَبَق الغبار الجاف اللذين استقرا على مفصل الحركة ظلّا يشكّلان الشاهد الحي على أننا مررنا من هنا، وأننا انحنينا، وسقطنا، ثم نهضنا ونحن نحمل آثار الأرض على أجسادنا.

ومن هذا المنفذ الوجداني السردي الشفيف أجدني أقتحم عالم المجموعة القصصية "غبار على ركبتي" للكاتبة فوز أبو سنينة، والصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، لأجد نفسي أمام نص يغوص في العمق التأويلي والجمالي للإنسان المعاصر، مقدمة تشريحاً نقدياً ونفسياً لبنية السقوط، والغياب، وتلاشي الزمن، وانفصال الروح عن الجسد في لحظات المواجهة الكبرى.

تبدأ الرحلة النقدية من العتبة النصية الكبرى، أي العنوان الموزون بسيميائية مثقلة بالإيحاءات "غبار على ركبتي" فاختيار هذه الجملة الاسمية الشارحة يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام ثنائية العلو والهبوط، الثبات والهشاشة، فالركبة هي المفصل الحركي الأهم في الجسد الإنساني، وهي الركيزة التي تحمل ثقل الكائن وتمنحه القدرة على الانتصاب، والمسير، والمواجهة، غير أنها في الوقت ذاته المفصل الأكثر عرضة للانحناء والخضوع ولثم التراب.

أما الغبار، فهو الذرات المتطائرة من المادة الأولية للوجود، وهو التجسيد البصري للأثر، والزمن المتراكم، والنسيان، والحزن الصامت، فعندما يلتقي الغبار بالركبة يتشكل المشهد السيميائي المكثف لاتساخ طارئ، وإعلان عن فعل السقوط أو الانحناء، وإشهار للندبة الجسدية والنفسية التي تتركها الحياة على الكائن أثناء رحلته العابرة.

وتتأكد هذه الرؤية بالعتبة الإهدائية التي تصدرت المجموعة: "إلى كلّ ما التصق بي حين لم أكن أملك إلاّ أنْ أنحني... وإلى كلّ ما بقي عالقاً بي بعد أنْ مررت" لتتحول المجموعة برمتها إلى مدونة نقدية للآثار والندوب العالقة في الروح بعد كلّ انحناء إجباري أو اختياري أمام سطوة.

في النص الافتتاحي المعنون بـ "بين الأرض والسماء" تضعنا القاصة أمام المعادل البصري والسيكولوجي الافتتاحي المتمثل في تجربة القفز المظلي من الطائرة المروحية، وهي تجربة اختشاعية تتجاوز المغامرة الرياضية لتصبح استعارة كبرى للوجود الإنساني المعلق في الفراغ.

تبدأ الراوية باعتراف وجداني ينمّ عن نزوع ميتافيزيقي للتحرر: "لطالما أردت أنْ أسقط من السماء، أنْ أكون كبقعة ضوء تتدلى من سلسلة فضية على جيد رفيع، شيئاً خفيفاً، لا يُمسك، ولا يخشى الارتطام" غير أنّ هذا التوق للخفة المطلقة يتصادم فوراً مع الثقل الفيزيائي والنفسي داخل المروحية المتمايلة، فتتحول الرجفة المتسلسلة إلى الجسد، وصوت المحرك المجهد، والتنفس المتسارع إلى مؤشرات حيوية على الخوف الإنساني الأزلي من الضياع في المجهول.

إنّ اللحظة التي تقف فيها الراوية عند باب الطائرة متصلةً بالعالم فقط بكعب قدمها هي اللحظة الحديّة الفاصلة بين الانتماء للأرض والاندياح في الفراغ المطلق.

وتتجلى في هذه القصة فلسفة السقوط كعملية تفكيك للوعي الذاتي، فحين يُدفع الجسد نحو الهاوية لا يطير الإنسان كما توهمت الخيالات الرومانسية، فهو يكتشف ثقله وسقوطه السريع المحتوم، وتصف الراوية تلك اللحظة الحرجة بدقة بالغة: "تسحبنا الأرض بسرعة، أسرع فأسرع. وفي تلك اللحظة، حين شعرت أنني لم أطر، وأنني فقط أسقط، وأنّ النهاية أقرب مما توقعت... فتح المظلة تغير كل شيء دفعة واحدة" فالمظلة هي الاستعارة الكبرى للوعي، أو الفن، أو الحب الذي يتدخل في اللحظة الأخيرة ليلطف حدّة الارتطام، وليمنح الإنسان الهزّ الخفيف الذي يتيح له التفكير والنظر إلى البيوت والأشجار كألعاب بلا ملامح.

غير أنّ العودة إلى الأرض، ولثم التراب بالقدمين تعيد للجسد ثقله كاملاً، وتترك الروح معلقة في ذلك الفراغ الأوسط بين السماء والأرض في حالة من عدم اليقين الممتد الذي يتساءل عما إذا كان الشيء الساقط داخلنا قد استقر فعلاً أم ظل معلقاً هناك إلى الأبد.

وتنتقل السردية النقدية في القصة الثانية "شيء يشبه الفراغ" من السقوط الميتافيزيقي العالي إلى تأمل الحركة البطيئة جداً على هامش الرصيف من خلال المراقبة السيميائية المكثفة لكائن الحلزون، إذْ تبدأ القاصة بتأسيس طقس يومي قائم على تفقد الأشياء الصغيرة الحجم والمهملة من غصن معكوف، وبرعم أحمر يتثاءب، وبيت عنكبوت فارغ يكسوه الغبار، ونمل يتحرك باتجاه واحد.

هذا الهبوط في مستوى النظر نحو الأسفل هو استراتيجية نقدية تبتكرها الذات لتذكر مكان النهايات والوقوف على أطلال الحركة، فيظهر الحلزون في وسط الشارع الشاسع، يجر بيته فوق ظهره بثبات شامخ وكأن أمامه وقتاً لا ينفد ليمثل الكائن المتكامل الذي يحمل وطنه ومأواه ومقبرته على كاهله في مقابل الإنسان التائه الذي يفتقر إلى هذا الامتلاء الداخلي.

ويتحول الموقف السردي عندما تتدخل الراوية بدافع الشفقة أو الرغبة في الإنقاذ، فحين تقترب سيارة مسرعة تهدد حياة الحلزون البطيء تنحني الراوية، وتحمله من صدفته القاسية، وتقطع به الشارع لـتنزله أَمِناً فوق العشب عند جانب الرصيف، غير أنّ هذا التدخل البشري القسري الذي يهدف ظاهرياً إلى الصنيع الإيجابي والإنقاذ يؤدي في اليوم التالي إلى فجيعة صامتة فترى الراوية الصدفة ذاتها باهتة بلا حركة ولا خيط رفيع بعد أنْ تحول البيت الذي حملته يداها إلى كفن مغلق.

وهنا تتجلى المفارقة النقدية الفلسفية، فالتدخل في مسار الكائنات، واقتطاعها من إيقاعها الخاص للنجاة القسرية قد يكون هو السبب المباشر في موتها الصامت لتتولد لدى الراوية عقدة ذنب بصرية تجعلها تعود إلى منزلها وهي تجر قدميها بخطوات حذرة متمسكةً بقرار حاسم ألا تنظر إلى الأسفل ولو لمرة واحدة هرباً من مواجهة أثر يديها في صنع الفراغ والعدم.

أمّا في قصة "صفحة أخرى" تلج القاصة فوز أبو سنينة إلى ممارسة نقد الميتا-قص لتصبح عملية الكتابة موضوعاً للسرد، وتتحول الدفاتر والأقلام والأحبار إلى شخصيات نابضة ذات أبعاد سيكولوجية ووجودية.

تتأمل الراوية دفترها الزهري اللامع بشيء من النفور والريب مشيرةً إلى أنه لم يعد يعطيها تلك الرعشة التي كانت تهزّ كيانها عند اللمس، ويكمن التفسير السردي لهذا التحول في التلوث الدلالي للصفحات، فكيف لدفتر زهري أنْ يحتمل قصة قاسية عن أم تضرب ابنتها لأنها سكبت الحليب؟ أو قصة طفل صغير ابتلعته سيارة مسرعة أمام أمه المذهولة؟

وتتشابك ألوان الحبر الأزرق والأخضر والأحمر لتحدث فوضى بصرية تزعج الذات الشغوفة بالحبر الأسود الخالص، ذلك الحبر الذي يشبه السواد الذي تركته عجلات السيارة في الشارع، كما تتكامل المأساة النصية في القصة بوجود البقع البنية والدموع المنسكبة ونقاط البلل التي تشوه حواف الكلمات في الصفحة العشرين والثمانين.

إن القصة التي كتبت عن السيدة العجوز التي تشتري الخبز اليابس لتفتته للحمام في ساحة المدينة هي واقع يمارس سطوته السحرية على الراوية، فعندما تغلق الدفتر بكراهية وتخرج لشراء دفتر أبيض نظيف لا يعرف شيئاً بعد تتدحرج قدميها طوعاً نحو المخبز، وتشتري الخبز اليابس ذاته، وتتوجه إلى الساحة نفسها لتنثر الفتات للطيور، فتكتشف الراوية بابتسامة باهتة أنّ حياتها الواقعية ليست سوى تكرار ميكانيكي لما خطته يدها سلفاً على الصفحات الزهرية، فالكتابة في عالم فوز أبو سنينة هي استباق قدرِيّ محتوم يورث الكاتب شؤماً وتجربة حية للحبكة قبل وقوعها.

وتتعمق التيمة الزمنية والمكانية في قصة "رقم في دائرة" التي تقع دلالياً ضمن دائرة مرايا الذات والتداعي النسوي أمام سلطة الزمن الحاكم، وتبدأ القصة بدخول الغرفة الصامتة حيث لا يوجد سوى صوت الساعة الذاتي التواتري: "تك... توك... تك... توك"، وانعكاس الخيال المتردد في المرآة، فالساعة كائن هيغلي يتغير ويتطور، يلتهم اللحظات ويضبط إيقاع القلب المضطرب.

تجلس المرأة أمام المرآة لتوزع كريم المرطب على وجهها، غير أنّ البياض يتسلل فجأة إلى شعرها دون أنْ تلمسه، وتظهر الشرايين البارزة على ظهر الكف كأخاديد محفورة في أرض قاحلة، وتجتاح الجسد نوبة حَرّ شديدة في عز البرد معلنة عن التحول البيولوجي والأنثوي الحاسم الذي ينقل المرأة من زمن الشباب إلى زمن الشيخوخة المباغت.

وتنسجم الصورة التأويلية عندما تتداخل حركة عقارب الساعة الدائرية مع حركة المرأة أمام المرآة فتصبح المرأة مجرد رقم صغير داخل المينا الدائري الكبير، تمدّ يديها لتمسك بعقرب الثواني المسرع دون أنْ تنجح، ويحدث الانصهار السيمبيوزي بين الذات والزمن عندما تشعر البطلة برغبة في الخروج، غير أنّ المرآة تعكس صورة الساعة وحدها بعد أنْ ذابت الذات البشرية في الداخل الدوار.

وتمدّ المرأة يدها لتحسّس وجه الساعة الساخن، فتتفاجأ بأنّ اليد الممتدة يد جدتها المتغمدة بالخطوط والوهن، لتتكسر حدود الفردية وتصبح خطوط الزمن متوارثة بيولوجياً ونفسياً بين أجيال النساء.

فالمرأة الماثلة في الغرفة تتجرع مرارة الشيب والانكماش التي تجرعتها الجدة من قبل، بينما يتواصل الصوت الدوار: "تك... توك" ملغياً الفارق بين نبض القلب البشري ودقات العقارب الصماء.

تستكمل القصة الخامسة "الثامنة وخمس دقائق" هذا الصراع الأنثوي الأليم بين الزمن الخاص المقتطع للاستجمام والذاتية، وبين الزمن الأمومي الاجتماعي القاهر الذي لا يرحم، فتخلق البطلة طقساً يومياً ساحراً في تمام الساعة الثامنة مساءً إذْ تضيء المرآة الذكية بالأصفر الخافت، وتشعل الشموع الحمراء والصفراء المعطرة برائحة المسك الأبيض، وتشغل بيتهوفن أو فيفالدي، وتغمر جسدها في البانيو المليء بالماء الساخن ورغوة الصابون الأزرق محاولة بناء غروب خاص بها، تنزع فيه روب الحمام وكأنها تنزع ثقل اليوم الشاق بأكمله عن كتفيها، لتذوب المتاعب والأوساخ والضجيج في الغيمة البيضاء الخفيفة، ويمثّل الحمام الاستجمامي محاولة للهروب نحو الفراغ السعيد، والتوقف عن التفكير، واستعادة حدود الجسد المستقلة.

غير أنّ هذه اليوتوبيا الأنثوية العابرة لا تلبث أنْ تتشقق عند نداء الطفلة القادم من الخارج: "ماما... ماما" فيتوقف الزمن الخاص فجأة، ويتسلل البرد إلى الماء الساخن، فتضطر الأم إلى الاندفاع الخاطف، والقيام بـطقوس مبتسرة وسريعة فتختصر زيت الجسد، وتتغاضى عن السيروم المضاد للشيخوخة، وترتدي ملابس النوم بعجل أمام المرآة المغبشة التي تعكس وجهاً نصف مكتمل وخصلات مبللة.

إنّ فتح الباب للطفلة المنتظرة بابتسامة يمثل لحظة الانكسار والاستسلام اللذيذ لسلطة الأمومة؛ حيث تتلاشى الموسيقى والشموع والمسك أمام الدفء البشري الصادق، وتكتمل المفارقة الزمنية القاسية حينما تنظر الأم إلى الساعة فتجدها تشير إلى الثامنة وعشر دقائق فقط، عشر دقائق كانت كافية لهدم العالم الذاتي الشاعري وبناء العالم الأمومي الوظيفي معلنةً أنّ المرأة الأُم لا تملك من وقتها سوى لحظات مسروقة تتآكل باستمرار.

وفي قصة "قطعة ضوء" تتناول الكاتبة موضوع العثور على أوهام الماضي واجترار الخيبات العاطفية من خلال جسم معدني ملقى على الأرض، فتجلس الراوية قرفصاء تزاحم التراب لتلتقط قطعة معدنية متآكلة الحواف تشبه الدمعة، انمحت عنها الحروف اللاتينية بمجرد ملامستها للجلد، ليسري ثقل كبير ووخز خفيف يشبه تنميل حشرة "أم علي" الجالبة للحظ.

تطلق هذه القطعة المعدنية أصواتاً وصوراً استحضارية من ذاكرة الحب الخائب، حيث يتردد صوت الحبيب القديم: "أنتِ لي... أنتِ عالمي"، وتتجسد صورته البراقة وهو يقدم الخاتم بابتسامة ساحرة.

غير أنّ الضغط المتكرر على القطعة يفضح كذب الوهم البصري، إذ تنبثق صورة الحبيب في مقهى نيساني وهو يمارس الطقس ذاته والكلمات والوعود ذاتها مع فتاة أخرى لا تشبه الراوية.

إنّ التحول التحليلي للنص يكمن في تحول القطعة المعدنية من مصباح علاء الدين السحري والمستحضر للأحلام إلى كتلة باردة باهتة تسبب الألم الفيزيائي والنفسي للكف، فتتوقف الصور المشتهاة، ويجفّ زهر القبل، وتكتشف الراوية أنها كانت تتمسك طويلاً بما لا تملك، وتقتفي أثراً زائفاً للضوء.

تفتح الراوية كفها ببطء، وتنظر إلى القطعة بنظرة حاسمة جافة، ثم ترميها بعيداً دون أنْ تراقب أين سقطت في إشارة إلى القطيعة النهائية مع أوهام العاطفة واسترداد الإرادة الذاتية المعتصبة بالواقعية.

تتقاطر هذه الفكرة في قصة "خيط منسي"، حيث تتحول السمكة النهرية التي تحضن مللها في الماء وتلاحق انعكاسها إلى خيط منسي يتشبه بالطيور والحجارة البيضاء المحلقة في الزرقة قبل أنْ تسلّم نفسها كلياً للتيار الجارف ليقودها نحو المساحة التي لا تحدّها الضفاف.

وتفتتح القاصة القسم الثاني المعنون بـ"في حضرة الآخر" بقصة تهكمية ذات بعد اجتماعي ونفسي ناضج هي "امرأة لا تحتاج إلى إنقاذ"، وتبدأ القصة بنشر إعلان صحفي إلكتروني من امرأة في الثامنة والأربعين من عمرها، تكتب بوضوح وجرأة: "امرأة في الثامنة والأربعين تجيد إعداد القهوة الثقيلة، واتخاذ القرارات الصعبة، تبحث عن حب لا يطلب منها أنْ تصغّر صوتها، ويمنع شعرها من التساقط، أو على الأقل يساعدها على لمه".

إنّ اختيار سن الثامنة والأربعين يعكس تجاوز الذات الأنثوية لمرحلة الشروط الصبيانية السطحية كـالطول والوزن والمرتب ونوع السيارة، والدخول في مرحلة المعايير الواقعية الصارمة التي تتزامن مع بدء تساقط الشعر والتجاعيد، فالإعلان يمثل صرخة ضد الصورة النمطية للبطل الرومانسي الهوليوودي الذي يركض في الدقيقة الأخيرة لإنقاذ الأنثى الهشة.

وتتوالى الإشعارات والرسائل الذكورية المبتذلة المليئة بالقلوب والورود وعيون القطط، والتي تعرض جمل الاستقواء والوصاية: "لا تقلقي، سأهتم بكِ" لتفكك الراوية هذه الخطابات الذكورية بوعي ساخر، متسائلة إنْ كان الشعر المتساقط يخاف فعلاً أمام الرجل القوي.

تقوم الراوية بتعديل الإعلان ليصبح أكثر صرامة ومواجهة: "امرأة في الثامنة والأربعين، لا تحتاج إلى من ينقذها، تبحث عن رجل لا يخاف امرأة لا تحتاج إلى إنقاذ".

وسط هذا الركام المبتذل تبرز رسالة واحدة مختلفة تسأل بذكاء: "إذا كنتِ لا تحتاجين إلى من ينقذكِ، فماذا تريدين فعلاً؟" ويظل السؤال معلقاً بلا إجابة، بينما تقوم المرأة بتشغيل المكنسة الكهربائية لسحب خيوط شعرها المتساقطة على الأرضية، وتشرب قهوتها الثقيلة الباردة ببطء مؤكدة استقلاليتها التامة وعدم هرولتها خلف أي إنقاذ وهمي يسلُبُها حضورها المتكامل.

وتصل السردية الأسلوبية في "صدى الشاي" إلى ذروة التكثيف السيميائي في أنثربة المكان والأثاث، فالراوي في هذه القصة ليس إنساناً، إنه الطاولة الخشبية الدائرية القابعة فوق السجادة الرمادية في وسط الصالون.

تسرد الطاولة تاريخ العائلة وتحولاتها السوسيولوجية والنفسية عبر تغير أطقم الكنب الأربعة التي تعاقبت عليها عبر العقود في المرحلة الأولى مع طقم الكنب الرمادي الغامق ذي المساند العريضة. وكان الأطفال يتقافزون بملابسهم الملونة عند نداء الأم، ويتحلقون حول الطاولة المحملة بصينية الشاي المترعة بالنعناع والسكر الكثير، وتملأ المكان الضحكات المتقاطعة، وأصوات السيارات البلاستيكية، وفتات الكعك المبعثر الذي يدفئ روح الطاولة.

في المرحلة الثانية مع طقم الكنب الرمادي المزرق وكتب الدراسة يقل السكر، وتتحول الضحكات إلى إجابات مقتضبة وهمهمات حذرة، ويظهر البرد الأول مع انسحاب الأبناء إلى غرفهم الموصلة. وفي المرحلة الثالثة مع الكنب البيج ذي الأرائك الكهربائية المتحركة يصبح الأبناء كسرب طيور مهاجرة تسبقهم أجهزتهم الذكية (هواتف وتابلتس)، ويطلبون الشاي بلا سكر وبسرعة خاطفة، وتغيب قطرات الشاي والفتات تماماً.

أما المرحلة الأخيرة القاسية، فتتمثل في بقاء الطاولة وحدها مع الأم والأب وأريكتين فارغتين، لتُسكب أربعة فناجين فارغة تنتظر أرواح الأبناء الغائبين، ويشرب الزوجان الشاي بلا سكر وبصمت ثقيل يتردد فيه صدى السنين والتلاشي فالطاولة هنا تتحول إلى مدونة سيميائية ترصد موت الأسرة الممتدة وولادة الاغتراب الرقمي الحديث.

وتجسد قصة "ذات الحذاء الأحمر" مأساة الإعاقة الجسدية والتوق الأنثوي للجمال والاكتمال، فتجلس الراوية الصبية على كرسي الحارس أمام عمارة العيادات الطبية في وسط العاصمة منتظرة أمها التي تعالج أسنانها المتآكلة، وتزيح الكرسي بزاوية 45 درجة لتركز نظرها على واجهة محلّ الأحذية المجاورة، وتحديداً على فردة حذاء حمراء لامعة ذات كعب عال رفيع.

ويمثّل الحذاء الأحمر الاستعارة الكبرى للأنوثة الاشتعالية والحركة الحرة التي حرمت منها الصبية التي تتعكّز على عصا فضية وقدم واحدة سليمة، فتدخل المحل لتجرب الفردة اليسرى وهي جالسة، وتكتفي بمراقبة الانعكاس الساحر في المرآة السفلية لساق تنتهي بحذاء أحمر جميل وعصا فضية صلبة.

تتجلى المفارقة التجارية والاجتماعية المؤلمة عندما تعود الصبية للمحل وتطلب شراء الفردة الواحدة المقاس 39 بنصف الثمن (40 ديناراً)، فتجيبها البائعة بضحكة أسى غير مقصودة: "لا، الأحذية كالأقدام تلبس أزواجاً" لتتكرس المأساة في عدم اعتراف قانون السوق بالنقص الجسدي الإنساني.

لكنّ الصبية لا تستسلم لليأس، فتلجأ بإيعاز من حارس العمارة الحكيم إلى العالم الافتراضي (الموقع الإلكتروني)، فتفتح حساباً بصفة "بائعة أحذية" وتكتب إعلاناً إنسانياً مؤثراً: "مطلوب قدم يمنى مقاس 39 لمقاسمة حذاء أحمر جديد بكعب عال رفيع، ثمن الحذاء مناصفة بين القدمين"، وهذا الإعلان يمثل محاولة لخلق الثنائية التعويضية والتضامن بين الأجساد المبتورة لاستكمال حلم الأنوثة المسلوب.

وتتألق السخرية النقدية والتهكم المؤسسي في قصة "القلب 2" التي تنقد بضراوة ادعاءات النخب الثقافية والانتفاخ الألقابي، وتقع الأحداث في دار نشر بوسط البلد عندما تبحث الموظفة الراوية عن اسم الكاتب الذي سيصدر كتابه في 14 شباط (عيد الحب) بغلاف أحمر مباشر كليشيه.

تظهر الموظفة تائهة في التذكر، وتستحضر أستاذ اللغة العربية "لطفي" المتوفى الذي علمها النبل والمحبة في الصف العاشر، ويتناهى إلى مسامعها عبر النافذة المفتوحة صوت فتاة تضحك أسفل الشارع وهي تخبر صديقتها أنّ بائع الفستق المتجول قد وضع الفستق المحمص في قرطاس ورقي مصنوع من صفحة كتاب اسمه "القلب" لكاتب يتصدر اسمه ألقاب طنانة متتالية.

