قراءات نقدية

قراءات نقدية

قراءة نقدية لقصيدة عبد الناصر عليوي العبيدي احكام الاساس

في المقاطع اللاحقة تتبلور بنية رمزية أخرى تقوم على مشهد الحراسة والرعاية: «ولم يحمِ القطيع نباح كلبٍ / إذا ما عنهم نام الرعاة».

تعمل هذه الصورة بوصفها علامة دلالية على خلل القيادة أو غيابها؛ فالنباح – أي الضجيج – لا يملك قوة الحماية ما لم يكن وراءه راعٍ يقظ. إنها إشارة إلى أن الصخب الخطابي وحده لا يكفي لصون القيم، بل يحتاج إلى فعلٍ حقيقي ينهض به أصحاب المسؤولية. وهنا تبلغ القصيدة ذروة توازنها بين الرمز الشعري والمقصد الوعظي.

البعد الإنساني في خاتمة النص

يبلغ الخطاب ذروته الإنسانية حين يستحضر صورة الأطفال الجياع:

«أينسى الجوع أطفالٌ جياعٌ / إذا طبخت على نارٍ حصاة؟».

هذه الصورة، المستوحاة من الذاكرة التاريخية، تمنح النص عمقًا وجدانيًا يتجاوز التنظير العقائدي إلى فضاء المعاناة الإنسانية. إنها لحظة يتحول فيها الشعر من خطاب توجيهي إلى شهادة وجدانية على الألم الاجتماعي، فيتلاقى البعد الديني مع الحس الإنساني.

وارتكازا على ما سبق نرى أن: قصيدة «إحكام الأساس» تكشف عن تجربة شعرية تمزج بين الوعي الديني والوظيفة الأخلاقية للشعر. فالنص لا يكتفي بإنتاج صورة جمالية، بل يسعى إلى بناء خطاب قيمي يذكّر القارئ بضرورة إحكام الأساس العقائدي قبل تشييد صرح العمل. وفي هذا المزج بين الشعر والخطابة تتجلّى قدرة الشاعر على تحويل الفكرة الوعظية إلى مشهد رمزي حيّ، حيث تتجاور صورة البناء، والقطيع، والذئاب، لتشكّل شبكة دلالية واحدة تؤكد أن خلل الأساس لا يهدد البناء وحده، بل يهدد الوعي الجمعي بأسره.

وهكذا يغدو النص مثالًا على الشعر الذي لا يكتفي بالغناء، بل يسعى إلى إيقاظ الضمير، حيث تتآلف البلاغة مع الحكمة، وتتحول اللغة إلى جسرٍ بين الجمال والمعنى، وبين الوجدان والإيمان.

شكرا جزيلا للشاعر الأديب الراسخ عبد الناصر عليوي العبيدي على هذا النص الماتع والإبداع الحقيقي الهادف

***

د. سيد فاروق

..........................

إحكام الأساس

إِذَا لَــــمْ يُــحْـكِـمِ الأُسَّ الْـبُـنَـاةُ

وَشَـجَّـعَـهُمْ عَــلَـى ذَاكَ الْـهُـوَاةُ

*

سَـيَـنْـهَارُ الْـبِـنَـاءُ بِــصَـوْتِ رَعْــدٍ

وَتَــطْـمُـرُهُ الــرِّيَــاحُ الـسَّـافِـيَاتُ

*

كَــذَاكَ الـدِّيـنُ إِنْ فَـسَدَ اعْـتِقَادٌ

وَصَـارَ الـشِّرْكُ تُـرْجَى بِـهِ النَّجَاةُ

*

فَــلَا يُـرْجَـى مِــنَ الأَعْـمَالِ نَـفْعٌ

وَإِنْ كَــثُــرَ الــصِّـيَـامُ أَوِ الــصَّـلَاةُ

*

وَجَـــاءَ الْـمُـرْجِفُونَ بِـبَـعْضِ زَيْــغٍ

فَــزَيَّــنَــهُ بِــلَـحْـنِـهِـمُ الْـــغُــوَاةُ

*

فَـشَـتَّـانَ الَّـــذِي يُــرْضِـي إِلَـهًـا

وَمَنْ يَسْعَى لِكَيْ يَرْضَى الطُّغَاةُ

*

فَــعُـودُوا لِـلْـيَـقِينِ قُـبَـيْـلَ يَـــوْمٍ

تَــحُـوفُ الْــمَـرْءَ فِـيـهِ الـنَّـازِعَاتُ

*

فَــوَيْــلٌ لِــلَّـذِي حَــابَـى نِـفَـاقًـا

وَكَـــــانَ لِـــكُــلِّ مُــنْـحَـرِفٍ أَدَاةُ

*

فَلَا يَحْمِي الْحُدُودَ صَدَى خُطُوبٍ

إِذَا فَــسَــدَ الْـجُـنُـودُ أَوِ الْـكُـمَـاةُ

*

وَلَــمْ يَـحْـمِ الْـقَـطِيعَ نُـبَاحُ كَـلْبٍ

إِذَا مَــــا عَــنْـهُـمُ نَـــامَ الــرُّعَـاةُ

*

فَــمَـا رَدَعَ الــذِّئَـابَ ثُـغَـاءُ شَــاةٍ

وَلَـكِـنْ فِــي يَــدِ الـرَّاعِي عَـصَاةُ

*

إِلَى قَاضِيِ السَّمَاءِ نَبْثُ شَكْوَى

وَقَـدْ حَـادَتْ عَـنْ الـعَدْلِ الـقُضَاةُ

*

أيَـنـسى الـجـوعَ أطـفـالٌ جـياعٌ

إِذَا طُـبِـخَتْ عَـلَـى نَــارٍ حَـصَاةُ؟

*

فَـطُـوبَـى لِــلَّـذِي أَبْـــدَى ثَـبَـاتًـا

وَمُــلْـتَـزِمٌ بِــمَــا نَــقَـلَ الـثِّـقَـاتُ

*

فَـــإِنَّ الــلَّـهَ يَـغْـفِـرُ كُـــلَّ ذَنْـــبٍ

إِذَا مَــا تَـــابَ وَارْتَـجَعَ الْـعُـصَـاةُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

المقدّمة: تندرج رباعيات يحيى السماوي ضمن كتابة شعرية مكثّفة تُنتج معناها عبر اقتصاد لغوي وتوتر دلالي عالٍ، فلا تُقرأ بوصفها بوحًا ذاتيًا محضًا، ولا خطابًا مباشرًا عن الواقع، بل ممارسة شعرية تُعيد تنظيم التجربة المعاشة في صيغ رمزية قابلة للتأويل. ففي هذه الرباعيات، يتقاطع الذاتي بالجمعي، ويتحوّل الاعتراف الفردي إلى أفق دلالي أوسع يلامس الوعي الجمعي، من دون أن يفقد النص طابعه الجمالي أو ينزلق إلى المباشرة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن رباعيات السماوي تتحرّك ضمن جدلٍ واضح بين وعيٍ ذاتيٍّ مراجِعٍ للماضي، ووعيٍ جمعيٍّ يلتقط أثر البنى الاجتماعية والسياسية في الجسد والذاكرة واللغة. ولا يُقدَّم الماضي في هذه النصوص بوصفه ملاذًا تعويضيًا، بل يُعاد تفكيكه نقديًا، فيما يُستدعى الحاضر بوصفه مجالًا للإنهاك والاختبار الأخلاقي، لا مجرد لحظة زمنية عابرة.

وتعتمد الدراسة قراءةً نقديةً أدبيةً ذات طابع جدلي–تأويلي، مدعومة بأدوات التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي، مع تركيز خاص على آليتي الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية بوصفهما آليتين مركزيتين في إنتاج المعنى. وانطلاقًا من طبيعة الرباعية بوصفها بنية شعرية مكثّفة، تعتمد القراءة منهجًا بؤريًا يقوم على تحليل أبيات مختارة تمثّل نواة دلالية قادرة على كشف البنية العميقة للنص، دون الوقوع في التعميم أو الاستطراد.

 عرض الرباعيتين

(1)

عـتـبْـتُ عـلـيَّ لا خـمـري وكـأسـي

لـِخـذلانـي غـدي  بـفـتـون ِ أمــسي

أنـبـتُ عـن الـبـصيـرة ِ فـي شــبابي

دُجـى بَـصـري فـكـنتُ عـدوَّ نـفـسي

وأوْهَـمَـنـي الـصِّـبـا  أنَّ  الأمـانـي

رهـيـنـة ُ رغـبـتي ويـدي وغـرسي

فـحـمـدا ً لـلـيـقـيـن ِ أضـاءَ  روحـي

وطـهَّـرَ روضـتي من وحْـلِ رجـس ِ

(2)

عـيـنـايَ مـائدتـان ِ ... والـجُـلاسُ

قـلـمٌ عـصـيُّ الشّـدو ِ والـقـرطـاسُ

إنْ أظلمـتْ مُـقـلي وحاصَـرَ جـفـنهـا

وسَــنٌ  وأوشــكَ أنْ يـكـرُّ  نـعـاسُ

حَـشَّـمْـتُ ماضي الـذكرياتِ يـزورني

طـيـفـا ً فـيـنـدى بالـحـبـور يَـبـاسُ

ما قـوَّسَـتْ ظهـري السـنـون وإنـما

مـا يـشـتـكـيـهِ في الـعـراق ِ الـنـاسُ

تحليل الأبيات (على المستوى الدلالي والفكري)

1. صورة العتاب الذاتي: إزاحة اللوم من الخارج إلى الداخل

في قوله:

"عتبتُ عليّ لا خمري وكأسي / لخذلاني غدي بفتون أمسي" 

تتشكّل صورة العتاب بوصفها لحظة وعي نقدي، حيث تُنجز إزاحة دلالية تنقل مركز اللوم من الموضوع الخارجي (الخمر والكأس) إلى الذات. فالخمر لا تُقرأ هنا بوصفها مادة حسية، بل بوصفها رمزًا للإغواء، فيما يُعاد تعريف (الأمس) بوصفه قوة فاعلة في تعطيل المستقبل. وبهذا، يتحوّل العتاب من تبرير سلوكي إلى مساءلة أخلاقية، ويغدو الماضي مجالًا لإنتاج الوهم لا زمنًا بريئًا.

2. صورة العمى والبصيرة: من الإدراك الحسي إلى الوعي المعرفي

في قوله:

"أنبتُ عن البصيرة في شبابي / دجى بصري فكنتُ عدوّ نفسي" 

تقوم الصورة على استعارة مفهومية تُقابل بين النور والظلمة، حيث لا يُقدَّم العمى بوصفه نقصًا حسيًا، بل بوصفه غيابًا للبصيرة بوصفها قيمة معرفية–أخلاقية. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل العمى من مستواه الفيزيائي إلى مستوى الوعي، فيتحوّل الظلام إلى أثر لالتباس الرؤية الداخلية. وهنا تتشكّل الذات بوصفها خصمًا لنفسها، لا بفعل قهر خارجي، بل نتيجة تورّطها في صناعة وهمها والانخداع به.

3. صورة الصبا والأماني: تفكيك وهم الإرادة الفردية

في قوله:

"وأوهمني الصِّبا أن الأماني / رهينة رغبتي ويدي وغرسي" 

تُبنى الصورة على تفكيك وهم السيطرة الفردية المطلقة. فالصبا يُعاد تعريفه بوصفه حالة وعي ناقص تُغفل تعقيد البنى الاجتماعية والسياسية، فيما تتحوّل (اليد) و(الغرس) إلى رمزين لاعتقاد زائف بالتحكّم في المصير. وتعمل الإزاحة هنا على نقل المسؤولية من الخارج إلى بنية الوعي نفسها، كاشفةً عن محدودية الإرادة الفردية أمام شروط الواقع.

4. صورة التطهير واليقين: الاستعارة المعرفية للتحوّل الداخلي

في قوله:

"فحمداً لليقين أضاء روحي / وطهّر روضتي من وحل رجس" 

تتشكّل صورة تطهيرية تقوم على استعارة مفهومية ترى أن التحوّل يبدأ من الداخل. فـ«الروح» تُضاء، و"الروضة" تُطهَّر، في معادلة معرفية تجعل الوعي شرطًا لأي أفق تغييري. ولا يُقدَّم اليقين بوصفه حالة إيمانية مجردة، بل بوصفه وعيًا نقديًا يُعيد تنظيم العلاقة بين الذات وواقعها.

5. صورة العين والمائدة: الشعر بوصفه شهادة أخلاقية

في الرباعية الثانية، يقول:

"عيناي مائدتان… والجلاس / قلمٌ عصيّ الشدو والقرطاس" 

تُبنى هنا استعارة ممتدّة تُحوّل العين إلى موضع شهادة، والمائدة إلى فضاء استقبال للواقع، فيما يُقدَّم القلم بوصفه ذاتًا أخلاقية مقاومة للتزييف. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل الشعر من كونه أداة تعبير جمالي إلى ممارسة نقدية تُواجه الواقع بدل تجميله.

6. صورة تحطيم الذاكرة: فشل الحنين الاستعادي

في قوله:

"حشّمتُ ماضي الذكريات يزورني / طيفًا فيندى بالحبور يباس" 

تتشكّل صورة عنف رمزي موجّه ضد الذاكرة، حيث يتحوّل الماضي إلى طيف عاجز عن الإحياء. وتعمل الاستعارة هنا على كشف فشل النوستالجيا بوصفها آلية تعويضية، إذ لا تعود الذاكرة قادرة على إنتاج المواساة، بل تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك.

7. صورة الجسد المنحني: الإزاحة من البيولوجي إلى السياسي

في قوله:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

تُنجز الصورة إزاحة دلالية حاسمة تنقل سبب الانحناء من الزمن البيولوجي إلى الواقع الاجتماعي–السياسي. فيتحوّل الجسد الفردي إلى علامة على ثقل المعاناة الجمعية، ويغدو الظهر المنحني نصًا دلاليًا يختزن تاريخًا من الخيبات.

خلاصة تحليل الصور

تكشف هذه الصور، مجتمعة، أن الشاعر لا يقدّم الألم بوصفه تجربة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الذات. فكل صورة تُسهم في توسيع أفق الاعتراف الذاتي ليغدو مساءلة جماعية، حيث يتقاطع الذاتي بالجماعي، ويتحوّل الألم إلى علامة على وعي مثقل بتاريخ من الخيبات، ممّا يمهّد للانتقال إلى الخاتمة التي تستكمل هذا المسار التأويلي.

التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي

المستوى البنيوي 

تنتظم الرباعيتان ضمن مسار جدلي ينتقل من الاعتراف الفردي إلى الوعي الجمعي، ومن تفكيك الوهم إلى اكتساب بصيرة نقدية. وتمنح هذه الحركة النص طابع "السيرة الجمعية"، حيث تتجاوز التجربة حدود الذات لتغدو تمثيلًا لمعاناة أوسع، لا تُختزل في البعد الشخصي.

المستوى السيميائي 

يؤسّس النص شبكة من العلامات التي تُعاد شحنها دلاليًا عبر الإزاحة، فتتحوّل عناصر مألوفة إلى أدوات في بناء رؤية نقدية للعالم. وتؤدي الاستعارة المفهومية دورًا مركزيًا في هذا السياق، إذ تُنقل المعاناة السياسية والاجتماعية من مستوى التصريح المباشر إلى مستوى العلامة الشعرية، بما يتيح للنص توسيع أفقه التأويلي.

المستوى النفسي 

يتشكّل الخطاب الشعري بوصفه ممارسة اعترافية واعية، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تسعى إلى تفكيك آلياته الداخلية. فاللوم الذاتي لا يُقرأ بوصفه جلدًا للذات، بل بوصفه لحظة اكتساب بصيرة تُدرك فيها الأنا دورها في إنتاج الوهم أو التواطؤ معه. وتعمل الإزاحة هنا كآلية دفاع نفسي تسمح بنقل الانفعال من موضوعه المباشر إلى صور رمزية، فتغدو الاستعارة وسيلة لحماية الذات وهي تُسمّي الحقيقة دون انكسار. وفي هذا الإطار، لا يظهر العمى بوصفه حالة وجودية، بل بوصفه خللًا في الممارسة العملية، حيث يؤدّي غياب النقد الذاتي إلى إعادة إنتاج الخراب على المستويين الفردي والجماعي. كما يكشف فشل الحنين الاستعادي عن عجز الذاكرة عن أداء وظيفة تعويضية، إذ تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك بدل التخفيف منه، مما يفتح الوعي النفسي على أفق جمعي يتقاطع فيه الذاتي بالجماعي.

ملخّص

وهكذا يتّضح أن مستويات القراءة الثلاثة—البنيوي والسيميائي والنفسي—لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتشابك لتشكّل رؤية متكاملة لطبيعة الوعي في الرباعيات. فالبنية الجدلية التي تنتقل من الفردي إلى الجمعي، وشبكة العلامات التي تُعاد شحنتها عبر الإزاحة والاستعارة، والوعي النفسي الذي يكشف آليات الألم والدفاع والتواطؤ، كلها تتضافر لتجعل التجربة الشعرية أكثر من مجرد تعبير ذاتي. إنها بنية معرفية تُعيد مساءلة الواقع، وتحوّل التجربة الفردية إلى مدخل لفهم أعمق للشرط الإنساني والاجتماعي، ممّا يجعل الانتقال إلى الخاتمة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار.

الخاتمة

  تكشف قراءة رباعيات يحيى السماوي، في ضوء المقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، عن نصّ يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس رؤية نقدية تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات وواقعها السياسي والاجتماعي. فالألم لا يُقدَّم بوصفه تجربة شخصية معزولة، بل بوصفه أثرًا جمعيًا يتجسّد في الجسد المنحني، الذي يتحوّل إلى علامة على ثقل التاريخ ووطأة الخيبات المتراكمة. وهكذا يغدو الجسد نصًا موازيًا، يفضح ما لا تقوله اللغة صراحة، ويكشف عن عمق التصدّع الذي يعيشه الفرد بوصفه امتدادًا لخرابٍ أوسع.

وفي هذا الإطار، لا يعمل الشعر كخطاب وجداني فحسب، بل بوصفه ممارسة معرفية تُعيد تنظيم العلاقة بين الذات والعالم عبر الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية. فقول الشاعر:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

يمثّل لحظة انزياح حاسمة، تنتقل فيها العلّة من الزمن إلى الواقع، ومن الشيخوخة إلى المعاناة الجمعية، ليغدو انحناء الجسد علامة على انهيار البنية الاجتماعية والسياسية التي تُثقل كاهل الإنسان.

ومن هذا المنظور، تقدّم الرباعيات نموذجًا لشعرية واعية بدورها النقدي؛ شعرية لا تكتفي بفضح الوهم، بل تكشف أيضًا تورّط الذات في إعادة إنتاجه، وتعرّي البنى التي رسّخته. إنها شعرية تُحوّل الخذلان السياسي والاجتماعي إلى وعي أخلاقي حادّ، يدعو إلى مراجعة جذرية للوعي، وإلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والسياسة، وبين الذاكرة والمستقبل.

***

سهيل الزهاوي

قراءة في البنيان اللغوي والتحوّل العربي وأشكال التعبير

لم يعد النصّ العربي المعاصر فضاءً خطّياً منغلقاً على بنيةٍ واحدةٍ أو صوتٍ أحاديّ، بل غدا مجالاً مفتوحاً لتجاور الأصوات، وتناسل الدلالات، وتداخل المرجعيات. وفي هذا السياق، يبرز التشكيل الكولاجي بوصفه استراتيجية جمالية ومعرفية تعيد مساءلة البنية اللغوية، وتوسّع أفق المعنى عبر تفكيك المركز، وإعادة تركيب العناصر ضمن نظامٍ دلاليٍّ متحرّك. إنه انتقال من “نصّ يُقال” إلى “نصّ يُبنى”، ومن معنى مُعطى إلى معنى يُنتَج عبر التفاعل والتأويل.

أولًا: في مفهوم التشكيل الكولاجي

الكولاج، في أصله الفني، هو تقنية تقوم على تجميع عناصر متباينة (نصوص، صور، أصوات) في بنية واحدة، دون أن تفقد هذه العناصر فرادتها. غير أنّ انتقاله إلى الحقل اللغوي والأدبي جعله يتخذ بعداً أعمق: إذ لم يعد مجرّد تجميعٍ شكلي، بل صار فعلاً تأويلياً يشتغل على التوتر بين الانفصال والاتصال، بين التشظّي والوحدة.

في هذا الإطار، يتحوّل النص إلى “فسيفساء دلالية”، حيث تتجاور المقاطع السردية، والاقتباسات، والإشارات الثقافية، والأنماط الأسلوبية المختلفة، لتنتج بنية هجينة، مفتوحة على قراءات متعددة. وهنا، لا يكون التماسك قائماً على التسلسل المنطقي، بل على العلاقات الإيحائية والرمزية التي تنشأ بين الأجزاء.

ثانياً: البنيان اللغوي بين التفكيك وإعادة التركيب

يقوم التشكيل الكولاجي على زعزعة البنية النحوية التقليدية، عبر كسر النسق المعياري للجملة، وإدخال انقطاعات، وتجاورات غير متوقعة. فالجملة لم تعد وحدة مغلقة، بل صارت شظية ضمن كلٍّ مفتوح. وهذا ما يفضي إلى:

تفكيك التراتبية اللغوية: حيث تتساوى الجملة الشعرية مع السردية، والمباشر مع الرمزي.

تعدد الأصوات: إذ يتداخل صوت الكاتب مع أصوات أخرى (تراثية، معاصرة، ذاتية، جمعيّة).

انزياح الدلالة: حيث لا يُفهم المعنى من داخل العبارة فقط، بل من علاقتها بما يجاورها أو يناقضها.

إن هذا التحوّل يعكس انتقال اللغة من كونها أداة تمثيل إلى كونها فضاءً للخلق، حيث تُنتج المعاني عبر التوتر، لا عبر التطابق.

ثالثاً: التحوّل العربي وأزمة التعبير

لا يمكن فهم التشكيل الكولاجي بمعزل عن السياق الثقافي العربي الراهن، الذي يشهد تحوّلات عميقة على مستوى الهوية، والسلطة، والمعرفة. فالتشظّي الذي يطبع النص هو انعكاسٌ لتشظّي الواقع، وتعدّد مرجعياته، وتنازع خطاباته.

في ظلّ هذا الواقع، لم تعد الأشكال التعبيرية التقليدية قادرة على استيعاب التعقيد، فكان لا بدّ من ابتكار أشكال جديدة، تتسم بـ:

المرونة البنيوية: لتواكب التحوّلات المتسارعة.

التعدّد الدلالي: لمواجهة أحادية الخطاب.

الانفتاح التأويلي: لإشراك القارئ في إنتاج المعنى.

وهنا، يصبح الكولاج ليس مجرد خيار جمالي، بل ضرورة معرفية، تعبّر عن وعيٍ مأزوم، يسعى إلى إعادة تركيب العالم عبر اللغة.

رابعاً: أفق المعنى وانفتاح التأويل

في النص الكولاجي، لا يُعطى المعنى دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجياً عبر التفاعل بين العناصر. فالقارئ لا يستهلك المعنى، بل يشارك في إنتاجه، من خلال:

الربط بين المقاطع المتباعدة

تأويل التناصّات والإشارات

ملء الفراغات التي يتركها النص عمداً

وهكذا، يتحوّل النص إلى فضاءٍ حواريّ، تتعدّد فيه القراءات، وتتباين فيه الدلالات، دون أن يستقرّ على معنى نهائي. إنّه نصّ “مفتوح”، بالمعنى الذي يجعل من القراءة فعلًا إبداعياً موازياً للكتابة.

خامساً: الكولاج بوصفه مقاومة جمالية

يمكن النظر إلى التشكيل الكولاجي أيضًا بوصفه فعل مقاومة ضدّ الأنساق المغلقة، والخطابات الأحادية، والسلطات المعرفية التي تدّعي امتلاك الحقيقة. فهو:

يرفض المركزية

يحتفي بالهامش

يزعزع اليقين

ويعيد الاعتبار للتعدد والاختلاف

ومن ثمّ، فإن الكولاج لا يشتغل فقط على مستوى الشكل، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنية الثقافية ذاتها، عبر تفكيكها وإعادة تركيبها.

خاتمة:

إن التشكيل الكولاجي، في أفقه اللغوي والجمالي، ليس مجرد تقنية، بل هو تحوّل في الوعي بالنص، وباللغة، وبالعالم. إنه تعبير عن لحظة تاريخية تتسم بالانكسار والتشظّي، لكنه في الوقت ذاته يفتح إمكانات جديدة للمعنى، ويمنح اللغة قدرةً على إعادة بناء الواقع، لا بوصفه معطىً ثابتاً، بل كأفقٍ مفتوحٍ للتأويل.

وفي هذا الأفق، يغدو النص العربي المعاصر مشروعاً دائماً للكتابة، لا يكتمل، ولا يُختزل، بل يظلّ في حالة تشكّلٍ مستمر، حيث كلّ قراءة هي إعادة كتابة، وكلّ معنى هو احتمالٌ مؤجَّل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

يُعَدُّ الغُموض النَّفْسي أحد أهم المساحات التي يلتقي فيها الأدبُ بالفلسفةِ وعِلْمِ النَّفْسِ، إذْ يَتحوَّل النَّص الأدبي إلى مِرْآةٍ دقيقة للرُّوحِ البشرية في لحظاتِ اضطرابها وخَوْفِها وتأمُّلها في المجهول. وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان من بيئتين ثقافيتَيْن مُتباعدتَيْن جُغرافيًّا، لكنَّهما مُتقاربان فَنِّيًّا: القاص العِراقي محمد خضير (وُلِدَ في البصرة 1942)، أحد أبرز مُجدِّدي القصة العربية الحديثة، والكاتب الأمريكي إدغار ألان بو (1809 - 1849) الذي رسَّخ تقاليد السرد النَّفْسي والغرائبي في الأدب العالمي.

بين هَذَين الكاتبَيْن تتشكل تجربة أدبية ثرية تقوم على استكشافِ الأعماقِ المُظلمة للنَّفْس الإنسانية، حيث يُصبح الغُموض أداةً مَعرفية للكشفِ عَنْ هَشاشةِ الإنسانِ أمام ذاته والعَالَمِ، ولَيْسَ مُجرَّد أُسلوب فني.

الغُموض النَّفْسي في الأدب لا يعني الإبهامَ أو التعقيد، بَلْ يُشير إلى حالة من التوتر الداخلي في الشخصية، تتجلَّى عبر السردِ واللغةِ والصُّورة. إنَّه ذلك الشُّعور الذي يَجعل القارئَ يقف على حافةِ الإدراك، حيث تتداخل الحقيقةُ بالوَهْم، والواقعُ بالحُلْم، والعقلُ باللاوَعْي. هذا النَّوع مِن الغُموض يتجاوز الأحداثَ الظاهرة ليغوص في البُنية العميقة للوعي الإنساني.

محمد خضير يبني غُموضه النَّفْسي عبر فضاء رمزي هادئ ظاهريًّا، لكنَّه مشحون بإيحاءات وجودية، حيث تتداخل الأزمنةُ والأمكنة في نسيج سردي يُثير الأسئلة أكثر مِمَّا يُقَدِّم الإجابات.

في أدبِ إدغار ألان بو يتجلَّى الغُموض النَّفْسي بوصفه عَالَمًا داخليًّا مُضطربًا. شخصياتُه غالبًا ما تعيش حالات من الهوس والقلق والذَّنْب، فتتحوَّل القصة إلى رحلة داخل العقلِ ذاته.

ويُعَدُّ من أوائل الكُتَّاب الذين جعلوا النَّفْسَ البشرية مركز الحدث الأدبي. ففي قصصه يتراجع العَالَمُ الخارجي ليُصبح مُجرَّد خلفية، بَينما يتصدر الصراعُ الداخلي المشهدَ. وشخصياتُه ليستْ أبطالًا تقليديين، بَلْ كائنات مأزومة تعيش في مُواجهة مُستمرة معَ خَوفها الداخلي.

يَتجلَّى هذا بوضوح في قصصه التي تقوم على فكرة الذَّنْبِ والهوس، حَيث يَتحوَّل العقلُ إلى مسرح للصِّراع بين الرغبة والضمير.

وهو يعتمد على تقنيات سردية دقيقة: الراوي غَير المَوثوق، والتوتر المُتصاعد، والوصف التفصيلي للحالات النَّفْسية. والنتيجةُ هي عَالَم أدبي يكتنفه الظلامُ والقلق، لكنَّه يَكشف في الوقتِ ذاته عن طبيعة الإنسان حين يُحَاصَر بذاته.

يُقَدِّم محمد خضير تجربة مختلفة في التعامل مع الغُموض النَّفْسي. بَينما يميل إدغار ألان بو إلى توتر درامي حاد، يتَّجه محمد خضير إلى بناء عَالَم تأمُّلي هادئ ظاهريًّا. قصصه لا تعتمد على الصدمة أو الرُّعب، بَلْ على الإيحاءِ والرمزية والتكثيف اللغوي.

في نُصوصه يَتحوَّل المكانُ إلى كِيان حَي يُشارك الشخصيةَ في قلقها الوجودي. المدينةُ، والأزِقَّة، والبُيوت القديمة، والأشياء اليَومية، كُلُّها تَحمل دَلالات نَفْسية خَفِيَّة. ويُصبح الزمنُ في قصصه غَير خَطي، إذْ يتداخل الماضي بالحاضر، والذكرى بالواقع، في بُنية سردية تَعكس تعقيدَ الوعي الإنساني.

إنَّ الغُموض في أدب محمد خضير ليس مُظلمًا كما هو عند إدغار ألان بو، بَلْ هو غُموض تأمُّلي يُشبه الضبابَ الذي يُغَلِّف المَعنى دُون أنْ يَحجبه تمامًا. فالقارئُ يَشعر بأنَّه يقترب من الحقيقة، لكنَّه لا يُمسِك بها بالكامل.

على الرَّغْمِ مِن اختلاف السِّياق الثقافي بين الكاتبَيْن، فإنَّ ثَمَّة تقاطعات واضحة بين تَجْرِبتيهما:

1_ التركيز على النَّفْس البشرية: كِلا الكاتبَيْن يَجعل مِن العَالَم الداخلي للشخصية مِحْوَرًا أساسيًّا للسرد.

2_ كسر الواقعية المُباشرة: لا يَكْتفيان بوصف الواقع كما هُوَ، بَلْ يُعيدان تشكيلَه عبر مَنظور نَفْسي مُعقَّد.

3_ استخدام الغُموض كوسيلة معرفية: الغُموض ليس غايةً جَمالية فقط، بَلْ أيضًا أداة لاكتشافِ مناطق مجهولة في الإنسان.

لكنَّ الاختلاف يَكمُن في طبيعة هذا الغُموض. عِند إدغار ألان بو، يتَّخذ شكلَ التوتر والاضطراب والرُّعْب النَّفْسي. عِند محمد خضير، يَظهر في صورة تأمُّلات رمزية هادئة تنفتح على مَعانٍ مُتعددة.

إنَّ الغُموض النَّفْسي لَيس حِكرًا على ثقافة مُعيَّنة، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية مُشتركة. ومعَ ذلك، فإنَّ الخلفية الحضارية تُؤَثِّر في طريقة التعبير عنه.

محمد خضير يميل إلى كشف الصراع الداخلي بصورة أكثر رمزية وتأمُّلًا، في حِين أنَّ إدغار ألان بو يعتمد على الصَّدمةِ والحِدَّةِ الدرامية. هذا الاختلافُ يَعكِس تباين الرُّؤية إلى العَالَم: رُؤية تميل إلى الإيحاءِ والتأمُّل الفلسفي، ورُؤية تُركِّز على الصَّدْمة النَّفْسية، وتحليلها المُباشر.

وبين ضباب التأمُّل الرمزي عند محمد خضير، وَظِلالِ الرُّعْب النَّفْسي عِند إدغار ألان بو، يتشكل فضاء أدبي واسع يُذكِّر بأنَّ الغُموض لَيس عَيبًا في الفَهْم، بَلْ هُوَ أحيانًا الطريقُ الوحيد للاقترابِ مِن حقيقة الإنسان المُعقَّدة.

***

ابراهيم ابو عواد

 

مقدمة: القصيدة بوصفها رحلة في معنى المعرفة

قصيدة "حكمة جدي" للشاعرة مجيدة محمدي رحلة داخلية هادئة، لكنها عميقة، تبدأ من سؤال بسيط وتنتهي بتأمل واسع في معنى المعرفة والإنسان. فهذه القصيدة لا تقدم حكمة جاهزة بقدر ما تدعو القارئ إلى اختبار الطريق الذي تقود إليه الحكمة: طريق الشك والتجربة والبحث.

ومن خلال صور شعرية تعتمد على الحواس والطبيعة والضوء، تنسج الشاعرة نصاً يحمل في داخله أبعاداً نفسية واجتماعية وفلسفية، بحيث تتحول القصيدة إلى مساحة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين التجربة الفردية والعالم الذي يحيط بها.

أولاً: البعد النفسي - حين يصبح السؤال تجربة شخصية

- القلق المعرفي كبداية للوعي:

لا تبدأ القصيدة من يقين ثابت، بل من شعور داخلي مضطرب يمكن وصفه بالقلق المعرفي؛ ذلك الإحساس الذي يراود الإنسان عندما يكتشف أن الأسئلة أكبر من الإجابات الجاهزة.

ولهذا يبدو النداء في بداية القصيدة: "تعلّم، أيها اللائك لعلكة البحث". كأنه صوت داخلي يخاطب الذات أكثر مما يخاطب الآخرين. فالشاعرة تشير إلى نوع من المعرفة السطحية التي يكتفي صاحبها بمضغ الأفكار دون أن يهضمها أو يفهمها حقاً. إنها معرفة تشبه تكرار الكلمات دون أن تتحول إلى تجربة حقيقية في العقل والروح.

- الحواس كلغة للتجربة النفسية:

تعتمد القصيدة على صور حسية بسيطة لكنها عميقة الدلالة، مثل المرارة والحموضة والحلاوة. هذه النكهات ليست مجرد وصف شعري، بل تمثل مراحل مختلفة من تجربة المعرفة.

المرارة تشير إلى لحظة الصدمة حين يهتز اليقين القديم ويبدأ الإنسان في الشك.

الحموضة تعبر عن مرحلة التفكير غير المكتمل، عندما يبدأ الوعي في التكوّن لكنه لم يصل إلى نضجه بعد.

الحلاوة تأتي أخيراً كإشارة إلى لحظة الفهم، حين يكتشف الإنسان أن الإجابة كانت كامنة في داخله منذ البداية.

بهذا التدرج الحسي تجعل الشاعرة رحلة المعرفة تجربة ملموسة، يمكن للقارئ أن يشعر بها كما يشعر بطعم الأشياء.

- الجد رمز الذاكرة والحكمة:

يحمل عنوان القصيدة دلالة رمزية واضحة. فالجد في الذاكرة الإنسانية غالباً ما يمثل الخبرة المتراكمة والحكمة التي تأتي من الزمن.

لكن اللافت في القصيدة أن الجد لا يظهر كشخصية حاضرة تتكلم، بل يظل غائباً جسدياً حاضراً روحياً. وهذا الغياب يمنح الحكمة بعداً أعمق: فهي لا تُلقّن مباشرة، بل تُستعاد عبر التجربة والذاكرة.

ثانياً: البعد الاجتماعي – المعرفة في مواجهة السطحية

- نقد المعرفة الاستهلاكية:

في بعض صور القصيدة يمكن قراءة نقد خفي لظاهرة شائعة في المجتمعات الحديثة، وهي تحويل المعرفة إلى مجرد تكرار أو استعراض.

فصورة "علك البحث" توحي بأن هناك من يتعامل مع المعرفة كعادة يومية أو أداء اجتماعي، دون أن يحاول فعلاً فهم ما يقرأ أو يسمع.

هذا النقد يتجاوز التجربة الفردية ليشير إلى أزمة أوسع في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها في العصر الحديث.

- الفاكهة غير الناضجة: صورة للنمو الناقص

تقدم القصيدة صورة لافتة حين تتحدث عن فاكهة لم تكمل شمسها.

هذه الصورة يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن إنسان لم تتح له الفرصة الكاملة للنضج الفكري أو الروحي. ففي كثير من الأحيان يُطلب من الإنسان أن يكون جاهزاً قبل أن يكتمل تكوينه، وأن يمتلك إجابات قبل أن يمر بتجربة السؤال. وهكذا تصبح الحموضة رمزاً لتجربة إنسانية لم تنضج بعد.

- الضوء والعتمة كصراع دائم:

تتكرر في القصيدة صور الضوء والليل، وكأن الشاعرة ترسم صراعاً مستمراً بين المعرفة والجهل.

لكن هذا الصراع لا يظهر بشكل مباشر أو حاد، بل يأتي في صورة فجر يتعلم كيف يولد من الليل. وكأن الشاعرة تقول إن الوعي لا يظهر فجأة، بل ينمو ببطء مثل الضوء الذي يتسلل تدريجياً إلى العالم.

ثالثاً: البناء الفني – كيف تنسج القصيدة معناها

- التدرج من الحس إلى الفكرة:

تعتمد القصيدة على حركة داخلية تبدأ بالحس وتنتهي بالفكرة. فهي تبدأ بالطعم، ثم تنتقل إلى الضوء، ثم تصل إلى القياس والتأمل.

هذا التدرج يمنح النص إحساساً بالحركة، وكأن القارئ يسير مع الشاعرة في رحلة تتقدم خطوة بعد أخرى نحو الفهم.

- الثنائيات التي تحرك النص:

تقوم القصيدة على مجموعة من الثنائيات التي تعطيها عمقاً دلالياً، مثل: السؤال الواضح مقابل السؤال المرتبك

- الضوء مقابل العتمة

- الذهب مقابل الحجر

- الفجر مقابل الليل

لكن هذه الثنائيات لا تبقى ثابتة، بل تتحول إلى حركة مستمرة. فالليل يحمل بداخله إمكانية الفجر، والشك يمكن أن يصبح بداية المعرفة.

رابعا: نهاية القصيدة: حكم شعري على السطحية

تختتم القصيدة بصورة مكثفة تقول إن السؤال المرتبك يشبه الضباب الذي يمر فوق المعنى دون أن يراه.

هذه الصورة تختصر فكرة القصيدة كلها: فالمشكلة ليست في وجود السؤال، بل في نوعيته. فالسؤال الحقيقي يفتح الأبواب، أما السؤال السطحي فيظل عالقاً على سطح الأشياء.

خاتمة: الحكمة التي تنمو ببطء

في نهاية المطاف تقدم قصيدة "حكمة جدي" رؤية هادئة لكنها عميقة لمعنى المعرفة. فهي تذكّرنا بأن الحكمة لا تأتي من الإجابات السريعة، بل من رحلة طويلة من الشك والتجربة.

والجد الذي يلوح في عنوان القصيدة ليس مجرد شخصية من الماضي، بل رمز لزمنٍ كانت فيه المعرفة تنضج ببطء، مثل فاكهة اكتملت شمسها.

لهذا تبدو القصيدة وكأنها دعوة إلى التمهل في التفكير، وإلى إعادة اكتشاف قيمة السؤال الحقيقي، ذلك السؤال الذي لا يكتفي بالمرور فوق المعنى، بل يتوقف عنده حتى يراه.

***

شهاب احمد الفضلي

..........................

حكمة جدي

بقلم: مجيدة محمدي

تعلَّم، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحث،

أنَّ السؤالَ لا ينبت مصادفة، كنبات طفيلي،

بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتين الحيرة....

إنْ تأمَّلتَه، ليس واحدًا كما يبدو،

بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّة.

بعضُه مُرٌّ

كجذرٍ اقتُلِع من تربة اليقين،

يترك في الفم طعمَ الشكِّ

ويوقظ في الروح عطشَ المعرفة.

وبعضُه حامضٌ

كفاكهةٍ لم تكمل شمسها،

يعصرُ الفكرَ قليلًا

ثم يتركه يقظًا

مثل نافذةٍ فُتحت فجأةً على الريح.

وبعضُه حلوٌ

كقطرةِ عسلٍ سقطت من خلية الحكمة،

يذوب ببطءٍ في الوعي

حتى يكتشف المرءُ، أنَّ الإجابة كانت تنام في داخله منذ البدء.

*

وللأسئلة أيضًا أنوارٌ،

تتدرّج بين الضوء والعتمة،

مثل فجرٍ يتعلّم كيف يولد من الليل.

منها ما يلمع

كفكرةٍ خرجت تَوًّا من يد البرق،

ومنها ما يتعثّر في الظلال

كطفلٍ يتهجى اسمه في ضوضاء الجمع

*

و مقاييسها الخفيّة،

أطوالٌ تمتدّ مثل أنهار الفكر،

وأوزانٌ تثقل و تخف،

وأعماقٌ تُقاس

بمدى اتّساع القلب للدهشة.

*

فاحذر، أيُّها السائرُ في طرق المعنى،

أن ترمي سؤالًا

كحجرٍ أعمى في بئر الكلام.

اصقلهُ أولًا

كما يُصقَل الضوءُ في عين الفجر،

و ِزنهُ

كما يزن الصائغُ ذهبَ الحكمة.

فالسؤالُ الدقيق

هو المفتاحُ الوحيد

الذي يعرف كيف يوقظ الأبواب.

أمّا السؤالُ المرتبك

فليس سوى ضبابٍ

يمرّ على المعنى

دون أن يراه.

نحو أنطولوجيا الحضور في اللغة

ليس الشعرُ— في جوهره العميق —ارتحالاً نحو الغياب، ولا تعقّباً لأثرٍ تلاشى في عتمة العدم، بل هو عودةٌ مشحونةٌ إلى الداخل، إقامةٌ في كثافة الحضور، حيثُ تنكشف الذاتُ لذاتها بوصفها موضعَ المعنى ومنبعَ الإشراق. فالشاعر لا يبحث عمّا ليس، بل يُصغي لما هو كائنٌ فيه، مستترٌ بفرط القرب، مُحجَّبٌ بكثرة الألفة. وهنا تتأسّس المفارقة الأولى للشعر: أن أقربَ الأشياء إلينا هو أشدُّها خفاءً، وأن الحضور— حين يفيض —يتقنّعُ بصورة الغياب.

إنّ اللغةَ الشعرية لا تُحيل إلى الخارج بوصفه مرجعاً نهائياً، بل تُعيد العالم إلى باطن قائله، فتغدو الكلماتُ مرايا، لا لتعكس الأشياء، بل لتُكثّف الوعي بها. فالشعر، في أحد أعمق تعريفاته، هو تحويلُ المدرك إلى مُدرِك، وإعادةُ الموضوع إلى ذاتٍ حيّةٍ نابضة. ولذلك فإن الرائي—حتى لو توهّم أنه يعانق المطلق—لا يخرج عن مدار روحه، إذ لا يرى إلا بقدر ما يتّسع فيه أفقُ الرؤية، ولا يحتضن إلا ما يتهيّأ في داخله لاستقبال المطلق. إنّ كلَّ تعالٍ يُرى إنما يُرى من داخل، وكلَّ مطلقٍ يُدرك إنما يُدرك بوساطة ذاتٍ تتّقدُ به.

ومن هنا، يغدو القلب—لا بوصفه عضواً بيولوجياً، بل كياناً رمزياً جامعاً—هو الموطن الوحيد للحضور. فيه تتلاقى الأزمنة، وتتصالح المتناقضات، وتنبثق المعاني في لحظةٍ لا زمنية. فالحاضر الذي نتوهّم البحث عنه في الخارج، إنما يقيم في هذا المركز الخفيّ من الكينونة؛ حيثُ تتجلّى الحقيقة لا كمعطى جاهز، بل كاشتعالٍ داخليّ، كـ"بصيرةٍ" لا تُرى بقدر ما تُرى بها الأشياء.

والشعر، بهذا المعنى، ليس وصفاً للحقيقة، بل تحوّلٌ إليها؛ ليس خطاباً عنها، بل انخراطاً فيها. إنّه فعلُ انكشافٍ يطال الذات قبل العالم، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الرائي والمرئي، بحيثُ يغدو النظرُ ضرباً من التجلّي، لا مجرّد إدراكٍ حسّي. وحين يبلغ الشاعر هذه العتبة، لا يعود يميّز بين ما يراه وما يكونه، إذ تصير الرؤيةُ امتداداً للوجود، ويغدو الوجودُ لغةً تتكلّم في كيان الشاعر.

على هذا الأساس، يمكن القول إنّ الشعر يؤسّس لما يمكن تسميته بـ"أنطولوجيا الحضور"، حيث لا يكون الوجودُ شيئاً خارجياً نُحيله إلى كلمات، بل تجربةً معاشة تُعيد اللغةُ تشكيلها في هيئة إيقاعٍ وصورةٍ ودلالة. فالكلمةُ الشعرية لا تُحيل إلى غائب، بل تُحضِر ما هو كامن، وتستدعي ما هو متوارٍ في طبقات الشعور واللاوعي، لتُقيمه في فضاء القول.

وإذا كانت الفلسفةُ تسعى إلى القبض على الحقيقة بمفاهيمها، فإنّ الشعر يُدركها بوميضه، بتلك اللحظة الخاطفة التي ينكشف فيها الكلُّ في الجزء، واللامتناهي في اللفظة. إنّه لا يُشيّد أنظمةً فكرية، بل يُوقظ فينا القدرة على التجلّي، على أن نرى العالم لا كما هو معطى، بل كما يُعاد خلقه في أعماقنا.

وهكذا، لا يعود الشعرُ بحثًا عن معنى مفقود، بل اكتشافاً لمعنى مُقيم؛ لا يكون غوصاً في العدم، بل إبحاراً في الامتلاء. إنّه رحلةٌ إلى الذات، لكنّها ذاتٌ لا تنغلق على نفسها، بل تنفتح—من فرط عمقها —على الوجود بأسره. وفي هذا الانفتاح، يتبدّى السرّ الأكبر للشعر: أنّه كلّما ازداد توغّلاً في الداخل، ازداد اتّساعاً نحو الخارج، حتى يغدو الباطنُ أفقاً، ويصير الحضورُ أبداً لا تحدّه تخوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حوارٌ افتراضي بين فقهاء اللغة والنحاة العرب حول الصفر اللغوي

في قاعةٍ لا يحدّها زمن، اجتمع أئمة اللغة والنحو، كأنما استُدعيت عقولهم من طبقات التاريخ لتتحاور حول سؤالٍ حديث الاسم قديم الجوهر: الصفر اللغوي. جلسوا في دائرة من نور الفكر؛ المخطوطات تحيط بهم، والحبر لم يجفّ بعد على أوراق القرون.

تقدّم شيخ الصناعة، سيبويه، وقد بدا عليه هدوء العلماء الذين يرون اللغة نظاماً لا فوضى فيه، وقال:

- «تزعمون أنكم اكتشفتم في لغاتكم الحديثة ما تسمّونه العنصر الصفري؟ لقد عرفناه منذ أن رأينا العرب يقولون: ذهبتُ، فيُفهم الفاعل دون ذكره. الحذف عندنا لم يكن نقصاً، بل استخفافاً بالذكر حيث يقوم الدليل مقام اللفظ.»

ابتسم الحاضرون، فرفع أحدهم رأسه، وكان عبد القاهر الجرجاني، صاحب النظر الدقيق في أسرار البيان، وقال:

- «يا أبا بشر، إنك نظرت إلى الحذف من جهة الصناعة، وأنا نظرت إليه من جهة البلاغة. فالذكر يقيّد المعنى، أما الحذف فيطلقه. إنك إذا قلت: حتى توارت بالحجاب، فقد تركت للسامع أن يكتشف المتواري. هنا يصبح العقل شريكاً في الكلام.»

ثم التفت إلى الحاضرين وأضاف:

- «ليس الحذف سكوتاً، بل خطابٌ مؤجَّل في ذهن المتلقي.»

هنا تدخّل العالم المدقّق، ابن هشام الأنصاري، وقد حمل بين يديه أوراقاً كثيرة كعادته، وقال:

- «أما أنا فقد أكثرْتُ من قول: والتقدير كذا. ولم يكن ذلك ترفاً علمياً. إن الجملة العربية قد تخفي عناصرها لكنها لا تفقدها. فإذا قلت: لولا العلمُ، فالتقدير: لولا العلم موجود. ولو تركنا التقدير لانقطع المعنى.»

سأله أحد التلاميذ الجالسين في المجلس:

- «أفلا يكون التقدير ضرباً من التكلف؟»

فأجاب ابن هشام:

- «بل هو إنصاف للنص. نحن لا نضيف شيئاً من عندنا، بل نستعيد ما أرادته اللغة ولم تُصرّح به.»

عندها رفع رجل وقور صوته من طرف المجلس، وكان إمام المعاجم ابن جني، فقال:

- «إن اللغة يا سادة ليست أصواتاً فحسب، بل قياس وعقل. العرب حذفوا لأنهم وثقوا بفهم السامع. ولو لم يكن في العقل نظام سابق لما جاز الحذف أصلاً.»

ثم أضاف وهو يشير إلى الهواء كأنه يرسم بنية خفية:

- «إن المحذوف حاضر في النفس قبل أن يكون غائباً في اللفظ.»

ساد صمت قصير، كأن المجلس نفسه يمارس الصفر اللغوي الذي يتحدث عنه.

فقال الجرجاني:

- «أترون؟ حتى سكوتنا الآن معنى.»

ضحك سيبويه وقال:

- «بل هو دليل.»

ثم قال مخاطباً الجمع:

- «لقد بنى العرب لغتهم على الاقتصاد. الضمة تقوم مقام كلمة، والضمير المستتر يقوم مقام اسم كامل. إننا لم نحتج إلى الإسهاب لأن الإعراب حمل الوظيفة.»

تقدّم أحد الحضور قائلاً:

- «إن اللسانيين اليوم يقولون إن البنية العميقة للجملة تحتوي عناصر غير منطوقة.»

فأجاب ابن جني:

- «وما الجديد؟ ألم نقل إن المعاني قائمة في النفس قبل اللفظ؟»

وأضاف الجرجاني:

- «إن النظم هو العلاقة بين المعاني، لا مجرد الأصوات. فإذا حذف المتكلم، فقد نقل جزءاً من العبء إلى المتلقي، وهنا يولد الجمال.»

قال ابن هشام:

- «بل يولد أيضاً الضبط؛ لأن التقدير يمنع الفوضى.»

ثم دار الحديث إلى الشعر.

قال سيبويه:

- «كيف يبتدئ الشاعر بقوله: قفا نبك؟ من المخاطب؟ ولماذا؟ كل ذلك محذوف، لكنه مفهوم.»

قال الجرجاني:

- «لأن الشعر يعيش في المسافة بين ما يقال وما يُفهم.»

وسأل أحدهم:

- «وهل الصمت إذن كلام؟»

فأجاب ابن جني:

- «إذا دلّ، فهو كلام.»

هنا ختم الجرجاني المجلس قائلاً:

- «إنكم تسمونه اليوم صفراً لغوياً، ونحن سميناه حذفاً وتقديراً وإيجازاً. الأسماء تختلف، لكن الحقيقة واحدة: اللغة لا تقوم على الامتلاء وحده، بل على الفراغ المنظّم.»

فقال سيبويه وهو ينهض:

- «الصمت في اللغة ليس عجزاً، بل نظام.»

وأضاف ابن هشام:

- «وليس نقصاً، بل دقة.»

وقال ابن جني:

- «وهو دليل على أن العقل شريك اللسان.»

وانفضّ المجلس، وبقي في الهواء شيء لم يُقَل… لكنه فُهم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

سعى الأدب الإيراني منذ أوائل ستينيات القرن الماضي وحتى قيام الثورة الإسلامية، إلى إرساء صلة واعية بتاريخ الأمة الفارسية وواقعها. وفي ظل الحالة المزرية للبلد آنذاك، والاحتكاك بالنظام البهلوي الذي جعل الأدباء عرضة للملاحقة السياسية والحظر الفكري، تشكلت موجة للأدب الملتزم، قادها كتاب ذوو ميول يسارية صرفوا حماسهم للدفاع عن المحرومين، وتميزت كتاباتهم بالاحتجاج، ورفض التضييق الحكومي على الحيز الاجتماعي والسياسي، وإحياء ذاكرة الأمة التي سعت التفسيرات الرسمية للنظام إلى طمسها.

داخل هذا المعترك برز اسم الأديبة سيمين دانِشوَر، ليقدم لعالم الأدب تفاصيل المجتمع الإيراني في فترة تاريخية عصيبة، التأم فيها الشعور القومي مع إحدى أوجه الصراع بين الحداثة والتقاليد. ويُعتبر عملها الروائي الأبرز "سووشون"، نموذجا للكتابة الروائية التي دمجت التراث الفارسي بالتقنيات السردية الحديثة، لتروي للعالم فظاعة الحرب من منظور المهزومين والمنسيين.

تعد "سُووَشون"(*) أول رواية نسائية حديثة باللغة الفارسية. وتدور أحداثها في مدينة شيراز خلال الاحتلال الإنجليزي، لترسم الفضاء الاجتماعي السائد آنذاك، وتنقل معاناة شعب مزقته تداعيات الحرب العالمية الثانية بشتى تعقيداتها. غير أن حس المظلومية لم يمنع الكاتبة من إبداء تشريح قاس للبنى التقليدية داخل المجتمع، ونقد الأوضاع الداخلية التي عمقت من أزماته، كقضايا المرأة، والنظام الطبقي، والتوتر المستمر بين مكونات النسيج القبَلي.

نستكشف أحداث الرواية بعيني زاري. امرأة إيرانية متعلمة تمارس أدوارها التقليدية كزوجة وأم، لكن يتخلل هذه الحياة لحظات ارتياب ويأس، نجمت عن تعقيدات زواجها من يوسف المثالي والصريح، والذي سيُعرض حياة الأسرة للخطر جراء مواقفه من الاحتلال.

