عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

دَأَبْتُ في مقارباتي على تجريد المفاهيم النقدية والمنهجية من تعقيداتها لتقديمها في أبسط صورها القرائية بعيداً عن الجفاف الفلسفي أو التمترس خلف المناهج المغلقة

 فكثيراً ما يتردد في الدراسات النقدية مصطلح (الفينومينولوجيا) وهو ما يدعونا إلى التوقف عنده لنقارب معناه وسياقه بطريقة يسيرة تنقل للمتلقي جوهر هذا المفهوم كما أدركته ومن خلال رؤيتي القرائية:

 فهو لفظ يتكرر بحمولات متعددة تجعله يبدو للوهلة الأولى مفهوماً معقداً أو حكراً على الفلسفات المغلقة غير أن فك الارتباط بين هذا المصطلح وإبهامه يستدعي الوقوف عند معناه الدقيق وتتبع جذوره وتبيان الفرق الحاسم بين الظاهرة الكائنة في الواقع والطريقة التي تتجلى بها في وعينا الإنساني في هذا المقال نتقصى أصل المصطلح ونفصل المستويات المفاهيمية التي مر بها عبر محطاته الرائدة لننتهي إلى كيفية توظيفه نقدياً واستكشاف قيمته المعرفية في قراءة النص الأدبي

الفينومين: هندسة الظهور ومسارات المعنى في الوعي والنقد:

​تستدعي العودة إلى أصل كلمة (فينومين) نبشاً عميقاً في جذرها اليوناني القديم المشتق من الفعل: 

(فَايْ نِينْ) أو (Phainein)

الذي يحيل إلى الإضاءة والإنارة والجلاء وإماطة اللثام عن الحجب فالفينومين في أصله اللغوي والوجودي هو (الظاهرة) أو كل ما يبرز إلى النور ويتجلى للعيان ويفرض حضوراً إدراكياً حياً في مساحة الرؤية والوعي

 إنه المعطى المباشر الذي يبدو للحواس والعقل قبل أن يقع تحت طائلة التفسيرات المسبقة أو يُسجن في أطر المفاهيم القبلية

 فهو ليس القشرة الخارجية الزائفة التي تخفي خلفها جوهراً غائباً إنما الحقيقة ذاتها وهي تسفر عن وجهها وتعلن عن كينونتها في لحظة التجلي المباشر

فلقد ​تطور هذا المفهوم عبر مسار التاريخ الفكري ليتجاوز حدود الانطباع الحسي العابر مسجلاً تحولات عميقة في كيفية فهمنا للتلقي والإدراك الإنساني

 يظهر ذلك جلياً في الأطروحة (الكانتية) التي أرست تمييزاً حاسماً بين الظاهرة والمعرفة بحيث يقرر (إيمانويل كانت) أن العقل البشري غير متصل بالجوهر المجرّد للأشياء في ذاتها

 إنما بالطريقة التي تظهر بها تلك الأشياء داخل إطار التجربة والشروط الذاتية للإدراك

مكرساً مقولته المرجعية:

(إننا لا نعرف عن الأشياء إلا طريقتنا في إدراكها) هذا الفهم التأسيسي منح الفينومين موقع البطولة المطلقة في إنتاج المعرفة الإنسانية باعتباره الفضاء الوحيد المتاح للعقل كي يمارس فيه نشاطه وتأملاته

​ثم جاءت الظاهراتية الحديثة لترمّم الفجوة بين الظاهر والباطن محولةً المفهوم من مجرد مقولة معرفية إلى منهج كامل لإعادة اكتشاف العالم والإنسان إذ يتصدر (إدموند هوسرل) هذا التحول العظيم حين رفع شعاره المرجعي الشهير:

 (العودة إلى الأشياء ذاتها!) تدعو هذه المقولة إلى تجريد الوعي من الأحكام الجاهزة والنظريات المعلقة عبر عملية القصدية وتعليق الحكم للإنصات المباشر للظاهرة كما تعلن عن نفسها في تجربة التلقي الحية بحيث ينبثق المعنى من أصل العلاقة التفاعلية التي تربط بين الذات المدرِكة والشيء المدرَك

​وتكتمل هذه العمارة الفكرية مع (مارتن هايدجر) الذي نقل /الفينومين/ من المساحة /الإبستيمولوجية/ إلى أفق الوجود معتبراً أن الكينونة ماهي بذاك الموضوع الغامض المختبئ خلف حجب /الميتافيزيقا/ لكنها الحضور الحي الذي يكشف عن نفسه عبر التجربة المعيشة واللغة

 إذ يرى أن /الفينومينولوجيا/ هي المنهج الذي يجعل ما يعلن عن نفسه مرئياً ومفهوماً انطلاقاً من ذاته وبنيته الخاصة

​وفي الفضاء النقدي الأدبي يشكل الفينومين زاوية رؤية استثنائية تُخرج النص الإبداعي من خانة الوثائق التاريخية أو المستندات الاجتماعية لتضعه في مقام التجربة المعيشة والحدث الإدراكي المستقل

 فالعمل الأدبي يُبتعد به عن أطر الآثار المحنطة التواقة للتنقيب عن نوايا مؤلفها أو ظروف عصره ويتشكل بدلاً من ذلك كـ (فينومين) قائم بذاته داخل وعي القارئ

 هنا تلتقي بنية النص البلاغية والإيقاعية والصورية مع قصدية التلقي ليصبح المعنى حدثاً متجدداً يتولد في لحظة القراءة المباشرة متحرراً من أسر الحتميات الإديولوجية أو التحليلات النفسية الإسقاطية

​يتجسد التوظيف النقدي لهذا المفهوم في وقوف الناقد أمام الأثر الفني بموقف من يتلقى الظاهرة في صفائها الأولي معلّقاً كل افتراض سابق ومتابعاً كيفية انشياع الصور والاستعارات وتولّد الدلالات داخل شبكة القراءة يتيح هذا المقترب تحويل عملية التأويل إلى استكشاف مفتوح ومستمر

 فالقصيدة أو الرواية تتكشف عبر لغتها وتراكيبها كواقعة إدراكية حية تتجدد وتتسع مع كل قراءة جديدة مما يمنح النقد الأدبي قدرة فائقة على ملامسة جوهر التجربة الجمالية في أرقى صور حركيتها وثرائها

 و​تتوّج القيمة

 /الفينومينولوجية/ في الممارسة النقدية قدرتها العالية على نقل القراءة من مجرد معالجة شكلية أو انطباع عابر إلى تجربة معرفية وجدانية مكتملة حيث يستعيد العمل الأدبي حريته الكاملة ويتنفس عبر وعي المتلقي بعيداً عن السلطات القبلية والإسقاطات الجاهزة

وماهو أقرب إلى روح القراءة الحرة عن الفينومين:

 هو أن تقرأ النص وكأنك تكتشفه للوهلة الأولى تتلقى معناه بعقلك وحسك المباشر دون أن تشغل بالك بالبحث عما يُخفيه الكاتب

أي أن تدع النص يتجلى لك ويكشف عن جماله في لحظة القراءة ذاتها

وبالختام فإن استحضار (الفينومين) كمنهج ورؤية يمنح الباحث والناقد أداة حفر إدراكية عميقة تعيد الاعتبار لصفاء اللحظة الجمالية وترتقي بالعملية التأويلية لتغدو حواراً حياً متجدداً يلامس أعماق الكينونة، ويجعل من كل قراءة جديدة ميلاداً فريداً ومستقلاً للمعنى

فليس الهدف من مقاربة (الفينومينولوجيا) هنا هو إضافة تعقيد جديد لرفوف النقد

إنما استعادة الشغف باللحظة الأولى للتلقي

أن نمنح النص فرصة كي يتحدث عن نفسه ونمنح أنفسنا متعة اكتشاف المعنى وهو يتجلى في وعينا أصفى ما يكون

***

مرشدة جاويش

 

وتحولات القول الشعري بين الفلسفة والإستطيقا

ليست الحداثة محضَ فصلٍ جديدٍ في تاريخ الفكر، ولا هي مجرّد لحظةٍ تاريخيةٍ استبدلت ما قبلها بما بعدها، بل هي انعطافٌ تعقُّليٌّ جوهريٌّ غيّر مسار النظر الإنساني إلى الوجود، وأعاد ترتيب سلّم القيم المعرفية والجمالية. ولم يقتصر هذا الانعطاف على الفلسفة والعلوم، بل امتدّ إلى الشعر، فأعاد صياغة هويته ومهمّته ووظيفته، ليغدو فضاءً ميتافيزيقيًّا متجدّدًا، يلتقي فيه البرهان بالمجاز، والفكر بالحلم.

لقد جاءت الحداثة بوصفها قطيعةً إبستمولوجيةً مع طرائق التفكير القديمة، وفق ما أشار إليه غاستون باشلار؛ فكان لا بدّ للشعر أن يتجاوب مع هذه القطيعة، وأن يعيد صياغة لغته وصوره وأبنيته الإيقاعية. وهنا يلتقي المسار العقلي بالمسار الجمالي في وعيٍ مشتركٍ بأنّ كلّ بناءٍ معرفيٍّ جديدٍ لا يكتمل إلا إذا انفتح على إمكانات الخيال.

في هذا السياق، يصرّ أدونيس على أنّ الشعر الحداثي ليس تطوّرًا شكليًّا فحسب، بل هو ثورةٌ في الرؤية؛ إذ يتحوّل الشاعر من ناقلٍ للموروث إلى صانعٍ لأسطورته الخاصّة، ومن حافظٍ للإيقاع إلى مبدعٍ لزمنه الشعري الخاص، حيث «القصيدة لا تكتفي بأن تقول، بل تبتكر ما تقول». وهنا يتبدّى البعد الفلسفي للحداثة: تحطيم البنى الجامدة، واستبدالها بفضاءاتٍ مفتوحة، يكون فيها الشعر أفقًا للتجريب والتجاوز.

أمّا بول فاليري، فقد ذهب إلى أنّ الشعر «فنٌّ يُعقْلَن دون أن يفقد غموضه»، وهو بذلك يضع يده على المفصل الذي يربط الحداثة بالشعر: إنّهما معًا يمتحنان حدود العقل، لكنّهما لا يستسلمان لبرودة الحساب والمنطق الصرف، بل يفتحان المجال أمام انبثاق ما لا يستطيع العقل وحده أن يحيط به. وهذا هو المعنى العميق للانعطاف التعقُّلي: عقلنة الحسّ الجمالي دون ابتذاله، وجعل المجاز أداةً لفهم الوجود.

ويأتي هيدغر ليؤكّد أنّ «الشعر هو تأسيس الوجود بالكلمة»، وفي ضوء الحداثة، يصبح هذا التأسيس فعلًا مزدوجًا: فعلَ تفكيرٍ وفعلَ إبداعٍ. فالشاعر الحداثي، وهو يستنطق اللغة، يقوم بعمل الفيلسوف الذي يسائل المفاهيم، لكن بوسائط جمالية ورمزية. وهكذا تغدو القصيدة مشروعًا أنطولوجيًّا، وليست مجرّد بوحٍ ذاتيٍّ أو زخرفةٍ لفظية.

إنّ الحداثة، في انفتاحها على الشعر، منحت هذا الفنّ مهمّةً جديدةً: أن يكون مختبرًا للمعنى، ومجالًا لتجريب الوجود، ومرآةً تعكس قلق الإنسان المعاصر وأحلامه. وبالمقابل، منح الشعر الحداثة ما لا تستطيع المناهج العلمية المحضة أن تمنحه: القدرة على تجسيد الفكرة في صورة، وتحويل الفلسفة إلى تجربةٍ حسّيةٍ حيّة.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الحداثة ليست فقط عقلنةً للواقع، بل هي أيضًا شعرنةٌ للعقل؛ مشروعٌ مزدوجٌ يعيد للإنسان قدرته على أن يفكّر كما يحلم، وأن يحلم كما يفكّر؛ حيث يلتقي البرهان بالرمز، والمنطق بالموسيقى، ليؤسّسا معًا أفقًا جديدًا للحرية والجمال.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

لا تُقَاس الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الوقائع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الجِراح الإنسانية إلى لغة، والذاكرة إلى جماليات، والألم إلى سؤال فلسفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

والصدمات - سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا يعيد تشكيل الإنسان والعالَم. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة الروائية السورية الأردنية شهلا العجيلي (وُلدت 1976) والروائية التركية إليف شافاق (وُلدت 1971)، بوصفهما من أبرز الأصوات النسائية في الأدب المعاصر التي جعلت من الرواية فضاءً لتأويل الصدمة، وليس تسجيلها فقط.

وعلى الرغم من اختلاف البيئتَيْن الثقافيتين والتاريخيتين، فإنَّ الكاتبتين تلتقيان عند سؤال الإنسان المُمزَّق بين الذاكرة والمنفى، وبين الهُوية والاقتلاع، وبين الحُب والحرب، فتغدو الكتابة لديهما محاولة لإنقاذ المعنى من ركام الخراب، وإعادة بناء الذات عبر فعل الحكي.

لا تنظر شهلا العجيلي إلى الصدمة بوصفها حدثًا مكتملًا، بل تراها بنية متحركة تستمر آثارها في الزمن، وتعيد إنتاج نفسها في الذاكرة والسلوك والعلاقات الإنسانية، لذلك فإن شخصياتها لا تعيش الحروب وحدها، وإنما تحملها في تفاصيلها اليومية، وصمتها، وأسئلتها الوجودية، ومحاولاتها المستمرة للعثور على وطن داخلي بعدما فقدت الوطن الخارجي.

أمَّا إليف شافاق فتذهب إلى منحى آخر، إذ تجعل الصدمة امتدادًا للتاريخ الجمعي، فتربط بين الماضي والحاضر، والفرد والجماعة، والأسطورة والواقع. والإنسانُ عندها ليس ضحية حدث منفرد، بل هو وريث لذاكرة ثقيلة تنتقل عبر الأجيال، حتى تصبح الصدمة جزءًا من الهُوية الثقافية نفسها.

وهكذا تتحول الرواية عند الكاتبتين إلى مساحة تأويلية لا تبحث عن تفسير الكارثة بِقَدْرِ ما تبحث عن آثارها المستمرة داخل النفس البشرية.

تؤمن شهلا العجيلي بأن الذاكرة ليست أرشيفًا للماضي، وإنما وسيلة لمقاومة المحو، لذلك تتكرر في أعمالها المدن التي تهدمت، والبيوت التي هُجرت، والعائلات التي تشردت، وكأن الرواية تقوم مقام الوثيقة الأخلاقية التي تحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه. لكن الذاكرة عندها ليست جامدة، إنها ذاكرة جريحة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، والحنين بالخسارة، حتى يصبح السرد فعلًا من أفعال العلاج النفسي والجمالي.

في المقابل، تمنح إليف شافاق الذاكرة بعدًا أكثر تعقيدًا، فهي تستدعي التاريخ العثماني، والأساطير الصوفية، والصراعات العرقية والدينية، لتؤكد أن المجتمعات لا يمكنها تجاوز صدماتها ما لم تواجه تاريخها بشجاعة، فالنسيانُ عندها ليس علاجًا، بل هو شكل من أشكال استمرار الألم.

يكاد المنفى أن يكون الشخصية الأكثر حضورًا في عالم شهلا العجيلي، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا فحسب، وإنما هو انكسار في الإحساس بالزمن والانتماء، فالمهاجر في نصوصها يحمل وطنه داخله، لكنه يعجز عن استعادته، فيعيش حالة من التمزق المستمر بين مكانَيْن وذاكرتَيْن ولغتَيْن.

أمَّا لدى إليف شافاق، فإن المنفى يتخذ أبعادًا ثقافية وفكرية، إذْ يصبح الإنسان منفيًّا حتى داخل وطنه عندما يُقْصَى بسبب معتقده أو هُويته أو أفكاره، ولهذا تتكرر في أعمالها الشخصيات الهامشية التي تبحث عن الاعتراف والكرامة أكثر مما تبحث عن المكان.

تمنح شهلا العجيلي المرأةَ مساحة واسعة لتكون شاهدة على التاريخ، وصانعة له في آن واحد. فالمرأة ليست ضحية الحرب وحدها، بل هي حافظة الذاكرة، وراوية الحكاية، وحاملة الأمل وسط الخراب، لذلك تأتي شخصياتها النسائية قوية رغم هشاشتها، وقادرة على تحويل الانكسار إلى فعل مقاومة.

أمَّا إليف شافاق فتجعل المرأةَ مركزًا لتفكيك البنى الاجتماعية الذكورية، فتقدم نماذج نسائية تواجه السلطة والعادات والتاريخ معًا، وهي لا تكتفي بعرض معاناة المرأة، وإنما تمنحها حق إعادة كتابة الحكاية من منظورها الخاص. ومِن هُنا يتحول الألم النسائي في روايات الكاتبتَيْن إلى طاقة إبداعية تعيد إنتاج الحياة، ولا يتحول إلى خطاب بكائي يستسلم للهزيمة.

تمتاز لغة شهلا العجيلي بِقَدْرِ كبير من الكثافة الشعرية، فهي تكتب المشهدَ الروائي وكأنه لوحة مشبعة بالإيقاع والصور البلاغية، دون أن تفقد قدرتها على السرد، لهذا تبدو اللغة عندها امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات، فتنبض بالحزن حينًا، وبالحنين حينًا آخر، وبالأمل الخافت في أكثر اللحظات ظلمة.

أمَّا لغة إليف شافاق فتتسم بثراء فلسفي وثقافي واضح، إذْ تمزج بين السرد والتأمل، وبين الواقعي والأسطوري، وبين الحكمة الصوفية والأسئلة الوجودية، مما يمنح نصوصها أفقًا عالميًّا يتجاوز خصوصية التجربة التركية.

تكشف روايات شهلا العجيلي أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحرب، وإنما تستمر في تشكيل العلاقات الإنسانية والوعي الجمعي، لذلك يصبح التأويل ضرورة أخلاقية لفهم الإنسان، وليس إدانته.

أمَّا إليف شافاق فترى أن فهم الآخر يبدأ من الاعتراف بألمه، وأن الرواية قادرة على بناء الجسور بين الثقافات أكثر مما تفعله الخطابات السياسية، لهذا فإن تأويل الصدمة عندها يتجاوز البعد النفسي إلى مشروع إنساني يدعو إلى التسامح والتعددية والانفتاح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

مقاربة سردية في إنتاج المعنى

على سبيل الافتتاح: تعتبر " ألف ليلة وليلة " من أعظم المنجزات السردية في التراث الإنساني، إذ تجاوزت حدود الانتماء الثقافي العربي لتصبح نصا عالميا استقطب اهتمام الباحثين في مجالات الأدب المقارن، والسرديات، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية. ولم يكن هذا الحضور الواسع نابعا من غزارة حكاياتها فحسب، وإنما من بنيتها الفنية المركبة، وقدرتها الفريدة على إنتاج الحكايات من داخل الحكايات، في نظام سردي يقوم على التوالد والتداخل والانفتاح المستمر، الأمر الذي جعلها نموذجا مبكرا لما يعرف في النقد الحديث بالبنية السردية المفتوحة.

وتنبع خصوصية هذا الأثر الأدبي من كونه لا يقدم مجموعة من القصص المنفصلة، بل يشكل نسقا سرديا متكاملا تتشابك فيه مستويات الحكي، وتتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والشخصيات، بما يفضي إلى بناء عالم تخييلي واسع يقوم على الحركة الدائمة والتجدد المستمر. فكل حكاية تصبح مدخلا إلى حكاية أخرى، وكل راوٍ يتحول إلى شخصية داخل رواية أكبر، مما يجعل النص فضاء رحبا لتعدد الأصوات وتكاثر الرؤى، ويمنحه قابلية دائمة لإعادة القراءة والتأويل.

وقد أسهم هذا البناء الحكائي في جعل " ألف ليلة وليلة" مرجعا أساسيا لنظريات السرد الحديثة، حيث وجد فيها عدد من النقاد والمنظرين، مثل تودوروف، وجيرار جنيت، ورولان بارت، وأمبرتو إيكو، نموذجا بالغ الثراء لتحليل العلاقات بين الراوي والمروي له، وبين الزمن الحكائي والخطاب السردي، وبين النصوص المتداخلة وآليات إنتاج الدلالة. ومن ثم فإن دراسة التوالد السردي لا تقتصر على الكشف عن الجوانب الفنية للحكاية، وإنما تمتد إلى تحليل الكيفية التي تتحول بها الحكاية إلى أداة لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل الواقع الثقافي والاجتماعي.

كما تكشف هذه الدراسة أن التوالد السردي ليس مجرد تقنية شكلية لتمديد الحكاية أو تأجيل نهايتها، بل يمثل استراتيجية جمالية وفكرية تمنح النص حيويته واستمراريته، وتجعله قابلا للامتداد عبر الأزمنة والثقافات. فكل حكاية جديدة تعيد إنتاج الحكايات السابقة، وتضيف إليها أبعادا دلالية جديدة، وهو ما يفسر استمرار حضور " ألف ليلة وليلة" في الأدب العالمي، وفي مختلف أشكال الإبداع الروائي والمسرحي والسينمائي المعاصر.

وانطلاقا من هذا المنظور، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة " بوصفه بنية دينامية تقوم على التشابك الحكائي والتفاعل النصي، مع الوقوف عند أبرز الآليات التي تنتج هذا التوالد، والكشف عن وظائفه الجمالية والثقافية، وبيان أثره في بناء الخطاب السردي وإنتاج الدلالة. كما تستند الدراسة إلى مقاربات السرديات الحديثة، مع الإفادة من المناهج البنيوية والتداولية والسيميائية، بما يسمح بقراءة علمية تتجاوز الوصف إلى التحليل والتفسير، وتبرز القيمة الفنية لهذا الأثر الخالد في ضوء المنجزات النقدية المعاصرة.

إشكالية الدراسة:

تحتل " ألف ليلة وليلة " مكانة مركزية في تاريخ السرد العربي والعالمي، لما تتميز به من بنية حكائية مركبة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية إلى بناء سردي يقوم على التشعب والتداخل والتوالد المستمر. وقد أسهم هذا البناء في جعل النص مفتوحا على إمكانات لا تنتهي من القراءة والتأويل، الأمر الذي دفع الدارسين إلى مساءلة الآليات التي تحكم إنتاج الحكاية داخل هذا الأثر الخالد، والكشف عن القوانين المنظمة لعلاقاتها الداخلية ووظائفها الجمالية والدلالية.

وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت " ألف ليلة وليلة " من زوايا تاريخية وأدبية ولسانية وسيميائية، فإن مفهوم التوالد السردي ما يزال يحتاج إلى قراءة أكثر عمقا تتجاوز الوصف إلى تحليل البنية المنتجة للحكايات، وبيان الكيفية التي تتحول بها الحكاية إلى مصدر لحكايات أخرى، وكيف يسهم هذا الامتداد السردي في بناء المعنى والمحافظة على وحدة النص رغم تعدد مستوياته الحكائية.

وانطلاقا من ذلك تتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الرئيس الآتي:

كيف تتجلى آليات التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة"، وما أثرها في بناء الحكاية وإنتاج الدلالة وتحقيق التماسك الفني للنص؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود بالتوالد السردي في ضوء المناهج السردية الحديثة؟

ما أهم الآليات الفنية التي تقوم عليها عملية توليد الحكايات داخل " ألف ليلة وليلة " ؟

كيف تتداخل مستويات السرد والراوي والمروي له في تشكيل البنية الحكائية؟

ما العلاقة بين الحكاية الإطار والحكايات المتفرعة عنها؟

كيف يسهم التوالد السردي في إنتاج المعنى وإثراء الدلالة الجمالية للنص؟

إلى أي حد يمكن اعتبار " ألف ليلة وليلة " نموذجا مبكرا للرواية متعددة الأصوات والبنيات المفتوحة؟

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من المكانة الأدبية والفكرية التي تحتلها "ألف ليلة وليلة" في التراث الإنساني، ومن القيمة العلمية لموضوع التوالد السردي الذي يمثل أحد أبرز المفاهيم المؤسسة للسرديات الحديثة. كما تنبع أهميتها من محاولة الربط بين التراث العربي والمناهج النقدية المعاصرة، بما يفتح آفاقا جديدة لفهم النصوص التراثية في ضوء التطورات التي شهدها النقد الأدبي الحديث.

وتتجلى أهمية الدراسة في مجموعة من الجوانب، من أبرزها:

الإسهام في تعميق البحث في البنية السردية "لألف ليلة وليلة".

إبراز الخصائص الفنية التي تميز آليات إنتاج الحكاية داخل النص.

توظيف مفاهيم السرديات الحديثة في تحليل نص تراثي ذي قيمة عالمية.

الكشف عن العلاقة بين التوالد السردي وإنتاج الدلالة الجمالية والثقافية.

الإسهام في تطوير الدراسات العربية المتعلقة بالشعرية السردية والنصوص التراثية.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية، أهمها:

تحديد مفهوم التوالد السردي ومرجعياته النظرية.

تحليل البنية الحكائية في " ألف ليلة وليلة " وفق مقاربة سردية حديثة.

الكشف عن تقنيات الحكاية الإطار والحكايات المتفرعة وآليات اشتغالها.

بيان أثر تعدد الرواة وتداخل مستويات السرد في إنتاج المعنى.

إبراز القيمة الجمالية والفكرية للتوالد السردي في بناء النص.

تقديم قراءة نقدية تجمع بين التراث العربي والمنجزات الحديثة في علم السرد.

 مفهوم الحكاية في الدراسات السردية:

تعتبر الحكاية من أقدم الأشكال التعبيرية التي عرفتها الإنسانية، إذ ارتبطت منذ بدايات الوعي البشري بالرغبة في نقل الخبرات والتجارب والقيم والمعارف من جيل إلى آخر. ولم تكن الحكاية مجرد وسيلة للتسلية أو الترفيه، بل مثلت أداة ثقافية أساسية في بناء الذاكرة الجماعية وصياغة التصورات الاجتماعية والرمزية للمجتمعات. ولهذا ارتبطت الحكاية منذ نشأتها بالأسطورة والخرافة والسيرة الشعبية والحكاية العجيبة، قبل أن تتطور تدريجيا لتصبح أحد أهم الأجناس الأدبية التي تستقطب اهتمام النقاد والباحثين.

ومن المنظور السردي الحديث، لم يعد مفهوم الحكاية يقتصر على مضمون الأحداث أو تسلسل الوقائع، وإنما أصبح يشير إلى البنية العميقة التي تنتظم داخلها الشخصيات والأحداث والعلاقات الزمنية والمكانية. فالحكاية تمثل المادة الخام التي يبني منها الخطاب السردي عالمه التخييلي، بينما يمثل السرد الكيفية التي تقدّم بها تلك المادة إلى المتلقي. ومن هنا ميّزت الدراسات السردية بين الحكاية باعتبارها مجموع الأحداث في ترتيبها المنطقي، وبين الخطاب السردي بوصفه الطريقة الفنية التي يعاد بها تشكيل تلك الأحداث داخل النص.

وقد أولى منظرو السرد أهمية كبيرة لهذا التمييز، لأن فهم بنية الحكاية يسمح بالكشف عن القوانين المنظمة للعالم السردي، وعن العلاقات التي تربط بين الشخصيات والأحداث والفضاءات المختلفة، كما يساعد على تفسير الكيفية التي ينتج بها النص دلالاته الجمالية والفكرية. وبذلك أصبحت الحكاية محورا أساسيا في الدراسات البنيوية والسيميائية، وأداة لتحليل النصوص الأدبية بعيدا عن القراءة الانطباعية أو التاريخية.

أما في التراث العربي، فقد احتلت الحكاية منزلة رفيعة بوصفها وعاء للحكمة والتجربة الإنسانية، وتجلى ذلك في مؤلفات كبرى مثل " كليلة ودمنة " و" المقامات " و" ألف ليلة وليلة "، حيث امتزج الواقعي بالمتخيل، والتاريخي بالأسطوري، في بناء سردي غني يعكس تنوع الثقافة العربية والإسلامية وانفتاحها على الثقافات المجاورة.

وهكذا يتضح أن الحكاية ليست مجرد تتابع للأحداث، بل هي نظام دلالي معقد تتفاعل داخله عناصر الزمن والمكان والشخصيات واللغة، بما يجعلها بنية منتجة للمعنى. كما أن تطور مفهوم الحكاية في النقد الحديث أسهم في الانتقال من دراسة مضمون النصوص إلى تحليل طرائق بنائها، وهو ما يمثل المدخل الأساسي لفهم آليات التوالد السردي في "ألف ليلة وليلة"، حيث تتحول كل حكاية إلى نواة تنتج حكايات أخرى ضمن شبكة سردية مترابطة.

 مفهوم التوالد السردي وأبعاده النظرية:

يشير مفهوم التوالد السردي إلى العملية التي تتكاثر من خلالها الحكايات داخل النص الأدبي، بحيث تصبح كل قصة منطلقا لقصص جديدة، فينشأ بناء سردي متشعب تتداخل فيه مستويات الحكي وتتشابك العلاقات بين الرواة والشخصيات والأحداث. ولا يقوم هذا التوالد على التكرار، وإنما على الإبداع والتجدد، إذ تضيف كل حكاية جديدة بعدا دلاليا جديدا يسهم في إثراء النص وتوسيع آفاقه التأويلية.

ويمثل التوالد السردي إحدى السمات الجوهرية للأعمال الحكائية الكبرى، لأنه يمنح النص مرونة بنائية تسمح له بالامتداد والانفتاح، كما يخلق حالة من التشويق المستمر من خلال تأجيل النهاية وإبقاء المتلقي في حالة انتظار دائم للحكاية التالية. ولهذا أصبح هذا المفهوم من الموضوعات المركزية في الدراسات السردية الحديثة، ولا سيما في تحليل النصوص ذات البنية الإطارية أو متعددة المستويات.

وتعد حكايات " ألف ليلة وليلة" النموذج الأبرز لهذا النمط من البناء الحكائي، إذ تؤدي شهرزاد دور الراوي المركزي الذي تنبثق من حكايته عشرات الحكايات الأخرى، والتي بدورها تلد حكايات فرعية جديدة، لتنشأ شبكة سردية واسعة تتداخل فيها الأزمنة والفضاءات والأصوات. ويكشف هذا البناء عن وعي فني متقدم بآليات تنظيم السرد، ويؤكد أن التوالد الحكائي يمثل استراتيجية جمالية تهدف إلى إنتاج المعنى والمحافظة على وحدة النص رغم تعدد مكوناته.

إن التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة " ليس مجرد وسيلة لإطالة زمن الحكي، بل يمثل فلسفة سردية متكاملة تقوم على مبدأ الانفتاح والاستمرارية. فكل حكاية تحمل في داخلها إمكانية ولادة حكايات جديدة، وهو ما يمنح النص ديناميته وحيويته، ويجعله قابلا لإعادة القراءة والتأويل في ضوء المناهج النقدية الحديثة.

 الحكاية الإطار في "ألف ليلة وليلة " ووظيفتها في بناء التوالد السردي:

لعل الحكاية الإطار من أبرز الخصائص الفنية التي منحت " ألف ليلة وليلة " تميزها البنائي، إذ لم تبن الحكايات على أساس الاستقلال، وإنما انتظمت داخل إطار سردي جامع يتمثل في قصة الملك شهريار وشهرزاد. وقد أدى هذا الإطار وظيفة تنظيمية وجمالية في آن واحد، إذ وفر وحدة للنص، وربط بين مئات الحكايات المختلفة ضمن نظام سردي متماسك، على الرغم من اختلاف موضوعاتها وأبطالها وأزمنتها وأمكنتها.

وتقوم الحكاية الإطار على حدث مركزي يتمثل في قرار شهريار قتل زوجاته تباعا بعد ليلة واحدة، نتيجة الصدمة النفسية التي خلفتها خيانة زوجته الأولى. وفي مواجهة هذا المصير، تلجأ شهرزاد إلى الحكي بوصفه وسيلة للنجاة، فتبدأ كل ليلة بسرد حكاية تتعمد ألا تنهيها عند بزوغ الفجر، مما يدفع الملك إلى تأجيل تنفيذ حكمه حتى يسمع بقية الحكاية. ويتكرر هذا النسق ليلة بعد أخرى، لتتحول الحكاية إلى قوة قادرة على إيقاف العنف، وإعادة تشكيل رؤية الملك للعالم والإنسان.

ومن الناحية السردية، تؤدي الحكاية الإطار وظيفة تتجاوز مجرد الربط بين القصص، فهي تمثل البنية المرجعية التي تتولد منها جميع الحكايات الأخرى. فكل قصة ترويها شهرزاد قد تحتوي على راو جديد، وهذا الراوي يروي بدوره حكاية أخرى، لتنشأ مستويات متعاقبة من السرد، ينتقل فيها القارئ من عالم حكائي إلى آخر دون أن يفقد الإحساس بوحدة النص. وبهذا تصبح الحكاية الإطار المركز الذي تنتظم حوله جميع الدوائر السردية.

وقد أدركت السرديات الحديثة أهمية هذا النمط من البناء، وعدّته من أبرز مظاهر تعدد المستويات الحكائية، حيث يتوزع السرد بين راو رئيس ورواة فرعيين، وتتداخل الخطابات والأصوات داخل بنية واحدة. وهذا ما يمنح النص كثافة فنية، ويجعله قابلا لإنتاج عدد لا محدود من الحكايات والمعاني.

كما تكشف الحكاية الإطار عن وظيفة ثقافية عميقة، فشهرزاد لا تحكي من أجل الترفيه، وإنما تستخدم الحكاية بوصفها وسيلة للإقناع والإصلاح والتغيير. فالكلمة هنا تتحول إلى قوة حضارية تواجه العنف بالمعرفة، والانتقام بالحكمة، والخوف بالأمل. ولذلك فإن فعل الحكي في " ألف ليلة وليلة" يتجاوز بعده الفني ليصبح ممارسة ثقافية تعيد بناء الإنسان والمجتمع.

إن الحكاية الإطار تكشف عن وعي فني متقدم لدى مؤلف " ألف ليلة وليلة." ، إذ استطاع أن يحول الحكاية من بنية مغلقة إلى منظومة مفتوحة قادرة على استيعاب عدد غير محدود من القصص دون أن تفقد وحدتها. وهذا ما يجعل النص قريبا من مفهوم " النص المفتوح " في النقد الحديث، حيث لا تصبح النهاية خاتمة نهائية، بل بداية لاحتمالات سردية جديدة.

كما تؤكد هذه البنية أن شهرزاد ليست مجرد شخصية روائية، بل هي رمز للمثقف الذي يواجه القوة بالمعرفة، ويؤمن بأن السرد قادر على تغيير الواقع وصناعة الوعي. ومن هنا تتحول الحكاية إلى خطاب ثقافي وفلسفي يعكس رؤية حضارية للإنسان والعالم.

 آليات التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة":

يقوم التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة " على مجموعة من الآليات الفنية التي تمنح النص حركيته واستمراره، وتجعل كل حكاية منطلقا لحكايات جديدة. ومن أهم هذه الآليات تقنية الحكاية داخل الحكاية، حيث تروي إحدى الشخصيات قصة عن شخصية أخرى، فتتشعب البنية السردية إلى مستويات متعددة، ويتحول المتلقي من موقع الاستماع إلى حكاية واحدة إلى متابعة شبكة واسعة من الحكايات المترابطة.

ومن الآليات كذلك تعدد الرواة، إذ لا تنفرد شهرزاد بعملية السرد، بل تمنح شخصياتها حق الحكي، فتتحول هذه الشخصيات إلى رواة داخل النص. ويؤدي هذا التعدد إلى تنويع وجهات النظر، وإغناء الرؤية السردية، وتعزيز الإيهام بواقعية الأحداث.

وتبرز أيضا آلية تعليق الحكاية، وهي من أكثر التقنيات حضورا في الليالي، حيث تتوقف شهرزاد عند لحظة مشوقة قبل اكتمال الحدث، مما يدفع شهريار إلى تأجيل تنفيذ حكمه. وقد أسهمت هذه التقنية في بناء الإيقاع السردي، وإدامة عنصر التشويق، وربط الليالي بعضها ببعض في نسق متصل.

ومن الوسائل البارزة كذلك الاسترجاع والاستباق، حيث لا تسير الأحداث دائما وفق ترتيبها الزمني، بل يعود السرد إلى الماضي لتفسير وقائع معينة، أو يستشرف المستقبل من خلال الرؤى والأحلام والتنبؤات، وهو ما يمنح الزمن الحكائي مرونة كبيرة، ويزيد من عمق البناء الفني.

تبين هذه الآليات أن التوالد السردي في "ألف ليلة وليلة" يقوم على نظام فني محكم، وليس على تراكم عشوائي للحكايات. فكل تقنية تؤدي وظيفة محددة في إنتاج المعنى، وتحقيق الترابط، والمحافظة على استمرارية النص. ومن ثم فإن عظمة هذا الأثر لا تكمن في كثرة حكاياته فحسب، بل في قدرته على تنظيمها داخل بنية سردية متماسكة، وهو ما يفسر استمرار حضوره في الدراسات السردية المعاصرة بوصفه نموذجا عالميا لفن الحكي.

 البنية السردية في " ألف ليلة وليلة " وتجليات التوالد الحكائي:

 مستويات السرد وتعدد الرواة:

تمثل " ألف ليلة وليلة " نموذجا متقدما للبنية السردية متعددة المستويات، إذ لا يقتصر النص على راو واحد يتولى نقل الأحداث، وإنما يقوم على شبكة من الرواة تتداخل أصواتهم داخل فضاء حكائي واحد. ويبدأ السرد بالراوي الخارجي الذي يقدم الإطار العام للحكاية، ثم تنتقل مهمة الحكي إلى شهرزاد، التي تصبح الراوي الرئيس داخل النص، قبل أن تفسح المجال لشخصيات أخرى تروي بدورها حكايات فرعية، فتتشكل سلسلة متعاقبة من الرواة، لكل واحد منهم زاوية نظره الخاصة ورؤيته للأحداث.

ويؤدي هذا التعدد إلى بناء خطاب سردي غني بالأصوات والرؤى، حيث لا تعرض الوقائع من منظور واحد، وإنما من خلال وجهات نظر مختلفة تتكامل أحيانا وتتعارض أحيانا أخرى، وهو ما يمنح النص بعدا حواريا ويجعل القارئ شريكا في إنتاج الدلالة. كما يسهم انتقال السرد من راو إلى آخر في خلق إحساس بالحيوية والاستمرارية، ويجعل الحكايات تبدو وكأنها تتولد بصورة طبيعية داخل العالم الحكائي.

ومن منظور السرديات الحديثة، فإن هذا البناء يجسد ما أشار إليه جيرار جنيت من تدرج المستويات السردية، حيث ينتقل النص بين السرد الخارجي والسرد الداخلي، ثم إلى سرد الحكايات المضمنة، في حركة مستمرة تكشف عن براعة تنظيم الخطاب الحكائي.

يظهر تعدد الرواة على أن الحقيقة داخل "ألف ليلة وليلة" ليست حقيقة أحادية، بل هي بناء سردي يتشكل عبر تعدد الأصوات وتفاعلها. ومن ثم فإن التوالد السردي لا يتحقق بتكاثر الحكايات فحسب، وإنما أيضا بتعدد الوعي السارد الذي يمنح النص ثراء دلاليا ويعزز انفتاحه على قراءات متعددة.

 الزمن السردي وآليات تنظيمه:

يحتل الزمن مكانة محورية في البناء الحكائي " لألف ليلة وليلة"، إذ لا يخضع لترتيب خطي ثابت، وإنما يتشكل وفق مقتضيات السرد، فتتداخل الأزمنة، وتتقاطع الأحداث، ويتكرر الانتقال بين الماضي والحاضر والمستقبل، بما يضفي على النص مرونة فنية كبيرة.

ويعتبر نظام الليالي نفسه عنصرا زمنيا منظما للحكايات، فكل ليلة تمثل وحدة سردية مستقلة، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بما قبلها وما بعدها من خلال تقنية التعليق والاستئناف. وبهذا يتحول الزمن إلى وسيلة لبناء التشويق والمحافظة على استمرارية الحكي.

كما يوظف النص الاسترجاع للكشف عن ماضي الشخصيات وتفسير دوافعها، بينما يستخدم الاستباق للإيحاء بما سيحدث لاحقا، سواء عن طريق الأحلام أو النبوءات أو الإشارات الرمزية، وهو ما يجعل الزمن عنصرا.فاعلا.في إنتاج الدلالة، لا مجرد إطار لوقوع الأحداث.

إن الزمن في " ألف ليلة وليلة" زمن فني أكثر منه زمنا تاريخيا، فهو يخضع لمنطق الحكاية لا لمنطق الواقع. وهذا ما يمنح النص قدرة استثنائية على الانتقال بين العوالم المختلفة دون أن يفقد انسجامه الداخلي، ويجعل التوالد السردي مرتبطاً أيضاً بتوالد الأزمنة وتداخلها.

بناء الشخصيات ووظائفها السردية:

تتنوع شخصيات " ألف ليلة وليلة " تنوعا كبيرا، فتضم الملوك والوزراء والتجار والعلماء والعامة والبحارة والجواري والجن والعفاريت، وهو تنوع يعكس ثراء العالم الحكائي واتساع أفقه الثقافي. ولا تؤدي هذه الشخصيات وظيفة تمثيلية فحسب، بل تشارك بصورة مباشرة في إنتاج الحكايات واستمرارها.

وتبرز شخصية شهرزاد بوصفها المحرك الرئيس للأحداث، فهي ليست مجرد راوية، بل صانعة للحكاية ومدبرة لمسارها، تمتلك وعيا عميقا بطبيعة النفس الإنسانية، وتعرف كيف تستخدم السرد لتغيير مواقف شهريار تدريجيا. ولهذا تتحول إلى رمز للعقل والحكمة والثقافة، في مقابل رمز القوة الذي يمثله الملك.

أما الشخصيات الأخرى، فتؤدي أدوارا متعددة، فمنها من يروي الحكايات، ومنها من يكون موضوعا للحكي، ومنها من يشكل حلقة وصل بين الحكايات المختلفة، الأمر الذي يعزز مبدأ التوالد السردي ويجعل الشخصيات نفسها وسائط لإنتاج قصص جديدة.

تظهر الشخصيات على أن البناء السردي في "ألف ليلة وليلة." لا يتأسس على البطولة الفردية، وإنما على شبكة من العلاقات الإنسانية والثقافية. ولذلك فإن كل شخصية تضيف بعدا جديدا إلى العالم الحكائي، وتسهم في توسيع فضائه الدلالي، بما يجعل النص أكثر انفتاحا على التأويل.

 الفضاء السردي وإنتاج العوالم التخيلية:

يتسم الفضاء الحكائي في " ألف ليلة وليلة " بالاتساع والتنوع، إذ تنتقل الأحداث بين المدن والقصور والأسواق والبحار والجزر والصحارى والعوالم العجيبة، دون أن يشعر القارئ بانقطاع أو اضطراب. ويمنح هذا التنوع المكاني النص طابعا كونيا، ويجعله قادرا على استيعاب ثقافات وتجارب إنسانية متعددة.

كما أن المكان لا يؤدي وظيفة خلفية للأحداث فحسب، بل يسهم في تشكيل الشخصيات وتوجيه مسار الحكايات، فلكل فضاء رمزيته الخاصة ودلالته الثقافية، الأمر الذي يجعل المكان عنصراً منتجاً للمعنى، لا مجرد إطار خارجي.

يؤكد الفضاء السردي في " ألف ليلة وليلة " أن التوالد الحكائي لا يقتصر على الأحداث والشخصيات، بل يشمل الأمكنة أيضا حيث يصبح كل مكان بداية لحكاية جديدة، وكل انتقال مكاني فرصة لتوسيع العالم التخييلي للنص، وهو ما يمنحه ثراء فنيا وجماليا استثنائياً.

 الوظائف الجمالية والفكرية للتوالد السردي في "ألف ليلة وليلة":

 التوالد السردي وإنتاج المعنى:

لا يقتصر التوالد السردي في " ألف ليلة وليلة " على كونه تقنية فنية لتنظيم الحكايات، بل يتحول إلى آلية معرفية لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل الدلالة. فالحكايات لا تروى باعتبارها وحدات مستقلة، وإنما تدخل في شبكة من العلاقات النصية التي تجعل كل قصة امتدادا لسابقتها وتمهيدا لما يليها، وهو ما يخلق بنية تأويلية مفتوحة لا تستنفدها قراءة واحدة.

ويتحقق هذا المعنى من خلال التفاعل المستمر بين الحكاية الإطار والحكايات المضمنة، حيث تكتسب كل قصة دلالتها من موقعها داخل النسق الكلي للنص. ولذلك فإن المعنى لا يتولد من الحدث وحده، وإنما من العلاقات التي تنشأ بين الأحداث والشخصيات والرواة والفضاءات المختلفة.

كما أن التكرار لا يؤدي وظيفة الإعادة، بل يصبح وسيلة لإنتاج معانٍ جديدة، فكل حكاية تعيد طرح أسئلة العدالة، والسلطة، والحب، والخيانة، والوفاء، والحكمة، لكن في سياقات مختلفة، وهو ما يجعل النص فضاء مفتوحا لإعادة إنتاج القيم الإنسانية.

إن القيمة الجمالية للتوالد السردي تكمن في قدرته على جعل النص منتجا للمعنى باستمرار، فلا يقدم أجوبة نهائية، وإنما يثير أسئلة جديدة مع كل انتقال من حكاية إلى أخرى، وهو ما يمنح " ألف ليلة وليلة " طابعها العالمي واستمرارها عبر العصور.

البعد الرمزي والثقافي للحكاية:

تتأسس حكايات " ألف ليلة وليلة " على منظومة رمزية غنية تتجاوز ظاهر الأحداث إلى أبعادها الثقافية والفكرية. فالشخصيات والأمكنة والأحداث ليست مجرد عناصر تخييلية، بل تحمل دلالات تتصل بالبنية الاجتماعية والقيم الأخلاقية والتصورات الحضارية للمجتمع الذي أنتج هذا الأثر.

وتغدو شهرزاد رمزا للعقل والحكمة، بينما يمثل شهريار صورة للسلطة المطلقة التي فقدت توازنها بفعل الخيانة والانتقام. أما فعل الحكي، فيتحول إلى وسيلة لإعادة بناء الثقة، وترميم العلاقة بين الإنسان والآخر، وإعادة الاعتبار لقيم الحوار والتسامح.

وتحضر الرمزية كذلك في العجائبي والأسطوري، حيث يؤدي حضور الجن، والرحلات البحرية، والجزر الغامضة، والتحولات الخارقة، وظيفة تتجاوز الإبهار، لتصبح تعبيرا عن تطلع الإنسان إلى تجاوز حدود الواقع واكتشاف المجهول.

وهكذا تظهر الرمزية في " ألف ليلة وليلة" أن الحكاية ليست انعكاسا مباشرا للواقع، بل إعادة تشكيل له وفق رؤية ثقافية وجمالية. ومن ثم فإن التوالد السردي يؤدي وظيفة حضارية، لأنه يتيح انتقال الأفكار والقيم عبر الأجيال والثقافات.

 شعرية التلقي وانفتاح النص:

لعل من أبرز خصائص " ألف ليلة وليلة " أنها تمنح القارئ دورا إيجابيا في بناء المعنى. فالحكايات لا تقدم كل شيء بصورة مباشرة، وإنما تترك فراغات وتأويلات تستدعي مشاركة المتلقي في استكمالها، وهو ما يجعل عملية القراءة نفسها جزءا من إنتاج النص.

كما أن تعليق الحكاية عند لحظة التشويق يدفع القارئ إلى توقع الأحداث المقبلة، وبذلك يصبح التلقي عملية دينامية قائمة على الانتظار والتخيل والتأويل، لا مجرد استقبال سلبي للأحداث.

ويزداد هذا الانفتاح بفعل تعدد الأصوات وتداخل الحكايات، حيث يستطيع كل قارئ أن يقيم روابط مختلفة بين القصص، وأن يمنحها تأويلات تتناسب مع مرجعيته الثقافية وخبرته القرائية.

إن انفتاح النص على القارئ يمثل أحد أسرار خلود " ألف ليلة وليلة، إذ لا تنتهي دلالاتها بانتهاء القراءة، بل تستمر في إنتاج معانٍ جديدة كلما تغيرت زاوية النظر أو تغير السياق الثقافي الذي تقرأ فيه.

أثر " ألف ليلة وليلة" في السرد العربي والعالمي:

أثبتت " ألف ليلة وليلة " قدرتها على تجاوز حدود الثقافة العربية، فأصبحت أحد أهم النصوص المؤسسة للسرد العالمي، وتركت آثارا. واضحة في الرواية الأوروبية واللاتينية والآسيوية، كما استلهمها عدد كبير من الروائيين والكتاب والمسرحيين والسينمائيين.

ولم يقتصر تأثيرها على الموضوعات والشخصيات، بل امتد إلى طرائق بناء الحكاية، واعتماد السرد الإطاري، وتعدد الرواة، والتداخل الزمني، والانفتاح على العجائبي، وهي عناصر أصبحت فيما بعد من السمات البارزة في الرواية الحديثة.

كما أسهمت " ألف ليلة وليلة " في ترسيخ مفهوم النص المفتوح، الذي يسمح بتعدد القراءات، ويمنح المتلقي دورا محوريا في إنتاج الدلالة، الأمر الذي جعلها موضوعا دائما للدراسات السردية المقارنة.

إن الأثر العالمي " لألف ليلة وليلة " لا يعود إلى كثرة حكاياتها فحسب، بل إلى عمق رؤيتها الفنية، وقدرتها على ابتكار نموذج سردي متجدد سبق كثيرا من التصورات التي نظر لها النقد الحديث. ومن ثم فإن التوالد السردي فيها يمثل إنجازا فنيا وحضاريا أسهم في تطور فن السرد الإنساني، ورسخ مكانة التراث العربي بوصفه أحد الروافد الأساسية للأدب العالمي.

على سبيل الختام:

خلصت هذه الدراسة إلى أن "ألف ليلة وليلة" ليست مجرد مجموعة من الحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال، وإنما هي بناء سردي بالغ التعقيد والإحكام، استطاع أن يؤسس نموذجا فنيا متقدما في تنظيم الحكاية وتوليدها، قبل ظهور النظريات السردية الحديثة بقرون طويلة. وقد أظهرت هذه القراءة أن هذا الأثر التراثي يمتلك وعيا عميقا بآليات بناء الخطاب السردي، من خلال اعتماد الحكاية الإطار، وتعدد مستويات السرد، وتنوع الرواة، والتداخل الزمني، والانفتاح الدلالي، وهي عناصر أصبحت فيما بعد من المرتكزات الأساسية لعلم السرد الحديث.

كما بينت الدراسة أن مفهوم التوالد السردي يمثل البنية المحورية التي تنتظم داخلها جميع مكونات " ألف ليلة وليلة" ، حيث تتوالد الحكايات بصورة متدرجة، وتتشابك العلاقات بين الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة، بما يضمن استمرارية النص ووحدته في الوقت نفسه. وقد منح هذا البناء العمل قدرة استثنائية على إنتاج المعنى، وجعله نصا مفتوحا على قراءات وتأويلات متعددة، تستجيب لاختلاف المرجعيات الثقافية والنقدية.

وأظهرت الدراسة كذلك أن شهرزاد ليست مجرد راوية للأحداث، بل تمثل وعيا ثقافيا. وحضاريا يوظف الحكاية أداة للإقناع والإصلاح وإعادة تشكيل الوعي. فالحكي في " ألف ليلة وليلة " يتحول إلى فعل معرفي يواجه العنف بالحكمة، ويستبدل منطق الانتقام بمنطق الحوار، ويؤكد أن الكلمة تمتلك قوة قادرة على تغيير الإنسان والمجتمع.

ومن جهة أخرى، أبرز التحليل أن التوالد السردي لا يقتصر على الجانب الفني، بل يمتد إلى أبعاده الفكرية والثقافية، إذ تسهم الحكايات في ترسيخ منظومة من القيم الإنسانية، مثل العدالة، والوفاء، والتسامح، والحكمة، والصبر، واحترام المعرفة. كما تعكس ثراء المخيال العربي والإسلامي، وانفتاحه على روافد حضارية متعددة، وهو ما منح هذا الأثر طابعا عالميا وجعله أحد أكثر النصوص تأثيرا في تاريخ الأدب الإنساني.

وتؤكد نتائج الدراسة أن " ألف ليلة وليلة " تمثل مختبرا حقيقيا للدراسات السردية، وأن إعادة قراءتها في ضوء المناهج النقدية المعاصرة لا تكشف فقط عن جمالياتها الفنية، بل تسهم أيضا في إعادة الاعتبار للتراث العربي بوصفه مصدراً لإنتاج المعرفة، وقادرا على محاورة النظريات الحديثة وإثرائها.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أثبتت الدراسة أن التوالد السردي يمثل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء الحكائي في " ألف ليلة وليلة".

كشفت أن الحكاية الإطار تؤدي دورا مركزيا في تحقيق الوحدة الفنية للنص، رغم تعدد الحكايات وتشعبها.

بينت أن تعدد الرواة وتداخل مستويات السرد يسهمان في تعميق الرؤية الفنية وإثراء الدلالة.

أوضحت أن الزمن السردي في " ألف ليلة وليلة" زمن فني مرن، يعتمد الاسترجاع والاستباق والتعليق لإنتاج التشويق واستمرار الحكي.

أكدت أن الشخصيات تؤدي وظائف سردية تتجاوز تمثيل الأحداث إلى الإسهام المباشر في توليد الحكايات.

أبرزت أن الفضاء الحكائي عنصر فاعل في إنتاج المعنى، وليس مجرد إطار تجري فيه الأحداث.

أثبتت أن التوالد السردي يمنح النص انفتاحا تأويليا يسمح بتعدد القراءات وتنوع المقاربات النقدية.

بينت أن شهرزاد تمثل نموذجا للمثقف الذي يوظف المعرفة والخطاب السردي في مواجهة العنف وإعادة بناء الوعي.

أكدت أن " ألف ليلة وليلة" أسهمت في تطور السرد العربي والعالمي، وكان لها تأثير واضح في الرواية الحديثة.

خلصت الدراسة إلى أن التراث السردي العربي يمتلك من المقومات الفنية والجمالية ما يجعله قادرا على محاورة النظريات النقدية المعاصرة.

التوصيات:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع الدراسات السردية التي تعيد قراءة النصوص التراثية في ضوء المناهج النقدية الحديثة.

توسيع البحث في مفهوم التوالد السردي وتطبيقه على نصوص عربية أخرى، مثل " كليلة ودمنة" ، و"المقامات"، و" السيرة الهلالية ".

الإفادة من مناهج السيميائيات، والتداوليات، وتحليل الخطاب، في دراسة النصوص الحكائية التراثية.

تعزيز الدراسات المقارنة بين:: " ألف ليلة وليلة " والرواية العالمية للكشف عن أوجه التأثير والتفاعل الحضاري.

إدراج نماذج من التراث السردي العربي ضمن المقررات الجامعية الخاصة بالسرديات والأدب المقارن.

إنجاز دراسات حول تلقي " ألف ليلة وليلة " في الثقافات العالمية، وأثرها في الرواية والسينما والمسرح والفنون البصرية.

تشجيع تحقيق المخطوطات المتعلقة بالحكايات الشعبية العربية، وربطها بالدراسات السردية الحديثة.

إنشاء مشاريع بحثية مشتركة بين الباحثين في الأدب العربي والنقد الحديث لإبراز الإسهام العربي في تطور الفكر السردي العالمي.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

 

حين تتعانق الكلمة مع الجمال في أفق الاستطيقا

حين يعلو الشعر فوق الحواس، ويُحلّق في فضاء المجردات، ويُلامس جوهر الكينونة، فإنه لا يُمكن إلا أن يتكئ على جناح الفلسفة. فالشعر، في أصفى تجلياته، ليس محضَ انفعالٍ وجدانيٍّ بل هو صيرورة فكرية، وصوت داخلي يتساءل، ويُحدّق في الوجود بعين تتجاوز المحسوس إلى ما خلفه. وما دامت الفلسفة هي حب الحكمة، فإن الشعر هو ولادة هذه الحكمة في رحم الجمال، وهو التعبير الأكثر تكثيفًا لِما سماه مارتن هايدغر: «إقامةُ الإنسان في اللغة».

أولاً: الفلسفة والشعر: بين العقل والحدس

إن العلاقة بين الفلسفة والشعر علاقة تواطؤ وتنافر في آنٍ. تواطؤٌ من حيث اشتراكهما في السؤال عن المعنى، وتنافرٌ من حيث اختلاف آليات التفكير: فبينما تتوسّل الفلسفة العقل والمنطق والبنية المفهومية، يتوسّل الشعر الحدس والصورة والدهشة. ومع ذلك، يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: «لقد كانت الفلسفة ذات يوم شعراً، وكانت الحقيقة تُروى شعراً». وهذا القول يَردّنا إلى زمن ما قبل سقراط، حيث لم تكن الفلسفة قد انفصلت عن الشعر بعد، وكان أمثال هيراقليطس وأناكسيماندروس يُفكّرون بنبرة شعرية.

وقد كان أفلاطون من أوائل من أعلنوا القطيعة، حين طرد الشعراء من "المدينة الفاضلة" لأنهم، حسب رأيه، يُقلّدون المحسوس بدل أن يُفكّروا في المُثل. لكنه، في تناقض مثير، كتب أعظم محاوراته بلغة شعرية رمزية لا تخلو من مجاز واستعارة، ما جعل جاك دريدا يقول: «حتى أفلاطون لم يستطع الهروب من جاذبية الشعر».

ثانياً: استطيقا الجمال بين الفلسفة والشعر

الجمال، كما يصفه كانط، ليس خاصية في الشيء ذاته، بل في طريقة تلقي الذات له. من هنا تصبح استطيقا الجمال (Aesthetics) مبحثًا فلسفيًا لا ينفصل عن التجربة الشعرية، بل يتجلى من خلالها. فالشعر يُعيد ترتيب العالم وفق منطق لا عقلاني، لكنه عميق في الدلالة، وجماليٌّ في المظهر، إذ يُقدِّم الحقيقة لا كما هي، بل كما "يجب أن تكون"، في صورةٍ تشبه الحلم، وتؤسس لوعي يتجاوز الواقعي نحو الإمكان.

وقد ذهب هيغل إلى أن «الفن هو التجلي الحسي للفكرة»، فالفن – ومنه الشعر – هو الفلسفة حين تجنح إلى الجمال، حين تُجسّد المفاهيم في صورة شعرية تستفزّ الوجدان والعقل معًا. فالشعر لا ينقل المعرفة، بل يُنتجها، لا يُفسّر العالم بل يُعيد تأويله، وهنا تكمن علاقته الجذرية بالفلسفة.

ثالثاً: الشعر كتأويل فلسفي للوجود

يرى مارتن هايدغر أن «الشعر هو إقامة الحقيقة في اللغة»، وقد خصص جانبًا من كتاباته للتأمل في شعر هولدرلين، معتبرًا أن الشاعر هو من يسبق الفيلسوف إلى مساءلة الوجود، لأنه يمتلك حسًّا بدئيًا يُدرك الكينونة قبل أن يُعقلنها الذهن الفلسفي. وهكذا يصبح الشعر، في منظور هايدغر، تأويلاً هيرمينوطيقيًا للوجود، لا يُنشد المعنى الظاهر، بل ينقّب في المخفيّ والمُستتر.

ولعل ما يفعله محمود درويش في قوله:

 "القصيدة ليست ديوان العرب،

بل سؤالهم الوجوديُّ المعقودُ في عنق اللغة"،

هو ترجمة شعريّة لفكرة هايدغر، لأن الشعر عند درويش لا يصف، بل يُوجِد، لا يُزيّن، بل يكشف.

رابعاً: الشعر والفلسفة في قلب اللغة

اللغة، كما يقول لاكان، ليست مجرد وسيلة، بل هي "اللاوعي البنيوي" الذي يسكن الذات. والشاعر، قبل أن يكون مستخدمًا للغة، هو من تُستخدمه اللغة كأداة للكشف. وهنا يتقاطع مع الفيلسوف، فكلاهما ينقّب في اللغة، لا من أجل التواصل، بل من أجل التفكيك وإعادة البناء.

ولذلك، اعتبر بول ريكور أن الشعرية Hermeneutics تُعلّمنا كيف نقرأ العالم لا كمعطى مباشر، بل كنسيج من الرموز والاستعارات يحتاج إلى تأويل مستمر، وهو ما يجعل من الشعر حقلًا فلسفيًا بامتياز، لا من حيث الشكل، بل من حيث الوظيفة التأويلية للغة.

خامساً: تجارب شعرية فلسفية في الحداثة

أمكن لعدد من الشعراء المعاصرين أن يجعلوا من قصائدهم منصّات فلسفية حقيقية، كما فعل أدونيس، حين جعل من نصوصه أسئلة كبرى حول الإنسان والزمن والله والتاريخ، ومن خلال مجازات عميقة وانزياحات لغوية متعمّدة يقول:

 "المقدّسُ هو ما لا يطمئنُّ إليه قلبي،

لأنني أراه يشبه الديكتاتور في معبده."

فيما يكتب الشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت نصوصًا مثل «الأرض الخراب» بوصفها محاورات مع الوعي الإنساني المنكسر بعد الحرب، بلغةٍ شعرية تشظّية لكنها تحمل نواة تأملية فلسفية عميقة، ما دفع الكثير من النقاد إلى تصنيفه كـ"شاعر ميتافيزيقي".

خاتمة:

حين تعانق الفلسفة الشعر، فإن المعنى لا يعود فقط أداة للفهم، بل يصبح طريقة للعيش. الشعر، حين يتفلسف، لا يُغني العقل عن السؤال، بل يمنحه أفقًا آخر يتجاوز المنطق الجاف نحو الحسّانية الجمالية. والفلسفة، حين تتشعرن، تخرج من برجها العاجي لتُقيم بين الناس، في القصيدة، في الصوت، في الشذرة، في التجربة اليومية.

إننا، في زمن التشييء والانفصال عن المعنى، في حاجة إلى هذا التواطؤ بين الفلسفة والشعر، بين الجمال والفكر، بين التأمل والكلمة. فربما كانت النجاة، كما قال درويش، هي أن «نكتب الحياة كما نحلم بها، لا كما نعيشها».

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حسنًا.. لأقل- مرة أخرى- إن فن الهايكو هو أن نعيد اكتشاف ما نعرفه وما ألفناه، لكن من زاوية التقاط جديدة، هو أن نستطيع القبض على هبّة ريح بُرهة ثم نطلقها إلى هبوبها الأبدي، هو أن ننجح في منح اللحظة الزائلة وجودا سرمديا، هو أن نتمكن من الاحتكاك والتفاعل مع الطبيعة والمجتمع من حولنا من زاوية ظلت مغفلة، هو أن نكتب وندون بتلقائية وبراءة طفل لكن بحنكة وخبرة شيخ، هو ذلك المطهر الذاتي للحواس من شوائب العادة، هو أشبه ما يكون بالتماع عينيْ قطّ وسط حلكة الظلام، على الهايجن أن يُوفّق في نقلها وإيصالها للمتلقي بما يعادل دهشة وجمالية وتلقائية التماع تينك العينيْن كما يحدث على حين غرّة في الواقع، بل هو - يبدو لي أحيانا – أقرب ما يكون إلى طائر السُّبد الذي يحمل لون الأرض التي يعيش فيها، هذا الطائر المتفرد  الذي  كلما اقتربتَ منه واعتقدتَ أنك على وشك القبض عليه يطير أماما ثم يحط غير بعيد عنك ليعطيك انطباعا مستمرا أنك قادر على القبض عليه، وهكذا دواليك من غير أن تتمكن من القبض المبرم عليه إلا إذا حدثت أعجوبة ما،  لذلك فالهايكو يبدو لي مثل أعجوبة لا يمكن أن تحدث كثيرا، ويبدو لي "الهايجن" مثل من ينحت على الضوء لا تكاد منحوتته تكتمل حتى تبدأ في النقصان.

ولما كان الهايكو بكل تلك الأبعاد، فإنه يصير في النهاية عند تحقّقه لحظة استنارة وتصير ممارسته مهارة اقتناص تلك اللحظة الآنية في أبعادها الثلاثة. ولما كان في تشكّله اللغوي لا يشير إلا إلى ما يشير إليه، فإن ظل تلك الإشارة ليس سوى بحجم الحقيقة بدلالاتها في ثقافة معينة، بحجم الحقيقة فحسب وليس أبعد منها. ولما كان الهايكو أيضا لحظة حسية ضد العادة الشعرية، وليس شطحة خيال أو مناورة مجاز، ولا نزوة شعرية تتحقق بمضاجعة اللغة، فإنه يتوق إلى العودة بهذه اللغة إلى بساطتها وبراءتها أي إلى ما قبل تهجينها بالمجاز. ولما كان الهايكو -اليوم - قد تبوأ موطئ قلم في مشهدنا الشعري العربي، واستطاع أن يثبت حضوره في هذا المشهد باستقطابه لعدد هائل من الأصوات والأقلام، واستطاع أن يحظى باهتمام عدد من الباحثين والأكاديميين، وأن يلفت انتباه عدد من وسائل ومؤسسات الإعلام والنشر، وأضحت له نواديه وإصداراته، فإن الأمر قد أصبح يطرح تحديات جمة ويثير أسئلة جادة حول كتابة الهايكو وتذوقه وتلقيه وقراءته ونقده من داخل شعريتنا وثقافتنا العربيتين.

مناسبة هذا الاستهلال وتوارد هذه الأفكار، هي تلك الخلجات والأحاسيس التي اكتنفتني وأنا أقرأ مسودة مجموعة الهايكو الرابعة للهايجن المصري المنوفي حسني التهامي التي اختار لها عنوانا مفارقا: " حفل راقص في ساحة المقبرة"، وكأنه يثير في القارئ منذ عتبة العنوان تلك الارتجاجة الساحرة التي يحدثها الهايكو الموفق عادة في نفس متلقيه، ويقدم عربونا للدهشة التي ستغمر القارئ وهو يستكشف الديوان من التقاطة إلى أخرى. فحسني التهامي الذي اكتشفت قلمه شيئا فشيئا على صفحات الهايكو العربية ونواديه منذ حوالي ثمان سنوات، وتتبعت تجربته المميزة في الهايكو كتابة وبحثا وترجمة، وازددت اهتماما بهذه التجربة بعد الاطلاع على مجموعته الثالثة في الهايكو " مزار الأقحوان" الصادرة سنة 2021، وتتبع مختلف فعاليات الهايكو التي يشارك فيها هنا وهناك، وكذا مختلف ما يصدر عنه في هذا الموقع أو ذاك من نصوص هايكو ناضجة ومن مقالات تثري زخم تأصيل الهايكو العربي والتنظير له والتي أضحت تشكل أحد مراجع البحث في الهايكو العربي بعد أن تم جمعها في كتابه النقدي "ظلال الخيزران – الهايكو/ تنظير ومفاهيم " الصادر سنة 2023 عن اتحاد كتاب مصر، ومن ترجمات إلى العربية لأسماء هايكو مرموقة من اليابان والعالم، من شأن الاطلاع على تجاربها أن يخصّب أكثر فأكثر تربة الهايكو العربي. لتتشكل لدي في إثر كل ذلك صورة واضحة عن هذا الهايجن المثابر، العارف بضوابط هذا النوع الفني وأسرار جمالياته، الممسك بأهم مقوماته وخصائصه وتقنيات بنائه، المطلع على أغنى تجاربه عبر العالم، ومدركا للحدود الفنية والبنائية الفاصلة بين نوع الهايكو وباقي أنواع الأدب الوجيز الأخرى المجاورة.

