قراءات نقدية

قراءات نقدية

تُقارب هذه الدراسة قصيدة توفيق أحمد “القصيدة” عبر المنهج النفسي والرمزي، بوصف النص فضاءً تتجلّى فيه علاقة الشاعر بذاته، وباللغة، وبالعالم، حيث تتحوّل “القصيدة” من موضوع للكتابة إلى ذات كبرى تحتضن الشاعر وتصارعه وتعيد تشكيله.

وسيتمّ تحليل النص عبر محاور: الفكرة والرؤية، البنية الدلالية، الرموز المركزية، الصراع الداخلي، صورة الذات والآخر، البنية الأسلوبية، الصورة الشعرية، الإيقاع، الزمن والمكان، والأبعاد النفسية والفلسفية.

أولًا: الفكرة والرؤية:

القصيدة ليست نصّاً عن الشعر بقدر ما هي نصّ عن الوجود عبر الشعر. فالشاعر لا يعرّف القصيدة تعريفاً تقنياً، بل يحمّلها وظيفة أنطولوجية:

“هي الحياة بما أعطت وما أخذتْ

فكلُّ روحٍ لها من خلقها جسدُ”

القصيدة هنا ليست انعكاساً للحياة، بل هي الحياة نفسها، أو صورتها المكثفة. الرؤية المركزية تقوم على أن الشعر ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية، وأن الشاعر لا يعيش خارج القصيدة بل داخلها.

ثانيًا: البنية الدلالية

الدلالة في النص تقوم على حركة دائرية بين ثلاثة أزمنة:

“هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ”

القصيدة تُختزل فيها الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل، في وحدة زمنية متوهّجة. هذا يشي بأن التجربة الشعرية عند توفيق أحمد تجربة كلية، لا تخضع للتجزئة الزمنية، بل تصنع زمنها الخاص.

كما أن الدلالة تتحرّك بين الامتلاء والفراغ، القرب والبعد، العطاء والحرمان:

“بحرٌ لا ضفاف له

وكلما اقتربت في الظن تبتعدُ”

وهو ما يؤسس لتوتّر دلالي دائم، يجعل القصيدة كيانًا مراوغًا لا يُمتلك بالكامل.

ثالثًا: الرموز المركزية

1. القصيدة بوصفها أنثى/أم/مخلّصة

تُؤنَّث القصيدة باستمرار:

“تلمّني يدها وهماً وأسئلةً”

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

القصيدة هنا ذات حاضنة، أمّ رمزية، أو معشوقة وجودية، تمنح الشاعر ولادة متكررة.

2. البحر

“هي القصيدة بحرٌ لا ضفاف له”

البحر رمز للاتساع، اللانهاية، الغموض، واللاحدّ. القصيدة فضاء مفتوح لا يُحدّ بتعريف.

3. الجراح والعطش

“تروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ”

المفارقة الرمزية: القصيدة تشفي وهي مجروحة، تروي وهي عطشى، ما يجعلها رمزًا للتضحية الوجودية.

رابعًا: الصراع الداخلي

يتجلّى الصراع بين الشاعر وذاته عبر علاقته المتناقضة بالقصيدة:

“تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصر فحواها فتجتهدُ”

الشاعر يعاني من مقاومة المعنى للقبض عليه، فينشأ صراع بين الرغبة في التعبير وعناد اللغة.

وفي قوله:

“أنا أكفّر أحلامي وأرجعها”

نلمح توتّرًا بين الإيمان بالحلم والتشكيك فيه، بين الحاجة إليه والخوف من خيبته.

خامسًا: صورة الذات والآخر

صورة الذات

الذات تُقدَّم ككائن ناقص، مجروح، باحث عن خلاص:

“تستعيد جراحي النازفات يدُ”

“حين الوهن ينزف بي”

الذات لا تكتمل إلا داخل القصيدة، فهي المجال الوحيد الذي تستعيد فيه توازنها.

صورة الآخر

الآخر هنا ليس شخصًا، بل هو العالم، والحسد، والقصيدة ذاتها:

“محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ”

العالم يغار من القصيدة، لأنها تمتلك ما لا يملكه: القدرة على الخلق من الألم.

سادساً: البنية اللغوية والأسلوبية

اللغة فخمة، تقريرية شعرية، تعتمد الجملة الاسمية لتكريس الثبات:

“هي القصيدةُ…” تتكرّر بوصفها لازمة بنائية.

هذا التكرار يرسّخ مركزية القصيدة ويحوّلها إلى محور كوني.

الأسلوب يقوم على:

المفارقة: تروي وهي ظامئة.

التضاد: تقترب/تبتعد.

التوكيد عبر التكرار.

سابعاً: الصورة الشعرية والرمز

الصور تقوم على المزج بين المجرد والمحسوس:

“لحظةٌ تسكن الأيام في يدها”

الزمن يُمسك باليد، وهي صورة رمزية تدمج الزمن بالجسد.

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

صورة ولادية، تجعل الشاعر نتاجًا للقصيدة لا العكس.

ثامناً: الإيقاع والموسيقى

القصيدة مكتوبة على البحر السيط، بما يحمله من طاقة موسيقية عالية تناسب خطاباً احتفالياً وجودياً.

التكرار الصوتي في “هي القصيدة” يمنح النص لازمة إيقاعية، تقارب الترتيل، وتمنح القصيدة نَفَساً إنشادياً يتلاءم مع قداسة الموضوع.

تاسعًا: الزمن والمكان

الزمن غير تاريخي، بل وجودي: أمس/غد/حاضر في وحدة واحدة.

المكان رمزي: بحر، ضفاف، يد، شفة، دم… كلها أماكن نفسية لا جغرافية.

عاشرًا: الأبعاد النفسية والفلسفية

من منظور نفسي، القصيدة تقوم بوظيفة علاجية:

تضمّد الجراح.

تمنح هوية.

تعوّض نقص الوجود.

من منظور فلسفي، القصيدة تُقدَّم كبديل عن المطلق، وكوسيط بين الإنسان والعدم، وكطريقة لقول “أنا موجود” عبر اللغة.

“هي القصيدة تستثني سواي وفي

دمي تفيضُ.. ومن إلاّي؟ لا أحدُ”

هنا تتجلّى نزعة وجودية واضحة: الوجود يتحقّق بالكتابة، والذات لا تتعيّن إلا داخل النص.

خاتمة:

قصيدة توفيق أحمد ليست قصيدة عن الشعر فقط، بل قصيدة عن الإنسان حين لا يجد معنى إلا في القول، ولا خلاصًا إلا في اللغة.

القصيدة تتحوّل إلى أمّ، وطن، جسد، خلاص، جرح، ومرآة.

وبالمنهج النفسي والرمزي، يظهر النص بوصفه سيرة ذاتية روحية، تتصارع فيها الذات مع الفقد، وتنتصر عبر الخلق، وتقول في النهاية:

الشعر ليس ما نكتبه، بل ما يُنقذنا حين ننكسر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

القصيـدة

شعر: توفيق أحمد

هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ

*

ولحظةٌ تسكنُ الأيامُ في يدها

حتى تَضيقَ بحَمْلِ الأمنياتِ يدُ

*

هي القصيدةُ بحرٌ لا ضفَافَ له

وكلما اقتربتْ في الظن تبتعدُ

*

أشجارُها تلدُ الرؤيا مبعثَرةً

مع الغمام وتلظى حين لا تلدُ

*

موجودةٌ يتشهّى الدفَء واجدُها

محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ

*

هي القصيدة واسألْ والضفافُ على

مدارها أهْو درٌّ ذاك أم زبدُ

*

تَروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ

وتشتهي وِرْدها النجوى ولا تردُ

*

تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصرُ فحواها فتجتهدُ

*

هي الحياة بما أعْطتْ وما أَخَذَتْ

فكلُّ روحٍ لها من خَلْقها جَسَدُ

*

تلمّني يدها وهماً وأسئلةً

وتستعيدُ جراحي النازفاتِ يدُ

*

أنا على شفتيها برعُمٌ خضلٌ

وطائرٌ في كتابِ المشتهى غردُ

*

هي القصيدةُ تستثني سوايَ وفي

دمي تفيضُ .. ومن إلاّي؟ لا أحدُ

*

أنا أُكَفِّرُ أحلامي وأُرجعُها

وما غريبٌ له من حُزْنه بلدُ

*

هي القصيدةُ حين الوهْنُ ينزفُ بي

على تمرُّدها المجنون أعتمدُ

 

قراءة في الذات المبدعة، الجرح والرغبة

قصيدة «هنا الغياب» ليست نصّاً عن الفقد فحسب، بل هي وثيقة نفسية، وسيرة شعورية، وجسد لغوي يعيد تمثيل الصدمة عبر المجاز، ويحوّل الألم إلى بنية جمالية. إننا أمام نصّ يكتب الغياب لا بوصفه حدثاً خارجياً، بل بوصفه حالة نفسية مقيمة في الجسد واللغة والذاكرة.

القراءة النفسية هنا لا تبحث عن سيرة الشاعرة الواقعية، بل عن السيرة النفسية للنص، أي الكيفية التي يتجلّى بها اللاوعي، والجرح، والرغبة، في النسيج الشعري.

أولًا: الذات المبدعة والسيرة النفسية للنص:

الذات في هذا النص ليست ذاتاً سردية فقط، بل ذاتاً مجروحة، محكومة بصدمة الرحيل:

«بعد رحيلكَ، لم أفعل شيئاً تقريباً

أطفأتُ جميع الأحلام»

هنا يتجلّى أول مظهر من مظاهر السيرة النفسية للنص:

الرحيل ليس حادثة زمنية، بل لحظة تأسيس نفسي، أي ما يمكن تسميته بـ الجرح المؤسِّس.

منذ هذه اللحظة، كل الصور التالية ليست إلا تفريعات لهذا الجرح.

القصيدة تُكتب من داخل الصدمة، لا بعدها. الذات لا تتذكّر الفقد، بل تعيشه لحظة بلحظة، وكأن الزمن توقّف عند تلك النقطة.

ثانياً: اللاوعي الإبداعي والدافع النفسي للكتابة:

الكتابة هنا ليست فعلاً واعياً مخططاً، بل تفجّراً من طبقات اللاوعي.

الصور الكبرى في النص (الغابة، الرماد، الأنفاس المحترقة، الرأس المتدلّي، التمثال الرخامي) ليست اختياراً زخرفياً، بل إسقاطات لاواعية لحالة نفسية مأزومة.

الدافع النفسي للكتابة هو:

تفريغ الألم.

إعادة تمثيل الصدمة.

محاولة ترميم الذات عبر اللغة.

الكتابة هنا ضرورة نفسية لا اختيار جمالي:

«نبتت غابة من حزن

أشجارها رماد

وسمادها أنفاسي المحترقة»

اللاوعي يختار مفردات الاحتراق، الرماد، التحلّل، لأن النفس تشعر أنها تحترق من الداخل. اللغة تصبح ترجمة جسدية للألم.

ثالثاً: التعويض الرمزي والإسقاط النفسي:

1. التعويض الرمزي:

حين تعجز الذات عن استعادة الغائب واقعياً، تعوّضه رمزياً عبر:

القميص

تمائم الحب

أحاديث المساء

الأبواب

«عيناي مثبّتتان

على قميصك البنيّ المعلّق فوق السرير

على تمائم الحب المبثوثة فيهما»

القميص هنا ليس لباساً، بل جسد بديل.

الذات تمارس تعويضاً رمزياً: تتعلّق بما يحمل أثر الجسد الغائب.

2. الإسقاط النفسي:

كل العالم يتحوّل إلى مرآة للحزن:

الغابة = النفس

الرماد = المشاعر

الأبواب = الصدر المختنق

الضباب = التشوّش الداخلي

«أبحث عن رأسي وسط الضباب»

الرأس الضائع هو العقل المعطوب بالصدمة.

العالم الخارجي ليس موضوعاً مستقلاً، بل إسقاطاً للحالة النفسية.

رابعاً: الصراع الداخلي وآليات الدفاع النفسي.

1. الصراع الداخلي:

هناك صراع بين:

رغبة اللقاء

وواقع الغياب

«لا بدّ من طريق يقودني إليك

حتى لا أقف هنا...»

الذات عالقة بين:

أمل مستحيل

وواقع خانق

هذا يولّد قلقاً داخلياً دائماً.

2. آليات الدفاع النفسي:

الذات تستخدم عدة آليات:

أ- الإنكار الجزئي:

«لم أفعل شيئاً تقريباً»

تقليل من حجم الانهيار كآلية حماية.

ب- التجميد النفسي:

«مثل تمثال رخامي»

التحوّل إلى حجر لتجنّب الإحساس.

ج- التماهي مع الألم:

الذات لا تحاول الهروب من الحزن، بل تسكنه وتبنيه كغابة داخلها.

خامساً: البنية النفسية للشخصية

الشخصية الشعرية هنا ذات:

حساسية عالية

قابلية للانكسار

ارتباط حسي شديد

اعتماد وجداني على الآخر

هي شخصية:

تُعرّف نفسها عبر الآخر

تفقد رأسها بفقده

يتدلّى وعيها حين يغيب

«بلا عينين

ورأس يتدلّى أسفل السرير»

فقدان الرأس = فقدان السيطرة العقلية.

فقدان العينين = فقدان المعنى.

سادساً: الأنا، الهو، والأنا الأعلى

الهو: يظهر في الرغبة الحسية الخفيّة، في التعلّق بالقميص، بالتمائم، بآثار الجسد.

الأنا: تحاول أن تصيغ الألم شعرياً، أن تنظّمه في صور.

الأنا الأعلى: يكاد يغيب؛ لا وجود للمنع أو الكبح، بل ترك كامل للانهيار.

اللغة هنا انتصار للهو عبر الشعر، لكن بوساطة الأنا الفنية.

سابعاً: القلق الوجودي والإحباط

القصيدة ليست فقط عن فراق عاطفي، بل عن:

انهيار المعنى

فقدان الاتجاه

غياب الطريق

«لا بدّ من طريق يقودني إليك

حتى لا أقف هنا»

الوقوف هنا هو:

توقّف الزمن

شلل الوجود

العيش بلا أفق

هذا قلق وجودي لا نفسي فقط.

ثامناً: العقد النفسية

يمكن رصد:

عقدة الفقد

عقدة التعلّق المرضي

عقدة الذوبان في الآخر

الذات لا ترى نفسها إلا عبره:

«أبحث عن رأسي وسط الضباب»

أي أن الهوية نفسها مرتبطة بالآخر الغائب.

تاسعاً: الحالة الحسية في النص هنا ليس فاضحاً، بل حزيناً، متخفّيًا في الأشياء:

القميص = جلد بديل

السرير = مسرح الغياب

التمائم = بقايا علاقة جسدية وروحية

الصدر = موضع سقوط الرأس

«وتركت رأسي يسقط خلفك على مهل

هنا على صدري»

الصورة تحمل:

خضوعًا

حميمية

انكساراً حسياً

الرأس الساقط على الصدر هو حركة جسدية ذات دلالة عاطفية وجنسية ضمنية.

الحس الجسدي هنا:

لا يبحث عن لذة

بل عن استعادة حضور

عن دفء مفقود

إنه إحساس جسدي مجروح، يتحوّل إلى حزن جسدي.

عاشراً: الكتابة بوصفها تطهيراً.

القصيدة نفسها هي فعل تطهيري.

الشاعرة لا تكتب لتخبر، بل لتشفى.

اللغة هنا:

نزيف

تنفّس

حريق مطفأ بالكلمات

كل صورة هي محاولة لإفراغ وجع:

«وسمادها أنفاسي المحترقة»

الأنفاس تحترق لتغذّي الغابة:

أي أن الألم نفسه يصبح مادة للكتابة.

خاتمة:

«هنا الغياب» ليست قصيدة فراق فقط، بل:

نص عن انكسار الهوية

عن الحس الجسدي حين يتحوّل إلى حزن

عن اللاوعي وهو يكتب نفسه

عن الجرح الذي يصير لغة

إنها قصيدة تكشف أن: الكتابة ليست ترفاً جمالياً،

بل ضرورة نفسية،

وأن الشعر، في لحظات الصدمة،

يصبح شكلًا من أشكال النجاة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

هنا الغياب

بعد رحيلكَ، لم أفعلْ شيئًا تقريبًا

 أطفأتُ جميعَ الأحلامِ

وتركتُ رأسي يسقط خلفكَ على مهلٍ

هنا على صدري

نبتت غابةٌ من حُزنٍ

أشجارُها رماد

وسمادُها أنفاسي المحترقة    

لا أحد يسمع أنينَها

غير الشّوقِ الّذي يأكُلني يوما بعد يوم

ها أنا جالسة على أطرافِها                    

أبحثُ عن رأسي وسَط الضباب    

  *

كقطعة من رخامٍ

 عيناي مثبَّتتان         

على قميصك البنيّ المعلّقِ فوق السرير    

 على تمائم الحبّ المبثوثة فيهما

على أحاديثِ المساء

على الشّوقِ

 على الألمِ

على سعال الأبواب عند الصباح

*

لا بدّ، لابدّ من طريق يقودني إليك

حتّى لا أقف هنا ...

مثل تمثال رخاميٍّ يطلُّ على العالم

بلا عينينِ

ورأسٍ يتدلّى أسفل السّرير

****

أميرة كرم

"النّهر يسري في قلبها"

 

رقصة "عذرا" الطارقية

تندرج قصة «رقصة عذرا الطارقية» لربيعة جلطي ضمن السرد القصير الذي يزاوج بين الشعرية والحكائية، ويستثمر الجسد والرقص والفضاء الصحراوي لبناء دلالة مركّبة عن السلطة، والرغبة، والانتقام الرمزي. فالنص لا يكتفي بحكاية امرأة ترقص لتغوي رجلاً ثرياً، بل يحوّل الرقص إلى خطاب، والجسد إلى علامة، والفضاء إلى مسرح دلالي تتقاطع فيه الرغبة بالهيمنة، والأنوثة بالمقاومة الناعمة.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة بالمنهجين الأسلوبي والسيميائي، للكشف عن آليات بناء الخطاب السردي، وعن شبكة الرموز التي تشكّل معناها العميق.

الإطار النظري

1. المنهج الأسلوبي

يهتمّ المنهج الأسلوبي بدراسة الخصائص اللغوية والتعبيرية التي تمنح النص فرادته: الإيقاع، الصورة، التكرار، الانزياح، وتشكيل الجملة. وهو ينطلق من أنّ الأسلوب ليس زخرفاً بل هو رؤية للعالم تتجسّد في اللغة.

2. المنهج السيميائي

يركّز المنهج السيميائي على العلامات والرموز داخل النص، وعلى العلاقات التي تنشأ بينها لإنتاج الدلالة. فالجسد، اللباس، اللون، الحركة، المكان، وحتى الصمت، تتحوّل إلى علامات قابلة للتأويل.

التحليل التطبيقي

أولاً: البنية السردية

يعتمد النص بنية تصاعدية تبدأ بفكرة الانتقام الرمزي:

«إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، فذنبهم على جنبهم.»

تتأسس العقدة على قلب الأدوار: الصياد يصبح فريسة. ثم ينتقل السرد إلى لحظة الذروة: لحظة الرقص، حيث يتحوّل الجسد إلى أداة سيطرة. وتنتهي القصة بخاتمة هادئة شكلياً، حاسمة دلالياً:

«بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة.»

الخاتمة تؤكّد أن الغاية لم تكن المال، بل كسر وهم التفوّق الذكوري–الطبقي.

ثانياً: الأسلوب واللغة

لغة جلطي شعرية كثيفة، تعتمد الصورة الحسية:

«كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها.»

يتجلّى الانزياح في تشخيص التراب، وتحويله إلى كائن راغب، ما يوسّع دائرة الإيروسية لتشمل الطبيعة كلها. كما يكثر التكرار الإيقاعي: «لم تلمسه.. اقتربت… لم تلمسه..» وهو تكرار يولّد توتراً حسّياً، ويؤكّد سلطة الإغواء غير المكتمل.

ثالثاً: الجسد كعلامة

الجسد هنا ليس موضوعاً للنظر فقط، بل أداة خطاب:

«كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها.»

الجسد يتحوّل إلى لغة، وكل حركة فيه علامة: الشعر، الحاجبان، الأصابع، أخمص القدم. الامتناع عن اللمس علامة أقوى من اللمس، لأنّه يؤسس لهيمنة رمزية قائمة على الحرمان.

رابعاً: الرموز والدلالات

اللون الأزرق:

«يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه.»

الأزرق رمز للصفاء والعلو، لكنه هنا يغدو أداة فتنة وسيطرة.

العطر والبخور والحناء:

تمثّل علامات ثقافية وهووية، وفي الوقت نفسه أدوات تخدير حسي:

«كانت روائح الحُليّ… تملأ عينيه وفمه وخياشيمه.»

الصيد:

الاستعارة المركزية في النص. الرجل جاء ليصطاد، لكنها تصطاده رمزياً:

«ضيّقتُ أهداب العين… مثل قوس على سهم، ورميتُه فأصبته!»

الصيد هنا ليس جسدياً بل نفسياً: الاستيلاء على اللبّ، على مركز الإرادة.

خامساً: الدلالة الفكرية

القصة تعيد توزيع السلطة: المرأة، القادمة من الهامش الصحراوي، تهزم الرجل الثري القادم من المركز. لكنها لا تفعل ذلك بالعنف، بل بالجمال والرقص، أي بأدوات تُحسب تقليدياً على الضعف. هكذا يتحوّل “الأنثوي” إلى قوّة ناعمة قادرة على كسر هيمنة المال والنسب والذكورة.

النتائج

البنية السردية تقوم على قلب الأدوار بين الصياد والفريسة.

الأسلوب الشعري الكثيف يحوّل السرد إلى تجربة حسّية لا إلى حكاية فقط.

الجسد علامة مركزية، والرقص لغة بديلة عن الكلام.

الرموز (اللون، العطر، الصيد) تبني شبكة دلالية عن السلطة والرغبة.

القصة تحمل رؤية فكرية عن إمكانية مقاومة الهيمنة عبر الجمال والذكاء الرمزي.

خاتمة

ليست «رقصة عذرا الطارقية» مجرّد قصة عن الإغواء، بل نصّ عن السلطة حين تتبدّل أقنعتها. الرقص فيها خطاب، والجسد بيان، والأنوثة استراتيجية مقاومة. وبالتحليل الأسلوبي والسيميائي يتبيّن أنّ جلطي تكتب نصاً يحتفي بالهوية، ويقوّض من الداخل أسطورة المركز والقوة، عبر لغة مشبعة بالإيقاع، وعلاماتٍ تنفتح على تأويل لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

رقصة “عذرا” الطارقية!

ربيعة جلطي:

{.. تقول عذرا، وهي رافعة حاجبيها، تدحرج عينيها يمنة ويسرة، وعلى وجهها ابتسامة ساهِمة:

إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، "فذنبهم على جنبهم". بدورها سترمي بشباكها، وليذهب إلى الجحيم مضيفُهم، وهم ما هم عليه من الثراء والبذخ الذي ما انفكّوا يُظهرونه، وكأن به ستستسلم لهم الرمال وغزالات الصحراء بكل أنواعها.

– تعالوا، سأُريكم!

*

كان الغناء يصل عنان السماء المفتوحة على الغيب والغياب، والرقص في أوج جنونه، ورائحة البخور والحنّاء تتسرّب إلى أبعد خلية في أجسام الحاضرين.

*

– حَطِّيتْ عيني على واحدٍ منهم. كان أجملهم وجهًا وجسدًا. عيني العارفة عرَّتْه في طرفة رمش. علمتُ فيما بعد أن أباه تزوّج أمه من بلاد تُدعى السويد.. الحق يُقال: كان آسِرًا؛ تتداخل سُمرته النحاسية بما يشبه حليب النوق الرائب. شفتاه تلمعان من بعيد مثل تمرة براقة وسط عِرجونٍ معلّق في أعالي نخلة.

*

.. بحسّاسيتها الطارقية العليمة، اختارت “عذرا” الوقت المناسب واللحظة القاتلة بعد أن سخن الحفل.

في ذروة لحظاته النارية، ترجلت من جلستها الملوكية، فارتفعت الزغاريد.. وكيف لا؟ أليست هي عروس الحفل؟!

*

توسّطت الجميلة عذرا، المحتفى بها، الحضور، فوسّعوا لها ساحة الرقص، وباعدوا بينهم حتى فرغت الحلبة لها وحدها. وانطلقت في رقصة يمامةٍ برّية زرقاء، يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه. أسقطت منديلها الأسود الفاحم عن شعرها المُحنّى، واشتدّت الموسيقى سرعةً، فازداد توحّشها الجميل..

*

كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها: من شعرها المُحنّى، إلى حاجبيها، إلى أخمص قدميها. تدوس الأرض بالكاد، حتى إنّ التراب كأنه استفاق تحت خطواتها؛ كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها، متسرّبًا من بين الحُصُر والزّرابي الحمراء المبسوطة.

*

كانت ترفرف بأطراف أصابعها في رقصتها الطارقية المدهشة، وكأنها تسبّح بحمد خالقها..

ثم اقتربت من صيدها.. اقتربت منه كثيرًا.. لم تلمسه، بل أرسلت حرارة جسدها المتعرّق حوله. كانت روائح الحُليّ من الأحجار العطرية، والعطور القوية الملتصقة بالجسد، تتحلّل إلى ذرّات تحت حرارة الطقس وطقس الرقص، تملأ عينيه وفمه وخياشيمه ورئتيه وبطنه وكيانه، لتبلغ حتى أعمق جزءٍ فيه..

لم تلمسه.. اقتربت منه أكثر، ورفعت ذراعيها قريبًا جدًا منه دون أن تنظر إليه، ثم أرسلت من بين أهدابها برقًا حادًّا قاصمًا.

– ضيّقتُ أهداب العين منّي هكذا.. مثل قوسٍ على سهم، ورميتُه فأصبته!

*

دارت حوله مثل زوبعة، وكأنها تطوّقه بنارها.. كاد أن يُغمى عليه.. لم تلامسه أبدًا.. اقتربت، حتى خُيّل له أنهما يتداخلان.. كأنها تسمع تنهّده وأنينه.. لم يعد الحاضرون الكُثر حاضرين.. غيابٌ هم جميعهم.. لم يعد يرى أحدًا غير هذه الطارقية ترقص بحفلة طلاقها.

*

بدا الغريب الثريّ القادم من شبه الجزيرة أو الخليج متشنّجًا؛ كلّ ما فيه أضحى مشدودًا على آخره. مدّ يده المرتجفة دون إرادةٍ منه.. إلا أنها ابتعدت راقصة، ثم جلست بهدوء في مكانها العالي وسط الزغاريد، وقد تأكّدت أن المهمة انتهت، وأنها أخذت لُبَّه ووضعته تحت الوسادة.. هكذا! ثم ألقت إليه نظرةً تؤكّد انتصارها عليه.

*

كان الوسيم يقف مشدوها، مهزومًا، وحيدًا، مُفردًا. ذراعاه منسدلَتان، وحبّات عرق تتمرّغ على السُمرة النحاسية لجبينه وصدغيه.. شفتاه، اللتان تشبهان تمرةً يانعة على شفا السقوط، اشتدّ بريقهما، وكان على وجهه تعبيرُ من أضاع للتوّ شيئًا ثمينًا كان ملكه قبل لحظات، مخبوءًا بين جوانحه.

*

وفي الغد.. وكما كانت تنتظر، بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة}

***

........................

* ربيعة جلطي (نادي الصنوبر)، الطبعة البيروتية الأولى 2012  ثم طبعات أخرى.

 

في مقدّمتها لكتابها «أيّام معه» كتبت كوليت سهيل خوري: "سأهبُ حياتي للحرف.. سأجعل منه إلهي ورفيقي وعبدي ساجدة.. وأعبده سيّدة.. وأشكو إليه همومي كانسان حبيب".

كان ذلك عام ١٩٥٩، حين ثارت العاصفة الهوجاء حول كوليت وكتابها، لكن الكاتبة الشابة المؤمنة برسالتها لم تهتم لهذه الفرقعات المُعتادة، وواصلت طريقها لتكتب لنا قصة "ليلة واحدة" ومجموعة قصص قصيرة جمعتها في كتاب أسمته "أنا والمَدى".

ومع صدور كل كتاب، كان اسم كوليت يعود ليحتل العناوين الأولى في الصفحات الأدبية، وتعود الأقلام، الأصيلة منها، والمشبوهة لتكتب عن كوليت، وأدب كوليت.

لكن الشيء الغريب هو، أن كتابا جديدا صدر لكوليت، بعد الصمت الطويل الذي أحاط بالأديبة المُتفتّحة، ولم نسمع أيّ تعليق عليه. وقد اختارت الكاتبة اسم "كيان" لكتابها الجديد الذي صدر في أيلول عام ٠١٩٦٨

وكوليت التي تزيد مرغمة كلمة "أسطورة" على عنوان قصّتها تُهدي كتابها إلى ابنتها الغالية «ناره، وإلى جيلها، أطفالنا العرب في كل مكان».

ومُلخّص قصة "كيان":

كيان فتاة في العشرين من العمر، فقدت أبويها بعد ولادتها مباشرة، تحمل قلبا مريضا، وتعيش في قرية غير قريتها. قرية سكانها لا يعرفون الكلام، يقضون أوقاتهم في مضغ البَقلة، فمنذ آلاف السنين صمَت أهالي القرية، تكلّموا في البدء، تكلّموا جميعهم في آن واحد، تكلموا كثيرا، فما سمعهم أحد ولا سمع بعضهم بعضا، وسخطوا. وعندما اهتدوا إلى البَقلة تحوّلت طاقاتُ ألسنتهم إلى التلذّذ بالطّعم المألوف، ونسوا النُطق.

وكيان الغريبة عن القرية، والتي نُسجَت حولها الأساطير العديدة، كانت المريضة الوحيدة بين أهالي القرية، ووحدها بين أهالي القرية كانت لها أمنية غريبة: أن تُنبت النغماتُ الصافية أشجار محبّة على الكوى، وفوق الهضبة، وفي النسمات، وحنايا النفوس. ولهذا فكانت تغني، وترنم:

بالحبّ وحدَه يحيا الإنسان، بالحب وحده.

وتتوطّد الصداقة بين «كيان»، وفتى في السابعة من عمره يُدعى «ميلاد»، يرفض هو أيضا مَضْغ البَقلة ويُفضّل عليها الياسمين، ويعشق صوت كيان الملائكي، وينفر من الأصوات الناشزة.

وفي القرية تعيش فتاة جميلة باسم (ريا) تمضغ البَقلة كباقي أهل القرية وتحلم بمجيء القمر مثلهم، لكنها تحب وبعنف شابا لا يُعيرها اهتمامَه باسم «يزَن» ويزَن هذا يقضي وقته في الرسم، هرَبا من الواقع الذي لا يستطيع أنْ يُؤثّر فيه.

وتلاحظ كيان أمرا غريبا، أنَّ سكان القرية يكرهون سكان الهضبة، وتحاول جاهدة أن تعرف شيئا عن سكان الهضبة، ولكن دون فائدة. فالجميع يرفضون أن يُكلّموها عن أهل الهضبة، حتى ريا وميلاد الصغير.

وتشاء الصدف أن تحبّ كيان واحدا من أهل الهضبة، لكنها تَتَنبّه إلى شيء غريب لم تجد له تفسيرا، هو أنَّ حبيبها لا يُجيبها على أسئلتها الكثيرة التي تُوجّهها إليه، لكنها تعرف الحقيقة في يوم عيد القمر. ففي هذا اليوم يجتمع سكان القرية، ويأتي سكان الهضبة كلهم وعددهم أربعة عشر رجلا، وتراه بينهم، وتشعر بالسعادة لكنها سرعان ما تُصاب بالدّهشة عندما تراه كرفقائه يُصفّق لصوت الفرقة النشاز التي شكلت، وتسأل يزَن عن ذلك، فيقول لها:

- إنّهم لا يسمعون.

وتُدرك كيان أنَّ أهل الهضبة وحبيبها بينهم لا يسمعون، وتلتقي بحبيبها، وتحاول جاهدة أن تجبره على سماع صوتها، لكنه يعتذر عن عدم مقدرته، وتُصاب كيان بالصدمة، وتنهار قواها وتصمت عن الغناء.

وتُفاجا في الصباح بصوت الذئاب المُجاورة، وتتساءل عن سبب ذلك، وتعلم أن النهر الوحيد الذي يُعطي الحياة للقرية وسكانها قد جفّ، لكنّ احدا لا يريد أن يُخبرها لماذا جفَّ النهر؟!

وتقف كيان قلقة حيرى وتصيح:

- النّهر وريدُ السهل، سيموت السهل وستدخل الذئاب إلى قريتنا،  وسيضطر السكان إلى الرّحيل.

وتثور كيان عندما يرفض أيّ منهم جوابَها، وتتّجه إلى يزن الذي تثق بأنه سيُجيبُها وتسأله، ويُخبرها بأن سكان الهضبة حجزوا المطر وأنّ لا فائدة من الكلام معهم، وتتعالى في تلك اللحظة أصوات الجوقة التي شكّلها سكان الهضبة:

- سنقتل الذئاب، ستتخلص القرية من الذئاب، سنمحو وجود الذئاب.

ويعود السكان القلقون إلى بيوتهم ليمضغوا البقلة، وتنام كيان في سريرها لتستيقظ في الصباح على جلبة الأطفال الذين أتوا ليخبروها بأن ميلاد مريض. وتركض إليه، وإذ تصل إليه تعلم أنَّ فقدان الياسمين سبب مرضه. وتتركه لتحضر له الياسمين، لكن الياسمين غير مُتوفِّر، فقد مات بعد أن جفّ النهر، وتركض إلى الهضبة وقد علمت بأنه متوفر هناك وبكثرة، وخلفها تركض ريّا دون وعي، ويستغرب سكان الهضبة وبينهم حبيب كيان إذ يرون الفتاتين منهمكتين في قطف الياسمين.

وتعود كيان وبرفقتها ريا لتجدا يزن بالقرب من ميلاد، وتعود الحياة لتدبّ من جديد في جسم ميلاد، ويجلس بالقرب من كيان التي تفرح بتجدّد صحته فرحا شديدا وتروي له كعادتها قصة.

ويرهف الصبي الصغير أذنيه، وكيان تروي له قصة الشجرة التي زرعها الرجل الذي أرادها أن تكون المُوَفِّرةَ الأولى لسعادة أولاده، وكيف أن هذه الشجرة قد ذوت، ومعها ذوَت سعادة الأبناء. وحزن الرجل، ولم يجد له حيلة في إعادة الحياة إلى الشجرة.

وأخيرا، ولحبّه الشديد لأولاده اقترب من الشجرة، وبإيمان قوي فتح لها صدرَه ورواها من مهجته، وظل يرويها حتى آخر قطرة من دمه. وإذ رأى الضياء يعود إلى عيون أطفاله، عندئذ فقط، ابتسم راضيا وأغمض عينيه.

وإذ تلاحظ كيان أن هذه النهاية المُحزنة لم تعجب ميلاد تقول له:

- يا حبيبي، الأطفال هم المستقبل. ما قيمة حياة الكبير حين يكون مستقبله مطفأ؟ موت الكبير يحلو إذا كان سيضيئ بسمة على ثغر مُبرعم.

وينزعج ميلاد إذ يرى صديقته الكبيرة تَترنّح ساقطة.

ويبتعد عنها بعد أن اطمأن عليها وقد وُضِعت في سريرها، وريا ويزَن بالقرب منها، ليدعو حبيبها ساكن الهضبة، ويحضر الحبيب وهو يحمل ميلاد بين يديه، ويدخل عليها ليُخبرها أنه يسمعها، وأنه استعاد حاسة السمع، وأنه لن يرد لها طلبا بعد الآن. لكن كيان التي ترنو إليه بحب كبير، والثقة بكلامه بادية في عينيها، تنتفض إذ تسمع صوتا شجيّا يعلو من البعيد، وتصيح:

- إنه صوت ميلاد، ميلاد يغني، إذا لن يموت الياسمين بعد الآن.

ولن يجف النهر، ولن تدخل الذئاب إلى القرية.

وتسلم أنفاسها الأخيرة، وهي سعيدة قريرة العين، بأن المستقبل مضمون، وكلماتها تتردد في أرجاء القرية:

- لا لن أموت يا حبيبي، لن أموت، ميلاد يغني، وسيظل للقرية كيان.

**

هذه هي قصة كيان، القصة التي أرادت بها كوليت خوري أن تُصوّر لنا عالمنا العربي قبل وبعد نكسة حزيران، فكيان التي روت قصتها ليست إلّا أبناء شعبنا الذين ذاقوا ذلّ عام ١٩٤٨، وما جرّته عليهم الأيام فيما بعد. وميلاد ليس إلّا أطفالنا، الذين يثقون بالمستقبل، ويرفضون مضغ البقلة التي اعتادها أهلُهم، وأهل الهضبة الذين ابتعدوا عن أهل القرية تَرفُعاً، ليسوا إلا قادتنا ورؤساءنا الذين نسوا شعوبهم عندما استقروا في مقاعدهم.

تظهر الكاتبة في قصتها أنّها  فاقدة الثقة بأبناء الجيل الذين يُحركون الأحداث الآن، فهي تقول على لسان كيان مخاطبة ميلاد:

- ربما كان عليّ أن أروي هذه القصة للكبار، لكن الكبار يا حبيبي لا يحبّون القصص، وفوق هذا لا يسمعون، وإذا سمعوا يتجاهلون.

لكن كوليت التي تفقد ثقتها برجال اليوم، لا تُصاب باليأس نتيجة النّكسة وإنما تعتبرها تجربة لا بُدّ من التغلّب عليها لبلوغ الهدف، فهي تقول على لسان كيان، رافضة البكاء ومُصرّة على الغناء المشرق:

- ومتى كان الدّمعُ إلا مُخدّرا للعذاب الخَلاق ؟ فالعذاب يا صغيري يُبدع الحلول، وإذا كان لا بُدّ من الموت فليمت وهو يغني بدلا من أن يموت باكيا.

والكاتبة لا تتّهم كلّ المسؤولين، إذ أن هناك مَن ضُلْلوا عن غير قصد، وبالإمكان الصفح عنهم بعد اعترافهم بخطئهم كصَدّام حبيب كيان الذي عاد مُستغفرا، مُؤكداً إصراره على تصليح أخطائه. والرجل المُسن الذي نظر إلى كيان التي تقطف الياسمين

وقال بحزن عميق مُظهرا طينته الطاهرة:

- غريبة هذه الفتاة، غريبة مشعة كالكيان. جريئة كالحرية، تُذكرني، تُذكرني بالإنسان.

ثم قال وهو يُرافقها بنظره في أثناء ركضها عائدة إلى السهل:

- هذه الشقراء غريبة، غريبة، مُشرقة كالشمس وطيّبة كالأرض، تذكرني، تذكرني بقريتنا.

والكاتبة ناقمة على الأوضاع التي تسود عالمها، فهي تصرخ على لسان كيان:

- ما قيمة الحياة حين تكون مجرّد انتظار للموت؟ ما قيمة الحياة حين يحياها الإنسان على الهامش، على الهامش.

وهي ترفع صوتها، ليسمعها كل مَن يستطيع فهمها مُتحدّية، متهمة، ومتفائلة إلى أقصى حدود التفاؤل:

- أنتم أيضا ستموتون. بل أنتم ميّتون، لكنّ ميلاد لن يموت لن يموت.

كما أنّ الكاتبة لا تتّهم المسؤولين «سكان الهضبة» فقط، وإنّما تُلقي بالمسؤولية على عامة الناس أيضا. فهي تسأل وبخبث على لسان كيان:

- هل يحب سكان السهل بعضُهم بعضا ؟

وفي مكان آخر تقول على لسان كيان أيضا التي تُجيب صدّام على سؤاله لها إذا كان سكان السهل يحبّونها قائلة:

- لست أدري، أنا لا أشبههم، فأنا أغني.

إذن، فالمشكلة عند الكاتبة ليست مشكلة زعماء، وقادة فاشلين، وإنما مشكلة شعب، شعب بحاجة إلى صقل، وإلى وعي.

فهي تُريد أن تقول لنا:

- إننا طالما بقينا لا نضمر الخير لبعضنا، فلن ننجح.

فهي تُؤمن أنّ الشعب الواعي هو الذي يخلق القادة الواعين، والذي يُجبر القادة على العمل، هي تريد أن تخلق جيلا متفائلا، مُجِداً، لا جيلا مُتواكلا، يمضغ البقلة، فهي تصرخ على لسان كيان التي تُخاطب ريا:

- امضغي البقلة وكوني سعيدة، أما أنا، فالموت بالنسبة لي أفضل من الحياة على الهامش.

وبعد كل هذا نستطيع أن نفهم لماذا كانت الكاتبة المُتمرّدة مُرغمة على زيادة كلمة «أسطورة» على عنوان قصتها. فهي كغيرها من كتّابنا، تعرف الواقع، لكنّها لا تجرؤ على التكلّم عنه بصراحة. لأنّ الذئاب لها ولغيرها بالمرصاد، كما أننا نستطيع أن ندرك لماذا لم يُثر كتاب كوليت الأخير التفات الصحف المُدارة.

وحتى تظلّ لنا "كيان" في الحياة، وحتى لا تُوَعْوِع الذئاب خلف التلال. ولا يُهاجم المرضُ ميلاد مرة ثانية، وحتى لا تُضطر كاتبتنا وغيرها من مفكرينا وشعرائنا إلى الاحتماء بكلمة «أسطورة» ساعة كتابتهم لائحة اتهاماتهم.. تعالوا معي لنُلقى بالبَقلة من أفواهنا.. ولنُغنّي مع كيان وأمّ كيان:

«بالحبّ.. بالحب يحيا الإنسان».

***

د. نبيه القاسم

قراءة أسلوبية – سيميائية في بنية الانتظار ورمزية اللقاء المؤجَّل

للقاص: عبد العزيز غرمول

تندرج قصة «محطة دوستويفسكي الصغيرة» لعبد العزيز غرمول ضمن سرديات العادي واليومي، لكنها تُحمَّل بدلالات وجدانية وفكرية عميقة عبر تقنية التكرار البنيوي، والاشتغال على لحظة الانتظار بوصفها زمناً وجودياً لا زمنياً فحسب. فالمحطة ليست مجرد فضاء عبور، بل مسرح رمزي للقاءات المؤجلة، وللهشاشة الإنسانية في مواجهة الوحدة، والرغبة، والخجل.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة من خلال المنهج الأسلوبي والسيميائي، مع التركيز على البنية السردية، والرموز المركزية، والدلالة الفكرية للنص، اعتماداً على شواهد نصية دقيقة.

الإطار النظري:

أولاً: المنهج الأسلوبي:

يقوم المنهج الأسلوبي على دراسة كيفية تشكُّل المعنى من خلال اللغة: الجملة، الإيقاع، التكرار، التوازي، وتوزيع الضمائر، والزمن السردي. وهو لا يكتفي بما يُقال، بل بكيفية قوله.

ثانياً: المنهج السيميائي:

السيميائيات تدرس العلامات داخل النص: المكان، الأشياء، الألوان، الأفعال المتكررة، وتحولها من عناصر مادية إلى رموز دلالية. فالمطرية، الكتاب، المترو، المحطة، كلها علامات تتجاوز ماديتها إلى معنى ثقافي ونفسي ووجودي.

التحليل التطبيقي:

أولاً: البنية السردية – سرد الانتظار المتكرر

تبنى القصة على بنية دورانية تقوم على جملة مفصلية تتكرر بصيغ متقاربة:

«كان يمكن لهذه القصة العادية التي تحدث آلاف المرات يوميا، أن تنتهي هنا.»

«كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»

«وكان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»

هذا التكرار ليس حشواً، بل استراتيجية بنيوية تؤكد أن القصة لا تقوم على الحدث، بل على تعليقه وتأجيله. فكل مقطع ينتهي بإمكانية الانتهاء، لكن السرد يواصل، لأن جوهر القصة ليس اللقاء بل اقترابه المستحيل.

السرد يتوزع إلى مقاطع مرقمة، ما يضفي طابعاً شبه موسيقي قائم على التكرار والاختلاف: نفس المشهد (المحطة)، نفس الشخصين، نفس الحركات (النظر، الخجل، الكتاب، المترو)، لكن مع تعميق نفسي تدريجي.

ثانياً: الأسلوب – لغة البساطة المشحونة

لغة القصة تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بدلالات شعورية:

«كانت سماء الجزائر ذات النزوات المتقلبة تجعلك مترددا في اختيار ملابس مناسبة»

الطقس هنا ليس وصفاً طبيعياً، بل مرآة لتردد الشخصيات الداخلية.

التقابل الأسلوبي واضح بين الجمل الهادئة والجمل القاطعة:

«رحل هو. ورحلت هي.»

جمل قصيرة، حاسمة، كأنها ضربات إيقاعية تؤكد الفقد دون شرح.

كما يعتمد السرد على التوازي:

«خرج الرجل من بيته أبكر قليلا.»

«خرجت الفتاة من بيتها أبكر قليلا.»

هذا التوازي الأسلوبي يعكس توازي المصير دون تلاقيه.

ثالثاً: سيميائية المكان – المحطة كرمز وجودي:

المحطة ليست مكاناً عابراً فقط:

«لم تكن المحطة متميزة في الحقيقة، كانت أشبه بسقيفة فارغة، ليس فيها ما يرى.»

الفراغ المكاني يعكس فراغ العلاقات. وهي مكان “بين-بين”: لا هو بيت ولا هو سفر، تماماً مثل حالة الشخصيتين المعلّقة بين الوحدة والأمل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(كمصلوب على خاصرة دمشق أنزف أحلامي)

القراءةُ الأوليةُ لنصّ الشاعر خلدون رحمة تدفعك إلى البحث عن الماهية والصيرورة والسيرورة التي كُتب فيها النص، من أجل إدراك وتمثُّل عميق لشروط إنجاز عمله الأدبي، الذي يفضي بالضرورة إلى استشعار إحساس دفين يثقل المعاناة والجهد المعرفي؛ لأنه فتكة بكر، وفتح نادر، وارتياد ما بعد حداثي لآفاق اللحظة المؤلمة الموشّاة بالحزن العميم، والتأثّر بفلسفات ونظريات الوجود والعدم، والخلق الواهي للحقوق الإنسانية. حيث يقول: هي «لعبة الحظ بين وجود مشبوه وموت محقّق».

نصٌّ فيه امتساخات مبتذلة تدفعك إلى التشظّي من جديد: (صلب، نزف، رائحة الدم، شظايا، احتراق، بكاء، موت، عويل، غموض…).

ما يعيشه الشاعر الفلسطيني خلدون رحمة جرّاء ما يحدث في سورية من ألم وقهر وموت ولا حياة، يجعله يبني مورفولوجيا حكائية النص على اختزال وتجاهل أحيانًا الأبعاد الاجتماعية والتاريخية الشارطة للنص، إلى اللّازمن، حيث يدفعك بقوة نحو استجلاب الدلالات والمقاصد بمحتوياتها اللانهائية، من أجل بعثها من جديد، ومن ثم إعادة قراءة النص لتمنحه قوة مستبصرة وتعيد تأسيسه وتفعيله على أسس جديدة.

حيث يبدأ التأويل الثاوي في ثنايا النص، متجهًا نحو فلسفة التجديد عمومًا والهيرمينوطيقا تحديدًا، إلى القدرة على الإحاطة بالظواهر القهرية، والتشظّي والتفتيت، وعدم التماسك النفسي الذي رامه الشاعر منذ البداية، ساحبًا إيّانا إلى مرتبة الاستقلالية الأبستمولوجية لمرجعية النص الواقعي، حيث أدخلنا عنوة في نطاق التقصّي الفلسفي الوجودي، حيث تبدو الأشياء عارية مجرّدة من الإنسانية.

فالصلب له مدلول الفداء، وهيرمينوطيقا التأويل المنبعث من «رائحة الدم» التي «يدرّب الأشجار» عليها، بعد أن «ضمّد الروح». من منّا قرأ أو سمع عن «تضميد الروح»؟ هذه الجملة تروم الخروج من مجال البحث عن المطابقة والمماثلة التامة إلى نطاق الاختلاف والمغايرة الكلية؛ أي الانتقال من ضيق مجال معرفي أبستمولوجي قديم مؤسَّس على مركزية المعنى، إلى أفق جديد عبر قطيعة معرفية أبستمولوجية، هو مجال لا مركزية الفهم.

فهو «كمصلوب على خاصرة دمشق» يؤكّد من خلالها حالة من الاغتراب والمباعدة. بمعنى أن الهرمينوطيقا رامت منذ البداية أن تنفذ إلى عمق الوجود، لذا لم يتورّط الشاعر خلدون في مفهوم الشكل أو البناء اللغوي المنغلق على ذاته أثناء عملية «الصلب». وهنا يتجلّى امتلاكه قدرة عالية على استقصاء دلالات الفعل، راجعًا إلى فلسفة لاهوتية منبتها ديني، كانت روح الفداء متجلّية دون أدنى ريب. لكنه أعادنا إلى لحظة البدء الأولى، لحظة العماء الأولي حيث لم يكن في السماء نجوم ولا أقمار. يقول: «تبدو السماء قاحلة عارية من النجوم»، كما يقول: «يندلق الليل الموحش من إبريق العدم»، وكأنه يضع يده على خزائن المُلك الإلهي.

نبوءة الطفولة بقدرة المستقرئ لخفايا الكون على اكتشاف حقيقة الوجود المتخفّي بين طيّات الثورة على الذات خارج دائرة الجسد، والحائم فوق مآذن الروح الصارخة المتسلّلة إلى فراغ الفراغ، والباحث عن بؤر النور في العتمة. تلك هي دليل الحائر، والبرزخ السرمدي بين الوجود والعدم، وسرّ المعنى، وعقدة البداية وأقباس النهاية.

من هنا فإن الشاعر خلدون رحمة قد نفذ إلى صميم دواخلنا والجوانية، وأنهض ما فيها من لُبس وغموض، وافتضح ما بطن من مآسٍ وقهر عميم ينزف من رحم كل من تعرّى في هذه الأزمة الموحلة. يقول: «أصوات غامضة المصدر، مجبولة بتأوّه وندب وعويل ونشيج طويل». هذا المبهم الغامض شديد الوضوح، هذا الألم المجبول بالحياة، يتركنا نتمزّق من جديد، نتفتّت، نتفكّك من عُرانا الإنسانية، باحثين من جديد عن هويتنا وماهيتنا الوجودية، وعن لحظة البدء الأولى وإمكانية العودة إلى اللامكان في اللازمان.

لحظة قهرية نابعة من عدمية الفعل المضني الذي استشفّه الشاعر لحظة بلحظة، وكأنه يعيد بناء أرواحنا من جديد، أو يدفعنا لأن نتجلّى على الكون كأن كل واحد منا إله قادر على إعادة الخلق. آهٍ كم كان الظلام الموحش بما يملك من ارتجاف وخوف، حيث كان يتسلّل إلى عروقنا الغائرة، فأفقدنا القدرة على تفكيك الأصوات. يقول: «لا أستطيع تفكيك الأصوات، لا هي بكاء طفلي، ولا هي غمّ نساء ثكالى، ولا هي صفير قذائف». إذًا توضّحت هنا أسباب العويل والبكاء: إنها أصوات القذائف التي جرحت أرواحنا التي بدأ الشاعر خلدون «بتضميدها»، متسائلًا بعد الموت: «هل يبكي الموتى حين يهبط الليل ثقيلًا على أجداثهم؟».

هنا لا فرق بين نصّ العقلانية ونصّ اللغو عند الشاعر، حيث من الممكن أن نرى صدق مواقفه حين يدّعي أن النص العقلاني الحاوي على الحقائق والمعاني الحقّة يقع ضمن أقنوم أدب مميّز لم يستنسخه أي كاتب أو شاعر من قبل. لقد نحا الشاعر باتجاه البناء الكلي للنص، خارجًا من تفكيكية جاك دريدا الداعي إلى بلورة الحدث بعد روي تفاصيله القريبة والنائية. وهو بذلك منكفئ باتجاه اليقينيات وحسب.

لذا نجده يتساءل بمرارة وشكّ من دون مواربة حول الجندي الساهر تحت شباكه الذي يفكّر بقتله، يقول: «هل يفكّر الجندي الساهر تحت شباكي بقتلي؟ لا أعرف لماذا يغنّي، صوته المبحوح يدخل جمجمتي كأفعى». هنا، حين تحاور النفسُ النفسَ، يختلي الفراغ بالوجود، ويملأ أتونه أسئلة حائرة، وتتجلّى الحقيقة عارية من كل زيف، خالية من كل تشوّه. حينها يأخذنا الشاعر خلدون بذاته إلى النائيات في ذواتنا، لأنه تسكنه الشهوة للاستقرار بعد الفوضى، كآدم الملقى به من مكان الاستقرار الأولي إلى مكان الفوضى المطلق.

هل الفوضى مطلقة في رأي الشاعر خلدون؟ نعم، إنها فوضى غير متماثلة استطاع الشاعر خلدون رحمة بحنكته المعتادة تصوير بنية الصراع والفوضى المتأجّجة في سورية من خلال تصويره: «الجندي الساهر تحت النافذة الذي يغنّي»، والصورة الثانية: «صورة الرجال الذين يجرجرون جسدي نحو مقبرة كانوا يحملون سيوفًا لذبحي وربما تقطيعي إربًا». هذه الصورة من أكثر الصور رعبًا وغرابة، لا تقل عنها رعبًا صورة: «المرأة التي لها ذقن رجل تضحك كعاهرة».

لقد استطاع الشاعر خلدون أن يلخّص أيقونة النفس وعلاقتها بالحوار الذاتي، حيث تلمس مدى تحسّسه لوجع الكلمة وحزن إيقاعها ونرجسية حلم الفلتان من كل تلك الكوابيس. فهو يلامس في نهضته ومناهضته لتلك الكوابيس ماء الروح في خجل فيروزي، وجلًا من الإقرار بأحقيته في تسيير نواميس الوجود ورفض بعضها، خاصة إذا كانت إحالة مباشرة.

يقول: «أحاول التناسي، ولكن سرعان ما تتقافز في رأسي غزلان الذاكرة: مقعد تحت شجرة زنزلخت في حديقة ضيّقة، قبلة تضيء الروح كنت قد سرقتها تحت درج بيتنا المهدوم، أغنية كنت أدندنها بين نهديّ حبيبتي». فكان الانفلات رمزًا لعتمة الغربة وشروخ الوجدان، وتلك انفلاتات متتالية لا حصر لها هبّت في زمن خيانة الذات لذاتها.

لقد أكّد الشاعر خلدون على فلسطينيته المتساوقة مع اللجوء حين قال: «وأنا المؤقّت الآن، زماني ومكاني مؤقّتان، فالاستقرار لا يليق بلاجئ مثلي». هنا تكمن قدرة الشاعر على فهم الحالة الصعبة، والقدرة الفائقة على فهم المكان والزمان للاجئ. فما أروع أن تنكشف النفس على النفس كانعكاس الماء على الماء، ولكن الأروع القدرة على التجاوز وخلق الخلق واقتناص المستحيل من دائرة الانغلاق على الذات، حتى يكون الوجود ملاذ النفس المتيمة بعشق الوطن الأم فلسطين.

ليس تجلّيًا لمعاني النرجسية المشروعة، ولكن القدرة الواعية لولوج مدينة التجلّي من أوسع أبوابها، والسير في شوارع الحقيقة الضيّقة، والرفض المترع على الزيف والخديعة. فتعانق النفس الجسد وحفر الأمل تمهيدًا للرحلة الجديدة من اللجوء والسير في أخاديد مجهولة.

هو الذي يدفعه إلى «محاولة النوم مجددًا» فاقدًا لكل عوامل الطمأنينة والاستقرار، لذا يندفع إلى حضن أمه الذي هدّه السعال، محاولًا التنهّد على «صدرها مثل طفل ضاع منه الكون». هنا البحث المضني عن الانصهار المتوهّج مع الذات، مع النفس في متاهة الوجود.

نجده غريبًا، تيبّست عروقه، وتجمدت دماء ثورته، فعانق الآخر في تجربة حريرية المبعث والمبحث، شبقية التواصل، انفصامية الغموض في الذوبان مع الآخر، ذلك المختلف المتمرّد على الروح، المستبعد لكل جسد مرمري. لحظة توحّد مفلتة من غربة الزمن إلى شهوة اللازمن ووجع العراء.

عند استقراء حب دمشق العنيد وتناسي الروح الملتهبة بلذة المخاتلة ومحاربة الانشطار، يقول في خاتمة النص: «يا إلهي، ألهذا الحد صار الوجود فكاهة؟». دهشة الغصن الرقيق عند هبوب العاصفة الهوجاء، وهي صرخة الطفولة عند صمت الجنون، لندى الشاعر وهو يحاور ذاته لذاته، ويتنفّس نفس النفس، ويعيد الروح حتى الاحتراق.

نص الشاعر خلدون رحمة تليق به كل معاني التقدير، فهو الذي قام من خلال حروفه بتعرية كل أشكال القهر الإنساني ووجعه المطلق. لقد كشف سرّ الوجع، وبانت تباريح القلق، وانسابت لغة البوح وهي تجرّد غموض الوجود من رداءة الرداءة. إنه نص قادر على الولوج إلى العقل والوجدان، وبسط الخيبات والأمل على أرض تنتظر من يزرعها من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.............................

كمصلوب على خاصرة دمشق أنزف أحلامي

أضمّد الروح قرب نهر يدرّب الأشجار على رائحة الدم. الصرخة عبثٌ هنا، حيث لعبة الحظّ بين وجودٍ مشبوهٍ وموت محققْ.

أنا المعلّق بين شظايا الشمال واحتراق الجنوب. تبدو السماء قاحلة عارية من النجوم وأما القلب في اضطرابٍ والنفسُ في ارتعاشٍ والعقل في هذيانٍ داخل زنزانة من لحمٍ هزيل. يندلقُ الليل الموحش من إبريق العدم، تتوغّل العتمة في عروق الكائنات.

كأني أسمع أصواتاً تنبع من كل جهات الأرض، أصواتٌ غامضة المصدر مجبولة بتأوّه وندب وعويل ونشيج طويل، لا أستطيع تفكيك الأصوات: لا هي بكاءٌ طفليٌّ ولا هي غمُّ نساء ثكالى ولا هي صفير قذائف.

ترى هل أنا صدى؟

أهمس لنفسي: هل يبكي الموتى حين يهبط الليل ثقيلاً على أجداثهم؟

هل يزورن بعضهم بعضاً؟

أحسّ بخدر يمزق خلاياي، لا أستطيع النوم أبداً فالمشهد مسكون بالأسئلة حدّ الجنون، هل يفكّر الجندي الساهر تحت شباكي بقتلي؟ لا أعرف لماذا يغني، صوته المبحوح يدخل جمجمتي كأفعى.

أحاول نوماً، أغمض عينيّ على قلقٍ، تجتاحني لعنة الكوابيس: رأيت رجالاً يجرجرون جسدي نحو مقبرة، كانو يحملون سيوفا لذبحي وربما تقطيعيَ إرباً، كانت تصاحبهم إمرأة لها ذقن رجلٍ تضحك كعاهرة. أنهض مرتعد الأركان، البرد يجلد عظامي، لا كهرباء لا ماء لا مدفأة لا شيء سوى عتمةٍ تطحنني، أحاول التناسي ولكن سرعان ما تتقافز في رأسي غزلان الذاكرة: مقعد تحت شجرة زنزلخت في حديقة ضيقة، قبلة تضيء الروح كنت قد سرقتها تحت درج بيتنا المهدوم، أغنية كنت أدندنها بين نهديّ حبيبتي.

وأنا المؤقت الآن، زماني ومكاني مؤقتان فالإستقرار لا يليق بلاجئٍ مثلي. أحاول النوم مجدداً، سعال أمي يناديني أحضنها، أتنهّد على صدرها مثل طفلٍ ضاع منه الكون، تربّت على كتفي وتسألني: ما حالك يا ولدي؟ ماذا أقول لها؟..

أعود إلى السرير أهبط في نوم محفوف بالهذيان وتحت وسادتي مليون شهقة أنين.

هنا على خاصرة دمشق، في هذه البلاد لا شيء يضحك سوى الموت.

يا إلهي ألهذا الحدّ صار الوجود فكاهة؟

 

يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات. وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام (188 ه - 231 ه / 803 م - 845 م)، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت (1888 م - 1965 م). وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة، والأفكارِ المُعقَّدة، والعواطفِ المُكثَّفة.

أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها. وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ، والتجديدِ في الصُّوَرِ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية.

اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية، مِثْلَ: الليل، والقَمَر، والرِّيح، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة. كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط.

وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد، مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة. هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي.

على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين، الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة. في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت.

اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً: المَدينة، والخَرَاب، والمَاء، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية. ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ.

وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة.

رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ:

1- التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة: كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت.

2- التَّجديد الأُسلوبي: أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية، وابتكرَ تِقنيات الحداثة.

3- التفاعل مع القارئ: الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة.

أمَّا الفارقُ الأبرز، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها. يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية.

إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ. أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ. وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر، لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد، حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل. وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

«صرخة الرفض» لمختار سعيدي

تندرج رواية «صرخة الرفض» للكاتب الجزائري مختار سعيدي ضمن المتن السردي العربي الذي جعل من التجربة الإنسانية المأزومة محورًا بنيويًا وجماليًا، حيث لا تُقرأ الرواية بوصفها حكايةً عن فردٍ معزول فحسب، بل بوصفها تشريحًا دقيقًا لآليات الرفض التي ينتجها المجتمع ويعيد ضخّها في وعي الفرد حتى تتحوّل إلى بنية نفسية مقيمة. إن هذا النص الروائي، ينهض بوظيفة فكرية وإنسانية كثيفة، ويقترح قراءة وجودية للذات المهمَّشة داخل فضاء اجتماعي يشتغل بمنطق الإقصاء الصامت أكثر مما يشتغل بمنطق العنف المباشر.

تنطلق الرواية من بنية سردية تقوم على التكثيف لا على الامتداد، وعلى الحفر في الداخل النفسي للشخصية أكثر من تتبّع الحدث الخارجي. فالزمن في «صرخة الرفض» ليس زمنًا تاريخيًا مضبوطًا، بل زمن نفسي متشظٍّ، يتداخل فيه الماضي بالحاضر، وتعود فيه الطفولة بوصفها جذرًا أوليًا لكلّ ما سيأتي لاحقًا من انكسارات. ومنذ الصفحات الأولى، يتّضح أن الكاتب لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية تقوم على تعاقب الأحداث، وإنما يشتغل على بناء حالة شعورية، تتحوّل فيها الرواية إلى فضاء اعتراف داخلي طويل، وإلى ما يشبه المونولوج الوجودي الذي يكشف طبقات الوعي المتصدّع.

الشخصية المحورية في الرواية – وهي شخصية بلا اسم واضح أو ملامح فردية دقيقة – تمثّل اختيارًا واعيًا من الكاتب لتجريد الشخصية من خصوصيتها الفردية وتحويلها إلى نموذج إنساني عام. هذا الغياب الاسمي ليس نقصًا سرديًا، بل هو آلية فنية تهدف إلى تعميم التجربة، بحيث يصبح البطل مرآةً لكلّ ذاتٍ تعرّضت للإقصاء أو النبذ أو التهميش. إن هذه الشخصية لا تُقدَّم بوصفها ضحيةً ساذجة، بل بوصفها كائنًا واعيًا بتشظّيه، مدركًا أن الرفض الذي يمارَس عليه ليس حادثًا عابرًا، بل منظومة متكاملة تتغلغل في الأسرة، وفي المدرسة، وفي اللغة اليومية، وفي النظرة الاجتماعية إلى الاختلاف.

يبرز الرفض في الرواية بوصفه قوّة غير مرئية، لا تصرخ ولا تضرب، لكنها تفعل ما هو أخطر: تُقصي، وتتجاهل، وتسحب الاعتراف. فالذات في «صرخة الرفض» لا تُقمع عبر عنف فجّ، بل تُقمع عبر اللامبالاة، عبر الشعور المستمر بعدم الجدوى، وبعدم الاستحقاق، وبعدم الانتماء. وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الفكرية التي تطرحها الرواية، وهي أن العنف الرمزي قد يكون أشدّ فتكًا من العنف المادي، لأنه يزرع الشك في صميم الوعي، ويحوّل الإنسان إلى خصمٍ لنفسه.

تتشكّل الشخصية الرئيسية عبر مسار نفسي تصاعدي، يبدأ من الإحساس الغامض بالاختلاف، ثم يتطوّر إلى وعي مؤلم بالرفض الاجتماعي، ثم ينتهي إلى لحظة الانفجار الرمزي التي تتمثّل في «الصرخة». هذه الصرخة لا تُفهم بوصفها ردّ فعل انفعاليًا فقط، بل بوصفها لحظة وعي قصوى، لحظة يلتقي فيها الألم بالإدراك، ويتحوّل الصمت الطويل إلى خطاب احتجاجي. الصرخة هنا ليست موجّهة إلى فردٍ بعينه، بل إلى المجتمع بوصفه كيانًا ضاغطًا، وإلى الذات بوصفها شريكًا في القبول الطويل بالمهانة.

أما الشخصيات الثانوية في الرواية، سواء أكانت أسرية أم اجتماعية، فإنها لا تؤدّي دورًا سرديًا مستقلًا، بل تُقدَّم بوصفها تمثيلات لوظائف اجتماعية محددة. الأب، الأم، المحيط القريب، جميعهم يتحوّلون إلى عناصر ضمن شبكة ضغط، يساهم كلّ واحدٍ منهم، بوعي أو بغير وعي، في إعادة إنتاج الرفض. الأسرة في الرواية لا تظهر كملاذٍ حميمي، بل كامتداد للمجتمع، وكحاضنة أولى لزرع الإقصاء. وبهذا المعنى، تكشف الرواية عن فشل البنى التقليدية في أداء وظائفها الإنسانية، وتُظهر كيف يمكن للمؤسسات الصغيرة أن تكون مختبرًا مبكرًا للقهر.

على المستوى الفكري، تشتبك الرواية مع أسئلة الهوية والانتماء والاعتراف. فالذات الساردة لا تبحث فقط عن مكان لها في المجتمع، بل تبحث عن معنى لوجودها ذاته. وهذا ما يجعل «صرخة الرفض» نصًا قريبًا من الأدب الوجودي، حيث يتقاطع السؤال الاجتماعي مع السؤال الفلسفي: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في عالم لا يعترف بك؟ وكيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها في مواجهة التفكك المستمر؟ إن الرواية لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تترك الأسئلة مفتوحة، وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

كما تطرح الرواية قضية الصمت بوصفه شكلًا من أشكال التواطؤ. فالصمت الجماعي إزاء الإقصاء، وتطبيع التهميش، يحوّلان الرفض إلى بنية ثقافية مستقرة. ومن هنا، تصبح الصرخة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا نفسيًا، لأنها تفضح هذا الصمت وتكسره. غير أن الرواية، في ذكاءٍ فنيّ لافت، لا تمنح الصرخة خاتمة خلاصية، بل تتركها معلّقة، مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يعكس وعي الكاتب بأن الوعي وحده لا يكفي، وأن طريق التحرّر أكثر تعقيدًا من لحظة تمرّد واحدة.

إن «صرخة الرفض» رواية تُراهن على القارئ الواعي، وتستفزّ حساسيته الفكرية والإنسانية، لأنها لا تسرد مأساة جاهزة، بل تكشف عن آليات إنتاجها. وهي بذلك تندرج ضمن الأدب الذي لا يكتفي بتمثيل الألم، بل يسعى إلى تفكيكه وتحليله، وإلى مساءلة المجتمع من داخله. ومن هنا، يمكن القول إن مختار سعيدي قدّم في هذا العمل نصًا سرديًا مكثفًا، شديد الوعي بوظيفته النقدية، وقادرًا على مساءلة القارئ بقدر ما يُحرّك تعاطفه.

في المحصلة، تمثّل «صرخة الرفض» كتابةً ضدّ المحو، وضدّ التطبيع مع الإقصاء، وضدّ تحويل الإنسان إلى هامش. إنها رواية عن الإنسان حين يُدفع إلى الزاوية، وعن اللغة حين تتحوّل إلى آخر حصون الدفاع عن الذات. وهي، قبل كلّ شيء، نصٌّ يذكّر بأن الصمت ليس حيادًا، وأن الرفض حين لا يُواجَه يتحوّل إلى قدرٍ جماعي.

***

مجيدة محمدي – تونس

................................

المراجع المعتمدة (للتوثيق الأكاديمي):

- مختار سعيدي، صرخة الرفض، الجزائر، دار النشر (حسب الطبعة المعتمدة).

- هويدة عبد العزيز، «السمات الروائية في رواية صرخة الرفض»، الملتقى العربي للأدباء، 2021.

 -عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي.

 - بيير بورديو، الهيمنة الذكورية (في مفهوم العنف الرمزي)، ترجمة عربية.

مدخل: يأتي كتاب "وعي لما بدا" للدكتورة نادرة الحسامي بوصفه سيرة ذاتية تتجاوز حدود التوثيق التقليدي إلى فضاء معرفي وجمالي رحب، حيث تتداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتحوّل السرد إلى رحلة في الوعي والهوية والمكان.

تكتب الحسامي ذاتها بصدق شفيف، وبصوت أنثوي ناضج، يوازن بين الحنين والوعي، بين التجربة الشخصية والسياق الاجتماعي، وبين التفاصيل اليومية والأسئلة الوجودية الكبرى.

وانطلاقاً من المفهوم العربي الفلسفي للذرائعية المرتبط يإيحاء اللامرئية الرسائل اللغوية في قناة التواصل بين العالمين الخارجي وعالم العقل الداخلي حيث الذرائعية مرتبطة بالبراغماتية اللغويةPragmatics  ,وكونها نظرية تختص بتحليل الأسلوب الأدبي الإيحائي داخل بيئة النص كما أسس لها منظرها الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الغالبي ضمن استراتيجيات علمية منظمة لفهم العمل الأدبي بعمق وإبراز رسالته الإنسانية والأخلاقية تسوق لنا الدكتورة نادرة حسامي في كتابها "وعي لما بدا" سيرة ذاتية عميقة متشعبة الدلالات سأتناول كل جانب على حدا من خلال مستويات مختلفة.

أولًا: المستوى التداولي (Pragmatic Level):

1- المقاصد الظاهرة:

يمتاز الكتاب ببنية سردية متدرجة، تبدأ من الطفولة والبيت العتيق، مرورًا بالأب والأم وتجارب الفقد والرحيل، وصولًا إلى الهوايات التي شكّلت متنفسًا روحيًا ووسيلة لإعادة بناء الذات في الغربة.

وتكشف الفصول الأربعة عن شخصية متصالحة مع ذاتها، واعية بجذورها، منفتحة على العالم، قادرة على تحويل التجربة إلى معنى، والذاكرة إلى حكمة، والفن إلى خلاص حيث تقول في الفصل الأول.

"كان عمري أربع سنوات، وكان الوقت ظهرًا، حين عدت ووضعتْني حافلة الروضة أمام بيتنا، ووجدت نفسي أمام مشهد مختلف لم أره من قبل! صعدتُ - وأنا الطفلة الصغيرة - تلةَ تراب وجدتها أمامي وكلي دهشة! هل لألعب أم لأرى ما حدث؟ لا أدرى! حين انتشلني عامل البلدية ووضعني جانبًا، بعيدًا عن مسار الجرّافة التي كادت أن تقتلعني، مثلما كانت قد بدأت عملها منذ الصباح في هدم بيتنا واقتلاعه من جذوره!".

- تسجيل تحولات المجتمع السوري:

إن هذا العمل ليس مجرد سيرة، بل هو مشروع هوية، ومرآة لامرأة عربية استطاعت أن تجمع بين العلم والأدب، وبين العقل والقلب، بين الانتماء والرحلة، وبين الماضي والحاضر، لتقدّم نصًا إنسانيًا رفيعًا يستحق القراءة والدراسة.

