عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

البَحْثُ عَنْ شَفْرَةِ النَّصِّ

لا يحتاج الناقد أو القارئ على السواء إلى إطلالة بيبلوغرافية توثيقية للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي قبيل مطالعة قصائدها المتوهجة بالشعر الذي يمكن توصيفه بأنه ديوان العرب، عدم الاحتياج هذا مفاده عدة أسباب وعوامل أبرزها على الإطلاق التزام ناهدة الحلبي بالصورة الرصينة للقصيدة العمودية التي تشترط توافر الوزن والقافية هذا ما استطاعت ناهدة الاكتراث به وتفضيله في مجمل قصائدها، ومن الأسباب أيضا أنها رغم التزامها بصورة شكلية قديمة وتقليدية يمكن توصيفها في الوزن والقافية إلا أنها تحررت مطلقا صوب اللغة التداولية القريبة من القارئ العربي المعاصر الأمر الذي جعل من قصائدها ما يشاكل رغيف الخبز اليومي الذي لا يمكن للمرء الاستغناء عنه، وإن جاز للناقد مدح شاعر فالأحرى أن نمدح لغة الشاعرة ناهدة الحلبي وموضوعاتها الشعرية قريبة الصلة من القلب والتي ابتعدت بها عن لوغاريتمات القصيدة العربية الراهنة الموغلة في الغموض والالتباس والرمزية التي تفقد الشعر العربي الرائق براءته وبريقه.

والسبب الثالث من أسباب تفرد ناهدة الحلبي كونها لبنانية الأصل، ولبنان على الاختصاص موطن استقر في مظاننا التاريخية بأنه وطن الشعر الأكثر مشاكلة للغة القلب والوجدان والأبعد عن القصيدة الفلسفية الضاربة في السردية التي امتاز بها الشعراء المعاصرون الأمر الذي جعل الكثير من قراء الشعر ينأون بعيدا عنهم وعن نصوصهم التي تشبه الأحجية والتعاويذ القديمة.

أبْعَدُ مِنْ وَحْدَتِي.. أقْرَبُ مِن القَلْبِ:

ومنذ أكثر من خمسة أشهر وديوان ” أبعد من وحدتي ” للشاعرة ناهدة الحلبي يعلو مكتبي الخشبي، أتأمل صفحة الغلاف الخارجي، ثم أمر على قصائده الاستثنائية عبر قراءة عابرة متحفظاً الولوج في إحداثياته من أجل اقتناص سويعات تناسب النص الرائق بلغته المعاصرة والتزامه بالشكل الصحيح والسليم والفطري للقصيدة العربية وكأن العنوان نفسه أجبرني على الاحتفاء بالوحدة أو الهروب بالديوان بعيدة عن زحمة الفلسفة والمشاهد السياسية التي غلبت بسطوتها على حياتنا العربية، وجاءت لحظة اقتناص القراءة بفضل حالة اليقين التي تمتلكها ناهدة الحلبي بقصائدها المتوهجة شكلا وموضوعا من خلال نص شعري يحظى بلغة معاصرة وحالات وجدانية لا يمكن للقارئ الفكاك من شراكها. والأجمل والأروع عند تناول قصائد مجموعة أبعد من وحدتي للشاعرة ناهدة الحلبي أنك مضطر للتخلي عن كافة التقنيات النقدية التقليدية المكرورة إذ أنك تتعامل مع نص يستهدف الوجدان أولا ويدفعك للتعاطف مع قضاياه ومضامينه وليس للتفتيش عن زوايا أخرى كامنة.

الكَشْفُ عَنْ التِّيْمَاتِ النَّصِّيَّةِ:

وهناك ثمة ملحوظات تمثل بالفعل إحداثيات لغوية وشعرية تفرض نفسها عند تناول قصائد ديوان ” أبعد من وحدتي ” للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي لعل أبرزها فعل الأمر الذي يغلب على معظم قصائد الديوان، وربما لا يكترث النقاد المعاصرون بدلالات اللغة في قصائد المرأة أو ما يعرف بالأدب النسوي، رغم أن استخدام المرأة الشاعرة أو القاصة أو الروائية لفعل الأمر يحدد ملامح مهمة تكشف عن صاحبة النص دون اللهاث وراء معلومات تاريخية عنها تماما حينما نستقرئ روايا الجزائرية أحلام مستغانمي لاسيما في عابر سرير أو ذاكرة الجسد أو الأسود يليق بك وأخيرا عليك اللهفة.

هذا ما يكشف عنه فعل الأمر الغالب على قصائد ديوان أبعد من وحدتي والذي يدل على أن ناهدة الحلبي شاعرة بدرجة ثائر أو مبدعة تصر على الوصول إلى منصة التتويج عن طريق إطلاق صرحات شعرية تعبر عن مطامح الأنثى المشروعة في مجتمع ذكوري بات مضطربا وقلقا بفضل الشهود السياسي الراهن تارة، وتارة أخرى هذا القلق الأنثوي المصاحب لكافة المشاهد الإنسانية المتعلقة بالحب والوصل والغرام وعلاقة المرأة بالوطن والسفر. استخدامها لفعل الأمر جاء متلازما ومصاحبا عن حالة القصيدة أو المشهد الشعري القائم فحينما نطالع القصائد العاطفية على سبيل الرصد لا الحصر نجدها تستخدم أفعالا مثل ” قل لي أحبك ”، ” خذني إليك ”، ” واكذب عليَّ ”، ” واحضن فمي ”، ” أعني على النسيان ”، ” واستصرخي وجعي ”.

والملمح اللغوي الأخر الذي يطغى في الاستخدام النصي في ديوان ” أبعد من وحدتي ” هو اللغة الاتصالية مع الآخر / الرجل، وهو استخدام يتناسب كثيرا مع الالتزام بالشكل الرصين للقصيدة الشعرية العربية المتمثل في الوزن والقافية، ومن الملفت أيضا أن ناهدة الحلبي وهي تحرص على تيمات لغوية داخل نصوصها على وعي مستدام بتقديم جمل شعرية تقريرية وليست إنشائية وهي بذلك أشبه بحالة البوح الرقيق الذي لا يميل إلى الاستعطاف أو استجداء حالة الحب بقدر ما هي على يقين بأن الذائقة اللغوية تتطلب الجملة الإخبارية عقب استخدام تيمة لغوية راسخة في المظان العقلية العربية ذات الثقافة الذكورية السائدة مثل أيا سيدي، ويا سيدي، ويا سادتي، و نتلمس هذا الملمح من خلال قصيدة “ريشة على خد وجسد ” إذ تقول:

“إني نظرت إليه ذات مرارة

وخصوبة الأشواق طعم خناجر

يا سادتي ما الحب إن أذوى الردى

وجد الحبيب، وجفن غيم ماطر.”

وتقول في قصيدتها ” مسجي على قلب وورق ”:

“يا سيدا حسنت للكون صورته

في قلب سيدة من بارئ النعم

كما البدور إذا ما الحسن كللها

لها الشموس إذا ما القلب في ضرم.”

وتقول في قصيدة ” رعشة زمن ثمل وقداح ”:

“أترعت كأسك بالملذات التي

عتقتها في القلب خوف سراق

يا سيدي، إن ذقت خمرة عاشق

لا تخش من سكر فلست بباق “

غَيْرُ المَسْكُوتِ عَنْه:

لماذا تصر ناهدة الحلبي أن تقول أكثر مما ينبغي السكوت أو الصمت عنه ؟ هذا التساؤل هو إجابة بسيطة وسريعة لملمح أكثر بزوغا في ديوان ” أبعد من وحدتي ” وهو عناوين قصائد الديوان التي تشبه بالمواضعات أكثر منها مجرد عناوين لقصائد تأتي، والملفت للنظر والمسترعي للانتباه هو أن بعض العناوين تتشكل من كلمات تبدو طويلة وهذا يستلزم من القارئ أن يكون على وعي مستدام بأن ناهدة الحلبي أرادت تحقيق مزيتين في قصائدها ؛ الأولى أنها شاعرة عمودية أكثر حرصا على الشكل التقليدي للقصيدة العربية، والثانية أنها شديدة المعاصرة للمشهد الشعري الراهن لاسيما قصيدة النثر التي تمتاز بعناوين متفردة تجبر القارئ وتحثه على متابعة القصيدة رغم سرديتها. فنجد من بين عناوين القصائد ” عطرك على ساعدي والعبق ”، ” برق في دموع حارقة ”، ” جفون عارية وحب مهاجر ”، ” عشق على ضفة وقلق ”، ” شوق إلى سفر ووعد ”.

وحرص الشاعر على استخدامه مواضعات طويلة لقصائده هو هدف يسعى إليه، هذا الهدف يتمثل أولا في البوح عن حالة القصيدة، وثانيا إشراك القارئ في حالة القلق المتزامنة مع الشاعر حينما يختار عنوانا لقصيدته، وربما نجح علماء النفس اللغويون حينما أقروا بأن الشاعر عندما يطيل في عنوان قصيدته فهو يعاني قلقا ويجد صعوبة في اختزال إبداعه العصي على المراس في كلمة واحدة فقط لذلك يلجأ كثير من المبدعين ومنهم ناهدة الحلبي إلى قرار إطالة العنوان تجنبا لاختزال القصيدة في عنوان ضيق وإن كان ضيق العنوان لغة يكشف عن مدى تكثيف القصيدة أيضا.

صُوْرَةُ الأنْثَى العَاشِقَةِ.. بَعِيْدًا عَن الرَّبِيْعِ العَرَبِيِّ:

أعادت الشاعرة ناهدة الحلبي في ديوانها ” أبعد من وحدتي ” الأنثى العربية إلى صورتها الرقيقة البعيدة عن مظاهر الوحشية والتمرد والسفور التي لازمت المرأة المعاصرة تحديدا منذ اشتعال ثورات الربيع العربي التي حولت المرأة العربية إلى ناشطة سياسية وثائرة ومتمردة على الأوضاع السياسية المجتمعية الأمر الذي أغفل الجوانب الرقيقة في المرأة والتي كانت المصدر والرافد الأول والأصيل لإبداع الشعراء على مر العصور.

وصورة الأنثى في ديوان أبعد من وحدتي رقيقة وهادئة الطباع، رصينة بغير جموح، عاقلة بدون جنوح، وهذا ما تكشف عنه ناهدة الحلبي في قصائد ديوانها، إذ تقول في قصيدة ” فوضى الجسد والروح ”:

“كم قال يهواني على مسمعي

ناجيت منه الحسن لم يسمع

يا لحظ جفن كم كواني به

مثل هجاء الشاعر المقذع

إن في ذبول فالهوى مؤرق

كنور وجه نافر المدمع

والقلب من فيض الهوى عاشق

كامنهل الهارب للمنبع”

وتقول ناهدة الحلبي في قصيدتها ” ويقول يحبني …. ”:

“إني عشقتك رد ما حطمت يدي

من أكؤس برضاب ثغرك ترفل

كم لائم في الحب قد برح الهوى

إن القلوب براقع تتبدل

أنسيت نقتسم المغيب ووحدتي

لون الغروب أنين وجدك يحمل”

وصورة الأنثى العاشقة التي تلازم مجمل قصائد الديوان تأتي على موعد دائم بخيبة الحب ولوعة الفراق، بل أحيانا كثيرة تأتي الحالة الوجدانية للأنثى ذات الحضور المشهود في ديوان ” أبعد من وحدتي ” لتعكس ما جناه الرجل بزيفه وخداعه وقصصه التي يعبث بها طامعا في علاقة عابرة مع المرأة، لذا فإن ناهدة الحلبي نجحت بامتيار في توصيف هذه الحالة وتلك العلاقة المنتهية بانتهاء فورة القلب الذي اعتاد على العشق لكنه لم يتمرس في تلقي صدمات غدره.

تقول ناهدة الحلبي في قصيدة ” قلق على جفن وردة ”:

“أحكي لكم يا سادتي عن قصتي

ولسان حالي ناطق بشقائي

فالعمر يمضي كيفما شاء الهوى

ما شئت يوما واستجيب ندائي

ذنبي إليه أن أغللت بضوئه

مستبرقا في ليلتي الظلماء

والدهر في أرزائه سرف بنا

فقذى بعين غير ذات ضياء

وخطيئتي أني أقمت بقلبه

والوصل عندي لا يخط بماء

لم يأت بالبدر المنير غواية

فعلى جبين الشمس شق ردائي”

وتقول الحلبي في قصيدتها المعنونة بـ ” جفون عارية وحب مهاجر ”:

“وكم قال هذا الليل لون ضفائري

وما بين عينيه سواد مضلل

وحين تهاوت خلف ظلي ظلاله

تراءت لعيني وحشة وتوجُّل “.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

على مدى مئات السنين، لم تكن التجارة، أو العلم والتكنولوجيا، أو حتى الدين، في مركز الوعي الجمعي الروسي، بل الأدب في المقام الأول. الأدب الروسي هو الإسهام الروسي الحقيقي في الحضارة العالمية، وتتجلى فيه الروح الروسية في أعمق وأسمى صورها.

الادب الروسي من أكثر آداب العالم تميزًا وثراءً عبر التاريخ، ويتسم بتنوع ألوانه وأساليبه. وقد عكس كتابه الكبار في أعمالهم التجربة الحياتية للشعب الروسي، وقيمه الأخلاقية ونظرته إلى الوجود والعالم. وكان التأثير الذي أحدثه هؤلاء الكتاب في الارتقاء بالوعي المجتمعي، وتشكيل الشخصية الروسية عميقاً.

وما يجعل كبار الكُتاب الروس مميزين للغاية هو القوة، والصدق، والأمانة، و الدقة التي صوروا بها أهم جوانب التجربة الإنسانية. ولهذا ما زلنا نقرأ أعمالهم بمثل هذه المتعة والبهجة. ولم يقتصر أثر الأدب الروسي على مجتمعه وإنما امتد اثره إلى جميع بلاد العالم.

منذ عشرينات القرن الفائت نشطت حركة ترجمة أعمال كبار الكتّاب الروس (غوغول وتورعينيف وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ومكسيم جوركي) إلى اللغة العربية عن طريق اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ولعبت دار الهلال المصرية دوراً رائداً في هذا المجال. وفي الستينات بدأت الترجمة المباشرة من اللغة الروسية، وصدرت مئات الأعمال الأدبية الروسية المترجمة إلى العربية من قبل دور النشر السوفيتية المتخصصة في هذا المجال مثل " التقدم " و" رادووغا" و" مير". إضافة إلى الترجمات الممتازة لروائع الأدب الروسي من قبل الأدباء العرب من خريجي الجامعات السوفيتية، الذين لفتوا الأنظار إلى أعمال الكتاب الروس الكلاسيكيين الآخرين مثل أندرييف وبونين وأرتسيباشيف وغيرهم، كما ترجموا أعمال الأدباء والشعراء المغضوب عليهم في العهد السوفيتي مثل بلاتونوف، وزوشينكو، وتسفيتاييفا وأخماتوفا، وماندلشتام

كان الكتاب العرب من أشد المتأثرين بالأدب الروسي. الذي اصبح ملهماً للعديد منهم، ومازال حتى الآن يلهم الكثير من الكُتاب الشباب. ويعترف الكثيرون منهم أن التعرف على الكلاسيكيات الروسية ترك أثراً كبيراً في إبداعهم - من حيث الأسلوب والمحتوى.

ويتجلى هذا التأثير في الأعمال الأدبية لكثير من الأدباء العرب. ونرى أولى بوادر هذا التأثير في نتاجات واحد من أبرز الأدباء العرب مثل ميخائيل نعيمة، الذي كان قد اطلع على أدب روسيا ودرس فيها اللاهوت قبل ثورة اكتوبر 2017، وفيها كتب تأملاته الوجودية وقصيدته الآسرة “النهر المتجمد” على ضفاف الفولغا باللغة الروسية.

يعد محمود طاهر لاشين (1894 – 1954) الرائد الاول لفن القصة القصيرة في مصر. وكما قال الكاتب المصري الراحل يحيى حقي في كتابه "فجر القصة المصرية". فإن الدور الذي لعبه محمود لاشين في تطوير القصة القصيرة المصرية شبيه بدور نيكولاي غوغول في الأدب السردي الروسي. ويؤكد أن كتاب لاشين المعنون" سخرية الناي" الذي يضم مجموعته القصصية الأولى:" سيكون ككتب غوغول في الأدب الروسي من حيث إنها أصدق تمثيل للخطوات الأولى، وللأساس كيف بنى وعلا." ويبدو أن لاشين قد أطلع على قصص تشيخوف الذي مهد له الطريق للتملص من النثر الموروث والنزعة الرومانسية، والزخرفة اللغوية. وأصبحت هذه المجموعة القصصية نقلة مفصلية في فن القصة القصيرة في مصر.ولقد بلغ إعجاب لاشين بتشيخوف ان اقتبس عنه قصة " الانفجار". واقتداءً بتشيخوف استمد لاشين موضوعات قصصه من مشاهداته، ومن واقع حياة المجتمع. ولم يقتصر التأثر بالأدب الروسي على لاشين. فالرواد الأوائل للأدب السردي المصري:" كانوا من المغرمين بالأدب الروسي الزاخر بالمشكلات الروحية." ومنهم الكاتب المصري محمود تيمور الذي استعار من تشيخوف قصة كاملة وقام بتعريبها.

ولعل أشد المتأثرين العرب بالأدب الروسي هو الكاتب المصري الشهير إبراهيم عبد القادر المازني الذي يعترف بهذا التأثير بكل صراحة ووضوح:" على أثر الثورة المصرية في سنة 1919 ذهبت إلى الإسكندرية لأقضي فيها أياماً أو لأتخذ فيها مقامي - حسب الأحوال - وكنت ما أزال سقيم الأعصاب جداً. وكنت لا أكاد أطيق الصهد الذي أحسه. وبقيت أياماً في البيت زارني في خلالها صديقي الأستاذ العقاد وترك لي رواية روسية أتسلى بها، فأكببت عليها وقرأتها في ساعات أحسست بعدها أني صرت أقوى وأصح بدناً وأقدر على المكافحة والنضال في الحياة، وأنه صار في وسعي أن أستخف بما يحدث لي سقم الأعصاب من الوهم. وعدت إلى القاهرة، ومضى عام فطلب مني بعضهم أن أترجم له رواية؛ فقلت لنفسي إني مدين لهذه الرواية الروسية بشفائي بالروح الجديدة التي استولت علي، فيحسن أن أنقلها إلى العربية عسى أن تنفع غيري كما نفعتني."

وكان نجيب محفوظ مطلعاً على أعمال كبار الأدباء الروس وبخاصة أعمال أنطون تشيخوف. وقد تحدث عن إعجابه وتأثره بالأدب الروسي أكثر من مرة. وكتب مقالا تعريفيا بتشيخوف نشره عام 1933 في جريدة " السياسة" وأعادت صحبفة " الأهرام" المصرية نشره في الأول من سبتمبر 2015. وكتب أيضا مقالا آخرعن مسرحية «الخال فانيا»، فى مجلة «المعرفة».ويقول محفوظ في مقاله:

" كان فى طبيعة تشيكوف ما يمنعه عن الإبانة الصريحة عن ذات نفسه، فلم يخلف لنا مذكرات شخصية تنفع المؤرخ النفساني. حقا إن رسائله كثيرة ولكنها فى الغالب ـ تتناول مواضيع عامة أدبية وفلسفية وعلمية، فالمرجع الثقة لمن يريد أن يتعرف الى هذه النفس الأدبية هو مؤلفاته وبعض رسائله الخاصة، ومن الحق علينا أن نتكلم عن إيمانه، فإن إيمان الرجل أو عدمه أدق مقياس يزن أفعاله وتصرفاته، وتشيكوف يقول صراحة إنه فقد الإيمان وهو صغير، وطال عهده بهذه الحرية الدينية، وبقى يلهو ويعبث ويعمل من غير ما يكدر صفو قلبه بأسئلة الايمان الملحة التى قد تبلغ حد العذاب، وكأنك بعد ذلك تحس بالجد فى كتابته، فكأن نظرته إلى الحياة حالت وكأن الحياة فى نظره كبرت، وتتوالى أسئلته عن الحياة والموت. وتكاد تلمس المرارة التى يفيض بها قلبه المرهف الحس، وخرج عن قبة نفسه ليواجه المشاكل الاجتماعية الكثيرة، واستحوذ عليه اهتمام كبير بها، أغراه بالتعرض لأهوال السفر لمجرد التعرف إلى أناس جدد وأخلاق جديدة."

وقال محفوظ في مقابلة صحفية اجراها معه الكاتب محمد سلماوي ونشره في صحيفة الأهرام:" الله علي الأدب الروسي الله!.. (سرد أسماء كتابها بسعادة واضحة) دوستويفسكي وترجنيف وتولستوي وتشيخوف، إن الأدب الروسي أجمل الآداب جميعًا لأنه أقربها لنا أفقًا وموضوعًا وفلسفة."

وتعكس أعمال محفوظ، على نحو واسع وعميق، الأوضاع السياسية والإجتماعية والثقافية في مصر، وما تعانيه الطبقات الكادحة من بؤس وشقاء نتيجة الجهل والتخلف، والتقاليد البالية، ويرتكز على النقد المرير لنمط الحياة المصرية والمظاهر الإجتماعية السلبية المصاحبة له. أبطال محفوظ على غرار أعمال تشيخوف يدركون فداحة الواقع ويحلمون بتغييره إلا أنهم لا يمتلكون أدوات التغيير، ويشعرون بالإحباط والخيبة.

ربما كان يوسف إدريس اشهر كاتب قصة قصيرة في الادب العربي الحديث. وتجسد أعماله الواقع المصري وما يعانيه الانسان البسيط المقهور في حياته القاسية البائسة. وقد اعترف ادريس بأنه تأثر بشدة بأدب تشيخوف؛ ففي حوار أجراه مع غالي شكري ونشر في مجلة "الحوار" في ديسمبر/كانون الأول 1965 قال إدريس "لقد خضت مع تشيخوف بالذات تجربة، فعلا، ذلك يعنى أنك عندما تقرأ تشيخوف، فإنك تصبح شئت أم أبيتت شيخوفياً، ولهذا، فعندما حاولت الكتابة بعد قراءتى لأعماله، أحسست أن رؤيته قد فرضت نفسها عليّ، ولكن برهافة إلى حد أننى كنت الوحيد الذى لاحظ ذلك، وطالما أن الأصالة تستند على الرؤى الأصيلة، كان على أن أناضل لأحرر نفسى من السيطرة القاهرة التى فرضتها رؤيته وأفكاره على أعمالى، لقد كانت معركة شرسة ومريرة كلفتنى عاما كاملا تقريبا هو عام 1955." وعلى غرار أبطال تشيخوف يفشل أبطال يوسف إدريس أيضاً في تغيير الواقع الاجتماعي، أو الدفاع عن أنفسهم.

التأثير الطاغي لأعمال تشيخوف في الأدباء العرب وخاصة كتّاب القصة القصيرة والمسرحية، يمكن تفسيره بأن القضايا التي تطرحهاأعمال الكاتب الروسي وثيقة الصلة، بقضايا الإنسان البسيط المقهور في العالم العربي، ولا تختلف كثيراً عن الصورة التي يقّدمها تشيخوف في معظم أعماله.

وقد تأثر كتّاب المسرح العرب أيضاً بمسرحيات تشيخوف، ولجأوا إلى كتابة مسرحيات تتناول المشكلات ذاتها التي تطرحها مسرحيات الكاتب الروسي. فعلى سبيل المثال، كتب الأديب السوري وليد إخلاصي مسرحية " هذا النهر المجنون"، تحت تأثير مسرحية ( بستان الكرز) لتشيخوف، التي تدور حول السيدة الأرستقراطية ليوبوف أندريفنا رانفسكايا، مالكة أرض روسية أرستقراطية، التي عادت إلى روسيا مع ابنتها أنيا البالغة من العمر سبعة عشر عاماً بعد عدة سنوات من العيش في فرنسا، وتعاني من ضيق مالي شديد، وعرضت الأرض للبيع بما فيها بستان كرز كبير وجميل من أجل سداد الديون، غير مستجيبة لعروض إنقاذ الأرض.

أما الكاتب السوري حنا مينا فقد تأثر على نحو عميق بالأدب الروسي. وفي هذا الشأن يقول مينا: " إنّما نعرف ونحبّ بوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وغوركي وماياكوفسكي، وشولوخوف وتيخونوف، واستفدنا من نتاجاتهم التي تُرجِمَت إلى اللغة العربيّة، وتأثّر الكتَّاب السوريون تأثيراً كبيراً بالنتاج الكبير للأدباء السّوفيات وخاصّة بالطّرق الإبداعيّة الغنيّة والصوَر الرائعة، وتأثّرنا إلى أبعد الحدود بمذهب الواقعيّة الاشتراكيّة." ومن يقرأ نتاجات حنا مينا، لا بد أن يلحظ أن عالمه الفني شبيه بعالم غوركي من حيث القضايا المطروحة، ورسم الشخصيات، وأسلوب المعالجة.

كما تأثر الكاتب السعودي عبد الرحمن المنيف برواية "ذكريات من بيت الأموات" لدوستويفسكي؛ وقد ذكر منيف هذه الرواية بالاسم في روايته "شرق المتوسط"، وبعد 25 عاماً من نشر الرواية كتب منيف "كنت اظن ان الإشارة الى ما يحدث في تلك السجون كفيل بأن يقضي عليها" قاصداً تكرار الموقف الروسي ولكن ذلك لم يحدث."

لم يقتصر نأثير الأدب الروسي على بلدان المشرق العربي، بل شمل أيضاً أدباء المغرب العربي، الذين قرأوا الترجمات الفرنسية لـ”دار التقدم” أو الترجمات الفرنسية المباشرة لروائع الأدب الروسي الصادرة في فرنسا.

ومنذ الستينات والسبعينات تسنى للقارئ العربي الأطلاع على الشعر الروسي، والفضل الأكبر في هذا المجال يعود إلى الشاعر العراقي الراحل حسب الشيخ جعفر الذي تخرج في معهد غوركي للأدب العالمي في أواسط القرن الماضي.، فقد ترجم عدداً كبيراً جداً من روائع الشعر الروسي إلى العربية وخاصة قصائد بوشكين وماياكوفسكي ويسينين وآنا أخماتوفا ورسول حمزاتوف الذين يمثلون تجارب مهمة في الشعر العالمي. وقد صدرت تلك الترجمات في كتب متفرقة في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. ثم جمعها الشاعر في مجلد ضخم يزيد عن 800 صفحة، صدر ضمن منشورات هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. ومن الشعراء العرب الذين قدموا خدمات جليلة في هذا الشأن الشاعر السوري ثائر زين الدين، وشعراء عرب آخرين يصعب حصرهم. كما ترجم كاتب هذه السطور عدداً من الروايات والقصص الروسية، ومختارات من شعر يفغيني يفتوشينكو إلى اللغة العربية.

***

جودت هوشيار

هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.

في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر (وُلد 197)، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه (1936 - 2024). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.

لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.

وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.

مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.

إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة، لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.

وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

أعمالُ مطر تضع القارئ أمام عالَمٍ بشري جرى تشويهه من الداخل. النظامُ لا يظهر دائمًا بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحيانًا يظهر في سؤالٍ صغيرٍ، أو مكالمةٍ هاتفية، أو نظرةِ أُمٍّ قلقة، أوْ أبٍ يعرف أن جُملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أُذُنًا تستمع، وهذه الأُذُن هي شبح من أشباح عالَمه الروائي.

أمَّا عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحيانًا صورة أكثر اتِّساعًا وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعالَ فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأُولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية، ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السُّلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟.

هُنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها، لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرةَ على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يَحلم به، وما يتخيَّله، وما يخشاه، وما قد يقوله غدًا، فهذا يعني أن السُّلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.

مطر يُذكِّر القارئ بأنَّ التاريخ السياسي يُعَاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالًا لقوة السُّلطة من أن يقول المرء: (اختفى أبي).

فقدان الأب في تجربة مطر ليس مُجرَّد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبيًّا، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود.

والأدبُ عند مطر يصبح نوعًا من مقاومة المحو. السُّلطةُ تستطيع أن تخفي إنسانًا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.

وإذا كان مطر يكتب عن السُّلطة من داخل الجُرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالَمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السُّلطة، وأين تنتهي، ومَن يُقَرِّر، ومَن يُراقب، ومَن ينقل الخبر، ومن اخترع التُّهمة، وهذه الضبابية ليست نقصًا في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمةُ الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بلْ رُبَّما يكون غموضها جزءًا من قوتها.

وإذا كان المواطن يعرف بالضبط ما هو الممنوع، فقد يستطيع أن يبحث عن حدود الممنوع، أمَّا إذا أصبحت الحدود متحركة، وإذا كان من الممكن أن تتحول كلمة بريئة إلى جريمة بحسب اللحظة السياسية، فإن الإنسان يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه. وهُنا يصبح الخوف أكثر كفاءة.

كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمُفارَقة والتاريخ كي يكشف عبثَ النظام من الداخل. بدل أن يضع القارئَ دائمًا أمام مشهد مباشر من مشاهد القمع، قد يأخذه إلى مؤسسة بيروقراطية، أو مدينةٍ قديمة، أو حدثٍ تاريخي، ثم يجعله يكتشف أن ما يبدو بعيدًا عنه، هو في الواقع حاضرٌ شديد القُرب.

إنه لا يصرخ في وجه السُّلطة، إنَّه يبتسم لها أحيانًا، وهذه الابتسامة أخطر مِمَّا تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته، والسُّلطة الشمولية تريد أن تبدو قَدَرًا لا يُناقَش، وتريد أن تظهر كأنها ضخمة وأبدية، ولا يمكن تخيُّل العالَم مِن دونها، لكن الروائي يفعل شيئًا بسيطًا ومُدمِّرًا، يجعلها مادة للسخرية، وفجأةً يصبح العملاق كاريكاتيرًا، والطاغية الذي يريد أن يبدو أسطوريًّا، يتحول إلى شخصية بشرية قابلة للرؤية والنقد والتشريح.

قد يبدو الفرقُ بين مطر وكاداريه كبيرًا في الأسلوب. الأولُ يميل إلى الحساسية الاعترافية، والتفاصيلِ الحميمة، والعلاقةِ بين الذاكرة والعائلة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي، والمُفارَقةِ التاريخية، وعَالَمٍ يبدو أحيانًا كأنه خرج مِن حُلْمٍ ثقيل، أو كابوس بيروقراطي.

لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة، السُّلطةُ لا تنجح عندما تمنع الإنسانَ من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحقُّ له الكلام أصلًا.

في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمتُ ليس فراغًا، إنَّه لغة. قد يقول الرجل شيئًا، لكن ما لَم يقله يكون أهم، وقد يتحدث الأب عن الطقس بينما يُفَكِّر في شيء آخَر، وقد تجلس الأم إلى المائدة، لكنَّ جسدها يصغي إلى صوت خارج البَيْت، وقد يلتقي صديقان، لكنَّهما يعرفان أن بعض المواضيع لا ينبغي أن تُفْتَح .

إنَّ النظام الشمولي يجعل الإنسانَ يتحدث بطبقتَيْن، طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومعَ الوقت، قد تصبح الطبقة الظاهرة أقوى من الطبقة الداخلية. وهُنا تقع الكارثة، لأن الإنسان يبدأ بتقمص الرقابة. لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس. هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدب الذي يكتب عن الاستبداد، وهي واحدة من أهم النقاط التي تجعل روايات مطر وكاداريه تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. كلاهما،بطرق مختلفة، يسأل: (ماذا يفعل النظام بالإنسان بعد أن ينجح في جعله يراقب نفسه؟).

لعلَّ أهم سلاح يمتلكه مطر هو الذاكرة. فالسُّلطةُ قد تكتب تاريخها الرسمي، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بسهولة بذاكرة الفرد، لهذا يصبح التذكر فِعلًا سياسيًّا، حتى عندما لا يبدأ باعتباره كذلك.

حين يتذكر الابنُ أباه، فهو لا يستعيد شخصًا غائبًا فقط، إنه يستعيد نُسخةً مِن التاريخ حاولت السُّلطة أن تدفنها، وهُنا يصبح السردُ مُقاوَمةً، ومُواجَهةً للأنظمة التي تعتمد على المحو، فالقمعُ لا يقتل الأجسادَ فقط، إنه يحاول أحيانًا قتلَ الأثر، ويُريد جعلَ الضحية بلا قصة ولا اسم ولا صورة.

كاداريه يتعامل معَ الذاكرة بصورة مختلفة، إذْ يعود إلى التاريخ والأسطورة والماضي الألباني، ليس هروبًا من الحاضر، وإنما من أجل كشف كيف يتكرر القمع، وكيف تتغير أشكاله. التاريخُ عنده ليس متحفًا مغلقًا، إنه مِرآة مشروخة للحاضر.

وهُنا يلتقي الكاتبان، الماضي ليس وراءنا تمامًا، إنه يعيش في الطريقة التي نتذكر بها أنفسَنا، والوطن يصبح مكانًا محبوبًا ومُخيفًا في آنٍ معًا.

والديكتاتوريات تحاول أن تقنع الناسَ بأنَّ الدولة بدأتْ معها، والتاريخ الحقيقي يبدأ عند وصولها، وما قبلها مُجرَّد فَوضى، وما بعدها مُستحيل. والأدبُ يفعل العكس، يقول: البلاد أقدم من الطاغية، والناس أقدم من النظام، واللغة أقدم من الشعارات، والذاكرة أطول مِن عُمر السُّلطة.

من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارةَ اللغة التي تصف الواقعَ، فَتُسمِّي القمعَ استقرارًا، والخوفَ يقظةً، والصمتَ انضباطًا، والاختفاءَ إجراءً، والطاعةَ وطنيةً، وهُنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياءَ إلى أسمائها الحقيقية، فالخوفُ يعود خوفًا، والغياب يعود غيابًا، والسجن يعود سجنًا، والفقد يعود فقدًا، والإنسان يعود إنسانًا. في هذا المعنى، الرواية تُفكِّك السُّلطةَ ليس فقط عبر الموضوع، بلْ عبر اللغة نفسها.

حين يصف مطر انتظارَ شخص لأبيه، لا يحتاج إلى أن يقول لنا إنَّ الاعتقال السياسي جريمة ضد الإنسان، نحن نفهم ذلك من الانتظار نفسه.

وحين يُصوِّر كاداريه جهازًا بيروقراطيًّا يبتلع الأحلامَ، لا يحتاج إلى كتابة عشر صفحات عن طبيعة النظام الشمولي، الفكرةُ وصلتْ.

والرواية لا تعطي شعارًا، وإنما تعطي حياةً. وهذه الحياة تجعل الشعارَ أقل ضرورة. السياسة تقول: (هناك آلاف المعتقلين). والروايةُ تقول: (هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البَيْت، وله عادات، وهُناك امرأة تنتظره، وهُناك طفل لم يفهم لماذا لَم يَعُدْ). هُنا يتحوَّل الرقمُ إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.

قد يبدو مطر أكثر التصاقًا بالواقعي المباشر، بينما يذهب كاداريه في كثير من الأحيان إلى الغرائبي والأسطوري والسريالي. لكن الغرائبية عند كاداريه ليست هروبًا من الواقع، أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لرؤية الواقع بوضوح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تنهض قصيدة (يوفا) للشاعر كريم طباني على مأساة إنسانية شديدة القسوة، لكنها لا تكتفي برثاء طفلة سقطت ضحية للحرب؛ إذ تجعل من هذه الطفلة سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم، وفي وجه الأب، وفي وجه المؤسسات التي تدّعي حماية الإنسان، بل وفي وجه السماء نفسها. ومن هنا تأتي قوة النص؛ فـ(يوفا) ليست مجرد شخصية شعرية، وإنما تتحول إلى رمز للطفولة المسحوقة، وللجسد البريء الذي وجد نفسه في مواجهة مصير لم يختره.

تقوم القصيدة على بنية شعرية متصاعدة، تتأسس على حدث مأساوي واحد، هو سقوط طفلة ضحية للحرب، ثم تتفرع منه مجموعة من الانفعالات والأسئلة والمواقف التي تكشف عمق المأساة الإنسانية. ولا تكتفي القصيدة بتقديم رثاء عاطفي للطفلة، وإنما تجعل من موتها نقطة انطلاق لاحتجاج واسع على العالم، وعلى خيارات الإنسان، وصولًا إلى مساءلة السماء. ومن ثم يمكن النظر إلى بنية النص بوصفها مسارًا متدرجًا ينتقل من السقوط إلى الاحتجاج، ومن الاحتجاج إلى السؤال، ومن السؤال إلى المواجهة والرفض.

يبدأ النص بعتبة مهمة تتمثل في الإهداء: (إلى كل الأطفال الذين سقطوا ضحايا في الحروب والنزاعات وبالأخص (يوفا)). ويؤدي هذا الإهداء وظيفة تتجاوز التعريف بالشخصية؛ فهو يضع القصيدة منذ البداية في سياق إنساني عام، فـ(يوفا) ليست مجرد طفلة بعينها، وإنما نموذج لكل الأطفال الذين دفعتهم الحروب إلى الموت. وبذلك ينتقل النص، منذ عتبته الأولى، من الخاص إلى العام، ومن الحكاية الفردية إلى القضية الإنسانية.

بعد ذلك يدخل النص مباشرة في لحظة السقوط، وهي اللحظة التي تؤسس لكل ما يأتي بعدها:

(مذاك

منذ سقطت

وأنا ألعن

كل مقابض هذا العالم).

إن كلمة (مذاك) تحمل وظيفة زمنية ونفسية في آن واحد؛ فهي تشير إلى لحظة فاصلة انقسمت عندها حياة المتكلم إلى ما قبل المأساة وما بعدها. أما فعل (ألعن) فيكشف التحول من الحزن إلى الغضب، ويؤسس للحركة الثانية في النص، وهي حركة الاحتجاج.

ويتسع الاحتجاج ليشمل العالم كله:

(كل الأكف التي تمتد

ولا تمتد).

ويستثمر الشاعر هنا المفارقة والتكرار ليصور عالمًا يبدو قادرًا على النجدة، لكنه يعجز أو يمتنع عن تقديمها. ثم ينتقل إلى الطريق والطبيعة، فيسأل:

(لماذا لم يلفظك الدرب؟

أو تسعفك الريح؟).

وهنا تتسع دائرة السؤال؛ فالطبيعة نفسها تتحول إلى طرف افتراضي في المأساة، وكأن الشاعر يبحث عن أي قوة كان يمكن أن تنقذ الطفلة.

ومن الاحتجاج ينتقل النص إلى مرحلة المساءلة، وهي مرحلة أكثر عمقًا من الناحية الفكرية. وتتكرر الأسئلة: (لماذا لم…) و(ما كان شعور الله…؟). ويكشف هذا الاستفهام المتكرر عن عجز اللغة أمام المأساة؛ فالشاعر لا يجد تفسيرًا مقنعًا لسقوط طفلة بريئة، ولذلك يحوّل القصيدة إلى سلسلة من الأسئلة التي تزداد حدة كلما تقدمت.

وفي هذه المرحلة يحضر الأب والأم، فتأخذ المأساة بعدًا عائليًا وإنسانيًا أكثر وضوحًا. يظهر الأب من خلال (عربة أبيك المبتعدة) و(خيار أبيك)، بينما تظهر الأم في (فجيعة أمك). ويصبح المشهد قائمًا على ثلاثة أطراف: أب اتخذ قرارًا، أو وجد نفسه أمام خيار قاسٍ، وأم تحمل فجيعة الفقد، وطفلة دفعت ثمن صراع لم تختره. ومن هنا يتحول الموت من حادثة فردية إلى نتيجة لشبكة من القرارات والظروف.

وتصل البنية إلى ذروتها حين يتوجه السؤال إلى الله:

(ما كان شعور الله

وهو يراقب…).

إن هذه اللحظة تمثل أعلى درجات التصعيد في النص؛ إذ ينتقل الشاعر من مساءلة الإنسان والطبيعة إلى مساءلة السماء. ويأتي قوله:

(ذاك الذي انحاز وقتها

إلى جنوده…

سيعتذر!!!)

بوصفه ذروة احتجاجية وفكرية؛ إذ يستخدم الشاعر لغة الحرب ليضع الطفلة الأعزل في مواجهة عالم مسلح، ويحوّل المأساة إلى سؤال أخلاقي ووجودي حول العدالة والألم والبراءة.

أما الخاتمة فتقدم تحولًا لافتًا في موقع (يوفا). فالطفلة التي كانت في بداية القصيدة عاجزة أمام الموت تصبح في نهايتها صاحبة موقف:

(أديري ظهرك

ولا تقبلي اعتذاره!!!).

وهنا تستعيد الضحية، على المستوى الرمزي، قدرتها على الاختيار. فإذا كانت قد فقدت في الدنيا حق تقرير مصيرها، فإن الشاعر يمنحها في النهاية حق رفض الاعتذار. ولذلك لا تأتي النهاية بوصفها مصالحة، وإنما بوصفها رفضًا للنسيان والتجاوز السهل للمأساة.

ومن الناحية الزمنية، تتحرك القصيدة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي يتمثل في لحظة السقوط، والحاضر في استمرار الحزن والأسئلة، أما المستقبل فيظهر في قوله:

(سيأتي يوم

تلاقين فيه الله…).

وهذا التداخل الزمني يؤكد أن موت (يوفا) لم ينتهِ بانتهاء حياتها، بل ظل حاضرًا في ذاكرة المتكلم، وممتدًا إلى المستقبل بوصفه قضية لم تُحسم أخلاقيًا.وعليه، فإن البنية العامة للقصيدة يمكن اختزالها في مسار واضح: السقوط، ثم الاحتجاج، ثم المساءلة، ثم المواجهة، وأخيرًا الرفض. وقد أسهم هذا التصاعد في منح النص وحدته الداخلية، إذ ولّد كل مقطع المقطع الذي يليه بصورة طبيعية. كما أن تكرار (يوفا) و(مذاك)، وكثرة الأسئلة، والجمل القصيرة، وعلامات الحذف، كلها عناصر أسهمت في بناء إيقاع نفسي يتناسب مع طبيعة التجربة.

وتكشف بنية القصيدة كذلك عن تداخل واضح بين السرد والشعر؛ فالنص لا يقدم حدثًا مكتمل التفاصيل بقدر ما يستعيد شظايا منه عبر الذاكرة والأسئلة. هناك طفلة، وأب يبتعد، وأم مفجوعة، وطريق، وعربة، وغبار، وموت، لكن هذه العناصر لا تنتظم في حكاية سردية تقليدية، وإنما تظهر بوصفها ومضات تتجمع تدريجيًا لتكوين المشهد المأساوي.

حيث يبدأ النص من السقوط، لكنه لا ينتهي عنده؛ بل يحوّل السقوط إلى سؤال، والسؤال إلى احتجاج، والاحتجاج إلى موقف. ولعل توصيفي لها ب (السقوط إلى الأعلى)، يختصر هذه المفارقة كلها؛ فالسقوط الجسدي للطفلة يتحول شعريًا إلى صعود رمزي، إذ ترتفع قضيتها من الطريق الذي سقطت عليه إلى مستوى السؤال الأخلاقي والإنساني الأكبر.

إن (يوفا)، في النهاية، ليست فقط طفلة سقطت في الحرب، وإنما ذاكرة تظل واقفة في وجه النسيان، وسؤالًا يرفض أن يجد له العالم إجابة سهلة.

في المحصلة، تقوم بنية (يوفا) على تحويل المأساة من حادثة موت إلى قضية ذاكرة وعدالة.

***

ياسين غالب

الشعر الهلالي، ولا سيما في السيرة الهلالية وما تفرع عنها من أشكال إنشادية، يحتفظ بقدر واضح من المعجم العربي القديم، والصيغ الصرفية، والتراكيب البلاغية، والصور الموروثة من الشعر العربي. لكنه في الوقت نفسه يحمل خصائص اللهجات التي انتقلت بها الرواية الشفوية عبر البيئات العربية المختلفة، فدخل إليه التغيير الصوتي، والتخفيف، والإبدال، واختلاف صيغ الجمع والتصريف، فضلًا عن تفاوت الإعراب.

وهذا أمر طبيعي؛ فاللغة التي تنتقل شفهيًا عبر القرون والقبائل والأقاليم لا تبقى مطابقة للغة النصوص الفصيحة المكتوبة.

ومن هنا يمكن القول إن الشعر الهلالي يمثل منطقة تماس بين الفصحى واللهجة، لا جدارًا يفصل إحداهما عن الأخرى.

وماذا يقول النحاة البصريون والكوفيون؟

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة؛ لأن الخلاف بين البصريين والكوفيين نفسه يدل على أن العربية القديمة لم تكن ذات نظام لغوي جامد مغلق.

فالبصريون كانوا أشد احتياطًا في القياس والتقعيد، وأكثر تشددًا في قبول الشاهد اللغوي، ولا سيما حين يخالف القاعدة التي استقر عليها القياس. أما الكوفيون فكانوا أوسع رواية وأقل تضييقًا في قبول المسموع، واستندوا إلى ما ورد عن العرب من لغات ولهجات وشواهد شعرية، حتى لو خالف بعضها القياس البصري.

ولذلك نجد عند الكوفيين ميلًا أكبر إلى الاحتجاج بتعدد اللغات العربية، بينما يميل المنهج البصري إلى بناء نظام معياري أكثر انتظامًا.

وهذا لا يعني أن البصريين كانوا يرفضون اللهجات، أو أن الكوفيين كانوا يقبلون كل شيء؛ وإنما هو اختلاف في منهج التعامل مع المادة اللغوية.

فقهاء اللغة والمسألة الأهم:

أما علماء اللغة وفقهاؤها، فالمسألة عندهم ترتبط بسؤال جوهري:

هل اختلاف العرب في النطق والتصريف والتركيب فسادٌ في العربية، أم هو من لغات العرب؟

والتراث اللغوي العربي يميل، في جملة واسعة من شواهده، إلى الاعتراف بأن العربية الأولى كانت متعددة اللهجات، وأن ما نسميه اليوم «الفصحى» لم يكن بالضرورة لسانًا محكيًا واحدًا متطابقًا عند جميع القبائل.

وهنا تأتي أهمية الشعر؛ لأن الشعر الجاهلي والإسلامي كان أحد أهم الأوعية التي حفظت لنا تنوع الاستعمال العربي.

فقد نجد في العربية:

اختلافًا في الحركات.

اختلافًا في الإبدال الصوتي.

اختلافًا في بعض الأبنية الصرفية.

اختلافًا في التذكير والتأنيث.

اختلافًا في بعض التراكيب.

اختلافًا في الاستعمال المعجمي.

ومع ذلك لا يخرج الاستعمال بالضرورة من دائرة العربية.

الشعر الهلالي بوصفه ذاكرة لغوية:

من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الشعر الهلالي لا باعتباره «عامية مشوهة للفصحى»، وهي عبارة غير علمية، ولا باعتباره «فصحى خالصة» بالمعنى المدرسي، بل بوصفه مستودعًا شفهيًا يحتفظ بطبقات من العربية القديمة، وقد امتزجت فيه عناصر فصيحة بخصائص لهجية لاحقة.

وهذا مهم جدًا؛ لأن بعض الألفاظ والتراكيب التي تبدو لنا اليوم عامية قد يكون لها أصل عربي قديم، ثم تغير نطقها أو وظيفتها الدلالية عبر الزمن.

ومن هنا فإن الباحث في الشعر الهلالي ينبغي ألا يسأل فقط:

 «هل هذه الكلمة فصيحة أم عامية؟»

بل يسأل أسئلة أكثر دقة:

 ما أصلها التاريخي؟

هل وردت في المعاجم القديمة؟

هل لها نظائر في لهجات العرب؟

هل تغير صوتها أم معناها؟

هل التغيير صوتي أم صرفي أم نحوي؟

وهل يمكن تفسيره في ضوء اللهجات العربية القديمة؟

البصريون والكوفيون والشعر الشعبي:

ومن المفيد هنا استحضار قاعدة منهجية مهمة: الاحتجاج بالشعر عند النحاة لم يكن مقصورًا على الشعر الفصيح بمعناه المدرسي الضيق، وإنما كان الشاهد مرتبطًا بسلامة نسبته إلى العربي المحتج بلغته وزمنه وبيئته.

أما الشعر الهلالي المتأخر، فلا يجوز أن نضعه مباشرة في مرتبة الشاهد الجاهلي أو صدر الإسلام؛ لأن المسافة الزمنية والرواية الشفهية والتغير اللهجي تجعل الاحتجاج به على تقعيد النحو العربي القديم أمرًا يحتاج إلى احتراز شديد.

لكن يمكن الاستفادة منه في علم اللهجات التاريخي، والتطور الصوتي والصرفي، ودراسة استمرار المعجم العربي، وتحوّل البنية الشعرية الشعبية.

يمكن صياغة العلاقة في معادلة بسيطة:

العربية القديمة - تعدد لهجات القبائل - الشعر الفصيح - التقعيد النحوي البصري والكوفي  اللهجات العربية المتطورة - الشعر الشعبي، ومنه الهلالي.

ولذلك فالشعر الهلالي ليس قطيعة مع الفصحى، كما أنه ليس نسخةً منها؛ بل هو فرع من الذاكرة العربية الشفوية، يحمل في جسده بقايا فصيحة وتحولات لهجية وتراكمات تاريخية.

والأجمل في المسألة أن الخلاف البصري الكوفي نفسه يتيح لنا مدخلًا لفهم الشعر الهلالي: فلو أخذنا الصرامة القياسية وحدها لضاقت أمامنا مساحة كبيرة من التنوع العربي، ولو أخذنا المسموع وحده بلا نقد تاريخي لوقعنا في الخلط بين القديم والحديث.

ولهذا فإن المنهج الأنسب هو الجمع بين النحو المقارن، وفقه اللغة، وعلم اللهجات، والتاريخ اللغوي، وتحليل الشعر الشفهي؛ لنكتشف أن العربية لم تكن يومًا نهرًا ذا مجرى واحد، وإنما كانت شبكة من الأنهار واللهجات، التقت في فضاء الفصحى، ثم واصلت جريانها في ألسنة العرب إلى يومنا هذا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بغداد بين تاريخين من منظور نسوي

تشكل رواية "عند باب الأزج" (2021) للروائية والقانونية العراقية نيران العبيدي، الصادرة عن دار ضفاف، عملاً روائياً طموحاً يستعيد روح بغداد وتاريخها السياسي والاجتماعي المضطرب، من خلال تكثيف سردي يجعل من محلة "باب الأزج" التاريخية مركزاً للأحداث وفضاءً تتقاطع فيه الأزمنة والذاكرة والهويات. وقد عُرفت المحلة لاحقاً باسم "باب الشيخ". غير أن الرواية تستعيد اسمها القديم لتعيد وصل الحاضر بماضٍ بعيد، ولتؤكد أن المكان ليس مجرد خلفية تجري فوقها الأحداث، وإنما وعاء للذاكرة وفاعل أساسي في تشكيلها.

ومن هنا، لا تبدو "عند باب الأزج" رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة قراءة التاريخ العراقي من خلال الذاكرة الشعبية، وربط التحولات السياسية الكبرى بالتفاصيل اليومية التي عاشها الناس العاديون. فالرواية تشتغل على أكثر من مستوى: التاريخي والسياسي والاجتماعي والديني والجنساني، وتكشف، عبر هذه المستويات المتداخلة، عن طبقات الصراع بين المقدس والسياسي، وبين السلطة والمجتمع، وبين الرواية الرسمية للتاريخ والذاكرة التي يحملها المهمشون والضحايا.

يشكل باب الأزج أكثر من مجرد فضاء جغرافي؛ فهو يكاد يتحول إلى شخصية رئيسية فاعلة في الرواية. فالمكان يحمل إرثاً تاريخياً وثقافياً عميقاً يمتد إلى العصر العباسي، حين كانت المنطقة مرتبطة بالحياة العلمية والدينية والصوفية، وبمدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني، بما تمثله من حضور روحي وعلمي في الذاكرة البغدادية.

وتستثمر الرواية هذا الإرث لتقيم مفارقة حادة بين ماضي المكان وحاضره. فالمكان الذي ارتبط بالعلم والتصوف والفقه يتحول، في مراحل لاحقة، إلى مسرح للعنف السياسي والاضطراب والانقلابات والصراعات الأيديولوجية. وبذلك يصبح باب الأزج شاهداً على التحول العميق الذي أصاب بغداد والعراق، لا على مستوى العمران وحده، وإنما على مستوى القيم والعلاقات الاجتماعية والوعي السياسي أيضاً.

وهذه العلاقة بين المكان والزمن تمنح الرواية بعداً فلسفياً؛ فالأمكنة، في العمل، لا تختفي حين تتغير أسماؤها أو وظائفها، بل تحتفظ بآثار من مروا بها وبما شهدته من أحداث. إن استعادة "باب الأزج" في مقابل "باب الشيخ" تبدو، في هذا السياق، نوعاً من استعادة الذاكرة نفسها، ومحاولة للعودة إلى طبقات المدينة التي غطتها التحولات السياسية والاجتماعية المتعاقبة.3176 neran

ومن هذه الزاوية، تنجح العبيدي في تقديم ما يمكن وصفه بـ "بانوراما بغدادية"، لا تكتفي برصد الأحداث السياسية الكبرى، بل تلتقط الموروث الشعبي والمعالم والأحياء واللهجات والعادات والأغاني والأزياء وأنماط العيش. وهذه التفاصيل تمنح الرواية قيمة تتجاوز الحكاية ذاتها، لأنها تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بوجه من وجوه الهوية البغدادية التي أخذت تتعرض للتآكل تحت وطأة الحروب والانقلابات والتحولات الاجتماعية.

تمتد المساحة الزمنية للرواية من عام 1128م وصولاً إلى انقلاب 8 شباط/فبراير 1963، الأمر الذي يجعلها تتحرك بين زمنين تاريخيين متباعدين، لكنها تربط بينهما من خلال المكان والذاكرة. وليس المقصود من هذا الامتداد الزمني تقديم سرد تاريخي متسلسل بقدر ما هو محاولة لاستكشاف أثر الماضي في الحاضر، وكيف تتراكم الأحداث في الذاكرة الجماعية لتصبح جزءاً من هوية المدينة.

وتبدأ الرواية بمقتبس صوفي للشيخ عبد القادر الجيلاني يضع إطعام الجائع ومساعدة الإنسان في مرتبة تتقدم على التدين الشكلي والشعائر المجردة. ويبدو هذا الاستهلال ذا دلالة واضحة، إذ يؤسس منذ البداية لمنظومة قيمية تجعل الإنسان والعدالة الاجتماعية في مركز الرؤية الروائية. فالدين، وفق هذا المنظور، لا يُقاس بالمظاهر والشعارات، وإنما بقدرته على صون كرامة الإنسان وإطعام الجائع وحمايته من الظلم.

ومن هذه العتبة الروحية تنتقل الرواية إلى تاريخ سياسي أكثر عنفاً، لتتوقف عند التحولات التي عرفها العراق في النصف الأول من القرن العشرين، ولا سيما مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز وتجربة عبد الكريم قاسم، وصولاً إلى انهيار تلك التجربة في انقلاب 8 شباط 1963.

وتقدم الرواية، من منظورها الخاص، قراءة نقدية حادة للمرحلة القاسمية، فتتناول ما تراه تناقضاً في السياسات والمواقف، وتنتقد الصراعات التي أحاطت بالقوى السياسية، ولا سيما القوى اليسارية، والعجز عن تحويل الشعارات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية إلى مشروع مستقر. كما تتوقف عند الفساد الإداري والصراعات السياسية وآثارها في المجتمع، بما في ذلك انعكاساتها على مشاريع الإصلاح الزراعي.

ولا تقدم الرواية السياسة باعتبارها نشاطاً مجرداً يجري داخل مؤسسات الدولة، وإنما بوصفها قوة تتغلغل في الحياة اليومية للناس، وتعيد تشكيل مصائرهم وعلاقاتهم ومخاوفهم. فالتاريخ السياسي الكبير يظهر في الرواية من خلال أثره على الإنسان البسيط، وهو ما يمنح السرد بعداً اجتماعياً واضحاً.

وتتخذ الرواية من شخصية أحمد مسلماني مثالاً دالاً على إشكالية الهوية والتخبط السياسي والاجتماعي. فكونه يهودياً ويتقمص دور رجل الدين الصوفي يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود الشخصية نفسها إلى مساءلة مفهوم الانتماء والهوية في مجتمع متعدد الطوائف والأديان والهويات.

فالهوية في الرواية لا تظهر دائماً بوصفها حقيقة ثابتة ونهائية، وإنما باعتبارها شيئاً قابلاً لإعادة التشكل تحت ضغط الظروف السياسية والاجتماعية. ومن خلال هذه الشخصية، يمكن قراءة الرواية باعتبارها تفكيكاً للحدود الصلبة التي تُرسم بين "نحن" و"هم"، وبين الديني والسياسي، وبين الطائفي والوطني.

كما أن استدعاء الخوف من النشيد النازي، وما يرتبط به من ذاكرة الفرهود ومآسي اليهود العراقيين، يوسع دائرة المأساة في الرواية، ويجعلها لا تتوقف عند ضحية واحدة أو جماعة واحدة. فالتاريخ العراقي، كما تقدمه العبيدي، تاريخ متشابك من الخسارات والاضطرابات، ولا يمكن فهم مآسيه من خلال رواية أحادية الصوت.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الرواية: فهي لا تنظر إلى التاريخ من موقع المنتصر وحده، بل تحاول استعادة أصوات الذين وجدوا أنفسهم في الهامش، أو تحولوا إلى ضحايا للصراعات السياسية والدينية والاجتماعية.

إذا كان التاريخ السياسي يشكل أحد أعمدة الرواية، فإن المرأة تشكل أحد أهم مفاتيح قراءتها النقدية. فمن خلال الشخصيات النسائية، تنتقل الرواية من نقد السلطة السياسية إلى مساءلة البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج العنف وتمنحه شرعية، أو تتسامح معه.

وتبرز في هذا السياق قضية قتل النساء بذريعة "غسل العار"، وهي من أكثر القضايا حساسية في المجتمع العراقي والعربي عموماً. وتجسد شخصية بدرية هذه المأساة بصورة مؤلمة؛ فهي تتعرض للقتل على يد أخيها باسم شرف العائلة، فتتحول إلى ضحية مباشرة لمنظومة أبوية تختزل قيمة المرأة في مفهوم ذكوري للشرف، وتمنح الرجل سلطة تقرير مصيرها وحياتها.

ولا تبدو مأساة (بدرية) حادثة فردية معزولة، بل جزءاً من بنية اجتماعية أوسع. فالمرأة هنا لا تُعاقب بالضرورة بسبب فعل ارتكبته، وإنما بسبب الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى جسدها وسلوكها وعلاقاتها. ومن ثم يصبح "الشرف" أداة للسيطرة على المرأة أكثر منه قيمة أخلاقية مجردة.

وتزداد حدة هذا النقد من خلال شخصية (ضحى) التي تتعرض للاغتصاب على يد عناصر من الحرس القومي. وهنا تكشف الرواية عن مفارقة شديدة الدلالة: السلطة السياسية التي تزعم محاربة التخلف والفوضى يمكن أن تتحول هي نفسها إلى ممارسة العنف بأقصى صوره، بما في ذلك العنف الجنسي ضد المرأة.

وبذلك لا تكتفي الرواية بإدانة العنف السياسي بوصفه ممارسة سلطوية، وإنما تربطه بالعنف الاجتماعي والجنساني، لتكشف أن الجسد الأنثوي يمكن أن يصبح أحد ميادين الصراع السياسي والاجتماعي. فالاغتصاب، في هذا السياق، لا يظهر باعتباره اعتداءً فردياً فقط، وإنما بوصفه فعلاً من أفعال إخضاع الجسد والسيطرة عليه وإذلاله.

لهذا السبب تحديداً، تحضر (بدرية) في مساحة واسعة من الرواية، وكأن الكاتبة تستخدم مصيرها لإعادة ترتيب مركزية التاريخ نفسه. فبدلاً من أن يكون التاريخ تاريخ الحكام والانقلابات والأحزاب والقرارات السياسية، يصبح تاريخاً للضحايا أيضاً.

وهذه النقطة تمنح الرواية منظوراً نسوياً واضحاً؛ إذ تحاول أن تنقل المرأة من موقع الهامش إلى موقع الشاهد على التاريخ. فبدرية ليست مجرد شخصية روائية تؤدي وظيفة داخل الحبكة، وإنما تتحول إلى رمز للنساء اللواتي غيبتهن الروايات الرسمية، ولم تُسجل معاناتهن باعتبارها جزءاً من التاريخ العام.

ومن هنا يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها محاولة لـ"كتابة التاريخ من الأسفل"؛ أي استعادة الماضي من منظور الأشخاص الذين لم يمتلكوا سلطة تدوينه. وإذا كانت الرواية السياسية التقليدية تسأل: من حكم؟ ومن انقلب على من؟ ومن انتصر؟ فإن "عند باب الأزج" تضيف أسئلة أخرى: من دفع الثمن؟ من فقد حياته؟ من سُلب صوته؟ ومن بقيت معاناته خارج السجل الرسمي؟

إن هذا التحول في زاوية النظر هو ما يجعل البعد النسوي في الرواية يتجاوز مجرد حضور الشخصيات النسائية؛ فهو يتعلق بطريقة إنتاج المعرفة التاريخية نفسها، ومن يحق له أن يكون موضوعاً للتاريخ ومن يظل خارجه.

على الرغم من الغنى التاريخي الواضح في الرواية، فإن قيمتها لا تنبع من كونها وثيقة تاريخية بالمعنى الأكاديمي. فالكاتبة، كما يتضح من تصورها للعمل، لا تتعامل مع التاريخ باعتباره مادة ينبغي نقلها بحياد، وإنما باعتباره مادة إبداعية يعاد تشكيلها من خلال الخيال الروائي.