تمثّلت الألقاب المترادفة المضحكة في: "الباحث... الناقد... المفكر... المؤرخ... الروائي... القاص... عبد الله بن عبد الله الآدمي" لتشكل تعريفا مرهقاً يشبه حواجز التفتيش العسكرية المتتالية، وتختزل تضخم الأنا لدى الكاتب الأدبي المعاصر.

وتكمن المفارقة النقدية اللافوتية المذهلة تكمن في أنّ هذا الكتاب الضخم المثقل بالألقاب الرفيعة والمعنون بـ "القلب 2" ينتهي به المطاف مقطوعاً ليتحول إلى قرطاس مهمل يحمل حبات الفستق المحمص للمارة في الشارع.

تتهكم الكاتبة هنا من تحول المنتج الثقافي النخبوي الفخم إلى أداة تغليف بسيطة في قاع المدينة مؤكدة أنّ القيمة الحقيقية للأدب لا تقاس بتراكم الألقاب والصفات على الغلاف الأحمر اللامع، إنما تقاس بما يلامس الروح الإنسانية البسيطة ويتبقى في ذاكرتها.

في القصة الطويلة والمكثفة "بقايا كيمياء" تأخذنا الكاتبة فوز أبو سنينة إلى أوج التراكب السردي والدراما الإنسانية عبر التقاط تقنيات الفلاش باك المتعدد، فتجلس السيدة في الطائرة المستعدة للإقلاع مأخوذة برعشة الذكريات والوحدة الممتدة في قلبها كزجاجة عطر فارغة ما زالت تحتفظ بأثر الحنين، ثمّ تتذكر صديقة عمرها التي صرخت في وجهها وقطعتها في ليلة غاضبة مجهولة الأسباب ليتداخل هذا السفر الجوي مع ذكريات الطفولة البعيدة في القسم الخامس لمرضى السرطان بالمستشفى، حيث كان الطفلان المريضان "عمر" و"خالد" يخوضان معركة البقاء بالضحك ولعبة الاختباء في الخزانة البيضاء الكبيرة، ونسج الأحلام الطفولية حول ألاسكا والأهرامات وكرة القدم وميسي ورونالدو، وهم يأكلون حبات العنب الأخضر الخالص الذي لا يزعج المعدة بعد جلسات الكيماوي المؤلمة.

ويتشابك مشهد المستشفى القديم ورحيل خالد الفاجع الذي أطفأ ضحكة عمر مع مشهد الحافلة المكتظة في الحاضر عندما تلتقي المرأة بشاب مراهق شاحب الرأس الحليق، يجلس بجانب النافذة ويأكل عنقود عنب أخضر بشغف متحدثاً مع صديقه الغائب بصوتين مختلفين: "أتمنى لو لم يأخذك السرطان بعيداً... هيا تابع"، وعندما يتوقف السائق فجأة وينفرط عنقود العنب تحت الأقدام يرفض الشاب جمع الحبات قائلاً بأسى صامت: "لا بأس، لم يعد ذلك مهماً"، وينزل وهو يحضن الفراغ بذراعه المرفوعة وكأنه يمسك بكتف صديقه الشهيد.

هذه اللحظة التطهيرية تجعل المرأة تكتشف تفاهة الخصام البشري، فتخرج هاتفها فوراً وتتصل بصديقتها المقطوعة لتهتف بعيون تدمع: "كم أشتاق إليكِ" لتتحول بقايا الكيماوي والعنب إلى ترياق يعيد بناء المحبة الإنسانية.

تستمر البنية النقدية في تفكيك علاقة الكائن بالكتابة والوجود في قصة "قصة ناقصة"، حيث نلتقي بالشخصية الرئيسة "فاتنة"، وهي فتاة تعاني من صدمة الاسم؛ إذ لا تجد في وجهها العادي أو بشرتها المبتلاة بالبثور وصوتها النشاز ما يبرر تسميتها بفاتنة، فصوتها الغريب يجعل الناس يترددون بين الابتسام ووضع الأيدي على الآذان، فتعتزل الكلام وتلجأ إلى الكتابة التي باتت بالنسبة لها مخبأً بديلاً لنقل الصوت من الحلق إلى الورق.

تشتري "فاتنة" دفتراً أسود بلا اسم، وتجلس تحت شجرة بلوط قديمة لتكتب قصة عن سرب طيور يحلق كنجمة ثلاثية بيضاء، ينكسر جناح أحدها في العاصفة فيسكن تحت شجرة زيتون وينتظر للنهاية.

تتوقف فاتنة عند السؤال المعلق في نهاية الدفتر: "كيف سأنهي القصة؟"، وتخفي الدفتر والقلم في فجوة بين أغصان الشجرة وتغادر دون رجعة.

تمر السنون، ويسقط الدفتر الأصفر المغبر عند قدمي رجل تقليم الأشجار، يقعد الرجل تحت الظل، ويقرأ القصة المنسكبة بهدوء، وعندما يصل إلى السؤال الناقص يعض على خده الأيمن وتعلو وجهه ابتسامة متعبة تشبه ابتسامة طائر جرب الطيران مرة ولم ينسه.

يضع الدفتر تحت إبطه ويستكمل تقليم الأغصان وتدمير المخبأ هامساً بصوت خافت: "قصة فاتنة!".

إنّ هذا الإغلاق السردي التبسيطي يؤكد أنّ القصص الإنسانية الأكثر عمقاً هي تلك التي تبقى ناقصة، فيكملها الغرباء العابرون في الحياة بلمساتهم الدافئة.

وفي قصة "فتاة الـ لا" تعالج الكاتبة ظاهرة الرفض النفسي واللغوي لدى الفتيات المعاصرات، إذ تبدأ الفتاة جملها دائماً بالنفي والاعتراض المباشر: "لا أكرهك... لا صباح الشر... لا أريد أن لا آكل". تعجز الأم عن فهم هذا السلوك المباغت، فتلجأ إلى الدجل والشعوذة عبر الشيخ ذي اللحية البرتقالية الذي يشخص الحالة بأنها "جني الرفض"، ويطلب ضربها حتى يخرج الجني، فتطرد الفتاة الشيخ وأمها بصراخ رافض، وتلجأ الأم إلى الذكاء الاصطناعي وتطبيق "تشات جي بي تي" الذي ينصحها بصبر ولعب لعبة الأسئلة الموجبة، غير أنّ الفتاة تهزم التطبيق أيضاً بـ"لاءاتها" المتكررة لحماية خصوصيتها.

وتصل المأساة إلى ذروتها في العيادة النفسية؛ حيث يطلب الطبيب الذكي من الأم مرافقة الفتاة إلى مدرسة واستكشاف سر الاضطراب، وعند نهاية الممر الطويل بالقرب من الحمام المدرسي تتسارع ضربات قلب الفتاة، وتشد المنديل الورقي حتى يتفتت بين يديها، وتصرخ بعينين منكسرتين: "لا... لا أريد أن أدخل إلى الحمام. لا أريد أن ألعب لعبة اللمس اللعينة!".

هنا ينكشف الستار عن الصدمة التروماوية الغائرة؛ فالـ"لا" اللغوية الشاملة لم تكن سوى درع دفاعي سيكولوجي أنشأته الفتاة لحماية جسدها المعتدى عليه في الحمام المدرسي.

إنها لغة احتجاجية كاملة رفعت ضد العالم الذي فشل في حمايتها من التحرش، وتحول اللسان إلى حصن نفي يرفض الاندماج مع مجتمع يتجاهل جراح الضحايا.

وتتعمق التفرقة الجندرية والتمييز الأبوي الثقافي في قصة "حظ البنات" لتبدأ الراوية باعتراف مرير: "كنتِ أول خيبة في حياتي. وهل تعرف ابنة الأربعة أعوام معنى الخيبة؟".

التقت الطفلة بالسيارة الحمراء الصغيرة التي تعمل بالتحكم عن بعد في بيت الجدة القديم، حين عاد الأب من أوروبا بثلاث حقائب مليئة بالهدايا لتتشكل الدائرة العائلية، وعندما تمد الطفلة يدها لشغفها بالسيارة الحمراء يوقفها الأب قائلاً: "دعي الضيوف يختارون أولاً"، فينتزعها ابن عمها البالغ ست سنوات قائلاً بسخرية ذكورية مبكرة: "إنّ السيارات للأولاد فقط وإنّ البنات لا يعرفن القيادة".

يتكرس التهميش عندما يبرر الأب فوز الطفلة اللاحق بالسيارة الجديدة الموعودة أو في كرة القدم والدراجة الهوائية وتفوقها في الهندسة الميكانيكية بعبارة "حظ البنات" هذه العبارة المسمومة تُسقط الكفاءة والجهد الذاتي لتجعله مجرد مصادفة أو حظ أنثوي عابر.

تشاء الأقدار أن تدرس الفتاة الهندسة الميكانيكية، وتقود سيارات بيضاء وخضراء وسوداء وبرتقالية، غير أنها تظل عاجزة عن نسيان طعم الشراب الأسود المر والخيبة الأولى والاتهام الجاهز بحظ البنات.

إنّ القصة تقدم نقداً اجتماعياً ناصعاً لبنية التمييز المبكر في الموروث العائلي، وكيف تتحول اللعبة الطفولية إلى ساحة صراع هوياتي تشكل وعي الأنثى وتدفعها للتفوق النكدي لإثبات الذات أمام سلطة الذكور.

يفتتح القسم الثالث المعنون بـ"الذاكرة والغياب" بقصة سحرية شائكة هي "بيت قديم" في قرية جبلية بعيدة ذات بيوت تشبه القبعات الحمراء المغطاة بالثلوج، يصل غريب أسود البشرة بالقطار ويمشي خطين متوازيين ليحتمي ببيت مهجور منهار السقف، ثم يتخذ من أسفل الدرج مقاماً له، ويرتدي غطاء أبيض ويشعل النار بالحطب المنسي.

ينقسم أهل القرية في نظرهم إليه: فالبعض يراه وحشاً أو شبحاً أسود يُسقط الثريات على العشاق ويزأر كالذئاب لتشريد تجار المخدرات، بينما يحبه الفقراء وابنة الخباز والأطفال الذين يجدون أبواب البيت تفتح لهم في العواصف.

وعندما ينهار السقف على الغريب في ليلة شتوية ثقيلة يهرع القرويون ليجدوا أنّ الوحش المزعوم لم يكن سوى إنسان أسود ينزف دماً أحمر قانياً، وأسفل الدرج يكتشفون البطانية الدافئة والأوراق المليئة بالرسائل الناقصة التي تبدأ بعبارة: "إلى صديقي العزيز…".

الراوي في هذه القصة يتداخل مع الشبح والغريب، ليكشف أنّ أهل القرية كانوا بحاجة إلى خَلق "وحش غامض" لتبرير مخاوفهم وعجزهم وفشلهم الأخلاقي.

إنّ موت الغريب الأسمر وتحول أوراقه المكتوبة بالرصاص إلى الرسالة المستمرة للراوي يؤكد فكرة التضامن الإنساني العابر للترهات العنصرية والمكانية.

تتكامل هذه الرؤية في قصة "حين انتفخت الكعكة" حيث تتداخل تجربة الخبز اليومي لكعكة الشوكولاتة في المطبخ مع الهلاوس الكابوسية للسقوط في الشوكولاتة الذائبة والساعة المتوقفة عند الواحدة إلا ربعاً، لتصحو الأم وتزين الكعكة بالكريمة الزهرية من أجل عيد ميلاد ابنتها.

وتقف قصة "يد فوق التراب" كعلامة فارقة في التناص المباشر مع عنوان المجموعة القصصية، إذ تخرج الراوية في نهار ربيعي بعيد، وهي تجلس على ركبتيها دون أن تنتظر لطبقتي الغبار اللتين التصقتا ببنطالها الأسود لتتأمل دودة بنية رفيعة تزحف.

تمد إصبعها لتمس الزغب القصير، فتتكرمش الدودة كأنها تحمي سرها، ثم تعاود الزحف بثبات وبيقين تحسدها عليه الراوية لتسألها الراوية بشجن: "عندما تصيرين فراشة هل ستتذكرين أنني حملتكِ؟" ثم تنزلها بين العشب وتعود إلى المنزل وهي تنفض الغبار عن ركبتيها غير أنّ أثره يظل العالق الدائم.

تتكرر هذه الزيارة كلّ ربيع في نفس المكان بالبنطال الأسود ذاته، غير أّ الدودة الفراشة لا تعود أبداً.

وفي أحد الأعوام تجلس الراوية متسمرة على الأرض لزمن طويل حتى يبهت الضوء ويثقل جسدها، وتظل يدها الممدودة فوق التراب تجف وتبرد وتتغبر حتى تصبح شبيهة بتلك الدودة الملتفة المنتظرة.

تتأكد الراوية أنّ بعض الكائنات والأحلام محكومة بالبقاء تحت التراب وفوقه دون أن يصيبها أي ربيع.

وترتبط هذه الفكرة البغيضة بقصة "الحوت الخامس"، حيث تستلقي الراوية على سرير أبيض برائحة اللافندر وبودرة الأطفال أمام حائط زجاجي يطل على بحر هائج، ليتحول السرير إلى شبكة تسحبها للعمق، وتتحول ذراعاها وجسدها إلى حوت أبيض خامس يسبح مع الحيتان الأربعة بين اليمين واليسار في صمت أزلي.

ثم تصل تجربة الموت والبعث إلى أوجها النفسي في قصة "بطانية زرقاء، وتجلس الطفولة المريضة تحت حمى حارقة تتعدى الأربعين درجة، وتستحم بالماء الساخن في الفراش ملتصقة بملابس نومها.

يحملها والدها المذعور في المطر الغزير ملفوفة ببطانية أخيها الزرقاء التي تخالف رغبتها ببطانيتها الزهرية وفي المستشفى الأبيض يتوقف قلب الطفولة على الجهاز الصافر ثلاث مرات، وتخرج الروح لترى المروحة الرمادية وسقف الغرفة ووالدها المتمسك بيأس بيدها.

تعود الطفلة للحياة بتدخل طبي معجز، غير أنّ البطانية الزرقاء تصبح رمزاً مشؤوماً للموت والبعث فلا تستعمل بعد ذلك أبداً.

تدور الأيام والسنون، وتكبر الفتاة لـتجد نفسها في غرفة مستشفى أخرى، حيث ينام والدها العجوز بشعره الأبيض الموصول بأسلاك جهاز القلب المعطل، وتمسك الفتاة بسبابته المتعرجة وتقبله على خده الأيمن قائلة بنفس الكلمات التي قالها لها في الطفولة: "أنا هنا بابا. أنت بخير، صغيرتك هنا"، فيبتسم الوالد ابتسامة ضعيفة قبل أن يغلق عينيه مجدداً.

تتكامل هذه اللحظات الختامية مع قصة "عازف الأوكورديون" الذي يعزف أمام الكاتدرائية القديمة للجمهور الشغوف وراقصة الفلامينكو التي ترمي خاتمها في القبعة السوداء وتغيب في الاتجاه المعاكس، وقصة "علبة شوكولاتة قديمةط التي تحتفظ فيها المرأة بخصلات شعرها المصبوغة وشعيرات طفلها آدم الأولي لـتتأكد أنه ما زال معها ولا تنقطع العروة.

في خاتمة هذه القراءة النقدية نخلص إلى أنّ المجموعة القصصية "غبار على ركبتي" للكاتبة فوز أبو سنينة تشكل صرحاً سردياً متكاملاً يتجاوز السرد التقليدي ليصبح وثيقة فلسفية وسيكولوجية تضيء هشاشة الإنسان المعاصر أمام سطوة الزمن والمكان والغياب.

إنّ العودة المتكررة لتيمة الغبار والعصا والركبة والانحناء ليست مجرد تنويعات أسلوبية، فهي المنيفستو الجمالي الذي تقترحه الكاتبة للتعايش مع الندوب؛ فالإنسان في هذا العالم ليس بطلاً أسطورياً يخلو من الضعف، إنما هو كائن طيني يتعثر، ويسقط من المروحية أو فوق الرصيف، ويتألم من فقدان الأحباء وصدمات التحرش والتمييز، غير أنه يمتلك دائماً الشجاعة الكافية لـنفض الغبار عن ركبتيه، والاستمرار في المسير وهو يحمل آثار الأرض على جسده.

لقد استطاعت فوز أبو سنينة بلغة جَزْلة شفيفة، وبقدرة فائقة على التقاط التفاصيل المهملة (كالحلزون، والدفاتر، والطاولة، والحذاء الأحمر، والعنب، وبطانية الأطفال)، وأن تحول اليومي العابر إلى مطلق ميتافيزيقي يلامس الروح.

وكما بدأت هذه الدراسة برؤية طفولية وجدانية لطفلة تتأمل الغبار العالق بالركبة الصغيرة، فإنها تنتهي باليقين ذاته بأنّ الفن الحقيقي هو ذلك الذي لا يمسح الغبار عن أجسادنا فنعيد قراءته أوسمة شرف وشهادات حية على أننا عشنا، وتألمنا، وانحنينا، ثم نهضنا لنكمل القصة الناقصة بملء حريتنا وإرادتنا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

وبلاغةِ الغياب في قصيدة ذاكرة التراب للأستاذة الشاعرة مجيدة محمدي

حين يصيرُ الغيابُ جذورًا ويُصبحُ الترابُ شاهدًا

مقدّمة: ما يتذكّره التراب؟

في قصيدة «ذاكرة التراب» لمجيدة محمدي، لا يُعامل التراالذيب بوصفه سطحًا نمشي عليه، ولا بوصفه حفرةً يُوارى فيها ما انتهى؛ إنه كائنٌ يعرف، ويحفظ، ويعضّ. ومن هذه الاستعارة الأولى تنفتح القصيدة على سؤالها الأعمق: إذا أمكن اقتلاع الإنسان من بيته، ومحو البيت من الخريطة، فهل يمكن اقتلاع المكان من الذاكرة أيضًا؟

تجيب القصيدة بالصورة لا بالشعار. تتركنا أمام زيتونةٍ تُسرّح شعرها، وستارةٍ تتحرّك بعد رحيل أهلها، وحذاءٍ صغير ينتظر بابًا لا يُفتح. إنها لا تروي الفاجعة من خارجها، بل تُنصت إلى ما خلّفته في الأشياء؛ ثم تتبع ذلك الصوت الخافت حتى تخرج، من بين حجرين، بذرةٌ تكتب ما عجزت الخرائط عن حفظه.

جسد الأرض ولسان الأشياء

تُفتتح القصيدة بضربةٍ بلاغية مباغتة: «لِلترابِ ذاكرةٌ / تُحسنُ العضَّ». كان يمكن للذاكرة أن تحفظ أو تستعيد؛ لكنها هنا تعضّ. والعضُّ فعلُ دفاعٍ وألمٍ معًا: كأن الأرض، وقد مُسّت في وجودها، لم يبقَ لها من الكلام إلا أن تُثبت بأسنانها ما تحاول اليد الأخرى انتزاعه. بهذه العبارة وحدها تنقل الشاعرة الذاكرة من سكون التأمل إلى حدّة المقاومة.

ثم تنمو الزيتونة من التراب نموَّ شاهدٍ لا نموَّ زينة: «تُسرِّحُ شعرها في الريح»، وفي قلبها «مفتاحٌ عتيق». الشعر للإنسان، والقلب للحياة، والمفتاح للبيت؛ وقد اجتمعت الثلاثة في شجرة. ليست الزيتونة هنا منظرًا ريفيًّا هادئًا، بل جسدًا يحمل أثر المسكن الغائب. وحين «يشير» كل غصن إلى جهة، تبدو الشجرة كأنها تحفظ الجهات التي فقدتها الخرائط. لذلك يغدو الطائر الباحث «عن مكانٍ / نفته الخرائط» قرينًا لها: هي تعرف ما يُنكر، وهو يفتش عمّا أُنكر.

تبلغ بلاغة الأشياء ذروةً أخرى في الستارة والحذاء. الستارة تتحرك وحدها، لكن الحركة لا تُثبت عودة المرأة؛ إنها تجعل الغياب شبيهًا بالحضور إلى حدّ الوجع. والحذاء الصغير «ينظر» إلى باب لا يفتحه أحد: صورةٌ لا تقول مصير صاحبه، ولا تحتاج إلى قوله كي تُحدث أثرها. فالعين المستعارة للحذاء تُضاعف إحساسنا بغياب العين التي كان ينبغي أن تنظر، والقدم التي كان ينبغي أن تمضي. هنا لا تُشخّص الشاعرة الأشياء لتجميل العبارة؛ بل تُنطقها لأن أصحابها لا يظهرون في المشهد.

نصفُ الوجه ونصفُ القول

في الخيمة، يضيء المصباح «نصفَ وجهٍ»، بينما «النصفُ الآخرُ / تحتفظُ به أمٌّ». هذه من أكثر صور القصيدة اتساعًا على قصرها. فالمصباح قادرٌ على إظهار ما تقع عليه أشعته، لكنه عاجزٌ عن إظهار ما تحمله الأم في داخلها؛ كأن للنور حدًّا، وللأم ذاكرةً تتجاوز ذلك الحد. وقد يكون النصف الذي تحتفظ به ملامحَ محبوبٍ، أو صورةَ حياةٍ سابقة، أو ذلك الجزء من الإنسان الذي لا تبلغه عين الغريب. تبقي القصيدة هذه الاحتمالات مفتوحة، فتجعل من النقص معنىً لا فراغًا.

ويجيء «الرغيفُ البارد» إلى جانب الحذاء ليُنزِل الألم من سماء المجاز إلى أرض الحاجة اليومية. فالخيمة ليست رمزًا مجرّدًا، بل مكانٌ يُؤكل فيه خبزٌ فقد دفأه، ويُنتظر فيه بابٌ لا يستجيب. من هنا تنشأ قوة النص: إنه يجاور الصورة العالية والتفصيل المتواضع، فلا يسمح للبلاغة أن تحجب الإنسان، ولا للتفصيل أن يفقد أفقه الرمزي.

وتؤدي علامات الحذف والأسطر المقتضبة عملًا مماثلًا. فبعد «بقايا ستارةٍ...»، وبعد «بابٍ...»، وبعد حركةٍ تحت التراب، يتأخر تمام المعنى، كما يتأخر تمام الفقد. ما لا يُقال ليس نقصًا في القصيدة، بل جزءٌ من طريقتها في القول: تترك للقارئ فسحةً يسمع فيها صرير الباب الذي لم يُفتح، وخطوَ المرأة التي لا تُرى.

صراعُ الأسنان والجذور

تعود صورة الفم في المقطع الرابع، لكن على نحوٍ مقلوب. فالتراب في البداية «يُحسن العضّ»، أما الليل فله «أسنانٌ معدنيةٌ» و«يمضغ البيوت / بيتًا بيتًا». تتشابه المفردات وتتنازع الأفعال: عضُّ الأرض تشبّثٌ بالذاكرة، ومضغُ الليل تفتيتٌ للمأوى. بل إن الليل يترك «في الفم / طعمَ الحجر»؛ وكأن الخراب، بعد أن يأكل البيوت، لا يجد فيها ما يُشبع، بل يصطدم بما لا يستطيع هضمه تمامًا. الحجر هنا بقايا بيتٍ، وربما بقايا صلابةٍ تستعصي على المحو.

في مواجهة هذا العنف، لا تقدّم القصيدة قوةً مماثلة له، بل قوةً من جنسٍ آخر. يرسم الطفل «شجرةً / أكبرَ من الجدار». الجدار حدٌّ قائم، أما الشجرة المرسومة فاحتمالٌ يتجاوزه؛ والطفل، وإن لم يستطع هدم الجدار، يستطيع ألّا يجعل منه حدًّا لخياله. تلك ليست براءةً منفصلة عن المأساة، لأن البحر نفسه يمد ذراعيه «لاحتضان الفرح»، ثم تُعيدهما الأمواج فارغتين. إن الخيال هنا يقاوم، لكنه لا يُبطل الخسارة؛ ولذلك تبدو صورته صادقةً لا متفائلةً على عجل.