بعد أن سيطرت قوات الحلفاء على أجزاء من إيران، سعت للاستيلاء على جميع المحاصيل المتاحة لإطعام جيوشها المتمركزة هناك. إلا أن يوسف الذي يمثل طبقة ملاك الأراضي، يرفض التعاون وتسليم المحاصيل، خشية أن يموت الفلاحون جوعا. تكسر معارضته فرضية تواطؤ الملاك مع القوى الأجنبية، بينما يبرز موقف شقيقه كممثل للطموح السياسي الذي أظهره بعض المتعاونين من أبناء البلد، لتأمين امتيازات ومناصب في الحكومة المحلية:

" كان الأمر أهون على آبائنا، وإذا لم نتحرك سيكون عسيرا على أبنائنا. كان آباؤنا يواجهون خصما واحدا، وللأسف استسلموا له. ونحن الآن نواجه خصمين، وسينضم إليهما غدا خصم ثالث بنفس جديد، وبعد غد خصوم آخرون.."

يتعرض يوسف للقتل بسبب موقفه الثابت، ليصبح دون قصد رمزا للمقاومة. أما زاري فإن موت زوجها يغير نظرتها للحياة، لتجد نفسها في قلب الأحداث بعد أن ظلت بمنأى عن معاناة الناس. تعود زاري في الفصول الأخيرة من حافة الجنون، وتستعيد رباطة جأشها لتنضم للحشد الذي حوّل موكب الجنازة إلى مظاهرة للثأر من مقتل زوجها:

"نحن لا نبتغي فتنة. أقمنا عزاء لابن بلدتنا. تصور أن هذا المكان كربلاء وأن هذا اليوم عاشوراء، هل تريد أن تكون الشمر؟

صدح أحدهم: يا حسين، فأطلقت الجموع صرخة مدوية ورددت بصوت ممطوط: يا حسين!"

بفضل شخصيات حية جرى تصميمها ببراعة، تمكنت سيمين من تحقيق سرد مقنع للحب والفقدان، ونقلت ببصيرتها العميقة تفاصيل مجتمع تحت الضغط. وتظهر براعتها تحديدا في رسم الشخصيات النسائية، سواء العادية أو السلبية كشخصية عزت.

وبما أن الأحداث تُروى من منظور زاري، فإن القارئ يلمس حضورا جليا للكاتب، خصوصا حين تكشف التناقض بين ذاتية زاري والعالم الخارجي. ذاك التناقض الذي سيحطم سعي البطلة للحفاظ على الهدوء داخل أسرتها، ليزج بها في أتون زمن مظلم يفكك أدوارها التقليدية كزوجة وأم؛ فتصبح امرأة واعية بالواقع من حولها. غير أن هذا التحول يتم ضمن مزيج من المثالية والواقع، مما يُكسب الرواية هالة من الغموض الشبيه بالأساطير.

يحيل عنوان الرواية على طقوس حداد قديمة، تعيد للذاكرة مأساة البطل الفارسي "سياوش"، تقول الأسطورة أن سياوش نجل الملك، وأحد أبطال إيران المعدودين، كان صاحب وجه حسن وملامح فاتنة. تعلقت به زوجة الملك لكنه امتنع عليها، فدبرت له المكائد حتى قُتل بفعل مؤامرة خبيثة؛ بينما تحول دمه الذي سال على الأرض إلى نبتة تُخلد حتى اليوم مظلومية أمير الفضيلة. وباستعارة هذا الحدث الأسطوري تخلصت الرواية من الوصف البسيط للواقع، لتمنحها الخلفية الفلكلورية أحد أسباب نجاحها الكبير:

 " كنت أبكي لأجل سياوش.. لم أكن أعرفه في بادئ الأمر، وكنت أكرهه. أما الآن فصرت أعرفه جيدا وقلبي ملتاع له.. كنت واقفة تحت "شجرة الشَعر" أبكي سياوش. ياللخسارة! فأنا لا أملك شَعرا، وإلا كنت قد قصصته وعلقته على الشجرة مثلما تفعل الأخريات..".

أفسحت سيمين مجالا واسعا للمونولوج الداخلي، وللأحلام والتأملات التي يمكن القول أنها أكسبت هذا العمل سمة الرواية الاجتماعية، من خلال تتبع الدمار الذي لحق البنى الاجتماعية بما فيها الأسرة. غير أن موهبة الكاتبة الحقيقية تتجلى في ابتكارها لاستعارات تنقل بتعقيدها معاناة أمة أثرت فيها الحرب بشدة. يشرح فيليب ماريون ابتكار الاستعارة بأنه البحث، ثم اختيار ضمن فئة من العلامات وحدة تشبه الوحدة المراد استبدالها، لتمثيلها بشكل أفضل. ولا شك أن سيمين برعت في دمج التراث الفارسي بأبطاله ووقائعه، لتوجيه نقد لاذع للآثار المؤلمة التي تسبب فيها الاحتلال. ويظهر استحضار قوى البطل الأسطوري "رستم" على سبيل المثال، مدى يأس الشعب ومصائبه، بسبب إجباره على تسليم مؤنه للاحتلال؛ فرستم هو البطل الذي كسر أقفال مخازن المؤن لتوزيع الحبوب والتمر والدقيق على الفلاحين.

أدارت سيمين أحدث الرواية من داخل عقل زاري، بأسلوب مزجت فيه بين الواقعية والأصالة، إلى جانب العمق العاطفي الذي منحنا شخصيات معقدة، تعكس صراعات أخلاقية مفعمة بالتحدي والصمود دون ابتذال. وبدلا من التصريحات السياسية المباشرة، لجأت سيمين إلى الأساطير والعادات والمعتقدات المحلية، لتوجه نقدا قاسيا لفترة حرجة من تاريخ إيران المعاصر.

تقدم سيمين حكايتها من خلال رؤيتين، إحداهما واقعية والأخرى رمزية، وبذلك تضفي مزيدا من الغموض والترقب لدى القارئ الذي يواجه ما يمكن أن نعتبره سردا مزدوجا. فهناك طبقة سردية تقدم قصة شيقة لعائلة شيرازية، تورطت في دهاليز السياسة القذرة خلال أربعينيات القرن الماضي، حيث يجري توظيف مظاهر الثقافة والحضارة الإيرانية بلغة شعرية رائقة. أما الطبقة الرمزية أو المجازية فتمنح بعض الشخصيات والأماكن وظيفة رمزية، تساعد على تقديم مسار تفسيري للقارئ، يصل من خلاله إلى معنى أعمق.

حققت الرواية حضورا طاغيا منذ صدورها لأول مرة عام 1969. وعدّها النقاد ذروة الكتابة الروائية الفارسية، حيث لا أثر لأي ضعف في الأسلوب أو البنية. إضافة إلى أن تنوع الشخصيات في هذا العمل استوعب مختلف شرائح المجتمع الإيراني، بتطلعاتها، ومُثلها العليا، وتعبيراتها الشعبية. لذا يستمر حضور "سُووَشون" التي بلغت طبعتَها الثامنة والعشرين سنة 2021، وتُرجمت إلى سبع عشرة لغة.

بعد أن تلقت تعليما جيدا في كنف أسرة مثقفة، انتقلت سيمين من مسقط رأسها شيراز إلى طهران، لتدرس الادب الفارسي في كلية الآداب بجامعة طهران. غير أن وفاة والدها سنة 1941 أجبرتها على البحث عن عمل لمواجهة الصعوبات المالية، فالتحقت بإذاعة طهران لتقدم سلسلة بعنوان (الشيرازي المجهول)، بالإضافة إلى كتابة وترجمة مقالات لصحيفة "إيران".

نشرت سيمين مجموعتها القصصية الأولى (النار المُطفأة) عام 1948. وبعد حصولها على الدكتوراه استفادت من منحة فولبرايت، لتستكمل دراستها الأكاديمية بجامعة ستانفورد الأمريكية حول علم الجمال وعلم نفس الفن.

إثر عودتها التحقت بجامعة طهران كأستاذة مشاركة لتاريخ الفن. واهتمت إلى جانب الكتابة القصصية والروائية، بترجمة أعمال تشيخوف، وهوثورن، وسارويان، وأرتور شنيتسلر وغيرهم. وخلال هذه الفترة نضج أسلوب سيمين النثري، وصار أكثر اقترابا من لغة الناس، حيث طورت أسلوب كتابة أقرب إلى الواقعية السينمائية، تتجنب من خلاله إصدار الأحكام، لتقدم شخصيات قادرة على التعبير عن نفسها، ولتخلق ببراعة عوالم حقيقية وخيالية نابضة بالحياة عن المجتمع الإيراني.

إلى جانب مسيرتها الأدبية اضطلعت سيمين بأدوار قيادية لاستكمال مشروع رابطة الكُتاب الإيرانيين التي تأسست عام 1968، وتقديم الدعم المعنوي للمثقفين المعارضين لنظام بهلوي. كما عُرف عنها حرصها على المساعدة المادية والأكاديمية لطُلابها. وهو الأمر الذي عرّضها باستمرار للمضايقات من لدن شرطة السافاك، رغم أنها لم تتبنّ أية إيديولوجية سياسية محددة.

شكلت أعمال سيمين إسهاما قيما في عالم الكتابة الروائية. وقدمت نموذجا للأدب الذي يتولى مهمة التغيير الاجتماعي، دون أن يتخلى عن موضوعيته أو عن مقوماته الفنية التي تتيح للكاتب محاكاة الحياة. وتعكس مجموعاتها القصصية المنشورة فهما عميقا للمجتمع الإيراني من حيث عرضها للمشاكل الاجتماعية التي تعبّر عن الحقيقة أكثر من الخيال، كسرقة الأطفال، والاستغلال الجنسي، والفقر، ووضع المرأة في ظل التحول الاجتماعي الذي تشهده إيران.

منحت سيمين للمرأة الإيرانية صوتها من خلال معالجة قصصية تندد بالإقصاء واللامساواة، لكن دون الوقوع في فخ التغريب والاجتثاث. فهي تؤكد على أن حضور المرأة يستمد قوته من أدوارها كأم وزوجة، تُدعم الصمود الوطني في مواجهة النفوذ الغربي، وتدافع عن الأخلاق المتجذرة في الثقافتين الإسلامية والفارسية التي تحقق الاستقرار الاجتماعي والتكامل بين الجنسين.

***

حميد بن خيبش

.......................

(*) سيمين دانشور: المأساة الإيرانية-سووشون. منشورات الربيع. 2024

 

إلى هؤلاء الشعراء الأفذاذ الذين عاشوا يوم الشعر العالمي، فرسان الكلمة واليراع والإبداع، وأمراء القافية والبيان والإشعاع والإمتاع، إلى عشّاق الشعر و الهائمين فى حلو الكلام وعذبه، أهدي هذه الباقة حول صناعة الشعر ومشاغله وأهله وذويه. ومحبّيه.

الشّعر عناق للآمال والآلام

 يقول هؤلاء الذين تخفق قلوبهم بمحبة الشعر والانشغال به وبعوالمه التي لا تحدّها حدود: الحديث عن الشعر هو الحديث عن الكون الهائل المحيّر.. عن عذابات النفس المكلومة التائهة في متاهات الحياة، ومرابض الكينونة في تناوش وتشاكس وديمومة متجدّدة. الشعر هو اللغة في أرقى مظاهرها، هو تجسيد للكون وما يكتنفه من غموض، وتساؤل واغتراب. واستلاب، هو ضرب من مناوشة الوجود. هو تعبير أفلاطوني، وهوميري، ولبيدي، وزُهيري أزلي عن توحيد الجزء في الكلّ والعكس. هو - كما يقول عنه كولاريدج - مخلوق يدبّ على قدمين، دائم البحث عن القيم الجديدة، وهو ليس قصراً على التذوّق الفنّي أو وصف الإحساس المرهف أو رصد التسامر أو الانطواء أو الانتماء. بل هو مواجهة صريحة ومجابهة جريئة للواقع، واستكناه لخباياه وأسراره، كينونته ومتاهاته، هو استجلاء لغوامضه ومفارقاته، و في آخر المطاف هو كيّ، ووخز، واحتراق وعناق للآمال والآلام.

 يقول العارفون الشكوى عند الشاعر الحقّ حبّات متناثرة، وذرّات مبعثرة كأنها كثبان رملية منهمرة على وقع هدير أمواج صاخبة عاتية. الشعر لمحٌ تكفي إشارته، وليس بالهذر طُوِّلت خُطبُه، الشعرفكر يبعث على التأمّل وإعمال النظر، بضرب من المناوشة والمشاكسة والمعاناة والنغوص والتوتّر حيناً، وبالخيال المجنّح الطليق والاسترخاء حينا آخر. والغربة عند الشاعر تنويعات حزينة، تعزفها أوتار القلوب المعذّبة المكلومة، والقصيد نبع وارفٌ رقراق يتلألأ مشعّاً في أعماق النفس البشرية المحبّة العاشقة الولهانة.

يرى الناقد المكسيكي ساندرُو كوهين: "أنّ الشاعر هو مرآة الروح في النفس البشرية. وهو الذي يعمل على تجلية وتنقية ما علق بها من صدأ وبلى وأدران. ويجعلها تشعر بالحنين إلى الحياة الأولى الحالمة الخالية من أيّ أثر للتيارات المادية التي طغت وطبعت هذا العصر". كان الشعر فيما مضى من الأزمان يُسمع ويُقرأ من طرف العديد من الرجال والنساء، وأعني به الشعر المكتوب، أيّ الشعر الذي بدأ الإنسان ينظمه بغضّ النظر عن الغناء أوالتقاليد.

المذياع والتلفزيون والسّينما والشّعر

لم يعرف التاريخ من قبل وسائل ذات آثار واسعة مثلما هو عليه الشأن فى عصرنا الحاضر بالنسبة للمذياع والتلفزيون والسينما، وأخيراً الإنترنت، إنه منذ بضع عقود كان كل شخص «مهذّب» يقدّر مختلف الفنون الإبداعية وفي مقدّمتها الشعر، ويواظب على حضورها أو قراءتها أمّا اليوم فقد تبعثر هذا المعنى بطغيان المرئيات، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة الفنّ السابع (جيّده ورديئه) عن باقي الفنون.

وإذا كانت إبداعات القرنين الماضيين شعراً ونثراً لم تحقق مبيعاتها ما حققه بعض الكتاب والشعراء اليوم. ذلك أن الذي كان يُشترىَ «بضمّ الياء» منذ مائة سنة كان يقرأ، سواء تعلق الأمر بديوان أو كتاب مطبوع. وعلى العكس من ذلك أصبح التباهي اليوم ليس بالقراءة؛ بل باقتناء العديد من الكتب حتى وإن لم تقرأ.

ويرى بعض ممّن يتعاطون الشعر أن يولون عناية للموسيقى والراديو والسينما والتلفزيون -حتى وإن كانت هناك بعض المفعولية والمعقولية في أهمّية هذه الوسائل- إلا أنه ليس هناك من ريب أنها قد تسبّبت في تجميد وتشويه وغِلظة الحواس. ولا يمكن لهذه الوسائل برمّتها أن تنفلت أو تتنكّر لهذه القيم الجمالية. فلا يمكننا أن ننكر أن هناك موسيقي ممتازة، وهناك أفلام تستحقّ أن تُشاهد والتي تعتبر أعمالاً فنيّة رائعة. وهناك كذلك إذاعات جيّدة. كما إنّ هناك تلفازاً متقدّماً ومتطوّراً في جميع أنحاء العالم، بإبداعاته وطاقاته الفنيّة الهائلة فضلاً عن تقنياته العالية.

عوامل حجمت قرّاء الشّعر

 من المعروف انّ هناك العديد من العوامل التي أدّت إلى نقص واضح في قراءة الشعر، وجعلت من الصعوبة بمكان وضع تفسير واضح لهذه الظاهرة. إلاّ أن هناك وجهة نظر بالمقابل لمحايد أو ملاحظ متضرّر وهو الشاعر الذي ليس له قرّاء كثيرون. إننا ما زلنا نستمع إلى أقوال مثل: إن العالم قد أصبح فظيعاً لدرجة أنه لم يعد هناك مكاناً للشعر» أو: «إنها بكاملها، بهيئاتها، وامتشاقها، وهيافة خصرها، وطريقة مشيتها، وحديثها، بل حتى طريقة جلوسها إنما هي قصيدة حقيقية ناطقة. وإن التهديد بالحروب والجوع والأمراض الفتّاكة يعمل على بعث الكآبة في أقل الشعراء حساسية وشعوراً.

إلا أن كلّ ما سبق ليس عذراً لهجر الشعر، لأنّ الشعر ليس فنّاً زخرفيّاً، ولا أداة من أدوات الزينة والتنميق. فالشعر يفهم عموماً في الغرب بأنه حافل بالأشباح والأرواح والرومانسية والأحلام. وترجع هذه المفاهيم إلى الفلاسفة الإغريق، إلا أنه عندما ظهر أمثال «والت ويتمان» (1819م) و»شارل بودلير»(1821م) و»أستيفان مالارميه»(1842م ) و» أرثور رامبو»(1854م) فإنّ أمثال هذه المفاهيم بدأت تهتزّ، وطفق معها الشعر السحري الحالم يفقد رونقه وبهاءه وإشعاعه شيئاً فشيئاً.

إن كلمات مثل الأيديولوجية، الالتزام، النقد، التأمل، إعمال النظر، والاستنطاق قد أصبح لها من الانسجام والتوافق والحسن، والجمال الشيء الكثير. كما إن هناك فئة من الشعراء ما فتئوا ينشرون أعمالهم ودواوينهم، ويتركون آثاراً بالغة في قرّائهم. بل إن بعضهم قد خلّف مدارس واتجاهات شعرية خاصّة بهم، وهم بذلك إنما ينثرون بذوراً لقلّة وضآلة القرّاء. إن بعض الشعراء الجدد عند هجرهم للاستنطاق بحثاً عن أنغام وموسيقى وقيم جديدة، إنما كانوا يبعدون القرّاء عن ناصية الشعر.

الشّعر ليس فرجة رائعة

 عندما يذهب الأغلبية الساحقة من القرّاء إلى الاستماع إلى الشعر يعتقدون أن الجديد سيدور حول مناظر رائعة، وعن كبار رجال التاريخ العالمي، وعن قصص الحب الحالمة، وعن طرق ووسائل الإبداع المبتكرة والمميّزة لشاعر مّا، هذا يحدث عندما لا يكون هناك ما ينبغي البحث عنه حقاً. القارئ من هذا النوع سرعان ما يبدأ في الشعور بالملل فيبحث له عن وسيلة أخرى للتسلية والتسرّى. إلاّ أنّ هذا الحكم يتضمّن غير قليل من الإجحاف، لأنه يعتبر القارئ غبياً. وبالفعل فإن غير قليل من الشعراء الغربيين يعتبرون القارئ غبياً لا سبيل إلى إصلاحه، إلّا أن ملاحظة «المحايد» الشاعر هو أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الشعراء يعزون ويردّون سبب فشلهم - من باب الجور والتجنّي- إلى الآخر. ذلك اللاّ مرئي والأقل اجتهاداً وهو القارئ. ويغيب عنهم أنه إذا كان الشعر لا يقرأ الآن كثيراً، فالسّبب لا يرجع الى القرّاء أو الى الشعر في حدّ ذاته، بل في نوعية الشعر الذي أصبح يُكتب اليوم ومدى جودته.

فماذا حدث بين أستيفان مالارميه، وجون أسبيري، وبين فيسينسيو كارداريلي، وروبين بونيفاس، وبين ت. س إليوت وأوكتافيو باث؟! ماذا حدث بين الكتاب والشعراء المولودين خلال العقدين الأوّلين من القرن الماضي. إنها مسألة ضآلة الشعر الجيّد. الواقع أن هناك تناقضاً غريباً ومحيّراً، ففي الوقت الذي كان فيه شعراء مجدّون، قد نجد العكس بالنسبة للقرّاء، والعكس صحيح أيضاً، إن فنون القرن العشرين قد تميّزت بالتساؤل المستمر حول ماهية الفن ودوره. إنه بحث دائم عن هويّته، يتوازى مع البحوث العلمية والفلسفية في عصرنا. إننا لا نستطيع أن نستمر في الكتابة طبقاً لاستنطاقات لم تعد لها صلة بالهموم الإنسانية والقلق والمسؤوليات التي تميّز إنسان العصر.

المُبدع يعي مدىَ ضآلته وصِغَره في الكون

إن المبدع الحقيقي لا يحيد أبداً عن حاجاته ورغباته وهواجسه وهوسه الإبداعي شعراً كان أم نثراً أم تشكيلاً. ذلك أنه كلما ازداد علماً بعالمه المادي كلما تعرّف أكثر على مدى ضآلته وصغره في الكون. وعظمة وجلال كل ما لا نعرف عنه شيئاً، ولا نجرؤ على التفكير فيه، أو الخوض في غماره.

إنّه لمن الصعب أن نجد الحلول الجاهزة والسريعة والواضحة للشعر. فقد أصبح بعيداً عن الدور الذي كان يضطلع به في العالم الإغريقي، واللاتيني والعربي بشكل خاص، عندما كانت مواضيعه تدور في الطبّ، والتاريخ، والفلسفة، والجغرافيا، والدّين، والعلوم، والنحو وكانت هذه العلوم تكتب شعراً. ناهيك عن الوصف والمدح والرثاء والهجاء والحماسة والفخر والغزل والنّسيب والتشبيب. فقد عمل الشعر على امتصاص جميع تلك المواضيع والأغراض التي قد لا تجد لبعضها مكاناً في الشعر على أيّامنا الحاضرة.

الشّعر بين التجزيئ والشّمُول

الشعر قد فقد اليوم إحدى خاصياته الكبرى وهي الشمول وأصبح أكثر تجزيئاً. إن الكوميديا الإلهية "لأليجيري دانتي" (المستوحاة كما هو معروف من رسالة الغفران للمعرّي) كانت تسعى إلى إقامة نظرة كونية منطقية شمولية متكاملة منسجمة. كان دانتي يريد أن يقول كل شيء في ملحمته. ومنذ زمن غير بعيد كان الكاتب الأرجنتيني "خورخي لويس بورخيس" يعرب عن ارتياحه وانشراحه وغبطته عند عثوره على بيت واحد من الشعر الجيّد الجدير بالقراءة في عمل مّا أو في ديوان شاعر. كانت باكورة أعمال بورخيس الإبداعية تحمل اسم حرف «الألف» العربي تعبيراً عن إعجابه الكبير بالتراث العربي، وهيامه بلغة الضاد. ومثلما كان يعاب على شاعرنا العربي الكبير أبي تمّام الطائي أنّه كان يقول ما لا يفُهم، فكان يجيب ولماذا لا تفهم ما يُقال، فإن بعض الشعر اليوم لم يعد يُفهم. ثم إنه في نظر البعض قد أصبح شبيهاً بقطعة فنيّة زخرفية، وانصرف نحو التجزئة. وكان الشعر الحقيقي يُفهم ويُقرأ ويُستوعب قبل هذا القرن بسهولة ويسر.

الشاعر المكسيكي الكبير الراحل أوكتافيو باث – الذي شاءت الأقدار ان ألتقي به أوائل التسعينيات من القرن الفارط خلال عملي بسفارة المغرب فى المكسيك - سمعته يقول عن الشعر: " مع كل ذلك لا سبيل إلى الخوف من زواله أو تلاشيه، فالشّعر سيظلّ موجوداً ما دام للإنسان وجود في هذه الأرض". ونقول نحن عن كلّ جدارة واقتناع إنّ الشّعر باقٍ بين ظهرانينا، ما دامت تشهد بلداننا مهرجانات شعرية كبرى ناجحة، وما دام هناك بيننا حرّاس، وساهرون، وعشّاق للشّعر ما فتئوا يصدحون كلّ يوم بعذب الكلام وحلوه.

ورحم الله شاعرنا العربي القديم الحطيئة إذ قال:

الشّعرُ صَعبٌ وطويلٌ سلّمُهْ  / إذا إرتقى فيه الذي لا يعلمُهْ

زلّت به إلى الحضيض قدمُهْ /  يريد أن يعربه فيعجمهْ.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي - كاتب وباحث ومترجم من المغرب

"كريمة الحسيني" شاعرة تونسية معاصرة، غزيرة الإنتاج وعضوة في اتحاد الكتاب التونسيين، تنحدر من مدينة الكاف. تميزت بقصائدها التي نشرت في الصحف التونسية والعربية، صدر لها ثلاث مجموعات شعريّة: "تناقضات أنثى" و" لا ظل يشبهني" و"مواويل للعشق والشجن". حظيت كتاباتها باستحسان النقاد وتم تكريمها في عدة مهرجانات، وتعتبر من الأصوات النسائية البارزة.

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:

نحن أمام نص إشكالي في دلالاته، ففي الوقت الذي تجد فيه حنيناً إلى الماضي لتخليص الإنسان الراهن من شقائه وبؤسه وآلامه وعذابه، تجد فيه أيضا بحثاً عن مستقبل يؤمل فيه الخلاص.. وهذه إشكالّية المأساة التي غابت فيها القدرة على تحديد طريق للخروج منها في الزمان والمكان أيضاً.

ففي قصيدة (نص حزين) للشاعرة " كريمة الحسيني" نقف أمام شاعرة متمكنة من أدواتها المعرفيّة والفنيّة. استطاعت أن تتناول في قصيدتها مأساة فتاة أرهقها الحاضر، وتركتها مأساتها في حيرة من أمرها في كيفيّة الخلاص من هذه المأساة ما بين البحث عنه في الماضي، أي الفردوس المفقود، أم في الحاضر الذي غابت فيه ملامح الاستقرار والأمان ودفء الروح والجسد. وعلى هذا جاء عنوان القصيدة (نص حزين).

في هذا (النص الحزين) تحاول "كريمة الحسيني" (تصحيح) موقف ملتبس من الحياة التي لم نزل فيها نتمسك بالماضي الذي تلبس عقولنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وأشواقنا.. ونجدها هنا تقول: (فأشواقنا لم تزل قديمة وكذلك عبثنا).. فذاكرتنا لم تزل مشبعة بالماضي وقضاياه وناسه.. (أنت لست وحدك في الذاكرة كما قلت لك.. هناك أيضاً فتاة بلا أب.) تبحث عن الحقيقة رغم أنها لم تزل تشارك رفيقاتها السكن واللعب والكذب أيضاً.

كبرت الفتاة..وما زال الماضي يعشعش في ذاكرتها.. للبحث عن ذاتها.. لم تتعب.. (فهي تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها.. والصناديق القديمة والوادي تبحث عن أب) أي عن المخلص الذي سيخلصها من معاناتها ولكنها لم تجده بعد.. فظل التساؤل عندها قائما، ترى هل اختفى هذا المنقذ (عبثاً أو مصادفة ولم ينتبه له أحد..)؟.. نعم إنها تكره التمسك بالمضي عل خطى الآباء (القادمون من خلف التلال لشراء الحلوى والدمى لبناتهم).. إنها تبحث عن حريتها عن (أب).. عن مستقبل لعلها تجد فيه ذاك المخلص.. لقد قالت لها أمها إنه سيأتي لا محال في (الطائرة).. ولكن الطائرة لم تأت بعد.. لقد ابتلعها ضباب الزمن المر بكل تخلفه.. فراحت "كريمة" تصنع (آلاف الطائرات الورقيّة التي أطلقتها في الريح، ولكن لم يأت الأب المخلص.. ربما نسيت أن تكتب العنوان لسائق الطائر). أو ربما العنوان نفسه لم يزل مجهولاً في متاهة بؤسنا.

البنية الفكريّة للقصيدة:

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً جزء من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً...هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف.

ما تريد الوصول إليه الشاعرة "كريمة" هو توصيف حالة المرأة قد وعت ذاتها، تحت مظلة أجواء من التخلف المزمن لا زالت تعيش فيه المرأة بشكل عام في عالم تحكمه الذكورة، فراحت تبحث عن دورها ومكانتها في هذا العالم، إلا أنها لم تجد أمامها سوى آفاق مسدودة، فالماضي لا زال بكل عجره وبجره يتحكم ليس بها فحسب، بل وفي محيطها الاجتماعي أيضاً، أما المستقبل فلم يزل غامضاً في معطياته، وبالتالي فرض عليها أن تُحكم بالأمل وتعوّل عليه للخلاص من قهرها وظلمها وغربتها الروحيّة.

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة لعنوان القصيدة:

لم يأت عنوان القصيدة (نص حزين) عبثياً في الحقيقة، فهو مشبع بحمولة واعية لدلالاته التي تعبر عن عالم المرأة اليوم، التي تعاني القهر والظلم والنظرة الدونيّة. وهذا ما فرض على عالمها بكل مفرداته (الحزن) أمام عجزها في الخلاص من قهر المجتمع الذكوري وتخلف الواقع معاً.

البنية الفنيّة والجماليّة في القصيدة:

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "كريمة الحسيني".. فكل هذا البساطة التي حازت عليها لغة الشاعرة، عوضها في الحقيقة عن استخدام الصورة في القصيدة، وهذا قلما نجده عند معظم الشعراء تقريباً.

التجريد والغموض في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعرة "كريمة الحسيني" من خلال قدرتها على التجريد في البنيّة الحكائيّة للقصيدة، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أي التعبير عما هو موجود وراءها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد.

إن الشاعرة المبدِعة "كريمة"، استطاعت عبر استخدامها الرموز والاشارات والايحاءات أن تتجاوز استخدام "الصّورة" في توصيل الفكرة لتركز على الرمز والاشارة في بوحها للوصول إلى المتلقي، عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه، فهي تقول:

(شوق قديم..عبث قديم.. أنت لست وحدك في الذاكرة).. أو في قولها: (هناك أيضاً فتاة بلا أب.. على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن.. يشاركنها اللعب يشاركنها الكذب). أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة...لم تتعب تجري آخر النهار لأوراقها لألبوم صورها). أو في قولها: ( تكره خطا الآباء القادمون من خلف التلال.. لشراء الحلوى والدمى لبناتهم).. الخ.

إن كلّ شاعر أو أديب مبدع، هو من يستطيع أن يتجاوز المباشرة في التعبير ليجعل ما يراه حسيّاً، أي ليس إلا عتبة لما لا يراه، ولا يُعنَى في بوحه هنا بالصّورة زخرفاً وشكلاً، كما يقول "أدونيس" وإنّما يُعنَى من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى. ولا تكمن أهميّة الرمز أو الاشارة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما وباباً يقود الناظر إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات أو في الطّبيعة.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، وبالتالي صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة والرمز بوصفهما مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثلها قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة "نص حزين" للشاعرة "كريمة الحسيني". لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرموز والاشارات الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري، أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (هناك أيضاً فتاة بلا أب..على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن...يشاركنها اللعب.. يشاركنها الكذب..).أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة...لم تتعب.. تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها). قالت (سيأتي في الطائرة.. لاحقت الطائرات الكبيرة التي سرعان ما يبتلعها الضباب.).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الأصوات وجمالية وصدق وعمق دلالاتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك عنده خوالج الروح. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرمزر والاشارات الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.............................

(نص حزين)

تصحيح لنص قديم

شوق قديم

عبث قديم

أنت لست وحدك في

الذاكرة

كما قلت لك

هناك أيضاً فتاة بلا أب

على عكس رفيقاتها

اللواتي يشاركنها السكن

يشاركنها اللعب

يشاركنها الكذب

كبرت وما زالت تتجول

في الذاكرة

لم تتعب

تجري آخر النهار

لأوراقها

لألبوم صورها

للصناديق القديمة

والوادي الكبير تبحث عن

أب

ربما اختفى عبثاً

أو صدفة

ولم ينتبه له أحد

تكره خطا الآباء

القادمون من خلف التلال

لشراء الحلوى والدمى

لبناتهم

تقف وسط الساحة

الكبيرة

تدور حول نفسها

تبحث لها عن أب

كلما مرضت

أو سقطت على الأرض

وأدميت ركبتها

كان أبوها بعيداً

سألت أمها

قالت سيأتي في الطائرة

لاحقت الطائرات الكبيرة

التي سرعان ما يبتلعها

الضباب

صنعت آلاف الطائرات

الورقيّة

أطلقتها مع الريح

لم يأت الأب

ربما نسيت أن تكتب

العنوان لسائق الطائرة

***

كريمة الحسيني

 

قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي "اليانكيز عادوا…"

حين يعود التاريخ بوجهه القديم:  في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا التكرار التاريخي. ليست القصيدة مجرد تعليق سياسي صارخ، بل خطاب مقاوم يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويجعل من الذاكرة وسيلة للاحتجاج على التواطؤ.

ملاحظة افتتاحية عن النداء الأول

 من السطر الأول يضعنا الشاعر أمام نداء معلق: «إلى الذين…؟»؛ هذا النداء المبتور ليس تفصيلًا ثانويًا بل يمثل بوابة داخلية للقراءة، لأنه يسبق العنوان في تحديد مخاطَبه. في الشعر السياسي، يكون المخاطَب محورًا للخطاب، وهنا يتحقق اختبار وعيه عبر علامة استفهام تضعه في موضع المساءلة.

العنوان: «اليانكيز عادوا…» وتأويل الإطار

 العنوان يضع الإطار العام للنص لكنه لا يحدد موقع القارئ بداخله. كلمة «اليانكيز» ليست محايدة — هي تسمية محملة بدلالات استعمارية وحضور قهري — وفعل "عادوا" يؤشر إلى أن الهيمنة دورة تعود كلما سمحت الظروف. علامات الحذف في النهاية تشتغل كتهديد مفتوح: العودة ليست حدثًا مغلقًا بل استمرارًا يقتضي اليقظة.

مقدمة نظرية

نقترح قراءة النص من تقاطع ثلاث مناهج: البنيوي، التداولي، وما بعد الكولونيالي. هذا المزيج يساعد على فهم القصيدة كخطاب مضاد للهيمنة، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السلطة الرمزية والخطاب الذي يدعمها — ما يتقاطع مع مقاربات تربط بين الثقافة والهيمنة، وبين إنتاج الخطاب والسلطة، وبين آليات تمثيل الذات المهيمنة.

نص القصيدة

اليانكيز عادوا...

إلى الذين...؟:

انا لم أثِقْ يوماً بيانكيزَ ولا:

راياتِهمْ،

أصدائِهِمْ،

ميثاقِهمْ،

و"الخيلُ والليلُ والبيداءُ"

لم تثِقِ.

همْ في الخباثةِ مِلَّةٌ

وحشيَّةٌ

ولدى الهزيمةِ..

همْ غزالُ.

فاسألْ بـ(ميكونغَ)

واسألْ بـ(توربورَ)

واسألْ بـ(مظلوم)*

وعليهِ خُذْ مَثَلاً!!!

فاهجرْ عقيرتَكمْ

عن نهجِ سيرتِهمْ،

واحفظْ عجيزتَكمْ

عنْ مقعدٍ خَرِقِ

في السَّفحِ والزَّلَقِ،

والْحَقْ بمُنطلِقِ

في ساحة الفَلَقِ

بالفيلقِ الطَلِقِ،

"وأعدِّوا ما اسْطعْتُمْ..."!

****

عبد الستار نور علي

...........................

*ميكونغ: نهر في فيتنام

تورابورا: سلسلة جبال في أفغانستان

مظلوم: مظلوم عبدي

17 آذار/مارس 2026 

.......................

العتبة الداخلية: قراءة بنيوية ودلالية لإشكالية "إلى الذين…؟"

 البيت الافتتاحي يبدو بسيطًا لكنه بنيويًا معقّد: جملة ناقصة تقطع بناءً نحويًا ودلاليًا. حرف الجر «إلى» يتوقع جهة محددة، لكن الاسم الموصول "الذين" يبقي على عمومية معطوفة بعلامة استفهام تُجهض الاكتمال. هذه الناقصة ليست هفوة بل تقنية مقصودة: الشاعر يمتنع عن تسمية المخاطَب ليجعل الفراغ نفسه ساحة مساءلة، ويحوّل صيغة الإهداء إلى امتحان أخلاقي وسياسي يضع المخاطَب أمام مرآة موقفه.

تفكيك رموز السلطة: الرايات والأصداء والميثاق

 عبر تفكيك الشاعر لمنظومة السلطة إلى "رايات"، "أصداء"، و"ميثاق"، يبرز النص مستويات متعددة للهيمنة: القوة المادية، الخطاب الإعلامي، والشرعية القانونية. هذا التفكيك يؤكد أن السلطة لا تقتصر على القمع المادي بل تمتد إلى شبكات تنتج المعنى وتفرض قراءاته.

قلب الرموز التراثية

 الفصل بين "الخيل والليل والبيداء" ودلالته البطولية التقليدية يمثل إزاحة قوية: الشاعر يفصل الرمز عن معناه التاريخي ويعيد توظيفه داخل مشهد سياسي معاصر، محذرًا من خطر استعمال الرموز الثقافية لتبرير تحالفات غير متكافئة.

الاستعارة الأخلاقية وبنية العنف

 وصفُ الشاعر للآخرين بأنهم "ملة وحشية في الخباثة" يشيع تجريد الفعل السياسي إلى حكم أخلاقي يطال منظومة كاملة. بهذا يُحمّل النص الكيان السلطوي مسؤولية عنف منظّم، في خط قراءة ترى السلطة كنسق يمارس العنف ويبرّره باسم النظام أو الحضارة.

التقليل من قداسة القوة: تشبيه الغزال

 تحويل صورة القوة إلى "غزال عند الهزيمة" يعمل سخريةً تهدّم عباءة القوة المطلقة. هذه الصورة تعيد تشكيل وعي القارئ بفضح التناقض بين الخطاب الذي يروّج للقوة ووقائع الانكسار التي تكشف هشاشتها.

التاريخ كذاكرة مضادة

بأسماء مثل (ميكونغ) و(تورابورا) و(مظلوم)، لا يستدعي الشاعر التاريخ بوصفه أرشيفًا للأحداث، بل بوصفه ذاكرة حيّة. تتحول هذه الأسماء إلى علامات دلالية تختزن تجارب الهزيمة، وتكشف عن التواطؤ الكامن فيها، حيث يُعاد إنتاج الخيانة في كل مرة تحت صيغ مختلفة. وبهذا، لا يكتفي النص باستحضار الوقائع، بل يعمل على قلب السردية المهيمنة، عبر إعادة كتابتها من موقع الضحية لا المنتصر، كاشفًا ما تُخفيه من تناقضات وانكسارات.

نقد اللغة الموالية والتحرر عبر القطيعة

 دعوةُ الشاعر لترك "عقيرتكم" عن نهجهم تشكّل نداءً لقطع الوصل اللغوي مع خطاب القوة. فاللغة التي تستعملها الأنظمة تصبح ناقلًا لرؤيتها، والقطع معها خطوة أولى نحو التحرر السياسي والمعرفي.

الجسد كموقع سياسي معرض للخطر

 صور مثل "عجيزتكم" والمقعد الخَرِق تُجسد هشاشة الجماعة المتحالفة وتكشف تعرّض أجسادها للانكشاف والتحكم بسبب تحالفات هشّة. الجسد هنا يتحول إلى خريطة السياسة التي تُعرّض المتبوعين لصالح قوى أكبر.

اقتراح البديل: الفيلق الطلق واستعادة الفاعلية

 الانتقال من التشخيص إلى اقتراح "الفيلق الطلق" يصوّر فكرة قوة مستقلة غير مرتهنة — استعادة للقدرة على الفعل التاريخي من موقع الذات. هذه ليست دعوة إلى العنف بقدر ما هي دعوة لاستعادة الفعالية السياسية والكرامة الجماعية.

المرجعية الأخلاقية الختامية

 استدعاء العبارة القرآنية "وأعدّوا ما استطعتم..." لا يتجه إلى الوعظ بل يمنح الخطاب شرعية أخلاقية تتجاوز اللحظة الآنية. بهذا يضع النص المقاومة في إطار أخلاقي واسع يربط بين الوعي والالتزام المسئول بدل الانفعال اللحظي.

الخاتمة: الشعر كفعل مقاوم

 تُظهر القصيدة قدرة الشعر على التحول من وصف سياسي إلى ممارسة نقدية تفكك خطاب الهيمنة من الداخل. عبر عتبة "إلى الذين…؟" تصبح المحاكمة داخلية: الشاعر يضع المخاطَب في موضع المساءلة قبل أن يُقوِّض الإمبراطورية نفسها. النص لا يكتفي بتسمية العدو، بل يعمل على زعزعة شروط إنتاج الخطاب ذاته، معلنًا أن التحرر يبدأ باستعادة اللغة والذاكرة وموقع الفاعلية في التاريخ.

***

سهيل الزهاوي

قراءة أسلوبية، رمزية، نفسية، هيرمينوطيقية في قصيدة "على مفترق طريق" لعبد الفتاح إدريس

في سياق التحوّلات العميقة التي شهدها الخطاب الشعري العربي الحديث، لم يعد النصّ الأدبي بنيةً مغلقةً تُبنى على التماسك الخطي ووحدة المعنى، بل غدا فضاءً مفتوحاً على التشظّي والتعدّد، تتقاطع فيه الأصوات وتتجاور الأزمنة وتتداخل المرجعيات. ومن هذا الأفق، تبرز قصيدة "على مفترق طريق" بوصفها نصاً ينتمي إلى جمالية التفكيك وإعادة التركيب، حيث تُستبدل السردية المتماسكة ببنية شذرية، ويُعاد إنتاج التجربة عبر لقطات متقطّعة تومض في عتمة الغياب.

إنّ هذه القصيدة لا تُقدَّم بوصفها حكاية تُروى، بل بوصفها أثراً شعورياً مركّباُ، تتنازع فيه ثنائيات الحضور والغياب، العتمة والضوء، الرغبة والاستحالة. وهي، في ذلك، تُجسّد وعياً شعرياُ مأزوماً، يتكئ على اللغة لا ليُفصح عن المعنى، بل ليكشف عن انكساراته وتصدّعاته. فالذات الشاعرة هنا لا تقيم في يقينٍ دلالي، بل في توتّر دائم بين ما يُقال وما يتعذّر قوله، بين ما يُستعاد في الذاكرة وما يتبدّد في الغياب.

وانطلاقاً من هذا التصوّر، تأتي هذه الدراسة لتقارب النصّ من خلال مقاربة نقدية مركّبة، تتوسّل المنهج الأسلوبي لرصد انزياحات اللغة وبنيتها الإيقاعية، وتستثمر التحليل الرمزي للكشف عن الشبكات الدلالية الكامنة، وتستنطق البعد النفسي بوصفه حاضنةً للقلق والاغتراب، قبل أن تنفتح على القراءة الهيرمينوطيقية التي ترى في النصّ أفقًاً تأويلياً لا نهائياً، يتجدّد بتجدّد القارئ.

وعليه، فإنّ هذه القراءة لا تسعى إلى تثبيت معنى نهائي، بقدر ما تروم تفكيك طبقات النصّ وإعادة بنائها، في محاولة للاقتراب من دينامية المعنى وهو يتشكّل في فضاء لغوي تتجاور فيه الشظايا، وتنبثق منه دلالات تتجاوز ظاهر القول إلى عمق التجربة الإنسانية المتوترة.

تنتمي هذه القصيدة إلى أفق الكتابة الحداثية التي تُراهن على التشظّي البنيوي والانفتاح الدلالي، حيث لا يُقدَّم المعنى في صيغة مكتملة، بل يُستدعى بوصفه أثراً يتشكّل عبر التقطيع والتجاور. إنّها كتابة تتوسّل اللغة لا لنقل تجربةٍ فحسب، بل لتفكيكها وإعادة تركيبها في هيئة شذرات تتناسل من داخل غيابٍ مركزي: غياب الحبيبة/الآخر/المعنى.

أولًا: التحليل الأسلوبي

1. بنية الجملة والانزياح:

تقوم القصيدة على تفكيك البنية النحوية المعيارية، حيث تتشظّى الجملة إلى وحدات قصيرة، غالباً ما تُفصل بنقط الحذف، بما يخلق إيقاعاً متقطّعاً:

"قطارٌ يلهث…

شاشةُ هاتفٍ تومض…"

هذا التقطيع ليس عارضاً، بل هو استراتيجية أسلوبية تُحاكي التمزّق الداخلي، وتُحوّل اللغة إلى نبضات دلالية لا إلى سلاسل منطقية.

2. الحقول المعجمية:

يمكن رصد ثلاثة حقول دلالية مهيمنة:

١- حقل العتمة: (العتم، الليل، الظل، الغيم، السكون)

٢- حقل الغياب: (لم تأت، غابت، الرحيل، الغربة)

٣- حقل الانتظار: (انتظرتك، سأم، يُناطر، يترقّب)

 هذا التكرار المعجمي يخلق شبكة إيحائية مغلقة، تُحاصر الذات داخل أفق كئيب، حيث يغدو الزمن دائرياً لا تقدّمياً.

3. الإيقاع الداخلي

رغم غياب الوزن الخليلي الصارم، فإن القصيدة تُنتج موسيقاها عبر:

١- التكرار (العتم / الليل / الظل)

٢- التوازي التركيبي

٣- الجمل القصيرة المتلاحقة

وهذا يُفضي إلى إيقاع نفسي أقرب إلى التنفّس المتقطّع، لا إلى الغناء المنتظم.

ثانيًا: التحليل الرمزي

1. ثنائية العتمة/النور

١- العتمة ليست مجرد فضاء زماني، بل رمز أنطولوجي:

العتم = الضياع، اللايقين، القلق الوجودي

٢- النور (الغائب غالبًا) = الخلاص المؤجَّل.

 غياب النور يُحوّل النص إلى ميتافيزيقا للتيه.

2. مفترق الطريق:

العنوان ذاته يشتغل بوصفه رمزاً وجودياُ مركزياً:

مفترق الطريق = لحظة الاختيار المستحيل / التعليق بين إمكانين / العجز عن الحسم

إنّه ليس مكاناُ، بل حالة كينونية معلّقة.

3. الحبيبة بوصفها علامة:

الحبيبة لا تظهر ككائن واقعي، بل

١- كأثر

٢- طيف

٣- غياب مُجسَّد

 فهي تتحوّل إلى دالّ فارغ، يحمل دلالات متعددة:

١- الوطن

٢- المعنى

٣- الذات الضائعة

ثالثًا: التحليل النفسي

1. بنية الفقد

النص مشدود إلى تجربة فقد مؤسِّس:

غياب الحبيبة - غياب الطمأنينة

غياب اللقاء -  تعطّل الزمن

 هذا الفقد لا يُعالَج، بل يُعاد إنتاجه لغوياً.

2. القلق والاغتراب

الذات الشاعرة تعيش:

اغتراباً مزدوجاً: عن الآخر وعن نفسها

توتراً بين الرغبة (اللقاء) والاستحالة (الغياب)

وهو ما يذكّر ببنية "الرغبة المؤجَّلة" في التحليل النفسي.

3. آلية الإسقاط:

الذات تُسقط حالتها على العالم:

١- الليل يصبح حزينًا

٢- الظلّ مغتربًا

٣- الزمن متعبًا

 هنا يتحوّل الخارج إلى مرآة للداخل، في ما يُعرف بـ"تشخيص العالم".

رابعاً: القراءة الهيرمينوطيقية

1. انفتاح المعنى.

النص لا يقدّم معنى واحداً، بل:

يشتغل كـنص مفتوح

يتيح تعدّد التأويلات

القارئ ليس متلقياً، بل مُنتِج للمعنى.

2. أفق التلقي

كل قراءة للنص مشروطة بـ:

خبرة القارئ

خلفيته الثقافية

حالته الوجودية

 لذلك، يمكن أن تُقرأ الحبيبة:

١- كأنثى

٢- كوطن

٣- كخلاص ميتافيزيقي

3. الدائرة التأويلية.

يفرض النص حركة دائرية:

نفهم الجزء عبر الكل

ونفهم الكل عبر الأجزاء

 وهذا ما يجعل القراءة فعلاً لا ينتهي.

خامساً: التركيب العام.

يمكن القول إن القصيدة تُجسّد:

وعياً شعرياً مأزوماً يعيش على تخوم الغياب، ويحوّل اللغة إلى حطام دلالي يُعاد ترتيبه باستمرار في محاولة يائسة لالتقاط معنى متفلّت.

خاتمة:

ليست هذه القصيدة سرداً لحكاية، بل بنية شعورية متكسّرة، تتجلّى فيها الذات وهي تُصارع فقدها عبر اللغة. إنّها كتابة لا تبحث عن اكتمال، بل تحتفي بالنقص، ولا تُشيّد معنى نهائياً، بل تتركه معلقاً في أفق التأويل.

هكذا يغدو النصّ فعل مقاومة ضد الصمت،

ومحاولة لإعادة تشكيل العالم…

لا كما هو، بل كما يتشظّى في الوعي

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

على مفترق طريق

انتظرتُك في دروب العتم،

في مفترقِ طريقٍ!

ألفتُكِ من زمانٍ قد ذوى بُعدًا؛

طال انتظارُك في يباب الليل...

*

لم تأتِ! وغابت في سكون العتم؟!

قد عبرت مع الأيام؛ غافلَها الرحيل.

ذابت خطاها في ضمير الصمت؛

واغتربت...

وظلّ الليل مشغولًا!

يُساكنُ غربةَ السُّمّار،

وقلبي غارقٌ في اللَّوم!

يُعاتب نأيكِ المنذور في الأسفار،

ولم يحظَ بلحظٍ تشتهيه العين!

غفوتِ هناكِ متعبةً على الشرفات.

حسبتُكِ في المدى حلمًا،

وفي الآفاق مُدمنةً سجافَ الغيب.

مآلُكِ غربةٌ موفورةُ الأنواء.

أُساهر ظلَّها الممهورَ

في عُريٍ من الأسرار...

أُنادم خاطرًا يرتاحُ في عينيكِ،

يغفو على عبقِ الرغبات.

أُخاتل شهوةً مشفوعةً باللهفات،

والغائبون هناك... قطرٌ في شفافية الغيم؛

وأنتِ هناك... غاربةٌ بدمع العين.

تروين للغادين أسرارًا،

قصصًا وأشعارًا يُعاشرها الرحيل...

تسرين وحدكِ في براري العتم،

وأنا على وجع انتظار،

وعلى شفاف الوقت؛

أنتظر نازفًا سأمًا...

متغافلًا عن لهفةٍ تهفو مواتيةً،

وحضورُها عدمٌ...

فيضٌ من الذكرى يُشاغلني،

يُساير صحبةَ اللحظات.

ومنذ رحيلها المجهول،

لم تبرح شغافَ الوجد،

واختزنت عُرى اللحظات

تداعَت في ضباب السرد.

أُناطر فجرها المكنونَ في الكلمات،

أُساهر ظلَّها الموسومَ في السكنات...

وحيدًا في عيون الليل ملتجئًا،

يا ليل! لستُ معاتبًا وجِلًا...

وأنا أُصابر وحشةَ الأيام محتسبًا،

ولن تمرَّ وليفتي!

ستظلُّ وعدًا غامضًا، حلمًا،

تنطوي على وجعٍ،

يحدوه وهمٌ يرتجي أملًا...

لعلّه يأتي ويحمله الإياب،

ويصوغه... كلما...!

تهمي على ألقٍ من الأشعار،

تسمو على غبشٍ من الأسفار،

وتنوء راحلةً ومضًا مع الأعوام،

تسري على وهجٍ من الأفكار.

وأنا أُغافل ظلمةَ الأذكار،

وأهيم مقتفيًا رؤى السُّمّار،

وأراكِ ومضًا غامضًا يمضي

على قبسٍ من الأسحار...

سأمُ انتظاركِ لن يدوم!

ويصول في قلبي السؤال،

ويبوح همسًا يقتفي أثرًا،

ويطوف رهن العتم منحسرًا،

يطوي مساره متعبًا ندمًا،

وعلى جناح الغيب رجعه عدمٌ...!

أهيم معتَكفًا بحضن الليل،

أُناطر طيفها الغافي بظل الغيم،

أُساير ظلَّها المغمور في الطرقات،

في صحبةٍ للفجر واسنةٍ،

لمّاحةِ الخطوات...

ولم تأتِ على شفقٍ من الإشراق!

لعلّها في صحاف الليل مقمرةً،

تسهو على سحبٍ من الأفكار...

ويملّ مني الوقت منتظرًا،

أُناطر طيفها الغافي بعتم الليل.

وظننتُها قدرًا!

ترامى ظلّه في الكون،

وضاع ملتجئًا بأسرار الغياب...

***

عبد الفتاح إدريس

 

ربما تختلف هذه القصيدة في مضمونها عن الكثير من شعر ساجدة الموسوي؛ فهي تُعدُّ من قصائد "الشوق والحنين"، ودائماً ما يكون هذا النوع من الشعر قريباً جداً من المتلقي لما يمتاز به من عاطفة جياشة؛ لذا أرى أن ساجدة الموسوي قد ضربت على الوتر الحساس لدى المتلقي؛ فمَن اليوم لا يعيش الاغتراب بصوره المحسوسة والملموسة؟ ومَن لا يعاني غربةً عن وطنه وناسه؟ وأيُّ منا لا يحلم بجمعٍ يضم أهله وإخوته وأبناءه؟

ساجدة الموسوي غازلت مشاعر الجميع، وألقت بالحقيقة بين أحضانهم، فأحزنتهم وأفرحتهم في آنٍ واحد، بتوظيفها لغة استفهامية ذات دلالة عالية تعبر عن خلجات النفس، وقد تطفئ شيئاً من نار الشوق الذي بات حالة عامة نعيش تفاصيلها في حياتنا اليومية. وعبر أبياتها هذه، نسجت الموسوي خيوط الحنين بين تباعد المسافات والذاكرة الموجوعة.

