قراءات نقدية

قراءات نقدية

دراسة نقدية نفسية – بلاغية في قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي

تندرج قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي ضمن أفق الغزل العربي الكلاسيكي، غير أنّها لا تقيم فيه بوصفه مأوى نهائياً، بل تتخذه معبراً لإنتاج خطاب شعري مشحون بطاقة نفسية وإيروتيكية عالية، يتشابك فيها العشق بالوجع، والتلذّذ بالألم، والجسد باللغة، في بنية دلالية مركّبة تتجاوز الوظيفة الغزلية التقليدية.

إننا إزاء نص لا يُقرأ باعتباره تعبيراً عن حالة وجدانية فحسب، بل بوصفه مشهداً نفسياً–جسدياً تُفصح فيه الذات الأنثوية عن وعي عميق بجسدها، وبالرغبة، وباللغة كأداة تعويض، وكساحة صراع بين القيم الموروثة والانجذاب الحسي.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تكاملية، تمزج بين التحليل النفسي الإيروتيكي والتحليل البلاغي والإيقاعي، للكشف عن آليات الرغبة، وبنية الألم المختار، ووظيفة الصورة، ومكانة التراث العروضي بوصفه حاملاً لا قيدًا.

أولًا: البنية النفسية للذات العاشقة

1. الحب بوصفه احتراقًا داخليًا

منذ المطلع:

"أَضْرَمْتُ قلبي كي يلوذَ بدفئِهِ"

تضع الشاعرة القارئ أمام مفارقة نفسية دقيقة: الاحتراق بوصفه ملاذاً. فالذات لا تطلب الدفء من الخارج، بل تحرق ذاتها لتستدفئ بها، في صورة تعكس وعيًا مأساويًا بالحب بوصفه فعل إيذاء ذاتي واعٍ.

نفسيًا، نحن أمام ذات لا ترى في الحب خلاصًا، بل قدرًا داخليًا، حيث الألم ليس عارضًا، بل شرطًا للمعنى.

2. اللذة بوصفها ألمًا مختارًا

يتكرّر في القصيدة معجم الجرح، السُّقم، القتل الرمزي، والدمع، ما يحيل إلى بنية نفسية قريبة من المازوشية العاطفية، حيث تتماهى اللذة بالألم، ويغدو الوجع وسيلة تأكيد للوجود العاطفي:

حُمِّلتُ جرحًا منذ كتبتُ قصائدًا

فالجرح هنا ليس نتيجة الحب، بل ملازم للقول الشعري نفسه، وكأن الكتابة هي إعادة إنتاج واعية للألم.

ثانيًا: الإيروتيكا بوصفها بلاغة جسدية

1. الجسد المتخيَّل لا الجسد العاري

الإيروتيكية في القصيدة لا تقوم على العري المباشر، بل على التلميح المشبع: الشفاه، القبلة، الوجنتان، الثغر، الرضاب.

هذه المفردات لا تُستعمل استعمالًا تشريحيًا، بل تتحوّل إلى رموز حسّية، حيث اللغة تؤدي وظيفة اللمس، والاستعارة تقوم مقام العناق. إننا أمام إيروتيكا لغوية لا تستفز الأخلاق، بل تستنطق الذاكرة الحسية.

2. الحواس المتداخلة وكيمياء الرغبة:

يتداخل الذوق (الملوحة)، والشمّ (الأريج)، والسمع (الهسيس)، في تواشج حسي واضح:

أَتَطيبُ قُبلتُهُ وثغريَ مالِحٌ

وهسيسُ دمعي في صلاتي أملحُ

هذا التشابك الحسي يعكس، نفسيًا، حالة اندماج كاملة، حيث لا تعود الحواس منفصلة، بل تتحوّل إلى كتلة شعورية واحدة، وهو ما يُعدّ من أعلى درجات التوتر الإيروتيكي في الخطاب الشعري.

ثالثًا: جدلية التعفّف والرغبة:

تحضر في النص مفارقة أخلاقية دقيقة بين العفّة والتعشّق، دون حسمٍ قاطع لصالح أحد الطرفين. فالتعفّف لا يُلغى، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة بوصفه توترًا دائمًا، لأن الرغبة لا تشتدّ إلا في حضرة المنع.

هذا التوازن الهشّ بين الكفّ والانجذاب يمنح القصيدة عمقها النفسي، ويمنعها من السقوط في الإباحية أو الوعظ.

رابعًا: اللغة بوصفها جسدًا بديلًا

1. الشعر كآلية تعويض نفسي

تعلن الشاعرة – ضمنيًا – أن الكتابة ليست ترفًا بل ضرورة:

ما همّني الشعر الموشّى حرفه

هذا النفي الظاهري لقيمة التزويق البلاغي ينقلب، نفسيًا، إلى اعتراف بوظيفة الشعر العلاجية؛ فاللغة هنا تقوم بما يعجز الجسد أو الواقع عن تحقيقه. إنها مساحة تفريغ، وترميم، وإعادة امتلاك للذات.

2. الشفاه كنصّ:

أقرأتُهُ سفر الشفاه تهيُّمًا

تبلغ الاستعارة هنا ذروة كثافتها؛ إذ تتحوّل الشفاه إلى كتاب، والقبلة إلى قراءة، والقراءة إلى فعل امتلاك حسي. إنها لحظة تماهٍ تام بين النص والجسد، حيث لا يعود القول وصفًا، بل يصير فعلًا.

خامساً: البناء اللغوي والإيقاعي

1. اللغة: فخامة بلا افتعال:

ينتمي النص بوضوح إلى تقاليد الغزل العربي الكلاسيكي، من حيث جزالة اللفظ، وسلامة التركيب، وحسن اختيار المفردة التراثية. غير أن الشاعرة تُحسن تطويع هذا الإرث دون تكلّف، فتبدو اللغة حيّة لا متحفية.

2. الإيقاع: موسيقى الانفعال:

يحافظ النص على إيقاع رصين وقافية موحّدة، تمنحه نغمة إنشادية تناسب التوتر العاطفي العالي. صحيح أن الالتزام بالشكل العمودي يحدّ من المغامرة الشكلية، لكنه في المقابل يعزّز الإحساس بالتماسك والاكتمال، ويخدم طبيعة الخطاب الوجداني.

خاتمة:

تقدّم قصيدة ناهدة الحلبي نموذجاً ناضجاً لقصيدة غزلية حديثة في وعيها، تراثية في موسيقاها، جريئة في إيروتيكيتها، وعميقة في بنيتها النفسية. إنها قصيدة لا تحتفي بالجسد بوصفه موضوع شهوة عابرة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا، وذاكرة حسّية، وساحة صراع بين القيم والرغبات.

الإيروتيكا هنا ليست خروجاً أخلاقياً، بل إعادة تعريف للحب:

حبٌّ بوصفه جرحاً جميلًا، ووعيًا مؤلمًا، ولغةً لا تصف الجسد… بل تصير جسدًا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

.....................

ناهدة الحلبي

حَيَّيْتُهُ أَرْوى فَمي تَقْبيلا

لَيْتَ التَحِيَّةَ بُكْرَةً وَأَصيلا

*

يُغْذي عَذابَ المُسْتَهامِ بِجَفنِهِ

أرْنو فَتَرْميني الِّلحاظُ قَتيلا

*

ما هَمَّني الشِّعْرُ المُوَشَّى حَرْفُهُ

ما القلبُ في بُرْءٍ وَكانَ عَليلا

*

رَصَّعْتُ جيدَ البَدرِ مِنْ نَفَحاتِهِ

وَأَريجَ مِسْكٍ للرُّضابِ أُهيلَ

*

جاوَزْتُهُ في الشَّوْقِ بَعْدَ تَحَيُّفٍ

أَرْجو مِنَ الطَّرْفِ الكَحيلِ مَخيلا

*

إِنَّ التَعَشُّقَ لوْ قَضاهُ تَعفُّفًا

لَتَوسَّدَ الكَفَّ القَشيبَ وَعيلَ

*

أقرَضْتُهُ هَوَسَ الحَواسِ وَدُمْلُجًا

وَمِنَ العَقيقِ خَميلةً وَجَديلا

*

سُكْناكَ قَلْبي فالعُيونُ نَواظِرٌ

وَالسِّحْرُ جَفْنٌ يُتْقِنُ التَّسْبيلا

*

إن رُحْتُ أَذكُرُهُ توجَّعَ خاطِري

مُسْتَعْذِبًا سَقْمًا أطالَ حُلولا

*

أقْرَأتُهُ سِفْرَ الشِّفاهِ تَهَيُّمًا

وَلأجْلِ عيْنَيْهِ بُعِثْتُ رَسولَ

*

نَفَحَتْ عَلى وَجَعي نَسائمُ قُبْلةٍ

فَانْداحَ مِنْ حُلْوِ المَذاقِ قَتيلا

 

"القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية"

لا يقدّم نصّ «القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية» نفسه بوصفه حكاية سفر عابرة، ولا شهادة ذاتية محضة، بل باعتباره نصاً سردياً تأملياً مركّباً، يتقاطع فيه اليومي بالوجودي، والسياسي بالإنساني، والذاتي بالجمعي. إنّه نصّ عن المنع بوصفه تجربة وجود، وعن الحدود حين تتحوّل من خطوط جغرافية إلى جدران هوياتية.

النص يشتغل على لحظة بسيطة في ظاهرها، عميقة في بنيتها: ورقة نشاط سياحي، كلمة واحدة («Jerusalem»)، وجواب إداري جاف، لكنها تتحوّل سردياً إلى صدمة أنطولوجية تمسّ معنى الانتماء، وشرعية الحلم، وحق الذاكرة في الجسد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتّسم النص بسلامة لغوية عالية، وبناء نحوي متين، مع قدرة واضحة على تطويع اللغة الفصيحة داخل سرد معاصر غير متكلّف. الجمل غالباً متوسطة الطول، تُوظَّف فيها الوقفات، والنقاط، والتكرار البنائي، لإنتاج إيقاع داخلي محسوب.

الانزياح اللغوي حاضر بذكاء، لا على مستوى الغموض، بل عبر نقل الكلمات من دلالتها التداولية إلى شحنة رمزية:

«ورقة صغيرة.. لكنها كانت أكبر من القلب»

«المدينة تُلغى»

«رسالة رفض رسمية من التاريخ»

هنا لا تُستعمل اللغة للزينة، بل كأداة كشف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الفصاحة نابعة من ملاءمة اللغة للموضوع: لغة هادئة، غير خطابية، تخلو من الصراخ، وهو ما يزيد من وطأة الألم. النص يرفض البلاغة العالية الصاخبة، ويختار بلاغة الخيبة الصامتة.

التوازن بين اللفظ والمعنى دقيق؛ فلا يوجد فائض لغوي بلا ضرورة دلالية، ولا جفاف تعبيري يفرّغ التجربة من بعدها الإنساني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول بإيقاع داخلي واضح:

التكرار (القدس – الورقة – الهوية)

الجُمل القصيرة المتتابعة في لحظات الصدمة

الوقفات التأملية التي تُحاكي التردّد والانكسار

الإيقاع هنا نفسي قبل أن يكون صوتيًا، وهو ما يمنح النص موسيقى داخلية خافتة لكنها مستمرة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على السرد الذاتي بضمير المتكلم، مع توظيف ذكي للزمن:

١- زمن الحكاية: لحظة واحدة.

٢- زمن الوعي: ممتد، متشظٍّ، تأملي.

لا شخصيات بالمعنى التقليدي؛ المنسّق ليس شخصية بقدر ما هو وظيفة سلطوية، والراوي هو الذات العربية/الإنسانية التي تواجه نظام المنع.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل الذاتي، دون انقطاع سردي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية تنطلق من منظور إنساني نقدي يرى العالم بوصفه منظومة فرز هويّاتي. الشكل (السرد الهادئ، اللغة البسيطة) منسجم تمامًا مع المضمون (المنع الصامت، القمع غير الصاخب).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الإبداع لا يقوم على حدث غير مألوف، بل على إعادة تأويل حدث مألوف (المنع الإداري) وتحويله إلى مجاز وجودي. الدهشة هنا فكرية وأخلاقية، لا سردية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة عميقة:

من يملك حق الوصول؟

هل الهوية جريمة؟

هل الذاكرة تُعاقَب؟

إنه نص عن اغتراب الإنسان داخل العالم المعاصر، حيث تتحوّل القيم إلى معايير أمنية.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص ضمنيًا مع:

فلسفة الهوية

نقد السلطة الحيوية

مفهوم المنع الرمزي في الفكر ما بعد الكولونيالي

لكن دون إحالات مباشرة، ما يمنحه استقلاله الأدبي.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القدس ليست مدينة، بل:

ذاكرة ممنوعة

اختبار هوية

مرآة كاشفة لعنف النظام العالمي

العنوان نفسه مفتاح تأويلي عميق: الإغلاق في الهوية لا في الخريطة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص مكتوب في لحظة عربية مأزومة، حيث:

تُباع القدس سياحياً

وتُغلق سياسياً

وتُجرَّم هويّاتياً

2. تطوّر النوع الأدبي:

يقع النص ضمن السرد التأملي السياسي، القريب من أدب الشهادة، لكنه يتجاوز التقريرية.

3. العلاقة بالتراث:

يحمل النص روح المراثي العربية القديمة، لكن دون استعارات تراثية مباشرة، ما يجعله حداثياً في أداته، تراثياً في روحه.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

المشاعر المسيطرة:

الدهشة

الخيبة

الانكسار الهادئ

لا غضب انفجاري، بل ألم ناضج.

2. تحليل الذات الساردة

الراوي ليس ضحية باكية، بل ذات واعية تُحلّل صدمتها، ما يمنح النص نضجاً نفسياً.

3. النبرة النفسية:

نبرة احتجاج صامت، مشوبة بحنين ومرارة.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

النص يفضح:

آليات الإقصاء.

عنف البيروقراطية.

تصنيف البشر وفق الهويات.

2. الخطاب الاجتماعي

ينقد السلطة دون شعارات، ويُظهر كيف تعمل عبر لغة «الاعتذار».

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الكاتب يمارس دور الشاهد النقدي، لا المُحرِّض ولا الواعظ.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الورقة = وعد زائف

المعبر = السلطة

القدس = الذاكرة/الحق

2. الثنائيات

الحلم / المنع

القرب / الاستحالة

الاسم / الجغرافيا

3. النظام الرمزي

كل الأشياء اليومية تتحوّل إلى علامات قمعية.

ثامناً: الأسس المنهجية

النص صالح للقراءة:

الأسلوبية

التأويلية

السوسيولوجية

ويحافظ على موضوعية داخلية عالية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم

حرية، كرامة، حق الحلم.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات فلسطينية، عربية، إنسانية كونية.

3. البعد الإنساني والسياسي

إنه نص عن الإنسان حين يُرفض لا لفعله، بل لكونه هو نفسه.

خاتمة:

يُعدّ نص سعيد علي البطاط عملًا سردياً تأملياً عالي القيمة، يجمع بين:

١- صدق التجربة

٢- نضج الرؤية

٣- جمال اللغة

٤- عمق الفكرة

وهو نص يؤكّد أن الأدب حين يلامس الهوية، يصبح فعل مقاومة ناعمة، وأن القدس، في هذا النص، ليست مكاناً، بل سؤالًا أخلاقياً مفتوحاً على العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

الطريق الذي أُغلق في القلب

حصل معي موقفٌ لم يكن غريبًا فحسب، بل كان غامضًا ومؤلمًا على نحوٍ لا يُقال بسهولة.

وجعه لم يكن في الكلمات التي قيلت، بل في تلك التي لم تُقَل، في الفراغ الذي خلّفته الحقيقة حين سقطت فجأة، بلا تمهيد.

في صباحٍ هادئ من صباحات دهب، وجدت ورقةً موضوعة عند باب غرفتي. ورقة عادية، تشبه غيرها، لكنها كانت تحمل وعدًا مبطّنًا بالحلم. نشاطاتٌ سياحية مقترحة: بحر، صحراء، رحلات، أسماء مدن تتبدّل كالألوان. قرأت بلا اكتراث.. حتى توقّفت.

Jerusalem.. القدس.

تجمّد الاسم في عينيّ.

لم يكن مجرّد مدينة، كان نداءً قديمًا، صوتًا أعرفه منذ الطفولة، يخرج من الحكايات، من الصلوات، من خرائط القلب التي لا تُدرَّس في المدارس.

كتبت الورقة ببرودٍ مهنيّ:

زيارة القدس وبيت لحم.

مكان ولادة السيد المسيح.

كنيسة القيامة.

المسجد الأقصى.

أهم المعالم في القدس وبيت لحم.

التكلفة:295 دولار.

الانطلاق الساعة الثالثة فجرًا، والعودة الواحدة ليلًا، عبر طابا.

أغلقت الورقة قليلًا، وقلت في سرّي:

يا إلهي.. يا ليت.

لم يكن تمنّي سائحٍ يبحث عن صورة، بل رجاء إنسانٍ يريد أن يلمس ذاكرته بقدميه، أن يرى بعينيه ما عاش في وجدانه عمرًا.

ذهبت إلى منسّق النشاطات. سألته بهدوءٍ متردّد:

- ممكن تشرح لي عن هاي الرحلة؟

نظر إليّ نظرةً سريعة، ثم تغيّر صوته فجأة، كمن وجد نفسه في مأزق لا يريد الدخول فيه. قال معتذرًا، متكسّر العبارات:

- أنا بعتذر يا باشا.. حقك علينا يا أخوي.. بس مش حتزبط.

سألته، وأنا أعرف الجواب قبل أن يُقال:

- ليش؟

تنفّس بعمق، ثم قالها كما تُقال الحقائق الثقيلة:

- لأنك أصلك عربي ومسلم.. مش غربي أصلي. الرحلة معقّدة. بيرجعوا أغلب الناس. حتى أوروبيين وأمريكان رجعوهم. الكونترول هناك بيستمر من ثلاث لأربع ساعات، وهم صعبين جدًا.. انسَ الموضوع يا باشا. حقك علينا.

لم أجادل.

لم أسأل أكثر.

كنت أعرف أن لا شيء يُناقَش حين تتحوّل الهوية إلى تهمة، والانتماء إلى حاجز.

خرجت وأنا أحمل الورقة مطويّة في جيبي، كأنها جواز سفرٍ لم يُختم أبداً. شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي، لا بصوت، بل ببطء. لم تكن القدس هي التي مُنعت عني، بل حقي في أن أشتاق إليها دون إذن.

قلت في نفسي، وأنا أكتم دمعةً لا تريد النزول:

أريد أن أبكي.. لأن بلادنا ليست لنا.

ليست لنا حين نُمنع من زيارتها ونحن نراها كل يوم في القلب.

ليست لنا حين تصبح الأسماء المقدّسة بنوداً سياحية متاحة للبعض، ومحظورة على أصحاب الحكاية.

ليست لنا حين نحتاج إلى أصلٍ آخر، وديانةٍ أخرى، ولهجةٍ أخرى، كي نقترب خطوة من تاريخنا.

عدت إلى غرفتي. فتحت الورقة مرةً أخيرة. قرأت كلمة Jerusalem ببطء، ثم أعدت طيّها. أدركت يومها أن بعض الرحلات لا تُلغى عند الحدود، بل تُمنع في الهوية، وأن أكثر الطرق إغلاقًا هي تلك التي تؤدي إلى ما نحب.

ومنذ ذلك الصباح، لم تعد القدس عندي مدينةً مؤجّلة،

بل جرحًا مفتوحًا،

وحلمًا يعرف طريقه..

لكنه مُنع من الوصول.

 

تشكل سردية الماء محاولة للانتقال من التأمل الوصفي إلى فهم أعمق للعلاقة بين الإنسان والعالم. فالماء يتجاوز كونه مجرد عنصر بيولوجي أو فيزيائي أساسي، ليصبح ظاهرة تعيد تشكيل إدراكنا للذات والآخر. ويمكن عده مكونا مزدوجا: شفافا على السطح وعميقا في الباطن، معبرا عن التباين بين ما نعرفه علميا وما يظل غامضا في تجربتنا الإنسانية.

في التصورات الأولى للوعي الانساني، كان المطر يتشكل وفق أنساق رمزية وأسطورية، إذ كان ينظر إليه بوصفه قوة فاعلة داخل نظام كوني متحرك، حيث صيغت الظواهر الطبيعية في سرديات تمنحها وظيفة تنظيمية في إدراك الزمن والدورة والانتظام. ففي الميثولوجيا اليونانية، كان المطر تمظهرا لقوة "زيوس" "Zeus" الأعظم، سيد الأولمب، الذي تحكم إرادته في الرياح وغيوم السماء، فكان هطول المطر هبة إلهية تغذي الأرض وتحييها، مجسدة الوصل بين سلطة السماء وعطاء الأرض، وحاملة دلالة القوة والسيادة على النظام الطبيعي.

ومع تطور التفكير الإنساني، انتقل المطر إلى أفق آخر من الفهم، فأدرج ضمن أنساق من العلل والتحولات المادية، الأمر الذي أتاح للوعي أن يعيد تموضعه داخل العالم بوصفه فضاء قابلا للإدراك والتنظيم. في هذا التحول، حافظ المطر على كثافته التجريبية، واستمر حضوره بوصفه حدثا يدرك عبر الحواس ويعاد تشكيله داخل الوعي، وبموجب ذلك تحول المطر إلى واقعة إدراكية مركبة تتشكل داخل الوعي بوصفه تدفقا مستمرا يعيد تنظيم العلاقة بين الإحساس والانتباه والذاكرة، ويتجاوز حضوره كونه معطى حسيا مباشرا لينتج شبكة من الآثار المتراكمة التي تتحول إلى بنية دلالية متحرّكة، فيغدو الوعي مجالا تتقاطع فيه الأصوات والحواس والإيقاعات الزمنية، وتتكون الممكنات الدلالية بعدها نتائج صيرورات داخلية غير مستقرة. وتساوقا مع هذه المقاربة يشتغل الشعر بوصفه تأويلا يعيد توليد التجربة بدل عكسها، وتعاد صياغة حضور المطر داخل اللغة باعده مسارا إدراكيا مفتوحا تتشابك فيه الحواس مع المخيلة، وتتحول الكلمات إلى  نصوص تحتضن ما يتسرب من العالم. يصبح المطر بموجب ذلك حركة فاعلة داخل النص وقوة اشتغال تحدث انزياحات في المعنى وتفتح إمكانات جديدة للفهم، وفعل تكون، لتظل الدلالة في حالة تشكل دائم.

وفن الشعر، بوصفه فنا تعبيريا رفيعا مشتركا بين الشعوب والثقافات، استطاع ان يحول المطر إلى جهاز حسي–دلالي متكامل، ويحول التجارب الإنسانية إلى أثر إنساني ينبض بالاستعارات الحية، منتجا أثرا إدراكيا يتجاوز حدود التوصيف إلى أفق التشكل الجمالي.

في الشعر العربي القديم، ظهر المطر يوصفه تجربة معيشة وجدت تحققا ابداعيا وفق ابستيمي المرحلة، لتتساوق اشكاله التعبيرية مع سنن بناء الجملة، والمعجم اللغوي، والمتواليات، والبنى الإيقاعية، وجماليات التصوير الشعري الحسي المرتبط بالمحاكاة بدل التخييل.

أما في الشعر الحديث، فقد اتسم حضور المطر بالتكثيف،  ليصبح نقطة التقاء بين الإيقاع الخارجي والحركة الداخلية، وتشكلت القصيدة لكونها طاقة إصغاء متكاملة، وتحولت الكتابة إلى ممارسة لتتبع الصيرورة، حيث يولد إيقاع الماء حالات شعورية دقيقة، لتعيد التجربة إنتاج نفسها بوصفها حركة مستمرة متعددة الأبعاد، تتفاعل فيها الذاكرة والحواس والمتخيل، وتتشابك فيها الدلالة مع الانفعال الحسي والرمزي.

بيد ان هذه الطاقة التأويلية تنكشف بوضوح في تجربة بدر شاكر السياب، حيث يتخذ المطر وظيفة تنظيمية داخل النظام الشعري، ويغدو زمنا معيشا على نحو انطولوجي، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع الامتدادات الجمعية، ويتحول الإيقاع الشعري إلى إبدال حسي-دلالي، وتشكل القصيدة فضاء تتحرك فيه الصيرورة التاريخية بوصفها باراديغما شعريا قادرا على دمج التجربة الحسية مع الوعي الزمني والاجتماعي.

وبناء على هذا المنظور، يصبح المطر طاقة منتجة للمعنى، غير خاضع لهيئة ثابتة، إذ يظل موقعه الدلالي في التجربة الإنسانية متجددا ومتشكلا باستمرار وفق حركة الوعي والشعور، داخل انساق مركبة من العلاقات بين الذات والعالم.

وفق هذه المقاربة التأويلية، يمكن النظر إلى المطر كشرط لإدراك الخبرة الإنسانية، وتشكل الزمن وممكنات فن العيش. يمتلك الماء القدرة على التوسط الرمزي وتنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، حيث يتمظهر الوجود في حركته المستمرة. التفكير في الماء يتيح إدراك الانسجام بين المادة والتجربة، ويؤسس لمفهوم (حدث ابداعي دائم التشكل مبني على الاختلاف وليس التماثل وفق جيل دولوز)، يركز على الحركة والصيرورة كخصائص أساسية لماهيته وللوجود.

***

د. عبد السلام دخان

قراءة تحليلية في انزلاق الخطاب النقدي من مساءلة الإبداع إلى توصيف الهيئة.. بدر شاكر السيّاب في مرايا النقد المعاصر

لا تبدأ أزمة النقد حين يخطئ في الإجابة بل حين يخطئ في السؤال وحين يُسأل عن المبدع من زاوية جسده بدل مشروعه ومن هيئة وجهه بدل بنية نصه فإننا لا نكون أمام قراءة بديلة بل أمام تحويل مسار معرفي يفرغ النقد من وظيفته التاريخية.

إن استعادة بدر شاكر السيّاب من بوابة ملامحه الجسدية كما أُثير في بعض الخطابات الثقافية المعاصرة تضعنا أمام إشكالية مركّبة تتجاوز شخص الشاعر لتطال بنية التفكير النقدي ذاته وحدود العلاقة بين الجسد والإبداع وبين الرمز وسلطته في الوعي الجمعي.

أولًا: الجسد في النظرية الثقافية – من الحضور الوجودي إلى الأداة الخطابية

في الفكر النقدي الحديث لم يعد الجسد مجرّد كيان بيولوجي بل أصبح نصًا ثقافيًا تُقرأ عليه آثار السلطة والمعرفة والطبقة فالجسد بحسب المقاربات ما بعد البنيوية موقع تُمارَس عليه السلطة الرمزية ويُعاد من خلاله إنتاج المعايير الجمالية والأخلاقية السائدة.

غير أن الخطورة لا تكمن في إدخال الجسد ضمن التحليل بل في الطريقة التي يُستدعى بها فحين يتحوّل الجسد من تجربة وجودية إلى معيار قيمي ومن سياق إنساني إلى أداة تصنيف وانتقاص يكون النقد قد انزلق من التحليل إلى الهيمنة، ومن المعرفة إلى الضبط الرمزي.

ثانيًا: تشييء الجسد بوصفه عجزًا عن تفكيك النص

إن اختزال المبدع في ملامحه أو هيئته الخارجية لا يحدث غالبًا إلا حين يعجز الخطاب عن مواجهة النص ذاته فبدل تفكيك اللغة والبنية الشعرية والتمرد الجمالي يتم الالتفاف على الرمز عبر جسده وكأن الجسد يصبح ساحة بديلة لتصفية الحساب الرمزي.

هذا النمط من الخطاب لا يختلف كثيرًا عن آليات الإقصاء الطبقي حيث يُحاكم الفرد وفق شكله لا وفق فعله ويُدان وفق مظهره لا وفق أثره وهو ما يجعل من توصيف الجسد ممارسة سلطوية ناعمة تتخفّى وراء لغة ثقافية لكنها في الجوهر تعيد إنتاج منطق الإلغاء.

ثالثًا: السيّاب كمشروع تاريخي لا كسيرة شكلية

إن بدر شاكر السيّاب لم يكن حالة فردية معزولة بل تعبيرًا مكثّفًا عن لحظة تاريخية مضطربة، تداخل فيها السياسي بالاقتصادي والوطني بالوجودي وقد كتب من موقع الانكسار لا من موقع الامتياز وكان جسده – المريض والمرهق – انعكاسًا لبنية اجتماعية مريضة لا دليلًا على ضعف ذاتي.

فالمرض في تجربة السيّاب ليس تفصيلاً سير ذاتيًا بل عنصرًا بنيويًا في تشكّل الحس المأساوي في نصه والفقر لم يكن علامة فشل شخصي بل نتيجة مباشرة لاختلال التوازن الطبقي أما اغترابه فكان اغتراب مثقف اصطدم بسلطة لا ترى في الشعر سوى تهديد.

رابعًا: ما أُثير عن ملامح السيّاب – قراءة في دلالات الخطاب

إن ما أُثير على لسان الباحثة بلقيس شرارة بشأن ملامح السيّاب الجسدية لا يمكن فصله عن هذا الإطار الإشكالي فحين تُستدعى هيئة الشاعر وتُوصَف ملامحه بطريقة تُحيل إلى “عدم الجمال” أو الهشاشة الشكلية فإن السؤال لا يكون عمّا قيل بل لماذا قيل وبأي وظيفة معرفية.

ليس المقصود هنا الطعن في النيّات بل تفكيك الخطاب ذاته إذ إن التركيز على الملامح الشكلية بدل المشروع الإبداعي ينقل السيّاب من موقع الرمز الثقافي إلى موقع “الحالة” ومن كونه منتج معنى إلى كونه موضوع توصيف وهذا التحوّل ليس بريئًا لأنه يُعيد ترتيب سلّم القيمة: الجسد قبل النص الصورة قبل الأثر الشكل قبل التاريخ.

إن هذا النمط من الاستعادة يندرج ضمن خطاب ثقافي أوسع يميل إلى تسييل الرموز أي نزع كثافتها التاريخية وتحويلها إلى صور قابلة للتداول الإعلامي حتى وإن كان ذلك تحت غطاء البحث أو التوثيق.

خامسًا: بين السيرة والتجريح – أين يتوقّف البحث وأين يبدأ العنف الرمزي؟

لا خلاف على مشروعية دراسة السيرة في البحث الأكاديمي لكن الخلاف يكمن في حدود الاستخدام فالسيرة ليست رخصة أخلاقية للانتقاص ولا مساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الأحكام الذوقية وحين تتحوّل السيرة إلى وصف جارح فإنها تفقد بعدها التحليلي وتتحوّل إلى خطاب قوة يُمارَس على الميت باسم المعرفة

وهنا يصبح الجسد أداة اقتصاص رمزي لا موضوع فهم. ويغدو النقد شكلًا من أشكال “العدالة المتأخرة” التي لا تُنصف، بل تُشوّه.

سادسًا: النقد البرجوازي ومنطق الجمال المعياري

ينتمي هذا الخطاب إلى ما يمكن تسميته بـالنقد البرجوازي الجمالي الذي يقيس القيمة وفق معايير الشكل والتمثيل لا وفق القدرة على زعزعة الوعي وهو نقد ينزعج من الرموز التي كُتبت من الهامش لأنها تفضح زيف المركز فيسعى إلى تحييدها عبر تشويه صورتها.

إن السيّاب بوصفه شاعرًا خرج من الفقر والمرض والمنفى الداخلي يشكّل تهديدًا لهذا المنطق لأنه يثبت أن الإبداع لا يحتاج إلى جسد “مكتمل” وفق المعايير السائدة بل إلى وعي مأزوم قادر على تحويل الألم إلى لغة.

سابعًا: الرمز الثقافي ومسؤولية الاستعادة النقدية

إن استعادة الرموز ليست فعلًا محايدًا بل ممارسة أخلاقية ومعرفية فالرمز الثقافي لا يُستعاد بوصفه فردًا بل بوصفه طاقة تاريخية ما تزال فاعلة وأي انتقاص من هذه الطاقة عبر توصيفات شكلية هو انتقاص من الذاكرة الجمعية ذاتها.

إن الدفاع هنا ليس عن السيّاب كشخص بل عن حق الإبداع في أن يُقرأ من موقعه الحقيقي: موقع الصراع لا الصورة ؛ موقع المعنى لا الملامح.

إن الحاجة الملحّة اليوم ليست إلى نقد أكثر جرأة في الوصف بل إلى نقد أكثر مسؤولية في المنهج ونقد يُعيد الاعتبار للنص بوصفه بنية مقاومة وللجسد بوصفه أثرًا تاريخيًا لا مادة استهلاك وللرمز بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا صورة قابلة للتداول

فالإبداع لا يُقاس بملامح الوجه بل بملامح الوعي الذي تركه في التاريخ وكل خطاب يتجاهل هذه الحقيقة إنما يشارك – وعيًا أو دون وعي – في إفراغ الثقافة من بعدها الاحتجاجي وتحويلها إلى أرشيف شكلي بلا ذاكرة ولا معنى.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

تُقدّم قصيدة «المرأة الطفلة» نصًّا شعريًا كثيفًا يقوم على تفكيك صورة الأنوثة من داخلها، لا بوصفها كيانًا مكتمل النضج أو رمزًا مثاليًا، بل بوصفها حالة وجودية مركّبة، يتجاور فيها الهشّ والملتهب، البراءة والدهاء، التعلّق والقدرة على إعادة الخلق. إنّها قصيدة لا تصف المرأة، بل تُصغي إلى ارتجافها الداخلي، وتحوّل هذا الارتجاف إلى مادة شعرية ذات بعد نفسي وإيروتيكي وفلسفي واضح.

أولًا: الرؤية الشعرية وبنية النص

ينبني النص على استعارة مركزية: المرأة = الطفلة. وهذه الاستعارة لا تُستخدم استخدامًا تزيينيًا، بل تؤسّس كامل البنية الدلالية. فالطفولة هنا ليست مرحلة عمرية، بل بنية شعورية مستمرّة، تسكن المرأة مهما تقدّم بها الزمن:

«كل امرأة طفلة

تسرب العمر من كفها»

إنها طفولة متسرّبة، غير قابلة للإمساك، مثل حبات العقيق المنفلتة من قلادة؛ صورة موفّقة تجمع بين الجمال والفقد، وتشي منذ السطر الأول بإحساس الزمن المهدور عاطفيًا.

النص يعتمد على التراكم الصوري بدل الحبكة الشعرية التقليدية؛ إذ لا ننتقل من حدث إلى آخر، بل من حالة نفسية إلى أخرى، ما يجعل القصيدة أقرب إلى مونولوغ داخلي ممتد، تُمسكه خيوط العاطفة لا المنطق السردي.

ثانيًا: البعد السيكولوجي – الطفلة الداخلية وجراح التعلّق

من منظور سيكولوجي، تنتمي القصيدة إلى فضاء الطفل الداخلي، حيث تستعاد ألعاب الطفولة (الدّمية، الزهور، لعبة يحبني/لا يحبني) بوصفها تمثيلات مبكّرة للقلق العاطفي:

«لتقطع الشك باليقين

يحبني

لا يحبني»

هذا الترديد الطفولي ليس بريئًا، بل يكشف عن قلق وجودي عميق: الحاجة إلى الاعتراف، والخوف من الهجر، والتأرجح الدائم بين الأمل والانكسار.

واللافت أنّ الشاعرة لا تحاكم هذه الحالة، بل تتركها تتكشّف كما هي، بعريها النفسي:

«ترميها جثتا عارية

لا الزهرات نجت من حتفها

ولا المزهرية نالت حظ الزينة»

هنا يتحوّل اللعب إلى عنف رمزي، ما يدلّ على ذاتٍ تعاقب الأشياء حين تعجز عن تثبيت الحب؛ وهي آلية نفسية معروفة في حالات التعلّق القَلِق.

ثالثًا: الإيروتيكي بوصفه طاقة حياة لا إثارة

الإيروتيكي في القصيدة مُضمَر لا فجّ، يقوم على رمزية الماء والنهر والاشتعال. فالجسد لا يُذكر مباشرة، لكنه حاضر عبر الحركة والحرارة والانسياب:

«تمرغ الأجساد الملتهبة

في دغدغة مويجاته الدافقة»

هذا الإيروس ليس استهلاكًا جسديًا، بل إيروس كوني، قريب من تصوّرات باشلار، حيث الماء عنصر حميمي يرمز إلى الذوبان والتجدد.

المرأة الطفلة هنا لا تطلب اللذة بقدر ما تطلب إعادة إحياء العالم:

«فلا جدوى من جريان النهر

دون أن تعشق اليمامة شطآنه»

العشق شرط المعنى، لا تفصيلًا إضافيًا للحياة.

رابعًا: اللغة والصورة والأسلوب

لغويًا، تعتمد القصيدة لغة واضحة لكنها مشحونة، توازن بين السرد الشعري والصورة المكثّفة. الصور في مجملها موفّقة، وإن كان بعضها يميل إلى الاسترسال أكثر من التكثيف، خصوصًا في المقاطع الأخيرة التي تطيل الفكرة بدل تعميقها.

أما المفارقة اللافتة فتظهر في هذا المقطع:

«لا يهمها إن كان العالم يسير إلى حتفه

ولا إن كانت الدنيا تضيق

كفستان مومس»

وهو مقطع جريء، يصطدم بالقارئ أخلاقيًا، لكنه يخدم الرؤية الشعرية: العالم بلا حبّ بلا قيمة، مهما بدا متماسكًا أخلاقيًا أو سياسيًا.

خامسًا: الدلالة الفلسفية – الحب كسلطة تشكيل

تبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في خاتمتها:

«تكفيها جرعات حب

ليصير العالم في كفها

قطعة عجين»

هنا تُستعاد فكرة قديمة بصيغة شعرية معاصرة: الحب سلطة تشكيل المعنى.

المرأة لا تغيّر العالم بالقوة، بل بالقدرة على إعادة تأويله، على جعله محتملًا، لينًا، قابلًا للعجن من جديد.

ملاحظات نقدية ختامية

قوة القصيدة في صدقها العاطفي وجرأتها النفسية.

الاستعارة المركزية ناجحة، لكنها كانت ستكسب عمقًا أكبر لو خفّ التعميم في بعض المواضع («كل امرأة»).

النصّ مشغول بعناية، ويجمع بين الحسّ الاعترافي والرؤية الرمزية دون سقوط في المباشرة.

خلاصة

«المرأة الطفلة» قصيدة عن الهشاشة بوصفها قوة، وعن الطفولة لا كبراءة ماضية، بل كجرح حيّ يُعيد تشكيل الرغبة والعالم.

إنّها كتابة تعرف ما تقول، وتعرف لماذا تقول، وتنجح في تحويل التجربة الأنثوية من حالة وجدانية خاصة إلى سؤال شعري إنساني:

كيف نحيا، إن لم نُطعِم العالم قليلًا من الحب؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

........................

المرأة الطفلة

كل امرأة طفلة تسرب العمر من كفها

كما تسربت حبات العقيق من قلادة

ما يزال الجيد يأمل عناقها

كل امرأة تحمل في صدرها لهيب شوق هارب

و ثقل صمت يكسره صدى أنفاسها

و هي تعاقر وحدتها وسط ضجيج

الخيبات المتناقضة

تلك المرأة

هي نفسها الطفلة التي غنت كثيرا لدميتها

و زينتها عروسا

ثم عادت جردتها من زينتها

و هي الفتات التي

قطفت الزهور من حقول الربيع

لا لتزين مزهريتها

و لكن لتقطع الشك باليقين

يحبني

لا يحبني

يحبني

لا يحبني

في كل مرة يختل مزاجها

ترميها جثتا عارية

لا الزهرات نجت من حتفها

و لا المزهرية نالت حظ الزينة

و هي المراة

التي عند الهجر

ترسل عصافير الشوق وراء ظلاله

و تنكر الفعل

في عزة حواء

و هي المرأة التي عند الجد

تتطاير شظية حارقة من رماد

تشعل الفتيل

على ضفاف

غفلة النهر الساكن

لتعود الحياة ....

فلا جدوى من جريان النهر

دون أن تعشق اليمامة شطآنه

و تمرغ الأجساد الملتهبة

في دغدغة مويجاته الدافقة

المرأة الطفلة

لا يهمها إن كان العالم   يسير

إلى حتفه معصوب العينين

و لا إن كانت الدنيا تضيق

كفستان مومس

تصدع من نظرات شبقية لا ترحم

عورات المساكين

المراة الطفلة

تكفيها جرعات حب

ليصير العالم في كفها

قطعة عجين تشكله

على الوجه المريح

***

حفيظة الفائز

17|11|2025

 

الفرار الى اللامكان

ولد في حي شعبي مكتظ بالناس يقع في قلب مدينة كركوك وأكمل دراساته الأولى في مدارسها لكنه وحالما إشتد عوده لم يختار الإقامة فيها طويلاً، رحل عنها ليعيش في المهجر، فهو دائب الحركة والترحال والسفر، كأن سيلاً من الذكريات والوقائع الأليمة تطارده، فكلما طال مكوثه في مكان ما كان شوقه المحموم لمغادرته وحافز الهروب منه يتآكله من الداخل فيشرع بالتنقل بين مدن العالم تاركاً وراءه في كل منها فيضاً من التأملات والكلمات التي تؤرخ لحزن ما أو لربما لحبٍ آفل، أو لفكرة عميقة تؤطر له أسرار الحركة فإستساغ السير في حواري وطرقات اماكنٍ نادرا ما إستقر فيها طويلاً لتتلقفه موجة جديدة تقذفه الى نقطة اللاعودة في بحرٍ متلاطم .

هكذا تنبئنا نصوص الرحالة الشاعر الدكتور حسين ابو سعود عن اماكنه المعلنة، فقبل ايام كان في كمبوديا، وقبلها كان في النرويج ماراً بنيروبي وعجمان وتنزانيا ومصر والعشرات من الدول والموانئ والمدن القصية وبعضها لم نسمع بها، حاملاً حقيبة اسراره وعابرا الفيافي والجبال والسهول والمحيطات متنقلاً بين القارات، وفي كل هذه الاماكن يتأمل في فلسفة الحياة ومعاناة الإنسان فيعيد الى ذاكرتنا المنسية تداعيات كتابات البير كامو او سارتر، ويتشبث بحلم مستحيل عن حرمانٍ مر أوغائب راحل او موعد لن يتحقق، ويترك بصمته الموجوعة فيكتب شعراً ونثرا وانطباعات عن الإنسان والطبيعة والاسرار الدفينة والمعالم الشهيرة والمجهولة لو ضمها في كتابٍ لكان نجماً في عالم الرحلات والسفر:

للحرمان جلبة تسمعها اضلعي

وبكائي مثل نهر هامد

يشتهي ان يعود من الحزن

الى منابعه في جنح الظلام

ويترك الأعشاش في هزالها

على الضفاف

عرضة للريح والظلمة

وعمري ذلك الهارب مني قد أعياه الجفاف

فلا قمر يزين الليل ولا شمعة تحترق معي

وكل ما هنالك غربة كبرى تطوقني

ولي في وحدتي طقوس

لا تعرفها حتى الجدران

التي تحيط باسراري !

لم تكن أسفار أبو السعود مجرد نزوة أو تحرق لمغامرة، بل إنها كانت حاجة نفسية ملحة تتطلب شجاعة القرار والتحدي والجَلد، لذا فإنه عندما كان ينفلت من القيود التي اثقلت روحه وتداعيات الواقع الحزين التي كتمت على أنفاسه وتوقه العارم الى الحرية، إختار الفرار الى المنافي ليجد خلاصه وكان بجانب مكابداته الدفينة ومثل أغلب الشعراء لابدّ له أن يتأبط قلبه الموجوع المترع بذكريات إمرأة ملهمة، تلك التي أرقت ليله واطاحت بهدوءه النفسي وقدرته على الاحتمال، يدعو طيفها، لينغمس في اتون تلك الأيام الملتهبة، لكنه يدرك قساوة اليأس فيشيح عنها أيضاَ نحو أرض الله الواسعة، في حالةٍ من الدوران اللامجدي حول نفسه خادعاً ذاته بالبعد الذي ليس سوى دنو وقرب، ليحملها أينما حل بين اهدابه غالقاً عليها لكن التكرار يقوده احياناً الى الجنون:

ملفوفا في ورق

ودعيني أعود الى ايام القلق

وليالي الأرق

وأقضي باقي أيامي في العراء

إنصرفَ الذين تعبوا من الوقوف

غيبتهم الظلمة الداكنة

والمطر سيزيل ما تبقى من آثارهم

قريبا ستغيب كل الشموس

وتترجل كل النجوم

وتظلُ وحيداً بين الناس

لا ترى احدا

ونفسك تأخذك طائعا نحو الجنون. !

وشاعرنا الرحال يدرك أن تفريغ موجبات الصراع الداخلي تتطلب لغةَ للتعبير وتوظيفاً مدهشاً لتحويل الكلمة الصامتة الى لغة مقروءة، فأضحى لا يجيد الترحال فحسب وإنما يتقن فنون توظيف التضمين الشعري في بنية نصوصه المخضبة بالوجع والأسى فحفلت بالصورة الشعرية والكناية والرمز بأسلوب سلس خالٍ من الغموض والمرادفات المركبة، فرمزَ للأحداث المؤلمة التي تلاحقه بالعاصفة اما الحارس الهزيل فلم يكن سوى تلك القيود التي تحيل الحياة الى جحيم، والمقاعد الاسمنتية المطلة على البحار الى مكمن الانتظار لفرح لا يأتي:

في وريد المدينة، يصرخ غضبٌ باهت

ينم عن حقد صدئ وضغينة

يحث النزلاء على إخلاء المقاعد الإسمنتية

وثمة حارس هزيل يلوح بسوط طويل

يضرب به ظهر الهواء

يطلق صوتا مزيجاً بين البكاء والغناء والهراء

وأنا عندما تيقنت من مجئ العاصفة

وضعت أوجاعي على قارعة الطريق

وصرت أتصنع الفرار واقفا في مكاني

فظنوا باني لست أني

وذلك الذي في داخلي يغني

مجرد شبح يشبهني

فطووا أوراقي

وأدرجوا اسمي ورسمي وروحي وجسمي

في عداد الراحلين .

وهكذا فإن الشاعر ابو السعود وجد خلاصه من أثقال الواقع المر بالترحال العنيد، فمثلما شبه البير كامو حياتنا المغلفة بالرتابة كحركة صخرة سيزيف الشاقة التي يدفعها لأعلى القمة لكنها تعود وتتدحرج نحو الاسفل دائما، ويتكرر ذلك الفعل إلى الأبد.. فإنه وجد أن الحل يكمن في مفهومه الفلسفي أي في التمرد على الواقع وعدم الخضوع للرتابة وهذا ما فعله فأختار حقيبة السفر لتكون رفيقته الاثيرة مادامه قادرا على ذلك !

مدي يدكِ اليمنى

تلقفي ريشةً خائفة ً من الغرقِ

عرضيها للشمس الدافئة

اغسلي عن نهايتيها

آثار القلق

لم يبق عندي الشغل الشاغل

سوى اعداد حقيبة السفر !! .

لكن حمل الحقيبة من مطارٍ الى آخر ومحطةٍ الى أخرى يثقل الكاهل، فيبدأ نسغ من الغضب والإحساس بالتعب يتصاعد رويدا رويدا في الجسد المنهك، حينئذ يثب الوطن الجريح بكل مآسيه ومظاهره السياسية والاجتماعية السلبية وتجربته العرجاء الى واجهة الشعور بالغربة وإلى ثنايا النص وفي لحظة غضب مفعم بتداعيات الغربة والبعد استعان الشاعر في نص موجوع يقطر أسى بحرف الروي الباء الساكنة ليعطي المتلقي ايقاعاً موسيقيا يذكرنا بفخامة الشعر الكلاسيكي الذي يتسم عادة بأسلوب مباشر وتقريري، هادفاً جوهر المعاناة ومتخطياً جماليات المظهر أو الشكل، ويقول لنا ان التعب الجسدي لا يرتقي الى مستوى التعب الحقيقي الذي يعدد مظاهره دون ان يتجاوز محنته في البعد عن الوطن:

التعب ان يمارس الطغاة معنا قلة الأدب

وتكون اعراضنا في أيديهم نهب

وان نُؤذى صباح مساء بلا سبب

التعب هو ان يشبع الحكام ويجوع الشعب

التعب شيء أمره عجب

التعب ان نُنسى في السجون حتى نصاب بالجرب

التعب ان يتساوى التراب والذهب

وان ننادي العرب فلا نجد العرب

التعب ان تجتمع الدنيا كلها

لتطفيء فينا ثورة الغضب

التعب هو ذاك اللهاث في الانفاق

ومنظر الميتين في الشاحنات المحكمة الإغلاق

التعب هو ان يضنينا الفراق

ونشتاق الى العراق

ونبعث اليه باشواقنا

فتعود الينا الاشواق!

في أغلب الاحيان كان السفر عند ابو السعود فرصة للتغيير وتلاقح الذوات وتبادل الثقافات وفهم الإنسان في كل مكان يحل فيه، بل كانت عملية إكتشاف مدهشة للغور في أعماق النفوس وزيادة المعارف أو محاولة تجاوز لمعاناة حدث أليم، لكن معه كان السفر بحثاً دؤوباً عن حلول مستحيلة على امتداد القارات، بل أنه في نهاية المسار المضني يختصرها ببساطة متناهية في حلم يسعى للغرق في لجة نهر!

وقبل أن انشد علنا ً أغنيتي الأخيرة

وقبل أن تصل الروح إلى النزع

انتزع روحي من قفصها

اضعها على حافة النهر

كي ترحل مع اي حلم يهوى الغرق.

ونحن إذ نقلب صفحات الحزن السرمدي في نصوص شاعرنا الدكتور حسين ابو السعود قد يكون هو الآن على ظهر باخرة تمخر عباب المحيطات أو داخل طائرة تتجه نحو مكان قصي لا يتسع هو الآخر لأحلامه فيبدأ رحلة آسرة من هناك حيث المجهول!

***

محمد حسين الداغستاني

أنقرة

تندرج قصيدة «أحتاج» للشاعرة السورية رجاء نور الدين ضمن أفق الشعر العربي المعاصر الذي جعل من الذات الموجوعة مركزًا للتجربة الجمالية، ومن اللغة وسيلةً لا للزخرفة بل للكشف والاعتراف. فهي قصيدة لا تُراكم الصور بقدر ما تُكثّف الإحساس، ولا تُراهن على البلاغة الصاخبة، بل على الهمس العميق الذي يتسلّل إلى بنية المعنى ويقيم فيها. تنطلق القصيدة من فعل بسيط في ظاهره—الحاجة—غير أنّه يتحوّل، عبر الانزياح اللغوي والتشكيل الإيقاعي، إلى سؤال وجودي مفتوح على الفقد، والحنين، واليُتم الإنساني.

إن هذا النص لا يُقرأ بوصفه تعبيرًا ذاتيًا معزولًا، بل باعتباره تمثيلًا رمزيًا لحالة إنسانية أوسع، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع القلق الجمعي، ويتحوّل الخاص إلى مرآة للعام. ومن هنا تأتي أهمية مقاربته نقديًا عبر مستويات متعددة: لغوية وبلاغية، جمالية وفنية، فكرية وفلسفية، نفسية وسوسيولوجية، وسيميائية، بما يسمح بالكشف عن طبقاته العميقة، وبنيته الداخلية، ورؤيته للعالم.

تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك النص قراءةً تحليليةً تأويلية، تستند إلى المنهج الوصفي والتحليلي، مع الإفادة من المقاربة الأسلوبية والمقارنة، للكشف عن آليات اشتغال اللغة، وطبيعة الإيقاع، وأنساق الدلالة، وحدود الابتكار الجمالي في القصيدة. كما تسعى إلى وضع النص في سياقه الثقافي والتاريخي، ورصد موقعه ضمن مسار تطوّر القصيدة العربية الحديثة، بوصفه خطابًا شعريًا يعيد مساءلة الإنسان، لا عبر اليقين، بل عبر الحاجة المفتوحة على الاحتمال.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغةٍ عربية سليمة، متماسكة نحويًا وصرفيًا، تميل إلى البساطة العميقة لا إلى التعقيد المتكلّف. التراكيب قصيرة نسبيًا، متوالدة، تعتمد الجمل الفعلية والاسمية في توازن دلالي يخدم البوح الداخلي.

الانزياح اللغوي حاضر بوضوح، لا سيما في مثل:

«لتُربّي الحنينَ في الصدر»

«ليقول نعم أدركتُ نعشي»

حيث ينتقل اللفظ من معناه التداولي إلى فضاء استعاري كثيف، يجعل الحنين كائنًا حيًا يُربّى، والموت وعيًا يُدرَك لا حدثًا يُصادَف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتميّز القصيدة بفصاحة هادئة، خالية من الغرابة المعجمية، لكنها مشبعة بدقة التعبير. هناك توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا فائض لغوي ولا جفاف دلالي. اللغة ملائمة لموضوع القصيدة القائم على الفقد، الحاجة، والتيه الوجودي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة التفعيلة الحرة/النثرية الإيقاعية، حيث:

يتشكّل الوزن عبر التوازي التركيبي.

يتولد الجرس من تكرار مفردة «أحتاج» بوصفها لازمة إيقاعية ودلالية.

الموسيقى الداخلية تتجلّى في تكرار الأصوات المهموسة (الحاء، السين، الصاد) التي تعزّز نبرة الحزن والهمس.

التكرار هنا ليس زخرفًا، بل بنية نفسية وإيقاعية تؤكد حالة العوز الوجودي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة بلا سرد تقليدي، لكنها تعتمد تناميًا شعوريًا يقوم على:

وحدات دلالية متتابعة.

تصاعد الحاجة من المادي (الدفاتر، الحروف) إلى الوجودي (الحنين، اليتم، الصباح).

المعمار الشعري يقوم على اللازمة الافتتاحية «أحتاج» التي تفتح كل مقطع، مانحة النص وحدة بنائية متماسكة.

2. الرؤية الفنية

ترى الشاعرة العالم من زاوية الذات الجريحة، حيث الوجود فعل نقص دائم. ثمة انسجام واضح بين الشكل والمضمون: اللغة المتكسّرة تعكس ذاتًا مكسورة، والإيقاع المتردّد يوازي القلق الداخلي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تنتج القصيدة دهشتها عبر:

قلب العلاقات المألوفة (الموت يُفسَّر، الحزن يُغنّي).

تحويل المجردات إلى كائنات فاعلة. وهو ما يمنح النص طابعًا تجديديًا بعيدًا عن الاستهلاك البلاغي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

القصيدة تطرح أسئلة وجودية صامتة:

ما معنى الحاجة؟

هل الحب خلاص أم جرح؟

هل الصباح وعد أم خيبة؟

إنها أسئلة أنطولوجية أكثر منها وجدانية.

2. الأفق المعرفي

تتجاور في النص مرجعيات:

صوفية (الحنين، الفقد).

حداثية (تفكك الذات، اغتراب المعنى). من دون إحالات مباشرة، بل عبر تداخل ثقافي شعوري.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

على المستوى التأويلي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

خطابًا عن اليتْم الوجودي.

أو نصًا عن غياب الآخر/الوطن/المعنى.

الطبقات الدلالية تتكشّف عبر التكرار والانزياح، لا عبر التصريح.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يندرج النص ضمن سياق القصيدة العربية المعاصرة المتأثرة بأزمات الإنسان العربي: الحرب، الفقد، التهجير، دون أن يصرّح بذلك.

2. تطور النوع الأدبي

القصيدة تمثل امتدادًا لقصيدة الحداثة العربية التي تجاوزت الوزن الصارم، لكنها لم تتخلَّ عن الإيقاع.

3. الارتباط بالتراث

التفاعل مع التراث هنا ضمني:

في مفردات مثل: الحنين، الندى، الصدى.

وفي الروح الغنائية التي تذكّر بالقصيدة العربية الوجدانية.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بمشاعر:

١- الحزن

٢- القلق

٣- الحاجة

٤- الفقد

وهي مشاعر تنبع من لاوعي جريح.

2. تحليل الشخصية

الذات المتكلمة ليست شخصية سردية، بل ذات شعرية مطلقة، تعيش حالة استنزاف نفسي دائم.

3. النبرة النفسية

النبرة الغالبة: حنين احتجاجي هادئ، بلا صراخ، لكنه عميق الأثر.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

تعكس القصيدة شعور الفرد المعاصر باليتم داخل مجتمع مأزوم.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة نقد ضمني:

١- لخذلان الجماعة.

٢- لانهيار المعنى المشترك.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

رجاء نور الدين هنا ليست شاهدة فقط، بل صوتًا نقديًا ناعمًا يكشف هشاشة الإنسان المعاصر.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الدفاتر: الذاكرة.

٢- الرصاصة: الفقد العنيف.

٣- الصباح: الأمل المؤجل.

٤- اليتم: فقد المعنى لا الأب فقط.

2. شبكات الدلالات

الحضور/الغياب – الحياة/الموت – الصوت/الصمت

كلها ثنائيات تحكم النظام الدلالي للنص.

3. النظام الرمزي العام

النص يبني عالمًا رمزيًا مغلقًا على الذات، مفتوحًا على التأويل.

ثامناً: الأسس المنهجية

التحليل التزم:

المنهج الأسلوبي في قراءة اللغة.

١- المنهج النفسي في تفكيك الذات.

٢- المنهج التأويلي في كشف المعنى العميق.

٣- مع صرامة منهجية واضحة، وتكامل بين المستويات.

- خاتمة:

قصيدة «أحتاج» نصّ شعري ناضج، يقوم على اقتصاد لغوي، وعمق دلالي، وحساسية نفسية عالية. إنها قصيدة لا تقول أكثر مما ينبغي، لكنها توجع أكثر مما تتوقع. نصّ يؤكد أن رجاء نور الدين صوت شعري يمتلك الصدق، والقدرة على تحويل الألم إلى بنية جمالية.

إن قصيدة «أحتاج» لرجاء نور الدين تشكّل نموذجًا متكاملًا للشعر المعاصر الذي يجمع بين الصدق الشعوري والعمق الدلالي، بين الاقتصاد اللغوي والغنى الرمزي. فهي نصّ يبرهن على قدرة الشعر على تحويل الألم الفردي إلى تجربة جمالية عامة، وعلى أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل فضاء لتشكيل المعنى واستدعاء الانفعال والتأمل.

لقد كشفت الدراسة أن النص يقوم على توازن دقيق بين الشكل والمضمون، بين الإيقاع الداخلي والانزياح البلاغي، بين التجربة الذاتية والمرجعية الثقافية والفكرية، بما يجعل من كل كلمة وكل صورة علامة تحمل أكثر من طبقة دلالية. كما أظهرت الدراسة أن الشاعرة استطاعت عبر هذا النص أن تُعيد صياغة الحاجة—التي تبدو بسيطة في ظاهرها—إلى فعل شعري ينطوي على فلسفة وجودية، ورؤية جمالية متكاملة، ورصد حقيقي للواقع النفسي والاجتماعي للإنسان المعاصر.

في النهاية، تُعدّ «أحتاج» شهادة على قدرة الشعر العربي المعاصر على التوسّع في البنية والدلالة، وعلى تجاوز المألوف لتوليد دهشة وتأمل مستمر، محافظةً على أصالة اللغة وعمق المعنى، ومؤكدةً أن الشعر يبقى دائمًا فضاءً للحقيقة الداخلية والبحث المستمر عن الذات والكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

رجاء نور الدين

أحتاج

كل دفاتركَ القديمة

لتربي الحنينَ في الصدر

ويئن كلما طُعِن برصاصة

ليقول نعم أدركتُ نعشي

ينطقُ الأسى لوعة وصبا

يفسر الموت حين يقصده

عابراً كل مجازات الصدى

يترك لحنَ الآه في عَبْرةٍ

ويكتب تفاصيل الحبِّ نوتةً

ترتلها كلما جاوروا الندى

أحتاج

كلَّ حرفٍ ينطقُ باسمي

لأحكي للمدى عن صدحَ رمشٍ

قد ورثتُهُ الحزن يغنّيه

يحملُ السهدَ ويتكل

يرميه في جروف الأسى

أحتاج

أغنية للصباح ارددها

تقاسمني اليتمَ

ليذهب سُدى

 

للشاعرة التونسية هادية السالمي

مَن يخلع الوشاح، يدفنه إحساسه في طُمرة عاتية من زمن، يدسه بين الذكريات الأليمة والمفرحة. وآخر الخلع هزيمة وغبن وملهاة بعيدة عن الواقع، يتشظى النص قهرًا، فلن يأتي بالحقيقة، بل سيظل الكاتب والنص مسافرين على الدوام، مقتنعين بأن خلع الوشاح سيزيد الأمر غُمّة، ولا يعطي للريح بهرجها المتولد من إرادة الله. فلا هي تهز نفسها بعلمها، بل برحمة الله.

يقول رولان بارت: "النص هو نسيج من العلامات، لا مرجعية له إلا ذاته" (Barthes, 1977)، وهو ما ينسجم مع فكرة النص المسافر والروح الباحثة عن معنى داخلي بعيد عن الواقع.

لِلَّيْلِ في الغُدرانِ أجنحة

مها كانت الغدران، فأجنحة الظلام مكسوة بعبير من الإسقاط الجميل على لوالب المعاني الكثيرة وهيامها بالبلاغة في نصوص مرتفعة، والأجنحة دروب وطرق تركن وتحاصر الليل. فلا هو عنها يستأخر، ولا يجب عليه ذلك، فقد خامر الدروب. فلتمسك لسانك ولا تجادل الليل، فقد دنا من أجنحته المحيرة: تارة تطلقها الريح، وأخرى يثنيها البساط الأبيض عن التقديم في لقاء ملكة الليل.

أشار كلود ليفي-ستروس إلى أن "الرمز البصري في النص يفتح أفقًا للمعنى متعدد الطبقات" (Lévi-Strauss, 1962)، وهو ما يظهر في النص من خلال أجنحة الليل والطرق المتشابكة.

كما له في كلّ القيعان أعمدة

وفي كل قاع مترفل الزوايا، توجد أعمدة خدومة متناسية التهميش، وهي انتقاء لمجموعة من الظروف شبهتها بالاعمدة، تصل بالكاد إلى أماكنها المثلجة بما يربد العطس ويزل الفتور والمرض.

في كفّهِ بَرْدٌ ومَسْغَبَةٌ، وفي مآقيه سَعِيرٌ، وبلاءاتٌ وحَنْظَلَةٌ...

حين تجرنا الأحزان، لا نملك إلا تلك البرودة القاسية التي تغطي كل أدمة يسكنها نسخ عصبي مارد، غير متجلي حتى طرفي الرمش والجبين، موضع الدموع تحترق داخليًا بدلالة رمزية رائقة، تخرج منها المحن المرة وما أخبر عن لمّا وضعت مفردة حنظلة ناسية انها فاكهة الدفلة.

و للعواصفِ صَهِيلُ الْحصَواتِ في مدامعه

والعواصف، في معانيها التخيلية، تكتب الأعاصير الدامغة لكل ذكرى كانت تتجمل لتخرجها المآقي دموعًا بلون الصهيل، يترجرج المعنى طربًا وحبوا نحو مكان التفضيل لعله يتذوق حلاوة الدموع المعبرة عندما تكون النار مشتعلة.

الليل يرسل ظلمته في شكل حجاب، وأجنحته مراتب ترقِّي إلى عالم رؤيوي لا يشبه مشهدًا سينمائيًا ولا غيره؛ فهو محاولة الاندماج في حضرة، فالظلام دومًا أمل للنور أو وصول إلى الشمس، والمكان في جوهره عالم من الترقي في بينة الأنثى وهي تفكر في الإضاءة والتنوير، فهي كالشمس تتمخض لتسرح لكيان الأنثوية، مرآة ترمز إلى ثورة صوفية.

للّيلِ في الغُدران أجنحَة،

ولِتِلالها على الأُخْدود أشرِعَة

مَوْعُودَة مُقْلَتُها بعِطْرِ يُوسُفَ ورُؤيَتِهِ،

ولِرِمالِها نُتُوءاتٌ وهَفْهَفَةُ أُغْنِيَةٍ.