وهنا تبرز أهمية التفاصيل التي قد لا تحظى بمكان في كتب التاريخ التقليدية: اللهجات المحلية، والأغاني، والأزياء، والعادات، والأمثال، وطرائق العيش، وتفاصيل الحياة اليومية. فهذه العناصر الصغيرة هي التي تمنح التاريخ ملمسه الإنساني، وتحول الماضي من مجموعة تواريخ وأسماء وأحداث إلى عالم نابض بالحياة.

ومن ثم، فإن "عند باب الأزج" تقدم نوعاً مختلفاً من التوثيق؛ إنه توثيق للذاكرة الشعبية العراقية، في مقابل التوثيق الرسمي الذي غالباً ما يركز على المؤسسات والحكام والأحداث الكبرى. وتستعيد الرواية، من خلال الحكايات الفردية والتفاصيل المحلية، جوانب من تاريخ اجتماعي كان يمكن أن يختفي لو بقيت الذاكرة أسيرة السجلات الرسمية.

وهذا المزج بين الوثيقة والتخييل، وبين التاريخ والذاكرة، وبين السياسي والاجتماعي، يمنح الرواية خصوصيتها. فهي لا تريد أن تكون بديلاً عن كتاب التاريخ، وإنما تسعى إلى الكشف عن الجانب الإنساني الذي لا يستطيع التاريخ الرسمي وحده أن يرويه.

***

جورج منصور

جدلية العشق والخلاص.. قراءة نقدية في قصيدة «على باب النبي» للشاعر محمد المتولي مسلم

مذ عدة أشهر كان اللبنة الأولى لهذه القصيدة العصماء "على باب النبي" للشاعر الأديب محمد متولي مسلم والتي تكونت آنذاك من ثمانية أبيات وظننتها كما ظن القراء؛ هي القصيدة   كاملة، فكانت قراءتي النقدية لها تحت "شعر المديح بين: العشق والروحانية والآن وبعد أن أصبحت ضمن المعلقات وتجاوزت أحد عشر ضعفا لما كانت عليه، رأيت أن أعيد القراءة لها بما يتناسب مع قيمتها الأدبية الجديد، فهي ليست قصيدة في المديح النبوي لمجرد استعادةٍ لخطابٍ شعريٍّ مستقر في الذاكرة العربية، ولا هي محض احتفاءٍ بشخصية دينية جليلة تستمد القصيدة من حضورها شرف الموضوع وسمو المقصد؛ وإنما هي، في أعمق مستوياتها، رحلةٌ داخل الذات قبل أن تكون رحلةً إلى الممدوح. فحين يقف الشاعر «على باب النبي» فإنه لا يقف عند عتبة مكانية فحسب، بل يقف عند الحد الفاصل بين حالين: حالٍ مثقلٍ بالخطايا والانكسارات والتيه، وحالٍ يتطلع إلى الصفاء والهداية والنجاة.

ومن هنا يبدو عنوان القصيدة «على باب النبي» مفتاحًا تأويليًا بالغ الأهمية؛ لأن «الباب» في المخيال الإنساني ليس مجرد منفذٍ إلى مكان، بل هو عتبةٌ رمزية بين الخارج والداخل، بين الحرمان والعطاء، بين السؤال والإجابة، وبين الغربة والأمان. ولعل هذا ما يجعل القصيدة منذ مطلعها تتحرك في فضاءٍ دلالي يتأسس على مفردات الماء والعطش والحياض والورد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى فضاءات النور والهداية والمجد والرجاء.

إننا أمام نصٍّ لا يكتفي بأن يقول: أحب النبي، بل يحاول أن يجعل الحب حالة وجودية كاملة، وأن يجعل المديح النبوي مرآةً يرى الشاعر فيها ضعف الإنسان، وأزمته الحضارية، وانكساره الأخلاقي، ورغبته في استعادة الطريق.

أولًا: العنوان بوصفه عتبةً تأويلية وبنيةً مولِّدة للقصيدة

يبدو عنوان «على باب النبي» بسيطًا في تركيبه، لكنه شديد الكثافة من الناحية الدلالية؛ فهو يتكون من شبه جملة لا تكتمل دلالتها إلا بما يختزنه الظرف «على» من معنى الوقوف والانتظار والاقتراب دون الدخول.

واللافت أن الشاعر لم يقل: «في رحاب النبي»، ولم يقل: «إلى النبي»، وإنما اختار «على باب النبي»؛ وكأن المسافة بين الشاعر ومقصده هي جوهر التجربة الشعرية نفسها.

إن «الباب» هنا يتحول إلى علامة سيميائية تتجاوز معناها المعجمي إلى معنى روحي؛ فهو باب الرجاء، وباب التوبة، وباب المحبة، وباب الذاكرة النبوية، وباب الخلاص من التيه. ولذلك فإن الشاعر لا يدخل مباشرة، وإنما يبدأ من العتبة:

إني وقفتُ على باب الهدى أدبًا

حتى سكرتُ عيانًا كالذي شربا

وهنا يحدث التحول من «باب النبي» في العنوان إلى «باب الهدى» في المتن. وهذه النقلة ليست اعتباطية؛ فالذات الشاعرة لا ترى النبي في حدود المديح الشخصي، وإنما تراه مركزًا للهداية ومصدرًا للنور.

ومن منظور نقدي، يمكن القول إن العنوان يقوم بوظيفة التكثيف الدلالي الاستباقي؛ فهو يختصر البنية العميقة للنص قبل أن تبدأ القصيدة في تفصيلها. وإذا كان العنوان في النقد الحديث يمثل ما يسمى بـ«العتبة النصية»، فإن هذا العنوان تحديدًا لا يكتفي بإحالة القارئ إلى موضوع القصيدة، بل يضعه منذ البداية في حالة انتظار: من يقف على الباب؟ ولماذا؟ وهل سيفتح الباب؟ وماذا يريد الطارق؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها النص دفعة واحدة، بل يجعل منها حركة داخلية تتطور عبر القصيدة.

ولهذا نجد الشاعر يعود إلى صورة الباب والحجاب والمنع والاقتراب:

لما أذنتُ لحاديكم أتيتكمُ

لكنَّ حُجّابكم قالوا: الْزَمِ العَتَبا

فالعتبة هنا تصبح عتبةً نفسية قبل أن تكون عتبة مكانية. إن الشاعر يحمل شوقه، لكنه يحمل معه أيضًا شعوره بالذنب والنقص والعجز، ولذلك فإن الحجاب ليس حجابًا ماديًا فقط، وإنما هو حجاب الذات عن الصفاء.

ثم يتضاعف معنى الباب حين يقول:

مرغتُ وجهي وقلبي عند بابكمُ

وبعدُ لم أبترِدْ لم أُدركِ الأربا

فهو لا يطلب مجرد الوصول، بل يبحث عن اكتمال روحي لا يتحقق بمجرد الاقتراب المكاني. إن الوقوف على الباب هو في الحقيقة وقوفٌ على الحد الفاصل بين «الأنا» كما هي، و«الأنا» كما تتمنى أن تكون.

وهنا تتجلى قيمة العنوان في أنه لا يغلق المعنى، بل يفتحه. وهذه من خصائص العنوان الشعري الناجح: أن يكون مفتاحًا لا قفلًا، وإشارةً لا إجابةً نهائية.

ثانيًا: من عطش الماء إلى عطش الروح؛ البنية الصوفية للخطاب

إذا أردنا أن نبحث عن النواة الشعورية الأكثر حضورًا في القصيدة، فلن نجدها في المدح وحده، وإنما في العطش.

فالقصيدة تبدأ:

رُدتُ الحياضَ لأروي الظامئَ التعبا

فالوِردُ في الحيِّ إذ لجَّ الظمأ نضبا

منذ اللحظة الأولى تتأسس العلاقة بين الذات والممدوح عبر ثنائية العطش/الماء.

لكن الماء هنا ليس ماءً ماديًا، والحياض ليست مجرد حياض، والورد ليس مجرد مورد. نحن أمام استعارة كبرى تتخذ من الماء معادلًا موضوعيًا للرحمة والهداية والمحبة.

إن الذات عطشى، لكن عطشها يتجاوز الجسد إلى الروح. ولهذا يقول:

والقلب لا يشتفي من ورد سابلةٍ

تعتاده الهيمُ بل تلقي به الحصبا

فالماء الخارجي لا يكفي القلب؛ لأن العطش الحقيقي هو عطش المعنى.

وهنا يمكن قراءة النص في ضوء ما يسمى في النقد بـالبنية العميقة للخطاب؛ فالمعجم السطحي للماء يقود إلى شبكة دلالية أعمق تتصل بالخلاص والرحمة والهداية. ومن ثم فإن:

الماء = الرحمة

العطش = الحاجة الروحية

الحياض = مورد الهداية

الباب = أفق الوصول

النور = الخلاص.

وهذه الشبكة لا تعمل منفردة، بل تتنامى عبر القصيدة حتى تتحول إلى ما يشبه المعجم الصوفي، دون أن يتحول النص بالضرورة إلى خطاب صوفي اصطلاحي.

ويبلغ هذا التشكيل ذروته حين يقول:

يا صاحب الحوض صرنا من تذكركمُ

وما نسينا سقاةً والمدى جدبا

فـ«الحوض» هنا يحيل إلى الذاكرة الدينية، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى رمز للرحمة التي تبحث عنها الذات في عالمٍ جدب.

ومن هنا يمكن القول إن الشاعر لا يقيم المديح على أساس الوصف الخارجي، وإنما على أساس الحاجة الداخلية. إنه لا يقول: هذا النبي عظيم، ثم يسرد مظاهر العظمة؛ بل يقول ضمنيًا: أنا ضعيف، وأنا عطشان، وأنا تائه، ولذلك أبحث عن مصدر القوة والهداية.

وهذه النقطة تمنح القصيدة صدقها الشعوري.

فالمديح يتحول من خطاب في الممدوح إلى خطاب عن أثر الممدوح في الذات.

وهذا فارق نقدي مهم.

فالقصيدة التي تقول إن الممدوح كريم قد تقدم معنىً تقريريًا، أما القصيدة التي تجعل الكرم قوةً تعيد بناء الذات فهي تنقل المديح من مستوى الخبر إلى مستوى التجربة الشعرية.

ولذلك يقول:

فإن سمحتَ ستنجابُ الخصاصةُ بي

غمضًا بعينك أو همسًا ببرد صبا

إن «الخصاصة» هنا ليست فقر المال فقط، بل يمكن قراءتها باعتبارها فقرًا وجوديًا؛ فالشاعر يطلب أن ينجاب عنه غيم النقص.

وهنا تتقاطع لغة المديح مع لغة المناجاة، وتتجاور البلاغة مع التجربة الروحية.

ثالثًا: الذات بين الاعتراف والانكسار؛ درامية السؤال والرجاء

من أجمل مستويات القصيدة أن الشاعر لا يقدم ذاته بوصفها ذاتًا مكتملة، بل يجعلها في حالة محاكمة داخلية.

إن «الأنا» في النص ليست أنا المتعالي، بل أنا المنكسر، السائل، المعترف، الباحث عن مخرج.

يقول:

بالكاد أعلم ذنبي بل أقرُّ به

وحق عينك أغفل ذلك السببا

ثم يقول:

والنفس قد أخلقت ثوب الحياء خنا

فلا حياء هنا أن ألعق التربا

وهنا تنتقل القصيدة من المديح إلى دراما الاعتراف.

فالذات لا تبحث عن تبرير أخطائها، بل تواجهها. وهذه المواجهة تمنح الخطاب بعدًا نفسيًا وفلسفيًا؛ لأن الإنسان في لحظة الرجوع الحقيقي لا يملك إلا أن يرى نفسه كما هي، بعيدًا عن أقنعة الكبرياء.

ولعل أعمق ما في هذه الذات أنها لا تتوقف عند الاعتراف، وإنما تحول الاعتراف إلى فعل رجاء:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

هنا يخاطب الشاعر قلبه.

وهذه التقنية الخطابية تمثل نوعًا من التشخيص الداخلي؛ فالذات تنقسم إلى مخاطِب ومخاطَب، وكأن الشاعر يقيم حوارًا بين مستويين من وجوده.

«يا قلب» ليست مجرد مناداة، وإنما هي استدعاء للذات العميقة.

إن الشاعر هنا لا يكتب عن قلبه، بل يجعل قلبه شخصية داخل النص.

وهذه من الوسائل التي تمنح القصيدة حيوية درامية؛ لأن الخطاب لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يتوزع بين النبي، والقلب، والنفس، والذات، والذاكرة، والتاريخ.

ويقول:

يا قلب أرهقتني عشقًا وضخَّ دمٍ

هوِّن عليك فإن العمر قد هربا

وهنا يظهر الزمن بوصفه قوةً ضاغطة.

فالحب ليس حالة ترف وجداني، وإنما هو سباق مع العمر. والذات تعرف أن الزمن يمضي، وأن فرصة العودة لا ينبغي أن تضيع.

ومن هنا يأتي:

الآن يا قلب ندنو لن يضر بنا

إن جئت حبوًا أو اجتزت المدى خببا

إن كلمة «الآن» تحمل طاقةً زمنيةً واضحة؛ فالشاعر ينتقل من زمن الندم إلى زمن الفعل.

وهكذا تصبح القصيدة رحلة تحوّل: الظمأ → البحث → الوقوف → الاعتراف → الرجاء → الاقتراب → الأمل.

وهذه البنية تمنح القصيدة وحدتها العضوية بشكل ملحوظ.

رابعًا: المعجم الشعري والصورة؛ حين يتحول المديح إلى فضاء من النور

تقوم القصيدة على معجم واسع تتجاور فيه حقول دلالية متعددة، أهمها:

الماء والعطش: الحياض، الورد، الحوض، الرواء، الغيث.

الطريق والحركة: جُزت، أتيتكم، دلفت، أدور، ندنو، اجتزت.

النور: الهدى، النور، أشرق، الظلم، الإظلام.

الحرب والمجد: السيوف، الخيل، الشهب، المجد، الرايات.

الضعف والانكسار: الخصاصة، الذنب، القنوط، الغبن، الوهن، الكرب.

وهذه الحقول لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتداخل لتصنع مسارًا دلاليًا صاعدًا.

فالنص يبدأ من «الظمأ» وينتهي بـ«الرواء»، ويبدأ من «الظلم» وينتهي بـ«النور»، ويبدأ من «الضيق» وينتهي بـ«الرجاء».

وهذه ليست مجرد مفردات متجاورة، بل هي ثنائيات ضدية تشكل العمود الفقري للدلالة:

العطش/الرواء

الظلام/النور

الضياع/الهداية

الذنب/المغفرة

الوهن/القوة

الفرقة/الاجتماع

الماضي المجيد/الحاضر المنكسر.

ومن أجمل الصور التي تكشف عن هذا البناء قوله:

ويا واهبًا وهب الدنيا سماحتهُ

أين السماحة لي يا واهبًا وهبا؟

إن التكرار هنا ليس مجرد تكرار لفظي، بل يتحول إلى آلية إيقاعية ودلالية؛ فالفعل «وهب» يتحول إلى مركز في الجملة، وكأن الشاعر يضع نفسه في موضع السائل عن نصيبه من هذا الفيض.

وكذلك:

يا من مدى الود منكم كالسماء إذا

ألقت بغيثٍ فكل الناس قد شربا

تتضافر هنا الاستعارة والتشبيه والمفارقة بين «السماء» و«الغيث» لتكوين صورة الرحمة الشاملة.

فالسماء لا تختار من يشرب، والغيث لا يفرق بين أرض وأرض.

وهكذا يتحول الممدوح إلى مركز كوني للرحمة.

وفي موضع آخر يقول:

وكيف لا والهدى والنور طلعتكم

أشرقت فالظلم والإظلام قد غربا

الصورة هنا قائمة على التضاد الضوئي؛ فطلوع النبي يقابله غروب الظلام.

والشاعر لا يجعل النور مجرد وصف، بل يجعله فعلًا؛ «أشرقت»، فيصبح النور قوةً فاعلة في العالم.

إننا أمام لغة لا تعتمد على المحسنات البلاغية بوصفها زينة خارجية، وإنما تجعل البلاغة جزءًا من البنية الدلالية.

خامسًا: من المديح إلى استعادة المعنى الحضاري؛ القصيدة بوصفها سؤالًا في الحاضر

وهنا تبلغ القصيدة أوسع دوائرها.

فبعد أن تبدأ من الذات الفردية، تنتقل إلى الجماعة، ثم إلى الأمة، ثم إلى التاريخ.

وهذا الانتقال مهم جدًا؛ لأن الشاعر لا يبقى حبيس التجربة الشخصية، بل يجعل محبته للنبي مدخلًا إلى سؤال حضاري: ماذا حدث للأمة؟

يقول:

يا سيدي غالنا خُلْفٌ وخلّفنا

ركب الترقي وآسي العرب قد تعبا

ثم:

يا سيدي أسنت أنهار عزتنا

وعزنا طغمةٌ كانوا هنا الذنبا

إن صورة «أنهار العزة» التي «أسنت» من الصور اللافتة؛ لأنها تنقل العزة من مفهوم مجرد إلى ماء كان جاريًا ثم أصابه العطن.

وهنا يعود معجم الماء، لكنه يعود بصورة معكوسة.

في بداية القصيدة كان الشاعر يبحث عن الماء ليروي عطشه، وفي هذا المقطع تصبح «أنهار العزة» نفسها آسنة.

إنها مفارقة حضارية: الأمة التي كان يفترض أن تكون صاحبة نهر من المجد، أصبحت تعاني من ركود ذلك النهر.

ثم يستدعي الشاعر الذاكرة التاريخية:

كنا النسور على الأجبال بيرقنا

كانوا فراخًا لدى أوكارهم زغبًا

وهنا يتخذ الخطاب طابعًا مقارنًا بين الماضي والحاضر.

غير أن القيمة الفنية ليست في استحضار الماضي لمجرد التغني به، وإنما في جعله مرآة للحاضر.

فالشاعر يسأل بصورة ضمنية:

كيف تحولت القوة إلى ضعف؟

وكيف تحولت الوحدة إلى فرقة؟

وكيف تحولت العزة إلى خوف؟

ثم يقول:

لكنما الآن من كبواتنا بعثوا

تذأبوا ـ أورثونا الخوف واللَّغَبا

إن الفعل «تذأبوا» شديد الكثافة؛ لأنه ينقل التحول من صورة إلى أخرى، من «الفراخ» إلى «الذئاب». لكن الشاعر لا يقدم هذه المفارقة لمجرد التشنيع، وإنما يستخدمها لإبراز اختلال ميزان القوة.

ومن هنا تصبح القصيدة في مستواها الأخير قصيدة استنهاض واستعادة للوعي.

ولهذا تأتي الدعوة:

فادعُ الغفور لنا حتى نفئ إلى

أبْهاءِ مجدٍ لنا عن يومنا عَزَبا

إن العودة ليست عودةً إلى الماضي بوصفه متحفًا، بل عودة إلى القيم التي صنعت ذلك الماضي.

وهنا يمكن القول إن القصيدة تمارس ما يمكن تسميته بـالتناص الحضاري؛ فهي لا تستدعي السيرة النبوية بوصفها مادة حكائية، وإنما تستدعيها بوصفها نموذجًا قيميًا.

ويظهر ذلك بوضوح حين يقول:

حاد الرماة على أُحدٍ فكيف بنا

ولم نشاربك لا كأسًا ولا حببا

إن استدعاء أُحد هنا يتحول من واقعة تاريخية إلى مرآة أخلاقية للحاضر.

فالمشكلة ليست في مجرد تكرار الحدث، وإنما في السؤال عن معنى الانضباط، والطاعة، والوحدة، والمسؤولية.

وهنا تصبح القصيدة أكثر من مديح نبوي؛ تصبح خطابًا في إصلاح الذات والجماعة.

الإيقاع والقافية: الموسيقى بوصفها حاملًا للوجد

ولا يمكن مقاربة القصيدة دون الوقوف عند موسيقاها؛ فالنص الطويل الذي يتكئ على القافية الواحدة يحتاج إلى قدرة عالية على المحافظة على التنويع الداخلي حتى لا تتحول الموسيقى إلى رتابة.

وقد اختار الشاعر نمطا كلاسيكيا يقوم على وحدة الروي، وهو ما يمنح القصيدة إحساسًا بالتماسك والاستمرار.

واللافت أن تكرار الصوت النهائي لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، وإنما يتحول إلى علامة نفسية؛ فالقافية في كثير من الأبيات تأتي كأنها زفرة في نهاية الجملة الشعورية.

كما أن كثرة النداءات:

يا صاحب الحوض

يا سيدي

يا واهبًا

يا ابن الذبيحين

يا من ترد سلام الوالهين

يا قلب

يا من مسحت على عجفاء

هذا النداءات تخلق إيقاعًا داخليًا قائمًا على التكرار الندائي.

والنداء هنا ليس مجرد أداة نحوية، بل هو بنية نفسية؛ لأن النداء يفترض المسافة، والشاعر طوال القصيدة يحاول تقليص المسافة بينه وبين الممدوح.

ومن ثم يمكن القول إن الإيقاع الخارجي والإيقاع الداخلي يتعاونان على صناعة إيقاع الشوق.

كما أن أختبار بحر البسيط التام أعطى للشاعر مساحة إيقاعية وجدانية شديدة التأثير في المتلقي حيث استشعر أن البنية المعمارية للقصيدة مموسقة داخليا وخارجيا

فالقصيدة لا تتحرك فقط على مستوى البحر والقافية، وإنما على مستوى التوتر بين الاقتراب والابتعاد، وهو توتر يتكرر في بنائها الدلالي كله.

التماسك النصي: القصيدة بوصفها رحلة لا مجموعة أبيات

ومن أهم ما يميز النص أن أبياته، على امتداد طوله، لا تبدو منفصلة عن بعضها، رغم تنوع الموضوعات وانتقال الشاعر من الذات إلى التاريخ ثم إلى الأمة.

ويمكن تفسير ذلك من خلال وجود شبكة من الروابط المعجمية والدلالية.

فالماء الذي يظهر في البداية يعود لاحقًا في صورة الغيث والرواء والحوض.

والباب الذي يبدأ به العنوان يعود في صورة العتبة والحجاب والحِمى.

والنور الذي يظهر في المديح يعود بوصفه نقيضًا للظلام الحضاري.

والقلب الذي يبدأ بوصفه موطن العشق يتحول إلى موطن الرجاء.

وبذلك لا تتكون القصيدة من موضوعات متجاورة، وإنما من دوائر دلالية متداخلة.

وهذه نقطة مهمة في الحكم على النص الطويل؛ إذ إن طول القصيدة ليس عيبًا في ذاته، وإنما العبرة بقدرة النص على إنتاج وحدة عضوية تتجاوز مجرد وحدة الوزن والقافية.

وفي هذه القصيدة نجد أن الوحدة الأعمق هي: البحث عن الخلاص.

فالذات تبحث عن خلاصها من الذنب، والأمة تبحث عن خلاصها من الضعف، والإنسان يبحث عن خلاصه من التيه، وكل ذلك يتجه نحو النموذج النبوي باعتباره مركزًا للهداية والقيم.

القصيدة بين حرارة التجربة وبلاغة الموروث

من اللافت كذلك أن الشاعر يتحرك داخل فضاء المديح النبوي وهو مدرك للتراث الشعري الذي سبقه؛ فقصائد المديح النبوي العربية تمتلك تقاليد طويلة، من قصائد الصحابة في مدح الرسول، إلى البردة وما تفرع عنها من معارضات ومدائح. وهذا يجعل الشاعر المعاصر أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يكتب في موضوع مستهلك تاريخيًا دون أن يصبح صوته مجرد صدى؟

والإجابة هنا ليست في مغادرة التراث، وإنما في إعادة إنتاجه من داخل تجربة معاصرة.

فالشاعر يستخدم لغة تراثية واضحة، لكنه لا يجعلها منفصلة عن قلق الحاضر.

حين يقول:

عقدت للعرب للعلياء ألويةً

فنكّسوها ألا ما أضيع العربا

فهو لا يصف الماضي وحده، وإنما يكتب حاضرًا مأزومًا بلسان شاعر يعيش زمنه.

وهنا تتشكل علاقة جدلية بين التراث والحاضر.

فالتراث ليس قيدًا على القصيدة، بل يصبح في هذا السياق طاقة تأويلية تساعد الشاعر على قراءة الحاضر.

وهذه من أهم وظائف التناص في النص؛ فالنص لا يستعير الماضي ليزخرف لغته، وإنما يستدعيه ليمنح الحاضر عمقًا تاريخيًا وأخلاقيًا.

الذات التي تقف على الباب: قراءة فلسفية في معنى الاقتراب

إذا حاولنا أن نقرأ القصيدة من زاوية فلسفية، فإننا سنجد أن «الباب» يمثل سؤالًا وجوديًا بامتياز.

فالإنسان في جوهر تجربته كائن يقف دائمًا أمام أبواب:

باب المعرفة، باب الحب، باب الخلاص، باب المعنى، باب الآخر، وباب الله.

لكن الشاعر هنا يقف على باب النبي بوصفه بابًا رمزيًا إلى منظومة من القيم.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيدخل الشاعر الباب؟

بل:

هل استطاعت الذات أن تصبح جديرة بالدخول؟

وهذا السؤال يتخفى وراء كثير من أبيات الاعتراف والانكسار.

ولهذا يقول:

لا يأنف القلب أن يعنو لطلعتكم

والعين لا تستحي أن تفرش الهدبا

فالذات تتخلى هنا عن كبريائها.

وهذا التخلي ليس ضعفًا، بل هو نوع من التحرر من وهم الأنا.

فالإنسان لا يبدأ رحلة التغيير إلا حين يدرك محدوديته.

ومن هنا تأتي قيمة «الانحناء» و«تمريغ الخد» في القصيدة؛ فهذه الصور لا ينبغي قراءتها على مستوى الحركة الجسدية وحدها، بل على مستوى تفكيك الأنا المتضخمة.

يقول:

ولا أريد سوى تمريغ خدي في

طهر الجناب ويجثو القلب منتَحِبا

إن الجسد هنا يتحول إلى لغة، والقلب يتحول إلى فعل، والبكاء يتحول إلى تطهير.

وبذلك تصبح القصيدة نوعًا من الطقس الشعري لتطهير الذات.

حين يتحول الباب من مكان إلى معنى

في خاتمة القصيدة يصل الشاعر إلى منطقة مختلفة عن بدايتها.

ففي البداية كان عطشانًا، حائرًا، واقفًا على الباب، يحمل ذنبه وشوقه.

وفي النهاية يصبح أكثر قدرة على تصور اللقاء:

نلقى البشارة بالقربى ومغفرةً

وفرجةً والتئام الصف والأربا

ثم يبلغ النص ذروته:

ونجتلي الطلعة الأبها وعترتها

ونلتقي في حمى المختار ذي النُّخبا

ثم يختم بالصلاة:

صلى عليك إله الكون يا علمًا

للحق والخير والسلم الذي احتجب

وهنا تتضح البنية الدائرية للقصيدة.

لقد بدأ الشاعر من العطش وانتهى إلى الرجاء.

بدأ من الباب وانتهى إلى اللقاء.

بدأ من الذنب وانتهى إلى المغفرة.

بدأ من الجدب وانتهى إلى الغيث.

بدأ من الظلام وانتهى إلى النور.

وهذه الثنائيات تمنح القصيدة نظامها الداخلي، وتجعلها أكثر من قصيدة مدح؛ إنها رحلة روحية وحضارية تتخذ من النبي مركزًا رمزيًا للمعنى.

ولعل أجمل ما في تجربة الشاعر محمد المتولي مسلم في هذه القصيدة أن الشاعر لا يكتفي بإقامة مديح خارجي للممدوح، وإنما يجعل من الممدوح مرآةً لذاته، ومقياسًا لضعفها، وأفقًا لتجاوزها.

فالنبي في النص ليس شخصية بعيدة عن الشاعر، بل حضورٌ تتحرك نحوه الذات كلما شعرت بالعطش.

ولهذا فإن عنوان القصيدة «على باب النبي» يظل صالحًا لأن يكون مفتاحًا شاملًا للنص كله؛ لأن الشاعر، في نهاية المطاف، لا يغادر الباب.

إنه يظل هناك، عند العتبة، في حالة شوق دائم؛ لأن الباب في التجربة الشعرية ليس نهاية الرحلة، وإنما هو المعنى الذي يجعل الرحلة ممكنة.

وهنا تكمن شاعرية النص: في أنه يجعل من الوقوف انتظارًا، ومن الانتظار رجاءً، ومن الرجاء معنى، ومن المعنى نورًا.

فالقصيدة في جوهرها ليست سؤالًا عن الوصول إلى النبي بقدر ما هي سؤال عن قدرة الإنسان على الوصول إلى أفضل ما في نفسه.

وحين يقول الشاعر:

ألْحِفْ بربك يا قلبًا أحاط به

إسرافُ أمّارةٍ بالسوء بل غُلِبا

فإنه لا يخاطب قلبه وحده؛ إنه يخاطب الإنسان في ضعفه الأبدي، ذلك الإنسان الذي يعرف الطريق ثم يضل، ويشتاق إلى النور ثم تستهويه العتمة، ويبحث عن الرحمة وهو يحمل في داخله أسباب عثرته.

ومن هنا يمكن القول إن «على باب النبي» قصيدة تتحرك في ثلاثة أفق متداخلة: أفق وجداني يستمد مادته من الشوق والحب، وأفق روحي يقوم على الاعتراف والرجاء والهداية، وأفق حضاري يستدعي المجد النبوي ليضع الحاضر أمام مرآة تاريخه.

وبذلك لا يصبح المديح في القصيدة غايةً نهائية، وإنما يصبح وسيلة لاستعادة المعنى.

فحين يمدح الشاعر النبي، فإنه في العمق يبحث عن الإنسان الذي يمكن أن يكونه، وعن الأمة التي يمكن أن تستعيد توازنها، وعن النور الذي يستطيع أن يبدد هذا القدر من العتمة.

وهكذا يغدو «باب النبي» في النهاية بابًا إلى الذات، وبابًا إلى الذاكرة، وبابًا إلى المعنى، وبابًا إلى الرجاء.

وما أجمل أن تنتهي القصيدة بالصلاة؛ لأن الصلاة هنا لا تبدو خاتمةً شكلية، بل تبدو عودةً إلى الأصل الذي بدأت منه الرحلة كلها: الحب.

فالشاعر الذي وقف أول الأمر عطشانًا على الباب، ينتهي وهو يرفع صوته بالصلاة، وكأن القصيدة كلها لم تكن إلا رحلة قلبٍ طويل من الظمأ إلى الرواء، ومن التيه إلى الهداية، ومن الانكسار إلى الرجاء.

وفي ذلك تتجلى القيمة الجمالية الأعمق للنص: أن المديح النبوي فيه لا يصف النور فحسب، بل يحاول أن يجعل اللغة نفسها واقفةً في حضرته.

وهكذا تتحول القصيدة في نهايتها من قصيدة طلب إلى قصيدة يقين، ومن سؤال عن الوصول إلى إيمان بأن الطريق ما يزال ممكنًا.

إنها، في جوهرها، قصيدة إنسان يقف على الباب؛ لكنه لا يقف مستسلمًا للبعد، بل يقف وفي قلبه ماءٌ من الرجاء، وفي ذاكرته نورٌ من السيرة، وفي روحه يقينٌ بأن الطرق التي تنتهي إلى الرحمة لا تضيع، وأن من عرف كيف يطرق الباب بأدب، لا بد أن يظل في داخله شيء من الأمل.

ولذلك فإن «على باب النبي» ليست مجرد قصيدة في المديح النبوي، وإنما هي قصيدة في استعادة الإنسان لمعناه، وفي استعادة الأمة لذاكرتها، وفي استعادة الروح لقدرتها على الرجاء؛ قصيدة يتجاور فيها صوت العاشق مع صوت الناقد، وصوت الفرد مع صوت الجماعة، وصوت التاريخ مع سؤال الحاضر، حتى يصبح الباب في النهاية رمزًا مفتوحًا على السماء، ويصبح الوقوف عليه شكلًا من أشكال العودة إلى الذات قبل أن يكون انتظارًا للعبور.

فالقصيدة تبدأ بالعطش، لكن العطش فيها ليس خاتمة؛

وتبدأ بالباب، لكن الباب ليس سدًّا؛

وتبدأ بالبعد، لكن البعد ليس قدرًا؛

لأن خلف كل عتبة في النص وعدًا بالوصول، وخلف كل انكسار رجاءً، وخلف كل ظلمة نورًا يستعيد اسمه حين يشرق الحضور النبوي في وجدان الشاعر.

شكرا جزيلا للأديب الشاعر الناقد محمد المتولي مسلم على هذه الدرة العصماء

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

.........................

على بــاب الـنـبي

ردْتُ الـحياضَ لأروي الـظامِئَ الـتعِـبـا

فَالوِرْدُ في الـحَـيِّ إذْ لَـجَّ الـظمـا نـضبا

*

والـقلب لا يـشتَفِي من وِردِ سابِـلَـةٍ

تـعتاده الهيمُ بل تُلقِي بـه الـحَصَبا

*

فما عليَّ إذا جُـزْتُ الـصُّـوَى أمَـلا

وما عليَّ إذا مـا عاتِـبٌ عَـتَبـا

*

يــاصاحبَ الحوض صرنـا من تَـذكرِكمْ

ــ وما نَـسِيـناــ سُقـاةً والمدى جَدَبـا

*

أدور بـالكاس والـحانـاتُ قد مُـلِـئتْ

وكل جُلاسها قد هام أو طَرِبــا

*

ظنَـنتُني ضَلَّـةً من عُصْبَـةٍ رَشَدتْ

دارتْ بخمرتـكم تَـسقي مَن انجذبـا

*

لكـنما هالني أهلُ الصبابـة في

ساحاتِ حضرتكم قد أَتـبَـعـوا سَبَبـا

*

أنــَّى لِـواهٍ على الـمِنْساةِ تـَحملُـه

على الـهُـوَيْـنا هنا أنْ يُـدرِك الـنُّـجَبَا

*

ياسيدي والهوى يـأبَى انـتسابَ جَـوٍ

للآن في دفتر الـعشاق ما كُـتِـبا

*

على أديـم الـهوى خجلانُ يَـحجبه

طيفُ الذنـوب إذا ما هَمَّ أوْ وثَـبا

**

إني وقفتُ على بـاب الهدى أدبـا

حتى سكِـرتُ عَيانًــا كالـذي شربـا

*

لـمـا أَذِنْـتُ لـِحـاديكمْ أتَـيـتُـكمُ

لكنَّ حُجَّـابكـمْ قالـوا الْـزَمِ الـعَـتَـبـا

*

يـاضَيعة الصبِّ إنْ يُـحجَـبْ وحُسنُكمُ

عن العـوام هنا ما ضَنَّ أو حُجِبا

*

كم ألـفِ نَـوْبـة شَوقٍ قد دَلَـفتُ بها

إلـى حِماكمْ وماعايَـنْتُ ذي الـحُـجُـبا

*

مَرغْتُ وجهـي وقلـبي عند بـابِـكمُ

وبـعدُ لم أبـترِدْ  لـمْ أُدركِ الأرَبــا

*

كأنمـا لـملـمَتْ ريـحُ الـدَّبـورِ نَــوًى

من كلِّ عُسرةِ شوقٍ تُـشبهُ الـنُّـصُبا

*

حتى رأيـتُ كأجبالِ الـنـوى سُتُـرًا

على الـتداني فأبقى لي الـنوى نَـصَبا

*

فـإن سَمحتَ ستَـنْجابُ الـخَصاصةُ بي

غَمْضًا بِـعيْـنِـك أو هَمْسًـا بـبَـرْدِ صَبـا

*

فمـا أُحَـيلَى خيـالا من مشارقِكم

وما أُحَـيْلاه إنْ بَـدرُ الـسما غرَبـا

*

يَنـداح يـشفِي قلـوبَ الآملـين رضًا

إن أوْمـأ الطيفُ لي أو مرةً غَضِبا

*

فلا تـدعْني وزُرنـي ألـتمـسْ أملا

قلـبي وأُفـقُ زماني سيدي قطَـبـا

*

بـالكادِ أعلم ذنـبي بـل أقِـرُّ بــه

وحَقِّ عَينـِكَ أغفِـلْ ذلـك السببا

*

يـامَنْ مَدى الـودِّ منكم كالسماءِ إذا

ألـقتْ بـغيثٍ فكل الناس قد شربـا

*

يــاواهبـًا وهب الـدنـيا سماحتَهُ

أيـن الـسماحةُ لي يـاواهبـًا وهبا.؟

*

الـناسُ تـنهـزُ من فَضفـاض بَسطِكُمو

وكلـهم سيدي قد خاض أو لـِعبا

*

فهـا أنــا أنـهـزُ الـمِرقـاةَ تُـدركـني

وقد تَـدلَّـتْ فضاءتْ والـدجى وَقَبَـا

*

يـا ابـنَ الـذبـيحينِ كم أزجت سماحَـتُـكم

سَمْحَ الوِدادِ إلى الـمطرود فاقتربـا

*

أليس تشفـع لي قُربَى لِـجَدتِـكم

فـإن لـي سيدي من هاجَـرٍ نَـسبا

*

لـمَّا طغَـى الـبعد لم أعثر على سفني

ولا الجواري التي قد أقلَـعَتْ سَرَبـا

*

والـنفسُ قد أخْـلَـقَتْ ثـوبَ الـحَياءِ خَنا

فلا حياءَ هنا أنْ ألـعـقَ الـتُّـرُبـا

*

لا يـأنَـفُ الـقلبُ أن يعنـو لـطلـعتكم

والعينُ لا تَستحي أن تـفرش الـهُـدُبـا

*

ولا أريـد سِوى تـمريـغ خَدِّيَ في

طُهـر الـجَناب ويـجثو الـقلبُ مُنـتَحِبا

*

وكـيف لا والـهدى والـنـورُ طلـعتُـكُم

أشرقْتَ فالظلمُ والإظلام قد غَرَبـا

*

آنَ اكـتَـسيْتَ الـبهـا والـنورَ من كَـثَـبٍ

من سدرة المنتهـى هاثـوبُـنا قَشُبا

*

لكـنما أخلَـقـتْ في الـثوبِ جِدَّتـه

تـنبو السيوفُ ورتْـلُ العاديـاتُ كـبَا

*

ماذا جرى يــامَليحَ الـوجهِ أبعدنــا

عن الـحِمَى فالتزمنا الـهمَّ والـوصَبا

*

على الـمَطَـلّ وقَفْتَ الخيلَ مُسْرَجةً

صُبحًا إلى المجدِ ضَبْحًا تسبقُ الشُّهُبا

*

حتى علـونـابـها صَهـواتِ قرطبةٍ

وفي سَمَـرْقَـنْـدَ تـرعى الـعدلَ والـعُـشُبا

*

لـما استقمنا على منـهاج سيدنـا

جُزنـا الـتُّرابـاتِ كِـنا نَـمتطي السحبا

*

عـقَـدتَ لـلـعُـربِ لـلـعـلياء ألـويـةً

فَـنـكَّسوهـا ألا مـا أضيـعَ الـعَــربــا

*

يــامَن تـردُّ سلامَ الوالـِهيـن رِضا

في وقدَةِ الحَـجِّ ـ هَوْنًـاـ والـزحامُ رَبـا

*

مـا بـين مِنـبرِكُـم والـبيتِ مُـحْـتَدَمٌ

لـلسائـلينَ فتُعطي الكلَّ مـا طَـلَـبا

*

يـا قلبُ أرهقتَـني عِشقًـا وضَخَّ دَمٍ

هَـوِّنْ عليكَ فـإنّ العمر قد هربــا

*

الآن يـاقـلبُ نـدنـو . لن يضرَّ بـنا

إن جئتَ حبوًا أو اجتزتَ المدى خَبَـبَا

*

أنجَزتَ يـاقـلبُ عَوْدًا فـالتمس أملا

سيفُ القُنوط على حد الرجاءِ نَـبا

*

ألـحِـفْ بربـك يــاقـلـبًـا أحاط بـه

إسرافُ أمَّارةٍ بـالـسـوء بـلْ غُلِـبا

*

ألـحِـفْ خلال يـديْ هذا الـنـبي فمن

ألـقى إليه حَثـيثًـا ذنـبُه انـشطَبا

*

يـاواسع الجاه والأحيانُ مُـفرطـةٌ

في الضيق والغَـبْنِ لكـن جاهُكمْ رحُبا

*

يـا أرحم الـناس بالناس الألُـىَ عشقوا

وجهَ الكريمِ.وضَعفًا قارفوا عَطَبا

*

أمْسكْ بذِي الـحُجَزِ الرعناء ما فَتِـئَت

تـهوِي إلـى وهدةٍ قدسُعِّرتْ لهبا

*

يــاسيدي غالـنا خُـلْـفٌ وخلَّـفَـنـا

ركْـبُ الترقِّي وآسِي العُربِ قد تَـعِبا

*

يــاسيـدي أسَنَـتْ أنـهـارُ عِزّتِـنـا

وعَـزَّنــا طُغـمَـةٌ كانـوا هنا الـذنَـبـا

*

ما كان جمعـهمُ أكـفـاءَ أصغرِنــا

والدهر في حينـهـا َكمْ سَطَّر الـكتُـبا

*

أحبار أسفارِهم فاحت بـأنـهمُ

ذيــلُ الـعـفـاء على آثـارهمُ سُحِبا

*

كـنا الـنسورَ على الأجبـالِ بـيرقُـنا

كانوا فِراخًا لـدى أوكارهم  زُغُبا

*

لـكنما الآن مِن كَــبْـواتـنا بُـعِثوا

تَـذأَّبـوا ـ أورثـونــا الـخـوفَ والـلَّـغَـبا

*

أيـامُ نَـعمـائـنا صارت لـفرقتـنا

وفُحـش بَـأسائـنا يـاسيـدي كُـرَبـا

*

فادعُ الغفـورَ لـنا حتى نَـفئ إلـى

أبـهـاءِ مـجـدٍ لـنا عن يـومنا عَزَبـا

*

يـامَن مَسحْتَ على عَجْفـاءَ مُجدبـةٍ

فما تَـشَهَّى الصغارُ الـدَّرَّوالحَلِبا

*

امْنُـنْ علينا فإنـا الـتابـعون لـكم

الـمـؤمنـون غِيابـًـا لم نُطـِلْ رِيَـبا

*

يـامـن تَـفـرق في كل القلـوب هوى

فـلملَمَ الـشملَ حتى وشَّجَ القُـرَبـا

*

أحبـابـُكُـمْ يـارسولَ الله قدْ وهَنوا

فهل يُـتاحُ لـنا من ضعفـنا هَربـا

*

حاد الـرماةُ على أُحْدٍ فكـيف بـنا

ولم نُـشارِبـْكَ لا كأسًا ولا حَـبَبا

*

لـكن نـراك على الرؤيـا ويـُـتْحِـفـنا

طِيبُ الرُّواءِ ونـلقَى الحُسْنَ والـشَّنَبا

*

ــ يـا أمَّ معبدَ قَـبْساتٌ نُدِلُّ بـها

من سِفر مدحكِ في الأحداق قد كُتِبا

*

نـلـقَـى الـبِشـارةَ بـالقربَـى ومغفرةً

وفُرجةً والـتِـئامَ الـصـفِّ . والأرَبــا

*

ونـجْتلـي الـطلـعةَ الأبـهَـى وعِترتَـها

ونلـتقي في حِمَى المختار ذي الـنـُّخَبا

*

صلى عليك إلـهُ الكــون يــاعلـمًا

لـلحق والـخير والـسلْم الـذي احتجـب

***

محمد الـمـتـولـي مسلـم

من صرّة القماش إلى خزان الذاكرة

تأتي قصة «بقشة أمونة» للكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي، الصادرة عن معهد الشارقة للتراث في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفها نصًا سرديًا شديد الالتصاق بالحياة الشعبية، وقادرًا في الوقت نفسه على تجاوز المستوى الفلكلوري الظاهر إلى بناء نقدي أعمق، يجعل من الحارة القديمة مجالًا لاختبار الذاكرة، والسلطة، والعلاقات النسائية، وتداول الخبر، وصناعة السمعة. ومنذ عتبة العنوان، تضعنا القصة أمام شيء صغير في ظاهره، هو البقشة، غير أن هذا الشيء يتحول تدريجيًا إلى مركز دلالي تتحرك حوله الشخصيات والأسرار والبيوت والمجالس، حتى يغدو حاملًا مكثفًا لعالم اجتماعي كامل. فالبقشة هنا ليست مجرد صرة بضائع تحملها امرأة جوالة، وإنما هي خزان متنقل للحكايات، وأداة عبور بين البيوت، ووسيط اجتماعي يجمع بين التجارة والخبر، والفضيحة والحنين والخوف.

تنهض القصة على قدرة واضحة في تحويل الموروث اليومي إلى مادة حكائية حيّة. فاطمة المزروعي لا تستعيد الحارة بوصفها صورة قديمة تستدعي العاطفة والحنين، وإنما تجعلها بنية اجتماعية مكتملة، لها قوانينها الخفية، ومراكزها المؤثرة، ونظامها الخاص في المراقبة والتداول والحكم. الحارة في النص تتحرك كجسد جماعي، يسمع، ويرى، ويتذكر، ويصنف الناس، ويمنحهم مواقعهم داخل شبكة العلاقات. الأبواب، المجالس، الخادمات، القهوة، البخور، الأقمشة، كحل الإثمد، المندوس، واحتفالية حق الليلة، كلها تتحول إلى عناصر فاعلة داخل البناء السردي، حيث تؤدي الأشياء وظيفة اجتماعية تتجاوز حضورها المادي. فالقماش مثلًا ليس قطعة للبيع فقط، وإنما علامة على الذوق والمكانة والرغبة النسائية في الظهور، وكحل الإثمد يتصل بصورة الجسد المؤنث في المجال الشعبي، والمندوس يحتفظ بما تخفيه البيوت من ذاكرة، والبخور يفتح باب الحميمية والضيافة والسر، بينما الفريج يقدّم الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله هذه العلامات جميعًا.

وتتجلى مهارة الكاتبة في رسم شخصية أمونة من خلال علاقتها بهذه الأشياء الصغيرة. فهي شخصية مصنوعة من الحركة والعبور والمعرفة. تدخل البيوت محمولة على شرعية البيع، غير أن دخولها لا يتوقف عند المبادلة التجارية؛ فهي تلتقط ما يقال وما لا يقال، وتقرأ الوجوه، وتنتبه إلى تبدل الروائح، وإلى نوع القهوة المقدمة، وإلى صمت امرأة، أو ارتباك خادمة، أو غياب فتاة عن المجلس. ومن هذا التراكم اليومي تصنع أمونة سلطتها. قوتها ليست في المال، ولا في النسب، ولا في المنصب، وإنما في امتلاكها لما يمكن تسميته بالمعرفة الاجتماعية الدقيقة؛ تلك المعرفة التي تتشكل من التفاصيل الصغيرة، وتتحول داخل المجتمعات المحدودة إلى نفوذ ناعم، قادر على التأثير في المصائر، والعلاقات والزواج والسمعة.

من هذه الزاوية، تبدو أمونة أكثر من بائعة جوالة. إنها وسيط اجتماعي، وناقلة أخبار، وخطّابة، ومصلحة بين البيوت، وحافظة أسرار، وصانعة توتر في الوقت نفسه. هذه التركيبة تمنح الشخصية طاقتها الدرامية. فهي تدخل البيوت بوجه مألوف، محبب، قريب من النساء، لكنها تحمل معها سلطة خفية، لأن كل بيت يعرف أنها قد تخرج منه بشيء أكثر من ثمن القماش. ولذلك تصبح البقشة جهازًا سرديًا شديد الذكاء؛ فهي تمنح أمونة حق الحركة، وتمنحها في الوقت نفسه القدرة على جمع الروايات. كل قطعة قماش داخلها تصلح لأن تكون مدخلًا إلى حكاية، وكل طلب شراء قد يفتح بابًا على زواج قادم، أو خصومة مكتومة، أو غيرة نسائية، أو خيبة داخل بيت مغلق.

وتبلغ القصة مستواها النقدي حين تكشف أن المعرفة اليومية يمكن أن تتحول إلى سلطة اجتماعية. الثرثرة في «بقشة أمونة» لا تظهر بوصفها كلامًا زائدًا، وإنما كبنية فاعلة في تنظيم الحارة. الخبر يرفع امرأة ويخفض أخرى، يفتح طريقًا لزواج أو يغلقه، يحمي سمعة بيت أو يعرّيه أمام الآخرين. هنا تقترب القصة من منطقة سوسيولوجية مهمة، حيث تتحول المجتمعات الصغيرة إلى شبكات رقابة متبادلة، ويصبح الكلام مؤسسة غير مكتوبة لإدارة السلوك. فالناس لا يحتاجون دائمًا إلى قانون ظاهر كي ينضبطوا؛ تكفيهم أحيانًا عين الحارة، ولسان الحارة، وذاكرة امرأة تعرف كيف تحفظ الخبر ومتى تطلقه.

وقد أحسنت المزروعي في جعل هذه السلطة ناعمة وغير مباشرة. أمونة لا تبدو شخصية قهرية أو متسلطة بالمعنى الواضح، وإنما تمارس أثرها من خلال القرب، والأنس، والمزاح، والخدمة، وتلبية الحاجات. هذه هي خطورة الشخصية وجمالها الفني في آن واحد. فهي لا تفرض نفسها على البيوت، وإنما تدخل إليها من منطقة الحاجة والرغبة. النساء يحتجن ما تحمله، ويحتجن أيضًا ما تعرفه؛ يحتجن القماش والخبر معًا. ومن هذه الثنائية يتكون موقع أمونة. إنها تحمل سلعة مرئية وسلعة غير مرئية. الأولى تُشترى بالمال، والثانية تُتداول بالحذر والرغبة والفضول.

وتزداد كثافة النص حين تنتقل القصة من وصف الدور الاجتماعي لأمونة إلى كشف شرخها الداخلي. المفارقة الدرامية المركزية في القصة تقوم على أن المرأة التي تقرأ الحارة كلها تعجز عن قراءة بيتها، وأن التي تعرف أسرار الآخرين تقف مرتبكة أمام سر قريب منها، وأن التي رتبت الزيجات، وقرأت الرغبات، وفهمت الهمس، تجد نفسها أمام جرح شخصي يعطل جهازها كله. هذه المفارقة تمنح النهاية بعدها التراجيدي، لأنها تضرب الشخصية في مصدر قوتها ذاته. فالمعرفة التي صنعت نفوذ أمونة تصبح عاجزة أمام المساحة الأكثر قربًا منها. وكلما بدا حضورها في الخارج واسعًا، تكشف النهاية أن الداخل الشخصي ظل منطقة عتمة.

في هذه النقطة تحديدًا تنتقل القصة من حكاية شعبية قائمة على الطرافة والتفصيل إلى بناء تراجيدي يكشف هشاشة السيطرة الاجتماعية. فأمونة التي تمارس نوعًا من الرقابة على الحارة، وتعرف حركة النساء والبيوت، تواجه لحظة لا تكفي فيها خبرتها. الجرح المرتبط بالأمومة، والجسد، والزواج، والخيبة، يجعل الشخصية تنكشف أمام القارئ بوصفها كائنًا هشًا، لا مجرد امرأة نافذة داخل فضاء شعبي. وهنا تتجاوز القصة الرؤية المبسطة للشخصية الشعبية، وتمنحها عمقًا إنسانيًا واضحًا. فالقارئ لا يرى أمونة من الخارج فقط، حاملة البقشة وصانعة الأخبار، وإنما يراها من الداخل أيضًا، امرأة مثقلة بما لم تستطع معرفته أو منعه أو ترميمه.

لغة فاطمة المزروعي في «بقشة أمونة» تمتلك طاقة تصويرية واعية. فهي تستثمر المفردة الشعبية من دون أن تجعلها معجمًا تراثيًا موضوعًا للزينة. المفردات تنبع من حركة العالم نفسه. حين تظهر البقشة، أو المندوس، أو البخور، أو القهوة، أو الفريج، فإنها تدخل إلى النص بوصفها جزءًا من نظام العيش، ومن علاقة الناس بالمكان، ومن الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة داخل البيوت. وهذا يمنح اللغة ملمسًا محليًا واضحًا. المحلية هنا ليست انغلاقًا، وإنما طريق إلى الكوني، لأن القصة كلما توغلت في تفاصيل الفريج الإماراتي اقتربت من أسئلة أوسع تتصل بالسلطة والسمعة والخوف، والحب والخيبة والمعرفة.

ومن الأمثلة اللافتة في النص أن الكاتبة تجعل الشيء الصغير يفتح طبقة اجتماعية كاملة. البقشة، مثلًا، تختصر اقتصاد النساء في الحارة؛ فهي تقيم علاقة بين البائعة والبيت، وبين الرغبة والقدرة، وبين الزينة والمكانة. المجلس النسائي يكشف نظام تداول الخبر، إذ يصبح الكلام وسيلة لتثبيت المكانة أو خلخلتها. الخادمة تفتح زاوية أخرى تتصل بانتقال الخبر بين الداخل والخارج، لأن موقعها داخل البيت يمنحها معرفة قريبة، لكنه يضعها أيضًا في مرتبة اجتماعية هشة. أما حق الليلة فيستدعي طبقة احتفالية من الذاكرة، حيث تتداخل الطفولة والدين والعادة والفرح الجماعي في مشهد واحد. هذه العناصر تمنح النص كثافته، لأنها تجعل التراث يتحرك داخل الحدث، ويتحول إلى جزء من شبكة الفعل، بدل أن يبقى مادة وصفية مستقلة عن السرد.

وتقترب المزروعي في هذه القدرة على بناء العالم من خلال التفاصيل اليومية من حسّ الكاتبة الكندية أليس مونرو، من جهة تحويل الهامشي إلى باب لكشف البنية العميقة للعلاقات. مونرو اشتغلت طويلًا على المدن الصغيرة، والعائلات، والنساء، والأسرار، والذاكرة اليومية، وصنعت من العلاقات العادية مادة لكشف السلطة والرغبة والكبت والخسارات الصغيرة. وفاطمة المزروعي، في «بقشة أمونة»، تتحرك في مجال مختلف ثقافيًا وجغرافيًا، لكنها تلتقي مع هذا الحس السردي في الانتباه إلى أن الحياة الكبرى لا تظهر دائمًا في الوقائع الضخمة، وإنما في النظرة العابرة، وفي الزيارة النسائية، وفي قطعة قماش، وفي خبر ينتقل من بيت إلى بيت، وفي امرأة تبدو هامشية ثم يتضح أنها تمسك بخيوط كثيرة من المجال الاجتماعي.

غير أن خصوصية المزروعي تظل نابعة من محليتها الكثيفة. فهي لا تكتب عن الحارة من الخارج، ولا تقدمها بوصفها مشهدًا تراثيًا مكتملًا وجاهزًا للعرض، وإنما تكتبها من داخل نبضها اليومي. لذلك تبدو أمونة شخصية مصنوعة من اللغة والحركة والأشياء معًا. هي لا تُعرّف عبر الوصف المباشر فقط، وإنما عبر طريقة عبورها بين البيوت، وعبر علاقتها بالنساء، وعبر البقشة التي تحملها، وعبر قدرتها على الإصغاء، وعبر الصمت الذي يسبق الخبر. هذه طريقة فنية ناجحة في بناء الشخصية، لأنها تجعل القارئ يكتشف أمونة من خلال أثرها في الآخرين، ومن خلال الطريقة التي تتحرك بها الحارة حولها.

ومع هذه القوة، يظل النص قابلًا لملاحظة فنية تتصل بالإيقاع. بعض المقاطع التفسيرية تميل إلى إبطاء الحركة الدرامية، خصوصًا حين يطغى الشرح التراثي على توتر الحدث. القصة تكون أكثر قوة حين تترك الشيء يعمل داخل المشهد، وحين تجعل القارئ يفهم وظيفة البقشة أو المندوس أو الفريج من خلال الفعل السردي نفسه. ومع ذلك، فإن هذا الميل التوثيقي لا يضعف مشروع القصة في مجمله، لأن فاطمة المزروعي تكتب ضمن أفق واضح لصيانة الذاكرة الشعبية، وتدرك أن الحكاية هنا تقوم أيضًا بوظيفة حفظ عالم مهدد بالتلاشي. القيمة الفنية تتحقق حين يندمج التوثيق بالشخصية والحدث، وقد نجحت القصة في مواضع كثيرة في تحقيق هذا الاندماج.

إن أهمية «بقشة أمونة» أنها تقدم نموذجًا للسرد الشعبي القادر على الاشتغال النقدي. فهي لا تكتفي باستدعاء ملامح الماضي، ولا تركن إلى حنين سهل إلى الحارة القديمة، وإنما تكشف أن ذلك العالم كان محكومًا بشبكات دقيقة من العلاقات والسلطة والمعرفة. الحارة في القصة ليست مكانًا بريئًا، وإنما مجال اجتماعي له عيونه وذاكرته وأحكامه، والمرأة الشعبية ليست زينة فلكلورية، وإنما فاعلة داخل هذا المجال، تؤثر وتتأثر، تحفظ وتهدد، تصلح وتربك، تعرف وتعجز عن المعرفة.

ومن هنا تبدو أمونة شخصية قابلة للبقاء في ذاكرة القارئ. فهي لا تعيش لأنها تحمل بقشة فقط، وإنما لأنها تحمل مجتمعًا كاملًا فوق كتفها. تحمل اقتصادًا صغيرًا، وذاكرة نسائية، وخرائط بيوت، وأسرار زواج، وخيبات مكتومة، وروائح مجالس، وخوفًا دفينًا من الفضيحة. وبقدر ما تمنحها هذه الحمولة قوة داخل الحارة، فإنها تجعل سقوطها الداخلي أشد إيلامًا. لقد صنعت أمونة حياتها من معرفة الآخرين، ثم كشفت القصة أن الإنسان قد يكون أعمى في أقرب نقطة إليه. في هذه المفارقة تكمن قوة النص، وفيها أيضًا تتجلى مهارة فاطمة المزروعي في تحويل الحارة من فضاء للذكرى إلى مختبر اجتماعي، وتحويل البقشة من غرض عابر إلى بنية سردية تحمل ذاكرة المكان وسلطته وجرحه.

***

غسان علي عثمان

قراءة سيميائية وسردية ونفسية في قصة «جريمة قط» لهدى عزالدين محمد

تبدو قصة «جريمة قط» للكاتبة المصرية هدى عزالدين محمد، للوهلة الأولى، حكايةً بسيطة تتكئ على الخوف من أصوات الحيوانات، وحكايات الجدّة، وخرافات الصديقة، ثم تنتهي بموت جارٍ وشابٍّ عاقّ. غير أن هذه البساطة الظاهرية تخفي بنيةً سردية أكثر تعقيداً؛ إذ تنقل القصة القارئ من فضاء الخوف الغريزي إلى فضاء الشك، ومن الشك إلى التفسير، ومن التفسير إلى وهم امتلاك الحقيقة، قبل أن تقلب النهايةُ جميع الاحتمالات رأسًا على عقب.

فـ«الجريمة» في القصة ليست جريمة قتل بالمعنى الواقعي، وإنما هي جريمة التأويل المتعجل؛ جريمة أن يملأ الإنسان فراغ المعرفة بالظنون، وأن يحوّل الأصوات الغامضة إلى علامات، والعلامات إلى نبوءات، والنبوءات إلى يقين مؤقت.

ومن هنا تتأسس القيمة الدلالية للقصة على سؤال جوهري: هل نحن الذين نكتشف معنى الأحداث، أم أننا نصنع المعنى ثم نجبر الأحداث على أن تنصاع له؟

أولاً: العنوان بوصفه عتبةً مضلِّلة:

يحمل عنوان القصة: «جريمة قط» كثافةً إيحائية واضحة. فالتركيب يضع «الجريمة» في علاقة مباشرة بـ«القط»، فينشأ لدى القارئ منذ البداية انتظارٌ لحدث جنائي.

غير أن القصة لا تمنحنا جريمةً بالمعنى المتعارف عليه، بل تجعل القط مدخلًا إلى عالم من الخوف والتوجس والاعتقاد. وهنا يمارس العنوان وظيفة المراوغة الدلالية؛ إذ يبدو أنه يحيل إلى حادثة، لكنه في العمق يحيل إلى طريقة اشتغال الوعي البشري حين يواجه المجهول.

فالقط لا يرتكب الجريمة، وإنما يصبح متهمًا رمزيًا داخل مخيلة الساردة.

وهذه المفارقة بين العنوان والمتن تجعل العنوان جزءاً من استراتيجية النص في بناء الالتباس؛ فالقطط ليست سوى أصوات في الظلام، لكن المخيلة تمنحها وظيفةً أكبر من حقيقتها.

ثانياً: السارد وعينٌ ترى أكثر مما تعرف

تُروى القصة بضمير المتكلم، الأمر الذي يجعل القارئ أسيراً لحدود معرفة الساردة.

وهذه نقطة فنية مهمة؛ فالساردة لا تعرف الحقيقة كاملة، وإنما تلتقط شذرات من الأصوات والأحاديث والمشاهد، ثم تحاول تركيبها. لذلك فإننا لا نقرأ العالم كما هو، بل كما يصل إلى وعي الساردة.

إنها لا تقول: هذا ما حدث، وإنما تقول، في جوهر تجربتها: سمعت، تخيلت، شككت، تساءلت، انتظرت.

وهذا النوع من السرد يخلق مسافةً بين الواقع وإدراك الواقع؛ وهي المسافة التي تتحرك فيها القصة بأكملها.