وتأتي الصدفة المكسورة لتختصر المسافة بين الضخامة والضآلة: «في جوفها / صوتُ مدينةٍ / بائسةٍ». مدينةٌ كاملة تصير صوتًا في جوف شيءٍ هش. هذه المفارقة تصوغ إحدى حقائق القصيدة الجمالية: ما تهدّم في العالم الكبير قد ينجو أثرُه في أصغر الأشياء. الصدفة لا تُعيد المدينة، لكنها تمنع صمتها التام.

من مفتاح العجوز إلى خريطة الشجرة

يتكرر المفتاح مرتين، ولكل ظهورٍ وظيفته. في البدء يسكن قلب الزيتونة، كأن الطبيعة صانت سرّ البيت. ثم يُعلّق على صدر عجوز، كأن الجسد ورث ما صانته الشجرة. وحين يديره «في سكون الفجر»، لا تُفتح أقفالٌ مألوفة، بل «تئنُّ جهةٌ بعيدةٌ» ويتحرك شيءٌ تحت التراب. المفتاح، إذن، لا يعمل في بابٍ حاضر، وإنما في صلةٍ لم تنقطع بين الإنسان والمكان. أما أن تكون الجهة «بعيدة»، فهذا ما يمنع الصورة من السهولة: الشوق لم يختصر المسافة، لكنه أبقاها مسافةً قابلةً للنداء.

ثم يأتي الفجر الأخير متدرّجًا، لا منتصرًا دفعةً واحدة. «خيطٌ ذهبيٌّ» يمر بين حجرين؛ وبذرةٌ قديمة تستيقظ؛ «ورقةٌ واحدةٌ... / ثم ورقتانِ...»؛ وأخيرًا شجرةٌ ذات جذورٍ «تُعيدُ كتابةَ الخريطة». هذا البطء مقصود الأثر: فالرجاء الذي ينمو ورقةً بعد ورقةٍ أصدق من رجاءٍ يمحو، في لحظةٍ واحدة، الرغيف البارد والحذاء المنتظر والبحر خالي الذراعين.

وهنا تستدير القصيدة إلى بدايتها في بناءٍ محكم. الطائر في المقطع الأول يبحث عن مكانٍ نفته الخرائط؛ والجذور في المقطع الأخير تعيد كتابة الخريطة نفسها. ما عجز الجناح عن العثور عليه، تتعهد الجذور بإثباته. وليس المعنى أن الشجرة تنتصر على الورق ببساطة، بل أن للمكان كتابةً أخرى: كتابةً في الذاكرة، وفي الأجساد، وفي البذور التي تصرّ على الحياة.

خاتمة: ذاكرةٌ لا تكتفي بالبكاء

ليست «ذاكرة التراب» مرثيةً خالصة، وإن عرفت الحزن، ولا نشيدَ انتصارٍ سهلًا، وإن انتهت بالشجرة. إنها قصيدةٌ تُبقي التوتر حيًّا بين المفتاح والباب، وبين الجدار والرسمة، وبين الخريطة والجذر. ولعل جمالها الأعمق أنها لا تجعل الذاكرة بديلًا مريحًا عمّا فُقد؛ بل تجعلها عهدًا ثقيلًا بحفظه.

في البدء كان التراب يعضّ كي لا يُمحى أثره، وفي الختام تشقّه البذرة كي يخرج منه غدٌ ممكن. وبين الفعلين تتجلى حكمة القصيدة وبلاغتها: الأرضُ التي تتذكّر لا تستعيد الماضي وحده؛ إنها تُنبت، من جرحه، حقَّ المستقبل في أن يكون.

***

طه دخل الله عبد الرحمن - الجليل

29/09/2026

......................

ذاكرة التراب...

لِلتُّرَابِ ذَاكِرَةٌ

تُحْسِنُ العَضَّ،

زَيْتُونَةٌ

تُسَرِّحُ شَعْرَهَا فِي الرِّيحِ،

وَفِي قَلْبِهَا

مِفْتَاحٌ عَتِيقٌ،

كُلُّ غُصْنٍ

يُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ مَا،

سَمَاءٌ مُشَقَّقَةٌ،

وَطَائِرٌ يُفَتِّشُ فِي الهَوَاءِ

عَنْ مَكَانٍ

نَفَتْهُ الخَرَائِطُ.

-2-

عَلَى الحَافَّةِ

بَقَايَا سِتَارَةٍ...

تَتَحَرَّكُ وَحْدَهَا،

كَأَنَّ امْرَأَةً مَا

مَا زَالَتْ تَعْبُرُ الغِيَابَ

بِثَوْبِهَا القَدِيمِ.

-3-

فِي الخَيْمَةِ

مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ

يُضِيءُ نِصْفَ وَجْهٍ.

النِّصْفُ الآخَرُ

تَحْتَفِظُ بِهِ أُمٌّ.

وَعَلَى الأَرْضِ

رَغِيفٌ بَارِدٌ،

وَحِذَاءٌ صَغِيرٌ

يَنْظُرُ إِلَى بَابٍ...

لَا أَحَدَ يَفْتَحُهُ.

-4-

لَيْلٌ

لَهُ أَسْنَانٌ مَعْدِنِيَّةٌ.

يَمْضَغُ البُيُوتَ

بَيْتًا بَيْتًا،

ثُمَّ يَتْرُكُ فِي الفَمِ

طَعْمَ الحَجَرِ.

-5-

طِفْلٌ

يَرْسُمُ شَجَرَةً

أَكْبَرَ مِنَ الجِدَارِ.

وَالبَحْرُ هُنَاكَ

يَمُدُّ ذِرَاعَيْهِ

لِاحْتِضَانِ الفَرَحِ،

فَتُعِيدُهُمَا الأَمْوَاجُ

فَارِغَتَيْنِ.

-6-

وَعَلَى الرَّمْلِ

صَدَفَةٌ مَكْسُورَةٌ،

فِي جَوْفِهَا

صَوْتُ مَدِينَةٍ

بَائِسَةٍ...

-7-

مِفْتَاحٌ

عَلَى صَدْرِ عَجُوزٍ.

كُلَّمَا نَامَتِ البِلَادُ،

أَدَارَهُ فِي سُكُونِ الفَجْرِ...

فَتَئِنُّ جِهَةٌ بَعِيدَةٌ،

وَيَتَحَرَّكُ شَيْءٌ

تَحْتَ التُّرَابِ...

-8-

فِي الفَجْرِ

يَمُرُّ خَيْطٌ ذَهَبِيٌّ

بَيْنَ حَجَرَيْنِ،

فَيُوقِظُ بَذْرَةً قَدِيمَةً...

تَشُقُّ البَذْرَةُ التُّرَابَ.

وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ...

ثُمَّ وَرَقَتَانِ...

شَجَرَةٌ يَانِعَةٌ،

جُذُورٌ قَوِيَّةٌ

تُعِيدُ كِتَابَةَ الخَرِيطَةِ.

***

مجيدة محمدي

19/09/2026

 

في مئوية رواد الحداثة الشعرية العربية، لا يبدو استحضار عبد الوهاب البياتي مجرد احتفاء بذكرى شاعر كبير، بل هو عودة إلى لحظة تأسيسية أعادت ترتيب العلاقة بين القصيدة والوجود، وبين الذات والآخر، وبين التاريخ والأسطورة، وبين المنفى والمكان. فالبياتي لم يكن شاعراً يكتفي بتحديث شكل القصيدة، وإنما كان يغامر بتغيير موقع الذات الشعرية داخل العالم، بحيث تغدو القصيدة فضاءً بينياً لا تستقر فيه الأشياء على حدودها، ولا تبقى الذات سجناً مغلقاً على أحزانها، بل تتشكل في تماسها الدائم مع الآخر، ومع التاريخ، ومع الأسطورة، ومع الموت.

ومن هنا يمكن قراءة شعر البياتي بوصفه انتقالًا من الحداثة إلى أفق يتجاوزها؛ أفق لا يعود فيه المجاز مجرد أداة بلاغية لتجميل المعنى، وإنما يتحول إلى طريقة في رؤية الوجود نفسه. فالمجاز عنده لا يكتفي بأن ينقل الشيء من دلالته المباشرة إلى دلالة أخرى، بل يفتح بين الدلالتين منطقة ثالثة، منطقة معلقة بين الواقع والحلم، بين الحضور والغياب، بين الموت والولادة. إنها المنطقة التي يمكن تسميتها الصورة البينية؛ حيث لا يعود الشاعر أمام عالم مكتمل، بل أمام عالم يتخلق باستمرار.

البياتي، بهذا المعنى، شاعر يرى الحياة في حركتها لا في سكونها، ويرى الذات في علاقتها بالآخر لا في عزلتها. فالـ«أنا» الشعرية عنده ليست جزيرة مكتفية بذاتها، وإنما كائن يعبر إلى الآخرين ويستعير أصواتهم وأقنعتهم ومصائرهم، ثم يعود منها أكثر اتساعاً وأشد التباسًاً. ولذلك لم يكن استدعاء الشخصيات التاريخية والصوفية والأسطورية في شعره ضرباً من الزينة الثقافية، بل كان جزءاً من مشروع شعري يعيد من خلاله اختراع الذات.

ولعل الحلاج واحد من أكثر النماذج دلالة على هذه الآلية. فحين يعبر البياتي من الحلاج إلى بغداد، فإنه لا يستحضر شخصية صوفية من الماضي لكي يروي سيرتها، وإنما يستنطق مأساة الحلاج داخل زمن آخر، ويجعل من الصوفي القديم مرآةً لأسئلة الشاعر الحديث: الاغتراب، والاضطهاد، والحرية، والموت، والمنفى، والرغبة في تجاوز الواقع. هنا تتحول شخصية الحلاج من تاريخ شخصي إلى وجود عابر، ومن قناع إلى إنابة؛ أي إن الشاعر لا يختبئ خلف الشخصية بقدر ما يدخل فيها، ويجعلها شريكًا في إنتاج صوته الشعري.

وهذه النقطة تحديداً تفتح باباً مهماً لفهم تجربة البياتي: قصائده ليست سيرة ذاتية مباشرة، وإن كانت مشبعة بسيرة الذات. إنه لا يقول «أنا» لكي يحكي نفسه، بل يصنع «أنا» شعرية تتعدد داخلها الأصوات والمصائر. الحلاج، وبغداد، والمنفى، والأسطورة، والموت، والحب، والأصدقاء، والأمكنة ليست موضوعات منفصلة، وإنما مرايا متقابلة تتشكل الذات في انعكاساتها.

ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الإنابة في شعره. فالبياتي ينتقل من القناع إلى ما هو أعمق من القناع. القناع يخفي وجهاً خلف وجه، أما الإنابة فتسمح للوجهين بأن يتداخلا. يصبح الشاعر والحلاج، أو الشاعر والأسطورة، أو الشاعر والمنفي، كائناً شعرياً واحداً متعدد الأصوات. وبذلك تتحول الشخصية المستعادة من «آخر» إلى «أنا محتملة»، ومن موضوع شعري إلى شريك في صناعة الذات.

وليس غريباً أن تتجاور في شعر البياتي بغداد الواقعية وبغداد الأخرى؛ بغداد المدينة والتاريخ والذاكرة، وبغداد التي تتشكل في المخيلة بوصفها فضاءً صوفياً بديلاً. فالمكان عنده لا يظل جغرافيا محايدة، بل يتحول إلى كائن دلالي. وقد تتحول المدينة الواقعية إلى ديستوبيا، وإلى فضاء يختزل مدن الطاغوت والقمع والمنفى، في مقابل جغرافيا أخرى تنفتح على الروح والحلم والخلاص.

إنها ثنائية المكان الظاهر والمكان الباطن؛ مدينة تُرى بالعين، ومدينة لا تُرى إلا بالشعر.

وهنا يكتسب التصوف في تجربة البياتي وظيفة تتجاوز الاستعادة التراثية. فالتصوف ليس ماضياً يعود إليه الشاعر هرباً من الحاضر، وإنما هو طاقة تأويلية تسمح له بإعادة بناء الحاضر. ولذلك فإن تجربة الحلاج، مثلًا، لا تنتمي إلى زمنها وحده؛ إنها تعبر الأزمنة، لأنها تحمل سؤال الإنسان أمام السلطة، وسؤال الحرية أمام القمع، وسؤال الروح أمام الجسد، وسؤال الوجود أمام العدم.

ومن العدم نفسه يولد الوجود في شعر البياتي. فالموت عنده ليس نهاية مغلقة، وإنما عتبة تحول. إن الذات التي تعبر الموت لا تختفي بالضرورة، بل قد تولد من جديد في اللغة، وفي الأسطورة، وفي الذاكرة. لذلك يمكن القول إن البياتي يكتب الموت بوصفه طريقاً إلى ولادة أخرى، ويجعل القصيدة مختبراً لهذا التحول. إن ما يموت في الواقع قد يستعيد حياته في الشعر، وما ينتهي تاريخياً يمكن أن يبدأ رمزياً.

وهنا تتجلى واحدة من أكثر خصائص تجربته رسوخاً: استدامة التكوين الشعري. فالبياتي لم يكن مجرد مرحلة في تاريخ الشعر العربي الحديث، وإنما كان مشروعاً شعرياً مفتوحاً على التحول. ولذلك فإن الحديث عن ريادته لا ينبغي أن يُختزل في أسبقيته الزمنية. فالولادة في سنة واحدة لا تصنع جيلاً؛ الذي يصنع الجيل هو تضافر الشعر والمؤثرات والتحولات والرؤى والمنهج الجمالي الذي يجد فيه شعراء لاحقون إمكانًا لمواصلة الطريق.

ومن هذه الزاوية، تصبح مئوية الرواد مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم «الجيل» نفسه. فـالسياب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة لا يجتمعون فقط لأنهم ينتمون إلى حقبة زمنية متقاربة، بل لأنهم كانوا جزءاً من حركة تاريخية وجمالية كبرى أخذت القصيدة العربية من نظامها القديم إلى فضاء أكثر انفتاحاً على التجربة الحديثة.

غير أن البياتي، في خصوصية تجربته، دفع هذا التحول باتجاه آخر؛ باتجاه اللغة التي لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد إنتاجه، وباتجاه الصورة التي لا تكتفي بتجميل الواقع، وإنما تعيد تركيب علاقاته. ولهذا تبدو قصيدته، في كثير من لحظاتها، وكأنها تتجاوز سؤال كيف نكتب القصيدة الحديثة؟ إلى سؤال أكثر جذرية: كيف يمكن للشعر أن يعيد اختراع الوجود؟

وهذا ما يجعل أثره ممتداً إلى أجيال لاحقة. فحداثته ليست مجرد كسر للوزن أو تحديث للصورة، وإنما تغيير في موقع الشاعر من العالم. لقد انتقلت القصيدة معه من كونها خطابًا عن الأشياء إلى كونها فضاءً تتغير فيه الأشياء والذات معاً.

إن النسغ الحقيقي لتجربة البياتي لا يكمن في شعارات الحداثة، بل في قدرتها على التحول من الداخل. اللغة نفسها تتبدل، والصورة تتشظى، والزمن يتداخل، والأسطورة تستيقظ من نومها، والمكان يفقد ثباته، والشاعر لا يعود سيد النص الوحيد، بل يدخل في حوار مع أصوات أخرى، بعضها تاريخي وبعضها أسطوري وبعضها صوفي وبعضها متخيل.

لهذا تبدو تجربة البياتي أقرب إلى جغرافيا شعرية متعددة الطبقات: بغداد في مقابل المنفى، الحلاج في مقابل الشاعر، الموت في مقابل الولادة، التاريخ في مقابل الأسطورة، والذات في مقابل الآخر. وكل ثنائية منها لا تنتهي إلى طرف، بل تخلق منطقة ثالثة هي منطقة الشعر.

وهنا تكمن قيمة «البينية» في شعره: إنها ليست حالة وسطية أو تردداً بين موقفين، وإنما طاقة خلق. فالبياتي لا يقف بين الواقع والحلم لأنه عاجز عن اختيار أحدهما، بل لأنه يرى أن الحقيقة الشعرية لا تولد إلا من تفاعلهما. ولا يقف بين الذات والآخر لأنه فقد صوته، بل لأنه اكتشف أن الذات نفسها لا تكتمل إلا عندما تعبر حدودها.

لذلك يمكن النظر إلى البياتي بوصفه شاعر العبور: يعبر من الحداثة إلى ما بعدها، ومن القناع إلى الإنابة، ومن التاريخ إلى الأسطورة، ومن بغداد الواقعية إلى بغداد المتخيلة، ومن الموت إلى الولادة، ومن الذات المفردة إلى الذات المتعددة.

وإذا كانت مئوية الرواد تستعيد أسماءهم بوصفهم آباءً للحداثة العربية، فإن القيمة الأعمق لهذه العودة ليست الاحتفاء بالماضي، بل اكتشاف ما بقي حيًا من أسئلتهم في حاضرنا. فالشاعر الكبير لا يعيش في التقويم وحده؛ يعيش في الأسئلة التي لم تنتهِ قصيدته من طرحها.

والبياتي، في هذا المعنى، لم يترك لنا قصيدة مكتملة بقدر ما ترك ممراً مفتوحاً؛ ممراً تعبره الأجيال، وكلما ظننا أننا بلغنا نهايته اكتشفنا أن القصيدة ما تزال هناك، في الجهة الأخرى من المجاز، حيث تتحول الذات إلى آخر، والموت إلى بداية، والمدينة إلى حلم، واللغة إلى وطن مؤقت للكائن الذي لا يكف عن البحث عن وجوده.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دراسة في البنية والدلالة في قصيدة «في الليل والكتاب» لعبد الستار نور علي

مقدمة: يحوّل عبد الستار نور علي في قصيدة «في الليل والكتاب» سؤالًا معرفيًا عن العلاقة بين القراءة واليقين إلى أحداث وصور: كتاب ينادي، وفصول تتوالى، ومصباح يمنح مفاتيح، ورأس يسكب ماء العين في كؤوس الكلمات. وتتيح هذه الحركة قراءة القصيدة بوصفها تأملًا في أثر المعرفة على الذات، وفي نشأة الكتابة من المعارف التي تختزنها الذات خلال القراءة. فالفكرة التي يمكن عرضها في مقالة بصيغة استدلالية تتشكل هنا بالتشخيص والاستعارة والتناص، وتظل دلالتها مرتبطة بما تقوله الصور وما تتركه مفتوحًا للتأويل.

تندرج القصيدة في منحى تأملي يجعل المشهد والصورة مجالًا للتفكير في المعرفة. وتعتمد هذه الدراسة قراءة نصية دلالية تتتبع تعاقب الأفعال والصور، وتستعين بالتحليل البلاغي والتناص لبيان وظيفة الإشارات الثقافية في سياقها الشعري. كما تقف عند حدود ما يسنده النص، فتميّز بين دلالة العبارة وما يتيحه تأويلها. وتنطلق من فرضية أن تعذّر العثور على «فصل الخطاب» لا ينتهي بالذات إلى العجز عن القول، بل يفتح طريقًا تتشكل فيه الكتابة من أثر القراءة والحيرة والانفعال

نص القصيدة (1)

في الليلِ

ناداني الكتابُ

وفتَّحَ الأبواب، قالَ:

«هيتَ لكْ»!

أسرعْتُ..

ملهوفاً إليهِ،

دخلْتُ فصلاً....

بعدَ فصلٍ....

بعدَ فصلٍ....

بعد.....

لم أجدْ..

«فصلَ الخطابِ»؛

حتى أضعْتُ

وفي غيابي

بينَ طيَّاتِ الحسابِ

رقمَ السُّؤالِ،

رقم الجوابِ،

لكنَّ «مصباحَ ديوجينوسَ»

أهداني القرارَ،

وسلَّمَ

عنْ طيبِ خاطرِهِ

مفاتيحَ الجوابِ،

فنمْتُ....

والأبوابُ مُشرعَةٌ،

وفي أيدي الليالي..

كانَ رأسي (جَرَّةً)،

تسكبُ ماءَ العينِ

في كؤوسِ جُلَّاسي:

منَ الأقلامِ

والأوراقِ

والكلماتِ

عشّاقِ الشَّرابِ....

أولًا: العنوان وعتبة الدخول إلى التجربة

يجمع عنوان «في الليل والكتاب» بين زمن القراءة وموضوعها، لكنه لا يكتفي بتعيينهما. فحرف الجر «في» يربط الليل بالكتاب في علاقة احتواء: توجد الذات في زمن الليل، وتدخل مجازًا في عالم الكتاب. ويسند النص هذا الانتقال المكاني حين يقول الشاعر: «دخلت فصلاً»، فيغدو الفصل حيزًا يُعبر، لا مجرد وحدة من وحدات التأليف.

ويتوزع طرفا العنوان في المطلع على وظيفتين واضحتين: الليل ظرف اللقاء، والكتاب فاعل النداء. ثم تتبدل دلالتهما مع تقدم القصيدة؛ فالكتاب يفتح أبوابه لكنه لا يمنح الذات «فصل الخطاب»، والليل لا يظل إطارًا ساكنًا، بل يعود في صورة «الليالي» ذات الأيدي. ويشير الانتقال من المفرد إلى الجمع إلى امتداد التجربة وآثارها، فيما يهيئ اقتران الليل بمصباح ديوجينوس توترًا بين الحيرة وإمكان الاهتداء.

وهكذا لا يقوم العنوان على مقابلة جاهزة بين ظلام الليل ونور الكتاب. إنه يضع الذات عند ملتقى زمن التأمل وعالم المقروء، ثم تتيح القصيدة تتبع ما يحدث لها بين الدخول إلى الفصول وتحول أثر القراءة إلى مادة للكتابة. ويغدو العنوان، بهذا المعنى، عتبة لحركة النص لا خلاصة مسبقة لنتيجتها.

ثانيًا: تشخيص الكتاب وفتنة الدعوة

تتجسد العلاقة التي يقترحها العنوان منذ المطلع؛ إذ يحتضن الليل اللقاء بين الذات والكتاب، بينما يتقدم الكتاب بوصفه الطرف المبادر إلى إنشائه:

«في الليلِ

ناداني الكتابُ

وفتَّحَ الأبواب، قالَ:

"هيتَ لكْ"!»

يتقدم الكتاب في هذا المشهد بوصفه فاعلًا؛ فهو الذي ينادي ويفتح ويتكلم، بينما تظهر الذات أولًا في موقع المتلقي. ويؤدي التشخيص هنا وظيفة تتجاوز الزينة البلاغية، إذ يعيد توزيع المبادرة بين القارئ والمقروء: ليست الذات وحدها من يختار الكتاب، بل يبدو الكتاب كأنه يختار قارئه ويستدعيه إلى عالمه. وهكذا تتحول القراءة من فعل تمارسه الذات على موضوع صامت إلى علاقة تفاعلية يكون فيها للمقروء حضور مؤثر.

وتنسجم صيغة «فتَّح» مع جمع «الأبواب»، بما توحي به من تعدد المداخل واتساع حركة الفتح. وتحوّل هذه الصورة الكتاب إلى فضاء قابل للدخول والاستكشاف، ممهدةً لقول الشاعر لاحقًا: «دخلت فصلاً». غير أن تعدد الأبواب لا يثبت بمفرده موقفًا فلسفيًا من الحقيقة، وإنما يكتسب دلالته من مسار القصيدة، حيث تتكاثر الفصول ويصعب الوصول إلى القول الحاسم.