ببساطتها المعهودة في شعرها الذي أصفه -إن جاز لي- بـ (النقي)؛ ينساب النص الذي تكتبه الموسوي كالماء في عذوبته وسلاسته، وتوظيفها لمفردات رائعة وجوهرية من ناحية الفهم والاستيعاب، لا شائبة فيها، ولا تُثقل كاهل القارئ، ولا يجد صعوبة في إدراك أو تخيل الصورة الشعرية التي توظفها ساجدة بدقة موسيقاها الرائعة المعبرة عن المضمون. وفق ذلك، تطرح ساجدة الموسوي وجع السؤال وجماليات البساطة في نصها الجديد "متى نلتقي".

كيف حالُك ِ والثّلجُ حولك طَودٌ

وبردُ الشّمال ثقيل؟

كيف حال الصّغار؟

وهل هجروا لغة الضّادِ واستعجموا؟

بدأت ساجدة الموسوي قصيدتها "متى نلتقي" بجملة تساؤلات: (كيف حالُكِ؟ كيف حال الصغار؟ هل هجروا...؟)، وهو استهلال وجداني حاولت من خلاله استحضار معنى السؤال باللاشعور؛ أسئلةٌ وظفتها الموسوي لا بقصد تحري الجواب، بل على العكس؛ أوردتها لاستنطاق القادم، وتفريغ شحنات العاطفة الجياشة المكبوتة في الصدور. وهي حركة انفعالية وظفتها ساجدة الموسوي بذكاءٍ عالٍ ناتجٍ عن خبرة عميقة في مخاطبة القارئ؛ فساجدة شاعرة مرموقة المكانة، تحافظ بدقة على فلسفة التخاطب في شعرها، وتدرك إحساس القراء كما لو أنها تشعر بأنفسهم، وهذا رصيد تراكمي يُحسب لها؛ فالقمة لا ينالها إلا المثابرون أمثالها، والمكانة التي تسجلها في عالم الشعر تستحق مثل تلك التوصيفات.

في "متى نلتقي"، كسرت ساجدة عبر البساطة التي جاءت بها في العنوان الحاجزَ بين الذات الشعرية والمتلقي؛ فقد استخدمت (المفردة اليومية المعتادة) مما جعلها حميمية قريبة من الجميع، إلا أن المزيّة في تلك "اليومية" أنها مشحونة بعاطفة صادقة تنم عن صدق الإحساس والتعبير عما يجيش في النفس من خلجات؛ لذا أقول إنها كانت موفقة تماماً في اختيار هذا العنوان.

أم أراه سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود ..؟

أجوبُ الخرائط أبحثُ عن قطعٍ

من فؤادي

تبعثرنَ من يومِ (بوش)…

بساطةُ الفكرة والطرح، وتوظيف المفردات القريبة من نفس القارئ وذهنه، وعدم تضمين النص صعوباتٍ تتعلق باللفظ أو النطق أو حتى التصور؛ كلها عوامل كانت كفيلةً بخلق جوٍّ من التواصل الذهني ما بين النص والقارئ. وهذه نقطةٌ غاية في الأهمية في التناول الأدبي لأي موضوع، شعراً كان أم قصصاً؛ أن يكون النتاجُ قريباً من القارئ، بل ومحبباً لديه، وأبرز ما يحقق ذلك هو مخاطبة المتلقي وجدانياً.

ابتعدت ساجدة الموسوي عن كل ما من شأنه أن يحيط القصيدة بالغموض، فجاءت بمفرداتها من الواقع اليومي المعاش، لتطرح صورةً مألوفة يعرفها القارئ وعاش معاناتها؛ وهنا تكمن الحبكة، في أن يعيش القارئ ذروة الحدث في النص وكأنه جزءٌ منه. ثم تناولت الموسوي -بقصد التأكيد على المأساة التي يعيشها طيفٌ واسع من الشعب- دالةَ التحديد الزمني للحدث، لكي لا يتشتت المتلقي أو تأخذه التصورات لغير ما قصدت الشاعرة؛ فأتت بتحديد الوصف الزمني للحدث بدقة متناهية: "تبعثرنَ من يومِ بوش". وهنا نرى أن اختلافاً ورد في التكوين الشكلي للنص، أضفى عليه واقعية ذلك الحدث المتسبب في (التبعثر) منذ وقوعه، والذي غدا شاهداً تاريخياً على ما جرى.

أبدعت ساجدة الموسوي حين حوّلت النص الشعري إلى دراما، استنطقت من خلالها الكلمات لتخلق رؤية درامية هائلة؛ ولو سُئلت عنها لقلتُ إنها "وثيقة سياسية تاريخية" جسدت فيها الواقعَ المعاش والحدث المألوف في تلك الفترة، واصفةً ما جرى ومسجلةً حكمها للتاريخ عبر تلك المكالمة التي دارت بين الأم وابنتها (يوم بوش، الغربة).

كيف حال الأميرةِ بنتي؟

أنائمةٌ أنتِ أم صاحية؟

تقول : مساؤك نورٌ حبيبتي ماما

يحاصرني البردُ..

والثّلجُ حول النّوافذ يعلو..

استطاعت ساجدة الموسوي أن تحافظ على وحدة الموضوع، وابتعدت عن التشتيت (وهذا وصفٌ للنص وليس لنهج ساجدة الموسوي الشعري؛ فنحن مهما كتبنا لا نصدر أحكاماً على الكبار، وساجدة منهم بلا شك، وإنما نخوض في ثنايا النص لنبرز وجهة نظرنا لا الحُكم)، وفي ذلك نرى أنها ابتعدت عن التكلف فيما أوردت من مفردات -كما ذكرنا سابقاً- وساجدة كما نعرفها لا تكتب بعيداً عن جوهر المعنى الذي تقصده؛ فهي شاعرةٌ من القمة، والقمة لا تليق إلا بـ "نخلة العراق".

هل لديكِ طعام؟

أجابت : تعشّيتُ قبل قليل ٍ فلا تقلقي..

هل تخافين جوعي؟

قلت : لا .. ثمّ سالت دموعي..

هي الأمُّ أمٌّ على كلّ حال..

"استفهام ومعاناة".. مشاعرُ يطغى عليها "الخوف" من المجهول دائماً، كطابعٍ أساسي تُبنى عليه فلسفة التلقي؛ فالقارئ والشاعر كلاهما سواء في المشاعر الإنسانية التي يمتلكانها، إلا أن نسبة التفاوت في المدى تلك مسألةٌ حسابية لا علاقة لنا بها. لكن أن تنقل الشاعرةُ صورة المعاناة بتلك الصورة الناطقة المعبرة عما يجول في نفوس الجميع؛ فتلك درجةٌ عالية من الشفافية في الإحساس والتصور، ودقةِ التطبيق واحترافيةِ العمل، وهذه خصائص لا نبالغ حين نقول إن قلائل من الشعراء اليوم من يمتلكونها، تتقدمهم ساجدة الموسوي التي تمنح النص روحَها وإحساسَها ومشاعرَها الصادقة، لتعبر من خلالها عن الحدث بشعريةٍ راقيةٍ متزنةٍ، مصحوبةٍ بفنيةٍ دراميةٍ تُجسد المجريات وكأن المتلقي يراها حقيقةً ماثلةً أمامه.

هذه الدقة في الأداء الشعري تأتي بها الموسوي مقرونةً بترتيبٍ يتوافق مع موسيقى النص؛ لتُخرج نصاً شعرياً جمالياً هادفاً، لا يخلو من مقاصد تؤرخ للحدث وتسجل مآلاته للتاريخ

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

ثمَّ دار بي الرّقمُ أبحثُ عن إخوتي

في البلاد ِ الغريبة ِ

طال الفراقُ وقلبي عليهم..

ربما يذهب بعض القراء إلى تسجيل ملحوظة "التكرار" على نص "متى نلتقي"، وهنا لا بد من التوضيح أن "التكرار الإيقاعي" لا يُعدُّ تكراراً بالمفهوم الدارج الذي يعيب النص أو يُؤخذ على الشاعر. نحن نقرأ لساجدة الموسوي، ومن المؤكد أنها تعي الحسابات التي تُدار بها خيوط اللعبة الشعرية، وبكل تأكيد لا يغيب عن نصها مثل هذه المآخذ؛ فـ "التكرار الإيقاعي" الذي جاءت به ساجدة وطرزت به نصها، أرادت منه تمثيل "اللازمة الشعرية" التي تُكمل وحدة الموضوع، حتى وإن اختلفت الصورة في النص أو تغير مجرى الحدث. وهنا لا بد من رابط يعيد الصورة الأصلية لذهن القارئ بعيداً عن التشويش أو التشتت، وهذه الرابطة هي "اللازمة الشعرية" التي لا تكتمل صورتها إلا بـ "التكرار الإيقاعي"؛ ولأنه يمثل صلب الموضوع، فلا غنى عن تكراره ليكون جسراً يرسخ المعنى في ذهن القارئ دون عناء.

أما "الحوارية" الواضحة والطاغية على النص، فقد أرادت منها ساجدة الموسوي كسر الرتابة التي قد يستشعرها القراء، وهي حركة ذكية جداً حوّلت القصيدة إلى ما يشبه "المشهد السينمائي"، وهو ما يصبُّ في تبسيط البناء النصي للقصيدة، ويعمل على تقليص الفجوة مع المتلقين بمختلف مستوياتهم.

يغالبني الشّوقُ حيناً فأبكي

وحين أفتشُ عن ريحِ أخبارهم

كيف هم.. كيف أولادهم

وهل أذبل العمرُ أجفانهم؟

*

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

.

.

.

متى نلتقي

لقد نجحت ساجدة الموسوي في أن تجعل من قصيدتها تجسيداً لـ "الغربة"، لا كفكرة مجردة فحسب، بل كوجع ملموس في الأطراف حين تناولت مفردة (البرد)، وفي الهوية عبر (لغة الضاد). لقد قدمت ساجدة الموسوي نصاً بسيطاً في تناوله، كبيراً في معانيه وما يتضمنه من فنية في التوظيف والأداء؛ ولا نبالغ حين نقول إنه نصٌ عفوي خلق إحساساً عالياً بالحدث، وجعل من "دموع الأم" لغة عالمية لا تحتاج إلى قاموس لشرحها.

نصٌ تتجلى فيه مشاعر الوجع الذي تخلفه الغربة على الإنسان، "نصٌ درامي وجداني" تمثّلَ في حقيقة معاشة ماثلة للعيان، ممزوجة بحنينٍ لا يخبو؛ إذ تتناثر الأسئلة من خلاله كثلجٍ باردٍ يعجز عن إذابة مشاعر الشوق. يؤكد نص ساجدة الموسوي حقيقة لا تُنكر؛ تظلُّ فيها الأم قلباً نابضاً بالحب رغم المسافات، تبحث عن أبنائها في تفاصيل الحياة والذكريات، وفيها يغدو اللقاء حلماً مؤجلاً يثقل كاهل الزمن ويأبى القيود. إنها قصيدة تصور "الفقد المؤقت"، قصيدة الأمل رغم عتمة ما يحيط بالأجواء.

***

سعد الدغمان

حين تجلس أمام الشاشة متابعاً "اسمي حسن" للمرة الأولى، تظنه مسلسلاً رمضانياً كسواه - يفتح بيوت العراقيين على مصاريعها ويملأ الشاشة بالأصوات والوجوه والحكايات المتشابكة. غير أنك سرعان ما تكتشف أنك أمام عمل أعمق من ذلك بكثير؛ فالكاتب حامد المالكي والمخرج سامر حكمت لا يعرضان عليك حكاية، بل يضعانك في مواجهة سجلٍّ ما زال مفتوحاً - شيء يخصّك، يحتاج إلى جلسة محاكمة أنت الشاهد الوحيد فيها، دون أن تُسأل إن كنتَ مستعداً للشهادة أو لا.

هذا المسلسل يضجّ بالصور البلاغية والحقائق الإنسانية والتاريخية حتى يكاد الناقد يضيع في ثرواته الجمالية؛ فكل مشهد يستدعي توقفاً، وكل شخصية تحمل نسيجاً يستحق التشريح. وقدِ احتاج ذلك مني أكثر من خمسة آلاف كلمة للإحاطة بجماليات المسلسل المتعددة. غير أنني، عن سابق إصرار وترصّد، ورغبةً في أن تُقرأ هذه المقالة لا أن تُهجر لطولها، سأتجاوز كل ذلك وأقتصر على لحظة واحدة متميزة شهدتها نهاية الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة - لحظةٍ اكتشفت فيها أن الحلقات الخمس عشرة كلها كانت تمشي نحوها بتؤدة وصمت، دون أن تفسد متعة المتابعة أو تكشف عن وجهتها قبل الأوان.

وقبل الوصول إلى تلك اللحظة، ثمة توطئة ضرورية تتحدث عن طبيعة هذا العمل وما الذي جعله مختلفاً في المشهد الدرامي العراقي والعربي.

في زمن تتكاثر فيه المسلسلات كمّاً على حساب النوع، جاء "اسمي حسن" مغايراً لكل ما سبقه؛ يستحضر سنة 1982 من قبرها الساكن في الذاكرة الجماعية ويجلسها أمامنا على مائدة السحور. عام الدجيل، عام إحكام البعث قبضته الحديدية، عام موجة القمع التي طالت الشباب خاصة.

المسلسل يرسم آلية الاستبداد كسرطان يتجاوز تغييب الجسد إلى تفكيك الهوية وإعادة برمجتها؛ الضحية فيه تتحوّل إلى منفِّذة لتفاصيل هذا السرطان بعد أن ينكسر فيها كل ما كان يقاوم، والألم يغدو نظاماً دقيقاً لإنتاج الطاعة. والاعتراف في سجون الطاغية كان في حقيقته: محاولة انتحار للمعتقل - الثمن الأخير الذي يدفعه الإنسان إيقافاً للتعذيب والفكاكَ منه.

ثمة مسافة حقيقية تفصل بين متفرجٍ على دراما وشاهدٍ على حدث عاشه هو، أو ذووه، أو كل من تربطه به صلة إنسانية. "اسمي حسن" يُعيد رسم هذه المسافة ليلغيها.

الموت قتلاً وتصفيةً وظلماً في تلك الأيام كان مباغتاً بلا مقدمات، يأتي في الليل أو في وضح النهار، سواءٌ بسواء... في الصلاة أو في الشارع، لا فرق... في المقدس أو في المدنس، وارد جداً. تفاصيل المكان والزمان والحصانة والطقس كلها فقدت معناها وخصوصيتها دفعةً واحدة.

هذا الانقطاع عن لغة الصورة التلفزيونية التقليدية ينطوي على فعل أعمق من مجرد خيار جمالي؛ إذ يُعيد برمجة آلية قراءة المتن البصري ذاته. المسلسل يرتقي منذ لحظته الأولى من كونه وسيطاً درامياً إلى حقيقة سياسية قاسية تتكئ على الذاكرة الجماعية وتُعيد صياغتها بمخيال خاص يحمل بصمة حامد المالكي وحده. فما يترسّخ في الوعي بعد المشاهدة إجابةٌ راسخة على سؤال ظلّ يسكن الصدور همساً طويلاً: ما الذي حدث يومها؟

" "اسمي حسن" يصنع واقعاً موازياً يُقيمك فيه شاهداً ومشاركاً، عوضاً عن الاكتفاء بوصف الواقع من بعيد.

ولفهم كيف يصنع المسلسل هذا الواقع الموازي، ثمة وقفة ضرورية عند بنيته الهيكلية التي تشتغل باتساق معماري مضمر. خمس عشرة حلقة تقوم على ما يمكن تسميته "البنية الدائرية مع التراجع الديناميكي": أربع دورات متصاعدة في الانغلاق، كل دورة تُوهم بإمكانية الخروج ثم تُحكم القفل.. الدورة الأولى (الحلقات 1-3) تقدم الحرية النسبية والخطر الكامن. الدورة الثانية (الحلقات 4-6) تقدم الاختيار المزعوم واستحالته الحقيقية. الدورة الثالثة (الحلقات 7-9) تقدم التسليم الإرادي والفقدان المطلق. الدورة الرابعة (الحلقات 10-15) تقدم الانقياد الكامل والعدم. في كل دورة يبدو الخروج ممكناً - الهرب، السفر، الاعتراف - وكل "خروج" يقود في حقيقته إلى انغلاق أعمق.

وهذا البناء الدائري يجد صدىً في إيقاع السرد ذاته؛ الحلقات الأولى تتحرك ببطء، تراكم التفاصيل وتبني الشخصيات طبقةً فوق أخرى، ثم يتسارع الإيقاع بعد الحلقة السادسة تسارعاً محسوباً، وبحلول الحلقة الخامسة عشرة تتراكم الأحداث بسرعة مغايرة تماماً. هذا التسارع اختيار فني واعٍ في صميمه؛ إذ يعكس الشعور النفسي للشخصيات بدقة مدهشة: حين تكون حراً تتمنى أن يمر الوقت ببطء، وحين تكون محاصراً يسقط الوقت من بين يديك، وحين يلوح لك حبل المشنقة في أفق جبروت الطغاة، يتحوّل الزمن إلى وطأة بثقل صاروخ سجيل الإيراني.

والآن لنسلّط الضوء على اللحظة المُستلّة من العمل، تلك التي أشرت إليها في مفتتح المقالة والتي اخترتها عن قصدية معرفية رغم اكتناز المسلسل بالكثير من أبجديات الوعي والدراما والحقيقة والجمال الفني.

وقف المسلسل عند لحظة توليفية بالغة الذكاء حين جمع الحسنَين في توقيت واحد في زنزانة واحدة: أحدهما "حسن" إسلامي شيعي يقرأ لمحمد باقر الصدر، والآخر "حسن" شيوعي يقرأ للينين وماركس وسارتر. الجامع بينهما اسمٌ واحد وقعَ في فم معتقل آخر بتفاصيل أخرى تحت وطأة التعذيب فاستوى دليلاً كافياً لسلطة صادرت الاسم قبل أن تصادر الجسد.

ما بناه الكاتب حامد المالكي هنا أدقّ من المصادفة الدرامية – بل تجاوزها؛ فالحسنان يمثّلان خطّين أيديولوجيين يتسيدان المشهد العراقي في تلك الحقبة ويتوجّسان من بعضهما تاريخياً، غير أن السلطة الخائفة توحّدهما بقرار واحد. التعذيب لا يُفرّق بين كتاب ولا بين عقيدة؛ يختار الاسم ويبني التهمة وفق تأويلاته المزاجية. والأشد وطأةً أن الحسنَين يحملان صفة مشتركة أعمق من الاسم: كلاهما في عمر الزهور، واعٍ، منفتح، يقرأ ويسأل ويُكوّن. هذا الوعي هو بالضبط ما يجعلهما خطرَين في منطق الاستبداد؛ القراءة تهمة، والتفكير جريمة، والشباب المتفتح مشروع تمرد مؤجَّل في عين السلطة الخائفة.

وحين تبلغ هذه المعادلة ذروتها الدرامية في الحلقة الأخيرة على حافة المشنقة، يلتقي الحسنان مرة أخرى في قاعة الإعدام دون محاكمة دون شهود سوى قلم أحمر أطلق العناق لدكتاتوريته ليشطبهما من سجل الأحياء. لِقاؤهما من جديد يقوم على الاسم وحده، دون رابط دم أو قضية بتفاصيل مشتركة أو أي شيء يعرفه منطق الدراما عادةً.

صعدوا جميعاً بالسلم ذاته إلى المنصة ذاتها - الحسنان والأزلام في مستوى واحد، كأن المنصة تتظاهر بالمساواة لحظةً قبل أن تكشف نيّتها. ثم تحرّكت العتلة بيد أحدهم صاحبها خارج الكادر (طبعاً يجهل اغلبنا من حرّكها على وجه الدقّة)، ربما هي السلطة ذاتها أو قائدها ومحركها العالمي المجهول - فنزل الحسنان عن مستوى الواقفين، وصار الأزلام هم الأعلى بوجوههم الكالحة وشواربهم الكثة المتدلية قذارة.

لكن ما لم تحسبه العتلة: أن أقدام الحسنين المتدلية باتت ترتفع فوق مستوى من كان يرقب المشهد من الأسفل، تلك السلطة التي آثرت أن تُدير المشنقة دون أن تقف على منصتها خوفاً من مستقبل مشابه – مستقبل فايروسي مُعدٍ.

وهنا يُبدع سامر حكمت برسم اللقطة كما يُجيد رسّام الفريسكو مايكل انجلو تثبيت اللحظة قبل أن تبتلعها الحركة - مشهد ثابت يختزل ما عجزت عنه ألف مسلسل ومسلسل: قدمان تركلان الفراغ، وفي هذا الركل ما هو أعمق من وداع الجسد للروح؛ أقدامهما المتدلية في النزع الأخير تركل فوق رؤوس تلك السلطة التي لا تحضر لحظة الموت بنفسها بل تُوكّل أدواتها وتُبقي يديها نظيفتين.

الحبل - أداة الإذلال المزعومة - هو ما جعل أقدامهما ترتفع في اتجاه من لا يُرى في الكادر، تركله دون أن تقصد ودون أن يستطيع الدفاع.

وخلفهما في العمق البصري ذاته يتسمّر الأزلام بشواربهم الكثّة جامدِين كتماثيل شمع، حاضرين في الكادر غائبين عن معناه - أدوات مكتملة الحضور منقوصة الإرادة. المسافة بين المعلَّقَين والواقِفِين هي المسافة ذاتها بين من انتهى كل شيء بالنسبة إليهم (التهمة – الاسم – شماتة الاحياء) وبين من لم يبدأ لديهم شيء قط (عدم لا غير).

ما جعل هذا الكادر بمشنقته وضحاياه وجلاديه يتنفس هو ما قدمه تحسين داحس وأمير إحسان رغم خفاء وجهيهما بالكيس الأسود. الأول في دور حسن الشيوعي والثاني في دور حسن الإسلامي - لكن المشاهد لا يرى ممثلَين يؤدّيان، بل يرى حياةً تجري في زمنها الخاص غير مُستأذنة من الكاميرا. كيمياؤهما مع بعضهما ومع العدسة في آنٍ واحد هي تلك النادرة التي لا تُصنَع في البروفة ولا تُكتسب بالتقنية؛ أداء راكز عفوي تلقائي كأن النص لم يُكتب قط وكأن اللقطة تسرق حياةً لا تعلم أنها تُصوَّر. واحد يحمل لينين والآخر يحمل الصدر، وكلاهما في الكادر الأخير يحمل الشيء ذاته: خفّة من لم يعد ثمة ما يثقله.

ترتفع الكاميرا من الأقدام الراكلة إلى الرأسين الغائبين خلف كيس الإعدام الأسود فيتوهج حامد المالكي وسامر حكمت مرّة أخرى بفلاش باك صوتي يستعيد لحظة دخول حسن الشيوعي السجن ليلتقي بحسن الإسلامي:

- اسمي حسن حبيبي. (يضحك حسن الإسلامي)

- شو تضحك؟

- آني هم اسمي حسن.

يضحكان سوية لسخافة الموقف، وقد تعلقا بالمشنقة ذاتها التي أُكره بسطاء الشعب على تخيّلها حبلَ نجاة، حين دقّت السلطة شعاراتها في آذانهم (على ظهور الشگر شدّوا الخيّاله...حلو نوط الشجاعة يلوگ لابطاله) حتى غدا الوهم يقيناً - يقيناً لا خياراً لديهم معه.

هذه الضحكة تستحق التأمل النقدي العميق؛ ضحكتهما سوية تفجّرت باتساق فونيمي كأن التشابه بينهما امتد حتى بلغ إيقاع ضحكتهما ذاتها - هي ضحكة تتجاوز خانة الاستهانة بالموت وخانة الجنون معاً، وتغدو الإجابة الوحيدة الممكنة على كل شيء، على سخافة الوجود برمته.

بعد تلك اللحظة المحددة-حين يضحك الحسنان مشنوقَين-اختار القائمون على المسلسل إدخال "داده حسن" بصوت أنوار عبد الوهاب الشفاف. لا نعرف ما إذا كانت قدحة درامية استفزت مخيال حامد المالكي، أو حقيقة جمالية أشعلت وعي سامر حكمت، أو ذاكرة جمعية عميقة تؤكد أن جمال الكلمات والصوت هو ما استدعى هذه النهاية العظيمة جسداً وصوتاً.

"داده حسن" من كلمات علي الهنداوي وألحان الراحل محمد جواد أموري، وغناء السيدة أنوار عبدالوهاب أنتجت سنة 1973 - أغنية تناجي بل تنعى حسناً بالاسم وتلومه بحنان، استعاض سامر حكمت عن موسيقى الأغنية الأصلية بتوليفة من تتر بداية المسلسل مكتفياً بصوت المطربة. هذا ليس حذف موسيقى عابر-إنه تفكيك زمني متعمد: موسيقى التتر تعيدك فوراً إلى الحلقة الأولى-إلى حيث بدأنا قبل أن نعرف من هو حسن الحقيقي.

الخيار الأهم: الأغنية لا تُسمع متصلة. بل كل بيت أو مقطع يرافق مشهد معين من المسلسل. هذا يعني: البيت الأول لا ينتظر النهاية، بل ينفجر عند الصورة التي تستحقه. البيت الثاني قد يأتي بعد فاصل زمني صوري، مرتبطاً بلحظة مختلفة من الألم الموثق. الأغنية لا تستنزف نفسها دفعة واحدة، بل تعود بجرعات مختلفة من الحزن.

في داده حسن التي أعدها سامر حكمت لابد من الإشارة إلى البيت الأصلي الذي يحمل التأنيب والمحاسبة - والذي تم نفيه تماماً من الرؤية - النسخة المعروضة مع التايتل النهائي:

حيل وبعد وياك هاي...... الردته؟

مو گالت الشمات...... ما حسبتها؟

واعتقد أنَّ سبب الحذف هو تأويل هذا السطر الذي يبدو ليس سؤالاً بريئاً. إنه توبيخ من الأهل، من الناس، من الذاكرة الجمعية.

"حيل وبعد وياك" = أنت كنت هنا، كان بإمكانك أن تفعل غير ذلك. "هاي الردته؟" = هذا ما تيقنته أفكارك؟ هذا مصيرك الذي اخترته بيديك؟ هذا الذي كنت تحلم به وترجوه؟.

المسؤولية كاملة ملقاة على حسن وحده. أنت من قرر أن يكون إنساناً حراً في عالم يكره الأحرار. والثمن-الشنق، الوحدة، الموت-هو ما يستحقه من اختار هذا بعينين مفتوحتان. كم انت شقي يا حسن؟.

والشق الثاني من البيت (مو گالت الشمات ما حسبتها؟ ) فيه من التأويل الذي كان سيشرق به المسلسل أكثر لو أن الأغنية المرافقة للتر قد تضمنته كالأبيات الأخرى لكنني متأكد أن سامر حكمت أراد للأغنية أنَّ تكون نعياً خالصاً لحسن لا تأنيب فيه.

إذن تعالوا معي لتحليل الشطر الثاني من البيت .. (مو گالت الشمات ما حسبتها؟) عبارة يلتبس سماعها حتى على أبناء اللهجة أنفسهم فالمسموع يبدو كأنه "مو گالت الشمات ما حسبتها" غير أن التأمل في النص يكشف أن الملحن حوّر العبارة الأصلية صوتياً، وأن الأصل هو تساؤل حقيقته "مقالة الشمات... ما حسبتها؟" - أي أن حسن لم يحسب حساباً لكلام ومقالة الشامتين ولا لتبعاته. والدليل اللغوي قاطع: ضمير "ها" في "ما حسبتها" مؤنث، يعود على "مقالة" المؤنثة وحدها، ولا يستقيم إلا بها وليس مع (مو گالت).

وهذا المعنى يحتمل وجهين محترمين: إما أن حسن كان شجاعاً حراً لا يعبأ بما يقوله الشامتون وهو فعل تاريخي اتسم به الأبطال الأفذاذ على غرار علي والصدر وجيفارا، وإما أنه كان ساذجاً لم يقدّر ثمن تلك "كلام الناس" وهو رأي الأغلبية المدجنة الخائفة من خيالها. والاختيار الحصيف للأغنية هذه تترك التأويلين معاً مفتوحين دون أن تختار بينهما.

وحين تدخل "داده حسن" في تلك اللحظة تحديداً - حين يضحك الحسنان مشنوقَين – تتكشف وجوههما من خلل الكيس الاسود. ربما كانا شجاعين فلم يحسب الحسنان حساب مقالة الشامتين بوقوف أزلام النظام خلفهم بهيئتهم الحقيرة. وربما لم يحسباها فدفعا الثمن غالياً وهي الأرجح ولأجلها حذفها القائمون على المسلسل من التايتل النهائي.

والمفارقة أن الضحكة المشتركة للحسنين، هي في حد ذاتها أقوى رد ممكن على كل شامت - وأعمق دليل على أن "مقالة الشمات" لم تُحسب، ولن تُحسب لان ما كانا عليه وما فعلاه هو عن سبق يقين وقصدية لا تراجع فيها وإعلان انتماء لا ندم فيه وطز بمن يقول غير ذلك.

ختام أغنية "داده حسن" يصبح بكاءً جماعياً على كل حسن - كل من اغتيل، كل من فُقد، كل من لم يستطع البقاء إنساناً تحت ضغط النظام. لكن الأغنية تُذكر بأمر وجودي مهم {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}: "لا أم تحن لبچاي. لا خاله وياي"، هذا هو المصير النهائي - وحدة مطلقة، لأننا لا نشبه الآخرين نعيش الوحدة الانفجارية.. أفكارنا يخاف الجميع من الاقتراب منا خوفا من العدوى – عدوى الأفكار التي تكون نتيجتها: جسد يتدلى تحت مشنقة لا تعترف بحرية الفكر.

في النهاية، يبقى ما أنجزه الكاتب حامد المالكي برفقة المخرج سامر حكمت أعمق بكثير من مجرد حُسْنُ توزيع أدوار بين الممثلين؛ فالعملان معاً رسما حضور الشخصيات بوصفه فعلاً بنيوياً داخل العرض، لا زينةً على هامشه. كل شخصية - من الشيخ حسين مروراً بالحاج ناظم وعائلته كخط أول، وحسن الشيوعي وحسن الإسلامي وسالم الانتهازي كخط ثانٍ، مروراً برجالات السلطة وأذنابها كخط ثالث، وحتى عيون المدينة وشخصياتها الاجتماعية كخط رابع - تحمل قيمتها الدرامية الكاملة وتؤدي وظيفتها في المنظومة السردية دون أن تطغى على ما جاورها أو تذوب فيه. هذا التوازن الصارم في الحضور هو ما منح العرض نسيجه المتماسك، إذ ظهر الممثلون أبطالاً بالتساوي، في الضوء وفي الظل، في الفعل وفي الصمت.

والأدق في هذا الإنجاز أن الشخصيات التي تمثل أداة القمع - السجانون والمعذِّبون - جاءت مرسومةً بالعناية الدرامية ذاتها التي أُوليت لضحاياها. هذا الاختيار الاخراجي يُفكّك الصورة النمطية المريحة التي تُبسّط الاستبداد إلى أشرار من ورق؛ فحين يُمنح الجلاد حضوراً إنسانياً مكثفاً، تتضاعف فداحة ما يرتكبه وتتعقد معها مسألة المسؤولية الأخلاقية.

وإلى جانب هذا البناء الإنساني للشخصيات، وظّف المخرج سامر حكمت تقنية الذكاء الاصطناعي في استعادة بغداد الثمانينيات؛ شوارعها وأرصفتها وحركة الناس فيها، والمركبات ذات الطابقين التي كانت علامةً على تلك الحقبة. توظيف التقنية هنا جاء في خدمة الذاكرة دون البهرجة البصرية؛ فالمدينة المُعاد بناؤها تُضفي على الأحداث ثقل الحقيقة وتُرسّخ الإحساس بأن ما يجري على الشاشة حدث فعلاً في هذه الشوارع بالذات، على هذه الأرصفة، بجوار هذه السيارات.

ولإحقاق الحق، لا بد من التعريج على أداء الممثلين، مع احترامنا لبقيتهم بعد أن قيّمنا أداء تحسين داحس وأمير إحسان آنفاً. فلا يسعنا إلا أن نورد تقييمنا المنصف لبقية الممثلين.

1- محمود أبو العباس (الحاج ناظم)

حضور فيزيائي مهيب. تدرج الأداء من الثبات الكاذب إلى الانهيار الداخلي متقن ومقنع. استخدام الصمت والإيماءة البسيطة والصوت الطبيعي والنظرات المتهدّلة لشيخ كبير مبتلى بمسؤولية الحفاظ على من يرتبط به يدلّ على خبرة تمثيلية عالية. محمود أبو العباس فنان قدير صعب تكراره.

2- زهرة بدن (صفية)

أداء بسيط وفعّال (سهل ممتنع) يجسّد الزوجة التي تعيش داخل القلق العائلي والمسؤولية بحراك دؤوب لصيانة البيت وأفراده من كل سوء اجتماعي وحكومي. الاعتماد على التعابير الدقيقة والصوت الكثيف بالقلق يدلّ على احتراف عالٍ. الحضور الهادئ رغم مأساة التحديات التي تعيشها يخلق ضغطاً نفسياً حقيقياً على المشهد، فيدفع به ليكون هوية للإبداع ونموذجاً للحضور الممتع. كل ذلك تجلّى في تمثيلها مع اجتهاد عاطفي أمومي قلّ نظيره.

3- حسين علي صالح (جمعة)

الممثل القدير الذي ظُلم كثيراً من قبل الإعلام العراقي، قدّم شخصية الرفيق جمعة كواحد من أعظم الأدوار الدرامية في التلفزيون العراقي. ميزانُ أدائه التحكم في الصوت والحركة اللذين عكسا الضعف المؤسسي البعثي دون مبالغة. التناقض بين محاولات القوة والانهيار الداخلي قُدّم برصانة احترافية.

4- بتول كاظم (أم حسن)

أداء اقتصادي في استخدام العناصر التمثيلية لتحقيق تأثير عميق. الحركات القليلة المختارة والصوت الضعيف يعكسان الحضور المتفجّر فلسفياً والغياب الوجودي القادم. كفاءة عالية في تحويل القليل إلى معنى كثير-إشارة إلى مشاهدها القليلة التي تمّ نسجها بأصابع خبير، حيث اجتهد حامد المالكي وسامر حكمت بتوهّجها درامياً في خدمة المسلسل. نجحت بتول كاظم في تحويل شخصية "أم حسن" من مجرد دور مساند إلى واحدة من أكثر الشخصيات التي علقت في أذهان المشاهدين.

5- محمود شنيشل (أبو حسن الإسلامي)

أداء حساس في تجسيد الأب المحطّم بفقدان الابن والخوف على مصيره المحتوم المتوقّع. التحكم الدقيق في الملامح يعكس الألم المكبوت دون درامية مفرطة. الصوت المتداعي والنظرات العائمة خدمت الشخصية بمهنية واضحة. وخاصة صراخه خلف ابنه حسن لحظة دفعه لمنصة الإعدام شنقاً بكلمة (بويه) الحميمية التي قطعت نياط قلوب المشاهدين.

6- زياد الهلالي (العميد عصام)

توازن احترافي بين الصلابة الحكومية والقلق الداخلي العائلي الخفي القابع خلف منصات الندم. التحكم في طبقات الصوت والحركة يعكس خبرة تمثيلية متقدّمة. الأداء يتجنب النمطية ويحافظ على التعقيد الإنساني للشخصية.

7- مجد الخضر (سالم)

يتميّز مجد الخضر بقدرة لافتة على "العيش داخل الشخصية"، وقد تجاوز تمثيلها الحدود المتوقّعة، وهو ما أشاد به متابعوه على نطاق واسع. شخصية سالم تحتاج إلى توازن دقيق بين الطاعة والمكر الضمني، وهو ما أدّاه بتحكم واضح دون مبالغة أو تسطيح.

8- علي صبيح (شوقي)

قدم لنا علي صبيح شخصية شوقي بإتقان يبعث على الفخر باستخدامه تنويعات صوتية دقيقة تعكس حالات الشخصية النفسية؛ من الهمس الحميمي عند الحوارات الفكرية إلى الارتفاع الحاد في لحظات الصراع والخوف والقلق، مما يشير إلى وعي عالٍ بآليات التعبير الصوتي.

"عموماً. اسمي حسن" بهذا المعنى الشامل - في كتابته وإخراجه وأداء ممثليه وتوظيفه للتقنية - عمل يصعب تكراره، وأشق منه تجاوزه. صنع من الذاكرة فناً، ومن الجرح شهادة، ومن الاسم البسيط بياناً إنسانياً يتجاوز زمنه إلى كل زمن تحوّل فيه الوجود ذاته إلى تهمة.

***

كاظم أبو جويدة

في تحوّلات الشعر بين دولوز وصيرورة الحسّ

لم يعد السؤال اليوم: كيف نقول؟ بل: كيف يحدث القول؟.. ذلك أن البلاغة، بوصفها علماً لضبط القول وتزيينه، كانت تفترض مسبقاً عالماً قابلاً للتمثيل، ولغةً شفافةً تنقل المعنى من ذهنٍ إلى ذهن، كما تُنقل صورةٌ في مرآةٍ صقيلة. غير أنّ هذا التصور، الذي استقرّ قروناً في الوعي الفلسفي والأدبي، أخذ يتهاوى مع الانعطافة المعاصرة التي دشّنها مفكرون من طراز جيل دولوز، حيث لم يعد الفكر تمثيلاً، بل صار حدثاً، ولم تعد اللغة أداة، بل غدت صيرورة.

إنّ ما سمّاه دولوز بـ"موت البلاغة" ليس إعلاناً لنهاية اللغة، بل نهاية لوهمٍ قديم: وهم التماثل بين الفكر والعالم، بين الدالّ والمدلول، بين الذات والموضوع. هذا الوهم الذي غذّته العقلانية الدوغمائية، وأضفت عليه مسحةً لاهوتيةً تجعل من الانسجام الكوني غايةً مُسبقة، ومن الحقيقة تطابقاً مريحاً بين الداخل والخارج. وفي ظلّ هذا النسق، كانت البلاغة تزدهر بوصفها تقنيةً لإحكام هذا التطابق، وتجميل هذا الانسجام.

غير أنّ التحوّل الجذري الذي تقترحه فلسفة دولوز، ومعه تيارات ما بعد البنيوية، يقوم على تقويض هذا الأساس برمّته. فالفكر، في هذا الأفق، لا يُعيد إنتاج الواقع، بل يخلقه؛ واللغة لا تُحاكي العالم، بل تُفجّره إلى احتمالات؛ والمعنى لا يُكتشف، بل يُنتج عبر انزلاقات الدلالة وتكثّف الإحساس. وهنا، يتبدّى الشعر لا كفنّ للقول الجميل، بل كحقلٍ للتجريب الأنطولوجي، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الكائن والعالم.

إنّ الاستطيقا، في هذا السياق، لم تعد فرعاً من البلاغة، بل بديلاً عنها. فالصورة الشعرية لم تعد زينةً خطابية، بل أصبحت كثافةً إدراكية، "كتلةً من الإحساس" بتعبير دولوز، حيث تتشابك المؤثرات الحسية والانفعالية في نسيجٍ يتجاوز اللغة ذاتها. إنّ القصيدة، بهذا المعنى، ليست خطاباً يُفهم، بل تجربةً تُعاش؛ ليست رسالةً تُفكّك، بل طاقةً تُلامس.

ولعلّ المفارقة العميقة تكمن في أنّ البلاغة، التي كانت تُعنى بإقناع العقل وإمتاع الذوق، قد أُزيحت لصالح فنٍّ لا يسعى إلى الإقناع، بل إلى الإحداث؛ لا يطلب الفهم، بل يُربك شروطه؛ لا يُنتج المعنى، بل يُفجّر إمكاناته. وهكذا، يتحوّل الشعر من نظامٍ للعلامات إلى فضاءٍ للصيرورات، من بنيةٍ مغلقة إلى تدفّقٍ مفتوح.

في هذا الأفق، يغدو "المتناهي" – أي اللغة المحدودة، الجسد، اللحظة – معبراً نحو "اللامتناهي"، لا بوصفه ميتافيزيقا مفارقة، بل كطاقةٍ كامنةٍ في قلب التجربة. فالفن، كما يرى دولوز، يمرّ عبر المحدود لا ليُثبّته، بل ليُشظّيه، ويستخرج منه ما يتجاوز حدوده. ومن هنا، فإنّ القصيدة ليست تمثيلاً للعالم، بل انخراطاً في صيرورته؛ ليست وصفاً للواقع، بل إعادة خلقٍ له.

أما ما يمكن أن نلمحه عند بعض القراءات المعاصرة، ومنها ما يُنسب إلى "بومسهولي"، فهو محاولة لتأصيل هذا التحوّل في سياق نقديّ عربيّ أو كونيّ، حيث يُعاد التفكير في البلاغة لا كتراثٍ ينبغي تجاوزه فحسب، بل كبنيةٍ ذهنيةٍ ما زالت تحكم وعينا باللغة. إنّ موت البلاغة، بهذا المعنى، ليس حدثاً تاريخياً وقع وانتهى، بل عملية تفكيكٍ مستمرة، تتطلب وعياً نقدياً يقظاً.

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يعني موت البلاغة انعدام المعايير؟ هل نحن بإزاء فوضى جمالية؟

الجواب، في العمق، هو النفي. فما يحلّ محلّ البلاغة ليس العدم، بل نوعٌ آخر من النظام: نظام الكثافة، التوتر، الإيقاع الداخلي، والقدرة على توليد الإحساس. إنّها معايير لا تُقاس بمقاييس البيان والبديع، بل بقدرة النصّ على خلق تجربةٍ فريدة، لا تُختزل في معنى، ولا تُستنفد في تأويل.

وهكذا، فإنّ الشعر، في أفق ما بعد البلاغة، لا يُكتب ليُفهم، بل ليُحدث أثراً؛ لا يُقرأ لاستخلاص فكرة، بل للانخراط في تجربة. إنّه انتقال من "بلاغة القول" إلى "استطيقا الحدوث"، من لغةٍ تُحيل إلى معنى، إلى لغةٍ تُنتج عالماً.

في خاتمة المطاف، لا يمكننا أن نرثي البلاغة بوصفها فناً ميتاً، بقدر ما ينبغي أن نفهمها كمرحلةٍ من تاريخ الوعي باللغة، مرحلةٍ تجاوزتها تحوّلات الفكر المعاصر. فموت البلاغة ليس نهاية الشعر، بل ولادته من جديد: شعراً بلا يقين، بلا مركز، بلا غاية مُسبقة؛ شعراً ينفتح على اللامحدود، لا ليُفسّره، بل ليُجسّده في ومضةٍ عابرة، أو ارتعاشةِ معنى لا يستقرّ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في أفق الشعر العربي المعاصر، حيث تتقاطع التجربة الوجودية بالهمّ الجمعي، وتتشابك اللغة بوصفها أداة تعبير مع اللغة بوصفها كينونة كاشفة، تبرز قصيدة "وللبلاد عتابها" للشاعر فرحان الخطيب بوصفها نصاً رؤيوياً ينهض على توتر عميق بين الذات والوطن، بين الحلم والانكسار، وبين الذاكرة والتاريخ. إننا أمام خطاب شعري لا يكتفي باستحضار البلاد كحيّز جغرافي أو كيان سياسي، بل يعيد تشكيلها في بنية رمزية مركّبة، تتخذ من "الغابة" استعارة كبرى تختزن طبقات من المعنى، وتفتح أفقاً تأويلياً رحباً يتجاوز المباشر إلى الإيحائي، ومن الواقعي إلى الوجودي.

تتأسس هذه القصيدة على لغة مشحونة بالانزياحات البلاغية، حيث تتكثف الصورة الشعرية وتتوالد الدلالات عبر تراكيب متوترة، تُعيد ترتيب العلاقة بين اللفظ والمعنى، وتُحرّر العبارة من نمطيتها نحو أفق جمالي منتج للدهشة. كما يتجلى في النص معمار صوتي خاص، يقوم على التكرار الإيقاعي، وتناوب النبرات بين الحزن والاحتجاج، بما يعكس البنية النفسية المضطربة للذات الشاعرة، ويمنح القصيدة طابعاً إنشادياً داخلياً يوازي انكسارها الدلالي.

ولا تنفصل هذه البنية الجمالية عن أفق فكري وفلسفي أرحب، إذ يطرح النص أسئلة حادة حول الهوية، والانتماء، والانكسار التاريخي، ويكشف عن وعي نقدي يتجاوز الرثاء إلى مساءلة الذات الجماعية، واستنطاق أسباب التراجع والتمزق. ومن ثمّ، فإن القصيدة تنخرط في سياق ثقافي وتاريخي عربي مثقل بالتحولات، حيث تتقاطع الذاكرة التراثية مع واقع مأزوم، لتُنتج خطاباً شعرياً يراوح بين الحنين والاحتجاج، وبين التوق إلى الانبعاث والإحساس بالخذلان.

انطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية شاملة، تستند إلى جملة من الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إلى جانب الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية، في محاولة للكشف عن البنية العميقة للقصيدة، واستجلاء آليات اشتغالها الدلالي والجمالي. كما تروم هذه القراءة تجاوز الانطباعية السطحية إلى تحليل منهجي يضيء العلاقات الداخلية للنص، ويُبرز قدرته على إنتاج المعنى، وتوليد تأويلات متعددة، بما يؤكد انتماءه إلى النصوص الشعرية المفتوحة التي تستعصي على الاختزال، وتظل قابلة لإعادة القراءة في ضوء تحولات الوعي والسياق.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم لغة النص بقدرٍ عالٍ من السلامة النحوية والتركيب المتماسك، حيث ينتمي الشاعر إلى نمط اللغة الشعرية الكثيفة التي تتجاوز التداولي إلى الإيحائي. فالتراكيب هنا لا تُبنى على الإخبار المباشر، بل على الانزياح التركيبي والدلالي، كما في قوله:

"قبلةَ الوجعِ المبلّلِ من نزيفِ الوهم"

حيث تتكثف الاستعارة المركبة: (قبلة/وجع/نزيف/وهم)، لتشكّل بنية رمزية متعددة الطبقات.

كما يظهر التقديم والتأخير، والحذف، وتكثيف الجملة الشعرية بوصفها آليات لخلق توتر دلالي، مثل:

"لا لا أريدُ سحابةً.. غيرَ التي..."

هذا التكرار (لا لا) ليس حشواً، بل إيقاع نفسي احتجاجي يعكس انكسار الذات ورفضها.

أما على مستوى الانزياح، فنجد اللغة تتحرك في أفق مجازي كثيف، حيث تتحول المفاهيم المجردة إلى كائنات حسية:

١- الروح تُلاقي

٢- الظلمات تُدحر

٣- الغيم له جروح

٤- اللغة تُقترف

وهذا ما يمنح النص طابعاً رؤيوياً لا وصفياً.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتوازن المفردات بين:

١- معجم صحراوي (الرمال، الغابة، القَطا، النخيل)

٢- ومعجم روحي/صوفي (الروح، الدعاء، الرحمان، النبل)

هذا التداخل يخلق ازدواجية بين الأرضي والمقدّس، وهو ما يخدم موضوع "البلاد" بوصفها:

١- مكاناً

٢- ورمزاً

٣- وجرحاً وجودياً

الألفاظ فصيحة جزلة دون تكلف، مع ميل إلى التراكيب التراثية:

"يشرب التاريخ أنهاراً من الألق"

وهي صياغة تنتمي إلى البلاغة العربية الكلاسيكية، لكن ضمن رؤية حداثية.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص أقرب إلى قصيدة التفعيلة الحرة، لكنه لا يلتزم بوزن صارم، بل يعتمد على:

١- الإيقاع الداخلي (التكرار، التوازي)

اللازمة: "هي غابة.." التي تؤدي وظيفة بنائية ونفسية

٢- التكرار الصوتي: (الغين، القاف، الراء) -  يعطي جرساً خشناً يناسب الألم

مثال:

"الغيم – الغابة – الغبار – الغواية"

كما أن القافية ليست موحدة، لكنها تتولد موضعياً، مما يخلق موسيقى متقطعة تعكس اضطراب الذات.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على بنية تكرارية دائرية:

تبدأ كل مقطوعة بـ "هي غابة"

لكن "الغابة" تتغير دلالياً في كل مرة

فهي:

١- بدايةً: ملاذ روحي

٢- ثم: فضاء تاريخي

٣- ثم: كيان مريض

٤- ثم: وطن مأزوم

وهذا يشي ببنية تحولية (دينامية)، لا ثابتة.

لا توجد شخصيات سردية تقليدية، بل هناك:

"أنا" شعرية

"الغابة" كذات مقابلة

"البلاد" كمعادل رمزي

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا تراجيدية نقدية:

الشاعر فرحان الخطيب لا يرثي فقط، بل يُحاكم

الوطن ليس ضحية فقط، بل متواطئ أحياناً

"لم تعد تهذي بأوجاع الولادة"

أي أن الوطن فقد قدرته على التجدد.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

يبلغ النص درجة عالية من الابتكار عبر:

الاستعارة الكلية (الغابة = الوطن)

الصور المركبة:

"جروح الغيم ثلجاً"

وهي صورة تجمع:

الألم (جروح)

البرودة (ثلج)

السمو (غيم)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- لماذا ينكسر الوطن؟

٢- كيف يتحول المجد إلى ذاكرة؟

٣- أين الفعل الجمعي؟

"وصِرنا شرذماتٍ من نثير"

وهي إدانة واضحة للتفكك.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

التراث العربي (الصحراء، القوافل، القَطا)

الحس الصوفي (الروح، الدعاء)

الوعي القومي (الفرح العروبي)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

"الغابة" ليست مجرد رمز، بل بنية دلالية مفتوحة:

١- الطبيعة

٢- الوطن

٣- الذات

٤- التاريخ

وهذا يخلق تعددية تأويلية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يعكس سياقاً عربياً معاصراً:

١- التفكك

٢- الحروب

٣- خيانة القيم

كما يستدعي التراث:

"عنيزة" - إحالة إلى فضاء بدوي/عشقي

خامساً: الأسس النفسية

النبرة العامة:

١- قلق

٢- حنين

٣- احتجاج

الذات تعيش:

١- انكساراً

٢- اغتراباً

٣- صراعاً بين الأمل واليأس

"تعبت يداي بحمل بيرقها"

صورة نفسية للإرهاق الوجودي.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص نقدي بوضوح:

ينتقد النخب:

"الجالسين على بساط من حرير الشعر"

ينتقد التواطؤ الجمعي

يكشف انحراف اللغة نفسها:

"يقترفون من لغة الغواية"

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

الغابة = الوطن

الغيم = الأمل/الألم

الدم = التضحية

القنديل = الهداية

2. الثنائيات:

الحياة / الموت

الحضور / الغياب

الضوء / الظلمة

الفعل / العجز

ثامناً: الأسس المنهجية

يمكن قراءة النص عبر:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج السيميائي

٣- المنهج التفكيكي

والنص يقاوم القراءة الأحادية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بـ:

١- الحرية

٢- الكرامة

٣- الوعي

ويظل مفتوحاً على تأويلات متعددة، ما يجعله نصاً حياً.

خاتمة:

قصيدة "وللبلاد عتابها" نصٌّ شعريٌّ كثيف، يتجاوز الغنائية إلى الخطاب الرؤيوي النقدي. إنها ليست مجرد مرثية للوطن، بل تفكيك عميق لبنية الانكسار العربي، حيث تتداخل اللغة بالجرح، والرمز بالتاريخ، والذات بالجماعة.

إنها قصيدة تُقرأ لا بوصفها نصاً، بل بوصفها:

حالة وعيٍ مأزوم… يحاول أن ينجو باللغة.

في ختام هذه المقاربة النقدية لقصيدة "وللبلاد عتابها"، يتبيّن لنا أننا بإزاء نصّ شعري متعدّد الطبقات، تتشابك فيه اللغة بالرؤية، والرمز بالتاريخ، والذات بالجمعي، في نسيج دلالي كثيف يستعصي على القراءة الأحادية. لقد استطاع الشاعر فرحان الخطيب أن يُشيّد عالماً شعرياً قائماً على استعارة مركزية ("الغابة") تحوّلت إلى بنية رمزية مفتوحة، تتسع لاحتواء الوطن بوصفه جغرافيا، وذاكرة، وجرحاً، ومصيراً.

وعلى المستوى اللغوي، تجلّت قدرة النص على توظيف الانزياح بوصفه أداة لإعادة تشكيل المعنى، حيث لم تعد اللغة وسيلة نقل، بل صارت فضاءً لإنتاج الدهشة والتوتر الجمالي. أما من حيث البناء الفني، فقد أفضت البنية التكرارية والتحولات الدلالية إلى خلق معمار شعري دينامي، يعكس حركة الوعي من التماهي إلى المساءلة، ومن الحنين إلى الاحتجاج.

وفي أفقه الفكري، يتجاوز النص حدود الرثاء العاطفي إلى مساءلة عميقة للواقع العربي، كاشفاً عن وعي نقدي يعرّي أسباب الانكسار، ويطرح أسئلة وجودية تتعلق بالهوية والانتماء والقدرة على النهوض. كما أن البعد النفسي للنص يشي بذات مأزومة، تتأرجح بين الأمل والانكسار، فيما يعكس البعد السوسيولوجي حضوراً واضحاً لنقد البنى الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في إنتاج هذا الواقع المتصدّع.