“وبعد ثلاثين سنة على الاستملاك، أصبحت عضوًا منتخبًا في المجلس البلدي، وقد رُحِّب بي للترشح لعضوية المكتب التنفيذي، ولكني خشيت ذلك، وفضلت أمانة السر على الانخراط بعملٍ أقدّر مدى مسؤوليته ومداخلاته، وإذ بي أرى وفي الاجتماع الأول للمجلس، ملف إنهاء الأمور المتعلقة بنقل ملكية عقار بيتنا المستملك إلى نقابة العمال، مدرجًا على جدول الأعمال."

- إبراز أثر الأسرة في تشكيل الوعي:

أجادت الكاتبة الحسامي ونجحت في ذلك حد الدهشة تقول:

"وأمي رحمها الله تتابعني في البيت بتعليمي القرآن والحديث، والصلاة معها وبجانبها، ولا أنسى أني تعرفت في تلك السنوات على ملكةٍ اسمها زنوبيا، شادت مملكتها في مدينة تدمر خلف جبال عكار، التي أشاهدها أمامي، فدخل بوعيي حسّ الزمان والمكان، حفظت بعض سور القرآن والأحاديث، وتعرفت على جسم الإنسان، وتعلمت اللغة الفرنسية، وكانت أصعب مقرر بالنسبة إلي."

"تشبّعت بمنهج والدي التربوي، وبمجال الحرية الذي أعطاني إياه؛ لأنه توافق أيضًا مع أفكاري التي تشرّبتها حول حرية المرأة، وحقها في التعلم ومساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجل، في ذلك العهد كانت الدعوات مرتفعة، لتعليم المرأة وإرسالها لتكمل تعليمها بعد البكالوريا، وأيضًا لكشف الغطاء عن وجهها."

- تجربة الاغتراب:

لقد قدمتْ لنا الدكتورة نادرة الحسامي تجربة امرأة عربية في السفر والعمل والاغتراب لنسمعها تقول:

"كانت مرحلة التكوين الأولى عندي، أي ما بعد الثانية عشرة، مع بدء سن المراهقة، على غاية من الصعوبة والأهمية، فهي بداية الإدراك والنضج، وسن الإجابة عن الأسئلة الكبرى في الحياة، كانت مرحلة وعي حاد، وربما قبل الأوان، نقلتني من حال إلى حال، من فتاة تقرأ قصص الحب والمغامرات والخيال، إلى فتاة تحمل قضية، هذا الكلام كبير الدلالة والبعد، وتمضي الأيام، وبعد سنوات أذهب في عقد عمل إلى ليبيا للعمل في التدريس ووالدي معي، وجدت هناك تنوعًا في اللباس بما يتناسب والطقس الحار، فالطالبات في الجامعة يرتدين عمومًا البنطال والقميص، وأيضًا التنورة الطويلة، دون جراب مع بلوزة بكمٍّ معتدل الطول، وبالحجاب أو من دونه، هذا اللباس كان قريبًا إلى حدٍّ ما من لباسي، فلم أكن مضطرة لتغيير طريقتي في اللباس، أما اللباس التقليدي للنساء الليبيات، فهو خاص بالسيدات المتزوجات.

وأذهب مرة أخرى في عقد عمل الى اليمن الحضرمي ووالدي برفقتي، والعباية والخمار هما لباس المرأة الحضرمية التقليدي."

2- المقاصد الضمنية:

وبما أنّ الذرائعية ترى أنّ الكتابة أرقى من النطق لأنها تستمر وجوداً في شكلها المكتوب، بينما ينطفئ الصوت بانتهاء النطق وبما أنّ الدلالة المكتوبة أكثر ثباتاً وقوة من الدلالة الصوتية حسب ماورد في المجلدين الخامس والسادس لمؤسس النظرية الذرائعية الدكتور عبد الرزاق الغالبي" الذرائعية والتحليل النقدي العلمي"،" الذرائعية والإدراك وتكنولوجيا اللغة."

- وجدت الحسامي نفسها تُقاوم الاغتراب عبر الكتابة فهي التي تقول:

"لي هواية أحببتها، صاحبتني خلال دراستي عندما تتاح، لا أعرف إن كانت هواية، أم هي تفريغ نفس، أم حالة بحث عن أمر صعب المنال أسعى لتحقيقه دومًا؟ فحين أفكر وأرغب للفكر أن يسرح، أمسك بالقلم وأرسم زهرة أو شجرة وأتفنن في تفرعاتها واتساعها وعلوها، أو أكتب اسمًا أو كلمة، أو أجدهما مكتوبتين على ورقة أمامي، وتجدني أسعى لوصل الحروف ببعضها، وضم الألف إلى جارتها.

كنت أجد في الكتابة تلك بعدًا عن واقع أعيشه في بلد الاغتراب، يتطلب مني أن أهتم به لغة وحضورًا وحراكًا، ووالدي دومًا كان بجانبي يتطلب مني الرعاية، فتوقفت عن كتابة السيرة على رواية وسرد، وبدأت أكتب المقالة، وجذبتني إليها، ولم أعد أعرف كيف أخرج منها؟."

- لقد حرصت الحسامي على تثبيت الهوية السورية – الحمصية – في مواجهة الشتات، جاء في الفصل الثالث وللمدينة لحن وحديث:

"زيارة مدينتي تعني زيارة أماكن الذكرى بعد انقطاع، وأي انقطاع؟ إنه زمن الحرب والدمار وتصارع القوى، حصدت معها الأخضر واليابس في مواقعها، وانعكست تعبًا ومرضًا وجوعًا ويبابًا فيما حولها، تجولت في مركز المدينة، وفي سوق الحميدية ولي فيه منزل، وتابعت المسير في السوق المسقوف وشارع أبي العوف وباب هود، وكان فيه منزل الأجداد، البعض منها ما زال قائمًا يتحدث، والآخر قيد محاولة الترميم، والمشهد على بعضه ألوانه قاتمة وباهتة، بلون رمادي فاتح حينًا، وداكن حينًا آخر، ويفاجئك بينها اللون الأحمر الفاقع والأصفر والبنفسجي، يريد أن يصرخ ويظهر رغم القتامة.

سرني مظهر السوق المسقوف بعد ترميم الشارع الرئيسي به، بسقفه الفيروزي والإنارة الطبيعية تخترقه، ومحال الصناعات التقليدية الشعبية، وأيضًا المقهى الحديث الذي قام بجهود شباب سوق العيصرية، ذكرني بمشهد مقهى شاهدته في إحدى المدن التي زرتها في سويسرا باختلاف بسيط، "بعد الغداء تجولنا في المدينة القديمة، زرنا كنيسة أم الزنار التي جددت بالأحجار السود، ثم توجهنا لرؤية بيتا، كنا قد سكناه لأكثر من ثلاثين عامًا في هذا الحي، كان قاتمًا ومهجورًا وكئيبًا، ثم توجهنا إلى بيتنا في حي الوعر ليزوره ابن أخي بصحبة زوجته وأولاده."

- ومما يحسب لها قدرتها على تحويل الذاكرة إلى قوة نفسية حيث قدّمت نموذجاً أنثوياً متوازناً بين الأصالة والانفتاح من خلال إعادة قراءة الماضي بوصفه مرجعًا للحاضر:

"ولا أنسى في تلك الفترة من العمر، كم عاكست أبي عدة مرات في طول الفستان الذي ألبسه، حتى يكون جميلًا كما أستحلي، فأنا أحب الجمال وأحس به."

ثانيًا: المستوى الأخلاقي (Ethical Level):

الذرائعية تعتبر الأدب رسالة إنسانية قبل أن يكون جمالية لغوية نلاحظ صدق الكاتبة الحسامي والكشف عن نواياها في إبراز القيم الانسانية حيث أشادت الحسامي بقيم الأسرة من حيث تقديس الأب والأم، والامتنان للجيل السابق، واحترام التربية القائمة على الحشمة والحرية معاً تقول:

"ففهم أهلنا جزء من فهم أنفسنا بالتأكيد؛ لأنهم المؤثر الأول في تكويننا، ومن لا يهتم بذلك لا يهتم بفهم نفسه، وأما الحديث عن هذا، فالبعض يتركه مكتومًا يتستر عليه حتى مع نفسه ومع أولاده، ويخشى غضبًا من الله وممن حوله، وهذه مفاهيم متغلغلة في أعماق تكويننا؛ لأننا شعوب لم تعرف الراحة يومًا وتخشى الآخر دومًا، نحن نحب أهلنا؛ لأننا لولاهم لا وجود لنا، أعطونا ما استطاعوا حتى نهضنا، وبتنا بذرة صالحة تشبههم وتختلف عنهم بذات الوقت، كلٌّ له لونه لكن الأصل واحد، والوعي هو إدراك هذا الاختلاف".

- ونسمعها تصدح بقيم المرأة ومساواتها مع الرجل، وتركز على أنّ الحجاب تجربة شخصية لا شعارًا أيديولوجيًا حيث أنّ الحرية مسؤولية، وليست انفلاتًا:

"اشترى لي والدي إيشاربًا مكسور البياض من أفضل الأنواع كعادته، في اليوم التالي وضعته على راسي وذهبت إلى المدرسة، وكنت حينها في بداية المرحلة الإعدادية، وكانت معلمة التربية الدينية شابة مندفعة وكلها حيوية، وكنت أهابها وأعجب بحيويتها، لا أذكر كم بقيت في حجابي، هل عدة أيام أو ولا يوم؟ كل ما أذكره أن أخي قد سافر إلى دمشق للدراسة في الجامعة، وأني نسيت الإيشارب في المدرسة، إما في حصة الرياضة، أو في حصة التدبير المنزلي، عندما فطن أبي وسألني في يوم ما، أين الإيشارب؟ قلت له نسيته في المدرسة، سمع ولم يعاود شراء حجاب آخر، ولم تعد لي علاقة به من يومها، وأخي الذي غادرنا إلى كلية الأدب الفرنسي، وشاهد وسمع ودرس نسي موضوع الإيشارب ولم يعد يذكره. "

- كما أكدت الحسامي على أنّ التفوق العلمي طريق للكرامة وهي التي تفوقت بنيل شهادة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية مع تمسكها بقيم المجتمع واحترام العرف في كل بلد، حيث الاحتفاء بالعيد وطقوسه تقول:

"شاهدت أمي تستعد له في يوم الوقفة بعمل الأكل الاحتفالي: طبق الكبة، والأقراص المبهرة الدسمة المغطسة بالحليب، والتي ما زال طعمها تحت لساني، كنا نستيقظ في الصباح باكرًا على صوت الأذان والتكبير، لنذهب إلى المقبرة ونعايد أمواتنا، ونتحدث إليهم، نحدثهم عنا وعن أحبابنا وأحبابهم لكي يشاركونا هذه الفرحة، ونزين بيوتهم بالأزهار، ونبهج أرواحهم بتوزيع الحلويات على من نرى ومن نحب، ثم نلتقي بالجمع مصادفة أو باتفاق، نتبادل التحية والتهاني بالعيد، الرجال يعودون أدراجهم لصلاة العيد في المساجد، ثم إلى البيوت ليرتاحوا قليلًا، ويبدؤوا بعد ذلك بزيارة الأحبة الأحياء في بيوتهم ومعايدتهم: الأم والأب، والأخوة والأخوات، ثم العمات والخالات، ويليها النسب الثالث من أولاد العم والعمة، فالعيد مناسبة دينية واجتماعية بامتياز. "

هذه القيم تمنح النص بعدًا تربويًا رقيقًا، غير مباشر.

ثالثًا: المستوى النفسي (Psychological Level)

- الطفولة كمصدر للوعي:

وهذا ما لمسناه من رغوة الصابون إلى أول إيشارب، حيث تشكلت شخصية الكاتبة عبر تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة.

- العلاقة مع الأب والأم حيث الأم:

رمز الإيمان والرضا (بقجة الموت) التي تصحبها في حلّها وترحالها

والأب:

رمز الفكر والمعرفة (بقجة العقل)

والابنة:

امتداد روحي لهما.

- كما كان الاغتراب عند الحسامي كاختبار للنفس حيث السفر إلى ليبيا واليمن وجنيف وهذا يكشف عن شخصية مرنة، قادرة على التكيف دون فقدان الهوية.

- إضافة إلى إلمامها بالفنون كعلاج دائم من خلال الرسم، تنعيم الكلمة، الغناء، الكتابة…كلها أدوات لتسكين الألم وبناء الذات.

رابعًا: المستوى الجمالي (Aesthetic Level):

وفيه نلمس جماليات اللغة، لغة شفافة، رقيقة، ذات إيقاع هادئ .جمل طويلة لكنها منسابة.

سرد تأملي يوازن بين العقل والعاطفة. كما نلمس جماليات الصورة في" بقجة الموت "صورة تجمع بين الرهبة والحنين.

"بقجة الأب "صورة مبتكرة للمعرفة:

"كان لأبي بقجة يحملها معه في رأسه أينما ذهب وأينما حل، سهلة الحمل لا تتعب إلا صاحبها، يستعين بها في أحلك المواقف وأصعبها، لتُخرجه من الظلمات إلى النور، تعب على بقجته كثيرًا منذ أن كان طفلًا وحتى آخر أيامه، بقجته ملونة بألوان الأزهار، ناعمة وحساسة حينًا، وقاسية وواخزة حينًا آخر، يتكئ عليها ففيها تجربة، بل تجارب، عاشتها أنفسٌ وحاكتها وتعبت حتى أطلقتها أقوالًا وحكمًا وأشعاراً"…

المدينة المدمرة لوحة رمادية تتخللها ألوان صارخة . الكلمة التي تُنعَّم حتى تصبح شكلًا فنيًا.

- ولجماليات الزمن عند الحسامي نوع آخر حيث الزمن في الكتاب ليس خطيًا، بل دائريًا:

حاضر → ذاكرة → حاضر → حكمة

أما جماليات المكان فنراها:

- في حمص: الجذر.

- ليبيا واليمن: التجربة.

- جنيف: الوعي الجديد.

خامسا: المستوى البنائي (Structural Level):

الكتاب مبني على حركة داخلية واضحة:

- الفصل الأول: الذاكرة الأولى

البيت العتيق، الطفولة، الحجاب، التفوق.

- الفصل الثاني: الأب والأم

بقجة الأم (الجسد).

بقجة الأب (الفكر).

- الفصل الثالث: المكان والرحيل

زيارة المدينة بعد الحرب، مواجهة الخراب، وداع الذكرى.

- الفصل الرابع: الذات المبدعة

الرسم، الغناء، الكتابة، تنعيم الكلمة.

وهذا البناء يشبه رحلة وعي تتصاعد من الخارج إلى الداخل، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الذاكرة إلى الإبداع.⁠

سادسًا: المستوى البراغماتي (Pragmatic Efficiency):

الأثر في القارئ يعيد إليه ثقته بالذاكرة.

يفتح أمامه بابًا للتأمل في معنى الحجاب، والحرية، والأنوثة.

يذكّره بقيمة الأب والأم.

يوقظ فيه الحنين إلى المدن التي تغيّرت.

يمنحه نموذجًا لامرأة عربية ناجحة، متوازنة، واعية.

يثبت أن الفن علاج، وأن الكتابة خلاص.

الخلاصة الذرائعية:

"وعي لما بدا" ليس مجرد سيرة ذاتية، بل مشروع هوية.

تكتب الدكتورة نادرة الحسامي ذاتها عبر: الذاكرة- العائلة- المكان- الفن-التجربة-الحكمة

لتقول في النهاية:

"إن الإنسان هو ما تصنعه يداه، وما يحمله قلبه، وما يتركه من أثر في الآخرين.

إنه كتاب يزاوج بين الحنين والوعي، بين الجمال والفكر، بين الماضي والحاضر، الكتاب رحلة وعي متكاملة، تُظهر امرأة عربية قوية، حساسة، مثقفة، قادرة على تحويل التجربة إلى معنى، والذاكرة إلى نور. حيث تقدم لنا نصاً إنسانياً رفيعاً يستحق القراءة والدراسة.

خاتمة ورأيي الشخصي:

في قراءتي لكتاب" وعي لما بدا"، وجدت نفسي أمام نصّ لا يُقرأ بعين الناقد فقط، بل بعين الإنسان الذي يلتقط من بين السطور نبضًا حيًا، وذاكرة تتنفس، وروحًا تصوغ ذاتها من جديد.

لقد استطاعت الدكتورة نادرة الحسامي أن تقدّم سيرة لا تُروى من أجل الحنين وحده، بل من أجل الوعي، من أجل أن نفهم كيف تتشكل ذواتنا عبر ما نحب وما نخسر، عبر ما نتعلم وما نترك، عبر ما نحمله معنا وما نودّعه.

هذا الكتاب يعيد للقارئ ثقته بالذاكرة، ويذكّره بأن الإنسان هو حصيلة ما عاشه وما وعاه، وأن الجمال يمكن أن يكون طريقًا للنجاة، وأن الفن — بكل أشكاله — قادر على تضميد ما يعجز عنه الكلام.

أضع هذه الدراسة الذرائعية بين يدي القارئ تقديرًا لجهد الكاتبة، واعترافًا بقيمة النص، وإيمانًا بأن السيرة الذاتية حين تُكتب بصدق، تصبح مرآةً لنا جميعًا.

***

سمر أبو السعود الديك

13/1/2026

«نِداءٌ.. إلى الفجر البعيد»:

يأتي نصّ «نِداءٌ.. إلى الفجر البعيد» للشاعرة التونسية هندة السميراني بوصفه تجربة شعرية مشبعة بالقلق الوجودي، ومترعة بنبرة المناجاة والانتظار، حيث تتحول اللغة إلى فضاء اعتراف، ويغدو الشعر فعلاً للبحث عن المعنى وسط عتمة الذات والعالم. فالقصيدة لا تكتفي بتسجيل حالة وجدانية عابرة، بل تؤسس لبنية رمزية عميقة، تتقاطع فيها ثنائية الليل والفجر، بوصفهما علامتين على الانكسار والتجاوز، على التيه والولادة، وعلى الألم والأمل.

تنطلق هذه الدراسة من منظور نقدي هيرمينوطيقي يسعى إلى قراءة النص في طبقاته المتعددة: لغويًا وبلاغيًا، جماليًا وفنيًا، فكريًا وفلسفيًا، نفسيًا واجتماعيًا، وسيميائيًا ومنهجيًا، من أجل الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وتتبع مسارات الدلالة الظاهرة والمضمرة. كما تهدف إلى بيان قدرة الشاعرة على توظيف الأدوات الإيقاعية والبلاغية والصورية لتشكيل خطاب شعري يجمع بين الصياغة الكلاسيكية وروح الحداثة، وبين الموسيقى الخارجية والنبض الداخلي للغة.

إن هذه المقاربة لا تسعى إلى تفكيك النص تفكيكًا تقنيًا فحسب، بل تروم الإنصات إلى صوته العميق، واستنطاق أسئلته الوجودية والإنسانية، وفهم علاقته بالسياق الثقافي والنفسي الذي وُلد فيه، بما يجعل من القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الذات مع العالم، واللغة مع الوجدان، والجرح مع الحلم بالفجر البعيد.

 قصيدة «نداءٌ.. إلى الفجر البعيد»، تمثل نصاً غنائياً مشحوناً بطاقة وجدانية عالية، تتقاطع فيه ثنائية الليل/الفجر بوصفها بنية رمزية مركزية تُجسِّد الصراع بين القهر والأمل، بين الانكسار والتجاوز. تنبني القصيدة على خطاب مناجاة، يتجه فيه الصوت الشعري إلى الليل، إلى القلب، إلى الذات، وإلى “أنت” الغائب/الحاضر، ليصوغ سردية وجدانية تتأرجح بين التوق والخذلان، وبين الخوف والتوق إلى الانبعاث.

النص ليس مجرّد بوح عاطفي، بل بناء رمزيّ تتجاور فيه اللغة الموسيقية، الصورة الكثيفة، والبعد التأويلي الذي يفتح النص على طبقات من المعنى.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة، محافظة على القواعد النحوية الأساسية، مع توظيفٍ واعٍ للأسلوب الإنشائي والخبري. نلاحظ هيمنة:

أسلوب النداء:

«يا ليل ارحل»، «يا نبض قلبي»، «يا ليل عمري» وهو أسلوب يشي بعلاقة حميمية مع المجرد، حيث تتحول المفاهيم إلى كائنات تُخاطَب.

الاستفهام الإنكاري والوجداني:

١- «إلام الحزن يعزفني؟»

٢- «هل تطرب الروح لا ينتابها الشغف؟»

الاستفهام هنا ليس طلباً للجواب، بل تكثيف للحيرة والاحتجاج الداخلي.

من حيث التراكيب، تعتمد الشاعرة الجمل الفعلية لتكثيف الحركة:

«ارحل»، «اشرب»، «داوِ»، «يعزفني»، «جال»، «سافر»، «هام»

وهو ما يمنح النص دينامية داخلية رغم كونه نص تأمل وبوح.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ منتقاة بعناية:

(الشجون، الجرح، النبض، الحلم، البوح، الأماني، اليقين، الصبر، الظنون)

وهي مفردات تنتمي إلى الحقل الوجداني-الروحي.

التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ فلا نجد حشوًا لغوياً، بل كثافة دلالية. مثال:

«كم جاب حرفي دروب الحلم نائية»

اللفظ «جاب» يوحي بالمشقة، و«نائية» تعمّق الإحساس بالبعد الوجودي، لا المكاني فقط.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة مكتوبة على وزن خليلي واضح، مع التزام نسبي بالقافية الموحدة (فُ):

ينكشف – الشغف – يعتكف – ينخسف – يرتجف – يعترف – نلتحف – أصف – ينجرف – تقتَرِف

هذا التوحيد يمنح النص وحدة موسيقية داخلية، ويعزز الشعور بالانتظار والدوران في الفكرة ذاتها.

الجرس الصوتي قائم على:

تكرار الحروف الرخوة: (ن، م، ل، ف)

كثرة المدود: (ليــل، فـجــر، حــلــم، نــور)

وهو ما ينسجم مع الجو الحزين المتأمل.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة ذات بنية غنائية، لا سردية، تعتمد التراكم الشعوري لا التسلسل الحكائي. الزمن فيها دائري: ليل يتكرر، خوف يتكرر، سؤال يتكرر، مقابل حلم بالفجر.

المنهج الوصفي يظهر في تصوير الحالات النفسية:

«يعرى يقيني ويبكي الصبر»

والمنهج التحليلي يظهر في مساءلة الذات:

«إلام الحزن يعزفني؟»

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعرةهنده السميراني للعالم قائمة على:

١- عالم مأزوم

٢- ذات مجروحة

٣- أفق خلاص يتمثل في «الفجر»

الانسجام بين الشكل والمضمون واضح:

الإيقاع الحزين، الصور المظلمة، والنداءات المتكررة تخدم رؤية وجودية قلقة تبحث عن ضوء.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الانزياح حاضر بقوة:

«الحزن يعزفني» - تشخيص للحزن كعازف، والذات كآلة.

«البوح أسرابًا» - تحويل المعنوي إلى بصري متحرك.

«ينحني نجم» - كسر المألوف في صورة النجم المتعالي.

هذا الانزياح ينتج الدهشة ويكسر النمط المباشر للبوح.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص.

النص يطرح أسئلة وجودية:

١- معنى الانتظار.

٢- جدوى الألم.

٣- علاقة الأمل بالخوف.

ليس النص سياسياً أو اجتماعياً مباشراً، بل وجودي وجداني، يلامس سؤال: كيف نحيا في ظل القلق؟

2. الأفق المعرفي

يحاور النص:

١- تراث المناجاة الصوفية

٢- أدب الشكوى الوجداني

٣- ثنائية الظلام/النور ذات الجذور الدينية والفلسفية

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

في العمق، الليل ليس زمناً فقط، بل:

١- رمز للخذلان

٢- رمز للواقع القاهر

٣- رمز للذات المأزومة

والفجر ليس مجرد صباح، بل:

١- خلاص

٢- ولادة جديدة

٣- معنى متجاوز للألم

القصيدة إذاً نص انتظار وجودي، لا غزلاً عاطفياً فقط.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

كُتبت القصيدة في جانفي 2021، زمن عالمي مأزوم (جائحة، قلق إنساني، اضطراب وجودي). لا تشير الشاعرة هنده السميراني مباشرة إلى الحدث، لكنها تعبّر عن روحه: الخوف، الانتظار، التوق للخلاص.

النص يقع ضمن الشعر الوجداني الحديث الذي يمزج بين:

الشكل الكلاسيكي (وزن وقافية)

الروح الحديثة (القلق، الاغتراب، السؤال الوجودي).

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

يسيطر على النص:

١- الحزن

٢- الحنين

٣- القلق

٤- الرجاء المتردد

2. الذات الإبداعية

الذات:

١- جريحة.

٢- مترددة.

تبحث عن حضن، عن نور، عن معنى

3. النبرة النفسية:

النبرة مزيج من:

١- الشكوى

٢- التوسل

٣- الأمل الخافت

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

رغم طغيان البعد الفردي، يمكن تأويل النص اجتماعيًا:

الذات هنا تمثل إنسانًا مأزومًا في عالم مضطرب

١- الليل يمكن أن يرمز إلى واقع خانق

٢- الفجر إلى أمل جماعي بالخلاص.

الشاعرة السميراني تؤدي دوراً وجدانياً نقدياً: لا تصرخ سياسياً، بل تفضح الألم الإنساني بلغة شعرية.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية

١- الليل: القهر، التيه، الانتظار

٢- الفجر: الخلاص، التجدد

٣- النجم: الأمل البعيد

٤- الجرح: الذاكرة المؤلمة

٥- الصوت/الهمس: حضور الغائب

2. الثنائيات الدلالية

١- ليل / فجر

٢- خوف / أمل

٣- صمت / غناء

٤- جرح / شفاء

3. النظام الرمزي

الفضاء كله يتحول إلى مسرح رمزي: الليل، الحلم، النجم، الحرف، كلها علامات على الداخل الإنساني.

ثامناً: الأسس المنهجية:

القصيدة قابلة للقراءة عبر:

١- المنهج الأسلوبي: في الإيقاع والتكرار.

٢- المنهج النفسي: في البنية الشعورية

٣- المنهج التأويلي: في رمزية الليل والفجر

٤- المنهج السيميائي: في شبكة العلامات.

وتحافظ الدراسة على صرامة منهجية عبر:

١- تفكيك المستويات

٢- ربط الشكل بالمضمون

الانطلاق من النص لا من إسقاطات خارجية

- خاتمة:

«نداءٌ.. إلى الفجر البعيد» ليست قصيدة شكوى عابرة، بل نص وجودي كثيف، يجمع بين جمال اللغة، وعمق الرمز، وصدق التجربة. الشاعرة هندة السميراني تنجح في أن تجعل من الألم مادة جمالية، ومن الانتظار طقسًا شعريًا، ومن الفجر وعدًا لا يُرى بالعين بل يُلمَس بالروح. النص يؤكد أن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة إنسانية لمقاومة العتمة بالمعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...........................

نِدَاءٌ..إِلَى الْفَجْرِ الْبَعِيدِ !!

يَا لَيْلُ ارْحَلْ فَلِي فِي الصُّبْحِ أُغْنِيَةٌ

وَاشْرَبْ شُجُونِي ودَاوِ الْجُرْحَ يَنْكَشِفُ

*

يَا نَبْضَ قَلْبِي، إِلاَمَ الْحُزْنُ يَعْزِفُنِي؟

هَلْ تَطْرَبُ الرُّوحُ،لاَ يَنْتَابُهَا الشّغَفُ؟

*

كَمْ جَابَ حَرْفِي دُرُوبَ الْحُلْمِ نَائِيَةً

وَاشْتَاقَ صَدْرِي لِحِضْنٍ فِيهِ يَعْتَكِفُ!

*

كَمْ سَافَرَ الْبَوْحُ أَسْرَابًا لِأُمْنِيَتِي

وَانْسَابَ لَحْنًا لِعِشْقٍ كَادَ يَنْخَسِفُ!

*

كَمْ هَامَ حِسِّي بِذِكْرَى كُنْتَ تُوقِدُهَا

وَارْتَابَ سَمْعِي لِهَمْسٍ مِنْكَ يَرْتَجِفُ!

*

يَا لَيْلَ عُمْرِي، إِلاَمَ الْخَوْفُ يَلْبَسُنِي؟

يَعْرَى يَقِينِي وَيَبْكِي الصَّبْرُ، يَعْتَرِفُ

*

سَاءَلْتُ دَمْعِي وَقَدْ جَادَتْ بِهِ مُقَلٌ

حَتّامَ نَأْسَى، بِنَزْفِ الْجُرْحِ نَلْتَحِفُ؟

*

حَتَّامَ نَشْكُو ونَقْفُو دَرْبَ مُعْجِزَةٍ

يَا أَنْت، يَا أَرْضَ أَوْجَاعِي لَهَا أَصِفُ؟

*

إِنِّي أَرَى ضَوْءَ نَجْمٍ يَنْحَنِي، حُلُمًا

يَنْسَابُ نُورًا، يُزِيحُ الْعَتْمَ، يَنْجَرِفُ

*

فَامْنَحْ ظُنُونِي سَلامًا، يَنْجَلِي وَجَلِي

وَاتْرُكْ حُرُوفِي تَثُرْ، لِلْحُلْمِ تَقْتَرِفُ

***

 هنده السميراني - (جانفي 2021-)

سرديات المحو وانبثاق المسكوت عنه

يُهمس المسكوت عنه في السرد كصوت خافت داخلي، كيان لا يُسمع بالأذن لكنه يُحس بالروح. هو الظل الذي يهيم خلف الكلمات، والفضاء الشاغر؛ حيث ينبثق المعنى من صمت عميق، كأن النص يتنفس بصمت في عُمق القارئ؛ لا يُعلن عن نفسه في وضوح، بل يُحيك خيوطًا من الضباب الرمزي، يدعو الفكر إلى الخوض والتأمل والربط بين ما لا يُقال وما يُفهم. هو فن الإيحاء الخفي، الذي يتحول به السرد إلى مرآة تعكس الحياة في تعقيدها: مغلقة الغموض، معطوبة الطهر، مشبعة بأسرار لا تنطق بها الكلمات، لكنها تظل حاضرة في أفق الإدراك.

هذا الصمت المتعمّد ليس غيابًا، بل حضورٌ خفي، كأن الكاتب يرسم لوحة نصفها بياض، تاركًا للقارئ أن يملأه بألوانه. في هذا البياض، تتشكل العواطف المكبوتة، والحقائق المحجوبة، والأسئلة التي لا إجابة لها. هو توتر خفي ينبض في السكون، يوقظ الفضول، يحرّك الروح. لكنه سلاحٌ ذو حدين؛ فإذا أُفرط فيه، ضاع النص في متاهة الغموض، وإذا أُحسن، صار النص لحنًا يرنّ في القلب، يدعو للتأمل، للعودة، لاكتشاف ما يختبئ في الظلال.

في عالم نجيب محفوظ – على سبيل المثال - نجد هذا الفن يتجلى في "بين القصرين". لا أحد يتحدث عن انهيار القيم التقليدية في مصر القديمة، لكن غضب كمال من زواج أبيه السري، وأصوات الشارع "الغريبة"، تُلمح إلى عالم يتغير بصمت. هنا، المسكوت عنه يعكس صراع الزمن، ويتركنا نربط النقاط بأنفسنا. وفي قصة "الجدار" لسارتر Le Mur 1954، لا يُفسر رعب الموت، بل يُحس عبر جدار بارد، ودم يتسرب ببطء، مما يدفعنا لمواجهة الفراغ الوجودي. حتى في الشعر العربي، مثل "الأطلال" لإبراهيم ناجي، لا يُسمّي الشاعر ألمه، بل يتركه يتردد في صور الأطلال المهجورة، فنشعر بالفقدان كما لو كان لنا.

وفي ضوء ذلك، يعدُّ المسكوت عنه قوة تجعل النص حيًا، لأنه يعكس الحياة: مزيج من الوضوح والغموض. إنه يدعو القارئ ليكون مبدعًا، يملأ الفراغات ويربط الخيوط. لكن إذا أُسيء استخدامه، قد يُغرق النص في الالتباس؛ والكاتب البارع يوازن بين التلميح والوضوح، يستخدم رمزًا بسيطًا كساعة متوقفة ليحمل معنى عميقًا، أو يترك جملة مجزوءة لتدفعنا إلى التساؤل. إنه السحر الذي يجعل النص يتنفس، ويجعلنا نعود إليه مرة بعد أخرى، لاكتشاف ما لم نره من قبل؛ ولكن، ما الذي يجعل من الصمت معنى، المشار إليه في المسكوت عنه؟ وكيف نَعدُّ ما هو خارج مركزية المتن نصا؟ وما الذي يجعل من الهامش المغيب قسرًا، معنىً؟، وبصورة أدق كيف يتحول ما هو غير مكتوب إلى كتابة؟ بخاصة إذا كان المعنى مرهونا بتحقق وجود ما يدل عليه في السياق، الذي تفرضه سبل اتصال الخطاب أو التخاطب، أو الإيماءة، وقبل ذلك، كيف بنا نولِّد نصًا من الفكرة قبل إظهارها للوجود فيما تشير إليه لفظا، أو كتابة، أو إشارة؟ والحال هذه، كيف يمكن الجمع بين المسكوت عنه والخطاب؟ إذ المعنى لا يتبلور قبل تجسيده إلا بما يحققه السياق التداولي، أو الإشارة التي تأويه.[1]

وتبعًا لذلك، فإم هذه الدراسة لا تقتصر على تتبع المعنى الظاهر في سردية " قيامة البتول الأخيرة – الأناشيد السرِّية"، بل تنطلق نحو استكشاف أفق المضمر، ذلك المستوى الخفي الذي يسبق اللغة الواصفة، ويشكّل نواة الفكرة وهو ما أسميناه باللغة المدارية[2]. والحال هذه، نحن هنا لا نحلّل الرؤية السردية بمعناها العابر، بل نعيد كتابتها تأمليًا، مستحضرين لحظة التلاقح بين الصورة واللفظ، حيث تتحول الفكرة إلى أداة في صناعة الصورة الإبداعية، والصورة بدورها تولد عبارات ضمنية تتعقّب جذوة الكلمة المتوهجة في النص؛ لأن اللغة المدارية تلقي بظلالها على المسكوت عنه، وتشكل طاقة رمزية قصوى، وتتجاوز حدود إحالتها الداخلية إلى ضرب من الحدس لمعنى ما، بما يتجاوز الإمكانات البلاغية، وهو ما أشار إليه بول ريكور Paul Ricœur في الاستعارة الحية، المشدودة بعالم النص، وعالم الوجود بالتفرد في النص الموازي (المضمر)، وتجاوزه الشفرات المتواضع عليها في متن النص الظاهر، سعيا - بتعبير اللغة المدارية - إلى توصيل معانٍ لا يسوِّغها ظاهر النص، ومن هذا المنظور تدفعنا اللغة المدارية إلى البحث فيما وراء المجازات بمعناها الخاص، وإدراك نظام التناسب في محسنات التركيب...ومن هذا القبيل محسنات الفكر الخيالية (إنطاق غير الناطق Prosopopée )[3].

في رواية قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) لا يظهر "المضمر" بوصفه ظلًا للظاهر، أو معنى تابعًا له، بل يتجلى كطاقة كونية مضمَرة تتخفى خلف الكلمات لتعيد صياغة النص والعالم في آن، بحيث يصبح السرد مجالًا لانبعاث خفي يخلخل المألوف ويفتح أفقًا جديدًا للوجود والمعنى، فيغدو السرد أشبه بطقس أسطوري يولّد القيامة في كل قراءة جديدة، حيث تتخذ الأحداث والشخصيات طابعًا رمزيًا يتجاوز السياسي والديني؛ ليكشف عن صراع أبدي بين النور والظلمة، والحقيقة والزيف، والظاهر والمستور، فتتحول الماسونية في بنيته السردية من مجرد فاعل تاريخي خفي إلى تجلٍّ لـ"اليد الخفية" التي تحرّك مسار الوجود، فيما يجعل المضمر من النص نفسه كونًا ثانيًا، يولد فيه العالم على إيقاع الأناشيد السرية، ويصبح القارئ شريكًا في الخلق عبر تأويله، كأن القراءة قيامة متكررة تستدعي الموت والبعث، الخيانة والتطهير، لتؤكد أن العالم لا يُفهم في سطحه، بل يتجلى على نحو أسطوري في مضمَره الذي يظل دائمًا القوة الخفية المحركة للحياة والنص معًا.

والحال هذه، يحتلّ مفهوم "المستور" موقعًا مركزيًا في مخيال الرواية، فهو يشير إلى ما يُخفى عن الأنظار بدافع الخوف، أو العيب، أو السلطة، أو العرف. وقد ارتبط – هذا المستور - في الوعي الجمعي بلفظ "الحرام" أو "المحظور"، بحيث صار كشفه نوعًا من الخرق، أو التجديف، أو التمرد على التقاليد. وفي الأدب، يتخذ "المستور" طابعًا أوسع؛ إذ يغدو المسكوت عنه الذي يُقمع حضوره في الخطاب الاجتماعي والسياسي، لكنه يتسرب في الكتابة باعتبارها مساحةً للمواجهة. في هذا الإطار، تُفهم رواية قيامة البتول الأخيرة بوصفها حقلًا خصبًا لتعرية المستور؛ إذ أخذت على عاتقها كشف عيوب كل المحظورات، والمحجورات، والمقيّدات، فضلا عن كل ما يمت بصلبة إلى الفساد السياسي والتواطؤ اجتماعي. فالكاتب لا يقدّم روايته على أنها حكاية، بل ممارسةً جمالية تقوم على وظيفة الكشف والفض. وعلى الرغم من ذلك، لا يقدم التحليل معنى جاهزًا ضمن نسق الدلالة التفاضلية، بل يفتح فضاءً للمتلقي ليغوص في المضمر المستتر، فيكشف ما اختبأ وراء القناعات المستعارة بلا حدود. إن المضمر، بهذا المعنى في "قيامة البتول الأخيرة"، لا يُعبّر عنه إلا بما لا نهاية له في الخطاب الواصف؛ إذ يتجدد المعنى مع كل قراءة جديدة.

وهكذا، يصبح التدبر نوعًا من رؤية كشفية، يبحث في علاقتنا بالْتِماس الرغبة والفهم، حيث لا ينحصر دور القارئ في تقليد الإبداع الأول، بل يمتد ليصبح متلقيًا كاشفًا، ومبدعًا في آنٍ واحد، يشهد انبثاق معنى جديد ينبع من المضمر، وهو معنى لا ينفصل عن تجربة الإدراك العميق. فالخطاب الواصف/المضمر يبدأ حقًا حين يكون باعثًا على الفهم، مولّدًا لتجربة إدراكية تسمح للمتلقي بتجاوز المألوف، كما تفعل الذات المبدعة حين تهوي نحو ما هو أضعف التوقعات وأكثر ابتكارًا.

تفتتح الرواية بخطاب يضع المتلقي في مواجهة الوجود ذاته، حيث يُراد من الواقع أن يبدو أغرب من الخيال، وأشد وطأة من كل تصور عقلي، بحيث يصبح اللامعقول معيارًا للصدق، والغرائبية مرآة للجوهر المختبئ خلف السطح، على نجو ما جاء في السرد:

قد يكون الواقعُ أغربَ من الخيال، وأشدَّ وطأة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيّته هو الواقع نفسه، أو هو الحقيقة المخفيّة، ..، ولهذا، أردتُ أن يدرك المرء ما يخفى في نفسه، وفي محيطه، وما يُصاغ في الأقبية السرِّيّة، وفي الحارات، والأزقة الشرقية، ويحاكيه، أو يحاكمه، بلا توجّس أو خوف أو خجل، وهو ظاهر في حياتنا، ولكنّنا نخشاه، ونتستّر عليه، وقد تعوّدنا بحكم العادة، والأعراف، والتقاليد، ومن عدوى الخوف والظلم، ومن الاستبداد الرجيم، ألّا نكشف عوراته الفاضحة، وألّا نخوض في أسراره،[4] في هذه الغرائبية، يقف الإنسان أمام ذاته، يلمس أعمق اضطراباتها، ويكشف ما تختزنه أقبية النفس وزوايا الحياة المألوفة من أسرار مكبوتة، دون أن يدركها في مروره اليومي العابر. هنا، لا يمثل الخوف شعورًا عابرًا، بل هو نسق متجذر في التقاليد، امتداد لسلطة مستبدّة، ألبست الفرد حدودًا مصطنعة، وحجبت عنه معرفة أعماق نفسه والمجتمع الذي ينتمي إليه، فأصبح التستر والامتثال عادة، والعيش ضمن المألوف خضوعًا صامتًا لما فرضه الماضي الاجتماعي والسلطة الثقافية.

وإذا ما ربطنا هذه الرؤية بشخصية البَتول الرواية، يتضح أنها ليست شخصية درامية تُساق في أتون المأساة، فحسب، بل تجسيد حيّ لفعل اقتحام المجهول ذاته. البتول هي الكائن الذي يغامر بالدخول إلى أعمق الكهوف الداخلية للذاكرة الجماعية، إلى المناطق التي يتوارى فيها العار والاغتصاب والخذلان، فتتحول إلى صورة أسطورية لامرأة/روح تعيد صياغة معنى الحرية من قلب الرهبة. إنها لا تهرب من الخوف بل تسكنه، تجعل منه طقسًا للقيامة، وكأنها أورفيوس أنثوي Orpheus ينزل إلى عالم الموتى لا ليستعيد الحكاية فقط، بل ليعيد كتابة العالم من رماد الخراب.

بهذا المعنى، تصبح البتول صورة للإنسان حين يواجه ذاته في لحظة محاكمة وجودية: إنها تُمثّل ذلك العبور من حياة مألوفة، كسيرة، مقهورة، إلى حياة لم تُعش بعد، لكنها كامنة كفردوس مفقود في صميم التجربة الإنسانية. كل دمعة تسقط منها تتحوّل إلى نشيد سرّي، وكل جرح يفتح فيها يصير بابًا إلى عالم يتجاوز السطح، عالم تكتبه اللغة من جديد كما لو كانت تؤسس أبجديتها الخاصة.

البتول، إذن، هي الحرية وقد اتخذت هيئة أنثى تنهض من بين الأنقاض، لتعلن أن مواجهة الرهبة ليست هزيمة، بل الشرط الجوهري لتجديد الوجود. إنها تُعلّم القارئ أن القيامة لا تُعاش مرة واحدة، وتنبعث كلما تجرأ الإنسان على مقارعة الخوف، لتصبح الحياة ذاتها نصًّا مفتوحًا، يولد من رماد الخراب كأنشودة سرية لا تنتهي.

في هذا السياق، يتحوّل القارئ من كونه قارئًا محايدًا بلا أثر إلى كاشف فاعل، يستشعر نبض المضمر، ويتفاعل مع المعنى المخفي بين السطور، ليكتشف أن الحرية ليست حالة مكتسبة جاهزة، بل فعل متجدد، تجربة دائمة التشكّل تتفتح مع كل قراءة، مع كل لحظة جرأة، ومع كل استكشاف للغرائبية التي تسكن الوعي والواقع، فتتحول اللغة هنا إلى مرآة للكشف، وللحرية كحالة مستمرة من الإدراك والإبداع، حيث يتداخل الزمن النفسي مع اللحظة التأملية، ويصبح كل معنى جديد انعكاسًا للتفاعل المستمر بين الذات والوجود، بين المخاطرة والإدراك، بين الغرائبية والصدق.

هكذا تخفي اللغة نجواها، على الرغم من أنها موطن للمجاهرة حين تمارس المكاشفة، ومع ذلك فإنها أحيانا تعيض بالصمت عن سريرة الضمير، بما لم تستطع الكلمة التعبير عنه بالإبانة، " حيث يمكِّن الصمت المفكِّر فيه من التحكم في الوضع؛ فالقياس الصارم [للخطاب] يخضع لإرادة التحكم في النفس، انطلاقا من همِّ الحيطة والحذر. والحذر يتطلب استعمالا وجيها للصمت، تبعا للظروف...لأن قدرة الصمت [المسكوت عنه] على قول العديد من الأشياء - في الآن نفسه - يسمح بجواب حاذق على سؤال صعب، أو صياغة غامضة، يتعلق الأمر حينها باللجوء إلى الأشكال العرفية للمعنى الضمني، وباقتراح المعنى من غير تصريح،...إنها بلاغة مُقِلة على تخوم المسكوت عنه[5].

البتول التي يصفها السرد هي، أجمل بنات "البندرة"[6]، تظهر كجسدٍ منكسر مطبوع بالكدمات والدماء والعار، أسيرة ذاكرة الاغتصاب المتكرر، في حيّ منسيّ تتقاطع فيه مصائر متنافرة: يحيى العاشق الصوفي المتعطّش للثأر، عائلات يهودية تحفظ أقدم مخطوطات التوراة، أولياء وعرّافات وأرمن وخواجات، ومثقفون مشغولون بالتاريخ والفن. وسط هذا الفسيفساء من الأديان والطوائف والشخصيات، تنهض مأساة البتول كجرح مفتوح يختصر خراب المكان وارتباك الهويات. ويصف الصوغ الوصفي البندرة" على أنها حيٌّ تائه في زمنه، تتعانق فيه أرواحٌ متنافرة: عائلات يهودية تحمل أسفار الزمن الغابر، ويحيى الصوفي الذي يعيش على جراح الثأر، إلى جانب ظلال أولياء وعرافات وأرمن. وفي هذا الفسيفساء البشري، تنبثق البتول - الزهرة الذابلة - كجسدٍ صارخٍ بالكدمات والدم، حاملاً عار اغتصاب لا ينتهي. هي الذكرى الحية التي تحوّل مأساتها الشخصية إلى مرآة تعكس خراب المكان كله وارتباك هوياته الغارقة في الضياع.2289 story

وكانت فجيعة شخصية عبد السلام. في اغتصاب البتول، بنت الحارة، التي لا يمرّ يوم واحد من حياته القاسية إلّا ويتذكّرها، نظراتها إليه لا يمكن له أن ينساها، كأنّها تقول له: "انتقم لي، انتقم"[7]، وهكذا تغدو البتول وهي تنهض من بين الأنقاض أيقونة حية تؤكد أن الألم لا يُمحى بالتغاضي، وأن العار إذا وُورِي في الصمت تحوّل إلى لعنة جماعية تُثقِل كاهل الجميع. إنها أنثى أسطورية تحمل في جسدها المثخن كل فظائع القرون، ومع ذلك تظلّ شاهدة، تصرخ صمتًا، كي يفهم القارئ أن عريها ليس عريها وحدها، بل عري الواقع كله، وأن محنتها ليست مأساة شخصية، بل قدر مدينة ووطن وأمة. في صورتها يتجلى المألوف وقد سقط قناعه، والغرائبي وقد صار هو الواقع نفسه؛ وهنا، تتسامى البتول فوق فرديتها، لتغدو رمزًا أسطوريًا للجرح الذي لا يموت، للقيامة التي لا تأتي إلا من تحت الرماد.

في قيامة البتول، لا يقتصر النص على كونه بنية سردية ثنائية تجمع بين متن ظاهر وحاشية ساكنة، بل يتحول إلى صراع خفي يجري بين الكلمة وما تختزن من أسرار خلف صمتها. فالمتن، بترتيبه الموضوعي، ليس سوى واجهة هشّة، أما المحو فهو الروح المتمردة التي تنبثق من تحت الركام، ملتفّة على نفسها كأفعى أسطورية، تعيد تشكيل الحكاية بلغة الانثناء والالتواء. في هذا الأفق، تخرج البتول من كونها ضحية اجتماعية، لتغدو الكيان الذي يبتلع النص نفسه، ويعيد كتابته من الداخل، كما لو أنّ أنينها المقموع هو الذي يخطّ السطور، لا قلم الراوي. إنها ليست شخصية بل صوت محجوب، نصّ منفيّ يتحدّى المتن بقدرته على الانبعاث، تمامًا كجسدها الذي يحوّله الألم إلى رمز، وكبكائها الذي يفيض فيصبح لغة أخرى، لغة المحو، اللغة التي تحاكم، وتبوح، وتقاوم. عندها لا يقرأ المتلقي الرواية، بل يجد نفسه يُقرأ من خلالها، في فضاء حيث تتداخل الأسطورة بالجرح، والحكاية بالصرخة، والكلمة بما تخفيه من أسرارها الغائرة." والكلمات – هنا - ليست إلا علامة على شيء أدركناه من قبل، الكلمة بطاقة توضع على أصناف المرئيات، وقد أدى هذا الفهم للنص الأدبي إلى العناية بمدلولاته دون دواله؛ بمقول القول لا بالأداة التي تصنع القول"[8]

الفن كذاكرة تعاند المحو

تروي الرؤية السردية في الرواية قصة مأساوية تجري أحداثها في حي البندرة القديم في حلب، وسط الحرب الدامية والصراعات الطائفية والسياسية التي تحيط بالمكان والسكان. تدور الأحداث حول شخصية عبد السلام الذي يعاني من ألم داخلي بسبب جريمة اغتصاب مروعة تعرضت لها فتاة الحي البتول، التي تمثل رمزًا للبراءة والكرامة، وما ترتب على ذلك من تأثيرات مأساوية على الحارة وسكانها، حيث "أضنى الإنهاك أهالي حيّ "البندرة"، وغزت نفوسهم شرارات الاكتئاب، والتعب المضني، ما أدخل في روع بعضهم رغبة عدم الاستمرار في العيش، وكذلك عدم الخوف من الموت! إذْ يُخيَّل للمرء أنّ في كلّ ظلّ يختبّئ شبحاً لئيمأً، يعد بالموت، ولم يعد أي شيء غير متوقَّع سوى استمرار الحرب، وخرق الهدنة، ولهذا، يختفي أهالي حارة البندرة في أتون دُورهم التي عمَّها الدمار، ويتبدّى لهم الظلام غباراً يتناسل في العتمة، ولم يعد أحد يسمع سوى صدى خوفه، وصدى أقدام تخبُّ في الأزقّة، وتستدعي المحاربين، من أجل الدفاع، والهجوم، والتمركز على أحد الأسطحة، وانتشار القنّاصين المحترفين، وهذا أمر أصبح اعتيادياً[9] وفي هذه الحال، تتجاوز الرواية مأساة البتول حدود الحادثة الفردية لتغدو استعارة كبرى عن الجسد الجمعي لحلب، بل لسوريا بأسرها، ذلك الجسد الذي انتهكت حرمته كما انتهكت براءة الفتاة، فانقلبت المدينة إلى ضحية اغتصاب مفتوح لا يندمل. إن العار الذي خُلِّف في أعماق عبد السلام لا يخصه وحده، بل يتموضع كذاكرة جماعية لا تُمحى، ذاكرة تنطق بلسان المكان المهدَّم وتعلن أن الكبت لا يمحو الجرح بل يحوّله إلى قدر يتوارثه الجميع. وهكذا يتحول الألم الفردي إلى عدوى شعورية تسري في الحارة، حيث يذوي الخوف من الموت ليتحوّل إلى لامبالاة وجودية، فلا يبقى سوى اعتياد الحرب كقدر يومي وصوت أقدام المحاربين كإيقاع للحياة. ومن هنا يصبح صمت الأهالي وانطواؤهم في الدور المهدمة انعكاسًا لآلية دفاعية نفسية تُخفي خلفها الانكسار الأعمق، انكسار الكرامة والهوية والذاكرة معًا. إن البتول، إذ تنهض رمزًا في هذه الحكاية، تكشف أن الفجيعة ليست سوى مرآة تعكس انكسار المدينة كلها، حيث الفرد والحي والوطن يلتقون في جرح واحد تتعالى أصداؤه في صمت الحرب وعتمة الخراب.

كما تقدم الرواية سردًا غنيًا بالتفاصيل عن الأوضاع الاجتماعية والإنسانية في الحي، تحت وطأة الحرب والصراعات، مع تصوير لحياة الشخصيات اليومية، الصراعات الداخلية، والعلاقات المتشابكة بين الطوائف المختلفة في الحارة. كما تتناول الرواية قضايا الفساد، والاستبداد، والنكبات الحياتية، والغدر الأخلاقي الذي يعاني منه السكان.

وفي ضوء ذلك، تسرد الرواية الكثير من المشاهد المؤثرة، مثل مشاهد الاغتصاب، والقتل، والنزوح، والفقر، وألم الحرب المستمر، مع تصوير لعالم تغيّر جذريًا وأصبح يُهدد ما تبقى من حياة الناس في حي البندرة. كما تركز على شخصيات مثل عبد السلام وأصدقائه وعائلته، ومعاناتهم في مواجهة الواقع الدموي، ومحاولتهم للتمسك بالكرامة والحرية رغم الألم والدمار.

الرواية غنية بالوصف والإحساس، وتحمل رسائل قوية حول الظلم، قسوة الواقع، والبحث عن أمل في ظل المآسي. كما تظهر تأثير الحرب على الأفراد والمجتمع بعمق إنساني وواقعي، وهو ما عبرت عنه شخصية عبد السلام في قوله: لا حقّ لأمّة، إذا لم تدعمه القوّة. تنثال كلمات عبد السلام سحاباً، مطراَ، نجوماً، فوق أضواء الشموع الخافتة، تتحوّل إلى جسد وروح، تمتزج في صبابة الألم، والإحساس بالاضطهاد، والظلم، يتوقّف دمه عن الغليان، والاحتراق، يرجع إلى الصفحات الورقية، وحبرها الأسود، يتفحّصها، يقلِّب على صفحات (الأرشيف) الصفراء، وروحه ممزَّقة كأرض شقّقها الجفاف.[10] وفي هذه الحال، لا نكون أمام نص سردي بالمعنى التقليدي، بل أمام طقسٍ أسطوري للقيامة، حيث يتحول السرد إلى فعل استدعاء للأرواح الممحوة، وإلى محاولة جريئة لبعث ما أُريد له أن يُدفن في صمت العدم.

البتول، تلك الصبية الممزقة بين الألم والعري والعار، لا تُقدَّم كجسد مستباح وحسب، بل كرمز يتجاوز حدود الجسد ليغدو أيقونة تمثل الذاكرة وهي تقاوم المحو. إنها ليست شخصية عابرة في مسرح الرواية، بل هي النص الموازي الذي يكتب من باطن الجرح، كصوت خفيّ ينطق بما سكت عنه المتن الظاهر.

هكذا يغدو النص نفسه أشبه بـ أنشودة سرية، تعزف على أوتار الخراب لكنها تنشد الحياة، تُعيدنا إلى أساطير البعث والخلود حيث الموت ليس نهاية بل بوابة عبور. البتول تنهض من تحت الركام لا ككيانٍ فردي، بل كصوتٍ جمعي يشبه الكاتب والموسيقي الأسطوري الإغريقي أورفيوس Orpheus حين يجرؤ على النزول إلى عالم الموتى ليعيد الحكاية إلى الضوء. وفي هذا النهوض، يعلن السرد أن الفن هو الذاكرة الأخيرة التي تعاند الفناء، وأن الكلمة هي الكفن والقيامة في آن واحد، تحفظ الجرح من أن يُنسى، وتحوّله إلى أثر خالد. ومن ثمة، فإن الفنون التي وظفها السارد في بناء روايته سواء منها الفنون الأدبية (كالشعر)ـ أو الفنون الإيقاعية (الرقص والموسيقي) أو الفنون البصرية (السينما والتلفزيون)، أو الفنون التشخيصية (المسرح)، أو الفنون التشكيلية بمختلف تلويناتها من عمارة، تشكيل المجوهرات الرسم، والنقش... ليبقى النحت هو ذلك الخيط الرابط بين مختلف هذه الفنون ومن بين أهم القوى الفاعلة التي ساهمت في بناء وتطور الأحداث، فمن حين لآخر يتردد مشهد البطل عبد السلام وهو يضرب بالإزميل على منحوتات، سواء في لحظات الانكسار أو لحظات النشوة والفرح، وحتى لحظات النوستالجيا والحنين للحظات مشرقة من الماضي... فهل توظيف كل هذه الفنون في الرواية أمر عفوي واعتباطي؟[11]

تتحاوز الرواية، بهذا البعد، التوثيق لتدخل في دائرة الطقس: كل مشهد فيها أقرب إلى شعيرة تُقام ضد النسيان، وكل شخصية تتحرك بوصفها شاهدًا حيًا على زمن أراد أن يمحو نفسه. فعبد السلام، والعم أبو الرمز، والوليّة خاتون، وكل الوجوه الموشومة بالخذلان والخيبة، يتحولون إلى شخوص من ملحمة باطنية، يعزفون في "الأناشيد السرية" مقطعًا من أغنية كبرى، تعلن أن الإنسان وإن كُسر في الجسد، يظل حاضرًا في النص، وفي الفن الذي يعيد تدوير العدم ليصنع منه معنى.

وبهذا، لا تصبح قيامة البتول قيامة فردية، بل قيامة لغةٍ وفنّ، قيامة ذاكرةٍ عصيّة على المحو، تقف ضد جبروت الاستبداد والخراب، وتحوّل المأساة إلى أسطورة مقاومة، تجعل من النص ذاته معبدًا جديدًا للحرية، حيث يُحتفى بالإنسان بوصفه كائنًا ينهض كلما حاول الخراب أن يبتلعه. في مقابل أن " تظهر الحرية على أنها تتناسب تماما مع مصالحه، فعليه أن يروج لها، أما عندما تتعارض الحرية مع مصالح أخرى مهمة، فيجب التقليل من أهميتها أو تجاهلها بالكامل"[12]. وحين تفقد الذات جوهر إرادتها بهذا الشكل تفقد معها جوهر الندِّية مع الآخر، أو إمكانية أن تكون نظيرًا له، أو على الأقل أن تكون شبيها به؛" لأن قدرة الذات هذه حين تنظر إلى نفسها كموضوع [الأنا] دون الكف عن كونها [أنا] هي التي تتيح لها الاضطلاع بوجودها الذاتي والموضوعي في الوقت نفسه، وأن تعالج مشكلتها الشخصية، موضوعيا، كما لو كانت مشكلة مرضية، وهذا ما يمنحها القدرة على البقاء في العالم."[13]

وفي قيامة البتول الأخيرة لا نواجه شخصية لحمٍ ودم، بل شبحًا نورانيًّا يخرج من مسام الخراب، كأنها لم تُخلق لتسكن أرضًا أو لتُختصر في جسد، بل لتكون أثرًا ميتافيزيقيًّا يكتب ما عجز الواقع عن تدوينه. البتول ليست ضحية الاغتصاب وحده، بل هي الجرح وقد تأنسن، والذاكرة وقد تشكّلت في هيئة امرأة، كيان يتجاوز زمنه ليحمل بين محدّداته أنشودةً سرية لا تُسمع بالأذن بل بالبصيرة. إنها الصوت الباطني للنص، الوجه الخفيّ للحارة التي ابتلعتها العتمة. كل دمعة لها تتحوّل إلى حرف ناري، وكل كدمة على جسدها تصير سطرًا من إنجيل لم يُكتب، نصًّا ينهض لا ليصف العالم، بل ليُعيد خلقه من رماد ذاته. حضورها أشبه بـ سفرٍ رؤيويّ، حيث يُعاد العالم إلى بدايته على يد كائن يتجاوز الفردية، كأنها "أيون"* يدوّر الزمن ليكسر حلقة الخراب.

واعتبارًا لذلك، ليست البَتول، في هذا الأفق، بنت الحارة فقط، بل هي السرّ الكامن في النسيان، ذاك الذي يحفظه النص كي لا يبتلعه المحو. إنها المعنى وقد تجرّد من قشور اللغة، الروح وقد خلعت قيودها لتغدو سفرًا سماويًّا يقيم في النص، لا في الأرض. ومن هنا، يصبح السرد نفسه طقس تجلٍّ، حيث لا يُكتب التاريخ بوصفه حكاية بشر، بل كحضور لكائن أسطوريّ ينهض من الهشيم؛ ليعلن أن الخراب ليس نهاية، بل بدءًا آخر.

إنها البتول، القيامة السرية، الكيان الذي لا يُحاكي أحدًا ولا يتكرر في صورة؛ لأنها ليست شخصية داخل سرد عابر، بل هي أيون من الأبدية، وانبعاث (Emanation) يتجلّى في هيئة سردية، لتذكّرنا بأن الفن وحده قادر على أن يقتنص من رماد العدم بذرة حياة، وينسج منها قصيدة جديدة. إنها الطقس الذي ينهض من تحت الركام، لتصير الرواية ذاتها أشبه بـ"نشيد خفي"، لا يكتفي بالكشف عن ظاهر القول، بل ينسج سننه الباطني، قانونَه السريّ الذي لا يُدرَك إلا لمن يملك القدرة على الإصغاء إلى المضمر، حيث يتحول النصّ إلى فضاء لا يعكس الواقع فحسب، بل يؤسّس شعريته الخاصة، ويضع قواعده المستقلة التي لا تنكشف إلا أمام قارئٍ يعرف رموزها ويشارك في لعبتها الصوفية.

بهذا المعنى، تغدو البتول رمزًا ميتافيزيقيًا، لا تكتفي بأن تكون شخصية روائية، بل تصير أيونًا يتجدّد بلا انقطاع، يُنقذ الذاكرة من المحو، ويحوّل المأساة إلى قيامة فنية، حيث كل سطر في الرواية ليس رواية لما حدث، بل إعادة خلقٍ لما لم يُقل، لما ظلّ مختبئًا في قلب اللغة كأثرٍ سرّي يقاوم الخراب.

وعلى هذا النحو، فإن البتول ليست كيانًا سرديًا يُختزل في اسم أو شخصية، بل هي تجلٍّ أنطولوجي لوجه من وجوه الأبدية، ينهض في قلب الخراب كقيامة سرّية لا تتشابه ولا تتكرر؛ لأنها تنتمي إلى مجال المطلق؛ لا إلى حدود الظاهر. إن حضورها ليس إحالة إلى ماضٍ يُستعاد، بل إشعار بأن الفن، في جوهره، هو القدرة الوحيدة على انتزاع المعنى من جحيم العدم، وإعادة صياغته كقصيدة جديدة للحياة، قصيدة تبرهن أن الوجود لا يُقاس بحدوده الزمنية، بل بقدرة الجمال على أن يعيد للعالم إمكانه المستتر، وقد تشكّل هذا كله في نسيجٍ سردي يختزن في أعماقه المسكوت عنه، بما يحمله من سنن باطني خاص يوجّه دلالاته ويمنحه فرادته، وليس له علاقة بالأثر الظاهر، بل هو مضمَّن فيه، فإن هذا السَّنن Code لا يمكن إدراكه في معظم الأحيان دون سند خارجي؛ أي دون مغزى؛ كما " ينشئ الأثر [الخفي] سننه المستقل، بل يصبح اعتباره مناقشة لذلك السنن، وأنه يجسد شعريته الخاصة، وإذا كان العمل الفني هو الذي يؤسس قواعده المبتكرة المتحكم فيه، فإن التواصل عبره لا يكون - بالمقابل - إلا مع من يعرف مسبقا هذه القواعد"[14]

تفكيك السرد في مواجهة المحو الماسوني

تتميز رواية "قيامة البتول الأخيرة" ببنية فنية معقدة تتجاوز التمثيل السردي المباشر لتخلق فضاءً رمزيًا مكثفًا. الرواية توظف تعدد الأصوات والزمن المتشظي؛ لتعكس تجربة الحرب السورية على أبعاد نفسية ووجودية، حيث يتحول جسد البتول، الشخصية المركزية، من جسد حي إلى رمز أسطوري يمثل الوطن المتضرر والمدمّر. هذا التحول يكشف عن آليات دفاع مجتمعية تفضّل التقديس الصامت للضحايا بدل المواجهة الصريحة للجرائم، فتكون القيامة هنا رمزية تعبر عن الأمل في النهوض بعد الموت والدمار. والشخصيات المحيطة بالبتول لا تقدم كفاعلة متكاملة، بل تتحول إلى صور مرآوية تدعم رمزية البتول وتتداخل معها، مما يعزز البنية الرمزية للنص ويحول الرواية إلى نص ترنيمي سري ذا طبقات متراكبة تفتح أفقًا لتعدد التأويلات. فضلا عن ذلك، لا تسير الرواية في تسلسل خطي، بل تكسر الزمن السردي لتمزج بين لحظات متعددة، مما يؤكد طبيعة النص المتعدد الأبعاد ويجعل من التجربة القرائية استنطاقًا لطبقات الألم والتاريخ والذاكرة الجمعية بأسلوب يتجاوز السرد الحرفي إلى فضاء إيحائي غني بالرموز والمعاني؛ لأن التاريخ الذي وصل إلينا لم يكن سوى سردية مشوّهة، صيغت بأقلام السلطة وتجلّت على ألسنتها، بحيث تحوّل الماضي إلى خطاب مملى يخدم الهيمنة، أكثر مما يعكس حقيقة ما جرى في ذاكرة الناس ووجدانهم. وهو ما عبر عنه السارد في قوله "التاريخ العربيّ مزوَّر، وقد كُتِبَ بحبر الدم على صفحات العبوديّة، والاستبداد، بيد المنتصرين، والمنافقين، الخانعين[15]

وتبعا لذلك، يبرز التجريب السردي في رواية "قيامة البتول الأخيرة" موضوع الدمار والصمود من خلال كسر البناء السردي التقليدي واستخدام تعدد الأصوات والزمن المتشظي، ما يعكس هشاشة الواقع وتشتت الأفراد في ظل الحرب. هوية البتول والجسد الممزق يتحولان إلى رموز تمثل جسد الوطن المنهك، في حين يتجلى الصمود في استمرارية ذلك الجسد الرمزي رغم الخراب والدمار، كدلالة على إمكانية القيامة والنهوض من تحت الركام. وهنا، يخلق التجريب السردي فضاءات سردية متعددة تتداخل فيها اللحظات، الحوارات الداخلية، والأناشيد السرية التي تحمل أصوات الألم والصراخ المكتوم، مما يعمق من تجربة القارئ في استشعار ثقل المعاناة مع بقاء بصيص من الأمل. ومن شأن هذا الأسلوب السردي الرمزي المتشظي أن يحقق تصويرًا حيًا للدمار على المستويين الشخصي والوطني، ويتجاوز الصمود هنا، الفعل المباشر إلى حالة داخلية مستمرة تأبى الانكسار رغم كل الخيبات؛ والرواية في مجملها تعكس ﺍﻧﻬﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ. وهو ما يجعلها تركز ﻋﻠﻰ الحدث المركزي ﺍﻟﻤﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻏﺘﺼﺎﺏ ﺷﺨﺼﻴﺔ "البتوﻝ" ﻭﺗﺘﺒﻊ ﺗﺤﻮﻟﻬﺎ ﻣﻦ جسد منتهك ﺇﻟﻰ ﺃﻳﻘﻮﻧﺔ مقدسة ﻛﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ اﻟﻤﻔﺎﺭﻗﺔ ﺍﻟﻤﺄﺳﺎﻭﻳﺔ ﻓﻲ الخطاب ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ الذي ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ تقديس ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ بدلا ﻣﻦ ﺗﺤﻘﻴﻖ العدالة. ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺩﻣﺞ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺴﻴﻤﻴﺎﺋﻲ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻲ والنسوي تفكيك الدراسة ﺷﺒﻜﺔ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﺍﻟﻜﺜﻴﻔﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ وتخلث ﺇﻟﻰ ﺃﻥ “ﻗﻴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺒﺘﻮﻝ” ليست ﺧﻼصا ﻻﻫﻮتيا ﺑﻞ ﻫﻲ ﻗﻴﺎﻣﺔ ﺍﺣﺘﺠﺎﺟﻴﺔ كتبت بالدم والصمت ﻭأعادت مسألة ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ الجدلية بين المقدس والمدتنس ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ يطمس ﻓﻴﻪ أحدهما ﺍﻵﺧﺮ.[16]

أما إذا قرأنا الرواية على مستوى ظاهرها، فإننا سنجد سردًا دراميًا مأساويًا يلاحق مصائر عبد السلام وعائلته والبتول في فضاء اجتماعي وسياسي محكوم بالخراب. لكن إذا أمعنا في المضمر، نكتشف أن النص يتجاوز الحكاية المحلية ليضعنا في مواجهة قوى أكبر من مجرد الاستبداد الداخلي؛ إذ يلمّح إلى شبكةٍ خفية تحرّك العنف، وتغذي ثقافة الانتهاك، وتسعى إلى تفريغ الذاكرة من محتواها. على حد ما جاء في قول السارد: يخترق الأهالي منزل الأستاذ "أبو النصر"، والد البتول، يرونه مربوطاً بحبل بلاستيكيّ مُحْكَم من يديه، وقدميه، وقد تمَّ وضع شرابٍ متّسخٍ في فمه كيلا يستطيع الكلام، ناهيك بالكدمات القاسية في وجهه، والدماء المتخثّرة من رأسه حتّى أخمص قدميه، يركضون نحوه بذهول، يفك "عبد السلام"، قيود الرجل الذي كان صديقاً لوالده، أو كما يقال توءم روحه، وبيت أسراره، وكانا موظَّفين معاً في المجلس البلدي للمدينة، أمّا المفاجأة الصارخة، فهي تنهّدات ابنته البتول، المتعالية من الغرفة الثانية، وتأوّهاتها، تضرب رأسها بالجدار، تلقي كلمات غير مفهومة، الواضح تماماً، أنّ البتول اغتُصِبت بعنف جماعيّ متكرّر، وتمَّ فضُّ عذريتها![17]

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ التعرية الرمزية لدور الماسونية، ليس عبر تسمية صريحة، بل من خلال الإيحاء بوجود قوة "عالمية - خفية" تتغذى على الفوضى، وتستثمر في انهيار المجتمعات، وتسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي على صورة العدم. فالانتهاكات الجسدية للبتول، والمجازر التي تطال العائلات، والمحو الذي يبتلع الأحياء والأمكنة، يمكن أن تُقرأ كصدى لمشروع أكبر من مجرد قمع سياسي محلي: إنه مشروع له امتداد عابر للحدود، يذكّر بالرموز الماسونية المرتبطة بالهيمنة والهيكلة الخفية للعالم.

تسمع البتول أصوات الانفجارات القريبة جدّاً من حارتهم، ثمّة اشتباك عنيف، هنا، في طرفَي الحارة الجنوبيّ والشرقيّ، تتعالى أصوات القذائف، والرصاص، تشعر بالخوف الشديد، يرتجف جسدها، يقشَعِرُّ، تركت كلّ شيء من يدها، وتوجّهت إلى غرفة جلوس والدها، تجلس بجانبه، تتمسّك به، تعرف من نظراته المنكسرة[18] ولعل الدلالة المضمرة هنا أن الرواية تُحيل إلى تفكيك الوعي بالخراب: الخراب ليس وليد الاستبداد وحده، بل هو نتاج "هندسة مخفية" تديرها قوى تتحرك في الظل. هذه القوى لا تهدف فقط إلى السيطرة السياسية أو الاقتصادية، بل إلى إعادة إنتاج الإنسان نفسه ككائن مفرغ من المعنى، ضائع في العري، مبتور الذاكرة، تمامًا كما يحدث للبتول التي تتحول إلى جسد منتهك ورمز للذاكرة المستباحة.