ويبلغ تشخيص الكتاب ذروته حين يُمنح صوتًا يقول «هيت لك»؛ فتكتسب دعوته طاقة الانجذاب التي تكشف عنها استجابة الذات. أما تحول العبارة من سياقها القرآني إلى سياق القراءة فيُبحث في مبحث التناص.

وتأتي استجابة الذات متوافقة مع قوة النداء:

«أسرعْتُ..

ملهوفاً إليهِ،»

يجمع الفعل «أسرعت» والحال «ملهوفًا» بين الحركة والانفعال، فتخرج القراءة من صورتها الإجرائية إلى تجربة يحكمها الشغف. ويؤسس هذا الاندفاع للتوتر الذي ستطوره القصيدة بين الرغبة في بلوغ المعرفة وصعوبة الوصول إلى جواب حاسم؛ فما يبدأ بانفتاح الأبواب لا يفضي بالضرورة إلى وضوح الطريق، بل قد يكون بدايةً لمغامرة تتداخل فيها لذة الاكتشاف بقلق السؤال.

ثالثًا: من تتابع الفصول إلى أزمة السؤال والجواب

يتجسد الدخول إلى عالم الكتاب في قول الشاعر:

«دخلْتُ فصلاً....

بعدَ فصلٍ....

بعدَ فصلٍ....

بعد.....»

تحوّل الاستعارة المكانية الفصلَ من وحدة كتابية إلى حيز تعبره الذات. ويسهم تكرار «بعد فصل» في تمثيل تتابع القراءة وامتدادها، بينما يترك انقطاع العبارة عند «بعد» الحركة معلّقة من دون تعيين محطة تالية. وتشارك الوقفات والنقاط المتتابعة في تشكيل هذا الأثر؛ فهي تمنح التتابع زمنًا محسوسًا، وتتيح قراءة الانقطاع بوصفه علامة على الاستغراق أو الإنهاك أو استمرار المسار خارج حدود العبارة.

ولا يقتضي هذا التكرار حركة دائرية بالضرورة؛ فالأقرب أنه يصوّر تعاقبًا تتأخر نهايته. وتنشأ الأزمة حين لا يفضي تراكم الفصول إلى ما تنتظره الذات:

«لم أجدْ..

"فصلَ الخطابِ"»

تنبني المفارقة على إعادة توظيف لفظ «الفصل»: فهو أولًا جزء من الكتاب، ثم يصبح في تركيب «فصل الخطاب» دالًا على التمييز والحسم. وبين الاستعمالين تتكشف المسافة بين كثرة المقروء والقدرة على بلوغ قول يفصل في السؤال. ويمنح الصدى القرآني للعبارة هذا الطلب ثقلًا إضافيًا، من غير أن يحصرها في معنى واحد.

ومن المهم التمييز بين حدود التجربة ونتيجة فلسفية عامة؛ فقول الذات «لم أجد» يثبت تعذّر العثور في رحلتها، ولا يثبت بذاته استحالة الحقيقة أو انتفاء اليقين على نحو مطلق. وتنبع قوة المقطع من إبقاء هذا التوتر مفتوحًا، لا من تحويله إلى تقرير نظري محسوم.

ثم يتعمق الاضطراب في قول الشاعر:

«حتى أضعْتُ

وفي غيابي

بينَ طيَّاتِ الحسابِ

رقمَ السُّؤالِ،

رقم الجوابِ،»

لا تعود المشكلة غياب الجواب وحده، بل فقدان العلامات التي تنظّم العلاقة بين السؤال والجواب. ويمكن فهم «الرقم» هنا بوصفه وسيلة للتعيين والترتيب، يصبح ضياعها دليلًا على تعثر الاهتداء داخل المقروء. أما «طيّات الحساب» فتجمع بين صورة الانثناء والاحتجاب وبين مجال يوحي بالضبط والتقدير؛ وبذلك ينشأ توتر بين نظام مفترض وتجربة لا تتمكن الذات من السيطرة عليها.

ولا يلزم من هذا التصوير أن تكون القصيدة إدانة للرقم أو للعقل الحسابي؛ فالأوضح نصيًا أنها تمثل أزمة الذات في متابعة مسارها. ويضاعف تعبير «في غيابي» هذه الأزمة، إذ يحتمل الاستغراق في القراءة بقدر ما يحتمل انحسار الوعي بما يحيط بها. هكذا تنتقل اللهفة الأولى إلى تجربة تفقد فيها الذات وضوح الطريق، وربما وضوح الغاية التي انطلقت نحوها.

رابعًا: التناص الديني والفلسفي وإعادة توجيه الدلالة

تنتظم الإشارات الثقافية في القصيدة داخل شبكة تناصية تؤثر في حركة المعنى. فعبارة «هيت لك» تستدعي قول امرأة العزيز في قصة يوسف، حيث ترد في سياق تغليق الأبواب؛ أما في القصيدة فينطق بها كتاب «فتّح الأبواب».(2) تستدعي العبارة نبرة الدعوة والإغراء في مرجعها القرآني، ثم يعيد السياق الشعري توجيهها نحو الانجذاب إلى الكتاب والقراءة. ويقلب النص صورة الأبواب المغلقة في الآية إلى أبواب يفتّحها الكتاب؛ فتتغير وظيفة العبارة بتغير المتكلم والمخاطَب وفضاء الدعوة.

وتستدعي عبارة «فصل الخطاب» ورودَها في القرآن، في قوله: «وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب ».(3) ويمنحها تجاورها مع فصول الكتاب في القصيدة ازدواجًا دلاليًا بين الجزء المقروء والقول الحاسم، كما بيّن تحليل حركة الفصول.

أما «مصباح ديوجينوس» فيحيل إلى الحكاية التي تروي إيقاد ديوجينوس قنديلًا في النهار بحثًا عن إنسان.(4) وتتحدد وظيفة هذه الإحالة في القصيدة حين يتدخل المصباح في مسار الذات من الضياع إلى «القرار».

خامسًا: مصباح ديوجينوس وحدود الاستبصار

تدخل القصيدة منعطفها التالي بأداة الاستدراك:

«لكنَّ "مصباحَ ديوجينوسَ"

أهداني القرارَ،

وسلَّمَ

عنْ طيبِ خاطرِهِ

مفاتيحَ الجوابِ،»

تكتسب الحكاية، بعد انتقالها إلى ليل القصيدة، وظيفة جديدة: فالقنديل الذي ارتبط بالبحث عن الإنسان في وضح النهار يغدو علامةً تساعد الذات على فحص حيرتها وطلب وجهة للسؤال. وهذا توجيه شعري للإحالة، لا تقرير عن فلسفة ديوجينوس بمجملها.

ولا تكمن فاعلية الإحالة في التعريف بشخصية الفيلسوف، بل في إدخال نمط آخر من البحث إلى التجربة. فبعد تعاقب الفصول واضطراب السؤال والجواب، يظهر المصباح بوصفه وسيطًا يمنح الذات «القرار». وتحتمل الكلمة معنى الاستقرار والطمأنينة، كما تحتمل معنى الحسم واتخاذ الموقف، ويظل السياق متسعًا لهذه الدلالات من دون ضرورة لاختزالها في واحدة.

ويستمر التشخيص في الأفعال والصفات المسندة إلى المصباح؛ فهو يهدي ويسلّم «عن طيب خاطره». وبذلك ينتظم مع الكتاب داخل عالم تتبادل فيه الأشياء أدوار المخاطبة والعطاء.

أما «مفاتيح الجواب» فتستعيد شبكة الأبواب التي تأسست في المطلع. والمفتاح ليس مطابقًا لما يفتحه؛ لذلك تتيح الصورة التمييز بين امتلاك جواب مصوغ وامتلاك وسيلة للوصول إليه. لكنها لا تلغي دلالة الانفراج التي يحملها المقطع؛ فالذات تنال ما يعينها على التعامل مع السؤال، من غير أن يكشف النص عن مضمون جواب نهائي.

ومن الناحية البنائية يأتي المصباح في موضع التحول: تسبق ظهوره فصول متوالية وضياع علامتَي السؤال والجواب، وتليه «مفاتيح الجواب» والنوم ثم فيض الصورة الختامية. لذلك يتجاوز دوره الإحالة الفلسفية إلى وصل تجربة القراءة المتعثرة بإمكان التعبير عنها. ويمكن فهم «القرار» بوصفه استعادة اتجاه أو قدرة على اتخاذ موقف، لكن القصيدة لا تحدد مضمون هذا القرار، ولا تثبت أن الذات امتلكت جوابًا نهائيًا أو أعادت تنظيم أسئلتها بصورة مكتملة.

سادسًا: النوم والأبواب المشرعة

يعقب هذا الانفراج قول الشاعر:

«فنمْتُ....

والأبوابُ مُشرعَةٌ،»

تربط الفاء النوم بما سبقه، فتجعله نتيجة محتملة للقرار الذي نالته الذات. وعلى هذا المستوى، يمكن قراءته بوصفه استراحة بعد لهفة وتيه. لكن الجملة الحالية «والأبواب مشرعة» تمنع الاستراحة من أن تتطابق مع الإغلاق؛ فالعالم الذي فتحه الكتاب يظل مفتوحًا حتى حين تتوقف الذات عن فعل القراءة الواعي.

وتحقق عودة الأبواب تماسكًا بين المطلع وهذا الموضع المتأخر من القصيدة. ففي البداية كان الفتح فعلًا أحدثه الكتاب، أما هنا فقد صار حالة مستمرة. وهذه العودة لا تعني تكرار الوضع الأول؛ إذ تغيرت الذات خلال الرحلة، وانتقلت من انتظار المعرفة إلى الاستعداد لتحول آخر يتجسد في الصورة الختامية.

كما يتيح النوم قراءة المشهد التالي على تخوم الحلم، من غير الجزم بأنه وصف لحلم فعلي. وتكمن أهميته البنائية في أنه يصل بين مسار القراءة ومشهد الكتابة عبر انتقال لا يخضع تمامًا للمنطق الواقعي.

سابعًا: الرأس جرّةً وانتقال المعرفة إلى الكتابة

تتجمع صور القصيدة في ختامها حول مشهد مغاير:

«وفي أيدي الليالي..

كانَ رأسي (جَرَّةً)،

تسكبُ ماءَ العينِ

في كؤوسِ جُلَّاسي:

منَ الأقلامِ

والأوراقِ

والكلماتِ

عشّاقِ الشَّرابِ....»

تبدأ الصورة بتشخيص الليالي، إذ يمنحها الشاعر أيديًا يصبح الرأس بينها. وينقل جمع «الليالي» التجربة من لحظة القراءة في «الليل» إلى زمن يمتد فيه تلقي المقروء واختزانه، قبل أن يظهر أثره في الكتابة.

يقوم تصوير الرأس جرّةً على جعل موضع التفكير وعاءً لما تراكم فيه من معلومات وثقافة عبر قراءة الكتب وفصولها. ليست الجرّة هنا وعاءً فارغًا ينتظر الجواب الحاسم، بل مخزنًا لما اكتسبته الذات خلال رحلتها، حتى حين لم تجد «فصل الخطاب». وهكذا تميّز الصورة بين تعذّر العثور على جواب نهائي وبين المعرفة التي أثمرتها القراءة بالفعل.

وفي هذا السياق يغدو «الماء» معادلًا محسوسًا للمعارف المختزنة. وتحدد إضافته إلى «العين» طريقَ اكتسابها: فالعين هي الأداة الحسية التي تلقت المكتوب، ثم استقر ما قرأته في الذاكرة والتفكير. وتسكب الجرّة، أي الرأس بما اختزنه، «ماء العين» في كؤوس الجلّاس. وبناءً على هذا المسار، لا تُفسَّر العبارة في الدراسة على أنها سكب للدمع، بل نقلٌ لما دخل الذات عبر النظر والقراءة.

وتتكشف وجهة العطاء حين يسمّي النص «الجُلّاس»: الأقلام والأوراق والكلمات. يشخّصها الشاعر في صورة عشّاق للشراب، فتتلقى ما امتلأت به الجرّة. ويحوّل القلم والكلمات هذه المادة إلى كتابة تستقر على الورق، الذي يحملها بدوره إلى القراء. بذلك تتجاوز الصورة الخبرة الفردية: ما اكتسبته الذات من الكتب يعود إلى التداول في نص يمكن للآخرين قراءته.

ويكتمل هنا المسار الذي بدأ بنداء الكتاب: تدخل الذات فصوله بعينيها، وتختزن من قراءتها معرفة في «جرّة» الرأس، ثم تمنحها لأدوات الكتابة. وتقدّم القصيدة هذا الانتقال بلغة الماء والشرب والفيض، من غير أن تجعل النص الناتج جوابًا نهائيًا لكل الأسئلة التي أثارتها رحلة القراءةثامنًا: البنية والمعنى الفلسفي للتجربة

تنتظم القصيدة في مشاهد تتغير معها علاقة الذات بالكتاب: يبدأ الكتاب بالنداء وفتح الأبواب، فتستجيب له الذات وتنتقل بين الفصول بحثًا عن «فصل الخطاب». وحين تفقد رقم السؤال ورقم الجواب، يظهر مصباح ديوجينوس في موضع انعطاف يمنحها «القرار» و«مفاتيح الجواب». ثم يأتي النوم، قبل أن تتشكل صورة الرأس جرّةً تسكب «ماء العين» للأقلام والأوراق والكلمات. ويصل هذا التتابع بين تجربة القراءة ومشهد الكتابة، لكنه يترك طبيعة الصلة بينهما مفتوحة؛ فلا يحدد النص ما فعله المصباح بالذات على وجه الدقة، ولا يجعل فيض الكلمات نتيجة له وحده.

ومن خلال هذا المسار يثير النص سؤالًا معرفيًا عن العلاقة بين البحث والجواب. فكثرة الفصول لا توصل الذات إلى القول الحاسم الذي طلبته، لكن «المفاتيح» تشير إلى إمكان متابعة البحث، بينما تُبقي الأبواب المشرعة المعنى قابلًا للاتساع. ويتصل بهذا الانفتاح المشهدُ الأخير، حيث تتحول آثار التجربة الفكرية والوجدانية إلى مادة تتلقاها أدوات الكتابة. لا تقدم القصيدة حكمًا عامًا باستحالة اليقين، ولا تصوغ جوابًا فلسفيًا نهائيًا؛ إنها تجعل الحيرة وما تتركه في الذات جزءًا من نشوء التعبير الشعري. وبهذا يتجسد التأمل في المعرفة في حركة الصور والأفعال، من نداء الكتاب إلى فيض الكلمات.

خاتمة

تكشف «في الليل والكتاب» عن رحلة تبدأ بنداء الكتاب، وتتوالى فيها الفصول من غير أن تعثر الذات على «فصل الخطاب». غير أن تعذّر الوصول إلى جواب حاسم لا يجعل القراءة بلا أثر؛ فالعين تتلقى من الكتب معارفَ وثقافةً تختزنهما الذات في «جرّة» الرأس. وفي موضع التحول يفتح مصباح ديوجينوس إمكان الاهتداء، فيما تظل الأبواب مشرعة على استمرار البحث.

وفي الصورة الختامية تصير المعارف المختزنة «ماءَ العين» الذي يُسكب في كؤوس الأقلام والأوراق والكلمات. وهكذا تتخذ المعرفة التي اكتسبتها الذات من القراءة شكلَ كتابة تنتقل عبر الورق إلى القراء. ومن هذا المسار يتحدد معنى عنوان الدراسة «من فتنة القراءة إلى فيض الكتابة»: فالقارئ لا يكتفي بتلقي ما في الكتاب، بل يعيد صياغة ما اختزنه منه ويمنحه حياةً جديدة في نص يقرؤه الآخرون. (1) - عبد الستار نور علي، «في الليل والكتاب»، صحيفة المثقف، نُشر في 25 أيلول/سبتمبر 2026؛

(2)-  القرآن، سورة يوسف، الآية 23.

(3)-  القرآن، سورة ص، الآية 20.

(4)- ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المجلد الثاني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2007، الكتاب السادس، فقرة 41، ص 43. وتورد هذه الترجمة الرواية المتداولة عن ديوجينيس الكلبي وقنديله في رابعة النهار؛ وتُذكر هنا بوصفها حكاية منقولة، لا واقعة مثبتة على نحو مستقل.

***

سهيل الزهاوي

تُعد مجموعة «نهج الدُّو..» لأحمد بن إبراهيم الصادرة في اواخر سنة 2025 تجربة لافتة في كتابة القصة القصيرة جدا. تتجاور فيها نصوص الحكاية مع الصورة. ويتقاطع فيها السرد مع الشعر، ويقوم التناص وسيلة لإغناء الدلالة لا مجرد استعراض للمرجعيات.

يحمل عنوان المجموعة دلالة تستحق التوقف. ف «الدو» يحيل إلى علي الدوعاجي أب القصة القصيرة التونسية وهو أمر يحمل ارهاصات وإشارات دالة عن مسار وتطورو استمرار السرد القصصي التونسي. يذكر التقديم النقدي لعلي غازي أن هذا الجنس الأدبي يقوم على «الجملة المقتصدة، واللفظة الدالة، والمعالجة الفنية التي تستوجب حذف كل ما هو زائد وفائض عن هدف النص وبؤرته، وتكثيف الأحداث والوصف لتعميق دلالات السرد، واختزال الفضاء الزمكاني والشخوص للابتعاد عن التقريرية، وتوظيف الرمز والتناص والأنسنة والغرائبية والشاعرية» (ص 8).

تقترح هذه القراءة مقاربة المجموعة تنظر إلى العمل الأدبي بوصفه بنية تتحقق دلالتها في فعل القراءة نفسه دون التورط في نظريات التلقّي بصفة مباشرة. يصبح القارئ حليفا في إنتاج المعنى لا مستقبلا له فحسب. يصلح هذا لقراءة نصوص لا تمنح دلالتها جاهزة، تترك فراغات، وتحذف روابط، وتنتهي قبل أن تكتمل، فتدفع القارئ إلى ملء ما سكت عنه النص.

العتبة والتناص: «نهج الدّو...» بوصفه نصا مفتاحا

يفتتح الكاتب مجموعته بنص يحمل عنوانها نفسه، «نهج الدو...»، ويرد فيه اسم الدّوعاجي صراحة بين أسماء ثلاثة كتّاب فرنسيين، في مشهد يجمع العاطل الكسول الباحث عن خروف العيد بامرأة غامضة تقوده إلى غرفة مليئة بالألواح الزيتية والتماثيل والموسيقى. يضع السارد الدّوعاجي في مصاف كامو ولامرتين وهوغو، لكنه يفعل ذلك من داخل المدينة العتيقة لا من داخل موسوعة أدبية، فالإحالة هنا شعبية، والدوعاجي حاضر بوصفه نهجًا يُمشى فيه لا تمثالًا يُوقف أمامه.

ينتهي النص بمفارقة قاسية. يفرح الأطفال بالكبش، وتبكي الزوجة، ويقسم الرجل على الطلاق، ثلاث ردود فعل تنعقد في جملتين اثنتين فقط، بلا شرح ولا تعليق، في مشهد يترك القارئ وحده أمام تفسير هذا التناقض المفاجئ.

يستدعي هذا النص قارئا يعرف الدوعاجي وكامو ولامرتين وهوغو معًا، فهذا القارئ وحده من يبلغ عمق الإحالة، والنص يفترضه سلفًا، وهذا الافتراض بذاته جزء من بناء المعنى قبل أن تبدأ القراءة الفعلية.

التكثيف والفراغ: بنية استدعاء

يظهر ذلك بوضوح في نص «فراغ»: «جارتي بجسدها المبلّل فتنة. غابت عن نافذتي الواطئة. نبتة "المهبولة" هي السبب» (ص 46). لا يشرح النص العلاقة بين الجارة والنبتة، ويكتفي بإثباتها، فيُترك للقارئ أن يبني الصلة بنفسه: أهي سبب واقعي، أم رمز لما لا يُقال صراحة؟ يظل السؤال معلقًا، والفراغ هنا فراغ إنتاجي لا سلبي.

في نص «احتفال»: «تراءت له ساحة الحرية في الليل سوقًا مشتعلة. نزع ثوبه وعرضه للبيع. لأن تلاميذه يقلّدون حركته تلك..» (ص 13). يمكن قراءة المشهد بوصفه مفارقة بين الحرية والجسد، فتتحول الحرية إلى سوق، ويتحول الجسد إلى سلعة، وتدخل حركة الشخصية في فضاء التقليد والتعليم. غير أن الجملة الأخيرة تعيد ترتيب المشهد بأثر رجعي. كان القارئ يقرأ نزع الثوب فعلًا عبثيًا، فإذا بالجملة الأخيرة تقلب القراءة، ويصبح الفعل درسًا تربويًا يُنقل إلى جيل كامل من التلاميذ.

يعتمد نص «إيقاع» على تفصيل صغير يتحول إلى سبب لانفصال حاد «سقط مشموم الفلّ من فوق أذنه وهو يمشي في السوق صحبة زوجته. طلّقها حينها لغفلتها» (ص 59). الفراغ بين سقوط الزهرة والطلاق هو كل مادة القصة، بلا تفسير ولا تمهيد، وهو ما يفتح أمام القارئ ثلاثة أسئلة في آن واحد: هل الطلاق مبرر؟ هل هو قسوة عابرة؟ أم تعبير عن هشاشة كانت كامنة أصلًا في العلاقة؟ النص لا يرجّح واحدًا منها.3302 ahmad

القطع السردي والتقطيع البصري

تتجه بعض نصوص المجموعة إلى بناء المشهد من خلال انتقالات حادة، لا يهتم فيها السرد بإقامة جسور واضحة بين اللقطات. ينتقل القارئ من صورة إلى أخرى وكأنه أمام تقطيع سينمائي لا وصفا متصلا، فيُترك له وحده أن يصل الأجزاء المتباعدة.

في نص «عند الفجر»: «جال الطفل اليتيم أرجاء الحي القصديري ممسكًا بعظم لساق شاة اتخذه نايا. اندفع وراءه أترابه متهامسين "لقد تعشى هذا اللعين لحمًا حدّ التخمة؟" ساقه نغمه خارج الحي فتناثر أشلاء» (ص 14). تأتي النهاية بصورة مفاجئة لا يشرح النص سبب التحول إليها، وتشبه حركتها في بعض جوانبها القطع السينمائي الذي ينتقل من الهمس إلى العنف دون مشهد وسيط يبرر الانتقال.

يقدم نص «حُضن» مشهدًا آخر قائمًا على الاختزال: «يرتمي بثقله على الكرسي. يطلب من النادلة "التلميذة" قارورة خمر وكأسين. يستعمل واحدة طوال جلسته والأخرى يرسم عليها طفلة على شاكلة الجنين. ثم يملؤها خمرًا ويغادر مرددًا في نفسه "متى ستناديني أبي؟"» (ص 49). تحمل الكأس صورة طفلة غائبة، ويرتبط الرسم بالسؤال الأخير ارتباطًا لا يفسره النص، فيمكن أن تُقرأ الكأس بديلًا رمزيًا عن الطفلة، ويصبح عنوان «حُضن» جزءًا من شبكة الفقد والأبوة التي يبنيها القارئ من العلاقة بين هذه العناصر المتناثرة.