أما على الصعيد السيميائي، فقد شكّلت شبكة الرموز والعلامات منظومة دلالية متكاملة، تقوم على ثنائيات متقابلة تُغني المعنى وتعمّقه، وتفتح المجال أمام قراءات تأويلية متعددة. وهذا ما يمنح النص طابعه الإنساني الكوني، إذ يتجاوز خصوصيته المحلية ليُلامس هموماً إنسانية عامة تتعلق بالانكسار، والبحث عن المعنى، والتوق إلى الخلاص.

إن هذه القصيدة، في محصلتها النهائية، لا تُقرأ بوصفها نصاً مغلقاً، بل بوصفها أفقاً تأويلياً مفتوحاً، يظل قابلاً لإعادة القراءة والتفكيك في ضوء تحولات القارئ والسياق. ومن هنا، فإن قيمتها لا تكمن فقط في جمالياتها الأسلوبية، بل في قدرتها على إثارة السؤال، وتحفيز الوعي، وإعادة مساءلة العلاقة بين الإنسان ووطنه، بين اللغة والحقيقة.

إنها، في جوهرها، قصيدة عتابٍ يتجاوز البلاد… ليصيب الذات ذاتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

وللبـلادِ عـتابُـها

شعر: فرحان الخطيب

هيَ غـابـةٌ..

هيَ شعلةُ الرّمل التي..

لاقيتُ روحي في مدارجِها تشبُّ..

وتدحرُ الظلماتِ حتى..

لا يطلُّ على مشارفِ وحدتي..

قهرٌ تسربلَ في مساءات السكونْ..

لا ما رغبتُ الريحَ ترسلُ..

قبلةَ الوجعِ المبلّلِ من نزيفِ الوهم صَوبي..

لا لا أريدُ سحابةً..

غيرَ التي تهمي عليَّ بضرعِها فرحاً..

وتبزغُ من مشاتلها صَهيلاً..

لا أوَدُّ سوى النسائمِ تستريحُ على هدىً..

في باحة الشّمس الفتيةِ..

أستفيقُ الليلَ والدعواتُ أرسلها ظباءً..

صغتُها روحاً ورحماناً وأفراساً تغيرْ..

**

هيَ غابـةٌ..

أرَّخْتُ وجهي في عميقِ مياهها..

وزرعتُ صوتي في رنيم السّربِ غيماً..

أو قــَطا..

حَمّلْتُها طَلْعي فماجتْ في اخضرارٍ..

لملمتْ خجلَ الرّمالِ..

وَروّجتْ للصبحِ أنْ يلجَ الصعودَ معاركاً..

ومسالماً..

رفّتْ طيورٌ..

لوّنتْها رهجةُ الصحراءِ أخلاقاً وعزماً..

لو تدبُّ الضّادُ قفراً..

يشربُ التّاريخُ أنهاراً من الألقِ..

المُسيّجِ بالعبيرْ..

**

هي غابةٌ ضلّتْ دروبَ أريجها..

فتشامخَ الشّجرُ الكئيبُ بلا براعمَ..

مسنداً كفلَ الدّهورِ إلى كثيبٍ..

لا يشمُّ روائحَ الكلماتِ حين تساقطتْ..

من فِيهِ حَيْرى..

رثّةَ النّغمات تذكرُ مجدَها..

في معقل الرّيحِ القصيّةِ وهي تبكي..

حاضراً مَيْتـاً وتنعي..

أينَ زَنْــدٌ !!!؟؟

حانَ قطْفُ الشّـرِّ والدّجلِ الضّريــرْ..

**

هيَ غابةٌ..

ولجتْ على أغوارها قصصي فأحيتْ..

مشتلاً عبقا تطرّزَ بالسّخي..

من الدّماء الغاديات على مساكبهِ انهماراً..

كي تعاجلـَني جروحُ الغيم ثلجاً..

أبيضَ الخطرات محمولاً على نُبل الشهيدِ..

ولا نمدُّ إليه عوناً من يدٍ..

وكأننا نلجُ الفناءَ..

بأرجل الغسقِ الكسيرْ..

**

هي َ غابــةٌ..

ما عدتُ أحتملُ التّعلقَ في مفاتنها..

فَما..

أبقيتُ ركناً بين عطرِ الياسمينِ..

وقصفةِ الغصنِ الذي يحنو علينا..

حين كان الصيفُ بيني والحبيبةِ..

مَــدَّ أجنحةَ انعتاقِ الصّبرِ..

مـنْ شرَكِ القيودِ..

إلى توهّجِ مشتهانا..

أن يفضَّ سكونَها..

بالوشوشاتِ الزّهرِ حيناً..

أو بذيلٍ من زفيرْ..

**

هـيَ غابــةٌ..

أو جذوةٌ حتَّ الرّمادُ بصيصَها..

ما عدتُ أذكرُ في مرابعِها " عنيزةَ "..

حين كان اللحظُ مشدوداً..

لنهر غوايةٍ..

بل لارتشافِ القادم..

الآتي غزالاً من صباحات النّدى..

والوردُ تَــلٌّ من كلامٍ نافـذٍ للقلبِ..

يختصرُ الطريق لهودجٍ يشتاقُـها..

من بعد ما اغتسلَ النّضيرُ..

بِسَقْسَقـاتٍ من نَميرْ..

**

هي غابةٌ..

لِـمَ أوصدتْ أبوابَها !؟

كمْ كنتُ أعتمرُ الفلاةَ وأستبيحُ جهاتِـها..

فـتـمرُّ أشجارُ النّخيل على دروبٍ..

كُـنْـتُـهَا..

أمضي لأزرعَ كمشةً..

من حنطةِ الشّمسِ التي خبـّأتـُها بعباءتي..

ما زلتُ أحملُ..

قلْ وأحلمُ..

أنْ تظلَّ كغيمةٍ خضراءَ تسخو..

كلما عانيتُ من تعبي..

وطالَ الدربُ وأحتدم المسيرْ..

**

هي غابةٌ..

تعبتْ يداي بِحَمْـلِ " بَيْـرَقِهَـا..

تَحَمّـلْ..

فاحتملتُ..

ووجهتي !!؟؟

خُـذْها مساراً مثلَ قنديلِ المساءِ..

وخذْ دمي زيتاً..

تَبَصّـرْ !!

لا يكونُ الدّربُ خيطاً من ضُحىً..

بل موحشٌ..

كالأدم المجبول من حلكٍ..

وبعضٍ من غبارِ الحقـدِ..

والطّمعِ المُطَعَّـمِ باقترافِ الإثم..

خُذْها..

لا تؤجّـلْ ما لديكَ..

وَما أتاكَ من القصيدةِ حيثُ ما كانتْ..

ولا كُنّـا..

وصُرنا شرذماتٍ من نـثـيـرْ..

**

هي غابـةٌ..

لَمْلَمتُ بعضي فوقَ مرتعِ صـَدرِها..

وجثوتُ أحدو بالنشيدِ وبالنشيجِ..

وبالبكاءِ وبالدّماءِ  على مسامعِ عمرها..

فَـتَـمَلْـمـَلَـتْ..

حَملتٔ شروخي..

ثُـمَّ مالتْ تسـتـظلُّ بما تبقَّى خِـلالٍ..

بعدما..

كانتْ تَصُبُّ عليَّ بنتَ دِنانِها..

قمراً تدحرجَ فوق غاديةِ الغديرْ..

**

هي غابة..

ملأتْ جِـرارَ حياتها..

وتجاهلتْ من أينَ تنبجسُ العيونُ..

تسامقتْ..

نَسِـيَـتْ عذابي..

لمْ تعدْ تهذي بأوجاعِ الولادةِ..

أو تمررْ كفَّـهـا فوقَ انبلاج الرّوح..

والجسدِ المُـزَنـّرُ بالهجيرْ..

**

هي غابةٌ..

أدمتْ مسيري..

قَصَّرتْ خُطوي أثارتْ دعوتي..

للجالسينَ على بساط من حريرِ الشّـعرِ..

يقترفونَ من لغةِ الغـوايةِ..

ما يطفُّ البحرَ لو حَملوا حروفَهُمُ سيولاً..

أو خُيولاً..

تعبرُ الحَزَنَ الغليظَ كرامـحٍ..

والغَـمْـرُ يهزجُ من إرادتهِ اعتداداً..

كيف يرتحلُ الصُّمودُ..

إلى جهاتِ المُـعْـجماتِ من الكلامِ..

ليهْـطُـلَ الفرحُ العُروبيُّ احتفاءً..

واحتفالاً..

بانبثاقِ  الغـَـارِ..

من شَرَفِ الزَّئــيــرْ..

 

إنَّ التذرُّع ب -«كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي لا ينبغي أن يعشينا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في رواية لا يعني رواية، لدَى من يعي وظيفة الأدب! فليس الأدب في أيِّ جنسٍ من أجانسه نقلًا وإخبارًا وفضحًا. هكذا تحدَّث (ذو القُروح) في المساق السابق. قلتُ:

 - إنَّ نصًّا بلا فِكر، ولا نقد، ولا رؤية، أو فلسفة، هو محض تدوينٍ وتقييدٍ ووصفٍ إعلاميٍّ للأحداث.(1)

 - أنا أعبِّر فأنا، إذن، موجود! ذلك أنَّ التفكير أساس الوجود الذهني، لكنَّه لا يكتمل إلَّا بالوجود الاجتماعي، المتمثِّل في التعبير. والكاتب الروائي حين لا يعي طبيعة الأدب وظيفته لا يعدو أن يكون خرِّيج تلك المدرسة الإخباريَّة؛ أي صحفيًّا من ذلك النوع الأَثْوَل، يسترزق عن هذا الطريق، ويبحث عن الشهرة والأضواء بأيِّ ثمن، وإنْ لم يجد مَن يفضح، فضح نفسه. وكثير من الأعمال هي بالفعل فضحٌ لأصحابها أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، وهم قد يسعون إلى ذلك سعيًا، ما دام يُدِرُّ عليهم المال والأضواء. أمَّا الأدب، فهو فِكر، ورسالة. ارتبط في المصطلح العَرَبي بالتهذيب القيمي والتأديب النفسي، «أدب»، وارتبط في مصطلحه الإنجليزي، مثلًا، بالحرف Literature، وما أدراك ما الحرف، وما قيمته الرمزيَّة، وأمانته العظمَى في المسيرة الإنسانيَّة؛ بما هو مفتاح إنسانيَّة الإنسان التي تميِّزه عن الحيوان(2)، وأوَّل مراقي الأبجديَّة الحضاريَّة في العالم.

 - في هذا السياق تَصْدَع مقولة (غابرييل غارسيا ماركيز) في التفريق بين الكاتب الذي يؤمن بأنَّ الأدب موجَّه إلى: «تحسين العالم»، وآخَرين من الكُتَّاب يرون أنه فَنٌّ مكرَّس ل -«تحسين حساباتهم المصرفيَّة»!(3)

 - ذلك أنَّ الأدب، منذ كان، كانت غاياته سامية، تتعلَّق بالجَمال والخير والحق. وأمَّا الشاذُّ فلا قيمة له ولا سُمُوَّ، وإنَّما هو الانحراف عن الأصل. واستخدام الشيء في غير ما وُجِد له يقع من الناس في كلِّ شؤونهم على مرِّ التاريخ، حتى في الأديان. ومشكل الكاتب الذي لا يعي هذه المفاصل النوعيَّة بين الإعلام المنفلت والأدب- الذي يستحقُّ أن يُطلَق عليه هذا الاسم- هو أنه يفتقر أصلًا إلى الأساس الفكري الذي يؤهِّله إلى فهم دهاليز هذا المجال.  فإذا أضيف إلى هذا عدم احترامه عقول الناس، وأذواقهم، وقيمهم العامَّة، فتلك الطامَّة الكبرى. هذا مع الجهل بتاريخ النوع الأدبي الذي يكتب فيه الملقبُ بالشاعر أو الروائي، ولا سيما باختلاط الوظيفة الأدبية بالوظيفة الإعلاميَّة الشَّعبيَّة في عقله، كما هو حال معظم هؤلاء.

 - ربما ليس لعدم تمييز الكاتب كوعه من بوعه، بالضرورة، ولكن أحيانًا لاستخفافه، أو لأغراض «سوسيو-أيديولوجيَّة» واقتصاديَّة. ومع هذا يُصِرُّ بعض أولئك حين تناقشه على القول: ليست وظيفة الأدب أيديولوجيَّة!

 - في الوقت الذي يمارس هو أيديولوجيا مضادَّة للثقافة المجتمعيَّة.

 - كما يردِّد: أنْ ليس (مُصلِحًا اجتماعيًّا).

 - لكنه لا يناقش مشروعيَّة أن يكون في المقابل (مفسِدًا اجتماعيًّا)! وهكذا من هذه المغالطات البيزنطيَّة. لا يعني هذا أن يتحوَّل العمل الروائي مثلًا إلى توجيهٍ مباشر. أمَّا كيف يمكن الجمع بين الجماليَّة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة، فتلك هي لُعبة الأديب التي حارت البريَّة فيها منذ عُرِف الأدب، يُفلِح فيها العباقرة ويُخفِق الخائبون.

 - ولقد يُنصَّب الخائب معيارًا لدَى أضرابه، فيقال: ها هو ذا فلان وفلان.. فلسنا بخيرٍ منهم!

 - المجال الأدبي كأيِّ مجالٍ آخَر، له أدواته، وأصوله، وأخلاقيَّاته. مَن خرج عليها، فعليه أن يبحث عن نفسه في عالَم آخر. وممَّا يحوِّل الميدان الأدبي إلى ساحات مستباحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ، أن يأتي مَن لديه قدرة كتابيَّة من درجةٍ ما، وثقافةٍ متوسطة، وأفكارٍ متوتِّرةٍ حول أمرٍ من الأمور، مع هوسٍ بالنجوميَّة، فيخرج على الناس مستعرضًا عضلاته، التي يزعمها أدبيَّة، ثمَّ إذا انتُقِد قذفَ الآخَرين بالتخلُّف والتشدُّد؛ كي يُدافِع عن ذاته أوَّلًا، ثمَّ لكي يُدافِع عن سلعته المزيَّفة، بِنيةً ومضمونًا.

 - بالأمس اختُطف الشِّعر العَرَبي إلى ضروب من الهَلْس(4)، تارةً باسم النثر وقصيدته الخُلاسيَّة، وتارةً باسم السَّرد والرواية. ثمَّ ها نحن هؤلاء اليوم نشهد اختطاف الرواية العَرَبيَّة نفسها باسم الرواية التجريبيَّة الفارغة، أو الفنتازيا والعجائبيَّة.

 - بهذا تعود بنا تلك الرواية، ثقافيًّا، إلى عالم الخرافة، الذي ما زال معشِّشًا في الرؤوس، لا منذ الجاهليَّة فحسب، بل في بعض الفكر الإسلامي أيضًا، إن صحَّت تسميته «فكرًا».

 - هل من مثال؟

 - الأمثلة كثيرة ومعروفة. خذ ما يرد، على سبيل النموذج، في بعض كتب التراث المذهبي الباطني من كلامٍ حول مفهوم «المُسُوْخِيَّة»- على وزن (الملوخيَّة)- وهي ضربٌ من القول بتناسخ الأرواح. في استنساخ واضح لبعض تصوُّرات الهندوس حول التناسخ. وحدِّث ولا حرج عن مثل هذه الشطحات الخزعبليَّة في التُّراث العَرَبي والإسلامي. ليأتي ذلك التيَّار من الرواية المعاصرة ليعيدها جذعةً في عقلنا المبارك، الذي لا ينقصه العَتَه!

 - القضيَّة هنا تتجاوز الإشكالات الفنيَّة، إلى الإشكالات الثقافيَّة والأيديولوجيَّة.

 - نعم. أمَّا أن يرحِّب (الناقد الثقافي) بهذا النتاج، فخيانة ثقافيَّة أخرى، تضاف إلى خياناته الأدبيَّة السابقة في ميدان (النقد الأدبي).

 - ليس هذا في ميدان الأدب فحسب، بل أنت تشهد اليوم أنَّ اللُّغة العَرَبيَّة نفسها تُختطف عبر الإعلام. ففي بعض القنوات الإعلاميَّة العَرَبيَّة الرسميَّة لم يَعُد المذيع يخجل من اللَّحن الفاحش، ولم يَعُد يحاسَب عليه، حتى في نشرات الأخبار. وقد بات الأمر، فيما يبدو، سياسةً ممنهجة؛ وإلَّا من أين جاء هؤلاء المذيعون الجُدد، بلا أصوات، ولا لُغة، ولا ثقافة، ولا مؤهِّلات تُذكَر، اللَّهم إلَّا تمتُّع جُلِّهم ببعض الصفاقة في التعامل مع ضيوف الحوارات؟! وما كان لهذا الانحدار أن يقع لولا مقصديَّة إفساديَّة لجوهر الثقافة العَرَبيَّة: اللُّغة العَرَبيَّة!

 - وصادمٌ أن تقرأ، أيضًا، لبعض من يقدِّمون النصوص على أنها شِعر حديث، متربِّعين في معارض الكُتب لتوقيع إصداراتهم «الإبداعية»، التي يُسمُّونها دواوين شِعريَّة، ثمَّة يتحلَّق حولهم المريدون في ندوات جماهيريَّة، وتُدار معهم حوارات عبر الفضائيَّات. لتكتشف حين تقرأ لأحدهم- ويا لهول ما تكتشف-أنه يفتقر أصلًا إلى أبسط مقوِّمات الكتابة، بل هو في حاجة ماسَّة إلى تلك المهارات العَرَبيَّة للمبتدئين، بل لغير الناطقين بها.

 - أو قل: إنْ كان قد تجاوز المراحل الدراسيَّة الدُّنيا، بطرائق لا يعلم كيفيَّاتها إلا الله سبحانه وتعالى، كان عليه أن يجتاز مقرر (١٠١ عرب) في المهارات اللغويَّة في المرحلة الجامعيَّة، قبل أن يمتشق قلمه السيَّال ليتحفنا بقصائده العصماء!

 - المهزلة الشِّعريَّة الآن قد تجاوزت، إذن، قضايا الموسيقى الشِّعريَّة، والتغريب الفني أو التشريق الجمالي، وأسئلة الموهبة الشِّعريَّة، والخيال، والصورة، ممَّا كان مثار جدال قبل سنين. تجاوزت الحالة اليوم (محمَّد الماغوط)، و(أدونيس)، و(أنسي الحاج)، وغيرهم ممَّن كانوا يكتبون لنا بلغةٍ عَرَبيَّةٍ سليمة، بل بعَرَبيَّة راقية، مهما اختلفتَ معهم في ما بعد اللُّغة في البناء والفنيَّات، إلى حالةٍ راهنةٍ؛ اللُّغة فيها معاقة أساسًا، والنصوص تفتقر إلى قواعد العَرَبيَّة الأوَّلية، قبل النظر في تصنيفها في أيِّ جنسٍ أدبيٍّ أو غير أدبي!

 - السؤال الذي قد يتبادر هنا: لماذا لا يكتب هؤلاء بالعاميَّة، فيُريحون ويستريحون، ما داموا لا يُحسنون اللُّغة العَرَبيَّة؟!

 - السبب واضح! لأنَّ الشِّعر بالعاميَّة ما زالت له أصوله الفنيَّة وقواعده الشِّعريِّة! ولو كتب أحدهم، لا قدر الله، قصيدة نثرٍ بالعاميَّة، على سبيل الاحتمال، لسحلته ساحات الشِّعر الشَّعبي، ولصار هنالك أضحوكة الثكالى!

 - أين الجريمة في بعض ما يُتجرَّأ اليوم على تسميته شِعرًا ويُنشَر علينا بالعَرَبيَّة الفصيحة؟ أ في أدعياء الشِّعر؟ أم في ناشري ذاك الهراء؟ أم في الإعلام الركيك؟ أم في النقد الأدبي، الغائب أو المغيَّب؟ أم في ذلك كلِّه؟

 - أمَّا أدعياء الشِّعر، فجهَلة، ولو كانوا يُدرِكون ما يكتبون، أو لو كانوا على الأقل يعقلون ما يفعلون، لما فضحوا أنفسهم في العالمَين، وإنْ على المدَى البعيد، وعبر التاريخ، ومهما طبَّل لهم «المطبِّلون»، على المدَى القريب، من أترابهم وأمثالهم، أو قل: من مستغلِّي غفلاتهم! وأمَّا الناشرون، من الأبواب الخلفية للنشر الثقافي، فمحض تُجَّار في النهاية، كما وصفهم (ماركيز)، لا يعنيهم سِوَى ما يدخل إلى جيوبهم وحساباتهم المصرفيَّة. وإنْ فضحوا أنفسهم، بدورهم، عبر التاريخ، بسجلٍّ من المنشورات الشوهاء، وإن ارتاشوا الآن بالدراهم والدنانير والجنيهات! وأمَّا الإعلام، فحدِّث ولا حرج! هو منشغل بالأضواء، أعشَى عمَّا تحت الأضواء من سوءات! وأمَّا النقد الأدبي، فمفقود مفقود مفقود، يا ولدي!

 - أو ربما هو موجود موجود موجود، ولكن لتلميع تلك النتاجات الهجينة؛ تجارةً، على مذهب الناشرين المذكورين، ولاستنزال أضواء وهميَّة، على طريقة الإعلام المعاصر!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

....................

(1)  لا ينفي هذا ما يُفترَض للإعلام نفسه من دَورٍ فِكري وتوعوي. لولا أنَّ الإعلام، ولاسيما في عالمنا العَرَبي، تطغَى عليه «مضادَّات حيويَّة» للفِكر والتوعية! حتى إنك لتلحظ أنه لا يُحِبُّ أن يغيِّر اقتناعات الجماهير، ولا مصادمة مسلَّماتهم، مهما كانت ضالَّة، هذا فضلًا عن رقابته الشديدة على ما قد يُقِضُّ مضاجع المؤسَّسات بأفكار الإصلاح والتغيير المشبوهة. ولذلك يقف دون ما قد يُبديه الكاتب من نقدٍ أو رأيٍ يشتمُّ فيه مخالفة المسلَّمات السائدة.

(2)  الحيوان هنا بمعنى: الكائن الحي، عدا الإنسان. فمصطلح (الحيوان) في العَرَبيَّة قد يشمل الحياة عمومًا، كما ورد في «القرآن الكريم»، وكما سمَّى (الجاحظ) كتابه «الحيوان»، الذي يفهم العامَّة من عنوانه أنه عن الحيوانات، وهو في الحقيقة عن الحياة بعامَّة، جامعًا بين (علم الإناسة/ الأنثروبولوجيا) وما يمكن أن نسمِّيه (علم الحياة)، بل إنَّ هذا الأخير يشمل الأوَّل. في ريادة للجاحظ، ما نعلم أنه سُبِق إليها.

(3)  يُنظَر: (د.ت)، كيف تكتب الرواية؟ ومقالات أخرى، ترجمة: صالح علماني، (دمشق: الأهالي للطباعة)، ص9. 

(4)  من معاني (الهَلْس) في العَرَبيَّة: مرض السُّلِّ، والهُزال والضُّمور بصفةٍ عامَّة. وتُحسِن العاميَّة باستخدام هذه المفردة في الإشارة إلى كلِّ كلام فارغ، هزيل، مسلول المعنى، لا ماء فيه.

تُعتبر رواية "الخلود" للكاتب التشيكي الذائع الصّيت ميلان كونديرا، من أشهر وأهمّ الرّوايات التي كُتبت فى القرن العشرين، ذلك ما يراه غير قليل من النقاد، ومعروف أن هذا الكاتب يقف فى مصافّ عمالقة الكتّاب فى العصر الحديث (من مواليد شهر أبريل1929). هذه الرواية ما فتئت تترى، وتتوالى ترجماتها، وما زالت الدّراسات الأدبية، والرؤى النقدية تنشر عنها إلى يومنا هذا بمختلف لغات العالم الحية.

تناوش وغنوص وقلق وارتياب

إنّها رواية تناوش، وغنوص، وقلق، وإرتياب، وتفكيك الحياة بكل تعقيداتها وألغازها الأبدية، ثمّ محاولة رأبها من دون جدوى، إنّها رحلة فى عمق الزّمن البروستي حاضرا وماضيا ومستقبلا، بل هي إستهتار بهؤلاء الذين ينعتون بالخالدين أو يحلمون بالخلود، الذين لا يمكث لهم منه سوى الأسماء.

كلّ ما هو يبدو بسيطا فى هذه الرّواية يغدو عظيما فى عمقه، ففيها تتحوّل الصّدف العابرة إلى أحداث هامّة، إنّها رواية صادمة بالمعنى الحرفي للكلمة، لذا فبعد قراءتها قراءة متأنية يصعب نسيانها بسهولة ويسر، انها رواية اللّهاث الحميم لإستذكار وإستحضار، واستكناه، واستغوار، واستبطان، وإستكشاف وتفجير دهشة “الأنا ” حيال حقيقة الوجود المحيّر، وهلوسة اللاّمعقول، ومداعبة العبث بالعبث، ومناغاة العدم بالعدم، إنغماس فى فلسفة الحياة، والتحديق فى صيرورة إنصرام الزّمن، وانصرافه، وإنسيابه وتآكله وتحاتّه، تأمّل وإستقراء على طريقة الكاتب فى مواجهة التوابع والزوابع، وصدّ العواصف والأعاصير، والتطلّع نحو الأبقى، إنها رواية تخلد فى خلد قارئها فتغدو أحداثها وعباراتها خالدة في قرارة فكره وتفكيره، ساكنة فى أعماقه ووجدانه، لا ينقطع عن العيش فى كنفها لسنوات طوال، إنّها تجعلك تضع “أنا” القارئ على كاهله، وتجعله يحمل صخرة سيزيف على متنه منتشيا بوجوده، منغمسا فى كينونته، مستمتعا بهنيهاته كما أعطيت له، ويجعله يمضي دون أن يلوي على شئ.

روايه العصر

تنعت قصة “الخلود” بـأنها “رواية العصر”، حيث أصبح العقوق القديم، الذي أعلنه صاحب الرواية “ ميلان كونديرا” ضدّ الشيوعية، ينظر إليه بإعجاب كبير. لقد خرج الكاتب بهذه الرّواية من الشكّ إلى اليقين، ومن الحيرة إلى الثبات، بعدما هاجر عنوة وقهرا وقسرا 1975 من بلده إلى بلد آخر وهو (فرنسا) كان بلدا مجهولا بالنسبة إليه، وكان يشعر وكأنّه قد إنتزع من وطنه الأصلي إنتزاعا، أو قد قٰدّ من أرضه الأولى قدّا… كانت أعماله بمثابة “أحجار كريمة”أو ” دانات نادرة” مرصّعة إنفرط عقدها، وتناثرت حبّاتها في أرض بور. حصل كونديرا على الجنسيّة الفرنسية 1981 وهو محاط بهالة من الشّهرة والمجد كانت أخبار كتبه تنقل من فم إلى فم، وتلوكها الألسن فى كل مكان.

الارض المحروقة بين جوته وهمنغواي

ليس من قبيل المصادفة أن يتخيّل كونديرا لقاءً بين كاتبين عملاقين جوته وهمنغواي، وهما يناقشان إشكالية الأرض المحروقة، حيث تدفن الأقلام كلّ ما تلمسه، إنّها تعجن وتسمّم كلّ شىء. إنّه واعٍ كلّ الوعي بهذا المسخ الشيطاني الذى كان يحدث في” جحيم براغ “، وهو يتخيّل ظلال الناس وهم يجوبون أزقّتها، ويتجوّلون في ساحاتها، تلك الظلال أوالأشباح الإنسية، مثلما هو عليه الشأن لدى شخصيات الكاتب المكسيكي خوان رولفو فى رائعته “بيدرو بارامو”، كانت هذه الشخوص تعيش حياواتها المشّعة المؤقتة التى تتحوّل جسومها إلى هيادب تكتظّ بها الأحياء المظلمة، والأزقّة المعتمة، هذه الظلال الإنسية يختلط عليها الأمر لعدم وضوح الرؤية، ولشدّة ضبابية الحقيقة، حقيقيتها بل وحقيقة العالم، إنّها خيالات المآتة المصنوعة من خيال سديميّ آخر أكثرحلكة وضبابيّة، وأعمق قلقا وإضطرابا. إنّها تفلت من المارّ، أو من المسافر، أو من المهاجر، أو من الفارّ من خياله إلى ظلال أشباحه العتيقة، إلاّ أنّه يستحيل عليه أن يستنسخها أو يعيد إليها الحياة، وهي خائفة، مذعورة، قلقة، حائرة، متوجّسة من الضّباب المعتم الذي يغشي البصائر والعيون حتى وإن كانت هناك فنارات، وقناديل إصطناعية مضيئة تهتزّ تحت لسعة البرد القارس، أو لفحة الهواء المكيّف.

إنّ ضحايا وأبطال القصص التراجيدية للأزمنة الأخرى مثل هرمان بروش، وموسيل، وهمنغواى سوف ينادى عليهم للفداء، وإلاّ فإنّ تلك الأشباح سوف تشفق على ضحاياها، وتنزل من عليائها، لتستقرّ في الورق الصقيل المطبوع، إلاّ أنّنا لا نعرف إذا ما كانوا هم حقيقة أم مجرد أقنعة كانوا يرتدونها في أوقات وأماكن أخرى وهم واقعون تحت رحمة المؤلف الذى ينعي على شخوصه قصورهم، هذه الشخوص التى سبق أن فكّر فيها وإستنبطها إستنباطا.

تنويعات سّيمفونية مبعثرة

كونديرا يعرف كيف يُهذّب، ويرتّب، ويركّب تلك المقطوعات والتنويعات المبعثرة للسمفونية التي لم تكتمل بعد. إلاّ أنّ العمل الإبداعي قد ضاع، ولم يبق منه سوى ومضات أو آثار ضوئية، هناك النوتة أو تجسيم النّغمات لعمل فكّر الكاتب في خلقه إلاّ أنّه يعجز عن تنفيذ ونقله الى الورق. هذا المسافر المتمرّد والمتمرّس لا ينسى أبدا الشّعاب، والدروب، والمسالك الوعرة التي يمكن أن يلتقي فيها أماديوس بموتزارت، والفارس باري ليدون، وفرجيل لبروش، عندما يتخيّل كونديرا طريقا ضائعا ضرب له فيه موعدا مع أشباحه، حينئذ يهرول أو راكضا ومسرعا لإنجاز المشروع الأدبي الذي يدور بخلده ولا يبرح مخيّلته، بالطريقة نفسها التي يكتب بها عادة مؤرّخو الأدب (يحكى أن…) أو (كان يا ما كان) ويعود العملاقان جوته وهمنغواي للظهور من جديد ليرتديا ثوب العزلة وهندام الخواء، ليست عزلتهما بل عزلة الرّاوي، وتنثال كلماته متصبّبة بالعرق، بعد أن كانت فى طيّ الكتمان أوالنسيان أو في غياهب المجهول والبهتان، ها هي ذي تعود ولها إهابان وهيدبان جديدان، إلاّ أنّ الخلود يكون قد ضاع فارّا في إتّجاه عكسي في سفرية بعيدة. هاربا وفارّا من نظراتنا، إذ في تلك اللحظة تبتدئ الصّور والأخيلة تتراكم وتتفاقم وتتسابق وتتلاحق وتطفو على ثبج الذّاكرة الوهنة، وتعلو فوق سطح الوعي، وتتحوّل في هنيهة إلى حركات سابحة، وإلى شذى أو أريج جسم بشرى ظهر ثم إختفى، إلى ذكرى ليلة حبّ تطاردنا وتجعلنا نتخيّل القصّة التي لم تنته أبدا، ولن تنتهي، وهكذا تبتدئ الرحلة في إتّجاه أرض ومشاهد فيها أدميّون يمدّوننا بالدفء، والحرارة، والدّعة والرقّة والسلام، إلاّ أنّ الوطن اليتيم، الوطن العتيق يعلو وجوه سكّانه الخوف والهلع وهم يتلذّذون بمتعة حكايات الجدّات الخرافية المثيرة والغريبة. كلّ ذلك قد زال وإختفى لا محالة بسبب الكوارث البيئية والطبيعية والتلوّث العوادمي الصناعي، إنّ مشهد المدن القديمة في وسط أوروبا وروائحها العبقة والفوّاحة لم يعد له وجود كما كان الغمر فيما مضى، وقد تمّ إستبدالها بأخرى توضع داخل أحقاق وقوارير محكمة يمكن إبتياعها في الأسواق التجارية الكبرى الممتدّة على ضفتي التّاريخ. إنّ الظّلال الماضية للأزمنة الغابرة قد بدّلت بدمى ولعب ومخلوقات تتلظّى وتتعذّب بوجودها المادّي الذي لا حياة فيه، وتجعلنا بالتالي نتأسّف ونتأسّى ونتعذّب نحن كذلك معها.

روائي لغته مستعصية الفهم

العنصر المحيّر لدى هذا الكاتب هو مدى قدرته على التعامل مع اللغة وإحترامه للكلمة، إنّه قد يبدو مملاّ عند بعض القرّاء، أو ثقيل الدم عند بعض النقّاد، لأنّ كتاباته ليست سهلة أو مستساغة الهضم، بل إنّها مستعصية الفحوى والفهم، إنّ من يقرأه كمن يواجه هبوب الرّياح العاتية، إنّ التعليقات النقدية التي تسبق أعماله تخلق فينا حيرة وتساؤلا وذهولا ودهشة وشدوها، بل إنّها تحرمنا من متعة إكتشاف ما بداخل هذه الأعمال التي يجمع الكلّ أنها أعمال جيّدة، وذات مغزى أدبيّ وإنسانيّ عميق.

إنّ تهافته المتواصل بحثا عن الزّمن الضائع على الطريقة ” البروستية ” لأمر يبعث على القلق والحيّرة، ذلك أنّ هذه العملية هي في الواقع تجسيم، أو تجسيد لحياته نفسها بسبب ظرفه الإنساني كمهاجر يرتمي فى أحضان الإستلاب المعنّى، والغربة القاتلة ويعانقهما ويتغنىّ بهما. ولكن جذوره ظلّت ضاربة أبداً في أعماق تربة بلده كجذور الاشحار الباسقات، والأدواح الشّاهقات.

***

د. محمّد محمد خطّابي - كاتب من المغرب

يُعدّ النص الذي كتبه الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة مثالاً بليغاً على الشعر الذي يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليغدو تأملاً في الوجود الإنساني الممزق. فاللقاء الذي يصفه النص بين صديقين شاعرين ليس مجرد حادثة عابرة في ذاكرة الحرب، بل هو لحظة انكشاف عميقة تتجسد فيها مأساة الإنسان حين يفقد ذاته في زمن الخراب.

في ظاهر النص، نرى مشهداً بسيطاً: شاعر يلتقي صديقاً قديماً بعد سنوات من الغياب الذي صنعته الحرب. غير أن هذا المشهد يتخذ، عبر اللغة الكثيفة والرموز الشفيفة، بعداً فلسفياً يتصل بمفهوم الاغتراب. فالاغتراب هنا ليس فقط تباعداً اجتماعياً أو سياسياً، بل هو انقسام داخلي تعيشه الذات حين تفقد انسجامها مع العالم ومع نفسها.

إن صمت الشاعرين في النص ـ حين يسأل كلٌّ منهما الآخر عن حاله ولا يجيب ـ يكشف عن مأساة عميقة؛ فالكلمات تصبح عاجزة عن نقل حجم التجربة. وهنا يتحول الصمت إلى لغةٍ بديلة، لغةٍ تُعبّر عن فيض الألم الذي يعجز الكلام عن احتوائه. وفي هذا الصمت تتجلى المفارقة الكبرى: فكلٌّ منهما يفهم الآخر تماماً، ومع ذلك يعجز عن التعبير.

يمكن قراءة هذه اللحظة في ضوء مفهوم الاغتراب عند معظم الفلاسفة ومنهم كارل ماركس، الذي رأى أن الإنسان في ظروف الاضطراب التاريخي يفقد علاقته الحقيقية بذاته وبالعالم. فالإنسان المغترب لا يشعر أنه ينتمي إلى ما يحيط به، بل يصبح غريباً حتى عن تجربته الخاصة. وهذا ما نلمسه في النص حين يبدو الشاعران كأنهما كائنان يلتقيان بعد أن غيّرت الحرب ملامحهما الداخلية.

أما من منظور فلسفة الوجود، فإن النص يلامس تجربة ما سماه الفيلسوف الألماني “الوجود في العالم بوصفه قلقاً”. فالإنسان في لحظة القلق الوجودي يشعر بأن الأرض التي يقف عليها لم تعد ثابتة. ويبدو هذا القلق واضحاً في وصف الراوي لصديقه: جسد نحيل، ملامح ضبابية، حزن كوني يسبح في العينين. إنها صورة الإنسان الذي أرهقه التاريخ حتى أصبح ظلًّا لنفسه.

وتتجلى فكرة أخرى قريبة من الفلسفة الوجودية، وهي أن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عبر الآخر. ففي النص يرى الراوي نفسه “يلمع في بؤبؤ صديقه”، وكأن عين الآخر تحولت إلى مرآة تعيد للذات صورتها المفقودة. غير أن هذه اللحظة من الانكشاف لا تلبث أن تتحول إلى مأساة رمزية حين يختفي الصديق فجأة، ثم يختفي الراوي نفسه. فالاختفاء هنا ليس مجرد حدث سردي، بل هو استعارة مكثفة عن تلاشي الإنسان في زمن العنف.

ومن الناحية الجمالية، يعتمد النص على بنية التوازي والانعكاس:

اللقاء يقابله الاختفاء،

الحضور يقابله الغياب،

الصمت يقابله البكاء.

هذه البنية تجعل النص أشبه بمرآة مزدوجة تعكس انشطار الذات الحديثة، تلك الذات التي لم تعد قادرة على الإمساك بوحدتها القديمة.

ومع ذلك، فإن لحظة البكاء المشتركة بين الشاعرين تحمل دلالة تطهيرية عميقة. فالبكاء هنا ليس تعبيراً عن الضعف، بل هو محاولة لاستعادة إنسانية مهددة بالانطفاء. إنه لحظة مواجهة مع الحقيقة العارية: حقيقة أن الإنسان، مهما اشتدّ عليه الخراب، لا يزال قادراً على الاعتراف بألمه.

هكذا يتحول النص إلى تأمل شعري في مصير الإنسان العربي المعاصر، الإنسان الذي وجد نفسه في مواجهة العنف والتشرد وفقدان المعنى. لكنه في الوقت ذاته نصّ يلمح ـ ولو خافتاً ـ إلى إمكانية النهوض من الرماد، تماماً كما تنهض العنقاء الأسطورية من احتراقها.

إن شعر خلدون رحمة في هذا النص يبرهن أن القصيدة يمكن أن تكون أكثر من بناء لغوي جميل؛ يمكنها أن تكون شهادة وجودية على زمنٍ جريح، ومحاولة لاستعادة الذات التي ضاعت في متاهة التاريخ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

....................

 النص

بالمصادفة، التقيتُ بشاعر صديق، كنّا غائبَينِ عن ملامحنا حتى تشكّل فينا الغياب، لا اتصال بين هواجسنا مذ قطّعت الحرب أوصال الناس والطرق.

في البدﺀ لم أدرك ملامحه جيداً، ولا هو أدرك ملامحي، كان نحيلاً كخيط ضوﺀ شفيف، شَعره ناعم وذقنه شعثاﺀ، رأيتُ حزناً كونيّاً يسبح في عينيه، رأيت براﺀة مقموعة، قصائد خرساﺀ، ورأيتُني واضحاً، ألمعُ في بؤبؤيه.

سألته عن أحواله (لم يُجب)، سألني عن أحوالي (لم أجِب).

ارتبكنا، لم نستطع كسر صمتنا الدائريّ، ولكن بعد برهة انفجر فينا البكاﺀ، أدار وجهه عنّي، وأدرتُ وجهي عنه.

*

كأنّ كلانا فهم الآخرَ بعمق.

أدرتُ وجهي نحوه

يا إلهي !

لم أكد أودّعه حتى اختفى..

*

اختفى

واختفيتُ

 

فكرة نهاية العالم تشكّل هاجساً إنسانياً متكرراً منذ البدايات الأولى للوعي، وقد حضرت في الأساطير القديمة والرؤى الدينية والتجارب التاريخية الكبرى بوصفها سؤالاً عن المصير والمعنى أكثر من كونها مجرد حدث كارثي. في المخيلة الإبداعية تحولت النهاية إلى مرآة للإنسان نفسه، تتخذ أشكالاً متعددة بين الخراب المفاجئ والانطفاء البطيء والصمت الذي يتسلل إلى الحياة اليومية، فتغدو نهاية العالم رمزاً لانهيار القيم أو تبدد المعنى أو شعور الكائن بالعزلة أمام الزمن. لهذا ظل الأدب يعود إلى هذه الفكرة باستمرار، لأن الحديث عن نهاية العالم هو في جوهره حديث عن هشاشة الوجود وعن اللحظة التي يُعاد فيها طرح السؤال القديم: ماذا يبقى حين يتداعى كل شيء؟

ومن هذا الأفق الوجودي والرمزي تحديداً تنبثق قصيدة ميلوش “أغنية عن نهاية العالم”، التي تقارب النهاية لا بوصفها مشهداً مدوّياً، بل كحقيقة تتخفّى في التفاصيل العادية للحياة.

يمثّل تشيسلاف ميلوش واحداً من الأصوات الشعرية الأكثر حساسية وعمقاً في القرن العشرين، شاعراً تشكّلت تجربته على تماس مباشر مع أكثر لحظات التاريخ الأوروبي قسوة واضطراباً. وُلد عام 1911، وخلال حياته الطويلة التي انتهت عام 2004، شهد الاحتلال النازي لبولندا، ثم صعود النظام الشيوعي، فالمنفى القسري الذي قاده إلى فرنسا ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث استقر أستاذاً في جامعة كاليفورنيا – بيركلي. هذه السيرة الممزقة بين الجغرافيا والأنظمة واللغات تحوّلت إلى مادة داخلية صاغت نظرته إلى الإنسان والتاريخ والمعنى. في شعر ميلوش، يتجاور التأمل الفلسفي مع الحس الأخلاقي، وتظهر اللغة كأداة نجاة بقدر ما هي أداة مساءلة، وهو ما يفسّر نيله جائزة نوبل في الأدب عام 1980، بوصفه شاعراً أعاد للقصيدة دورها الشاهد في زمن التدمير.

كُتبت قصيدة «أغنية عن نهاية العالم» عام 1945، في لحظة بدا فيها العالم وقد بلغ ذروة الانهيار. كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت رسمياً، غير أن آثارها الأخلاقية والإنسانية بلغت أوج حضورها، من معسكرات الإبادة إلى المدن المدمّرة، ومن القنبلة الذرية إلى الشعور الجمعي بأن الحضارة نفسها قد انكسرت. نُشرت القصيدة ضمن ديوان «الخلاص»، وهو عنوان يكشف منذ البداية عن توتر دلالي بين النجاة والفقدان، وبين الاستمرار والانقطاع. في هذا السياق، بدت الكتابة الشعرية محاولة لإعادة تثبيت الإنسان في عالم فقد قدرته على الفهم وفق المفاهيم القديمة.

رؤية النهاية في تفاصيل الحياة اليومية

تأتي القصيدة بوصفها رؤية شعرية لنهاية العالم، رؤية تعيد تعريف هذا المفهوم من داخله. النهاية هنا تظهر عبر مشاهد من الحياة اليومية، حيث تتحرك الكائنات ضمن إيقاعها الطبيعي، ويواصل البشر أعمالهم الصغيرة، وتبقى الطبيعة وفية لدورتها. النحلة تحلّق فوق زهرة الكبوسين، الصياد يصلح شبكته، الدلافين تقفز في البحر، العصافير تتشبث بالميزاب، الأفعى تستمتع بجلدها الذهبي، النساء يمشين تحت المظلات، السكير يغفو على حافة العشب، بائع الخضراوات ينادي في السوق، القارب ذو الشراع الأصفر يقترب من الجزيرة، وصوت الكمان يعلّق نغمة بشرية في الهواء، بينما ينفتح الليل المرصع بالنجوم. هذه الصور تؤدي وظيفة تأسيسية في بناء المعنى، إذ ترسم أفقاً تأويلياً متكاملاً. العالم، في لحظة نهايته، يواصل كينونته كما لو أن التفاصيل تملك استقلالها الخاص، وكأن الحياة تحتفظ بإيقاعها بعيداً عن التوقعات الكبرى. من هنا، تتحقق في القصيدة عملية تفكيك هادئة للسرديات الشاملة، عبر تجاهلها شعرياً، وإعادة توطين المعنى في المشهد القريب، المحسوس، والهش.

وظيفة العنوان والبنية الشعرية

تُسمّى القصيدة «أغنية»، وهو اختيار يحمل دلالة جوهرية. فالأغنية تقترن بالخفة والإيقاع والتداول الشفهي، وتبتعد عن نبرة التحذير والإنذار. هذا الاختيار يخلق توتراً داخلياً مع موضوع النهاية، ويمنح النص قدرة على احتواء الفجيعة دون تصعيدها، وتحويل النهاية إلى تجربة وجودية صامتة. البنية الشعرية نفسها تدعم هذا الاتجاه، فهي قصيدة بيضاء ذات قوافٍ غير مستقرة، مقاطعها متفاوتة الطول، وإيقاعها يتقدّم على نحو يشبه جريان الحياة، من دون ذروة درامية واضحة.

تلعب الأدوات الأسلوبية دوراً مركزياً في تشكيل هذا المناخ. الألقاب الكثيفة التي تصف الطبيعة والأشياء تخلق إحساساً بالسلام والتوازن، وتحوّل المشهد إلى لوحة تقترب من المخيال الأركادي (أي التصور الشعري لعالم بسيط متناغم، تعيش فيه الطبيعة والإنسان في انسجام بدائي هادئ). الاستعارات، مثل امتداد صوت الكمان في الهواء وانفتاح الليل المرصع بالنجوم، توحّد بين الجمال الإنساني والجمال الكوني، وتضع الإنسان داخل النسيج العام للوجود. أما التكرارات الأنافورية، ولا سيما تلك التي تستدعي الشمس والقمر والنحلة والأطفال، فترسّخ فكرة الاستمرارية، وتبني مقابلة ضمنية مع المخيال الإسخاتولوجي، أي تصورات النهاية الكبرى المرتبطة بيوم القيامة والتحولات الكونية القصوى، من خلال طمأنينة وجودية متواصلة.

في قلب هذا المشهد، تظهر شخصية الرجل العجوز ذو الشعر الرمادي، وهو يربط شجيرة الطماطم ويتحدث عن نهاية العالم. تؤدي هذه الشخصية وظيفة رمزية دقيقة، إذ تمثل معرفة متأتية من الخبرة، وحكمة تشكّلت عبر الزمن. موقعه ليس موقع نبوءة، وإنما موقع العمل اليومي، وصوته لا يرتفع بوصفه إعلاناً، بل يأتي كشهادة عابرة. هنا تتجسد فكرة أن المعرفة الأخلاقية تنبع من الانتباه لما يحدث أمام اليد والعين، لا من الخطابات المتعالية.

جورج تراكل و"Grodek": مأساة الفرد أمام آلة الحرب

كتب الشاعر النمساوي جورج تراكل قصيدته الشهيرة "Grodek" عام 1914، بعد أن شهد القتال في الحرب العالمية الأولى مباشرة. تعكس القصيدة الصدمة النفسية للمقاتل أمام الموت الجماعي والدمار المروع، حيث يسقط الجنود بلا حول ولا قوة، وتمتزج الطبيعة بالمأساة لتصبح انعكاساً للخراب الداخلي والخارجي على حد سواء.

استخدم تراكل الرمزية المكثفة والصور الطبيعية لتجسيد الموت والعزلة، مع لغة موسيقية حالمة تعكس شعوره بالغربة والاغتراب أمام آلة الحرب الحديثة. فالليل يحيط بالمحاربين المحتضرين، وظل الأخت يمرّ في البستان الصامت لتحية الأرواح، والسحاب الأحمر الذي يسكنه "إله ساخط" يرمز إلى القسوة الكونية، فيما يصف الدم المراق بالبرودة القمرية الفقد والفناء. وختام القصيدة بذكر "الأحفاد غير المولودين" يرمز إلى خسارة المستقبل والجيل القادم، وهو ألم عميق يتجاوز الموت الفردي ليصل إلى المستوى الأخلاقي والكوني.

جورج تراكل و«Grodek»: مأساة الفرد أمام آلة الحرب

كتب الشاعر النمساوي جورج تراكل قصيدته الشهيرة «Grodek» عام 1914، في لحظة تاريخية كانت أوروبا فيها تنزلق إلى واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية في تاريخها. جاءت القصيدة بعد أن شهد تراكل القتال في الحرب العالمية الأولى مباشرة، وعاش بوصفه مسعفاً عسكرياً تجربة مواجهة الموت الجماعي عن قرب، وسط عجز الإنسان أمام سيل الجرحى والانهيار الأخلاقي الذي تفرضه الحرب. لذلك تبدو «Grodek» أكثر من مجرد قصيدة عن معركة بعينها، إنها وثيقة شعرية للصدمة، ورؤية أبوكاليبتية لنهاية عصر كامل، حيث يسقط الجنود بلا حول ولا قوة، ويتحوّل الإنسان إلى ضحية داخل آلة حرب حديثة تبتلع الأفراد وتحوّلهم إلى أرقام في مشهد مروّع من الفناء.

استخدم تراكل لغة رمزية مكثفة وصوراً طبيعية مشبعة بالعتمة ليجسّد الموت والعزلة والانكسار. فالطبيعة في القصيدة ليست ملاذاً بريئاً، بل تتحول إلى خلفية صامتة أو شاهد متواطئ على الخراب: الليل يطوّق المحاربين المحتضرين، والغابات الخريفية تبدو خاوية من المعنى، والدم المسفوح يكتسب برودة قمرية توحي بالفقد والعدم. وفي أحد أكثر مشاهد القصيدة تأثيراً، يمرّ ظل الأخت عبر البستان الصامت لتحية الأرواح، في تلميح إلى عالم داخلي حميم يختلط فيه الحنين بالموت، وكأن الحياة الشخصية نفسها تُسحق تحت ثقل المذبحة. أما السحاب الأحمر الذي يسكنه «إله ساخط» فيرمز إلى قسوة كونية تتجاوز حدود السياسة والتاريخ، لتجعل الحرب وكأنها لعنة شاملة على الوجود. ويأتي ختام القصيدة بذكر «الأحفاد غير المولودين» بوصفه صرخة ضد المستقبل المهدور، وألماً أخلاقياً يتجاوز موت الفرد إلى موت الجيل القادم قبل أن يرى النور.

مقارنة تراكل وميلوش: الحرب الأولى مقابل الثانية

في هذا السياق، تتقاطع تجربة تراكل مع تجربة الشاعر البولندي تشيسواف ميلوش بعد الحرب العالمية الثانية، رغم اختلاف النبرة والبعد التاريخي. تراكل يكتب من قلب الحرب الأولى بوصفها صدمة فردية مباشرة، حيث الموت حاضر أمام العين والطبيعة شاهدة على الانهيار، وحيث العالم يبدو وكأنه يسير نحو تسوّس أسود لا مخرج منه. قصيدته تصرخ من الداخل، وتغرق في الكآبة والرؤية الانطفائية التي تجعل النهاية حتمية.

أما ميلوش، الذي يكتب بعد الحرب الثانية، فيقدّم منظوراً أكثر اتساعاً وتأملاً، حيث لا تأتي نهاية العالم في صورة انفجار صاخب أو خراب فوري، بل تظهر في مفارقة هادئة: الحياة اليومية تستمر، النحل يطير، الدلافين تقفز، النساء يمشين تحت المظلات، فيما يراقب رجل عجوز النهاية بهدوء أشبه بالحكمة المرّة. هنا تتحول النهاية إلى سؤال أخلاقي وفلسفي عن معنى الحضارة بعد الخراب، وعن قدرة الإنسان على إدراك الكارثة حتى وهو يعيش تفاصيله العادية.

يمكن القول إن تراكل يصوّر مأساة الحرب على مستوى الفرد المسحوق داخل آلة القتل، بينما يحوّل ميلوش الخراب إلى تجربة وجودية أوسع، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة منصة للتأمل في الإنسانية والمصير. ومع ذلك، يشترك الشاعران في جوهر عميق: الطبيعة واللحظة اليومية ليستا مجرد خلفية، بل أداة شعرية لإعادة بناء المعنى وسط الانهيار. هكذا يتحول الشعر لدى كليهما إلى شهادة على ما يكاد يتعذر التعبير عنه، وإلى محاولة للقبض على الإنسان والتاريخ والحياة في أكثر لحظات النهاية ظلمةً وقسوة.

نص قصيدة ميلوش الكاملة:

أغنية عن نهاية العالم

تشيسلاف ميلوش

*

في يوم نهاية العالم

تحلق نحلة فوق زهرة الكبوسين،

ويُصلح صياد شبكة لامعة.

تقفز الدلافين المبتهجة في البحر،

وتتشبث العصافير الصغيرة بالميزاب،

وتتمتع الأفعى بجلد ذهبي، كما ينبغي.

في يوم نهاية العالم

تسير النساء في الحقول تحت المظلات،

يغفو سكير على حافة العشب،

وينادي بائعو الخضراوات في الشارع،

ويقترب قارب ذو شراع أصفر من الجزيرة،

ويتردد صوت الكمان في الهواء،

ويُفتح الليل المرصع بالنجوم.

ومن انتظر البرق والرعد،

يخيب أمله.

ومن انتظر العلامات وأبواق رئيس الملائكة،

لا يُصدق أنه يحدث بالفعل.