إننا لو نظرنا فيما تطرقنا إليه بالتوضيح عن المسكوت عنه بالصمت؛ لِما أسميناه [المضمر الواصف/الموصوف، ومؤولاته][19]، لوجدنا ذلك يدخل في سياق التعبير الضمني، بما هو اختفاء قول يقتضيه الخطاب إضمارًا، قد يكون واعيا ومقصودا، متعدد الدوافع والأسباب، والعنصر المغيب يثير الذهن، ويبعث على التفكير، ويدعو إلى تدبر القول، وتجاوز ظاهره ما يخبر به إلى حقيقة ما يلمح إليه وينطوي عليه.[20] ومن هذا القبيل نجد في رسالة الجاحظ [تفضيل النطق على الصمت ] ما يفي بدلالة الصمت في الخطاب البلاغي كما في قوله:" لقد قرأت كتابك فيما وصفت من فضيلة الصمت، وشرحت من مناقب السكوت، ولخصت من وضوح أسبابهما، وأحمدت من منفعة عاقبتهما، وجريت في مجرى فنون الأقاويل فيهما، وذكرت أنك وجدت الصمت أفضل من الكلام في مواطن كثيرة، وإن كان صوابا، وألفيت السكوت أحمد من المنطق في مواضع جمة".[21] وعلى الرغم من إحجام الجاحظ عن تقصِّيه بلاغة الصمت، فإن ذكره له يفيد ذيوع صيته في ثقافة القدامى، كونه جزءًا من بلاغة الكلام في مخيلتهم من خلال تمثلاته، ومن ثم فإن إحداثية الصمت كانت تقدم الشيء نفسه الذي يقدمه الخطاب، على غير سَمْت الخطاب المتداول، وإنما بوصفه خطابا ضمنيا يعطي للتعبير الإبداعي الثقافي مكانته في المسكوت عنه، سعيا إلى البحث عن الخفاء الذي يبعث على التفكير؛ لأن الإبداع في ثقافة المسكوت عنه يعد جزءا من الهوية الثقافية في صياغتها بلغة ما هو خفي في صورها الكلية، ومن ثم تبعث على التفكير، حينذاك يتحول الخطاب الصامت إلى فرص للاستنباط والتأويل، وتجاوز خصوصيته الضيقة ليسأل المتلقي من خلاله عن ماذا وراء هذا الخفاء، دون تلك الصورة التي سردها علينا الخطاب الرسمي؟ وماذا عن تواري الحالة التي تنفتح على الكيان الرمزي مما يبعث على التفكير؟ وهنا يمكن أن نفسر الصورة الخفية من داخل الثقافة نفسها، أو من خارجها، بما يمكِّنه التأويل من مهارات القياس على الشاهد، "وإذا كان القياس Le syllogism في شكله الأرسطي التام متكونا من ثلاثة أجزاء، لابد منها: مقدمة كبرى، ومقدمة صغرى، ونتيجة تفضي المقدمتان إليها ضرورة، فإن في القياس المضمر تحذف إحدى المقدمتين، أو تحذف النتيجة، والحذف في هذا الموضع صمت مقصود، واع، تبرره مقاصد المتكلم، ينتقي لها من الصيغ التعبيرية وأشكال الأداء ما يراه كفيلا بتحقيق تلك الغايات، وبلوغ تلك المقاصد، لقد صمت الجاحظ عن النتائج في عملية القياس المضمر، واكتفى بإيراد المقدمتين: إحدى المقدمتين مثلث الأطروحة المدحوضة، وقد تصدرت الرسالة، وهي أطروحة يستدعيها القارئ مع كل حجة يوردها الجاحظ"[22]

إذن، "القيامة السرية" التي تبشّر بها الرواية ليست قيامة فردية للبتول، فحسب، بل هي قيامة للوعي ضد الماسونية كرمز لسلطة المحو الكونية، ضد سلطة تريد أن تجعل الخراب قدرًا إنسانيًا دائمًا. وقد بدأ نشيد الإنشاد السّرّيّ، يعلن ترانيمه الجديدة، على وقع ترانيم موسم الموت والخراب.[23] من هنا يصبح الفن في النص هو القوة الوحيدة القادرة على مواجهة هذه "الماسونية الرمزية"، لأنه وحده يفضح المخفي ويعيد للأمة ذاكرةً كانت مهددة بالطمس. بعد أن أصبح "المشهد المدهش" يصنع بناء عالم جديد ـ بل هويات ـ قوامه "أن الفورية المباشرة للأحداث، والطابع الحسي للمشاهد...هي المادة الخام التي يتشكل منها الوعي"[24].

العمق المخبوء في الرؤية السردية

تتجاوز الرواية - بوصفها عملا أدبيا رمزيا - حدود السرد التقليدي، ليغدو شهادةً على مآسي الحرب السورية وما ارتكبته من جراح غائرة في مدينة حلب، ولا سيما في حيّ البندرة، الحيّ اليهودي التاريخي الذي يشكّل مسرحًا للأحداث. في هذا الفضاء الممزق بين الذاكرة والخراب، ترتسم شخصية "البتول" لا بوصفها فتاة عذراء مغتصَبة، فقط، بل كرمز مضاعف: أيقونة للبراءة، وتجسيد للوطن الذي استُبيح وتفكك، ثم نهض من رماده في "قيامة أخيرة" تحمل الأمل الرمزي بالتحرر من الاستبداد والفساد.

وفي ضوء ذلك، تكشف الرواية عن دلالات مضمرة عميقة، أبرزها فضح القوى الخفية التي تتحكم في مصائر الشعوب، والتي تدير الصراعات من وراء ستار المؤامرات السياسية والاقتصادية والثقافية. فالاغتصاب الجماعي الذي تتعرض له البتول والفتيات الأخريات يتحول إلى استعارة كبرى لاغتصاب الوطن نفسه، في سياق تُسهم فيه قوى داخلية متواطئة وخارجية متحكمة في رسم المشهد الدموي، وسط فساد المثقفين والمحسوبية والإقصاء الاجتماعي.

ومن خلال تداخل الواقعي بالأسطوري، تُعيد الرواية كتابة الحرب بلغة تتجاوز المباشر إلى الرمزي، مستحضرةً إشارات ميثولوجية كإله البرق "بعل" في الاستهلال، لتضيء البعد الكوني للصراع بين الظاهر والخفي، بين العلن وما يُحاك في الظلال. وهنا يطلّ البعد النقدي الموجه إلى "مطبخ" صناعة القرار العالمي، حيث تتقاطع مصالح منظمات مثل AIPAC، وARZA، وWJC، وRotary International، لتشكّل شبكة نفوذ غامضة تتحكم في خيوط اللعبة وتعيد إنتاج الخراب بأقنعة مختلفة.

هكذا تصبح قيامة البتول نصًا أسطوريًا - سياسيًا، يجمع بين المأساة الفردية والجماعية، بين العري الفاضح للحرب وبين الذاكرة التي تصرّ على المقاومة. إنّها رواية لا تكتفي بسرد المأساة، بل تفكك آلياتها الخفية، لتكشف أن القيامة ليست حدثًا غيبيًا، بل فعل مقاومة يولد من رحم الخراب ذاته. في يد مطبخ صناع القرار[25]، وغيرها كثير من المنظمات العالمية التي حولت الكون إلى واقع افتراضي، مجرد من كل ما هو نفيس، عظيم القيمة، وبما لا يتوقعه، أو غير قابل للسرد the antinarratable بحسب تعبير روبين وارهول Robyn R. Warhol؛ إذ الواقع بات يُعنى بموضوعات أكثر ضراوة في جانبها السياسي على وجه التحديد، ولعل انعطاف السرد في الآونة الأخيرة إلى هذا النوع من الموضوعات يشي بإدخال الواقع في سماجة السلوكيات مع المؤسسات التي أضحت تعزز كينونات ضعيفة، وتستنزف الكينونة التجميعية Associatetive entity، والرواية السياسية إذ تحاول أن تتلقف هذا الواقع المبتذل؛ فلأنها تعكس كل ما هو سقيم، ومفكك، ومنفصم من العروة، في مقابل محاولة التخلص من الواقعية المبتذلة، التي ماعاد الواقع في قيمه المؤسسية النموذجية يستسيغها، بالنظر إلى تنوع المعارف الجديدة ذات الصبغة الأنطولوجيا التي أصبحت تعنى بكل ما يمت بصلة إلى تنامي مجالات المعرفة بشتى السبل، والبحث العلمي في ميدان علم المعلومات بالمفاهيم الجديدة conceptualization وعلاقاته التركيبية الدلالية؛ بوصفها كتلا معرفية blocks building مرهونة بجملة من المصادر المعرفية والثقافية. ورواية العربي الأخير تسلك هذا المنحى بشكل واضح؛ إذ تعاملت مع الواقع على أنه يمثل "قيمة إشكالية" على حد تعبير يوجين يولاس Eugène Jolas. والحال إنه "ما عاد أحد يلقي بالاً للتصوير الفوتوغرافي للحوادث؛ بل لاستكشاف عملية التصوير ذاتها، تلك الطريقة التي يتم بها تأطير الحوادث" وبغض النظر عن أية حبكة، أو ثيمة (موضوع) محددة لأية رواية حديثة فإن التساؤل المصحوب بالدهشة حول ما الذي يجعل الأشياء حقيقية لنا؟ إن مسألة الواقع عدلت كثيرا في نمط الواقعية السائدة في الرواية الحديثة؛ الأمر الذي نتج عنه واقعية جديدة مؤسسة بطريقة غريبة على الشكل في يقينية الواقع ذاته"[26]. والرواية لا تذكر "الماسونية" بشكل مباشر (كما أكدت عمليات البحث في النص الكامل)، لكنها تعتمد على رموز وإحالات مضمرة تشير إليها كقوة سرية تتحكم في الأحداث العربية والعالمية. على سبيل المثال:

الرموز الماسونية: الرواية تغوص في أجواء "العالم الماسوني ورموزه"، كما لو كان القارئ داخل أسطورة قديمة مع أناشيدها السرية، حيث تظهر رموز مثل تمثال "الحرية" ذو الأجنحة النسرية (يشبه تمثال الحرية الشهير، الذي يُرتبط في النظريات المؤامراتية بالماسونية)، والذي ينحته البطل "عبد السلام" كرمز للبعث من الرماد. كما تظهر صور مرافقة للنص تشير إلى رموز ماسونية، مثل المصباح في الغلاف (رمز للتنوير الماسوني في سياق الخراب). هذه الرموز تعكس فكرة أن الماسونية هي قوة خفية تخطط للدمار لتحقيق أهدافها. فالرمزية التي تمتلئ بها الرواية تضعك في اجواء العالم الماسوني ورموزه وكأنك داخل إحدى الأساطير القديمة وأناشيدها السرية. في النهاية ستخرج الرواية عن توقعات القارئ، ولا أريد هنا أن أفسد متعته في هذه اللحظة، ولكني سأكتفي بصورة السلام التي يرسمها الكاتب ببطله الذي ينحت تمثال الحرية، وكأن الحرية أمر صعب المنال في عالم كالذي نعيش فيه، فهي كالنحت في الصخر الأصم في واقع استبدادي مريع، يحتاج الكثير من التعب والمشقة والصبر والعرق والتضحية، والسلام هو من يصنع الحرية في النهاية لا الحرب. السلام لا يخون كما تفعل الحرب، وأصحابه يضحون لإنقاذ تاريخ المدينة وتراثها وهويتها من أعدائها التاريخيين الذين دبروا كل شيء وأوقعوا الفتنة بين أهلها، يندفع (عبد السلام) غير مبالٍ بالموت الذي يترصده، يقتحم أسوار الخوف بكل شجاعة وإصرار، تتردد في أذنيه وصية أبي الرمز الفلسطيني “إذا كان لابد من الموت فلنمت تحت الضوء لا بين أنياب العتمة[27].

جماعة "إخوة الحليب": هذه الجماعة السرية في الرواية هي تمثيل مضمر للماسونية، تعمل في الخفاء وسط الخراب، تخطط وتنفذ عبر أذرع مشبوهة مثل تنظيمات إرهابية أو سياسية. ترمز إلى كيفية سيطرة الماسونية على الأحداث العربية (خاصة في سوريا) من خلال التلاعب بالحروب، الفساد، والصراعات الطائفية، لتحقيق مصالح عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية، مثل إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط أو تعزيز الهيمنة الاقتصادية والسياسية.

وسط هذا الخراب يرتع "إخوة الحليب" وهم جماعة ماسونية تعمل في الخفاء، ولها علاقاتها بدوائر صهيونية، وتحكم قبضتها على البلد فتشارك في تدميره، وتحاول سرقة ذاكرته ممثلة في تمثال الإله حدد، وتسعى إلى توريط عبد السلام في جريمة تهريب التمثال. يدبر الخطة إبراهام فارحي، أهل الحارة يجتازون الحواجز بينهم وبينه فينادونه ابراهيم، هو حارس معبد الصفراء ويدعي امتلاكه لأقدم النسخ في العالم من التوراة، يستغل مشاعر الحب المتبادلة بين ابنته ليزا وعبدالسلام، كذلك يتضح معرفته بسوزانا اليهودية الكندية التي عمل عبدالسلام دليلا لها خلال رحلتها في حلب قبل سنتين فقط من قيام الحرب، كانت تقيم بفندق البارون الشهير، وفي الغرفة 202، التي سبق وأقام بها الجاسوس المعروف باسم لورانس العرب، ولعل في ذكر تلك المعلومة إشارة من السارد إلى جاسوسية سوزانا، وفي نفس الغرفة يفرغ عبدالسلام كل مكبوتاته في جسد سوزانا التي ترحل تاركة له رسالة تخبره فيها بأنها يهودية، وبعد سنوات تأتيه رسالتها الثانية متضمنة صورة طفل تخبره بأنه ابنهما يوسف، أما صور ليلتهما معا في الغرفة 202، فيفاجئه بها ابراهام، ويردف قائلا " كنتُ أعرف كلّ شيء، أجل، كلّ شيء"، يستغل تأثير المفاجأة فيواصل حواره حتى يكشف هدفه "اشرب الحليب يا عبد السلام، اشرب، أنتَ من اليوم، أصبحت أخا لنا من أخوة الحليب"[28]

الدور في الأحداث العربية والعالمية: تعرّف الرواية الماسونية كقوة ماسونية عالمية تخترق المجتمعات العربية عبر شبكات سرية، مسؤولة عن الفوضى في الثورات والحروب (مثل الربيع العربي والأزمة السورية)، حيث تُستخدم كأداة للقوى الكبرى لإثارة الفتن الطائفية (مثل الصراع حول اليهود في الحي، كما في صفحات الرواية التي تذكر اليهود كضحايا ومشاركين). هذا يعكس نظرية مؤامرة شائعة ترى الماسونية كمحرك خفي للأحداث العالمية، مثل الحروب العالمية أو النزاعات الإقليمية، لتحقيق "نظام عالمي جديد". الدلالة المضمرة هنا هي دعوة لكشف هذه القوى لتحقيق حرية حقيقية، كما يعبر عنها اعتراف الكاتب في مقدمة الرواية بضرورة مواجهة "الأقبية السرية" والاستبداد. ومن ثمة، فإن الوعي – الشفيف بالرواية- يكشف القدرات الخاصة وقدرات الآخر أيضا، كما يعد الوعي بمفهوم الحرية والعدوان,هو المدخل للوصول إلى المعنى المناسب للمقاومة.. وهي سمة تلك الرواية التي تدرج ضمن معطيات أدب المقاومة لقد تمكن الروائي زياد كمال الحمامي من اثارة المسكوت عنه والتاريخي المعلن والغور في النفوس ورسم الانفعالات الخارجية بواسطة حنكة قلمه الذي غمسه في بئر من فن الكلمة بجدارة[29].

وبذلك، تعدُّ الرواية من الأعمال الأدبية التي تتجاوز التمثيل السردي المباشر إلى فضاءات رمزية معقدة، حيث تتحول الرواية إلى نص متعدد الطبقات يحفل بالدلالات المضمرة والإيحاءات التي تتطلب قراءة متأنية لفك شفراتها. من خلال تحليل البنية المضمرة للرواية، يمكن الكشف عن كيفية اشتغال النص على مستويات متعددة، بدءًا من الرمزية الدينية والأسطورية، مرورًا بالنقد الاجتماعي والسياسي، ووصولًا إلى الأبعاد النفسية والفلسفية التي تشكل عالم الرواية الغني في ضوء هذه المحددات:

1. البتول كأيقونة متعددة الدلالات

أ. تعدد دلالات "البتول":

- البتول كرمز ديني: تشير الشخصية الرئيسية في الرواية، البتول، إلى رموز دينية متعددة، مثل مريم العذراء في المسيحية وفاطمة الزهراء في الإسلام، مما يخلق حوارًا بين الأديان ويؤكد على الوحدة الإنسانية في مواجهة المعاناة.

- القيامة كرمز للخلاص: تعيد الرواية تعريف مفهوم القيامة ليس فقط بمعناه الديني التقليدي، بل كرمز لـلنهوض من رمز الحرب والدمار، حيث تتحول البتول إلى أيقونة للبطولة والتضحية التي تبعث الأمل في إمكانية الخلاص.

ب. الأسطورة والواقع:

- استحضار الأسطورة: يستخدم حمامي أسطورة الإله بعل (إله البرق والعواصف والأمطار) كاستهلال للرواية، مما يربط بين الماضي الأسطوري والحاضر المأساوي في سوريا، مؤكدًا على أن الأرض السورية كانت دائمًا مسرحًا للصراعات والآلهة، لكنها أيضًا رمز للصلابة والتجدد.

- البتول كطائر العنقاء: ترمز البتول إلى طائر العنقاء الذي ينهض من الرمز، مما يعكس فكرة الخلاص عبر التضحية، حيث يصير موتها بداية لقيامة جديدة تُعيد الحياة إلى الحارة والوطن.

2. الانزياح عن الخطية الزمنية

أ. الانزياح الزمني عبر الاسترجاع والاستباق:

- الاسترجاع (Flashback): يستخدم الروائي الاسترجاع بكثافة لكسر الخط الزمني الخطي، من خلال عودة الشخصيات إلى ماضيها، كما في مشاهد استذكار عبد السلام لاغتصاب البتول، مما يخلق تأثيرًا نفسيًا عميقًا ويكشف عن الجروح الخفية للشخصيات.

- الاستباق (Flashforward): يُستخدم الاستباق للتلميح بأحداث مستقبلية، مثل توقعات أبراهام فارحي حول مصير عبد السلام، مما يخلق جوًا من الترقب والتشويق، ويعكس رؤية الشخصيات للمستقبل في ظل ظروف غير مضمونة.

ب. تعدد الأصوات والرواة:

- الراوي الخارجي: يسرد الأحداث من وجهة نظر خارجية، لكنه لا يخلو من تدخلات تظهر وعيه العميق بدواخل الشخصيات، مما يضيف طبقة أخرى من العمق السيكولوجي للنص.

- اللغة السردية: تتميز اللغة بالبساطة والرشاقة دون تكلف، لكنها قادرة على خلق صور حية تنقل القارئ إلى أجواء الحارة وعبق التاريخ وغبار الحرب. فضلا عن أنها كيان حيّ ينهض من بين الرماد ليكتب ذاته كأنشودة لا يسمعها إلا من يتقن الإصغاء إلى ما وراء الكلمات. فهي لغة شفيفة كالماء، تنساب في عروق النص دون تكلف أو تصنّع، لكنها، في الوقت ذاته، تتشظّى إلى صور ورؤى كأنها شظايا نور تتساقط من ذاكرة مثقلة بالخراب. عبر هذه اللغة، يتحول حيّ "البندرة" العريق إلى فضاء أسطوري، تختلط فيه رائحة الخبز المحترق بعبق التوراة القديمة وصدى الأناشيد المجهولة، وتعلو في سمائه أصوات القنابل كما لو كانت أجراسًا كونية تنذر بقيامة ما.

إن هذه اللغة، ببساطتها المتوهجة، تُمسك بيد القارئ لتدخله أزقة الحارة، حيث الحجارة تتنفس، والجدران تحفظ أسرار الأجيال، وغبار الحرب يلتصق بالوجوه كوشم أبدي، لكنها لا تكتفي بالتصوير الواقعي؛ بل ترفع المشهد إلى مستوى رمزي يجعل من "البتول" صورةً للبراءة المغتصبة والوطن المدنس، ومن صرخاتها لحنًا خفيًا يتردد في طبقات الذاكرة الجمعية. وهكذا يغدو السرد نفسه "نشيدًا سريًا" يلتقط المسكوت عنه، ويعيد صياغته بوصفه حقيقة أعمق من الظاهر، حيث يتجاور الدم والقداسة، الخراب والأمل، ليصنع من المفردة البسيطة طلسمًا قادرًا على استدعاء الماضي وتحويره إلى رؤية للمستقبل.

إنها لغة لا تقف عند حدود البيان أو الزخرف، بل تتحوّل إلى ضرب من الطقس الشعائري، كأن كل جملة تعميدٌ في نهر التاريخ، وكل صورة احتراقٌ يولّد قيامة جديدة. بهذا المعنى، يصبح النص نفسه كائنًا أنطولوجيًا، يُقاوم الفناء عبر نغمه الخاص، حيث يظل "الأناشيد السرية" لا تُقرأ بالعين فحسب، بل تُستشعر كوشوشة غامضة تسكن الروح، تذكّر القارئ بأن الفن وحده قادر على مواجهة المحو، وأن الكلمات حين تُصاغ بدم الذاكرة تصير قيامةً متجددة للمعنى.

3. الأبعاد الاجتماعية والسياسية: تُحلّل "قيامة البتول الأخيرة" على مستوىٍ مضمرها الاجتماعي والسياسي النقد المضمر للفساد والطائفية كاحتجاجٍ على بنية فسادية وطائفية تمثل آلية لإفقاد المجتمع كيانَه وذاكرته، فالنص لا يكتفي بسرد المآسي بل يكشف طريقة اشتغال القوة على مصائر الناس من خلال عناصر يومية تبدو عادية (التقاليد، الخوف، التستر) لكنها في واقعها أدوات لإدامة الانقسام والاستغلال؛ العنف الموجه إلى البتول وفتيات الحارة لا يُقرأ عند الرواية كحدث فردي فحسب، بل كعملية رمزية تصف اختراقاً منظّمًا لجسد الجماعة، حيث يغدو الاغتصاب استعارة لاغتصاب الوطن والذاكرة: استباحة الموارد، تلاعب بالمقدَس، وتفكيك للمشترك الاجتماعي باسم الأمن أو الشرف أو الدين. هذه الاستعارة الجنسانية تكشف عن منطقٍ سياسي يعمل عبر تجريد الضحايا من الكلام والهوية، وتحويلهم إلى أشياء قابلة للتبادل في سوقٍ من المحاباة والمحسوبيات التي تشدّ قِيام المجتمع إلى طبقاتٍ من الفساد المؤسسي والفساد الأخلاقي معًا.

الفساد في الرواية لا يتجلّى كاختلاس مالي أو فعل اقتصادي ضيق، بل ينهض كآلية سلطة متغلغلة تنسج خيوطها بين الفاعلين المحليين - من الأب الروحي إلى النخب الحزبية وبعض المثقفين المسايرين - وبين قوى خارجية وأطر خفية تحضر في النص عبر إشارات رمزية لمؤسسات ونفوذ عابر للحدود، بحيث يغدو الفساد نسيجًا مركّبًا يتجاوز الأفعال الفردية ليصبح بنيةً كاملة تعيد تشكيل المصائر والوعي على السواء. هذه الشبكة تعمل بآلياتِ تمييزٍ واستبعاد: توزيع المنافع بالولاء، إقصاء المختلفين، تحويل المواطنين إلى رعايا، وتبرير القمع بمرجعية طائفية أو قومية. الطائفية هنا ليست مجرد واقع اعتقادي قائم بذاته، بل أداة تفتت المجتمع، تُستغل لخدمة مصالح سياسية واقتصادية، فتتحول الانتماءات الدينية والطائفية إلى قناعاتٍ تصبح درعًا لأصحاب النفوذ، وتبريرًا للصمت الجماعي أمام الفظائع.

من ناحية اجتماعية، تبرز الرواية كيف تتكاثر آليات الصمت والتواطؤ: العرف والتحشّم والتشويه الأخلاقي يعملان كتقنينٍ للاضطهاد، يحمون الفاعلين من المحاسبة ويُقفلون أمام الضحايا إمكان إعادة الكلام والاسترداد. المثقفون، بدورهم، يظهرون مشدودين بين رغبة الوعي وخيار التكيّف، فتُصبح ثقافتهم أحيانًا مشدودة إلى جهاز السلطة، أو عاجزة عن المقاومة بسبب رغبة الاحتفاظ بالامتيازات، ما يبرهن أن مواجهة الفساد لا تقتصر على كشف الفاعل فحسب، بل تتطلب تحييد شبكة المبررات الاجتماعية التي تربطه بالجماعة وتبرّر استمراره. كما تُضيف الرواية بُعدًا طبقيًا: الفقر الاجتماعي والاقتصادي يجعل الفئات الضعيفة أكثر عرضة للاستغلال، بينما تستفيد فئاتٌ أقلية من هيمنةٍ توفّر لها غطاءً طائفياً أو مؤسساتياً.

سياسيًا، النص يقرأ المشهد كحقل تُجرى فيه مسابقات للسيطرة الرمزية والعملية؛ فالطائفية تُستخدم كأداة تفكيك ومحاربة للتضامن المدني، والفساد المؤسسي يعمل على إفراغ المؤسسات من وظيفتها العامة وتحويلها إلى أدوات خدمةٍ لدوائر ضيقة، بينما تشتغل أياديٍ خفية - مجيّزة في الرواية بصور وأساطير أو إشارات إلى تنظيمات ونفوذ عابر للحدود - لإعادة رسم مصالح جيوسياسية داخل النسيج المحلي. هذا الانزياح بين المحلي والعالمي يوضح أن المشكلة ليست محلية فحسب، بل أن السلوك الفاسد يجد نقدًا أدبيًا لا يقل قسوة عن التحاليل السياسية: الرواية تكشف كيف تصبح الحارة نموذجًا مصغّرًا لعالمٍ تُدار فيه المصالح بالسرّية والتواطؤ، وتُمارس فيه سياسات المحو المنهجية على الذاكرة والإنسان.

في ضوء ذلك، تُقدم الرواية فنًّا ذا ذاكرة مقاومة: اللغة السردية تستعيد المسكوت عنه وتمنحه صوتًا، والفن يصبح آلية لمناهضة المحو والفساد والطائفية عبر تحويل الجرح إلى شهادات تُنتَج وتُقرأ وتُحفظ؛ بذلك يصير العمل الأدبي فعلًا سياسياً بصفته استعادة للكرامة الجماعية وفضحًا لخيوط التواطؤ، ويقدّم بديلًا أخلاقيًا معرفيًا عن السرديات السلطوية. الخلاصة أن نقد الرواية للفساد والطائفية لا يكتفي بتسمية الجناة، بل يكشف الشبكات المؤسساتية والثقافية التي تنتج الفساد وتكرّسه، ويعرض الفن كمساحة للاعتراف والمساءلة ولإمكانية قيامةٍ أخلاقية واجتماعية تنقذ النسيج من سطوة الهياكل الخفية التي تسعى لإفراغه من إنسانيته وذاكرته.

أ. الحارة كمجتمع مصغر:

التعددية الدينية والثقافية: تجمع الحارة بين شخصيات من خلفيات دينية مختلفة (مسلمون، يهود، أرمن)، يعيشون في انسجام حتى تتدخل السياسة والحرب فيخلقان الفرقة والطائفية. هذا يعكس صورة مصغرة للمجتمع السوري الذي مزقته الحرب.

نقد الفساد والمحسوبية: تنتقد الرواية الفساد والمحسوبية من خلال شخصيات مثل جماعة أخوة الحليب (التي ترمز للماسونية وفق بعض القراءات)، والتي تخطط لدمار الشرق وسقوطه، مما يرمز لقوى الفساد الخارجية والداخلية.

ب. الحرب كفاعل رئيس في تشويه الإنسانية:

اغتصاب البتول: يرمز اغتصاب البتول إلى انتهاك براءة الوطن تحت وطأة الحرب، حيث يصير الجسد الأنثوي رمزًا للأرض المغتصبة التي تبحث عن خلاصها عبر التضحية. في ضوء هذا الصوغ: "ولكن الألم الأعمق هو ما يحدث للبتول الآن، هي تتمسّك بمقبض النافذة، ولكن الطغاة المتوحّشين يخلّصون يدها، يرميها أحدهم على الأرض، ويلقي بجسده العفن فوقها، ويبدأ باغتصابها بهمجيّة حيوانيّة"[30]

هزيمة المثقفين: يعاني المثقفون في الرواية من الهزيمة النفسية والإقصاء، كما في شخصية عبد السلام النحات الذي يحلم بنحت تمثال الحرية لكنه يعيش تحت وطأة الندم والعجز، مما يعكس إحباط المثقف في زمن الحرب.

4. الأبعاد النفسية: الندم والخلاص والفردوس المفقود:

في رواية "قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية)" يبرز البعد النفسي بوصفه المحرّك العميق للسرد، حيث تتجلّى الثيمات الكبرى مثل الندم والخلاص والفردوس المفقود ليس كأفكار مجرّدة، بل كخبراتٍ وجودية تتجسّد في مصائر الشخصيات وصوت البتول نفسها. فالندم في النص يتوزّع على مستويات عدّة: هناك ندم الأفراد الذين عايشوا الخراب ولم يملكوا الجرأة على منعه، وندم المثقفين الذين صمتوا أو تورّطوا في شبكة المحسوبيات والفساد، وندم الجماعة التي رأت أبناءها يُستباحون أمامها من دون أن تتمكّن من المقاومة. لكنه ليس ندمًا عابرًا، بل هو جرحٌ مفتوح يحوّل الماضي إلى عبء نفسي دائم، كأنه حجر ثقيل يُلقى على صدر الشخصيات فلا يتيح لها التنفّس، بل يُذكّرها دومًا بأنها تعيش على أنقاض ما كان ينبغي أن يُحمى.

هذا الندم يتقاطع مع فكرة الخلاص التي تحضر في الرواية كحلمٍ باطني أكثر من كونه إمكانًا واقعيًا. البتول، وهي الأيقونة الرمزية، تُختصر في صوتٍ يتجاوز عار الجسد ليبحث عن معنى يطهّر التجربة، كأنها تطلب خلاصًا ليس لها وحدها، بل للخطيئة الجمعية التي لوّثت المدينة والذاكرة معًا. الخلاص هنا ليس وعدًا دينيًا تقليديًا، بل تجربة وجودية تُكتب بالكلمة وتُعاش في الفن؛ إن قيامة البتول ليست فقط عودةً من تحت الركام، بل فعل إعادة كتابة للحكاية بحيث لا يبقى الألم عبثًا، بل يتحوّل إلى معنى، والجرح إلى أنشودة سرّية تحفظ الذاكرة من النسيان. الخلاص إذن يُقدَّم كحركة سردية لا كواقع خارجي: هو لحظة العبور من ثقل الندم إلى طقس القيامة، حيث يتحول النص نفسه إلى معبد يعرض إمكانية الغفران عبر استعادة الصوت الضائع.

أما الفردوس المفقود فيمثل الخلفية النفسية الكبرى التي تتحرك فوقها الرواية. فحلب قبل الحرب، بما كانت تحمله من حياةٍ يومية وتعايش وألفة، تبدو في النص كفردوسٍ أُقصي عن أهله، فردوسٍ مغُتصب كما اغُتصبت البتول. إن استدعاء صور الأزقة والحارات والأساطير القديمة، مثل حضور إله البرق "بعل"، ليس تزيينًا، بل محاولة لخلق ذاكرة مقابلة تُذكّر بما كان، وتؤكد أن الفقد لم يكن طبيعيًا، بل نتيجة فعل قسري من الاستبداد الداخلي والتآمر الخارجي. هذا الفردوس المفقود يعمل في نفسية الشخصيات كمصدر دائم للحسرة والحنين، لكنه أيضًا محرك للرغبة في القيامة: فالبحث عن الخلاص ليس إلا محاولة لاستعادة ما سُلب، لا بالمعنى المادي البسيط، بل كحاجة وجودية لإعادة وصل ما انقطع في التاريخ والروح.

إن هذه الأبعاد الثلاثة – الندم والخلاص والفردوس المفقود – تتداخل في الرواية لتؤسس طبقة نفسية عميقة تجعل النص أكثر من شهادة على الخراب، بل فعل اعتراف وجودي يُشبه التحليل النفسي للجماعة. فالندم يعري الجرح، والخلاص يحاول تضميده عبر الفن واللغة، والفردوس المفقود يظل الحلم المؤجل الذي يُحرّك الحكاية كلها، كأنه الجاذبية السرية التي تشدّ السرد إلى الأمام. وبهذا تُصبح الرواية مرآةً لنفسٍ جمعيةٍ ممزقة بين الفقد والأمل، بين الانكسار والرغبة في القيامة، وتقدّم الفن كوسيط وحيد قادر على أن يربط هذه الأبعاد في معنى يتجاوز الألم الفردي ليصبح أسطورة جماعية عن الفقد والخلاص.

أ. صراع الندم والخلاص:

- عبد السلام نموذجًا: تعكس معاناة عبد السلام مع الندم على اغتصاب البتول صراع الإنسان بين الخطأ والبحث عن التكفير، حيث يحاول عبر إنقاذ الطفلة هبة ووضع سلسال البتول في رقبتها أن يخلّص نفسه ويشارك في قيامة البتول الرمزية.

- الموت والقيامة: الموت ليس نهاية في الرواية، بل محطة للتحول، حيث يصير موت البتول بداية لحركة حياتية جديدة، تعيد إحياء الأمل في الحارة.

ب. الحلم والفردوس المفقود:

يتخذ الحلم في البعد الرمزي - الأسطوري لرواية قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) والفردوس المفقود هيئة معراجٍ سريّ، كأنهما لغتان خفيتان يكتبان النص من الداخل. الحلم لا يعود مجرّد انعكاس لرغبة نفسية أو نزعة إلى الهروب من الخراب، بل يغدو كأنشودة خفية تصعد من تحت الرماد، كما لو أنّ الروح تحاول أن تستعيد بملامحها المتشظية ملامح الجنّة الأولى. إنه يشتغل كذاكرة ميتافيزيقية، تستحضر ما لا يمكن للتاريخ أن يدوّنه، وما لا يُسمع إلا في الصمت، أشبه بأصداء بعيدة من أرض الميعاد، أو بريق خافت من الجنة المخبّأة في الذاكرة الجمعية.

أما الفردوس المفقود فهو الوجه الآخر للحلم، لكنه في الرواية لا يظهر كحنينٍ ساذج إلى ماضٍ مثالي، بل كأثر أسطوري يلاحق الشخصيات، يذكّرها بأن الخراب لم يكن قدرًا أزليًا، وأن وراء هذا العالم الملطّخ بالدم ظلًّا آخر لأرضٍ نقية، مدينة من نور، قريبة من صورة أورشليم السماوية أو جنة الفردوس التي تحرسها الملائكة المطرودون. إنه فردوس مطرود من الحاضر، لكنه حاضر كنداء سرّي، كأنّ كل لحظة في الرواية لا تنفك عن قياس نفسها على غيابٍ جليل، غياب يكوّن المعنى ويمنحه طابع القداسة المفقودة.

هنا تلتقي البتول مع الحلم والفردوس المفقود، فهي ليست مجرد ضحية مادية للاستباحة، بل كائن رؤيويّ يتجاوز جسدَه ليغدو شيفرةً لقيامة باطنية. حين تنهض من جراحها، لا تعود إلى فردوسها الشخصي، بل تحاول إعادة كتابة العالم ككل، وكأنها حواء جديدة، أو أنثى أسطورية تحمل بذرة الخلاص في دمها الجريح. البتول تصبح هي الفردوس الضائع متجسدًا في صورة بشرية، وهي أيضًا الحلم الذي يصرّ على أن القيامة ممكنة، مهما كان الخراب كثيفًا.

إن الحلم في هذا المستوى يصبح طقسًا من طقوس الكشف، والفردوس المفقود يصير وعدًا أسطوريًا بعودة الوجود إلى أصله النقي، لكن لا عبر التكرار أو الاستعادة، بل عبر القيامة؛ قيامةٍ تجعل من كل مأساة أرضًا لبعث جديد. بذلك يندمج النص مع الأناشيد السرية، فيتحول إلى سفر رؤيويّ يعلن أن ما ضاع لا يندثر، وأن الذاكرة حين تتغذى من الفن تستطيع أن تحوّل الفقد إلى أسطورة خلاص، وتحوّل الفردوس المطرود إلى أفق أبديّ يعاند المحو.

حلم البتول بالوطن المسوّر بالورد: يمثل الحلم الفردوس المفقود الذي تبحث عنه الشخصيات، لكن الحرب تدمر هذا الحلم، مما يضطر الشخصيات إلى خلق عالم موازٍ عبر الأناشيد السرية والأحلام.

الأناشيد السرية كملاذ: تمثل الأناشيد السرية التي ترد في الرواية ملاذًا نفسيًا للشخصيات من قسوة الواقع، حيث تعبر عن أحلامهم وألمهم وأملهم في الخلاص.

5. الأمكنة كفاعل في تشكيل المعنى

تتجاوز الرمزية المكانية في رواية قيامة البتول الأخيرة حدود كونها مجرد خلفية للأحداث لتصبح عنصراً بنيوياً فاعلاً في تشكيل المعنى وإنتاج الدلالات، فهي أمكنة مشحونة بالرموز، تحمل ثقل التاريخ والذاكرة والهوية، وتعمل كمرآة لصراعات الشخصيات وأزماتها. المكان هنا ليس ثابتاً أو محايداً، بل يتلون وفق زوايا النظر وتغير الحالات النفسية والوجودية للأبطال، فيغدو أحياناً فردوساً مفقوداً يستحضر حنيناً لما لم يعد موجوداً، وأحياناً أخرى يتحول إلى جحيم ضاغط يرسّخ مأساوية الحاضر. المدينة مثلاً تتجلى ككائن متشظٍ، تعكس في تدرجاتها المعمارية والفوضى التي تغشاها ملامح التمزق الاجتماعي والسياسي، فتتحول الشوارع والأزقة إلى مسرح مفتوح تتقاطع فيه مظاهر الفساد والعنف والاغتراب. البيت، من جانبه، يمثل ملاذاً هشاً تتصارع داخله الرغبة في الأمان مع الإحساس بالاختناق، وهو فضاء يعيد إنتاج التمزق الداخلي للشخصيات، في حين أن الأمكنة المقدسة أو الرمزية – كالمقابر أو الأطلال – تحضر كفضاءات أسطورية تعيد ربط الفرد بجذوره الميتافيزيقية وتطرح أسئلة عن الخلاص والقيامة والانبعاث. ومن خلال هذا التداخل المعقد، يتحول المكان إلى فاعل مؤثر في مسار السرد، إذ يحدد ملامح الوعي الجمعي ويعيد ترتيب علاقة الشخصيات بذواتها وبالعالم، فيغدو فضاء الرواية مشبعاً بالرموز التي تترجم صراع الإنسان مع فقدان الفردوس ومع حلم الانبعاث من الركام.

أ. الكهف/القبو:

- رمزية القبو: يمثل القبو حيث يعمل عبد السلام على نحت تمثال الحرية مكانًا تحت الأرضي يرمز لعالم اللاوعي والأسرار المخفية، حيث تُصنع الأحلام وتُخبأ الذنوب.

- المتحف: في مشهد finale، تحلق الحمامة البيضاء (التي ترمز للبتول) فوق المتحف، مما يرمز لأن التراث والتاريخ هما الحارس الحقيقي للذاكرة والهوية.

ب. الحارة والكنيس:

- حارة البندرة: تمثل الحارة التعددية والتناغم الذي كان قائمًا قبل الحرب، حيث كان الجميع يعيشون في انسجام تحت مظلة إنسانية واحدة.

- معبد الصفراء: يرتبط بحارس المعبد اليهودي أبراهام، الذي يُدعى "العم إبراهيم" من قبل سكان الحارة، مما يرمز لوحدة الأديان في مواجهة الخطر الخارجي.

6. الرواية كنسيج من الرموز والدلالات

يمكن النظر إلى رواية قيامة البتول الأخيرة كنسيج متكامل من الرموز والدلالات، حيث لا يتعامل النص مع اللغة في بعدها المباشر فحسب، بل يحوّل كل تفصيل سردي إلى علامة مشحونة بإيحاءات عميقة تتجاوز ظاهرها. فالشخصيات ليست كائنات ورقية تتحرك داخل فضاء حكائي، بل تتحول إلى رموز لأزمات وجودية وجماعية، إذ تمثل البتول على سبيل المثال الحلم بالبراءة والخلاص، بينما تجسد القوى المتحكمة في مصيرها الوجه الآخر للفساد والطغيان. أما الأمكنة، كما ذكرت سابقًا، فهي مشبعة بالمعنى، تتحول إلى رموز للذاكرة والفقد والتشظي، بحيث يقرأ القارئ المدينة أو البيت أو المقبرة لا كفضاءات مادية، بل كعقد دلالية تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. الزمن بدوره يدخل في هذا النسيج الرمزي، فهو ليس مجرد تسلسل خطي للأحداث، بل يتشظى بين الذاكرة والحلم والانتظار، ليعكس حالة الإنسان العربي الممزق بين واقع ضاغط وأفق خلاص مؤجل. كذلك نجد أن الرواية تستثمر الرموز الدينية والميثولوجية لتعيد صياغة أسئلة الخطيئة والفداء والقيامة، حيث يتماهى السرد مع خطاب أسطوري يضع الفرد في مواجهة قدره ومصيره الجماعي. من هنا تتحول الرواية إلى نص مفتوح، يسمح بتعدد التأويلات، ويغدو نسيجها الرمزي أداة لإعادة قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي عبر مرآة الفن، فتتداخل المستويات الفردية والجماعية، الواقعية والمتخيلة، لتخلق نصاً يشتبك مع القارئ ويدعوه إلى استخراج المعنى من خلف طبقات كثيفة من الإيحاءات.

بالإضافة إلى ذلك لا تقدم علة أنها قصة سردية عن الحرب والسقوط، بل هي نسيج معقد من الرموز والدلالات التي تتطلب قارئًا قادرًا على تفكيك طبقاتها المضمرة. من خلال توظيف الرمزية الدينية والأسطورية، والانزياح عن السرد الخطي، والنقد الاجتماعي والسياسي، والعمق النفسي، تتحول الرواية إلى مرآة تعكس ليس فقط الواقع السوري بل Condition الإنسانية في مواجهة الحرب والظلم. تثبت الرواية أن الأدب قادر على تجاوز التمثيل المباشر إلى فضاءات رمزية أوسع، حيث يصير النص منصة لتعدد التأويلات وثراء الدلالات، مما يجعلها عملًا أدبيًا خالدًا يستحق القراءة والتحليل.

وعلى هدي ما سبق، يتحول فعل الكتابة في رواية قيامة البتول الأخيرة إلى مرآة كاشفة لـ"المستور" الذي ظل يتراكم في الظل السوري لعقود، قبل أن تُفجّره الحرب وتجعل المستحيل واقعًا واللامرئي منظورًا. حينئذ، لم يعد الفساد محجوبًا في دهاليز السلطة ولا الطائفية على أنه همس يتوارى في الأزقة، بل انقلبت الحرب إلى طقس هتكٍ جماعي أسقط الأقنعة وفتح الأبواب على مصاريعها، حتى خرجت شبكات التهريب والانتهاكات الجنسية والخيانات الصغيرة والكبيرة إلى سطح المشهد العام. غير أن الرواية لا تكتفي بالتعرية المباشرة، بل تستدعي هذا "المستور" في صورة فنية تتجاوز التوثيق إلى إعادة صياغة الخراب بلغة رمزية تجعل القارئ يواجه ذاته قبل أن يواجه الوقائع. هكذا يبدو النص كأنشودة سرية لا تسعى إلى تسجيل ما حدث، فحسب، بل إلى تفكيك البُنى الخفية التي صنعت المأساة، بحيث يغدو الكشف ذاته شكلاً من أشكال المقاومة ضد استمرار الصمت، وضد قابلية التعايش مع العفن الذي كان يُدار في الظل قبل أن تفضحه ألسنة النار.

في قيامة البتول الأخيرة يصبح كشف المستور ضربًا من الطقس الأسطوري الذي يخلع عن العالم قشوره البالية ليكشف عن لُبٍّ كان يتوارى خلف الحجب. الحرب ليست هنا مجرد صراع دموي، بل هي نار كونية تعيد تشكيل الوجود، تُحيل السر إلى جهر، والهمس إلى صرخة مدوية، والأمكنة تتحول إلى معابد محروقة تُفصح عن أسرارها القديمة، والوجوه الممزقة تصير مخطوطات مفتوحة على تاريخ لم يجرؤ أحد على قراءته. في قلب هذا الخراب، تصدح "الأناشيد السرية" كنشيدٍ أبدي يفضح الطلاسم التي حيكت في الخفاء، ويعيد للبراءة وجهها المصلوب. إنها رواية لا تستعيد الماضي بوصفه ذكرى، بل تستدعيه بوصفه لعنة يجب كسرها، ووصية غامضة لا يفك شيفرتها إلا الفن وقد استحال إلى كائن ميتافيزيقي يقيم قيامةً جديدة على أنقاض الخراب، حيث يصبح النص ذاته مقامًا من مقامات الحقيقة المستترة، وصوتًا يتحدّى النسيان.

ومن الإعراض عن الصواب بالقول: ليس للمضمر في رواية البتول الأخيرة معنى، أو لا يحيل إلى استنباط يفضي إلى معنى موازٍ لمعنى متن النص. والمسكوت عنه، والخطاب "ليسا ضدين، فكلاهما نشيط ودال، والنص لا وجود له من دون علاقتهما المتبادلة. الصمت [المسكوت عنه] ليس فُضلة، أو وَرم يلزم اقتلاعه، أو فراغا للملء.... فالصمت مثله مثل الإيماءة، أو الحركة، لا يجسد سكونية فُجائية للسان، وإنما تسجيلا فاعلا لاستعماله، إنه يدخل في التواصل بحصة متساوية مع اللغة... ذلك أن [الخطاب] لا يستطيع التخلي عن الصمت [المضمر]، على عكس هذا الأخير"[31]، والصمت هذا ذلك البياض، أو الفراغ الذي يتعمّده المبدع، تاركا مهمة الكشف عنه للقارئ الضمني.

وبين هذا وذاك تتجلى لغة المسكوت عنه من حيث السياق الدلالي في بنية اللغة الضمنية، وفي المسافة الغائبة بين المتن، وما يستتر في خفائه بحاجز خطاب الغيبة، الذي من شأنه أن يبعث على التمكُّن من الانتباه، واستحكامه من المتلقي وراء ظل المتن؛ إذ تتجه البنية اللغوية التي تتجسد فيها الصورة إلى اتخاذ أشكال جديدة، أو مغايرة للأشكال التي ألفناها في الصورة القديمة، والدخول في صيغ استبداليه، أو إحلالية، يحل فيها الشيء مكان الشيء، لا تقوم على إحلال غير المألوف محل المتعين المدرك"[32]، حيث إن الانزياح اللغوي هو من يتبنى مهمة الكشف عن المسكوت عنه.[33]

***

عبد القادر فيدوح - الجزائر

.....................

قائمة المصادر والمراجع:

المصادر:

الجاحظ، الرسائل، تحقيق عبد السلام هارون، الرسالة الرابعة والعشرون، ج 3، دار الكتاب العلمية، 2017

زياد كمال حمامي، قيامة بتول الأخيرة، الأناشيد السرية، دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، حلب، سورية، ط1، 2018

المراجع:

إدغار موران، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة، هناء صبحي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009، ص 96،97.

أمبرتو إيكو، سيميائية الأنساق البصرية، ترجمة محمد التهامي العماري، دار الحوار، 2008

بول ريكور، الاستعارة الحية، ترجمة، محمد الولي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2016

جيسي ماتز، تطور الرواية الحديثة، ترجمة لطفي الدليمي، دار المدى، ط1، 2016

دافيد لوبروطون، الصمت، لغة المعنى والوجود، ترجمة فريد الزاهي، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، المغرب، 2019.

ديفيد هارفى، حالة ما بعد الحداثة ـ بحث فى أصول التغيير الثقافى ـ ترجمة محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2005

السيد نجم، ادب المقاومة فى الفكر والإبداع، دار ليفانت للبحوث والنشر بالإسكندرية، 2020

عبد القادر فيدوح، الخطاب الواصف ومؤوِّلاته، دار كنوز المعرفة، الأردن، 2022.

عبد القادر فيدوح، تأويل المتخيل – السرد والأنساق الثقافية - دار صفحات، سوريا، 2019

عبد الله البهلول، الصمت سياسة في القول، ضمن [كتاب في الصمت] لمجموعة من المؤلفين، أشرف على جمعه، وقدمه، محمد الشيباني، منشورات جامعة صفاقس، ط1، 2008

محمد الغزّي، وجوه النورس.. مرايا الماء، دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، تونسط1، 2008،

نعوم تشومسكي، ثقافة الإرهاب، ترجمة، منذر محمود صالح محمد، دار العبيكان، (التقديم).

الدوريات

كمال أبو ديب، لغة الغياب في قصيدة الحداثة، مجلة فصول، ع 3/4، 1989.

المواقع الإلأكترونية

الكبير الداديسي، عندما ينبعث الفن من رماد الحرب قراءة في رواية قيامة البتول الأخيرة

الرابط، https://2u.pw/3n8eyg

نجلاء نصير، الأناشيبد السرية للجس\د الدامي: تعدد الأصوات وقيامة الرمز في رواية "

قيامة البتول الأخيرة" ﻟﺰﻳﺎﺩ ﻛﻤﺎﻝ ﺣﻤﺎﻣﻲ، الرابط، https://2u.pw/q7h8rl

أحمد وديع العبسي، رواية قيامة البتول الأخيرة...للروائي السوري زياد كمال حمامي حرب الروائي مع شخصياته المتمردة، الرابط، https://2u.pw/JJUD4

6.  أحمد رجب شلتوت - الانبعاث من الموت في رواية قيامة البتول الأخيرة، موقع، الأنطولوجيا، الرابط، https://2u.pw/65KXK

السيد نجم، في رواية" قيامة البتول" لزياد كمال حمامي ... الصراع الظاهر والخفي بين الشخصيات المتمردة الرابط، https://2u.pw/JJUD4

هوامش

[1] عبد القادر فيدوح، الخطاب الواصف ومؤوِّلاته، دار كنوز المعرفة، الأردن، 2022، ص 73

[2] ينظر، نفصه، ص 56.

[3] ينظر، بول ريكور، الاستعارة الحية، ص 127، 128.

[4] زياد كمال حمامي، قيامة بتول الأخيرة، الأناشيد السرية، دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، حلب، سورية، ط1، 2018، ص 7.

[5] ينظر، دافيد لوبروطون، الصمت، لغة المعنى والوجود، ص 107، 108.

[6] ينظر، الرواية، قيامة البتول الأخيرة ص 13

[7] الرواية، ص 183، 184

[8] ينظر، محمد الغزّي، وجوه النورس.. مرايا الماء، دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، تونسط1، 2008، ص 8.

[9] الرواية، ص 93

[10] الرواية، ص 203

[11] الكبير الداديسي، عندما ينبعث الفن من رماد الحرب قراءة في رواية قيامة البتول الأخيرة

الرابط، https://2u.pw/3n8eyg

[12] ينظر، نعوم تشومسكي، ثقافة الإرهاب، ترجمة، منذر محمود صالح محمد، دار العبيكان، (التقديم)، ص13.

[13] ينظر، إدغار موران، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة، هناء صبحي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009، ص 96،97.

* "أيون" هنا، قد يعني: كيان ميتافيزيقي نوراني، أو الدهر السرمدي، أو الجسيم المشحون كهربائيًا، وعند فلاسفة الغنوصية هو كيان ميتافيزيقي أو انبثاق (Emanation) بوصفه الانبعاث أو الصدور أو الفيض من أصلٍ أول، أو مبدأ متعالٍ يصدر عن "الكلّ الأعلى" أو "المطلق"، أي عن المبدأ الأول أو الإله المتعالي. والأيونات كانت أشبه بمراتب أو قوى نورانية تتسلسل من الأصل الإلهي لتفسر وجود العالم. وفي الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ارتبطت، كلمة "أيون" بالزمن الكوني أو الامتداد السرمدي. والسياق هو الذي يحدد.

[14] ينظر، أمبرتو إيكو، سيميائية الأنساق البصرية، ترجمة محمد التهامي العماري، دار الحوار، ط 1،2008، ص 135،136.

[15] الرواية، ص 200

[16] ينظر، نجلاء نصير، اﻷﻧﺎﺷﻴﺪ ﺍﻟﺴﺮﻳﺔ” ﻟﻠﺠﺴﺪ ﺍﻟﺪﺍﻣﻲ: ﺗﻌﺪﺩ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﻭﻗﻴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺮﻣﺰ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ “ﻗﻴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺒﺘﻮﻝ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ” ﻟﺰﻳﺎﺩ ﻛﻤﺎﻝ ﺣﻤﺎﻣﻲ، الرابط، https://2u.pw/q7h8rl

[17] الرواية، ص 10

[18] الرواية، ص 17

[19] ينظر، عبد القادر فيدوح، الخطاب الواصف ومؤوِّلاته، ص 40،41

[20] ينظر، عبد الله البهلول، الصمت سياسة في القول، ضمن [كتاب في الصمت] لمجموعة من المؤلفين، أشرف على جمعه، وقدمه، محمد الشيباني، منشورات جامعة صفاقس، ط1، 2008، ص 95.

[21] الجاحظ الرسائل، الرسالة الرابعة والعشرون، ج 3، دار الكتاب العلمية، ص 177

[22] ينظر، عبد الله البهلول، الصمت سياسة في القول، ص 101، 102

[23] الرواية، ص 222.

[24]  ديفيد هارفى، حالة ما بعد الحداثة ـ بحث فى أصول التغيير الثقافى ـ ترجمة محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2005، ص 78.

[25] ينظر، عبد القادر فيدوح، تأويل المتخيل، ص 113

[26] جيسي ماتز، تطور الرواية الحديثة، ترجمة لطفي الدليمي، دار المدى، ط1، 2016، ص 107

[27] ينظر، أحمد وديع العبسي، رواية قيامة البتول الأخيرة...للروائي السوري زياد كمال حمامي حرب الروائي مع شخصياته المتمردة، الرابط، https://2u.pw/JJUD4

[28] أحمد رجب شلتوت - الانبعاث من الموت في رواية قيامة البتول الأخيرة، موقع، الأنطولوجيا، الرابط، https://2u.pw/65KXK

[29] السيد نجم، في رواية" قيامة البتول" لزياد كمال حمامي ... الصراع الظاهر والخفي بين الشخصيات المتمردة الرابط، https://2u.pw/JJUD4

ينظر أيضا، السيد نجم، ادب المقاومة فى الفكر والابداع، دار ليفانت للبحوث والنشر بالإسكندرية، 2020م)

[30] الرواية، ص 23

[31] ينظر، دافيد لوبروطون، الصمت لغة المعنى والوجود، ص 22.

[32] كمال أبو ديب، لغة الغياب في قصيدة الحداثة، مجلة فصول، ع 3/4، 1989، ص 80.

[33] عبد القادر فيدو؛ الخطاب الواصف ومؤولاته، ص 79

جاء في حوارنا السابق أنَّ مَن تتبَّع صَنْعَة شِعر السَّقَّاء الشاعر (أبي تمَّام) ألفاه قد لا يراعي اللياقة في مخاطبة ممدوحِيه؛ حتى ليكاد يخرج من مدحهم إلى التعريض بهجائهم! وضربنا مثلًا على ذلك بأنَّه امتنَّ على أحد ممدوحيه بوصفه بأنه ليس ب-«أَبْلَه»! قلت ل-(ذي القُروح):

- وإذن، لو عزَّر الممدوحُ الشاعرَ على مثل هذا المديح، لما ناله ملام.

- أجل. ثمَّ ما أصبرك، يا أيَّها الممدوحُ (محمَّد بن عبدالملك الزيَّات)، على شاعر يقول فيك:

وَزيرُ حَقٍّ، ووالي شُرطَةٍ، ورَحَى

ديوانِ مُلكٍ، وشيعِيٌّ، ومُحتَسبُ(1)

- بهذا جعله (رحًى) بعد أن جعله (دَلْوًا)، كما رأينا في المساق السابق.

- لا غرو، فهو يجمع له بين وظائف متباينة، سردَها في هذا البيت!

- وفوق تلك الوظائف هو:(زيَّات)، من قَبل ومن بَعد!

- وها هو ذا- بعد أن امتنَّ على الممدوح بوصفه بأنه ليس ب-«أبله»- يقول إنها إنَّما ألجأته إليه الحاجة الممضَّة، كالذي يحتفر القُلُب بدل الأنهار، أو يتَّخذ جلود الإبل بدل دراهم الذهب:

لَو أَنَّ دِجلَةَ لَم تُحوِج وصاحِبَها

أَرضَ العِراقَينِ لَم تُحفَر بها القُلُبُ

*

لَم يَنتَدِبْ عُمَرٌ للإِبلِ يَجعَلُ مِنْ

جُلودِها النَّقدَ حَتَّى عَزَّهُ الذَّهَبُ(2)

- أيُّ مديح هذا، يا (أبا تمَّام)؟! لقد كنتَ سقَّاءً، إذن، خيرًا منك شاعرًا، بمثل هذا!

- ولقد صدق بتوصيف شِعره، حين قال:

مِن كُلِّ قافِيَةٍ فيها إذا اجتُنِيَتْ

مِن كُلِّ ما يَجتَنيهِ المُدنَفُ الوَصِبُ

*

الجِدُّ، والهَزْلُ، في تَوشيعِ لُحمَتِها،

والنُّبْلُ، والسُّخْفُ، والأَشجانُ، والطَّرَبُ(3)

وهو ما حمل (الآمديَّ)(4)، بحقٍّ، على القول عن بيته الأخير: «بيتٌ في غاية الحمق! ومَن يمدح وزيرًا، فلِمَ يُضمِّن قصيدته الهَزْل والسُّخْف؟! وإنْ كان هناك ما يدلُّ على هذا، فلِمَ نَبَّه عليه واعترف به؟!»

- على أنَّه يبدو هذا ديدن (أبي تمَّام) بالفعل، في تنقُّله من التحليق في السماء إلى الإسفاف منحدرًا إلى أسفل السَّافلين!

- صدقتَ. تجده، مثلًا، في قصيدته ذات المطلع:

إِنَّ بُكاءً في الدَّارِ مِن أَرَبِهْ

فَشايِعَا مُغرَمًا عَلى طَرَبِهْ(5)

- كأنَّه بهذا المطلع يُترجم ترجمةً رديئةً مطلع معلَّقة «قفا نبك»، ل-(امرئ القيس)؟

- وشتَّان بينهما! لكن انظر إليه كيف يقول في القصيدة، وهو يمدح (محمَّد بن عبدالملك بن صالح الهاشمي):

مُهَذَّبٌ قُدَّتِ النُّبُوَّةُ وال-

إِسْلامُ قَدَّ الشِّرَاكِ مِن نَسَبِهْ

وشِراك النَّعل: السَّير الذي يُجعَل بين أصبعَي القَدَم. فانحطَّ بالتهذيب، والنبوَّة، والإسلام، ونسب الهاشمي، جميعًا إلى مستوى النِّعال وشؤونها!

- كيف، وهو البديعيُّ الحداثيُّ المجدِّد، لم يُسعِفه خياله بما هو أرقى من هذا التصوير؟!

- ثمَّ تراه يقول عن هذا (الهاشمي)، الذي لا مثيل له ولا يُشقُّ له غبار:

مُشمِّرٌ ما يَكِلُّ في طَلَبِ ال-

-عَلياءِ والحاسدونَ في طَلَبِهْ

*

أَعلاهُمُ دونَهُ وأَسبَقُهُمْ

إلى العُلَى واطِئٌ عَلى عَقِبِهْ!

- أَشْوَى أنه ما قال: «واطِئٌ عَلى رأسه»!

- لو لم تُنقذه القافية، لربما كان قال ذاك، في هذا «المَرَثُون» الفكاهي من السباق إلى المعالي. فأنْ يطأ المتسابق، السابق إلى العُلَى، على عقب الممدوح، أي على ذَيله، أو على عَقِب رجله، تعبيرٌ غير لائق! تخيَّل الصُّورة: الهاشميُّ الهُمام ماضٍ إلى العُلَى، في أمان الله وحفظه، إلَّا أنَّ هناك من يطأ على عَقِب رجله!

- كيف له حينئذٍ أن يرقى، «مُشمِّرًا ما يَكِلُّ في طَلَب العَلياء»؟!

- بل قل: كيف له أن يسير على الأرض في هذه الحالة، وهو مدعوسٌ على رجله؟!

- وهكذا أوقعتْ القافيةُ- عفا الله عنها!- الشاعرَ في شرِّ أعماله، بتلك الصُّورة الطريفة.

- وكلُّ هذا التكلُّف يأتي في النهاية من أجل فِضَّة الممدوح أو ذهبه، بطبيعة الحال، لا لسواد عينَيه:

تَأتيهِ فُرَّاطُنا فَتَحكُمُ في

لُجَينِ-هِ تارَةً وفي ذَهَبِ-هْ

بِأَيِّ سَهمٍ رَمَيتَ في نَصلِهِ ال-

-ماضي وفي ريشهِ وفي عَقِبِهْ

- «عَقِبه».. مرَّة أخرى؟!

- نعم. على أنَّ الشاعر لا يستحي هنا، أو يجد حرجًا، من أن يمنِّي الممدوح، في المقابل، بأنه سيمنحه من بُسْر شِعره أو رُطَبه.

- حسب الموجود!

- لكن بشرط: أن يَأْبِر غرائس نخله!:

يَأبِرُ غَرْسَ الكَلامِ فيكَ فَخُذْ

واجتَنِ مِن زَهْوِهِ ومِن رُطَبِهْ

- وهو يكلِّفه أيضًا بأن يجني بُسره ورطبه بنفسه، بدل أن يقدِّمه إليه؟!

- وافرض أنه لا يُحسِن تسلُّق النخل واجتناء التمر! ما العمل؟

- عندها ليأكل أيَّ شيء!

- وكيف لا نقرأ مثل هذا المديح، وقد قال إنَّ (الشُّكر) أصلًا هو من البهائم المرتبطة في مِذْوَد الممدوح، كما أنَّ سَرْح المدائح من جلائب سُوقه؟!:

أَما تَرَى الشُّكْرَ مِن رَبائِطِهِ

جاءَ وسَرْحُ المَديحِ مِن جَلَبِهْ؟!

وكم ذا بمدائح العصر العبَّاسي من «كوميديَّات» النَّظْم!

- لكأنِّي بك، يا (ذا القروح)، لم تسمع عن «كوميديَّات» النَّظْم في عصرنا، ومنها نَظْم الشِّعر بالذَّكاء الاصطناعي؟

- تلك كوميديَّات شِعرٍ يَلَق؟

- يَلَق؟

- اليَلَق: الأبيض المتلألئ. قال جدُّك (أبو ذؤيب الهُذَلي)(6):

في رَبْرَبٍ يَلَقٍ حُورٍ مَدَامِعُها

كَأَنَّهُنَّ بِجَنْبَيْ حَرْبَةَ البَرَدُ

وما زلتم تقولون بعامِّيتكم، عن الأبيض الناصع، إنَّه: «يِلِق».

- ما علينا، عُدْ بنا إلى الذَّكاء الاصطناعي!

- ذاك موضوعنا للمساق المقبل، بعون الله.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

................................

(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عَزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 247/ 26.

(2) م.ن، 1: 254- 255/ 44- 45.

(3) م.ن، 1: 258/ 57- 58.

(4) (1992)، الموازنة بين شِعر أبي تمَّام والبُحتري، تحقيق: السيِّد أحمد صقر، (القاهرة: دار المعارف)، 3: 689؛ ابن المستوفي، (1989)، النِّظام في شرح شِعر المتنبِّي وأبي تمَّام، دراسة وتحقيق: خلف رشيد نعمان، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 3: 109.

(5) ديوانه، 1: 264- 276.

(6) (1965)، كتاب شرح أشعار الهذليِّين، تحقيق: عبدالستار أحمد فرَّاح، راجعه: محمود محمَّد شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني)، 1: 61/ 11.

 

للعرض المسرحي "اهمس في أذني السليمة"

مثل قرار المخرج د. محمد حسين حبيب بإعادة إنتاج العرض المسرحي "اهمس في أذني السليمة" بعد أربعين عاماً تجسيداً وجودياً لحلم مستمر. تُعبر هذه العودة عن تماهٍ حقيقي مع نص عاش في صميمه لعقود، حيث انتقل من شاب يُمثل الشيخوخة إلى شيخ يُعيد تجسيدها.

تُعتبر هذه العودة نقطة محورية، حيث يُبْرِز التكرار انبعاث الحياة في النص من خلال الزمن. فعلى مدى التجربة الأولى، كانت العلامات تعكس أحلام الشباب، بينما تكشف المرة الثانية عن علامات الشيخوخة، مُظهرةً أثر الزمن والتحول. يتجاوز هذا التكرار مجرد إعادة تنفيذ النص المسرحي إلى فعل تفكيك الفواصل بين الحس الفردي والزمن الاجتماعي.

يبرز المسرح كمخبر للذاكرة الحية، حيث يصبح د. حسين حبيب هو الموضوع قيد المشاهدة، مُختبراً حلبته الداخلية ومواجهاً فضاء الزمن الخارجي. وقد خلقت عودته بعد عقود انكساراً بين المشهد والواقع، مما ضاعف التجربة وغير الأبعاد، محملاً بأثقال الدور الذي قدّمه سابقاً كحلم ثم كممارسة حية.

تتجاوز هذه العودة كونها مجرد سيرة ذاتية لمخرج أو ممثل، إذ تعكس قدرة المسرح العراقي على تدوير التجربة وربط فجر المعنى بالزمن، ليصبح العرض قابلاً للتكرار كجزء أساسي من معنى الحياة ذاتها.

العنوان: "اهمس في أذني السليمة" كشف عن عمق المفارقة اللغوية وعكس أزمة التواصل الإنساني المعاصر. الفعل "اهمس" يشير إلى السرية والحميمية، بينما تحديد "الأذن السليمة" يبرز وجود عطب مسبق، مما يعكس الجسد المجزأ بين الصحة والعاهة، وسعته للسمع والصمم.

هذا الطلب - "اهمس في أذني السليمة" - يعكس عنفاً رمزياً، حيث يسعى للتواصل مع الاعتراف العميق بصعوبة تحقيقه. الأذن "السليمة" تمثل حالة نسبية وليست خالية من الضرر، فحتى الأكثر قدرة على استقبال الصوت تعاني من نقص ما.

العنوان يتجاوز ثنائية السليم/المعطوب ليشير إلى أن كل شكل من أشكال التواصل مفقود، مشوه، ويحدث من خلال قنوات معطوبة. الهمس، كفعل صوتي منخفض، يتطلب قرباً جسدياً وحرارة وثقة، وعندما يُطلب تحديد "الأذن السليمة"، يصبح الفعل الحميمي كإجراء طبي، خطوة تقنية للتعامل مع جسد معطوب.

العنوان يكشف عن الطبيعة الإنسانية حيث نهمس جميعاً في آذان معطوبة، نبحث عن توجيه الآخرين حول كيفية السمع، وحدود وصولنا، ونقاط العطب التي ينبغي تجنبها. إنها مرثية مضمرة لفعل التواصل ذاته، بينما الجمهور، الذي يُفترض به أن يكون الأذن السليمة النهائية، يظل محل تساؤل: هل يصغي حقاً، أم يكتفي باستهلاك العرض ثم يغادر؟

العمارة الدرامية للعرض: في تجلٍّ مسرحي يتجاوز حدود التمثيل التقليدي، طرحت مسرحية "اهمس في أذني السليمة" سؤال الوجود والموت بوصفه مأزقاً فكرياً يستحيل حله منطقياً.

حيث استحضر العرض فلسفة صامويل بيكيت في "انتظار غودو"، حيث البطلان ماكس وتشارلي محصوران في حالة العتبة؟ وهي الوضع البيني بين حالتين دون انتماء كامل لأيهما - عتبة مكانية وزمانية بين الحياة والموت، بين الذاكرة والنسيان.

نسج العرض من صراعه الدرامي نسيجاً متشابكاً يتناول الوضع الإنساني في كل تعقيده حيث الزمن يمر ويحني الظهور، الجروح القديمة تبقى نازفة، الاختيارات الأخلاقية تترك ظلالها عبر الأيام، العطاء من الوفرة يكشف عن فجوات طبقية ووجودية، الخوف من الموت يكشف عن خوف أعمق من الحياة، والتواصل يصبح معركة بين الصراخ والهمس. كل هذه الطبقات تتراكم لتقدم صورة عن إنسانين يحاولان أن يفهما، أن يصلا، أن يعيشا في عالم يبدو أصم وبارد وقاس.

صنعت مسرحية "اهمس في أذني السليمة" عالماً تشكله كثافة الذكرى ومرونة الذاكرة وتوتر الانتظار، حيث يقف ماكس وتشارلي، رجلان عجوزان، في حلبة تشبه ساحة معركة زمنية باردة، بين الحياة والموت. كل تفصيل يشد المشاهد نحو تأمل عميق حول استحالة الفكاك من الماضي، حول كيف تهز الهشاشة الوجودية أعمدة ما تبقى من الإيمان بالمعنى، بينما يتحول كل حوار إلى اختبار للحاضر الهش بين ندوب الأمس وخوف الآتي.

أصل الحكاية: تدور أحداث مسرحية "اهمس في أذني السليمة" حول رجلين عجوزين، ماكس وتشارلي، يجتمعان في حديقة عامة. يتبادل الاثنان الذكريات، حيث يتحدث تشارلي عن زوجته وحياته السابقة، بينما يكشف ماكس عن وحدته وعدم قدرته على بناء العلاقات. يخططان معاً لإنهاء حياتهما بسبب شعورهما بالوحدة والعزلة. وفي لحظة تمثلت كحبكة وانعطاف مغاير بان التردد على تشارلي فراح يتوسل إلى ماكس لمنحه يوماً آخر وبالمقابل ماكس ما زال مصراً على التنفيذ، لينتعش الإيقاع وتنتهي تراكيب البوح بالماضي فيتجدد العرض بوجه آخر حيث يبدأ التأمل بينهما في قيم الحياة. وفي لحظة حاسمة، يستقر المسدس أداة النهاية والعدم على كرسي فارغ، تاركاً مصيرهما مفتوحاً، مما يعكس أهمية الأمل والصداقة في مواجهة تحديات الحياة. المسرحية تحمل رسالة عن ضرورة التواصل والاستمتاع بلذات الحياة البسيطة.

(ماكس): في قلب المسرحية تتجلى قسوة الوحدة: ماكس، المقيم الأبدي في عزلة جدرانها صماء إلا من وقع خطاه وصوت نفسه، لا يجد معنى ولا يجد عزاء إلا في رنين كلمة واحدة متباينة النبرة، "ألو"، كما لو أن الوجود كله يتكثف في حنينه لاعتراف الصوت البشري بوجوده. الاتصال بأرقام عشوائية يفتح له نافذة سريعة على عوالم مجهولة لم ير منها سوى الأصداء، لحظات يكتشف فيها مفارقة الإنسانية؛ نبرة "ألو" الممدودة كحضن منسي، أو المقتضبة كصفعة رفض ونفور. كل واحدة منها تضعه وجهاً لوجه أمام مدى بعده عن الدفء البشري، تعريه، وتؤكد في الوقت ذاته أن الحياة لا تزال تدور بأصوات لا تعنيه وتخص غرباء لن يصادفهم أبداً.

شارلي: هكذا يتحول الصمت إلى نشيد درامي عميق، وتتحول الذكريات إلى حلبة أخرى للصراع: الماضي الجارح، الوالد العنيف، الضربة التي لم يستطع شارلي أن يثأر لها سوى في خياله حتى لحظة موت الأب المستحق للانتقام المتأخر. رغبة شارلي المستحيلة في استعادة الكرامة تصبح قيداً أبدياً، تلدغه على هيئة ذاكرة لا تموت.

ثم تتشابك خيوط هذه الذكرى مع تحولات المصير الشخصي؛ ماكس الذي يجر ماضيه كثقل مقيم كونه كان مدمن مخدرات يحاول أن يغري حاضره بالنسيان أو بالتكفير، متخبطاً بين ثقل الذكرى ووطأة الزمن الذي لا يرحم.