ينتقل نص «دنيا» سريعا بين الشجار والبكاء والغناء: «ما إن خرجت من المعهد حتى التحق بها. عرض عليها في شاشة هاتفه صورًا لخصومة بين أبيها وأمها وهي تنعته بالفجور. انطلقت نحو دارهم مرّت بينهما وهما يتخاصمان. بكت بشدة حتى نامت. استفاقت على صوت أبيها يغني. وأمها ترقص في انتشاء» (ص 67). تنتقل الفتاة من حالة إلى نقيضها تمامًا من التوتر إلى الانفعال ثم إلى الغناء، دون أن يقدم السرد تفسيرًا مطولًا لهذا التحول، فيبقى التناقض داخل المشهد نفسه، وعلى القارئ أن يقرر أي الحقيقتين أصدق.

بنية الجملة: الاقتصاد كخيار تركيبي

لا يقتصر الاقتصاد في «نهج الدُّو..» على حذف الأحداث أو الروابط بين الجمل، بل يبدأ من الجملة نفسها في تركيبها الداخلي. الجملة هنا قصيرة في الغالب، وتمتد قليلا حين يستدعي المشهد ذلك، لكنها نادرًا ما تطول لتشرح، فتتوقف عند حد الإشارة تاركة التوقف نفسه مساحة يملؤها القارئ.

ما يلفت في هذا البناء هو حذف الفاعل أو تعويمه في مواضع القمع تحديدا. في «دمهم الأسود» تفتتح القصة بفعل بلا فاعل مسمّى: «أخرجوهم من أرضهم وشرّدوهم في الصحراء» (ص 11)، فضمير الغائب الجمعي لا يُسمّى في النص كله، ويبقى الجلاد بلا هوية، بينما يُسمّى الضحايا وحدهم بضمير المفعول. هذا التوزيع النحوي وحده، لا الحدث المروي، هو ما يصنع بنية القمع: من يملك الفعل لا يُذكر، ومن يقع عليه الفعل هو وحده الحاضر لغويًا في الجملة.

كما أن الجملة الاسمية القصيرة التي تقطع تسلسل الجمل الفعلية عند نقاط الحسم. في «فراغ» تأتي الجملتان الأوليان فعليتين، ثم تُختتم القصة بجملة اسمية جامدة: «نبتة "المهبولة" هي السبب» (ص 46). ضمير الفصل «هي» يصنع لهجة الحكم القاطع، فتُغلق القصة بصيغة التقرير بعدما كانت بصيغة السرد، وهذا الانتقال من الفعل إلى الاسم هو ما يمنح الجملة الأخيرة وزنها الختامي، لا محتواها وحده.

بالنسبة الى ضمائر الإشارة والوصل التي تحيل إلى غير مذكور، فتفرض على القارئ إعادة بناء المرجع بنفسه. في «إيقاع»: «سقط مشموم الفلّ من فوق أذنه وهو يمشي في السوق صحبة زوجته. طلّقها حينها لغفلتها» (ص 59). كلمة «حينها» ظرف زمان يحيل إلى لحظة السقوط، لكن الجملة لا تربط نحويًا بين السقوط والغفلة إلا عبر هذا الظرف وحده، بلا أداة سببية تصل الفعلين، فتترك الرابط معلقًا في الفراغ النحوي بين جملتين مستقلتين، وهذا الفراغ هو ما يحمل المفارقة لا التصريح بها.

كما يحظر تكرار الجملة نفسها بتحوير طفيف، وهي تقنية تظهر بوضوح في «آخر حلم..»، حيث تتكرر عبارة «مرّ يوم كامل ولم يأت» (ص 18) بضمائر متبادلة بين المتكلمين، فيتحول الحوار من تبادل معنى إلى تبادل صيغة نحوية بحتة، وكأن الشخصيتين تتقايضان الجملة نفسها لا الكلام، وهذا التماثل النحوي هو ما يذيب الفارق بينهما تدريجيًا حتى يتوحد صوتاهما في النهاية.

يلحظ بوضح غياب أدوات الربط السببية منها والاستدراكية، في مواضع كان يُنتظر فيها وجودها. في «حصاد» تتوالى الجمل «فتقدم خفية وأطلق النار. سمع صرخة مخنوقة. صرخ فرحا» (ص 57)، بلا أداة تفصل بين الفرح والصرخة المخنوقة، فيقرأ القارئ الفرح والفجيعة في السطر نفسه دون أن يوجهه النص إلى أيهما أصدق. الجملة في هذه المجموعة تُبنى إذن لتخفي فاعلها حين يكون القمع موضوعها، وتتجمد اسميًا حين يكون الحكم غايتها، وتترك الرابط معلقًا حين تكون المفارقة أداتها؛ البناء النحوي هنا ليس وعاء للمعنى، بل هو المعنى نفسه في كثير من هذه المواضع.

ضوء وظل وصوت

تستفيد بعض نصوص المجموعة من العناصر البصرية والسمعية في بناء المشهد، فيصبح الضوء جزءًا من السرد لا خلفية له، وتؤدي الأصوات وظيفة موازية في صناعة التوتر أو المفارقة.

يبني نص «الغراب» عالمه من الطرق والريح والشمعة والظلام: «طرق خفيف على الباب. "لعلّها الريح"، فقلت في نفسي "طرق من جديد. لعلّها حبيبتي السمراء"، همست. عرجت الباب قليلًا وبحذر. رقص ضوء الشمعة الأصفر. ظلام كثيف، رياح خفيفة، شيء ما نقر قدمي، إنه غراب. تفرّسني بعيون مشتعلة ودخل في خطوات عنيفة» (ص 36). يمنح توزيع الضوء والظلمة المشهد طابعًا تشويقيًا يتجاور فيه المرئي والمخفي، ويتحول الغراب من طائر إلى عنصر في بناء الرهبة قبل أن ينكشف عن جثة شاب أسمر تنهشها الصقور في نهاية النص، دون أن يُفسَّر الرابط بين الزائر الليلي وهذه الصورة الأخيرة.

يؤدي الصوت وظيفة واضحة في نص «وقع»: «وقع حذاء زوجته يرقصه وهو يتبعها في السوق.. نبهه الشرطي قائلًا: "قرنا رأس الخروف ثقبا سلّتك" أنزلها من فوق رأسه وانحنى ليعالجها. انفجرت زوجته ضاحكة لصوت تقطع سرواله من الخلف» (ص 55). تتحول الأصوات الثلاثة، وقع الحذاء ثم صوت الشرطي ثم صوت التمزق، إلى جزء من الحدث لا خلفية له، فتسهم في صناعة المفارقة أكثر مما يسهم أي وصف بصري مباشر.

يبلغ الصوت وظيفة مختلفة في نص «آخر حلم»، إذ تنتهي التجربة كلها بصرير مزعج لعجلات القطار (ص 19). فتأتي النهاية الصوتية فاصلًا حادًا بين الحلم والواقع، وتمنح القفلة أثرها المفاجئ الذي يعيد تعريف الحوار الطويل الذي سبقها.

المفارقة والقفلة: صدمة تأويلية

تحتل المفارقة موقعًا مركزيا في عدد من نصوص المجموعة، إذ تعيد الجملة الأخيرة أحيانًا ترتيب ما سبقها بالكامل، فتتحول النهاية إلى مفتاح للقراءة لا مجرد ختام لها. القفلة في هذه المجموعة ليست نهاية بقدر ما هي بداية تأويل جديد يبدأ حيث انتهى النص.

يقدم نص «طريق الخطأ» نموذجًا واضحًا لهذه البنية «أهانته جهرًا في الحفل. ركبا السيارة. داعبته بمعسول كلام متقطع. انتبه إلى حديقة منزل تطل منها أعناق الورود كأنها تحييه. قطع واحدة حمراء. أراد أن يضعها على صدرها فصرخت وفتحت الباب وهربت. صدمتها سيارة مجنونة. قبل أن يلمسها انتبه إلى الدم في كفيه. صرخ "لم أقصد قتلها."» (ص 47). تغير القفلة معنى المشهد السابق بالكامل. فيتحول المسار العاطفي إلى مأساة. وتأتي العبارة الأخيرة نفيًا للقصد عن الفعل، تاركة سؤالين معلقين. هل ينفي القصد المسؤولية؟ وهل يبرر الفعل العاطفي هذا الموت؟ النص لا يجيب عن أي منهما.

قمع وعبث

يحضر القمع في نص «صراخ» (ص 21) بوصفه صدى لمقاومة تنتهي إلى عدم، لا بوصفه خطابًا مباشرًا: «يبدو أنه قضى فترة طويلة يدفع في الجدار. رفاقه لا قدرة لهم على تهدئته. في الغد صباحًا أيقظهم بصراخه: "لقد حرّكت الحائط. هيا لنهرب." كوّة الباب الحديدي تنبعث منها هبرة نور ترتسم على الحائط المقابل ابتسامة صفراء. مازال يصرخ يحرّض رفاق الثورة الوهميين على الهرب. أبلغ الحارس مسؤوليه. اقتحمت الزنزانة قوة من الحرس. فثقبوا جسده برصاص أبيض. حين سقطت جثته على الحائط أعادته إلى مكانه دون إراقة دماء». يقوم النص على مفارقة بين المقاومة والعجز: تظهر الثورة من خلال وعي الشخصية وحده، بينما يحضر القمع في صورة الحرس والرصاص، ويأتي العبث في النهاية حين تعيد الجثة الحائط إلى حالته الأولى. فيمحو المشهد أثر المواجهة كأنها لم تقع.

اما عبارة «دون إراقة دماء» فتكتسب أهمية خاصة في هذا السياق. إذ يصبح القتل نفسه خاليًا من أثره الظاهر، ويبدو القمع كأنه لم يحدث، بينما تظل الجثة وحدها شاهدة على ما جرى فعلًا، فيُترك القارئ أمام هذا التناقض بين المحو المعلن والحقيقة المستترة.

مفارقة اجتماعية

يطرح نص «لا فرق» مسألة الطبقة الاجتماعية من زاوية لا تخلو من سخرية: «رفضه أهل الفتاة التي أحبها بدعوى أنه لا ينتمي للطبقة الأرستقراطية. لازم الحانة التي يشتغل بها صديقه. حيث يذهب كل ليلة ليغني صحبة فرقة موسيقية "هاوية". حدث أن استدعي إلى حفل زفاف في حي شعبي. لم يصدق. كانت الفتاة الأرستقراطية هي المطربة المصاحبة للفرقة الشعبية..» (ص 56). تقوم المفارقة على اجتماع عالمين متباعدين ظاهريًا في شخص واحد: الفتاة الأرستقراطية التي ترفضه عائلتها هي نفسها مطربة الفرقة الشعبية التي يلازمها كل ليلة، فتتزعزع صلابة التصنيف الطبقي الذي بدأت به القصة.

يحضر التناقض أيضًا في نص «إنسانية»: «افترش المشرد الزبالة. قهقه لفوضى الذباب والقطط حوله نام متوسدًا سرواله. تهامس طلبة كلية الطب وهم يسرعون في تنظيف هيكله العظمي من بقايا المبيدات..» (ص 16). يدخل العنوان نفسه في مفارقة مع المشهد: تحضر كلمة «إنسانية» في مقابل جسد لم يحظَ بها إلا بعد أن صار عظامًا يُدرَّس عليها، فلا يصرخ النص، بل يكتفي بعرض الصورة تاركًا التناقض يتولد من تجاور العنوان والمشهد وحده.

المنفى وذاكرة الأرض

تتصل بعض النصوص بقضايا الأرض والاقتلاع وتبدل الهوية، ويضغط الكاتب هذه القضايا الكبرى في مشاهد قصيرة جدًا، فتتحول الأرض إلى ذاكرة، ويصبح الجسد نفسه حاملًا لأثر التاريخ عليه.

يقدم نص «دمهم الأسود» صورة جماعة أُخرجت من أرضها وشُردت في الصحراء: «أخرجوهم من أرضهم وشرّدوهم في الصحراء بدعوى بدائيتهم وأنهم في المكان الخطء. التحقوا بهم إلى الصحراء بدعوى أنهم من جديد في المكان الخطء. الحقيقة التي جاهروا بها كل العالم أن هذه الصحراء هي خزان دمهم الأسود» (ص 11). تكتسب الصحراء هنا معنى يتجاوز المكان الجغرافي، إذ تتحول من فضاء للمنفى إلى مستودع للذاكرة والدم، فيصير الطرد نفسه اعترافًا لا عقابًا.

نص «نجاح» أيضا يمثل مسارًا مكثفًا من التحول: «رست سفينتهم الشراعية الوسخة بأرض خصبة. دخلوها حذرين. إنها غابة كبيرة.. أصبح السكان الأصليون شقر البشرة وأصبح لسانهم غريبًا. وبعد مدة رقصت كفوفهم يمينًا وشمالًا تتلمس حجم صدورهم التي حدّدتها طقوس البنادق والسيوف» (ص 65). يضغط النص تاريخًا طويلًا من الاستعمار في صور قليلة: تتغير البشرة، وتتغير اللغة، ويتغير الجسد نفسه، بينما يحضر العنف في الخلفية بوصفه القوة التي أعادت تشكيل هذه الأجساد وحركتها.

يأتي معنى الأرض بصيغة مختلفة في نص «قيل..»، حيث تتحول وصية الأب المتكررة، «أوصيكم أولادي ألا تفرطوا في أرضكم»، إلى قصة تُروى للأبناء كل ليلة عند ضوء شمعة، قبل أن يكتشف الأبناء في الجملة الأخيرة أنها نُشرت لاحقًا في كتاب باسم امرأة قيل إنها إحدى ضحايا الأب نفسه (ص 39). تتحول الأرض هنا إلى ذاكرة عائلية مزدوجة الوجه: وصية حانية من جهة، وسرّ مظلم يُكتشف متأخرًا من جهة أخرى، فتصبح القصة التي رواها الأب حكاية عن أب آخر لم يعرفه أبناؤه قط.

العنوان المقتضب

تحمل نصوص المجموعة عناوين قصيرة إلى أبعد حد، غالبًا كلمة واحدة أو كلمتين: «فراغ»، «إيقاع»، «صراخ»، «حُضن»، «غريب»، «وقع». هذا الاقتضاب في العتبة ليس تفصيلًا شكليًا. هو امتداد للاقتصاد اللغوي نفسه إلى المستوى الأول الذي يلتقيه القارئ قبل النص، فالعنوان لا يلخص الحكاية ولا يمهد لها. انه يشير إلى كلمة واحدة يُفترض أن تنمو معانيها كلها داخل السطور القليلة التالية.

 في المقارنة بين عنوان «إنسانية» ومضمونه القاسي. تقوم المفارقة كلها على المسافة بين الكلمة الواحدة في العتبة والمشهد الذي يليها. العنوان هنا لا يوجه القراءة توجيهًا مسبقًا بقدر ما يضع أمام القارئ لغزًا صغيرًا عليه أن يحله بنفسه بعد الفراغ من القراءة، لا قبلها.

نص مفتوح وقارئ شريك

تكشف «نهج الدُّو..» عن كتابة تراهن على القارئ، فلا تمنحه دلالاتها جاهزة. تتركه أمام فراغات وروابط محذوفة تدفعه إلى بناء المعنى بنفسه، فيصبح شريكًا في إنتاج النص لا متلقيًا له فحسب.

تتمثل قيمة المجموعة في قدرتها على تحويل القليل من الكلمات إلى مساحة واسعة للتأويل. تنتهي القصة في الصفحة، لكن معناها لا ينتهي بالضرورة. يبقى أثرها في ذهن القارئ، حيث يبدأ فعل القراءة من جديد.

***

سعيف علي

(دراسة في قصائد نازك الملائكة)

تعتبر نازك الملائكة من أوائل المبدعين في الشعر العربي الحديث بقصيدتها (الكوليرا) التي يقول عنها الأديب والمؤرخ حسن الأمين بأنه وجد في مكتب إحدى الصحف العراقيّة أوراقا كان قد رماها المحرر في سلة المهملات، فقرأ ما سطر عليها فأعجبه، فأرسلها إلى الشاعر محمد علي الحوماني صاحب مجلة العروبة اللبنانيّة، وكان من ضمنها قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة فنشرها في مجلته، ومن يومها دخلت مع السيّاب وقصيدته (هل كان حبا) عام 1947 في سجل مبدعي الشعر الحر.

ولدت نازك صادق الملائكة عام 1923 في بغداد، في عائلة أدبيّة معظم أفرادها يكتبون الشعر، فكان والدها صادق كما يقول عبد الوهاب البياتي مدرسا في الإعداديّة المركزيّة يعشق الشعر ويكتبه. تخرجت من دار المعلمين العالية في بغداد، وحصلت على شهادة الماجستير من الولايات المتحدة، ثم عادت إلى العراق وتعينت أستاذةً في كلية التربية بجامعة بغداد، ثم جامعة البصرة، فالكويت؛ لتكون أخيرًا في حياتها التدريسية . نشرت عدة دواوين شعريّة ودراسات نقديّة في الشعر، وكُتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعيّة متعددة.

كتبت مطولتها الشعريّة (مأساة الحياة) عام 1945 وهي في الثانية والعشرين من العمر كنتيجة لتأثرها بالشعر الإنكليزي (كما تقول هي نفسها في مقدمة مطولتها) يوم كان العالم يعيش شبح الحرب العالميّة الثانية، وكانت الأوبئة والأميّة، وقوى الاستعمار والتخلف تنخر في جسدها، وهي تعيش في ظرف صعب، سواء كان نتيجةً لوفاة أمها وجدها، أم بسبب الآلاف من الموتى الذين قضى عليهم داء الكوليرا الذي تفشى في مصر، بينما شبح الموت يطاردها. وكما تقول في قصيدتها (الكوليرا):

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ

مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

لذا تراها تقول في مقدمتها الآنفة الذكر: (فلم تكن عندي كارثة أقسى من الموت، كان الموت يلوح لي مأساة الحياة الكبرى، وذلك هو الشعور الذي حملته من أقصى أقاصي صباي إلى سن متأخرة). كانت الشاعرة تشكو وتندد بمآسي الحرب وتجار الحروب وقاتلي البشر وتدعو إلى السلام كما في قصيدتها (الحرب العالمية الثانية):

أسفاً ضاقتْ الميادينُ بالقتلى

وما عادَ يدمنُ الأموات

كانت في هذا الوسط المؤلم، وفي هذه الظروف القاسية، تبحث عن السعادة التي فشلت في العثور عليها على الأقل في وسطها الاجتماعي، فما كان منها إلا أن تبحث عنها في قصور الأغنياء المترفة، والأديرة، والريف، وفي أوكار اللصوص والمجرمين و... إلا أنها فشلت في كل ذلك عندما أيقنت أن شبح الموت يداهم البشريّة أينما كانت كما في قصيدتها (البحث عن السعادة):

قد بحثنا عن السعادةِ لكن

ما عَثرنا بكوخِها المسحورْ

أبداً نسأل الليالي عنها

وهي سرّ الدنيا ولغزِ الدهور

طالما حدّثوا فؤادي عنها

في ليالي طفولتي وصبايا

طالما صوّروا لعينيّ لقيا

ها وألقوا أنباءها في رؤايا

فهي آنا ليست سوى العطر والألوان

والأغنيات والأضواء

ليس تحيا إلا على بابِ قصرٍ

شيّدته أيدي الغنى والرخاء

وهي آنا في الصومِ عن متع الدنيا

وعند الزّهاد والرهبان

ليس تحيا إلا على صخر المعبد

بين الدعاء والإيمان

وهي في شرع بعضهم عند راع

يصرف العمر في سفوح الجبال

في مطولتها الأولى (مأساة الحياة) التي كتبتها سنة 1945، يوم كان جوها مليئا بالتشاؤم، يوم كان الموت أقسى كارثة في حياتها، فما كان منها إلا أن تبحث عن مخبأ للسعادة تأويها، وبعد أن فشلت في العثور عليها هنا وهناك، قصدت الدير وهي تتذكر أحاديث الناس (ومن مختلف الأديان والأجناس)، كيف تراهم يحصلون على أجوبتهم من خلال دعائهم، وتذرعهم أمام عتبات الدير، فما عليها إلا أن تبحث هي الأخرى عن بارقة الأمل في الدير. فكيف لا تقصده علها تجد السعادة هناك:

سر بنا سر بنا لعل لدى الرهبان

سر النعيم والآمال

هؤلاء الزهاد في القنة البيضاء

حيث الصفاء ملئ الوجود

علهم يعرفون ما قد جهلنا

عن شهابِ السعادةِ المفقود

وحين زارت الدير تفاجأت؛ لأنها لم ترَ فيه أجواء المرح التي تبتغي فيها السعادة، بل وجدت رهباناً تقرأ في وجوههم قساوة الحياة بسبب الزهد والتقشف، وكأنها ترى الوجه الثاني للموت. ففي قصيدتها (عند الرهبان) تقول:

عجبا أين ما يقولون؟ ما لي

لا أرى غير حيرة الأشقياء

ما الذي عندكم من البشر والأفراح؟

ماذا يا أيّها الزاهدونا؟

ليس إلا عمر يمرّ حزينا

يتهاوى كآبة وسكونا

حدّثوني عنكم فقالوا قلوباً

نُسجت من نقاوةٍ وثراء

ونفوس صيغت من الزهر والعطر

وهامت مع السّنا والّنقاء

أين هذا الذي يقولون عنكم

أيّها الراهبون؟ أين تراه؟

اسم (تاييس) لم يزل يملأ الكون

فأين الذي أضّلت خطاه؟

ما نسينا غواية الراهب المسكين

في حبّها، وكيف هداها!