ما دامت الشمس والقمر ساطعين،

ما دامت النحلة الطنانة تزور الوردة،

ما دامت ولادة أطفال ورديين،

لا أحد يصدق أن هذا قد حدث بالفعل.

فقط رجل عجوز ذو شعر رمادي كان ليكون نبيًا،

لكنه ليس نبيًا، لأنه لديه أمور أخرى ليفعلها،

يقول وهو يربط الطماطم:

لن تكون هناك نهاية أخرى للعالم،

لن تكون هناك نهاية أخرى للعالم.

الشعر كشهادة وإعادة بناء للمعنى

تُذكر قصيدة ميلوش اليوم ضمن أبرز نصوص القرن العشرين الشعرية التي تناولت فكرة النهاية، من زاوية جمالية وفلسفية فريدة. وهي تؤكد أن الشعر أداة شهادة، ووسيلة لإعادة بناء المعنى من داخل استمرارية الحياة اليومية، مهما بلغ الخراب حدّه. ومثل تراكل، الذي صور مأساة الفرد في قلب الحرب الأولى، يظل ميلوش شاهدًا على النهاية الكبرى، لكنه يقدّمها بصوت هادئ وامتنان للحياة اليومية، مما يمنح القارئ فرصة لتأمل هشاشتنا الإنسانية، وربط المعنى بالحياة نفسها.

هكذا، يتحول الشعر إلى جسر بين التاريخ والفلسفة والأخلاق، ومنصة لمواجهة الكوارث الإنسانية عبر الصور اليومية، من دون الانغماس في الصدمة المباشرة، مع الحفاظ على القدرة على التأمل الأخلاقي والجمالي.

***

بولص آدم

النص كحفرية معرفية وأركيولوجيا للروح الشقية

يشرع الكاتب آلان الأنصاري في منجزه الأدبي هذا بتأسيس ما يمكن وصفه بـ "أركيولوجيا الوجع الكوني"، حيث لا تغدو الكتابة مجرد تدوين، إنما هي عملية تنقيب مضنية في طبقات الذاكرة الجيولوجية للروح الإنسانية. فمنذ العتبة الاستهلالية الأولى، ينصب الكاتب فخاخا سيميائية لمتلقيه عبر استراتيجية التخييل الوثائقي؛ إذ إن ادعاء العثور على نصوص موغلة في القدم تعود للألف الثالث قبل الميلاد (ص 5) يتجاوز كونه حيلة سردية أو تقنية لاستدرار عاطفة القارئ، ليصبح إعلانا فلسفيا مدويا عن تذويب التراتبية الزمنية المستقرة، وإلغاء المسافة بين فواجع الماضي وانكسارات الحاضر، ما يسمح بانبعاث الزمن الدائري الذي يعيد إنتاج المأساة بوجوه شتى.

إننا هنا بإزاء نص مراوغ بامتياز، نص يرتدي قناع الأسطورة السومرية ببراعة مذهلة، لا لينكفئ على الماضي، بل ليمرر من خلال مساماته كوابيس الواقع الراهن بحدة جارحة. فالطوفان في رؤية الأنصاري ليس مجرد واقعة ميثولوجية غابرة، إنما هو استعارة كبرى للخراب المعاصر؛ فنحن نلمس بوضوح أن طوفان بابل التاريخي هو ذاته القناع الجمالي لـ "طوفان الحصار" العراقي في تسعينيات القرن الماضي، وهو ذاته "طوفان الضياع" في سراديب المنفى مع مطلع الألفية الجديدة.

هذه وحدة المصير التراجيدي هي التي تجعل من الخراب في هذا العمل قدرا جغرافيا وتاريخيا عابرا للعصور، لا ينفك يلاحق الذات العراقية بضراوة، ويحولها من ذات فاعلة إلى أثر يحاول الكاتب استعادته من بين أنياب الموج والنسيان. إن الأنصاري في هذا التمهيد يضعنا أمام مواجهة حتمية مع ذواتنا، حيث تصبح المدينة الغارقة هي مرآتنا التي تعكس ملامحنا المشوهة بفعل توالي الانكسارات.

عتبات النص: جدلية العنوان وأنطولوجيا الغلاف

يمثل العنوان "مدينة بلعها الطوفان" مفتاحا تأويليا يحيلنا قسرا إلى "المركزية المائية" المهيمنة على الخيال الأدبي الرافديني، لكنه هنا يكتسي ببعد سيميائي مغاير؛ فاستخدام فعل البلع يتجاوز الدلالة الميكانيكية للغرق، ليصبح فعلا بيولوجيا يتضمن الالتهام، الهضم، والمحو التام. إنها "سيميولوجيا الافتراس" التي تضعنا منذ اللحظة الأولى أمام مدينة مفعول بها، مدينة مسلوبة الإرادة والكيان، مما يمهد الطريق لفهم علاقة الضحية بالقدر العنيف الذي يجسده الطوفان.

أما الغلاف، بتكوينه البصري القائم على الضبابية وتداخل الظلال (صورة الطيور المهاجرة، تجاعيد الأشجار، وشحوب الغروب)، فهو لا يعمل كمجرد وعاء خارجي، إنما هو "أنطولوجيا للتيه" الوجودي. نحن نلمس في هذا التكوين البصري تجسيدا للحالة التي تسبق الكارثة أو تلي النجاة المتعثرة؛ حيث الأشياء تفقد ملامحها الواضحة لتصبح أشباحا بصرية. الغلاف هنا هو "عتبة تشكيلية" تجهز وعي المتلقي للدخول في منطقة اللا-يقين، حيث كل ما هو قائم آيل للزوال، وحيث النجاة بحد ذاتها تبدو في نصوص الأنصاري كنوع من اللعنة التي تحكم على الناجي بحمل أطلال مدينته الغارقة في ذاكرة مثقوبة.

إن الجدلية القائمة بين العنوان العنيف (البلع) والغلاف الساكن والضبابي (الغروب) تخلق توترا دراميا يسبق القراءة؛ فبينما يشي العنوان بضجيج الكارثة وانهيار الجدران، يفرض الغلاف صمتا جنائزيا مهيبا. هذه الثنائية هي التي تشكل وعينا بـ "المدينة"؛ فهي لم تعد مكانا جغرافيا، بل أصبحت حالة ذهنية مسكونة بالانتظار والخوف من الابتلاع القادم.

لغة الكاتب: "أنطولوجيا الألم وشعرية النواح المستعاد

تعد لغة آلان الأنصاري لغة عضوية بامتياز؛ فهي لا تكتفي بنقل الدلالة، بل تشتبك بالحواس في عملية صهر فنية فريدة. إننا أمام لغة منحوتة وليست مكتوبة، لغة تستعير من الأثر صلابته ومن الدمع سيولته، ويمكننا تفكيك هذا النسيج اللغوي عبر ثلاثة مسارات جوهرية:

أولا: التكثيف الصوري (فتنة الومضة السردية):

يبتعد الكاتب عن الترهل الإنشائي والثرثرة الوصفية، متبنياوجماليات "الاقتصاد اللغوي". هو يقدم ومضات بصرية خاطفة لكنها مشحونة بطاقة درامية هائلة. في نص "نشيد البحر" (ص 23)، تتحول الكلمة إلى مادة فيزيائية ملموسة؛ حيث نشم فيها رائحة الملوحة ونبصر من خلالها زرقة المنافي الشاحبة. اللغة هنا ليست وعاء للفكرة، بل هي الجسد الحي للألم.

ثانيا: النزعة الجنائزية (سيمياء النقش على الحجر):

تسيطر نبرة الرثاء الوجودي على مفاصل الجمل، حيث يعيد الكاتب تدوير مفردات البيئة الرافدينية (الطين، الرماد، النخيل، الغياب) ليشحنها بدلالات معاصرة. إن لغته في الصفحات (37-43) تبدو وكأنها "نقش مسماري" حديث؛ لغة مقتضبة، حادة، وكأنها تسابق الزمن وتخشى المحو الوشيك تحت وطأة طوفان النسيان. إنها لغة الأمانة العلمية والتاريخية التي ادعاها في التمهيد، لكنها هنا أمانة الوجع لا أمانة الحجر.

ثالثا: الموسيقى الداخلية (صدى النواح السومري):

ينساب تحت سطور المجموعة إيقاع شجي يحاكي في جوهره "تعديد" النساء في المآتم السومرية القديمة. هذا الإيقاع الموسيقي يبلغ ذروته الجمالية عند استحضار الهويات الأنثوية مثل "منار" أو "زينب"؛ حيث تتحول هذه الأسماء في يد الأنصاري من مجرد شخصيات ورقية إلى تمائم سحرية ورُقى لغوية، يستنزل بها السكينة على روح البطل المتشظية، محاولا عبر هذه الهارموني الحزينة أن يقاوم ضجيج الخراب المحيط بالمدينة.

إن اللغة لدى الأنصاري هي "طوق النجاة" الوحيد من العدم؛ ففي عالم يبتلعه الماء، تظل الكلمة هي اليابسة الوحيدة التي يمكن الوقوف عليها لترميم ما تبقى من هوية.

التحليل العميق: تراجيديا الصدام بين الماكينة القمعية والطوفان الوجودي

ينحرف المسار السردي عند الأنصاري ببراعة نقدية مذهلة من آفاق الرمزية الأسطورية العالية إلى تخوم "الواقعية الصادمة"؛ حيث لا يعود الطوفان مجرد قدر غيبي، بل يتجسد في "آلة" بشرية قمعية تطحن الروح. ففي الصفحة (27)، ينفتح النص على توثيق مروع للسقوط الإنساني داخل دهاليز سجن أبو غريب ومعسكرات التجنيد القسري، وهي لحظة تحول مفصلية يغادر فيها الكاتب عباءة الناجي السومري ليرتدي قميص المعذب المعاصر.

إننا نرى في هذا المفصل أن الأنصاري قد نجح في إحداث صدمة نقدية لوعي المتلقي؛ فبينما يستغرق القارئ في استعادة ميثولوجيا الغرق التاريخي، يباغته الكاتب بحضور شخصية "المدير" الذي يمارس سطوته وصراخه في وجه "جعفر" (ص 28). هنا، يتحول المدير في السيميولوجيا النصية إلى تجسيد لـ "الطوفان المؤسساتي"؛ ذلك الطوفان الذي لا يغرق الأجساد بالماء، بل يغمر الكرامة بالهوان.

إن الصراخ داخل العلبة المغلقة كما يصوره الكاتب، هو التوصيف الأركيولوجي الدقيق لانسداد الأفق الإنساني في ظل الأنظمة الشمولية؛ حيث يتحول الوطن من مرفأ إلى معتقل، وتتحول المواطنة من انتماء إلى تيه. الطوفان هنا في جوهره هو "إرادة المحو"؛ سواء كانت ريحا صرصرا أو قرارا إداريا جائرا، كلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها: مدينة مبلوعة بالصمت والنسيان. نحن أمام قراءة نقدية تعري بشاعة الماكينة التي لا تكتفي ببلع المدن، بل تحاول هضم الذاكرة الفردية وتحويلها إلى مجرد حطام في أرشيف الخراب.

ثيمة "ياسين" واستعارة المفقود: رحلة البحث عن المركز الضائع

في نص "ياسين.. أين أنت؟" (ص 44)، نصل إلى ذروة التعرية الوجدانية التي يمارسها الأنصاري في مجموعته؛ فالبحث هنا يتجاوز استعادة شخص غائب جسديا ليصبح بحثا عن المركز الوجودي الذي فقده الإنسان في خضم الطوفانات المتلاحقة. "ياسين" في هذه القراءة ليس مجرد اسم لرفيق أو حبيب ضائع، بل هو "الأنا المغتربة" التي انشطرت عن جسد الوطن، وهو المعنى الذي انزلق من بين الأصابع في زحمة الهروب الكبير.

إننا نلمس في هذا النداء المتكرر قدرة الكاتب على تحويل السؤال الشخصي إلى صرخة كونية تتردد أصداؤها في أزقة المدينة المبلوعة؛ فالاستفهام الاستنكاري (أين أنت؟) هو إدانة لخراب لا يكتفي بخطف الأجساد، بل يغتال الحضور الإنساني ذاته. "ياسين" هنا هو الأيقونة التي تمثل كل المفقودين في حروب العبث، وهو الوجه الذي يحاول الكاتب استرداده من ملامح الماء العكرة. نحن نرى أن هذا النص يمثل البوصلة التي يوجه بها الأنصاري قارئه؛ فكل من سكن هذه المدينة هو "ياسين" بشكل أو بآخر، يبحث عن مرفأ آمن في عالم تحول فيه الاستقرار إلى محض خيال أسطوري. إن البحث عن ياسين هو في جوهره محاولة لترميم الثقب الأسود في الذاكرة الجمعية، وجعل الغياب حضورا لغويا يقاوم المحو.

أنطولوجيا التغريب: "آنا كلارسيا هول" وترميم الهوية في المنافي

نحن نلحظ في المنعطفات الأخيرة من المجموعة (ص 53) تقاطعا حادا ومصيريا بين الذاكرة الرافدينية المثقلة بالطين وبين الواقع الأوروبي البارد. إن حضور شخصيات مثل "آنا كلارسيا هول" لا يمثل مجرد انفتاح على الآخر، بل هو تجسيد لمحاولة الكاتب المستميتة لترميم هويته المتشظية عبر مرآة مغايرة. الغربة في نصوص الأنصاري ليست مجرد إحداثيات جغرافية أو "تذكرة سفر"، بل هي لغة وجودية جديدة يحاول الكاتب من خلالها إعادة صياغة انكساراته القديمة بلغة المكان البديل.

في هذا المحور، يتحول الطوفان من كونه حدثا تدميريا إلى كونه تيارا جارفا قذف بالذات إلى شواطئ غريبة لا تشبه أحلامها الأولى. ومع ذلك، يظل الكاتب مخلصا لجذره؛ فهو إذ يخاطب "آنا"، إنما يحاول البحث عن المشترك الإنساني في الوجع. وهنا  نرى أن الأنصاري يمارس نوعا من الاستلاب العكسي؛ فهو لا يذوب في الآخر، بل يستحضر الآخر ليكون شاهدا على مدينته المبلوعة. إن الغربة هنا هي المختبر الذي يعيد فيه الكاتب اكتشاف قيمة حفنة الطين البابلية التي ما زال يحملها في مسامات لغته، مما يخلق توازناً دراميا مذهلا بين حنين العودة وبين حتمية البقاء في اللا-مكان.

الخاتمة الدرامية: المسرحية بوصفها محاكمة جماعية للغياب

إن قرار الكاتب بختم عمله بنص مسرحي (ص 61) ليس مجرد تنويع في القوالب الأدبية، بل هو تتويج بنيوي وفلسفي لعملية "البعث من تحت الركام". فبعد رحلة طويلة من السرد المنولوجي والاعترافات الذاتية، يختار الأنصاري الخشبة لتكون الميدان الأخير للمواجهة.  وترى أن في هذا التحول الدرامي فعل "الخروج من الطين"؛ حيث تغادر الشخوص صمتها الكتابي لتجسد مأساتها حية أمام القارئ.

المسرحية هنا هي المطهر الأرسطي الذي يغسل أدران الانتظار؛ فالممثلون الذين يتحركون على حواف المدينة الغارقة هم نحن، القراء الذين تحولنا بفضل لغة الكاتب من متلقين سلبيين إلى شهود عيان على هلاك الحضارة والروح. إنها "محاكمة وجودية" للغياب، حيث يصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة لترميم الشروخ التي أحدثها الطوفان في جدار الكيان الإنساني.

الخلاصة: استعادة المدينة من براثن الطمي

إن كتاب "مدينة بلعها الطوفان" لآلان الأنصاري هو نص "عابر للحزن" ومتجاوز للبكائيات التقليدية التي وسمت أدب المنافي. هو لا يكتفي برصد لحظة الانهيار، إنما يحاول تأريخ الألم وتأطيره في قوالب جمالية شديدة الكثافة والعمق. تكمن القوة القاتلة لهذا العمل في قدرته على جعل القارئ يشعر ببرودة ماء الطوفان ورائحة الطمي المبلل في كل فكرة يطرحها.

ونخلص إلى أن هذا المنجز يمثل حجر زاوية في الأدب العراقي والعربي المعاصر؛ لكونه استطاع بفرادة نادرة أن يزاوج بين الجذر السومري الغائر في القدم، وبين التيه الحداثي في المنافي، ليخلق ملحمة ضياع عصرية تخاطب جوهر الإنسان المهدد بالزوال في كل زمان ومكان. إنه كتاب لا يُقرأ بالعين فحسب، بل يُستعاد بالذاكرة، ويُعاش كوجع شخصي أصيل، محولا الهزيمة التاريخية إلى انتصار أدبي باق.

***

بقلم: الأستاذة ليلى بوشمامة - المغرب

تُعد رواية «جنوب الروح» من الأعمال الروائية المغربية التي تنفتح على أسئلة الذاكرة والمصير الإنساني، حيث ينسج الكاتب عالماً سردياً تتداخل فيه الحياة بالموت، والواقعي بالرمزي، والتاريخ الفردي بالتاريخ الجماعي. فالرواية لا تقدم مجرد حكاية عائلية، بل تطرح رؤية عميقة لعلاقة الإنسان بالمكان والقدر، مستحضرةً ذاكرة الريف المغربي وتحولات الحياة الاجتماعية.

منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب القارئ في فضاء مشبع بالإيحاءات الرمزية المرتبطة بالفناء والهشاشة الإنسانية. ففي المشهد الافتتاحي يقول السارد:

«في تلك الساعة من صباح اليوم الأول من رمضان، لم تكن الشمس الزاحفة ببطء قد وصلت بعد إلى الجسم النحيل المتكوم أسفل العتبة» (ص 7).

يكشف هذا الوصف عن تقنية سردية تعتمد التأخير الدلالي؛ إذ لا يتضح فورًا ما إذا كان هذا الجسد حيًا أم ميتًا، غير أن الصورة البصرية للجسد النحيل المتكوم توحي منذ البداية بحضور الموت كظل ثقيل يخيم على العالم الروائي. كما أن حركة الشمس «الزاحفة ببطء» تعكس إيقاع الزمن المتباطئ الذي يميز فضاء الرواية.

ويتعمق هذا الإحساس بالمفارقة بين الحياة والموت حين تظهر شخصية الفرسيوي في لحظة غير متوقعة. تقول الرواية:

«عبرت هموشة العجوز فناء البيت ممسكة مكنستها اليابسة، وألقت تحيتها في عجلة، ثم انتبهت لضحكة الفرسيوي التي تشبه ضحكة الرضيع» (ص 8).

تكتسب هذه الصورة دلالة رمزية قوية، إذ تجمع بين براءة الطفولة ووهن الشيخوخة في آن واحد. فـ «ضحكة الرضيع» الصادرة عن رجل مسنّ تحيل إلى دورة الحياة التي تبدأ بالطفولة وتنتهي بالضعف، وكأن الأشعري يريد أن يضع الشخصية داخل دائرة زمنية مغلقة يعود فيها الإنسان إلى هشاشته الأولى.

غير أن حضور الموت في الرواية لا يظل مجرد احتمال أو إحساس غامض، بل يتحول إلى حدث مركزي في مصير الشخصيات. فبعد فترة قصيرة يُدفن الفرسيوي في المقبرة نفسها التي تضم رفات طفلته، كما يرد في الرواية:

«دُفن الفرسيوي في المقبرة التي تضم رفات الطفلة التي ماتت منذ أربعة عشر عامًا» (ص 15).

إن هذا التلاقي بين الأب والطفلة في فضاء المقبرة يكشف عن بنية دائرية للمصير؛ فالموت في الرواية لا يقطع الروابط العائلية، بل يعيد جمعها في فضاء آخر. كما أن استحضار الطفلة بعد أربعة عشر عامًا يؤكد حضور الذاكرة كعنصر بنائي في السرد، حيث يستعيد الماضي مكانه داخل الحاضر ليعيد تشكيله.

وتتخذ الرواية بعدًا آخر حين تتداخل المعتقدات الشعبية مع الواقع الاجتماعي. ففي أحد المشاهد الجماعية تقول الرواية:

«وضحكت النساء وترحمن على الفرسيوي، وآمن الجميع بأن محمداً سيحل بالدوار ليلة التفريـق» (ص 26).

يكشف هذا المقطع عن حضور الوعي الجماعي القروي الذي يمتزج فيه الواقع بالأسطورة والتوقعات الغيبية. فالإيمان بعودة محمد في ليلة التفريق يعكس ثقافة شعبية تقوم على انتظار الخلاص أو العودة المفاجئة، وهو ما يمنح الرواية بعدًا أنثروبولوجيًا يضيء الحياة اليومية في المجتمع القروي.

غير أن هذه العودة المنتظرة لا تتحقق دون ثمن، إذ يواصل الموت حضوره المهيمن في مصائر الشخصيات. ففي لحظة مؤثرة يقول السارد:

«وفعلاً ماتت يامنة شهراً بعد سفره، وفي شهر رجب، أي بضعة أسابيع قبل عودته» (ص 86).

هنا يبلغ التوتر الدرامي ذروته؛ فالموت يحدث قبل لحظة اللقاء المرتقب، وهو ما يخلق مفارقة مأساوية عميقة. إن هذا التأجيل المستمر للحياة أمام حتمية الفناء يعكس رؤية الأشعري للعالم بوصفه فضاءً تحكمه المصادفات القدرية التي تفلت من سيطرة الإنسان.

من خلال هذه المشاهد المتفرقة، يتضح أن «جنوب الروح» ليست رواية أحداث بقدر ما هي رواية مناخات إنسانية تقوم على استحضار الذاكرة والحنين والموت. فالكاتب يستخدم شخصياته وأحداثه ليكشف عن هشاشة الوجود الإنساني، وعن العلاقة المعقدة بين الإنسان وماضيه ومحيطه الاجتماعي.

إن القيمة الفنية للرواية تكمن في قدرتها على الجمع بين اللغة الشاعرية والبناء الرمزي، حيث تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات عميقة عن الزمن والمصير. وبهذا المعنى، تقدم «جنوب الروح» نصًا سرديًا غنيًا يفتح المجال أمام قراءات متعددة، ويؤكد مكانة محمد الأشعري كأحد الأصوات الروائية المميزة في الأدب المغربي المعاصر.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

..............................

* محمد الأشعري - جنوب الروح - المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء - الطبعة الثانية - 2012

المنهج الوصفي وإشكالية البنية في اللسانيات الحديثة

تُعَدُّ اللغة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً وتشابكاً، فهي في آنٍ واحدٍ نظامٌ رمزيٌّ منظم، وكائنٌ حيٌّ يخضع لقوانين التحوّل والتبدّل عبر الزمن. ومن هنا نشأت في الفكر اللساني الحديث إشكالية منهجية تتعلق بكيفية مقاربة هذا الكائن المركّب: هل ينبغي دراسته في حالته الراهنة بوصفه بنية مكتملة، أم في مساره التاريخي بوصفه ظاهرة متحولة؟ وقد كان المنهج الوصفي أحد أهم الإجابات العلمية التي قدّمها علم اللغة الحديث لهذه الإشكالية.

لقد ارتبط ظهور المنهج الوصفي في اللسانيات الحديثة ارتباطاً وثيقاً بالتحول المنهجي الذي أحدثه اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير، حين ميّز بين نوعين من دراسة اللغة: الدراسة التزامنية التي تنظر إلى اللغة في لحظة زمنية محددة، والدراسة التعاقبية التي تتناول تطورها التاريخي عبر الزمن. وقد رأى أن فهم اللغة بوصفها نظاماً متماسكاً يقتضي أولاً تحليلها في حالتها الراهنة، أي بوصفها بنية قائمة بذاتها، تتحدد فيها قيمة كل عنصر من خلال علاقته بالعناصر الأخرى داخل النظام.

ومن هذا المنطلق نشأ المنهج الوصفي بوصفه منهجاً علمياً يهدف إلى وصف اللغة كما هي مستعملة في زمن معين، من غير أن ينشغل بتفسير أصولها التاريخية أو تحوّلاتها الزمنية. فاللغة، في هذا التصور، ليست مجرد تراكم تاريخي للألفاظ والقواعد، بل هي قبل كل شيء نظام من العلاقات؛ شبكة دقيقة من الروابط الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي تمنح الكلام معناه ووظيفته.

ولهذا السبب نظر اللسانيون الوصفيون إلى اللغة بوصفها بنية مغلقة نسبياً أثناء التحليل، أي منظومة متماسكة يمكن فهمها من الداخل، من خلال العلاقات القائمة بين وحداتها المختلفة. فالفونيم لا يكتسب قيمته إلا في مقابل الفونيمات الأخرى، والكلمة لا تتحدد وظيفتها إلا من خلال موقعها في الجملة، والجملة نفسها لا تُفهم إلا في إطار النظام النحوي العام للغة. وهكذا يصبح كل عنصر لغوي جزءاً من شبكة علاقات معقدة، لا يمكن عزله عن الكل الذي ينتمي إليه.

غير أن وصف اللغة كبنية مغلقة لا يعني أنها بنية جامدة أو غير قابلة للتحوّل في الواقع التاريخي، بل يعني فقط أن الباحث، لأغراض التحليل العلمي، يعمد إلى تجميد الزمن مؤقتاً ليتمكن من دراسة النظام في تماسكه الداخلي. فالمنهج الوصفي يقوم على نوع من "القطع المنهجي" مع التاريخ، يتيح للدارس أن يرى اللغة بوصفها نظاماً قائماً بذاته، لا مجرد مرحلة في سلسلة من التحولات.

وقد أسهم هذا التصور في نشوء ما عُرف لاحقاً بـ البنيوية اللسانية التي سعت إلى الكشف عن القوانين المنظمة للبنية اللغوية. ففي هذا الاتجاه لم تعد اللغة تُدرس بوصفها قائمة من المفردات أو القواعد المتفرقة، بل بوصفها نظاماً متكاملاً تحكمه علاقات بنيوية دقيقة. وقد امتد تأثير هذا المنهج إلى مجالات معرفية أخرى، مثل الأنثروبولوجيا مع كلود ليفي ستروس، والنقد الأدبي مع رولان بارت، حيث أصبح مفهوم البنية أداة مركزية في تحليل الظواهر الثقافية.

ومع ذلك، فقد أثار هذا التصور البنيوي جملة من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة اللغة وحدود المنهج الوصفي نفسه. فالنظر إلى اللغة بوصفها بنية مغلقة قد يفضي أحياناً إلى تجاهل الدينامية التاريخية والاجتماعية التي تشكلها. فاللغة ليست مجرد نظام تجريدي، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية حية تتأثر بالتحولات الثقافية والسياسية والتقنية.

ولهذا ظهرت لاحقاً اتجاهات لسانية حاولت تجاوز هذا الانغلاق البنيوي، مثل اللسانيات التداولية واللسانيات الاجتماعية، التي أعادت الاعتبار إلى السياق الاستعمالي والتاريخي للغة. غير أن هذه الاتجاهات لم تلغِ قيمة المنهج الوصفي، بل أكدت أن فهم التحول اللغوي نفسه يقتضي أولاً فهماً دقيقاً للبنية القائمة في كل مرحلة.

وهكذا يمكن القول إن المنهج الوصفي يمثل لحظة أساسية في تطور الفكر اللساني؛ لحظة الانتقال من النظر إلى اللغة بوصفها مجرد تراث تاريخي إلى النظر إليها بوصفها نظاماً معرفياً منظماً. فقد أتاح هذا المنهج للدارسين أن يكشفوا عن القوانين الداخلية التي تحكم عمل اللغة، وأن يدركوا أن المعنى لا يتولد من الكلمات منفردة، بل من العلاقات التي تربط بينها داخل البنية اللغوية.

إن اللغة، في نهاية المطاف، تقف دائماً على تخوم مفارقة عميقة: فهي بنيةٌ تتسم بقدر من الثبات يسمح بفهمها وتحليلها، لكنها في الوقت نفسه كائنٌ متحوّل يتغير مع تغير الإنسان وتجاربه التاريخية. ومن هنا تنبع أهمية المنهج الوصفي، لا بوصفه تصوراً نهائياً للغة، بل بوصفه أداة معرفية تكشف لنا عن لحظة السكون داخل حركة التحول؛ تلك اللحظة التي يتجلى فيها النظام اللغوي في أقصى درجات اتساقه الداخلي.

وبهذا المعنى، فإن دراسة اللغة وصفياً لا تعني إنكار حيويتها التاريخية، بل تعني الإمساك بالبنية في لحظة توازنها، قبل أن يعاود الزمن حركته ويعيد تشكيلها من جديد. فبين السكون والتحوّل، وبين البنية والتاريخ، تظل اللغة مرآةً دقيقة للعقل الإنساني وهو يصوغ العالم في شبكة من الرموز والدلالات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في البلدان التي تمتعت باستقرار طويل، قد يكون الميل إلى الخيال الأدبي ترفاً مشروعاً، بل حاجة جمالية وفكرية. أمّا في العراق، حيث تتراكم الأحداث كما تتراكم طبقات الغبار على الذاكرة، فإن السؤال عن جدوى الأدب لا ينفصل عن السؤال الأخلاقي: ماذا نكتب؟ ولماذا؟ ولمن؟.

لقد عرف العراق في أقل من نصف قرن ما لم تعرفه أممٌ أخرى في قرون: انقلابات، وحروب خارجية وداخلية، وسجون ومعتقلات، وحصار طويل حوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، ثم احتلالٌ أعقبته فوضى وعنفٌ مفتوح. أمام هذا الفيضان من الوقائع، يبدو الواقع نفسه أكثر كثافةً ودراميةً من أي حبكة متخيَّلة. وهنا تحديداً تبرز أهمية أدب السيرة بوصفه ضرورة ثقافية، لا مجرّد نوع أدبي.

في مثل هذا السياق، تصبح السيرة وثيقة حياة، لا مجرد نص أدبي. إنها شهادة ضد النسيان، وضد التزييف، وضد تحويل المأساة إلى رقم أو خبر عابر.

أدب السيرة، سواء أكان سيرة ذاتية أم مذكرات أم شهادات أم أدب سجون، هو فعل مقاومة للنسيان. ففي العراق، لم يكن القمع سياسياً فحسب، بل كان قمعاً للذاكرة أيضاً. كم من قصص اختفت مع أصحابها؟ وكم من حياة طُمست لأنها لم تُدوَّن؟. تعيد السيرة الاعتبار للإنسان العادي: الطالب، والجندي، والموظف، والأم، والسجين، والمحاصر بالجوع. هؤلاء لا يظهرون في البيانات الرسمية ولا في كتب التاريخ المدرسية، لكنهم يشكّلون جوهر التجربة العراقية. حين يكتب أحدهم سيرته، فهو لا يروي حياته فقط، بل يفتح نافذة على زمنٍ كامل، على بنية الخوف، وآليات القمع، وتفاصيل العيش تحت ضغط دائم.

يُعيد أدب السيرة الإنسان العادي إلى مركز التاريخ، ويكشف ما لا تقوله الوثائق الرسمية، ويحفظ تفاصيل الجوع والخوف والانتظار والمهانة والصمود. في حين قد يهرب الخيال أحياناً من الواقع بدل أن يحاوره، أويتحول إلى لعبة لغوية باردة لا تمسّ حياة الناس. لكن هذا لا يعني أن الخيال بلا قيمة: الخيال، فحين يكون صادقاً، يمكنه تعميق الواقع لا الهروب منه، وقول ما تعجز السيرة المباشرة عن قوله، وتحويل التجربة الفردية إلى رمز إنساني عام.

السجون أكثر من المدن

ليست مبالغة القول إن السجون والمعتقلات في العراق كانت، لفترات طويلة، أكثر حضوراً من الجامعات والمكتبات. يتحوّل أدب السيرة هنا إلى أدب كشف لما أُريد له أن يبقى في الظل ويُنسى. فأدب السجون العراقي، حين يُكتب بصدق ووعي، لا يكتفي بوصف العذاب، بل يفضح النظام الذي أنتجه، ويحلّل كيف يُكسر الإنسان، وكيف يقاوم في آنٍ معاً.

الحصار والجوع

لم تكن سنوات الحصار مجرد مرحلة اقتصادية صعبة، بل تجربة وجودية كاملة: الجوع، والخوف، وإذلال الإنسان في طوابير الغذاء، وانهيار القيم، وتغيّر العلاقات الاجتماعية. هذه التجربة لا يمكن اختزالها في أرقام أو تقارير أممية. وحدها السيرة قادرة على نقل الإحساس اليومي بالمهانة والصبر والاختناق. فالطفل الذي كبر قبل أوانه، والأم التي اخترعت وصفات من العدم، والمعلّم الذي واصل التدريس وهو جائع، كلّهم مادة تاريخية وإنسانية لا تقل قيمة عن أي حدث سياسي كبير.

الكتابة عن المنفى

ليست الكتابة عن المنفى ترفاً ثقافياً ولا نزوة حنين عابرة، بل هي فعل ضرورة، يشبه التنفس لمن أُجبر على مغادرة وطنه تحت وطأة الخوف أو القمع أو الحرب. حين ترك المنفي العراق، لم يكن ذلك خياراً شخصياً، بل كان اقتلاعاً قاسياً من أرضٍ تشكّل فيها وعيه وتكوّنت لغته وتعلّمَّ فيها معنى الانتماء. من هنا، تصبح الكتابة عن المنفى محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذات، وحفظ الذاكرة من التآكل، ومقاومة النسيان بوصفه شكلاً آخر من أشكال الموت.

المنفى ليس مكاناً جغرافياً فحسب، بل حالة وجودية ممتدة. هو أن تصل إلى بلد جديد وأنت تحمل داخلك بلداً كاملاً مكسوراً، بتاريخِه وأصواته وروائحه ومقابره. الكتابة هنا ليست سرداً للحكاية فقط، بل إعادة ترتيب للفوضى الداخلية، ومحاولة لفهم ما جرى: كيف ولماذا خرجنا؟ ومن نحن بعد الخروج؟ وما الذي تبقى منا في الطريق؟

لكن الطريق إلى بلدان اللجوء محفوف بالمخاطر، يبدأ من لحظة القرار القسري بالمغادرة، ويمتد عبر حدود مغلقة ووثائق ناقصة وخوف دائم من المجهول. كثيرون دفعوا أثماناً باهظة: أرواح ضاعت في البحار، وأجساد أنهكتها المعابر، ونفوس انكسرت تحت وطئة الأنتظار الطويل في مخيمات لا تشبه الحياة إلاَ بالاسم.

وعندما يصل أخيراً إلى ما يُسمّى "بلد الأمان"، يكتشف أن الرحلة لم تنتهِ، بل بدأت بشكل آخر. فالقبول ليس أمراً مضموناً؛ هناك نظرات الشك، وبيروقراطية القوانين، والصورة النمطية الجاهزة عن القادم من الشرق، من بلدٍ ارتبط اسمه في المخيلة الغربية بالحروب والعنف. على اللاجئ أن يبرر وجوده باستمرار، وكأن النجاة بحد ذاتها لا تكفي.

أما صعوبة التأقلم، فهي اختبار يومي صامت: اللغة التي لا تسعفك، والعادات التي تشعرك بأنك، وإيقاع الحياة المختلف، والبرد الذي لا يخص الطقس وحده. في المنفى، تعيش انقساماً دائماً: جسدك هنا، لكن روحك هناك، في شوارع بغداد، في بيتٍ لم يعد موجوداً، أو في وجوهٍ فرّقتها المنافي أو ابتلعتها الحروب.

وسط كل هذا، تصبح الكتابة مساحة أمان بديلة. نكتب لنقول إننا كنّا هنا، وإن لنا حكاية تتجاوز أرقام الملفات. نكتب كي لا يتحول المنفى إلى قدرٍ أخرس، وكي نستعيد صوتنا الذي حاولت الظروف مصادرته. الكتابة عن المنفى أيضاً مسؤولية أخلاقية: شهادة للتاريخ، وتحذير من تكرار المأساة.

وحين يكتب المنفيّون عن خروجهم القسري، لا يفعلون ذلك طلباً للشفقة، بل دفاعاً عن المعنى. يكتبون لأن الوطن، مهما ابتعدوا عنه، لا يكفّ عن المطالبة بهم. يكتبون لأن المنفى، مهما طال، لا يصبح وطناً كاملاً. وبين هذا وذاك، تظل الكتابة الجسر الوحيد الذي يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم، بلا أوراق مؤقتة ولا حدود مغلقة.

هل الأدب الواقعي أفضل من الخيال؟

السؤال ليس جديداً، لكنه في العراق يأخذ طابعاً خاصاً. ليست المشكلة في الخيال بذاته، بل في الخيال المنفصل عن الواقع. حين يصبح هروباً من الأسئلة المؤلمة، أو لعبة لغوية لا تمسّ حياة الناس، فإنه يفقد قيمته. في المقابل، يملك الأدب الواقعي، وخاصة أدب السيرة، شرعية نابعة من التجربة. لكنه قد يسقط في فخ التسجيل البارد إن لم يتحوّل إلى وعي وتحليل. فالكتابة الجيدة، واقعية كانت أم تخييلية، هي تلك التي تُضيء الواقع بدل أن تكرّسه، وتُعمّق الفهم بدل أن تكرّر الألم بلا أفق.

الحاجة إلى مشروع كتابة الذاكرة

العراق بحاجة ماسّة إلى مشروع ثقافي غيرمعلن: كتابة الذاكرة الوطنية من أسفل، من حياة الأفراد لا من خطابات السلطة. يشكّل أدب السيرة العمود الفقري لهذا المشروع. من دونه، ستُكتب المرحلة بأقلام الآخرين، أو ستُختصر في عناوين سياسية جافة. إن الأمم التي لا تكتب آلامها، محكوم عليها بتكرارها. وأدب السيرة، حين يُكتب بصدق وشجاعة، لا يعيد فتح الجراح من أجل البكاء، بل من أجل الفهم والمساءلة، وربما الشفاء.

خاتمة

في بلدٍ مثقلٍ بالحروب والمقابر والحصار، لا يمكن مطالبة الكاتب بأن يغمض عينيه ويتخيّل حدائق بعيدة. من حقه أن يفعل ذلك إن شاء، لكن من حق الواقع عليه، وعلينا، أن يُكتب. أدب السيرة في العراق ليس نقيض الإبداع، بل أحد أشكاله المتينة. إنه الأدب الذي يقول: كنتُ هنا، عشتُ هذا، وهذا ماجرى. ومن دون هذه الجملة البسيطة، سيبقى تاريخنا ناقصاً، وأدبنا معلقاً في الفراغ.

***

جورج منصور

تشكّل القصيدة الحديثة فضاءً تأملياً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الأسئلة الوجودية والإنسانية الكبرى، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير جمالي عن العاطفة أو وصفٍ للحالات الشعورية العابرة، بل أصبح مجالاً للكشف عن التوترات العميقة التي تعيشها الذات في مواجهة العالم والواقع والتاريخ. وفي هذا السياق تبرز قصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد بوصفها نصاً شعرياً كثيف الدلالة، ينفتح على مستويات متعددة من القراءة، حيث تتداخل فيه البنية اللغوية مع الرؤية الفكرية والرمزية، ليشكّل مرآةً نقدية تعكس مأزق الإنسان في لحظة انكسار الوعي بين الوهم والحقيقة.

إن العنوان ذاته، "مرآة الخيبة"، يضع القارئ منذ البداية أمام فضاء تأويلي مركّب؛ فالمرآة في الخطاب الرمزي ليست مجرد أداة انعكاس بصري، بل هي أداة كشفٍ معرفيّ ونفسيّ، تُعيد للذات صورتها كما هي، لا كما تتخيّلها أو تتوهّمها. ومن هنا تتأسس القصيدة على حوارٍ داخليّ حادّ بين الذات وصورتها، بين الإنسان ووهمه، وبين الحقيقة التي تحاول أن تفرض حضورها وبين الخداع الذي يصنعه الإنسان لنفسه كي يهرب من مواجهة الواقع.

تتجلى أهمية هذا النص في بنيته الشعرية التي تعتمد على لغةٍ موحية، تتكثف فيها الصور الرمزية والانزياحات البلاغية، كما يتشكّل نسيجه الإيقاعي من موسيقى داخلية قائمة على التكرار والتنغيم الصوتي، مما يمنح القصيدة طاقة تعبيرية قادرة على نقل التوتر النفسي والفكري الذي يهيمن على النص. كذلك يقدّم الشاعر شخصية "رمدان" بوصفها قناعاً شعرياً تتجسد من خلاله أزمة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي قد يقع في فخ الوهم، ويغزل مجده من خيوط زائفة، قبل أن تصدمه مرآة الحقيقة.

وانطلاقاً من ذلك، تهدف هذه الدراسة النقدية إلى قراءة قصيدة "مرآة الخيبة" قراءة تحليلية موسعة تستند إلى مجموعة من الأسس النقدية المتكاملة، تبدأ بالتحليل اللغوي والبلاغي الذي يكشف عن جماليات الصياغة وبنية الأسلوب والانزياحات الدلالية، مروراً بالأسس الجمالية والفنية التي تتناول المعمار الشعري والرؤية الفنية للنص، وصولاً إلى الأسس الفكرية والفلسفية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى. كما تسعى الدراسة إلى استجلاء الأبعاد النفسية والاجتماعية والسيميائية للنص، وربطها بسياقها الثقافي والتاريخي، من أجل الوصول إلى فهمٍ أعمق للرسالة الجمالية والإنسانية التي يحملها هذا العمل الشعري.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تقف عند حدود الوصف أو الانطباع، بل تحاول أن تفتح النص على أفقٍ تأويلي أوسع، يكشف عن طبقاته الدلالية المتعددة، ويبرز قدرة الشاعر توفيق أحمد على توظيف اللغة والصورة والرمز في بناء نصٍّ شعريّ يزاوج بين الجمال الفني والعمق الفكري، ليصبح النص في النهاية مرآةً لا تعكس خيبة فردٍ بعينه فحسب، بل خيبة إنسانية أوسع تتعلق بصراع الإنسان الدائم مع ذاته وأوهامه وحدود وعيه.

ينتمي نص "مرآة الخيبة" إلى فضاء الشعر العربي المعاصر الذي يمزج بين البنية الرمزية واللغة التأملية، ويشتغل على تفكيك الذات في مرآة الوعي النقدي. فالشاعر لا يقدّم خطاباً غنائياً تقليدياً بقدر ما يطرح مواجهة وجودية بين الذات وصورتها المتكسرة.

النص أشبه بمحاكمة شعرية لذاتٍ تُدعى "رمدان"، وهو اسم يتحول في النص إلى قناع رمزي يمكن أن يشير إلى فردٍ أو نموذجٍ إنساني أوسع يمثل الإنسان المأزوم بين الوهم والحقيقة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، إذ يعتمد الشاعر على اللغة العربية الفصيحة ذات البنية الشعرية المحكمة.

وتتجلى بنية الأسلوب في ثلاثة مستويات:

أ ـ التراكيب:

التراكيب في النص تتسم بالكثافة والانزياح الدلالي، مثل:

"تطويكَ الغابةُ في وحشتها"

هنا تتحول الغابة إلى فاعل شعوري قادر على الاحتواء والابتلاع، وهو انزياح بلاغي يمنح الطبيعة طابعاً إنسانياً.

وكذلك:

"يركض عكس الريح سفينك"

الصورة هنا تجمع بين الركض والسفينة، وهما مجالان دلاليان مختلفان، ما يخلق انزياحاً تركيبياً يعكس حالة التناقض الوجودي.

ب ـ الدقة اللغوية:

النص يقوم على اختيار دقيق للألفاظ، مثل:

١- الغابة

٢- الريح

٣- المرآة

٤- الصحراء

٥- النخيل

وهذه المفردات ليست عفوية بل تشكل حقلاً دلالياً للصراع بين الوهم والحقيقة.

ج ـ الانزياح البلاغي:

من أبرز الانزياحات:

مرآة الخيبة تفضح خيبتها

هنا يحدث تشخيص للخيبة، إذ تتحول إلى كيان قادر على الفضح.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتسم لغة النص بالفصاحة دون تكلف، حيث يتوازن اللفظ والمعنى في صياغة تتناسب مع موضوع النص القائم على النقد الذاتي.

مثال:

"تغزل ألقابك من خيط الرغوة"

الصورة هنا تجمع بين:

الزيف (الرغوة)

المجد الزائف (الألقاب)

مما يجعل التعبير مكثفاً وموحياً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

الوزن

النص يعتمد إيقاع الشعر الحر المرتبط غالباً بتفعيلة المتدارك أو المتقارب، مع مرونة واضحة.

القافية

لا يعتمد النص قافية موحدة، لكنه يستخدم قوافي داخلية مثل:

١- القهوة

٢- النخوة

٣- الرغوة

وهو ما يمنح النص تماسكاً صوتياً خفياً.

الموسيقى الداخلية

تظهر عبر:

١- التكرار

٢- الجناس

٣- الإيقاع الدلالي

مثل:

"كنا... كنا... إخوة"

هذا التكرار يخلق إيقاعاً عاطفياً حزيناً.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية خطابية حوارية بين الشاعر و"رمدان".

البنية تتكون من ثلاث مراحل:

مرحلة الكشف

١- الغابة

٢- الريح

٣- الغربة

مرحلة المحاكمة:

١- كشف الوهم

٢- نقد الذات

٣- مرحلة الحكم

٤- العزلة

٥- السرو رمز الكرامة.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية الفنية في النص تقوم على تفكيك الوهم الذاتي.

الشاعر يرى أن:

الإنسان قد يصنع مجده الوهمي

لكنه يصطدم في النهاية بمرآة الحقيقة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

النص غني بالدهشة الشعرية، مثل:

"تحملك الكرة الوهمية"

الصورة توحي بأن الإنسان أسير لعبة الوهم.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص:

النص يطرح أسئلة وجودية مثل:

١- من نحن؟

٢- هل نعيش الحقيقة أم الوهم؟

٣- هل يمكن للإنسان أن يخدع نفسه؟

2. الأفق المعرفي:

النص يتقاطع مع أفكار فلسفية حول الوعي الزائف عند مفكرين مثل:

فريدريك نيتشه، جان بول سارتر.

حيث يتم تفكيك صورة الذات المتوهمة.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الرموز الأساسية في النص:

١- الرمز

٢- الدلالة

٣- الغابة

٤- الضياع الوجودي

٥- الريح

٦- التغير والفوضى

٧- المرآة

٨- الوعي بالحقيقة

٩- الصحراء

١٠- الفراغ الروحي

١١- السرو

١٢- الكرامة والثبات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يمكن قراءة النص في سياق الأزمات السياسية والثقافية العربية، حيث يشير إلى:

١- خيبة الأمل

٢- انهيار القيم.

2. تطور النوع الأدبي

ينتمي النص إلى الشعر العربي الحديث الذي يعتمد:

الرمزية

التفكيك

الحوار الداخلي.

3. ارتباط النص بالتراث

يتقاطع النص مع تقاليد:

الحكمة الشعرية

شعر النقد الاجتماعي.

خامساً: الأسس النفسية

1. تحليل البنية الشعورية

النص مشبع بمشاعر:

١- الخيبة

٢- القلق

٣- الاحتجاج.

2. تحليل الشخصية

شخصية رمدان تمثل:

الإنسان الذي خدعته صورته.

3. النبرة النفسية:

النبرة تتراوح بين:

١- السخرية

٢- العتاب

٣- الحزن.

سادساً: الأسس الاجتماعية

النص ينتقد:

١- الزيف الاجتماعي

٢- صناعة المجد الوهمي.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات الأساسية:

المرآة = الحقيقة

الرغوة = الزيف

النخيل = المجد الحقيقي.

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد هذه القراءة على:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج السيميائي

٣- المنهج التأويلي.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بقيم:

١- الصدق

٢- الكرامة

٣- الشجاعة الأخلاقية.

خلاصة

قصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد نص شعري كثيف الدلالة، يقوم على تفكيك الوهم الذاتي عبر مرآة الحقيقة.

وتتجلى قوته في:

لغته الرمزية المكثفة

بنائه الإيقاعي المرن

عمقه الفلسفي والنفسي.

إنه نص يضع الإنسان أمام سؤال أخلاقي حاد:

هل نملك الشجاعة للنظر في مرآة الحقيقة؟

في ضوء هذه القراءة النقدية المتعددة المستويات لقصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد، يتبيّن أن النص يتجاوز كونه خطاباً شعرياً مباشراً إلى فضاءٍ رمزيّ وفلسفيّ مركّب، تنصهر فيه اللغة الشعرية مع الرؤية الفكرية في بنية جمالية متماسكة. فقد استطاع الشاعر أن يشيّد نصاً قائماً على كثافة الدلالة والانزياح البلاغي، حيث تتآزر الصورة الشعرية مع الإيقاع الداخلي لتشكّل معماراً فنياً يعكس حالة التوتر الوجودي بين الوهم والحقيقة، وبين صورة الذات المتخيَّلة وصورتها المنكشفة في مرآة الوعي.

وقد كشفت الدراسة، من خلال تحليلها اللغوي والبلاغي، عن قدرة النص على توظيف مفردات الطبيعة والفضاء الرمزي ـ مثل الغابة والريح والمرآة والصحراء والسرو ـ بوصفها علاماتٍ دلالية تتجاوز معناها المباشر لتصبح أدواتٍ تأويلية تكشف عن مأزق الإنسان في مواجهة ذاته. كما أظهر التحليل الإيقاعي أن الشاعر يعتمد موسيقى داخلية متولدة من التكرار والتنغيم الصوتي وتوازن الجمل الشعرية، مما يمنح النص حيويةً إيقاعية تعزز أثره النفسي والجمالي.

أما على المستوى الفكري والفلسفي، فإن القصيدة تنطوي على رؤية نقدية للوعي الزائف، حيث يضع الشاعر الإنسان أمام سؤال أخلاقي وجودي يتعلق بقدرته على الاعتراف بأخطائه ومواجهة صورته الحقيقية بعيداً عن أوهام المجد الزائف. وهنا تتحول شخصية "رمدان" إلى قناعٍ رمزيّ يعكس نموذج الإنسان الذي ينسج حول ذاته شبكةً من التصورات الوهمية قبل أن تصدمه مرآة الحقيقة.

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، يلامس النص حالات شعورية عميقة مثل القلق والخيبة والحنين والاحتجاج، وهو ما يمنحه بعداً إنسانياً يتجاوز الإطار الفردي ليصبح تعبيراً عن خيبات أوسع يعيشها الإنسان في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة وتضيع فيه الحدود بين الحقيقة والزيف. كما ينجح النص في توظيف منظومة رمزية ذات طابع سيميائي غني، حيث تتشابك العلامات والدلالات في شبكةٍ من العلاقات المتقابلة بين الحضور والغياب، والصدق والزيف، والكرامة والانكسار.

وبذلك يمكن القول إن قصيدة "مرآة الخيبة" تمثل نموذجاً للشعر الذي يجمع بين العمق الفكري والثراء الجمالي، إذ لا تكتفي بإنتاج المتعة الفنية، بل تدفع القارئ إلى تأمل ذاته ومساءلة يقيناته. فالنص، في جوهره، ليس مجرد سردٍ لخيبةٍ فردية، بل هو محاولة شعرية لكشف اللحظة التي يضطر فيها الإنسان إلى النظر في مرآة الحقيقة، تلك اللحظة التي يصبح فيها الاعتراف بالخطأ بدايةً ممكنةً لاستعادة الكرامة والوعي.

ومن هنا تظل قيمة هذا النص كامنة في قدرته على الانفتاح على قراءات وتأويلات متعددة، إذ يظل المعنى فيه متجدداً بقدر ما يظل الإنسان في حاجةٍ دائمة إلى مواجهة ذاته وإعادة اكتشافها. فالشعر، في نهاية المطاف، ليس مرآةً تعكس الخيبة فحسب، بل هو أيضاً أفقٌ جماليّ يفتح الطريق نحو الوعي، ويمنح الإنسان فرصةً أخرى للبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الأوهام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

مـرآة الخيبة

شعر: توفيق أحمد

تطويكَ الغابةُ في وحشتها

يركضُ عكسَ الريحِ سفينُكَ (يا رمدانُ)

جنوحُكَ يُمسكُ ثوب جنوحِكْ

تَدخُلُكَ الريحُ وتَدْخُلُها

لاتُقنعْ ريحَكَ أنكَ داخلَها

أنتَ غريبٌ في بيتٍ

ليس له بيتٌ

علّكَ في الستين كبرتَ قليلا

ما زال رصيفُك يبحثُ عن خطواتٍ

لا يعرفُ آخرَها أولُها

تحملكَ الكرةُ الوهميةْ

فترى نفسَك في مرآةٍ تجهلُها

أصحيحٌ رمدانُ هو الرمدانْ

لا توهمْ نفسَك أنكَ كنت جميلا

مرآةُ الخيبةِ تفضحُ خيبتَها

ولأنك أَرْمَدُ

توهمُ نفسكَ أنكَ تحملُ قنديلا

وتضجُّ بك الصحراءُ

فلن تزرعَ في الوهم نخيلا

كم سيظلُّ عجيباً أمرُكَ

تغزلُ ألقابك من خيط الرغوهْ

وتطرزها برماح القوهْ

*

تجديفُكَ في اللاجدوى

غَرَقٌ في طين خرافاتٍ رخوهْ

أخطاؤُك عصيان الوردِ على البستانْ

هل تفهم يا رمدانْ؟

ما أصعب أن يرمي إنسانٌ ثوبَ النخوهْ

كّنا... كّنا... إخوهْ

هل يأتي يومٌ

نجرحُ فيه أكفَّ محبَّتنا

ونُدوِّنُ بالحبر القاني

أبياتَ قصائدَ نشربُها

كالهيل مع القهوهْ؟

أخطأْتَ وأحلفُ أنَّكَ أَخْطَأتْ

هل يُعقلُ تسمية الأخطاء الكبرى نزوهْ

 *

كم قدَّامَكَ يُشبهُ خَلْفَكْ

خذ بيديكَ إليكَ

سيبقى سروُ العزلة حولَكْ

السروةُ أمُّكَ يا رمدانُ

فلا تخنِ السَّروهْ

 

يعد الشاعر العراقي عبد الرزاق ناصر الجمعة واحداً من الأصوات الشعرية التي ارتبطت تجربتها الأدبية بالهمّ الوطني العراقي وبقضايا الإنسان في لحظات التحول والأزمات. لقد برز حضوره في المشهد الثقافي من خلال قصائده التي تجمع بين الحسّ الوطني واللغة الشعرية المتدفقة، مستلهماً من الواقع العراقي أحداثه الكبرى وتطلعات أبنائه إلى الحرية والكرامة.