كل الأوابد لها في رملها تعتمد القداسة كما فلقها قسم زليخة في يوسف، روح نورانية تمد الجمال والإيمان والتقوى لكل المقامات. فالشاعر شرّح الجمال بمده الشرعي بالتقوى والتسامي عبر المقامات، فقصيدته الكائنية هي مدرج نحو التنقل من مقام إلى مقام، وتسير الأنثى الكائنية حالمة في تصاعد متسامي عبر الطهر الكامل، تحوره بعد صقله الحضرة وسبوحاتها المثالية.

صَقْلٌ ومِطْحَنَةٌ

يا أيها الليل الذي أَسْدَلَ فوق كتفيها وجْهَهُ السَّمِج، فخلع الحجاب ليس وجهًا للتعرّي بقدر ما هو مربط كشف للوصول إلى حقيقة صوفية تبحث عنها أنثى في حجابها ومقامات الترقي إلى الحضرة القدسية.

اِخْلَعْ وِشاحَكَ،

فَإنَّكَ بِحَضْرَتِها،

وما على أقراطها

جِسرٌ لما تصبو وترتقب…

***

أ. د. حمام محمد – جامعة الجلفة / الجزائر

......................

اِخلعْ وشاحك

لِلَّيْلِ في الغُدرانِ أجنحة.

كما لَهُ في كلّ الْقيعانِ أعمدةٌ .

في كفّهِ بَرْدٌ و مَسْغَبَةٌ.

و في مآقيه سَعِيرٌ

وبَلاءاتٌ و حَنْظَلَةٌ.

و للعواصفِ صَهِيلُ الْحصَواتِ

في مدامعهِ.

للّيلِ في الغُدران أجنحَة.

و لِتِلالِها على الأُخْدودِ أشرِعَةٌ .

مَوْعُودَةٌ مُقْلَتُها

بعِطْرِ يُوسُفَ و رؤيَتِهِ.

و لِرِمالِها

نُتُوءاتٌ و هَفْهَفَةُ أُغْنِيَةٍ.

*

كلُّ الْأَوَابِدِ لها في رَمْلِها

صَقْلٌ و مِطْحَنَةٌ.

يا أيُّها اللّيلُ الّذي

أَسْدَلَ فوق كتِفَيْها

وجْهَهُ السَّمِجَ.

اِخْلَعْ وِشاحَكَ

فَإنَّكَ بِحَضْرَتِها.

و ما على أقْرَاطِها جِسْرٌ

لِمَا تَصْبُو وَ تَرْتَقِبُ...

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

قراءة نقدية في مجموعة «بعد أربعين عامًا من الثلج»

يمثل شعر الشاعرة فليحة حسن أحد المسارات الهادئة والعميقة في الشعر العراقي المعاصر، حيث لا تقوم الكتابة على الخطابية أو الانفعال اللحظي، بل على تأمل التجربة بعد إخضاعها لمسافة زمنية ونفسية. في مجموعة نصوصها «بعد أربعين عامًا من الثلج»، تبلغ هذه الرؤية ذروتها، إذ تتحول القصيدة إلى فضاء لاستعادة الأثر لا الحدث، وللذاكرة لا اللحظة.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة المجموعة من منظور نقدي، بالتركيز على بنية النص ودلالته، وتمثل الذات والزمن بوصفهما محورين أساسيين في الشعرية فليحة حسن.

العنوان والعتبة النصية

وفقًا لمفهوم جيرار جنيت* حول العتبات النصية، يؤدي عنوان المجموعة وظيفة تأويلية أولية.

العنوان «بعد أربعين عامًا من الثلج» يحيل إلى زمن ممتد، مؤجل، محمّل بالتجربة والتحول. الأربعون ترمز إلى نضج الألم، اختبار الوعي، وتحول الذكريات إلى معرفة. أما الثلج فيمثل الجمود والصمت، البياض القاسي، والتعليق العاطفي، ليضع القارئ فورًا في فضاء ما بعد التجربة، حيث الوعي بما مضى يتقدم على الحدث نفسه.

الذات الشعرية وتمظهراتها

الذات هنا ليست غنائية تقليدية، ولا اعترافية مباشرة، بل ذات متأملة، حسيّة، تتحرك بين الداخل والخارج، بين الذاكرة واللحظة الراهنة. يمكن قراءتها ضمن إطار الذات ما بعد الصدمة، حيث يتحول الألم من مادة انفعالية إلى معرفة شعرية متأملة.

تتميز هذه الذات بـ:

الهدوء الداخلي، بعيدًا عن الخطاب الاحتجاجي.

الانحياز للتأمل الداخلي والتفكير في الزمن والوجود.

رؤية أنثوية للعالم، لا بوصفها موضوعًا، بل كزاوية نظر تنتج معرفة شعورية متفردة.

في النصوص نجد الذات تتحرك في فضاء يومي وشعوري متشابك: من حضورها في «موعد في المطعم»، و«نحن النساء»، مرورًا بـ «هذا المساء» و*«مدرسة لم يخبروني أن لندن باردة»، وصولًا إلى نصوص الاستبطان مثل «حينما لا تحضر قصيدتي» و«أصدقائي القدامى»*. هذه الحركة تكشف عن الوعي بالتجربة والحنين إلى من كان، وما مضى.

اللغة الشعرية وبلاغة الصمت

تعتمد فليحة حسن لغة مكثفة، اقتصادية، دقيقة، حيث تقل الزخرفة لصالح الدلالة المكثفة. يمكن الحديث عن بلاغة الصمت، حيث يشكل الفراغ بين السطور، والبياض النصي، والأفعال المقتضبة جزءًا من إنتاج المعنى الشعوري.

الجملة الشعرية غالبا قصيرة غير مكتملة، وتترك للقارئ مهمة إتمامها. هذه الاستراتيجية تحوّل القراءة إلى فعل مشاركة تأويلية، حيث يتحرك القارئ مع الذات الحسية.

تظهر هذه الخصائص في نصوص تتناول الحياة اليومية والحواس: من «نيويورك» و*«الذي يدخن الآن تحت النافذة»، إلى نصوص أكثر رمزية مثل «بالوعة اسمها الحرب» و«في ليالي الحرب»*. حتى لحظات الهدوء الشخصي، كـ «وأنا أشرب الشاي في نيوجيرسي» أو «توكيد لمعنى النفي»، تتحول إلى فضاء شعوري مكثف يعكس التجربة والوعي الداخلي.

الزمن وبنيته غير الخطية

الزمن في المجموعة غير خطي، يتحرك في شكل دائري أو متشظٍ. الماضي لا يُستعاد بوصفه حنينا رومانسيا، بل كمادة للتفكير والمساءلة. القصائد تظهر كمقاطع زمنية منفصلة، يجمعها خيط الذاكرة والتجربة، لا التسلسل السردي.

هذا الوعي الشعري بالزمن يجعل من النصوص فضاء لتجربة الوعي بالذات، حيث تتفاعل الحاضر والغياب، والغائب والحاضر، والذكريات مع الإدراك اللحظي.

الجسد والمنفى

الجسد في النصوص أرشيف للذاكرة لا مجرد حامل للرغبة. إنه يتذكر أثر البرد، التجربة، والفقد، ويحتفظ بأثر التجربة على الذات. المنفى، من جانبه، لا يختزل في الجغرافيا، بل يُعاد تعريفه كحالة ذهنية ووجودية: حالة لا انتماء هادئ، بعيد عن الخطاب الاحتجاجي، ومفتوح على التأمل والشعرية النقدية للعالم.

تؤكد مجموعة «بعد أربعين عاما من الثلج» أن  الشاعرة فليحة حسن تكتب شعر التجربة العميقة، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة للتفكير، لا مجرد انفجار عاطفي. كتابة تقوم على ضبط اللغة، تأمل الزمن، وفكّ الذات دون ادعاء أو إكثار من العاطفة المباشرة.

النصوص، كما يظهر في مضامينها، تحرك الذات الحسية، الذاكرة، اللغة المكثفة، والإيقاع الداخلي، لتخلق تجربة شعرية تتجاوز الحدث إلى أثره، والفقد إلى إدراكه، واللحظة إلى صدى الزمن. بهذا، تمثل المجموعة إضافة نوعية للشعر العراقي المعاصر، ونموذجا لقصيدة المعرفة التي تنتج أثرها عبر الصمت بقدر ما تنتجه عبر القول

***

رائدة جرجيس

......................

* جيرارد جنيث: ناقد ومنظر فرنسي .

 

«حين يضيء الطين»

في فضاء الشعر الحديث، تتجلى النصوص النثرية بوصفها حقلًا خصبًا للتجريب اللغوي والفكري، حيث تتلاقى البلاغة بالمعنى، وتتصادم اللغة مع الوجود، لتنتج صورًا جمالية تحمل أبعادًا نفسية وفلسفية واجتماعية. ومن بين هذه النصوص، تبرز قصيدة سلوى السوسي التونسية بعنوان «حين يضيء الطين»، كنص شعري نثري غني بالإيحاءات الرمزية والدلالات المتعددة. فهي لا تكتفي بسرد حدث أو وصف مشهد، بل تغوص في أعماق الوجود الإنساني، وتستحضر الصراع بين الظلمة والنور، بين الجرح والشفاء، بين الذات والعالم المحيط بها.

تسعى هذه الدراسة النقدية إلى تحليل القصيدة على نحو موسّع، من خلال محاور لغوية وبلاغية وجمالية وفكرية وفلسفية ونفسية واجتماعية وسيميائية، بهدف الكشف عن الطبقات العميقة للمعنى، وإبراز قدرة النص على إنتاج الدهشة والتجديد، وبيان موقعه ضمن الشعر النثري المعاصر، فضلاً عن تقييمه كعمل إنساني وجمالي متكامل.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم لغة القصيدة على سلامة نحوية واضحة، مع وعي دقيق بالتراكيب العربية الحديثة التي توازن بين الفصاحة والتركيب الشعري الحر. نلاحظ اعتماد الشاعرة على الجملة الفعلية القصيرة والعبارات الاسمية المكثّفة، ما يضفي على النص توتّرًا دلاليًا وانسيابًا إيقاعيًا في آن.

تراكيب مثل:

«حين يضيء الطين»

«في طريق العودة إليّ»

تحمل انزياحًا دلاليًا واضحًا، إذ يُنقل “الطين” من دلالته الحسية (المادة/ الوحل/ الأرض) إلى دلالة إشراقية، ما يشكّل مفارقة بلاغية مؤسسة للنص بأكمله.

2. الدقة اللغوية والانزياحات:

الانزياح هنا ليس ترفًا أسلوبيًا، بل آلية توليد للمعنى.

فالزجاج المكسور لا يُرى بالعين، بل تلتقطه أعين المارّة ثم يتحول إلى فعل إيذاء رمزي:

«ترشقه في أضلعي»

هذا الانتقال من الإدراك البصري إلى الفعل الجسدي يعكس توتر العلاقة بين الذات والعالم، بين الداخل والخارج.

3. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات مختارة بعناية، تخلو من الترهل أو المباشرة، وتناسب موضوع القصيدة القائم على الاغتراب، العبور، والتطهير.

التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق، فلا تطغى الزخرفة على الدلالة، ولا تسقط القصيدة في تقريرية فكرية.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

1. الإيقاع الداخلي

القصيدة نثرية، لكنها مشحونة بموسيقى داخلية تقوم على:

التكرار: «في طريق العودة إليّ» (لازمة إيقاعية ودلالية)

التوازي التركيبي

التقطيع البصري عبر علامات الحذف (…)

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يعمّق البنية الدائرية للنص: عودة لا تكتمل، ومسار وجودي معلّق.

2. الجرس والموسيقى الداخلية:

نلحظ حضور الأصوات الرخوة (الضاد، النون، الراء) التي تعزّز الإحساس باللين، مقابل أصوات صلبة (القاف، الطاء) في مواضع التهديد والقطع:

«رجال البلاد يهدّدون بقطع الطريق»

هذا التضاد الصوتي يعكس انقسام العالم بين القمع والتطهير.

ثالثاً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص قائم على سرد شعري داخلي، بلا شخصيات تقليدية، حيث تتحول:

الذات المتكلمة - إلى مركز إدراكي

العالم -  إلى سلسلة قوى ضاغطة (رجال/ نساء/ تجّار/ ضوء)

الزمن زمن نفسي دائري، لا يتقدّم خطيًا، بل يعود باستمرار إلى لحظة «الطريق».

2. الرؤية الفنية

تنظر الشاعرة سلوى السوسي إلى العالم من منظور وجودي-تطهيري:

العالم ملوث، قاسٍ، متواطئ، بينما الخلاص مشروط بالضوء، لا بوصفه عنصرًا فيزيائيًا، بل قيمة معرفية وأخلاقية.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

أبرز مظاهر التجديد:

الوضوء بالشمس

التوبة الضوئية

الضوء بوصفه كائنًا أخلاقيًا (جسور، وديع، بريء)

وهي صور تُنتج الدهشة وتتجاوز الاستعارة التقليدية.

رابعاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

من يؤذي من؟

هل الطهارة ممكنة داخل عالم فاسد؟

هل العودة إلى الذات خلاص أم وهم؟

2. الأفق المعرفي

يحضر في النص أثر:

الفينومينولوجيا (الضوء بوصفه ظهورًا)

الصوفية (الطهارة، التوبة، النور)

الوجودية (الاختيار، الموت كما ينبغي)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الطين - الضوء

الجرح - التطهير

العودة - الموت

كلها ثنائيات تُنتج طبقات متعددة من المعنى، تجعل النص قابلًا لتأويلات متعدّدة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

النص مشحون بالقلق الوجودي، لكنه قلق منتج لا هدمي.

هناك صراع بين:

ذات مجروحة

ذات تسعى للتماسك عبر الضوء

2. النبرة النفسية

النبرة تجمع بين:

الاحتجاج الصامت

الصفاء الداخلي

القبول المأساوي بالمصير

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

تحضر السلطة عبر:

«رجال البلاد يهدّدون بقطع الطريق»

في مقابل نساء يحاولن تبرئة ذواتهن، ما يشي بنقد اجتماعي غير مباشر للهيمنة والعنف الرمزي.

2. الخطاب الاجتماعي

النص يفكك:

خطاب الطهارة الزائف

التوبة الشكلية

التجارة بالقيم

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية

الطين: الأصل، الانكسار، الجسد

الزجاج: الهشاشة، العنف الصامت

الضوء: الحقيقة، التطهير، الوعي

2. شبكات الدلالة

حياة /  موت

جرح /  شفاء

ظلمة /  نور

عودة /  فناء

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة تعتمد:

المنهج الأسلوبي

المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

التحليل النفسي الرمزي

المقاربة السيميائية

مع الالتزام بالموضوعية والتركيز على النص.

تاسعاً: القيم الإنسانية والجمالية العليا

القصيدة تحتفي:

بحرية الكائن

بحق الذات في النقاء

بجمالية المقاومة الهادئة

وهي نص إنساني يتجاوز الجغرافيا ليخاطب الإنسان في هشاشته وكرامته.

خلاصة:

قصيدة «حين يضيء الطين» نص نثري ناضج، يتكئ على لغة شفيفة، ورؤية فلسفية عميقة، وبناء جمالي محكم. إنها قصيدة عبور، لا تصالح مع الزيف، ولا استسلام للعتمة، بل بحث مؤلم وجميل عن ضوءٍ يستحق أن نُحيا به… وأن نموت كما ينبغي.

ختامًا، يمكن القول إن قصيدة «حين يضيء الطين» لسلوى السوسي تمثل نموذجًا شعريًا نثريًا متكاملًا، يجمع بين العمق النفسي والدلالات الرمزية واللغة المركبة والإيقاع الداخلي الدقيق. فقد نجحت الشاعرة في خلق فضاء شعوري ومعرفي يجمع بين التأمل الفلسفي في الوجود الإنساني والحساسية الاجتماعية تجاه واقع الإنسان ومجتمعه، مع الحفاظ على انسجام النص بين الشكل والمضمون، وبين الموسيقى الداخلية والرمزية التصويرية.

إن النص، بما يحمله من تعددية في الطبقات الدلالية وانفتاح على التأويلات، يتيح للقارئ أكثر من قراءة، ويقدم تجربة جمالية وفكرية متجددة، تؤكد قدرة الشعر الحديث على ملامسة الوجدان الإنساني، واستكشاف الذات، والتفاعل مع الواقع الاجتماعي والثقافي. وفي النهاية، يظل النص شاهدًا على حيوية الشعر النثري المعاصر، ومثالًا على قدرة اللغة على التعبير عن الصراعات الداخلية، والبحث عن الذات، والرغبة في الضوء وسط الطين.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.................

حين يضيء الطين

في طريقِ العودةِ إليّ

زجاجٌ مكسور…

تلتقطه أعينُ المارّة،

ترشقه في أضلعي.

رجالُ البلادِ يهدّدون بقطعِ الطريق،

والنساءُ يعتذرن لتاريخٍ

خدشته ظنوني،

ويقسمن أنّ أجسادهن

من الشمسِ بريئة.

في طريقِ العودةِ إليّ

تُجّارُ أسدافٍ

كسدت تجارتهم،

انقضت آجالُ بضاعتهم،

توضّؤوا بالشمس

وتابوا.

في طريقِ العودةِ إليّ

تأنّقت روحي

في حضرةِ جسدٍ

سطع في عينِ الضوء.

الضوءُ جسورٌ… جريء،

يرسمُ ظلّي عاريًا،

وينضو السِّتارُ عن روحي.

الضوءُ وديعٌ… بريء،

يعيد إليّ وجهي

لأحيا كما أشتهي،

وأموتَ كما ينبغي.

***

سلوى السّوسي | تونس

 

لَيْسَ النَّقْدُ الأدبيُّ مُجرَّد أدواتٍ إجرائية تُسْقِطُها القِراءةُ على النُّصُوصِ، بَلْ هُوَ رُؤيةٌ للعَالَمِ، وَمَوْقِفٌ مِنَ اللغةِ، وطَريقةٌ في مُساءلةِ التاريخِ والإنسانِ معًا. وَمِنْ هُنا تَتجلَّى أهميةُ المُقارَنةِ بَيْنَ نَاقِدَيْن يَنْتميان إلى فَضَاءَيْن ثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن، لكنَّهما يَلتقيان عِندَ جَوْهَرٍ واحدٍ، وَهُوَ البَحْثُ عَنْ مَعنى الأدبِ في سِياقِه الإنسانيِّ الواسعِ.

إحسان عَبَّاس (1920 - 2003) الناقدُ الفِلَسْطِينيُّ المَوْسُوعيُّ، وإريك أُورباخ (1892- 1957) العَالِم اللغوي الألماني الكبير، يُمثِّلان نَمُوذَجَيْن مُتَكَامِلَيْن لِفَهْمِ النَّصِّ الأدبيِّ عَبْرَ التاريخِ، بَيْنَ خُصوصيةِ التُّراثِ وكَوْنِيَّةِ التَّجْرِبَةِ الإنسانية.

انبثقتْ تَجْرِبَةُ عَبَّاس مِنْ قلبِ الثفافةِ العربية، مُتَّكِئَةً على تُراثٍ مُمْتَدٍّ، ومَشحونةً بأسئلةِ النَّهْضَةِ، والهُوِيِّةِ، وإشكالاتِ القِراءةِ الحَديثةِ للقَديمِ، وَقَدْ كانَ ابْنَ المَدرسةِ التُّراثيةِ الصارمةِ في أدواتِها، الحَديثةِ في أسئلتها. وَجَمَعَ بَيْنَ التَّحقيقِ العِلْمِيِّ للنُّصُوصِ، والوَعْيِ النَّقْدِيِّ المُتَجَدِّد. أمَّا أورباخ، فَقَدْ تَشَكَّلَتْ رُؤيته في رَحِمِ الفيلولوجيا (فِقْه اللغة) الأوروبية، حَيْثُ النُّصُوص تُقْرَأ بِوَصْفِها وثائق ثقافية، تَكشِف عَنْ تَحَوُّلاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ عَبْرَ العُصورِ.

يَخْتلفُ المُنْطَلَقُ الحَضاريُّ، لكنَّ القلقَ المَعرفيَّ واحدٌ: كَيْفَ نَفْهَمُ الأدبَ ؟، وكَيْفَ نَقرأ النَّصَّ في ضَوْءِ التاريخِ دُون أنْ نَخْتزله في التاريخِ ؟. يَرى عَبَّاس أنَّ النَّصَّ الأدبيَّ كِيَانٌ لُغَوِيٌّ مُستقِل، لا يُفْهَمُ إلا عَبْرَ لُغَتِه وبيئته، لكنَّه في الوَقْتِ نَفْسِه نِتَاجُ سِياقٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ، لذلكَ كانَ حريصًا على التَّوَازُنِ بَيْنَ التَّحليلِ الداخليِّ للنَّصِّ والوَعْيِ الخارجيِّ بِظُرُوفِ إنتاجِه. وَلَمْ يَكُن التاريخُ عِندَه سُلطةً قاهرةً على النَّصِّ، بَلْ أُفُقًا يُضِيءَ دَلالاتِه.

مَنَحَ أورباخ التاريخَ مَكانةً مَركزيةً في فَهْمِ الأدبِ، لكنَّه لَمْ يَتعاملْ مَعَهُ كَخَلْفيةٍ جامدةٍ، بَلْ كَقُوَّةٍ دِيناميَّةٍ تَتجسَّد في الأُسلوبِ، وَطَرائقِ تَمثيلِ الواقعِ. واللغةُ عِندَه لَيْسَتْ أداةً مُحَايِدة، بَلْ هِيَ سِجِلٌّ لِتَحَوُّلاتِ الرُّؤيةِ الإنسانيةِ. وَمِنْ هُنا جاءتْ تَحليلاتُه العميقةُ للفُروقِ بَيْنَ النُّصُوصِ.

تَمَيَّزَ مَنْهَجُ عَبَّاس بِصَرامةٍ عِلْميةٍ واضحة، خاصَّةً في مَجالِ التَّحقيقِ والنَّقْدِ التاريخيِّ، لكنَّه لَمْ يَقَعْ في جُمودِ المَدرسةِ التَّقليدية. كانَ مُنْفَتِحًا على المَناهجِ الحَديثةِ، دُون أنْ يَستسلمَ لَهَا بشكلٍ أعمى. تَعَامَلَ مَعَهَا بِوَصْفِها أدواتٍ قابلة للتَّطْويع، لا قَوالِب جاهزة تُفْرَضُ عَلى النَّصِّ فَرْضًا.

اتَّسَمَ مَنْهَجُ أورباخ بِشُموليةٍ إنسانيةٍ لافتةٍ. لَمْ يَلتزمْ بِمَنهجٍ واحدٍ صارمٍ، بَلْ بِنَظْرةٍ تَركيبيَّة تَجْمَعُ بَيْنَ التَّحليلِ اللغويِّ والرُّؤيةِ التاريخيةِ والحِسِّ الجَمَاليِّ. كانَ يَقْرَأ النُّصوصَ بِوَصْفِها تَمْثيلات للواقعِ لا مَرايا تَعكِسه حَرْفِيًّا، وهَذا يَعْني أنَّ النُّصُوصَ أشكالٌ فَنِّية تُعِيدُ تَشكيلَ الواقعِ.

وَقَفَ عَبَّاس عِندَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ بَيْنَ التُّراثِ والحَداثةِ. لَمْ يَعْتَبِر التُّراثَ مادةً للتَّقديسِ، ولا عِبْئًا للتَّجَاوُزِ، بَلْ مَجالًا للفَهْمِ النَّقْدِيِّ، لذلكَ دَعا إلى قِراءةِ التُّراثِ قِراءةً تاريخية واعية، تُميِّز بَيْنَ مَا هُوَ حَيٌّ وَمَا هُوَ مُنْقَضٍ. ورَأى أنَّ الحداثةَ الحقيقية لا تُبْنَى على القَطيعةِ، بَلْ على الفَهْمِ العميق.

أمَّا أورباخ، فكانَ التُّراثُ الغَرْبيُّ أمامَه سِلْسِلَةً مُتَّصِلة مِنَ التَّحَوُّلات، لا انقطاعات حَادَّة فيها. الحَداثةُ عِندَه نَتيجةُ تَرَاكُمٍ تاريخيٍّ، يَظْهَر في تَطَوُّرِ الأساليبِ والمَوضوعاتِ، لا في إعلانِ القَطيعةِ معَ الماضي.وَمِنْ هُنا جاءتْ نَظْرَتُه المُتصالِحة معَ التاريخِ التي تَرى في الأدبِ مَسارًا إنسانيًّا طَويلًا.

يَلْتقي الناقدان عِندَ نُقْطَةٍ جَوهرية: مَركزية الإنسانِ. عَبَّاس، رَغْمَ اشتغالِه الدَّقيقِ بالنُّصُوصِ، لَمْ يُغْفِل البُعْدَ الإنسانيَّ للأدبِ، وَرَأى أنَّ القيمة الحقيقية للنَّصِّ تَكْمُنُ في قُدرته على التَّعبيرِ عَنْ تَجْرِبَةٍ إنسانية صادقة. وأورباخ جَعَلَ مِنَ الإنسانِ مِحْوَرِ مَشروعِه النَّقْدِيِّ كُلِّه، فالأدبُ عِندَه سِجِلٌّ لِتَحَوُّلاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ، وَتَمثيلٌ لِمُعاناةِ البَشَرِ وأحلامِهِم عَبْرَ الزَّمَنِ.

قَدْ يَبْدو المَنهجُ النَّقْدِيُّ بَيْنَ عَبَّاس وأورباخ مُختلِفًا في أدواتِه وَمَساراتِه، لكنَّه يَلْتقي في غايته الكُبْرى، فَهْم الأدبِ بِوَصْفِهِ فِعْلًا إنسانيًّا مُرَكَّبًا يَتجاوزُ حُدودَ اللغةِ والزَّمَنِ. وكِلاهُما قَدَّمَ دَرْسًا بَالِغَ الأهميةِ، لا نَقْدَ بِلا مَعرفةٍ عَميقةٍ بالنَّصِّ، ولا قِراءة حقيقية دُون وَعْيٍ بالتاريخِ، ولا قِيمة للأدبِ إذا انفصلَ عَن الإنسانِ.

والمُقَارَنَةُ بَيْنَهما لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْريًّا، بَلْ ضَرورة لِفَهْمِ كَيْفَ يُمكِن للنَّقْدِ أنْ يَكُونَ جِسْرًا بَيْنَ الثقافاتِ، وَحِوَارًا بَيْنَ التُّراثِ والحَداثةِ، وَصَوْتًا للعَقْلِ وَهُوَ يُفَتِّشُ بِلا كَلَلٍ عَنْ مَعْنى الجَمالِ والحقيقةِ في الكَلِمَات.

يُمثِّل عَبَّاس وأورباخ نَمُوذَجَيْن مُتَمَايِزَيْن في النَّقْدِ الأدبيِّ، يَجْمعهما العُمْقُ المَنهجيُّ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهما السِّياقُ الثقافيُّ وأدواتُ التَّحليلِ. اعتمدَ عَبَّاس مَنهجًا تاريخيًّا تَحْقيقيًّا يَقُومُ على ضَبْطِ النَّصِّ وَتَوْثيقِه، وَرَبْطِه بِسِيَاقِهِ الثقافيِّ والحَضَاريِّ العَرَبيِّ، معَ عِنايةٍ صارمةٍ بالمَخطوطاتِ، وَتَطَوُّرِ الأجناسِ الأدبيةِ، وَهُوَ مَا يَتجلَّى في أعمالِهِ حَوْلَ الشِّعْرِ العَرَبيِّ والنَّقْدِ التُّراثيِّ. أمَّا أورباخ فَأسَّسَ مَنهجًا أُسلوبيًّا تَمْثيليًّا مُقَارَنًا، يَدْرُسُ طَرائقَ تَمثيلِ الواقعِ في الأدبِ الغَرْبيِّ عَبْرَ تَحليلٍ دَقيقٍ للأُسلوبِ واللغةِ داخلَ نُصُوصٍ مِفْصَلِيَّةٍ، معَ مَيْلٍ أقَل إلى التَّحقيقِ النَّصِّي، وأكثر إلى القِراءةِ التأويلية العابرةِ للعُصور.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

النهايات، بدايات لمتخيل جديد ينسجه القارئ

«كأن النّهايات ترمينا على شواطئ البدايات» (خالد حسين(1)

مفتتح..

ما الذي يتبقى حين ينهار العالم؟

هل نهاية الرواية تعني الانتهاء والتّمام، وأنّ السّارد أفرغ ما في جعبته ليركن إلى الصمت؟ وهل انتهى الكلام حين أعلن السّارد عن نهاية الحكي بعد أن أخذ قارئه في متاهات سردية، فانقطع ما كان بينهما إلى الأبد، أم سلّمه مفاتيح النهاية ليصوغ روايته على أساسها؟

تنتهي الرواية، أي رواية، وهي تحمل داخلها إرهاصاتٍ لبدايات جديدة، فالنّهاية آخر ما يبقى عالقا في ذهن القارئ المُبدع والمتخيِّل والمنتِج، حين يعيد إنتاج نصّه في تناصّ إبداعي مع الأصل وانطلاقا منه، مؤسِّساً بذلك مساراً جديدا بشخوص وفضاءات وأحداث وأزمنة جديدة يبني بها معماراً لنصٍّ آخر تشَكّل، حين القراءة الذّكية، في ذهنه النّشط.

فالنّهاية توقِف القارئ للتّأمّل، وتصوّر الجهد الذي تكبّده الكاتب وهو يبني روايته على أساسٍ من الإبداع والتّخيّل، يُنهيه بكثيرٍ من التّركيز والتّكثيف، رغم سرعة الانحدار إلى مآلها الأخير، وجمع شتات الحكي، ومنح النص حيوية وتأويلا منفتحا على المشاركة في بناء المعنى، فهي القفلة التي تترك أثرها في القارئ، تُكسّر توقعاته وتبني أفق انتظاراته، مانحة إياه دهشة وتأمُّلاً يحقّق استمرارية النص.

«سراديب النهايات(2)»، رواية الكاتب والمفكر المغربي الدكتور عبد الإله بلقزيز، عنوانٌ يخلق لدى القارئ توتُّراً وحافزاً يدفعه للاكتشاف والانخراط في مجريات الأحداث، وكل توتُّر لابد أن يُنتج السؤال والإبداع، فالسراديب، وهي جمعُ سرداب، وهو «الخباء تحت الأرض»(3)، وهو القبو والنّفق والمقبرة والمدفن، وهو المكان الضيق، وكل سردابٍ ظلامٌ وضيقٌ وسجنٌ، بل أكثر من ذلك، هو نهاية في حدّ ذاته، لكن الكاتب أراد لنهايات شخوصه أن تكون، كما في واقع النّاس المهمّشين والبُسطاء، أكثر ظلماً وظلاماً وقسوة وألماً، فجاءت النّهايات سراديب مخيفة.

شيء ما يتسرّبُ عبر هذه العتبة، يوحي بأن السّرد سيكون قويا مؤلما، متشابكا، يجمع نهايات متعدّدة بتعدّد الشخوص، يتقاذفهم الألم والظلم والخوف بلا رحمة، داخل سراديب الحياة المظلمة. وإذا كانت البدايات بذرة الفضول ومشعل التّوغّل في السرد، وحين يبرع الكاتب في غرسها في ذهن القارئ لتنمو، وينموَ النّص في وجدانه، يتحوّل إلى رحلة، قد تكون شاقّة، تخوض مَعْمَعَ الأحداث داخل السراديب إلى النّهاية التي لم يقف عندها الكاتب، بل احتراما لقارئه، ترك لها فُسحاً لأن تُبنى من جديد، بنظرة جديدة وبأحداث جديدة.

«سراديب النهايات»، تضع القارئ أمام نهايات متعدّدة، الشيء الذي يعني بدايات متعدّدة لقراءات منتجة، رصينة وواعية، فالسارد لا يضع حدّاً أو نهاية أو نقط الوقوف عند نهاية الأحداث، كما لا تعني بالضّرورة نهاية السرد، ونهايات الشخوص، بل، ذكاءٌ من الكاتب وقدرةٌ على أن يُشرك القارئ في همّهم، ويدفعه إلى طرح أسئلته، واقتراح تصوراته.

مسارات الحكي..

«سراديب النهايات »، رواية ، بمسارات ثلاث، تلتقي وتفترق، تصمد وتضعف عبر حكايات الإنسان العادي البسيط، الذي يصنع من أيامه ولياليه، بجهده وعرقه وصبره، بحبه وطيبوبته مسارا لحياة تنهض على إشاعة الدفء والكفاف والحب ونكران الذات، والبحث عن حياة أفضل، أقصاها غربةٌ أو شغلٌ، وآخر نقيضه، يأكل أهله الجشع والطّمع والاستغلال، يستبيحون حرمة وأسرار الآخرين وهم يتخندقون داخل نفق يسيرون فيه وحدهم يجمعون ويكنزون، تموج قلوبهم داخل سراديب مظلمة، لا يلج إليها نور المحبة أو الخير، «يريدُه إذاً، فقيراً مُعدِماً، يقف بالكاد، على قدميه، ولا يجمعُ طموحه لأكثر من الكفاية الذاتية، بحيث يظلّ مشدوداً بحبل الخصاصة إليه»(4)، وثالثٌ يتدخّل فيه السارد بحساب، ذكاء من الكاتب، حين يضع خطوطه وأبعاده، ويترك للقارئ أن يبني مساراً أو مسارات جديدة عبره، منها ينطلق ليُنْتِج نصّاً انطلاقته الرواية الأصل، «سراديب النهايات»، وانتهاءً بمتخيَّل ينسجه بذكائه، يجبره على التّباطؤ وهو يتتبع مسارات الحكي، كما يجبره على الإصغاء لإيقاعات عوالم الشخوص وهي تنهار، وما يكاد يستقيم أوَدُها حتى تنهار من جديد، متأرجحة بين اليأس والتّمسّك بالحياة بخيط رفيع يعني الكفاف وأقلّه، ويطرح السؤال: ما الذي يتبقّى حين ينهار العالم؟

الكاتب هنا، لا يكتب مآسي الشخوص، أو جشع الإقطاعيين والسلطة وأصحاب النفوذ، «.. العياشي الذي توسعت أرضه المتوسطة بالشراء من تخوم الفقراء والمعدِمين مثله، فتحوّلت من ضيعة متواضعة، كانت نواتُها في حدود ستة هكتارات، إلى ضيعة في ملكيته، وتحت يديه، من عقارات في بن جرير»(5) ولا يصف الإذلال المقيت الذي يمتد عميقا في كل مناحي الحياة، بل يكتب ليعيش القارئ مع شخوصه أصدق اللحظات وأقواها، في محاولة لدفعه لأن يكتب ضد هذا الذي ينخر جسد الحياة كالسوس، ليخلق بداية ممكنة لعالم جديد، ينطلق من القلق والبحث في معنى الوجود الإنساني أمام هشاشة الإنسان الذي تترادف أحزانه وانهياراته وخيباته وأحزانه، وهو يبحث، من دون جدوى، عن الخلاص، ماسكا قلبه المجروح ووصيّة الوالد.

فالرواية تحاول تجاوز الحكاية إلى البحث عن معنى الإنسان في عالم صعب يتغير باستمرار، لا يرحم، يأكل الضعيف، وتكشف عمق الوجود البشري في تفاصيله اليومية البسيطة والمعقّدة، فالسرد مرآة للناس في صراعهم وأحزانهم وأحلامهم وأفراحهم، ممّا يجعل الحياة جديرة بالكتابة والقراءة والتّأمّل، وهذا سرُّها، فحين تنبع من نبض الناس، وبساطة الناس، وقهر الناس، تظل قادرة على البقاء، وأكثر قوة في التّأثير على القارئ ليصبح جُزْءً منها، فاعلا منتجا غير متفرّج، ليحمل هو الآخر، قلق الإنسان في بحثه عن ذاته وعن موطئ قدم في محيطه الذي يرفضه.

الجشع والكفاف، مساران، أبداً لا يلتقيان، قد ينتصر الجشع حين يلوذ بالسلطة والمال والقوة، ماردٌ يسكن نفوس مجموعة من الإقطاعيين والقريبين من السلطة، يتحينون الفرص لنهب وسرقة ما بيد الآخرين الباحثين عن الظّل، ينسج بأحداثهم مسارا يستمدّ قوته من الاستحواذ والاكتناز والأنانية الخبيثة، بينما ينحصر الكفاف داخل أردية الخوف والتّردّد وضعف ذات اليد، يسير متردّداً على المسار الثاني مسلحاً بالقناعة والعرق، وكثير من الصّبر.

الجشع والكفاف، متوازيان، أبدا لا يلتقيان، لكنهما يسيران جنبا إلى جنب، قد ينجذبان، قد ينتصر الجشع حين يتّكئُ على السلطة والمال، لكن إلى حين، مآلهُ إلى مصير بارد في متاهات السراديب حيث يندثر ويضيع وتخبو جذوته ليبقى الكفاف مشعا متّكئاً على القناعة والمحبّة، يرسم على الأرض دوائر من نور بألوان الحب والمعاشرة الصادقة.

هذان المساران اللذان رسمهما الكاتب بذكاء وهدوء وعمق، يُشرِّحُ النفس البشرية وما يعتمل داخلها من مشاعر الحب والكره والأمل واليأس، والجشع والكفاف، وما يموج داخلها من اضطراب وتصدُّع، بلغة شفافة، قوية وسلسة، يرتاح لانسيابهما القارئ حين يسْرح داخل معانيها مكتشفا أسرار البناء التي تقيم صرح الرواية، مستشْعراً لذة القراءة ومتانة البناء، بتحريض من الكاتب الذي يفرض عليه أن يتمتع ويسمع لنبض الحياة التي تسري داخل المتن الروائي ويجمع شتات الحكي، يحيك وفي يده خيوط الأحداث التي تتقلب بين انتصار ونكوص، وجشع وقناعة، وأخذ وعطاء، ليبني نصا يبتدئ ليس عند نهاية الرواية، بل عند نهاية أحداث كل شخصية من شخوص الرواية .

مسار الجشع، مسارُ كبار الملاّك والسّلطة وأعوانها، «الحاج العياشي، الحاج الدفالي، أولاد الفقيه العثماني، الحاج بورحيم» ومن يسير على خطاهم، نفسٌ جشعة، متوحّشة، تحب ذاتها كما تحب الاكتناز والاستحواذ، «في منطقة منكوبة بالجفاف والفقر والتهميش»(6)، غاية شهوتها امتلاك ما امتد إليه بصرها، وإذلال الآخر «عبد الرحمن» الذي لا سند له سوى نفس أبية، وتمَسُّك بالمبادئ وقطعة الأرض، ووصية الوالد.

الجشع، ذلك المارد الذي يسكن نفوس مجموعة من الإقطاعيين، ينسج بهم الكاتب مساراً يمتدُّ من الاستحواذ والاكتناز والأنانية الخبيثة، مُروراً بالطّمع بما في أيدي صغار الفلاحين وضعفائهم، وانتهاءً بالسيطرة ووضع اليد على كل شيء، ليُصبح الإنسان مجرّد أداة للاستغلال والإنتاج، لا حقّ له في التّملّك، كائن يخرج من دَوّامة ليدخل أخرى أشدّ منها فتكا وقهرا وإذلالا، والاستحواذ على الأرض وسخرة الفلاحين البسطاء، مسلوخين من إنسانيتهم، مقهورين، مغلوبين يتعرّضون، عياناً، لفرض السطوة عليهم، وإذلالهم بالإخضاع والاتباع، «ما أسوأهُ حظُّه من حظٍّ، يملك أرضا، لكنه لا يملك أن يتمتع بثمْراتها وحده، ومعه عائلتُه، عليه أن يقتسم الأرباح مع غيره: منه البِذارُ، والحرثُ، والعمل، والسّقيُ، والحصادُ...، ومن شريكه الماء. يُعزّي نفسه بالقول إن الأرض، والبذار، والعمل، لا تساوي شيئاً من دون ماء.»(7) ويصبحوا خدماً في أرضهم، صابرين على ذلِّ الحاجة ومصاريف العيش التي لا تنتهي.

مسار الكفاف، وهو مسار عبد الرحمن وعائلته ومن يذوق قهْر السلطة والمال والقوة من صغار الفلاحين، الموازي «للعياشي» وطغمته، وهو الوجود الإنساني الخيّر، غايته الحفاظ على جذوره ثابتة فوق أرض الآباء، رغم أن «الحفاظ على الأرض في زمن الجذب»(8)، معادلة صعبة تسندها المكايد والتخويف والتجويع وقطْع الحياة على الأرض التي تشكو قلة القَطْر.

«عبد الرحيم، السي محمد، مهدي، صفية، فاطمة،» وآخرون، محطات تبرز على طول المسار، تنتصر «لعبد الرحمن» مرة، وتعمق جراحه مرّات، تحاول شدّ أزْره، لكن قصر ذات اليد، وغياب التفكير النّاجح للعناية بالأرض، وعدم مشاركة مهدي وعبد الرحيم في تحمّل المسؤولية، يقصم الظّهر، ويفتح للمسار طرقاً وعرة المسالك عامرة بالإحباطات والكرب واليأس وقليل من الأمل.

كما أن المزج الجميل والذكي بين الفضاءات ونفسية الشخوص والأحداث يجعل من السرد لوحة فسيفسائية تجمع بين الجمال والقبح، الجشع والكفاف، الطمع والقناعة، المكر والوفاء، فالفضاءات تنسجم وروح الأحداث والتيمات وكذا الشخوص، فسرايفو وأفغانستان مثلا فضاءات للحرب والظلم والبطش التي تنسجم والمسار الأول، بينما فرنسا ومراكش وغيرها فضاءات يغلب عليها الهدوء والحب، فضاءات تنسج بالحكي متاهات وسراديب وأنفاق تنفتح أسرارها مرة وتنغلق مرة لتصب في نهايات معَلّقة ومنفتحة على السؤال وبدايات أخرى ينسج القارئ تفاصيلها ليؤسّس نصّاً جديداً لا يكتفي بالتّجاور مع النّص المقروء، بل يدخل معه في محاورة تفكيكية لآليات بنائه، ويحمل تمثلات دلالاته لإنتاج معنى آخر يفتح للتلقّي أحداثا لنص إبداعي ينفتح انطلاقا من علائق النص الأول.

تيمات الرواية، تصب في قالب برأسين، الخير والشر، الجشع والكفاف، «العياشي» و«عبد الرحمن»، عندما يسيران في اتجاه واحد، لكن إلى نهايات مختلفة، يؤثر الأول في الثاني الذي يظهر بمظهر الضعف، لكنه ضعف مشوب بقوة حين لا يستسلم للجشع والإذلال، ليظل المساران مُنجذبين إلى بعضها في بحث حثيت عن نهايات مفتوحة على آتٍ مُنتظرٍ يبني معماره القارئ.

يارا، مسار وحده، لا تربطه بالمسارين أية علاقة، هو مسار وحده، ينساب دافئا، هادئا، طاهرا يعيد الإنسان إلى طبيعته، ويُذكر بالخير الثاوي فيه، تبرز «يارا» ببراءتها لتقول للجشع «قف» وتفسح للحب مجالا أرحب للتأثير وصبغ المحيط بألوان الحب والنقاء.

«يارا» اسم تمتزج فيه المعاني باختلاف الموارد التي يغترف منها؛ فهو الصاحب والمعشوق والقدرة والتمكُّن والشجاعة عند أهل النيروز بفارس، كما هو الماء اللعاب بأرض الأناضول، وهو الزهرة الجميلة أو الشهر السرياني أيار، أو قل هو الحبيبة والعشيقة والصاحب المعين في أرض صيدا وصور؛ تلك الأرض التي ركب أهلها البحر وجابوا فيروز الشُطآن بالمتوسط. لعل الاسم رحل من هناك أو هناك أخلد إلى الأرض بمغرب الشمس عند هذه الزهرة اليانعة. كذلك «يارا» اسم يطلق على أول زهرة تخرج في الشجرة بعد فصل الإمطار والشتاء، كمجيء هذه الحسناء باكورة أمّها مع أول إثمار»(9).

«يارا»، الْتِفاتةٌ ذكية من الكاتب تجعل القارئ يرتاح، ولو إلى حين، من جشع «العياشي» وزيغ «مهدي» وتيه «عبد الرحمن»، وينفت بتواجدها في روعهم دفئا يُحيي موات النفس التي ران عليها اليأس والخوف والقهر، «يارا» بنت عبد الرحيم وكريستين الفرنسية، التي حلّت بسؤال مربك، «في المرة الأخيرة التي تحدثا فيها بالهاتف، وكان ذلك قبل سفره إلى بوردو بعشرة شهور، وأخبره بأنه رُزق ببنت سمّاها يارا، بم يعرف عبد الرحمن إن كان الاسم عربيّاً أم إفرنجياً، بل رجّح أن يكون من أسماء الفرنسيات. وحين سأل أخاه الأصغر مهدي في الأمر، أخبره الأخير بأن اللبنانيين يطلقون هذا الاسم على بناتهم، فاطمأنّت نفسه، وإن ظلّ يشكّ في بقاء زوجة أخيه على دين آبائها وأجدادها.»(10)

«يارا»، مسار وحده، ينبض بالحب والبراءة حين يبزغ للقارئ، يشع بين ثنايا الحكي ينصهر ومسار «عبد الرحمن» العم، و«صفية» الخالة و«الوالدة» الجدّة، وينفر من الآخر الذي يسير أعرج لا يكاد يستقيم إلى جنبه لكنه ضده، رغم أنه لا يخل بمسار الحكي في كليته، بل يضيف إليه مسحة من جمال يُبرِّد النفس، ويهدّئ من قسوة الأيام، ولا يوجِدُ لنفسه حضوراَ قويا يساير الحكي، بل يترك الكاتب للقارئ أن ينظر فيه، ويصبغه بما يجعله يؤسس لبداية ونهاية جديدة بملامح تحمل طابعه الخاص. «سُرَّ لزيارة أخيه المفاجئة. وسُرَّ أكثر لرؤية ابنته يارا لأول مرة. بسمل كثيرا وهو يتأمّل وجهها الصّبوح الجميل... ثم انحنى فحملها على كتفه وبدأ يجول بها في أنحاء الضّيعة»(11)

بداية النهايات..

لكل شخص من شخوص الرواية أسراره التي يُجَلّيها السارد بهدوء وروية، ليُدخِل القارئ في تجاويف ذاتها ليكتشف أسرار الذات البشرية وغربتها وتقلباتها وعمقها، حيث تختزن الجمال والقبح، والجشع والكفاف عبر تقاطعات سردية تسير به ليختبر ذاته هو عبر الذوات المؤسِّسة لمتن الرواية والمحركة لأحداثها، التي تصور الإنسان عاريا، كتابا مفتوحا على قراءات متعددة، بقوته وضعفه، بفرحه وحزنه، بجبروته وتواضعه وهو يسير إلى سراديب نهاياته، لتصبح كل نهاية لحظة كشفٍ وتحولٍ وانفتاحٍ على آتٍ غامض، تُشرك القارئ في التأويلات الممكنة، والأسئلة المقلقة إلى ما بعد النهاية بوساطة وعي فضولي تخييلي برع الكاتب في فتح فُرْجاته، ليزجّ به في خضمّ اللعبة بتسليمه مفاتيح الاحتمالات الممكنة والأسرار التي عليه أن يسبر أغوارها، «دهش حين رأى أمامه أربعة رجال، وجوه متجهمة، بدت له مكفهرة، ونظرات حادة مصوبة إليه كالسهام، نطق أحدهم:

أنت عبد الرحيم؟

نعم..

تفضل معنا..»(12).

تلك نهاية الرواية، ونهاية عبد الرحيم، وللقارئ أن يتخيل بداية لهذه النهاية عبر مسار رابع،  نهاية «عبد الرحيم» والآخرين «مهدي» و«حليمة»، التي بُنيت بداياتها حين كان لهم وجود وتواجد، وتلك غاية الكاتب، إشراك القارئ في لعبة الحكي تنطلق من النهاية/النهايات، لأن القارئ الإيجابي النّشط والمبدع الذي رغم انتهاء الأحداث، يؤسس بدايات نص جديد على أنقاض هذه النهايات بنفس الشخوص أو شخوص غيرها، من نسج خياله، تأسيساً جديد يرفع قواعده وهياكله عند نهاية الحكاية، حكاية «مهدي» و«عبد الرحمن» و«حليمة» الذين زُج بهم في سراديب ومتاهات يغلفها المجهول ليظل السؤال مشاغبا ومشاكسا.

وماذا بعد؟

من هنا يبدأ نص القارئ ويؤسس مساره الخاص، رغم أن الكاتب بنى لبعض شخوصه نهايات حتمية، إلا أنه سكت عن بعضها ليترك للقارئ أن يوظف قراءاته ومعارفه وخياله ليصنع من النهايات بدايات لسراديب تنتظر فاتحة فاها لاستقبال شخوص وأحداث جديدة تنطلق في مغامرة جديدة ابتدأها الكاتب ليُنهيها القارئ.

تلك هي «سراديب النهايات»، النهايات التي تركها الكاتب للقارئ أن يتصور فضاءاتها ومتاهاتها، وأن يفتح لشخوص روايته مجاهيل وسراديب أخرى، ويبني لهم متنا روائيا متخيلا يُدخلهم فيه، ويحركهم كما يشاء، ويختار لهم نهايات غير النهايات، ويؤسس معهم وبهم، نصا آخر يُنهي به فعلا سراديب النهايات، أو بدايات النهايات.

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء ـ المغرب

................................

(1) . خالد حسين. سميائيات الكون السردي. دراسات نقدية. منشورات رامينا 2023. (ص48).

(2)  . عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف بيروت 2014.

(3)  ـ محمد بن مكرم بن علي بن منظور. لسان العرب. الطبعة الثالثة. دار صادر بيروت 1993.

(4)  عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف بيروت 2014. (ص 13).

(5)  المصدر نفسه (ص 9).

(6)  المصدر نفسه (ص 15).

(7)  المصدر نفسه (ص 11).

(8) المصدر نفسه (ص 157).

(9) محمد رزيق. طارق ويارا. نص في إطار التّشكّل.

(10)  عبد الإله بلقزيز. سراديب النهايات. منتدى المعارف. بيروت 2014. (ص 38).

(11) المصدر نفسه (ص 173).

(12) المصدر نفسه ص 351.

 

رواية " دروب الشاكرية" للروائي احمد عواد الخزاعي، تنتمي الى الواقعية النقدية بسياقها الفني، لأنها تنقل لنا الحياة الذاتية لبطل الرواية ريسان الذي ترتبط سيرته بحركة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد، وقد عمل المؤلف في سياق تدوينه للحركة السردية لأحداث الرواية، بجعلهما تناوبية في فصولها المرقمة، بين الماضي والحاضر، وبلغة سردية جاءت منسجمة مع الاحداث، وطيعة ومرنة تنساب بشكل متدفق دون زوائد أو سرد فائض يصيب القارئ بالملل والرتابة، مما خلف ذلك إيقاع متزن رافق سير الاحداث منذ بدايتها وحتى انتهاءها، كوننا سنكون مع ريسان بطل الرواية، وهو يعاني بمرض سرطان المثانة واحتباس الادرار والالم القاسي الذي يرافق هذا المرض، ليعود بنا الى حياته  في الاهوار ، عندما توفي والده أثر شجار عشائري، حيث كان يحمل راية العشيرة، وكذلك وفاة أمه بعده.

وينقل لنا الروائي البيئة الريفية وحياة أهل القرية في أهوار الجنوب، وكذلك هيمنة الشيخ وسلطته على الفلاحين، وجلبهم للعمل معه (صخرة) أي بدون أجر في مواسم الحصاد الذي يسمى الحشر .

كذلك نتابع الصراع النفسي لبطل الرواية وهو يعيش تحت ضغط الشيخ وازلامه لسحبه للعمل عنوة في (السخرة)، وهنا أود الأشارة الى أن الروائي نقل لنا تفاصيل حياة الفلاحين وصراعهم مع الشيخ في روايته السابقة الموسومة بــ (الحشر)، مما يتبين لنا أن هذه الرواية امتداد لروايته السابقة، او الجزء الثاني لها دون أن يشير الروائي الى ذلك، إذ نجد أن أحداث هذه الرواية تأخذ منحاً آخر، بعد أن يواجه ريسان الشيخ رافضاً الانصياع لاوامره، حيث يعاقب برميه بــ (الطامور) وهي غرفة من الطين مغلقة دون باب أو نوافذ، وهو العقاب لمن يخالف اوامر الشيخ، الامر الذي حدى بريسان الهرب من الاهوار، لتنتقل بنا الاحداث الى بغداد، مدينة الشاكرية، ونتابع تفاصيل دروبها كما تشير بنية العنونة .

وهكذا تنقسم الحركة السردية الى ثلاث محاور، حياة البطل ريسان داخل مدينة الشاكرية، وتفاصيل غائرة في العمق في عملية تبئيرية لحياة ريسان في الاهوار، وصفحة  من حياته، التي يقوم برواية جزء منها داخل النص كسارد ضمني، كما في قصة حربي ابو ضفيرة الذي يقوم مع رفاقه ووفق خطة محكمة باغتيال الحاكم العثماني، بعد أن يتفق مع ابناء القرية بإقامة زفة عرس داخل الهور لنتمكن من الهرب من رجال الحاكم العثماني ومطاردتهم لهم، بالاختفاء مع الزفة ليصعب ملاحقتهم، الا ان رجال السلطة العثمانية يتمكنوا من القبض على اثنان من رفاقه واعدامهما، ويستطيع حربي النجاة، وكذلك تفاصيل مرض ريسان وشفائه وهو المحور الثاني، أما الثالث فهو حياته في مدينة الشاكرية .

حيث تتناسل صفحات جديدة من الاحداث في تلك المدينة، وهي بمثابة السيرة الادبية والنضالية والاجتماعية لحياته الجديدة في المدينة، فتظهر علاقته العاطفية مع جانيت التي تسير احداثها مع مسار حركة السرد، والتي تبوء بالفشل، لاسباب سيعرفها القارئ عندما يتابع الاحداث، كذلك سنشهد ظهور حميد الشقاوة الشخصية المركبة الغريبة، فهو شقي ولص محترف، وكذلك يعمل لصالح السلطة في ذلك الوقت.

ونعود الى الماضي في هذا التناوب في الفصول، ليحدثنا بطل الرواية، عن تفاصيل مهمة في حياته وله أثر كبير داخل نفسيته:

قتل أبي بنزاع عشائري في هور العمارة، كنت حينها في التاسعة من عمري، كان حامل بيرغ العشيرة، التحقت به أمي بعد عام، تشاجرت اختي الكبرى مع زوجها سيد هادي، تدخلت أمي، ضربته واسقطت عمامته، رفع رأسه الى السماء وهو يردد (اريد شارة عمامة رسول الله تبين في الحال) قبل ان يركب مشحوفه، تقيأت امي دماً وماتت، ومنذ ذلك اليوم وهي تأتيني بين فترة واخرى في المنام، اراها والدماء تملئ فمها." (ص 38

وهكذا تسير بنا أحداث الرواية، بين مرض ريسان ومعاناته وهو يطل بنا على الماضي، وبين هذا لتبئير في الاحداث في عمق الماضي، وكذلك حياته في مدينة الشاكرية.

لنكون مع ريسان وهو يعمل مع شاؤول اليهودي، والذي تعرض للاذى والتهديد والخوف، ولا يجد بداً هذا اليهودي الا الهرب، ويظل ريسان خال من العمل.

وفي رؤية فنية ممسرحة داخل النص الروائي، يوظف المؤلف مشهد ما حصل له عند مواجهة للشيخ ورفضه العمل معه:

" عصا صغيرة تضرب على كتفه، وهو يقف حافي القدمين في طابور طويل من الفلاحين الفقراء، صدى قادم من بعيد، من ستون عام مضت، تردد على مسامعه (ريسان ابن حمود شغلتك نقل الطين للسدة) تداخلت الاصوات: صوت السركال (هذا الذي هرب من الحشر) صوت الشيخ (ابنو طامورة وذبوه بيهة حتى يتعلم شلون يطيع شيوخه ويصير آدمي. صوت بكاء، امتزج مع صوت اسراب طيور الهور." (ص 82)

وهكذا تمضي الاحداث بتناوب متناغم بين فصول الرواية، نحو نهايتها، الحزينة القاسية، إذ تسحبه أمه ليرحل معها بعد ان اختفى الدم من فمها، ويترك جثته مسجاة.

رواية " دروب الشاكرية " للروائي احمد عواد الخزاعي، خطوة موفقة ومتطورة للروائي، تؤكد امكانيته على المضي بعالم السرد الروائي بنجاح.

الرواية من اصدرات دار ومكتبة كلكامش للطباعة والنشر لعام 2025.

***

يوسف عبود جويعد

لم تكن الهوية، في التجربة الفلسطينية، مفهوماً مجرداً أو معطى ثابتاً، بل ظلت على الدوام سؤالاً مفتوحاً، محفوفاً بالاقتلاع والتهديد وإعادة التعريف القسري. ففي سياق تاريخي طويل من الفقد والمنفى والاحتلال، لم يعد الفلسطيني يعيش أزمته بوصفها حدثاً طارئاً، بل بوصفها حالة نفسية ممتدة، تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتُنتج وعياً قلقاً بالذات، هشّاً في يقيناته، ومحمّلاً بأسئلة الانتماء والاعتراف والوجود. من هنا، تتخذ الأزمات النفسية لدى الفلسطينيين طابعاً بنيوياً، لا مرضياً، إذ تنشأ من اختلال العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين اسمه وما يدلّ عليه، وبين ذاكرته وما يُسمح له بالاحتفاظ به.

في هذا الأفق المأزوم، يغدو سؤال الهوية أكثر من بطاقة تعريف أو اسم شخصي؛ إنه معركة دلالية على الحق في الوجود، وعلى استمرارية الذات في عالم يسعى إلى محوها أو استبدالها. فالهوية الفلسطينية ليست امتيازاً، بل عبئاً وجودياً يُلاحَق صاحبه في اللغة، والوثيقة، والجسد، والذاكرة. وحين تتعرّض هذه الهوية للاهتزاز، لا يظهر الاضطراب في شكل صراخ أو مواجهة مباشرة، بل يتسرّب إلى الداخل، متجسداً في القلق، والارتياب، والانقسام النفسي، والشعور الدائم بأن الذات مهددة بأن تصبح «غيرها».

ضمن هذا السياق، تأتي قصة «حقيبة ليست لي» للأديب الفلسطيني زياد خداش بوصفها نصاً سردياً يتجاوز الحكاية الغرائبية إلى تشريح نفسي عميق لمعنى فقدان الهوية في واقع لا يعترف بثبات الأنا. فالحقيبة التي تحمل الاسم ذاته ولا تحمل الحياة ذاتها، والرقم الذي يعود على صاحبه بصوت آخر، ليست مجرد مفارقات سردية، بل استعارات مكثفة لأزمة فلسطينية مركّبة، حيث يمكن للإنسان أن يُجرَّد من اسمه دون أن يفقد وعيه، وأن يُتَّهم بالجنون لأنه الوحيد الذي يرى الخلل في نظام يبدو للآخرين طبيعياً.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى قراءة القصة قراءة نقدية موسعة، تُقارب بنيتها اللغوية والفنية والدلالية، وتكشف عن طبقاتها النفسية والفكرية والسيميائية، واضعة النص في تماس مباشر مع سؤال الهوية الفلسطينية بوصفه سؤالاً إنسانياً كونياً، لا يخص شعباً بعينه، بقدر ما يفضح هشاشة الإنسان حين تُسحب منه أبسط ضمانات التعريف بذاته.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتسم لغة القصة بسلامة تركيبية واضحة، وبأسلوب سردي مباشر، يعتمد الجملة المتوسطة الطول، مع ميل إلى التتابع السريع الذي يحاكي ارتباك الشخصية المركزية. لا يلجأ القاص زياد خداش إلى التعقيد النحوي، بل إلى البساطة المشحونة، ما يجعل اللغة أداة لنقل التوتر لا لاستعراض البلاغة.

يتجلّى الانزياح الأسلوبي في الانتقال من الواقعي المألوف إلى الغرائبي، دون فواصل لغوية حادة؛ فالسرد يبقى هادئاً حتى حين يصبح الحدث صادماً، وهذا ما يُعرف بـالاقتصاد البلاغي الذي يُضاعف أثر الدهشة.

مثال ذلك:

«لم تكن حقيبتي… لكن اسمي ورقم هاتفي مكتوب عليها، وبخط يدي».

الجملة هنا تنشئ مفارقة منطقية تُبنى لغوياً لا خطابياً، وتُدخل القارئ مباشرة في مأزق الهوية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تنجح القصة في تحقيق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى. الألفاظ يومية، مألوفة، لكن توظيفها في سياق غير مألوف يمنحها بعداً دلالياً جديداً. لا توجد لغة فائضة أو جُمل زائدة عن الوظيفة السردية.

اللغة ملائمة تماماً للموضوع، لأن سؤال الهوية والجنون لا يُقال بلغة فخمة، بل بلغة واقعية تُخفي تحت بساطتها اختلالاً عميقاً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

رغم أن النص نثري، إلا أن له إيقاعاً داخلياً قائماً على:

التكرار (الاسم «زياد»، كلمة «أهلا»)

الجمل القصيرة المتلاحقة في لحظات الذعر

التوتر الصوتي بين الهدوء والانفجار

كلمة «أهلا» تتحول من تحية بريئة إلى علامة صوتية مرعبة، وهو توظيف ذكي للجرس اللغوي في خدمة الدلالة النفسية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية.

1. البنية الفنية للنص:

تعتمد القصة بنية سردية تصاعدية:

١- بداية واقعية: حقيبة في مطار

٢- تفاقم غرائبي: الاتصال بالرقم نفسه

٣- انفجار سردي: تعدد «زياد»

خاتمة مفتوحة/صادمة: فقدان الاسم والهوية

الزمن خطّي ظاهرياً، لكنه زمن نفسي في جوهره، يتمدد ويتقلص تبعاً لحالة البطل. الشخصية المركزية وحيدة، بلا اسم فعلي في النهاية، بينما تتحول الشخصيات الثانوية (الأب، العم، الطبيب) إلى شهود على انهيار اليقين.

المنهج الوصفي حاضر في التفاصيل اليومية، بينما المنهج التحليلي يتجلى في بناء المفارقة الكبرى، مع قابلية النص للمقارنة بأدب كافكا وبورخيس من حيث العبث الوجودي.

2. الرؤية الفنية:

رؤية زياد خداش للعالم رؤية قلقة، عبثية، لا يقينية. العالم ليس مكاناً مستقراً للهوية، بل فخٌّ إداري–تقني–اجتماعي قادر على سلب الإنسان اسمه بسهولة.

الشكل السردي (اللغة البسيطة، الحدث المتدرج) منسجم تماماً مع هذا المضمون.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

تكمن إبداعية النص في:

تحويل رقم الهاتف إلى سؤال وجودي.

تحويل الحقيبة إلى كائن مستقل

تحويل الاسم إلى عبء لا علامة تعريف

الدهشة لا تُنتج عبر الخيال الجامح، بل عبر تخريب المألوف.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

تطرح القصة أسئلة عميقة:

من أنا إذا لم يكن اسمي لي؟

هل الهوية معطى ذاتي أم نظام خارجي؟

أين يبدأ الجنون: في الفرد أم في الواقع؟

2. الأفق المعرفي يتقاطع النص مع:

الفلسفة الوجودية. نقد الحداثة التقنية التي تُشيِّئ الإنسان

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

الحقيبة ليست أشياء نسوية فحسب، بل حياة بديلة، و«زياد الآخر» ليس شخصاً، بل احتمالاً وجودياً. القصة تُؤوَّل بوصفها نصاً عن الاستبدال القسري للذات.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

النص فلسطيني بامتياز، وإن خلا من المباشرة السياسية. الهوية هنا هشّة، قابلة للمحو، في سياق استعماري–بيروقراطي طويل.