فالحدث الخارجي محدود، لكن الحدث النفسي واسع؛ وما يتغير باستمرار ليس العالم، بل تفسير الساردة للعالم.

ثالثاً: الصوت بوصفه علامةً مركزية

من أبرز العناصر الفنية في القصة حضور الصوت.

نسمع:

- مواء القطط.

- عواء الكلب.

- بكاء الرجل المسن.

- سباب الابن.

- صراخ الأب.

- أصوات الجيران.

- الثرثرة والحكايات.

وهكذا تتحول القصة إلى ما يشبه فضاءً سمعياً أكثر منه فضاءً بصرياً.

واللافت أن الساردة لا ترى معظم الأشياء مباشرة؛ إنها تسمعها، ثم تبني صورتها في المخيلة.

لذلك يصبح الصوت في القصة علامةً غير مكتملة، تحتاج إلى تأويل. والإنسان، حين يواجه العلامة الغامضة، يبدأ في إنتاج الاحتمالات.

من هنا يمكن القول إن القصة تبني توترها الأساسي على العلاقة بين:

الصوت - التأويل - الخوف - التوقع.

فالقط لا يقول شيئاً، والكلب لا يعلن الموت، والأب لا يقدّم تفسيرًا، لكن الساردة ومن حولها يمنحون هذه الأصوات معاني تتجاوز طبيعتها.

رابعاً: القط والكلب بين الواقع والخرافة

يمثل القط في القصة علامةً مزدوجة.

إنه في المستوى الواقعي مجرد حيوان يتشاجر مع قط آخر، لكن المخيلة الشعبية تمنحه وظيفةً غيبية. وكذلك الكلب الذي يعوي، فتربط الصديقة عواءه بالموت.

وهنا تدخل القصة إلى منطقة التوتر بين العقل والخرافة.

تقول الساردة إنها ضحكت من كلام صديقتها، لأنها اعتادت سماع الخرافات المتوارثة من البيئة البدوية. لكن المفارقة أن خبر وفاة الجار في الصباح التالي يجعل الخرافة تستعيد حضورها في ذهنها.

غير أن الكاتبة لا تثبت الخرافة ولا تنفيها مباشرة؛ بل تترك القارئ أمام المنطقة الرمادية بين المصادفة والتأويل.

وهذه من أجمل مناطق القصة؛ لأنها لا تقدم إجابة جاهزة، وإنما تجعل القارئ يختبر بنفسه قوة المصادفة على العقل.

خامساً: من الخوف إلى المنطق... ثم العودة إلى الشك

تمر الساردة بتحول نفسي واضح.

في البداية:

«كاد النوم يهرب من عيني»

ثم تتنامى المخاوف، وتتداخل الحكايات بالأصوات.

وبعد وفاة الأستاذ حليم تقول:

«وتعلمت أن أبني كل شيء على المنطق»

لكن القصة لا تسمح لها بالاستقرار في منطقة المنطق؛ إذ سرعان ما يعود الشك مع الرجل المسن وابنه، ثم حادث الشاب، ثم موته.

وهكذا تصبح رحلة الساردة رحلةً بين قطبين:

الخرافة - المنطق - الشك.

وهذه الحركة هي العمود الفقري النفسي للنص.

فالعقل لا يستطيع دائمًا أن يلغي المخيال، كما أن الخرافة لا تستطيع دائماً أن تنتصر على المنطق.

سادساً: المكان بوصفه فضاءً للرعب

المكان في القصة ليس محايدًا.

بيت الجدة، ودورة المياه المظلمة، وسلّم العقار، ونافذة الشك، ومدخل العقار، كلها أمكنة مشحونة نفسياً.

واللافت أن القصة تجعل سلّم العقار مركزاً رمزياً مهماً:

«سُلَّم العقار أصبح وكراً للقطط»

فالسلّم مكان للعبور بين الطوابق، لكنه هنا يتحول إلى منطقة معلقة بين الأعلى والأسفل، بين الخاص والعام، بين الأسرار المنزلية والفضاء المشترك.

إنه مكان تسمع فيه الساردة ولا ترى، وتلتقط منه الأصوات دون أن تمتلك الحقيقة.

وهكذا يصبح المكان امتدادًا للحالة النفسية.

سابعاً: النافذة التي يطل منها الشك

من أجمل الصور الدلالية في القصة قول الساردة:

«والضجيج المنبعث من نافذة الشك»

فالشك هنا لم يعد حالةً نفسية مجردة، بل أصبح نافذة.

وهذه الصورة تمنح الشك وظيفة مزدوجة: فهو من جهة نافذة تطل منها الساردة على العالم، ومن جهة أخرى نافذة لا تمنحها رؤية واضحة.

إنها ترى من خلالها، لكنها لا ترى الحقيقة.

وهنا يتحول الشك من مجرد موقف إلى مكان معرفي تقيم فيه الساردة

ثامنا: الأب والابن... من الحكم الأخلاقي إلى مأساة الفقد

تدخل القصة في مرحلتها الأكثر عمقًا عندما يظهر الأب وابنه.

في البداية يبدو الابن عاقًا:

«ينال عقاب عقوق والده الشيخ المريض؟»

والسؤال نفسه يحمل حكماً أخلاقيًا مسبقاً.

لكن الحادث يغير الصورة؛ فالابن يصبح مشلولًا، ثم يموت، ويظهر الأب في النهاية صارخًا على فراقه.

هنا تنقلب المعادلة:

كان الابن في نظر الساردة عاقاُ، لكنه في لحظة الموت يصبح ابنًا مفقوداً.

وهذه النقلة تكشف إحدى أهم أفكار القصة: الإنسان أكثر تعقيداً من الحكم الذي نصدره عليه من خلف الجدران.

فالساردة كانت تسمع السباب والصراخ، لكنها لم تكن تعرف ما وراءهما.

والموت وحده هو الذي أسقط الحواجز وكشف هشاشة التصنيفات.

تاسعاً: الجريمة الحقيقية

هنا نصل إلى جوهر العنوان.

ما الجريمة التي يتحدث عنها النص؟

ليست جريمة القط، لأن القط لم يرتكب شيئًا.

وليست جريمة الابن، لأن القصة لا تمنحنا دليلًا كافيًا على أن عقوقه هو الحقيقة الكاملة.

إن الجريمة الأعمق هي جريمة الظن.

فالإنسان حين لا يعرف، يميل إلى صناعة تفسير؛ وحين يتكرر التفسير، يتحول إلى اعتقاد؛ وحين يستقر الاعتقاد، يصبح حكمًا.

وهكذا ترتكب المخيلة جريمتها في حق الحقيقة.

إن القصة، بهذا المعنى، ليست عن القطط ولا عن الموت بقدر ما هي عن الإنسان الذي يخاف المجهول فيملؤه بالأساطير.

عاشراً: البعد النفسي:

تتحرك الساردة تحت تأثير خوف قديم، ولذلك فإنها لا تستقبل الأصوات بوصفها أصواتًا فحسب، وإنما تستقبلها باعتبارها إشارات.

فالخوف يسبق الحدث، ولذلك يصبح الحدث قابلًا لأن يوافق الخوف.

وهذه آلية نفسية معروفة: حين يخشى الإنسان شيئاً، يصبح أكثر استعداداً لرؤيته في كل علامة تحيط به.

لذلك نجد الساردة تراقب القطط والكلاب وتنتظر «موعدًا» لما يمر به ظنها.

إنها لا تنتظر الحقيقة فقط؛ إنها تنتظر تأكيدًا لتأويلها.

وهنا تكشف القصة كيف يمكن للوعي أن يصبح سجيناً لفرضياته الخاصة.

حادي عشر: الموت بوصفه قوةً لتعرية الحقيقة

الموت في القصة لا يؤدي وظيفة النهاية فقط، وإنما يعمل بوصفه كاشفًا للحقيقة الإنسانية.

وفاة حليم تضع حدًا لتأويل العواء، لكنها لا تلغي السؤال.

وموت الابن يكشف أن وراء الصراخ علاقةً أبويةً لا يمكن اختزالها في كلمة «عقوق».

أما العبارة الختامية:

««بل إنه عاد إلى حياته الآخرة»»

فتفتح بابًا تأويلياً مهماً.

فالموت هنا لا يعني النهاية فقط، وإنما يغيّر معنى الحياة السابقة نفسها. فالأب الذي كان يبكي وينوح، ثم فقد ابنه، يدخل عالمًا آخر من الوحدة.

إن «الحياة الآخرة» يمكن قراءتها بوصفها حياةً بعد فقد الابن، لا بوصفها إحالةً دينية مباشرة فحسب؛ أي حياةً جديدة يفرضها الموت على من بقي.

ثاني عشر: الزمن وبناء التشويق

تتحرك القصة عبر سلسلة من الأحداث المتتابعة، لكنها لا تعتمد على كثرة الأحداث بقدر اعتمادها على تأجيل المعرفة.

فكل معلومة جديدة لا تغلق السؤال، وإنما تفتح سؤالًا آخر.

صوت القطط - وفاة حليم - صوت الكلب - الشاب العاق - الحادث - الشلل - الموت.

وهذا البناء يجعل القارئ يتحرك مع الساردة داخل دائرة من التوقع.

إن الكاتبة تستخدم تقنية سردية تقوم على إرجاء الكشف؛ فلا تقدم الحقيقة دفعة واحدة، وإنما تجعلها تتشكل تدريجياً من خلال شظايا.

ثالث عشر: اللغة بين الحكي والتأمل

لغة القصة ذات طبيعة سردية مباشرة، لكنها تتخللها تعبيرات ذات كثافة مجازية، مثل:

«جمعت كل ظنوني في بئر الصدفة»

و:

«نافذة الشك»

و:

«كل ما كانت من أثواب الخوف حرقها الموت»

وهذه الصور تنقل اللغة من مجرد نقل الحدث إلى التعبير عن الحالة النفسية.

فالخوف يصبح ثوبًا، والشك يصبح نافذة، والظنون تصبح شيئًا يمكن جمعه في بئر.

وهذه الاستعارات تمنح القصة طبقة شعرية تتجاوز الواقعة.

رابع عشر: السيميائيات اليومية

من أهم ما يميز القصة أنها تبني دلالاتها من أشياء يومية صغيرة:

قط، كلب، سلم، نافذة، مصباح، رائحة، صوت، جنازة، زهور.

لكن هذه الأشياء لا تبقى في مستواها المادي؛ إذ تتحول إلى علامات.

فالزهور، مثلًا، تظهر بعد الجنازة بوصفها بقايا من طقس الموت:

«أشمّ الزهور المتبقية من جنازة حليم»

وهنا تتداخل حاسة الشم مع الذاكرة والموت، فيصبح العطر نفسه أثرًا للحضور الغائب.

خامس عشر: من الخرافة إلى النقد الاجتماعي

لا تقف القصة عند نقد الخرافة، بل تلمح إلى ظاهرة اجتماعية أعمق: فضول الجيران بوصفه آلية لإنتاج الحكاية.

الجدران لا تمنع انتقال الأصوات، والبيوت ليست معزولة تمامًا عن بعضها. ومن خلال هذا التداخل تتكون الحكايات.

لكن الحكاية الشعبية لا تنقل الحقيقة دائمًا؛ إنها تعيد إنتاجها.

وهنا تصبح الجيرة فضاءً لتداول التأويلات، كما تصبح الأذن أداةً لصناعة صورة الآخر.

إننا لا نعرف الجار مباشرة؛ نعرفه من أصواته، ومن حديث الآخرين عنه.

وهذه إحدى أكثر طبقات القصة قربًا من الواقع الاجتماعي.

سادس عشر: دلالة النهاية

النهاية من أكثر مواضع النص إثارةً للتأويل.

بعد موت الابن تقول الساردة إن الصراخ عاد بعد أيام، ثم تتراجع عن تفسيرها الأول:

«لعلَّ الأب رجع إلى عادته القديمة، لا بل إنه عاد إلى حياته الآخرة...»

إن الانتقال من «عاد إلى عادته» إلى «عاد إلى حياته الآخرة» يمثل لحظة نضج في وعي الساردة.

فهي لم تعد تريد أن تفسر الصوت بسرعة.

لقد تعلمت أن وراء كل صوت قصة، وأن وراء كل سلوك عالمًا لا تراه.

وهكذا تتطور الساردة من طفلة تخاف من مواء القطط إلى وعيٍ يدرك أن الحقيقة أوسع من الصوت الذي نسمعه عنها.

القيمة الفنية والفكرية للقصة

تكمن أهمية «جريمة قط» في أنها تجعل من حدث صغير مدخلًا إلى أسئلة أكبر: الخوف، والخرافة، والمصادفة، والقدر، والظن، والموت، والحكم على الآخرين.

والقصة لا تقدم فلسفة جاهزة، بل تجعل القارئ يعيش التجربة نفسها: يسمع صوتًا، يتوقع، يفسر، ثم يكتشف أن تفسيره لم يكن كاملًا.

وهنا تكمن قوتها الأساسية.

إنها قصة عن الإنسان حين يحاول أن يفهم العالم بأدوات ناقصة.

ملاحظات نقدية وتقويمية؛

تملك القصة فكرةً مركزية خصبة، وبناءً يقوم على التشويق وتأجيل المعرفة، كما تمتلك مجموعة من العلامات السيميائية القابلة للتأويل، ولا سيما القطط والكلاب والأصوات والظلام والنافذة والسلم والموت.

غير أن النص، فنياً، يمكن أن يستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي والتكثيف السردي، ومن ضبط بعض التراكيب اللغوية والنحوية، وتقليل الانتقال المباشر بين بعض الأحداث. كما أن بعض المواضع تخبر القارئ بما يمكن للسرد أن يجعله يكتشفه بنفسه.

ولو اتجهت الكاتبة إلى مزيد من الإضمار، ومنحت القارئ مساحةً أوسع للاستنتاج، فإن القصة ستصبح أكثر توهجًا وأشد قدرة على إنتاج الدهشة.

فالقصة القصيرة، كلما وثقت بذكاء قارئها، ازدادت قدرتها على الإيحاء.

خاتمة:

«جريمة قط» ليست قصةً عن قطٍّ أسود، ولا عن عواء كلب، ولا عن موت جار أو شاب؛ إنها قصة عن العقل حين يخاف من الفراغ المعرفي، فيملؤه بالظنون.

لقد وضعت هدى عزالدين محمد بطلتها أمام عالم لا تستطيع أن تراه كاملًا، فحولت الأصوات إلى علامات، والعلامات إلى أسئلة، والأسئلة إلى احتمالات. وفي النهاية، لم تمنحها الحقيقة كاملة، وإنما منحتها ما هو أعمق من الحقيقة الجاهزة: وعيَ حدود المعرفة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من النص أن الإنسان لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما تسمح له مخاوفه وذاكرته وخبرته أن يراه.

فالقط لم يكن مجرمًا، والكلب لم يكن نذير موت، والابن لم يكن مجرد «عاق»، والأب لم يكن مجرد رجل يصرخ.

لقد كانت الجريمة الحقيقية أن نحاكم ما لا نعرفه بما نظنه.

ومن هنا يصبح عنوان القصة مفارقةً كاملة:

«جريمة قط»... حين لا يكون المجرم قطًّا، بل الظنُّ نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

جريمة قط 

بعد أن انتصف الليل وأنا في بيت جدتي كاد النوم يهرب من عيني، أتابع حديث عمتي وجدتي عمّا رأه جارهما الساكن في الدور الأرضي، ومع كل كلمة كنت مع المتبقي من خوفي أرسم مشهداً من خيالي، عندما رأيت تلك القطة السوداء تحاول الشجار مع قطّ تلوّن فراؤه باللونين الأبيض والأسود؛ لكنَّ أصوات القطط تُفزعني وأنا أحاول أن أجد تفسيرا لتلك الاصوات كأنها تعلن عن حدوث جريمة ما، ورجعت بالمتبقي من حديث سمعتُه عن دورة المياه المظلمة دائما أو ربما نجد به مصباحا لا نرى منه كفّ يد؛ لكنني لا أنعى خوفي؛ بل رتبت له خطة ومع كل ليلة أبحث من جديد عن مواء القطط.

كل هذا سابق لتلك الليلة التي كنت مع صديقتي في مكالمة هاتفية، وسمعنا صوت كلب أشبه بصوت ذئب يعوي؛ لكنها قالت في فزع عجيب، هذا العواء دليل على قدوم الموت، هذا اليوم

ضحكت من كلامها وقد اعتدت أن أسمع منها عن الخرافات التي توارثتها من بيئتها البدوية.

في الصباح الباكر استيقظت على خبر وفاة جارنا العزيز الأستاذ حليم، جمعت كل ظنوني في بئر الصدفة، وتعلمت أن أبني كل شيء على المنطق، اختفى صوت القطط، واستبدل بصوت رجل مُسنّ اعتاد البكاء والنحيب كل ليلة وابنه الوحيد يبادله السباب، ومع أول سؤال عن هذه العادة لم ولن أنال إجابة كافية.

  سُلَّم العقار أصبح وكرا للقطط، وأنا مع الحكايات من جدتي وحديث صديقتي أنتظر جديدا لا أصرّح به، وأنفاسي لم تعلن توبتها عن شمّ رائحة الجيران، والضجيج المنبعث من نافدة

الشكّ، لم ألمس يقينا بعد، أتنهّد وأعدّ الأسئلة: هل هذا الشاب، سليط اللسان ينال عقاب عقوق والده الشيخ المريض؟.

تمرّ الأيام سريعا كي أجمع صوت الحقّ، لقد أصيب الشاب في حادث سير مروِّع وأصبح يلعن الجميع، وعلى الرغم من بكاء الأب وصراخ الابن؛ أصيب بجروح خطيرة، وفي عبارة أخرى قالها الطيب: لقد أصيب الشاب بشلل رباعيّ.

كنت أراقب صوت القطط والكلاب لعلّي أعرف موعدا محدّدا لما يمرّ به ظنّي، وهل تضع الدنيا شروطها على رقاب العباد، أو يلعب معه القدر لعبته ويهب له الشفاء؟.

لا تستطيع مخيلتي أن ترسم نهاية ما، أمارس الصمت وفقدان الثرثرة، حمدت الربّ عليه

وأشمّ الزهور المتبيقة من جنازة حليم وأنا أذكره في حديثي،  بمدخل العقار سمعت صوت صراخ ترتجف له الأبدان: لقد مات الشاب منذ دقائق.

الصراخ من قلب الأب على فراق ابنه العاقّ، كل ما كانت من أثواب الخوف حرقها الموت،

وها هو الصراخ مجددا بعد عدة أيام؛ لعلَّ الأب رجع إلى عادته القديمة، لا بل إنه عاد إلى حياته

الآخرة...

***

هدى عزالدين محمد

تجلى بطل الرواية الروسية في القرن الحادي والعشرين ككائن غارق في لجة التأمل الذاتي، ومثقل بالندوب النفسية، وتائه في غيابات عصر تتقاطع فيه الهزات التاريخية العنيفة مع الثورة الرقمية العارمة وأزمات القيم الكونية الكبرى.

لم يعد هذا البطل يحمل ملامح العامل او الكلخوزي المندفع من اجل البناء الاشتراكي، بل غدا في الأغلب مراقباً متوجساً، أو ضحية لظروف قاهرة، أو منقباً في دهاليز الماضي السحيق بحثاً عن هوية ضائعة. وتتبدى أولى تمثلات هذا البطل المعاصر في شخصية "إنسان الذاكرة" الذي ينوء بعبء التاريخ الجماعي أو العائلي، محاولاً فك شفرات صدماته الروحية الخاصة، حيث يرتدي عباءة المؤرخ أو الأرشيفيّ أو الشاهد ليتشبث بأوتاد الماضي حين تمور الأرض تحت قدميه في حاضر متقلب، تماماً كما يتجسد في روايات يفجيني فودولازكين.

صاغ الكاتب الروسي المعاصر يفجيني فودولازكين شخصياته الروائية بأسلوب يمزج بين الروحانية الأرثوذكسية الشرقية والعمق الفلسفي الإنساني، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية كباحث في تاريخ روسيا القديم وأدبها القروسطي. هذا المزيج الفريد يجعل شخصياته تبتعد تماماً عن النمطية الاجتماعية المعتادة، لتتحول إلى نماذج إنسانية تبحث عن الخلاص، التكفير عن الذنب، ومفهوم الأبدية في عالم يضج بالتحولات التاريخية والسياسية الصاخبة.

تبدأ رحلة البطل عند فودولازكين في كثير من الأحيان من نقطة انكسار حادة أو خطيئة كبرى غير مقصودة، تضع الشخصية في مواجهة مباشرة مع ضميرها. يتجلى هذا بوضوح في روايته الشهيرة "لافر"، حيث ينطلق البطل "أرسيني" في رحلة تكفيرية طويلة وشاقة لإنقاذ روح حبيبته التي ماتت بسببه دون زواج أو طقوس دينية. هذا السعي نحو الطهارة الروحية يدفع الشخصية إلى التخلي الكامل عن الأنا وعن الممتلكات المادية، وتبني سلوك "المتباله" أو "المجنون المقدس"؛ وهو مفهوم تراثي روسي يظهر فيه الشخص بمظهر الأبله أمام المجتمع بينما يخفي في داخله حكمة وبصيرة روحية فائقة. ولتأكيد هذا التحول الروحي المستمر، لا تعيش الشخصية بهوية واحدة جامدة، بل تتبدل أسماؤها عبر مراحل حياتها المختلفة لتعكس ولادتها الجديدة في كل مرحلة.

وتختلف شخصيات الكاتب الروسي رائد الحداثة المعاصرة فيكتور بيليفين تماماً عن شخصيات فودولازكين الروحية؛ فأبطال بيليفين يعيشون في عوالم سريالية، رقمية، ومابعد حداثية  يمزج بيليفين في بناء شخصياته بين الفلسفة البوذية، السخرية السياسية اللاذعة، وثقافة الإنترنت والذكاء الاصطناعي، ليخلق أبطالاً يجسدون أزمة الإنسان المعاصر في عصر الرأسمالية المتوحشة والتكنولوجيا  يتحرك أبطال فيكتور بيليفين في فضاء روائي فريد يقع عند تقاطع الخيال العلمي، الفلسفة الشرقية (خاصة البوذية)، والواقع الروسي المعقد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إذا كان أبطال الأدب الكلاسيكي يبحثون عن الإيمان أو الهوية، فإن بطل بيليفين يبحث دائماً عن حقيقة وجوده في عالم يراه عبارة عن "وهم كبير" أو محاكاة رقمية مصطنعة. البطل عنده غالباً شخص عادي، أو موظف في مجالات معاصرة مثل الإعلانات، العلاقات العامة، أو البرمجة، يُساق فجأة نحو اكتشاف أن الواقع الذي يعيش فيه ما هو إلا خديعة كبرى تديرها قوى

السمة الأبرز لأبطال بيليفين هي الوعي المشتت والشك في الواقع.

وتُمثل الحقبة السوفياتية، بكل ما حملته من تحولات أيديولوجية هائلة ومآسٍ إنسانية مروعة، مادة خصية وملهمة للأدب الروسي المعاصر. وفي قلب هذا التوجه الأدبي الحديث، تبرز الكاتبة الروسية التتارية "غوزيل ياخينا" كواحدة من أهم الأصوات الروائية التي أعادت صياغة التاريخ السوفياتي بلغة إنسانية آسرة ومفهومة للقارئ العالمي والعربي. تتناول ياخينا في مشروعها الأدبي، ولا سيما في روايتها الشهيرة "زليخة تفتح عينيها" أو "أولادي"، الآثار المدمرة للسياسات الستالينية مثل "نزع ملكية الاراضي" والتهجير القسري إلى غياهب سيبيريا إبان ثلاثينيات القرن الماضي. لكن الخصوصية التي تطرحها ياخينا تكمن في رفضها لتقديم صراع مسطح بين خير مطلق وشر مطلق؛ فهي تمنح شخوصها—سواء كانوا ضحايا مثل القروية التتارية الأمية "زليخة"، أو جلادين مثل القائد السوفياتي "إيغناتوف"—أبعاداً رمادية معقدة تفيض بالضعف الإنساني والصراع الداخلي.

ويمكن القول إن أبطال اتجاه "الواقعية الجديدة" في الرواية الروسية المعاصرة، والذين يتحركون في نصوص زاخار بريليبين ورومان سينتشين وأقرانهم، يمثلون صرخة احتجاجية حادة وضاربة في العمق ضد زيف العصر الاستهلاكي، متحررين تماماً من عباءة ما بعد الحداثة التي أغرقت الأدب العقود الماضية في ألاعيبها اللفظية وتجريدها البارد. إن بطل الواقعية الجديدة هو إنسان الإحباط والصدق العاري في آن واحد، كائن ممزق يعيش على تخوم المجتمع الروسي بعد التفكك، حيث يتنفس هواء مقاطعات روسية منسية أو يضيع في أزقة المدن التي طحنتها الرأسمالية المتوحشة. هؤلاء الأبطال، مثل "سانكيا" عند بريليبين، ليسوا مجرد متمردين سياسيين، بل هم باحثون عن ميتافيزيقيا العدالة المفقودة، مدفوعون برغبة انتحارية تقريباً لتدمير الواقع القائم في سبيل استعادة ناصية الحق والكرامة الإنسانية، حتى وإن قادهم هذا الطموح الروحاني العنيف إلى العدمية أو المواجهة الدامية مع الدولة. وفي المقابل، يتجلى بطل رومان سينتشين، كما في ملحمته العائلية "أولاد يلتشينوف"، كجسد ينهشه الخمول الروحي واليأس الوجودي؛ إنه بطل "الرجل الضائع" الذي لا يملك حتى طاقة التمرد، بل يكتفي بجرّ أذيال الخيبة وسط انهيار الروابط الأسرية وجفاف القرية الروسية، مما يجعله مرآة تراجيدية لواقع لا يرحم الضعفاء.

وقد أفرز هذا الصعود ملامح جديدة صبغت الفانتازيا المعاصرة بطابع مغاير؛ حيث برزت "الواقعية شديدة القسوة" التي تخلت عن ثنائية الخير المطلق والشر المطلق لصالح عوالم رمادية وسوداوية أخلاقياً، وتراجعت الهيمنة الغربية التقليدية أمام "فانتازيا الشعوب" المستوحاة من الأساطير المحلية والأفريقية والآسيوية. كما واكب الخيال العلمي قضايا العصر لينتج "الخيال العلمي المناخي" الذي يركز على كوارث التغير المناخي ونهاية العالم البيئية، ليلتقي هذا كله في النهاية لصناعة مشهد أدبي جديد يوازن بدقة بين مرارة الواقع المعيش وعظمة العوالم الميتافيزيقية والخيالية الخفية.

***

د. فالح الحمـــراني

"المماشي المعتمة" أو ("الدروب الظليلة" كما تُرجمت إلى العربية) هو عنوان مجموعة قصصية رائعة للكاتب الروسي إيفان بونين (1870–1953)، الحائز جائزة نوبل في الأدب عام 1933. وقد أطلق النقاد على هذه المجموعة، التي تُعد من أهم أعماله في مرحلته الأدبية المتأخرة، اسم «موسوعة الحب»، لأنها تقدم، من خلال قصص مكثفة وعميقة، صوراً متعددة للحب الإنساني، ولا سيما الحب المستحيل والعابر والمأساوي، بلغة نثرية تقترب في رهافتها وكثافتها من الشعر.

كتب بونين قصص هذه المجموعة بين عامي 1937 و1945، في باريس وغراس. وقد أمضى سنوات الحرب العالمية الثانية في مدينة غراس جنوب فرنسا، في ظروف مالية بالغة الصعوبة. وهناك، وسط العزلة والقلق، أخذ يتأمل ما فقده في حياته: وطنه، وشبابه، وأحباء غادروا أو رحلوا، وأحلاماً لم يعد تحقيقها ممكناً. ومن هذه الذاكرة الجريحة، ومن إحساسه العميق بمرور الزمن، تشكّل عالم «المماشي المعتمة».

بطلات هذه القصص نساء وفتيات روسيات، مختلفات في طباعهن وظروفهن ومصائرهن، لكنهن جميعاً آسِرات، ويتركن أثراً عميقاً في الذاكرة. وفي معظم هذه الحكايات يظهر الحب فجأة، عارماً ومضيئاً، ثم لا يلبث أن ينطفئ أو يُنتزع من أصحابه بفعل الفراق أو الخيانة أو قسوة الظروف أو الموت. لذلك تكاد قصص بونين تخلو من حب ينتهي بالسعادة والاستقرار. فالحب عنده ليس طريقاً مضموناً إلى السعادة، بل هو لحظة نادرة ومكثفة من اكتمال الحياة، سرعان ما يهددها الزمن بالفناء.

وهنا تتجلى واحدة من أهم الثيمات في إبداع بونين: الحب والموت. فهما ليسا موضوعين منفصلين في عالمه، بل قطبان متداخلان، يكشف كل منهما معنى الآخر. الحب عند بونين أقوى المشاعر الإنسانية وأكثرها قدرة على منح الحياة معناها، لكنه في الوقت نفسه هشّ، محكوم بالفناء، وعاجز في نهاية المطاف عن مقاومة الزمن والموت. ومن هنا يكتسب الحب، في ظل الموت، قيمة استثنائية؛ فالإنسان لا يدرك جمال اللحظة العاطفية كاملاً إلا عندما يشعر بأنها مهددة بالضياع.

ولا يمثل الموت في قصص بونين مجرد نهاية للحياة الجسدية أو خاتمة للأحداث، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى قوة خفية ترافق الشخصيات منذ البداية. إنه حاضر في خلفية الحب، وفي لحظات الفرح، وفي ذكريات الماضي. وقد يكون موتاً خاطفاً ومأساوياً، أو موتاً بطيئاً ومضنياً، لكنه في الحالتين يذكّر الإنسان بأن كل ما هو جميل وعزيز معرض للزوال. ومن هنا يتولد ذلك الحزن الرقيق الذي يميز عالم بونين، حيث تمتزج اللذة بالألم، والذكرى بالفقدان، والحب بالخوف من نهايته.

فأبطال بونين لا يعيشون الحب بوصفه عاطفة رومانسية بسيطة، وإنما بوصفه تجربة تهز أعماق الإنسان وتكشف هشاشته. إنهم يخطئون، ويترددون، ويخونون، ويتألمون، ويفقدون من يحبون، لكن مشاعرهم، رغم تناقضاتها، تظل مشاعر بشرية حقيقية وعميقة. وبونين لا يميل إلى تمجيد الحب أو تجميله، بل يكشف تعقيداته وأوهامه وقوته المدمرة أحياناً، من دون أن يفقد إيمانه بأن الحب الصادق هو إحدى أسمى التجارب التي يمكن للإنسان أن يعيشها.

وعندما يدخل القارئ عالم بونين، يجد نفسه في فضاء حسي نابض بالحياة. يرى الغابات الروسية وبحيراتها، والأشجار الظليلة، والحدائق الصيفية، ويسمع تغريد الطيور، ويشم روائح الأعشاب والزهور، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الشخصيات أحزانها وأفراحها. ويستطيع بونين، بعبارات قليلة، أن يجعل القارئ قريباً جداً من لحظة عاطفية عابرة، لكنها تظل محفورة في الذاكرة إلى الأبد.

ففي «ضربة شمس» مثلاً، ينشأ حب خاطف بين رجل وامرأة على متن باخرة في نهر الفولغا، حب لا يكاد يبدأ حتى يصبح ذكرى مؤلمة. وفي «الفجر طوال الليل» تقضي فتاة مخطوبة لشاب لا تميل إليه ليلة صيفية في حديقة المنزل، وسط جمال الطبيعة وسكون الليل، قبل أن يطلع الفجر حاملاً معه قراراً سيغيّر مصيرها. وفي مثل هذه القصص لا يحتاج بونين إلى المشاهد الصاخبة أو الوصف المبتذل؛ فالإيحاء، والنظرة، والصمت، ورائحة المكان، وتغير الضوء، كلها تصبح أدوات للتعبير عن أعمق الانفعالات.

وتكمن عظمة بونين في أنه يصور الحب الجسدي والعاطفي من دون أن ينزلق إلى الابتذال، ويمنحه بعداً إنسانياً وجمالياً رفيعاً. إنه لا يفصل الجسد عن الروح، ولا الرغبة عن الحزن، ولا السعادة عن احتمال الفقدان. ولذلك تبدو لحظات الحب في قصصه قصيرة، لكنها شديدة الكثافة، كأنها ومضات خاطفة من حياة طويلة.

إن «المماشي المعتمة» ليست، في جوهرها، مجرد مجموعة قصص عن الحب، بل كتاب عن الزمن والذاكرة والفقدان والموت أيضاً. الحب فيها هو الوجه الأكثر إشراقاً للحياة، والموت هو الظل الذي يرافق ذلك الضوء باستمرار. وبينهما يقف الإنسان، مدركاً أن أجمل ما في وجوده هو في الوقت نفسه أكثر الأشياء عرضة للضياع.

ومن خلال أسلوبه الشعري، وقدرته الفائقة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى إشارات ذات دلالة عميقة، يخلق بونين عالماً مفعماً بالحنين والشجن. إنه يجعل القارئ يتأمل في معنى الحب، لا باعتباره وعداً بالسعادة الدائمة، بل باعتباره لحظة نادرة يشعر فيها الإنسان بأنه حيّ تماماً، حتى لو كانت تلك اللحظة محكومة بالنهاية.

وهكذا تصبح «المماشي المعتمة» تأملاً أدبياً وفلسفياً في طبيعة الوجود الإنساني: في الحب الذي يأتي ويذهب، وفي الشباب الذي لا يعود، وفي الوطن الذي قد يتحول إلى ذكرى، وفي السعادة التي لا تستطيع أن تفلت من قبضة الزمن. ولعل سر خلود هذه القصص أن بونين لا يروي لنا حكايات الحب والموت فحسب، بل يذكّرنا، بأسلوب بالغ الصفاء والجمال، بأن كلما نحبه جميل لأنه زائل، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بالحياة، لكنه يستطيع أن يحفظ لحظاتها العميقة في الذاكرة.

***

جودت هوشيار

ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.

ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي (1911 - 2004) والكاتب الفرنسي ألبير كامو (1913 - 1960). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.

التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة، بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.

عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.

أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.

المسعدي كاتبٌ لا يمكن قراءته باعتباره مُجرَّد روائي يحكي حكايات، لأنَّ أعماله الكُبرى تبدو كأنَّها مختبرات للوجود الإنساني. شخصياته لا تتحرك ببساطة داخل أحداث متتابعة، وإنما تدخل في امتحانات قاسية. عَالَمُه الروائي لا يجيب عن أسئلة شخصياته بسهولة. شخصياته تُلْقَى في مواجهة أسئلة أكبر منها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاختيار، حتى عندما يكون كُلُّ اختيار محفوفًا بالخسارة.

والمسعدي، مِثل كامو، يعرف أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون أن يصطدم بحدوده. يَعرف أنَّ الموت لَيس حدثًا بعيدًا يأتي في نهاية الطريق فقط،بلْ قوة حاضرة في الوعي مُنذ البداية. ويعرف أنَّ الإرادة الإنسانية جميلة ومأساوية في الوقت نَفْسِه، لأنَّ الإنسان يريد بلوغَ ما قدْ يتجاوز قدرته. والمسعدي لا يُقَدِّم تصوُّرًا سهلًا للعبث، فشخصياته لا تقف أمام الفراغ مكتوفة الأيدي، إنَّها تريد أن تفعل، وتتجاوز، وتصنع. وقدْ تكون مأساةُ الإنسان هي أنَّه لا يستطيع التوقفَ عن الرغبة حتى حين يعرف أنَّ النهاية قد تكون الهزيمة.

جاء المسعدي من بيئة ثقافية عربية وإسلامية غنيَّة بالتراث اللغوي والفلسفي والصوفي، واستطاعَ أن يدخل في حِوار عميق معَ هذا التراث دون أن يتحوَّل إلى أسيرٍ له.

أمَّا كامو فقدْ نشأ في سياق فكري وأوروبي محدد، وتشكلت تجربته في ظِل أزمات القرن العشرين، والحربَيْن العالميتَيْن، والانهيارات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وصعود أنماط من التفكير جعلت الإنسانَ يُواجه سؤالًا حادًّا حول معنى وجوده، وحدودِ العقل والأخلاق.

عند المسعدي، هناك إنسان يخوض معركةً داخلية وخارجية معَ معنى يُريد الوصولَ إليه، وقدْ يكون هذا المعنى قريبًا أوْ بعيدًا، وقد يتحوَّل البحث عنه إلى مأساة. عند كامو، هناك عالَم صامت في مواجهة إنسان متعطش للمعنى. إنها ليست المسألة نفسها، وإنْ كان السؤال الإنساني العميق واحدًا: كيف يستطيع الإنسانُ أن يعيش وهو يعرف أنَّ وجوده هَش ويقينه ناقص؟. اللغة نفسها تصبح جُزءًا مِن المعنى. وما يُميِّز المسعدي أنَّ أفكاره لا تأتي في صورة فلسفة مدرسية جافة. لغته تَحمل القلقَ. والجُملةُ عنده ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الحكاية، إنَّها مساحة للتأمل والتوتر والمواجهة. وكامو أيضًا لَم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الضيق، بلْ كان أديبًا يترك الفكرةَ تتنفس داخل الرواية والمسرحية والمقالة. لَم يُحوِّل الإنسانَ إلى مثال منطقي، وإنما إلى كائن حَي، يُحِب ويخطئ ويتمرَّد ويخاف ويواصل السير.

إنَّ أفضل طريقة لقراءة العبث عند الكاتبَيْن ليست أن نبحث عن تعريف قاموسي له، بلْ أن نراقب الشخصيات وهي تعيشه. العبثُ يُفْهَم من طريقة سير الإنسان أكثر مِمَّا يُفْهَم مِن التعريفات. نراه في اللحظة التي يتساءل فيها البطلُ عن جدوى ما يفعل، ثم يفعله رغم ذلك.

كلاهما ينظر إلى الإنسان في لحظة انكشافه، حين يسقط عنه الاطمئنان السهل، وحين يدرك أنَّ الموت حقيقة، والعالَم لا يُقَدِّم له دائمًا جوابًا. يذهبان إلى تجربة أكثر امتلاءً بالتوتر بين الإرادةِ والمصيرِ، بين الإنسان وما يُريده والحدود التي تصطدم بها رغبته. يصبح السعيُ ذاته امتحانًا، وتصبح محاولة الإنسان تجاوز نَفْسِه جُزءًا مِن مأساته وجَماله.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

دراسة نقدية في قصيدة د. عائشة الخضر لونا عامر

حين تنبثق القصيدة من أعماق الروح، لا تعود الكلمات مجرد ألفاظ، بل تتحول إلى إشارات تبحث عن معناها في تخوم الغياب. وفي قصيدة «قطرة» للشاعرة د. عائشة الخضر لونا عامر، تتخذ اللغة هيئة ابتهال شعري، وتتداخل الرغبة مع الانتظار، والصمت مع الصراخ، حتى تغدو «القطرة» علامةً على خلاصٍ مؤجل، وارتواءٍ طالما اشتاقت إليه الروح. إنها قصيدة قصيرة في مبناها، واسعة في إيحاءاتها، تستدعي القارئ إلى الإصغاء لما وراء الكلمات.

تنهض قصيدة «قطرة» للشاعرة السورية د. عائشة الخضر لونا عامر على اقتصاد لغوي يقوم على التكثيف والإيحاء، ويحوّل مفردة صغيرة في حجمها، عميقة في دلالتها، إلى مركز جاذبية للنص كله. فالقطرة هنا ليست مجرد عنصر مائي، بل علامة سيميائية تتقاطع فيها دلالات العطش، والانتظار، والخلاص، والرجاء، والاكتمال. ومن ثمّ فإن القصيدة لا تستمد شعريتها من كثافة الصور وحدها، وإنما من قدرتها على تحويل المحسوس إلى مجاز روحي ونفسي.

وتتحرك القصيدة بين قطبين متوترين: الصمت والصراخ، الغياب والحضور، العطش والارتواء، التلاشي والعودة؛ وهو توتر يمنحها بنيتها الدرامية الداخلية. ولعل أهم ما يميز التجربة أنها لا تتكئ على الوزن الخليلي بوصفه شرطاً وحيداً للشعرية، بل تنقل مركز الإيقاع إلى إيقاع المعنى والدلالة والرؤية، مع الاحتفاظ بوشائج واضحة مع الذاكرة الشعرية العربية.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن قصيدة النثر لا تصبح شعرية لمجرد تحررها من الوزن، كما أن غياب التفعيلة لا يعني غياب الموسيقى؛ فالشعرية الحقيقية تتأسس على انتظام داخلي للصوت والصورة والتكرار والانزياح والتوتر الدلالي. وفي «قطرة» نجد محاولة واعية لاستعادة شيء من الصولجان القديم للشعرية العربية، ولكن داخل محراب حداثي تتجاور فيه الروحانية مع النفسية، والرمز مع الإيحاء.

مكانة الشاعرة ودورها الثقافي:

تندرج د. عائشة الخضر لونا عامر في المشهد الثقافي العربي المعاصر بوصفها شاعرة وكاتبة وأكاديمية في الإعلام وفاعلة في المجال الثقافي. ووفق المعطيات المقدمة، أسست وترأست الاتحاد العربي للثقافة، وشغلت أدواراً استشارية وثقافية وإعلامية في مؤسسات واتحادات عربية ودولية، وشاركت في مؤتمرات ودورات وألقت محاضرات متعددة، فضلاً عن نشرها مقالات فكرية وأدبية وثقافية.

كما صدر لها أربعة دواوين شعرية مطبوعة، وترجمت أغلب قصائدها إلى تسع لغات، وهو ما يكشف عن سعي تجربتها إلى تجاوز الجغرافيا المحلية والانفتاح على فضاء ثقافي أوسع. وتكتسب هذه الأدوار أهميتها حين تتحول الثقافة من ممارسة فردية إلى فعل مؤسسي يسهم في تداول الأدب والفكر وتوسيع دوائر التواصل الثقافي العربي.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالقطرة:

لا تقدم الشاعرة مناسبة خارجية مباشرة للقصيدة، ولذلك تبدو «القطرة» وكأنها ولدت من مناسبة داخلية: مناسبة الروح وهي تواجه عطشها الوجودي. فالبدء بـ«تختلج الرؤى» يضعنا في قلب حالة نفسية مضطربة، ثم تتوالى أفعال الحركة: «تتدافع»، «تفتح»، «تطلق»، «ترسل»، «تتمتم». إننا أمام ذات لا تستقر؛ تبحث عن شيء غائب، ولا تعرف كيف تستحضره إلا باللغة.

ومن هنا تصبح القطرة نتيجة لمسار كامل من الانتظار، لا مجرد صورة ختامية. إنها جوهر الغائب الذي طال البحث عنه.

العنوان بوصفه عتبة نصية ومفتاحاً تأويلياً:

عنوان «قطرة» عتبة شديدة الاقتصاد، لكنها شديدة الفاعلية. فالقطرة في معناها المعجمي جزء ضئيل من الماء، غير أن السياق الشعري يرفعها من مستوى المادة إلى مستوى الرمز. إن «قطرة» تختزل القصيدة كلها: العطش في البداية، والمزن في الوسط، والابتهال، ثم اكتشاف القطرة في النهاية.

ولهذا فإن العنوان يعمل بوصفه نواة دلالية مؤجلة؛ إذ لا نفهم أبعاده كاملة إلا عند الوصول إلى خاتمة النص:

«فتهمس برقّة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

إن التكرار في «هناك.. هناك» يؤجل الوصول، بينما تأتي «قطرة» بوصفها كشفاً نهائياً.

الإيقاع والمعمار الصوتي والموسيقى الداخلية:

تتأسس موسيقى النص على الجملة القصيرة، والفعل المتتابع، والتكرار، والوقفات. نقرأ:

«تختلج الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخاً مغلفاً بصمت..»

هنا لا تأتي النقاط مجرد علامات ترقيم، بل تؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية؛ فهي تمثل انقطاع النفس، وتردد الذات، وتقطّع الرؤية. ويتعزز ذلك بالتوازي الفعلي: «تختلج - تتدافع- تفتح- تطلق- ترسل - تتمتم».

كما أن الجمع بين المتناقضات في «صراخاً مغلفاً بصمت» يصنع بؤرة توتر بلاغية؛ فالصراخ صوت، والصمت غيابه، والجمع بينهما يولّد مفارقة شعرية تختصر مأزق الذات.

أما التكرار في «أيتها الروح» و«هناك» فيؤدي وظيفة مزدوجة: الاستدعاء من جهة، والتأكيد والإلحاح من جهة أخرى. وتبرز أصوات الهمس واللين في «حفيف»، «تلاشى»، «لملمت»، «خبأتها»، «وجلة»، «بوداعة»، «برقة»، فتمنح النص موسيقى هامسة تتناسب مع طبيعته الروحية.

الأسس اللغوية والبلاغية والأسلوبية:

لغة القصيدة فصيحة، واضحة، تميل إلى الجملة الفعلية الحركية. ويقوم الأسلوب على الانزياح الدلالي، كما في:

«صراخاً مغلفاً بصمت»

وهو تركيب ينقل الصمت من حالة مجردة إلى غلاف يحتضن الصراخ، فينشأ التوتر بين الظاهر والمضمر.

وفي:

«لملمت ترانيمها الملائكية

وخبأتها بين ضلوعي

كحمامة وجلة»

تتضافر الاستعارة والتشبيه؛ فالترانيم تتحول إلى شيء يمكن لملمته وإخفاؤه، ثم تستحيل إلى حمامة خائفة. والحمامة هنا علامة للسلام والروح والوداعة، لكنها موصوفة بـ«وجلة»، فتدخل دلالة الخوف في بنية السلام نفسه.

وتأتي صورة:

«فهناك في تلك الزرقة

تحتشد مزن مرتقبة»

لتجعل السماء فضاءً لاحتمال الخلاص؛ فالمزن لا تمطر بعد، وإنما هي «مرتقبة»، أي إن الماء ما يزال في طور الانتظار، تماماً كما أن القطرة ما تزال مؤجلة.

الرغبة واللاكان: قراءة نفسية:

من منظور القراءة النفسية اللاكانية، تبدو الذات الشعرية أسيرة رغبة لا تكتمل موضوعاتها. فهي لا تمتلك موضوع الرغبة، بل تبحث عنه باستمرار. ولهذا تتكرر أفعال النداء والاستدعاء:

«أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..»

الروح الغائبة هي في الوقت نفسه موضوع البحث ومرآة الذات. إنها «الآخر» الذي لا تستغني عنه الذات لكي تتعرف إلى نفسها. وكلما اقتربت منه ظهر في صورة جديدة: أجنحة، ترانيم، حمامة، زرقة، مزن، قطرة.

ومن منظور لاكاني، يمكن قراءة «القطرة» باعتبارها دالاً صغيراً يحيل إلى رغبة أكبر من حجمه؛ فالذات لا تريد الماء وحده، وإنما تريد اكتمالاً لا يتحقق إلا رمزياً. ولذلك تأتي القطرة في النهاية لا بوصفها امتلاكاً نهائياً، وإنما بوصفها وعداً: «هناك... قطرة». إن الرغبة لا تموت بالوصول؛ بل تستمر لأن موضوعها يظل جزئياً ومؤجلاً.

الوقفات والإيقاع النفسي:

تؤدي الوقفات دوراً جوهرياً في تشكيل الحالة النفسية. فالنقاط المتكررة بعد «تتدافع»، و«وجلة»، و«فهناك» توحي بأن المعنى يتقدم ثم يتراجع، كما لو أن الشاعرة تستبدل الإيقاع العروضي بإيقاع التنفس النفسي.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في النهاية:

«فتهمس برقة:

أنَّ هناك..

هناك، قطرة...!»

فالهمس هنا أبلغ من الصراخ؛ لأن النص انتقل من «صراخ مغلف بصمت» إلى همسة تحمل وعد الكشف.

البنية الفنية والجمالية:

تتحرك القصيدة في مسار شبه دائري: اضطراب - عطش - استدعاء - غياب - ابتهال - انتظار - كشف. وهذا المسار يمنح النص وحدته العضوية.

أما سيميائياً، فتنتظم القصيدة حول شبكة علامات: الروح، الأجنحة، الحمامة، الزرقة، المزن، المجدلية، القطرة. وهي علامات تنتقل من الأرضي إلى السماوي، ومن الحسي إلى الروحي، حتى تصبح القطرة علامة للخلاص.

ويكتسب حضور «مجدلية» دلالة خاصة؛ إذ تستدعي شخصية مريم المجدلية بوصفها رمزاً دينياً وثقافياً مركباً، فتضيف إلى النص طبقة من التطهر والتوبة والبحث عن المقدس.

ملاحظات لغوية وأسلوبية:

النص في مجمله سليم اللغة، مع بعض المواضع التي يمكن صقلها دون المساس برؤيته. والأدق ضبطاً: «تفتح فاها عطشى»؛ لأن «عطشى» حال من الفاعل المؤنث، وهي صيغة مؤنث «عطشان». كما أن «مزن» جمع «مُزنة»، ويصح استعمالها، غير أن السياق يمكن أن يحتمل «مزنٌ» بوصفه جمعاً دالاً على السحب الممطرة.

والأهم ألا يُفرَض على النص ما ليس فيه؛ فشعرية «قطرة» لا تقوم على الزخرفة اللفظية، بل على التكثيف، والمفارقة، والتكرار، والصورة الروحية، والإيقاع النفسي.

تنجح د. عائشة الخضر لونا عامر في «قطرة» في تحويل المفردة البسيطة إلى مركز كوني للرغبة والانتظار والخلاص. فالقطرة ليست ماءً وحسب؛ إنها احتمال ارتواء الروح، ووميض حضور بعد غياب، وإشارة إلى أن ما تبحث عنه الذات قد يكون قريباً، لكنه لا يظهر إلا بعد رحلة من التوتر والابتهال.

ومن ثم فإن القصيدة تستعيد «الصولجان» الشعري لا باستنساخ الماضي، وإنما باستحضار جوهر الشعر العربي: الموسيقى، والرمز، والنداء، والصورة، والتوتر بين الظاهر والمضمر. وإذا كان بعض ما يكتب تحت عنوان قصيدة النثر ينتهي إلى تراصف لغوي أو بوح إنشائي، فإن «قطرة» تمتلك، في مواضعها الأقوى، ما يؤسس شعريتها: بنية داخلية، وإيقاعاً نفسياً، وشبكة رمزية، ومساراً دلالياً ينتهي إلى قطرة واحدة، لكنها قطرة تختصر عطش القصيدة كلها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

قطرة

تختلج ُ الرؤى..

تتدافع...

تفتح فاها عطشى..

تطلق صراخا ً مغلفا ً بصمت..

ترسل ُ نظرات هاجسة.....

تتمتم بصلاة قدسية :

أيتها الروح...

حفيف أجنحتك ِ تلاشى عاليا ً

لملمت ُ ترانيمها الملائكيّة...

وخبّأتها بين ضلوعي

كحمامة ٍ وجلة.....

*

أيتها الروح...

عودي...

انثري شذرات وجدك..

ارقدي بوداعة يمامة..

اهدلي بترنيمة عشق..

فهناك...

هناك في تلك الزرقة

تحتشد ُ مزن ٌ مرتقبة

أبتهل ُ بخشوع مجدلية

وألمس ُ وجنتي...

فتهمس ُ برقّة :

أن َّ هناك..

هناك ،، قطرة...!

***

د. عائشة الخضر لونا عامر

الحمينية، القصائد والدامغات، جغرافيا القصيدة وذاكرةُ الأدب في اليمن بين حمير والصليحيين والرسوليين والطاهريين والزيدية

ليس «مِخلافُ الشِّعْر» في اليمن مجرد اسمٍ جغرافيٍّ عابر، ولا كلمة «الشِّعْر» فيه مجرد مصادفة لغوية؛ إنما نحن أمام رقعةٍ تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا بالأنساب، والتاريخ بالعلم، واللغة بالشعر، والذاكرة الشعبية بالموروث الفصيح. وهو مخلافٌ مشهور من ناحية النادرة في محافظة إب، وقد ضبطه مؤرخو اليمن بكسر الشين والعين: الشِّعِر، وذكر الحجري أنه كان من أعمال النادرة، وأنه يتصل جغرافياً بمخاليف عمار والعود وخبان، في شبكةٍ من الأودية والحواضر والقرى التي صنعت تاريخ المنطقة الثقافي.

وتشير المصادر المحلية إلى أن اسم المخلاف يُنسب إلى شِعْر بن عدي بن الحارث بن شرحبيل بن مثوب من ذي رعين، أي أن التسمية تستعيد طبقةً حميرية قديمة من التاريخ اليمني. وكان المخلاف يتوزع تاريخياً بين النادرة والسدة وما يعرف اليوم بمديرية الشِّعِر، بما يجعل الحديث عنه حديثاً عن مجال ثقافي أوسع من الحدود الإدارية المعاصرة.

من «الشِّعِر» إلى «الشعر»: حين تحفظ الجغرافيا تاريخ اللغة:

ومن الناحية اللغوية، تثير تسمية الشِّعِر نفسها دلالةً جديرة بالتأمل؛ فاللفظ الذي صار اسماً لموضعٍ جغرافي ارتبط في الذاكرة اليمنية القديمة بذي رعين، يجاور لفظ الشِّعر الذي صار في العربية عنواناً لفن القول الموزون. وليس من الصواب، بالطبع، أن نشتق أحدهما من الآخر لمجرد التشابه الصوتي؛ لكن هذا التجاور اللغوي يمنح المكان مفارقةً ثقافية آسرة: مخلافٌ اسمه الشِّعِر، وفي اليمن نفسه تراث شعري ضخم نشأ في الجبال والأودية والأسواق والموالد والمجالس.

والأدب اليمني لم يكن أدب المدن الكبرى وحدها؛ فقد انتشرت الثقافة في المخاليف والقرى، وحفظت كتب التراجم والجغرافيا أسماء الفقهاء والعلماء والأدباء، وإن كانت المادة المتعلقة بمخلاف الشِّعِر نفسه أقل بكثير من المادة المتوافرة عن صنعاء وزبيد وتعز وصعدة.

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: لا تتيح المصادر التي أمكن التحقق منها الآن قائمة موثقة طويلة لشعراء كبار نُسبوا صراحةً إلى مخلاف الشِّعِر نفسه في العصور الوسطى، ولا يصح أن ننسب إليه شعراء لمجرد قربهم الجغرافي من إب أو النادرة. وهذه ملاحظة علمية مهمة؛ لأن تاريخ الأدب لا يُبنى على التشابه في أسماء الأماكن، وإنما على النصوص والتراجم والأسانيد.

ومع ذلك، فإن المخلاف لم يكن خارج المجال العلمي والأدبي اليمني، بل كان جزءاً من تلك البيئة التي تداخلت فيها مخاليف ذي رعين، والنادرة، والسدة، ويريم، وخبان، والعود، وبعدان، وهي بيئة أنجبت عبر العصور علماء وأدباء وشعراء وأسهمت في تشكيل الشخصية الثقافية لوسط اليمن.

أولاً: الأدب اليمني في العصر الصليحي:

عند الانتقال من الجغرافيا المحلية إلى التاريخ السياسي، نجد أن الدولة الصليحية (٤٣٩–٥٣٢هـ تقريباً) كانت من أهم المراحل التي تبلورت فيها الحياة العلمية والأدبية في اليمن.

وقد ارتبط الأدب في العصر الصليحي بالثقافة الدينية والسياسية، ولا سيما ثقافة الدعوة الإسماعيلية، وبرز شعراء خدموا الدعوة الصليحية، من بينهم عمرو بن يحيى الهيثمي، والحسين بن علي بن القم، والحسن بن أبي عقامة. وتذكر الدراسات الحديثة أن الهيثمي كان أديباً فصيحاً وشاعراً للداعي علي بن محمد الصليحي، وأن الشعر كان أداةً من أدوات التعبير السياسي والديني في ذلك العصر.

وفي السياق الأوسع للأدب اليمني الوسيط يبرز الحسن بن أحمد الهمداني، صاحب الإكليل وصفة جزيرة العرب، وإن كان سابقاً على الدولة الصليحية؛ فهو من أعظم من جعلوا اليمن موضوعاً للمعرفة واللغة والأنساب والجغرافيا والأدب، ولذلك لا يمكن كتابة تاريخ الثقافة اليمنية من دون استحضاره.

ويظهر كذلك نشوان بن سعيد الحميري، صاحب القصائد والدامغات والاشتغال العميق باللغة والتاريخ الحميري، وهو شاهد على أن الأدب اليمني لم يكن منفصلًا عن سؤال الهوية اليمنية القديمة.

ثانياً: الدولة الرسولية وازدهار الكتابة والشعر:

إذا كان الصليحيون قد أسسوا مرحلة سياسية وثقافية مهمة، فإن الدولة الرسولية (٦٢٦–٨٥٨هـ/١٢٢٩–١٤٥٤م) تمثل واحدة من أكثر العصور اليمنية خصوبة في العلوم والآداب. وقد عُرفت الدولة باهتمامها بديوان الإنشاء والكتابة الرسمية، وكان ذلك مظهراً من مظاهر الاستقرار العلمي والإداري والثقافي.

ومن أبرز أعلام هذا العصر:

محمد بن حُمير الهمداني، شاعر البلاط الرسولي، الذي اتصل بالملك المظفر يوسف بن عمر، ونظم في المديح والوصف والغزل والرثاء والحكمة، وجُمع شعره في ديوان منسوب إليه. ومن أشهر ما وصل من شعره قصائد في المديح النبوي، منها قصيدته التي مطلعها:

«يا صاحبَ القبرِ المقيمَ بيثربِ

عجلاً إلى نقذِ الغريقِ فإنما

يُدعى الكرامُ غداةَ ضيقِ المذهبِ»

وقد كان شعره وثيقة أدبية لعصره، لأنه لم يكن مجرد مدح سلطاني، بل حفظ شيئًا من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في اليمن الوسيط.

ويبرز كذلك أحمد بن علوان، الصوفي الشاعر والفقيه، صاحب الفتوح المصونة والأسرار المخزونة، وله ديوان شعري يغلب عليه التصوف والمديح النبوي. وقد أصبح شعره جزءًا من الذاكرة الروحية اليمنية، لا سيما في منطقة تعز وما حولها.

لكن الأهم في سياقنا هو أحمد بن فليتة، الذي يمثل لحظة فارقة في تاريخ الشعر اليمني؛ فقد كان كاتبًا في الدولة الرسولية، وشاعرًا أديبًا، ونُسب إليه ديوان ضخم في مجلدين: أحدهما للشعر الفصيح، والثاني للشعر الحميني وما يتصل به من ألوان مثل الساحلي والبال بال والدوبيت، وهو ما يكشف أن الأدب اليمني كان يتحرك مبكرًا بين الفصحى واللغة الشعرية الشعبية.

ومن هنا يصبح الشعر الحميني واحداُ من أعظم إنجازات اليمن الأدبية؛ لأنه لم يكن مجرد «شعر عامي»، بل كان تحولًا في بنية القصيدة اليمنية، وانتقالًا من سلطة النموذج الفصيح إلى لغة الغناء والحياة اليومية.

ثالثاً: الطاهريون والشعر بين الفصحى والحمينية:

جاءت الدولة الطاهرية بعد الرسولية، وكان مركز آل طاهر في بلاد رداع وجبن، ثم امتد نفوذهم إلى تعز وعدن ومناطق أخرى. وفي عهدهم استمرت الحركة العلمية والأدبية، وتداخل الشعر الصوفي بالمديح والحياة السياسية.

ومن أبرز الأسماء في هذه المرحلة أبو بكر العيدروس، الذي عاش في الفترة التي بدأ فيها نجم الدولة الطاهرية بالصعود، واتصل بالملك عامر بن عبد الوهاب الطاهري. وتذكر الدراسات أن العيدروس نظم في الفصيح والحميني، وأنه ألقى بين يدي عامر بن عبد الوهاب حمينية مطلعها:

«أجريتَ يا عذبَ دمعي

وأسْهرتَ بالليلِ مقلتي»

كما ارتبطت به نصوص أخرى في الشعر الحميني، منها:

«بروقُ الحِمى أبرقْ يا روقُ

عسى اللهُ يسقي بك المجدين»

وتكشف هذه النصوص عن استمرار التحول الذي بدأ في العصر الرسولي، حيث لم يعد الشعر اليمني حبيس القصيدة العمودية الفصيحة، بل أخذ يفتح أبوابه أمام الغناء واللهجة والإيقاع الشعبي والتجربة الصوفية.

رابعاً: الأدب الزيدي وشعراء الإمامة

أما المجال الزيدي فقد أنتج تقليدًا أدبيًا وعلميًا بالغ الاتساع، ولا سيما في صنعاء وصعدة وكوكبان وما حولها. ومن أعلام الشعر الزيدي شرف الدين محمد بن عبد الله المتوكل، وشرف الدين يحيى بن شمس الدين، ولهما مؤلفات شعرية ومدائح نبوية، كما تذكر المصادر الأمير أحمد بن عبد الله بن حمزة الذي نظم قصائد عدة، منها: لعل الليالي، وأعيذك أن تنافسني مطالا، ويا خليلاً مولعًا بالوفاء. كما يبرز مسلم اللحجي صاحب كتاب الأترجة في شعراء اليمن.

ثم يأتي في مرحلة لاحقة الحسن بن علي الهبل، صاحب ديوان الهبل، الذي عُدّ من كبار شعراء اليمن، ووصف شعره بالرقة واللطافة وجودة السبك، وقد جمع ديوانه القاضي أحمد بن ناصر المخلافي.