ينتمي الجمعة إلى جيل من الشعراء الذين جعلوا من الشعر وسيلة للتعبير عن الوجدان الجمعي، حيث تتقاطع في قصائده التجربة الفردية مع التجربة الوطنية. أصدر عدداً من الأعمال الشعرية التي تعكس اهتمامه بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق، من أبرزها: (ليالي البحار، أناشيد تشرين، الأنفاس الملتهبة، الطارق، أخيراً تراويح مهجّر) الذي يضم مجموعة من القصائد، بحوالي 103قصيدة تعكس مشاعر العراقيين ومعاناتهم عبر مراحل مختلفة من تاريخهم المعاصر.

تتميز لغته بالجمع بين الصور الشعرية المكثفة والنبرة العاطفية الصادقة، حيث تتجلى في قصائده ملامح الألم والأمل معا. فهو شاعر ينحاز إلى الإنسان البسيط، يعبر عن قلقه إزاء ما يمر به العراق من أزمات سياسية واجتماعية،

كما أن شعره يتسم بحضور واضح للرموز الوطنية والإنسانية، حيث تتكرر في نصوصه مفردات الوطن والحرية والكرامة، في محاولة لإبراز العلاقة العميقة بين الشاعر وواقعه الاجتماعي. من هنا يمكن النظر إلى تجربته بوصفها جزءاً من القصيدة العراقية المعاصرة التي تمزج بين الحس الإنساني والالتزام بالقضايا الوطنية.

لقد استطاع عبر قصائده، أن يقدم نموذجاً للشاعر الذي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، بل يجعل من الشعر شهادةً على العصر وصوتاً يعكس تطلعات الناس وآلامهم. بذلك يظل حضوره في المشهد الثقافي العراقي شاهداً على قدرة الشعر على مواكبة التحولات التاريخية والتعبير عن نبض المجتمع.

التحليل نقدي لأسلوبه الشعري وديوان تراويح مهجّر، أذ يعد ديوان الأخير (تراويح مهجّر) تجربة شعرية تعبّر عن وجع المنفى الداخلي والخارجي، تكشف عن علاقة الشاعر المضطربة مع الواقع السياسي والاجتماعي. فالنصوص الواردة في الديوان لا تنفصل عن سياقها التاريخي، بل تأتي بوصفها شهادة شعرية على زمنٍ مضطرب عاشه العراق، حيث تتداخل في القصائد مشاعر الحزن والاحتجاج .

يضم الديوان عدداً كبيراً من القصائد التي تتنوع عناوينها بين الموضوع السياسي والاجتماعي والإنساني، مثل: المرافعة، الاعتراف، المزايدة، المصلوب، الأرض الجرداء، الخيبة، الرحمة، النداء. وهذه العناوين تعكس بوضوح طبيعة الخطاب الشعري الذي يتبناه الشاعر، إذ يميل إلى تصوير الإنسان في حالة مواجهة مع الظلم أو الاغتراب.

كما تكشف بعض العناوين عن بعد رمزي أو استعاري، مثل طائر في قفص الهجرة أو موقد جدي، حيث يستدعي الشاعر مفردات من الذاكرة والبيئة المحلية ليعبر من خلالها عن شعور الفقد والحنين.

لغة عبد الرزاق ناصر الجمعة تتسم بالوضوح والاقتراب من اللغة اليومية، لكنها لا تخلو من الصور البلاغية والرمزية. فهو يستخدم مفردات مألوفة لدى القارئ، إلا أنه يوظفها في سياق شعري يمنحها أبعادًا دلالية أعمق.

تظهر هذه السمة في مقطع من قصيدة (الإشارة)، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة للكشف عن الإحساس بالمرارة والانتظار:

إنها غصّة شهري

ملأت قلبي مرارة

فهنا يستخدم الشاعر صورة الغصة ليجسد حالة الألم المتراكم، في حين تمثل الإشارة رمزاً للأمل المؤجل أو التغيير المنتظر.

ثتتسم قصائد الديوان بحضور واضح للبعد السياسي، لكن الشاعر لا يقدمه بشكل مباشر دائماً، بل يلجأ إلى الرمز والتلميح. فالحديث عن (الراتب) أو (الصندوق) أو (الزيارة) في بعض المقاطع يمكن أن يُفهم في سياق نقد الواقع الإداري أو السياسي، حيث يصور المواطن بوصفه ضحية للبيروقراطية أو للفساد.

كما أن استخدام مفردات مثل المصلوب، المأساة، الأرض الجرداء يشير إلى حالة من الاغتراب الوجودي والسياسي، إذ يصبح الإنسان في القصيدة كائناً معلقاً بين الأمل واليأس.

يُعد موضوع الهجرة والاقتلاع من المكان أحد المحاور الأساسية في الديوان، ويتجلى ذلك بوضوح في قصائد مثل طائر في قفص الهجرة. فالشاعر يصور الهجرة لا بوصفها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفها انكساراً نفسيًا ووجدانيًا.

في مقابل هذا الشعور بالاغتراب، يستدعي الشاعر الذاكرة العائلية والمكانية، كما في قصيدة موقد جدي، حيث يتحول الموقد إلى رمز للدفء المفقود والبيت الأول.

أما أسلوب الشاعر يتسم بعدة خصائص أساسية، منها الواقعية الشعرية؛ إذ تنطلق القصيدة من الواقع الاجتماعي والسياسي.

اللغة المباشرة الممزوجة بالرمزية، ما يجعل النص قريباً من القارئ دون أن يفقد بعده الشعري. اما التكثيف الدلالي حيث تحمل الكلمات القليلة معاني متعددة. فضلا عن الانحياز للإنسان البسيط إذ يظهر الإنسان العادي في القصيدة بوصفه بطلاً مأزوما.

يمكن القول إن ديوان (تراويح مهجّر) يمثل تجربة شعرية تنتمي إلى الشعر العراقي المعاصر الذي يمزج بين البعد الإنساني والهمّ السياسي. فقد استطاع الشاعر أن يجعل من قصيدته مساحة للتعبير عن الألم الجماعي، أن يحول معاناة الفرد إلى خطاب شعري يعكس تحولات المجتمع العراقي. بذلك يغدو شعره أقرب إلى وثيقة شعرية تسجل نبض زمنٍ مليء بالتحديات، تؤكد في الوقت ذاته قدرة الشعر على تحويل المعاناة إلى جمال لغوي ورؤية إنسانية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

للأديبة والناقدة سعاد الراعي

تمثل المجموعة القصصية الجديدة "من مذكرات أستاذة" للقاصة سعاد الراعي إضافة نوعية إلى السرد النسوي العربي المعاصر، بما تحمله من جرأة فكرية، وعمق إنساني، ورؤية نقدية تنفذ إلى المسكوت عنه في بنية المجتمع وعلاقاته المتشابكة.

صدرت المجموعة في طبعتها الأولى عام 2026، وتضم تسع قصص قصيرة تتكئ على فضاء أكاديمي وإنساني رحب، تتقاطع فيه أسئلة الدين والحرية، الهوية والانتماء، الحب والخذلان، الشيخوخة والاغتراب.

العتبة النصية ودلالات العنوان

يشي العنوان "من مذكرات أستاذة" منذ الوهلة الأولى بطابع اعترافي وتأملي، إذ يستدعي شكل "المذكرات" بما تحمله من حمولة ذاتية وصدق وجداني، غير أن النصوص لا تقف عند حدود السيرة الفردية، بل تنفتح على الهمّ الجمعي، لتغدو المذكرات مرآة لأسئلة مجتمع كامل. فالأستاذة هنا ليست شخصية معزولة، بل تمثيل رمزي للعقل النقدي الذي يشتبك مع الواقع، ويحاول مساءلته من داخل مؤسساته التربوية والاجتماعية. {وهذا ما يمكن ملاحظته في القصص "ان شاء الله يا استاذه" " عندما يكون الفطر ثالثهم" " في حضرة الاستاذة" "الدرس الأخير"}

البنية السردية والاشتغال الفني

تعتمد الكاتبة أسلوب السرد المشهدي القائم على الحوار المكثف، ولا سيما في القصص التي تدور في فضاء القاعة الدراسية، حيث يتحول الحوار إلى ساحة صراع فكري بين منطقين: منطق النقل الجامد، ومنطق العقل المؤوِّل ويتبدّى ذلك جلياً في القصة التي تناقش إشكالية الاختلاط والحديث النبوي، حيث لا تكتفي الكاتبة بعرض وجهتي النظر، بل تبني تصاعداً درامياً قائماً على تفكيك المسلمات، وإعادة طرح الأسئلة في سياق عقلاني هادئ. " ان شاء الله يا أساتذة".

توظّف الراعي تقنية "السرد الداخلي" بمهارة، فتمزج بين الحدث الخارجي والحركة النفسية للشخصيات، مما يضفي على النصوص بعداً سيكولوجياً واضحاً. وتكاد بعض القصص، مثل قصة الأستاذة ميرا في دار العجزة، تلامس تخوم القصة الطويلة من حيث الامتداد التأملي، وكثافة الوصف، والانشغال بثيمة الذاكرة والزمن والفقد." قصة ذاكرة في ظلال الغياب"

الثيمات المركزية

يمكن الوقوف عند عدد من الثيمات الكبرى التي تنتظم المجموعة:

1. الجدل بين العقل والنص:

تنشغل الكاتبة بإعادة فتح ملف العلاقة بين التدين الشكلي وروح الدين، وتطرح إشكالية التأويل، وحدود الحرية الفكرية داخل المؤسسات التعليمية. غير أن الطرح لا يأتي في صيغة خطابية مباشرة، بل عبر حوار درامي متوازن يمنح الشخصيات حقها في التعبير.

2. المرأة بين الصورة والجوهر:

تحضر المرأة في المجموعة بوصفها ذاتاً مفكرة لا موضوعاً للحكم الأخلاقي. فالكاتبة تقارب قضايا الحجاب، والعقم، والعلاقات المختلة، والشيخوخة، من زاوية إنسانية، متجنبة التبسيط أو الشعاراتية.

3. الشيخوخة واغتراب الكرامة:

تُعد قصة ميرا من أبرز نصوص المجموعة، حيث تطرح قضية إهمال كبار السن، وتحوّلهم إلى أرقام في مؤسسات الرعاية. هنا تبلغ اللغة ذروتها الشعرية، ويتحول السرد إلى مرثية هادئة لذاكرة تتآكل، ولحياة علمية وإنسانية تُختزل في غرفة باردة.

4. الرجولة المكسورة والصورة الاجتماعية:

في قصة العقم، تتناول الكاتبة إشكالية الذكورة الجريحة، وضغط المجتمع على الرجل والمرأة معاً، في طرح متوازن يكشف هشاشة الصورة النمطية للطرفين." قصة حلم لم يولد"

اللغة والأسلوب

تمتاز لغة المجموعة بما يمكن تسميته "النثر المتأنق"{كما ورد في المقدمة}، حيث تتجاور الجملة السردية الرصينة مع نفحات شعرية شفيفة دون أن تسقط في الغموض أو الزخرف المجاني. الجمل طويلة نسبياً، لكنها مشدودة الإيقاع، وتخدم الحالة النفسية للشخصيات. كما تتسم الحوارات بواقعية مقنعة، تعكس وعي الكاتبة بطبيعة الخطاب الديني والاجتماعي السائد.

وفي غير موضع، تستثمر الكاتبة التناص القرآني والحديث النبوي، "في ان شاء الله يا أستاذة"، لا بوصفه زينة لغوية، بل كجزء من بنية الحجاج السردي، مما يمنح النص بعدًا ثقافيًا ويعمّق جدليته.

الرؤية الفكرية والجمالية

لا يمكن قراءة «من مذكرات أستاذة» بمعزل عن سياقها الثقافي؛ فهي تنتمي إلى سرد يطمح إلى مساءلة البنى التقليدية، دون قطيعة كاملة مع المرجعية الدينية أو الاجتماعية. إنها كتابة إصلاحية في جوهرها، تسعى إلى إعادة الاعتبار للعقل والحوار، وتنتصر لكرامة الإنسان ـ امرأة كان أم رجلاً ـ في مواجهة الوصاية والاختزال.

وعلى المستوى الجمالي، تنجح الكاتبة في تحقيق توازن بين الفكرة والفن، فلا تطغى الأطروحة على البناء السردي، ولا يتحول النص إلى مقالة فكرية مموّهة. بل تظل الشخصيات نابضة، مترددة، متألمة، مما يحفظ للنص طابعه الإبداعي.

تأتي «من مذكرات أستاذة» بوصفها عملاً سردياً ناضجاً، يكشف عن تجربة حياتية وثقافية ثرية، ويؤكد حضور سعاد الراعي كصوت قصصي واعٍ بأسئلة عصره. إنها مجموعة تصلح للقراءة النقدية المتأنية، كما تلامس القارئ العام بما تحمله من صدق إنساني وقضايا تمسّ الواقع المعاش.

بهذا الإصدار، تضع الكاتبة قدمها بثبات في فضاء القصة القصيرة العربية المعاصرة، مقدّمة نصوصاً تحاور العقل، وتستفز الوجدان، وتفتح الباب أمام أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات في مجتمعاتنا.

* تقع المجموعة في 128 صفحة من القطع المتوسط؛

* تحتوي على تسع قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛

* قدم لها الشاعر الدكتور عادل الحنظل؛

* صمم الغلاف ونسقه واخرجه طارق الحلفي؛

* الطبعة الأولى 2026/ تمت طباعتها في مطبعة نحن نطبع " باكنانغ "/ المانيا.

***

طارق الحلفي

 

اضاءة: تُعد القصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي تميزت بقدرتها على تكثيف المعاني ودراسة عوالم نفسية واجتماعية معقدة ضمن فضاء سردي محدود، يعتمد على اختيار دقيق للزمان والمكان والشخصيات، وفي هذا السياق، تبرز قصة "الثعبان" للقاص علي محمد الجعكي بوصفها أنموذجًا سرديًا غنيًا يجمع بين البُعدين الواقعي والرمزي، ويقدم رؤية فريدة في استثمار المكان والزمان كشفرات تكشف عمق التحولات النفسية والجمالية للشخصية.

تسير القصة في فضاء مزدوج، زمن اليقظة وزمن الحلم، إذ تتفاعل الشخصية مع المكان — الحديقة التي تضم تمثالًا رخاميًا متجسدًا في تمثيل جسد أنثوي — بطريقة تتجاوز التمثيل الحسي لتصل إلى حالة من التماهى الحسي والروحي مع الجسد والتمثال، فتنتقل من حالة الانبهار إلى لحظات رغبة شبقية تمثلها رمزية الثعبان المتلوّي حول جسد التمثال، هذه الثنائية الزمنية ليست مجرد تقنية سردية، بل تعبير عن صراع داخلي بين الرغبة والحرمان، بين الحياة والجمود، بين الجسد الجامد والكيان المتحرّك.

إن المكان في القصة لا يكتفي بدور الخلفية الثابتة للأحداث، بل يتحول إلى شخصية فاعلة تتفاعل مع الشخصية الرئيسة وتؤثر فيها، ويبرز ذلك من خلال التمثال الذي يمثل الجمال والمثالية، والحديقة التي تحضنه، والمحطة والفندق كمظاهر للتحول وعدم الاستقرار، المكان هنا ليس مجرد فضاء مادي، بل فضاء نفسي وروحي يعكس مكنونات الذات وتوتراتها، ويتماهى مع إيقاع السرد المتنقل بين الوصف التفصيلي الهادئ في زمن اليقظة والإيقاع المتقطع والعنيف في زمن الحلم.

وتسلط الدراسة الضوء على الأسلوب الفني الذي اعتمده القاص، والذي يستند إلى تقنية المونتاج السينمائي، إذ تنتقل اللقطات بين تفاصيل التمثال، وفضاء الحديقة، وضوضاء المدينة، بأسلوب متوازن بين الوصف الدقيق والجمل القصيرة المكثفة التي تعكس تحولات الإيقاع النفسي، هذا الأسلوب لا يقتصر على استعراض المشاهد، بل يكشف عن وظيفة سردية مهمة، هي إخراج الداخل إلى الخارج، بوح الرغبات المكبوتة، وصراع الذات مع نفسها، وتجسد ذلك في رمزية الثعبان الذي يمثل الذكورة والحياة والرغبة، لكنه في الوقت ذاته يتسبب في تمزيق وتحطيم الشخصية.

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك عناصر الزمان والمكان والشخصية في قصة "الثعبان"، وبيان كيف تتداخل هذه العناصر لتشكيل بناء سردي معقد ينقل القارئ من عالم الواقعية إلى عالم الرمزية والصوفية، ومن حالة الانبهار إلى حالة التمزق النفسي، كما تهدف الدراسة إلى إظهار كيف يمكن لتقنيات السرد والأسلوب الفني أن تعكس وتحلل البنية النفسية والاجتماعية للشخصية، وما يكتنفها من نزاعات داخلية، وما يحفزها من رغبات مكبوتة، حتى تصل إلى حالة التفتت الذاتي التي تبدو كغاية من القصة.

إنَّ هذه الدراسة لا تقف عند حدود تحليل سردي تقني، بل تمتد إلى فهم أعمق للدلالة الرمزية والجمالية في القصة، وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بين الرغبة والحرمان، وبين الجسد والروح، عبر موضوعة " ثيمة " التمثال والثعبان بوصفها رموزًا مركزية في النص.   

***

الثعبان / بقلم: علي الجعكي

كثيرًا ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل.. أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. في انعكاس الضوء على هيكله.. في شموخه بين الأغصان المرتعشة.. كل مساء أجدني منساقًا إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقًا يعج بالمسافرين.. نافورة قديمة تتربع تحت قدمي التمثال الشاهق.. رذاذ الماء البارد يغسل القدمين الرخاميتين، ويندلق عبر القاعدة ليرجع إلى حوض النافورة.

تتناثر قطرات الماء إلى نعومة الساقين الجميلتين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط ضوئية.. نهدان بكران يشمخان عاليًا.. كأن لبن الحياة يسري فيهما، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة.. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي.. زاويتا الفم الصغير تنفرجان عن بسمة تترك أثرًا غامضًا في نفسي.. تشقّ أخدودًا عميقًا في صدري.. لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أُقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة.. كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة.. لكني كنت منشغلًا مع حُلمي الخرافي.. أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة.. مع خمرتي التي تنعشني.. تشعل حريقًا هائلًا في حطامي.. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام.. كنت أعيش حالات ملونة من المتعة الوحشية التي تخترق صلادة الرخام.. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة بداخلي.. كنت أتألم دون أن أعرف لماذا.. أتأوه دون أن أفتح فمي.. أتقوّض كبنيان قديم تجتاحه مخلوقات أسطورية مدمرة.. عناكب هائلة تسكن زواياه المظلمة الرطبة.. لم أتناول عشائي هذه الليلة، بل دلفت إلى سريري بكامل ثيابي.. أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية.. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء.. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي أذنيّ.. إبرٌ حادة تخترقني من كل أطرافي.. شواظ من النشاز يشعل جلدي.. يمزقني.. يفجر دمي.. يحملني عاليًا حتى السقف.. الوجه الصنمي بنظرته الخاطفة.. ببسمته الهادئة على جانب فمه يطل من وراء زجاج النافذة.. الشعاع الغامض يخترق ألواح الزجاج.. يحرقني.. يتغلغل عبر جسدي المحموم.. أتأرجح بين الأغصان.. بين ذراعي التمثال الصخري.. أتحول إلى ورقة مهترئة.. الجفاف يغزوني.. أصبح هشًا كالرمل.. كالرماد.. أنزلق حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين.. أغوص في السرة المحفورة بنعومة.. الأوراق الطرية يحركها الهواء.. سريري يتأرجح كالموج.. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء.. يخبو.. يصبح كنجمة خافتة.. جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون.. توقظني من حالتي. الدقة الخامسة.. السادسة.. السابعة.. الزحام يحيطني من كل جانب.. أكتشف أني أسير حافيًا.. أترنح عبر الشارع برأس مثقل.. كانوا يسرعون.. يهرعون في اتجاهات مختلفة.. أسيل بينهم.. أتدحرج بفوضى عبر الشوارع المكتظة.. أصطدم ببعض الأجساد الرخوة.. الناعمة.. أعترض وجوهاً حليقة لامعة.. وأخرى مصبوغة تعبق بألوان طيفية.. أغرق في لجة اللحم الهائلة.. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة.. بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية. بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع.. أتوه.. أجدّف صوب نقطتي الوحيدة.. صوب المرفأ المتربع في عمق الحديقة.. أضرب الأمواج بلا كلل.. كانوا ينظرون في عينيّ ببرود.. إلى قدمي الحافيتين.. في اضطراب خطواتي.. أتعثر كالجريح.. كمن يصعد سلمًا لا نهاية له.. أنحدر عبر الشارع الجانبي المؤدي إلى الحديقة.. إلى المرفأ.. أجتاز البوابة المشرعة.. طريق النافورة يبدو دائريًا عبر الشجيرات المزهرة.. الطريق مغطاة بالحصى المبلل والأوراق الجافة.. رطوبة الصباح تنعش المكان.. تدثر الأوراق بضباب دخاني.. أتخذ نفس الوضع على حافة الحوض.. لا أهتم بالبلل. قبالتي الرخام الناصع، تغطيه غلالة شفافة من البخار.. الأقدام دائمًا مبللة. الرذاذ حول الساقين يتكسر وترجع قطراته إلى القاعدة.. البخار يتكاثف حول الصنم.. يتحول لونه إلى الرصاصي الداكن.. إلى غابة من الأصباغ.. أكتشف أنه يخرج من السرة وينتشر حول الجسد.. يلتف في حركة لولبية يتحول إلى جسم اسطواني لين.. تظهر بقع داكنة على جلده.. شقوق عميقة تظهر على القاعدة الصخرية.. حول القدمين العاريتين.. بريق العينين يزداد توهجاً.. تنطبق الشفاه بقوة.. ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين.. يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة.. تجحظ العينان.. تتحرك القدم المحررة صوب النافورة.. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة.. تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب.. حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة.. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين.. الوجنتين الباردتين.. ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم. في الرخام.. في الحنجرة الناتئة.. تصفر الحشرجة من خلالها.. ينبثق الدم من العنق.. يسيل عبر الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض.. ينسكب اللعاب الحارق إلى صدري.. إلى جوفي، فينتشر الحريق في كل مكان.. أتحول إلى كثيب من الجمر.. الجحيم اللاهث والفحيح.. العطش يشقق لساني.. يفتت لحمي كالطين المشوي.. أنكب على وجهي في الحوض.. أترنح تحت الماء.. أجدّف إلى النبع.. أمتلئ حتى الحافة، لكن الحرائق تشتعل بداخلي.. تحولني إلى رماد.. إلى كومة من الحجر المحروق.. إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل.

***

الدراسة

إنّ عالم القصة عالم تخيلي، وهو عالم ناجز قبل شروع المتلقي في قراءته، ولكنه لا يتجسد ـــ في الحقيقة ـــ إلاّ عبر قراءته، ويمكن القول: أن عملية القص تكتنفها ثلاثة أركان جوهرية متداخلة: الزمان والمكان والشخصية، ولا يمكن أن يتجلى حضور الشخصية بعيدًا عن الزمان والمكان، كما أنّ الزمان لا يمكن له أن يكون حاضرًا بعيدًا عن مقابله المكان.

وإنّ تقنيات الزمان والمكان والشخصية لا تقتصر على عرض العالم المتخيل، وإنما تعرض بكيفية معينة رؤية القاص للعامل، وتكشف عن موقفه من الحياة،

يتشكّل المكان والزمان لا بوصفهما إطارين خارجيين للأحداث، بل بوصفهما عنصرين تعبيريين يحكمان تجربة الراوي وتُبنى عليهما بنيته الوجودية المضطربة. إن القصة لا تسعى إلى تقديم حكاية متسلسلة بقدر ما تنحو منحى الغوص في أعماق النفس المضطربة من خلال مكان رمزي وزمان مفكك، يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل، والتاريخي بالميتافيزيقي.

وفي هذه المجموعة القصصية " سرّ ما جرى للجد الكبير " للقاص علي محمد الجعكي يتبدى المكان بوصفه تقنية بالغة الأهمية تقتضي وقفة وتأملاً، وليس بالإمكان دراسة المكان في المجموعة بأسرها، لتعذر ذلك في هذا التقديم، غير إنَّ دراسة المكان في هذه القصة تقتضي الإشارة إلى أمور لها أهميتها.

يتجسد المكان في الأعمال القصصية بطريقتين:

الأولى: تقديم صورة حسية أمينة تعرض للمشهد الحسي الذي تتحرك فيه الشخصيات، بحيث يتوازى المكان أو يتجاور مع الشخصية، ولا يعدو أن يكون مجرد خلفية للشخصية وأحداثها.

والثانية: تقديم صورة المكان ليس بوصفه وجودًا مستقلًا عن الشخصية، ولكن حضوره منها وبها، بمعنى أنّ المكان يسهم في بلورة طبيعة الشخصية وعوالمها وتحديد رؤيتها وموقفها من الحياة، تمامًا كما أنّ الشخصية ـــ هي الأخرى ـــ تسهم في تحديد المكان وكيفية تأثيره في المتخيل، غير إنَّ الزمن ليس منفصلًا عن ذلك كله ولكنه يتفاعل معهما على نحو من الأنحاء.

لا يبدو المكان مجرد إطار للأحداث، بل يتخذ دورًا مركزيًا مزدوج الطابع واقعي في ظاهره، وأسطوري في جوهره، فالحديقة، الكائنة خلف محطة القطار، لا تبقى فضاءً طبيعيًا خاضعًا لقوانين العالم الخارجي، بل تنقلب إلى مشهد غرائبي تتداخل فيه الأشياء والكائنات، ويتماهى فيه الجماد مع الحياة، إن التمثال القائم في قلب الحديقة، والمشيد من الرخام، لا يُقدَّم بوصفه منحوتة صامتة، بل كيان متحول يتفاعل وجوديًا مع الراوي، ويغدو نقطة انبعاث شعوري وذهني عميق.

إنَّ اختيار موقع الحديقة خلف محطة القطار ليس عبثيًا، بل يعبّر عن حركة الانسحاب من الامتلاء الى الخوار ومن الهامش، إلى منطقة مشبعة بالعزلة والانقطاع، حيث يفقد العالم الخارجي حضوره الصاخب، وتحلّ مكانه كينونة تأملية غامضة، في هذه البقعة المخبَّأة، يتكرّر حضور الراوي، وكأنه يؤدي طقسًا يوميًا، كأنما يجتذب إلى قوة لا مرئية، حتى لتبدو الحديقة معبدًا والتمثال صنمًا معبودًا، هذا التمثل الطقوسي يتعزز بدور النافورة، التي لا تُختزل في بعدها الجمالي أو المعماري، بل تؤدي وظيفة حسية وروحية، إذ يرافق رذاذها مشهد التحديق بالجسد الرخامي، فتخلق لحظة تشبه التطهر قبل الدخول في تجربة الانخطاف الجمالي.

التمثال، من جهته، ليس عنصرًا زخرفيًا باردًا، بل هو محور الرؤية والتماهي، وعليه تتكثف مشاعر الراوي، من الانجذاب الحسي إلى الفناء الوجداني، لغة الوصف التي تلاحق تفاصيل الجسد الأنثوي – من النهدين إلى الساقين، مرورًا بالسرة – تتجاوز التصوير البصري لتلامس حالة من الذوبان، أو الانمحاء التدريجي أمام جمال متعالٍ على الإدراك، لكنه في الوقت نفسه يحمل نواة التحوّل إلى الرعب.

أما الزمان، فهو يتوزع بين ليل داخلي طويل وأزمنة خارجية متقطعة تظهر في صوت الساعة الذي يخترق الحلم في لحظة استيقاظ حادة، الليل هنا ليس فقط إطارًا للحدث، بل هو المناخ الوجودي الكامل للحالة، الليل بوصفه مجالًا للبوح، للشرود، للهذيان، وكلما تقدم الزمن الليلي، كلما زاد التماهي بين الراوي والتمثال، إلى أن يصبح الليل، في لحظة ما، زمناً باطنياً، يتخلى عن تحديداته الخارجية ليصبح زمنًا داخليًا، نفسياً، حلميًا.

صوت الساعة الذي يخترق الحلم، هو الزمن الواقعي الذي يفصل بين العالمين: عالم الحديقة/الصنم، وعالم المدينة/الحشود، لكنه زمن مؤلم، لأنه يعيد الراوي إلى واقع يعجّ بالفوضى، بجلبة الأحذية، بأجساد الغرباء، بالزحام، بالرائحة، والراوي، في لحظة التيه هذه، لا يعرف هل هو يحلم أم يعيش، هل هو في عالم مادي أم في كابوس جمالي، فالزمن الواقعي يُصَوّر كقاسٍ، مشوش، عبثي، أما الزمن الذي يقضيه أمام التمثال، فهو زمن ميتافيزيقي، يضجّ بالمعنى والغواية والانخطاف.

ولمّا كان من العسير تلخيص عمل أدبي، وخصوصا القصة القصيرة، لأنّ تلخيص العمل القصصي يعني أننا نتحدث عن الحكاية لا الحبكة، إذا علمنا أنّ الحبكة ــ كما يرى الشكليون الروس ــ " هي التنظيم الفني للأحداث التي تصنع قصة, إنّ الحبكة هي التي تنفرد وحدها بالخاصية الأدبية، أما الحكاية فهي مجرد مادة خام تنتظر يد الكاتب البارع الذي ينظمها " ، ولذلك فإنَّ حديثنا عن قصة "الثعبان " يقتضي التحرك على محوري: زمن اليقظة، وزمن الحلم.

إنّ زمن اليقظة يبدأ بعبارة " كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل" وهي عبارة لافتة تؤكد إلفة الحدث وتكراره وكثرته، وتبرز الشخصية مؤدية وظيفة السرد، ومؤدية فعل الاختلاء بالتمثال، وكأن الوظيفتين القولية، السردية والاختلاء تؤديان عملاً طقوسياً عبادياً، أو دوراً تناسلياً خاصاً، أو كليهما معاً، إذ لا فاصل بين الطقوسية والتناسلية في هذه القصة.

إن القاص يؤكد عبر استنطاق شخصيته بقوله: " أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. في انعكاس الضوء على هيكله.. في شموخه بين الأغصان المرتعشة ".

وإذا كان بجماليون يريد خلق جمال المرأة عبر تمثال يصنعه ثم تدبّ فيه الحياة كما تشير إلى ذلك الأسطورة فإنَّ القاص يعيد من جديد خلق أسطورة بجماليون وتمثاله العاجي بطريقة تناصية خاصة.

ويعرض القاص للمكان عبر الوصف المتناوب بين الجزئي والكلي، ولا يقدم ذلك كله مرة واحدة مستقلة عن تطور الشخصية ونموها النفسي والانفعالي، ويمكننا التحدث عن وصف المكان خارج الشخصية، بمعنى أنّ لكل من الشخصية والمكان وجوداً لا يؤثر أحدهما على الآخر، وإن كان هناك من تأثير فهو تأثير باهت ضعيف:

1. وصف التمثال وملامحه الخارجية:

(كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل.. أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. "

2. وصف الحديقة التي يقع فيها التمثال، ووصف المدينة:

" كل مساء أجدني منساقًا إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقًا يعج بالمسافرين.. " إنّ القاص ينتقل في الوصف من الجزئي إلى الكلي بطريقة تكاد تكون أفقية.

ومن الجدير بالذكر أنّ التحديد المكاني للمدينة بما تشمل عليه

(محطة القطار والفندق " يدل على الصيرورة والتغير، ويكون الزمن عاملًا مهمًا فيهما، فالفندق والمحطة على الرغم من كونهما بنائين ثابتين، فإنَّ من يحل فيهما لا يعرف الثبات والاستقرار، ولقد أكد القاص ذلك، وخصوصًا في حديثه عن ساعة المحطة الضخمة وجلجلتها التي تخترق الكون.

ويمكن التحدث أيضًا عن وصف المكان وقد أصبح جزئية مؤثرة في الشخصية، أو بتعبير أدق، تأثير أحدهما بالآخر ويتبدى ذلك عبر الافتتان بملامح جمال التمثال وآثار ذلك على الشخصية، وتبرز أوليات آثار شهوانية تقود إلى شبقية واضحة في القسم الثاني من القصة، أعني زمن الحلم، يقول: " تتناثر قطرات الماء على نعومة الساقين الجميلين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط ضوئية.. نهدان بكران يشمخان عاليا.. كأن لبن الحياة يسري فيهما، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة.. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي.. زاويتا الفم الصغير تنفرجان عن بسمة تترك أثرًا غامضًا في نفسي.. تشق أخدودًا عميقًا في صدري ".

وينتقل القاص ـــ هنا ـــ من البسيط إلى المركب، أي من حالة الاندهاش والانبهار للتمثال إلى التماهي معه، ويعمد القاص في طريقته السردية الخاصة إلى الفصل بين المرحلتين بحالة انتقالية تضيء جانبًا من المكان وتعبر عن العالم الداخلي للشخصية.. إذ ليس المكان خاليًا.. ولكنه يضجّ بالناس ويعيشون حالات إنسانية اجتماعية واقعية مادية، بخلاف الشخصية القصصية المثالية البيجمالونية التي تحلم على طريقة المتصوفة.. يقول: " لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة، كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة.

إنّ الشخصية القصصية تتماهى ـــ في زمن اليقظة ـــ مع التمثال بطريقة خاصة، وتحيل المفردات إلى عوالمها، فالتماهي مع التمثال يتحول لدى الشخصية إلى لحظات وجد صوفية، أو خمرة" صوفية " تنعش الشخصية، وإذا كان هذا يمثل الجانب الإيجابي من التماهي فإنَّ الجانب السلبي المدمر يشعل حريقًا في الشخصية وسط أضواء شاحبة، ويختلط من ثم السلبي والإيجابي معًا ويندمجان، ويثيران دلالات شبقية، وربما سادية، " أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة، مع خمرتي التي تنعشني.. تشعل حريقًا هائلًا في حطامي.. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام.. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة في داخلي ".

ويتبدى عبر ما سلف في دراستنا لزمن اليقظة في هذه القصة أنّ القاص يتكئ في تقنيته الفنية على أمرين:

1. أنه يهب الشخصية القصصية وظيفة ساردة، فالشخصية هي التي تسرد العمل القصصي.

2. اعتماد القص المونتاج السينمائي، والعناية الفائقة بالجزئيات الصغيرة.

  ولذا تنتقل اللقطة من مشهد إلى آخر على النحو التالي:

-  التمثال " الجسد، والخطوط، ودقة الصنع.. ".

-  الحديقة " الأشجار، والكراسي الحجرية، والنافورة،

والرذاذ.. ".

-  المدينة " الفندق، محطة القطار، المسافرون، الساعة.. ".

ومن الجدير بالإشارة أنّ لقطات المونتاج السينمائي هنا ذات إيقاع بطيء تنساب بهدوء وتلقائية، وتتميز الجمل: بطول نسبي، والاعتماد على الوصف بشكل لافت للنظر " الجسد الرخامي الجميل، التمثال الشاهق، نعومة الساقين الجميلتين، المتعة الوحشية، مخلوقات أسطورية مدمرة.. ".

2

 يتبدى مما سبق أنّ زمن اليقظة له خصوصيته في السرد وتحديد المكان ونمو الشخصية وتطورها، فالراوي هو المحور الذي تدور حوله التفاعلات كلها، إنه الشخصية الأكثر انكشافًا وارتباكًا، ذلك الإنسان المتصدع بين عالمين: واقع فندقي صاخب يقطنه المسافرون والسكارى، وعالم داخلي مظلم تتداخل فيه الشبقية مع التوحد، التصوف مع الهوس، والخيال مع التحلل، لم يُمنح هذا الراوي اسمًا، بل بقي صوتًا داخليًا متوحدًا مع ذاته، يتحدث بلغة مُثقلة بالشعور، مُفعمة بالانفعالات، ومشبعة بالتأمل في تفاصيل التمثال حتى حدود الذوبان فيه، إنه لا يرى في الآخرين إلا كائنات عابرة لا تشاركه تجربته الوجودية، "لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أُقم أية رابطة مع الذين يترددون على الحديقة.."، هذه الجملة تؤسس لاغتراب عميق يعيشه الراوي، لا لأنه منعزل فقط، بل لأنه يرفض العالم الخارجي رفضًا وجوديًا، ويندفع بالمقابل نحو اندماج شبقي تأملي مع التمثال، كأنما يبحث عن خلاص ما، أو عن حقيقة لا توجد إلا في هذا الجسد الرخامي البارد.

لا يُنظر إلى التمثال في القصة كشخصية صامتة، بل هو كائن يحيا في وعي الراوي، يتحول تدريجيًا من صورة جمالية إلى سلطة مرعبة، من أيقونة إلى لعنة، ومن جسد إلى ثعبان، يقول: "الشعاع الغامض يخترق ألواح الزجاج.. يحرقني.. يتغلغل عبر جسدي المحموم"، فالعلاقة هنا لم تعد تأملية بل انتهاكية، علاقة التهام وحلول، ويبلغ هذا التحول ذروته في المشهد الختامي حين ينفجر التمثال/الثعبان في عنف هائل، ويهشم الراوي، لا مجازًا فقط، بل فعليًا، إذ ينتهي متفحمًا، رمادًا، كثيبًا من الجمر، لحظة الهجوم حين "ينبثق الدم من العنق.. يسيل عبر الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض" تشكل لحظة تطابق الرؤيا والهذيان، ويصبح التمثال حيوانًا مميتًا، مزيجًا من الجمال والسم.

 ولا ريب أنّ الشخصية تعاني قدراً من الحرمان نحو التمثال والجمال المتجسد فيه وتتخلل ذلك آثار رغبات غريزية معينة، غير إنَّ زمن الحلم يمهد له القاص بحرمان واضح فرضته الشخصية على نفسها تعبيراً عن جوع ودفء " لم أتناول عشائي هذه الليلة " فهي ليلة مخصوصة" زمن " وحرمان يتجلى في الجوع، وربما بمفهومه العام، ومنذ اللحظة الأولى للولوج في زمن الحلم يتكئ القاص على المونتاج السينمائي المتسارع والمتقطع، وتتداخل مشاهد الصور المتراكمة بين الحديقة والفندق " أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية.. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء.. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي

أذني )، كما أنّ وصف المكان يلتحم بعالم الشخصية " أتحول إلى ورقة مهترئة.. الجفاف يغزوني.. أصبح هشاً كالرمل.. كالرماد.. أنزلق عبر قطرات الماء إلى حوض النافورة.. أتلوى حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين.. أغوص في السرة المحفورة بنعومة.. الأوراق الطرية يحركها الهواء.. سريري يتأرجح كالموج.. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء.. يخبو.. يصبح كنجمة خافتة.. جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون.. توقظني من حالتي.. " وإذا كانت الجمل في زمن اليقظة ذات إيقاع بطيء منساب بهدوء وتلقائية، فإنَّ الجمل في زمن الحلم ذات إيقاع متسارع.. عنيف.. يتميز بالصخب والحركة والضجيج، ويتجلى بالجمل القصيرة، كما يتكئ القاص على تكرار الإيقاع بأداة تشبيهية مرة مثل الكاف " أصبح هشًا كالرمل.. كالرماد.. "، أو تكرار كلمة مثل: " أتلوى حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين " وهذا ملمح أسلوبي يتجلى بوضوح في المجموعة بأسرها.

ولا يتخلى القاص عن طريقته في السرد القائم على الصفة..

" اصطدم ببعض الأجساد الرخوة الناعمة.. أعترض وجوهًا حليقة لامعة.. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة.. بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية.. بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع.. أتيه.. أجدّف صوب نقطتي الوحيدة..".

وإذا كانت الشخصية تتماهى في التمثال في زمن اليقظة، فإنَّ زمن الحلم يمثل تماهيًا من نوع آخر، إذ بمجرد أن تفارق الشخصية التمثال فإنها سرعان ما تعود إليه في الحلم، وتتماهى الشخصية هذه المرة مع " الثعبان " الذي يحقق رغبة الشخصية في التواصل والتلاحم الجسدي المادي مع التمثال، الذي يفقد خصائصه الحجرية الباردة إلى كائن يتحرك.. يتألم.. وينزف دمًا.. ويصرّ القاص في التحدث عن الثعبان " ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين.. يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة.. تجحظ العينان.. تتحرك القدم المحررة صوب النافذة.. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة.. تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب.. حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة.. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين.. الوجنتين الباردتين.. ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم.. في الرخام.. في الحنجرة الناتئة.. تصفر الحشرجة من خلالها.. ينبثق الدم من العنق.. يسيل على الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض..".

إنّ الثعبان هنا دال يعبر عن فاعلية الذكورة، ولذا جاء الحديث عنه بصيغة المذكر، إذ لم يقل القاص " أفعى، أو حيّة " فضلاً عن الفعل الذي يؤديه وسط مونتاج سينمائي لاهث ويتجلى في المقطع أنّ القاص يصف ذلك بتراكم كبير وواضح للأفعال.. " يتلوى، ويلتف، وتنفر، وتجحظ، وتتحرك.. الخ ".

إنّ الشخصية القصصية تتماهى مع الثعبان لتأدية فعل شبقي لم تستطع تحقيقه في زمن اليقظة، فسعت إلى التعويض في تحقيقه في زمن الحلم، وإذا كانت الرغبة المكبوتة الجارفة حين تجد فرصة للتحقق في الحلم فإنها تتحقق عبر أبعاد رمزية.. وبعد أن يتحقق ذلك.. تتلاشى وتذوب.. ولكنها لا تختفي.. بل تتجدد مرة أخرى.. وكذا الأمر مع الشخصية القصصية فإنها تتلاشى مع الرغبة المكبوتة.. وتذوب.. " ينتشر الحريق في كل مكان.. أتحول إلى كثيب من الجمر.. من الجحيم اللاهث والفحيح.. العطش يشقق لساني.. يفتت لحمي كالطين المشوي.. ".

وأخيراً فإنَّ تفتيت الشخصية وتحطيمها.. يعدّ هدفًا تسعى إليه القصة..إنّ الشخصية القصصية هنا.. شأن أغلب الشخصيات في المجموعة القصصية تعاني تفتتاً وتمزقًا وتكسرًا وإحباطًا.. ويعمد القاص إلى تحطيم الشخصية.. إنه يشظّيها.. وهي في كل الأحوال تعبر عن قدر من الإخراج والإظهار..، إخراج الداخل إلى الخارج.. البوح.. التقيؤ.. والرغبات المكبوتة.. تمامًا كما أنهيت هذه القصة.. " أنكبّ على وجهي في الحوض.. أترنح تحت الماء.. أجدّف إلى النبع.. أمتلئ حتى الحافة.. لكن الحرائق تشتعل بداخلي.. تحولني إلى رماد.. إلى كومة من الحجر المحروق.. إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل ".

***

د. كريم الوائلي

 

جلس أبو الطيب المتنبي، كما لو أنّ اللغة ما تزال سيفاً يلمع في قبضته، وقال بنبرةٍ يختلط فيها الزهو بالحكمة التي صقلتها التجارب:

ـ ما بالُكم يا أهل هذا العصر تكتبون الوجع أكثر مما تكتبون المجد؟ كنتُ أرى الشعر صهوةً يمتطيها الشاعر ليعلو، فإذا به عندكم جرحاً مفتوحاً يمشي على قدمين. كأنّ القصيدة عندكم مأتمٌ طويل لا ينتهي.

ابتسم محمود درويش، وفي ابتسامته شيء من هدوء زيتونةٍ عتيقةٍ تعلّمت أن تقاوم الريح دون أن تنكسر:

ـ لأن المجد يا أبا الطيب لم يعد حصاناً فردياً كما كان في زمانك. لم يعد الفارس وحده يصنع الحكاية. المجد صار شعباً كاملاً يبحث عن ظلٍّ لا تقطعه الطائرات، وعن أرضٍ لا تُقتلع من تحت قدميه. نحن لا نصعد فوق الآخرين، بل نحاول أن نحملهم معنا كي لا يسقطوا في هاوية النسيان.

قطّب المتنبي حاجبيه قليلاً، وقال وكأنّ صهيل الخيل ما يزال يتردّد في صدره:

ـ الشعر سيادة، يا ابن هذا الزمن. ومن لم يرفع نفسه رفعته الأقدار تحت أقدام غيره. أنا قلتُ:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

لأن الشاعر إن لم يُعرّف نفسه، ضاع في ضجيج القوافل، وصار صوته مثل حبة رملٍ في صحراء لا نهاية لها.

أجابه درويش بصوتٍ يشبه المطر حين يهبط على أرضٍ عطشى:

ـ وأنا قلتُ: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

لم أبحث عن اسمي وحدي، بل عن اسمٍ يتسع للجميع. البطولة عندكم فردٌ يتوهّج مثل شهابٍ في ليل التاريخ، أمّا عندنا فهي شعبٌ يحاول ألا ينطفئ.

القصيدة لم تعد درعاً للفارس، بل صارت خبزاً للجائعين إلى المعنى.

ضحك المتنبي ضحكةً قصيرةً تحمل شيئاً من المفارقة:

ـ إذن أنتم شعراء الهزيمة الجميلة؟

هزّ درويش رأسه بهدوء وقال:

ـ بل نحن شعراء الأمل العنيد.

أنتم قاتلتم بالسيف حين كان السيف لغة العصر، ونحن نقاتل بالكلمة حين صار الرصاص أعمى.

أنتم أردتم أن تُخلّدوا أسماءكم في الدواوين، ونحن نحاول أن نمنع النسيان من أن يبتلع شعباً كاملاً.

قال المتنبي، وهو يميل قليلاً كأنّه يفكّر في أمرٍ لم يخطر له من قبل:

ـ لكن الشعر بلا كبرياء يُصبح بكاءً، والبكاء لا يصنع تاريخاً.

أجابه درويش:

ـ والكبرياء بلا إنسانٍ يصبح صدىً في صحراء.

القصيدة ليست مرآة الشاعر وحده، بل نافذة الذين لا صوت لهم.

إنها ذلك الضوء الصغير الذي يظلّ مشتعلاً في بيتٍ مهدّدٍ بالانطفاء.

سكت المتنبي لحظةً، ثم قال:

ـ كنتُ أطلب دولةً تليق بشعري.

قال درويش:

ـ وأنا كنت أبحث عن وطنٍ يتّسع لقصيدة.

قال المتنبي، وقد بدت في صوته مسحة تأمل:

ـ عجيب أمركم يا شعراء هذا العصر.

أنتم تجعلون الشعر بيتاً يسكنه الجميع، بينما كنتُ أجعله حصناً أسكنه وحدي.

ابتسم درويش وقال:

ـ لأن المنفى يا أبا الطيب يعلّم الشاعر شيئاً لم يتعلّمه في القصور.

يعلّمه أن البيت الحقيقي ليس الجدران، بل اللغة.

ولهذا كتبتُ:

نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.

رفع المتنبي رأسه وقال بنبرةٍ فيها شيء من الاعتراف المبطّن:

ـ يبدو أنكم جعلتم الشعر وطناً، بعدما كان عندنا تاجاً.

قال درويش:

ـ وربما لأن التيجان تسقط، أما الأوطان فتبقى في الذاكرة حتى لو ضاعت على الخرائط.

ساد صمتٌ طويل، كأنّ قرناً كاملاً يعبر بينهما.

في الأفق مرّت قافلةٌ لا تُرى، ربما كانت قافلة التاريخ نفسه.

ثم قال المتنبي فجأة:

ـ لو عشتُ في زمانك، ماذا تظنني أكتب؟

ابتسم درويش وقال:

ـ كنتَ ستغضب كثيراً… ثم تكتب أجمل قصائدك.

كنتَ ستكتشف أن الكبرياء لا يتناقض مع الحزن، وأن الفارس قد يحمل جرحاً في قلبه دون أن يسقط عن صهوته.

ردّ المتنبي:

ـ ولو عشتَ أنت في زماني؟

أجاب درويش:

ـ لكنتُ سأعلّم سيوفكم أن تصغي قليلاً إلى القلب.

ولقلتُ لفرسانكم إن الأرض التي لا يسكنها العدل ليست جديرةً بكل هذا الدم.

تأمّل المتنبي كلامه طويلاً، ثم قال:

ـ لعلّ الشعر في النهاية ليس مدحاً ولا رثاءً… بل محاولة لفهم الإنسان.

أجابه درويش:

ـ نعم، إنه محاولة الإنسان الأخيرة ليهزم الفناء بالكلمات.

وعند تلك اللحظة، تصافحت القصيدتان.

واحدةٌ تمشي بخطى الفارس الذي يعرف الطريق إلى المجد،

وأخرى تمشي ببطء العائد من المنفى وهو يحمل وطنه في حقيبة اللغة.

لكنّهما أدركتا معاً حقيقةً واحدة:

أن الشعر ـ مهما تغيّر زمنه، وتبدّلت لغاته ووجوهه ـ

سيظلّ ذلك الصوت الخفي الذي يقول للعدم:

لن تنتصر ما دام في الإنسان قلبٌ يكتب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

 

دراسة نقدية موسعة في قصيدة فرحان الخطيب

يُعدّ الشعر، في ماهيته العميقة، أكثر من مجرد بناء لغوي تنتظم فيه الكلمات في نسقٍ موسيقي أو صورةٍ بلاغية؛ إنّه فضاءٌ رمزي تتشابك فيه التجربة الإنسانية مع الذاكرة الثقافية، وتتقاطع فيه الذات الفردية مع الوعي الجمعي. فالنص الشعري لا يكتفي بأن يكون تعبيراً عن إحساس عابر، بل يتحول إلى مجالٍ تأويليّ مفتوح، تنبثق فيه الأسئلة الوجودية وتتشكل فيه صور العالم والإنسان والتاريخ. ومن هنا تبرز أهمية القراءة النقدية التي تتجاوز ظاهر اللغة إلى استكشاف البنية العميقة للنص، والكشف عن طبقات المعنى الكامنة فيه، وعلاقته بالسياقات الفكرية والثقافية التي أفرزته.

وفي هذا السياق تندرج قصيدة «أميمة» للشاعر فرحان الخطيب بوصفها نصاً شعرياً غنيّاً بالدلالات، تتداخل فيه التجربة الوجدانية مع الرمز الحضاري، ويتحوّل فيه الخطاب الغنائي إلى أفقٍ تأمليّ أوسع يلامس قضايا الهوية والذاكرة والتاريخ. فالقصيدة، وإن بدت في ظاهرها خطاباً موجهاً إلى امرأة تحمل اسم «أميمة»، فإنها سرعان ما تتجاوز هذا الإطار العاطفي الضيق لتغدو علامةً رمزية تتعدد أبعادها الدلالية؛ إذ يمكن أن تُقرأ بوصفها تجسيداً للمرأة، أو للوطن، أو للخصب الحضاري الذي يسعى الشاعر إلى استعادته في مواجهة زمنٍ يثقل بالانكسارات.

ويزداد هذا البعد الرمزي عمقاً حين نلحظ أن النص يتحرك في منطقةٍ وسطى بين التراث والحداثة؛ فالشاعر يستدعي معجماً لغوياً مشبعاً بروح الشعر العربي القديم، بما يحمله من مفردات الصحراء والقوافل والحداء والصهيل، غير أنّ هذه المفردات لا تُستعاد بوصفها عناصر زخرفية، بل تتحول داخل البناء الشعري إلى علامات دلالية تسهم في بناء رؤية شعرية معاصرة تقوم على الانزياح اللغوي والتركيب الرمزي. وبذلك يخلق النص شبكة من الإيحاءات التي تربط الماضي بالحاضر، وتجعل من الذاكرة التاريخية خلفيةً دلالية يتكئ عليها الخطاب الشعري.

وانطلاقاً من هذه الكثافة الدلالية، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة قصيدة «أميمة» من خلال منظور نقدي متعدد الأبعاد، يجمع بين التحليل اللغوي والبلاغي، والدراسة الجمالية والفنية، والقراءة الفكرية والفلسفية، فضلاً عن استحضار الأبعاد النفسية والسيميائية والاجتماعية التي تتجلى في النص. كما تهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية الرمزية للقصيدة، وعن العلاقة الجدلية بين الشكل الشعري والرؤية الفكرية التي يحملها الشاعر، بما يتيح فهماً أعمق لدينامية النص وإمكاناته التأويلية.

إنّ هذه القراءة لا تنطلق من رغبة في إصدار حكمٍ نهائي على النص، بل من محاولة لاستكشاف آلياته الجمالية وإضاءة أفقه الدلالي، وإبراز موقعه ضمن سياق الشعر العربي المعاصر. فالنقد، في جوهره، ليس محكمةً تصدر الأحكام، بل هو فعل معرفة يهدف إلى إعادة اكتشاف النصوص، والكشف عن طاقتها الكامنة على توليد المعنى.