وعلاوة على ذلك فإن الهايجن حسني التهامي يتمتع قبْلا بحسّ شعري وقاّد، إذ أنه قدم إلى حديقة الهايكو عبر تجربة شعرية استطاعت منذ مطلع الألفية الثالثة أن تحقق تراكما إبداعيا محترما، مما أهّله للتوفر على حواسّ مرهفة -وهي النوافذ الأساسية للهايكو-، وعلى عتاد جمالي فعال وأدوات لغوية وفنية مكنته من امتلاك القدرة الإبداعية الكافية في ساحة الهايكو. ويكفينا أن نقوم بجولة خفيفة في هذا " المحفل الراقص " الذي بين أيدينا، لنكتشف لدى الهايجن حسني التهامي تلك الدربة والمهارة في إكساء لحظة الاستنارة الملتقطة من الواقع في حينها نتيجة تركيز فني و تأمل عميق (الساطوري) بالمفردات  المناسبة بدون زيادة ولا نقصان وبالتكثيف اللازم (الشيبومي)، ونكتشف تلك البراعة في التقاط اللحظة الحسية الآنية بكل حيويتها وزخمها كما تحدث في الواقع، بدل الركون إلى المخيلة واصطناع لحظة خيالية بحثا عن إثارة ممجوجة تلوث صفاء الهايكو وتدفع به خارج حدود نوعه، فنقرأ له :

صباحٌ بارد

على سطح البُحيرة

رعشةُ الظلال

حيث يحافظ الهايجن على حضور الكلمة الفصلية / الكيغو " صباح بارد"، ليس من أجل احترام إحدى قواعد الهايكو الكلاسيكي بشكل ميكانيكي، بل من أجل الانصهار في اللحظة وترك المشهد يعبر عن نفسه بنفسه، بمنأى عن "أنا" االهايجن التي تغيب من حيث السطح اللغوي وتحضر في عمق اللحظة من خلال الحلول في المشهد ومشاركته تلك الرعشة أو القشعريرة التي تحدث بواسطة الظلال. وحيث يتشكل نص الهايكو بشكل تلقائي من غير بحث عن زخارف بلاغية ومستحضرات بديعية لفائدة إكساء اللحظة بمفردات وتراكيب بسيطة تجعل من روح الهايجن جزء من المشهد وليس قوة خارجية تعكر صفوه وهدوءه، ليتحقق بنجاح ذلك التعاطف والانسجام مع الموجودات والكائنات في الطبيعة، أو ما يسمى في لغة الهايكو تقنية حضور عنصر " الشيوري".

ونقرأ له:

ضوءٌ خافتٌ

منكفئا أقلّبُ

"ظلُ الريح"

حيث يتأكد أن الهايكو لا يعكس فكرة بقدر ما ينقل مناخا متكامل الأبعاد والعناصر، إذ أن الهايجن يستحضر ما يعرف في الهايكو بعنصر الـ " أوارِه"، أي مهارة الهايجن في تضمين نصه إشارة إلى ما يعكس خلاصة وجودية عميقة، وذلك من خلال استحضاره في السطر الثالث لرواية الكاتب الإسباني كارلوس ثافون الصادرة سنة 2001 تحت عنوان " ظل الريح". ولنسج تلك العلاقة العميقة بين هذا الهايكو ورواية " ظل الريح"، ينبغي أن نعرف أن هذه الرواية هي الجزء الأول من رباعية " مقبرة الكتب المنسية" التي تظل أحداثها عالقة بذهن قارئها إلى الأبد، مما يحيلنا بشكل خفيّ على عنوان ديوان حسني التهامي الجديد " محفل راقص في ساحة المقبرة"، حيث يكتسب ظل الريح الذي يبدو في ظاهره مجازا لا طاقة للهايكو به ظلا آخر أكثر رحابة وشساعة. كما تتجلى في النص إيّاه استعمال ما يعرف بتقنية " الشيبومي"، أي المهارة في الاستغناء عن المفردات التي يمكن لحذفها ألا يؤثر على جوهر النص، لنجد أن ست كلمات فقط بحسن اختيارها وتوليفها تستطيع أن تصنع كل هذا الجمال.

غير أن الخاصية التي أضاءت مختلف جوانب هذا المحفل الراقص هي جمالية المفارقة التي شكلت شريانا يضخ الدهشة في أغلب مفاصل الديوان، حتى حقّ لنا أن نقول إن الهايجن حسني التهامي هو هايجن المفارقة بامتياز. ويمكننا أن نلمس ذلك في "ريشة المروحة التي تتحرك عكس اتجاه نسمات الخريف"، وفي " عازف الجيتار المسن الذي يحدق في الفراغ"، وفي " المغترب الذي يقطف ياسمينة بناظريه"، وفي " خيال المعماري الذي ينحت الفراغ"، وفي" صوت القبرات الذي أصبح بلون الحنطة"، وفي " ظل رمسيس الضخم الذي يتقاطع مع جسد نحيل " وفي غيرها من النصوص المبثوثة في عرض المحفل. ويكفينا في هذه العجالة أن نقف عند هذا النص:

عازفُ الجيتارِ الُمسِنّ

يُحدّقُ

في الفراغ ...

لنستمتع مع الهايجن وعازف الجيتار المسنّ معا بالتحديق في الفراغ الذي يصبح كائنا فيزيقيا مرئيا، وتصبح معه لحظة الهايكو لحظة عزف، أي تصبح كينونة مشتركة بين العازف والهايجن، ليمتد ذلك افراغ الآهل بفيض المشاعر الإنسانية التي تستعيد ما مضى وتستشرف في لحظة واحدة ما سيأتي. فالتحديق في الفراغ هنا ليس ضياعا كما يحلو للشعر أن يعتقد، بل هو طمأنينة وتأمل وطريقة لقياس عمق اللحظة كما ينبغي أن يكون في الهايكو الواثق من بساطته وتلقائيته. حيث يلتحم عازف الجيتار المسن هنا بالفراغ ليشكلا معا إحدى جماليات الهايكو المتمثلة في ما يسمى بمكون " سابي - وابي"، لتتجلى بإتقان مهارة الإشارة وبناء علاقة بين مكون زائل، قابل للتلاشي والاندثار وعنصر أبدي سرمدي لا يتأثر بفعل الزمن والعوامل المحيطة.

ومن دون أن نشوّش كثيرا على القارئ الذي سيصل إلى يديه هذا الديوان ويدخل هذا المحفل الراقص، بقي ان نشير إلى أن الهايجن حسني التهامي يبدع أيضا في فن الـ " سنريو" الذي يعتبر شكلا من أشكال الهايكو، لكنه بدون كلمة موسمية وبدون أي علاقة مع الطبيعة، بقدر ما هو لون من الهايكو يلتقط مواقف ومشاهد من المجتمع وحياة الناس، إذ تحضر في هذا الديوان كثير من نماذج الـ" سنريو"، نكتفي بالإشارة منها إلى اثنين ليعي القارئ الفرق بين الهايكو والسنريو:

منصة "بيت الشعر"

شاعر حداثي

بقبعة أثرية

ثمّ:

قيلولة

منديل رأس العامل

مفرش لغدائه

ففي هذين النصين لا توجد أي كلمة تشير إلى الموسم لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، كما لا نجد فيهما أي علاقة بالطبيعة التي تعتبر المناط الأساسي للهايكو، لكننا في نفس الآن نجد أنهما يحافظان على بنية الهايكو بباقي عناصره ومكوناته وجمالياته بما في ذلك المفارقة التي تمت الإشارة إليها آنفا، وأنهما يلتقطان مشاهد من المجتمع .. لكل ذلك وغيره فإنه لا يسعني إلا أن أقول إن ديوان "محفل راقص في ساحة المقبرة" هو أيضا "محفل مضيء في ساحة الهايكو".

***

سامح درويش

وجدة – المغرب في 14 دجنبر 2025

عرس فینیکس نصوص مفتوحة دونتها الکاتبة عالیة میرزا بمداد ابی ان یجف وقلم لا یزال حارسا لتلک النصوص. یبدوا ان الکاتبة ارادت ان لا تبعد القلم عن المحبرة لتدون به صرخات تلك الآلام التي لا تهدأ والجروح لا تلتئم وتصف بە خلجات تلك الجروح. بل قصدت ان تبقي النص مفتوحا وذلک لغایة في نفس یعقوب. وان کان النص مقاما یروي حكاية الجروح وهي تدرك بان للجرحات فم. وفوق کل جرح لافتة تحمل اسما، فمنها "عرس فينيكس ومنها قیثارة وجع وذاکرة القرنفل، انانا هي امي، البحث عن اله في قبو السجن وغیرها من الأسماء" منذ ان تخطیت عتبة الکتاب فاستوقفنی "عرس فينيكس" أمام مفارقة دلالية مقصودة: العرس، بما يحمله من احتفاء وميلاد، مقترنًا بطائر الفينيكس الذي لا يبعث بعد فنائه إلا من رماد احتراقه. هذه المفارقة هي المفتاح الذي تُدار عليه النصوص المفتوحة، والتي تنتمي إلى ما يمكن تسميته "أدب الشهادة"، حيث يتحول الجسد المصاب إلى نص، والذاكرة المؤلمة إلى فعل مقاومة عبر الكتاب.

تنطلق الساردة من لحظة الإفاقة بعد التخدير، حين تصف كيف "أعود وأغيب عن الوعي لمدة تتساوى بالصفر عندي" (ص١٧)، في مشهد يتقاطع فيه الزمن السريري مع زمن الذاكرة الغائمة. اختارت الكاتبة أن تبدأ من هذه النقطة، لا من لحظة الحادثة نفسها، خيار فني لافت: فهو يضع القارئ في موقع الشخصية تماما، في حالة استرجاع مشوّش لا في موقع الراوي العليم. الجسد هنا يتحول إلى نص صريح حين تقول الساردة: "لقد أضعتُ خارطة جسدي" (ص١٦)، فتتحول الجروح إلى لغة موازية للسرد اللفظي، والفقدان الجسدي إلى فقدان في تحديد الذات.

اختراق الجسد الجمعي والفردي

تستدعي الكاتبة مفردات الاعتداء الجسدي والجنسي لتصف بها اختراق الجسد الجمعي بالسلاح الكيميائي، إذ تصرّح بأن "الاغتصاب هو كل فعل يمارَس ضد جسد الآخر وبأية وسيلة اختراق" (ص١٤)، سواء كانت الأداة "قضيبًا ذكريًا أو خنجرًا أو حتى دبوسًا" (ص١٤)، أو غازًا ساماً كان "يُستخدم لمكافحة البعوض... في العراق" (ص١٥). هذه المعادلة الرمزية بين العنف الجنسي والعنف السياسي مشحونة بخصوصية كوردية-ضمن جغرافیة محاطة بأربعة جدران تمنحها ثقلًا مضاعفًا: الجسد الأنثوي استعارة للوطن الجريح، والعكس صحيح أيضًا. ويُترجم هذا الاختراق جسديًا حين تصف الساردة كيف "اخترقته عدة طعنات من الزمن المتجذّر في العدم" (ص١٤)، فتمزج بين الألم الفيزيقي والزمني في آن.

الكابوس كصورة للاعتداء

يتخذ الرعب في النص شكل استعارة حيوانية كثيفة، إذ تستغيث الساردة: "احمِني من هذا السرير القاحل المحتل بآلاف من جحور الثعابين والعقارب" (ص١٣)، وتصف كيف "تلف صدري بوحشية المغتصِب" (ص١٣). هذا التماهي بين الكابوس والاعتداء الفعلي يكشف عمق الجرح النفسي وراء الاستعارة الجسدية، بينما يتحول الجسد من جهة أخرى إلى "قلعة منيعة تحصّن نفسها" (ص١٣) في مواجهة الخطر - توازٍ بين الحصانة والانكشاف يختزل مأساة الناجية.

الأمومة تحت التهديد

يشكّل الحوار بين الأم وابنها أحد أكثر مقاطع النص حرارة إنسانية. يتكرر نداء الطفل: "ماما افتحي عينيك لا تنامي... ابقي معي لا تنامي" (ص١٦)، في محاولة يائسة لشد أمه إلى الحياة. وحين يخاطبها لاحقًا باللغة السويدية "du är jävligt stark, mamma" (أنتِ قوية جدًا يا أمي) (ص١٨)، يتضح أن اللغة المكتسبة ليست أداة تواصل عابرة، بل وسيط نفسي آمن بين الطفل والهول الذي عاشه، ودالة على انتقال أثر الصدمة عبر الأجيال بلغة مغايرة للغة الأم الأصلية.

تعدد الأزمنة والأصوات

تعتمد الكاتبة تقنية تعدد الأزمنة والحالات: من الإفاقة الطبية، إلى فضاء "لا ينتمي لأي مكان وزمان" (ص١٦) تتقاطع فيه لغات متعددة حول السرير، إلى ظهور امرأة تتمتم باللغة الکوردیة "استغفري الله" (ص١٦) في مشهد يحمل إدانة مجتمعية مضمرة للضحية، ترد عليها الساردة بحسم: "أنا لا ذنوب لي" (ص١٦). هذا التعدد اللغوي ليس زخرفًا شكليًا، بل تجسيد بنيوي لحالة التشظي الهوياتي الذي عاشته الشخصية، وربما مدينة كركوك نفسها.

عودة الأب ورمزية الهوية

في مشهد استعادة الهوية وسط الانكسار، يحضر طيف الأب "يرتدي نفس الملابس الكوردية الكاكية اللون" (ص١٧)، ينظر إليها "حزينًا... هادئًا جميلًا ومتماسكًا" (ص١٧) دون أن ينبس بحرف، ثم يغادر تاركًا خلفه "رائحة القرنفل المجفف" (ص١٧) - تفصيل حسي بسيط يمنح المشهد الحلمي واقعية مؤثرة ويربط الحاضر المصاب بإرث الأب الرمزي.

خاتمة: الموت والبقاء

يُغلق المقطع على مفارقة وجودية عميقة، إذ تقرّ الساردة بأن "الموت ليس مخيفًا كما نعلمه، لكن الأصعب هو أن ترى من يحبونك يتألمون لأجلك" (ص١٨)، وتصرّح بثبات عقائدي: "لم أذنبْ، ولن أطلب العفو من كائن من كان" (ص١٨)، لتختتم بحكمة تختزل فلسفة الكتاب كله: "الذين تربطنا بهم حالات وجدانية يرحلون عنّا بأجسادهم لكن ذبذبات أرواحهم تظل قريبة منّا للأبد" (ص١٨).

يمكن قراءة "عرس فينيكس" في سياق أدب الناجيات الكورديات اللواتي حوّلن تجربة الحرب والتهجير إلى فعل كتابة، لتضيف عالية ميرزا صوتًا أدبيًا يوثّق بجرأة نادرة تقاطع الجسد الأنثوي مع جسد الوطن الجريح. "عرس فينيكس" نص يواجه تحدياً مزدوجاً: أن يكون شهادة على عنف تاريخي محدد، وأن يتجاوز في الوقت ذاته حدود الشهادة إلى أفق إنساني وفلسفي أرحب حول معنى النجاة والذنب والغفران. ويضاف إلى هذا التحدي بُعد آخر لا يقل إيلاماً: أن تُكتب هذه الشهادة الكوردية بلسان عربي، لا عن اختيار حر خالص بالضرورة، بل لأن اللغة الأم نفسها ظلت طويلاً مقيّدة الحضور في الفضاءات الرسمية والتعليمية التي نشأت فيها الكاتبة، بفعل سياسات کبت تاريخية عرفتها المنطقة على مدى عقود. هكذا تحمل كتابة ميرزا بالعربية مفارقة لافتة بامتياز: التعبير بلغة أخرى عما خلّفته تلك السياسات ذاتها من جراح، في مفارقة تكشف كيف يمكن للغة، وإن لم تكن اللغة لغة الأم، أن تتحول إلى أداة تعبير وشهادة، حين تُستخدم لفضح أثر تلك السياسات التي أضعفت حضور اللغة الأصلية. من خلال هذا النص المختار، يبدو أن ميرزا نجحت في تحويل هذا التحدي اللغوي إلى فعل كتابة يستحق أن يُقرأ لا بوصفه وثيقة عن مأساة فحسب، بل بوصفه نصاً أدبياً يعيد صياغة لغة الألم ذاتها، حتى وهي تستعير لساناً آخر غير لسانها الأم لتقول ما تريد قوله.

***

ستار بزیني

......................

تعریفة للکاتبة عالية ميرزا مع غلاف الکتاب:

فهي من مواليد 1957 في مدينة كركوك / العراق

تخرجت فى جامعة صلاح الدين قسم علم الاجتماع في مدينة أربيل عملت بعد التخرج في مجال التدريس وكذلك البحث الاجتماعي في محكمة أحداث كركوك.

هاجرت الى السويد نهاية 1985

درست الترجمة باللغتين العربية والكوردية (السورانية) الى اللغة السويدية.

ساهمت في زيادة عدد سكان هذا الكوكب بثلاثة أولاد.

في جدل الأبستمولوجيا والاستطيقا وأنطولوجيا اللغة

ليس الشعر ترفاً لغوياً، ولا زخرفةً بلاغية تُضاف إلى الحياة من خارجها، كما أن الفلسفة ليست نسقاً منطقياً مغلقاً يُشيّد أسواره حول الحقيقة. فكلاهما، في جوهره العميق، محاولةٌ للإنصات إلى ذلك النداء الخفي الذي يصدر عن الوجود، حين يعجز العقل المجرد عن الإحاطة بسرّه، وتعجز اللغة المألوفة عن احتواء كثافته. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن يلتقي الشعر بالميتافيزيقا عند تخوم السؤال الكوني، حيث تتداخل الرؤيا بالحدس، والوجود بالمعنى، والجمال بالحقيقة.

لقد درج الفكر الفلسفي، منذ أفلاطون وأرسطو، على إقامة تمييز صارم بين المعرفة والشعر، فجعل الحقيقة حكراً على البرهان العقلي، بينما أُحيل الشعر إلى دائرة المحاكاة والانفعال. غير أن هذا الفصل بدأ يتداعى مع تحولات الفكر الحديث، حين أدرك الفلاسفة أن الحقيقة ليست معطىً نهائياً، بل أفقٌ يتجدد مع كل تجربة إنسانية، وأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي المجال الذي يتجلى فيه الوجود ذاته.

وهكذا، لم تعد الميتافيزيقا بحثاً فيما وراء الطبيعة فحسب، بل أصبحت بحثًا في إمكانات الوجود، وفي الكيفية التي ينكشف بها العالم للوعي الإنساني. ولم يعد الشعر خطاباً جمالياً فحسب، بل تحول إلى نمط من أنماط المعرفة، وإلى تجربة أنطولوجية تعيد تأسيس العلاقة بين الإنسان والكون.

إن الأبستمولوجيا، بوصفها فلسفة المعرفة، تسعى إلى تشييد اليقين عبر البرهان والمنهج والاستدلال، بينما يتحرك الشعر في الاتجاه المقابل؛ فهو لا يبحث عن يقين مغلق، بل عن دهشة مفتوحة، ولا يقيم الحقيقة على منطق التطابق، وإنما على إمكان الكشف. وبين هذين الأفقين يتشكل ذلك الجدل الخصب الذي يجعل الشعر امتداداً للفلسفة، وتجعل الفلسفة في أرقى تجلياتها شعرًا آخر بلغة المفاهيم.

لقد أدرك مارتن هايدغر أن الميتافيزيقا التقليدية قد استنفدت قدرتها على مساءلة الوجود حين اختزلته في موضوع للمعرفة، ولذلك دعا إلى العودة إلى سؤال الكينونة ذاته، لا من خلال المفهوم، بل عبر اللغة التي تحتضن الوجود. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «اللغة بيت الكينونة، والشعر هو السكن الأصيل لهذا البيت.»

إن هذه العبارة لا تمنح الشعر منزلةً جمالية فحسب، بل تمنحه وظيفةً أنطولوجية؛ فالقصيدة ليست وصفاً للعالم، وإنما لحظةٌ ينكشف فيها العالم على نحو جديد. إنها لا تقدم تفسيراً للوجود، بل تجعل الوجود يتجلى في صورته الأولى، قبل أن تروّضه المفاهيم والقوانين والمنطق.

ومن هنا يغدو الشعر مقاومةً دائمةً لدوغمائية العقل، لا لأنه يرفض العقل، بل لأنه يحرره من ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. فالحقيقة، كما يرى بول ريكور، ليست معطًى يُستنفد في تفسير واحد، وإنما هي شبكة من التأويلات المتجددة، وكل تأويل يفتح أفقاً جديداً للمعنى دون أن يغلق الآفاق الأخرى.

ولذلك فإن الميتافيزيقا الحقيقية لا تبدأ من اليقين، وإنما من الحيرة. إنها لا تبحث عن الإجابة النهائية، بل عن السؤال الذي يظل قادراً على إنجاب الأسئلة. فالإنسان، كما يقول سورين كيركغور، لا يبلغ حريته إلا حين يعبر قلقه الوجودي، لأن القلق ليس مرضاً في الروح، بل هو الشرط الأول لانفتاحها على الإمكان.

وهنا يتقاطع الفيلسوف مع الشاعر؛ فكلاهما يعي أن العالم أكبر من اللغة، وأن اللغة نفسها أكبر من معجمها. ولذلك لا تكون القصيدة تقريراً عن الواقع، وإنما خلقاً لواقع آخر، أكثر عمقاً واتساعاً، حيث تصبح الاستعارة شكلًا من أشكال الوجود، لا مجرد حيلة بلاغية.

إن الجمال، في هذا السياق، لا يعود صفةً للأشياء، بل يصبح حدثاً وجودياً يبدل وعينا بالعالم. فحين يكتب الشاعر قصيدته، لا يضيف جمالاً إلى الواقع، بل يزيح الحجاب عن جمال كان كامناً فيه، لكنه ظل محجوباً تحت ركام العادة وألفة الإدراك.

ولهذا رأى غاستون باشلار أن الصورة الشعرية ليست امتداداً للذاكرة، بل ولادة جديدة للخيال؛ فهي لا تستعيد العالم، وإنما تعيد خلقه من الداخل. وكل صورة شعرية عظيمة هي انفجار في بنية الإدراك، يجعل الأشياء أكثر قرباً من حقيقتها، وأكثر بعداً عن اعتيادنا لها.

ومن هنا يغدو الانزياح اللغوي حدثاً ميتافيزيقياً، لا مجرد انحراف عن المألوف. فاللغة في الشعر لا تنقل المعنى، بل تخلقه. والكلمات لا تشير إلى الأشياء فقط، بل تفتح إمكانات جديدة لوجودها. ولهذا كان رولان بارت يرى أن النص الأدبي لا يقدم حقيقة جاهزة، بل ينتج احتمالات لا نهائية للمعنى، بحيث يغدو القارئ شريكاً في ولادة النص، لا متلقياً سلبياً له.

ولعل هذا ما يجعل القصيدة عصيةً على الشرح الكامل؛ لأنها ليست بنيةً مغلقة، بل كائناً حياً يتجدد مع كل قراءة. إن القصيدة لا تُستهلك، بل تُعاد ولادتها في كل قارئ، وفي كل زمن، وفي كل تجربة إنسانية جديدة. ولذلك قال باشلار بحق: «القصيدة لا تُفسَّر، بل تُسكن.»

وإذا كانت المعرفة العلمية تقوم على البرهان، فإن المعرفة الشعرية تقوم على الحدس. وإذا كان العقل يطمح إلى السيطرة على العالم، فإن الشعر يسعى إلى الإصغاء إليه. وبين السيطرة والإصغاء تتحدد المسافة الفاصلة بين العقل الأداتي والعقل التأملي؛ الأول يريد امتلاك الحقيقة، والثاني يريد السكن فيها.

إن الشعر، بهذا المعنى، ليس نقيضاً للفلسفة، بل هو أفقها الأكثر رحابة. فالفيلسوف يبني مفاهيمه ليقترب من الوجود، بينما يذهب الشاعر مباشرة إلى قلب الوجود عبر الصورة والإيقاع والرمز. وإذا كانت الفلسفة تفكر في الكينونة، فإن الشعر يجعل الكينونة تتكلم.

ولذلك لم يكن نيتشه مبالغاً حين كتب كتابه «هكذا تكلم زرادشت» بلغة شعرية، لأنه أدرك أن بعض الحقائق لا يمكن أن تُقال بالمفهوم، وإنما تُقال بالاستعارة. وكذلك فعل هايدغر حين وجد في شعر هولدرلين ما لم يجده في كثير من المباحث الميتافيزيقية، لأن الشعر عنده هو الحدث الذي تستعيد فيه اللغة براءتها الأولى، ويستعيد فيه الإنسان علاقته الأصلية بالعالم.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى ميتافيزيقا جديدة، لا تبحث عن يقين مغلق، بل عن معنى مفتوح؛ ميتافيزيقا تتحرر من سلطة النسق، وتستعيد الدهشة بوصفها أصل المعرفة، والحيرة بوصفها أسمى مراتب الحكمة، والجمال بوصفه طريقاً إلى الحقيقة.

فالحقيقة التي يخلو منها الجمال تتحول إلى معادلة باردة، والجمال الذي ينفصل عن الحقيقة يغدو زينة عابرة. أما حين يلتقي الاثنان في القصيدة، فإن الإنسان يستعيد ذاته، ويستعيد العالم، ويستعيد ذلك السؤال الأول الذي وُلد معه: لماذا يوجد شيء بدلًا من ألا يوجد شيء؟

هكذا يغدو الشعر فعلاً ميتافيزيقيًا بامتياز، لا لأنه يجيب عن أسئلة الوجود، بل لأنه يمنحها صوتاً جديداً، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على السكن في العالم، وأكثر استعداداً للإنصات إلى الصمت الذي يسبق الكلمات، وإلى الجمال الذي لا يُمتلك، بل يُعاش.

ولعل أعظم ما يقدمه الشعر للفلسفة أنه يذكرها دائماً بأن الحقيقة ليست نهاية الطريق، بل بدايته، وأن الوجود لا يُختزل في المفاهيم، بل يظل أوسع من كل تعريف، وأعمق من كل يقين، وأجمل من كل ما تستطيع اللغة أن تقوله عنه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

منطلقات التأسيس

يرى بعضهم أن الوصايا التعليمية لدراسة الفكر العربي بوصفه تراثا أدبيا تأخذنا لقراءة أدب هؤلاء الأوائل، بينما يرى بعض آخر أن الوصايا كفيلة بتخليد ذكر بعض المبدعين من الشعراء والروائيين، أما من تبقى فيرى ضرورة الاهتمام بالحالة الأدبية العربية وربما العالمية أيضا لأن الأدب في طريقه للمحو في ظل عالم مادي تكنولوجي يصارع البقاء.

لكن هذه الوصايا بجانب كل ادعاءات البعض والكثيرين أيضا تستهدف أمرا آخر؛ الأدب هو مرآة التاريخ، ولم يعد أدب الخيال العلمي وفن الافتراضات التخيلية محط اهتمام في عالم استحال فيه الذكاء الاصطناعي واقعا حيا ملموسا ومشهودا، وربما غفل المؤرخون قليلا ويئس بعض منهم كذلك في رصد وتسجيل واقعنا الحديث والمعاصر، فجاء الأدب الحي، نعم الحي الذي رصد وفسَّر وكتب سطورا تاريخية بلغة أدبية كشاهد عيان على تاريخ مَرَّ من هنا ويستحق اكتراثا كثيرا وطويلا من التأمل والتدبر والتأويل.

والنص الأدبي المعاصر يحتاج إلى قراءة متدبرة واعية تصل إلى حد تأويل المقروء هدفها تعرف مبنى النص ومعناه، حيث يرى النقاد المعاصرون أن قراءة النص الأدبي تتنوع بين القراءة الأدائية التي تصل إلى مستوى القراءة الجمالية، أو قراءة فلسفية، وهذه الأخيرة هي أرقى أنواع القراءات لأنها إبداعية تتعامل مع النص من خلال القراءة الإسقاطية للقارئ والكشف عن البنى الداخلية له وتأويلها. وتعد القراءة المعاصرة " نشاطا فكريا يشحذ قدرات المتعلمين ويمكنهم من إعادة صياغة العالم، ويزيد من قدرتهم على مواجهة الحياة بصورة أفضل، وهي نشاط فكري وليد هذا التمازج بين التوافق والتباين والتوقعات والمفاجآت. والقراءة الإبداعية بوصفها إحدى نواتج التعلم للتربية اللغوية المقصودة لا تكتفي بجعل القارئ مستوعبا فقط لما يقرأ وناقدا له فحسب، بل تتعدى ذلك صوب التعمق في النص المقروء، والسعي لإيجاد علاقات وروابط جديدة بين أفكاره ومكوناته، وإبراز حلول متنوعة للمشكلات التي يطرحها النص الأدبي

وإذا كانت التربية اللغوية المعاصرة تكرس لفعل الحرية وتعززه، وهي في نهاية الأمر تهدف ـ بإجراءات مخططة ـ لإكساب المتعلم آليات المشاركة في النسق الاجتماعي اللغوي، فإن القراءة الإبداعية تعد تجسيدًا مطابقا لفعل الحرية الذي تركز عليه التربية اللغوية المعاصرة كونها تضمن تفاعل القارئ مع النص المقروء تفاعلا واعيا يستخدم من خلاله مهارات التفكير الإبداعي، فيقوم بإنتاج احتمالات عقلية متنوعة، ويطرح علاقات وتراكيب متعددة وأصيلة، معتمدا في ذلك على المعلومات والطروحات الواردة بالنص بعد صهرها بخبرات القارئ السابقة في إطار من الطلاقة والمرونة والأصالة والتوسع

والفكر العربي برمته ليس من باب الترجمة الذاتية والسيرة التاريخية للشاعر فهذه أمور باتت تُحكى على المقابر وندوات التأبين ولحظات الرثاء الكاذبة، بل الشعر بوصفه طاقة خلاقة للتغيير، ومحاولة لمبارزة مقولة الشاعر العربي الكبير والاستثنائي " أدونيس " التي يقول فيها: " ماذا يقدرأن يفعله الشعر ورجلاه قيود وعلى عينيه أسوار الظلام ".

هنا تأتي القصيدة ليست بوصفها الاعتيادي جملة من الكلمات والمشاعر والأحاسيس التي يمكن تسجيلها في خطاب غرامي، أو سرد حزين لفقدان الوطن والحنين إليه في الغربة، بل القصيدة الثورة التي تمتلك كافة مقومات التنوير والتثوير والتجديد بوصف الشعر عنصرا ثابتا ومقوما رئيسا من مقومات تجديد الفكر العربي لذا فاختيار الشعراء هرب طويلا وبعيدا عن شعراء يمثلون أعمدة الشعر العربي كأحمد شوقي والبارودي والسياب وحافظ إبراهيم وفدوى طوقان وإبراهيم ناجي وغيرهم، ولجأ إلى أصوات شعرية تشبه وجوهنا وبشرتنا وربما وَجْدِنا اللامنتهي كذلك لتاريخ كنا نحلم بقاءه طويلا.

إن أسوأ عاداتنا النقدية التي تربينا في كنفها الارتكان صوب الصوت والحركة واللون والعاطفة المسيطرة والتجربة الشعورية، تلك العلامات غير المضيئة التي اعتادت الكتب المدرسية أن تلقنها للتلاميذ في المدارس ومن ثم نشأ جيل كامل وكبير يرى في القصيدة ألوانا وحركات وعواطف ومشاعر وأحاسيس فحسب، دون التطرق إلى كنه القصيدة بوصفها نصًّا تجاوز اللغة إلى تخوم الفكر والرؤية التي تهرع نحو التغيير والتجديد.

هذا ما نجده بالضرورة في النصوص الشعرية لمحمود درويش وسميح القاسم وأدونيس وبالقطع لدى محمد عفيفي مطر الأقرب للرمز الصوفي المطلق، ونزار قباني الذي جعل من ألفاظ اللغة قنابل غير موقوتة قابلة لتفجير المخيلة العربية الراسخة في ظنونها وسباتها الطويل.

أما السرديات العربية، وحينما نهرع نحو السرد فإننا نقص حكاياتنا العربية الراهنة والتي لا يمكن الفكاك من تفاصيلها، فإذا كان العرب قديما وحتى منتصف القرن العشرين مرورا بأعقاب الحرب العالمية الثانية وما أسفرت عنه من ثورة أدبية أعلنوا مرارا وتكرارا بأن الشعر ديوان العرب، جاء الروائيون المعاصرون بوقفة احتجاج إبداعية ضد مقولة سادت واستقرت حتى هرب من سياجها شعراء قصيدة النثر محلقين في فضاءات مغايرة يشبهون فيها الصوفية بنصوصهم العجيبة والفريدة. أما الروائيون فقد قرروا صنع عالم موازٍ لحياة العرب من خلال نصوصهم السردية التي لم تعد قصصا مسلية أو حكايات تصلح للحكي قبل النوم، بل هي روايات ضاربة في واقع راهن لا تحكي عنه فحسب، بل تضمن سيناريوهات جديدة إما للعيش مع هذا الواقع، أو تغييره للأفضل، أو التمرد عليه بغير نهايات مغلقة.

إن الرواية باتت اليوم جزءا أصيلا من حركة التاريخ سواء في توصيف الحدث الزماني، أو في التنبؤ بسيناريوهات مستقبلية للمكان، وهذا ما جعل الرواية العربية المعاصرة اليوم تتخلى قليلا، بل كثيرا أيضا عن التيمات القصصية الاعتيادية من قصة حب عابرة، أو صراع التقاليد والعادات بين الأجيال إلى تصوير الحياة الصادقة التي نعيشها والتحولات التي عصفت بالمجتمعات العربية بغير رحمة.

ويعتمد الناقد في أزمنة الحداثة في تأويله وتحليله للنصوص الأدبية على نظرية التلقي؛ حيث تعد نظرية معاصرة من نظريات ما بعد البنائية في نقد وتحليل النصوص الأدبية، والتي تهتم بشكل رئيس بالبحث عن المعاني والدلالات الكامنة وراء الألفاظ والتراكيب والجمل داخل النص، والكشف عن منطقية عرض المعلومات داخل النص، ومدى اتساقها وتسلسلها تعبيرا عن أفكار النص المقروء ووفقا لنظرية التلقي فإن القارئ لم يعد منوطا بالبحث عن المعنى بل ببنائه ووصف ما لا يراه النص نفسه.

ولقد قدم ياوس (Jauss) رائد هذه النظرية بعض المفاهيم والآليات القرائية التي يمكن أن يمارسها القارئ ويستخدمها في أثناء تناوله للنص الأدبي مثل أفق التوقع الذي يعد أداة أساسية في عملية قراءة النص الأدبي وتأويله بحيث يسمح بتحديد القيمة الجمالية للنص ووصف المقاييس والمعايير التي يستخدمها القارئ في الحكم على النصوص الأدبية. والسؤال والجواب، حيث لا يمكن فهم النص الأدبي إلا إذا فهمنا السؤال الذي يجيب عنه هذا العمل، فكل قراءة للعمل الأدبي عبارة عن سؤال وجواب مع هذا العمل. ومن مفاهيم النظرية المسافة الجمالية التي تعني المسافة بين أفق التوقع والنص الأدبي، وبين ما تقدمه التجربة الجمالية السابقة من أشياء مألوفة. أما مصطلح الفجوات أو الثغرات الذي قدمه ياوس في إطار نظريته فيشير إلى عملية مشاركة القارئ في إنتاج النص، وأن النص بما بما يحتويه من مخططات ورؤى مختلفة يحتاج إلى شئ ما يربطها لكي يظهر المدرك الجمالي.

ـ تَجْدِيْدُ الخِطَابِ.. مِنْ الفِكْرِ الدِّيْنِيِّ إلى الطَّرْحِ الشِّعْرِيِّ:

منذ سنوات يمكن التقاط عددها على أصابع اليد الواحدة بزغت عدة دعاوى مفادها تجديد الخطاب الديني لاسيما في الدول التي مرت عليها نسائم الربيع الثوري مثل مصر وسوريا واليمن وليبيا وإن كانت مصر على وجه الاختصاص والتحديد هي التي لجأت إلى ممارسات رسمية وسيادية لتجديد هذا الخطاب الديني بما يتواكب مع متغيرات العصر الآني وتأرجح الأيديولوجيات المتزامن مع فعل الثورة ذاته. وتبارى علماء الدين ورجال الفكر ورواد التنوير والاستنارة في تحديد معالم هذا الخطاب الذي ينبغي أن يعي ثمة متغيرات جديدة على تلك المجتمعات ولا يزال هذا الاجتهاد قائما حتى وقتنا المعلوم.

وفي صدد الحديث عن خطوات إجرائية تستهدف تجديد الخطاب الديني الذي يسعى إلى تفكيك الخطاب الموازي له والمتمثل في خطاب العنف والتطرف والإرهاب، قلما نجد أصواتا تتعالى أو مؤتمرات تتهادى بتوصياتها لتعلن ضرورة تجديد الخطاب الشعري، أو بالأحرى الطرح الإبداعي المتمثل في ديوان العرب أعني القصيدة وأقصدها.

وبرغم دعوات كبار نقاد الشعر المعاصرين من ضرورة الاهتمام بالشعر العربي لأنه يعاني بعض العثرات الأمر الذي دفع بالرواية لتكون ديوان العرب الجديد ورايتها المرفرفة على الاستدامة والدوام، إلا أنني أتيقن من انتفاء أية دعوات أو صيحات نقدية تتعلق وترتهن بحتمية تجديد الطرح الشعري وتطوير القصيدة، وهذا ليس بقصور في أدائهم النقدي، بل لأن ثمة شعراء استطاعوا أن يقتنصوا وحدهم حداثة القصيدة وإحداثياتها المتمثلة في ثورة الشكل والمضمون، الأمر الذي دفع بهم أولا للوصول بالقصيدة إلى مراحل استباقية نتيجة روافد متعددة منها استلهام التراث لاسيما النصوص الصوفية المتمثلة على وجه التحديد في نصوص الحسين بن منصور الحلاج، ومحي الدين بن عربي، وعبد الجبار النفري، وعمر بن الفارض نظرا لنصوصهم الموغلة في الرمزية والإغراق في المضامين الغامضة وهي السمات التي تميز بها معظم شعراء الثورة الشعرية التي انفرجت في ستينيات القرن المنصرم. ومن الروافد أيضا كفاءة الشعراء في الاطلاع الجيد والدقيق على التجارب الشعرية الرائدة في العالم الغربي (أوروبا على سبيل المثال)، وهذا الاطلاع الواعي مكن هؤلاء الشعراء في إنتاج طرح شعري جديد يبدو مغايرا للحالة الشعرية السائدة آنذاك.

ومن هؤلاء الشعراء الذين أحدثوا الثورة الشعرية القائمة بالفعل على أيامنا الراهنة أنسي الحاج ومحمد الماغوط وأدونيس، هؤلاء وغيرهم مما يصعب حصر أسمائهم وسردها هم أصحاب ربيع الثورة الشعرية في ديواننا العربي المعاصر، وبغض النظر عن تقييم تجاربهم الشعرية التي لو عاصرها أمير الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعباس محمود العقاد لأصيبوا بانتكاسة لغوية وفنية لا لخلل النص الشعري عن رواد الحداثة العرب؛ بل لأن تلك النصوص الشعرية التي هي في مظانهم الأدبية تسمى قصائد شعرية حسب ما تعودوا منذ أشعار امرئ القيس ولبيد وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم، وأن ما يسمى بالنص أو الخطاب هو بالفعل ثورة إبداعية وخطاب جديد لا يحتاج بالضرورة إلى تجديد، اللهم سوى تغيير في المعالجة المعاصرة للشعراء الحاليين الذين لم يستطيعوا بالفعل الفكاك من الشَّرَك النصي لشعراء الحداثة الرواد.

ـ فِي مُوَاجَهَةِ دِيكْتَاتُورِيَّةِ النَّصِّ:

عندما يتعامل المرء ناقدا متخصصا كان أم قارئا مهتما بالشعر فهو يخضع للعرف الشعري السائد رغم إبادته أكاديميا بأنه شريك أساسي في النص، وأنه بالفعل لم يعد متلقيا سلبيا لتفاصيله التي شكلها الشاعر، بل يضيف من ذاكرته إحداثية في مشهد شعري أو لقطة تصويرية معينة ما يرتبط بتفاصيل أوردها الشاعر حسب تجربته الخاصة، وهو أيضا يقوم بدور القاضي أو ممثل الادعاء الجنائي الذي يسعى للإيقاع بالمتهم عن طريق التناص الشعري أو بأية ملامح شعرية مشتركة بين النص الحالي ونصوص شعرية مشابهة إما من ناحية المضمون أو الصورة الشعرية بألفاظها وتراكيبها.

لكن في ضوء الشاعر الدمشقي علي أحمد سعيد المعروف بصياغته النهائية بأدونيس فأنت محكوم طوعا أو كرها بديكتاتورية نصية لا يمكن الفكاك منها أو الوقوع في شراك شعرية أخرى غير النص الموقع باسمه. هذا ليس من باب المبالغة بل من سبيل المغالبة التي امتلكها أدونيس واحترف أدوات شعرية وتقنيات أسلوبية فريدة ومتنوعة تتسم بالأصالة أي الجدة والمرونة بقدر ما استطاعت نصوص أدونيس الشعرية أن تتفرد بعدم التكرار، وكأن أدونيس نفسه تجربة شعرية لا تقبل التكرار، هذا الانفراد هو الذي كشف العشرات من الشعراء الذين حاولوا أن ينتهجوا مسلك أدونيس الشعري فكتبوا على نهجه لكنهم لم يتمكنوا من تقنياته وأدواته الشعرية فكان سقوطهم حتما مقضيا.

وإذا كان الشاعر المصري صلاح عبد الصبور تستطيع أن تتناول قصائده بمناهج نقدية قديمة ومتداولة بحكم وضوح نصوصه التي لم يلجأ فيها إلى التضمين الغامض، وأيضا الشاعر أمل دنقل المعروف بشاعر الرفض يمكن للقارئ العادي أن يتناول شعره في ضوء معطيات حاكمة مثل استحضار الشخوص التاريخية والرموز السياسية مع لغة خطابية كاشفة،أو على سبيل المثال نزار قباني الذي يكاشفنا بصورة سهلة ويسيرة للشعر بغير مقاومة نقدية تلقي بعقدها الأكاديمية على شعره، فإن نص أدونيس الذي يحمل عمقا فلسفيا في الطرح اللفظي وبكارة متجددة في اللغة الشاعرية وباعتباره ثورة إبداعية عصية على المراس والتكرار فإن حضور النص في وعي المتلقي يمثل ديكتاتورية نتيجة جفاف توقع القارئ لما يفجؤنا به أدونيس.

وشعراء عصر أدونيس أنفسهم يمتلكون الشجاعة في الإعلان والمصارحة بصعوبة فك شفرة النص الأدونيسي لما ينتاب هذا النص من قلق مستدام ومتزامن لحالة الشاعر سواء الإبداعية أو السياسية ونظرا لأنه يمثل أحد رموز التنوير الفكري في عالمنا العربي المعاصر فإن التنوير من أبرز سماته القلق المستمر طمعا في التجويد والإتقان ومواكبة متغيرات العصر الفكرية والفنية. وقبيل الولوج في تفكيك نص أدونيس الشعري ومشروعه الإبداعي يمكن تفسير ديكتاتورية نصه الشعري من خلال زوايا ثلاث؛ كونه في الأصل أكاديميا امتهن العمل بالتدريس الجامعي فترة من الزمن مكنته من التقعيد اللغوي والاعتماد على مواضعات لغوية رصينة تختلف عن لغة الشعر عند نزار قباني أو محمود درويش وسميح القاسم على سبيل المثال، فضلا عن كونه أيضا رساما تشكيليا لم يعد مضطرا ليشرح ويفسر للرائي لوحاته لأن الفنان التشكيلي يماثل البحر الذي لا يضطر لتفسير موجه ودواماته المائية. والزاوية الأخيرة التي تفسر لنا ديكتاتورية النص لدى أدونيس أنه منذ البدايات يسعى ليؤسس امبراطورية شعرية استثنائية خاصة به، واستطاع مجتهدا أن يستحيل من دور الشاعر تدريجيا إلى أدوار أخرى منها المنظر والمفكر والتنويري كل هذا داخل منظومة واحدة وهي القصيدة أو حسب المصطلح النقدي الذي يناسب طرحه الإبداعي المعروف بالنص أو الخطاب.

ـ إحْدَاثيَّاتٌ شِعْرِيَّةٌ جَدِيْدَةٌ:

حينما يطالع القارئ أو الناقد ـ فلا فرق بينهما وهما بصدد نصوص أدونيس ـ مشروع أدونيس الشعري فإنه بالضرورة يقف عند ثمة علامات وملامح تشكل مجمل هذا المشروع الشعري الطويل الممتد قرابة الأربعين عاما، ويمكن تحديد أولى العلامات في الصوت الشعري المتفرد؛ حيث إن أدونيس دوما يعبر بخصوصية شديدة عن كونه مفكرا ومنظرا وفي بعض الأحايين مؤرخا دون ضوابط تحكم عملية التأريخ لديه، هذا الصوت رغم أنه يشترك مع غيره في تلك التيمة الإبداعية إلا أن أدونيس يسعى ألا يشاكل أحدا فيه، وخير دليل على ذلك ديوانه الموسوم بالمطابقات والأوائل، والذي تتصدر صفحة غلافه عبارة " صياغة نهائية " بجوار اسمه، وكأنه يريد تقعيد الاسم الذي اختاره لنفسه أولا، ثم يدعمه كأحد رواد شعر الحداثه كما جاء في ثنايا الديوان بصياغة نهائية للقول الشعري ذاته.

يقول أدونيس معبرا عن الصوت الواحد في قصيدته الطويلة " قصيدة ثمود ": (يحدث أن أتقاطع مع ميدان / كاعرش / ومع خلفاء / مع عمال للخلفاء وأنصار / وأرى كيف يكون التاريخ جليدا / أو زرنيخا، يحدث أن أتحول / أحيا / نسغا بريا / أمشي في حشد).

وبرغم أن تفاصيل المشهد الشعري يبدو جماعيا إلا أن حضور أدونيس الفرد يظل طاغيا بدلالة فعل المضارع الذي يتسيد القصيدة بأكملها وليس هذا المقطع رغم أن القصيدة في عمومها تتناول حدثا تاريخيا قديما إلا أن ارتكاز أدونيس على الفعل الماضي لا يأتي اعتباطا أو من قبيل الاستخدام اللغوي الطارئ، بل هو اعتماد على دلالة حاضرة واستشرافية تمكنه من الحضور الشعري المستدام. يقول أدونيس:(ولهذا / يتغير شعري كالأشياء / ولهذا / أسكن زوبعة الأشياء / يحدث أن أستسلم للطرقات / فأهبط في قيعان / وأجاور أغصانا، أو أتعب مثل رماد / بحثا عن أشباهي).

وتبدو أن تقنية الاعتماد الشعري على الفعل المضارع بوصفه معادلا موضوعيا للاستشراف الذي يمتلك صكه الشاعر منفردا هي فكرة معرفية في الأساس، وهي الفكرة التي اعتمد عليها الكثير من المتصوفة في الإسلام وهذه الفكرة مفادها باختصار هي ما أشار إليه الغزالي بقوله: المشهد هناك لمن يريد أن يراه. وما دمنا قد تطرقنا إلى تخوم الحديث عن التصوف والمتصوفة فلا يمكن التغافل عن رافد رئيس وأساسي يشكل المصدر الملهم لنصوص أدونيس الشعرية حتى هو أفاض في ذلك وسطر كتابا بعنوان الصوفية والسريالية وكأنه لا يريد أن يدفع بتهمة التأثر بالرافد الصوفي في كتاباته الشعرية أو النثرية على حد سواء.

ـ الرَّفْدُ الصُّوفِيُّ في نَصِّ أدونيس:

مكن الرافد المتمثل في الطرح الصوفي نصوص أدونيس الشعرية استثنائية خاصة، بحيث أصبحت القصيدة لأول مرة في تاريخها أحد الأنساق المعرفية وليس فقط صورة أدبية إبداعية فحسب، وتمثلت تجليات الطرح الصوفي في نصوص أدونيس ودواوينه في علامات أيضا منها استخدام الحرف بديلا عن إيقاعات الخليل المكرورة، هذا الاستخدام منح للنص جرسا موسيقيا وقنصا لغويا بارعا، يقول في قصيدته " بابل ": (أعلو وأفكر في التشبيه وأنأى / لا أحتاج إلى ذروات / شغفي أن أتواطأ مع أمواج مع كلمات / لا أملك إلا أن أقتلها / في عادة وجهي).

وقراءة أدونيس العميقة للتراث الصوفي منحته فرصة التعلق بمداراته، وهذا جعل من القصيدة لدى أدونيس إما تجربة أو مغامرة، وكلتيهما حالة استثنائية يستخدم فيها الشاعر تقنياته التي اصطنعها لنفسه، وهذه المغامرة هي التي منحت لأدونيس ونصوصه مصطلح القصيدة الومضة، أي الولع بمشهد قصير يحمل نسقا معرفيا يمكن الإطالة في تأويله وتفسير مضامينه وهي السمة المعروفة في الطرح الصوفي بالرمزية المعقدة. يقول أدونيس في قصيدة " أول الصدق ":(قافلة لوحت وغابت / وانطفأت بعدها البيوت / لنعترف أننا نموت. ويقول في قصيدة أخرى بعنوان " أول الفضاء ": جسد الأرض يستنبئ النار / والماء أقداره المرجأه / ألهذا تصير الرياح نخيلا؟ / ألهذا يصير الفضاء امرأه؟).

والقصيدة الومضة هي سر شغف الكتابة الذي يتمتع به أدونيس ولا يزال، وهو السر الذي يجعله دوما في حالة خصام مستمرة مع التراث مثلما كان الطرح الصوفي دوما، ولعل أدونيس يتشابه إلى حد كبير من خلال نصوصه الشعرية مع نصوص المتصوفة في أن كلا النصين يقفان على الشاطئ الآخر من الأبجدية التداولية، فإذا كان معظم أقطاب الصوفية في التاريخ الإسلامي لديهم ثمة اعتراضات على كتابات السلف الفقهية، فإن أدونيس أيضا يقف معارضا لسابقيه، فهو يقول عن أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم " أضافوا إلى القديم قديما "، هذا التشابه والتماثل وتلك المشاكلة هي التي جعلت علاقة أدونيس باللغة علاقة احتمالية تقبل النحت اللغوي وتكرس لثقافة الاشتقاق غير الخاضع للقياس أو السماع اللغوي المعتمد عند العرب. إذن يمكننا الفصل في القول بإن الرافد الصوفي لشعر أدونيس أمكنه باقتدار وريادة تحرير المفردات اللغوية، وأيضا أصيب بالداء الذي أصاب النصوص الصوفية أيضا وهو إغراق النص في السردية، وتتمثل السمات السابقة التي تم ذكرها مجتمعة في قصيدته " قبر من أجل نيويورك ": (كنت لا أجد فرقا بين جسد برأس يحمل أغصانا نسميه شجرة، وجسد برأسٍ يحمل خيوطاً رفيعة نسميه إنساناً. واختطلت عليَّ الحجرة والسيارة، وبدا الحذاء في الواجهات خوذةَ شرطي والرغيفُ صحيفة توتياء. مع ذلك، ليست نيويورك لغواً بل كلمة. لكن حين أكتب: دمشق، لا أكتب بل أقلّد لغواً. دال ميم شين قاف… لا تزال صوتاً، أعني شيئاً من الريح. خرجت مرةً من الحبر ولم تعدْ. الزمن واقف حارساً على العتبة يسأل: متى تعود، متى تدخل؟ كذلك بيروت القاهرة بغداد لغوٌ شاملٌ كهباء الشمس… شمس، شمسان، ثلاث، مئة… (استيقظ فلانَّ وفي عينه اطمئنانٌ يمتزج بالقلق. يترك زوجاته وأبناءه ويخرج حاملاً بندقيته. شمس، شمسان، ثلاث، مئة…هاهو كالخيط مهزوماً ينزوي تحت نفسه. يجلس في المقهى. المقهى يمتلئ بحجارةٍ ودُمىً نسميها رجالاً، بضفادعَ تتقيأ الكلام وتوسخ المقاعد. كيف يستطيع فلانٌ أن يثور وعقله مليءٌ بدمه، ودمه مليءٌ بالسلاسل؟).

وأدونيس نفسه المعروف بالتحرر والتنوير لم يستطع الفكاك من أثر الصوفية وأقطابها في نصوصه الشعرية، فنجده يفرد قصائد كاملة تحمل عناوينها بعضا من أسماء هؤلاء الأعلام، مثل قصيدته " مرثية الحلاج " التي يقول فيها: (ريشتك المسمومة الخضراء / ريشتك المنفوخة الأوداج باللهيب / بالكوكب الطالع من بغداد / تاريخنا وبعثنا القريب / في أرضنا ـ في موتنا المعاد).

ـ أدونيس وتَأسِيْسُ المَرْجِعِيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ:

يبدو أن أدونيس مصرًّا على مخالفة مقولة المؤرخ العالمي أرلوند توينبي في كتابه مختصر دراسة التاريخ التي تقول بإن أحد أسباب انهيار الحضارة هو إخفاق الطاقة الإبداعية في الأقلية المبدعة، وهذا التحدي الذي يحمله أدونيس منذ أكثر من أربعين سنة قوامه أنه لم يكن مثل معاصريه الذين وقفوا عند حدود أسئلتهم صوب الحداثة ولم يتعدوها أو لم يتجاوزوها بحق،لكنه امتاز بمزيتين يمكن أن يشترك فيهما معه الشاعر أنسي الحاج، الأولى هي ديمومة الأسئلة التي لا تنتهي وهي في الغالب أسئلة معرفية بإمكانها إضعاف الذهنية العربية وإرهاقها بالبحث عن أجوبتها مما أتاح لأدونيس أن يكون بوصلة قصيدته، والثانية أنه موعد دائم باللقاء الحميم بين الشعر والطرح الفلسفي الذي يكفل لأي نص البقاء وإمكانية التأويل وتنوعه.

وأدونيس ها هو ذا دائم الاستدامة والاقتناع بأن النص الشعري يمكنه استيعاب كل المنطلقات المعرفية على توصيف القصيدة بأنها لم تعد الشكل الإبداعي الذي يرتكز فقط إلى الخيال بهدف إثارة المشاعر وتحفيز الوجدان، بل هو خطاب معرفي في الأساس يمكن الإخبار من خلاله بمزيد من المعارف والمعلومات والطروحات النظرية، وهو ما فعله حقا في قصيدته " مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف "، إذ يقول في مطلعها: (وجه يافا طفل / هل الشجر الذابل يزهو؟ / هل تدخل الأرض في صورة عذراء؟ / مَنْ هناك يرجّ الشرق؟ / جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب الجميل/ صوت شريد. / (كان رأس يهذي يهرج محمولاً ينادي أنا الخليفة) / هاموا حفروا حفرة لوجه عليّ/ كان طفلاً وكان أبيض أو أسود، يافا أشجاره وأغانيه ويافا.. / تكدسوا، مزقوا وجه عليّ/ دم الذبيحة في الأقداح، قولوا: جبّانة، لا تقولوا: كان شعري ورداً وصار دماء، ليس بين الدماء و الورد إلا خيط شمس، قولوا: رماديَ بيت وابن عبّاد يشحذ السيف بين الرأس و الرأس وابن جَهوَر مَيْتُ.).

وحلم أدونيس في تأسيس مرجعية شعرية تستند على السردية لم يعد فكرة أو ظنا، بل هو واقع آني لدى النقاد ومهمومي الشعر المعاصر، هذه المرجعية لايمكن تأويلها بعيدا عن فكرة المرجعية الدينية التي يعترف بها بعض الطوائف والتيارات الدينية لاسيما الحديثة التي كانت تنادي بفكرة الإمام، وفكرة الإمام هنا في القصيدة هي حضور الشاعر بنفس درجة احتجابه، فالمستقرئ لنصوص أدونيس يكاد يجزم بأنه لا يستطيع اقتناص ملامح حياة خاصة للشاعر نفسه، اللهم سوى بعض الأمكنة التي ارتادها أو ترتبط في وجدانه الجمعي الذي يشترك فيه مع ملايين من العرب. ورغم هذه الإسقاطات التاريخية أو المكانية إلا أن أدونيس يتحرر دوما من قضبان الإمساك بتفاصيل شخصية تنبئ بها قصائده، فهو يقول في قصيدة " مرآة لمعاوية ": (شعرةٌ تقرأ في الرياح / ملكها في تفجر البركان / في زفير الأمواج والزمن الهائم بين الإعصار والربان). ويقول في قصيدة " السماء الثامنة رحيل في مدائن الغزالي ": (يجيئنا في كوكب / تحضنه نساؤنا / تصوغ من بهائه / الثياب والأحلام واللآلي / يبتدئ السقوط في مدائن الغزالي / يستنزل الفرقان واللسان / وتعلق الجباه بالغبار، في مدائن الغزالي)

وفي صدد الحديث عن تأسيس أدونيس للمرجعية الشعرية الجديدة، تغدو الأسئلة الشعرية / المعرفية التي يطرحها في سياق نصوصه الشعرية الملمح الأبرز لاسيما وأنها لم تعد أسئلة سلبية كالتي طرحها الثنائي المصري صلاح عبد الصبور وأمل دنقل عبر مشروعهما الشعري، لكن هي أسئلة لا تتسم بالاقتضاب بالقدر الذي تسمح فيه بمزيد من شحذ الذهن وإعمال العقل بل وأحيانا محاولة الجري وراء أدونيس للإمساك به من أجل اعتراف نهائي بإجابات تلك الأسئلة، والأسئلة في عرف الفلسفات القديمة والمعاصرة هي أداة المعرفة، وهي الوسيط الذي يدفع السائل أو القارئ إلى عوالم ثقافية لا نهايات لها، والتأويل النقدي قام في أساسه على افتراضات مفادها أسئلة توجه ناحية النص أو الخطاب اللغوي بغرض تفكيكه وتفتيت مضامينه وبحجة إشراك القارئ في النص الذي يتناوله. والأسئلة الأدونيسية كما قلنا سالفا هي معرفية تحتاج إلى رصد من ناحية القارئ لبدايات القصيدة نفسها، وإن لم يتمكن من التقاط العلاقة بين السؤال المعرفي الذي يطرحه أدونيس فبالضرورة يلجأ عادة ـ القارئ ـ إلى عنوان القصيدة الذي قد يفي باحتياجات القارئ لمعرفة الإجابات.

يقول أدونيس في أسئلته الشعرية / المعرفية: (هل أقول، إذن: ضاع وجهي؟ / هل أقول: ابتكرت الرماد؟)، ويقول أيضا: (هل الزهرة ماء أو شرار؟ / ولماذا تلد الشمس الغبار؟). ومن أبرز السطور الشعرية التي تكفي النقاد من أجل تأصيل فكرة تأسيس المرجعية الشعرية المعاصرة على يد أدونيس ما طرحه أدونيس نفسه من تساؤل فريد، يقول في قصيدته " البهلول ": (ماذا يقدر أن يفعله الشعر، ورجلاه قيود / وعلى عينيه أسوار الظلام؟).

فَاصِلَةٌ:

في الختام لا يمكن الادعاء بأن أدونيس هو رائد الشعر المعاصر لوجود أصوات وقامات شعرية أخرى تنافس على الريادة بقوة وشراسة أيضا، لكن التنبؤ بأن أدونيس يعد فاصلة مهمة في تاريخ الشعر العربي يعد أحيانا كثيرة من باب الرهان على اليقين، لاسيما وأن مشروع أدونيس الشعري لم يقتصر على عتبات بعينها، بل يبدو شاعرا رومانسيا حينا، وشاعرا معرفيا حينا آخر، ويستهل علينا بوجوه وأقنعة تاريخية في أوقات متباينة عبر دواوينه مثل عمر بن الخطاب، ومهيار الدمشقي، وبشار بن برد، وأبي حامد الغزالي، والحلاج، ونوح، وأبي نواس، وهو كذلك يغدو على ديوان الشعر العربي بمحطات تاريخية مهمة تحمل أشجانا وشجونا أيضا، مثل تاريخ ملوك الطوائف، فضلا عن تناوله قضايا معرفية شائكة مثل البعث من خلال قصيدته " البعث والرماد "، إذن فأدونيس الشاعر الدمشقي الذي يمزج الرسم بالكلمات حسب عنوان ديوان مواطنه نزار قباني أراد أن يخلق لنفسه فضاءً شعريا مغايرا للتيمات السائدة منذ ظهوره شاعرا بسوريا، وظل حتى وقتنا الراهن يداعب قراءه بأسئلته المعرفية التي تسعى إلى التحريض الذهني ليس مكتفيا بدغدغة المشاعر والعواطف وإثارة الانفعالات.

***

الدُّكْتُورِ بَلِيْغ حَمْدِي إسْمَاعِيْل

أسْتَاذُ المَنَاهِجِ وطَرَائِق تَدْرِيْسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الإسْلامِيَّةِ ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.

قراءة نقدية في ثنائية الاحتراق والتجدد

يمثل النص الأدبي فضاءً رحباً لإعادة تشكيل العالم عبر الخيال والرمز، حيث تتحول الظواهر الطبيعية من وجودها المادي المباشر إلى علامات دالة على حالات إنسانية ونفسية وفلسفية عميقة. ومن هذا المنطلق يأتي نص «بحيرات الشمس» للدكتورة نادية البرعي باعتباره نصاً رمزياً ذا طابع كوني، يستدعي عناصر الطبيعة الكبرى، وفي مقدمتها الشمس والماء والفضاء والطوفان، ليبني من خلالها رؤية فنية قائمة على الصراع بين الاحتراق والهدوء، وبين الفناء والانبعاث، وبين العطاء المستمر والحاجة إلى التجدد.

تنهض البنية التخيلية في النص على مفارقة مركزية تجمع بين عنصرين متضادين: الشمس بما تحمله من دلالات الحرارة، الضوء، العطاء، الاشتعال، والحضور الكوني، والبحيرات بما توحي به من برودة، عمق، احتواء، تطهير، وسكينة. ومن خلال هذا التقابل، لا تقدم الكاتبة حكاية خيالية عن جرم سماوي فحسب، بل تصوغ تجربة رمزية يمكن إسقاطها على الذات الإنسانية حين تبلغ ذروة الإرهاق الداخلي، وتسعى إلى استعادة توازنها عبر المرور بتجربة تحول عميقة.

وتكمن أهمية النص في قدرته على أنسنة الشمس، إذ تغدو كائناً يشعر ويتألم ويتساءل ويجرب، فتتجاوز وظيفتها الطبيعية بكونها مصدراً للنور والحياة، لتصبح رمزاً للكائن المعطاء الذي يستهلكه عطاؤه، ويحتاج إلى لحظة انطفاء مؤقت كي يستعيد قدرته على الإشراق. ومن هنا تتأسس الدلالة الفلسفية للنص حول فكرة أن التجدد لا يتحقق دائماً عبر الاستمرار في الفعل، بل قد يتحقق عبر التوقف، والانغماس في النقيض، وخوض تجربة تشبه الطوفان أو التطهير.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل نص "بحيرات الشمس" تحليلاً نقدياً يكشف عن جمالياته الفنية والرمزية، من خلال الوقوف عند دلالة العنوان، وبنية السرد، وصور التشخيص، وثنائية النار والماء، ووظيفة الطوفان في إنتاج معنى الانبعاث. كما تحاول الدراسة إبراز البعد النفسي والإنساني الكامن خلف التشكيل الكوني للنص، بوصفه تعبيراً عن أزمة الذات حين تتحول طاقتها الخلاقة إلى عبء داخلي، ثم عن قدرتها على الخروج من الأزمة أكثر صفاءً واتزاناً.

وبذلك تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن نص "بحيرات الشمس" لا يكتفي بتقديم صورة غرائبية للشمس، بل يستخدم الخيال الكوني وسيلةً للكشف عن معنى إنساني عميق، يتمثل في أن الاحتراق قد يكون مقدمة للتجدد، وأن العبور خلال الماء والطوفان ليس نهاية للنور، بل شرط من شروط عودته.

العنوان

يحمل العنوان "بحيرات الشمس" تركيباً مفارقاً ولافتاً؛ فالشمس في المخيال العام مرتبطة بالنار، الحرارة، الضوء، الجفاف، والعلو، بينما البحيرات ترتبط بالماء، البرودة، العمق، السكون، والانخفاض. من هنا ينشأ التوتر الجمالي الأول في النص: كيف تكون للشمس بحيرات؟

هذا العنوان يفتح باب التأويل منذ اللحظة الأولى. فهو لا يشير إلى مكان واقعي، بل إلى فضاء تخييلي ورمزي، حيث تلتقي العناصر المتضادة:

النار والماء/الاشتعال والانطفاء/الحركة والسكون /الاحتراق والتجدد

وبذلك يصبح العنوان مفتاحاً لفكرة النص الكبرى: أن الكائن لا يتجدد إلا حين يواجه نقيضه.

الفكرة العامة

تدور القصة حول الشمس التي تشتد حرارتها إلى درجة لا تستطيع احتمال ذاتها. تبحث عن مخرج من احتراقها الداخلي، فتفكر في الاختفاء، لكنها تدرك أن غيابها يعني حلول الظلام ونهاية الحياة. ثم تلمح بحيرات كونية مضيئة، فتقرر أن تلقي بنفسها في أصغرها. يحدث الغليان والطوفان، ثم تُقذف الشمس خارج الماء، مبللة بقطرات الندى والعطر، وقد استعادت هدوءها ونضارتها، لتشرق من جديد.

الفكرة الظاهرة هي حكاية خيالية عن الشمس. أما الفكرة العميقة فهي أقرب إلى تأمل فلسفي في الأزمة والتطهر والتجدد. فالشمس هنا ليست مجرد نجم، بل رمز للكائن المتعب من شدة عطائه، أو للروح التي تستهلكها طاقتها الداخلية، فتحتاج إلى تجربة صادمة كي تعود إلى توازنها

البنية السردية

النص يقوم على بنية سردية بسيطة لكنها فعالة، ويمكن تقسيمها إلى مراحل واضحة:

مرحلة الأزمة

تبدأ القصة مباشرة من لحظة احتدام داخلي:

توهجت الشمس واشتدت حرارتها حتى إنها لم تعد تحتمل نفسها.

هذه البداية تضع القارئ داخل أزمة مكتملة، لا داخل تمهيد طويل. الشمس تعاني من ذاتها، لا من عدو خارجي. وهنا تكمن قوة الفكرة: المأساة داخلية.

مرحلة التساؤل

تبدأ الشمس في التفكير:

هل تتوارى تماماً عن كل العالم؟

هذا السؤال يكشف وعياً أخلاقياً لدى الشمس. فهي لا تفكر في راحتها فقط، بل في أثر غيابها على العالم. ومن ثم تظهر ثنائية مهمة: الأنا مقابل الجماعة

مرحلة الاكتشاف

ترى الشمس البحيرات الكونية، وهي لحظة انتقال من الأزمة إلى الاحتمال. الماء هنا يظهر بوصفه وعداً بالخلاص، لكنه أيضاً يحمل خطراً مبهماً.

مرحلة التجربة

تلقي الشمس بنفسها في أصغر بحيرة. وهذه لحظة ذروة النص. القرار يبدو متهوراً، لكنه ضروري. فالشمس لا تكتفي بالتأمل، بل تخوض التجربة.