يا له بائسا سما بابنة الإثم

إلى قمّة السماء وتاها

أيّها الراهبون لن تنبت الأزهار

والعطر والسّنا في النفوس

عبثا تهربون من مغريات العيش

كم في الوجود من تاييس

لن تذوقوا شهد السعادة ما دمتم

أناسيّ من تراب وماء

إلا أن الدير خيّب آمالها، فلم تجد في الدير سوى أناس تقرا في وجوههم أسى الحياة وشبح الموت، لم تجد في الدير سوى وجوه شاحبة ومسنّة ترى من خلالهم صورة حياتها:

لم أجد في تلك الصوامع غير الأوجه

الشاحبات والديجور

لم أجد غير وحشة تبعث اليأس

وصمت كمثل صمت القبور

هؤلاء الأشباح ماذا تراهم؟

آدميّون أم بقايا طيوف

فيم جاءوا وأية سلوى

وجدوها ما بين هذي الكهوف

فكيف لا تغادر الدير وشبح الموت يطاردها ووسائل الأعلام لا تتحدث إلا عن تجار الحروب:

أيها المعبد الحزين وداعا

أنت يا من لاذت به آمالي

لم أجد في حماك زهرة أحلامي

فيا ضيعة السّرى والكلال

لم أجد زهرة السعادة والأفراح

عند الزهّاد والراهبينا

آه ضاعت أيّام عمري وما زال

شراعي يطوي فراغا حزينا

عند شط الحياة ألقيت مرسى

زورقي في الضباب تحت الظلام

أرقب السائرين في الشاطىء الصخري

بين الوهاد والآكام

إلا أنها قبل العودة تنصح الرهبان - محال عليهم أن يتذوقوا شهد السعادة في أديرتهم طالما يحملون في جبلتهم الأولى خطيئة آدم وحواء- فما عليهم إلا أن يتمتعوا بالحياة لان الحياة كتبت للأحياء وقارعي كؤوس الشفاء:

أيّها الراهبون لن تنبت الأزهار

والعطر والسّنا في النفوس

عبثا تهربون من مغريات العيش

كم في الوجود من تاييس

لن تذوقوا شهد السعادة ما دمتم

أناسيّ من تراب وماء

وفي سنة 1950 عادت الشاعرة لكتابة مطولتها من جديد بعد أن أصبحت (وكما تقول في مقدمتها) مواردها الأدبيّة أغنى فأعادت نظمها من جديد بعد أن اختفى أمام عينيها شبح الموت لتحل محله فسحة الأمل، فتغيّر عنوان مطولتها من (مأساة الحياة) إلى (أغنية للإنسان) وتبدّل عنوان قصيدتها من (عند الرهبان) إلى (أنشودة الرهبان)، كما تبدّلت نظرتها إلى الأشياء التي حولها، فأيقنت أن الله لم يكن محبوساً بين جدران الدير ليجيب على دعاء الكثيرين ممن يقصدونه:

إنه الدير فيه ينتصر الموت

وفي قبوه يعيش الآه

في خفاياه، في ممرّاته السود

الحزينات لا يعيش الله

مسكن الصمت والكآبة والجدب

ومأوى الرغائب المدفونه

وصراع مع العواطف تصحي

ناره أذرع الليالي اللعينه

ولا يكمن في الدير عشب الخلود بل فيه أناس أتقياء تركوا صباهم وملذات حياتهم وحبهم وذكرياتهم بلا رجعة إليها، أملا أن يجدوا في الدير السعادة الأبديّة ليهبوا ذاتهم للآخر.. أناس جاءوا بعد صراع طويل مع مفهوم الحياة والسعادة الأبديّة فقصدوا الدير:

فأتينا الدير صرعى حيارى

علّ في ديجوره بعض سلوه

هذه يا حياة مملكة الرهبان

في عزلة وفي اكفهرار

دفنوها وكاد ينسى رعاياها

الحيارى حتى ضياء النهار

في هذه المرّة لم تجد في اوجه الرهبان شحوب ولا وحشة قاتلة ولا أشباح، بل وجدت أناسا أشبه بالنحل معتكفين في صوامعهم لا يخرجون إلا من اجل ارتشاف الرحيق من الأزهار، فيسدون آذانهم حتى عن صوت القنابر كي لا يعكر عليهم زهدهم وصلاتهم، في هذه المرّة لم يكن الصراع مع الموت بعد أن أيقنت أن الموت لا خلاص منه، بل كان صراعاً بين الراهب وعواطفه، فاستطاع بإيمانه القويم وصلاته الحميمة أن يتغلب على عواطفه وشهواته ويسخّرها من أجل رسالته، من أجل أن يسقي أرض الدير الجُدُوبة بعواطفه المكتومة، إلا أن الموت في نظر الشاعرة كالعنكبوت يقتحم أينما شاء:

ذلك العنكبوت ذو الأرجل الفضّة

هل منه مهرب أو ملاذ

انه من دمائهم يتغذى

وهو من قلب أمسهم أفلاذ

انه حبهم يعود إليهم

ينسج الذكريات والأهواء

لا تطيق الأسوار رد خطاهُ

فهو قد خالط الرؤى والدماء

وفي عام 1965 ولدت الصورة الثالثة لمطولتها وتحت نفس العنوان الثاني (أغنية للإنسان2) وبأسلوب مغاير ونظرة مغايرة، بعد أن زالت عنها، نظرتها المتشائمة لتتوشح بالاطمئنان والإيمان بالله، فأيقنت أن الدير ليس مأوى لمن يهرب من الموت؛ ولا حلبة للصراع مع العواطف والنـزوات بل هو مكان للتأمل وخلود النفس كما تقول في قصيدتها (في دنيا الرهبان):

ربنا سر بنا لعل لدى الرهبان

سرّ النعيم والآمال

هؤلاء الزهّاد في القّنة البيضاء

حيث الصفاء ملء الوجود

عّلهم يعرفون ما قد جهلنا

عن شهاب السعادة المفقود

قد سألت الرهبان عن كنزنا السّحري

لكن لم ألق منهم جوابا

في هذه الصورة، كشفت الشاعرة عن أسباب اختيار الرهبان للدير، الذي جاء نتيجة لإدراك الراهب أسرار الخلود التي خفيت على غيرهم، بعد أن اختصتهم الأنجم بالكشف عن تلك الأسرار دون سواهم . فقصدت الدير وهي واثقة في هذه الحالة من العثور (لدى الراهب) على الكنـز المفقود من خلال براءة صلاته وشغفه:

إن في أفقكم جلالا وشعرا

وسكونا مطلسم الأستار

وصلاة لله تقطر حبا

طّهرتها يد الدموع الغزار

ثم عادت لتقارن بين ما سمعته عنهم (الرهبان)، من أنهم يمتلكون قلوبا نقيّة، ونفسا طيّبة وهم يتوشحون بالضياء، وبين ما تلمسته عندهم، وهم يحولون ديرهم إلى عذابا ووهماً، وحيث صوامعهم رثّة:

فلم الحزن والشحوب يطلاّن

لديكم من أعين وشفاه؟

يلقيان الظلال فوق وجوه

صامتات المرأى خواء الجباه؟

فتعود الشاعرة ناصحة إياهم بالكف عن ذلك لأن جهودهم في قلع جذور تاييس والاتحاد بالله ستبوء بالفشل، لأن الصراع بين الخير والشر، سيبقى قائما أبد الدهر:

واسم تأييس لم يزل في شفاه الريح

يتلى على الوجود اللاهي

رمز قلب ممزق بين صوتين

نداء الهوى وصوت الله

وحيث الإنسان يستطيع أن يرى الله ويتحد به لا في القلاية المعزولة وحدها بل في كل مكان عليه أن يغيّر نظرته مثلما غيّرتها هي نفسها؛ فبدلا من أن تكون السعادة في الدير وهو موصد الأبواب؛ تكون فيه عندما تكون أبوابه مفتوحة للحياة، وبدلا من أن تستقر هذه السعادة عند الوجوه الشاحبة والملابس الرثّة؛ تجدها أكثر عند الوجوه المتفائلة والملابس النظيفة والأنيقة، فعادت تنصح الراهب أن يبتعد عن الألم وعذاب النفس مكتفياً بما لديه من براءة النفس وقوة الإرادة ونقاوة القلب، يكفيه كل ذلك وصلاته الطاهرة تقطر حباً، فتعود مرة ثالثة إلى حيث أتت بعد أن أيقنت أن الله والسعادة موجودة في كل مكان وزمان:

وسألقي ربي هناك بعيدا

عن دياجيك إن ربي ضياء

وطريقي يمتد حيث يد الله

جمال ورحمة وارتواء

فدرب الحياة خضراء

وذراع الوجود يفرش خصبا وثراء.

***

نزار حنا الديراني

في رواية البتران للأديب حيدر الأسدي

تمثل رواية (البتران) الصادرة مؤخرًا عن دار الخنساء للطباعة والنشر الشكل السردي ما بعد الحداثوي من حيث البناء والدلالات النفسية والفلسفية وتشكلات الشخصية الروائية بحيث صاغ مؤلفها المبدع الكاتب والاكاديمي (د. حيدر علي الاسدي) شخصياته بما يتسق ونسقية المضمرات البيئية والايدلوجية لحمولات الشخصية السردية وواقع موضوعية الروائية الحدث والثيمة والابعاد الدلالية فحضرت شخصية المجنون من خلال الحوارات الفلسفية والتداعيات والحكم والمقولات البلاغية التي تمتاز بالاقتصاد اللغوي والتعليق على الاحداث بصورة رمزية وبلاغية دالة مما حفز الابعاد الدلالية في مشهديات الرواية منذ البداية وحتى النهاية. فالمجنون في هذا المبني السرد يقول ما لا تقوله الشخصيات الأخرى ويمكن ان يعلق بالمضمرات الايدلوجية والمشاعر المخبوءة فهو يجيء بحوارات تكسر حدة النمطية والتقليدية سواء بالفكرة او حتى سياق الحوار السردي ما بعد الحداثي للتعليق على واقعية الشخصيات وعلاقاتها مع بعضها البعض.

فشخصية المجنون هنا تغاير من مستوى الطرح وخطية السرد الرتابوي عبر خطابات مغايرة تعظم من الرمزية وتعمق من الدلالات النفسية للالم والمعاناة لان التعقل في عالم فوضوي ولا معقول هو تيه من نوع خاص والجنون هو الواقع لان هذا الواقع البيئي المفروض في رواية البتران كان واقعًا اليمًا على كل الشخصيات وتشعر احيانا ان الشخصيات المجنونة هي من كانت تقول الحقيقة وحدها بجملها الحوارية فما كان مخبوء مخفي كانت الشخصيات المعتوهة او المجنونة هي التي تكشف عنه (عنا ذات الحقيقة وارهاصاتها) فالمجنون والمجانين هنا يحملون مجازات لغوية ودلالية وصور وتشبيهات بليغة دالة تحاول ان تقدم رؤية رمزية لهذا العالم (عالم البتران وما يحيط بهما) ان المجانين وان كانت محكياتهم قصيرة مقتصدة الا انها كانت معبرة عن تفكيك الانساق المرجعية التي تحيل لما يجري خارج البنية السردية لنسقية مجتمعية ابعد من حيث المعاني فانك تشعر ان هؤلاء المجانين يرتدون اقنعة الفلسفة والمفارقة لتفسير منظومة العلاقات المشتبكة والتناقض الحياتي والمجتمعي والسلطوي في هذه الرواية. فان الجنون لم يكن عوقًا ذهنيا في رواية البتران بل قناعًا فاعلا للحقيقة وناقلًا كاشفا عن تمزق الذات والهوية والعقل، فالمجنون هنا هو الناطق (بالمضمرات) والمسكوت عنه ونقد وتحريض على بنى واقعية متناقضة في متن الحكاية، فهو يسعى لتقويض ما هو منطقي في الخطاب السرد لربط ما يجري من فوضى وتناقض بهذا الجنون كمنطلق خطي وفكري ليتحول الى افق وجودي واجابة على تساؤلات محيرة تكشف عن ذاتية التمرد على هذا الواقع المضمخ بالتناقضات واللا منطقية، والمجنون في هذه الرواية يكسر حدة الزمانية في حواراته وتنقلاته وابعاده الدلالية الفكرية اذ يتمثل خطاب الجنون واشتغالاته على استنطاق الذات ورؤيتها للواقع وبخاصة ما يتعلق بالذاكرة المتعبة من الحرب والالم فالمجنون يقدم الافكار المكثفة في رواية البتران ورمزية دالة للذات وتحطمها ومواجهتها للواقع المتناقض فضلا عن الاقتصاد اللغوي المقتضب للافعال المكثفة والتعليقات الموحية والمفضية الى معان تخدم البنية السردية، وكما يقول ميشيل فوكو بان المجنون ليس مريضا نفسيا بل هو رجل حكيم وفيلسوف يكشف بلسانه عيوب السلطة واختلالات المجتمع وازمة القيم وهذا ما فعله مجانين رواية البتران لحيدر الاسدي فتحول الجنون قناعا لقول الحقيقية في رواية البتران. ان شخصيات المجانين وبخاصة اجسادهم وجملهم الثقافية كانت تمثل انساقًا ثقافية تحمل دلالات بلاغية في جميع الجوانب السيمولوجية فالجنون يمثل العقل الحر بالاستناد الى فكرة ميشيل فوكو وهو ما تمثل في المجانين في هذه الرواية، فالجنون في رواية البتران هو (جنون نقدي) بتعبير فوكو يؤسس لمعرفة تتجاوز الراهنية بحمولاتها الواقعية. فقد جاء في رواية البتران (ذلك المجنون الذي يبدو انه ليس مجنونًا بالمعنى الدقيق لان الروايات كانت تحوم حوله هو الاخر قيل انه فعل ذلك للتهرب من الخدمة العسكرية والجبهة وقيل ان حبيبتهُ هجرتهُ فاصبح مجنونًا وهناك رواية ثالثة قالت عنه انه تلقى ضربة موجعة على رأسه من أحد الرفاق في مدينته بعد ان رفض الاشتراك في مسيرة جماهيرية مؤيدة لقائدهم الأوحد!. أجو… اجو، اجوكم، راح يجونكم. كانت عبارة المعتوه هذه كفيلةً بإدخال الرعب في قلوب جميع سكان البتران ولم يتجرأ أحدٌ يومًا على أن يسأله عمّن هم الذين سيأتون!) فهذا المجنون تحول الى بؤرة تحذير الى أهالي القرية وفي الوقت ذاته كان موضعًا للتفسيرات والتأويلات وعلى لسانه الإدانة للدكتاتورية، وعن المجنون الثاني تذكر رواية البتران: (ما زلت أتذكر ان المجنون صديقي أضيف له اخر من مدينتي عماد! قلت لأحدى أخواتي ما قصته؟  - ماتت أمه بيده وبين أحضانه! فقد عقله بالحال لم ينبس ببنت شفة الا بعد شهرين.. في سني الحرب الأولى كان هذا يهوى اقتناء ساعات الموتى. تجمد عقله يوم رحلت أمه، انفرطت الحكمة فيه كما تنفرط حبات المسبحة، كان يجلس يوميا على عتبة داره القديمة ويرتدي معطفًا شتائيًا في قيظ الصيف، وفي عينيه ثمة حكاية مفجعة عن رحيل امه، وكأن كلما سألهُ صبية القرية عن جدوى انتظاره الذي لا طائل منه كان يقول بعينين دامعتين وكلمات متعثرة: راح تجي أمي من السوك وتجيبلي حاجة، حاجة، هي كالت انتظرني. توقف الزمن لديه تمامًا وسجل الحساب هو الاخر أغلق على اخر صفحات سيرته يقول بعض الرجال في المدينة انه ادعى الجنون هربا من الحرب) ما بين الامل المعقود في ذات هذا المجنون وهو يمثل الامل بالفرج وانتظار الخلاص من النظام الدكتاتوري المتمثل (بسخرية الأطفال والواقع) من ذات المجنون هذا وهيئته، وما بين عدم تحمله للواقع (الواقع المميت) والحزين والسوداوي بحيث انفصل عنه ما ان اصطدم بموت امه رغم ان الحرب قد انهت العديد من أبناء قريته وأبناء شعبه الا ان السلطة العسكرتارية مازالت تستنزف البقية دون تعقل وبصورة مجنونة! وهي مفارقة ناقدة وناقمة في الوقت ذاته. وكذلك ذلك المجنون الذي بكى على حيوانه بحسرة (ذات يوم ربيعي توغل خروفه بالحقل البري وكان يهرول وراءه بهستيريا أتذكر فقط كيف جاء بذلك الخروف في طست مملوء من لحمه المتشظي... أتذكر انه بكى عليه اسبوعًا كاملًا فقد كان يعتقد ان هذا الخروف جزءُ من عائلته وحينما كنا نضحك لغرابة الموقف أمطرنا بسيل من الكلمات القاسية والفشار بعدها ضاع صوته في فمه وأبتلع صرخته، الدموع تلمع في عينيه، مع دوي كل انفجار تدوي افكار مضطربة في البتران،الناس في البتران يصرخون حينما يحدث الانفجار لكن ذلك المجنون كان يضحك بهستيريا وتختلط الهستيريا بكلماته المتطايرة من فمه: مات مات مات مات واحدُ جديدُ) الضحك الهستيري هنا محاولة الانفصال عن الواقع الكئيب والمظلم وبكاءه على الحيوان الذي تعايش معه هو الفة من نوع خاص وعاطفة إنسانية بدت مفقودة في سنوات الحرب آنذاك في لحظة تشكل الحدث السردي وجريان الاحداث وتناميها وفقدان الكثير من الجوانب العاطفية والشعور الإنساني برز هذا البكاء لادانة هذا الجمود الإنساني بطريقة عاطفية ناقدة وناقمة على تكلس الشعور الإنساني وصلابة البشر إزاء الموت المجاني الذي يحصل في بلدهم ومدينتهم. ويجي بحوار اخر (يقول هذا المجنون وحده النهر لم يخف من الحرب او الانفجارات كان دوما ما يطرح سؤالًا ساخرًا: ان كنتم تحمون الأوطان فمن سيحميكم أنتم الجنود؟) في هذا المشهد الحواري يحيل المجنون الى ديمومة الحياة من خلال رمزية النهر النابض بالحياة والاستمرارية والعطاء وفي الوقت ذاته يطرح تساؤلا يمثل فكرة ترك الجنود دون غطاء ودون حماية وهو سؤال تحريضي للجنود الذين يقاتلون من اجل السلطة ولن يجدوا إزاء هذه التضحية أي مقابل يستحق الموت من اجله! ويكمل الاسدي فلسفته عبر شخصياته المعتوهة وهذه المرة عبر المسطور الاتي: (اخذت احدث نفسي بما قاله ذلك المجنون حينما سالته لماذا أنت بهذا العمر ودون أولاد: أخاف أن أنجب المزيد من الموتى والحطب للحروب المقبلة!

وهذا المجنون الذي كنا نسميه بالفيلسوف الذي اجنه الحب كان كلما مات احدهم في انفجار لغم: - هم أبناء الارض منها واليها يعودون. كان يقول لي بسخرية مفرطة والحروف تتطاير من فمه بصورة بطيئة وناقمة: ان ثمة سؤالًا واحدًا يتردد في رأسي كيف يعانق المبتورون أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم؟) انه يخشى ان ينجب الأولاد لئلا يساقون الى الجبهة ويموتون انه عقم من اجل الحياة فلسفة ودلالة حكيمة وبليغة بان ولادة المزيد من الأموات ما هو الا انتحار بمعنى اخر وادامة لوقود الحرب بمعنى اخر ليتم المعنى بصورة دلالية بليغة تتمثل بعودة الانسان الى الأرض التي هو منها واليها عبر جملته هم أبناء الأرض! وهي تنطوي على دلالة وجودية تتمثل بكون الانسان خلق من تراب، والأخرى تتمثل بفلسفة واقعية توحي الى الانتماء الى الأرض (ارض الوطن) ولا يمكن اغفال شخصية ذلك المعتوه صديق (عبد الله الصحفي) في بداية الرواية (الفصل الأول) وهي ظهر بموضع الجرأة والادانة والتحريض ضد الحرب (كل مسببات الحرب تحت نعلي الممزق هذا) هكذا بقي يردد المعتوه في الأزقة والأحياء منذ فقده لصديقه الوحيد ..وكان بين لحظة وأخرى يصرخ -الحرب وحش طنطل شبح جوعان  ابتلع عبد الله (ومصمص أعظامه) هي ادانة بطريقة ساخرة للحرب وصناعها وكذلك رغبته بالذهاب الى الجبهة هو ادانة كبرى لان من يذهب للجبهة هناك هو المصاب بالجنون وليس العكس، تمثلت شخصية الأخير بصورة ساخرة من سلطة الحرب وصناعها والدافعية النفسية للمجابهة والمواجهة للحرب وصناعها بعد محاولة الخروج من مكانية الخرابة الى فضاء الحرب المرعب المتمثل بتخوم الجبهة. ان الدكتور حيدر علي الاسدي في رواية البتران ينتصر لعقل المجنون ويدين جنون العقلاء بطريقة فلسفية دالة ومعبرة لإدانة الواقع المتناقض والحرب والموت المجاني وكل المظاهر السلبية التي رافقت حكايته المميزة عن قرية البتران والتي لم تكن تحكي عن قرية وحسب بل عن معاناة بلد عاش مرارة الحروب ونتائجها لسنوات ومازال. 

***

د. فاطمة هادي التميمي

 

للرّوائيّ زياد كمال حمامي

رواية "قيامة البتول الأخيرة- الأناشيد السّرّيّة" للرّوائيّ السّوريّ زياد كمال حمامي، الصّادرة عن دار نون للنّشر في طبعتها الأولى عام (2018)، وتقع في ثلاثمئة وعشرين صفحة، وهي عمل أدبيّ دراميّ، يتناول مأساة الحرب والأحداث الدّامية في مدينة حلب، تحديدًا في حيّ "البندرة" وهي حارة اليهود القديمة الّتي تقطنها مجموعات من شتّى الطّوائف والمذاهب والأديان.

سأتناول في هذه القراءة النّقديّة الرّصد والتّحليل لمفاصل العمل؛ بدءًا من تفكيك عتبة العنوان، مرورًا بقراءة البناء النّفسيّ للشّخصيّات وصراعها الوجوديّ بين السّرياليّة والواقع، وتفكيك النّصّ لروافده الدّيمغرافيّة المتنوّعة.

سأفرد مساحةً لتتبُّع التّقنيات السّرديّة بالتّركيز على بُعدَيها الفنّيّ والرّمزيّ، مع الوقوف عند تجلّيات التّحالف العابر للأديان، وأستقرئ الخصائص الأسلوبيّة والبنائيّة وآليّات الانتقال السّينمائيّ بين المشاهد، وصولاً إلى التّناصّ الأسطوريّ لمأساة الضّحيّة، وسأقدّم أبرز الملاحظات الّتي سجّلتها.

قراءة في المأساة والوجود:

تبدأ الصّفحات (ص8) باعتراف يؤكّد فيه الكاتب أنّ الواقع أشدّ وطأة وأغرب من الخيال، داعيًا إلى خوض غمار الأسرار المسكوت عنها، المحاكة في الأقبية السّرّيّة والحارات القديمة؛ وذلك لكسر الخوف والخجل وتجاوز التّخلّف والاستبداد.

تتمحور الحبكة الرّئيسيّة حول الفتاة الشّابة "البتول" الّتي تمّ اغتصابها بقسوة. (ص12) "تخفي عُريها المدنَّس ودماءها المتخثّرة، وتلك الكدمات الموشومة على وجهها المصدوم، وآثار الشّذوذ الجنسيّ الوحشيّ الّذي تعرّضت له، بعد أن تمّ اغتصابها بوحشيّة همجيّة".

البتول هي البطلة التّراجيديّة والمحرّك الرّئيسيّ والرّمزيّ للحدث، تتحوّل قصّتها إلى أسطورة ورمز للضّحيّة في ظلّ الحرب. أمّا عبد السّلام فهو البطل التّنفيذيّ للأحداث، هو الشّاب النّحّات الّذي تتجمّع عنده الأسرار، يعيش صراعًا بين الفنّ والجمال ومشاعر الانتقام، يتعاقب في مخيّلته شريط يضمّ نماذج إنسانيّة ومجتمعيّة متعدّدة من أهل حارته ونسيجها المتنوّع.

يستحضر في مستهلّ العمل الحاج عبد القادر الهلاليّ الّذي انسلخ عن ماضيه القوميّ والوحدويّ، وابنه يحيى الّذي تعهّد بالثّأر للبتول، وعائلة أبراهام فارحي اليهوديّ حارس معبد الصّفراء، وابنته ليزا الّتي تربطها علاقة حبّ طفوليّة معه، إلى جانب العمّ أبي الرّمز الفلسطينيّ، أستاذ مادّة التّاريخ والمؤتمن على الأرشيف والمفتاح، والعَرّافة "خاتون" الّتي يرهبها الجميع عدا زوجات الأثرياء والنّخبة المتنفّذة، كما يستذكر الشّقيقتَين الغريبتَين "الثّريّا وهنّوده"، والخيّاط الأرمنيّ "قهوجيان" وابنته إلين.

على الرّغم من هذا التّداعي لشخصيّات الحارة، يجد عبد السّلام نفسه، وهو النحّات والرّسام السّرياليّ المحمّل بالضّياع والاضطراب النّفسيّ، عاجزًا عن صرف ذهنه عن المأساة الّتي تجثم على صدره، فتتحوَّل هذه الفاجعة إلى مرآة تواجهه بتمزّقه الدّاخلي وبطالته ووجعه؛ ليقف أمام حقيقة أنّه إنسان محطَّم، يتساءل بمرارة عمّا إذا كان حيًّا بالفعل، أم أنّه بحاجة إلى ولادة جديدة تخرجه من ركام هذا الضّياع.