تندرج قصيدة «أميمة» ضمن الشعر العربي الحديث الذي يمزج بين البنية الغنائية الكلاسيكية والرؤية الرمزية المعاصرة. فهي قصيدة تتحرك بين مستويات متعددة من الدلالة:

مستوى الخطاب العاطفي الموجّه إلى المرأة.

ومستوى الرمز الحضاري الذي تتجسد فيه الأمة والهوية والتاريخ.

ومستوى التأمل الوجودي الذي يعكس قلق الذات العربية بين الماضي والحاضر.

وبذلك لا تبقى أميمة مجرد مخاطَب شعري، بل تتحول إلى علامة رمزية مركبة تتقاطع فيها دلالات الأنثى، والوطن، والذاكرة التاريخية، والخصب الحضاري.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، إذ يحافظ الشاعر على نسق فصيح قريب من اللغة التراثية، مع توظيف أساليب حديثة في البناء الشعري.

نلاحظ في التراكيب:

"هاتي لرعشتنا أنوثتك النقية للبقاء"

هنا يركّب الشاعر جملة طلبية ذات شحنة رمزية عالية، حيث تتجاوز الأنوثة معناها البيولوجي لتصبح مصدر الحياة والاستمرار.

كما تظهر الانزياحات اللغوية في مواضع عديدة مثل:

"يشلّنا ثقل السهاد"

السهاد حالة نفسية، لكن الشاعر يمنحها ثقلاً مادياً يقيّد الحركة، وهو انزياح دلالي يخلق كثافة شعورية.

وفي قوله:

"جسدي تشظّى"

الذات هنا تتحول إلى كيان متفكك، مما يعكس التشظي الوجودي الذي تعيشه الشخصية الشعرية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تقوم اللغة على توازن واضح بين الجزالة الكلاسيكية والتعبير الحداثي.

يتجلى ذلك في استخدام مفردات تراثية مثل:

١- الصهيل

٢- الحداء

٣- القوافل

٤- الزمهرير

٥- المنجنيق

لكن هذه المفردات لا تأتي بوصفها زينة لغوية، بل بوصفها علامات ثقافية تستحضر ذاكرة التاريخ العربي.

وفي المقابل، يخلق الشاعر لغة تصويرية حديثة:

"أُلملم الأشلاء مصطاداً تواليها"

حيث تتحول الذات إلى صياد يجمع أجزاءه المتناثرة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى الشعر الحر القريب من التفعيلة، لكنها تعتمد بشكل كبير على الموسيقى الداخلية.

يتحقق الإيقاع عبر:

التكرار

يتكرر النداء:

"هاتي"

وهذا التكرار يخلق إيقاعاً توسلياً يعكس حالة الاحتياج الوجودي.

الجرس الصوتي

مثل:

السهاد – الحداء – الصدى

وهذه الأصوات ذات امتداد مدّي يعزز الجو التأملي.

القافية الداخلية:

مثال:

السهاد / الحداء / الصدى

وهذا يخلق موسيقى خفية لا تعتمد على القافية التقليدية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة تقوم على بنية حوارية بين الشاعر وأميمة.

لكن هذا الحوار ليس حواراً مباشراً، بل مونولوج شعري تتحول فيه أميمة إلى مخاطَب رمزي.

البنية تتطور عبر ثلاث مراحل:

١- مرحلة الاستدعاء العاطفي

٢- مرحلة استحضار الذاكرة التاريخية

٣- مرحلة البحث عن الخلاص

2. الرؤية الفنية:

الرؤية الشعرية هنا تقوم على فكرة مركزية:

الأمة في حالة مخاض حضاري.

يتجلى ذلك في قوله:

"ألم المخاض لأمتي"

فالأمة ليست في حالة موت، بل في مرحلة ولادة مؤلمة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تظهر الدهشة الشعرية في الصور المركبة مثل:

"الشرق من عينيه طرّزنا خيوط الكبرياء"

الصورة هنا تجمع بين:

١- الشرق (رمز الحضارة)

٢- العين (رمز الرؤية)

٣- التطريز (رمز الجمال)

وهي صورة تجمع بين البصري والرمزي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص:

النص يطرح أسئلة وجودية مثل:

لماذا تراجعت الأمة؟

هل يمكن استعادة المجد؟

هل الخلاص يأتي من الداخل أم الخارج؟

2. الأفق المعرفي:

القصيدة تستند إلى مرجعيات متعددة:

١- التاريخ

مثل الإشارة إلى:

تيمور

وهو رمز للغزو والتدمير.

٢- التراث الشعري

مثل الإشارة إلى:

"بمنعرج اللوى"

وهو استدعاء واضح للمقدمة الطللية في الشعر الجاهلي.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

أميمة في المستوى التأويلي قد ترمز إلى:

١- المرأة

٢- الوطن

٣- الأمة

الذاكرة الحضارية.

وهذا التعدد الدلالي يفتح النص على قراءات متعددة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

النص يعكس قلق الإنسان العربي المعاصر في ظل التحولات السياسية والثقافية.

2. تطور النوع الأدبي:

القصيدة تقف في منطقة وسطى بين:

القصيدة العربية الكلاسيكية

الشعر الحر الحديث.

3. التفاعل مع التراث

يتجلى ذلك في استدعاء:

١- القوافل

٢- الصحراء

٣- الحداء

٤- الفروسية

وهي عناصر من الذاكرة العربية القديمة.

خامساً: الأسس النفسية

1. تحليل البنية الشعورية

تسيطر على النص مشاعر:

١- الحنين

٢- القلق

٣- الفقد

٤- الأمل

2. تحليل الشخصية الشعرية:

الذات هنا ذات ممزقة بين الماضي والحاضر.

يقول الشاعر فرحان الخطيب:

"جسدي تشظّى"

وهذا يعكس حالة تفكك الهوية.

3. النبرة النفسية:

النبرة العامة هي نبرة قلق حضاري ممزوج بالأمل.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

النص يعكس أزمة الهوية العربية المعاصرة.

2. الخطاب الاجتماعي:

يظهر في نقد الانكسار الحضاري.

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر فرحان الخطيب هنا يؤدي دور الشاهد على أزمة الأمة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

من أهم الرموز:

الغراب - التشاؤم

النهر - الحياة

الصحراء - القحط الحضاري

أميمة - الخصوبة والبعث

2. الثنائيات الدلالية:

الحياة / الموت

١- الخصب / القحط

٢- الماضي / الحاضر

٣- الانكسار / النهوض

3. النظام الرمزي:

النص يبني شبكة رمزية تقوم على:

الخصب مقابل الجدب الحضاري.

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد هذه الدراسة على مزيج من المناهج:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج السيميائي

٣- المنهج النفسي

٤- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

النص يحتفي بالإنسان وقدرته على الانبعاث من الانكسار.

2. الانفتاح التأويلي:

القصيدة تتيح قراءات متعددة بسبب غنى رمز أميمة.

3. البعد الإنساني:

النص لا يتحدث عن أزمة فردية فقط، بل عن أزمة حضارية إنسانية.

خاتمة:

تكشف قصيدة «أميمة» لفرحان الخطيب عن تجربة شعرية تجمع بين:

١- الجزالة اللغوية

٢- الرمزية المركبة

٣- الرؤية الحضارية

وتنجح القصيدة في تحويل الخطاب العاطفي إلى تأمل في مصير الأمة العربية، حيث تصبح أميمة رمزاً للخصب والبعث بعد زمن القحط والانكسار.

وهكذا يتجاوز النص حدود الغنائية الفردية ليغدو قصيدة في الوعي الحضاري والبحث عن المعنى في زمن التشظي.

لقد كشفت هذه المقاربة النقدية لقصيدة «أميمة» أنّ النص يتجاوز حدود الغنائية الفردية ليغدو فضاءً شعرياً تتقاطع فيه الذات مع التاريخ، والحنين مع الوعي الحضاري. فالشاعر فرحان الخطيب لا يستحضر صورة المرأة بوصفها موضوعاً عاطفياً فحسب، بل يجعل منها رمزاً كثيف الدلالة يختزن معاني الوطن والخصب والذاكرة، في محاولة لاستعادة المعنى في زمنٍ تتنازع فيه الذات مشاعر التشظي والبحث عن الخلاص.

كما يتضح أن قوة القصيدة تكمن في قدرتها على الجمع بين جزالة اللغة الموروثة والانزياح التعبيري الحديث، بحيث يتحول المعجم التراثي إلى عنصر فاعل في بناء رؤية شعرية معاصرة. ومن خلال هذا التفاعل بين التراث والحداثة تنشأ شبكة رمزية تمنح النص طاقة تأويلية واسعة، وتفتح أمامه إمكانات متعددة للقراءة.

وهكذا تظل «أميمة» نصاً شعرياً ينتمي إلى تلك الكتابة التي لا تُستنفد دلالاتها في قراءة واحدة، بل تظل قابلة لإعادة الاكتشاف عبر قراءات جديدة. وفي هذا تكمن قيمة الشعر الحقيقي: قدرته على البقاء حيّاً في الذاكرة الثقافية، لأنه لا يكتفي بأن يقول المعنى، بل يظل قادراً على توليده باستمرار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

أُميمة

شعر: فرحان الخطيب

هاتي لرعشتنا أنوثتكِ النقيّةَ للبقاء..

هاتي ضفيرتَكِ أنشريها فوقَ هامتنا..

 بقايا من غطاءْ..

هاتي ذراعَكِ وسّدينا..

وامنحينا غفوةً..

فالانتظار كما المدى..

ويشلّنا ثقلُ السّهاد..

أم أننا كأوابد التاريخِ تحنيطاً..

 كقَدِّ المومياء..!!؟

كالزّاحفين إلى سَرابٍ في حُداءْ..

وكُلّما نعقَ الغرابُ..

يصدُّنا رجعُ الصدى..

نهْوي..

فيرتجُّ الحُداءْ..

*

 هاتي حياةً قدْ كرهتُ تبعثري..

تُرْباً.. حصاةً..قشّةً أو حُقَّ ماءْ..

جسدي تشظّى..

فابعثي خِصْبَ الحياة لهمّتي..

ولرونقي بعضَ الدّماءْ..

أسري..

فيذروني السُّرى..

فأُلملمُ الأشلاءَ مُصطاداً تواليها..

فيغشاني التّبسمُ والبكاءْ..

أكملتُها..

اكملتُ شكلَ تشكّلي..

دعني أقلْها ما خشيتُ الازدراءْ..

لا زلتُ في طور النماءْ..

 *

هل تذكرين لقاءَنا حينَ ابتدأتُ أجولُ في تغريبتي..

والشرق من عينيهِ طرّزنا خيوطَ الكبرياءْ..

وإذا تهبُّ الأرضُ تنتعشُ الرّبى..

كي يستريحَ كميُّها..

وتدقُّ حافرَها الخيول هوىً..

 فيشتعل الصّهيلُ..

يرجُّ أروقةَ الفضاءْ..

*

هل تذكرين نزالنا في يوم قيظٍ مكفهرٍّ..

مزّقوا فيه الضياءْ..

وهناك والبرديُّ وحيٌ من إلهْ..

وهناكَ والشلّال فيضٌ من إلهْ..

كم أكثروا بقعَ السّوادْ..

همجٌ وتيمور انتشى..

أرأيتِ كيفَ النّهرُ يمشي..

في تثنّيهِ اختراقُ الخاصرهْ..

تلقاهُ كلُّ شواطىء الضّادِ احتراقاً..

 من لهيبِ الهاجرهْ..

كم صيّروا جبهاتنا منزوعة الغارِ الذي..

 ما اعتاد كيف الانحناءْ..

من حينها..

ألمُ المخاضِ لأمّتي..

ولغيرنا تَلِدُ السّماءْ..

*

هاتي شواطئكِ ادفعيها باتّجاهِ تلهّفي..

فالبرُّ ينأى والمياهُ عنيدةٌ..

والروح نازعها الحنينْ...

والقِرْشُ ساحتهُ البحارُ..

وما استباحَ توجّعي..

لو كنتُ أعرفُ كيفَ ينسحبُ الطّريقُ إليكِ..

للشطِّ الأمينْ..

هاتي جناحكِ واحمليني باتّجاهِ ضفافنا..

كالفاتحينْ..

لا عشتُ أرعى إبْلَنا..

وهزيلُها عندي سمين..

*

 هاتي اصفرارَ الرّاحلينَ..

على كُتيّبِ طفلتي..

ف " وحيدُ " تزهو بالغناءِ..

ولا تداري لهفتي..

وفتىً يديرُ النّشوةَ الحمراءَ في إبريقِ ماءْ..

ويرنُّ بالسمع الحُداءْ..

جاءتْ أُميمةُ تندهُ السُّلطانَ نازعةَ الحياءْ..

فإذا اسْتُبيحَ الرّبعُ..

ما معنى استتارُكِ يا أميمة بالحياءْ..

*

 أنا يا أميمةُ..

ما انتظرتُ المنجنيقَ لكي يدكَّ شواهقي..

ويُخلَّ في أُسّ البناءْ..

لو تذكرينَ قوافلي صوبَ العراقِ..

إلى صحارى تلمسانْ..

لو يا أُ ميمةُ تذكرينَ جموحَنا..

والزّمهريرُ يفتُّ غضَّ إهابنا..

ويكادُ يندثر الرّجاءْ..

*

لو تذكرينَ أُميمة الوادي..

" بمنعرج اللوا "

قحطٌ ثراهُ يهزّنا عصْفُ الخُواءْ..

لو تذكرينَ كما تذكّرتُ أنا..

ماقلتِ كيفَ نرشُّ فيهِ بذَارنا..

وسماؤنا من دونِ ماءْ

*

 لو يا أُميمة تحبلين َ..

برغمِ عُقمِ تجلّدي..

لو يا أُميمةُ تحملينَ..

وتقبلينَ برعشتي..

لن أُخبرَ الأعرابَ عن سرّ التّوهجِ واللقاءْ..

خلّي مقلتيهِ..

تهيمُ في وجعِ السّنين..

دُلّيهِ لو ودَّ البقاءْ..

لي وردتان على تخوم تصحري..

لي قطرتان من الندى..

تحيي نسيجَ تجذري..

هيّا أميمة كي نجنّ لكي يكونَ لنا بقاء..

صدرت رواية (توقيت آخر للحياة) للروائية العراقية بشرى الهلالي عن دار الحكمة – لندن 2026 ضمن جديد المكتبة الروائية العراقية، وهي التجربة الروائية الثانية لها بعد رواية (المواطنة 247) والتي أعطت هذا العمل اسمه ليُعلن عن تجربة سردية تتجاوز الزمن المألوف وتعيد رسم لحظات الوجود من منظورٍ مختلف وعميق.

في رواية توقيت آخر للحياة للروائية العراقية بشرى الهلالي لا نكون أمام حكاية تُروى بقدر ما نكون أمام زمنٍ يُعاد اختراعه. فالرواية لا تنشغل بما حدث بقدر ما تنشغل بكيفية حدوثه في الوعي، ولا تهتم بتسلسل الوقائع بقدر ما تفتّش عن التشققات الخفية التي يتركها الزمن في الروح.

الروائية، بصفتها أكاديمية وكاتبة وصحفية عراقية، تضع في هذا النص تجربتها الفكرية والمعرفية، فتطرح من خلاله أسئلة وجودية حول الهوية، والاغتراب، وإعادة البناء الذاتي بعد الصدمة، مما يجعل الرواية تتجاوز مجرد السرد الواقعي إلى سرد فلسفي وتأملي في معنى الحياة والزمن.

منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام فرضية وجودية: ماذا لو أن للحياة أكثر من توقيت؟ ماذا لو أن ما نظنه نهايةً ليس سوى انتقالٍ إلى إيقاعٍ آخر لا تقيسه ساعات الجدران بل نبضات الداخل؟ هنا لا يعود الزمن إطارًا خارجيًا، بل يتحول إلى بطلٍ خفيّ، يوجّه التجربة، ويعيد ترتيب العلاقات بين الذاكرة والحاضر.

الرواية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالسرد التأملي–الوجودي؛ حيث تتقدّم الذات الساردة بوصفها مركز التجربة، لكنها ليست ذاتًا مكتفية بنفسها، بل ذاتًا في حالة انكشاف دائم. المكان، مهما كان بعيدًا جغرافيًا، ليس سوى مرآة داخلية؛ والغربة ليست انتقالًا من وطن إلى آخر، بل انتقال من يقينٍ إلى سؤال.

تتحرك البنية السردية بعيدًا عن الخطوط التقليدية. الزمن فيها متشظٍ، متداخل، يطلّ الماضي من ثنايا الحاضر، ويطلّ الحاضر من ذاكرة لم تُحسم بعد. هذا التداخل لا يأتي بوصفه تقنية شكلية، بل ضرورة نفسية؛ فالذات التي تعيش “توقيتًا آخر” لا تستطيع أن تسرد حياتها بلغة مستقيمة. إنها تعيد تركيب نفسها عبر شظايا.

لغة الهلالي تميل إلى التكثيف والتأمل. ليست لغة وصف خارجي، بل لغة إصغاء داخلي. الجمل تتقدم بحذر، كأنها تتحسس الطريق في عتمةٍ شفيفة. ثمة ميل واضح إلى تحويل الفكرة إلى صورة، والصورة إلى سؤال. فلا شيء يُقال بشكلٍ مباشر تمامًا، ولا شيء يُترك بلا أثرٍ رمزي.

أما على مستوى الثيمة، فإن الرواية تعالج سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يُجاب عنه دفعةً واحدة. الهوية هنا ليست معطًى ثابتًا، بل كائنًا يتحول تحت ضغط التجربة. الاغتراب لا يُقدَّم ككارثةٍ نهائية، بل كفرصةٍ لإعادة تعريف الذات. في هذا السياق، يصبح الألم أداة معرفة، ويغدو الانقطاع شرطًا لبدايةٍ أعمق.

إذا ما قورنت هذه الرواية ببعض تيارات الرواية العربية الحديثة، فإنها تقترب من الأعمال التي تعلي من شأن الداخل على حساب الحدث، ومن الفلسفة على حساب الحبكة الصاخبة. لكنها لا تقع في فخ التجريد البارد؛ إذ تظل التجربة الإنسانية نابضة، ملموسة، مشدودة إلى حساسية أنثوية واعية لا تكتفي بوصف العالم بل تسائله.

قوة الرواية تكمن في هدوئها. إنها لا تصرخ كي تُسمَع، بل تهمس لتجبرك على الاقتراب. لا تقدّم خلاصات جاهزة، بل تفتح بابًا نحو مراجعة شخصية للزمن الذي نعيشه. كأنها تقول: ليست الحياة ما يحدث لنا، بل التوقيت الذي نختاره لفهم ما حدث.

في خلاصة القراءة، يمكن القول إن (توقيت آخر للحياة) ليست رواية عن حدثٍ بعينه، بل عن التحول ذاته. عن تلك اللحظة التي ينهار فيها الإيقاع القديم، فنكتشف أن في داخلنا ساعةً أخرى لم ننتبه لها من قبل. رواية تُعيد تعريف الزمن بوصفه تجربةً روحية، وتعيد تعريف الحياة بوصفها إمكانيةً دائمة للبدء من جديد.

***

حميد الساعدي - كاتب وشاعر / العراق

عتبة الديوان في آفاق الروح. للشاعر العراقي محمد عبد الله الحسو هي البوابة التي تفتح على عوالم الديوان ومكابداته العميقة.

 آفاق محمد الحسو أشعة جمالية تحمل معان ودلالات عدة... الاتساع الجمالي ورحابة الحب. إذ تؤكد اضمامة من القصائد على سعة الروح وآفاقها الواسعة التي تتجاوز الماديات والمعاني المباشرة نحو عوالم فكرية وروحانية سامية. آفاق الروح رحلة داخلية. في ذات الشاعر المسكونة بالحب والتأمل العقلاني للكون ودلالاته الإيمائية والجمالية.

آفاق روح محمد الحسو طيران بأجنحة الروح في فضاء الجمال والحلم، متجاوزة مرارة الواقع. وأوجاعه بغية الوصول إلى الأمل المنشود، والوصول إلى المعنى الجمالي للحياة، بكل تجليات الجمال العقلية والروحية.

وتعني آفاق الروح أن الجسد ليس هو العامل الحاسم في الحياة. إنما الروح وفاعليتها في إدراك العالم وجمال الحياة، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة عن الوجود وماهيته، والمعنى وعمقه، والهدف وفاعليته. والموت ومرارته.

وفي أفق الروح صورة شعرية ثرية بالدلالات التي تتمحور حول الأمل والحرية والإبداع. ويتدفق الأمل، ونور الحرية والحب ونتحرر من قيد الزمن، و ننغمر في أعماق الذات بحثا عن معنى الجمال، وهي مهمة الشعر الجمالية.

 في آفاق الروح، يتوحد الحب بالحقيقة. ويتوحد الحلم بالحقيقة. وتشف الروح لتصبح مرآة الحق والحقيقة، ووطناً للحرية.2523 alhasow

في آفاق الروح، عمق فلسفي جدير بالمتابعة والتحليل، فالفلسفة وعمقها الروحي صنوان لا يفترقان، وقد استوعبت لغة الشاعر الأبعاد الفلسفية التي لامست الروح والعقل. من خلال دقة التركيز على المفاهيم الفلسفية، بغية الكشف عن معاني الكون والحياة والأخلاق، عبر لغة الشعر التي تحسن صياغة جمال العالم.

لقد عبر الشاعر الحسو عن كثير من المفاهيم الفلسفية الكبرى. مثل الموت والحياة والحرية والقدر، من خلال الرمز والاستعارة، والإيحاء لإعطاء تلك المفاهيم روحا شعرية. وعمقا تأويليا يفتح رحاب التأمل والتفسير من خلال الصورة الشعرية.

ومن ملامح شعر الحسو الفلسفية تأكيده على الروح الإنسانية، والبحث عن المعاني الخلاقة للكون والحياة والإنسان والحب.

وبالرغم من سوداوية الموت. إلا أن الشاعر الحسو واجه الموت بالشعر، ليخفف أحزانه التي أثارها موت الزوجة والولد.

والحب عنده غاية وجودية خلاقة، لا تعرف السطحية والإسفاف والحسية البذيئة، فكانت تشبيهاته وصوره الجمالية قد استوعبت الظواهر، الوجود المادي والإنساني. ورسمتها بريشة الشعر الخلاق التي تعين على الانسجام مع الطبيعة، وبناء علاقات إنسانية نبيلة. فالجمال والحقيقة صنوان لا يفترقان في ديوان (في أفق الروح).

يمتلك الشاعر محمد الحسو و. قدرة تعبيرية في صياغة الرؤى هو موضوعاته الشعرية. وكذلك قدرة على توصيل. المعطى الشعري بدقة وجمالية، وفي الحالتين فإن قصائده امتلكت إيقاع شعريا يلامس القلوب.

حين تسكن الفلسفة حضن القصيدة، تلين كطفل في حضن أمه، ذلك أن الشعر هو أكثر الأبواب التي. تحبب الناس في الدخول إلى الفلسفة، كما أن الشعر والفلسفة صديقان حميمان للحرية والجمال، كلاهما يرتقيان باللغة إلى قمم الجمال.

أسئلة الفلسفة في ميدان الشعر هي بحث عن جماليات الوجود، وأسئلة الشعر الفلسفية، هي إعادة خلق للغة في بناء العالم. الفلسفة في حضرة الشعر تعيد صياغة الموت ليس بوصفه قوة عدم للإنسان، وإنما بوصفه جسر التحول إلى عالم جميل آخر. الموت في حضرة الفلسفة والشعر هو حركة الذات الإنسانية نحو الخلود، رحلة انتظار ذات أخرى في ملكوت الخلود.

والشعر عند محمد الحسو تجسيد لحالات وجودية تشغل في الفلسفة حيزاً مهما، إذ أن غاية الشعر هي العالم الذي يرسم لنا خرائط الفلسفة، وخرائط الفلسفة هي التي تنظم حركة القصيدة يريك الشعر في روضة الفلسفة الكون نهراً يجري بلا توقف، ترف على شواطئه أجنحة الموت والحب، الحلم والحقيقة.

وحدة الشعر والفلسفة خطوة جمالية على طريق (الكونية)، لأن الشعر والفلسفة ينشغلان بما هو مشترك في الكون والإنسان، كلاهما يوفران حرية التأويل، فيسرح العقل والخيال في فضائل كون يقتنص المعاني الخالدة.

يلتقي الشاعر والفيلسوف في العشق، هذا في عشق الشعر، وذلك في عشق الفلسفة، ومن هذا العشق يضيء العالم بالجمال، وفي الحالتين تتطور سيرورة الوعي.

 الشعر والفلسفة أدوية الحضارة، الشعر. يعالج الخيال من الجفاف والفلسفة تعالج الوعي من الجمود.

أول خطوة في درب الرؤى الفلسفية يفتتح بها الديوان. قصيدة حديثة هي أضواء العبقرية. التي يريدها أن تضيء قلبه وروحه، ويأنس بقوتها، فهو يطرب على أنغامها العذبة، ووهجها الملتهب 

يا اضواء العبقرية.

أشرقي على روحي/ وأطرحي أنداءك العلوية على قلبي/ ولا تخافي عليه حرارة النور/فهو يعشق الوهج الملتهب/ يا أنغام العبقرية/رددي أنغامك العذبة في أذني/فلا أطرب إلا لكِ. ولا أهتز شوقا إلا إليك.

 ألقي في إذني أنغام الصخب واللجب الرهيب /لتزداد ثورتي اشتعالا، وتتقد نفسي التهابا / وترتفع روحي تسامياً/ لا أريد ألحان الرقة والابتسامة والرضا المثبط البارد/ بل ألحان اللهب التي تصفي نفسي من أوضار الراحة والقناعة / يا راية العبقرية رفرفي فوق روحي / واخفقي أمام عيني ؟

قصيدة الشمس عميقة عمق الشمس وأهميتها، فهي عنده رمز التغيير والصيرورة والبقاء وسر الوجود الغامض. لقد ألبس الشمس ثوب الفلسفة مطرزا بجمال الشعر ولغته الخلاقة:  

 أنت أيتها الشمس/رمز التغيير، والصيرورة والبقاء/أنت كحياة الإنسان في البزوغ والإشراق

والاستواء والجنوح والغروب/كحضارات الإنسان في الولادة والنماء/والنضوج ثم الانحدار فالاندثار/ كأنك يا ساعة الوجود الكبرى، رمز لكل شيء موجود ...

وفي قصيدته من وحي صفي الدين الحلي. جاء الربيع يتحدى الألم والشقاء:

فاصبر هديت لغمة، أو كربة  

  وتحمل الآلام كالشجعان.

هذي هي الأيام في دورانها     

     عجن الشقاء بطينة الإنسان.

أشهد بروحك سوسنا متفتحا 

   وأطبعه في الأعماق في الوجدان.

وانظر هنالك قرنفلًا في قربه  

  همست عليه شقائق النعمان

**

شوقا الى نور الوجود تطلعاً   

  وتلهفا لمشارق الاكوان

نور وشوق ههنا وتمازج 

    في ضوء بارقة وصمت لسان

فالروح تصعد للعلاء بأفقها 

    والصمت نطق والبعاد تداني

وتظل الطبيعة إحدى القوى الفاعلة في شعر الحسو، فيرسم علاقة وجودية بين الطبيعة والشاعر، في قصيدته الطبيعة والشاعر: 

في كل غصن منبع متفجر

 من كل معنى رائع الإيقاع

وبكل نغمة بلبل مترنم 

 لحن يذوب بهالة الإشعاع

رمت الطبيعة شرها وتبرجت

 مفتوحة الأكمام دون قناع

**

فأجاب شاعرنا الطبيعة قائلا

 أنت العزاء لشاعر فنان.

ولأنت بلسم روحه مكلومة

 ولأنت وحي الحق والإيمان.

في ضوء شمسك نشوة قدسية

  سكب الجمال بفيضها الفتان.

ويؤكد حضور الطبيعة، بوصفها قوة فاعلة في شعره. في قصيدته شعري:

شعري من الغابات، نشوة سحره 

 وروائح القداح والأزهار.

ومن الخمائل  أيكها متكاثف 

 خضراء، تندى بالنمير الجاري.

شعري يصاغ من الأصيل وذوبه

  ومن المساء ونفحة الأسحار.

ومن الزنابق والبراعم والغصون

 المائسات وأخضر الأشجار.

   وللفلسفة الصوفية حضورها الخلاق في شعره، من خلال استحضار رموزها الكبرى، كما جسد ذلك في قصيدته من وحي حافظ الشيرازي.

يا حافظ الأسرار هبني نفحة

           من نار شوق أفعمت بالنور.

خذني إلى رحب الخلود وقدسه

 واكشف لي الأسرار من مستور

واملأ فؤادي عامرا من منبع       

      ما جت به الأحلام طي عبير.

لطفا (لسان الغيب) ذابت مهجتي

    بحنين شوق العالم المسحور.

الى ان يقول

وإذا الفؤاد تلامست أعماقه   

       بجلال قدس العالم المسحور

فتحت له سبل الخلود بأسرها، 

  وسمت به الأرواح عبر أثير

  ويتناول الكآبة، وما تحدثه من ألم في قصيدته رفيقة العمر ليعبر عن طبيعة العلاقة بين الكآبة والشاعر في لحظة حياتية قاسية، أبت إلا أن تشرق بقصيدة تعبر عن العلاقة بين الكآبة والألم، وحياة الشاعر:

وقالوا الكآبة أقبلت في موكب

 فأجبتهم يا مرحبا بصديقتي.

رافقتها زمن الطفولة والصبا

 في دروب العمر تصحب رحلتي.

فإذا نأت ساءلت عن أخبارها،

وإذا دنت تمّت هنالك فرحتي.

وكآبة قد أزمنت وتوطنت

  وتمازجت وتناغمت في مهجتي،

فإذا أتى بعض السرور بقربها،

غضبت عليه وأعرضت وتولت،

في قصيدته صحبة الصالحين القدماء، يعبر عن قيمة أخلاقية كبيرة، ويبين أهمية مصاحبة الصالحين وأي الصالحين، هؤلاء الذين كانوا رفاق الشاعر ومصادره الشعرية. يرتوي من صافي عطائهم. إنهم فريد العطار، وجلال الدين الرومي، وعبد القادر الجيلاني، والجنيد. لتنبثق من صحبة هؤلاء رؤيته للعشق في قصيدته أسرار العشق. ليصوغ أسراره بلغة شعرية شفيفة، وصور شعرية ترسم للعشق عالما خلاقا:

العشق يقضي أن نظن بسرنا 

 لا خير في عشق بلا كتمان

عشق الحبيب شرارة بقلوبنا

  لا خير في عشق بلا نيران

العشق يحرق أكبداً بلهيبه

  وشفاؤه عند اللقاء الداني....

شغلت الفلسفة الصوفية حيزا مهماً في الديوان، فبعد العشق ومكابداته تأتي قصيدة دليل الطريق ليبين لنا مسلك الوصول. لسان الغيب حافظ الشيرازي. الذي يظل حاضرا في الديوان، يرسم ملامح فلسفة الشاعر الصوفية، إذ يتأكد الأمر في قصيدة يا نبع عين اللطف:

رحماك قد صدئ الفؤاد بوحشة

  و تناوشته من الحياة أفاعي.

يا نبع عين اللطف لطفك ضامن

 إنقاذ قلب اللهف الملتاع.

يا نبع عين اللطف، إن بليتي

 هذي الشباك تعلقت بشراع.

البحر مضطرب العباب، وموجه

 متقاذفٌ والريح في إسراع.

رباه، نشكو الهموم كثيرة

 من حول قلب صارخ الأوجاع.

يا حافظ السر البعيد بشعره،

 ألهم فؤادي لمحة الإبداع.

هب لي من الشعر الجميل منابعا

  حتى تضيء بواطني بشعاع

 وكذلك في قصيدته من وحي حافظ الشيرازي صدى الناي البعيد

 قلبي الذي ملأ الأسى أعماقه

   ورست سفينته على الأحزان.

اسمع صدى الناي البعيد لشاعر

 فالأفق ماج بأعذب الألحان.

يا أيها القلب الذي ماج الأسى

 في طيّه كتماوج الشطآن.

إن كنت تهفو للخلاص من الأسى

   فأضئ فديتك شعلة الإيمان.

ليلقي بعد هذه الرحلة العميقة زورق روحه في بحر التصوف، بغية الحصول على الخلاص:

القيت في بحر التصوف زورقي

   من فوق موج غائر الأعماق.

الشعر فيه شراعه وعماده

    يسري على لجج من الأشواق

بين التصوف والتأمل شاعر

    يحيا على اللمحات في الإشراق.

يا زورقي واصل مسيرة هائم

    فوق العباب الصاخب الخفاق

حتى ترى الأحباب عند جزيرة

 مزدانة بمواكب العشاق.

 لقد أوصلته رحلته الثقافية التي احتل التصوف فيها مساحة كبيرة، إلى الربط بين الشعر والدين في صناعة القيم الإنسانية الخلاقة كما في قصيدته الشعر:

الشعر كالدين يعطي العمر قيمته

  و ينفح القلبَ بالأنغام ألوانا

محرابه قدس من أفق مبدعه

  إن شئته زهرا أو شئت ريحانا.

أو شئته فكرة زهراء حالمة

   أو شئته حلما يروي الذي كانا

. إن كنت تملكه هل أنت تقدره

   إن تعطه شغفا في القلب تحنانا

أم أنت تهجره في بحر عاصفة

   ترمي لنا حمما بالشر.. بركانا

إني لأهجره والقلب محترق  

  والدهر في كرب بالبؤس أضنانا.

وفي ذات الرؤية الصوفية، تبين قصيدته في محراب الطبيعة كيف يربط بين وحي الطبيعة الجمالي وجمال الترتيل في المسجد:

شبح أنا ما بين وحي طبيعة

  وجمال ترتيل الدعاء بمسجد

أسري على خفق المياه بنهرها،

 وأرى بملتف الخمائل معبدي.

شم الأريج عبادة بأصائل

 والشمس تُسكب من دفوق العسجد

و الصامتات الهاجعات نواطق

  هزت شعور الشاعر المتوقد

أنا شاعر في عزلتي مترنم

أحيا على ذوب الجمال السرمدي

**

وحدت حبي للوجود ظواهراً 

  وبواطنًا و السر عند موحد

الغصن رمز للخمائل كلها

  والنهر رمز للمحيط المزبد.

يا سائلا عني على حلك الدنا

 أنا ههنا في الغاب أو في المسجد

تنمو هذه الرؤية الجمالية، ليصل إلى وحدة الحب والوجود؟

أهوى الطبيعة طلقة مخضرة

  وأحبها في كل غصن أجرد

وحدت حبي للوجود ظواهرا 

وبواطناوالسر عند موحد

الغصن رمز للخمائل كلها

 والنهر رمز للمحيط المزبد؟

يا سائلا عني على حلك الدنا

 أنا هنا في الغاب أو في المسجد.

ويظل عشقه للوجود فاعلا شعريا في قصائده كما في قصيدة غنَى:

كشف الحجاب عن الجمال فهالني

   وأذابني وبلمحة أفناني

فوعيت معنىً للوجود مقدساً

 أحيا به عبر الوجود الثاني.

ما كان أفقرني بأول خطوة

 واليوم- هذا اليوم- ما أغناني

وللأخلاق عنده حضور شعري تمثلت في أرقى أشكاله وهو الإحسان:

يا صاحب الإحسان في سبق القضا

   اسكب فيوض إغاثة بفؤادي.

وامنح فؤادي من منابع رحمة

 كالغيث يسكب في التراب الصادي.

واجعل فؤادي صادقا في حبه

   كالأصفياء وصفوة العباد.

رباه يا رباه، إني طارق

    باب الفيوض وسائل ومنادي

مني الدعاء. ومنك رب إجابة

   أنجز لنا يا صادق الميعاد

وتظل ظواهر الطبيعة نبعاً جماليا يعيد صياغته شعرا. وهنا يخاطب صخرة عند شاطئ دجلة في مقابلة جمالية بين رقة الموج وصلابة الصخرة في قصيدة صخرة النهر:

 يا صخرة النهر هل لا مست رقته

   في طلعة البدر، أو في همسة السحر.

قالت لنا دهشا إني رفيقته،

   أحظى بصحبته في رحلة العمر.

هيهات أهجره، هيهات يتركني

   إني لألثمه في الصحو والمطر

 قد قال شاعرنا في لهفة ظهرت،

والقلب ممتلئ بالشوق والفكر.

يا ليتني موجة في نهر دجلتنا،

 أو ليتني صخرة في شاطئ النهر

يا صخرة النهر ضمي حلو موجته،

 يا موجة النهر ضمي ناعم الصخر.

وبرؤية الشاعر النقدية يطل على الماضيات من القرون التي مرت بها الأمة، وهي ساكنة، فيصوغ هذه الرؤية العميقة في قصيدته  14 قرنا تمضي ونحن كما عليه الآن:

إن القرون الهاجعات تساءلت

 وسؤالها قد ماج في الأكوان

إن كان قوم (محمد) بسباتهم،

 فلمن تضيء مشاعل القرآن

أفما كفت تلك القرون جميعها

   لنَفوق أهل الأرض بالعرفان

أيلذنا نوم جميل حالم

   ويروقنا المشي الوئيد ألواني

ونظل نعشق في الخلاف تجادلا 

   متخاصمين على مدى الأزمان.

الى ان يقول

حتى القبور تعجبت من أمرنا

   أفمسنا طيف من الشيطان

وتكاد تبصر في السحاب بوارقاً  

 تسقي الثرى من وبلها الهتان

وتكاد تبصر في الظلام أشعة

    أخذت تنير الدرب للعميان

 ويطل الموت على حياة الشاعر ليفجعه بولده مازن وشريكة حياته أم مازن فيداري حزنه بـ ترنيمة لمازن:

بدم القلوب وحرقة الأكباد

 سأنوح في شعري وفي إنشادي.

سأكسر الأفراح في وادي الأسى،

وألون الأزهار لون سواد

وأصاحب الأحزان وهي عوابس 

   وأظل في ضمأ بثغر صادي.

بمواكب الأحزان يسري موكبي 

   متسارعا ينقض خلف الحادي

والليل معتكر الظلام سحابه

    يحكي حدادا في عناق حداد

أشكو إلى الآفاق من لهب الحشا

   فتجيبني بالصمت كالمعتاد.

فيرتقي بأحزانه من الذات إلى الموضوع، ليقف في مقبرة الشهداء مقبرة الكرخ، وفي حضرة الموت يكثف رؤياه الشعرية:

ماذا تقول قصائدي؟ /هذي القبور قصائد فيها الجلال/ صمتت ونطق الصمتقد ملأ الرحاب/.

في كل شاهدة لسان بطولة/تحكي البطولة والشهامة والفداء/تحكي لنا الصبر الطويل/تحكي لنا ذاك العناء...

ويرصد مشاركة الطبيعة أحزانه بدلالات بلاغية جميلة،

فأجابني شعري بعطفة صادق

   إني أصوغ قلائد التحنان.

وأخفف النفثات عن كبد الأسى

 وأهز هذا الكون بالأحزان.

زهرات حزني أينعت بقصائدي

 بربيع موت يانع الأغصان.

 ويرحل بأحزانه إلى الخنساء، ليشكو حزنه،

نشكو إلى الخنساء ما قد مسنا  

  هل تسمع الخنساء أنة موجع؟

يا أخت صخر والقرابة بيننا

   أمواج حزن كالضباب مجمع؟

احزانك العظمى التي قد أدبرت  

 قد جددت وكأنها تحيا معي

 وتواصلاً مع رؤاه الفلسفية يعبر عن موقف من الحياة منسجم مع رؤية الشاعر بوشكين. إننا نعيش في الدنيا لحظتين في قصيدة الحياة قصيرة:

هل هي ليلة أو ليلتان؟/هي لحظة أو لحظتان؟ /هي ومضة، أو ومضتان./إحداهما وهم الضباب

من بعدها زمن الذهاب/فعلام هذا البحر يهدر بالضجيج؟ /وعلام هذي النفس تصرخ بالجنون؟

وعلام أمواج الشقاء/وعلام أمواج السرور...

 وفي الوداع الأخير، يرصد مسيرة الإنسان وهو يغادر الدنيا:

وتلاشت الأصداء والأوهام في الحلم الكبير.

ثم اختفت تلك المواكب في سحاب من أثير.

مضت الشموس الساطعات بنورها الطلق المنير.

وإذا النجوم غوارب تمضي إلى عمق السديم

. وزهور روض الحي أمست ذابلات في وجوم.

والصمت خيم في ظلال كآبة الغاب الحزين.

 . ويعززها برؤية أخرى في قصيدة   قد ماتت الأحلام :

قد ماتت الأحلام بعد نظارة، وتحجرت لحظات عمري الفاني.

فكأنني التمثال فوق منصة من مرمر يرنو إلى الأزمان.

فرغ الزمان ...تسربت أحلامه، كالماء بين أصابع الحيران

  . لينتهي أخيرا عند رثاء نفسه برؤية تراجيدية مأساوية، في قصيدته وداعا أيتها الأرض:

ودعت أرضي غابها وهضابها. ودعت أرضي غيثها وسحابها.

ودعت شمسي والسماء وفجرها، ودعت ظل حقائق وسرابها.

ضاعت حياتي كالضباب وأدبرت في غمضة قد ودعت أحبابها.

نفسي تناثر زهرها بعواصف أوراقها لثمت هناك ترابها.

ذهب الكتاب ومن أحب كتابه ودفاتري تبكي هنا أحبابها.

. وفي لحظة يأس. يصل إلى قناعة بأن الوهم هو حقيقة الأشياء:

وهم يرى الأيام وهما ماثلا    ويريد رسم الوهم في الأشعار.

فإذا الضباب مجسم بقصائد. وإذا الخيال حدائق الأبصار.

فخذ الخيال ووهمه وسرابه، فهو الدواء لبؤس هذي الدار

. واسمع نصيحة ناصح هو ذاهب    لمصيره في نفحة الأسحار،

وألعب مع الأطفال في رأد الضحى، وانسَ الزمان، ولوعة الأكدار

وبشجاعة المؤمن يكتب قصيدته. الأخيرة، وداعا:

 وداعا وداعاً شمس السماء 

وداعا  وداعا لنور القمر

وداعا وداعا نجوم السماء

ودمع السحاب وزخ المطر

***

د. جاسم الفارس

دراسة لغوية فلسفية في ضوء آراء فقهاء اللغة والنحويين

ليست الكِناية في اللغة العربية مجرد زخرفة بيانية أو أسلوب تعبيري يهدف إلى التلطيف أو التجميل، بل هي بنية دلالية عميقة تكشف عن وعيٍ لغويٍّ مبكر بطبيعة المعنى وحدوده. فاللغة في جوهرها لا تقول كل شيء صراحةً، بل كثيراً ما تُشير وتلمِّح وتترك للقارئ أو السامع مهمة استكمال المعنى عبر شبكة من العلاقات الدلالية والثقافية. ومن هنا تتجلى الكناية بوصفها ظاهرة لغوية وفلسفية في آنٍ معاً، إذ تقف على تخوم العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين الدلالة الصريحة والدلالة الضمنية.

وقد أدرك فقهاء اللغة والنحويون العرب هذه الطبيعة الإيحائية للغة منذ وقت مبكر، حين درسوا ظواهر البيان والبلاغة بوصفها أنظمة دلالية تتجاوز المعنى الظاهر إلى المعنى المستنبط. وما تطرحه اللسانيات الحديثة اليوم تحت مسميات مثل الاستلزام الحواري والدلالة الضمنية والسياق التداولي، كان له نظائر واضحة في التراث البلاغي العربي، ولا سيما في نظرية الكناية.

أولاً: مفهوم الكناية في التراث اللغوي العربي

عرّف البلاغيون الكناية بأنها لفظ أُريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي. وهذا التعريف يكشف عن خاصية فريدة في هذا الأسلوب، وهي أن الكناية لا تلغي المعنى الظاهر، بل تتركه ممكناً، غير أن المقصود الحقيقي هو معنى آخر ملازم له.

وقد اهتم علماء البلاغة بتفسير هذه الظاهرة، ومن أبرزهم عبد القاهر الجرجاني الذي رأى أن جمال البلاغة يكمن في العلاقات الخفية بين المعاني، لا في الألفاظ المفردة. ففي كتابه دلائل الإعجاز يؤكد أن المعنى البلاغي يتولد من نظم الكلام، أي من العلاقات التي تنشأ بين الألفاظ داخل السياق.

فحين نقول:

فلان كثير الرماد

فالمعنى الظاهر يتعلق بكثرة الرماد، لكن المعنى المقصود هو الكرم؛ لأن كثرة الطبخ للضيوف تؤدي إلى كثرة الرماد. وهنا لا ينتقل المعنى انتقالاً اعتباطياً، بل يقوم على علاقة عقلية بين السبب والنتيجة.

وهذه الرابطة العقلية هي ما جعل البلاغيين يرون في الكناية ضرباً من الاستدلال اللغوي؛ إذ يتحول المتلقي إلى مشارك في إنتاج المعنى.

ثانياً: الكناية في ضوء فقه اللغة والنحو

لم تكن الكناية موضوعاً بلاغياً فحسب، بل ارتبطت أيضاً بفهم النحويين لطبيعة المعنى.

1. سيبويه وبنية المعنى

تناول سيبويه في كتابه الشهير الكتاب العلاقة بين اللفظ والمعنى من زاوية نحوية، حين بيّن أن كثيراً من التراكيب لا يُفهم معناها من المفردات وحدها، بل من العلاقات السياقية بينها.

وهذا الفهم يمهد لفكرة الكناية؛ لأن المعنى الكنائي لا يُستخلص من الكلمة المفردة، بل من البنية التركيبية والسياق الثقافي.

2. الخليل بن أحمد الفراهيدي والعلاقات الدلالية

أما الخليل بن أحمد الفراهيدي فقد أدرك في معجمه العين أن الكلمات تتجاور في المعنى ضمن شبكات دلالية. فالمعاني لا تعيش منعزلة، بل ترتبط ببعضها عبر علاقات مثل المشابهة أو السببية أو المجاورة.

وهذه الشبكة الدلالية هي التي تسمح للكناية بأن تعمل؛ إذ إن المعنى الكنائي يقوم على لازم المعنى، أي على العلاقة الدلالية بين المفهومين.

3. ابن جني وفلسفة اللغة

قدم ابن جني رؤية فلسفية متقدمة في كتابه الخصائص، حين قال إن اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. لكن هذه الأغراض لا تكون دائماً مباشرة؛ إذ كثيراً ما يعتمد المتكلم على الإشارة والرمز.

ويرى ابن جني أن العرب كانت تميل إلى التعريض والتلميح، لأن ذلك أدلّ على الفطنة وأبلغ في التعبير. وهذه الرؤية تكشف أن الكناية ليست مجرد حيلة بلاغية، بل جزء من الذهنية الثقافية للغة.

ثالثاً: الكناية بوصفها نظاماً دلالياً

يمكن النظر إلى الكناية باعتبارها نظاماً دلالياً يقوم على ثلاثة مستويات:

1. المعنى الظاهر (المعنى المعجمي)

وهو المعنى المباشر للكلمة كما يرد في المعجم.

2. المعنى الملازم

وهو المعنى الذي يرتبط بالمعنى الأول عبر علاقة عقلية أو ثقافية.

3. المعنى المقصود

وهو المعنى النهائي الذي يريد المتكلم إيصاله.

وبذلك تعمل الكناية كآلية انتقال دلالي غير مباشر، حيث يتحرك المعنى عبر سلسلة من العلاقات الذهنية.

رابعاً: الكناية ونظرية المعنى الحديثة

حين ننتقل إلى اللسانيات الحديثة نجد أن كثيراً من مفاهيمها تلتقي مع فكرة الكناية.

1. الدلالة الضمنية (Implicature)

يرى الفلاسفة المعاصرون أن المتكلم لا يقول دائماً ما يقصده حرفياً، بل يعتمد على المعاني الضمنية التي يستنتجها السامع من السياق.

فإذا قال شخص:

"البيت بارد اليوم"

فقد يقصد طلب إغلاق النافذة.

هذه الآلية تشبه تماماً الاستنتاج الكنائي في البلاغة العربية.

2. التداولية والسياق

تؤكد الدراسات التداولية أن فهم المعنى يعتمد على السياق الثقافي والاجتماعي. وهذا ما أدركه البلاغيون العرب حين ربطوا الكناية بعادات العرب وتقاليدهم.

فالكناية مثل:

نؤوم الضحى

لا يمكن فهمها إلا في سياق الثقافة العربية القديمة حيث كان النوم في الضحى علامة على الرفاه.

3. الاقتصاد اللغوي

ترى اللسانيات الحديثة أن اللغة تميل إلى الاقتصاد في التعبير، أي قول أقل قدر ممكن من الألفاظ لإيصال أكبر قدر من المعنى. والكناية تمثل نموذجاً مثالياً لهذا الاقتصاد؛ إذ تختصر معنى معقداً في عبارة موجزة.

خامساً: الكناية بوصفها ممارسة عقلية

من منظور فلسفي، تكشف الكناية عن طبيعة التفكير الإنساني نفسه. فالإنسان لا يفكر دائماً بطريقة مباشرة، بل يعتمد على الاستعارة والرمز والارتباطات الذهنية.

ولهذا يمكن القول إن الكناية تمثل آلية معرفية بقدر ما هي آلية لغوية؛ فهي تعكس قدرة العقل على الانتقال من مفهوم إلى آخر عبر علاقات خفية.

وقد أدرك البلاغيون العرب هذه الحقيقة حين جعلوا الكناية أعلى مرتبة من التصريح، لأنها تستثير العقل والخيال معاً.

سادساً: الكناية بين البلاغة والتركيب النحوي

من اللافت أن الكناية لا تنشأ من المفردات فقط، بل من البنية النحوية للجملة. فالتراكيب اللغوية يمكن أن تحمل دلالات خفية تتجاوز ظاهرها.

وقد أشار بعض النحويين إلى أن المعنى الحقيقي للجملة لا يتحدد إلا من خلال العلاقات النحوية بين الكلمات، وهو ما يلتقي مع فكرة أن الكناية تعتمد على النظم والتركيب لا على الكلمة المفردة.

وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ تجمع بين التركيب النحوي والبعد البلاغي في إنتاج المعنى.

خاتمة

تكشف دراسة الكناية عن عمق التفكير اللغوي في التراث العربي، إذ لم ينظر البلاغيون والنحويون إلى اللغة بوصفها أداة نقل للمعنى فحسب، بل باعتبارها نظاماً معقداً من الإشارات والدلالات.

وقد أدرك علماء العربية، من الخليل وسيبويه وابن جني إلى عبد القاهر الجرجاني، أن المعنى الحقيقي للكلام كثيراً ما يكمن وراء اللفظ، وأن فهمه يتطلب إدراك العلاقات الخفية بين الكلمات والسياقات.

وإذا كانت اللسانيات الحديثة قد طورت نظريات حول الدلالة الضمنية والسياق التداولي، فإن التراث البلاغي العربي كان قد مهد لهذا الفهم منذ قرون طويلة. فالكناية ليست مجرد فن بلاغي، بل شاهد على أن اللغة العربية امتلكت منذ بداياتها رؤية فلسفية عميقة لطبيعة المعنى.

ومن هنا يمكن القول إن الكناية تمثل جسراً معرفياً يربط بين البلاغة القديمة ونظرية المعنى الحديثة، ويكشف عن أن التراث اللغوي العربي لم يكن مجرد وصفٍ للغة، بل كان في جوهره تفكيراً فلسفياً في طبيعة المعنى والإنسان واللغة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

النص:

هل فاض العتب فأسفر عن متاهة كانت تسمى وطن...

أم أن الطيف تعرى.. فتراجع الرب عن ميثاق قوس قزح..

*

هل فك الصراخ ماكتمته خلايا الوصايا فأذهله تسرطن الفجائع *

أم أن المقدس شف.. فأربكه من أي الجهات يفقأ دمامل الخداع *

من أي الأرصفة ألملم تيه أناشيد الوطن التي تشربت دمي

واي حنين يهز شوقي اذا استبد بي الغياب وسبي السفر

أي المواويل تْعتٍق لغتي.. أولحني الذي تصحر..

*

بي وجد زنبقة أضنتها مفردات أثير تشبع بما لا يقال..

وهواجس كائنات لا يدركها إلا من تعمد على مجرة سرها لايستباح..

*

بي بيادر سنابل تعتق خصبها حيث كانت تراتيل أورنينا

وحيث يجهل ساكنوها بوابه أزهرت بها حدائق السماء

ورنين الصوت الذي اهتز... بكن.....

بي نذير سلالة الحجارة.. ألاتعلو ببراكينها الخامدة..

وقد عْجٍنَت بضفيرة جيني البشارة..

أنا من سئمت هذا الطين.. والعويل.. والضجيج..

وكرنفال المهرجين..

أنا الذرة من حفنة.. الصارخين بالحب أن تجلى..

والحق أن تعالى

والجمال أن اسلك الطريق

***

القراءة:

هذا النص للأستاذة المحامية مها مسعود يأخذك منذ جملته الأولى إلى فضاء لا تشبه فيه الكلمات نفسها، ولا تعني ما تقول فقط، بل توحي بما لا تقول. إنه نص لا يقرأ، بل يُعاش كحالة وجدانية مركبة، تنبت من شرخ ما بين الذات والوطن، بين المقدس والإنسان، بين ما كان يُفترض أن يكون ملاذاً، فإذا به متاهة.