مرحلة التحول والانبعاث

بعد الغليان والطوفان، تخرج الشمس مبللة ومنتعشة وهادئة، ثم تعود إلى الشروق. وهذه خاتمة دائرية؛ إذ تعود الشمس إلى وظيفتها الأولى لكنها تعود مختلفة، أكثر صفاءً وتوازناً.

الرمز والدلالة

النص غني بالرموز، وأهمها:

الشمس

الشمس هي الرمز المركزي في النص. ويمكن قراءتها على أكثر من مستوى:

رمز للعطاء المستمر/رمز للأمومة الكونية/رمز للمبدع الذي يحترق من أجل الآخرين/رمز للمرأة التي تمنح النور والحياة لكنها تحتاج إلى لحظة استراحة وتجدد/رمز للذات الإنسانية عندما تشتد عليها ضغوطها الداخلية.

فالشمس لا تُصوَّر هنا بوصفها قوة مطلقة فقط، بل بوصفها كائناً هشاً أيضاً. وهذه مفارقة: تجعل مصدر القوة نفسه يحتاج إلى إنقاذ.

الحرارة والانصهار

الحرارة ليست مجرد خاصية فيزيائية، بل رمز للضغط الداخلي، والانفعال، والإرهاق، وربما الاحتراق النفسي. تقول الكاتبة إن الشمس «لم تعد تحتمل نفسها» عبارة شديدة الدلالة؛ فهي تشير إلى لحظة يصل فيها الكائن إلى حد التصادم مع ذاته.

البحيرات

البحيرات ترمز إلى الماء، والاحتواء، والعمق، والراحة، والتطهير. لكنها ليست ماءً أرضياً عادياً، بل بحيرات في فضاء كوني تتلألأ فيها النجوم والأجرام الصغيرة. هذا يجعلها أقرب إلى رحم كوني أو فضاء ولادة جديدة.

البحيرة هنا ليست مكاناً للهروب فقط، بل مكاناً للتحول. فالشمس لا تنطفئ فيها، وإنما تخرج منها أكثر قدرة على الإشراق. الطوفان

الطوفان رمز مزدوج. هو من جهة كارثة وانفجار واضطراب، ومن جهة أخرى وسيلة تطهير وتجديد. في كثير من المخيلات الإنسانية، يأتي الطوفان بعد فساد أو اختناق ليعيد تشكيل العالم. وفي هذا النص، الطوفان لا يدمر الشمس بل يحررها من فائض الاحتراق.

الندى والعطر

خروج الشمس «مبللة بقطرات الندى والعطر» صورة شعرية شديدة الرقة. الندى ضد اللهب، والعطر ضد الاحتراق. كأن الشمس خرجت من تجربة الماء وقد اكتسبت صفات جديدة: النعومة، البرودة، الهدوء، والجمال.

اللغة والأسلوب

لغة النص شاعرية، تعتمد على التصوير والتشخيص والمفارقة. فالكاتبة لا تقدم وصفاً علمياً للشمس، بل تعيد خلقها داخل عالم تخييلي.

التشخيص

أبرز تقنية في النص هي تشخيص الشمس؛ فهي تشعر، تسأل، تقرر، تخاف، وتجرب. وهذا يمنح النص طابعاً حكاياتياً قريباً من الأسطورة أو القصة الرمزية.

التكرار

يتكرر معنى الحرارة، والانصهار، وعدم الاحتمال. هذا التكرار يعمق الإحساس بالأزمة، لكنه يحتاج فنياً إلى بعض الضبط حتى لا يتحول إلى إطالة. فمثلاً تكرار «لم تعد تحتمل» مؤثر، لكنه يمكن أن يكون أقوى لو جاء موزعاً بشكل أكثر اقتصاداً.

الجمل الطويلة

النص يميل إلى الجمل الممتدة والمتلاحقة، وهذا يمنحه إيقاعاً اندفاعياً يناسب حالة الشمس المضطربة. لكنه في الوقت نفسه قد يضعف الوضوح إذا لم تضبط علامات الترقيم. لذلك فإن النص يستفيد كثيراً من التقسيم إلى فقرات وجمل قصيرة نسبياً.

الصورة الشعرية

"الضوء الأزلي يصافح الدنيا"/"البحيرات يتلألأ فيها الماء وتهتز فيها النجمات"/"خرجت مبللة بقطرات الندى والعطر"

هذه الصور تمنح النص طاقة شعرية واضحة، وهي من أهم عناصر قوته.

البعد الفلسفي والنفسي

يمكن قراءة النص باعتباره حكاية عن الاحتراق الداخلي. فالشمس تمنح النور للعالم، لكنها تصل إلى لحظة لا تحتمل فيها طاقتها. وهذا قريب من حالة الإنسان الذي يعطي كثيراً حتى يستنزف، ثم يحتاج إلى عزلة أو صدمة أو تجربة تطهيرية ليستعيد نفسه.

النص يطرح سؤالاً عميقاً:

هل يحق لمن يمنح العالم النور أن يتوقف قليلاً؟

وهل الراحة نوع من الأنانية أم ضرورة لاستمرار العطاء؟

الإجابة الضمنية في النص تميل إلى أن الراحة ليست خيانة للدور، بل شرط لاستمراره. فالشمس عندما تدخل البحيرة لا تهرب من مهمتها، بل تستعيد قدرتها على أدائها.

العلاقة بين الأسطورة والعلم

النص يستعير مفردات علمية أو شبه علمية مثل: الشمس، المعادن، الانصهار، الأجرام السماوية، الكرة الأرضية. لكنه لا يستخدمها استخداماً علمياً دقيقاً، بل يدمجها في خيال أسطوري. وهذا الدمج يمنح النص سمة خاصة، إذ يبدو كأنه أسطورة كونية حديثة.

الشمس هنا ليست كما في كتب الفيزياء، بل كما في الحكايات الأولى: كائن عظيم، حي، مؤثر، ومرتبط بمصير العالم.

إنَّ نص "بحيرات الشمس" نص رمزي شاعري، يقوم على مفارقة مركزية بين الشمس والبحيرات، أي بين النار والماء. قوته الأساسية في خياله الكوني وفي تحويل الشمس إلى ذات إنسانية تعاني وتبحث عن التوازن. أما أهم ما يحتاجه فهو مزيد من التكثيف اللغوي، وضبط الإيقاع، وتعميق لحظة المواجهة بين الشمس والبحيرة.

إنه نص استعارة إنسانية عن التعب، والعطاء، والاحتراق، والحاجة إلى التجدد.

***

د. نجلاء نصير

................................

بحيرات الشمس

توهجت الشمس واشتدت حرارتها حتي أنها لم تعد تحتمل نفسها،حاولت الشمس أن تنكمش فاشتدت الحرارة في مركزها وتفاعلت كل معادنها وازداد انصهارها فلم تعد الشمس تحتمل،هل تتواري تماما عن كل العالم ؟لكن الظلام السرمدي صعب جدا والعالم يحتاج إليها.. فإذا سطعت هنا أقبل الضوء الأزلي يصافح الدنيا في بقعة ظهوره فإذا توارت من هنا سطعت هناك وفي أجزاء من العالم لا تغرب الشمس ابدا طوال اليوم، تجولت الشمس في فضائها العظيم.. مامن مكان تختبئ فيه لتهدأ حرارتها، وفي الفضاء السرمدي الممتد عبر العالم كله أبصرت ضوءا خافتا دائري الشكل يتحرك في جميع الاتجاهات.. إنها بحيرات يتلألا فيها الماء وتهتز فيها النجمات والاجرام السماوية شديدة الصغر.. ماذا لو ألقيت بنفسي داخل هذه البحيرات.. الشمس تسأل نفسها ربما انطفاء هذا اللهب وذبت تماما داخل هذه البحيرة، أو ربما تشابكت كل البحيرات واتحدت لتصبح بحيرة كبيرة تبتلع كل شيء.. ألا يختفي كل الوجود؟ ألا تتجمد كل الكائنات وتنتهي الحياة؟ يجب أن أجرب.. ألقت الشمس نفسها داخل اصغر بحيرة ارتفعت درجة حرارة مياة البحيرة.. إنها تفور وتفور.. تتسع أكثر وأكثر وتتحد كل البحيرات.. المياة تتفجر في كل الاتجاهات فيكون الطوفان الذي يقذف بالشمس فتخرج مبللة بقطرات الندي والعطر منتعشة.. هادئة لتشرق من جديد علي الكرة الأرضية.

***

د. نادية البرعي

حين يبتسم الضاد وتخلع القصيدة عباءة الوقار، قراءة أدبية ولغوية في أحد أكثر الفنون الشعرية العربية طرافة وذكاء

ليس الضحك في الأدب نقيضاً للحكمة، كما أن السخرية ليست وجهاً آخر للهزل الفارغ. فكثيراً ما حملت الابتسامة من المعاني ما عجزت عن حمله الخطب الرنانة، وكانت المفارقة الساخرة أكثر قدرة على فضح الزيف من أشدّ المقالات جدية. ومن هنا جاء الشعر الحلمنتيشي بوصفه ظاهرة أدبية عربية فريدة، استطاعت أن تجعل من الضحك فعلاً جمالياً، ومن السخرية موقفاً ثقافياً، ومن المفارقة وسيلةً لإعادة قراءة الواقع والتراث معاً.

إنه شعر لا يخاصم العربية، بل يداعبها، ولا يثور على الموروث، بل يحاوره بذكاء، ولا يهدم القصيدة العمودية، بل يعيد تشكيلها في مرآة ساخرة تكشف ما استجدّ في الحياة من تناقضات ومفارقات. ولذلك فإن الشعر الحلمنتيشي ليس خروجاً على الشعر العربي، وإنما هو أحد وجوهه الحديثة التي أثبتت أن اللغة العربية تملك من المرونة والثراء ما يجعلها قادرة على أن تضحك ببلاغة، وأن تنتقد بجمال، وأن تبتسم دون أن تفقد وقارها.

أصل التسمية ونشأة الفن:

يرجع الفضل في إطلاق مصطلح «الشعر الحلمنتيشي» إلى الشاعر المصري حسين شفيق المصري، الذي يُعدُّ الرائد الحقيقي لهذا الفن، حتى لُقِّب بـ «فارس الشعر الحلمنتيشي». ثم جاء بيرم التونسي ليمنح هذا اللون بعداً اجتماعياً وسياسياً أعمق، فصارت السخرية عنده أداةً لمقاومة الظلم وكشف التفاوت الاجتماعي.

وقد ارتبطت تسمية «الحلمنتيشي» – في الغالب – بفرقة فكاهية مصرية كانت تُعرف باسم «حلمنتيش»، فأصبح الاسم علماً على هذا النمط الشعري الذي يقوم على المحاكاة الساخرة، والتوليد اللغوي، والمعارضة الشعرية، والمفارقة الفنية.

ومن مصر انتقل هذا الفن إلى السودان، حيث وجد بيئة خصبة تتقبل السخرية اللاذعة، ثم امتد تأثيره إلى أنحاء مختلفة من العالم العربي، حتى أصبح لوناً أدبياً قائماً بذاته، له جمهوره وكتابه ونقاده.

بين الفصحى والعامية... مصالحة لغوية:

لعل أبرز ما يميز الشعر الحلمنتيشي أنه يقيم جسراً فنياً بين الفصحى والعامية، فلا يجعل العامية بديلاً عن العربية، ولا يجعل الفصحى سجناً مغلقاً أمام التعبير الشعبي.

فالقصيدة الحلمنتيشية تبدأ غالباً بديباجة فصيحة ذات جرس تراثي، ثم يفاجأ القارئ بكلمة عامية أو تعبير شعبي يأتي في موضع بالغ الدقة، فيحدث ذلك التوتر الفني الذي يولّد الضحك.

وهذا المزج ليس عفوياً، بل يقوم على وعي لغوي عميق؛ إذ يعرف الشاعر موضع المفارقة، ويختار اللفظة الشعبية لأنها الأقدر على إنتاج الدلالة الساخرة، لا لأنها أسهل تداولاً.

ومن هنا تتجلى عبقرية العربية؛ فهي لغة قادرة على استيعاب مستويات متعددة من الخطاب، دون أن تفقد انسجامها أو موسيقاها.

المحاكاة الساخرة... احترام التراث لا هدمه:

من أهم تقنيات الشعر الحلمنتيشي المعارضة الشعرية الساخرة؛ إذ يعمد الشاعر إلى قصيدة مشهورة، فيحافظ على وزنها وقافيتها وبنيتها الإيقاعية، ثم يقلب موضوعها من الجِد إلى الهزل، ومن البطولة إلى الحياة اليومية.

ومن أشهر النماذج ما كتبه حسين شفيق المصري في «المشعلقات»، وهي معارضات فكاهية للمعلقات الجاهلية، حافظ فيها على المعمار الشعري القديم، لكنه استبدل الفروسية بمشكلات الحياة الحديثة، والناقة بالحافلة، والسيف بالبيروقراطية، والرحلة الصحراوية بزحام المدينة.

إنها ليست سخرية من المعلقات، بل احتفاء بها؛ لأن الشاعر لا يستطيع أن يعارض نصاً عظيماً إلا إذا كان يحفظه، ويفهم أسراره، ويعي بنيته الإيقاعية والبلاغية.

السخرية بوصفها نقداً اجتماعياً:

لم يكن الشعر الحلمنتيشي مجرد وسيلة للإضحاك، بل كان مرآة ناقدة للمجتمع.

لقد سخر من الفساد الإداري، وغلاء الأسعار، والبيروقراطية، والبطالة، وتعقيدات الحياة اليومية، كما تناول العلاقات الاجتماعية والسياسية بلغة خفيفة الظل، لكنها عميقة الأثر.

ومن هنا فإن الضحك في هذا الفن ليس غاية، بل وسيلة للوصول إلى الحقيقة.

فالقصيدة الحلمنتيشية تشبه المرآة المحدبة؛ فهي تكبر العيوب حتى يراها الجميع، وتبالغ في تصويرها لتكشف حقيقتها.

البلاغة في الشعر الحلمنتيشي:

يظن بعض القراء أن هذا الفن يقوم على الارتجال، بينما هو في حقيقته من أكثر الفنون اعتماداً على المهارة البلاغية.

فهو يوظف:

التورية لإخفاء المعنى الحقيقي خلف معنى قريب.

المفارقة التي تصنع المفاجأة الفنية.

التضمين باستدعاء النصوص التراثية.

الاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر القديم في حدود الأدب والاحترام.

التناص مع القصائد الخالدة.

المحاكاة الساخرة التي تقوم على إعادة إنتاج النص بروح جديدة.

ولهذا فإن كتابة قصيدة حلمنتيشية ناجحة أصعب بكثير مما يتصوره البعض؛ لأنها تتطلب ثقافة لغوية واسعة، وإحاطة بالعروض، وإلماماً بالتراث، وحساً فكاهياً رفيعاً.

أبرز شعراء هذا الفن:

إذا كان حسين شفيق المصري هو الأب المؤسس للشعر الحلمنتيشي، فإن بيرم التونسي قد منحه بعده الاجتماعي والإنساني، وجعل السخرية أداة مقاومة.

ثم جاء شعراء آخرون أسهموا في تطويره، ومنهم:

١- أحمد قنديل.

٢- عبد العليم القباني.

٣- مصطفى رجب.

٤- شوقي أبو ناجي.

٥- ياسر قطامش، الذي يُعد من أبرز ممثلي هذا الفن في العصر الحديث، لما يمتلكه من قدرة لافتة على معارضة القصائد العربية المشهورة مع المحافظة على موسيقاها وروحها.

ومن أشهر نماذجه معارضته الساخرة لقصيدة «الأطلال» لإبراهيم ناجي، حيث يقول:

يا فؤادي لا تسل أين الجنيهُ

إنَّه ماتَ فقفْ وابكِ عليهِ

اسقني واشربْ على أطلالهِ

قهوةً من أدمعي أو نسكافيهِ

فهنا تتحول مأساة الحب إلى مأساة اقتصادية، ويتحول البكاء على الحبيبة إلى البكاء على انهيار العملة، دون أن يختل الوزن أو البناء الموسيقي.

رؤية نقدية:

لم يسلم الشعر الحلمنتيشي من اعتراض بعض النقاد الذين رأوا فيه لوناً من العبث أو الاستهانة باللغة، غير أن هذا الحكم يبدو متعجلاً؛ لأن هذا الفن لا يهدم العربية، بل يكشف عن طاقتها التعبيرية.

فاللغة التي تستطيع أن تكتب المعلقات، وتبدع في المقامات، وتنتج الشعر الصوفي، قادرة أيضاً على أن تبتكر شعراً ساخراً رفيع المستوى.

بل إن الشعر الحلمنتيشي يبرهن على أن الفصحى ليست لغة رسمية جامدة، وإنما كائن حي يتنفس مع المجتمع ويتفاعل مع تحولاته.

الشعر الحلمنتيشي بين الأمس واليوم:

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت النصوص الساخرة انتشاراً واسعاً، لكن معظمها يفتقر إلى المقومات الفنية للشعر الحلمنتيشي الحقيقي.

فالفكاهة وحدها لا تكفي، كما أن السخرية العفوية لا تصنع قصيدة.

إن الشعر الحلمنتيشي الأصيل يحتاج إلى شاعر يجمع بين ثقافة اللغوي، وذائقة الأديب، وخفة ظل الفنان، وحكمة الناقد.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الشعر الحلمنتيشي بوصفه فناً أدبياً قائماً على الوزن والبلاغة والمعارضة، وبين النكات الشعرية السريعة التي تنتشر في وسائل الإعلام الرقمية.

خاتمة:

يبقى الشعر الحلمنتيشي أحد أكثر التجارب الشعرية العربية أصالةً وابتكاراً؛ لأنه أثبت أن الضحك ليس نقيض الجمال، وأن السخرية ليست خصماً للبلاغة، وأن القصيدة تستطيع أن تكون عميقة وهي تبتسم، وناقدة وهي تضحك.

لقد أعاد هذا الفن الإنسان إلى قلب القصيدة، وأنزل الشعر من أبراجه العاجية إلى الشارع، دون أن يفرط في موسيقاه أو لغته أو تراثه. ومن ثم فهو ليس انحرافاً عن الشعر العربي، بل امتداد له في صورة جديدة، تُثبت أن العربية لغة تتسع للوقار كما تتسع للطرافة، وللحكمة كما تتسع للابتسام، وأن الضاد، حين تخلع عباءة الرهبة، لا تفقد جلالها، بل تكتشف وجهاً آخر من وجوه عبقريتها؛ وجهاً يؤمن بأن الضحك، إذا أحسن الشاعر صناعته، قد يكون أبلغ من الخطب، وأعمق أثراً من كثير من المواعظ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

الحوافز التشكيلية في معادلات النص الشعري

توطئة: قد يبدو أن الحافز والحوافز في منظومة الابداع الشعري يشتركان في كونهما بالنسبة للمرسل والحالم صيغتان متباينتان للتعبير عن رغبات لا شعورية، ولكنهما في الاستقبال من قبل الغير يختلفان من حيث أن مستقبل الحالم منهمك في عملية الفهم، بينما يندمج مستقبل التحفيز الإبداعي أساسا في مسار تفاعلي مع معادلات النص. الأول هدفه معرفي، والثاني معرض للاندماج والاسقاط الذاتي. وإذا ما كان الابداع الشعري لا يخلو من (الدوافع ــ الحوافز ــ اللاشعور) فإنه إلى جانب ذلك يعبر عن الرغبات المباشرة للشعور على خلاف مكامن الحلم التي هي جملة مؤديات ذهنية خاصة متخصصة في استكمال الإفصاح عن خبايا اللاوعي. ونحن نطالع مجموعة (غرق على اليابسة) للشاعر البصري فوزي السعد واجهتنا جملة محفزات مقرونة بدلالات حالات الأشياء المتمحورة في وسائط روحية المعادلة الشكلية، خصوصا وأن موجهات الدال جاءتنا أكثر اهتماما بروح ترميم اللغة الذاتية الموغلة في لحظة جريان معادلة التفعيل الحلمي المتواصل بين عقدة الحافز ومعطيات ربطية الواصلات القابلة بأحتواء شعرية لوحات النص الحلمية.

ـــ استحداث علاقات جديدة داخل علاقة واحدة دالة

يتميز النص الشعري في مجموعة (غرق على اليابسة) بانفتاحه نحو معادلات تشكيلية بمستوى الإثراء الحسي وتوسيع آفاق الدلالة الشعرية مع توافر الدقة ولإحاطة في بناءات النص الشعري كحقيقة إيحائية جعلت تستحدث العلاقات الجديدة في الأحوال المتحفزة داخل عواملية علاقة واحدة دالة كتعددية تصورية  في مجالات الشاشة النصية:

لو تُلقي حجراً

في النهر الراكد

توقظ موجةْ

والموجة تتبعها أمواج

والأمواج تحرّك تحت خطاها

غضب النهر على الجرف. / ص40 / قصيدة: موجة واحدة لا تكفي

ففي مجمل هذه المقاطع نرى تشاكلات التعالق والتماهي بين استحداث العلاقات في اختزالية علاقة واحدة بدءا من جملة (لو تلقي حجرا) وصولا إلى (الموجة.. الأمواج) وبروزا بمحور (غضب النهر) فهذه التوالدات المؤشرة في سنن التعالق جلبت للنص وللمرسل طبيعة متعددة في الكم والكيف وحتى بروز مؤشر العلاقة الوطيدة بين (حجرا.. النهر.. موجة.. الأمواج) وهذا التوالد السياقي بحد ذاته فاعلية في الصيغة والصوت والانفتاح حول المتن الممسرح للقطات الشعرية.

1ـ من الجملة إلى الوظيفة:

أن طبيعة الدوال المرتهنة بدلالات الأحوال شكلا شعريا، لا بد لها من أن تتجلى داخل مهام تحكي فواعلها عبر علاقات وظائفية دينامية، فعلى سبيل المثال نعاين ما جاء في هذه القصيدة:

في الليلِ

إذا كان النومُ بعيداً

إذ أدنو منه قليلاً

شيء ما يمسكني من ساقيّ. / ص56 ــ قصيدة: فرق في أرق

الراوي الشعري هنا يتتبع الالحتام المتجلى في سياق الأدوار الدوالية، بلوغا منه نحو سيرة وظائفية تحكي عن تجليات حالة الأرق، إذن الاشتغالية ها هنا أصبحت من خلال دالها الفردي إلى حالات وظائفية تستجيب استجابة ايحائية نحو مساحات الحال والأحوال المركزة.

2ــ من التقابل إلى المطاوعة:

تشتغل المقاطع الشعرية في بعض قصائد المجموعة نحو تكريس ثنائية (التقابل ــ المطاوعة) إلحاقا بما تتمخض عنه الاحالات والدلالات من نضوج دوالي فاعل:

في شرفة أجلسُ

شرفة قبال ساحةٍ

أرسمُ طفلاً

أُنزلُ الطفل

على إرجوحةٍ.، ص74 ــ قصيدة: طفل في السماء

إذ لا شك في أن (في شرفة أجلس) وجملة (شرفة قبال ساحة) تتطلبان عاملية تقابلية خاصة، خصوصا وأن جملة (أرسم طفلا) في سياق خطي متقابل وحدود آليات مطاوعة جملتي (أنزل الطفل ــ على أرجوحة) فهنا تبدأ التقابلية ضمن آنويتها تمحورا شديدا في استجابة فعل المطاوعة والاكتفاء بالمعادلة بوصفها بديلا حركيا في التركيز والمقصدية القصوى.

3ـــ الجمع والتصنيف الدلالي:

أن الدافع في كيفية توالد خصوصية الذات في مراياها المنعكسة، هو ذلك التصوير المضمر في الذهن والحالة والعلامة في الجمع والتصنيف الدلالي، فهنالك أحوال دوالية هي من الجمع والقيد لو تعاملنا وإياها في حدود تجسيمات رؤية متعالية يتوزعها الجمع الاحداثي والمعطى الخليطي، ولكننا حينما نعاينها في حدود الوعي التصنيفي تواجهنا كمواصفات دلالية لها من الاستقرار والاستعادة والفروق الخطابية:

أرسمُ بضعةَ أشجار

وبديل الأوراق

أكسو الأغصانَ

بريش يتنفّسُ في أجنحةٍ خضراء. / ص80 ــ قصيدة: في فضاء لوحة

تنحو علاقات الجمع النصي عبر فواصل تشكيلية من الانفراد والحجب والأقفال، ولكننا بمجرد الامعان في المتن النصي تواجهنا تحولات الروح الشعرية المتحفزة تحت مصنفات الضوء الدلالي، ولا شك إن آلية الصورة التشكيلية منحتنا الحدود الاستحواذية في وجع المعنى الشعري.

ــ الحال والأحوال التشكيلية في مسار الأفعال الصورية

يشغل الراوي في متن آليات قصيدته التشكيلية ذلك النوع من براعة توالدات الصادرة الشعرية، امتدادا نحو سياقات تلفظية ممكنة الموضوعة والذات والفهم وعذوبة المسببات في روح الأشياء والظواهر الشعرية:

مثلما سمكةْ

وجدت نفسها في مكان

يشاركها في المياه غريق

يدور على نفسه

يتخبّط في التيه

ماذا سأفعل

كي أتحرّر من حفرة

يتخبط فيها

الألوف من

الغارقين

على اليابسةْ؟. / ص21 ـــ   قصيدة: غرق على اليابسة

إذ إن أفعال الايجاب المتطورة في الاجراء (يدور على نفسه ــ يتخبط في التيه ــ ماذا سأفعل ــ كي اتحرر من حفرة) تظل كمكامن الصور الاستفهامية بحاجة إلى آليات قرائية خاصة حتى تستوعب ما يعنيه الشاعر من خيبات وانعكاسات وأحلام مبددة في فضاءاتها المتماوجة. أن القارئ لهذه القصيدة تحديدا سوف يكون مأخوذا بالخفي والباطني والمدهش في شعرية القصيدة المحفوفة بروح الاغتراب والغربة والموت على أرضية الواقع.

ــ تعليق القراءة:

أنا شخصيا ممن يجد في تجربة مجموعة (غرق على اليابسة) للمبدع فوزي السعد ذلك التنوع بالوعي الممكن في كتابة قصيدة تستحق منا خصوبة الاصغاء والاستيعاب لذلك النوع من الشعرية التي راحت تبرز انطباعات الشاعر في حدود توصيلية يتقاطع من خلالها ذلك الكشف المباشر والفج، ليقدم لنا ظاهرة شعرية ذات امتثالات موضوعية وذاتية تدين ولا تدان تأثيرا منها في رسم تراكم جوهر الأشياء وتحويرها في خطابات استثنائية تتبنى حوافزية التشكيل في معادلات شعرية القصيدة وارتباطاتها وقضاياها الفاعلة والمتكونة كتصورات ذهنية ثائرة ومؤثرة.

***

حيدر عبد الرضا

يُعَد شعور الإنسان بالضياع من أكثر القضايا الإنسانية حضورًا في الأدب العالمي، لأنه يمسُّ جوهرَ الوجود الإنساني، ويكشف الصراعَ الدائم بين الإنسان وذاته، وبين أحلامه وواقعه، وبين رغبته في الانتماء وإحساسه بالعزلة. وقد استطاع الأدبُ أن يُحوِّل هذا الشعورَ إلى صور فنية نابضة بالحياة، فغدا الضياعُ تجربةً وجودية يعيشها الإنسان حين يفقد يقينه، ويغيب عنه المعنى.

مِن أبرز الكُتَّاب الذين تناولوا هذه القضية الروائي الأردني جلال برجس (وُلد 1970)، والروائي التشيكي فرانز كافكا (1883- 1924)، حيث قدَّم كُلٌّ مِنهما رؤية خاصة للإنسان التائه، وإن اختلفت البيئة والأسلوب والرؤية الفكرية.

يرى برجس أن الضياع يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في العالَم الخارجي، فالإنسانُ قد يعيش وسط الناس، لكنه يشعر بأنه غريب عنهم، وقد يمتلك المالَ أو المكانة أو العلاقات، لكنَّه يظلُّ فارغًا من الداخل إذا فقد ذاته.

في أعماله الروائية تتجسد الشخصيات وهي تواجه أزمات نفسية واجتماعية تدفعها إلى البحث عن معنى لحياتها، فتنتقل بين الخوف والأمل، وبين الانكسار والرغبة في النجاة.

ويتميز أسلوبه بقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، فيُصوِّر القلقَ والوحدة بلغة شاعرية تَجمع بين الجَمال والصدق، فيشعر القارئ بأنَّ الشخصيات ليست خيالية، بل تُمثِّل نماذج حقيقية يعيشها المجتمع.

لا يقتصر الضياع عند برجس على فقدان الطريق، بل يمتد إلى فقدان الهُوية والانتماء. فالمدينةُ الحديثة، وما تَحمله من تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية، قد تجعل الإنسانَ يشعر بأنه مُجرَّد رقم في عالَم سريع لا يمنحه فرصة للتأمل أو الاستقرار. لذلك نجد أبطاله يعيشون صراعًا دائمًا معَ ذواتهم، ويحاولون استعادة إنسانيتهم وسط عالَم يزداد قسوةً وتعقيدًا. ومعَ ذلك، يترك الكاتبُ نافذة مفتوحة للأمل، إذْ يؤمن بأنَّ الإنسان قادر على النهوض إذا واجه نَفْسَه بصدق، وتمسَّكَ بقيمه الإنسانية، وأعادَ اكتشافَ معنى وجوده.

أمَّا كافكا، فقد قدَّم صورةً أكثر قتامة للإنسان الضائع. الضياعُ عنده ليس أزمة عابرة، بلْ هو قَدَر يلاحق الإنسانَ في كل مكان. شخصياته تجد نفسها في مواجهة عالَم غامض تَحكمه قوانين غير مفهومة، وسُلطات لا تعرف الرحمة، ومواقف عبثية تَجعل الإنسانَ عاجزًا عن فهم ما يحدث حوله. ولهذا يشعر القارئ بأنَّ أبطال كافكا يعيشون في متاهة لا مخرج منها، وأنهم مُحاصَرون بقوى أكبر منهم لا يستطيعون مقاومتها.

ويظهر ذلك بوضوح في كثير من أعماله، حيث يتحوَّل الإنسانُ إلى كائن غريب عن نفسه، وعن الآخرين، فيفقد القدرةَ على التواصل الحقيقي، ويصبح وجوده مُهَدَّدًا بالاغتراب والعزلة.

إنَّ كافكا لا يصف الضياعَ بوصفه مشكلة اجتماعية فقط، وإنما يجعله سؤالًا فلسفيًّا عميقًا حول معنى الحياة والعدالة والحرية. لهذا جاءت لغته دقيقة وهادئة، لكنَّها تَحمل في أعماقها تَوَتُّرًا نفسيًّا كبيرًا، فيشعر القارئ بأنه يعيش القلقَ ذاته الذي تعيشه الشخصيات.

وعلى الرغم من اختلاف البيئتَيْن اللتَيْن ينتمي إليهما الكاتبان، إلا أنَّ بينهما قواسم مشتركة عديدة. كِلاهما يَجعل الإنسانَ مِحور العمل الأدبي، ويكشف هشاشته أمام قسوة العالَم، ويُصوِّر الصراعَ الداخلي الذي يعيشه الفرد وهو يبحث عن ذاته. كما أنَّهما يعتمدان على التحليل النفسي العميق للشخصيات، ويستخدمان الرمزَ والإيحاء لإبراز المعاني الإنسانية التي تتجاوز حدودَ الزمان والمكان.

ومعَ ذلك، فإنَّ الفارق بينهما واضح في طبيعة الرؤية. برجس يربط الضياعَ بالواقع الاجتماعي والنفسي، ويمنح الإنسانَ فرصة للخلاص من خلال الوعي والمحبة والتمسُّك بالقيم الإنسانية، بينما يميل كافكا إلى تصوير الضياع بوصفه حالة وجودية شاملة، تبدو فيها محاولات الإنسان للخلاص محدودة، وكأنَّ القَدَر أو النظام الغامض يفرض عليه العزلة والقلق بصورة لا يستطيع الإفلات منها. لذلك يخرج القارئ من أعمال برجس بإحساس بأنَّ الأمل ممكن، بينما يخرج من أعمال كافكا وهو يَحمل أسئلة أكثر من الإجابات.

مِن الناحية الفنية، يمتاز برجس بلغة تَجمع بين السرد الواقعي والنَّفَس الشعري، فتأتي عباراته رقيقة وعميقة في آن واحد، بينما يعتمد كافكا على لغة مباشرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنَّها تخفي وراءها رموزًا وإشارات فلسفية تجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة. لهذا بقيت أعمالهما قادرة على مخاطبة أجيال متعاقبة، لأنَّهما لَم يكتبا عن إنسان مُحدَّد، بلْ عن الإنسان في كل زمان ومكان.

يظلُّ شعورُ الإنسان بالضياع قضية إنسانية وأدبية، تتغيَّر صورها بتغيُّر العصور، لكنَّها لا تغادر النفسَ البشرية. وقد نجح برجس وكافكا في تقديم رؤيتين مختلفتين لهذه التجربة، إحداهما ترى أنَّ الإنسان يستطيع أن يعثر على ذاته رغم الألم، والأُخرى تكشف عُمقَ المأساة الوجودية التي قد تحاصر الإنسانَ في عالَم لا يفهمه.

وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، يبقى الأدبُ شاهدًا على معاناة الإنسان، ووسيلة لفهم النفس البشرية، ودعوة دائمة إلى البحث عن المعنى وسط متاهات الحياة، لأن الإنسان مهما اشتد شعوره بالضياع، يظل يَحمل في أعماقه رغبة لا تنطفئ في الوصول إلى النور، واكتشاف حقيقة وجوده.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

من سيبويه إلى ابن جني ونقد اللسانيات الحديثة

تُعَدُّ نظرية العامل من أعظم الأسس التي قام عليها البناء النحوي العربي، حتى قيل إن النحو العربي كله يدور حول فكرة واحدة هي: لماذا تغيَّرت أواخر الكلمات؟ وقد أجاب النحاة بأن هذا التغيّر ليس عفوياً، بل هو أثرٌ يُحدثه عامل في معمول، فتظهر الحركة الإعرابية شاهدةً على العلاقة بين أجزاء الكلام.

وهكذا لم يكن العامل عند النحاة مجرد مصطلحٍ تعليمي، بل كان محاولةً فلسفيةً لتفسير النظام الداخلي للغة العربية، والكشف عن العلل التي تضبط انتقال الكلمة من الرفع إلى النصب أو الجر أو الجزم.

العامل في اصطلاح النحاة:

عرَّف النحاة العامل بأنه المؤثر الذي يقتضي حكماً إعرابياً في غيره، سواء أكان لفظاً ملفوظاً، أم معنىً مستفاداً من السياق.

فإذا قلنا:

كتبَ الطالبُ الدرسَ.

كان الفعل كتب عاملاً في رفع الطالب على الفاعلية، وفي نصب الدرس على المفعولية.

أما إذا قلنا:

في المدرسةِ.

فإن حرف الجر في عاملٌ في جر الاسم بعده.

ومن هنا أصبح العامل أساساً لفهم العلاقات النحوية، لا مجرد وسيلة لضبط الحركات.

سيبويه وتأسيس النظرية:

يُعد سيبويه أول من صاغ هذه النظرية صياغةً علميةً متماسكة في كتابه الخالد، وإن لم يضع لها تعريفاً اصطلاحياً صريحاً كما فعل المتأخرون.

وقد رأى أن الإعراب أثرٌ يحدثه العامل، وأن هذا الأثر هو الدليل على الوظيفة النحوية للكلمة. ولذلك كان يبحث دائماً عن سبب الرفع أو النصب أو الجر، ويجعل لكل حركة علةً تفسرها.

وكان أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي قد مهّد لهذا المنهج، فجعل العربية نظاماً قائماً على القياس والعلل، لا على الحفظ وحده.

المدرسة البصرية:

بالغ البصريون في إحكام نظرية العامل، حتى افترضوا عوامل معنوية حيث لا يوجد لفظ ظاهر.

فقالوا إن المبتدأ مرفوع بعامل معنوي هو الابتداء، وإن الفعل المضارع قد يرتفع لتجرده من الناصب والجازم.

كما توسعوا في باب التقدير، فكانوا يقدرون أفعالاً أو حروفاً محذوفة حفاظاً على اتساق القواعد.

وقد بلغت هذه النزعة ذروتها عند المبرّد والزجاج.

المدرسة الكوفية:

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد قبلوا فكرة العامل، لكنهم كانوا أقل ميلاً إلى الإكثار من التقدير، وأكثر اعتماداً على السماع واللهجات العربية.

ورأوا أن كثيراً من الظواهر اللغوية لا تحتاج إلى افتراض عوامل خفية، بل يكفي الاحتجاج بما نطق به العرب.

ومن هنا اتسم مذهبهم بمرونة أكبر، وإن ظلوا محافظين على جوهر النظرية.

ابن جني وفلسفة العامل:

بلغت نظرية العامل مرحلةً فلسفيةً رفيعة عند ابن جني.

فقد رأى أن العامل ليس قوةً مادية تؤثر في الكلمات، وإنما هو علاقة عقلية تستنبطها الأذهان من انتظام الكلام.

وأكد أن الإعراب وسيلةٌ لتمييز المعاني، وأن اختلاف الحركة يؤدي إلى اختلاف الوظيفة والدلالة.

ولهذا قال إن الإعراب «إبانة عن المعاني بالألفاظ»، فجعل المعنى سابقاً على العلامة الإعرابية.

عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم:

ثم جاء عبد القاهر الجرجاني، فحوّل الأنظار من العامل إلى العلاقات بين الكلمات.

فلم يعد سر البلاغة عنده في الكلمة المفردة، وإنما في نظمها، أي في موقعها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها.

وهذا التصور كان تمهيداً مبكراً لما ستقوله اللسانيات الحديثة بعد قرون طويلة.

نقد النحاة المتأخرين:

في العصور اللاحقة، رأى عدد من العلماء أن النحاة بالغوا في تقدير العوامل حتى أصبحت النظرية معقدة.

وكان ابن مضاء القرطبي من أشد المنتقدين، إذ رفض كثيراً من العوامل المقدرة، وعدَّها تكلفاً لا يحتاج إليه فهم العربية.

ورأى أن العرب تكلموا بالسليقة، ولم يكونوا يفكرون في عوامل لفظية أو معنوية، وأن الأولى وصف اللغة كما هي، لا إثقالها بالافتراضات.

اللسانيات الحديثة:

ومع ظهور اللسانيات في القرن العشرين، أعيد النظر في مفهوم العامل.

فالمدارس البنيوية والوظيفية لم تعد تتحدث عن «عامل» بالمفهوم القديم، بل عن العلاقات التركيبية، والبنية النحوية، والوظائف النحوية.

فلم يعد الفعل ـ في نظرهم ـ يرفع الفاعل لأنه عامل، بل لأن النظام اللغوي يخصص له وظيفة الفاعل داخل البنية.

ومع ذلك، فإن كثيراً من الباحثين يرى أن نظرية العامل كانت محاولةً عبقريةً لتفسير الظواهر النحوية، وأنها تمثل مرحلةً متقدمة في تاريخ الفكر اللغوي، حتى وإن اختلفت مصطلحات اللسانيات الحديثة.

العامل بين الحقيقة والمجاز:

ذهب بعض المحققين إلى أن العامل ليس قوةً حقيقية تؤثر في الكلمة، وإنما هو تعبيرٌ مجازي عن العلاقة النحوية.

فالفاعل لا يرتفع لأن الفعل دفعه إلى الرفع، وإنما لأن العرب اصطلحوا على هذه العلاقة.

وهكذا يصبح العامل وصفاً للعلاقة، لا سبباً مادياً لها.

خاتمة:

لقد كانت نظرية العامل حجر الأساس في بناء النحو العربي، ومنها انطلقت مباحث الإعراب، والمحل، والبناء، والتقدير، والعامل اللفظي والمعنوي. وقد أسهم البصريون في إحكامها، ومنحها الكوفيون قدراً من المرونة، وأضفى عليها ابن جني بُعداً فلسفياً، بينما وجّه إليها ابن مضاء نقداً إصلاحياً سبق كثيراً من الدعوات اللسانية الحديثة.

وهكذا يظل العامل، سواء أفسِّر على أنه مؤثر، أم علاقة، أم وظيفة، شاهداً على عبقرية العقل اللغوي العربي، الذي لم يكتف بوصف الكلام، بل سعى إلى اكتشاف القوانين الكامنة وراء بنائه، فجعل من النحو علماً للعقل بقدر ما هو علماً للسان.وإن شاء الله سأكمل هذا المشروع بسلسلة من الدراسات المتخصصة، مثل:

فلسفة الإعراب في التراث العربي بين النحو والمنطق.

البناء والإعراب: دراسة مقارنة بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية.

المحل الإعرابي للجمل: أصوله وتطبيقاته في القرآن الكريم والشعر العربي.

نظرية العامل في ضوء اللسانيات التوليدية والوظيفية الحديثة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية في قصيدة "صخب" للشاعر الدكتور مصطفى شعراوي

مقدمة: يظلُّ شعر الحكمة أحد أكثر الأغراض الشعرية قدرةً على عبور الأزمنة؛ لأنه لا يرتبط بواقعة تاريخية عابرة، ولا ينغلق داخل تجربة ذاتية محدودة، وإنما يتحول إلى خطاب إنساني يستنطق الوجود، ويختبر العلاقة بين الإنسان والعالم، ويعيد تشكيل التجربة الحياتية في صورة رؤى وقيم تتجاوز حدود اللحظة. ومن هنا استطاع هذا اللون من الشعر أن يحتفظ بحيويته منذ المعلقات، مرورًا بالحكمة الزهدية عند أبو العتاهية، والحكمة الفلسفية عند المتنبي، والحكمة الملحمية عند أبو تمام، وصولًا إلى التجارب الشعرية المعاصرة التي أعادت إنتاج الحكمة في ضوء تحولات الإنسان الحديث.

ولعلَّ ما يلفت الانتباه في التجربة الشعرية للدكتور مصطفى شعراوي أنه لا يتعامل مع الحكمة بوصفها خطابًا وعظيًا جاهزًا، ولا باعتبارها خلاصة أخلاقية تُلقى على المتلقي من علٍ، بل يجعلها تجربةً جماليةً تتولد من داخل البناء الشعري نفسه. فالفكرة لا تُقال مباشرة، وإنما تُكتشف عبر حركة الصورة، وإيقاع اللغة، والعلاقات التي تنشأ بين العلامات النصية. وهنا تتحول الحكمة من "معلومة" إلى "رؤية"، ومن "إجابة" إلى "سؤال"، ومن "يقين مغلق" إلى أفق تأويلي مفتوح، وهو ما يمنح النص قابلية دائمة لإعادة القراءة وإنتاج المعنى.

وتأتي قصيدة "صخب" مثالًا واضحًا على هذا التوجه؛ إذ يختار الشاعر عنوانًا يقوم على المفارقة منذ اللحظة الأولى. فالقارئ يتوقع خطابًا قائمًا على الضجيج والانفعال، لكنه يفاجأ بأن القصيدة تبدأ ببيت يهدم هذا التوقع ويؤسس لرؤية مضادة:

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

ومنذ هذه العتبة الأولى، يدرك المتلقي أنه أمام نص يبني دلالته على قلب العلاقات المألوفة بين الأشياء، فالصمت يصبح أكثر قدرة على التعبير من الكلام، والانتظار يتحول إلى فعل، والحكمة تغدو أبلغ من الانفعال، وهو ما يضع القصيدة ضمن ما يسميه النقد الحديث بـ"بلاغة المفارقة"، حيث لا يتولد المعنى من التصريح، وإنما من التوتر بين الدلالة الظاهرة والدلالة العميقة.

ولعل أول ما يستوقف القارئ أيضًا هو الحضور الخفي للنص التراثي في الوعي الشعري للدكتور مصطفى شعراوي، ولا سيما قصيدة أبي تمام الشهيرة التي استهلها بقوله:

السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ

في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

فليس من قبيل المصادفة أن يفتتح مصطفى شعراوي قصيدته بقوله:

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

إذ تتقاطع البنيتان في صياغة المفاضلة البلاغية بين عنصرين متقابلين. غير أن هذا التقاطع لا يعني النقل أو المحاكاة، وإنما يمثل ما يسميه النقد البنيوي بـ"التناص التحويلي"، حيث يُستدعى النص القديم ليُعاد إنتاجه داخل سياق معرفي جديد. فإذا كان أبو تمام يعلن انتصار الفعل العسكري على الخطاب النظري في لحظة تاريخية مخصوصة، فإن مصطفى شعراوي ينقل المعادلة إلى بعدها الأخلاقي والإنساني؛ فالصمت هنا ليس نقيض الكلام فحسب، بل هو موقف أخلاقي يتجاوز الضجيج، والحكمة ليست في كثرة الخطب، وإنما في صدق الفعل.

ومن هنا تتجلى أصالة التجربة؛ لأن الشاعر لا يقف عند حدود استحضار التراث، وإنما يعيد تأويله وفق أسئلة العصر. فالتراث في هذه القصيدة ليس مخزنًا للصور الجاهزة، بل فضاءً للحوار، تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع الرؤى، فيصبح الماضي عنصرًا فاعلًا في إنتاج الحاضر، لا مجرد ذكرى تستعاد.

ومن منظور سيميائي، يمكن القول إن القصيدة تقوم على شبكة من الثنائيات الضدية التي تمنحها طاقتها الدلالية، مثل: الصمت/الخطب، القلب/اللسان، الحكمة/الغضب، الزرع/الحصاد، الصبر/النصر، السبب/النتيجة. وهذه الثنائيات لا تعمل بوصفها تقابلات جامدة، بل تتحول إلى حركة جدلية، ينتقل فيها المعنى من المستوى الظاهر إلى المستوى الرمزي. فالصمت لا يعني السكوت، وإنما ضبط الذات، والحصاد لا يعني جني الثمار وحده، بل يمثل العدالة الكونية التي تجعل الإنسان يحصد ما زرع، والنصر لا يتحقق بالقوة المجردة، بل بالحكمة والصبر.

ومن هنا فإن القصيدة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ"الشعر الأخلاقي الجمالي"، وهو الشعر الذي لا يفصل القيمة عن الفن، ولا يجعل الحكمة على حساب الشعرية، بل يذيبها داخل البنية الإيقاعية والصورة البلاغية، فتغدو الفكرة جزءًا من النسيج الفني، لا عنصرًا خارجيًا مفروضًا عليه.

أما من منظور جماليات التلقي، فإن القصيدة ترفض أن تمنح قارئها معنى واحدًا مغلقًا، لأنها تعتمد على اقتصاد لغوي شديد الكثافة، يجعل كل بيت قابلاً لإنتاج أكثر من قراءة. فالمتلقي لا يستهلك النص، بل يشارك في بنائه، ويعيد تشكيل دلالاته كلما انتقل بين مفرداته. ولذلك فإن الحكمة هنا لا تُستقبل باعتبارها خاتمة جاهزة، وإنما باعتبارها تجربة ذهنية وجمالية يعيشها القارئ أثناء القراءة.

إن القيمة الفنية لقصيدة "صخب" لا تكمن في موضوعها فحسب، بل في قدرتها على إعادة الاعتبار لشعر الحكمة داخل القصيدة العربية المعاصرة، بعيدًا عن المباشرة والخطابية التقليدية. فهي تستلهم روح التراث دون أن تقع في أسره، وتستثمر بلاغة القدماء دون أن تفقد خصوصية صوتها، وتؤسس حوارًا حيًا بين الماضي والحاضر، بين أبي تمام ومصطفى شعراوي، وبين الحكمة بوصفها إرثًا ثقافيًا، والحكمة بوصفها رؤية شعرية معاصرة.

ومن ثم فإن هذه القراءة ستسعى إلى استكشاف البنية العميقة للنص، من خلال المنهج البنيوي السيميائي، مع الإفادة من آليات نظرية التلقي والاستقبال، للكشف عن العلاقات التي تنتظم العلامات النصية، وآليات إنتاج الدلالة، وكيف استطاع الشاعر أن يحول قصيدة قصيرة إلى فضاء تأويلي واسع، تتجاور فيه البلاغة التراثية مع الحساسية الشعرية الحديثة، ليولد نصًا يثبت أن الحكمة الحقيقية لا تزال قادرة على أن تُكتب بلغة الشعر، وأن الشعر، حين يبلغ ذروة نضجه، يصبح أبلغ أشكال الحكمة.

أولًا: التناص مع أبي تمام... من سلطة السيف إلى سلطة الحكمة

لا يمكن للقارئ المتخصص أن يمر على المطلع الشعري لقصيدة "صخب" دون أن تستوقفه تلك العلاقة النصية العميقة التي تنسجها القصيدة مع واحد من أكثر النصوص رسوخًا في الذاكرة الشعرية العربية، وهو مطلع قصيدة أبو تمام:

السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ

في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

فهذا المطلع لم يعد مجرد بيت شعر، بل أصبح بنية ثقافية كاملة تستدعيها الذاكرة العربية كلما حضرت المفاضلة بين القول والفعل، أو بين الخطاب والواقع. ومن هنا تأتي أهمية استهلال الدكتور مصطفى شعراوي قصيدته بقوله:

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

وهنا لا نتحدث عن تشابه لفظي، وإنما عن تناص بنيوي يعيد إنتاج الآلية البلاغية التي بنى عليها أبو تمام قصيدته. فكلا النصين ينطلق من صيغة المفاضلة، لكن المفاضلة عند كل منهما تؤدي وظيفة مختلفة.

لقد جعل أبو تمام السيف أصدق من الكتب؛ لأن لحظة القصيدة كانت لحظة صراع حضاري وعسكري، فجاءت الحقيقة عنده وليدة الفعل، لا التنظير. أما مصطفى شعراوي فيعيد بناء المعادلة ذاتها، لكنه يستبدل السيف بالصمت، والخطب بالفعل الهادئ؛ وكأن الشاعر يقول إن زمن الضجيج قد انتهى، وإن الإنسان المعاصر أصبح في حاجة إلى حكمة الصمت أكثر من حاجته إلى صخب المنابر.

وهنا تتجلى قيمة التناص التحويلي؛ فالنص الجديد لا يكرر القديم، وإنما يحاوره ويعيد إنتاجه في سياق دلالي مغاير. فالمتلقي المثقف يستدعي بيت أبي تمام تلقائيًا، لكنه لا يجد نفسه أمام استعادة جامدة، بل أمام إعادة كتابة للوعي ذاته.

إن الشاعر لا يقتبس التراث، وإنما يعيد تشغيله داخل منظومة فكرية جديدة؛ ولذلك يتحول النص التراثي إلى طاقة دلالية تسهم في إثراء النص الحديث دون أن تبتلعه.

وهذه إحدى السمات الأساسية للشعر الحقيقي؛ إذ لا يقف أمام التراث موقف التابع، ولا موقف القاطع، وإنما موقف المحاور الذي يدرك أن الإبداع لا يولد من الفراغ، بل من الحوار الخلاق بين النصوص.

ثانيًا: العنوان بوصفه علامة سيميائية.. مفارقة "الصخب"

يشكل العنوان في القراءة السيميائية أول عتبات التلقي، لأنه العلامة الأولى التي تدخل القارئ إلى العالم النصي، ولذلك فإن عنوان "صخب" لا يؤدي وظيفة تسموية فحسب، بل يمارس وظيفة تأويلية شديدة العمق.

فاللفظة في معجمها اللغوي تحيل إلى الضوضاء، والارتفاع، والفوضى السمعية، لكن المفارقة تبدأ منذ البيت الأول؛ إذ لا يجد القارئ صخبًا، بل يجد دعوة إلى الصمت.

ومن هنا تنشأ إحدى أهم التقنيات السيميائية في القصيدة، وهي بناء المعنى بالمفارقة.

فالصخب في الحقيقة ليس ما يسمع، بل ما يختبئ داخل النفوس.

إنه صخب الضمير.

وصخب الأسئلة.

وصخب الانتظار.

وصخب التأمل.

ولذلك يصبح العنوان مضادًا لظاهره؛ إذ يتحول إلى علامة على الصمت الداخلي، لا الضجيج الخارجي.

وهذا ما يجعل العنوان قابلًا لإعادة القراءة بعد انتهاء القصيدة؛ فالقارئ يعود إليه ليكتشف أن "الصخب" الحقيقي لم يكن في الأصوات، وإنما في حركة المعاني داخل النص.

إنها تقنية سيميائية تعتمد على تأجيل الدلالة؛ فلا يمنح العنوان معناه دفعة واحدة، وإنما يؤجل اكتماله حتى نهاية القراءة.

ثالثًا: جدلية الصمت والكلام... بلاغة الانزياح الدلالي

يفتتح الشاعر نصه بقوله:

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

وهذه الجملة الشعرية تمثل انزياحًا بلاغيًا بالغ العمق؛ لأن السمع في المنطق الطبيعي لا يتعلق بالصمت، بل بالكلام.

لكن الشعر يعيد تشكيل قوانين الإدراك.

فالصمت هنا يسمع.

والخطب قد تصبح عاجزة عن التعبير.

إننا أمام استعارة معرفية، لا مجرد استعارة بيانية.

فالصمت يتحول إلى لغة.

بل إلى خطاب أكثر تأثيرًا من الخطابة نفسها.

ولذلك لم يقل الشاعر: "الصمت أفضل"، وإنما قال: "أسمع".

والفرق بين اللفظتين كبير.

فالأفضلية حكم عقلي.

أما السماع فهو تجربة وجودية.

كأن الشاعر يريد أن يقول إن الحكمة لا تُقاس بالبلاغة اللفظية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الوجدان.

ثم يعقب ذلك بقوله:

والرَّدُّ أبلغُ إن يغدو بمرتقبِ

فالرد ليس قيمة في ذاته.

إنما قيمته في توقيته.

وهنا يتحول الزمن إلى عنصر بلاغي داخل القصيدة.

فالسكوت ليس ضعفًا.

والرد ليس انفعالًا.

بل لكل منهما لحظته المناسبة.

وهذا ما يجعل النص قريبًا من التراث العربي في حكمته، لكنه في الوقت نفسه قريب من الفلسفة الحديثة التي تجعل الزمن عنصرًا منتجًا للمعنى.

رابعًا: الضمير بوصفه المركز الأخلاقي للنص

يقول الشاعر:

إذا رأيتَ ضميرَ الجمعِ متقدًا

فسلْ ضميرَكَ هل يغدو بلا عتبِ

يبلغ النص هنا ذروة خطابه الأخلاقي.

فالضمير الجمعي لا يصبح معيارًا للحقيقة.

بل يتحول إلى موضوع للسؤال.

وهذا تحول بالغ الأهمية.

فالقصيدة لا تمنح الجماعة سلطة مطلقة.

ولا تمنح الفرد سلطة مطلقة.

وإنما تجعل الضمير الشخصي هو المرجعية الأولى.

وهذه الرؤية تنتمي إلى ما يسميه النقد الثقافي بـتفكيك سلطة الجماعة.

فالإنسان لا يكون أخلاقيًا لأنه يقلد الآخرين.

بل لأنه يحاكم نفسه.

ولذلك جاء الفعل:

"فسل"

ولم يأت:

"فاتبع".

إن السؤال هو بداية الوعي.

أما الاتباع الأعمى فهو بداية سقوط الضمير.

ومن الناحية السيميائية، فإن لفظة الضمير تتكرر بوصفها علامة مركزية تدور حولها بقية العلامات؛ إذ ترتبط بالحكمة، والصمت، والمسؤولية، والنصر، والحصاد.

وهكذا تتكون داخل القصيدة شبكة دلالية تجعل الضمير هو البؤرة التي تنتظم حولها جميع مستويات المعنى.

خامسًا: البنية البلاغية بين الحكمة وشعرية الصورة

إذا كان المطلع قد أسّس لرؤية القصيدة بوصفها خطابًا يتجاوز الظاهر إلى العمق، فإن المتن الشعري يبدأ في بناء منظومته الأخلاقية عبر شبكة من الصور التي لا تقوم على الزخرفة البيانية، وإنما على ما يسميه النقد الحديث بـ "الاستعارة المفهومية"؛ حيث تتحول الصورة إلى وسيلة للتفكير، لا إلى مجرد وسيلة للتجميل.

يقول الشاعر:

فَصُنْ لِسَانَكَ لا تُغْرِيهِ مَسْأَلَةٌ

وَدَعْ لِقَلْبِكَ ما يَرْقَاهُ مِنْ رُتَبِ

يلاحظ المتلقي منذ الوهلة الأولى أن العلاقة بين اللسان والقلب ليست علاقة عضوية، بل علاقة قيمية. فاللسان في النسق السيميائي للنص يمثل الخطاب الظاهر، بينما يمثل القلب جوهر الإنسان ومركزه الأخلاقي. وهنا ينشئ الشاعر ثنائية دقيقة بين الخارج والداخل؛ إذ لا يدعو إلى الصمت المطلق، وإنما إلى تهذيب القول حتى يصدر عن قلب ارتقى في مدارج الحكمة.

ومن اللافت أن فعل "صُن" جاء بصيغة الأمر، لكنه لا يحمل سلطة الإملاء، بل يحمل سلطة الحكيم الذي يوجّه التجربة الإنسانية نحو النضج. إن القصيدة، في هذا الموضع، تقترب من تقاليد الحكمة العربية القديمة، غير أنها لا تستنسخها، وإنما تعيد إنتاجها بلغة أكثر شفافية وأقل تقريرية.

كما أن قوله:

ودع لقلبك ما يرقاه من رتب

يفتح أفقًا تأويليًا واسعًا؛ فـ"الرتب" هنا ليست مناصب أو مراتب اجتماعية، بل هي درجات الارتقاء الروحي. وهكذا يتحول القلب إلى كائن صاعد، يترقى بالحكمة، لا بالضجيج، وبالسكينة، لا بالصخب.

وهذا الانزياح في توظيف المفردة يمنح النص بعدًا صوفيًا خفيًا، يجعل الحكمة رحلةً داخلية قبل أن تكون خطابًا موجَّهًا إلى الآخرين.

سادسًا: سيمياء الزرع والحصاد... العدالة الكونية في صورة شعرية

من أكثر المقاطع كثافةً في القصيدة قول الشاعر:

أَرَاكَ تَغْرِسُ في أَرْضٍ لِتَحْصُدَهَا

حَانَ الحَصَادُ بلا خَوْفٍ ولا رَهَبِ

قد تبدو الصورة لأول وهلة مألوفة، لكنها في الحقيقة تتجاوز بعدها الزراعي إلى بنية رمزية عميقة. فالزرع هنا ليس فعلًا ماديًا، بل هو استعارة لكل ما يزرعه الإنسان في حياته: من كلمة، أو موقف، أو قيمة، أو أثر. أما الحصاد فليس مجرد موسم زراعي، بل هو لحظة انكشاف النتائج، حيث يعود الفعل إلى صاحبه في صورة جزاء أخلاقي.

ومن منظور سيميائي، يمكن قراءة هذه الثنائية بوصفها تمثيلًا لقانون السببية الأخلاقية؛ فالقصيدة تؤكد أن الوجود لا يقوم على العبث، وإنما على نظام دقيق يجعل لكل فعل ثمرة، ولكل اختيار نتيجة.

ويزداد هذا المعنى رسوخًا بعبارة:

بلا خوفٍ ولا رهب

فالذي أحسن الغرس لا يخشى الحصاد، لأن العدالة هنا ليست مفروضة من الخارج، بل نابعة من طبيعة الفعل نفسه.

وهكذا تتحول الصورة الزراعية إلى ما يشبه القانون الكوني، الذي يربط الإنسان بمصيره من خلال أفعاله، لا من خلال ادعاءاته.

إنها صورة بسيطة في ظاهرها، لكنها تنطوي على عمق فلسفي يجعلها واحدة من أهم علامات النص.

سابعًا: الصبر بوصفه فلسفة وجود

ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى إحدى أكثر القيم حضورًا في النص، وهي قيمة الصبر، فيقول:

ولذَّةُ الصَّبرِ في حِلْمٍ تُحَقِّقُهُ

بعدَ الصِّعابِ وما نَلقاهُ مِن نَصَبِ

لا يتعامل النص مع الصبر باعتباره احتمالًا سلبيًا للألم، بل بوصفه قوة خلاقة تُنتج المستقبل. ومن هنا جاءت كلمة "لذّة" لتحدث مفارقة دلالية؛ إذ اعتاد المتلقي أن يقرن الصبر بالمشقة، لكن الشاعر يربطه باللذة، وكأنه يقول إن اللذة الحقيقية ليست في تجنب الألم، وإنما في القدرة على تجاوزه.

وهذا التحول الدلالي يمثل ما يسميه النقد الأسلوبي بـ"الانزياح القيمي"، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين المفاهيم على نحو يفتح أفقًا جديدًا للتأويل.

كما أن ارتباط الصبر بـ"الحلم" يمنحه بعدًا استشرافيًا؛ فالحلم ليس أمنية عابرة، بل مشروع وجودي يحتاج إلى المثابرة حتى يتحقق.

وهكذا يصبح الصبر فعلًا منتجًا، لا حالة انتظار، ويغدو الحلم ثمرةً طبيعية لمن يحسن الثبات.

ثامنًا: النصر... من الحدث إلى الرؤية

تختتم القصيدة بقول الشاعر:

غدًا يجيءُ بنصرٍ حانَ موعدُهُ

ويعلمُ الكونُ كمْ في النصرِ مِنْ صخبِ

في هذا الختام يلتقي العنوان مع النهاية، فتكتمل الدائرة الدلالية للنص. فـ"الصخب" الذي بدأ عنوانًا غامضًا يعود هنا في سياق النصر، لكنه لم يعد صخب الأصوات، بل صخب الحقيقة حين تتجلى، وصخب العدالة حين تنتصر، وصخب التاريخ وهو يعلن أن الحكمة لا تضيع.

ولعل أجمل ما في هذا الختام أن الشاعر لا يحدد طبيعة النصر؛ فهو لا يقيده بحدث سياسي أو اجتماعي أو شخصي، بل يتركه مفتوحًا، ليصبح كل قارئ قادرًا على إسقاطه على تجربته الخاصة.

وهنا تتجلى بوضوح آليات نظرية التلقي والاستقبال؛ إذ يتحول النص من خطاب مغلق إلى فضاء تشاركي، لا يكتمل معناه إلا بتفاعل القارئ معه. فكل متلقٍ يحمل إلى القصيدة تجربته الخاصة، ويجد في "النصر" صورته التي ينتظرها.

وبذلك يحقق النص واحدة من أهم سمات الشعر الكبير؛ وهي قابلية المعنى للتجدد دون أن يفقد وحدته الداخلية.

إن مصطفى شعراوي، في قصيدة "صخب"، لا يكتب حكمةً تُحفظ، بل يكتب تجربةً تُعاش. إنه يستدعي روح التراث، ويصغي إلى صوت أبي تمام، ثم يعيد صياغة ذلك الإرث في لغة معاصرة، تجعل من الصمت بلاغة، ومن الضمير بوصلة، ومن الصبر فلسفة، ومن النصر أفقًا مفتوحًا على كل قارئ يبحث عن معنى يتجاوز ضجيج الحياة إلى سكينة الحكمة.

تاسعًا: شعرية الحكمة بين التراث والمعاصرة... من سلطة البيان إلى بيان الرؤية

من أهم السمات التي تمنح قصيدة «صخب» خصوصيتها أنها لا تستعيد الحكمة بوصفها غرضًا شعريًا موروثًا فحسب، وإنما تعيد إنتاجها داخل نسق شعري حديث، فتغادر منطق "الحكمة الجاهزة" إلى منطق "الحكمة المتولدة". فالفارق كبير بين شاعر يقول الحكمة لأنها نتيجة انتهى إليها، وشاعر يجعل القصيدة نفسها رحلةً لاكتشاف الحكمة.

وهذا ما يميز تجربة الدكتور مصطفى شعراوي؛ إذ لا يقدم للقارئ وصايا أخلاقية، وإنما يدفعه إلى إنتاج الحكمة بنفسه عبر مسار القراءة. فالبيت الشعري عنده لا يغلق المعنى، بل يفتحه، ولا يقرر الحقيقة، بل يقترحها.

وهنا نستحضر مفهوم «النص المفتوح» عند الناقد الإيطالي أومبرتو إيكو، الذي يرى أن القيمة الجمالية للنص لا تكمن في ما يقوله مباشرة، بل في قدرته على إنتاج قراءات متعددة دون أن يفقد وحدته البنيوية. وهذا ما يتحقق في قصيدة «صخب»، إذ تتحول الحكمة إلى فضاء للتأويل، لا إلى نهاية للتأويل.

ولذلك فإن المتلقي لا يقرأ الأبيات قراءة استهلاكية، بل يدخل معها في حوار دائم، فيعيد ترتيب العلاقات بين مفرداتها، ويكتشف مع كل قراءة طبقة جديدة من الدلالة.

عاشرًا: الإيقاع الداخلي... موسيقى الفكرة قبل موسيقى البحر

من الخطأ أن يُنظر إلى موسيقى القصيدة من زاوية الوزن والقافية وحدهما، لأن الإيقاع الحقيقي في هذا النص ينبع من حركة الأفكار نفسها.

فالقصيدة تعتمد على تتابع الجمل القصيرة المتوازنة، وعلى البناء القائم على الأفعال الأمرية:

صُن...

سل...

حقق...

زن...

وهذه الأفعال لا تؤدي وظيفة نحوية فقط، بل تشكل ما يمكن تسميته الإيقاع التداولي؛ أي ذلك الإيقاع الذي ينشأ من حركة الخطاب بين الشاعر والمتلقي.

فالقصيدة لا تتحدث عن الإنسان، وإنما تخاطبه مباشرة.

وهذا الخطاب المباشر لا يحمل نبرة الواعظ، بل يحمل هدوء الحكيم الذي يضع أمام القارئ خلاصة تجربة طويلة.

كما أن التكرار البنائي يخلق موسيقى خفية داخل النص؛ فثمة نسق يتكرر باستمرار:

فعل.

نتيجة.

حكمة.

ثم يعاد إنتاج النسق نفسه في البيت التالي بصورة مختلفة.

وهذه التقنية تمنح القصيدة تماسكًا داخليًا، وتجعل القارئ يشعر بوحدة النص رغم تنوع صوره.

الحادي عشر: الصورة الشعرية... اقتصاد العلامة واتساع التأويل

لا تعتمد القصيدة على الصور الكثيفة ذات الزخرفة البلاغية، بل تميل إلى ما يعرف في النقد الحديث بـاقتصاد العلامة.

فالصورة الواحدة تحمل أكثر من وظيفة.

لنأخذ مثلًا قوله:

أراك تغرس في أرض لتحصدها

هذه صورة تبدو بسيطة.

لكنها في الحقيقة تشتغل على مستويات متعددة.

فعلى المستوى الظاهر هي صورة زراعية.

وعلى المستوى الأخلاقي هي صورة للعمل.

وعلى المستوى الفلسفي هي صورة للسببية.

وعلى المستوى الديني تحيل إلى قانون الجزاء.

وعلى المستوى النفسي تشير إلى مسؤولية الإنسان عن مصيره.

إن العلامة الشعرية هنا لا تستهلك نفسها في معناها الأول، بل تستمر في إنتاج المعاني كلما تغير أفق القراءة.

وهذه إحدى أهم خصائص الشعر الكبير؛ إذ تتحول الصورة إلى مركز إشعاع دلالي، لا إلى مجرد أداة للتجميل.