" يشعر أنّ الإنهاك في التّفكير يحطِّمه، بل بأنّه ينهار منذ وقت طويل، يسأل نفسه: من الّذي جعلني شابّا تائهًا، متسكّعًا، عاطلاً؟"(ص15).

يناقش هذا السّؤال المرير حرقة جيلٍ كاملٍ من الشّباب العربيّ، الّذي يغرق في تيه البطالة القسريّة والضّياع جرّاء أزماتٍ بنيويّةٍ طاحنة، وهزّاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ متتالية، تعصف بالبلاد العربيّة بعد أن تحوَّل الشّباب فيها إلى ضحيّةٍ لواقعٍ مأزوم، تُغلَق فيه منافذ الأمل وتهدر فيه الطّاقات العلميّة والإبداعيّة.

هو تساؤل يدين الظّروف الّتي تجعلهم ينكفئون على ذواتهم في حالة من التمزّق النّفسيّ وفقدان المعنى، بعد أن سُلبَت قدرتهم على الإنتاج والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم، وحقّ الشّعور بالحياة والكرامة؛ ليغدو التّيه حالة من الاغتراب الرّوحيّ والوجوديّ، تدفعهم إلى الاستسلام والتّحطّم الدّاخليّ، أو البحث المستميت عن فرصة لولادة جديدة تخلق لهم الغد الأفضل.

تتكشّف في شخصيّة عبد السّلام الملامح النّفسيّة لشاب فنّان، اتّبع المدرسة السّيرياليّة في الرّسم والنّحت؛ كمنفذٍ تعبيريّ يتيح له التّسامي فوق الواقع المرير والغوص في غياهب اللّاشعور، مستمدًّا أسلوبه التّلقائيّ الانفعاليّ من قامات سيرياليّة عالميّة أمثال "سلفادور دالي" و"فلاديمير كوش"، وعلى الرّغم من انشغال باله بالأهوال الّتي حلّت بحارته ومعاناة أهلها، فإنّ مأساة البتول بقيت الجرح الأعمق الّذي يعتصر قلبه، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع حقيقة أنّه إنسان مهشّم، يعيش تحت وطأة الفاجعة والتّفكير المستمرّ.

يشكّل هذا البناء النّفسيّ والفنّيّ لشخصيّته مرآةً كاشفةً للواقع السّوريّ أثناء الحرب، وللواقع العربيّ المعاصر الممتدّ في أزماته؛ ليغدو النّأي إلى الخيال والقفز فوق الواقع ملاذًا أخيرًا للإنسان العربيّ الهارب من بشاعة الانكسار نحو عوالم اللّاشعور؛ عسى أن يجد فيها خلاصه، فحالة الإنهاك الوجوديّ الّتي تكبّل عبد السّلام تختزل محنة العقل والفكر العربيّ المشلول أمام هول الفواجع والمآسي الإنسانيّة، حيث تتهاوى الذّات وتتحطّم تحت ثقل الشّعور بالعجز.

في سؤال آخر يصوّر عمق تشتّت الوعي العربيّ والتّضارب الحادّ في توصيف الصّراعات المعاصرة الّتي عصفت بالمنطقة، يتّضح هذا التّشظّي فيما يطرحه السّارد من حيرةٍ وتخبّط (ص13): "لا بدّ أنّ الانفجار قريب من هنا، ما هذه الحرب المؤلمة؟ طرف يقول إنّها ثورة، والطّرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادًا، وآخر يعدّها احتلالاً، وأطراف أخرى تؤكّد أنّها فوضى".

هكذا، يكتوي المواطن البسيط بنار الانفجارات المادّيّة والمعنويّة والآلام اليوميّة وفقدان الأمن، وتتوزّع القوى والأطراف المتصارعة على مسرح السّجال الأيديولوجيّ والسّياسيّ، فالبعض يرى في المأساة ثورةً مشروعة لنيل الحرّيّة والكرامة، ويراها آخرون أزمةً وفتنة تهدّد الاستقرار، بينما يُلبِسها فريق ثالث لبوس الجهاد برؤية عقائديّة، وتعتبرها فئات أخرى احتلالًا يسلب الإرادة، وتراها أطراف إضافيّة فوضى عارمة، لا رأس لها ولا هدف.

عند إسقاط هذا النّصّ على واقع الشّرق الأوسط وما يحصل في بعض البلاد العربيّة، يظهر بوضوح كيف تحوّلت النّزاعات من مواجهات ميدانيّة إلى حروب للمصطلحات والرّوايات؛ حيث أدّى هذا التّباين الشّديد في التّوصيف إلى تغييب المأساة الإنسانيّة، وتحويل معاناة الشّعوب والظّروف المعيشيّة الطّاحنة إلى أوراق ضغط في صراعات إقليميّة ودوليّة، وفي المحصّلة يبقى المواطن العربيّ وحده تحت وطأة الحروب، يبحث عن الأمان المفقود وسط عالم تتنازعه التّسميات والمصالح.

تبدأ فصول المأساة بعثور الأهالي على والد البتول مكبّلًا ومكمّمًا، ليكشف المشهد لاحقًا عن استباحة جسد ابنته أمام عينيه، وهي الّتي انتحرت بإلقاء نفسها من أعلى سطح الدّار صونًا لكرامتها، غير أنّ السّرد سرعان ما يحلَّق في أفق الفانتازيا والواقعيّة معًا؛ فلغز اختفاء جسدها بالكامل من تحت ركام الأنقاض، وفشل الكلب "ميمو" في الاستدلال عليها، حوّلاها إلى طيف ملائكيّ يحوم ويستولي على أفئدة أهل الحارة؛ ليصبح حضورها الأثيريّ في الأحلام إحساسًا بعدم موتها، وبشارةً بقيامتها وانبعاثها من الرّماد.

يكتب (ص72): "لم تنتحر ولم تمت، وستقوم قيامتها قريبًا. يسمع صوت خطوات قادمة من خلف الباب". "يفتح الطّيف القادم الباب، تدخل صبيّة تشبه البتول، أو لعلّها هي نفسها، يشعر أنّه ليس في حلم". "يبتسم طيف البتول، يقترب نحو أذنيه، ينحني، يهمس بكلمات تنمّ عن شيء غريب، وربّما قالت له: "افعل ذلك ولا تخف، فالأشرار لا يستحقّون الحياة". "نعم، أنت تستطيع فعل ذلك، ثمّ تبتعد، تشير إلى إناء الماء فوق طاولته المستديرة، تعود أطيافها خارجة، وعلى صوت أقدامها، يسمع نشيد الثّأر".

يغوص النّصّ أيضا في أعماق الحرب وتأثيرها على البشر من خلال شخصيّة ثانويّة هي "الجقجوق"، الّذي يمارس أقصى درجات الشّذوذ بانتهاك جثث النّساء وتصويرهنّ قبل دفنهنّ.

يقدّم الكاتب هذه الشّخصيّة مع تصوير خلفيّتها الاجتماعيّة، مُفكّكًا جذور انحرافها من طفولة بائسة، ليمسي اغتصاب الجثث محاولة تعويضيّة قميئة لاستعادة شعور وهميّ بالقوّة والسّيطرة، وهو ما يعكس كيف تخلق النّزاعات كائناتٍ مشوّهة تفرغ أحقادها في أجساد بلا حراك.

عتبة العنوان:

يتشكّل العنوان الرّئيسيّ للرّواية "قيامة البتول الأخيرة" مع عنوانها الفرعيّ "الأناشيد السّريّة" من أفقين مرجعيّيَن متكاملَين؛ إذ ينفتح المكوّن الأوّل على مرجعيّة دينيّة وأسطوريّة تحضر فيها القيامة كرمز للانبعاث والتّجدّد والخروج من الرّماد، والبتول كمفهوم يرتبط بالطّهارة والتّضحية.

أمّا المكوّن الثّاني المتمثّل في الأناشيد السّريّة، فيحضر من مرجعيّة شعريّة وصوفيّة تحيل على أسرار الباطن والبوح المكتوم، والتّرانيم الّتي تفيض بالمكابدات الرّوحيّة والعشق العصيّ على الشّرح.

هذا التّمازج، يمنح العتبة الأولى بعدًا فلسفيًّا يجعلها وثيقةً تصف الفجيعة.

تجلّيات التّحالف العابر للأديان:

يعكس أسلوب الكاتب تنوّع حلب الدّيمغرافي والأيديولوجيّ؛ من مسلمٍ ويهوديّ، مسيحيّ وأرمنيّ وغيرهم، وذلك من خلال شخصيّات الحيّ الحقيقيّة والمركّبة الّتي تواجه الجريمة، فيسعى الضّمير الجمعيّ النّسويّ إلى استعادة الكرامة ورفض الامتثال للصّمت عبر العزاء والتّضامن في دار "ست الكلّ"، مُنتِجًا تحالفًا إنسانيًّا عابرًا للأديان بين المسلمة "عيشة هانم" و"ست الكلّ"، والشّابة الأرمنيّة "إلين"، والعجوز "الثّريّا"، وذلك لتقويض محاولة عرّافة الحيّ "خاتون" بتوظيف الخرافة والظّواهر الغيبيّة للتّغطية على الحقيقة، أو تحييد التّعاطف الفعليّ وتغييب الوعي، وهو موقفٌ يجسّد طبيعة المرأة العربيّة في الأزمنة العصيبة؛ إذ تجعل من التّضامن الإنسانيّ درعًا نضاليًّا لتجاوز الانقسامات، وتتصدّى للفواجع بوعيٍ جمعيٍّ قادر على تحويل الألم إلى فعل مقاومة، يعيد ترميم النّسيج المجتمعيّ في أحلك الظّروف.

ورد في (ص46): "إنّها أنثى، والنّساء هنَّ أرقى من يقدّرن قيمة أنفسهنّ، لهذا قرّرن التّجمّع في دار ستّ الكلّ، وإعلان تضامنهنّ مع مأساة البتول الّتي تمثّل برأيهن كلّ نساء الكون المضطهدات".

انتقال المشاهد:

تعتمد الرّواية بصريّة سرديّة تتنقل بين الاسترجاع والمونولوج وتعدّد الرّؤى؛ حيث تنتقل العدسة من تسارع الحاضر إلى عمق الذّاكرة، متبادلةً وجهات النّظر لإبراز الخوف والتّأمّل لدى الشّخصيّات، لتلتحم أبعاد الواقع بالخيال في نسقٍ متّصل يمحو الفواصل الزّمنيّة والمكانيّة للنّفس البشريّة.

الاسترجاع الفنّيّ (Flashback) والذّاكرة: ينتقل السّرد من الواقع الحيّ المتمثّل في القبو وضجيج الانفجارات (ص 11 - 13) إلى الذّاكرة عبر ضربات الإزميل وزفرات القلق؛ فصوت الانفجار وحركة النّحت يعيدان لعبد السّلام صور أسبوع مضى وتداعيات حادثة الاغتصاب (ص 13 - 17).

استخدمت المثيرات الحسّيّة، الأصوات والرّوائح كجسور ناقلة؛ فصوت تثاؤب السّور العظيم ينقل المشهد من الكهف إلى عمق التّاريخ والشّارع (ص18- 19)، ورائحة الياسمين تنقل السّرد إلى عوالم شخصيّات كالعجوز العمياء "الثّريا" الّتي تسمع الحركة في زقاق الحارة (ص 29 - 33).

ينتقل النّص بسلاسة بين أزقّة الحارة وبيوتها عبر مشاهد خاطفة ومتتابعة تبرز الرّكض والصّراخ والدّمار، وتنتقل السّطور بين دار "أبو النّصر" واقتحامها (ص 22 - 25)، والمقام الصّخريّ للبتول وحركة الأهالي مع الكلب "ميمو" (ص 25 - 28)، ودار "أبراهام فارحي" وفكّ "الميزوزا" (ص 34 - 35)، وصولاً إلى مجلس العزاء النّسويّ (ص 46 - 49).

كذلك ينزلق النّصّ من الواقعيّة القاسية لاقتحام المنزل والحرب (ص 22 - 25) إلى فضاءات رماديّة متخيّلة عبر حوارات القلعة وسورها النّائم (ص 18 - 19)، وتَحوّل البتول إلى شبح/حورية وتحليقها كحمامة وتشكّل الهرم الصّخريّ الّذي باركه الأهالي مكان سقوطها (ص 25 - 28).

الخصائص الأسلوبيّة والبنائيّة:

تمتاز لغة الرّواية بطابعها الوجدانيّ المفعم بالصّور والتّشبيهات الممتدّة، والمزاوجة بين الفصحى والتّعبيرات الشّعبيّة الّتي تعكس واقعيّة البيئة والمكان، وقد اعتمد الكاتب على راوٍ عليمٍ يستعين بضمير الغائب، فيتنقّل بمرونة بين أفكار الشّخصيات ومشاعرها، كاشفًا خبايا نفوسهم وما يدور في أذهانهم، مع وصف الأحداث والمشاهد الخارجيّة بدقّة.

وظّف تقنيّة التّفكيك السّرديّ والزّمنيّ في عرض واقعة اغتصاب "البتول"؛ فلم يورد الحادثة دفعة واحدة، بل تعمّد تجزئتها لتعميق أثرها النّفسيّ.

غير أنّنا نسجّل هنا مأخذًا نقديًا يتمثّل في الإسهاب الوصفيّ، الّذي حرم النّصّ أحيانًا من التّكثيف والاختزال، ورغم ذلك، استطاع العمل تقديم بنية سرديّة متماسكة تزخر بالتّعددية الفكريّة والشّخصيات المركبّة الّتي تعكس مرارة الواقع.

التّناص الأسطوريّ ومأساة الضّحيّة:

يتّكئ النّصّ على بنية رمزيّة وأسطوريّة تكوّن فيها شخصيّة "البتول" معادلاً موضوعيًّا لمدينة حلب القديمة؛ إذ تجسّد عذريّتها عراقة المدينة وحضارتها التّاريخيّة، في حين يرمز اغتصابها إلى ما تعرّضت له المدينة من استباحة ودمار جرّاء الحرب.

يتعمّق هذا البعد لينقل الواقعة المأساويّة من حدود الحادثة الفرديّة إلى رحاب الأسطورة المقترنة بفكريّة البعث والانبعاث كطائر الفينيق. كما يبرز اشتباك الذاتيّ بالموضوعيّ في مناقشة صراع الفرد مع طغيان الظّروف الخارجيّة المحيطة به، من حرب وتشدّد وعنف، وهو صراع يتّسع ليعرّي الهشاشة الاجتماعيّة والتّقاليد الفكريّة المكبّلة الّتي تضغط على الضّحية، دافعةً إيّاها إلى الانتحار وتطهير جسدها بالموت تفاديًا للعار.

يكتب (ص17): "فما كان منها والصّورة المرعبة تتملّكها، إلّا أن تزحف فوق خيوط دمها العذريّ، تركض بجنون نحو سطح الدّار الشّرقيّ، تصرخ، تجحظ عيناها احمرارا، وبتأثير الصّدمة تعاود الرّكض فوق درجات السلّم المحترق، تقف على حافّته، ترفع رأسها إلى السّماء، تفتح يديها كحمامة بيضاء، وقبل أن يقتربوا منها تصرخ بأعلى صوتها: يا رب سامحني. وتلقي بنفسها باكيةً".

بين التّوثيق والبناء السّرديّ:

نجح الكاتب في الرّبط بين المأساة الذّاتية لشخصيّاته والمسار المفجع الّذي آلت إليه مدينة حلب، مسلّطا الضّوء على المسكوت عنه من الانتهاكات الجسديّة والجنسيّة الّتي تخلّفها الحروب، مجسّدا بعمق أبعاد آثارها المدمّرة.

في المقابل، نُسَجِّل على العمل بعض المآخذ؛ منها النّزوع إلى المباشرة والتّقريريّة في بعض المواضع، حيث يتسلّل الصّوت الإيديولوجي للكاتب ليُضعِف اللّمسة السّرديّة، وكذلك المبالغة في توظيف "البتول" رمزًا للمدينة، ممّا يُفقِدها أبعادها الواقعيّة ويحوّلها إلى مجاز أو فكرة متخيّلة. كما أنّ التّناول القائم على الغموض والواقعيّة السّحريّة؛ كاختفاء الجثّة وتحوّل مكان السّقوط إلى ما يشبه المقام، يعدّ تحوّلاً مفاجئًا نحو الفانتازيا، ويقطع التّسلسل الدّراميّ الواقعي للأحداث.

وبعد.. تتمثّل في هذا العمل شهادة أدبيّة وإنسانيّة على بشاعة الحرب وأثرها المدمّر على الفئات الأكثر هشاشة، لتعكس الواقع المؤلم للصّراع السّوريّ الّذي أتى على البلاد والعباد، حيث انتُهِكَت الحرمات واستبيحت النّساء ضحايا للجريمة والانتهاكات.

في خضمّ هذا الدّمار، يُسَلَّط الضّوء على لحظة انكسار القيم وسيادة منطق القوّة، حيث تعصف الفوضى بأسس العدالة والقانون ويتفشّى الفساد ويكرّس الضّياع الاجتماعيّ.

كما تنبعث من بين ثنايا العنوان رسالة أمل، تفصح عن إمكانيّة البعث والقيامة مجدّدًا من تحت الأنقاض، وتعرية ما تغلغل في الأعراف المكبِّلة والنّظم المستبدّة، ليكون ذلك هو السّبيل الوحيد لامتلاك الوعي العميق وتحقيق التّغيير الحضاريّ المنشود.

***

صباح بشير

روائيّة وناقدة فلسطينيّة

قراءة نقدية بلاغية في قصيدة (إلى ابنتي) للشاعر الدكتور محمد صلاح حجازي

بنيّتي،

يا نبْضَ قلبي والمدى..

يا نسمةً فجْريّةً تروي الصَّدى

صوتٌ من الأعماقِ يهمسُ باسمِها    

فتفيضُ روحي بالمحبّةِ والهُدى.

يا مهجةً سكَنَتْ حَنَايا خَافِقي

أنتِ الضياءُ

إذا الظلامُ تعمّدا،

تمشينَ في دَربِ الحياةِ كأرْزَةٍ شَمَّاءَ،

لا تخشى الرّياحَ ولا الرّدى

فاحْمي جَمَالَ الرُّوحِ،

إنَّ نَقَاءَهَا كنزٌ يظلُّ على الزّمانِ مُخلّدا.

وإذا أطلّتْ في سَمَائِكِ غَيْمَةٌ

كوني كبدرٍ في المجرّةِ أسْعدَا،

نامي بحفْظِ اللهِ يا أنْشودَتي

فالحبُّ في قلبي لعينِكِ جُدِّدَا.!

أنا يا ابنتي في الـمُعْضلاتِ ذَخيرةٌ،

سندٌ يشدّكِ إنْ جناحُكِ أُجْهِدا.

وغداً إذا انفتَحَتْ لخطوكِ شُرْفَةٌ

نَحْوَ النّجَاحِ،

فحَلِّقي..

لا تَنْحَني لِيَأْسٍ بَدَا،

فالمجْدُ صَعْبٌ لا يَنَالُ وِصَالَهُ

إلّا الشّجَاعُ ومَنْ تَمَسّكَ بِالنّدَى.

أَنْتِ الطُّمُوحُ الـمُشْتَعِلْ

شُعْلاً تُنِيرُ دُرُوبَنَا،

فابْنِي غَدَكْ،

وَاسْعَيْ إلَى قِمَمِ العُلَا،

فَاللَّهُ بَارَكَ مَنْ سَعَى وَتَجَلَّدَا!

وأنا هُنَا..

في كلِّ طاويةِ السِّنينْ،

أبني برُوحي حَوْلَ خَطْوِكِ مأْمَنَاً،

أَخْشَى الرِّيَاحَ العَاتِيَاتِ..

إذَا العَوَاصِفُ أَقْبَلَتْ،

وَأَخَافُ أَنْ يَبْكِي جَنَاحُكِ فِي المَدَى!

لَكِنَّ حُبِّي، يَا صَغِيرَةُ، دِرْعُكِ الـمَحْمِيُّ،

فَاسْتَنِدِي عَلَى قَلْبِي الذِي..

مَا كَفَّ يَوْمَاً أَنْ يَكُونَ لَكِ الفِدَا!

تنهض قصيدة (إلى ابنتي) على تجربة وجدانية صادقة تستمد قوتها من بساطة العلاقة الإنسانية التي تتكئ عليها؛ فالأب هنا لا يخاطب ابنته بوصفها فردًا من أسرته فحسب، وإنما يخاطب فيها امتدادًا لروحه، وذاكرةً للحب، ومشروعًا إنسانيًا يتطلع إلى أن يراه قادرًا على مواجهة الحياة. ومن ثمّ تبدو القصيدة أقرب إلى رسالة وجدانية طويلة تتداخل فيها مشاعر الأبوة مع الحكمة والنصيحة والدعاء والخوف والأمل. وهذا التداخل هو الذي يمنح النص حركته الداخلية؛ إذ ينتقل الخطاب من الاحتفاء بالابنة إلى وصيتها، ومن وصف جمالها الروحي إلى تحصينها ضد تقلبات الأيام، ثم ينتهي إلى اعتراف الأب بأن حبه نفسه هو الملاذ الأخير الذي يمكن أن تستند إليه حين تشتد عليها الحياة.

يفتتح الشاعر قصيدته بالنداء الحميم: (بنيّتي)، وهي صيغة تصغير لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، وإنما تختزن في بنيتها قدرًا من الحنان والرقة والقرب العاطفي. ثم يوسع دائرة هذا الحضور بقوله: (يا نبض قلبي والمدى)، فيجمع بين القرب الشديد الذي تمثله صورة (نبض القلب)، والامتداد الواسع الذي يحيل إليه (المدى). وتقوم الصورة هنا على مزج المحسوس بالمجرد؛ فالابنة ليست مجرد شخص محبوب، بل تصبح جزءًا من إيقاع القلب وامتدادًا للوجود. ويأتي قوله: (يا نسمةً فجريةً تروي الصدى) ليواصل بناء هذه الصورة الحسية الرقيقة؛ فالنسمة مرتبطة بالانتعاش والحياة، والفجر مرتبط بالبداية والنور، أما (الصدى) فيحمل إيحاءً بالفراغ الذي يحتاج إلى صوت يملؤه. وهكذا تتحول الابنة في البناء الشعري إلى حضور يبدد الوحشة ويمنح الحياة معنى متجددًا.

ولا يكتفي الأب بأن يصف ابنته، بل يبدأ في تشكيل صورتها المستقبلية. يقول: (تمشين في درب الحياة كأرزة شمّاء، لا تخشى الرياح ولا الردى). وتكشف هذه الصورة عن انتقال واضح من لغة العاطفة إلى لغة التوجيه. فالأرزة بما تحمله من إيحاء بالثبات والرسوخ والشموخ تصبح نموذجًا رمزيًا للابنة التي ينبغي أن تواجه الحياة بثبات. ويأتي التشبيه ليمنح النص بعدًا حركيًا؛ فالابنة لا تبقى في فضاء الحماية الأسرية، وإنما (تمشي) في (درب الحياة)، أي إنها مقبلة على عالم واسع مليء بالتحديات. وفي المقابل تأتي (الرياح) و(الردى) بوصفهما رمزين لقوى المحن والموت والانكسار، فتتأسس صورة البطولة من خلال قدرة الإنسان على الثبات أمام ما يعترض طريقه.