المشاهد المحورية تتكثف حول انحراف مفهوم التضامن؛ المعطف الذي يمنحه ماكس لشارلي عند شعوره بالبرد ليس تضحية خالصة، بل تجرّد من فائض صار بلا معنى بعد أن فقد دفئه وخصوصيته في لحظة إفراغ مستمر للمعنى الأخلاقي. العرض يتقن تعرية مزاعم الكرم وفوارق الملكية حتى في أحلك الظروف، كاشفا الصدوع الطبقية في أعمق مستوياتها النفسية والجسدية.2287 drama

مثابات عالية:

1- تمثل الحلبة المسرحية فضاءً مفارقاً يتجاوز حدود المساحات التقليدية الماثلة أمام الجمهور، حيث تتحول إلى هيتروتوبيا مركبة تشبك الانغلاق بالانفتاح، مما يفضح عزلة الطاعنين في السن ويعيد اختبار حرية الشباب. تعكس هذه الدينامية عبر الخيوط الأربعة حدوده المكانية الواضحة، لتخلق سجناً شفافاً يُرى لكنه لا يُخترق. الجدار الرابع، المواجه للجمهور، يتحلى بصفة متناقضة؛ مغلق في حقيقته المادية حيث يبقى الممثلون محاصرين في عالمهم، لكنه مفتوح بصرياً للمشاهدة، مما يجعل الجمهور سجيناً في محيط آخر.

ترسيخ تلك العزلة بين الممثلين والجمهور يتطلب شفافية انتقائية تُعزز من المشاهدة والاطلاع دون تدخل. هذا التوتر بين الانفتاح والانغلاق يخلق رؤية مرتبكة تُذكّر بمفهوم التشويه البصري، حيث تبدو الصورة مشوهة من زاوية لكنها تتضح من زاوية أخرى، لتظهر الحقيقة كحقيقة متشظية، قلقة، وغير مستقرة. داخل هذا الإطار، يمثل المسرح سلطةً معقدة تعكس التوترات الشبكية بين الأجيال. جهاز البانوبتيكون المعكوس يجسد مراقبةً يتعرض لها الأفراد دون وعيهم، مما يعزز من دور الحلبة المسرحية في تشكيل الوعي الاجتماعي.

2- يتمتع المخرج بمهارة فريدة في صياغة الحوار بين العجوزين والشابين، حيث يُصبح جسراً للمراقبة المتبادلة. يتحول المسنون من متفرجين إلى ناظرين يتحسسون ضوء الشباب وحركتهم، بينما يظن هؤلاء الشباب أنهم يمارسون حرية في الخارج. هذا التفاعل العميق يتجلى في هوامش المسرح، حيث يُعبّر العجوزان عن هويتهما بشغف ويتقبل الشباب تنوع الأفكار والأحاسيس المراقَبة، مما يُشرك الجميع في حالة من الوعي الذاتي المستمر.

هذه الجزئية الفلسفية البلاغية الإخراجية المحمدية تتجاوز تجربة المسرح كونها عرضاً لتصبح فضاءً حوارياً معقداً يُعيد تشكيل النسق الاجتماعي. يلتقي القديم بالجديد، ويتداخل الوعي الجماعي مع التجربة البشرية في بحثٍ دائم عن الفهم والتحول. يتحول الجمهور إلى عنصر فاعل، محاصر بين نظرات المراقبة وأصداء العجوزين، مما يقودهم إلى إعادة التفكير في تجاربهم الفردية ومراجعة معاني الهوية والانتماء.

3- تتعمق الرؤية النقدية للمسرح في التفاعل بين الفضاء المادي والرمزي، حيث تتجاوز الجدران الأربعة للحلبة الحدود التقليدية. الجدران الثلاثة التي تواجه الجمهور تمثل العلاقة المباشرة بين الأداء والوجود البشري، بينما يشكل الجدار الرابع إطاراً مثيراً للتأمل الذي يواجه جمهوراً آخر مغايراً. يمكن أن يكون هذا الجمهور ملائكةً أو حيوانات أليفة محتجبة، مما يفتح المجال لتأويلات متعددة تعكس الأبعاد الروحية والنفسية للعرض.

الممثلان لا يكتفيان بتجاهل الجمهور كآلية تمثيلية لابد من التحلي بها على الخشبة بل يشيران إليه مباشرة، محولين إياه من متفرج غير مرئي إلى كائن مُلاحَظ ليتحقق الانقلاب الإبستمولوجي (تحول جذري في علاقة المعرفة بالسلطة): الممثلان يصبحان متفرجين.. الجمهور يصبح هو الممثل الحقيقي.

فعندما يشير تشارلي نحو الجمهور ويتحدث عن العلاقة بين الشابين، تُنشأ لعبة المرايا الزمنية وانعكاساتها، ليتفجر السؤال الوجودي: من الأصل ومن الصورة؟ إذا كان الممثلان العجوزان يمثلان مستقبل الشباب في الجمهور، والشباب يعيشون حياتهم كتمثيل اجتماعي (تقديم الذات عند جوفمان)، فمن يحاكي من؟ الشباب من الجمهور يشاهدون نهايتهم المؤجلة على الخشبة، والعجوزان يشاهدان بدايتهم المفقودة في الصالة. هذا التبادل الزمني الانعكاسي يخلق ما يسميه كيركيغارد قلق الاحتمال (الخوف ليس مما هو كائن بل مما قد يكون) - الشباب يرون مصيرهم، والعجوزان يرون ما لا عودة إليه.

هنا تصبح هذه اللحظة تفاعلاً ديناميكياً بين الأبعاد المادية للأداء والبعد الرمزي الذي يمثله الجدار الرابع، مما يُنشئ تفاعلاً متداخلاً بين الجسدي والأثيري. لا تقتصر وظيفتها على كونها إضافات بصرية، بل تصبح الأبعاد الرمزية مفاتيح لتجسيد القضايا الاجتماعية والنفسية الأعمق، مما يُثري تجربة الجمهور ويغني النص المسرحي بمعانٍ تتجاوز السطح، لتصل إلى أعماق التعبير الإنساني. هذه الدينامية تُبرز الحوار المنفتح بين الممثلين والجمهور، مما يُوجد فضاءً غنياً بالاستكشاف والتأمل في الوجود الإنساني.

4- تتصاعد مستويات التأويل مع الشجرة التي تستهل بها المسرحية تأملها في الزمن والشيخوخة. الشجرة الصامدة منذ قرن تحمل معاني الصمود بنقاء سلبي، وجود ساكن بلا مشروع أو قصد، لكنها تتحول إلى موضوع حسد صامت لدى الإنسان الراحل بسرعة، الذي يعاني من لعنة الوعي، يلتاع للمعنى حتى وهو يدرك استحالته. الشجرة لا تعاني، لا تختار، لا تندم. تقف شاهداً أخرس على هشاشة الإنسان، وتتكرر فوق مشاهد الحلبة كمرمز للفناء، للشاهد المنيع الذي لا يحزن لما ينقضي.

يتجلى حديث ماكس وتشارلي في اختلاق جزئية الشابين والشجرة، رغم عدم وجودهما الفعلي، كمحاولة لتجاوز فكرة الانتحار التي تمثلها تساؤلات تشارلي الوجودية، مثل سؤاله "هل جئت به"، معبراً عن رغبته في العودة إلى الحياة. يكشف هذا الحوار عن توتر عميق بين الرغبة في الاستمرار والهروب من المأزق الوجودي. تتضح تعقيدات العلاقة بين المراقب والمراقَب، حين يُذكّر ماكس بالكآبة، في حين يسعى تشارلي للابتعاد عن شبح الموت الذي يلوح في الأفق، مما يعكس انفصال الأجيال.

5- يستثمر الثنائي انقضاء الوقت كأمل في العثور على منقذ أو تغيير ينقض على حكاية الانتحار، مُعززين بذلك الشعور بأن الحياة لا تزال تحمل في طياتها إمكانيات متجددة. تُعتبر هذه الدينامية وسيلة دفاعية تبتعد عن الفزع، مما يُعزز الفجوة العاطفية بينهما. يسلط الحوار الضوء على التناقضات الوجودية، مُعبراً عن رغبة الشخصيات في تجاوز الألم عبر وسائل غير مرئية، مُجسداً الحضور العاطفي رغم غياب الشجرة والشابين.

تتسم اللحظة بمزيج معقد من الأمل واليأس، حيث يسعى كلاهما للعثور على معنى في لحظات التعاضد، مُذكرين بأن هذه اللحظة تُشكل مساراً حاسماً في صراعهما نحو النهاية.

6- النص يتقاطع مع البنية الاجتماعية من خلال الغربة والاغتراب القهري؛ ماكس الذي يكتب لنفسه رسائل يتخيل أن أبناءه الذين لم يعودوا يأتونه كتبوها، يكشف عن ذلك العنف الرمزي الذي يفرضه المجتمع على الهامش والعجزة والمهزومين، لتتحول الكراسي الفارغة أو المتناثرة على الحلبة إلى جمهور غائب يُحتمل أن يكون حاضراً في أي لحظة، أو بديلاً متخيلاً للجمهور الواقعي، حيث تترتب العزلة الطوبولوجية للفضاء المسرحي كبنية ترمز إلى كل قيود الحياة الاجتماعية - التوقعات، الأعراف، الطبقية، حتى وهم الحرية نفسه، كل واحد مشدود بين خيطين؛ أحدهما من الداخل وأحدهما من الخارج، فلا خلاص لأي منهما.

7- يعمق العرض ارتباط الماضي بالحاضر من خلال الحوارات المصنوعة دوريّاً، السجالات بين ماكس وتشارلي ليست سوى ألعاب لغوية، تضاربات جدية وهزل تنزع كل ثباتٍ عن الأصل والمعنى، حتى يبدو المضمار اللفظي كونه متاهة لا تقود إلا إلى فشل التواصل، حيث كل همس هو صدى ضائع لا يصل أبداً إلى أذن سليمة، وحيث الصوت العالي نفسه يضيع في عالم أصم.

ماكس، في تقمصه لأدوار وحيوات وهمية عبر التليفون وحكاياته مع الغرباء، يتحول إلى صياد للممكنات الإنسانية المبثوثة في نغمة "ألو" المتبدلة، يتلمس حالات الناس الروحية والاجتماعية من مجرد حافة كلمة، من تمددها أو اقتضابها، يرى في الصوت دفأً لمن مد الكلمة وبروداً للساخطين الذين أحرقهم الواقع. تجربة الرفقة بين العجوزين تنضج مع تطور العرض من ندوة مطوّلة حول الفقد والفقر والزمن، لتأتي اللحظة الدرامية التي يحاول فيها أحدهما التحايل على عدميته بشيء من وهم السخرية أو الحلم بطلب يوم آخر ربما يعوّض كل زمن القهر والموت. تنتهي أحلامهما برصاصة لم تطلق وسؤال لم يجب، وفعل رحمة لم يحدث، لينزاح المعنى من مركز الألم إلى هوامش الاستفهام، حيث لا اختيار إلا أن يكف أحدهما عن إنقاذ الآخر أو قتل نفسه.

الذكريات في المسرحية تكشف عن الألم والفقد والحب العميق، وكيف شكلت هذه التجارب وجودهما الحالي كرجلين عجوزين يواجهان الموت معاً.

8- تتجسد مأساة شارلي في فقدان زوجته مارغريت، التي لم تعد مجرد شخصية حية بل أصبحت أثراً ديريدياً، أي علامة على حضور غائب يمثل بقايا شيء لم يعد موجوداً. يشير هذا التفاعل بين تشارلي وذكرى مارغريت إلى الهوية المتشظية التي يعيشها، حيث يتنقل بين الحاضر والماضي، محاولاً إعادة بناء صورة شريكة حياته من شظايا ذكرياته.

عندما يتذكر تشارلي كيف فقدت مارغريت ذاكرتها وبصرها قبل وفاتها، نواجه مفارقة مزدوجة. المرأة التي فقدت هويتها بسبب المرض أصبحت هي نفسها ذكرى مؤلمة، بينما الرجل الذي يتذكرها يكافح لإعادة تشكيل هذه الهوية المفقودة. هذا التوتر بين الحضور الغائب والذكرى الحية يعكس عمق الفقد والانكسار الذي يعاني منه تشارلي، فهو يدرك أنه سيفقد القدرة على رؤية مارغريت، الحب الحقيقي في حياته، إلى الأبد.

استجابة مارغريت - التي تعكس صوتها في ذكرياته عندما تقول "لا تحزن يا حبيبي لأنك وأنت اعمى سترى الأشياء كما تحب وتؤمن وتعتقد" – أي رؤيتها دون ألم دون مرض دون نأي دون وحدة واغتراب... هنا تبرز قوة الحب حتى في لحظات الفقد. كلماتها تحمل رسالة دعم عاطفي، حيث تحاول تخفيف خوف تشارلي من العمى المطبق الذي يهدده. عندما تعبر له أنها رؤيته للأشياء يمكن أن تتجاوز واقع القساوة، فإنها تمنحه أملاً في الحياة بعد فقدان بصره.

هذه الديناميكية تبين كيف يتحول الحب إلى وسيلة للتغلب على المحن، إذ تلهم مارغريت تشارلي للنظر إلى العالم من منظور جديد. تظهر هذه العلاقة الإنسانية العميقة بينهما كيف يمكن أن يكون الحب مصدراً للإلهام، حتى في أحلك الظروف.

المشهد الذي يجمع بين ذكريات تشارلي ومارغريت أعظم من كونه حوارا عن الخوف من الفقد، إنما هو دعوة للتفاؤل والإيمان بأن الحب قادرة على تجاوز حدود المأساة وخلق الجمال في حياتهم رغم التحديات. إن القدرة على إعادة بناء الذاكرة المحبة من شظايا الألم هي ما يمنح تشارلي الثبات في وجه المجهول، كما تعكس هذه العلاقة قوة الروابط الإنسانية التي تعزز الصمود والأمل.

9- الحكمة التي أطلقها ماكس بشأن الخوف "إن الناس الذين يخافون الموت هم أولئك الذين يخافون أن يحيوا" قلبت المفاهيم رأساً على عقب. الخوف من الموت يصبح خوفاً من حياة لم تُعاش، ندماً على فرص ضاعت ولحظات لم تحدث.

10- رفض تشارلي للانتحار في اللحظة الأخيرة يكشف عن التناقض الوجداني الفرويدي (الشعور بمشاعر متضادة تجاه الشيء نفسه في آن واحد) بين رغبة الموت ورعب الفناء.

11- المشهد المميز حين يُقاد شارلي الأعمى بيد ماكس، مشهد مصحوب بالإضاءة والموسيقى المتوترة - كلاهما متردد كلاهما خائف، خوف مبهم رغم اتفاقهما. عمق فلسفي يتجلى في أداء الممثلين أحمد عباس ومحمد حسين حبيب عند تلك اللحظة التي هي مركز الحكاية ومفترق طرق التأويلات.

12- تتسم الحوارات بين ماكس وتشارلي بخصائص الألعاب اللغوية. في هذا الإطار، تُحدد أنماط استخدام اللغة المعنى بناءً على السياق والممارسة، بدلاً من التعريفات المجردة. تُبرز التورية والمزاح والجدية المتبادلة، مثل قول تشارلي لـ "أتعرف، تلك هي المشكلة معك يا ماكس، لم أعرف إطلاقاً متى تمزح ومتى تكون جاداً"، طبيعة هذه الحوارات كتحويلات متعددة المستويات. هذا التأرجح بين الجدية والهزل يعكس الحوارية الباختينية، حيث تتواجد أصوات متعددة ومنظورات مختلطة داخل النص، دون هيمنة صوت واحد.

13- فتح سؤال تشارلي عن سبب الحاجة للصراخ العالي لإقناع الآخر بجدوى ما يقول نقاشاً عميقاً حول أشكال التواصل واليأس. يصير الصراخ تعويضاً عن ضعف الحجة، وسيلة للضغط على المستمع بلغة القوة. في بعض الأحيان، يعبّر ارتفاع الصوت عن يأسٍ مؤلم وشعور بعدم القدرة على جذب انتباه الآخر. عندما يتردد الشخص في إيصال أفكاره، يصبح الصوت العالي محاولة لتعويض الفشل المنطقي، وليصبح أسرع وأسهل في التأثير.

تُظهر هذه الديناميات مظاهراً معقدة للتواصل، حيث يتداخل الحضور والغياب، القوة والضعف. يُبرز الحوار بين ماكس وتشارلي التفكير النقدي حول كيف يمكن أن يكشف الصراخ عن عمق الأزمة الإنسانية في البحث عن الفهم والمشاركة. في النهاية، تتجاوز الحوارات البسيطة لتعكس سعي الشخصيات للتواصل العميق وسط عالم مليء بالضغوط والأصوات المتضاربة.

ما قبل النهاية: أكل الرمّان يمثل رمزاً للخلود المؤقت، حيث منح لحظة من المعنى واللذة في مواجهة العدمية. فالرمان يُعبر عن "لذّة من لذات الحياة"، مانحاً الشعور بالمتعة اللحظية التي تعيد للحياة معناها. ولكن، بالرغم من جاذبيته، يبقى هذا الفعل عاجزاً عن إلغاء قرار الموت، إذ لا يتجاوز كونه مسكّناً مؤقتاً ضد اليأس الوجودي. يشير الرمّان إلى كيف يمكن للحظات الفرح أن تتداخل مع الألم، لكنه يظل يعكس هشاشة تلك اللحظات التي لا تشكّل حلاً دائماً أمام الأسئلة العميقة التي تطرحها الحياة والموت.

النهاية: ترتكز على طقس رمزي يصهر المغزى ويعلقه في الفراغ، فالمسدس المفترض خلاصاً يوضع على الكرسي كعلامة على إبطال كل سلطة، يصبح عرشا للموت المهجور، لا يخص أحدا، ليس ملكاً إلا لهذا اليأس العائم الذي يخص الجميع ولا يخص أحداً؛ الكرسي بدوره يتحول من مقر الطواعية القهرية إلى فراغ ناطق، حضور مكثف لما غاب ولم يعد هنا.

الكرسيان الفارغان اللذان كانا يشغلهما ماكس وتشارلي يصبحان أقوى حضور في المشهد، صورة حاملة لعلامة غيابٍ كثيفة، مما يستدعي مفهوم الأثر، حيث ما يبقى بعد اختفاء الشيء يكون علامة على وجود سابق. يطرح الكرسيان الفارغان أسئلة وجودية عميقة: هل ماتا؟ الكرسي الفارغ يصبح علامة على الموت. هل غادرا لحياة جديدة؟ الكرسي المهجور يُشير إلى التحرر. هل اختفيا في اللاوجود؟ الكرسي يعمل كشاهد على تبخر الوجود.

الفراغ هنا ليس عدماً بل دلالة تحمل المعنى، حيث يُعبر الفضاء السلبي عبر صمته، قائلاً: "كانا هنا، لم يعودا هنا، لكن أثرهما باقٍ". مع وجود الكرسي الفارغ جنباً إلى جنب مع المسدس، يتكون مشهد مميز يُشبه ناتورا مورتا، لوحة صامتة لأشياء جامدة تحمل معاني فلسفية عميقة. هذه الحياة الساكنة تتحول إلى موت ساكن، مما يعكس لحظة مجمدة بين الوجود والعدم، ويخلق إحساساً بالزمن المتوقف في قلب الصراع الإنساني.

يرقص العجوزان أخيراً، كأن الجسد آخر ما بقي من وسائط التعبير حين يخونهما اللسان، رقصتهما ليست وداعاً صافياً، وربما ليست احتفالاً خالصاً، بل كينونة جمالية في لحظة عابرة تستعير معنى التمرد من حضور الموت نفسه، فيتحد التردد بالأمل في شكل تشاركي ضد العدم - جسدان هرمان يعرفان أن الدائرة مغلقة لكنهما للمرة الأخيرة يجعلان منها خطا حرا بالرقص.

عند رفع الحبال، يتحول الحيز من سجن إلى فضاء مفتوح على احتمالات لا تعد؛ يقف المشاهد أمام حلبة مفتوحة النهاية، الكرسيان الفارغان، المسدس، رقصة الجسدين الخارجين من العتمة، كلها منظومة علامات لاهثة، تشكك بالجزم أو تمنع التفسير الواحد، وتترك المجال لخيال المختبر المسرحي أن يعيد إنتاج اللعبة من جديد في كل ذهن شاهد، وفي كل إعادة عرض.

ربما أكثر ما يميز بناء النهاية هو إصرار العرض على ترك كل الأسئلة معلقة؛ المغادرة من الحلبة صارت عبوراً وجودياً بلا ضمان، فهل الرقص تمرد، أم وداع؟ هل الكرسي الفارغ موت أم بداية حضور؟ هل الحبال التي رُفعت تحرر حقيقي أم مجاز عن دورة لن تنتهي؟ بقي المسدس علامة معلقة على كل من يأتي: هل اختاره أحد أم بقي أثراً لمأساة مؤجلة؟ عند هذا العتَب المفتوح ينفتح العرض، يصير علامة على الحياة ذاتها، حيث لا إجابة نهائية سوى أن المرء يظل دائماً بين ذاكرة وحلم وكرسي ينتظر أو معنى يجب أن يُرقص أو حلبة عسى أن تنفتح، وأسئلة لا طريق لإغلاقها إلا بالمغامرة في المجهول.

عناصر العرض المسرحي

الإيقاع والميزانسين: ببراعة إخراجية للدكتور محمد حسين حبيب تميز عرض المسرحية بإيقاع متوازن ديناميكي رائع، حيث تغير وفقاً لتطور الأحداث. عكس الإيقاع المشاعر العميقة للشخصيات وأدى دوراً حيوياً في نقل الرسالة، حيث تراوح بين المشاهد السريعة المليئة بالتوتر والمشاهد الأبطأ التي أتاح للجمهور التأمل في عمق المشاعر والأفكار.

عكست عناصر الميزانسين في العرض البراعة في تصميم المشاهد، حيث تم توزيع الشخصيات والمساحات بشكل استراتيجي، ودعمت استخدام الأضواء والديكور المزاج العام، وساهمت في خلق بيئات مختلفة تتناسب مع تطور القصة.

بشكل عام، أسهم الإيقاع المتوازن والميزانسين الفونيمي المتناغم في خلق تجربة متكاملة، مما جعل العرض مشوقاً ومؤثراً في نفس الوقت.

الديكور: مثّل الديكور والفضاء السينوغرافي للحلبة المسرحية عنصراً مركزياً في العرض، إذ تحيط بها حبال الأربعة، مكونةً سجناً شفافاً يحمل دلالات متعددة. هذا الفضاء يتأرجح بين الانغلاق والانفتاح، بين السجن والساحة، وبين الحياة والموت. يرفض الفضاء السينوغرافي التحديد الواضح، ويتجلى إشكاله في كونه مقهى أو نادياً اجتماعياً أو باراً أو داراً للمسنين. على الرغم من الحوار المشترك بين الشخصيتين حول عودتهما إلى الدار، مما يدل على وجودهما خارج حدودها لحظة لقائهما، فإن هذا التداخل في الوظائف يُعزز فكرة اللاتحديد.

عكست هذه اللاتحديدية اختياراً جمالياً واعياً يتماشى مع الحساسية ما بعد الحداثية، التي تهدف إلى تفكيك المعاني الثابتة وفتح النص على تعدد التأويلات الممكنة. من خلال هذا الفضاء المفتوح على الاحتمالات، يُدعى الجمهور لاستكشاف المفاهيم المعقدة المتعلقة بالوجود والانتماء، مما يثري تجربة المشاهدة ويعمق من الأبعاد الفكرية للعروض المسرحية.

الحبال الأربعة تؤسس لجدلية الحدود: واضحة وقابلة للإزالة في آن واحد، صلبة ومؤقتة، تحمي وتسجن. حين يرفعها ماكس وشارلي في النهاية، يعلن هذا الفعل عن تجاوز ميتافيزيقي للحدود الفاصلة بين الحياة والموت، بين الوجود والعدم. الحلبة تتحول من مكان للصراع الجسدي إلى ساحة للصراع الوجودي، من حلقة مغلقة تعيد إنتاج اليأس إلى فضاء مفتوح على الاحتمالات. الديكور يعكس فلسفة المسرح الفقير عند غروتوفسكي، حيث الفضاء الفارغ يمتلئ بالمعاني التي يضخها الأداء الحي والحضور الجسدي للممثلين. وذلك يدعونا لتسمية هذا المسرح بمسرح الحلبة كون الصراع هو العامل المشترك للعرض المسرحي العام.

تتحول الكراسي الفارغة المتناثرة في الحلبة إلى علامات سيميائية دالة على الغياب، تعكس جمهوراً مفتقداً وشهوداً صامتين، قد يكونون تجسيداً للملائكة أو أرواحاً أو حتى الله نفسه. في هذا السياق، يصبح الكرسي الفارغ حضوراً أقوى من أي عنصر مادي آخر، إذ يملأ الفضاء بفراغه ويطرح أسئلة عميقة حول المعنى والوجود.

تُعتبر الكراسي في الحلبة علامات سيميائية مركبة تنقل دلالات اجتماعية ونفسية. وجودها المتعدد يُبرر تغيير جلسات الممثلين مع بعضهم وتبديل زاوية الرؤية، ما يعكس طابع المكان الضبابي الذي ينقلب بين مقهى أو نادٍ اجتماعي أو بار. الكراسي ليست عناصر ديكورية فحسب، بل تُنسج في الكوريغرافيا الوجودية عبر حركتها المتناغمة مع الممثلين، ما يجعلها جزءاً من العرض نفسه.

تُشير هذه الكراسي إلى جمهور آخر داخل الحلبة، جمهور ليس من لحم ودم، بل قد يتكون من ملائكة أو تجليات مقدسة، أو حتى مخلوقات طبيعية مثل الضفادع والسحليات. تأويل الكراسي الخمسة يُفتح على أبعاد جديدة محفزة للخيال، مما يُظهر الحضور الغائب الذي يراقب الصراع الإنساني بثبات.

تُعزز هذه البنية الرمزية الإحساس بالعزلة والبحث عن المعنى، إذ تمثل الكراسي الفارغة قسيمة للوجود، ومنصة تأمل في العلاقات الإنسانية وتحدياتها. تعكس الكراسي الفارغة تعقيدات الحياة وأثر الغياب في مساراتها المختلفة، مما يجعلها عنصراً حيوياً في سرد القصة.

الموسيقى والمؤثرات الصوتية: وهي من تصميم علي التويجري قد شكلت في العرض كعنصر درامي يتدخل متناغما مع بنية الحدث فيعيد تشكيل إيقاع التلقي. في المشهد المحوري حين يُقاد شارلي الأعمى نحو الموت المحتمل، تتصاعد الموسيقى المتوترة لتخلق جواً من القلق والترقب، تعكس التردد والخوف المبهم الذي يعتري الشخصيتين رغم اتفاقهما على الفكرة الجنونية. الموسيقى تعمل كصوت داخلي للشخصيات، تكشف ما تخفيه الكلمات، تفضح التناقض الوجداني بين الرغبة في الموت والخوف من الفناء.

النغمات تتراوح بين الحزينة التي ترافق الذكريات المؤلمة والخفيفة التي تصاحب لحظات المزاح والسخرية. في نهاية العرض، حين يرقص ماكس وتشارلي معاً، تتحول الموسيقى إلى احتفالية رغم كل شيء، تعلن عن مصالحة مؤقتة مع الحياة، عن تمرد أخير على حتمية الموت. الصمت نفسه يُستخدم كعنصر موسيقي، فاصل درامي يخلق توتراً ويجبر المشاهد على الإصغاء لما هو أعمق من الكلمات، يحول المسرح إلى مساحة للتأمل الداخلي حيث يواجه المشاهد نفسه وأسئلته الخاصة.

الإضاءة: الإضاءة التي صممها علي زهير المطيري ومحمد حمودي تتجاوز وظيفة الإنارة البسيطة لتصبح أداة سردية تكشف وتخفي، تبرز وتعتم، تخلق ظلالاً تتحرك كأشباح على جدران الذاكرة. في اللحظات الحميمة بين ماكس وتشارلي، تنخفض الإضاءة لتخلق جواً من الألفة والسرية، كأن الحلبة تضيق وتصبح مساحة خاصة للبوح. في لحظات التوتر، خاصة مشهد الموت المحتمل، تتحول إلى عنصر متوتر يلعب بالظلال والأنوار ليعكس الحالة النفسية المضطربة للشخصيتين. من خلال ألوان إضاءة مختلفة تناسب الحدث وتنضجه درامياً.

الإضاءة تستخدم أحياناً لعزل شخصية عن الأخرى، لخلق جزر منفصلة في الفضاء الواحد، كأن كل واحد منهما في عالمه الخاص رغم وجودهما معاً. في النهاية، حين يرقصان ويرفعان الحبال، تتغير الإضاءة لتعلن عن تحول، ربما أمل خافت أو وداع أخير. الظلال الطويلة التي تلقيها على الحلبة تخلق إحساساً بالزمن المتمدد، بالانتظار الطويل، بالحياة التي تنقضي ببطء مؤلم.

الأزياء: الأزياء بسيطة في ظاهرها، محملة بدلالات طبقية ووجودية عميقة. المعاطف المتعددة التي يرتديها ماكس تحت بعضها تكشف عن فلسفة الاحتفاظ والتكديس، عن الخوف من الفقد والاحتياط المستمر ضد البرد الخارجي والداخلي. حين يخلع معطفه ويعطيه لشارلي المرتجف، تبدو اللفتة إنسانية، لكن الكشف عن الطبقات المتعددة تحته يحول اللحظة إلى تعرية للعطاء من الفائض، للكرم الذي يكلف صاحبه القليل.

الملابس الداكنة تخلق تناقضاً مع الإضاءة، تجعل الشخصيات تبدو كظلال متحركة. القبعات تضيف طابعاً كلاسيكياً يستدعي مسرح العبث عند بيكيت والكوميديا الصامتة عند تشابلن، تؤكد على الانتماء لتقليد المهمشين الذين يصارعون من أجل البقاء. الأزياء تعكس أيضاً الفجوة الطبقية بين الشخصيتين رغم فقرهما المشترك، فماكس الذي يملك طبقات من الملابس يظل في موقع الامتياز النسبي. في النهاية، حين يرقصان معاً، تتحرك الأزياء بشكل يكشف عن هشاشة الأجساد تحتها، عن الجلد المتجعد والعظام الواهنة، عن الحياة التي تتسرب من هذه القوالب الجسدية.

النص والحوار: النص المعد والمقتبس عن ويليام هانلي بقلم د. محمد حسين حبيب يتميز بكثافة فلسفية وشعرية استثنائية. الحوارات تتراوح بين الجدية المطلقة والسخرية المريرة، بين الذكريات المؤلمة والأحلام المستحيلة. البنية الدائرية للنص تعكس طبيعة الوجود الإنساني: التكرار، العودة إلى نقاط البداية، طرح الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة دون الوصول إلى إجابات نهائية.

اللغة بسيطة في ظاهرها، محملة بالرموز والإحالات، من الشجرة الصامدة منذ مائة عام إلى المسدس الموضوع على الكرسي، من الرمان كلذة من لذات الحياة إلى "ألو" كتأكيد وجودي. النص يفكك الثنائيات الميتافيزيقية: الصوت والصمت، الحياة والموت، العطاء والأخذ، الحقيقة والوهم. الحوارات تكشف عن علاقة جدلية بين ماكس وشارلي، علاقة تتأرجح بين الصداقة والعداء، بين الحب والكراهية، بين الحاجة للآخر والرغبة في التخلص منه.

النص يطرح أسئلة وجودية كبرى: لماذا نخاف الموت؟ هل نحن نعيش أم نمر بالحياة؟ هل العطاء من الفائض عطاء حقيقي؟ هل الصراخ أفضل من الهمس؟ تقنية الكشف التدريجي تستخدم بمهارة، تُكشف الأكاذيب والأوهام واحدة تلو الأخرى، من العاشقين الوهميين إلى الرسائل المزيفة من الأبناء غير الموجودين. النص يحتفي باللغة كلعبة وكسلاح، كوسيلة للتواصل وكحاجز يمنعه في الوقت ذاته.

التوازن اللغوي بين الفصحى البسيطة والشاعرية الحكيمة يعكس وعياً فنياً دقيقاً في التعامل مع النص المترجم. اللغة حافظت على مستوى محترم يجمع بين العفوية والرصانة، فالتراكيب النحوية سليمة والألفاظ منتقاة بعناية لتعكس بيئة الشخصيات. حين يعترف شارلي بماضيه أو يستدعي ذكرياته مع مارجريت، تتصاعد اللغة قليلاً نحو الفصحى المبسطة، كأن الذاكرة الحزينة تستدعي لغة أكثر شعرية.

التمثيل والأداء: الأداء التمثيلي لـ د. محمد حسين حبيب وأحمد عباس شكل العمود الفقري للعرض. كلاهما قدم أداءً عميقاً جمع بين الواقعية والرمزية، بين الكوميديا السوداء والمأساة الإنسانية.

أحمد عباس: بدور شارلي الأعمى قدم أداءً خرافياً كشف عن فهم عميق للشخصية المركبة، الرجل صاحب القامة المنحنية الذي يحمل ثقل السنين والإعاقة وفقدان الزوجة مارجريت. جسد الإعاقة البصرية بصدق يتجنب المبالغة والاستعراض، عبر اتجاه النظر الذي يتحرك باستمرار دون استقرار على محور واحد، والاعتماد على الحواس الأخرى من خلال إمالة الرأس للاستماع الأفضل.

طبق عباس تقنية الذاكرة الانفعالية الستانسلافسكية بعمق، فالجسد يتذكر قبل الكلمات. حين يتحدث عن زياراته الأسبوعية لمارجريت التي فقدت بصرها وذاكرتها، يتحول صوته إلى همس محمل بالحنين، يستدعي ذكريات شهر العسل. وحين يعترف بماضيه مدمناً للمخدرات قبل أربعين أو خمسين سنة، تظهر براعته في استخدام تقنية الفعل الداخلي، حيث كل اعتراف يحمل وزن سنوات من الخزي والندم. أظهر جسارة في تصوير الخوف والتردد خاصة حين يُقاد نحو الموت المحتمل وهو يرتجف من البرد والوحدة، والصوت الذي يتكسر من الخوف ثم يجد القوة للمطالبة بيوم واحد آخر.

د. محمد حسين حبيب: في دور ماكس جسد العجوز المتسكع الذي اخترع قصة الأبناء في الجنوب والخطابات الوهمية، الذي كان يتصل بأرقام عشوائية فقط ليسمع صوت "ألو" من الغرباء. أداؤه يعكس خبرة أربعين عاماً من التعايش مع هذا النص، حيث أصبح الدور جزءاً من جلده وروحه. عيناه تحملان أربعين عاماً من العيش مع النص، تنقلان ألفةً حقيقية مع ألم الشخصية، مع فهم عميق لإيقاعها، متى يتسارع الكلام من القلق، متى يتباطأ في التذكر، متى يصمت من العجز.

عند فشله في تنفيذ فكرة تصفية صديقه شارلي، استدعى ذكرى طفولته المؤلمة مع والده الأصم الذي كان يصرخ "اهمس في أذني السليمة" قبل أن يضربه. طبق حبيب تقنية الذاكرة الانفعالية بعمق استثنائي: انكماش لا إرادي حين يستحضر تلك الصدمة، توتر في الكتفين يعكس خوف الطفولة المتجذر في العظام. ثم يعترف أنه لم يتزوج وليس لديه أولاد، تظهر قدرته على بناء الهدف الأسمى للشخصية وفق المنهج الستانسلافسكي، فماكس يبحث عن خلاص إنساني عبر إنقاذ شارلي، يريد أن يمنحه يوماً واحداً من الدفء والتواصل.

الكيمياء بين الممثلين قوية وملموسة، يتبادلان الطاقة والتوتر وفق مبدأ الفعل ورد الفعل الستانسلافسكي، يخلقان إيقاعات متنوعة من لحظات توتر عالية تليها لحظات هدوء تأملي. كل ممثل ينخرط تماماً في لحظة الآخر، يعيشها معه. الرقصة في النهاية تكشف عن قدرة جسدية رغم الشيخوخة، عن رغبة في التعبير حين تعجز الكلمات. تحدٍ للجسد المتهالك والزمن الذي استهلكهما، احتفاء بالحياة في مواجهة الموت.

د. شذى سالم: قدمت الفنانة د. شذى سالم أداءً مميزاً في دور مارغريت، حيث استخدمت صوتها المسجل بشكل يُعزز من التجربة الدرامية ويجذب الانتباه. تمكنت شذى من التعبير عن مجموعة واسعة من المشاعر، بدءاً من الحب العميق إلى الحزن العميق، مما جعل أدائها مؤثراً يجسّد التعقيد الانفعالي للشخصية.

نبرة صوتها القوي والمليء بالعاطفة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الكلمات، بل أصبحت جزءاً أساسياً من التجربة المسرحية. في اللحظة التي أخبرها فيها تشارلي بأنه سيفقد بصره، تمكنت شذى من إيصال مشاعر الدعم والحنان من خلال تعبيرها الصوتي وحده. كانت كلماتها "لا تحزن يا حبيبي" مُحملة بأبعاد عميقة، إذ تعكس روح الإيجابية والأمل حتى في أحلك اللحظات.

البعد العاطفي الذي أضافته شذى إلى دور مارغريت أثّر بشكل كبير على تفاعل تشارلي مع ذكرياته. كان صوتها كفيلاً بخلق إحساس قوي بالحنين والاتصال، مما جعل الجمهور يشعر بحضورها رغم أنها كانت غائبة عن المشهد جسدياً. أداؤها أظهر قوة الحب كوسيلة للتغلب على الفقد، بما يعكس قدرة الإنسان على العيش مع ذكرياته وأحبابه.

علاوة على ذلك، ساهمت دكتورة شذى سالم في إضفاء لمسة إنسانية تجعل الشخصية أكثر قرباً من المشاهدين. لم يكن أداؤها مجرد تمثيل فني، بل كان تجسيداً لمشاعر معقدة تعكس الرغبة في الحفاظ على الأمل حتى في مواجهة المعاناة. لقد نجحت في خلق رابط فعال بين صوتها والأحاسيس التي تُعبّر عنها الشخصيات الأخرى، مثل تشارلي وماكس، مما أضاف بُعداً إضافياً للعمل ككل.

في النهاية، يُعتبر أداء د. شذى سالم رمزاً من الرموز الفنية التي تُظهر كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتواصل العاطفي، مُجسداً العلاقات الإنسانية وجوانب الحب والفقد، مما يترك أثراً عميقاً في نفوس الجمهور.

أحمد بشير: فصوته يعكس براءة وجمال الطفولة، ويضفي لمسة مميزة على العرض. وهو يمتلك موهبة صوتية جمعت بين النضج الفني والبراءة، مما منح الجمهور تجربة فريدة ومؤثرة.

الجمهور وطبيعة التلقي: الجمهور في هذا العرض طرف فاعل في المعادلة المسرحية. من اللحظة التي يشير فيها الممثلون للصالة ويصفون وجود شاب وشابة، يتحول الجمهور إلى جزء من العرض، يصبح موضوعاً للمشاهدة ويبقى شاهداً في آن. هذا الانقلاب البريختي في العلاقة يجبر المشاهد على الوعي بذاته، على إدراك أنه داخل اللعبة.

الكراسي الفارغة في الحلبة تخاطب الجمهور الجالس، تطرح سؤالاً: هل نحن أيضاً مجرد كراسي فارغة في انتظار من يملأها بالمعنى؟ الجمهور الشاب يرى في العجوزين مستقبله المحتمل، والجمهور الكهل يرى ماضيه المعاش. النهاية المعلقة تجبر المشاهد على المشاركة في صنع المعنى، على اتخاذ قرار حول مصير الشخصيتين. يخرج الجمهور محملاً بالأسئلة، مدعواً للتفكير في حياته الخاصة، في حلبته الشخصية، في الحبال التي تقيده وفي إمكانية رفعها.

العرض حول الجمهور من مستهلك للفرجة إلى شريك في التأمل الوجودي، في مساءلة الحدود الفاصلة بين المشاهدة والمشاركة، بين الفرجة والفعل، بين الحياة على الخشبة والحياة خارجها.

***

كاظم أبو جويدة

«ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ»

في عالم الشعر الحديث، يظل النص الشعري مرآةً تعكس تجربة الذات الفردية والجماعية، وتترجم الصراع بين الإنسان وواقعه، بين الحرية والخوف، بين الكلمة والواقع. قصيدة علاء سعود الدليمي «ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ» تمثل مثالاً حيًا على النص الشعري الذي يجمع بين الصياغة الفنية الدقيقة والعمق النفسي والفلسفي، لتكشف عن التجربة الإنسانية في مواجهة الغدر والخيبة والإعلام الزائف والخداع الاجتماعي، وكل ما يعكّر صفو الحقيقة ويحدّ من قدرة الإنسان على التصدي للزيف والظلم.

تتميز هذه القصيدة بالقدرة على المزج بين اللغة الجمالية والفكرية، بين الرمز والمشهد، وبين الصراخ الداخلي والوعي النقدي، مما يجعلها نصاً خصباً للتحليل الهيرمينوطيقي. فالشاعر هنا لا يكتفي برسم مشاهد الصراع النفسي والاجتماعي، بل يقوم بعملية تأويلية للعالم من خلال وعيه الشعوري والفكري، فيطرح القضايا الكبرى المتعلقة بالصدق والخيانة، بالحرية والانكسار، وبمسؤولية الفرد والمجتمع.

تأتي هذه الدراسة النقدية الهيرمينوطيقية لتسلط الضوء على بنية النص اللغوية والبلاغية، على معمار الصور والإيقاع والموسيقى الداخلية، وعلى الطاقات الرمزية والفلسفية والفكرية للنص، كما تهدف إلى كشف طبقات المعنى الخفية، واستكشاف العلاقة بين النص وسياقه الثقافي والاجتماعي، فضلاً عن تحليل الانزياحات الجمالية والنفسية التي تنسج تجربة الشاعر وتشكّل رؤيته للعالم.

إن هذه المقدمة تمهّد للقراءة العميقة للنص، بحيث تتحقق الغاية من الدراسة في تقديم فهم شمولي للنص، يربط بين جمالية اللغة وعمق الفكر، ويكشف عن قدرة الشعر على أن يكون تجربة وجودية وفكرية في آن واحد.

 هذه القراءة تنطلق أيضاً من مقاربة هيرمينوطيقية تركيبية، تمزج بين:

المنهج الأسلوبي، والتحليل البلاغي، والتأويل الدلالي العميق، مع استحضار الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية.

فالقصيدة لا تُقرأ بوصفها بنية لغوية فقط، بل بوصفها حدثاً وجودياً تتقاطع فيه الذات، واللغة، والواقع، والرمز.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

النص في مجمله سليم لغوياً، متماسك التراكيب، قائم على جُمل قصيرة متوترة الإيقاع، تُحاكي حالة الصدمة والاحتجاج.

مثل:

«ضربةُ غدرٍ / تسلّلت كأفعى سامّة»

تركيب اسمي يشي بالثبوت والرسوخ، يقابله فعل متحرك: تسللت، ليخلق توتراً بين السكون والاختراق.

الانزياح اللغوي يظهر في تراكيب مثل:

«أدخّن لحظات فراغي»

حيث تُنقل مفردة التدخين من ماديتها إلى بعدها الزمني والنفسي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

١- اللغة جزلة، واضحة، متوازنة بين الفصاحة والحداثة.

٢- الألفاظ مختارة بعناية لتناسب موضوع القهر والخديعة والانكسار:

«غدر، سمّ، هزيمة، الريح، الثعالب، الظل، النور، البؤس، الفراغ»

كلها حقول دلالية سوداوية تُكرّس أفق المأساة.

مثال إعرابي:

«ضربةُ غدرٍ»

ضربةُ: مبتدأ مرفوع بالضمة

غدرٍ: مضاف إليه مجرور

«كمحاربٍ يأبى الهزيمةَ»

كـ: حرف تشبيه

محاربٍ: اسم مجرور بالكاف

يأبى: فعل مضارع مرفوع

الهزيمةَ: مفعول به منصوب

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة قائمة على بنية مقطعية، كل مقطع يضيف طبقة شعورية جديدة:

١- مقطع الصدمة: (ضربة الغدر)

٢- مقطع المواجهة: (كمحارب أمام الريح)

٣- مقطع الخداع الاجتماعي: (الثعالب، الحمل، الصورة)

٤- مقطع العزلة: (أنا فراغ…)

٥- مقطع الرؤية الأخلاقية: (يد بيضاء تحارب لغد)

لا سرد تقليدي، بل شذرات شعورية تتجاور وفق منطق نفسي لا زمني.

2. الرؤية الفنية:

الشاعر علاء سعود الدليمي يرى العالم ساحة صراع بين:

١- الصدق / النفاق

٢- الضوء / الظل

٣- الشاعر / السوق

٤- الكلمة / الصورة

والانسجام بين الشكل والمضمون واضح: التكسّر الشكلي يوازي تكسّر المعنى.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تتجلّى الدهشة في صور مثل:

١- «أدخّن لحظات فراغي»

٢- «أنا فراغ لم يمرّ به يراع»

٣- «شياطين الشعر»

وهي صور تنقل الكتابة من الوصف إلى الرؤيا.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري.

القصيدة تطرح أسئلة:

١- من يحمي الكلمة في عالم الزيف؟

٢- ما مصير الشاعر في زمن الصورة؟

٣- هل ما زال للصدق مكان؟

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١- تراث الاحتجاج الشعري (المتنبي، المعري)

٢- خطاب المثقف المهمَّش

٣- نقد الاستهلاك الإعلامي الحديث

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

الضربتان ليستا جسديتين فقط، بل:

١- ضربة الواقع.

٢- وضربة الخيانة الرمزية.

والشاعر هو صورة للوعي الجريح.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يُقرأ في سياق:

١- خيبات ما بعد الحروب

٢- انكسار المثقف العربي

٣- هيمنة الصورة والإعلام

ويقع ضمن مسار الشعر العربي الحديث الذي يجمع بين:

١- الحسّ الاحتجاجي

٢- والنبرة الوجودية.

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بـ:

١- القلق

٢- الخيبة

٣- الشعور بالخذلان

٤- العزلة

2. الشخصية الشعرية:

الشاعر يظهر:

١- منفيًا رمزيًا.

٢- محاربًا بالكلمة.

٣- ضحيةً للغدر الجمعي.

3. النبرة النفسية

تتراوح بين:

١- الاحتجاج

٢- الأسى

٣- التهكم المرّ

٤- والرجاء الأخلاقي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص ينتقد:

١- النفاق الاجتماعي

٢- ثقافة الصورة

٣- تلميع الفارغين

٤- تهميش القيم

ويضع الشاعر بوصفه:

فاعلًا نقديًا

ضميرًا معذَّبًا للجماعة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

١- الأفعى: الخيانة

٢- الثعالب: المكر

٣- الظل/النور: الزيف/الحقيقة

٤- اليد البيضاء: الأمل الأخلاقي

2. الثنائيات:

١- الحياة / الفراغ

٢- الكلمة / الصورة

٣- الشاعر / الجمهور

٤- الغياب / الذكرى

3. النظام الرمزي.

الأشياء اليومية تتحوّل إلى علامات كونية للخذلان.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي في تحليل اللغة.

٢- المنهج النفسي في قراءة الذات.

٣- المنهج التأويلي في كشف المعنى العميق.

٤- المنهج السوسيولوجي في ربط النص بالواقع.

خاتمة:

«ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ» ليست مجرد قصيدة شكوى، بل بيان وجودي ضد عالمٍ يقتل الكلمة مرتين:

مرة بالخيانة، ومرة بالتجاهل.

هي نصّ يحتج، ويشهد، ويؤلم، ويُبقي للشاعر وظيفة أخيرة:

أن يكون وجع الحقيقة حين يصير الصدق جريمة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ

علاء سعود الدليمي

ضربةُ غدرٍ

تسلّلتْ كأفعى سامّةٍ

لتغرسَ أنيابَها في رأسي،

فكأنَّ السمَّ يأخذني إلى عالمٍ

لا أريدُه أبداً!

كمحاربٍ يأبى الهزيمةَ،

وقفَ أمامَ الريحِ،

سلاحُه صدقُ الكلمةِ،

فكان الأملُ يكبحُ جماحَ اليأسِ،

في المعركةِ طرفٌ خاسرٌ

ولا بدَّ من غالبٍ!

بعضُ الثعالبِ ترقصُ في الظلِّ،

لا تقوى على مواجهةِ النورِ،

بعد غروبين وثلاثةِ نهاراتٍ

عادَ بثيابِ الحملِ؛

ليسرقَ فرحةَ النصرِ،

فما مالَ البختُ،

والخالُ الشيخُ حاضرٌ.

قربَ مدفأةِ الثقةِ

تلجُ أمنياتٌ وتتبدّلُ أقدارٌ،

بعضُ الولاداتِ عسيرةٌ،

لم ترَ الحياةَ لولا رحمةُ اللهِ،

سخيفةٌ أقدارُ زماننا،

بعضُ الأوغادِ يلمّعون دارَ فلانٍ وفلانٍ

ليجلسوا قريباً من الصورةِ،

فيصبحون منشوراً مؤقّتاً

يُقرأُ مع الوقتِ.

كنصٍّ في رأسِ صاحبه،

كقصيدةٍ لم تلجْ جيدَ الحبيبةِ،

أغنّي بعيداً عن ربيعِ الشعرِ

في روضةٍ من رياضِ القريةِ،

أدخّنُ لحظاتِ فراغي

بأصابعَ باردةٍ!

أنا فراغٌ لم يمرَّ به يراعٌ،

سطرٌ خطّه صبيٌّ فمحته الريحُ،

فأيُّ محبرةٍ تنسكبُ فوق أوراقي المبعثرة؟

بين قوسين وبقايا رجلٍ

مسّته شياطينُ الشعرِ،

يدٌ بيضاءُ تحاربُ من أجل غدٍ

فيه من آياتِ الفعلِ ذِكرى

تدورُ على ألسنةِ الناسِ

إذا ما غابَ.

 

تقوم قصيدة «لا شيء يشغلني» على بنية وجدانية كثيفة، يتقاطع فيها الحنين مع الغياب، والحب مع الفقد، ضمن لغة مشحونة بالاستعارة والرمز. وهي قصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة/الحرّ ذي الإيقاع الداخلي، حيث تتقدّم الموسيقى النفسية على الوزن الخليلي الصارم. وتحاول هذه الدراسة تفكيك النص وفق مقاربة هيرمينوطيقية متعددة المناهج.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

القصيدة تقوم على جمل قصيرة متتابعة، يغلب عليها الفعل المضارع: (يشغلني، أمسك، يمسح، يسرق، يغفو...)، ما يمنح النص حركة زمنية مستمرة، ويخلق شعوراً بالديمومة العاطفية.

التركيب اللغوي سليم في أغلبه، مع ميل إلى البساطة الظاهرة التي تخفي عمقاً دلالياً، مثل:

١- «لا شيء يشغلني سوى حنين»

٢- «يمسح زخ المطر عن وجنتيك»

الانزياح البلاغي حاضر في تحويل المجرد إلى محسوس: الحنين يُمسك، الوله له شبابيك، القلب له وتين، الغياب له مهبّ.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ واضحة غير معجميّة مغلقة، لكنها مشحونة إيحائياً. التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق؛ فلا إسراف لفظي ولا فقر تعبيري.

أمثلة الإعراب الدال:

١- «لا شيءُ يشغلني»: لا نافية للجنس، شيءُ اسمها مرفوع، يشغلني خبرها.

٢- «سوى حنينٍ»: سوى أداة استثناء، حنينٍ مستثنى مجرور.

٣- «يمسحُ زخَّ المطرِ»: يمسح فعل مضارع، زخَّ مفعول به، المطر مضاف إليه.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا تعتمد القصيدة على قافية موحّدة، بل على تكرار تركيبي: «لا شيء يشغلني»، وهو لازمة إيقاعية ودلالية.

الجرس الصوتي قائم على الحروف الرخوة: النون، الميم، الواو، ما يناسب جو الحنين والانكسار.

الموسيقى الداخلية تتشكل من:

التكرار

التوازي التركيبي

التقفية الجزئية: (الغياب/العذاب/الدمع/الشوق)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص.

القصيدة ذات بنية دائرية تبدأ بـ«لا شيء يشغلني» وتنتهي بمعناها، ما يرسّخ فكرة الانغلاق العاطفي حول المحبوب.

لا شخصيات سردية متعددة؛ هناك ذات متكلمة، ومخاطَب غائب/حاضر بالذكرى.

المنهج الوصفي حاضر في تصوير الحالات الشعورية، والمنهج التحليلي يظهر في تفكيك علاقة الذات بالمحبوب.

2. الرؤية الفنية:

ترى الشاعرة رجاء نور الدين العالم من زاوية وجدانية محضة؛ الأشياء لا قيمة لها إلا بقدر ما ترتبط بالمحبوب.

الانسجام بين الشكل والمضمون واضح:

١-  لغة رخوة = شعور حزين،

٢-  بنية مفتوحة = غياب نهائي.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة تتولّد من صور مثل:

١- «شبابيك الوله»

٢- «ناقوسك المسجّى»

٣- «زمرد الآه»

وهي صور تتجاوز المألوف دون أن تسقط في الغموض المفرط.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح أسئلة وجودية ضمنية:

١- ماذا يبقى من الإنسان بعد الرحيل؟

٢- هل الذاكرة بديل عن الحضور؟

٣- هل الحب خلاص أم عبء؟

2. الأفق المعرفي:

القصيدة تستفيد من التراث العاطفي العربي (الحنين، الفقد، الشوق)، لكنها تصوغه بلغة حديثة قريبة من شعر الحداثة الوجدانية.

3. البنية العميقة للمعنى:

في العمق، القصيدة ليست عن الحب فقط، بل عن الخوف من النسيان. كل الأسئلة: من سيغلق؟ من سيمسح؟ من سيطهو؟ هي مقاومة رمزية للمحو.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

ينتمي النص إلى سياق عربي معاصر مثقل بالغياب والمنفى والفقد، حتى لو لم يُصرّح بذلك سياسياً.

2. تطور النوع الأدبي:

النص يقع في منطقة وسطى بين القصيدة الوجدانية التقليدية وشعر الحداثة الحر.

3. علاقته بالتراث:

يتفاعل مع التراث العاطفي العربي، لكنه لا يستدعي أساطير أو رموزاً تراثية مباشرة.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

المشاعر المسيطرة: الحنين، القلق، الخوف من الفقد، التعلّق المرضي الجميل.

2. تحليل الشخصية:

الذات الشاعرة ذات عاطفية عالية، تميل إلى الاندماج الكلي بالمحبوب، ما يشي بنزعة وجدانية مطلقة.

3. النبرة النفسية:

النبرة الأساسية: حنين شفيف، مشوب بخوف صامت.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس أزمة التعلّق في عالم متقلّب، حيث الغياب صار قاعدة لا استثناء.

2. الخطاب الاجتماعي:

يوجد خطاب ضمني ضد التفكك العاطفي المعاصر.

3. الشاعرة رجاء نور الدين فاعلاً اجتماعياً:

تقوم بدور وجداني نقدي لا سياسي، يذكّر بأهمية العمق الإنساني.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- المطر: التطهير والذكرى

٢- الناقوس: النداء والإنذار

٣- الشبابيك: الانفتاح/الانغلاق العاطفي

2. العلاقات التقابلية:

١- الحضور / الغياب

٢- القلب / العالم

٣- الذاكرة / النسيان

3. النظام الرمزي

الفضاء كله يتحول إلى علامات: القلب، الورد، العطر، الزمن.

ثامناً: الأسس المنهجية

اعتمدت الدراسة منهجاً تركيبياً يجمع: الأسلوبي، النفسي، التأويلي، السيميائي، مع وضوح في الانتقال بين المستويات.

خاتمة:

قصيدة «لا شيء يشغلني» نص وجداني رفيع، يكتب الحب لا كزينة لغوية، بل كقلق وجودي. قوته في صدقه الشعوري، وهدوئه التعبيري، وقدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى إشارات كبرى عن الفقد، والذاكرة، والإنسان حين لا يشغله في العالم كله إلا قلب واحد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

لا شيء يشغلني

لا شيء يشغلني

سوى حنينٍ

أمسكُ بجبروتِ

حنايا القلب.

لا شيء يشغلني

سوى مَن سيمسحُ

زَخَّ المطرِ

عن وجنتيك بعد رحيلي.

مَن سيطهو رغيفَ اللقاء،

ويُحصي زمردَ الآه؟

مَن سيُغلقُ شبابيكَ الولهِ

في وتينٍ عافٍ،

طيفُك ولو للحظات؟

ويحدثُ أن لا شيء

يشغلني سواك.

ولا يحدثُ أبدًا

أن يغيبَ عني

ناقوسُك المُسجّى

في مهبِّ الغياب،

في ساعاتِ فوضى القلب،

حيثُ تغفو ملامحُ الورد،

ويسرقُ النبضُ وسمَ العطر

من وريقاتٍ مكتظّةٍ بالدمع،

مسحها جبروتُ منديلٍ

طرّزه الزمانُ وكفٌّ

مُضرّجةٌ بالشوق.

***

رجاء نور الدين

 

تنتمي هذه النصوص إلى نمطٍ كتابيٍّ هجين، يزاوج بين السيرة الذاتية والتخييل الشعري، ويجعل من الذاكرة مادةً جماليةً للتأويل لا مجرد استعادةٍ زمنية. فهي نصوص تقوم على الشذرة، والمقطع، واللقطة، حيث تُبنى التجربة من تفاصيل صغيرة تتحول ـ عبر اللغة ـ إلى رموز كبرى للوجود. لغتها بسيطة في ظاهرها، عميقة في طبقاتها، تعتمد الإيقاع الداخلي، والانزياح الدلالي، وتكثيف الصورة، لتصوغ ذاتاً شعرية ترى العالم من جرح الطفولة، ومن حكمة الفقد، ومن مساءلة الأصل والمعنى. إنها كتابة لا تؤرخ الحياة، بل تؤوّلها، وتحوّل الخاص إلى إنساني، والذاكرة إلى أفق فلسفي وجمالي مفتوح.

تحمل قصيدة «جينالوجيا» دلالة عنوانية كثيفة؛ فالجينالوجيا ليست مجرد تتبع أنساب بيولوجية، بل هي ـ كما عند نيتشه وفوكو ـ تفكيك لأصول القيم والوعي والذاكرة، والبحث في ما تراكم في الجسد واللغة والطفولة من آثار الزمن. الشاعر هنا لا يكتب سيرة ذاتية مباشرة، بل يكتب سيرة الوجدان، حيث تتحول الطفولة، الأم، الجدة، العوز، العمل المبكر، الذاكرة الشعبية، إلى طبقات تأويلية تشكّل هوية الذات الشعرية.

النص يتوزع إلى مقاطع قصيرة تشبه الشذرات السيرية، لكنها تُبنى بمنطق شعري رمزي، يجعل من التجربة الخاصة أفقاً إنسانياً عاماً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

لغة القصيدة فصيحة، واضحة، خالية من التكلف، لكنها مشحونة بانزياحات دلالية رقيقة:

مثل:

“نضبت طفولتك المترعة”

هنا مفارقة: الامتلاء يقترن بالنضوب، فينشأ توتر دلالي يعبّر عن طفولة ثرية بالمعنى لكنها فقيرة بالزمن.

التراكيب تميل إلى الجملة الفعلية، ما يمنح النص حركة سردية:

رعيتُ، نقلتُ، سحبتُ، واجهني، قفز، رحلت…

وهذا يعزز طابع السيرة المتدفقة.

الدقة اللغوية عالية، مع ميل إلى البساطة المشحونة، لا إلى الزخرف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة ملائمة تماماً لموضوعها: الطفولة، الفقر، الذاكرة الشعبية، الأمومة. لا نجد ألفاظاً متعالية على التجربة، بل لغة “قريبة من التراب”:

النبع الشحيح، التنور الحامي، الزبدة، الرغيف، الأغنام، الزواريب…

كلها ألفاظ مشهدية، حسية، تشد النص إلى واقعه.

التوازن بين اللفظ والمعنى قائم على البساطة المؤثرة، لا على البلاغة المتكلفة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة نثرية، لكنها تقوم على:

الإيقاع الداخلي عبر التكرار:

“رحلت… رحلت”

تكرار يحمل شحنة حدادية.

الجرس الصوتي في التقابلات:

مرة ترفعنا / مرات تسقطنا

توازن صوتي ودلالي.

الموسيقى ناتجة عن توازي الجمل، وعن الإيقاع النفسي لا العروضي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية:

القصيدة مبنية على مقاطع مستقلة ظاهرياً، لكنها متصلة عبر خيط الجينالوجيا:

السرد ليس زمنياً صارماً، بل ذاكرة تتنقل بين لحظات الطفولة والأم والجدة والعمل والعزلة.

لا توجد شخصيات بالمعنى الروائي، بل “شخوص رمزية”: الأم، الجدة، الكلب، المرأة القاسية، العصافير.

المنهج الوصفي واضح، لكنه يتحول إلى منهج تأويلي حين تتجاوز الصورة معناها المباشر.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر للعالم تقوم على:

الطفولة بوصفها أصل الوعي.

الأم بوصفها المعلم الأول للشعر والحياة.

الفقر بوصفه مختبراً للأخلاق والمعنى.

هناك انسجام بين الشكل (مقاطع قصيرة، لغة بسيطة) والمضمون (ذاكرة متشظية، حياة قاسية).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي :

الدهشة تتجلى في مفارقات مثل:

١- “خسارة رابحة”

٢- “أكبر شاعر واجهته روحي هو أمي الأمية”

هذا قلب للمعايير الثقافية السائدة، حيث تُنتزع الشعرية من المؤسسات إلى الحياة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

القصيدة تطرح أسئلة:

١- ما قيمة النسب والأصل؟

٢- “ما الفائدة من الأنساب والأصول…”

٣- ما معنى الفضيلة في عالم متقلب؟

٤- “هل بإمكان الفضيلة أن تبقى هي ذاتها؟”

هي أسئلة وجودية وأخلاقية، تنطلق من التجربة لا من التنظير.

2. الأفق المعرفي:

النص يتقاطع مع:

١- الفكر الوجودي: الإنسان يصنع معناه من الألم والعمل.

٢- الفكر الجينالوجي: تفكيك الأصل لا تمجيده.

٣- التراث الشعبي: الحكايات، الأمثال، السرد الشفهي.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

المعنى لا يقف عند حدود السيرة، بل يتجاوزها:

١- الأم = أصل اللغة.

٢- الجدة = ذاكرة الجماعة.

٣- الرغيف = صراع البقاء.

٤- العصافير = الحرية المشروطة بالاحتواء.

النص يفتح طبقات متعددة: ذاتية، اجتماعية، رمزية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص ينبع من بيئة ريفية فقيرة، حيث العمل المبكر، العوز، الأمية، الحكاية الشعبية. هو ابن لحظة عربية مأزومة اقتصادياً وثقافياً.

2. تطوّر النوع الأدبي:

يقع النص في سياق تطور قصيدة النثر العربية التي تمزج السيرة بالرمز.

3. الارتباط بالتراث

يتفاعل مع:

١- البلاغة الشعبية.

٢- السرد الشفهي.

رمزية الشجرة، الطير، الخبز، الجدة، وهي رموز راسخة في المخيال العربي.

خامساً: الأسس النفسية

1. تحليل البنية الشعورية

يسيطر على النص:

١- الحنين.

٢- الحزن الهادئ.

٣- القلق الوجودي.

٤- الإحساس بالخذلان.

2. تحليل الشخصية:

الذات الشعرية تتشكل عبر:

١- الحرمان.

٢- العمل المبكر.

٣- فقد الأم.

٤- الصدام مع قسوة المجتمع.

3. النبرة النفسية:

النبرة العامة: شجن تأملي، لا صراخ فيه، بل حزن حكيم.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

يعكس:

١- الفقر الريفي.

٢- العمل القسري.

٣- التفاوت الأخلاقي بين الناس.

2. الخطاب الاجتماعي

ينتقد:

١- القسوة الاجتماعية.

٢- لا مبالاة الآخرين بطفولة الشاعر.

٣- تشوه القيم.

3. الكاتب كفاعل اجتماعي:

الشاعر هنا شاهد أخلاقي، لا خطيب سياسي، يفضح الواقع عبر الذاكرة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. تحليل الرموز

١- الشجرة = الحماية.

٢- العصافير = الحرية.

٣- الأفعى = القلق، الوسواس، الخوف.

٤- الرغيف = البقاء.

٥- الجدة = الذاكرة الجمعية.

2. شبكات الدلالات:

١- حضور/غياب: الأم حاضرة في الذاكرة، غائبة في الواقع.

٢- علو/سفل: العصافير مقابل الزواريب.

٣- حياة/موت: الحكايات ضد النسيان.

3. النظام الرمزي العام:

العالم يُبنى من أشياء بسيطة تتحول إلى علامات كبرى للوجود.

ثامناً: الأسس المنهجية

النص يسمح بتعدد المناهج:

١- أسلوبي: في بساطة اللغة.

٢- نفسي: في بنية الحرمان.

٣- سيميائي: في الرموز.

٤- هيرمينوطيقي: في تعدد طبقات المعنى.

وهو ينجح في الحفاظ على صرامة داخلية دون أن يتحول إلى خطاب نظري.

- خاتمة:

قصيدة «جينالوجيا» ليست بحثاً عن أصل الدم، بل عن أصل المعنى. إنها كتابة في ذاكرة الجسد واللغة والحرمان. الشاعر لا يستعيد طفولته ليبكيها، بل ليجعل منها مادة للوعي. هنا تتحول السيرة إلى فلسفة، والطفولة إلى سؤال، والأم إلى أبجدية الوجود.

إنها قصيدة تقول:

نحن لسنا أبناء النسب فقط،

بل أبناء الألم، والحكاية، والرغيف،

وأبناء أول يد علمتنا كيف نكتب العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

نص مقاطع القصيدة

لأنك لم تَرَ الإسفلت

إلا في المدينة البعيدة

نَضَبَتْ طفولتُكَ المُتْرعَة

ولم يَبْقَ منها إلاّ خَيطٌ

يكاد ان لا يُرى إلا بعين الوجدان

2

دون أن تهتدي إلى صانع مفاتيح

كيف لك أن تفتح مغاليق العمر

3

أكبرُ شاعرٍ واجَهَتْه روحي

هو أمي الأمّية

علّمتني أبجديةَ الطفولة

وسجلتني في مدرسة الغيم

وهي تفرك لي أذني

وتقول:

إياكَ ألّا تمرَّ على الأشجار

لتسقيها شجرةً شجرة

4

في مراحلَ ما من طفولتكَ

لايجعلك العَوَزُ تفكر

إلا في نطاق الضرورات

لعلكَ في أول فرصة

تمنحُها الحياةُ بالمصادفة

تصنعُ سكةَ قطاركَ المُنْتَظَر

مبتدئاً من صخرةٍ شرسة

وزواريبَ لم يغادِرْها بَعْدُ

ترهُّل التاريخ

5

رعيتُ الأغنام أحد عشر يوماً

ولم تصلني أجرتيِ

إلا بعد أحد عشر عاماً

6

عندما واجهني شطُّ بحر الصين لأول مرة

بسرعةٍ هائلة قفز إلى بالي

منظري وأنا (أَرِقُّ) العجين لأمي بحركاتٍ درامية

لتلصقه بجدار التنور الحامي

بينما الكلب القاعي

ينتظر أية خبزةٍ ناضجة

7

حافيَ القدمين نَقَلْتُ الماَء على كتفيَّ

من ذلك النبع الشحيح

وأكثرُ ما أتذكَّرُهُ

حِواري العقيمُ مع تلك المرأة

التي لم تتحسّس لأحمالي وطفولتي

8

في سنّ الخامسة

سحبتُ ذلك الرغيف من فم الكلب

الذي رماه له جدي

ربما كانت طفولةً لها عينان ثاقبتان

9

لم تبع جدتي الزبدة

إلاّ بالسعر الأدنى من المعروف

ظناً منها أنه الأعلى

يالها من خسارة رابحة

10

كثيراً ما تَدلّت تلك الأفعى

من سقف أفكاري

أهو توحش العزلة

أم استهتار بالطمأنينة ؟

11

رغم انسكابها كالمطر

في مرويات أمي

تلك الخوارق وحكاياتُ الحب

لم تُقنعْ إيماني بها

رَحَلَتْ..... رَحَلَتْ

ولم تترك لي

سوى وردةِ الخيال

12

الجدات يسردن حكايات الخيال للأحفاد

ليس فقط لإمتاعهم

وإنما كي لا يلتهمها وحشُ النسيان

في زحمة الحاجة لما يرمم الروح

وكي لا تسقط أحدُ أعمدة الذات

13

ما الفائدة من الأشجار

وأنساغها الباقية كذكرى مُرْهَقَةْ

ما الفائدة من الأنساب والأصول والمَتَحَدِّر منها

وأصلابِ الكائنات السابقة و جغرافيتِها المتنقلة

فهي عناصر في غاية الإلتباس

وأدلةٌ شعبية يوثقها اللامعنى

14

لتلوذَ بِكَ العصافير

عليكَ أن تكون شجرةً

تجهل عنوانَها الريح

15

نفوسُنا زئبقية

مرةً ترفعنا

ومراتٍ تُسْقِطنا

هل بإمكان الفضيلة

أن تبقى هي ذاتَهَا

 

يميل الديوان منذ عتبته الأولى وإلى آخر نفس فيه إلى بناء مناخ شعري جنائزي يتأسس على حضور الموت بوصفه الخلفية الصامتة التي تتحرك فوقها التجربة كلها. ويتخذ من الفقد مدخلا لقراءة الذات واستعادة توازنها. يقدم الشاعر هذا الموت باعتباره طاقة خفية تتسرب إلى الصور واللغة والإيقاع، فتنشأ طبقة وجدانية مشوبة بقلق متواصل لا ينفصل عن رغبة ملحة في القبض على ما ينفلت.

وهوما يمنح القارئ الفرصة لمتابعة مسار شعوري وشعري يزاوج بين الانطفاء والرغبة في التقاط آخر ضوء. هذه البنية العميقة للمعنى تمنح النصوص نبرة مشبعة بقلق وجودي يفتح القصائد على طبقات تأويلية واسعة.

عتبات النصوص:

عن الغلاف:

تقول مالكة عسال عنه:

"بغض النظر على أن الغلاف هو الجامع للأوراق، فهو عنصر من العتبات النصية، التي قد ترشد القارئ إلى بوابة المحتوى، فبمجرد إلقاء القارئ لمحة سريعة عليه قد يتوقع ما تتحدث عنه مواضيع الكتاب، لذا يولي المؤلف اهتمامه الكبير للغلاف من حيث اختيار اللوحة والألوان، كي يستدرج لبّ القراء، وشاعرنا محمد محضار بذلَ قصارى جهوده ليُخرج الغلاف في حلة فنية تبهر " [1]

يقدّم غلاف كتاب "عريس الألم" صورة بصرية وأدبية متكاملة تعكس عالم الشاعر الداخلي المفعم بالتوتر والتجربة الإنسانية. تتصدر الغلاف الأمامي لوحة تجريدية حافلة بالألوان الساخنة، ويوحي تفاعل الأزرق والبرتقالي والأسود والبني والأصفر فيها بصراع وجداني مكثف. وينسجم هذا الحس البصري مع العنوان المكتوب بخط أزرق بارز، كأنه إشارة طريق تنبه القارئ إلى كثافة الدلالة، وكأن اللون نفسه امتداد للانفعال الداخلي. كما أن اختيار كلمة نصوص أسفل العنوان يؤكد أن العمل ليس بوحا ذا خط واحد، بل فسيفساء من الشذرات والبوح والتأملات الذاتية، بما تحمله من جراح مولِّدة للوجع..

عن العنوان:

نجد أن العنوان يتكون من كلمتين متنافرتين كون كل منهما تحمل معنى مناقضا لمعنى الأخرى؛ فكلمة "عريس" تحمل في طياتها معنى الفرح، والعرس مناسبة لإعلان هذه المشاعر، في حين، نجد كلمة الألم واضحة المعنى لا تحتاج لتفسير، بيد أن عملية الجمع بين هذه العنصرين المتنافرين كان بهدف خلق جدلية بين بعدي الفرح والألم، تلك الثنائية التي تستغرق نصوص العمل ككل، فضلا عن أن الجمع بينهما يقوي بعد الجرح، ويقوي دلالة الوجع لا سيما وأن العرس قد تم تسبيقه وتأخير الألم، والمتأخر يبقى وقعه في النفس أكثر..