وينطبق الأمر نفسه على قوله:

الصمت أسمع أحيانًا من الخطب

فالصورة هنا تنتج سلسلة كاملة من الثنائيات:

الصمت/الكلام.

الحكمة/الضجيج.

العمق/السطح.

الفعل/الادعاء.

وهكذا تتحول الجملة الواحدة إلى منظومة رمزية متكاملة.

الثاني عشر: جماليات التلقي... القارئ شريك في إنتاج الحكمة

من منظور نظرية التلقي والاستقبال، لا تكتمل قصيدة «صخب» إلا بالقارئ.

فالقصيدة لا تمنحه إجابات نهائية.

بل تدعوه إلى أن يملأ فراغاتها التأويلية.

فعندما يقول الشاعر:

إذا رأيت ضمير الجمع متقدًا

فسل ضميرك هل يغدو بلا عتب

فإنه لا يحدد المقصود بضمير الجمع.

هل هو المجتمع؟

أم السلطة؟

أم الرأي العام؟

أم الجماعة الثقافية؟

أم الضمير الإنساني؟

ترك الشاعر هذا البياض عمدًا.

ليصبح المتلقي هو الذي يحدد المرجع بحسب تجربته.

وهذا ما يسميه الناقد الألماني هانس روبرت ياوس بـأفق التوقع؛ حيث يتغير معنى النص بتغير خبرة القارئ وثقافته.

أما فولفغانغ إيزر فيرى أن النص الأدبي العظيم هو الذي يحتوي على فراغات دلالية تدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

وهذا ما يتحقق بوضوح في قصيدة «صخب».

إنها لا تفرض تأويلًا واحدًا.

بل تتيح لكل قارئ أن يجد نفسه داخلها.

ولذلك تظل القصيدة قابلة لإعادة القراءة مرات عديدة، وفي كل مرة تمنح المتلقي معنى جديدًا.

الثالث عشر: البنية الأخلاقية للنص... الشعر بوصفه مسؤولية وجودية

إن ما يميز هذه القصيدة أنها لا تفصل بين الجمال والقيمة.

فاللغة جميلة.

لكنها لا تتخلى عن مسؤوليتها الأخلاقية.

والحكمة حاضرة.

لكنها لا تتحول إلى خطاب وعظي.

وهذا التوازن الدقيق هو الذي يجعل النص يحقق ما يمكن تسميته شعرية المسؤولية.

فالشاعر لا يكتب ليعظ.

ولا يكتب ليزخرف اللغة.

بل يكتب لأنه يرى أن الشعر أحد أشكال بناء الوعي.

ومن هنا تتحول القصيدة إلى مشروع إنساني، لا إلى مجرد تجربة لغوية.

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى أبي تمام.

فكما جعل أبو تمام الشعر أداة للدفاع عن الحضارة العربية والإسلامية في مواجهة خصومها، يجعل مصطفى شعراوي الشعر وسيلة للدفاع عن الإنسان في مواجهة ضجيج العصر.

غير أن الفارق بين التجربتين يكمن في أن أبا تمام كان يواجه سيوفًا حقيقية، بينما يواجه مصطفى شعراوي فوضى القيم، وصخب الخطابات، وارتباك الضمير الإنساني.

ومن هنا تبدو قصيدة «صخب» امتدادًا للتراث، لكنها ليست نسخة منه.

إنها حوار مع الماضي، لا استنساخ له.

واستلهام لروحه، لا تكرار لألفاظه.

وبذلك يثبت الشاعر مصطفى شعراوي أن شعر الحكمة لا يزال قادرًا على التجدد، متى امتلك الشاعر وعيًا بالتراث، وجرأة على تجاوزه في آن معا.

استخلاصات

- أن شعر الحكمة... حين يستعيد التراث روحه في القصيدة المعاصرة فأن الشعر المعاصر يعيد تشكيل التراث نفسه برؤية جديدة تسهم في استلهام الأفكار بلغة العصر مع إعادة توليد أفكار جديدة بما يتلائم وطبيعة العصر.

- تكشف القراءة المتأنية لقصيدة «صخب» أن الدكتور مصطفى شعراوي لا يكتب قصيدة حكمة بالمعنى التقليدي الذي عرفه التراث العربي، وإنما يعيد بناء مفهوم الحكمة نفسه داخل أفق شعري حديث، تتجاور فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحساسية الجمالية المعاصرة، ويتحول فيه القول الشعري من مجرد وعاء للأفكار إلى فضاء لإنتاجها. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن فيما يصرح به من معانٍ أخلاقية، وإنما فيما يبنيه من شبكة دلالية تجعل الحكمة نتيجة للحركة التأويلية، لا نقطة بداية لها.

- ولعل أبرز ما يميز هذه القصيدة هو نجاحها في استثمار المرجعية التراثية دون الوقوع في أسرها؛ فالتناص مع أبي تمام لم يكن استدعاءً شكليًا لمطلع مشهور، وإنما كان حوارًا حضاريًا بين رؤيتين. لقد قال أبو تمام: السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ

- في لحظة كان فيها السيف عنوانًا للحسم التاريخي، بينما يقول مصطفى شعراوي:

-  الصمتُ أسمعُ أحيانًا من الخطبِ

- في زمن أصبحت فيه كثرة الخطابات كثيرًا ما تحجب جوهر الحقيقة. وهنا تتجلى قدرة الشاعر على تحويل المرجعية التراثية إلى بنية منتجة للمعنى، لا إلى شاهد ثقافي جامد، فينتقل النص من مرحلة الاقتباس إلى مرحلة الإبداع، ومن المحاكاة إلى إعادة التأسيس.

- ومن زاوية التحليل البنيوي، تتماسك القصيدة عبر نسق من الثنائيات المتقابلة: الصمت/الخطب، القلب/اللسان، الغرس/الحصاد، الصبر/النصر، الضمير/الجمع. غير أن هذه الثنائيات لا تؤسس صراعًا بين الأضداد بقدر ما تؤسس حركة جدلية تُفضي إلى تركيب أعلى، يجعل من كل ضد طريقًا لفهم الآخر. وهنا تتجلى براعة الشاعر في بناء ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الدلالة؛ إذ لا توجد مفردة في النص تؤدي وظيفة واحدة، بل تتحول كل علامة إلى مركز إشعاع دلالي، يتسع بتعدد القراءات.

- أما من منظور السيميائيات، فإن القصيدة تشتغل على مبدأ العلامة المتحركة؛ فالعنوان «صخب» لا يظل ثابتًا عند معناه المعجمي، وإنما يكتسب معناه الحقيقي عبر تطور النص. فالصخب الذي يبدو في البداية ضجيجًا صوتيًا، يتحول في النهاية إلى صخب الحقيقة حين تنتصر، وصخب الضمير حين يستيقظ، وصخب الوعي حين يواجه زيف العالم. وهكذا تتحول العلامة من مستوى الإحالة المباشرة إلى مستوى الرمز، فتغدو جزءًا من البنية الفلسفية للنص.

- كما نجح الشاعر في توظيف الصورة الشعرية بوصفها أداةً معرفية، لا عنصرًا زخرفيًا. فالزرع والحصاد، والصمت والخطب، والصبر والنصر، كلها صور تنتمي إلى الحياة اليومية، لكنها تتجاوز واقعيتها لتؤسس قوانين وجودية عامة، تجعل القصيدة أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الوصف العابر. وهذا ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود المناسبة، ويجعله صالحًا للتلقي في كل زمان.

- ومن جهة جماليات التلقي والاستقبال، استطاع النص أن يحافظ على انفتاحه التأويلي؛ إذ ترك للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في بناء المعنى. فلا الضمير محدد بمرجع واحد، ولا النصر مقصور على دلالة بعينها، ولا الصمت يعني السكوت المطلق، بل تظل هذه العلامات قابلة لإعادة الإنتاج داخل خبرة كل قارئ، وهو ما يحقق ما ذهب إليه منظرو التلقي من أن النص الأدبي الحقيقي لا يكتمل إلا بفاعلية المتلقي.

- ولئن كانت قصائد الحكمة القديمة تعتمد في كثير من الأحيان على التقرير والمباشرة، فإن مصطفى شعراوي ينجح في الإفلات من هذا المأزق؛ إذ يذيب الحكمة في نسيج الصورة والإيقاع، فلا يشعر القارئ أنه أمام خطاب وعظي، بل أمام تجربة شعرية تنبض بالحياة. ومن هنا فإن القصيدة تحقق معادلة صعبة بين الفكر والشعر، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يتكاملان في بناء رؤية جمالية متماسكة.

- ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الشاعر، وهو يكتب هذه القصيدة، يثبت أن الحكمة ليست لونًا شعريًا انتهى بانتهاء عصور الازدهار الكلاسيكي، وإنما هي طاقة متجددة قادرة على التكيف مع أسئلة الإنسان المعاصر. فالحكمة هنا ليست خلاصات محفوظة، وإنما وعي متحرك، يتشكل عبر التجربة، ويتجدد مع كل قراءة، ويؤكد أن الشعر لا يزال قادرًا على أن يكون ضميرًا للجمال، وصوتًا للعقل، ومجالًا لإعادة بناء الإنسان.

- ومن ثم، فإن قصيدة «صخب» تمثل نموذجًا لقصيدة الحكمة الحديثة التي استطاعت أن تستثمر التراث دون أن تستنسخه، وأن تنفتح على المناهج النقدية الحديثة دون أن تفقد أصالتها، وأن تجعل من اللغة الشعرية فضاءً للتأمل الفلسفي، ومن الصورة البلاغية أداةً لإنتاج المعرفة، ومن الإيقاع الداخلي نبضًا للرؤية، لا مجرد انتظام موسيقي.

- وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الدكتور مصطفى شعراوي قد قدّم نصًا يرسخ حضوره في سياق الشعر العربي المعاصر، لأنه أدرك أن الحكمة لا تُستعار من الماضي، بل تُخلق من قدرة الشاعر على الإصغاء إلى أسئلة عصره، وأن التراث لا يبقى حيًا إلا إذا تحول إلى قوة خلاقة داخل النص الجديد. وهكذا تغدو «صخب» قصيدةً تؤكد أن الشعر، مهما تغيرت الأزمنة، سيظل قادرًا على أن يكون بيت الحكمة، ومرآة الوعي، ولسان الضمير الإنساني.

شكرا جزيلا للشاعر الراسخ الدكتور مصطفى شعراوي على هذه القصيدة الماتعة المائزة الفريدة

تقديري الدائم

***

د. سيد فاروق

...................

صَخَبْ

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

*

فَصُنْ لِسَانَكَ لا تُغْرِيهِ مَسْأَلَةٌ

وَدَعْ لِقَلْبِكَ ما يَرْقَاهُ مِنْ رُتَبِ

*

إذا رَأَيْتَ ضَمِيرَ الجَمْعِ مُتَّقِدًا

فَسَلْ ضَمِيرَكَ هلْ يَغْدُو بلا عَتَبِ

*

وَحَقِّقِ النَّصْرَ مِنْ أَزَلٍ بِحِكْمَتِهِ

فَحِكْمَةُ النَّصْرِ في رَدٍّ بلا غَضَبِ

*

وَزِنْ فِعَالَكَ لا تُوكِلْ بِهَا أَحَدًا

فَأَنْتَ وَحْدَكَ مَسْؤُولٌ عَنِ السَّبَبِ

*

أَرَاكَ تَغْرِسُ في أَرْضٍ لِتَحْصُدَهَا

حَانَ الحَصَادُ بلا خَوْفٍ ولا رَهَبِ

*

ولذَّةُ الصَّبْرِ في حِلْمٍ تُحَقِّقُهُ

بعدَ الصِّعابِ وما نَلقاهُ مِن نَصَبِ

*

غَدًا يَجِيءُ بِنَصْرٍ حَانَ مَوْعِدُهُ

ويَعْلَمُ الكَوْنُ كمْ في النَّصْرِ مِنْ صَخَبِ

***

أحجياتي

مصطفى شعراوي

أغسطس2026

يفتتح ميثم الخزرجي مجموعته القصصية بجملة تختصر مصير كل شخصياتها لاحقاً: "منذ أن طحِنَت مخيلته بذلك اليوم الذي اتسمت ملامحه بالخديعة" (ص 7). خديعة تطحن المخيلة لا تكسرها فحسب؛ وهذا الفارق يفسر لماذا لا تخرج شخصيات هذه المجموعة من محنتها بجرح يندمل، إنما تبقى معلّقة على عتبة لا تفضي إلى الداخل ولا تعيدها إلى الخارج. عتبة الموت في "غصة كونية"، عتبة القبر في "سادن المقبرة"، عتبة الوطن في "النزوح نحو الممكن"، عتبة الباب المغلق في "حكاية قرية". ففي كل قصة من هذه القصص يقف بطل الخزرجي على عتبة، ويظل هناك.

في "غصة كونية"، تلك العتبة حرفية: جماعة تؤمر بالجلوس على الأرض، وينهال عليها الرصاص "ظنًا منهم أننا قد متنا جميعاً" (ص 39). لكن أحدهم لم يمت "أفاق "برئة تتنفس لا تسأل" (ص 41)، وكأن النجاة نفسها كانت خطأً لم يصحَّح. وبعد أكثر من أسبوعين "أظهرت وسائل الإعلام مقاطع فيديوية تظهر فيها إعدامات المسلحين" (ص 41) لمن نجوا معه. بين الرصاصة الأولى وشاشة التلفاز فجوة زمنية كاملة يقفز فوقها النص بلا تفسير فكأن الأسبوعين لم يعاشا، وكأن الجسد الذي أفاق ظل معلقاً في لحظة الرصاص وحدها، بينما الزمن يمضي من دونه في الخارج.

هذا التعليق الزمني له نظير لغوي في "إعلان سمر" ففي مطلع القصة تقدَّم شخصية غارقة في حديث مقتضب، لكن الجملة التي تختصر مأساتها لا تظهر إلا حين تتكرر: "هم الآن بالنهر" (ص 67)، ثم مرة أخرى بعد صفحات: "هم الآن بالنهر، كما أقول لك هم الآن بالنهر" (ص 72). لا اسم يروى لمن هم في النهر ولا سبب ولا وقت محدد، الجملة نفسها هي الحدث وهي التعليق عليه معاً تكرارها ليس عجزاً عن قول المزيد، إنما دليل على أن قائلها لم يبارح تلك اللحظة قط. فمن يقف على عتبة لحظته الأولى لا يملك جملة ثانية.3088 maytham

وفي "حكاية قرية" كانت العتبة عتبة سلطة قبل أن تكون عتبة موت، فنجد محمد السلطان صحاب معمل البلاستك الذي ورثه عن أبيه الإقطاعي جابر السلطان ينشأ "عارياً من الرحمة، شديد المجابهة، معتداً في آرائه حد الوقاحة" (ص 89)، في مدينة يتذكر أهل قريتها المجاورة على بعد أربعة أو خمسة كيلومترات من المعمل "حكايات مأساوية بالغة الشطط" (ص 89) عن بطشه، تبلغ القصة ذروتها عند باب مغلق: فيدخل سلمان المعمل مهرولاً بعدما سمع صراخ استغاثة رقية، فيجد الباب "مغلقة من جهة الدخول" (ص 97)، ولا يفتحه إلا بقضيب حديد وجده مرمياً في إحدى الزوايا، يضرب به محمد السلطان حتى يرديه قتيلاً، فيما رقية تشاهد المشهد "تبكي وتتلوى ممزقة الثياب منهكة القوى" (ص 97). لكن السلطان قبل أن يفارق الحياة يطلق ما تبقى له من رصاص على سلمان فيرديه معه. عتبة الباب المغلق التي كان يجب أن تفصل الجاني عن الاستغاثة تتحول إلى مسرح موت مزدوج: لا أحد يعبرها ناجياً بالكامل، لا الجلاد ولا المنقذ.

سادن المقبرة في القصة التي تحمل اسمه لا يقتحم عليه بابه هو من يختار الوقوف عند عتبته. الرجل الذي ضاق به مكان الأحياء ينتقل بمحض إرادته إلى بيت للموتى، فيبرر اختياره بصوت الراوي: "فمن لم يجدوا لهم مكاناً يتسع لأحلامهم... عليهم أن يلتحقوا بركب الأموات" (ص 103). هنا تنقلب العتبة على نفسها: البيوت التي يفترض أنها للأحياء تطرد ساكنها، والمقبرة التي يفترض أنها للموتى تستقبله. سادن يحرس عتبة لا يريد أحد سواه أن يقف عليها، فيسكنها بدل أن يحرسها فقط.

في "تنقيب" العتبة عتبة الصمت والكلام معاً إذ يوصي أب ابنه: "كن كالأرض لا تبخ سراً لأي كان" (ص 119)، وصية تقول إن الكتمان فضيلة الأرض التي تحفظ ما دفن فيها. لكن الراوي نفسه لا يطيق هذه الوصية فيكتب صفحات كاملة عمّا أوصي بكتمانه ويعترف في السطر التالي: "ما زلت يا غافل أبحث عني كثيراً" (ص 119). فبين الصمت الذي يوصي به الأب والكلام الذي يمارسه الابن، وبين البحث عن الذات وعدم العثور عليها. لا الصمت يكتمل، ولا البحث ينتهي ويبقى الراوي على عتبة الاثنين معاً.

وفي "النزوح نحو الممكن" القصة التي تعير المجموعة عنوانها، العتبة هي الوطن ذاته. يفتتح الراوي بذاكرة طفولة تتلاشى: "قد تنحسر ذاكرتي من الاحتفاظ بتجليات اللعب الفتية التي احتوتها تلك الدرابين الوجلة في حينها" (ص 45)، ليصل في خاتمتها إلى مغادرة لا رجعة فيها: "انسللت من الباب الخلفي للوطن مودعاً صيحات عامل المقهى التي لم يبق منها سوى الرمق" (ص 52). بين الذاكرة المتلاشية والباب الخلفي، تدور القصة حول شخص يدعى حسان غيِّب على إثر جملة كتبها، لا يعرف الراوي "لمن كتبها تحديداً أو ما هو مبتغاها" (ص 52)، لكنه يصفها بأنها كانت جملة بيضاء جداً تكشف عن "دستور آخر للجمال" (ص 52) في وجه ظلام بات سخياً أكثر من اللازم. المغادرة من الباب الخلفي كانت عبوراً صامتاً لعتبة لا يلتفت إليها أحد سوى صيحات عامل مقهى يحتضر في الخلفية.

يجمع الخزرجي بين هذه العتبات الست خيطاً واحداً فلا أحد من شخصياته يعبر عتبته بالكامل. الناجي من الرصاص يفيق برئة فقط. وسادن المقبرة يسكن عتبة الموت طواعية بدل أن يتجاوزها. والأب والابن في "تنقيب" يتبادلان الوصية بالصمت والفشل في تطبيقها. وحين تفتح العتبة في "حكاية قرية"، بقضيب حديد لا بمفتاح، لا يخرج منها أحد حياً. حتى العتبة الأخيرة، عتبة الوطن في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، لا تفتح من الأمام ينسل منها الراوي من الخلف، في صمت، تاركاً وراءه صوتاً يخفت.

هذا ما تقوله المجموعة في مجملها عن النجاة: أنها لا تشبه عبور جسر من ضفة إلى أخرى إنما تصف وقوفاً طويلاً على عتبة لا تغلق تماماً ولا تفتح تماماً. من يقرأ هذه القصص السّت لا يجد بطلاً واحداً استعاد حياته كما كانت. يجد بدل ذلك رجالاً ونساء يقيمون على حافة أبوابهم، يسمعون ما وراءها ولا يعبرون، أو يعبرون فيتركون جزءاً منهم عند العتبة نفسها.

***

د. هبة قاسم

 

قراءة في "اللمبة الحمرا" لمنال أمين

في المشهد الأدبي الذي يتناول العلاقات الإنسانية، تظل لحظة تحوّل الاحتياج العاطفي المكبوت إلى سلوك اضطراري من أكثر اللحظات خصوبة بالدراما والتعقيد النفسي. فالعلاقة الزوجية لا تنهار دائمًا بسبب خيانة واضحة أو فقر مادي أو صراع معلن، بل قد تتآكل بصمت حين يغيب التقدير، وتبرد المشاعر، ويتحوّل القرب الجسدي إلى عزلة روحية خانقة.

تأتي قصة "اللمبة الحمرا" للكاتبة منال أمين لتقدم قراءة سيكولوجية نافذة للجفاف العاطفي داخل المؤسسة الزوجية. فهي لا تكتفي برصد الخلافات السطحية أو استعراض مظاهر الجفاء، بل تغوص في تلك اللحظة الفارقة التي يتحوّل فيها الظمأ الشديد للكلمة والحنان إلى حيلة بائسة، قبل أن ترتد تلك الحيلة على صاحبتها، فتصنع لها سجنًا أشد قسوة من القفص الأول.

ومن خلال بنية رمزية متماسكة، توظف الكاتبة الأشياء والمشاهد اليومية توظيفًا دلاليًا عميقًا؛ بدءًا من بريق الذهب، ومرورًا بالمرآة وشبح الأب والكافيه، وصولًا إلى وميض جهاز الرد الآلي. وبهذه الرموز تكشف القصة مأساة امرأة لم تكن تبحث عن خيانة أو نزوة عابرة، بقدر ما كانت تحاول إثبات وجودها الإنساني والأنثوي في عين زوج تحوّل حضوره معها إلى غياب كامل.

العنوان

يحمل عنوان القصة «اللمبة الحمرا» دلالة مركزية لا يمكن فصلها عن بنية النص ومعناه. فاللمبة الحمراء في مستواها الواقعي تشير إلى الضوء الذي يظهر في جهاز الرد الآلي معلنًا وجود رسالة مسجلة. غير أن النص يمنحها وظيفة رمزية أوسع؛ فهي ليست مجرد إشارة تقنية، بل إنذار نفسي واجتماعي داخل العلاقة الزوجية.

إن اللون الأحمر نفسه يحمل إيحاءات متعددة: الخطر، التوتر، الاشتعال، الغيرة، والإنذار. ومن هنا تتحول اللمبة الحمراء إلى علامة على دخول العلاقة مرحلة جديدة من الاضطراب. فقد كانت العلاقة قبلها واقعة تحت وطأة البرود والإهمال، لكنها بعد وميضها تدخل منطقة الشك والريبة.

هكذا يصبح العنوان شديد الذكاء؛ لأنه لا يكشف القصة مباشرة، لكنه يختزن جوهرها. اللمبة ليست ضوءًا صغيرًا في جهاز، بل شرارة رمزية تضيء خرابًا أكبر، وتكشف أن محاولة البطلة استدعاء الحب عبر الغيرة ستتحول إلى بداية انهيار الثقة.

البناء الدرامي

تعتمد القصة على تصعيد درامي هادئ لكنه مؤثر. تبدأ من حالة نفسية داخلية: امرأة تعاني الجفاف العاطفي. ثم تنتقل إلى استرجاع بداية العلاقة، حيث كان الزوج يبدو مختلفًا. بعد ذلك يأتي مشهد المرآة وشبح الأب بوصفه لحظة مواجهة داخلية. ثم تخرج البطلة إلى الشارع والكافيه، فتحدث الشرارة النفسية التي تدفعها إلى التفكير في إثارة غيرة الزوج.

بعد ذلك تتطور الأحداث من موقف عابر إلى خطة متعمدة، ثم إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. وهذه البنية تمنح القصة قوتها؛ لأن الكارثة لا تأتي فجأة، بل تنمو تدريجيًا من احتياج بسيط إلى سلوك خاطئ، ثم إلى مأزق نفسي واجتماعي.

والقصة لا تحتاج إلى نهاية صادمة أو حدث مأساوي صريح؛ فالنهاية المفتوحة كافية لإحداث الأثر. القارئ يدرك أن البطلة دخلت نفقًا لا تعرف الخروج منه، وأن العلاقة لم تعد كما كانت حتى لو توقفت الرسائل.

البعد النفسي للشخصية

البطلة في القصة شخصية مأزومة، لكنها ليست فاقدة للوعي الأخلاقي. فهي تدرك خطورة فرحها بنظرة الرجل الغريب، وتوبخ نفسها. كما أنها لا تسعى إلى علاقة خارج الزواج، بل تبحث عن استعادة زوجها. غير أنها، تحت ضغط الإهمال والجرح، تلجأ إلى وسيلة خاطئة.

وهذا يجعل الشخصية إنسانية ومعقدة. فهي ليست ملاكًا كاملًا، وليست مذنبة بالمعنى الأخلاقي الحاد. إنها امرأة ضعيفة أمام احتياجها، وقوية بما يكفي لتشعر بجرحها، لكنها لا تمتلك الوعي الكافي لاختيار طريق صحي للخروج من الأزمة.

أما الزوج، فيظهر بوصفه نموذجًا للرجل الذي يخلط بين توفير المادة وتحقيق السعادة. فهو يظن، أو يتصرف كما لو كان يظن، أن الرفاهية تكفي. لكنه يفشل في إدراك أن المرأة التي تعيش معه تحتاج إلى كلمة ونظرة وحضور وجداني، لا إلى بيت ممتلئ بالأشياء فقط.

الصراع النفسي بين الرفاهية والجوع العاطفي

تبدأ القصة من مفارقة موجعة: البطلة تعيش حياة مادية مريحة، لكنها تعاني فقرًا عاطفيًا قاسيًا. لم تكن بحاجة إلى مظاهر الثراء التي قدمها لها زوجها، بل كانت بحاجة إلى رجل يشعر بها، يسمع نبضها، ويعيد إليها إحساسها بأنوثتها.

تقول القصة إنها لم تكن تريد إلا رجلًا يعزف "سيمفونيتها"، ويعلّم قلبها معنى الحنين. هذه العبارة لا تقدم احتياجًا جسديًا مباشرًا بقدر ما تكشف حاجتها إلى التناغم الروحي والعاطفي. فالمرأة هنا لا تبحث عن رفاهية خارجية، بل عن اعتراف داخلي بوجودها.

ومن أقوى الصور التي تعبر عن هذا الصراع قول النص إن قلبها وُضع في "زنزانة مؤصدة بمفاتيح من ذهب". في هذه الصورة تتجاور مفردتان متناقضتان: الزنزانة بما تحمله من قيد وسلب للحرية، والذهب بما يحمله من ثراء وبريق. والنتيجة أن القصة تكشف زيف الاكتمال الخارجي إذا خلا من الدفء الإنساني.

فالزوج الحاضر ماديًا غائب وجدانيًا. وقد استطاع في البداية أن يجذبها بوسامته وكرمه وسيارته الفارهة وموقفه النبيل حين تكفل بعلاج أخيها. لكنه بعد الزواج تحوّل إلى رجل بارد لا يراها إلا كجزء من أثاث البيت. ومن هنا تتولد مأساة البطلة: لقد دخلت بيتًا يبدو من الخارج مكتملًا، لكنها اكتشفت في داخله وحدة قاسية.

البطلة بين الربيع والخريف

تستخدم الكاتبة صورة بالغة الدلالة حين تقول إن البطلة وضعت حياتها على أبواب الخريف وهي ما زالت "بنت الربيع". وتكشف هذه الثنائية عن عمق الانكسار النفسي الذي تعيشه الشخصية.

فالربيع يرمز إلى الشباب، الحيوية، الأنوثة، التفتح، والرغبة في الحب. أما الخريف فيرمز إلى الذبول، البرود، الانطفاء، وفقدان البهجة. وهنا لا يتعلق الأمر بعمر البطلة الجسدي، بل بعمرها النفسي. فهي لا تزال شابة، لكنها تشعر بأن روحها قد دخلت مرحلة الذبول المبكر بسبب الإهمال.

وهذا يعني أن القصة لا تقدم امرأة ضعيفة أو سطحية، بل شخصية مجروحة من الداخل. إنها امرأة لم تفقد أنوثتها حقيقة، لكنها فقدت الشعور بها في عيني زوجها. وهذا ما يجعل نظرة الرجل الغريب في الكافيه مؤثرة جدًا؛ لأنها تعيد إليها، ولو للحظة، إحساسًا كان ينبغي أن تجده في بيتها.

المرآة وشبح الأب: مواجهة الذات والضمير

من أكثر المشاهد رمزية في القصة مشهد وقوف البطلة أمام المرآة ورؤيتها شبح أبيها المتوفى. فالمرآة في هذا السياق ليست أداة زينة أو انعكاس خارجي، بل تتحول إلى مساحة مواجهة داخلية. البطلة لا ترى وجهها المتعب فقط، بل ترى ما وراء الوجه: الندم، الخوف، الذنب، والإحساس بأنها أخطأت الاختيار.

أما شبح الأب، فيحمل دلالات متعددة. فهو أولًا رمز للضمير الداخلي، ذلك الصوت الصامت الذي يلومها على ما آلت إليه حياتها. كما أنه رمز للحماية المفقودة؛ فالأب في الوعي الإنساني كثيرًا ما يرتبط بالسند والأمان والحكمة. وظهوره بعد موته يعكس رغبة البطلة اللاواعية في استعادة هذا السند بعد أن وجدت نفسها وحيدة داخل زواجها.

نظرة الأب الحزينة والغاضبة توحي بأنها لا تشعر فقط بأنها ضحية، بل تشعر أيضًا بأنها شاركت في صنع قفصها حين اختارت هذا الرجل. وهذا يعمق البعد التراجيدي في النص؛ فالبطلة ليست محاصرة من الخارج فقط، بل محاصرة أيضًا بشعور داخلي بالندم.

واختفاء صورة الأب مع بزوغ الفجر يحمل دلالة لافتة. فالفجر عادة رمز للنور والبداية، لكنه هنا لا يحقق خلاصًا حقيقيًا. إنه يبدد الشبح، لكنه لا يبدد الأزمة. وهكذا تبقى البطلة وحدها أمام واقعها، بعد أن انطفأت لحظة المواجهة العابرة.

خامسًا: البيت بوصفه فضاءً للغربة

البيت في القصة لا يظهر بكونه مكانًا للسكينة والدفء، بل يتحول إلى فضاء للغربة النفسية. ففيه تشعر البطلة بأنها أشبه بتحفة من التحف التي تملأ المكان. وهذه الصورة شديدة القسوة؛ لأنها تنزع عنها إنسانيتها وتحولها إلى شيء جميل لكنه صامت ومهمل.

فالزوج يدخل الغرفة، يبدل ملابسه، ويتحدث في الهاتف دون أن يلتفت إليها. وجودها لا يثير انتباهه، وصمتها لا يقلقه، وحزنها لا يستفزه. وبهذا يتحول البيت إلى مسرح للغياب، لا للحضور.

إن الغربة هنا ليست غربة مكانية، بل غربة داخل العلاقة. فهي تعيش مع رجلها في المكان نفسه، لكنها لا تشعر أنه يشاركها حياتها. ومن هنا تأتي رغبتها في الخروج من البيت، لا باعتباره خروجًا جسديًا فقط، بل لتأكيد محاولة للتنفس والنجاة من اختناق داخلي

الكافيه والرجل الغريب

حين تخرج البطلة من بيتها وتسير في الطرقات بلا هدف، فإنها لا تبحث عن مكان معين، بل تبحث عن نفسها. دخولها الكافيه يمثل انتقالًا من فضاء الإهمال إلى فضاء خارجي قد يمنحها شعورًا عابرًا بالوجود.

لقاؤها بالرجل الغريب ليس محورًا عاطفيًا بالمعنى التقليدي، ولا يمكن قراءته كبديل تعويضي للعلاقة. فهو مجرد حادث عابر، لكنه يترك أثرًا عميقًا في نفسها. والسبب أن نظرة الإعجاب التي شعرت بها منه جاءت في لحظة كانت فيها في أمسّ الحاجة إلى أن يراها أحد.

وهنا تكشف القصة هشاشة النفس حين تُحرم طويلًا من التقدير. فنظرة عابرة من غريب تصبح قادرة على ترميم جزء من ثقتها بنفسها. غير أن البطلة لا تستسلم لهذا الشعور دون وعي أخلاقي؛ فهي سرعان ما توبخ نفسها لأنها فرحت بنظرة رجل آخر غير زوجها. وهذا التوبيخ يكشف أن أزمتها ليست أزمة رغبة في الخيانة، بل أزمة حرمان من الاعتراف.

الرجل الغريب إذن ليس شخصية مؤثرة بذاته، بل رمز لوظيفة نفسية: إنه المرآة الخارجية التي أعادت للبطلة صورتها المنسية كامرأة مرغوبة.

السخرية

بعد عودة البطلة إلى المنزل، تحاول أن تستفز اهتمام زوجها بشكل غير مباشر، فتحكي له عن موقف الكافيه، وتبالغ في وصف إعجاب الرجل بها. كانت تتوقع أن يثور أو يغار أو يشعر بأنها ما زالت مرغوبة. لكنها تتلقى ردًا قاسيًا حين يسخر منها ويقول لها:

"يبدو أنك بدأت سن اليأس مبكرًأ"

هذه الجملة تمثل لحظة كسر حقيقية في النص. فالزوج لا يكتفي بإهمالها، بل يطعن أنوثتها مباشرة. إنه لا يرى في حديثها صرخة ألم، بل مادة للسخرية. ولا يتعامل مع احتياجها بكونه نداءً وجدانيًا، بل باعتباره تفاهة تستحق الاستهزاء.

تمثل هذه السخرية نوعًا من العنف الرمزي؛ فهي لا تترك أثرًا جسديًا، لكنها تجرح الهوية الأنثوية والنفسية للبطلة. وقد شبّه النص أثرها بالماء الساخن الذي سُكب فوق رأسها، في صورة تعبر عن الاشتعال الداخلي الذي سببته هذه الكلمة.

ومن هذه اللحظة تنتقل البطلة من محاولة لفت الانتباه بالكلام إلى محاولة أكثر خطورة: صناعة الغيرة عبر الوهم.

جهاز الرد الآلي والصوت المصطنع

يحتل جهاز الرد الآلي مكانة رمزية مهمة في القصة. فهو في الظاهر وسيلة اتصال، لكنه في العمق يكشف فشل الاتصال الحقيقي بين الزوجين. فحين يعجز الحوار المباشر عن أداء دوره، تلجأ البطلة إلى صوت مزيف.

تسجل البطلة رسالة بصوت رجل يقول كلمات حب وغزل، ثم تترك اللمبة الحمراء تومض كي ينتبه الزوج. إنها تصنع مشهدًا كاملًا لاختبار غيرته، وكأنها تكتب سيناريو صغيرًا داخل حياتها الواقعية.

واللافت أن هذا الصوت المجهول ليس مجرد خدعة، بل تعبير مكثف عن حاجتها المكبوتة. فهو يقول ما كانت تتمنى أن تسمعه من زوجها، ويحرّك فيه ما كانت تتمنى أن تراه في عينيه: الخوف عليها، الغيرة، الاهتمام، الاعتراف بأنها لا تزال مرغوبة.

إلا أن القصة تكشف خطورة هذا المسار. فحين يصبح الحب مصنوعًا، وحين تُستدعى الغيرة بالخداع، فإن النتيجة لا تكون استعادة الحميمية، بل إنتاج الشك.

الغيرة بين الدليل على الحب وبذرة الشك

تفرح البطلة في البداية برد فعل زوجها. فهو ينزعج، يسأل، يبقى في المنزل، ولا يخرج مع أصدقائه كالعادة. تظن أنها نجحت في استعادته. لكنها لا تدرك أن ما استعادته ليس الحبيب، بل الرقيب.

هنا تقدم القصة تمييزًا بالغ الأهمية بين الغيرة باعتبارها شعورًا عابرًا قد يدل على الاهتمام، والشك بتمثيله البنية النفسية المدمرة. فالغيرة التي أرادتها البطلة لم تبق في حدود العاطفة، بل تحولت إلى جدار يفصل بينها وبين زوجها.

لقد بدت الحيلة ناجحة في البداية، لكنها كانت نجاحًا وهميًا. فكل رسالة جديدة كانت تضيف لبنة في جدار الشك، حتى أصبحت البطلة سجينة الحيلة التي صنعتها بيديها. كانت تريد أن تهرب من قسوة الإهمال، فإذا بها تقع في قسوة المراقبة.

ومن هنا تتجلى مأساة الشخصية: لقد أرادت زوجًا يشعر بها، فصنعت زوجًا يشك فيه

اللغة والصورة الفنية

تتميز لغة القصة بكثافة عاطفية واضحة، وتميل إلى التعبير المجازي والصور الحسية. فالكاتبة لا تصف الألم وصفًا مباشرًا فقط، بل تمنحه صورًا ملموسة: قلب مجمد، أضلاع كجمر المواقد، دموع كالندى المالح، زنزانة بمفاتيح من ذهب، حياة على أبواب الخريف.

هذه الصور تجعل الحالة النفسية محسوسة للقارئ. فبدل أن تقول إن البطلة حزينة أو مهملة، تجعلنا نرى الحزن في جسدها، في وجهها، في حركتها، في صمتها، وفي علاقتها بالأشياء حولها.

كما أن اللغة تكشف التناقض بين الداخل والخارج؛ الخارج فخم ومضيء، أما الداخل فبارد ومعتم. ومن هذا التناقض تنشأ شاعرية النص ومرارته.

البعد النفسي للشخصية

البطلة في القصة شخصية مأزومة، لكنها ليست فاقدة للوعي الأخلاقي. فهي تدرك خطورة فرحها بنظرة الرجل الغريب، وتوبخ نفسها. كما أنها لا تسعى إلى علاقة خارج الزواج، بل تبحث عن استعادة زوجها. غير أنها، تحت ضغط الإهمال والجرح، تلجأ إلى وسيلة خاطئة.

وهذا يجعل الشخصية إنسانية ومعقدة. فهي ليست ملاكًا كاملًا، وليست مذنبة بالمعنى الأخلاقي الحاد. إنها امرأة ضعيفة أمام احتياجها، وقوية بما يكفي لتشعر بجرحها، لكنها لا تمتلك الوعي الكافي لاختيار طريق صحي للخروج من الأزمة.

أما الزوج، فيظهر بوصفه نموذجًا للرجل الذي يخلط بين توفير المادة وتحقيق السعادة. فهو يظن، أو يتصرف كما لو كان يظن، أن الرفاهية تكفي. لكنه يفشل في إدراك أن المرأة التي تعيش معه تحتاج إلى كلمة ونظرة وحضور وجداني، لا إلى بيت ممتلئ بالأشياء فقط.

فضلا عن ذلك لا تقدم القصة موعظة مباشرة، لكنها تحمل رسالة واضحة عن خطورة الإهمال العاطفي داخل العلاقة الزوجية. فالإهمال لا يترك الطرف الآخر ساكنًا دائمًا، بل قد يدفعه إلى سلوكيات مرتبكة، لا لأنها تعبر عن فساد داخلي، بل لأنها صرخة مشوهة خرجت من ألم طويل.

كما تؤكد القصة أن الغيرة المصنوعة ليست حبًا، وأن الشك لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاهتمام. فالعلاقات التي تفتقر إلى الحوار الصادق تتحول إلى مسرح للتأويلات، وحين يغيب الأمان يصبح كل صوت وكل إشارة وكل وميض قابلًا لأن يوقظ الريبة.

القصة أيضًا تنتقد فكرة الاكتفاء بالمظاهر. فليست الحياة الزوجية بيتًا فخمًا وسيارة غالية ونفقات مدفوعة، بل علاقة تقوم على الإصغاء والاحترام والتقدير. وحين يغيب هذا المعنى، يتحول الترف إلى قيد، والبيت إلى زنزانة، واللمبة الصغيرة إلى إنذار خراب.

تتجلى قيمة قصة "اللمبة الحمرا" في كونها تتجاوز النمطية الشائعة في القصص الأسرية، لتتحول إلى مرثية نقدية عن خطر الإهمال المتراكم والعنف الرمزي داخل العلاقات الزوجية. فالمأساة لا تنبع من شح الموارد أو ضيق العيش، بل من امتلاك كفاية المادة مع فقر الروح؛ حيث يتحول البيت الفاره إلى زنزانة بمفاتيح من ذهب، وتغدو الأنوثة معطلة في ربيع العمر.

لقد لجأت البطلة إلى صناعة الشك عبر اللمبة الحمراء لا لأنها كانت تبحث عن خيانة، بل لأنها كانت تصرخ طلبًا للاهتمام. غير أن صرختها خرجت مشوهة، فلم تصل إلى الزوج كنداء حب، بل وصلت إليه باعتبارها دليلًا على خيانة محتملة. وهكذا انتقلت من جحيم التجاهل إلى جحيم الريبة، ومن زوج مستخف لا يراها إلى سجّان يراقبها.

وتبقى النهاية المفتوحة للقصة محملة بالحسرة؛ فهي لا تقدم خلاصًا سريعًا، بل تترك البطلة في نفق نفسي صنعته بيديها تحت ضغط الجوع العاطفي. ومن هنا تؤكد القصة أن الحب لا يُستجدى بالحيل، وأن الغيرة لا تصلح بديلًا عن الحنان، وأن البيوت التي لا تُبنى على التقدير والحوار الصادق قد تشتعل فيها شرارات الشك من أول وميض أحمر.

إنها قصة عن امرأة لم تطلب أكثر من أن تُرى، لكنها حين اختارت الطريق الخطأ، وجدت نفسها محاصرة بين إهمال قديم وشك جديد. ولهذا تظل «اللمبة الحمرا» نصًا إنسانيًا مؤثرًا عن هشاشة الروح حين تُترك طويلًا بلا دفء، وعن الخطر الكامن في العلاقات التي تبدو كاملة من الخارج، بينما تتآكل من الداخل في صمت.

***

د. نجلاء نصير

...................

اللمبة الحمرا

لم تكن بحاجةٍ إلى كلِّ مظاهرِ الحياةِ المترفةِ التي قدمها لها، كانت تريد فقط رجلًا يعزف "سيمفونيتها"، ويعلّم جوادَ أنوثتها كيف يحلق في السماء، ويعلم دقات قلبها كيف يكون الحنين، تغلق عينيها، وتشعر أنها امتلكت الدنيا بين ذراعيه. تتوضأ من نور عينيه ولهًا وعشقًا، تتراقص على كتفيه جدائلها الغجرية. تسمع كثيرًا عن الحب الجميل، تتساءل: هل الحب يملأ حنايا الوجود، ويرسم خارطة الروح؟! هل الحب يغزو العقل أم القلب؟! لطالما حلمت أن تعيش قصص الحب، لكنها شعرت بقهر الروح.. كيف تهرب من بين القضبان التي صنعتها يداها بقبولها هذا الرجل الذي سلمت له قلبها فوضعه في زنزانةٍ مؤصدةٍ بمفاتيحَ من ذهب؟! فتحت عينيها وهي تقبض بيديها على وسادتها التي بجوارها على السرير تزفر بحسرةٍ وألم، تتلمس بيدها قلبها.. شعرت أنها فقدت دقاته التي جمدتها برودة مشاعره، رغم تأجج أضلاعها كجمر المواقد تريد أن تخرج من صمت الاشتياق. كان الفجر على أعتاب المجيء، أخذت تتمنى أن يأتي بنور جديدٍ يضيء حياتها.. حياتها التي وضعتها على أبواب الخريف وهي ما زالت بنت الربيع. نظرت إلى الساعة؛ فقد مرت ساعتان منذ أغمضت عينيها، ولكنها شعرت أنهما دهرٌ من الزمن منذ أن تشاجرا وتركها وخرج. أسندت رأسها على ظهر السرير، تذكرت بدايةَ معرفتهما، كانت كالوردة اليانعة في حديقة منزل والديها، وفتاةَ أحلامِ شبابِ الحي، لكنه جذبها بوسامته ولسانه الحلو، وسيارته الغالية التي كانت سببًا في بدء العلاقة بينهما؛ حيث صدمت أخاها الصغيرَ وقام هو بدفع مصاريفِ العلاج في المشفى، واعتذر بكل أدب عمّا حدث؛ عندها استطاع أن يمتلك قلبها، لم تكن تعلم أنه سيكون سببًا في كسره أيضًا. نهضت من سريرها، وجلست أمام المرآةِ تتفحص قسمات وجهها المتعب؛ فانتفضت في رعب حين رأت شبحَ أبيها المتوفى في المرآةِ ينظر إليها بحزن وغضب، وكأنه يلومها على اختيارها. اِنبثق الفجر وبدأ النور يعم أركان الغرفةِ؛ فتلاشت صورةُ والدها، وكأن رؤيته محرمةٌ عليها حتى في الخيال. ما زالت متسمرة أمام المرآةِ، ودموعها تتساقط كالندى المالحِ على شفتيها الجافتين المتعطشتين للحب والحنان، شعرت بمجيئه إلى المنزل؛ فقفزت مسرعةً إلى السرير، أغمضت عينيها، دخل الغرفةَ وبدَّل ملابسه، وهو يتحدث بالهاتف دون أن يلتفت إليها، كأنما ليس لها وجود في الغرفةِ، لم ينطق بكلمةٍ واحدة، تسارعت دقات قلبها؛ تريد أن تصرخ في وجهه؛ كي يشعر بها شعرت بأنفاسها وقد توقفت  كما توقف كل شيء في حياتها، يقتلها إحساسها أنها صارت مثل إحدى التحف التي تملأ البيت. انتفضت من السرير، وبدَّلت ملابسها، وخرجت مسرعةً تريد أن تتنفس، أن تتحرر، لا تريد شيئًا غيرَ أن تشعر أنها أنثى. تركت سيارتها، وظلت تسير في الطرقات بلا هدف حتى تعبت قدماها، ودخلت (كافيه) لتشرب فنجانًا من القهوةِ.. كان المحل مزدحمًا، وجدت في الركن منضدة فارغة، ولكن يوجد على إحدى مقاعدها (لاب توب). جلست على المقعد المقابل، فتحت (الموبايل) وأخذت تنظر إلى صورها مع زوجها في شهر العسل، كيف كان رقيقًا ودودًا، وتتساءل: ما الذي حدث ليتغير؟! شعرت بأحدٍ يجلس أمامها، وعلى قدميه حقيبة الـ(لاب توب) عقدت جبينها منزعجةً، وسألته: - من أنت؟ وكيف تجلس دون استئذانٍ؟! ضحك الرجل وعرَّفها إلى نفسه، إنه هو صاحب الـ (لاب توب)، وكان يجلس قبلها في المكان. نهضت بعصبيةٍ، سقط (موبايلها) على الأرض؛ فانحنى ومد يده وأخذه، سحبته من يده بغضبٍ، واتجهت نحو الباب دون أن تنطق بكلمةٍ، لفت انتباهَهُ تصرفُها، لكنه وجد نفسه يسير خلفها. رأته وهي تعبر الشارع ينظر إليها عن بعدٍ؛ انتابها شعورٌ مزدوجٌ: الأول: مضايقتها من هذا الرجل الذي يظهر فجأةً، ويريد أن يراقبها. والآخرُ: أنها رأت في عينيه نظرةَ إعجاب. كم كانت تحتاج هذا الشعورَ الذي غاب عنها من فترةٍ طويلةٍ! عادت إلى منزلها وهي سعيدةٌ بهذا اللقاء الذي دام دقائقَ، ولكنه فَرَقَ معها، فقد أشعرها أنها ما زالت أنثى مرغوبة، وقد أعاد لها ثقتَها بنفسها، لكنها سُرعانَ ما وبخت نفسها.. كيف تفرح بنظراتِ رجلٍ آخرَ غيرِ زوجها؟! اِنتابتها فكرة توقعت أنها ستعيد إليها زوجها، وهي محاولةُ إثارةِ غيرتِهِ عليها.. اِتجهت نحو هاتف المنزل، وبه (أنسر ماشين) سجلت عليه رسالةً واردةً، غيرت من صوتها.. كرجل يقول بعض كلام الحب، والمغازلةِ، دخلت غرفتها، وانتظرت زوجها حتى تستكمل (السيناريو)، وضعت بعض المساحيق على وجهها، وصففت شعرها، وعندما جاء الزوج وجدها آيةً من الجمال، وابتسامتها تشع نورا، ابتسم وتحدث عن جمالها وتغير حالها عن الصباح وتساءل ما سبب التغيير هذا. ابتسمت وتنفست بكل ثقة ودلال قائلة إنها أرادت أن تغير مزاجها السيئ وخرجت تشتم الهواء المنعش في الصباح، وقد صادفها موقف لطيف. استدار لها زوجها بعد أن كان مشغولًا (بالموبايل) وتساءل في اندهاش ما هو هذا الموقف اللطيف. تبسمت ثم حكت موقفها مع الرجل في (الكافيه) وأخذت تزيد من الكلام وأنه ظل يسير خلفها ويسمعها كلمات لطيفة ويعاكسها ويطري على جمالها ورشاقتها و..... قاطعها زوجها بضحكة عالية بسخرية وظل يقلل من حديثها، وأنها تافهة هي والرجل الذي تحكي عنه، وهمس في أذنها: - يبدو أنك بدأت سن اليأس مبكرا. وتركها.. وكأنه سكب الماء الساخن فوق رأسها ليشتعل قلبها وروحها غضبًا لسخريته منها. وصلها إحساس قاتلٌ وهو عدم الاهتمام بها.. تُرى ماذا تفعل لتثير اهتمامه؟! جلسا لتناول الغداء، ثم وجد اللمبة الحمراء في (الأنسر ماشين) تضيء وتنطفئ، علم أن هناك رسالةً في (التليفون)، فتحها، سمع صوتًا يهمس: - أحبك يا جميلة.. متى نتقابل؟ أشتاق إليك جدًّا. انزعج لما سمعه، نادى عليها وسألها: - ما هذه الرسالة؟ أسعدتها غيرتُهُ عليها، حاولت أن تمثل الارتباك وأنكرت معرفتها بهذه الرسالة. ظل في المنزل ولم يخرج مع أصدقائه كالعادة؛ شعرت بأنها استعادت زوجها. توالت الأيام وهي تسجل هذه الرسائل، ويسمعها زوجها، واستمر جدار الشك بينهما يعلو كل يوم ليسجنها خلفه.. كل ما أرادته حبيبا يشعر بها وليس سجانا، لم تكن تعلم أنها زرعت بذور الشك في قلبه وأدخلت نفسها نفقا لا تعرف كيف الخروج منه.

***

للكاتبة منال أمين

 

مقاربة بلاغية وأسلوبية وسيميائية وذرائعية ونفسية في قصيدة «هندسة الانكسار» للشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عوّاد

ينتمي الشعر العربي المعاصر إلى مرحلة تجاوز فيها الوظيفة الإنشادية المباشرة، ليغدو فضاءً فلسفياً يعيد مساءلة الوجود والذات والهوية. ولم يعد النص الشعري مجرد بناء لغوي، بل أصبح بنيةً معرفيةً تُنتج أسئلتها بقدر ما تنتج صورها، وتستثمر الانزياح والرمز والإيحاء لبناء خطاب يتجاوز حدود القول إلى أفق التأويل.

وتندرج قصيدة «هندسة الانكسار» للشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عوّاد ضمن هذا النسق الشعري التأملي؛ فهي لا تتناول الانكسار بوصفه هزيمة، وإنما تعيد هندسته ليغدو طاقةً لإعادة تشكيل الذات. ومن هنا تتحول القصيدة إلى خطاب وجودي يرى أن الإنسان لا يولد كاملاً، وإنما يكتمل عبر تشققات التجربة وآلامها.

مكانة الشاعرة ماتيلدا عوّاد:

تُعدّ ماتيلدا عوّاد من الأصوات الفلسطينية التي تميل إلى القصيدة التأملية القائمة على الاقتصاد اللغوي وكثافة الدلالة. وهي لا تعتمد الخطابة أو المباشرة، بل تؤسس نصوصها على المفارقة الفكرية والصورة الفلسفية، فتغدو اللغة عندها وسيلةً لاكتشاف الإنسان أكثر من كونها أداةً لوصف الواقع.

وفي هذه القصيدة يتراجع الحدث الخارجي ليبرز الحدث الداخلي؛ إذ تتحول التجربة النفسية إلى موضوع شعري قائم بذاته، وهو اتجاه ينسجم مع كثير من تجارب الحداثة الشعرية العربية.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بعنوانها:

يحمل عنوان «هندسة الانكسار» مفارقة سيميائية لافتة؛ فالهندسة تحيل إلى النظام والبناء والدقة، بينما يدل الانكسار على التشظي والانهيار. ومن اجتماع الضدين تتولد الفكرة المركزية للنص: الانكسار ليس نهاية البناء، بل بدايته.

فالعنوان ليس تسمية خارجية، وإنما مفتاح تأويلي يسبق النص، ويؤسس منذ اللحظة الأولى لرؤية ترى أن الإنسان يعيد تصميم ذاته بواسطة ما ظنه سبب سقوطه.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة:

تتميز القصيدة بلغة سليمة، خالية من التعقيد، تقوم على الجمل القصيرة المكثفة، مثل:

«لا تكتمل الذات إلا حين تتصدع.»

فالجملة خبرية، لكنها تؤدي وظيفة الحكمة، وتختزل رؤية النص كلها.

ولعل الملاحظة اللغوية الوحيدة تتمثل في قولها:

«ليس مجرد غياب»

والأفصح: «ليس مجردَ غيابٍ» بتنوين المضاف إليه.

وكذلك خاتمة النص:

«وأطول ظلا»

والأدق إملائياً: «وأطولَ ظلًّا».

عدا ذلك، فاللغة متماسكة، محافظة على نسقها التأملي.

بنية الأسلوب:

يقوم الأسلوب على المفارقة الفكرية أكثر من اعتماده الزخرفة البلاغية.

ففي قولها:

«الفراغ المتروك في أثر الهزيمة ليس مجرد غياب، بل هو المساحة الوحيدة التي يتنفس فيها المعنى.»

يتحول الفراغ من قيمة سلبية إلى فضاء ولادة، وهو انزياح دلالي يمنح النص بعداً فلسفياً.

الانزياح اللغوي والتركيبي:

يكاد النص كله يقوم على الانزياح.

فالذات «تتصدع لتكتمل»، والجرح «يصير مادة خام»، والنجاة «اختراق بطيء للتاريخ الشخصي».

وهذه الصور لا تنتمي إلى المنطق الواقعي، وإنما إلى منطق الشعر.

كما يظهر الانزياح التركيبي في حذف الروابط، مثل:

«النجاة اختراق بطيء للتاريخ الشخصي

أن تطوي المسافة...»

وكان يمكن أن يقال: «هي أن تطوي المسافة...»، غير أن الحذف أسهم في تكثيف الإيقاع وإشراك القارئ في إكمال المعنى.

فصاحة اللفظ:

تعتمد الشاعرة معجماً معاصراً، لكنه فصيح، يجمع بين ألفاظ الوجود:

١- الذات.

٢- المعنى.

٣- التاريخ الشخصي.

٤- الامتداد.

٥- المحو.

وبين ألفاظ الألم:

١- الحطام.

٢- الجرح.

٣- الإعصار.

٤- الانكسار.

وهذا التقابل يصنع الحقل الدلالي للقصيدة.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر؛ ومن ثم فهي لا تخضع لبحور الخليل أو التفعيلات المنتظمة، وإنما تعتمد الإيقاع الداخلي.

الموسيقى الداخلية:

تنبع الموسيقى من التوازي التركيبي، كما في:

«بين الامتداد والمحو

بين صمت الانتظار

وجسارة الوقوف...»

ويقوم الإيقاع أيضاً على التقابل بين الألفاظ.

بؤرة التوتر:

تبدأ القصيدة بالتصدع، ثم تنتقل إلى الجرح، فالحطام، فالإعصار، ثم تنتهي بالظل.

وهذا التصاعد يخلق توتراً نفسياً متنامياً حتى الخاتمة.

التكرار:

يتكرر حرف النفي:

١- لا تكتمل

٢- لا ننجو

٣- لا نعيد

وهو ليس نفياً للوجود، وإنما نفي للأوهام.

كما يتكرر حرف «بل» ليعلن انتقالاً دائماً من السلب إلى الإيجاب.

الجناس:

لا نجد جناساً تقليدياً، لكننا نجد تقارباً صوتياً بين:

١- الحطام - الخام.

٢- الامتداد - المحو.

٣- العمق - الغموض.

وهو ما يخلق انسجاماً صوتياً خفياً.

التوازي:

من أجمل مظاهر البناء قولها:

١- أكثر عمقاً

٢- وأشد غموضاً

٣- وأطول ظلاً

إذ يقوم المقطع على توازٍ نحوي وصوتي يرسخ المعنى.

الحروف المهيمنة:

تهيمن حروف الصاد والضاد والطاء:

١- تتصدع.

٢- الحطام.

٣- الظروف.

٤- الظل.

وهي حروف ذات جرس قوي يناسب موضوع الانكسار.

أما حروف الميم والنون فتمنح النص شيئاً من السكينة:

المعنى.

الامتداد.

المحو.

الوقفات والإيقاع النفسي:

اعتمدت الشاعرة ماتيلدا عوّاد البياض بين المقاطع، فصار الصمت جزءاً من الموسيقى، وأصبحت الوقفات تعادل لحظات التأمل.

ثالثاً: البنية الفنية والجمالية:

بلاغياً، تقوم القصيدة على الاستعارة الكلية.

فالانكسار ليس كسراً مادياً، بل بناء جديد.

والجرح يتحول إلى مادة للبناء.

والفراغ يصبح مكاناً يتنفس فيه المعنى.

وهذا التحول يمنح النص طاقة رمزية عالية.

القراءة السيميائية:

يولد النص من شبكة رموز متقابلة:

١- الذات - الفراغ.

٢- الجرح - البناء.

٣- الامتداد - المحو.

٤- الحافة - الوقوف.

وهذه الثنائيات لا تتصارع، بل تتكامل.

فالوجود لا يتحقق إلا باجتماع النقيضين.

القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي، يحقق النص وظيفة معرفية واضحة؛ فهو لا يصف تجربة فردية، بل يدعو القارئ إلى إعادة تفسير الفشل بوصفه لحظة تأسيس.

وبذلك يتحول النص إلى خطاب نفسي وثقافي يغيّر طريقة النظر إلى الألم.

القراءة النفسية:

تكشف القصيدة عن آلية نفسية تعرف في علم النفس بـإعادة البناء بعد الصدمة؛ إذ لا تدعو إلى إنكار الجرح، وإنما إلى تحويله إلى قوة.

ومن هنا يصبح قولها:

«لا نعيد ترميم الذات لنعود كما كنا.»

رفضاً للحنين المرضي إلى الماضي.

أما خاتمتها:

«بل لنصير شيئاً آخر.»

فتؤكد ولادة هوية جديدة، أكثر نضجاً ووعياً.

خاتمة:

تمثل «هندسة الانكسار» نموذجاً للشعر التأملي الذي يزاوج بين الفلسفة والجمال، ويستثمر اللغة المكثفة لبناء رؤية وجودية ترى أن الإنسان لا يُقاس بما نجا منه، بل بما صنعه من آثار انكساراته.

وقد نجحت ماتيلدا عوّاد في تحويل المفردات اليومية: الجرح، الحطام، الفراغ، الظل إلى علامات رمزية تحمل دلالات إنسانية واسعة، فجاء النص متماسك البناء، عميق الرؤية، متوازن الإيقاع، ثرياً بالانزياحات البلاغية والسيميائية، ومفتوحاً على قراءات متعددة.

إنها قصيدة لا تحتفي بالانكسار لذاته، وإنما تحتفي بقدرة الإنسان على أن يجعل من الشروخ نوافذ، ومن الهزيمة بدايةً أخرى للحياة، وهي بذلك تؤكد أن الشعر الحقيقي لا يصف العالم كما هو، بل يعيد تخيّله كما ينبغي أن يكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

هَنْدَسَةُ الانْكِسَارِ

لا تكتملُ الذاتُ إلا حين تتصدّع

فالفراغُ المتروكُ في أثرِ الهزيمةِ

ليس مجردَ غياب

بل هو المساحةُ الوحيدةُ

التي يتنفسُ فيها المعنى

**

نحنُ لا ننجو بالهربِ من الحطام

ولا بالوقوفِ الأعزلِ أمامَ الإعصار

بل باستحالةِ الجرحِ إلى مادةٍ خام

**

النجاةُ اختراقٌ بطيءٌ للتاريخِ الشخصي

أن تطوي المسافةَ

بين ما كنتَهُ وما أُجبرتَ على أن تكونَه

دون أن تسقطَ من يدِكَ

بوصلةُ السؤال

**

الوجودُ ليس ثباتاً يترسّخ

بل حركةٌ دؤوبةٌ بين الامتدادِ والمحو

بين صمتِ الانتظارِ

وجسارةِ الوقوفِ على الحافة

**

حين تكسرُنا الظروف

لا نُعيدُ ترميمَ الذاتِ لنعودَ كما كنّا

بل لنصيرَ شيئاً آخر…

أكثرَ عمقاً

وأشدَّ غموضاً

وأطولَ ظلاّ

***

ماتيلدا عواد

القصيدة لَيست بناءً لغويًّا جميلًا فَحَسْب، بل هي أيضًا صرخة في وجه الظلم، ونداء للحرية، ومرآة تعكس آلامَ البشر وآمالهم. والشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالَم، بل يسعى إلى تغييره، ويجعل من صوته امتدادًا لأصوات الذين حُرموا من حق الكلام.

مِن بين أهم الشعراء الذين حملوا هَمَّ الإنسان، وجعلوا من الشعر رسالةً للتحرر والكرامة والإنسانية، يبرز الشاعر التركي ناظم حكمت (1902- 1963)، والشاعر الباكستاني فيض أحمد فيض (1911- 1984) اللذان التقيا - رغم اختلاف الجغرافيا والثقافة - في الدفاع عن الإنسان المُهمَّش، والإيمان بأن الشعر يمكن أن يكون قوة تقاوم الاستبدادَ، وتوقظ الضمائرَ.

عاش حكمت في بيئة مضطربة سياسيًّا واجتماعيًّا، وشهد التحولات العنيفة التي عرفتها تركيا في القرن العشرين. ولم يكن شاعرًا منعزلًا في برجٍ عاجيٍّ، بل انخرط في قضايا شعبه، ودفع ثمنَ مواقفه سجنًا ونفيًا وحرمانًا. لذلك جاءت قصائده مشبعة بصوت العمال والفلاحين والمظلومين، الذين وَجد فيهم جوهرَ الإنسانية الحقيقية. لم يكن يتحدث عنهم من بعيد، بل كان يتحدث معهم وباسمهم، حتى أصبحت قصيدته وطنًا لكل مَن سُلب وطنه، وأملًا لكل مَن حاصره اليأس.

في المقابل، عاش فيض تجربة مشابهة في شبه القارة الهندية، حيث شهد آثارَ الاستعمار والانقسام والصراعات السياسية والاجتماعية، فآمنَ بأن الشعر لا يكتمل إلا إذا انحاز إلى الإنسان المقهور، وجعل من الكلمة جسرًا يصل بين الحب والثورة، وبين الجمال والعدالة. وقد استطاع أن يمنح المُهمَّشين لغة جديدة، لا تقوم على الشكوى وحدها، بل على الإيمان بأن الفجر لا بد أن يُولَد من رحم الليل، وأن الحرية - مهما تأخرت - ستنتصر في النهاية.

المُهَمَّشُ في شعرهما لَيس فردًا معزولًا، بل هو رمز لكل إنسان سُلب حقه في الحياة الكريمة. الفقيرُ، والعامل، والسجين، والمنفي، واللاجئ، والمرأة المُضطهَدة، جميعهم يحضرون في قصائدهما بوصفهم وجوهًا متعددة لمعاناةٍ إنسانية واحدة. ومِن هُنا تجاوزَ شعرُهما حدودَ الوطنية الضيقة ليصبح شعرًا إنسانيًّا عالميًّا، يخاطب الإنسانَ أينما كان، مهما اختلفتْ لغته أو ثقافته.

مِن أبرز ما يُميِّز تجربة حكمت أنَّه منح البسطاءَ مكانة الأبطال، فلم يكن المجد في نظره حكرًا على القادة أو الزعماء، وإنما كان للعامل الذي يكدح في المصنع، وللفلاح الذي يزرع الأرضَ، وللأم التي تنتظر ابنَها المُعتقَل، وللطفل الذي يحلم بغد أفضل.

أعادَ تعريفَ البطولة، وجعلها مرتبطة بالعمل والصبر والمقاومة، وليس بالقوة والسُّلطة. لذلك جاءت لغته واضحة، ونابضة بالحياة، وبعيدة عن التعقيد، حتى تصل إلى عامة الناس قبل خاصتهم.

أمَّا فيض، فقد امتلكَ قدرةً فريدة على الجمع بين الرقة الثورية والعمق الإنساني، فهو يبدأ قصيدته أحيانًا بلغة الحُب، ثم يتحوَّل هذا الحُب تدريجيًّا إلى حُب الوطن والناس والحرية، وكأن العاطفة الفردية لا تكتمل إلا عندما تصبح عاطفةً جماعية. لذلك لم يكن شعره خطابًا سياسيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا كان تجربة وجدانية تجعل القارئ يشعر بأن قضية المظلومين قضيته الشخصية، وأن الألم الإنساني واحد مهما اختلفت الأمكنة.

ولئن اختلفت الأساليب الفنية بين الشاعرَيْن، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر موقف قبل أن يكون صناعة لفظية. الصورةُ الشعرية عندهما لم تكن غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لكشف الحقيقة، وإثارةِ الوعي. كما أن الموسيقى الداخلية في قصائدهما جاءت من صدق التجربة أكثر مما جاءت من الزخرفة البلاغية، فكانت الكلمات تنبض بالحياة، لأنها خرجتْ مِن مُعاناة حقيقية، ولَم تخرج من خيالٍ مُجرَّد أو وهمٍ ذهني.

تعرَّضَ حكمت وفيض للسجن والملاحقة بسبب أفكارهما، لكن السجن لم يكسر إرادتهما، بل زاد قصائدهما إشراقًا وإيمانًا بالحرية. وقد أثبتا أن الجدران تستطيع أن تحاصر الجسدَ، لكنها لا تستطيع أن تسجن الفكرةَ، أو تمنع القصيدةَ من الوصول إلى الناس. وهكذا تحوَّلت تجربتهما الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة، وأصبحا رمزَيْن للمقاومة الثقافية في مواجهة القمع.

ولم يقتصر تأثيرهما على عصرهما، بل امتدَّ إلى أجيال متعاقبة من الشعراء والمثقفين الذين وَجدوا في تجربتيهما نموذجًا للشاعر الملتزم بقضايا مجتمعه. وقد أثبتا أن الأدب الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان، وأن الكلمة التي لا تنحاز إلى الحق، تفقد كثيرًا من قيمتها. كما أن حضورهما في الأدب العالمي يؤكد أن الشعر الصادق قادر على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، ليصل إلى وجدان الإنسانية كُلِّها.

إنَّ صوت المُهمَّشين في شعر حكمت وفيض ليس مُجرَّد موضوع شعري، بل هو رؤية أخلاقية وإنسانية للعالَم، فقد آمنَ الشاعران بأن الإنسان - مهما كان فقيرًا أو ضعيفًا - يمتلك كرامة لا يجوز انتهاكها، وأن العدالة ليست حُلْمًا مستحيلًا، بل هي حَق ينبغي أن تناضل الشعوب من أجله. لهذا بقي شعرهما حيًّا، يتردد في كل زمان يشهد ظلمًا أو استبدادًا، ويمنح الأملَ لكل مَن يبحث عن الحرية والكرامة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

مراجعة نقدية في الميثاق السير ذاتي لـ "عائد من الظل"

 شرفني الصديق العزيز الأديب حسن ميري بكتابة مقدمة لمنجزه الأدبي "عائد من الظل"، الذي يمكن تصنيفه ضمن جنس السيرة الذاتية.

يُعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية تحديداً في كتابه الشهير "الميثاق السيرذاتي" بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة" [فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص 22]

وقد اشترط لوجون أن تكون السيرة الذاتية نثرية، وأن يكون الحكي استرجاعياً مرتكزاً على أحداثٍ انطلاقاً من نقطة في الزمن الحاضر، وأن يكون محتوى السرد مؤسساً على الحياة الشخصية والفردية للكاتب وتطور شخصيته، مع وجود تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في النص.

وقد أضاف لوجون لكل هذا مفهوماً مركزياً يُعرف بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" (Le pacte autobiographique)؛ وهو اتفاق ضمني أو صريح بين الكاتب والقارئ، يتعهد فيه المؤلف بتقديم "الحقيقة"، ويحدد طريقة قراءة النص باعتباره مرجعاً حقيقياً وليس تخييلاً أدبياً [المرجع نفسه، ص 26].

لكن هذا لم يمنع نقاد ما بعد الحداثة، كدريدا وبارت، من انتقاد براديغم لوجون لعدة اعتبارات؛ لعل أبرزها استحالة الصدق في كتابة السيرة الذاتية؛ لأن الطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الذات الثابتة، فالأنا التي تكتب في الحاضر ليست بأي حال هي الأنا التي عاشت الأحداث في الماضي. والذاكرة البشرية لا يمكن أن تكون آلة تسجيل؛ لأن المؤلف -ورغم توفر نية الصدق لديه- لا يستطيع أن يمنع نفسه من تجميل صورته وحذف ما يخدش جماليتها. وهذا الحذف يأتي لاشعورياً عن طريق ممارسة رقابة ذاتية، لهذا فنحن في آخر الأمر نجد أنفسنا أمام "تخييل ذاتي" مبنيّ على تحويل الأحداث الواقعية إلى ألفاظ، وسبكها في سياق صور بلاغية توظف المجازات، والتشبيهات، والاستعارات بما يخدم بناء النص الأدبي، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عمل متخيَّل يتغذى على الواقع.

والآن، دعونا نقتحم عوالم الأديب حسن ميري، ولتكن الخطوة الأولى ولوج عتبة منجزه الإبداعي، انطلاقاً من العنوان: "عائد من الظل"؛ وهو عنوان غني بالدلالات السيميائية، عبارة عن جملة اسمية حُذف مبتدؤها تقديره "أنا" السارد، باعتباره هو العائد من الظل. وهذا الحذف غايته الأولى هي دفع القارئ وتشويقه لاكتشاف أسرار هذه العودة.

وإذا بحثنا في الدلالة المعجمية، سنجد أن العودة تعني الرجوع بعد غياب، مما يعطي انطباعاً بأن النص يمثل سفراً في تعاريج الذاكرة، أما الظل فقد يرمز للنسيان، أو الهامش، أو العزلة، أو الموت 

إن العودة من الظل تفيد بأن الكاتب قرر ممارسة فعل البوح، والكشف عن أسرار كانت دفينة الذاكرة، وتقديم شهادة تاريخية وذاتية في الوقت نفسه، تؤرخ لزمن أصبح الإمساك بناصيته مطلباً شخصياً ملحّاً.

يقول الكاتب حسن ميري في الجزء الأول من سيرته الذاتية، الموسوم بعنوان "قطار السابعة": "من خلف زجاج النافذة، كان العالم يبدو أصغر مما هو عليه في الواقع؛ محطات تتقاطع، أناس يلتقون ثم يفترقون، وكل لحظة تتحول إلى ذكرى تُخزَّن بصمت في الذاكرة دون إذن. لكن الذاكرة، كما اكتشفت مع الزمن، ليست دائماً رحيمة" [حسن ميري، عائد من الظل، ص 29].

في هذه الفقرة المقتطعة من الجزء الأول، نلاحظ أن وجود الكاتب خلف الزجاج يضعه في موقع المراقب والمتأمل؛ فالزجاج الشفاف يمثّل فاصلاً بين الذات الداخلية والذات الخارجية. وإن عبارة "العالم يبدو أصغر مما هو عليه في الواقع" تعكس نضج الذات الآنية التي تنظر إلى الماضي والعالم الخارجي من موقع اطلاع ومعرفة مسبقين، بعد تجربة العودة من الظل.

كما أن عبارة "محطات تتقاطع، أناس يلتقون ثم يفترقون" تحيل على ثنائية الحضور والغياب، وهذا يعكس فلسفة السيرة الذاتية التي تنبني على لقاءات متعددة، يتحول عدد كبير منها إلى لحظات عابرة تشكل جزءاً مهماً من هوية الكاتب؛ فكل شخص يلتقي به يترك لديه أثراً خاصاً سرعان ما يختفي في "الظِّل"

لكن الشيء الأكيد هو تلك السلطة التي تفرضها الذاكرة على الكاتب من خلال التخزين الصامت للأحداث والأوجاع بشكل لاإرادي: "كل لحظة تتحول إلى ذكرى تُخزَّن بصمت في الذاكرة دون إذن"؛ إن قسوة الذاكرة المتجذرة في عبارة "ليست دائماً رحيمة" هي المدخل الرابط بين عنوان السيرة الذاتية "عائد من الظل" وما سيأتي لاحقاً من بوح وتطويع لما أودعته الأيام من ذكريات قد تكون متناقضة، تجمع بين الألم والفرح، وبين المعاناة والانفراج.

ولنختم الحديث عن هذا الجزء بإشارة لابد منها للعنوان الذي اختاره له الكاتب: "قطار السابعة"؛ فالقطار في السيرة الذاتية هو أيقونة لرحلة العمر، والزمن الذي يأخذ مساراً واحداً تتخلله محطات تقود نحو نهاية خط السير. وتحديد الكاتب لتوقيت القطار بـ "السابعة" يمكن اعتباره إشارة للطابع الواقعي المبني على التوثيق الهادف لدعم صدقية الأحداث، والتزام الكاتب بشروط العقد الأوتوبيوغرافي، وأيضاً رمزاً لبداية النهار ودينامية الحياة.

وفي الجزء الثاني من سيرته الذاتية، الموسوم بعنوان "صمت الرمال"، أفرد الكاتب حسن ميري صفحاته كافة لتوثيق الأحداث والوقائع التي عاشها جندياً في صفوف القوات المسلحة بالصحراء، مركزاً على الرغبة الملحة لديه في ولوج سلك الجندية، وكذلك التحاقه بالمدرسة العسكرية بالقنيطرة بعد توفّقه في الاختبارات الذهنية والبدنية؛ لتنطلق من هناك رحلة حمل السلاح والدفاع عن الوطن.

إن العنوان الفرعي "صمت الرمال" يضعنا أمام مفارقة سيميائية، تنبني على كون الرمال لا تصمت إلا لتعقبها العواصف والمعارك؛ فالصمت الجغرافي الموحش في جبهات القتال لا يماثله إلا الصمت الطويل للكاتب قبل أن يقرر الإفراج عن وقائع ظلت سجينة ذاكرته.

إن تحديد المؤلف لغرض النص في هذا الجزء، وتوثيق الأحداث والوقائع التي عاشها جندياً، ينقل العمل من مجرد سرد أدبي تخييلي إلى وثيقة تاريخية وشهادة حية على مرحلة مشرقة من تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء المغربية.

يقول حسن ميري: "مالت الشمس نحو الغروب، وكان الضوء يتراجع ببطء، تاركاً خلفه مساحةً من القلق. كنا ننتظر عودة دورية قتالية؛ عشرون فرداً بقيادة ملازم أول، خرجوا لتأمين سريةٍ تعمل على زرع الألغام وإقامة سواتر ترابية وأسلاك شائكة. لم يتأخروا كثيراً… لكن الانتظار كان أطول مما ينبغي. وعند سلسلة صخرية قرب وادٍ واسع، جاءت المباغتة؛ سيارات دفع رباعي اندفعت من جهة الشرق، سريعة، منخفضة، كأنها جزء من الأفق نفسه. انفتح الرصاص دفعةً واحدة، فصرخ الملازم الأول: الزموا السد الترابي! الأجساد تتحرك بغريزةٍ أسرع من التفكير. رعشة خفيفة سرت في الأطراف… ثم اختفت. لم يبقَ إلا الصوت: أزيز الرصاص، متواصل, كثيف، كالمطر. استهدفوا الدورية لكنهم ثبتوا مكانهم، التقطنا الإشارات، وحددنا مصادر النيران، ومررناها بسرعة. سمعنا صوتاً قريباً: ساعدني… ساعدني… كان قد سقط. حاولوا الوصول إليه، لكن الرصاص كان يقطع المسافة بينهم. حين اقتربوا، شاهدوا الدم يتمدد على معطفه، ببطءٍ ثقيل. صرخوا: إسعاف! إسعاف! لكن لم يتحرك أحد. لم يكن ذلك تردداً… بل أوامر" [حسن ميري، عائد من الظل، ص 82].

يمثل هذا المقطع السردي جزءاً من السيرة الذاتية العسكرية لحسن ميري، وهو يقدم شهادة قاسية حول التضحية والالتزام العسكري الصارم بالأوامر، كما أنه يرسم مشهداً متكرراً لوضعيات الخوف وفقدان الأمان، ناهيك عن مساحة القلق التي تسيطر على الجنود وهم يواجهون المجهول وينتظرون المفاجآت غير السارة، في ظل الإكراهات التي تفرضها الجغرافيا المتوحشة للصحراء.

إن عبارة: "لم يتأخروا كثيراً… لكن الانتظار كان أطول مما ينبغي" تعكس نسبية الزمن في جبهات القتال؛ فالدقائق المعدودة تحت وطأة ترقب الموت تتحول في وعي الجندي إلى دهر كامل. وإن الوصف البصري لسيارات الدفع الرباعي بأنها "كأنها جزء من الأفق نفسه" ينسجم مع وصف الأعداء في مقطع سابق بـ "العفاريت التي انشقت عنها الأرض"، وهي إشارة جلية لطبيعة حرب العصابات القائمة على المباغتة.

وفي هذا السياق، يلعب الكاتب دوراً محورياً في التحركات العسكرية باعتباره مسؤولاً عن جهاز اللاسلكي والاتصال؛ فعبارة "(التقطنا الإشارات، وحددنا مصادر النيران، ومررناها بسرعة)" تبين أنه لا يقاتل فقط بالبندقية، بل يقوم أيضاً بفك شفرة الترددات وتوجيه الدعم لزملائه المحاصرين خلف السدّ الترابي. وتتجلى هنا قسوة العقيدة العسكرية التي تفرض الانضباط والالتزام بالأوامر مهما كانت الظروف، وعدم الخضوع للعاطفة الفردية لإنقاذ جندي مصاب كان يحتضر؛ فالأخلاق الإنسانية تصبح عديمة الجدوى أمام الصرامة العسكرية.

وخلاصة القول، لا أجد مناصاً من التأكيد على أن الأديب حسن ميري كان موفقاً إلى أبعد حد في نقل وقائع وأحداث من الذاكرة العسكرية لحرب الصحراء، حيث تتحول الكتابة من مجرد استرجاع للماضي إلى وسيلة تقود الذات للخروج من مرحلة الظل إلى مرحلة البوح.

إن عودة الكاتب من الظل، وإصراره على كسر الصمت الذي لازمه سنوات طويلة، هو نوع من إصلاح ذات البين مع الذات، وانتصار لإنسانيته التي سيطر عليها الانضباط والصرامة العسكرية؛ إذ يحق له اليوم أن يضمد جراح الماضي بكتابة هذه السيرة الذاتية التي أرى أنها إضافة راقية وهامة لمكتبتنا المغربية والعربية.

***

محمد محضار - أديب مغربي

(سأطالع كتابا من الشعر على الشاطئ من أجلك، أنت الذي لا تنطق بكلمة واحدة. سأرعاك أيها البحر القديم إلى الأبد.. سأكون برفقتك - إينو تاغوتشي)

إن البحر في الثقافة اليابانية القديمة والحديثة هو كيان يثير الخوف والرهبة عندما يكون جياشا جالبا للدمار الرهيب (التسونامي، الفيضانات المدية، الزلازل البحرية.. الخ)، كما يثير التبجيل والتكريم أيضا في كل حالاته العديدة، ويحظى بالصلاة من أجله في الكثير من طقوس (الشنتو)، ديانة اليابان القومية وصانعة هويتها المميزة، كما إستهل أن تقام الأضرحة لتكريم بعض آلهته (ريوجين، هوديري، سوسانو)، ومنها (إيتسوكوشيما، كوتوهيرا، سوميوشي تايشا، ريوجو، تودوروكي). وربما لذلك علاقة بالجغرافيا البحرية لليابان بالدرجة الأساس، إذ هناك حقيقة مفادها أن اليابان عبارة عن أرخبيل يتكون من مئات الجزر المأهولة وغير المأهولة المحيطة ببحر الصين الشرقي وبحر اليابان وبحر (أوخوتسك) والمحيط الهادى (14125 جزيرة في عام 2023)، لتعطي البحر ذلك الحضور الدائم والدور العظيم والبين في المجتمع والثقافة والتاريخ والفن والهوية اليابانية المميزة، وبما في ذلك أدبها، وشعر الهايكو خصوصا، فكان له النصيب الأكبر على خارطة الأدب الياباني. فقد استحوذ البحرعلى قلوب وعقول شعراء الهايكو بغموضه وسحره، ببراءته وسكونه، وبخطورته وجماله.. فمن أغواره السحيقة الغنية بمختلف المخلوقات التي دعمت حياة البشر منذ عصور ما قبل التاريخ إلى سواحله المديدة الزاخرة بمختلف أشكال الحياة، استحظرت صورا آسرة وأخاذة تلامس الحواس والعواطف. وإليكم بعض قصائد الهايكو اليابانية المستوحاة من البحر، وهي موزعة على فترات زمنية مختلفة (مترجمة عن الإنكليزية): 

1 - ماتسوو باشو (1644 - 1694)

(1)

البحر الهائج -

يمتد مغطيا سواحل جزيرة سادو

 درب التبانة

 وفقا لمذكرات كاواي سورا للفترة 1689 - 1691 ميلادية، وكان رفيق باشو في السفر وأصغر منه سنا، كتبت هذه القصيدة في 6 تموز 1689 عند وصولهما إلى (نيغاتا) من (ساكاتا) بعد رحلة شاقة وطويلة استغرقت تسعة أيام. أما (سادو) أو جزيرة الذهب فتقع غرب البر الرئيسي في بحر اليابان، وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مناجمها القديمة في قائمتها لمواقع التراث العالمي في عام 2024. كتب (فرانك ويتكام) في معرض تعليقه على لوحة (الموجة العظيمة - الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا 1831) ل (كاتسوشيكا هوكوساي) (1760 - 1849)، وهو الزميل المشارك في قسم التخطيط التنظيمي في متحف طوكيو الوطني والمحاضر في تاريخ الفن الياباني في جامعة (روكيو): لقد قدم شاعر الهايكو العظيم (ماتسوو باشو) وصفا دقيقا لبحر اليابان المتوحش قبالة جزيرة (سادو) البعيدة في واحدة من أشهر قصائده، ولم يكن الشاعر الوحيد الذي وصف البحر الجياش في شعره، فقد وصف الشاعر (كاكيموتو نو هيتومارو) (662 - 710 م) اليابان بأنها جزيرة تختبىء وراء ألف موجة متلاطمة.

(2)

بينما الشمس حارقة

تركب مجموعة ما البحر

على مقربة من نهر موغامي

 نظم باشو هذه القصيدة أثناء توجهه إلى (أوشيدا) المدينة الساحلية المزدهرة على نهر (موغابي) وذلك بعد أن أمضى ليلة واحدة في (ياماديرا)، وقبلها أحد عشر يوما في (أوبانازاوا). وبعد (أوشيدا) يمم باشو شطر (شينجو) التي كان يحكمها اللورد (توزاوا)، وأقام في منزل (شيباتا فوريو) التاجر الغني الشغوف بشعر الهايكو، وقابل هناك بعض الشعراء. أما نهر (موغامي) فقد كان قديما شريان الحياة الاقتصادية الذي يربط شمال البلاد و(كيوتو). وينبع من (ياماغاتا) ويتدفق أخيرا نحو (ساكاتا) في بحر اليابان، وقد نال شهرة واسعة في جميع أنحاء البلاد بعد وروده في قصيدة (ماتسوو باشو). وللشاعر قصيدة أخرى حول نهر (موغامي)، والكيفية التي تتدفق بها مياه الأمطار الغزيرة في سيول خلال شهر أيار، لتزداد سرعة وعنفوان جريان هذا النهر نحو بحر اليابان. وجاء فيها:

تستجمع الأمطار

في الشهر الخامس

فيسرع نهر موغامي

***

(3)

البحر الأزرق

تفوح من أمواجه رائحة الساكي

في ليلة مقمرة

 كتب باشو العديد من قصائد الهايكو حول السكر وتناول مشروب (الساكي)، وهو مشروب كحولي يحضر من الماء والرز المخمر أو البطاطا أو قصب السكر. يعود تاريخه في اليابان إلى القرن الثالث الميلادي وفق إحدى النظريات. ومن قصائده أيضا:

أيتها السنونوة

لا تسقطي الطين أثناء طيرانك

في كأس الساكي الخاص بي

***

عندما أحتسي الساكي

يجافيني الكرى تماما

في هذه الليلة المثلجة

***

(4)

باكورة الخريف

اليم والحقول

بذات اللون الأخضر

***

(5)

 تشتد ظلمة البحر

يخفت زبيط البط البري

الأبيض

 كتب باشو هذه القصيدة أثناء إحدى رحلاته على طول ساحل البحر (انطلقت من إيدو باتجاه مسقط رأسه في إيغا مرورا بكيوتو ونارا وأوتسو)، وقد ظهرت في مذكرات (نوزاراشي كيكو - سجلات هيكل عظمي معرض للعوامل الجوية - رحلة عظام منهكة من العوامل الجوية) المكتوبة في صيف عام 1684 بأسلوب ال (هايبون) الذي يجمع بين النثر وشعر الهايكو، والمنشورة في عام 1687. ووفقا ل (نوبويوكي يواسا) فهو (أول عمل لباشو نجد فيه لمحات من أسلوبه الناضج). وبحسب (فيكتوريا برايس) فقد استخدم الشاعر البحر المظلم كخلفية لزبيط البط البري وذلك لابراز التفاعل بين الصوت والصورة البصرية.

(6)

أطلق سهما

على شاطىء البحر في سوما

عندما وقوق طائر الوقواق

 أما (سوما) فهي مدينة في منطقة (توهوكو) شمال شرق اليابان، وهي مطلة على المحيط الهادىء. كانت آخر مدينة في رحلة (ماتسوو باشو) الشهيرة التي بدأها في خريف عام 1687 وانتهت في أواخر صيف 1688، وقد مر خلالها ب (إيدو وإيغا وضريح إيسي الكبير وأوي نونا غويا وأوساكا وكيوتو وأوتسو). وقد أدرج القصائد التي كتبها خلال هذه الفترة في كتابه الموسوم (مذكرات من حقيبتي - دفتر الحقيبة - ملاحظات على حقيبة الظهر - أوي نو كوبومي 1688). وهو يشير في قصيدته هذه إلى قصة الرامي البارع (ميناموتو يوريماسا) من القرن الثاني عشر الذي أطلق سهما على الطائر الذي كان يزعج الإمبراطور بصوته الصاخب. أما كتاب (أوي نو كوبومي) المشار إليه فهو كتاب رحلات كتبه الشاعر بأسلوب ال (الهايبون) أيضا، وقد ابتكره باشو في القرن السابع عشر، جامعا بين النثر الأدبي المكثف وقصيدة الهايكو. ويعتبر كتابه (الدرب الضيق نحو أقصى الشمال - أوكو نو هوسوميتشي) المكتوب أساسا خلال رحلته في أيارعام 1689، والمنشور رسميا في عام 1702 من أبرز أعماله المكتوبة بهذا الأسلوب. وكانت الرحلة قد استغرقت خمسة أشهر، قطع فيها باشو براري الشمال سيرا على الأقدام.

 2 - يوسا بوسون (1716 - 1784)

البحر في الربيع،

مد وجزر طوال اليوم،

مد وجزر

***

( - تاكاتو أكاني (1985 - 3

(1)

الأستلقاء في قاع البحر

بعيدا

مطاردة اليراعات

 ***

(2)

نزع القميص

بقية قصتي

الصيف المبكر، البحر

***

 4 - سيشي ياماجوتشي (1874 - 1959)

ذات مرة، فوق البحر

لم تقدر الرياح الشتوية

على العودة إلى موطنها مجددا

 هذه إشارة إلى الطيارين الانتحاريين (الكاميكازي - رياح الآلهة - الرياح المقدسة) في وحدة قوات الهجوم الخاصة اليابانية إبان الحرب العالمية الثانية الذين زودت طائراتهم بالوقود الكافي لبلوغ أهدافهم، ولكن دون تمكنهم من العودة إلى قواعدهم.

يوجي كينوشيتا (1914 - 1965) 5 -

تفتح أزهار دوار الشمس

على وقع صوت البحر -

عيونها السوداء

***

 6 - شوشي فوجيتا (1926 -)

الاحساس بانعدام الحب -

أسبح مبتعدا

في البحر المفتوح

***

 7 - ميناكو تسوجي (1965 -)

كل بحر

متصل بالبحار الأخرى

يوم رأس السنة

***

 8 - هاسيغاوا كاي (1954 -)

(1)

تهطل البواكير الأولى

لأمطار الصيف على الجزيرة

تسقط في البحر

***

(2)

أغوار البحار

تنام الجبال أيضا

الواحد بعد الآخر

***

 9 - ميزوهارا شوشي (1892 - 1981)

شاطىء البحر

ثمة قبعات صيفية

تعكس أشعة الشمس

***

 10 - سايتو سانكي (1900 - 1962)

أفول الشمس في الخريف

يسحب البحر

عظام سمكة كبيرة

***

 11 - كينيو هاياشيدا (1924 - 1998)

معرفة لون سفينة حربية غارقة

تحت سطح البحر:

زجاجة رضاعة

***

 12 - ماساوكا شيكي (1867 - 1902)

(1)

ريح عاتية

تنثر النجوم

على وجه البحر

***

(2)

ينزلق طائر الغاق

بالقرب من السطح

بحر رمادي

***

(3)

يغيب القمر

فارتفعت أمواج البحر

العاتية

***

 13 - أكاتاجاوا ريونوسوكي (1892 - 1927)

ريح عاتية -

ينعكس لون البحر

على السردين المجفف

***

 14 - إيكوتشي تاكيشي (1889 - 1974)

فصل الشتاء

أمكث في الداخل

متجاهلا البحر الهائج

***

 15 - سوزونو أومين (1981 -)

بحر أكاشي -

تسديد سهام من العشب

في ضوئه الباهر

 يقصد ببحر (أكاشي) في الغالب مضيق أكاشي المحيط بمدينة بذات الاسم في محافظة (هيوغو) غرب وسط جزيرة (هونشو) اليابانية. تيارات المد والجزر فيه سريعة قد تبلغ (4،5 م) في الثانية، وهي الأسرع في البلاد.

كما تم تناول موضوع البحر في شعر التانكا أيضا، وإليكم مجموعة قصائد يابانية من هذا النوع الشعري (مترجمة عن الإنكليزية):

1 - إيشيكاوا تاكوبوكو (1886 - 1912)

ممددا على الرمال البيضاء

لشاطىء جزيرة صغيرة

في البحر الشرقي

تجري الدموع على وجهي

و أنا أتلهى بسرطان البحر

***

 2 - يوسانو أكيكو (1878 - 1942)

قالوا لي إن الطريق الذي أطرقه

سيفضي إلى بحر الموت

فعدت أدراجي وأنا في منتصفه

لتصبح جميع الأطرقة التي سلكتها

متشابكة وملتوية ومهجورة مذاك

***

3 - كاكينوموتو نو أسومي - هيتومارو

تطير طيور الزقزاق منزلقة

فوق أمواج البحر في أومي

عند الغسق

تراودني الأفكار عن أمور

من الزمن البعيد

 كتبها الشاعر (هيتومارو) الذي لا يعرف تاريخ ولادته ووفاته على وجه الضبط خلال فترة (نارا) (710 - 794 م)، وتجسد ماهية التوق البشري وقوة البحر في استحضار الذكريات والعواطف. أما (أومي) فهي محافظة (شيجا) حاليا. وكانت مهمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا منذ القدم. والزقزاق (تشيدوري باللغة اليابانية) الذي هو رمز المثابرة وسلامة الأسرة فكان واسع الأنتشار على الشواطىء اليابانية، وخصوصا في موسم الشتاء، متحديا الأمواج العالية والطقس القاسي. وللفنان الياباني (أوتاغاوا هيروشيجي) (1797 - 1858) لوحة فنية ملونة مرسومة على الخشب بعنوان (الزقزاق والأمواج تحت ضوء القمر)، وهي تعبر عن سلوك هذا الطائر عندما يكون البحر جياشا.

 4 - نيجوين نو سانوكي

إن كم ثوبي مثل الصخرة

المغمورة في عرض البحر

 فلا يمكن رؤيتها حتى في حالة الجزر

و لا يعرفها أحد

ولكنها لا تكون جافة حتى للحظة واحدة

 كانت (نيجوين نو سانوكي) سيدة نبيلة وشاعرة واكا رائدة من أواخر فترة (هييآن) (794 - 1185 م) وبداية فترة (كاماكورا) (1185 - 1333 م).عرفت أيضا باسم (تشوغو سانوكي - السيدة سانوكي)، وتم الإشارة إليها باسم (أوكي نو إيشي نو سانوكي). ابنة المحارب الشاعر المعروف (ميناموتو نو يوريما). كانت مرافقة الإمبراطور المتقاعد (نيجو) (1141 - 1217). وردت قصائدها في المجموعة الإمبراطورية (سينزاي واكاشو - مجموعة الألف عام) المتضمنة (1285) قصيدة موزعة على (20) مجلدا، والمجمعة خلال الفترة (1183 - 1187 م) من قبل الشاعر والراهب البوذي (فوجيوارا نو شونزي) (1114 - 1204) وبأمر من الإمبراطور. كان السائد وقتها أن يتم استخدام عبارة (الأكمام المبللة بالأدمع) في الأعمال الأدبية للتعبير عن الحب من طرف واحد، وكانت الأكمام وسيلة للتعبير عن الحب واللوعة والذكريات وغيرها من خوالج النفوس. وكانت قديما رمزا رومانسيا قويا، ويقصد بها في الغالب أكمام الكيمونو الطويلة والمتدلية للنساء. ومنها قصيدة للشاعرة (إنبومون - إن نو تايو) وعدة قصائد للشاعرة الأميرة (شيكيشي أو شوكوشي) وغيرها من القصائد الواردة في الديوان الشعري الجامع (هياكونين إيشو - مئة شاعر وبيت) الذي حرره الروائي والناقد والشاعر والباحث (فوجي وارا نو تيكا) (1162 1241).

 5 - ماتشي تاوارا (1962 -)

(1)

أسلق ثلاث حبات من الكستناء

لأعد طبق خريفي

لشخص واحد

قأتذكر البحر البعيد

و أنت

***

(2)

أراقبك

و أنت على لوح التزلج

تسعى جاهدا للمحافظة على توازنك

بين زرقة السماء

و البحر

***

 6 - ماريكو كيتاكوبو ( 1959 -)

يتدفق النهر بقوة

و يصب في البحر

بغزارة

ثغره كالحد الفاصل

بين الحياة والموت

 كما يوجد في الشعر الياباني الكثير من قصائد الهايكو التي تناول فيها الشعراء موضوع المحيط الذي يقدم له الشكر والثناء في يوم المحيط (أومي نو هي) الذي يصادف سنويا يوم الاثنين الثالث من شهر تموز، ويحتفل به كعطلة رسمية منذ عام 1941 في ذكرى عودة الإمبراطور (ميجي) إلى ميناء (يوكوهاما) بعد رحلته عام 1876. المحيط الذي كتب عنه الأديب الياباني الشهير (ريونوسوكي ساتورو - أب القصة القصيرة اليابانية) (1906 -) قائلا (كل فرد منا على حدة عبارة عن قطرة واحدة، معا، نحن المحيط). ومن هذه القصائد (مترجمة عن الإنكليزية):

 1 - جونسوي (1650 - 1722)

انتهت الرياح

الشتوية -

إنه صوت المحيط

 كتبها (جونسوي) عام 1690 وفقا لأحد الاحتمالات، وقد نالت استحسان صديقه الشاعر (ماتسوو باشو) الذي تعرف عليه في (إيدو- طوكيو حاليا) قبل أن ينتقل إلى (كيوتو). وأصله من (نارا).

 2 - تنكو كاواساكي (1927 -)

تزاحم -

حفيف أزهار الكرز

عبر المحيط

***

 3 - نوبوكو كاتسورا (1914 - 2004)

اليوم الأول من الربيع -

تهب الريح من المحيط

دون أن يشاهد

***

 4 - تاكاتوشي غوتو (1968 -)

يوم السبت -

تحيط أسماك المحيط

بالجزء السفلي من جسدي

***

 5 - تاكاتو أكاني

في عالم الرجال

الذي فضل

هو المحيط الزائل

***

 6 - فاي أوياغي (1956 -)

ضباب آت من المحيط

ما عدت أتذكر

اسم حبيبي الأول

أما أمواج البحر التي كانت موضوع لوحة بعنوان (تحت موجة كاناغاوا - كاناغاوا أوكي نامي أورا) للفنان الياباني الكبير (كاتسوشيكا هوكوساي) (1760 - 1849)، وغالبا ما يشار إليها كقوة من قوى الطبيعة والرحلة والاستكشاف والتغيير والتحول والعواطف والأحاسيس والزمن والذاكرة، فقد كانت حاضرة أيضا في الهايكو الياباني وعلى نحو واسع. وإليكم بعض النماذج (المترجمة عن الإنكليزية):

 1 - ماساجو سوزوكي (1906 - 2003)

الآن ومرة أخرى

أعلى من القارب -

الموجات الصيفية

***

 2 - كيكو إيزاوا

أمواج عالية تتكسر على الشاطئ -

أتحول إلى سمكة

لفترة وجيزة

***

 3 - تيتشي سوزوكي (1888 - 1989)

سراب -

تجرف الأمواج بعيدا

القلعة الرملية

و من أشهر القصائد اليابانية التقليدية التي تناولت البحر والمحيط أيضا قصيدة (صدفة المحار) ل (كامبارا أرياكي) (1876 - 1952)، وقصيدة (البحر المحتضر) للشاعر (إينو تاجوتشي (1967 -)، و(المحيط - شينكيتشي تاكاهاشي 1901 - 1987)، (مساحة من المحيط، نجمة وقارب - كازوي شينكاوا 1929 -)، (إلى البحر، عبر البحر، مراسم تأبين الحوت - كانيكو ميسوزو 1903 - 1930)، (النوارس - ميتشوهارو كانيكو 1895 - 1975).

***

بنيامين يوخنا دانيال

........................ 

المصادر والمراجع:

1 - A Sense of Place. https: // thehaikufoundation. org

 2 - Asahi Haikuist Network - Slobodan Pupovac. https: // www. asahi. com

3 - A poem: In the sea of Iwami by Kakinomoto Hitomaro. https: // joshuaspodek. com

4 - A Crash Course in Japanese Poetry. https: // www. Tofugu. com

5 - Buson - The spring sea. https: // www. takase. com

6 - By the sea at Suma. https: // matsuobashohaiku. home.blog

7 - Carpe Tanka Shrine: On the white sand. https: // readinpleasure. wordpress. com

8 - Essay - Blue Willow Haiku. https: // fayaoyagi. wordpress. com

 9 - Frank Witkam، Eternal Hokusai، The Master’s Obsession with Waves. https: // japan - forward. com

10 - Going for Walk - wind and waves. https: // thehaikufoundation. org

11 - Haiku by Buson. www. https: // takase. com

12 - Haiku n English -: Aug. 13، 2024 - The Mainichi. https: // mainichi. jp

 13 - Haiku Dialogue - Going for a Walk. https: // thehaikufoundation. org

14 - Haiku poems of summer. The examples by Matsuo Basho. https: // www. masterpiece of Japanese culture. com

15 - Haiku Dialogue going for walk. https: // thehaikufoundation. org

16 - Matsuo Basho - Discover Japan. https: // discoverjapannow. wordpress. com

17 - Mogami River - What to see & Do. https: // amagatakanko. com

 18 - Nobuko Katsura’s Wind. https: // haikucommentary. wordpress. com

19 - Over The Sea - Haiku by Seishi Yamaguchi. https: // a;lpoetry. com

20 - On the sea at Omi by Kakinomoto no Asomi Hitomaro. https: // allpoetry. com

21 - On the white sand by Ishikawa Takuboku. https: // coetryispretentious. com

22 - Oishida / Mogami River. https: // basho - yamadera. com

 23 - Sake Waves. https: // steemit. com

 24 - Tuesday Poetry: the rough sea by Matsuo Basho. https: // helenlowe. info

 25 - The End of the WWind. https: // www. nippon. com

 26 - The Mogami River، by Matsuo Basho. https: // bourguignomicon. blogspot. com

 27 - The Sea Darkens by Matsuo Basho. https: // www. ebsco. com

 28 - Visions of the sea in Early Japanese Literature. https: // www. asianstudies. org

 29 - Water With Movement. https: // www. basho4humanity. com

سرد الذاكرة وبناء الهوية ورصد تحولات المجتمع المغربي

على سبيل الافتتاح: تعتبر الرواية المغربية الحديثة من أبرز الأجناس الأدبية التي واكبت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها المغرب منذ مرحلة الاستقلال، إذ استطاعت أن تنتقل من أنماط السرد التقليدية إلى آفاق جمالية وفكرية رحبة، مستثمرة منجزات الكتابة الروائية الحديثة، ومنفتحة على قضايا الذات والهوية والذاكرة والتاريخ، بما جعلها تحتل مكانة مرموقة داخل المشهد الروائي العربي المعاصر. وقد أسهم هذا التحول في بروز جيل من الروائيين الذين لم يكتفوا بتمثيل الواقع أو محاكاته، بل عملوا على مساءلته وإعادة بنائه فنيا، عبر توظيف تقنيات سردية حديثة ورؤى فكرية تتجاوز حدود الحكي إلى آفاق التأمل والنقد وإعادة إنتاج المعنى.

ويعتبر محمد برادة واحدا من أبرز رواد هذا المشروع الروائي، لما يجمعه من تجربة نقدية رصينة وممارسة إبداعية متميزة، إذ استطاع أن يؤسس خطابا روائيا خاصا يقوم على الحوار بين السيرة الذاتية والتخييل، وبين الواقع والذاكرة، وبين التاريخ والوعي الفردي، مستفيدا من منجزات الرواية العالمية والنقد الحديث في بناء نصوص تتسم بالعمق الفكري والغنى الجمالي. وقد شكلت أعماله الروائية مختبرا لتجريب تقنيات سردية جديدة، كالاسترجاع، وتيار الوعي، وتعدد الأصوات، وتكسير خطية الزمن، بما أسهم في تجديد الكتابة الروائية المغربية وإغناء آفاقها التعبيرية.

وتأتي رواية " لعبة النسيان " بوصفها إحدى أهم المحطات في مسار الرواية المغربية الحديثة، لما تنطوي عليه من رؤية فكرية وفلسفية عميقة تجاه إشكالية الذاكرة والنسيان، وما تقدمه من معالجة فنية للعلاقة بين الفرد والتاريخ، وبين التجربة الشخصية والتحولات الاجتماعية والثقافية. ولا يقتصر حضور النسيان في الرواية على كونه فقدانا للذاكرة، بل يتحول إلى آلية جمالية واستراتيجية سردية لإعادة بناء الماضي وتأويله، حيث تغدو الذاكرة فضاء لاستحضار الطفولة والأسرة والمدينة والهوية، واستعادة تفاصيل الحياة اليومية في علاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال مراحل تاريخية مختلفة. ومن ثم تصبح الكتابة نفسها فعلا للمقاومة ضد النسيان، ومحاولة لإعادة امتلاك الزمن واستنطاق المسكوت عنه، واستعادة ما غيّبته الذاكرة الفردية والجماعية.

وتبرز الرواية كذلك بفضل بنائها الفني الحداثي، القائم على تداخل الأزمنة، وتعدد مستويات السرد، والانفتاح على المرجعيات الثقافية والتاريخية، والمزاوجة بين الواقعي والتخييلي، بما يجعلها نصا غنيا بالدلالات، وقابلا لمقاربات نقدية متعددة تستثمر المناهج السردية والثقافية والتأويلية. كما تعكس وعيا عميقا بوظيفة الرواية بوصفها فضاء لإعادة التفكير في الذات والمجتمع والتاريخ، بعيدا عن التوثيق المباشر أو السرد الخطي التقليدي.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية لرواية " لعبة النسيان " ، من خلال استجلاء بنياتها السردية والفنية، والكشف عن آليات اشتغال الذاكرة والنسيان داخل النص، وتحليل أبعاده الفكرية والجمالية، ورصد أهم التقنيات التي اعتمدها محمد برادة في بناء عالمه الروائي، بما يسهم في إبراز القيمة الأدبية والفكرية لهذا العمل، وتأكيد مكانته ضمن أبرز المنجزات التي أسهمت في ترسيخ حداثة الرواية المغربية وإغناء المشهد الروائي العربي المعاصر.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

إلى أي حد استطاع محمد برادة، في رواية " لعبة النسيان "، أن يوظف الذاكرة والنسيان بوصفهما آليتين سرديتين وجماليتين وفكريتين لإعادة بناء الذات والتاريخ والواقع الاجتماعي، وما الوسائل الفنية التي اعتمدها لتشكيل رؤيته الروائية وإنتاج دلالاتها؟

وانطلاقا من هذه الإشكالية، تتفرع مجموعة من الأسئلة الفرعية، لعل من أبرزها ما يأتي:

ما الدلالات الفكرية والجمالية التي يحملها عنوان الرواية " لعبة النسيان "؟

كيف تشكل الذاكرة البنية العميقة للنص، وما طبيعة علاقتها بالنسيان في بناء المعنى؟

ما أهم التقنيات السردية والفنية التي اعتمدها محمد برادة في تشييد عالمه الروائي؟

كيف تجلت العلاقة بين السيرة الذاتية والتخييل، وما أثرها في تشكيل الخطاب الروائي؟

كيف وظفت الرواية ثنائية الذات والمجتمع، والفرد والتاريخ، في مقاربة التحولات الاجتماعية والثقافية؟

ما الدور الذي أدته اللغة والرمز وتعدد الأصوات في إنتاج الدلالات الجمالية والفكرية للرواية؟

إلى أي مدى أسهمت رواية " لعبة النسيان " في ترسيخ ملامح الحداثة السردية داخل الرواية المغربية المعاصرة؟

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة من القيمة الأدبية والفكرية التي تمثلها رواية " لعبة النسيان " داخل مسار الرواية المغربية الحديثة، ومن المكانة التي يحتلها محمد برادة بوصفه أحد أبرز رواد التجديد السردي في الأدب العربي المعاصر. كما تستمد الدراسة أهميتها من سعيها إلى الكشف عن الأبعاد الجمالية والفكرية للنص الروائي، وتحليل الآليات الفنية التي اعتمدها الكاتب في بناء عالمه السردي، بما يسهم في تعميق فهم التحولات التي عرفتها الرواية المغربية الحديثة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في مجموعة من الجوانب، من أهمها:

إبراز القيمة الأدبية والفكرية لرواية " لعبة النسيان " بوصفها إحدى أهم الروايات المغربية المعاصرة، ونموذجا دالا على تطور الكتابة الروائية الحداثية.

الكشف عن خصوصية المشروع الروائي لمحمد برادة، وإبراز خصائصه الفنية والجمالية والفكرية، وما يميزه من انفتاح على تقنيات السرد الحديثة.

بيان الدور المحوري الذي تؤديه الذاكرة في تشكيل البناء السردي، والكشف عن العلاقة الجدلية بين الذاكرة والنسيان في إنتاج المعنى الروائي.

تحليل التقنيات السردية والجمالية التي أسهمت في تجديد الكتابة الروائية، مثل تكسير خطية الزمن، وتعدد الأصوات، والاسترجاع، والمزاوجة بين السيرة الذاتية والتخييل.

الإسهام في إثراء الدراسات النقدية المتعلقة بالرواية المغربية المعاصرة، وفتح آفاق جديدة للبحث في جماليات السرد وآليات إنتاج الدلالة.

تقريب القارئ والباحث من مناهج تحليل النص الروائي الحديثة، والاستفادة من مقاربات السرديات والنقد الثقافي والتأويلي في قراءة النصوص الأدبية.

الإسهام في إبراز المكانة التي تحتلها رواية " لعبة النسيان " ضمن المنجز الروائي المغربي والعربي، بوصفها نصا يجمع بين العمق الفكري، والثراء الجمالي، والابتكار الفني.

 محمد برادة ورهان تجديد الرواية المغربية:

تكشف الفقرة الأولى عن المكانة المتميزة التي يحتلها محمد برادة في المشهد الثقافي المغربي والعربي، بوصفه ناقدا وروائيا استطاع أن يجمع بين الرؤية النقدية العميقة والممارسة الإبداعية الخلاقة، وهو ما منح مشروعه الروائي خصوصية فكرية وجمالية واضحة. فقد انعكس تكوينه الأكاديمي واشتغاله بالنقد الأدبي على أعماله السردية، التي اتسمت بالانفتاح على مختلف المرجعيات الفكرية والفلسفية، واستثمار أحدث تقنيات الكتابة الروائية المعاصرة، بعيدا عن الأشكال السردية التقليدية.

ولم يكن مشروع محمد برادة مجرد ممارسة فنية تهدف إلى إنتاج نصوص روائية، بل كان رهانا ثقافيا وجماليا يسعى إلى تجديد الرواية المغربية، من خلال تجاوز السرد الخطي، والاعتماد على تقنيات الاسترجاع، وتعدد الأصوات، وتيار الوعي، والمزاوجة بين السيرة الذاتية والتخييل، بما أتاح للرواية فضاءات أوسع للتعبير عن إشكالات الذات والهوية والذاكرة والتاريخ. ومن ثم أصبحت أعماله الروائية مختبرا للتجريب السردي، وأسهمت في ترسيخ ملامح الحداثة الروائية داخل الأدب المغربي، وجعلت من الرواية فضاء للحوار مع الواقع والتاريخ والإنسان، بدل أن تكون مجرد وسيلة لنقل الأحداث أو تسجيل الوقائع.

 دلالات عنوان رواية " لعبة النسيان ":

يشكل عنوان " لعبة النسيان " عتبة نصية مركزية ومدخلا تأويليا أساسا لفهم العالم الدلالي للرواية، لما ينطوي عليه من كثافة رمزية وغنى إيحائي، حيث يجمع بين مفهومين يبدوان متناقضين ظاهريا أي " اللعبة " التي تحيل إلى الحركة والاختيار والحرية والتجريب، و " النسيان " الذي يرتبط بالمحو والغياب وتواري الذاكرة. غير أن هذا التعارض الظاهري لا يفضي إلى القطيعة، بل يؤسس لعلاقة جدلية تتجاوز المعنى المعجمي إلى أفق فلسفي وجمالي يجعل من النسيان وسيلة لاستعادة الذاكرة وإعادة تشكيلها، لا مجرد فقدان لها.

ومن هذا المنظور، يتحول العنوان إلى مفتاح لقراءة الرواية بأكملها، حيث يغدو النسيان فعلا إبداعيا يعيد بناء الماضي ويمنحه دلالات جديدة، في حين تمثل اللعبة فضاء للتخييل وإعادة تركيب الواقع وفق رؤية الذات الساردة. وبهذا يفتح العنوان المجال أمام تأويلات متعددة، ويدفع القارئ إلى الانخراط في إنتاج المعنى منذ اللحظة الأولى، باعتباره شريكا في تفكيك الرموز واستكشاف العلاقات التي تنسجها الرواية بين الذاكرة والتاريخ، وبين الحضور والغياب، وبين الواقع والتخييل، وهو ما يجعل العنوان عنصرا بنائيا فاعلا يسهم في توجيه أفق التلقي وإضاءة الأبعاد الفكرية والجمالية للنص الروائي.

 الذاكرة وبناء الزمن الروائي:

تشكل الذاكرة المحور الرئيس الذي ينتظم حوله البناء السردي في رواية " لعبة النسيان "، إذ لا يعتمد النص على التسلسل الزمني الخطي للأحداث، وإنما يقوم على استرجاع الماضي واستدعائه بصورة متقطعة ومتداخلة، بحيث تتشابك الأزمنة وتتداخل مستوياتها، فيتحول الماضي إلى حاضر دائم داخل وعي الشخصيات، ويغدو الزمن النفسي أكثر حضورا من الزمن الكرونولوجي. وبهذه الكيفية تتجاوز الرواية مفهوم الزمن بوصفه إطارا لتعاقب الأحداث، ليصبح عنصرا فاعلا في تشكيل التجربة الإنسانية والكشف عن تحولات الذات وعلاقتها بالمكان والتاريخ.

وفي هذا السياق، لا يمثل النسيان فقدانا للذاكرة أو انقطاعا عنها، بل يتحول إلى آلية سردية وجمالية تستدعي الذاكرة وتعيد ترتيبها وفق رؤية الذات الساردة، فتغدو الكتابة فعلا لاستعادة الماضي وإعادة تأويله في ضوء الحاضر. ومن خلال هذا التفاعل الجدلي بين الذاكرة والنسيان، تعيد الرواية بناء التجربة الإنسانية، وتستكشف العلاقات الاجتماعية والنفسية التي أسهمت في تشكيل وعي الشخصيات، كما تمنح القارئ فرصة لإعادة قراءة التاريخ الشخصي والجماعي بعيدا عن الخطية الزمنية التقليدية.

وهكذا يغدو الزمن الروائي في " لعبة النسيان " زمنا داخليا يتأسس على التداعي الحر والاسترجاع والتذكر، أكثر مما يقوم على التتابع الزمني للأحداث، الأمر الذي يضفي على الرواية بعدًا نفسيا وفلسفيا عميقا، ويجعل الذاكرة ليست مجرد موضوع للسرد، بل البنية العميقة التي تنتظم حولها مختلف مكونات النص، وتمنحه وحدته الفنية والفكرية.

 البنية السردية والشخصيات بين الواقعي والتخييلي:

تتأسس رواية " لعبة النسيان " على بنية سردية حداثية تتجاوز أنماط الحكي التقليدي، إذ يعتمد محمد برادة في تشييد عالمه الروائي على جملة من التقنيات السردية الحديثة التي تمنح النص حركيته وعمقه الدلالي. ويبرز في مقدمة هذه التقنيات الاسترجاع الزمني الذي يجعل الماضي حاضرا باستمرار داخل وعي الشخصيات، وتيار الوعي الذي يكشف عن أعماق الذات ويعكس اضطراباتها النفسية والفكرية، إلى جانب تعدد الأصوات السردية الذي يتيح تعدد وجهات النظر، ويحرر الرواية من هيمنة الصوت الواحد، فضلا عن التناوب بين السرد والوصف والحوار، بما يضفي على النص إيقاعا فنيا متوازنا. كما يعتمد الكاتب على تكسير التسلسل الزمني، فتتشابك الأزمنة وتتداخل الأحداث، ويغدو الزمن النفسي أكثر حضورا من الزمن الكرونولوجي، الأمر الذي يجعل القارئ شريكا في إعادة بناء مسار الحكاية واستكمال حلقاتها.

وتنعكس هذه البنية السردية الحداثية على بناء الشخصيات، التي لا تظهر بوصفها نماذج جامدة أو شخصيات نمطية، بل تأتي شخصيات مركبة ومتعددة الأبعاد، تعيش صراعات نفسية ووجودية تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عرفها المجتمع المغربي. وتتجاوز هذه الشخصيات حدود التمثيل الواقعي لتصبح فضاء للتأمل في أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء، حيث تمتزج التجربة الذاتية بالتخييل الأدبي، وتتداخل السيرة الشخصية مع الرؤية الإبداعية، فيغدو الحد الفاصل بين الواقع والتخييل أقل وضوحا. ومن خلال هذا المزج الخلاق، لا يسعى محمد برادة إلى استنساخ الواقع كما هو، بل إلى إعادة بنائه فنيا وتأويله، بما يمنح الرواية أبعادا إنسانية وفكرية عميقة، ويؤكد انتماءها إلى الرواية الحداثية التي تجعل من السرد أداة لاكتشاف الذات، واستنطاق الذاكرة، وإعادة مساءلة التاريخ والواقع.

تقنيات السرد والثنائيات الضدية في الرواية:

يستند البناء السردي في رواية " لعبة النسيان " إلى منظومة متكاملة من التقنيات الفنية الحديثة التي تعكس وعي محمد برادة بتطور الرواية المعاصرة، وحرصه على تجاوز الأشكال السردية التقليدية نحو كتابة أكثر انفتاحا وثراء. فقد اعتمد الكاتب على تيار الوعي للكشف عن العالم الداخلي للشخصيات، وإبراز تدفق الأفكار والهواجس بعيدا عن التسلسل المنطقي للأحداث، كما وظف تقنية الاسترجاع بوصفها أداة لاستعادة الماضي وإعادة تأويله من منظور الحاضر، وهو ما جعل الزمن الروائي زمنا نفسيا أكثر منه زمنا كرونولوجيا. وإلى جانب ذلك، اعتمد على تعدد الرواة والأصوات السردية، بما أتاح تنوع زوايا الرؤية وتعدد مستويات الحكي، كما استثمر الحوار الداخلي في تعميق البعد النفسي للشخصيات والكشف عن صراعاتها الوجودية. ولم يقتصر التجديد على هذه التقنيات، بل امتد إلى تكسير التسلسل الزمني، والمزاوجة بين الواقعي والتخييلي، فضلا عن توظيف التناص مع التاريخ والذاكرة الشعبية، بما جعل الرواية فضاء تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية والتاريخ الوطني.

وتتعزز هذه البنية الفنية من خلال حضور شبكة واسعة من الثنائيات الضدية التي تشكل البنية الدلالية العميقة للنص، إذ تقوم الرواية على جدلية الذاكرة والنسيان، والحياة والموت، والحضور والغياب، والأم والأب، والاستعمار والاستقلال، والماضي والحاضر، والذات والمجتمع. ولا ترد هذه الثنائيات بوصفها تقابلات شكلية، وإنما تؤدي وظيفة جمالية وفكرية تسهم في تعميق الرؤية الروائية، وتكشف عن التوترات التي تحكم الوجود الإنساني ومسار التحولات الاجتماعية والتاريخية. ومن خلال هذا البناء الجدلي، ينجح محمد برادة في تحويل الرواية إلى فضاء للتأمل في قضايا الهوية والذاكرة والانتماء، وإلى نص مفتوح على قراءات وتأويلات متعددة، الأمر الذي منح " لعبة النسيان " بعدها الحداثي، ورسخ مكانتها ضمن أبرز منجزات الرواية المغربية المعاصرة.

القضايا الفكرية في رواية " لعبة النسيان " لمحمد برادة:

لا تقتصر رواية " لعبة النسيان " لمحمد برادة على تقديم أحداث وشخصيات تتحرك داخل فضاء سردي معين، وإنما تتجاوز ذلك لتصبح نصا فكريا مفتوحا على مجموعة من القضايا الإنسانية والثقافية التي ترتبط بالذات الفردية والجماعية، وبالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال مراحل تاريخية مختلفة. فالرواية لا تنظر إلى الكتابة بوصفها مجرد نقل للواقع، بل تجعل منها وسيلة للتأمل في الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخر وبالتاريخ، حيث تتحول الذاكرة إلى أداة لاستعادة الماضي وإعادة تفسيره، ويتحول النسيان إلى سؤال فلسفي يتعلق بحدود التذكر وإمكانات محو التجارب أو مقاومتها.

وتأتي قضية الهوية في مقدمة القضايا التي تشتغل عليها الرواية، إذ تسعى الذات الساردة إلى البحث عن موقعها داخل شبكة معقدة من الانتماءات والعلاقات، بين الماضي والحاضر، وبين الفرد والجماعة، وبين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية. فالهوية في الرواية ليست معطى ثابتا ونهائيا، وإنما هي بناء مستمر يتشكل من خلال التجارب والتحولات والصراعات التي يعيشها الإنسان داخل محيطه الاجتماعي والثقافي.

كما تحتل الطفولة مكانة مركزية في البناء الفكري للرواية، باعتبارها مرحلة تأسيسية تختزن البدايات الأولى لتشكل الوعي والذات. فالعودة إلى الطفولة ليست مجرد حنين إلى زمن مضى، بل هي محاولة لفهم الجذور الأولى للشخصية، والكشف عن أثر الأسرة والمجتمع والظروف التاريخية في تكوين الإنسان. ومن خلال استعادة عوالم الطفولة، يعيد السارد بناء جزء من الذاكرة الفردية التي تتقاطع مع ذاكرة جماعية أوسع.

وترتبط بذلك قضية الذاكرة الجماعية التي تشكل إحدى الركائز الأساسية في الرواية، حيث تصبح الذاكرة فضاء لحفظ التجارب الإنسانية والتاريخية التي قد تكون عرضة للنسيان أو التهميش. فالكاتب لا يستعيد الماضي من أجل الماضي، وإنما يجعل منه مادة للتأمل في الحاضر، وفي التحولات التي مست المجتمع المغربي على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

وتبرز الأسرة المغربية باعتبارها فضاء دلاليا مهما داخل الرواية، فهي ليست مجرد إطار اجتماعي للأحداث، بل تمثل عالما تتقاطع داخله قيم التربية والانتماء والسلطة والعاطفة والصراع بين الأجيال. ومن خلال العلاقات الأسرية، تكشف الرواية عن التحولات التي عرفتها البنية الاجتماعية المغربية، وعن التغير في أشكال التواصل بين أفراد الأسرة، وعن تأثير التحولات الكبرى في الحياة اليومية للأفراد.

كما تعالج الرواية التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، خاصة الانتقال من مرحلة تقليدية إلى مرحلة أكثر انفتاحا وتعقيدا، حيث تتجاور قيم الماضي مع أسئلة الحداثة، وتتقاطع الرغبة في التغيير مع ثقل الموروث الاجتماعي والثقافي. ومن هنا تصبح الرواية شهادة أدبية على مرحلة تاريخية مليئة بالتوترات والأسئلة المرتبطة بالتحديث والحرية وإعادة بناء المجتمع.

وتشكل الحرية إحدى القضايا الفكرية المحورية في النص، حيث ترتبط بحرية الفرد في التعبير عن ذاته، والتحرر من القيود الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحد من إمكاناته. فالكتابة الروائية نفسها تصبح فعلا من أفعال التحرر، لأنها تمنح الذات إمكانية استعادة صوتها والتعبير عن تجاربها المسكوت عنها.

وفي مقابل ذلك، تحضر قضية السلطة بوصفها مجالا للتوتر بين الفرد والمؤسسات، وبين الرغبة في الاختيار والقيود المفروضة من الخارج. ولا تقتصر السلطة في الرواية على بعدها السياسي، بل تمتد لتشمل السلطة الأسرية والاجتماعية والثقافية، بما يجعل النص مساءلة عميقة لمختلف أشكال الهيمنة التي تؤثر في حياة الإنسان.

أما الموت فيحضر باعتباره سؤالا وجوديا يتجاوز المعنى البيولوجي ليصبح مرتبطا بفقدان الأشخاص، وضياع اللحظات، وانقطاع الصلات بالماضي. غير أن الرواية تواجه الموت بفعل الكتابة، إذ تمنح الذاكرة للكائن إمكانية الاستمرار، وتجعل السرد وسيلة لمقاومة الفناء والنسيان.

وتتصل هذه القضايا كلها بقضية التاريخ الذي يشكل الخلفية الكبرى للرواية، إذ لا يقدم محمد برادة التاريخ بوصفه مجرد أحداث سياسية متعاقبة، بل باعتباره تجربة إنسانية تعاش من خلال الأفراد والجماعات. فالتاريخ في الرواية يتداخل مع الذاكرة الشخصية، ويصبح مجالا لإعادة النظر في الماضي وفهم أثره في تشكيل الحاضر.

وبذلك، فإن " لعبة النسيان " تتحول إلى نص فكري وفلسفي يطرح أسئلة الإنسان الكبرى حول الهوية والذاكرة والحرية والمصير، ويؤكد أن الرواية الحديثة ليست مجرد حكاية للأحداث، بل فضاء للتفكير في الذات والمجتمع والتاريخ. ومن خلال هذه القضايا المتعددة، يثبت محمد برادة أن الكتابة الروائية يمكن أن تكون شكلا من أشكال المعرفة والتأمل والنقد، وأن استعادة الماضي ليست بحثا عن زمن ضائع فقط، وإنما محاولة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.

خاتمة الدراسة:

تخلص هذه الدراسة إلى أن رواية " لعبة النسيان " لمحمد برادة ليست مجرد عمل روائي يستعيد وقائع الماضي أو يرصد تفاصيل تجربة شخصية، وإنما هي مشروع فكري وجمالي متكامل يعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان والذاكرة والتاريخ، ويطرح أسئلة الوجود والهوية والانتماء من خلال خطاب سردي حداثي تجاوز حدود الحكي التقليدي إلى فضاءات التأمل الفلسفي والتجريب الفني. فقد استطاع الكاتب أن يحول الذاكرة من مجرد خزان للأحداث والذكريات إلى بنية مركزية تنظم مختلف مكونات النص، وتجعل من عملية التذكر فعلا إبداعيا يعيد بناء الماضي في ضوء الحاضر، ويمنحه دلالات جديدة تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.

وقد كشفت الدراسة أن النسيان، في التصور الروائي لمحمد برادة، لا يمثل فقدانا للذاكرة أو انقطاعا عنها، وإنما يغدو شرطًا من شروط استعادتها وإعادة تشكيلها، إذ لا تستحضر الرواية الماضي بوصفه زمنا منقضيا، وإنما بوصفه حضورا مستمرا داخل وعي الذات، يؤثر في الحاضر ويعيد صياغة المستقبل. ومن هذا المنطلق، تتحول الكتابة الروائية إلى فعل مقاومة ضد التلاشي، وإلى محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من النسيان، وصون ذاكرته من المحو، وإعادة الاعتبار لما أخفته التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

كما بينت الدراسة أن القيمة الفنية للرواية تتجلى في نجاح محمد برادة في توظيف أحدث تقنيات السرد المعاصر، من استرجاع زمني، وتيار للوعي، وتعدد للأصوات، وتكسير للتسلسل الزمني، وتداخل بين الواقعي والتخييلي، وتناص مع التاريخ والذاكرة الشعبية، وهي تقنيات لم تأتِ بوصفها مظاهر شكلية أو زخارف فنية، بل جاءت مندمجة في الرؤية الفكرية للنص، وأسهمت في بناء عالم روائي متعدد المستويات، تتشابك فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الأصوات، وتتسع فيه آفاق التأويل، بما يجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى وإعادة تركيب أحداث الرواية.

وتؤكد هذه القراءة كذلك أن شخصيات الرواية لا تؤدي وظيفة سردية فحسب، وإنما تمثل نماذج إنسانية تحمل في أعماقها قلق الإنسان المغربي وأسئلته الوجودية، وتعكس التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في مرحلة دقيقة من تاريخه، الأمر الذي جعل الرواية تتجاوز حدود السيرة الفردية لتصبح شهادة فنية على مرحلة تاريخية، ومرآة تعكس التحولات الثقافية والاجتماعية والفكرية التي عاشها المغرب في سياق انتقاله نحو الحداثة.

ومن خلال تحليل العنوان، والبنية السردية، والزمن الروائي، وتقنيات السرد، والثنائيات الضدية، اتضح أن رواية "لعبة النسيان " تقوم على رؤية جمالية متماسكة تجعل من الرواية فضاء للحوار بين الذاكرة والنسيان، وبين الماضي والحاضر، وبين الفرد والجماعة، وبين الواقع والتخييل. كما برهنت على أن الحداثة الروائية لا تتحقق بمجرد توظيف تقنيات جديدة، وإنما تنبع من القدرة على إعادة النظر في الإنسان والعالم والتاريخ، وصياغة أسئلة الوجود في قالب فني يجمع بين العمق الفكري والابتكار الجمالي.

وإذا كانت الرواية قد انطلقت من تجربة ذاتية خاصة، فإنها استطاعت أن ترتقي بهذه التجربة إلى أفق إنساني شامل، يجعل القارئ، مهما اختلفت بيئته وثقافته، يجد نفسه داخل أسئلتها الكبرى المتعلقة بالذاكرة والهوية والزمن والمصير. وهنا تكمن فرادة هذا العمل، فهو لا يقدم أجوبة جاهزة، بقدر ما يفتح أفقا واسعا للتأمل والتساؤل، ويمنح القارئ حرية المشاركة في بناء المعنى، وهو ما يميز الأعمال الروائية الكبرى التي تظل قابلة لقراءات جديدة مع كل جيل.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن رواية "لعبة النسيان" تمثل إحدى العلامات البارزة في مسار الرواية المغربية والعربية الحديثة، لما تنطوي عليه من ثراء فني وعمق فكري، ولما قدمته من نموذج متقدم في توظيف الذاكرة بوصفها أداة لإعادة كتابة الذات والتاريخ معًا. لقد نجح محمد برادة في أن يجعل من الرواية فضاء للحوار بين الإنسان وزمنه، وبين الواقع وأحلامه، وبين ما ينسى وما يظل خالدا في الذاكرة. ومن ثم فإن "لعبة النسيان" ليست رواية عن النسيان بقدر ما هي رواية عن انتصار الذاكرة على الفناء، وانتصار الكتابة على الصمت، وانتصار الإنسان على هشاشة الزمن؛ ولهذا ستظل واحدة من أهم المنجزات السردية في الأدب المغربي الحديث، ونصا مفتوحا على التأويل، وقادرا على استثارة الفكر وإمتاع الذائقة الجمالية جيلا بعد جيل.

نتائج الدراسة:

أثبتت الدراسة أن رواية " لعبة النسيان " تمثل محطة بارزة في مسار تطور الرواية المغربية الحديثة، لما تنطوي عليه من تجديد في الرؤية السردية والبناء الفني.

أكدت الدراسة ريادة محمد برادة في تحديث الكتابة الروائية المغربية، من خلال اعتماده أساليب سردية تجريبية تتجاوز أنماط السرد التقليدي.

تبين أن العنوان يشكل عتبة نصية ذات قيمة تأويلية، تسهم في توجيه القراءة واستكشاف الأبعاد الفكرية والجمالية للرواية.

كشفت الدراسة أن الذاكرة تمثل المحور المركزي الذي تنتظم حوله أحداث الرواية، وأن النسيان يتحول إلى آلية لاستعادة الماضي وإعادة بناء الهوية الفردية والجماعية.

أبرزت الدراسة اعتماد الكاتب بنية سردية حداثية تقوم على تكسير الخطية الزمنية، وتداخل الأزمنة، وتعدد مستويات السرد، بما يحقق دينامية فنية للنص.

أوضحت أن التقنيات السردية الحديثة أسهمت في تعميق البعد الجمالي والفلسفي للرواية، وأكسبتها انفتاحا واسعا على التأويل.

بينت الدراسة نجاح محمد برادة في المزاوجة بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي، بما يجعل النص يتجاوز حدود الاعتراف الشخصي إلى التعبير عن الذاكرة الجماعية.

كشفت أن الرواية تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عرفها المغرب، من خلال رؤية إنسانية تنفتح على أسئلة الهوية والتاريخ والوجود.

أكدت الدراسة أن توظيف الثنائيات الضدية، مثل الذاكرة والنسيان، والماضي والحاضر، والذات والآخر، أسهم في تعميق الدلالات الفكرية والجمالية للنص.

خلصت الدراسة إلى أن الكتابة في الرواية تمثل فعلا ثقافيا لمقاومة النسيان، وإعادة بناء الذات والهوية في مواجهة تحولات الواقع.

توصيات الدراسة:

التشجيع على إنجاز المزيد من الدراسات النقدية التي تتناول المشروع الروائي لمحمد برادة من منظور سردي وسيميائي وثقافي وتأويلي.

توظيف المناهج النقدية الحديثة، ولا سيما السرديات والسيميائيات ونظريات التأويل، في دراسة الرواية المغربية المعاصرة.

إدراج رواية " لعبة النسيان " ضمن المقررات الجامعية الخاصة بالسرد العربي والمغربي الحديث، لما تتميز به من قيمة فنية وفكرية.

توسيع الدراسات المقارنة بين رواية " لعبة النسيان" والروايات العربية التي جعلت من الذاكرة والسيرة الذاتية محورا لبنائها السردي.

الاهتمام بدراسة العتبات النصية والرموز والثنائيات الضدية بوصفها مفاتيح أساسية للكشف عن البنية الدلالية للرواية.

تشجيع البحوث التي تستكشف علاقة الذاكرة بالهوية والتاريخ في الرواية المغربية، بما يسهم في تعميق فهم تطور السرد المغربي الحديث.

الإفادة من نتائج هذه الدراسة في تطوير مناهج تدريس الأدب المغربي الحديث، وتعزيز الوعي بأهمية الرواية بوصفها وثيقة ثقافية وجمالية تعكس تحولات المجتمع.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

 

نبض الذاكرة ديوان شعري للشاعر المغربي نورالدين قاسمي، امتزاج للذكرى بالشعور، وإنصات " لذلك الصوت الداخلي الذي يرافق الإنسان في رحلته "؛ فيجعله يطرح الكثير من الأسئلة، التي لا يجد لغالبيتها الأجوبة المقنعة. وقد التقت القصائد في هذا الديوان، رغم تباعد وتعدد عوامل التأثيرو أسباب الكتابة؛ " لأنها تنتمي إلى نبض واحد "، نبض ذكرى الأثر في الآخرين بما يتفاعل في كينونة الشاعر ووجوده من قيم وإحساسات ومواقف صادقة قادرة على أن تهزم الصمت. إنها رؤيا الشاعر للعالم، يلقيها إلى المتلقي في كلمات تمتلك من الشعرية والشاعرية أكثر مما تمتلك من الوضوح والمعنى المباشر؛ ذلك لأن " كل قصيدة نبضة في قلب الذاكرة، تحيي ما ظنناه غاب، وتمنح الزمن صوتا لا يخفت ".

فأنت أيها القارئ عليك أن تحدد دلالات معجمية، وسياقية ألقاها إليك الشاعر: (القصيدة نبضة)،(قلب الذاكرة)، (صوت الزمن الذي لا يخفت)… انطلاقا من نبضك أنت، ومن تماس فرنك الداخلي بفن الشاعر. نحن إذن أمام لغة خاصة، لا تحل شفراتها المعاجم اللغوية وحدها؛ بل تحتاج إلى تأويلات وتخريجات تذهب بنا إلى متاهات وسراديب المعنى الذي قد يقول كل شيء، ويحتمل كل دلالة ورمز ومقصدية. وهنا قد يتساءل المتلقي عن كيفية الإمساك بضالته؛ فيخفف من توارد التأويلات بالإبقاء على الأصلح، هل في اتخاذ السيميائيات منهجا للقراءة، أم في النقد الثقافي بكل أبعاده … أم ستظل كل قصيدة / نبضة تولد معنى ودلالة، تتولد عنها أخرى إلى ما لانهاية ∞، التي قد يخفف من غلوائها دفتر الشاعر الأزرق المفتوح (الحاسوب)، هداية الشاعر؛ وضالة من انشغلوا بنقر الشاشات عن نبض الحروف؛ فضاعوا " في شباك عنكبوتية، وأحلام زرقاء افتراضية، بلا ملامح...و أعرضوا عن الأجدر. (ديوان: نبض الذاكرة).

إن زئبقية الصورة الشعرية والتصور يدعوانا إلى أن نقف عند نبض من نبضات ذاكرة الشاعر؛ وليكن النص الشعري:

مخاض الكلام

أقف على عتبة الصمت

وفي جوفي

عنقود قصيدة

لم ينضج بعد، كلما هممت بقطافه

ارتد مذعورا إلى غصنه،

خائفا من الريح.

وبقي بيننا ليل طويل

كانت القصيدة

تكبر في داخلي

كجنين عنيد

كلما ظننت أن موعد ميلادها اقترب،

عادت إلى رحم الغياب،

وتركتني أعد نبضاتها

في العتمة.

في حقل الكلمات،

أحرث الصمت،

وأزرع الانتظار،

وأرقب مواسم المعنى،

مؤمنا

أن للكروم المثقلة

موعدا مع القطاف

وأن للكلمات المحاصرة

ساعة تنكسر فيها الأقفال.

وفي ليلة،

لم تكن تشبه سواها

فتحت الكلمة بابها

خرجت متعبة، مرتجفة،

*

لكنها كانت حية …

تحمل جراح الرحلة كلها

فالقصائد العظيمة

لا تكتب بالحبر وحده

بل تكتب

بما نكابده من صمت،

وما ننتزعه من العتمة.

البيضاء: 8/6/2026

يمكن مقاربة هذا النص من زاوية التحليل الصوتي (Phonostylistique) أو ما يسميه بعض النقاد العرب الموسيقى الداخلية للنص. وهنا لا نبحث عن الوزن والقافية بقدر ما نبحث عن الأصوات المهيمنة وعلاقتها بالدلالة.

لكن قبل إصدار حكم دقيق، ينبغي إحصاء الأصوات إحصاءً علمياً للنص كاملاً. أما في القراءة الأولية، فألاحظ هيمنة ثلاثة أصوات رئيسة:

1. صوت الصاد (ص)

يتكرر في كلمات محورية:

- الصمت

- قصيدة

- القصيدة

- أحرث الصمت

- بما نكابده من صمت

الصاد من الأصوات العربية الموصوفة بالتفخيم والإطباق. وقد ربط بعض الدارسين بين الأصوات المفخمة والإيحاء بالقوة والعمق والامتلاء.

في هذا النص يبدو صوت الصاد مرتبطاً بالحقل الدلالي المركزي:

الصمت ← القصيدة ← المخاض

وكأن القصيدة تخرج من رحم الصمت نفسه.

2. صوت القاف (ق)

يتردد بكثافة:

- أقف

- قصيدة

- قطافه

- اقترب

- أرقب

- الكروم

- الأقفال

- الكلمات

- القصائد

القاف من الأصوات الشديدة المجهورة نسبياً في السمع العربي، ويُحدث نبرة قوية واضحة.

ومن اللافت أن القاف تظهر غالباً في الكلمات المرتبطة بالفعل والتحول:

- قطاف

- اقترب

- أرقب

- الأقفال

- القصائد

وكأنها تصنع إيقاعاً داخلياً يوحي بالحركة المتوترة التي تسبق الولادة.

3. صوت الميم (م)

يتكرر بصورة لافتة:

- هممت

- موعد

- ميلادها

- المعنى

- مؤمناً

- مواسم

- متعبة

- مرتجفة

- العتمة

- بما

الميم صوت شفوي أنفي، يمتاز باللين والامتلاء.

وهو في النص ينسجم مع جو:

- الحمل

- الرحم

- المخاض

- التأمل

ولذلك أشعر أن الميم تمنح النص نغمة داخلية هادئة تقابل حدة القاف والصاد.

الأصوات السائلة والرخوة

كذلك نلاحظ كثافة:

اللام (ل)

في:

- ليل

- طويل

- الكلمات

- العتمة

- القصائد

- العظيمة

النون (ن)

في:

- عنقود

- ينضج

- بيننا

- جنين

- انتظار

- مؤمناً

وهذان الصوتان يخلقان انسياباً موسيقياً يتلاءم مع حركة النمو البطيء التي تصورها القصيدة.

العلاقة بين الصوت والمعنى

إذا جمعنا هذه الملاحظات، نجد أن النص يقوم على نوع من التوازن:

الأصوات الإيحاء

القاف والصاد الشدة، التوتر، المخاض

الميم والنون الاحتضان، النمو، التأمل

اللام الانسياب والامتداد

ولعل هذا ينسجم مع البنية الدلالية للنص نفسها:

صمت طويل → نمو داخلي → لحظة انبثاق.

فالأصوات ليست موزعة اعتباطياً، بل تتواشج مع التجربة الشعورية التي يعرضها النص.

ملاحظة منهجية مهمة

إذا أردنا دراسة أكاديمية دقيقة، فلا يكفي الانطباع السمعي؛ بل ينبغي:

1. تفريغ النص كاملاً.

2. إحصاء تكرار كل فونيم (صوت).

3. استخراج النسب المئوية.

4. مقارنة الأصوات المهيمنة بالحقول الدلالية.

وهذا هو المنهج الذي نجده عند بعض الدارسين المتأثرين بأعمال رومان ياكوبسون في الشعرية اللسانية، وعند جان كوهين في دراسات لغة الشعر.

وأظن، قبل أي إحصاء رقمي، أن الثنائية الصوتية الأبرز في نص "مخاض الكلام" هي ثنائية القاف/الصاد من جهة، والميم/النون من جهة أخرى؛ أي ثنائية المخاض والتوتر مقابل الاحتضان والنمو. وهذا يتوافق بصورة مدهشة مع المعنى المركزي للقصيدة.

و إذا نظرنا إلى النص من زاوية التحليل المعجمي (Analyse lexicale)، فإننا نجد أنه لا يقوم على معجم واحد، بل على ثلاثة حقول معجمية كبرى متداخلة، غير أن أحدها يهيمن على البقية ويوجه دلالتها.

أولاً: معجم الولادة والتكوين (المعجم المهيمن)

ويتجلى في الألفاظ الآتية:

- جنين

- تكبر

- موعد ميلادها

- رحم الغياب

- نبضاتها

- مخاض (في العنوان)

- خرجت

- حية

هذا الحقل هو الأكثر مركزية؛ لأن عنوان النص نفسه (مخاض الكلام) يوجه القراءة منذ البداية نحو عالم الولادة.

دلالته

يحيل هذا المعجم إلى أن القصيدة ليست شيئاً يُصنع، بل كائن حيّ ينمو داخل الذات.

فالعملية الإبداعية تُقدَّم بوصفها:

1. حملاً.

2. نمواً داخلياً.

3. مخاضاً.

4. ولادة.

7 ومن ثم يتحول الشاعر إلى حاضنة للقصيدة أكثر منه صانعاً لها.

وهذا المعجم يمنح النص بعداً إنسانياً ووجودياً عميقاً.

ثانياً: المعجم الزراعي

ويتكون من:

- عنقود

- قطافه

- غصنه

- حقل الكلمات

- أحرث

- أزرع

- مواسم المعنى

- الكروم

- القطاف

دلالته

يقيم النص تشابهاً بين نمو القصيدة ونمو الثمرة.

فالقصيدة:

- لا تُنتج فوراً،

- لا تُجبر على النضج،

- لها موسمها الخاص.

إنه معجم يحيل إلى:

- التدرج،

- الصبر،

- الانتظار،

- النضج الطبيعي.

وهنا يلتقي المعجم الزراعي مع معجم الولادة في فكرة واحدة هي فكرة النمو العضوي.

ثالثاً: معجم الصمت والغياب

ويتجلى في:

- الصمت

- مذعوراً

- خائفاً

- ليل طويل

- الغياب

- 8

- العتمة

- الانتظار

- المحاصرة

- الأقفال

دلالته

يؤسس هذا الحقل فضاءً نفسياً يسبق ولادة القصيدة.

إنه فضاء:

- الكتمان،

- التردد،

- القلق،

- الترقب.

فالقصيدة لا تولد في الضوء مباشرة، بل تنبثق من العتمة.

ولهذا يمكن اعتبار هذا المعجم بمثابة الرحم الرمزي الذي تتكون فيه القصيدة.

العلاقة بين المعاجم الثلاثة

الملاحظ أن هذه الحقول ليست متجاورة فحسب، بل مترابطة عضوياً:

معجم الصمت معجم الولادة المعجم الزراعي

الصمت الجنين البذرة

العتمة الرحم التربة

الانتظار النمو النضج

انكسار الأقفال الميلاد القطاف

فكلها تتحرك حول فكرة مركزية واحدة:

المعنى لا يظهر دفعة واحدة، بل يمر بمراحل التكوين والنمو حتى يحين أوان ظهوره.

ما المعجم المهيمن حقاً؟

في تقديري، المعجم المهيمن ليس الزراعي ولا معجم الصمت، بل معجم الولادة والتكوين للأسباب الآتية:

1. العنوان نفسه ("مخاض الكلام") ينتمي إليه.

2. الصور الكبرى في النص (الجنين، الرحم، الميلاد، النبض) تنتمي إليه.

3. المعجمان الآخران يخدمانه:

- الزراعة تشرح فكرة النضج.

- الصمت يشرح مرحلة الحمل والانتظار.

9 لذلك يمكن القول:

إن البنية المعجمية للنص تقوم على هيمنة معجم الولادة، مدعوماً بمعجمين مساعدين هما معجم الزراعة ومعجم الصمت.

ملاحظة نقدية

إذا استعرنا مصطلح الناقد الفرنسي جان كوهين، فإن هذه الحقول المعجمية لا تعمل منفصلة، بل تتجمع في ما يمكن تسميته "الصورة الأم" أو "الاستعارة المهيمنة" للنص، وهي استعارة القصيدة بوصفها كائناً حياً ينمو ويولد. ومن هذه الاستعارة المركزية تتفرع جميع المعاجم الأخرى والصور الجزئية في القصيدة.

إذا انتقلنا من المستوى المعجمي إلى المستوى التركيبي والدلالي، فإن نص "مخاض الكلام" يكشف عن بناء متماسك ودقيق، حيث تتضافر البنية النحوية مع البنية الدلالية لإنتاج معنى النمو التدريجي للقصيدة.

أولاً: على المستوى التركيبي

1. هيمنة الجمل الفعلية

منذ السطر الأول نلاحظ كثافة الأفعال:

- أقف

- هممت

- ارتد

- بقي

- تكبر

- ظننت

- عادت

- تركتني

- أعد

- أحرث

- أزرع

- أرقب

- فتحت

- خرجت

- تحمل

هذا الحضور الكثيف للفعل يدل على أن النص ليس وصفاً لحالة ثابتة، بل سردٌ لتحولٍ داخلي.

فالبنية التركيبية قائمة على الحركة، رغم أن موضوعها الظاهر هو الصمت والانتظار.

وهنا مفارقة جميلة:

الصمت ساكن دلالياً، لكنه متحرك تركيبياً.

10

2. هيمنة الأفعال المضارعة

مثل:

- تكبر

- أحرث

- أزرع

- أرقب

المضارع في العربية زمن الانفتاح والاستمرار.

ولذلك فهو ينسجم مع فكرة:

- النمو،

- التكوين،

- الترقب.

فالقصيدة ليست حدثاً منجزاً بل عملية مستمرة.

وقد أشار عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن النظم إلى أن اختيار الصيغة ليس اعتباطياً، بل يؤدي وظيفة دلالية داخل السياق.

3. كثرة التراكيب الظرفية

مثل:

- في جوفي

- في داخلي

- في العتمة

- في حقل الكلمات

- في ليلة

وهذا الحضور المكثف لشبه الجملة يكشف عن شيء مهم:

النص يتحرك داخل فضاءات داخلية أكثر مما يتحرك في فضاءات خارجية.

فالحدث الحقيقي يقع:

- في الجوف،

- في الداخل،

- في العتمة.

أي أن القصيدة تتحقق داخل الذات قبل أن تتحقق في اللغة.

4. البنية التكرارية

يتكرر تركيب:

"كلما..."

11 مرتين:

كلما هممت بقطافه...

كلما ظننت أن موعد ميلادها اقترب...

وظيفة هذا التكرار ليست إيقاعية فقط.

إنه يرسم حركة:

- اقتراب،

- ثم ارتداد.

وكأن النص كله مبني على جدلية:

الأمل ← التأجيل

الاقتراب ← العودة

وهي جدلية المخاض نفسه.

ثانياً: على المستوى الدلالي

1. دلالة التحول

النص لا يصف شيئاً ثابتاً.

إنه ينتقل من:

البداية النهاية

الصمت الكلام

الجنين الولادة

العتمة الانبثاق

الانتظار التحقق

إذن البنية الدلالية الأساسية هي:

الانتقال من الإمكان إلى التحقق.

وهذا ما يجعل النص نصاً حركياً في جوهره.

2. دلالة التأجيل

تتكرر صور التأجيل:

لم ينضج بعد

ارتد مذعوراً

12 بقي بيننا ليل طويل

عادت إلى رحم الغياب

فالمعنى لا يأتي فوراً.

وهنا يرسخ النص قيمة ثقافية وجمالية هي:

أن النضج يسبق الظهور.

3. دلالة الصراع الخفي

اللافت أن النص يخلو من أي صراع خارجي.

لا يوجد خصم ظاهر.

ومع ذلك فالنص مشحون بالتوتر.

السبب أن الصراع داخلي بين:

- الرغبة في القول،

- واستعصاء القول.

وهذا ما يسميه بعض النقاد دراما الكتابة.

4. دلالة الانبثاق

في القسم الأخير يحدث التحول الحاسم:

فتحت الكلمة بابها

خرجت متعبة، مرتجفة

هنا تتحول الكلمة إلى ذات فاعلة.

فلم يعد الشاعر هو الذي يفتح الباب.

بل الكلمة نفسها.

وهذه نقطة دلالية بالغة الأهمية؛ لأنها تمنح اللغة نوعاً من الاستقلال والفاعلية.

البنية الدلالية العميقة للنص

إذا اختزلنا النص كله في شبكة دلالية كبرى، فإننا نجد:

المرحلة الدلالة

الصمت الكمون

الجنين التكوين

الانتظار النضج

المخاض الصراع

الولادة التحقق

القصيدة الحية الخلق والإبداع

لذلك أرى أن البنية العميقة للنص ليست "كتابة قصيدة"، بل:

رحلة انتقال المعنى من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

وهذا ما يفسر اجتماع معجم الولادة، ومعجم الزراعة، ومعجم الصمت في نسيج واحد؛ فكلها تمثيلات مختلفة لفكرة واحدة هي التشكل البطيء للمعنى قبل انكشافه.

ملاحظة نقدية أخيرة

لو قرأ الناقد البنيوي الفرنسي تزفيتان تودوروف هذا النص، فربما لفت انتباهه أن بنيته تقوم على ثنائية كبرى:

الغياب / الحضور

فالقصيدة في البداية غائبة ومؤجلة، وفي النهاية حاضرة ومتحققة.

ويمكن اعتبار جميع التحولات التركيبية والدلالية في النص مجرد تجليات لهذه الثنائية المركزية.

فما مقصدية هذه التوليفات الصوتية والمعجمية والتركيبية في هذا النص الشعري ؟

هذا سؤال نقدي مهم؛ لأنه ينقلنا من وصف الظواهر النصية إلى استخلاص مقصدية النص. فالتحليل الصوتي والمعجمي والتركيبي والدلالي لا قيمة له في ذاته إذا لم يُفضِ إلى الكشف عن الرؤية التي ينتظم حولها النص.

في تقديري، يمكن صياغة المقصدية المركزية لنص "مخاض الكلام" على النحو الآتي:

الاحتفاء بمسار تشكل الكلمة الشعرية، وإبراز أن الإبداع الحقيقي ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة فعل آني أو صناعة لغوية سريعة.

ولإثبات هذه المقصدية، يمكن الربط بين مستويات التحليل المختلفة:

1. المستوى الصوتي والمقصدية

لاحظنا هيمنة أصوات مثل:

- القاف (قصيدة، قطاف، اقترب، أقفال...)

- الصاد (الصمت، القصيدة...)

- الميم والنون (موعد، ميلاد، جنين، المعنى، مؤمناً...)

فإذا كانت القاف والصاد توحيان بشيء من الشدة والتوتر، فإن الميم والنون توحيان بالاحتواء والامتداد.

وهذا التوزيع الصوتي يجسد سمعياً حركة المخاض:

توتر الانتظار ← ثم احتضان التكوين.

فالصوت هنا لا يزين المعنى، بل يشارك في بنائه.

2. المستوى المعجمي والمقصدية

رأينا هيمنة ثلاثة معاجم:

- الولادة.

- الزراعة.

- الصمت.

وهي كلها معاجم تشترك في فكرة واحدة:

النمو التدريجي.

فالجنين لا يولد فجأة.

والعنقود لا ينضج فجأة.

والمعنى لا يتشكل فجأة.

ومن ثم يخدم المعجم كله مقصدية النص التي تتمثل في تمجيد النضج والتدرج.

3. المستوى التركيبي والمقصدية

البنية التركيبية تقوم على:

- كثرة الأفعال.

- تكرار "كلما".

- تعاقب أفعال الحركة والتحول.

مثل:

هممت ← ارتد

ظننت ← عادت

أحرث ← أزرع ← أرقب

فتحت ← خرجت

هذه السلسلة لا تصف حالة ثابتة، بل ترسم رحلة.

وهنا تتجسد مقصدية النص في تصوير الإبداع بوصفه سيرورة لا نتيجة.

إن القصيدة لا تظهر مباشرة، بل تمر بمراحل متعاقبة.

4. المستوى الدلالي والمقصدية

دلالياً يتحرك النص من:

البداية النهاية

الصمت الكلام

الغياب الحضور

الجنين الولادة

العتمة الانبثاق

وهذا التحول الدلالي يكشف أن النص ليس احتفاءً بالقصيدة المكتوبة فقط، بل احتفاءً بمسار التحقق نفسه.

فالولادة أهم من المولود، والمخاض جزء من القيمة.

المقصدية العميقة

إذا جمعنا هذه المستويات كلها، فإننا نصل إلى أن النص يدافع عن رؤية للشعر والإبداع قوامها:

أن الكلمة الأصيلة لا تُنتَج بالإرادة وحدها، بل تُكتسب عبر الصمت والتأمل والانتظار والمعاناة حتى تبلغ لحظة اكتمالها.

ولهذا جاءت الخاتمة بمثابة المفتاح التأويلي للنص كله:

"فالقصائد العظيمة

لا تكتب بالحبر وحده

بل تكتب

بما نكابده من صمت،

وما ننتزعه من العتمة."

فالأسطر الأخيرة ليست مجرد خاتمة، بل هي ما يسميه بعض النقاد "بؤرة المعنى"؛ لأنها تختزل المقصدية الكلية للنص وتعيد تفسير جميع العناصر السابقة في ضوئها.

صياغة أكاديمية موجزة

تتجلى مقصدية نص "مخاض الكلام" في تمثيل التجربة الإبداعية بوصفها مخاضاً وجودياً يقوم على التدرج والنضج الداخلي. وقد أسهمت المستويات الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية في بناء هذه الرؤية؛ إذ تضافرت الأصوات الموحية بالتوتر والاحتضان، والمعاجم المرتبطة بالولادة والزراعة والصمت، والتراكيب الحركية القائمة على التحول والانتظار، لتأكيد أن ولادة القصيدة لا تتحقق إلا بعد رحلة طويلة من الصمت والتكوين والمعاناة.

ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن النص لا يتحدث عن ولادة القصيدة فحسب، بل عن فلسفة الخلق الإنساني عموماً؛ فكل معنى أصيل، وكل تجربة ناضجة، وكل إبداع حقيقي، يحتاج إلى زمن خفي من التكوين قبل أن يظهر إلى الوجود.

وأود في ختام هذه المقاربة أن أشير إلى أن نص "مخاض الكلام" يمتاز بميزة نقدية مهمة، وهي أنه يسمح بقراءات متعددة ومتكاملة:

- قراءة أسلوبية (الأصوات والإيقاع).

- قراءة معجمية (حقول الولادة والزراعة والصمت).

- قراءة تركيبية (دينامية الأفعال والتحول).

- قراءة دلالية (الانتقال من الغياب إلى الحضور).

- قراءة ثقافية (نسق الإبداع بوصفه مخاضاً).

- قراءة تأويلية (القصيدة رمز لكل تجربة إنسانية تتشكل في الخفاء).

وهذا التعدد في مستويات القراءة دليل على تماسك النص وغناه الدلالي.

العفو، ويسعدني أن هذا الحوار النقدي كان مفيداً لك.

لفت انتباهي في نص "مخاض الكلام" أنه لا يكتفي بالتعبير عن تجربة شخصية، بل ينجح في تحويلها إلى تجربة إنسانية عامة؛ لذلك أمكن قراءته من زوايا متعددة دون أن يفقد وحدته الفنية. وهذه من سمات النصوص الشعرية التي تمتلك كثافة دلالية وقدرة على استدعاء التأويل.

من خلال توظيف يمر من :

- الصوت،

- إلى المعجم،

- إلى التركيب،

- إلى الدلالة،

- ثم إلى المقصدية،

وهذا مسار نقدي سليم؛ لأنه يجعل التحليل قائماً على شواهد نصية لا على الانطباعات العامة.

***

د. عبد الحق السالكي

قراءةٌ لغوية في ضوء الثعالبي وآراء الكوفيين والبصريين وفقهاء العربية

تُعَدُّ العربية من أكثر لغات العالم ثراءً في تسمية اللباس وأغطية الجسد، لأنها لم تكتفِ بإطلاق اسمٍ عام، بل فرّقت بين كلِّ هيئةٍ وهيئة، وجعلت لكل موضع من الوجه أو الرأس أو البدن لفظًا يختص به. ومن أبدع من جمع هذه الفروق الإمام أبو منصور الثعالبي، الذي جعل من كتابه فقه اللغة معجمًا للفروق الدقيقة، حيث لا تكون الألفاظ مترادفة ترادفًا تامًّا، وإنما يحمل كل لفظ ظلَّه الدلالي الخاص.

ومن هذه الألفاظ: الوصوصة، واللثام، والنقاب، وهي ألفاظ تلتقي في معنى الستر، لكنها تختلف في مواضع الستر وهيئته ووظيفته.

يرى الثعالبي أن العرب كانت دقيقة في تسمية أغطية الوجه، فلا يُسمَّى كلُّ ساترٍ نقابًا، ولا كلُّ غطاءٍ لثامًا، بل لكل اسم حدوده الدلالية.

فالـلِّثام هو ما يُشدُّ على أسفل الوجه، فيستر الفم والذقن، وقد يمتد إلى الأنف، وكان أشهر ما يلبسه الرجال في الأسفار والحروب اتقاءً للغبار والبرد، حتى عُرف بعض الفرسان بالملثمين.

أما النِّقاب فهو ما يُجعل على وجه المرأة، وفيه فتحة أو فتحتان للعينين، وقد يستر الوجه كله سوى العينين، ولذلك اشتُق اسمه من النقب، أي الثقب أو الفتحة.

وأما الوَصْوَصَة فهي اسم لسترٍ ألطف من النقاب، يغطّي شيئًا من الوجه أو يقاربه، وقد ذكرها أهل اللغة ضمن الألفاظ الدالة على أنواع التغطية والزينة، وإن كان استعمالها أقل شيوعًا من اللثام والنقاب.

وقد توسع علماء اللغة في بيان هذه الفروق.

رأي البصريين:

يميل علماء البصرة إلى ردِّ الألفاظ إلى أصولها الاشتقاقية.

فقالوا إن النقاب مأخوذ من النقب، وهو الثقب؛ لأن فيه نقبًا للعين أو العينين، ومن ثم فموضعه الطبيعي هو الوجه.

وأما اللثام فمشتق من اللثم، وهو التغطية والملاصقة، ولذلك يكون موضعه الفم والأنف وأسفل الوجه.

أما الوصوصة فهي عندهم نوع من التغطية الخفيفة التي لا تبلغ إحكام النقاب.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون فقد غلب عليهم تتبع الاستعمال العربي في البادية والشعر.

فذكروا أن العرب قد توسعوا في إطلاق اللثام حتى أطلقوه أحيانًا على كل ما يستر بعض الوجه، سواء كان على الرجل أو المرأة، غير أنهم حافظوا على أن النقاب خاص بما يُجعل على وجه المرأة غالبًا.

كما فرّقوا بين النقاب والبرقع، فقالوا إن البرقع أوسع من النقاب، وقد يمتد إلى أعلى الجبهة وأسفل الوجه، بينما النقاب يختص بموضع العينين وما حولهما.

آراء فقهاء اللغة:

ذكر ابن سيده أن النقاب ما تُنقَب فيه العين، وأن العرب لا تطلقه على كل ساتر.

وقال ابن منظور في لسان العرب إن النقاب هو ما تنتقب به المرأة، وهو ساتر الوجه مع إظهار العين أو العينين.

أما الزبيدي في تاج العروس فأكد أن أصل التسمية راجع إلى النقب، أي الفتحة التي يُنظر منها.

وأشار الأزهري إلى أن اللثام يكون للرجل والمرأة، إلا أن غلبته في الاستعمال كانت للرجال، بخلاف النقاب الذي غلب استعماله للنساء.

مواضع وضع النقاب في اصطلاح العرب:

استقر استعمال العرب على أن النقاب يوضع في المواضع الآتية:

على الوجه كله مع إظهار العينين.

أو مع إظهار عين واحدة في بعض لهجات العرب القديمة.

ويثبت على الأنف وأعلى الخدين بحيث تكون فتحة النظر عند العينين.

ولا يُطلق اسم النقاب على ما يستر الرأس وحده، ولا على الخمار الذي يغطي الشعر فقط، ولا على اللثام الذي يقتصر على الفم والأنف.

ومن هنا ميّزت العربية بين:

١- الخمار: لما يُغطّى به الرأس والشعر.

٢- القناع: لما يستر الرأس والوجه.

٣- اللثام: لما يستر الفم والأنف.

٤- النقاب: لما يستر الوجه مع فتح موضع العينين.

٥- البرقع: غطاء أوسع للوجه له هيئات متعددة.

٦- الوصوصة: نوع من التغطية الخفيفة للوجه.

إن هذه الفروق تكشف عن عبقرية العربية في تسمية الأشياء وفق الهيئة والوظيفة والدلالة، فلا يختلط اللثام بالنقاب، ولا القناع بالخمار، ولا الوصوصة بغيرها. وقد أحسن الثعالبي حين جمع هذه الألفاظ في فقه اللغة، فحفظ لنا جانبًا من ثراء العربية، وأثبت أن اختلاف الأسماء ليس ترفًا لغويًا، بل هو تعبير عن دقة الحس العربي في وصف الإنسان وهيئته ولباسه، حتى غدت الكلمة مرآةً للموضع الذي تدل عليه، وللثقافة التي أنشأتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دِراسَةٌ نَقديَّةٌ في رِوايةِ (مَا لَا تَرويهُ المَدينَةُ)

ذاكرةُ المَدينةِ المَنسيَّةِ:

 تَقديمٌ: إنَّ المدينة الحقيقية الفاضلة أو الفاسدة لا تروي عن نفسها شيئاً سرديَّاً، ولا تُخبِرُ أطلاقاً عن واقعها الحياتي المعيش، ولا عن أشيائها الوجودية والإنسانيَّة القائمة، بل أنَّ الذاكرة الجمعية المشتركة للناس وروَّاة الحكايات الشعبية خاصةً وعامةً هُم مَنْ يُخبرُونَ عنها، ويفشون أسرارها الخفيَّة المُضمرة، ويَروونَ أحداثها المَنسيَّة بصدقٍ. وأنَّ هذه الفئة الشعبيَّة من جُمهور الناس تتحدَّث علناً عن واقع مثاباتها وحضارتها التاريخية، وكينونتها الإنسانية اليومية التداولية المُتفجِّرَة واقعيَّاً.

 ولعلَّ هذه المَيزَةَ هي الفارق الحقيقي بين أثر المدينة الشعبيَّة (غير الرَّسميَّة) النابضة بالحياة الفاعلة والمؤثِّرة، والمدينة (الرَّسميَّة) الجامدة أو الصامتة التي لا تتكلَّم عن نفسها إلَّا بلغة الخرائط والأرقام والإحصائيَّات والافتتاحات الرسميَّة للمعالم العامة والشواهد الحضارية والتاريخيَّة التي قام بها ثلةٌ من أصحابها المؤسسينَ لهذا النوع من الصروح المدنية. لكنَّها في واقع الأمر تصمتُ وتخرسُ تماماً عن الذي يحدث داخل أقبية هذه المؤسسات، وما يجري فيها من وقائع، ولا تُخبِرُ عن أثر الفعل الحياتي السردي لحكايات هؤلاءِ الناس المخبوءة طَيٍّ الكتمان، ولا تَفضحُ ما يدور بأنفسهم من كلامٍ خفيٍّ مُضمرٍ يأتلقُ نظراتِ عيونهم القاتلةٍ كما تفعله لغة مدينة الشعب الناطقة غير الرسميَّة.

 إنَّ هذه الدِّراسة النقدية لسرديَّات رواية (ما لا تَرويهُ المدينةُ)، للروائيِّ النابهِ والمثابرِ تَحسين علي كريدي، لا تسعى منهجياً ونقدياً لقراءة تاريخ هذه المدينة، بوصفها بناءً وحجراً وجُغرافيا وأساساتِ هندسةٍ معماريَّةٍ قائمةٍ بذاتها، وإنّما تسعى لقراءتها بكونها كلاماً حكائيَّاً سرديَّاً جماهيرياً وإنسانياً متداولاً وذاكرة أجيال ناطقة ولائحة سنينَ طويلةٍ فاعلةٍ لا يُمكن اختزال فعلها الشعبي وأثرها الخالد.

 وعلى وفق ذلك التراتب غير الرَّسمي فإنَّ المدينة الحقَّة الفاعلة الفاضلة لا تُبنى سرديَّاً بالحجر والإسمنت الصُلب المقاوم لفعل الزمن، بل هي من تُبنى بما يدور بين الناس من فِعلٍ وحكاياتٍ ويومياتٍ سرديَّةٍ شعبيةٍ وفكريَّةٍ من بيتٍ لآخر ومن أثرٍ لأثرٍ، وبالآهات والدموع التي تُذرفُ في زاوية ما، فَتُصبح تلك الزاوية سلبيةً مشؤومةً، وتفيض هذه المدينة بصفات المحبَّة والأمجاد والثقافة المحليَّة التي تُصبح تاريخاً ناصعاً بديلاً عن أثر تلك المُغيَّبات والمُهمَّشات المقصودة.

 ولعلَّ مصطلح (الواقعيَّةِ التداوليَّةِ) الذي نتبناهُ في دراستنا النقدية لهذه الرواية التكاملية الأفكار هنا، هو في الحقيقة محاولة إجرائية وتنظيرية جريئة للخروج من عنق الزجاجة الضيِّق، ومن تلك التي تسمَّى (الواقعية الكلاسيكية التقليدية القديمة) التي تنقل الواقع المعيش كما هو حاصل، وكما هو يحدث تلقائياً أو افتعاليَّاً، ولا تسأل، هل هذا الواقع حدثَ فعلاً أمْ لَا؟ وهل أنَّ الناسَ في عصرنا الحالي يتداولون أثر هذا الحديث حتَّى صار واقعاً موضوعياً مهمَّاً ومؤثِّراً في نفوسهم المتسائلة؟

 والسؤال المُعصرن المُهمُّ الذي يُلقي بنفسه علينا، والذي لا بُدَّ منه يكون كالآتي: هل الواقع يَعدُّ ما حدثَ وما سيحدثُ، وما كان وما سيكونُ؟ - بل الواقع الآني المُهيمن ما يُقال عنه من تقوُّلاتٍ حدثيةٍ وحكاياتٍ إنسانيةٍ إثر حكاياتٍ أكثر من مَرَّةٍ حتَّى يُصدَّقُ ويُؤخذُ بهِ، بل ويُصبِحُ جزءاً حيويَّاً من ذاكرة مدينة فاضلةٍ فاعلة وحديث ذاكرة أجيالٍ قد خلتْ تاريخيَّاً وإنسانياً وحضارياً وفكريَّاً.وهذا يشي بأنَّ الواقعية التداولية تنقلُ الواقع كما يُستخدَمُ وَيُتدَاولُ بين الناس أفراداً وجماعاتٍ مُتوحدِنَةً.

 وسنحاول من خلال هذه الدراسة المفصليَّة للرواية أنْ نتتبع بتوْءَدةٍ حكاياتِ ذاكرة مدينة مُغيَّبةٍ مُهمَّشةٍ ومنسيَّة تطاولت عليها يدُ الزمن الغابر بالنكبات داخل هذه الرواية البيئية التكاملية. ونسعى أيضاً إلى تقفِّي أثر تلك الحكايات وتعقُّبِها في نفوس وحياة الناس اليومية للوصول إلى شطآن الحقيقة المنشودة لتلك التداوليَات الواقعيَّة الناتجة عن الفعل السردي لأحداث المجتمع وحركته اليوميَّة.

 واليَوميَّاتُ الحكائية ليس المقصود بها مُذكراتٍ شخصيةً لذاكرةٍ فرديةٍ ضيِّقةٍ، بل هي صور ومشاهدات سرديَّةٌ صغيرةٌ ومُكثَّفةٌ من تاريخ وسجلِّ مدينةٍ سومريَّةٍ أصيلةٍ تعاقبت عليها الأجيال والرموز والشخصيَّات، تَختزنُ ذاكرتها مواداً خاماً لثنائياتٍ عديدةٍ، مثل، ثنائية الحرب والسلام، والحب والكُره، والأمل والألم، والأمان والإرهاب، والخير والشر، والوجود والعدم، والتهجير القسري والطائفي والإثني والتناقضي المذهبي الديني الذي أُنتج منها ومن خلالها فضاءَ الخطاب السرديّ للرواية واقعاً رفضيَّاً وَحِجَاجيَّاً مُضاداً لما تَرويه وقائع تلك المدينة الرسمية البائسة الفعل.

 إنَّ مثل هذا النموذج الإنتاجي سواء أكان السلبي أمْ الإيجابي الذي صنعته هالة الِّرواية يُحيلنا إلى وقع إشكالية مهمَّة، وهي أنَّ الرواية نفسها ترفض ما يسمَّى بالرواية الرسميَّة للمدينة (الصامتة)، وتكتب فعل حكاياتها اليوميَّة المتداولة على لسان الناس وعلى لغة تاريخ أفعالهم الناطقة المقصودة.

 وهذا يعني أن الرَّاوي العليم (الكاتب) قد اشتغل على تقنية (الحَدَثِ) الذي يُعدُّ جُغرافيا الذاكرة الجمعيَّة التي تعيش على التداول لا على تقنية التدوين أو التوثيق التاريخي اليومي الشَّخصي السيري المُفتعل لحكايات هذه المدينة على الرغم مما فعله الكاتب كريدي في توثيقة التأريخي اليومي لأحداث وحكايات فصول هذه الرِّواية من أجل التتابع الزماني والمكاني. فالحدث هو من يتكلَّم وينطق بالأثر كنبوءة تاريخيةٍ ودينيةٍ بصفته مثابةَ الحكايات وخريطةَ لأماكن الجُرح التَّداولي.

 وبهذه النتيجة الفعليَّة الكتابية الظاهرة تحوَّلت سرديَّات رِواية (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ) وذاكرتها الجمعية الإنسانية التاريخية المهمَّشة إلى واقع حكائي سردي تداولي ناطق في طيَّات هذه الرواية وبآليات سرديَّةٍ حركيَّةٍ استطاعت أنْ تفضح لغة الصمت الرسمي الثابت، وتبني واقعياً تداوليَّاً جديداً لتشظي هُويّة المكان الحقيقية الذي تُخبِر عنه حكاياتها الواقعية المُستجدة بهذه الإشكالية المتشابكة لعنوان الرِّواية (ما لا ترويهُ االمدينةُ) .

إشكالياتُ عًتبةِ العُنوانِ الدِّلاليَّةُ:

 العُنوانُ في أوضحِ تقريبٍ له، هو بوابة الدخول إلى مدينة السرد الفاضلة في الرواية، وهو مفتاح مفاتيح الدخول الرئيسة إلى تجلَّيات عالم النصِّ الموازي. لذلك فإنَّ مَنْ يقرأُ بإدراكٍ وتدبرٍ وتحليل واعٍ نصَّ العتبة العنوانية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، سيلحظُ جيَّداً أنَّ هناك تلاعباً لُغويَّاً وفنيَّا ذكيَّاً في البناء التركيبي لعتبة العنوان الروائيَّة قام به الروائيُّ مُؤلِّف العمل السرديّ ومُنتجه.

 إذ إنَّ المعنى الدلالي القريب للعنوان يشي بأنَّ مدينة السرد تُوصف بأنها مدينةٌ ساكتة صامتة بكماءُ لا تَروي عن ذاتها؛ لكنَّ ذاكرتها التُّرجمانية الأخرى مُتكلمةٌ بحال لسانها الناطق بلغتها. فتفضحها لغتها وتشي بمعناها الدلالي البعيد المُعمَّق. وهذا الإيحاء الرمزي يعدُّ بياضاً وفراغاً ثقافيَّاً ونسقيَّاً مُضمراً وخفيَّاً مَستوراً جميلاً يكشف عن واقعيةٍ وخطابٍ سرديٍ واستخدامٍ يوميٍّ وتداوليٍ لواقعة الحدث الموضوعية الذي لا تَرويه المدينة عن حالها، بل ترويه ذاكرة (الكاتب) أو الرَّاوي العليم، التي هي بالأساس تعتبرُ ذاكرةَ الناس الجمعية المُتَّفق عليها بالذاكرة غير الرسميَّة التداولية للمدينة مثابة السرد الزمكانية.

 وخُلاصةُ تفسير ذلك يعني من خلال عنوان الرَّواية المباشر بأنَّ المدينة لا تروي خبرها عن أثرها الصريح وواقعها الجريح، بل إنَّ الناس هم من يتحدَّثون عن المدينة، وعن مثاباتها المتحركة وأحداثها وحياتها وعن شوارعها ومقاهيها ونقاطها؛ لذلك فإنَّ العنوان صار عنواناً تمرديَّاً حِجاجيَّاً عَنيداً صَارخاً القولَ من خلال ما صَرَّحَ به: إنَّ الرِّواية ترفض الرِّواية الرسميَّة للمدينة، فتستبدلها بغير الرسميَّة، حينئذٍ ومن خلال حكاياتها تكتبُ يومياتها التداولية وواقعها الحدثي المعيش الراهن.

 إنَّ الرِّواية الرَّسميَّة للمدينة تقول إنَّ مدينة العمارة التي هي مدينة الرِّواية بالدرجة الأولى، هي مدينة شعبية جمعيَّة فقيرة آمنة هادئة مُستقرة خاوية على عروشها؛ بيدَ أنَّ الواقعية التداولية لهذه المدينة في الرواية تنبئ بخلاف ذلك الرأي فتخبر بأنّ المدينة ضاجَّةٌ تعاني من حركة اضطراب أو جيشان داخلي وتدخل خارجي، سواء أكان عثمانياً تركياً أو انكليزيَّاً أو أمريكيَّاً فاتحاً، فضلاً عن حركة الاقتتال الطائفي الجديد والصراع المذهبي الطارئ وظهور الجماعات الإرهابية المسلحة.

 إنَّ كلَّ هذا ما لا ترويه مدينة العمارة، بل ترويه للتاريخ وقائعها التداوليَّة وأحداثها وذاكرتها الجمعية والإنسانية الناطقة، وهذا هو محل الخلاف والفارق الرئيس البائن بين مصطلح المدينة الرسمية، وغير الرَّسمية الفاعلة، بالضبط كالفرق بين دالتي الشكل والمضمون مع أن أحدهما يكون مكملاً للآخر، وهذا ما يفسر حركة الواقع الدرامي المرئي المنظور عن غير المرئي المستور أو المهمَّش المقصود في أدبيات ذاكرة المدينة المنسيَّة أو المغيَّبة فعليَّاً عن المشهد السردي.

 إذن العتبة العنوانية للرواية لا تدرس المدينة الحاكمة أو المحكومة كجغرافيا شكلية ومُناخية، بل تدرسها كَأُناسٍ فاعلينَ بالتداول الواقعي لا بالتوثيق الرسمي المؤرشف. وربَّما هذا ما يَفكُّ جوهر الاشتباك الأني الحاصل في إشكالية العنوان الرئيس، وذلك من خلال تعزيز التقنيات السردية المتعدِّدة التي أنتجتها فنيَّات الرِّواية، مثل تعدُّد الأصوات والرموز والشهادات السرديَّة للشخصيَّات، والتكرار القصصي وأسلوبية الحذف، وتقنيتي الاستقدام والتأخير. وكلُّ تلك التي أسهمت وتُسهم في الرواية بأنْ تصنع واقعها الزمكاني المُتداول حياتياً، والذي صار هُوِيَّةً بديلةً وذاكرةً تاريخيةً مضادةً، وصارت الحكايات واقعاً حياتياً مُغيَّباً، واليومياتُ واقعاً ورقيَّاً مُؤرخاً، والمدينة لا تعيش في ظلال الورق، بل تعيش في هو من أهمِّ منهُ الذي هو ظلال الحكي الذي تصنعه عقول الواقع.

البناءُ الفنِّيّ والسَّرديّ للروايّةِ:

 مدوَّنة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، هي العمل الروائي السردي الإنتاجي الخامس للأديب والكاتب والرِّوائي العراقي المثابر تحسين علي كريدي، والصادر بطبعته الأولى عام 2025م عن دار السرد للطباعة والنشر في بغدادَ، هذه الدار المتخصَّصه من سمت دلالتها العنوانية بالسرديات الروائية والقصصيَّة، وبواقع بلغ نحو (178) صفحةً من فئة القطع الكتابي المتوسِّط، والذي يجمع بنين الكمي والنوعي المُكثَّف. ويمكن أن نصفَ مُدوَّنة (ما لا تَرويهُ المَدينةُ) الروائيَّة بأنَّها متوالية قصصية حكائية تتألَّف من (15) فصلاً روائياً أو جزءاً حكائيَّاً مُعنوناً إلَّا القليل منه قد وَرَدَ رقماً فصليَّاً من غير عنوان ما يحمل القصدية الفكريَّة، أو من غير قصدٍ تنظيمي بحسب المقام الحدثي .

 وتمَّ تأثيث سردياتها الحدثية بطريقةٍ نسقيةٍ زمكانية تراتبية تبدأ من الحدث الأقدم عهداً إلى الأحدث تاريخاً. وترتبط تلابيب هذه الأجزاء الخمسة عشر موضوعيَّاً وفنيَّاً بالوحدة العضوية للرواية التي تشكِّل المعادل الموضوعي المهمَّ للمدينة ولواقعها الحياتي المعيش الذي ارتأى فيه الكاتب كريدي أنْ يكون هو مركز النواة الرئيس في الرواية والحدث الأبرز في اشتغالاته زمكانياً.

 والذي على أساسه الجوهري قامت عناصر الرواية وتخلَّقتْ وأُنتجت فنيَّاً وجماليَّاً وسرديَّاً في تمثلات شخوصها الفواعلية وأحداثها الفعلية ووحداتها السردية وتنامي صراعها الحدثي وحِبكتها السردية وانتهاء بتقفيلتها أو بخاتمتها بعد مُستهلِ مُفتتحِ مُقدِّمتِها التصديريَّة الإثرائية والأسطورية.

 وحين نُجِيلُ النظرَ بصريَّاً في أولى صفحات الرِّواية يُطالعنا تصديران مهمَّان من عتبات النصِّ الموازي التي حدَّدها جيرار جينيت، التصدير الأول: ارتأى الكاتب تحسين علي كريدي أن يكون مِهادَ تقديمٍ لروايته المدينة، والذي وجد فيه ملاذاً حدثياً للمقاربة الجمالية بين بطل روايته الشاب الخَلَف الذي عُرِّفَ بثنائية لقب طائفته المزدوج (حمزة محمَّد الموسوي) أو (حمزة محمَّد النجدي)، وبين الأسطوري السومري دُمُوزي الراعي من جانب، وبين حبية البطل (أمل)، وإنانا السومرية.

 ذلك التماهي الواقعي والمخيالي الأُسطوري العاطفي العجيب لثنائية الحبِّ بين أثر الماضي وألق الحاضر، والذي هو أيضاً امتداد أصيل لِحُبِّ والدة البطل (زهراء) وحبيبها عبد الوهاب الذي ينتمي بعقيدته المَذهبيَّة لأهل السُّنة والجماعة في حينَّ أنَّ زوجته زهراء شيعيَّة من جانب إنساني آخر:

 "لا يُمكننِي أنْ أتأخرَ أكثرَ مِنْ ذَلكَ، أُمِّي سَتغضبُ مِنِّي؛ بَأيِّ عُذرٍ سَأُبرِرُ لَهَا غِيابِي كُلَّ هَذَا الوقْتِ؟ فَارتَسمَتْ عَلَى وَجهِهِ ابتسامَةٌ رَقيقةٌ وقَال:-أخبريهَا بِالعُذرِ الَّذي سَاقتهُ جَدتُكِ (إنَانَا) لِأُمِّها (نِنكَال)، وَالذِي اِقترحَهُ عَليهَا حَبيبهُ (دُمُوزِي)، قَبلَ خَمسةِ آلافِ عَالمٍ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 82) .

 وقد مالَ الكاتب في تعبيره السردي إلى تقنية التَّناص التاريخي الأُسطوري مع نشيد مدينة (أوروك) الأُسطوري، أو إلى نصِّ الأسطورة السومرية العراقية المعروفة تاريخيَّاً. والعُمارة هي المثابة الجنوبية والمدينة الرَّئيسة لنصوص مدينة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، والتي هي امتداد رمزي سومري لمدينة أوروك التاريخ والحضارة والتأصيل والجذور بشخوصها الفاعلة وأحداثها الفعلية الساخنة وما مَرَّت به طُوفان تاريخي أُسطوري حديث تجسَّد بالغزو والاحتلال والتهجير والتهميش والقتل على الهُوِيَّة الشخصية لا لرادعٍ دينيٍّ أو وازعٍ أخلاقي واجتماعي يوقف هذا السيل الجارف:

 "سَيأتِي اليَومُ الَذِي يَبطِلُ فَيهِ إلَى الأبدِ، اِستغلالُ الإنسانِ، يَومَ يَنتهِي إلَى الأبدِ الصِّراعُ بَينَ القَوِّي وَالضَّعيفِ، يَومَ تَختفِي عَنْ وَجهِ الأرضِ جَميعُ الآلامِ، وَمَنْ يُريدُ بِناءَ أوروكَ مِنْ جَديدٍ؛ عَليهِ ارتداءُ كِساءٍ طَاهرٍ وَأنْ يَكونَ مُؤهَّلاً. أوروكُ سَترتدِي النُّورَ، وَتَحنِي رُؤوسَ المُتكبرينَ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 5) .

 أمَّا التصدير الثاني للرواية الذي استلهُ المؤلِّف من أرفع بطونِ كُتُب التاريخ الإسلامي وأجلِّها أثراً وحكمةً، فقد كان قولاً إنسانياً مأثوراً لعلي بن أبي طالب رمز العدالة الإنسانية وقرآنها الناطق في الأرض. وكان الإتيان في الاستشهاد به نصَّاً تصديريَّاً ثانياً في مفتتح الرواية كمقدمة تعضد سردياتها يُعدُّ أمراً تعبيرياً مَقصوداً له دلالاته الفريدة ومعانيه الإنسانية القريبة والبعيدة للتقليل من أثر أو حِدَّة التهجير الإثني والطائفي المَذهبي اللَّإنساني الآسرالذي تُمارسه جماعات وأذرع السلطة القائمة على إشعال فتنة الصراع السياسي والمذهبي، وما يقوم به الإنسان ضد أخيه الإنسان الآخر.

فجاء هذا القول الحِكَمَي المأثور في تصدير الرواية ليقطعَ دابرَ الطريق على الآخرين ممن يعملون بجديةٍ ويُراهنون على تأجيج الفتنة الداخلية وزرع التفرقة الطائفية المَقيتة بين العراقيين من البشر أهل هذه الأرض الطيَّبة، وأبناء هذه المدينة التي اعتدى عليها جَور الزمن وتطاولت عليها مخالبُ الطُّغاة والقُساة من الحُكَّام والمستبدين أذناب الخارجي الآخر الذي يُحرِّك صولتهم ويرمي سهامهم:

 "النَّاسُ صِنفانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أوْ نَظيرُ لَكَ فِي الخَلقِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 6) .

 إنَّ ما يلفت النظر مليَّاً في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، إنَّها بانوراما مدوَّنة سرديَّة جامعة ومانعة لتوليفةٍ عجيبةٍ وخليطٍ تخليقي من جنس سرديَّات وحكايات التاريخ والمجتمع والبئية وأحاديث الوضع السياسي القائم، ونصوص سردية من واقع أدب الذكريات والسيرة الذاتية الغيرية، وأدب الارتحال (أدبُ الرِّحلة)، وحكايات المكان والزمان الشعبية، ومنظومة من العادات والتقاليد التأصيليَّة وتأثيرات الفنِّ، ولغة الحرب وظلال العسكرة، وأحاديث عن الإرهاب والإقصاء والتهجير الطائفي وظاهرة راهن الحرب والسلام، وغيرها من الظلال الثقافية الأخرى التي ألقتْ بنفسها في الرِّواية.

 ولكثرة موضوعات الرِّواية السردية المتعدَّدة لا يمكن أن نضع رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) تحت خانة تجنيسٍ أو تصنيفٍ سرديٍّ مُعيَّنٍ ما، فنقول على سبيل التوصيف بأنها روايةٌ تاريخية أو اجتماعية أو بيئية أو سياسية أو رواية أدب السيرة أو الارتحال السردي، إنها رواية سرديات الواقع الحياتي الإنساني الزمكاني المعيش بكلِّ تجلّياته ورهاناته التداولية الناطقة.

 والرواية في طياتها الموضوعية على الرغم من إيغالها الواقعي الوثيق تحمل مُفارقتينِ مُذهلتينِ في سردياتها الحدثية، المفارقة الأولى، إنَّ الرواية ابتدأت أولى عتبات وحداتها المكانية والزمانية بمدينة بغداد، وتحديداً في صيفها اللَّاهب عام 2006م، وهي سنة الإرهاب والاقتتال الطائفي والقتل العَمد على الهُوية الشخصيَّة، . سواء أكان القتل شيعياً أم سُنيَّاً من كلا الطرفين المتناحرين. وانتهت سرديَّات الرواية الحكائية الواقعية بالعام نفسه 2006م حين حطَّت رحلتها الأخيرة بمدينة العُمارة مثابة الرواية و بؤرة مركز اشتغال العمل الأدبي الإنتاجي، وهي مفارقة حكائية عجيبة اختارها الكاتب كريدي لتكون آخر فصول الرواية وختامها الأخير الذي ينمَّ على أنَّ ختام الرواية بالمطلع.

 أمَّا المفارقة الثانية فكانت على مستوى شخصيَّة الرواية وبطلها الذي يحمل هُوِيَّةً شخصيةً مزدوجةً (شيعيَّة وسنيَّةً)، فاسمه في البطاقة الشخصية (حمزة محمَّد الموسوي) من جهة الأبِّ والأمِّ الشيعيينِ، واسمه في جواز السفر (حمزة محمَّد النَّجدي) من جهة لقب زوج والدته الذي ربَّاه وتبنَّاه في بيت النجدي بعد وفاة والده.وهذا يعني أنَّه شيعي الأصل والهوى أباً وأُمّاً، وسُنِّي النشأة والتربية.

 وهذه الإشكالية المُفخَّخة في الهوية والعقيدة المذهبيَّة -وإنْ كانتْ طبيعيةً في بلدٍ مُتعايشٍ سلميَّاً مثل العراق- قد شكَّلت في الانتماء المذهبي وقتذاكَ وفي ظلِّ الاقتتال الطائفي مُفارقةً سرديَّةً حدثيةً خطيرةً ومهمَّةً اشتغل عليها الرِّوائي في مركزية الحدث، وفي تأثيث روايته وبناء حِبكتها الفنيَّة.

تَمثُّلَاتُ الواقعِ التَّداولي السرديَّةُ:

 تُعدُّ رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) من نوع الروايات البوليفونية المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، لا سِيَّما الذكورية والأُنوثية فيها، على الرُّغم من شخصيَّة الرواية الأولى المعرَّفة ببطلها المزدوج اللَّقب الأوحد المدعو (حمزة محمد الموسوي-أو- النَّجدي)، يعدُّ الشخصية المركزية الرئيسة الأولى في الرواية، بيدَ أنَّها تشظَّتْ وتشعَّبت أحداث سردياتها وصارت (عائلةً نوويَّةً) مُتعدِّدة الأطراف؛ كونها جاءت امتداداً من الجدِّ السَّلف (حَمزة) مُروراً بالأبِّ (مُحمَّد)، وانتهاءً بالابن أو الحفيد البطل (حمزة الموسوي- النجدي) . وهذه التعدُّدية السرديَّة للاسمية التي جاءت بالتوريث الأُسري استمرَّت في الرواية حتَّى بلوغ مُنتهاها الأخير بمدينة الحدث العمارة.

 ومن الطبيعي أنَّ هذه التعدُّدية في سلسلة التَّعارف الأُسري (الموسوي-النجدي) لشخصيَّة بطل الرِّواية الأول واستقرارها النهائي على اسمية البطل المستقبلي الأخير (حمزة الموسوي أو النجدي) تُحيلنا إلى أنَّ هذه الرواية- إجرائياً وتطبيقياً- قد حفلت بالعديد من الوقائع والأحداث التداولية المتوالدة في تناميها من رحم الصراع الواقعي الحياتي الإنساني المعيش الذي عاشه أبطال الرواية وشخوصها وأناسها معاً، وما لحق بها شخصيَّاتٍ فواعليةٍ أخرى مجاورة لطبيعة الحدث السردي.

 وسواء أكان ذلك الحدث على مستوى الحضور العراقي الداخلي أو الخارجي عنه، أو على صعيد المكان والزمان وما أنتجه من حُمولاتٍ فكريَّةٍ ومخاضاتٍ حتميةٍ تفرزها إرهاصات الواقع التداولي المجتمعي التاريخي والسياسي والاقتصادي والديني والعسكري والثقافي والحضاري التي ألقت بظلالها الجمعية المشتركة على مركزية الحدث بؤرة اشتغالات الكاتب الرِّوائي وفرضت نفسها على هيمنة الخطاب السردي للرواية، وعلى وقع أحداثها الكونية المتشابكة التي تقصَّد فيها الكاتب المؤلِّف أنْ تكون سردياتها التداولية تراتبيةً نَسقيةً مُنتظمةً كُلُ حدثٍ سرديٍّ فيها يتبع الآخرَ.

 وكان الكاتب أو مؤلِّف العمل الروائي تحسين علي كريدي راوياً عليماً يروي عن حال ولسان شخصياته الرئيسة والثانوية بلغة ضمير الغائب، كان حريصاً جداً وأميناً في توثيقه السردي وتدوينه الجمعي وفي مصداقيته التعبيرية ليومياته الحكائيَّة التداولية، حتَّى تظنُّ أنَّك تشاهد عملاً سينمائياً فنيَّاً أو مسلسلاً دراميَّاً بصريَّاً واقعياً مليئاً بالأحداث والمشاهد التراجيدية الساخنة والمشحونة بفيوضاتٍ الألم والأمل والأسى والتمنيات وكثرة الصراع الذي لا ينتهي بين عناصر الخير والشرِّ.

 وكلُّ حكاية من حكايات وقصص هذه الرِّواية الخمس عشرة لها موضوعاتها الحياتية الشائقة وسردياتها المأثورة في المتلقِّي والقارئ الذي يتتبع أحداث الرِّواية وينصت بإصغاء لثيمِها الفكرية. وعلى وفق هذه السرديات النسقية المتتالية التي احتشدت بها فضاءات الرِّواية سنقرؤُها أجرائيَّاً:

1- تَمثُّلاتُ القتلِ والتَّهجيرِ الطَّائفيِّ:

 شهد العام 2006م وما تلاهً من أعوام أخرى عجاف سنين القتل على الهُوِيَّة والتهجير القسري الإثني والطائفي من قِبلِ الجماعات الإرهابية التي تشكَّلت بعد الغزو الأمريكي، وكان هدفها الخارجي إخراج المحتل القوات الأمريكية، وهدفها الداخلي التغوُّل بنزعة الشرّ، فضلاً عما قامت به ما يسمَّى بالجماعات الجهادية التي راحت تعبث بالأرض فساداً وتمارس أساليب قتلٍ دمويةٍ وإجراءات ظلمٍ تعسفيةٍ بحقِّ الناس تصل إلى حدِّ القتل والتمثيل بالأبرياء من الطرفين دون رادع.

 وصار ذلك الفعل أُسلوبا شائعاً ومتداولاً مُخيفاً بين الناس الأبرياء من كلتا الطائفتين (الشيعيَّة والسُّنيَّة) في ظلِّ غياب واضح لحكومة القانون وضعفها الذي تسيطر عليه الأحزاب والجماعات المسلحة التي تهيمن على زمام المَشهد الحياتي المُنفلت والسياسي العام إثر اِحتقانٍ طائفيٍ مَقيتٍ:

 "مُنذُ أنْ شَاهدتُ جُثَّةَ جَاري المَقطوعةَ الرَّأسِ، وَهيَ تَسبحُ فِي بُركةٍ مِنَ الدِّماءِ؛ كَانَ ذَلكَ الجَارُ قَدْ تَلقَّى قَبلَ مَصرعِهِ بِعدَّةِ أيامٍ مَظروفَاً فِيهِ رَصاصةٌ، وَهوَ أُسلوبُ التَّهديدِ الشَائعِ، بِأنَّ عَليهِ إخلاءُ مَنزلهِ وإلَّا تَعرَّضَ لِلقتلِ؛ مِنَ المُؤسفِ حَقَّاً أنَّ جَاري المَسالمَ كَانَ مُدركاً لِعواقبَ ذَلكَ الَّتهديدِ؛ فَاِمتثلَ لَهُ، وَأخلَى المَنزلَ عَلَى جَناحِ السُّرعةِ؛ إلَّا أنَّهُ ارتكَبَ خَطأً، عِندمَا عَادَ لِيَأخُذَ مُولدَ الكَهرباءِ الَّذي نَسيَهُ، وَلمْ يُدركْ أنَّ نَسمةَ الهَواءِ الِّتي أملَ أنْ يَجودَ لَهُ بِها ذَلكَ المُولدُ في صَيفٍ قَائظٍ ومُلتهبٍ عِندَ انقطاعِ التَّيارِ الكَهربائيّ؛ سَتقودهُ إلَى حَتفِهِ؛ وَلَيتَهُم أنهُوا حَياتَهُ بِرصاصةٍ، بَدلَ أنْ يَنحروهُ مِثلمَا تُنحرُ الأضاحِي، فَعلُوا ذَلكَ إمعانَاً باِلترهيبِ وَالتخويفِ الَّذي تَقفُ وَراءَه دَوافعٌ طَائفيةٌ عًصفتْ بِالبلدِ تُنفذُها مَجموعَاتٌ مُسلحةٌ تَشكَّلت بَعدَ الغَزوِ الأمريكِي لِلعراقِ يَطلقونَ عَلى أنفسِهِم (الجَماعاتِ الجَهاديَّةِ)، هَدفُها إخراجُ القُواتِ الغَازيَةِ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .

  وليتَ هدف هذه الجماعات الإرهابية المسلحة الموغلة بالشر أنْ تقف عند هذا الحدِّ من التمثيل والممارسات اللَّإنسانية القاتلة التي طالت الكثير من حياة العراقيين أبناء البلد المُوحد عقائدياً ووطنيا، بل راحت تقتل على الهُوِيَّة الاسمية أو الشخصيَّة، لا رادعَ لها سوى ما تقوم به من أعمالٍ وممارساتٍ بشعةٍ طالت حياة الأبرياء في هذا البلد الذي أخذت عناصر من الخارج تُغذِّيهُ الطائفيةَ:

 "وَقَبلَ أنْ تَتَغَوَّلَ نَزعةُ الشّرِّ عَلَى إنسانيتِهِم وَيَغرقُونَ جُزءاً كَبيرَاً مِنَ البَلدِ فِي مُستنقعِ الاِقتتالِ الطَّائفيّ، وَيُصابونَ بِهوسِ التَّحرِّي عَنِ البُطاقةِ الشَّخصيةِ؛ فَتراهُم يَرتدونَ الزِّيِّ العَسكريِّ وَيَنصبُونَ حَواجزَ وَهميةً عَلَى الطُّرقاتِ أضحَى اِجتيازُهَا أشبَهَ بِحقلِ ألغامٍ؛ وَلِأنَّ لَا لَونَ البَشرةِ، وَلَا اللُّغةِ يُمكنُهُمَا أنْ يُشيرَا إلَى اِنتماءِ شَخصٍ ما لِطائفةٍ بِعينِهَا؛ فَإنَّ الاسمَ أو اللَّقبَ، فِي الأغلبِ، كَفيلٌ بِنجاةِ أوْ هَلاكِ حَاملِ البَطاقةِ الشَّخصيَّةِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .

 ومن المفارقات العجيبة التي اتَّسمت بها شخصية بطل الرِّواية (حمزة) التي مرتناَّ ذكرها في دراستنا لسرديات ذاكرة المدينة الواقعية أنَّها تحمل هُويَّة مزدوجة في انتمائه المذهبي السُّني أو الشيعي الذي قد أفاده حيناً إيجاباً وأضرَّ به حيناً آخر سَلباً في مواجهة عناصر الطائفية وتظليلهم. فلنقرأ ما يقوله الراوي العليم السيَّد كريدي على لسان بطل روايته حمزة الموسوي أو النجدي:

 "مَعِي الأمرُ يَختلفُ بَعضَ الشَّيءِ؛ لأنَّ اِسمِيَ المُدرَجَ فِي بَطاقتِي الشَّخصيَّةَ هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ المُوسويُّ بِكلِّ مَا لَهُ مِنْ دِلالةٍ عَلَى اِنتمائِي لِلدوحةِ المُحمديَّةِ، بَينمَا اِسمِي المُدْرَجُ فِي جَوازِ سَفرِي هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ النَّجدِي، وَهوَ المُتدَاولُ بَينَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ لأنِّي نَشأتُ وَتَربيتُ فِي بَيتِ النَّجدِيِّ؛ أمَّا بَالنسبةِ لِي؛ فَسيَّانَ عِندِي إنْ كُنتَ حَمزةَ النَّجديَ أمْ سَيِّدَ حَمزةَ المُوسويّ". (مّا لّا تّرويهُ المدينةُ، ص 8) .

 ومثل هذه الازدواجية الاسمية في الطائفة تدللُ على أنَّ العراقيين نسقياً واجتماعياً مُتحابون ومتوحدنونَ لا يعرفون لُغةَ التفرقة المذهبية والعنصرية الإثنية بين الطوائف المتعايشة سنينَ طوالٍ سلميَّاً في هذا البلد؛ كونها ثقافة دخيلة جاءت من صنيعة الغازي الذي راهن على الوقوع في فخ الهوية علَّها تعمل على تفكيك وحدة الشعب العراقي وتدمير عقائده الدينية وتشلَّ انتماءَه الوطني وتُضعف حبَّه لأرضه ووجوده التكويني الأوَّل الذي عاد إليه بعد فورة من سنينَ الاقتتال الطائفي:

 "فَيذهبُ أبِي فِي أوقاتِ إِجازتِهَ لِيُصليَ الفُرُوضَ فِي جَامعِ السُّنَّةِ الكَبيرِ، ذَلكَ الجَامعُ الَّذي كَانَ أولَ مَحطَّةٍ لِجَدِّهِ نَايفِ عِندَ وُصُولِهِ إلَى المَدينةِ؛ أمَّا خَالِي سَتَّارُ الِذي يَسكنُ الدَارَ المُلاصقَةَ لِدارِنَا، فَيًصلِّي فِي جَامعِ الشَّيخِ عَبدِ الغَفَّارِ الأنصاريِّ، وَهوَ أكبرُ جَوامعِ الشِّيعةِ، وَكَانُوا يُطلقونَ عَلَى خاَلِي، لَقبَ سَيِّدِ وَسيِّدنَا وَأحيانَاً مُولانَا؛ لأنَّه مِنْ ذُريَّةِ رَسولِ اللهِ؛ وَأنَا أيضاً يُنادونِي في بَعضِ الأحيان بـ (السيَّدِ) ؛ أمَّا خَالتِي، فَيدعونَهَا (عِلوِيَةُ) ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 38، 39) .

 وبالتأكيد أنَّ حُمولاتِ هذا التآلف الاجتماعي والتعايش المذهبي السَّلمي بين العراقيين تُدلِّلُ كلَّ التدليل على أنَّ فئات الشعب العراقي وقومياته ومذاهبه كافةً لا تسعى إلى تغذية ثقافة التفرقة العنصرية، ولا تُحبُّ إطلاقاً لُغة الاصطفاف الطائفي المقيت المفخخ وقتياً؛ كونها ثقافة طارئةً لا تصمد أمام الروح الوطنية والانتماء للوطن. المهمُّ في ذلك أن يكون الفرد العراقي بالدرجة الأولى إنساناً وقبل كلِّ شيء في ميوله لطائفته وعقيدته الدينية وهو ما جُبِلَ على طبعه مُنذُ عصورٍ خَلَتْ. وهذا ما يشهد له تاريخ العراق السياسي الحديث برغم بعض التعثَّرات والنعرات الطائفية القَميئَة.

2- التَّمثُّلاتُ الوَاقعيةُ لأدبِ السِّيرةِ وَالارتحالِ السِّيري:

 وفي الفصل الخامس من الرواية والمعنون للحديث عن شخصيَّة عبد الوهاب النَّجدي، الذي هو زوج والدته والأبُّ الرَّاعي لِحياة بطل الرِّواية (حمزة مُحمَّد النَّجدي)، وهو أيضاً الرجل المُتبنِّي لشخصيته بعد وفاة والده سيِّد محمَّد الموسوي، يطالعنا الحديث السِّيري الآتي عن شخصية (عبد الوهاب النَّجدي) الذي يروي أصوله الأولى في بلده الكويت وخروجه منها لأسبابٍ كثيرةٍ مُلحةٍ:

 " بَعدَ أنْ أطفأتْ لَوعةُ اِشتياقِي لِأُمِّي وَأبِي وَأخِي عَبدِ الصَّمدِ، أرغمتنِي رِئتَايَ عَلَى مُغادرَةِ الكُويتِ بَعدَ أنِ حَاصرتهمَا رُطوبةُ الجوَّ مُتوجهاً مِنْ هُناكَ إلَى تُركيَا، حيثُ كَانَ فِي اِنتظارِي صَديقِي صَباح؛ الَّذِي وَصلَ إسطنبولَ قَبلِي، قَادِمَاً مِنَ العِراقِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 45) .

 ويمضي عبد الوهاب النَّجدي قُدُمَاً ببدءِ رحلته الشَّخصيَّة السِّيريَّة خارجاً من بيت أهله في بلده الكويت مروراً بتركيا، وصولاً إلى مدينة بلغراد اليوغسلافية مُستقلاً القطار الذي أوصله إليها، ومن ثمَّ السير بالقطار مرِّةً أخرى للوصول إلى جهته المقصودة وهي ألمانيا الغربية حينذاكَ التي يعول على زيارتها مع صديقه صباح العراقي ليقضياً سياحةً في هذه الدولة ومن ثم العودة منها:

 "أخذنَا القِطَارَ إلَى ألمانيَا الغَربيةِ، وَوَجْهتُنَا التَاليَةُ هِيَ مَدينةُ مُيونِخ، وبَعدَ كُلِّ مَحطَّةٍ يَتوقَّفُ عِندَهَا، يُطالعُنَا وَجهُ الجَابي الَّذي يُذكرنِي بِشخصيةِ المُمثِّلِ (ألبرتُ فِينِي) الَّذي مَثَّلَ دَورَ المُحقِّقِ (هَيركول باورو) فِي فِيلمِ قِطَارِ الشَّرقِ السَّريعِ المَأخوذِ عَنْ رِواية آجاثَا كِريستِي". (ما لا ترويهُ المدينةُ، ص 46) .

 والملاحظ أنْ أدب التسريد الارتحالي قد تضمَّن ذكر شخصياتٍ ثقافيةٍ وأعمالاً فنيَّةً وروائيَّةً عالميةً. ويَلحظ أيضاً أن الكاتب تحسين كريدي قد ثبَّتَ في كلِّ رحلةٍ تاريخاً لكلِّ دولةٍ أو مدينةٍ تزورها شخصيَّات الرِّواية. وفي التاريخ الذي أرَّخه الكاتب في الرِّواية لهذا العنوان الفصلي عن عبد الوهاب وهو (الحادي عشر من أيلول) . وعلى وفق ذلك من أدب الرحلات السيريَّة نقرأ شيئاً واقعياًحقيقيَّاً من تجربة شخصيَّة حقيقيَّةٍ لكاتب الرواية كريدي نفسه عندما كان طالباً يدرس الهندسة في (صربيا) أو في يوغسلافيا. فقام بتوظّيف رحلته للإفادة منها والتماهي مع شخصيَّات روايته:

 "الحَادِي عَشرَ مِنْ أيلولٍ، أخذنَا القِطَارَ إلَى مَدينةِ بَلغرادِ عَاصمةِ يُوغسلافيَا بَعدَ أنْ اِشترَى كُلُّ واحدٍ مٍنَّا مِنَ تِريستَا خَمسَة كيلوغراماتٍ مِنَ البُنِّ البَرازيليِّ نَوعِ (مِيناس) الَّتي بِعنَاهَا بَأضعافِ ثَمنِهَا فِي بِلغرادَ. [و] العَشرونَ مِنْ أيلولٍ، عَلَى مَشارفِ البِسفورِ شَارفتْ رِحلتُنَا لِهذَا العَامِ عَلَى نَهايتِهَا، وَكُنَّا نَتهيَّأُ لِلعودةِ إلَى العِراقِ، وَلا سِيَّما أنَّ الدَّوامَ فِي المَدارسِ بَاتَ وَشيكَاً عَلَى الأبوابِ، فَوضَّبنَا حَقائِبَناَ المُترعةَ بِالهدايَا". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 49) . وتَستمرُّ رحلة التدوين والأرخنة اليومية.

3- تَمثُّلاتُ السَّردِ الوَاقعيةُ لِتداعياتِ الحَربِ العِراقيَّةِ الإيرانيَّةِ:

 وفي ثمانينيَّات القرن العشرين نشبتِ الحرب العراقية الإيرانية بين البلدين المسلمين الجارينِ، وحدث ما حدث من سياساتٍ هوجاء فرضتها إملاءات السياسة الخارجيَّة من قبل أمريكا ودول الخليج العربي صاحبة الثراء؛ ليحارب العراق بالنيابة عنهم ويحمي مصالحهم. باعتبار أنَّ العراق يمثل حارس البوابة الشرقية لحدود الوطن العربي الكبير. ووقع العراق في حبائل هذا الفخ الكبير وتعرَّضَ إثر ذلك لحصار واستنزف الكثير من قوته وإمكانياته الاقتصادية والبشرية، وفقد البلدان العديد من الضحايا في حرب ليس لهما فيهما ناقة أو جمل، وليس هناك من هو فائز في الحرب.

 وقد أخذت هذه الحرب حصتها الموضوعية والفكرية من أدب وسرديَّات رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) الذي اشتغل فيها الكاتب الرائي في أكثر من موضع تسريدي أو مكان حربيٍّ يكون شاهداً على تاريخ العراق السياسي. الأمر الجَلل الذي تأثَّرت به كل أطياف الشعب العراقي المسالم لثماني سنواتٍ عجافٍ ومنها معاناة بطل الرواية الذي عاشَ ويلاتِ الحرب العراقية الإيرانية الضروس:

 فِي شَهرِ "أيلولُ (سِبتمبر) عَام 1983، اُستدْعِيتَ لِخدمَةِ الاِحتياطِ؛ لِأنَّي لَمْ أحصلْ عَلَى اِنتدابٍ مِنَ الخِدمةِ العَسكريَّةِ الَّتِي اِستثنَتْ قِسمَاً مِنَ المُعلِّمينَ؛ فِي اِختصاصَاتٍ مِثلَ الرَّياضياتِ وَاللُّغةِ الإنكليزيَّةِ؛ أمَّا مُعلِّمُو مَادةِ الفَنيَّةِ، فَكانَ بِوسعِهِم الاِستغناءُ عَنْهُم فِي المَدارسِ، فَفِي الحُروبِ لَا أحدَ يُفكِّرُ فِي القِيمِ الجَماليَّةِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص53) .

 وهُنا الكاتب لا يسرد تمظهرات الواع التداولية ويصفها فحسب، وإنَّما كان ينتقدُ سياسة النظام الحاكم وقتذاكَ. وكانت نتائج هذه الحرب الطويلة مخيبةً للآمال والطموحات المستقبلية، إذ لا رابح فيها أو خاسر غير الشعبينِ العراقي والإيراني الذين كانا ضحية السياسات الأهوائية الهوجاء التي امتدت على إثرها الحرب لسنوات طوال، ولم تنتهِ إلَّا بعد مضي ثماني سنوات من الموت البطيء والتجويع والترمُّل للنساء والأمَّهات واليتم للأطفال، حتَّى قيام ساعة الحسم المُفاجِئَة لانتهاء الحرب في (8/8/1988م)، وبعدها بدأت مرحلة لسلسة حروب جديدةٍ تكرَّرت والتي لم تُكن في الحسبان:

 "أَعدتُ عُلبَةَ الصُّورِ والمُفكِّرةَ إلَّى الدُّولابِ، وَأويتُ إلَى فِراشِي لِأنالَ قِسطَاً مِنَ النَّومِ، قَبلَ اِلتحاقِي يَومَ غَدٍ إلَى الجَبهةِ الَّتي مَا مِنْ بَصيصٍ أملٍ بِنهايةِ لِلحربِ المُستعرةِ فِيهَا؛ لِلعامِ الرَّابعِ، وَالمَوتُ يَتربصُ بِنَا، وَلَا أحدَ مِنَّا يَعرفُ مَتَى سَيحينُ أجلُهُ، الجَميعُ مَأخوذونَ بِهاجسِ المَوتِ الَّذي لَا يُبارحُ رَأسَ أحدِنَا؛ إلَّا بَعدَ أنْ تَسوطنَهُ شَظيَّةٌ أو رَصاصّةٌ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 54) .

 وبعد أن أوقفت الحرب أوزارها لم يستقر وضع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحين تنتهي ساعة الخلاص من الحرب تبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من التأزم الخارجي الذي ينذر بحروبٍ جديدةٍ أخرى أفقدت العراق مكانته في العالمين العربي والدولي، وصار الفرد العراقي غيرَ مُرحَّبٍ به.

4- مَشاهدٌ مِنْ تَمثُّلاتِ حَياةِ المدينةِ اليَوميَّةِ الاِجتماعيَّةِ:

 في الفصل السادس الذي جاء تحت عنوان (سيِّد موسى)، والذي خصَّص فيه الكاتب تحسين علي كريدي الحديث عن سرديَّات شخصية سيَّد موسى الجنَّاز الذي كان ينقل الموتى على ظهر فرسه الخاص ليعتاش منه. وسيِّد موسى هو الجدُّ الرابع لبطل الرواية (حمزة محمَّد حمزة موسى) .

 وسنقرأ في هذا الجزء السيري الجمعي مشاهد واقعية من تداعيات الحياة الاجتماعية في الريف العراقي والمدينة عن عبد الوهاب والد البطل حمزة وزوج والدته الثاني الذي تكفَّل برعايته وتربيته الخاصة بعد وفاة والده الأصل السيِّد محمَّد الموسوي. فضلاً عن شؤون الرعاية والتربية والاهتمام والدفء العائلي الذي كان يتلقاه من كنف خالته زوجة عبد الوهاب الثانية التي هي أخت أمه الموتفية؛ وعن خاله ستار الذي لم يبخل في تقديم الرعاية والعون له ليرسم له مستقبلا مرموقاً واعداً لأنَّ حمزة كان يتيم الأب والأمِّ ولا بُدَّ مِنْ حفّه بالرعاية والعناية به اجتماعيّاً ودينيَّاً وثقافيَّاً:

"مَضَى عَامٌ عَلَى وَفاةِ أبِي، وَكَانتْ وَطأةُ فِراقهِ شَديدةً عَلَيَّ؛إلَّا أنَّ خَالتِي عَملتْ المَستحيلَ وَمَدَّتنِي بِكُلِّ مَا تَملكُ مِنْ حَنانٍ وَرَعايةٍ لِتَعوضنِي خَسارتَهُ الفَادحَةَ، وِمِثلَهَا فَعلَ خَالِي؛ كَانتِ الغُرفةُ الَّتِي اِختصَهَا أبِي لَهُ وَجَعلهَا مَرسَمَاً، مَليئةً بِالألوانِ وَالأصباغِ بِأنواعِهَا، زَيتيةً وَمَائيَّةً وَأقلامَ تَلوينٍ وَأوراقَ الرَّسمِ وَلوحاتِ مَنجزةً وًأُخرى مَشاريعَ اِبتدأهَا وَلَمْ يَمهلْهُ المَوتُ لاِتمامِها؛ وَمِنْ بَينْ تِلكَ اللَّوحاتِ الَّتي رَسمَهَا لِأُمِّي، ؛ كُنتُ أهوَى الرَّسمَ الَّذِي غَرسَهُ أبِي فِيَّ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 60) .

 وأروع ما في واقعيات هذا الفصل الحياة العملية التداولية لسيِّد موسى الجنَّاز وقصة زواجه الطارئة من فتاةٍ ريفيةٍ كانت مخطوبةً لابن عمها أحبَّها السيِّد مصادفةُ، وعن طبيعة عمله في نقل الموتى لوادي السلام سيراً على حصانه، وما يمرُّ به من مدن وقرى وأرياف تعرفه وتُرحِّب به:

 "كَانَ ذَلكَ الشَّابُ وَاسمُهُ مُوسى؛ يَفدُ إليهِم بَينَ حِينٍ وَآخرَ مِنْ مَنطقةِ عَلِي الغَربي، مُعتليَاً صَهوةَ حِصانِهِ الأدهَمَ، واضِعاً خَلفَهُ حُمولَةً غَريبةً؛ عَبارةٌ عًنْ حَصيرةٍ مَنسوجَةٍ من شَرائحِ القَصبِ تُسَمَّى (بَاريَةً)، تُوضعُ فِيها جُثَّةُ المُتوفِي وَتَطوَى عَليهَا، ثُمَّ تُحاكُ مِنَ الطَّرفينِ، وَيَتوَلَى سَيَّدُ مُوسَى نَقلَهَا -مُقابلَ أجرٍ- لِتُدفَنَ فِي مُقبرةِ وَادِي السَّلامِ فِي مَدينةِ النَّجفِ الأشرَفِ، وَهيَ الوَسيلةُ الوَحيدَةُ المُتاحةُ حِينذَاك، إذْ لمْ تَكُنِ السيَّاراتُ مَعروفةً وَلَا الطُّرقاتَ مُعبَدَةً؛ وكَانتْ لِرحلتِهِ الَّتي تَستغرقُ أُسبوعَاً كَاملاً، مَحطَّاتٌ ثَابتةٌ، فِي قُرَى عَلَى اِمتدادِ طَريقهِ، يُضَيِّفُهُ فِيهَا أهلُها، وَلَا سِيَّمَا شُيوخُ وزَعاماتٌ تلكَ القُرَى؛ إكرامَاً لِنسبِهِ وإجلالاً لِلمُوت". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 63) . 

 وينقل لنا الكاتب صوراً ومشاهد دراميةً كثيرةً مُفرحةً ومؤلمةً عن رحلة السيَّد موسى الجنَّاز عند قيامه بعمله حينما يمضي راكباً على صهوة حصانة الأدهم بنقل جثامين المُوتى إلى مثواهم الأخير قرب ضريح الأمام علي بن أبي طالب ماراً بمحطِّاتٍ كثيرةٍ من القرى والأرياف إذ يتفاعل السرد مع وقائع قصة أوحكاية سيِّد موسى تفاعلاً جمعياً وإنسانياً مُذهلاً، إكراماً لمثل هذا المشهد:

 "وَعِندَ مُرورهِ بِأحدِ البُيوتِ الَّتي مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ فِيهَا الفَرسُ الَّتي تَمرُّ بِدورتِهَا النَّزويةِ؛ تَمَرَّدَ الحِصانُ عَليهِ، وَرفضَ مُواصلةَ السَّيرِ، وَأخذَ يَصهلُ؛ بَينَمَا السيِّد يُحاولُ السَّيطرةَ عَلَى حِصانِهِ؛ وَقَعتْ عَيناه عَلَى فَتاةٍ أطلَّتْ بِرأسِها، عِندَمَا سَمعَتْ الجَلبةَ فِي الخَارجِ، فَاضطربَ قَلبُهُ لِجمالِهَا، وَغَشِيَ قلبُهُ تَوتِّرٌ شَديدٌ، لِربَّما أقوَى مِنْ ذَلكَ الَّذي يَشعرُ بِهِ حِصانُهُ، وَرَغِبَ فِي مَعرفةِ مَنْ تَكونُ؛ فَاقتربَ مِنهَا وَسَألهَا: -فَرسكُم تَطلبُ فَحلَاً، أَليسَ كَذلكَ؟ - هُوَ كَذلِكَ سَيِّدنَا، ابنةُ مَنْ أنتِ؟ -أنَا زَهرةُ بِنتُ حُسينٍ سَيِّدنَا.-حُسَينُ أظنَنِي أعرفهُ. لَا بُدَّ وَأنَّك تَعرفُهُ...". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 64، 65) .

 ومن خلال هذه التَّمثُّلات الأخيرة لمشاهد قصَّة وحياة السيَّد موسى مع الآخرين نستشعر التماهي الجميل الذي صنعه الراوي العلم بين غريزة الواقعية التداولية الإنسانية العاطفية في الحبِّ الذي يَكنَّهُ للفتاة وبين غريزة الواقعة الحيوانية لحصانه الذي هو الآخر بحاجة لزواج جنسي يُغذِّي جسدَهُ ويكمل به رحلته الشاقة في الطريق إلى النجف الأشرف. والتي من خلال هذا الموقف الغرائزي استطاع سيِّد موسى أنْ يحبَّ تلك الفتاة الريفية زهرة التي هي جدَّة البطل حمزة الموسوي ويخطبها على الرغم من أنَّها كانت مخطوبةً لابن عمِّها وهناك معرضة بخصوص خطبتها؛ لكنَّ السيِّد موسى أصرَّ على أنْ تكون زوجة مُستقبلية له تُخلِّفُ أولاداً وبناتاً فكان من بين هؤلاء حفيده حمزة:

 "بَعدَ سَاعةٍ كَانَ الشَّيخُ وَبَعضُ وُجهاءِ العَشيرةِ، عِندَ اِبنِ عَمِّهَا حُسينُ لِيخطبُوا زَهرةَ للسيِّد، وَعِندمَا فَاتحَهُ الشَّيخُ بِذلكَ، اِستغربَ وَالدُها طَلبَهُم؛ فَالكلُّ يَعرفِ أنَّ زَهرةَ سَتُزَفُّ لِشرهَانَ اِبنِ عَمِهَا بَعدَ شَهرٍ، وَلكنَّه خَمَّنَ أنَّ أبناءَ عُمومتهِ مُحرجونَ مِنَ السَّيِّدِ وَلَا يَسعهُم رَدَّ طَلبهِ، مِثلمَا هُوَ مُحرجٌ فِي هَذهِ اللَّحظةِ، فَليسَ مِنَ السَّهلِ رَفضُ طَلبِ سَيِّدٍ اِبنِ رَسولِ اللهِ؛ لِذَا آثرَ رَميَ المَوضوعِ فِي سَاحةِ اِبنِ أخيهِ، وَقَالَ:[..]إنَّ البنتَ مَخطوبةٌ لِابنِ عَمِّهَا وَسُتزفُ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 66، 67) .

 وتنتهي قصة خطوبة السيِّد موسى بالزواج من زهرة جِدَّة بطل الرواية حمزة والتي إليها ينتمي نسبه الشريف الموسوي، ولتبدأ قصة أبيه السيَّد محمَّد موسى مرحلة جديدة من الحبِّ في سرديَّات الرحلة الواقعية التي قام بها أبوه مع أُمَّه في مدينة العمارة وفي حيّ منطقة السَّراي مثابة الرواية. ولنقرأ ما تقوله خالة حمزة الَّتي تروي له مفاجأة قصة زواج والده محمَّد من أُمّه التي ابنة عمِّه:

 "سَيِّدُ مُحمَّدٌ كَانَ مُتزوِّجَاً مٍنْ وًالدتِكَ. -أُمِّي مُتزوجةٌ مِنْ اِبنِ عَمِّهَا قَبلَ وَالدي! - بَلْ إنَّ سَيِّد مُحمَّداً فِي حَقيقةِ الأمرَ، أبوكَ. بَقِيتُ فَاغرَاً فَاهِي كَالأبلهِ، وَأنَا أسمعُ تِلكَ المَعلومَةَ الصَّادمَةَ وَالمُربكةَ؛ عَبدُ الوَهابَ لَيسَ أبِي! لَا أستطيعُ تَصديقَ ذَلكَ؛ بِرغِم أنَّها كَشفتْ بَعضَ الأُمورِ المُريبَةِ الِّتي كُنتُ أشعرُ بِهَا؛ مِثلَ لامُبالاةِ وَالدِي عَبدِ الوَهابِ بِي، كَمَا يَنبغِي لأيِّ جَدينِ أنْ يَفعَلا، أو مُطالبتُهمَا بِي كَمَا فَعَلَا مَعَ أنومةَ؛ أو اسمِي الَّذي ظَننتُهُ كان مُركَّباً، إلَّا أنَّ أشياءَ كَثيرةً أُخرى مَا زَالتْ عَصيَةً عَلَى فِهمِي؛ تَابَعَتْ خَالتِي كَلامَهَا وَهيَ تَرَى حَيرَتِي...". (مَا لا تَرويه المدينةُ، ص 80) .

5- التَّمثُّلاتُ السَّرديَّةُ لِلعاداتِ وًالتَّقاليدِ وَالسُّننِ الواقعيَّةِ الصَّادمَةِ:

 وفي هذا المحور السردي الاجتماعي الواقعي نخوض الحديث في العنوان التالي: (أُمِّي زهراء)، وهو الفصل الذي يستكشف جوانب سردية كثيرة من حياة الناس في المجتمع العراقي المُحافظ، وعلى وجه التحديد عندما يكون السرد الواقعي مُخصَّصاً عن سيرة زهراء والدة حمزة، وكيف تمكَّنت هذه الفتاة من الارتباط برجل من أهل السُّنة والجماعة من غير طائفتها الشيعيَّة المعروفة.

 واستطاعت زهراء برابط حبَّها المتين أن تذيب جليد هذا العائق الاجتماعي المفتعل من خلال العَلاقة العاطفية التي ربطتها بزوجها المستقبلي المدعو عبد الوهاب النَّجدي الذي يعدُّ أباً ثانياً لحمزة المتوفي والده السيَّد محمَّد الموسوي، والذي ليس حمزة على علم بأنَّه والده الحقيقي، وأن عبد الوهاب هو زوج أُمّه وخالته ومربِّيه الثاني.

 ولم يكتشف حمزة هذه الحقيقة المُغيَّبة عنه. تلك التي أخفتها عنه خالته التي هي زوجة عبد الوهاب الثانية، ولم تخبره بها إلَّا بعد وفاة عبد الوهاب التي مضى عليها سنوات عديدة وأصبح حمزة يتيماً من جهتي الأب والأمِّ ولم يرعاه إلَّا خاله ستَّار وخالته.ولنقرأ جانب واقعيَّاً من سردياَّت هذه القصة التداولية عن حكاية حمزة وإشكالية أسرته التي شكَّلت محوراً فكرياً وفنيَّاً في الرواية:

 "فَسُنَنُ العَشيرةِ غَيرُ المَكتوبةِ تّنصُّ عَلَى أنَّ ابنةَ العَمِ لِابنِ العَمِ، وَالزواجُ مِنْ مَذهبٍ آخرَ أْو قَوميَّةٍ أُخرى خَطيئةٌ، أمَّا (العَلويَةُ) مِنَ نَسلِ رَسولِ اللهَ فَلَا يَتزوجُهَا غَيرُ (السيِّدِ)، وَكُلُ تِلكَ السُّننِ مُفصَّلَةٌ عَلَى مَقاسِ الإناثِ فَقَط؛ أمَّا السيِّدُ فَلَا يُعدُّ عَملُهُ فِعلاً مَعيبَاً عِندَمَا يَخرقُ تِلكَ القَوانينَ، بَلْ شَرفاً؛ وًعًلًى فٍتاةٍ عَلويةٍ مِثلَ زَهراءَ، أنْ تَذعنَ عِندَمَا يَعترضُ أبناءُ العُمومَةِ الَّذينَ أتُوا لِلعيشِ فِي المَدينةِ، جَالبينَ مَعهُم كُلَّ إرثِهِم القَبَلي.جَاءَ الرَّفضُ قَاطعاً، ليس من قبل أخِي ستَّار، بَلْ مِنْ طَرفِ مُحمَّدٍ ابن عمِّي اِسماعيلَ، الَّذي تَقدَّم وَطلبَهَا لِلزواجِ، عِندَمَا سَمِعَ الخَبَرَ". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 85، 86) .

 إنَّ هذا الرفض الذي جُوبهت به قصَّةُ زهراء في زواجها من رجل مختلف عن طائفتها يؤكِّد كلَّ التأكيد إنَّ إنسانيتنا في التعايش لا يمكن أن تقفز أو تسمو فوق القوانين والسُّنَنِ والعادات والتقاليد الاجتماعية المتداولة، وليس بوسعها أن تكسر قيمَ وجدار المألوف ببساطة دون معارضةٍ حقيقيةً، وخاصة أنَّ الأمر يتعلَّق بقضيةٍ إنسانيةٍ وعاطفةٍ بين رجلٍ وامرأةٍ، وقد تلقَى رَفضاً قاطعاً، لكن الظروف والإصرار على الأمر قد يحدث توافقاً مفاجئاً وقبولاً من قبل الآخرين المقرَّبينَ من أهل الشأن. وهذا ما نجده ماثلاً بعَلاقة ستَّار أخ زهراء بصديقه عبد الوهاب الذي يروم الزواج منها:

 "كَانَ أخِي سَتَّارُ يَميلُ إلَى عَبدِ الوَهابِ الَّذِي تَربطهُ بِأُسرتِهِ عَلاقةٌ طَيِّبةٌ اِمتدادَاً أكثرَ مِنْ ثِلاثةِ عُقودٍ؛ لَكنَّهُ مِنْ نَاحيةٍ أُخرَى، لَا يَمكنهُ تَجاهِلَ عَاداتِ مُجتمعِنَا الغَارقِ فِي الهَيمنَةِ الذُّكوريَّةِ الِّتي لَا تَمنحَ البِنتَ دَاخلِ الأُسرةِ مَكانةً فِي التَّربيةِ الَّتي تَبدَأُ مِنَ الأبِّ ثُمَّ الأخَ الأكبرِ، وَانتهاءً بِأصغرِ الأولادِ سِنَّاً؛ اِعترضتْ زَهراءُ وَقَاومتْ بِضراوةِ نِمرَةٍ بَريَّةٍ يُرادُ تَرويضُها؛ فَالتَّخلِّي عَنْ حُبِّها لِعبدِ الوهابِ غَيرً وَاردٍ، لَأجلِ شَخصٍ لَا تُوجدُ فِيهِ خِصلةٌ وًاحدةٌ يَتفوَّقُ بِها عَلَى عَبدِ الوَهابِ، سِوَى رَابطةِ الدَّمِ، خَاضتْ صِراعَاً مًحمومًاً؛ وَتجرَّأتْ وَكاشفتهُم بِحبِّها لِعبدِ الوَهابِ، وَهوَ شَيءٌ غَيرُ مَعهودٍ وَيَنطوي عَلَى مُجازفةٍ كَبيرةٍ قَدْ تَتَسبَّبُ فِي هَلاكِهَا، وَمعَ اِزديادِ رِفضِهَا وَعنادِهَا، يَزدادُ عَنادُ اِبنُ عَمِّي وَيَتعاظمُ، وَأصبحَ الأمرُ مُوضوعَ تَحدٍّ وَكرامةٍ تُرَخَّصُ مِنْ أجلِهَا الدِّماءُ، وَفِي آخرَ الأمرَ عَثَروا عَلَى الثَّغرةِ الَّتي اِستطاعُوا فِيهَا كَسرَ إرادةِ زَهراءَ وَجعلِهَا تُذعِنَ لِهُم، هَدَّدوهَا بِقتلِ عَبدِ الوَهابِ، أوْ حتَّى أخِي سَتَّار إنْ لِمْ تُذْعِنْ". (ما لا ترويه المدينة، ص 86) .

 وفي نهاية الأمر الجلل دخلت زهراء عشَّ الزوجية واقترنت بعبد الوهاب في بيت النَّجدي، وكان حمزة وقتذاك طفلا رضيعاً؛ الأمر الذي دفع الآخرين في الزقاق والمَحلَّة أن يطلقوا عليه لقب النَّجدي بينما هو أصلاً السيَّد حمزة الموسوي، لكنَّه عُرِفَ بحمزة النَّجدي ؛كونه تربَّى في بيتهم.

6- تَمثُّلاتُ الواقعِ المَدينَي التَّداوليَةُ الأُخرى:

 لم تنتهِ سرديَّات الواقع التداولية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) بهذا القَدرِ من التمثُّلات، بل توسَّعت وتشعبت آفاقها كثيراً من حيث العلاقات الاجتماعية والإنسانية والمهنيَّة التي خاض الكاتب الغوص في قاعها المديني السَّردي كثيراً، فضلاً عن سرد إلمامةٍ تصويرية عن وقع العلاقات الخارجية التي تربط أبناء الوطن الواحد بأهلهم وأقاربهم وذويهم، وهذا ما نجده ماثلاً بعلاقة شخصية عبد الوهاب النَّجدي بأخيه عبد الصمد الذي يسكن في بلده الكويت. والحديث هنا له صلات كثيرة بدخول الجيش العراقي للكويت في بداية التسعينيَّات واحتلالها وما خَلَّف الأمرُ المفاجئ من سياسات وأضرارٍ جسيمةٍ دوَّنتها كتب التاريخ ووثَّقتهاأحاديث وقصص وسير الأشخاص في كُلٍّ من العراق والكويت.

 وتلي تلك الحوادث موضوعات سردية أُخرى عرضها سردها الرَّاوي في مدونته تتعلَّق بطريقة أذان الصلاة المتعارف عليها عند الشيعة والسُّنة في مناطق الجنوب العراقي. فضلاً عما ذكره من سرديات مُتوالية عن الشأن العسكري وكيفية خروج بعض الأشخاص غير المألوف عن أنظمة قواعده وأوامره وشرفه المهني وانتهاك حرمة تلك الضوابط التي مرَّ بها بطل الرواية عندما كان جندياً عسكرياً يؤدٍّي خِدمة العلم في معسكر للجيش العراقي قبل وبعد مرحلة تغيير الحكم العراقي والتحولات الجديدة. وينعطف التسريد للواقع بالحديث عن الاقتصاص العادل من الظلمة والفاسدين.

 بعد ذلك تسير أحداث الرواية للحديث عن العالم الداخلي والخارجي لبطل الرواية حمزة؛ بسبب تورطه بقضية مقتل غجرية تابعة لأزلام نظام الحكم السابق، ومسألة هروبه في نهاية خدمته العسكرية لسوريا عن طريق شمال العراق كجزء من مخطط فوضى أدب الارتحال الجبري والتهجير القسري الذي مرَّ به العراقيون مع سلطة النظام الحاكم، ومن بينهم حمزة الشاب المسالم .

 وتقف مسرودات وأحداث الرواية عند مدينة العُمارة، وعلى وجه التحديد خلال سنوات ظهور الاقتتال الطائفي على الهوية عام 2006م، وما تلاها من سنوات الإرهاب. المُهمُّ أنَّ أحداث الرواية الواقعية بدأت حكاياتها من بيت النَّجدي بمدينة العُمارة وانتهت خواتيمها الأخيرة ببيت النَّجدي نفسه الذي استقرَّ به بطل الرواية حمزة النَّجدي الموسوي؛ ليكون آخر معقل مكاني وزماني واقعي يحفظ له كيانه السومري العراقي الأصيل بعد تعرَّضه لظُلمٍ كبيرٍ من قبل ذويه ومحيطه الخاصّ.

 وهنا لا بدَّ من الكشف عن الحقيقة التي تقول لا يمكن أن تُروى قصَّةُ مدينة بكاملها ما لم يروي شخوصها الحقيقيون وأبطالها الفاعلون عن آثار واقعها الحياتي المعيش الذي تجري عليه الأحداث كلَّ يوم. وقد آثر السيَّد مؤلِّف العمل أن يستعرض في خاتمة الرواية شريط أحداث خلود مدينته:

 "رَحَلَ عَنِ المَدينةِ الكَثيرُ مِنْ قَاطنيهَا بِآجَالِهم المَحتومَةِ، وَارتَحَلَ آخرونَ إلَى أصقاعِ المَعمورةِ، ماَتتْ غَنيةُ، وَافترسَتْ إحدى الحُرُوبِ العَبثيةِ ابنَها حَميداً، وَلَمْ يتبقَ مِنَ الشُّهودِ مَنْ يَروي الحِكايةَ؛ بَيدَ أنَّها سَتبقَى مَغروسةً فِي ذَاكرتِي وَسَأورثُها فِيمَا بَعدَ، إلَى أولادِي وَأحفادِي، لِتُبَدِّدَ رَتابةَ اللَّياليِ وَسأمَها، وَلِرُبَّما فِي زَمنٍ مَا، مُوغلٍ مِنَ المُستقبلِ، سَيتكلَّمُ النَّاسُ عَنْ حِكايةِ الحُبِّ بَينَ عَبدِ الوَهابِ وَزَهراءَ، وَكَأُسطورةٍ خَالدِةٍ، تَمامَاً مِثلَ أُسطورة إنانَا وَدُمُوزي". (ما لا ترويه المدينة، ص 176).

أُسلوبيةُ الكَاتبِ التَّعبيريَةُ:

 إنَّ أهمَّ ما يُميِّز أُسلوبية الكاتب والرِّوائي تحسين علي كريدي سبكَ لغته التعبيرية الشفيفة، واقتصاده اللُّغوي الفنِّي البَعيد عن لغة الحشو والإطناب والإسهاب، وميله السَّردي إلى التكثيف الموضوعي الذي يُناسب واقعة الحدث الموضوعيَّة التي يجمع فيها الكاتب بين فنيَّة الواقعي والمخيالي الأسطوري. على الرُّغم من أنَّها سرديَّات رواية آفاقها الفنيَّة والتعبيريَّة واسعة المدى كثيرة الرؤى؛ لكنَّه كان يختار من المفردات والعبارات والتراكيب السليمةَ المُهذَّبة والمُشذَّبة التي توائم تركيب الجملة السرديَّة المَكينةوالرَّصينة الباعثة على دقة التأليف والتوليف والتكثيف الدلالي.

 لقد كانت تناصَّاته النصيَّة وانزياحاته التعبيريَّة في التوصيف واقتناص اللَّحظات السرديَّة الهاربة وتأثيث المشاهد اللَّاهبة عميقةً التَّسريد، وتشبيهاته سليمة دقيقةً التصويب، وكانت مجازاته اللُّغوية الأخرى شائقةً ماتعةً. وأنَّ استشهاداته الثقافية كانت دليلاً على موهبته الإبداعية وثقافته المعرفية.

 وَيُعدُّ إقدامه وإحجامه الأُسلوبي الموضعي في توظيف الواقعيات التداوليَّة والسحريَّة الغرائبية والعجائبية المُدهشة جريئاً في كشف بنية الحدث السردي وتغليفه. بَيدَ أنه في كثير من رواياته ونتاجاته الفكرية يُسيطر عليه هاجس حبِّ النزعة السرديَّة التاريخيَّة المُوجزة أكثر من وقع النزعة الأدبية التي تمنحه خاصية التحليق البعيد في فضاءات عالم الميتا سرد الحداثوي وما بعد الحداثي:

 "لَا ذَاكرةَ لِلمدينةِ لِترويَ حِكاياتِ الغَابرينَ، وَلَا طُرقاتِهِ تُفشِي سَيرَ مَنْ سَاروا عليهَا ذَاتَ حِينٍ، بِخطواتٍ تَائهةٍ وَوُجوهٍ هَائمةٍ يَفضحُهَا العِشقُ وَدَرفَاتُ الأبوابِ المُوَارَبَةِ، لَا تَفضحُ عَمَّنْ تَوارَى خَلفَها بِقلبٍ خَافقٍ؛ مُنتظرَاً مُرورَ الحَبيبِ؛ وَلَا السُّطوحُ تُفشِي هَمسَ العُشاقِ وَصَدَى القُبلَاتِ؛ المَدينةُ مَسرَحٌ كًبيرٌ، وَأبطالُ المَاضِي أُسدِلَ السِّتَارُ عَليهِم، وَتَنَحُوا لِيَتَبَوأَ لَاعبونَ جُدَدٌ؛ وَرَحَلُوا إلَى غَياهبِ النَّسيانِ وَخَبتْ ذِكراهُم مَعَ الأيامِ، إلَّا مِنْ حِكاياتٍ مَبتورةِ يَرويهَا لَنَا مَنْ سَبقنَا إلَى الدُّنيا، يِسردُوهَا مَعَ وَابلٍ مِنَ الوَجدِ وَالأسَى؛ لأنَّهم جُزءٌ مِنْ تِلكَ الحَكاياتِ المَخبُوءَةِ فِي دَهاليزِ الذَّاكرةِ الِّتي سَيَطالُها العَطبُ بَعدَ حِينٍ". (مَا لا ترويهُ المَدينةُ، ص 171) . 

 إنَّ ما لم تَقُلهُ المدينة الحجريَّة الجامدة عن نفسها الأمَّارة بالصمت الطويل في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) قالته بِحُرِّيةٍ تامَّةٍ سرديَّاتُ الرائي تحسين علي كريدي بحكاياتها الفاعلية الواقعيَّة المُتحدِّثة، وتجلِّياتِ فنيَّة أُسلوبيتها اللَّغوية لتعبيريَّة الناطقة بأنساق ثقافة الخفاء والتجلَّي الشعبية، لتلك المدينة الخلفيَّة الإخباريَّة التي تعيش في ظلِّ المدينة الرسمَّية السياقيَّة العَجْمَاء التي تتصدَّر المشهد الشَّكلي للمظاهر والأعراض ولا تنطق بلغة الجواهر والأغراض الموصلة لشطآن الحقيقة وضفاف الواقع.

 إنَّ استدعاء الشخصيَّات الفواعلية وبناء الأحداث الفعليَّة واستحضار الوحدات المكانية والزمانية والإمساك بتلابيب صراعها الحدثي، ووحدتها الموضوعيَّة والتَّمكن من حركة عُقدِ حِبكتها السرديَّة دليل واضح على تمكُّن الكاتب من التَّغلُّب على أدوات عناصر الرِّواية السرديَّة الأساسيَّة والثانويَّة.

 وأظنَّ أنَّ مثل هذا الفعل الإبداعي الفنَّي والجمالي لا يمكن أنْ يحدث على أرض الواقع السردي إنتاجاً تخليقيَّاً مكيناً ما لم يكن فعلاً إجرائياً خلَّاقاً للوجود يبدأ من مركز الاشتغال البؤري للرواية وينتهي بهامش الإقفال الختامي لواقعة الحدث السرديَّة المُرتبطة جوهرياً بالوحدة العضوية للرواية. ولعلَّ هذه الخاصيَّة النقدية في المغايرة الإبداعية تمنح الروائيَّ كاتبَ العمل الأدبي ومنتجه أهميةً إضافيةً مائزةً في سجل سرديات المكتبة العربية الروائيَّة والقصصيَّة لِقُدرته في استنطاق المدينة.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

إن محكي السفر لا يُصوّر لنا الحقيقة بل يُقحِمُ المتلقي-القارئ داخل لعبة الاختلاف، وفي الاختلاف كما يقول غريماس يوجد المعنى فنتتبع كيف يُبنى هذا المعنى فنستضيح كثيره أو قليله.

مقدمة: 

تَحضُر السَّرديات الرَّحلية للكاتب الإعلامي أحمد أمشكح ضمن ما يُصطلَح عليه في حقل الإعلام بالاستطلاع أو الروبرتاج، لا يَنكر الكاتب صانِعُ الحكايات العلاقة بين المحكي الرَّحلي وموهبة الاستطلاع أو الروبرتاج الصحفي، وهي العلاقة القديمة في الأدب العربي ضمن ما يُعرف ب: (الطّبع والصنعة) حيث الإثنان يشترطان موهبة ومن ثمّة دُربة واجتهاد،  ومعلوم أن الكاتب له حضور في الثقافة الإعلامية المغربية والعربية بصورة لافتة، فقد أسهم طول حياته في تجديد الحقل الإعلامي الورقي بالمغرب مُراوحا بين السياسة والثقافة والرياضة، وفي الإنتاجية السياسية أصدر كتابا في خريف 2017 موسوم ب: « كيف رَتَّب الحسن الثاني انتِقال العَرش لولي عهده». وفي سنة 2025 يقتحم الكاتب حقل السرديات الإبداعية مستثمرا التاريخي والذاكرة فصدر له كتاب في سرديات الرِّحلة موسوماً ب: «رحيق الأسفار (تأملات ومشاهدات)»، وتَضمّنت فصول الكتاب في شموليتها ما يصطلح عليه بالأرشفة، في المقام الأول هي الوثيقة السردية الأرشيفية التي أزالت الغبار للقارئ عن بعض الأمكنة المتنوعة جغرافيا وقاريّاً والأزمنة المختلفة، التي تراهن على مسألة الحدود الفاصلة بين التاريخي والتخييلي. الكاتب رام نقل ما رأته العين باعتبارها كاميرا سردية ترتكز على اللغة الواصفة ومكونات السرد ووظائفه لتتوالد المحكيات من خلال مفهوم المحفز المُسرِّع للمحكي وهو «المعرفة الصحافية الأخلاقية» التي أفضت إلى تبلور «محكي رحلي معرفي أخلاقي» رام تعزيز وظيفة الصحافة بمحكيات سياحية وثقافية وأيضا اقتصادية-سياسية تاريخية. عموما شكلّت نصوص الكاتب أحمد أمشكح متنا مهما على مستوى ترسيخ محاكاة الكتابة الرحلية والاستطلاع الإبداعي السردي والتفكير التأملي المتسم أحيانا بالمرونة وأحيانا كثيرة بالتوتر والشدّة وفق طبيعة الظرفية السياسية وأيضا العلائق المتوترة بين النحن المهاجرة والآخر الأوروبي، وهي محكيات استند فيها السارد على «اللَّعِب المُقارِن» في تشييد مقارنات رامت في مقاطع عديدة حالات «السخرية» المعرفية من خلال تقابل صورة الأنا والآخر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لأشكال حيوات مختلفة تندرج ضمن فضاءات جغرافية (إفريقيا، أوروبا، آسيا) جغرافية مختلفة الثقافات، أيضا ارتكزت إنتاجيته على الوصف والتصنيف ومَسرَحة بعض القضايا السياسية والعلائق التي تبنى في تقابلات الاقتصادي والرياضي.

السارد وما رأى في رحلة القدس:

في المقدمة يُؤكِد السَّارِد على عقد ميثاق أخلاقي مع المتلقي/القارئ من خلال قانون «النيابة» يقول: «هي نصوص تفرض على قارئها التجوال بعيني كاتبها (...) الذي يفرض على الصحافي أن ينوب عن قارئه فيما رأى وما سمع وما أحس به وما لمسه وما شممه» (النص، ص.3، 4)

تمثلت نصوصه الرحلية الاستطلاعية قضايا المجتمع الفلسطيني وفق حالات الأزمة السياسية والحصار وارتبطت باستيضاح حالات الخوف الفردي والجماعي والألم الذي ربطه بالتذويب الإيديولوجي: «الألم الذي يشعر به الفلسطينيون من مختلف درجاتهم الاجتماعية، لا يمكن إلا أن تحسه وتتألم معهم، إنهم هنا في سجن كبير» (ص، 7).  داخل أمكنة الحصار والألم يؤكد السارد على أن حضور وزيارة الوفد المتعدد الثقافات والجنسيات للمشاركة في حدث «القدس عاصمة الشباب المسلم» أسهم في تشييد جسر وسمه بجسر عبور حرية، واستضاح عن فرحة الفلسطينيين بهذا الحضور باعتباره شكل حرية: «...هكذا قالها أحد المسؤولين في السلطة الفلسطينية، إن زيارتكم تشعرنا بأننا أحرار» (ص،7)

داخل جغرافية فلسطين يتأطر الخوف وفق تمفصلين: خوف السارد وهو خوف فردي وخوف الوفد المشارك باعتباره خوفا جماعيا يدمي القلب والأرض وخصوصا مدينة أريحا «مدينة القمر» وهي أقدم التجمعات البشرية، يقول: «مدينة أريحا... مدينة القمر قبل أن يقتلها الاحتلال الفلسطيني وهو يحاصرها بكيلومترات من الأراضي الجرداء المحادية لنهر الأردن، تلك التي يسميها الفلسطينيون بالأرض الحرام لأنها بلا شجر ولا بشر ولا حيوانات، وحده نهر الأردن الذي جف ماؤه، وجسر الخشب الذي منه تم إجلاء الشعب الفلسطيني في حرب 1967، وهو المتبقي من تاريخ هذه المنطقة» (ص،7).

من هذا المنظور السارد يستبين عن حدث تاريخي خلخل حياة الفلسطينيين وأحدث أزمة واللا-يقين القضية، فقط هو القلب من يستطيع أن يتألم ويحمل القضية التي تحتاج لجهد ونضال ومقاومة عادِلة. ينضاف إلى سردية الألم وجرحى التاريخ القريب سردية الأمل والحلم، يقول: «زيارة القدس لا تشبه بقية الزيارات، إنها مزيج من الرهبة والخوف، وكثير من الروحانيات التي يشعر بها الزائر وهو يصل إلى حيث يوجد المسجد الأقصى ليصلي تحت القبة الصفراء (...) ولم يكن هذا الحلم سهلا» (ص، 9).

إن سياق الحلم بدخول القدس يربطه السارد بالقلق والخوف والتوتر وحالات مزاج جنود الإسرائليين وهي حالات تصنع الخوف بفعل تهور الجنود الإسرائليين.

مسارات الحكي: دينامية وصف القدس

في اللحظة البدئية السردية هندس الكاتب لها بمحكي رحلة فلسطين وخصص لها 31 صفحة بنسبة مائوية تقارب 30% من مجموع صفحات المحكيات الأخرى، ومن بعدها محكي تركيا بثلاثة عشر صفحة بنسبة مائوية 13%، في مقابل أن محكي فرنسا لا يتجاوز سوى 12%، فيما أطَّر السارد محكي إفريقيا وفق 26 صفحة بنسبة 22%، ماذا يعني ذلك؟

يبدو أن قلب السَّرد تحمِلُه قدس فلسطين أكثر من (الجزائر وتونس ومصر والكاميرون) وكأن السارد تَمثل الانطلاق من المركز، القدس، ليؤسس دينامية رحلاته ومن ثمّة التنوع في مسارات محكي الرحلة أو الرحلات، إذن مركزية القدس يبؤرها السارد كنواة نووية تُفَجِّر حكايات الرحلة حيث تتوالد الحكاية وفق نصوص مختلفة الجغرافية وتشمل القارة الأسيوية والأوروبية وانتهاء بالقارة الإفريقية. إن القدس تستضيح باعتبارها مركزية الحكي أو هي قلب التأملات والمشاهدات، مصداقا لقوله تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، التجذير الفضائي المقدسي يؤطر الحكاية وفق مستويين: المحتوى والدلالة، وهي مستويات قضية كونية وأيضا قضية حصار واستعمار وخاصة الاستيطان الإسرائيلي، ومن هنا نتتبع مسارات الحكايات المؤطرّة داخل حكاية كالآتي: «القدس عاصمة الشباب المسلم»، «باب المغاربة»، «أريحا ترحب بكم»، «للقدس سلام»، «كيف أصبحت الكوفية رمز الثورة الفلسطينية»، وأخيرا؛ «الدبكة الفلسطينية التي تحكي عن حنين العودة».

إذن، هي ستة محكيات تبرز أهمية موقف الكاتب للقضية الفلسطينية في تحولاتها منذ النكبة، حيث نجد تاريخ القضية الفلسطينية له قوة حكائية شديدة التركيز التاريخي وأيضا الوجداني في هذه المحكيات الستة، أيضا هي محكيات أسند لها الكاتب آليات الكتابة السردية الروائية وهي الجمالية والفنية والواقعية والتخييلية التاريخية والتبليغ ارتكازا على التذكّر وخاصة الأماكن والشخصيات وفق لعبة الإعلامي/ الروائي، أو الروائي/ الإعلامي الرياضي، هذا اللعب باللغة والسياق يتمظهر حيث الانتقال السلس من وصف حدث رياضي بين الرجاء الرياضي المغربي والبنزرتي التونسي إلى تثبيت تاريخ الصراع السياسي بين مدينة بنزرت ومدينة تونس العاصمة والوسيط الذي شيّد عليه هذا الصراع هو المناضل النقابي فرحات حشاد: «...اغتيال الزعيم فرحات حشاد ابن المدينة، كان بداية خصام سياسي بين بنزرت والعاصمة تونس، وهو الخصام الذي وصلت تداعياته إلى الكرة» (ص،56). يستبين السارد عن صراع طالت تداعياته الثورة التونسية وما بعدها حيث صار التونسيون لا يتحدثون عن الكرة حيث نابت السياسة عنها بعد الثورة، كذلك يقدم الكاتب وصفا دقيقا للمباراة التي قال فيها: «كادت أن تحيد عن هدفها الرياضي، وتحمل بعض ملامح السياسة» (ص،52).

الذاكرة وإعادة-التلفظ: كشف الزيف

هذا اللعب السردي يمسرح من خلاله السارد أشكال المقارنة بين ملاعب تونس وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء: «...تذكرت ما يعرفه المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء كلما كانت الرجاء أو الوداد في استقبال فريق تونسي أو مصري أو جزائري.." (ص، 54)

يتوالد السرد من خلال قانون الملاحظة باعتبار أن «الملاحِظ مقارِنٌ» بتعبير غريماس. إذن السارِد الملاحِظ يصوِّر لنا مسارات رحلته فيستضيح لنا أشكال حيوات مختلفة الثقافات من خلال محكي أوروبا، حيث إن استحضار آلية المقارنة هو الذي يؤسس لمحكي رحلة ثلاثة عواصم لكل من دولة فرنسا وبلجيكا وسويسرا، يَنسِجُ السارد تفاصيل أشكال حياة المهاجرين المغاربة بفرنسا وحالات الطلاق لأسباب ثقافية ومعتقدات لا-علمية، وحالات العنصرية المضمرة التي تدفع بالجيل الثالث إلى الهروب خارج مركزية المدينة الفرنسية والتشبث بالهامش على شكل ما أسماه السارد ب: «غيتوات» «les ghettes» كشكل حالات سكنية منعزلة ومنطوية على ثقافتها: «... اليوم يفضل المغاربة السكن في تجمعات سكنية خاصة تقربهم أكثر من ذويهم وعائلاتهم، ويفضلون التجمع في مقاهي ذات طبيعة مغربية أو عربية. كما لهم أسواقهم الشعبية في كل مكان...» (ص،59). هذا المسار الوصفي لحالات حياة المغاربة داخل جغرافية فرنسا يربطه السارد بمفارقة ساخرة وتعجبية، يقول: «... ويخيل إليك أنهم مغاربة في فرنسا، أكثر منهم فرنسيون في المغرب!! (...) لذلك نعيش معهم خلال عطلة الصيف تلك المفارقة الغريبة التي تجعلهم يرتدون السراويل القصيرة ويضعون الأقراص في آذانهم ويزينون الصدور بسلاسل ذهبية، وهي الصورة التي تبحث عنها في المدن الفرنسية فلا تجد لها أثرا. فقط ثمة القبعات الصوفية والجلابيب المزركشة حتى وأنت على مقربة من شارع الشانزيليزي، أو على بعد خطوات من قوس النصر بعاصمة الأنوار باريس» (ص،59)

من منظور التلفظ الساخر يُصوِّر السارد شكل اللباس المغربي بالقرب من المعالم التاريخية السياحية الفرنسية بمدينة باريس وكيف تنقلب علامات اللباس المغربي حين يتواجد مغاربة فرنسا بالمغرب، السارد يوظف السخرية كآلية معرفية ليضيء للقارئ صورة النحن هناك والهنا، أيضا نجده يوظف السخرية في حقل رياضة كرة القدم مع الفريق الباريسي الذي أصبح يديره مديرا عربيا من قطر، يقول على لسان مشجع لفريق مارسيليا وهو الفريق الخصم للفريق الباريسي: «هذا الفريق يجب أن يخوض مبارياته في الدوري القطري وليس الفرنسي، في إشارة لمالكه القطري الشيخ ناصر الخليفي، الذي أغدق المال على الفريق» (ص،65).  

في المقابل يُصوِّر السارد العلائق بين السياسة والاقتصاد والرياضة وخصوصا كرة القدم من خلال التحوّلات التي عرفها الفريق الباريسي وكيف أن شعار «لنحلم أكبر» الذي بصم عليه مالِك الفريق.

إن السارد بمعرفته وثقافته الموسوعية والمتنوعة بين السياسي والرياضي والسياحي يستضيح لنا عن تحوّلات في قيم الشباب الفرنسي وكيف يتصوّر لعبة كرة القدم، وكيف يتمثلها على أنها «عقيدة جديدة»؛ تلك العقيدة التي نابت عن شيوعية ماركس ورأسمالية آدم سميت ووجودية سارتر. وعليه، يستبين السارد عن صراع اليسار واليمين وكيف أن لعبة كرة القدم تحسم هذا الصراع السياسي التقليدي لصالح عقيدتها الجديدة، حيث إن الشعب الفرنسي خرج لاستقبال أبطال مونديال فرنسا 1998 في أعداد لم تخرج في زمنية الثورة الفرنسية، وكيف أن أهداف زين الدين زيدان أضحت تنوب عن الأحداث السياسية، وكيف أن جمهور باريس سان جيرمان حين حقق الفوز بكأس الرابطة الفرنسية الخامسة سجل رقما قياسيا من حيث علو صيحات الفرح والصخب إلى قوة صوت 109 ديسيبل.

عموما، هي سخرية تؤسس معرفة للمتلقي، خارج فرنسا ويؤسس لها السارد بتقابل فريقين ينتميان إلى دولتين مختلفتين لكن تجمعهما العلامة التيجارية لإحدى شركات الطيران العربي، يقول: «لقد صدق من قال إن العولمة، التي تغزو البلدان والشعوب، لا يمكن أن تمر بمحاذاة الكرة. إنها البداية» (ص،71).

في مدينة بروكسيل عاصمة بلجيكا الأمر يختلف كثيرا، حيث يصور السارد قوة الثقافة المغربية من خلال احتفالية المغاربة في سنة 2004 بذكرى مرور أربعون سنة على وصول أول العمال المغاربة إلى المملكة البلجيكية، وهي احتفالية من تنظيم جمعية «فضاء ذاكرة الهجرة المغربية» واختارت لها شعار: «من الإندماج إلى المواطنة»؛ يؤشر السارد على أن حضور المغاربة في بروكسيل هو حضور قوّي ومتنوع سياسيا واقتصاديا وثقافيا، حضور يقاوم العنصرية، إن مدينة بروكسيل تصبح داخل النّص مرآة مغربية لباقي عواصم أوروبا التي تشكو اللا-اندماج: «في بروكسيل لا تشعر أن المغاربة على استعداد للاندماج ... حتى وهم في قلب عاصمة الاتحاد الأوروبي» (ص،75).

ثنائية شمال-جنوب: سردية القارة الإفريقية

داخل السرد الرَّحلي الإفريقي وخصوصا بلد الكامرون يُشيَّدُ السرد على تقابل فضائين:

الشمال الفقير/ الجنوب الغني.

واتخذ العنوان «موسم الهجرة إلى الجنوب هربا من فقر كاروا» شكل تشاكل دلالي مع مبنى عنوان رواية موسم الهجرة إلى الشمال للروائي السوداني الطيب صالح، لكنه يتضاد هذا التشاكل في المعنى الشمال/ الجنوب، أيضا آلية وصف مدينة كاروا الكاميرونية التي تعيش حالة فقر وتمزق وانتشار السيدا فالسارد عمل على تجذير هذا المرض القاتل من خلال آلية إحصائية: يقول:«واتضح لنا بعد ذلك أن أقدم مهنة تجد لها مرتعا خصبا في جل المدن الكاميرونية، ولذلك لم تتردد وزارة الصحة الكاميرونية في الإعلان أن أكثر من 600 كاميروني يُصاب يوميا بالسيدا» (ص،109).

رقم مخيف يضمنه السارد محكي رحلته ليستبين عن الهول واللا-حياة هذه الأمكنة، وربط السارد هذا الرقم المخيف بحالات الأمية التي وصلت إلى 94% في سنة 2001، وأن فقط 3% من تصل إلى التعليم الجامعي التي تأسست أول نواة له في سنة 1962. السارد يحمل المتلقي إلى عوالم الإحصاء ليصوّر له حقيقة الحكي، أيضا يشيّد تلفظ الحقيقة على قانون التقابل والتضاد داخل ثنائية الشمال الفقير والجنوب الغني. يؤكد السارد على فقر الشمال الإسلامي وغنى الجنوب المسيحي من خلال آلية الوصف والتصنيف والإحصاء كالآتي:

- الشمال الكاميروني: مدينة كاروا الشمالية/ إسلامية/ فقر سيدا أمية غبار/ وسيلة نقل هي الدراجات.

- الجنوب الكاميروني: مدينة ياوندي، ومدينة دوالا/ مسيحية/ غنى/ اقتصاد نشيط/ فرص شغل وتحسين وضعية اجتماعية.

من خلال لعبة التناظر الإثناني، نستبين هذا من قول السارد:

«مدن الجنوب هي الأغنى في الكامرون، في الوقت الذي تعيش فيه مدن الشمال الفقر المدقع» (ص،107).

يستضيح السارد لنا المعنى وكذلك عن حالات الهجرة من الشمال إلى الجنوب، والحدّ الفاصل بين الفقر والغنى هو الفضاء الطبيعي «الجبل» إنه جبل «كامرون» الذي يُشكِّلُّ حدّا جغرافيا بين الفقر والغنى الكاميرونيين، إنه الجبل الذي استمدت منه البلاد اسمها. في سياق هذا الواقع الإثناني الكاميروني تصبح الكتابة عند الكاتب والإعلامي سي أحمد أمشكح كاميرا تقحمنا داخل عوالم الرحلة وهذا يؤشر على العقد الذي ربط الكاتب بالقارئ وهو عقد ميثاق أخلاقي يقول الحقيقة بالبوح والمضمر، فليس كل شيء يُقال وإنما تحضر الإشارة والتلميح والترميز ومنح القارئ حقّ التأويل المنطقي انطلاقا من النص وحده فقط.

وهم وحقيقة: «حقيقة القاهرة وخيال السينما»

في رحلة السارد إلى بلاد مصر وخصوصا مدينة القاهرة، يُفتَتَحُ السرد بشهية طبيعة المنافسات الرياضية بين المغرب ومصر في لعبة كرة القدم ومن ثمّة تتوالد حكايات الرحلة في اتجاه عوالم تاريخ مصر والقاهرة وثقافتها وأشكال حيوات من يسكنونها، السارد داخل القاهرة يُصوّر الحقيقة التي تُزيفها السينما المصرية وما يُنقل على شاشة التلفزيون:

«كان لنا أن نكتشف القاهرة... ثمّة فرق شاسع بين حقيقة القاهرة وخيال السينما، فنحن أمام مدينة مكتظة ومختلفة ولا تخلو من مظاهر البؤس والفقر» (ص،115).

يصف السارد تاريخ القاهرة وشخصياتها وفضاءاتها السياحية وأزقتها ومقاهيها وذاكرتها السياسية من خلال حالات الاحتجاج والثورات داخل فضاء الساحة ، ساحة «ميدان التحرير» نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919، أيضا هي السنة التي عرفت أول تحرر للمرأة المصرية عندما خلعت «اليشمك» (شكل نقاب عثماني) داخل فضاء ميدان التحرير، ومن بعد ثم ترسيخ الاسم رسميا في ثورة يوليو عام 1952، فتوالت الاحتجاجات والثورات حيث يصف السارد «ثورة الخبز» في 18 و 19 من يناير 1977، أيضا يُجذِّر تاريخ ثورة 25 يناير 2011، السارد يعمل على تجذير تاريخ الساحة التي أصبحت رمز المتظاهرين وصمودهم وحريتهم في علاقة بتاريخ مدينة القاهرة التي أسهم في تبلورها وتطوّرها الفاطميين، يُشيِّدُ السارد تاريخية القاهرة نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي مع الدولة الفاطمية التي شهدت قوّتها انتشارا في المغرب العربي آواخر القرن التاسع الميلادي.

خاتمة

أطَّر الكاتب محكياته الرحلية وفق مثلثية الفضاءات والأزمنة والشخصيات التي تتقاطع بين ثلاثة قارات ليقحم المتلقي داخل الرحلة حيث انطلقت من القدس وانتهت بالقاهرة، وقبل القاهرة كانت رحلة مدينة كاروا الكاميرونية.

السارد بهذا التصنيف الهندسي لمحكيات الرحلة يكشف لنا عن أشكال حياة المدن العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية وعليه نكون أمام تصنيفات مكانية وفق علاقة تضاد:

أمكنة حيّة / أمكنة ميتة.

وعليه؛ شخصيات حيّة/ شخصيات ميّتة.

وأسأل مع السارد، هل الأمكنة هي التي تصنع الإنسان والسرور أم الإنسان هو من يصنع الأمكنة وحالات حياة جيّدة تقطع مع التمزق والفقر والأمراض بصيغة أخرى: هل تستطيع لعبة كرة القدم أن تصنع شكل حياة اقتصادية وسياسية عادِلة باعتبارها «عقيدة جديدة»؟ وكيف هي وظيفة هذه العقيدة الجديدة في علاقة بالسياسي والاقتصادي والثقافي داخل «مملكة» الاتحاد الدولي لكرة القدم من داخل مدينة زوريخ السويسرية التي وصفها السارد بالمدينة الهادئة حد القرف والمدينة المالية التي تتسم بسرية العمليات البنكية، أيضا مدينة للثقافة والفكر والستريبتيز وكأن المدينة لا تعرف الفرق بين صراخ وصخب الرقص وصراخ وصخب مدرجات الملاعب، السارد يحسم في ذلك: «نحن القادمون من أجل حدث كروي حلمنا معه...وليس في رياضة الستريبتيز» (ص،91).

التأمل هو حلم يُصوُّر تحت الضغط، ومحكيات الرحلات وأحداثها هي شكل كتابة تحت الضغط مثلها مثل الصحافة.

 في الأخير، «رحيق الأسفار» رحلة تضيء التحوّلات التي تُصوِّر لنا الأمكنة التي كانت مسرحا مهنيا للصحافة الرياضية ومن ثمّة وهبتنا هذه الأسفار محكيا معرفيا يتداخل فيه الفن القصصي والتاريخي والسياسي والاقتصادي والتوثيقي والقول الساخر انتقادا لوضعيات شخصيات وأشكال حيواتها. في نهاية القول إن آلية الكتابة عند أحمد أمشكح رامت المعنى أكثر من المبنى وتعرية الأمكنة وكشف ازدواجية وتناقض الشخصيات والمدينة كذلك.

***

د. فؤاد بنبشينة - المغرب

يُطلُّ علينا أدب الرسائل كشرفةٍ عتيقة تطلُّ على حدائق الوجدان، نطلُّ منها على خبايا النفوس وصراعات العقول، بعيدًا عن جفاف التقارير وتكلف الدراسات. إنه الفنُّ الذي ظلَّ لقرونٍ يمثل غسل الروح بدموع الصمت، كما وصفه (مكسيم غوركي)، ووسيلة التواصل الأرقى التي امتزج فيها الحبر بدم الشوق، والورق بنبضات الحنين. لكننا اليوم، ونحن نقف على أعتاب عصر السيولة الرقمية، نجد هذا الفنَّ يقف على حافة الاندثار، مهددًا بالتحول إلى ذكرى متحفية تشبه فن المقامة الذي طواه النسيان.

إنَّ تراجع أدب الرسائل في عصرنا الراهن ليس مجرد مصادفة تقنية، بل هو أزمة إحساس في المقام الأول. فالرسالة في جوهرها تقتاتُ على المسافة وتتغذى على الغياب. وكما يشير المتأملون في هذا الشأن، فإنَّ الأدوات الحديثة سحقت مسمى الاغتراب؛ فالعين إذا ألِفت النظر، فقدَ القلبُ توهجه. عندما كان (جبران خليل جبران) يكتب لـ(مي زيادة) من مغارب الأرض إلى مشارقها، كانت السبعة آلاف ميل والبحار المنبسطة هي التي تمنح الكلمات قدسيتها، وهي التي جعلت تلك العاطفة تدوم عشرين عامًا دون لقاء جسدي، مكتفيةً بعالم الفكر والخيال الضبابي. اليوم، ومع الواقع الافتراضي، بات الجميع معنا في أدق تفاصيل حياتهم، فخمدت جمرة القلب، وخرج المسطور فاقدًا للحياة، منزوع الحنين.

ولعلَّ أجمل ما في هذا الفن هو قدرته على توثيق حالات الحب من طرف واحد أو العشق الممتنع. نجد ذلك في رسائل (ولي الدين يكن) إلى (مي زيادة)، وهو الذي كان يضع قبلة هي أجمل زهرة في ربيع الأمل تحت قدميها، رغم يقينه أن قلبها معلق بـ(جبران) المجتبى البعيد. ونجدها في "أوراق الورد" للـ(رافعي)، الذي لم يرد من الحب إلا الفن، مؤمنًا بأن الهجر هو الوقود الحقيقي للإبداع. إن الرسائل هنا ليست مجرد أخبار، بل هي استنزاف شعوري يحول الألم الشخصي إلى نص كوني، كما فعل (شكسبير) في سونيتاته، أو (تشيخوف) في رسائله العائلية التي كشفت عن إنسانٍ يصارع الضعف واليأس بصدقٍ عارٍ.

لكنَّ هذا البوح الصادق يثير إشكالية أخلاقية وأدبية: هل يجوز نشر الرسائل الشخصية؟ هناك من يرى في ذلك خيانة، كما فعلت (غادة السمان) حين نشرت رسائل (غسان كنفاني)، معتبرين أن الرسالة التي تُكتب وفي نية صاحبها النشر مسبقًا تفقد عفويتها وتلقائيتها وتصبح نصًا متكلفًا. وفي المقابل، هناك من يرى فيها كنزًا إنسانيًا وتوثيقيًا لا يجوز إخفاؤه. ومن الأمثلة المشرقة في عصرنا الحديث، ما قامت به الأديبة (رنا أبو حنا)، حين نشرت رسائل والدها الكاتب (أنيس رشيد أبو حنا) إلى والدتها، وهي رسائل تطفح بالعشق والجمال، وتنقل صورة حية للعلاقات الاجتماعية في حقبة زمنية مضت، مؤكدة أن الرسالة هي نبض مشاعر وجيشان عاطفة.

وعلى الرغم من طغيان الشاشات المضيئة التي تجمد الإحساس، لا تزال هناك محاولات واعدة لإحياء هذا الفن. نجد ذلك في تجربة الأديب (محمد بركات) الذي يسعى لاستثارة مكامن الجمال عبر رسائله للأدباء، وفي كتاب "رسائل من القدس وإليها" للأديب (جميل السلحوت) والكاتبة (صباح بشير). هذا الكتاب يمثل نموذجًا للرسائل كبوح وتوثيق، حيث امتزجت فيه السيرة الذاتية بالقضايا الوطنية والاجتماعية. فبينما كشف (السلحوت) بجرأة عن تفاصيل حياته ورحلاته إلى بلاد العم سام منتقدًا ثقافة الهبل وتقديس الجهل، ركزت الكاتبة (صباح بشير) على وصف النفس الإنسانية وعشق الكتابة، مما جعل من الرسائل مرآة للهوية والوجع الفلسطيني المعاصر.

إنَّ أدب الرسائل ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة إنسانية. إنه العمل المرهق الذي يمنح لذة لا تفوقها لذة، كما وصفه (ميخائيل نعيمة). فمجرد الانحناء على ورقة بيضاء في دجى الليل، واختيار الكلمات بعناية لتصل إلى قلبٍ ينتظر، هو فعلُ مقاومة ضد سرعة العصر وسطحيته. إن الرسائل "المشعوطة" التي نتبادلها اليوم عبر وسائل التواصل تفتقر إلى رائحة الورق وهيبة القلم.

ختامًا، إنَّ إنقاذ أدب الرسائل من الاندثار هو إنقاذٌ لجزء من إنسانيتنا. علينا أن ندرك أن القلم هو السلطان الحقيقي، وأن في الرسائل متعة لا تضاهى، فهي التي تحفظ وجدنا وتوقنا في عالم بات يضج بالضجيج الفارغ. وكما قال (جورج صيدح) حين وصلته رسالة صديق: الحروف لها شفاهٌ تُشتهى. فهل نملك الجرأة اليوم لنمسك بالقلم، وننبذ ملذات العالم الرقمي السريعة، لنكتب رسالة حقيقية تعيد للقلب توهجه؟ إن المحاولة تستحق، لأننا متى أدركنا مجد القلم، هانت لدينا كل أمجاد الأرض.

***  

رمزي ميركاني

رجع صدى.. شذرات

عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

***

1/ صيفا

لم تمطر أرضه

كانت الغيمات محلقة تحت سماء حارقة

**

2/ خريفا

لم تتساقط أوراق خزامى

كل جذور الأيكة القديمة كانت تعزف لحن صمت طويل

**

3/ شتاء

لم تبحر فيالق السنونو

كل أجنحة النوارس كانت تكنس شوارع المدينة العاهرة

**

4/ ربيعا

في قريتي غمتي

كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له.

***

تمهيد: لماذا "شذرات" لا "قصيدة"؟

حين يختار الشاعر عبد الرحمن بوطيب أن يصنّف نصه تحت مسمى "شذرات" بدل "قصيدة"، فهو يُصدر إعلاناً جمالياً مسبقاً عن طبيعة العلاقة التي يريدها بين القارئ والنص. الشذرة (fragment) في التراث الفلسفي والأدبي الغربي، منذ نوفاليس والرومانسيين الألمان مروراً بنيتشه، ثم بلانشو ودريدا في القرن العشرين، ليست وحدة ناقصة تنتظر اكتمالها، بل هي شكل مكتفٍ بذاته يقاوم النسق الكلي. يقول موريس بلانشو في الكتابة عن الكارثة: "الشذرة لا تكتمل بغيرها، بل تتجاور معها في فراغ لا يُملأ" (ترجمة تصرفية). هذا "الفراغ" هو بالضبط ما يشتغل عليه بوطيب: أربع لوحات فصلية منفصلة، تفصل بينها خطوط متقطعة (ــــ)، وكأن الشاعر يريد أن يُرينا بصرياً أن الوصل هنا وهمي، وأن كل فصل يعيش عزلته الدلالية الخاصة قبل أن يلتقي بأخواته في المعنى الكلي.

وفي التراث النقدي العربي، يمكن أن نستحضر هنا مفهوم "التوقيعات" عند الجاحظ والقاضي الفاضل، وهو شكل تعبيري يعتمد على الإيجاز الشديد والقفلة المدهشة، لكن بوطيب يطوّع هذا الإيجاز التوقيعي ليخدم بنية زمنية-فصلية، فتتحول التوقيعات الأربعة إلى أشبه بـ"فصول عام شعري" مكثّف.

أولاً: الشذرة كخيار جمالي لا كاختزال

الشذرة عند بوطيب ليست هرباً من مسؤولية البناء الكبير، بل هي البناء ذاته. فالقصيدة التقليدية العربية، منذ المعلقات، قامت على مبدأ الاتصال العضوي (الوحدة العضوية التي نادى بها النقاد المحدثون كأمين الخولي وشوقي ضيف تأثراً بكوليردج)، بينما هذا النص يقترح أنموذجاً مضاداً: وحدة عبر التكرار البنيوي لا عبر الاتصال السردي. فكل شذرة تتبع القالب التركيبي نفسه:

[ظرف زمان/فصل] + [نفي لفعل طبيعي متوقع] + [إثبات مفارق يحل محله]

هذا التكرار البنيوي (structural parallelism) هو ما يمنح النص وحدته الداخلية بالرغم من انقطاعه الظاهري، تماماً كما تتكرر "التفعيلة" في العروض العربي لتصنع إيقاعاً موسيقياً، فإن بوطيب هنا يصنع "تفعيلة دلالية" تتكرر عبر الشذرات الأربع.

ثانياً: بلاغة الغياب — شعرية "لم" وسلطة النفي

الملاحظة النقدية الأعمق في النص هي أن الشاعر لا يصف ما حدث، بل يصف ما لم يحدث. أفعال النفي الثلاثة الأولى ("لم تمطر"، "لم تتساقط"، "لم تبحر") تشكّل ما يمكن تسميته بـ"الوصف بالسلب" (negative description)، وهي تقنية لها جذور في اللاهوت السلبي (Via Negativa) الذي عرفه ديونيسيوس الآريوباغي وابن عربي على السواء، حيث تُعرَّف الذات الإلهية بنفي الصفات لا بإثباتها، لأن الإثبات المباشر يحاصر المطلق في حدود اللغة. الشاعر هنا يطبّق منطقاً مشابهاً على المكان: "غمتي" لا تُوصف بما فيها، بل بما يُفتقد منها، فيتحول القارئ من متلقٍ لصورة إلى شاهد على غياب متكرر.

في النقد العربي الحديث، تحدّث كمال أبو ديب عن "جدلية الحضور والغياب" في الشعر العربي المعاصر بوصفها آلية أساس لإنتاج التوتر الشعري، وهو ما يتجلى هنا بوضوح: فكل نفي يعقبه إثبات مضاد يحمل مفارقة حسية أو بصرية تُبقي الصورة معلّقة بين الحرمان والتعويض:

الشذرة الأولى: الغيوم موجودة فعلاً ("كانت الغيمات محلّقة") لكنها معلّقة "تحت سماء حارقة" — أي حضور بلا فعل، وجود بلا جدوى. هذا يذكّرنا بمفهوم "الحضور الفارغ" (empty presence) الذي استخدمه بعض نقاد ما بعد الحداثة لوصف الأشياء التي تشغل حيزاً من دون أن تؤدي وظيفتها. الغيمة هنا كائن مُعطَّل، حاضرة جسداً غائبة فعلاً، وهي أقرب لصورة الشاعر المعاصر ذاته في كثير من القراءات الرمزية: حاضر في المشهد الثقافي، عاجز عن التأثير فيه.

الشذرة الثانية: جذور الأيكة "تعزف لحن صمت طويل" — تركيب أوكسيموروني (متناقض) يؤنسن الصمت بجعله موسيقى. هذه الصورة تحديداً تستدعي ما نظّر له جان كوهين في بنية اللغة الشعرية عن "الانزياح الدلالي" (l'écart sémantique)، حيث يتم الجمع بين حقلين متنافرين (العزف الذي يفترض صوتاً، والصمت الذي ينفيه) لإنتاج شحنة انفعالية تتجاوز المعنى الحرفي. والأمر يذكّر أيضاً بصورة محمود درويش الشهيرة "أصغي إلى نايي بصمت"، حيث يتحول الصمت نفسه إلى مادة سمعية، لكن بوطيب يذهب أبعد بجعل الجذور -لا الأغصان أو الأوراق- هي مصدر هذا "العزف"، فيربط الصمت بالعمق لا بالسطح، بالتاريخي الدفين لا بالراهن الظاهر.

الشذرة الثالثة: استبدال السنونو بالنوارس، وتحويل فعل الطيران/الهجرة إلى فعل تنظيف قسري ("تكنس شوارع المدينة العاهرة"). هنا ينزاح النص فجأة من الحقل الطبيعي الصرف إلى حقل أخلاقي-سياسي حاد. نعت "العاهرة" صدمة أسلوبية متعمدة (violence stylistique)، يقتحم بها الشاعر نسيجاً كان حتى تلك اللحظة هادئاً تأملياً. ولعل في هذا الانزياح صدى لما فعله بودلير في "أزهار الشر" Les fleurs du mal حين كان يُدخل مفردات "دنيئة" أو "قبيحة" داخل بنية شعرية كلاسيكية الإيقاع، محدثاً ما سماه النقاد "جمالية القبح" (esthétique du laid)، وهي استراتيجية تصدم القارئ لتوقظه من سلبيته التأويلية.

ثالثاً: المفارقة الختامية كمفتاح تأويلي — جدل الاسم والمسمى

الشذرة الرابعة هي الذروة التي تعيد تفسير كل ما سبقها بأثر رجعي: "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له". هذه الجملة بنية أوكسيمورونية خالصة تُثبت الشيء وتنفيه في آن واحد، ولها ما يوازيها في الأدب الغربي في تعبيرات مثل "the living dead" أو "silence that speaks"، لكنها هنا مصوغة بحساسية عربية خالصة تستدعي مفارقات المتنبي وأبي تمام القائمة على الطباق والتضاد ("وقفتُ وما في الموت شكٌّ لواقفٍ / كأنك في جفن الردى وهو نائم").

لو استعرنا مفهوم جان كوهين عن "الانزياح الشعري" (l'écart poétique) مرة أخرى، فإن هذا التركيب ينتهك القاعدة المنطقية الأرسطية القائلة بأن الشيء لا يكون ونقيضه في آن (مبدأ عدم التناقض)، ليؤسس شعرياً لمفهوم "الربيع الفارغ من ماهيته" — ربيع بالاسم لا بالفعل، أي وعد بلا إنجاز، دالّ بلا مدلول.

وهنا تتضح البنية الدائرية للنص: الفصول الثلاثة السابقة (صيف بلا مطر، خريف بلا تساقط، شتاء بلا هجرة) لم تكن استثناءات متفرقة بل تمهيداً تراكمياً لهذه الخلاصة الفلسفية. فكل فصل في "غمتي" مصاب بعطب بنيوي، بانقطاع جوهري بين الاسم ومسماه، بين الشكل الفصلي الظاهر وجوهره الطبيعي الغائب. هذا التصور قريب مما تناوله غاستون باشلار في شعرية المكان (La poétique de l'espace) حين ربط الزمن الشعري بجدلية الحلم والحرمان لا بمنطق التقويم الفيزيائي الصارم، إذ يصبح "الربيع" عند باشلار حالة نفسية-وجودية قبل أن يكون فصلاً مناخياً.

ويمكن أيضاً استحضار مفهوم رولان بارت عن "الدرجة الصفر للكتابة" (le degré zéro de l'écriture) بشكل معكوس هنا: فإذا كانت الكتابة عند بارت تسعى لتحييد الدلالة، فإن بوطيب يفعل العكس تماماً، إذ يُفرغ "الربيع" من دلالته المتعارف عليها (التجدد، الخصب، الأمل) ليحوّله إلى علامة فارغة، دالّ بلا مدلول متحقق، تماماً كما يتحدث بودريار عن "المحاكاة" (simulacre) حيث تحل الصورة محل الواقع وتفقد الأصل مرجعيته.

رابعاً: من المحلي إلى الرمزي — جغرافيا الأزمة

اسم "قريتي غمتي" يُوطّن النص جغرافياً بشكل حاسم، وهذا التوطين ليس تفصيلاً عابراً بل اختيار واعٍ يذكّرنا بما يسميه إدوارد سعيد "الجغرافيا التخييلية" (imaginative geography)، حيث يصبح المكان الخاص جداً بوابة لطرح أسئلة كونية عامة. القرية هنا -كما القرى عند فوكنر في يوكناباتوفا، أو عند ماركيز في ماكوندو- ليست مجرد خلفية مكانية، بل شخصية-رمز تختزن مأساة أشمل.

لكن الوصف الختامي "كل الفصول كانت ربيعا لا ربيع له" يتجاوز الخصوصية المكانية إلى حالة وجودية أشمل، أقرب لما نجده عند أدونيس حين يجعل من المكان الخاص مرآة لأزمة حضارية كونية، كما في ديوانه "مفرد بصيغة الجمع" حيث يتحول الجرح الشخصي إلى جرح جماعي. ولعل "المدينة العاهرة" في الشذرة الثالثة تفتح قراءة سياسية-اجتماعية مضمرة يمكن تطويرها أكثر: فتدنّس الفضاء الحضري (المدينة) يقابله عقم الفضاء الطبيعي (القرية)، فكأن النص يرسم مناخين متوازيين ومتكاملين للفساد — فساد الحضارة الأخلاقي، وفساد الطبيعة الوظيفي، وكلاهما يعكس أزمة معنى أشمل تطال الإنسان المعاصر في علاقته بمحيطه الطبيعي والاجتماعي معاً.

خامساً: الإيقاع البصري والصمت الطباعي

تجدر الإشارة أيضاً إلى العنصر البصري في تشكيل النص: الخطوط الفاصلة الطويلة بين الشذرات (ـــــــ) ليست حشواً طباعياً، بل هي ما يسميه بعض النقاد "الصمت المطبعي" (typographic silence)، وهو مكوّن دلالي فعّال في الشعر الحديث منذ ستيفان مالارميه في "رمية النرد" Un coup de dés jamais n'abolira le hasard حيث يصبح البياض/الفراغ جزءاً من بنية المعنى لا مجرد خلوّ من الكتابة. هذه الفواصل البصرية تُجسّد بصرياً ما يقوله النص لفظياً: الانقطاع، الفجوة، غياب الاتصال العضوي بين الفصول، تماماً كما تنقطع الفصول عن وظائفها الطبيعية في مضمون النص.

خلاصة:

يشتغل النص إذن على معادلة شعرية دقيقة ومحكمة: تراكيب النفي المتوالية + المفارقات الحسية المتصاعدة + الانزياح المفاجئ نحو الحقل الأخلاقي + الأوكسيمورون الختامي الجامع = شعرية الغياب المكتمل. الشاعر لا يرثي غياب المطر أو الأوراق أو الطيور بوصفها ظواهر طبيعية منعزلة، بل يرثي عبرها غياب الفصل عن ذاته، أي انفصام الظاهرة عن جوهرها، وانفصام الاسم عن مسماه — وهذا ما يجعل من "رجع صدى" نصاً عن الصدى لا عن الصوت الأصلي: تكرار بلا مصدر متحقق، مثلما الربيع هنا اسم بلا مضمون، ووعد بلا إنجاز. وفي هذا يلتقي بوطيب مع سؤال جوهري في الشعرية العربية المعاصرة منذ السياب وأدونيس: كيف يمكن للغة أن تقول الغياب من دون أن تسقط في فخ وصفه المباشر؟ والجواب الذي يقترحه هذا النص هو: عبر جعل الغياب نفسه بنية، لا موضوعاً.

***

الأستاذة الباحثة آمال بن الطاهر

من سوسيولوجيا الأدب إلى تحليل البنية الدالة

على سبيل الافتتاح: شهد النقد الأدبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحولات معرفية عميقة أسهمت في إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي ووظيفته وآليات إنتاجه للمعنى، فلم يعد النص ينظر إليه بوصفه بنية لغوية مغلقة أو انعكاسا مباشرا للواقع الاجتماعي، وإنما أصبح فضاء تتقاطع فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية والثقافية. وقد أفرز هذا التحول ظهور مناهج نقدية متعددة سعت إلى تجاوز محدودية المناهج التقليدية، ومن أبرزها البنيوية التكوينية التي ارتبطت بالمفكر والناقد الفرنسي لوسيان غولدمان، الذي حاول إقامة مصالحة معرفية بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية للأدب.

وانطلقت البنيوية التكوينية من رؤية نقدية تؤكد أن العمل الأدبي ليس انعكاسا آليا للواقع، ولا مجرد بناء لغوي مستقل عن سياقه، وإنما هو بنية دالة تتجسد فيها رؤية جماعة اجتماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في قالب فني متماسك. ومن ثمّ، فإن فهم النص لا يكتمل إلا بالجمع بين تحليل بنيته الداخلية والكشف عن امتداداته الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وهو ما جعل هذا المنهج يمثل مرحلة متقدمة في تطور النقد الاجتماعي، متجاوزا النزعة الانعكاسية التي اختزلت الأدب في كونه مرآة مباشرة للواقع.

وقد أسهم غولدمان في إغناء هذا التصور عبر بناء جهاز مفاهيمي متكامل يقوم على مفاهيم مركزية، مثل: رؤية العالم، والبنية الدالة، والفهم والتفسير، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وهي مفاهيم مكنت من إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع على أساس جدلي يراعي استقلالية الإبداع الفني من جهة، وارتباطه بالشروط التاريخية والاجتماعية من جهة أخرى. وبهذا تجاوزت البنيوية التكوينية كثيرا من الثنائيات التقليدية، مثل ثنائية الشكل والمضمون، والفرد والجماعة، والنص والسياق، لتقدم تصورا أكثر شمولا لعملية الإبداع الأدبي.

وتتجلى أهمية هذا المنهج في قدرته على الجمع بين الصرامة المنهجية والانفتاح الفكري، إذ يبدأ بتحليل النص من داخله للكشف عن بنيته الدالة، ثم ينتقل إلى تفسير هذه البنية في ضوء الوعي الجمعي الذي تنتمي إليه الجماعة المنتجة للنص، وهو ما يمنح القراءة النقدية بعدا معرفيًا يتجاوز الوصف إلى تفسير آليات إنتاج المعنى ودلالاته الحضارية.

ورغم ما تعرضت له البنيوية التكوينية من مراجعات وانتقادات، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانة مرموقة في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها قدمت نموذجا نقديا استطاع أن يوازن بين استقلالية النص وارتباطه بالواقع، وأن يجعل من الأدب وثيقة ثقافية تكشف عن تحولات المجتمع ورؤيته للعالم، دون أن تفقد خصوصيتها الجمالية.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة قراءة مشروع لوسيان غولدمان في ضوء تطورات النقد الأدبي الحديث، من خلال الوقوف عند أسسه النظرية، وتحليل أبرز مفاهيمه الإجرائية، وبيان إسهامه في تجديد المنهج الاجتماعي، مع تقويم أهم منجزاته وحدوده المعرفية، وصولا إلى إبراز مكانة البنيوية التكوينية باعتبارها واحدة من أكثر المناهج النقدية قدرة على تفسير العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية.

إشكالية الدراسة:

تمثل البنيوية التكوينية إحدى أبرز المحطات في تاريخ النقد الأدبي الحديث، إذ استطاعت أن تقدم تصورا نظريا جديدا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، قائما على تجاوز الثنائية التقليدية التي تفصل بين التحليل الشكلي للنص والدراسة الاجتماعية لمضامينه. فقد سعى لوسيان غولدمان إلى بناء منهج نقدي يجمع بين البنية الداخلية للنص والظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجته، مستندا إلى رؤية جدلية تجعل الإبداع الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم أكثر من كونه انعكاسا مباشرا للواقع أو تعبيرا عن تجربة فردية معزولة.

ورغم المكانة التي احتلتها البنيوية التكوينية في الفكر النقدي المعاصر، فإنها ما تزال تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بفاعلية مفاهيمها الإجرائية، وحدود قدرتها على تفسير الظاهرة الأدبية، ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين خصوصية النص الأدبي وبين ارتباطه بالبنيات الاجتماعية والتاريخية. كما أن التطورات التي عرفتها المناهج النقدية الحديثة تفرض إعادة قراءة هذا المشروع للكشف عن عناصر قوته، ورصد جوانب القصور فيه، واستجلاء مدى راهنيته في قراءة النصوص الأدبية المعاصرة.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:

إلى أي حد استطاعت البنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان أن تؤسس منهجا نقديا متكاملا يجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية، وأن تقدم تصورا جديدا لفهم العلاقة بين النص الأدبي والواقع التاريخي والاجتماعي؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

ما الظروف الفكرية والمعرفية التي أسهمت في نشأة البنيوية التكوينية؟

ما المرتكزات الفلسفية والمنهجية التي يقوم عليها مشروع لوسيان غولدمان؟

كيف أسهمت مفاهيم الفهم والتفسير، والبنية الدالة، والوعي الممكن، ورؤية العالم في بناء هذا المنهج؟

ما أوجه الاختلاف بين البنيوية التكوينية والبنيوية الشكلية والمناهج الاجتماعية التقليدية؟

ما القيمة العلمية التي أضافتها البنيوية التكوينية إلى النقد الأدبي الحديث؟

وما أبرز الملاحظات والانتقادات التي وُجهت إليها في ضوء تطور الدراسات النقدية المعاصرة؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق الدراسة من جملة من الفرضيات، لعل من أهمها:

أن البنيوية التكوينية تمثل تطورا نوعيا في مسار النقد الاجتماعي؛ لأنها تجاوزت التفسير الانعكاسي المباشر للأدب.

أن مفهوم البنية الدالة يشكل حجر الزاوية في المشروع النقدي الغولدماني، ويمنح النص استقلاليته الجمالية دون فصله عن سياقه التاريخي والاجتماعي.

أن الجمع بين مرحلتي الفهم والتفسير أتاح قراءة أكثر شمولا للعمل الأدبي، تربط بين بنيته الداخلية ورؤيته الفكرية.

أن البنيوية التكوينية، رغم أهميتها، لا تخلو من حدود منهجية تجعلها مشروعا مفتوحا للتطوير والمراجعة.

أهداف الدراسة:

تروم هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعل من أبرزها ما يلي:

التعريف بالبنية الفكرية والمنهجية للبنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان.

إبراز الأسس الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المنهج النقدي.

تحليل أهم المفاهيم الإجرائية المؤسسة للبنيوية التكوينية وبيان وظائفها في قراءة النصوص الأدبية.

الكشف عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية من منظور غولدمان.

تقويم القيمة العلمية للبنيوية التكوينية، وإبراز إسهامها في تطوير النقد الأدبي الحديث.

الوقوف عند أبرز الملاحظات النقدية التي وُجهت إلى هذا المنهج في ضوء التحولات المعرفية المعاصرة.

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة في كونها تعيد قراءة أحد أكثر المناهج النقدية تأثيرا في الدراسات الأدبية الحديثة، وهو المنهج الذي نجح في تجاوز التقابل التقليدي بين الشكل والمضمون، وبين النص والواقع، ليؤسس رؤية متكاملة تجعل العمل الأدبي بنية دالة تتفاعل فيها الأبعاد الجمالية والاجتماعية والفكرية.

كما تستمد الدراسة أهميتها من سعيها إلى تقديم قراءة علمية تجمع بين التأصيل النظري والتحليل النقدي، بما يسهم في تعميق الوعي بالمناهج النقدية الحديثة، وإبراز القيمة المعرفية للبنيوية التكوينية في فهم الظاهرة الأدبية وتفسيرها، مع بيان حدودها وإمكانات الإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية العربية والمعاصرة.

البنيوية التكوينية: النشأة والمرجعيات الفكرية والأسس المنهجية:

نشأة البنيوية التكوينية وسياقها الفكري:

لم تظهر البنيوية التكوينية في فراغ معرفي، بل جاءت ثمرةً لتحولات فكرية ومنهجية شهدتها الساحة النقدية الأوروبية خلال القرن العشرين، حين بدأت المناهج التقليدية تعجز عن تقديم تفسير شامل للظاهرة الأدبية. فقد انقسم النقاد آنذاك بين اتجاهين متعارضين، أولهما البنيوية الشكلية التي حصرت اهتمامها في البنية الداخلية للنص وعدّت العمل الأدبي نسقا لغويا مستقلا عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، وثانيهما المناهج الاجتماعية ذات النزعة الانعكاسية التي نظرت إلى الأدب بوصفه مرآة مباشرة للواقع، فاختزلت قيمته الجمالية في وظيفته الاجتماعية.

وفي ظل هذا التباين المنهجي برز مشروع لوسيان غولدمان بوصفه محاولة جادة لتجاوز هذا الانقسام، حيث سعى إلى إقامة حوار معرفي بين البنيوية والمنهج الاجتماعي، مستفيدا من الفلسفة الجدلية والمادية التاريخية، دون أن يقع في النزعة الحتمية التي ميزت بعض القراءات الماركسية التقليدية. فقد رأى أن النص الأدبي لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن المجتمع، كما لا يجوز اختزاله في ظروف إنتاجه الخارجية، لأن له نظاما داخليا يفرض آلياته الخاصة في إنتاج الدلالة.

ومن هنا نشأت البنيوية التكوينية باعتبارها منهجا يسعى إلى الكشف عن العلاقة الجدلية بين البناء الفني للنص وبين البنيات الفكرية والاجتماعية التي أنتجته، بحيث يغدو العمل الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في صورة فنية تمتلك استقلالها الجمالي.

 المرجعيات الفكرية للبنيوية التكوينية:

استندت البنيوية التكوينية إلى مجموعة من المرجعيات الفكرية التي شكلت بنيتها النظرية، ويمكن إجمالها في ثلاثة روافد أساسية:

أولها الفلسفة الجدلية، التي أكدت أن الظواهر الإنسانية لا تدرس في عزلة، وإنما في إطار العلاقات المتبادلة التي تربط عناصرها داخل نسق متحرك ومتطور. وقد انعكس هذا التصور على رؤية غولدمان للأدب، فاعتبر النص بنية حية تتفاعل باستمرار مع محيطها الاجتماعي والتاريخي.

أما المرجعية الثانية فتتمثل في المادية التاريخية، غير أن غولدمان لم يتبنها بصيغتها الحتمية، بل أعاد توظيفها بما يجعل الأدب تعبيرا عن الوعي الجمعي للجماعات الاجتماعية، لا مجرد انعكاس ميكانيكي للبنية الاقتصادية. فالعمل الأدبي عنده يكتسب قيمته من قدرته على تمثيل رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة التي ينتمي إليها.

وتتمثل المرجعية الثالثة في البنيوية، إذ استفاد غولدمان من اهتمامها بتحليل العلاقات الداخلية المكونة للنص، لكنه رفض تحويل البنية إلى نظام مغلق منفصل عن التاريخ، مؤكدا أن كل بنية أدبية هي بنية متحركة تتشكل داخل سياق اجتماعي وثقافي معين.

الأسس المنهجية للبنيوية التكوينية:

يقوم المنهج البنيوي التكويني على جملة من المبادئ التي تمنحه خصوصيته داخل المناهج النقدية الحديثة.

أول هذه المبادئ أن النص الأدبي وحدة متكاملة لا تقرأ من خلال عناصرها الجزئية فحسب، وإنما من خلال العلاقات التي تربط تلك العناصر داخل نسق دلالي منسجم. ولذلك يبدأ التحليل من داخل النص قبل الانتقال إلى تفسير علاقته بالعالم الخارجي.

وثانيها أن الإبداع الأدبي ليس إنتاجا فرديا خالصا، بل هو تعبير فني عن رؤية جماعية للعالم، يمثل فيها الكاتب الوسيط الذي يمنح الوعي الجمعي صياغة جمالية قادرة على تجاوز حدود التجربة الشخصية.

أما المبدأ الثالث فيتمثل في العلاقة الجدلية بين الفهم والتفسير، فالفهم يعني الكشف عن البنية الداخلية للنص، في حين يهدف التفسير إلى ربط هذه البنية بالشروط الاجتماعية والتاريخية التي أسهمت في تشكلها. وبهذا يتحول النقد من مجرد وصف للنص إلى تحليل يفسر آليات إنتاج معناه.

ويؤكد غولدمان كذلك أن الناقد لا ينبغي أن يتوقف عند المستوى اللغوي أو الأسلوبي، بل يتعين عليه البحث عن الرؤية الفكرية الكامنة خلف البناء الفني، باعتبارها العنصر الذي يمنح النص وحدته الدلالية ويكشف موقعه داخل البنية الثقافية للمجتمع.

خصوصية البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

تتجلى خصوصية البنيوية التكوينية في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فهي لا تذيب النص في الواقع، كما لا تفصله عن شروط إنتاجه، وإنما تنظر إليه بوصفه بناء فنيا يعبر عن تجربة جماعية تتجسد في رؤية للعالم ذات أبعاد تاريخية وفكرية وثقافية.

ولهذا استطاعت البنيوية التكوينية أن تقدم تصورا أكثر توازنا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، وأن تؤسس قراءة نقدية تتجاوز التفسير الأحادي للظاهرة الأدبية، لتجعل من النص فضاء تتفاعل فيه البنية الجمالية مع الوعي الاجتماعي في إطار جدلية مستمرة. ومن هذا المنطلق احتلت مكانة بارزة في الدراسات الأدبية الحديثة، وأصبحت إحدى أهم المحطات في مسار تطور النقد الاجتماعي المعاصر، لما أتاحته من إمكانات جديدة لفهم العمل الأدبي وتحليل بنياته العميقة في ضوء سياقه الحضاري والفكري.

 المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية:

إذا كانت البنيوية التكوينية قد استطاعت أن تفرض حضورها داخل حقل النقد الأدبي الحديث، فإن ذلك يعود أساسا إلى الجهاز المفاهيمي الذي شيده لوسيان غولدمان، والذي أتاح تجاوز القراءات الاختزالية للنص الأدبي. فقد بنى غولدمان منهجه على شبكة مترابطة من المفاهيم الإجرائية، لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتكامل فيما بينها لتفسير العلاقة الجدلية بين البنية الأدبية والواقع الاجتماعي. ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم: رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، ثم ثنائية الفهم والتفسير، وهي مفاهيم أصبحت تمثل الأساس النظري الذي تقوم عليه البنيوية التكوينية.

رؤية العالم:

يعد مفهوم رؤية العالم أكثر المفاهيم مركزية في مشروع غولدمان، حيث ينطلق من أن كل عمل أدبي مهم يجسد تصورا متكاملا للإنسان والوجود والمجتمع، وليس مجرد تعبير عن انفعالات ذاتية أو مواقف فردية عابرة. فالنص الأدبي، في نظره، يحمل رؤية فكرية تنتمي إلى جماعة اجتماعية معينة، ويقوم الكاتب بإعادة صياغتها في صورة فنية تتسم بالوحدة والانسجام.

ولا يقصد غولدمان برؤية العالم مجموع الأفكار التي يصرح بها الكاتب بصورة مباشرة، وإنما يقصد النسق العميق الذي يحكم العلاقات الداخلية للنص، ويمنحه وحدته الدلالية. ولذلك فإن مهمة الناقد لا تقتصر على تحليل اللغة أو الأسلوب، بل تمتد إلى الكشف عن هذه الرؤية الكامنة التي تنتظم مختلف عناصر العمل الأدبي.

وتنبع أهمية هذا المفهوم من كونه يفسر قدرة الأدب على تجاوز التجربة الفردية ليصبح معبرا عن هموم جماعة اجتماعية بأكملها، وهو ما يجعل النص الأدبي وثيقة ثقافية تعكس مستوى الوعي الذي بلغته تلك الجماعة في مرحلة تاريخية محددة.

 البنية الدالة:

يرى غولدمان أن العمل الأدبي ليس تجمعا عشوائيا للعناصر اللغوية أو الفنية، وإنما هو بنية دالة تتحدد قيمتها من خلال العلاقات التي تربط بين مكوناتها المختلفة. فالمعنى لا يكمن في عنصر منفرد، وإنما يتولد من شبكة العلاقات التي تؤلف النص وتمنحه وحدته الداخلية.

ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الناقد بوصف الصور أو الشخصيات أو الأحداث، وإنما يسعى إلى اكتشاف النظام الذي يحكم ترابطها، لأن هذا النظام هو الذي يكشف الرؤية الفكرية الكامنة وراء العمل الأدبي. وهكذا تصبح البنية وسيلة لإنتاج الدلالة، لا مجرد إطار شكلي لتنظيم المادة الأدبية.

ويمثل مفهوم البنية الدالة نقطة التقاء بين البنيوية والمنهج الاجتماعي؛ فهو يحافظ على استقلالية النص من خلال تحليل بنيته الداخلية، وفي الوقت نفسه يربط هذه البنية بالشروط الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها، دون الوقوع في التفسير الحتمي أو الاختزال الإيديولوجي.

الوعي الفعلي والوعي الممكن:

يميز غولدمان بين مستويين من الوعي داخل الجماعات الاجتماعية، هما: الوعي الفعلي والوعي الممكن.

فالوعي الفعلي هو مستوى الإدراك الذي تعيشه الجماعة في واقعها اليومي، بما يحمله من تناقضات وصراعات وحدود تفرضها الظروف التاريخية والاجتماعية. أما الوعي الممكن فهو الصورة التي يمكن أن يبلغها هذا الوعي إذا استطاع تجاوز تلك القيود وتحقيق قدر أكبر من الانسجام الفكري والاجتماعي.

ويؤكد غولدمان أن الأدب لا يقتصر على تصوير الواقع كما هو، وإنما يستشرف إمكاناته الكامنة، ولذلك فإن الكاتب المبدع يستطيع أن يعبر عن الوعي الممكن لجماعته أكثر مما يعبر عن وعيها الفعلي. ومن هنا يكتسب الأدب بعده الاستشرافي، لأنه لا يكتفي بوصف العالم، بل يفتح آفاقا جديدة لتغييره وإعادة بنائه.

ولهذا لا يمثل النص الأدبي انعكاسا مباشرا للواقع، وإنما يعيد تشكيله في ضوء رؤية نقدية تستحضر ما يمكن أن يكون، لا ما هو كائن فقط، وهو ما يمنح الإبداع الأدبي طابعه الإنساني والحضاري.

 الفهم والتفسير:

اعتمد غولدمان منهجا يقوم على مرحلتين متكاملتين هما الفهم والتفسير، وعدّ الفصل بينهما سببا رئيسا في قصور كثير من المناهج النقدية.

ويقصد بالفهم تحليل البناء الداخلي للنص، والكشف عن العلاقات التي تربط بين عناصره المختلفة، وصولا إلى تحديد البنية الدالة التي تمنحه وحدته الفنية والفكرية. ويمثل الفهم مرحلة داخلية تنطلق من النص نفسه دون الاستعانة بالعوامل الخارجية.

أما التفسير، فيأتي بعد ذلك، ويتمثل في ربط هذه البنية بالسياق الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه، والكشف عن رؤية العالم التي تعبر عنها الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها المبدع.

وبهذا تتحقق القراءة العلمية المتكاملة، إذ لا يتحول النص إلى وثيقة اجتماعية مجردة، ولا يبقى في الوقت نفسه بناءً لغويا مغلقا، وإنما يصبح ظاهرة ثقافية تتداخل فيها الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية.

 تكامل المفاهيم في بناء المنهج:

تكشف المفاهيم السابقة عن أن البنيوية التكوينية ليست مجرد مجموعة من المصطلحات المتفرقة، وإنما هي نسق نظري متكامل يقوم على الترابط بين عناصره." فرؤية العالم " تمنح العمل الأدبي وحدته الفكرية، و " البنية الدالة " تكشف تنظيمه الداخلي، ويمثل " الوعي الممكن " الأفق الذي يتجاوزه النص نحو المستقبل، بينما يوفر "الفهم والتفسير " الآلية المنهجية التي تسمح بقراءة النص قراءة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي.

ومن ثم، استطاع غولدمان أن يقدم نموذجا نقديا يجمع بين دقة التحليل البنيوي وعمق الرؤية الاجتماعية، مؤسسا بذلك أحد أكثر المناهج تأثيرا في النقد الأدبي المعاصر، وهو منهج لا يزال يحتفظ بقيمته العلمية لما يتيحه من إمكانات واسعة لفهم العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الحضارية للمجتمع.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية وحدودها النقدية:

شكلت البنيوية التكوينية منعطفا بارزا في تاريخ النقد الأدبي الحديث حيث لم تقتصر على تطوير المنهج الاجتماعي، بل أعادت صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع وفق رؤية معرفية جديدة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي. وقد أكسبها هذا التصور مكانة متميزة بين المناهج النقدية، وجعلها أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرا في الدراسات الأدبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن هذا المنهج، شأنه شأن سائر المناهج النقدية، لم يسلم من المراجعات والانتقادات التي كشفت عن حدوده النظرية والتطبيقية.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية:

تتمثل أولى الإضافات التي قدمتها البنيوية التكوينية في تجاوزها الثنائية التقليدية التي كانت تفصل بين الشكل والمضمون، حيث أثبتت أن البناء الفني للنص لا ينفصل عن دلالته الفكرية والاجتماعية، وأن القيمة الجمالية للعمل الأدبي تتولد من العلاقات التي تربط بين عناصره الداخلية، لا من موضوعه أو لغته وحدهما. ومن ثم، أصبح النص يقرأ باعتباره نسقا متكاملا تتفاعل فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية في آن واحد.

كما أسهم هذا المنهج في تجديد النقد الاجتماعي، من خلال رفضه للتفسير الانعكاسي الذي كان يعد الأدب صورة مباشرة للواقع. فقد أكد غولدمان أن الإبداع الأدبي لا يعكس المجتمع بصورة آلية، وإنما يعيد بناء الواقع وفق رؤية فكرية وجمالية تجعل النص قادرا على تجاوز حدود اللحظة التاريخية إلى أفق إنساني أكثر شمولا.

ومن أبرز إسهامات البنيوية التكوينية أيضا أنها منحت مفهوم رؤية العالم مكانة مركزية في التحليل الأدبي، وهو ما أتاح للناقد الانتقال من دراسة الجزئيات إلى البحث عن النسق الفكري الذي ينتظم العمل الأدبي بأكمله. وبهذا لم يعد الاهتمام منصبا على تحليل الشخصيات أو الأحداث أو الصور البلاغية في حد ذاتها، وإنما على الكشف عن العلاقات العميقة التي توحدها داخل بناء دلالي متكامل.

وقد ساعد هذا التصور على تطوير أدوات القراءة النقدية، إذ أصبح الناقد مطالبا بالانتقال من الوصف إلى التفسير، ومن تحليل البنية الظاهرة إلى استكشاف بنيتها العميقة، وربطها بالوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية التي يمثلها النص. وبذلك تجاوز النقد الأدبي حدود التحليل اللغوي ليصبح أداة لفهم الظواهر الثقافية والحضارية.

ومن الجوانب التي أكسبت البنيوية التكوينية قيمتها العلمية أيضا أنها قدمت تصورا متوازنا للعلاقة بين الفرد والجماعة؛ فهي لا تنكر خصوصية المبدع وإبداعه، لكنها ترى أن العبقرية الأدبية الحقيقية تكمن في قدرة الكاتب على التعبير عن تطلعات جماعته، وصياغة رؤيتها للعالم في صورة فنية تتجاوز حدود التجربة الفردية.

 أثر البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

أثرت البنيوية التكوينية تأثيرا واضحا في كثير من الاتجاهات النقدية اللاحقة، ولا سيما الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي سعت إلى الجمع بين تحليل النص وتحليل أنساقه الاجتماعية والفكرية. كما أسهمت في توسيع مفهوم القراءة النقدية، فلم يعد النص يدرس بمعزل عن سياقه الحضاري، ولا أصبح السياق وحده كافيا لتفسير النص، بل غدت العلاقة بينهما علاقة تكامل وجدلية مستمرة.

وقد انعكس هذا التأثير في عدد كبير من الدراسات الأدبية المقارنة، وفي بحوث سوسيولوجيا الأدب، وفي النقد الثقافي، التي استفادت من مفاهيم غولدمان، خاصة مفهوم " رؤية العالم " ومفهوم " البنية الدالة "، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات المعرفية التي عرفتها العلوم الإنسانية.

 حدود البنيوية التكوينية والانتقادات الموجهة إليها:

على الرغم من القيمة العلمية الكبيرة للبنيوية التكوينية، فإنها تعرضت لعدد من الانتقادات، كان أبرزها أنها منحت الجماعة الاجتماعية دورا محوريا في إنتاج المعنى، الأمر الذي أدى حسب رأي بعض النقاد إلى تقليص مساحة الإبداع الفردي، وإضعاف خصوصية التجربة الذاتية للمبدع. كما رأى بعض الباحثين أن مفهوم " رؤية العالم " يتسم بدرجة من العمومية تجعل تحديده داخل النصوص الأدبية أمرا غير يسير، خاصة في الأعمال التي تتعدد فيها الأصوات والرؤى الفكرية، أو التي تقوم على التناقض والتشظي بدل الوحدة والانسجام.

وانتقد المنهج أيضا لأنه يفترض وجود قدر كبير من التماسك داخل البنية الاجتماعية، في حين أن المجتمعات الحديثة تعرف تعددا في المرجعيات الثقافية والإيديولوجية، مما يجعل الحديث عن رؤية جماعية واحدة للعالم أمرا يحتاج إلى كثير من التمحيص.

ومن جهة أخرى، رأت الاتجاهات البنيوية المتشددة أن غولدمان لم يقطع بصورة نهائية مع المناهج الاجتماعية، بينما اعتبرت بعض الاتجاهات الماركسية أنه ابتعد عن الأساس الاقتصادي الذي يشكل، في نظرها، المنطلق الرئيس لفهم الظواهر الثقافية. وهكذا وجد مشروعه نفسه في منطقة وسطى بين اتجاهين متعارضين، وهو ما جعله عرضة للنقد من الطرفين.

كما أن ظهور مناهج جديدة، مثل التفكيكية، ونظرية التلقي، والنقد الثقافي، وتحليل الخطاب، أسهم في إعادة النظر في عدد من مسلمات البنيوية التكوينية، دون أن يلغي قيمتها التاريخية أو أثرها في تطور الفكر النقدي.

 راهنية البنيوية التكوينية:

على الرغم من هذه الانتقادات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بحضورها في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا نقديا قادرا على الجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي، دون الوقوع في الاختزال أو التبسيط. كما أن مفاهيمها الأساسية لا تزال صالحة للإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية، خاصة تلك التي تعبر عن تحولات المجتمع وقضاياه الفكرية والثقافية.

ومن ثم، يمكن القول إن القيمة الحقيقية للبنيوية التكوينية لا تكمن في كونها منهجا مغلقا يقدم أجوبة نهائية، وإنما في كونها مشروعا فكريا مفتوحا أسهم في تجديد أدوات النقد الأدبي، وأرسى أسس قراءة تجمع بين العمق النظري والدقة المنهجية، وهو ما يفسر استمرار حضورها في كثير من الدراسات الأكاديمية المعاصرة.

على سبيل الختام:

تبين هذه الدراسة أن البنيوية التكوينية لم تكن مجرد تطوير للمنهج الاجتماعي في النقد الأدبي، وإنما مثلت مشروعا معرفيا متكاملا أعاد النظر في طبيعة العلاقة بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي، من خلال تجاوز المقاربات التي اختزلت الأدب في كونه انعكاسا مباشرا للواقع، أو تلك التي فصلته عن سياقه التاريخي والثقافي. فقد نجح لوسيان غولدمان في بناء تصور نقدي يقوم على جدلية النص والمجتمع، ويمنح العمل الأدبي استقلاليته الفنية دون أن يعزله عن الشروط الحضارية التي أسهمت في إنتاجه.

وقد بينت الدراسة أن القوة المنهجية للبنيوية التكوينية تكمن في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي، وذلك من خلال جهاز مفاهيمي متماسك يرتكز على مفاهيم رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وثنائية الفهم والتفسير. وقد أسهمت هذه المفاهيم في تطوير آليات القراءة النقدية، حيث لم يعد النص يدرس بوصفه مجموعة من العناصر اللغوية أو الأسلوبية، وإنما باعتباره نسقا دلاليا يعبر عن رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتربط الإبداع الأدبي بالسياق الحضاري الذي نشأ فيه.

كما أوضحت الدراسة أن البنيوية التكوينية أسهمت في ترسيخ تصور أكثر شمولا للنقد الأدبي، يقوم على التكامل بين البنية الداخلية للنص وظروف إنتاجه، وهو ما جعلها من أكثر المناهج قدرة على تفسير الأعمال الأدبية التي تتسم بعمقها الفكري وارتباطها بقضايا المجتمع والإنسان. وقد انعكس هذا الإسهام في عدد كبير من الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي أفادت من أدواتها ومفاهيمها، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية.

ومع ذلك، فإن هذا المنهج لا يخلو من حدود معرفية، إذ إن تركيزه على الوعي الجمعي ورؤية العالم قد يؤدي أحيانًا إلى التقليل من خصوصية التجربة الإبداعية الفردية، كما أن بعض مفاهيمه، وعلى رأسها مفهوم " رؤية العالم " ، تظل قابلة لتعدد التأويلات، الأمر الذي يستدعي توظيفها بقدر من المرونة المنهجية، خاصة عند دراسة النصوص الحديثة التي تتسم بالتشظي والتعدد الدلالي.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بمكانتها في الدراسات النقدية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا معرفيا متوازنا يجمع بين الدقة المنهجية والانفتاح الفكري، ويمنح الباحث أدوات فعالة لفهم العلاقة المركبة بين الأدب والمجتمع. ومن ثم، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في تقديم أحكام نهائية، وإنما في فتح آفاق جديدة أمام البحث النقدي، وتشجيع القراءات التي تتعامل مع النص الأدبي بوصفه بنية جمالية وثقافية وحضارية في آن واحد.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج، لعل من أبرزها ما يأتي:

أثبتت البنيوية التكوينية قدرتها على تجاوز التعارض التقليدي بين المناهج البنيوية والمناهج الاجتماعية، من خلال الجمع بين التحليل الداخلي للنص والتفسير الخارجي لسياقه.

يعتبر مفهوم " رؤية العالم " الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المشروع النقدي للوسيان غولدمان، حيث يربط بين البناء الفني للنص والوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية.

تمثل " البنية الدالة " الأداة الإجرائية التي تتيح الكشف عن العلاقات العميقة التي تنتظم عناصر النص، بعيدا عن القراءة الجزئية أو الوصفية.

أسهمت ثنائية " الفهم والتفسير " في بناء منهج نقدي متكامل يجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي.

لم تنظر البنيوية التكوينية إلى الأدب بوصفه انعكاسا ميكانيكيا للواقع، بل عدّته إعادة بناء فنية للخبرة الإنسانية في ضوء رؤية فكرية وجمالية.

ما تزال البنيوية التكوينية تمتلك قدرة تفسيرية مهمة، خاصة في دراسة النصوص التي تعكس التحولات الفكرية والاجتماعية والحضارية.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع الدراسات العربية التي تعيد قراءة المناهج النقدية الحديثة في ضوء التحولات المعرفية الراهنة.

الإفادة من مفاهيم البنيوية التكوينية في تحليل الرواية العربية والشعر الحديث، مع مراعاة خصوصية النصوص والسياقات الثقافية.

إجراء دراسات مقارنة بين البنيوية التكوينية ومناهج نقدية أخرى، مثل النقد الثقافي، ونظرية التلقي، وتحليل الخطاب، للكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بينها.

العناية بترجمة أعمال لوسيان غولدمان ودراساته الأساسية ترجمة علمية دقيقة، بما يسهم في تعميق حضورها في البحث النقدي العربي.

توظيف المنهج البنيوي التكويني في دراسة النصوص الأدبية المغربية والعربية، بما يبرز تفاعل الإبداع مع التحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية.

وبذلك يتبين أن البنيوية التكوينية لم تكن مرحلة عابرة في تاريخ النقد الأدبي، بل شكلت منعطفا معرفيا أسهم في إعادة بناء العلاقة بين الأدب والإنسان والمجتمع، ورسخت تصورا نقديا ما يزال قادرا على إغناء البحث الأدبي، واستلهام قراءات جديدة تستجيب لتطور النصوص وتحولات الفكر الإنساني.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

دراسة نقدية في قصيدة الدكتور فايز عزالدين

تنهض قصيدة الدكتور فايز عزالدين، الواردة ضمن ديوانه «عزف على الجرح»، الصادر عن مطبوعات اتحاد الكتاب العرب عام 2019، على تجربة شعرية تتخذ من الغربة والرحيل والاغتراب الحضاري مدخلًا إلى مساءلة الذات والوطن والتاريخ. إنها قصيدة يتحول فيها الجرح من حالة فردية إلى بنية جمعية، ومن ألم شخصي إلى سؤال ثقافي وحضاري، حتى يغدو الشاعر واقفاً على تخوم ذاكرة مثقلة بالخذلان، لكنه لا يستسلم لها، بل يحاول أن يستعيد من خلالها معنى الانتماء والأمل.

يفتح النص منذ مطلعه على علاقة وجدانية بين الذات و«الآخر» الغائب أو الوطن المفقود:

يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فالأمر في «عُدْ بي إليكَ» لا يعني العودة المكانية وحدها، بل يستبطن رغبة في استرداد الذات من غربتها. إن الشاعر لا يقول «عُدْ إليّ»، بل يقول «عُدْ بي إليك»؛ أي إنه يريد أن يُعاد إلى الأصل، إلى المكان الأول، إلى المعنى الذي انفصل عنه. ومن هنا تبدأ القصيدة رحلة عكسية من الغربة إلى الوطن، ومن الجرح إلى الحلم، ومن الانكسار إلى استعادة الذاكرة.

وتتوزع القصيدة بين خطاب ذاتي حميم، وتشخيص مأساوي للواقع، واستعادة للتاريخ، ثم انفتاح على الحلم. ولذلك فهي لا تسير في خط عاطفي واحد، بل تتحرك في مسار جدلي بين الحنين واليأس، والجرح والأمل، والاغتراب والانتماء، والواقع والتاريخ.

- مكانة الدكتور فايز عزالدين في الشعر العربي المعاصر:

ينتمي الدكتور فايز عزالدين إلى التجربة الشعرية العربية التي تجعل من القصيدة فضاءً للتأمل في الإنسان والوطن والواقع العربي، وتزاوج بين الحس الوجداني والوعي الثقافي. وتكشف هذه القصيدة عن شاعر يمتلك نزوعاً واضحاً إلى بناء النص على أساس التوتر بين الذات والعالم؛ فالذات لا تعيش غربتها بوصفها عزلة فردية، بل بوصفها نتيجة لاختلالات تاريخية وحضارية وسياسية.

وتكمن أهمية تجربته في هذا النص في قدرته على تحويل المفردة الوجدانية إلى علامة جماعية؛ فـ«الغربة» ليست غربة الشاعر وحده، و«الجرح» ليس جرحاً شخصياً، و«النازح» ليس فرداً بعينه، بل صورة لجماعة عربية وجدت نفسها أمام تاريخ من التهجير والانكسار والانتظار.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالرحيل والأسى:

إذا كان النص لا يصرح بمناسبة محددة بالمعنى التقليدي، فإن بنيته الداخلية تكشف عن مناسبة وجدانية واسعة تتمثل في الاغتراب والرحيل وفقدان الوطن أو المعنى. فالقصيدة تستحضر «الثمانين» في قول الشاعر:

«هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

روّيتُ فيها وما حنّتْ لترويني»

وهنا يتحول العمر إلى دائرة من الغربة. فالزمن لا يُقاس بالسنوات فحسب، بل بما راكمه من تجربة وظمأ وحرمان. إن «الثمانين» علامة على عمر شخصي طويل، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تُقرأ بوصفها رمزًا لعمر أمة طال انتظارها.

ومن ثم يصبح الرحيل في القصيدة مفهوماً مركباُ: رحيل عن المكان، ورحيل عن الذاكرة، وربما رحيل عن زمن كان أكثر صفاءً. أما الأسى، فهو النتيجة النفسية لهذا الانفصال.

- العتبات النصية والعنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا:

تتخذ القصيدة أهم عتباتها من انتمائها إلى ديوان يحمل عنوان «عزف على الجرح». وهذا العنوان يمثل مفتاحاً تأويلياً بالغ الأهمية؛ لأن العزف فعل موسيقي جمالي، بينما الجرح فعل ألم وانكسار. ومن خلال الجمع بينهما ينشأ التناقض المركزي الذي يحكم التجربة: الجمال يولد من الألم، والموسيقى تنبع من الجرح.

فالعزف هنا ليس هروباً من الألم، بل طريقة لإعادة صياغته. والشاعر لا يداوي الجرح بالصمت، وإنما يحوله إلى نغم، أي إلى لغة وفن وذاكرة. ومن ثم يمكن قراءة القصيدة بوصفها تطبيقاً شعرياً لعنوان الديوان؛ إذ يعزف الشاعر على جرح الغربة والوطن والإنسان.

أما العتبة الداخلية الأبرز فهي المطلع:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوقُ ينهلُ من روحي ويسقيني»

فهذا المطلع يحدد منذ البداية طبيعة الخطاب: خطاب استدعاء وعودة، يقوم على المخاطبة المباشرة. كما أن الضمير في «إليك» يظل مفتوحاً على التأويل؛ فقد يكون المخاطب وطناً، أو حبيباً، أو مكانًا، أو ماضياً، أو حتى معنى وجودياً غائباً.

وتؤدي عبارة «هذي الثمانون» وظيفة عتبية داخلية ثانية؛ فهي تحدد أفقاُ زمنياً كثيفاً، بينما تؤسس مفردات «الغربة»، «الظمأ»، «الجرح»، «النازح»، «التاريخ» لمعجم القصيدة العميق.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن العتبات النصية تنقل القارئ من العزف إلى الجرح، ومن الجرح إلى الغربة، ومن الغربة إلى الوطن؛ وهي حركة تأويلية تتكرر في النص كله.

- الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم لغة القصيدة على فصحى ذات معجم تراثي وجزلي، وتتجاور فيها ألفاظ مثل: «مدلهم»، «جديب»، «الطغيان»، «المساكين»، «الأغرار»، «نصل»، «الأحشاء»، «النازح»، «الأفانين»، «العناوين»، «الأساطين».

ويعتمد الأسلوب على كثافة الأفعال والحركة: «غرّبتني»، «ينهَل»، «يسقيني»، «جفّت»، «أغرقني»، «يقصيني»، «يلوي»، «فجّر»، «ينهش»، «يأخذ»، «يعطيني»، «دجا»، «ترنح»، «يؤلمني». وهي أفعال تكشف عن عالم مضطرب لا يعرف السكون.

أما صيغة الخطاب المباشر في «عُدْ بي إليك» و«يا نازح الدار» و«يا ذا المعنّى»، فتمنح النص طابعاً حوارياً، وتكسر رتابة السرد.

- الانزياح اللغوي والتركيبي:

يتجلى الانزياح في قوله:

«والشوق ينهل من روحي ويسقيني»

فالشوق يتحول إلى كائن يشرب من الروح ثم يسقي صاحبها. إنها مفارقة استعاريّة تجعل الشوق مصدراً للألم ومصدراً للحياة في آن.

وفي:

«حتى الكؤوس التي عاقرتها ثملًا

جفّت وجافى حُبابٌ كان يرضيني»

تتحول الكأس إلى رمز لتجربة الحياة، بينما يصبح جفافها علامة على انطفاء اللذة وانقطاع الرجاء.

أما قوله:

«عسفُ الجهالة في غيظٍ ويقصيني»

فيحمل تشخيصاً للجهالة بوصفها قوة فاعلة تمارس العسف والإقصاء.

وتبلغ الصورة ذروة عنفها في:

«الناهشون حلوم الناس زندقةً

نهش الوحوش ولا أنياب تنين»

حيث يُستعار فعل النهش للظالمين، فتتحول السياسة أو السلطة أو الجهالة إلى وحوش تنهش أحلام الناس.

- فصاحة اللفظ؛

تتسم اللغة بجزالة واضحة، ولا سيما في المعجم الذي يستند إلى ألفاظ ذات حمولة تراثية: «مدلهم»، «جديب»، «غيضت»، «الطغيان»، «الخسف»، «الأحشاء»، «الأفانين»، «المشرقين»، «الأساطين».

غير أن بعض التراكيب تحتاج إلى مراجعة لغوية حتى لا تطغى الجزالة على الدقة. فعبارة «الناهشون حلوم الناس زندقة» تبدو محتاجة إلى إعادة تركيب، والأقرب دلالياً: «الناهشون حلومَ الناسِ نهشَ الوحوشِ، زندقةً..»، أو صياغة أخرى بحسب مراد الشاعر.

وكذلك «ساموا العباد» يمكن حملها على معنى أذاقوهم أو أرهقوهم، وهو استعمال فصيح في أصل اللغة، لكنه قد يلتبس على القارئ المعاصر، ولذلك يمكن أن يُدعَم سياقياً.

- الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتظم القصيدة في بناء عمودي، وتبدو في مجموعها أقرب إلى بحر البسيط من حيث الإيقاع العام، مع وجود مواضع تحتاج إلى مراجعة عروضية دقيقة بسبب بعض الزيادات أو الاختلالات في الصياغة. والبحر البسيط ملائم لطبيعة النص؛ إذ يجمع بين الامتداد السردي والحركة الوجدانية.

وتظهر القافية الموحدة في أصوات الياء والنون، مثل: «يسقيني، ترويني، يرضيني، يقصيني، الملايين، المساكين، تنين، ديني، يدميني، الأفانين، الأحايين، التشارين، شراييني، الملايين، يغريني، الأساطين». وهذه النهاية الصوتية تمنح القصيدة وحدة إيقاعية، كما أن الياء والنون تحملان امتداداً صوتياً مناسباً لنبرة الشجن.

- الموسيقى الداخلية وبؤرة التوتر:

تتولد الموسيقى الداخلية من التضاد بين مفردات الألم ومفردات الحياة. ففي النص نجد:

«الشوق - الجرح - الغربة - الظمأ - الدم - المساكين»

في مقابل:

«الأحلام - الزهر - يزهو - الأمل - التاريخ».

وهذا التضاد هو بؤرة التوتر الأساسية؛ فالنص لا يستقر في اليأس، ولا يطمئن إلى الأمل، بل يبقى معلقاً بينهما.

- التكرار والجناس والتوازي:

يظهر التكرار في:

«كم قد شجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي

والشجو يأخذ من صبري ويعطيني»

فالتكرار الاشتقاقي بين «شجيت»، «الشجو»، «صبري»، «صبر» يصنع دورة صوتية ودلالية، كأن الألم يستهلك الصبر ثم يعيده في صورة أخرى.

ويبرز التوازي في:

«ينهَلُ من روحي ويسقيني»

وفي:

«جفّت وجافى»

حيث يمنح التقارب الصوتي بين الفعلين إحساسًا بانطفاء الحياة.

كما يبرز الجناس الاشتقاقي بين «الشوق والشجو»، و**«جفّت وجافى»، و«يزهو وزهر»**، وهو جناس يخدم المعنى ولا يأتي مجرد زخرف لفظي.

- الحروف المهيمنة والوقفات والإيقاع النفسي:

تهيمن أصوات النون والياء في القوافي، بينما تبرز أصوات الجيم والشين والضاد والظاء في المقاطع التي تتصل بالألم والجرح، بما يمنحها خشونة صوتية تتناسب مع دلالتها.

أما الوقفات، فتزداد كثافتها في المواضع التي يتحول فيها الشاعر من الوصف إلى الاحتجاج، كما في:

«حتى دجا الخطب والأغرار في بلدي

يعيشون وهمًا بلا عقلٍ ولا دين»

فهنا يتباطأ الإيقاع، وكأن الشاعر يتوقف أمام مشهد الانهيار ليصدر حكماً أخلاقياً وحضارياً.

- البنية الفنية والجمالية:

تقوم القصيدة على أربع حركات كبرى:

الغربة والحنين، ثم تشخيص الخراب، ثم استعادة التاريخ والهوية، وأخيرًا استشراف الحلم.

في الحركة الأولى، يقول:

«عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمنًا»

فتظهر الذات بوصفها غريبة عن أصلها.

وفي الحركة الثانية، تتصاعد نبرة الاحتجاج:

«غيضت ضمائر والطغيان فجّرها

وجدًا توغّل في دم المساكين»

فتتحول القصيدة من الغناء الذاتي إلى الشهادة على الواقع.

ثم تأتي صورة النازح:

«يا نازح الدار من أوفاكَ مكرمةً

وأنت تُكشف عن غُرّ الأفانين»

وهنا يصبح النازح رمزاً للإنسان المقتلع من مكانه، وتتحول «الدار» إلى علامة على الوطن المفقود.

ثم يستعيد الشاعر التاريخ:

«كم قد صنعنا وفي التاريخ صورتنا

توحي وتشرق في كل الأحايين»

فتظهر الذاكرة بوصفها مقاومة للنسيان والانكسار.

ويبلغ النص ذروته الإيجابية في:

«إني أحيّي فريدًا في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين»

حيث ينتقل المعجم من الجرح إلى النمو والسمو.

ثم تأتي الصورة الجميلة:

«إذ ما يطل على الإحياء في شغفٍ

كالزهر يزهو بطلٍّ في التشارين»

فالزهر هنا رمز للتجدد، والطل رمز للحياة، والتشارين ـ بما تحمله من إيحاءات فصلية ـ تجعل الحياة ممكنة حتى في زمن البرودة والانكماش.

وفي قوله:

«يا ذا المعنّى على قيثارة صدحت

لحنًا تسامى خضيلاً في شراييني»

تتجسد فكرة عنوان الديوان: العزف على الجرح. فالقيثارة هنا ليست آلة موسيقية فحسب، بل استعارة للقصيدة نفسها، والشاعر لا يعزف على أوتار خارجية، وإنما على «شرايينه»، أي إن الشعر يتحول إلى دم داخلي وإلى حياة.

- المقاربة السيميائية:

تتمحور العلامات السيميائية في النص حول أربع كلمات كبرى: الغربة، الجرح، الوطن، الحلم.

فالغربة علامة على الانفصال، والجرح علامة على الذاكرة المؤلمة، والوطن علامة على الأصل، والحلم علامة على المستقبل الممكن.

كما تحضر الكأس والماء والظمأ بوصفها شبكة رمزية واحدة؛ فالشاعر يروي ولا يرتوي:

«روّيتُ فيها وما حنّت لترويني»

وهي صورة تختصر علاقة الذات بالزمن: كلما أعطت، ازداد عطشها.

أما القيثارة واللحن والشرايين فتشكل شبكة رمزية أخرى، تجعل الشعر فعلًا حيوياً، وتجعل القصيدة نفسها جسداً ينزف ويغني في الوقت ذاته.

- المقاربة الذرائعية:

وظيفياً، تؤدي القصيدة دوراً يتجاوز التعبير عن الذات إلى الشهادة والاحتجاج والتحريض على الوعي. فالشاعر يخاطب قارئاً يعيش معه الأزمة نفسها، ويضع أمامه صور الجهل والطغيان والنازحين والضمائر الغائبة.

ومن هنا فإن القصيدة تمارس وظيفة مزدوجة: التطهير الوجداني من جهة، والتحريض الثقافي والأخلاقي من جهة أخرى. وهي لا تكتفي بوصف الألم، بل تستعيد التاريخ لتقول إن الانكسار ليس قدراً أبدياً.

- المقاربة النفسية:

من منظور النقد النفسي، تبدو القصيدة صادرة عن ذات تعيش حالة من الحنين التعويضي؛ إذ تحاول استعادة موضوع فقدته عبر مخاطبته. ويتضح ذلك في الأمر:

«عُدْ بي إليكَ»

فالعودة هنا تعويض نفسي عن الغربة.

كما أن تكرار مفردات الظمأ، الجرح، الدم، الأحشاء، الشوق، الشجو يكشف عن حضور جسدي مكثف للألم. فالمعاناة ليست فكرة مجردة، بل تسكن الجسد: الروح، الدم، الأحشاء، الشرايين.

غير أن النفس الشعرية لا تستقر في العجز؛ إذ تنتقل من الألم إلى آلية التعويض عبر الفن والتاريخ والحلم. ولذلك تصبح القيثارة وسيلة لتحويل الجرح إلى موسيقى، ويصبح الشعر فعل مقاومة نفسية للانهيار.

- رأي نقدي في بعض المقاطع ومواطن الضعف التركيبي:

تمتلك القصيدة صوراً شعرية ذات طاقة رمزية عالية، ولا سيما في مقاطع الكأس والظمأ، والقيثارة والشرايين، والزهر والطل. كما أن الانتقال من الغربة الفردية إلى الجرح الجمعي يمنح النص اتساعاً دلالياً واضحاً.

غير أن بعض المواضع تعاني من تزاحم المعنى والصورة، بحيث تتجاور استعارات متعددة في البيت الواحد دون رابط واضح، كما في مقاطع «مدلهم جديب الطيف مارقه» و«يلوي سوادًا بأحلام الملايين»؛ وهي صور قابلة للتأويل، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من الضبط التركيبي لتصبح أكثر شفافية.

كذلك فإن بعض الألفاظ التراثية، على الرغم من فصاحتها، تبدو أحيانًا مفروضة لخدمة القافية، وهو ما قد يخلق فجوة بين الدلالة والإيقاع. ولذلك فإن المراجعة اللغوية والعروضية لبعض الأبيات ستمنح النص مزيداُ من التماسك، من غير أن تمس جوهر رؤيته.

تقدم قصيدة الدكتور فايز عزالدين تجربة شعرية تتخذ من الجرح لغةً، ومن العزف مقاومةً، ومن الغربة سؤالًا، ومن الوطن حلماً. إنها قصيدة تتحرك بين الذات والتاريخ، وبين الألم والأمل، وتنجح في تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب جمعي يلامس مأساة الإنسان العربي في زمن التهجير والاضطراب والانكسار.

وتتمثل قوتها الأساسية في قدرتها على بناء شبكة من الرموز المتداخلة: الكأس والظمأ، الجرح والعزف، النازح والوطن، الزهر والطل، القيثارة والشرايين. كما أن بنيتها الإيقاعية وقافيتها الموحدة تمنحها نبرة غنائية متصلة، بينما يكشف التكرار والجناس والتوازي عن موسيقى داخلية تتلاءم مع طبيعة الرثاء والاحتجاج.

وفي أعمق مستوياتها، تبدو القصيدة محاولة لاستعادة الذات من غربتها؛ ولذلك فإن افتتاحها بالأمر «عُدْ بي إليكَ» يتناظر مع خاتمتها التي تترك «الدهر يبحر في عقل الأساطين». وبين العودة والإبحار تتشكل رحلة النص: رحلة إنسان يبحث عن وطنه، وشاعر يبحث عن معنى، وأمة تبحث عن صورتها في مرآة التاريخ.

إنها، في جوهرها، قصيدة جرحٍ يغني؛ وكلما اشتد النزف، ازدادت الحاجة إلى القيثارة، وكلما اتسعت الغربة، ازداد الشوق إلى العودة. وهنا تتجلى القيمة الجمالية والفكرية الأعمق للنص: أن الشعر، في مواجهة زمن الانكسار، لا يستطيع أن يمحو الجرح، لكنه يستطيع أن يمنحه صوتاً، وأن يحول الألم من صمت قاتل إلى موسيقى تقاوم النسيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................................

القصيدة..

الدكتور فايز عزالدين..

عُدْ بي إليكَ وقد غرّبتني زمناً

والشوق ينهَلُ من روحي ويسقيني..

هذي الثمانونَ قد دارتْ بغربتنا

رَوّيتُ فيها وما حَنّتْ لترويني..

حتى الكؤوسُ التي عاقرتها ثمِلاً

جَفَّتْ وجافى حُبابٌ كان يرضيني..

ما إنْ نهلتُ من الإصباح أغرقني

عسفُ الجَهالةِ في غيظٍ ويُقصيني..

في مُدلَهمٍّ جديبِ الطيفِ مارقُهُ

يلوي سواداً بأحلام الملايين..

غيضَتْ ضمائرُ والطغيانُ فَجَّرها.

وَجْداً توغَّل في دمِّ المساكين..

الناهشونَ حُلُومَ الناسِ

زندقة

نهشَ الوحوشِ ولا أنيابُ تنين..

كم قد شَجيتُ بصبرٍ من صدى ألمي والشجو

يأخذُ من صبري ويعطيني..

حتى دَجَا الخطبُ والأغرار في بلدي

يعشون وَهمَاً بلا عَقلٍ ولا دين..

ساموا العبادَ- - وما للّه عندهم- -

خسفاً ترنَّحَ باالغُرِّ الميامين..

ماذا نُؤمِّلُ من خيرٍ لذي عَمَهٍ

ما دام نصْلُهُ بالأحشاءِ يُدميني..

يا نازحَ الدَّارِ مَنْ أوفاكَ مكرمةً

وأنتَ تُكشفُ عن غُرِّ

الأفانين..

كم قد صَنَعنَا وفي التاريخ

صورتُنا

توحي وتُشرِق في كلّ الأحايين..

إني أحَيّي فريداً في ثرى وطني

ينمو ويسمو إلى أبهى العناوين..

إذ ما يُطلُّ على الإحيَاءِ في شَغَفٍ

كالزَّهر يزهو بِطَلٍّ في

التشارين..

يا ذا المُعَنَّى على قيثارة صَدَحَتْ

لحناً تسامى خضيلاً في شراييني..

في المشرقين غَدتْ أحلامُنا عِبَراً

تومي وترسفُ في عقل

الملايين..

لم يُغرِ فيها إذا أوهتْ طوالعُها

غيباً ولاتَ بثوبِ الحُلم

تُغريني..

نكبو ونعنو على غبرائنا

وَهَلاً

والدَّهرُ يُبحِرُ في عَقلِ الأساطين..

***

الدكتور فايز عزالدين

من ديوان عزف على الجرح

مطبوعات اتحاد الكتاب العرب..2019

 

في المثقف اليوم