وفي العصر المتأخر يبرز عبد الرحمن الآنسي، وأحمد الآنسي، والقاضي العنسي، والأمير الصنعاني، والشوكاني وغيرهم، حتى غدا الشعر اليمني سجلًا طويلًا تتجاور فيه القصيدة الفصيحة، والحمينية، والمديح النبوي، والتصوف، والحكمة، والغزل، والوصف.

مخلاف الشِّعِر في مرآة الأدب الحديث:

أما إذا انتقلنا إلى العصر الحديث، فإن العلاقة بين مخلاف الشِّعِر والأدب تصبح أوضح في بعض الأسماء المعاصرة.

ومن الأسماء التي يمكن توثيق صلتها المباشرة بالمخلاف عفان محمد علي إسماعيل سليم، المولود في مخلاف الشِّعِر، عزلة القابل، قرية الخراف بمحافظة إب، وهو شاعر وكاتب، وله اهتمام بالشعر الفصيح والنبطي، ومن أعماله المنشورة ديوان «أنا العربي».

أما عبد العزيز المقالح، فهو من كبار شعراء اليمن في العصر الحديث، وُلد في إب، ويحتل مكانة مركزية في الأدب اليمني الحديث، لكن ينبغي ألا ننسبه إلى مخلاف الشِّعِر تحديداً من غير سند جغرافي دقيق؛ فالانتماء إلى محافظة إب أوسع من الانتماء إلى المخلاف. وهذا التفريق ضروري في أي دراسة أنطولوجية جادة.

من الديوان السلطاني إلى القصيدة الشعبية:

ولعل أجمل ما يمكن استخلاصه من تاريخ الأدب اليمني أن الشعر لم يكن طبقةً واحدة.

فثمة:

الشعر الفصيح الذي حفظته الدواوين.

وثمة الشعر الحميني الذي خرج من صرامة الفصحى المعيارية إلى فضاء الغناء.

وثمة الشعر الصوفي الذي جعل القصيدة رحلةً في الروح.

وثمة الشعر الشعبي والنبطي الذي حمل ذاكرة القبيلة والقرية والحب والحرب والمطر والزراعة.

وثمة الأدب التاريخي الذي حفظ أسماء الملوك والعلماء والأمكنة.

ومن هنا فإن «مخلاف الشِّعِر» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره هامشًا على متن الأدب اليمني، بل بوصفه جزءًا من الجغرافيا الثقافية التي أنتجت اليمن الأدبي.

إن اليمن لم يكتب تاريخه في القصور وحدها؛ بل كتبته القرية، والمسجد، والسوق، والمجلس، والمدرسة، والطريق، والوادي، والجبل. ولهذا بقي الشعر اليمني قادرًا على عبور القرون، من القصيدة الفصيحة في بلاط الصليحيين والرسوليين، إلى الموشحة والحمينية، ومن ديوان العالم إلى أغنية الفلاح، ومن كتب التراجم إلى الذاكرة الشفوية.

حين يصبح المكان قصيدة:

إن مخلاف الشِّعِر، بما يحمله من امتداد حميري، وبما اتصل به من النادرة والسدة وذي رعين وخبان والعود، يمثل صفحة جديرة بإعادة الكتابة في تاريخ الأدب اليمني.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي القول إن قائمة شعراء المخلاف أنفسهم ما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل؛ فالمصادر المتاحة لا تمنحنا حتى الآن ديوانًا جامعًا أو أنطولوجيا موثقة لشعرائه القدامى، ولذلك لا ينبغي ملء الفراغ بأسماء منسوبة إليه بلا دليل. وهذه ليست ثغرة في المخلاف، بل ثغرة في تدوين الذاكرة الأدبية اليمنية.

ولعل المشروع الأجدر بالإنجاز هو إعداد «أنطولوجيا مخلاف الشِّعِر الأدبية»، تجمع شعراء المخلاف وقرّاءه وفقهاءه وأدباءه، وتبحث في المخطوطات، وكتب التراجم، وطبقات فقهاء اليمن، والسلوك في طبقات العلماء والملوك، ومجموع بلدان اليمن وقبائلها، والرواية الشعبية، ثم تصل القديم بالحديث.

فالمكان الذي حمل اسم الشِّعِر يستحق أن نبحث فيه عن شعره؛ لا بوصفه لعبةً لفظية بين «الشِّعِر» و«الشِّعر»، وإنما بوصفه بحثًا في كيفية تحوّل الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى لغة، واللغة إلى قصيدة.

وهكذا لا يعود مخلاف الشِّعِر هامشًا في الخريطة اليمنية، بل يصبح مجازًا مكثفًا لليمن نفسه: أرضًا حميرية، وذاكرةً عربية، وروحًا صوفية، ولسانًا فصيحًا وشعبيًا، وتراثًا لا يزال ينتظر من ينفض عنه غبار القرون ويعيده إلى ديوان الثقافة العربية.

***

يقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قدمت دائرة السينما والمسرح بالتعاون مع محترف بغداد المسرحي عرض مسرحية (أنا .. أنا) تأليف وإخراج د. عواطف نعيم، على مسرح الرشيد يوم الاربعاء ١٠/ ٨/ ٢٠٢٦.

استند العرض في إطاره الحكائي على مسرحية (لير) لشكسبير المكتوبة عام 1605م. أما مصدر المسرحية الأصلي فهو كتاب تواريخ انجلترا واسكوتلندا لمؤلفه رافائيل هولنشيد.

تتلخص حكاية مسرحية لير لشكسبير بالاتي: يقرر الملك لير تقسيم المملكة وتوزيعها على بناته الثلاثة (الكبرى جونريل والوسطى ريغان والصغرى كورديليا) على أن تكون حصة كل واحدة بمقدار حبها لأبيها، تبرع البنت الكبرى والوسطى في اظهار مدى حب الأب/الملك بمبالغة وتعظيم وتزويق نفاقا ورياء طمعا بالملك، في حين البت الصغرى تعرب عن مشاعرها كأب، يغضب الملك لير، ويقرر نفي ابنته وحرمانها، ومنح المملكة للكبرى والوسطى، اللتان سرعان ما يظهر جحودهن ويطردنه بعيدا في البراري خلال عاصفة قوية.. تبدأ المؤلفة د.عواطف نعيم مسرحيتها من الملك لير في العاصفة. وهذا يتوافق مع ما ذهبت إليه الأستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة الناقدة (د. نهاد صليحة) في كتاب (أضواء على المسرح الإنجليزي - ص٦٩) عن مسرحية (لير) "مسرحية تقوم من البداية إلى النهاية على مبدأ التشكيك في جميع الأنظمة والقيم التي تحكم عالم المسرحية، مما جعل ناقدا شهيرا- هو جورج لوكاتش - يصفها بأنها كانت نبوءة مبكرة بانهيار النظام الاقطاعي في إنكلترا. وقد كان (لوكاتش) محقا في ملحوظته هذه. اذ ان المسرحية تعج بالإشارات الى الأوضاع الاقتصادية السيئة للفقراء- خاصة في مشهد العاصفة التي تتحول في المسرحية من عاصفة عادية إلى عاصفة رمزيّة تنذر باقتراب عاصفة من نوع آخر تقتلع النظم القيمية من جذورها "3158 show

تأسس نص العرض على مشهد (العاصفة) تحديدا. وتجسد ذلك منذ بداية العرض بواسطة المنظر والمؤثرات الصوتية من خلال صناعة الجو العام والإسهام في دعم صراع الشخصية الداخلي.

قبل الدخول إلى العرض نقرأ العنوان (أنا .. أنا) تكرار الـ (أنا) يدل على مركزية ذات - سلطة - نرجسية - ثقة مفرطة بالنفس .. جعلت الأمور تؤول إلى عاصفة وسفينة محطمة.

بدأ العرض بإضاءة مسلطة على خلفية خشبة المسرح، لتكشف عن أشرعة ممزقة في الخلفية، وحطام سفينة متناثر يمينا ويسارا، مقود (دفة) مستند على مدرج بثلاث مستويات. لم يتوقف صوت الرياح العاصفة الذي شكل المؤثر الصوتي الأبرز في العرض، إلى جانب الموسيقى الداعمة لاجواء العرض والمعبرة عن مختلف الحالات الانفعالية لصوت شخصية الملك.

العاصفة رافقت العرض منذ البداية وحتى اللحظة الاخيرة حين نزل المطر ليعلن انتهاء اعترافات الملك بأخطائه الكبرى التي مزقت المملكة ودمرت كل شيء، وقد أنشأ السينوغراف (علي السوداني) معادلا عيانيا لهذه المملكة عندما ملأ الفضاء البصري بمكونات حطام السفينة إلى جانب التعبير السمعي ل موسيقى ومؤثرات (ضياء عايد)

تمحورت رؤية المؤلفة/المخرجة على تجسيد شخصية الملك المهزوم نفسياً والمأزوم اجتماعياً والخاسر سياسيا، وهو نفسه بناء الشخصية الشكسبيري، على أنها افترقت عن البناء الدرامي بأنها اعتمدت على صياغة نص قائم على التداعيات النفسية والرجوع إلى استذكار ما حدث بلغة شاعرية مكثفة. صورت صراع الملك مع نفسه في لجة العاصفة على أنقاض سفينة محطمة.

يدور العرض في ثلاثة محاور هي:

1.  فقدان المملكة

2.  جحود البنت الكبرى والوسطى.

3.  عدم تقدير عاطفة البنت الصغرى.

عندما تستذكر الشخصية عملية تقسيم المملكة، يجري حوار مع البنت الكبرى والبنت الوسطى، دون حضورهم المادي/الجسدي، اكتفى الاخراج بحضورهم الصوتي، والاستعاضة عن وجودهم العياني ببقعتي ضوء ابيض يتحرك يمينا ويسارا في خلفية خشبة المسرح. أما ظهور البنت الصغرى فقد بدا ملائكيا، حيث الزي باللون الأبيض والحركات التعبيرية حول أبيها الذي يذكرها بكل محبة وخير يرافقه الندم لأنه لم يفهم مشاعرها النبيلة ولم يهبها حقها.

من أهم جماليات العرض، السرد بصوت عزيز خيون إذ وفر متعة سمعية، وشكل حافزا للمتابعة وغمر المتلقي بأجواء صورة العرض السمعية، وفي الوقت نفسه وجه الانتباه الى بقاء مفردات المنظر ساكنة، وسلط النظر على جمود الصورة البصرية، إلا من حركة الشخصية وتحولات مشاعرها وانفعالاتها المتدفقة المثيرة للتعاطف، إلى جنب صورة العرش الذي ظهر بصورته الافتراضية، متحركا في جميع أنحاء الفضاء، إنه ذلك العرش المغري اللامع كما يصفه الملك.3159 show

ظهر طيف البنت الصغرى ثلاث مرات، بأداء حركات تعبيرية تفصح عن التودد والمواساة لوالدها، عبر شغل مسرحي صامت على أنغام موسيقى برداء ابيض وكانّها تستعيض عن الأخوات الثلاث، وفي المرة الأخيرة أفصحت عن مدى اهمية حضورها عندما قادت الملك الاعمى.

في الدقيقة (٣٥) ينادي الملك على بهلول الذي يفتقد حكمته، يخاطبه قائلا: (كنت محقا وأنا الأحمق). طوال العرض يؤنّب الملك نفسه ويصفها بـ الحماقة والغباء، حتى أن مفردة (الاحمق والحماقة) تكررت كثيرا وشكلت العلامة الأبرز في لغة الحوار، استنادا إلى فكرة العرض المحورية التي أوجزتها المؤلفة بمقولة: (أنا الملك الاحمق الذي قسم المُلك في لحظة ضعف) على لسان شخصية الملك.

الـ 60 دقيقة التي استغرقها زمن العرض يؤنب نفسه، بل وذهب إلى تعنيفها لأنه أضاع الملك بسبب أتباعه للمحيطين به من المتملقين والمصفقين حتى أنه وهبهم كل شيء، ولم يقدر الصادقين بمشاعرهم النبيلة التي لم تستوعبها الكلمات. هؤلاء هم المخلصون وتمثلوا بابنته الصغرى.

ثمة ثنائية مزدوجة في المعالجة الاخراجية لشخصية الملك، فهي تثير تعاطفا واسعا وشفقة على الحال المأساوي الواضح في بناء الشخصية الذي اضطلع بأدائها الممثل (عزيز خيون)، وفي الوقت نفسه، وعند الاحتكام للعقل والتفكير يبدو التعاطف أمرا في غير موضعه لأن الملك أضاع المملكة بسلسلة من الأفعال غير الحكيمة، وبحسب تعبير المؤلفة أفعال (حمقاء) وبالنتيجة (تعاطف مع الملك الأحمق) وقد يفسر الأمر على تعاطف مع (لير الأب الذي يعاني جحود ابنتيه الكبرى والوسطى) وسخط الوعي على (لير الملك الذي أضاع مملكته) وهذه الازدواجية (التعاطف مع الفاعل/شخص الملك والسخط على الفعل/ضياع المملكة) قائمة منذ زمن (لير) الشكسبيري إلى زمن (ملك) عواطف نعيم وعزيز خيون اللذان جسدا هذه الرؤية بسردية درامية إخراجا وتمثيلا محكما، وإن اعتراها شيء من رتابة غالبا ما يملأها صوت ولياقة الممثل المتمكن من أدواته (عزيز خيون) الذي تحكم بإيقاع العرض، فكان الأداء هو مرتكز العرض بتنويعات ما كانت لتظهر لولا هذا الصوت العميق وذاك الجسد المطواع والحضور الذي يملأ الخشبة حتى وإن كان صامتا ساكنا.3160 show

يصعب تحديد انتماء أزياء شخصية الملك إلى عصر محدد. غير أنه يمكن القطع بالقول انها أزياء لا تنتمي إلى العصر الحالي، ومنذ الدقائق الأولى تبدأ الشخصية بالتخلي عن العباءة الواسعة ثم ترمي الصولجان وبعدها تخلع الحذاء. وبهذا تتجرد من مهابة أزياء الملك وتتحول إلى أسمال الناس العوام. وكان المكياج توضيحا لملامح الشخصية، أما تسريحة الشعر ذات الضفائر فيمكن إرجاعها إلى أصول أفريقية. لذا يصعب تحديد هوية شخصية الملك من مظهره. ويفسر ذلك بالذهاب إلى عولمة الشخصية وإمكانية وجود مثيلاتها الذين يدمرون الممالك في كل زمان ومكان.

ثمة تساؤل -اجده مهما- الذين لا يعرفون شكسبير ولم يطلعوا على مسرحية لير، هل يتمكنون من فهم العرض والتواصل معه بمعزل عن المرجعية التي دونتها المؤلفة/المخرجة في الفولدر ونوهت عنها في التقديم قبل بدء العرض؟ لقد كان التدوين والتنويه جزء من الأمانة الفكرية، والارتكاز على النص الشكسبيري جزء الوعي بتاريخ المسرح وإعادة صياغة روائع الدراما المسرحية على وفق متطلبات ومجريات العصر الحالي. مع الأخذ بالاعتبار عدم وجود علامات دالة مباشرة أو موحية بالبيئة المحلية. ولكن ما دام العرض يقدم لهذا المتلقي فلا بد من حدوث اشتباك مع الوعي العام واثارة أسئلة: لماذا اختير هذا النص؟ ما الذي أثارني وجعلني أتواصل مع العرض؟ ما الفكرة المركزية الكامنة؟ وسواء كان التفكر بالعرض تلقائيا أم بقصدية نقدية/بحثية، فإن العرض يترسب في وعي المتلقي، ويشكل جزءا من كيانه الفكري والجمالي، ويشرع بإنشاء عناصر مشتركة في الواقع المعاش، وهذا هو أحد أهداف الفنون والآداب، فهي ليست حدث عابر، بل إنها واقعة تترسخ في الوعي الجمعي وتسهم في تشكيل الفكر العام للمجتمع.

أحكمت المؤلفة/المخرجة والممثل معالجة قكرة العرض ودفعوا الجمهور لمتابعة المجريات بانتظار الآتي الأكثر إثارة وتشويقا، ولكن لا تحولات في مسار ندم الملك على فعلته الحمقاء بتقسيم المملكة، إلا في المشهد الأخير الذي أثار تساؤل على درجة من الاهمية: ففي مسرحية شكسبير جميع الشخصيات تنتهي أما في السجن أو الموت، وينطبق هذا الحال على البنت الصغرى (كورديليا) التي تموت في السجن بعد محاولة انقاذ ابيها ومملكته. أما في رؤية (عواطف نعيم) فإن (البنت الصغرى) تحضر في نهاية العرض. التساؤل: هل أن حضورها واقع ام محض خيال؟ في حال كان حضورها من وحي مخيلة (الملك) وفكره المضطرب، فإن هذا يجعل العرض يميل إلى السوداوية في قراءة الواقع والتسليم بالنظرة التشاؤمية المغلقة. أما اذا كان حضورها واقعا فهي تمثل قوة الأمل والفعل الدائم للتغيير نحو إشراقة أفضل. لقد كان ظهور (البنت الصغرى) النقية يمثل الملاك الحارس وقوة الشباب في قيادة الماضي إلى بيئة الضوء الأزرق الجميل وصناعة الغد. لقد هدأت العاصفة ونزل المطر وظهرت البنت الصغرى الشابة التي لم يفهمها والدها، ولم يسعَ للتفاهم معها عندما باحت له برأيها، تقود الملك -والدها- العجوز، بعد أن انطفأت عيونه ولم يعد يرى شيئا، وتتولى حمل الكتاب، تتحول الاضاءة إلى لون أزرق يغمر الفضاء، وينتهي العرض. انها الضربة الأخيرة - كما يصطلح على تسميتها الدراميون- التي تبقى حاضرة بقوة ويأخذها الجمهور معه إلى خارج قاعة العرض.

مبارك لكم د. عواطف نعيم- الفنان القدير عزيز خيون- السينوغراف علي السوداني - أيار عزيز - لمار محمد - بهاء خيون - والجميع بلا استثناء، والجهات الداعمة، بوركتم وانتم تعملون على إنعاش المسرح بابداعكم، وتثابرون على التواصل مع الجمهور. الجمهور الذي يفتقد البرنامج والموسم المسرحي منذ زمن، ذلك أن العروض المقدمة -خلال النصف الأول من العام الحالي- باتت تعتمد على المبادرات والجهود الفردية أكثر من المؤسسات والمنظمات المجتمعية.

***

ا. د. حبيب ظاهر

للشاعرة روشان علي جان

يُعدّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشعّبة، من الموضوعات المهمّة في الدرس اللغوي من جهةٍ، وفي الدرس الدلالي القائم على تعدّد المعاني من جهةٍ أخرى. لذلك يمتلك التأويل قدرةً على استنطاق المعنى المضمر، واستكشاف العلاقات الكامنة بين الأشياء، وتحويلها إلى عناصر حركيّة داخل البنية النصّية، من خلال ما تنسجه من علاقاتٍ دلاليّة ورمزيّة. فالتأويل لا يقف عند حدود المعنى الظاهر، بل ينفتح على الإمكانات التي يتيحها النصّ، ليكشف عن طبقاتٍ جديدة من الفهم تتجاوز المباشر إلى اللامحدود.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهم ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين، حجاجيّة التأويل، ط1، 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا، ص23).

ومن هذا المنطلق، نبحر في جملةٍ من العلاقات التي تتجلّى عبر الأبعاد النصّية، حيث تتفاعل الأبعاد الخمسة في تشكيل بنيتها التكوينيّة: السياق، والتأويل، والرمزيّة، والوجود، وعلاقات الأشياء. وضمن هذا التفاعل تنبثق الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تنتمي إلى فضاء اللامألوف، فتتّسع الوحدات الدلاليّة، وتتعدّد إمكانات القراءة، ويغدو النصّ أكثر انفتاحاً على آفاق التأويل.

وندخل إلى المدوّنة الشعريّة للشاعرة روشان علي جان في مجموعتها "قدّاس الورد"، حيث يمثّل العنوان البوّابة الأولى للنصّ، ويُعدّ أعلى درجات الاقتصاد اللغوي، إذ يتصدّر المجموعة بوصفه عتبةً نصّية تؤسّس أفق التلقّي. ومن هنا، يحتلّ العنوان موقعاً محوريّاً في توزيع الوظائف اللغويّة والجماليّة، ليغدو أحد أبرز المنبّهات النصّية التي تستثير القارئ وتوجّه فعل القراءة.

(إنّ العنوان ضرورة كتابيّة، فهو بديل عن غياب سياق الموقف بين طرفي الاتصال، وهذا يعني أنّ العنوان، بإنتاجيّته الدلاليّة، يؤسّس سياقاً دلاليّاً يهيّئ المتلقي لتلقي العمل. وإذا كان العنوان يحتوي على قدرٍ من الشعريّة التي توفّرها لا نحويّته، فإنّ هذا القدر ليس ملزماً للعمل، سواء أكان مقالةً أم كتاباً أم روايةً أم ديواناً. – د. محمد فكري الجزار، العنوان وسيموطيقا الاتصال الأدبي، ط1، 1998م، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، ص45).

وكلّما ارتفعت شعريّة العنوان، ازدادت طاقته الإيحائيّة، وتعاظمت قدرته على توجيه القراءة؛ لأنّه لا يقتصر على وظيفة التسمية، بل يتحوّل إلى منبّهٍ نصّي يوجّه المتلقّي نحو آفاق المعنى، ويؤسّس العلاقة الأولى بين النصّ وقارئه.

ويُضاف العنوان بوصفه بنيةً مستقلّة داخل الهرم البنائي للقصيدة، إذ تنبع خصوصيّته من لزوميّة الموقف الذي يفرضه، بما يتيح تجاوز الصيغة التقليديّة في العنونة، والبحث عن صياغةٍ جديدة تنسجم مع جسد القصيدة ورؤيتها. فالعتبة العنوانيّة لا تقف عند حدود التعريف؛ لأنّها تعلو النصّ كما يعلو التاج الرأس، لتشير إلى محتوياته، وتوجّه مسارات تأويله.

وبذلك تقودنا العنونة، كما صاغتها الشاعرة روشان علي جان، إلى موقفين متكاملين: موقف المرسِل الذي يبثّ رسالته عبر العنوان، وموقف المرسَل إليه الذي يستقبل هذه الرسالة ويشرع في تأويلها. ومن ثمّ تغدو العنونة فعلاً تواصليّاً يؤدّي وظيفةً دلاليّة وجماليّة في آنٍ واحد؛ لأنّها تحمل المنطوق الظاهر، وتستبطن في الوقت نفسه شبكةً من الدلالات التي لا تنكشف إلا عبر القراءة والتأويل.

الماءُ كان سرّي الذي يخبّ من غدقِ الجذور

حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر

أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل

أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء

خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين

وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها

من قصيدة: حلم في كنف السواقي – ص 19

من خلال السياق التفاعلي، الذي يقوم على تداخل الأفعال اللغويّة في تأسيس المعنى وتحريك البنية النصّية، تتجلّى الأفعال الحركيّة، والانتقاليّة، والتموضعيّة بوصفها وحداتٍ تؤدّي وظائف تداوليّة داخل الخطاب. فكلّ فعلٍ يستدعي فعلاً آخر ليدمج معه في سياقٍ لاحق، وبذلك تتشكّل سلسلةٌ من العلاقات بين السابق واللاحق، فتغدو السياقات امتداداتٍ متعاقبة تسهم في بناء الشكل النصّي، وتحديد المسارات التي تتحرّك فيها الدلالة.

الماء كان سرّي الذي يخبّ من غدق الجذور + حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر + أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل + أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء + خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين + وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها.

يفتتح هذا التتابع فضاءً دلاليّاً متدرّجاً؛ إذ لا تقف الوحدات اللغويّة عند حدود التراكم، بل تتفاعل فيما بينها من خلال علاقاتها الداخليّة، فتؤثّر في حركة النصّ وتتابعه الإشاري، وتتنامى لتنتج معاني من طرازٍ جديد.

وتفتتح الشاعرة روشان علي جان مجموعتها الشعريّة قدّاس الورد بقصيدة (حلم في كنف السواقي)، وفيها ترتّب العلامات اللغويّة وفق نظامٍ إجرائي يضبط العلاقات النصّية والقواعد التركيبيّة، لتتّخذ الدلالة مسارها داخل التعبير التتابعي. ومن ثمّ لا تبقى الدلالة ثابتةً في سياقٍ واحد، بل تنتقل من سياقٍ إلى آخر، وتتّسع لتحتضن معاني امتداديّة تتجاوز المعاني الأولى. ولأنّ الحركة الدلاليّة ترتبط بالسياق ارتباطاً وثيقاً، فإنّها تؤثّر في تنظيم العلاقات النصّية، وتسهم في بناء النسق الدلالي للنصّ، بما يحقّق تماسكه وانفتاحه على التأويل.

وتقودنا الشاعرة، من خلال السياق النصّي، إلى فضاء الرمزيّة عبر توظيف الإشارات الدلاليّة المقترنة بحركة الأفعال. ونلاحظ أنّ البنية النصّية تكاد لا تخلو من فعلٍ لغوي، سواء أكان حركيّاً أم انتقاليّاً أم تموضعيّاً، الأمر الذي يجعل الأفعال محاور رئيسة في بناء الدلالة. وتؤدّي هذه الأفعال وظيفةً حركيّة، إلى جانب وظيفتها الدلاليّة والتداوليّة، بما يسهم في توسيع أفق المعنى، وتأسيس شبكةٍ من العلاقات النصّية التي تمنح القصيدة حركتها الداخليّة، وتوجّه المتلقّي نحو تأويلٍ يتجاوز ظاهر الخطاب إلى طبقاته العميقة. ومن خلال ذلك، يمكن الوقوف عند بعض الأفعال التي نسّقتها الشاعرة:

– يخبّ: فعلٌ حركيّ يوحي بالحيويّة والاندفاع.

– تهجع: فعلٌ تموضعيّ يؤدّي إلى حالةٍ من السكون والاستقرار.

– أسلك: فعلٌ انتقاليّ حركيّ، يعلن بداية الرحلة نحو هدفٍ ما، وهذا يعني أنّ الاستدلال يتدخّل في بناء دلالة النصّ.

– أطوّق: فعلٌ حركيّ تموضعيّ، تتحوّل من خلاله الحركة إلى حالةٍ من الإحاطة بالمحسوس.

– ترعف: فعلٌ تصويريّ يمنح الحنين بُعداً جسديّاً.

– تدور: فعلٌ حركيّ دائريّ يكرّس استمراريّة الحركة وعدم توقّفها عند نقطةٍ معيّنة.

ومن خلال هذه الأمثلة، تتحوّل الأفعال، داخل السياق التفاعلي، إلى محرّكاتٍ للحركة الدلاليّة؛ فهي لا تنتج المعنى منفردةً، بل من خلال تتابعها وترابطها داخل النسق النصّي، بما يفضي إلى بناء أثرٍ نصّي يمنح المتلقي فاعليّةً متجدّدة، ويفتح أمامه مساراتٍ متواصلة للفهم والتأويل.

جدليّة السياق واللامحدود

قد يبدو السياق، للوهلة الأولى، نقيضاً للامحدود؛ لأنّه يحدّد المعنى ويضبط مساراته. غير أنّ النصّ الشعري الحديث، من خلال عناصره الحركيّة، يقيم جدليّةً دقيقةً بينهما؛ إذ لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد تشكيله بوصفه فضاءً منتجاً للدلالة، وعاملاً سببيّاً في التفاعلات النصّية. فهو لا يفرض معنىً واحداً، ولا يقيّد فعل القراءة، وإنّما يفتح مساراتٍ متعدّدةً للفهم، بحيث يفضي كلّ سياق إلى إمكانٍ تأويليّ مختلف. ومن ثمّ، لا يُختزل السياق النصّي في زمن إنتاجه، بل يوسّع مساحته الزمنيّة، فيغدو النصّ قابلاً للقراءة في مختلف الأزمنة، بفضل ما يحمله من رموز، وما يتيحه من تفاعلٍ مع الأفق المعرفي والجمالي للمتلقّي. ولهذا يُعدّ السياق أحد أهمّ مصادر اللامحدود؛ لأنّ فاعليّته تتجدّد بتجدّد القراءة، وتختلف باختلاف الزمن والوعي الثقافي.

الليلُ المتكئُ على النافذة

طائرٌ مصطافٌ

غمرته نشوةُ القناديل

فنسي ألقابَ الريشِ في كؤوسِ الصباح

الليلُ الذي جفّف زهورَ قتلاهُ

في ظلالِ الشطوطِ

شرّدته قواربُ التّيهِ

فصار نبعاً يتبعُ حبورَ الماءِ

إلى زهوةِ الشمال

من قصيدة: يراعات من نسل البريق – ص 39

إنّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشابكة، يُعدّ من القضايا الرئيسة في الدرسين اللغوي والدلالي؛ لأنّه يوسّع إمكانات المعنى، ويجعل التأويل قادراً على استنطاق المضمر، والكشف عن العلاقات التي تنتظم من خلالها الوحدات النصّية. ومن خلال هذه العلاقات تتجلّى الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تتجاوز المباشر إلى فضاءٍ رمزيّ، فتتّسع الدلالة، وتتعدّد إمكانات الفهم والتأويل.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهمَ ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين – حجاجيّة التأويل – ط1 لسنة 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا – ص 23).

الليل المتكئ على النافذة + طائرٌ مصطافٌ + غمرته نشوة القناديل + فنسي ألقاب الريش في كؤوس الصباح + الليل الذي جفّف زهور قتلاه + في ظلال الشطوط + شرّدته قوارب التيه + فصار نبعاً يتبع حبور الماء + إلى زهوة الشمال.

وتقودنا هذه السلسلة إلى ملاحظة أنّ المعاني لا تنتجها الجمل منفردةً، بل تنشأ من العلاقات التي تربط السابق باللاحق. فالجملة الأولى: (الليل المتكئ على النافذة) تفتح المجال أمام سلسلةٍ من التحوّلات الرمزيّة التي تجعل الليل يتحوّل إلى (طائرٍ مصطاف)، ثمّ إلى كائنٍ يكتسب خصائص أخرى بفعل تعاقب الصور. وهكذا تتنامى الدلالة عبر الامتداد السياقي، فينشأ تماسك النصّ من ترابط المقاصد والأغراض، لا من استقلال كلّ جملةٍ بمعناها.

ومن هنا يغدو النصّ رسالةً رمزيّةً موجّهةً إلى المتلقّي، لا تُدرك دلالتها من خلال عبارةٍ واحدة؛ إذ يحضر المؤثّر العلائقي بوصفه عنصراً فاعلاً في بناء شبكة العلاقات التي تنسجها الوحدات القوليّة داخل السياق.

حين اعترتك الهشاشةُ

كنتَ تؤبّن الوردَ على سياج الصباح

متخفّفاً من كمائن الحزن

من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد

كانت أشباحُكَ تتلمّس بهجتها

بين أقماح الطفولة الجريحة

وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب

في العبور أحلامهم

من قصيدة: أشجار لاهثة – ص 42

إنّ القول، في جوهره، لا ينعقد إلا لإنتاج المعنى. غير أنّ النصّ الشعري لا يقتصر على القول المباشر، بل يفتح مستوياتٍ قوليّةً متعدّدةً، يتجاور فيها القول الآني، والقول السابق، والقول الذي ما يزال في حيّز الإمكان (المستقبلي). وبهذا تغدو البنية القوليّة نسقاً متكاملاً، تتعاشق فيه التراكيب اللغويّة والعلاقات السياقيّة، لتشكّل بنيةً دلاليّةً تتجاوز حدود الملفوظ إلى فضاءات التأويل.

ومن هذا المنطلق، يظلّ السياق مجالاً مفتوحاً للمقاربة، فلا يبقى النصّ بنيةً مغلقة، بل يصبح قابلاً لاستقبال سياقاتٍ خارجيّة جديدة، تتفاعل مع بنيته الداخليّة، وتوسّع أفق معانيه.

حين اعترتك الهشاشة + كنت تؤبّن الورد على سياج الصباح + متخفّفاً من كمائن الحزن + من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد + كانت أشباحك تتلمّس بهجتها + بين أقماح الطفولة الجريحة + وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب أحلامهم.

وتكشف هذه الوحدات عن منظومةٍ رمزيّة تتدرّج من الهشاشة إلى الحداد، ثمّ إلى الطفولة والحرب، ضمن شبكةٍ من العلامات التي تعيد تشكيل الوجود الإنساني داخل النصّ. فتعابير مثل "سياج الصباح"، و"كمائن الحزن"، و"ثوب الحداد"، لا تؤدّي وظيفةً تصويريّة فحسب، بل تتحوّل إلى مراكز دلاليّة تنتظم حولها حركة المعنى.

كما تُقيم الشاعرة وساطةً علائقيّةً بين الذات والموضوع، فتنتقل من التجربة الذاتيّة إلى فضاءٍ إنسانيّ أشمل. وعندما تقولل: "كانت أشباحك تتلمّس بهجتها"، يتجلّى تشابك العلاقات بين القول الآني والقول الماضي والمتقدّم، بما يوسّع أفق التأويل. ومن ثمّ، فإنّها لا تستحضر الماضي بصيغته التقليديّة، كما يحدث في تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) مثلاً، وإنّما تدمجه في البنية الآنيّة للقول، بحيث يصبح الماضي فاعلاً في الحاضر النصّي. فالاندماج الذي يحدث ناتجٌ عن تأثير القول الآني في غيره من المستويات القوليّة، ومن خلال هذا التفاعل يتّسع القول داخل أفق التأويل.

وعندما يصبح المتلقّي شريكاً في بناء الدلالة، فإنّه لا يكتفي باستقبال العلامات، بل يعمل على ربطها بعناصرها الرمزيّة، واستكشاف العلاقة بين الدالّ والمدلول، للكشف عمّا تحمله الجمل الشعريّة من امتداداتٍ دلاليّة. وهكذا تتماسك البنية النصّية، فلا تنفصل جملةٌ عن أخرى، بل يستند التتابع النصّي إلى شبكةٍ من العلاقات المتبادلة التي تسهم في إنتاج أثرٍ نصّي يتجدّد مع كلّ قراءة.

انفلات المعنى في مساحة اللامحدود

إنّ المعنيين الأساسي والسياقي لا يتطابقان؛ إذ يُعدّ المعنى السياقي المجال الأوسع الذي تتجلّى فيه مساحة اللامحدود. غير أنّ هذا المعنى لا يستقرّ على صورةٍ واحدة، بل يظلّ قابلاً للتحوّل والانفتاح؛ لأنّ كلّ حزمةٍ من الدلالات تمتلك قابليّة الانفلات نحو آفاقٍ جديدة من التأويل. ومن ثمّ، فإنّ اللامحدود في النصّ الشعري الحديث لا يهدف إلى تقديم معنىً مكتملٍ ونهائيّ، بل يترك إمكانات المعنى مؤجّلةً ومفتوحة، ويفسح المجال أمام تعدّد القراءات وتجدّدها.

وتتجلّى القيمة الفنيّة للألفاظ من خلال السياق الذي تنتظم فيه؛ لأنّ اللفظة لا تستمدّ أثرها من معناها المعجمي وحده، بل من شبكة العلاقات التي تربطها بسائر الوحدات النصّية. ومن هنا، تغدو مساحة اللامحدود إدراكاً فلسفيّاً؛ إذ لا تبلغ الدلالة نهايتها الأخيرة، لأنّ اللغة، بطبيعتها، حركة انزلاقٍ مستمرّ بين العلامات، وتحوّلٍ دائم في العلاقات بين الدوالّ ومدلولاتها.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب

ولا يهاب زحمة الأنفاس

ومراكب استعصى عليها البكاء

تركن تحت قنطرة الدمع

ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها

وسراب يطالع نضوب القدر

مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح

والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت

فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد

من قصيدة: طفولة تتبرّأ من المدائح – ص 64

تغادر الذات الشاعرة اللغة العاديّة التي يتداولها الناس في حياتهم اليوميّة، لتنتمي إلى لغةٍ شعريّة تُبنى على شبكةٍ من العلاقات الدلاليّة والرمزيّة. لذلك فإنّ الحديث عن انفلات المعنى في فضاء اللامحدود يستلزم، قبل كلّ شيء، انفلات اللغة من أنماطها المألوفة؛ لأنّ التحوّلات التي تصيبها تمثّل خروجاً على القواعد التعبيريّة التقليديّة، وانتماءً إلى فضاء اللامألوف. ومن هنا تتأسّس القيمة الجماليّة للنصّ، إذ تتحوّل اللغة إلى وسيلةٍ لإعادة تشكيل الواقع، لا إلى نقله بصورةٍ مباشرة.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب + ولا يهاب زحمة الأنفاس + ومراكب استعصى عليها البكاء + تركن تحت قنطرة الدمع + ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها + وسراب يطالع نضوب القدر + مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح + والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت + فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد.

لا يقف السياق عند حدود تنظيم هذه الصور، بل إنّ إعادة تشكيل نسقها بصيغةٍ رمزيّة تؤدّي إلى إنتاج معانٍ جديدة؛ لأنّ السياق يهيّئ لها إمكانات التوسّع والانفتاح، ولا يحاصر الدلالة أو يقيّدها، بحيث يفضي كلّ انتقالٍ بين صورةٍ وأخرى إلى أفقٍ تأويلي جديد. ومن ثمّ، لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد بناؤه من خلال الإيحاء، والرمز، والتأويل، والاختلافات اللغويّة، ليصبح منتجاً للحركة الدلاليّة، لا حاجزاً أمامها.

وتستمدّ الشاعرة روشان علي جان رموزها من الواقع المرئي تارةً، ومن الخيال الشعري تارةً أخرى. ويغدو البحر أحد المراكز الرمزيّة في هذا المقطع، إذ تتكاثر حوله الصور والدلالات، ولا يبقى محصوراً في وجوده الطبيعي المباشر. وبهذا الانتقال من الواقع إلى التجريد، يتحوّل العنصر الطبيعي إلى بنيةٍ جماليّة تستدعي التأويل، وتتيح للدلالة أن تتجاوز حدود المرجع الحسّي.

(قد تتصل بعض عواطفنا بمناظر أو أشياء ماديّة معيّنة نتيجة لموقفٍ لنا معها، أو واقعة ارتبطت بها.. وحينذاك تتحوّل هذه الأشياء والمناظر إلى مثيرات تذكّرنا بمضمون تلك المواقف والوقائع.. وهذه أبسط أنواع الرموز. د. محمد فتوح أحمد – الرمز والرمزيّة في الشعر المعاصر – ط3 لسنة 1984م، دار المعارف، مصر – ص 136).

أيّتها الشجرة

لماذا لم تجيبي على رسائلي؟

لماذا ضيّعتِ بريد المطر؟

هل تشابهت عليك الجهات؟

فراهنتِ على بياض القلب

هل ما زالت الزرازير

تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟

أيّتها الشجرة

هذه الأصداف أمنيات مستحيلة

طفولة حلم يرتجف على الهوامش

من قصيدة: شجرة لا عالم أوسع من قلبها – ص 79

قد تلجأ الشاعرة إلى التعبير عن الأشياء بوصفها رموزاً تتجاوز حضورها المادّي، فتغدو الكتابة نقطة التقاءٍ بين الشيء وتمثّله داخل النصّ. ومن هنا تنتمي اللغة إلى فضاء الرمزيّة، سعياً إلى إعادة تشكيل الواقع في صورةٍ أكثر كثافةً وإيحاءً. وبذلك تتراجع الحالات المباشرة لصالح لغةٍ مختلفة تستدعي التأويل، وتمنح المتلقّي فرصة المشاركة في بناء الدلالة.

أيّتها الشجرة + لماذا لم تجيبي على رسائلي؟ + لماذا ضيّعت بريد المطر؟ + هل تشابهت عليك الجهات؟ + فراهنت على بياض القلب + هل ما زالت الزرازير + تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟ + أيّتها الشجرة + هذه الأصداف أمنيات مستحيلة + طفولة حلم يرتجف على الهوامش.

وحين ينتظم النصّ في صيغةٍ استفهاميّة، فإنّه لا يبحث بالضرورة عن جوابٍ مباشر، وهذا يعني أنّنا نقترب من أفقٍ فلسفيّ يظلّ فيه السؤال منتجاً للمعنى؛ لأنّ الإجابة الحاسمة قد تغلق بعض إمكانات التأويل، في حين يظلّ السؤال مفتوحاً على احتمالاتٍ متعدّدة. ولذلك، فإنّ اعتماد الشاعرة على البنية الاستفهاميّة لا يهدف إلى التقرير، بل إلى توسيع فضاء الدلالة وربط السياقات بعضها ببعض، بحيث يتفاعل السابق مع اللاحق، ويمهّد كلّ سؤالٍ لمساراتٍ جديدة من القراءة والتأويل.

ومن هذا المنظور، تتحوّل الشجرة إلى رمزٍ للعطاء، والبراءة، والاستمرار، بينما تغدو الرسائل و"بريد المطر" وسائلَ للتواصل الإنساني والوجداني. ولا تكمن أهميّة هذه الرموز في مدلولاتها المباشرة وحدها، بل في قدرتها على بناء رؤيةٍ شعريّة جديدة تتداخل فيها اللذّة، والدهشة، والعجائبيّة، والغرائبيّة، لتنتج أثراً نصّيّاً يظلّ قابلاً للتجدّد مع كلّ قراءة.

وفي ضوء ذلك، تقدّم مجموعة (قدّاس الورد)، الصادرة عن منشورات كناية في ستٍّ وتسعين صفحة من القطع المتوسّط، تجربةً شعريّة تتّسم بثراء رموزها وتنوّع بنياتها الدلاليّة؛ إذ تقود الشاعرة المتلقي من أفقٍ نصّي إلى آخر عبر حركةٍ مستمرّة من التأويل، بما يجعل المعنى في حالة انفتاحٍ دائم، ويجعل انفلات الدلالة أحد مظاهر حيويّة النصّ وفاعليّته الجماليّة. وهكذا تجمعنا الشاعرة في مدوّنة اللامحدود، وتنقلنا بين أنماطٍ متعدّدة من المعاني وأساليب إنتاجها.

***

كتابة: علاء حمد

الاستفهام في العربية ليس مجرد أداةٍ تُلقى في صدر الجملة طلبًا لجواب، ولا صيغةً نحويةً جامدةً تستنفد دلالتها بمجرد حضور «هل» أو «الهمزة» أو إحدى أخواتهما؛ بل هو بنيةٌ لغويةٌ نابضة، تتداخل فيها الصناعة النحوية مع مقتضيات المقام، وتتجاور فيها الدلالة الأصلية مع الدلالة البلاغية، حتى يغدو السياق هو المفتاح الذي يكشف الغرض المستتر وراء السؤال.

فإذا كان الاستفهام في أصل وضعه طلبَ العلم بشيء مجهول، فإن المتكلم قد يعدل عنه إلى أغراض أخرى تفرضها حال الخطاب، فيصبح السؤال ـجواباً مستتراً، أو نفياً، أو إنكاراً، أو تقريراً، أو توبيخاً، أو تعجبًا، أو تحسرًا، أو تهويلًا، أو تشويقًا، أو غير ذلك من المقاصد التي لا تستبين بمجرد النظر إلى الأداة.

ومن هنا فإن العبارة: «كل استفهام فيه غرض، ونضعه في سياقه» تصلح أن تكون قاعدةً منهجية في قراءة العربية؛ إذ لا يجوز اقتلاع الاستفهام من بيئته النصية، ثم إلصاق غرض بلاغي به إلصاقًا تعسفيًا.

الاستفهام في ميزان النحو:

عرّف النحاة الاستفهام بوصفه طلبًا للفهم أو العلم بأمرٍ مجهول، وجعلوا له أدواتٍ مخصوصة، منها الهمزة، و«هل»، و«من»، و«ما»، و«متى»، و«أين»، و«كيف»، و«كم»، و«أيّ»، و«أنّى»، وغيرها.

غير أن النحو العربي لم يكن غافلًا عن تفاوت هذه الأدوات في الوظيفة والدلالة؛ فالهمزة، مثلًا، أوسع أدوات الاستفهام تصرفًا، تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، ويكون الاستفهام بها عن التصديق أو التصور، في حين تختص «هل» بطلب التصديق في المشهور.

فحين نقول:

أجاءَ المسافر؟

فالسؤال عن وقوع المجيء أو عدم وقوعه، وهذا استفهام حقيقي.

أما حين نقول:

أليس الصبحُ بقريب؟

فالمتكلم لا يطلب علمًا يجهله، وإنما يحمل المخاطب على الإقرار بحقيقة مقررة؛ فانتقل الاستفهام من طلب المعرفة إلى التقرير.

وحين نقول:

أتهينُ من أكرمك؟

فليس المقصود الاستعلام عن فعل الإهانة، بل الإنكار والتوبيخ.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المعنى النحوي والمعنى البلاغي: فالنحو يصف البناء، أما البلاغة فتستجلي الغاية التي تحرك هذا البناء داخل المقام.

البصريون والكوفيون: بين الصناعة والسماع:

لم يكن الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية في أبواب الاستفهام منفصلًا عن منهجهما العام في النظر إلى العربية.

فـالبصريون مالوا إلى إحكام القياس، وضبط القواعد، وردّ الظواهر إلى أصول كلية، مع عناية بالاستعمال الفصيح والشواهد الموثوقة. ولذلك نظروا إلى أدوات الاستفهام من حيث خصائصها النحوية، وعملها، ومواقعها، وما تختص به كل أداة من دلالة.

أما الكوفيون فكانوا أوسع احتفاءً بالمسموع والمنقول عن العرب، وأكثر تسامحًا في الاحتجاج بالشواهد المختلفة، ولذلك اتسعت عندهم دائرة التأويل والتخريج في بعض المسائل التي ضيّقها القياس البصري.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نجعل الخلاف بين المدرستين خصومةً مطلقة؛ فكلاهما أسهم في بناء النظرية النحوية العربية، وكلاهما احتكم إلى العربية المروية، وإن اختلفت طرائق الترجيح بين القياس والسماع، والأصل والفرع، والقلة والكثرة.

ومن ثم فإن دراسة الاستفهام لا تستقيم بالنظر إلى العامل الإعرابي وحده، ولا بالسماع وحده؛ لأن السؤال قد يكون صحيح البناء نحويًا، ثم يحمل في السياق معنى يتجاوز وظيفته الأصلية.

فقهاء اللغة والسياق:

كان فقهاء اللغة أكثر حساسيةً تجاه الفروق الدقيقة بين الألفاظ والتراكيب؛ لأنهم لم ينظروا إلى اللغة بوصفها مجموعة قواعد فحسب، بل بوصفها نظامًا دلاليًا يتشكل داخل الاستعمال.

ومن هنا تبرز أهمية ما قرره علماء العربية من أن المعاني تتغير باختلاف المقامات، وأن اللفظ الواحد قد تتعدد وظائفه بحسب السياق.

فالاستفهام في:

من هذا؟

قد يكون سؤالًا حقيقيًا إذا كان المتكلم يجهل الشخص.

وقد يكون تعظيماً إذا قيل:

ومن هذا الذي أقبلَ مرفوعَ الرأس؟

وقد يكون تحقيراً إذا حمل السياق على الاستنكار من شأنه.

وقد يكون إنكاراً إذا كان المقصود نفي استحقاقه للمنزلة التي ادعاها.

إذن ليست «من» هي التي قررت المعنى النهائي، وإنما من زائد التركيب زائد المقام زائد حال المتكلم زائد حال المخاطب زائد القرينة.

وهذه هي روح فقه اللغة: أن المعنى لا يسكن في المفردة منعزلًا، وإنما يولد في شبكة العلاقات التي تنشأ بينها وبين ما يجاورها.

الاستفهام البلاغي: حين يسأل المتكلم وهو يعرف الجواب:

هنا تبلغ اللغة أوج شعريتها.

فالشاعر لا يسأل دائمًا لأنه يجهل، وإنما قد يسأل لأنه يعرف أكثر مما يستطيع أن يقوله مباشرة.

حين يقول:

فهل بعد هذا الليل من فجر؟

قد لا يريد جوابًا؛ لأنه لا يبحث عن معلومة، وإنما يسكب في السؤال مرارة الانتظار، ويحوّل الاستفهام إلى تحسر واستبطاء ورجاء مستتر.

وحين يقول:

أأتركُ أرضي والحنينُ يجرّني؟

فالسؤال ليس طلبًا للمشورة، وإنما هو صراع داخلي، واستفهام خرج إلى الحيرة والتردد والاستحالة النفسية.

وحين يقول:

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

فالمتكلم لا ينتظر جوابًا مجهولًا، لأن بنية الخطاب نفسها تقود إلى النفي؛ ولذلك يؤدي الاستفهام وظيفة التقرير والنفي معًا.

وهكذا يصبح الاستفهام أحد أكثر الأساليب قدرةً على إشراك المتلقي في إنتاج المعنى؛ إذ لا يقدم له النتيجة جاهزة، بل يدفعه إلى استحضارها بنفسه.

السياق هو الحَكَم:

يمكن أن تتكرر أداة واحدة في ثلاثة نصوص، فتؤدي ثلاثة أغراض مختلفة.

فـ:

أين تسكن؟

استفهام حقيقي.

و:

أين العدل؟

قد يكون سؤالًا إنكاريًا لا ينتظر جوابًا.

و:

أين أنت من شجاعة الأبطال؟

قد يحمل معنى التوبيخ والتحقير.

والأداة واحدة، لكن المقام غيّر الوظيفة.

ومن الخطأ المنهجي أن نضع قائمة مغلقة تقول: «الهمزة للإنكار»، أو «هل للتقرير»، أو «كيف للتعجب»؛ لأن هذه الأحكام، إذا أطلقت بلا قيد، تفسد القراءة. فالهمزة قد تكون للاستفهام الحقيقي، وقد تكون للتقرير أو الإنكار أو التعجب أو التوبيخ، و«كيف» قد تسأل عن الحال حقيقة، وقد تتحول إلى التعجب أو التهويل أو الاستبعاد.

ولهذا فإن القرينة هي التي تنقل الاستفهام من معناه الأصلي إلى معناه البلاغي.

بين الإعراب وتأويل النص:

الإعراب يجيب عن سؤال: ما موقع هذه الكلمة؟

أما البلاغة فتسأل: لماذا اختار المتكلم هذه الصيغة؟

والنحو يسأل: كيف بُني التركيب؟

أما النقد الأدبي فيسأل: ماذا صنع هذا التركيب في وجدان المتلقي؟

ومن هنا لا ينبغي أن يتصارع النحو والبلاغة، بل ينبغي أن يتكاملا. فالإعراب يضبط الهيكل، والبلاغة تكشف الوظيفة، والسياق يحدد المقصد، والنقد الأدبي يستكشف الأثر الجمالي والنفسي والفكري.

فالقول مثلًا:

أتبكي على وطنٍ لم يبقَ منه سوى الذاكرة؟

لا يكفي أن نعرب الهمزة و«تبكي» و«على وطن»؛ لأن القيمة الحقيقية للنص تكمن في السؤال الأعمق: هل هو استفهام حقيقي؟ أم إنكار؟ أم تحسر؟ أم توبيخ؟ أم احتجاج على خراب الوطن؟

ولا يمكن حسم ذلك إلا بقراءة النص كله.

إن الاستفهام في العربية بنيةٌ مفتوحة على المعنى؛ يبدأ نحويًا طلبًا للفهم، لكنه قد يرتقي بلاغيًا إلى فضاء واسع من المقاصد. وما يحدد انتقاله من الحقيقة إلى المجاز ليس الأداة وحدها، بل السياق والقرينة والمقام.

ولهذا فإن القراءة العربية الرصينة لا تسأل عن «أداة الاستفهام» فقط، وإنما تسأل:

من يسأل؟ ومن يُسأل؟ ولماذا يسأل؟ وفي أي مقام؟ وهل ينتظر جوابًا؟ وما الذي يريد أن يقوله بالسؤال ولا يستطيع ــ أو لا يريد ــ أن يقوله بالخبر؟

وهنا تحديدًا تتحول اللغة من قواعد إلى فكر، ومن تراكيب إلى دلالة، ومن سؤالٍ ظاهري إلى خطابٍ عميق؛ إذ قد يكون السؤال في ظاهره طلبًا للجواب، بينما يكون في باطنه نفيًا أو احتجاجًا أو دهشةً أو وجعًا أو حبًا أو خوفًا أو ثورةً على الواقع.

ومن ثم يمكن صياغة القاعدة الذهبية في قراءة الاستفهام العربي هكذا:

ليس كل استفهامٍ سؤالًا، وليس كل سؤالٍ طلبًا للجواب؛ فبعض الأسئلة أجوبةٌ مستترة، وبعضها احتجاجٌ في هيئة سؤال، وبعضها وجعٌ يتعذر عليه أن يتكلم إلا بصيغة الاستفهام. والسياق وحده تقريبًا هو الذي يرفع الستار عن الغرض.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ليس الاستعمارُ مُجرَّد جندي يهبط من سفينة، أو موظف أجنبي يجلس خلف مكتب، أو علم غريب يُرفَع فوق مبنى حكومي. الاستعمارُ يبدأ حين ينجح الغريبُ في إقناع صاحب الأرض بأنَّ صورته عن نَفْسِه ناقصة، ولُغته متأخرة، وذاكرته لا تستحق الثقة، وأنَّ ما جاء به القادمُ من وراء البحر هو وحده مِعيار العقل والحضارة والمدنية والجَمال. عِند تلك النقطة يتحوَّل الاحتلالُ من سيطرة على الجغرافيا إلى مُحاولة للاستيلاء على الخيال، ومِن إخضاع الجسد إلى إعادة تشكيل الوعي. لهذا كان الأدب، في المجتمعات التي خرجتْ من التجربة الاستعمارية، أكثر مِن ترف ثقافي أو لعبة لغوية. كان محاولة لاسترداد الصوت، وبحثًا عن الإنسان الذي كاد أن يختفي خلف الرواية التي كتبها الآخرون عنه. والكاتبُ في أحيان كثيرة يقف في منطقة شديدة الحساسية، بين ذاكرة محلية مثقلة بالجراح، وصورة استعمارية حاولتْ أن تُقَدِّم تلك الذاكرة باعتبارها ظلامًا كاملًا لا يستحق إلا أن يُستبدَل.

مِن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الموريتاني أحمد ولد عبد القادر (وُلد 1941) إلى جانب تجربة الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي (1930 - 2013)، ليس لأنَّ الرَّجُلَيْن متطابقان في المشروع أو الأسلوب أو السياق، فلكلِّ واحد منهما عالَمه الخاص، وإنما لأنهما يلتقيان عند سؤال عميق: كيف يستعيد الإنسانُ الذي مَرَّ عليه الاستعمارُ حَقَّه في أن يرى نَفْسَه بعينيه، ولَيس بالمِرآة التي صنعها له المُستعمِر؟.

إنَّها مواجهة لا تجري بالسلاح، وإنما باللغة والذاكرة والصورة الأدبية. مواجهة بين مَن يريد أن يجعل الماضي صفحة بيضاء لا قيمة لِمَا قبلها، ومَن يُصِر على أنَّ الأُمَّة لا تستطيع أن تبدأ من الصفر، وبين مَن يختزل الشعوبَ في عاداتها التي يصفها بالغريبة والمتخلفة، ومَن يعيد إلى تِلك العادات سياقها الإنساني والتاريخي، وبين كتابةٍ تُريد أن تجعل العالَمَ الاستعماري مركزًا وحيدًا للمعنى، وكتابةٍ تحاول أن تقول: نحنُ هُنا، ولنا حكايتنا أيضًا.

مِن أخطر ما فعله الاستعمارُ أنَّه لَم يكتفِ بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بلْ أنتجَ خطابًا كاملًا عن الشعوب التي استعمرها، ووصفها، وصنَّفها، ودرسها، وكَتَبَ تاريخَها، وحدَّد في كثير مِن الأحيان ما ينبغي أن يُقَال عنها. وحين تتكرر هذه الصورة بما يكفي، فإنَّها قدْ تتسلل إلى وعي أبناء المجتمع نَفْسِه ، فيبدأ الإنسانُ بالنظر إلى ذاته من الخارج.

هُنا يصبح التغريبُ الاستعماري أعمق مِن مُجرَّد تقليد بعض مظاهر الحياة الأوروبية. إنَّه اغتراب عن الذات، واللغةِ، والذاكرةِ، والإحساسِ الطبيعي بأنَّ للمجتمع حقًّا في أنْ يُعرِّف نَفْسَه بِنَفْسِه. لذلك فإنَّ مقاومة التغريب لَيست دعوة ساذجة إلى إغلاق الأبواب أمام العالَم، ولَيست رفضًا لكلِّ ما يأتي مِن الآخَر. الإنسانُ لا يعيش في جزيرة معزولة، والثقافاتُ لا تنمو في عُزلة مُطْلقة، إنما القضية هي الفرق بين التبادل الحُر والهيمنة، وبين أن تختار مِن الآخَر ما يثري تجربتك، وبين أن يُفْرَض عليك الاعتقاد بأنَّ الآخَر هو الأصل وأنك هامشٌ عابرٌ ليس لك وزن ولا قيمة.

في السياق الموريتاني، تتخذ هذه المسألة خصوصية واضحة. موريتانيا بلد تشكَّلت هُويته مِن الإسلام واللغة العربية والصحراء والقبيلة والترحال والمدن والذاكرة الشفوية، ثم دخلتْ عليه الدولة الاستعمارية الفرنسية بمنظومة مختلفة في تصوُّرها للسُّلطة والمعرفة والمجتمع.

مِن داخل هذا الترابط، تأتي تجربة أحمد ولد عبد القادر بوصفها تجربة أدبية مشدودة إلى سؤال الإنسان الموريتاني ومكانه في التحوُّلات الكُبرى. الكتابةُ عنده لا تبدو منفصلة عن سؤال الذاكرة، ومحاولةِ الإمساك بذلك الخيط الذي يصل الحاضرَ بماضٍ لَم يكن مُجرَّد زمن منقضٍ، وإنما كان عالَمًا كاملًا له قِيَمه وأحلامه وتناقضاته.

مقاومةُ التغريب في هذا السياق لا تعني تمجيدَ الماضي بصورة عمياء. الأدبُ الحقيقي لا يتحوَّل إلى منشور دعائي للماضي، ولا ينظر إلى المجتمع القديم باعتباره فِردوسًا لَم يكن فيه ظُلم ولا فقر ولا تناقض. قوةُ الكتابة تكمن تحديدًا في قُدرتها على أن ترى الماضي بعيون مُحِبَّة وناقدة في آنٍ معًا. والكاتبُ الذي يستعيد ذاكرةَ مجتمعه لا يفعل ذلك لِكَي يَمنع النقدَ، بلْ لِكَي يَمنع الإلغاءَ، وهُنا تتَّضح قيمة الذاكرة الأدبية.

إنَّ ما لا تحفظه الكُتب الرسمية قدْ تحفظه الرواية، وما لا تقوله الوثائق قدْ تقوله الحكاية، وما يختفي من التاريخ السياسي قدْ يبقى في صورة إنسان، أو مجلس، أو صحراء، أو بيت، أو كلمة دارجة، أو نبرة صوت. الأدبُ يمنح هذه التفاصيل حياةً ثانية، ويقول إنَّ التاريخ لَيس ما تُسجِّله السُّلطة فَحَسْب، بلْ أيضًا ما يبقى في وجدان الناس.

في تجربة أحمد ولد عبد القادر، تبدو الكتابة محاولة للعودة إلى الإنسان الموريتاني بوصفه كائنًا تاريخيًّا وثقافيًّا، ولَيس مُجرَّد موضوع في سِجل إداري، أو صورة فولكلورية في عين المستشرق.

أمَّا تشينوا أتشيبي، فقدْ خاض معركة أكثر مباشرة معَ الصورة الاستعمارية عن أفريقيا. كان يدرك أنَّ الأدب الأوروبي لَم يكن دائمًا بريئًا حين تَحَدَّثَ عن القارة الأفريقية. في بعض الكتابات الاستعمارية ظهرتْ أفريقيا وكأنها مكان بلا تاريخ، ولا ترابط إنساني حقيقي، ولا أصوات داخلية قادرة على إنتاج المعنى.

ومِن هُنا جاءت أهمية روايته " الأشياء تتداعى"، التي لم تكن مُجرَّد حكاية عن مجتمع أفريقي في لحظة التحول الاستعماري، وإنما كانت إعادة ترتيب للمشهد كُلِّه.

قبل دخول الرجل الأبيض، هناك مجتمع يعيش، ويختلف، ويتصالح، ويتخاصم، ويُحِب، ويَكره، ويُخطئ، ويُصيب، وقوانين وعادات ومعتقدات وعلاقات اجتماعية، وبشرٌ لا يحتاجون إلى وصول أوروبا لكي تبدأ حياتهم. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنَّها شديدة الأهمية: أفريقيا لَم تكن تنتظر مَن يكتشف إنسانيتها.

أتشيبي لَم يكتب عن المجتمع الأفريقي باعتباره مثاليًّا. على العكس، كان يعرف عيوبه وقسوته وتناقضاته، لكنَّه رفض أن تكون هذه العيوب ذريعة لمحو إنسانيته، لذلك كانت مقاومته أكثر نُضجًا مِن مُجرَّد قلب الأدوار، أي استبدال صورة المُستعمِر بصورة مُضادة تُمجِّد كُلَّ ما هو محلي.

أرادَ أن يقول إنَّ المجتمع الأفريقي يستحق أن يُفْهَم في سياقه، ويُروَى مِن الداخل، وتُرى تناقضاته باعتبارها تناقضات بشرية، ولَيست دليلًا على أنَّ أهله أقل إنسانية مِن غَيرهم.