2. تطوّر النوع الأدبي

تنتمي القصة إلى القصة القصيرة الحديثة، ذات النفس الفلسفي، التي تجاوزت الحكاية إلى السؤال.

3. الارتباط بالتراث:

رغم حداثة النص، يلامس فكرة الاسم في التراث العربي بوصفه جوهراً ووجوداً، لا علامة محايدة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

القلق

الارتياب

الذعر الوجودي

2. تحليل الشخصية

الشخصية ليست مريضة نفسياً، بل منكشفة على حقيقة لا يحتملها العقل.

3. النبرة النفسية

النبرة تبدأ ساخرة، ثم تتحول إلى هلع، وتنتهي ببرود مأساوي.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

ينتقد النص:

سلطة التقنية

هشاشة الفرد أمام النظام

قابلية الإنسان للاستبدال

2. الخطاب الاجتماعي

المجتمع يُسارع إلى تفسير الاختلاف بوصفه جنوناً.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي:

زياد خداش يمارس نقداً اجتماعياً غير مباشر، عبر السرد لا الخطابة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

الحقيبة: الهوية المحمولة

الرقم: اختزال الإنسان

الاسم: جوهر مهدد

2. الثنائيات

أنا / الآخر

العقل / الجنون

الثبات / السيولة

3. النظام الرمزي

كل شيء يتحول إلى علامة قابلة للاستبدال.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: سردي–تحليلي–سيميائي–تأويلي

الصرامة: التركيز على النص

الموضوعية: غياب الانطباعية

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

القصة تدافع عن حق الإنسان في اسمه، في ذاته، في تفرّده.

2. الانفتاح على التأويل

النص يولد قراءات نفسية، سياسية، فلسفية.

3. البعد الإنساني الشامل

القصة فلسطينية في جذورها، كونية في معناها.

خلاصة:

تمثل «حقيبة ليست لي» نصاً قصصياً ناضجاً، ينجح في تحويل تفصيل يومي بسيط إلى مأزق وجودي شامل، ويؤكد قدرة زياد خداش على توظيف الغرائبي لا بوصفه زخرفة، بل أداة لكشف هشاشة الإنسان المعاصر، حيث قد يستيقظ المرء يوماً ليكتشف أن اسمه، وحياته، وحتى حقيبته.. لم تعد له.

خاتمة:

تُظهر القراءة النقدية لقصة «حقيبة ليست لي» أن زياد خداش لا يكتب حكاية غرائبية عن التباس عابر في الأشياء، بل يُنجز نصاً سردياً عميقاً يُعرّي واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في التجربة الفلسطينية: أزمة الهوية حين تُنتزع من معناها الإنساني، وتُختزل إلى رقم، أو وثيقة، أو تسمية قابلة للاستبدال. فالقصة، في جوهرها، لا تتناول الجنون بوصفه اختلالاً فردياً، بل تكشفه بوصفه ردّ فعل عقلاني على واقع فقد معاييره، حيث يصبح الثابت مشكوكاً فيه، ويغدو الطبيعي أكثر غرابة من الخيال.

لقد بيّن التحليل أن البنية اللغوية البسيطة، والسرد المتدرج، والاقتصاد البلاغي المقصود، كلها عناصر أسهمت في تعميق الأثر النفسي للنص، وجعلت القارئ شريكاً في ارتباك الشخصية لا مراقباً لها. كما كشفت الدراسة أن الرمز المركزي ــ الحقيبة ــ لا يؤدي وظيفة سردية فحسب، بل يتحول إلى علامة سيميائية مكثفة تختزن معنى الهوية المحمولة، والهشّة، والمهددة بالمغادرة في أية لحظة، تماماً كما يغادر الاسم صاحبه في الخاتمة الصادمة للنص.

وفي مستوى أعمق، تضع القصة القارئ أمام سؤال أخلاقي وإنساني بالغ الخطورة: من يُحدّد هوية الإنسان؟ أهو وعيه بذاته، أم اعتراف الآخرين به، أم نظام تقني-اجتماعي قادر على أن ينزع الاسم ويُعيد توزيعه بلا اكتراث؟ هنا، تتجاوز القصة سياقها الفلسطيني المباشر لتغدو شهادة إنسانية كونية عن هشاشة الذات المعاصرة، خصوصاً في البيئات الواقعة تحت القهر المزمن، حيث يتحول القلق النفسي إلى بنية دائمة من بنى الوجود.

وعليه، يمكن القول إن «حقيبة ليست لي» تمثل نموذجاً ناضجاً للسرد الفلسطيني الحديث، الذي لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يُفككه جمالياً وفكرياً، ويعيد صياغته في بنية فنية مفتوحة على التأويل. إنها قصة تؤكد أن فقدان الهوية ليس لحظة درامية عابرة، بل عملية صامتة، تبدأ حين يشك الإنسان في اسمه، وتنتهي حين يكتشف أن العالم اعتاد غيابه أكثر مما اعتاد حضوره.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

زياد خداش

حقيبة ليست لي

لم تكن حقيبتي، رغم أنها تشبه حقيبتي لونا ونوعا وحجما، لكن الغريب أن اسمي ورقم هاتفي مكتوب عليها، وبخط يدي، استرخيت على الكنبة وحدقت في السقف طويلا وأنا أحاول فك هذا اللغز، خطي ورقمي واسمي على الحقيبة بقلم ماجك أسود، لكن محتويات الحقيبة ليست لي، ولن يقدر احد على إقناعي أنها لي، فأنا لست امرأة أولا، ولا زوجة لي أو حبيبة، تنتظر مني مثل هدايا كهذه، كل ما في الحقيبة متعلقات نسوية لا تخصني، كنت عائدا من إسطنبول، إلى رام الله، بعد مشاركتي في مهرجان المسرح المدرسي الدولي، تفقدت الحقيبة غرضا غرضا، وتضاعفت حيرتي، لا شيء فيها ينتمي لأحلامي أو واقعي، قلبتها على وجهها، وفردت كل شيء على السرير باحثا عن ثغرة تقود إلى هويتي؟.

كانت الفكرة جنونية ومضحكة، نفيتها من رأسي فورا، لكن صوتا قال حولي: جربها لن تخسر شيئا ثم ان أحدا لن يعرف، ماذا يعني أن أتصل برقمي لأتأكد أن الحقيبة لي؟ سمعت نفسي أضحك، وأنا أنقر أرقامي من موبايلي، قبل آخر رقم توقفت، هاتفت صديقا يعمل في شركة جوال:

- أحمد اسمعني، لو بدي أتصل على رقمي من رقمي شو ممكن أسمع؟، سمعت ضحكة مدوية من أحمد وهي ضحكته التي نعرفها جميعاً، التي تشبه سكينا حين تكون ساخرة أو مستهترة بالأشياء، أغلق أحمد الخط في وجهي لانشغاله أو لاستهتاره بالفكرة أو لأنه ظن أني أسخر منه ومن شركته، عاد لي في المساء ليخبرني بأنه نقل سؤالي لمدير الشركة والموظفين الذين فرطوا من الضحك.

- أحمد بحكي جد، تقنيا بزبط إني أتصل على رقمي من رقمي نفسه؟

- يا زلمة ليش بتسأل جرب بنفسك وشوف شو بتسمع!

طب سؤال ثاني تحملني أرجوك، ممكن يكون نفس الرقم مع شخصين!

مستحيل يا صديقي شو هالحكي حل عني يا زلمة مالك شو في؟

أغلقت الخط في وجه أحمد خجلا منه أو يأسا منه لأنه لم يحاول فهمي.

نقرت على أرقامي، انتظرت صوتا آليا يقول لي، إن هناك خطأ تقنيا أو أنه مستحيل توقع رد من شخص آخر، المفاجأة أني سمعت بوضوح رنة انتظار، وجاء صوت من الطرف الآخر:

- مرحبا

ـ أهلا

أقفلت الخط وبدني كله يرتجف، سقط الموبايل من يدي، تركته على الأرض، ركضت نحو الحمام، متعثرا بالكراسي، لاهثا كأن قاتلا بمنشار يلاحقني، أخذت دوشا قويا، تركت رأسي تحت الماء، أحاول أن لا أفكر في شيء، لكن صوت الرجل الذي يحمل رقمي نفسه لم يترك رأسي:

أهلا

خرجت من تحت الماء، وحولي ترن بتتابع مخيف كلمة: أهلا أهلا أهلا أهلا أهلا أهلا، هاتفت صديقي أحمد،

أحمد حبيي اوعا اتسكر الخط، أرجوك صدقني اتصلت برقمي فرد عليّ شخص آخر!

أغلق احمد الخط وبقايا ضحكته تختلط مع كلمة «أهلا»، خرجت مسرعا من البيت، أمام مطعم المنسي تذكرت أني حافي القدمين، عدت سريعا، انتعلت حذائي، وخرجت، توقفت لاهثا أمام مطعم أبو خليل، التقيت صديق دراسة قديما، أهلا قال لي مبتسما، فدب الذعر في أقدامي، وقعت على الأرض، تقدم مني طبيب كان يقف في طابور المطعم:

- عندك يا ابني سكري إشي؟

- لا، لا دكتور لا ما عندي إشي شكرا شكرا.

«أهلا» رد الطبيب، وهو يعود إلى طابور الفلافل، ركضت بأقصى قوتي، ركضي السريع المتعثر لفت

انتباه الناس، صاح بعض من يعرفني: زياد شو في؟

انجنيت انت شكلك؟.

أعدت في البيت الاتصال برقمي، جاء الصوت حاسما:

- أهلا

- مين حضرتك ممكن أعرف؟.

حضرتك إلي مين؟ انت بتتصل من رقمي، على رقمي كيف ممكن يصير هيك؟.

ما بعرف، انت اللي بتحمل نفس رقمي، وهذا غريب.

طب شو اسم حضرتك؟.

زياد.

وحضرتك؟

زياد.

في مشفى الأمراض النفسية، ببيت لحم، جلست في غرفة وحدي، أحدق في اللاشيء، رأيت ممرضا، يتحرك حولي، سألته: شو اسمك أستاذ؟

زياد، أجاب.

ضحكت وضحكت وضحكت.

دخل الطبيب: عندي إحساس انه اسمك زياد يا دكتور صح؟

صح والله شو عرفك يا زياد؟.

في سيارة الإسعاف، جلس قربي الممرض زياد، وكان معي أبي وعمي وشقيقي، إلى أين تأخذوني؟

إلى البيت يا زياد، سترتاح هناك، وسنقنعك بأنه من المستحيل تقنيا الاتصال برقمك من رقمك، سنفعل ذلك أمامك، وستعود إلى عافيتك قريبا.

جلسنا جميعا في البيت، وكانت حقيبة السفر ما زالت على وجهها على السرير، وكل الأشياء متناثرة هناك وهناك، أخذ أبي موبايلي، نقر على رقمي نفسه: وكانت المفاجأة:

- وبعدين يا زياد جننتني شو بدك يا زلمة، ليش بضل اترن عليّ شو في؟.

سقط أبي على الأرض، وسقط فوقه عمي وشقيقي، نظرت إلى حقيبتي فإذا بها تنهض، وتنهض معها أغراضها النسوية، كانت الحقيبة تمشي أمامي، متجهة نحو الباب، الذي انفتح لها تلقائيا، خرجت الحقيبة، ومعها رقمي واسمي، ولم تعد، نهض أبي وشقيقي وعمي، قليت لهم بيضا وبطاطا، صنعت لهم شايا بالليمون، وحين هموا بالخروج، وعلى الباب، نظر لي عمي باستغراب قبل أن يخرج مع أبي وشقيقي، وشعرت أني عرفت سر استغرابه أو اضطرابه كان يريد أن يقول لي تصبح على خير يا زياد فتذكر أنني لم أعد زياد.

 

فتاة سليمان، أديبة وكاتبة سيناريو من سورية، تحمل إجازة في اللغة الانكليزيّة، لها محاولات عديدة في كتابة القصة القصيرة، ما يميز كتاباتها القصصية العمق الفكري والبحث عن قضايا إشكاليّة في عالم الفرد والمجتمع.

اخترنا من بين أعمالها القصصيّة، قصة (لعبة الكراسي) وهي موضوع دراستنا.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصة:

تقول القاصة عندما كانت (صغيرة)، كانت تلعب مع رفاقها لعبة الكراسي، وهي لعبة يوجد فيها كراسي أقل من عدد اللاعبين بكرسي، ولها (حكم) يحمل صافرة، وعندما يبدأ اللاعبون بالدوران حول الكراسي يصفر الحكم، والشاطر في مهاراته البدنيّة والذهنيّة هو من يجلس على الكرسي ويخرج منتصراً، ويبقى الخاسر وهو الشخص الذي مهاراته هي الأقل... هي لعبة كانت تتصورها أو تتخيلها بطلة القصة بأنها لعبة رياضيّة، تعتمد على المهارات الشخصية للاعب، ومدى قدرته على مسك الكرسي والجلوس عليه في النهاية، بغض النظر عن لون وجنس وشكل وانتماء اللاعب.

أما اللاعب الخاسر، فتجده في نهاية اللعبة يفكر بصوت داخلي محدثاً نفسه: ( كم هو الألم الذي كنت أتعرض له حين يصفر الحكم.. رِجْلٌ تركنني من هنا، ويد تلكزني من هناك.. لم أكن أحزن أو أغار منهم فليس عليهم ملامة.. فكل منهم يريد الفوز لنفسه، لأن الخسارة تعني الخروج من اللعبة.. وكم حزنت حين خسرت.. وبدأت أعاتب نفسي.. هل كان أدائي ضعيفا؟، أم أنني لم أكن أجيد اللف والدوران حول الكرسي؟..).

أما الجمهور، وفي كل مرة كان  يزاح كرسي تجده يصفق للرابح ويسخر من الخاسر..

بيد أن القاصة - وهي بطلة القصة -، عندما خرجت من اللعبة وجلست بين الجمهور، أدركت عندها أن الحكم كان يطلق صافرته حين يرى اللاعب الذي يريده أن يفوز في موقع يسمح له بالحصول على الكرسي دون عناء أو جهد.. وأدركت أن الخاسر الوحيد في مثل هذه الحالة كانت هي.

البنية الفكريّة للقصة:

تدخل البنية الفكريّة للقصة في عالم القصة الرمزيّة، وهي تريد أو تهدف برمزيتها، إلى القول بأن المجتمعات المتخلفة في منطقها وقيمها السلوكيّة والأخلاقيّة تحابي القريب على الغريب في تحقيق المنافع المعنويّة أو الماديّة، وهذا يحدث في السياسة أكثر وضوحاً، ففي السياسة تجد الحاكم يقرب من يصفق له ويكون ولاءاه مطلق حتى ولو كان فاشلا في مهاراته وقدراته في المهمة التي يكلف بها، ويبعد الأكثر قدرة ومهارة وخبرة.. فالولاء يأتي قبل الخبرة والكفاءة. وكذا الحال نجده في العلاقات الاجتماعيّة، فالقريب أولى بالمعروف، و(حبيبي يا نافعني) كما يقول المثل الشعبي.

البنية الفنيّة للقصة:

أولاً- البنية السيمائيّة أو الدلالية للعنوان: (لعبة الكراسي):

يشير العنوان في دلالاته العميقة، بأن الوجاهة والمكانة الاجتماعيّة والسياسيّة في الدولة والمجتمع، هما هدف عند الكثير من أبناء المجتمع، بيد أن الحصول عليهما يظل محفوفاً بمعوقات كثيرة داخل المحيط الذي يتواجد فيه طالب هذه الوجاهة والمكانة، وهذا ما بيناه عند حديثنا عن البنيّة الفكريّة للقصة.

ثانياً: الرمز في القصة:

الرمز هو الإيماء والإشارة والعلامة. والرَّمْزُ (في علم البيان) هو الكناية الخفيَّة، وجمعها رُمُوزٌ. وبالتالي هو أسلوب فني يستخدمه الأديب، بحسب تجربته الشّعوريّة أو نظرته الفنيّة، ويساهم في تشكيل المعنى الذي يودّ هذ أو الأديب أو ذاك إيصاله إلى المتلقي. والرمز قد يكون كلمةً أو عبارةً أو شخصيّةً، أو اسم مكان، وهو يتضمن دلالتين، إحداهما مباشرةٌ وظاهرةٌ ويمثل هذه الدلالة مثلاً (علم أو تمثال أو صرح فني أو شخصيّة تاريخيّة أو معاصرة لها حضورها في حياة الأمّة أو الشعب.. الخ)، والأخرى باطنةٌ مرتبطةٌ بالمعنى المُراد تبليغه، مثل استخدام الحمامة رمزًا للسلام، والدماء رمزًا للحرب والقتل، والمطر رمزًا للخير، والميزان رمزًا للعدالة.

على العموم نستطيع القول إن الرمز هو اقتصاد لغوي يكثف مجموعة من الدلالات والعلاقات، في بيئة ديناميّة تسمح لها بالتعدد والتناقض... وهو لذلك علاج لنقض المنطق، وضيق البنى التي ترفض التناقض والاختلاف، كما أنه علاج لجمود المعطيات والمفاهيم الثابتة. فمن خلال الرمز يمكن للأدب تجاوز الثبات للتعبير عن أوجه التناقض، أو الكشف عن الثنائيات المتقابلة التي تشمل الوجود الانساني.

وهذا في الحقيقة ما وجدناه في قصة الأديبة "فتاة سليمان"، فالرمز بكل دلالاته واشاراته إن كان كلمةً أو عبارةً أو شخصيّةً، أو اسم مكان.

إن (الكرسي) هنا، جاء دلالةً على المكانة الماديّة أو المعنويّة بكل أشكالها التي يحوز عليها الفرد في مجتمعه، ففي القصة جاءت دلالاته تحمل بعداً اجتماعيّاً وسياسيّاً كما بينا عند حديثنا عن البنية السيمائيّة لعنوان القصة. و(الحكم) هو القاضي الذي يحكم بين الناس.. و(الصافرة) هي القانون الذي يخضع له الناس، و(الجمهور) هو القطيع الذي يحكم على الظاهرة من الخارج ولا يدخل في أعماق ما يجري أمامه من أحداث... الخ.

لقد استطاعت القاصة "فتاة" أن تستخدم الرمز في حرفيّة عالية تنم عن قدرات فكريّة وفنيّة وأسلوبيّة عاليّة، تحقق الدهشة عند المتلقي. وهذا يعود إلى اشتغالها في كتابة السيناريو التي تساهم في تكثيف الفكرة والغوص في أعماق الشخصيّة.

ثالثاً: اللغة:

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة "فتاة" سليمة وفصيحة، وسهلةً، وواضحةً، سمحةً، ناصعةً، ومسبوكة الألفاظ، ومنسجمة مع بعضها في بنية القصة، وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة الصياغة وتسلسل العبارات وتخير الألفاظ وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الذي استخدمت فيه هذه اللغة من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة، وهذا يدل في الحقيقة على ثراء المفردات عندها وبالتالي امتلاكها قدرة التعبير وقوة وتصوير الحدث ببراعة في آن واحد. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال وعي القاصة أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها، إضافة لعمق إحساسها.

رابعاً: الغموض في القصة:

لقد قلنا بأن القاصة الأديبة "فتاة" قد اشتغلت عل المنهج أو المذهب الرمزي، وهذا ما يؤدي إلى خلق حالات من الغموض في فهم دلالات النص عند المتلقي البسيط، فالكرسي هنا ليس لعبة رياضيّة فحسب.. والصافرة ليست لضبط اللعبة الرياضيّة.. والدوران حول الكرسي ليس حركات تهدف إلى الوصول إلى الكرسي.. وتصفيق الجمهور للفائز ليس احتفاءً بانتصاره في هذه اللعبة.. الخ ففي كل هذه الرموز كانت تشير إلى المسكوت عنه، وما يحمل من دلالات تعبر عن قيم اجتماعيّة وسياسيّة وأخلاقيّة وثقافيّة كما بينا عند دراستنا لقضية الرمز في القصة أعلاه.

ملاك القول:

نعود لنقول: إن الأديبة القاصة والسيناريست "فتاة سليمان"، أنموذجا للقاص المبدع الذي لا تهمه زخرفة اللفظ والعبارة، أو البحث عن المدهش في الصورة والبيان والمحسنات البديعيّة لشد المتلقي، بقدر ما يهمها الفكرة التي تفرض على هذا المتلقي أن يدرك عمق دلالاتها الإنسانيّة، ومدى قدرتها على التغير في البنية الفكرية والسلوكية له.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

..........................

لعبة الكراسي

فتاة سليمان

عندما كنت صغيرة كنت العب مع رفاقي لعبة الكراسي.. حيث نضع عدداً ن الكراسي أقل من عدد اللاعبين بواحد، ونبدأ بالدوران حولها.. وهناك شخص يراقب اللعبة.. وحين يطلق صافرته كان على كل منا أن يجلس على كرسي.. ولأن عدد الكراسي أقل من عددنا.. كان على الشخص الذي لم يحظ بكرسي أن يغادر اللعبة.. وقبل أن يطلق الحكم صافرته للبدء بدوران جديد.. وجب علينا أن نزيح كرسياً كي تبق الحالة التنافسية موجودة..إلى أن نصل لنهاية اللعبة حيث يبقى كرسي واحد ومتنافسان.. أقصد لاعبان.

. وفي كل مرة كنا  نزيح كرسياً كان الجمهور يصفق للرابح ويسخر من الخاسر..

. لهثت كثيرا ولكني لم أحظ بكرسي..

. لم أسى كم الألم الذي كنت أتعرض له حين يصفر الحكم.. رجل تركنني من هنا ويد تلكزني من هناك..لم أكن أحزن منهم فليس عليهم ملامة.. فكل منهم يريد الفوز بكونه لنفسه لأن الخسارة تعني الخروج من اللعبة.. كم حزنت حين خسرت..وبدأت أعاتب نفسي.. هل كان أدائي ضعيفا؟، أم أنني لم أكن أجيد اللف والدوران حول الكرسي؟... ولكن عندما خرجت وأصبحت بين الجمهور أصبحت الرؤية عندي أوضح.. وأدركت أن الحكم يطلق صافرته حين يرى اللاعب الذي يحب في موقع يسمح له بالحصول على الكرسي دون عناء او جهد.. وأدركت أن الخاسر الوحيد إن كان عدد الكراسي يساوي عدد اللاعبين هو أنا.

تتجاوز قصيدة «يا شِعر» للشاعر توفيق أحمد حدود القول الغنائي المباشر، لتدخل تخوم الكتابة الميتاشعرية التي تجعل من الشعر موضوعاً للتأمل والاعتراف والمساءلة الوجودية. فالنص لا يكتفي بتجسيد التجربة الشعورية، بل يُحوِّل العلاقة بين الشاعر وشِعره إلى علاقة إشكالية مركّبة، تتقاطع فيها نشوة الإبداع مع كلفته النفسية، والجمال مع الفناء، والاختيار الحر مع الإكراه الداخلي. من هنا، تنبثق أهمية هذا النص بوصفه خطاباً ذاتياً واعياً بذاته، وبالشروط القاسية التي يُنتَج فيها الشعر في زمن القلق والخذلان.

وتنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية شاملة، تتوسل مناهج متعددة (الأسلوبي، الجمالي، النفسي، السيميائي، والتأويلي)، بغية الكشف عن البنى اللغوية والبلاغية التي شكّلت معمار القصيدة، وعن الأبعاد الفكرية والفلسفية التي تضمرها. كما تسعى إلى قراءة النص في سياقه الثقافي والتاريخي، دون الوقوع في اختزال سيروي أو انطباعي، واضعةً القصيدة في مركز التحليل بوصفها كياناً لغوياً مستقلاً، ومنجزاً جمالياً قابلاً لتعدد القراءات. وعليه، فإن هذه الدراسة تحاول الإمساك بالقصيدة لا باعتبارها نصاً عن الشعر فحسب، بل بوصفها شهادة جمالية على مأزق المبدع الحديث، وعلى هشاشة العلاقة بين الإنسان وما يخلقه ليمنحه معنى.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغة عربية فصيحة، سليمة من حيث التركيب والنحو، تتكئ على جُمَل فعلية متعاقبة تُنشئ إيقاع العودة والاستذكار:

وبعد سبعةِ أعوامٍ من القلقِ

وبعدما رَمَّدتْ بي جمرةُ الألقِ

هذا التوازي التركيبي (الاستفتاح بـ«وبعد إعادة افتتاح الزمن») يمنح النص تماسكًا أسلوبيًا، ويؤسس بنية زمنية ارتجاعية تتقدم عبر التراكم لا عبر السرد الخطي.

أما الانزياح البلاغي فيتجلّى في تحويل المجرد إلى محسوس:

جمرة الألق (استعارة مزدوجة تجمع الضوء بالاحتراق)

أشلاء مملكة (تفكيك الذات الإبداعية إلى أنقاض سيادية)

وهي انزياحات لا تقع في المجانية، بل تُخدم الرؤية العامة للنص بوصفه مرثية العلاقة بين الشاعر والشعر.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير.

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى عبر اختيار ألفاظ ذات حمولة وجدانية عالية (القلق، الوهج، الحرق، الفناء)، دون الوقوع في التهويم أو التضخم الخطابي. اللغة ملائمة تماماً لموضوع القصيدة، إذ لا يمكن لهذا الصراع الوجودي مع الشعر أن يُقال بلغة محايدة أو تقريرية.

نلاحظ وجاهة التعبير في مثل:

فالشعر أنتِ احتمالاتُ الضياعِ به

حيث يُختزل التعريف الفلسفي للشعر في صورة واحدة جامعة، تُعيده إلى أفق المجاز لا المفهوم.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة موزونة على بحر خليلي رصين (الكامل أو ما يقاربه في التفعيلة والجرس)، مع قافية موحّدة بحرف القاف المكسور، وهو حرف حادّ، يناسب ثيمة القلق والاختناق.

التكرار: (وبعد، وأنتِ، الشعر) يعمّق البنية الإنشادية.

الموسيقى الداخلية: ناتجة عن الجناس الخفيف (قلق/حرق/عرق) والتوازي الصوتي.

الجرس: يراوح بين الانسياب والحدّة، بما يعكس توتر العلاقة مع الشعر.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات معمار شعري اعترافي، تتكئ على المخاطبة المباشرة (يا شعر)، فتُشخصن الشعر بوصفه كائناً أنثوياً متمنعاً، وتمنح النص بُعداً درامياً داخلياً.

لا شخصيات سردية بالمعنى التقليدي، لكن هناك:

ذات شاعرة متأزمة

موضوع/آخر (الشعر) يتخذ هيئة الحبيبة القاسية.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل النفسي، بينما يتيح المنهج المقارن قراءة النص في ضوء تقاليد الشعر الاعترافي العربي (من السياب إلى محمود درويش في نصوصه الميتاشعرية).

2. الرؤية الفنية:

الرؤية قائمة على وعي مأساوي بالشعر: ليس خلاصاً مطلقاً، بل قيدٌ جميل، وهاوية مختارة. الشكل (الوزن، القافية، الخطاب الإنشائي) منسجم تماماً مع هذا المضمون القَلِق.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تتجلّى الدهشة في قلب الصورة النمطية للشعر:

الشعر ليس إلهاماً فقط، بل حبلاً على العنق.

ليس نشوة فقط، بل نشوة الأرق.

هذا الانزياح يمنح النص طابعاً حداثياً داخل بنية تقليدية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية حول:

١- معنى الإبداع

٢- ثمن الجمال

٣- حدود الفناء الاختياري

الشعر هنا قدرٌ لا مهنة، وامتحان أخلاقي لا متعة بريئة.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١- التصوف (الفناء، الاحتراق، العشق المؤلم)

٢- الرومانسية المتأخرة

٣- التصورات الحديثة للشعر كقلق دائم (ضمنياً)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، القصيدة ليست خطاباً للشعر، بل خطاب اعتراف بالاستلاب. الشعر هو مرآة الذات، وسبب جرحها، ومصدر معناها في آن.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يُفهم النص ضمن لحظة ثقافية عربية مأزومة، حيث فقد الشعر مركزه الاجتماعي، وبات الشاعر يكتب من الهامش الوجودي لا من المنبر.

2. تطوّر النوع الأدبي

القصيدة تقع بين:

القصيدة العمودية المتأخرة

والقصيدة الوجدانية الحديثة ذات البعد الميتاشعري

3. التفاعل مع التراث

نلحظ صدى:

الغزل العذري

الشعر الصوفي

استعارات الخمر والاحتراق التراثية، مع إعادة شحنها دلالياً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

القلق الوجودي

الحنين الممزوج بالندم

الإصرار القهري على العشق المؤلم

2. تحليل الذات:

الذات الشاعرة تعاني علاقة اعتمادية مع الشعر، ترفض الفكاك منه رغم إدراك أذاه.

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من:

الاحتجاج

التوسل

الاعتراف

والقبول المأساوي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس النص اغتراب الشاعر في مجتمع لا يكافئ الشعر، بل يستنزفه.

2. الخطاب الاجتماعي

الشعر يظهر كفعل مقاومة رمزية ضد الابتذال والفراغ.

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهد مأزوم، لا داعية، يمارس نقداً وجودياً لا خطابياً.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الخمر: النشوة/الذنب

الحبل: الفناء/العقاب

النهر: الذاكرة/الزمن

2. الثنائيات

العشق / الفناء

النشوة / الأرق

العطاء / البخل

3. النظام الرمزي

كل المفردات تصب في شبكة دلالية واحدة: الشعر كقوة مزدوجة.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: أسلوبي–تحليلي–تأويلي

التركيز على النص لا على السيرة

غياب الإحالات الخارجية لا يخلّ بالبنية، لكن إدراجها أكاديمياً سيعزّز الدراسة

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الجمال والحرية

القصيدة تحتفي بالإنسان المبدع رغم هشاشته.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات نفسية، فلسفية، سيميائية متعددة.

3. البعد الإنساني الشامل

يتجاوز النص خصوصية التجربة ليعبّر عن محنة المبدع في العالم الحديث.

قصيدة «يا شِعر» نص ناضج فنياً وفكرياً، ينجح في تحويل العلاقة مع الشعر إلى تجربة وجودية مكتملة، تجمع بين الاعتراف والجمال والألم، وتؤكد أن الشعر، في أرقى تجلياته، ليس زينة لغوية، بل قدرٌ يُختار رغم نزيفه.

خاتمة:

تكشف القراءة النقدية الموسَّعة لقصيدة «يا شِعر» أن الشاعر توفيق أحمد قد نجح في تشييد نص متماسك فنياً، غني دلالياً، ومشحون بوعي وجودي عميق بطبيعة الفعل الشعري وحدوده المأساوية. فالقصيدة لا تحتفي بالشعر بوصفه خلاصاً مطلقاً، ولا تدينه بوصفه لعنة خالصة، بل تضعه في منطقة التوتر الخلّاق بين العشق والفناء، حيث يصبح الإبداع فعلاً اختيارياً مشوباً بالألم، وشرطاً للمعنى لا يخلو من الاحتراق.

لقد أظهر التحليل أن اللغة في النص ليست أداة نقل، بل فضاء اشتغال جمالي وفكري، وأن الإيقاع ليس زخرفاً صوتياً، بل جزء من البنية الدلالية التي تُجسِّد القلق والتكرار والدوران حول الجرح ذاته. كما برزت الأبعاد النفسية والفلسفية بوصفها عمقاً حاكماً للتجربة الشعرية، فيما أسهمت الرموز والاستعارات في بناء نظام سيميائي متكامل، يفتح النص على تأويلات متعددة تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني أشمل.

وعليه، يمكن القول إن قصيدة «يا شِعر» تمثل نموذجاً للشعر العربي المعاصر الذي يحافظ على صرامته الفنية وجذوره الإيقاعية، دون أن يتخلى عن أسئلته الحداثية وقلقه المعرفي. إنها قصيدة تؤكد أن الشعر، حين يبلغ نضجه، لا يكون ترفاً لغوياً ولا خطاباً إنشادياً، بل ممارسة وجودية تُعرّي الذات، وتضع الإنسان وجهاً لوجه أمام ما يخلقه ليقاوم به العدم، ولو كان ثمن ذلك أن يُمسك بالحبل وهو يعرف جيداً حدَّ الخنق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

يــا شــعر

شعر: توفيق أحمد

وبعد سبعةِ أعوامٍ من القلقِ

وبعدما رَمَّدتْ بي جمرةُ الألقِ

*

وبعدما ضاع وجهٌ كنت آلفُهُ

كالعطر في الزهر أو كاللمع في الأُفُقِ

*

أعودُ أبحثُ عن أشلاء مملكةٍ

كانت بقيةَ ما أبقيتِ من مزقي

*

كأنني وشربتُ الكأس صافيةً

يا خمرةَ الأمسِ لم أعصرْ ولم أَذُقِ

*

قصائدي طالما عانَقْتِها طرباً

وقلتِ للنائمِ الغافي بها: أَفِقِ

*

قَصَّتْ ضفائرها حزناً على زمنٍ

أضعتِهِ وانتهى وَهْجاً على شفقي

*

أتذكرين وكم أَدْمَيتِهِ قلقاً

وكان أجملَ حتى وَهْوَ في قلقِ

*

لم يرضَ إلاّ لهيباً منكِ يسكنُهُ

بكلّ ما فيه من تَوْقٍ ومن حُرَقِ

*

أصابعي وسألتُ الزهرَ هل يَدُهُ

تلك التي نَثَرَتْ زهراً على طُرُقي

*

حسبُ الهنيهاتِ أني عشتُها أرقاً

وأنَّ للشعر منها نشوةَ الأرقِ

*

وأنَّ عشقاً أنا اخترتُ الفناءَ به

كانت نهايتُه حبلاً على عُنُقي

*

يأبى عليَّ ويَدْري كيف أُرجعُهُ

أحلى بما نال من جهدي ومن عرقي

*

لا تفتحيهِ على هَمٍّ يكلفني

عمري، فما فيه شيءٌ غيرُ محترقِ

*

فالشعر أنتِ احتمالاتُ الضياع به

وأنتِ في كل بحرٍ فكرةُ الغرقِ

*

أنا أحبك شِعراً ما ضَنَنْتُ به

فأنتِ كالوشْمِ في حِبري وفي ورقي

*

أُضيفُ أمحو أُعيدُ الذكريات إلى

نهرٍ تعتَّق أضواءً على الحَدَقِ

*

فيا البخيلةُ هَمُّ الشِّعرِ يذبحني

وقد مَنَحْتُكِ صَكَّ العَفْوِ فانطلقي

 

سأتناول في هده الورقة البحثية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في زمننا الراهن؛ قضية تتقاطع فيها التحولات الثقافية مع الأسئلة الكبرى حول الهوية والخصوصية والمعرفة، وهي علاقة السرد بالعولمة، وكيف واجه الأدب هذا المدّ المتسارع الذي أذابت موجاته الحدود الجغرافية والرمزية، وجعلت العالم فضاءً واحداً تتداخل فيه الأصوات والثقافات.

ورغم أن العولمة استطاعت أن تُعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة وأنماط العيش، فإن السرد الأدبي، في مختلف تجلياته، ظل بإصرار لافت وفياً للزمان والمكان، وهما العنصران اللذان حاولت العولمة طمسهما عبر تسطيح الفوارق وتوحيد النماذج. وكلما ازداد تأثير العولمة اتساعاً، ازداد الأدب تعلقاً بجذوره الأولى. وكأن السرد يقول للعالم المُعولَم: إذا ألغيتِ المسافات، سأعيد أنا بناءها، وإذا صهرتِ الخصوصيات، سأستعيدها في لغة الحكاية، وفي ذاكرة الشخصيات، وفي تفاصيل المكان.

من هنا ينبثق سؤال جوهري: هل نجحت العولمة في احتواء السرد الأدبي كما احتوت غيره من القطاعات؟ أم أن السرد استطاع أن يروض العولمة، فيستفيد من أدواتها دون أن يذوب في نمطها الموحد؟ هذا السؤال لا يتعلق بالأدب العالمي فحسب، بل يطرق أبواب السرد العربي بإلحاح، لأن هذا الأخير يعيش اليوم لحظة انتقالية دقيقة بين المحلية والكونية، بين مرجعياته التراثية وفضاءات القراءة الجديدة، بين لغته العميقة وأدوات العصر.

عندما نتأمل المشهد السردي العالمي خلال القرن العشرين وما بعده، نلاحظ أن أهم الأعمال الروائية خرجت من أصقاع مختلفة: من أوروبا والصين، ومن أمريكا اللاتينية وأفريقيا، ومن الشرق الأوسط وآسيا. ولم تتخلَّ هذه الروايات عن جغرافياتها، بل جعلت من المكان بطلاً، ومن الزمن ذاكرة حية. فمو يان، في «الذرة الرفيعة الحمراء»، أعاد تقديم الصين من خلال المهمشين وبسطاء الريف. وماركيز شيد ماكوندو ليقدّم أمريكا اللاتينية بطاقة أسطورية متفردة. ونجيب محفوظ قدّم أحياء القاهرة ككائنات نابضة، تتنفس وتتحرك وتتكلم، حتى صار المكان جزءاً لا يتجزأ من الحكاية.

هكذا بدا المشهد: العولمة تُذيب، بينما السرد يُعيد البناء. العولمة توحّد، بينما السرد ينوّع. العولمة تسعى إلى النموذج الواحد، بينما الأدب يحتفي بالاختلاف، ويرى في التنوع طريقاً إلى الفهم العميق للذات والعالم. ومع ذلك، لم يعلن السرد عداءه الصريح للعولمة؛ بل اقترب منها بحذر، واستثمر أدواتها: الترجمة العابرة للقارات، وسائل الإعلام، الانتشار الرقمي، الجوائز العالمية. لقد فهم السرد أن الأدب الذي يبقى حبيس لغته وحدوده لن يصل، فاستعمل آليات العصر ليؤكد حضوره، وليصل إلى القارئ حيثما كان.

إن السرد، في جوهره، ذاكرة مقاومة. إنه إحدى أكثر الوسائل الإنسانية قدرة على الحفاظ على التاريخ العميق للإنسان، وعلى ما يختزن من مشاعر وتجارب وصراعات. وفي عصر سريع الاستهلاك، يصبح الأدب بطيئ الحركة ولكنه عميق الأثر؛ إنه يعيد كتابة الأزمنة التي تُطمر، ويستخرج من الأمكنة ما تخفيه التحولات الكبرى، ويمنح لكل مكان حقه في الظهور، ولكل زمان حقه في أن يُروى.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يمكن أن نطرح السؤال نفسه على السرد العربي: كيف يتعامل مع العولمة؟ هل يتراجع أمام النموذج الثقافي الطاغي؟ أم يجد طريقه إلى العالمية دون أن يتخلى عن جذوره؟ في السنوات الأخيرة، شهد الأدب العربي تحولات مهمة؛ فقد بدأ يخطو نحو ما يمكن تسميته «عولمة عربية للسرد»، أي القدرة على تقديم خصوصيتنا الحضارية بلغة قادرة على السفر عبر العالم.

وقد ظهرت أعمال عربية كثيرة تشتغل بعمق على التاريخ والمكان والإنسان، وتجعل من الهوية العربية مادة قابلة للقراءة الكونية. رواية «عزازيل» ليوسف زيدان أعادت تقديم التاريخ الديني والفلسفي في صيغة روائية انتشرت عالمياً. و«واحة الغروب» لبهاء طاهر مزجت بين التاريخ كأرشيف والإنسان ككائن وجودي، وجعلت من الصحراء فضاءً كاشفاً لتوتر الهوية. و«الخبز الحافي» لمحمد شكري مثّلت نموذجاً آخر لعولمة السرد، فالهامش المغربي تحوّل إلى نص يقرأه العالم بلغات متعددة. أما «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، فقد فتحت جسوراً عميقة بين الجنوب والشمال، وخلقت سرداً يتجاوز الحدود الجغرافية والفكرية معاً.

إن السرد العربي اليوم لا يبحث عن العالمية بوصفها موضة، بل بوصفها ضرورة تاريخية، شريطة أن يحتفظ بجذوره. فالعالمية ليست نقيض المحلية، بل امتداد لها. والكونية ليست ذوباناً في الآخر، بل تعبيراً عن الذات بطريقة تجعل الآخر يفهمها ويتفاعل معها.

وإذا كانت العولمة قد وفرت أدوات جديدة للنشر والتوزيع والترجمة والتواصل، فإن السرد العربي مطالب بأن يستثمر هذه الأدوات دون أن يسمح لها بتفريغه من مضمونه. فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها في ظاهرها تهديد للنصوص الطويلة والعميقة، فقد تحولت إلى فضاء يتيح للكتاب العرب الحضور والتفاعل، وإعادة تشكيل جمهور جديد من القراء عبر العالم. لقد أصبحت الوسائط الحديثة قوة دفع لا تقل أهمية عن النشر التقليدي، لأنها تمنح النص فرصة العبور إلى قارئ لم يكن متاحاً في الماضي.

التحدي الحقيقي الذي يواجه السرد العربي اليوم هو: كيف نكون عالميين دون أن نفقد جذورنا؟ كيف نستطيع تقديم حكايات المكان العربي، وتاريخنا المعقد، وهموم الإنسان العربي، بلغة لا تقصي القارئ العالمي ولا تعزله؟ فالأسئلة الكبرى التي يطرحها الأدب العربي: الهوية، الحرية، الاغتراب، الهجرة، العنف، السلطة، الجسد، الروح… كلها أسئلة إنسانية لا تخصّ ثقافة بعينها، لكنها تتخذ في الأدب العربي ملامح محلية تجعلها أكثر عمقاً وصدقية.

وفي نهاية هذه المداخلة، يمكن القول إن السرد العربي يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«مرحلة عولمة السرد من الداخل»؛ أي بناء نصوص تستثمر الموروث العربي العميق، لكنها تُكتب بوعي حديث، وتُقدَّم بلغة سردية تسمح لها بالسفر والامتداد. الطريق ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة. فلدينا من الروافد الحضارية ما يجعل الأدب العربي قادراً على الحضور الفاعل في المشهد العالمي.

إن السرد، في النهاية، هو مقاومة للذوبان، وحماية للذاكرة، وبناء لجسور جديدة بين الذات والآخر. وإذا استطاع السرد العربي أن يوازن بين جذوره وامتداده، بين خصوصيته وطموحه، فإنه سيكون قادراً على مواجهة تحديات العولمة، ليس بصفته تابعاً لها، بل شريكاً في إعادة رسم ملامح الثقافة الإنسانية.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

للشاعرة ريما سليمان حمزة

لم تعد القصيدة الحديثة مجرّد بناء لغوي محكوم بالإيقاع أو الصورة، بل غدت فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الوعي الجمعي، ويتحوّل فيه القول الشعري إلى فعل وجودي يسائل المعنى والهوية والذاكرة. في هذا الأفق، يندرج ديوان «ريما وقصائد أخرى – أنا الخيط الذي أصبح وترًا» بوصفه نصًا شعريًا يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس كتابةً مشدودة بين الألم والصوت، بين الهشاشة والتشكّل، حيث لا تُستعمل اللغة للزينة، بل بوصفها أداة كشف ومقاومة.

ينفتح الديوان على ذاتٍ قلقة لا تبحث عن اكتمالها، بل عن صيغة ممكنة للبقاء وسط الفقد والتشظّي. فالقصيدة هنا ليست ملاذًا جماليًا بقدر ما هي ساحة اشتباك مع الذاكرة، والجسد، والمدينة، والحقيقة نفسها. ومن خلال بنية نثرية عالية الكثافة، وانزياحات دلالية حادّة، وتوظيف واعٍ للرمز والمجاز، يقدّم النص تجربة شعرية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بشعر ما بعد الفاجعة، حيث يصبح الصوت بديلًا عن الخلاص، والكتابة فعل نجاة لا ادّعاء حقيقة.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة الديوان قراءةً نقدية موسّعة، تستند إلى المنهج الهيرمينوطيقي والأسلوبي والرمزي والنفسي، في محاولة للكشف عن البنى العميقة التي تشكّل خطابه الشعري، وتتبع تحوّلات الذات فيه من الخيط الهشّ إلى الوتر الرنّان. كما تسعى إلى إبراز كيفية تحوّل التجربة الفردية في النص إلى أفق إنساني أوسع، تتجاور فيه اللغة والجرح، الصمت والمعنى، لتؤكد أن القصيدة، في هذا العمل، ليست نهاية القول، بل بدايته.

أولاً: مدخل منهجي – الديوان بوصفه نصًّا مفتوحًا

لا يقدّم هذا الديوان نفسه كـ«كتاب قصائد» بالمعنى التقليدي، بل كـ فضاء تأويلي تتحرّك فيه اللغة بين الاعتراف، والأسطورة، والجرح الجمعي، والأنوثة بوصفها كينونة لا هوية بيولوجية.

العنوان المركزي: «أنا الخيط الذي أصبح وترًا» يعلن منذ البداية تحوّل الذات من الامتداد الهشّ إلى الأداة الرنّانة؛ من الخفاء إلى الصوت، من الانكسار إلى الموسيقى. إنه عنوان أنطولوجي لا وصفي، يؤسّس لرؤية وجودية: الذات لا تُعطى، بل تُصاغ عبر الألم.

من هنا، فإن القراءة الهيرمينوطيقية لا تبحث عن «معنى نهائي»، بل عن حركة المعنى داخل النص، عن انزلاقاته، عن توتّر الدال والمدلول، وعن الصمت الذي يجاور القول.

ثانياً: القراءة الهيرمينوطيقية – اللغة بوصفها أفقًا للكشف

1. النص كرسالة كونية

المفتتح:

«رسالة في بريد السماء»

يضع القارئ أمام خطاب يتجاوز الأرضي، ويتجه إلى المطلق (الأب/السماء/الفردوس). غير أن هذه السماء ليست خلاصًا ميتافيزيقيًا بقدر ما هي مرآة للفقد. الرسالة هنا ليست تواصلًا، بل اعترافٌ بالعجز عن الوصول.

هيرمينوطيقيًا، السماء ليست «علوًّا»، بل مسافة، والكتابة محاولة لعبورها.

2. التكرار بوصفه حركة تأويل

يتكرر في الديوان:

الغياب

النافذة

الوسادة

المقهى

المدينة

الوجه

الضوء/العتمة

وهذا التكرار لا يعمل بوصفه زخرفة بلاغية، بل بوصفه إعادة مساءلة للمعنى. كل عودة إلى الرمز ليست تكرارًا، بل انزياحًا تأويليًا جديدًا.

فالوسادة مثلًا:

مرة: مكان للحنين

مرة: ساحة حرب صامتة

مرة: ذاكرة جسدية للفقد

وهذا ما يجعل النص يتمنّع على القراءة الأحادية.

ثالثاً: التحليل الأسلوبي – اقتصاد اللغة وكثافة الصورة

1. النثر الشعري بوصفه إيقاعًا داخليًا

الديوان يشتغل على قصيدة النثر عالية الإيقاع، حيث لا يعتمد الموسيقى الخارجية، بل:

التوازي

التكرار البنيوي

الجمل القصيرة المتقطّعة

المفارقة اللغوية

مثال:

«الوسادةُ

ساحةُ حربٍ صامتةٍ»

الجملة الاسمية المكثفة تُسقِط الفعل، وكأن الفعل مستهلك، والعنف أصبح حالة ثابتة.

2. الانزياح الدلالي

اللغة هنا لا تصف العالم، بل تُعيد خلقه:

الحقيقة لا تهدي تصفيقها

الضوء خطأ فادح

الكلمات قنابل من ورق

هذه الانزياحات تُنتج لغة قلقة، غير مطمئنة، وهي سمة أساسية في شعر ما بعد الكارثة.

رابعاً: القراءة الرمزية – الجسد، المدينة، الأنثى

1. الأنثى كرمز كوني

الأنثى في الديوان ليست موضوع غزل، بل:

وطن

ذاكرة

جرح

لغة

في «لوحات ليست للبيع»، تتحوّل الأنثى إلى مشهد تشكيلي، لكنها في الوقت ذاته ترفض التشييء. اللوحات ليست للبيع، أي أن الذات غير قابلة للاستهلاك.

2. المدينة بوصفها جسدًا مجروحًا

المدينة لا تظهر كمكان، بل ككائن:

يشيخ

يختفي

يسعل

يفقد وجهه

المدينة = الذات = القصيدة

وهذا التماهي يُنتج شعرية سياسية غير مباشرة، لا تهتف، بل تنزف.

خامساً: التحليل النفسي – الكتابة كفعل نجاة

1. الذات المجروحة والكتابة التعويضية

من منظور نفسي (لا سيما فرويدي/يونغي)، يمكن قراءة الديوان بوصفه:

تفريغًا رمزيًا للصدمات

إعادة تمثيل للفقد

محاولة لترميم الهوية عبر اللغة

الكتابة هنا ليست ترفًا، بل آلية بقاء:

«أكتبُ لأبقى»

2. الانقسام الداخلي

يتكرر الانشطار:

بين الحضور والغياب

بين الجملة والنقطة

بين الوجه والمرآة

وهذا يدل على ذات لم تكتمل بعد، أو ترفض الاكتمال لأنه يعني التوقف.

سادساً: الديوان والوعي الجمعي – من الذاتي إلى الكوني

قصائد مثل:

«آخر قيامات الدم»

«الحقيقة لا تهدي تصفيقها»

«المجاز آخر من غادر الحرب»

تنقل النص من الذاتي إلى الجرح الجمعي، من الحزن الفردي إلى الأسئلة الكبرى:

الحرب

الشهادة

الخديعة

اللغة نفسها كأداة نجاة أو خيانة

الشاعرة هنا لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تكشف عجز اللغة أمام الخراب، ومع ذلك تكتب.

خاتمة: الديوان كبيان شعري وجودي

يمكن القول إن «ريما وقصائد أخرى» ليس ديوانًا يُقرأ، بل يُعاش.

هو نصّ:

ضد الاطمئنان

ضد الاكتمال

ضد الاستهلاك

ديوان يؤمن أن:

اللغة لا تشفي، لكنها تمنحنا اسمًا آخر للألم.

إنه عمل شعري ناضج، ينتمي إلى شعر ما بعد الفاجعة، حيث لا خلاص، لكن هناك صوتًا…

والصوت، في النهاية، هو آخر ما يملكه الإنسان.

إذا رغبت، أستطيع:

تحويل هذه الدراسة إلى بحث أكاديمي للنشر

إضافة مراجع نظرية (غادامير، ريكور، باشلار، يونغ…)

أو إعداد قراءة مقارنة مع دواوين عربية معاصرة مشابهة

فقط أخبرني بالاتجاه الذي تريده.

خاتمة

يخلص هذا التحليل إلى أن ديوان «ريما وقصائد أخرى – أنا الخيط الذي أصبح وترًا» للشاعرة ريما سليمان حمزة  لا يُقارب بوصفه مجموعة نصوص شعرية مستقلة، بل ككيان دلالي متماسك تتوالد قصائده من جرح واحد تتعدّد أصواته وتجلياته. فالقصيدة في هذا العمل ليست غاية جمالية مكتفية بذاتها، وإنما مسار وجودي تتشكّل فيه الذات عبر اللغة، وتُعاد فيه صياغة الألم بوصفه طاقة صوتية لا صمتًا معطِّلًا. ومن هنا، يغدو التحوّل من «الخيط» إلى «الوتر» استعارة مركزية لمسار تشكّل الذات: من الهشاشة إلى الرنين، ومن التمزّق إلى القدرة على الإيحاء.

لقد كشفت القراءة الهيرمينوطيقية والأسلوبية والرمزية والنفسية أن الديوان يشتغل على تفكيك المعنى الجاهز، وخلخلة العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول، ليقيم شعرية قوامها القلق، والانزياح، والاقتصاد اللغوي المكثف. كما يتبدّى أن الأنثى، والمدينة، والجسد، والذاكرة، ليست ثيمات منفصلة، بل علامات متداخلة في بنية رمزية واحدة، تتحوّل فيها التجربة الفردية إلى مرآة لجرح إنساني أوسع، يتجاوز حدود الزمان والمكان.

وعليه، يمكن القول إن هذا الديوان يندرج ضمن الكتابة الشعرية التي لا تسعى إلى التطمين أو المصالحة السهلة مع العالم، بل إلى مساءلته وتعريته عبر لغة واعية بحدودها وعجزها، لكنها مع ذلك تُصرّ على الكلام. فالشعر هنا لا يعد بالخلاص، لكنه يمنح الصوت، ولا يداوي الفقد، لكنه يسميه. وفي هذا التسمية بالذات تتجلّى قيمة الديوان، بوصفه نصًا شعريًا يراهن على المعنى لا باعتباره حقيقة مكتملة، بل بوصفه إمكانية مفتوحة، وعلى الكتابة لا كترف جمالي، بل كفعل مقاومة ووجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لتركية لوصيف.. دراسة أسلوبية مقارنة

ملخّص البحث: تتناول هذه الدراسة رواية «أسطورة سنجابي» للكاتبة تركية لوصيف بوصفها نصًا سرديًا يتجاوز تصنيفه الظاهري ضمن أدب الأطفال واليافعين، ليؤسّس خطابًا رمزيًا مركّبًا يستند إلى البنية الأسطورية العالمية، وبخاصة نموذج «رحلة البطل» كما نظّر له جوزيف كامبل، مع إعادة صياغته داخل أفق ثقافي عربي معاصر.

وتنطلق الدراسة من مقاربتين متكاملتين: مقاربة أسلوبية تفكّك البنية اللغوية، وتشكيل الشخصيات، ووظيفة الفضاء السردي ، ومقاربة مقارنة تربط الرواية بأنماط الأسطورة العالمية (الإغريقية، الشرقية، والعربية).

وتخلص الدراسة إلى أن الرواية، رغم بساطة لغتها وسلاسة خطابها، تُنتج طبقة دلالية عميقة تسمح بقراءات سياسية ووجودية وتربوية، ما يجعلها إضافة نوعية إلى مسار الأدب الرمزي العربي الموجّه لليافعين.

المقدمة

أضحى الأدب الموجّه لليافعين أحد أكثر الحقول السردية قدرة على استيعاب الرمز الأسطوري وإعادة تشغيله، لما يتيحه من حرية تخييلية ومسافة آمنة بين الخطاب والمعنى. ففي هذا النوع من الأدب، لا تُقدَّم القيم في صيغة تعليمية مباشرة، بل تُنسج داخل الحكاية، وتُحمَّل على أكتاف الرحلة، والتحوّل، والصراع الوجودي.

وفي هذا السياق، تبرز رواية «أسطورة سنجابي» بوصفها نصًا يعيد الاعتبار للحكاية الخرافية لا بوصفها ملاذًا للبراءة فحسب، بل باعتبارها بنية معرفية قادرة على مساءلة مفاهيم الهوية، والسلطة، والعدالة، والوعي.

تكمن أهمية دراسة هذا النص في كونه يجمع بين سردية بسيطة تستجيب لأفق المتلقي اليافع، وطبقة رمزية كثيفة تستدعي مناهج تحليلية حديثة، ولا سيما النقد الأسلوبي والدراسة المقارنة للأسطورة.

الإطار النظري:

أولًا: الأسطورة وبنية رحلة البطل:

يُعدّ مفهوم «الأسطورة الأحادية»  الذي صاغه جوزيف كامبل في كتابه البطل بألف وجه من أكثر النماذج تأثيرًا في دراسة السرديات ذات الطابع الأسطوري. يقوم هذا النموذج على سلسلة من المراحل المتكرّرة في الحكايات الإنسانية الكبرى، من الدعوة إلى المغامرة، مرورًا بالعبور والاختبار والمواجهة، وصولًا إلى التحوّل والعودة.

وتُظهر رواية «أسطورة سنجابي» تقاطعًا بنيويًا واضحًا مع هذا النموذج، غير أنها لا تنقله نقلاً حرفيًا، بل تعيد تشكيله داخل سياق رمزي يستثمر الحيوان بوصفه ذاتًا واعية في طور التكوين.

ثانيًا: النقد الأسلوبي:

ينطلق النقد الأسلوبي من افتراض أن المعنى لا يُستخلص من الحدث وحده، بل من الكيفية التي يُصاغ بها لغويًا. وعليه، فإن تحليل الإيقاع، والصورة، وبناء الجملة، ووظيفة المجاز، يُعدّ مدخلًا أساسياً لفهم الأبعاد العميقة للنص.

ويبدو هذا المنهج ملائمًا لرواية تقوم على الإيحاء، وتُراهن على اقتصاد اللغة، وتكثيف الدلالة، بدل الشرح والتفسير.

ثالثًا: المقارنة السردية:

تتيح المقاربة المقارنة وضع النص في شبكة أوسع من الحكايات الإنسانية، بما يسمح بفهم خصوصيته من خلال ما يشترك فيه مع الأساطير الكبرى، وما يختلف عنه.

وفي هذا الإطار، تُقارن الرواية بأساطير التحوّل الإغريقية، والحكمة الشرقية، والحكاية العربية الشعبية.

الجوانب الأسلوبية في الرواية:

- اللغة والإيقاع:

تتسم لغة الرواية بالسلاسة والاقتصاد، مع اعتماد واضح على الجمل القصيرة المتتابعة، وهو ما يُحاكي إيقاع الحكاية الشفاهية. غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي قدرة عالية على إنتاج الرمز، حيث تتحول اللغة إلى أداة إيحائية تفتح النص على تأويلات متعددة.

فالتحوّل الحيواني لا يُقدَّم بوصفه حدثًا غرائبيًا، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا للذات، وكشفًا عن طبقة دفينة من الوعي.

- بناء الشخصيات:

تُبنى الشخصيات وفق نموذج رمزي واضح، يقوم على الثنائيات الأسطورية الكبرى:

- السنجابي: البطل الصغير الذي يحمل قوة كامنة لم تتبلور بعد، ويمثّل الذات في طور التشكّل.

- فوستيكا: تجسيد للقوة المظلمة، لا بوصفها شرًا مطلقًا، بل عائقًا أمام اكتمال الوعي.

- توتو: الوجه الوجداني والأخلاقي للرحلة، الذي يمنح المسار بعده الإنساني.

يمنح هذا التشكيل الشخصيات بعدًا يتجاوز وظيفتها السردية، لتغدو تمثيلات رمزية لمسارات داخلية.

- الفضاء والرمز المكاني

تؤدي الأمكنة دورًا دلاليًا محوريًا في الرواية:

- القلعة: رمز للهوية والعدل والنظام.

- الغابة: فضاء اللاوعي والتحوّل.

- الصحراء: تمثيل للفراغ الوجودي والتيه.

- الواحات: محطات الاستراحة الروحية وإعادة التوازن.

وبذلك يتحوّل المكان من خلفية جغرافية إلى خريطة نفسية لمسار البطل.

الرواية في ضوء الأسطورة العالمية:

- التقاطعات الإغريقية

يحيل التحوّل الحيواني إلى أساطير التحوّل الإغريقية، ولا سيما عند أرتميس وسيرس، غير أن الرواية تعيد تأويل هذا التحوّل بوصفه فعل تحرّر وكشف للقوة، لا لعنة أو عقابًا إلهيًا.

- التقاطعات الشرقية

تستثمر الرواية فكرة «القوة الكامنة» التي لا تظهر إلا في لحظة الخطر، وهي فكرة مركزية في الميثولوجيا الصينية والهندية، كما تستلهم العلاقة العضوية بين الذات والطبيعة، على نحو يذكّر بالأدب الفارسي والياباني.

- التقاطعات العربية

يتجلى أثر الحكاية العربية الشعبية من خلال بنية الرحلة، والمنفى، والعودة، وحضور الحيوان العاقل، كما في كليلة ودمنة. غير أن الرواية تنزاح عن منطق الحيلة الخارجية، لتؤكد التحوّل الداخلي بوصفه جوهر الخلاص.

- التحليل الرمزي:

يمكن قراءة الرواية بوصفها تمثيلًا رمزيًا لصراعات إنسانية كبرى:

- الوعي في مواجهة الجهل

- الهوية في مواجهة الضياع

- القوة في مواجهة البراءة

- العدالة في مواجهة الاستبداد

وعليه، تغدو القلعة رمزًا للدولة العادلة أو الذات الواعية، فيما يمثّل السنجابي الإنسان الذي يستعيد وعيه بعد رحلة شاقة عبر الخوف والتحوّل.

الخاتمة

تُظهر هذه الدراسة أن «أسطورة سنجابي» ليست مجرّد حكاية موجهة لليافعين، بل نصا أسطوريا حديث، يزاوج بين شاعرية الحكاية الشعبية وعمق البنية الأسطورية العالمية.

وتكشف الرواية عن وعي سردي قادر على إنتاج خطاب رمزي مفتوح، يسمح بقراءات سياسية ووجودية وتربوية، ما يجعلها إضافة لافتة إلى مسار الأدب العربي المعاصر، ولا سيما في مجال السرد الرمزي ذي النزعة الأسطورية.

***

مجيدة محمدي - تونس

....................

المراجع

- كامبل، جوزيف. البطل بألف وجه. ترجمة: حسن صقر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

- إلياد، ميرسيا. الأسطورة والواقع. ترجمة: عبد الهادي عباس، دار الحوار، دمشق.

- بروب، فلاديمير. مورفولوجيا الحكاية الخرافية. ترجمة: أبو بكر أحمد باقادر، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- غريماس، أ. ج. السيميائيات السردية. ترجمة: عبد السلام المسدي، دار توبقال، الدار البيضاء.

- عبد الفتاح، صبري. الرمز والأسطورة في السرد العربي الحديث. دار الفكر العربي، القاهرة.

- بنكراد، سعيد. السيميائيات: مفاهيمها وتطبيقاتها. دار توبقال، المغرب.

 

للشاعر والناثر خلدون عماد رحمة – ألمانيا

يأتي هذا النص في تخومٍ دقيقة بين النثر الشعري والرؤيا الوجودية، حيث يتقاطع الحلم مع الوعي، واليقظة مع الغياب، والذات مع الفراغ. لا يقدّم الكاتب حكاية بالمعنى السردي التقليدي، بل يبني مشهداً كينونياً تتشظّى فيه الذات داخل فضاء رمزي كثيف، تتحرك فيه اللغة بوصفها أداة كشف لا وصف، واستنطاق لا تقرير.

النص ينتمي إلى كتابة حداثية واعية بذاتها، تستثمر الانزياح، والتجريد، واللغة الرؤيوية، في مساءلة الوعي الإنساني وحدود الإدراك.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النص مشغول بلغة سليمة نحوياً وصرفياً، خالية من الاضطراب أو الترهل، تقوم على جمل متوسطة الطول تُحافظ على توترٍ إيقاعي دون إنهاك القارئ.

التراكيب تتسم بالمرونة، وتتحرك بين الجملة الخبرية ذات الطابع الوصفي، والجملة الانفعالية المشحونة بالتجريد:

«كلّما أحسستَ بدغدغة الصحو قذفتكَ أيادٍ لا مرئية نحو ذروات غامضة»

هنا يظهر الانزياح الدلالي في تحويل الصحو إلى كائن ملموس له «دغدغة»، واليد إلى قوة قَدَرية غير مرئية، وهو انزياح منتج للدهشة لا اعتباطي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات منتقاة بعناية، تجمع بين المعجم الحسي (عينان، جسم، ظل، ضباب) والمعجم الميتافيزيقي (فراغ كلي، بصيرة، حكمة، معنى).

ثمة توازن واضح بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في الزخرفة، ولا فقر في التعبير. اللغة ملائمة تماماً لموضوع النص: التيه الوجودي وحافة الوعي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص يخلو من الوزن الخليلي، لكنه يبني موسيقى داخلية عبر:

التكرار: «رأيت، رأيتَ شيئاً ما»

التوازي التركيبي: «لا حدّ لهذا الفضاء، لا شكل ولا زمن»

الجرس الصوتي الناتج عن حروف المد والهمس (الضاد، الظاء، السين)

الإيقاع هنا نفَسيّ تأملي، يتباطأ مع الضباب، ويتكثف مع لحظة الرؤية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية رؤيوية غير خطيّة، بلا سرد حدثي ولا شخصيات متعدّدة. الشخصية الوحيدة هي الذات المخاطَبة (أنت)، وهي في الحقيقة انعكاس للأنا الكاتبة.