عن التجنيس:

ويبدو أنّ الشاعر قد تعمّد إبعاد أي قيد تجنيسي عن عمله، فاختار له وصف نصوص ليمنح القارئ حرية تأويله. ولعل هذه الحرية جاءت نتيجة أن الوجع أوسع من أن يختزل في قالب محدد؛ فالحزن فاض وتجاوز كل الإطارات. ويمكن تلمس ذلك عند تقليب صفحات العمل، إذ يجد القارئ نفسه وجها لوجه مع معجم من الكلمات التي تستحضر الألم والحزن والوجع. فالنصوص جميعها تتنفس هذا الشعور، لكنها لا تنخرط في بث اليأس؛ بل إنها، وهي ترصد مرافئ الجرح، تشير في الوقت نفسه إلى الضفة الأخرى من الحياة، حيث منابع الأمل والحلم والانفتاح. بل إن بعض النصوص تحتفي بتيمة الحب ودفء الأسرة، يقول الشاعر في هذا الجانب:

انفاسك العابقة

بعبير الحياة

توقظ في اعماقي

سنابل الفرح.. ص 52

وبذلك يغدو الشاعر مولدا لطاقة إيجابية تمنح القارئ أسباب البقاء وقدرة على مواجهة تقلبات الأيام، مؤكدة أن لا يأس مع الحياة، وأن الإنسان محكوم بالأمل:

عن الغلاف الخلفي:

وفي الغلاف الخلفي تظهر صورتان لاثنين من البالغين: الأولى للشاعر نفسه، والثانية لأخيه الفقيد. ويؤشر هذا الحضور إلى عمق العلاقة بين الشخصيتين وإلى الوجع الساكن في النفس الناجم عن فقد الأول للثاني، مما يضفي بعدا إنسانيا مباشرا على العمل، دون الإخلال بطبيعته الأدبية.

سطوة الموت في العمل

تؤطر تيمة الموت العمل من بدايته إلى نهايته؛ أي من غلافه الأمامي إلى غلافه الخلفي. فالموت، بما هو صنف من الألم، يحضر بقوة منذ العنوان المنبسط على صفحة الغلاف الأمامي، مسبوقًا بكلمة تستدعي الفرح، الأمر الذي يضاعف حدة الوجع ويكشف مفارقته. كما يتجلى الموت في الصورتين المعلقتين أعلى صفحة الغلاف الخلفي: صورة الشاعر التي يخص بها أخاه الراحل، ذلك الغياب الذي ترك في نفسه غصة لا تندمل. ويمتد الحضور نفسه في الإهداء الذي يستحضر أركان الأسرة: الأم والأب والأخ، وكأن الشاعر يرسم عبره خريطة الخراب النفسي الذي حلّ به. أما القصائد، فتنطوي بنسب متفاوتة على ألم يتسرب من مقام القول ويُنشئُ مزاجا خاصا ينهل غالبا من معين الحزن..

فمجمل نصوص العمل تنحو نحو خلق عالم موازٍ هو بمثابة ملاذ لتجاوز انكسارات الحاضر والماضي، والهروب ليس إلى الأمام، ولكن فقط لأخذ لحظة استراحة وخلوة مع النفس من أجل معاودة الانطلاق من جديد في الردح المتبقي من العمر.

هو ديوان يحتفي بمن كانوا ذات يوم جزءا من حياة الشاعر، ولهذا لا يتردد في خلق نوع من التوافق مع الذات يرتكز على الحلم والتجليات الصوفية والروحية للتغلب على شدة الوجع والألم.

ومع ذلك، فإن الخراب الذي سجله الشاعر في داخله سرعان ما يكتسب ملامح خضراء بفعل حضور أطراف أخرى لها مكانتها في حياته، مثل الزوجة والبنات. فهؤلاء لا يعوّضن الغائبة الحاضرة، لكنهن يلطّفن من وطأة الجرح ويخففن صدمته، وهكذا تتوزع الشخصيات في الكتاب وفق أثرها في وجدان الشاعر، بين فقد يثقل الروح وحضور يرممها.

فشاعرنا وقف على ذكريات أمه يعدد خصالها، ويتحسر بحرقة على الزمن الذي اقتلع نخلة وارفة الظل من حقله، كانت تمده بفيئها الرحب وتغدق عليه من ثمار الحنو، تُرَبِّت على كتفه، ويتساءل كيف يمكنه أن ينسى لسانها العذب، وحضنها الدافئ وما بال لهيب الزمن يحرق العذب من هذه الذكريات الجميلة، وهنا لن يبتعد شاعرنا عن الشاعر أبي الطيب المتنبي في رثاء أمه:

أبكيك لو نقع الغليل بكائي***وَأقُولُ لَوْ ذَهَبَ المَقالُ بِدائي

وَأعُوذُ بالصّبْرِ الجَميلِ تَعَزّياً***لَوْ كَانَ بالصّبْرِ الجَميلِ عَزائي

فحرقة الأم قطرة حنظل في فم كل من فقدها، ولسعة دائمة ليس لسُقمها إبراء، فالتحول من شاب يافع بين أحضان أمه وأبيه فارغ الذهن من المسؤولية، إلى أب راع للأسرة جعله يحنّ إلى زمنه الجميل، ولم ينس أيامه التي كانت كلها متعة مع والديه، ويسرد لنا حياته اليومية في سيرة شعرية منذ نعومة أظافره مرورا بالشباب إلى اليوم، وكيف عاش كل مرحلة من مراحلها مسترجعا الذكريات بفرحه الطفولي بيوم العيد، وهمس جدته بمباركة يومه، لينتقل بنا إلى مرحلة الشباب، فيطلعنا على مذكرة يومياته التي يقضيها في المطالعة وعلاقاته، ثم ينتقل بنا أخيرا إلى المرحلة التي قرأ فيها تفاصيل الحب وصار يبحث عن دفء اللحْظة، التي أثمرت ثلاث يَوَاقِيت أضاءتْ عليه المكان والزمان

جدلية الفقد والحضور:

ففي الفقد نجد حضور الأم حيث يقول:

ترحل الأمهات

ويبقى صدى حبهن

يحرس أحلام الطفولة

ويشرق شمسا دافئة

عند كل صباح

ويبقى عطرهم

درة عبير في الهواء

نستنشقه عند الفجر

ضوعا اصيلا.. ص 16

فالنص يشير الى ان الشاعر وهو يوظف ضمير المتكلم مخاطبا أمه سيظل وفيا لعهدها ولن ينساها أبد الدّهر، فهي الرّمز الأكبر المُعبّر عن الدِّفء والحب والسّلام.. فالفقد في هذا النص بمثابة حضور لا غِياّب.

وفي باب الحضور نجد الشاعر يخاطب زوجته التي تمده بكل ما يفيد القدرة على مجابهة الألم والانكسار حيث يقول:

أيها الخريف الذهبي

قل لها:

انت في قلبي نور

انت موال شحروري يسكن

الحنايا

قل لها:

انت رنين الذكرى يفجر

نبع أحاسيسي

أنت قصيدة تَحضُن هَمْس حُروفي... ص 19 و20

وفي نص آخر معبر عن الحضور الذي يملأ الفراغ ويُلملم تصدعات الروح نجد الشاعر يقول:

قَبِّلْ جبين أم البنات وقل لها:

انت عتبة العبور الى الأمل والفرح

يداك غطاء لغدي

وجهك سراج لحياتي... ص 34

وفي النص نفسه يُعبر عن عشقه لبناته الثلاث صحبة امهم فيقول:

اهمس لأم البنات

أنت الحياة سندسية

والصغيرات هِبة الربِّ

وكلمة الله ويقينه الجلي

ويذكر أسماء بناته وهن

سلمى وإيمان وفاطمة. ولكل أريجها، وعطرها الخاص ومن دون تمييز، فكلهن في قلبه واحدة.

وحضور الله بارز في النصوص؛ فهو الذي منح الشاعر توازنه كما في نصه "سر الاسرار" ص 56 حيث يقول في مقطع منه:

الله في كل مكان

ودودا يغفر

أسبلت جفوني

وقَبَّلت الفجر

ثم همت بين ربوع

الوجد

أرشف كاسات

الفرح.

فالله هو من أخرجه من تيهه وضلاله وقاده الى منابع الفرح وأعاد الى نفسه ثقتها وتوازنها.

يتضمن العمل أيضا نصوصا ذات حمولة عاطفية، تحتفي بالمشاعر الانسانية وتحاول تركيب صورها الشعرية من خلال مراحل عمرية متعددة، وبالتالي تضع الذات الشاعرة في وضعيات مختلفة ولكن بنفس واحد وبؤرة شعورية واحدة (نصوص: أم البنات، كنا صغارا، طفل الأمس، قصة حب عسجدية، حلم غجري، هذه حياتي، سيدة القلب، ابتسامة عابرة، حكاية صمت فريدة.

يخوض العمل أيضا من خلال بعض النصوص في الأثر الاجتماعي على الذات الشاعرة التي تحاول الالتفاف حوله وتفجير ذلك الاحساس الناتج عنه من خلال صور شعرية ساخرة ،نص ليلة العيد ص 123 نموذجا حيث يقول فيه:

في ليلة العيد مزق الفقراء

بطائق هويتهم

وشربوا نخب فقرهم

ممزوجا بالعبرات المالحة

قالوا لبعضهم انهم مجرد رقم

في سجلات الهوية

لا اعتبار لهم في زمن الردة

وتخمة البلداء.. الخ

ومجمل النص يعبر عن وقع حالة الفقراء على نفسية الشاعر الذي يرصد أحوال الفقراء وهاميتهم وينتقد الفئة المتنفذة التي تستغلهم معتبرة إياهم مجرد أرقام لا غير مزيلة عنهم بعدهم الإنساني. ولعل في اختيار زمن العيد فيه من الوقع ما فيه.

ولم يقتصر الشاعر على الحديث عن نفسه وعن أوضاع وطنه، بل انفتح على القضايا القومية التي تظهر تأثره بالأحداث القومية، مثل مأساة غزة التي تعد نموذجا بارزا في هذا الطرح، لكن طريقة التناول تختلف عن الرائج والسائد، فالذات الشاعرة تختار صيغة ناقدة لجماعات كل همها هو المتاجرة بالقضية ومحاولة تحقيق مآرب ومكاسب على حساب معاناة الغزاويين الذي يدفعون ثمن الخرب الإسرائيلية الجائرة من أرواحهم: فنص غزة هو صوت المجهول، ونص رفح هو سيدة المراثي.

جدلية الفرح والألم:

وتكشف النصوص عن اهتمام المؤلف بالحفر في الطبقات النفسية والروحية للإنسان، وعن حضور الألم باعتباره محورًا وجوديًا يتجاوز كونه انفعالًا عابرًا. والملاحظ ان معجم الألم والوجع موجود بقوة ويمكن اعتبار نص "الفجر الكاذب" ص 61 نموذجا حافلا بهذا المعجم حيث نجد التالي:

"صمتي وليل طويل وحزن ومنكسرة وذابلة وشقي وكاذب وحلم هارب وشارد وتوارى وراح ودمعي وجريح وصادي والسراب واوهامي واليباب. فقد جمع هذا النص المكون من صفحتين كل هذا القاموس الأسود، ونجد نص "تلاوين الغدر" وغيره يصب في هذا المجرى. لكن الفرح يظل مقاوما نلمس ذلك في نص "قصة حب عسجدية" ص 50 على سبيل المثال.

ويبدو الشاعر متأرجحًا بين الذات والذاكرة والقلق، مستثمرًا رصيدًا دينيًا وثقافيًا يعمّق به أسئلته حول المعنى والمصير. ومن خلال هذا النسق يمنح القارئ إحساسًا بأن التجربة ذاتية في ظاهرها، انسانية في جوهرها، إذ تتجاوز حدود الذات نحو أفق كوني أرحب. كما أن الإشارات التاريخية والدينية توحي بأن الكتاب لا يكتفي بالاعتراف الوجداني، بل يربط الألم بالبحث عن الحكمة والنجاة.

ويبدو الهيكل الجمالي للعمل وكأنه توازن محسوب بين الهدوء والاندفاع؛ فالجانب التشكيلي يستمد قوّته من كثافة الألوان واندفاع اللمسات، بينما يعتمد الجانب النصي على قراءة نقدية متأنية ونافذة. ومن هذا الائتلاف تتشكل صورة عامة لعمل يغلب عليه التأمل ويزخر بالوجع، ويجمع بين رهافة الشعور وتوهج الفكر، مانحًا القارئ تجربة صادقة وحساسة ترى في الألم طريقًا إلى المعرفة الداخلية، لا مجرد حادثة عابرة.

على سبيل الختم

لا بأس من أرصع خاتمة قراءتي لهذا العمل بما قالته الناقدة مالكة عسال وهي تتحدث عن الجانب الفني فيه، إذ تقول:

الجانب الفني وترصيع النصوص بالبهي:

لا يمكن لأي مبدع أن يقدم عملا مهما كان نوعه إلا بإضفاء حلة من الجمال عليه، ليميزه عن باقي الأعمال وبالتالي يلفت نظر المتلقي؛ وشاعرنا صاغَ ديوانه بأنواعٍ من البديع من حيث الشكل والمضمون، ليقدمه مادة دسمة يقبل عليه القارئ بشهية؛ ومن وجهة أخرى يفرغ في تنميقه الشُحنةَ الثقيلة التي تعتمل في الصدر.. لذا كان شاعرنا فارس اللغة بامتياز، أبدع بعين غريبة في نسج خيوطها وأجاد، وعرف كيف يراوغها وينطقها بغير المعقول، فحرس على تدقيق حروفها، وضبط معانيها، وترصيعها بالترميز والمجازي والإيحائي فأخرجها في حلة بديعة من الجمال...[2]

وقد كان الشاعر واعيا بالجانب البلاغي للنصوص وبعدها الفني؛ ففي تصوره لا يمكن لأي نص ان يكون خاليا من المظاهر الفنية؛ ولذا قال في نصه؛ شغف الانبعاث:

بأنفاس متسارعة أمسك بتلابيب حلمي المنفلت

وأقف عند حدود الاستعارات، يخذلني المجاز

وأقع في حبال تورية مضلة

يختلط علي معناها القريب بالبعيد

.. ص 109.

ووعيه هذا جعله يُلون نصوصه بالاستعارات والتشبيهات والرموز والمجاز حتى إنه جعل الحزن إنسانا يخاطبه بالإقبال عليه ليبدد سطوة الحزن التي اعجبه المقام فاستقر وقرر ألا يغادر في نصه 'زمن الفرح' ص 46.

وبالعودة إلي نص' شغف الانبعاث' نجد انه كبعض النصوص الأخرى يستدعي النص المؤسس والمتمثل في قوله: ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل، كما نجده حاضرا في جملة إن بعض الظن إثم. ولا يكتفي النص بهذا بل نراه يستحضر الاجواء الروحانية التي تميز أهل الذكر والصوفية؛ ويبدو ذلك في المعجم وكمثال على ذلك كلمتا: المريد والعارف؛ وفي المعاني في قوله: السّمع منتبهٌ؛ والبصر شاخصٌ؛ والفكر يسبح في ملكوت المعاني...

اما في نص' اسوار التاريخ' فنجد استحضار العرافة وقبيلة كندة بربطها بقصبة؛ بولعوان؛ المغربية كنوع من الترابط الروحي والمادي بين المشرق والمغرب. وحضور العرافة تم توظيفه في نصوص اخرى مثل:

"تلاوين الغذر"

في المُحصلة، يتضح أن الديوان لا يستدعي الموت بصفته فكرة، بل كأداة تكشف عمق العلاقة بين الذات وما يهددها من زوال. فتعدد موضوعات النصوص يجعل الديوان فسيفساء من المشاعر والمواقف والارتجاجات النفسية التي تنتهي إلى الخلاصة التالية: إن الألم ليس نقيض الحياة، بل أحد أبوابها الكبرى إلى الحكمة. وفي الامتزاج بين الانطفاء والانبعاث الخافت، ينجح العمل في بناء خطاب شعري يوازن بين الانفعال والتفكير، ويمنح القارئ إمكانية إعادة مساءلة علاقته بما يفنى وما يبقى..

***

عبد الرحيم التدلاوي - ناقد مغربي

مكناس 5 يناير 2026م

..........................

[1] قراءة مالكة عسال تأرجح الشاعر بين قلق السؤال وتحقيق الحلم موقع ديوان العرب 25مارس 2025

[2] تأرجح الشاعر بين قلق السؤال وتحقيق الحلم قراءة مالكة عسال 25مارس موقع ديوان العرب

 

زياد حلبي إعلامي وصحفي فلسطيني بارز، وُلد عام 1969 يشتهر بتغطيته الميدانية العميقة والشاملة لأحداث منطقة الشرق الأوسط على مدار عقود.

المنصب الحالي: كبير مراسلي قناة العربية في فلسطين، ومراسل إذاعة مونت كارلو الدولية.

المناصب السابقة: عمل مراسلاً لقناة دبي الفضائية (1994-2002) ولقناة النيل. كما شغل منصب مدير مكتب "نيوزلينكس" في القدس.

غطى حلبي أهم الأحداث السياسية والأمنية في المنطقة، وأجرى مقابلات مع شخصيات سياسية بارزة على المستويين المحلي والدولي:

- تغطيات ميدانية رئيسية: حرب لبنان 2006، اجتياح الضفة الغربية، والحروب المتتالية على قطاع غزة.

- حوارات مع قادة فلسطينيين: مثل الرئيس الراحل ياسر عرفات، والرئيس محمود عباس، والمناضل مروان البرغوثي في سجنه.

- حوارات مع مسؤولين دوليين: مثل وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، ووزير الخارجية البريطاني ديفيد ميلباند، والفرنسي برنار كوشنير.

حصل على جائزة الإعلام العربي مرتين، في عامي 2003 و2006.

الخلاصة

يمثل زياد حلبي نموذجاً للإعلامي المخضرم الذي شهد على مفاصل تاريخية وصاغها عبر تقاريره. تراكمت هذه التجربة الثرية لتشكل رؤية نقدية عميقة تظهر جلياً في كتاباته الأدبية، مثل النص الشعري "نبوءة بلا جمهور"، حيث يتحول من مراسل للأحداث إلى ناقد للواقع وشارح لعلاقة المبدع بالمجتمع.

نبوءة بلا جمهور

أنا لا أتنبأ.

أنا أتعثر بالمستقبل صدفةً

ثم أعتذر له.

*

كل ما أعرفه

أن العالم يسير بلا سائق،

والناس يجلسون في الخلف

يصفقون للطريق.

*

هناك عملية تنظيف كبرى،

لكنها لا تستهدف الشوارع،

تستهدف العقول.

يكنسون الأسئلة،

يمسحون الغضب،

ويتركون لنا

موسيقى خفيفة

لننام واقفين.

*

الشباب؟

لا أعرف.

ربما سيولدون وهم يعرفون كل شيء

إلا لماذا يعيشون.

ربما سيحملون هواتفهم الذكية

وقلوبًا بنظام الطيران.

*

أما الكاتب،

فليس بائعًا في واجهة ثقافية،

ولا مهرجًا في سيرك الجوائز.

الكاتب شخص

لم يجد مكانًا يصرخ فيه

فاخترع الورق.

*

اكتب

لأن الجملة تطاردك في الليل،

لأن الصمت أثقل من السجن،

لأن هناك كلمة

لو لم تُكتب

ستعيش حياتك كلها

كشاهد زور.

*

لا أحد يحتاج أدبًا نظيفًا.

نحتاج أدبًا يوسّخ يديه،

ينزف،

ويرفض أن يبتسم في الصورة الجماعية.

*

وما تبقّى بعد ذلك

ليس سوى

نبوءة…

بلا جمهور.

***

صور من النص:

- "أنا لا أتنبأ. / أنا أتعثر بالمستقبل صدفةً / ثم أعتذر له."

- الصورة: المستقبل ككيان مادي/شخصي يمكن التعثر به. الكاتب ليس نبياً مُلهماً، بل هو شخص مرتبك، يصطدم بالغد بشكل عشوائي، وهذا الاصطدام محرج يستدعي الاعتذار.

- "العالم يسير بلا سائق، / والناس يجلسون في الخلف / يصفقون للطريق."

- الصورة: العالم كسيارة مسرعة بلا سائق، والجمهور سلبي، جالس في المقاعد الخلفية. التصفيق للطريق (وليس للسائق) هو تصفيق للحركة وللمسار نفسه بغباء وانهزامية، بغض النظر عن الوجهة أو الخطر. تجسيد للتبعية والرضا الوهمي عن واقع مجنون.

- "هناك عملية تنظيف كبرى، / لكنها لا تستهدف الشوارع، / تستهدف العقول."

- الصورة: عملية تنظيف كبرى (مثل حملة أمنية أو تطهير) لكن الهدف ليس القذارة المادية بل الفكرية. تحويل العقول إلى فضاءات يجب "تطهيرها" من أشياء محددة.

- "يكنسون الأسئلة، / يمسحون الغضب، / ويتركون لنا / موسيقى خفيفة / لننام واقفين."

- الصورة المتتالية: الأسئلة والغضب كأوساط وغبار يُمكنس ويمسح. ما يتبقى هو "موسيقى خفيفة" (تلميح للإلهاء الإعلامي والترفيه المسطّح). النتيجة: "ننام واقفين" – صورة قوية للغيبوبة الواعية، أو الخدر مع الاستمرار الظاهري في الحياة والحركة. هي حالة من التنويم الاجتماعي.

- "الشباب؟ / ربما سيولدون وهم يعرفون كل شيء / إلا لماذا يعيشون."

- الصورة: تناقض حاد بين وفرة المعلومات ("يعرفون كل شيء") والفراغ الوجودي ("لماذا يعرفون"). المعرفة السطحية مقابل الجوهر الضائع.

- "ربما سيحملون هواتفهم الذكية / وقلوباً بنظام الطيران."

- الصورة: الهواتف الذكية (اتصال، معرفة ظاهرية) مقابل القلوب "بنظام الطيران" – أي في وضعية إيقاف أو عدم تفعيل للمشاعر الحقيقية، أو أنها متحضرة للهروب والانفصال عن الواقع في أي لحظة. قلب معطّل عن وظيفته الأساسية (الشعور).

- "الكاتب... / لم يجد مكاناً يصرخ فيه / فاخترع الورق."

- الصورة المركزية: الكتابة ولدت من القمع والاختناق. الورق ليس أداة فحسب، بل هو "مكان" بديل للصراخ المُمنع في الواقع. الكتابة هي صرخة مُسكّنة في حيز مادي.

- "اكتب / لأن الجملة تطاردك في الليل، / لأن الصمت أثقل من السجن"

- الصورة: الكتابة كضرورة وجودية ونفسية. الجملة ككائن حي يطارد. الصمت كثقل قاتل يفوق ضغط السجن. الكتابة هنا تحرّر من أشباح داخلية وسجن خارجي.

- "لأن هناك كلمة / لو لم تُكتب / ستعيش حياتك كلها / كشاهد زور."

- الصورة القضائية: الحياة التي لا تُكتب فيها الكلمة الحقيقية هي حياة شهادة زور على الذات وعلى الواقع. الكاتب الذي لا يكتب يخون الحقيقة ويشهد زوراً. الكتابة هنا مسؤولية أخلاقية.

- "لا أحد يحتاج أدباً نظيفاً. / نحتاج أدباً يوسّخ يديه، / ينزف، / ويرفض أن يبتسم في الصورة الجماعية."

- الصورة: الأدب "النظيف" هو الأدب الزائف المطيَّف. الأدب الحقيقي هو جهد شاق ("يوسخ يديه")، صادق وجريح ("ينزف")، وغير مُستعدّ للمجاملة أو الانصهار في القطيع ("يرفض الابتسام في الصورة الجماعية"). صورة الأدب العامل، المتمرّد، الحزين.

- "وما تبقّى بعد ذلك / ليس سوى / نبوءة… / بلا جمهور."

- الصورة الختامية: بعد كل هذا الجهد والصراخ المكتوب، ما ينتجه الكاتب هو "نبوءة" – رؤية للحقيقة أو للمستقبل – لكنها معزولة، "بلا جمهور". الجمهور إما نائم واقفاً، أو يصفق للطريق، أو منشغل بهاتفه وقلب الطيران. النبوءة (أو الأدب الحقيقي) تصرخ في فراغ، مما يعيدنا إلى العنوان ويدور في حلقة مفرغة من العزلة واللامبالاة.

***

كاتب المقال:

بهيج حسن مسعود

 

تُمثّل قصيدة «حديثُ الفجر» للشاعرة الجزائرية سليمة المليزي نصّاً شعريّاً ينهض على تخوم التأمل الوجودي والوجداني، حيث يتحوّل الفجر من كونه لحظة زمنية عابرة في تعاقب الليل والنهار إلى كيان رمزي كثيف الدلالة، يُستدعى بوصفه مخاطَباً أنطولوجيّاً، وحاملاً لمعنى الخلاص، والتطهّر، وإمكان البدء من جديد. ففي هذا النص، لا يتجلّى الفجر بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليغدو مساحة تأويلية مفتوحة، تتقاطع فيها أسئلة الذات، وقلق الوجود، وحنين الذاكرة، مع توقٍ إنساني عميق إلى الضوء بعد العتمة.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية هيرمينوطيقية، تسعى إلى تفكيك البنية الظاهرة للنص، والولوج إلى طبقاته الدلالية العميقة، من خلال قراءة مركّبة تستند إلى تحليل الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلاً عن الأبعاد النفسية، والسوسيولوجية، والسيميائية التي ينهض عليها الخطاب الشعري. وتقوم هذه القراءة على افتراض أن النص الشعري ليس معطًى مغلقاً، بل كياناً مفتوحاً على تعدّد المعاني، وقابلاً لإنتاج دلالات تتجاوز قصدية الشاعرة المباشرة.

وإذ تشتغل القصيدة على مناجاة الفجر بوصفه وسيطاً بين الأرض والسماء، وبين الخطيئة والغفران، فإنها تُفصح عن رؤية فنية تتكئ على الانزياح الجمالي، وتشخيص الطبيعة، واستثمار الإيقاع الداخلي والتكرار، لبناء خطاب شعري مشحون بالحنين والرجاء والقلق الوجودي. من هنا، تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن كيفية تضافر الشكل والمضمون في النص، وعن موقع «حديثُ الفجر» ضمن مسار قصيدة النثر العربية المعاصرة، بوصفها نصًّا يوازن بين شفافية اللغة وعمق الرمز، ويؤسس لعلاقة حوارية بين الذات الشاعرة والعالم.

 أفق القراءة ومنهجها

تندرج قصيدة «حديثُ الفجر» ضمن شعرية التأمل الوجداني–الكوني، حيث يتحول الفجر من ظاهرة طبيعية إلى كيان خطابي، ومخاطَب أنطولوجي، يُستدعى بوصفه وسيطًا بين الأرض والسماء، بين الجرح والأمل، وبين الذاكرة والولادة الجديدة.

وتقوم القراءة الهيرمينوطيقية هنا على تفكيك سطح القول للنفاذ إلى البنية العميقة للمعنى، عبر مقاربة لغوية، جمالية، فلسفية، نفسية، وسيميائية، مع استحضار السياق الثقافي والوجداني للنص.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وخلوٍّ شبه تام من الاضطراب النحوي أو الترهل التركيبي. تعتمد الشاعرة على جمل فعلية إنشائية قائمة على فعل الأمر:

«حدّثني، أيها الفجر»

وهو أمر لا يحمل دلالة سلطوية، بل التماس وجودي، أقرب إلى المناجاة الصوفية.

الانزياح الأسلوبي يظهر في تشخيص الفجر وإلباسه صفات إنسانية/روحانية:

١- يحمل أدعيتنا

٢- يمسح خطايانا

٣- يطرّز الحب على القلوب

وهي انزياحات ترفع اللغة من الإخبار إلى الاستعارة الكلية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ منتقاة بعناية، وتنسجم مع الحقل الدلالي للفجر:

(الانبلاج، الشفق، الندى، الخمائل، الخيوط، التلألؤ).

ويتحقق توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف زخرفي، ولا فقر تعبيري. اللغة هنا ملائمة لموضوعها: شفافة، رقيقة، ذات نفس تعبّدي–وجداني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة نثرية، لكنها مشبعة بـ:

١- التكرار: (حدّثني… حدّثني) بوصفه لازمة إيقاعية ودلالية.

٢- الجرس الصوتي الناتج عن التوازي التركيبي.

٣- الموسيقى الداخلية المتأتية من تناسق الأصوات (الفجر/الشفق/الخيوط/الخمائل).

٤- الإيقاع هنا نفسي–دلالي أكثر منه وزني، يخدم حالة التضرّع والتأمل.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على بنية مناجاة تصاعدية:

١- من مخاطبة الفجر

٢- إلى استحضار الكون

٣- إلى الذاكرة والطفولة

وهو ما يمنح القصيدة معماراً حلزونياً لا خطياً.

المنهج الوصفي يتجلى في رسم مشاهد الطبيعة، بينما يتدخل المنهج التحليلي في تفكيك ثنائية (الأمل/الألم).

2. الرؤية الفنية:

ترى الشاعرة العالم من زاوية الجرح المؤجَّل:

«لتولد المواجع والأفراح… التي تُغتال في منتصف الحلم»

إنها رؤية لا تحتفي بالولادة الجديدة بوصفها خلاصاً مطلقاً، بل خلاصاً هشّاً، مهدداً بالاغتيال.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تُنتج القصيدة دهشتها عبر:

١- تشخيص الزمن.

٢- أسطرة الفجر.

٣- الجمع بين البراءة (الطفولة) .

٤- والخذلان (المواجع).

وهو ما يمنح النص فرادة وجدانية دون الوقوع في التكرار المألوف لصورة الفجر.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

القصيدة مشبعة بأسئلة:

١- التطهّر

٢- الغفران

٣- إمكان البدء من جديد

وهي أسئلة ذات طابع وجودي–أخلاقي، تضع الإنسان بين خطيئة الماضي وأمل الفجر.

2. الأفق المعرفي.

يحيل النص ضمنياً إلى:

١- التراث الصوفي (المناجاة، التطهير)

٢- الرؤية الرومانسية للطبيعة

٣- الحس الحداثي في وعي هشاشة الحلم

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

الفجر ليس فجراً زمنياً، بل:

١- فجر الوعي

٢- فجر الروح

٣- فجر الذاكرة المستعادة

والطفولة هنا ليست زمناً ماضياً، بل فردوسًا مفقوداً، لا يُستعاد إلا شعرياً.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

كُتبت القصيدة في لحظة عالمية مضطربة (2020)، حيث:

١- القلق الإنساني

٢- الخوف الوجودي

٣- الحاجة إلى الخلاص

وهو ما يفسر هذا التعلق الرمزي بالفجر.

2. تطوّر النوع الأدبي:

تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر التأملية، التي تمزج بين الشعرية والوجدانية دون سرد حكائي مباشر.

3. العلاقة بالتراث:

تحضر البلاغة العربية في:

١- النداء

٢- التشخيص

٣- الاستعارة مع انفتاح على حساسية شعرية حديثة.

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- الحنين

٢- القلق

٣- الرغبة في التطهير

وهو ما يكشف ذاتاً مثقلة بالزمن.

2. تحليل الشخصية (ضمنياً)

الفجر هو الأنا الأعلى، أو صورة الخلاص التي تلجأ إليها الذات المبدعة.

3. النبرة النفسية:

النبرة الغالبة:

حنينٌ ممزوج برجاءٍ حذر.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

تلميحات إلى:

١- حقد البشر

٢- قسوة السنين

وهي إشارات إلى عالم اجتماعي مأزوم.

2. الخطاب الاجتماعي

القصيدة تمارس نقداً ناعماً للواقع دون مباشرة أيديولوجية.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي:

تحضر الشاعرة بوصفها صوتاً وجدانياً لا مصلحًا مباشرًا، لكنها تطرح بديلًا: الجمال كخلاص.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز.

١- الفجر: الولادة/الوعي.

٢- الشمس: الحقيقة.

٣- الندى: الطهارة.

٤- الطفولة: البراءة الأولى.

2. الثنائيات.

١- الليل / الفجر.

٢- الحلم / الاغتيال.

٣- الذكرى / الفقد.

3. النظام الرمزي العام:

النص مشيّد على سيمياء الضوء بوصفه نقيض العتمة الوجودية.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة تستند إلى:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

٣- المنهج النفسي–الرمزي

مع قدرٍ عالٍ من الاتساق والصرامة.

- خاتمة:

تشكل قصيدة «حديثُ الفجر» نصًا شعريًا ناضجًا، يجمع بين جمال اللغة، وعمق الرؤية، وكثافة الرمز، ويعبّر عن ذات أنثوية واعية بالجرح والضوء معًا.

إنها قصيدة لا تكتفي بوصف الفجر، بل تسائله، وتحمّله عبء الخلاص الإنساني، في كتابة تُحسن الإصغاء إلى الداخل كما تُحسن مخاطبة الكون.

تخلص هذه الدراسة الهيرمينوطيقية إلى أن قصيدة «حديثُ الفجر» لسليمة المليزي تشكّل نصًّا شعريًّا ذا كثافة دلالية وجمالية عالية، يتجاوز حدود الوصف التأملي للطبيعة ليغدو خطابًا وجوديًّا مفتوحًا على أسئلة المعنى والنجاة والبدء المتجدّد. فقد نجحت الشاعرة في تحويل الفجر من لحظة زمنية إلى رمز كوني مركزي، تتقاطع عنده ثنائيات الليل/الضوء، الخطيئة/الغفران، الذاكرة/الطفولة، والحلم/الخذلان، بما يمنح النص أفقًا تأويليًّا واسعًا وقابلًا لتعدّد القراءات.

وقد أظهرت القراءة النقدية أن البنية اللغوية للقصيدة تقوم على سلامة التعبير، ورهافة التراكيب، والانزياح البلاغي المنتج للدهشة، مع اعتماد إيقاع داخلي قائم على التكرار والتوازي، أسهم في تكثيف النبرة المناجاتية وإبراز الشحنة الوجدانية للنص. كما تبيّن أن الرؤية الفنية للشاعرة تنطلق من وعي هشاشة الأمل الإنساني، حيث لا يأتي الفجر خلاصًا مطلقًا، بل وعدًا مؤجَّلًا، محفوفًا بإمكان الاغتيال والانكسار، وهو ما يضفي على النص بعدًا فلسفيًّا وإنسانيًّا عميقًا.

ومن الناحية النفسية والسوسيولوجية، يعكس النص ذاتًا مبدعة مثقلة بقلق الزمن وقسوة الواقع الاجتماعي، تلجأ إلى الجمال والذاكرة والطفولة بوصفها ملاذًا رمزيًّا، دون السقوط في المباشرة أو الخطابية. أما سيميائيًّا، فقد تكشّف أن القصيدة تنتظم ضمن نظام رمزي محكوم بسيمياء الضوء، حيث تتوالد العلامات الطبيعية لتؤدي وظائف دلالية تتجاوز مرجعها الحسي إلى أفق روحي ومعرفي أرحب.

وعليه، يمكن القول إن «حديثُ الفجر» نصٌّ شعريٌّ ناضج، يرسّخ حضور سليمة المليزي ضمن سياق قصيدة النثر العربية المعاصرة، بوصفها كتابة واعية بأدواتها الجمالية، ومنفتحة على التأويل، وقادرة على مساءلة الوجود بلغة شفيفة، تجمع بين رهافة الإحساس وعمق الرؤية. إنها قصيدة تُنصت إلى الداخل الإنساني بقدر ما تُحاور الكون، وتؤكد أن الشعر ما يزال قادرًا على أن يكون فعل كشف، ومجالًا لإعادة إنارة المعنى في زمن العتمة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...........................

حديثُ الفجرِ

حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ

المنبثقُ مِنْ شَرْنَقَةِ السَّماءِ،

حَدِّثْني كيفَ تتركُ اللَّيلَ يَنْجَلي

وتُعانِقُ أُفُقَ الصَّباح؟!

وتتركُ العُيونَ تَشْرَئِبُّ إلى مَنْظَرِكَ،

وأنتَ تَقْتَحِمُ السَّماءَ

وتُلوِّنُها بأجملِ ألوانِ الشَّفَقِ المُحَمَّرِ،

كَخُدودِ عَذْراءَ باتتِ اللَّيلَ تَتَوَعَّدُ،

وتُطَرِّزُ الحُبَّ على القُلوبِ.

حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ،

وأنتَ تَحْمِلُ أَدْعِيَتَنا إلى السَّماءِ،

كيفَ تَهْفِهْفُ القُلوبُ إليها؟!

وتَمْسَحُ خَطايانا المجنونةَ

الطَّائِشَةَ… البائِسَةَ… المُتْعِبَةَ،

مِنْ جَفاءِ السِّنينِ،

مِنْ حِقْدِ البَشَرِ.

حَدِّثْني، أيُّها الفَجْرُ،

عن انْبِلاجِ الصُّبْحِ

وهو يَسْتَقْبِلُ أُولى خُيوطِ الشَّمْسِ،

ويَنْثُرُها بِرِفْقٍ على الدُّنْيا،

لِيُولَدَ يَومٌ جَديدٌ،

وتَلِدَ معه المَواجِعُ

والأفراحُ…

التي تُغْتالُ في مُنْتَصَفِ الحُلْمِ.

حَدِّثْني عن هَديلِ الحَمامِ،

حَدِّثْني عن فَرْحَةِ الطُّيورِ

وهي تُغَرِّدُ لكَ، تَسْبَحُ للسَّماءِ،

عن النَّدى وهو يُعانِقُ الخَمائِلَ،

عن خُيوطِ الشَّمْسِ وهي تَتَلألأُ في الأنهارِ،

عن بَسْمَةِ الوُرودِ وهي تَتَفَتَّحُ بلُطْفٍ.

حَدِّثْني عن خَفايا الكَوْنِ،

ومَجَرّاتِ الرُّوحِ

في مَدارِ القَلْبِ،

حين يَخْفِقُ لِجَمالِكَ الأخّاذِ.

حَدِّثْني… وحَدِّثْني

عن ثَوْرَةِ الياسَمينِ،

وعن أُرْجوحَتي…

وحُلْمِ الطُّفولةِ.

يا لَيْتَها تَعودُ الذِّكْرى!!

ويَعودُ فَرَحُ الصِّبا!!

يُعْتَبَرُ المَدِيحُ في الأدبِ شُعاعًا مُضيئًا يَكشِف طُموحاتِ الشُّعَراءِ وَقِيَمَ المُجتمعِ الذي يَعيشون فيه، فَهُوَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تَصْطَفُّ على السُّطورِ لِتَجميلِ اسْمِ شَخْصٍ، أوْ رَفْعِ مَقَامِه، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تَعكِس فلسفةَ الحياةِ، وَمَوازينَ الجَمالِ والأخلاقِ التي يُقَدِّرُهَا الشاعر. والمَدِيحُ قَدْ أَخَذَ أشكالًا مُتباينة بَيْنَ الثقافاتِ والأزمنةِ، وكانَ لِكُلِّ شاعرٍ رُؤيته الخاصَّة التي تَعكِس شخصيته وبيئته الثقافية والفِكرية.

في الشِّعْرِ العَرَبيِّ الكلاسيكي، كانَ البُحْتُرِيُّ (206 هـ - 284 هـ / 821 م - 897 م) مِنْ أبرزِ شُعراءِ المَديح. اتَّسَمَتْ أشعارُه بِدِقَّةِ اللغةِ، وعُمْقِ المَشاعرِ، وبَلاغةِ التَّصويرِ. بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، لَمْ يَكُن المَديحُ مُجرَّد كَلِمَاتٍ تُزيِّن الحاكمَ أو الأميرَ، بَلْ كانَ فَنًّا راقيًا يُبْرِزُ القِيَمَ الاجتماعيةَ والأخلاقية للمَمْدُوح. في مَدائحِه، نَجِدُ صُورةَ الشاعرِ كَمُرَاقِبٍ للفضائل، يَنْقُلُها بِلُغَةٍ شِعْرية تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّقَّةِ والفَخْرِ والاعتزاز، وَيُبْرِزُ مِنْ خِلالِها البُطولةَ والشجاعةَ والكَرَم.

البُحْتُرِيُّ يَرى في المَديحِ وَسيلةً لإعلاءِ شأنِ القِيَمِ الإنسانيةِ النبيلة، فَهُوَ يَعكِس الدَّوْرَ الاجتماعيَّ للشاعرِ كَوَسيطٍ بَيْنَ الحُكَّامِ والمُجتمعِ. فالشاعرُ - مِنْ خِلالِ المَديحِ - يُصْبحُ شاهدًا على التاريخِ، وَمُوَثِّقًا للأفعالِ العظيمة، وَصَوْتًا يُخلِّد أسماءَ المَمْدُوحين في ذاكرةِ الأجيال.

واللغةُ عِنْدَ البُحْتُرِيِّ لَيْسَتْ أداةً فَحَسْب، بَلْ هِيَ أيضًا آلَةٌ دَقيقة لإيصالِ الإحساسِ بالرَّهْبْةِ والجَلالِ، واستحضارِ الصُّوَرِ التي تُبهِر القارئَ أو المُستمِعَ، فَتَجْعَل مِنَ المَديحِ تَجْرِبَةً فَنِّيةً مُتكاملة، تُلبِس المَعْنى ثَوْبًا مِنَ الإيقاعِ والخَيَالِ، فَتَغْدو القَصيدةُ فِعْلًا إبداعيًّا يُخَاطِبُ الحِسَّ والعَقْلَ.

في الشِّعْرِ الإنجليزيِّ، نَجِدُ تَجْرِبَةً مُختلفةً معَ المَديحِ عِندَ جون ميلتون (1608 م - 1674 م)، شاعر الثَّورةِ الفِكرية والدينية في القَرْنِ السابعِ عَشَر. بالنِّسْبَةِ إلَيْه، المَديحُ لَيْسَ وَسيلةً لِتَمجيدِ الحاكمِ بشكلٍ مُباشِر، بَلْ هُوَ فِعْلٌ تأمُّلِيٌّ يَعكِس القِيَمَ العُلْيا والعَدالةَ والحُرِّيةَ الرُّوحية. وَهُوَ يَرى أنَّ المَديحَ يُمكِن أنْ يَكُون أداةً أخلاقية وفلسفية، يَتجاوزُ حُدودَ السُّلْطةِ السِّياسية، لِيُصْبحَ رِسالةً للتَّأمُّلِ والوَعْيِ، وَهُوَ يَمْدَحُ القِيَمَ الكَوْنِيَّةَ والجَمالَ الأخلاقيَّ، وَيَحُثُّ القارئَ على التَّفَكُّرِ في العَلاقةِ بَيْنَ الإنسانِ والخالقِ، بَيْنَ الحَقِّ والباطلِ، بَيْنَ الطُّموحِ والسُّقوطِ. وهُنا، يُصْبحُ المَديحُ أداةً تَحْريرية أكثرَ مِنْ كَوْنِهِ وَسيلةً لِتَلميعِ الشخصيات، وَهُوَ يَعكِس تَحَرُّرَ الشِّعْرِ مِنْ قُيودِ المُجامَلةِ السِّياسيةِ لِيُصْبحَ صَوْتًا أخلاقيًّا وفِكريًّا.

رَغْمَ أنَّ البُحْتُرِيَّ وميلتون عاشا في بيئاتٍ ثقافية مُختلفة تَمامًا، إلا أنَّ المَدِيحَ عِنْدَ كُلٍّ مِنهُما يَعكِس رُؤيةَ الشاعرِ للعَالَمِ والإنسانِ. البُحْتُرِيُّ يُمجِّد الفَرْدَ كَرَمْزٍ للقِيَمِ المُجتمعية، ويَسْتثمر في جَمالِ اللغةِ وَصُوَرِها لِتَخليدِ أفعالِ المَمدوحِ، بَيْنَما ميلتون يَمْدَحُ القِيَمَ نَفْسَها، ولَيْسَ بالضَّرورةِ الأشخاص، وَيَسْتخدم المَديحَ كَوَسيلةٍ تأمُّلِيَّة تَتجاوزُ الفَرْدِيَّةَ لِتَصِلَ إلى المُثُلِ العُلْيا والعَدالةِ الإلهيَّة.

يُعبِّر البُحْتُرِيُّ عَن المَديحِ في بُعْدِه الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، في حِينَ أنَّ ميلتون يُعبِّر عَن المَديحِ في بُعْدِه الأخلاقيِّ والفلسفيِّ. وهذا يَعكِس الفَرْقَ بَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على المُجامَلةِ، وَبَيْنَ ثقافةٍ شِعرية قائمة على الحُرِّيةِ الفِكرية. إلا أنَّ القاسمَ المُشترَك بَينهما هُوَ قُدرة الشِّعْرِ على رَفْعِ الإنسانِ إلى مَا هُوَ أسْمَى، سَواءٌ مِنْ خِلالِ صُوَرِ البُطولةِ والشجاعةِ عِندَ البُحْتُرِيِّ، أوْ مِنْ خِلالِ التأمُّلِ في الفَضيلةِ والعَدالةِ عِندَ ميلتون.

إنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مُجرَّد كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ ثقافية وفلسفية، تَعكِس القِيَمَ التي يُقَدِّرُها الشاعرُ والمُجتمعُ معًا. وَبَيْنما يُركِّز البُحْتُرِيُّ على الأبعادِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ للشخصياتِ المَمْدوحة، يُسلِّط ميلتون الضَّوْءَ على البُعْدِ الأخلاقيِّ والفلسفيِّ للمَديحِ. وهكذا نَجِدُ أنَّ المَديحَ قَدْ يَتحوَّل مِنْ وَسيلةٍ سِياسية إلى رسالةٍ إنسانية، وَمِن احتفاءٍ بالمَظْهَرِ الخارجيِّ إلى تَمجيدٍ للجَوْهَرِ الداخليِّ، لِيَظَلَّ الشِّعْرُ دائمًا أداةً لإلهامِ الإنسانِ، وإثراءِ رُوحِه.

والبُحْتُرِيُّ في إطارِ الأدبِ العَرَبيِّ، يُجسِّد المَديحَ كوسيلةٍ للتَّكريمِ الاجتماعيِّ والشخصيِّ. وميلتون في إطارِ الأدبِ الإنجليزيِّ، يَستعمل المَديحَ كأداةٍ للتفكيرِ في المسائلِ الكَوْنِيَّةِ والوُجوديةِ. وَيَتلاقى الشاعران في جَمالِ التَّعْبيرِ وقُوَّةِ الصُّورةِ، وَيَظَلُّ الفارقُ بَيْنَهما في المَعْنى الذي يُضْفِيانه على هَذه الأداةِ الشِّعْرية. والمَدِيحُ لَيْسَ كَلِمَات مَدْحٍ عابرة، بَلْ هُوَ تعبيرٌ حَيٌّ عَنْ رُؤَى وَمُعْتَقَدَاتِ الشُّعوبِ، وَلِكُلِّ شاعرٍ مَعاييرُه الخاصَّة في رَسْمِ هذا المَعْنى.

عِندَ البُحْتُرِيِّ، المَديحُ فَنُّ السَّيطرةِ على اللحْظَةِ، والمَمدوحُ يَتقدَّم في القصيدةِ مَهِيبًا مُكْتَمِلًا بِلا عُيوبٍ، والمَديحُ هُنا إيمانٌ بالجَمالِ حِينَ يَخْدُمُ القُوَّةَ، واحتفالٌ باللغةِ حِينَ تَنْجَحُ في إخفاءِ هَشَاشَةِ الواقعِ. أمَّا ميلتون، فَيَكتبُ المَديحَ وَهُوَ يَنظُر إلى الإنسانِ العاديِّ، لا يُمجِّد الكَمَالَ، بَلْ يُحَاكِمُ النَّقْصَ. مَديحُه لَيْسَ تَمْجيدًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اعتراف، وَصَرْخَةُ رُوحٍ تَطْلُبُ الغُفْرَانَ، وتَبْحَثُ عَنْ مَعْنى الخَلاصِ. في مَديحِ البُحْتُرِيِّ طُمَأنينةُ السُّلطةِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُقْنِعُ. وفي مَديحِ ميلتون قَلَقُ المَصيرِ، وَيَجْعَلُ اللغةَ تُعذِّب. وبَيْنَهما يَتجلَّى المَديحُ بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا: هَلْ نَمْدَحُ العَالَمَ كَيْ نُزَيِّنَه أَمْ نُنْقِذَه؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

للشاعرة المغربية حفيظة الفائز

تنهض القصيدة الحديثة بوصفها فضاءً تأويليّاً مفتوحاً، تتقاطع فيه اللغة مع الذاكرة، والذات مع المكان، والرمز مع التاريخ، بحيث لا تعود الكلمات مجرد حوامل للمعنى، بل تصبح كينونات دلالية كثيفة تستدعي القراءة والتفكيك. ومن هذا المنظور، تأتي قصيدة «حكاية مدينة» للشاعرة المغربية حفيظة الفائز بوصفها نصّاً شعريّاً مشحوناً بالأسئلة الوجودية والرمزية، تتداخل فيه صورة المدينة مع مصائر ساكنيها، وتتحول فيه الأمكنة إلى شواهد نفسية وثقافية على التحوّل والاغتراب والانكسار والأمل.

وتسعى هذه الدراسة النقدية الهيرمينوطيقية إلى مقاربة النص من الداخل، عبر تحليل أسسه اللغوية والبلاغية وبنيته الأسلوبية، والكشف عن آليات تشكّل المعنى فيه، انطلاقًا من سلامة اللغة ودقة التراكيب، مروراً بالانزياحات التعبيرية وجماليات الصياغة، وصولاً إلى فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير والتوازن الدقيق بين الدال والمدلول. كما تهدف الدراسة إلى استجلاء أفق التأويل الذي يفتحه النص أمام القارئ، بوصفه شريكاً في إنتاج المعنى، لا متلقياً سلبيّاً، وذلك في ضوء المنهج الهيرمينوطيقي الذي يرى في النص كياناً حيّاً قابلًا لتعدد القراءات وتراكم الدلالات.

تنهض قصيدة «حكاية مدينة» على تخوم المأساة الإنسانية، حيث تتحوّل المدينة من فضاء عمراني إلى كيان وجودي جريح، يُروى لا بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره نتيجة جدلية معقّدة بين القَدَر (الطبيعة، المطر، الغيث) والقَدْر (الإهمال، الغفلة، انسحاب الأيدي). النص لا يكتفي بالرثاء، بل يفتح أفقاً هيرمينوطيقياً يتجاوز الواقعة إلى تأويل المعنى العميق للمدينة بوصفها جسداً أخلاقياً وإنسانياُ.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وبناء تركيبي متماسك يقوم على الجمل الاسمية بوصفها حوامل للثبات والمصير، مقابل الجمل الفعلية التي تحضر عند اشتداد الفعل التدميري (يتجشأ، يبتلع، تصير).

الانزياح البلاغي يتجلّى في:

إسناد الفعل الحيواني للماء: يتجشأ الماء حرقة.

تشخيص الدروب: تصير الدروب جرافات.

وهو انزياح دلالي يرفع الحدث من مستوى الوصف إلى مستوى الرمز.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الألفاظ مختارة بعناية، متناسبة مع ثقل الموضوع (الموت، الغرق، الشهادة، الفقد). لا حشو لغوياً، بل اقتصاد لغوي مكثّف يوازن بين اللفظ والمعنى. اللغة هنا ليست تزيينية، بل أداة كشف.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص ينتمي إلى قصيدة النثر الإيقاعية:

يعتمد على التكرار الدلالي: (قدر/قدر – الماء/المطر/الغيث)

الموسيقى الداخلية تتولّد من التوازي التركيبي والتدوير.

الجرس الصوتي يميل إلى الحروف المجهورة (الدال، الراء، القاف) بما ينسجم مع جو المأساة والاحتجاج.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة تقوم على سرد شعري مأساوي بلا شخصيات فردية، حيث تصبح المدينة هي الشخصية المركزية. الزمن غير خطي؛ بل زمن دائري تراجيدي يعيد إنتاج الجرح.

المنهج الوصفي يحضر في تصوير الخراب، بينما المنهج التحليلي يتكثف في تفكيك المسؤولية الأخلاقية.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعرة للعالم رؤية وجودية–أخلاقية:

المدينة بريئة، الضحية ليست الطبيعة بل الإنسان الغافل.

يتحقق انسجام عالٍ بين الشكل والمضمون؛ فالتشظي البنيوي يعكس تشظي الواقع.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الدهشة لا تُنتج عبر الغموض، بل عبر قلب المألوف:

المطر ليس خلاصاً

الغيث يتحوّل إلى طاحونة حداد

وهذا تجاوز جمالي لثنائية الخير/الشر التقليدية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

القصيدة تطرح أسئلة وجودية حادة:

من المسؤول عن الكارثة؟

هل الطبيعة فاعل أم الإنسان؟

ما معنى الشهادة حين تموت المدينة جوعًا؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

الفكر الوجودي (البراءة، العبث، المصير)

النقد الأخلاقي للحداثة الهشّة

المرجعية القرآنية الضمنية (الماء، الشهادة، السماء).

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

- على المستوى التأويلي:

١- الماء: رمز مزدوج للحياة والموت

٢- المدينة: جسد الأمة

٣- الغيث: الوعد المخذول

٤- المعنى العميق للنص هو إدانة الإنسان حين يفشل في حماية الحياة.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة تنتمي إلى لحظة عربية معاصرة، موسومة بالكوارث الطبيعية المترافقة مع فشل إداري وأخلاقي.

2. تطوّر النوع الأدبي:

النص يندرج ضمن قصيدة المأساة المدينية في الشعر العربي الحديث، متجاوراً مع شعر المقاومة والرثاء الحضاري.

3. الارتباط بالتراث

يحضر التراث:

في صورة الشهادة

في ثنائية السماء/الأرض

في بلاغة الرثاء العربي الكلاسيكي ولكن برؤية حديثة

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

الحزن العميق

الغضب المكبوت

الإحساس بالفقد الجماعي

2. تحليل الشخصية

الشخصية الوحيدة هي المدينة–الأم، التي تفقد أبناءها بلا إرادة.

3. النبرة النفسية:

نبرة النص مركبة:

١- رثاء

٢- احتجاج

٣- حزن نبيل غير صاخب

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

القصيدة مرآة لواقع:

١- الفقر

٢- الهشاشة

٣- تهميش الإنسان البسيط

2. الخطاب الاجتماعي

إدانة واضحة:

للسلطة الغائبة

للأخلاق المنسحبة

للأعراف التي تبرر الكارثة

3. الشاعرة بوصفها فاعلًا اجتماعياً

الشاعرة تمارس دور الضمير الجمعي، لا الشاهد المحايد.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات

١- الماء: الحياة/الفناء

٢- الكفن: القداسة والبراءة

٣- الغربان: الخراب والانتهازية

2. شبكات الدلالة

تقابلات مركزية:

١- الحياة / الموت

٢- العلو (السماء) / السفل (الطين)

٣- البراءة / الخيانة

3. النظام الرمزي العام

القصيدة نظام رمزي مغلق ومتماسك، تتحول فيه الأشياء إلى شواهد أخلاقية.

ثامنًا: الأسس المنهجية

تلتزم الدراسة بمنهج:

هيرمينوطيقي تأويلي

مدعوم بالمنهج الأسلوبي والنفسي والسيميائي

مع وضوح في الرؤية وتحاشٍ للإسقاط الخارجي.

- خاتمة:

تمثّل قصيدة «حكاية مدينة» نصًا شعريًا ناضجًا، قادرًا على تحويل المأساة من حدث إلى سؤال وجودي وأخلاقي مفتوح. إنها قصيدة لا تكتفي بالبكاء على الخراب، بل تُدين أسبابه، وتمنح الضحايا كرامتهم الرمزية، وتضع القارئ أمام مسؤوليته الإنسانية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

حكاية مدينة

حفيظة الفائز

بينَ ماءِ الحياةِ

ومياهِ الموتِ

حكايةُ مدينة،

حكايةُ قَدْرٍ وقدَرٍ؛

قَدْرٌ من تركٍ،

وانسحابُ أيادٍ

اختارت أن تكونَ مشلولة،

وقدَرٌ من أوجاعٍ مكتومة.

يتجشَّأ الماءُ حرقةً

برائحةِ الموت،

ويبتلعُ سلالتَه

كقِطَّةٍ تأكلُ صغارَها.

تصيرُ الدروبُ جرافاتٍ

للأجسادِ الطرية،

والأرواحِ العالقة

بينَ دعواتِ الأرض

وخواطرِ السماء.

ضاعت ملامحٌ،

كسرابٍ كانت هناك،

وبكت القلوبُ على مدينةِ الطين،

أُلبِسَت بياضَ الغيمِ كفنًا

لشهداءِ لقمةِ العيش.

لم يكنِ المطرُ وحشًا جائعًا،

والمدينةُ التي تهشَّمَ هيكلُها

لم تخترِ العِلَلَ التي سكنت أوصالَها،

ولا أن تكونَ حمامةً

تلقي فراخَها قرابينَ للنهر

كي لا تتعبَ الغربان.

ولكنه قَدْرٌ وقدَرٌ؛

قَدْرٌ من غفلةٍ بائسة،

وقدَرُ من عانقوا الغيثَ

حبيبًا مُنقذًا،

فإذا به طاحونةٌ

تديرُ لهفةَ الشوق

لِحدادٍ.

لكِ اللهُ يا حاضرةَ المحيط،

ولكِ عطرُ مسكٍ

من عرقِ المساكين،

ودعواتُ شهداء

رفعوا أصفياءَ

إلى حضنِ السماء.

***

حفيظة الفائز

16 | 12 | 2025

تأتي قصيدة «اعترف» للشاعرة مروة طالب بوصفها نصّاً اعترافياً كثيفاً، تتقاطع فيه التجربة الوجدانية مع الوعي الجمالي، وتنهض على توتّرٍ داخليٍّ حادّ بين الحبّ والخيانة، الذاكرة والنسيان، التعلّق والفقد. ليست القصيدة مجرّد بوحٍ عاطفيّ أو شكوى ذاتية، بل هي بناء شعريّ دراميّ يُحاكم الفعل الإنساني في أبعاده الأخلاقية والنفسية، ويحوّل التجربة الشخصية إلى سؤالٍ وجوديّ مفتوح على التأويل.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية شاملة، تسعى إلى تفكيك النص في مستوياته اللغوية والبلاغية، ورصد جمالياته الفنية وبنيته الإيقاعية، والكشف عن أبعاده الفكرية والفلسفية، إلى جانب قراءة خلفياته النفسية والاجتماعية والثقافية. كما تعتمد الدراسة على تضافر مناهج متعدّدة؛ أسلوبية وتحليلية وتأويلية وسيميائية، بما يتيح الإحاطة بالنص من داخله، لا بوصفه بنية لغوية فحسب، بل كخطابٍ شعريّ يعكس رؤية الشاعرة للعالم والذات والعلاقة بالآخر.

وتهدف هذه القراءة إلى إبراز خصوصية «اعترف» داخل مسار قصيدة النثر العربية المعاصرة، والكشف عن قدرتها على إنتاج الدهشة وتجاوز المألوف، من خلال لغة مشحونة بالانزياح، ومعمار شعري يقوم على التوتر الدرامي والتكثيف الرمزي، بما يجعل النصّ شاهداً على نضج التجربة الإبداعية للشاعرة، وعلى تحوّل الاعتراف من فعل شخصي إلى فعل جمالي ومعرفي.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

تقوم القصيدة على لغة عربية فصيحة سليمة بعد التنقيح، تعتمد التراكيب البسيطة المتراكبة لا الجمل المعقّدة، وهو خيار أسلوبي يخدم التدفق النفسي والاعترافي. الجمل قصيرة نسبياً، متتابعة، وكأنها أنفاس متلاحقة، ما يعكس حالة القلق والانكسار.

الانزياح اللغوي حاضر بقوة، لكنه انزياح دلالي لا نحوي، مثل:

١- «مدافن الحبّ»

٢- «يدخّن عود الثقاب»

٣- «رصاصتك الحارقة وسط دمي»

هذه التراكيب تنقل الألفاظ من حقلها الواقعي إلى حقل رمزي، دون كسر في النظام النحوي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ فصيحة، واضحة، غير متكلّفة، تميل إلى المفردة اليومية المشحونة شعورياً (القهوة، المفاتيح، الفنجان، العطر)، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً بين:

اللغة الشعرية العالية

والتجربة الإنسانية المعيشة

اللفظ هنا في خدمة المعنى لا العكس، فلا استعراض لغوي ولا تزويق مجاني، بل توظيف دلالي دقيق.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر الإيقاعية، حيث يغيب الوزن الخليلي، لكن يحضر:

١- التكرار: (كم مرّة، أعرف، أنا؟، من تلك التي…)

٢- الجرس الصوتي عبر التوازي التركيبي

٣- الموسيقى الداخلية الناتجة عن التماثل الصوتي والتوازي النحوي

٤- القافية غير منتظمة، لكنها تُستبدل بما يمكن تسميته قافية شعورية، حيث تتكرر نبرة الانكسار والاتهام.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص.

النص يقوم على معمار درامي سردي:

شخصيات: (الأنا – الآخر/الرجل – المرأة الغائبة).

زمن نفسي لا خطي، تتداخل فيه الذاكرة بالحاضر.

سرد داخلي (مونولوج اعترافي)

المنهج الوصفي يتجلّى في التفاصيل الحسية، بينما يحضر المنهج التحليلي في تفكيك فعل الخيانة نفسياً وأخلاقياً.

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعرة مروة طالب للعالم تقوم على:

اعتبار الحب مسؤولية وجودية

والخيانة نكوصاً إلى ذاكرة غير محلولة.

الشكل (اللغة، التكرار، التفكك) منسجم تمامًا مع المضمون (الانكسار، الغيرة، الشك).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

تنجح القصيدة في إنتاج الدهشة عبر:

١- تحويل الخيانة من فعل أخلاقي إلى حدث أنطولوجي

٢- قلب ثنائية الجاني/الضحية

٣- نهاية صادمة رمزيًا: «سأطلقها عليك» (الرصاصة)

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري

القصيدة تطرح أسئلة:

١- هل الحب اختيار أم قدر؟

٢- هل الخيانة فعل أم عودة؟

٣- أين تبدأ الهوية العاطفية وأين تنتهي؟

وهي أسئلة ذات طابع وجودي وأخلاقي.

2. الأفق المعرفي:

النص يتحاور ضمنيًا مع:

١- خطاب الاعتراف (أوغسطين – فرويد)

٢- أدب المرأة الاعترافي الحديث

٣- الشعر العربي الحديث (غادة السمان، سعاد الصباح)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

الخيانة هنا ليست امرأة أخرى، بل:

١- ذاكرة لم تُغلق

٢- أنوثة غائبة تسكن الرجل

وربما ذات الشاعرة نفسها

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص ينتمي إلى لحظة ثقافية عربية معاصرة:

١- تعقّد العلاقات

٢- تفكك القيم العاطفية

٣- صراع المرأة بين التضحية والكرامة

2. تطوّر النوع الأدبي:

القصيدة تندرج ضمن تطور قصيدة النثر النسوية الاعترافية، متجاوزة الغنائية البسيطة إلى البنية الدرامية.

3. العلاقة بالتراث

يحضر التراث بلاغيًا:

١- الاستفهام الإنكاري

٢- النداء

٣- التكرار الخطابي

لكن دون استدعاء أسطوري مباشر.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- القلق

٢- الغيرة

٣- الخوف من الفقد

٤- التماهي مع الألم

2. تحليل الشخصية:

الشخصية المركزية تعاني:

١- قلق الهجر

٢- التعلّق المرضي

٣- ازدواجية الذات («أتخونني معي»)

3. النبرة النفسية

تتراوح النبرة بين:

١- الاحتجاج

٢- التوسّل

٣- الانكسار

٤- التهديد الرمزي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

النص يفضح:

١- هشاشة العلاقات

٢- تسامح المرأة القسري مع الخيانة

٣- بنية السلطة العاطفية الذكورية

2. الخطاب الاجتماعي:

النص نقد ضمني للأعراف التي تشرعن الخيانة وتدين الغيرة الأنثوية.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

الشاعرة هنا صوت احتجاج ناعم، لا صراخي، لكنه نافذ.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الرصاصة: القرار/القطيعة

٢- المفتاح: الخيانة/التشتت

٣- الفنجان: الذات المستنزفة

٤- العطر: الذاكرة الأنثوية

2. الثنائيات

١- حضور / غياب

٢- حب / خيانة

٣- ذاكرة / نسيان

٤- حياة / موت

3. النظام الرمزي:

الأشياء اليومية تتحول إلى علامات وجودية.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة تعتمد:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج النفسي

٣- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

مع إشارات مقارنة ضمنية

٤- المنهج واضح، متكامل، غير متناقض.

خلاصة:

قصيدة «اعترف» نص ناضج لغوياً وجمالياً وفكرياً، يزاوج بين الاعتراف والاحتجاج، وبين الشعر والتحليل النفسي، ويُثبت قدرة مروة طالب على إنتاج قصيدة نثر ذات عمق إنساني وصدق وجداني ومعمار فني محكم.

في ختام هذه الدراسة، يتبيّن أن قصيدة «اعترف» لمروة طالب تشكّل نموذجاً متقدّماً لقصيدة النثر الاعترافية في الشعر العربي المعاصر، حيث تنجح الشاعرة في تحويل التجربة الذاتية إلى خطاب شعري مركّب، يتجاوز البوح المباشر ليغدو مساءلةً وجودية وأخلاقية للعلاقة بين الحبّ والخيانة، والذات والآخر، والذاكرة والفقد. لقد كشفت القراءة التحليلية عن نصّ محكم البنية، تتساند فيه سلامة اللغة مع الانزياح البلاغي، ويتآلف الإيقاع الداخلي مع المعمار الدرامي، في انسجام واضح بين الشكل والمضمون.

كما أظهرت الدراسة أن القصيدة تستمد قوتها من تعدّد مستوياتها الدلالية، وثراء نظامها الرمزي، وعمقها النفسي والاجتماعي، بما يتيح إمكانات واسعة للتأويل الهيرمينوطيقي، ويجعل النص مفتوحاً على قراءات مختلفة دون أن يفقد وحدته الداخلية. وإذ تنخرط الشاعرة في نقد البنى العاطفية والاجتماعية السائدة، فإنها تؤكد حضورها بوصفها فاعلاً إبداعياً واعياً، يشتغل على اللغة بوصفها أداة كشف لا تزيين، وعلى الشعر بوصفه فعل مقاومة للزيف والتطبيع مع الألم.

وعليه، يمكن القول إن «اعترف» ليست قصيدة عن الخيانة فحسب، بل هي نصّ عن هشاشة الإنسان، وعن مأزق التعلّق، وعن الوعي الذي يبلغ ذروته لحظة الفقد. إنها قصيدة تُعلن أن الشعر، حين يُكتب بصدق وجمالية وعمق، قادر على أن يكون مرآةً للوجع الإنساني، ومساحةً لإعادة مساءلة الذات والعالم معاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

اعترف

مروة طالب

لم تكن خيانتك هذه فعلَ رجلٍ كالعادة،

لم تكن نزوةً عابرة،

ولم تكن فريسةَ شِباكِ امرأةٍ لعوبٍ.

إنّ من أحبّ عاد إلى حبيبةٍ في ماضيه.

يا سادة،

عادت شفاهه إلى مدافن الحبّ،

تستنهض قبلةً غابرة.

عاد يحنّ لحيّها وقهوةِ أمّها،

عاد مراهقًا يمشّط الدروب.

أخبرني من رآه

أنّه يمسّد جذوعَ الأشجار في الغابة،

وأنّه يعانق طيفَ امرأةٍ

تتراقص بين يديه حاسرة،

وأنّه يضع يدًا على قلبه

ويدًا على حُفَرِ الجذوع،

يتلمّس عمقَ الندوب.

لطالما قرأتُ دفاتره

الملطّخة بالنساء وطويتها.

لطالما عاد إليّ منتصفَ الجريمة ثملًا،

يدخّن عودَ الثقاب.

كم مرّةٍ هجّر الدمعَ من عينه ندمًا،

فقبّلتُ العينَ وإلى عيني آويتها.

كم مرّةٍ غضضتُ الطرف

عن علّاقة المفاتيح،

يَحارُ هذا المفتاحُ لأيِّ بابٍ.

أعرف المرأة

من حمرةِ وجهها إن نظرتَ إليها،

من ارتعاشةِ الأصابع

إن مددتَ إلى يديّ تلك، يديكَ،

من سُكرةِ الأهداب

إن علِقت غمزاتُك عليها.

أعرف من حرارةِ الأرض

إن سرتَ إلى مخدعِ تِيكَ برجليك.

كلّ ما مرّ قشورُ علاقاتٍ يابسة،

كلّها آثامٌ من هوامش الحبّ محوتُها.

لكثرةِ ما تتبّعتُ آثارَك

نَمَتْ لي حاسّةٌ بعد الألفِ سادسة.

وكم تناسيتُ عمدًا

صورًا تؤجّج غيرتي بعينيّ رأيتُها.

كم خفتُ ألّا أراك،

فاكتفيتُ بالوصلِ القليل.

كم طمأنتُ جوارحي إليك،

وكلّ ما فيك لا يُطمئن.

قد وصلتُ بحبّك إلى آخر المستحيل،

ولم تتعدَّ بلهفتك أوّل الممكن.

رصاصتُك الحارقة وسط دمي،

خذها.

هذا فراقٌ على فمي،

سأنطقُه.

من تلك التي لا تشبه النساء فضيّعتك؟

من تلك التي لا آثارَ لها فأقتفيها؟

من تلك التي أخذتك إلى حوافّ الوهم

ثم أرجعتك؟

من تلك التي تفجّر في أوصالك الذكريات،

تُبديها ثم تُخفيها؟

أين موطنها؟

أين منزلها؟

قل لي اسمًا من أسمائها.

حِلْتُ عليها،

الشوقُ يلعنها،

يحرقها قلقًا كالذي فيّ،

يرفعها ثم يُنزلها.

أكاد أقتل نفسي،

حالتي هذه ماذا تسمّيها؟

اعترف،

ربّما كغيرها أنساها،

ماذا تقترف؟

أشمّ في أنفاسك هواها.

أنا؟!

أنا، أتقول أنا؟!

ارفع صوتك، لا أسمع هذا الهمس.

أنا؟

أنا التي ما عادت هنا؟

تبحث عنّي في ذكريات الأمس؟

أكنتَ في بيتِ أمّي تشرب قهوتها؟

لكثرةِ ما شممتُ عليك عطورًا عجيبة

نسيتُ رائحتها.

أنا ما عرفتُ نفسي،

صرتُ عن نفسي غريبة.

أتعانق طيفي وأنا تقتلني اللهفة،

أتخونني معي.

أُفرغ الفنجانَ منّي

فأحتسيني آخرَ رشفة،

وأعلنتُ موتي على مسمعي.

عطشُ الجوريّ يُخشّن زهرَه،

فلا تلُمْ بعد قطعِ الماء جرحي.

ما عاد قلبي قادرًا،

قطعتَ ظهرَه.

محوتَ معالمي، فتّتّني،

ساويتَ قمّتي بسفحي.

رصاصتُك التي قلتَ: خذها،

أما زالت لديك؟

أعِدْها.

سأطلقها عليك.