عبد القادر وأتشيبي يرفضان أن يكون المجتمع المحلي مُجرَّد مادَّة خام في قصة يكتبها الآخَر. كلاهما يعيد الاعتبارَ إلى الداخل، والإنسانِ الذي يتكلم من موقعه، والذاكرةِ التي لا تريد أن تموت، والثقافةِ التي لا ينبغي أن تُخْتَزَل في صورة سياحية أو استعمارية. لكنَّ الأهم أنَّ مقاومة التغريب عندهما لَيست مُجرَّد عودة إلى الماضي، وإنما هي استعادة لحق النظر، أن تنظر إلى نفسك بعينيك، ولَيس بعيون الآخرين، وتعرف أنك تستطيع أن تأخذ مِن العالَم دون أن تفقك اسمك، وتتعلَّم لغةَ الآخَر دون أن تشعر أن لغتك عار، وتستفيد من الحداثة دون أن تتعامل معَ تاريخك بوصفه عبئًا يجب التخلص منه، وتنتقد مجتمعك لأنك تُحِبُّه وتريد إصلاحه، ولَيس لأنك تُردِّد حُكمًا جاهزًا عليه. هذه هي المسافة الدقيقة بين التحرر والاستلاب.

عبد القادر يتحرَّك في فضاء موريتاني عربي صحراوي له حساسيته التاريخية والثقافية، وأتشيبي يتحرَّك في فضاء نيجيري أفريقي متعدد الأعراق واللغات، شهدَ الصدامَ العنيف بين البنى المحلية والاستعمار.

ولَيست القضية أن عبد القادر هو أتشيبي، ولا أنَّ موريتانيا هي نيجيريا. إنَّ وضع التجربتين في إطار واحد لا يلغي خصوصية أيٍّ مِنهما، بل يكشف عن سؤال مشترك يمرُّ عبر تجارب كثيرة للشعوب التي عرفت الاستعمارَ: كيف نستعيد حَقَّنا في تعريف أنفسنا؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست اللغة كائناً منعزلاً يعيش في جزيرة صوتية مغلقة، بل هي كائن تاريخي تتحرك مفرداته في الزمن، وتتجاور أنظمته مع أنظمة اللغات التي تشاركه الجغرافيا أو الأصل أو طرق التجارة والهجرة والتثاقف. ومن هذه الزاوية تكتسب العلاقة بين العربية والأمهرية والتغرينية أهمية استثنائية؛ فاللغات الثلاث تنتمي إلى الأسرة السامية، وإن كانت كل واحدة منها قد شقّت لنفسها مساراً تاريخياً وصوتياً وصرفياً ونحوياً مستقلاً.

وإذا كانت العربية قد احتفظت بتراث نحوي وصرفي بالغ الاتساع، فإن الأمهرية والتغرينية تمثلان فرعين مهمين من اللغات السامية الإثيوبية، وقد حملتا في بنيتهما آثاراً عميقة من التاريخ السامي القديم، ثم أعادت كل منهما تشكيل هذا الإرث وفق بيئتها الإفريقية وتطورها الداخلي.

ومن هنا فإن المقارنة بينها لا ينبغي أن تنطلق من فكرة أن الأمهرية أو التغرينية "لهجات عربية"، فهذا غير صحيح علمياً، وإنما من حقيقة أكثر دقة: إنها لغات سامية شقيقة، تلتقي مع العربية في أصول وبنى وخصائص، وتختلف عنها في مسارات تطورها التاريخي.

أولاً: من شجرة واحدة إلى أغصان متعددة:

تنتمي العربية إلى اللغات السامية، وكذلك الأمهرية والتغرينية. وتشكل اللغات السامية الإثيوبية فرعاً مهماً من هذه الأسرة، نشأ وتطور في القرن الإفريقي، بعد انتقال جماعات سامية إلى جنوب البحر الأحمر وتفاعلها مع اللغات والثقافات الإفريقية المحلية.

ومن ثم يمكن أن نتخيل هذه اللغات لا بوصفها نسخاً من بعضها، وإنما باعتبارها أغصاناً خرجت من جذع سامي تاريخي أقدم.

فالعربية تقول:

مَلِك، مَلَكَ، مِلْك، مَمْلَكَة

وتقوم هذه الكلمات على شبكة اشتقاقية واضحة.

وفي الأمهرية نجد .

 ملك يساوي مملكة -  دولة

وفي التغرينيةنجد.

 ملك يساوي دولة -  مملكة.

وهنا لا يعني التشابه أن الأمهرية أو التغرينية مأخوذتان من العربية، بل يكشف عن طبقة تاريخية وثقافية ولغوية أوسع، مع ملاحظة أن بعض الألفاظ انتقلت بين اللغات عبر التاريخ، وبعضها يرجع إلى أصول سامية مشتركة.

ثانياً: الجذر السامي والذاكرة المشتركة:

من أهم المفاتيح التي تتيح المقارنة بين العربية والأمهرية والتغرينية مفهوم الجذر.

فالعربية عرفت نظاماً اشتقاقياً يقوم في جانب كبير منه على الجذور الصامتة، ولا سيما الثلاثية، مثل:

ك ـ ت ـ ب

ومنها:

كَتَبَ، كاتِب، مكتوب، كتاب، مكتبة، كتابة.

وتحتفظ اللغات السامية الأخرى بآثار واضحة من هذه الآلية، وإن كانت قد طورتها بطرائقها الخاصة.

ومن الأمثلة التي تستوقف الباحث:

العربية:

ملك

الأمهرية:

ملك

التغرينية:

ملك

وكذلك:

العربية:

سلام

الأمهرية:

سلام

التغرينية:

سلام

والتقارب هنا بالغ الدلالة؛ فكلمة سلام في العربية تقابلها صيغة قريبة جداً في الأمهرية والتغرينية من حيث الصوت والدلالة.

ومن النماذج كذلك:

العربية: كتاب

الأمهرية: مصحف

التغرينية: مصحف

وهذا المثال مهم؛ لأن لفظة

مصحف

 ذات تاريخ سامي قديم، وأصبحت في التراث الإثيوبي المسيحي ذات دلالة على الكتاب أو المخطوط، وهي ترتبط أيضاً تاريخياً بالمصطلح العربي مُصْحَف. وهذا نموذج ممتاز لدراسة حركة المصطلح الديني والكتابي بين البيئات السامية.

ثالثاً: العربية والأمهرية: والتغرينية: التشابه ليس تطابقاً

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الباحث هو تحويل التشابه إلى تطابق.

فالأمهرية ليست عربية، والتغرينية ليست عربية، كما أن العربية ليست أماً مباشرة لهاتين اللغتين بالمعنى التاريخي البسيط. إنما هي لغات متجاورة في شجرة النسب السامي، ثم دخلت في علاقات تماس طويلة مع العربية وغيرها.

وقد أنتج هذا التفاعل ظواهر لغوية شديدة التعقيد؛ فبعض الكلمات قد تكون من أصل سامي مشترك، وبعضها قد يكون انتقل من لغة إلى أخرى، وبعضها قد يكون نتيجة تطور صوتي مستقل.

ولهذا فإن المنهج المقارن الحديث يميز بين:

الموروث المشترك، والاقتراض اللغوي، والتطور الداخلي، والتشابه العرضي.

وهذه التفرقة هي التي تجعل البحث العلمي أكثر صرامة وأبعد عن الأحكام الانطباعية.

رابعاً: البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً:

لا يمكن فهم العلاقة بين العربية واللغات السامية الإثيوبية من دون استحضار البحر الأحمر.

فالبحر لم يكن في التاريخ القديم فاصلاً بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، بل كان طريقاً للتجارة والهجرة والحرب والرحلة والدين.

وقد أدى هذا الاتصال إلى انتقال البشر، ومع البشر انتقلت الأسماء والمصطلحات والعادات والعبارات.

ومن هنا يمكن النظر إلى البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً عابراً للحدود؛ حيث التقت العربية بلغات إفريقية سامية وكوشية وغيرها، فتبادلت التأثيرات، واحتفظت كل لغة في الوقت نفسه بخصوصيتها.

خامساً: ماذا قال النحاة البصريون والكوفيون؟

عندما ننتقل إلى التراث النحوي العربي، ينبغي أن نتحفظ تاريخياً: فالنحاة البصريون والكوفيون لم يدرسوا الأمهرية والتغرينية بالمفهوم المقارن الذي نعرفه اليوم، ولم تكن لديهم أدوات اللسانيات التاريخية الحديثة التي تمكّننا من إعادة بناء العلاقات بين اللغات السامية.

لكن آراءهم في نشأة العربية، والاشتقاق، والسماع، والقياس، واللغات واللهجات، والتعريب، واللغات الأجنبية توفر أرضية فكرية مهمة لفهم كيفية نظر التراث العربي إلى ظاهرة التعدد اللغوي.

المدرسة البصرية:

مال البصريون إلى التشدد في القياس وإقامة القواعد على ما ثبت عندهم من كلام العرب الفصحاء، مع عناية كبيرة بالاطراد والعلل والتعليل.

وكان مفهوم القياس عندهم أداة مركزية في بناء النظام النحوي.

ومن ثم فإن الظواهر اللغوية القادمة من خارج العربية لم تكن تُدرَس لديهم وفق مفهوم "العائلة اللغوية" الحديث، وإنما وفق قضايا مثل:

- السماع.

- القياس.

- الشاذ.

- المعرّب.

- الدخيل.

- اختلاف اللغات.

- الاشتقاق.

المدرسة الكوفية:

أما الكوفيون فكانوا، في الجملة، أوسع في الأخذ بالرواية والشواهد واختلاف لهجات العرب، وأقل تضييقاً في بعض مسائل القياس.

وقد جعلهم هذا أكثر احتفاءً بتعدد الاستعمالات اللغوية والروايات، وهو أمر مهم عند دراسة تاريخ العربية وصلتها بالبيئات المجاورة.

لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن البصريين والكوفيين لم يقولوا، بالمعنى العلمي الحديث، إن الأمهرية والتغرينية فرعان من العربية؛ فإسقاط التصنيف اللساني الحديث على أقوالهم سيكون نوعاً من إسقاط الحاضر على الماضي.

سادساً: فقهاء اللغة ومسألة المعرّب:

كان علماء العربية أكثر وعياً من النحاة بقضية انتقال الألفاظ بين اللغات، ولذلك نشأت مباحث مهمة حول المعرّب والدخيل والألفاظ الأعجمية.

ونجد عند علماء مثل الجوهري، والخليل بن أحمد، وابن دريد، وابن فارس، والجَواليقي، والسيوطي مادة واسعة يمكن الإفادة منها في دراسة العلاقة بين العربية واللغات الأخرى.

وقد بلغ النقاش ذروته في السؤال القديم:

هل في العربية ألفاظ غير عربية الأصل؟

فذهب فريق إلى التشديد في عربية القرآن وألفاظه، بينما أثبت آخرون وجود ألفاظ أصلها غير عربي لكنها دخلت العربية قبل نزول القرآن، فصارت عربية بالاستعمال.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين أصل الكلمة وهوية الكلمة في اللغة.

فالكلمة قد تكون وافدة في أصلها، لكنها تصبح عربية حين تستقر في النظام الصوتي والصرفي والدلالي للعربية.

سابعاً: نموذج "المصحف" و"مَصْحَف" بين العربية واللغات الإثيوبية:

من أجمل النماذج التي تستحق دراسة مقارنة لفظ:

العربية: مُصْحَف

وفي الجعزية والأمهرية والتغرينية تظهر صيغ مرتبطة بالجذر والمفهوم الكتابي:

الأمهرية:مصحف 

التغرينية: مصحف

ويكشف هذا النموذج عن أن المصطلحات الدينية والكتابية تستطيع أن تعبر الحدود اللغوية، خصوصاً في البيئات التي ترتبط تاريخياً بالكتاب والترجمة والمؤسسة الدينية.

والأهم أن هذا التقارب يفتح سؤالاً أعمق:

هل نحن أمام اقتراض لغوي متبادل، أم أمام ميراث سامي مشترك، أم أمام طبقات متعاقبة من التأثير؟

والجواب العلمي قد يكون مختلفاً من كلمة إلى أخرى، ولذلك لا يجوز تعميم حكم واحد على جميع المفردات.

ثامناً: نماذج لغوية مقارنة:

العربية| الأمهرية| التغرينية| المعنى

سلام

ملك - نغوس

مملكة- دولة

مصحف- كتاب

مخطوط

أرض

ميدري

بيت

 بِت

وتبرز في المثال الأخير بِتْ، وهي صيغة سامية شائعة تقابل العربية بيت، بما يتيح للباحث أن يضعها ضمن المقارنات السامية الأوسع.

تاسعاً: الأبجدية والكتابة:

ومن المسائل التي تستحق عناية خاصة علاقة الكتابة بالتاريخ اللغوي.

فالجعزية طورت نظام كتابة خاصاً بها، ومنه تطورت الكتابة المستخدمة في الأمهرية والتغرينية. وهذا النظام يختلف عن الأبجدية العربية في بنيته وطريقة تمثيله للأصوات.

فالكتابة الجعزية وما تفرع عنها تقوم على نظام مقطعي

- أبوجيدا؛ إذ ترتبط العلامة الأساسية بالصامت، وتتغير هيئتها للدلالة على الحركة.

أما العربية فطورت نظامها الأبجدي الخاص، الذي أصبح من أكثر نظم الكتابة انتشاراً في العالم.

وهكذا نرى أن وحدة الأصل اللغوي لا تستلزم وحدة الكتابة؛ فاللغات قد تتشارك جذوراً تاريخية عميقة، ثم تبني لكل منها نظاماً كتابياً مغايراً.

عاشراً: نحو رؤية مقارنة جديدة:

إن إعادة دراسة العربية في علاقتها بالأمهرية والتغرينية يمكن أن تفتح باباً مهماً في اللسانيات العربية المقارنة.

فالتراث النحوي العربي منحنا أدوات دقيقة في وصف اللغة، واللسانيات الحديثة منحتنا أدوات أخرى لإعادة بناء تاريخ اللغات وصلاتها. وإذا جمعنا بين التراثين أمكننا أن نعيد قراءة كثير من القضايا القديمة بعيداً عن الأحكام القطعية.

فالسؤال لم يعد:

أيهما أقدم؟ وأيهما أخذ من الآخر؟

بل أصبح:

ما الطبقات التاريخية التي صنعت هذا التشابه؟ وما الذي بقي من السامي المشترك في كل لغة؟ وما الذي أضافته القرون من تطورات صوتية وصرفية ودلالية؟

وهنا تتحول المقارنة اللغوية من بحث عن "الأصل" إلى بحث في ذاكرة اللغة.

 اللغة ذاكرة الإنسان:

العربية والأمهرية والتغرينية ليست ثلاث جزر لغوية متباعدة، كما أنها ليست لغة واحدة بأسماء مختلفة؛ إنها ثلاث تجليات تاريخية لعائلة لغوية واسعة، تفرعت أغصانها عبر الزمن، وعاشت في بيئات مختلفة، وتفاعلت مع شعوب وثقافات متعددة.

ولعل أعظم ما تكشفه هذه المقارنة أن اللغة لا تحفظ الكلمات وحدها؛ إنها تحفظ مسارات الهجرة، وخرائط التجارة، وذاكرة الأديان، وأصداء الحروب، وعبور الكتب، وحركة البشر بين الضفاف.

لقد جعل البحر الأحمر العربية في حوار طويل مع القرن الإفريقي، وجعلت الأسرة السامية هذه اللغات تتجاور في أعماق بعيدة من التاريخ. أما النحاة البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة، فقد تركوا لنا تراثاً ثرياً في السماع والقياس والاشتقاق والتعريب، وإن لم يمتلكوا مفهوم اللسانيات المقارنة بصورته الحديثة.

ومن هنا فإن المشروع الأجدر بالباحث المعاصر ليس أن يبحث عن انتصار لغة على أخرى، بل أن يصغي إلى القرابة العميقة المختبئة خلف الاختلاف؛ فحين نقارن "سلام" العربية  الأمهرية والتغرينية، و"بيت" ، و"مصحف" ، فإننا لا نقارن كلمات فحسب، بل نضع أيدينا على شظايا من ذاكرة سامية قديمة، عبرت القرون والبحار، ثم أعادت كل لغة صياغتها بصوتها الخاص.

إن دراسة العربية والأمهرية والتغرينية، بهذا المعنى، ليست بحثاً في اللغة وحدها؛ إنها بحث في أنطولوجيا التواصل الإنساني: كيف يسافر اللفظ، وكيف تتغير الدلالة، وكيف تحفظ اللغة آثار الذين عبروا من مكان إلى مكان، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تكون شاهداً صغيراً على تاريخ حضاري كامل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة في جغرافية بدر شاكر السياب الشعرية

لا يتفاعل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926 ــ 1964م) مع المكان (البصرة) بوصفه مركزًا جغرافيًا ورمزيًا في تجربته الشعرية، كما لا يتعامل مع المكان بوصفه معطًى خارجيًا، بل يعيد إنتاجه داخل النص الشعري، بحيث يتحول من واقع جغرافي إلى بنية رمزية، ثم إلى أفق أسطوري، إذ لم يعد المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يغدو عنصرًا بنيويًا في إنتاج الدلالة، وقد أسهمت دراسات مثل أعمال غاستون باشلار في "جماليات المكان"، في تحليله للرمز والأسطورة، في إعادة النظر إلى المكان بوصفه حاملاً للذاكرة والرمزية، وليس مجرد حيز مادي.

وتبرز تجربة بدر شاكر السياب بوصفها واحدة من أهم التجارب التي أعادت تشكيل المكان داخل القصيدة العربية الحديثة، إذ تتجاوز البصرة عنده حدودها الجغرافية، لتتحول إلى بنية دلالية مركبة، تتداخل فيها الذاكرة الفردية مع الوعي الجمعي، والواقع مع الأسطورة.

ففي المرحلة الأولى من تجربة السياب، تظهر البصرة بوصفها فضاءً للطفولة، حيث تتشكل العلاقة الأولى بين الذات والعالم. غير أن هذا الحضور لا يأتي في صورة وصف واقعي مباشر، بل يتجلى من خلال استدعاء عناصر الطبيعة المرتبطة بالجنوب، ولا سيما قرية جيكور، وتتحول هذه العناصر – النخيل، الأنهار، الطين – إلى شفرات تختزن زمنًا مفقودًا. فالسياب لا يستعيد المكان كما هو، بل يعيد بناءه عبر الذاكرة، بحيث يغدو المكان تمثيلاً للبراءة الأولى وهنا، يتقاطع المكان مع ما يسميه باشلار "البيت الحميم"، حيث يصبح الفضاء الخارجي امتدادًا للداخل النفسي. 

ومع نضج التجربة الشعرية، يبدأ المكان في التحول من معطى حسي إلى بنية رمزية. في قصائد مثل "أنشودة المطر"، إذ تتحول مفردات البيئة الجنوبية إلى علامات دلالية تتجاوز معناها المباشر، فالمطر، على سبيل المثال، يحمل دلالة  مزدوجة: فهو من جهة يدل على الخصب، ومن جهة أخرى يكشف عن مفارقة الفقر والجوع:

وفي العراق جوع

وينثر الغلال فيه موسم الحصاد

هنا يتحول المكان إلى خطاب نقدي، يكشف اختلال العلاقة بين الإنسان وبيئته. كما أن النخيل، بوصفها عنصرًا مركزيًا في جغرافية الجنوب، يغدو رمزًا للاستمرار، في حين يعكس النهر – كما في استحضار بويب – فكرة الزمن المتدفق، بهذا المعنى، لم يعد المكان إطارًا للأحداث، بل صار أداة لإنتاج المعنى.

وفي مرحلة أكثر عمقًا، يتجاوز السياب الرمز إلى الأسطورة، حيث تتداخل جغرافية البصرة مع أنماط كونية من التفكير. يتجلى ذلك في استدعاء بنية أسطورة تموز، التي تقوم على دورة الموت والانبعاث، و يتحول المطر إلى عنصر أسطوري، يعيد إنتاج فكرة البعث. ولا يعود المكان مجرد فضاء محلي، بل يصبح مسرحًا لدراما كونية، تتكرر فيها ثنائية الحياة والموت.

إن هذا التداخل بين المحلي والأسطوري يتيح للسياب نقل تجربته من مستوى ذاتي إلى مستوى إنساني شامل، حيث تصبح البصرة رمزًا للوجود الإنساني في صراعه مع الفناء، وتبلغ تجربة المكان ذروتها في لحظة المنفى، كما في "غريب على الخليج". هنا تتحول البصرة من حضور إلى غياب، ومن واقع إلى ذاكرة،و يكتسب المكان بعدًا عاطفيًا مكثفًا، حيث يُعاد تشكيله من خلال الحنين. يقول السياب:

الشمس أجمل في بلادي من سواها

حتى الظلام هناك اجمل فهو يحتضن العراق

لا يتعلق الأمر بمقارنة موضوعية، بل بإعادة إنتاج المكان داخل الوعي. فالمكان في المنفى لا يُعاش، بل يُتخيّل، وهو ما يمنحه طابعًا مثاليًا، وبهذا المعنى، يتحول المنفى إلى شرط لإعادة اكتشاف المكان، حيث تتضاعف دلالاته، ويتحول إلى رمز للهوية المفقودة.

إن البصرة في شعر بدر شاكر السياب تمر بثلاثة تحولات أساسية: من الذاكرة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الأسطورة. وفي كل مرحلة، يعاد تشكيل المكان داخل النص، بحيث يفقد طابعه الواقعي، ويكتسب أبعادًا دلالية جديدة، كما يتضح أن المكان عند السياب ليس ثابتًا، بل يتغير تبعًا لموقع الذات: فهو في الوطن يصبح أسطورة، وفي المنفى يتحول إلى حنين. وهذا ما يجعل جغرافية السياب جغرافية ديناميكية، تتشكل داخل اللغة، لا خارجها.

إن قراءة جغرافية بدر شاكر السياب تكشف أن البصرة ليست مجرد مكان، بل هي بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها الذاكرة، والهوية، والأسطورة. ومن خلال هذا التحويل، ينجح السياب في تجاوز حدود الجغرافيا، ليؤسس مكانًا شعريًا جديدًا، يعيش في النص، ويستمر في الذاكرة الثقافية.

 وتبدو في هذه الآفاق جيكور، القرية التي تمثل "الأم الكبرى" في شعر السياب، فهي  ر ليست مجرد مسقط رأس، بل الحلم الأول، والبراءة، والينبوع الذي كلما ابتعد عنه عاد إليه شعريًا. في قصائده، وتتحول جيكور إلى فضاء أسطوري تتداخل فيه الطفولة مع الحنين، حتى تبدو وكأنها فردوس مفقود، فالنخيل، اولسواقي، والطين، والبيوت البسيطة… كلها عناصر بوصفها رموزا لزمن نقيّ ضاع تحت وطأة التحولات.

ومن جيكور يتفرع نهر صغير لكنه بالغ الأثر: بويب. هذا النهر، الذي يبدو هامشيًا في الجغرافيا، ولكنه يحتل مركزًا في المخيلة السيابية. في قصيدته الشهيرة "أنشودة المطر"، يتجاوز بويب كونه مجرى ماء، ليصبح إيقاعًا داخليًا، وصوتًا كونيًا يربط بين الخصوبة والموت، بين الانتظار والانبعاث. بويب هو الزمن الذي يجري، والذاكرة التي لا تنضب.

أما البصرة، فهي الفضاء الأوسع، لكنها ليست بريئة تمامًا كما جيكورإذ  يبدأ التوتر: بين الريف والمدينة، بين الصفاء الأولي والتعقيد الاجتماعي. تظهر البصرة في شعره بمكانًا مزدوجًا؛ فيها دفء الانتماء، لكنها تحمل بذور الغربة. هي نقطة التحول من الطفولة إلى الوعي، من الطبيعة إلى التاريخ.

ما يميز تجربة السياب أن هذه الأماكن لا تبقى خارج النص، بل يعيد تشكيلها عبر الأسطورة والرمز. جيكور تتحول إلى "أرض الخصب"، وبويب إلى "نهر الحياة"، والمطر إلى علامة كونية للبعث، في تداخل واضح مع أساطير مثل تموز. هنا يتحول المكان الواقعي إلى بنية تخييلية، تتجاوز الجغرافيا إلى ما يشبه الميتافيزيقا الشعرية.

ففي قصيدة انشودة المطر تبدأ القصيدة برؤية مشبعة بالايحاء،

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

فالنخيل رغم كونها عنصرا طبيعيا في بيئة جيكور، فإنه يصبح صورة بصرية-وجدانية تختزن الحنين والخصب معًا. النخلة عند السياب ليست شجرة، بل ذاكرة عمودية، تربط الأرض بالسماء.

ثم يبدأ المطر بالتحول إلى إيقاع كوني:

مطر… مطر… مطر…

هذا التكرار ليس زخرفة صوتية، بل هو استدعاء طقسي، يكاد يحاكي أناشيد الخصب القديمة. المطر هنا يتجاوز الطبيعة ليصبح علامة على البعث، في توازٍ عميق مع أسطورة تموز (الإله الذي يموت ويعود).

وحين يقول:

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجراد

وتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول حولها بَشَرْ

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر

نلاحظ أن المكان (العراق) ينقلب من فضاء خصب إلى مفارقة مأساوية، فالأرض تعطي، لكن الإنسان جائع. هنا تتداخل الجغرافيا مع السياسة، والطبيعة مع التاريخ. البصرة، جيكور، العراق كله… تتحول إلى فضاء مأزوم، حيث الخصب الطبيعي لا يمنع القحط الإنساني.

أما بويب، وإن لم يُذكر صراحة في كل مقطع، فهو حاضر كإيقاع خفي، كأن صوت الماء ينساب داخل بنية القصيدة. السياب يعيد تشكيل جغرافيا طفولته لتصبح جغرافيا كونية، حيث المطر ليس فقط مطر الجنوب العراقي، بل مطر الإنسانية كلها.

وفي غريب على الخليج: يتحول المكان إلى فقد، إذ تنتقل القصيدة، من الأسطورة إلى المنفى، المكان هنا ليس مصدر خصب، بل مصدر قلق واغتراب.

في "أنشودة المطر"، المكان يُبنى وعدًا كونيًا بالبعث، حتى لو كان مشوبًا بالمأساة، ويشتمل على الدلالة المكانية العميقة (جيكور البصرة) اذ يتحول المكان الواقعي الى اسطورة، وهنا تكمن عبقريته: المكان عنده ليس ثابتًا، بل يتحول بحسب موقع الذات. فإذا كانت الذات في الوطن، يصبح المكان أسطورة. وإذا كانت في المنفى، يصبح المكان ذكرى موجعة.

***

د. كريم الوائلي - جامعة الكوت

في قصيدة "سأقاوم" لشاعر الغضب الثوري "هوميروس فلسطين" سميح القاسم

"ربما أفقد ماشئت، معاشي

ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعمل حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع ..

ربما أبحث، في روثِ المواشي، عن حبوب

ربما أخمد.. عريانا.. وجائع ..

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تسلبني آخرَ شبرٍ من ترابي

ربما تطعمُ للسجن شبابي

ربما تسطو على ميراث جدي ..

من أثاث.. وأوان.. وخراب ..

ربما تُحرقُ أشعاري وكتبي

ربما تُطعم لحمي للكلابِ

ربما تبقى على قريتنا كابوسَ رعب

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تطفئ في ليليَ شعلة

ربما أُحرم من أمي قبلة

ربما يشتمُ شعبي وأبي، طفل وطفلة

ربما تغنم من ناطور أحزاني غفلة

ربما زيّفَ تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤُله

ربما تحرمُ أطفالي يوم العيد بدلة

ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعار

ربما ترفع من حولي جداراً وجدار

ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم

وإلى آخر نبض في عرقي.. سأقاوم!

يا عدوّ الشمس ..

في الميناء زينات، وتلويحُ بشائر ..

وزغاريد، وبهجة

وهتافات، وضجة

والأناشيدُ الحماسية وهجٌ في الحناجر

وعلى الأفقِ شراع ..

يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر ..

إنها عودة يُوليسيز

من بحر الضياع ..

عودةُ الشمس، وإنساني المهاجر

ولعينيها، وعينيه.. يمينا.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبضٍ في عروقي ..

سأقاوم!

سأقاوم!

سأقاوم!”

***

سميح القاسم

...................

كان ذلك قبل عامٍ تقريبًا في إحدى الفعاليات المدرسية، إذْ كنت أقف بين طلابٍ إحدى المدارس الحكومية في مشهد يبدو ظاهره بسيطًا في محتواه المكوّن من منصة مدرسية، وطلاب ينتظرون دورهم، وأصوات تتناوب على إلقاء أبيات من الشعر الفلسطيني.

غير أنّ ما كان يحدث أمامي فاق النشاط الأدبي العابر، فقد كانت الكلمات الخارجة من أفواه الطلاب المشاركين تسترد شيئًا من معناها الأول، وكانت القصيدة الساكنة في صفحات الكتاب قد وجدت أخيرًا جسدًا وصوتًا وملامح.

وأذكر طالبًا صغيرًا وقف يومها أمام زملائه محاولا في اللحظات الأولى أنْ يخفي ارتباكه، وهو يضمّ يديه مرة، ثم يفتحهما، وينظر إلى الأرض قبل أنْ يرفع عينيه إلى الجمهور.

كانت ملامحه تقول إنه يعرف أنّ وراء الكلمات شيئًا أكبر من الحفظ.

وعندما بدأ الإلقاء تغيّر صوته تدريجيًا، وأخذ يكتسب نبرة أكثر ثباتًا، وأخذت الكلمات تمنحه الشجاعة.

وفي اللحظة التي وصل فيها إلى بيت يتصل بالأرض والمقاومة رفع رأسه، واتسعت عيناه، وتقدّم نصف خطوة إلى الأمام.

في تلك اللحظة تحديدًا رأيت طفلًا يكتشف أنّ صوته يمكن أنْ يحمل ذاكرة جماعة كاملة.

كان زملاؤه يصغون إليه على نحو مختلف أيضًا، فبعضهم يردد الكلمات معه بصوت خافت، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يرفع رأسه متيقّنًا أنّه يستمع إلى شيء يعرفه قبل أن يسمعه.

وفي نهاية الإلقاء كان في المشهد شيء من الاعتزاز، وشيء من الحنين، وشيء من الحزن، وشيء من الرغبة في أنْ تقول هذه الأجيال الصغيرة: نحن هنا، وما زلنا نتذكر، وسنصفّق بحرارة لأجل هذه الأرض.

ومنذ ذلك المشهد أخذت أتأمل السؤال الذي يتجاوز حدود النشاط المدرسي، وهو ماذا يحدث عندما يصدح صوت الطالب الفلسطيني بشعر المقاومة داخل المدرسة؟

هل يبقى الشعر عند حدود المقرر الدراسي؟ أم أنه يعبر الصفحة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى بناء الهوية؟

إنّ المدرسة ليست فضاءً محايدًا للمعرفة فقط؛ إنها كذلك فضاء تتشكل فيه علاقة الطفل بلغته، وتاريخه، ومكانه، وذاكرته الجمعية.

وعندما يقرأ الطالب قصيدة فلسطينية، ثم يحفظها، ثم يقف بها أمام الآخرين، فإنّ العملية لا تنتهي عند الفهم اللغوي أو التذوق الجمالي؛ إذ تتحول القصيدة إلى فعل أدائي يعيد إنتاج المعنى داخل الجماعة، ويصبح الصوت حاملًا للذاكرة، ويصبح الجسد الذي يقف على المنصة جزءًا من العلامة، وتتحول الكلمات من مادة مكتوبة إلى تجربة حية.

ومن هنا تبدو أهمية حضور الشعر الفلسطيني في المناهج التعليمية الفلسطينية؛ فالنص الأدبي المقاوم يستطيع أنْ يصل إلى الطالب من الطريق الذي لا تصل منه المعلومة المجردة، فهو يصل إلى طريق الشعور والصورة والإيقاع والذاكرة.

ولا سيما حينما يكون الشاعر جزءًا من تاريخ القضية الفلسطينية ووجدانها الثقافي، كما هو الحال مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، والذي ارتبط شعره بالأرض والهوية والصمود والمواجهة، واحتل حضورًا في الثقافة الأدبية الفلسطينية والعربية.

وقد ارتبطت نصوصه أيضًا بالسياق التعليمي الفلسطيني، ومن أبرزها قصيدة "تقدموا" التي عُرفت في سياق شعر المقاومة والانتفاضة.

غير أنّ حضور القاسم في المدرسة لا ينبغي أن يُختزل في الوظيفة الوطنية المباشرة؛ فالقيمة التربوية الأعمق تكمن في أنّ شعره يتيح للطالب أنْ يكتشف كيف يمكن للغة أنْ تتحول إلى موقف، وكيف تستطيع الصورة الشعرية أنْ تحمل ذاكرة، وكيف يمكن لتكرار كلمة واحدة أنْ يتحول إلى بناء نفسي وجمالي كامل.

لقد عادت إلى ذاكرتي مجدّدا صورة ذلك الطالب واقفًا على المنصة، وصوته الذي انتقل من الارتباك إلى الثبات، وحضرت قصائد سميح القاسم في ذهني من جديد، وحضرت معها قصيدته "سأقاوم" تلك القصيدة التي يبدو عنوانها في ظاهره بسيطًا، لكنه يخفي وراءه بنية عميقة من الرفض والإرادة والذاكرة.

فالقاسم يقول إنّ الذات ستقاوم، ويبني القصيدة كلها على امتحان هذه الإرادة، فماذا لو فقد الإنسان معاشه؟ وماذا لو بيع ثوبه وفراشه؟ وماذا لو سُلبت أرضه؟ وماذا لو أُحرقت كتبه؟ وماذا لو زُيّف تاريخه؟ وماذا لو حُرم من أمه وأطفاله؟ وماذا يبقى له بعد كل ذلك؟

وماذا … وماذا!؟

هنا تحديدًا تبدأ القيمة السيميائية للنص؛ لأنّ القصيدة تبني المقاومة من خلال علامات الفقد والتهديد والجسد والأرض والذاكرة والزمن والنور والعودة. وتتكرر "ربما" في بداية الاحتمالات لتفتح أبواب الخسارة، ثم تأتي "لكن" لتقطع مسارها، ويظهر "لن أساوم" كنوع من الرفض قبل أن يستقر النص في يقينه المركزي المتمحور حول "سأقاوم".

ولذلك فإنّ قراءة هذه القصيدة تبدأ من أسئلة عميقة وهي: كيف تصنع اللغة معنى المقاومة؟ وكيف تتحول القصيدة من كلام عن الوطن إلى ممارسة رمزية للانتماء إليه؟

إنّ هذه الأسئلة تعيدنا مرة أخرى إلى ذلك الطالب الذي وقف أمام زملائه. فقد كان يحمل في يده نصًا مكتوبًا، لكنه في الحقيقة كان يحمل أكثر من نص، كان يحمل صوتًا عائليًا وذاكرة مكان، وصورًا سمعها في البيت والمدرسة، ومفرداتٍ تشكل جزءًا من وعيه.

وعندما صدح صوته لم تعد القصيدة حبيسة الكتاب، لقد خرجت منه، وصارت صوتًا حيًا في فضاء المدرسة.

ومن هذه اللحظة تحديدًا يمكن الدخول إلى عالم سميح القاسم الشاعر الذي جعل من اللغة مجالًا للمقاومة.

ومن هنا تأتي قصيدة "سأقاوم" نصًا صالحًا لقراءة سيميائية تكشف كيف تتضافر علاماته لتقول إنّ الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه يستطيع أنْ يحفظ جوهره ما دام قادرًا على رفض المساومة.

فبين "ربما" التي تفتح احتمالات الفقد، و"لن أساوم" التي تغلق باب التنازل، و"سأقاوم" التي تفتح أفق المستقبل تتشكل الرحلة الدلالية للنص كله، هي رحلة تنتقل فيها الذات من الخوف إلى الشجاعة، ومن احتمال المحو إلى فعل حفظ الذاكرة، ومن الجسد المهدد إلى الجسد المقاوم، ومن الأرض المهددة إلى وعد العودة، ومن ظلمة الواقع إلى "عودة الشمس".

إنّ القصيدة في بعدها الجمالي والتربوي السيميائي أكثر من نص يُقرأ؛ إنها نص يُسمع ويُؤدّى ويُعاش، وربما لهذا السبب تحديدًا يختلف وقعها عندما تخرج من فم شاعر أو معلم أو طالب، وتدخل إلى فضاء المدرسة؛ لأنّ الشعر الذي يجد صوتًا شابًا يحمله يتحول إلى ذاكرة تتشكل من جديد أمام أعين جيلٍ كامل متجاوزة الحدث لتصبح جزءًا من الذاكرة التي تحفظه، ومن الوعي الذي يقاوم محوه.

وعندما نقرأ قصيدة "سأقاوم" لسميح القاسم نجد أنفسنا أمام قصيدة سياسية تستعيد خطاب المقاومة من خلال نص تتشابك فيه اللغة بالذاكرة، والجسد بالأرض، والفقد بالهوية، والخاص بالجمعي حتى تغدو الكلمة مساحة للمواجهة.

فالشاعر يفتح أمام الذات سلسلة من الاحتمالات القاسية "ربما أفقد"، و"ربما أعرض"، و"ربما أعمل"، و"ربما تسلبني"، و"ربما تحرق"، و"ربما تحرم"، فالنص يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام كل ما يمكن أن يخسره، غير أنّ هذه الاحتمالات مهما تكاثرت تصطدم بحدّ لا يمكن تجاوزه هو "لن أساوم"، ثم تنفتح القصيدة على فعل المستقبل الحاسم وهو "سأقاوم".

ومن هنا تنشأ المفارقة المؤسِّسة للنص فكلما اتسعت دائرة ما يمكن فقده ازدادت صلابة ما لا يمكن التنازل عنه. فالعدو يستطيع أنْ يهدد المعاش والثوب والفراش، وأنْ يصادر الأرض، ويسجن الشباب، ويحرق الكتب، ويشوّه التاريخ، ويحاصر القرية، ويحرم الطفل فرحة العيد؛ لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع من الذات قرارها الداخلي بالمقاومة. ولعلّ هذا هو المدخل الأعمق إلى شعر سميح القاسم؛ إذ لا تصبح المقاومة عنده شعارًا يضاف إلى القصيدة من الخارج، إنما تتحول إلى بنية داخلية تنتظم المعجم والإيقاع والتكرار والصورة والزمن والفضاء.

وإذا كانت السيميائيات تنظر إلى النص على أنه شبكة من العلامات المتفاعلة، فإنّ "سأقاوم" تقدم نموذجًا غنيًا لهذا الاشتغال؛ فـ"ربما" هي علامة على الاحتمال، و"لكن" هي علامة على الانقلاب، و"لن أساوم" هي علامة على الرفض، و"سأقاوم" هي علامة على الفعل والاستمرار، بينما تتحول الشمس والنبض والأرض والجدار والبحر والشراع والعودة إلى علامات تتجاوز معناها المباشر نحو دلالات أعمق تتصل بالهُوية والحرية والذاكرة والخلاص.

لذلك فإنّ قراءة القصيدة سيميائيًا تكشف أنّ معركتها الحقيقية هي معركة على المعنى الذي يجعل الأشياء جزءًا من هُوية الإنسان.

المحور الأول: "ربما"، و"لن أساوم" و"سأقاوم" — سيمياء الانتقال من احتمال الفقد إلى يقين الفعل

منذ العنوان تضع القصيدة القارئ أمام فعل واضح هو "سأقاوم"، وهذا العنوان يمثل عتبته الدلالية ومفتاحه التأويلي؛ لأنه يجمع بين ضمير المتكلم والفعل والمستقبل.

فالشاعر لا يقول "قاومت" بما يحيل إلى فعل اكتمل، ولا "أقاوم" بما يحصر المقاومة في الحاضر، وإنما يقول "سأقاوم"، ليجعل المقاومة وعدًا مستقبليًا مفتوحًا، وإرادة لا تنتهي بانتهاء اللحظة.

والنص لا يصل إلى هذا اليقين مباشرة؛ إذ يبني طريقه إليه عبر التكرار المتواتر لكلمة "ربما"، وتتوالى الاحتمالات في "ربما أفقد ماشئت، معاشي"، و"ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي"، و"ربما أعمل حجّارًا.. وعتّالًا.. وكنّاس شوارع"، و"ربما تسلبني آخر شبر من ترابي"، و"ربما تحرق أشعاري وكتبي"، و"ربما تطعم لحمي للكلاب".

لاحظوا معي كيف تؤدي "ربما" وظيفة تتجاوز الدلالة المعجمية إلى إنتاج فضاء كامل من التهديد والاحتمال.

إنها تفتح أبوابًا متتالية للخسارة، لكنها لا تمنح هذه الخسارة صفة الحتمية؛ فكل ما يحدث يبقى في فضاء "الاحتمال"، بينما يبقى فعل المقاومة في فضاء اليقين.

ويبلغ البناء ذروته عندما تأتي أداة الاستدراك "لكن"، فبعد سلسلة طويلة من الاحتمالات يأتي الانعطاف الحاسم في "يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم" ليتحول النص من سرد ما يمكن أنْ يحدث إلى تحديد ما لن يحدث.

إنّ "لن" ليست مجرد أداة نفي، فقد باتت علامة على حصانة داخلية؛ فالذات قد تقبل أنْ تفقد أشياء كثيرة، لكنها ترفض أنْ تجعل الفقد مساويًا للتنازل.

ومن هنا تتأسس ثلاثية دلالية مركزية:

ربما أفقد ← لن أساوم ← سأقاوم.

الأولى تفتح الاحتمال، والثانية تغلق باب التنازل، والثالثة تفتح أفق الفعل.

وهذا التدرج هو العمود الفقري للقصيدة؛ إذ ينتقل الخطاب من التهديد إلى الرفض، ومن الرفض إلى المقاومة.

واللافت أنّ "لمساومة" هنا أكثر عمقًا من معناها السياسي المباشر؛ فهي تمثل التنازل عن الجوهر مقابل الاحتفاظ ببعض الأشياء.

ولذلك فإنّ الشاعر يعيد ترتيب سلم القيم بأنّه يمكن أنْ يخسر المعاش والثوب والبيت والأرض، لكنه لا يقبل أنْ يخسر حقه في أنْ يكون ذاته.

وتتبلور فلسفة القصيدة في أنه ليست الهزيمة في فقد الأشياء، وإنما في أنْ يتحول الإنسان إلى طرف يقبل التنازل عن هويته.

وتزداد هذه الدلالة قوة عندما يختم الشاعر كل مقطع تقريبًا بالعبارة:

"وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!"، فالمقاومة تتحرّر من الزمن، وتستمر "إلى آخر نبض"، ويتحول الجسد إلى ساعة للمقاومة، ويصبح النبض علامة على استمرار الحياة، كما يصبح استمرار الحياة علامة على استمرار الفعل المقاوم.

إنّ الشاعر بذلك لا يقول: سأقاوم ما دام لديّ السلاح أو القوة، فهو يقول ما هو أعمق: سأقاوم ما دام في داخلي أثر للحياة لتنتقل المقاومة من المجال السياسي إلى المجال الوجودي.

المحور الثاني: الأرض والجسد والذاكرة — سيمياء الهوية في مواجهة المحو

إذا كان المحور الأول قد كشف عن البنية الفعلية للمقاومة فإنّ هذا المحور يكشف عن موضوع المقاومة، وماذا يحاول الشاعر أنْ يحمي؟

إنّ الإجابة في النص لا تنحصر في الأرض، رغم مركزيتها، وإنما تمتد إلى شبكة كاملة من العلامات التي تشكل هوية الإنسان من الجسد، والبيت، والجد، والقرية، والكتب، والأم، والأطفال، والتاريخ، إلى الذاكرة.

يقول الشاعر:

"ربما تسلبني آخر شبرٍ من ترابي"

والتعبير ب"آخر شبر" بالغ الدلالة؛ لأنّ الشاعر لا يستعمل مساحة واسعة أو مفهومًا تجريديًا للوطن، بقدر ما يستدعي أصغر وحدة مكانية ممكنة. وقيمة الأرض لا تتحدد باتساعها، وإنما بكونها أرض الانتماء، فالشبر هو علامة على الحق في الوجود والامتداد والجذور.

ثم يقول:

"ربما تسطو على ميراث جدي"

لتتحول الأرض من مكان إلى ذاكرة عائلية، فذكر الجد يربط المكان بسلسلة الأجيال، ويجعل الوطن إرثًا رمزيًا يتجاوز الملكية المادية.

ومن خلال هذه العلامة يتشكل خط زمني يمتد من الجد إلى الشاعر ثم إلى الأطفال، أي من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل.

ولذلك فإنّ مصادرة الأرض تخرج في عمق النص عن الاستيلاء على التراب إلى محاولة قطع السلسلة التي تربط الإنسان بأصله.

وتتأكد هذه الفكرة من خلال حضور الأشياء اليومية المتمثّلة في: "الثياب"، و"الفراش"، و"الأثاث"، و"الأواني"، و"الكتب"، و"بدلة العيد" فالشاعر لا يبني الوطن من الرموز الكبرى وحدها، وإنما يستخرج معناه من تفاصيل الحياة الصغيرة.

وهذه التفاصيل تكتسب قيمتها السيميائية من كونها علامات على الحياة الطبيعية والكرامة والبيت والطفولة.

فعندما يقول:

"ربما تحرم أطفالي يوم العيد بدلة"

فهو يتحدث عن محاولة حرمان الطفل من الفرح نفسه.

وكذلك عندما يقول:

"ربما أحرم من أمي قبلة"

فإنّ "قبلة الأم" تتحول إلى علامة على الأمان والجذور والحنان.

وبذلك يتجاوز الوطن في القصيدة حدوده الجغرافية ليصبح شبكة من العلاقات الإنسانية من أم، وأب، وطفل، وبيت، وعيد، وذاكرة.

وفي مقابل هذه العلامات الحميمة يظهر الجسد ميدانًا للعنف والمقاومة معًا:

"ربما أخمد.. عريانًا.. وجائع"

ثم:

"ربما تطعم لحمي للكلاب"

لكنّ الجسد الذي يظهر أولًا مهددًا يتحول في النهاية إلى حامل للمقاومة:

"وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم"

وهنا تحدث مفارقة سيميائية عميقة فالجسد المستباح يتحول إلى جسد مقاوم، والنبض الذي يبدو في الظاهر مجرد علامة بيولوجية على الحياة يصبح في النص علامة على استمرار الإرادة.

ولا يتوقف الصراع عند الأرض والجسد، فهو ينتقل إلى الذاكرة المكتوبة:

"ربما تُحرق أشعاري وكتبي"

ثمّ:

"ربما زُيّف تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤلّه"

إنّ حرق الكتب وتزييف التاريخ ينقلان المعركة من السيطرة على المكان إلى السيطرة على معنى المكان.

فالأرض تمثل الوجود المادي، بينما يمثل الكتاب والتاريخ الوجود الرمزي. وإذا كان الاستيلاء على الأرض محاولة لمحو الحضور فإنّ تزييف التاريخ محاولة لمحو شرعية الحضور.

ومن هنا تصبح الكتابة فعل مقاومة؛ لأنّ الشاعر عندما يكتب ما يُراد له أنْ يُمحى فإنه يحول القصيدة إلى سجل للذاكرة، وإلى شهادة في مواجهة النسيان.

وهذا ما يجعل سيمياء النص قائمة على ثنائية عميقة من المحو / الحفظ، فالعدو يحاول محو المكان والإنسان والتاريخ، بينما تقوم القصيدة بحفظها داخل اللغة.

المحور الثالث: "عدوّ الشمس" و"عودة يوليسيز" - سيمياء النور والعودة وانتصار الذاكرة

في المقطع الأخير تتسع الدلالة من التجربة الفردية إلى أفق أسطوري وجمعي، ويظهر التعبير اللافت:

"يا عدوّ الشمس"

إنّ الشمس هنا علامة مركزية في البناء الرمزي للقصيدة؛ فهي تحيل إلى النور والحياة والدفء والحرية، ولذلك فإنّ وصف الخصم بأنه "عدو الشمس" يحوله من مجرد خصم سياسي إلى رمز لقوة تعادي الحياة والنور.

ويتعزز هذا المعنى في قوله:

"ربما تطفئ في ليليَ شعلة"

فالشمس والشعلة والوهج والنور تنتمي إلى حقل دلالي واحد في مقابل الليل والإطفاء والجدار والسجن.

وهكذا تقوم القصيدة على ثنائية أساسية من النور / الظلام؛ لكنها لا تترك هذه الثنائية معلقة، إذ تنتهي إلى

"عودة الشمس"، وهنا يحدث تحول دلالي بالغ الأهمية فالشمس التي كانت في بداية النص موضوعًا للعداء تصبح في نهايته علامة على العودة والانتصار.

وتتزامن هذه العودة مع استدعاء شخصية "يوليسيز" في

"إنها عودة يُوليسيز

من بحر الضياع".

إنّ استدعاء يوليسيز يمنح تجربة الفلسطيني بعدًا أسطوريًا وإنسانيًا يتجاوز اللحظة التاريخية المباشرة. فـ"يوليسيز" هو رمز الرحلة الطويلة، والتيه، والمخاطر، والحنين إلى الوطن، ثم العودة إليه.

وبذلك تتحول تجربة المهاجر في القصيدة إلى نموذج إنساني للإنسان الذي يرفض أنْ يجعل المنفى نهاية حكايته.

ويأتي البحر في "بحر الضياع"

في مقابل الشراع في "وعلى الأفق شراع..

يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر"

فتتشكل شبكة رمزية واضحة من:

البحر = الضياع

الريح = العائق

الشراع = الإرادة

الأفق = المستقبل

العودة = استعادة الهوية

وهنا تتحول الرحلة إلى استعارة للمقاومة، فالمقاومة ليست طريقًا خاليًا من المخاطر، لكنها تمتلك اتجاهًا. والشراع لا يلغي الريح، وإنما يتعلم كيف يواجهها.

والأهم أنّ المقطع الأخير ينتقل من "أنا" الفرد إلى مشهد جماعي واسع في "في الميناء زينات، وتلويح بشائر"، و"زغاريد"، و"بهجة"، و"هتافات"، و"ضجة"، و"الأناشيد الحماسية وهجٌ في الحناجر".

وهكذا تتسع دائرة الصوت، فبعد أنْ بدأت القصيدة بإنسان مهدد بالجوع والسجن والمصادرة تنتهي بمشهد جماعي من الزغاريد والهتافات والأناشيد.

إنها حركة من العزلة إلى الجماعة،

ومن القهر إلى الاحتفال،

ومن الضياع إلى العودة،

ومن الظلام إلى الشمس.

ولهذا فإنّ تكرار "سأقاوم" ثلاث مرات في الخاتمة يمثل تصعيدًا صوتيًا ودلاليًا إلى جانب التكرار اللفظي.

فبعد أنْ عرض الشاعر كل ما يمكن أنْ يخسره لم يعد بحاجة إلى إضافة أمثلة جديدة.

لقد وصلت اللغة إلى لحظة تختصر فيها كلّ المعاني في فعل واحد هو

"سأقاوم!"، وبذلك تتحول العبارة من صوت فرد إلى ما يشبه النشيد الجماعي، ومن موقف شخصي إلى ذاكرة مشتركة، ومن كلمة شعرية إلى فعل أدائي، فالتكرار يصف المقاومة، ويجعل القارئ يسمع إيقاعها.

وعندما نصل إلى نهاية "سأقاوم" ندرك أنّ سميح القاسم لم يكتب قصيدة عن المقاومة بقدر ما بنى المقاومة داخل القصيدة.

فقد جعل من التكرار فعلًا، ومن النفي موقفًا، ومن المستقبل وعدًا، ومن الجسد ذاكرة، ومن الأرض هوية، ومن الكتاب شهادة، ومن الشمس أفقًا، ومن العودة خلاصًا.

ولعلّ القيمة الأعمق للنص تكمن في أنه لا ينكر الخسارة؛ فالذات فيه تعرف أنها قد تجوع، وتعرى، وتسجن، وتفقد أرضها، وتحرق كتبها، وتحرم من أمها، وتُحاصر بالجدران، لكنها ترفض أنْ تجعل هذه الخسارات نهاية المعنى. ولذلك فإنّ "لن أساوم" تمثل اللحظة التي تستعيد فيها الذات سلطتها الداخلية، بينما تمثل "سأقاوم" اللحظة التي تحول هذه السلطة إلى فعل.

ومن منظور سيميائي تتأسس القصيدة على مسار تحولي واضح هو:

احتمال الفقد ← رفض المساومة ← فعل المقاومة ← استعادة الذاكرة ← العودة ← عودة الشمس.

إنها رحلة تبدأ ب"ربما"، وتنتهي ب"سأقاوم"، أي رحلة من الاحتمال إلى اليقين، ومن التهديد إلى الإرادة، ومن الجدار إلى الأفق، ومن بحر الضياع إلى العودة.

وأجمل ما في خاتمة القصيدة أنها لا تقول إنّ الطريق انتهى، وإنما تجعل المقاومة طريقًا مفتوحًا:

"سأقاوم!

سأقاوم!

سأقاوم!"

ثلاثة أفعال تبدو في ظاهرها تكرارًا، لكنها في العمق ثلاث طبقات من المعنى من مقاومة الجسد الذي يُستباح، ومقاومة الذاكرة التي يُراد محوها، إلى مقاومة المستقبل الذي يُراد مصادرته.

وهنا تتجلى شعرية سميح القاسم في أبهى صورها بأنّه يجعل من الكلمة وطنًا حينما يُهدَّد الوطن، ومن الذاكرة أرضًا حينما تُنتزع الأرض، ومن النبض زمنًا حينما يُحاصر الزمن، ومن الشعر فعلًا لا يكتفي بأنْ يقول: "سأقاوم"، فهو يجعل القارئ يشعر أنّ المقاومة قد بدأت منذ اللحظة التي نطق فيها الفعل.

فقد يستطيع القهر أنْ يسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع منه المعنى إلا إذا أقنعه بالمساومة. ولهذا كان قول القاسم:

"لن أساوم"

هو الوجه الآخر، والأعمق، لقوله:

"سأقاوم".

ومن بين هاتين العبارتين تتشكل فلسفة النص كلها، فما دام في العروق نبض، وفي الذاكرة مكان، وفي اللغة قدرة على التسمية فإنّ المحو لم ينتصر بعد؛ لأنّ الشمس مهما طال الليل تظل قابلة

للعودة.

وفي نهاية قراءتي السيميائيّة لجسد القصيدة تعود صورة ذلك الطالب الذي وقف قبل عام على خشبة المدرسة حاملًا قصيدته بصوتٍ ارتجف في بدايته ثم استقام، لتكتسب معناها الأعمق، فقد أدركت أنّ ما كان يحدث أمامي يفوق الإلقاء شعري، لقد كان لحظة انتقال للقصيدة من الورق إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الصوت.

وهنا تتضح القيمة الحقيقية لحضور سميح القاسم في المناهج الفلسطينية، فالنص الذي يقرؤه الطالب يمنحه معلومات عن الوطن، ويفتح أمامه طريقًا ليتعرف إلى الأرض كذاكرة، وإلى اللغة كهوية، وإلى الشعر كقدرة على حفظ ما يُراد له أنْ يُمحى، فالكبار يموتون، لكنّ الصغار يحفظون، ولا ينسون.

وفي "سأقاوم" تحديدًا تتحول "ربما" بكل ما تحمله من احتمالات الفقد إلى "لن أساوم" بما تحمله من رفض، ثم إلى "سأقاوم" بما تحمله من فعل واستمرار، فيصبح المعاش والثوب والفراش والأرض وميراث الجد والكتاب والأم والطفل والعيد والتاريخ والشمس علاماتٍ متشابكة على حق الإنسان في أنْ يبقى وفيًا لذاكرته.

ولعلّ أعمق ما تقوله القصيدة أنّ المقاومة ليس بالضرورة أنْ تبدأ دائمًا من مشهد كبير، فقد تبدأ من طالب يرفع رأسه بعد أنْ كان خافضًا له، ومن صوت صغير يكتشف أنّ للكلمة قوة، ومن قصيدة تحفظها حناجر الأطفال كي لا تبقى الذاكرة حبيسة الكتب.

لذلك فإنّ المدرسة التي تفتح منابرها للشعر الفلسطيني تستعيد الماضي، وتصنع صلة حية بين الأجيال، فالجد الذي يحضر في "ميراث جدي"، والأم التي تختزنها "قبلة"، والطفل الذي يُحرم "بدلة" العيد، والأرض التي تختزلها عبارة "آخر شبر من ترابي" كلها تعبر من ذاكرة الشاعر إلى ذاكرة الطالب، ومن ذاكرة الطالب إلى مستقبل لم يتشكل بعد. والقصيدة التي تنتهي بثلاثة أصداء متتالية "سأقاوم! سأقاوم! سأقاوم!" تترك باب المعنى مفتوحًا في الحناجر التي ستأتي بعدها؛ ليظل السؤال التربوي والجمالي والأخلاقي قائمًا بأنّه ماذا يستطيع الشعر أنْ يفعل في الوقت الذي يتحول فيه من نص يُحفظ إلى صوتٍ يؤمن به صاحبه؟ وربما كانت الإجابة في ذلك الطالب الذي وقف يومها صغيرًا أمام جمهوره، لكنه عندما نطق القصيدة بدا واقفا على امتداد ذاكرة طويلة معلنا بلغته الخاصة أنّ الذاكرة التي تجد من يحملها لا تموت، وأنّ الشمس التي تسكن الكلمات لا يستطيع الجدار أنْ يحجبها، وأنّ القصيدة التي تسكن قلب الطالب لا تعود درسًا إنما تصبح وعيًا بالذات، ووفاءً للمكان، وحفظًا للذاكرة، وأملًا في العودة، وصوتًا يقول للحاضر والمستقبل معًا: لن أساوم... سأقاوم.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

 قراءة فلسفية – صوفية في المورفولوجيا

منذ أن نطق الإنسان أول كلمة، ارتبط الوجود باللغة، فصارت الكلمات مفاتيح العالم وأبواب المعنى. ليست اللغة مجرّد وعاء محايد، بل هي – كما وصفها هايدغر – بيت الوجود؛ منزل تتأسس فيه هوية الإنسان ويُصاغ وعيه. وإذا كانت اللغة هي البيت، فإنّ المورفولوجيا هي هندسة هذا البيت، إذ تُظهر لنا كيف أن الجذور اللغوية تتحوّل إلى أبنية متفرعة، وكيف تتكاثر المعاني مثل أغصانٍ من أصلٍ واحد، من دون أن تفقد جذورها العميقة.

إنّ البحث في بنية الكلمة ليس تمريناً تقنياً محضاً، بل هو استكشاف أنطولوجي وروحي لمعنى الوجود كما يتجلّى عبر الحرف والكلمة. فالصيغة الصرفية ليست مجرّد وزن، بل أثر من آثار العقل الإنساني في سعيه إلى النظام، وأيضاً بصمة من بصمات الروح في توقها إلى الكمال. لذلك كان التصريف في العربية أكثر من مجرّد نظام لغوي؛ إنه سيمياء الوجود، حيث تتلاقى الفلسفة واللسانيات والتصوف في نقطة واحدة: الكلمة بوصفها كائناً حيّاً يعيش، يتوالد، ويتحوّل، لكنه لا ينفصل أبداً عن أصله.

ليست اللغة مجرد أداة للتواصل أو حاملاً للمعنى، بل هي كما قال هايدغر: بيت الوجود. وإذا كانت اللغة بيتاً، فإن المورفولوجيا – علم بنية الكلمة – هي هندسة هذا البيت، أعمدته وأبوابه ونوافذه. فالمورفولوجيا لا تكتفي بدراسة الجذور والزوائد واللواحق، بل تفتح أمامنا أفقاً فلسفياً عميقاً: كيف تتحوّل الكلمة من مجرد أصوات إلى تجلّيات للمعنى، وكيف تعكس في بنيتها مسار الفكر الإنساني وتوقه إلى الكمال؟

- المورفولوجيا والفكر: بين اللساني والفلسفي

يرى نعوم تشومسكي أن اللغة تكشف عن بنية عميقة في العقل البشري، أي عن قواعد فطرية تسكن الذهن قبل أن تُنطق. أما المورفولوجيا فهي الحقل الذي يتجلّى فيه هذا العمق: الجذور تتوزّع في قوالب وأوزان، فتنتج كلمات تعبّر عن الفعل والانفعال، عن الفاعل والمفعول، عن الزمن والحركة. وهكذا فإن الاشتقاق ليس مجرد لعبة لغوية، بل هو منطق وجودي يُعلّم العقل كيف يرى العالم من خلال أنماط اللغة.

وفي العربية مثلاً، يكشف الجذر الثلاثي (ك-ت-ب) عن ثراء دلالي هائل: كتاب، كاتب، مكتوب، مكتبة، كتابة. إننا هنا أمام شجرة صرفية جذورها ثابتة في التربة، لكن أغصانها تتشعّب في اتجاهات شتى. وهذا التناسُل الصرفي يذكّرنا بفكرة أفلاطون عن "المُثل"؛ فالجذر هو المثال الأصلي، والكلمات المتولدة منه هي الصور التي تشعّ من هذا المثال في العالم المحسوس.

- المورفولوجيا والشعر: الكلمة ككائن حيّ

- يؤكد رومان ياكوبسون أن الشعر هو انحراف اللغة عن وظيفتها التواصلية. والمورفولوجيا هي التربة التي ينبت منها هذا الانحراف. فالشاعر لا يتعامل مع الكلمات كوحدات جاهزة، بل يستحضر طاقتها الاشتقاقية ليولّد منها معاني جديدة.

حين يقول شاعر صوفي "مكتوب"، فهو لا يقصد فقط ما كُتب على الورق، بل يستدعي قَدَراً غيبياً مكتوباً في اللوح المحفوظ. وهنا تتحوّل البنية الصرفية إلى رمز كوني.