الزمن معطَّل، والمكان متحوّل، ما يضع النص ضمن الكتابة التأملية الوصفية ذات البعد الفلسفي.

المنهج الوصفي حاضر، لكنه ليس وصفاً سطحياً، بل وصفاً معرفياً، فيما يشتغل المنهج التحليلي ضمنياً عبر تفكيك حالات الوعي.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الكاتب للعالم تقوم على أن:

الوعي ليس لحظة مكتملة

اليقظة ليست خلاصاً نهائياً

المعرفة تولد من الغموض لا من الوضوح

ثمة انسجام عميق بين الشكل والمضمون؛ فاللغة الملبّدة تعكس مضمون التيه، والضباب اللغوي يقابل الضباب الوجودي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة لا تنتج من حدث، بل من التحول الرمزي:

«كان أسوداً مائلاً إلى الكحليّ… لأنك شعرتَ ببياضٍ يسكن باطنه»

هذا الانقلاب اللوني يفتح أفقاً تأويلياً عميقاً، ويؤكد قدرة النص على تجاوز المألوف.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية كبرى:

متى نفيق؟

هل الوعي ممكن دون ألم؟

هل النسيان نهاية أم ضرورة؟

إنه نص عن الوعي المعلّق بين النوم واليقظة، بين الجهل والمعرفة.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

الفلسفة الوجودية (الكينونة والقلق)

التصوف (الحجاب، الباطن، الكشف)

الحداثة الأدبية (الرؤيا بدل الحكاية)

لكن دون إحالات مباشرة، بل عبر تشربٍ معرفي غير تصريحي.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الضباب، العتمة، البياض، الهمس… كلها علامات تشير إلى:

المعرفة المؤجلة

الحقيقة التي تتكشف من الداخل

النسيان كمرحلة تطهير لا فقدان

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يُكتب النص من فضاء الاغتراب (ألمانيا)، ما يمنحه حسّ الانفصال الوجودي عن المكان، دون أن يتحول إلى نص شَكوى.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى النثر الشعري العربي الحديث، متجاوزاً الخطابية، ومتماهياً مع نصوص الرؤيا عند العديد من الشعراء، دون استنساخ.

3. الارتباط بالتراث

الحجاب، العتمة، الباطن، الكشف: مفردات ذات جذور صوفية، أعيد توظيفها ضمن سياق حداثي.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق الوجودي

٢- اللذة المعرفية

٣- التوتر بين الخوف والاطمئنان

2. تحليل الشخصية:

الشخصية تعاني من انقسام داخلي: تريد المعرفة، لكنها تخشى اكتمالها.

3. النبرة النفسية

النبرة هادئة، تأملية، غير صاخبة، يغلب عليها القلق النبيل لا الصراخ.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع:

النص لا يعالج المجتمع مباشرة، لكنه يعكس أزمة الإنسان المعاصر: فقدان المعنى وسط فرط الإدراك.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة نقد ضمني لعالم لا يتيح يقظة حقيقية، بل يكرّس النوم الواعي.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

يمارس دور المثقف التأملي لا الواعظ، ويفتح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

النوم: الغفلة الوجودية.

الضباب: حجاب المعرفة.

البياض في السواد: الأمل الكامن.

2. الثنائيات

١- نوم / يقظة

٢- عتمة / نور

٣- نسيان / معنى

3. النظام الرمزي

النص عالم مغلق رمزياً، لكنه مفتوح تأويلياً.

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: أسلوبي – تأويلي – نفسي

الصرامة: عالية، بلا استطراد

الموضوعية: التركيز على النص لا على سيرة الكاتب.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بحرية السؤال، لا براحة الجواب.

2. الانفتاح التأويلي:

النص قابل لقراءات فلسفية، نفسية، صوفية.

3. البعد الإنساني:

يمسّ تجربة الإنسان في كل زمان: التيه، البحث، النسيان.

- خاتمة:

يُعدّ نص «كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ»  للشاعر والناثر خلدون عماد رحمة عملاً نثرياً رفيعاً، يجمع بين الوعي اللغوي، العمق الفلسفي، والاقتصاد الجمالي. إنه نص لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُستعاد، لأن قيمته لا تكمن في ما يقول، بل في ما يفتحه من أسئلة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ

خلدون عماد رحمة - ألمانيا.

كنتَ نائماً، تجهلُ ساعةَ يقظتكَ، عيناكَ مُجهَدَتان وجسمكَ خفيف كالظلّ، لا تستطيع احتواﺀ ذاتك وأنت تعوم على محيطات فراغ كلّيّ، كلّما أحسستَ بدغدغةِ الصحو قذفتكَ أيادٍ لا مرئية نحو ذروات غامضة.

لا حدّ لهذا الفضاﺀ، لا شكل ولا زمن، كم كنتَ تحاولُ التحديق بكلّ ما أوتيتَ من كهرباﺀ الحواس والبصيرة لاكتشاف شيﺀ ما، لكنّ ضباباً كثيفاً تسلل إلى نومكَ وغطى المشاهد بحجابٍ سميك.

*

تكاثفَ الضبابُ أكثرَ، لكنكَ رأيت، رأيتَ شيئاً ما يحاول البزوغ من الخفاﺀ، لم تكُ قادراً على إدراكِ ماهيّته ومراميه، كان أسوداً مائلاً إلى الكحليّ، لمْ تخفْ منه، لأنك شعرتَ ببياضٍ يسكنُ باطنه، وسمعْتهُ يهمس من داخله مُتململًا : حجاب العتمة يتآكل من حولي.

*

متعِبةٌ هذه الرؤى التي لا تُفصحُ عن مُبتغاها، لكنها عميقة على أيّ حال، تدخِلكَ في لذّةٍ لا حدود لطاقة نشوتها، إنها لوعة جديرة باكتشافِ الحكمةِ والمعنى...

والنسيان.

 

في الايام الاخيرة انتهيت من قراءة رواية ممتعة بعنوان " عينا مونا " كتبها مؤرخ الفنون الفرنسي توماس شليسير "، وقد وضعت دار النشر مقطع من لوحة فتاة ترتدي قرطًا من اللؤلؤ للفنان الهولندي الشهير " يوهانس فيرمير " المولود " في 31 تشرين الاول عام 1632، والذي تمر اليوم – 15 كانون الاول – ذكرى رحيله الـ " 350 ".

تبدأ رواية " عينا مونا" بإصابة الفتاة الصغيرة ذات السنوات العشر " مونا " بنوبة عمى مفاجئة وغامضة: " " شَعرتْ بظلّ ثقيل ينزل على عينيها، كما لو أراد أحد مُعاقبتهما، لكونهما زرقاوين، كبيرتين جداً، نقيتين جداً". ستتعافى منها بعد اكثر من ساعة، إلا أن والديها يخشيان أن تفقد بصرها بشكل دائم ويستشيران طبيب العائلة، في هذه الاثناء يتدخل هنري، جد " مونا " الذي يقرر اصطحاب حفيدته الى المتاحف بدلاً من الاطباء، فهو يعتقد أن ما تحتاجه " مونا " هو علاج جديد ومبتكر، وسنجده ينطلق معها كل أربعاء في مغامرة فنية، حيث يزوران أشهر الأعمال في متاحف باريس على مدار عام. يبدأن بمتحف اللوفر، حيث أعمال رافائيل وجيرار ودافنشي ورامبرانت ومايكل انجلو وآخرين. ثم يتجهان إلى متحف أورسيه هناك تجد مونا نفسها في مواجهة انطباعية كلود مونية وبول سيزان ومانيه، إلى جانب فان كوخ وكليمت،، ويختتمون الجولة بمركز بومبيدو، حيث تسكن الحداثة في أعمال كاندينسكي ودوشامب.

يطلب الجد من حفيدته " مونا "، أن تتأمل العمل الفني لدقائق في صمتٍ تام، ثم تستمِع بعدها إلى ما سيشرحه لها عن عناصرهذا العمل، والهدف الذي ابتغاه الفنان من رسمه أو نحته، بعد ذلك عليها أن تقدم انطباعها عما فهمته.

من خلال هذه الاعمال الفنية يحاول الجد ان يكتشف لحفيدته طريقة جديدة لفهم الحياة: المحبة، الكرم، والشجاعة، والشك، والكآبة، والتمرد، وغيرها الكثير. حيث تدور أحداث الرواية حول فكرة أن الفن يعلمنا أن نعيش، لا أن نعرف فحسب.

مع مرور الايام التي تقضيها مونا امام روائع الفن التشكيلي، نتابع صحوتها الروحية التي تنشأ بفضل سلطة الفن، صحوة تقودها إلى اكتشاف عينٍ مطلقة تتحدى الظلام، تساعدها على البحث ورؤية ذلك النور الذي يومض داخلها.

بصفته مؤرخ للفنون يستخدم توماس شليسّير، خبرته لدمج السرد الروائي الذي يسير بانسياب ومتعة، مع النقد الفني، فمن خلال حوارات " مونا " وجدها هنري، نتعرف إلى أعمال فنية شهيرة من عصر النهضة إلى الفن الحديث، مع تحليل دقيق لأبعادها الفنية والفلسفية، وإضاءة وافية عما دار في أزمنة الرسامين، مما جعل الرواية تجمع بين المتعة الأدبية والمعرفة الفنية.. فعندما يقف الجد مع خفيدته امام لوحة " عالم الفلك " ليوهانس فيرمير" حيث يشرح لها كيف عاش هذا الرسام الهولندي حياة بسيطة لكنها محاطة بالتكتم، عمله بمفرده وعاش في منزل صغير.

وانا اقرأ الفصل الخاص بيوهانس فيرمير تذكرت حكايتي البسيطة مع هذا الرسام الهولندي الغريب الطباع والتي ابتدأت من جملة قرأتها في رواية مارسيل بروست " البحث عن الزمن المفقود " حيث وجَدتُ سوان الخبير بالفنون عندما يلتقي مع اوديت، تبادر الى دعوته لتناول الشاي غير انه: " كان رهن متعة عمل، مقال عن فيرمير، وهو مقال في الواقع كان قد اهمله منذ سنين ".

قبل وفاته بعام، تحامل مارسيل بروست على نفسه وقرر ان يحث خطاه المتعبه باتجاه المعرض الاول من نوعه الذي يقام في مدينة باريس للفن الهولندي، حيث كانت تعرض ضمن اعمال المعرض، ثلاث لوحات للفنان يوهانس فيرمير، كان بروست بصحة سيئة وحالة الربو تتفاقم، لم يكن يخرج من بيته، وعندما كان ينهض ساعة واحدة في غرفته فانه يشاهد متلحفا بالبطانيات والاغطية وبكل ما يمكن للانسان ان يتدثر به عندما يصاب بنوبة برد، لكنه اآن قرر الخروج، نصحه بعض اصدقاءه بعدم مغادرة المنزل حتى لا يعرض نفسه لازمة صحية حادة، فقال وهو يمزح: " ماذا تريدون يا اعزائي، فقد قال انكساغوراس ان الحياة سفر "

كان بروست مغرما بلوحات " يوهانس فيرمير " المولود غرب هولندا، والذي عانى من الاهمال اثناء حياته مثلما عانى بروست، فلم يكن فيرمير معروفا ومعترفا حتى بعد موته بسنوات، لم يرسم كثيرا.. هناك فقط 35 لوحة تمت نسبتها الى فيرمير الذي يعد اليوم واحدا من اشهر فناني عصر النهضة، لم يبع فيرمير لوحة واحدة اثناء حياته، لكنه رهن عددا منها ضمانا حتى يسدد ما بذمته من ديون، فقد قضى حياه القصيرة (عاش 43 عاما) غارقا في الديون، لم يحقق لنفسه او لأسرته شيئا، كما انه مثل مارسيل بروست كان يعاني من مرض مزمن حاله بينه وبين رسم عدد اكبر من اللوحات، ومثل بروست كان مهموما بموضوع واحد هو الزمن.. ففي معظم رسوماته نشعر وكأن الزمن قد توقف، لان الرسام لم يكن يرغب بتعكير صفو فتاياته المستغرقات في الحلم، فنراهن مره يطرزن، وفي لوحة اخرى وهن يقرأن رسالة جاءت من مكان بعيد.. ومثل بروست لم يكن فيرمير يحب الخروج من المنزل، ولعل من المرات القليلة والنادرة التي قرر فيها الخروج كان لرسم لوحته الشهيرة " مشهد من دلفت"، وهي اللوحة التي اهتم بها مارسيل بروست كثيرا وكتب عنها في روايته " البحث عن الزمن المفقود " و " دلفت " هي المدينة التي عاش فيها فيرمير معظم حياته.

كان بروست قد سافر الى هولندا عام 1921 وهناك شاهد لوحة فيرمير " " مشهد من دلفت "، فكتب عنها في سجل المتحف بانها " اجمل لوحة في العالم "، وبعد سنوات سيخبر اندريه جيد بان اللوحة اوحت له وهو يذهب إلى فراش النوم في التاسعة مساء، بان يبدا رحلة مع الماضي

 في كتاب مارسيل بروست بقلمه نقرأ: " على سلم بيته، واثر دوار رهيب استولى عليه ترنح وتوقف ثم تابع سيره.. كان على (فوادواييه) ان يمسك بذراعه ويوجه خطاه المتداعية نحو لوحة (مشهد من ديلفت).. في الربع السفلي الايمن من اللوحة، الذي ياتي مباشرة إلى يسار البرج الاول القائم على البوابة المائية المظللة، شاهد جزءا من قمة سقف مسه ضوء الشمس لذلك المساء الصيفي الخالد ". كان فان كوخ قد راى عام 1880 اللوحة التي رسمها مواطنه فيرمير، وقد كان شديد الحماس لها، يكتب في احدى رسائله لشقيقه: " اذا شاهد المرء منظر المدينة لفيرمير، عن قرب شديد، فيبدو له امرا لايصدق. لقد رسمت بالوان مغايرة كليا لتلك التي قد يتوقعها المشاهد من مسافة بضع خطوات عنها ".

ويحاول مارسيل بروست في " البحث عن الزمن المفقود " ان يعطي اهمية كبيرة للوحات فيرمير: " فهمت ان الغرابة الآخاذة، الجمال المخصوص في هذه التصاوير يكمن إلى حد كبير في الدور الذي تلعبه رموزها في كل واحدة منها، بينما كانت حقيقة ان هذه الصور لم تصور على انها رموز، إذ ان الفكرة المرموز اليها لم يعبر عنها فيها، بل صورت من قبل الرسام على انها اشياء، حقيقية، محسوسة بالفعل او ملموسة لمسا ماديا ".

في الخامس عشر من شهر كانون الاول عام 1675، يتوفى يوهانس فيرمير بعد معاناة مع المرض.. كان قد تعرض خلال سنوات حياته الى مصاعب مالية.. فهو يعيل احد عشر طفلا.. وقد تقدمت زوجته بطلب الى المحكمة لاعفائها من الديون المترتبة على زوجها المتوفي.. إلا ان المحكمة قررت تعيين احد موظفيها لجرد ملكية الفنان الراحل، كان في البيت عددا كبيرا من اللوحات، وكرسيان وحامل للرسم، وطاولة خشبية، وسرير قديم، وعدد من الصحون.. تم حجزها جميعا لصالح الدائنين.

قبل سنوات حصلت على كتاب بعنوان " قبعة فيرمير " – ترجمة شاكر عبد الحميد – يتناول فيه مؤلفه تيموني بروك باسلوب ممتع تفاصيل بعض اللوحات الشهيرة التي رسمها " فيرمير، ورغم ان الكتاب مخصص للرسام الهولندي الشهير إلا اننا نجد انفسنا نقرأ كتابا يجمع بين الفن التشكيلي والادب والاقتصاد والسياسة، ونجد فيرمير ورامبرانت وعالم القرن السابع عشر، وبعد ان انتهيت من " قبعة فيرمير " تمنيت لو يكتب كتابنا ونقادنا كتابا مثل هذا عن رموزنا الثقافية والفنية.

في الكثير من الحوارات التي اجريت معه عبر سلفادور دالي عن اعجابه المفرط بـ " فيرمير " وفي سيرته الذاتية " انا والسيريالية " – ترجمة اشرف ابو اليزيد- يقدم دالي تصنيفا لاعظم الفنانيين، وفيه نجد ان فيرمير يتفوق على رفائيل ودافنشي، وبسبب اعجابه الشديد رسم دالي لوحة بعنوان " طيف فيرمير ".

رصدت اعمال فيرمير حياة هولندا اليومية في عصرها الذهبي، عبر الانطباعات الضوئية الساطعة على جدران البيوت في " منظر من دلفت ". اللوحة الاجمل في العالم كما قال بروست، والأولى في العالم التي تصور مدينة قاتمة بدقة بالغة.. كان بيكاسو يقول ان فيرمير لا يحتاج الى الخيال، فكل النساء عنده متشابهات، لهن وجوه مستديرة، وعيون لامعة، ويرتدين القبعات.. فهل كان مثيرا للضجر؟. يجيب اندريه مالرو كان في غاية الجاذبية، بتقنية المثيرة، وتكاد وانت تنظر الى اللوحات تمد يدك، كي تجس اشياء يخيل اليك انها حقيقية. يكتب بروست لا مكان للاوجاع، والهوى، والجنس في فن فيرمير.

في رواية " عينا مونا " يصف الجد فيرمر بانه: " لم يكن مشهوراً على نوع خاص. كان جزءا من شبكطة رسامين ليس هو المبدع الأكثر إثارة للصخب فيها، فهو يعيد تناول موضوعات تناولها آخرون: لحظات من الحياة المنزلية في أجواء حميمية ساكنة، تتعايش في فضائها شخصية او اثنتان مع حشد من اشياء غالباً ما تكون معقدة جداً.. إن إعطاءه ما يستحقه من قيمة، وتمييز سماته الفريدة حقاً، مسألة أحتاجت لوقت، واعبقرية بعض المشاهدين الخبيريين. يحتاج كبار العباقرة لمتفرجين منتبهين وأصحاب بصيرة يا مونا ".- عينا مونا ترجمة روز مخلوف.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

دراسة لغوية وجمالية وتأويلية

تمثّل قصيدة «نخلة وموج» للشاعر السوري توفيق أحمد نصاً غنائياً-رمزياً يحتشد بطاقة دلالية وجمالية عالية، حيث تتشابك عناصر الطبيعة (النخلة، الموج، الرمل، القمر، النجم) لتشكّل معماراً شعرياً قائماً على التلاقي بين الثبات والحركة، اليابسة والماء، الذاكرة والزمن. ويقوم هذا النص على رؤية إنسانية-وجدانية تجعل من الحبّ والوطن والطبيعة حقولاً دلالية متداخلة، تُقرأ بوصفها استعارات كبرى للوجود والهوية والحنين.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية موسّعة، وفق محاور لغوية وبلاغية، وجمالية وفنية، وفكرية وفلسفية، وتاريخية وثقافية، ونفسية، واجتماعية، وسيميائية، ومنهجية، وصولاً إلى القيم الإنسانية والجمالية العليا التي ينفتح عليها النص.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

تقوم لغة القصيدة على سلامة نحوية وصرفية واضحة، مع اعتماد تراكيب سلسة لا تعقيد فيها، لكنها مشحونة بانزياحات شعرية رقيقة. يتكرر التركيب الظرفي «في مساءٍ» بوصفه مدخلاً إيقاعياً ودلالياً، يرسّخ الزمن الشعري بوصفه زمناً وجدانياً لا زمنَ ساعة. الانزياح هنا يتمثّل في إضفاء صفات إنسانية وحسّية على المجردات: ينعس النجم، دقّة القلب لها لغة، وهو ما يندرج ضمن التشخيص البلاغي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ فصيحة، شفافة، ذات حمولة إيحائية عالية، تتوازن فيها الموسيقى مع المعنى. لا نجد لفظاً نافراً أو غريباً عن السياق، بل تأتي المفردات منسجمة مع موضوع الحبّ/الوطن/الطبيعة، مثل: النخل، الموج، الرمل، الكوثر، الوطن. هذا التناسب يخلق وجاهة تعبيرية تجعل اللغة خادمة للرؤية لا متسلطة عليها.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة ذات إيقاع خليلي واضح، مع قافية موحّدة تقريباً تنتهي بالراء المضمومة، ما يمنح النص جرساً موسيقياً هادئاً متدفقاً. تتعزز الموسيقى الداخلية عبر التكرار (في مساءٍ)، والجناس الصوتي، والتوازن التركيبي. الإيقاع هنا ليس زخرفاً، بل حاملٌ للشحنة العاطفية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

تعتمد القصيدة بنية تراكمية تصويرية، لا سردية بالمعنى الحكائي، حيث تتوالد الصور من بعضها البعض وفق منطق التداعي. الزمن دائري، والمكان مفتوح (شرفة، شاطئ، وطن متخيَّل). المنهج الوصفي حاضر بقوة، لكنه وصف تحليلي-وجداني، لا خارجي محايد.

2. الرؤية الفنية:

تقوم الرؤية الفنية على الانسجام بين الشكل والمضمون؛ فالمعجم الطبيعي يعكس رؤية شاعرية للعالم ترى في التلاقي (نخل/موج، شمس/قمر) شرطاً للخصب والمعنى. العالم ليس صراعاً، بل لقاءً.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تتجلّى الدهشة في الجمع بين متقابلات مألوفة بطريقة غير مألوفة: قمران التقيا، جنتان اخضرتا من شغف. الانزياح هنا جمالي لا غامض، يوسّع أفق التلقي دون إغلاقه.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري للنص.

ينطوي النص على أسئلة وجودية ناعمة حول اللقاء، والانتماء، والذاكرة، دون خطاب مباشر. الحبّ يتحوّل إلى معادل وجودي للوطن، والوطن إلى حالة وجدانية لا جغرافيا فقط.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع مرجعيات شعرية عربية قديمة (الطبيعة، التشبيه الكوني)، ومع حساسية حداثية تجعل الرمز مفتوحاً والتجربة ذاتية.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

النخلة ترمز إلى الثبات والامتداد، والموج إلى الحركة والقلق، ولقاؤهما يؤوَّل بوصفه مصالحة بين الأنا والعالم، أو بين الإنسان ومصيره. الوطن في العمق ليس مكاناً بل علاقة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يمكن قراءة القصيدة في سياق ثقافة عربية مثقلة بالحنين والبحث عن وطن آمن، دون إحالات سياسية مباشرة، ما يمنحها بعداً إنسانياً عاماً.

2. تطوّر النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى الشعر العمودي المتجدّد، الذي يحافظ على الوزن والقافية، لكنه يحمّلهما رؤية حديثة وصوراً غير تقليدية.

3. الارتباط بالتراث:

يحاور النص البلاغة العربية الكلاسيكية (التشبيه، الاستعارة)، مع إعادة توظيفها في أفق معاصر.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

تسود نبرة الطمأنينة المشوبة بالحنين. اللاوعي الجمعي حاضر عبر صورة الوطن/الحبيبة.

2. تحليل الشخصية:

الشخصية الشعرية ذات واحدة، عاشقة، متماهية مع المكان والآخر، بلا صراع حاد.

3. النبرة النفسية:

النبرة الغالبة هي الحبّ والسكينة، مع خفوت قلق وجودي يُحلّ باللقاء.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

يعكس النص حاجة الإنسان العربي إلى وطن معنوي، لا تدمّره التحولات الاجتماعية.

2. الخطاب الاجتماعي

لا خطاب سلطوي مباشر، بل خطاب قيم: الانتماء، العطاء، المشاركة.

3. الشاعر فاعلاً اجتماعياً

يؤدّي الشاعر دور المرمّم الوجداني للذاكرة الجمعية.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات:

النخلة، الموج، القمر، الكوثر: علامات خصب ونقاء ودوام.

2. شبكات الدلالات:

ثنائيات: ثبات/حركة، حضور/ذاكرة، فرد/وطن.

3. النظام الرمزي:

الطبيعة تتحوّل إلى لغة بديلة للتعبير عن الإنسان.

ثامناً: الأسس المنهجية:

1. الصرامة المنهجية:

تم اعتماد المنهج الوصفي-التحليلي، مع مقارنات ضمنية بالتراث.

2. التوثيق:

الدراسة تركّز على النص ذاته، وفق مقاربة نصّية.

3. الموضوعية النقدية:

تم تجنّب الانطباعية والتركيز على البنية والدلالة.

تاسعاً: القيم الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بالإنسان عبر الجمال والحبّ.

2. الانفتاح التأويلي

القصيدة قابلة لقراءات متعددة: حبّ، وطن، وجود.

3. البعد الإنساني الشامل

تنجح القصيدة في ملامسة وجدان إنساني يتجاوز المكان والزمان.

- خاتمة:

تُعدّ قصيدة «نخلة وموج» نموذجاً لشعر عربي يزاوج بين الأصالة والحداثة، ويجعل من الصورة والرمز وسيلتين لقول الإنسان والعالم بلغة شفافة، موسيقية، وعميقة الدلالة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

نخلـة ومـوج

شعر: توفيق أحمد

في مساءٍ ينعسُ النجم بِهِ

وعصافيرُ البراري تسهرُ

في مساءٍ دقةُ القلب لَها

لغةٌ يطربُ منها الوترُ

في مساءٍ وقفَ الحلمُ على

خده يسألهُ ما الخبرُ

يلتقي نخلٌ وموجٌ مثلما

تلتقي شمسُ الضُحى والقمرُ

لا تسل كم ألفِ ميلٍ عَبَرت

موجةٌ نحوَ الشواطي تُبحرُ

إنها وشوشةُ النخل التي

رشّها في كُلِّ دربٍ قبَّرُ

إنها ذاكرةُ الرمل وكم

ألفِ ليلى خلفهَا تستترُ

الحبيبان ولا أحلى ولا

فمتى نوجزُ أو نختصرُ

قمرانِ التقيا في شرفةٍ

ليس في العالم دربٌ موعرُ

جنتانِ اخضرتا من شغفٍ

وجرى فوقَ الشفاهِ الكوثرُ

أنتِ ضوءُ العين مَنْ يسألني

كم تماهى في هواكِ البصرُ

عرشُكِ الرائعُ نجوى وطنٍ

صاغهُ رملٌ وتلٌ أخضرُ

وطنٌ نأكلُ من خيراتِهِ

وبأوراقِ الربى ندّثرُ

وطنٌ نحياه في وجداننا

وبه كلُّ الأماني تكبرُ

 

"منى صنع الله" أديبة وقاصة يمنيّة، من مواليد 1993، تجيد اللغات العربيّة والألمانيّة والانكليزيّة، تحمل ماجستير في اللغة العربيّة، وبكالوريوس في الشريعة الإسلاميّة، خريجة جامعة (توبنغن) في ألمانيا، تعمقت في دراسة الفلسفة للاكتشاف فقط كما تقول. لديها العديد من الشهادات المتعلقة بالتدريب وتنمية المهارات العمليّة والعقليّة والابداعيّة للفرد، وتمارس العديد من المهارات والهوايات الفرديّة ومنها ركوب الخيل.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصة

إن الحب الحقيقي ليس نزوةً عابرةً في قلوب وعقول المحبين، إذا كان صادقا في دلالاته الإنسانيّة، فالحب الصادق يتجذر في القلب والعقل والروح، ويتحول إلى موقف حياة عند المحبين، قد تَحُولُ بعضُ المعوقات في تحقيق نتائجه المرجوة منه، أو حتى في استمراريته إن كان بفعل معوقات موضوعيّة أو ذاتيّة، ولكنه يبقى مستعراً في قلوب المحبين كجمرة تحت الرماد، يمكن أن تعود للاشتعال والتوهج عندما تسنح لها الظروف، أو أن هناك استعداداً عند المحبين لإعادة اشتعال هذه الجمرة كي يشع نورها ودفؤها من جديد.

في قصة (ميرو) "إليك أمضي)، نقف أمام فتاة (أمل) أحبت بصدق حتى تغلغل الحب شغاف قلبها، واتخذ من هذه الشغاف منزلاً له. بيد أن هناك ظروفاً ما استطاعت أن توقف مسيرة هذا الحب لم تعلن عنه القاصة، لكنه توقف وقررت الحبيبة أن لا تترك حبيبها فحسب بل تترك البلد الذي هو فيه وتهاجر إلى بلد آخر.

حملت " أمل" حقيبتها واتجهت إلى محطة القطار، لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة من حيث المكان.. لكن خطوات "أمل" في الزمان كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل في عمق تفكيرها وعواطفها.. فها هو المساء يهبط ببطء كما تقول القاصة (منى)، وقد تلونت السماء بدرجات لون البنفسج المشبع بالحزن رغم بهجته، وكأنه قد أضفى الحزن على الدنيا كلها، وهي تستعد لوداع لا يُعرف كيف سيكون..

منذ أسابيع و"وأمل" تقاوم فكرة الرحيل.. المدينة لم تعد لها.. والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار.. لم يبق لها سوى رسالة واحدة.. كتبتها له ولم ترسلها.. هنا يقف الحب بكل جبروته وقوته أمام قرار "أمل" بالرحيل، فمسيرة حبهما رغم ما اعترضها من ألم وجمود، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً من نسيج قصة حبهما لم يزل يسيج عقلها وروحها، ويفرض عليها أن تخط له رسالة أخيرة مشبعة بالأمل تقول فيها له: (ما  بيني وبينك مسافة لا تقاس، لكنها وحدها التي تدفعني إليك أمضي).

نعم رغم بُعْدِ المسافة الزمنيّة التي كسرها الجفاء بينها وبين حبيبها، إلا أن هناك في مسيرة حبهما ما بقي يدفعها إليه من جديد. وربما الذي دفعها للحيرة في أمر رحيلها هو  ما تبقى من حبها له.. وهو الأمر ذاته الذي جعل حبيبها يلحق بها لمحطة القطار ويسلمها رسالته الأخيرة وقد دون فيها: (.. لا تمضي بعيداً فوجهتك عندي..). فتحت الرسالة القصيرة فكانت الجملة الوحيدة فيها تشبهه.. ورغم بساطتها إلا أنها أربكت قلبها وفتحت عينيها إليه.. فابتسم تلك الابتسامة التي وحدها كانت قادرة على سد كل الطرق.. وأشعرتها بأن المحطة لم تعد محطة.. وأن الرحيل لم يعد قراراً، وأن الطريق تغير فجأة من مدينة مجهولة إلى قلب تعرفه جيدا.

قال لها بهدوء المحب الصادق: (إن أردت الذهاب فلن أمنعك.. ولكن إن أردت البقاء.. فها أنا ذا.. إليك أمضي إن مضيت.. ومعك أبقى إن بقيت..).

ترددت لحظة.. ثم أغلقت يدها على الورقة الصغيرة ونهضت.. القطار أطلق صفارته.. الناس هرعوا.. إلا هي.. استدارت نحوه.. وقالت بصوت يشبه قراراً طال انتظاره.. (هذه المرة لن أمضي وحدي.. ).

ومعاً غادرا المحطة.

البنية السيمائيّة للعنوان:

(إليك أمضي). يحمل هذا العنوان حمولة عاطفيّة ووجدانيّة ليس لها حدود، فـ "أمل" رغم قرارها بالرحيل وترك حبيبها والمكان الذي يقيم فيه، والذي فرضه عليها شدّة ما لاقته في حبه من معاناة، إلا أن حبها الصادق له، ظل يحرك مكامن اللوعة في قبلها له، وبالتالي جعل رحيلها يتحول بفضل هذا الحب ولوعته من الخارج إلى الداخل.. أي أن تعود في قرارها لتحول وجهة الرحيل إليه من جديد، وتقول له عندما جاءها إلى المحطة بقلبه المشبع بحبها : (هذه المرة لن أمضي وحدي.. ).

البنية الفكرية للقصة:

تريد القاصة أن تقول بأن الحب ليس بطاقة عبور بين القلوب لحضور حفلة موسيقيّة أو فلم سينمائي مشوق تنتهي فاعليته بانتها الحفلة أو الفلم، بل هو بطاقة قُدّت من شغاف القلوب، وكُتبت حروفها بالألم والشوق والحنين واللهفة للقاء الحبيب والتواصل معه، وهي تذكرت سفر بين القلوب حُددت فيها مسارات أجسادنا وأرواحنا وقلوبنا، وسيجت هذه المسارات بأسلاك وقيود أحكم إغلاقها ولم يعد من السهولة الخروج منها.

البنية الفنية للقصة:

اللغة في القصة:

لقد اعتنت القاصة عناية بالغة باللغة وتركيب مفرداتها التي صيغت بطريقة أقرب إلى الشاعريّة. حيث تجد في تركيب مفرداتها الكثير من المحسنات البديعيّة، والتورية، والانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة، كما ظهر لنا كل ذاك التعدد في نوعيّة الجمل التي كانت تنوس بين الخبر والانشاء، هذا إضافة إلى ورود الجمل ذات المعنى الحقيقي والمعنى المجازي أيضاً.

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة سليمة وفصيحة، وسهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصة، وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة الصياغة وتسلسل العبارات وتخير الألفاظ وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الذي استخدمت فيه هذه اللغة من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة، وهذا يدل في الحقيقة على ثراء المفردات عندها وبالتالي امتلاكها قدرة التعبير وقوة التصوير في آن واحد. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال وعي القاصة أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها، إضافة لعمق إحساسها.

الصورة في قصة (إليك أمضي):

يأتي الاهتمام النقدي بدراسة بناء الصورة في الأدب بشكل عام، وفي القص الأدبي بشكل خاص، من منطلق أن الصورة أساس الخلق الفني، كونها تحمل المواقف الاجتماعيّة والفنيّة والجماليّة وخلجات الروح الداخليّة للقاص في النص الأدبي. كما وتسهم في فهم تجربة الأديب الإبداعيّة ذاته من خلال قدرة الصورة على بناء الأشكال المجازيّة التي تنقل رؤية الأديب للمتلقي. وتعمل على تحويل الواقع الحسي إلى عوالم إبداعيّة خلاقة.

لنتابع بعض هذه الصور الإبداعيّة التي جادت بها قريحة وخبرة وعمق تجربة القاصة "منى صنع الله". وهي هنا تتكئ على صور جمعت بين الحسيّة والتخيليّة، لتترك المتلقي في حالة اندهاش من قدرتها على الغوص في أعماق شخوصها. حيث تقول:

(كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل.). وفي قولها: (المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..). أو في قولها: (ولكن شيئاً ما كان يسحبها إلى الخلف.. ذكرى وعد.. أو ربما قلب لم يتعلم بعد كيف ينسى) وفي قولها: (والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار)... الخ.

لقد استطاعت القاصة أن تجعل من صورها التخيليّة داخل القصة أكثر حسيّة وجماليّة، حيث تميزت القصة بحشد التفاصيل الأساسيّة للحدث، ونقل هذه التفاصيل عبر وعي حاذق للقاصة، التي استمدت هذه الصور عبر الحواس أولاً، وعبر التخيل والمجاز ثانياً، مما ساهم في رسم صور بصريّة حققت قدرتها التأثيريّة على المتلقي.

المكان والزمان في القصة:

يعتبر كل من المكان والزمان من العوامل المؤثرة في العمل السردي عموماً، حيث يمكن أن يكونا خلفيّةً للأحداث، أو يكونا عنصرًا مهمًا في تطور القصة وسياقها. ويمكن للمكان أن يكون حقيقيًّا أو خياليًّا.. مغلقاً أو مفتوحا، ويمكن للزمان أن يكون ماضيًا أو حاضرًا أو مستقبلًا أو حتى هلاميّا، وقد يكون المكان معبراً في دلالاته عن طبيعة المأساة الواردة في القصة.

إن الزمان والمكان في قصة (إليك أمضي) لهما دلالاتهما العميقة. فإذا كان الزمان في القصة قد توقف ولم تعد "أمل" قادرة على تحديد أبعاده ومدى قدرته على التأثير فيها، وكل ما ذكر عن الزمان في القصة قولها (المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..).. ففكرة الزمان ارتبطت هنا بفكرة الرحيل وقسوته لا أكثر.

أما المكان فله دلالاته العميقة رغم أنه مغلق أو محدود (محطة القطار)، إلا أنه يعبر عن قضيّة إنسانيّة عميقة في آلامها وعذابها وحيرتها وقلقها.. فالمكان (المحطة) يرهق العقل والروح والجسد معاً، خاصة إذا كان الرحيل قد فرض قسراً. ها هي "أمل" تعبر عن المكان بقولها الذي يختصر كل شيء في بنية القصة (لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة.. لكن خطوات (أمل) كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل.

الرمز والايحاء في القصة:

لقد اعتمدت القاصة أسلوباً ممتعاً في تصوير الحدث، من خلال اتكائها على استخدام الرمز في تفرعاته الخصبة من إيحاء وإشارة وتلميح، حيث تقول: (كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل...). وهذه إشارة إلى عمق مأساة الفراق والرحيل الذي يفرض على الإنسان فرضاً. أو في قولها: (يلون السماء بدرجات البنفسج.. وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..)، والبنفسج هنا رغم جماليته إلا أن طبعه حزين، والحزن الذي يعبر عنه هذا اللون في القصة هو الفراق والبعد وألمهما... الى آخره من رموز وإشارات أخرى يمكن للقارئ أن يتابعها في النص.

***

د. عدنان عويّد

.........................

إليك أمضي

منى صنع الله

لم تكن الطريق المؤدية إلى المحطة طويلة.. لكن خطوات (أمل) كانت أثقل من أن تقاس بالمسافة.. كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.. وفي قلبها حديقة أكبر.. حقيبة صمت وحيرة.. وقرار.. لم يكتمل..

المساء يهبط ببطء.. يلون السماء بدرجات البنفسج..وكأن الدنيا كلها تستعد لوداع لا يعرف لمن يكون..

منذ أسابيع وهي تقاوم فكرة الرحيل.. المدينة لم تعد لها.. والأحلام التي ادخرتها على الرف تجمد عليها الغبار.. لم يبق لها سوى رسالة واحدة.. كتبتها له ولم ترسلها.. (ما بيني وبينك مسافة لا تقاس لكنها وحدها التي تدفعني إليك أمضي).

جلست في المحطة على مقعد خشبي تستمع إلى أصوات العابرين.. وصدى صفارات القطار.. كانت تعرف أن الرحلة ستأخذها إلى مدينة جديدة.. ولكن شيئاً ما كان يسحبها إلى الخلف..ذكرى وعد.. أو ربما قلب لم يتعلم بعد كيف ينسى..

وفجأة.. رأت ظلاً يقترب.. لم تكن بحاجة لرفع رأسها كي تعرفه.. خطوات تحفظها كما تحفظ قصائدها.

قال بصوت منخفض: (ما رلت تنوين الرحيل؟.).

لم تجبه..

كانت الكلمات ستنكسر لو تكلمت..

جلس بقربها.. ثم أخرج من معطفه ورقة صغيرة ووضعها في يدها..

- (كنت سأرسلها لك.. لكن خفت أن تصل متأخرة..).

فتحت الورقة.. كانت الجملة الوحيدة فيها تشبهه... بسيطة.. لكنها تربك القلب.. لا تمضي بعيداً فوجهتك عندي..

رفعت عينيها إليه.. فابتسم تلك الابتسامة التي وحدها كانت قادرة على سد كل الطرق.. شعرت بأن المحطة لم تعد محطة.. وأن الرحيل لم يعد قراراً، وأن الطريق تغير فجأة من مدينة مجهولة إلى قلب تعرفه جيدا.

وقف وقال بهدوء: (إن أردت الذهاب فلن أمنعك.. ولكن إن أردت البقاء.. فها أنا ذا.. إليك أمضي إن مضيت.. ومعك أبقى إن بقيت..

ترددت لحظة.. ثم أغلقت يدها على الورقة الصغيرة ونهضت.. القطار أطلق صفارته.. الناس هرعوا.. إلا هي..

استدارت نحوه.. وقالت بصوت يشبه قراراً طال انتظاره.. (هذه المرة لن أمضي وحدي..).

ومعاً غادرا المحطة.

قراءة نقدية في قصيد "يومان في الفردوس أم لحظتان" ليحيى السماوي

مقدمة: تنهض قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» للشاعر يحيى السماوي بوصفها تجربة شعرية مكثّفة، تُعيد مساءلة مفهوم الزمن من خلال مفارقة دلالية تقوم على تعارض الامتداد واللحظة. فالقصيدة لا تتعامل مع الزمن بوصفه قياسًا خطيًا، بل بوصفه تجربة وجودية تتشكّل في فضاء رمزي تتقاطع فيه الأضداد، حيث يتعطّل القياس الزمني لصالح كثافة الحضور.

ومن هذا المنطلق، يتجاوز النص البنية الغزلية التقليدية ليقارب أسئلة تتعلّق بالزمن والاكتمال والهوية الإنسانية في مواجهة الفناء. فالعشق لا يُقدَّم بوصفه تجربة عاطفية فحسب، بل يتحوّل إلى أفق تأويلي يُعاد من خلاله تعريف الزمن والمكان والجسد، ضمن رؤية شعرية تنفتح على أبعاد صوفية ووجودية دون أن تنغلق في خطاب عقائدي مباشر. كما تستثمر القصيدة شبكة من العلامات الرمزية التي تُحيل إلى الامتداد الإنساني، وتستدعي الطفولة بوصفها حالة وجودية تتجاوز حدود العمر الزمني.

تنطلق هذه الدراسة من قراءة نقدية متعددة المقاربات، تجمع بين التحليل الكينوني، والقراءة السياقية غير التصريحية، والمقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، إضافة إلى الأفق الصوفي، بهدف الكشف عن البنية الدلالية العميقة التي يقوم عليها النص. وتُظهر القراءة أن الزمن في القصيدة لا يُقاس بالامتداد الكمي، بل بكثافة اللحظة وامتلائها الوجودي، حيث تتحوّل اللحظة إلى معادل رمزي للفردوس.

كما تكشف الدراسة عن حضور الطفولة بوصفها حالة كينونية وروحية، لا مرحلة عمرية، وعن الجسد بوصفه فضاءً للخصب والخلق، لا موضعًا للخطيئة. وتُبرز القراءة الصوفية العشق باعتباره تجربة كاشفة تُعلّق الزمن وتُعيد وصل الأضداد، في حين توضّح والمقاربات البنيوية والسيميائية كيف تُبنى القصيدة على شبكة من الثنائيات والعلامات المنزاحة التي تُنتج المعنى عبر التفاعل لا الفصل.

وتخلص الدراسة إلى أن القصيدة تمثّل تجربة شعرية مركّبة، ترى في العشق فعلًا لمقاومة الفناء، وفي اللحظة المكتملة شكلًا من أشكال الخلود، بما يجعل النص مفتوحًا على مستويات متعددة من التأويل، ويؤكّد ثراءه الدلالي والجمالي.

أولًا: سؤال الزمن وكثافة اللحظة

يفتتح الشاعر نصه بسؤال ظاهره الاستفهام وباطنه التفكيك: «يومان في الفردوس؟ أم لحظتان؟»

لا يبحث هذا السؤال عن إجابة عددية، بل يزعزع مفهوم الزمن الخطي القائم على الامتداد والقياس. فالزمن في القصيدة لا يُقاس بطوله، بل بكثافته الكينونية؛ إذ تصبح اللحظة المكتملة معادلة لعمر كامل، بينما يفقد الامتداد الفارغ قيمته. وهنا ينتقل الزمن من كونه إطارًا خارجيًا إلى كونه تجربة معيشة، تُقاس بالامتلاء لا بالعدّ.

ثانيًا: اللازمان واللامكان – تعليق الكينونة

تستند القصيدة إلى ثنائية اللازمان واللامكان بوصفها آلية شعرية لتعليق شروط الوجود المألوف. فاللازمان لا يعني نفي الزمن، بل تعطيله بوصفه سلطة قاهرة، وتحويله إلى حضور خالص. أما اللامكان، فهو نفي للتثبيت الجغرافي، بما يجعل التجربة العشقية حالة وجودية لا تُؤرشف ولا تُستعاد، بل تُعاش في لحظتها.

ثالثًا: الطفولة بوصفها حالة وجودية

تتكرر صورة الطفولة في القصيدة بوصفها استعارة مركزية، لا تحيل إلى عمر بيولوجي، بل إلى حالة وجودية تتسم بالعفوية، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة هنا ليست حنينًا إلى الماضي، بل عودة إلى الحضور الخالص، حيث تُعاش اللحظة دون خوف من الفقد أو القلق من الامتداد.

رابعًا: الجسد بين الخصب والقداسة

يقدّم السماوي الجسد بوصفه فضاءً للخلق لا للخطيئة. فالرموز الزراعية المتكررة، مثل المحراث، والتنّور، والقمح، تحيل إلى دورة الحياة والخصب والاستمرار، لا إلى الشهوة المجردة. الجسد في هذا السياق لا يُعرّى، بل يُنير، ولا يُستهلك، بل يُثمر، ليغدو العشق فعلًا كونيًا يشارك في إعادة إنتاج المعنى.

خامسًا: العشق بوصفه صلاة موازية

في لحظة مفصلية، يلتقي العشق بالمقدّس، لا بوصفه نقيضًا له، بل بوصفه امتدادًا وجوديًا له. فالدعاء الذي يسبق الأذان لا يُطلب فيه الخلاص الأخروي، بل تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل. العشق هنا يتحوّل إلى طقس وجودي، لا يناقض الإيمان، بل يعيد تعريفه بوصفه حضورًا ممتلئًا.

سادسًا: قراءة سياقية غير تصريحية – الطفل بوصفه حضورًا دلاليًا خفيًا

لا تُقدّم القصيدة الطفل بوصفه شخصية نصيّة سردية مكتملة، ولا تُقيم حوله مشهدًا حكائيًا مباشرًا، على الرغم من حضور لفظي صريح لصورة «الطفلين». غير أنّ البنية الدلالية للنص تتيح قراءة سياقية تستند إلى ما يمكن تسميته ب«الحضور غير التصريحي»، حيث يتحوّل الطفل من كيان سردي إلى علامة رمزية تُحيل إلى لحظة كينونية يتقاطع فيها استرجاع الطفولة مع وعي الشيخوخة، بما يتجاوز التفسير الغزلي المحض، ويفتح أفقًا تأويليًا أعمق يتصل بسؤال الامتداد والاكتمال.

يتجلّى هذا الحضور في الإلحاح على تعليق الزمن، وفي استدعاء مفردات الخريف، والخصب، والقمح، وهي علامات تعبّر عن وعيٍ ما بعد اكتمالي يرى في الحياة سلسلة متصلة لا لحظة منفصلة. فالزمن في هذا السياق لا يُستعاد بوصفه ماضيًا، بل يُعاد تشكيله بوصفه حضورًا ممتدًا، تتداخل فيه البداية والنهاية ضمن رؤية وجودية واحدة.

وفي هذا الإطار، يمكن تأويل صورة «الطفلين» بوصفها تمثيلًا مزدوجًا: طفلٍ يحضر بوصفه رمزًا للحياة المتجددة والامتداد الإنساني، وذاتٍ ناضجة تستعيد طفولتها عبر هذا الحضور، لا عبر الحنين أو الاسترجاع العاطفي. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية، بل حالة كينونية تُحرّر الذات من ثقل الحساب الزمني، وتعيدها إلى دهشة الوجود الأولى.

وبهذا المعنى، لا يغدو الطفل عنصرًا سرديًا داخل النص، ولا إحالة سيرية مباشرة، بل يتحوّل إلى قوة دلالية محرّكة، تُعيد صياغة علاقة الشاعر بالزمن والمعنى، وتمنح القصيدة عمقها الوجودي، دون أن تُقحمها في إطار تأويلي مغلق أو قراءة سِيَرية قسرية.

سابعًا: النصفان المستجمعان – اكتمال الكينونة

تُختتم القصيدة باستعارة حبة القمح، بوصفها رمزًا للاكتمال المشروط بالانقسام. فالإنسان بلا نصفه الآخر وجود ناقص، بلا معنى، يتحوّل إلى ما يشبه الدخان. العشق هنا ليس إضافة عاطفية، بل شرط اكتمال وجودي، يعيد الكائن إلى صورته الأولى، حيث لا فردية معزولة، بل وحدة مزدوجة.

ثامنًا: تفسير الأبيات في ضوء البنية الدلالية

1. حسام الشوق وغصن البان

السيف هنا هو «حسام الشوق»، أي طاقة العشق المكبوتة التي تتحوّل إلى فعل. والكرّ باللثم على غصن البان يترجم اندفاعًا لا افتراسًا، حيث تتحوّل لغة الحرب إلى لغة قبلة.

2. زيق القميص والفرقدان

الانكشاف عبر زيق القميص لا يُقدَّم كفضيحة، بل كإشراق، إذ يشعّ الضحى من الجسد كما يشعّ الفرقدان في الدجى.

3. المحراث والتنّور وجمر المغان

رموز الخصب تؤكد أن العشق فعل خلق واستمرار، حيث الجسد أداة إثمار لا استهلاك.

4. العصفورتان في الغيث

صورة البراءة والهشاشة، حيث الشيخ يستعيد طفولته عبر هذا الارتجاف.

5. محراب الصلاة والحان

الجمع بين المقدّس والدنيوي، حيث العشق طقس وجودي لا ينفي الإيمان.

6. النصفان المستجمعان وحبة القمح

اكتمال الكينونة عبر الآخر، حيث يصبح الإنسان بلا امتداد وجودًا ناقصًا.

تاسعًا: القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا

تاسعًا: قراءة بنيوية للقصيدة

تقوم البنية الداخلية للقصيدة على نظام من الثنائيات المتقابلة التي تُنتج المعنى عبر التوتر لا عبر السرد. فالعنوان نفسه يؤسس لهذا البناء البنيوي القائم على المفاضلة بين الامتداد الزمني («يومان») والكثافة الوجودية («لحظتان»)، وهو تقابل يتكرّر في مختلف مستويات النص.

على المستوى الدلالي، تتوزع القصيدة على حقول متقابلة:

- الزمن/اللازمن

- الطفولة/النضج

- المقدّس/الدنيوي

- الماء/النار

ولا تعمل هذه الثنائيات بوصفها تناقضات حادّة، بل بوصفها عناصر متجاورة داخل بنية واحدة، حيث يُعاد إنتاج المعنى من خلال الجمع لا الفصل. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يتجاور معه، كما لا تُلغى الصلاة بالاشتهاء، بل يُعاد تعريفهما داخل وحدة دلالية واحدة.

أما على المستوى التركيبي، فتتسم القصيدة بحركة دائرية تبدأ بالسؤال وتنتهي بالاكتمال الرمزي (حبة القمح)، بما يمنح النص بنية مغلقة نسبيًا، تُحيل النهاية إلى البداية، وتؤكد أن الاكتمال لا يتحقق بالامتداد الخطي، بل بالعودة إلى الجوهر.

وتُسهم الصور المتكررة ذات الطابع الزراعي والكوني في تثبيت هذه البنية، إذ تعمل بوصفها وحدات دلالية متوازنة، تتكرر بصيغ مختلفة دون أن تفقد وظيفتها البنيوية، مما يمنح النص تماسكًا داخليًا قائمًا على التكرار التحويلي لا التكرار اللفظي.

وبذلك، يمكن القول إن القصيدة تُبنى بنيويًا على جدلية الأضداد المتآلفة، حيث لا يُنتج المعنى من عنصر واحد، بل من العلاقة التي تنشأ بين العناصر داخل النسق النصي.

عاشرًا: القراءة السيميائية للقصيدة

تقوم البنية السيميائية للقصيدة على تحويل العلامات من معناها التداولي المباشر إلى معنى رمزي مركّب، حيث لا تعمل الصورة الشعرية بوصفها وصفًا، بل بوصفها علامة دلالية تُنتج المعنى عبر الانزياح والتراكب.

يُعدّ العنوان نفسه علامة سيميائية مركزية، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للقياس، و«اللحظة» بوصفها وحدة وجودية غير قابلة للعدّ. هذا التقابل لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يُبقي المعنى معلّقًا، بما ينسجم مع رؤية القصيدة لتعليق الزمن وإعادة تعريفه.

وتتجلّى السيميائية بوضوح في العلامات الزراعية المتكررة، مثل المحراث، التنّور، القمح، التي تنزاح من دلالتها المادية إلى دلالة وجودية، حيث تتحوّل إلى رموز للخصب، والاستمرار، والاكتمال. ف«حبة القمح» لا تُقرأ بوصفها عنصرًا غذائيًا، بل بوصفها علامة على الكينونة المكتملة المشروطة بالانقسام، إذ لا تتحقق دلالتها إلا عبر نصفها الآخر.

كما تعمل العلامات الكونية، مثل الليل، الضحى، الفرقدان، بوصفها إشارات إلى الانتقال من العتمة إلى الكشف، ومن الغياب إلى الحضور. وهي علامات لا تؤدي وظيفة وصفية، بل تؤسس لمسار دلالي يُعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والنور، وبين العشق والمعرفة.

أما ثنائية المحراب والحان، فتُعدّ من أكثر العلامات السيميائية كثافة، إذ تُنتج معناها من الجمع بين المقدّس والدنيوي، لا من الفصل بينهما. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يُعاد تعريفه داخله، لتتحوّل العلامة الدينية إلى علامة وجودية، والعشق إلى طقس دلالي موازٍ للصلاة.

وفي هذا السياق، تكتسب صورة "الفرقدين" كثافة سيميائية خاصة، إذ تنزاح من دلالتها اللغوية بوصفها نجمين يُستدلّ بهما على الثبات والاهتداء، إلى إحالة جسدية–كونية تُعيد شحن العلامة بمعنى الخصوبة والجذب والامتلاء. فالفرقدان لا يحضران بوصفهما عنصرًا فلكيًا وصفيًا، بل يتحوّلان إلى قطبين دلاليين يُعيدان تنظيم العلاقة بين الجسد والنور، حيث يغدو الجسد مركزًا للهداية لا نقيضًا لها، وتتحوّل العلامة السماوية إلى رمز وجودي يربط العشق بالكشف، لا بالاشتهاء العابر.

وبذلك، تُبنى القصيدة سيميائيًا على شبكة من العلامات المنزاحة، التي لا تُحيل إلى مدلول واحد ثابت، بل تُنتج معناها عبر التفاعل بين الحقول الدلالية المختلفة، مما يجعل النص مفتوحًا على تعدد التأويل، دون أن يفقد تماسكه الداخلي.

أحدَ عشرَ: التحليل النفسي للقصيدة

وتنفتح هذه القراءة، إلى جانب مقارباتها البنيوية والسيميائية والأنطولوجية، على أفق نفسي–وجودي، ويتجلّى هذا البعد النفسي–الوجودي في استدعاء الطفولة لا بوصفها زمنًا منقضيًا، بل حالة شعورية تستعاد في لحظة العشق، حيث يتقاطع الحنين مع وعي الفناء، ويغدو الزمن تجربة داخلية مشحونة بالتوتّر بين الرغبة في الاكتمال والخوف من الانطفاء.

الثاني عشرَ: القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا

تنهض القصيدة على رؤية صوفية للعشق بوصفه كشفًا روحيًا لا تجربة عاطفية عابرة. فالعشق هنا ليس غاية في ذاته، بل طريق إلى تجاوز الزمن، وتعليق القياس، والدخول في لحظة حضور مطلق، وهي لحظة تتقاطع مع مفهوم «الوقت» في التجربة الصوفية، حيث لا يُقاس الزمن بالامتداد، بل بالامتلاء.

يؤسس العنوان نفسه لهذا الأفق الصوفي، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للعدّ، و«اللحظة» بوصفها زمن الكشف. فاللحظة في التصوف هي لحظة الفتح، حيث يتكثّف الوجود، ويذوب الامتداد، ويغدو الزمن حالة شعورية لا إطارًا خارجيًا. ومن هنا، يصبح السؤال: «يومان أم لحظتان؟» سؤالًا عن طبيعة الوجود لا عن مدته.

وتتجلّى الصوفية بوضوح في ثنائية «المحراب والحان»، التي لا تُطرح بوصفها تضادًا أخلاقيًا، بل بوصفها وحدة وجودية. فالمحراب لا يُلغى بالحان، كما لا يُلغى الحان بالمحراب، بل يلتقيان في نقطة واحدة هي العشق بوصفه طقسًا كونيًا. وهذا الالتقاء يعكس الرؤية الصوفية التي ترى أن الطريق إلى المطلق لا يمرّ عبر نفي الجسد، بل عبر تطهيره وتحويله إلى وسيلة للمعنى.

كما تحضر ثنائية الماء والنار بوصفها رمزًا صوفيًا مركزيًا، حيث لا تعمل العناصر بوصفها متناقضات، بل بوصفها قوى متكاملة. فالنار هنا ليست إحراقًا، بل شوقًا، والماء ليس إطفاءً، بل صفاءً. وبهذا، يتحوّل العشق إلى حالة توازن بين الاحتراق والسكينة، وهي من سمات التجربة الصوفية العميقة.

أما صورة الطفولة، فتُقرأ صوفيًا بوصفها عودة إلى الفطرة الأولى، حيث البراءة، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة ليست مرحلة عمرية، بل حالة روحية يسعى المتصوف إلى استعادتها عبر الفناء في المحبوب، والانعتاق من الأنا.

وفي هذا السياق، يصبح تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل، تعبيرًا عن الرغبة في الخروج من الزمن الدنيوي إلى زمن الكشف، حيث لا بداية ولا نهاية، بل حضور دائم. وهكذا، تتحوّل القصيدة إلى تجربة وجدانية تقترب من خطاب العشق الصوفي، الذي يرى في الحب طريقًا إلى المعرفة، وفي الجسد معبرًا إلى الروح، وفي اللحظة الفردوس الحقيقي.

خلاصة صوفية

تقدّم القصيدة رؤية صوفية للعشق بوصفه حالة فناء في الحضور، لا علاقة عابرة، حيث يتجاوز الإنسان الزمن، ويتصالح مع الأضداد، ويستعيد دهشته الأولى. وبذلك، لا يكون الفردوس مكانًا مؤجّلًا، بل لحظة مكتملة تُعاش خارج القياس، في قلب العشق ذاته.

خاتمة

تقدّم قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» رؤية شعرية عميقة ترى في العشق مقاومة للزمن، وتعليقًا للفناء، واستعادة للوجود الأصيل. فالزمن لا يُقاس بعدد الأيام، بل بقدرة اللحظة على أن تكون فردوسًا. وهكذا، لا تغدو القصيدة احتفاءً بلحظة عشق فحسب، بل فعل نجاة وجودية، حيث تصبح الشيخوخة قابلة للتجاوز عبر الامتلاء بالحياة في أكثر صورها صفاءً، سواء تجلّت في العشق، أو في الامتداد الإنساني الذي يعيد للذات دهشتها الأولى. كما تُظهر القراءات الصوفية والبنيوية–السيميائية أن النص مفتوح على مستويات متعددة من التأويل، مما يؤكد ثراءه وعمقه، ويجعل منه تجربة شعرية تتجاوز الغزل إلى أفق فلسفي وروحي ودلالي متكامل.

***

سهيل الزهاوي

......................

يومان؟ أم لحظتان؟

يَومانِ في الفردوسِ؟

أمْ لحظتانْ؟

*

عشناهما طفلينِ

في اللازمانْ؟

*

مَرّا كما الأحلامُ في مُقلةٍ

أدمنتِ السهادَ في اللامكانْ

*

في جَنَّةٍ أرضيَّةٍ عَرضُها

عشرةُ أنهارٍ وبَحرا أغانْ

*

ما وطأتْها قدمٌ قبلَنا

ولا اختلى في فيئِها عاشقانْ

*

طفلينِ لم يَدَّخِرا لُعبةً

إلآ ومن لَذّاتِها ينهلانْ

*

يَستجديانِ الليلَ لا ينجلي (*)

والصبحَ أنْ يبقى حَبيسَ الأوانْ

*

ناما  وما ناما  وإنْ أطبَقَتْ

جفونَها من خَدَرٍ مُقلتانْ

*

تَبَتَّلا

واستَمطرا غيمةً..

وابتهلا

قُبيلَ صَوتِ الأذانْ:

*

أنْ تُسْجَنَ الساعاتُ في حُجرَة

صَمّاءَ

لا تنفذ منها الثوانْ

*

شَمَّرَ عن خريفِهِ حاسِرًا

عن شَبَقِ الربيعِ للأقحوانْ

*

سَلَّ حسامَ الشوقِ من غِمدِهِ

وكَرَّ باللثمِ على

غُصنِ بانْ

*

وشَعَّ من زيقِ القميصِ الضحى

كما يشعُّ في الدُّجى الفرقدانْ (**)

*

راوَدَها عن خبزِ تنُّورِها

فأطعَمَتْ..

فكانَ نَهمًا.. وكانْ..

*

فاستيقظَ المحراثُ من نومِهِ

وشَبَّ في التنُّورِ جَمرُ

المَغانْ

*

تناولا ألذَّ ما يُشتهى..

وارتَشَفا من الرَّحيقِ

الدِّنانْ

*

مَكَّنها من حُضنِهِ فاغتدَتْ

مشكاتَهُ والبدرَ والشمْعَدانْ

*

ومَكَّنتْهُ من فراديسِها

يقطفُ من قاصٍ خبيءٍ

ودانْ

*

ما اسْتفتَيا غيرَ سريرِ الهوى

ولا سوى نشوتِهِ يطلبانْ

*

ألبَسَنا الليلُ: الدُّجى..

والضحى

دَثَّرَنا: صَبَّا مَشوقا

بِثانْ

*

وقامَ بَردٌ فارتجَفنا كما

تَبَلَلتْ في الغيثِ

عصفورتانْ (***)

**

ألبَستُها مِنْ قُبَلٍ بُردة..

وألبَسَتني مِعطفا من جُمانْ

*

كيفَ التقَينا ياسريرَ المُنى

ماءٌ ونيرانٌ..

وأُنسٌ وجانْ

*

إنْ عَطِشا

صَبَا بكأسَيهِما

سُلافةَ اللثمِ

ويَستَطمِعانْ:

*

بِشَمِّ زهرِ اللوزِ في روضةٍ

أندى من الرَّيحانِ والزُّعفرانْ

*

ويقطِفانِ منْ جِنى واحةٍ

ما لمْ تنَلْهُ من قطوفٍ يَدانْ

*

يومانِ في الفردوسِ؟

أمْ لحظتانْ

ما بينَ محرابِ صلاةٍ

وحانْ !

*

تَشابها

حتى كأنْ لم يكنْ

بينها فرقٌ

كما توأمانْ:

*

كلاهما يسعى الى حَتفِهِ

عشقا..

هما:

نِصفانِ مُستَجْمَعانْ

*

ك" حَبَّةِ القمحِ ": (****)

بلا نصفِها

تُصبحُ كاللاشيءِ

صنوَ الدخانْ

***

تُمثّل هذه قصيدة «نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تذكُّرَهُ!»، نموذجاً لقصيدة الذات المأزومة في الشعر العربي المعاصر، حيث يتحوّل النسيان من فعل عابر إلى موقف وجودي واعٍ، ويغدو الصمت، واللا مبالاة، والانسحاب، أدوات مقاومة ضد فائض الأسئلة، وضجيج المعنى، واستنزاف الذات. العنوان نفسه ليس إخباراً، بل إعلان قطيعة مع الذاكرة بوصفها عبئاً أخلاقياً ووجدانياً.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتسم القصيدة بسلامة لغوية رفيعة، وانضباط نحوي دقيق، مع اعتماد التراكيب المركّبة ذات النفس الكلاسيكي، وهو ما يضع النص في منطقة وسطى بين القصيدة العمودية الحديثة والقصيدة التأملية المعاصرة.

- الأسلوب يقوم على:

١- الجملة الخبرية ذات الحمولة الفلسفية

٢- الاستفهام الإنكاري

٣- لشرط والتعليل

مثل:

" وأيُّ حرفٍ – تُرى – يُبدِي تأثُّرَهُ؟!"

وهو استفهام يتجاوز البلاغة إلى التشكيك في قدرة اللغة ذاتها على المواساة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:المفردات منتقاة بعناية عالية، تنتمي إلى حقل:

١- الوعي (المعنى، السؤال، التفسير)

٢- الألم (اليأس، الحزن، الاحتراق)

٣- العزلة (الصمت، الوحدة، الابتعاد)

يتحقق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في المجاز، ولا جفاف في التقرير. اللغة هنا تفكّر بقدر ما تُحسّ.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة مكتوبة على بحر خليلي محافظ نسبياً، مع قافية موحّدة (ـهُ) تُنتج أثراً صوتياً يوحي بالانغلاق والدوران حول الذات.