***

من ديوان: «زلّة ذاكرة»

مروة طالب

 

(خمسة أصوات)

كتب الشاعر فوزي كريم قصيدته الطويلة عن حسين مردان عام ١٩٧٢، وجعل الروائي غائب طعمة فرمان قبل ذلك حسين مردان واحدا من أبطاله الخمسة في (خمسة أصوات) التي صدرت عام ١٩٦٧. وفي الرواية والقصيدة كلتيهما هناك تصوّر أو صورة لحسين مردان يمكن أن تطلعنا على جانب من شخصية الرجل إنسانا وشاعرا جعل من الصعلكة منهجا وسلوكا خارجاً عن المألوف، ومن شأنه أن يكون محلّا للنظر والتحليل النقدي النثري والشعري. فهو، في غربته وغرابة أطواره، يبدو كما لو كان شخصية روائية خرجت من الورق لتبحث لها عن مكان على أرض الواقع العراقي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تسجّل حضورها فيه، وتكون شاهدا عليه بطريقتها الخاصة. وبما أننا لا نستطيع أن نستعرض كلَّ ما ورد عنه في الرواية والقصيدة، فسنكتفي هنا ببعض الشواهد الدالة عنه في النصين.

يقول فوزي في بعض مقاطع هذه القصيدة:

"يا سيدَ الفقراءِ،

ويا سيدّ الحزنِ أنتَ،

اتكئ،

لم تحاربْ،

وكانَ غبارُ الطواحينِ في شفتيكَ،

ولم تختبرْ عاقراً تستميلُك عند الظهيرةِ.

قلتُ: اتكئْ.

إنه زمنٌ همُّه أن يُقلدك الشارةَ المستحيلة

ودماً ساخطاً،

عاثراً،

بين ظلِّ الإله عليكَ وظلِّ الرذيلة…

**

ـ هلْ تريدُ اسْمَه؟

اسمُه في الهوّيةِ… حسين مردان

واسمُه في الأزقَةِ حسين مردان

واسمُه في المقاهي… الإله…

واسمُه حينَ يعتزلُ الناسَ

… آه"

وهذه صورة حسين مردان في إحدى غزواته التقليدية داخل رواية كما يرصدها السارد في (خمسة أصوات):

"تلفّتَ قبل أن يعبر الشارع، ثم عبره بخطى عريضة. استراح بعدها مختفيا وراء عمود. سارق النظر، متظاهرا بالتفرج على مخزن الأقمشة قبل أن يخطو الخطوتين الأخيرتين، وينحدر إلى الزقاق. كان يخاف  عينَ سعيد. في تلك المرة دارى الموقف بحسن تبصّر، ولو رآه هذه المرة لثبتت الإدانة، وصلب على خشبة التشهير . قال لنفسه ليس العيب أن ترتكب المعاصي والموبقات، بل العيب كيف أن لا تستطيع أن ترتكبها في الخفاء، والناس تخدعهم ظواهر الأشياء يرون فتاة تسكن في بيت داعر فيسمونها داعرة. لا يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا لون قلبها، ولا ما تدفعه للشيطان ثمنا لإنسانيتها المعذبة، ولا ما تكابد من عذاب لتعتصر قطرات دفء تقدمها للمحتاجين إليها بشكل بائس.

رأي بعضَ الناس خارجين من المواقد يزعقون فأدار لهم ظهره، وتركهم يذهبون. إلا أنهم لصقوا وراء ظهره ثواني يسمع فيها فواق خطواتهم المتكثفة، وفحيح حنجراتهم غير النظيفة. وعندما شيع بسمعه جنازة أصواتهم سار في عجالة، وطرق الباب. أصبحت صبرية الآن تعرف مواعيده، وطرقات يده، وتتفرغ له. رآها بسترتها القصيرة تنظر إليه خلف الباب.

دخل وقال لها:

- أغلقي الباب"

وكما نرى، هناك بين الرواية والقصيدة بون تفرضه عادةً الرؤيةُ الشعرية ذاتُ الطبيعة المجازية والجمالية الخاصة من ناحية، والكتابة السردية التي تبدو أكثرَ واقعية وتفصيلا في عرضها لمقاطع من حياة وأصوات (شريف) الذي كان هو الاسم الذي خصّ به فرمان الشخصية الموجودة في رواية (خمسة أصوات) بهذه المواصفات، من ناحية أخرى.

وهناك من يرى أن شخصية عبد الرحمن، فيلسوف الصدرية، في رواية علي بدر (بابا سارتر) التي صدرت طبعتها الأولى عام ٢٠٠١، ذات علاقة بشخصية حسين مردان، وفلسفته الوجودية المليئة بعناصر التهكم الناتج عن تقليده الساخر لشخصية جون بول سارتر في هذه الرواية.

وأولى الملاحظات التي يمكن تسجيلها هنا هي أن الاهتمام بشخصية شاعر وأديب متمرد من هذا النوع يفوق الاهتمام بنصه الشعري، مع أن من المفترض أن يكون هذا النص هو السبب في هذا الاهتمام وتوجيه الأنظار إليه. أي أن الشاعر يتقدم هنا على نصه ويصبح النص تاليا، ليس له من الأهمية والقيمة ما لصاحبه نفسه. فكأن المؤلف يصبح هو النص الذي يجري الحديث حوله والاهتمام به. وهذا هو ما حصل لآخرين من الشعراء العراقيين المعاصرين الموصوفين بالصعلكة مثل جان دمو وَعَبد الأمير الحصيري، وآخرين قد لا يرتفعون في أنفسهم إلى مستوى حسين مردان في تجسيدهم لدور الصلعلوك الأصيل والشاعر المتمرد، وليس شارب الخمر والكحولي المدمن الذي يكتب شعرًا لا قيمة كبيرة له.

وللشاعر نصيف الناصري القريب من أجواء هؤلاء آراء يفرق فيها "بين من اختاروا مثله الصعلكة اختياراً واعياً كموقف من العالم والمجتمع والسلطة والعائلة، وبين بعض الناس اللطفاء ممَّن ابتلوا بالادمان المفرط في احتساء الكحول. ويعتقد أغلب أصحاب هذه الكتابات انهم في عملهم هذا يحققون فتحاً أو يكشفون عن طرافة عبر التحدث عن بؤس وفقر ونبل الصعلوك، لكن الحقيقة المرّة هي انهم يقدمون اساءة بالغة لمفهوم وشرف الصعلكة الذي نعرفه، وللتمييز بين الصعلوك وبين الكحولي، هو أن الأول ينتج ابداعه دائماً ويكرس له حياة كاملة ويتصف بطباع وشخصية لطيفة ومرحة، تمتزج أحياناً بفذلكات سوريالية محببة يفتقدها أولئك الذين يحيطون به والذين يهربون من دفء بيوتهم وصرخات زوجاتهم وأولادهم ومحيطعم الاجتماعي المعادي للحرية التي يحملها الصعلوك. بغض النظر عن حبه للكحول وعدم وجود وظيفة رسمية ثابتة له في مؤسسة ما تمنحه الراتب الوظيفي ومعيشته شبه الدائمة على عطايا الأصدقاء والجوقة التي تحيط به أينما حلّ وارتحل، أمّا الكحولي فهو ذلك الانسان الذي أصيب بمرض الادمان ولا يستطيع التخلص منه إلاّ بخضوعه لإشراف وعناية طبية في مراكز معالجة الإدمان.."

وثمة فرق بين العرض الذي نتعرف فيه على الشخصية وهي تتحدث عن نفسها، أو تستمع إلى أحاديث الآخرين عنها وحواراتهم معها، كما يجري في المقطع السابق من (خمسة أصوات)، وبين الحكم عليها، واستخلاص النتيجة والوصول بها إلى حافاتها النهائية المفترضة، كما يحصل في اللغة الشعرية القاطعة، والمتحكمة في هذه القصيدة، إلى الحد الذي جعل حسين مردان نفسه يقول لفوزي كريم لدى قراءته للقصيدة في حياته:

"إنك ترثيني يا فوزي"!

وإذا كانت حياة حسين مردان تبدو هكذا عبثية، وبلا معنى في زمنها الواقعي الذي لا يلبّي أبسط متطلبات الحياة للبسطاء من الناس، بله المثقفين الطامحين للتمتع بها واستنفاد كل ما فيها من فرص، ضمنَ الآفاق السياسية والاقتصادية المغلقة آنئذٍ، فإن النصين الشعري والروائي المتقدمين يمكن أن يوفرا هذا المعنى بما ينطويان عليه من جماليات شعرية تضفي على ذلك التاريخ الواقعي تلك الدلالة المفقودة. وما نراه هنا هو التجسيد العملي لما يمكن أن يحققه الفن كتعويض خيالي ممكن إزاء الواقع التاريخي المتردي.

والسؤال هو: أين نعثر إذن على حسين مردان الحقيقي؟

وهل هو موجود حقا كصوت وصورة في الرواية أو القصيدة..؟

وإذا كان الرجل موجودا بصوته أو بصورته المرآوية المرسومة في كلتيهما، فما هو الفرق بين الصورتين والشخصيتين؟ وما الصورةُ الأقربُ من غيرها إلى الرجل في حقيقته الواقعية كما عرفها أصدقاؤه والقريبون منه..؟

وهل من سبيل للوصول إليها، ومن خلالها إلى جوهر الشخصية الإنسانية وهي تتغير وتتحول مع مرور الزمن وتغير الأحوال؟

وربما جاز أن نطرح بهذا الصدد سؤالا آخر هو:

هل يمكن أن نطمئن إلى ما يكتبه حسين مردان نفسُه من كتابات شعرية ونثرية عن نفسه باعتبار ذلك أقربَ من غيره إلى حقيقته كإنسان أمضى حياته على هذا النحو الذي لا ينفك فيه عن عرض نفسه صعلوكا متبطلا، مفلسا، متقلبا بين الخمر والنساء، وكتابة الشعر الذي يقلد فيه الشاعر الفرنسي الرجيم بودلير، ويقلد بطريقة فاضحة سلوك الفيلسوف الوجودي سارتر، ولا يكاد يلوي على شيء غير عيش يومه وساعته كفرصة فريدة بين تناقضات الحياة وعبثيتها التي لا تنتهي ضمن فلسفته الوجودية الفطرية والموقف المزعوم من الحرية الشخصية؟ وربما كانت صورة المومس "صبربة" الموصوفة في هذا المقطع المتقدم من الرواية ورأي الناس الذين "يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا لون قلبها، ولا ما تدفعه للشيطان ثمنا لإنسانيتها المعذبة، ولا ما تكابد من عذاب لتعتصر قطرات دفء تقدمها للمحتاجين إليها بشكل بائس" بعضُ من ملامح (البغي الفاضلة) في مسرحية بول سارتر التي نرى فيها أن بطلتها البغي تقف موقفا يجعلها فاضلة بعد أن تقدم شهادتها وفقا لما يتطلبه واقع النفاق الاجتماعي القائم. فهي فاضلة لأن المجتمع والسلطة منحاها صفة الاحترام عندما قبلت أن تكذب في الشهادة وتخدم مصالح الأقوياء. ففضيلتها ليست أخلاقية حقيقية، بل فضيلة زائفة قائمة على الطاعة والخضوع، مما يكشف نفاق المجتمع الذي يكافئ الكذب إذا كان في مصلحة السلطة، ويعاقب الصدق والعدالة التي انطوت عليها بائعة الهوى الأمريكية هذه بطبيعتها.

- ثم ما مدى أصالة هذه الشخصية في التعبير عن نفسها عن طريق تضييق المسافة بين أفعالها ومعتقداتها، وبين سلوكها وما تتفوه به من ملفوظات فكرية وأدبية..؟

- وهل ثمة علاقة صادقة للرجل بذاته الشعرية المتضخمة التي لم يجد صاحبها إنسانا "ثائرا ومفكرا حرّا" غيرها، يهدي له ديوانه الأول (قصائد عارية) الصادر عام 1949، وما انطوى عليه هذا الديوان من "إسفاف أخلاقي وإباحية عالية"، حسب وصف المحكمة التي حوكم صاحب الديوان فيها، فيما لا يجد الشاعرُ نفسه في مناسبة أخرى، حرجا من البصق على تراب قبر أبيه الذي أوجد تلك "الطينة الملعونة"..! وهو ما يطيح بكل تلك الادعاءات الشكلية التي يبدو عليها الشاعر – الإله في المقهى كبيرا متفوقا، لتختصر حياته حين يعتزل الناس ويعود إلى نفسه بهذه (الآه) التي تقف وحيدة في السطر الأخير من القصيدة.

ـ هلْ تريدُ اسْمَه؟

اسمُه في الهوّيةِ… حسين مردان

واسمُه في الأزقَةِ حسين مردان

واسمُه في المقاهي… الإله…

واسمُه حينَ يعتزلُ الناسَ

…          آه ."

أما فوزي كريم، فلعل الدافع لإرتباطه بحسين مدان وكتابته عنه راجع إلى أنه لم يكن يخلو،هو الآخر، من ملامح مشابهة على نحو ما لشخصية حسين مردان شاعرا وإنسانا، على الرغم من اختلاف زمن حسين مردان عن زمنه.

"إنه زمنٌ همُّه أن يُقلدك الشارةَ المستحيلة ودماً ساخطاً، عاثراً، بين ظلِّ الإله عليكَ وظلِّ الرذيلة…"، كما جاء في القصيدة.

إذ يمكن النظر إلى شخصية فوزي كريم، على العكس من ذلك، بوصفها تجسيدًا نادرًا لاختيارٍ وجوديٍّ صارم، تداخلت فيه الصعلكة واختيار المنفى، لا كقدرٍ مفروض بل كموقفٍ أخلاقيٍّ وجماليٍّ واعٍ. فصعلكة فوزي، إذا صحت، لم تكن فوضى حياة، ولا تمرّدًا استعراضيًا، ولا طمعا بأمرأة متاحة، بل انسحابًا هادئًا من الجماعة، ورفضًا مبكرًا لكل أشكال الانضواء تحت سلطةٍ سياسية أو أيديولوجية أو حتى "جيلية" شعرية مؤطّرة ومحددة سلفا لدى بعض النقاد. كان فوزي كريم شاعرًا فردياً إلى أقصى حدود الفردية، يرى الكتابة فعلًا شخصيًا لا يحتمل الشراكة، ويؤمن بأن الشعر لا يُنتَج في الساحات ولا في البيانات، بل في العزلة والانتباه الصارم لما هو جوهري وعابر في آنٍ واحد.

واختياره المنفى اللندني بالنسبة لفوزي قد جاء امتداداً طبيعيًا لهذا المزاج. فلم تكن لندن بالنسبة إليه ملجأً عاطفيًا، ولا مسرحًا للحنين، بل فضاءً باردًا يضمن له مسافة كافية من الضجيج والانكسارات العراقية والعربية المتواصلة. هناك استطاع أن يعيش بوصفه أقلية صامتة، لا حقًّ لأحد بمطالبتها بالتبرير، ولا رغبة لها في التمثيل. لم يتحوّل في منفاه إلى شاعر شكوى أو نوستالجيا، بل إلى مراقبٍ يقظ، يرى العراق من زاوية التاريخ والواقع الدكتاتوري القائم، لا من زاوية العاطفة، ويتعامل مع الخراب بوصفه نتيجةً عميقة لبنية ثقافية وسياسية طويلة، لا مجرّد حادثة أو خيانة عابرة.

وتنعكس كثير من ملامح هذه الشخصية بوضوح في قصيدته الشعرية وقراءاته النقدية؛ لغة مقتصدة، شفافة، خالية من الزينة، تميل إلى التأمل والمساءلة أكثر من الميل إلى الإيقاع العالي أو الصورة المبهرة. كان قريبًا في حساسيته من الموسيقى الكلاسيكية، حيث الانضباط والاقتصاد والبحث عن النغمة الخالصة، وبعيدًا عن الحداثة الصاخبة التي تراهن على الصدمة والادّعاء. وفي كتاباته النقدية والسيرية بشكل خاص، كان قاسيًا على نفسه قبل أن يكون ناقدًا للآخرين، متحفّظًا، دقيقًا، يفضّل الصمت على القول الزائد، ويضع النص فوق صاحبه.

وفي العمق، كان فوزي كريم مثل حسين مردان شاعرًا ضد الجماعة، لا بدافع العداء، بل بدافع حماية التجربة من الابتذال. لم يستثمر المنفى سياسيًا، ولم يحوّل غربته إلى رأس مال رمزي، ولم يسعَ إلى احتلال موقعٍ في السوق الثقافي. دفع ثمن استقلاله كاملًا، واختار العزلة بدل الشهرة، والصدق بدل الخطابة، والمنفى بوصفه حريةً قاسية لكنها ضرورية. لذلك لم يكن حضوره طاغيًا في المشهد رغم تردده الكثير على بغداد بعد التغيير عام 2003، لكنه كان عميق التأثير في ضمير شعراء ونقاد مثل علي جعفر العلاق وحسن ناظم، بوصفه مثالًا لشاعرٍ عاش كما كتب: وحيدًا، متشككًا، ونزيهًا حتى النهاية. ولم يكن مسؤولًا عن الجفوة التي حدثت بعد التغيير بينه وبين صديقه الشاعر سعدي يوسف، لأن ابن يوسف هو الذي تمنّع عن زيارة العراق بعد ذلك التغيير مع أنه كان قبل ذلك من الدعاة لاحتلاله، حيث رأى في تصالح فوزي مع النظام الجديد نوعا من (الخيانة) للمبادئ الرافضة للاحتلال والتبعية.

أما حسين مردان، فلا أظن أننا بحاجة إلى القول إنه لم يكن يملك الوعي نفسه الذي امتلكه فوزي شاعرا وناقدا وإنسانا متصعلكا على طريقته الخاصة غير المعلنة أو الموضوعة تحت مانشيتات عريضة، على الرغم مما ذكرناه من وجود مشتركات ثقافية وإنسانية بينه وبين مردان شاعرا وصعلوكا جعل من قصيدته إعلانا متكررا عن حياته المتبطلة وصورته التي حاول أن يرسم فيها صورة تشبه تخطيطا كاريكاتوريا محدّثا للصعلوك العربي القديم في الجاهلية، وللعيّار البغدادي الذي تمتزج في شخصيته صورة النهّاب واللص الخفيف الظل في قدرته على الحفاظ على جانب من الروح الأخلاقي المميِّز  بين الأغنياء والفقراء في المجتمع العباسي الطبقي.

هذه وغيرها، من أسئلة وموضوعات لا يمكن الإجابة عليها دون الاطلاع على الرواية والقصيدة كلتيهما، فضلا عن ضرورة التعرف على كتابات حسين مردان ومدوناته الشعرية وغير الشعرية من أجل توفير القاعدة الضرورية للمقارنة وتقرير الحكم التقريبي الناتج عنها.

وهو حكم لا بدّ أن يكون معلقا أو نسبيا، وغير نهائي هو الآخر، ما دامنا نعرف أن اللحظات التي ندرك فيها أنفسنا تبقى نادرة، وأننا، كما يقول برغسون، "نادرا ما نكون أحرارا، فنحن نعيش الجانب الأكبر من وقتنا خارجَ أنفسنا"؛ ولا بدّ أن يكون الأمر أكثر صعوبة في هذا الإدراك من الناحية الفلسفية أو النفسية إذا كان الأمر متعلقا بأشخاص وذوات أخرى غير ذاتنا، وبقراءة أعمال شعرية وسردية يمكن أن ترينا جانبا من الصورة، وليس الصورة كلها. علما بأننا لا نتعرف على صوت حسين مردان في صورة سميه وقرينه شريف في الرواية مفردا، وإنما من خلال شبكة الأصوات الأخرى التي درج كل واحد منها على تقديم لقطة جانبية أو تلفظات كلامية خاطفة تصدر كتعليقات أو حوارات مع شريف أو حوله خلال جلسات الشرب أو العمل في الجريدة، التي لم نقرأ خلالها أي مقال أو تعليق للصحفي شريف نفسه فيها.

***

الدكتور ضياء خضير

يتشكل كتاب "خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، للقاص المغربي أحمد شرقي، من 25 قصة موزعة بين قسمين: أول موسوم ب " خَفْق إلى أعلى "، وقسم ثاني معنون ب " خَفْق إلى أسفل " ومنهما يتكون عنوان الكتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل "، ورغم ما تزخر به قصص المدونة السردية من انزياحات صادرة عن اختلاف في الرؤية والنهج القصصيْن فإنها ظلت رهينة لعناصر القصة وثوابتها المعروفة من شخوص مثل: " الرايس " بقال الحي في القصة الأولى " هَبَّة "، ورئيس تحرير جريدة وهو مغربي سبعيني، والمخرج السينمائي الشاب المغربي، والسيدة الأمريكية اللاتينية الأربعينية، والطالب المغربي الذي يدرس الصيدلة بأوكرانيا الذين جمعتهم قصة " رحلة "، ومنال وصديقتها وفاء في قصة " شعاع ودائرتان "، والراوي وصديقه " أَنَس " في قصة " فرح آخر "، وفؤاد (مول التفاحة) في قصة " الجمال "، وعثمان في نص " صديقي فلوبير ". وعنصر المكان الذي تعددت محطاته. فضلا عن عناصر قصصية أخرى من وصف، وحوار داخلي (مونولوغ)، وخارجي، واسترجاع واستباق... وهو ما يؤكد امتلاك القاص لأدوات وعناصر السرد الأساسية، واستعمالاته وتوظيفه لها بشكل يمنح متنه القصصي أسسه ودعائمه المعروفة والمتبعة. قبل الانتقال والخوض في أشكال أخرى تعبيرية ودلالية متمثلة في علاقة السارد بقصصه والتي ينساق لكتابتها بدوافع ونزعات مختلفة كما يصرح بذلك: " وبقدر ما يحفزني شغفه على امتشاق القلم، وكتابة القصة القصيرة التي أعشق... " ص 68، والتي سببها عشق صديقه للرواية النابع من نرجسية محمومة، ورغبة جامحة: " كنت أستغرب من نرجسيته، وحبه للرواية من أي شيء آخر، أو شخص آخر.. يقرأها، ويكتبها يوميا.. " ص 68، وأيضا نفوره من دروس الجامعة الجافة والتي لا تتماشى وميولاته الإبداعية لما تخضع له من قيود منهجية، وغزارة في المعلومات تلتزم التدرج المنطقي، والكم الهائل من المعلومات... مما جعله يجنح إلى القصة دون غيرها لما تتميز به من حرية وتكثيف... إلا أن هذا الولع بكتابة القصة لا يخلو من معاناة وجَلًد للتمكن من استدراجها، وتليين استعصائها وتمنعها، وارتباطا بعلاقة الكاتب مع القصة تم طرح موضوع العنوان، وما يشكله من قيمة داخل نسق الكتابة القصصية كما ورد في قصة " العنوان " حين بادرته الفتاة العشرينية السمراء داخل فضاء المقهى بسؤال عن عنوان قصته، ومن ثمة الانتقال إلى عنوان حياته، ويمضي السارد مستطردا في تحديد ماهية العنوان وقيمته الدلالية والرمزية: " أحرجني سؤالها. ربما لا تعلم أن للعناوين سلطتها وهيبتها، عتبتها عالية، ومنحنياتها متعنتة وعرة... " ص61، فيجيب عما تتطلبه العناوين من جهد ذهني، وحيز زمني لتكتمل وتتحدد، وعطفا على العلاقة بموضوع الكتابة القصصية يحضر الناشر الذي طلب من الراوي تغيير عنوان مجموعته القصصية، وكان العنوان الجديد الذي استوحاه من خلال حوار جمعه بصديقه المتشائم الذي حدد زمن كتابة قصصه و قراءتها في الصيف، فاهتدى إلى عنوان: " قصص الصيف " الذي راق الناشر واستحسنه، وموقف صديقه العاشق لكتابة الرواية وقراءتها في قصة " صديقي فلوبير "، من النشر: " أظن أن القصص التي تنشرها لك بعض الجرائد الورقية، مصحوبة بصورك (السيلفي)، التي تلتقطها لنفسك، ستجعلك كاتبا معروفا؟!..." ص69، كما وردت في قصص الكتاب موضوعات مثل الهجرة في قصة " الجمال "، وما يرتبط به من أسباب اجتماعية ترى الرحيل عن الوطن خلاصا من أوضاع مزرية كما نقرأ في القصة: " على جدار المدرسة المقابلة لبيت والديه للدار البيضاء... كتب مشاغبون: لا تأخذ قرضا لتشتري شقة في السكن الاقتصادي.. اجمع المال، وهاجر... " ص 44، وإن كان هذا الحلم المختزل في الهروب من موطن القبح إلى قارة الجمال: " أين المال؟ ولمن سأعطيه حتى أفلت من جحيم هذا القبح؟ واعبر إلى قارة الجمال... " ص44، يصطدم بعراقيل قاسية ومكلفة أحيانا تحول دون إطالة هدف المهاجرين المتمثل في بلوغ الضفة الأخرى، فمآسي الهجرة تتعدد صورها ومشهدياتها في قصص أخرى مثل " المنقذة "، و" المطرود " كحلم يكشف انسداد أفق،الراغبين في الهجرة، داخل وطنهم الذي تقل فيه فرص شغل يضمن استقرارا ماديا، وحياة كريمة إلا أنها مغامرة غالبا ما تصطدم بمخاطر وعراقيل مكلفة ومؤلمة. كما أن التفكير فيها، والعزم على ركوب مخاطرها، وتجشم أعبائها تعكس ما تعيشه مجتمعات الراغبين في مغادرتها من أعطاب واختلالات. وضمن الجانب الاجتماعي تناولت قصص الكتاب مواضيع أخرى مثل الزواج، في نص " شعاع ودائرتان "، بمشاكله العويصة والمعقدة ؛ كالخيانة في حال منال مع زوجها الذي اكتشفت خيانته لها رغم ما يسوقه من مبررات لم تعد تأبه بها، فضلا عن سخريته واستخفافه من اهتمامها بالفن التشكيلي، وما تبدعه من لوحات: " زوجي لا يفهم في الفن شيئا، ولا يكتفي بالإهمال واللامبالاة، بل يسخر من اللوحات التي أبدعتها قبل أن ألد ابني الأول... " ص 27، وصديقتها وفاء الإخصائية النفسية التي درست بفرنسا، ولم تفكر في الزواج حتى بلغت سن الأربعين حيث تعرفت على شاب وسيم زارها في عيادتها قصد العلاج، وتطور إعجابها به إلى اتفاق على زواج محفوف بتحدي كبير لأنه متزوج مما يحتم عليها القبول بان تصبح زوجة ثانية وهو اختيار دافعت عليه في البداية أمام رأي صديقتها منال، إلا أنها عادت لتفكر بجد في إنهاء هذه العلاقة: " ـ على كل حال، سألتقيه اليوم، ويبدو أنني سأقترح عليه الفراق... " ص 31، وتناولت قصص الكتاب كذلك موضوع المرض متجسدا في كورونا، وما أحاط به من مظاهر احترازية، وسلوكات غيرت من طبيعة العلاقات بين الأفراد، من توخي الحذر، والتقيد بإجراءات من قبيل التباعد، واستخدام للكمامة... وباء تطور إلى نوع آخر جديد عرف ب " هيدنوفوبيا " حسب ما أعلنته مقدمة الأخبار. وإلى جانب عشق الكاتب لجنس القصة، وما نسجه معه من علاقات مختلفة ومتنوعة فإنه ابتكر لبعض قصصه نهايات تشذ عن المألوف كما في قصة " العنوان "، والتي تجاهل فيها النادل طلب الراوي بإحضار ما تطلبه جليسته وما صدرعنه من استغراب وضحك، وهو ما تكرر في نص " حلم " والتي كان سبب وفاة المحارب فيها هو الحلم بالنجاة: " قرأ في سبب الوفاة: كان يحلم بالنجاة. " ص75، كما ورد في سياق أحداث المتن القصصي ومجرياته، ذكر أسماء أدباء من قبيل الروائي الأمريكي اللاتيني ماريو فارغاس يوسا وكتابه "حرب نهاية العالم " التي انهمكت سيدة أربعينية من أمريكا اللاتينية في قراءته، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وروايته " مائة عام من العزلة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، والروائي الفرنسي فلوبير في قصة يحمل عنوانها اسمه " صديقي فلوبير "، والشاعر الفلسطيني محمود درويش: " رهن هاتفها... لأن رنته قصيدة لمحمود درويش... " ص 26، وبعض رموز الميتولجيا الإغريقية مثل " إيروس " وهو إله الرغبة والحب والجنس في نص معنون باسمه " إيروس " ص79، وقصة " بروميتيوس " ص82، وهو شخصية أسطورية يونانية من الجبابرة.

لنخلص إلى أن كتاب " خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل " يحتوي قصصا انبنت على علاقة القاص الخاصة والمختلفة مع نصوصه، والتي أبدع في رسم مساراتها بأشكال خارج نسق الكتابة النمطية المعهودة، رغم انضباطها لمقومات السرد المعروفة، وأدوات تعبيرية مغايرة أكسبت منجزه القصصي سمات تجديد وخلق وابتكار.

***

عبد النبي  ابزاز

............................

* خَفْق إلى أعلى وإلى أسفل (قصص) أحمد شرقي - دار ذاتك للنشر والتوزيع مصر 2024.

 

بعنوان «أشجان الخلود»

تنهض قصيدة «أشجان الخلود» بوصفها نصًا شعرياً كثيف الدلالة، يتوسّل اللغة بوصفها أفقاً للخلاص الوجودي، ويُحيل التجربة الذاتية إلى سؤال كوني يتأرجح بين القيد والانعتاق، وبين الفناء والرغبة في الخلود. إننا إزاء نصّ تتداخل فيه الحقول النفسية والفلسفية والرمزية، وتتشابك فيه الرؤية الجمالية مع القلق الوجودي، ما يجعله قابلًا لقراءات نقدية متعدّدة المستويات.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وببناء تركيبي متماسك يعتمد الجملة الفعلية القصيرة، المشحونة بالدلالة، ما يضفي على النص توتراً داخلياً مستمراً. تعتمد الشاعرة الانزياح التركيبي والدلالي بوصفه أداة لتجاوز اللغة التقريرية، كما في:

«الريحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي»

حيث يتحوّل العنصر الطبيعي إلى علامة وجودية، ويتحوّل الجسد إلى مركز للقلق والتساؤل.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة فصيحة، منتقاة بعناية، توازن بين الجزالة والشفافية. لا تقع الشاعرة في فخ الزخرفة المجانية، بل توظّف المفردة بما يخدم الموضوع المركزي: الحنين، القيد، الرغبة، والبحث عن المعنى. اللفظ هنا ليس زينة بل وسيط كشف.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر، لكنها تحقّق إيقاعها عبر:

١- التكرار الدلالي (الجناح، الأفق، الخلود).

٢- التوازي التركيبي.

٣- الجرس الداخلي للأصوات الرخوة (السين، الشين، الراء) التي تعزّز النبرة الحزينة والتأملية.

٤- الإيقاع هنا داخلي، متولّد من توتّر المعنى لا من الوزن الخليلي.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص أقرب إلى مشهد شعري متدرّج، يبدأ من القيد (السجن، الطاعة العمياء)، وينتهي بصورة التحليق (الصقر، السحاب، الخلود). لا شخصيات بالمعنى السردي، بل ذات شعرية واحدة تتشظّى عبر صور واستعارات متلاحقة.

تعتمد الشاعرة المنهج الوصفي-التحليلي في آن، حيث تصف الحالة الشعورية ثم تفككها من الداخل.

2. الرؤية الفنية:

رؤية إخلاص فرنسيس للعالم رؤية وجودية-شاعرية، ترى الإنسان كائناً معلّقاً بين الرغبة في الانعتاق وثقل القيود غير المرئية (الطاعة، الذاكرة، الحزن). يتجلّى انسجام واضح بين الشكل والمضمون؛ فاللغة المتكسّرة تعكس ذاتاً متكسّرة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تنجح القصيدة في إنتاج الدهشة عبر صور غير مألوفة:

«يفترسني مثل حرفٍ مثقلٍ بالرغبة»

هنا يتحوّل الحرف – أداة اللغة – إلى كائن مفترس، في إشارة إلى سلطة اللغة نفسها على الوجود.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

ينطوي النص على أسئلة وجودية عميقة:

١- ما معنى الحرية؟

٢- هل الخلود خلاص أم عبء؟

٤- هل العشق طريق إلى المعنى أم إلى الفناء؟

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع مرجعيات:

١- صوفية (الجناح، الفناء، العشق).

٣- وجودية (القلق، العبث، البحث عن المغزى).

٣- حداثية في تعاطيه مع اللغة بوصفها سؤالًا لا جواباً.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

في العمق، القصيدة ليست عن الحزن بقدر ما هي عن إعادة كتابة الوجود:

«ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ»

وهو تصريح تأويلي يضع الشاعرة في موقع الخالق الرمزي للمعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يمكن قراءة القصيدة ضمن سياق ثقافي عربي مأزوم، حيث الفرد محاصر بالبنى المغلقة، السياسية والاجتماعية والرمزية، ما يجعل الحنين إلى الحرية والخلود فعل مقاومة.

2. تطوّر النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى قصيدة النثر العربية الحديثة، ويحتل موقعاً متقدّماً ضمن مسارها من حيث الكثافة والصورة والرؤية.

3. الارتباط بالتراث

تفاعل غير مباشر مع:

١- الرمز الصوفي (الطيران، العشق).

٣- البلاغة العربية القائمة على الاستعارة والكناية، لكن بروح حداثية.

خامساً: الأسس النفسية:

1. تحليل البنية الشعورية

تسود القصيدة مشاعر:

١- القلق الوجودي

٢- الحنين

٣- التوق إلى الانفلات من القيد

2. تحليل الشخصية الشعرية:

الذات هنا مأزومة، واعية بأزمتها، لا تنكفئ بل تسعى إلى التحوّل، حتى لو كان التحوّل موجعاً.

3. النبرة النفسية:

نبرة مركّبة تجمع بين:

١- الحزن المرهف

٢- الاحتجاج الصامت

٣- الرغبة العارمة في الحياة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

تعكس القصيدة اغتراب الفرد داخل منظومات الطاعة والعادات والقيود غير المرئية.

2. الخطاب الاجتماعي:

يوجّه النص نقداً مبطّناً لسلطة القمع الرمزي، حيث تتحوّل الطاعة إلى سجن.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

تكتب إخلاص فرنسيس من موقع الذات المقاومة، التي تستخدم الشعر كمساحة تحرّر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات:

١- الجناح: الحرية/التحوّل.

٢- السجن: القيد الوجودي.

٣- الصقر: القوة والسمو.

٤- الأفق: الممكن المؤجّل.

2. شبكات الدلالات

حضور تقابلات واضحة:

١- القيد / الانطلاق

٢- الحزن / العشق

٣- السقوط / التحليق

3. النظام الرمزي العام:

الفضاء الشعري مفتوح، علوي، يرفض الأرض بوصفها قيداً، ويطمح إلى السماء بوصفها أفقاً للمعنى.

ثامناً: الأسس المنهجية

تستند هذه القراءة إلى:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

٣- المنهج النفسي مع الحفاظ على صرامة تحليلية وتكامل منهجي.

- خاتمة:

تشكل «أشجان الخلود» نصاً شعرياً ناضجاً، يزاوج بين الحساسية الجمالية والعمق الفكري، ويؤكّد قدرة إخلاص فرنسيس على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية كونية، تجعل من الشعر مساحة للسؤال، ومن اللغة جناحاً نحو الخلود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

أشجانُ الخلودِ

ثمّ عادتْ إلى سجنِها حرّةً

مشحونةً بالطاعةِ العمياءِ

بينها وبينَ الفضاءِ خفقةُ جناحٍ

وعزفُ وترٍ ينادي بالإطلاقِ

خيطٌ من حنينٍ وارتعاشةٌ

الرّيحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي

قلعةٌ يعشّشُ الفراغُ في زواياها

حجارةٌ تتهامسُ

وذكرى لهفةٍ انكسرَتْ تصطادني

خيالٌ شفافٌ يشنقُني على الأسوارِ

يلقي عليّ النظرةَ الأخيرةَ،

يحصي نموَّ عشبِ الغيابِ

فوقَ شفتي

ولدغةُ الأفقِ فوقَ جبيني

أشرعُ لهُ بابي

فيوقدُ بصدري الأحلامَ

أعدو خلفَه

يفترسُني مثلَ حرفٍ مثقلٍ بالرغبةِ

ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ

تستحيلُ الألوانُ، وتتساقطُ أوراقُ الزمنِ

أيها الحزنُ المرهفُ

كن جناحي لأطيرَ إليكَ

أفتتحُ سفرَ العشقِ بكَ

فتولدُ النجومُ بينَ أهدابي

صقراً ملحميّاً ينثرُ ريشَه

يراقصُ السحابَ

غارقاً في أشجانِ الخلودِ

***

اخلاص فرنسيس

 

مقاربة تفكيكية لأمثلة من السرد العربي الوسيط

مقدمة: يهدف هذا البحث إلى معالجة مفهوم "المحكيات الصغرى" بوصفه ركيزةً إبستمولوجية في الخطاب النقديّ ما بعد الحداثيّ، كما صاغه جان فرانسوا ليوتار، واستكشاف إمكانات تطبيقه على أنماط السرد العربيّ في العصر الوسيط (العصر العباسي).

تظهر أهميّة الدراسة في قدرتها على مساءلة المركزية السردية وفتح أفقٍ جديدٍ لقراءة التراث الأدبي العربي خارج أسر السرديات الكبرى، عبر أدواتٍ نقدية حديثة (التفكيك، الميتاسرد، التناص، موت المؤلف). تستند المقاربة إلى فرضية أنّ نصوصاً مثل "ألف ليلة وليلة"، "المقامات"، "أدب الرحلات"، وكتب الأدب الشذرية، لم تكتفِ بتقديم الحكايات الهامشية، بل أسّست أنماطاً سرديّةً تُشظّي المعنى وتزعزع أنظمة الهيمنة، بما يتقاطع بنيوياً مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ ومن هنا، تتحدّد إشكالية البحث في اختبار مدى فاعلية هذا المفهوم في تحليل البنية السردية للتراث العربي، بعيداً عن الإسقاطات التاريخية المباشرة، مع تقديم معالجة نقدية منهجية للأمثلة والنماذج التطبيقية.

الإطار المفاهيمي: المحكيات الصغرى والسرديات الكبرى في فكر ليوتار وأدوات ما بعد الحداثة

يرتكز مفهوم "المحكيات الصغرى" (Petits Récits) لدى ليوتار على نقد السرديات الكبرى (Metanarratives) التي تدعي الشمول وتحتكر التفسير النهائي للتاريخ والمعرفة والذات، لتفسح المجال أمام الحكايات الجزئية، المحلية، والمتشظية، التي تقاوم التمركز وتعيد الاعتبار للهامش والاختلاف[1]. تعكس هذه المحكيات تفكيكاً للبنى السلطوية والمعرفية، وتحتفي بالتجربة الذاتية والتمثيل النسبي للواقع.

تتضافر في هذا السياق أدوات ما بعد الحداثة:

- التفكيك: ممارسة نقدية تهدف إلى كشف التوترات الداخلية في النص وتقويض الثنائيات الضدّية (مركز/هامش، سلطة/خضوع)، دون إنتاج مركزٍ بديل[2].

- الميتاسرد: وعي السرد بذاته وانكشاف آلياته، بما يؤدي إلى زعزعة الإيهام بالشفافية والمحايدة[3].

- موت المؤلف: تحرير النص من القصدية الأحادية، وإعادة توزيع سلطة المعنى بين النص والقارئ والسياق التداولي[4].

- التناص: كشف النص كفضاءٍ تتقاطع فيه خطاباتٌ متعددة، بما ينفي فكرة النقاء النصّي ويبرز التعدّد الصوتي[5].

حدود المقاربة وإشكالات الإسقاط

توظيف أدوات النقد ما بعد الحداثي في دراسة السرد العربي الوسيط قدرا من التحفظ المنهجي، تفادياً لمزالق الإسقاط التاريخي أو الأنسنة المفاهيمية. لا يفترض البحث وجود وعي ما بعد حداثي ضمن الثقافة العربية الوسيطة، ولا يدعي تماثل الأفق النظري مع ليوتار أو دريدا أو فوكو. بل تتم المقاربة على صعيد البنية السردية والوظيفة الخطابية، حيث تُستخدم مفاهيم مثل "المحكيات الصغرى" و"التفكيك" كأدوات تحليلية إجرائية لفحص آليات إنتاج المعنى، دون فرض توصيفات أنطولوجية أو أحكام قيمية.

تتيح هذه المنهجية المقارنة البنيوية الكشفَ عن تقاطعاتٍ وظيفيّةٍ بين أنساقٍ سرديةٍ متباعدةٍ زمنياً، مع الحفاظ على الفوارق التاريخية والخصوصيات الثقافية، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الدراسات السردية التي تفصل بين المفهوم كأداة تحليل، والمفهوم كمنتجٍ تاريخي.

التحليل التطبيقي

أ. ألف ليلة وليلة: الميتاسرد واستراتيجية إرجاء السلطة

تُعد "ألف ليلة وليلة" مثالاً مركزياً لتجلّيات المحكيّات الصغرى عبر بنيةٍ ميتاسرديّةٍ معقدة، حيث يتحوّل فعل الحكي إلى السرد ذاته. تعتمد شهرزاد استراتيجية الإرجاء (Différance) بتعليق نهاية الحكاية واستمرار السرد، مما يحول دون تحقّق السلطة المطلقة لشهريار. يتوالد السرد في حكاياتٍ متداخلة (مثل حكاية الصياد مع العفريت، الملك يونان والحكيم رويان، وحكايات السندباد)، فتتشتّت سلطة السارد المركزي وتتشظّى الحقيقة، بما يطابق منطق اللا-يقين ما بعد الحداثي. تفكّك هذه الاستراتيجية مركزية السلطة الذكورية عبر التعدّد الصوتي والتوالد الحكائي، لتؤسّس نموذجاً مبكراً لـ"ديمقراطية الحكاية" وإعادة توزيع السلطة السردية.

ب. المقامات: البطولة المضادّة وتقويض الخطاب الرسمي

تشتغل المقامة العربية، كما في نصوص الهمذاني والحريري، كخطابٍ مضادٍّ يفكّك السرديات الأخلاقية المركزية. بطل المقامة (أبو الفتح الإسكندري، أو أبو زيد السروجي) ليس بطلاً قيمياً، بل بطلٌ مضادٌّ يعيش في الهامش الاجتماعي، ويعتمد على الحيلة واللغة بدل السلطة أو النسب[6]. تبرز المحاكاة الساخرة في استعارة لغة الفقهاء والعلماء، لا لترسيخ سلطتهم، بل لتعريتها وكشف قابليتها للتلاعب والسخرية. في "المقامة المضيرية"، مثلاً، يتمّ تفكيك خطاب الطبقة الثريّة عبر السخرية من المبالغة في وصف النعم، فتتحول المحكية الصغرى (قصة الاحتيال) إلى أداةٍ لتعرية زيف السردية الكبرى (الوقار الاجتماعي)، وتعيد الاعتبار للمعرفة الموقِعية ولذكاء الهامش.

ج. أدب الرحلات: المعرفة الموقعية ونسبية التمثيل

يقدّم أدب الرحلات، خصوصاً عند ابن بطوطة وابن جبير، نموذجاً لتحوّل المعرفة من الشمولية إلى الموقعية. لا يدّعي الرحّالة تقديم حقيقةٍ كليةٍ عن العالم، بل يدوّن مشاهداتٍ جزئيّةً مرتبطةً بموقعه الثقافي والزمني، ويمنح الوكالة السردية للآخر [7]. في وصف ابن بطوطة لبلاد "المالديف" أو "الصين"، تتعدد الأنظمة المعرفية وتتشظى الرؤية، بما ينسجم مع تفكيك المركزية المعرفية والاعتراف بتعددية الثقافات. يصبح النص الرحلي فضاءً لحفر معرفي لا يسعى لتثبيت المعنى، بل لتتبع تشكلاته، ويؤكد نسبية التمثيل وضعف ادعاء الحياد.

د. كتب الأدب الشذريّة (الجاحظ والأصفهاني): التناصّ وتعدّد الأصوات

تعتمد كتب مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني على مبدأ التناص ورفض الوحدة العضوية للنص. تُكتب هذه النصوص في شكلٍ شذريٍّ، حيث تتقاطع الحكايات والأخبار والأمثال، ويمنح الساردُ الأصواتَ الهامشيّةَ حقَّ التعبير عن وجهات نظرها[8]. في "البخلاء"، مثلاً، يمتلك البخلاء منطقاً دفاعيّاً خاصّاً بهم، ما يكسر احتكارَ الحقيقة الأخلاقية، ويحوّل الرذيلة إلى وجهة نظرٍ نسبيّة. هذا التعدّد الصوتي (Polyphony) يعكس تفكيك السرديّة الكبرى وإعادة الاعتبار للهامش والتجربة الفردية.

تحوّلات الوكالة السردية: انتقال السلطة للهامش

تؤدّي المحكيّات الصغرى، في ضوء النماذج المدروسة، إلى تحوّلٍ جوهريٍّ في مفهوم الوكالة السردية. لم يعد الهامش مجرّد موضوعٍ للسرد، بل تحوّل إلى ذاتٍ فاعلةٍ في إنتاج المعنى: المرأة (شهرزاد) في الليالي، المحتال في المقامة، والغريب في الرحلة، والبخيل في كتب الأدب. يعكس هذا التحوّل تفكيك منطق الصوت الواحد وإعادة توزيع السلطة السردية، بما يؤسّس لديمقراطية الحكاية وتجاور الأصوات دون إقصاء.

خاتمة

تُظهر إعادة قراءة السرد العربي في العصر الوسيط، في ضوء مفهوم المحكيات الصغرى، بنىً سرديّةً مقاومةً للهيمنة، ومؤسّسةً لتعدّد المعنى وتشظيه. لا تدّعي الدراسة وجودَ وعيٍ ما بعد حداثيٍّ في النصوص التراثية، لكنها تؤكّد إنتاجها لآلياتٍ سرديّةٍ تتقاطع، بنيوياً، مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ وبذلك، يُعاد الاعتبار للتراث السردي العربي كفضاءٍ معرفيٍّ حيٍّ، وشريكٍ في إنتاج إمكانات المقاومة والتعدّد ومساءلة السرديات الشمولية القديمة والجديدة. يحرّر هذا التوظيفُ المنهجيُّ النصوصَ التراثيةَ من التحنيط، ويفتح أفقاً جديداً للقراءة النقدية المعاصرة.

***

منذر فالح الغزالي

فاختبيرغ 01.01.2026

..........................

الهوامش

1.  المحكيات الصغرى (Petits Récits): مفهوم طرحه جان فرانسوا ليوتار، يشير إلى الحكايات المحلية والجزئية في مقابل السرديات الكبرى التي تدعي الشمول.

2.  التفكيك: ممارسة نقدية أسسها جاك دريدا، تهدف إلى زعزعة الثنائيات الضدية وكشف هشاشة البنى المركزية.

3.  الميتاسرد: نوع من السرد يصبح فيه فعل الحكي ذاته موضوعاً للسرد، بما يؤدي إلى زعزعة وهم الشفافية السردية.

4.  موت المؤلف: نظرية رولان بارت، تدعو إلى تجميد دور الكاتب وتحويل الاهتمام إلى النص وتأويل القارئ.

5.  التناص: مفهوم جوليا كريستيفا، يرى أن النص فضاء تتقاطع فيه نصوص سابقة ومعاصرة.

6.  المقامات: نصوص بديع الزمان الهمذاني والحريري، تمثل خطاباً هامشياً ساخراً يفكك الخطاب الرسمي.

7.  أدب الرحلات: نصوص ابن بطوطة وابن جبير، تقدم المعرفة بوصفها جزئية ونسبية ومتعددة الأصوات.

8.  كتب الأدب الشذرية: مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، تعتمد على تقنيات التناص وتعدد الأصوات.

المراجع

- ليوتار، جان فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة. ترجمة أحمد حسان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- دريدا، جاك. الكتابة والاختلاف. ترجمة كاظم جهاد، بيروت: دار توبقال.

- فوكو، ميشيل. أركيولوجيا المعرفة. ترجمة سالم يفوت، الدار البيضاء: دار توبقال.

- بارت، رولان. موت المؤلف ونصوص أخرى. ترجمة مجموعة مترجمين، بيروت: دار الطليعة.

- الجاحظ، أبو عثمان. البخلاء. تحقيق: طه الحاجري، دار المعارف.

- الحريري، أبو محمد. مقامات الحريري. المكتبة الثقافية.

- ابن بطوطة. تحفة النظار في غرائب الأمصار. تحقيق عبد الهادي التازي، الرباط: أكاديمية المملكة المغربية.

- ابن جبير. الرحلة. بيروت: دار صادر.

- الأصفهاني، أبو الفرج. الأغاني. بيروت: دار صادر.

- ساروب، مادان. ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة. ترجمة: عماد مرتضى، دار نينوى.

 

المقدّمة النظرية: القصيدة بوصفها تفكيرًا في الوجود

لا تُقرأ قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لجواد غلوم بوصفها تعبيرًا عن حالة نفسية عابرة، ولا بوصفها شكوى ذاتية من تعب فردي، بل بوصفها خطابًا شعريًا كينونيًا يتشكّل عند تقاطع التجربة الشخصية مع التاريخ السياسي، والزمن النفسي مع الذاكرة الجمعية. فالقصيدة لا تكتب الحزن، بل تكتب استقرار الألم، ولا تصف السأم، بل تفكّكه بوصفه شرطًا وجوديًا يلازم الذات في زمن فقد معناه.

ينتمي هذا النص إلى نمط من الشعر الذي لا يبحث عن الخلاص، بل عن التسمية الدقيقة للخراب. وهو ما يضعه في تماس مباشر مع الأسئلة الفلسفية الكبرى التي اشتغل عليها الفكر الكينوني والنقدي في القرن العشرين، ولا سيما عند ألبير كامو، بول ريكور، وثيودور أدورنو. فالسأم هنا لا يُفهم بوصفه مللًا نفسيًا، بل بوصفه ما سمّاه كامو "الوعي الفجائي بعبث العالم"، بينما يتحوّل الغمّ إلى أثر زمني جريح، قريب من مفهوم ريكور عن الذاكرة التي لا تُشفى، وعن الزمن الذي لا يُستعاد.

تنطلق هذه الدراسة من وعيٍ نقدي يرى أن التجربة الشعرية لا تنفصل عن شروطها التاريخية، دون أن تُختزل فيها، وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه بعض القراءات المادية النقدية التي تؤكد استقلالية الشكل الجمالي رغم تشبّعه بالتناقضات الاجتماعية. (1)

أفق التجربة الشعرية تعتمد الدراسة منهجًا نقديًا تكامليًا، يجمع بين:

- التحليل البنيوي الداخلي

- القراءة السيميائية

- المقاربة الفلسفية الكينونية

- والتحليل السياسي–التاريخي

وذلك بهدف الكشف عن البنية العميقة للنص، دون اختزاله في بعد واحد، أو إخضاعه لقراءة أحادية.

نص القصيدة

غـمٌّ وسأمٌ

على حين غرّة

أطللتَ عليّ؛ أيّها السأم

مادّاً عنقَك فضولاً

حاملاً زفراتِك الحرّى

رافعاً خيمتَك المهلهلة الوسِخة

واضعاً ظِلَّك الثقيل وسط دارتي

تعجّلتَ الحضور

أنت حللتَ وحلاً ونزلتَ قحلا

فذا اليومُ ليس يوم نحسي

كنتُ أتفجّرُ فرحا

منتشياً بقصيدةٍ اصطدتُها توّاً

وسط أسراب القوافي الهائمة فيَّ

أراك تخبئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة!

وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرَخ

أيّها السأم الزائر الثقيل الظِّل

لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟

تزيدُ من أنقاض وجعي

إن أردتَ زيارتي

أطرق الباب بتوئدة

واسترق النظر يمنة ويسرة

ترقّب الريح هنا وهناك

خشيةً أن تراك مندسّا

بين ثقوب الديدان

وشِباك العناكب

فيشتدّ هبوبها ويعلو صفيرها غضباً

ولتكن السماء غبراء مكفهرّة

والهلال ضائعا في أقاويل حلول الأعياد

وتآويل دعاة الباحثين ...

عن أيام السعْد

كن وديعا هادئا كالذكريات النائمة

لاتقف كالطود الراسخ قبالتي

هازئا بوحدتي وشرودي

أدري بأني فقدتُ ظِلِّي

ورفيقي التوأم

في الليالي الحالكة السّواد

حين أغضبْتُ الشمس

ولم تعدْ تزورني

وتشرقُ لي بدفئِها وابتسامتها المعهودة

ليس لي سوى خيالٍ جانح

يأخذني بعيدا... بعيدا

إلى ملاعب صباي

حيث وجه حبيبتي يترقب وقْع أقدامي

وننسلّ معا إلى شقاوات الفتوة

نتدفق مع ميعة الصِّبا

نتبادل القبلات

يحفُّ بنا قطيعٌ من الهمسات

تتناجى بين شفاهنا

وفي أوّل المساء

ننزوي في الحدائق المعتمة

تفتحُ أبوابها للعشاق شاحذي الأرصفة

ومتأبطي الصحف والكتب الصفر

تضللهم من اللصوص الرقباء

ذوي العيون الفاضحة الوقحة

ندسُّ أجسادنا في زحام الأشجار

وتشابك الغصون في جسدينا

نغيب في المعاصي والآثام

كما يدّعون كذبا وميْنا

نفترشُ عشب الخطايا

نكبو معاً في الموبقات

حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية وفلسفية

«غَمٌّ وسَأمٌ»: من التسمية إلى الشرط الكينوني

لا يأتي عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يعمل بوصفه عتبة دلالية كثيفة تؤسّس أفق القراءة منذ اللحظة الأولى. فالغمّ والسأم لا يُقدَّمان كحالتين عارضتين، بل كشرطين متلازمين يحدّدان طبيعة الوجود داخل النص.

من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا العنوان في ضوء ما يطرحه ألبير كامو حول السأم وصفه لحظة انكشاف فجائي لعبث العالم، حيث لا ينبع السأم من الفراغ، بل من انهيار المعنى. أما الغمّ، فيحيل إلى أثر زمني متراكم، قريب مما يسميه بول ريكور «الذاكرة الجريحة»، أي الذاكرة التي لا تُشفى، بل تستمر في إعادة إنتاج الألم.

الواو في العنوان ليست أداة جمع محايدة، بل تؤسّس علاقة تراكبية:

الغمّ يولّد السأم، والسأم يعمّق الغمّ، في حركة دائرية مغلقة. وبذلك يتحوّل العنوان إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركة القصيدة، لا إلى لافتة خارجية.

ثانيًا: تفسير وتحليل الأبيات – الحركة الداخلية للنص

1- السأم بوصفه اقتحامًا وجوديًا

"على حين غرّة   أطللتَ عليّ؛ أيّها السأم   واضعًا ظِلَّك الثقيل وسط دارتي"

يفتتح الشاعر النص بنداء مباشر، يُشخّص السأم بوصفه كائنًا دخيلًا، لا حالة نفسية. هذا التشخيص ينقل السأم من الداخل النفسي إلى الفضاء الكينوني، حيث تتحوّل الدار (الذات) إلى مكان مُحتلّ.

السأم هنا لا يأتي نتيجة تعب، بل يقتحم لحظة الحياة نفسها، ما يمنحه طابعًا قدريًا.

2- المفارقة البنيوية: الفرح بوصفه لحظة هشّة

"كنتُ أتفجّرُ فرحًا    منتشيًا بقصيدةٍ اصطدتُها توًّا"

تتشكّل هنا مفارقة مركزية: السأم لا يظهر بعد الحزن، بل في ذروة الامتلاء الإبداعي.

هذه المفارقة تُخرج السأم من سياقه النفسي التقليدي، وتضعه في أفق العبث الكينوني كما عند كامو، حيث يصبح الفرح نفسه هشًّا، قابلًا للانكسار في أي لحظة.

3- تراكب الغمّ والسأم

"أراك تخبّئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة   وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرخ"

في هذا المقطع، يتحقّق الاندماج الكامل بين مفهومي العنوان.

السأم لم يعد حالة مستقلة، بل صار مولّدًا للغمّ.

سيميائيًا، الأقبية والمرايا المشروخة علامات على ذاكرة معطوبة وذات منقسمة.

4- السأم والشيخوخة: الزمن بوصفه عبئًا

«لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟»

لا تُقدَّم الشيخوخة بوصفها مرحلة بيولوجية، بل بوصفها مرحلة تاريخية– كينونية، حيث تتراكم الخسارات، ويغدو الزمن نفسه مصدرًا للغمّ. هنا يتحوّل العنوان إلى توصيف لمسار حياة كامل.

5- محاولة ترويض السأم

«إن أردتَ زيارتي   أطرق الباب بتؤدة…»

ينتقل النص من المواجهة إلى المساومة.

هذا التحوّل يعكس وعيًا فلسفيًا باستحالة طرد السأم، فيُعاد تعريف العلاقة معه بوصفها تنظيمًا للحضور لا مقاومة له.

6- الذروة الوجودية: فقدان الظل

"أدري بأني فقدتُ ظِلِّي ورفيقي التوأم"

 الظلّ رمز للهوية والاتكاء الكينوني.

فقدانه يعني انكشاف الذات أمام العدم، وتحويل الغمّ من حزن إلى فقدان للذات كما كانت.

7- الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقتًا

"ليس لي سوى خيالٍ جانح   يأخذني بعيدًا…"

الذاكرة هنا لا تُنتج خلاصًا، بل تعليقًا مؤقتًا للألم.  وهي، وفق ريكور، ذاكرة لا تشفي الجرح، بل تؤجّل حضوره.

8. الخاتمة الشعرية: القبول الحذر

«حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل»

تبلغ القصيدة في هذا المقطع ذروتها التأملية، حيث لا تُختتم بخلاص أو انتصار، بل بما يمكن تسميته القبول الحذر. فالرحيل هنا لا يتمّ بفعل إرادة حاسمة، ولا نتيجة تحوّل جذري في الوعي، بل يظلّ معلّقًا على «إذن» يمنحه الظلام ذاته، بوصفه القوة التي أحكمت سيطرتها على التجربة منذ بدايتها.

لا يُقدَّم الظلام في هذا السياق بوصفه نقيضًا أخلاقيًا للنور، ولا باعتباره شرًّا مطلقًا، بل بوصفه سترًا أخيرًا، يسمح بانسحاب هادئ من صخب المعنى المنهار. إنه فضاء كفٍّ عن المواجهة، لا فضاء هزيمة، حيث تتخلّى الذات عن وهم السيطرة، وتكتفي بإدارة حضورها داخل عالم لم يعد قابلًا للفهم أو التبرير.

بهذا المعنى، لا تمثّل الخاتمة انكسارًا نهائيًا، ولا مصالحة مكتملة، بل لحظة وعي بحدود الإمكان الكينوني، حيث يصبح الصمت، والانسحاب، والقبول المشروط أشكالًا بديلة للبقاء. وتغدو القصيدة، في نهايتها، شهادة على استنفاد المعنى لا على تجاوزه، وعلى حكمة التوقّف لا على وعد الاستمرار.

الفصل الثالث: الدراسة متعددة المناهج: تفكيك الغمّ والسأم عبر مستويات القراءة.. تمهيد منهجي

تقتضي طبيعة قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» اعتماد مقاربة نقدية متعددة المناهج، نظرًا لتراكب مستوياتها البنيوية، والدلالية، والنفسية، والسياسية. فالنص لا يكتفي بتسجيل حالة شعورية عابرة، بل يبني رؤية كينونية تتقاطع فيها الذات مع الزمن، والذاكرة مع التاريخ. ومن ثمّ، لا تُعتمد المناهج هنا بوصفها أدوات متجاورة أو قراءات منفصلة، بل بوصفها مسارًا تحليليًا متدرّجًا، يبدأ من الداخل النصّي، وينفتح تدريجيًا على الأفق الفلسفي–التاريخي الأوسع.

وانطلاقًا من هذا التصوّر، تعتمد الدراسة توزيعًا منهجيًا مرنًا للمقاربات الفلسفية، بحيث تُستثمر أطروحات ألبير كامو ضمن القراءة البنيوية، بوصفها كاشفة عن البنية الدائرية للعبث والسأم، حيث لا يتقدّم النص نحو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج حالته الكينونية في حركة مغلقة. وفي المقابل، تُوظَّف مفاهيم بول ريكور داخل القراءة السيميائية، نظرًا لاهتمامه بالرمز والذاكرة والدلالة الزمنية، بما يسمح بقراءة العلامات الشعرية بوصفها حوامل لمعنى جريح لا يُستعاد خارج الزمن. أما المقاربة النفسية– الكينونية، فتستند إلى تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، حيث لا يُقرأ الانكسار النفسي بوصفه حالة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا تاريخيًا مستقرًا في الوعي، يكشف عن فشل الوعود الخلاصية لا عن إمكان تجاوزها.

كما تنفتح الدراسة، في أحد مستوياتها، على المنهج المادي الديالكتيكي، لا بوصفه أداة تفسير أيديولوجية مباشرة، بل بوصفه أفقًا نقديًا يكشف عن العلاقة الجدلية بين التجربة الشعرية والبنية التاريخية التي أنتجتها. فالنص لا يُقرأ هنا بوصفه انعكاسًا آليًا للواقع، بل بوصفه شكلًا جماليًا مشحونًا بتناقضات الواقع، حيث يتحوّل الألم الفردي إلى أثر تاريخي، وتغدو القصيدة شهادة على فشل الوعود الخلاصية لا على تحققها.

أولًا: المنهج البنيوي الداخلي

العنوان بوصفه بنية مولِّدة

من منظور بنيوي داخلي، يعمل عنوان القصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه بنية مولِّدة تتحكّم في حركة النص بأكمله، لا بوصفه عتبة خارجية فحسب. فالثنائية العنوانية لا تقوم على التضاد، بل على التراكب، حيث لا يقود النص إلى تحوّل نوعي أو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج الحالة نفسها بصيغ شعورية مختلفة.

ويتجلّى ذلك في الحركة الدائرية للقصيدة، التي تنتقل من لحظة امتلاء إبداعي، إلى اقتحام السأم، ثم تحوّله إلى غمٍّ متجذّر، قبل أن تنتهي بمحاولة ترويض هذا الحضور عبر الارتداد إلى الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقّتًا.

هذه الحركة المغلقة تؤكّد أن القصيدة لا تسرد تطوّرًا نفسيًا، بل تكتب استقرار الحالة، ما يجعل العنوان مركزًا بنيويًا لا يمكن تجاوزه. (2)

ثانيًا: المنهج السيميائي

الغمّ والسأم بوصفهما شبكة علامات

في القراءة السيميائية، يتحوّل الغمّ والسأم من مفهوميْن مجرّدين إلى شبكة علامات تنتشر داخل النص، وتعيد تنظيم فضائه الدلالي. فالقصيدة مشبعة بعلامات مثل: الظل، الخيمة، الأقبية، والظلام، وكلّها تحيل إلى ثقل الإقامة القسرية، وإلى احتلال داخلي لا عابر.

الظلّ، على سبيل المثال، لا يعمل بوصفه عنصرًا بصريًا، بل بوصفه علامة على فقدان الحماية والاتكاء الكينوني، فيما تشير الخيمة المهلهلة إلى إقامة هشّة داخل الذات نفسها. وبهذا المعنى، تتحوّل الذات إلى فضاء منفيّ، لا إلى مأوى للمعنى. وهذا يتقاطع مع ما يذهب إليه بول ريكور حول قدرة العلامة على حمل أثر الزمن والذاكرة الجريحة، بحيث لا تُقرأ العلامة بوصفها صورة، بل بوصفها أثرًا دلاليًا يتجاوز ظاهرها. (3)

ثالثًا: المنهج النفسي– الكينوني

من الصدمة إلى الاعتياد

من منظور نفسي– كينوني، يمكن قراءة الغمّ بوصفه أثر الصدمة الأولى المرتبطة بالقمع والمنفى والفقد، بينما يمثّل السأم مرحلة ما بعد الصدمة، حين يتحوّل الألم من حدث طارئ إلى حالة اعتيادية مستقرة. ويتجلّى ذلك في فقدان الظل والرفيق التوأم، بما يحمله هذا الفقد من دلالة على انقسام الذات وتفكّك تماسكها الداخلي.

أما اللجوء إلى الخيال والذاكرة، فلا يُقرأ بوصفه خلاصًا، بل بوصفه آلية دفاع نفسي تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه، وتؤكّد استحالة العودة إلى زمن غير مثقل بالوعي بالخسارة. وهذا يتقاطع مع ما يطرحه ثيودور أدورنو حول استقرار الألم بوصفه معرفة سلبية، لا تُفضي إلى تجاوز، بل تكشف عن عمق الجرح واستمراره. (4)

رابعًا: المنهج السياسي–التاريخي

الغمّ والسأم بوصفهما خلاصة مسار تاريخي

لا تنفصل التجربة الشعرية في «غَمٌّ وسَأمٌ» عن سياقها السياسي–التاريخي. فالغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى، بينما يحيل السأم إلى خيبة ما بعد التغيير، حيث لم يُفضِ التحوّل التاريخي إلى خلاص، بل إلى شكل جديد من الإحباط وانسداد الأفق. وفي هذا السياق، لا يظهر السأم بوصفه نقيضًا للغمّ، بل امتدادًا له، ما يجعل القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية، لا على تحققها. وهذا يتقاطع مع ما يشير إليه مهدي عامل حول كون الشكل الجمالي مشروطًا دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه، وبأن الوعي الفردي لا ينفصل عن شروطه الاجتماعية والسياسية. (5)

خامسًا: التركيب الفلسفي للمناهج

الغمّ والسأم بوصفهما شرطًا وجوديًا

في ضوء تلاقي هذه المقاربات، يتّضح أن الغمّ والسأم في القصيدة لا يعملان بوصفهما حالتين نفسيّتين، بل بوصفهما شرطين وجوديين يتقاطع فيهما العبث، والذاكرة الجريحة، والمعرفة السلبية. فالسأم، كما عند ألبير كامو، لا ينبع من الفراغ، بل من انكشاف عبث العالم في لحظة الامتلاء، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته. أما الغمّ، فيتجلّى بوصفه أثرًا زمنيًا متراكمًا، قريبًا مما يصفه بول ريكور بالذاكرة الجريحة، التي لا تشفي الألم، بل تعيد إنتاجه عبر الزمن. وفي الأفق الأوسع، يكتسب هذا الألم بعده التاريخي، حيث يصبح، على نحو ما يذهب إليه ثيودور أدورنو، معرفة سلبية تشهد على فشل اليوتوبيا، لا على إمكان تجاوزها.

وفي هذا السياق، يقتضي التمييز بين الأفق الكينوني الذي اعتمدته الدراسة في تحليل التجربة الشعرية، وبين المنهج المادي الديالكتيكي بوصفه إطارًا تفسيريًا أوسع للسياق التاريخي.

يختلف المنهج المادي الديالكتيكي عن المنهج الكينوني في زاوية مقاربته للتجربة الشعرية؛ فبينما ينظر الأول إلى النص بوصفه شكلًا جماليًا مشروطًا بتناقضات الواقع التاريخي والاجتماعي، يركّز الثاني على كيفية انكشاف الكينونة الإنسانية داخل اللغة الشعرية. ولا يقوم هذا الاختلاف على التعارض، بل على التكامل، إذ يفسّر المنهج الديالكتيكي شروط إنتاج الألم، فيما يصف المنهج الكينوني أنماط عيشه داخل الوعي واللغة.

وهو ما ينسجم مع ما يشير إليه مهدي عامل من أن الشكل الجمالي مشروط دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه. (6)

خاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أن عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لا يعمل بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يتشكّل بوصفه مركزًا بنيويًا ودلاليًا تتحرّك القصيدة في فضائه، وتعيد إنتاجه عبر مستوياتها المختلفة. فالعنوان لا يظلّ خارج النص، بل يتحوّل إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركته الداخلية، وتكشف عن طبيعة التجربة الشعرية بوصفها تجربة وجودية–تاريخية مركّبة.

وقد أظهر التحليل البنيوي، في ضوء التصوّر الكاموي للعبث والسأم، أن الثنائية العنوانية (الغمّ/السأم) تُعاد إنتاجها داخل النص من خلال حركة دائرية مغلقة، لا تقود إلى انفراج دلالي أو خلاص نهائي، بل تؤكّد استقرار الحالة الوجودية وتكرارها. فالسأم لا يظهر بوصفه نقيضًا للفرح، بل بوصفه بنيته الخفيّة، التي تنكشف في لحظة الامتلاء نفسها، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته.

وفي المقابل، بيّنت القراءة السيميائية، المستندة إلى أفق بول ريكور التأويلي، أن العنوان يتحوّل إلى علامة على المنفى الداخلي، تتجسّد عبر شبكة من الرموز مثل الظل، والثقل، والخيمة، والظلام. وهي علامات لا تُقرأ بوصفها صورًا معزولة، بل بوصفها حوامل لمعنى جريح، يتشكّل داخل زمن غير قابل للشفاء، حيث لا تعمل الذاكرة على استعادة الماضي بقدر ما تعيد إنتاج أثره المؤلم في الحاضر.

أما المقاربة النفسية–الوجودية، في ضوء تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، فقد كشفت أن اقتران الغمّ بالسأم لا يشير إلى حالة نفسية فردية عابرة، بل إلى انكسار ذاتي مستقر، ناتج عن تراكم الصدمة التاريخية. فالألم في القصيدة لا ينفجر، بل يستقرّ، ويتحوّل إلى اعتياد صامت، فيما تغدو الذاكرة والخيال آليات دفاع مؤقّتة، لا تفضي إلى شفاء، بل تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن القصيدة لا تكتب الغمّ والسأم بوصفهما شعورين ذاتيين، بل تعيد تشكيلهما بوصفهما شرطًا وجوديًا يلازم الذات الشاعرة داخل وطن لم يستعد معناه بعد. وهكذا تغدو «غَمٌّ وسَأمٌ» شهادة شعرية على مأزق العودة، حيث ينتهي المنفى الجغرافي ليبدأ منفى أعمق، يسكن الوعي واللغة معًا، ويحوّل الشعر إلى فعل معرفة، لا وعدًا بالخلاص.

***

سهيل الزهاوي

.....................

الهوامش

1- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991، ص 52–65.

 مهدي عامل يؤكّد في كتاباته على فكرتين مركزيتين:

اولًا- أن الوعي الفردي مشروط بالبنية التاريخية والاجتماعية

ثانيًا- وأن الشكل الجمالي مستقلّ نسبيًا، لكنه مشبع بالتناقضات البنيوية

 2- ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 2006، ص 23–30.

3- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، ص 78–90

4-   ثيودور أدورنو، نظرية جمالية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1995، ص 34–45.

5- مهدي عامل، نقد الفكر اليومي، دار الفارابي، بيروت، 1988، ص 40–55

مهدي عامل يطرح ثلاث أفكار تتطابق تمامًا مع تحليل المنهج السياسي–التاريخي:

اولًا- الألم الفردي هو أثر تاريخي وهذا يتطابق مع «الغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى…»

ثانيًا - خيبة ما بعد التغيير جزء من البنية التاريخية وهذا ينسجم مع: «السأم يحيل إلى خيبة ما بعد التغيير…»

ثالثًا - فشل الوعود التاريخية وهذا هو جوهر العبارة: "القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية…"

6- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991 ص 52–65.

بعنوان: "أسئلة"

تأتي قصيدة «أسئلة» لتوفيق أحمد بوصفها نصاً قلقاً يتخذ من السؤال جوهره، ومن الشك أفقه الجمالي والفكري، حيث يُعيد الشاعر مساءلة اللغة، والتراث، ووظيفة الشعر في عالم مأزوم بالمعنى. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة نقدياً، كاشفةً بنيتها اللغوية والجمالية والفكرية، ومبيّنةً موقعها ضمن سياقها الثقافي بوصفها فعل مقاومة جمالية واستعادة لدور الشعر بوصفه سؤالًا مفتوحاً.

القصيدة بوصفها بياناً شعرياً، لا تُقرأ قصيدة «أسئلة» بوصفها نصاً وجدانياً أو تأملياً فحسب، بل يمكن عدّها بياناً شعرياً نقدياً يعلن موقف الشاعر من: اللغة، البلاغة، التراث، الحداثة.

- وظيفة الشعر ذاتها.