- أدونيس يذهب أبعد حين يرى أن الكلمة في الشعر ليست علامة، بل كوكب يتفتّح في الليل. والمورفولوجيا، في هذا المنظور، ليست علماً ميكانيكياً، بل بستان روحي تنمو فيه الكلمات كزهور تفتح أبواب المعنى على اتساعها.

- المورفولوجيا والتصوف: الكلمة سالكة إلى أصلها

- في التصوف، كل شيء رحلة من الكثرة إلى الوحدة، ومن الظاهر إلى الباطن. كذلك المورفولوجيا: الجذر فيها هو الأصل، والأوزان والاشتقاقات هي التجليات.

الحلاج يقول:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا.

الجذر (هـ و ى) يبيّن أن "أهوى" و"هوى" و"هوًى" تنتمي جميعاً إلى أصل واحد، رغم اختلاف الصيغ. وهذا التباين الصرفي لا يلغي الوحدة، بل يثبتها: فالتفرّع عن الجذر هو تجلٍّ لكثرةٍ تعود في النهاية إلى جوهر واحد. وهو عين ما يقوله الحلاج في تجربة الاتحاد العشقي مع الله.

- ما جلال الدين الرومي فيقول:

ألقِ نفسك كما تُلقي الزهرةُ عطرَها

فالعطرُ عودتها إلى أصلها النقي

الجذر (ز هـ ر) الذي يتولّد منه "زهرة"، "إزهار"، "زهور"، يكشف أن كل شكل صرفي ما هو إلا عودة إلى معنى الإشراق والبهاء. التصريف هنا صورة لغوية لفعل العودة الصوفي: من التعدد إلى الأصل، من المظهر إلى الجوهر.

- ويأتي ابن عربي ليجمع بين الكثرة والوحدة:

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ

فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

- كلمة "صورة" نفسها تحيل إلى التعدد الصرفي: صور، تصوير، مصوّر. لكن كل هذه الأشكال تعود إلى جذر واحد (ص و ر). هكذا يُفهم البيت صوفياً ولسانياً معاً: القلب مثل الجذر الصرفي، يتشعّب في صور كثيرة لكنه يظل واحداً في جوهره.

- المورفولوجيا كذكر لغوي:

من هنا، تبدو المورفولوجيا أكثر من علم لغوي: إنها سلوك روحي للكلمة. الجذر هو الحقّ الثابت، والاشتقاق هو التجلي المتغيّر، والوزن هو الإيقاع الذي ينظّم الرحلة بين الأصل والصورة. كل كلمة، إذاً، سالكة إلى معناها الأسمى، مثل روحٍ تعود إلى معشوقها الأزلي.

وهكذا يمكن القول إن علم الصرف نفسه ضربٌ من الذِّكر: نحن حين ندرس تحوّلات الكلمة، نعيد تلاوة أسمائها كما يتلو الصوفي أسماء الله، في انخطافٍ بين الحروف والنور. وبذلك تلتقي المورفولوجيا بالتصوف لتقدّم لنا رؤية فريدة: أن الكلمة ليست مجرد صوت أو معنى، بل كائن حيّ في رحلة عشق نحو أصلها الأزلي.

- خاتمة: الكلمة كرحلة من الجذر إلى المطلق

في ضوء هذا التأمل، تبدو المورفولوجيا أوسع من أن تُختزل في دراسة القوالب والزوائد؛ فهي سيرة الكلمة، من لحظة ولادتها في الجذر إلى لحظة إشراقها في المعنى المتعدد. وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى كشف جوهر الوجود، وكان التصوف يسعى إلى الاتحاد بالمطلق، فإن المورفولوجيا، بما تتيحه من قراءة في بنية الكلمات وتجلياتها، تقف عند نقطة التلاقي بين الاثنين: إذ تعلّمنا أن الكثرة ليست نقيض الوحدة، وأن كل اختلاف صرفي إنما هو صورة أخرى للأصل الواحد.

هكذا نكتشف أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل طريقٌ للتأمل، ووسيلة للارتقاء من المحسوس إلى المعقول، ومن الظاهر إلى الباطن. إنّ دراسة الجذر ليست بحثاً لغوياً فحسب، بل هي أيضاً ضربٌ من الذِّكر، أشبه بالعودة إلى ينبوع المعنى الأول، حيث تلتقي الحروف بالنور، وتتحوّل الكلمة إلى كائن يسعى أبداً نحو أصله الأزلي.

وبذلك يتجلّى أن المورفولوجيا ليست علماً ميكانيكياً جامداً، بل حديقة فلسفية وصوفية في آن، تُثمر كلما قرأناها بوعي، وتُضيء كلما اقتربنا منها بقلبٍ يُصغي للحروف كما يُصغي العارف لأسماء الحقّ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

إضاءة على رواية "مُختلف" للدكتور أشرف المسمار

رواية "مختلف" للكاتب الدكتور أشرف المسمار، رواية تقريرية ذات بعد انساني واجتماعي بامتياز كتبت بأسلوب سردي وبلغة أنيقة ببساطتها، وكان لافتا حضور السارد العليم في معظم فصولها، إضافة إلى تقنية الإسترجاع او ما يعرف بالفلاش باك حيث كان الكاتب يتنقل بحرفية من الماضي ومعاناته إلى الحاضر وتحدياته دون ان يشتت هذا التنقل ذهن القارىء لأن حيّان وهو الشخصية المحورية كان حاضرا في معظم تلك المشاهد.

 قبل الأنتقال إلى الموضوع الأساس في الرواية وهو طيف التوحد، لا بد من التنويه بموهبة الكاتب وقدرته على توصيفه للأمكنة بلغة فنية تجذب القارىء وتحفزه لتخيل تلك الأماكن، مثل دافوس القرية السويسرية المترامية بين جبال الألب، وبرشلونة وفندق كولون المقابل لكاتدرائيتها، وأيضا كنيسة ساغرادا فاميليا ذات الابراج الأربعة النحيفة والعالية، وكذلك بناء الأوبرا ذي التصميم على شكل كبسولة غريبة تحسبها سفينة فضائية وفي برشلونة كازينو كازا باتلو إحدى إبداعات غاودي الهندسية. ولعل هذا الإسهاب بوصف الأشكال الهندسية والمعمارية قد يكون اللبنة الأولى التي زرعت في ذهن واهتمام الطفل حيّان المولع بمثل هذه المثلثات والاشكال الهندسية ويوجه اهتمامه نحو تخصص الهندسة وهكذا كان.

 لم يقتصر الوصف على الأماكن فقط بل ان الكاتب يستعرض مشاعر الأمومة وتفاصيل الحمل بأسلوب وجداني يبرز العلاقة العاطفية بين الأم وجنينها. حيث كانت تشعر بنبض جديد يكمل نبض قلبها، أما الركلات الأولى على جدار بطنها فذات لذّة وأنس خاصّ هي أشبه بحوار أو ربما بوح بينهما. ركلة ناعمة تشبه ضربة ريشتها على اللوحة (وهي الرسامة التشكيلية) وأخرى تشبه ضرب إزميل نحّات (إشارة إلى جواد والد الطفل وهو نحّات).

بالرغم من أن موضوع الرواية يتناول حالة طبية نوعا ما إلا ان الكاتب لم يشأ ان يقدمها كمبحث طبي جاف بل إختار ان يتطرق لهذه المسالة من خلال قالب روائي تمتزج فيه المشاعر الإنسانية والعلاقات الأسرية وتكون مدخلا للإضاءة على جوهر القضية المراد معالجتها.

 أشارت الرواية إلى ما يمكن أن يتعرض له المصاب بطيف التوحد من حالات التنمر والرفض من قبل أقرانه الذين تنقصهم التوعية والتربية الصحيحة لتقبل الآخر المختلف، فقد كان حيّان يوصف من قبل أترابه ب "لوح-حيط" ويمنع من اللعب معهم لعدم مجاراته لهم بالمقدرة البدنية على حد زعمهم، لاحقا إبنه صفا المصاب بمتلازمة "داون" عندما حاول مشاركة أقرانه باللعب تم رفضه بحجة ان هذه اللعبة لا تناسبه وانه بطيء لا يستطيع اللحاق بهم.

بالعودة إلى الرواية والمحاور التي يمكن استخلاصها نجد أنها تتطرق الرواية بشكل اساس إلى مسالة التوحد وتطرحه ليس كحالة طبية أو مرضية بل كحالة إنسانية واخلاقية، وقد أسهب الكاتب في الدلالة على أن التوحد هو طيف من الإضطرابات ومجموعة من الأعراض وكل شخص مصاب بالتوحد لديه مزيج فريد من نقاط القوة والتحديات. والتوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي.

 الكاتب الدكتور أشرف المسمار في روايته الهادفة "مختلف" يسلط الضوء على قضية اخلاقية وتربوية من خلال إثارته لمسألة التوحد والنظرة المجتمعية السائدة عن كل مصاب بهذا الطيف ووصفه بالمختلف.

كما سبق وذكرنا لم يقدم الكاتب هذه الرواية كبحث طبي بل حرص أن يقدمها في قالب روائي يحمل في طياته ما يشبه الرسالة التوعوية والتربوية وما يجب ان تكون عليه علاقة الأهل والمجتمع بالإنسان المختلف. ولقد بدأها من خلال الإشارة إلى مؤتمر رجال المال والأعمال في دافوس حيث تجتمع فيه النخبة المتحكمة في اقتصاديات العالم ومصائر الشعوب هذا المنتدى ربما يمثل الحكومة الخفية للعالم، ولكن هذا لم يمنع حيّان المتفوق في عالم الهندسة من اختراق هذا العالم وإثبات قدراته المهنية والإبداعية. فأطفال طيف التوحد وإن كانت تصرفاتهم في سنواتهم الأولى تبدو غريبة أو غير مألوفة بالنسبة إلى المحيطين بهم، كما أن صعوبة تواصلهم مع الآخرين لا تعني غياب قدرتهم على التفكير والإبداع،من هنا تبرز أهمية الدور والمهام الملقاة على عاتق الأهل في كيفية التعاطي مع هذه المسألة.وهذا ما تهدف إليه هذه الرواية.

 وفي استعراض لبعض المحاور التي تطرقت إليها الرواية نورد الآتي:

1-  طفل مختلف.. وأسرة تتفهم:

لقاء صدفة جمعت النحّات جواد بالفنانة التشكيلية سوزان لتتطور العلاقة بينهما وتُكلّل بالزواج الذي تكون ثمرته ولادة طفلهما "حيّان" وهو الشخصية المحورية في هذه الرواية. لتكتشف العائلة وفي سنواته الأولى إصابته بمتلازمة "اسبرجر" التي هي علامة من علامات طيف التوحد.

 أمام هذه الحقيقة تزداد المخاوف وتكثر تساؤلات الأهل من قبيل: هل سيتمكن من الدراسة؟ هل يستطيع أن يعيش حياة طبيعية؟ هل سيتمكن يومًا من بناء مستقبله؟.. وهنا يورد الكاتب على لسان سوزان الافكار التي تنازعتها فتقول: "خابت كل احلامي واهدافي وكل اللوحات الجميلة التي رسمتها مخيلتي". لكنها مع زوجها إختارا تقبل الأمر وعقدا العزم على النجاح في احتواء ولدهما واحتواء اختلافه. وشرعا في البحث المستمر عن معلومات وعلاجات جديدة لهذه الحالة. كما يشير الكاتب إلى الدور الذي لعبته أسرة حيّان حيث بدأ الأب والأم يلاحظان اهتماماته، ويكتشفان الأشياء التي يستطيع التركيز فيها، ويشجعانه عندما ينجح، ويمنحانه الوقت عندما يتعثر وكانا البيئة الحاضنة له فرعاية الأهل والعلاج تجعل المصاب بالتوحد قادر على التعلم والتكيف. فتّم إلحاقه بمركز التأهيل ومن ثم المدرسة وصولاً حتى الجامعة وتخصصه بالهندسة.

2-  التوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي:

تشير الرواية من خلال شخصية حيّان وصفاته إلى بعض السمات الدالة على التوحد فتذكر أنّه كان مختلفًا عن أقرانه؛ قليل الكلام، شديد التعلق ببعض الأشياء، لا يحب الضوضاء ولا التغييرات المفاجئة، ويجد صعوبة في الدخول إلى عالم الأطفال من حوله. كان زملاؤه يركضون ويلعبون ويتحدثون بعفوية، بينما كان هو يفضل أن يبقى قريبًا من عالمه الخاص.

 ولم يثره كثير من الاشياء التي تستهوي أقرانه من الأطفال. كما انه يفتقد الى اللعب التخيُلي المهم جدا لنمو الطفل، كما أنّ المصاب بمتلازمة "اسبرجر" يعبر عن الحقيقة كما هي دون مجاملة فالحقيقة عنده لا تحتمل التزييف. لقد قال حيّان مرة لجارتهم أن فطيرتها لم تكن لذيذة، وعندما قالت له أمه "أنت أمير.. أجابها هل لديّ قصر ؟ لا يوجد تاج على راسي لا أنا لست أمير بل أنا حيّان.

 3- الإختلاف لا يعني إنعدام الموهبة:

 لأجل منح القارىء وحتى الأهل جرعة من التفاؤل والإيجابية، قدّم لنا الكاتب شخصية حيّان بأنه كان يمتلك قدرة لافتة على التركيز في التفاصيل. الأشياء التي كانت تبدو للآخرين عادية، كان يراها بطريقة مختلفة. الأرقام، الأشكال، العلاقات بين الأشياء، التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها كثيرون، كانت تستوقفه وتثير فضوله ولم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد واجبات مدرسية وامتحانات، بل أصبح وسيلة لاكتشاف العالم.

وهنا بدأت موهبته بالتبلور وانتقل حيّان من طفل مختلف إلى مهندس بارع يشارك في أهم المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر دافوس حيث أبهر الجميع بموهبته.

4- أسئلة مختلف عليها:

يطرح الكاتب بعض الاسئلة (المختلف عليها) ومنها تساؤل حيّان إذا ما كان هناك من عيب أو خطأ في أن يجلس المرء وحيدًا ؟. فأن تجلس وحيدا هو أن تنعم بترف ومتعة الإستغناء. فمجالسة الكراسي الفارغة أكثر متعة من مجالسة العقول الخاوية. ثم ماذا تقدم لك جموع الناس؟ فغيابهم لا يسبب أي نقص.

 وفي موضوع هاجس الإنجاب لدى الأهل يسأل حيّان "من قال أن هذا الكم من الاطفال أرادوا أن يوجدوا فعلا؟ ومن سمح للاباء أن ينجبوهم؟ أذلك حتى يرضوا غرورهم وإقناع أنفسهم ان هؤلاء الأطفال هم الإنجاز الإستراتيجي في حياتهم الخاوية التي تخلو فعلا من إنجازات حقيقية؟.

كما يشير الكاتب ولو بإشارة بسيطة إلى قضية لا تزال إشكالية ومختلف عليها وهي قضية الإجهاض، وهنا تتساءل تيريز زوجة حيان بعد ان نصحها الطبيب بالإجهاض لأن جنينها (صفا) مصاب بمتلازمة داون فتقول: "هل من الحرية أن اتخذ قرارا يخص جسدي ومستقبلي؟ أم أنني أطرق قدسية الحياة ؟".

5- التحديات التي تواجه الأهل:

 ابرزت الرواية ما قد تواجهه العائلة من تحديات في التعامل مع المصاب بطيف التوحد وقد تمثلت هذه التحديات امام سوزان في كيفية الموازنة بين احتياجات حيان العاطفية والمادية واحتياجات الأسرة بأكملها بالرغم من انها تشعر يأن علاقتها ب حيّان تمنحها فرصة لتجربة الحب غير المشروط. كما ان وجود طفل مصاب بالتوحد قد يعيق اهله ويمنعهم من نسج علاقات اجتماعية صحيّة وهذا ما عبر عنه الوالد جواد عندما قال "علاقتنا الاجتماعية محدودة ومتراجعة أيضا، لا نستطيع زيارة أي كان برفقة حيّان". 

 وفي موضع آخر تيريز زوجة حيان تقول في سِرّها عن جنينها المصاب بمتلازمة داون: "ستدمر هذه الفلذة مستقبلك، ستجعلك تخسرين أحلامك وطموحاتك، هذا الجنين ببراءته سيقضي عليك وسيبدل مفهوم الأمومة عندك لانه يوجب عليك شقاء وعملا مضاعفا".

 6- حضور المرأة في الرواية:

أظهرت الرواية اهمية الدور الذي لعبته المرأة في الرواية سواء المرأة الأم او المرأة الزوجة، فالبيت لا ينفصل عن الأم هي السكن والسكينة والمأوى الذي يحتضن الزوج والابناء، والعلاقة الآمنة مع الأم تمنح الطفل الثقة وتغرس داخله الشعور بالأمان، وهذا ما فعلته كل من سوزان والدة حيان، وكذلك تيريز والدة صفا. كما تبرز الرواية العلاقة الوثيقة التي نشأت بين حيّان وأمه سوزان التي يرثيها بالقول:.. "كل أيامي ليل بدونكِ، أمي أنا ابنك المختلف الذي يرى العالم بعيون مغايرة، لقد كنتِ أنتِ عالمي كله، كنتِ الجسر الذي يربطني بعالم لم يفهمني تماما وربما لم افهمه، كنتِ الترجمان لافكاري المتشابكة. أمي انتِ الصخرة التي عرجت إلى السماء دون أن تتفتت، والشمس التي تضيء دون ان تُرى، أنتِ الكنز الذي لا يُحصى والعدد الذي لا يُعدّ". اما المرأة الزوجة فهي تيريز التي وقفت إلى جانب حيان تقول له: أنت أقوى من كل تحدٍّ، أنا أؤمن بك أكثر ممّا تؤمن أنت بنفسك أحيانَا.

 ختاما نقول أن رواية مختلف تصلح لأن تكون رسالة توعوية وتشجيعية للأهل الذين اصيبوا بمعضلة التوحد وتهدف إلى لفت نظر المجتمع إلى ضرورة تغيير نظرته إلى المختلف، كلنا مختلفون.. ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهومنا عن الاختلاف.

 فالتوحد ليس نقصًا ولا عيبًا وهذا ما أورده الكاتب عندما جعل هذا الإصدار "مُهدى لي ولك.. فكلانا مختلف.. في زمكان ما أو في وجه نظر أحدِهم".

 ***

 عفيف قاووق -  لبنــان

 

قِراءةٌ نَقديَّةٌ أُسلوبيَّةٌ في تَشظيَاتِ المَكانيَّةِ الحَاكمةِ لِروايةِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلَاءِ)

إضاءةُ تَقديـمٍ: الواقعيَّةُ السِّحريَّةُ أو (العجائبيَّةُ) في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ، تعني أُسلوبيةَ المُزاوجة السرديَّة التوليفية المُدهشة بين تداولات الواقعي الحياتي الجمعي اليومي المألوف، والفنتازي أو المخيالي الأُسطوري غيرِ المألوف؛ لذلك فإنَّ الواقعيةَ السَّحريَّة ارتبطت ارتباطاً جمَّاً وكبيراً بكلِّ ما هُوَ غير طبيعي أو غيرِ مألوف أو خارقٍ أو غيرٍ عادٍ. وعلى الرُّغم من فارق البون التعريفي الشاسع بين المُصطلحينِ المُوحدنينِ (الواقعي والسحري)، فإنَّه لا يمكن الفصل بين ثنائية الواقعي وغير الواقعي؛ لأنَّ الأخير تجد له أصولاً أو جذوراً أساسيَّةً نابتةً في أرض الواقع المَعيش.

وهذا يَشي بأنَّ الواقعيَّةَ السَّحريَّة هي اجتماع لما هو خلَّاقٌ وعجيبٌ وعقلانيٌّ يرتبط بتجلِّيات الموروث الشعبي للواقع الحياتي الراهن. وعلى وفق ذلك التوصيف فإنَّ الواقعية السحريَّة يمكن أنْ نعدَّها سلاحاً أُسلوبيَّاً سرديَّاً فعَّالاً ومؤثِّراً وظَّفه الروائي حسن السَّلمان في روايته (وداعاً يا نَهرَ الكحلاءِ) ضد الإقطاع ولمناهضة تجاوزات السُّلطة الحاكمة التي تتحكَّم بحياة جمعٍ كبيرٍ من النَّاس.

وفي الوقت ذاته فإنَّ الواقعيَّة لسِّحريَّة بمفهومها الأدبي السَّردي الحديث تقومُ على ثلاثة عناصر أو أركانٍ أساسيَّةٍ مُهمَّة، العنصر الأول منها هو العجائبي الفنتازي الإدهاشي، والعنصر الثاني هو الأُسطوري أو المِخيالي، والثالث هو السريالي، أو ما يُعرَفُ نقديَّاً بفَوقِ الواقعي أو المَنطقي. وهذه المرتكزات الثلاثة ترتبط بأجناس الفنِّ السَّردي الحديث؛ كون الفنُّ الروائيُّ يعدُّ فنَّاً جماليَّاً إنسانيَّاً مُتشابكاً ومُعقَّداً يَغوصُ بعيداً في أعماق النفس البشرية ويتماهى مع تحوّلاتها الزمكانيَّة السريعة.

أمَّا مصطلح (اليُوتوبيا) فَيرتبطُ ارتباطاً كُليَّاً بكلِّ معاني الخير وسمات الفضيلة الإنسانيَّة على خِلافِ نقيضهِ التَّضادي مصطلح (الدِّيستوبيا) الذي يرتبط بنزعة الشَّرِّ ومجاوراتها الأخرى مثل، الرذيلة والفُوضى والظلم والاستبداد والقمع الإنساني المنظَّم.وهذان المصطلحان الأخيران يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بحركة راهن الواقع الحياتي المعيش، وبعقابيل حركة فاعلية السُّلطة الحاكمة للمجتمع الشعبي المحكوم. فارتباط اليوتوبيا بالديستوبيا يأتي فِعلُهُمَا من عَلاقة المجتمع بالسُّلطة الحاكمة إيجاباً أو سِلباً، وما ينتج عنهما من تشظيَاتٍ مكانيَّةٍ وزمانيَّةٍ عبر مسار التحوُّلات الكثيرة.

عَتباتُ الرِّوايةِّ (النَّصُّ المُوازِي):

إنَّ أُولى عتبات النَّصِّ المُوازي المُهمَّة في هذه الرِّواية، هو عنوان الرِّواية الرئيس (وداعَاً يَا نَهرَ الكّحلاءِ)، وهو مفتاح الدخول إلى باب مدينة السرد السِّحريَّة الفاضلة، وهو عينُهَا البَصَرِيَّةُ الثاقبةُ النظر الهادِيَة إلى شِعاب ومحطَّات عوالمها الداخلية والخارجية المُتحرِّكة. والكاتب الرائي حسن السَّلمان في عنونته لروايته هذهِ قد جعل تحيةَ الوَداعِ الأخيرِ مَخصوصةً بالاسم النكرةِ (نَهرَ) الذي اكتسب صفة التعريفِ من الاسم المُعرَّف بالإضافة بَعدهُ (الكَحلاءِ)، فصار التركيب الجُملي النَّحوي للعُنوان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) . فجاء المعنى الدلاليُّ للعُنوان ليؤكدَ أنَّ وداعَ نهرِ الكَحلاءِ يُعدُّ رِثاءً مكانياً قويَّاً دالاً على الضياع والتشظي، وأنَّ توظيف كلمة (ودَاعاً) في أول التركيب الجُملِي لعنوان الرِّواية يعني أنَّ الرِّوايةَ برُمَّتِها أو كلِّها تُعدُّ جَنازةَ مَيِّتٍ، وأيُّ جنازة هذهِ التي حظيتْ بَوداعِ الرَّائي؟

بَيدَ أنَّ الجنازة هنا ليستْ لِشخصٍ مُتوفٍ أو مَيِّتٍ مَا، وإنَّما هي تَشي بشيءٍ مكاني آخرَ اسمهُ الزمكاني البيئي (نَهرُ الكَحلاءِ)، أوَّل مثابات الرِّواية المَكانيَّة قَتلاً وأخرها مُوتاً وتأزيمَاً. ودلالةُ هذهِ العَنونة تُحيلُنا مَقارباتُها التَّشابهيَّةُ إلى مفهوم الشَّاعرِ ابنِ الرُّومي في رثائه لابنه، بيدَ أنَّ رثَاءَهُ كان موجَّهاً لِوطنٍ أو لِقريةٍ أو لِزمنٍ، أي تحوَّل الزمكان لديه مِنْ وقعِ يوتوبيا الشَّخص لديستوبيا الفَقدِ.

لم يكن الكاتبُ العليمُ حَسنُ السَّلمانِ مُوفقاً في اختياره لعتبة عنوان الرِّواية بهذه الرثائيَّة الغنائيَّة التقريريَّةِ الذَّاتيَّةِ المُباشرةِ التي توحي بعنوان فعلٍ دراميَّ ثمثيليٍّ، لا بعنوان قصٍّ حكائيٍّ دَراميٍّ سرديَّ؛ الأمر الذي أفقد العنوانَ هَيبةَ وجلالَ النضوج الانزياحي البلاغي الجديد في فنية التعبير الجمالي. فلو اختار السيِّد الكاتبُ السَّلمانُ عُنواناً آخر من عتباتِ الرِّواية الفرعيَّة الداخلية، أو ابتكر عنواناً قريباً من مُوحياتِها الدلالية الأخرى، لكان الاختيارُ أكثر تأثيراً سحريَّاً وإمتاعَاً وجدوىً. لذلك أتمنَّى على الأخ الألمعي حسنِ السَّلمانِ إعادةَ النظرِ بعتبة العنوانِ في الطبعة الثانية للرِّواية.

ولو ارتأى المؤلِّفُ حسنُ السَّلمانُ اختيارَاً آخرَ وقالَ: (وَدَاعاً يَا نَهرُ...) فقط، وترك ثلاثَ نُقَاطٍ فراغيةٍ بعد كلمة (نَهرُ)، لكانَ مَآلُ العُنوانِ مفتوحاً ومُؤثِّراً وأكثر بلاغةً ونُضجَاً فنيَّاً ودِلالةً، وذا حُمُولاتٍ فكريَّةٍ وإنسانيةٍ ومكانيَّة عَديدةٍ. لأنَّ كلمة (يا نَهرُ) المنادى القريب من النفس للتَحبيب، هي نكرةٌ مَقصودةٌ اختصًّت بنهرٍ معيَّن ثابتٍ عندَ أفقِ وخيال الكاتبِ. ولكنَّ هذا النهرَ له تَأويلاتٌ كثيرة عندَ المُتلقِّي أو القارئ الواعي الذي يفكِّر بإمر هذه النقاط الفراغية البياضية التي تَبحث عن تَتماتٍ.

وقد يكون المقصود من دلالةِ هذا النهرِ رمزيةً أُخرى كأنْ يكونَ نَهرَاً للحُبِّ أو الشرِّ ِّأو نهراً للخير مِثلَ، نَهرِ دجلةَ أو الفُراتِ أو النيلِ أو بَردى أو اللِّيطاني أو نهر السِّين بفرنسا، أو أيِّ نَهرٍ أخرَ، سواء أكان مَعنويَّا أم ماديَّاً في أرجاء المعمورة من وطننا العربي الكبير أو عالمنا الآخر. كما أنَّ البياض في العنوان (وداعاً يا نهرُ...) يُعدُّ مِساحةً للوداعِ والألمِ وصرخةً مُدوِّيَةً للوضعِ العامِ.

النَّهرُ في دلالاتهِ الكونيةِ الطَّبيعيَّةِ المُتحركةِ والثابتةِ يُعتبرُ أشبهَ بيوتوبيا مكانيةٍ مُصغَّرةٍ، وهذا ما يتَّضح من خلال النداء الذي وجَّههُ السَّلمانُ لهذا النهر الفرعي الحبيب لإلفاتِ نظرِنا بهذه الصَّرخة الجَنوبية المؤلمةِ. وأنَّ فعلَ حَسنِ السَّلمانِ السَّرديِّ هذا يُشبهُ إلى حَدٍّ ما، مَا فعلهُ الرِّوائي اللَّاتيني غابريل غارسيا مَاركيز في روايته الفائزة بجائزة نُوبل للآداب (مائةُ عامٍ مِنَ العِزلةِ)، والتي حوَّل فيها الصراع من يوتوبيا الحقل لدستوبيا الحُكمِ الجائرِ، وكشفِ سِلاحِ السلطة المارقةِ بِالفعلِ السَّيءِ.

ويبقى السؤال المُثير قائماً، ما الذي يَعنيه حسنُ السَّلمان بوداعهِ الأثيرِ لِنهرهِ الكَحلاءِ؟ وهل هُوَ وَداعُ حَبيبٍ آسرٍ مُفارقٍ أم وَدَاعُ حَبيبٍ غَادرٍ خَائنٍ كَاسرِ مُغارَقٍ؟ -لقد أراد السَّلمانُ أنْ يَقولَ بصوتٍ صارخٍ صَادحٍ إنَّ هذا النهرَ قد تحوَّل من نهرٍ مؤثِّرٍ باذخٍ ذي قيمةٍ مَعنويَّةٍ وإنسانيةٍ كبرى لنهرٍ مُستبدٍ طاغٍ ذي قيمةٍ شريرةٍ دُنيَا. وهنا تُصبحُ الروايةُ كلُّها مرثيةَ نهرِ أو قريةً مكانيةً اسمُها أُمُّ ذيبة أو تصبح مرثيةَ زمنٍ غابرٍ تطاولتْ يداهُ على القرية وصار النهر فيها مَجرىً مَيِّتاً لا حياةَ لهُ.

أمَّا العتبة الثانية بعد العنوان التي وظَّفها السَّلمانُ في روايته فكانت عتبة التصدير التي جعلها مِهادَاً تقديميَّاً أو مُفتتحاً استهلاليَّاً لعتبات الخطاب الروائي السردي الفرعيَّة، وكانت جُملةً أو نصَّاً سرديَّاً مختاراً من أدب الذكريات السردي للكاتب والروائي الأديب إبراهيم نصرالله التي يقول فيها:

"الذِّكرياتُ هِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُمكنُ أنْ يَتغلَّبَ بِهِ البَشرُ عَلَى الزَّمنِ، لأنَّهُم يُؤكدونَ لأنفسِهُم بِهَا، أنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا مُجردَ عَابرينَ لِهذهِ الحَياةَ". (وداعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ، ص5).

وكان من المفترض أنْ تكون هذه المقدِّمة التناصيَّة التصديريَّة التي له عَلاقة مُباشرةٌ بِموحيات الرواية وبثيمِ مَسروداتها المَحكية المتراتبة بعد كلمة الإهداء وليس قبلها كما وردت في الرواية. ومهما يكن من أمرٍ، هل استطاع حسنُ السَّلمانُ في ذكرياته السرديَّة الأدبيَّة والميلودراميَّة الشَّائقة أنْ يتغلَّبَ على يدِ زمانه المُتطاول على أبناء جلدته وينتصر لهم في قرية نهر الكحلاء المُسماة (أمُّ ذيبةٍ) ؟وبالرغم من قساوة النهر الوادع وعداء فعل سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة تمكَّن الأحرار والأخيار الصابرونَ من كسرِ شوكة الزمن وتحطيمِ جِدارِ تَطاولِ فِعلِ السلطة الحاكميَّةِ الصُّلبةِ، فتشظَّى المكانُ وتغيَّر الزمانُ، وبدأ عهدٌ جديدٌ للتحرُّر من الإقطاع في خمسينيَّات القرن العشرين.

وثالث عتبات النصِّ المُوازي فكانت عتبةَ (الإهداء) التي جاء توثيقها التكريمي مَخصوصاً إلى روح الشاعر والقاصِّ والرِّوائيِّ السُّومريِّ المَيسانيِّ الشَّابِ الفقيدِ الرَّاحلِ (مُحمَّدُ الحُمرَاني)، صاحب رواية (حُجابُ العَروسِ )، العمل الإبداعي السَّردي الأخير الذي لم يَرَ النورَ إلَّا بعدَ وفاةِ الحُمرَاني. وكأنَّ لسانَ حَالِ حَسن ِالسَّلمانِ يقول ما يَختلج في نفسه من صدقٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ ومحبَّةٍ فَيُردِّدُ القولَ، إنَّ هدايا الإبداعِ السَّرديِّ تُهدَى عَلى مُقدارِ مُهدِيهَا المُبدعينَ والمثابرين في الحَياةِ والمَماتِ.

أمَّا عتبات النصَّ الأخرى، فكانت موزَّعةً بانتظامٍ زمكانيٍّ ومحليٍّ، وبأُسلوبٍ تقنيٍّ حداثيٍ ماتعٍ على العُنوانات الداخلية الفرعية للرواية، فكلُّ عنوانٍ صغيرٍ يُمثِّل قصَّةً أو حكايةً قصصيَةً ترتبط وحداتُها الموضوعيَّةُ وثيمُها الفكريَّةُ المُتشابكةُ بفعلِ بوصلة الحدث الأكبر لواقعة الحدث السرديَّة للرواية، وبوحدتها العضوية الكبرى التي تمثِّل المُعادل الموضوعي المُهمُّ لجسد وروح الرِّواية.

وقد بلغ عددُ عتباتها الكلي بنحو (31) إحدى وثلاثينَ قصةً عنوانيةً. وأنّ أكثر العتبات العنوانيَّة الجُزئيَّة إمتاعاً وإشراقاً ومغايرةً في موضوعيتها الجوهرية بهذه الرِّواية، والتي تَركتْ أثراً سِحريَّاً لافتاً، وندوباً وتأثيراً وإيلاماً موجعاً عالقاً في ذهنِ المُتلقِّي، ونفسية القارئ قصَّة الوصيفة (عَلَاهِن) لحقيقتها الإنسانيَّة المائزة. فَعَلاهِن وولداها وأُمُّها أُسرةٌ كاملةُ من العبيد تَمَّ شراؤهم لمشيخةِ العودة.3150 hasan

تَأثيثُ المَدوَّنةِ السَّرديَّةِ (الرِّوايةُ):

على الرَّغم من أنَّ فنَّ القصَّة القصيرة يعدُّ من أصعب فنون السَّرد الأخرى؛ لاشتراطاته الفنيَّة المُحدَّدة وتعقيداته الفكريَّة والقواعديَّة السَّرديَّة المُتداخلة، فإنَّ من يقرأ نتاجات الكاتب المثابر حسن السَّلمان السرديَّةِ (قِصَّةً وروايَةً)، سيصل -من باب المفاضلة السرديَّة- إلى حُكمٍ نقديٍ فارقٍ بأنَّ قُدرةَ السَّلمانِ الإبداعيةِ في إنتاج وفاعليةِ الفنِّ القصصي تَفوَقُ قُدرتَهُ الفنيَّةَ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ عديدةٍ في إنتاج الفنِّ الرِّوائي، ذلك العالم السردي الكبير سعة ًومِساحةً، والخطاب الفسيح بفضائه النصِّي.

وليس معنى هذا أنَّ السلمان لا يُجيدُ كتابة الرِّواية، بل أنَّه يُحَلِّق فنيَّاً وجماليَّاً وإمتاعيَّاً عالياً في كتابة سرديَّات القصة القصيرة الابتداعية بكلِّ عناصرها الأساسيَّة واشتراطاتها الفنيَّة الأُخرى في الميتا سرد الحداثوي. ولا أدلُّ على ذلك الرأي الشاخص فإنَّ رواية حسن السَّلمان (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) الصَّادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار الشؤون الثقافيَّة العامة بِبغدادَ، وبحجمٍ نوعيٍ فارقٍ وكمّيٍ مُكثفٍ بلغ نحو (160) صفحةً من فئة القطع الكتابي فوق المتوسِّط، تعدُّ في هندستها المعمارية ونسيجها الفنِّي السَّردي المُحكمِ متواليةً قصصيَّةً احتوت على (31) إحدى وثلاثين قصةً، كل قصةٍ منها، لها وحدتها الموضوعية الفاعلة وثيمتها الحكائيَّة الفكريَّة المُستقلَّة بها.

بيدَّ أنَّها ترتبط في تلابيب نسيجها الفرعي الثانوي بوحدة الرِّواية العضويَّة من حيث الشخصيَّات الفواعلية والأحداث الفعاليَّات والوحدات المكانيَّة والزمانيَّة وصراعها وَحِبكتِها وَعُقَدِها وخَواتيمِها السَّرديَّة. ومن هنا تأتي براعة السَّلمان الفكريَّة والفنيَّة في تأثيث سرديَّات هذه الرِّواية تأثيثاً قصصياً تواثبياً رائعاً ومُدهشاً لا تَدعكَ الفَكاكَ عنها أو تركَها أثناء عمليَّة التلقِّي القرائي والمَعرفي.

شَخصيَّاتُ الرِّوايةِ:

فمن حيثُ الشخصيَّات فإنَّ رواية حسنِ السَّلمانِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) تُعدُّ من جنس الروايات البيئية المكانية المجتمعية الإجرائية المتماسكة، وليس من فئة الروايات الوصفية النظرية. وهي أيضاً يمكن تصنيفها فنيَّاً بأنَّها من الرِّوايات البوليفونيَّة المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، فقد بلغ العدد الكلي لشخصياتها الفواعلية الرئيسة والثانويَّة نحو (35) خمسةً وثلاثين شخصيَّةً، منها (21) إحدى وعشرون شخصيةً ذكوريةً، و (14) أربعَ عَشرةَ شخصيَّة أُنثويةً. ومع هذه السيولة التعدُّدية في كثرة الأصوات فقدْ تمكَّنَ السَّلمانُ من التحكُّم بعدد شخصياته الأوليَّة والثانويَّة الفاعلة المهمَّة. واستطاع بمهنيتهِ التَّخليقيَّة وموهبتهِ أنْ يرسمَ لوحةً سرديَّةً ميلودراميةً حيَّةً لروايته.

فكان الشَّيخ الإقطاعي عايش العُودة وزوجته الشَّيخة (نَجمةُ) التي تعدُّ امرأة الظلَّ المُضمرةِ والداهية العميقة في التَّحكم بإدارة حكم المَشيخة وتسيير أمورها على رأس هرم الرِّواية وتشكُّلاتِها السرديَّة المُتعددة. فضلاً عن الدورِ السيء لكبيرِ الحَوشيَّة المدعو (ضَاحي الأعورُ) . وقد تَوزَّعت شخصيَّات الرِّواية بين فئتين من الناس، فئة يوتوبيا عوام الناس وسوادهم الأعمّ الغالب من المُعدمينَ والمهمشينَ والمُغَّيينَ، كالفلاحينَ والمُزارعينَ والباعة المُتجوِّلينَ والصيادينَّ وأصحابِ الحِرفِ البدائيةِ من الصَّابئة المندائيينَ، والعبيدِ السُّودِ من المملوكين أو الخَدم. أمَّا الفئة الأخرى فَتمثَّلُ دِيستوبيا الخَواص من أُسرِ الشُّيوخ الحاكمينَ وأربابِ السُّلطةِ الحاكمة الجائرةِ من المُترفينَ:

" لَمْ يَكُنْ تَمنًّع نَجمةَ خَجَلاً، أو خَوفَاً، بَلْ كَانَ الأمرُ بِرِمُّتِهِ مَقصودَاً. كَانِ تَمنُّعهَا فِي عَدمِ مَنحِ[أوْ تَمكينِ]نَفسِها لِلشيخِ مُنذُ المَحاولةِ الأُولى، وَمُقاومتُهَا لَهُ تِلكَ المُقاومةُ الشَّرسةُ، مَا هُو إلَّا رِسالةٌ قَويَّةٌ، شَديدةُ الوضُوحِ، بِأنَّها اِمرَأةٌ أمرُها بِيدِها. اُمرأةٌ لَيستْ سَهلةَ الاِنقيادِ والمَنالِ. اِمرأةٌ كَلمتُها هِيَ القَولُ الفَصلُ، وَبَقيَّةُ الكَلامِ مُجردُ ثَرثرةٌ فَارغةٌ. اِمرَأةٌ خُلِقَتْ كَي تَسودَ وَتَأمُّرَ وَتُقرِّرَ، وَلَا أحدَ يُجبرُهَا عَلَى فِعلِ شَيءٍ إلَّا بِرضاهَا وِمزَاجِها وَقَناعتِهَا التَّامةِ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 15) .

مَنابعُ الصِّراعِ السَّرديّ:

وحين نُجيلُ النَّظرَ في البحث عن موضوعاتِ الرِّواية المُتنوِّعة متأملينَ في خُطَى حِفرياتِنا النقدية تَقفّي أثرِ محكياتها القصصيَّة المُتراتبة من أجل الكشف عن منابع الخير والشرِّ التي تمثَّلت في صراع يوتوبيا مدينة السَّرد الفاضلة مع ديستوبيا سلطة الحُكم الجائرة؛ فإنَّ آفاق الخطاب السَّردي للرواية تُظهِرُ بجلاءٍ ووضوحٍ تفوقاً مَلموساً وكبيراً لعناصر السَّلب الديستوبي الشريرة الجائرة التي تمثَّلت بسلطة الحكم الإقطاعي المَارقة على يوتوبيا الخَير المسالمة التي اتَّحَدَتْ بقوى السواد الأعظم من عامة الشعب وجمهور الناس من الفقراء والمُعدمينَ طبقيَّاً والمسحوقينَ إنسانياً.

وعندما نَشرعُ إحصائيَّاً بِعدِّ موضوعاتِ قَصصِ الشَّرِّ في الرِّواية الَّتي قَامت بها رموز النزعة الديستوبية المعتدية نجدَها قد بلغت (15) خمس عَشرةَ موضوعاً أو قصَّةً، وهي تتفوقُ على قوى الخير بثلاثة أضعاف حجمها الكلي. وهذه القصص تتوزَّعُ في الرِّواية بِدءَاً من قصَّة (المُؤامرة) التي تمثَّل مركز الحدث الأكبر لواقعة الحدث السَّردية في الرِّواية، ومرورَاً بقصَّة (العَمَّةُ نَجمةُ) المرأة الحديدية التي تُمثِّل قناع رأس السُّلطة الإقطاعيَّة العميق، والعقلَ الخفي المُفكِّرَ والمُدبِرَ في إدارة شؤون حكم إقطاعية آل العودة في قرية (أُمِّ ذيبةٍ) على ضفاف نهر الكحلاء المُتَّصل بأهوار الجنوب، القريةُ التي تعدُّ مسرحَ أحداث الرِّواية وموطنَ سردياتها القصصيَّة العَجيبة المَلأى بالخيانة والاستعباد. ولم أقرأ في أدبيات تاريخ الإقطاع اِمرأةً شَيخانيَّةً شَبيهةً بالشَّيخة نجمة تفنَّنَتْ بالمكائد.

ونجمةُ هي المرأة التي حرَّضتْ زوجها الشَّيخ عايش على انتزاع السُّلطة الإقطاعيَّة من أخيه الأكبر الشَّيخ مُحمَّد العُودة الرجل الأكثر عقلانيةً واتزاناً في قرية نَهر الكَحلاءِ. وتمَّ لها إنجاز خطَّة المؤامرة الانقلابية التي حاكت خيوطها بإحكام شديدٍ وإسناد وتعضيدٍ وتدبيرٍ سريٍّ عالٍ من قبل مَأمِنِ سرِّها الحياتي وخادمتها المقرَّبة (إعزيزة)، وبمشاركة جماعيةٍ من قبلِ كبير حوشية المقاطعة الجلاد (ضَاحي الأعورُ)، الذي يعدُّ أداة تنفيذ جرائم الاقطاعية الخفيَّة النكراء، وانتهاء بخاتمة الرِّواية قصَّة (عَامُ الأحزانِ) التي تُمثِّل آخرَ مَعقلٍ من مَعاقل ديستوبيا التِّيهِ والخراب والتَّشظي المّكاني:

"لَمْ يَتوقَعِ الشَّيخُ مُحمَّدُ العُودَةِ أنْ تَكونَ الزَّوجةَ الَّتي اِختارَهَا لِأخيهِ عَايشٍ سَتكونَ سَبَبَاً فِي فُقدانِهِ لِرئاسَةِ المَشيخةِ، وَإذلالِهِ، ثُمَّ فُقدانِهِ لِحياتهِ غَدرَاً، لَمْ يَكُنْ يَعلمْ بَأنَّهُ يَحفرُ قَبرَهُ بِيديِهِ. فَمَا إنْ مَرَّ عَامٌ وَثَلاثةُ أَشهُرٍ علَى زَواجِ نَجمَةَ مِنَ الشَّيخِ عَايشٍ، وَبَعدَ أنْ ثَبَتَتْ أقدامَهَا فِي الإقطاعيَةِ، وَاشتَرَتْ ذِمَمَ الكَثيرِ مِنَ العَبيدِ وَمَنْ يَعملُ بِالإقطاعِيَةِ، وَأصبحَتْ أُمَّ مُولودِ الأمرةَ النَّاهيةَ، ثُمَّ تَحوَّلَ اِسمُها إلَى العَمَّةِ نَجمَةَ صَاحِبَةِ السَّطوةِ وَالكَلمَةِ المَسموعَةِ، حَتَّى بَدَأتْ تفَكِّرُ بِالطُرقِ الكَفيلةِ لإيصالِ زَوجِهَا الشَّيخِ عَايشِ العُودَةِ إلَى سُدَّةِ رِئاسَةِ العَشيرَةِ..." (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 17 ) .

وفي الوقتِ نفسه، إنَّ الموضوعات الإيجابيَّة ليوتوبيا مصادر الخير الحَدَثية الفاضلة ومرجعياتها الثقافية اقتصرتْ على (5) خمسة فُصولٍ من قصصِ الرِّواية ومسروداتِها الفعليَّة الآتية: مثل، قصَّة (ضَاحي الأعورَ وعَليُ الأكبرَ)، وقصَّة (طُقوسُ ليلةِ نَجمةَ)، وقصَّة (صُورةٌ)، وقصَّة (رَسائلُ حُبٍّ عبرَ الأثيرِ)، وانتهاءً بقصَّة (الحُلُمُ) التي تُمثِّل فنتازيا الحُلُمِ الفاشلةِ التي تدور أحداثها عن قصَّة الفتاة (فضةُ) ابنة الشيخ عايش مع أخيها غير الشقيق الفتى (مظلوم) ابن الوصيفة (عَلَاهِن) محظيَّة الشيخ عايش وعشيقته اللَّيليَّة.فضلاً عن حكايات العَبيد والحَكواتي عبود التي يُلقيها على مسامعهم للتسليَة.

"بَعدَ رَحيلِ عَلاهِنِ إلَّى ضَفَةِ النَّهرِ الأُخرَى مَطروَدَةُ مُهانَةً، وَانقطَاعُ الأخبارِ، وعَلَى وَجهِ التَّحديدِ أَخبارُ فُضَّةَ، دَأبَ مَظلومٌ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى جُرفِ النَّهرِ وَبثِّ رَسائلِ الحُبِّ وِالاشتياقِ واللَّوعةِ إلى فُضَّةَ عبرَ مَواويلَ شَجيَّةٍ بِصوتهِ الجَميلِ. كَانَ صَدَى صَوتِهِ الجَريحِ يَصلُ إلَى مَسامِعِهَا فَتَهِبُ مِنْ نَومِها كَمَا لَوْ أنَّ أحداً جَذَبَهَا بِشدةٍ وَأيقظَهَا[...] وَهُناكَ تُرسِلُ نَظراتِها إلَى صَرائفَ وَأكواخِ عَلاهِنَ وَتَلمَحُ (مَظلومَ) يَقِفُ على حَافةِ الجُرفِ، وَمِنَ خَلفِهِ ثَمَّةَ أطيافٌ تَتخاطَفُ مَا بَينَ الصَّرائفِ وَالأكواخِ وَشُجيراتِ الغَرَبِ وَالزُّوْرِ لَا تَتَبَينُها جَيَّدَاً وَلًا تًعودُ إلَّا بَعدَ أنْ يَهبِطَ ظَلامُ المَساءِ إذا كَانَ الوَقتُ غُرُوباً، أوْ إلَى أنْ تِتِكِشفَ الظُّلمة إذا كَانَ الوَقتُ سَحَرَاً، إذْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ وَقتٌ مُحدَّدٌ لِرسائلِ مَظلومٍ الصَوتيةِ الَّتي يُرسِلُهًا عًبرً الأًثيرٍ..." (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 133 ) .

قِصصُ السَّرديَّاتٍ المَكانيَّةِ:

من اللَّافت لنظر القارئ النابه لرواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) أنَّ الرِّواية خطَّت أوَّل فصولها السرديَّة وابتدأت مُنطلق أحداثها الفعليَّة من مَثابات المكانيَّة فكانت قصَّة (أُمُّ ذيبةَ)، ثمَّ انتهتْ واقعتها الحَدثِيَّة بخاتمتها المكانية نهر الكحلاء وبالقرية ذاتها وتحديداً في قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، أي أن ختام الرواية بمكانِ المَطلع، وأنَّ مثل هذه التوليفة الأُسلوبية المُتوحدِنَة تُحسَبُ لكاتبها المُبدع.

وقد بلغ عدد مَحكيَّات القصص السَّرديَّة التي ارتبطت أحداثها بالقرية المكانيَّة والنهر والهور والإقطاع نحو (6) ست قصصٍ عنوانيَّةٍ ظهرت تمثُّلاتها الحَدثية بِقصَّة (أُمُّ ذيبةَ) مُوئِل السَّرد، وقصَّة (سَلفُ الصابئة) المندائيينَ، وأثرِ هُوِيَّتهتم الفَرعيَّة الإثنية، وصدقِ عَلاقة تعايشهم السِّلمي مِعِ نظائرهم المُسلمينَ في الجَنوب، وقصَّة (مَاكينةُ الحَاجِ رضوانَ) مَثابة اللِّقاء والأنس والمحبَّة والتأمل، وقصَّة (مَركبُ العَطَّار) المُتجوِّل بالزورق المائي، وقصَّة (الزِّيارةُ المَكروهة لِنرجسَ) زوج الشيخ التي كانت أصولها فارسيَّةً أعجميَّةً، وانتهتْ مَحطَّات المكانيَّة المَاديَّة بقصَّة مُناجاة نهر الكحلاء وموته. فضلاً عن الأحاديث الأخرى التي تأتي عرضاً في قصص الرواية عبر تنامي رقعة السَّرد:

"يَتناقَلُ كُبَارُ السِّنِّ مِنْ أهالِي قَريَةِ أُمِّ ذَيبَةٍ حَديثَاً مُتواتِرَاً بَأنَّ سَببَ تَسميتِهَا بِهذَا الاِسمِ، جَاءَ مِنْ قِصَّةِ الذِّئبةِ الرَّماديَّةِ اللَّونِ الَّتي كَانتْ تَختَبِئ فِي أطرافِ القَريَةِ الكَثيفَةِ الأحرَاشِ وَالأدغَالِ، وَالكَثيرةِ البُرَكِ وَالسَّواقِي وَالمُستنقعَاتِ مُنذُ زَمَنِ بَعيدٍ، يَومَ لَمْ تَكُنْ قَريَّةُ أُمِّ ذَيبَةٍ تَضمُّ أكثرَ مِنْ بُضعِ صَرائفَ لَا تَزيدُ عَنْ ثَلاثينَ صَريفَةً وَعشرةِ أكواخٍ، وَيَومَ لَمْ يَفِدْ أفرَادُ عَائِلةِ العُودَةِ وَيَبسطونَ سُلطتّهُم عَلَى القَريَةِ كَشُيوخٍ وَيَستولونَ عَلَى أفضلِ الأراضَي الزِّراعيَّةُ، لَا سِيَّمَا الَّتي تُحاذِي ضِفَةِ النَّهرِ". (وَداعَاً يا نَهَر الكَحلاءِ، ص 9) .

وبالتأكيد أنَّ أمَّ ذيبةٍ هي الاسم المكاني المُستعار مِخياليَّاً لقرية حقيقية تقطن في الجنوب، وأنَّ أُسرَةَ أل العودة، ماهي في حقيقة الأمر إلَّا الوجه الرمزي الثقافي الآخر لِهُويَّة وبيوتات ومشايخ الإقطاعيَّات الكبرى التي كانت حاكمةً لأراضٍ ومقاطعاتٍ واسعةٍ في قضاء الكحلاء وأقضية الجنوب العراقي امتدَّ سيطرتها لسنواتٍ طِوالِ خلال مدَّةالعهد الملكي وأُزيِلَتْ في العهد الجُمهوري.

مُوضوعاتُ الرِّوايةِ الأُخرى:

لمْ يَبقَ من قصص الرِّوايةِ البالغة إحدى وثلاثين قصةً إلَّا (5) خمسُ قِصصٍ تَمثَّلت في الحديث عن شخصيَّات الرِّواية الرئيسة منها والثانوية، وقد تَصدَّرتها قصَّةُ (نَجمةُ، وعَلاهِن، ومَظلومُ، وأُمُّ خَنجرِ، وعِرمِشُ) الصبي المخبول. والحديث عن شخصيَّات الرِّواية والتَّعريف بوظائفها المُناطة بِها والدور المرسوم لها كان في حقيقة الأمر مَقصوراً فقط على أبناء وشيوخ الإقطاعيَّة وعن حَاشيتها وخدِمها وعَبيدِها وتوابعها ومجاوراتها الحَقليَّة وعن الثّراء والتَّرف الباذخ الذي يتمتَّعون به حياتياً:

"قَدَمَ كَبيرُ الحُوشيَّةِ اِمرأةً فِي نَهايةِ عَقدِهَا الثّلاثينِي، تَرتَدِي ثَوبَاً أحمرَ مِنْ قِماشِ البَازَة، مُشَرشَحَ الحَوافِ، قَائِلاً، هَذهِ عَلَاهِن.. كَانتْ عَلاهِنُ جَميلةَ المَلامحِ، مُمتَلئِةَ القَوَامِ، وَثَمَّةَ شِيءٌ مَا فِيهَا لَفَتَ أنظارَ الشَّيخِ فَأطالَ التَّحديقَ فِي وَجهِهَا، وَعَاينَهَا مِنْ رَأسِهَا حَتَّى قَدَمِيهَا كَمَا لَوْ أنَّه يُعَاينُ حَاجَةً ثًمينةً يًودُّ شّراءَها.. أشارّ إلّى شَابَةٍ فِي الثَّالثةِ عَشرَةَ مِنَ العُمرِ، نَحيلَةِ العُودِ، شَديدةِ السَّواد، ذَاتَ عَينينِ كَبيرتَينِ، وَأنفٍ صَغيرٍ، وَبُوزٍ يُشبِهُ بُوزَ الغَزالَةِ، يُطَوّقُ مِعصَمِها سِوارٌ مِنْ البَلاستيكِ الأسودَ، وَقدَّمَها قَائلاً، هِذهِ غزالةُ بِنتِ عَلاهِن.. جَذَبَ عَبدَاً مُتهالِكَاً طَويلَ القَامةِ، بِمنخرينِ كَبيرينِ لِلغايةِ، يَرتدي دِشداشَةً مُمزَقةً، مُخطَّطَةً بٍاللونينَ الأبيضِ والأزرَقِ، وَسَترةً بَاليَةً تَصلُ حَدّ رُكبتَيهِ، وَقَدَّمَهُ ضَاحكَاً، هَذا عِرمشٌ ابنَ عَلاهِن.. أشارَ إلَى اِمرأةٍ قَصيرةِ القَامةِ، طَويلةِ الذِّراعينِ، قَصيرةِ الأطرافِ كَأنَّها غُوريِلا، وِقِدَّمها قَائِلاً، هَذهِ نُوريةُ أمُّ عَلاهِن.. نَظَرَ الشَّيخُ إليهِم وَأطلقَ ضِحكَةً مُدَوّيَّةً قَائلاً لِضاحِي الأعورِ: ( (اللهْ يِهلككْ يَا ضْويحِي. وِلَكْ ذُولَهْ وِين لِكَيتهم) ) . ثُمَّ تَفحَّصَهُم وَاحدَاً واحدًاً وقالَ: ... " (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكحلاءِ، ص 29) .

ومن خلال هذه المعاينة البَصريَة المُحدقة النظر للتعرُّف على أُسرة هؤلاءِ العبيد التي بدأها الشيخ بعلاهِن العَبدة الجميلة والصيد الثمين لمبتغاه وهوسه النَّفسي الفاجر، كانت أولى علامات الشبق الجنسي للشيخ عايش العُودة لمُريِدتِهِ علاهٍن التي صَيَّرها بين ليلةٍ وضحاها مَحظيَّةَ له أو معشوقةً وَزوجةَ ليلِ أُنسيةً غيرَ مُعترَفٍ بها وبابنها ولده مظلوم رَسميَّاً، بسبب سواد اللَّون والنسب الآخر لعلاهِن . ومن هذه اللَّحظة الفارقة بدأت معاناة عَلاهِن وأبنائها مع زوجة الشَّيخ صانعة المكائد.

وَمِمَّا يُؤخذ على الكاتب الحاذق حسن السلمان أنَّه لم يتحدَّث قطّ في سرديَّات وقصص الرِّواية ولو بنموذج نصيٍّ واحدٍ عن آ ثار الظلم والحيف والاستلاب والتعذيب القهري الذي وقع على كاهل الفلاحينَ المُزارعينَ البُسطاء من عامةً أبناء هذه القريَة المُثقلة بالوجع والهمِّ والغمِّ، ولم يُشرْ إلى أثر الفساد الذي أصابَ السَّوادَ الأعظم من النَّاس في إقطاعيَّة العُودة عدا ما يَخصُّ شأنهم الخاصَّ. وقد كان الكلام في الرواية محصوراً على مكائد الأسرة الحاكمة وصراعها الداخلي من أجل لبقاء.

تَمثُّلاتُ العَجائبيَّةِ (الفِنتازيَّةِ):

العجائبية أو الفنتازيا المخياليَّة التي هي إحدى تمظهرات الواقعية السِّحريَّة التي وظَّفها الرائي حسن السَّلمان في روايته هذه سبع مرَّاتٍ توظيفاً فنيَّاً وجماليَّاً سرديَّاً لافتاً ومُذهلاً؛ لكسر أفق توقُّع المألوف الواقعي الحياتي المَعيش، وَلِبثِّ الرُّوح الإمتاعية والتأمليَّة في نفوس مُتلقِّيه وحَملَهُم على الاستغراق في التفكير الغنوصي الرُّوحي والوجودي مع ما يَطرحه السَّرد من كشوفاتٍ مَعرفيَّةٍ.

ولعلَّ أولى بواكير هذه العجائبية التي اشتغل عليها حسن السَّلمان في المركز كانت مُكرسَةً للحديث عن قصة الذئبة العدوانية المفترسة، وعن ممارساتها الفِعليَّة اليومية المرعبة والمُتكرِّرة في إيذاء السُّكَّان. وقد تحوَّلت قصتها المخيالية إلى أُعجوبةٍ فنتازية أذهلت الجميع بأفعالها، وأعجزت تفكيرهم الإنساني البيئي بغرابتها وما رافقها من مخاوفَ وحوادثَ وأحداثٍ وخسائر وتقوُّلاتٍ جمِّةٍ.

أمَّا الموضوع الثاني لفنتازيا هذه التقانات الحداثوية فكان تسريده مُنصبَّاً للحديث عن قصَّة غرق الفتاة الشَّابة غزالة ذي الرقصة المُميزة وبنت الوصيفة (عَلاهِن) من زوجها العبد السابق، والتي تحوَّلت موضوعتها إلى خُرافة عجائبية تقوَّلتها أفواه الناس وألسن سكان قرية (أُمُّ ذيبة)، فقيلَ: عُثِرَ على رأس غزالة بقرنينِ وعينينِ كحيلتينِ وُجِدَ عَالقاً بين الأسماك في نهر القرية ثُمَّ صَار أيقونة.

ولم تكتفِ مخيلة حسن السَّلمان بهذه التراتبية العجائبية المدهشة، بل انعطف في مَتنِ اشتغالاته السردية المخياليَّة إلى ما هو أكثر خارقيَّةً وعجائبيةً، فكان التسريد هَذهِ المرَّة أكثر نضجاً وأبلغ رعباً وتخويفاً وحضوراً، وعلى وجه التحديد في قصَّة (الحَكواتي عَبُودِ المِحْرِبِ) التي ورد القصُّ عنَّها على لسان الإخوة الصيادينَ الثلاثة: الأكبر حَامد، والمتوسِّط مَحمود، والأصغر أحمد الَّذينَ توجَّهوا بزوارقهم الثَّلاثة الصغيرة إلى أعماق الهَور للكشف عن هُويَّة الإيشانات الثلاثة، وما جرى لهم وحصل من أحداث خطيرةٍ جٍسام في حكايات هذه الإيشانات الأهواريَّة الثلاثة الغرائبية الآتية.

الأُعجوبة السَّرديَّة الأولى فكانت عن إيشان (حْفيظ) الذي يقع على طرف مدينة قضاء المجر الكبير في محافظة ميسان، وأسطورته تقول:إنَّ جزيرةً صغيرةً تضمُّ الكثير من الكنوز والذهب والأحجار الكريمة كما يشاع عنها، وكل من يفكر في الذهاب إلى التَّحقُقِ من هذه الجزيرة يصاب بمكروه مثلما حدث مع الصياد حامد الذي عاد منها أبكماً لا يتكلَّم من شدَّة هولِ ما رأى فيها وما حدثَ له.

أمَّا الأعجوبة الفنتازية الثانية فكانت عن إيشان (أبو الذهب) الذي يقع في هور الحويزة، وقصته الأسطورية المخاليَّة تذكر، أنَّ زورقاً من الذهب يخرج في أول اللَّيل ويختفي مع انبلاج صَلاة الفجر صباحاً. وما حدث للصياد محمود فقد أصابه العَمى وَفَقدَ بصرَهُ، ثمَّ عَثرَ عليه أحدُ الصيادين.