ومن أجمل ما يكشف عن البعد الأخلاقي في القصيدة قول الشاعر: (فاحمي جمال الروح، إن نقاءها كنز يظل على الزمان مخلدا). هنا يتحول الخطاب من الاهتمام بالمظهر إلى الاحتفاء بجوهر الإنسان. فـ(جمال الروح) و(نقاؤها) ليسا مجرد صفات جمالية، بل يمثلان منظومة من القيم التي يريد الأب أن تظل ابنته متمسكة بها مهما تغيرت الحياة. والاستعارة في قوله (نقاءها كنز) تمنح القيمة الأخلاقية صورة مادية ثمينة، وكأن النقاء ثروة ينبغي حمايتها من الضياع. كما أن لفظ (مخلدًا) يفتح المعنى على الزمن، ليصبح الحفاظ على صفاء الروح فعلًا يتجاوز اللحظة العابرة.

ويستمر الشاعر في توظيف الطبيعة بوصفها معادلًا رمزيًا للحياة. فإذا (أطلّت) في سماء الابنة (غيمة)، دعاها إلى أن تكون (كبدر في المجرة). وتقوم هذه الصورة على تحويل المحنة إلى مشهد كوني؛ فالغيمة قد تحجب الضوء، لكن البدر يظل رمزًا للنور والهداية. واللافت أن الشاعر لا ينكر احتمال حضور الغيوم، وإنما يعلم ابنته كيفية التعامل معها. وهذه نقطة أساسية في الرؤية التي تبنيها القصيدة: الحياة ليست خالية من الألم، لكن الإنسان يستطيع أن يواجه الألم بالوعي والأمل.

وإن بدت نزعة خطابية في خطاب الشاعر، لكنه يظل نداءً تربوياً وجدانياً، فلا يبدو جافًا أو تعليميًا؛ لأنه صادر عن أب يخاطب ابنته من موقع المحبة والخبرة والخوف عليها. ولهذا تتداخل البنى الإنشائية مع الصور الشعرية، فتغدو النصيحة جزءًا من النسيج الشعري لا ظلاً منفصلًا عنه.

وفي مقابل صورة الابنة المقبلة على الحياة، يرسم الشاعر صورة الأب السند: (أنا يا ابنتي في المعضلات ذخيرةٌ، سندٌ يشدك إن جناحك أجهدا). وتتحول الأبوة هنا إلى وظيفة حمائية؛ فالأب (ذخيرة) و(سند)، وهما لفظان ينقلان العلاقة من مجرد العاطفة إلى القوة والدعم. كما أن صورة (الجناح) تستكمل الحقل الرمزي الذي بدأ مع الطيران والتحليق؛ فالابنة كائن يريد أن يحلق، لكن الأب يعلن أنه سيكون حاضرًا عندما يتعب هذا الجناح. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات القصيدة: الأب يريد لابنته أن تستقل، لكنه لا يريد أن يعني استقلالها غيابه.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في المقطع الذي يبدأ بـ(وغدًا)، إذ ينتقل الزمن الشعري من الحاضر إلى المستقبل. ولفظة (غدًا) ليست مجرد ظرف زمني، وإنما تمثل فضاء الاحتمال والأمل. وحين يقول: (فحلقي.. لا تنحني ليأس بدا)، يستخدم فعل الأمر ليمنح الخطاب قوة دفع نحو المستقبل. كما أن استعارة (التحليق) تمنح النجاح صورة الحركة إلى أعلى، في حين يأتي (الانحناء لليأس) في الاتجاه المعاكس. ومن خلال هذا التقابل المكاني بين العلو والانحناء يتحول النجاح إلى فعل مقاومة، لا إلى نتيجة سهلة.

غير أن هذا التفاؤل لا يلغي الوجه الآخر للتجربة؛ فبعد سلسلة من الوصايا والأوامر، يعود الأب إلى ذاته فيقول: (وأنا هنا.. في كل طاوية السنين، أبني بروحي حول خطوك مأمنًا). هنا ينكسر الخطاب التحفيزي لحظة، ويعود الصوت الأبوي إلى منطقة الحماية والقلق. والاستعارة في (أبني بروحي حول خطوك مأمنًا) من أكثر الصور كثافة في النص؛ إذ تتحول الروح إلى جدار يجعل منه الأب حصنًا يحمي ابنته.

وتأتي الخاتمة لتجمع خيوط القصيدة كلها في صورة واحدة: (لكن حبي، يا صغيرة، درعك المحمي، فاستندي على قلبي الذي.. ما كف يومًا أن يكون لك الفدا!). فالقصيدة التي بدأت بالنبض والقلب تنتهي بالقلب أيضًا، وكأن البنية الدائرية للنص تعيدنا إلى أصل التجربة: الحب الأبوي. وبين (نبض قلبي) في البداية و(قلبي) في النهاية تمتد رحلة كاملة من الوصف والنصيحة والخوف والدعاء. أما استعارة (الحب درع) فتختزل وظيفة الحب كما يراها الشاعر؛ فهو حماية وسند وأمان. ويأتي لفظ (الفدا) ليصل الحب بأقصى درجات التضحية، بحيث يصبح الأب مستعدًا لأن يقدم نفسه في سبيل ابنته.

ومن الناحية البلاغية، تقوم القصيدة على شبكة من الصور الممتدة المستمدة من الطبيعة: الفجر، النسمة، الضوء، الظلام، الأرزة، الغيمة، البدر، الورد، الحمام، السيف، الجناح، الرياح، العواصف، القمم، النار والدرع. وهذه العناصر ليست زينة بلاغية منفصلة، وإنما تشكل معجمًا رمزيًا متكاملًا. فالطبيعة تتحول إلى لغة ثانية يتحدث بها الشاعر عن ابنته وحياتها؛ الفجر يرمز إلى الأمل، والظلام إلى المحنة، والأرزة إلى الثبات، والبدر إلى النور، والورد إلى الجمال والصبر، والحمام إلى السلام، والسيف إلى القوة، والجناح إلى الطموح، والعاصفة إلى الخطر، والدرع إلى الحماية. وبهذا تتضافر الصور في تشكيل رؤية متماسكة للابنة بوصفها كائنًا جميلًا ومضيئًا، لكنه مقبل على عالم لا يخلو من العواصف.

واللافت أن ضمير (أنتِ) يتجاور مع ضمير (أنا)، فينشأ بينهما حوار شعري غير مباشر: (أنتِ) تمثل المستقبل والحلم والطموح، بينما (أنا) يمثل الخبرة والحماية والخوف. ومن هذا التقابل يتولد جوهر التجربة: الأب يريد لابنته أن تمضي بعيدًا، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل قلبه قريبًا منها.

وتكمن القيمة الجمالية الأبرز في القصيدة في قدرتها على الجمع بين خطابين متداخلين: خطاب الأب الذي يحب ويحمي، وخطاب الإنسان الذي يهيئ ابنته لمواجهة العالم. لذلك لا تقف القصيدة عند حدود الغزل الأبوي أو الاحتفاء بجمال الابنة، وإنما تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه (وصية شعرية) تختصر رؤية الأب إلى الحياة: كوني نقية، محبة، وادعة، لكن لا تكوني ضعيفة؛ اطلبي المجد، ولا تستسلمي لليأس؛ حلّقي، ولكن اعرفي أن لك قلبًا ينتظر عودتك ويسندك إذا أتعبتك الرياح.

وبذلك تتكامل في القصيدة ثنائية الحب والخوف، وثنائية الحنان والقوة؛ وهي ثنائيات تمنح التجربة بعدها الإنساني الأعمق. فالابنة في النص ليست فقط (صغيرة) تحتاج إلى الحماية، وإنما هي أيضًا صاحبة طموح وأحلام، والأب ليس فقط حارسًا يقف إلى جانبها، وإنما هو صوت الحكمة الذي يمنحها الثقة في ذاتها؛ ولهذا تأتي الخاتمة منسجمة تمامًا مع بداية القصيدة؛ فكما بدأت الابنة (نبضًا) في قلب أبيها، تنتهي وهي تستند إلى القلب ذاته، لتبقى العلاقة بينهما ممتدة من أول القصيدة إلى آخرها بوصفها جوهر التجربة ومركزها الدلالي.

***

دكتور جمال فودة

أستاذ النقد والبلاغة

"قبل أن يذبل القلب" للاديبة سعاد الراعي

الاديبة سعاد الراعي بارعة في صياغة الإبداع الروائي الحديث بكل احترافية في الشكل والمضمون، أن يحمل سمة الصدق والمصداقية، في احساس مرهف في القضايا الانسانية في عصرنا اليوم، والتعامل بكل مسؤولية في تسليط الضوء، في الحدث الروائي ليأخذ ابعاد  الرمز الدال في المعنى والمغزى، في الطرح والتناول الواقعي الهادف، أن يكشف بواعث العنصرية الكريهة، في بلدان اللجوء، بما يسمى الوطن البديل، وكيف يتم التعامل مع الأجنبي، لذا فأن أحداث السرد له صلة في الوجود والواقع الفعلي، ربما الخيال الفني لعب دوراً في تنسيق وترتيب الأحداث بشكل منسق، على ضفاف اللغة المرهفة في التشويق والمتابعة، تكشف في سردية الحدث الروائي، أبعاد العنصرية في الحقد الأعمى والكراهية على الاجنبي واللاجئ، وما على الشخص المعني في حمل هذه الاحمال الثقيلة، سوى الدفاع عن كرامته الانسانية ان يصمد ويتحدى، حتى لا يسقط ذليلاً ومهاناً، ان يحافظ على إنسانيته من المسخ والتشويه، لأن مظاهر العنصرية الحاقدة، ليس سلوك فردياً منعزلاً، بل هو ظاهرة عامة في المجتمع الغربي، في تعاملهم مع الأجنبي، فكيف يكون الحال مع امرأة طلبت الحماية والحرية في بلد اللجوء، وأكثر فداحة عندما تكون هذه المرأة مصابة بأمراض طبية ونفسية، تتطلب العلاج الملائم، لتخفيف حدة اوجاعها، وان يهدء حالتها النفسية المتدهورة، نحو الضعف والانهاك، لذا وجدت نفسها طريحة المصحة الطبية والنفسية للعلاج، لكنها اصطدمت في واقع غير انساني في التعامل معها من قبل المشرفين على المصحة، ولم تجد العلاج الشافي من اطباء المصحة، تعاملوا معها بعيداً جداً عن مهنة الطب الانسانية، ولم تجد سوى الاهمال والتجاهل والاساءة، بل الاحتقار الانساني، مما يضاعف معاناتها، تعاملوا معها كأنسان غريب  أومنبوذ اقتحم المصحة الطبية في بلدهم عنوة، يتطلعون اليها بفضول غريب، لذا شعرت داخل نفسها، بأنها دخلت غابة موحشة، وليس مصحة علاج وتضميد وتخفيف الاوجاع مرضها، فكانت عيون الموظفين والمشرفين تتطلع اليها بفضول غريب، وتلاحقها العيون الجامدة، كأنها زجاج النوافذ، والكاميرات تراقبها من كل الزوايا، كأنها تحصي دقات قلبها، باختصار كل ماهو موجود في المصحة العلاجية بالنسبة لها، ليس هو خدمة تقدم بشكل انساني للجميع، بعيداً عن العرق والقومية واللون والبشرة، لكن تعاملوا معها عبارة عن أنها مجرد رقم مدون في الاضبارة فقط، وجلسات العلاج بدأت عليها ثقيلة ومرهقة، لا تساعدها في تخفيف اوجاعها، وانتظارها لساعات طويلة حتى تدخل في جلسات العلاج، والعلاج هو عبارة عن عمل روتيني فج، مع نظرات التعالي والتجاهل، وشعرت ان هذه الجلسات عبرة عن مضيعة للوقت ومرهقة، مما يزيدها ضعفاً وانهاكاً، كأنها رهينة سجن، وحتى الحبوب العلاجية لا تؤدي الهدف المطلوب، تشعر انها ثقيلة عليها، لذلك تحاول التخلص منها برميها تحت التراب، في جولاتها الصباحية، كجزء من الصمود الصامت والرافض، اما داخل الردهة مع المرضى الاخرين، استقبلوها بالسخط والاحتجاج، كأنها تزاحمهم مكانهم، في اسلوبهم العنصري الحاقد على كل اجنبي، في الحقد والكراهية، ولغتهم العنصرية، تشعر بها كأنها سكاكين تنهش جسدها الضعيف، ولكنها في النهاية تنتفض عليهم في الكلام الموجه لهم، وشعرت ان صمتها يعني في المفهوم العنصري الكريه وعقليته، يعني تخاذلاً واستسلاماً، كرد فعل مضاد، انتفضت من اجل المحافظة على كرامتها وانسايتها في وجه العنصرية الحاقدة. هذه الخطوط العامة للحدث السردي، ورؤيته الفكرية، عبر فصول الرواية (ثماني عشرة فصلاً / وكل فصل يحمل عنواناً خاصاً)،ان الحدث الروائي بتعبير بسيط، هو صراع بين الكرامة والانسانية ومضادها العقل العنصري المنغلق، منْ ينتصر ضد الآخر؟.

- أحداث المتن السردي في الرواية:

الشخصية المحورية (ندى) متزوجة تركت العراق مع زوجها، نتيجة الاضطهاد السياسي، وأسلوب الارهاب في البطش والتنكيل في تعامل النظام الشمولي مع الشعب، إبان السبعينات والثمانينات القرن الماضي، لم يعد لديهما خيار سوى نافذة الهجرة واللجوء الى المجتمع الغربي. لكنها وجدت الوجه القبيح، وجه العنصرية العمياء، ضد كل ما هو اجنبي، اخذت على عاتقها توفير لقمة العيش والعمل كبائعة بسيطة، تخلت عن طموحها في المواصلة في الدراسة الاكاديمية، مضحية بنفسها من اجل زوجها وعائلتها، في التفرغ للدراسات الأكاديمية والحصول على الشهادة العليا، فكانت تشتغل ساعات طويلة، لكي توفر المال لزوجها، حتى يصل إلى طموحه الأكاديمي، رغم مرضها وضعف جسمها، في الارهاق والانهاك والمرض، لكنها واصلت عملها الشاق، بروح التفاني والتضحية في سبيل زوجها، حتى يحصل على الشهادة العليا، ولكنه حينما حصل على الشهادة الاكاديمية، بدلاً من ان يرد العرفان الجميل والتضحية والوفاء الى زوجته، واجهها بالجحود والانكار، والغدر والخيانة، واعتقد داخل نفسه المغرورة بالتعالي، بأنه من علية القوم، وزوجته من حثالات المجتمع، بائعة بسيطة في متجر (هذا فيض من التضحية لم يقابل بعرفان يبلُّ صدى روحها، بل اصطدم بجدارٍ صلبٍ من التعالي، اذ راح الاكاديمي المرموق ينسج من خيالات غوايته الفكرية سياجاً يفصله عنها، وبات يرتجف خجلاً من مهنتها كبائعة بسيطة، متناسياً ان لقمة فخره ومداد أبحاثه، لم تكن إلا من عرق جبينها وتيبس أطرافها من عمل المتجر) ص16. لم يكن في مقدورها الاستمرار في العلاقة الزوجية، في ظل الغرور ونكران الجميل، سوى ان تطلب الانفصال والطلاق، واستجاب بدمٍ بارد، كأنه كان ينتظر هذه الفرصة الثمينة، لكي يتخلص منها. دخلت المصحة للعلاج من أوجاعها ومرضها الصعب، ناشدة العلاج الطبي، الذي يخفف من أوجاعها ويضمد جراحها من المرض، لكنها لم تجد سوى المعاملة الخشنة، ولم تجد العلاج الملائم، سوى الارهاق النفسي والانتظار للساعات طويلة حتى يسمح لها بالدخول، لتدخل غرفة المعالجة،  وجدت المماطلة والتجاهل، وليس تفهم اوجاعها في غرفة المعالجة، اضافة انها وجدت نفسها ملاحقة أو مراقبة، من فضول نظرات الموظفين، عيونهم كأنها زجاج النوافذ،، لم تجد سوى الكاميرات تلاحقها في كل زوايا، كأنها تحصي دقات قلبها، لم تكن في المصحة سوى انها رقم مدون في الاضبارة فقط، والتعامل الروتيني الثقيل في الجلسات العلاجية الثقيلة، التي يغيب عنها التعامل الإنساني، وحتى الحبوب الكيمياوية، لم تكن سوى زيادة هزال جسمها وضعفه، وكانت تأخذ الحبوب وتدفنها تحت التراب، كرد فعل صامت ورافض، وكانت تخشى ان تلتقطها الطيور الجميلة (- ترى. ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير؟ هل ستنتشي وتصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ اعلى شجواً؟ أم انها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟) ص57. أما خلال وجودها في الردهة مع المرضى الآخرين، استقبلوها بنظرات مستفزة وحاقدة، تقطر بسموم العنصرية العمياء، في الحقد والكراهية وبرفض وجودها بينهم، في لغتهم العنصرية الجوفاء، والكلام المسموم الموجه لها (- في مدينتنا صار الاجانب في كل زاوية ومكان، وهذا امر مقيت لا استطيع تقبله أو ابتلاعه ابداً)

(- انهم يثيرون القرف)

(- روائحهم خانقة.. اشكالهم تبعث على الاشمئزاز) ص38،

(لم اتوقع ابداً ان اجد واحدة منهم تجلس بيننا)

(والدولة تصرف على هؤلاء، من جيوبنا وأموالنا، كل هذا الخراب بسبب السياسة الرعناء)

(وجودهم بيننا هو سبب مرضي وقلقي المزمن.. اذ لا استطيع النوم ملء جفوني وانا اعلم ان واحدة منهم تقاسمنا هذا السقف) ص42.

(- رئيسة وزرائنا امرأة ساقطة ومنحطة، هي ومن معها من فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين، وتسبب بكل هذه الكوارث التي خربت بنيان البلاد) ص54. وجدت (ندى) نفسها في مناخ مكهرب بالعنصرية وبلغتها المسمومة، وان صمتها لن يجدي نفعاً، بل يعتبرونه  ضعف واستسلام، ويتمادون عليها أكثر في استغلال صمتها، فلابد أن تدافع عن كرامتها وانسانيتها، في هذا المناخ الموبؤ بالكراهية والحقد، لابد ان تنتصر لكرامتها وان تصون إنسانيتها، لهذا مزقت صمتها، لذلك اعتدلت في جلستها وانتفضت عليهم، موجهة كلامها اليهم  (- كنت أظن أنكم بفطرتكم فهمتم ما الذي كنت أرمي إليه، وانكم أدركتم ما يعني صمتي، وتحفظي الطويل، أن يعيد أحدكم النظر فيما قاله من حماقات، أو يشعر بأدنى درجات الحرج، حتى لو صاغه في اعتذار عابر، من باب المجاملة الاجتماعية.. ظننت أن واحداً منكم على الأقل سيسأل نفسه في خلوته. ماذا لو كنت أنا الغريب في بلادهم؟) ص48. شعرت بالارتياح الروحي، كأن حملاً ثقيلاً ازاحته عن روحها، وسط الوجوم ودهشة الحاضرين داخل الردهة، لم يتوقعوا هذا الرد وهذا الكلام، الذي وضع العنصرية في دائرة الاتهام،  لقد تكلمت بلغة المعاناة من امرأة خمسينية، تكلمت بصراحة، وبحرقة الإنسان المظلوم  (امرأة خمسينية تتكلم بحرقة الإنسان لا يطالب إلا بحقه البديهي في ان يعامل بآدمية، فيما الآخرون يرمقونها بنظرات مستفزة كما لو تجاوزت حدود الدور الهامشي المرسوم لها في سيناريو الحياة)ص48، وخلال تجوالها الصباحي الى الشاطئ وجلوسها في المقاهي لارتشاف القهوة الصباحية. تعرفت على رجل (مايك) بدأ الحديث والحوار بينهما، وعرفت منه سبق وان جرب الزواج، لكنه فشل بعد ذلك، كان متفهماً لدور الإنسان وقيمته وسلوكه المستقيم في المجتمع، وجدت فيه الرأفة والعاطفة الانسانية، فكان التجاذب الروحي بينهما ينمو الى العلاقة المتينة، وجدت فيه راحة روحية من الوحدة والانعزال، فقدت دأبت على عدم الحضور في الاجتماعات التي تعقد في قاعة المصحة، لأنها وجدت فيها مملة وثقيلة، وكموقف رافض بغيابها، لكن مع (مايك) انفتحت أساريرها. وتوقد قلبها في انوار الحب، وتكررت اللقاءات الحميمة بينهما، وزاد التعارف أكثر بينهما، وتعمقت العلاقة والارتباط الوثيق بينهما، وجدت بوجوده راحة نفسية وروحية، تجعلها تنسى معاناتها في المصحة، وفي احدى اللقاءات، طلب (مايك) ان يزورها في المصحة، وعبر عن رغبته الشديدة بذلك، فرفضت في لسانها لكن قلبها يود ذلك (- لا يا مايك.. لا ارغب بذلك) ثم واصلت كلامها (- لم يبق على انهاء العلاج سوى أسبوع واحد أو اسبوعين على الاكثر.. وبعدها سأكون معك، لذلك ارجوك ان لا تتعب نفسك بعناء الرحلة) ص100. ولكن بعد اسبوع اخبرها احد المشرفين على قاعة الاستقبال، بأن هناك رجلاً جاء لزيارتها، وموجود في قاعة الاستقبال مع الزائرين، حضرت نفسها لهذه المفاجئة السعيدة، ودلفت الى داخل القاعة وجدت (مايك) ينتظرها هناك، هرعت إليه بحرارة والشوق واحتضنته، وغرقا في القبل الطويلة وسط دهشة وذهول الحاضرين، ثم بعد ذلك، اخرج من جيب معطفه الداخلي، علبة حمراء صغيرة، وركع على قدميه وخاتم الماس يلمع بين يديه، وقال بعاطفة جياشة (- حبيبتي ندى.. هل تقبلينني زوجاً مخلصاً وشريكاً لايامك؟ رجلاً لا يريد من الدنيا سوى ان يحيا بقربكِ، وان يشيخ ويموت بين ذراعيكِ؟) ص105. بكت في تلك اللحظة الحرجة بشدة، كأن اطياف الرحمة والخلاص تدوران حولها، وقالت بصوت متهدج ومرتبك، تحاول ان توصل كلمة (نعم) الى سمعه، وفي اعماق شعورها ترفرف كالطائر بجناحيه في الفضاء، بأن حلمها وخلاصها من المعاناة، ومن سنوات العجاف الطويلة، اصبح حقيقة تمشي على الارض (- تحملت كل شيء عاصف هناك.. لانني كنت اريد أن اصل الى هذه اللحظة بالذات.. أن اعيش ما تبقى من عمري كما اريده أنا، لا كما تمليه وتفرضه نوائب الحياة علينا عنوة) ص129، وبعد اسبوع حاولت المصحة تعطيل وتأخير خروجها، ليس مع الاخرين الذين سوف يغادرون المصحة، ولكن اصرارها وعنادها، ان تخرج مثل الاخرين، وفي الاخير رضخت المصحة الى طلبها وخرجت مع الاخرين، رغم ان اسمها كان آخر الاسماء، ركبت الحافلة لتنطلق الى (مايك) الذي ينتظر باحر من الجمر، وحين وصلت اليه، زغرد بفرح وبهجة (- واخيراً... اخيراً أنتِ بين يدي.... معي.. اجل معي، وفي حماي) ص127، وترد عليه بلهفة حارة (- اخيراً يا حبيبي.... أنا معك ولن يحتجب فجرنا). ونطلقا الى رحلة الحرية والسعادة، بعد صبر عسير، وفي الاخير هلهت بالانتصار.

***

جمعة عبد الله

في المثقف اليوم