إنها قصيدة تسائل الشعر بالشعر، وتضع الشاعر داخل محرقة الوعي الجمالي، حيث لا يقين إلا السؤال، ولا خلاص إلا بالكتابة.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

اللغة في القصيدة سليمة نحوياً وصرفياً، لكنها ليست حيادية؛ بل لغة مشدودة إلى أقصى طاقتها الدلالية.

يعتمد الشاعر توفيق أحمد على:

جُمل فعلية متوترة («أنا لا أقول»، «عندي كلام»، «هذا الفراغ يقودني»)

ضمير المتكلم بوصفه مركزاً للخطاب (أنا/عندي/أريد)

الانزياح اللغوي يتجلّى في:

تشخيص المجرّد («الفراغ يصوغ قيد الهلوسات»)

قلب الوظائف البلاغية («أحبّ الجراح»، «عرس الأغنيات لمأتمي»)

وهنا تتحوّل اللغة من أداة وصف إلى ساحة صراع معرفي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

فصاحة النص ليست زخرفية، بل احتجاجية:

الألفاظ مألوفة، لكن علاقاتها غير مألوفة

لا انفصال بين اللفظ والمعنى؛ إذ إن التوتر الدلالي هو المعنى ذاته

اللغة ملائمة تماماً لموضوع القصيدة:

قصيدة تسائل البلاغة لا يمكن أن تُكتب بلغة مطمئنة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة على بحر الكامل في أغلب مقاطعها، مع انزياحات إيقاعية مقصودة.

القافية متحرّكة وغير رتيبة.

الجرس الصوتي قائم على:

١- تكرار الصوامت القاسية (ق، ك، ص، ض)

٢- مقابلة بين أصوات الاحتقان والانفجار.

٣- الموسيقى الداخلية تتولّد من:

التكرار («أنا لا أريد…»، «عندي…»)

٤- الاستفهام العائد («هل غادر الشعراء…»)

٥- الإيقاع هنا فكري بقدر ما هو سمعي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً، لكنها تمتلك سردية فكرية:

١- بداية: إعلان القلق.

٢- وسط: تفكيك اللغة والبلاغة.

٣- نهاية: الدعوة إلى تجاوز إبداعي.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل، لكن الغالب هو:

المنهج التحليلي الجدلي مع أسلوب مقارن ضمني (القصيدة الحديثة - البلاغة القديمة).

2. الرؤية الفنية.

رؤية الشاعر للعالم:

١- العالم مأزوم لغوياً

٢- البلاغة التقليدية عاجزة.

٣- الشعر الحقيقي فعل مقاومة معرفية.

٤- الشكل (قصيدة تساؤلية، متكسّرة، احتجاجية) منسجم كلياً مع المضمون (رفض الجاهز).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

الإبداع لا يكمن في الصورة فقط، بل في:

١- تفكيك مفهوم البلاغة.

٢- رفض القوالب («أنا لا أريد على البلاغة قيّمًا»).

٣- إنتاج دهشة فكرية لا حسّية.

القصيدة تتجاوز المألوف لأنها تجعل السؤال مادة شعرية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

القصيدة تطرح أسئلة وجودية وفكرية:

١- ما الشعر؟

٢- ما دور الشاعر؟

٣- هل اللغة قادرة على قول الحقيقة؟

وترفض:

١- العنف باسم الجمال

٢- القتل باسم العقيدة أو اللغة

السلطة الجمالية الجاهزة

2. الأفق المعرفي

النص يتقاطع مع:

التراث (الاقتباس الواعي من زهير: هل غادر الشعراء…)

الحداثة الشعرية

الفكر الصوفي (الأسئلة، القلق، الكشف)

لكن دون انتماء أيديولوجي صريح.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، القصيدة تقول:

اللغة مأزومة، لكن الصمت ليس حلًّا،

والسؤال هو النجاة.

السؤال هنا ليس نقصاً، بل شرط المعرفة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

القصيدة تُكتب في سياق:

١- أزمة عربية عامة.

٢- عنف رمزي ومادي.

٣- تآكل المعنى في الخطاب العام.

2. تطور النوع الأدبي

تنتمي إلى:

١- الشعر العربي الحديث

٢- مرحلة ما بعد الحداثة النقدية حيث القصيدة تُراجع ذاتها

3. علاقتها بالتراث

التراث حاضر:

لا بوصفه قداسة، بل بوصفه مادة مساءلة.

الاقتباس من زهير بن أبي سلمى تفكيكي لا استدعائي.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- قلق معرفي.

٢- غضب واعٍ.

٣- توتر إبداعي.

2. تحليل الشخصية

الذات الشعرية:

ناقدة، غير منكسرة، ترفض الامتثال

3. النبرة النفسية.

النبرة الغالبة:

احتجاج تأملي لا صراخ فيه.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

القصيدة تُدين: تزييف الخطا، السلطة الرمزية. تحويل الجمال إلى أداة قمع

2. الخطاب الاجتماعي.

رفض صريح:

١- للطاعة العمياء

٢- للأخلاق المصطنعة

٣- للبلاغة السلطوية

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

توفيق أحمد يظهر:

مثقفًا نقدياً، لا شاعر عزلة، بل صاحب موقف

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- النار: القلق/الوعي

٢- الفراغ: ضياع المعنى

٣- القيد: اللغة المؤدلجة

2. الثنائيات

١- المعنى / الهراء

٢- اللغة / الصدأ

٣- الجمال / العنف

3. النظام الرمزي

نظام يقوم على:

تفكيك اللغة بوصفها سلطة

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج التفكيكي

٣- التحليل النفسي غير الاختزالي

٤- التأويل الهيرمينوطيقي

بصرامة وتكامل.

- خاتمة:

قصيدة «أسئلة» ليست نصاً يُقرأ، بل موقفاً يُفكَّر فيه.

إنها قصيدة تعلن أن:

الشعر الحقيقي لا يطمئن، ولا يجيب،

بل يُبقي السؤال مفتوحاً كي يبقى الإنسان حيّاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

أســـئلة

شعر: توفيق أحمد

أنا لا أقولُ و«ألفُ نارٍ في دمي»

هل غادر الشعراء من متردَّم

*

عندي كلام لم يزل يحتلني

ويضيفُ أسئلة الجنون إلى دمي

*

عندي جراحٌ ما أزال أحبُها

لأضيف عرس الأغنيات لمأتمي

*

أنا لست أحتقر النجوم لبعدها

عنّي وأكره قرب كلّ منجّم

*

الاستعاراتُ القديمةُ أَخْفَقَتْ

في حلِّ بعض توحُّشي وتأزُّمي

*

وَهَوَتْ بِيَ اللغةُ العجوزُ لشرفةٍ

أُخرى وأسلمني الصراخُ إلى فمي

*

هذا سؤالُ أَستعينُ بكم على

ما فيه من صوفيّةٍ وتكلُّمِ

*

أنا لا أريد القتلَ ضَرْبَ هوايةٍ

لكنْ أريد الآن كشف المجرم

*

هذا الفراغ إلى الفراغ يقودني

ويصوغ قيد الهلوسات لمعصمي

*

لا وقت للمعنى فما هذا الذي

يجري بقاموس الهراء المظلم

*

هي حكمتي أُفضي بها لجميعِ مَنْ

ستُثيرُهُمْ عفويتي وتهكُّمي

*

شُقُّوا ثيابَ الأمس إني تائبٌ

عما به من زائفٍ ومنمنم

*

شقوا العصا عن طاعةٍ لم تعطنا

وقتاً به قلقُ القصيدة يحتمي

*

أنا ضدُّ تدمير الجمال حماقةً

بيدٍ تحدّدُ جنتي وجهنمي

*

لغةٌ بلا لغةٍ وأكسَدةٌ بها

صَدِئَ الكلامُ وصار مَحْضَ توهُّمِ

*

سبحان هذا الشعر إبداعاً بلا

فوضى وطيشٍ عابرٍ وتشرذم

*

أنا لا أريد على البلاغة قيِّماً

فالشعرُ لا يَعنيه شَكْلُ القَيِّمِ

*

إنَّا نُريدُ قصيدةً لم نَكْتَشِفْ

بحراً لها ووليدةً لم تُفْطَمِ

*

الشعرُ خارطةُ الجمال وكيفما

صَحَّتْ لك الأمداءُ فيه فَحَوِّمِ

*

جاوزْ إذا كان التجاوُزُ مُبْدِعاً

هل غادر الشعراء من مُتَرَدَّمِ

***

دراسة في قصيدة "تبكي على بابي"

***

تَبْكي عَلَى بابي

تَبْكي عَلَى بابي خُيولُ الغَيْمِ

تَبْكي عَلَى بابي..

في سَرْجِها أَنَّتْ رِياحُ الضَّيْمِ

مِن جَورِ أَعْرابي..

*

هذا الصَّهيلُ نَواحُ

هذا صَهيلٌ ما تَعَوَّدْناهُ..

هذا صَهيلُ جِراحٍ

مِنْ أَيِّ كَيٍّ قَدْ جَرَّعْتِ الآهِ..

*

تَهْوي عَلَى بابي نُجومُ اللَّيْلِ

وتَغوصُ في الظُّلْمَةِ..

مِنْ أَيِّ ثَوْبِ عَباءَةٍ يا لَيْلُ

قَصُّوا لَكَ العَتْمَةَ..؟!!

***

مقدمة: الشاعر الذي يبحث عن خلود القصيدة

يُعَدُّ الشاعر السوري سامر كحل واحداً من الأصوات الشعرية المهمة التي سعت إلى تأسيس بصمة خاصة في مدونة الشعر السوري المعاصر. يمثل مشروعه الشعري بحثاً مستمراً عن "خلود القصيدة واستمراريتها"، حيث يتبنى رؤية فنية تقوم على التكثيف والدهشة كأساسين جوهريين للإبداع الشعري. تنطلق هذه الدراسة من قصيدته "تبكي على بابي" كنموذج تطبيقي لاستجلاء آليتي الرمز والجمال في تشكيل عالمه الشعري المميز، مستندةً إلى شهادات من تجربته الشعرية العامة.

في قصيدة "تبكي على بابي"، لا يكتب سامر كحل نصاً شعرياً تقليدياً، بل ينحت من حروف الألم نواحاً كونياً. القصيدة هي مرثية مُصغَّرة لوطنٍ يبكي على عتبته، حيث تتحول العناصر الطبيعية إلى كائنات حزينة تشارك الإنسان هول الفقد. هنا، لا يُخاطب الشاعر الناسَ فحسب، بل يخاطب الريحَ والغيمَ والليلَ، في حوار درامي يرفع المأساة الشخصية إلى مصاف المأساة الوجودية.

الفصل الأول: تشريح الرمز: لغة الكون المعذَّب

يُجسِّد سامر كحل في قصيدته فلسفةً شعوريةً عميقةً: الألم الكبير لا ينطقه البشر وحدهم. الرمز عنده ليس زينة لغوية، بل هو لغة بديلة يصبح فيها الكون شريكاً في المعاناة:

الخيول التي تبكي: "تبكي على بابي خيولُ الغيم". الخيل في المخيال الجمعي العربي رمز القوة والفروسية والحرية. تحويلها إلى كائنات باكية على الباب يعني أن الحرب قد نهشت حتى رموز القوة في الذات والهوية. البكاء على الباب – العتبة الفاصلة بين الداخل والخارج – يجعل من الدمار انتهاكاً للحرمة الأكثر حميمية.

الصهيل الذي أصبح نواحاً: "هذا الصّهيلُ نواح". هذا الانزياح الدلالي هو قلب جمالي مبدع. فالصهيل، صوت الفخار والانطلاق، يتحول إلى صوت النواح، صوت الموت والرثاء. الاستمرار في التكرار "هذا صهيلٌ ما تعوّدناه.. هذا صهيل جراح" يحوِّل الصوت إلى إحساس جسدي، وكأن الجرح نفسه يصرخ.

نجوم تسقط: "تهوي على بابي نجومُ الليل". النجوم، الرمز الأزلي للهداية والثبات والأمل، لم تعد تلمع بل "تهوي" و"تغوصُ في الظلمة". هذا السقوط الدراماتيكي هو سقوط للبوصلة الوجودية، انطفاء للنور الداخلي الذي يهدي الإنسان في ظلمة الحياة.

الفصل الثاني: موسيقى الكارثة: إيقاع النواح الداخلي

يبتعد سامر كحل عن الوزن التقليدي ليخلق موسيقى عضوية تنبع من نبض المأساة نفسها. إيقاعه هو إيقاع النفس المجهود والقلب المكلوم:

تكرار المرثية: التكرار هنا ليس أداة زخرفية، بل هو نسيج القصيدة العاطفي. "تبكي على بابي... تبكي على بابي" – كلمة "تبكي" التي تفتتح القصيدة وتتكرر، تضع القارئ فوراً في مناخ من البكاء المستمر، كالمطر الذي لا ينقطع. التكرار اللاحق "هذا الصهيلُ... هذا صهيلٌ... هذا صهيل..." يُحاكي تردد أنين الجريح، أو دقات مطرقة الألم التي لا تتوقف.

توازي السقوط: هناك إيقاع نزولي مهيمن يشبه سقوط الشهب: "تهوي... نجومُ الليل" ثم "تغوصُ في الظلمة". هذه الأفعال المتتالية (تهوي، تغوص) تخلق إحساساً بالغرق والهاوية، موسيقياً ودلالياً.

صرخة الاستفهام: تبلغ الذروة الموسيقية في السؤال المزلزل: "من أيّ ثوبِ عباءةٍ يا ليل / قصّوا لك العتمة..؟!!". الجملة الطويلة التي تبدأ باستفهام استنكاري ("من أيّ") وتنتهي بعلامتي تعجب واستفهام، تحوِّل التساؤل إلى صيحة اتهام. الإيقاع هنا هو إيقاع الصدمة، صدمة من يرون ظلمة الليل – رمز السكون – وقد تحولت إلى "عتمة" مقطوعة بقسوة.

الفصل الثالث: الباب: العتبة التي أصبحت وطناً

"الباب" في هذه القصيدة ليس كلمة عابرة؛ إنه الرمز المركزي الذي تدور حوله كل الدموع. الباب في الأدب العالمي هو عتبة التحول، مكان اللقاء والفراق، الحماية والتهديد. بكاء خيول الغيم ونجوم الليل على الباب يحوِّله من جزء من بيت إلى:

1. نصب تذكاري للوطن السليب.

2. مكان شاهد تجتمع عنده كل أحزان الكون.

3. حدّ فاصل بين عالمين: عالم الداخل المأمول (الذي ربما لم يعد موجوداً) وعالم الخارج المدمر.

سؤال القصيدة الكبير: إذا كان الكون نفسه يبكي على العتبة، فما مصير من هم داخل البيت؟ الجواب يكمن في الصمت المطبق بين السطور، في ذلك الفراغ الذي يملأه القارئ.

خاتمة: الشعر حين يتحول إلى ضمير

قصيدة سامر كحل "تبكي على بابي" هي شهادة شعرية على زمن الانهيار. إنها لا تروي حدثاً بقدر ما تنحت حالة وجدانية جامعة. الشاعر هنا لا يصف الدمار من الخارج، بل يستدعيه إلى لغته، فيجعل من الصهيل نواحاً، ومن النجوم كائنات غارقة، ومن الليل ضحية لجريمة "قصّ العتمة".

في هذه القصيدة، يثبت سامر كحل أن الجمال الشعري الحقيقي لا ينفصل عن عمق المأساة وصدق التعبير. اللغة عنده تصير جسداً ينزف، والإيقاع يصير نبض جرح. إنه الشعر الذي لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يتحول إلى ضمير يسمع بكاء ما لا صوت له: بكاء الغيم، صهيل الجراح، وصرخة الليل المقطوع الثوب. وهنا تكمن قوته الخالدة: في قدرته على تحويل الوجع الإنساني إلى صورة كونية تبقى نابضة في ذاكرة الزمن.

***

بهيج حسن مسعود

 

تأتي قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» للشاعرة المغربية حفيظة الفائز بوصفها نصّاً إشكالياً كثيفًا، لا يكتفي بتسجيل انفعال وجداني عابر، بل ينخرط في مساءلةٍ عميقة لعلاقة الذات بالرغبة، وبالغياب، وبالمقدّس حين يتقاطع مع العاطفي. إننا أمام نصٍّ يتجاوز حدود الغنائية التقليدية، ليؤسس خطابًا شعرياً مركّبًا، تتجاور فيه اللغة الحسية مع الرمز الطقوسي، ويشتبك فيه الحب مع الخوف، والاشتهاء مع الكفّ، في بنيةٍ لغوية ودلالية مشدودة على قلق الوعي لا على طمأنينة القول.

تنفتح القصيدة على حوار داخلي (قال/قالت) لا بوصفه تقنية سردية فحسب، بل باعتباره آلية كشفٍ نفسي وفكري، تتيح تفكيك العلاقة غير المتكافئة بين ذاتٍ تمنح حتى الذوبان، وذاتٍ تنسحب متذرّعة بالتحفّظ والاعتكاف. ومن خلال هذا الحوار، تُعيد الشاعرة إنتاج التجربة العاطفية بوصفها طقسًا معطوبًا، يُؤدّى دون اكتمال، ويُعاد دون خلاص، حيث يتحوّل الطواف إلى دوران، والسعي إلى خطأ في العدّ، والصلاة إلى نشازٍ خجول.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً موسّعة، تنطلق من تحليل الأسس اللغوية والبلاغية، وتنتقل إلى تفكيك البنية الجمالية والفنية، قبل أن تنفذ إلى مستوياتها الفكرية والفلسفية، والنفسية، والسوسيولوجية، والسيميائية، في ضوء منهج وصفي–تحليلي–تأويلي، مع الاستفادة من المقارنة حين يقتضي السياق. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن البنية العميقة للمعنى، وعن الكيفية التي تُنتج بها القصيدة دهشتها، وتبني عالمها الرمزي، وتؤسّس لرؤية شعرية خاصة، تُثبت حضور الشاعرة بوصفها صوتًا واعيًا باللغة، وبالذات، وبأسئلة الوجود المعاصر.

تنهض قصيدة «سهاد على ناصية الشوق» على توتّرٍ داخليٍّ عالٍ بين الرغبة والكفّ، بين الانجذاب والانسحاب، وبين المقدّس والعاطفي، في نصٍّ يتكئ على خطاب حواري مزدوج (قال/قالت)، يُنتج دراما لغوية داخلية لا تقوم على الحدث، بل على الاحتكاك الدلالي بين ذاتين: ذاتٍ مأزومة بالاشتهاء، وأخرى مأزومة بالخوف من الاشتهاء.

إننا أمام قصيدة نثر ذات حساسية إيقاعية عالية، توظّف المجاز الديني، والانزياح البلاغي، والرمز الطقوسي، لتفكيك علاقة حبٍّ مختلّة، تتنازعها الرغبة والانسحاب، الفعل والتعليق، الحضور والغياب.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتميّز لغة النص بـ:

١- سلامة نحوية واضحة

٢- تراكيب مشدودة ومكثّفة

انزياحات دلالية واعية غير مفتعلة

مثل:

١- «تجتاحين هشاشتي»

٢- «شباكَ حبالٍ تشنق المعنى»

التركيب هنا يزاوج بين الفعل الجسدي والفعل النفسي، حيث تتحول الهشاشة إلى فضاء يُجتاح، ويتحوّل المعنى إلى كائن يمكن شنقه. هذا ليس تزيينًا لغويًا، بل تفكير بالمجاز.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ:

١- غير متكلّفة

٢- ملائمة للموضوع ٣- الوجداني–الطقوسي

٤- مشبعة بحمولة رمزية

تنجح الشاعرة في خلق توازن دقيق بين:

١- حرارة الانفعال.

٢- وبرودة الصياغة المتأنية.

فلا تنزلق إلى الغنائية المفرطة، ولا إلى الجفاف الذهني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول على:

١- الجرس الداخلي

٢- التوازي التركيبي

٣- التكرار الدلالي

مثل:

«قديمٍ

قديمٍ جدًّا»

«سبعًا في سبعٍ»

التكرار هنا ليس إيقاعًا صوتيًا فقط، بل إيقاع وجودي يعكس الدوران، العجز، والطقس غير المكتمل.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص قائم على:

١- حوار شعري داخلي

٢- تقابل صوتي (قال/قالت)

٣- بنية مشهدية لا سردية

٤- لا شخصيات بالمعنى السردي، بل أصوات نفسية تتواجه. الزمن ليس خطيًا، بل دائري، يعيد إنتاج الفعل نفسه (الاقتراب/الانسحاب).

المنهج الوصفي يبيّن أن النص:

يصف حالة لا حدثًا

شعورًا لا واقعة

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعرة للعالم:

١- الحب اختبار أخلاقي

٢- والرغبة امتحان للوعي

٣- والطقس الديني استعارة للارتباك الوجودي

هناك انسجام واضح بين:

١- شكل النص المتقطّع

٢- ومضمونه القلق

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تتجلّى الدهشة في:

«ترتدي زمن الإحرام»

«اعتكاف الحلزون»

وهي صور:

غير مستهلكة

ذات طاقة تأويلية عالية

تمزج المقدّس باليومي دون ابتذال

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحب خلاص أم فخ؟

هل الرغبة خطيئة أم طقس؟

هل الصبر فضيلة أم خوف؟

هذه أسئلة وجودية، تُطرح دون إجابات، وهو ما يمنح النص عمقه.

2. الأفق المعرفي

يحيل النص إلى:

المرجعية الدينية (الطواف، السعي، الإحرام)

دون خطاب وعظي

بل بوصفها لغة رمزية للتيه

وهو ما يضع النص في تماس مع شعر الحداثة الروحية.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في العمق، النص عن:

علاقة غير متكافئة

ذات تعطي وذات تنسحب

عشق يُؤدَّى كطقس بلا اكتمال

الطواف دون المحبوب، السعي بالنيابة، الخطأ في العدّ:

كلها إشارات إلى اللاجدوى الوجودية.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

النص مكتوب في سياق:

ذات أنثوية عربية معاصرة

تحاول استعادة صوتها

دون الوقوع في خطاب احتجاجي مباشر

2. تطور النوع الأدبي

ينتمي النص إلى:

قصيدة النثر التأملية

ذات البعد الصوفي–الوجداني

المتقاطعة مع الشعر النسوي غير الشعاري

3. الارتباط بالتراث

الاستدعاء الديني:

واعٍ

غير زخرفي

يُوظَّف بوصفه رمزًا لا اقتباسًا

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق

٢- التوق

٣- الخجل

٥- الشعور بالذنب

2. تحليل الشخصية

الشخصيتان:

«هو»: انسحابي، متردّد، يخشى الاكتمال

«هي»: مبادرة، معطاءة، مأزومة بالعطاء

3. النبرة النفسية

النبرة الغالبة:

١- حنين مكسور

٢- قلق وجودي

٣- خجل روحي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يلامس:

صورة الأنثى العاطفية في مجتمع محافظ

علاقة السلطة داخل الحب

الانسحاب الذكوري بوصفه شكلًا من أشكال الهيمنة الصامتة

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- العطر: الذاكرة

٢- الطواف: البحث

٣- الإحرام: الكفّ

٤- الحلزون: الانغلاق

2. الثنائيات

١- حضور / غياب

٢- طقس / رغبة

٣- صلاة / نشاز

3. النظام الرمزي

النص يبني عالمًا:

مغلقًا

دائريًا

محكومًا بالتكرار

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- التأويل الرمزي

٤- المقاربة السيميائية

مع وضوح منهجي وتكامل قرائي.

خاتمة:

«سهاد على ناصية الشوق» قصيدة ناضجة، عميقة، لا تراهن على الانفعال السريع، بل على التراكم الدلالي. نصٌّ يحترم القارئ، ويستفزّ وعيه، ويؤكّد أن الشاعرة حفيظة الفائز تمتلك:

حساسية لغوية

وعيًا رمزيًا

وصوتًا شعريًا خاصًا

وهي قصيدة تستحق أن تُدرَس، لا أن تُقرأ فقط.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

سهاد على ناصية الشوق

قال لها:

تجتاحين هشاشتي

حين يلوح عطرُكـ

على مشارفِ الذاكرة

تسكنينني

يا امرأةً بأسلحةٍ ضارية

تشهقين بحدسِ الأنثى

تفُكٌين أزراري

شباكَ حبالٍ

تشنُقُ المعنى

فيتهدّى الضجيجُ على صدري

كومضات شِعرٍ

 بلا قافية

كهذيانِ قديم

قديمٍ جدّا

صدّقَ

أن ينالَ الطّوفانُ

من سفينةِ نوح

بشراهتِهِ العالية

*

قالت له:

يكفيك باقةُ فرحٍ

بدَلَ الوَجسِ على الناصية

لتكونَ وِشاحاً

لبيضِ ليالي

لكنك تسكبُني

دمعةً يتيمةً

من حياضِ عينيك

لسديمِ عينيَّ

*

ولما يضُمُّ عطرُكَ شغفي

ترميه مرَقاً شهيّاً

في طبقٍ مكسور

وعلى ميقاتي

ترتدي زمنَ الإحرام

*

تلْزَمُ قوقَعتَك

في اعتكافِ الحلزون

وأنا أطوفُ بدلاً عنك

وأعُدُّ سعْيِيَ

سبعاً في سبعٍ وأخطئُ العدّ

*

يعتريني نشازٌ

لا يليقُ بالصلاة

فيعجبُ محرابي مني

وأخجلُ من حِلْمِهِ عليّ

*

يتنبّأُ الأفقُ بتعبِ الطريق

فأناشِدُهُ إشراقاً

يجفِّفُ الحياةَ من عرقٍ زائد

من حمّى سهادِك

وسُهْدِ لياليّ

***

حفيظة الفائز 2|1|2026

 

انتهى بنا الحوار في المساق السابق إلى أنَّ الشِّعر العَرَبي عِلْم العَرَب، وفنُّهم الوحيد، وسِجِلُّ تاريخهم، وديوان ثقافتهم، ولغتهم اليوميَّة، وما كانوا ليَدَعوه حتى تَدَع الإبل الحَنين. فقلت لمحاوري (ذي القُروح):

- ولن تَدَعَ الإبل الحَنين، ولن يَدَع العَرَب الشِّعر وثقافته!

- ولن يَدَع العَرَب الإبل وثقافتها أيضًا. حتى إنَّ (أبا تمَّام)(1) يكاد يجعل ممدوحه (محمَّد بن عبدالملك الزيَّات) قَتَب ناقة، أو جَملًا، في أجمل صُوَرِه، أو يجعله دَلْوَ ماء:

وتَحتَ ذاكَ قَضاءٌ حَزُّ شَفرَتِهِ

كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ

*

لا سَوْرَةٌ تُتَّقَى مِنهُ ولا بَلَهٌ

ولا يَحيفُ رِضًا مِنهُ ولا غَضبُ

*

أَلقَى إِلَيكَ عُرَى الأَمرِ الإِمامُ فَقَد

شدَّ العِناجُ مِنَ السلطانِ وَالكَرَبُ

بالرغم من أنَّ حِدَّةً لا تعدو أن تكون «كما يَعَضُّ بِأَعلى الغارِبِ القَتَبُ» ليست بحِدَّةٍ تُذكر، ولا بمدحٍ يُؤثَر، ولا بقضاءٍ يُشكَر!

- هلَّا جعله سيفًا صارمًا، مثلًا؟ لا مجرَّد قَتَبٍ، إنَّما «يَعَضُّ»! وأين؟ «بأعلى الغارب»!

- وقد قيل: إنَّما نقلَ قوله هذا عن قول (نُصيب بن رباح)(2):

هَلْ وَصْلُ غانيةٍ عَضَّ العَشيرُ بها

كما يَعَضُّ بِظهْر الغاربِ القَ-تَبُ

*

إلَّا ظنونٌ كوِرْك القَوس إِنْ تُرِكتْ

يَوْمًا بِلا وَتَرٍ فالوِرْكُ منقلِبُ(3)

فأخذ الشطر الثاني برُمَّته، ووقع في فخِّه!

- ولكن شتَّان بين الصُّورة المنسوبة ل-(نُصيب)، وبيت (أبي تمَّام).

- نعم؛ لأنَّ تعبير (نُصيب) مناسبٌ لسياقه، في تصوير ملازمة العشير للغانية، كملازمة القَتَب لغارب البعير. ولقد ذكر أبو تمَّام نُصيبًا في القصيدة، كأنما ليلفت نظر النقَّاد إلى نَظَره في شِعره، وأَخْذِه منه قَتَبه وغاربه، حيث قال- وهو كذلك، كما أشرنا في مقاربة سابقة، ما ينفكُّ يحضره الجنس والنساء والدِّماء، حين يذكر القوافي-:

أَمَّا القَوافي، فَقَد حَصَّنتَ عُذرَتَها

فَما يُصابُ دَمٌ مِنها ولا سَلَبُ

*

مَنَعتَ إلَّا مِنَ الأَكفاءِ ناكِحَها

وكانَ مِنكَ عَلَيها العَطْفُ والحَدَبُ

*

ولَو عَضَلتَ عَنِ الأَكفاءِ أَيِّمَها

ولَم يَكُن لَكَ في أَطهارِها أَرَبُ

*

كانَت بَناتِ (نُصيبٍ) حينَ ضَنَّ بِها

عَنِ المَوالي ولَم تَحفَل بِها العَرَبُ(4)

على الرغم من تنصُّله من الأخذ عن غيره، قائلًا، على طريقة «كاد المريب أن يقول خذوني!»:

لا يُستَقَى مِن جَفيرِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ(5)

لكنَّ هذا الرَّونق قد عِيب عليه أيضًا. فقال (المعرِّي): إنَّ الجَفير إنَّما هو للسِّهام، وربما سَمَّوه (جَفْرًا). والجَفْر: البئر قليلة الماء، لكنَّها لا تُسمَّى جَفيرًا. واقترح لو قال: «من حَفير الكُتْب»؛ لأنَّ كلَّ بئرٍ حَفير. واقترح (ابن المستوفي)(6) صياغةً إنقاذيَّةً أخرى، هي أن يكون البيت:

لا يُستَقَى مِن خيارِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن جَفْرها الكُتُبُ

ويمكن أن أضيف أنا صياغةً أراها أفضل:

لا يُستَقَى مِن بِحارِ الكُتْبِ رَونَقُها

ولَم تَزَل تَستَقي مِن بَحرِها الكُتُبُ

- غير أنَّ عِلَّة (أبي تمَّام)- إلى جانب (التناص/ التلاص)- تظلُّ إلحاح مفردات البادية على معجمه.

- صحيح. فإذا هي تحضر في بلاط الوزير الممدوح، مصطحبةً حاشيتها من «الغارب، والقَتَب، والعِناج، والكَرَب»، حتى أفضى إلى تصوير (الزيَّات) هكذا، بهذه الصُّورة الكاريكاتوريَّة، قَتَبًا على غارب بعير، أو دَلْوًا يَشدُّ عليه السُّلطان العِناج والكَرَب! ذلك أنَّه ما يفتأ يرى في ممدوحيه بُعرانًا، عليها الأقتاب والأكوار، مقارنةً بالنُّوق من بنات المخاض! كقوله عن ممدوحٍ آخر، سنرى صُوَر مديحه إيَّاه لاحقًا:

تِلكَ بَناتُ المَخاضِ راتِعَةً

والعَودُ في كُورِهِ وفي قَتَبِهْ(7)

- ثمَّ لا أدري ما سِرُّ «الدِّلاء» و«الأرشية» في شِعر (أبي تمَّام)؟!

- حكايتهما حكاية! حتى إنَّهما لا يكادان يفارقان مخيلته وصوره، في ما تبدو لديه وراءهما عُقدة ثقافيَّة ما، تتجلَّى بتكرار ذكرهما. عُقدة أشدَّ ممَّا تتجلَّى عُقدة (ترمب) من (بايدن) بتكرار اسمه في صحوه ومنامه! فالممدوح لديه أو المرثي: «قَليب أو رِشاء قَليب»! يقول مثلًا(8):

- إِذا تَ-يَمَّ-من-اهُ ف-ي مَطلَ-بٍ

كانَ قَليبًا أَو رِشاءَ القَليبِ!

- فَإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ رِشاءً

وإِذا ما أَرَدتُ كُنتَ قَليبا

- ووَرَدناهُ ساحِ-لًا وقَلي-بًا

ورَعَ-يناهُ بارِضًا وَجَ-ميما

- لَ-م أَزَل بارِدَ الجَ-وانِحِ مُذ خَض-

-خَضتُ دَلوي في ماءِ ذاكَ القَليبِ

- إلى حائِطِ الثَّغرِ الَّذي يورِدُ القَنا

مِنَ الثُّغرَةِ الرَيَّا القَليبَ المُهَ-دَّما

- كلُّ هذا؟! وكأنَّ (أبا تمَّام) جاءنا سقَّاء ماءٍ لا شاعرًا!

- هذه مجرد أمثلة. ولكن أقلتَ كأنه سقَّاء ماء؟ هو كذلك بالفعل، فقد اشتغل في (مِصْر)، زمنًا في حداثته، يسقي الماء، قبل أن يشتغل بسقي الشِّعر؛ فظلَّت حرفته الأُولى عالقة بمعجمه. فلا عجب من إدلائه بدلائه وأرشيته كثيرًا في تضاعيف ديوانه. وقد عاد لتأكيد تعلُّقه بالدِّلاء في قوله:

بَلَى لَقَد سلَفَتْ في جاهِلِيَّتِهِمْ

لِلحَقِّ لَيسَ كَحَقِّي نُصرَةٌ عَجَبُ

*

أَنْ تَعْلَقَ الدَّلْوُ بِالدَّلْوِ الغَريبَةِ أَو

يُلابِسَ الطُّنُبَ المُستَحْصِدَ الطُّنُبُ(9)

- كنَّا قد تطرَّقنا في لقاء سابق إلى حكاية الدِّلاء والأرشية، في شِعر (أبي تمَّام)، خلال مدائحه، وقلتَ: إنَّه في بعض مدحه- مستعمِلًا تلك الأدوات- تنطبق على نظرته إلى ممدوحيه المقولة الشَّعبيَّة «الأعور في ديرة العُميان مَلِك»!(10)

- هذا كلُّه في كفَّةٍ وامتداح الوزير (الزيَّات) بتلك الخصلة النادرة- وهي أنه لم يكن يعاني من (البَلَه)- في كفَّة قائمة بذاتها!

- وإذن، لو عزَّر الممدوحُ الشاعرَ على مثل هذا المديح، لما ناله ملام!

- كانت تلك صَنْعَة (أبي تمَّام)، يقفز إلى السماء وسرعان ما ينحطُّ إلى الحضيض!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...........................

(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عَزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 249- 251/ 32- 34.

(2) يُنظَر: (1989)، النِّظام في شرح شِعر المتنبِّي وأبي تمَّام، دراسة وتحقيق: خلف رشيد نعمان، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 3: 96.

وفيه: «ما وصل غانية عَضَّ العشيُّ بها!» وأخطاء طبعة كتاب (ابن المستوفي) هذه ما أظنُّ لها نظيرًا!

(3) ليس البيتان في ديوان (نُصيب)، الذي جمعه: (داود سلوم). لكنَّهما في (ابن سيده، المخصَّص، (ورك))، غير منسوبَين.

(4) ديوانه، 1: 252- 253/ 39- 42.

(5) م.ن، 1: 259/ 59.

(6) يُنظَر: النِّظام، 109- 110.

(7) ديوان أي تمَّام، 1: 273/ 29.

(8) م.ن، 4: 49/ 13، 1: 171/ 51، 3: 227/ 28، 1: 124/ 30، 3: 234: 9.

(9) م.ن، 1: 256- 257/ 51- 52.

(10) يُراجَع المقال بعنوان : «قراءة في شِعر البحتري وأبي تمَّام»، صحيفة «الجزيرة»، 25- 26 ربيع الأوَّل 1447ه-:

https://www.al-jazirah.com/2025/20251017/cm16.htm

تُعدّ القصيدة الحديثة فضاءً مركّباً تتقاطع فيه اللغة بالفكر، والجمال بالمعرفة، والتجربة الفردية بالسياق الجمعي، بحيث يغدو النصّ الشعري وثيقةً جماليةً تكشف عن أنماط الوعي الإنساني في لحظة تاريخية محدّدة. وفي هذا الإطار، تبرز قصيدة «عامٌ انقضى» للشاعرة اللبنانية كوثر فقيه بوصفها نصّاً تأمّلياً كثيف الدلالة، يُعيد مساءلة الزمن لا باعتباره تعاقباً حسابياً للأيام، بل بوصفه تجربةً وجوديةً مثقلة بالألم، والبحث، والمقاومة، والرجاء.

لا تتعامل الشاعرة مع العام المنصرم كذكرى عابرة أو سجلّ أحداث، بل تُحوّله إلى بنية رمزية تُجسّد علاقة الإنسان المعاصر بذاته وبالعالم؛ علاقة يشوبها القلق والاغتراب، لكنها لا تخلو من إرادة الصمود والانبعاث. ومن هنا، فإنّ النصّ يتجاوز حدود البوح الشخصي ليؤسّس خطاباً إنسانياً عاماً، تتداخل فيه الأسئلة الوجودية بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، ضمن معمار لغوي مشدود إلى التكثيف والانزياح الدلالي.

وانطلاقًا من هذا التصوّر، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تعتمد تعدّد المناهج وتكاملها، من التحليل اللغوي والبلاغي، إلى القراءة الجمالية والفنية، فالتأويل الفكري والفلسفي، وصولًا إلى الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. وتهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء آليات اشتغاله اللغوي والدلالي، وبيان موقعه ضمن سياق الشعر العربي المعاصر، بوصفه نصًّا يُعبّر عن كينونة الإنسان في زمنٍ مأزوم، ويؤكّد، في الآن ذاته، قدرة الشعر على تحويل الألم إلى وعي، والزمن المنقضي إلى معنى قابل للاستمرار.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تنهض القصيدة على لغة عربية فصيحة سليمة في عمومها، تخلو من الكسور النحوية الجسيمة، وتعتمد جُمَلًا خبرية قصيرة ومتوسطة الطول، ما يمنح النص إيقاعاً متدرّجاً متماسكًا.

الأسلوب يقوم على التراكم الدلالي عبر جمل متعاطفة، دون انقطاع فجائي أو قفز غير مبرّر، وهو ما ينسجم مع فكرة الزمن المتراكم (عامٌ كامل).

تُلاحظ انزياحات لغوية واعية، مثل:

١- لياليه المحشوّة بالأرق

٢- أسرّة الأسى

٣-جدار الوعي

٤-أنفاق الروح

وهي انزياحات لا تُثقِل اللغة، بل ترفعها من المباشر إلى المجازي دون غموض مُفرِط.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ المختارة ذات حمولة شعورية مناسبة للموضوع (الأرق، الصخب، الأسى، المواجع، العطش، الكبد)، ويظهر توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في البلاغة ولا فقر في التعبير.

اللغة هنا ملائمة تمامًا لموضوع الزمن الوجودي القاسي، إذ تتجنّب المفردات المضيئة الساذجة لصالح قاموس الألم والصبر والمقاومة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، حيث:

يتولّد الإيقاع من:

١- التكرار (مرّ… مرّ، لهثنا، انتفضنا)

٢-:التضاد (خفيفة/ثقيلة – أجساد/نفس)

٣-الجرس الصوتي للألفاظ (الأرق، الصخب، الأسى، الوجع)

لا تعتمد القصيدة وزناً خليلياً ولا قافية ثابتة، لكنها تحقق موسيقى داخلية هادئة، تتناسب مع نبرة التأمّل لا الانفعال الصاخب.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

البنية قائمة على سرد شعري تأمّلي:

١-الزمن: عام كامل (زمن دائري، ٢- ٢- مغلق، لكنه قابل للتجاوز)

٣- الشخصية: ذات جماعية (أرواحنا، هزمناه، لهثنا)

٤- الحدث: صراع الإنسان مع الزمن والألم والمعنى

المعمار الشعري يتقدّم من:

١- توصيف الزمن

٢- توصيف الألم

٣- مقاومة الألم

تجاوز الألم (النور – الروح)

وهو بناء تصاعدي منطقي متماسك.

2. الرؤية الفنية:

تنظر الشاعرة كوثر فقيه إلى العالم من منظور إنساني وجودي، لا عدمي ولا استسلامي.

فالعالم قاسٍ، نعم، لكن الإنسان:

عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع

وهنا يتحقق انسجام واضح بين الشكل الهادئ والمضمون الصبور.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي :

لا تقوم القصيدة على مفاجآت لغوية صادمة، بل على دهشة هادئة نابعة من صدق التجربة.

الانزياح الجمالي يتمثّل في تحويل المعاني المجرّدة (الزمن، الألم، الوعي) إلى صور حسّية قابلة للتخييل.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية واضحة:

معنى العيش وسط الألم

جدوى البحث عن المعنى

قدرة الإنسان على الصمود

وهو موقف يقترب من الفلسفة الوجودية الإنسانية (كامو – مارسيل)، دون تبنٍّ صريح.

2. الأفق المعرفي

تتداخل في النص:

مرجعية دينية: «الروح من أمر خالقها»

مرجعية إنسانية كونية: فكرة الكبد، الصبر، المقاومة

وهذا التداخل يمنح النص أفقًا حداثيًا غير قاطع مع التراث.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

على المستوى التأويلي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

نصًا عن الإنسان العربي المعاصر

أو عن الذات الأنثوية الصابرة

أو عن الزمن السوري الجريح (قراءة غير مباشرة)

طبقات المعنى مفتوحة، غير مغلقة على تأويل واحد.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

القصيدة تُكتب في زمن عربي مثقل:

١- بالحروب

٢- بالاغتراب

٣- بالقلق الوجودي

لكن الشاعرة لا تُسمّي السياق صراحة، بل تشفّره شعريًا.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية، ضمن مسار تطورها العربي، مع نبرة أنثوية هادئة.

3. الارتباط بالتراث

يحضر التراث:

قرآنيًا (خُلق في كبد)

بلاغيًا (التشبيه، الاستعارة)

دون استدعاء مباشر للأسطورة أو الشعر القديم.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بمشاعر:

١- القلق

٢- التعب

٣- البحث

٤- الأمل الحذر

وهي مشاعر تتكامل ولا تتنافر.

2. تحليل الشخصية:

الذات هنا ذات جمعية متعبة لكنها واعية، لا ضحية سلبية ولا بطلة متعالية.

3. النبرة النفسية:

النبرة الأساسية: صبر وجودي هادئ، يخلو من الصراخ أو الشكوى المباشرة.

سادسًا: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي

النص يلامس:

١- اغتراب الإنسان

٢- استنزاف العمر

٣- البحث عن مأوى نفسي

2. الخطاب الاجتماعي

يحضر نقد ضمني لقسوة الواقع، دون خطاب أيديولوجي مباشر.

3. الشاعرة فاعل اجتماعي

تؤدي الشاعرة دور الشاهد الإنساني لا المُنظِّر.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. الرموز والعلامات

١- العام: الزمن

٢- العطش: الحرمان الوجودي

٣- النور: الأمل/الوعي

٤- الروح: الثبات

2. شبكات التقابل

١- العطش / الإشباع

٢- الظلام / النور

٣- الكبد / الروح

3. النظام الرمزي

النص ينتظم حول رمزية الصمود.

ثامنًا: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- التأويل الهيرمينوطيقي

٤- المقارنة الضمنية مع شعر التأمل الحديث

والنص يحتمل هذه المناهج دون مقاومة.

الخلاصة النقدية

قصيدة «عامٌ انقضى» نصّ ناضج، متوازن، يمتلك:

١- لغة سليمة

٢- رؤية إنسانية

٣- بنية فنية واضحة

٤- عمقًا تأويليًا مفتوحًا

وهي قصيدة لا تصرخ، بل تضيء، ولا تُعلن البطولة، بل تؤكد الاستمرار.

نصّ يؤشّر إلى صوت شعري صادق، قابل لمزيد من التوهّج والتجذّر في التجربة الإنسانية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

عامٌ انقضى

الشاعرة السورية كوثر فقيه

انتهى عامٌ كامل

بلياليه المحشوّة بالأرق

ونهاراته المسكونة بالصّخب

مرّت بعض أيّامه خفيفةً كضوء

ومرّ بعضها الآخر ثقيلاً كوهم

تمرّدت فيه أرواحنا ضدّ الألم

هزمناه مراراً

 وأسقَطَنا مرّاتٍ أخرى على أسرّة الأسى

نلعق مرّ المواجع

تشاغلنا عن داخلنا

كي لا نصطدم بحائطٍ أجوف

معلّق بين سمائنا وأرض الواقع

خضنا حروباً مع الأسئلة

المسدلة كصنّارة صيّاد

تتوق لالتقاط فتات معنى

من معاني الوجود الّتي أرهقت بواطننا

أنفقنا السّاعات الثمينة من حصاد أعمارنا

ونحن نفتّش لنا على هذه الأرض

من فيء تستظلّ فيه أرواحنا المتعبة

لهثنا لنُشبِع أجسادنا والنّفس عطشى

استرسل الوقت في كيّنا

وكلّما لجمتنا أعقاب الآلام

انتفضنا أكثر

لأنّ الإنسان الذي خُلق في كبد

عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع

وقفز من فوق جدار الوعي

استطاع أن يلتقط النّور

ووصل إلى أعماق أنفاق الرّوح

والرّوح من أمر خالقها

لا تنطفئ.

كوثر فقيه

 

من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا

توطئة: كان قلق الكائن الذاتي دائما خاضعا لإيقاع حياتي ــ وجودي محسوس يتراوح ما بين (من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا) لكن الحقيقة الكبيرة للأنسان في مشاغل فن الروايات عادة ما تكون هوية المرء عرضة إلى حدود المابين (الحلم ــ الواقع) وصولا إلى دائرة نقطة المغامرة في الأفكار والمشاعر والرؤى. لعلنا في رواية (سنة موت ريكاردو ريس) نعثر على ذلك النوع الخاص من الأبطال الذين تغالبهم الرؤيا الماقبلية للاحوال في حالات العالم الخارجي، فهذه الشخصيات تأتي في ولادة الاضطرابات الوضعية العامة والخاصة دون أن تكون لذواتها علاقة مدروسة بين وجودها وخلفيات عوالمها النفسية والحسية، لذا واجهتنا في الفصول علاقات فردانية تسعى إلى توليد ثوابتها الموضوعية والذاتية من خلال مواقف ورؤى العالم الكلي، لا نتيجة ردة فعل خلاصة آنية من مستحدثات حالات الأفعال، لذا يظل موقفها ذي نظرة فوقية مقابل ترك دلالات العوامل تبدو كصور ذهنية أو يوميات قد لا تتناسب في الظهور لبعض التفاصيل الغائبة والحاضرة.. تكاد أن تكون أحيانا صورة الشخصية ريكاردو ريس هي من الأوضاع الحقيقية من الداخل، ولكن لمجرد خروجها للخارج بدت وكأنها الصورة الكائنية في ذهن زمن المرايا أو اللحظات الأكثر غورا في تماثلات المراحل الزمنية الزاحفة ما بين الواقع والمنشطر عن حدوده المفردة والمتعددة.

العتبات السردية ومواقع الفعل العاملي

تتكون عناصر النمذجة السردية التي يقترحها مدخل رواية (سنة موت ريكاردو ريس) مجموعة من البنيات التكوينية الخاصة بدوافع الأبعاد والأنساق التي تتحدث عن علامات مختلفة من هوية السرد: (هنا ينتهي البحر ويبدأ البر، تمطر السماء على المدينة الشاحبة، النهر ينقل مياها طمية والضفاف مغمورة: تصعد سفينة سوداء عكس التيار القائم إنها (الهايلاند بربغاد) التي أتت على الرسو عند رصيف ألكانترا، وهي سفينة إنكليزية من الأسطول الملكي تعمل بين لندن وبونيس آيرس وتعبر الأطلسي من إحدى ضفتيه إلى الأخرى. / ص 11 الرواية) ترسم هذه التحولات الوصفية ــ الانتقالية ــ عملية مجيء الشخصية ريكاردو ريس من البرازيل إلى البرتغال. وهذه العملية تتطلب عدة تمظهرات وصيفة بحته في الكشف عن طبيعة دخول الشخصية إلى مدينته المفتوحة على ممكنات القراءة والتأويل: (لم تكن التغييرات تبدو، في عين المسافر، بهذه الأهمية، الشارع الذي كانا يجتازانه يقابل إجمالا الذكرى التي أحتفظ بها عنه، الأشجار وحدها كانت أعلى، ولم يكن في هذا ما يدهش، فقد كان لديها ستة عشرة سنة لتنمو. / ص18 الرواية) من هنا يحدد لنا السارد العليم مدة الفترة الزمنية التي غاب فيها ريكاردو ريس عن وطنه تحديدا (ستة عشرة عاما ؟) وأمام هذه البنية الإحصائية تتقدم عناصر المخيلة وفقا لذلك النموذج الذي يتوخى الكشف عن كل العلامات والأنساق التي تركها منذ ذلك الزمن الداخل النصي.

1ــ الفاعل الذاتي واستراتيجية السنن الدلالي:

لا ينبغي فهم كلمة (سنن) هنا الإ بالمعنى الصارم العلمي للمصطلح: السنن هي حقول تداع تنظيم فوق نصي من الإشارات التي تفرض فكرة معينة. إن راهنية السنن، بالنسبة لنا هي أساسا ثقافية: السنن هي أنماط معينة لما سبق رؤيته، ولما سبق قراءته، ولما سبق فعله، لذا فلسنن هو شكل هذا الشيء السابق المكون لكتابة العالم. وتبعا لهذا فإن السنن في محصلة خطوات الرواية موضع بحثنا لها وجودا قبليا أي هي تتجاوز حرفية الانطباعات والسلوكيات لدخلنا في تفاصيل شديدة كممارسة فردية ذهنية خاصة بالإحالات والنماذج التصويرية المكنونة: (صعد آخر درجات سلم الفندق التي تطل على الشارع وقد فهم أن هذه أفكار رجل متعب جدا. / ص19 الرواية) قلنا سابقا أن السنن يرتكز على تمييز الحدود الشكلية المختلفة التي بفضلها يتم مقاربة الأنموذج الشخوصي وكيفية حالاته المطروحة منذ البداية كحالة متكافئة بالمقومات والإيحاءات، بدون ربطها بعدة تفاصيل في مواضع قبلية ما. وعلى هذا النحو تلعب سنن الأفعال في مجموع الأحداث السردية دوالا تتحكم في عملية الإنتاج للدلالات، بلوغا نحو توصيف المستويات الأكثر ذروية في الأستجلاء للمواضع المبهمة: (أتعجبك هذه الغرفة ؟ كان المدير هو الذي يسأل بصوت من اعتاد أن يأمر ويفرض سلطته ولكنه مع ذلك مجامل كما يناسب وظيفته. / ص20 الرواية) كذلك نعاين في وحدات أخرى مدى تجليات سنن التصور في مخيلة الفاعل الذاتي: (حوار مألوف في هذا النوع من الظروف، ومع ذلك، فهناك شيء زائف. / ص21 الرواية) يصبح الإشكال الذاتي للشخصية في ما يتعلق والتعقد الدلالي والبنائي، والنتيجة أن هذا الأمر يعود إلى السنن السياقي للتلفظ، فليس هناك محددات قبلية أو تحيينية لمثل هكذا ومضات في المعنى، ولكن الحالة السردية هنا تقودنا نحو وحدات تفترض علاقات مسبقة كحال مثل هذه الوحدة (جلس ريكاردو على كرسي، ألقى نظرة حوله، هنا سوف يعيش زمنا لا يعرفه. / ص23 الرواية).

2ــ السرد والاستبعاد:

كانت العلامات بالنسبة لنقاد الرواية وخصوصا في ما أشار إليه ديريدا (بنية استبعاد؟) لاقت فكرة العلامة بوصفها حاملا لمعنى مبني على مبدأ إمكانية عزل المعنى عن غيره من المعاني، لذلك نلاحظ سياق الوحدات الفصولية في رواية جوزيف ساراماغو عبارة عن (تعليقات للمعنى) بلوغا كيفيا نحو مستوى مقيدا من السرد: (لا يزال يلهث، أخذ قلما وكتب على صفحة السجل المخططة، ما معرفته ضرورية. ما يدعى كونه أسمه، ريكاردو ريس، عمره، ثمانية وأربعون سنة، مولود في بورتو عازب، مهنته طبيب، آخر عنوان له، ريو دو جانيرو البرازيل، من هناك أتى، مسافر على الهايلاند بربغارد. يخيل إلى المرء بداية اعتراف، بداية ترجمة ذاتية. / ص22) ولكن الحقيقة تقع بكل المجهول في هذه السطور، بوصفها وسيطا بين الخطاب الأعترافي الكامل وذلك الاختلاف في أفعال استبعادية خاصة سنواجهها في حينها داخل ذلك الوجود المتشظي والمنقسم بين هوية الشخصية والاستعدادات الظاهرة من حقيقة النص. وإحدى الصور الأكثر شيوعا إلى بنية الاستبعاد هو ظهور الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا وهو في واقع الأمر ميتا منذ عدة شهور تقريبا: (كانت أيام ثلاثة قد أنقضت ولم يعد فرناندو بيسوا. لم يكن ريس يقول لنفسه لقد حلمت دون شك. / ص90. ص91 الرواية) لربما كان ساراماغو يسعى إلى خلق متخيلا منشطرا أو مشتظيا، ليس له من وجود سوى في متاهات ريكاردو الذهنية، لذا فالتفاصيل لا تغيب عندما راح السارد العليم يتحدث بلسان حال ريكاردو كحالة توفر لنا قصدا مغايرا في حكاية بيسوا: (حتى لو أنبثق فرناندو بيسوا هنا في هذه اللحظة، وأنا أهبط شارع داليبرداد فإنه لم يكن فرناندو بيسوا، ليس لأنه ميت، بل لأنه لن يستطيع شيئا إلى ما كانه إلى ما فعل إلى ما عاشه وكتبه. / ص95 الرواية) تنتمي العلاقة الانشطارية ما بين (ريكاردو = بيسوا) إلى النمط المضمر من العلاقة المتشظية. فريكاردو يمتلك وظيفة استحضار عين الماضي في حدود معادلة مزدوجة بين الأنا والعالم، بلوغا نحو ذاكرة المتخيل وفحوى الاستعادة، وإلا كيف من مات يعود حيا في الزمن الذي يفترض به أن ريكاردو ظاهرة في وعي الاستعادة للشخصية بيسوا، وربما من جهة ما يمكننا أن نرجح زمن موت ريكاردو أيضا في حدود الباث المشترك بين الشخصيتين، لذا فاللعبة هنا تعود إلى موقع السارد العليم عندما يستحضر كلتا الشخصيتين على أساس من إنهما تصورين في عين اللحظة المستعادة ؟.

هوامش السرد في مؤشرات مسرح الرواية

تتعدد مجالات السرد الحكائي والخطابي ضمن تمفصلات فضاءات الشخصية ريكاردو. والسؤال يبقى مطروحا إلى أين يقود ساراماغو شخصيته الروائية المنصصة في صياغات إنطلاقاتها المكانية والزمنية والذاتية والعاطفية ؟ تبلغنا مؤشرات الرواية أن ريكاردو ريس يحيا مأزومية حاجز الأصل والأصول العرقية، فهو يتابع ثمة رجل ضخم المظهر وأبنته المصابة بشلل في إحدى يديها: (الدكتور سامبايو وأبنته يصلان اليوم، هذا ما قاله سلفادور فرحا كما لو كان قد وعد بجائزة مستحقة / التقى ثلاثتهم في الاستراحة التالية. وعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفون بعضهم بعض، فقد أقتضى الأمر إجراءات التقديم، ريكاردو ريس، مرساندا سامبايو. / ص117 الرواية).

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة تأتي مستويات البناء الروائي ضمن حدود ترسيخ رؤية منظورية خاصة بالحكي إذ يسعى من خلالها جوزيف ساراماغو إلى حالات كثيفة من الأبهام والخفية بالافعال الكشوفية التي يتضمنها النص الروائي على حد تقديري. إذ يكشف التقابل ما بين علاقة ريكاردو ريس وفرناندو بيسوا إلى حالة من التداخل القائم بين نموذج (الأنا ــ الأنت) فكلاهما يعنيان بصورة من الداخل حيث الأوضاع كانت وكأنها تتشظى في الحضرة المؤطرة ما بين كلتا الشخصيتين، فيما تبقى دوافع ريكاردو إزاء مرساندا تشوبها حالات من الاستهواء والود رغم أن الأخير لا يهوى غواية الفتيات، أن رواية (سنة موت ريكاردو ريس) وعبر مبحثها الأولي هذا، حاولنا إبراز أهم الأفعال الروائية الدالة كمؤشر أولي دالا عن مستوى الوصف والاحساس والوظائف الأولى المفعلة في زمن تقادم الأنا العاملة من العالم النواتي ومن العالم إلى مراحل تمظرات تشظيات الذات الفاعلة في مدار الآخر المتموضع في بنية اللامرئي.

***

حيدر عبد الرضا

تأتي هذه الدراسة النقدية بوصفها محاولة للاقتراب من قصيدة «طيورك في النوم» للشاعر المغربي إبراهيم العمر اقترابًا معرفيًّا وجماليًّا، لا يكتفي بقراءة السطح اللغوي أو الاكتفاء بالانطباع، بل يسعى إلى تفكيك البنية الداخلية للنص، والكشف عن آلياته التعبيرية، ورهاناته الفكرية، وطبقاته الدلالية العميقة. فالقصيدة، منذ مطلعها «في فضاءٍ لا تحدّه الجغرافيا»، تعلن انتماءها إلى أفق شعري يتجاوز المكان المادي نحو فضاء رمزي يتداخل فيه الحلم بالذاكرة، والغياب بالحضور، والذات بالعالم.

وإذ تنتمي هذه القصيدة إلى مناخ الشعر العربي المعاصر، فإنها تستدعي قراءة مركّبة تستثمر مناهج متعددة: الأسلوبي، والبلاغي، والنفسي، والسيميائي، والهيرمينوطيقي، دون الوقوع في انتقائية اعتباطية أو إسقاطات خارجية. فاللغة هنا ليست أداة تعبير فحسب، بل هي حقل توتّر دلالي، والإيقاع ليس زينة صوتية، بل بنية شعورية، أما الصورة الشعرية فتغدو وسيطًا معرفيًّا يفتح النص على أسئلة الوجود والحنين والذاكرة.

من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة القصيدة في مستوياتها المختلفة: من سلامة اللغة وجماليات الأسلوب، إلى الرؤية الفنية والفكرية، مرورًا بالبنية النفسية والاجتماعية والرمزية التي تؤسس عالمها الشعري. كما تسعى إلى وضع النص ضمن سياقه الثقافي والتاريخي، واستجلاء موقعه داخل تطور قصيدة النثر العربية، بوصفها شكلًا تعبيريًا بات يحتمل التأمل الفلسفي بقدر ما يحتمل الانفعال الجمالي.

إنها قراءة تحاول أن تُنصت إلى ما يقوله النص، وإلى ما يلمّح إليه، وإلى ما يسكت عنه، باعتبار الشعر فضاءً للتأويل لا للاستهلاك، وتجربةً تُعاش قبل أن تُشرح.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغة عربية سليمة، مشدودة إلى الفصحى المعاصرة، خالية من الترهل أو الاضطراب النحوي، مع قدرة واضحة على تطويع التراكيب لخدمة الدلالة الشعورية. يعتمد الشاعر أسلوب الجملة الفعلية بكثافة:

«تتسلّل»، «تحلّق»، «تجمع»، «تطرّز»، «تُسدل»، «تعانق»

وهو اختيار دالّ؛ إذ يضفي حركية داخلية مستمرة، تجعل النص في حالة تدفّق لا سكون.

الانزياح اللغوي حاضر بوصفه أداة جمالية لا افتعالًا زخرفيًا، كما في:

«تطرّز ردائي بأزرار الأمل»

حيث يُنزاح الفعل من مجاله الحسي المباشر إلى حقل رمزي نفسي، فتتحول الخياطة إلى فعل ترميم وجودي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ فصيحة، مألوفة، لكنها موظفة في سياقات غير مبتذلة، مما يحقق توازنًا دقيقًا بين الوضوح والعمق. لا يلجأ الشاعر إلى الغموض المعجمي، بل إلى الغموض التركيبي والدلالي، وهو غموض مشروع فنّيًا، يتولد من تشابك الصور لا من تعقيد اللغة.

اللغة ملائمة تمامًا لموضوع القصيدة: الحلم، الحنين، الغياب، والذاكرة؛ فلا نجد لفظًا صلبًا أو فجًّا يكسر نعومة الجو النفسي العام.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة مكتوبة في إطار قصيدة النثر الإيقاعية، حيث لا وزن خليليًّا صارمًا، لكن ثمة موسيقى داخلية قوية، تتجلى في:

التكرار البنائي:

«لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم»

تكرار اللازمة يمنح النص إيقاعًا دائريًا، يوحي بالاستمرارية والانتظار والعودة الأبدية للحلم.

الجرس الصوتي:

تكرار الأصوات اللينة (النون، الميم، الواو) يعزز الإحساس بالحنين والاحتواء.

التوازي التركيبي الذي يخلق تنغيمًا داخليًا يعوّض غياب الوزن.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات بنية تراكمية–تصاعدية، لا سردية بالمعنى التقليدي، لكنها تبني سردًا شعوريًا عبر المشاهد. الزمن فيها زمن نفسي، دائري، لا خطي؛ كل مقطع يعيد إنتاج اللحظة نفسها من زاوية وجدانية مختلفة.

المنهج الوصفي حاضر بقوة، لكنه وصفٌ داخلي، لا خارجي، وصف للانفعال لا للحدث. أما المنهج التحليلي فيبرز في تفكيك حالات الوعي والذاكرة، بينما يمكن، بالمقارنة، وضع النص في سياق الشعر العربي الحديث الذي جعل من الحلم أفقًا دلاليًا (السيّاب، أدونيس، أنسي الحاج).

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعر للعالم تقوم على تعليق الواقع داخل الحلم؛ فالحلم ليس نقيض اليقظة، بل بديلها الأكثر صدقًا. يتماهى الشكل مع المضمون: لغة منسابة لحلم منساب، وبنية مفتوحة لوجود غير مكتمل.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

القصيدة قادرة على إنتاج الدهشة دون صدمة لغوية. التجديد هنا ليس في كسر اللغة، بل في إعادة شحن الصور المألوفة (الطيور، الليل، الندى، القمر) بطاقة شعورية جديدة، عبر علاقاتها الداخلية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة وجودية ضمنية:

هل الوجود يتحقق في اليقظة أم في الحلم؟

هل الغياب نقص أم شكل آخر من الحضور؟

الحلم هنا فضاء أنطولوجي بديل، تُستعاد فيه الذات من تشظّي الواقع.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع مرجعيات صوفية (الحلم ككشف)، وحداثية (اللاوعي، الزمن النفسي)، دون إحالات مباشرة، ما يمنحه طابعًا كونيًا غير محلي.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الطيور ليست رمزًا واحدًا ثابتًا، بل شبكة دلالية:

الحرية

الرسالة

الذاكرة المتحركة

والنوم ليس غياب الوعي، بل شرط انفتاحه. المعنى يتكشّف عبر طبقات، لا عبر تصريح.

رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي النص إلى لحظة شعرية عربية معاصرة مأزومة بالاغتراب، والحنين، وانكسار اليقين، حيث يصبح الشعر ملاذًا وجوديًا.

2. تطوّر النوع الأدبي

يقع النص ضمن مسار قصيدة النثر العربية، لكنه يحافظ على حسّ غنائي واضح، ما يضعه بين الغنائية الحديثة والتأمل الفلسفي.

3. التفاعل مع التراث

تتردد أصداء بلاغية قديمة (الطير، الليل، الحلم)، لكنها موظفة توظيفًا حداثيًا، منزوعًا من السياق الخطابي القديم.

خامسًا: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بالحنين، القلق الوجودي، والانتظار. اللاوعي حاضر عبر صور النوم، الهمس، الجروح، والأحلام المؤجلة.

2. تحليل الشخصية

الذات الشاعرة شخصية حسّاسة، مفرطة التعلّق، تعيش على تخوم الفقد، لكنها لا تستسلم له.

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من الشجن، الحنان، والاحتجاج الصامت على الواقع.

سادسًا: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

لا يعالج النص قضايا اجتماعية مباشرة، لكنه يعكس اغتراب الفرد في عالم قاسٍ، حيث يصبح الحلم تعويضًا عن الفقد الاجتماعي.

2. الخطاب الاجتماعي

القصيدة تنطوي على نقد ضمني لواقع يخنق العاطفة ويهمّش الذات.

3. الشاعر فاعلًا اجتماعيًا

الشاعر هنا شاهد روحي، لا خطيبًا، يقدّم مقاومة جمالية صامتة.

سابعًا: الأسس السيميائية

1. العلامات والرموز

الطيور: الحرية، الرسالة، الذاكرة

الليل: العمق، اللاوعي

الضوء: الخلاص المؤقت

2. شبكات الدلالات

حضور/غياب – حلم/يقظة – دفء/برد – نور/عتمة.

3. النظام الرمزي العام

الفضاء مفتوح، علوي، متحرّك، ما يعكس توقًا دائمًا إلى الانفلات من الثقل الأرضي.

ثامنًا: الأسس المنهجية

النص قابل للقراءة عبر مناهج متعددة (أسلوبي، نفسي، هرمنيوطيقي)، وقد حافظت هذه الدراسة على صرامة منهجية عبر:

الاستشهاد من داخل النص

الفصل بين المستويات التحليلية

تجنّب الإسقاط التعسفي

خاتمة

«طيورك في النوم» قصيدة ناضجة، مشغولة بعناية لغوية وفكرية، تنتمي إلى شعر الوعي لا إلى شعر المناسبة، وتؤكد أن الشعر لا يزال قادرًا على أن يكون ملاذًا معرفيًا وجماليًا في زمن القسوة واليقين المكسور. إنها قصيدة تُقرأ بوصفها تجربة وجودية، لا نصًا لغويًا فحسب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

طيورك في النوم

بقلم الشاعر إبراهيم العمر

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تتسلّل من سراديب الذات،

تُحلّق في بساتين الغروب،

تجمع قبلات الأمس من خدود الذاكرة،

وتطرّز ردائي بأزرار الأمل،

تُسدل هواجس الربيع على شتاء الروح،

وتعانق أصداء حوارك المتروك في زوايا الصمت،

فأساير بقايا نفسي بنسمات الوهم،

وأنسج من خيوط اليأس ألوانًا للذكرى،

علّني أرى، ولو فكرةً واحدة،

أرسم بها على صفحات الفجر

صورةً عاريةً للحقيقة.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تشرّد على نوافذ الحلم،

تعزف خلف ستائر الهمّ

أغانيك المنسيّة في جيوب الغمّ،

تحملني على بساط الريح،

ترميني بين القمر والمريخ،

تداعب روحي برفوف النور،

وتواسي همومي بكفوف الضوء،

تلفّ بساط الليل عن زهور المرج،

وتربط حبّات الندى بخيوط الوهج،

ثم تسرق نظراتي من جرود الليل.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تخطفني من دروب الشرود،

تنقر بحبّات المطر على قرميد الذاكرة،

تنشد تهاليل الأمل وتنفخ على جروحي،

وترسل لي من عند الشمس

أحلام الماضي التي زرعتها بالهمس.

كلّ ليلةٍ أنتظر طيورك،

وأخبّئ ضمّات الشوق لأوقات الغربة والبرد،

وأزرع لك شتلة ياسمين

على التلة في أعلى الجرد،

تنام بجانبي ولا ترحل.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تعشّش على أغصان الحور،

ترقص وتفجّر حبّها المكبوت،

تتغطّى بأوراق التوت،

تنتظرني على صخور السور،

تذكّرني بحكاياتي ووعودي،

ورحلاتي في بلاد البور،

طيور الجنة تبعث لي عصفورًا

يهفهف بالعطر نسمات الجو،

يوقظني ويخطفني من جرودي،

ويقطف لي من الوادي المهجور

باقةً من زهوري وورودي.

*

لا يمرّ يومٌ إلا وطيورك في النوم،

تلفحني مع نسمات الحلم،

تغطّيني بحرام الشوق،

تدفئ قلبي البردان،

والشمعة التي انطفأت منذ زمان

تضيء ليالي الوحدة والسهر،

والكلمات التي لم تقوليها في اليقظة

أسمعها أغاني وقصائد غزل،

وألمسها بشفتيك على صدري النعسان،

أسمع لهثات روحك،

وأنسى أنني لست في البال،

وأنني لم أكن يومًا ذكرى… ولا نسيان.

***

إبراهيم العمر

 

منذ تَشكّل المجتمع الإنساني، وتَكامل وجودُه، وترسّخت أُسسُه ومَفاهيمُه، ووُضعَت قوانينُه اللازمة لاستمراريّة الحياة المَعيشيّة بين أفراده ومجموعاته المُتجانسة والمختلفة كان الإنسانُ الفردُ من حيث يدري ولا يدري يقوم بحركات وإشارات جسَديّة، ويُسمِعُ أصواتا مختلفة ليُعبِّرَ بها عن فكرة أو موقف أو رغبة. وكانت المناسبات الجَماعيّة المُتعارَف عليها أو حتى الخاصّة تكون الفرصة السّانحة لهذا الإنسان كي يُظهرَ مواهبَه التي تشدّ الآخرين إليه فيستزيدونه أو يؤنّبونه ويحذّرونه من تكرار فعلته، حتى كان وأصبحت هذه العروض الفَرديّة تتحوّل لجَماعيّة تستقطب اهتمامَ الناس فيأتون للمشاهدة ويخرُجون وهم يحملون مختلف الآراء والمواقف من القضايا والأفكار التي عُرِضَت أمامهم.

وما الحركاتُ والإشاراتُ والتّلاعب بالجسد والعيون والأيدي والأرجل وتغيير ملامح الوجه التي يقوم بها ممثل البانتوميم إلّا تجسيدا لتلك التي طالما مارسها وقام بها الإنسانُ الفَرْد مع نفسه أمام المرآة أو بدونها أو مع أفراد أسرته وأصدقائه ومَعارفه وفي المناسبات المختلفة فيقبلها البعضُ ويرفضُها الآخر.

هكذا كان المسرح الابنَ الشّرعي والطبيعي للإنسان، فتَشَكّل ليكون صوتَ الجماهير الواسعة وحاملَ همومهم، ومُحرّكَ أفكارهم، ومُفجِّرَ غضبهم، ودالّا لهم على طريق الوصول للحرية والعدالة وبناء المجتمع السّليم. فالمسرح إضافة إلى كونه وسيلةَ ترفيه، فهو المُعبِّرُ عن القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة وما يتطلّع إليه الفردُ وكذلك المجموعة لتحقيق العدالة والحرية للجميع. وهو العاملُ المهم في تشكيل الهويّة الثقافية بإحياء التراث والحفاظ على اللغة وتطوّرها وملاحقتها للتطورات المُتجدّدة وهو الذي يربط الإنسان بماضيه وتاريخه البعيد ويعمل على صيانة الخصوصيّة الثقافيّة واللغويّة.

كذلك أهميّة المسرح في دوره وسيلة مهمّة في النَّقد والتّغيير بطرح القضايا التي تُشغلُ الجماهير مثل الظلم والفساد واستغلال السلطة للمَكاسب الخاصّة والانتقام من الخصوم والمُعارضين لمجرّد أنهم يرفضون الطّاعة العَمياء للحاكم. فالمسرح لا يكتفي بعَرْض الأزمة أو المشكلة، بل يدفع الجمهور إلى التّفكير بالحلول ويخلق الحوار بين الناس ويطرح الأفكار والمواقف المختلفة. وبذلك هو عامل مهمّ للتأثير والتَّغيير ورفع نسبة الوعي بين الناس.

كما يعمل المسرح على المساعدة في خَلْق مجتمع مُبدع مُنْتمٍ لوطنه، يعمل على تقوية التّواصل والعمل الجماعي ويزيد من أهمية التفكير النَّقْدي والقُدرة على اكتشاف الإنسان لذاته وسط هذا العالم المحيط به.