وحكاية الإيشان الثالث والأخير كانت عن ما يُسمَّى بإيشان (أُمّ الهِنِد) الذي يقع ضمن حدود قضاء الكحلاء مثابة الرواية في محافظة ميسان/ العُمَارة، وأسطرته العجائبية تقول كما يسرد الراوي العليم: إنَّ حكاية هذا الإيشان تتعلَّق بعالم المُوتى أو الأموات وما يتعرَّضون له من ألوان العذاب عقاباً لهم على ذنوبهم، وما ارتكبوه من أفعال مقيتة وقميئة، فصارَّ الصيَّاد إثرِ هَولِ ذلك الحدث العجيب أصمَّاً لا يَسمعُ، وأمضى طيلة حياته واضعاً إصبعه في أُذنيه كي لايسمعَ أصوات الموتى:

"أمَّا أصغرُهُم، وَيُدعَى أحمدُ، فَقدْ تَوجَّهَ إلَى إيشانِ أُمِّ الهِندِ، حَيثُ ظَلَّ أُسبوعَاً يَتجوَلُ بِمَشحوفِهِ فَي الهُور حَتَّى كَادَ مَا تَزوَّدَ بِهِ مِنْ طَعامٍ أنْ يَنفدَ، وَهَمّ بِالرجوعِ إلَى أهلِهِ، إلَّا أنَّ سَماعَهُ أصواتَ اِستغاثَةٍ فِي مُنتَهَى الهَلعِ، وَعَويلَاً مًريرًاً يَفطرُ القَلبَ، جَعلَهُ يَلتَفِتُ بِاحِثَاً عَنْ مَصدرِ الأصواتِ لِتَنفَتِحَ أمامَهُ ثَغرةٌ فِي أَجَمَةٍ مِنْ قَصَبٍ البَردِي، وَيَلِجُ مِنهَا، وَيُشاهدُ إيشَانَاً مُمتلئِاً بِالقُبورِ المَفتوحةِ الَتي يَتصاعَدُ مِنهَا غُبارٌ بَنفسجِيُ اللَّونِ مَعَ صُراخٍ وَاستغاثاتِ المُوتَى الَّذينَ كَانُوا يَتعرَّضونَ لِأبشَعِ عَمليَّاتِ التَّعذيبِ فَاستدَارَ بِمشحوفِهِ هَارِبَاً، وَابتَعَدَ عَنْ هَذِا الإيشانِ المُرعِبِ، وَأصواتُ المُوتَى وَاستغاثاتُهُم تُلاحِقُهُ حَتَّى وَصلِ إلَّى أهلِهِ وَهوَ يَرتَجِفُ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص116) .

وتأتي تراتبياً الأعجوبة السادسة فَتُلقي الضوءَ سرديُاتها على قصَّة غرق الصَّبيينِ، العَبدُ مَظلوم، والشَّيخة الشَّابة فِضَّة، وما رافق واقعتهما الحكائيَّة قِصَّةُ السَّمكتينِ الفضيتينِ اللَّتينِ تَسبحانِ في النَّهر، وما جرى لإحداهما من تعالق مع الطير ذي المنقار الطويل الذي التقطَ إحداهما بينا سقطتْ السمكة الأخرى بقاع النَّهر، ومن خلال حكايتها تَمَّ العثور على جُثَّة (فضَّة) عالقة في قاعِ القِصبِ.

أمَّا التمظهُر السابع والأخير من قصص تَمظهرات العجائبية السِّحريَّة فكانت اشتغالاته الفكريَّة والمخيالية مُخصصَّةً للحديث عن حكاية أو قصَّة الوصيفة المرأة (عَلاهِن)، وما جرى لها مَصائب في حياتها أثناء وبعد أحداث قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، والأصوب الصحيح أنْ يقولَ (سَنةُ الأحزانِ) الدالة على الضيق والعسر والشِّدَّة، بينما مفردة (العام) تدلُّ على سعة بحبوبة العيش والرخاء والانفراج.

فهذه القصة أخر محكيَّات رواية حسن السَّلمان، وكانت مظانُ سِحريتِها المُدهشة مواجهةً حقيقية وحواراً ساخناً وموجعاً بين عَلاهن الإنسان المُذل، ونهر الكحلاء رمز الحياة المؤنسنِ الذي أذلَّها وخذلها وأخذ الكثير منها ومن عمرها، وما أحدثه هذا النهر من فاقة وعوز ورزايا ومصائب وأحداث فذةٍ كبيرةٍ وَجِسَام ألمت بعلاهِن المرأة المملوكة السوداء وما حدث لأسرتها الفقيرة المعدمة من قتلٍ وترويعٍ وتعذيبٍ وتمثيلٍ وَتِيهٍ وتَهجيرٍ قَسريٍّ وتشظٍ منظَّمٍ للمكان خسرتْ على إثره هيبتَها كإنسان له حقُّ العيش الكريم. فتنكَّر لها زوجها الشيخ عايش العودة ولولدها مظلوم الذي أخصاه وهو من صُلبه؛ كونه عبداً أسودَ والعُودة شيخ حرٌّ طليقٌ أبيضُ. فضلاً عن تَعذيبه لِعرمش ولدِها.

والمُذهل في سرديَّات هذه القصَّة التراجيدية الميلودراميَّة المائزة أنَّ مَظلوماً ابن الشيخ عايش قد عَشِقَ أخته الحُرَّة عشقَاً جمَّاً دُونَ أن يَعلم أنَّها أخته غيرالشقيقة، فقد كان يرعاها ويهتمُّ بها مُنذُ نُعومة أظفارها، لكنَّ التمييز العنصري للون والعِرق والأصل والمكانة حال دُونَ تحقيق حبَّه النَّقي. وتعدُّ قصَّة علاهِن من أروع وأجمل قصص هذه الرواية؛ كونها قصة إنسانية حقيقية لا تمسُّ سرديتها ذات علاهِن الفردية الضيِّقة فقط، بل تخصُّ الذات الجمعية المشتركة للجامعة الإنسانيَّة.

ولم تنحصر عجائبيَّات السَّلمان عن التمظهرات السابقة التي تمَّ عرضها، وإنَّما أخذتْ مَساراتٍ سَرديَّةً أُخرى اتَّصلت بحياة وأفعال وممارسات الآخرين، وخاصةً الأطفال منهم الذين يَقصونَ احاديثهم لآبائهم في رؤيتهم الخيالية لـ (عبدِ الشَّطِ) ذلك الرمز الشخصي أو الكائن الخُرافي العَجائبي المُخيف الذي لم يُرَ بالعين المُجرَّدة، وإنما بالقول والتخيُّل كجزءٍ من تراثهم الشعبي المحلِّي العتيد.

ويتصل النسق العجائبي والخرافي الغرائبي السردي بطقوس الطوائف الإثنية والهُوِيَّات الفرعية الأُخرى الساكنة في القرية. وأعني بذلك (سَلفُ) طائفة الصابئة الذين كانت الشيخة نجمة تنظر لهم نظرةَ اِزدراءٍ وتَصفَهُم (بِربعِ الشَّيطان) بهذه العبارة القاسيَةِ وتمقتهم بُغضاً وُكُرهاً أعمى، مع أنهم مكونٌ سَومريٌ أصليٌّ مهمُّ، ومن سُكَّان الأهوار الذينَ اشتهروا بالحِرفِ اليدوية البسيطة وممارسة أعمال السِّحر والرُّوحانيات الغيبية والعجائبيَّات القنتازيَّة التي يَفكُّون طلاسمَها الرُّوحيَّةَ الشَّيطانيَّةَ. فكانت هذه السرديَّات الغرائبيَّة مَدعاةً للواقعية السَّحريَّة التي تستمدُّ وقائعها من طبيعة الحياة العامة للناس ومن صمت مورثهم التراثي الشعبي والانثُروبولوجي والتاريخي المُتجدَّد إشراقاً وإضاءةً.

"مِنْ طَلبَاتِ فُضَّةَ اللَّجُوجةِ الذِّهابُ بِهَا إلَى سَلفِ الصَّابئةِ المُحَرَّمِ عَلَى الآخرينَ الذِّهابُ إليهِ، وَلَا سِيّمَا نِساءُ المَشيخَةِ وَصِبيانُها. فَالذهابُ إلَى سَلَفِ الصَابئةِ، يَعنِي التَلوثَ بِالنجاسَةِ. يَعنِي التَعنيفَ وَالتَّقريعَ وَالعقوباتِ القَاسيَةَ بِدءَاً مِنْ رَبطِ المُخالفينَ مَعَ الأبقارِ فِي الحَظائِرِ لِعِدَّةِ أيامٍ، مُرورَاً بِالجلدِ بِالعِصيِّ، وَانتهاءً بِالحرمَانِ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّراب.الذِّهابُ إلى سَلَفِ (رِبعِ الشَّيطانِ) كَمَا يَحلُو لِلعمَّة نَجمَةَ تَسميتَهُم، يَعنِي العَزلَ وَالاجتنابَ وَالاستحمامَ بِقِدْرِ مَاءٍ كَبير مُسَمَّى عَليهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِاسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ لِلتَطُّهرِ. كَانتْ فُضَّةُ مَأخوذةً بِالصابئةِ". (وَداعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 54) .

اللَّهجةُ المَحليَّةُ العَاميَّةُ الدَارجةُ:

حدُّ اللُّغةِ في مفهوم ابن جني هي (أصواتٌ يُعبرُ بها كُلُّ قَومٍ عًنْ أغراضِهِم) اليومية في الحياة. لذا فإنَّ من التقنيات اللُّغويَّة والفنية المحبَّبة للنفس والعمل السردي التي وظَّفها الرُّوائي الواعي حسن السَّلمان في مركز اشتغالاته السردية ومحكياته القصصيَّة الروائيَّة استخدامه التدوالي المثير لنموذج معيَّن من نماذج اللَّهجة الرِّيفية العاميَّة المحليَّة العراقية القُح التي تتطلبُها لُغةُ الحوار السردي وطبيعة المثابات المكانيَّة. وتفرضها ثيمُ واقعة الحدث السَّرديَّة وموضوعاتها لِضروراتٍ بيئيةٍ وإنسانيةٍ وتقاناتٍ فنيَّةٍ وجماليَّةٍ أكثرَ تأثيراً في النفوس وأبلغ أثراً وتماشياً مع سرديَّات لُغةِ ولهجة الرِّيف أو المناطق الجنوبية الأهواريَّة النائية التي لا يفهمُها، أو يُجيدُها الكثيرُ من الناس إلَّا مَنْ عَاشَ في تلك البيئية القاسية وتعلَّم لُغتها الدَّارجة وأدرك كُنهَهَا الإنساني وَسِرَّ وجودِها الكوني:

"اِزِلَفْ، اِزْلَفْ وِلَكْ مِنْ طِريجِي. مِنْ عِمَى العِمَاكْ. ثُولْ حتَّى ثُولْ. جَا بَعدْ الله شِيسوي بِيك. عَين وكَلَبهَا بِيضه جَنْه فُص مِلح. يَوم الأسود يَوم اللَّي لِفَيت بِيه علينه يا بوعَين العُورة.[...] شِفِتْ وِلَك؟ وِلكْ حتَّى هاَي الطَيرة اللِّي كِلشِي مَا تِفتهم هَمْ تِكرهَك، تِركض وَرَاك مِنْ دُون عِباد الله وَتْعضَّك.. دَهر فَرَّك يَبُو عَين العُورًة". (وَداعَا يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 67) . وبرغم كمية السُّباب والتعنيف والتحقير والاستهجان فإنَّها لهجة عاميَّة تُناسبُ الواقعة وتنطلقُ من رَحم بيئة الحدث الموضوعيَّة.

واستخدام حسن السَّلمان لهذهِ اللُّغة الجَنوبية المُغرقة بالتداوليَّة المَحليَّة البيئيَّة ليس ضَربَاً من البَطرِ أو نوعاً من التَّرفِ الباذخ للزينة أو الزُخرفة اللَّفظيَّة لتلك اللَّهجة المحليَّة المُغلقة التي تتصل بحياة مَعدان الأهوار وسُكَّانها الأصليينَ، وإنَّما كَانت وُجُوداً كونيَّاً مُلحاً وانتماءً تأصيليَّاً عميقاً لهذه الأرض السومرية التي ينتمي إليها الكاتب السلمان ويُنتسبُ، وَعاشَ فيها رَدحَاً من الزَّمنِ الغَابرِ.

وقد بلغَ الحُبُّ والهوس اللَّهجوي بحسن السَّلمان في كثرة الإفراط باستخدام ألفاظٍ ومُصطلحاتٍ وعباراتٍ وتراكيبَ وأمثال ومسميَّات طبيعيَّة وكونية من صميم اللَّهجة المحليَّة الرَّيفية والأهواريَّة العراقيَّة فيِ سَرديَّات رِوايته ومَحكياتها القصصيَّة.حتَّى بلغ الاستخدام اللَّفظي الإجرائي لها في أكثر من (49) تِسعةٍ وأربعينَ مُوضعاً أو نموذجا تعبيريَّاً استشهاديَّاً مُوزَّعاً على طيَّات الرِّواية.

وطبيعي أنَّ توظيفات هذه اللَّهجة المغرقة بالعاميَّة المحليَّة الدَّارجة تتصل بحياة الناس العامَّة وبفعل ممارساتهم الواقعية الحياتية؛ونتيجة لذلكَ اضطر حسن السَّلمان في أكثر من اشتغال مركزي إجرائي لهذه المصلحات والمُفردات اللُّغويَّة العَاميَّة المُنتشرة في الرِّواية، اضطر إلى استخدام الهوامش لبيان وتوضيح وتقريب معاني هذه المفردات التي لا يفهمها المُتلقِّي إلا القليلُ من القرَّاء.

"ولك استحي. شلون إلك عين وتوصلنا؟ شلون تمشي بجنازة أخوك وانت جتاله". (وَداعاً يا نَهرَ الكَحلاء، ص 140 ) . هذه العبارة التعنيفية قالتها المرأة الفريضة عمة الشيخ عايش العودة عندما أراد المشاركة بتشييع جثمان أخيه الشيخ محمَّد العُودة الذي قُتِلَ غَدراً بفالةٍ وَاتُّهمَ بمقتله عايش وزوجته.

ويتناهى إلى فكري أنَّ جُلَّ هذا الإيغال اللُّغوي الحواري المُكثَّف في استدعاء ألفاظٍ وعباراتٍ وتراكيب من شواهد اللَّهجة المَحليَّة العاميَّة الريفية يعدُّ جزءاً من آثار بنية السرد الواقعية السِّحريَّة المكانية التي هيمنتْ على محكيَّات الرواية وقصصها الإنسانية البيئية العفوية المُمتعة التي تُحاكي المُتلقِي وتوقظ عقل القارئ بالمشاركة التأملية لواقع الحياة الريفية ذات النسق العشائري المُحافظ.

إنَّ أهمَّ ما يُميَّز رواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكحلاءٍ)، هو وحدة بنيتها السردية المُتماسكة، وثيمتها الفكرية المتراتبة مكانياً وزمانياً، وفاعلية إيقاع أسلوب لُغتها الشعرية التسريدية المحكمة سبكاً وحبكاً ودلالةً. لقد كان الرَّاوي العليم السَّلمان في عدسة التقاطاته السرديَّة وقصصه ومحكيَّاته الروائية عين الكامرة النقديَّة المضيئة التي تتحرك بمختلف الزوايا والاتجاهات المفتوحة والضيقة. وكان يبحث من خلالها عن الطريقة الابتداعية المُثلى التي تتحوَّل فيه تجربته الروائيَّة الشخصيَّة، وذاكرته الزمكانية إلى عمل فنِّي إنساني فارقٍ عابرٍ للتوثيق وقابلٍ لرؤى مَباضع التحليل والتأويل.

فجاءت أحداث هذه الرِّواية ومَسروداتها الفعليَّة، وحركات شخصيَّاتها الفواعلية أشبهَ بعملٍ فنِّيٍ سينمائي أو درامي بَصري تَتحرَّك فيه لُغة السرد صوتاً وصورةً سرديَّةً ويتداخل فيه وقع الأحداث والتفاصيل بمشاهدها الواقعيَّة مع السِّحريَّة من حال إلى حال آخر دونَ شعورٍ بثقل أو إملالٍ يُصاب به المتلقِّي جراء هذا التلقي الإبداعي الذي يحظُّه على المشاركة في بناء وتأثيث الرِّواية وتنمية الذوق الثقافي العام للحدث.فتتحوَّل وحدة المكان وحركة الزمان إلى عنصر مرئيٍّ فاعلٍ ومُناهضٍ.

لقد كان السَّلمان أميناً في نقل الأحداث، جريئاً مِقدَاماً في رسم الأهداف والتفاصيل والتطلُّعات الإنسانيَّة، وغيرَ هيَّابٍ في بيان كشوفاته السِّلبية التي فضحتْ مقارباتها السرديَّة أرباب سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة، ورسمت واقعيته السِّحرية الطريقَ المعبَّد العادلَ للفصل بينَ النَّجدينِ، يوتوبيا المدينة أو القرية الفاضلة وديستوبيا الرذيلة أو السلطة القمعية المارقة. فانتصر السَّلمان لوجع أخيه الإنسان بلغة السرد، لغة الواقع الحيِّ والرِّهان، وما كان أمرُ ذلك المكان إلَّا تِيهَاً وَتَشظيَاً وَخُسران.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ

تَتشكَّل قصائد الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء» للشاعرة الدكتورة أنيسة بوكلاطة الصادر عن دار بصمة للنشر والتوزيع بالمغرب في طبعته الأولى سنة 2026 من مجموع حالات مجتمع يتطلّع إلى تحقيق سرور الأمكنة المغربية، أيضا مجتمع يشكو الحرمان والنقص والدفء الإنساني. القصيدة هي كمياء الغموض الممتع واللَّعِب المُقلِق باللغة، فلو تَحقق الكمال واللا-نقص فلماذا تَنسُج الذات الشاعرة نسيج استعاراتها ومجازاتها ارتكازا على الخرق والحرق، وهنا تتخذ القصيدة شكل وساطة ثقافية معرفية بين الذات الصانعة للقصيدة والمتلقي فيتوالد معنى القصيدة وفق دينامية مسار مُحاوَرة تكشف لنا عن القيم الإنسانية وإمكانية الأحلام الجيّدة وهي أحلام يقظة الشِّعر، فالذات الشاعرة بتعبير غاستون باشلار، يقول: « إن الشاعر لا يمنحني ماضي صورته، ولكن هذه الصورة تتجذر في داخلي».

التجذيرات القيمِيَّة

ارتكزت الذات الشاعرة في تشييد القصائد وبناء المعنى على آلية التجذير (أسماء أماكن، تواريخ، أسماء أعلام، أحداث، وقائع) مما أسهم في توليد الدلالة وإقحام القارئ في سيرورة التأويل الشعري ونمثل لبعض التجذيرات كالآتي: (الحسيمة/ زقاق أجدير/ عكاظ/ الكوثر/ عبقر/ تونس/ ليبيا/ الجزائر/ مصر/ فرنسا)، (يوسف/ زليخة/ سليمان/ دونكيشوط/ عشتار/ فيروز/ ابن قتيبة/ الفيروز آبادي/ المفضل الضبي)

إن هذه التجذيرات التي تمتد زمنيا إلى ما قبل العصر الإسلامي وتنتهي إلى زمنية الرقمي حيث إن الشاعرة تُشيد المعنى على آلية السخرية الشعرية الممتدة في الذاكرة وفق زمنيات مختلفة، تقول:

«ألا تعلم؟!

استَعِن "بأي پي" و "شات جيبيتي"

(...) "فطوبى" لنا بالسّم المعسل

(...)

في "عكاظ الفايس" يسري بدهاء

ويجاهر سلالة "عبقر" نحن النبغاء..

"الليكات" ألوانها تسر اللقطاء» (قصيدة:«عنها..». ص، 22)

السخرية أفضت إلى آلية محاورة زمنيتين مختلفتين: زمنية «فحول الشعراء» وزمنية «بغال الشعراء» الذين أسندوا الإبداع الإنساني إلى الرقمي "شات جي بيتي"، وعليه نكون أمام طبقتين من الشعراء؛ طبقة تمتلك الصنعة والدربة وأخرى رامت السرقة والسطو والكسل واللا-إبداع حيث إن الشاعرة تسخر من البريكولاج الشعري الجديد الذي لا يرتكز على موسوعة سوسيو-ثقافية. إن التجذيرات تحيل على الموسوعة الثقافية للذات الشاعرة وهي بذلك تقحم القارئ داخل  عوالِم الأثر الإنساني الذي تُحدِثه القصيدة والتي تدفع بالمعنى إلى أن يتخذ شكل جسد إنساني حرّ؛ يحاور، ينتقد، يُحبّ، يصوّر، يحاكي، يكره، يثور، ينفعل ثم يبتسم لحالات اللا-إصلاح لأنه فقط الكتابة هي تطهير معرفي تحضرُ بقوّة الميكانيزمات الشعرية المغربية وإلا لِمَ تحضر لو لَمْ تَكُن الذات الشاعرة أدركت شيئا وجب تقويمه وإصلاحه داخل أمكنة الوطن وخصوصا الأمكنة الثكلى التي تشكو التَّمزُّق في شمولية المجالات اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحقوقيا وإبداعيا من خلال محاكاة رقمية جافة من الأحاسيس والحزن وحالات الحداد الممتد في الأزمنة والأمكنة. إن الكتابة الشعرية الحقّة هي أداة تعرية وكشف زيف ما يرقد داخل اللا-قيم؛ إنها الإبداعية الشعرية للشاعرة التي وسمتها بالغموض واتكزت على اللعب الشعري باعتباره حيلة استعارية ومجازية وانزياحات وخرق للقواعد داخل حالات الصراع اللا-متكافئ ماديا ورمزيا وجغرافيا، وما معنى الحرية الإبداعية إن لم تتمثل الصراع الغامض الممتع الذي يحقق لذة للمتلقي ويمنحه الأحاسيس التي تُؤشر على حالات الانفعال والتوتر والشِدَّة في علاقة بالمقولتين السيميائيتن: الموت/ الحياة.

إن موت الإنسان يسبقه موت الأمكنة، فالقصيدة عند الشاعرة هي نداء ما تبقى من الروح لإصلاح الأمكنة ومصالحة الجذور والهوية والخصوصية المغربية، مصالحة تقطع مع الليكات والإعجاب المزيّف وما تحمله بغال الرقمي، لأن الواقعي الشعري هو تمثيل الروح والجسد معا داخل القصيدة تقول:

«والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

عُدتِ كما أنتِ

ثكلى الرّوح ...بالبوح

ما ذنبك ...

مدينتي يا بهية

الأحرار

يا سليلة الأبرار

ما ذنب صغارك يُخطفون

في الفجر ...وبالكر

ماذنبك توشحين بالحالك

والقهر

(...)

فداك حُسيمتي

فداك ..» (قصيدة «فداك...»، ص. 90-91)

من منظور الذات الشاعرة وقفنا على أن إشباع حالات الحرمان التي تشكو منها أمكنتنا لا تتحقق إلا بالصلاح والإصلاح وهزم الفساد، أيضا كل مواضيع-القيم الإنسانية تشترط الرغبة والإرادة لإنجازها ومن ثمّة حماية أمكنة الدفء الإنساني المغربي من موتها. الشاعرة في قصيدة «نهرتني القصيدة»، تؤشر على حالة اللا-سرور الأمكنة، تقول:

«المُسيَّجة بالآسى واللظى

ذويها في الهجيرة

على صدى الآهات

 مرقص الأنين

 وذيول الموت

بين أسياخ نيرونية

وعهود ثمودية

وقوارب ..

وعباب ..

مَضْيَفة للموت والنهاية..».

إن حضور مُقوّمات الموت تفضي إلى نسج علاقة مع مقوّمات الحياة الجيّدة كحلم يقظة يمكن أن يتحقق فقط إذا حضر اللا-تدثر بالقافية واللا-انزواء إلى التطريات الكاذبة والتباس الكتابة الشعرية خصوصا والأدبية-الثقافية عموما، تقول:

«لن أتدثر بالقافية

فالسليقة مُغيَّبة

والقريحة مُقيَّدة

حتى ينتفض

 جناح العنقاء..». (القصيدة: «نهرتني القصيدة»، ص129-130)

إن الانزياحات هنا هي انزياحات لا-مادية؛ إنها «روح الشِّعر» التي أسندت لها الشاعرة استيضاح المعنى من خلال العلامات الدالّة على الاحتراق والبعث من جديد، هذه القوّة الأسطورية أفضت إلى بناء المعنى الشعري بآلية عاطفية نسائية، فالشعر بتعبير جان كوهن «هو الشكل الأرقى للغة العاطفية» وهي عاطفة تروم الاحتراق الإبداعي لإعادة تشكيل حياة شعرية لواقع جيّد، ويتوالد الاحتراق ليشمل بعض القصائد، تقول في قصيدة: «زمن اليتم»

«أبحث

(...)

عن ضحكة وليد

يشعل فتيل الحياة»

هذه الصورة الشعرية الأسطورية للاحتراق والبعث من جديد تكثف شعرية وجمالية قصائد الديوان التي تؤشر على فرح قد يُحققه طفل قد فقد والديه أو أنّه فقد «شُعلة» الأباء والأجداد والأرض، إننا أمام طائر الفرح بتعبير غاستون باشلار، إنه الطفل-الطائر الذي قد يجدد الحياة، فتوظيف آلية الاحتراق هو توظيف لعظمة تخييل الشاعرة لتصوير الحياة الجيّدة التي تهزم الحياة الفاسدة وتعيد لنا حلم التجديد، وما الكتابة الشعرية النسائية المغربية إلا تمثيل أُمومي لحالات الماء الفاسد والحلم بالماء الأسطوري الطيّب، وعليه يقول باشلار «إن عظمة الأسطورة تظهر في مدى قدرتها على إثارة الخيال الإبداعي».

الشعر هو حقل الخيالي والواقعي واللعب بالخرق والاحتراق وأكسيولوجيات الحياة من ماء وتراب وهواء ونار، إننا داخل الشِّعر نكون داخل عالم الذات الشاعرة وعوالم الاشتهاء، نشتهي لأننا محرومون من وطنية مغربية تشمل كل المجالات، نشتهي لأننا جوعى القيم الإنسانية، نشتهي لأنّنا نوشك أن نموت ونضمحل، فالاشتهاء سيرورة بحث عن حياة عادِلة.

أشتهي الحياة، أنا أشتهي الصمت.

نجد أن الشاعرة أسندت للصمت حالات غرق المعنى، تقول في قصيدة «أعبُرُك..»:

«فيحتويني الصمت

في حرم العشق

يُغرقني ولَهاً وجنونا بك

فكيف لروحي أن تسبح

في صمت وصراخ

(...)

صوامت وصوائت

جنادل اشتهاء»

نتبيّن أن الذات الشاعرة رامت اشتهاء الينابيع الأكثر عمقا في الذاكرة الطفولية لتمثيل حبّ وطن كقصيدة: «أنتِ قدري المشتهى/ أنتِ قصيدتي العصماء». وتؤشر على هذا الحبّ بالفرحة الأبدية لاستمرارية جذور وهوية ووطنية مغربية ارتكازا على استعارة الأمّ-الوطن:

«مِن أجلك يا أمّي

نعم أمّي،

يا فرحة عمري الأبدية» (القصيدة: «من أجلك ..»، ص.6)

إن تصويرية الأرض المغربية بصورة الأمّ الأبدية هي الأمكنة الجيّدة التي يصنعها الإنسان، فالأرض لا تصنع الإنسان ولكن الإنسان هو من يصنع أرضه، وأيضا يمكن لهذا الإنسان أن يقتل أرضه فيقتل الإنسان معها ويقتل الطفل، وماذا يتبقى إن ماتت الأرض ومات الإنسان ومات الطفل؟ سؤال يُفضي إلى قلب العلامات داخل الديوان الشعري فتحضر الأمّ باعتبارها وطناً، والوطن باعتباره أمّاً وهذا يؤشر على استمرارية الرَّحِم الوطني الشامل وهو الرَّحِم الإنساني الكوني، حيث إن القصيدة الشعرية تروم معرفية كونية ترتبط بالإنسان وتعزز حياة أطفال أرضنا، فالشاعرة تُشيّد مرآةً لغوية تعكس هشاشة الإنسان في علاقة بالمجتمع والكون:

«وتلك جراح في الروح تسقيني

كلّما جال بالبال حالك

الحزين» (القصيدة: «هزلت..»،ص.121)

إن شعرية الشّعر تُعرَّفُ فقط من خلال تركيب القصيدة وشكل بنائها ولغتها ومسارات معناها وتشاكلاتها، جنادل الاشتهاء وإن توزعت لمقاطع متفرقة فهي تجتمع في سطر شعري موّحد وهو عتبة الإهداء: «إلى كلّ من شكّل ملامؤح قصيدي». فالقصيدة الشعرية النسائية المغربية تضمر أسئلة جوهرية يطرحها نسق لغة تتعالق والواقعي التصويري والتخييلي والجغرافي وأزمنة حالة الكتابة باعتبارها أحلام يقظة الذات الشاعرة وأمل المتلقي في كشف زيف السرّاب الذي يتلوّن بالكذب ولعنة الذنب:

«عدت إلى صراخك

والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

ثكلى الروح.. بالبوح

ما ذنبك

مدينتي يا بهية الأحرار

(...)

فداك حسيمتي.. فداك» (القصيدة: «فداك..». ص، 90-91).

نستبين أن لعنة حبّ أمكنة الحلم والأمل انقلبت إلى أمكنة سراب، فالذات الشاعرة في علاقة صراع مع الزيف الثابت واللا-متغيّر تؤشر على دينامية الرغبة في هزم الزيف الثابت وتتخذ لغتها داخل القصيدة شكل صراع للخروج من حالات النقص والكذب التي تعرفها أمكنة القصيدة حيث إن رمزية المكان تحضر في القصيدة بصورة لافتة وفي حالات تُسنِد الشاعرة للمكان رمزية الجسد كآلية للتمويه أو حمل القارئ إلى عوالم فنّ التأويل لإخراج القصيدة من الضيق إلى الرحابة المعرفية بالأمكنة وتاريخها وهذه جمالية القصيدة، فالقصيدة تفضي إلى توثيق مرحلة تاريخية تتمتد إلى زمنية بعيدة وهذا حقل أرشفة المكان والزمان، وعليه أرشفة وتوثيق فعل الإنسان وهنا العلاقة هي علاقة تأثير وتأثُّر بين الأمكنة والإنسان، وهنا نكون أمام نسق العالم الخارجي ونسق العالم الداخلي للذات الشاعرة، وعليه تستضيح شعرية القصيدة لتكشف عن بعض المعنى ولو أنه معنى جد معقد مما يجعل القارئ في حالة ذهاب وإياب داخل القصائد تائها وسط لعبة الظهور والكينونة، فالشاعرة لا تكشف عن قلب الوطن ولكنها تُظهر عقل الوطن؛ ونمثل لبعض هذه اللعبة كالآتي:

الظهور: عقل الوطن، تقول في (قصيدة، «كيف..» ص،31)؟

«في خضم التيه والوهن

كيف سأرضيك

يا عقلي

فأنت منبع المِحن».

هنا الظّاهِر شقاءٌ عقلي منطقي داخل حالات العبث والكذب واللا-رضى على الفساد واللا-صلاح.

الكينونة: قلبها/ قلب الوطن، إن الذات الشاعرة ترتكز على معرفة تاريخية للشعر والنقد العربيين، إلا أنها تخفي هذه المعرفة وتسربها في شكل سلس وإيقاع شعري جمالي، تقول في القصيدة «لست أنا..»، ص70-73:

«من قال: إنّي شاعرة؟

ليس لي

إلا أحلام غفوة أصارعها

وأخرى

أحلام يقظة فادحة أقايضها

فيا ويلي من عيون "قتيبة"

(...)

استعرت من "المفضليات"

أرجوحته الدانية

(...)

و"للفيروز آبادي" محيطه في كلمة».

لكن الذات الشاعرة في قصيدة: «يا قطوفا..»

« آه من زمن يعيد

(...)

أنا الضائع قبلا وبعدا

في الباطن والظاهر»

إن القصيدة تحيل على العالم المعرفي للذات الشاعرة وتعتذر لقوة اللغة الشعرية القديمة التي رامت الحماسة وهزمت الميوعة الآنية، حيث تسأل عن وظيفة الشعر وكيف أنه كان يتمثل القيم الإنسانية عكس ما صار الآن، تقول:

«فما القريض إن

جزّ من الهوان

والميوعة قربانا

حامية

عذرا للشعر منذ عهود غابرة

فأنا لست شاعرة» (ص، 73).

إن صوت الشاعرة يُشخِّص الحالة الانهزامية التي شملت بعض أساسيات الحياة الجيّدة من خلال ثنائية الظهور والكينونة وهي آلية جمالية استضاحت راهنية واقع حالة أمكنة تعيش ظاهريا حالة سرور مُزيّف ولكنها كينونةً تُخفي اللا-سرور واللا-الحياة الجيّدة التي تصوّرها الشاعرة من خلال تعددية العلامات الدّالة على الانفعال والتوتر من خلال محاورة هذه الأمكنة، تقول في قصيدة « أه لو أستطيع..»، (ص.24-26):

« وهل تستطيع الحروف

 إبراء العلل،

أتقدر القوافي

خلق اللقاح،

أتستطيعُ

 القصيدة إطعام الجياع

وتهدئة النفوس بهول ما يقع

هنا وكل بقاع العالم ؟!

أتستطيع إيقاف زحف الردى

وردع تلك الرائحة

(...)

من يبالي

 بشذو الكناري في مدينة الأشباح

والغربان على الناصية

تتلقف الهزع»

وأختم، ليس في وسع القصيدة مَسرَحَة كل أشكال الحياة، ولكن القارئ يمكن أن يستضيح بعضها من خلال آلية التفكيك وإعادة القراءة الممتعة كبناء لنصوص تأويلية لا نهاية لها وفق مقومات الأزمنة والأمكنة وحالات التوتر والشدة في الانفعالات والأحاسيس التي تناولها الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء»، فحين تكون الأمكنة والأزمنة حزينة تتحوّل اللغة إلى شكل مقاومة تقطع مع اللا-استسلام، وهذه شعلة شعرية الشِّعر التي لا يمكن أن تنطفأ أبدات ما دامت هناك كتابة تضيء داخلنا حالة الحلم والأمل والعمل الجيّد، فالشِّعر نار القلب والعقل والأيادي الصالحة: (القلب: أحلام، العقل: آمال، اليد: أعمال).

قفل القراءة: حكمة مقوّم المادة «الهواء» باعتباره آلية للتغيير الحقّ وبعث الرّوح في المُقوِّم الدلالي للمادة «الرماد-النار» لبعث شعلة الحياة من جديد، تقول الذات الشاعرة:

« فمن أعاصير الوهن يفوح عطر النور

زخات...وأطواق...فرح..» (قصيدة: «رياح نديمة»، ص. 95).

***

د. فؤاد بنبشينة

من إرهاصات الحكاية إلى تعدّد أسئلة الإنسان

ليست الرواية التونسية حادثةً أدبيةً طارئة على هامش التاريخ، ولا جنساً سرديّاً استوردته البلاد دفعةً واحدةً مع الحداثة، وإنما هي ثمرة مسار طويل من التحوّل الثقافي والاجتماعي والفكري، بدأت إرهاصاته منذ مطالع القرن العشرين، ثم أخذت تتبلور تدريجيّاً حتى غدت الرواية واحداً من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على تمثيل التحولات العميقة في المجتمع التونسي.

والحديث عن الرواية التونسية يقتضي، قبل كل شيء، التحرّر من السردية النقدية المختصرة التي تجعل تاريخها يبدأ بمحمود المسعدي أو البشير خريف، ثم تنتقل به مباشرة إلى أجيال السبعينيات والثمانينيات. فهذه الرؤية، على ما فيها من وجاهة في إبراز أسماء مركزية، تحجب طبقات أخرى من التجربة السردية، وتغفل المحاولات المبكرة التي مهّدت الطريق، كما تقلّل من شأن أجيال متعاقبة أسهمت في تحويل الرواية التونسية من تمرين أولي في الحكاية إلى فضاء رحب لتجريب اللغة، وتفكيك الذاكرة، ومساءلة السلطة، واستنطاق الهوية.

إرهاصات التأسيس: حين بدأت الحكاية التونسية تكتشف شكلها الجديد:

ترجع بعض الدراسات إلى «الهيفاء وسراج الليل» لصالح السويسي القيرواني بوصفها من أقدم المحاولات الروائية التونسية، ويؤرَّخ لها غالباً بسنة 1906، مع وجود اختلاف ببليوغرافي في تاريخ نشرها؛ إذ تشير بعض الفهارس إلى نشرها في مجلة «خير الدين» في وقت أسبق.

وهذا الاختلاف في التاريخ لا يقلّل من القيمة التأسيسية للنص، فالمهم أن الرواية التونسية بدأت تتلمّس طريقها في بيئة ثقافية كانت تتفاعل مع النهضة العربية، والطباعة، والصحافة، والترجمة، وتنامي الوعي الإصلاحي والوطني.

وفي السياق نفسه تبرز محاولة الصادق الرزقي في «الساحرة التونسية»، وهي تجربة سردية ذات صلة وثيقة بالوعي الوطني ومقاومة الاستعمار، وتصفها مصادر تونسية بوصفها محاولة روائية انشغلت بتصوير تضحيات أبطال الحركة الوطنية وشهداء المقاومة التونسية ، في حين تصنّفها الفهرسة الوطنية ضمن الأدب التونسي القصصي. كما أن تاريخ نشرها الأول ليس محسوماً بصورة قاطعة في الفهارس المتاحة، ولذلك ينبغي الحذر من تثبيت سنة واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.

ومن هنا تبدو البدايات الأولى للرواية التونسية أشبه ببذور متفرقة منها بمدرسة مكتملة المعالم؛ فقد كانت الكتابة تختبر الشكل، وتستعين بالسرد من أجل الإصلاح الاجتماعي، أو التعبير عن الوعي الوطني، أو استعادة الماضي، أو مواجهة الحاضر.

علي الدوعاجي: السرد حين يخرج إلى الشارع والبحر

ولا يمكن الحديث عن تشكل الحس السردي التونسي من دون الوقوف عند علي الدوعاجي، أحد أبرز أصوات جماعة «تحت السور». وقد كتب «جولة بين حانات البحر المتوسط» في سياق رحلته عبر المتوسط سنة ١٩٣٣م ، ونُشرت نصوصها متسلسلة في الدوريات خلال الثلاثينيات قبل أن تجمع في كتاب بعد وفاته. وتكمن أهميتها في أنها كشفت عن سرد تونسي ساخر، مشاهداتي، رحّال، شديد الالتصاق بالحياة اليومية وبالتفاصيل الإنسانية.

ولذلك فإن وضع الدوعاجي في تاريخ الرواية ينبغي أن يتم بشيء من الدقة الاصطلاحية؛ فـ«جولة بين حانات البحر المتوسط» ليست رواية تقليدية مكتملة البناء بقدر ما هي نص رحلي سردي تتقاطع فيه الحكاية والمشهد والسخرية والملاحظة الاجتماعية. لكن قيمتها التاريخية تكمن في أنها وسّعت إمكانات السرد التونسي، وأثبتت أن الحكاية تستطيع أن تكون مرآة للمدينة والبحر والمقهى والشارع والإنسان العابر.

وهنا بدأت الرواية التونسية، بمعناها الواسع، تتحرر من سلطة الوعظ المباشر، وتتجه إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورة المجتمع الكبير.

من «ومن الضحايا» إلى «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»

في منتصف القرن العشرين أخذ السرد التونسي ينتقل من مرحلة المحاولات إلى مرحلة التأسيس الفني الأكثر.  رسوخًا. ويبرز محمد العروسي المطوي في هذه المرحلة بروايته «ومن الضحايا» الصادرة سنة ١٩٥٦م ، ثم «حليمة» سنة ١٩٦٤م ، و«التوت المر» سنة ١٩٦٧ م . وقد انشغلت أعماله بالاستعمار والمقاومة والتحول الاجتماعي، وبالشخصية التونسية في صراعها مع شروط التاريخ.

ثم يأتي البشير خريف بوصفه واحداً من أهم مؤسسي الرواية التونسية الحديثة، فتظهر «برق الليل» سنة ١٩٦١ م ، ثم «الدقلة في عراجينها» سنة ١٩٦٩ م ، و«حبك درباني» سنة ١٩٨٠ م . وهنا لا بد من تصحيح تاريخي مهم: «الدقلة في عراجينها» لم تصدر سنة ١٩٦١ ، وإنما صدرت سنة ١٩٦٩ م ، أما سنة ١٩٦١ م فهي تاريخ صدور «برق الليل».

وتحتل «الدقلة في عراجينها» موقعاً بالغ الأهمية في تاريخ الرواية التونسية؛ لأنها لم تكتفِ بتصوير الريف، بل جعلت المكان الاجتماعي نفسه بنيةً كاشفةً للصراع بين القديم والجديد، وبين سلطة العائلة وإرادة الفرد، وبين التقاليد والحرية، وبين المرأة بوصفها ذاتاً إنسانية وبين المجتمع الذي يحاول اختزالها في أدوار جاهزة. وقد رصدت الرواية كذلك بدايات الوعي النقابي والسياسي والتحولات التي شهدتها تونس في العقود السابقة للاستقلال.

محمود المسعدي: حين تحولت الرواية إلى سؤال وجودي

أما محمود المسعدي فقد نقل الرواية التونسية إلى منطقة أخرى؛ منطقة يتراجع فيها الحدث الخارجي لحساب السؤال الوجودي، وتتقدم اللغة من كونها أداةً للحكي إلى كونها جزءًا من التفكير نفسه.

بدأ المسعدي كتابة «حدّث أبو هريرة قال» في أواخر الثلاثينيات، ونُشرت فصول منها منذ ١٩٣٩م ، لكن العمل في صورته الكاملة لم يصدر إلا سنة ١٩٧٩ .

وهذا التفصيل مهم؛ لأن القول إن الرواية ظهرت سنة ١٩٧٣ وحدها يطمس تاريخ تشكلها، كما أن القول إنها صدرت كاملة في الثلاثينيات غير دقيق. والحقيقة أن المسعدي كان يكتب مشروعه الروائي والفكري مبكرًا، ثم اكتملت صورته الطباعية لاحقًا.

في «حدّث أبو هريرة قال» تتحول الحكاية إلى رحلة في أعماق الذات: الحرية، الرغبة، الموت، الاختيار، العزلة، والجماعة. أما «السد» فيذهب أبعد في مساءلة الإنسان أمام الإرادة والمصير، ويجعل الصراع الروائي أشبه بمواجهة بين الإنسان والقوة التي تتجاوزه.

وهكذا لم تعد الرواية عند المسعدي مجرد تسجيل للواقع، بل أصبحت مختبرًا فلسفيًا للوجود، تستعيد التراث العربي في لغته وإيقاعه وصياغاته، وتعيد تركيبه داخل سؤال حديث عن الإنسان.

مصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري: الرواية بوصفها سجلًا للتحولات

إذا كان المسعدي قد دفع الرواية إلى فضاء السؤال الوجودي، وخريف إلى فضاء المجتمع والريف، فإن مصطفى الفارسي اشتغل على التحولات الاجتماعية والنفسية التي أصابت الفرد التونسي في مرحلة بناء الدولة الوطنية. ومن أبرز رواياته «المنعرج» و«حركات»، وفي الانتقال بين العملين يمكن ملاحظة انتقال الرواية نفسها من الواقعية ذات النفس الاجتماعي إلى التجريب السردي الأكثر انفتاحًا على الخطابات والأشكال.

أما محمد صالح الجابري فقد جعل الرواية أكثر التصاقًا بالتاريخ الاجتماعي، فاشتغل على نضال العمال في المناجم، وعلى العلاقة بين الريف والمدينة، وعلى صعوبة التكيف مع التحولات الاجتماعية. ومن عناوينه «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه»، ثم «ليلة السنوات العشر».

وفي هذين المسارين تتأكد حقيقة جوهرية: الرواية التونسية لم تكن تتطور في خط واحد، بل كانت تتشعب بحسب الأسئلة التي يطرحها كل جيل، وبحسب موقع الكاتب من التحول السياسي والاجتماعي.

الرواية والذاكرة: من التاريخ الرسمي إلى التاريخ المعيش

من السمات اللافتة في الرواية التونسية أنها لم تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة جاهزة، بل أعادت مساءلته من خلال الذاكرة الفردية والجماعية.

وفي هذا السياق يبرز محمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع تجربة الاستعمار والمقاومة، كما يبرز عز الدين المدني في اهتمامه بالتاريخ والتراث والذاكرة، وفي توسيع حدود التجريب السردي، بما يجعل التاريخ مادة لإعادة بناء المعنى لا مجرد خلفية للأحداث.

ثم يأتي الصديق الدكتور المنصف الوهايبي في تجربته السردية المتقاطعة مع الشعر، ومن أعماله الروائية «هل كان بورقيبة يخشى حقًا معيوفة بنت الضاوي؟»، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع التاريخ الوطني، ويتجاور الخاص والعام، ويصبح الماضي مادة لإعادة بناء الذات لا مجرد سجل لما انقضى.

إن الذاكرة هنا ليست مستودعاً للماضي؛ إنها فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لاسترداد ما أسقطته الرواية الرسمية من حسابها.

من الواقعية إلى التجريب:

ومع تعاقب الأجيال، لم تعد الرواية التونسية أسيرة الواقعية الاجتماعية وحدها. دخلت إليها أشكال جديدة من التجريب: تعدد الأصوات، تكسير التسلسل الزمني، الرواية داخل الرواية، التخييل التاريخي، السرد الذاتي، التهجين بين الشعر والنثر، وتداخل السرد مع الوثيقة والذاكرة.

ومن أبرز الأصوات التي عمقت هذا المسار حسونة المصباحي، الذي قدّم عدداً من الروايات المهمة، منها «هلوسات ترشيش» و«الآخرون» و«وداعاً روزالي» و«نوارة الدفلى» و«حكاية تونسية». وقد شكّلت الهجرة والاغتراب والذاكرة والعلاقة بالآخر فضاءات متكررة في مشروعه السردي.

كما جاء الحبيب السالمي ليمنح الرواية التونسية فضاءً أكثر حميمية، يتقاطع فيه الريف والمدينة، والشرق والغرب، والرغبة والذاكرة، والمرأة والرجل. ومن أعماله «عشّاق بيّه» و«روائح ماري كلير»، ثم «بكارة» و«الاشتياق إلى الجارة».

وفي جيل أحدث يبرز كمال الرياحي الذي جعل من الرواية فضاءً لكشف الأقنعة الاجتماعية والسياسية، في «المشرط» و«الغوريلا» و«عشيقات النذل»، حيث تتجاور المدينة الهامشية، والجريمة، والجسد، والعنف، والسياسة، وتتحول الشخصيات إلى كائنات قلقة تتحرك في واقع مضطرب.

أما فوزي الديماسي فقد واصل مغامرة التجريب في أعمال مثل «واحة الأجداث» و«الزنيم»، ثم «هبل»، حيث يتقاطع سؤال المثقف مع سؤال الواقع، ويتحول السرد إلى بحث في الهوية واللغة والاغتراب.

الروائيات التونسيات: حين أصبحت المرأة صاحبة الصوت لا موضوع الحكاية:

ولا يمكن أن تكتمل صورة الرواية التونسية من دون التوقف عند التحول الكبير الذي أحدثته الكتابة النسائية. فقد خرجت المرأة من موقع الشخصية التي تُروى حكايتها إلى موقع الذات التي تمتلك حق رواية العالم وتأويله وإعادة تشكيله.

وتأتي فوزية زواري في مقدمة الأصوات التونسية التي وسعت حضور التجربة النسائية والهجرة والهوية، ومن أعمالها «جسد أمي»، وهي رواية تستعيد حياة النساء القرويات وعلاقة الذاكرة بالأم والجسد والمكان. وقد ارتبطت كتابة الرواية لديها بتجربة شخصية عميقة مع الأم والذاكرة.

وتبرز أميرة غنيم بوصفها من الأصوات السردية التونسية الجديدة الأكثر حضورًا، ولا سيما في «نازلة دار الأكابر»، التي أعادت عبر التخييل كتابة جانب من تاريخ تونس الحديث، وجعلت النساء حافظات للذاكرة ومشاركات في صناعة الرواية التاريخية، لا مجرد شخصيات هامشية داخلها. صدرت الرواية سنة ٢٠٢٠ م ، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.

كما تمثل حياة الرايس تجربة مختلفة في مزج السرد بالفلسفة والأسطورة والأسئلة المتعلقة بالجسد والمرأة والحرية، فيما تمثل رشيدة الشارني صوتًا نسائيًا آخر انشغل بالهامش والألم والذاكرة وقضايا المرأة، ومن أعمالها السردية «تراتيل لآلامها».

وهكذا لم تعد الرواية النسائية التونسية مجرد «أدب نسوي» بالمعنى الضيق، وإنما غدت جزءًا من إعادة تعريف الذات التونسية نفسها: من يتكلم؟ من يملك الذاكرة؟ من يكتب التاريخ؟ ومن يحق له أن يكون بطلًا؟

الرواية التونسية وأسئلة الهوية والحرية:

إذا أردنا أن نبحث عن خيط ناظم لهذا التعدد، فإننا سنجده في سؤال الهوية.

الهوية في الرواية التونسية ليست بطاقة تعريف وطنية، بل هي سؤال دائم عن العلاقة بين الفرد والجماعة، بين المدينة والريف، بين الماضي والحاضر، بين اللغة والواقع، بين الموروث والحداثة، وبين الذات والآخر.

ومن هنا تتكرر ثيمات الحرية والاغتراب والمنفى والجسد والسلطة والذاكرة في أعمال مختلفة، وإن اختلفت طرائق معالجتها. فالمسعدي يسائل الحرية من منظور وجودي، وخريف من منظور اجتماعي، والمطوي من منظور وطني، والجابري من منظور طبقي وتاريخي، والمصباحي من منظور الاغتراب، والسالمي من منظور العلاقات الإنسانية والجندرية، والرياحي من منظور المدينة والسلطة والهامش، وأميرة غنيم من منظور الذاكرة والتاريخ والمرأة.

وهذا التعدد هو سر حيوية الرواية التونسية.

الرواية التونسية ليست أسماءً قليلة:

إن اختزال الرواية التونسية في محمود المسعدي والبشير خريف وحدهما ظلمٌ لتاريخ سردي طويل، كما أن اختزالها في جيل السبعينيات والثمانينيات ظلم آخر للأجيال التي جاءت بعد ذلك.

فإلى جانب الأسماء الكبرى التي رسخت دعائم الفن الروائي، هناك محمد العروسي المطوي، ومصطفى الفارسي، ومحمد صالح الجابري، وعز الدين المدني، وحسونة المصباحي، والحبيب السالمي، ومحمد الهادي بن صالح، وعبد القادر بن الحاج نصر، وفوزي الديماسي، ويوسف عبد العاطي، ومحمد علي اليوسفي، وكمال الرياحي، وشكري المبخوت، وغيرهم كثيرون، فضلًا عن أجيال شابة واصلت توسيع المجال السردي التونسي.

ومن المهم كذلك ألا تُفهم هذه القائمة بوصفها قائمة نهائية؛ فالمشهد الروائي التونسي أوسع من أن تستوعبه أنطولوجيا مختصرة، وأغنى من أن يُختزل في مسار نقدي واحد.

أنطولوجيا روائية تونسية منتقاة:

يمكن، على سبيل الاستدلال لا الحصر، استحضار عدد من الأسماء والعناوين المفصلية:

- صالح السويسي القيرواني: «الهيفاء وسراج الليل».

- الصادق الرزقي: «الساحرة التونسية».

- محمد العروسي المطوي: «حليمة» و«التوت المرّ».

- البشير خريف: «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها».

- محمود المسعدي: «حدّث أبو هريرة قال» و«السد».

- مصطفى الفارسي: «المنعرج» و«حركات».

- محمد صالح الجابري: «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه».

- حسونة المصباحي: «هلوسات ترشيش» و«نوارة الدفلى».

- الحبيب السالمي: «عشّاق بيّه» و«الاشتياق إلى الجارة».

- كمال الرياحي: «المشرط» و«الغوريلا».

- أميرة غنيم: «الملف الأصفر» و«نازلة دار الأكابر».

- فوزي الديماسي: «واحة الأجداث» و«الزنيم».

- يوسف عبد العاطي: «غروب الشرق» و«ريح الوقت».

أما الروائيات التونسيات، فقد اتسع حضورهن بصورة لافتة مع فوزية زواري، وأميرة غنيم، وحياة الرايس، ورشيدة الشارني، وغيرهن من الأصوات التي جعلت التجربة النسائية جزءًا أصيلًا من المتن الروائي التونسي، لا ملحقًا به.

 الرواية بوصفها ذاكرةً حيّة:

الرواية التونسية، في نهاية المطاف، ليست تاريخاً خطياً يبدأ بمحاولة أولى ثم يبلغ نضجه عند كاتب بعينه، وإنما هي تراكم من المغامرات السردية؛ بعضها نجح في تأسيس تقاليد فنية، وبعضها أخفق فنياً لكنه ظل مهماً من الناحية التاريخية، وبعضها تجاوز زمنه، وبعضها لم ينل بعد ما يستحق من القراءة النقدية.

لقد بدأت الحكاية التونسية وهي تبحث عن شكلها، ثم اكتشفت المجتمع، فواجهت الاستعمار، ورافقت بناء الدولة، وانشغلت بالريف والمدينة، ثم غاصت في أعماق الفرد، وفتحت أبواب الجسد والذاكرة والمنفى والهوية، وانتقلت من الواقعية إلى التجريب، ومن الحكاية الواحدة إلى تعدد الأصوات.

ولهذا فإن الرواية التونسية ليست مجرد مرآة لتونس؛ إنها أحد المختبرات التي صنعت صورتها الحديثة.

إنها تكتب تونس وهي تتذكر، وتكتبها وهي تنسى، وتكتبها وهي تتساءل عن نفسها.

وإذا كان الشعر قد حفظ للروح التونسية إيقاعها، فإن الرواية حفظت لها ذاكرتها المتحركة؛ ذاكرة الريف والمدينة، والمقاومة والاستقلال، والحب والهزيمة، والهجرة والعودة، والمرأة والرجل، والماضي والمستقبل.

إنها رواية لا تنتهي لأن الأسئلة التي أنجبتها لم تنتهِ بعد.

فالرواية التونسية ليست فنّ الإجابة، بل فنّ السؤال المؤجل؛ وكل جيل جديد لا يرث الحكاية مكتملة، وإنما يرث حقه في إعادة روايتها.

وهنا تكمن قوتها الحقيقية:

أنها لم تكتب تونس كما كانت فحسب، بل حاولت أن تكتب تونس كما كان يمكن أن تكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في الذكرى الثانية عشرة لغياب الشاعر سميح القاسم

تميّز انطلاقة سميح القاسم الشعرية

لا بدّ للقارئ قبل أن يقرأ شعر سميح القاسم المولود في الحادي عشر من أيار عام 1939، أن يعي بعض القضايا المهمّة التي يتميّز بها سميح القاسم في انطلاقته الشعرية ومسيرته الغنيّة بالعطاء:

الأولى: أنّ الباعث الأول والقويّ لهاجس الإبداع عند سميح القاسم كان الحسّ القومي العربي الذي فجّرته نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، وبعثته انطلاقةُ ثورة الضباط الأحرار في 22 يوليو 1952 في مصر والمشاعر القومية العربية التي فجّرها وأرساها جمال عبد الناصر في كل أرجاء الوطن العربي.

وليست قصائد سميح الأولى في مجموعته الأولى "مواكب الشمس" (1958)، إلاّ نشيدًا قوميًا متواصلاً يتغنّى بالثوار في كل بقاع العالم العربي، ولم يخمد وهجُ هذه المشاعر القومية في قصائد الدواوين اللاحقة.

الثانية: إنّ البيئة التي ولد فيها سميح وكبر، تميّزت بالانفتاح على العلم والثقافة والسّعي للمزيد منها، إضافة إلى الجوّ الدّيني المتنوّر البعيد عن التّعصب والانغلاق، ممّا سمح له أن يطّلعَ على مختلف المعتقدات الدينيّة، ويُعمِلَ فكرَه في المقارنة بينها، وكشفَ المشترك المُوَحِّد بين الجميع.

الثالثة: المناخ العلمي والثقافي إضافة إلى الديني المتنوّر دفَعا سميح إلى الاهتمام بالبحث والسّؤال والمَعرفة، مما أوصله إلى اكتشاف حقائق جديدة، وهي أنّه يعود بانتمائه المذهبي إلى طوائف دينيّة، كان لها الباع الطويل في دَفْع الفكر العربي والفلسفة العربية الإسلامية خطوات إلى الأمام، وأنه يعود بانتمائه إلى أحد أسياد القرامطة الثوريين مما ترك بصماتِه على تكوين سميح النّفسي والثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ.

الرابعة: اعتناق سميح القاسم للفكر الماركسي اللينيني.

وهو ينطلق في إبداعاته من موقف واع لدوره ورؤيته الواضحة، ويؤكّد "أنّ عملية الخَلق ثورةٌ دائمةٌ على كل ما هو قائم، ودعوةٌ مستمرةٌ لخَلق عالم جديد، وهذه الثورةُ الدائمة نفسُها ينبغي ألّا تفقدَ توازنَها، وينبغي ألّا تخرجَ من منطقة جَذب الموقف الفكري والاجتماعي، وإلاّ فإنّها تتحوّل إلى ثورة "أنارخية" قد يهدم جموحُها أكثرَ مما يبني.

وهذا الموقف الواعي في الرؤية والمُدْرِك للدور المَنوط بالكلمة كان ملازمًا لإدراك الشّاعر التّام بوجوب تطوّر العَملية الإبداعيّة، وكسر المسلّمات، واختراق المَجاهيل والإتيان بالجديد دائمًا.

هكذا ظلّ سميح القاسم طوال سنوات عمره الإبداعيّة يُعلنها صريحة: لم أقل كلمتي الأخيرة بعد.

والكلمة الأخيرة يجب أن تكونَ مختلفة عن التي سبقتها.

شرارة الانطلاق الأولى

فوجئ سميح أنّ الدولة العبريّة التي احتلّت وطنَه وهجّرت شعبَه وحرمته من أعزّ الأصدقاء والجيران والمعارف لم تكتف بما فعلت وإنّما تعمل على سَلخه عن جذوره العربية وعن شعبه، وتُوغل في الجريمة إلى درجة أنّها تريد أنْ تحوّلَه إلى أداة قَتل ضدّ أبناء شعبه بفرضها قانون التجنيد الإجباري على أبناء الطائفة الدرزية التي لم يكن عددُ أفرادِها يتجاوز الستة عشر ألف نسمة عام 1956. وكانت ردّةُ فعل سميح القاسم، ومعه المئات من الشباب الذين خرجوا في مظاهرات، وقلبوا سيّارت الجيش التي جاءت لتُقلّهم إلى معسكرات التّجنيد أنْ أعلنوها قويّة:

"لا للتجنيد. نحن عربٌ لا نخون أمّتَنا وشعبَنا".

وسارع سميح بتشكيل أوّل تنظيم سرّي لمقاومة التّجنيد ولتأكيد هويّة الدروز وانتمائهم لأمّتهم العربية سمّاه "جمعية الشباب الدروز الأحرار" تيمّنا بتنظيم "الضباط الأحرار" بقيادة جمال عبد الناصر في مصر.

كانت ملاحقة سلطات الجيش لسميح شرسة ومتواصلة تهدف إلى كسر معنويّاته وإخمادِ كلّ صوت يرتفع ضدّ قانون التّجنيد وسَلخ الدروز عن العرب، وهو يهربُ من مكان إلى مكان عند الأصدقاء في القرى المختلفة حتى نجحت أخيرا واعتقلته وأودعته العديدَ من معتقلات الجيش، ثم أرسلوا به ليعملَ في "غرفة الأموات" في مستشفى رمبام في حيفا. وظلّت السلطاتُ تلاحقُ سميح القاسم قصدَ اخراسه وفرضِ القوانين الجائرةِ عليه، وتُطاردُه في أماكن عمله، وتعمل على فَصله من كل مكان عمل، ولم يضعف ولم يستسلم، وكانت كلماتُه العالية المتحدّيّة:

ربما أفقدُ – ماشئتَ – معاشي

ربما أعرضُ للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعملُ حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع

ربما أبحثُ، في رَوْث المواشي، عن حبوب

ربما أخمُدُ .. عُرْيانا.. وجائع

يا عدوَّ الشمس.. لكن.. لن أساوم.

وإلى آخر نبض في عروقي .. سأقاوم.

ويتحدّى كلّ الضّعفاء والمستسلمين ويُعلنُها صريحة:

أبدا على هذا الطريق

شرفُ السّواقي أنّها تفنى

فِدى النهر العَميقْ

هذا الجانب النّضالي الخاص لم يمرّ به باقي رفاق سميح من الشّعراء والكتاّب، ولم يجدوا أنفسَهم في مواقف التّحدّي والمواجهة والمطاردة والسّجن ضدّ قوانين غاشمة تريدُ سلخَهم عن أمّتهم وشعبهم وجذورهم وثقافتهم وتراثهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم.

التزام سميح القاسم بالنّهج الثوري وجانب الجماهير

ما ميّز شعرنا هنا، رغم النكبة والتشريد واحتلال الوطن والعَزل عن العالم العربي وسياسة التّجهيل ومصادرة الأرض وفرض الحكم العسكري أنّه بقي شعرا متفائلا انطلاقا من الوعي الثوري والثّقة بأنّ المستقبل لنا، كما أنّ شعراءنا كانوا على حساسيّة عالية لكلّ ما يجري في مجتمعهم العربي المحلي وفي عالمهم العربي الواسع. وكان سميح القاسم النّموذج الأمثل.