الموسيقى الداخلية تتجلّى في:

١- التكرار الدلالي: (سَلْني – لا – ليس – وحدي)

٢- الجرس الحزين لحروف الهاء والراء والنون

٣- الوقفات النفسية داخل السطر الشعري

٤- القافية الواحدة تُحاكي نفسيًا فكرة الدوران في حلقة اليأس.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة مبنية على سرد داخلي تأملي، بلا أحداث خارجية تقريبًا. الزمن نفسي لا تاريخي، والشخصية الوحيدة هي الـ«أنا» المتشظية.

البنية تقوم على:

١- إعلان النسيان

٢- مساءلة اللغة

٣- تفكيك السؤال

٤- تمجيد الصمت

٥- الانسحاب من العالم

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر للعالم رؤية شكّية – عدمية جزئياً؛ العالم فاقد للمعنى، واللغة عاجزة، والسؤال عبء، والانتظار وهم.

ينسجم الشكل (قصيدة متماسكة الإيقاع، منغلقة نسبياً) مع المضمون (انسحاب، عزلة، اكتفاء بالذات).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي؛

يتجلّى الانزياح في صور غير مألوفة مثل:

" أنا نبيٌّ محا الطوفانُ قريتهُ"

وهي صورة تجمع بين:

١- النبوّة (المعنى)

٢- الطوفان (الخراب)

٣- فقدان الجماعة (القرية)

كما أن:

" قلبي بيتُ عائلةٍ من اليتامى"

صورة عالية الكثافة الرمزية، تُنتج الدهشة لا بالغرابة بل بالصدق الوجداني.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

١- هل الذاكرة خلاص أم عبء؟

٢- هل الصمت أصدق من الكلام؟

٣- هل السؤال ضرورة أم فخّ؟

٤- النسيان هنا اختيار أخلاقي لا عجز.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١- الفلسفة الوجودية (كامو، سيوران)

٢- شعرية الشك عند أبي العلاء

٣- النزعة التأملية الحديثة

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

في العمق، القصيدة ليست عن النسيان، بل عن:

١-رفض التورّط في زيف المعنى

٢- تفكيك سلطة اللغة

٣- الانسحاب من لعبة التفسير

" أما السؤال فقد طوَّحتُهُ بيدي"

هنا يتم إعدام السؤال بوصفه سلطة معرفية قاهرة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة ابنة زمن عربي مثقل:

١- بالخيبات

٢- بانهيار السرديات الكبرى

٣- بتآكل المعنى الأخلاقي

2. تطوّر النوع الأدبي:

تنتمي القصيدة إلى الشعر التأملي الحديث الذي يستثمر الشكل الكلاسيكي ليقول رؤية حديثة.

3. الارتباط بالتراث:

تحضر إشارات:

١- نبوية

٢-لغوية

٣-أخلاقية

لكنها تُفكَّك ولا تُستعاد بوصفها يقيناً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بـ:

١- اليأس العميق

٢- الحزن الناضج

٣- العزلة المختارة

2. تحليل الشخصية:

الشخصية الشعرية:

١- حسّاسة

٢- واعية

٣- متصالحة مع وحدتها

٤- غير عدوانية رغم الألم

3. النبرة النفسية:

النبرة تجمع بين:

١- الحزن الهادئ

٢- الحكمة المُرّة

٣- اللامبالاة الدفاعية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع.

القصيدة تعكس اغتراب المثقف العربي داخل مجتمعه.

2. الخطاب الاجتماعي

ثمّة نقد ضمني:

١- للضجيج.

٢- للخطاب الفارغ.

٣- للتأويل القسري

3. الشاعر كفاعل اجتماعي:

اختار الشاعر الانسحاب الواعي بدل الخطاب المباشر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز:

١- الماء: الذاكرة

٢- الاحتراق: الفناء الواعي

٣- الصمت: الحقيقة

٤- النافذة: المراقبة دون مشاركة

2. الثنائيات:

١- الكلام / الصمت

٢- السؤال / اليقين

٣- الحضور / الغياب

ثامناً: الأسس المنهجية

القصيدة قابلة للتحليل:

١- الأسلوبي

٢- النفسي

٣-التأويلي

وتتسم بانسجام داخلي يسمح بتعدد القراءات دون تفكك.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم الإنسانية:

تحتفي القصيدة:

١- بالصدق الداخلي

٢- بحقّ الفرد في الانسحاب

٣- بكرامة الألم الصامت

2. الانفتاح التأويلي:

النص مفتوح، لا يفرض تأويلًا واحدًا.

3. البعد الإنساني الشامل

تتجاوز القصيدة سياقها المحلي لتلامس الإنسان المعاصر المرهق بالأسئلة.

- خاتمة:

تمثّل قصيدة «نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تذكُّرَهُ!» نصًا ناضجًا في الشعر العربي المعاصر، يجمع بين الصياغة المحكمة، والرؤية الفلسفية، والعمق النفسي. إنها قصيدة لا تصرخ، بل تنسحب بكرامة، وتعلن أن الصمت – أحيانًا – هو أصدق أشكال القول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

نسيتُ شيئًا، ولا أنوي تَذكُّرَهُ!

وقلتُ فليصدقِ المعنى، لأنكِرَهُ

*

وليبتعِدْ كلُّ شيءٍ مثلَ عادتِهِ

فقد قضيتُ من المشوارِ أكثَرَهُ

*

أنا نبيٌّ مَحَا الطوفانُ قريتَهُ

أمَّا كلامي..

فقد أحرقتُ دفتَرَهُ

*

ماذا تقولُ اللغاتُ الأمُّ عن تَعَبِي؟

وأيُّ حرفٍ -تُرَى- يُبدِي تأثُّرَهُ؟!

*

يأسي عميقٌ،

كأنَّ الأرضَ قد ذهَبَتْ إلى سوايَ،

ولا شيءٌ لأخسَرَهُ

*

أما السؤالُ فقد طوَّحتُهُ بِيَدِي

لا غايةٌ لانتظاري،

كي أفسِّرَهُ

*

ولا أسمِّي شرودي غيرَ نافذتي،

حتى أراقبَ شيطاني، فأحذَرَهُ

*

سَلْنِي عن الصمتِ،

أغلى ما أجودُ بِهِ،

ولو لمستُ وراءَ الشكلِ جوهَرَهُ

*

في اللا مبالاةِ ما في اليأسِ من سَعةٍ،

وفي الكلامِ خِصامٌ سَلَّ خِنجَرَهُ

*

سَلْنِي عن الحزنِ،

قلبي بيتُ عائلةٍ من اليتامى،

ظلامُ الخوفِ سوَّرَهُ

*

وحدي تمامًا،

وأصحابي قد ابتعدوا

كلٌّ له سببٌ عندي لأعذِرَهُ

*

أسامحُ المرءَ، حتى لو أرادَ دمي!

ما دامَ خلفَ حجابي ما تَصَوَّرَهُ

*

ليحدثِ الأمرُ دوني،

ليسَ لي شغفٌ بما يدورُ،

ومَنْ في الليلِ دبَّرَهُ

*

لي صورةٌ في كتابِ الماءِ أعرفُهَا

وموعدٌ لاحتراقي لنْ أؤخِّرَهُ

 

تقدّم رواية (أوجاع على نهر الغراف) وهي باكورة أعمال الكاتب الواسطي الدكتور (رحيم جودي) مادة ثرية للدراسة النقدية، إذ تكشف عن تقنيات سردية عديدة من بينها: المزاوجة بين الواقعية القاسية والتكثيف الشعري. استمدّت الرواية قوّتها من قدرة الكاتب على تشريح الواقع الاجتماعي والسياسي لمدينة الكوت ومحلّة (الكريمية) تحديدًا، فقد استطاع الكاتب أن يحوّل تلك المدينة التي عاشت في قبضة الأزمات إلى شخصية سردية محورية تعكس صراعًا وجوديًّا متعدّد الأبعاد.

تناولت الرواية مجموعة من القضايا الجوهرية التي تعكس واقعًا مُعذَّبًا، وقامت على أساس ثيمة الخراب والتحلّل المادي والنفسي، إذ لا يقتصر العنف بوصفه حدثًا خارجيًّا، بل صار بنية ميتافيزيقية سيطرت على الفضاء العام والخاص، وتحوّلت محلّة (الكريمية) إلى (مسرح العبث) إذ يصف السارد العليم العنف الطائفي كصراع "تُعلِنُه الحروب باسم الله"، مؤكدًا تقاطع المقدّس مع المدنّس في سياق الدمار. هذا التوصيف يجعل (سيمفونية الموت) العازف الوحيد، ويحيل الجدران الحاضنة للقذائف إلى شواهد على فشل الحياة.

عالج السارد –ومن ورائه الكاتب- ثيمة الحرب والخراب بما فيها من حضور طاغٍ للعنف، والموت، والأشلاء المتناثرة، وكذلك الصراعات الطائفية والقومية وما أفرزته من قتل وتهجير، وتناول الفقر والحرمان والطبقية، وقضية المرأة والقيود الاجتماعية المفروضة عليها، وسلّط الضوء على غياب العدالة وتفشي العشائرية، إذ صوَّر مجتمع الرواية بأنّه مجتمع يسيطر عليه العنف المنظّم مشيرًا إلى فشل المؤسسات الرسمية وظهور السلطة غير المشروعة.

اعتمد النص على تفكيك مفهوم السلطة التقليدية والحديثة، وسعى إلى توضيح كيف أن العنف هو النظام العلائقي البارز، وهو ما يفسّر تحوّل النزاع إلى حروب بدائية وصراعات لأجل كسب المال والسلطة، حيث تكون السلطة دافعًا ووقودًا لهذه الحروب. هذا التصوير ينقل الصراع من حقل السياسة إلى حقل الاجتماع الأنثروبولوجي حيث يسود المنطق العشائري، ممَّا يقوّض أي أمل في العدالة الاجتماعية أو دولة القانون.

شخصيات الرواية الرئيسة ليست سوى كائنات مأزومة تبحث عن ملاذ آمن، لكنّها لا تجد سوى أوهام الخلاص، فشخصية (يوسف النجار) نموذجًا لـلبطل المُناوئ الذي يمثل نتاجًا مباشرًا للصدمة التاريخية المتمثّلة بمقتل أبيه في الحرب (العراقية-الإيرانية) وما علاقته بالحب والأوهام، وبيعه الكلمات المعسولة بأرخص الأثمان، تكشف عن محاولة تجارة الخلاص، حيث يستثمر عاطفيًّا في حرمان الآخرين بينما هو نفسه باع مشاعره. شخصيته هي تقاطع مؤلم بين الوسامة المفتولة العضلات والماضي المكلوم، ممَّا يخلق تناقضًا يلخّص هشاشة القوة في وجه القدر.

أمَّا شخصية (أحلام) فمثّلت مركز الثقل الدرامي للرواية. عانت من منفى داخلي مضاعف: فقر، وبؤس، وعبء الرغبة المُجهضة (الزواج) التي تمثّل قمة الإدانة الاجتماعية، إذ يُربَط تحقيق الذات الأنثوية بالنجاح في الرهان التقليدي، تحت ظل تسرّب العمر بين الأصابع. (أحلام) كائن حاول الهرب والنجاة من واقع مؤلم عاشته على يد زوجة أبيها الخائنة نحو وهم يوسف النجار، الأمر الذي جعل خلاصها المستقبلي مهددًا بوصفه امتدادًا لوهم الماضي.

اعتمد الكاتب على لغة شديدة الإيحاء، تستخدم التناغم بين العناصر الوصفية والنفسية، إذ يجد القارئ تشخيصًا مكثفًا للمفاهيم المجرّدة، "تتشابك الأحلام كأوراق الشجر"، و"العنوسة تقتل الروح". كما لا يمكن فصل الوصف في هذه الرواية عن الحدث؛ فغروب الشمس ليست ظاهرة طبيعية فحسب، بل هو إنذار بالخراب، حيث "تنزع نحو المغيب" معلناً "هجوم الظلام". هذا التزامن بين الطبيعة والحدث منح النص اتساقًا موضوعيًّا ووحدة عضوية متماسكة، فمقاطع الرواية الستة جميعها خدمت رؤية واحدة وهي تصوير مجتمع مُنهار داخليًا وخارجيًا. كما نجح الكاتب في رسم عوالم الشخصيات وغاص في أعماقها الداخلية وصوّر معاناتها ممَّا أكسبها تعاطف القارئ.

في المحصّلة، أظهرت رواية (أوجاع على نهر الغراف) نسيجًا سرديًا غنيًا وعميقًا مزج بين الواقعية القاسية واللغة الشعرية المكثفة، وتناولت قضايا اجتماعية وسياسية وطبقية معقّدة تمحورت حول شخصيات عاشت في كنف الحرمان والأزمات. فالرواية عمل سردي جاد ومُهمّ، يتمتّع بقدرة فائقة على التقاط التناقضات الحادّة في الحياة المعاصرة لمدن الشرق الأوسط المتأزّمة. امتلك الكاتب ناصية اللغة، واستخدمها بمهارة فائقة لبناء عوالم مرئية ومحسوسة تُدين العنف والفساد وتناصر ضحايا الحرمان. تندرج الرواية ضمن الروايات الواقعية النقدية التي تحاول تشريح الواقع المُركَّب، وتثبت أن الذاكرة والأحلام هما الملجأ الأخير للإنسان في زمن الخراب. لقد نجحت الرواية في تقديم سردية ما بعد الصدمة، حيث يختلط زمن الحرب بزمن الذاكرة. إنه نص يرفض السرد الساذج للبطولة، ويُفضل تشريح الضحية والجلاد في آن واحد، مؤكدًا أن العيش في هذا الواقع هو نوع من البقاء الجريح الذي يدفن الأحلام في "صندوق الصدر" تاركًا القارئ أمام إدانة صريحة للعنف الذي ابتلع المدينة والإنسان معًا.

ولابدّ من الإشارة إلى أنَّ كثافة الحزن وطغيان الطابع السوداوي على الرواية، والإفراط في تصوير البؤس والخراب أدّى إلى إرهاق القارئ. كما أن إيقاع الرواية ليس خطيًا بسيطًا، وإنّما يبدأ بوصف مكثف للمكان والمشاعر، ثم ينتقل إلى استعراض سيرة الشخصيات، ويتصاعد في وصف العنف والخراب. هذا التداخل عكس تداخل الزمن النفسي مع الزمن الواقعي، فضلاً عن أن السرد انتقل بسلاسة بين التركيز على الشخصيات الفردية (أحلام)، و(يوسف النجار)، و(أم غائب)، و(كريم العلاف)، وغيرهم، ووصف المشهد الاجتماعي العام.

لقد امتازت الرواية بلغة شعرية عالية، جعلت القراءة تجربة فنيّة ممتعة على الرغم من قسوة المشاهد، ورفعت النص من مستوى السرد الإخباري إلى مستوى فنّي مؤثّر لكن هذه اللغة الشعرية أخذت مساحة واسعة من الرواية، ووسمتها بميسم الشعرية وابتعدت بها عن الخطاب الروائي المباشر. فقد احتلّت هذه اللغة مساحة لافتة على حساب الأحداث، وعلى الرغم من أن الوصف كان جزءًا من الحدث، وجعل المكان شخصية قائمة بذاتها تعكس حالة المجتمع إلا أن الكاتب بالغ كثيرًا في الوصف الأمر الذي أضعف حبكة الرواية إلى حدٍ كبير، وجعل النص أقرب للرحلة منه إلى السرد الروائي.

***

د. إحسان الزبيدي

للشاعرة ناديا نواصر «وراقة الجزائر»

تندرج قصيدة «الجزائر.. سؤال الصمود» ضمن الشعر الوطني الذي يتجاوز المباشرة الخطابية إلى بناء رؤية شعرية كثيفة، تمزج بين الذاتي والجماعي، بين الجرح والتاريخ، وبين الوطن بوصفه مكانًا والوطن بوصفه كينونة وجودية. لا تقف الشاعرة عند حدود الإنشاد الوطني التقليدي، بل تعيد صياغة العلاقة مع الجزائر باعتبارها سؤالًا مفتوحًا لا إجابة جاهزة له إلا في صلابة الشعب واستمرارية المعنى.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتسم لغة القصيدة بسلامة نحوية واضحة، مع اعتماد التركيب الحر القريب من قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر المموسقة. الجمل قصيرة غالبًا، مشحونة بالدلالة، تعتمد الفعل المضارع (غنِّ، تقوم، تمشي، نتنفس) بما يعزز الإحساس بالاستمرارية والحضور.

الانزياح اللغوي يظهر في نقل المفردات من مجالها التداولي إلى مجالها الرمزي، مثل:

«في رئةٍ شربت من غبار المعارك»

«وطني طالعٌ من مجرّات روحي»

وهي صور تخلخل العلاقة المألوفة بين الجسد والوطن، لتصنع اندماجًا أنطولوجيًا بينهما.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى بوضوح؛ فالمفردة منتقاة بعناية، لا زخرف لغوي فائض، ولا جفاف تقريري. اللغة ملائمة تمامًا للموضوع الوطني، لكنها تتجنب الشعاراتية، وتعتمد الكثافة بدل الإطناب.

تُوظَّف مفردات مثل: الصخر، الجرح، الثورة، الخبز، العلم بوصفها علامات ثقافية راسخة في المخيال الجزائري.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة حرة الوزن، لكنها مشبعة بموسيقى داخلية قائمة على:

التكرار: غنِّ لي – وطني – الجزائر

الجرس الصوتي: التناوب بين الحروف الصلبة (ق، ط، ص) والحروف الرخوة (ن، م، ل)

التوازي التركيبي:

نرفع الخبز بيد

والعلم بالأخرى.

هذا التوازي يولد إيقاعًا دلاليًا يوازي الإيقاع الصوتي.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة مبنية على حركة تصاعدية:

من النداء الفردي (غنِّ لي يا وطني)

إلى استحضار الذاكرة الجماعية

إلى مساءلة الشعب

ثم إلى خلاصة فلسفية: الوطن سؤال والشعب جواب

لا شخصيات سردية تقليدية، بل أصوات رمزية: الشوارع، الأمهات، العمال، وهي تمثل طبقات المجتمع.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعرة للعالم قائمة على أن الوطن فعل صمود لا معطى جاهز، وأن الانتماء ممارسة يومية، لا شعارًا. ينسجم الشكل الشعري المفتوح مع مضمون الحرية والمقاومة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

الدهشة لا تنبع من الصورة المفردة فقط، بل من التركيب الكلي، مثل:

«الجزائر تُنزف نشيدًا وتقوم»

وهو انزياح يزاوج بين الألم والنهضة في صورة واحدة.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

تطرح القصيدة أسئلة وجودية وأخلاقية:

كيف يستمر الوطن رغم الخيانة والخذلان؟

ما معنى الصمود؟

هل الوطن جغرافيا أم ذاكرة؟

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١- الفكر التحرري العربي

٢- فلسفة المقاومة

٣- تراث الشعر الوطني (مفدي زكرياء، محمود درويش)

لكن دون محاكاة مباشرة.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الوطن في النص ليس موضوعًا خارجيًا، بل ذاتًا داخل الذات:

«وطني أتعبته اللغة»

هنا تُدان اللغة نفسها لعجزها عن احتواء التجربة الوطنية.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة مكتوبة في سياق جزائري وعربي مأزوم، حيث تتجدد أسئلة الهوية والسيادة، وتُستعاد الذاكرة الثورية بوصفها معيارًا أخلاقيًا.

2. تطور النوع الأدبي

تنتمي القصيدة إلى الشعر الوطني الحديث الذي تجاوز الإنشاد الخطابي إلى الشعر الرؤيوي.

3. الارتباط بالتراث:

يحضر التراث:

في صورة الأرض

في الرغيف

في الدعاء

وهي رموز متجذرة في الثقافة العربية.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بانفعالات:

١- الفخر

٢- القلق

٣- الحنين

٤- الاحتجاج الصامت

2. النبرة النفسية:

نبرة القصيدة تجمع بين:

١- الوجع المكبوت

٢- الإصرار

٣- الأمل الحذر

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع:

القصيدة تُعيد تعريف المجتمع بوصفه فاعلًا تاريخيًا لا مجرد ضحية.

2. الخطاب الاجتماعي:

يحضر نقد ضمني للركود والخيانة عبر تمجيد الفعل والعمل.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي.

تتخذ الشاعرة موقع الضمير الجمعي لا الواعظ.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الصخر: الصلابة

٢- الجرح: الذاكرة

٣- القمر: الأمل

٤- الرغيف: الكرامة

2. الثنائيات:

١- الجرح / الثورة

٢- الليل / الفجر

٣- الخضوع / الصمود

ثامناً: الأسس المنهجية.

النص صالح للقراءة:

١- الأسلوبية

٢- السيميائية

٣- التأويلية

ويمتلك انسجامًا داخليًا يسمح بتعدد القراءات.

تاسعًا: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم الإنسانية:

تحتفي القصيدة بالحرية، الكرامة، العمل، الذاكرة.

2. الانفتاح التأويلي

النص لا يُغلق دلالته، بل يتركها مفتوحة أمام القارئ.

3. البعد الإنساني الشامل

رغم جزائريته الواضحة، يتجاوز النص المحلي إلى الإنساني الكوني.

خاتمة:

تنجح قصيدة «الجزائر… سؤال الصمود» في تقديم نموذج للشعر الوطني المعاصر الذي لا يكتفي بالتمجيد، بل يُفكّر الوطن، ويضعه في قلب السؤال الأخلاقي والوجودي. إنها قصيدة تُقرأ بوصفها نشيدًا، وتُحلَّل بوصفها رؤية، وتُحفظ بوصفها ذاكرة حية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

الجزائر.. سؤال الصمود

إلى الجزائر،

إلى الشعب الذي تعلّم من الصخر معنى الوقوف،

وإلى عروبتنا حين تتكئ على الجراح ولا تنحني.

*

غنِّ لي يا وطني

في هضاب الصدر،

في رئةٍ شربت من غبار المعارك

وظلّت تتنفّس حرية.

*

غنِّ لي

فالجزائر لا تُقال،

الجزائر تُنزف نشيدًا

وتقوم.

*

زارني اسمك

في آخر الليل،

كان في شفتيه ملح البحر

وفي عينيه صبر الجبال.

هزّ لغتي

فخرجت الكلمات من معاجمها

عاريةً

إلا من الانتماء.

*

وطني طالعٌ من مجرّات روحي،

لا تحدّه الجهات

ولا تُطوّقه الخرائط.

وطني…

وطني أتعبته اللغة،

لأن الحروف أضيق

من اتساع دمه.

*

نابضٌ طوبه في يديي

الرغيف،

من جنى من دمي وردة،

ومن صبري سنبلة،

ومن جوعي

صلاةً للغد.

*

صادف وطني قمرًا

في عتمة الأزمنة،

فأضاء الدروب

ومشى.

*

سألتُ الشعب:

كيف لا تنكسرون؟

فقالت الشوارع:

نحن أبناء الذاكرة،

كلُّ حجرٍ هنا

مرّ على كتفه شهيد.

*

قالت الأمهات:

نخبّئ الوطن في الصدر

كما يُخبَّأ الدعاء،

ونُرضعه مع الحليب

كي لا يتيه.

*

قال العمال في الصباح:

نرفع الخبز بيد

والعلم بالأخرى،

ونمشي…

لأن الوقوف

خيانة للوقت.

*

الجزائر

ليست خارطةً تُعلّق على الجدار،

هي جرحٌ

إذا لُمِس

أنجب ثورة.

*

هي وطنٌ

كلما أثقلته السنين

استقام،

وكلما خانته الريح

صار أصلب.

*

أيها الوطن المتشامخ

لا… لا تنكسر،

أيها الشعب

لا تندثر.

*

نحن سؤالك المفتوح،

وجوابك الوحيد:

أن الشعب

إذا أراد الحياة

فلا التاريخ يخذله

ولا الجراح.

 

في زمنٍ تتكشّف فيه الهزائم لا بوصفها انكسارًا عسكريًا فحسب، بل كعارٍ معرفيٍّ وأخلاقيٍّ يصيب الوعي الجمعي في جوهره، تنهض قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» لأمل دنقل بوصفها نصًّا مفصليًّا في تاريخ الشعر العربي الحديث، ونقطة اشتباك حادّة بين الشعر والتاريخ، وبين الكلمة والسلطة، وبين الرؤية والعمى. فهي ليست مجرّد تعبير شعري عن لحظة انكسار قومي، بل بناءٌ جماليٌّ مركّب يشتغل على مساءلة الوعي العربي في لحظة سقوطه، وعلى تفكيك آليات التزييف، والصمت، وإنكار الحقيقة.

تستعيد القصيدة رمز زرقاء اليمامة من عمق الذاكرة التراثية، لا لتعيد إنتاجه بوصفه أسطورة سردية، بل لتحوّله إلى أداة نقدية كاشفة، وإلى ضمير معرفيٍّ مُهمَلٍ يرى الكارثة قبل وقوعها ولا يجد من يصغي إليه. ومن هنا، تتجاوز القصيدة حدود الرثاء والبكاء، لتغدو خطاب إدانة أخلاقية، ومحاكمة رمزية لتواطؤ الجماعة مع العمى، ولعلاقة السلطة بالحقيقة، وللمسافة الفاصلة بين الرؤية والفعل.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية شاملة، تتكامل فيها المناهج الأسلوبية والجمالية والفكرية والتأويلية، من أجل تفكيك بنية النص في مستوياتها اللغوية والبلاغية والإيقاعية، والكشف عن رؤيته الفنية، وأبعاده الفكرية والفلسفية، وسياقاته التاريخية والثقافية، وبُناه النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. ولا تسعى هذه القراءة إلى إسقاط أحكام خارجية على النص، ولا إلى اختزال القصيدة في ظرفها السياسي المباشر، بل تهدف إلى قراءة النص بوصفه كيانًا دلاليًّا مستقلًّا، قادرًا على توليد معانٍ متجددة، والانفتاح على تأويلات متعددة، دون أن يفقد توتّره الأخلاقي والإنساني.

وعليه، فإن هذه الدراسة تحاول أن تبرهن أن «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» ليست قصيدة عن الهزيمة فحسب، بل عن شروطها العميقة؛ ليست نصًّا في الحزن، بل في المساءلة؛ وليست صوت شاعر منفرد، بل صدى ضمير جمعي مأزوم، ما زال راهنًا في أسئلته، وملحًّا في نداءاته، وقادرًا – إلى اليوم – على تعرية العمى كلما أعاد التاريخ إنتاجه بأقنعة جديدة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

لغة دنقل في القصيدة فصيحة، مشدودة، صارمة، تخلو من الترخّي الزخرفي.

التراكيب تتأسس على:

١- جمل قصيرة، تقريرية أحيانًا، لكنها مشحونة بالتوتر

٢- هيمنة الفعل المضارع، بما يمنح النصّ طابع الاستمرار والآنـية

٣- استخدام المقاطع الندائية والخطابية:

أيتها العرّافة المقدّسة…

الانزياح هنا ليس لغويًا زخرفيًا، بل انزياح دلالي: الكلمات مألوفة، لكن علاقاتها غير مألوفة، تُنتج صدمة الوعي لا متعة السطح.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى عبر:

اقتصاد لغوي حاد.

كلمات ذات حمولة تاريخية وأخلاقية: المدينة – السيوف – العيون – الزيف – الصمت

اللغة ملائمة تمامًا لموضوع التحذير، الاتهام، والفضح، ولا تسعى إلى الغنائية المجردة، بل إلى إدانة الواقع.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة مكتوبة على شعر التفعيلة، بإيقاع متكسّر، يوازي انكسار المعنى والتاريخ

التكرار (النداء – الاستفهام – الصيغ الاحتجاجية) يؤدي وظيفة نفسية وسيميائية

الموسيقى الداخلية ناتجة عن:

١- التوازي التركيبي

٢- الجناس الخفي

التقابلات الصوتية (الحدة/الخمود).

الإيقاع هنا ليس للإنشاد، بل للإنذار.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص.

القصيدة تقوم على بنية درامية خطابية:

١- متكلم: الشاعر/الضمير الجمعي

٢- مخاطَب: زرقاء اليمامة (بصفتها رمز الرؤية)

٣- غائب/مدان: السلطة – الجماعة الصامتة – التاريخ الكاذب

لا سرد خطي، بل مشاهد احتجاجية متقطعة، تشبه المحاكمة الرمزية.

2. الرؤية الفنية:

رؤية دنقل تراجيدية أخلاقية:

العالم لا يسقط بسبب القوة، بل بسبب العمى المختار

الشكل (القصيدة الصارخة) منسجم تمامًا مع المضمون (فضح الكذب الجمعي).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الإبداع هنا يتجلى في:

إعادة توظيف الرمز التراثي (زرقاء اليمامة) في سياق معاصر

تحويل الأسطورة من حكاية إلى أداة مساءلة سياسية وأخلاقية

تجاوز الرثاء إلى الاحتجاج الجمالي

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة:

١- من المسؤول عن الهزيمة؟

٢- هل العمى قدَر أم خيار؟

٣- ما قيمة الرؤية إن لم تُصدَّق؟

إنها قصيدة إدانة أخلاقية للوعي الزائف.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١-التراث العربي (زرقاء اليمامة)

٢- الفكر النقدي الحديث (تفكيك خطاب السلطة)

٣- روح الحداثة العربية الملتزمة

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

زرقاء اليمامة ليست:

١- شخصية أسطورية فقط

بل:

٢- ضميرًا معرفيًا مغيَّبًا

٣- صورة للمثقف الذي يرى ولا يُصغى إليه

٤- البكاء ليس ضعفًا، بل اعتراف متأخر بالجريمة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

كُتبت بعد نكسة 1967

في مناخ عربي مشحون بالشعارات الكاذبة والانتصارات الوهمية.

2. تطوّر النوع الأدبي.

القصيدة تمثل:

انتقال الشعر من الغنائية إلى القصيدة-الموقف

من التعبير الذاتي إلى الخطاب الجمعي النقدي

3. الارتباط بالتراث

التفاعل مع التراث:

١- ليس تمجيدًا

٢- بل إعادة مساءلة التراث هنا يُستدعى ليُدين الحاضر.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

القصيدة مشبعة بـ:

١- الغضب

٢- القهر

٣- الشعور بالذنب الجمعي

2. تحليل الشخصيات:

١- زرقاء اليمامة:

٢- تمثل الذات العارفة المعزولة

الجماعة:

٣- مثل اللاوعي الجمعي المقموع أو المتواطئ

3. النبرة النفسية:

النبرة العامة:

١- حتجاجية

٢- مريرة

٣- خالية من التعزية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

النص ينتقد:

١- الاستسلام

٢- تقديس السلطة

٣- ثقافة الصمت

2. الخطاب الاجتماعي يفكك:

١- خطاب الانتصار الزائف

٢- أخلاق القطيع

3. الشاعر كفاعل اجتماعي:

١- دنقل:

٢- لا يهادن

٣- لا يبرر

٤- يقف ضد الجماعة حين تخون الحقيقة

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

زرقاء اليمامة: الرؤية/المعرفة

العيون: الإدراك

السيوف: العنف الأعمى

2. شبكات التقابل

١- الرؤية / العمى

٢- الصدق / الزيف

٣- التحذير / الإنكار

3. النظام الرمزي

الفضاء الشعري:

١-؛فضاء تهديد

٢- فضاء محاكمة تاريخية

ثامناً: الأسس المنهجية

1. المنهج

الدراسة تعتمد:

١- المنهج الأسلوبي

٢-المنهج التأويلي

٣- التحليل السيميائي ضمن مقاربة تكاملية.

2. التوثيق

القصيدة موثقة في:

ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

3. الموضوعية

التحليل ينطلق من:

النص.

لا من سيرة الشاعر أو نواياه.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

النص:

١- يدافع عن حق الإنسان في الرؤية

٢- يرفض تزييف الوعي

2. الانفتاح التأويلي

القصيدة قابلة لقراءات:

١- سياسية

٢- معرفية

٣- وجودية

3. البعد الإنساني الشامل:

ليست قصيدة عن هزيمة عربية فقط،

بل عن سقوط الإنسان حين يخون الحقيقة.

خاتمة:

«البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» ليست مرثية، بل لائحة اتهام،

وليست صرخة شاعر، بل محاكمة وعي،

نصٌّ يذكّرنا أن الهزائم الكبرى لا تبدأ في الميدان،

بل في العيون التي ترفض أن ترى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

البكاء بين يدي زرقاء اليمامه

أيتها العرافة المقدَّسةْ..

جئتُ إليك.. مثخناً بالطعنات والدماءْ

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

أسأل يا زرقاءْ..

عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة

عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..

فيثقب الرصاصُ رأسَه.. في لحظة الملامسة!

عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء!!

أسأل يا زرقاء..

عن وقفتي العزلاء بين السيف.. والجدارْ!

عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ؟

كيف حملتُ العار..

ثم مشيتُ؟ دون أن أقتل نفسي؟! دون أن أنهار؟!

ودون أن يسقط لحمي.. من غبار التربة المدنسة؟!

تكلَّمي أيتها النبية المقدسة

تكلمي.. باللهِ.. باللعنةِ.. بالشيطانْ

لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان..

تلعق من دمي حساءَها.. ولا أردُّها!

تكلمي... لشدَّ ما أنا مُهان

لا اللَّيل يُخفي عورتي.. كلا ولا الجدران!

ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها..

ولا احتمائي في سحائب الدخان!

.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين.. عذبةُ المشاكسة

( كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي.. ونحن في الخنادْق

فنفتح الأزرار في ستراتنا.. ونسند البنادقْ

وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة..

رطَّب باسمك الشفاه اليابسة..

وارتخت العينان!)

فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان؟

والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..

والوجهُ.. والغمازتانْ!؟

* * *

أيتها النبية المقدسة..

لا تسكتي.. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً..

لكي أنال فضلة الأمانْ

قيل ليَ "اخرسْ.."

فخرستُ.. وعميت.. وائتممتُ بالخصيان!

ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان

أجتزُّ صوفَها..

أردُّ نوقها..

أنام في حظائر النسيان

طعاميَ : الكسرةُ.. والماءُ.. وبعض الثمرات اليابسة.

وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ

دُعيت للميدان!

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن..

أنا الذي لا حولَ لي أو شأن..

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،

أدعى إلى الموت.. ولم أدع الى المجالسة!!

تكلمي أيتها النبية المقدسة

تكلمي.. تكلمي..

فها أنا على التراب سائلٌ دمي

وهو ظمئُ.. يطلب المزيدا.

أسائل الصمتَ الذي يخنقني :

" ما للجمال مشيُها وئيدا..؟! "

أجندلاً يحملن أم حديدا..؟!"

فمن تُرى يصدُقْني؟

أسائل الركَّع والسجودا

أسائل القيودا :

" ما للجمال مشيُها وئيدا..؟! "

" ما للجمال مشيُها وئيدا..؟! "

أيتها العَّرافة المقدسة..

ماذا تفيد الكلمات البائسة؟

قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ..

فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار!

قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار..

فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار!

وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا..

والتمسوا النجاةَ والفرار!

ونحن جرحى القلبِ ،

جرحى الروحِ والفم.

لم يبق إلا الموتُ..

والحطامُ..

والدمارْ..

وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ

ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،

وفي ثياب العارْ

مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة!

ها أنت يا زرقاءْ

وحيدةٌ... عمياءْ!

وما تزال أغنياتُ الحبِّ.. والأضواءْ

والعرباتُ الفارهاتُ.. والأزياءْ!

فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها

كي لا أعكِّر الصفاء.. الأبله.. المموَّها.

في أعين الرجال والنساءْ!؟

وأنت يا زرقاء..

وحيدة.. عمياء!

وحيدة.. عمياء!

 

تفكيك فلسفي نقدي لجماليات الألم في مسرحية الموت لحضيّة عبده خافي

يحتاج القارئ حين يقترب من عالم حضيّة عبده خافي القصصي، إلى شيء من ذلك الهدوء الداخلي الذي يسبق الدخول إلى صومعة روحية، أو إلى زاوية صوفية يختبر فيها المرء أثر الكلمات قبل أن يختبر معانيها. فالكاتبة لا تتعامل مع الكتابة القصصية بوصفها مجرد تقنية سردية أو تمريناً تخييلياً، بل تتعامل معها ككثافة وجدانية، كفعل شبيه بما سمّاه بول ريكور “جراحة المعنى”، حيث تتحول القصة القصيرة إلى مشرط يشقّ طبقات الألم الإنساني دون أن يبرّر ودون أن يتكلف، ودون أن يلوّن الوجع بأنساق تجميلية.

هنا في رائعتها مسرحية الموت، نكون أمام صوت قصصي لا يبحث عن البطولة، بل يفتّش في الظلال، في المناطق الملتبسة بين الفقد والمسؤولية، بين الصدمة ومحاولة الاستمرار، بين الرغبة في الخلاص وقسوة الواقع الذي لا يهب أحداً فرصة النجاة إلا بقدر ما يمنحه السرد من عدالة رمزية.

وما يميّز هذه المجموعة القصصية أنّها تستمد مادتها من حسّ واقعي مُطْعَم برؤية وجودية حادّة؛ كل نص يشبه مرآة مشروخة تنعكس فيها صور أشخاص محطّمين ومُرهقين ومُنهَكين، لكنهم مع ذلك يمسكون بخيط رفيع من الحياة، خيط لا يظهر دائماً، لكنه موجود، كنوع من “أمل عدمي”، على حدّ تعبير كامو، أمل لا يتأسس على إمكانيّة الخلاص بل على إمكانيّة أن نروي ما حدث على الأقل، أن نقول: “كنّا هنا، وحدث لنا هذا”.

منذ الصفحات الأولى تكشف الكاتبة عن القدرة على التقاط تلك اللحظات التي تتداخل فيها البراءة بالموت، والحياة بالعطب، والأجساد المريضة بالمعنى الروحي العميق. وهي تستثمر لغة عربية شفافة لا تقع في وعورة البلاغة، لكنها تقاوم التفاهة أيضاً، لغة تقف في منطقة وسطى بين الشعرية والواقعية، وبين التكثيف والاعتراف، أشبه بما كان يدعو إليه نيتشه حين تحدث عن “الأسلوب الذي يتنفس”.

تكتب حضيّة عبده وكأنها تعيد ترتيب أنفاس شخص غريق كي يُستعاد إلى الحياة، فلا عجب أن تجد الموت في كل زاوية من الكتاب، لكن موتاً ليس كسردية سوداوية بل كمرآة لتعرية ما يتوارى خلف الأقنعة الاجتماعية والأسرية والنفسية.

القارئ يتلمّس ذلك منذ قصة “كيف العيد؟!” حيث يجتمع المرض بالفقد وبذاكرة العيد في مستشفى يعبره الألم بلا رحمة. تتشكّل القصة كأنها مشهد سينمائي: أمّ بين أنابيب الأوكسجين، كلمة لا تُستكمل، دمعة تتدلّى وتتصلب في الفراغ، وقلم يسقط. لا شيء “دراميّاً” بالمعنى التقني، لكن كل شيء مشحون بتلك الدراما الوجودية التي تحدّث عنها سارتر حين قال: “إنّ التفاصيل الصغيرة هي التي تقتل الروح”. فالرصاصة هنا ليست حدثاً مفاجئاً؛ الرصاصة هي تلك الدقيقة التي تسقط فيها الكلمة على الورق ولا تُكتمل، هي تلك المسافة بين وجه الابن ووجه الأم التي تحجبه أنابيب الهواء.

وتستمر الكاتبة في تشريح الواقع من الداخل، ليس عبر سرد أحداث متلاحقة، بل عبر منظار الإنسان المكسور، الإنسان الذي فقد قدرته على التفسير لكنه لم يفقد قدرته على الألم. ولهذا تقدّم قصة مثل “كان بالأمس!!” لتعيد صياغة وعي القارئ بأنّ الحياة يمكن أن تنقلب رأساً على عقب في ثانية واحدة، وأنّ ما يبدو “يوم عمل عاديّاً” في قسم الطوارئ قد يتحول فجأة إلى مجزرة يخرج منها الناجون لا كأبطال بل كأرواح معلّقة. هنا، تتجلى قدرة الكاتبة على الإمساك باللحظة الحدّية، تلك اللحظة التي تُفقد الإنسان يقينه بسلامة العالم.

ما يثير الانتباه في هذه القصص أنّ الكاتبة، رغم اشتغالها في الحقل الصحي، لا تقدّم “كتابة تمريضية” أو “كتابة مهنية” كما تفعل بعض الأدبيات التي تتحول فيها المستشفيات إلى خلفية جاهزة. بل إن حضور المستشفى هنا وجودي أكثر منه مكاني، كأنّه فضاء للابتلاء الإنساني، مكان يصبح فيه الألم نصّاً، ويصبح فيه الجسد وثيقة عبور نحو المعنى.

إنّ المستشفى في هذا الكتاب يشبه “القبو” في رواية ديستويفسكي، ذلك الفضاء المغلق الذي تظهر فيه حقيقة الإنسان حين يكون بلا دروع.2217 abdah

وتتحول القصص التالية إلى تعميق لهذا الأفق الوجودي. ففي قصة “لو كنت أعرف؟! آه…” نرى الأطفال وهم يتهجّون معنى الموت ببراءة موجعة. الكاتبة هنا لا تستخدم الطفل كعنصر “عاطفي” بل كمنظور فلسفي: الطفل هو الكائن الذي لم تُفسده اللغة بعد، ولذلك تأتي حيرته أكثر أصالة من أسئلة الكبار. إنّهم يتساءلون: ما معنى أن يموت الجد؟ ما معنى أن “تغسل الأم”؟ ما معنى “الصدر”؟ والكاتبة بذكاء تترك الأسئلة مفتوحة، كأنّها تريد أن تقول إنّ اللغة نفسها قاصرة، وإنّ الكلمات لا تملك القدرة على احتواء الحقيقة كاملة. هذا الأسلوب يذكّر بما قاله فيتغنشتاين: “حدود لغتي هي حدود عالمي”، وهنا العالم صغير مضطرب متشوش، كما يراه طفلان في مواجهة الموت.

وفي “القاتل” تنتقل الكاتبة من الوجع الفردي إلى المساحة الأخلاقية النفسية الأكثر تعقيداً: رجل مدمن ينهار بين رغبة الهرب ورغبة الاعتراف، بين حبّه لأولاده وبين انكساره الداخلي، وبين انفجاره وصمت زوجته التي تستنزف ما تبقى فيها من قدرة على البقاء. تخلق حضيّة هنا سرداً متوتراً يشبه ما كان يفعله تشيخوف حين يكتب عن الإنسان الواقعي الذي لا هو شرير تماماً ولا هو بريء تماماً، بل هو أسير ظروفه، أسير ضعفه، وأسير اختياراته التي لا يملك الجرأة على تحمّل نتائجها.

إنّ القارئ وهو يتنقل بين هذه القصص، يشعر أن الكاتبة تتعمد أن تقف على التخوم بين السرد الواقعي والسرد الروحي. فهي لا تكتب عن الحياة بوصفها وقائع، بل بوصفها سؤالاً كبيراً عن معنى أن نكون بشراً. كل قصة مهما كانت بسيطة، تحمل داخلها شرارة من تلك الفلسفة الحيّة التي تحدّث عنها مارتن هايدغر: “الإنسان هو الوجود الذي يسأل”.

وهنا الأسئلة كثيرة موجعة، غير قابلة للترميم، لأن الحياة نفسها – كما توحي الكاتبة – ليست مشروعاً للترميم بل مشروعاً للفهم. ومع ذلك، هناك شيء من الضوء، ضوء خافت بالكاد يُرى، لكنه موجود. هو ليس ضوء سعيد، بل ضوء أخلاقي، ضوء شبيه بما تحدّث عنه إيمانويل ليفيناس: “مسؤولية الوجه الآخر”. ففي قصص حضيّة لا يمرّ الآخر كظلّ؛ بل كنداء أخلاقي. الأم المريضة، الطفل اليتيم، والجندي الممزق، والزوج المدمن، والأم القاسية، والممرضة والعجوز .جميعهم وجوه تستدعي استجابة، وجوهاً تُلزم القارئ بأن يفكّر في مسؤولياته هو أيضاً، لا أن يكتفي بالقراءة. هكذا دون تكلف وعظي ودون تزيين خطابي، تكتب حضيّة عبده خافي عن الإنسان؛ لا الإنسان المثال، بل إنسان اللحظة الأخيرة، إنسان ما قبل السقوط أو بعده بقليل، الإنسان الذي تتسرب من بين أصابعه بقيةُ القدرة على الاحتمال.

هذا العالم القصصي ليس مجرّد خطاب عن الألم، بل هو محاولة لالتقاط تلك اللحظة التي يصبح فيها الألم معنى، وتصبح فيها الكتابة مقاومة ناعمة، مقاومة صامتة، لكنها ثابتة: مقاومة النسيان.

تتابع حضيّة عبده خافي بناء عالمها القصصي من خلال ما يمكن وصفه بـ “المشهد الأخلاقي المُشتبك”، حيث لا يقف النص عند حدود الحكاية بل يتجاوزها إلى مساءلة الذات والآخر والعالم. وهذا الامتزاج العميق بين القص والإدانة الهادئة

 - الإدانة التي لا تُنطق مباشرة لكنها تتشكّل من تفاعل اللغة والحدث - يجعل هذه المجموعة تتجاور مع ما سمّاه تزفتان تودوروف “الأدب الشاهد”، أي الأدب الذي لا يكتفي بتشخيص الواقع بل يقدّم شهادة على هشاشته وعلى ما يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة التي نظنها بلا أثر.

في قصّة “الشبه الأربعون” ينهض السرد على مفارقة وجودية تُفتح عبرها أسئلة الأبوة والقرابة والانتماء. فالعامل الفقير، الطالب المتعطّش للتحصيل، يجد نفسه أمام نسخة أخرى منه، شبيه يكاد يتطابق معه في الشكل لكن لا يجمع بينهما شيء من المعنى الذي يفترضه الدم والنسب. هنا تتحوّل “المشابهة الجسدية” إلى مرآة قاسية تُعرّي الانقطاع العاطفي والاجتماعي، وتكشف أن الشبه الظاهري لا يعوّض غياب الأب الحقيقي، وأن الجسد - كما يرى ميشيل فوكو - ليس سوى “سطح لتدوين السلطة”، وأن شكل الإنسان وحده قد يحمل كل خيانات التاريخ العائلي دون أن يملك القدرة على قولها.

تنسج الكاتبة هذا المعنى عبر بناء سردي هادئ، لكنه مخاتل في عمقه؛ فكل خطوة يخطوها البطل في المزرعة، وكل كيس حبوب يرفعه، وكل لقطة يلتفت فيها إلى نظرات زميله، تتحوّل إلى علامات على رحلة اكتشاف الذات، لا بمعناها النفسي فحسب، بل بمعناها الاجتماعي أيضاً. فهنا نجد أثر المدرسة الواقعية الاجتماعية، لكنّها ليست واقعية فجة، بل واقعية تقترب من شعرية المشهد، شعرية هشّة تحضر في طريقة وصف الطين، في ارتعاش اليد، في صوت الأم وهي تُقبّل ابنها المرهق.

ثم تأتي قصّة “عشر سنوات.” لتُشيد مرحلة أخرى من هذا البناء الدرامي: مرحلة “الخيبة المؤجّلة”. الزوجة التي عاشت عقداً كاملاً في الوهم، في افتراض الاستقرار، تكتشف فجأة أن سنواتها العشر لم تكن سوى فصل من فصول الخداع. هذا النص يذكّر القارئ بما كانت سيمون دي بوفوار تشدّد عليه في كتاباتها حول “الزمن المهدور في العلاقات اللامتكافئة”، ذلك الزمن الذي تُقدّمه المرأة باعتباره دليلاً على الثبات بينما يراه الرجل مرحلة عبور أو هامشاً على صفحة حياته.

وفي سرد حضيّة، لا تأتي الخيانة بصورتها التقليدية، لا تأتي فجّة أو مليئة بالصراخ، بل تأتي عبر “علامات” صغيرة: سكن جديد لجارة غريبة، تغيّرات في السلوك، أبواب تُفتح ليلاً، جهات لا تُفصح عن وجهتها. هذه التفاصيل ليست مجرد أدوات سردية؛ إنها ما يسميه رولان بارت “شيفرات المعنى المؤجّل”، حيث يُخفي النص الحقيقة ليُظهر أثرها فقط: أثر الارتباك، أثر الشكّ، أثر تلك النظرة التي لا تجد تفسيراً.

ولعلّ المدهش في هذه القصة أنّ “الضحية” ليست المرأة وحدها، بل أيضاً الزمن نفسه. فالكاتبة تنجح في أن تجعل الزمن شخصية داخل النص، شخصية تُستنزف وتُستهلك، تُبادل الحياة بالحضور السلبي. فالسنوات العشر هنا ليست عقداً من الحياة، بل تجويفاً داخل الروح، مكاناً تُحفظ فيه خيبة لا يُعاد تدويرها. وهكذا يتحقق ما يشير إليه غاستون باشلار حين يقول: “الزمن، حين يصبح حزناً، يتحوّل إلى مكان”. وهذا بالضبط ما نلمسه في هذه القصة: الحزن مكان.

ثم تتكرر المفارقة بين الأمل واليأس في قصّة “بقي لي… ذاك ما” التي تكشف عن أبعاد إنسانية أكثر قتامة، لكنها في الوقت نفسه أكثر إشراقاً في مستوى التأمل. مشهد الأنقاض واليد الممتدة، المصوّر الذي يجمع الأشلاء بالنهار ويقوم بدفنها ليلاً، كل ذلك يعيدنا إلى تلك المنطقة في الأدب التي تتأرجح بين الوثائقي والميتافيزيقي، بين الحقيقة الخام والرمزية العالية.

إنّ هذه القصة على بساطتها تضع القارئ أمام سؤال كبير: ما الذي يبقى للإنسان حين يفقد كل شيء؟ هل يبقى الجسد؟ أم الذاكرة؟ أم الواجب الأخلاقي؟ وهنا يأتي صوت الكاتبة وكأنه يستعيد روح إيمانويل كانط، وتحديداً حديثه عن “الواجب الذي يبقى حتى لو انهار العالم”. فالشخصية هنا، الرجل الذي يعمل في المقبرة، يتمسك بالواجب لا لأنه “وظيفة” بل لأنه آخر ما يملك. إنه يتشبث بفعل الدفن لكي يحمي ما تبقى من إنسانيته، كأنّ كل جثة يدفنها هي جزء من روحه هو، كأنه يجمع أجزاءه قبل أن تتناثر بين غبار الحرب.

وإذا كان الألم في هذه القصص يبدو ملموساً وبارداً، فإنّ حضيّة تُصعّد هذا الألم في قصّة “الاعتراف” التي تشتغل على ثنائية الذنب والخلاص. رجل يكتشف بعد سنوات أنه شارك - دون قصد - في جريمة طبّية أدت لوفاة مريضة، فيبدأ النزاع الداخلي الذي يشبه نزاع أبطال دوستويفسكي: الشعور بالذنب يصبح أثقل من الفعل ذاته، والاعتراف يصبح وسيلة للنجاة، لا من القانون، بل من الذات.

وهنا تبرز قدرة الكاتبة على اشتغال فلسفي غير مباشر: ما الذي يجعل الإنسان يعترف؟ القلق؟ الخوف؟ أم الحاجة إلى أن يضع نقطة في آخر سطر لا يحتمل الاستمرار؟

وما يزيد النص قوة هو أن الكاتبة لا تقدّم الاعتراف بوصفه فعلاً تطهيرياً سهلاً، بل بوصفه عملية “تفكيك” للذات، أشبه بما وصفه فرويد: عملية حفر مؤلمة في طبقات الوعي واللاوعي، عملية تستنزف أكثر مما تريح.

بعد ذلك تجرّ القارئ قصة “الصوت” إلى فضاء سردي مختلف، أكثر تشويقاً، أقرب إلى “الرعب الوجودي” منه إلى الرعب الفني. فالبيت المهجور والغرفة المغلقة والأصوات الغامضة، كلها ليست عناصر لإثارة الخوف فقط، بل لطرح سؤال عن العلاقة بين “المكان والذاكرة الخفية”. فالبيوت المهجورة - كما يرى ميرلو بونتي - ليست أماكن، بل “تجلّي لوعي سابق”، ولهذا يتحوّل البيت في القصة إلى كائن حي، إلى ذاكرة تقاوم النسيان، إلى صوت يعيد تشكيل مصير الشخصيتين.

والكاتبة هنا تُظهر قدرة لافتة على التحكم في الإيقاع، بحيث يصبح البطء أداة لإثارة القلق، وتصبح التفاصيل الصامتة

 - مثل فرشاة الدهان، والجدار الأحمر، والطفل الذي يمرّ بلا سبب - إشارات إلى أن المكان ملغوم بالمعنى.

إن هذه القصة تكشف جانباً آخر من كتابة حضيّة: ميلها إلى الجمع بين الاجتماعي والغرائبي، بين الواقعي والقَطْعي (الذي يبدو مقطوعاً عن تفسير العقل)، بين اليومي وما فوق اليومي.

وبهذا تقترب من تقاليد القصّ التي نجدها عند كتّاب مثل إدغار آلان بو، أو يوسف الشاروني، أو حتى عند بعض نصوص غابرييل غارسيا ماركيز في أعماله القصيرة، حيث لا تُقدَّم الغرابة كحدث منفصل بل كامتداد طبيعي لوجع العالم.

ثم تنتهي هذه المرحلة من الكتاب بقصة “ع. م. ج.” التي تعيد السرد إلى مستوى التحقيق الصحفي، لكنها تفعل ذلك بعين روائية، فتمنح الجريمة عمقاً أبعد من مجرد الحدث.

هنا يظهر سؤال العدالة: هل كان القاتل ضحية قبل أن يكون جانياً؟ وهل كان المجتمع شريكاً في الجريمة عبر صمته وهشاشته وضعف مؤسساته؟.

الكاتبة تمسك بهذا الخيط لتقدّم نصاً يذكّر بكتابات ألبير كامو حول العبث الأخلاقي، حيث لا يكون السؤال: “من المذنب؟” بل “كيف وصلنا جميعاً إلى هذه النتيجة؟”.

وهكذا يتضح للقارئ، أن حضيّة عبده خافي لا تكتب قصصاً وحسب، بل تكتب خرائط أخلاقية، تكتب تاريخ الألم الإنساني، تكتب تلك المنطقة المجهولة التي تتقاطع فيها الطفولة بالموت، والأمومة بالخذلان، الفقر بالخطيئة، والمكان بالذاكرة، والذات بصورتها التي تتهشّم أمام المرآة.

تتقدم حضيّة عبده خافي في مجموعتها القصصية نحو مستويات أكثر تعقيداً من الإحساس الإنساني، وتبدو كما لو أنها تدخل طبقات النفس واحدة تلو الأخرى، في عملية أشبه بما سماه كارل يونغ “الغوص في ظلال الذات”، ذلك الغوص الذي لا يُقصد به استحضار العتمة فحسب، بل فهم الدور الذي تلعبه العتمة في تشكيل وعينا بالعالم. ففي القصص اللاحقة من الكتاب، تتجلى قدرة الكاتبة على القبض على تلك اللحظة التي يتداخل فيها الحاضر بالماضي، والوعي باللاوعي، والضوء بالبقايا الحارقة لذكريات لم تندمل قطّ.

في قصّة “الخريف الأخير” - وهي من أنضج النصوص في المجموعة وأكثرها دلالية - تخلق الكاتبة فضاءً رمزياً مشحوناً بمجاز الزمن. فالخريف هنا ليس فصلاً، بل “حدثاً داخلياً” كما يعبّر باشلار، حدثاً تُعرّي فيه الشخصية ضعفها، ويبدو العالم من حولها وكأنه يشيخ معها. تتقاطع صورة الأشجار المتساقطة مع صورة الأم التي تنطفئ ببطء، ومع صورة الأب الغائب الذي لا يعود، ومع ذاكرة الطفولة التي تحاول أن تفلت، لكنها تعود كطائر جريح لا يستطيع الطيران بعيداً.

إنّ ما يميّز هذه القصة هو الحسّ الميتافيزيقي الذي تُدار به. فالشخصية هنا لا تواجه “فقداً” عادياً، بل تواجه معنى الفقد، أي تواجه تلك المسافة بين الذاكرة والواقع، بين ما كان يمكن أن يكون وما آلت إليه الحياة. وهنا يطلّ أثر هايدغر من الخلفية: “نحن نوجد دائماً نحو النهاية”. لكنّ النهاية في القصة ليست موت الأم؛ النهاية هي إدراك الابنة أن الزمن لا يكتفي بأن يسرق الأشخاص، بل يسرق أيضاً الصور التي نحملها لهم، كأن الزمن نفسه هو القاتل الصامت الذي يجعل الوجوه أقل وضوحاً كلما حاولنا استعادتها.

وفي قصة “ظلّ الندى” نلمس تحوّلاً واضحاً في البناء الجمالي، حيث تعتمد الكاتبة على صور حسّية أقرب إلى الشعر منها إلى السرد النثري. فالندى يتحول إلى استعارة للروح الهشة التي تُمسح بسهولة، والظل يتحول إلى ذاكرة لا تمتلك مادة، لكنها تملك أثراً.

المرأة في هذا النص تحاول أن تستعيد علاقة حبّ لم تكتمل، علاقة لم تولد إلا نصف ولادة، لكنها تركت جرحاً كاملاً. ويبدو السرد هنا وكأنه يستعير أفكار الفيلسوفة حنّة آرنت عن “هشاشة العلاقات البشرية”، تلك الهشاشة التي تجعل الإنسان معلقاً بين الرغبة في البقاء والرغبة في النسيان.

تكتب حضيّة الألم العاطفي كما لو أنه جرح جسدي. تكتب الحنين كما لو أنه مرض مزمن. لا تتعامل مع الفقد العاطفي كظاهرة رومانسية، بل كعلّة وجودية، كصدى لفراغ لم يتوقف عن الاتساع.

ثم تأتي قصّة “أثر الرصاصة” لتعيد النص إلى منطقة القسوة الواقعية، تلك المنطقة التي يتجاور فيها الموت بالحياة يومياً، حيث يصبح العنف جزءاً من المشهد الاجتماعي. الرجل الذي نجا من الموت بالصدفة، والذي ما زالت الرصاصة “تسكنه” رغم أنها خرجت من جسده، يشبه ما كان يتحدث عنه بول تيليش حول “الصدمة كشرط للوجود”، حيث يبقى الإنسان مصدوماً حتى لو لم يعد هناك خطر واقعي يهدده.

الرصاصة هنا ليست قطعة معدن؛ الرصاصة هي ذكرى، هي طريقة جديدة لرؤية العالم. إنها الجرح الذي لا يُشفى لأن شفاءه يعني نسيانه، ونسيانه يعني أن الإنسان لم يعد يعرف لماذا تغيّر.

وتكتب الكاتبة هذا النص بذكاء دقيق: فهي لا تعطي تفاصيل كثيرة عن الحادثة، لا تحدّثنا عن الجاني ولا عن السبب، لا تدخل في خطابات سياسية أو اجتماعية مباشرة. هي فقط تلتقط “الأثر”: الهاتف حين يرنّ في الليل، الرجفة في الأصابع، العرق البارد، نظرة الزوجة التي تريد أن تفهم ولا تُسأل، صوت المفاتيح، الحذاء الذي يبقى عند الباب.

إنها تفاصيل بسيطة، لكنها تنسج خريطة كاملة لصدمة إنسانية لا تُرى، وتذكّر القارئ بكتابات تشيماماندا أديتشي حين تتعامل مع العنف ليس بوصفه حدثاً، بل بوصفه تاريخاً داخلياً للشخصيات.

وفي قصّة “أنفاس الغياب” نعود إلى أفق روحاني عميق، حيث يختلط الموت بالفلسفة، ويتحوّل الغياب إلى نوع من الحضور الكثيف. شخصية القصة - امرأة فقدت طفلها - تعيش حالة لا يمكن للعقل تفسيرها، لكنها حاضرة في كل الثقافات الإنسانية: محاولة “سماع الصوت الأخير”.

وهنا تبرز براعة حضيّة في الإمساك بما يسميه ميرسيا إلياد “اللحظة المقدّسة”، تلك اللحظة التي ينكسر فيها الزمن العادي ويتحوّل العالم إلى مكان تتقاطع فيه الروح بالذاكرة. تكتب الكاتبة عن الأم التي تسمع في الليل همسات لا تعرف مصدرها، عن رائحة طفلها في الغرفة، عن اللعب الخاوية، وعن ذلك الشعور الملتبس بأن الغياب ليس غياباً كاملاً، وأن فقدان الابن لا يقطع العلاقة بين الأم وطفلها، بل يجعلها أكثر كثافة، أكثر ألماً وأكثر اقتراباً من “الميتافيزيقيا الحزينة للحنين”.

ولا يمكن تجاهل العمق السردي في قصة “إحداثيات الصمت” حيث يتجلى الصمت كعنصر مركزي في بناء المعنى.

شخصية القصة - رجل يعيش عزلة قسرية - لا تتحدث كثيراً، لكنه يسمع كل شيء: الطرقات، أنفاس الجيران، صرير الحديد، صوت الماء على الحائط.

إنّ الصمت هنا ليس غياب الكلام، بل هو حضور مكثّف لكل ما نحاول ألا نسمعه. يشبه الصمت الذي تحدث عنه روبير ساراباج حين وصفه بـ “اللغة التي لم تُنطق بعد”.

وفي هذا النص، الصمت ليس تعبيراً عن السكينة، بل عن الانهيار. إنه الصمت الذي يسبق الصرخة، الصمت الذي يولد حين يصبح الكلام بلا جدوى.

ويبلغ الأسلوب ذروته في قصة “حياةٌ بوزن الريح” التي تُشبه خاتمة فلسفية لهذه المرحلة من الكتاب.

شخصية مُسنّة فقدت بصرها وتعيش في بيت قديم، تعيد ترتيب ذاكرتها عبر الأصوات والروائح واللمس، لا عبر الصورة البصرية.

وهنا يتبدل المنظور السردي: تُصبح الحواس الأخرى بديلاً عن العين، وتصبح الذاكرة بديلاً عن الزمن، وتصبح الحياة نفسها - كما في عنوان القصة - خفيفة هشّة شفافة، كأنها وزن الريح التي لا تُمسك لكنها تُحَسّ.

هذا النص يقارب ما كان يكتبه خورخي لويس بورخيس حين فقد بصره: التحول من العالم المرئي إلى العالم الداخلي، من الخارج إلى الداخل، من العين إلى الفكرة.

إن القصص التي تشكّل هذا الجزء من المجموعة تؤكد أن حضيّة عبده خافي ليست كاتبة تُجيد فقط التقاط الألم، بل تُجيد تحويله إلى معنى، وتمتلك القدرة على “توليد الفلسفة” من الحدث دون أن تفقد سلاسة السرد، ودون أن تقع في التنظير المباشر أو الخطاب المجرّد.

إنّها تكتب عن الإنسان كما لو كانت تقول لنا: ليس المهمّ أن نعرف ما حدث، بل لماذا ما زال يحدث داخلنا حتى الآن.

تتجه حضيّة عبده خافي في القسم الأخير من مجموعتها القصصية نحو ذروة أكثر تعقيداً من الناحية النفسية والرمزية، وكأنّ النصوص تتدرج في عمقها مثل سلّم يقود القارئ إلى قلب الذات الإنسانية في أكثر حالاتها عرياً. هنا، تتكثف الرموز، ويزداد الصمت كثافة، وتتداخل الحكاية مع التأمل، حتى يصبح القارئ أمام أدب يتجاوز “الحكاية” ليصبح بمثابة مختبر روحي يُعاد فيه تشكيل الإنسان عبر لغته وآلامه وأسئلته الكبرى.