يبدأ النص بتساؤل يفضي إلى تساؤل، وكأن الكاتبة تحفر في الذاكرة بسؤال لا جواب له: "هل فاض العتب فأسفر عن متاهة كانت تسمى وطن". هنا العتب ليس مجرد غضب عابر، بل فيض غامر يكشف عن حقيقة مؤلمة: أن ما كان يُظن وطناً، ما هو إلا متاهة. والمدهش في الصورة أن الفائض هو العتب ذاته، أي أن الألم هو الذي يضيء، لكنه لا يضيء إلا على ضياع. ثم تنتقل الصورة من متاهة الأرض إلى متاهة السماء: "أم أن الطيف تعرى.. فتراجع الرب عن ميثاق قوس قزح". الطيف يتعرى، أي يفقد غموضه وقدسيته، فيتراجع الرب عن وعده الرمزي بقوس قزح، ذلك الميثاق الذي كان يعني الأمان. هنا يصبح الخواء كونياً، أرضياً وسمائياً.

ثم يأتي الصراخ، لكنه ليس صراخاً عادياً، بل هو "فك الصراخ ماكتمته خلايا الوصايا". الصورة هنا بيولوجية تقشعر لها الأبدان، كأن الخلايا نفسها كانت تخزن وصايا مقدسة، والصراخ يفكّ أسرها، لكن ما يظهر ليس الخلاص، بل "تسرطن الفجائع". تحوّل الألم إلى ورم خبيث يلتهم الجسد من الداخل. وإزاء هذا الانهيار، يظهر المقدس ذاته في حالة ارتباك: "أم أن المقدس شف.. فأربكه من أي الجهات يفقأ دمامل الخداع". المقدس هنا لم يعد مصدر طمأنينة، بل أصبح يرى الخراج المنتفخ بالكذب ولا يدري من أي جهة يبدأ في فضحه.

وسط هذا الدمار الرمزي، تتحول الذات إلى من يسأل بمرارة: "من أي الأرصفة ألملم تيه أناشيد الوطن التي تشربت دمي". الدم هنا ليس مجرد دم، بل هو وعاء للذاكرة والهوية، والأناشيد ليست كلمات، بل جزء من هذا الدم، وقد تاهت، وعلى الذات أن تجمع شتاتها من أرصفة النسيان. ثم يتساءل الحنين: "وأي حنين يهز شوقي اذا استبد بي الغياب وسبي السفر". الغياب هنا طاغٍ، والسفر ليس اختياراً بل سبي، والحنين يهز الشوق كما تهز الريح الأشجار، لكنه لا يثمر إلا مزيداً من اللهفة.

اللغة نفسها تعاني الجفاف: "أي المواويل تْعتٍق لغتي.. أولحني الذي تصحر". المواويل لا تُغنى بل تُعتق كما يُعتق الخمر، واللحن لم يعد يثمر، بل صار صحراء. ولكن وسط هذه الصحراء، تظل الذات عامرة بما لا يُرى: "بي وجد زنبقة أضنتها مفردات أثير تشبع بما لا يقال.. وهواجس كائنات لا يدركها إلا من تعمد على مجرة سرها لايستباح". الزنبقة هنا ليست زهرة عادية، بل هي وجد متألم، تتغذى على مفردات غير مرئية، على ما لا يقال. والكاتبة تشير إلى أن هناك عوالم لا تدرك إلا بالتعميد في مجرة من السر المقدس الذي لا يُمس.

ثم تنتقل الصورة من الفردي إلى الجماعي: "بي بيادر سنابل تعتق خصبها حيث كانت تراتيل أورنينا". هنا يظهر البعد الحضاري، أورنينا (أور) رمز الحضارة العراقية القديمة، حيث كانت التراتيل تُرفع. لكن سكان هذه الأرض اليوم "يجهلون بوابه أزهرت بها حدائق السماء". هم لا يعرفون أنهم كانوا بوابة للجنة على الأرض. ورنين الصوت القديم لا يزال يهتز في الذاكرة، لكنه يهتز "بكن.."، بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات الأنوثة والحضور.

وتستمر الذات في استحضار الجذور: "بي نذير سلالة الحجارة.. ألاتعلو ببراكينها الخامدة.. وقد عْجِنَت بضفيرة جيني البشارة". الحجارة هنا ليست صماء، بل هي سلالة تنذر بثورة، لكن براكينها خامدة. ومع ذلك، فهي معجونة بالجينات، بالبشارة، وكأن الأمل ما زال كامناً في الخلايا.

ثم يأتي الإعلان الصادم: "أنا من سئمت هذا الطين.. والعويل.. والضجيج.. وكرنفال المهرجين". هذا هو ذروة السأم من كل ما هو زائف، من كل من يتغطى بالعويل ليخفي فراغه. لكنها لا تعلن انسحابها النهائي، بل تعيد تعريف نفسها: "أنا الذرة من حفنة.. الصارخين بالحب أن تجلى.. والحق أن تعالى.. والجمال أن اسلك الطريق".

هذه الخاتمة تحول النص بأكمله من مجرد تأبين للواقع إلى بيان وجودي. هي ليست وحيدة، بل هي جزء من حفنة صارخين، لكن صراخهم ليس عبثياً، بل هو دعوة للحب أن يظهر، للحق أن يعلو، للجمال أن يكون هو الطريق. وهي ليست متفرجة، بل تسلك هذا الطريق، رغم كل شيء. رغم المتاهة، ورغم تراجع المقدس، ورغم تسرطن الفجائع، يبقى الفعل الوحيد الممكن: أن تسلك الطريق.

***

بهيج حسن مسعود

 

في ضرورة الوعي النقدي لصون القيمة الأدبية

ليس العمل الأدبي ـ مهما بلغ من الجمال والعمق ـ كياناً مكتفياً بذاته، يعيش في عزلة عن أعين القراءة وميزان التقييم؛ فالأدب، في جوهره، خطاب موجّه إلى الوعي الجمعي، ولا يتحقق اكتماله إلا عبر فعلٍ موازٍ يضيء معانيه ويختبر بنيته ويقيس قيمته. وهذا الفعل هو النقد؛ ذلك النشاط الفكري الذي يشكّل الضمير المعرفي للأدب، والمرآة التي يختبر فيها النص صورته الحقيقية بين الجمال والخلل، وبين الإبداع والافتعال.

إنّ الحركة النقدية ـ عربيةً كانت أم عالمية ـ ليست ترفاً ثقافياً أو حاشيةً زائدة على جسد الأدب، بل هي ضرورة حيوية لا يستقيم المشهد الإبداعي من دونها. فالنصّ الأدبي، في مراحله الأولى على وجه الخصوص، يحتاج إلى عينٍ خبيرة تقرأه قراءةً واعية، تفكّك عناصره، وتكشف مكنوناته، وتضعه في سياقه الجمالي والفكري. ومن دون هذا الوعي النقدي، يبقى الكاتب كالملاح الذي يمخر عباب البحر من غير بوصلة، قد يلامس الشاطئ صدفةً، لكنه غالباً ما يضلّ الطريق.

وليس النقد في جوهره عملية هدم أو مصادرة لحرية الإبداع، كما يتوهّم بعض الكتّاب، بل هو فعل تقويمٍ وتوجيهٍ يهدف إلى صقل التجربة وتطويرها. فالكاتب في بداياته، مهما أوتي من موهبة، يظلّ بحاجة إلى مرآة تعكس له حقيقة نصوصه: أين تتوهّج لغته؟ وأين يعتريها الوهن؟ أين تتكامل الصورة الفنية؟ وأين تنكسر تحت ثقل الإنشاء؟ وهنا تتجلى وظيفة النقد بوصفه علماً للتمييز بين مراتب القول، لا محكمةً للإدانة أو الإقصاء.

لقد أدرك النقاد العرب الأوائل هذه الحقيقة مبكراً؛ فكان النقد عندهم ميزاناً للبلاغة ومرجعاً للتمييز بين جيد الشعر ورديئه. فقد رأى الجاحظ أن الكلام لا يُعرف فضله إلا بالمقارنة والموازنة، بينما شدّد عبد القاهر الجرجاني على أن جمال النص لا يكمن في مفرداته منفردة، بل في نظامها وعلاقاتها الداخلية، أي في بنية المعنى التي يتكفل النقد بكشفها وتحليلها. وهكذا غدا النقد علماً قائماً بذاته، يرافق الإبداع كما ترافق الروح الجسد.

غير أن غياب الحركة النقدية الرصينة في بعض البيئات الثقافية يؤدي إلى اختلال خطير في ميزان القيمة الأدبية. فعندما تنعدم المعايير، تختلط النصوص الجادة بالكتابات السطحية، ويغدو المشهد الثقافي فضاءً فوضوياً لا يميّز فيه القارئ بين اللؤلؤ والحصى. وهنا يشعر الكاتب الحقيقي بالغبن؛ إذ يرى نصوصاً واهنة تتصدر المشهد، بينما تُهمّش أعمالٌ مبدعة لمجرد أنها لم تجد من يقرأها قراءة نقدية واعية.

إن المتلقي العادي، مهما كان شغفه بالأدب، لا يمتلك دائماً الأدوات المنهجية التي تمكّنه من فحص النصوص وتمييز درجاتها الجمالية والفكرية. لذلك يؤدي النقد دور الوسيط المعرفي بين النص والقارئ؛ فهو الذي يفتح مغاليق العمل الأدبي، ويكشف أبعاده الدلالية، ويرشد الذائقة العامة إلى معايير الجمال والعمق. ومن دون هذا الدور، تصبح الساحة الأدبية عرضة لهيمنة الضجيج الثقافي، حيث يرتفع صوت العادي ويخفت صوت المبدع.

ومن أخطر نتائج غياب النقد الحقيقي أنّ المواهب الفذّة قد تُصاب بالإحباط والتردد، فتثني عزيمتها عن مواصلة الطريق. فالمبدع، في لحظةٍ ما، يحتاج إلى اعترافٍ معرفي بجهده، وإلى قراءة جادة لنصه، لا إلى صمتٍ مطبق أو مديحٍ سطحي لا يضيف إلى تجربته شيئاً. وفي ظل هذا الفراغ النقدي، قد ينكفئ كثير من الموهوبين عن الكتابة، تاركين الساحة لمن لا يملك سوى الجرأة على النشر.

وهكذا يتحقق انقلاب في الهرم الثقافي: إذ يسود العادي ويختفي المتميّز، لا بسبب تفوق الأول، بل بسبب غياب المعايير التي تكشف تفوق الثاني. فالحدود النقدية ليست قيوداً تكبّل الإبداع، بل ضوابط تحفظ توازنه وتضمن عدالته. إنها أشبه بالقانون الذي ينظم حركة المجتمع، فبدونه تسود الفوضى ويختلط الحق بالادعاء.

إن النقد الحقيقي ليس مجرد تعليق عابر على النصوص، بل هو ممارسة معرفية عميقة تتطلب ثقافة واسعة، ومنهجاً علمياً، وذائقة جمالية رفيعة. وهو في الوقت نفسه فعل أخلاقي، لأن الناقد يتحمل مسؤولية ثقافية تجاه الكاتب والقارئ معاً؛ فهو لا يحاكم النص بسلطة الهوى، بل يزن قيمته بميزان المعرفة والعدل.

لذلك يمكن القول إن الأدب بلا نقد يشبه جسداً بلا وعي؛ يتحرك لكنه لا يدرك اتجاهه. والنقد بلا أدب يشبه وعياً بلا موضوع؛ يتأمل الفراغ ولا يصنع قيمة. ومن هنا تتأسس العلاقة الجدلية بين الإبداع والنقد: فالأول يبتكر المعنى، والثاني يكشفه ويمنحه شرعية البقاء في ذاكرة الثقافة.

إنّ بناء حركة نقدية عربية معاصرة، تستند إلى المعرفة العميقة بالتراث وتواكب مناهج النقد الحديثة، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية لحماية الإبداع وصون الذائقة. فالأدب الذي لا يجد من يقرأه قراءة نقدية حقيقية قد يعيش لحظةً من الشهرة العابرة، لكنه سرعان ما يذوب في ضجيج الزمن. أما النص الذي يمر عبر مصفاة النقد الواعي، فإنه يكتسب القدرة على البقاء، لأن قيمته قد اختُبرت في مختبر الفكر والجمال.

وهكذا يظل النقد، في جوهره، ميزان المعنى وحارس القيمة؛ به تُصان المواهب، وتتضح المعايير، ويستقيم المسار الثقافي بين فوضى الادعاء ونقاء الإبداع.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لأن في اسفار آشور امتزج الادب بالفلسفة بالتاريخ بالشعر فقراءة الرواية بمنهج بول ريكور يكشف عن عمقها الجمالي والمعرفي ويكشف عن حقيقة أن الزمن يصبح قضية سردية. نسأل كما سأل ريكور في كتابه المهم (الزمان والسرد الحبكة والسرد التاريخي ج/1) كيف نفهم الزمن الإنساني؟ وهل يستطيع السرد ان يكون الوسيط الذي يمنح الزمن معناه؟> ان الزمن كما يقول ريكور لا يدرك ادراكاً مباشراً، بل يفهم عبر الحكاية، فالسرد ليس مجرد تقنية أدبية، انما هو بنية وجودية تنظم خبراتنا بالزمن. يصبح الزمن عند ريكور انسانياً بقدر ما يروى، والسرد يصبح ذا معنا بقدر ما ينظم الزمن. والحبكة عند ريكور ليست مجرد ترتيب للأحداث، إنما هي اعادة صياغة الوقائع المتفرقة في كلٍ دلالي، ربط البداية بالنهاية عبر منطق داخلي، وخلق معنى من التشتت، الحبكة إذاً عملية تأويلية، إنها تجعل من (ما حدث) رواية او قصة يمكن فهمها .

كيف يصبح السرد فعلاً دائرياً؟

يتم ذلك عند ريكور عبر ثلاث محاكاة:

الأولى - العالم قبل أن يروى، عالم الافعال البشرية والرموز والقيم.

الثانية - مرحلة تشكيل الحبكة اذ يعاد تنظيم الزمن داخل النص.

الثالثة - لحظة التلقي حين يلتقي النص بالقارئ ويعيد تشكيل وعيه بالزمن، اذ الواقع ينتج نصا، والنص يعيد تشكيل الواقع في وعي القارئ.

ان الرواية كما يقول ريكور تكشف ابعاداً للزمن قد تعجز عنها الكتابة التاريخية لأنها تتفاعل مع الزمن المعاش لا مع الزمن الذي يرتب الاحداث تاريخياً.

لقد أعاد ريكور للسرد اعتباره الفلسفي، وتجاوز البنيوية الى التأويلية اسس لما يعرف اليوم (المنعطف السردي) في العلوم الإنسانية، الذي يعني انتقال العلوم الإنسانية من البحث عن القوانين الثابتة الى فهم التجربة الإنسانية بوصفها بناءً سرديا مفتوحاً.

لقد قدم الروائي احمد نجم اختباراً لهذا المنهج وهذه الرؤية لا سيما في علاقة الرواية بالتاريخ والذاكرة والهوية، فالتاريخ لم يكن وصفا لوقائع سياسية، إنما التاريخ كان تجربة وجودية كفاحية من خلال رموز اشور وسومر الخلاقة، اذ أصبح التاريخ قوة ثورية خلاقة.

الرواية الشعرية نص سردي تغمره روح الشعر وايقاعه وبناؤه الخلاق، فيها يلتقي السرد كونه حكاية وشخصيه وزمن، مع الشعر كونه دلالة مكثفة وايقاعاً ساحراً وصورة معبرة.

(الماء يُخبأ في الحرف

والظل يكتب اسمه في الطين

من نسيتَ اسمه لم ينسك)

في الرواية الشعرية السلطة للغة أكثر من الحدث، ويهم القارئ فيها جمال القول الذي تجسده الجملة وكذلك يكون للزمن في هذه الرواية حضور خلاق، وكذلك للوعي الذي تجسده الشخصية قيمة عليا.

يتركز جمال الرواية الشعرية في اللغة والشخصية والزمان والصمت المنساب بين السطور، يتجسد جمال اللغة في الصورة المكثفة وفي المجاز حين يمتلئ بالوعي وكذلك في البنية الإيقاعية للجملة.

(الظل يغلق الباب

والكلمة تطبق على الفم

ولكن الطين يشهد)

أما جمال الزمن فيتجسد في غلبه زمن الوعي والروح والعقل على واقعية الحدث.

(الكتب لا تكتب للأحياء فقط

أحيانا تكتب للذين سيأتون بعد ألف عام)

اما الشخصيات في الرواية فهي اصوات للتاريخ والحب والمعرفة، شخصيات تتفاعل تتأمل بتحولات الوجود والتاريخ حين يتحول الوجود والتاريخ الى بساتين وعي.

والصمت المنساب بين ايقاع الجمل، هو لغة جمالية اخرى كصمت الموسيقى.

وتتجلى في الرواية الشعرية ابعاد متعددة، وقد تستقل بعطائها او يمتزج فيها التصوف بالفلسفة بالرمز بالأسطورة، وفي ضوء هذا الفهم للرواية الشعرية يمكن ان نذكر اهم ميزاتها:

فهي انجاز يسكنه الشعر، والشخصيات هي مراكز التصور، انها جهاد جمالي لإنقاذ المعنى من جمود الواقعية... كل شيء في الرواية الشعرية ينطق بالجمال.

أسفار آشور رواية شعرية بامتياز، فهي كيان منتج للوجود، والرواية الشعرية نص سردي لا يعيد كتابة الحياة ولا التاريخ، وانما يعيد اكتشافهما، فالرواية التي تكتب الحياة كما هي لا قيمة لها انما القيمة للرواية التي تعتمد اكتشاف المضمون من المغمور من الحياة والمغمور من التاريخ تظافرت لغة النص وحواراته وموسيقاه بلغة شعرية تساهم في اضاءة الوجود، تنادي بصوت شعري: دافع عما سيحدث ان لم تفكر فيما سيحدث.

الادب بعامة والرواية بخاصة ان لم يكونا سحباً جمالية تمطر جمالا وتورق الارض جمالاً، فلا قيمه له.

تحقق الرواية تواصلاً شعرياً فاعلاً مع التاريخ ليكون مادة للنهضة، ومحور النهضة والايمان بعوامل الخلود هما الذاكرة والطين والحرف. الرواية نخلة الوصول الى ثمرتها بحاجة الى جهد وجودي جمالي خلاق، كل ما في النخلة حياة أو يعين على الحياة، وهكذا رواية أسفار آشور نخلة شعريه جذورها وجذعها التاريخ، وعروقها الذاكرة والطين، وثمارها الشعر، تتظافر هذه المكونات لتصنع النهضة والايمان بالنهضة.

(هناك أشياء في هذا الكون تتجاوز التفسير العلمي خصوصا حين تكون مرتبة بالذاكرة الحضارية، الرموز ليست مجرد لغة، إنها أبواب).

لقد هدمت أسفار آشور الجدار بين الشعر والنثر وجمعت بين الشفاهية والمكتوب ووحدت الحاضر بالتاريخ وهي تمتلك قدرة على خلق القيم الجمالية والمعرفية والإنسانية من خلال لغتها التي ادخرت لغة الشعر والتاريخ والحب والحكمة فحققت بذلك درجه عالية من متعة ادراك النص وفهمه.

ان التخييل الكامل في النص يضيف الى القراءة متعة التواصل التي تأخذ القارئ في رحلة جمالية بين الحاضر والتاريخ وبين الحاضر والمستقبل وبين التاريخ والمستقبل.

تظافرت لغة النص وحواراته وموسيقاه وقيمه لتحدد الغرض الاساس للرواية: التاريخ يصنع الحاضر ويصنع الثورة، والثورة تصنع المستقبل وفي كل هذه المراحل فإن الانسان هو سيد الحركة والتحولات.

من متحف الحياة الى متحف التاريخ وما بينهما من جدل خلاق انطلقت شخصيات الرواية تعيد اكتشاف التاريخ بلغة شعرية وحدت الزمان بأبعاده الثلاثة.

تألقت في الرواية عناصر الحياة الفاعلة، الشعر والتاريخ والزمن والحرف والكتابة، الرقيم والطين بلغة شعرية فائقة الجمال، تشعر بعظمة آشور بانيبال تتجسد امامك وعظمة عشتار التي علمت العالم الحب.

لم ينصت أحمد نجم الى التاريخ، بل جعل التاريخ ينطق ويتألق شعراً في صياغة الإرادة الإنسانية في مواجهة الظلم والظلام، كان الطين يشع نوراً وشعراً وهو يعيد صياغة التحدي بلغة الصمود الشعرية، إنه لم يصف التاريخ انما يعيد خلقه.

الرواية العظيمة هي التي تجعل الجمال طريقاً لإدراك الوجود من خلال الكيفية التي تجعلنا نرى فيها العالم، ومن خلال تحويل المألوف الى دهشة وتجعل للهامش مركزية مهمة في النص.

يكمن الجمال في أسوار آشور في موسيقاها الثاوية في لغتها الشعرية التي ابدع الروائي في صياغتها ليس على مستوى المضمون انما على مستوى الشكل، فقد اختار لحوار شخصياته شكل القصيدة الحديثة.

تمكن سرده من اخذ النفس الى شواطئ العمق والتأمل عبر ايقاع شعري هادئ تارة، وايقاعات متعددة الوقع في النفس والعقل تارة اخرى، فتارة تشعر بالقلق يسكنك وانت تتابع الشخصيات المنشغلة في درس الاثار وزيارات المتاحف المتعددة، وتارة ينقل الايقاع من ضيق الحاضر الى سعة التاريخ.

شخصيات الرواية البطل رامي ويوسف وسالم وإيلينا يعرفون ماذا يريدون، انهم مشغولون باكتشاف التاريخ، ومن خلاله اكتشاف الذات يعيشون التوتر بين الواقع والتاريخ، وبين الواقع والمستقبل.

الزمن في الرواية اعطاها بعداً جماليا متميزاً، فهو لم يمشِ في خط مستقيم، انما تجولت الرواية في الزمن بحثا عن القوة الكامنة في الواح الطين التي صنعت تاريخاً اعاد بناء العالم.

لقد احتوى جمال الرواية ذاكرة التاريخ ليضيء بها فاعلية الحاضر، وكان الخيال الرفيق الخلاق في هذه الرحلة، إن الخيال روح الرواية، وهو الباعث على التأمل والتفكير والاستنتاج والانغمار في الحدث كأنك فاعله.

اسفار اشور تفكر عنك في المصير والفعل والتمرد والثورة وتأخذك الى الانغمار فيما تفكر فيه.

كانت مسارات المرأة والجسد والحرية في الرواية مسارات الجمال.. إنها القوى التي ساهمت في صناعة المعنى وقدمته لنا شاعرية فذة آسرة. المرأة/ عشتار في الرواية رمز الارض والحرية هي الاخلاق في صدقها، وجسدها ليس لغرض الفضائح انما هو محور العالم، وحدة القوة والاخلاق والدين.

لقد تمكنت اسفار اشور من اعادة كتابة الزمن بلغة شعرية وروح شعرية وقانون شعري حين اعادت صياغة الذاكرة التاريخية لآشور وسومر، فالرواية الشعرية تعيد خلق التاريخ، وتنبش في الذاكرة لإحياء فاعلية الجمال في التاريخ.

واللغة الشعرية في الرواية التاريخية تعتني بالرموز وكثافتها من خلال الجمل القصيرة وايقاع يرتل الحدث في نشيد جمالي، لذلك بدت سومر وآشور والواحهما الخالدة قوى ابداعية في صناعة النهضة، في كلكامش سؤال الخلود، وانكيدو سؤال الحرية، والطوفان ذاكرة الكوارث، والرقيم الطيني الذاكرة الخالدة، ومقاومة النسيان. آشور القوة والإمبراطورية العالمة المثقفة.

لقد برع أحمد نجم في استنطاق هذه الرموز لتكون دليل حياة الانسان العراقي المعاصر في بناء نهضته الجديدة وثورته الخلاقة.

ولقد برع احمد نجم في مزج الاسطورة بالتاريخ بالشعر برموز الرافدين في حركات دائرية هي بعض جماليات السرد التاريخي الشعري. وصلت الرواية ذروة جمالها في مضمون اللوح الأخير: اللوح الذي جمع وصايا الجمال والصمود والنهضة والحب:

وصيتي الأولى:

اجعل الكتب تابوت عهدك

والمكتبة معبدك

والقلم نبيك)

(وكانت عشتار تبكي عند بوابة المعبد،

تبكي لا موت الحبيب،

بل نسيان التراتيل

قالت وهي ترنو الى النينوي الأخير:

احيوا المدن بالكلمات،

ولا تكتفوا بالبناء

فان الجدران بلا ذاكرة

تصير خرابا)

لقد قاوم أحمد نجم الخراب بطاقة شعرية استوعبت التاريخ والحاضر وتطلعت الى مستقبل أجمل يمحو الهزيمة واثارها وصانعيها.

***

د. جاسم الفارس

لَمْ تَعُدْ قضايا المَرْأةِ في الأدب موضوعًا هامشيًّا، أوْ صوتًا خافتًا يمرُّ في الهامشِ الثقافي، بَلْ تحوَّلت إلى مِحور عميق يكشف طبيعةَ المُجتمع، ويُعرِّي بُنيته الفِكرية والأخلاقية. فالأدبُ مُنذ نشأته كانَ مِرْآةَ الإنسانِ، لكنْ حِينَ تكتبُ المَرْأةُ عن ذاتها وتجربتها، تتحوَّل المِرْآةُ إلى عدسة أكثر حساسية ودِقَّة. وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان لامعان في الأدب العربي والعالمي: الكاتبة العِراقية لطفية الدليمي (1939 - 2026)، والكاتبة الكندية مارغريت أتوود (وُلدت 1939)، حيث قدَّمت كُلٌّ مِنهما رؤيتها الخاصَّة لقضايا المرأة، مُتَّكئة على سِياق ثقافي مُختلف، لكنَّها تلتقي في جَوهر واحد، هُوَ الدفاع عن إنسانية المَرأة، وحَقِّها في الحُرية والاختيار.

تنطلق لطفية الدليمي في كتاباتها من واقع عربي مُعقَّد، تتشابك فيه التقاليد الاجتماعية مع التحوُّلات السياسية والثقافية. فهي لا تُقَدِّم المَرأةَ بوصفها ضحية مُطْلقة، بَلْ ككائن واعٍ يُحاول فهمَ العالَم ومُقاومة قيوده. في رواياتها وقصصها تبدو المَرْأةُ شخصيةً مُفكِّرة، وقارئة، وعَالِمة أحيانًا، تبحث عن موقعها في عَالَم يَضِيق بأسئلتها.

أمَّا مارغريت أتوود فتتخذ مسارًا مُختلفًا، فهي غالبًا ما تلجأ إلى الخيال الكابوسي لتكشف المخاطرَ الكامنة في الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تسلب المرأةَ حُريتها، وتُصوِّر عَالَمًا مُستقبليًّا تُخْتَزَل فيه المَرأةُ إلى وظيفة بيولوجية، حيث تُستخدَم أجساد النِّساء كوسيلة للإنجاب في مُجتمع استبدادي مُغلَق، ورغم انتماء هذه الفِكرة إلى الخيال الأدبي، إلا أنَّها تَحمل تحذيرًا عميقًا مِن إمكانية تحوُّل الواقع إلى نُسخة قاسية في المُستقبل.

تؤمن لطفية الدليمي بأنَّ المعرفة هي الطريق الأهم لتحرُّر المرأة. لذلك تمتلئ نُصوصُها بإشارات إلى العِلْم والفلسفة والفِكر الإنساني. المَرأةُ في عَالَمها لَيستْ كائنًا عاطفيًّا فَحَسْب، بَلْ هِيَ عقلٌ يبحث عن الفهم. هذا الحُضور للمعرفة يخلق صُورةً مختلفة للمرأة العربية، فهي لَيستْ مَحصورةً في الدَّور التقليدي، بَلْ قادرة على المُشاركة في إنتاج المعرفة نَفْسِها.

في المُقابل، تُقَدِّم مارغريت أتوود رؤيةً أُخرى للمعرفة، حيث تُصبح السَّيطرة على المعرفة أداةً للهَيمنة، لأنَّ المعرفة تَمنح القُدرةَ على التفكير والاحتجاج، وهذا يدلُّ على العلاقة العميقة بين السُّلطة والمعرفة، فحين تُسلَب المرأة حق التعلُّم، يُصبح إخضاعها أكثر سُهولة، ويُصبح السَّيطرة عليها فلسفةً اجتماعية قائمة بذاتها.

مِن أبرز القضايا التي تَجمع بين الكاتبتَيْن، قضيةُ " الجسد الأُنثوي ". فالجسدُ في كثير مِن المُجتمعات يتحوَّل إلى ساحة صِراع بين الحُرية والسُّلطة.

عِند لطفية الدليمي يَظهر الجسدُ بوصفه جُزءًا مِنْ هُوية المرأة الإنسانية، لا مُجرَّد مَوضوع للرغبة، أو الرقابةِ الاجتماعية. هي تُحاول إعادةَ الاعتبار للجسد بوصفه كِيانًا طبيعيًّا لا يَنبغي أنْ يَكُون مَصدرَ قَمْعٍ أوْ خَوْفٍ. أمَّا عِند مارغريت أتوود، فإنَّ الجسد يتحوَّل إلى رمز سياسي واضح. في عَالَمها الكابوسي، يُستلَب الجسد، ويُعاد تعريفه وفق قوانين السُّلطة. وهُنا تكشف الكاتبةُ عن أخطر أشكال القمع: حين تتحوَّل المرأةُ إلى وظيفة بيولوجية لا أكثر.

اللغة عند الكاتبتَيْن لَيستْ وسيلةَ سَرْدٍ فقط، بَلْ أيضًا أداة مُقاوَمة. لطفية الدليمي تَستخدم لُغةً شاعرية هادئة، لكنَّها مُشبَعة بالتأمُّل الفلسفي، كأنَّها تفتح نافذةً صغيرة للحُرية داخل واقع مُضطرب. أمَّا مارغريت أتوود، فتكتب بِلُغة حادَّة أحيانًا، وساخرة أحيانًا أُخرى، لتكشفَ تناقضات السُّلطة وخطورتها.

إنَّ اختلاف الأُسلوب بَينهما يَعكس اختلافَ السِّياقِ الثقافي. لطفية الدليمي تَكتب مِن داخل مُجتمع تقليدي يُحاول التوازنَ بَين الحداثةِ والتُّراثِ، بَينما تَكتب مارغريت أتوود مِن داخل مُجتمع غَرْبي مُتقدِّم تقنيًّا، لكنَّه لَيس بِمَنأى عن احتمالاتِ التراجعِ والقمعِ والاستبدادِ.

وعلى الرغم مِن اختلاف البيئة والثقافة، تلتقي الكاتبتان في فِكرة جَوهرية: المرأة إنسان كامل، لها عقلها وحُريتها وحقها في تقرير مصيرها، لا تُختزَل في دَور اجتماعي ضَيِّق، ولا يُمكِن القَبول بِتحوُّلها إلى أداة في نظام سُلطوي.

إنَّ مُعالجة قضايا المرأة عند لطفية الدليمي ومارغريت أتوود تكشف عن تقاطعات واختلافات في آنٍ واحدٍ. إنَّهما تَنطلقان مِن وعي نقدي بِبُنى الهَيمنة الاجتماعية والثقافية التي تُحاصِر المَرأةَ، غَير أنَّ اختلاف السياقَيْن الثقافِيَّيْن ينعكس في طرائق التمثيل السردي، وطبيعةِ الأسئلة المطروحة.

تُقَدِّم لطفية الدليمي مُقاربة أقرب إلى التأمُّل الإنسانيِّ والهَمِّ الاجتماعي ضِمن فضاء عربي مُثْقَل بالتحوُّلات، بَينما تميل مارغريت أتوود إلى تَوظيف الخيال والبُعْدِ التحذيري لفضح آلِيَّات السُّلطة الاجتماعية القامعة للمرأة.

ومعَ ذلك، لا تَخلو التجربتان من حدود نقدية، إذْ قد ينزلق الخِطابُ أحيانًا إلى التَّعميم، أوْ إلى تكثيف رمزي يُضْعِف حُضورَ التجربة الفردية الواقعية. وقيمةُ هاتَيْن التجربتَيْن لا تَكْمُن في تقديم نموذج مُكتمل لمعالجة قضايا المرأة، بَلْ في فتح أُفُق للحِوار النقدي حول تمثيل المرأةِ في الأدبِ، وإبرازِ الحاجةِ إلى مُقاربات أكثر توازنًا تربط بَين الحِسِّ الجَمَالي والوعي الاجتماعي، دُون الوقوع في التَّمجيد أو الاختزال.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يشكّل الشعر، في جوهره العميق، أحد أبرز أشكال التعبير الإنساني القادر على استكشاف العلاقة المركّبة بين الذات والعالم، بين التجربة الفردية والهمّ الجمعي، وبين اللغة بوصفها أداةً للتوصيف واللغة بوصفها أفقاً للخلق الجمالي. ومن هذا المنطلق يغدو النصّ الشعري فضاءً تتداخل فيه الأبعاد اللغوية والبلاغية والجمالية والفكرية، بحيث تتجاوز الكلمة وظيفتها المباشرة لتتحول إلى علامة دلالية متعددة الطبقات، قادرة على حمل المعنى الظاهر والمضمر في آنٍ واحد.

وفي هذا السياق يندرج نص الشاعرة الفلسطينية نهى عمر الموسوم بـ «نار موقدة»، بوصفه نصاً شعرياً يقوم على بنية رمزية كثيفة تستثمر عناصر الطبيعة واللغة الثورية لتشييد خطاب شعري يزاوج بين الوعي الجمالي والهمّ الإنساني. فالنص لا يكتفي بتصوير حالة شعورية أو انفعال لحظي، بل يسعى إلى بناء رؤية فكرية تتخذ من النار والنور والجذر رموزاً مركزية تعبّر عن التحوّل، والانبعاث، ومقاومة الظلم، في إطار خطاب شعري يستبطن تجربة إنسانية تتقاطع مع السياق الثقافي والتاريخي الذي يتشكل فيه الوعي الفلسطيني المعاصر.

وتنبع أهمية هذا النص من قدرته على تشييد شبكة من الدلالات الرمزية التي تتكئ على الانزياح اللغوي، وتكثيف الصورة الشعرية، وتفعيل الإيقاع الداخلي، بما يمنح النص طاقة جمالية وتأويلية مفتوحة. كما يتجلى في بنيته حضور واضح لثنائية النور والظلام، والجذر والاجتثاث، والصمت والصخب، وهي ثنائيات تُشكّل محاور دلالية تسهم في بناء المعنى العميق للنص.

وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة نص «نار موقدة» مقاربة نقدية شاملة، تستند إلى مجموعة من الأسس المنهجية التي تشمل الجوانب اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إضافة إلى الأبعاد التاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية والسيميائية. وتسعى هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية الداخلية للنص، وتحليل معجمه الرمزي، واستجلاء آليات اشتغال اللغة الشعرية فيه، مع الوقوف عند طبيعة الرؤية التي يطرحها النص وعلاقته بالسياق الثقافي والإنساني الأوسع.

وبذلك تحاول هذه الدراسة أن تسهم في قراءة هذا النص قراءةً نقدية متأنية تكشف عن طاقاته الجمالية والدلالية، وتبرز موقعه ضمن أفق الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى المزاوجة بين البعد الإبداعي والالتزام الإنساني، وبين جماليات اللغة وقلق الأسئلة الوجودية.

يندرج نص "نار موقدة" ضمن الشعر الحر ذي النزعة الرمزية المقاومة، حيث تتشكل بنية النص من حركة دلالية تصاعدية تنطلق من الصمت وتنتهي إلى النور والثورة. ويقوم النص على معمار استعاري كثيف يزاوج بين عناصر الطبيعة (النار، التراب، الرياح، الأشجار) والبعد الإنساني الأخلاقي (الكرامة، التمرد، الثورة)، مما يمنحه طاقة رمزية تتجاوز المباشرة إلى فضاء التأويل.

النص في جوهره خطاب شعري يعيد تشكيل العلاقة بين الوعي والواقع، حيث تتحول الفكرة إلى شرارة، والشرارة إلى نار، والنار إلى فعل تاريخي يطهر العالم من الظلم والفساد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، إذ تعتمد الشاعرة لغة عربية فصيحة متينة مع تراكيب بسيطة لكنها ذات طاقة دلالية عالية.

ومن أبرز سمات الأسلوب:

الانزياح البلاغي

توظف الشاعرة انزياحات دلالية تخرق المألوف اللغوي مثل:

"صار صمتًا صاخبًا"

وهنا نلاحظ مفارقة بلاغية تجمع بين الضدين:

الصمت / الصخب، لتوليد توتر دلالي يعكس احتقان الوعي.

كذلك يظهر الانزياح في قولها:

"شرارتها تحيك نارًا تتوقد فكرةً"

حيث تتحول الفكرة إلى مادة قابلة للاشتعال، وهو تحويل مجازي يربط الفكر بالفعل.

التراكيب التصاعدية.

تستخدم الشاعرة بنية تراكمية:

بذرة - جذوة - شعلة - نار - ثورة

وهي بنية نمو دلالي تشبه دورة التحول في الطبيعة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة هنا تميل إلى الفصاحة الكلاسيكية مع انفتاحها على الحس الحداثي.

من الألفاظ الدالة:

النور – الجذوة – الشرارة – الأفئدة – البراكين – الكرامة.

هذه المفردات تمنح النص قوة أخلاقية وتتناسب مع موضوعه المقاوم.

كما يظهر التوازن بين اللفظ والمعنى في العبارات المركبة مثل:

"ينتحر الظلم على مشانق لظاها"

وهي صورة بلاغية مركبة تجمع بين الاستعارة والتشخيص.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص ينتمي إلى قصيدة التفعيلة أو النثر الإيقاعي، حيث لا يعتمد وزنًا تقليديًا ثابتًا، لكنه يعتمد:

الموسيقى الداخلية

تظهر في التكرار:

١- في الهواء

٢- في المياه

٣- في الغبار

٤- في الأشجار

وهذا التوازي الصوتي يخلق إيقاعاً دائرياً.

- الجرس الصوتي:

كثرة الأصوات الحلقية والصامتة الثقيلة:

(الخاء – القاف – الراء – الظاء)

تعزز طابع النص الاحتجاجي.

التكرار الإيقاعي

التكرار في:

١- النور

٢- النار

٣- الجذر

يخلق وحدة دلالية وصوتية للنص.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص.

يقوم النص على معمار تصاعدي يتكون من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى

الاحتقان الداخلي

"صار صمتًا صاخبًا"

المرحلة الثانية

التحول الثوري

"تتوقّد فكرةً

ثورةً"

المرحلة الثالثة

التحقق والتحرر

"يشرق النور

محمولًا على أكفٍّ تحمل الحجارة"

هذه البنية تمنح النص حركة درامية واضحة.

2. الرؤية الفنية:

تعكس القصيدة رؤية للعالم قائمة على:

١- مقاومة الظلم

٢- تحرير الإنسان

٣- استعادة الكرامة

العالم في النص منقسم إلى قطبين:

النور / الظلام

وهو تقسيم أخلاقي يعكس رؤية كونية للصراع.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تظهر القدرة الإبداعية في تحويل العناصر الطبيعية إلى طاقة رمزية:

النار - الوعي

الريح → الثورة

الجذر - الاستمرار التاريخي

وهذا ما يمنح النص طابعاً تأويلياً مفتوحاً.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يحمل موقفًا فكريًا واضحاً ضد:

١- الظلم

٢- الفساد

٣- الاستبداد

ويتجلى ذلك في قولها:

"لا للانسياق خلف القطيع"

وهو موقف أخلاقي وجودي يدعو إلى الحرية الفردية.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع عدة مرجعيات:

الخطاب الثوري العربي

الشعر المقاوم الفلسطيني

الفكر الإنساني التحرري

كما يحيل ضمنياً إلى تجارب شعرية مثل شعر المقاومة.

3. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

يمكن قراءة الرموز الأساسية كالآتي:

١- النار = الوعي الثوري

٢- الجذر = الهوية

٣- النور = الحرية

وهذا يجعل النص متعدد الطبقات الدلالية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يُقرأ النص في سياق التجربة الفلسطينية حيث يصبح الحجر والنار رمزين للمقاومة.

قولها:

"محمولًا على أكفٍّ تحمل الحجارة"

يحيل إلى رمزية الانتفاضة.

2. تطور النوع الأدبي:

النص ينتمي إلى الشعر الحر المعاصر الذي يجمع بين:

١- اللغة التراثية

٢- البنية الحداثية.

3. العلاقة بالتراث:

تحضر مفردات من المعجم العربي القديم:

١- الأفئدة

٢- الجذوة

٣- اللظى

مما يربط النص بالبلاغة العربية.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص يبدأ بمشاعر:

١- الاحتقان

٢- الغضب

٣- التوتر

ثم يتحول إلى:

١- الأمل

٢- الكرامة

٣- الانبعاث.

2. النبرة النفسية:

النبرة العامة للنص هي:

نبرة احتجاج وتمرد.

لكنها تنتهي بنبرة أمل.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالمجتمع

النص يعكس رفض:

١- الاستبداد

٢- الفساد

٣- التبعية.

2. الخطاب الاجتماعي

النص ينتقد ظاهرة:

الانسياق خلف القطيع

وهي إشارة إلى الوعي الجمعي غير النقدي.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية

النار - الثورة

النور - التحرر

الجذر - الهوية

الحجارة - المقاومة.

2. الثنائيات الدلالية:

١- النور / الظلام

٢- الحرية / القهر

٣- الجذر / الاجتثاث.

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد هذه القراءة على:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل الرمزي

٣- القراءة التأويلية.

مع التركيز على النص دون الانزلاق إلى الانطباعية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا.

النص يحتفي بقيم:

١- الحرية

٢- الكرامة

٣- التمرد الأخلاقي

كما يتميز بقدرته على توليد تأويلات متعددة، مما يمنحه بعداً إنسانياً يتجاوز السياق المحلي.

الخلاصة:

نص "نار موقدة" نص شعري رمزي يقوم على معمار لغوي متماسك وصور بلاغية كثيفة، ويعكس رؤية ثورية أخلاقية تنطلق من الوعي الفردي نحو الفعل الجماعي. وقد نجحت الشاعرة الفلسطينية نهى عمر في بناء شبكة رمزية مركزها النار بوصفها طاقة تطهير وانبعاث.

وعلى الرغم من وجود بعض اللمسات الخطابية المباشرة، فإن النص يحتفظ بقيمة جمالية وفكرية معتبرة، ويؤكد حضور صوت شعري يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الكلمة والحرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

نار موقدة

بقلم: نهى عمر

صارَ صمتاً صاخباً،

وفي العقلِ صوتٌ..

في الهواءِ.. في المياهِ

في الغبارِ.. في الأشجارِ،

وفي ترابِ الأرضِ هديرٌ..

تأوَّلَ بذرةً..

جذوةً.. شعلةً..

شرارتها تحيك ناراً

تتوقّد فكرةً

ثورةً

رياحُها تهبُّ تباعاً.. سراعاً

نارُها الموقَدةُ تطّلعُ على الأفئدةِ

أفئدةِ الظلامِ والنفاقِ

الفسادِ والسياطِ

تحرقها ومن خلفها

تجتثُّ جذور الوباءِ والذلّ

لا للانسياق خلف القطيع

تنفث بالأرض روح التمرّد

تصير براكين غضب لا تنطفئ

ينتحر الظلم على مشانق لظاها

والظلام والسياط والجلاد..

قسراً

يشرق النور

محمولاً على أكفٍّ تحمل الحجارة

والروح تتشبث بالشمس والأرض

والحياة في النور

تنهمر في النفوس غيوث الكرامة اعتزازاً

تنبذر بهم الأرض

ليبقى الجذر يتغلغل في العمق

متعملقاً

ممتداً

ينبت نوراً ونوّاراً

ونارًا لا تنطفئ

لا تنحني.

صدرت في دريسدن مجموعة قصص لسعاد الراعي بعنوان "من مذكرات أستاذة"، ومنذ البداية نلاحظ أن الأستاذة هي الكاتبة نفسها، ولذلك غلب على القصص جو الطليعة والنخبة وفي أسوأ الأحوال بيئة المتعلمين. فالأحداث كانت تدور في المدينة الجامعية - من قاعات التدريس إلى بيوت المحاضرين. ومع ذلك لم نسمع أي صوت مرتفع و ولا نبرة وعظ أو تبشير كما اعتدنا سابقا في الأدب الملتزم. وكما ذكر الدكتور عادل الحنظل في مقدمته الجميلة "غلفت القصص لمسات شعرية نقلت بصدق وبخبرة واضحة معاناة المرأة ووجدان المجتمع. وكل ذلك بما يلزم من الامتلاء النفسي والجرأة في طرح المشاكل" ص 3-4.

 ولأن الشخصيات مثقفة لم يرد على ألسنتها عبارات بالعامية، ولجأت لما سماه الدكتور الحنظل النثر المتأنق ص 4. وأضيف أنها راوحت بين بلاغة التألق الكلاسيكي والتأنق الرومنسي بتعبير الدكتور حسام الخطيب في معرض كلامه عن آخر أعمال شكيب الجابري. ومهما يكن الأمر دارت الأحداث إما في المهجر أو المدينة. ولم تصور لا الريف و لا الحقل. وهذا ديدن كاتب شبابي آخر هو إحسان عبدالقدوس. وقد كان رمزا من رموز الحرب الباردة على سياسة عبد الناصر. وإذا كان عبد القدوس مع ثورة وتمرد الشباب حتى لو وقعوا في وحل الخطيئة، فضلت الراعي أن ترافق صغار السن وأن تهتم بتنظيف أفكارهم، ولجأت في هذا السياق إلى لغة الحوار والإقناع، وليس للتوبيخ ولا التهديد. وكذلك لم تحض على الثورة، ولا استفزاز المجتمع النائم، وواجهت المشاكل الطارئة بابتسامة خفيفة وبدون سخرية أو مرارة (كما ورد في "قصة إن شاء الله يا أستاذة" ص8. أو بدفء القلب وندبة الحنان - قصة "ذاكرة في ظلال الغياب" ص18.

وهذا ما يؤهل القصص لتكون في دائرة الأعمال الإصلاحية والهادئة مثل مشروع السورية وداد سكاكيني والمصرية أمينة السعيد.

وتبقى لي عدة ملاحظات.

الأولى أن تمرد النساء في أدب الراعي لا يؤمن بحرق المراحل، ولكن بالتدريج والإصرار. وهو مختلف تماما عن أسلوب الستينات والذي اعتمد على سياسة الأظافر الطويلة (غادة السمان وليلى البعلبكي)، وبنفس الوقت اختلف جدا عن أسلوب هذه الألفية والذي يضرب رأسه بجدار واقع راكد ونصف ميت. وبمقدار ما يصدق ذلك على الأدب العربي (من حنان الشيخ وحتى علوية صبح، وبدرجة أقل من ذكرى لعيبي وحتى أمان السيد) يصدق أيضا على أدب شرق أوروبا (من كريستا فولف وحتى أولغا توكارشوك وجيني إيربينبيك). فالانقلاب السياسي في شرق أوروبا لم يهدم المعبد، ولكنه ساعدنا على رؤية الخراب. وما كانت تتستر عليه سياسة البروباغاندا والتزوير والنفاق كان في الحقيقة أمرا واقعا على مستوى البنية التحتية ومرادفاتها - من اقتصاد فاسد ووجدان مسلوب الإرادة (وأحسن صنع الله إبراهيم بالكشف عن هذه الأزمة في ثنائيته "برلين 69" و"الجليد"). بتعبير موجز اختصرت السيدة الراعي الطريق على نفسها، ولم توسع مسرح الأحداث، واكتفت بعلاقات بين اثنين لكل منهما صوته. فأول قصة تدور بين أكاديمية وأحد طلابها. وثاني قصة بين الراوية وماريا زوجة الأستاذ الراحل وهكذا. ولم تدعم رؤيتها للتجديد والإصلاح ببهلوانيات الحداثة أو الصوت الساخط والغاضب، واختارت سياسة الهمس والملاحظة والمشاهدة.

النقطة الثانية أنها لم تتردد ولم تتبع أسلوب النهايات المفتوحة للإعراب عن التردد أو الحيرة. وهذا دأب غادة السمان. ونلاحظ ذلك من عناوينها مثل "ليل الغرباء" و"لا بحر في بيروت". فهي كاتبة نفي للنفي، بمعنى أنها كانت مؤهلة لمنطق جهادي وانتحاري لا يهادن ولا يبني أيضا. كالبلدوزر يجرف كل شيء أمامه و يخلف في كل مكان الحطام والحرائق. لكن الراعي الراعي بالعكس تماما. فهي تحرص على حضانة مشاعرها الحزينة وعلى تأدية دورها الأساسي في التربية والتطوير.

آخر نقطة. أنها وضعت العالم والواقع في صف المرأة. وكأنها تريد إحياء شبكة العلاقات بين الإنسان والطبيعة. ومجرد التماهي بين الطرفين يجعل كل الأجواء رحمانية - بالتعبير الذي وضع أسسه إيمانويل سفيدونبرغ 1688- 1772 لا هي مذكر ولا مؤنث، ولكنه وجدان بشري وحامل. أو وجدان أمومي يرعى عدة احتمالات. وهذه خطوة متواضعة على أول طريق أنسنة العلاقات خارج التصنيفات البائدة.

***

د. صالح الرزوق

يشكّل الحديث عن التحوّلات النصيّة ومراوغة الخطاب الأدبي مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعة الكتابة الحديثة، تلك التي لم تعد تقف عند حدود البنية الكلاسيكية، ولا تكتفي بمرجعيات واضحة أو دلالات جاهزة، بل صارت تشتغل على الحافة؛ حافة اللغة، والمعنى، والهوية النصية. لقد تحوّل النص الأدبي اليوم إلى كيان حيّ، يتغيّر ويتشكّل باستمرار، وينزاح عن أنماطه المألوفة ليبتكر لغته الخاصة. في هذا السياق، تبدو التحوّلات النصية ممارسة واعية للعبور بين الأجناس، أو لتكسير حدود البنية، أو لإعادة توزيع الوظائف السردية والدلالية. كل تحوّل هو إعادة كتابة، وإعادة تفكير في علاقة النص بذاته وبقارئه، وفي طرائق إنتاج المعنى داخله. فالرواية التي تبدأ بضمير المتكلم قد تنقلب فجأة إلى راوٍ عليم، والزمن الذي يبدو خطياً سرعان ما يتشظّى إلى طبقات، واللغة التي تُفترض واضحة قد تنحرف إلى استعارات كثيفة تشكّل شبكة دلالية مغايرة.

وتتعزّز هذه الدينامية بوجود خاصية مراوغة الخطاب، تلك القدرة العجيبة للنص على أن يقول شيئاً ويخفي أشياء، أو أن يقدّم دلالات بقدر ما يموّهها. فالنص المراوغ لا يسعى إلى إرباك القارئ بقدر ما يدفعه إلى تأمل أعمق، إلى بحث متأنٍّ عن المعنى داخل المساحات البيضاء، وفي ما وراء الإحالات والتلميحات. هنا يصبح الغموض ليس نقصاً، بل فضيلة جمالية، ووسيلة للتكثيف، ولتعميق أثر النص. والكتابات الكبرى، شعراً وسرداً، أدركت منذ زمن أن وضوح المعنى قد يُفقد الأدب سحره، لذلك فهي تراهن على التعدد: تعدد الأصوات، ومنظورات الرواة، واللغات الداخلية، والإشارات العابرة التي تنفتح على نصوص أخرى.

وتبدو العلاقة بين التحوّل والمراوغة علاقة تبادلية؛ فكل تحوّل في البنية ينتج قدراً من الإرباك الجميل، وكل مراوغة في القول تفتح الباب أمام تحول جديد في تأويل النص. ولهذا بات القارئ المعاصر شريكاً في عملية البناء، إذ لم يعد يتلقى المعنى، بل يشارك في صناعته، عبر إعادة تركيب الشذرات، وربط العلامات، وتأويل مناطق الظلّ التي يتركها الكاتب عمداً. وقد أصبح هذا كله جزءاً من جمالية النص الحديث، الذي لم يعد يطمح إلى تقديم حقيقة نهائية، بل إلى خلق فضاء للتفكير، ولطرح الأسئلة، وتحفيز الحس النقدي.

ومع تطور السرد العربي والعالمي، تظهر هذه المزايا بوضوح في روايات تعتمد على تفكيك الزمن، وعلى التعدد الصوتي، وعلى المزج بين الذاتي والموضوعي، وبين الواقعي والغرائبي. كما تتجلى في الشعر الحديث الذي يراهن على الانزياح، وعلى الصورة المتفلتة من القياس التقليدي. وفي القصة القصيرة، يتحقق هذا النهج عبر النهايات المفتوحة، واللغة الكثيفة، والحدث المفارق الذي يقلب المعنى في لحظة.

إن التحوّلات النصية ومراوغة الخطاب الأدبي ، تمثل تعبيرا عن تحوّل أعمق في رؤية الكاتب للعالم. فالنص الراهن لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح احتمالاتها. ولا يسعى إلى تمثيل الواقع كما هو، بل إلى مساءلته، وإعادة تشكيله داخل بنى لغوية وجمالية جديدة. وهكذا يصبح الأدب مساحةً حرّة للتجريب، ولإعادة اكتشاف اللغة، ولابتكار طرق جديدة في الحكي والتعبير، تسمح للنص بأن يظلّ مفتوحاً على أفق لا ينتهي من القراءة.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

في المثقف اليوم