هكذا فالمسرح، كما يتّفق الجميع، هو حاجة إنسانيّة مُلازمة للإنسان منذ لحظة ولادته وصُراخه وحركات يديه ورجليه وعينيه داعيا مُستنجدا طالبا من أمّه ومَن حوله مساعدته في توفير الحاجيّات له. وهكذا يظل المسرح حاجة ملازمة ومهمة في حياة الإنسان الفرد والمجتمع ككل.

وشعبُنا الفلسطيني عرف المسرحَ وعُرِضَت المسرحيات المختلفة على المسارح التي كانت في مختلف المدن الفلسطينية أيام الانتداب الإنكليزي على البلاد، وخاصة مسارح يافا وحيفا والقدس. والعديد من المسرحيات كُتبت أو تُرجمَت وعُرضت للجمهور. لكنّ نكبة عام 1948 وتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، وتشريده في دول الجوار والعالم أجمع أبقت البقيّةَ الباقية مُجَرّدة من أهلها وتاريخها وثقافتها وأرضها ووطنها تعيش ضمن حدودٍ تعزلُها عن كلّ العالم، وتنتظر لتكون الفرصةُ لتعمل على إعادة ترسيخ وجودها وبَعْث لغتها والتّشبّث بأرضها واستخلاص حقوقها وتأمين وجودها وتوفير فُرَص العمل للجميع لتعودَ لتُمارسَ حياتَها الطبيعية فتستعيد عافيتها وتبني مجتمعاتها وتعمل على تطويرها وانْبعاثها.  

حتى أواخر سنوات الستين من القرن الماضي، القرن العشرين، كانت الكتاباتُ المسرحيّة مُجرّدَ محاولات إبداعيّة استثنائيّة، كان الأديب المرحوم سليم خوري (1934- 1991) أبرز كُتّابها حيث أصدر عام 1960 مسرحيّة "آمنة" وفي عام 1961 مسرحيّة "وريث الجزّار"، والكاتبة نجوى قعوار فرح (1923-2015) التي أصدرت عام 1958 مسرحية "سرّ شهرزاد" وعام 1961 مسرحيّة "ملك المَجد". وكانت العروض المسرحيّة تنحصر بمُعظمها ضمن اجتهادات لطلاب المدارس في مناسبات عامّة أو خاصّة بالمدرسة نفسها.

لكنّ التقاء المُبدعين بأشقائهم في المناطق المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) بعد حرب حزيران 1967، ووصول الإبداعات المسرحية العربية من العالم العربي، والمترجمة عن الآداب العالمية، وخروج كوادر من الشباب لدراسة المسرح في الدول الاشتراكية وغيرها، ومن ثمّ عودتهم ومساهمتهم في خَلْق واستمرار النشاط المسرحي، تغيّر الواقعُ وأصبح المسرح بشقَّيْه: الكتابة المسرحية والعَرْض المسرحي، يجذب الاهتمام ويشدُّ القارئَ والمُشاهد.

هذا التّغيّر ساهم في تحريك الحركة الثقافيّة المحليّة وجعل العديد من المبدعين في الشعر والقصة والرواية يُجرِّب حظَّه في كتابة المسرحية، وبالفعل أصدر الكاتب هاشم خليل عدّة مسرحيات تحت اسم "قهوة الصباح" سنة 1970، وأصدر سهيل أبو نوّاره عام 1975 مسرحية "زغرودة الأرض" والشاعر أدمون شحادة عدّة مسرحيّات: "برج الزجاج"1974، "سور البلالين"1975، "الصمت والزّوال" 1978، "القديسة" 1980، "بيت في العاصفة" 1982، "الخروج من دائرة اللون الأحمر"1985، "زهرة الكستناء". وأصدر الدكتور الشاعر سليم مخولي مسرحيّة “الناطور” عام 1979 والقاص زكي درويش أصدر مسرحيّتيه “الموت الأكبر” عام 1979, “لا” عام 1980. وصدرت مسرحية الشاعر سميح القاسم الشعرية “قراقاش” عام 1979 وقد لاقت اهتماما كبيرا وعُرضت على عدّة مسارح في الدول العربية، كما كتب سميح القاسم عدّة مسرحيات قصيرة نشرها في مجلة "الجديد" وعاد ونشرها في مجموعاته الكاملة، ومنها مَا عُرضَت على المسارح في البلاد وخارجها مثل: "هكذا استولى هنري على المطعم الذي كان يُديره رضوان وشلومو، وحوّله إلى دكّان لتجارة المعلّبات" و"المؤسسة الوطنيّة للجنون م.ض." و "كيف ردّ الرّابي مندل على تلاميذه؟" و "الابن" و "المُغتَصَبة". ومسرحية "قدر الدنيا" لإميل حبيبي نشرها عام 1963 ومسرحيّة “لكع بن لكع” عام 1980، ومسرحية "أمّ الرّوبابيكا، هند الباقية في وادي النسناس" سنة 1992. وأصدرت الكاتبة فاطمة ذياب مسرحيتي "سرك في بير" و "ممنوع التجوّل" سنة 1987.

ونشر عفيف شليوط عدّة مسرحيات منها: يوم في عيادة" 1983 و "كفى" 1984 و "أبو مطاوع وحريّة المرأة" 1990 وصدرت مسرحيّة "عندما يسود الجراد" 1991 لكمال بشارات.

تبعَ هذا الكَمّ من المسرحيّات حركة نَقْد أثارت اهتمام القرّاء ومُحبّي الأدب، ولفتت الانتباه في العالم العربي.

وفي تسعينات القرن العشرين الماضي وفي القرن الحادي والعشرين صدرت العديد من المسرحيات لعدد من الكتّاب أذكرُ بعضها مثل مسرحيات لجمال قعوار صدرت عام 1995 "بنت الرجال" و"كروم الدوالي" و"قنديل الحب" كما ازدهر المسرح المحلي بإقامة العديد من المسارح في حيفا، والناصرة، وأم الفحم، ويافا وشفاعمرو وغيرها.

وكما في الكتابة المسرحيّة، هكذا حدثت طفرة كبيرة ومباركة في العروض المسرحية، وبرز عدد كبير من المُخرجين مثل صبحي داموني وأنطوان صالح وجوزيف أشقر وأدوار شرش، ومن الشباب الذين درسوا فنَّ الإخراج المسرحي في الجامعات الأوروبية، خاصة الدول الاشتراكية، أمثال المرحوم الفنان رياض مصاروة وفؤاد عوض وأديب جهشان وعلي نصّار ومنير بكري. وأيضا سليم ضو وراضي شحادة، فازدهر المسرح الفلسطيني المحلي وعُرضت المسرحيات الهادفة، منها المترجمة ومنها العربية ومنها التي كتبها المخرجون أنفسُهم.

وظهرت مواهب كبيرة في التمثيل مثل عبد الله الزعبي ولطف نويصر وجوزيف أشقر وإميل روك وحنا شحادة ومنصور أشقر وإبكار حداد، ومنها مَن وصلت إلى درجة أنْ فرضت نفسَها على المسرح العبري والفن السينمائي أمثال محمد بكري ومكرم خوري ويوسف أبو وردة وسليم ضو وسعيد سلامة إلى جانب مواهب سرعان ما اشتدّ عودُها وساهمت في تنشيط العمل المسرحي وجعله حاجة مُلحّة للناس أمثال عفيف شليوط وأسامة مصري وعدنان طرابشة وناظم شريدي ومحمود صبح ومروان عوكل ومازن غطاس وميسلون حمود وإبراهيم خلايلة وخالد عوّاد ونبيل عازر وقاسم شعبان ونايف خوري. كما ساهم العشرات من الممثلين الشباب في مختلف العروض المسرحيّة مثل: محمد عوده الله وفكتور صالح وطارق قبطي ويوسف حبيش وفراس سويد وبيان عنتير، ومنهم من استمرّ ولا يزال، ومنهم من توقّف واختار طريقا جديدا في حياته مثل نظير مجلي.

وشاركت الفتاة العربية وأثبتت وجودها على خشبة المسرح وشكّلت ركنا أساسيّا وحيويّا مثل أميرة قزعورة وجزيل عامر وناديا كسابري وأليس أبو سمرة وسامية قزموز وسلوى نقارة وسلمى وفريال خشيبون وريم تلحمي وروضة سليمان وبشرى قرمان وداليا عوكل وناهد شُرّش وناديا عوكل وروضة أبو الهيجا ونسرين حبيشي ورائدة أدون ومنى حوا وسناء جماليّة وشادن قنبورة وشمس زاهر ولمى نعامنه وكرمة زعبي وغيرهن كثيرات.

وهذا النشاط المسرحي المُتواصل رغم الهنّات التي كانت تحدث والنّكسات التي عطّلت ظلّ يتطوّر ويقوى ويُبدع بفضل العديد من المسارح الرئيسيّة التي عملت على نشر الوعي بالمسرح وأهميته وقدّمت العروض العديدة. وأذكر منها مسرح "بيت الكرمة" ومن ثم مسرح "الميدان" والآن يُعْرَف بمسرح "سَرْد" في حيفا الذي شكّل ركنا أساسيا في النشاط المسرحي بعشرات المسرحيات التي قدّمها، واهتم بشكل خاص بتقديم المسرحيات لطلاب المدارس إضافة إلى المسرحيات الأخرى. و "المسرح الناهض" الذي تأسس عام 1967 وكان المُخرج أديب جهشان من مؤسسيه الرئيسيين ومعه رضا عزام ويوسف عبد النور، وساهم في التمثيل العشرات من الممثلات والممثلين مثل مكرم خوري وسليم ضو وفريال خشيبون وحبيب خشيبون وسميه زهر عبود ولطف نويصر وحسن شحادة ومروان عوكل وعادل غريب وروزا جهشان. كما تأسس في حيفا "المسرح الحر" سنة 1971 وعرض مسرحية "زغرودة الأرض" لسهيل أبو نوّاره وإخراج أنطوان صالح وشارك في التمثيل: يوسف فرح وبشرى قرمان وجورج ناصر ويوسف عبد النور وغادة يوسف وهبة ومصلح فرح وبشارة وهبه وسمير البيم.

كما أقيمت في مدينة شفاعمرو العديد من المسارح التي قدّمت العروض المسرحية العديدة منها: المسرح الثائر ومسرح آذار ومسرح أبناء شفاعمرو والمسرح الشعبي ومسرح بيت الشبيبة والمسرح البلدي والمسرح الحديث ومسرح الغربال ومسرح مؤسسة الأفق ومسرح العندليب. ومن شفاعمرو كان المخرجون والممثلون رياض خطيب سعيد سلامة وزيدان سلامة ومحمود صبح وعفيف شليوط ومروان عوكل.

والمسرح الحديث في الناصرة الذي تأسس سنة 1965وقدّم العديد من المسرحيات من إخراج أنطوان صالح وجوزيف أشقر وصبحي داموني وإدوار شرش. والمسرح الشعبي في الناصرة سنة 1967 أقامه صبحي داموني وشارك في العمل فيه طارق قبطي وإبكار حداد ويوسف فرح وأديب جهشان. ثم تأسّس مسرح "بيت الصّداقة" بمبادرة رياض مصاروه وقدم العشرات من العروض المسرحية أهمها "رجال في الشمس" و " الأعمى والأطرش" لغسان كنفاني وعمل فيه العشرات من الممثلات والممثلين المعروفين.

وفي يافا بادر المُخرج أديب جهشان بإقامة مسرح "السرايا "سنة 1998وقد عرض عدّة مسرحيات مهمّة، كما اهتم بتقديم المسرحيات للأطفال، ومن الممثلين الذين شاركوا في العروض نورمان عيسى وميرا عوض وفاتن خوري وعماد جبارين وروضة سليمان وخولة دبسي وعلي سليمان.

وفي أم الفحم كان النشاط المسرحي مُهما ومُؤثِّرا، وظهر العديد من الممثلين والممثلات والمُخرجين. ومن المسارح المهمة كان "مسرح ديوان اللجون" أنشأه الممثل غسان عباس سنة 2000.

في هذا الكتاب تناولتُ نماذج مُتميّزة من الكتابات المسرحيّة النثريّة، ووقفتُ عند بعض العُروض المسرحيّة الهامّة، اخترتُ أن تكون موزّعة على فترات زمنية مُتباعدة منذ سبعينات القرن الماضي حتى السنوات الأخيرة، وقصدتُ أن أضيفَ دراستي عن مسرحيّة "الاغتصاب" لسعد الله ونّوس لتميّزها وقوّتها وعُمقها وتأثيرها لتكون نموذجا للمسرحيّة المَرجوّة، كذلك ما كتبتُه حول مسرحية "باب الحارة" لما أثارته من اهتمام جماهير وفئات مختلفة ومن كل الأجيال ودَفْعهم  للحنين إلى الماضي وبَعْث الكثير من الأفكار والعادات والتّقاليد والمَفاهيم التي كانت ورأيت في ذلك انحرافا سيّئا في تنشئة أبنائنا وإبْعادا للناس بكل تنوّعاتهم عن تبَنّي المواقف الإيجابية والبحث عن المواضيع التي ترفع من شأن ومَكانة إنساننا العربي. وقد اختلفت الآراء حول ما كتبتُ ما بين المُنتقد والغاضب والمُؤيّد المُتحمِّس.

***

د. نبيه القاسم

...................

* نصّ المُقدّمة التي كتبتُها لكتابي "مُقاربات مسرحيّة في نقد المَسرح الفلسطيني المحلّي" الصّادر عن "دار راية للنشر.

من أمتع ما يمارسه الباحث الأصولى، فكرة اللهجات ودراستها ومحاولة فض مكنونها، واستبصار الفارق بين اللهجة واللغة. وكذا هى متعة رائقة للقارىء العادى أو المتخصص، إذن هى متعة مزدوجة، علم مغلف بالاستمتاع وشغف المعرفة. وفكرة اللهجات ليست قاصرة على العربية كما يخال البعض، لغات الأرض جميعًا كل لغة ولها لهجاتها، تجد ذلك على سبيل المثال فى الإنجليزية، فلهجة الأمريكى غير لهجة البريطانى فى الاستعمال، وكذا بقية الشعوب التى تتحدث الإنجليزية، مع أن اللغة واحدة، إلا أن لكل أمة لهجتها فى استعمال اللغة.

مفهوم اللهجة ومفهوم اللغة

اللهجة هى: اختلافات صوتية أو صرفية أو دلالية عند أداء الألفاظ فى بيئة معينة أو زمن معين. وهذا هو التعريف الذى نجتهد فى الوصول إليه ونقدمه للقارىء. وتعريفات اللهجات تجدها تحوم فى هذا المعنى، حتى عند الغرب، فنجد على سبيل المثال قاموس أكسفورد، يعرِّفها بأنها: طريقة التحدث أو الكلام المميزة لشخص أو فئة معينة [قاموس أوكسفورد].

واللهجة تنطق بإسكان الهاء أو بفتحها، فتقول: لهْجة أو لهَجة. وسميت اللهجة بهذا الاسم، لأنها مأخوذة من " لهَج" أى امتص، فيقال: لهج الفصيل ضرع أمه أى امتصه. ولأن الإنسان يمتص الكلام والدلالات والتراكيب التى تجرى على لسانه من بيئته المحيطة، صار ذلك " لهجة ".

أما اللغة فقد دأب السابق واللاحق على توارث مفهومها، بأنها رموز وعلامات صوتية يتواصل بها أفراد الجماعة فيما بينهم. وقد تعددت مفاهيم اللغة، إلا أن هذا هو الشائع. واللغة من " لغا " أى تكلم . واللغة خلاف اللغو الذى هو باطل القول أو الإثم.

إذن اللغة تواصل لسانى واللهجة أيضـًا تواصل لسانى، فما الفرق إذن بين اللغة واللهجة؟

اللغة هى الأم واللهجات هى المتفرعات منها مع حدوث اختلافات ناشئة فى اللهجات تختلف فيها مع اللغة الأم فى طريقة نطق الكلمة أو بنية حروفها أو دلالتها، وهو اختلاف مشروع، اللغة نفسها سمحت به، وهذا ما سنعرفه، بل نعطيك نبذة الآن، فالدليل الأول على سماح اللغة بهذه الاختلافات والتميزات، هو نزول القرآن الكريم بلسان عربى مبين يحتوى كل لهجات العرب الفصيحة فى انسجام تام. الدليل على ذلك أيضًا هو نزول القرآن على سبعة أحرف، أى القراءات المتواترة التى أقرها النبى ﷺ، فترى الآية تـُقرأ بكذا طريقة وكلها صواب رغم الاختلاف بين القرائتين أو أكثر من قراءة.

العرب كانوا قديمًا لا يفرقون فى الاصطلاح بين اللغة واللهجة

العرب قديمًا كانوا يعرفون جيدًا الفرق بين اللغة واللهجة، وهم أول من تناول هذه الفروق. إلا أنهم من حيث الاصطلاح لم يفرقوا بين اللغة واللهجة، فتراهم يقولون اللغة وهم يريدون اللهجة. ومن ذلك قولهم: لغة قريش، لغة تميم، لغة هذيل، وهم يقصدون لهجة قريش ولهجة تميم ولهجة هذيل، تجد ذلك فى مؤلفات اللغويين الأوائل والقواميس والمعاجم الأولى وعند شراح الدواوين الشعرية حين يتعرضون لمسألة لغوية .

من هنا يتضح جيدًا فهمهم العميق للهجات والفرق بينها واللغة الأم، إلا أنهم لم يكونوا قد توصلوا بعد لاستعمال كلمة " لهجة " فى موضعها الاصطلاحى المناسب، وكذا كانوا يعبرون بكلمة " اللسان " وهم يقصدون بها اللغة أو اللهجة. فاستقرار كلمة لهجة فى موضعها والتفريق الاصطلاحى بينها واللغة هو حديث نسبيًا.

متى نشأت اللهجات إذن؟

اللهجات قديمة قِدَم اللغة، ما إن تتفرق الجماعة إلى قبائل حتى تشق كل قبيلة لنفسها لهجتها. والدليل على قِدَم اللهجات، هو اكتشاف لهجة طسم وجديس، وهما قبيلتان عربيتان من القبائل البائدة، تم الوصول إلى ذلك من النقوش المعثور عليها، فاللغة عربية، ولكن ثمة اختلافات لهجية بين القبيلتين.

وبعد ذلك نجد لهجة مَعِين واللهجة السبأية ولهجة حِمْيَر القديمة واللهجة الحضرمية، كل ذلك توصل إليه الباحثون بالدليل العلمى من النقوش والمخربشات والآثار التى عُثر عليها فى شبه الجزيرة العربية ومحيطها . ثم تتوالى الأزمنة وتتابع اللهجات المختلفة حتى عصرنا الحالى، ولا شك إذن بالمنطق والقياس العلمى أن المستقبل سيشهد لهجات أخرى جديدة .

نماذج للهجات

1 - كلمة الصقر، هى فى اللغة صقر ومن توافقت لهجاتهم مع الأصل اللغوى يقولونها صقر. ولكن تجدها فى لهجات " سقر " وأخرى " زقر " . فمن ذلك أن اختلف أعرابيان فى الصقر، فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين، فاحتكما إلى أول قادم عليهما، فقال: لا أقول كما قلتما، ولكنى أقول: الزقر. إذن كلمة الصقر فيها ثلاث لهجات: صقر، سقر، زقر. وعند القدماء كانوا يقولون فيها ثلاث لغات وهم يقصدون لهجات، كما بينا.

2 - كلمة " وثب " فى لهجات تعنى القفز، وفى لهجة حمير تعنى " الجلوس " . ومن ذلك رُوى أن زيد بن عبدالله بن دارم الحجازى، دخل على ملك حمير فى مدينة ظفار، فقال له الملك: ثِبْ، أى اجلس، فى لسان حمير. ففهمها الحجازى على مقتضى لغته هو، فقفز على الكرسى، فوقع واندقت رجلاه. فسأل الملك عن ذلك الفعل الذى فعله، فأخبروه أنه فهم " ثب " بلغة أهل الحجاز لا حِميَر.

3 - الهجرس تعنى القرد عند أهل الحجاز، وتعنى الثعلب عند تميم.

4 - كلمة " رَغيف " بفتح الراء، تنطقها تميم " رغيف " بكسر الراء، وهو ما عليه لهجات عامية كثيرة الآن، فهى تنطق لهجة تميم وهى لهجة فصيحة دون أن يعرفوا أنهم ينطقون بلهجة عربية فصيحة، هى لهجة تميم.

5 - همزة " إمَّا " مكسورة، أما فى قيس وتميم وأسد يفتحون الهمزة، فتكون " أمَّا "، ومن ذلك قول الشاعر:

ياليتما أمنا شالت نعامتها أمَّا إلى جنة أمَّا إلى نار

وهذا استعمال أيضًا فى لهجات عامية عديدة الآن، فيظنون أنها عامية، ولكنها لهجة عربية فصيحة.

6 - " هُوَ " " هِىَ " بفتح الواو وفتح الياء. أما قيس فتسكنها " هُوْ " " هِىْ "، ولهجات أخرى تسكن الهاء وتفتح الواو إن سبقها ما يسمح بذلك كحرف عطف، فيقولون: وهْوَ - وهْىَ . وفيهما لهجة ثالثة بالتشديد: هُوَّ - هِىَّ، وتلك لهجة همدان. وهذا ما عليه أيضًا بعض اللهجات العامية الآن، فهى تنطق على وجه من أوجه الفصحى وهم لا يعلمون.

7 - " حتى " تقولها هذيل " عتى " فيبدلون الحاء عينـًا، ومن ذلك قرأ سيدنا عبد الله بن مسعود {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}[يوسف/35]، {لَيَسْجُنُنَّهُ عَتَّى حِينٍ} .

8 - " الذين " تلزم هذه الصورة فى كل الحالات الإعرابية فهى مبنية، أما هذيل وعقيل يعربونها بعلامات إعراب جمع المذكر السالم، فيرفعونها بالواو " اللذون "، ومن ذلك قول الشاعر:

نحن اللذون صبحوا الصباحا يوم النخيل غارة ملحاحا .

9 - حرف الجر " مِن "، خثعم وزبيد من قبائل اليمن يحذفون نونها، فيقولون" جئت م البيت، ومن ذلك قول الشاعر:

أبلغ أبا دختنوس مألكة غير الذى قد يقال م الكذب

يقصد" من الكذب"، والمألكة أى الرسالة. ونلاحظ أن هذا الحذف يتفق تمامًا مع كثير من لهجاتنا اليوم التى نظن أنها عامية مقطوعة عن الفصحى، فى حين أنها لهجة عامية ذات أصول فصيحة كما تبينا نفس السمة فى بعض المواضع السابقة.

10 - لغة القصر، وهى تعنى لزوم المثنى بالألف فى كل الحالات الإعرابية، وتعرب الكلمة بعلامات مقدرة. فتقول: مررت برجلان، إن الرجلان عظيمان، الرجلان فاضلان. ومن ذلك قوله تعالى {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}[طه/63]. إذ أعرب نفر من النحويين " هذان " على أنها اسم إنْ المخففة منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على لغة القصر، أى لهجة القصر. وسميت بلغة القصر لأن الاسم المقصور يلزم العلامات المقدرة دائمًا. فأجروا المثنى فى العلامات الإعرابية كأنه اسم مقصور.

أردنا التنويع فى هذه النماذج لتحقق ما قلناه فى تعريف اللهجات أنها اختلافات صوتية أو صرفية أو دلالية. فهذه النماذج توزعت فيها الاختلافات بين صوتية وصرفية ودلالية. ولعله بعد عرض هذه النماذج، قد اتضح أكثر وأكثر الفرق بين اللهجة واللغة. وقد رأينا بالتطبيق العملى كيف تكون هذه الاختلافات بين اللهجة واللغة.

والآن ألا يحق لك أن تسأل فى تراتب منطقى، قائلا: ما السبب إذن فى نشأة اللهجات ؟ لماذا هذه الاختلافات، ولماذا لمْ تظل الجماعات اللغوية على لغة واحدة؟ نقول: من أبرز أسباب نشأة اللهجات:

1 - العامل الجغرافى

وهو توزع الأفراد على دول مختلفة، وداخل الدولة الواحدة توزعهم على بلاد مختلفة، فداخل الدولة الواحدة تجد العديد من اللهجات.

2 - العامل البيئى

تجد الذين يعيشون فى بيئة زراعية لهم لهجتهم، والذين يعيشون فى المدن لهم لهجتهم، وسكان البيئات الصحراوية أو التى يغلب عليها الطابع الصحراوى لهم لهجتهم.

3 - اختلاف الطبائع والأيدلوجيات والثقافات.

4 - التطور والامتداد الزمنى

ذلك بما يصحبه من تغيرات على كافة الأصعدة، ولاسيما التطورات الحضارية التكنولوجية، والذى نلاحظه بلا شك هو مدى أثر هذا التطور الزمنى والتكنولوجى فى اللهجات المختلفة، حيث ظهور ألفاظ جديدة، دلالات جديدة، تراكيب جديدة. وتوارى ألفاظ أخرى وهيئات فى النطق ودلالات تغيب عن المشهد الكلامى. ومثال ذلك تجد على سبيل المثال: نفسبك أى الجلوس على الفيس بوك، ننتت: نجلس على النت، متفيرس: أى مصاب بمرض وأصبحت تطلق على الإنسان لا الحوسبيات وأجهزة الاتصالات فقط. مهنج/ فاصل: أى ليس لديه القدرة على فعل شىء، وغير ذلك كثير.

5 - التقليد أو التأثر

قد تروق لجماعة لغوية أو لواحد فى هذه الجماعة، لفظة سمعها من خارج بيئته أو طريقة كلامية أو هيئة نطق، فيقلدها. ثم تتكرر ويترامى استخدامها على الأسماع فتصير من مكونات لهجة هذه الجماعة. أو قد يعيش واحد أو مجموعة صغيرة داخل بيئة فيتكلمون بلهجتهم بين أفراد هذه البيئة فيؤثرون فيهم ويتأثرون بهم. إن اللغات مثلما عرفت ظاهرة الاقتراض اللغوى بين اللغات، فكذلك اللهجات تعرف أيضًا ظاهرة الاقتراض، فاللهجات تقترض من بعضها.

6 - التقدم أو ضده حيث الانحطاط القيمى والأخلاقى

التقدم القيمى والأخلاقى، ونقيضه الانحطاط القيمى والأخلاقى، لا شك هو أحد العوامل البارزة فى نشوء لهجات جديدة " بهيئة نطق أو دلالات أو ألفاظ أو تراكيب " . كنا قديمًا نسمع " نهارك سعيد ". الآن " صباحو قشطة ". تجد المنحرفين أخلاقيًا لهم هيئة معينة فى نطق الكلام، وتجد أصحاب الفضيلة لهم هيئة معينة فى نطق الكلمة، كل ذلك أنت تلاحظه فى حياتك اليومية.

العلاقة بين ثنائية سوسير واللهجات

مفاد نظرية " دى سوسير " الشهيرة التى عُرفت بالثنائية السوسرية، أنه فرَّق لغويًا بين اللغة والكلام. اللغة هى الالتزام بالقواعد والنظام الصوتى والدلالى. أما الكلام فهو الخروج عن هذا الالتزام، هو الكلام العادى الذى نمارسه فى حياتنا اليومية دون التزام بقواعد اللغة.

يمكننا إذن بعبارة أخرى أن نقول إن المرادف فى لغتنا لهذه النظرية " اللغة والكلام "، هو أن نقول " الفصحى والعامية" . ومن الرائق فى إطار حديثنا عن اللهجات أن نلتقط علاقة بين ثنائية سوسير واللهجات، ولعلنا قبضنا على طرف منها بعدما تعرفنا مفاد نظرية سوسير. فحين نقول اللغة والكلام أو مرادفها عندنا " الفصحى والعامية "، فإننا تعرَّفنا بذلك أن الشق الثانى من هذه النظرية وهو " الكلام أو العامية " هو متعلق أصيل باللهجات، فى أنها اشتقت لنفسها نظامًا مخصوصًا يخصها عن اللغة الأم.

هل اللهجات عيبًا أو لحنـًا؟

هذا آخر ما نود أن نختم به حديثنا، أن نكشف أن اللهجات ليست عيبًا أو لحنـًا فى اللغة. ولعله مما سبق قد تبينا ذلك جيدًا بما لا يدع مجالا للشك. وقد سبق أن ذكرنا أن الاختلافات الناشئة فى اللهجات عن اللغة الأم، هى اختلافات مشروعة، وقد أقرتها اللغة الأم. وقدمنا خير دليلين على ذلك، وهما:

أ - ضم القرآن الكريم فى انسجام تام للعديد من اللهجات العربية الفصيحة.

ب - القراءات السبع المتواترة خير مؤيد للإقرار بمشروعية اللهجات، والأمثلة كثيرة، ومنها {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}[ يوسف/17] فتـُقرأ {فأكله الذيب}. وقوله تعالى {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}[يوسف/23] فتـُقرأ {هِيتَ لك - هَيتُ لك- هِئتُ لك} . وقد مر بنا {إنا أعطيناك الكوثر - إنا أنطيناك الكوثر}، {حتى حين- عَتـَّى حين}، وغير ذلك مما هو قائم فى أصله وأساسه على اللهجات.

وحكمة جليلة فى ذلك أن القرآن راعى كل هذه اللهجات لتسهل قراءة القرآن والتعبد به على الجميع، فلا يشق على أحد. ولماذا هذه السبع مع أن اللهجات كثيرة؟ هذه السبع هى التى فى كل واحدة منها تجد سهولة على العديد من أصحاب اللهجات، فكل أصحاب مجموعة لهجات تجد لنفسها قراءة من السبع تسهل عليها. وبذلك وجد الجميع السهولة فى هذه القراءة، فكل مجموع لهجات وجد بُغيته فى قراءة من القراءات.

ج - النبى ﷺ، كان يخاطب القبائل، كل قبيلة بلهجتها لتفهم وتعى ويصلها المراد بلا مشقة. ومن ذلك أحاديث تتفق مع لهجات هذه القبائل. ومنها ما ورد للقبيلة التى تبدل أداة التعريف" ال " فتجعلها " ام "، فبدلا من الشجر تقول: امشجر. والحديث الشهير هو (ليس من البر الصوم فى السفر)، فحين خاطبهم النبى ﷺ بلهجتهم، قال (ليس من امبر امصوم فى امسفر) [مسند الإمام أحمد- ج5 - ح434] .

د - اللهجات العامية فى عدد وافر من ألفاظها، هى فى الأصل كما مر بنا ألفاظ عربية فصيحة، فالعامية نحا لسانها فى كثير من الألفاظ منحى لهجات عربية فصيحة، أو أنها ورثتها، ونحن نتداولها ولا نعلم تلك الحقيقة.

و- قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ}[الروم/22] . اختلاف ألسنتكم ليس فى اللغات فحسب، بل فى اللهجات أيضًا داخل اللغة الواحدة، أن تكون اللغة واحدة وفيها اختلاف ألسن. فسبحان الخالق القدير الذى وهب الإنسان اللسان يشكره وينطق بسحر البيان.

***

د. أيمن عيسى - مصر

............................

مصادر ومراجع أفادت منها الدراسة

1 - أصول تراثية فى اللسانيات الحديثة- د / كريم حسام الدين - مكتبة النهضة المصرية- ط3/ 2001م.

2 - الجاسوس على القاموس - أحمد فارس- مطبعة الجوائب - 1883م.

3 - حياة اللغة العربية - الشيخ/ محمد الخضر حسين - مجمع البحوث الإسلامية - 1444هـ.

4 - الخصائص - ابن جنى - تحقيق/ محمد على النجار - المكتبة العلمية - 1957م.

5 - الفسر - ابن جنى - تحقيق د / رضا رجب - دار الينابيع - دمشق - 2001م.

6 - اللهجات العربية - د/ إبراهيم محمد نجا- مطبعة السعادة - 1972م.

7 - ما اللغة - د / فتح الله سليمان- الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2021م.

8 - محاضرات فى اللهجات العربية - د / عبد الحميد محمد أبو سكين - مطبعة الأمانة - 1974م.

9 - المزهر فى علوم اللغة العربية - جلال الدين السيوطى - تحقيق/ محمد جاد المولى وآخرون - مطبعة عيسى البابى الحلبى - دت.

10 - مسند الإمام أحمد - مؤسسة الرسالة - 1996م.

"ليلى إلهان"، شاعرة يمنيّة – عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين – عضو نادي القصة اليمني (المقة) – صدر لها:

1- فاتحة القصيدة – 2- القمر الذي كرغيف السكر – 3- قليلاً ما أكون – 4- أنا وكأني خارج الخدمة – 5- دون سابق حب – 6 – كأنك زهر الكولونيا -7- شارع سبعة – 8- غزل- 9- ظلال لا تطير.

حصلت على جائزة الدولة للشباب في فن الشعر اليمني – وجائزة الدكتور عبد العزيز المقالح للإبداع الأدبي –حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون –

ترجم لها آفاق لبنان بعض النصوص للغة الانكليزية في ملف خاص بالأدب اليمني المعاصر –

نشرت الكثير من نصوصها الابداعيّة في الصحف اليمنية والعربيّة.

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة:

الضياع والفقد والغربة ويباس الروح، وتلاشي الفرح وحضور الألم وتصحر الأحلام، والآمال في البحث عن فتح ألف باب قد أغلقت في وجوهنا في زمن اللامعقول.

"ليلى الهان". في قصيدتها (ريح كفيفة) تقدم لنا هذه اللوحة المأساويّة في عالم فقد انسانيته، وتحولت الألوان كلها فيه إلى لون رمادي وكأنه أبواب سجن من حديد قد أغلقت علينا ورحنا نبحث عن مخرج أو مخارج لكل مظاهر حياتنا.. لم تعد نسائم الفرح وما تحمله من عبق الحياة تمر بنا وتحولت إلى (ريح كفيفة) تعصف بكل ما يضللنا من أمن وسعادة، بل وتقتلع كل أزهار فرحنا ومواعيد الحب بين المحبين والعاشقين. تقول "ليلى":

ريح كفيفة تلتهم

مظلاتنا،

أزهارنا،

والمواعيد الغرامية المهزومة.

"ريح كفيفة" حملت معها القتل والدمار وغربة الأحبة، فتلاشت تلويحاتنا الجميلة المشبعة بالحب والوداد، وتلاشت معها حتى تلويحاتنا (الغريبة) لأناس لم يعودوا في قائمة الأصدقاء. ثم تقول:

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

لأناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

"ريح كثيفة" تطرزت باللون الرمادي لمعطف من تناجيه الشاعرة، وهي تريد من اللون الرمادي ذاك اللون غير الثابت في دلالاته، والذي يراد منه هنا تعبيراً عن تلك المعاناة والشقاء الذي حل في وطنها أو العالم الذي يحيط بها وغابت عنه كل مسارات الفرح والسعادة، وحتى ما تبقى من أفراحه وجماليّة حضوره التي كانت تؤنسها وتفرح بها كعلامات فارقة في حياتها، أصبحت مليئة بالصر والسلوان. تقول "ليلى"

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

"ريح كفيفة" تحولت بكل ما حملته لنا من قهر وعذاب وتشرد وفقد، راحت هي ذاتها ترأف بحالنا وتبحث لنا عن أيّة وسيلة لفتح أبواب للنجاة تُفرج عن كل الأسرار المحبوسة الحزينة المتأرجحة فيها.. لقد ضاقت تلك الريح العمياء بتلك الرزايا التي عصفت بنا.. ضاقت من شدّة ما قاسينا متمنية أن نجد مخرجاً لمآسينا كي نعود نحلق من جديد كسرب بوح، أو سرب فرح، في وطن تسوده الحريّة والعداة والمساوة وكسر عضد كل ما ساهم في شقائنا. تقول الشاعرة: ليلى الهان:

ريح كفيفة

تبحث عن مقبض

لتفتح كل الأسرار

المتأرجحة في قلوبنا

الحبيسة الحزينة،

تريد أن يفتح لها ألف

باب

كي تحلق كسرب بوح طليق.

البنية الفكرية للقصيدة:

لم تعد اليمن السعيدة، سعيدة شأنها شأن الكثير من الدول العربيّة التي نالها القهر والاستبداد والصراعات الطبقيّة والحروب الأهليّة المشبعة بالطائفيّة والقبليّة، هذه الحروب التي أوجدت كل هذا القهر والدمار والغربة الروحيّة والجسديّة لتحقيق مصالح أنانيّة فرديّة كانت أو جماعيّة، فحطمت كل ما هو جميل في حياة هذه الشعوب، وأوصلتهم إلى ما هم فيه من عذاب كما جاء في متن القصيدة.

البنية الفنيّة أو الشكليّة في القصيدة:

أهمية قصيدة النثر:

إن قصيدة النثر أو الشعر المنثور هي قطعة نثر، غير موزونة، وتأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الابيات وأحياناً تكون غير مقفاه، تحمل صورًا ومعانٍ شاعريّة، أغلبها يشكل موضوعاً واحداً.

ويمكننا القول أيضاً إنّ قصيدة النثر، هي ذلك الشكل الفنيّ الذي يسعى إلى التخلّص من قيود نظام العروض في الشعر العربيّ، والتحرّر من الالتزام بالقواعد الموروثة من القصائد التقليديّة، وبناءً على ذلك، فقد عرفّها بعض الأدباء بأنّها عبارة عن نصّ تهجيني يمتاز بانفتاحه على الشعر والسرد والنثر الفني، ويتسم بافتقاره للبنية الصوتيّة ذات التنظيم، إلا أنّ له إيقاعاً داخليّاً منفرداً بعدم انتظامه.

ومن أهم خصائص قصيدة النثر، 1- خلوّها من الوزن والقافية. 2- 3- هذا ويسود السكون نهايات الجمل والسطور والمقاطع في قصيدة النثر4- وبالتالي إمكانيّة قراءة مفردات القصيدة الداخليّة دون الالتزام بالحركات، أي تعميم السكون على كامل القصيدة. 5- كما يتجلى الغموض في القصيدة وصعوبة الفهم والتفسير بشكل مطلق. وبالتالي هي مفتوحة الدلالات أمام المتلقي، لذلك وصفت بإسفنجيّة البناء والتركيب.

إن ما يميز قصيدة النثر في الشعر الحديث، هو أن الشاعر الحداثي يمارس حريته في القول بعيدًا عن أي سلطة خارجيّة تُملي عليه طريقة الكتابة والتعبير، سواء كانت سلطة المجتمع أو الدين أو اللغة أو التراث، لتخرج لنا تجارب ملهمة عبر التجريب الشعري الذي يصنع هويّة جديدة للشعر، حيث تصبح القصيدة مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن ثم يصبح الشعر مفتوحًا للمتلقي على التأويل والتفسير والقراءات المتعددة.

وبناء على ذلك جاءت قصيدة " ريح كفيفة" مفتوحة على كل الدلالات، حيث مارست فيها الشاعرة "ليلى" حريةً في القول، بعيدًا عن أي سلطة خارجيّة تُملي عليها طريقة الكتابة والتعبير، سواء كانت سلطة المجتمع أو الدين أو اللغة أو التراث، لتخرج لنا تجربة ملهمة عبر التجريب الشعري الذي يصنع هويّة جديدة للشعر، حيث تصبح القصيدة كما أشرنا أعلاه مفتوحة على كل الاحتمالات، أي يصبح الشعر مفتوحًا للمتلقي على التأويل والتفسير والقراءة.

البنية السيمائية للعنوان:

"ريح كفيفة" يحمل العون في مضمونه دلالات واسعة عن عمق المآسي التي تمر بالفرد او المجتمع، فالريح يرافقها العصف الشديد الذي يقتلع كل شيء أمامه، فكيف إذا كانت هذه الريح كفيفة، فهي هنا أشبه بالتسونامي في قوته وجبروته.

"التّعبير" و"العبور" في القصيدة:

إذا كان (التّعبير) في الشعر يتمّ في يقظة الحواسّ، نتيجة لاستحضار الموجودات بهذه الحواس ذاتها، فإن (العبور) يتمّ بالرؤيا المجرّدة والتخيل، من هنا فـ (التّعبير) يقتضي يقظة الحسّ، وعند غياب هذه اليقظة، يتمّ (العبور) عبر التّخيُّل والرّؤيا المجرّدة حيث تقول الشاعرة:

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

أناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

*

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

هنا كما يتبين معنا يغيب الاحساس المباشر بالأشياء عند الشاعرة "ليلى" ويبقى التخيل للأحداث التي تعبر عنها القصيدة غارقة في خيال الشاعرة، لترسم من هذا الخيال عوالم لأشياء تجعل المتلقي يلهث وراء كشف أسرارها وهذا ما منح القصيدة غموضاً في التقاط الدلالات الحقيقية للحدث سنبينه بعد قليل.

التجريد في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعرة "ليلى الهان " من خلال قدرتها على التجريد، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أي التعبير عما هو موجود وراءها أو في جوهرها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد، وكأنّ الشاعر المصوِّر المبدِع، يصوِّر عبر رموزه وإشاراته ما يتمناه لكي يمحو "الصّورة" الحقيقية التي يريد البوح بها وإيصالها إلى المتلقي عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه تقول:

(ريح كفيفة.... والمواعيد الغراميّة المهزومة... ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي، بشاماتك أسفل أصابعي...

الغموض في القصيدة

إن الشاعر المبدع أو الأديب بشكل عام، هو من يستطيع أن يتجاوز المباشرة في التعبير ليجعل ما يراه حسيّاً، ليس إلا عتبة لما لا يراه، ولا يُعنَى في بوحه هنا بالصّورة زخرفاً وشكلاً، وإنّما يُعنَى من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى. ولا تكمن أهميّة الصّورة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما وباباً يقود الناظر إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات أو في الطّبيعة. كقول الشاعرة: (ريح كفيفة... أو تلتهم مظلاتنا... أو ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي.. هذا إضافة إلى استخدامها الرمز في هذه القصيدة الأمر الذي عمق في غموضها عند المتلقي. فاستخدامها لمفردات مثل: ريح.. كفيفة.. اللون الرمادي.. شاماتك ..مظلاتنا.. المعطف.. مقبض. فكل مفردة هنا تحمل دلالات كنا قد أشرنا إلى دلالاتها من خلال السياق العام في نقدنا للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة.

إن نص قصيدة "ريح كفيفة" يظل عند المتلقي مفتوحاً في دلالاته، بناءً على ثقافة المتلقي ودرجة اهتمامه بالنص، وعلى هذا الأساس يتفاعل المتلقي مع النّصّ ويمارس إحساساً شخصيّاً وثقافة خاصّة تُوجِّه متعته وفهمه في إطار منظور خاصّ به.

الصورة في القصيدة

يعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في الأداء أو التعبير من جهة، ومن جهة أخرى تعد مقياساً فنيّاً وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة والتخيليّة، التي تجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل.

لقد شكلت الصورة عنصرًا بارزًا ومهمًّا في هذا النص الشعري، إذ لجأت الأديبة "ليلى الهان" إلى تغليف أفكار النص وتثبيتها في نفس وذهنية القارئ بالصور التخيليّة، المشبعة بالعبور والغموض معاً. وهذا ما أيقظ العواطف والعقل معاً عند المتلقي، من لغتها التصويريّة. لقد كانت الشاعرة أكثر قدرة على التعبير في بوحها من التقرير. وبالتالي كلما كان الأدب تعبيريًّا كانت الصور هي التي تتشكل في ذهن القارئ. أما حين يكون الأدب تقريريًّا فإن الأفكار تطغى على الصور.

لقد جاءت الصورة عندها جزئيّة ومباشرة ومشبعة بمفردات البلاغة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز في قولها: (ريح كفيفة تلتهم مظلاتنا، أزهارنا،... وفي قولها ريح كثيفة مطرزة بمعطفك الرمادي، بشاماتك أسفل أصابعي، بضحكتك المليئة بالصبر والسلوان).

ولكون الشاعرة استطاعت أن تجعل من تراسل صورها حكاية أو اقصوصة قهر وظلم وفقد وغربة، فقد أَلَفَتْ هذه الصور الجزئيّة مع بعضها نسيجاً حيّاً من الدلالات المتكاملة والمترابطة ليس مع بعضها فحسب، بل ومع مكونات وخلجات الشاعرة النفسيّة والفكريّة أيضاً لتصبح في الغالب صوراً جديدةً من نسج جديد، يتراءى فيها عالم الشاعرة الداخلي وارتباطه بعالمها الخارجي، الذي تدفقت عواطفها وأحاسيسها نحوه دون حساب من أجل الارتقاء به وتجاوز محنته.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، ومن ثمة صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة بوصفها مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثله قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة " ريح كفيفة" للشاعرة "ليلى اليان: لقد استطاعت عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري، أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (ريح كفيفة تبحث عن مقبض لتفتح كل الأسرار المتأرجحة في قلوبنا الحبيسة الحزينة، تريد أن يفتح لها ألف باب كي تحلق كسرب بوح طليق).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الصور بكل جماليتها ومصداقيتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك خوالج الروح والجسد معا. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

اللغة في القصيدة:

لقد توشحت لغة القصيدة بالسماحة والسهولة والترابط والسبك والغموض في الدلالة. والأهم أنها كانت لغةً فصيحةً بسيطةً في الظاهر، بيد أنها ليست لغة تقريريّة. إن حسن اللفظ في القصيدة حقق إلى جانب كل سماتها التي أشرنا إليها، رنتها الموسيقية اللذيذة في الأذن أيضاً، فكانت اللفظة الواحدة منسجمة مع بقية أجزاء الكلام، وهنا يكمن سر غرابة السبك وبراعة الصياغة وفن التعبير.

ملاك القول:

نحن أمام نص شعري معقد يجنح نحو العقل أكثر من جنوحه نحو العاطف، وهذا ما يجعل المتلقي يقف كثيرا أمام كل مفردة أو عبارة وردت فيه، يبحث عن دلالات في رموزه وبنيته السرديّة بشكل عام.

مثلما نحن أمام شاعرة متمكنة من حرفتها .. مبدعة في التعبير عن عمق أحاسيسها الداخليّة وخلجات هذه الأحاسيس والعقل معاَ، وبالتالي قدرتها على نقل هذه الأحاسيس والمشاعر إلى المتلقي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

............................

ريح كفيفة

ليلى الهان - شاعرة من اليمن

ريح كفيفة تلتهم

مظلاتنا،

أزهارنا،

والمواعيد الغرامية المهزومة.

...

ريح كفيفة تلتهم

تلويحاتنا الغريبة

أناس لم يعودوا

في قائمة الأصدقاء.

.....

ريح كثيفة مطرزة

بمعطفك الرمادي،

بشاماتك أسفل أصابعي،

بضحكتك

المليئة بالصبر والسلوان.

،،،

ريح كفيفة

تبحث عن مقبض

لتفتح كل الأسرار

المتأرجحة في قلوبنا

الحبيسة الحزينة،

تريد أن يفتح لها ألف

باب

كي تحلق كسرب بوح طليق.

 

دراسة نقدية نفسية – بلاغية في قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي

تندرج قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي ضمن أفق الغزل العربي الكلاسيكي، غير أنّها لا تقيم فيه بوصفه مأوى نهائياً، بل تتخذه معبراً لإنتاج خطاب شعري مشحون بطاقة نفسية وإيروتيكية عالية، يتشابك فيها العشق بالوجع، والتلذّذ بالألم، والجسد باللغة، في بنية دلالية مركّبة تتجاوز الوظيفة الغزلية التقليدية.

إننا إزاء نص لا يُقرأ باعتباره تعبيراً عن حالة وجدانية فحسب، بل بوصفه مشهداً نفسياً–جسدياً تُفصح فيه الذات الأنثوية عن وعي عميق بجسدها، وبالرغبة، وباللغة كأداة تعويض، وكساحة صراع بين القيم الموروثة والانجذاب الحسي.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تكاملية، تمزج بين التحليل النفسي الإيروتيكي والتحليل البلاغي والإيقاعي، للكشف عن آليات الرغبة، وبنية الألم المختار، ووظيفة الصورة، ومكانة التراث العروضي بوصفه حاملاً لا قيدًا.

أولًا: البنية النفسية للذات العاشقة

1. الحب بوصفه احتراقًا داخليًا

منذ المطلع:

"أَضْرَمْتُ قلبي كي يلوذَ بدفئِهِ"

تضع الشاعرة القارئ أمام مفارقة نفسية دقيقة: الاحتراق بوصفه ملاذاً. فالذات لا تطلب الدفء من الخارج، بل تحرق ذاتها لتستدفئ بها، في صورة تعكس وعيًا مأساويًا بالحب بوصفه فعل إيذاء ذاتي واعٍ.

نفسيًا، نحن أمام ذات لا ترى في الحب خلاصًا، بل قدرًا داخليًا، حيث الألم ليس عارضًا، بل شرطًا للمعنى.

2. اللذة بوصفها ألمًا مختارًا

يتكرّر في القصيدة معجم الجرح، السُّقم، القتل الرمزي، والدمع، ما يحيل إلى بنية نفسية قريبة من المازوشية العاطفية، حيث تتماهى اللذة بالألم، ويغدو الوجع وسيلة تأكيد للوجود العاطفي:

حُمِّلتُ جرحًا منذ كتبتُ قصائدًا

فالجرح هنا ليس نتيجة الحب، بل ملازم للقول الشعري نفسه، وكأن الكتابة هي إعادة إنتاج واعية للألم.

ثانيًا: الإيروتيكا بوصفها بلاغة جسدية

1. الجسد المتخيَّل لا الجسد العاري

الإيروتيكية في القصيدة لا تقوم على العري المباشر، بل على التلميح المشبع: الشفاه، القبلة، الوجنتان، الثغر، الرضاب.

هذه المفردات لا تُستعمل استعمالًا تشريحيًا، بل تتحوّل إلى رموز حسّية، حيث اللغة تؤدي وظيفة اللمس، والاستعارة تقوم مقام العناق. إننا أمام إيروتيكا لغوية لا تستفز الأخلاق، بل تستنطق الذاكرة الحسية.

2. الحواس المتداخلة وكيمياء الرغبة:

يتداخل الذوق (الملوحة)، والشمّ (الأريج)، والسمع (الهسيس)، في تواشج حسي واضح:

أَتَطيبُ قُبلتُهُ وثغريَ مالِحٌ

وهسيسُ دمعي في صلاتي أملحُ

هذا التشابك الحسي يعكس، نفسيًا، حالة اندماج كاملة، حيث لا تعود الحواس منفصلة، بل تتحوّل إلى كتلة شعورية واحدة، وهو ما يُعدّ من أعلى درجات التوتر الإيروتيكي في الخطاب الشعري.

ثالثًا: جدلية التعفّف والرغبة:

تحضر في النص مفارقة أخلاقية دقيقة بين العفّة والتعشّق، دون حسمٍ قاطع لصالح أحد الطرفين. فالتعفّف لا يُلغى، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة بوصفه توترًا دائمًا، لأن الرغبة لا تشتدّ إلا في حضرة المنع.

هذا التوازن الهشّ بين الكفّ والانجذاب يمنح القصيدة عمقها النفسي، ويمنعها من السقوط في الإباحية أو الوعظ.

رابعًا: اللغة بوصفها جسدًا بديلًا

1. الشعر كآلية تعويض نفسي

تعلن الشاعرة – ضمنيًا – أن الكتابة ليست ترفًا بل ضرورة:

ما همّني الشعر الموشّى حرفه

هذا النفي الظاهري لقيمة التزويق البلاغي ينقلب، نفسيًا، إلى اعتراف بوظيفة الشعر العلاجية؛ فاللغة هنا تقوم بما يعجز الجسد أو الواقع عن تحقيقه. إنها مساحة تفريغ، وترميم، وإعادة امتلاك للذات.

2. الشفاه كنصّ:

أقرأتُهُ سفر الشفاه تهيُّمًا

تبلغ الاستعارة هنا ذروة كثافتها؛ إذ تتحوّل الشفاه إلى كتاب، والقبلة إلى قراءة، والقراءة إلى فعل امتلاك حسي. إنها لحظة تماهٍ تام بين النص والجسد، حيث لا يعود القول وصفًا، بل يصير فعلًا.

خامساً: البناء اللغوي والإيقاعي

1. اللغة: فخامة بلا افتعال:

ينتمي النص بوضوح إلى تقاليد الغزل العربي الكلاسيكي، من حيث جزالة اللفظ، وسلامة التركيب، وحسن اختيار المفردة التراثية. غير أن الشاعرة تُحسن تطويع هذا الإرث دون تكلّف، فتبدو اللغة حيّة لا متحفية.

2. الإيقاع: موسيقى الانفعال:

يحافظ النص على إيقاع رصين وقافية موحّدة، تمنحه نغمة إنشادية تناسب التوتر العاطفي العالي. صحيح أن الالتزام بالشكل العمودي يحدّ من المغامرة الشكلية، لكنه في المقابل يعزّز الإحساس بالتماسك والاكتمال، ويخدم طبيعة الخطاب الوجداني.

خاتمة:

تقدّم قصيدة ناهدة الحلبي نموذجاً ناضجاً لقصيدة غزلية حديثة في وعيها، تراثية في موسيقاها، جريئة في إيروتيكيتها، وعميقة في بنيتها النفسية. إنها قصيدة لا تحتفي بالجسد بوصفه موضوع شهوة عابرة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا، وذاكرة حسّية، وساحة صراع بين القيم والرغبات.

الإيروتيكا هنا ليست خروجاً أخلاقياً، بل إعادة تعريف للحب:

حبٌّ بوصفه جرحاً جميلًا، ووعيًا مؤلمًا، ولغةً لا تصف الجسد… بل تصير جسدًا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

.....................

ناهدة الحلبي

حَيَّيْتُهُ أَرْوى فَمي تَقْبيلا

لَيْتَ التَحِيَّةَ بُكْرَةً وَأَصيلا

*

يُغْذي عَذابَ المُسْتَهامِ بِجَفنِهِ

أرْنو فَتَرْميني الِّلحاظُ قَتيلا

*

ما هَمَّني الشِّعْرُ المُوَشَّى حَرْفُهُ

ما القلبُ في بُرْءٍ وَكانَ عَليلا

*

رَصَّعْتُ جيدَ البَدرِ مِنْ نَفَحاتِهِ

وَأَريجَ مِسْكٍ للرُّضابِ أُهيلَ

*

جاوَزْتُهُ في الشَّوْقِ بَعْدَ تَحَيُّفٍ

أَرْجو مِنَ الطَّرْفِ الكَحيلِ مَخيلا

*

إِنَّ التَعَشُّقَ لوْ قَضاهُ تَعفُّفًا

لَتَوسَّدَ الكَفَّ القَشيبَ وَعيلَ

*

أقرَضْتُهُ هَوَسَ الحَواسِ وَدُمْلُجًا

وَمِنَ العَقيقِ خَميلةً وَجَديلا

*

سُكْناكَ قَلْبي فالعُيونُ نَواظِرٌ

وَالسِّحْرُ جَفْنٌ يُتْقِنُ التَّسْبيلا

*

إن رُحْتُ أَذكُرُهُ توجَّعَ خاطِري

مُسْتَعْذِبًا سَقْمًا أطالَ حُلولا

*

أقْرَأتُهُ سِفْرَ الشِّفاهِ تَهَيُّمًا

وَلأجْلِ عيْنَيْهِ بُعِثْتُ رَسولَ

*

نَفَحَتْ عَلى وَجَعي نَسائمُ قُبْلةٍ

فَانْداحَ مِنْ حُلْوِ المَذاقِ قَتيلا

 

"القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية"

لا يقدّم نصّ «القدس.. حين أُغلِقَ الطريق في وجهي لا على الخريطة بل في الهوية» نفسه بوصفه حكاية سفر عابرة، ولا شهادة ذاتية محضة، بل باعتباره نصاً سردياً تأملياً مركّباً، يتقاطع فيه اليومي بالوجودي، والسياسي بالإنساني، والذاتي بالجمعي. إنّه نصّ عن المنع بوصفه تجربة وجود، وعن الحدود حين تتحوّل من خطوط جغرافية إلى جدران هوياتية.

النص يشتغل على لحظة بسيطة في ظاهرها، عميقة في بنيتها: ورقة نشاط سياحي، كلمة واحدة («Jerusalem»)، وجواب إداري جاف، لكنها تتحوّل سردياً إلى صدمة أنطولوجية تمسّ معنى الانتماء، وشرعية الحلم، وحق الذاكرة في الجسد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتّسم النص بسلامة لغوية عالية، وبناء نحوي متين، مع قدرة واضحة على تطويع اللغة الفصيحة داخل سرد معاصر غير متكلّف. الجمل غالباً متوسطة الطول، تُوظَّف فيها الوقفات، والنقاط، والتكرار البنائي، لإنتاج إيقاع داخلي محسوب.

الانزياح اللغوي حاضر بذكاء، لا على مستوى الغموض، بل عبر نقل الكلمات من دلالتها التداولية إلى شحنة رمزية:

«ورقة صغيرة.. لكنها كانت أكبر من القلب»

«المدينة تُلغى»

«رسالة رفض رسمية من التاريخ»

هنا لا تُستعمل اللغة للزينة، بل كأداة كشف.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

الفصاحة نابعة من ملاءمة اللغة للموضوع: لغة هادئة، غير خطابية، تخلو من الصراخ، وهو ما يزيد من وطأة الألم. النص يرفض البلاغة العالية الصاخبة، ويختار بلاغة الخيبة الصامتة.

التوازن بين اللفظ والمعنى دقيق؛ فلا يوجد فائض لغوي بلا ضرورة دلالية، ولا جفاف تعبيري يفرّغ التجربة من بعدها الإنساني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص نثري، لكنه مشغول بإيقاع داخلي واضح:

التكرار (القدس – الورقة – الهوية)

الجُمل القصيرة المتتابعة في لحظات الصدمة

الوقفات التأملية التي تُحاكي التردّد والانكسار

الإيقاع هنا نفسي قبل أن يكون صوتيًا، وهو ما يمنح النص موسيقى داخلية خافتة لكنها مستمرة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على السرد الذاتي بضمير المتكلم، مع توظيف ذكي للزمن:

١- زمن الحكاية: لحظة واحدة.

٢- زمن الوعي: ممتد، متشظٍّ، تأملي.

لا شخصيات بالمعنى التقليدي؛ المنسّق ليس شخصية بقدر ما هو وظيفة سلطوية، والراوي هو الذات العربية/الإنسانية التي تواجه نظام المنع.

المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل الذاتي، دون انقطاع سردي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية تنطلق من منظور إنساني نقدي يرى العالم بوصفه منظومة فرز هويّاتي. الشكل (السرد الهادئ، اللغة البسيطة) منسجم تمامًا مع المضمون (المنع الصامت، القمع غير الصاخب).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

الإبداع لا يقوم على حدث غير مألوف، بل على إعادة تأويل حدث مألوف (المنع الإداري) وتحويله إلى مجاز وجودي. الدهشة هنا فكرية وأخلاقية، لا سردية.

ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يطرح أسئلة عميقة:

من يملك حق الوصول؟

هل الهوية جريمة؟

هل الذاكرة تُعاقَب؟

إنه نص عن اغتراب الإنسان داخل العالم المعاصر، حيث تتحوّل القيم إلى معايير أمنية.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص ضمنيًا مع:

فلسفة الهوية

نقد السلطة الحيوية

مفهوم المنع الرمزي في الفكر ما بعد الكولونيالي

لكن دون إحالات مباشرة، ما يمنحه استقلاله الأدبي.

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القدس ليست مدينة، بل:

ذاكرة ممنوعة

اختبار هوية

مرآة كاشفة لعنف النظام العالمي

العنوان نفسه مفتاح تأويلي عميق: الإغلاق في الهوية لا في الخريطة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

النص مكتوب في لحظة عربية مأزومة، حيث:

تُباع القدس سياحياً

وتُغلق سياسياً

وتُجرَّم هويّاتياً

2. تطوّر النوع الأدبي:

يقع النص ضمن السرد التأملي السياسي، القريب من أدب الشهادة، لكنه يتجاوز التقريرية.

3. العلاقة بالتراث:

يحمل النص روح المراثي العربية القديمة، لكن دون استعارات تراثية مباشرة، ما يجعله حداثياً في أداته، تراثياً في روحه.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

المشاعر المسيطرة:

الدهشة

الخيبة

الانكسار الهادئ

لا غضب انفجاري، بل ألم ناضج.

2. تحليل الذات الساردة

الراوي ليس ضحية باكية، بل ذات واعية تُحلّل صدمتها، ما يمنح النص نضجاً نفسياً.

3. النبرة النفسية:

نبرة احتجاج صامت، مشوبة بحنين ومرارة.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

النص يفضح:

آليات الإقصاء.

عنف البيروقراطية.

تصنيف البشر وفق الهويات.

2. الخطاب الاجتماعي

ينقد السلطة دون شعارات، ويُظهر كيف تعمل عبر لغة «الاعتذار».

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الكاتب يمارس دور الشاهد النقدي، لا المُحرِّض ولا الواعظ.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الورقة = وعد زائف

المعبر = السلطة

القدس = الذاكرة/الحق

2. الثنائيات

الحلم / المنع

القرب / الاستحالة

الاسم / الجغرافيا

3. النظام الرمزي

كل الأشياء اليومية تتحوّل إلى علامات قمعية.

ثامناً: الأسس المنهجية

النص صالح للقراءة:

الأسلوبية

التأويلية

السوسيولوجية

ويحافظ على موضوعية داخلية عالية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم

حرية، كرامة، حق الحلم.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات فلسطينية، عربية، إنسانية كونية.

3. البعد الإنساني والسياسي

إنه نص عن الإنسان حين يُرفض لا لفعله، بل لكونه هو نفسه.

خاتمة:

يُعدّ نص سعيد علي البطاط عملًا سردياً تأملياً عالي القيمة، يجمع بين:

١- صدق التجربة

٢- نضج الرؤية

٣- جمال اللغة

٤- عمق الفكرة

وهو نص يؤكّد أن الأدب حين يلامس الهوية، يصبح فعل مقاومة ناعمة، وأن القدس، في هذا النص، ليست مكاناً، بل سؤالًا أخلاقياً مفتوحاً على العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

الطريق الذي أُغلق في القلب

حصل معي موقفٌ لم يكن غريبًا فحسب، بل كان غامضًا ومؤلمًا على نحوٍ لا يُقال بسهولة.

وجعه لم يكن في الكلمات التي قيلت، بل في تلك التي لم تُقَل، في الفراغ الذي خلّفته الحقيقة حين سقطت فجأة، بلا تمهيد.

في صباحٍ هادئ من صباحات دهب، وجدت ورقةً موضوعة عند باب غرفتي. ورقة عادية، تشبه غيرها، لكنها كانت تحمل وعدًا مبطّنًا بالحلم. نشاطاتٌ سياحية مقترحة: بحر، صحراء، رحلات، أسماء مدن تتبدّل كالألوان. قرأت بلا اكتراث.. حتى توقّفت.

Jerusalem.. القدس.

تجمّد الاسم في عينيّ.

لم يكن مجرّد مدينة، كان نداءً قديمًا، صوتًا أعرفه منذ الطفولة، يخرج من الحكايات، من الصلوات، من خرائط القلب التي لا تُدرَّس في المدارس.

كتبت الورقة ببرودٍ مهنيّ:

زيارة القدس وبيت لحم.

مكان ولادة السيد المسيح.

كنيسة القيامة.

المسجد الأقصى.

أهم المعالم في القدس وبيت لحم.

التكلفة:295 دولار.

الانطلاق الساعة الثالثة فجرًا، والعودة الواحدة ليلًا، عبر طابا.

أغلقت الورقة قليلًا، وقلت في سرّي:

يا إلهي.. يا ليت.

لم يكن تمنّي سائحٍ يبحث عن صورة، بل رجاء إنسانٍ يريد أن يلمس ذاكرته بقدميه، أن يرى بعينيه ما عاش في وجدانه عمرًا.

ذهبت إلى منسّق النشاطات. سألته بهدوءٍ متردّد:

- ممكن تشرح لي عن هاي الرحلة؟

نظر إليّ نظرةً سريعة، ثم تغيّر صوته فجأة، كمن وجد نفسه في مأزق لا يريد الدخول فيه. قال معتذرًا، متكسّر العبارات:

- أنا بعتذر يا باشا.. حقك علينا يا أخوي.. بس مش حتزبط.

سألته، وأنا أعرف الجواب قبل أن يُقال:

- ليش؟

تنفّس بعمق، ثم قالها كما تُقال الحقائق الثقيلة:

- لأنك أصلك عربي ومسلم.. مش غربي أصلي. الرحلة معقّدة. بيرجعوا أغلب الناس. حتى أوروبيين وأمريكان رجعوهم. الكونترول هناك بيستمر من ثلاث لأربع ساعات، وهم صعبين جدًا.. انسَ الموضوع يا باشا. حقك علينا.

لم أجادل.

لم أسأل أكثر.

كنت أعرف أن لا شيء يُناقَش حين تتحوّل الهوية إلى تهمة، والانتماء إلى حاجز.

خرجت وأنا أحمل الورقة مطويّة في جيبي، كأنها جواز سفرٍ لم يُختم أبداً. شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي، لا بصوت، بل ببطء. لم تكن القدس هي التي مُنعت عني، بل حقي في أن أشتاق إليها دون إذن.

قلت في نفسي، وأنا أكتم دمعةً لا تريد النزول:

أريد أن أبكي.. لأن بلادنا ليست لنا.

ليست لنا حين نُمنع من زيارتها ونحن نراها كل يوم في القلب.

ليست لنا حين تصبح الأسماء المقدّسة بنوداً سياحية متاحة للبعض، ومحظورة على أصحاب الحكاية.

ليست لنا حين نحتاج إلى أصلٍ آخر، وديانةٍ أخرى، ولهجةٍ أخرى، كي نقترب خطوة من تاريخنا.

عدت إلى غرفتي. فتحت الورقة مرةً أخيرة. قرأت كلمة Jerusalem ببطء، ثم أعدت طيّها. أدركت يومها أن بعض الرحلات لا تُلغى عند الحدود، بل تُمنع في الهوية، وأن أكثر الطرق إغلاقًا هي تلك التي تؤدي إلى ما نحب.

ومنذ ذلك الصباح، لم تعد القدس عندي مدينةً مؤجّلة،

بل جرحًا مفتوحًا،

وحلمًا يعرف طريقه..

لكنه مُنع من الوصول.

 

تشكل سردية الماء محاولة للانتقال من التأمل الوصفي إلى فهم أعمق للعلاقة بين الإنسان والعالم. فالماء يتجاوز كونه مجرد عنصر بيولوجي أو فيزيائي أساسي، ليصبح ظاهرة تعيد تشكيل إدراكنا للذات والآخر. ويمكن عده مكونا مزدوجا: شفافا على السطح وعميقا في الباطن، معبرا عن التباين بين ما نعرفه علميا وما يظل غامضا في تجربتنا الإنسانية.

في التصورات الأولى للوعي الانساني، كان المطر يتشكل وفق أنساق رمزية وأسطورية، إذ كان ينظر إليه بوصفه قوة فاعلة داخل نظام كوني متحرك، حيث صيغت الظواهر الطبيعية في سرديات تمنحها وظيفة تنظيمية في إدراك الزمن والدورة والانتظام. ففي الميثولوجيا اليونانية، كان المطر تمظهرا لقوة "زيوس" "Zeus" الأعظم، سيد الأولمب، الذي تحكم إرادته في الرياح وغيوم السماء، فكان هطول المطر هبة إلهية تغذي الأرض وتحييها، مجسدة الوصل بين سلطة السماء وعطاء الأرض، وحاملة دلالة القوة والسيادة على النظام الطبيعي.

ومع تطور التفكير الإنساني، انتقل المطر إلى أفق آخر من الفهم، فأدرج ضمن أنساق من العلل والتحولات المادية، الأمر الذي أتاح للوعي أن يعيد تموضعه داخل العالم بوصفه فضاء قابلا للإدراك والتنظيم. في هذا التحول، حافظ المطر على كثافته التجريبية، واستمر حضوره بوصفه حدثا يدرك عبر الحواس ويعاد تشكيله داخل الوعي، وبموجب ذلك تحول المطر إلى واقعة إدراكية مركبة تتشكل داخل الوعي بوصفه تدفقا مستمرا يعيد تنظيم العلاقة بين الإحساس والانتباه والذاكرة، ويتجاوز حضوره كونه معطى حسيا مباشرا لينتج شبكة من الآثار المتراكمة التي تتحول إلى بنية دلالية متحرّكة، فيغدو الوعي مجالا تتقاطع فيه الأصوات والحواس والإيقاعات الزمنية، وتتكون الممكنات الدلالية بعدها نتائج صيرورات داخلية غير مستقرة. وتساوقا مع هذه المقاربة يشتغل الشعر بوصفه تأويلا يعيد توليد التجربة بدل عكسها، وتعاد صياغة حضور المطر داخل اللغة باعده مسارا إدراكيا مفتوحا تتشابك فيه الحواس مع المخيلة، وتتحول الكلمات إلى  نصوص تحتضن ما يتسرب من العالم. يصبح المطر بموجب ذلك حركة فاعلة داخل النص وقوة اشتغال تحدث انزياحات في المعنى وتفتح إمكانات جديدة للفهم، وفعل تكون، لتظل الدلالة في حالة تشكل دائم.

وفن الشعر، بوصفه فنا تعبيريا رفيعا مشتركا بين الشعوب والثقافات، استطاع ان يحول المطر إلى جهاز حسي–دلالي متكامل، ويحول التجارب الإنسانية إلى أثر إنساني ينبض بالاستعارات الحية، منتجا أثرا إدراكيا يتجاوز حدود التوصيف إلى أفق التشكل الجمالي.

في الشعر العربي القديم، ظهر المطر يوصفه تجربة معيشة وجدت تحققا ابداعيا وفق ابستيمي المرحلة، لتتساوق اشكاله التعبيرية مع سنن بناء الجملة، والمعجم اللغوي، والمتواليات، والبنى الإيقاعية، وجماليات التصوير الشعري الحسي المرتبط بالمحاكاة بدل التخييل.

أما في الشعر الحديث، فقد اتسم حضور المطر بالتكثيف،  ليصبح نقطة التقاء بين الإيقاع الخارجي والحركة الداخلية، وتشكلت القصيدة لكونها طاقة إصغاء متكاملة، وتحولت الكتابة إلى ممارسة لتتبع الصيرورة، حيث يولد إيقاع الماء حالات شعورية دقيقة، لتعيد التجربة إنتاج نفسها بوصفها حركة مستمرة متعددة الأبعاد، تتفاعل فيها الذاكرة والحواس والمتخيل، وتتشابك فيها الدلالة مع الانفعال الحسي والرمزي.

بيد ان هذه الطاقة التأويلية تنكشف بوضوح في تجربة بدر شاكر السياب، حيث يتخذ المطر وظيفة تنظيمية داخل النظام الشعري، ويغدو زمنا معيشا على نحو انطولوجي، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع الامتدادات الجمعية، ويتحول الإيقاع الشعري إلى إبدال حسي-دلالي، وتشكل القصيدة فضاء تتحرك فيه الصيرورة التاريخية بوصفها باراديغما شعريا قادرا على دمج التجربة الحسية مع الوعي الزمني والاجتماعي.

وبناء على هذا المنظور، يصبح المطر طاقة منتجة للمعنى، غير خاضع لهيئة ثابتة، إذ يظل موقعه الدلالي في التجربة الإنسانية متجددا ومتشكلا باستمرار وفق حركة الوعي والشعور، داخل انساق مركبة من العلاقات بين الذات والعالم.

وفق هذه المقاربة التأويلية، يمكن النظر إلى المطر كشرط لإدراك الخبرة الإنسانية، وتشكل الزمن وممكنات فن العيش. يمتلك الماء القدرة على التوسط الرمزي وتنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، حيث يتمظهر الوجود في حركته المستمرة. التفكير في الماء يتيح إدراك الانسجام بين المادة والتجربة، ويؤسس لمفهوم (حدث ابداعي دائم التشكل مبني على الاختلاف وليس التماثل وفق جيل دولوز)، يركز على الحركة والصيرورة كخصائص أساسية لماهيته وللوجود.

***

د. عبد السلام دخان

في المثقف اليوم