في قصّة “تجمّد الماء” - وهي واحدة من أقوى القصص في بعدها المجازي - نرى كيف توظّف الكاتبة الماء بوصفه استعارة للحياة التي تتوقف، للزمن الذي يتجمد، وللشعور الذي يتخشب قبل أن يذوب.

الشخصية هنا تقف أمام صنبور ماء لم يَعُد ينساب، ومع ذلك تستمر في فتحه يومياً، كأنها تتحدى قوانين الواقع، أو كأنها تنتظر “معجزة صغيرة” تعيد الحركة لما توقّف.

إنّ هذه القصة تُذكّر بكتابات فرانتز كافكا في “جدار الصمت”، حيث تلتقي اليومية بالبُعد العبثي، ويصبح الحدث البسيط محمّلاً بدلالات وجودية عميقة.

“تجمّد الماء” تُظهر قدرة حضيّة على ربط التفاصيل العادية بالأسئلة الكبرى: متى تتوقف الحياة داخلنا؟ ولماذا نصرّ على أن ننتظر عودتها حتى حين نعرف أنها لن تعود؟ هذا النص لا يقدّم إجابة، بل يقدّم مرآة، والمرآة ـ كما يقول ميلان كونديرا ـ ليست للحقيقة، بل لأسئلتها.

وتتخذ الكاتبة منحى آخر في قصة “خطيئة اليدين”، وهي قصة تُعالج موضوع الخطيئة لا من زاوية دينية أو أخلاقية مباشرة، بل من زاوية “الخطأ الإنساني غير المقصود”، ذاك الخطأ الذي يبقى عالقاً في الذاكرة كما تبقى الندبة على الجلد.

الممرضة التي ارتكبت هفوة بسيطة أدت لمضاعفات خطيرة تعيش ما يصفه بول ريكور بـ“الذنب الرمزي”، أي الذنب الذي لا يحكمه القانون بل يحكمه الضمير.

وهنا تتجلّى براعة حضيّة في قدرتها على خلق صراع داخلي كثيف دون اللجوء إلى خطاب مباشر. فهي تكتفي بمشهد اليدين: اليد التي تمتدّ للمريض، اليد التي ترتجف في الظلام، اليد التي تحاول النوم فلا تنام.

تبدو اليد في هذه القصة ككائن مستقلّ له وعيه الخاص.

إنها تذكّرنا بما كتبه موريس ميرلو–بونتي عن “الجسد الذي يفكّر”، حيث لا تعود اليد مجرد عضو، بل ذاكرة وأثر واعتراف، وجزء من تاريخ الإنسان لا يمكن فصلُه عن روحه.

ثم تأتي القصة الأكثر شاعرية في هذا القسم، “على حافة الضوء”، حيث تتداخل الرموز بالنور، ويتحوّل الضوء إلى كائن روحي يقود الشخصية نحو سلام داخلي.

هذه القصة تشبه نصوص إيزابيل الليندي في بعدها الروحاني، لكنها أكثر اقتصاداً في اللغة، وأقرب إلى التأمل الصوفي الذي يربط بين الجسد والروح عبر لحظة كشف.

الشخصية هنا تعيش نوعاً من “الإشراق الداخلي”، ليس بمعناه الصوفي الكامل، بل بمعنى الإدراك الفجائي الذي يصفه هانز جورج غادامير بـ“لحظة الفهم”.

إنّ الضوء لا يأتي ليُنقذ، بل ليُنير المسافة بين الألم والحقيقة. والكاتبة تنجح في تصوير هذا التحول عبر جمل قصيرة هادئة، لكنها محمّلة بما يكفي من الدلالات لتُشعر القارئ أنه يشارك في تجربة اكتشاف، لا في متابعة حكاية.

أما قصة “الأسماء التي نسيتُها” فهي بمثابة احتفال بالحزن. نقرأ فيها عن امرأة تفقد ذاكرتها جزئياً، وتبدأ في نسيان أسماء الذين مرّوا في حياتها. لكن المفارقة أنّها لا تنسى الأشخاص بقدر ما تنسى “أسماءهم”، وكأن الكاتبة تريد القول بأن الذاكرة ليست قائمة أسماء، بل قائمة مشاعر. هذا النص يستعيد روح مارسيل بروست في “البحث عن الزمن الضائع”، حيث تكون الذاكرة انتقائية، تحتفظ بما يلامس الجوهر فقط. المرأة هنا لا تتذكر أسماء أبناء عمومتها أو صديقاتها، لكنها تتذكر أن إحداهن كانت تضحك بصوت خافت، وأن أخرى كانت تترك عطرها في المعطف، وأن رجلاً كان يربت على رأسها عندما تخاف. إنّ هذا النص يطرح سؤالاً حاداً: هل نحن أسماء؟ أم نحن آثار؟ وبهذا يتحول السرد إلى تفكير فلسفي في هوية الإنسان. ثم تُنهي حضيّة النص القصصي بقصة “لا أحد يعرف أين وضعت روحي”، وهي أقرب إلى نصّ تأمليّ طويل يشبه مناجاة داخلية. الشخصية تبحث عن “روحها” التي تشعر أنها أضاعتها في مكان ما بين الطفولة والكهولة.

وتعيد القصة إحياء المفهوم الأفلاطوني للروح بوصفها “نصفاً مفقوداً”، لكن بتأويل حديث يجعل الروح تجربة لا جوهراً.

الكاتبة تُبرز في هذا النص عمقاً وجودياً بالغاً، عبر جملة واحدة تُختصر فيها الفلسفة كلها: ”وجدتُ كل شيء… إلا نفسي.”

هذا النص على امتداده القصير، يمثل تتويجاً لمشروع الكتاب كله: الإنسان يبحث… لا يجد… لكنه يواصل البحث.

إنّ مجموعة حضيّة عبده خافي القصصية ليست كتاباً يُقرأ ويُغلق، بل كتاب يُقرأ ويظل مفتوحاً داخلك.

إنها ليست مجموعة قصصية بالمفهوم الكلاسيكي، بل “مذكّرة روحية” حول الألم الإنساني، مكتوبة بلغة تجمع بين الرصانة والشفافية، وبين الحكمة البطيئة وعمق الرؤية.

لقد نجحت الكاتبة في أن تُشيّد بنية سردية تتأسس على أربعة أعمدة:

أولاً: الإنسان بوصفه كائناً هشّاً. هذا المحور تشتغل عليه حضيّة بمهارة خاصة؛ فهي لا ترسم شخصيات قوية أو انتصارات بطولية، بل ترسم الإنسان كما هو: خائفاً مرتبكاً متردداً، لكنه رغم ذلك مستمراً في السير. وهذه الرؤية تذكرنا بطرح فيلسوف الحياة هنري برغسون، الذي يرى أن قيمة الإنسان ليست في قوته، بل في قدرته على تجاوز ما يُقيد حركته.

ثانياً: الألم بوصفه مكاناً للسكنى. في كل قصة، يصبح الألم ليس عارضاً بل بيتاً داخلياً. الألم هنا ليس صدمة فقط، بل ذاكرة ومعنى ومسؤولية. هذا يضع الكاتبة في خطّ أدبي قريب من أدب كواباتا وموراكامي، حيث الألم ليس مصدر ظلام فقط، بل مصدر وعي أيضاً.

ثالثاً: اللغة بوصفها أداة كشف. لغة حضيّة ليست بلاغية، ولا تقريرية؛ إنها لغة بين–بين، لغة تشبه ما كان يريده أدونيس حين قال: “الكلمة ليست حليّة، بل كشف”. إنها لغة تتقدم ببطء، لكنها تُضيء فجوات داخل النص، وتمنح القارئ مسافة للتأمل، لا مجرد مساحة للمتابعة.

رابعاً: الفلسفة بوصفها خلفية غيرمعلنة للسرد. فالكاتبة لا تنظّر، لكنها تُفكّر. ولا تكتب خطاباً، لكنها تُمرّر أسئلة وجودية من خلال حدث بسيط: رصاصة، مستشفى، باب، ماء متجمد، ضوء خافت، صوت في الليل، يد ترتجف. وهذا النوع من الكتابة يجعل مجموعتها تنتمي إلى ما يمكن تسميته “السرد الفلسفي المعاصر”، حيث الحدث ليس سوى ذريعة لفهم الإنسان.

إنّ حضيّة عبده خافي تنجح عبر مسرحية الموت في تقديم نموذج قصصي سعودي وعربي يتجاوز حدود المحليّ، دون أن يفقد جذوره.

تنقل الألم الإنساني في زمان ومكان محددين، لكنها تعالجه برؤية كونية تجعل القارئ - مهما كانت خلفيته - يشعر بأنّ هذه القصص يمكن أن تحدث في أي مدينة وفي أي بيت وفي أي جسد. إنها كتابة تُنصت، كتابة تعرف كيف تصمت حين يجب أن تصمت، وكيف تتكلم حين يصبح الكلام ضرورة روحية.

وبهذا، يكون هذا العمل قد وضع بصمة واضحة في مسار السرد القصصي السعودي، بصمة تُعلن عن كاتبة تمتلك أدواتها وعمقها وجرأتها على دخول تلك المساحات التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها .إنها كتابة الألم، ولكن أيضاً كتابة النجاة. نجاة لا تأتي على شكل خلاص خارجي، بل على شكل فهم داخلي :فهم أننا، رغم كل شيء، نستطيع أن نكتب.

وهذا في حد ذاته… شفاء.

***

حمزة مولخنيف

"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، بعد سبعة أعوام على وجه التحديد..." (ص 5). هكذا يفتتح الطيب صالح روايته الخالدة "موسم الهجرة إلى الشمال"، رافعا الستار عن واحدة من أعظم المغامرات الفكرية والنفسية التي شهدها الأدب العربي. فموسم الهجرة إلى الشمال ليست مجرد رواية مابعد استعمارية تروي حكاية رجلين عائدين من الغرب إلى السودان، بل هي نص فلسفي عميق يشرح الذات العربية وهي تمشي على حد السكين بين إرث الاستعمار الغائر وتمزقات الهوية. حيث تتقاطع السردية الذاتية مع الأسئلة الكبرى للوجود، ويصبح الجسد ساحة صراع، واللغة أداة سيطرة، والموت شكلا من المقاومة أو الانهيار. فمن خلال مصطفى سعيد والراوي تتحول الرواية إلى مسرح تأملي يعيد صياغة العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب، بين الذات والآخر، بين الفرد والجماعة، بين الحاضر وقضايا التاريخ والذاكرة.

في هذا المقال سندرس العلاقة بين الذات والآخر باعتبارها من أكثر المسائل تعقيدا في موسم الهجرة إلى الشمال، إذ لا يظهر الآخر فقط في شكله الاستعماري أو الثقافي الغربي، بل يتسلل إلى داخل الذات، يتقنع فيها ويعيد تشكيل ملامحها. الآخر هنا ليس مجرد "عدو خارجي"، بل هو مرآة مشروخة تعكس وجها باطنيا من الأنا فتشكل علاقة ملتبسة، حيث يتداخل المستعمِر بالمستعمَر ويتحول الآخر إلى شبح يسكن الذات. مصطفى سعيد بطل الرواية الغامض هو نموذج لهذه العلاقة المعقدة، فهو تلميذ الغرب وضحيته، مغويه ومنتقمه في آن.

يقول الراوي عن مصطفى سعيد: "وإذ بمصطفى سعيد رغم إرادتي، جزء من عالمي، فكرة في ذهني، طيف لا يريد أن يمضي في حال سبيله" (ص 47). يجسد هذا القول كيف يتحول الآخر من كيان خارجي إلى جزء من البنية النفسية والثقافية للذات. مصطفى لا يعيش فقط في الذاكرة بل يتلبس الوعي ويتحول إلى صورة مرآوية يعيش بها الراوي انقسامه الداخلي، إذ يشكل مصطفى "الآخر الداخلي" الذي لا يمكن فصله عن الذات، بل يعيد تشكيلها باستمرار.

أما مصطفى سعيد نفسه فقد ولد في قلب اغتراب مبكر يتجلى في حديثه عن علاقته بأمه: "لم يكن لنا أهل. كنا أنا وهي أهلا بعضنا لبعض، كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق، لعلني كنت غريبا أو لعل أمي كانت غربية. لا أدري" (ص 21). يكشف هذا الاقتباس عن انعدام الجذر الوجودي؛ إذ إن الذات منذ بدايتها غريبة، منقطعة عن السياق الطبيعي للحياة، كالعائلة أو الانتماء. وهذا التأسيس الغريب لذاته يفسر انفتاحه غير الواعي على "الآخر" واستعداده للتماهي معه أو محاربته دون أن يكون له مرجع داخلي ثابت.

ويبلغ هذا التداخل بين الذات والآخر دروته حين يقول عن جين موريس: "كل شي حدث قبل لقائي إياها كان إرهاصا، وكل شيء فعلته بعد أن قتلتها كان اعتذارا، لا لقتلها بل لأكذوبة حياتي" (ص 29). هنا لا تعد جين موريس شخصية فقط بل رمز للغرب وللخديعة الكبرى التي عاشها مصطفى سعيد بانبهاره بالآخر، ثم انكساره أمامه. أما قتله لها فهو محاولة رمزية لقتل الآخر الذي اختزل فيه، لكن القتل يتحول إلى "اعتذار" وكأن الذات لم تعد تملك قرارها، بل تعتذر عن وجودها نفسه.

وتتعمق العلاقة المعقدة بالآخر لحظة محاكمة مصطفى ووقوف والد آن هاند قائلا إنه لا يستطيع أن يجزم إن كان لانتحار ابنته علاقة به، حيث يقول مصطفى سعيد: "ومع ذلك يقف أبوها وسط المحكمة ويقول بصوت هادئ، إنه لا يستطيع أن يجزم، هذا هو العدل وأصول اللعب، كقوانين الحرب والحياد، هذه هي القوة التي تلبس قناع الرحمة" (ص 63). هذا الاقتباس من أكثر المواضع دلالة في الرواية على نقد المؤسسات الغربية التي تمارس السلطة باسم العدالة والحياد. فمصطفى سعيد يعري الخطاب الأخلاقي للغرب ويكشف كيف أن الحياد ليس بريئا، بل هو شكل من أشكال القوة الناعمة. إن السلطة الاستعمارية لا تمارس بالحديد والنار فقط بل تخفي عنفها في قوالب العدالة والإنصاف مما يجعلها أكثر دهاء وفتكا.

وعلى الرغم من أن مفهوم “الآخر” في الرواية يرتبط غالبا بالغرب، فإن النص يقدّم مستويات أخرى للآخر، أهمها الآخر الداخلي: المجتمع، التقاليد، السلطة الأبوية، والأعراف. حيت جاء على لسان حسنة بنت محمود، إحدى أكثر الشخصيات رمزية في الرواية، في لحظة مفصلية تكشف بوضوح توتر العلاقة بين الذات الفردية والآخر الاجتماعي داخل البنية الثقافية السودانية: "إذا أجبروني على الزواج منه فسأقتله وأقتل نفسي" (ص 85) وهذا يفتح نافذة على صراع الذات الأنثوية مع الآخر المحلي الذي يقيد خياراتها.

تعكس صيغة التهديد في الجملة: "سأقتله وأقتل نفسي" وصول الذات إلى أقصى درجات الوعي بذاتها وبحدودها وخياراتها. حيت تظهر بوصفها كيانا حرا، واعيا بأن له إرادة، رافضا للتشييء، ساعيا إلى حماية هويته ورغبته في تقرير مصيره. إنها ذات أنثوية تتمرد على دورها التقليدي كأداة في ترتيب اجتماعي يحدده الرجال، وتعلن استقلالها حتى ولو كان الثمن الموت.

الآخر هنا ليس الآخر الغربي، بل الآخر الداخلي المتمثل في المجتمع المحلي، الأعراف، سلطة الشيوخ والرجال، القيمة الاجتماعية للزواج بوصفه مؤسسة تتحكم في المرأة. هذا الآخر يمارس إكراها على الذات، يريد أن يفرض عليها زواجا لا تريده، أي يريد أن يمحو إرادتها ويعيد إنتاجها ضمن نظام اجتماعي أبوي. ومن ثمّ، يتبدى الآخر هنا بوصفه قوة قمعية تسلب الذات حقها في الاختيار، مما يجعل الصراع بينهما وجوديا.

يتجاوز صراع حسنة مع الآخر حدود التجربة الفردية، ليصبح رمزا لصراع الذات السودانية مع أنظمة القهر، الاستعمار، السلطة التقليدية، وكل قوى التهديد الخارجي. وبهذا يصبح صوتها امتدادا لصوت الرواية نفسها في بحثها عن هوية حرة، غير خاضعة لا لهيمنة الغرب ولا لهيمنة الداخل. إن العلاقة بين الذات والآخر في الرواية -سواء كان الآخر غربيا أو محليا- علاقة مأزومة، تنتهي غالبًا إلى العنف، المحو، الانتحار، أو الغرق (كما في مصير مصطفى سعيد). إنه صراع لا يجد مخرجًا بسبب اختلال ميزان القوة، فيتحول إلى مأساة، هذه العلاقة الملتبسة تفضي إلى سؤال فلسفي وجودي "هل يستطيع الإنسان المستعمَر أن يعرف ذاته دون الرجوع إلى الآخر الذي صاغ ملامحه؟ هل يمكن التحرر من الآخر؟"

***

فاطمة أيت الحاج

 

"التلميح ظل التصريح ".. د. حنان فاروق

أشير بداء إلى أن القصة القصيرة التونسية شهدت تراكما كميا في السنوات الأخيرة، واهتماما نقديا، وانعقاد توقيعات وندوات حولها، وتنظيم مسابقات، وتخصيص المجلات والملاحق الثقافية صفحاتها لنشرها بقصد تداولها، ولا ننسى مساهمة الإذاعة الثقافية والإذاعات الجهوية، ونادي القصة أقدم وأعرق النوادي الأدبية بمدينة تونس العاصمة حيث تأسس في منتصف الستينات (أكتوبر 1964 )، ومجلته " قصص" التي بدأ النادي بإصدارها منذ 1966.

"ولا غرو، فالقصة القصيرة هي ذلك الجنس العابر لكل الأجناس الأدبية، الراشف من رحيقها، والمقطر لها فيما يشبه الكبسولة الإبداعية، يضاف إلى هذا أن إيقاع عصرنا المتسارع اللاهث، المعقد المفتت، يجد ضالته ومبتغاه في شكل القصة القصيرة1".

وواضح هذا الاهتمام التونسي الدؤوب بالقصة القصيرة في المشهد الثقافي التونسي، الذي أنتج تجارب نوعية وكيفية، وتخوما جديدة، وتحولا في الموضوعات والأساليب، وأشكال الحياة التي يمور بها المجتمع، ونستحضر هنا على سبيل المثال: سفيان رجب، نبيل قديش، وليد الفرشيشي، طارق الشيباني، حسن مرزوقي، رضا بن صالح، محمد فطومي، ولن يسقط منا سهوا مساهمة المرأة في الرقي بهذه الكتابة، واجتذاب أشكال تعبيرية تغذي المتخيل القصصي، ف" منذ القديم ارتبط الحكي بتاء التأنيث، ومن شفاه المرأة تقطرت أبجدية الحكي الأولى، وما تفتأ ذاكرتنا مسكونة بحكي الأمهات والجدات، وما تفتأ ذاكرة التاريخ مسكونة ومفتونة بحكي سيدة الحكي شهرزاد، في لياليها البهية الخالدة مع الأيام "2.

 ومن الأسماء القصصية بصيغة المؤنث نستدعي، آمنة الرميلي، بلقيس خليف، حياة الرايس، نورة عبيد، نافلة الذهب، آمال مختار، مسعودة أبوبكر وقارة بيبان التي صدر لها عن دار نقوش عربية مدونتها القصصية " أنا القاتلة وظلالها" 2025، وتشتمل على القصصية جاءت كالتالي:

القاتلة، الجريمة، تلك الخطى، امرأة الصباح، رخام، نجوى تهوي، البوابة، بئرنا، -القصة، يوميات حلا، وجدتها، كنعان يفتح النافذة، الحاجز الأخير، صور.

فما الذي تفشي به العتبات النصية هذه الباقة من شواغل قصصية؟

العتبات النصية هي كل ما يحيط بالنص من عنوان خارجي، وعنوان داخلي، ومئقدمات، وهوامش، وإهداء، وصورة الغلاف، واسم المؤلف، إلى غير ذلك، وقد أطلق عليها جيرار جينيت النصوص الموازية، ولواحق النص، وكل ما يهتم بما يحيط بالنص، فهي " أول لقاء مادي ومحسوس بين الكتاب والقارئ الذي تراهن استراتيجية الكتابة على حسه وحدسه الإبداعيين اللذين يشفان عن أفعال قرائية تتعامل إيجابا مع هذه العتبات "3، و كل ما وجد فيه المتلقي ممرا إلى دلالة النص ومقاصده وفك مضمراته، ذلك أن العلاقة بين بين النص ولواحقه، هي علاقة اتصال، وليست علاقة انفصال، ومن هنا يمكن اعتبارها " قراءة أولى محفزة ومثيرة لشهية القارئ، فالقارئ يواجه الكتاب عادة وهو معروض على رفوف المكتبات أو واجهتها، متقدما إليه من خلال غلافه وما يتوفر عليه من " عناصر إشهارية تعلن عن " بضاعته الداخلية " التي تنطوي عليها الصفحات4"

وفي هذا المجال سنركز في تحليل النص الموازي ضمن قراءتنا ل"أنا القاتلة وظلالنا " على العناصر التالية: العنوان، اسم المؤلف، المؤشر الأجناسي، صورة الغلاف.

1-عتبة العنوان

يعتبر العنوان من أهم عتبات النص، ولذلك فهو " هوية الكتاب، واسمه الذي لا يعرف بشيء سواه، ذلك أنه قبل النص يوجد العنوان، وبعده يبقى، فهو في الأخير كلي الحضور ومطلق السيادة" 5. وسيرا على هذا المنوال، ورد عنوان هذه المجموعة القصصية " أنا القاتلة وظلالنا؟، جملة اسمية دالة على ثبوت فعل القتل كحدث واقع بالفعل، وليس غريبا أن تجد الظلال بحكم اقترانها بالغموض والموت والحياة. فابن منظور أورد في لسان عربه أن الناس يقولون للرجل إذا مات: (ضحا ظله) إذا صار شمسا.. وإذا صار شمسا فقد بطل صاحبه ومات.

هكذا يتخذ العنوان دلالة الإرهاص بتوقع حدث مرتقب يحمل عنصر القتل والمو، وإذا تتبعنا هذين العنصرين نقرأ من قصة ""القاتلة:

- "قررت أن أقتله " ص 9

- "سأقتله" ص 9

" مع ذلك سأقتله " ص 10

2- المؤشر الأجناسي

يعد المؤشر الأجناسي موجها قرائيا، يعلن عن الجنس الذي تنتمي إليه المجموعة، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبارها عملا سرديا ينتمي الى الكتابة القصصية، مما يدفعنا إلى تحديد مفهوم القصة جنسا أدبيا نثريا يعتمد السرد والحكي، و " الكبسولة الأدبية التي تسمى القصة القصيرة، هذه الكذبة المتفق عليها بين القاص والمتلقي، حد تعبير تشيخوف، أضحت إحدى العلامات الثقافية لعصرنا، وأحد " الردارات الأدبية قدرة على التقاط إيقاعات وذبذبات العصر وتسقط أدق خوالج النفس البشرية "6

3- صورة الغلاف

يتكون غلاف المجموعة القصصية من لوحة تشكيلية تعكس امرأة بملامح ضبابية وغامضة، وتساهم دلالة اللون في نقل الأبعاد المضمرة في نفسيتها، فاللون الأسود هنا يرتبط بالموت والنهايات، كذلك اللون الأحمر يحمل سمة القتل المصبوغ بالدم.

فالصورة إذن نص أيقوني مشحون بكثافة الدلالات، تساهم في بناء معنى العنوان، وتتحاور معه ليختزلا معا ثقافة الموت والقتل، ذلك لأن " الأشياء التي ترى وتدرك بالعين، أي كل ما يشتغل باعتباره علامة أيقونية، لا ينظر إليها في حرفيتها، بل من خلال انضوائها داحل هذا النسق أو ذك" 7

4- اسم المؤلف-*

إن تموقع اسم القاصة " بنت البحر حفيظة قارة بيان" أسفل العنوان الرئيسي، يعرف بصانعة المحتوى، ويمنح الأحقية القانونية للمجموعة حتى لا توسم باللقيطة، والمساهمة في فهم النص وتأويله بشكل أعمق، ف" النظام القولي لا يكتسب نصيته من بنيته الداخلية فحسب، بل يتدخل فيها كذلك منتجه ليضيء بدوره النص".8

وعليه، لا بد من التوقف عند هذه العتبة الجوهرية، وأخذ نبذة مقتضبة عن السيرة الإبداعية لحفيظة قارة بيبان، الإبداعية، فهي من مواليد بمدينة بنزرت، نشأت منذ الطفولة على حب الأدب وعشق الفن. كتبت القصة والمقالة والرواية. انضمت إلى نادي القصة (تونس) منذ أواخر السبعينات وعضو في رابطة الكتاب الأحرار، أدرجت بعض نصوصها في برامج التعليم التونسية. ساهمت في لجان تحكيم لمسابقات أدبية، وترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية، الأنجليزية، الإيطالية والصينية.

تكون قارة مبدعة رائعة، ووشم في ذاكرة المشهد الثقافي الإبداعي التونسي، رسخت وأثبتت أنها قارة لوحدها، وبحر من الإبداع.

في شواغل القصة

"شواغل القصة " نعني اهتمامات أو قضايا محورية تتعلق بالكتابة القصصية، وتشمل الموضوعات والمنظومة الجمالية التي تستوجب إنتاج تطريز قصصي بنسج جدلية متلاحقة بين الواقعي والخيالي، بين الحلمي والملموس، بين العقلي واللاعقلي، فضلا عن استثمار تقنيات جديدة.

ومن شواغل الموضوعات القصصية المهيمنة في هذه الباقة القصصية التي اختارت لها الكاتبة "أنا القاتلة وظلالنا " عنوانا، ترصدنا ما يلي:

- الحب

فى ثقافتنا العربية تبوأ جنسان أدبيان مقدمة الفنون فى التعبير عن الحب، الشعر والسرد لأنهما " ظاهرة كونية، وغريزة أساسية مثل الخوف والغضب والفرح" على حد تعبير صبحى درويش، فضلا على أنه تقنية تلعب دورها في إنتاج النص وجمالياته، والكشف عن طبيعة النفس الإنسانية، حتى أن الملسوعين به تفننوا في تسميته، فهو الفردوس، وجنة الحياة على الأرض، بيد أن الملفت في قصص المجموعة "، جاء مقترنا بالغياب والاستشهاد.

هكذا يبدو للوهلة الأولى في قصة " تلك الخطى " التي تحكي عن مصادفة الساردة لعشيقها في قاعة للمحاضرات بعد الغياب، ليستيقظ بداخلها الماضي، واللحظات السعيدة والملتزمة، لكن الخصيصة التي يلحظها القارئ بعد القراءة الفاحصة، هي كبرياء الساردة:

-  " مازال إحساسي به بجانبي وأنا أتقدمه بخطوتين أو ثلاث، مكابر هواي صمته " ص 25

- " يعلقني كبريائي في أشفار السماء " ص 2

خصيصة تجعل الحب ينفلت من معناه التقليدي الذي ترسخ في أذهان الناس عن الحب، حيث يبدو العاشق مجنونا يعاني من لسعات الحب، ويدمن البكاء والعزلة، فالساردة اخترقت هذا التقليد و ظلت خاضعة لتقلباتها وحرقة ماضيها الغرامي، ولكبريائها أيضا.

وفي قصة " الحاجز الأخير " يرتبط الحب الأمومي بالشهادة والاستشهاد، أم في انتظار استقبال ابنها الذي تم تسريحه بعد عشرين سنة من الاعتقال:" هو ذا أخيرا، بعد عشرين سنة، لم يكتمل ربيعه الثامن عشر حين اعتقلوه" ص 99، وبلهفة حارقة:" بعد حين سيجتاز الحاجز الأخير، ويرتمي في الأحضان، ستضمنه بشوق كل سنين الوحدة والحرمان، معا سيعودان، يده على خصرها، ويدها في يده " ص 96.

 لكن تشاء غطرسة العدو أن لا يتجاوز الحاجز الأخير، ليكون استشهاده بطريقة تنم عن السادية " ترك أحدهم قبضة شعره، وامتدت يده إلى قارورة صفراء، رفعها سريعا عاليا، صبها في الفم الذي شده مفتوحا، أمام العينين الصاختين، اقتربت ولاعة لتشعل النار ي فمه، اقتربت الولاعة أكثر، بينما كانوا يضحكون بشماتة كالحة " ص 101، وهكذا ينطفئ الحب ويتلاشى، بعد أن كان ملتهبا ومكتظا بالشوق، لكنه يبقى في النهاية شهادة إثبات على عنجهية المحتل، المفرطة في عماها واستهتارها بالمواثيق العالمية واحتقارها وتعذيبها المادي والمعنوي في حق الشعب الفلسطيني.

وفي مقابل هذه الكثرة الكاثرة من حيونة المغتصب، ثمة ضمائر حية لا بد من استدعائها واحتسابها، فضمن قصة " كنعان يفتح النافذة " التي تدور حكائيا حول استقبال باخرة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بميناء " بنزرت " بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت في بدايات الثمانينيات، وتقديم الإسعافات للمصابين:" شباب بلباس موحد داكن، على سطح الباخرة، وبعض الأيادي ترتفع تحيي المستقبلين، مدرج معدني ينفتح على باب صغير واطئ، جنب الباخرة وجموع الشباب، تنزل إلى رصيف الميناء، محامل جرحى يحملها شباب الهلال الأحمر تتقدم من سارات الإسعاف " ص 88.

ونقرأ أيضا " باخرة كبيرة رصاصية اللون تحت شمس طالعة تقتحم أفق البحر الصباحي البراق " جماهير حاشدة على أرصفة الميناء وفي شرفات المباني والسطوح " ص88

مما يعني حضور ثقافة التضامن الرمزي والمادي مع الثورة الفلسطينية، فحتى وجدان الطفولة احتضن القضية:" كنت هناك في ذلك الصباح البعيد في بهو الميناء الرحيب طفلة تسائل الصور والوجوهوتترقب مجيء الضيوف الذين ركبوا منذ ثلاثة عقود تلك الباخرة، باخرة التهجير، إلى الملجإ الجديد"ص 88

وبعبارة ثانية، أمام هذه الخيانة للقضية، وأمام هذا الداء الفلسطيني، لا يظل هناك من أفق سوى الكرامة وحضور المبادرة، إذ لا بد للتاريخ أن ينصف القضايا العادلة، حتى وإن بقي عرق واحد ينبض تقول الساردة " هناك على الشرفة الخالية ظل العلم مرفوعا، يتطاير تحت ضوء بعيد باهت، يصارع وحيدا الريح والعاصفة " ص 93

- الطفولة

تبدو صور الطفل في الأدب، العربي والعالمي، كأنها تتشكل في مساحة شاسعة من النصوص وعبر مستويات ثقافية مختلفة. لا تكاد معظم الروايات تخلو من شخصية الطفل، ذلك لأن الطفولة تجربة كونية، ومرحلة يتشاركها كل البشر.

 ولما كانت الطفولة تمثل المرحلة الأولى من مراحل حياة الإنسان،.فهي تعني مستقبل الأمة وأملها، فضلا عن أنها تعرف بالبراءة، والصفاء والجمال الملائكي، وإذا تأملنا هذه المعاني بدقة، سنجد أن مفهوم الطفولة الفلسطينية ينحاز عن هذه المواصفات إلى النقيض، حيث نقف اليوم أمام جموع الأطفال الذين يفتقرون إلى أدنى حد من المواصفات الإنسانية التي تنصهر في بوتقة القتل والفقر، واليتم، والاعتقال، والتشريد، والبحث عن أهوال الحصول على بيت، أو مدرسة، أومأوى، أو رغيف خبز، أو أسرة.

“ - ارتج البيت حولنا، 2واساقط الزجاج مكسورا من النوافذ، القصف جد قريب، طرنا إلى حضن أمي، فتحت ستي ذ

- الحرب

 الحديث عن الحرب في قصص المجموعة ينطوي على اعتراف ضمني بأنها نصوص متطورة، تؤثر في البيئة المحيطة وتتأثر بها، وليست مجرد مجموعة من التراكيب وأبنية قائمة على الفراغ، بل تعرية لمثالب ما يقع، والكشف عن المساوئ والقبح، تعرية توازي الواقع الذي أصبحت فيه الحروب خردة.

وعليه، اختارت القاصة ضحايا هذه الحرب من الأطفال والفتيان، في قصة " كنعان يطل من النافذة"، بسبب الحرب يختفي الفتى " كنعان " الفلسطيني من وسائل التواصل الاجتماعي بعد اتمامه لدراسته بتونس وعودته إلى الأرضي المحتلة،:" اختفى كنعان.. . ينتظر لحظة الانبتاق من جديد، من صور الذكرى، من رفرفرة العلم على شرفتي من حرائق النيران تشعل المدينة المحاصرة، تعلو، تشعل الشاشات والعالم، تلهلب في حضني الحاسوب، وتحرق في كفي الهاتف " ص 91.

أما قصة " يوميات حلا "، فتترجم الحرب الاستشهاد والشهادة، استشهاد الطفلة والفنانة التشكيلية الواعدة " حلا "، وتترجم الشهادة يومياتها التي بقيت بعد القصف.

 ولكن هذه الصور التي اختارتها القاصة لحال الحرب في قسوتها، وفي تأثيرها تبقى شهادة لهذا الداء الفلسطيني الذي عانت منه الطفولة سنوات طويلة، وترجمة لما تفعله الحرب فينا وبنا، ولا تستثني حتى الطفولة.

وإلى جانب هذا من الشواغل الموضوعاتية، تتضمن قصص المجموعة جملة شواغل تقنية وفنية، يمكن إجمالها في الميتاقصة، الانزياح، والبياض والسواد.

- *المياتقص

يعد الميتاقص شكلا من أشكال التجريب، وتقنية ما بعد حداثية أفرزتها روح العصر، التجأ إليها الكتاب بقصد تطعيم نصوصهم السردية بجمالية جديدة، وارتياد أفق التجريب والتمرد على القوالب السردية التقليدية والمعايير الكلاسيكية المألوفة، ومن بين هذه الطرائق في إبداع النص القصصي، تقنية الميتاقص التي بدأت تأخذ لها حيزا لا فتا في الكتابة الروائية والقصصية "الميتاقص" (metafiction) مصطلح عالمي، ظهر في الغرب، وقد أخذ يتداول في العالم العربي وصار له منظروه.

وما يمكن تسجيله في هذا الصدد أن حضوره ملفت في القصص التالية " أنا القالة، الجريمة، امرأة الصباح، بئرنا، القصة، يوميات حلا، وجدتها، صور"، إذ نسجل رصدها لعوالم الكتابة، وشرح تكونها وتركيبها وتبلورها جماليا وفنيا ورؤيويا.

في قصة " أنا القارئة "، علاقة فريدة تربط الكاتبة مع بطل قصتها وتماهي الساردة معه، وتجد نفسها حاضرة بدرجة ما بما تحمله من أوصاف وجينات حقيقية، واستدعائها من المتخيل إلى العالم الحقيقي كي تلازمها إلى حد التفكير في قتله في النهاية، لكنها تظل تحتمي بغلالة فنية جمالية " ولكن حكايتي معه لا بد أن تنتهيفما عاد الهدوء والرضا ممكنا، لا بد أن تنتهي مع عصف هذا الصيف المحتضر هكذا قررت، علي قبل كل شيء، أن أتدبر وسيلة قتل لا تخيب " ص 10

لكن الأمر لا يسير كما تتمنى الساردة، بل تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى غرق شخصيتها تتحرك خارج مخخطها السردي " كانت الجريمة تسبح في الماء – فوق مكتبي وبطلي، " الرجل القتيل القادم " الذي تركته حانقا ينتظرني يجرفه ماء فياضانات الأرض الغاضبة بين الأوراق التي بعثرتها الريح العاصفة " ص 12، مما يؤكد. في المقابل أن للكاتب معاناته في الكتابة، والاحتيال على المتلقي واللعب معه فضلا عن جنونه الذي يحوّل الواقع إلى مادة تخييلية، أكثر إدهاشاً وتأثيراً، بكتابة قصة في قصة، تجعل من الكتابة والقص موضوعا لها داخل العمل القصصي، نص قصصي يشمل نصا نقديا هو جوهر العملية الميتاقصية.

الانزياح القصص

النص الأدبي على الدوام يروم تحقيق هويته من خلال الشذوذ والاختلاف والانحراف -عن الخطاب المألوف، ويدخل ضمن هذا المستوى من الانزياح الذي عدّه فاليري تجاوزا، واعتبره بارت فضيحة، ورآه تودوروف شذودا، ووسمه أراغون جنونا وانحرافا.

وعي القاصة باختلاف ممارستها النصية عن ممارسة سابقيها دفع بها إلى تشكيل نصها وفق منظر مغاير أصبع معه النص عبارة عن عدة مقاطع، ويشكل كل مقطع منها مرحلة من مراحل التركيب الكامل للنص القصصي، والمقطع، حسب هذا التطور البنائي، تكثيف لطاقة شعورية أو فكرية مندمجا في ذلك، مع المقاطع الأخرى، لتكون جميعها عالما قصصيا متوازنا ومتكاملا.

فالقاصة، حين عمدت إلى تركيب بعض من نصوصها القصصية من مقاطع متعددة فكي تقيم وحدة عضوية باطنية للنص القصصي حيث تتجانس التجربة النفسية بصيغة تميزها عن التجربة النصية القديمة*، التي لا يخضع فيها التركيب الداخلي للنص للتجربة النفسية المؤطرة له.

ويمكن أن نبرهن عن أنماط هذا الخرق لقوانين الربط من خلال النص ذو المقاطع المفصولة بنجيمات كما في قصة " رخام "، أو من خلال النص ذو المقاطع المعنونة كما في قصة " صور "، واللافت في قراءة القصتين، اشتراكها في خاصية الانزياح التركيبي، بصيغ تختلف من نص إلى آخر، إذا أقدمت القاصة على تحطيم الربط بين المقاطع داخل النصين، محطمة بذلك الربط السطحي بين المقاطع.

وفي نفس سياق شعرية الانحراف الجمالي تعمد القاصة إلى التلاعب بالأصوات ، نقرأ للساردة:

" صبوا في فمه ساخرين.. البنزين.. تطايرت النار من الفاه والحشا.. لم تمنع النار صرخته العالية الصاعدة من اللهيب، رااااااااجع يماااااااا.. راااااجع يماااا.. "

 تمديد للصوت " ا" زمنيا ومكانيا، زمنيا بإطالة التصويت في المكونين اللغويين ” راجع و يما ”، ومكانيا باحتلاله لمسافة فضائية دلالة على تحدي الموت والتشبث بالحياة، وإفساح المجال للشهيد للتعبير عن مواقفه واختياراته ومشاعره.

خطابات التفاعل النصي والتعدد اللغوي

يعد التفاعل النصيّ نظرية حديثة في مجال النقد، و يعني أن أي نص أدبي ليس كتلة مستقلة بذاتها، بل هو نتاج لتفاعل مع نصوص سابقة أو معاصرة، و علاقة حوارية بين النصوص، لإنتاج نص آخر مما يدل على القدرة الفائقة على استيعاب المعاني من مصادر مختلفة، و ينمّ عن الخلفية الثقافية للكاتبة.

واستنادا، على ماسبق تستضيف " أنا القاتلة وظلالنا " مجموعة من الخطابات والأشكال التعبيرية -جاءت كما يلي:

- اليوميات

اليوميات فن عريق وكوني تدون فيها الأحداث التي تترك أثراً فينا أو في محيطنا يدونها الشخص المعني، لذا فهي عبارة عن سيرة ذاتية يومية، وبهذا المعنى، تستضيف قصة " يوميات حلا "، الفنانة التشكيلية الواعد قبل قصف الطائرات وبعدها.

وبقراءة فاحصة لهذه اليوميات، يتبدى لنا القصف الجوي للأراضي الفلسطينية من قبل القوات الجوية الفلسطينية، وما تخلفه من تدمير للمستشفيات وضحايا تحت الأنقاض، نقرأ من يومية حلا المؤرخة ب14 أكتوبر 2023” النار تشتعل في المستشفى -، هناك أخي باسل، صرخت وهي تلتفت إلى النافذة المكسورة، بدا جبل من الدخان الأسود الكثيف يطلع من النار من هناك “ ص 75

الأغنية- الشعر

تلتقط قصة " صور " بشكل صريح أغنية صباح فخر " ابعث لي جواب"، كلمات حسام الدين الخطيب:

" ابعث لي جواب وطمني

ولو أنه عتاب لا تحرمني

ابعث لي جواب

ابعث لي جواب

ابعث لي جواب" ص110

وهكذا يستجلب الحكي الأغنية – الشعر، وهذا يقرب النص القصصي من لغة الشعر، ويمنح الحكي بعدا وجدانيا وإيحائيا، مما يزيد من متعة النسيج السردي، ومن ثم تحفيز المتلقي وتصيده للتفاعل مع هذا التركيب اللعبي الذي تتغياه الكاتبة.

- شعرنة السرد

إالحامل المميز في هذه المجموعة فهو "شعرنة" السرد، في سياق عملية تجريبية مرجعيتها النظرية تداخل الأجناس، حيث يستضيف القاصة في مجموعتها "لغة الشعر"، مما رتابة الحكي، ونورد بعضا من نماذج هذه الشعرنة من قصة " " كالتالي:

" انتظرت، وخطاي تنساب على الطريق، بينما كانت خطاه غير بعيدة، تسير خلفي يدوس صداها الصمت القلق المتردد يفصل بيننا " ص 23

بدت سترته الزرقاء النيلية قريبة دافئة، مؤنسة بلونها الذي أحب، ظلت الزرقة الحانية تسير قربي، تصاحب خطوي، تتابع خطوي، تصاحب الصمت الضاج بيننا، صمت غريبين بعيدين أخذهما طريق مجهول " ص 23

إن المتأمل لهذين النموذجين يقف على استخدام القاصة خاصية من خصائص لغة الشعر في السرد، وما يمكن أن يطلق عليه "شعرنة" السرد، وهي ظاهرة تأتي في سياق عملية تجريبية مرجعيتها النظرية تداخل الأجناس، وإذا ما لمسنا التراكيب التالية:

- " بينما كانت خطاه غير بعيدة، تسير خلفي يدوس صداها الصمت القلق المتردد يفصل بيننا” ص

- " ظلت الزرقة الحانية تسير قربي، تصاحب خطوي"ص24

تبدى لنا انحراف التعبير عن الدلالة الوضعية، أو ما يسميه " كوهين" بالمنافرة الدلالية، إذ لا يمكن للخطوات أن تدوس الصمت، ولا يمكن للزرقة أن تسير، وتصاحب الخطوات، مما يساهم في التوهج الشعري للمحكي السردي وتكسير رتابته، وهي ميزة وخاصية تتسرب في مجموع سرديات " حفيظة بيبان " قصة ورواية

- لعبة البياض والسواد

المقبل على قصص " أنا القاتلة وظلالنا " يثير انتباهه التوظيف المكثف للعبة البياض والسواد، أو الصمت والكلام، فهو اعتناء لافت " بما تختزله من إيقاع جسدي يحرك النص، ينقله من جموده لحيويته، من جسد ميت لجسد حي " 9

تتردد نقاط الاسترسال وتغطي مساحات كبيرة في المجموعة، وتحضر منذ القصة الأولى، تقول الساردة:" مشيت.. مشيت.. يسير بي شجن شفاف، وانتظار ما خافت، ششبه يائس.. انتظار أن يأتيني صوته، يدعوني، أن يقول كلمة واحدة توقف خطواتي الماضية.. نحو المجهول.

كان خلفي، على بعد خطوات.. كأنه يتبعني.. بل يتعني.. " ص 23

ما يميز هذا المقطع هو اتخاذهشكل التداعي الناتج عن إصابة الساردة بحالة التمزق العاطفي، والصراعات والتشتت الوجداني، ويدل على الواقع النفسي المتفكك الذي تعاني منه جراء إسدال الستار عن تجربة عاطفية عاشت لحظات سعيدة في الماضي.

وتبعا لذلك، لم تكن نقاط الاسترسال اعتباطية" وفعلا بريئا أو عملا محايدا، أو فضاء مفروضا على النص من الخارج، بقدر ما هو عمل واع، ومظهر من مظاهر الإبداعية وسبب لوجود النص وحياته " 10

على سبيل الخاتمة

مجمل القول، " أنا القاتلة وظلالنا " تجربة قصصية جديدة، تنضاف إلى عناوين المبدعة حفيظة قارة بييان، وإلى سجل القصة القصيرة بتاء التأنيث في تونس، ولا أحد يشك في أنها تجربة غزيرة، حاضرة ومستمرة، وبعبارة محددة وشفافة، هي قارة وبحر، اسمان على مسمى كما أسلفنا.

***

عبد الله المتقي

.........................

إحالات

1-  نجيب العوفي، كأن الحياة قصة قصيرة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، 206، ص 21

2- نجيب العوفي، نفس المرجع، ص 234

3- د. عبدالمالك أشهبون، قضايا الرواية المغربية المعاصرة البدايات والتحولات والامتدادات، دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2025، ص99*

4- محمد فري ومحمد أحميد، ، لعبة النسيان لمحمد برادة، نشر أنتير كراف، ط1، 1999، ص6

5- عبدالمالك أشهبون، نفس المرجع، ص99

6- نجيب العوفي، نفس المرجع، ص 44

7- سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سيميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان، ط1، 1999ـص 17

8- أحمد فرشوخ، جمالية النص الروائي مقاربة تحليلية لرواية “ لعبة النسيان “، دار الأمان للنشر والتوزيع، 1996، ص 36

9- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاته، ج 3، دار توبقال، ط1، 1999، ص112

10- رضا بن حميد، الخطاب الشعري الحديث من اللغوي إلى التشكيل البصري، مجلة الحياة الثقافية، عدد 69-70، 1995، ص16

 

تأتي قصيدة «شفتي تراكَ» للشاعر توفيق أحمد بوصفها نصًا غنائيًا مكثفًا، ينفتح على تجربة عشقية مشحونة بالتوتر الوجودي والانزياح الدلالي، حيث تتداخل اللغة بالوجدان، ويتحوّل الحب من حالة وجدانية مألوفة إلى سؤال فلسفي عن المعنى، والفقد، والإنسان. وتنهض القصيدة على بناء لغوي محكم وإيقاع داخلي متماسك، تستثمر فيه المفارقة والتضاد والصورة المركّبة، بما يمنح النص أفقًا تأويليًا واسعًا يتجاوز الغزل التقليدي نحو تخوم التجربة الإنسانية العميقة. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة من خلال تحليل أسسها اللغوية والبلاغية، وجمالياتها الفنية، وأبعادها الفكرية والفلسفية، للكشف عن بنيتها الدلالية العميقة وآليات اشتغالها الجمالية.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم القصيدة على لغةٍ سليمةٍ فصيحة، تخلو من التعقيد النحوي أو الخلل التركيبي، لكنها في الوقت ذاته لا تقع في فخّ المباشرة أو التقريرية. يتّكئ الشاعر على جُمل فعلية إنشائية تُكثّف التوتر العاطفي وتدفع النص إلى الأمام، مثل:

سافِرْ غداً كي لا أراكَ الآنا

خذني إليكَ فلا أُريدُ مكانا

الأمر هنا ليس طلبًا عاديًا، بل فعلٌ وجودي مشحون بالمفارقة: السفر كي لا يُرى، والأخذ كي لا يكون هناك مكان. هذه الانزياحات التركيبية تمنح اللغة طاقتها الشعرية، حيث تتحوّل الأفعال اليومية إلى إشارات نفسية عميقة.

كما تتجلّى الدقة اللغوية في اختيار الألفاظ ذات الحمولة الدلالية العالية:

(سافر – خذني – طعنة – انتحار – النار – الغفران)؛ وهي ألفاظ تنتمي إلى حقلين متقابلين: الحب/الفناء، ما يعكس وعيًا دقيقًا ببنية المعنى.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

يُحسن الشاعر الموازنة بين اللفظ والمعنى، فلا يبدو اللفظ متكلّفًا ولا المعنى مبتذلًا. تتجلّى هذه الوجاهة في قولِه:

لا تبتعد عني أُريدكَ طعنةً

أخرى لأطلقَ للصهيلِ عنانا

الطعنة هنا ليست أذى جسديًا، بل تكثيف بلاغي للرغبة في الألم بوصفه شرطًا للحياة والشعور. اللفظ الفصيح يخدم المعنى النفسي، ويُخرجه من دائرة الغزل التقليدي إلى فضاء الاعتراف الوجودي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة مكتوبة على بحر الكامل (متفاعلن)، وهو بحر ذو طاقة إيقاعية عالية، يتناسب مع الانفعال المتصاعد. القافية الموحدة بالألف والنون المفتوحة (ـانا) تمنح النص امتدادًا صوتيًا يوحي بالأنين والاسترسال:

جبانا – عنانا – حنانا – النيرانا – الغفرانا – برهانا – عميانا – حصانا – إنسانا

كما يعتمد الشاعر على الموسيقى الداخلية عبر التكرار الصوتي (النون، الألف، الراء)، ما يعزّز الإيقاع النفسي ويمنح القصيدة جرسًا داخليًا متماسكًا.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص.

لا تقوم القصيدة على سردٍ خطيّ أو حكاية واضحة، بل على تدفّق شعوري متوتر، تتداخل فيه الأزمنة: الماضي (من ألف عام)، الحاضر (أنا هنا)، والمستقبل المؤجَّل (عاشق الوقت المؤجّل).

الشخصيات في القصيدة ثنائية: الأنا/الآخر، لكنها ثنائية قلقة، غير مكتملة، تذوب فيها الحدود حتى يصل الشاعر إلى ذروة الانمحاء:

شفتي تراكَ كأنّ عيني في فمي

وهو تصوير فني بالغ الكثافة، حيث تتداخل الحواس وتنهار وظائفها الطبيعية.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر للعالم رؤية تراجيدية – عشقية، ترى الحب لا بوصفه خلاصًا، بل امتحانًا وجوديًا. لا يطلب الطمأنينة، بل القلق؛ لا الوعد، بل الجرح:

أنا لا أحبُّكَ حين تطلبُ موعداً

أو تشتهي لمودتي برهانا

الحب الحقيقي، في هذه الرؤية، لا يحتاج إلى ضمانات، لأنه قائم على المخاطرة والفقد.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تتجلّى قدرة النص على إنتاج الدهشة في انزياحاته الجمالية، مثل الجمع بين مفردات متناقضة:

فكنْ دماً وحنانا

الدم والحنان، الموت والدفء، يلتقيان في صورة واحدة، ما يمنح النص طابعًا حداثيًا يتجاوز المألوف الغزلي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري للنص.

تطرح القصيدة أسئلة وجودية حول الحب، الذنب، الغفران، والمعنى:

من ألفِ عامٍ لم أجدْ لخطيئتي

أُفقاً أوزّعُ فوقه الغفرانا

الخطيئة هنا ليست دينية بالضرورة، بل خطيئة الوجود نفسه، والعجز عن الغفران هو عجز عن التصالح مع الذات.

2. الأفق المعرفي:

ينفتح النص على مرجعيات متعددة:

صوفية: في طلب الفناء والذوبان في الآخر.

وجودية: في القلق، والبحث عن المعنى عبر الألم.

حداثية: في كسر الصورة التقليدية للحب واللغة.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا).

في عمقه التأويلي، لا تتحدّث القصيدة عن حبيب بعينه، بل عن الآخر بوصفه مرآة الوجود. فالعمى في قولِه:

فمتى سنبقى هكذا عميانا

ليس عمى البصر، بل عمى البصيرة حين يعجز الإنسان عن رؤية ذاته خارج الآخر.

وتبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في الخاتمة:

حَسْبُ القصيدةِ أنني قد صغتُها

قمراً وأنّكَ صُغْتني إنسانا

حيث تتحوّل القصيدة إلى فعل خلق متبادل: الشاعر يخلق الجمال، والآخر يمنحه إنسانيته.

خاتمة:

تُعدّ قصيدة «شفتي تراكَ» نصًا شعريًا ناضجًا، يجمع بين سلامة اللغة، وعمق الرؤية، وجرأة الانزياح، ويؤسّس لتجربة عشقية وجودية تتجاوز الغزل إلى سؤال الكينونة والمعنى. وهي قصيدة قابلة للقراءة النقدية المتعددة، ما يمنحها قيمة جمالية وفكرية عالية في المشهد الشعري المعاصر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...........................

شفتي تراكَ

شعر توفيق أحمد

سافِرْ غداً كي لا أراكَ الآنا

خذني إليكَ فلا أُريدُ مكانا

خُذْ من يديكَ يدي لقد عَلَّمتَني

في العشق كم كان الحوارُ جبانا

لا تبتعد عني أُريدكَ طعنةً

أخرى لأطلقَ للصهيلِ عنانا

أتُريدُ غيرَ النار عندي فسحةٌ

للانتحار فكنْ دماً وحنانا

يا عاشق الوقتِ المؤجَّلِ رُدَّ لي

طعمَ البكاءِ لأعرفَ النيرانا

من ألفِ عامٍ لم أجدْ لخطيئتي

أُفُقاً أوزّعُ فوقه الغفرانا

أنا لا أحبُّكَ حين تطلبُ موعداً

أو تشتهي لمودتي برهانا

شفتي تراكَ كأنّ عيني في فمي

فمتى سنبقى هكذا عميانا

قُلْ ما تشاءُ ولا تقلْ فأنا هنا

نهرٌ يطاردُ وردةً وحصانا

حَسْبُ القصيدةِ أنني قد صغتُها

قمراً وأنّكَ صُغْتني إنسانا

 

هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها نصاً عن «باب» بالمعنى المادي، بل بوصفها استعارة كبرى للعبور الوجودي والمعرفي. إنها كتابة تنقل الباب من وظيفة الفتح والإغلاق إلى أفق التأويل، حيث يصبح السؤال عن المعنى أعمق من فعل الدخول نفسه. ومن خلال لغة مكثفة ورمز متعدّد الطبقات، يشتغل النص على توتر الإنسان بين المنع والانكشاف، بين المقدّس بوصفه حدّاً، والمقدّس بوصفه بصيرة، فاتحاً المجال لقراءة فلسفية وسيميائية تتقصّى ما تحت الجلد الشعري من قلق، وشغف، ورغبة في المطلق.

أولًا: مدخل هيرمينوطيقي – من العتبة إلى المعنى

قصيدة «باب الله» ليست نصاً وصفياً عن “باب” بقدر ما هي نصّ عتبة، حيث يتحول الباب من كونه عنصرًا معمارياً إلى مجاز كوني وأنطولوجي. إننا أمام شعر يشتغل على مفهوم العبور لا المكان، وعلى الإدراك لا الحركة.

هيرمينوطيقيًا، الباب هنا ليس ما يُفتح أو يُغلق، بل ما يُفهم. ومن ثم، فالنص يطالب القارئ لا بأن يطرق، بل بأن يكون بصيراً. هذه الإزاحة في وظيفة الباب تمثل مفتاح القراءة التأويلية:

الباب ليس انتقالًا من خارج إلى داخل، بل من السطح إلى الجوهر.

ثانيًا: تحليل العنوان – «باب الله» بوصفه شيفرة دلالية

العنوان تركيب إضافي شديد الكثافة:

١- باب: حدّ، فاصلة، إمكان عبور، عتبة معرفة.

٢- الله: المطلق، الغيب، المصدر، المعنى الأعلى.

دلاليًا، نحن أمام نفي الوسائط: لا باب إلى الله إلا الله نفسه. وهنا يتجاوز النص كل تصور ديني طقوسي مغلق، ليفتح أفقًا صوفيًا–معرفياً، حيث الإدراك يحل محل الطَرق.

ثالثاً: المستوى الرمزي – الباب (كنموذج أصلي)

في المخيال الإنساني:

١- الباب رمز للتحول

٢- ولادة جديدة

٣- امتحان وجودي

القصيدة تستثمر هذا الرمز، لكنها تفككه:

الأبواب الموصدة = الخرس، القمع، الخوف، الجمود

الأبواب المشرعة = الانكشاف، الهشاشة، القابلية للاحتراق

المفارقة الرمزية:

ما يُفتح لا يعني الخلاص، بل التعري.

رابعًا: البنية النفسية – قلق المعرفة وفتنة الانكشاف:

النص مشبع بتوتر نفسي عميق:

١- الخوف من الأبواب الموصدة (المنع، القمع)

٢- الخوف من الأبواب المفتوحة (الانكشاف، الاحتراق)

وهذا يعكس حالة الإنسان المعاصر:

١- لا يطمئن للغلق

٢- ولا يحتمل الفتح

إنه قلق وجودي بين المنع والحرية، بين الصمت والقول.

خامساً: البنية الدينية – قراءة غير أرثوذكسية للمقدّس

1. آدم وباب الجنة:

«آدم ترك باب الجنة مواربًا»

هذه جملة شديدة الجرأة الدلالية:

الجنة ليست مغلقة تمامًا

الخروج لم يكن قطيعة نهائية

النص يعيد تأويل السقوط:

ليس عقابًا فقط

بل بحثًا عن الأبواب الأخرى

2. الشجرة

حضور الشجرة كشاهد:

١- معرفة

٢- إثم

٣- ذاكرة

وهي الوحيدة التي تعرف الأسرار مع آدم:

المعرفة هنا مشتركة بين الإنسان والطبيعة.

سادساً: التحليل السيميائي

1. محاور الأدوار:

الدور التمثيل في النص

الفاعل الإنسان / الشاعر / العاشق

الموضوع باب الله (المعنى، المطلق)

المرسل القلق الوجودي / الرغبة في المعرفة

المتلقي الذات الإنسانية الباحثة

المساعد البصيرة، الشعر، العشق

المعارض اللغة الجاهزة، الطَرق، العمى

2. محور الرغبة

الرغبة ليست في الدخول، بل في الفهم دون وساطة.

سابعًا: تحليل المفردات – اشتغال اللغة بوصفها دلالة لا زخرفة

1. «ساحر»

نقل اختراع الباب من العقل الهندسي إلى الخيال السحري.

2. «صبابة»

ليست حبًا عاديًا، بل:

شوق موجِع

تعلق يهدد الذات

3. «خرساء»

إسقاط الصوت عن الباب = إسقاط الحوار = انسداد المعنى.

4. «قابلية للاحتراق»

المعرفة هنا نار، لا طمأنينة

ثامناً: المستوى الجمالي – اقتصاد الصورة وكثافة الرمز

النص:

١- لا يفرط في الاستعارة

٢- يعتمد التركيب الدلالي

٣- يشتغل على المفارقة لا الزينة

٤- الجمال هنا وظيفي: يخدم الفكرة، لا يزاحمها.

تاسعًا: الأنساق المعرفية الحاكمة للنص

1. نسق صوفي: البصيرة قبل الطقس

2. نسق وجودي: الإنسان ككائن سؤال

3. نسق إنساني: نفي الاحتكار الديني للمعنى

4. نسق نقدي: تفكيك السلطة الرمزية للأبواب.

عاشراً: مقارنة المستويات

1. المستوى الانفعالي

١- توتر هادئ

٢- شغف غير صاخب

٣- قلق معرفي

2. المستوى التخييلي

تخييل ذهني لا بصري

صور ذهنية فلسفية

3. المستوى العضوي

النص يتنفس كوحدة واحدة

لا قفزات مفتعلة

انسجام داخلي بين الفكرة والصورة

4. المستوى اللغوي

لغة شفافة

مفردات قليلة، دلالات كثيفة

غياب الزخرف البلاغي لصالح العمق

خاتمة تأويلية:

قصيدة «باب الله» ليست عن الدخول إلى المقدّس، بل عن التحرر من وهم الأبواب. إنها نصّ يُعيد الاعتبار للبصيرة، للشعر، للعشق، بوصفها طرقًا غير مؤسساتية نحو المعنى.

باب الله لا يُطرق،

لأن الطرق اعتراف بالمسافة،

والبصيرة إلغاء لها.

وهو بذلك نص فلسفي–شعري عميق، يضع القارئ أمام امتحان وجودي:

هل تريد أن تدخل، أم أن تفهم؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

للكاتبة غادة سيد

يظل الأدب الرفيع مرآةً عاكسةً للمجتمع، لا تكتفي برصد ظواهره الخارجية، بل تغوص عميقاً لتكشف عن أثر هذه الظواهر في تشكيل الوجدان الإنساني. وفي هذا الحقل، تبرز العلاقة الجدلية بين الواقع الاجتماعي والمنحى النفسي كمحور أساسي لفهم ديناميكيات السرد، حيث لا يمكن فهم دواخل الشخصية إلا من خلال سياقها، ولا يمكن قراءة المجتمع إلا من خلال أثره في نفوس أفراده.

تأتي المجموعة القصصية "السوار الذهبي"

لتقدم نموذجاً فنياً مكثفاً لهذه العلاقة. فمن خلال ثماني وعشرين قصة قصيرة، لا تقدم الكاتبة مجرد حكايات متفرقة، بل تبني مشروعاً سردياً متماسكاً قوامه الأساسي هو تتبع أثر الشروط الاجتماعية القاسية في توليد صراعات نفسية عميقة. فالقصص في مجملها تنطلق من واقع اجتماعي محدد—سواء كان ضغطاً أسرياً، أو عنفاً زوجياً، أو نفاقاً اجتماعياً —لتستكشف تموجاته وانعكاساته داخل أرواح شخصياتها.

على هذا الأساس، لا تعود المعاناة النفسية للشخصيات مجرد حالة فردية معزولة، بل تصبح عرضاً لمرض اجتماعي أوسع. فالكوابيس التي تؤرق بطلة

"صعود اضطراري" هي نتاج مباشر لغياب الأمان الأسري، والصراع المرير الذي تخوضه بطلة

"السوار الذهبي" للحفاظ على حلمها هو في جوهره مواجهة مع ثقافة اجتماعية تسعى لمصادرة الفردانية.

وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا التفاعل المنهجي في مجموعة "السوار الذهبي"، من خلال قراءة نقدية للعتبات ونماذج قصصية مختارة، نكشف عبرها كيف وظفت الكاتبة أدواتها السردية لربط العام بالخاص، والظاهر بالباطن، لتثبت أن فهم الأزمات النفسية لشخصياتها لا يكتمل إلا بفهم السياق الاجتماعي الذي أنتجها.

أولا: تحليل العتبات النصية (تحليل النص)

تعتبر العتبات النصية المفاتيح الأولى التي تقدم للقارئ رؤية أولية عن العمل وتوجه قراءته.

1. الغلاف: سيمائية الصورة والنص

يحمل تصميم الغلاف، الذي أبدعه الفنانة /لينا سليم دلالات بصرية غنية:

- الصورة المركزية: سوار ذهبي ضخم يشكل دائرة شبه كاملة، وفي داخله يقف ظلان لرجل وامرأة. المرأة تظهر كأنها في حركة انطلاق أو ابتعاد، بينما يقف الرجل في وضعية تأمل أو انتظار.

- الدلالات الرمزية:

- السوار الذهبي: يرمز إلى ما هو ثمين ومادي، وقد يمثل الحلم، أو الثروة، أو الجمال. لكنه في الوقت نفسه، بشكله الدائري، يوحي بالقيد، أو الدائرة المفرغة، أو "القفص الذهبي" الذي يأسر الروح رغم بريقه.

- الظلال: استخدام الظلال (Silhouettes) يجعل الشخصيات بلا ملامح محددة، مما يمنحها صفة الشمولية والنموذجية. هي لا تمثل رجلاً وامرأة بعينهما، بل تمثل تجارب إنسانية متكررة في العلاقات والصراعات.

- النص على الغلاف الخلفي: يقتبس جزءاً مؤثراً من القصة الرئيسية، يتحدث عن طلب متكرر من الأم، وانهيار، وحزن، وتساؤل عن الإرث، مما يهيئ القارئ مباشرةً لأجواء الصراع الأسري والنفسي الذي تشهده بطلات القصص.

2. العنوان: "السوار الذهبي"

العنوان ليس مجرد اسم للقصة المحورية، بل هو "نص موازٍ" (Metatext) يلخص رؤية المجموعة بأكملها. "السوار الذهبي" يصبح استعارة كبرى عن:

- صراع المظهر والجوهر: البريق الخارجي الذي يخفي ألماً داخلياً.

- الأحلام كقيود: الحلم الذي يتحول من هدف للتحرر إلى سجن يكبل صاحبه.

- الإرث المادي والمعنوي: الصراع حول الميراث ليس مجرد صراع على المال، بل على الذكريات والهوية والأحلام التي يمثلها.

- العلاقات الإنسانية: التي قد تبدو ثمينة كالذهب، لكنها قد تكون أيضاً قيداً يلتف حول المعصم ويحد من الحرية.

3. الإهداء: ميثاق القراءة

جاء الإهداء مكثفاً وعميقاً:

"أهدي هذا العمل إلى الحياة؛ لأنها من أهدتني أحداثه".

هذا الإهداء يضع ميثاقاً واقعياً مع القارئ، مؤكداً أن هذه القصص ليست مجرد نسج من الخيال، بل هي انعكاس مباشر لتجارب إنسانية حقيقية. تعلن الكاتبة هنا عن انحيازها للواقعية الاجتماعية والنفسية، وتتخذ من "الحياة" نفسها مصدراً ومُلهماً، مما يمنح العمل مصداقية وعمقاً إنسانياً.

ثانياً: التحليل الموضوعي والفني للقصص

تتشعب قصص المجموعة البالغ عددها 28 قصة في عوالم مختلفة، لكن يمكن رصد محاور موضوعية كبرى تجمعها ورؤية فنية توحدها.

المحور الأول: معاناة المرأة وصراعها من أجل الهوية (الذات المسلوبة والذات المستعادة)

هذا هو المحور الأكثر حضوراً وهيمنة في المجموعة. ترسم د. غادة سيد ببراعة شخصيات نسائية تعيش تحت وطأة القيود الاجتماعية والأسرية، وتخوض رحلة مضنية من الانكسار إلى محاولة النهوض.

- في "صعود اضطراري": البطلة تعيش في سجن الكوابيس الناتجة عن غياب الأب، وتنتقل إلى سجن زوجي مع أهل زوج قساة6. لكنها تحول هذا الواقع المرير إلى "سكر حلو" وتعانق أحلامها في "صعود اضطراري" نحو تحقيق الذات7.

- في "السوار الذهبي": نرى الطفلة التي تضحي بمتع طفولتها من أجل حلم (السوار)، ثم الشابة التي تواجه ضغطاً أسرياً للتخلي عن هذا الحلم الذي أصبح جزءاً من هويته9. القصة هي صراع مرير للحفاظ على رمز العزيمة والإصرار في وجه ثقافة الاستسهال والتنازل.

- تعتبر قصة "السوار الذهبي" حجر الزاوية في المجموعة، ليس فقط لأنها تمنحها عنوانها، بل لأنها تكثف ببراعة المحاور الأساسية التي تطرحها الكاتبة د. غادة سيد، وعلى رأسها صراع الأحلام الفردية مع الواقع الاجتماعي، وقيمة الإرادة الإنسانية في مواجهة الخذلان.

- 1. رمزية السوار: تحولات الحلم

- السوار في هذه القصة ليس مجرد قطعة من الذهب، بل هو رمز متعدد الطبقات يتغير مع رحلة البطلة:

- رمز للطموح والطبقية: في البداية، كان السوار الذي يزين معصم زميلتها الأرستقراطية رمزاً لعالم بعيد المنال. لم يكن مجرد إعجاب بقطعة حلي، بل كان انجذاباً لصوته وحركته، مما يعكس حلماً طفولياً بالجمال والانتماء.

- رمز للإرادة والتضحية: عندما تقرر البطلة امتلاكه، يتحول السوار من حلم سلبي إلى مشروع حياة. تصبح رحلة الحصول عليه هي القصة بحد ذاتها. هي تضحي بمتع طفولتها، وتدخر مصروفها، وتتنازل عن الهدايا لسنوات. تبلغ التضحية ذروتها حين تنتزع قرطها من أذنها ليقطر دماً في سبيل إكمال ثمنه. هنا، يصبح السوار تجسيداً لإرادتها وصبر طفولتها وآلامها.

- رمز للأمل والإرث: بعد امتلاكها، لم يعد السوار مجرد إنجاز شخصي، بل تحول إلى رمز للأمل في المستقبل. أقسمت البطلة أنها ستورثه لابنتها التي ستحمل قصة عزيمة أمها. أصبح السوار جسراً بين ماضيها ومستقبلها الذي لم يأتِ بعد.

- رمز للخيبة والخذلان: في الفصل الأخير من القصة، يتحول السوار إلى رمز للخذلان. طلب والدتها وأختها المستمر بالتخلي عنه هو هجوم مباشر على ذاكرتها وتضحياتها وأملها. وعندما ترفض أختها إعادته بعد أن رُزقت بابنة، يصبح السوار رمزاً نهائياً للوعود المكسورة وقسوة العلاقات الأسرية.

2 /رحلة البطلة: من الحلم إلى الواقع

- شخصية البطلة هي محور القصة، وتمر برحلة نفسية عميقة:

- العزيمة الطفولية: تبدأ كطفلة ذات إرادة حديدية، تضع خطة تمتد لخمس سنوات وتلتزم بها بصرامة نادرة.

- الفخر بتحقيق الذات: حين ترتدي السوار لأول مرة، تشعر بفخر يفوق سعادتها. هذا الفخر ليس بالذهب، بل بالذات التي قهرت الظروف.

- الانكسار تحت الضغط الأسري: سنوات من الصبر تنهار أمام إصرار والدتها وأختها. لحظة إلقائها السوار في حجر أمها هي لحظة انكسار نفسي عميق.

- النضج والتعالي: في النهاية، ورغم عدم استعادتها للسوار، تنتهي القصة وهي تحتضن ابنتها، وتتشابك أيديهما "الخاليتان من السوار". هذه النهاية تشير إلى أنها وصلت إلى مرحلة النضج، حيث أدركت أن الجوهر الحقيقي (ابنتها) يفوق الرمز (السوار). لقد خسرت الحلم، لكنها فازت بالحقيقة.

- 3 /المحاور الموضوعية

- قيمة الأشياء: تطرح القصة سؤالاً عميقاً حول قيمة الأشياء. قيمة السوار لم تكن في وزنه بالجرامات، بل في سنوات الحرمان وقطرات الدم التي سُفكت من أجله.

- صراع الأجيال والعواطف: تكشف القصة عن فجوة عاطفية بين جيلين أو حتى بين أختين. الأم والأخت الكبرى لم تقدرا قيمة التضحية التي قدمتها البطلة، وتعاملتا مع السوار كقطعة مادية يمكن التنازل عنها، بينما هو بالنسبة للبطلة تاريخها وهويتها.

- الحلم بين المثابرة والخذلان: القصة هي احتفاء بقدرة الإنسان على المثابرة لتحقيق أحلامه، لكنها في الوقت نفسه تصوير مرير كيف يمكن لهذه الأحلام أن تتحطم على صخرة الواقع وقسوة أقرب الناس.

- باختصار، "السوار الذهبي" هي قصة مكثفة عن رحلة حلم، وكيف يمكن لهذا الحلم أن يشكل هوية الإنسان، ويصبح ساحة لصراعاته مع نفسه ومع الآخرين، وفي النهاية، كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز فقدان الرمز حين يمتلك الجوهر.

- في "لعبة قدر": البطلة، المشوهة جسدياً بفعل تضحيتها لإنقاذ أخيها ت،ختار العزلة في مزرعة نائي. وحين يظهر الحب في حياتها، تهرب خوفاً من أن يُرى وجهها الحقيقي. القصة تعالج بعمق ثنائية الجمال الداخلي والتشوه الخارجي، وقدرة الحب الحقيقي على رؤية الجوهر.

- في "كلنا سناء حقي": تقدم القصة جدلاً فكرياً بين "سناء" المرشدة السياحية ومندوبة "العصر المملوكي" حول مفهوم تحرر المرأة. تطرح الكاتبة رؤية متوازنة تدعو إلى "الوسطية"، حيث لا يلغي دور المرأة في الأسرة طموحها، ولا يلغي طموحها واجباتها الأصيلة.

المحور الثاني: الرمزية والقصص التجريدية (استنطاق الأشياء والمفاهيم) أنسنة الجماد

تستخدم الكاتبة أسلوباً رمزياً مبتكراً في عدد من القصص، حيث تمنح الأشياء والكائنات غير العاقلة صوتاً وضميراً، لتحولها إلى مرايا تعكس الحالة الإنسانية.

- في "رحلة سفر": القصة بأكملها تُروى من منظور حقيبة سفر قديمة وممزقة 16، تقع في حب حقيبة وردية جديدة17. من خلال هذه الرحلة، تستعرض الكاتبة مشاعر الشوق، والأمل، والفراق، والتمرد على القدر، في تجسيد فني فريد لمشاعر إنسانية عميقة.

- في "النمر والظبية": قصة مطاردة تتحول إلى حوار فلسفي حول الحياة والموت والكرامة النمر ليس مجرد مفترس، والظبية ليست مجرد فريسة؛ بل هما طرفان في جدلية الوجود، حيث يصبح الهرب وسيلة للدفاع عن الكرامة لا تخاذلاً.

- في "قطرة ماء": رحلة وجودية لقطرة ماء منذ كانت في السحاب، مروراً بهطولها على الأرض، ثم رحلتها داخل نبتة، وانتهاءً بموتها على لسان حشرة. هي استعارة بليغة لدورة الحياة والموت والمسارات الإجبارية التي نخوضها.

المحور الثالث: نقد الظواهر الاجتماعية (مرايا الواقع المشوه)

تتخذ بعض القصص طابع النقد الاجتماعي اللاذع، حيث تكشف زيف العلاقات الإنسانية وسطوة المادة.

- في "نهاية العالم": من خلال سؤال افتراضي حول نهاية العالم 24، تكشف الكاتبة عن معادن الشخصيات المختلفة: الجشع المتمثل في العم "فؤاد" الذي يريد الاستحواذ على ثروات العالم حتى في آخر يوم، واللامبالاة السلبية في "ماجد"، والوفاء المتمثل في "شيرين" التي تريد صنع "السينابون" لزوجها، والأمل في "يوسف" الذي يسعى للإنقاذ

- في "صاحب الجلالة": قصة تفضح بجرأة فساد "السلطة الرابعة" عندما تتحول إلى أداة للابتزاز. الصحفي الذي يدعي محاربة الفساد هو نفسه أكبر الفاسدين، يستخدم قلمه لابتزاز رجال الأعمال والمشاهير في حفلات شهرية ماجنة. القصة نقد حاد للنفاق والازدواجية في المجتمع.

- في "الإرث": تصور القصة المأساة الثقافية حين يُباع إرث الأب الفكري (مكتبته الضخمة) في أجولة كأنه خردة 30، بينما لا ترى زوجة الابن في الكتب إلا "حفنة من الورق" ضيع عليها ثروة مادية31. هي قصة عن موت القيمة أمام سطوة المادة.

ثالثاً: السمات الفنية والأسلوبية

1. اللغة الشعرية المكثفة: تتميز لغة د. غادة سيد بالجزالة والانسيابية، مع ميل واضح نحو التكثيف واستخدام الصور الشعرية. عبارات مثل "يعجنني بماء النيل فأصير طميًا سخيًا" 32أو "تسامى وامتزجت لحيته مع الغيمات البيضاء" تمنح السرد بعداً جمالياً وفلسفياً.

2. الاقتصاد في السرد: القصص قصيرة جداً (Lorry) في معظمها، وتعتمد على مبدأ "ما قل ودل". الكاتبة لا تستطرد في التفاصيل، بل تركز على اللحظة الفارقة والموقف الدرامي المكثف.

3. النهايات المفتوحة والمدهشة: الكثير من النهايات تأتي مفتوحة أو تحمل مفاجأة تقلب توقعات القارئ، كما في نهاية قصة "فنجان قهوة" حيث يتضح أن زميلها المتملق اسمه "غراب"، أو في قصة "القمة" حيث يكتشف البطل أن من سيجري معه المقابلة هي حبيبته السابقة التي تخلت عنه. هذه النهايات تحفز القارئ على التفكير وإعادة بناء معنى القصة.

4. عمق التحليل النفسي: تبرع الكاتبة في الغوص داخل عوالم شخصياتها النفسية، ورصد صراعاتهم الداخلية، وأحلامهم، ومخاوفهم، مما يمنح الشخصيات أبعاداً إنسانية عميقة ومؤثرة.، مما يجعلها نصًا مفتوحًا على قراءات لا نهائية، في تناغم تام مع جوهر مفاهيم ما بعد الحداثة."

ومجمل القول: إن مجموعة "السوار الذهبي" ليست مجرد سلسلة من الحكايات، بل هي مشروع سردي متكامل، نجحت فيه الكاتبة ببراعة في تشريح العلاقة الجدلية بين الواقع الاجتماعي والمنحى النفسي. لقد أظهر التحليل كيف أن الضغوط الخارجية—من قهر أسري وظلم اجتماعي —تتحول إلى محرك لتفاعلات نفسية عميقة تتراوح بين الانكسار، والألم الصامت، والرغبة في الخلاص. وقد تتبعت الدراسة كيف أن مسارات التحرر في القصص لم تكن محض صدفة، بل قراراً واعياً بالتمرد، أو بالتمسك بالحلم، أو بإعادة تعريف الذات عبر دروب المعرفة والحب الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، يمكن الإجابة بوضوح على التساؤل حول هوية المجموعة؛ هل تنتمي المجموعة إلى الأدب النسوي؟

نعم، تنتمي مجموعة "السوار الذهبي" بجدارة إلى الأدب النسوي، ولكن بمنظور عميق وحداثي. فهي تحقق شروط هذا التصنيف من خلال:

1. جعل المرأة مركز السرد: أغلب قصص المجموعة تتمحور حول شخصيات نسائية، مانحةً صوتاً لتجاربهن ورؤيتهن للعالم.

2. نقد المنظومة الأبوية: تكشف القصص بوضوح عن أشكال القهر التي تتعرض لها المرأة داخل بنية اجتماعية وأسرية أبوية، سواء عبر الاستيلاء على إرثها "فقط لأني أنثى"، أو عبر العنف الزوجي والضغط النفسي.

3. تصوير رحلة الوعي والتحرر: لا تقدم الكاتبة شخصياتها كضحايا سلبيات، بل ككيانات قادرة على خوض رحلة الوعي والبحث عن الخلاص، سواء بالتعليم، أو المواجهة، أو حتى بالهروب الذي هو في حقيقته بداية جديدة.

4. تقديم رؤية نقدية لمفهوم النسوية: في قصة مثل "كلنا سناء حقي"، تقدم الكاتبة نقاشاً فكرياً راقياً، لا يطرح شعارات جاهزة، بل يدعو إلى "الوسطية"، وينتقد فكرة التحرر التي قد تفقد المرأة جوهرها. هذه النظرة النقدية هي سمة من سمات الأدب النسوي الناضج الذي يتجاوز مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء الهوية.

بذلك، تكمن القيمة الفنية والفكرية للمجموعة في قدرتها على الموازنة بين جماليات السرد (اللغة الشعرية، الرمز، النهايات المدهشة) وعمق الرسالة الإنسانية. لقد قدمت غادة سيد عملاً أدبياً رصيناً، ينتمي بوعي إلى الأدب النسوي، ويترك أثراً عميقاً يدعو إلى التأمل في جوهر علاقتنا بذواتنا وبالمجتمع من حولنا.

***

د. نجلاء نصير

يشير أدونيس في إحدى مقابلاته إلى قوة الشعر ودوره البديل: "الشعر يضعف حيث يكون هناك مشترك عام، ويتلألأ حيث يكون بعد عن هذا المشترك العام". معتبراً أن الشعر يفقد بريقه عندما ينزلق إلى الشائع والمألوف، بينما يتوهج حينما يبتعد عن النمطية والتكرار. وهكذا يُلهمنا الشاعر المبدع باستمرار للبحث عن الجديد في الأدوات، الأساليب، والأفكار المتجددة بعيداً عن القوالب الجاهزة والصيغ التقليدية، مما يسمح للنص بأن يحاكي المتلقي وينشئ تفاعلاً ديناميًا معه. فهذا النهج هو انعكاس للحياة؛ حيث نرى أن تطور الأفكار يمضي جنباً إلى جنب مع حركة الزمن. هذه هي سنة الحياة فلا يتوقف دوران الارض مع تطور دفة الحياة، وهما يتحركان في هذه العلاقة الطردية، وهكذا أصبح الشكل الشعري ومضمونه مسألة ثقافية في وقتنا الراهن أكثر من أن يكونا التزاما متزمتا بقوالب الشعر التقليدية وملامحه ومواضيعه.

قد قيل إن الشعر الجاد يولّد دفئاً في الروح ويوقظ المشاعر الكامنة، لأنه يستثير العواطف لا من خلال الإفصاح المباشر، بل بالإيحاء والرمزية التي تستفز خيال القارئ وتشعل تساؤلاته.

 من هذا المنطلق، نجد أن استخدام الرمزية في الشعر يتماشى مع فلسفة التجريب والابتكار، حيث يُوظَّف الرمز لإعادة تشكيل المفاهيم السائدة وتحدي الحدود التقليدية للنصوص الأدبية. فالرمز يُضفي على النص بعدًا عميقًا من المعاني المحتملة، مما يعزز من غِنى القراءة ويحفز مشاركة المتلقي لفك شيفرة المعاني المخفية.

إذا تأملنا نص الشاعر سوران محمد "رمق الهالات" من منظور تحليل الحقول الدلالية، نجد أنه وظّف الرموز بأسلوب مبتكر خرج عن المألوف. هدف هذا التوظيف هو تحفيز المشاعر وإشعال شرارة التفكير حول قضايا سياسية، اجتماعية أو ثقافية، محاولاً كسر القوالب التقليدية وتجاوزها. يضع ذلك النص بداية لمرحلة جديدة تنحاز للابتكار، حتى ولو عبر خطوات صغيرة نحو التحرر من المشترك العام الذي قد يجعل قراءة النصوص الشعرية متكررة ورتيبة. وهنا يأتي دور القارئ كشريك في عملية القراءة لفك طلاسم النص والتفاعل معه، مما يخلق حوارًا حيًا بين النص والمتلقي.

الرمزية ليست مجرد تقنية جمالية فحسب، بل هي أداة تعبير مُركّبة؛ إذ تتخطى المعنى الحرفي لتنقل القارئ إلى عالم أعمق وأكثر إبداعاً. مثال ذلك استخدام شخصيات أسطورية أو رموز طبيعية (كفصول السنة) لتمثيل حالات إنسانية معقدة، في محاولة للهروب من قيود الواقع وتقديم زوايا مغايرة لفهم التجربة الإنسانية. وعندما يوظَّف الرمز بعناية في النص الشعري، فهو يعمل على تكثيف التجربة الفنية عبر ترابطاته الدلالية والجمالية.

توظيف هذه الشخصيات في النصوص الأدبية يساعد على كشف ما قد يغيب عن ذهن القارئ، فقد يبدو النص غامضًا للوهلة الأولى، ولكنه يُظهر لاحقًا عمق التجربة الشعرية عبر تكثيفها. وعندما تصبح الصورة الشعرية بنية مركّبة، يلعب الرمز دورًا بتجميع المعنى والصورة معًا في وحدة متماسكة.

بالدخول من مدخل التضاد بين مصطلحي "الرمق" و"الهالات" الموجودين في عنوان النص، سنجد أن الجمع بين الكلمتين يحمل تضاداً بلاغياً يفتح الباب واسعاً على معاني مركبة كما تتجلى عبر الرموز المستخدمة. يبرز هنا الرمز الرئيسي "سنمار"، الذي حوّل الشاعر دلالته من رمزٍ للمغدورية - كما يشير التعليق الهامشي (جزاؤه جزاء سنمار) - إلى رمزٍ يعكس المساهمة في تأسيس بنية الاضطهاد، متكاملاً مع بقية الرموز الأخرى التي تتوزع بين الجلاد والضحية. أصبح نموذجًا مزدوجًا للضحايا الذين في الوقت ذاته ساهموا في بناء أدوات بطش خصومهم.

قراءة النص بتمعّن وتفكر تكشف عن ثراء هذه الصور ورمزية النصوص.

شخصية سنمار هي المحورية في هذا النص. سنمار الذي نعرفه هو المهندس البيزنطي الذي قام بتشييد قصر يُعرف بـ"قصر ذي الشرفات" في منطقة سنداد قرب القادسية بالعراق. استغرق بناء القصر عشرين عامًا ليكون مقرًا للملك النعمان. ولكن بعد أن أتم البناء وأفصح للملك عن وجود طوبة إذا أُزيلت انهار القصر بأكمله، قرر الملك مكافأته بطريقة مروعة بأن ألقى به من أعلى القصر، خوفًا من أن يكشف سر الطوبة أو يبني قصرًا منافسًا. فلربما يبحث الشاعر هنا بين مقاطع النص عن الموقع الحقيقي لهذه الطوبة بين المجتمعات، بينما لقي سنمار حتفه وكان يهوي من أعلى القصر، ونُقل عنه أنه تمتم أبياتًا تعبر عن خيانة الملك له:

جزاني لا جزاه الله خيراً... إن النعمان شراً جزاني

النص يعبر عن فكرة الصراع الأبدي بين الثنائيات التي تتجذر في الطبيعة البشرية وفي الكون بشكل عام، مثل الظالم والمظلوم، السلطة والمثقف، الليل والنهار، وغيرها. يسلط الضوء بمهارة على العلاقة بين الضحية والظالم، حيث يتحول هنا الضحية (باني قصر الملك) تحولًا غير متوقع ليصبح سندًا للظالم، ولعب دورًا في تأسيس نظام الاستبداد من وجهة نظر الشاعر. هكذا يوجه الشاعر خطابه إلى روح سنمار أو مثيله في كل زمان ومكان، حيث يشمل الخطاب البشر جميعًا دون تخصيص منطقة جغرافية، لأن جوهر الصراع عالمي وممتد. الرمز هنا يجسد الافراد والشعوب التي تضحي بمبادئها في سبيل امتيازاتها، وهي بذلك تخسر كل شيء.

ان السلطة بطبيعتها ترتبط بالامتيازات والثروة والمراتب العليا، وللحفاظ على هذه الامتيازات تنشأ أحيانًا نزاعات وصراعات عنيفة. وتشعل الحروب والانقلابات السياسية والعسكرية لتعزيز الهيمنة، وتخلق التفاوت الطبقي والاجتماعي، وتقمع كل معارضة حتى ولو كانت تستند إلى الحق. الرموز هنا تتفاعل بشكل أوسع لتلغي الحدود بين المجتمعات، مقتربة من حقيقة واحدة مفادها أن الظلم هو ظلم أينما وجد. وهذه هي العبرة الخالدة التي يتركها الشعر

في سياق هذا النص الشعري الثري، نجد تصويرًا قويًا للضياع والألم وتساٶلا لما آل اليه أمورنا مذ ذاك الحين:

ها هو ابن الجرابعة يلوح من هناك

أمير، مسجون في قصرك

أين رميت أ‌صواتنا من شبابيكها؟

في هذا النص، يوجه الشاعر رسالته إلى كل من يمثل دور "سنمار" التاريخي بفعلاته الملتوية عبر الأزمنة، متسائلاً بشكل مباشر: هل تدركون حقاً ما صنعتم؟ أنتم من خلقتم هذه الأصنام ومن أريقت بسببكم دماء الشعراء، وارتُكبت الجرائم البشعة كقتل الأطفال جوعاً، مثلما حدث لمليون طفل عراقي نتيجة الحصار الظالم في تسعينيات القرن الماضي، مجسدين في شخصية "عبدالرحمن بن جرابعة" المجوع المفقود. كما أنكم دفعتم الشباب إلى نيران الحروب الضروسة دون هدف واضح، لتُحتفى بموتهم وكأنها تضحيات أبدية تخدم مجد السلطة، بينما لم يكن الترحيب بعودتهم بسلام خيارًا مطروحًا. ذكر هنا الجندي الروسي "غينادي" الذي اختار طريق السلام بديلاً للحرب، رمزاً لنموذج الإنسان الذي يحلم بحياة آمنة.

وسط هذه الأنظمة الاستبدادية، قد يتحول الإنسان إلى عدو لأخيه الإنسان، وتُرفع الشعارات التي لا مكان فيها لمن يخالف فكر الحاكم أو يعارض نهجه. في هذا السياق، يؤكد الشاعر دوره الأساسي في استعادة الحقوق ورد الأمور إلى نصابها. من خلال قصائد تحمل روح الوعي والمثابرة، يواجه الاخطاء القاتلة في زمن هذيان الشعوب ويرفع قلمه في وجه الطغيان محذراً من أسوأ العواقب، إذ يشير إلى احتمال اندثار البشر والجغرافيا برمتها إذا استمرت هذه السياسات الطائشة. ينسجم هذا الموقف مع ما نادى به إدوارد سعيد بشأن أهمية رفض ترويض المثقف أو تهميشه من قبل السلطة. على المفكر والكاتب أن يكون حراً ومستقلاً، متحملاً المسؤولية في الأوقات العصيبة، ومؤدياً دوره الحقيقي بإنعاش الثقافة بمعناها الأوسع، بما في ذلك المخرجات الفكرية التي تشكل ضمير المجتمع.

وحين تدار الشؤون كما هو الحال في معظم دول العالم الثالث بأساليب استبدادية قمعية ترتكز على التعذيب وكبت الحريات والنفي والاعتقال وتشويه الحقوق المدنية والإنسانية، فالوطن يتحول تحت هذه الظروف إلى مكان خالٍ من أي طموح حضاري أو تقدم يُرجى. بلد قد يصبح مجرد اسم على الخريطة يُمحى مع الوقت تحت مسمى "بلد الأشباح" كما عبّر عنه الشاعر بـ"تورينزا"، التي ستظل رمزًا لهذا الموت البطيء، إنه واقع يتناقض تمامًا مع رسالة الإنسان الكوني المبنية على إرساء قيم الأخوة والمحبة والسلام.

تورينزا!

توقف الزمن فيك

ولا تقرأ البوصلة الجهات

كأن معالمك اندثرت بين صهوات رابيات

***

عبد اللطيف فرحان

تُعد قصيدة «في المقهى» للشاعر الفلسطيني معين شلبية نموذجًا بارزًا للشعر الحديث الذي يجمع بين التجربة الحسية المكثفة والانفعال النفسي العميق، ويستحضر البعد الرمزي والوجداني للمكان والزمان. في هذه القصيدة، يتحول المقهى إلى فضاء شعوري مركب، يجمع بين الواقع والخيال، بين الذات والآخر، ويصبح مسرحاً للتجربة العاطفية والروحية. ينفتح النص على أبعاد متعددة؛ فهو لا يكتفي بوصف الحضور الجسدي للمرأة، بل يضفي على التفاصيل اليومية مثل الضوء، الصوت، والحركة، دلالات رمزية تعكس الانكسار والحنين، والشغف والانتظار، لتتحول كل لحظة إلى حدث شعوري مكتمل.

إن هذا النص، من منظور هيرمينوطيقي وسيميائي، يعكس شبكة علاقات معقدة بين الذات والآخر والزمن والمكان، ويطرح سؤالًا جوهريًا عن تجربة الحب والوجود في فضاء الغربة والحنين، مما يجعله نصاً خصباً للتحليل الأسلوبي، الرمزي، والجمالي، ويتيح قراءة متعددة المستويات: النفسية، العاطفية، الوطنية، والدينية.

أولًا: السياق العام للنص:

قصيدة «في المقهى» تأخذ القارئ إلى فضاء داخلي وحسي مكثف، حيث يجتمع الواقع بالمخيال، والعاطفة بالوعي الوطني والوجداني. المقهى هنا ليس مجرد مكان جغرافي بل يصبح رمزًا للذاكرة الإنسانية، للحنين، وللمرصد الذي يراقب الوقت والغياب والحضور، ويستحضر تجربة العاشق المتلهف. النص يفتح أفقاً شعورياً معقداً يعكس حالة الاغتراب النفسي والاجتماعي، ويجعل من المكان مسرحاً للروح والجسد والخيال.

ثانيًا: المنهج الهيرمينوطيقي والتأويلي

عند قراءة النص من منظور هيرمينوطيقي:

١- المعنى الكامن: المقهى يتحول إلى مرآة للذات، ومساحة زمنية متوازية حيث يستعيد الشاعر ذاكرتَه العاطفية والوجدانية.

٢- الدلالة الرمزية: الرصيف، الكرسي، الزجاج، الضوء والظل، كلهم رموز للانتظار والاغتراب واللقاء المرتقب، ويشتركون في بناء فضاء شعوري داخلي يعكس انفعال الشاعر.

٣- البعد التأويلي: المكان يتحوّل إلى «أرخبيل شعوري» حيث تتقاطع الذكريات بالرغبات، وينصهر الواقع بالمخيلة، فيصبح الانتظار فعلًا شعريًا يمس الذات والآخر.

ثالثًا: التحليل الأسلوبي

التكرار والتراكم الشعوري: استخدام التكرار في «وحدي، وحدي…»، و«قطرة، قطرة» يخلق إيقاعاً متسلسلًا يحاكي تدفق الزمن البطيء للانتظار.

١- التصوير الحسي: وصف الأصوات («وقع كعبها العالي»، «رذاذ صوتٍ عمّدته الآلهة») والروائح («نشر عطري») يجعل النص تجربة حسية متكاملة.

٢- لغة النص: مزيج من الوصف الواقعي والمجاز البلاغي، حيث يتحول الكائن والأشياء إلى شخصيات فاعلة، مثل «الكرسي يعرف شكل خيباتي»، و«الزمن يقطر من ثريته».

رابعًا: المستوى الرمزي

١- المرأة: ليست شخصية واقعية فحسب، بل رمز للحنين، والجمال، والانتماء العاطفي، وحيّز التجربة الروحية.

٢- الوقت: يُجسَّد بطرق مجازية متعددة، «الوقت يقطر»، و«قطرة… قطرة»، ليصبح موضوعًا شعوريًا ونفسيًا، يعكس الانفعال الداخلي للمتحدث.

٣- المقهى: رمز للاحتكاك بالآخر، وللشهود على التجربة الإنسانية، وللمكان الذي يحتفظ بالأسرار ويشهد على الانتظار والشغف.

خامسًا: السيميائية

العنصر الوظيفة في النص:

١- المرسل الشاعر المتأمل، العاشق المترقب

٢- المرسل إليه المرأة الحاضرة/الغيبة، موضوع الانتظار والحب

المفعول الإحساس بالحنين والوحشة والشغف

الفاعل المرأة في حضورها أو غيابها، أو الزمن ذاته الذي يتحرك

المستقبل النص نفسه والقرّاء، الذين يستشعرون التجربة

٣- الأدوات/الوسائل المكان، الضوء، الصوت، الرائحة، الكرسي، الفنجان، الزجاج

٤- الشفرة لغة الشعر، المجاز، الصور الحسية.

باستخدام هذا التحليل، يظهر النص كشبكة تفاعلات متشابكة بين الذات، الآخر، المكان، والزمن، حيث كل عنصر يؤثر ويُتأثر.

سادسًا: البنى النفسية والدينية

١- البنية النفسية: الانفعال العاطفي، الشعور بالغربة والانتظار، الانكسار الداخلي والفرح المتزامن، هي عناصر تُبرز الشاعر كذات واعية تتفاعل مع شعورها بالحب والحنين.

٢- البعد الديني: إشارات رمزية مثل «عمّدته الآلهة» تضفي بعدًا روحانياً على الحدث الشعوري، مما يحوّل التجربة الإنسانية إلى فعل تكاملي بين الأرض والسماء، الجسد والروح.

سابعًا: الأنساق المعرفية

النص يجمع بين المعرفة التجريبية (الوصف الحسي للمقهى، الألوان، الأصوات)، والمعرفة الرمزية (المرأة، الضوء، الزمن)، والمعرفة الشعورية (الحنين، الشغف، الوحدة)، ليخلق تجربة متعددة الطبقات للمتلقي.

ثامناً: مقارنة بالمستويات المختلفة (مع قصيدة "في المقهى" لنفس الشاعر).

المستوى تحليل النص الحالي تحليل نص "في المقهى"

الانفعالي انفعال عاطفي مركب، حنين وارتجاف داخلي مشاعر متدرجة: الانتظار، الدهشة، الإعجاب، الشغف

التخييلي/الخيالي تحويل الواقع إلى فضاء شعوري داخلي (الكرسي يعرف خيباتي) الخيال متسع: المرأة تتحرك كجوقة، المكان يصبح حيًا

العضوي/الحسي إحساس بالألوان، الصوت، الرائحة، الحرارة تصوير ملموس للحواس، حركة الجسم، الصوتيات

اللغوي تراكيب معقدة، جمل طويلة، صور حسية ومجازية أسلوب سلس، صور حسية، إيقاع متدرج، تشبيهات مبتكرة

النتيجة: النصان يتشابهان في العمق الشعوري والرمزي، ولكن النص الحالي أكثر تكثيفًا للانفعال الداخلي، بينما «في المقهى» أكثر تفصيلاً في التخييل المكاني والزمني.

في هذه القصيدة يقف الشاعر عند تخوم الشعر الخالص، حيث تتداخل البلاغة بالصورة، ويغدو المقهى فضاءً وجوديًّا لا مجرد مكان. مفرداتها وتحولاتها الدلالية تكشف عن حساسية شعرية عالية، تعتمد على الإيقاع الداخلي، وعلى استدعاء الضوء والظلّ والوقت والأشياء الصغيرة لبناء مشهد لا يُرى بالعين بقدر ما يُستشعر بالنبض.

رأيي النقدي في المفردات ومحورها التحليلي داخل النص:

1. لغة مشبعة بالحسّية والسينمائية:

المفردات في هذه القصيدة ليست أدوات وصف، بل عدسات تصوير. كلمات مثل المساء الأرجواني، مقاعد محشوة بالغيم، الوقت ينقط من ثريّته، الضوء يَشهق، كعبها العالي يهلّ—كلها تحوّل المشهد إلى فيلم بصري-عاطفي، حيث اللون والظل والصوت عناصر تُبنى عليها الحكاية.

هذه اللغة تكشف عن شاعر يكتب بحواس خمس مستنفرة.

2. هيمنة "الانتظار" كحالة وجودية:

معظم المفردات تدور حول الانتظار، الباب، الوقت، القهوة الباردة، الطاولة التي تُمسَح مرارًا، الثريا التي تقطر—وكلها تنتمي إلى حقل دلالي واحد: اللايقين، الترقب، القلق الهادئ.

وهذا يضعنا أمام رجل يعيش "المقهى" كقيمة رمزية للتيه، لا كمكان صالح للصدفة العابرة.

3. المرأة كمركز طقسي لا كشخص:

المفردات التي تُحضر المرأة:

وقع كعبها، إشراق على الأرضية، الجسم سرب من الأبيض الماسي، جوقة في واحدة، الضوء ينهار، نافذتان خضراوان

تُظهر أن الشاعر لا يرى امرأة بل «ظهورًا»، تجلّيًا، كأنها معبود لحظي أو كائن نوراني.

هذا يُدرج القصيدة ضمن شعر التجربة الوجودية الغرامية، حيث الحضور الأنثوي يهزّ الكيان لا العاطفة فقط.

4. إيقاع منضبط تنتجه المفردات المتكررة:

تكرار كلمات مثل:

خطت… خطت… خطت

قطرة… قطرة

وحدي… وحدي

يصنع إيقاعًا يشبه نبضًا متسارعًا، يوازي اهتزاز الداخل أمام حدث يتجاوز قدرة اللغة على الإمساك به.

5. استعارات تجسّد الداخل لا الخارج:

في قوله:

كما يرقب حارس ليلي طلقة لم تولد بعد

الوقت ينقط من ثريته

تعرقت نوافذ المقهى

تتحول المفردات إلى ثقل نفسي: ضيق الانتظار، ارتجاف الروح، اختناق اللحظة.

هنا تتكفّل الاستعارة بالكشف عن بنية الانفعال، لا عن شكل الأشياء.

6. موقع القصيدة تحليليًا داخل النص:

القصيدة يمكن تصنيفها ضمن شعر المشهد الداخلي ، لأنها لا تقدم قصة بقدر ما تكشف حالة وجودية:

١- رجل يجلس في مقهى يتأهب للقاء

٢- الوقت يتشظى

٣- الأشياء تُصاب بالشيخوخة

٤- المرأة تأتي كحدث كوني

وينتهي كل شيء في دائرة الوحدة التي تبدأ حيث تنتهي.

وهو ما يجعل النص أقرب إلى مونودراما شعرية: شخصية واحدة تختبر عالماً كاملاً عبر الحواس.

المفردات هنا ليست مفردات حب، بل مفردات رجفة. القصيدة تبني عالمًا رقيقًا ومعقدًا من التفاصيل، يضع القارئ في قلب اللحظة، حيث كل شيء في المقهى يتنفس، يشيخ، يهتز، ويُضاء، بينما يظل الشاعر وحيدًا في النهاية، كمن خرج من طقس مقدس لا يتكرر.

تاسعًا: الاستنتاج:

قصيدة «في المقهى» تمثل نموذجًا للتجربة الشعرية الفلسطينية التي تمزج بين الانفعال الشخصي والبعد الجمالي والوطني، وتستحضر الأنساق النفسية والدينية. باستخدام التحليل الهيرمينوطيقي، السيميائي، والأسلوبي، يمكننا قراءة النص كنسيج متكامل من الانفعالات، الرموز، والإشارات التي تعكس تجربة الإنسان في الحب والغربة والانتظار. النص يحقق توازنًا بين التخييل الشعوري والتجربة الحسية، ويترك للقارئ مساحة للتفاعل الفردي مع الصور، الإيقاعات، والرموز، مما يتيح قراءة متعددة الطبقات لكل مستوى من مستويات النص.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

في المقهى – معين شلبيّة

في ذاكَ المساءِ الأُرْجُوَانيِّ

توهَّجتِ الأَرواحُ بِلَوْنٍ لا يَراهُ إِلَّا العاشقونَ

وَهَدْهَدَتْ أَثَرًا للحالمينَ على مقاعِدَ

مَحْشُوَّةٍ بالغيمِ والغُرباءِ.

هناكَ في المقهَى الرُّومانسيِّ القديمِ

جلستُ حيثُ الطَّاولاتُ تشيخُ قبلَ الزَّائِرينَ

والكراسِي تَحْجِبُ الأَنوارَ عنِّي

وتعرفُ شكلَ خيباتِي وظَنِّي

وطعمَ نبيذِي

وأَوجاعِي

ونَشْرَ عِطْرِي

وجنونِي؛

جلستُ أَراقبُ البابَ

كما يرقُبُ حارسٌ ليليٌّ

طلقةً لمْ تُولَدْ بَعْد.

*

الوقتُ كانَ يُنَقِّطُ من ثُرَيَّتِهِ المُعَلَّقةِ

في السَّقفِ ما قبلَ الأَخيرِ

قطرةً… قطرةً

وكلُّ قطرةٍ

تُحدِثُ في شِبَاكِ صَدرِي هزَّةً

تترُكُني وحيدًا على مَقعدِ الصَّمتِ

كأَنَّ المكانَ يعِجُّ

في احتفالٍ لا يَحْضُرُه أَحَد.

*

فِنجانُ قهوتِي باردٌ

وسيجارتي تَعِبَتْ

والنَّادِلةُ

تَمْسَحُ نَفْسَ الطَّاولةِ خمسةَ عَشْرَ مرَّةً

لأَنِّي كنتُ أَنظُرُ إِليها خمسةَ عَشَرَ دهرًا.

*

طَقْ… طَقْ… طَقْ…

وكلُّ شيءٍ غامضٌ ومثيرٌ

وقعُ كعبِ حذائِهَا العَالي يَهُلُّ

ونبضٌ هائِجٌ يَعلو ويهبِطُ

كما يَدْخُلُ كُونشيرتو المساءَ

رذاذَ صوتٍ عَمَّدَتْهُ الآلهَة.

*

لم أَرَهَا أَوَّلَ أَوَّلَا

سمعتُ إِشراقًا على أَرضيَّةِ المقهَى

فارتجفتُ

كما يَرتجفُ وترٌ في الكَمانِ.

كانتْ واقفةً

والضَّوءُ ينأَى ويدنُو

يَقيسُ المسافةَ ما بينَ ظلِّهَا والرُّخام

والجسمُ سربٌ من الأَبيضِ الماسِيِّ تهيَّأَ

كما تتهيَّأُ الأَيامُ والأَحلام.

*

خَطَتْ خُطْوَةً

فمالتِ الأَرضُ قليلاً

خَطَتْ ثانيةً فارتبكَ الهواءُ

خَطَتْ ثالثةً فأَدركتُ أَنِّي لا أَنتظرُ امرأَةً

بل أَستقبلُ

جوقةً في واحِدَة

تَبحثُ عنِّي

تَتبعُني

على قلقٍ تَجَرِّحُنِي

بنعومةٍ قاتِلَة.

*

وَصَلَتْ

فانهارَ الوقتُ مُعْتَصَرًا

في رُكامِ العالمِ الطَّقسِيِّ

وراحتْ في الطَّريقِ البَيْضَوِيِّ.

*

جَلَسَتْ والنُّورُ يَشهقُ بينَ نافذتينِ خَضراوينِ

فأَغمضَ المقهَى مصابيحَ الضَّبابِ

لسيِّدةِ الرُّخامِ الأُنثويِّ

ثمَّ أُسْدِلَتِ السِّتارةُ

تُظَلِّلُ ما بينَ وجهِي ونجمةٍ تَقْبَعُ في الظَّلامِ

لمْ أَقُلْ شيئًا ليؤْنسَ حَيرتي

وبينما همَّتْ تُرَتِّبُ شَعْرَها الخَمريَّ على كتفِ الرَّحيلِ

كنتُ أُرَتِّبُ ما تبقَّى من زمانِي.

*

هَمَسْتُ لها:

تأَخَّرتِ كثيرًا على مدخلِ اللَّيلِ

فانتظرِي قليلًا قليلَا

لا أُريدُ منَ الوقتِ غيرَ النِّهايةِ

وأَنتِ على عجلٍ قُبَيْلَ السَّفَر

فاحمرَّتْ كوردةٍ في غيرِ موعدِهَا وقالتْ:

كلُّ شيءٍ فاضحٌ في الانتظارِ

أَنا امرأَةٌ لا أَتأَخَّرُ أَبَدًا

أُدلِّلُ نَفْسِي بينَ واقِعي وخيالِي

فالوقتُ يركضُ أَبطأَ

حين أَمشي بكعبيَ العالِي.

*

لمْ يبقَ وشمٌ من دموعِ الوقتِ

في هذا المَدَى الخشبيِّ المُوَشَّى

بخيطِ السَّدَى

فبقيتُ وَحدي في الغيابِ

بكلِّ ما أُتيتُ من رَجْعِ الصَّدَى

أَشقُّ طريقًا في السَّرابِ

كأَنَّ نوافذَ المقهَى القديمِ

تعرَّقتْ من جَرَّةِ الأَشواقِ

فمضيتُ وَحدي في الطَّريقِ الدَّائِريِّ

آهِ يا وَحدي وَوَحدي.

 

منذ شبابي المبكّر، أواسط ستّينات القرن الماضي، في مدينة باجة التي همّشتها دولة الاستقلال، وجعلتها قفرا بلقعا على كلّ الصعد، ولا سيّما على الصعيد الثقافي، كانت تبلغ إلى مسمعي رغما عن ذلك عبارات الثناء والإعجاب بالشاعر منوّر صمادح الملقّب في تونس بشاعر الحريّة والثورة، لنزوعه الدائم إلى تجاهل المحاذير والقفز على حصون المحظور السياسي التي شيّدتها سلطة بورقيبة "الزعيم الأوحد'' آنذاك، للتقليص من مساحة حريّة التفكير كما التعبير قولا وكتابة. بما جلب انتباهي إلى اسمه ليستقرّ في الذاكرة. وذلك بحكم إنجذاب الشباب إلى فعل التمرّد على السلطة أكثر من انجذابه إلى موالاتها. لا سيّما في تلك الفترة التي شهدت انتشارا سريعا للفكر الشيوعي التروتسكي (Trotski) الثوري بين الشباب. ولم أكن في تلك المرحلة أتذوّق الشعر، ولا أتوفّر على أدوات فهمه لتخطّي عتباته والولوج إلى مضامينه، فضلا عن تحليله وفتح مغاليقه وتقييم جماليته بأدوات نقد وتحليل الخطاب الشعري سيميائيّا، انطلاقا من العنوان ثمّ الفاتحة النصّية والخاتمة، ودراسة الأضداد والتناص، وثنائيّة التشاكل والتباين(1)، لدراسة الصوت والمعنى بما هما رمزية تشاكل الصوت، ورمزية تشاكل الكلمة.

ثمّ لمّا إنتقلت في مطلع السبعينات إلى تونس العاصمة للدراسة، ثمّ العمل والإقامة الدائمة، التقيت منوّر صمادح هائما متسكّعا في شوارعها محذثا نفسه بغمغمات يعسرعليّ فهم كنهها. وكنت أدعوه من حين لآخر- رغم فارق السنّ بيننا- ليشرّفني باحتساء فنجان قهوة بصحبتي، وتبادل أطراف الحديث حول كل شيء وأحيانا حول لا شيء. ولم يكن يرفض ذلك، لأنّه كان يعيش ضربا من ضروب الغربة النفسيّة والاجتماعية التي تفقد صاحبها لذّة الوجود، ما يجعله في قلق وجودي دائم. فضلا عن أنّ حالته الاجتماعية آنذاك كانت تدعو إلى التعاطف معه، لا بل و حتّى الشفقة عليه، بعد أن تجاهلته وزارة الثقافة وأرهبه الأمن وأرهقه نفسياًّ حدّ الاكتئاب الشديد والتعرّض إلى أزمات نفسيّة ونوبات عصبية متكرّرة، لا لذنب اقترفه، بل لأنّ ذنبه المستتر الذي لا تغفره له السلطة، كان توقه إلى معانقة الحريّة - وهي وحدها ثورية (استعارة من مقولة لينين عن الحقيقة من أنّها وحدها ثورية)- ولأنّه كان متعفّفا عن المساهمة في مأسسة الاستعباد والاستبداد عبر المشاركة في عكاظيات جوقة المطبّلين ومدّاحي الرئيس صاحب "الصفات العظيمة والألقاب الفخيمة"،الذي اعتبر نفسه"المجاهد الأكبر" فيما ذهب شاعرنا إلى أنّ المجاهد الأكبر الحقيقي إنّما هو الشهيد:

الباب فتحه الذين استشهدوا

فلمن ترى سلّم المفتاحا؟

ومن منطلق هذه القناعة، لم يقبل صمادح أن يكون شاعر البلاط، مهادنا للسلطة ومؤتمرا بأوامرها. فقد اختار مناكفتها والتصدّي لانحرافاتها بشراسة معارضي النظام -غير "الكرتونيين"- متّسقا في ذلك مع حسّه الوطني المرهف، ودوره كمثقّف حرّ في مواجهة السلطة أملا في تقليم" أظافرها ومخالبها" الطويلة. بما يتّفق مع المصطلح الأصلي للمثقّف -لا مع التعريف المعجمي العربي السطحي- وهو أن يكون منتقدا ومعارضا للسلطة أو لا يكون(2)

لذلك سيظلّ منوّر صمادح باصالة معالجته الشعرية وبخطه الإبداعي ذي الأفق المفارق، الموسوم بالتحديث في قرض الشعر، نقطة مضيئة ومتوهّجة في مدوّنة الشعر التونسي رغم التعتيم عليه في العهد البورقيبي. ولعلّ منوّر صمادح قد استشعر ذلك في قوله:

رغم الظلام أشعّ من نفسي وأشرق كالصباح

ورغم تعدّد المدارس الشعرية واختلاف مقارباتها، التي ميّزت وتميّز الحراك الشعري التونسي قديمه وحديثه فأنّ منوّر صمادح سجّل اسمه في المدوّنة الشعرية بمداد ذهبي بفضل منجزه الشعري الثري بنصوصه المتمرّدة، ذات الفرادة والنزعة النقديّة اللاذعة.

وفي غير ما مبالغة ولا نفخ في صورة شاعرنا، يقول الأديب مصطفى الفارسي- صاحب "القنطرة هي الحياة"- متحدّثا عن منوّر صمادح أنه:"لا يقل أهميّة عن أبي القاسم الشابّي"، ذلك الشاعر التونسي الفذّ الذي، لم تطبّق شهرته الأفق، رغم ذلك، في تونس و على امتداد الوطن العربي، ويحتلّ موقعا متقدّما في كوكبة الشعراء العرب، إلّا بعد موته فحسب(3)

و أنا في تقديري، لا أنفخ في صورة منوّر صمادح إذ أنزّله منزلة آرثر رامبو ( Arthur Rimbaud مؤلّف "موسم في الجحيم" وأحد أباء "الرمزيّة" لوجود ملمح جامع بينهما . أو حين أعتبره في حجم شارل بودلير (charles Baudelaire) صاحب "أزهار الشرّ " وأحد رموز الحداثة في العالم، أو محمود درويش شاعر المقاومة الفلسطينية ضدّ الكيان الصهيوني الذي قفى على أثره -ولعلّه لم يطّلع على أشعاره- أو أوكتافيو باث octavio paz، الشاعر المكسيكي الحاصل على جائزة نوبل والمعارض الشرس للفاشيّة، بمثل ما ستكون معارضة منوّر صمادح للزعيم بورقيبة بعد تولّيه الرئاسة إبّان استقلال تونس.

وإن كان لكلّ شاعر بيت يسكنه كما يقال- من باب المجاز، كناية على البيت الأكثر شهرة- فإنّ بيت الشابّي الذي يسكنه، ويسكن في قلب ووجدان كلّ عربي يتوق إلى التحرّر، ويجري على لسانه بانسياب وسيولة، إنّما هو قطعا:

إذا الشعب يوما أراد الحياة ...فلا بدّ أن يستجيب القدر

أمّا بيت مواطنه الشاعر منوّر صمادح الأكثر تداولا بين النّاس- في تونس على الأقلّ- لمعارضته للنظام البورقيبي التسلّطي، الذي كان يرفع شعار الصدق في القول والإخلاص في العمل فهو:

شيئان في بلدي قد خيّبا أملي ...الصدق في القول والإخلاص في العمل

وشهرة البيت- رغم أنّه قيل مشافهة- لا تعود في تقديري، إلى مدى جماليّة وإبداعيّة النصّ، بقدر ما تعود إلى تمرّده ومناوأته السلطة بطريقة ساخرة تذكرنا بأسلوب الكاتب الأنجليزي الساخر جورج برنار تشو (George Bernard Shaw). واللافت أنّ هذا البيت لم يرد في أشهر قصائد منوّر صمادح، وهي "كلمات"(4)/ المسكونة بالألم. وهي قصيدة مطوّلة كان قد كتبها في 2 ديسمبر 1969، وهو على فراش المرض، فيما كان على عتبات الجنون. حتّى أنّ البعض- ممّن ولج المسالة من غير بابها- لم يصدّق أن يكون ذلك كذلك، متجاهلا أنّ العبقرية والجنون لا يفصلهما إلّا خيط رفيع. ولعلّ الإقامة الطويلة، لشاعر الفلاسفة فريدريك نيتشة(5) (Friedrich Nietzsche) في مصحّة للأمراض العقليّة حتّى وفاته، يؤكّد هذه المقاربة. وبصرف النظر عن ذلك فإنّ قصيدة" كلمات"هي ليست أشهر قصائده وحسب، بل إنّها أشهر قصيدة في الشعر التونسي بعد قصيدة "إرادة الحياة" لأبي القاسم الشابي. وهي قصيدة تقطر ألما ونلمس فيها إحساس الشاعر بمرارة شديدة. وجاء في بعض أبياتها:

تألمـــت كثــيــــرا في جـــراح الكلمات

وسفحت العمـر دمعا من عيون الكلمات

ولقــــد مـــتّ مرارا في سبيــــل الكلمات

قل لمن همهم في النّاس وخـاف الكلمات

أو تخشى النــــاس والحقّ رهين الكلمات

حيــــــوان أنــت لا تفقـــه لــــولا الكلمات

ونبـــات أو جمــــــاد أنـــت لـــولا الكلمات

أنــت إنسان لـــدى الناس رسول الكلمات

فتكلـّـــــم وتألــّـــــم ولتمــــت في الكلمات

واللّافت أنّ "أبو القاسم الشابّي" ومنوّر صمادح، كلاهما واجه متاعب جرّاء بيته الشهير. فقد واجه الشابّي معارضة شديدة من معاصريه المحافظين، وأرباب "السلطة الدينيّة" التي بمثّلها شيوخ "جامع الزيتونة الأعظم" . فيما أنّ البيت يعتبر أنّ القدر، وإن كان يسير وفق مشيئة الله وحده، فهو في ذات الوقت- بعيدا عن الفلسفة الوجوديّة وفلسفة القوّة و الفكر الشيعي والتصوّف- طوع إرادة الإنسان في مجالات مخصوصة، دون أن يحدّ ذلك من قدرة الله التي اختصّها لنفسه. ولعلّ مجال هذا المبحث الفلسفي والعقدي في غير هذه العجالة.

أمّا منوّر صمادح فقد وجد نفسه بسبب بيته الساخر أعلاه، في مواجهة السلطة السياسيّة التي ناصبته العداء في أعلى هرمها، لتأخذ علاقته بالرئيس بورقيبة نقلة نوعية وقطيعة بنيوية - بتعبير اللسانيين- وليسومه سوء العذاب والمهانة والإذلال. ولتنطلق عندئذ رحلة متاعب منوّر صمادح، بما جعله يتيه في بيداء الجنون فيفقد عقله نهائيّا كما سيأتي بيانه.

ولعلّ في ذلك وجه شبه- مع الفارق- لما وقع للمتنبّي مع سيف الدولة عند سماعه قصيدة "وأحرَّ قلباه" التي يقول فيها:

سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ

وهو ما أغضبه حتّى انّه رمي المحبرة في وجه أبي طيّب.بما جعل العلاقة تسوء بين الرجلين فيضطرّ المتنبّي إلى مغادرة حلب بما يشبه إضطرار منوّر صمادح إلى مغادرة تونس نحو الجزائر ليعمل بالإذاعة وبعض الصحف هناك.

ولكن لنعود بالتاريخ إلى الوراء، ولنبدأ من البداية التي لم تكن جميلة، فبداية منوّر صمادح كانت تعيسة وبائسة، ونهايته كانت أليمة وأكثر بؤسا، وإلّا لكان تكرارها لا يملّ كما يقول دوستويفسكي: "إذا كانت البدايات جميلة، دعنا نبدأ مرارًا وتكرارًا، دعنا لا ننتهي أبدًا (...)، ولا نمل فننتهي "ينحدر منوّر صمادح، المولود سنة 1931 بنفطة المعروفة بالكوفة الصغيرة(6) و(التي لا تفصلها عن توزر- مسقط رأس الشابّي- إلّا بعض الكيلومترات)، من عائلة ذات أصول أندلسيّة(7)، عرفت بالعلم و الأدب. فالوالد -الذي توفّي مبكّرا وشاعرنا لم تتجاوز سنّه عشر سنوات- عالم أزهري متصوّف ضليع في الفقه والتوحيد، فيما أنّ أخويه، أحدهما شاعر والآخر كاتب وجامعي. وهو الذي تولّى سنة 1989، تسع سنوات قبل رحيل منوّر صمادح، جمع وتحقيق الآثار الشعرية الكاملة لشاعرنا التي نشرت سنة 1995 (8).

لم يكن حظّ الشاعر العصامي منوّر صمادح من التعلّم في المدارس الرسميّة وفيرا، فقد انقطع عنه مبكرا (9)، تماما مثل الشاعرين العصاميين (الفرنسي) آرثر رامبو(10) Arthur Rimbaud و (اللبناني) إيليا أبي ماضي(11)، ليتّجه مثلهما، وفي سنّ يافعة للعمل في التجارة لا مثل الفيلسوف لايبنيز Leibniz(12)، الذي اشتغل حمّالا في السوق، رغم نحافته و ظهره المحدودب . فمنور صمادح انتقل من بائع متجوّل، إلى عامل في مخبزة بالقيروانّ في سنّ الثالث عشر من عمره، إلى مساعد تارزي بقابس وتوتس العاصمة، بعد اشتغاله كبائع فطائر في البقالطة وفي مكثر أين كانت له فرصة الالتقاء سنة (1949) بالزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يحرّض على مقاومة الإستعمار. فلمّا ألقى أمامه، ارتجالا، بزيّ عمل " بائع الفطائر" (13) قصيدة "نار القول"، وكانت متماهية مع ما يريده الزعيم من بثّ الحماسة في نفوس المناضلين للالتفاف حوله:

أيّها القوم اسمعوني ها أنا فيكم أنادي

تُضرم النيران قلبي في الورى مثل الزناد

وحّدوا الجهد ولبّوا من دعا للاتحاد

إنتبه، لحظتها، إلى فصاحة شعره فأعجب به وقبّله تشجيعا له، ثمّ قرّبه إليه فيما بعد. حتّى أنّه أصبح يطلب منه إلقاء قصيدة حماسية على الحاضرين في اجتماعاته قبل ان يلقي فيهم خطاباته النارية لاذكاء وعيهم بالإستعمار. لاسيّما وانّ أغراض قصائد منور صمادح التي سينظمها لاحقا، ستنزع إلى الإتّجاه الحماسي وأيقاظ وبثّ الحسّ الوطني والتغنّي بمعاني ومفردات حبّ الوطن و الثورة والحرية والعدالة الإنسانية ومناصرة حركات التحرّر السياسي والتغنّي بزعمائها (14).

في ديوانه "نسر ونصر" ناصر منوّر صمادح كلّ حركات التحرير في العالم وفي مقدّمتها جميعا، الثورة الفلسطينية، حيث تغنّى بكلّ من الثورة الليبية في بداياتها، وهي التي سمّاها "ثورة الرمال" وافرد لها قصيدة بالعنوان ذاته. كما تغنّى بالثورة الاريترية، وثورة السود في أمريكا والثورة الفياتنامية. وفضلا عن ذلك فقد ناضل صلب الحركة الوطنية التونسية ضد االمستعمر الفرنسي وشهّر بفضاعاته في أشعاره مشجّعا التونسيين على ضرورة الكفاح . وقد لاحقه البوليس من أجل ذلك حتّى أعتقله وسجنه سنة 1954. وقد سبق ايقاف منوّر صمادح واعتقاله قبل ذلك في مظاهرة سنة 1953، لا بل و إيقاف حتّى الجريدة التي كان يشتغل بها، وهي"الأخبار". بما يعني أنّ مهمة المقاومة بالشعر لدى منوّر صمادح تكون مثلومة دون ممارسة فعل المقاومة الميدانية كرافد مهمّ للشعر الثوري المقاوم. لهذا فيجب تنزيل مدحه للزعيم بورقيبة في فترة ما، في سياق الإيمان المشترك بقضايا التحرّر بما هو الخلفيّة للنضال ولتمجيد المناضلين. على هذه الارضيّة المشتركة و بهذا المعنى، توطّدت علاقتهما أثناء فترة النضال. إلّا أنّها ساءت وآنقلبت رأسا على عقب بعد سنوات قليلة من الإستقلال.

بعد سنتين من فرصة لقائه ببورقيبة كانت لمنوّر صمادح فرصة ثمينة ثانية، وهي لقاؤه سنة 1950 بالأستاذ زين العابدين السنوسي الأديب والصحفي اللّامع صاحب "مطبعة العرب" ومدير مجلة العالم العربي وصحيفة "تونس"، وصاحب الفضل والأيادي البيضاء على الكثير من المبدعين الشبّان، فأعجب به هو الآخر، ولم يكتف بنشر قصائده في صحيفة "تونس" فحسب، بل انتدبه كذلك كمراسل للجريدة في إحدى جهات البلاد لتغطية الشؤون الإجتماعيّة مع توفير السكن له. كما فتح له مكتبته الضخمة الزاخرة بأمّهات الكتب، لييسّر له متعة المطالعة.

ولم يمنعه ذلك، من التردّد على "المعهد الرشيدي" لتعلّم الموسيقى التي كان شغوفا بها، وحضور الحلقات الأدبيّة التي كان ينشّطها كبار أدباء تلك الفترة وخاصة منهم الشاعر مصطفى خريف (15                                                                                                 )، الذي كان له ناصحا وموجها في خطواته الإبداعية الأولى. يضاف إلى ذلك إطّلاع منوّر صمادح على المنجزات الأدبية لمشاهير الأدباء في الوطن العربي و في المهجر. بما مكّنه من فهم واستيعاب الموسيقي كما العروض، وقواعد اللغة وتحرير المقالات. بما أثرى معجمه اللغوي ورصيده الأدبي، وبما جعله يطوّع اللغة العربيّة، إن في كتابة النثر أو في نظم الشعر، الذي استهلّه في هذه الفترة بقصيدة "الفردوس المغتصب". وهي ملحمة وطنيّة مطوّلة أهداها إلى الزعيم بورقيبة. وقد عجز المستعمر عن مصادرتها فيما تكفّل المقاومون بتوزيعها سرّا. و جاء في مطلعها:

لله تونس حسنها متفرّد

أبت الطبيعة أن تجود بثاني

فكأنّها والمرء يجزم عبقر

قد أزلفت للّحظ واللّمسان

انظر اليها وهي ترفل في

برود رصعت بزبرجد وجمان

إلى أن يقول:

في كلّ شبر فتنة جذّابة

يهفو القصيّ لسحرها والداني

وطن به للحرب قَدْح إنّ عثت

أيدي العدا فالكل في هيجان

أبناؤه للحقّ يدفعهم صدى

في سكرة من خمرة الايمان

غاياتهم في العيش إمّا عزّة

أو ميتة والمجد درب قاني

أمّا باكورة إنتاجات صمادح الشعريّة، فهي قصيدة "إبتسم يا شعب" التي نظمها سنة 1948 ونشرتها له جريدة "الحرية"، والتي سيعقبها إنتاجه الشعري الخصب بوتيرة سريعة، بما جعله يصدر قبل أزمته النفسية الاولى سنة (1967)، عديد المجموعات الشعرية، فضلا عن كتابه النثري" شؤون وشجون" وكتاب "حرب على الجوع"(16) الذي جمع فيه مقالات ذات طابع سياسي واجتماعي صيغت بنفس بالنزعة الثورية الحماسية التي نلمسها في شعره. فضلا عن قصائد تترجم عن معاناة وهموم ومشاغل التونسيين، ومنها قصيدة " الثورة"

غيّروا الوضع وفكّوا القيد إنّ كنتم أباة

أيّ عدل؟ يُقتل الشعبُ لكي يرضى الطغاة

بعضكم يُتخم والبعض أمّانيه الفُتات

فئة ترفل في العزّ وآلاف عراة

وهو ما يمكن اعتباره تماه مع مطالب الشغالين وتقارب مع الاتحاد العام التونسي للشغل. لا سيّما وانّ شاعرنا نظم قصائد تشيد بالزعيم النقابي الشهيد فرحات حشاد. كما ساهم في تأبينه بقصيدة في الغرض .وكان ترجمان صوت العمّال والعاطلين حين قال في قصيدة "ثائرون"

ألا إنّنا ههنا صارخون ليسمع أصواتنا النائمون

ودافعنا رغبة لا تعي وحقّ تجاهله الحاكمون

فهاتوا لنا عملا أو فلا تلوموا إذا شنّها العاطلون

علما، وأنّه أصدر أوّل ديوان له وهو "فجر الحياة"، سنة 1954. وهي ذات السنة التي تمّ فيها اعتقاله وسجنه. ثمّ بأمر من أحد الجنرالات منعت الحكومة الإستعمارية الفرنسية نشر الديوان وحجزته بالمطبعة سنة 1955، إلّا أنّ القصائد الحماسيّة التي حواها الديوان تكفّل مناضلو المقاومة الوطنية بتوزيعها سرّا بينهم كما المناشير السريّة. بما جعله يصدر في سنة 1956 ديوانين إثنين هما "الشهداء" و"صراع"

باسم الجماهير التي في عزمها

تدوي الحياة فتخلق الأبطالا

لا باسم أفراد تمايز بعضهم

فغدا يعيش على البلاد وبالا

و رغم غزارة إنتاجه الشعري في هذه الفترة زاخرة العطاء، فانّه أشرف، في ذات الوقت، على الصفحة الثقافية ل"جريدة العمل" (اللسان الرسمي للحزب الدستوري الحرّ بزعامة بورقيبة )، كما عملمشرفا ومراقبا للبرامج الأدبية والثقافية بالإذاعة و مسئولا عن الصفحات الأدبيّة لمجلّتها. فضلا عن مساهمته في تأسيس "رابطة القلم الجديد " التي تولّى كتابتها العامّة لاحقا.

وفي هذه الفترة أيضا سافر إلى روسيا وزار ضريح صاحب الرباعيات الشاعر عمر الخيّام في نيسابور مخلّدا ذلك في عدة قصائد. كما زار العراق سنة 1965، وألقى محاضرة حول "الغزو الفكري" إضافة إلى قصيدة "على ظهر الأسد" مساهمة منه في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد ببغداد.

ومباشرة إثر عودة الشاعر إلى أرض الوطن، بدأت السلطة تتوجّس منه، لحساسيّتها المفرطة من الفكر القومي العربي، الذي كانت تعاديه وكانت العراق من أهمّ عناوينه بعد مصر.

ولم يفوّت زملاؤه الإنتهازيون بالإذاعة التونسية هذه الفرصة السانحة، فاستغلّوهاّ في حبك الدسائس ضدّه، بما أدّى إلى إيقافه عن إنتاج يرنامجه الإذاعي وإبعاده إلى قسم الأرشيف ليظلّ بعيداً متواريا،ً ويعيش محنته الأولى ذات الطابع الإداري. وهو وإن تجاوزها بسلام، فإنّها تركت له آثارا نفسيّة ستفاقمها محنته الثانية ذات الطابع السياسي. بما سيعصف به ويجهز عليه بالضربة القاضية كما سيأتي بيانه. لأنّ قذارة وخساسة السياسة ليست لها ضوابط ولا حدود في التنكيل بالمثقّف الصادح بموقفه المختلف عمّا يتبنّاه "الزعيم الأوحد"، كما كان حال منوّر صمادح دائما.

لقد تأكّد الشاعر العروبي الثائر في هذه الفترة العصيبة، من نزوع النظام إلى تنكّره لما بشّر به وإلى الانحراف والاستبداد و الظلم والدكتاتورية والتفرد بالحكم. حيث كان مستاء، لا من نفوذ الحزب الحاكم فقط، بل وكذلك من سياسة بورقيبة التي تنزع إلى التقارب مع الفرنسيين والأمريكيين، على حساب التعاون السياسي و الاقتصادي مع البلدان العربيّة. ليس هذا فقط،، بل إنّ صمادح كان كذلك شديد الاستياء من الفساد الذي أخذ في الاستشراء. وقد شهّر به الشاعر في قصيدة “الملاك العائد” التي نشرها، 4 سنوات فقط بعد الاستقلال:

“..وأكول بطر قد أتخمته السرقات

ويد تجني ولكن منحوها السلطات ”

لهذه الأسباب، إهتزّت الصورة البرّاقة النّاصعة للزعيم لدى الشاعر وتغيّرت بالتالي نظرته إليه، ما جعله لا يستكن ويقبل بالواقع السياسي العفن، ونظم، قصائد ساخرة من الرئيس بورقيبة، وهو في أوج قوّته، ووصفه في جرأة نادرة - وفي مناخ غير ديمقراطي- بالتمساح والجلّاد والسجّان، ونحو ذلك من النعوت المذمومة والإنتقادات اللّاذعة التي وردت في قصيدة "عهدي به جدًا... ":

عهدي به جدّا فكان مزاحا

بدأ الضحيّة وانتهى سفّاحا

من حرّر الأجساد من أصفادها

عقّل العقول وكبّل الأرواحا

كان السجين فصار سجانا لها

يا من رأى سمكا غدا تمساحا

الباب فتحه الذين استشهدوا

فلمن ترى سلّم المفتاحا؟

وبهذا، فتح صمادح على نفسه النّار وأبواب الجحيم، فأصبح مستهدفا من رأس السلطة. حيث ضاق النظام البورقيبي التسلّطي ذرعا به، وبدأ يضّيق عليه الخناق فمنعت دواوينه وصودرت أشعاره، كما كان حاله زمن الإستعمار، ثمّ منع من العمل في الإذاعة. في هذا الخضمّ المتوتر، شنّ النظام سنة1967، حملة شعواء على المعارضين، عقبتها أولى المحاكمات السياسية في تونس. وفي سياق الحملة، وجّهت له تهمة الخيانة وانعدام الوطنية، وهي أخطر التهم السياسية. واستوجب ذلك استدعاؤه المتكرّر للاستنطاق والتحقيق معه في دهاليز وزارة الداخليّة. بما يستتبع ذلك من فنون التعذيب التي تمارس عليه. ولرهافه حسّه لم يتحمّل ذلك و أصيب بالاكتئاب ثمّ بأزمة نفسية حادة، تحولت فيما بعد إلى انهيارات عصبية، حتّى أصبح نزيلا بمستشفى للأمراض العقلية . وإثر خروجه معافى، عاودت الشرطة استنطاقه من جديد . لذلك استشعر الخطر الداهم، واعتبر ذلك مقدمة لشرّ مضمور، فغادر البلاد أواخر سنة 1967 متسلّلا إلى الجزائر أين قوبل بالترحاب ووجد أبواب الإذاعة ودور الصحافة هناك مفتوحة أمامه. بما جعله يردّ لها الفضل بالتغنّى بحبّه للجزائر التي خصّص لها ديوانه ''السلام على الجزائر''. ففي قصيدته ''وحدة المصير'' قال مفتخرا بهذا البلد الشقيق:

قالوا: هجرتَ؟ فقلت تونس قبلتي

قالوا: الجزائر؟

قلت مفخرة الأمم

أهلي هنا، وهناك نبع صبابتي

من قال إنّا أمّتان فقد ظلم

وبعد سنتين من الإقامة في الجزائر، عاد منوّر صمادح أواخر سنة 1969 إلى تونس، حيث أصدر 5 دواوين في فترة لا تتجاوز السنة. وفي الأثناء تأكّد، بما يقطع الشكّ باليقين، أنّ السلطة متمادية في انحرافها وموغلة في مسارها التسلّطي والنزوع إلى الحكم الفردي، فلم يقبل بالوضع وتعمّق إحساسه بالألم، فعاوده الانهيار النفسي الذي ضاعفت حدّته قصّة حبّ لم تكتمل فصولها بما كان يشتهيه الشاعر. ما أدّى إلى أصابته بنوبات عصبيّة حادة أفقدته عقله وجعلته يعاني من الرهاب، بما هو الإحساس الدائم بأنّه طريد جهة ما تريد قتله. وفي حالة شاعرنا فإنّ هذه الجهة كانت تحديدا المخابرات الأمريكيّة. وكان من نتائج ذلك ولوج منوّر صمادح عالم الجنون الذي استعصى علاجه. وهكذا، إنقطع نهائيّا عن الكتابة ونظم الشعر. لا بل حتّى عن الخوض فيه. وهكذا غيّبت تونس بالحضور شاعرا من كبار الشعراء، ظلّت حياته تتأرجح بين البؤس والشقاء والإنتاج الشعري المتمرّد والمعاناة والإذلال والتنكيل. ومن غرائب الدهر ومفارقاته العجيبة، أن يرحل شاعر بمثل هذه القامة الشعرية السامقة، في صمت رهيب - تماما كما كان حال المصلح الاجتماعي التونسي الطّاهر الحدّاد- ويغادر إلى مثواه الأخير، من مسكنه الذي كان -للأسف الشديد- أقرب إلى الأطلال أو "الخربة" منه إلى محلّ سكنى. فحتّى الفيلسوف شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) زعيم التشاؤم الذي رغب في الانتحار ودعا صراحة إلى "نبذ الحياة، لأنّها شر وليس فيها الاّ الالم والمرض... وجوهرها الشقاء والتعاسة"، لم يبلغ هذا الحد من الحياة الضنكة رغم الشقاء والتعاسة اللذين لازماه طويلا. فرغم مقاطعته لأمّه حتّى موتها، وعدم زواجه مثل صمادح، فقد عاش في شقّة من غرفتين متواضعتين بصحبة كلبه، ومات وهو يتناول قهوة الصباح. فيما أنّ صمادح الذي كان محبّا للحياة واستهلّ مشواره الشعري بقصيدة " إبتسم يا شعب" بما هي دعوة إلى الإبتهاج والإقبال على الحياة، مات فيما يشبه الخربة بعد سنة من مصارعة شلل نصفي أقعده نهائيّا عن الحركة. لقد عاش منوّر صمادح شقيّا بائسا ومات موت التعساء الغرباء النكرات. كما لو كان هو المقصود من وصية الشاعر واللساني التونسي صالح القرمادي، إلى أهله، إذ قال:

إذا متُّ مرة بينكم

وهل أموت أبدا؟ -

فلا تقرؤوا علي الفاتحهَ وياسين

واتركوهما لمن يرتزق بهما

ولا تمنعوا القطط من البول على ضريحي

فقد اعتادت أن تبول على جدار بيتي

ولا تزوروني كل سنة مرة

فليس لديّ ما أستقبلكم به

هكذا نحن العرب،على امتداد تاريخنا المظلم، نتجاهل العمالقة ونتركهم يصارعون الإهمال والفقر فتطحنهم آلامهم. فيما نحتفي بالأقزام وأنصاف الجهلة وأشباه المثقّفين، ونغدق عليهم الإمتيازات المتعدّدة والعطايا السخيّة، " فقط، لأنّهم يمجّدون السلطة ويجمّلون صورتها البشعة، بما يجعلها تعتقد ذلك، فتتمادى في ظلمها للنّاس. فتبّا لهؤلاء المهلّلين بكلّ حماقة يأتيها أسيادهم، وتبّا لأسيادهم أصحاب السلطة المؤسسة على قاعدة ظلم الناس والمنتصبة، في صفاقة وخساسة، فوق جماجم منتقديهم من قادة الرأي الشرفاء.

***

المهندس فتحي الحبّوبي

........................

المراجع

- حارس الشمس/ عادل الجريدي/ منشورات إتحاد الكتّاب التونسيين 2016

- الأعمال الشعرية الكاملة لمنوّر صمادح، جمع وتحقيق الكاتب والجامعي، عبد الرحيم صمادح. وقد صدرت سنة 1995، في 515 صفحة عن الدار التونسية للنشر و بيت الحكمة.

- الموسوعة التونسية

- معلومات شخصيّة متفرّقة

تأليف وإخراج: د. زينب عبد الأمير

تفكيك العنوان: طرح العنوان "أنا والمهرج" بنية لغوية بسيطة حملت ثراءً دلالياً، فالضمير "أنا" يضع الطفل المتلقي مباشرة في موضع البطولة محققاً تماهياً فورياً، والتعريف بـ"أل" في "المهرج" يخلق غموضاً مقصوداً: هل المهرج المذكور في العنوان هو مدعوس الحليف؟ أم فدعوس العدو؟ الواو تتأرجح بين المعية والمواجهة، وهذا يعكس بدقة الصراع الداخلي للطفل المدمن الذي لا يعرف بوضوح من حليفه الحقيقي، فالعنوان يحاكي البنية النفسية المشوشة حيث الحدود غائمة بين الضار والنافع، ولو سلمنا بتواضع قدرات أدم وضعفه أمام التكنلوجيا وعالم الألعاب الإلكترونية وأن الأنا هنا ليست أنا آدم إنما أنا الطفل المتفرج باختياره البقعة الضوئية الخضراء للقضاء على المهرج فدعوس بدلا منه، وهنا يتأكد أن نقل الفاعلية من آدم للجمهور هو قرار إخراجي جريء يحول العرض لمرآة، فآدم الصامت المتردد ليس شخصية ضعيفة بل "موضوع تأملي" يُتيح للأطفال رؤية أنفسهم فيه من الخارج وممارسة دور المُخلّص، والرسالة الضمنية: "تملك القوة لإنقاذ الآخرين، فكيف لا تستخدمها لإنقاذ نفسك؟" - وهي رسالة عميقة تعتمد التأثير غير المباشر.

بنية العرض المسرحي:

تبدأ المسرحية بمشهد واقعي محكم يقدم آدم المدمن وهو يلعب بشراسة، تظهر على جسده حركات صاخبة متشنجة تعكس انعزالاً شديداً، يصرخ في وجه أمه، يرفض الطعام والنوم، ويعيش في عزلة تامة، وهذا المشهد يحمل قوة درامية تكثفت من واقعيته المحسوسة، والأم تخاطب الجمهور مباشرة معبّرة عن قلقها من تحول ابنها لكائن عدواني منعزل، وهذا الخطاب يجسد واقعاً معاشاً يخلق تعاطفاً فورياً من الجمهور، ويكسر الجدار الرابع منهجياً من خلال الأم التي تدعو الأطفال للمشاركة في البحث عن آدم، مستحضرة مفهوم بوال عن "المتفرج الممثل"، لكن هذا التفاعل يبقى محسوباً موجهاً، فالأطفال يجيبون على أسئلة مُعدة سلفاً ويصوتون لخيارات محددة دون قدرة حقيقية على تغيير مسار الأحداث، فالتفاعل طقوسي يمنح وهم المشاركة ضمن سيناريو مغلق.

مع ذلك، يمكن الدفاع عن هذا النموذج من منظور مسرح الطفل التربوي، فالتفاعل الحي المستمر يخلق فضاءً مشاركاتياً آمناً يحقق هدفين: كسر حاجز الخوف من المشاركة لدى الطفل، وتحقيق تطهير أرسطي متحكم به حيث الطفل يعيش انفعالات الخوف والفرح ضمن إطار آمن لا يُعرّضه لصدمات غير محسوبة، وهذه السيطرة على المسار العاطفي هندسة بيداغوجية تراعي النضج النفسي للطفل وتضمن خروجه بدرس واضح ومشاعر إيجابية.

يتكرر كسر الجدار مع دخول الجنية على عزلة آدم والتي تمثل الانتقال الفانتازي، فتقدم نفسها للجمهور معلنة أنها أتت لمساعدة آدم، وحين يسألها آدم "من أنتِ؟" تجيب "أنا كائن صنعه خيالك!"، وهنا إشكالية: العرض لا يقدم تبريراً سردياً مباشراً لهذه "الصناعة"، فظهورها مفاجئ، لكن هذا التناقض يمكن قراءته كاختيار ذكي يعكس عمقاً سيكولوجياً، فمن منظورٍ "يونغيٍّ"، نكتشف أن الجنية ليست تجسيداً للوعي السطحي لآدم بل لـ"الذات العليا" المكبوتة تحت طبقات الإدمان، فكل طفل حتى المدمن يحمل في أعماقه بذرة الخير المدفونة، وظهور الجنية "من الخيال" يعني من اللاوعي الجمعي الذي يحتفظ بالأنماط الأصلية للخير والجمال، وفنياً هذا يخدم الوظيفة التربوية: بدلاً من أن تأتي الجنية كقوة خارجية تفرض الأخلاق، تأتي كصوت داخلي نائم يحتاج للإيقاظ، وهذا يمنح رسالة تمكينية مفادها: الحل داخلك.

حين تحول الجنية دمية آدم حسب رغبته وطلبه إلى مدعوس المهرج الحقيقي، تظهر أمامنا مفارقة تستحق التحليل: مدعوس كان قد ظهر فعلياً في الاستهلال الغنائي قبل مشهد الأم، حيث قدّم أغنية تعلن بصراحة عن الوظيفة التربوية للعرض، مما يكشف للجمهور منذ البداية طبيعة الصراع الثنائي ويُفقد العرض عنصر المفاجأة الدرامية، ومدعوس يمثل الخير المطلق، يحمل صفات مثالية لا تشوبها عيوب أو تناقضات أو ضعف إنساني، وهذا الثبات الأيديولوجي يُفرغ الشخصية من ديناميتها الدرامية ويحولها لـ"قناع أخلاقي" ثابت، لكن من منظور المسرح التربوي الوظيفي، هذه البساطة استراتيجية بيداغوجية مشروعة، فمدعوس "خيال موظَّف" يقدم للطفل بوصلة أخلاقية محددة تساعده على التمييز.2199 goyada

يظهر فدعوس بعد تشكّل مدعوس، لكن ليس عبر سحر الجنية بل استجابة لرغبة آدم العميقة في المهرج المقاتل، وهذا الظهور يكشف قدرة سيكولوجية استثنائية لدى آدم: إذا كانت الجنية تحتاج لطقوس وعصا سحرية، فإن آدم يستطيع تجسيد فدعوس من الشاشة للواقع بمجرد الرغبة المفرطة، وهذه القدرة نتاج اندماجه المَرَضي مع العالم الافتراضي، والثنائية بين مدعوس وفدعوس تستدعي المانوية الفلسفية التي قسمت الكون لقوتين متصارعتين دون منطقة رمادية، لكن من منظور ما بعد حداثوي، يمكن تبرير هذه البساطة باعتبار أن كليهما كائنات افتراضية في وعي آدم، إنهما "تمثيلات رمزية" لصراع داخلي، والتبسيط المانوي ليس عيباً بل خيار جمالي يعكس طبيعة الصراع الثنائي في العالم الافتراضي نفسه حيث الألعاب تقوم على ثنائيات حادة: فوز/خسارة، بطل/وحش.

اللحظة المحورية تحدث حين يُدخِل مدعوسُ آدمَ للصندوق السحري، وهنا القوة البصرية والإبداع السينوغرافي الحقيقي، لكن هنا أيضاً المفارقة الدراماتورجية الأكبر: الصندوق السحري بعوالمه الفانتازية المبهرة هو في جوهره عالم افتراضي آخر لا يختلف جذرياً في طبيعته البصرية عن عالم الألعاب الإلكترونية، فالمسرحية تحارب الافتراضي بافتراضي أجمل وأخلاقي، لكنه يبقى خيالياً لا ينتمي للواقع الذي سيواجهه آدم فور خروجه، ويرى الجمهور داخل الصندوق دمى ملونة ترقص، كفوفاً وأصباغاً للرسم، منطاداً يطير، أطفالاً يلعبون بالكرة، حركات بهلوانية، وهذه المشاهد تقدم بدائل بصرية جذابة لكنها تبقى مشاهد خيالية داخل صندوق سحري لا تتحول لخطة عملية واقعية.

لكن يمكن الدفاع أيضاً عن هذا الاختيار من منظور تربوي تدريجي: عالم افتراضي خالٍ من العنف يظل أفضل من عالم مشبع بالدم، فثمة تغيير نوعي نحو الأحسن حتى لو لم يصل للمثالية الواقعية، والمسرحية لا تقدم الحل الجذري النهائي بل خطوة وسيطة معقولة: إدانة واضحة للعنف الرقمي عبر بديل بصري جمالي أخلاقي، فإذا كان الطفل سيبقى منجذباً للعوالم الخيالية حتماً - وهذا واقع العصر الرقمي - فإن توجيهه نحو فانتازيا إبداعية جميلة تحتفي بالفن والرياضة واللعب الجماعي يبقى إنجازاً تربوياً مشروعاً، وهنا نجحت سينوغرافيا العرض بامتياز في تصوير هذا العالم المثالي عبر عناصر مبتكرة: الصندوق السحري كفضاء تحولي، الدمى الملونة المتحركة، الإضاءة الديناميكية التي ترسم فضاءات متعددة، الموسيقى المعبرة، والحركة المسرحية التي تحول الخشبة للوحة حية.

دخول آدم لعوالم مسرح الظل والضوء وما يسمى بالمسرح الأسود وأدواته المنطاد والكرات والدمى وانبهاره بها يمثل لحظة عبور من الواقع المسطح للعمق الخيالي، ومن الشاشة الباردة للفضاء الحي، ومن الإدمان السلبي للانبهار الخلاق، لكن ظهور الرجل الضخم بسلاحه الفتاك كبطل اللعبة الإلكترونية يخلق توتراً دراميًا مركباً، فالعمل يستثمر بذكاء في معرفة آدم المسبقة بالرجل الضخم كشخصية مألوفة، مما يخلق جسر تماهٍ فوري، فالطفل في الصالة يرى نفسه في آدم الذي يرى بطله الإلكتروني يتجسد حياً، وهذا التجسد لحظة سحرية تُحقق ما لا تستطيع الشاشة تحقيقه: تحويل الصورة الرقمية لحضور مادي ملموس، لكن تحويل الرجل الضخم من بطل في اللعبة لشرير في المسرح يمثل عملية نقدية جريئة تُزعزع يقينيات الطفل حول البطولة والقوة، فالسلاح الذي كان مصدر إعجاب يتحول لتهديد حقيقي، والقوة الغاشمة تصبح عنفاً مُداناً.

وانبهار آدم بالعوالم الجمالية المتضمنة تفاصيل الصندوق استعارة بصرية عميقة للانتقال من أحادية الشاشة لتعددية الحضور المسرحي، فالظل والضوء يخلقان عمقاً وتدرجاً يفتقده العالم الرقمي المسطح، والمنطاد كرمز للارتفاع يُجسد تحرر الخيال من قيود البرمجة، وهذا الانبهار لحظة تحول معرفي يكتشف فيها آدم أن هناك عوالم أغنى مما حبس نفسه فيها، وهذا جوهر الرسالة التربوية دون وعظية مباشرة، فالعرض المسرحي أنا والمهرج لا يقول "لا تلعب" بل يقول "انظر كم العالم أوسع وأجمل"، والإشكالية الدرامية تكمن في أن العمل يستخدم نفس الشخصية (الرجل الضخم) التي أدمن آدم عليها ليقدم نقداً للإدمان ذاته، وهذه استراتيجية جدلية ذكية تُشبه استخدام السم لصناعة الترياق، فبدلاً من تجاهل عالم الألعاب أو إنكار جاذبيته، يستدعيه العمل للخشبة ليُعيد تأويله وليكشف بُعده العنيف والفراغ الأخلاقي خلف البطولة الزائفة.

دخول الجنية على ذروة الصراع بين فدعوس ومدعوس والرجل الضخم حول الصندوق السحري يطرح إشكالية نقدية، فمن جهة يمكن اعتباره كسراً للإيهام الدرامي يُفرغ الصراع من ديناميكيته الداخلية، لكن من جهة أخرى فإن هذا التدخل يكشف وعياً فنياً عميقاً بأن الصراع الدرامي في مسرح الطفل لا يكتمل بانتصار بطل على الشاشة بل بتحويل المتفرج نفسه لفاعل أخلاقي، فالجنية ليست حلاً سحرياً يُنهي الصراع من الخارج بل آلية درامية تُوسّع حدود الصراع ليشمل الجمهور، وهنا يتحول السؤال مِنْ "مَنْ سينتصر؟" إلى "لِمَنْ ستنتصر أنت؟"، وهذا انتقال نوعي من الفرجة للمسؤولية.

ودعوة الأطفال للتصويت بين البقعة الخضراء (مدعوس) والحمراء (فدعوس) تحمل إشكالية مزدوجة: فهي من ناحية تُقدم خياراً محسوماً سلفاً عبر الترميز اللوني، مما يجعل التصويت أقرب لتمثيلية ديمقراطية، لكنها من ناحية أخرى تُدرّب الطفل على ممارسة الانحياز الأخلاقي في لحظة حاسمة، فاللحظة التي يرفع فيها يده ليست لحظة معرفة نظرية بل لحظة فعل إرادي يتحول فيها من مراقب سلبي لمشارك فاعل، وهذا جوهر التجربة التربوية حتى لو كانت النتيجة محسومة، و"تحضير" الجنية للأطفال لاختيار البقعة الخضراء يمكن فهمه كبناء للثقة الجماعية وتعزيز لفكرة أن القيم الصحيحة تنتصر بالتضامن الجماعي لا بالبطولة الفردية، فالطفل لا يتعلم فقط "اختر الخير" بل يتعلم "نحن معاً أقوى من الشر". والطفل المتلقي الذي يرى مدعوس ينتصر بعد أن صوّت له لا يشعر أنه شاهد انتصاراً بل أنه ساهم فيه، وهذا الفرق الجوهري يحول المشهد من درس أخلاقي جاف لتجربة تمكينية تمنح الطفل إحساساً بالفاعلية، وبذلك فإن المشهد يحقق توتراً خلاقاً بين التوجيه والتمكين، وبين الوضوح الأخلاقي والمشاركة الحية، وهذا التوتر يجعله نموذجاً جديراً بالتأمل النقدي. وهنا يكمن التوازن في احترام ذكاء الطفل ومنحه الأدوات المناسبة لمرحلته العمرية،

ما بعد مشهد الصندوق، تجلى تشظي آدم وتذبذبه بين فدعوس ومدعوس وهذا ما يمكن قراءته من زاويتين: إما كعمق نفسي واقعي يعكس طبيعة الإدمان المعقدة وصعوبة التحرر منه، وإما كارتباك دراماتورجي، ومن الزاوية الإيجابية، هذا التشظي يتجاوز التبسيط الساذج ويعكس حقيقة نفسية عميقة: الإدمان ليس حالة ثابتة يمكن الخروج منها بقرار واحد، بل صراع طويل مليء بالانتكاسات، فعلم نفس الإدمان يؤكد أن التعافي مسار متعرج وليس خطياً، لكن من منظور بريختي، الهدف ليس تقديم حل نهائي مغلق يريح الجمهور، بل إثارة الوعي النقدي وترك السؤال مفتوحاً ليواصل الطفل التفكير، فالتذبذب اختيار تربوي شجاع يعلّم الطفل أن التغيير صعب ويحتاج مثابرة، وإخراجياً هذا البناء المتشظي يحوّل العرض من وعظ مباشر إلى مرآة صادقة تعكس للطفل صراعه الحقيقي، مما يمنح المسرحية مصداقية وجودية تفوق النهايات السعيدة المصطنعة.2200 goyda

النهاية كانت صدمة لآدم "كان ذلك حلماً"، وأثارت تساؤلات جوهرية لكنها حملت إمكانيات دفاعية فلسفية وفنية عميقة، فالإشكال الأول: إلغاء فاعلية آدم، لكن من منظور يونغي، الحلم ليس مجرد وهم بل رسالة من اللاوعي للوعي، فالحلم يعمل كـ"بروفة نفسية" تهيئ آدم للتغيير، والإشكال الثاني: الحل بالقوة من الأم بتخلصها من الشاشة والجويستك وبقية أدوات اللعبة الإلكترونية، لكن من منظور تربوي واقعي، الطفل المدمن لا يملك القدرة الإرادية الكاملة على اتخاذ قرار التوقف لأن الإدمان يعطّل مراكز اتخاذ القرار العقلاني، فالتدخل الخارجي من الأهل ليس قمعاً بل حماية ضرورية.

والإشكال الثالث: عبثية العرض، فإذا كان كل شيء حلماً، ما فائدة ساعة من الصراع؟ لكن من منظور بريختي، قيمة العرض ليست في تغيير آدم بل في تغيير الطفل المتفرج، فالحلم داخل المسرحية موجه للجمهور، والطفل الجالس في الصالة هو من عاش الصراع ورأى عواقب الإدمان وشعر بجمال البدائل، فالمسرح "حلم جماعي" للجمهور، والاستيقاظ منه العودة للواقع محملاً بالوعي الجديد، والإشكال الرابع: التناقض المنطقي، فكيف يدخل مدعوس والجنية في الواقع بعد الاستيقاظ إذا كانوا من الحلم؟ لكن هذا التداخل بين الحلم والواقع ليس ارتباكاً بل اختيار سريالي واعٍ يعكس فلسفة ما بعد حداثية: الحدود بين الخيال والواقع في حياة الطفل المعاصر باتت مائعة، والمسرحية تعكس هذا التداخل عمداً.

في البناء الأرسطي، لحظة الوعي ينبغي أن تكون المحرك للقرار الحاسم، لكن هنا المشكلة حُلت أولاً ثم يأتي وعي آدم كتعليق لاحق، لكن من منظور تربوي نفسي، الطفل المدمن لا يملك القدرة على الوعي الذاتي الكامل أثناء الإدمان، فالوعي يأتي بعد الانقطاع القسري وليس قبله، وهذا واقعي تماماً، والحل الوسطي في النهاية حين تعد الأم آدم بإعادة الألعاب الإلكترونية لاحقاً بشرط الاعتدال، ومن منظور التربية الواقعية، الحل الوسطي أكثر حكمة من الرفض المطلق، فالمسرحية لا تدعو لإلغاء التكنولوجيا بل لتنظيمها، وهذا موقف تربوي ناضج يعترف بأن العالم الرقمي واقع لا مفر منه، فالنهاية تعلّم التوازن لا الهروب.

السينوغرافيا:

الديكور:

وهو من تصميم وتنفيذ محمد النقاش... من منظور سينوغرافي حداثوي يكشف عرض "أنا والمهرج" عن اختيارات بصرية واضحة تميل نحو الوضوح الأيقوني والتبسيط الدلالي، لكن هذا الاختيار حين يُقرأ ضمن سياق مسرح الطفل يتحول من "نقص" فني إلى "حكمة" إخراجية، إذ الوضوح ليس تبسيطاً مُخلاً بل لغة بصرية دقيقة تتحدث بفعالية للطفل دون إرباك رمزي، فالباكغراوند بشاشة الألعاب الإلكترونية والجدار بألوانه الهادئة يُشكل وحدة بصرية متجانسة، والشاشة تُمثل عتبة تقنية تربط عالم الطفل الرقمي بالمسرح التقليدي مُحدثة تهجيناً بصرياً يقول: "نعرف عالمك لكننا ندعوك لتجاوزه"، والمنضدة والدولاب تُرسخ الفضاء في اليومي المعتاد قبل انفتاحه على الفانتازيا، وهذا التدرج ضروري للانتقال السلس. والصندوق السحري كعنصر محوري يُجسد الأرخيتايب، وهو النموذج النفسي الأولي المشترك عبر الثقافات الذي يظهر في الأساطير والحكايات كالخزانة السحرية والبوابة المؤدية لعالم آخر، ويعمل كـ"رحم بصري" يحتوي عوالم مبهرة: دمى ترقص، منطاد يطير، أطفال يلعبون، حركات بهلوانية، رسومات ملونة، وهذا التنوع يخلق تبايناً مع الفضاء الهادئ، والمفارقة (الصغير يحتوي الكبير) جوهر السحر الذي يُعلم أن الخيال أوسع من أي إطار مادي، والدمى والمنطاد عناصر متحركة تُحول الفضاء لديناميكي نابض، فالحركة لغة بصرية تُخاطب الطفل بلغته الحركية، والمنطاد استعارة للتحرر من الجاذبية يخلق بُعداً عمودياً يُوسع الإدراك البصري، والحركات البهلوانية والرسومات تُشكل "السينوغرافيا الأدائية" حيث الجسد عنصر تشكيلي يرسم الفضاء لحظياً.

الأزياء:

وهي من تصميم وتنفيذ زياد العذاري... تتبع الأزياء نهج الوضوح الأيقوني أيضاً، فكل شخصية تحمل زيّاً يُترجم هويتها الأخلاقية بصرياً، وهذا ليس فقراً بل استراتيجية تُدرك أن الطفل يقرأ الشخصية من مظهرها أولاً، فالمهرج بألوانه الزاهية يُجسد الفرح، وفدعوس بألوان قاتمة (الأحمر) وتفاصيل حادة يُشير لخطورته مع الاحتفاظ بلون قطعة القماش الخضراء الفاتحة ليوازن حقيقته كمهرج بريء أصلاً في المأثور الطفولي، والرجل الضخم بطل اللعبة بزيّه المستوحى من الألعاب الإلكترونية يحمل تفاصيل تقنية وعضلات مبالغة تُجسد القوة الغاشمة وتربط بذكاء بين العالم الافتراضي والمسرحي، وآدم يرتدي زيّاً واقعياً قريباً من ملابس الأطفال اليومية يخلق تماهياً مباشراً، والجنية بزيّها البرّاق والأجنحة اللامعة والألوان الفاتحة تُجسد السلطة السحرية الخيّرة وتخلق هالة بصرية تُميزها كوسيط بين العالمين. كذلك زي الأم كان متسقاً مع حركتها الدؤوبة كربة بيت وهي ترتدي الصدرية المميزة دليل تنظيمها فضاء البيت بدقة وحرص تعكسان نشاطها للوصول لحالة متفردة لبيت جميل.

الإضاءة:

وهي من تصميم وتنفيذ علي المطيري لعرض بغداد، وعلي عادل السعيدي لعرض الكويت... تعمل الإضاءة كعنصر سينوغرافي حيوي يُشارك في خلق العوالم وتحديد المناخات الانفعالية، ففي العالم الواقعي لـ (آدم والأم) تكون الإضاءة طبيعية هادئة تُحاكي ضوء البيت العادي مما يُرسخ الواقعية، بينما عند انفتاح الصندوق السحري تتحول لألوان متعددة زاهية متغيرة تخلق جواً سحرياً وتُعزز الانبهار، والإضاءة تستخدم التباين بين الظل والضوء لخلق عمق بصري وإبراز عناصر معينة، فالصندوق قد يُضاء من الداخل ليبدو كمصدر نور ذاتي يشع سحراً، والشخصيات الشريرة قد تُضاء بزوايا حادة أو ألوان باردة قاتمة تُعزز خطورتها، بينما الشخصيات الخيّرة تُضاء بضوء دافئ ناعم، والإضاءة تُستخدم للانتقالات بين المشاهد وفي لحظات التوتر قد تومض أو تتسارع لخلق قلق بصري.

الموسيقى:

وهي من نتاجات المايسترو علي خصاف... الموسيقى في "أنا والمهرج" تتجاوز المرافقة الصوتية للحدث الدرامي لتصبح طبقة انفعالية حاسمة تُوجه مشاعر الطفل المتفرج وتُضخم الأثر الدرامي وتُشارك في صناعة المعنى، وفي مسرح الطفل تكتسب الموسيقى أهمية مضاعفة لأن الطفل يستجيب للإيقاع واللحن والنغمة بشكل غريزي وفوري أسرع بكثير من استجابته للكلمة المنطوقة أو الحوار المنطقي، فالطفل كائن حسي حركي يعيش في جسده قبل عقله، والموسيقى تخاطب هذا الجسد مباشرة.

في لحظات التوتر والخطر حين يظهر فدعوس والرجل الضخم (بطل اللعبة الإلكترونية) تصبح الموسيقى متسارعة حادة ذات إيقاعات قوية متقطعة ونغمات صاخبة تُحاكي صوت الانفجارات وتخلق جواً من القلق، مما يجعل الطفل يشعر بالخطر قبل أن يرى فدعوس يدمر، فالموسيقى تعمل كإنذار مبكر يُنبئ بقدوم الشر. وفي لحظات الانبهار حين ينفتح الصندوق السحري تتحول الموسيقى إلى ألحان حالمة خفيفة شفافة تطفو في الهواء كأنها تأتي من عالم آخر، مما يساعد الطفل على الانتقال النفسي من عالم آدم المشحون بالتوتر إلى عالم مدعوس الفانتازي. وفي لحظات المرح واللعب تكون الموسيقى راقصة مبهجة ذات إيقاعات منتظمة واضحة سهلة الحفظ والترديد تدفع الجسد للحركة.

الأغاني صُممت بحرفية واضحة تعكس عوالم الطفولة الجميلة وتحمل رسائل تربوية مباشرة مغلفة بألحان جذابة سهلة الحفظ، فالأغنية تتحول إلى لحظة درامية مكثفة تُلخص الرسالة وتُرسخها في ذاكرة الطفل. الرقصات تُشكل السينوغرافيا الأدائية الحية حيث الجسد يتحول إلى عنصر تشكيلي متحرك يرسم الفضاء المسرحي ويُجسد القيم عبر الأداء الحي دون خطابة لفظية.

التمثيل:

يتطلب التمثيل في مسرح الطفل معادلة فنية دقيقة: أداءً مُضخّماً دون اصطناع، واضحاً دون تسطيح، صادقاً دون واقعية فوتوغرافية، مُبالغاً دون كاريكاتورية مُفرطة، ويُظهر عرض "أنا والمهرج" وعياً واضحاً بهذه المعادلة الصعبة عبر أداء ممثليه الخمسة الذين يُشكلون معاً نسيجاً تمثيلياً متنوعاً يتراوح بين الواقعية النفسية والأداء الجسدي الصامت والحضور الأثيري الفانتازي.

آدم (سجاد الأوسي): سجاد الأوسي يحمل ثقل الشخصية المحورية التي تدور حولها الحبكة بأكملها، وأداؤه يُجسد رحلة نفسية معقدة من الانغلاق الإدماني إلى الانفتاح الواعي. نجح الأوسي في بناء شخصية مركبة ذات طبقات نفسية واضحة عبر اختيارات جسدية ولفظية دقيقة تُفصح عن استلاب آدم وتشتته الذهني وانعزاله الاجتماعي. الحركات التوحدية الانعزالية التي يؤديها في المشاهد الأولى، حيث يجلس منكمشاً على نفسه، عيناه معلقتان بشاشة وهمية، أصابعه تتحرك بشكل ميكانيكي متكرر وهي تضغط أزرار جهاز التحكم (الجويستك) ، كل هذه التفاصيل الجسدية الدقيقة تُفصح عن قدرات تقمصية عالية وفهم عميق للحالة النفسية للشخصية. في لحظة التحول، حين يدخل آدم الصندوق السحري ويواجه فدعوس ومدعوس، ليظهر بعدها وقد يتغير أداء الأوسي تدريجياً بشكل مدروس، فالجسد ينفتح تدريجياً، الكتفان ينخفضان، الرأس يرتفع، العينان تتسعان، الصوت يكتسب طاقة وحضوراً، وهذا التدرج في التحول يُظهر وعياً دراماتورجياً بأن التغيير النفسي الحقيقي يمر بمراحل انتقالية تدريجية، وهو ما يمنح الشخصية مصداقية نفسية أعمق.

الأم (داليا طلال): داليا طلال قدمت شخصية الأم كنقطة ارتكاز واقعية في عرض مُحلّق نحو الفانتازيا، فهي تحمل عبء الحوار الواقعي الذي يُرسّخ العرض في اليومي المعاش وتُمثل صوت الواقع والمسؤولية والحب الأمومي والقلق الصادق على مستقبل الطفل. أداء طلال يتميز بالصدق الانفعالي والواقعية النفسية دون مبالغة ميلودرامية، فهي تُعبر عن قلقها بنبرة صوت حانية لكن حازمة، بنظرات عميقة مليئة بالحب والخوف والأمل. تشكيل جسدها وتفاصيله الدقيقة أعطت صدقاً حقيقياً لشخصيتها وجعلتها تبدو كأم حقيقية. طلال تُحقق توازناً دقيقاً بين الوضوح المسرحي المطلوب والصدق الواقعي الضروري، وتُنقذ الشخصية من فخ الوعظ المباشر عبر منحها دفئاً إنسانياً وحباً حقيقياً يجعل النصيحة تبدو صادرة عن قلب خائف محب.

الجنية: في عرض العراق (هديل سعد) في عرض الكويت (إسراء رفعت): الجنية تؤدي بأسلوب أثيري خفيف يُحاكي طبيعة الشخصية الفانتازية التي تنتمي لعالم السحر والخيال، وأداؤها يتميز بصوت رقيق شفاف ذي نبرة موسيقية حالمة، وحركات انسيابية ناعمة تُحاكي الطيران والانزلاق في الهواء، ووضوح لفظي عالٍ بصوت مسرحي محترم يصل لكل زوايا الصالة دون أن يفقد رقته السحرية. الصوت المسرحي الذي تمتلكه الممثلتين هديل سعد وإسراء رفعت يُظهر تدريباً صوتياً جيداً على الإلقاء، فهما تُخرجان الحروف من مخارجها الصحيحة، تُوضحان الكلمات دون تكلف، تُنوعان في النبرات والإيقاعات. الحركات الانسيابية التي تؤديانها، حيث تتحرك بخفة على أطراف أصابع قدميها، ترفع يديها بنعومة كأنها أجنحة غير مرئية، كلها تفاصيل تُساهم في خلق الإحساس بأنها كائن خفيف لا تقيده قوانين الجاذبية العادية.

المُهَرِّجان فدعوس (أحمد إبراهيم) ومدعوس في عرض العراق (أحمد جميل) وعرض الكويت (نور الدين إسماعيل): لا ينطقان كلمة واحدة طوال العرض بل يعتمدان كلياً على الأداء الجسدي والإيمائي، وهذا اختيار فني جريء يُعيد الاعتبار للتمثيل الصامت كلغة مسرحية خالصة. المهرج يُترجم كل انفعال بحركات مبالغة واضحة وتعبيرات وجه مُضخّمة وطاقة جسدية عالية.

فدعوس (أحمد إبراهيم) يُجسد العنف والعدوانية بلغة جسدية حادة متشنجة متقطعة، فحركاته سريعة مفاجئة عنيفة، يقفز بشكل مباغت، يُطلق لكمات وهمية، يُصوّب أسلحة خيالية، ووجهه يحمل تعبيرات مخيفة تُجسد كل ما هو سلبي وخطر في عالم الألعاب القتالية. مدعوس يُمثل النقيض التام، فحركاته ناعمة انسيابية مرحة، يقفز بخفة وبهجة، يرقص بحرية، يُحضن الأطفال، ووجهه مشرق مبتسم يُشع طاقة إيجابية. التباين الحاد بين أسلوبي الأداء الجسدي للمهرجين يخلق خطاباً بصرياً واضحاً لا يحتاج لشرح لفظي.

حصر الحوارات اللفظية في الأم وآدم والجنية فقط يخلق توازناً دراماتورجياً ذكياً بين الكلمة والصمت، بين اللغة اللفظية واللغة الجسدية، وهذا التنوع يُناسب الطبيعة المتعددة الحواس للطفل المتفرج. في الختام، التمثيل في "أنا والمهرج" يُقدم نموذجاً متنوعاً يجمع بين الواقعية النفسية والأداء الجسدي المُضخّم والحضور الأثيري الفانتازي، مُظهراً وعياً فنياً بخصوصية مسرح الطفل ومتطلباته الجمالية والتربوية.

النص:

وهو للمؤلفة الدكتورة زينب عبد الأمير حقق معادلة البساطة اللغوية والعمق المضموني من خلال لغة مباشرة تتجنب التعقيدات لكنها لا تسقط في السذاجة، فالحوارات قصيرة مُركزة تحمل فكرة واحدة واضحة، والثيمة حول إدمان الألعاب تُطرح بذكاء دون وعظ، فالنص لا يقول "لا تلعب" بل يُري أن هناك عوالم أجمل خارج الشاشة، والصراع بين الخير والشر يُضيف طبقة من خلال الرجل الضخم الذي هو بطل في اللعبة لكنه شرير في الواقع، وهذه الازدواجية تُعلّم درساً دقيقاً حول نسبية البطولة، والنص يستخدم التكرار كتقنية تربوية تُساعد على الحفظ والمشاركة، واللغة تستخدم الصور البسيطة فبدلاً من التجريد تُجسد الأفكار في مواقف ملموسة.

الإخراج:

وهو أيضا للدكتورة زينب عبد الأمير جمع كل العناصر وحولها لعرض متماسك، كما واجه تحدي الحفاظ على الحيوية دون فوضى، وعلى وضوح الرسالة دون وعظ، وقد نجح في هذا التوازن من خلال رؤية تُدرك أن الإيقاع هو كل شيء، فالإيقاع السريع في الحركة والبطيء في الانبهار، وهذا التنوع يخلق تموجاً انفعالياً يُحافظ على التنبه، وقد أظهرت الدكتورة زينب وعياً بجغرافيا الخشبة واستخدام المستويات المختلفة لخلق عمق وحركة ديناميكية، مما ساعدها على إدارة اللحظات التفاعلية بضبط دقيق للتحضير للحظة التصويت وتوجيه الأطفال بلطف، وهذا فن التوجيه الخفي، والرؤية الإخراجية تُظهر فهماً للسينوغرافيا الشاملة التي تجمع كل العناصر في منظومة متكاملة، وقد وازنت المخرجة بين الترفيه والتعليم دون تضحية بجماليات العرض المتعارفة مسرحياً.

الخاتمة:

عرض "أنا والمهرج" يُمثل نموذجاً ناضجاً لمسرح الطفل العربي يجمع بين الوعي الفني والمسؤولية التربوية دون وعظ مباشر، فيُقدم ثيمة معاصرة حول إدمان الألعاب الإلكترونية بلغة الدعوة للبديل الأجمل عبر دروس متشابكة: خطورة الإدمان، نسبية البطولة، قيمة الخيال والمسرح كبدائل صحية، التضامن الجماعي، والاختيار الأخلاقي، وهذه الدروس متداخلة في نسيج درامي تُستوعب عاطفياً.

القيمة الفنية تكمن في وعيه بلغة مسرح الطفل، فهو يُطور خطاباً يجمع بين الوضوح والغنى دون محاكاة مسرح الكبار أو استخفاف بذكاء الطفل، وينجح في خلق تجربة جمالية متكاملة تُخاطب كل حواسه. العرض يُقدم نموذجاً لمسرح طفل عربي يوازن بين الحداثة والتراث، التقنية والحضور الحي، محققاً فناً راقياً وتربية ناجعة.

اختار العرض الوضوح التربوي على التعقيد الدراماتورجي بوعي، ونجح في طرح المشكلة بجرأة مع تقديم اتجاه عام للحل، تاركاً للأسرة مهمة التطبيق الواقعي. السؤال المفتوح: كيف سيقضي آدم صيفه؟ ليس فشلاً دراماتورجياً بل دعوة حكيمة للجمهور ليكمل ما بدأه المسرح، مما يفتح حواراً نقدياً مثمراً حول قيمة العمل وخياراته الفنية.

***

مقالة نقدية بقلم كاظم أبو جويدة

تأتي هذه القراءة النقدية لتضع قصيدة "قمر المعرّة" للشاعر السوري توفيق أحمد ضمن أفقها الأوسع: أفق الشعر العربي الذي يتقاطع فيه التاريخي بالرمزي، والوطني بالميتافيزيقي، والذاتي بالجمعي. فالقصيدة ليست مجرد تحية لرمز من رموز التراث، بل هي محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الشاعر المعاصر وضمير الأمة ممثلاً في شخصية أبي العلاء المعري؛ هذا الفيلسوف الذي تحوّل عبر العصور إلى رمز للحكمة والجرأة الأخلاقية ومساءلة الزمن.

يمتاز النصّ بثراء دلالي يسمح بتعدد مستويات القراءة؛ فهو نصّ يتجاوز حدود البلاغة إلى بنية معرفية تتداخل فيها السيميائيات مع الذاكرة الوطنية، والهرمنيوطيقا مع البنية النفسية، واللغة الشعرية مع البعد الفلسفي. ولذلك فإن قراءته تحتاج إلى مقاربة متعددة الأدوات، تفتح طبقات النص وتكشف ما تحته من توتر ومجاز ورمز، وتعيد تأويل العلاقة بين الشاعر ورموز المنفى الداخلي والضوء والمحبسين والكوثر والقمح.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل القصيدة عبر مناهج متكاملة:

١- هيرمينوطيقية تأويلية تلاحق حركة المعنى داخل النص، وتفكك تمثلات المعري بوصفه “ضميراً حضارياً”.

٢- أسلوبية تستكشف البنية اللغوية والإيقاع والصورة والتوتر الشعوري.

٣- سيميائية غريماسية تكشف محاور الأدوار (الفاعل/ المفعول/ المرسل/ المرسل إليه…) وشبكات العلامات.

٤- نفسية ترصد علاقة الشاعر بالفقد، بالذاكرة، وبصورة الحكيم المخلّص.

٥- وطنية–تاريخية تضع النص في سياق الذاكرة السورية والعربية، وصراع الضوء والظلام في لحظة حضارية حرجة.

كما تعقد الدراسة مقارنة فنية–انفعالية–تخيلية–لغوية بين هذا النص وبين نصوص أخرى تقوم على بنية العشق، للكشف عن اختلاف مستويات الشغف والمعنى والرمز، وتحديد ما يميز "العشق الرمزي الحضاري" عن "العشق الوجودي الفردي".

بهذه الأدوات تتشكّل قراءة تحاول أن ترى في القصيدة أكثر من خطاب شعري؛ محاولة لبعث "قمر المعري" من جديد في زمنٍ تتكاثر فيه الظلال ويغيب فيه اليقين. هذه القراءة إذن ليست بحثاً في نصّ فقط، بل بحث في الروح التي يتنفس عبرها النص.

إنّ القصيدة التي بين أيدينا، سواء في بنيتها اللغوية أو معمارها الرمزي أو إشاراتها الوطنية والوجودية، ليست نصاً يُقرأ من سطحه، بل هي نسيج متعدد الطبقات يحتاج إلى تفكيك وتأويل وغوص طويل في طبقاته المعرفية والجمالية. فـ "قمر المعرة" للشاعر السوري توفيق أحمد ليست مجرد تحية لشاعر كبير أو استعادة لرمز؛ بل هي إعادة كتابة للذاكرة العربية، وإعادة بعث لروح أبي العلاء المعري بوصفه ضميراً أخلاقياً وفلسفياً وإنسانياً يقف في وجه العبث والزيف وانهيار القيم.

ولأن النصّ يشتغل على مستويات دلالية متشابكة—من الرمزية إلى الوطنية، ومن النفسية إلى الفلسفية—فإن قراءته تحتاج إلى مقاربة تعددية تتجاوز منهجاً واحداً، وتستند إلى أدوات متقاطعة تسعى لتشكيل صورة شاملة للمعنى.

من هنا تأتي هذه الدراسة التي ستعتمد على خمسة مداخل أساسية:

أولاً: القراءة الهيرمينوطيقية التأويلية

وهي قراءة تُنصت إلى حركة المعنى داخل القصيدة، وتتعقب كيف ينتقل النص من دائرة الـ"أنا" إلى الـ"هو"، ومن الواقعي إلى التخييلي، ومن التاريخي إلى الإشاري. إذ يُعاد تشكيل شخصية المعري هنا لا بوصفها رمزاً ماضوياً، بل بوصفها حاضراً يتكلم من داخل الزمن العربي المكسور.

سنسائل النص وفق نظريات التأويل، ونتابع كيف يتحول الشعر إلى حدث وجودي تُعاد فيه كتابة الذات والعالم.

ثانياً: الدراسة الأسلوبية:

تحليل البنية اللغوية، ومستويات الانفعال، وبنية الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي الذي يجعل القصيدة تقترب أحياناً من نبرة الابتهال، وأحياناً من نبرة المرافعة الأخلاقية، وأحياناً من نبرة الوجد.

سنقرأ الانزياحات اللغوية، التوازي، التكرار، التشاكل الإيقاعي، وعلاقة الأفعال بالزمن وتحول الضمائر.

ثالثاً: القراءة السيميائية — وفق منهج غريماس

سنستخرج المحاور الدلالية الأساسية:

١- الفاعل / الذات: الشاعر، الإنسان الجائع للمعنى، الباحث عن مثال أعلى.

٢- المفعول به / الغاية: الحقيقة، الحكمة، النقاء الأخلاقي.

٣- المرسل: التاريخ، الذاكرة العربية، تجربة المعري.

٤- المرسل إليه: الإنسان المعاصر، القارئ، الشاعر نفسه.

٥- المساعد / المعارض:

المساعد: المعنى، الشعر، الطهر، النور، الذاكرة.

المعارض: الزيف، الزمان الملوث، الوجوه المتغيرة، الخديعة.

سنفكك العلامات الكبرى:

المعري، الضوء، القمر، السجن، المحبسان، الخيال، القمح، الطين، الكوثر...

لنستخرج شبكتها الدلالية وتفاعلها داخل هندسة القصيدة.

رابعاً: الدراسة النفسية

سنقرأ البنية الشعورية للنص من خلال مفاهيم علماء النفس و"ظلّ الأمة" و"الأنا الجمعية" و"البطل الحكيم".

المعري هنا يتحول إلى أب روحي يواجه الفقد، ويمنح للشاعر معنى في عالم مبعثر.

كما سنحلل “عقدة الفقد التاريخي” وعلاقة الشاعر بالأرض واللغة والهوية.

خامساً: الدراسة الوطنية-التاريخية

سندرس القصيدة في ضوء تاريخ سورية، وذاكرة المعرة، وسياق الثورة، واستخدام الشعراء العرب للرموز الكبرى (المتنبي، المعري، السيّاب…) في لحظات الانكسار أو النهضة.

المعري هنا ليس مجرد شاعر؛ بل “ضمير وطني” يشهد على خراب الحاضر.

والقصيدة تتحول إلى خطاب مقاومة ضد الزمن الفاسد والقيم الملوثة.

سادساً: الدراسة المقارنة

المستوى الانفعالي:

نجد الشاعر توفيق أحمد ابتعد عن العشق الشخصي/ الوجودي واقترب من العشق الرمزي/ الوطني/ الحضاري

المستوى التخييلي:

ابتعد عن المعمار الأسطوري الفردي واقترب من المعمار التاريخي-الرمزي

المستوى اللغوي:

لم تكن لغة الشاعر توفيق احم. لغة حسية عاطفية، بل لغة فلسفية/ رمزية/ حكمية

المستوى العضوي:لم يقارب الشاعر توفيق أحمد من بنية الجسد/ الروح

واقترب أكثر من بنية الحضارة/ التاريخ/ الذاكرة.

أهمية الدراسة:

إن جمع هذه المناهج في قراءة واحدة يمنح النص حياة جديدة، ويكشف عن طبقاته المتعددة:

الدينية، النفسية، الفلسفية، الوطنية، والأسطورية.

ويُعيد للمعري حضوره بوصفه “الضمير الحيّ” للثقافة العربية.

ولأن القصيدة تنتمي إلى شعر الأزمة والسؤال الأخلاقي، فإن هذه الدراسة ليست مجرد تحليل، بل إضاءة فكرية على معنى أن يكون الشعر شاهداً على العصر، وأن تكون الكلمة قادرة على اختراق الطين الملوث لتبحث عن جوهر ضائع.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الدكتور فايز عزالدين، من سوريا. دكتوراه في العلوم السياسيّة. مواليد 1948 صدر له:

1- السياسة والتربية والأخلاق، ثمانية وعشرون مجلداً طبع منها تسع مجلدات، والبقية قيد الطباعة

2- له خمسة دواوين من الشعر الفصيح والشعبي.. وعدد من الدواوين لم تزل مخطوطات ومنها قيد الطباعة.

3- عمل مدرساً في جامعة دمشق كأستاذ محاضر.

4- مارس العديد من النشاطات الثقافية في معظم المراكز الثقافية للمحافظات السورية.

5- شارك في أكثر من مؤتمر عالمي حول قضايا الشباب.

اخترنا له هذه القصيدة من أعماله وهي بعنوان: (يظل الأمل قائماً).

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:

عندما يحاصرنا القهر والظلم والاستبداد والجهل وشهوة الدم، يظل الأمل قائماً فينا نحن الذين أصبحت الآلام خيوطاً من العذاب نسجت مكونات حياتنا، ولكننا لم نيأس ولن نيأس بأن نجد هناك فسحةً من الأمل لابد أن تنير لنا هذه الدروب المظلمة وتخلصنا من سيل الدماء وألوان البلاء الذي حل بنا وكانه قدر محتوم علينا.. ولكن كلما بانت بعض خيوط الأمل في حياتنا وانتعش التفاؤل والفرح والأمل بالخلاص، تعود المأساة ثانية وعاصفات من الشقاء لتهز الأمل فينا وتسحق أحلامنا من جديد... كم تمنينا أن نتجاوز واقعنا المرير المضنى، ونحقق حالة من الأمن والأمان والاستقرار، إلا أن غيوم الظلم والقهر تعود ثانية لتسرج خيول الكراهية والعداء... يقول الشاعر فايز عز الدين:

لكن... من قال إن الدرب يوماً لا

محال أن يضاء

من ذا يؤمل بعد هذا السيل من دمنا

وألوان

البلاء... ؟.

كلما أوقدت في دمي التفاؤل والفرح

هاجت على الأمل المسجى عاصفات من

شقاء

كم عنيت بكيف يحتفل الزمان

بصحوة

والغيمة السوداء تسرج عهرها الدامي

فينهمر

العداء...

نعم.. نحن لم نزل نعيش حالات سفك الدماء ووجع النصال، ونكابد الحزن ومرارته الذي خيم على كل مسامات حياتنا وقد تكسرت النصال على النصال فلم يعد هناك نضار ولا وفاء. يقول الشاعر:

إني على وجع النصال مكابد والحزن

خيّم

أسديه مرارة حتى تكسرت النصال على

النصال فلا نضار ولا وفاء...

البعد الاجتماعي في النص:

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف.

وهذا ما وجدناه جلياً عند الشاعر "فايز عز الدين، فقصيدته هي موقف انتماء لوطنه وشعبه، فالأمل لديه في الخلاص شكل موقف حياة، لا تنازل فيه للظلم والقهر والجوع والتشرد والطائفيّة.

البنية الفنيّة والجماليّة للقصيدة:

البنية السيمائيّة للعنوان:

تأتي البنية الدلاليّة لعنوان قصيدة "يظل الأمل قائماً" لتقول بأن الأمل سيظل حاضراً عند كل من تتعرض حياته للقهر والظلم والاغتراب والاستبداد والتشيىء، وأن طموحه (فرد كان أو مجتمع أو أمّة) في تحقيق أمنه وسعادته واستقراه، لا بد أن تتحقق يوما، طالما أن هناك من يؤمن بأن نيل المطالب لا يتحقق بالتواكل والتمني والخنوع والرضا بالذل، وإنما بمواجهة من يعمل على غرسها في عقولنا وقلوبنا وكأنها قدر محتوم علينا.. نعم نحن محكومون بالأمل كما يقول "سعد الله ونوس" ولكنه الأمل المسلح بالمعرفة وحب الحياة والنضال من أجل أمننا واستقرار هذه الحياة.

البنية اللغويّة للقصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعر "فايز عز الدين" في قوله:

(لكن... من قال إن الدرب يوماً لا محال أن يضاء...من ذا يؤمل بعد هذا السيل من دمنا وألوان البلاء... ؟... كلما أوقدت في دمي التفاؤل والفرح هاجت على الأمل المسجى عاصفات من شقاء) أو في قوله: (والغيمة السوداء تسرج عهرها الدامي فينهمر العداء...)

الصورة في القصيدة:

نظراً لافتقاد قصيدة التغعيلة كثيراً إلى فنيات الشعر العمودي، إن كان في أسلوب سردها، أو موسيقاها، أو بلاغتها، أو محسناتها البديعية والبيانية، أو في تراكيب عباراتها .. وغير ذلك إلا أنها تحاول أن تعوض كل ذلك من خلال اعتمادها على الصورة الشعريّة كثيرا، الحسيّة منها والتخيليّة. وبناءً على ذلك جاءت قصيدة (يظل الأمل قائماً) معتمدة كثيراً على الصورة الشعريّة بشكل يمنح بنية القصيدة طاقاتٍ جماليّةً تساهم في نقل التجربة الشعريّة من الوصف السردي المجرد، إلى بناء علاقات مجازيّة مبتكرة عبر اللغة والتخييل.

فمن عنوان القصيدة (يظل الأمل قائما) تأخذ الصورة حضورها في بنية القصيدة لتتوالى بعد ذلك بحالة فيض كقوله: (كلما أوقدت في دمي التفاؤل والفرح...هاجت على الأمل المسجى عاصفات من شقاء) أو في قوله: (والغيمة السوداء تسرج عهرها الدامي.. فينهمر العداء... إني على وجع النصال مكابد .. والحزن خيّم أسديه مرارة.. حتى تكسرت النصال على النصال فلا نضار ولا وفاء)...إن الصور الحسيّة والتخيليّة في هذه القصيدة غطت مساحةً واسعة من بنية القصيدة، فأضفت عليها حالاتٍ جماليّةً تشدُ المتلقي لها بما تحمله من رؤى فكريّة عميقة وجد فيها المتلقي ذاته بهذا الشكل أو ذاك، الأمر الذي أتاح للشاعر أيضاً عبر استخدامه لهذه المجموعة المتنوعة من الصور البلاغيّة، خلق جو شعري خاص. عبر عن تجربة الشاعر الداخليّة وعواطفه وأفكاره.

المستوى الايقاعي في القصيدة:

إنّ الشّعر صيغة موسيقيّة، فليس الشّعر في الحقيقة إلّا كلامًا مموسقاً، تنفعل لموسيقاه النّفوس، وتتأثّر به القلوب. وإلى هذا ترتكز أهمّيّة الموسيقا في الشّعر، فهي تستطيع أن تُقيم بناءً مُتكاملًاً يجمع بين التّأليف القائم في أعماق أحاسيس الشّاعر، وبين غيره من المُتلقّين، في قدرة فنّيّة تجعل إيقاعات النّفس تجذب الآخرين، بواسطة هذا النّغم الشّعريّ. وإذا كان المستوى الايقاعي الخارجي يتجلى في بحور الشعر وأوزانها التي يستخدمها الشعراء. وهو – أي المستوى الخارجي - عنصراً مهماً من عناصر القصيدة، فلا يمكن فصلُه عن سواه من مُكوّناتها.

إن المستوى الداخلي للموسيقى داخل النص الأدبي، يدخل فيه المحسنات البديعيّة والبيانيّة كالجناس والطباق، وسائر المُحسّنات البديعية، مع تركيب الكلام وتتريب الكلمات وتّخيّرها، وكلّ ما من شأنه أن يُعين على تجويد البنية، والرّنين في أبيات القصيدة. وهذا ما يدل على أن الوزن ليس مُجرّد تفعيلات مُنفصلة عن المعنى، تُلقّن وتُحفظ فحسب، ولكنّه لصيق بالمعنى وغير مُنفصل عنه، ويساعد على تأكيد المعنى، وتثبيته في الذّهن، وصونه من الضّياع.

إن معظم هذه الفواعل الموسيقيّة نجدها في قصيدة "ويظل الأمل قائماً" وهي قصيدة قامت على تفعيلة (متفاعل)، حيث استطاع الشاعر "فايز عز الدين" أن يحققها في قصيدته فجاءت القصيدة مشبعة بالمحسنات البيانيّة، إن كان على مستوى التشبيه والكناية والاستعارة، أو على مستوى تركيب الكلام وتتريب الكلمات وتّخيّرها.

العاطفة في القصيدة:

تظهر عاطفة الشاعر جياشة في بنية القصيدة، تجاه وطنه سورية التي عاشت خمسة عشر عاماً من القتل والتشرد والدمار.. وكيف لا يتأثر وهو من حمل هم وطنه في كل مراحل عمله السياسي والإداري، وخاصة اشتغاله على هموم الشباب ومشاكلهم والسعي الدائم لرفع سويتهم العقليّة والجسديّة، وها هو اليوم يرى معظمهم بين قتيل ومشرد ومعطوب في جسده ونفسيته وأحلاقه.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

...............................

فايز عز الدين

يظل الأمل قائماً

لكن... من قال إن الدرب يوماً لا

محال أن يضاء

من ذا يؤمل بعد هذا السيل من دمنا

وألوان

البلاء... ؟.

كلما أوقدت في دمي التفاؤل والفرح

هاجت على الأمل المسجى عاصفات من

شقاء

كم عنيت بكيف يحتفل الزمان

بصحوة

والغيمة السوداء تسرج عهرها الدامي

فينهمر

العداء...

إني على وجع النصال مكابد والحزن

خيّم

أسديه مرارة حتى تكسرت النصال على

النصال فلا نضار ولا وفاء...

في المثقف اليوم