العوامل المؤثّرة في شعرية سميح القاسم

* النكبة.

* سياسةُ مَسح الهويّة وقوانينُ لم يواجهها غيرُه من الشعراء والكتّاب

* التحام الشاعر بقضايا الجماهير: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافيّة، السياسيّة

* تأثير ما يجري في العالم العربي خاصّة والعالم الواسع على فكر ورَدّة فعل الشاعر.

* هزيمة حزيران وانطلاقة منظمة التحرير الفلسطينيّة والأمل بالمستقبل.

* سنوات السبعين والنّكسات التي عانتها المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني على المستوى العربي والمستوى العالمي.

* الانتفاضة الأولى وبَعث المقاتل الفلسطيني من جديد.

من بداية طريقه وفي قصائده الأولى التي صدرت في مجموعة باسم "مواكب الشمس" عام 1958 يُغنّي للعمّال في عيدهم بقصيدة طويلة يُنهيها مُمَجّدا بالعامل

هل غيرُ أذرعِ عاملٍ جبّارةٍ

هي بالثّنا العالي أحقّ وأخلقُ؟!

*

العاملُ الجبّارُ تاجُ حياتنا

ولأنتَ يا أيّارُ، أنتَ المَفْرقُ!!

كما أنّه يخصّ ثوّار الجزائر بملحمة طويلة:

حيَّ أرضَ المَجد، حيّ الشّهداءْ

حيّ أبطالَ الكفاح البُسلاء

*

حيَّ مَن ثاروا على مُستعمر   

      مستبدٍّ ملأ الدّنيا شقاء

*

حيَّ في أوراس آسادَ الشّرى

ولبوءات تُظَلّلن اللواء

*

وأنشدَ أيضا لثورة لبنان اختتمها بقوله:

إنّي ابنُ قوم لنير الذلّ ما خضَعوا  

   للأجنبيّ وللأذنابِ ما دانوا

وغنّى لليمن وثوّارِه

وكان سميح القاسم أوّلَ مَن يغنّي للثّوّار في إرتيريا ولثورة الذئاب الحُمر في ردَفان:

يا طامعا بالذئاب الحُمر ما غنمتْ    

أطماعُك السّودُ، إلّا بعضَ قتلانا

*

بلادُنا القدرُ المحتومُ قاطنُها   

مذ كانتِ الشمسُ ما لانتْ وما لانا

وكان الشعرُ الثوري يتدفّق من سميح القاسم في مناسبات لم يكن قد استعدّ لها. ففي الذكرى التاسعة لمجزرة كفر قاسم حضر سميح مع وفد شبابي إلى كفر قاسم لإحياء ذكرى الذين سقطوا برصاص شرطة إسرائيل عام 1956، لكنهم مُنعوا من الدّخول وحدثت مشادّة بين الشرطة والشباب فاندفع سميح القاسم مُرتجلا قصيدة أصبحت نشيدَ الشباب العرب:

رغم ليلِ الخَنى وليلِ المظالم          حلّ وفدُ الكفاحِ يا كفرَ قاسم

 رغم عُسفِ الطّاغوت يُزبدُ سُمّا      رغم سَدّ الأسلاك في الدّرب جاثم

رغم حقد الرّشّاشِ يُشهرُهُ الظلمُ        أتينا.. فَلْيلعَقِ الخِزيَ حاكم

نحن جئنا نهيبُ أنْ تستفيقي             فلتُلبّي النّداءَ يا كفرَ قاسم.

واهتم القاسم بوضع الجماهير العربية الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحال البطالة التي أقعدت آلافَ العمال في بيوتهم، وكانت قصيدته "خطاب من سوق البطالة" التي يتحدّى بها الحاكمَ الظالم ويشدّ على أيدي العمال بأنه ليل وينتهي.

وعرف قيمةَ الكلمة وفعاليَّتها ودورَها في توعية الجماهير وتحدّي الظلم والظالم

هذي الحروفُ المدلهمّة         يا سيّدي أحزانُ أمّه

فاشحذ مُداكَ على جرا         حي إنّني قربانُ كِلْمه

وبصوت عال يُحدّد دورَ الشعر:

قصائدُنا، موقّعة على الفولاذ

والأخشابِ والصّخرِ

وأمّتُنا تحثّ الزّحفَ

ما زالت تحثّ الزّحفَ للفجر

ويرى أنّ دورَ المُبدع الحقيقي يكون في التزامِ جانب الجماهير والاهتمامِ بقضاياها ومدِّ يدِ المساعدة لها والوقوفِ إلى جانبها والتّصدّي لظالمها، وهذا كان موقفُ سميح القاسم يوم صادرت السلطاتُ الإسرائيلية أرضَ ثلاث قرى عربية لبناء مدينة "كرمئيل" فكتب بكلّ الغضب والحقد والتّحدّي:

صباحَ مساء

يُطالعنا وجهُها والسّماءْ

ونبسمُ لا بسمة الأغبياء

ولكنها بسمةُ الأنبياء

تحدّاهم صالبٌ  تافه

يُغطي الشّموسَ ببعضِ رداء.

وينهي القصيدة التي سمّاها "كرمئيل مدينة الحقد والجوع والجماجم":

هنا سفرُ تكوينِهم ينتهي

هنا، سفرُ تكويننا، في ابتداءْ                                       ْ

وغنّى لفقراء مصر ولعروس النيل ولسدّ أسوان والأسطى سيّد.

ولم تستطع هزيمة الجيوش العربية في الخامس من حزيران عام 1967 أنْ تنال من ثقة سميح القاسم بأمّته وبالإنسان العربي، وتحدّى العَنجهيَّة ومشاعرَ الغرور والتّعالي التي أصابت الإسرائيلي بقصيدته التي حوّلها الفنان مرسيل خليفة لتكون نشيدَ العرب على امتداد الوطن العربي كلّه:

منتصبَ القامة أمشي

مرفوعَ الهامة أمشي

في كفّي قُصْفةُ زيتون

وعلى كَتفي نَعْشي

وأنا أمشي.

عندما بدأت بعضُ الأصوات الفلسطينيّة ترتفع مُتعالية على العرب، ومُتنكّرة للانتماء العربي، وباحثة عن الجذور الأخرى، والشواطئ الغريبة، كردّة فعل على ما فعله الأشقاءُ العربُ بنا في المنافي العربية، كان سميح القاسم المتربّصَ بأصحاب هذه الأصوات مُعلنا بكل قوة:

أنّ انتماءَنا فقط للعروبة وللصّحراء العربية فهي قبلتُنا وموطنُنا:

هي التي رملُها من خلايايَ

من رملها نُطفتي

من لواعجها جُذوتي

ويؤكّد:

آمنتُ بالصحراءِ

كلُّ الهاربين إلى البحارْ

سيقانُهم قَصَبٌ

فلا هم أهلُ ماءٍ

يومَ نُحصيهِم

ولا همْ أهلُ نارْ

وأخذ سميح القاسم يعود إلى الكتب الدينية وكتب التاريخ ولأساطير الشعوب ويستخرج منها رموزَه ونماذجَه التي تخدم قضيّتَه، ويُتابع أخبارَ المناضلين والثوّار في العالم ويتّخذهم نموذجه الثوري، لإدراكه الأكيد أنّ التّقوقعَ في الذّات خطرٌ وقَتلٌ للنفس والأمّة، وأنّ قضيتَنا من أجل الحرية والعدالة والسّلام هي قضيّتُهم، فيكتب القصائدَ التي يخصّ بها أبطالَ المقاومة والثوار مثل باتريس لومومبا وفيدل كاسترو وثوّار الفيتكونغ:

أسْمعها تهدرُ ملءَ دمي

أسمعْها في الوديان على الغابات على القممِ

أسمعْ صرخاتِ الأحرار وقهقهةَ الرّشّاشْ

أسمعْ غارات الفاشستْ الأوباشْ

وأصيحُ أصيحُ بلا صوت:

الموت لآلهة الموت.

كذلك نراه يقف إلى جانب الطبقات الفقيرة والمظلومين في العالم:

فهناك في أعماق أفريقيا الجواري والعَبيدْ

فجرٌ يمرَ بكفّه فوق الجباه النّاحباتْ

ويصبّ فيها النّورَ والدّمَ والحياةْ

وهناك في أعماق أمريكا الجريمةُ والتّمزّقُ والضّياعْ

طبل يدقُّ بلا انقطاع

لمدينة تُشرى وزنجيّ يُباع

كان سميح القاسم حارسَ الوطن والمتشبثَ بترابه والعاشقَ لأهله، واعيا لما ينبضُ به قلبُه، وواثقا بأن جذوةَ الرفض والثورة تتفاعل، وتتمرّدُ، وتتهيأ للتفجّر قويّة مُفزعة في وجه جُند المحتل الغريب.

تقدّموا.. تقدّموا !!

كلّ سماء فوقكم جهنّمُ

وكلّ أرض تحتكم جهنّمُ

تقدّموا.

وليُلحقها بعد فترة بالبيان قبل الأخير:

لا. لا تعدّوا العَشَرَه..

يومُ الحساب فاتكُمْ

وبعثرتْ أوقاتَكُمْ

أرْقامُها المُبَعْثَره

فلا تعدُّوا العَشَره.

كانت الدواوين الأربعة (دمي على كفي، 1967، دخان البراكين، 1968، سقوط الأقنعة، 1969، ويكون أن يأتي طائر الرعد، 1969، وسربية إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل، 1970)، استجابة للفرحة التي عمت كل نفس فلسطينية لانطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة "فتح" نواة منظمة التحرير الفلسطينية وردّة قوية وواثقة للنكسة التي أصابت الجيوش العربية في حزيران 1967.

أما سنوات السبعين وما رافقها من انفجار الصّراع في لبنان والنّكسة التي أصابت كل عربي يؤمن بانتمائه القومي، وفلسطيني يتمسّك بتراب وطنه أينما كان، فقد عبّرت عنها قصائد سميح القاسم في دواوينه التي طغت على عناوينها كلمة "الموت"، إذ كان الموت الروحي والجسدي حصّة الفلسطيني في أيلول الأسود في الأردن، وفي تل الزعتر والشيّاح وعين الرمانة في لبنان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الجليل والمثلث في يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976 وهي: (قرآن الموت والياسمين، 1971، الموت الكبير، 1972، مراثي سميح القاسم، 1973، إلهي إلهي لماذا قتلتني، 1974، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، 1976، سربيه ثالث أكسيد الكربون، 1976).

ويرى الناقد حاتم محمد صكر أنّ سميح القاسم " يستند في مراثيه كلّها على الموروث الديني الشائع في الشرق والذي يدخل ضمن التكوين النفسي والاجتماعي للمواطن.

حزنا حزنتُ، وبكاء يا أبي بكيتْ

ولم تزل منازلي المهجوره

مغائرا وحشيه.

وقد برزت في قصائد مجموعات سميح القاسم حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين أبعادٌ يلخّصها الناقد جمال يونس في: "الاعتزاز بالهوية العربية، التمسّك بالأرض، التسامح الديني، العلاقة بين الأنا المفردة والأنا الجماعيّة، النفَس الأممي. واعتماده الاشتراكيّة العلمية في تحليلاته وتفسيراته لمُجمل القضايا والأحداث والتصوّرات المتصلة بالإنسان."

وكانت قصائد ديوان الحماسة بمجموعاته الثلاث (1978-1981) المُعَبّرة عن هذه الأبعاد.

ويقول الدكتور عادل الأسطة: "سميح القاسم شاعر متمكن ملمّ بأدواته الشعرية، ويستطيع أن يشدّ قارئ شعره، بحيث لا يُنفّره من شعره سواء الشعر المَبني على وحدة التفعيلة أم المبني على الشكل الموروث للقصيدة العربية القديمة. وهو في قصائده التي اعتمد فيها الشكل الحديث للقصيدة العربية حافظ على إضفاء الجوّ الموسيقيّ عليها. وسميح القاسم يأسر القارئ أسرا مزدوجا: الأسر اللغوي والموسيقي ثمّ أسره من حيث توضيح طريقة الخلاص. والشاعر هنا يلجأ إلى المحسّنات اللفظية، فيختار الكلمات المتجانسة صوتيّا دون أن تطغى هذه الصياغة الفنيّة على المضمون."

وصوّرت قصائد الدواوين: (جهات الروح، 1983، قرابين، 1983، سربية الصحراء، 1984، برسونا نون غراتا، 1986، لا أستأذن أحدًا، 1988) صمود الفلسطينيين البطولي في الجنوب اللبناني وبيروت وطرابلس، قبل وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخروجهم، وما رافق ذلك من حزن ويأس واكتئاب.

كانت (سربية الصحراء، 1984) "إشارة الانتقال الواضحة في درب سميح القاسم الشعرية فهو يُعلنها صريحة أنّ جذورَ العربي عميقةٌ هناك في الصحراء العربية التي خرج منها واليها يعود، إذا كان لا بد من العودة، يعود لا ليقنَع بالهجوع ويعزف عن ملاحقة الآمال وتحقيق الغايات، وإنّما ليستريح ويتخفّف من ثقل الماضي والحاضر، ويبدأ من جديد وبقوة وإصرار على تحقيق المستحيلات."   فالصحراء بالنسبة لسميح القاسم كما يقول الناقد نعيم عرايدي: "ليست استعارة أدبية ولا خلفيّة شعريّة، بل هي رمز أساسيّ وعمود فقريّ في جسد أيدولوجيّته الشعرية. إنّها الشكل والمضمون وهي أيضا الرسالة. وهي الفكر وهي الشعر وهي اللغة والصورة، هي الماضي والحاضر والمستقبل، هي المقام المشترك الذي يجمع العرب."

أحبّك

أومنُ بالضّاد

روحا تألّق في الأبجديّة

ونزّل آياته البيّنات

ليُبدع جنّاته الدنيويّة..

بالإضافة إلى هذه الرؤية العميقة الجديدة المتطورة الملتزمة والمشدودة إلى الجذور، الرافضة كل محاولات التخلّص والانسلاخ والهروب، "فان سربية الصحراء تُشكل نَقلة فنية متطورة وذات دلالات، حيث إنّ النبرة الخطابية المباشرة التي كثيرًا ما أشار إليها معظم النقاد الذين تناولوا إبداعات سميح القاسم تبدو خفيفة ومنزوية في هذه السربية وإن لم تنعدم كليًا وتبدو هنا وهناك بتفاوت ما."

في قصائد ديوان (لا أستأذن أحداً) "لم يغب الإنسان الفلسطيني وإن لم يظهر باسمه الواضح، وظلّ وجودُه هو الطاغي. فهو الغائبُ الحاضر، وقضيتُه هي الشاغلُ الأوحد. لكن الشاعر آثر الامتناعَ عن الصّراخ والعويل والنّدْب، وجلد الذات والتّشهير والإدانة. فكتم حزنَه وترفّع عن الشتم وآثر أنْ يترك للمُتلقي مهمة أنْ يستشفَ القضية بنفسه من خلال القصيدة. وبذلك يجعله يحسّ إحساساً قوياً ومزلزلا بكافة جوانبها."

ويستشرف الشاعر سميح القاسم في مجموعة (سبحة للسّجلات، 1989)، الحلم بإقامة الدولة الفلسطينية، فالانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت في التاسع من كانون الثاني عام 1988 في كلّ الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وما حملته هذه الانتفاضة من بذور التغيير في العقليّة الفلسطينيّة والعربية والعالميّة، إنما تُمثل دور الكشف الفلسطيني واقتراب يوم الحساب الفلسطيني وتجلّي قائم الزمان الفلسطيني، وتجسّد الإله الفلسطيني على أرض فلسطين.

وسربية (خذلتني الصحارى، 1998)، التي يذكر فيها الكثير من الهموم التي كانت تؤرّقه وذكرها في قصائد الحماسة.

وسربية (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه، 2000)، التي قال عنها الناقد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة: "إنّها مفارقة ساخرة بامتياز، بأجواء سياسيّة بامتياز، في إطار فلسطينيّ. ويتماهى الشاعر مع شخصيّة مأساويّة، محيّرة محتارة، يرى فيها مأساة الإنسان الفلسطيني، هي هاملت أمير الدانمارك. وتكون المراوحة بين صورة هاملت وهمومه وبين صورة الفلسطيني المعاصر وهمومه. ويكون التماهي بين الإثنين تجسيدا لمفارقة الميّت/الحيّ، الفقيد "الغائب" الذي يحضر لمخاطبة الحاضرين /الغائبين."

ويعتبر الشاعر محمد علي شمس الدين هذه السّربيّة أهمّ سربيّات سميح القاسم حيث فيها "يقوم بإسقاط تراجيديا "هاملت" لشيكسبير التي كتبها في العام 1602م، على الواقع الفلسطيني الرّاهن، متّكئا على أشهر جملة قالها هاملت وهو يُناجي نفسَه: أنْ نكون أو لا نكون، هي تلك المسألة".

"لموتي وموتِ أبي ما يشاءُ الرّواةُ الثّقاتُ التّقاةُ

وفي عُرسِ أمّي

وضوحٌ شديدٌ

أرى شبحاً في الظلام، أُخاطبُهُ لا يردّ"

(كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص9)

ويمسك القاسم في قصيدته بأشباح هاملت وآلام هاملت، ليصرّح في ثنايا القصيدة، مستعملا لعبة المرايا:

"أنا هملتُ العربيُّ اشهدوني

أدرّبُ عقلي على أحجيات الجنونِ

أبي مَيْتٌ لا يموتُ

وأمّي أمّي

ومُلكيَ نَهْبٌ لعمّي" (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص53)

وكانت سربية (أنا متأسّف، 2009)، الردّ السّريع على عدوان الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة عام 2008 حيث يجتهد في جعل الإنسان اليهودي يُواجه نفسَه ويُحاكم نفسه، وينكشف على حقيقته أمام إنسانيّة الإنسان الفلسطيني. وقال الناقد أحمد عمر زعبار: "في هذا الديوان (أنا متأسف) يُدافع سميح القاسم عن إنسانيته، عن دمعته وعن صموده، عن حقّه في الوجود ويدافع عن روح الإنسان."

"ديوان أنا متأسف قصيدة طويلة تُشبه الملحمة وتعتمد أساسا علي صعود وهبوط التداعيات الوجدانية. ويستفيد القاسم من قدرته على استنباط إيقاع موسيقي جليّ ومتناسق يتصاعد مع وتيرة الحدَث ولا تنخفض حركتُه إلّا بانخفاض حركة الحدَث نفسه، ثم يعاودان الصّعود والنّزول في وحدة غير قابلة للانفصال، ويستفيد الشاعر أيضا من خبرته وتمكّنه من اللغة، فلغة سميح القاسم مشحونة بدلالات الواقع، تخلق صورة مكثّفة في جماليتها الشعرية، صورة مستمدة من الواقع ومُعبّرة عنه ومُتجاوزة لجموده، وهي لغة تشتبك فيها المأساة بالملحمة، المُباشر بالرمزي والحاضر بالرؤية والواقع بالأمل. وصور سميح القاسم الشعرية تتشكّل من لغة تُبدع رمزَها الواقعي من خلال إيحائها الغامر الناتج عن تفجير ما في مفردات اللغة من معني ورؤى إذ تصبح للكلمة من خلال علاقاتها بما قبلها وما بعدها أكثر من معني وأكثر من دلالة، وهي مع ذلك صور شعرية تعتمد الرؤية الواضحة بعيدا عن كل ضجيج لفظي خطابي رنّان."

وقدرته على التلاعب بالمفردات والصور، ومزج الكلمات من لغات مختلفة في جملة واحدة مُتناسقة مُتكاملة،

رحلة الشاعر سميح القاسم الإبداعيّة، كانت ولا تزال، رحلة اكتشاف وخَلق، لا تعرفُ الاكتفاء والرّاحة، رحلة قلق وإلحاح على الجديد. ولأنّ رحلة الآلام طويلة، وكثيرا ما تُصادفه خلالها النكساتُ والنكباتُ والانحرافاتُ والخياناتُ التي تلمّ بشعبه وأمّته، فإنّنا كثيرا ما نُواجهه في حالة من الدون كيشوتيّة يُواجه العالم بأكمله، مُتحدّيا، صارخا، شاتما، قاذفا إيّاه بكل ما تحملُ يداه، مؤكّدا على صموده وتحدّيه، ومُصرّا على أنّه لا يستأذنُ أحدا، وأنّ الإنسان نصف الإله، وفي كثير من الحالات يُعلنُها صريحة أنّه الإله الواحد الأحد القادر على كلّ شيء، فيبوّل على العالم من قمّة الجبل الأعلى، ويقذفه بقنبلة تمحوه، ويصرخ: كُن. فيكون.

رسولٌ على جبلٍ

غادرته القبائلْ

وحيدٌا

بعيدٌا

وضلّتْ على شَفَتيْه الصلاةُ

وأهوَتْ على قدمَيْه الرسائلْ

***

د. نبيه القاسم - الرامة

لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.

مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج (وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922 - 2010 / نوبل 1998). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.

التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.

أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.

فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.

والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة، تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة، تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.

غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا، قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ. إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.

أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.

لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.

واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.

وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.

كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.

لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.

بين الجزائر وسياقاتها التاريخية، وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حين تتحول الرواية إلى شهادة على سقوط اليقين

تُعدّ رواية "حصار العنكبوت" للروائي العراقي كريم كطافة من الأعمال التي تبرز في المشهد الروائي العراقي المعاصر، ولا سيما في الكتابة التي تسعى إلى استعادة الذاكرة السياسية والإنسانية للعراق الحديث. وقد صدرت الرواية في طبعتها الأولى سنة 2014 عن دار نون، مستندة إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشها العراقيون في كردستان العراق خلال السنوات الأخيرة من الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبخاصة أحداث الأنفال في منطقة بهدينان. غير أن الرواية لا تكتفي باستحضار هذه الوقائع بوصفها أحداثاً تاريخية، وإنما تعمل على إعادة صياغتها في تجربة أدبية وإنسانية تكشف آثار العنف والحصار والملاحقة في حياة الإنسان.

تجري أحداث الرواية في كردستان العراق سنة 1988، في مرحلة اتجه فيها النظام العراقي إلى ملاحقة الأنصار الشيوعيين والقوى المعارضة الموجودة في المناطق الجبلية، بالتزامن مع عمليات عسكرية واسعة لم تقتصر آثارها على المقاتلين، بل امتدت إلى القرى والسكان المدنيين. وتولي الرواية اهتماماً خاصاً بالمرحلة الأخيرة من عمليات الأنفال في منطقة بهدينان، حيث تتقاطع الحرب مع حياة أناس وجدوا أنفسهم في مواجهة مصير بالغ القسوة.

لكن القيمة الحقيقية للرواية لا تنبع من كونها تسجيلاً لحدث تاريخي فحسب، إذ إن كطافة لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفاً من التواريخ والأسماء والوقائع، بل يحوّله إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة. فالحرب هنا لا تظهر كحدث عسكري مجرد، وإنما تتجسد في الخوف والجوع والتشرد والمطاردة، وفي ألم فقدان الأحبة، وفي إحساس الإنسان بالعجز حين يجد نفسه محاصراً بين طبيعة جغرافية قاسية وقوة عسكرية لا تتردد في استخدام أقصى درجات العنف.

ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من أن تكون شهادة أدبية على مرحلة شديدة الحساسية، كان الحديث عنها محفوفاً بالخوف والصمت. وقد استطاع الكاتب أن ينقل تجربة الكفاح المسلح وحياة الأنصار من واقعها التاريخي إلى عالم الرواية، مستفيداً من معرفته القريبة بتلك التجربة وما تنطوي عليه من تفاصيل إنسانية ونفسية.

ويحمل عنوان الرواية دلالة مركزية تساعد على فهم بنيتها ومعناها. فـعبارة "حصار العنكبوت" لا تؤدي وظيفة جمالية أو بلاغية فحسب، وإنما تحيل إلى أسلوب عسكري يقوم على إحكام الطوق حول المحاصرين من جهات متعددة، بحيث تتقلص مساحة الحركة تدريجياً ويصبح الإفلات من الحصار أمراً بالغ الصعوبة.

وتتجاوز هذه الصورة معناها العسكري لتأخذ أبعاداً رمزية أوسع. فالعنكبوت لا يعتمد على القوة المباشرة في اصطياد فريسته، وإنما يبني شبكة من الخيوط المتشابكة التي تبدو رقيقة، لكنها تتحول إلى وسيلة يصعب معها الهروب. وعلى هذا الأساس، يصبح الحصار في الرواية رمزاً لعالم متكامل تتداخل فيه السلطة والخوف والموت والجغرافيا، بينما تتضاءل مساحة الإنسان وحريته شيئاً فشيئاً.

ومن الجوانب اللافتة في الرواية أيضاً طريقة بناء الشخصيات. فكطافة لا يقدم شخصياته باعتبارها مجرد مقاتلين أو مناضلين يمثلون موقفاً سياسياً محدداً، بل يمنحها حضوراً إنسانياً مركباً. إنهم، قبل كل شيء، بشر لهم مخاوفهم ومشاعرهم وذكرياتهم وأحلامهم، ويبحثون رغم ظروف الحرب عن معنى للحياة وعن إمكانية لمستقبل مختلف. ولذلك فإن القارئ لا يتعامل معهم بوصفهم رموزاً سياسية فقط، وإنما يقترب منهم بوصفهم ذوات إنسانية تواجه الخوف والفقد والموت.

ومن هنا تطرح الرواية سؤالاً أساسياً حول علاقة الأدب بالتاريخ: كيف يمكن للروائي أن يتناول حدثاً تاريخياً حقيقياً من دون أن يتحول عمله إلى كتاب في التاريخ؟

يبدو أن كريم كطافة اختار لنفسه موقعاً بين التوثيق والتخييل. فهو ينطلق من أحداث ووقائع تاريخية حقيقية، لكنه يعيد بناءها أدبياً من خلال الشخصيات والحوار والذاكرة والانفعالات الإنسانية. وبذلك لا تصبح أهمية "حصار العنكبوت" مرتبطة فقط بما تقدمه من معلومات عن أحداث الأنفال، وإنما بما تنجح في إيصاله من أثر تلك الأحداث في الإنسان، وفي قدرته على الاحتمال والتذكر ومواجهة الخوف.

إن أكثر ما استوقفني في الرواية هو الفصل المعنون "أخبار موسكو مقلقة". إذ ليس من السهل أن نقرأ النص بوصفه حكاية عن مقاتلين في الجبل وحسب. فالمكان الجبلي، والمفرزة، والحرب، والاختباء، والعلاقة مع السلطة، ليست سوى الإطار الخارجي لأزمة أعمق تتشكل في الداخل: أزمة الإنسان حين يبدأ اليقين الذي عاش عليه طويلاً بالتصدع. ومن هذه الزاوية، يبدو النص أقرب إلى مساءلة داخلية للذات المقاتلة منه إلى سرد حدث سياسي أو عسكري.

تبدأ الحكاية من عزلة حاتم تحت صخرة بعيدة عن القاعدة. في هذا المكان المنعزل يجد الرجل، للمرة الأولى تقريباً، فسحة ليكون مع نفسه. الكتب والدفاتر والشاي والتبغ والنار الصغيرة تصبح جميعاً عناصر في طقس شخصي لاستعادة الذات. حتى أصوات القاعدة تصل إليه خافتة، بينما يتحول هدير الجدول إلى "همس العشاق". الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية للمشهد؛ إنها فضاء مضاد لعالم الجماعة، وشرط ضروري لكي تبدأ الأسئلة التي لا يستطيع الإنسان طرحها وسط الآخرين.

ومن هذه الخلوة يعود حاتم إلى حديثه السابق مع دلير، مساعده السياسي. لكن أهمية دلير في النص لا تنبع من كونه شخصية قررت الاستسلام، بل من كونه الشخص الذي نقل الشك من منطقة الشعور الغامض إلى منطقة السؤال الصريح. يبدأ الأمر بسؤال يبدو بسيطاً: "هل ما زلت مؤمناً بأفكارنا؟". غير أن السؤال يفتح دفعة واحدة ملفات العقيدة كلها: الاشتراكية، والماركسية، والصراع الطبقي، وقدرة الفقراء على تحرير أنفسهم، وطبيعة النظام السياسي، بل وطبيعة الصراع ذاته.

هنا ينتقل النص من الحرب بوصفها فعلاً خارجياً إلى الحرب بوصفها صراعاً داخل الوعي.

فالذي يهدد دلير وحاتم لم يعد العدو وحده، وإنما احتمال أن يكون تفسيرهما للعالم نفسه ناقصاً أو خاطئاً. ولهذا تأتي "أنباء موسكو" بوصفها لحظة فاصلة. فالمجلة لا تحمل إليهم أخباراً جديدة عن بلد بعيد فقط، بل تحمل إليهم صورة مختلفة عن النموذج الذي تشكل وعيهم عليه. والحديث عن الفساد والاستبداد والجرائم وغياب الحريات، ثم ظهور مفاهيم مثل "البيروسترويكا" و"الغلاسنوست"، يجعل المقاتلين أمام سؤال لم يكن سهلاً عليهم مواجهته: ماذا يبقى من الإيمان حين تتصدع صورة المثال؟

ولا يكتفي دلير بنقد الأخطاء في التطبيق، بل يذهب إلى أصل النظرية، متسائلاً إن كانت المشكلة كامنة في النظرية الماركسية نفسها. وهنا تكمن جرأة الشخصية؛ فهو لا يريد استبدال خطأ بخطأ، وإنما يحاول إعادة النظر في المنظومة التي صنعت يقينه طوال سنوات. وفي المقابل، يبدو حاتم أقل استعداداً للذهاب إلى النهاية التي ذهب إليها رفيقه. إنه يفهم بعض الأسئلة، وربما تراوده بعض الشكوك نفسها، لكنه لا يستطيع تحويل الشك إلى موقف.

وهذه المنطقة تحديداً تمنح علاقة الرجلين بعدها المأساوي. فحاتم لا يواجه دلير باعتباره خصماً فكرياً؛ إنه يرى في كلامه شيئاً من نفسه. لذلك يكون خوفه عليه أكبر من خوفه من أفكاره. إنه يخشى أن يكون دلير مقبلاً على فعل يعرض حياته للخطر، وفي الوقت نفسه يشعر أن ما يقوله رفيقه قد يكون صحيحاً في بعض جوانبه. ومن هنا يبدأ التمزق الحقيقي.

إن أخطر ما يحدث في النص هو أن الأسئلة السياسية تتحول تدريجياً إلى أسئلة أخلاقية ووجودية. لماذا تقاتل الحكومة بالسلاح السوفييتي؟ لماذا تقف قوى مختلفة مع صدام؟ ما طبيعة العلاقة مع إيران؟ هل يمكن أن يتحول المقاتل، من حيث لا يريد، إلى جزء من مشروع يخالف ما يعتقده؟ وما معنى التحالف حين يصبح السكوت عن الخلافات جزءاً من شروطه؟

هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن معلومات، وإنما تبحث عن معنى الفعل. فالمقاتل يستطيع أن يواصل القتال ما دام يعرف من يقاتل ولماذا يقاتل. أما عندما يصبح "لماذا" موضع شك، فإن السلاح نفسه يفقد جزءاً من يقينه.

من هنا يمكن فهم قرار دلير بالاستسلام بعيداً عن القراءة السطحية التي تختزله في الجبن أو الخوف. فالنص لا يقدم الرجل بهذه الصورة. على العكس، يترك لنا شخصاً مثقفاً وقادراً ومخلصاً لما يراه حقيقة، ثم يدفعه الصراع الداخلي إلى اتخاذ قرار بالغ الخطورة. والأهم أن الرسالة التي يتركها لحاتم لا يقول فيها إنه انتصر أو إنه وجد الحقيقة النهائية، وإنما يكتب: "لا تخافوا مني سأبقى إنساناً".

هذه الجملة القصيرة هي إحدى أكثر عبارات النص كثافة. فهي تضع "الإنسان" في مواجهة "المقاتل"، وتطرح سؤالاً ضمنياً: هل يصبح الإنسان أقل إنسانية إذا تراجع عن القتال؟ أم أن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى التراجع لكي يحافظ على ما تبقى من إنسانيته؟

النص لا يجيب. وهذه إحدى نقاط قوته.

بل إن السؤال ينتقل من دلير إلى حاتم بعد رحيله. وهنا تبدأ الرحلة الداخلية الأهم في المقطع. يحاول حاتم إعادة ترتيب الواقع: يغير الكهف، ويلغي الشحنات، ويوقف خطط الاستطلاع، وكأنه يستطيع أن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل حادثة دلير. لكنه يكتشف أن الأمر لم يعد ممكناً. فالمكان يمكن تغييره، والخطط يمكن إلغاؤها، لكن السؤال الذي زرعه دلير في داخله لا يمكن إلغاؤه.

لذلك يلجأ حاتم إلى دفتره. الكتابة هنا ليست نشاطاً أدبياً عابراً، بل تصبح وسيلة لاكتشاف الذات. هو يكتب لكي "يفك ذلك التشابك الحاصل في رأسه"، وكأن الورقة تتحول إلى مساحة لممارسة التفكيك النفسي الذي لا يستطيع ممارسته في الواقع.

وهنا يصل النص إلى أكثر مناطقه عمقاً: الخوف من الموت.

كان حاتم خائفاً من الموت طوال حياته، لكنه كان قادراً على التعامل مع هذا الخوف. كان الخوف جزءاً من تجربة القتال، بل كان يؤدي وظيفة معينة: يحذره، ثم ينسحب حين تبدأ المعركة. يقول إنه ما إن تطلق الرصاصة الأولى حتى ينسى خوفه وينسى نفسه وكل شيء إلا الهدف.

لكن الخوف بعد حادثة دلير أصبح مختلفاً. لم يعد خوفاً يساعده على القتال، بل صار خوفاً يواجهه بذاته. الموت الذي كان موجوداً دائماً لكنه مهمش، "كالحاضر الغائب"، أصبح فجأة مرئياً وماثلاً أمامه.

وهنا تأتي صورة الكلب الأبلق بوصفها واحدة من أقوى الصور الرمزية في النص. فالموت يتحول إلى كائن يجلس قبالته، يحدق فيه، وينتظر منه أن يفهم شيئاً لا يزال عاجزاً عن فهمه. لقد انتقل الموت من هامش الوعي إلى مركزه.

والأهم أن حاتم لا يخاف الموت وحده؛ إنه يخاف المعنى الذي صار يحمله الموت.

فحين يستدعي حكمة الساموراي عن أن الشجاعة ليست مجرد الاندفاع إلى الموت، بل معرفة متى يكون الصواب أن تحيا ومتى يكون الصواب أن تموت، يجد نفسه أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف يعرف الإنسان الصواب أصلاً؟ ومن يمنحه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ؟

هنا ينهار آخر يقين بسيط.

لقد كان حاتم يعرف طوال سنوات أن الشجاعة تعني الإقدام، وأن الصلابة تعني الاستمرار، وأن المقاتل الحقيقي لا يتراجع. لكنه الآن يكتشف أن هذه المفاهيم قد تكون في جانب منها مجرد قناع. يقول بوضوح: "البسالة، الصلابة، الاقدام، الشجاعة". هذه هي ملامح قناعي. قناعنا جميعاً.

والقناع في النص ليس نفاقاً بالضرورة. إنه هوية صنعها الإنسان لكي يستطيع الاستمرار. لقد شكل الجبل قناع المقاتلين، كما شكلته الحرب والعدو والقصص والأساطير التي نسجوها حول أنفسهم. لكن المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان أن القناع ليس وجهه الحقيقي.

ولهذا تأتي العبارة: "وأنا.. أين أنا. من أنا..؟" بوصفها الذروة الفلسفية للنص. فالسؤال لم يعد عن الاشتراكية ولا عن الحزب ولا عن الحرب ولا عن البعث ولا عن إيران. إنه سؤال الذات بعد سقوط المرجعيات التي كانت تمنحها تعريفها.

ومن هذه الزاوية يصبح دلير، حتى بعد غيابه، الشخصية الأكثر حضوراً في النص. لقد ذهب جسدياً، لكنه بقي داخل حاتم كسؤال مفتوح. لقد اختار قناعه الخاص، بينما اكتشف حاتم أن قناعه كان جماعياً. ولذلك فإن حادثة دلير لا تنتهي باستسلامه، بل تبدأ عند حاتم من تلك اللحظة.

المفارقة الكبرى أن حاتم، بعد كل هذا الاضطراب، ينتهي إلى جملة تبدو حاسمة: "دلير سلم نفسه لأعدائه. لا أغفر له".

لكن هذه الجملة لا تعيد اليقين الذي كان موجوداً قبل رحيل دلير. إنها تبدو أشبه بمحاولة أخيرة لإغلاق الباب الذي فتحه السؤال. فحاتم قد لا يستطيع أن يرفض كل ما قاله دلير، لكنه يستطيع أن يرفض نتيجته. يستطيع أن يقول: أخطأتَ حين سلمت نفسك، حتى لو كانت بعض أسئلتك صحيحة.

وهنا تكمن مأساة الشخصية: العقل بدا بالشك، لكن الولاء لم يسمح له بالوصول إلى نهايات الشك.

لذلك فإن "أخبار موسكو مقلقة" ليست، في جوهرها، حكاية عن الاستسلام بقدر ما هي حكاية عن سقوط اليقين. وهي لا تسأل فقط: لماذا استسلم دلير؟ بل تسأل سؤالاً أشد قسوة: ماذا يحدث للإنسان الذي يكتشف أن القضية التي منحها شبابه وحياته ليست بالوضوح الذي ظنها عليه؟

يضع النص الإنسان بين خيارين كلاهما مؤلم: أن يستمر في ارتداء القناع كي يستطيع مواصلة الطريق، أو أن ينزعه ويواجه نفسه، وربما يواجه الموت أيضاً. وبين الخيارين يقف حاتم، لا منتصراً ولا منهزماً، وإنما إنساناً بدأ يرى الشقوق في القناع.

ومن هنا تأتي قوة النص الأدبية: إنه لا يمنح القارئ حكماً جاهزاً على دلير، ولا يحوّل حاتم إلى بطل يقيني في مواجهة الخائن، ولا يحسم الأسئلة السياسية التي أثارتها "أنباء موسكو". إنه يتركها مفتوحة، لأن القضية في النهاية ليست العثور على جواب سريع، وإنما تصوير اللحظة التي يتحول فيها السؤال نفسه إلى عبء لا يستطيع الإنسان التخلص منه.

وإذا كان دلير قد قال: "سأبقى إنساناً"، فإن حاتم ينتهي إلى سؤال: "من أنا؟". وبين العبارتين تتشكل المسافة المأساوية كلها: مسافة بين الإنسان والقناع، وبين الشجاعة والخوف، وبين الموت والحياة، وبين الإيمان الذي يصنع المقاتل والشك الذي يعيده، للمرة الأولى، إلى إنسانيته الفردية.

إن الرواية، في نهاية المطاف، لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، بل تجعل من الذاكرة وسيلة لفهم الإنسان الذي عاش الحرب، ومن الأدب مساحة لاستعادة الأصوات التي كادت أن تضيع وسط العنف والتاريخ. ومن خلال هذا المزج بين الواقعة التاريخية والرؤية الإنسانية، تتحول "حصار العنكبوت" إلى عمل روائي يتجاوز حدود التسجيل، ليصبح مساءلة للذاكرة، وللعنف، ولقدرة الأدب على منح التجربة الإنسانية ما تستحقه من حضور وبقاء.

وفي النهاية، تطرح رواية "حصار العنكبوت" سؤالًا يتجاوز زمن أحداثها: ماذا يفعل الإنسان عندما تضيق حوله الدوائر حتى لا يبقى أمامه سوى خيط رفيع بين الحياة والموت؟ وربما هنا تحديداً تكمن قوة عنوانها؛ فالعنكبوت لا يمثل الحصار وحده، بل يمثل شبكة التاريخ التي تظل عالقة بالإنسان حتى بعد انتهاء الحرب.

***

جورج منصور

من علم الشكل إلى أنطولوجيا البنية وتحولات المعنى

ليست المورفولوجيا، في جوهرها العميق، علماً ينظر إلى الأشياء من خارجها، ولا معرفةً تكتفي بوصف هيئاتها الظاهرة؛ إنها علمٌ يتوغّل في بنية الشيء، وفي الطريقة التي تشكّل بها، وفي العلاقات التي تنتظم عناصره، وفي التحولات التي تصيب تلك البنية وهي تعبر الزمن والتجربة والوظيفة. ولذلك فإن سؤال المورفولوجيا لا يقف عند حدود: ماذا يوجد؟، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الأكثر تركيباً: كيف تكوّن الموجود؟ وكيف انتظمت أجزاؤه؟ وما القوانين التي تحكم تشكّله وتحوله؟

ومن هنا تكتسب المورفولوجيا قيمتها حين تنتقل من مجال الطبيعة والعلوم إلى مجال اللغة والأدب والفكر؛ إذ يصبح الشكل، في النص الأدبي، ليس غلافاً خارجياً للمعنى، بل نظاماً منتجاً للمعنى، وتصبح البنية ليست مجرد ترتيب للعناصر، بل شبكةً من العلاقات التي تمنح العمل هويته وإيقاعه ودلالته وطاقته الجمالية.

فالنص الأدبي لا يعيش بما يقوله فحسب، وإنما يعيش أيضاً بالكيفية التي يقول بها ما يريد قوله. وهذه الكيفية هي إحدى أهم مناطق اشتغال المورفولوجيا.

أولاً: المورفولوجيا؛ من الشكل إلى قانون التشكل

تتألف كلمة «مورفولوجيا» من بمعنى، علم الشكل والبنية والتكوين. غير أن «الشكل» هنا لا ينبغي أن يُفهم فهماً سطحياً بوصفه مظهراً خارجياً؛ فالشكل، في التفكير البنيوي الحديث، هو كيفية انتظام العناصر وعلاقاتها بعضها ببعض.

ولهذا فإن المورفولوجيا لا تسأل عن الشيء بوصفه نتيجة مكتملة فحسب، وإنما تبحث في آلية تكوّنه. إنها تنقل النظر من السكون إلى الحركة، ومن المنتج إلى عملية الإنتاج، ومن المظهر إلى البنية، ومن العنصر المنفرد إلى شبكة العلاقات التي تمنحه وظيفته.

وفي اللغة، تقترب المورفولوجيا من علم الصرف؛ إذ تتجه إلى دراسة بنية الكلمة، وجذرها، وأوزانها، واشتقاقاتها، وزياداتها، وتحولاتها الصرفية، وما يطرأ عليها من تثنية وجمع وتصغير ونسب وتصريف وغير ذلك. فالكلمة ليست كتلة لغوية صماء، وإنما كائن بنيوي تتفاعل داخله وحدات ودوالّ وصيغ، ويتغير معناه أو وظيفته بتغير بنيته.

فالجذر العربي، مثلاً، يمثل نواة توليدية تتشعب عنها صيغ متعددة؛ والفعل يتحول بتغير الزمن والضمير والبناء، والاسم يتحول بالتثنية والجمع والتصغير والنسب والتعريف والتنكير. وكل تحول في البنية قد يستتبع تحولاً في الوظيفة والدلالة.

ومن هنا يمكن القول إن الصرف هو مورفولوجيا اللغة العربية في أحد أهم مستوياتها، مع التنبيه إلى أن مفهوم المورفولوجيا في اللسانيات الحديثة أوسع من الصرف التقليدي في بعض استعمالاته؛ لأنه ينظر في الوحدات الصرفية وفي طرائق تركيبها ووظائفها وعلاقاتها بالنحو والدلالة والصوت.

ثانياً: حين تدخل المورفولوجيا إلى الأدب:

إذا كانت المورفولوجيا اللغوية تبحث في بنية الكلمة وتحولاتها، فإن مورفولوجيا الأدب تنتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً: بنية النص ذاته، ومكوناته، ووظائف عناصره، وأنماط انتظامه، والتحولات التي تطرأ على شكله الداخلي.

فالنص الأدبي ليس مجرد مجموعة من الجمل أو الصور أو الأحداث؛ إنه بنية حية تتشابك فيها مستويات متعددة: الصوت، والإيقاع، والصورة، والسرد، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث، والضمائر، والتكرار، والحذف، والتقديم والتأخير، والتوازي، والتقابل، والتضمين، والرمز، والإحالة.

وهنا يصبح السؤال المورفولوجي سؤالاً عن الهندسة الداخلية للنص:

كيف يبدأ النص؟

كيف يتنامى؟

كيف تتكرر وحداته؟

أين يقع التحول؟

ما العناصر التي تعود بصورة ثابتة أو متغيرة؟

كيف تنتقل الشخصية أو الصورة أو الفكرة من حالة إلى أخرى؟

ما الوظائف التي يؤديها كل عنصر داخل النظام الكلي؟

وكيف ينتج الشكل النهائي دلالته؟

إن مورفولوجيا الأدب لا تتعامل مع النص باعتباره مستودعاً للأفكار، بل باعتباره آلة جمالية لإنتاج المعنى.

ثالثاً: فلاديمير بروب ومورفولوجيا الحكاية

يُعدّ الروسي فلاديمير بروب من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمفهوم الحديث لمورفولوجيا الأدب، ولا سيما من خلال كتابه الشهير مورفولوجيا الحكاية الخرافية.

وقد اتجه بروب إلى دراسة الحكايات الشعبية الروسية لا من خلال مضامينها الأخلاقية أو موضوعاتها العامة، وإنما من خلال وظائف الشخصيات والأفعال التي تتكرر داخل البناء الحكائي.

والأهمية الكبرى لمشروع بروب أنه نقل الاهتمام من سؤال: من هو هذا الشخص؟ إلى سؤال: ماذا يفعل داخل بنية الحكاية؟

فالشخصية لا تستمد أهميتها من اسمها أو صفاتها النفسية وحدها، وإنما من الوظيفة التي تؤديها في النظام السردي. وقد لاحظ بروب وجود وظائف سردية متكررة، تنتظم في تسلسل معين، فتتغير الشخصيات والأسماء والأمكنة والتفاصيل، بينما تظل بعض البنى العميقة قابلة للتكرار.

ومن هنا جاءت أهمية «المورفولوجيا» بوصفها بحثاً عن الثابت خلف المتغير، والنظام خلف التنوع، والبنية خلف المظهر الحكائي.

وهذا المبدأ يتجاوز الحكاية الشعبية إلى الأدب كله؛ إذ يمكن للناقد أن يسأل عن «الشكل العميق» الذي ينتظم قصيدة أو رواية أو قصة، وعن العناصر التي تتكرر داخلها، وعن التحولات التي تجعل النص ينتقل من حالة إلى أخرى.

رابعاً: مورفولوجيا القصيدة؛ حين يصبح الشعر بنيةً تتنفس

إذا كان السرد مجالاً خصباً للمورفولوجيا، فإن الشعر أكثر تعقيداً؛ لأن القصيدة لا تقوم على الحدث وحده، ولا على تسلسل الوقائع، وإنما تقوم على التكثيف، والانزياح، والإيقاع، والصورة، والتوتر الدلالي، والمفارقة، والتكرار، والصمت، والحذف، والفراغ، والتداعي.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر لا يمكن اختزالها في دراسة الوزن والقافية، وإن كان الوزن والقافية من أهم عناصرها. إنها تبحث في كيفية تشكل القصيدة بوصفها كياناً جمالياً مستقلاً.

فالقصيدة تبدأ غالباً من نواة: صورة، أو سؤال، أو جرح، أو ذاكرة، أو مفارقة، أو انفعال. ثم تنمو هذه النواة عبر سلسلة من التحولات، حتى تتشكل منها بنية شعرية كاملة.

قد تبدأ القصيدة من «أنا»، ثم تتحول إلى «نحن»؛ وقد تبدأ من المكان ثم تنتهي إلى الذاكرة؛ وقد تبدأ من صورة حسية صغيرة ثم تنفتح على سؤال وجودي واسع. وقد تبدأ من حدث واقعي ثم تخلعه عن واقعيته، وتعيد تشكيله في فضاء الرمز والأسطورة والحلم.

وهنا تحديداً تظهر المورفولوجيا بوصفها علم التحول الشعري.

فالقصيدة ليست ما تتضمنه من صور منفردة، وإنما الطريقة التي تتولد بها الصورة من صورة، والفكرة من صورة، والإيقاع من انفعال، والدلالة من صراع بين عناصر النص.

خامساً: الشكل الشعري ليس ثوباً للمعنى

من أكثر التصورات شيوعاً وخطأً أن يُنظر إلى الشكل باعتباره ثوباً يلبسه المعنى؛ كأن يكون لدينا معنى مكتمل في الداخل، ثم نختار له وزناً وقافية وصياغة من الخارج.

لكن الشعر العظيم ينقض هذا الفصل.

المعنى الشعري يتكون في لحظة تشكل الشكل.

فالوزن ليس مجرد وعاء، والقافية ليست زينة، والصورة ليست زخرفة، والاستعارة ليست حيلة بلاغية منفصلة عن الفكر. إن هذه العناصر جميعاً تدخل في إنتاج المعنى.

حين يختار الشاعر بحر الكامل، أو الطويل، أو المتقارب، أو المتدارك، أو يختار قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، فإنه لا يختار مجرد هندسة صوتية؛ إنه يختار نظاماً من الحركة والتنفس والتوتر.

والبيت الشعري ليس سطراً من الكلمات، بل وحدة موسيقية ودلالية. والتفعيلة ليست مجرد تكرار إيقاعي، بل نبض يتفاعل مع الدلالة. والقافية ليست نهاية صوتية فحسب، بل عودة موسيقية تؤسس للانتظار والتوقع والاكتمال.

وهكذا يصبح السؤال المورفولوجي في الشعر:

لماذا جاءت القصيدة على هذه الهيئة تحديداً؟

ولماذا تكررت هذه الكلمة؟

ولماذا تأخرت هذه الصورة؟

ولماذا انقطع السطر هنا؟

ولماذا عاد الضمير؟

ولماذا تغيّر الإيقاع؟

ولماذا تحولت القصيدة من خطاب الذات إلى خطاب الآخر؟

إن كل ذلك ليس عارضاً في القصيدة؛ إنه جزء من مورفولوجيتها العميقة.

سادساً: مورفولوجيا الصورة الشعرية

الصورة الشعرية نفسها قابلة للدراسة المورفولوجية.

فالصورة قد تولد حسية، ثم تتحول إلى رمزية، ثم إلى فلسفية؛ وقد تبدأ من المرئي لتصل إلى المجرد. فالليل، مثلاً، قد يكون في بداية القصيدة ظاهرة طبيعية، ثم يتحول إلى عزلة، ثم إلى موت، ثم إلى تاريخ، ثم إلى كينونة تنتظر الفجر.

وهكذا لا تكون الصورة ثابتة، بل كائناً دلالياً متحركاً.

ومن هنا يمكن الحديث عن «مورفولوجيا الصورة»: أي دراسة شكل الصورة، ومراحل تشكلها، وعلاقاتها بالصور الأخرى، وتحول وظيفتها من مستوى إلى آخر.

وقد تكون القصيدة مبنية على صورة مركزية تتفرع عنها صور أخرى، فتغدو القصيدة أشبه بشجرة دلالية؛ جذعها صورة أولى، وأغصانها استعارات وتناصات ورموز، وأوراقها تفاصيل حسية، وثمرتها النهائية هي المعنى الكلي.

سابعاً: مورفولوجيا الإيقاع؛ العمارة الخفية للقصيدة

للإيقاع في الشعر مورفولوجيا خاصة.

فالإيقاع ليس الوزن وحده؛ إنه يتولد من تضافر الوزن، والتكرار، والتنغيم، والتوازي، والتدوير، والتقطيع، والتكرار الصوتي، وحركة الحروف، وتوزيع المقاطع، وطول الجمل وقصرها.

وفي قصيدة التفعيلة، على وجه الخصوص، يصبح الإيقاع أكثر مرونة، لأن الشاعر يستطيع أن يغيّر طول السطر الشعري مع المحافظة على وحدة التفعيلة أو النظام الإيقاعي العام.

وهنا يمكن للناقد أن يتتبع مورفولوجيا النبض الشعري: أين يتسارع؟ أين يبطئ؟ أين ينكسر؟ أين يتكرر؟ وأين يصمت؟

فالقصيدة قد تكون حزينة لا بسبب مفرداتها فقط، بل بسبب بطء إيقاعها؛ وقد تكون ثائرة بسبب تتابع وحداتها الصوتية القصيرة؛ وقد تكون تأملية بسبب امتداد الجمل وتراخي الإيقاع.

وبذلك يصبح الإيقاع معنىً قبل أن يكون موسيقى.

ثامناً: مورفولوجيا الزمن والمكان في النص

لا يقتصر الشكل الأدبي على الكلمات والصور، بل يمتد إلى الزمن والمكان.

في الرواية، يمكن دراسة كيفية تشكل الزمن: هل يسير خطياً؟ هل يعود إلى الماضي؟ هل يتقدم عبر الاسترجاع والاستباق؟ هل يتوقف عند لحظة واحدة؟ هل يكرر الحدث نفسه من وجهات نظر مختلفة؟

وفي الشعر، قد يتحول الزمن من زمن تقويمي إلى زمن نفسي؛ فتختصر قصيدة عشرين عاماً في صورة، أو تستغرق لحظة واحدة عشرات الأبيات.

أما المكان فقد يبدأ جغرافياً ثم يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى هوية، ثم إلى أسطورة.

وهنا لا يعود المكان «أين؟» فقط، بل يصبح:

كيف تشكل المكان داخل الوعي الشعري؟

وكيف تحولت المدينة إلى حنين؟

وكيف تحولت البلاد إلى غياب؟

وكيف تحولت القدس، أو غزة، أو حيفا، أو يافا، من أماكن جغرافية إلى أشكال رمزية للهوية والذاكرة والمقاومة؟

وهذا هو أحد أعمق وجوه المورفولوجيا الأدبية: دراسة انتقال الأشياء من وجودها الخارجي إلى وجودها النصي.

تاسعاً: المورفولوجيا والرمز والأسطورة

الرمز أيضاً يمر بمراحل تشكل.

فقد يدخل الرمز إلى القصيدة بوصفه علامة بسيطة، ثم تتسع دلالته عبر السياق حتى يصبح مركزاً بنيوياً للنص.

وقد يستدعي الشاعر أسطورة قديمة، لكنه لا يكررها، وإنما يعيد تشكيلها وفق حاجته الجمالية والفكرية. وهنا تصبح الأسطورة مادة أولية تدخل في عملية مورفولوجية جديدة؛ إذ يعيد النص إنتاجها، ويحرف مسارها، ويمنح شخصياتها وظائف جديدة، ويضعها في سياق تاريخي معاصر.

وهذا ما يجعل التناص ليس مجرد استدعاء لنص سابق، بل تحويلاً لبنية سابقة داخل بنية جديدة.

عاشراً: مورفولوجيا النص والقراءة السيميائية

تلتقي المورفولوجيا مع السيميائيات عند نقطة أساسية: كلاهما يهتم بالعلاقات التي تجعل العنصر دالاً.

لكن المورفولوجيا تسأل بصورة خاصة عن كيفية انتظام هذه العلامات وتحوّلها داخل البنية.

فالكلمة في القصيدة ليست مجرد كلمة، والصورة ليست مجرد صورة، واللون ليس مجرد لون، والباب ليس مجرد باب، والبحر ليس مجرد بحر.

كل عنصر يمكن أن يتحول إلى علامة، وكل علامة تدخل في شبكة من العلاقات.

ومن ثم فإن الناقد المورفولوجي لا يكتفي بإحصاء الرموز، بل يدرس حركتها داخل النص: كيف تظهر؟ كيف تتكرر؟ كيف تتغير؟ كيف تتجاور؟ كيف تتناقض؟ وكيف تتآلف حتى تنتج البنية الكلية؟

الحادي عشر: المورفولوجيا بين البنية والتحول

من الخطأ أن نفهم المورفولوجيا بوصفها بحثاً عن الثبات وحده؛ لأن الشكل الأدبي ليس بنية جامدة.

إن أهم ما في المورفولوجيا هو التوتر بين الثبات والتحول.

هناك عناصر ثابتة تمنح النص هويته، وعناصر متحولة تمنحه حركته. وبين الثابت والمتحول يولد الشكل.

ولهذا فإن القصيدة الناجحة لا تكون مجرد مجموعة من العناصر المتجاورة، بل كياناً تتغير داخله العناصر مع احتفاظها بخيط ناظم.

قد تتغير نبرة الشاعر، لكن صوته يبقى.

وقد تتغير الصورة، لكن مركزها الدلالي يبقى.

وقد تتغير القافية، لكن الإيقاع الداخلي يستمر.

وقد يتغير الموضوع الظاهر، لكن السؤال العميق يظل يطارد النص.

وهنا تكشف المورفولوجيا عن إحدى حقائق الإبداع: أن الهوية لا تعني الجمود، وأن التحول لا يعني الفوضى.

الثاني عشر: مورفولوجيا الأدب بوصفها بحثاً في «كيف»

إذا كان النقد الموضوعاتي يسأل: ما الموضوع الذي يعالجه النص؟ وإذا كان النقد النفسي يسأل عن دوافع الذات الخفية، وإذا كان النقد الاجتماعي يبحث عن علاقة الأدب بالبنية الاجتماعية، وإذا كان النقد التاريخي يربط النص بسياقه، فإن المورفولوجيا تضيف سؤالاً لا غنى عنه:

كيف صار هذا كله نصاً؟

كيف تحولت التجربة إلى لغة؟

كيف تحولت الذاكرة إلى صورة؟

كيف تحول الألم إلى إيقاع؟

كيف تحول الواقع إلى رمز؟

كيف تحولت الحكاية إلى بنية؟

كيف تحولت الذات إلى صوت؟

وكيف انتظمت كل هذه العناصر في كيان جمالي قادر على أن يعيش بعد انتهاء اللحظة التي ولد فيها؟

وهنا تكمن القيمة الفكرية الكبرى للمورفولوجيا؛ فهي لا تفصل الشكل عن المضمون، وإنما تكشف الطريقة التي يصنع بها الشكلُ مضمونَه.

الثالث عشر: مورفولوجيا الشعر بوصفها تشريحاً للجمال

الشعر، في نهاية المطاف، ليس فكرةً ترتدي لغة، ولا معنىً يطلب من الكلمات أن تحمله؛ إنه ولادة مشتركة للمعنى والصورة والصوت.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر هي، في أحد أعمق تعريفاتها، تشريح للجمال من الداخل.

إنها تبحث عن الهيكل الذي يجعل القصيدة قصيدة، وعن العلاقات التي تمنحها وحدتها، وعن التوترات التي تجعلها حية، وعن التحولات التي تجعلها تتجاوز المباشر واليومي والواقعي إلى فضاء الشعر.

والشاعر، في هذا المنظور، ليس صانع كلمات فحسب؛ إنه مهندس بنى خفية. إنه يبني بالإيقاع كما يبني المعمار بالحجر، ويصوغ بالصورة كما يصوغ النحات بالكتلة، ويخلق بالتكرار كما يخلق الموسيقي باللحن، ويترك في مواضع الصمت ما قد يكون أبلغ من الكلام.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تكون بعض القصائد عصية على الاختزال؛ لأن قيمتها لا تكمن في «ما تقوله» وحده، وإنما في الطريقة التي أصبح بها القول نفسه شكلاً من أشكال الوجود.

حين يصبح الشكل ذاكرةً للمعنى

المورفولوجيا ليست علم الأشكال بالمعنى السطحي، بل علم التشكل؛ إنها لا تنظر إلى الشيء بعد اكتماله فقط، وإنما تحاول أن ترى يده الخفية وهي تبنيه.

وفي اللغة، تكشف عن حياة الكلمة وتحولاتها؛ وفي الأدب، تكشف عن هندسة النص؛ وفي السرد، عن وظائف الحكاية ومساراتها؛ وفي الشعر، عن العمارة الخفية التي تجعل القصيدة كائناً نابضاً لا مجرد كلام موزون.

إنها تسأل عن الجذر قبل الفرع، وعن البنية قبل المظهر، وعن العلاقة قبل العنصر، وعن التحول قبل النتيجة.

وفي الشعر تحديداً، تبلغ المورفولوجيا أقصى حساسيتها؛ لأن القصيدة لا تتشكل من الكلمات وحدها، بل من الإيقاع والصورة والذاكرة والرمز والصمت والحذف والتكرار والانزياح والتوتر. وكل واحد من هذه العناصر لا يكتسب قيمته منفرداً، وإنما من موقعه في النظام الكلي.

لذلك فإن قراءة القصيدة مورفولوجياً هي أن نقرأ رحلة تشكلها: من البذرة إلى الشجرة، ومن النواة إلى البنية، ومن التجربة الخام إلى اللغة، ومن اللغة إلى الإيقاع، ومن الإيقاع إلى الصورة، ومن الصورة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الدلالة.

وعند هذه النقطة يغدو الشعر أكثر من قول جميل؛ يصبح شكلاً من أشكال المعرفة، وتغدو المورفولوجيا أكثر من علم للهيئة؛ تصبح معرفةً بكيفية ولادة الأشياء من داخل أجزائها، وكيف تتحول البنية إلى حركة، والحركة إلى معنى، والمعنى إلى جمال.

فليس السؤال الشعري الأعمق: ماذا قالت القصيدة؟

بل ربما كان السؤال الذي يفتح أبوابها كلها:

كيف صارت القصيدة ما هي عليه؟

وهناك، في المسافة الدقيقة بين «ما قيل» و«كيفية القول»، تبدأ مورفولوجيا الشعر؛ وهناك أيضاً يبدأ سرُّ الأدب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم