عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

دراسة حجاجية مقارنة بين "فرانكشتاين" لماري شيلي، و"فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي

مقدمة: في مسألة الحجاج الأدبي والذاكرة النصية

ثمة أسئلة يطرحها الأدب لا تستطيع الفلسفة وحدها الإجابة عنها، ولا السياسة وحدها استيعابها؛ وهي الأسئلة التي تُطرح حين يتقاطع التخيّل مع الواقع، ويشتبك النص بالنص في علاقةٍ لا تُشبه الاقتباس ولا تُشبه المحاكاة البسيطة، بل هي نوعٌ من الحوار العميق عبر الزمن. ومن أخصب هذه الحوارات في الأدب الروائي المعاصر: علاقة رواية أحمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" (2013) بروايةِ ماري شيلي فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث (1818)، إذ لا يكتفي سعداوي باستعارة الاسم أو تحيين الأسطورة، بل يُقيم بين النصين علاقةَ جدلٍ فكري وأخلاقي وسياسي تجعل من التناص في حد ذاته موقفاً حجاجياً يستدعي التحليل والتأويل.

غير أن الوقوف عند مجرد التشابه البنيوي بين النصين - وحشٌ هنا ووحشٌ هناك، وخالقٌ هنا وخالقٌ هناك - هو وقوفٌ عند سطح الظاهرة لا جوهرها. ذلك أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُؤطّر هذه الدراسة هو: كيف يُحوّل سعداوي نصَّ شيلي من أنموذجٍ رومانسي فلسفي إلى أداةٍ حجاجية ذات وظيفة سياسية وأخلاقية محددة؟ وما الآليات البلاغية والسردية التي تُنجز هذا التحويل؟ وما الأطروحات التي يُقيمها النص المُحوَّل تجاه قارئٍ يعرف النموذج الأصلي ويستحضره؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، سنعتمد منهجاً مركّباً يستعين بنظرية التناص عند جيرار جينيت، وبالبلاغة الحجاجية الجديدة عند شاييم بيرلمان وأولبريشت- تيتيكا، وبنظرية الخطاب الحجاجي عند أوزفالد دوكرو وجان- كلود آنسكومبر، وبالنقد الأيديولوجي للرواية عند ميخائيل باختين، فضلاً عن نظرية التلقي عند وولف إيزر وهانز روبرت ياوس.

أولاً: الإطار النظري - متى يصير التناص حجاجاً؟

1. التناص: من المفهوم البنيوي إلى الوظيفة الخطابية

يُعدّ مفهوم التناص من أكثر المفهومات النقدية إثارةً للجدل منذ أن صاغته جوليا كريستيفا في أواخر الستينات مستندةً إلى باختين، حين أكدت أن "كل نصٍّ يتشكّل بوصفه فسيفساء من الاستشهادات، وكل نصٍّ هو استيعابٌ وتحويل لنصٍّ آخر." بيد أن كريستيفا، في سياقها البنيوي- السيميائي، اهتمت أساساً بالبنية، لا بالوظيفة الحجاجية. وقد جاء جيرار جينيت في كتابه Palimpsestes (1982) ليُقيم تصنيفاً أكثر دقةً وإجرائيةً للعلاقات بين النصوص، مُميّزاً بين خمسة أنماط: التناص بمعناه الضيّق (L' intertextualité)، والنص الأعلى (l'hypertextualité)، والتأطير (le paratexte)، والتناص المعماري (l'architextualité)، والنقد الذاتي (la métatextualité).

والنمط الذي يهمنا في علاقة سعداوي بشيلي هو النص الأعلى (Hypertextualité)، الذي يعنيه جينيت بكل علاقةٍ تربط نصاً لاحقاً (النص الأعلى / Hypertexte) بنصٍّ سابق (النص الأصل / Hypotexte) عبر تحويل أو تقليد. ويُميّز جينيت بين التحويل البسيط (transformation) والتحويل المُقلِّد (imitation)، مؤكداً أن التحويل الجاد (transposition sérieuse) هو الأكثر خصوبةً أدبياً وفكرياً. ورواية سعداوي تندرج بامتياز ضمن هذا الصنف الأخير: إنها لا تُحاكي شيلي بل تُحوّلها تحويلاً جذرياً يمسّ البنية والدلالة والأطروحة معاً.

لكن ما الذي يجعل هذا التحويل حجاجياً لا أدبيا فقط؟ هنا يصبح الانفتاح على البلاغة الحجاجية ضرورةً منهجية. فقد أكد بيرلمان وأولبريشت- تيتيكا في المقاربة الجديدة للبلاغة (1958) أن الحجاج لا يقتصر على الخطاب المنطقي أو الفلسفي الصريح، بل يمتد إلى كل خطابٍ يسعى إلى التأثير على متلقٍّ بعينه وتوجيه حكمه نحو موقفٍ ما. والرواية، بوصفها خطاباً يُقيم عالماً تخيلياً يُجادل به العالم الواقعي، هي في جوهرها حجاجٌ ممتد.

2. حجاج النموذج واستثمار السلطة النصية

من أنجع الآليات الحجاجية التي رصدها بيرلمان ما يُسمّيه حجاج النموذج (Argument du modèle): أي الاستناد إلى سلطةٍ راسخة في ذهن المتلقي - سواء كانت شخصاً أو نصاً أو حادثةً تاريخية - لتعزيز الأطروحة المطروحة. وحين يتخذ سعداوي من "فرانكشتاين" شيلي عنواناً لروايته وأنموذجاً لعالمها، فإنه يستثمر السلطة الرمزية التي تتمتع بها هذه الرواية في الثقافة العالمية - وهي رواية صارت أسطورةً بالمعنى الكامل للكلمة - ليُضفي على رؤيته الخاصة أبعاداً كونية تتجاوز السياق العراقي المحلي. إنه يقول ضمنياً لقارئه: ما يجري في بغداد ليس شأناً محلياً طارئاً، بل هو تجلٍّ جديد لإشكاليةٍ إنسانية قديمة طرحتها إنجلترا عام 1818 في صورةٍ أسطورية، وها هي تتجدد اليوم في العراق بصورةٍ أكثر دموية وأشد إيلاماً.

يُسمّي دوكرو وآنسكومبر هذه الآلية في إطارٍ آخر التوجيه الحجاجي (Orientation argumentative): أي الطريقة التي يوجّه بها الملفوظ استنتاجات المتلقي نحو اتجاهٍ معين لا اتجاهاتٍ أخرى. فالعنوان وحده - فرانكشتاين في بغداد - يُنشئ توجيهاً حجاجياً فورياً: إذ يدعو القارئ إلى تنشيط ذاكرته النصية بشأن شيلي وإسقاطها على الواقع العراقي في آنٍ واحد، وهذا الفعل القرائي المزدوج هو في ذاته إنتاجٌ للمعنى الحجاجي قبل أن يُقرأ السطر الأول من الرواية.

3. الأفق التوقعي وانكساراته

يرى ياوس في نظريته عن أفق التوقع (Horizon d'attente) أن كل نصٍّ يُقرأ في ضوء ما يُتوقع منه وفقاً لنماذج سابقة راسخة في وعي القارئ الثقافي. وكلما خيّب النص هذه التوقعات خيبةً منتجةً (أي فجأةً دالّة، لا اعتسافاً اعتباطياً) كان أعمق أثراً، وأكثر خصوبةً جمالياً وفكرياً. وهذا هو بالضبط ما يصنعه سعداوي: فالقارئ الذي يحمل معه نموذج شيلي سيتوقع وحشاً واحداً وخالقاً واحداً وسؤالاً فلسفياً محدداً؛ لكن ما سيجده هو وحشٌ جماعي متعفّن، وخالقٌ عَرَضيّ لا يقصد الخلق، وسؤالٌ سياسي حاد عن آليات الفوضى ومنتجيها. هذا الانكسار في أفق التوقع لا يُحبط القارئ بل يُنبّهه ويُحرّض تفكيره - وهو في ذاته فعلٌ حجاجي من الدرجة الأولى.

ثانياً: الوحش بين النصين - بنية الشخصية بوصفها حجةً فلسفية

1. المخلوق في شيلي: تراجيديا الاعتراف الرومانسية

خلقَ فيكتور فرانكشتاين مخلوقه في لحظةٍ من الغرور المعرفي المُفعم بالحماس الرومانسي، لكنه ما إن يرى نتيجة عمله حتى يهرب مذعوراً، تاركاً إياه من دون اسمٍ وهويةٍ وأيضا من دون اعترافٍ بوجوده. هذا الهجر الأول هو الجرح الذي تتولّد منه كل الجروح اللاحقة. والمخلوق في رواية شيلي ليس وحشاً بدائياً أعمى، بل هو كائنٌ يتعلم اللغة، ويقرأ الجنة المفقودة لميلتون وفردياناند ووليام لغوته وحياة بلوتارك، ويُدرك موقعه الوجودي بوضوح مأساوي. يقول مخاطباً فيكتور في مقطعٍ صار من أكثر مقاطع الأدب الغربي تداولاً: "أنا مخلوقك، فيجب أن أكون آدمك؛ لكنني أشبه أكثر بملاكٍ ساقط أبعدتَه عن سعادةٍ لم أقصّر في استحقاقها."

ما يُقيمه هذا المقطع هو الصياغة الأكثر إيجازاً لأطروحة شيلي: الشرّ ليس فطرياً، بل هو نتاج الإهمال والرفض الاجتماعي. المخلوق يعرف أنه يستحق الاعتراف، ويعرف أن خالقه يُنكره، ويعرف أن المقارنة بآدم في الجنة المفقودة تصبّ في غير صالحه لأن آدم على الأقل كان له ربٌّ يُكلّمه ويُهيّئ له شريكةً. هذا التثاقف العميق الذي تُجريه شخصية المخلوق - استدعاء ميلتون وبلوتارك وغوته في آنٍ واحد - يُحوّل المخلوق من وحشٍ إلى محاورٍ فلسفي يُجادل خالقه بمرجعياته الثقافية ذاتها. وهذا ما يجعل رواية شيلي تراجيديا بالمعنى الإغريقي: لا أحد فيها شريرٌ بالمعنى المطلق، بل الجميع ضحايا منظومةٍ وجودية معطوبة.

ولمّا يتحول المخلوق إلى قاتل، فإن الرواية لا تبرّر القتل لكنها تُفسّره بما يجعل القارئ في موقفٍ حرج: كيف تُدين فعلاً صدر عن مظلومٍ شكّل ظلمُه إياه؟ وهذا هو بالذات الإشكال الأخلاقي الذي يُراوغ الإجابة القطعية ويُبقي الرواية حيّةً في ضمير القارئ.

2. "الشسمة" في سعداوي: الاستعارة المُركَّبة والحجة السياسية

يتعمّد سعداوي أن يبني "الشسمة" - وهو اسمٌ عامي عراقي يعني الشيء الذي لا اسم له - على نحوٍ يجعله استعارةً لا شخصيةً بالمعنى الكلاسيكي. فهو جسدٌ مُركَّب من أشلاء ضحايا التفجيرات الطائفية: جزءٌ من شيعي، وجزءٌ من سني، وجزءٌ من مسيحي، وهكذا دواليك. هذا التركيب ليس مجرد تفصيلٍ بوليسي غروتيسكي) (Grotesque، بل هو الحجة البنيوية المركزية للرواية بأسرها: إن بغداد نفسها جسدٌ مُركَّب من هوياتٍ متناحرة تعيش في تجاورٍ مؤلم من دون أن تصل إلى وحدةٍ حقيقية، ومن هذا التجاور المتعفّن يولد الوحش.

غير أن ما يُميّز "الشسمة" عن مخلوق شيلي تمييزاً جوهرياً هو طبيعة وعيه. مخلوق شيلي يعرف أنه ضحية ويُصرّح بذلك بوضوح فلسفي بالغ. أما "الشسمة" فهو في بداية الأمر يعتقد أنه أداةُ عدالةٍ لا ضحيةٌ ولا جلاد؛ إنه يظن أن المهمة المقدسة التي أُوكلت إليه هي إعادة التوازن الأخلاقي لمدينةٍ ضاعت فيها المحاسبة. يقول لمستمعيه: "أنا هنا لأنجز ما عجز عنه الجميع: أن أُنصف الموتى." وهذه اللحظة من الوعي الزائف هي من أبلغ لحظات الرواية حجاجياً: إذ تُقدّم نقداً ذكياً لكل خطابٍ يُسوّغ العنف بلغة العدالة.

والحجة التي يُقيمها سعداوي عبر هذه الشخصية مزدوجة: أولاً، نقدٌ لفاعلي العنف من إرهابيين وميليشيات يُقدّمون أنفسهم بوصفهم محرّري الضحايا ومُنجزي/ محققي عدالة السماء. وثانياً، نقدٌ أكثر عمقاً للمنطق المجتمعي الذي يجعل مثل هذه الادعاءات مقبولةً بل مُغريةً لكثيرين في سياق الفوضى الشاملة. وهذا ما يُشير إليه عبد الله إبراهيم في دراسته السردية العربية الحديثة حين يُؤكد أن أنجح الروايات العربية التي تناولت الإرهاب والطائفية هي تلك التي رفضت الثنائيات المُبسِّطة وآثرت التعقيد السردي على التشخيص الأيديولوجي المُسبق.

3. الآلية الجهنمية: منطق الانزلاق

الأكثر عبقريةً في بناء "الشسمة" هو آلية تحوّله السردية. فهو يبدأ بقتل القتلة فحسب، مُدرِكاً معياره الأخلاقي - أي لا أقتل إلا من سفك دماءً بريئة. لكن جسده المُركَّب يبدأ في التعفّن، وحين يتعفّن عضوٌ ما فإنه يحتاج إلى استبداله بعضوٍ من جسدٍ آخر. وهكذا يُرغَم على قتل المزيد ليُبقي على نفسه - ولا يعود قادراً على التحقق دائماً من ذنب ضحاياه الجدد. هذه الآلية البيولوجية التي تبدو على السطح جزءاً من الغروتيسك الروائي هي في الحقيقة صورةٌ حجاجية كاملة عن آلية العنف المُؤسَّسي: كلّ عنفٍ يحتاج إلى عنفٍ إضافي لإدامة نفسه، وكل انتقامٍ يُنتج ضحايا جدداً يستوجبون انتقاماً، وهكذا إلى ما لا نهاية. والوحش لا يستطيع التوقف لأن التوقف يعني موته - كما أن العنف الإيديولوجي لا يستطيع التوقف لأن التوقف يُفضح أطروحته. هذا ما لم تبلغه رواية شيلي بهذا الوضوح لأنها لم تكن تُعالج سياقاً من هذا القبيل - وهو بالضبط ما يُضيفه سعداوي على أنموذجها.

ثالثاً: ثنائية الخالق والمخلوق - إعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية

1. فيكتور فرانكشتاين: الـ"حبريس" المعرفي ومأزق العلم الحديث

يُجسّد فيكتور فرانكشتاين النموذجَ الأمثل لما يُسمّيه الإغريق الحبريس (Hubris): الغطرسة التي تجرّ صاحبها نحو الهلاك. وهو غطرسةٌ معرفية بالتحديد، غطرسةُ العالِم الذي يُقدّم ما يستطيع إنجازه على ما يحق له إنجازه. لم يكن فيكتور يعلم أن فراغه من صنع كائن حي من أشلاء ميتة؛ يُنبئ بكارثة جسيمة. (على عكس القارئ الذي يعرف ما لا يعرفه فيكتور في تلك اللحظة).

ما تُقيمه شيلي هنا هو حجةٌ ضد ما كان يُسمّيه الرومانسيون الإنجليز النقديون - كوليريدج وبليك وشيلي نفسها - طغيان العقل الأداتي: أي العقل الذي يرى في الطبيعة مادةً للتسخير لا حضوراً حياً يستحق الاحترام. فيكتور لا يُفكّر في مخلوقه باعتباره كيانا حيا له حقوق، بل كمشروعٍ علمي له متطلبات. وحين يُتمّ المشروع وتتضح تبعاته المُرعبة، يهرب - لأن مشروع العقل الأداتي لا يتضمّن عادةً تبعاتٍ ما بعد الإنجاز. يُسمّي فيليب بروتون هذه البنية الحجاجية حجة التبعات (Argument des conséquences): وهي الحجة التي تُقيّم فعلاً ما بناءً على نتائجه لا نواياه. وشيلي تُقيم هذه الحجة بكفاءةٍ عالية: النية كانت نبيلة، لكن التبعات كانت كارثية - وهذا يكفي للحكم.

2. هادي العتاك: الخالق العَرَضي وحجة اللاقصدية

أما هادي العتاك في رواية سعداوي، فهو نقيضٌ لفيكتور من حيث القصد والوعي. فيكتور أراد الخلق بكل وعيه وسعى إليه، بينما هادي يُجمّع الأشلاء من دون أن يقصد في بادئ الأمر سوى التعبير الرمزي عن رفض الموت العبثي المتناثر في شوارع بغداد؛ فعله فعلٌ انفعالي يجمع فيه أجزاء جثثٍ بلا اسمٍ ولا هوية ليُشكّل منها "جثةً كاملة" تستحق الدفن. لكن هذا الفعل العَرَضي يُنتج كائناً حياً لم يُخطّط له أحد.

في هذا التحويل حجةٌ سياسية بالغة الخطورة: الفوضى التي اجتاحت العراق لم تكن نتاج مؤامرةٍ متقنة ذات خالقٍ واحد، بل كانت نتاج قراراتٍ متفرقة ومتراكمة لم يُقدّر أصحابها تبعاتها. من الاحتلال الأمريكي الذي لم يُخطط لمرحلة ما بعد النصر، إلى قرار حلّ الجيش العراقي، إلى السياسات الطائفية التي رعتها أطراف متعددة - كل هذه قرارات أشبه بفعل هادي: عرضية، غير مدروسة، وذات تبعاتٍ مستقلة عن نوايا أصحابها. وهذا التشخيص للفوضى هو بالذات ما يُميّزه عن روايات الإدانة السطحية التي تبحث عن شريرٍ واحد وتُحمّله وزر كل شيء.

3. المسؤولية الموزَّعة وأطروحة الفوضى النظامية:

يُطوّر سعداوي أطروحته عبر طيفٍ من الشخصيات التي تُمثّل تنويعاتٍ مختلفة على ثيمة المسؤولية: المحقق سرور الذي يُمثّل مؤسسة الدولة الفاشلة في السيطرة، والصحفي محمود الذي يُمثّل الشاهد المُتردّد، والسيدة العجوز إليشوا التي تُمثّل الذاكرة والجرح التأسيسي. هذا التوزيع لا يعني أن سعداوي يُبرّئ الجميع، بل يعني أنه يُقيم حجةً ضد تبسيط المسؤولية: الفوضى نظامٌ لا عرضٌ، وهذا النظام يُشارك في إنتاجه الجميع بدرجاتٍ متفاوتة.

وهذا ما يُفرّق روايته جوهرياً عن رواية شيلي: ففي رواية شيلي المسؤولية فردية، تقع على عاتق فيكتور أولاً والمجتمع الرافض ثانياً. أما في رواية سعداوي فالمسؤولية مُفككة وموزّعة على درجاتٍ من الإهمال والقسوة والاستغلال والخوف - وهو تشخيصٌ أكثر أمانةً للمجتمعات التي تعيش الفوضى لا بالمعنى الرومانسي بل بالمعنى الوجودي الحقيقي.

رابعاً: المكان والزمان بوصفهما موقفَين حجاجيَّين

1. جغرافيا الحجة: الفضاء الأوروبي مقابل فضاء ما بعد الاحتلال

لا يُشكّل المكان في روايتَي شيلي وسعداوي مجرد خلفيةً للأحداث، بل هو جزءٌ من بنية الحجة. فالفضاءات الأوروبية الواسعة في رواية شيلي - جنيف، وإنجلترا، وجبال الألب، وأخيراً القطب الشمالي - تُنتج إحساساً بالانفتاح والطموح اللامحدود الذي يُناسب سؤالها المركزي: هل يمكن للإنسان أن يُحدَّ؟ أين تنتهي حدود المعرفة؟ المكانُ الكوني يُجسّد السؤال الكوني.

أما بغداد سعداوي فهي مكانٌ منسدٌّ على نفسه، تُطوّق الجدران الكونكريتية (الخرسانية) حاراتِه، وتُطوّق الحواجز الطائفية هوياتِ أهله. المكان هنا ليس ديكوراً بل شخصيةٌ مُحاجِجة تقول للقارئ: في مثل هذا الضيق تتولد الوحوش. يُذكّرنا هذا بما ذهب إليه غاستون باشلار في شعرية الفضاء من أن الفضاء الروائي هو دائماً فضاءٌ ذو معنى وجودي، يُشكّل الأشخاص ويتشكّل بهم. وفضاء بغداد عند سعداوي هو فضاء "الحصار المُزدوَج": محاصَرون من الخارج بالاحتلال، ومن الداخل بالطائفية والخوف.

يتجلى هذا الفضاء بصورةٍ أكثر حدةً في ما يمكن تسميته شعرية الخراب عند سعداوي: الشوارع المكتظة بالدوريات العسكرية، والأسواق التي تنفجر في لحظاتٍ من الطمأنينة الهشة، والفنادق المتداعية التي تضم شخصياتٍ بلا مستقبل. هذا الفضاء لا يحتاج إلى تعليقٍ صريح لأنه هو نفسه الحجة: العنف ينبع من هذه البيئة بمنطقٍ لا يُقاوَم تقريباً.

2. الزمان الحجاجي: الحداثة الأولى ومآزق العولمة العنيفة

تكتب ماري شيلي في عام 1818، أي في عزّ الثورة الصناعية وما رافقها من قلقٍ فلسفي عميق بشأن مآلات العلم والتقنية. كان التفاؤل التنويري في مواجهة الشكوك الرومانسية، وكانت أسئلة الخلق والطبيعة والحدود تُؤرّق الأنتلجنسيا " (Intelligentsia) الأوروبية. رواية شيلي وثيقةُ لحظتها: إنها تُعبّر عن القلق الرومانسي من أن ما يستطيعه العلم قد يتجاوز ما ينبغي له.

أما سعداوي فيكتب في عام 2013، بعد عقدٍ من الاحتلال الأمريكي وما أفرزه من فوضى وطائفية وإرهاب. لحظته لحظة انهيار الدول وانكشاف هشاشة المؤسسات وعودة القبيلة والمذهب بوصفهما مرجعيتَين أوليّتَين. الزمنان مختلفان اختلافاً جذرياً في سياقهما، لكنهما يشتركان في طرح السؤال ذاته بصيغتَين مختلفتَين: ما الذي يُنتج الوحش؟ عند شيلي: العلم حين يتحرر من قيود الأخلاق. عند سعداوي: السياسة حين تتحرر من قيود العدالة.

خامساً: السرد المتعدد الأصوات وحجاج الفوضى

1. باختين والرواية الحجاجية متعددة الأصوات

يُميّز ميخائيل باختين في كتابه الخطاب الروائي بين الرواية "أحادية الصوت" التي يُهيمن فيها صوتٌ واحد (غالباً صوت المؤلف المتنكّر في أشكالٍ متعددة) ويُوجّه معنى النص، والرواية "متعددة الأصوات" (Polyphonie) التي تُعطي لكل شخصية صوتاً مستقلاً حقيقياً لا يُختزَل في صوت المؤلف. والرواية المتعددة الأصوات عند باختين هي بامتياز رواية حجاجية لأنها تُحضر المواقف المتناقضة وتتركها تتصادم من دون أن تفرض حلاً سهلاً.

رواية شيلي تنزع نحو التعددية الصوتية: المخلوق يتحدث بصوته الخاص في الجزء الثاني من الرواية بصورة مونولوج داخلي ممتد ومؤثّر، وهذا الصوت لا يُلغيه صوت فيكتور ولا يندمج فيه. لكن بنيتها تبقى أقل تعدديةً من رواية سعداوي، إذ الصراع في نهاية المطاف بين صوتَين رئيسين.

أما رواية سعداوي فهي بالمعنى الباختيني ملحمة الأصوات المتناحرة: صوت هادي الفانتازي، وصوت محمود الصحفي الحديث، وصوت إليشوا الحاملة لذاكرة الأقليات المسيحية، وصوت المحقق سرور المُمثّل للدولة، وفوق هذا كله أصواتٌ متعددة يسمعها "الشسمة" نفسه من خلال وعيه المُركَّب - أصوات الضحايا التي تتنازع فيه ولا يستطيع الحسم بينها. هذا التعدد الصوتي لا يُنتج فوضى سردية بل حجةً بنيوية: الفوضى التي ينقلها تعدد الأصوات هي بالذات الفوضى التي تعيشها بغداد - وأي بنيةٍ أخرى لرواية عن هذا الموضوع ستكون كذباً جمالياً.

2. الغروتيسك بوصفه أداةً حجاجية:

يُعرّف باختين الغروتيسك في رابليه وعالمه بأنه البنية التي تجمع المخيف والمضحك والمقزّز في آنٍ واحد لتُنتج تأثيراً يجاوز أيّاً منها منفرداً. والغروتيسك في كلتا الروايتَين ليس مجرد اختيارٍ جمالي بل هو أداةٌ حجاجية: فالجسد المُركَّب المتعفّن في رواية سعداوي يستحيل تمثله بجدية أكاديمية صارمة من دون الإحساس بشيءٍ من الرعب المبهم الذي يجعل القارئ يُدرك اللامعقول بطريقةٍ لا يستطيع الخطاب السياسي الجاد وحده تحقيقها. الغروتيسك يُقحم الجسد في السياسة ويُجسّد المجرد، وبذلك يجعل الأطروحة الفكرية ملموسةً لا مجرد مُفكَّرٍ فيها.

سادساً: العدالة والانتقام - الحجة الأخلاقية الكبرى

1. ميثولوجيا الانتقام في شيلي: النهاية التراجيدية بوصفها حكماً

حين يُعلن مخلوق شيلي انتقامه من فيكتور ويُنجزه، لا تُقدّم الرواية هذا الانتقام بصورةٍ إيجابية بالرغم من تعاطف القارئ مع المخلوق. النهاية صريحةٌ في إدانة الانتقام من خلال ما تُنتجه: فيكتور يموت منهكاً في مكانٍ بارد، والمخلوق يعلن في المقطع الختامي الشهير أنه سيُحرق نفسه: "سأترك عالم الأحياء إلى الأبد، لن أرى النجوم ولا الشمس بعد الآن. ولن أسبب لأسرتك أي ألم بعد الآن. آه يا صانعي الحبيب. أعلم أنك لا تستطيع أن تسامحني، لكنك تستطيع الآن على الأقل أن ترقد بسلام" (ص77). هذا الختام هو الحجة الأخلاقية الأولى لشيلي: الانتقام لا يُنتج عدالةً بل يُنتج مزيداً من العدم، والمخلوق في لحظة وعيه الأخير يعرف ذلك.

2. تفكيك أسطورة العدالة الانتقامية في سعداوي

يُطوّر سعداوي هذه الحجة بطريقةٍ أشد إيلاماً لأنه يضعها في سياقٍ حيث خطاب العدالة الانتقامية لا يُقدّمه شخصٌ بائس مظلوم - كمخلوق شيلي - بل يُؤطّره الجميع: الميليشيات تُسمّيه ثأراً مقدساً، والمنظمات الإرهابية تُسمّيه جهاداً، وحتى الدولة تُسمّيه ردَّ فعلٍ مشروعاً. "الشسمة" في هذا السياق هو المرآة التي تعكس ادعاءات الجميع وتُظهر مآلاتها المشتركة: عنفٌ يدور في حلقةٍ مفرغة تلتهم الجلادين والضحايا على حدٍّ سواء.

إن ما يجعل هذه الحجة أعمق من مجرد إدانةٍ أخلاقية للعنف هو أن سعداوي يُظهر أن "الشسمة" يفقد القدرة على التمييز تدريجياً: في البداية يقتل من يُدان بدم الأبرياء، ثم يقتل من كان شاهداً ولم يُنقذ، ثم يقتل من نفعَ من الفوضى وإن لم يشارك فيها مباشرةً. هذا الانزلاق التدريجي لمعيار القتل هو الصورة الأمينة لما تفعله الإيديولوجيات الانتقامية في الواقع: تبدأ بمعيارٍ واضح ثم يتّسع المعيار ويتشعّب حتى يصير كل من ليس معنا عدواً.

3. السؤال الأخلاقي المُعلَّق: ماذا بعد؟

ما يُميّز كلا الروايتَين في مستواهما الحجاجي الأعمق هو أنهما لا تُجيبان على السؤال الأخلاقي الذي تُثيرانه، بل تتركانه معلّقاً بطريقةٍ تُلزم القارئ بالتفكير. شيلي لا تقول: هذا هو الحل لمشكلة العلم والأخلاق. وسعداوي لا يقول: هذا هو طريق الخروج من الفوضى العراقية. كلتا الروايتَين تنتهيان بالفناء لا بالحل. وهذا الرفض للخاتمة المريحة هو في ذاته موقفٌ حجاجي: لا حلولا جاهزة، ولا نهاياتٍ سعيدة، ولا بطولاتٍ منقذة... ما يبقى هو السؤال وثقله.

سابعاً: القارئ الضمني وبناء استراتيجية الإقناع

1. إيزر وتفعيل المسافة الجمالية:

يُرسّخ وولف إيزر في فعل القراءة مفهوم القارئ الضمني (Implied Reader) بوصفه البنية الداخلية للنص التي تستدعي قارئاً بعينه وتُعدّه لاستقبال معينٍ من دون سواه. وكلٌّ من شيلي وسعداوي يبنيان قارئاً ضمنياً مختلفاً، وهذا الاختلاف يُشكّل جزءاً جوهرياً من استراتيجية كلٍّ منهما الحجاجية.

قارئ شيلي الضمني هو القارئ المتشبّع بالفضاء الرومانسي الأوروبي، الذي يعرف ميلتون ويعرف غوته، والذي يُعاني هو نفسه من تناقضات الحداثة ويتساءل عن حدود العلم والتقنية. هذا القارئ مدعوٌّ إلى التعرّف على نفسه في فيكتور - طموحاً نبيلاً يجرّه غروره نحو الكارثة - وإلى التعاطف مع المخلوق ضد كل ردود الفعل الغرزية الأولى.

أما قارئ سعداوي الضمني فهو أكثر تعقيداً لأنه مُقيَّد بتوقعين متوازيَّين: توقع قارئ فرانكشتاين شيلي الذي يحمل الأنموذج في ذاكرته، وتوقع قارئ الواقع العراقي الذي يحمل التجربة في ذاكرته العاطفية. وحين يلتقي التوقعان يُنتجان تأثيراً استثنائياً: يُدرك القارئ أن ما يعرفه من الأسطورة الأوروبية ليس غريباً عما يعرفه من واقعه، وأن الوحش الذي خلقته أوروبا فكرياً في القرن التاسع عشر؛ أنتجته السياسة العالمية مادياً في القرن الحادي والعشرين.

2. التهجين الثقافي وحجة الكونية

من أعمق ما يُنجزه تناص سعداوي مع شيلي هو ما يُمكن تسميته "حجة الكونية|: إذ يرفض سعداوي ضمنياً الادعاء - الذي كثيراً ما تردّده الدراسات الغربية في مقاربتها للفوضى في المشرق - بأن ما يجري هناك ظاهرةٌ خاصة بثقافةٍ بعينها أو بمرحلةٍ في "التطور الحضاري." بتوظيف أنموذجٍ أوروبي أسطوري لقراءة الواقع العراقي.

خاتمة: التناص بوصفه رهاناً حضارياً

انطلقنا في هذا المقال من فرضيةٍ مفادها أن العلاقة التناصية بين رواية ماري شيلي ورواية أحمد سعداوي ليست علاقةَ استعارةٍ أدبية عابرة، بل هي استراتيجيةٌ حجاجية متكاملة تعمل في آنٍ واحد على أربعة مستويات:

المستوى الأول: حجاج الاستثمار الرمزي، إذ يستعير سعداوي السلطة الرمزية لأسطورة "فرانكشتاين" الراسخة في الوعي الإنساني الجمعي ليُضفي على رؤيته الكونيةَ بُعداً لا تُتيحه الرواية المحلية المُغلقة على سياقها.

المستوى الثاني: حجاج التحويل الدلالي، إذ يُحوّل سعداوي أسئلة شيلي الفلسفية (العلم والطبيعة والحدود) إلى أسئلة سياسية حادة (العنف والمسؤولية والفوضى)، مُنتجاً بذلك درجة جديدة من المعنى لا يمكن بلوغها من دون حضور النص الأصل.

المستوى الثالث: حجاج البنية السردية، إذ توظّف كلٌّ من الروايتَين البنيةَ الروائية نفسها - الوحش، والخالق، والعالم الرافض - لكن في كل روايةٍ تُفضي هذه البنية إلى أطروحةٍ مغايرة تُكمل الأخرى ولا تلغيها.

المستوى الرابع: حجاج الصمت والمُعلَّق، إذ تُقيم الروايتان معاً منطقةً من الصمت المُنتج: لا إجابات جاهزة، ولا بطولاتٍ مُخلِّصة، لوا نهايات مريحة - والصمت هذا هو الموقف الأكثر مسؤوليةً تجاه أسئلةٍ لا تزال حيّةً في لحظتنا الراهنة.

ونافلة القول، إن ما يجعل هذا التناص أنموذجاً استثنائياً في الأدب العربي المعاصر ليس فقط ذكاء التوظيف أو حُسن الصياغة، بل هو هذ الإدراك العميق لما تستطيع الأسطورة فعله حين تُعيد اختراع نفسها في ضوء الواقع: إنها لا تُزيّن الواقع بل تُعرّيه، ولا تُسلّي القارئ بل تُقلقه، ولا تُغلق الأسئلة بل تُبقيها مفتوحةً على ما ينبغي أن تبقى مفتوحةً عليه.

***

بقلم الباحثة والناقدة المغربية آمال بن الطاهر

.................................

المصادر والمراجع المعتمدة:

المصادر الأولية:

- شيلي، ماري: فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث (1818). ترجمة فايقة جرجس حنا، كلمات، وهنداوي، القاهرة، مصر، ط1، 2012.

- سعداوي، أحمد: فرانكشتاين في بغداد. دار الجمل، بيروت، لبنان، 2013.

في التناص ونظرية النص:

- G. Genette:Palimpsestes : la littérature au second degré, a été publié pour la première fois le 28 février 1982 aux Éditions du Seuil. 1 éd, 1982.

- Kristeva, Julia. Séméiotikè: Recherches pour une sémanalyse. Paris: Seuil, 1969.

- Barthes, Roland. S/Z. Paris: Seuil, 1970.

في البلاغة الحجاجية:

- Perelman, Chaïm, et Olbrechts- Tyteca, Lucie. La Nouvelle Rhétorique: Traité de l’argumentation. Paris: Presses Universitaires de France (PUF), 1958.

- Ducrot, Oswald, et Anscombre, Jean- Claude. L’Argumentation dans la langue. Bruxelles: Mardaga, 1983.

- Breton, Philippe, et Gauthier, Gilles. L’Argumentation dans la communication. Paris: La Découverte, 1996.

في نظرية الرواية:

- Bakhtine, Mikhaïl. Esthétique et théorie du roman. Paris: Gallimard

- Bakhtine, Mikhaïl. L’œuvre de François Rabelais et la culture populaire au Moyen Âge et sous la Renaissance. Paris: Gallimard.

- Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978

في النقد الأدبي العربي:

- إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2013.

في الفلسفة والفضاء:

- باشلار، غاستون. شعرية الفضاء. ترجمة لحسن أحمامة، دار التكوين، سوريا، ط1 لهذه الترجمة، 2025.

حِين تتَّجه القصةُ إلى الريف لا تفعل ذلك بوصفه فضاءً جُغرافيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا باعتباره مُستودَعًا للذاكرة الإنسانية، ومسرحًا للصراع بين الإنسانِ وحياته، وبَين الفقرِ والحُلْم، وبَين السُّلطةِ والهامش. وقد استطاع عدد مِن الكُتَّاب في أنحاء العالَم أنْ يُحوِّلوا القريةَ إلى كَون إنساني كامل تتجلى فيه أسئلة الوجود والعدالة والموت والحُب. ومِن بَين هؤلاء يبرز الكاتبُ اليمني زيد مطيع دماج (1943- 2000) والكاتب المكسيكي خوان رولفو (1917- 1986) بوصفهما نموذجَيْن فريدَيْن للواقعية الريفية التي تجاوزتْ حدودَ المحلية لتبلغ أفقًا إنسانيًّا عالميًّا.

وعلى الرغم من التباعد الجُغرافي والثقافي بين اليمن والمكسيك، فإنَّ قراءة أعمال الكاتبَيْن تكشف عن تقاطعات عميقة في الرؤية الفنية والوعي الاجتماعي. لقد انطلقا من بيئة ريفية فقيرة ومُهمَّشة، وجَعَلا مِن الإنسان البسيط مِحورًا للسرد، وكَشَفَا البنى العميقة للقهر والاستغلال التي تَحكم حياةَ الفلاحين والمُعْدَمين. غَير أنَّ كُلَّ واحد مِنهما صاغَ هذه التجربة بأسلوبه الخاص، فكانت الواقعية عند دماج مُشبَعة بالبُعد التاريخي والاجتماعي، بَينما امتزجتْ عند رولفو بالشعرية والأسطورة وأجواء العزلة الوجودية.

لا يظهر الريفُ في أعمال دماج خلفيةً للأحداث فَحَسْب، بلْ أيضًا يتجسد ككائن حَي يَحمل ذاكرةَ المجتمع اليمني وتقاليده وصراعاته. القريةُ اليمنية عنده فضاءٌ تتقاطع فيه علاقاتُ السُّلطة والعادات والأعراف، وتتشكل داخله مصائرُ الأفراد. ومِن خِلال تصويره الدقيق للحياة اليومية، استطاعَ أن يكشف البنيةَ الاجتماعية التي حكمت اليمنَ في مراحل طويلة من تاريخه، حيث كانت السُّلطة التقليدية تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة.

أمَّا رولفو فقدْ جعل من الريف المكسيكي عَالَمًا مُثْقَلًا بالصمت والخراب. في أعماله يبدو الريفُ وكأنه يعيش بَعد الكارثة، أراضٍ قاحلة، وقُرى مهجورة، وأُناس يطاردهم الفقر والذكريات.

والريفُ عند رولفو لَيس مكانًا فَحَسْب، بلْ هو أيضًا ذاكرة جريحة خلَّفتها الثورات والحروب والنزاعات الاجتماعية. لذلك تبدو شخصياته وكأنها تعيش بين الماضي والحاضر، بين الحياة والموت، في حالة دائمة من الضياع والانتظار.

يلتقي الكاتبان في النظر إلى الريف باعتباره مُستودَعًا للتجربة الجَماعية، لكنَّه عند دماج يظلُّ محتفظًا بحيوية اجتماعية واضحة، بَينما يتحوَّل عند رولفو إلى فضاء وجودي يُسيطر عليه الشعورُ بالفقد والانكسار.

مِن أبرز سِمات الواقعية الريفية لدى الكاتبَيْن انحيازهما العميق إلى الإنسان البسيط. الشخصياتُ الرئيسية لَيست مِن النُّخَب السياسية أو الثقافية، بلْ مِن الفلاحين والرُّعاة والخدم والفقراء الذين يعيشون على هامش التاريخ.

يَمنح دماج هؤلاء المُهمَّشين صَوتًا إنسانيًّا قويًّا، فيجعل القارئَ يَرى العالَمَ مِن خِلال أعينهم. لا يُقَدِّمهم كضحايا سلبيين، بلْ كأشخاص يمتلكون أحلامًا ورغبات وكرامة إنسانية، حتى وإنْ كانوا واقعين تحت وطأة الاستبداد أو الفقر. لذلك تَحمل شخصياته بُعدًا نقديًّا يكشف اختلالات المجتمع، ويُعرِّي أشكالَ الظلم الاجتماعي.

أمَّا عند رولفو فإنَّ المُهمَّشين يعيشون غالبًا في عُزلة قاسية. إنهم أفراد مُطارَدون بالجوع والخسارة والخِذلان، لكنهم يحتفظون بعُمق إنساني مؤثِّر. وتنبع قوةُ هذه الشخصيات من قُدرتها على التعبير عن الألم بأقل قَدْر مِن الكلمات، حتى يُصبح الصمتُ لغةً سردية تَحمل معاني الفاجعة.

وهكذا تتحوَّل الواقعية الريفية عند الكاتبَيْن إلى دفاع عن الإنسان المنسي، ومحاولةِ إعادة الاعتبار لأولئك الذين لَم يكتب التاريخُ أسماءهم.

تحتلُّ السُّلطةُ موقعًا مِحوريًّا في التجربة السردية عند دماج. الريفُ اليمني الذي يُصوِّره يَخضع لهيمنة قوى اجتماعية وسياسية تستثمر الجهلَ والفقر لإدامة نفوذها. وتنعكس هذه الهيمنة في العلاقات اليومية بين الأفراد، وتوزيعِ المكانة الاجتماعية، وفُرصِ التعليم والعمل والحياة.

لا يكتفي دماج بتسجيل هذه الظواهر،بلْ يُحوِّلها إلى موضوع نقدي يكشف آلِيَّات الاستغلال، ويدعو ضمنيًّا إلى التغيير. لذلك تكتسب أعمالُه بُعدًا إصلاحيًّا واضحًا، إذْ تنبع مِن وعي حاد بضرورة التحرر من البنى التقليدية التي تعيق تطورَ المجتمع.

أمَّا رولفو فيتناول السُّلطةَ بصورة أكثر رمزية، وأقل مباشرة. السُّلطةُ عنده تبدو قوة غامضة تترك آثارَها المُدمِّرة على حياة الناس دُون أن تظهر دائمًا في صورة مؤسسات واضحة. إنَّها سُلطة التاريخ والحرب والإقطاع والعُنف المتوارث. ولهذا يشعر القارئُ بأنَّ شخصياته مُحاصَرة بقوى أكبر مِنها، قوى لا تستطيع مواجهتها إلا بالصبر أو الاستسلام.

تميَّزتْ لغة دماج بقدرتها على الجمع بين الوضوح الفني والعُمق الدلالي، فهو يقترب مِن لغة الحياة اليومية دون أن يفقد جماليات السرد، ويستثمر التفاصيلَ المحلية لإضفاء صِدقية على عالَمه الروائي. كما أنَّ لغته تَحمل نبرة نقدية هادئة تَجعل القارئَ شريكًا في اكتشاف التناقضات الاجتماعية.

في المقابل، تبدو لغة رولفو أكثر تكثيفًا وإيحاءً، فهو يكتب بِجُمل قصيرة، لكنها مشحونة بالمعاني والظلال النفسية، وتتحوَّل الطبيعةُ في نُصوصه إلى عُنصر شِعري يشارك في تشكيل الدَّلالة، فتغدو الرياحُ والغبار والصمت جُزءًا من البنية السردية.

ومِن هُنا يمكن القول إنَّ الواقعية عند دماج أقرب إلى الواقعية الاجتماعية التي تعتمد الوصفَ والتحليل، بَينما تَميل عند رولفو إلى الواقعية الشعرية التي تستثمر الرمزَ والإيحاء والصمت.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الذاكرة الجمعية وصناعة الهوية الثقافية

ليس الشعر العربي مجرد جنسٍ أدبي يقوم على الوزن والقافية والصورة الفنية، بل هو، في جوهره، ظاهرةٌ أنثروبولوجية كبرى تكشف عن البنية العميقة للثقافة العربية، وتختزن تاريخ الإنسان العربي، ونظام قيمه، وتمثلاته للكون، وموقفه من الحياة والموت، والحب والحرب، والمقدس واليومي. فالشعر لم يكن ديوان العرب فحسب، كما قال ابن سلام الجمحي، بل كان أيضاً مستودع ذاكرتهم الجمعية، ومرآة وعيهم التاريخي، وأحد أهم الوسائط التي تشكلت من خلالها هويتهم الحضارية.

ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا الثقافية لا تنظر إلى الشعر بوصفه خطاباً جمالياً فقط، وإنما باعتباره وثيقةً اجتماعية، ورمزاً ثقافياً، ونظاماً من العلامات يعكس طرائق التفكير، وأنماط العيش، وشبكة العلاقات التي تحكم المجتمع.

الشعر بوصفه ذاكرةً ثقافية

يرى عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي كليفورد غيرتز أن الثقافة شبكةٌ من المعاني ينسجها الإنسان بنفسه ثم يعيش داخلها. ومن هذا المنظور، يغدو الشعر العربي أحد أكثر تلك الشبكات كثافةً؛ فهو لا يصف العالم فحسب، بل يمنحه معنى، ويعيد تشكيله رمزياً.

فالقصيدة الجاهلية ليست وصفاً للصحراء وحدها، وإنما تمثيلٌ رمزي لعلاقة الإنسان بالمكان، والزمن، والقبيلة، والوجود. والوقوف على الأطلال ليس مجرد تقليدٍ شعري، بل هو طقسٌ ثقافي يكشف عن وعي الإنسان بفناء الأشياء، واستمرار الذاكرة بوصفها شكلاً من أشكال مقاومة الزمن.

الشعر والهوية الجمعية

أكد ابن خلدون أن الشعر كان من أبرز وسائل حفظ أمجاد القبائل وأنسابها وأخبارها، وأنه يمثل سجلاً اجتماعياً وسياسياً للأمة. ولم يكن الشاعر فرداً معزولاً، بل كان الناطق الرسمي باسم الجماعة، والمدافع عن شرفها، والحارس الرمزي لذاكرتها.

ومن هذا المنطلق، فإن القصيدة العربية القديمة تؤدي وظيفةً اجتماعية تتجاوز الإبداع الفردي؛ فهي تبني التضامن الجمعي، وتؤسس للقيم المشتركة، وتعزز الانتماء القبلي ثم القومي لاحقاً.

ولهذا وصف النقاد القدماء الشعر بأنه "ديوان العرب"، لأنه حفظ ما عجز التاريخ الرسمي عن حفظه.

الشعر والرموز الثقافية

يرى الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي شتراوس أن الأساطير والرموز تكشف عن البنية العقلية للمجتمعات. وإذا طبقنا هذا التصور على الشعر العربي وجدنا أن مفرداته الكبرى ليست ألفاظاً عابرة، بل رموزاً ثقافية متجذرة.

فالناقة ليست مجرد وسيلة نقل، وإنما رمزٌ للصبر والترحال والبقاء.

والصحراء ليست فراغاً جغرافياً، بل فضاءٌ وجودي تتشكل فيه الحرية والوحدة والتحدي.

والمطر ليس ظاهرةً طبيعية فحسب، بل يحمل معاني الخصب والتجدد والبعث.

وهكذا تتحول الصورة الشعرية إلى نظامٍ رمزي يعكس رؤية الإنسان العربي للعالم.

اللغة الشعرية وصناعة الإنسان

يرى فرديناند دي سوسير أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما نظامٌ من العلاقات الرمزية التي تنتج المعنى.

ثم جاء رومان ياكوبسون ليؤكد أن الوظيفة الشعرية للغة تجعل الرسالة اللغوية تلتفت إلى ذاتها، فتولد الإيقاع والانزياح والصورة.

أما نعوم تشومسكي فقد أبرز قدرة الإنسان الفطرية على إنتاج عددٍ لا نهائي من التراكيب اللغوية، وهو ما يتجلى في الإبداع الشعري الذي يكشف عن الطاقة الخلاقة للعقل الإنساني.

ومن هنا فإن الشعر العربي يمثل مختبراً لغوياً هائلاً، استطاعت فيه العربية أن تكشف عن مرونتها وثرائها الدلالي والصوتي.

الشعر والطقوس الاجتماعية

تؤكد الأنثروبولوجيا أن المجتمعات التقليدية تعتمد الطقوس لتأكيد تماسكها الداخلي.

وهذا ما نجده في الشعر العربي، الذي رافق مناسبات الحياة كلها؛ فهناك شعر الولادة، وشعر الفروسية، والمديح، والهجاء، والرثاء، والغزل، والحماسة، وحتى شعر الحكمة والزهد.

لقد كان الشعر حاضراً في الأفراح كما في المآتم، وفي الحرب كما في السلم، وفي الأسواق كما في المجالس، حتى أصبح جزءاً من البناء الرمزي للمجتمع العربي.

الشعر والسلطة:

يشير ميشيل فوكو إلى أن الخطاب يرتبط دائماً بالسلطة وإنتاج الحقيقة.

ومن هذا المنظور، لم يكن الشعر العربي بعيداً عن السياسة؛ فقد أسهم في صناعة صورة الحاكم، وفي مقاومة الاستبداد، وفي التعبير عن المعارضة، وفي تشكيل الرأي العام.

ولهذا ظل الشعر عبر تاريخه مؤسسةً ثقافية مؤثرة، تتجاوز حدود الفن إلى الفعل الاجتماعي والسياسي.

الشعر بوصفه رؤيةً فلسفية

يرى مارتن هايدغر أن الشعر هو اللغة التي ينكشف بها الوجود، وأن الشاعر يمنح الأشياء أسماءها الحقيقية.

أما بول ريكور فيؤكد أن الاستعارة الشعرية ليست زينةً لغوية، بل وسيلة لإعادة اكتشاف العالم.

وفي التراث العربي رأى عبد القاهر الجرجاني أن سر الشعر لا يكمن في المفردات، بل في النظم والعلاقات التي تنشأ بينها، وهو تصور يقترب بصورة مدهشة من كثير من نظريات اللسانيات الحديثة.

الشعر والوعي الحضاري:

اهتم طه حسين عميد الأدب العربي بالشعر بوصفه وثيقةً حضارية ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي، بينما رأى المفكر المغربي محمد عابد الجابري أن التراث الشعري يمثل أحد المكونات الأساسية للعقل العربي، وأن فهمه يقتضي تحليله في ضوء شروطه الثقافية والاجتماعية.

أما الشاعر السوري علي أحمد سعيد إسبر الملقب بأدونيس فقد دعا إلى قراءة الشعر العربي بوصفه مشروعاً دائماً لتجديد الرؤية إلى الإنسان والعالم، لا مجرد تكرار للأشكال الموروثة.

وفي السياق نفسه، أكد الكاتب والمترجم المصري صلاح فضل أن القصيدة العربية الحديثة أصبحت فضاءً لتفاعل الأسطورة والتاريخ والرمز واللغة، مما جعلها نصاً ثقافياً مفتوحاً على التأويل.

خاتمة

إن الشعر العربي، في ضوء الأنثروبولوجيا، ليس مجرد بناءٍ لغوي بديع، بل هو سجلٌ حيّ للإنسان العربي في تحولاته التاريخية، وخزانٌ لذاكرته الجمعية، ومرآةٌ لقيمه ومخاوفه وأحلامه وأسئلته الوجودية. إنه نصٌّ ثقافي بامتياز، تتداخل فيه اللغة بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، والفرد بالجماعة، والجمال بالهوية.

ولعل أعظم ما يميز الشعر العربي أنه استطاع، عبر قرون طويلة، أن يحفظ روح الأمة حتى حين تبدلت الدول، وأن يصون الذاكرة حين خانتها الوثائق، وأن يبقى شاهداً على أن الثقافة لا تُقاس بما تبنيه من عمرانٍ مادي فحسب، بل بما تخلقه من رموزٍ ومعانٍ قادرة على عبور الزمن، وترسيخ هوية الإنسان في مواجهة النسيان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ثنائية رجاء بكرية

كان يجب أنْ تتوقّع رسالتي إليكَ. احترقت حقولُ عبّاد الشّوق في رأسي ولم يبق في قلبي مكانٌ لزهر الشّمس.

في قلبي يُقيمُ مَعبد واحد.

لزهر شوقكَ. هل تسمع غسّان؟

قبل أنْ ترتبكَ كلماتي بين ابتسامتك ورماد دَهْشتكَ ستجدُني مكانها مستلقيةً تحت عينيكَ أنا وغسّان صغير يعيش في مكان لن تتوقّعَه له.

هيّئ له أرجوك، سريرا من قطن البحر الذي أحبّنا"

"امرأة الرّسالة"

واستعادتْ تلك الليلة الصّاخبة التي قضتها مع غسّان الذي تركته نائما في بيته في عكا، وسافرت بسبب خياناته المُتكرّرة لها.

لكنّها لم تستطع مَحوَ حبّها له، وقرّرت بعد خمس سنوات قضتها في لندن أنْ تعود وتأسرَه في داخلها إلى الأبد. سافرت إليه "وفي رأسها خطّةُ مَكْر، يجب أنْ تأخذَه إلى الأبد. أنْ لا تتركه طُعْما للسّمك، يجب أن تكون السّمكةَ التي تربطه بزعانفها، وتأخذه إلى حيث لا يصل سواها إليه. (امرأة الرسالة ص363)

لقد اختارت توقيتَ لقائها به بدقّة مُتناهية، وقامت بامتلاكه ليلة واحدة قَصْد الحَمْل منه، ومع أوّل الفجر فتحت البابَ بحذر وردّته إلى قَدَر ينتظرها. وسافرت عائدة إلى لندن. لكنها سرعان ما تركت لندن هاربة مع أوّل إحساس لها بتحرّك طفيف لغسّانها الصغير الذي بدأ ينمو في رحمها.

ووصلت إلى عكا وإلى بيت غسّان، لكنّها لم تجدْه. كان غسان في غزة يُتابعُ ويُسجِّلُ ويصوّر أحداثَ غزة وما يقترفه جيشُ الاحتلال من مجازرَ وتدمير ويبثّه على كلّ المواقع والشّاشات

وهكذا تتواصلُ الأحداث وتتشابك ما بين "امرأة الرسالة"(دار الآداب. بيروت 2007) و "برواز شوق" (الآن ناشرون وموزّعون. عمّان 2025) وكأنّنا نُشَدُّ إلى مسلسل نملكُ جزأيْه الأوّلَين ولا نعرفُ ما سيأتي بعدهما.

مَن هي نشوة ظافر؟

امرأة عرفناها في رواية "امرأة الرسالة" مُتحرّرة من كلّ القيود، الأُسَريّة والعائليّة والمُجتمعيّة والدينيّة، امرأة مُنغمسة في الحبّ، عاشقة للرجل حدّ الوَلَه والجنون، همُّها الوحيد وانشغالُها أنْ تأسرَ رجلَها في قيود لا يُمكنُه التّحرّرَ منها.

ثلاثة رجال عرفتهم:

*وائل، الذي سرعان ما تركها وسافر. ولم تُضمر له أيّة مَشاعر عاطفية، ورحيلُه لم يترك أيّ ألم أو جرح ولا حتى ذكرى عميقة.

*كاظم العراقي، عرفته في مدينة لندن، رجل يهتمُّ بالسياسة ومُنشغل بهموم بلاده وأوضاعها ويحنّ إلى بغداد. فكاظم كما عرفَتْه، يصلح لمسائل التّحرير والاحتلال وليس للحب الذي يُدوِّخ الرجال والنساء. علاقة نشوة بكاظم ظلّت علاقة استلطاف وصداقة وفهم الواحد لحدود الآخر، هي علاقة اتّسمت بحب كاظم لنشوة بينما كانت نشوة حريصة على العلاقة البعيدة عن الحب والعواطف، فلا عواطف ومشاعر تشدُّها إليه. وصارحته عندما قال لها: اقتربي، أريد أن أشمّك. بردّها الصريح: لا أريد أن تشمّني ولا أريد أن أشمّ رائحة فمك المدمّمة، وتكتفي كل يوم بأن تُغمض عينيها وتمنحه شفتيها كي لا ترى آثار الدّم الذي يتركه على شفتيها. ثمّ قرّرت أن تنفرد بغرفة مقابلة لغرفته. (امرأة الرسالة ص184)، أغلقت عليها غرفتها وتحصّنت، ثلاث سنين طويلة وهي تحت رائحة فمه الزّنخة، ألف مرّة ذكّرته: يجب أن تذهب إلى طبيب أسنان ولم يذهب رغم وعده لها. ترك الدم يسيل من لثّته ليلا ويغرق المخدّة، وهي تنظر إلى انحناءة رأسه بتقزّز. ولهذا قررت الانفراد بغرفة مستقلة (امرأة الرسالة ص188) وكثيرا ما كانت تفكر بكاظم ولثّته المُدمّمة، وتذكّرت فمه ممتلئا بالدم صباح اليوم الأول وهمست لنفسها بشيء من الحسرة: لو اختلف الأمر لكان لها معه مستقبل آخر، لنسيت ربّما قتل غسّان اليومي لحنينها. ولو استطاعت أن تحسّه لتغيّرت أشياء كثيرة، لتبدّل، ربّما، شكل الحياة". ورغم ذلك استمرت في صداقتها مع كاظم حتى كان اليوم الذي قرّرت فيه الرحيل عائدة إلى عكا وإلى غسّان، ووصلته رسالتها إليه: "أكتب لأنني مشتاقة، والموج الذي يفصل بيننا يدفعني الآن بقوّة إليك. ليس حُبّا ما أشعر به، ولكن هذا الودّ الجميل الذي نبحث عنه كلّما ضاقت بنا الوجوه والمدن."(امرأة الرسالة ص220) وظلّ كاظم في حزنه يستعيد عمقَ الدمعة التي "غارت بشكل مفاجئ في عمق محجريها ممزّقة بين البوح والتكتّم، فالنساء الجميلات لا تأتين إلى المدن الكبيرة لمجرّد التّسلية، هو يعرف جيّدا، بل كي يتخفَّفن من ملابس الذاكرة" (امرأة الرسالة ص211). وقد تأكّد أنّها سرّ الشيء الذي أتت إلى مدينة لندن كي تدفنه وتعود. (امرأة الرسالة ص215)

*غسّان فنان متميّز درس في موسكو، هو حبّها الوحيد، لم تستطع الإفلاتَ منه ولا أسْرَه، متزوج من أجنبيّة وله ولدان، بعد قرار الحُكم الذي صدر بسجنه لمدّة خمس سنوات بتهمة نَقْل فلسطيني من مَفرق الكابري إلى قلب عكا، تركته زوجتُه الروسيّة وسافرت إلى بلدها مع ولدَيْها.

ما يُضايقُ نشوة أنّ غسّان اعتاد على الخيانة حتى بعد خروجه من السجن، فتركته وسافرت إلى لندن لمدّة خمس سنوات محاولة نسيانه، لكنّها فشلت فظلّ المُسَيْطرَ على فكرها ومَشاعرها.

نشوة كانت في حيرة ما بين كاظم الذي وهبته صداقتها فقط وظلّ يُحبّها بعد أنْ قهرته بحرمانه من حُبّها، وغسّان الذي وهبته جسدَها وحبَّها وظلّت تُحبُّه حتى بعد أنْ خانَها وقهرَها.

لكنّها اختارت غسان لأنّه يملكُ جسدَها وحُبَّها وكلَّ خلجات مَشاعرها. فغسّان بالنسبة لها "رجلٌ لأساطيرَ لا تُحْكى، بل تُعاشُ، تُعاش كي يرتوي منها الجسدُ، في كلّ خطّ خطوة، وتحت كلّ خطوة شعلة. كم شعلة دسّ بها كي تظلّ مُتّقدةً به كلّ هذا الزمن!" (امرأة الرسالة 306)

وكانت لها صديقةٌ مُخلصة هي ديمة، موطنُ أسرارها ومُخفِّفةُ أحزانها وآلامها.

خوفُ نَشوة ممّا ستلقاه من غسّان الزّوج

قبل أنْ تطأ قدماها ترابَ الوطن بعثت نشوة إلى صديقتها ديمة رسالة بمخاوفها ممّا قد ينتظرُها من سلوكيّات غسّان بعد عودتها إليه:

" أحاول أنْ أُحدّدَ مَسارَ علاقتي بغسّان، أخاف من فكرة الزّواج وبغسّان تحديدا. ماذا لو أصرّ أن تكون صورةُ زواجنا كصورة أمي وأبي التي تمشي في عينيَّ مثل سائحة تائهة؟ عذّبتني المرأةُ التي لا تشكي ولا تبكي، وتظلّ مُعلّقة كدعاية إعلانيّة وسط واجهة مُقفرة. (برواز شوق ص12)

فهي ترفض أن تكون صورة طبق الأصل لأمّها المُطيعة الرّاضية بكلّ ما يريد ويأمر زوجها، وترفض أن تكون "سائحة تائهة، ولا الخنوعة المستسلمة لا تشكي ولا تبكي".

لكنّها بمجرّد أن قرّرت ترك مدينة لندن والعودة إلى عكا وإلى غسان، جاءت امرأة مُغايرة تحمل جَنينا في رحمها من الرّجل الذي أحبّت، جاءت لا لتعيشَ قصّة حبّ صاخبة ومعارك صراع مع كلّ مومساته وعشيقاته، وإنّما عادت بكونها زوجته أمّ ابنه، عادت لتكون الأم والزوجة وصاحبة البيت ومُدبّرته، لتعيشَ الحياة الطبيعية كما كلّ أسرة تبغي السّعادة والنّجاح. وفي فترة قصيرة أحاطت نفسَها بأمّها وشقيقتها وصديقتها ديمه وبأصدقاء غسّان الكُثْر، حتى غدت تعيشُ وسط عائلة كبيرة، الكلُّ يهتم بها ويُلبّي احتياجاتها، ويعمل معها ليجدَ غسان ويُعيدَه إليها.

وغسّان الذي عادت إليه ليس الذي تركته وغادرت

وصلت نشوة إلى بيت غسان وهي في قمّة النَّشْوة والفرح والسّعادة بأنها ستلتقي بحبيبها وعِشْقِها الوحيد، ولكنّها انتكست عندما لم تجده، وزاد ألمُها عندما قرأت رسالتَه التي تركها لها يوم 21 يوليو 2014 ليخبرَها أنّه رافق وفدا صحفيّا لينقلَ للعالم أخبارَ وصُوَرَ ما يقترفه جيشُ الاحتلال في غزة. (برواز عشق 24)

صدمة نشوة من عدم وجود غسان

لم يقنعها غسان برسالته.. بل شعرت بانكسار عميق وغضب وشعور بالخيانة، وتساءلت:

حتى متى هذا الجحود بالحنين، يا رجل؟

ولم ترض عن مغادرته، ولا بالرِّسالة التي تركها لها، قالت بألم:

-طِرْتُ إلى عينيكَ أيّها الرجلُ الجاحد، فلماذا تُشوّه اللحنَ الذي يُصفّر في شعري، لماذا لا تأتمن الفرح على لهفتي؟ وبرجفة سَرَت في جسدها هزّتها وتساءلت:

-ترى هل سيعود من غزة يمشي على قلب أمْ على قدَمَين؟ أمُنتعشا أمْ على الأكتاف داخل نَعْش؟ (برواز شوق ص 27) رجل مهزوم في مدينة تخسر كلّ يوم كلّ شيء إلّا كرامتها، لكن هل الكرامة وحدها تكفي؟

وهمستْ مُخاطبة غسّانها الصغير المُتَحصِّن في رحمها:

-والدُك يا طفلي لا يفهم أنَّكَ جئتَ كي تُلملمَ ضَياعَه. (برواز شوق ص29)

وتألّمت، وزفرت، وخاب توقعُها، فقد رمت لندنَ بجسورها الخمسة عشر. عبّأتْ عكا في جيوبها في عزّ الثلج، أخذتها وعادت بها تُسجّلُ قلبَها وريثا شرعيّا لبحر يَضْمرُ كلّما توحّد في شالها، ولرجل عجيب لا يستقرُّ على حال واحد في حضرة سَلطنته الأبديّة، يفرُّ كلّما حطّت، يذوب كلّما تحقّقت، يجنّ كلّما عَقِلت، ويعلقُ كلّما تعلقّت بهوى مدينة جديدة، لن تُعيدَ ملوكيّتَه قبل أنْ يستدرك، ويعود زحفا عودة نابليون إلى بلده، أينقص عكا جبهات قتال كي يشحنَ جسدَه ببطاربّات مُزيّفة إلى غزة؟

وقرّرت بسرعة مخاطبة نفسها:

-يا امرأة احتلّي بيتَه أوّلا. لا تُفكّري كثيرا كيف سيظهرُ أمامك فجأة كما ذهب. عاقبيه باعتناق غُرفه وغَرَقِه التي نثرها عمدا على كلّ شيء. غطّي العالم الذي تركه فارغا بازدحامِك ووحمك. ستجدينه ذات ليل أمامَكِ، أو على سريره سريرك. (برواز شوق ص32-33)

وفقدت نَشْوَةَ الفرح واللهفة والعشق التي رافقتها طوال رحلتها إليه، طار السّنونو الذي رافقها من لندن إلى عكا من عشّه في عينيها، لا ضجيج للفرح الآن، وعليها أن تقرّر ماذا تختار من تاريخ المدن التي أجهضت خططَ حياتها كلّها:

ألندن أم عكا؟

أغزة أم الهرب لأيّ مصنع أحذية من الفروع التي افتتحها كاظم وسط لندن واقترح عليها إدارة أحدها؟

أغسّان أم كلّ رجل يقع في هواها؟ فهذا الرجل العاقّ لا يكفُّ عن ضرب فرحها بقدميه كما يفعلُ تماما لكرة طائرة. ظلّت كرةً في فضاء عالمه، كلّما جاهدت كي تنزلَ إلى مَلعبه وتُلامسَ تربتَه، جاهزة فَوْحا لاحتضانها، رَكلَها بعيدا إلى إحدى زوايا مَلاعبه، وسحبته مدينةٌ جديدة لم يُجهِّز أحدٌ فاتورة خساراتها، ولا هو." (برواز شوق ص28).

تحسّستْ رحمَها حيث يتحصّنُ غسّانُها الصّغير وهمست لربّما يسمعُها:

"والدُك يا طفلي لا يفهم أنّك جئتَ كي تُلملمَ ضَياعَه، ولن يفهمَ أبدا كيف ينتظرُ لهفةَ أمّكَ المشحونة بالخوف والوحدة والخسارات" (برواز شوق ص28-29)

التّحوّل الكبير في شخصية نشوة

وتجهّم وجهُها فجأة، كأنّه لم يعد تابعا لأطراف جسدها الأخرى، ثَوَّرَتْه الأسئلةُ:

أتظلُّ تركضُ بين المدن والطائرات؟

أتظلُّ على جنونها ذائع الخرافة؟

عليها الآن ودون تأجيل أنْ تستقيلَ من هوائيّتها، وتُقرّرَ بغسّان وبدون غسّان أنْ تبرئ حياة الصغير من اليُتْم والتّشرّد.

انفرجت أساريرُها وهي تلوّح لطرف الغروب الذي يُضيء وجهَها من بعيد، ستقبض على أيّامها هذه المرّة من العنق، وستُعيدُ تنسيقَها كمزرعةِ زهر صغيرة يشتهيها كلُّ مَنْ تقَع رعشتُه عليها، والأهم أنّها ستبقى في عكا.

ستُصادرُ بيتَه،

كَمْ ستفي بوعدها هذا؟

لا أحدَ يعرف ولا هي كيف ستبقى على ولاء مستحيل كهذا لتركيبة مزاج يُشبهها، لكنّها ستفعل. في قرارة قناعاتها تعرف أنّه سبيلها الوحيد للنّجاة من نفسها ومن خيبات أمل لم تُخبّئ أسماءَها في رزنامة أيامها الذّاهبة. (برواز عشق ص29)

زيارة غسّان الوحيدة

أكثرُ من أسبوعين مَرَّا ولا تسمع عن غسان، ولا يصلها منه خبر، إعلان الجيش الإسرائيلي عن بدء الهدنة في الخامس من آب شحنها ببعض الأمل أنْ يأتي وتراه.

وبالفعل فاجأها غسان، وطرَق البابَ في ليل السابع من آب. ولكنّ السّاعات السّعيدة تمرّ سريعة، وجاءت ساعةُ الفراق بانتهاء الهدنة، وابتعدَ غسان، ونشوة تتساءل:

-ترى هل سيعود كي تحبسَ إصبعَه وتصيرَ امرأتَه على الورق أيضا؟

وحارت بين مَوقفَيه المُتناقضين، فهو لم يكشف لها عن خاتم الزواج الفضيّ الذي كان اشتراه لها من أوّل صائغ صادفه فَوْر وصَلَ غزّة. (برواز شوق ص72) وهو كان قد هيّأ السريرَ لغسّان الصغير كما طلبت منه في رسالتها، وأراها السريرَ الجميل الفَخمَ ممّا جعلها تقول له:

-أتحَفَتْني أُبُوّتُك يا غسان.

وتأكّدتْ أنّ غسان يعود إلى غزة مُرغما لكنْ راضيا بقلب مشطور: نصفُه في غرفة غسّان الصغير والنّصفُ الآخر يتحرّك بانفعالاته. (برواز شوق ص75)

وطالت الأيام حتى جاءها الخبر الحزين

ومرّت الشهور، ووُلد غسانُ الصغير وعادت به أمُّه نشوة إلى بيت والديها لترعاه برفقة أمّها وشقيقتها، وبعد شهرين قرَّرت العودةَ إلى بيتها – بيت غسان في عكا.

ووصلها خبرٌ أنّ غسّان اختُطف في غزة يوم 15.8.2014. ثم وصلتها رسالة بتاريخ 17.9.2014 أنّ غسّان هُرِّب خارج غزة وأنه الآن في مأمن (برواز شوق ص240) ووصلتها رسالة بتاريخ 29.10.2015 تقول لها: جهِّزي حقيبتك وطفلك للسفر للقاء زوجك (ص329) وبينما كانت تُعِدُّ قهوة المساء يوم 27.4.2016 جاءتها رسالة من المُشرف على حرس الرئاسة بترتيب زيارة لها ولطفلها إلى لقاء غسان، وأنّ سيارة ستكون يوم 1.5.2016 بانتظارهما أمام البيت الساعة الخامسة صباحا لتُقلّهما. (برواز شوق ص343)

وبالفعل أخذتهما السيارة في الموعد، وانتقلا إلى رام الله ثم إلى عمان ومنها إلى إسطنبول ثم مباشرة إلى بودروم في تركيا. وهناك في المصح الموجود فيه غسان عرفتْ حالتَه الصّحيّة. فمنذ دخل المصح يوم 16.8.2014 وهو يعاني من ارتجاج في الدماغ، يُعالَج منذ ما يزيد عن سنة وستة أشهر.

وقبل أن تلتقي بغسان هيَّأتها الممرضةُ إلى حالته الصحيّة وبأنّه فاقد للذاكرة. وأنَّ احضارَها وابنها بهدف مساعدته في استعادة ذاكرته.

ورأته وهو يتقدّم منها. مدّت يدَها:

- كيفَك غسّان؟ حضرتُ من عكا للاطمئنان عليك.

- أهلا سيدتي. سعيد برؤيتك. كأنّي أُشَبّهكِ بامرأة أعرفُها.

- نشوة يا غسان، وذاك طفلي.

وقف غسان الصغير أمام والده مُندهشا بداية، ثم رمى جسدَه في حضنه: بابا.. بابا وعشّش في ملابسه. (ص356)

حاولت نشوة بكل ما تملكُ أنْ توقظَ ذاكرةَ غسان، ولكنّها فشلت.

واعتذر غسان منها، وودّع الصغير بقُبلات كثيرة، وغادر باتجاه الفندق مَصحوبا بمُرافقه.

لكنّ الذاكرةَ كما يبدو بدأت تستيقظُ اذ ترك غرفتَه ونزل درجَ الفندق مُسرعا كي يشتري الكستناء وهو يجهل أنَّ قنبلة موقوتة وُضِعَت في غرفته.

ورنّ هاتف نشوة ليخبرَها الصوتُ أنّ انفجارا رهيبا أشعل غرفة غسان.

وإذ عاد غسان إلى الفندق فوجئ بازدحام قاعة الاستقبال بالحرَس والشرطة. تقدّم منه المسؤولُ الأمني وأبلغه أنّ جسما مَشبوها انفجر في غرفته.

وعاودته الذاكرة بصورة أكبر.

غبَشٌ خفيفٌ أعقبه جلاءٌ واضح للرؤية،

أين رأى كلَ هذا الحرس قبل الآن؟

وتجلّت غزة بتفاصيلها المُشوّشة. بزّات أمْن وعسكر، رشقات صاروخية، أجساد تسقط، دم يصبغ المشهد، وحوارات تتسعُ ويرتفعُ لغَطُها، تقارير ورق يتطاير في الذاكرة؟

ترك الفندق بجَلَبة نُزلائه وخرج. يتذكر الوجهَ والبَدَنَ والنَّشوة وطيفَ المرأة التي يُصغي لهَمْس غُنجها. (ص374)

عودة للبداية

نشوة التي عرفناها في "امرأة الرسالة" شابّة مُتحرّرة من كلّ القيود، الأُسَريّة والعائليّة والمُجتمعيّة والدينيّة، مُنغمسة في الحبّ، عاشقة للرجل حدّ الوَلَه والجنون، همُّها الوحيد وانشغالُها أنْ تأسرَ رجُلَها في قيود لا يُمْكنُه التّحرّرَ منها، غيرُها التي نلقاها في "برواز عشق"، امرأة عركتها تجاربُها في الحياة، وتنقُّلاتُها في الأمكنة، والسنواتُ التي قضتها تبحثُ عن مَرفأ الأمان الذي تحلُمُ به ولا تجده. امرأة حدّدت هدفَها، ورسمتْ خطَّتَها، وعملت بجدِّ واستمراريّة.

وكانت خطوتُها الأولى في تلك الليلة التي فاجأت بها حبيبَها غسان وامتلكته ليلة كاملة لتَحملَ منه وتُقَيِّده إليها، والخطوةُ الثانية بعد ظهور بوادر الحَمْل كانت بالرّحيل عن مدينة لندن وكلّ إغراءاتها، والعودة للوطن وعكا وحبيبها غسّان لتُقيمَ البيتَ الهادئ الآمنَ الذي طالما حَلُمَت به.

ورغم المفاجآت والانتكاسات التي واجهتها من غياب غسّان بعيدا عنها في غزة، وحياتها وحيدة تنتظر مولودَها المُتحفِّزَ في رحمها، باكيةً حظّه التّعس ببُعد والده عنه، إلّا أنّها تحدّت الواقعَ وتمسكّت بالأمل ورضيت بحظّها في تربية مولودها الصغير غسّان، وبانتظار حبيبها ووالد ابنها غسان.

وكانت في كثير من الأوقات تنساقُ وراء أحلامها الكبيرة التي كانت، وتعود إلى أيام صِغَرِها عندما كانت تُقلّدُ الملكات والنَّبْش في أسرار عَوالمهن وتفترض أنّها تُشبههن. فكثيرا ما كانت ترى نفسها سلطانة كما السلطانة بيدار الشركسية زوجة السلطان عبد الحميد الثاني الذي عشقته عشقا غرائبيّا. (برواز عشق ص31-32) أو السلطانة روكسيلانا زوجة السلطان سليمان. وكان غسّان أحيانا يُجاريها في تخيّلاتها ويحضنُها ويخاطبُها قائلا:

-ها قد وصلنا يا روكسيلانا الأميرة.

فتفرح وتشعر أنّها السلطانة وأنّ غسان السلطان سليمان(ص189). حتى أنّها ذات يوم صدّقت وغسّان يُسمّيها سلطانه بأنّها سلطانة فعلا. (برواز عشق ص320)

لقد طغت على شخصية نشوة في "امرأة الرسالة" صورة الفتاة الطائشة اللاهثة وراء الحبّ والجنس والتّحرّر من كلّ القيود المُتَعارف عليها، وانمحت حقيقةٌ ثانية ومهمّة في شخصية نشوة الفتاة المتعلمة المثقفة والفنّانة المُبدعة المُتميّزة التي تُحبُّ الشعر وتستمعُ إلى الأغاني الغربية والعبرية وتخصّ المُغنيةَ المهمّة في البلاد ريتا التي كانت أغانيها هي المُرافقة لها والمُفضَّلَة عندها.

وكما "نشوة" أيضا غسان الذي عرفناه في امرأة الرسالة فنانا متألقا وشابا وسيما يسبي الفتيات حتى كان واتُّهم بمساعدة فلسطيني أدخله إلى مدينة عكا ممّا سبّب له ذلك دخول السجن لمدّة خمس سنوات كانت كافيةً لصَقل شخصيته ليكونَ مُنتبها لهموم شعبه وقضيّته الرئيسية في التّحرر، الأمر الذي دفعه لينضم لفريق الصحافيين في غزة لينقل للعالم ما يجري هناك من جرائم ومآس، وكتب في الرسالة التي تركها لنشوة مُعَلّلا سبب عدم انتظاره لها "التحقتُ بجبهة غزة، رافقت وفدا صحفيّا خرج من المنارة مساء الإثنين 21 يوليو 2014، بعد أن أنهكني انتظارك لتوثيق ما يجري هناك، في ظلّ هجمة التتار، صوتا وصورة، وحركة. واحدة من لوثات الضمير التي تُحاسبني على إثم صمتي بعد خروجي من المعتقل. مهمّتي أن أُشعل العالمَ بجرائمهم، وأن أصوِّر مدافعَهم ودباباتهم وبطشهم وهي تلتهم الرصيف والشارع والزّقاق وتحصد أرواح الصغار والكبار" (برواز عشق ص24-25).

عملُه هذا جعله هدفا لمُطاردة جُند الاحتلال له ومضايقته، وأخيرا لاختطافه والتّسبّب في افقاده الذاكرة وانقطاعه عن كل سنوات ماضيه. كما صقلته التجاربُ ليعرفَ قيمةَ المرأة التي أحبّته فيعود إليها مُخلصا وفيّا يرى فيها عالمَه ووجودَه وإلهتَه.

الرسائل كانت صلة الوَصْل بين نشوة وغسّان

كان للرسائل دورٌ واضح في توطيد العلاقة وتقويتها بين نشوة وغسّان في "امرأة الرسالة" ولكنها في "برواز شوق" احتلّت الدَّورَ الأهمّ والبارز في الرَّبط بين الحبيبين. فالبُعدُ الفاصلُ بين غسان المُتواجد في غزة ونشوة المُقيمة في عكا مَحَته الرسائلُ التي كتبها الواحدُ للآخر. ومع إدراك كلّ منهما أنّ هذه الرسائلَ لن تصل، إلّا أنّ الإصرارَ على كتابتها ظلّ قويّا والعواطفَ المُتدفّقة من حروف كلماتها تطغى على كلّ المسافات التي تَحُول بين الحبيبَين. ومن خلال الرسائل اخترقنا المستورَ من أفكار وعواطف وأعمال وتحوّلات في شخصيّة ونفسية كلّ من غسان ونشوة.. فغسان الذي عرفناه فنانا مُتميزا يلهث وراء كلّ امرأة جميلة ولا يلتزم بحبٍّ لواحدة حتى زوجته أم ولدَيْه، نجده في رسالته التي تركها لنشوة لتقرأها ساعة حضورها للبيت في عكا بعد غربتها في لندن يؤكِّدُ على احساسه بالتزامه لوطنه وشعبه وقُدسيّة العمل الذي يقوم به، وعلى انتمائه وإخلاصه لبيته وزوجته نشوة وابنه غسان، وتَرْك عالم الطّيْش، واللهو، والعَبَث، واللامُبالاة.

ورغم أنّ نشوة لم تقتنع بكلمات غسان وتساءلت:

-أينقصُ عكا جبهاتُ قتال كي يشحنَ جسدَه ببطاريّات مُزيّفة إلى غزّة؟

اتّخذت قرارَها السّريع باحتلال بيت غسان والإقامة فيه. (ص33) إلّا أنّها من حيث لا تدري وتدري، بدأت تتفاعلُ مع أحداث غزة التي تُتابعها على شاشة التلفاز، وتشعر بالفخر والاعتزاز لمُتابعتها تقارير غسان وما تُلاقيه من صدى ورَواج وحقد ومُلاحقة، واللقاءات التي يُجريها مع أعداد كبيرة من الضحايا. وانطلقت شهرتُه من أرض غزة في وكالات الأخبار العربية والعالمية لتَمَيُّز التّقارير الصحفية التي ينشرها ومصداقيّتها، وأصبح اسمُه على الألسن وامتداد الشاشات. وكتبت له:

-" أيها الشاعرُ الجميل، يا سيّدَ حقلي وحَلقي، أيُّها المُقاتل الفاتن" (ص138-139)

وأخذت أحداثُ غزة وما يجري في الأراضي المحتلة تُشغلُ اهتمامَها وتزيدُ من تَعلّقها بغسان. وتدفعها للتفكير بالأمور الجادّة في الحياة، وتُقرّر مُتابعة دراستها العليا تاركة كلّ حياتها التي عاشتها في السنوات السابقة حيث كانت تندفعُ وراء عواطفها ورَغَباتها.

وحافظ غسان على كتابة الرسائل العديدة التي يبثُّها عُمْقَ حبّه لها، ومدى شوقه إليها ويسأل:

-"هل تستوعبُ هذه المدينةُ النّازفةُ أنّنا ننزفُ مثلَها تماما حين نأتي كي نضمّدَ جَرْحَها بكلّ ما أوتينا من دم ودمع؟" (ص261)

وكتب لها: قبل أنْ تخلُدي للنوم تَحَسَّسي رأسَ غسان الصّغير وقولي: والدُك يموت عليكَ.. الرجلُ الذي خربَش وجهَ العالم بخيانة بيضاء. (ص264)

وكانت هذه الكلمات آخرَ ما كتب لها غسان حيث اختُطِفَ وانقطعتْ أخبارُه.

نشوة نموذج للمرأة التي تُريدها رجاء بكرية وتعمل على تكوينها وصَقْلها بأبهى الصُّوَر

كانت المرأة وما تلْقاه من قيود وظلمِ المجتمع الذّكوريّ عبر العصور كلّها هي هاجس رجاء بكرية وقضيّتها التي خاضتها واجتهدت للانتصار فيها. وتعترفُ في حوار صحفي لها مع الدكتورة دوريت جوتسفيلد المُتخصّصة بالأدب النسوي في الرواية العربية أنّها "تناولت في كتاباتها الأولى ومجموعاتها القصصية نماذجَ نسائيّة عانت الكثيرَ من مرورها بتجاربَ عديدةٍ من العشق والخيانة والهَجر والقَهر والألم، وتُظهر قصورَ الرجل الشرقي والعربي تحديدا بعدم وصوله إلى حالة من التّماثل مع مشاريعه الوجوديّة والنّضوج الحسّي الذي يؤهله للتَّعامل مع المرأة الأنثى كشريك وليس كغريم. وكانت ترى "أنّ كلّ مَظاهر التحرّر والانفتاح في قاموس الرجل العربي ليست غيرَ صور كاريكاتوريّة لأزمَة الرجل الحقيقية. فهو مأزوم بعدَم قُدرته على التّكافؤ مع المرأة الأميّة لجَهلها ودونيّتها، والمُثقَّفة لقُوّتها وتهديدِها لتفَوّقِه الفكري. وعليه فإنّ المرأة تعيش القسطَ الأكبر من حياتها مشروع مُعاناة."

هذا الموقفُ الصرّيحُ والحادّ الذي عبّرت عنه رجاء بكرية في حوارها ظلّ يُوجّهها في إبداعاتها الروائيّة اللاحقة وخاصة في "امرأة الرسالة" ويتواصل في "برواز عشق" حيث تناولت كما تقول: " المَرايا الكثيرة التي ترى المرأةُ إلى نفسها من خلالها: في السياسة، الحبّ، الأسرة، ومع الآخر. وكانت تهجس بالرجل كغريم وحبيب لأنه يستطيع أن يُمارس الإثنين معا".

ونشوة التي عرفناها في "امرأة الرسالة" كما في "برواز عشق" عشِقَتْ وعشقَها الكثيرون، خانَها من أحبّت وقابلته بخيانتِه مع غيره.

لكنّ المرأة كما تقول الكاتبة رجاء بكرية " لا تتحمّلُ خيانةَ الرجل الذي أحبّت وعشقت فتنكسر أنوثتُها وتُشوّهُ فتنتُها وتشعر بالهزيمة فتهرب، ولكنْ لا لتستسلمَ لهزيمتها وهروبها وإنّما لتعودَ أكثرَ شراسةً وحنكةً ورغبةً في مُواجهة حبيبها الذي خانها لتقهرَه وتهزمَه وتؤكّدَ انتصارَها عليه".

هذه هي المرأة التي أرادتها رجاء بكرية مُتجسّدةً في نشوة، بطلة وراوية "امرأة الرسالة" و "برواز عشق".

وحتى تُؤكّدَ قُدرةَ المرأة على الانتصار في معاركها ضدّ الرجل والمجتمع، وأنّها سيّدةُ المَقام وصاحبةُ القُدرة على التّحكّم بفكر وعواطف وتصرّفات الرجل، وبلْوَرَت الواقع المَعيش على الشَّكْل الذي تُريد، عملت الكاتبةُ رجاء بكرية على احتجاز كلّ شخصيات "امرأة الرسالة" و "برواز عشق" في شخصية واحدة، هي بطلة الروايتين، وهي الرّاوية الوحيدة التي تروي ما كان من أحداث، وما كان دور كل شخصية في الرواية، وماذا قالت، ولا نتعرّف على أيِّ من الشخصيّات إلّا من خلال تقديم نشوة لها وما تسمحُ به.

وإذا كانت في "امرأة الرسالة" تركزّت كلُّ هموم ومَشاغل وتفكير نشوة في علاقتها بغسّان، حتى أنّها في علاقاتها الأخرى بكاظم ووائل كانت نتيجةً لفشلها وانتكاساتها العاطفية مع غسان ممّا جعل الروايةَ تفتقرُ للأحداث التي كانت قد تُخرجُ القارئَ من قَوقعة الحبّ وأجوائه إلى واقع الحياة المَعيشة. وهذا الافتقارُ للأحداث التي تُبْعدُ الروتينَ السّردي وتُعطي للرواية حيويّةً هو الذي دفع الرّاوية لتكتفي بالتّعبير عن أحاسيسها تجاه كلّ ما يحيط بها وتكون له علاقة بها من شخصيات وأمكنة ممّا جعل لغةَ الرواية شاعريةً مُكثّفة تُعبّر عن أحاسيس الشخصيات وعلاقاتها مع كلّ ما يُحيط بها ممّا يجعل القارئ لا شعوريّا يجد نفسَه مُنساقا مع لغة الرّاوية وجماليّتها وملامستها للأحاسيس الإنسانية العميقة وكأنّها تتحدثُ إليه فيَتَماهى معها ويُحَلّقُ في عالمها الذي قد يأملُ أنْ يكونَ عالمَه الذي يشدُّه للفرح والسّعادة والهدوء والشّعور بالأمان.

والكاتبة رجاء بكرية تُؤكِّدُ أنّها تهتمُّ بلغتها واختيار مُفرداتها وسَبْكها وتراكيب جُمَلها وعباراتها وبإيقاع حروفها وتَناسُقِ الكلمات ورسم الصّور وابتكارها وطَرْح الأفكار والمواقف، وبخَلْق عوالم تأخذ بالقارئ ليُحَلِّقَ معها إلى عالم سحريّ يتمنّى لو يظلُّ مُقيما فيه.

وهي تؤكّد في مقابلتها: أنّها لا تُعير اهتمامَها لما يقوله النُّقّاد، وتعتبرُ النَّصَ هو مَنْ يكسرُ الحواجزَ بينه وبين القراء، والنَّصُّ الجيّد يعرف كيف يشقُّ طريقَه إلى القراء. وتعترف قائلة: "صحيح بأنّ لغتي غير عاديّة وتجنح إلى الشِّعْر، لكنّ شِعْرَها غيرُ عاديّ أيضا. عالمُها يأخذ إلى أمكنة غير مُكتَشفَة، أحاول أنْ أكتشفَها على طريقتي. اللغة أحيانا مكثّفة لكنّني أتوخى من القارئ الإحساسَ بالمَضامين وليس البحث فيها. أعمالي مشاريعُ مُتعة وتحليقٌ وانخلابٌ بعوالمَ لن يذهبَ إليها قارئي مع سواي."

انحصار الزمن في "برواز شوق"

تنقَّلْنا في الزمن المُنفتح مع "امرأة الرسالة" على مَدار سنوات نرصد تنقلاتها وصداقاتها ومُغامراتها، وأخذتنا إلى مختلف المدن والأماكن غير مُعيرة أيَّ اهتمام للزمن المُتسارع وللسنوات التي تمرّ ، وعلى ثقة أنّها قادرة على القبض على عنق الزمن وإخضاعه لإرادتها كما فعلت يوم قرّرت وضعَ حدّ لمُطاردتها غسّان وخوفها على خسارته وسط الفتيات العديدات المُغريات له بأن قرّرت الحَجر َعليه، فحدّدت الزمان والمكان لربط غسان إليها بالسفر إليه من لندن إلى عكا لقضاء ليلة حميميّة تُعلِّقُه بها في مدة لا تزيد عن التسعة أشهر ليكون حبيسَها ووالد ابنها وزوجها الذي ليس له غيرها.

بينما نرى الزمن في "برواز شوق" ينحسر في مدّة لا تزيد عن السنتين من يوم وصول نشوة من لندن يوم 21 يوليو 2014 إلى بيت غسّان في مدينة عكا حتى أواخر شهر إبريل 2016.

وكما الزمن أيضا الأمكنة في "برواز شوق" انحصرت في مكان واحد هو مدينة عكا وبيت غسان..

نشوة وتعلّقها بالأمكنة كما الشخصيّات

أهدت نشوة روايتَها "امرأة الرسالة" إلى مدينة عكا ومن ثم لحبيبها غسان. الواحدُ منهما يُكَمّل الآخر، فلا يكتملُ غسان بدون عكا، ولا تكونُ عكا بكامل قُدسيّتها وكمالها بدون غسّان.

وعلى المُغلَّف الذي حمل رسالةَ نشوة إلى غسان واختتمَت بها "امرأة الرسالة" حفرت نشوة اسمَ "عكا" واضحا كموج قلب كأنّه آخر مَلجأ للذّاكرة من السّلب، وللحبّ من الفَقد. (ص366)، واهتمّت أن تربط غسّان إليها رباطا أبديا بمُضاجعتها له في عكا حتى يُتَوَّجَ هذا الرباط المُقدس بين الثلاثي المُتكامل: غسان الحبيب وغسان الصغير ونشوة، وتكون عكا الحاضنةَ لهم أُمّا رؤوما ومَهْدا أمينا وبيتا دافئا.

وفي إهدائها روايتها "برواز عشق" لغزة وغسان في بداية روايتها، كتبت:

"للمدن أسماءٌ كثيرة، لكنّها لا تُشبه عكّا في ذاكرتها..

وتساءلت: تُرى مَن يُعلِّق الآخرَ على بابه، القلبُ أم الذّاكرة حين تكون عكا كلّ الأسماء التي أعرفُها؟" وختمت رسالتها ب "إلى غزّة وإليكَ.." ووقّعت "نشوة التي لكَ"

واختتمت رواية "برواز عشق" ب "يتذكّرُ الوجهَ والبدَنَ والنَّشْوةَ، ويصهلُ الليلُ في قلبه ويخفق كأوّل مرّة أخذتهما عكّا لأوّل فنجان قهوة.. كانت يومها أخفَّ من حُزمة ضوء، داخل برواز عشق تتناثرُ وتلمعُ." (ص474)

وذكرت في روايتيها مدينة عمّان "مدينة جميلة دائما. غامضة الأحاسيس، نكرة ومعرّفة. مسائيّة الطّالع وليلها بارد. مدينة تحبّ أن تنثر رائحة أماكنها على زوّارها في أيّامهم الأخيرة بين مقاهيها. (امرأة الرسالة ص57) دون أن تتوقف عندها لأنها لم تترك ذكريات ومغامرات عاشتها فيها.

ومدينة رام الله حيث قضت فترة من شبابها مع وائل، وذكرت حيفا حيث وُلدَت، ويافا المدينة التي أحبَّت ولها فيها الذكرياتُ الكثيرة مع غسّان وغيره،

وذكرت مدينة بغداد بلدة كاظم الذي أطفأت معه غضبَها وحقدها من غسان بصداقتهِ الحميمة ومحاولة قبولهِ كحكاية مُحتملّة في مدينة لندن التي كانت تجدُ فيها الملجأ عندما تضيق بها الحياة في عكا فتهرب إليها والى كاظم.

ومدينة غزة التي نفرت منها عندما صدمتها في يوم وصولها عائدة إلى عكا وغسان بأنْ أخذت غسان منها إليها، لكنّها سرعان ما عشقت غزة وتابعت أخبارَها وخطّطت للعبور إليها رغم المخاطر إلى أن اختُطف غسّان فيها وفُقِدَت آثارُه.

هذه المدن والمواقع لم تكن مجرّدَ أسماء وإنّما مَثارَ أحاسيس وأشواق وذكريات عاشتها نشوة مع أعزّ النّاس عليها. ففي رام الله عاشت فترة شبابها الأولى مع وائل الذي أحبّها، ولكنه لم يملك الجرأة لمُصارحتها، وهي اكتفت بصداقته وحبّه لها دون أنْ تبادلَه مَشاعرَ الحبّ التي لم تشعر بها حتى هرب منها إلى الكويت، فعمل وتزوج وبدأ حياة جديدة.

وفي لندن تعرّفت على كاظم العراقي المُناضل الذي هرب من ظلم الحاكم في بلده فتعلّق بنشوة وأحبّها بقوّة، ولكنها اكتفت منه بالصداقة والأفكار الوطنية التّحرريّة والدّفء والرعاية والأمان وظلّ قلبُها يحمل شوقَه وأحاسيسَه للحبيب البعيد غسان.

وعكا سيّدةُ المدن وأمّ الدنيا وموئلُ الأحلام هي مدينةُ غسان حبيبها "رجل لأساطير لا تُحكى، بل تُعاش، تُعاش كي يرتوي منها الجسد، في كلّ خطّ خطوة، وتحت كلّ خطوة شعلة. كم شعلة دسّ بها كي تظلّ مُتّقدةً به كلّ هذا الزمن!" (امرأة الرسالة 306)

فهذه المدن التي عاشت نشوة فيها وتنقلّت لم تكن مجرد أماكن جامدة وظيفتُها تتحدّد في توفير المكان الجغرافي لنشوة وإنما أماكن عاشت فيها ولها فيها ذكريات وأحلام وساهمت في تبلور وجدانها ومشاعرها وتفكيرها وتطلعاتها التي أمِلَت فيها. وقيمة هذه المدن كانت نتيجة لتلك العلاقات التي ربطت نشوة بمَن صادقت وأحبّت، وكانت هذه الأماكن شريكة لها ومظلّتها الأمينة، حافظة اللحظات والمشاعر والكلمات والحركات والتطلّعات التي كانت لها مع مَن صادقت وعاشت وأحبّت، وهكذا خرجت مدينة عمان من دائرة اهتمامها وذكرياتها لأنها لم تترك فيها أثرا وذكرى، ولم تجد من تُصادق أو تحبّ، وكانت مجرّد محطة مؤقتة لفترة زمنيّة عبرت وكأنّها لم تكن. ومدينة غزة التي خطفت منها حبيبَها غسان رغم ما أضمرته من غضب تجاهها ورفض لتقبّلها استطاعت أنْ تحتل تفكيرَ وهواجسَ وتعاطف وانحياز نشوة الكلّي لها، رغم أنها لم تزرها ولم تعش فيها ، ولكن وجود غسان فيها وتتبّعها لمجريات الأحداث اليومية التي تعيشها جعلتها تصبح جزءا منها مندمجة بكل أحداثها وناسها ورملها وبحرها وسمائها حتى أنها عملت على التّحوّل الكبير في شخصية نشوة وتفكيرها وهمومها وأسلوب حياتها وفي طريقة رؤيتها للعالم والعلاقات بين الشعوب والمواقف المُتغيرة في مختلف القضايا، والأهم في علاقاتها بغسان ووقوفها إلى جانبه وانتظارها الطويل له.

وكانت غزّة وكانت نشوة

كانت عكا مدينة نشوة الأثيرة، فهي التي يسكنها حبيبها غسان، وهي المدينة التي تجد فيها جذورَها وتاريخَها، وعكا هي التي تحدّت الغُزاة وقهرتهم وردّتهم عن أسوارها، وبحر عكا السّاحر كأهل عكا الذين لا مثيل لهم. عكا أينما سافرت وابتعدت تظلّ تلحق بها وتلازمها كظلها وإذا ما طالت سفرتُها وعادت تشعر أنّها تعود للجنّة التي لم تُفارقها أبدا.

ثم مدينة غزة التي سرقت من نشوة حبيبَها غسّان وأخذته إليها ليكونَ راوي حكاياتها وأيام نضالاتها، غزة التي واجهت جيشَ الاحتلال، ولاقت منه الأمَرَّين من القتل، والتّهجير، والتّدمير، والتّجويع. غزة التي قلبت حياةَ وفكرَ وإيمانَ نشوة، وحوّلتها من امرأة تهتمُّ بذاتها وقلبها وأحبائها وعالمها المُحيط بها لتُتابعَ كلّ مجريات أحداث غزة وأهلها، ولا تستطيع الصَّمتَ على ما ترى أمامها على شاشة التلفزيون، وتسمع تقاريرَ الصحفيين وفي مقدمتهم غسان وهم ينقلون من قلب غزة ما تشيبُ منه الرؤوسُ وتتمزّقُ القلوبُ وتتفجّر الأحقادُ فتصرخ في وحدتها:

-أفلا يشبعون من شراستهم في الحَرق والذبح والقتل العشوائي؟

غزّة.. غزّةٌ حقيقيّة في حَلْق العرب كلّ العرب الذين خرجوا الآن بألوفهم للتّظاهر. ويُطالبون حكوماتهم بوقف مسلسل الدّمار والمذابح.

وتتهمُ الحكّام العرب بأنّهم كما تعوّدناهم يكتفون باستنكار أعمال القتل فتشتدّ المظاهراتُ ويضطر القادةُ على استنكار ما يقترفُ جيشُ الاحتلال من أعمال رهيبة، ويصل الذّبحُ للرُّكب وازدادت الزّعاماتُ العربية استنكارا وغوصا في وَحْل هزائمها وقلّة حيلتها وزحفت إلى مجلس الأمن تشكو. (ص53)

ويظلّ السؤال يتردّد.. والتّوقّعُ يزداد يقينا

هل وصلت علاقة نشوة بغسّان إلى نهايتها التي لم يتوقعها أيّ منهما؟

وهل تقنعُ نشوة بأنّها تحضنُ غسّان الصغيرَ في بيت غسّان الكبير الأب، غسّان عِشْقُ حياتها وحُلْمُها الوحيدُ الطّويل؟

هل تقنع نشوة بتَرْك غسّانها، أملِ حياتها، أن يبقى بعيدا عنها وعن غسّانهما الصغير، يتخبّط وحده في غَبَش الماضي القريب البعيد؟

أم تأخذُه إليها وترعاه برموش عينيها في بيتهما، وتُساعده على استعادة ذاكرته ليعيشا الحياة التي عملت كلّ جهدها لتحقيقها، فيبدآن حياة جديدة ومعهما غسّان الصغير الذي سيكبُر وسطهما ويكون حلقة وصل وربط بين والديه؟

قصة نشوة وغسان لم تكتمل بعد، تبقى الحلقة الأخيرة.

رجاء بكرية لن تترك قارئها في تساؤله العالي: وماذا بعد؟

ولكنها قد تُفاجئ، وتدعُنا في تساؤلنا.. نحن لنرسِمَ باقي الحكاية ونضعَ لها النّهايةَ التي نُريد، وتبقى هي في جنّتها التي خلقتها، تتقمَّصُ شخصية السلطانة روكسيلانا، تتيه بخيلائها وتنتظر رسائل حبيبها السلطان سليمان بتجسّده في غسّانها الحبيب.. ترقص وتُغني مع مغنيتها المُفضلة ريتا، وتُحلِّق مع فيروز، وتستعيدُ كلمات الشاعر الذي لم تعرف اسمَه بصوت غسان يُردّدها:

لستِ وردةً

ولهذا أخافُ عليكِ

من الشِّعر والكيمياء

وأخافُ عليكِ من البحر أيضا

لأنّ البحارَ تحبُّ الوُضوحَ.

وأنتِ مُلَغّمة كحكاية جدّة!

ونحن ننتظر.. هل سنحظى بجزء ثالث من قصّة نشوة وغسّان؟؟

عند رجاء بكرية يكون الجواب.

***

د. نبيه القاسم

 

"معول أبي الذهبي"

تمهيد: يتميز هذا الديوان بناستولجيا الماضي والنظرة المتمعنة إليه لإنقاذ الحاضر والمستقبل! كل هذا يبدو من خلال أسماء حضارية وميثيولوجية ضاربة في القِدم، ذات دلالات عميقة: جلجامش ورفيق سفره إلى لبنان اوتونابشتم (صاحب العمر الطويل) وآلهة الخصب تموز، ومردوخ (سيد النور أو الوضوح) وعشتار إلهة الخصب وقابيل وهابيل ورُسل مثل "عيسى بن مريم" والرسول العربي "محمد الهاشمي"!

يُعبّرُ السينمائي والشاعر العراقي محمد توفيق عن إحساساته من خلال نظراته، فهو حقّاً كما قال عنه زميله ومجايله المخرج المسرحي د. فاضل السوداني في مقدمته لهذا الديوان "...فالإيقاع الداخلي في هذه القصائد نابع من تكرار الصور التي تؤكد على بصرية الرؤية الواقعية-الحلمية لأن الشاعر يمتلك بصيرة المخرج السينمائي...". مقدمة الديوان، ص 11

درسَ محمد توفيق الإخراج والتمثيل في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وحازت أفلامه الروائية القصيرة والوثائقية التي تعدت الثلاثين على عدّة جوائز في مهرجانات عربية ودولية.

كتب مقالاتٍ وبحوثاً عن الفن السينمائي، وشارك في المهرجانات العربية والعالمية كمخرج وناقد سينمائي. عضو اتحاد المخرجين السينمائيين الدنماركيين وعدة نقابات دولية وعراقية أخرى.2946 ALAWI

صدر له كتاب "محطات الانتظار" تضمن ثلاثة نصوص سينمائية، فضلاً عن أربعة مجاميع شعرية: "مرايا الوجع"، "القلب محيطك"، "عطر كهولتي" و"تناهيد النوارس"! وكما نلاحظ من العناوين أنها تعتمد على الإحساسات الإنسانية والتجربة الخاصة والبصر.

 أما ديوانه "معول أبي الذهبي" فقد صدر عن دار ميزر للنشر والتوزيع السويدية سنة 2025، وبعنوان فرعي: "نصوص شعرية". 

يضم هذا الديوان (112 صفحة) نصوصاً شعرية تتمحور حول الغربة الحقيقية بعيداً عن الأهل والديار والوطن، والوحدة والحنين والذكريات والمشاعر، وموضوعات إنسانية ووجودية ترتبط بمراحل العمر المختلفة: الطفولة، والشباب، والكهولة، مع حضور واضح للذاكرة والتأمل في التجارب الشخصية.

أحاول هنا التقاط الصور والرموز الشعرية، وقراءة النص وفق نظرية "الحوارية" وتعدد الأصوات، وبيان الموضوعات الرئيسة والبنية الدلالية للنص.

عنوان الديوان نفسه، "معول أبي الذهبي" يحمل دلالة رمزية لافتة، تستحق الإشارة إليها فـ"المعول" أداة حفر، يوحي باستحضار المعيل، أو صورة الأب بوصفه حاميَ الحمى وربَّ العائلة، صانعَ الحياة والذاكرة، ورمزَ الكفاح والعمل، وهي ثيمة مألوفة في الشعر والنثر المكرّس لسيرة الأسرة والأصالة.

فالمعول: رمز لحفر الأرض والذاكرة. والأب هنا لا يقتصر على كونه مجرد شخصية فردية، بل إنه رمز الأصالة والتجربة الأولى. أمّا الذهبي، فهو لون يوحي بقيمته العالية ونقائه وثرائه المعنوي أولاً والمادي ثانياً.

لذلك يمكن فهم العنوان على أنه استعارة عن تأثير (أو إرث) الأب على الابن (الشاعر) معنويّاً ونفسيّاً، المتجذّر في تجاربه وذاكرته الروحية التي لا تقدر بثمن. وقد لاحظت هذه الموضوعة في روايات عراقية درستها سابقاً مثل "المخاض" للراحل غائب طعمه فرمان و"نافذة العنكبوت" و"نزوة الموتى" لشاكر نوري.

وعند تسليط الضوء على قصائد الديوان لا بدّ لنا هنا من تذكّر قراءة عنوانه نقدياً وتحليل رموزه، وعرض موضوعاته الرئيسة.

وهكذا، يمكن قراءة ديوان "معول أبي الذهبي" باعتباره رحلةً شعريةً في الذاكرة الإنسانية، من الطفولة إلى الشيخوخة، من خلال استحضار رمز المنشأ والجذور والهوية والانتماء: الوالد!

الموضوعات الرئيسة: ولهذا، يمكن بسهولة لمس موضوعات متنوعة في هذا الديوان مثل الطفولة واستعادة بدايات الانطباعات والتجارب والفقد والغياب والحب في عمر الشباب وأحلامه، حتى الكهولة حيث يتأمل الإنسانُ الشاعرُ الآخرين وتجربته الذاتية، كأنه ينظر إليها من الضفة الأخرى.

ولا ننسى هنا الإشارة إلى الشيخوخة كما ذكرنا، والزمن كعامل مهم في فهم النص والجملة الشعرية، حيث تلعب الذكريات والحنين كمفاهيم، دوراً هامّا في إيقاع المفردة، وليس كإحساسات عاديّة أو لقطات بَصَرية لا غير! والإفصاح عن المشاعر الإنسانية المتنوعة بين الفرح والأسى في هذه القصائد ينساب كمياه رقراقةٍ في ساقيةٍ تشق بستاناً ينبض بالحياة الهادئة. 

الأسلوب: يغلبُ على أسلوب الديوان تأمّلٌ إنسانيٌّ يجعل من إحساساته الشخصية مدخلاً إلى معنى إنساني أوسع، مستخدماً رمزية الأشياء اليومية (مثل المعول) وتحويلها إلى مفاهيم وجدانية، واستحضار الذاكرة بوصفها فضاءً شعرياً رئيساً والحوار مع الزمن من خلال الانتقال بين مراحل العمر المختلفة.

معول ابي يقين التراب

سليل الطبيعة

يمتد من اقصى الشمس

إلى قلب القمر (معول أبي، ص 15)

لوحات امي:

قلب امي ضفتا نهر

روحها شجرة توت وارفة

تدندن امي بشجن

وهي تسجر التنور فجراً (لوحات أمي، ص 64)

أبجديات:

الصخرة على قارعة الطريق

تعلمني لغة الصمت

الطير يهديني حنجرته الذهبية

الشجر يسلمني لونه الربيعي....

**

وأنا الآن أمام مرآة نفسي

أتهجّى الحروف الاولى

لأبجدية الحياة (أبجديات، ص 99)

لا نزل هناك

 لا نزل في تلعفر

قلوب الناس فيها منازل

أسطحهم في حمّارة الصيف أفرشة للضيوف

وفي قر الشتاء

لهم دفء القلوب مشاعل (لا نزل هناك، ص 103)

قراءة باختينية: وأحاول هنا قراءة بعض النصوص الشعرية وفق أفكار باختين من خلال استخدام تجربتي المتواضعة في تحليل الأسلوب الروائي اعتماداً على منهجه، أو السردية الشعرية. فإذا قرأناه بمنظور م. باختين، فإن صوت الشاعر لا يبقى منفرداً تماماً، بل يتحاور مع أصوات أخرى: صوت الأب وصوت الطفولة وصوت الذاكرة وصوت الحاضر الذي يعيد تفسير الماضي وترتيبه.

وهذا ما يمكن تسميته بـ"الحوارية الشعرية" حيث تتحول القصيدة إلى لقاء الأزمنة والتجارب المتعددة داخل "مشغل" الذات الإبداعية على حد تعبير عالم الأدب الروسي السوفييتي خرابتشينكو.

قد يحالف الحظُّ القارئ المتفاعلَ في التقاط بعض الصور أو الإيحاءات من نصوص الديوان نفسه، لتقديم تحليلٍ أدقّ للقصيدة، أو "قراءة باختينية" لها من خلال فكرة "الأصوات" رغم صعوبتها.

إذا نظرنا إلى النص من هذه الزاوية، فإن الحوارية لا تتجسد في "تعدد الأصوات" فحسبُ، بل أيضاً في توتّر صوتين أساسيّين: صوت واقع مؤلم لا يصرّح به الشاعر، وصوت رؤيا يواجِهُه (الواقع)، لكن ليس على الضد منه.

فحين يحلم الشاعر بوطن "سامق" وشعب "سمح كريم"' فإن النص يفترض وجود نقص أو غياب لهذه القيم في الواقع، وهكذا ينشأ حوار غير معلن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

فالقصيدة هنا تنتمي أحياناً إلى ما يمكن تسميته شعر اليوتوبيا الإنسانية؛ فهي لا تبني عالمها على البطولة الفردية أو الصراع، بل على قيم بسيطة، لكنها عميقة في الوقت ذاته: الحب، الأسرة، الجوار، الجمال، والكرم.

ومن خلال هذا التراكم تتحول كلمة "أحلم" من فعل شخصي إلى رؤية أخلاقية جماعية تبحث عن مستقبل أفضل للذات والآخرين (الوطن والشعب! الكل)!

لنتذكر، أنه منذ أن صاغ الفيلسوف والكاتب الإنجليزي توماس مور مصطلح "يوتوبيا" في القرن السادس عشر، ظل حلم المجتمع المثالي واحدا من أكثر الأحلام الفكرية إغراء وإثارة للجدل في تاريخ البشرية.

البعد البنائي: لا يقتصر تكرار الفعل المضارع "أحلم" على كونه لازمة إيقاعية، بل يؤدي وظيفة بنائية، إذ يقسم النص إلى وحدات متتالية، تمثل كل واحدة منها حلقة ضمن بناء عالم مستقبلي منشود، فالحلم هنا ليس فكرة عابرة، بل مشروع وجودي يتشكل تدريجياً.

دلالة التدرج المكاني والإنساني: يتحرك النص هنا عبر دوائر متسعة مثل: المرأة كرمز الحياة والعلاقة الإنسانية الحميمة! والطفلة: (استمرارية الحياة)، والمنزل – الوطن: (أمان المأوى)، والحديقة: (الخضرة، وجمال الطبيعة) والأهل والجيران: (العلاقات المجتمعية والاجتماعية) والوطن: (الفضاء الجمعي الأعلى)، وهذا التدرج يمنح القصيدة وحدة عضوية واضحة، فالصورة تمهد لما بعدها.

مفردات القصيدة وزمانها: ينتمي معجم القصيدة إلى حقل دلالي واحد: هو حقل الحياة الجميل وخصبها ونورها الساطع: قوس قزح، شعاع، خبز التنور، الياسمين، الزنبق، الكروم، المطر، النجوم، الأقمار والماء.

ولذلك تغيب مفردات القسوة والعنف والخراب والحزن والتذمر اليائس، حتى لو كانت القصيدة مكتوبة في ظل واقع مؤلم، فالشاعر لا يختار المقاومة، بل يتشبّث بالأمل مبتعداً عن كل ما يسيء لأنسنة إحساساته.

نلاحظ أنّ الأفعال كلها تقريباً تأتي بصيغة الحاضر: "أحلم"، والحلم هنا ليس مؤجلاً إلى مستقبل مجهول، بل يُعاش في لحظة الكتابة نفسها، وكأن محمد توفيق السينمائي والشاعر يؤسس وطناً رمزياً داخل ذاته ولغته قبل أن يتحقق واقعيّاً.

نظرة على قصيدة "أحلامي": تنتمي قصيدة "أحلامي" إلى شعر الحلم والرجاء الإنساني، وتقوم بنيتها على تكرار الفعل المضارع "أحلم" بحيث يتحول إلى محور إيقاعي ودلالي يجمع أشلاء النص كلها.

الموضوع الرئيس في هذه القصيدة هو الأمل في تحقيق أبسط مقومات الحياة الإنسانية الرومانسية الهانئة، لكنه يبدو هنا بإيقاعٍ حزينٍ، تعبيراً عن حالة يأس نتيجةَ إخفاقاتِ نشاطاتٍ ومعتقداتٍ ثوريةٍ سابقةٍ، صارت تُفهم كأحلام يوتوبيّةٍ، وينطلق الشاعر من الحلم الفردي ليصل إلى الجماعي:

يبدأ بـ المرأة كما ذكرنا، بوصفها شريكة الوجود ورمز لأجمل ما فيه: الحب والحياة! ثم الطفلة رمز المستقبل والبراءة، ثم الأرض وما فوقها (البيت -الوطن) الذي يمثل الاستقرار، والحديقة رمز الجمال والخصب، ثم الجيران بما يمثلونه من قيم اجتماعية، وأخيراً الوطن بوصفه الإطار الأكبر الذي يحتوي الجميع وهكذا تتسع دائرة الحلم من الذات إلى الأسرة فالمجتمع فالوطن.

الصور الشعرية: تزخر القصيدة بصورٍ شعريةٍ مشرقةٍ رومانسية متفائلة تعتمد على عناصر الطبيعة:

"ضفائرها من قوس قزح" صورة تربط الطفولة بالجدائل وألوان البهجة، "بصرها محبوك من شعاع" صورة تجعل الضوء مادة للرؤية، "قلوبهم ساخنة مثل خبز التنور فجراً" تشبيه حميم يستدعي دفء الأسرة العراقية والشرقية، "روحها من ياسمين وزنبق" يمنح الحديقة بعداً عطرياً وروحيّاً، "حناجرهم من كريستال" صورة تدل على الصفاء والنقاء.

البنية الأسلوبية: تعتمد القصيدة على تكرار: فعل: "أحلم" ست مرات تقريباً، وجملٍ قصيرة متلاحقة، ولغة نثرية واضحة دون فذلكة مصطنعة مليئة بالمفردات الإنشائية والرموز غير المترابطة والغموض كما نلمس في بعض النصوص، لكننا نجد هنا صوراً غير مفتعلةٍ، بل إيجابية تخلق جوَّ التفاؤل، مما يجعلها (القصيدة) تبدو كأنها نشيد أو دعاء لتحقيق الأماني.

محاولة قراءة النص الشعري بحسب مفاهيم ميخائيل باختين عن الحوارية (الدِيالوجيا): لا يتكلم المبدع، الشاعر هنا بالذات بصوت فردي منعزل، بل تتحاور وتتجاور أو تشترك وتتشارك في نصّه عدة أصوات: صوت العاشق في حلم المرأة، وصوت الأب في حلم الطفلة، وصوت الإنسان الباحث عن البيت والأمان، وصوت المواطن في حلم الوطن، وصوت الجماعة في صورة الجيران والأهل، وصوت أخر يعلو على بقية الأصوات الصاخبة كلها رغم هدوئه! إنه صوت الوطن الباقي رغم الطغاة والحروب والتغيرات الهائلة دون ضوضاء وافتعال مثل الماء لا يُسمع غير خريره!

لهذا تبدو القصيدة هنا رمزاً للأمل، أو كحوارٍ بين الذات والعالم، وبين الواقع الناقص والحلم بالممكن! إنها الأمل في نجاة الوطن!

دلالة الخاتمة: وأرى أن القصيدة تصل إلى ذروتَها وتحقق خاتمتها في قول الشاعر:

"أحلم بوطن

قامته سامقة

كالنجوم والأقمار …

وشعب سمح

كريم مثل الماء"

هل هو تجسيد لفكرة الشوق للوطن، والانتماء إليه، والتعبير عنه بعيداً عن المباشرة السياسية والتبشيرية العقائدية، أو صدى لما يردده العراقيون أنفسهم، بالذات المقيمون في الخارج عن تعلّقهم الكبير ببلدهم، والتصاقهم به بغض النظر عن انتماءاتهم وولاءاتهم الحزبية: فهنا تتحول الأحلام الخاصة كلها إلى أمنية وطنية وأخلاقية. والوطن المنشود ليس مجرد أرض وتضاريس جغرافية، بل منظومة قيم أساسها الشوق والحنين والكرم والمحبّة والتسامح وصفاء العلاقات الإنسانية. قد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى تعليق أحد النقاد، لا أتذكّر اسمه وفي أي مقال عن المبدعين العراقيين المقيمين خارج وطنهم، بأنهم يهتمون بالغربة "حد الهوس". كأنه يعتقد، أو هكذا يُفهم من كلامه، أنهم يبالغون في وصف مشاعرهم عن الغربة، أو يفتعلون هذه الموضوعة والإحساس، أو "يستكثر" عليهم اهتمامهم بها! وأرجو أن أكون مخطئاً في فهمه. قد يكون من الصعب عليه تصوّر معنى أن يكون المرء مهجّراً قسراً عن بلده الأم، وبالذات إذا كان ذلك لأسباب سياسية!  فمن ذاقَ عرف! هناك اختلاف كبير بين المهجَر العادي كالسفر لغرض الدراسة أو العمل والمنفى الحقيقي حتى لو كان اختياريّاً! الاغتراب القسري لا يختلف كثيراً عن المنفى الرسمي مهما تعددت الأسباب واختلفت، فالنتيجة قاهرة، حيث لا يمكن للمغترب أو المنفي العودة إلى الوطن! هذا هو حال اغلب المبدعين العراقيين الذين اضطروا إلى سكن المنافي هرباً من ظلم حكّامهم!  وفي المقابل، ليس بالضرورة أن يكون الكاتب منفيّاً أو مغترباً أو مهاجراً ليستلهم فكرة الحنين إلى وطن آمن والتراث والتاريخ والتغنّي بالانتماء الحضاري*.

وقصيدة الشاعر محمد توفيق، متفائلة، تبني عالمها من مفردات إنسانية أو تعكس عالمنا وواقعنا الحزين مثل: الأحلام والأرض والبحر والترنيمة والطيور وجارتي وجاري العجوز والقطة لونا وحي نوبس مولا في مدينة بيكيرود الدنمركية والشجرة  والقناديل والنور والخبز والياسمين والكروم والمطر والماء، لذلك يغلب عليها الحس الإنساني والوجداني الطبيعي أكثر من النزعة الاحتجاجية الثورية أو المعبّرة عن الظلم والمأساوية!

تحليل لغوي وأسلوبي لقصيدة "العراق بوصلتي": تنتمي هذه القصيدة إلى شعر الحنين والهوية الوطنية، وتقوم على فكرة مركزية هي أن العراق ليس مكانًا جغرافيًّا فحسب، بل بوصلة روحية ووجودية توجه الشاعر أينما ذهب.

يعبر الشاعر عن ارتباطه العميق بالعراق رغم الاغتراب القسري إن لم نقل النفي وسوء تعامل السلطات له، حتى أصبح الوطن حاضرًا في ذاكرته ووجدانه وتفاصيل حياته، فلا يمكنه الانفصال عنه مهما ابتعدت المسافات.

والعنوان هنا أيضاً، كما أشرنا سابقاً، يحمل دلالة رمزية واضحة، فالبوصلة أداة تهدي المسافر إلى وجهته، والعراق هنا هو الاتجاه الثابت الذي يعود إليه القلب والروح مهما تنوعت الأمكنة.

أما البناء الدلالي فيتجسّد في حضور العراق في كل مكان، يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:

أينما أضع قدمي

تقع على تراب العراق

وهي صورة، قد يراها بعضهم، كما أشرتُ مبالغ فيها فنيًا، لكنها تؤكد إحساس الشاعر بأن الوطن يرافقه نفسيًا، حتى إن الأرض كلها تتحول في مخيلته إلى امتدادات عراقية. كذلك نلاحظ استحضار الرموز العراقية الحضارية

من تاريخه وجغرافيته: النخيل والأهوار والزقورات وبابل وآشور وغيرها من الرموز التي لا تظهر كآثارٍ جامدةٍ، بل ككائنات حية تسكن وجدانه وتشكل هويته الثقافية. ونلاحظ أيضاً تجسيد الغربة القسرية في قوله:

أنا الغريب

أدور في الدنيا وليس لي نسيب

ينتقل النص من العزّة الحضارية إلى الشعور بألم الوحدة والبعد، فالغربة ليست مجرد ابتعاد مكاني، بل فقدان للأمان من خلال الأسرة وامتداداتها، كما يبدو ذلك في إشارته إلى عدم وجود فنادق في مدينة تلعفر (انظر قصيدة: تلعفر).

ويتم تذكر الجغرافية روحيّاً من خلال دجلة والفرات رمز الانتماء إلى بلاد مابين النهرين، يقول:

دمي عذب، ماء فرات

ودجلة أسرار روحي

يلتحم أو يذوب الإنسان بالمكان بحيث يصير دجلة والفرات ومائهما ذاكرته mooالنفسية وشخصيته.

خاتمة الحديث عن القصيدة: تنتهي القصيدة بقول الشاعر:

أينما يحل بي المقام

تشير بوصلتي إلى العراق

فتعود الخاتمة إلى فكرة العنوان، مما يمنح النص وحدة عضوية ويؤكد أن العراق هو البداية والنهاية والمرجع الثابت.

اللغة والأسلوب والدلالة العامة: لغة نثرية شعرية سلسة واضحة ومباشرة تتميز بوصف اللقطات السينمائية كما اشرت، بل هي أقرب للواقعية والبساطة، وأكثر ابتعاداً عن الافتعال!  لكنها تتميز بكثافة الرموز الحضارية والتاريخية، وحضور ضمير المتكلم بحيث يمنح النص صيغة الاعتراف من خلال الرموز والإحساس الوجداني الصادق المتميز بالحنين والأنين، قد يصل حد البكائيات الوجدانية كما هو الحال لدى بعض الشعراء!

 القصيدة ليست مجرد نشيد رومانتيكي حزين للعراق، بل هي نص عن هوية العراقي في منفاه أو اغترابه القسري، فالشاعر يؤكد أن الوطن الحقيقي يسكنه إنسانه الأصيل ولا يتنكر له، وأن المسافات لا تستطيع أن تغيّر اتجاه القلب حين تكون "البوصلة" مزروعة في الروح.

***

د. زهير ياسين شليبه

........................

* قرأتُ قبل فترة عنوان قصة قصيرة للكاتب العراقي علي البدر بعنوان: "بين إنكي وأوتونابشتم يكمن الأمان"، وطبعاً عنوانها يكفي لفهم محتواها. نقرأ في هذه القصة نصّاً جميلاً، "تجوّلتُ في أزقَّتِها الضيِّقةِ، كَمَن يبحثُ عن ظِلّهِ بين جدرانِ الطين الصامتةٍ وترابِها الذي يحتفظُ بأنفاسِ الكهنةِ وآثارِ التراتيلِ القديمة. "أوروك"، ما أروعُكِ! في كل حَجَرٍ ذاكرةٌ، وفي كل لبنةٍ حنينٌ إلى زمنٍ كان فيه الإنسانُ يكلّمُ الآلهةَ وجهاً لوجه.

ليست القراءة عمليةً متشابهة مع جميع الكتب، فلكلّ كتاب مفاتيحه الخاصة، ولكلّ نص طريقته في مخاطبة القارئ واستدراجه إلى عوالمه. فهناك كتب يمكن العبور خلالها بسهولة، بينما توجد أعمال أخرى تتطلب صبرًا وتركيزًا ومشاركة فاعلة من القارئ. وفي الرواية على وجه الخصوص لا يقتصر الأمر على متابعة الأحداث فقط، بل يمتد إلى فهم الشخصيات وعلاقاتها، واستيعاب التحولات الزمنية، والانتباه إلى اللغة وما تحمله من دلالات وإشارات خفية.

إنّ القراءة الأدبية الحقيقية ليست استهلاكًا للنص، بل حوارًا معه. فالقارئ الواعي لا يكتفي بتلقي الأحداث، بل يحاول فهم دوافع الشخصيات، وتأمل السياقات الاجتماعية والثقافية التي تتحرك الشخصيات في إطارها. ولهذا أجد أنّ بعض الروايات تستحق العودة إليها أكثر من مرة، لأنّ القراءة الثانية تكشف تفاصيل لم تكن ظاهرة في القراءة الأولى، وتمنح النص حياة جديدة في ذهن القارئ.

ومن أجمل الروايات التي قرأتها مؤخرًا رواية «اللؤلؤة التي كسرت محارتها» للكاتبة الأفغانية الأمريكية نادية هاشمي، والتي ترجمتها إلى العربية المترجمة إيمان حرز الله بأسلوب سلس ومتمكن حافظ على روح الرواية وأجوائها الإنسانية.

تأخذنا الرواية إلى أفغانستان عبر خطين زمنيين متباعدين، لكنهما يلتقيان في المعنى والوجع الإنساني. الخط الأول يتابع حياة رحيمة، الفتاة التي تعيش في أفغانستان المعاصرة نسبيًا، بينما يعود الخط الثاني إلى حياة شكيبة في بدايات القرن العشرين. ورغم الفارق الزمني الكبير بين الشخصيتين، فإنّ القارئ يكتشف تدريجيًا أنّهما تواجهان المصير ذاته تقريبًا؛ في مجتمع يفرض على المرأة قيودًا ثقيلة ويحدد لها مسار حياتها منذ طفولتها.

من أكثر الجوانب إثارة في الرواية تناولها لتقليد «الباشة بوش»، وهو التقليد الذي تُربّى بموجبه بعض الفتيات على هيئة صبيان عندما تحتاج الأسرة إلى وجود ولد بين أبنائها. ومن خلال هذا التحول المؤقت تُبرز الرواية الفارق الكبير بين ما يمنحه المجتمع للذكر وما يفرضه على الأنثى من حدود وقيود. فالفتاة نفسها لا تتغير، لكن نظرة المجتمع إليها تتغير بالكامل بمجرد أن ترتدي ثياب الصبي.

وتبرز شخصية رحيمة بوصفها نموذجًا للفتاة التي تعيش صراعًا داخليًا بين ما تريده لنفسها وما يفرضه عليها المجتمع. فكلما اتسعت رؤيتها للعالم ازدادت أسئلتها حول العدالة والحرية والحق في اختيار المصير. أما شكيبة فتجسد وجهًا آخر من وجوه الصمود، إذ تواجه ظروفًا قاسية ومؤلمة، لكنها ترفض الاستسلام الكامل لما فُرض عليها. ومن خلال هاتين الشخصيتين تنجح الكاتبة في رسم صورة إنسانية عميقة للمرأة الأفغانية عبر أجيال مختلفة.

ما يميز الرواية أيضًا أنها لا تقدم شخصيات مثالية أو شريرة بصورة مطلقة، بل تقدم بشرًا يحملون تناقضاتهم وضعفهم وقوتهم في آنٍ واحد. ولذلك يشعر القارئ بأنه أمام حياة حقيقية لا أمام شخصيات ورقية. كما أنّ التنقل بين الزمنين يخلق حالة من المقارنة المستمرة، ويجعل القارئ يتساءل عن مقدار ما تغير في أوضاع النساء، ومقدار ما بقي ثابتًا رغم مرور العقود.

الرواية ليست مجرد حكاية ممتعة، بل كانت نافذة على مجتمع وثقافة وتجارب إنسانية مختلفة. وعندما أغلقت الصفحة الأخيرة شعرت بأنني لم أتعرف فقط إلى رحيمة وشكيبة، بل اقتربت من فهم جانب مهم من التاريخ الاجتماعي لأفغانستان ومن قدرة الإنسان على المقاومة والأمل. إنها رواية تترك أثرها في الذاكرة، وتؤكد أنّ الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يوسع وعينا بالإنسان والعالم.

***

فؤاد الجشي

 

حين تعجز الميتافيزيقا عن قول ما تقوله القصيدة

ليس الشعر ضرباً من الترف اللغوي، ولا زينةً بلاغية تُعلَّق على جدار الثقافة، بل هو، في جوهره، أعمقُ أشكال المعرفة الإنسانية، لأنه لا يسعى إلى امتلاك الحقيقة، وإنما إلى ملامسة أفقها المفتوح. وإذا كانت الفلسفة قد انشغلت، منذ بداياتها، ببناء المفاهيم وتشييد الأنساق وتحديد الماهيات، فإن الشعر ظلّ وفياً لقلق الوجود، وللأسئلة التي لا تنتهي، وللأسرار التي لا تُختزل في تعريف أو تُحتجز داخل برهان.

ولذلك، فإن العلاقة بين الشعر والميتافيزيقا ليست علاقة توافقٍ كامل ولا قطيعةٍ مطلقة، وإنما هي علاقة توترٍ خلاق بين رؤيتين للعالم: رؤيةٍ تؤمن بأن الحقيقة نسقٌ مغلق يمكن القبض عليه بالمفهوم، ورؤيةٍ ترى أن الحقيقة إشراقٌ دائم لا يُدرك إلا بالحدس، والإيحاء، والانفعال الجمالي. فالميتافيزيقا تبحث عن يقين الوجود، بينما يبحث الشعر عن دهشة الوجود؛ الأولى تُقيم في المفهوم، والثاني يُقيم في الرؤيا.

لقد شيّدت الميتافيزيقا، منذ أفلاطون وأرسطو، أبنيةً معرفية كبرى، أرادت أن تمنح الكون نظاماً ثابتاً، وأن تجعل من العقل مرجعاً أعلى للحقيقة. ومن هنا نشأت فكرة الجوهر، والعلة الأولى، والغاية، والثبات، والكمال، بوصفها مرتكزاتٍ لفهم الموجودات. غير أن هذا المشروع، على عظمته، كان ميّالاً إلى اختزال العالم في ما يمكن للعقل أن يحدّه ويصنّفه، حتى بدا الوجود وكأنه معادلةٌ قابلةٌ للحل، لا تجربةٌ مفتوحة على اللانهائي.

أما الشعر، فإنه يرفض، بطبيعته، كلَّ يقينٍ مكتمل، لأن اكتمال الحقيقة يعني موت السؤال، وموت السؤال يعني انطفاء القصيدة. فالشاعر لا يقف أمام العالم بوصفه شارحاً أو معلماً أو مشرّعاً، وإنما يقف أمامه بوصفه مندهشاً. والدهشة ليست جهلاً، بل هي أرقى درجات المعرفة؛ لأنها تُبقي الروح يقظةً أمام المعنى المتحوّل، وتمنح الأشياء حقها في الغموض، كما تمنح الإنسان حقه في الحيرة.

ومن هنا كان الشعر أصدق تعبيراً عن الكينونة من كثيرٍ من المقولات الفلسفية؛ لأنه لا يفرض على الوجود لغةً جاهزة، بل يُصغي إلى لغته الداخلية. فالقصيدة لا تُنتج الحقيقة، وإنما تكشف عنها كما ينكشف الفجر من بين طبقات الليل، وكما تتفتح الزهرة دون أن تعرف قانون تفتحها.

إن اللغة ذاتها تتغير حين تدخل فضاء الشعر. ففي الخطاب العقلي تكون اللغة أداةً للإبلاغ والتحديد والتعريف، أما في القصيدة فإنها تتحول إلى كائنٍ حيٍّ يتنفس، ويولد، ويتجاوز معجمه. الكلمة الشعرية لا تشير إلى الشيء فحسب، بل تُعيد خلقه، وتحرره من اعتياده، وتمنحه حياةً ثانية داخل المخيلة الإنسانية.

ولهذا قال اللغويون إن اللغة الشعرية ليست انحرافاً عن اللغة المعيارية، بل هي عودتها إلى طاقتها الأولى، يوم كانت الكلمة حدثاً وجودياً قبل أن تصبح اصطلاحاً اجتماعياً. فاللغة في أصلها لم تكن معجماً، بل كانت دهشةً، وصوتاً، وصورةً، ورجفةً داخل الإنسان الأول وهو يواجه الكون.

ومن هنا تنبع خصوصية الشعر؛ إذ إنه لا يستخدم اللغة، بل يُحررها من استهلاكها اليومي، ويعيد إليها بكارتها الأولى. إن الاستعارة ليست زينةً بلاغية، وإنما طريقة أخرى في التفكير، والصورة ليست زخرفاً لفظياً، وإنما بنيةٌ معرفية تُنتج وعياً جديداً بالعالم. ولذلك فإن أعظم القصائد ليست تلك التي تقول أكثر، بل تلك التي توحي بما لا تستطيع اللغة المباشرة أن تقوله.

والشاعر الحقيقي ليس صانع ألفاظ، بل صانع رؤى. إنه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الذات والعالم، وبين المرئي والخفي. وحين يكتب، لا يصف الأشياء كما تبدو، بل كما تُريد الكينونة أن تُرى. ولهذا لا تكون القصيدة مرآةً للواقع، بل نافذةً على إمكاناته التي لم تتحقق بعد.

إن الشعر لا يُلغي العقل، لكنه يحرره من استبداد منطقه الصارم. فالعقل يبني، أما الخيال فيفتح النوافذ. والعقل يفسر، أما الشعر فيوقظ. والعقل يبحث عن الأسباب، بينما تبحث القصيدة عن المعنى الذي يسبق الأسباب جميعاً.

ولهذا لم يكن غريباً أن يرى كبار الفلاسفة أن الشعر يلامس الحقيقة بطريقة تعجز عنها المفاهيم المجردة. فالحقيقة ليست دائماً قضيةً منطقية، بل قد تكون رعشةً جمالية، أو ومضةً وجدانية، أو لحظةَ انكشافٍ داخلي يشعر فيها الإنسان بأن الوجود أصبح أكثر قرباً وأكثر امتلاءً.

ولعل أعظم ما يحققه الشعر أنه يعيد الإنسان إلى إنسانيته. ففي زمنٍ تُختزل فيه الأشياء إلى أرقام، والإنسان إلى وظيفة، والعلاقات إلى مصالح، تأتي القصيدة لتذكّرنا بأن القلب أيضاً وسيلةٌ للمعرفة، وأن الجمال ليس ترفاً، بل ضرورةٌ وجودية، وأن الخيال ليس هروباً من الواقع، بل إعادةُ اكتشافٍ له.

إن القصيدة ليست نصاً يُقرأ فحسب، بل هي حدثٌ كينونيّ يُعاش. إنها ولادةٌ متجددة للغة، وولادةٌ أخرى للإنسان. وكل قصيدة عظيمة هي بداية عالمٍ جديد، لأنها لا تُضيف معنىً إلى العالم، بل تُضيف طريقةً جديدة لرؤيته.

ومن هنا فإن الشعر يتجاوز الميتافيزيقا التقليدية دون أن ينكر سؤالها. فهو لا يهدم فكرة الحقيقة، وإنما يحررها من سجن اليقين المغلق، ويعيدها إلى فضائها الرحب، حيث يصبح الوجود أغنى من كل تفسير، والجمال أوسع من كل تعريف، والإنسان أكبر من كل نسق.

إن الشاعر، في نهاية المطاف، ليس منافساً للفيلسوف، بل رفيقه في الطريق. غير أن الفيلسوف يمضي حاملاً مصباح العقل، بينما يمضي الشاعر حاملاً شعلة الرؤيا. وإذا كان الأول يشيّد خرائط للوجود، فإن الثاني يمنحنا القدرة على السكن فيه.

وهكذا يبقى الشعر أعلى أشكال الحرية اللغوية، وأعمق أشكال المعرفة الجمالية، لأنه لا يبحث عن نهاية السؤال، بل عن بدايته، ولا يطمح إلى امتلاك العالم، بل إلى الإصغاء إلى همسه الخفي. وفي هذا الإصغاء وحده، تستعيد اللغة براءتها، ويستعيد الإنسان دهشته الأولى، وتستعيد الكينونة إشراقها الذي لا ينطفئ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

من يقين الماهية إلى انكشاف الكينونة

منذ البدايات الأولى للتفكير الفلسفي، ظلّ الإنسان معلقاً بين رغبتين متعارضتين: رغبة العقل في بناء اليقين، ورغبة الروح في معانقة المجهول. ومن هذا التوتر الخلّاق وُلدت الميتافيزيقا بوصفها سعياً إلى القبض على الحقيقة النهائية للأشياء، كما وُلد الشعر بوصفه انفتاحاً دائماً على ما يستعصي على القبض والتحديد. فإذا كانت الميتافيزيقا قد انشغلت بالسؤال عمّا هو ثابت ومطلق وكلي، فإن الاستطيقا الشعرية انصرفت إلى ما هو متحوّل وعابر ومتعدد، وإلى ذلك الفيض الوجودي الذي يتجاوز حدود المفهوم والمنطق.

لقد سعت الميتافيزيقا، منذ أفلاطون، إلى إقامة عالم من الحقائق المفارقة؛ عالمٍ تحكمه الماهيات الثابتة والصور الأزلية. فالوجود الحقيقي عند أفلاطون لا يكمن في المحسوس المتغير، بل في المثال الخالد الذي تستمد منه الأشياء وجودها ومعناها. ومن هنا تأسست نزعة فلسفية طويلة الأمد جعلت الحقيقة مرادفة للثبات، واليقين قريناً للمعرفة.

ثم جاء أرسطو ليمنح هذا التصور بناءً أكثر انتظاماً حين ربط الموجود بجوهره، وجعل لكل شيء غاية وماهية تحددان حقيقته. وهكذا تحولت الميتافيزيقا إلى مشروع معرفي يسعى إلى اكتشاف النظام الكامن وراء العالم، وإلى تأسيس معرفة يقينية قادرة على تفسير الموجودات ضمن شبكة من العلل والأسباب.

غير أن هذا التصور، على امتداده التاريخي، لم يخلُ من نزعة دوغمائية تسعى إلى إغلاق أفق السؤال. فكل يقين مطلق يحمل في جوفه احتمال تحوله إلى سلطة معرفية تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية. ولذلك جاءت الفلسفة الحديثة، وخصوصاً مع ديكارت وكانط ونيتشه، لتعيد مساءلة الأسس التي قامت عليها الميتافيزيقا التقليدية.

لقد شكّك ديكارت في كل شيء من أجل الوصول إلى يقين لا يقبل الشك، لكنه في الوقت ذاته دشّن وعياً نقدياً يجعل التساؤل أصل المعرفة. أما كانط فقد أعلن أن العقل لا يستطيع تجاوز حدود التجربة الممكنة دون الوقوع في الأوهام الميتافيزيقية، محولاً الميتافيزيقا من علم بالمطلق إلى نقد لشروط المعرفة ذاتها.

ومع نيتشه بلغ هذا النقد ذروته، حين أعلن أن الحقائق ليست سوى «استعارات نسينا أنها استعارات»، وأن كل يقين ليس إلا تأويلاً من بين تأويلات لا نهائية. لقد هدم نيتشه معابد الميتافيزيقا القديمة ليكشف أن الوجود ليس نسقاً مغلقاً، بل تدفقاً دائماً للقوة والصيرورة والاختلاف.

في هذا الأفق تحديداً تتجلى مغايرة الاستطيقا الشعرية للتصور الميتافيزيقي. فالشعر لا يبحث عن حقيقة نهائية، بل عن انكشاف دائم للحقيقة. إنه لا يقيم في اليقين، بل في الدهشة. ولا يطمح إلى امتلاك الوجود، بل إلى الإصغاء إليه.

ولذلك رأى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن الشعر هو المسكن الحقيقي للكينونة. فاللغة الشعرية ليست أداة للتعبير عن العالم فحسب، بل هي المجال الذي يتجلّى فيه الوجود ذاته. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «الإنسان يسكن العالم شعرياً».

إن الشعر، وفق هذا المنظور، ليس زخرفة لغوية ولا ترفاً جمالياً، بل هو حدث أنطولوجي؛ أي واقعة وجودية يكشف فيها الكائن عن حضوره الأعمق. إنه النداء الذي يدعو الإنسان إلى الوقوف أمام سرّ الوجود، لا بوصفه موضوعاً للمعرفة، بل بوصفه تجربة للانكشاف.

وهنا تتبدّى الاستطيقا الشعرية باعتبارها احتفاءً بالاختلاف. فالوجود لا يظهر في الشعر من خلال التطابق، بل عبر الفوارق والانزياحات والانكسارات التي تزعزع المألوف وتحرر اللغة من أسر التداول اليومي. إن المجاز الشعري لا يصف الأشياء كما هي، بل يعيد خلقها في أفق جديد من المعنى.

وقد أدرك الشاعر الفرنسي شارل بودلير أن الجمال لا يقيم في النظام وحده، بل في التوتر بين النظام والفوضى، بين النور والعتمة، بين الواقع والحلم. بينما رأى آرثر رامبو أن مهمة الشاعر هي «تشويش الحواس» من أجل بلوغ رؤى جديدة للوجود. أما ستيفان مالارميه فقد جعل من اللغة ذاتها فضاءً للغياب والحضور، حيث يتحول الشعر إلى مغامرة في المجهول.

وفي الفكر العربي، نجد أبا حيان التوحيدي يربط الجمال بالدهشة، ويرى أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين يعجز العقل عن الإحاطة الكاملة بموضوعه. كما أن النفّري، في مواقفه ومخاطباته، يقترب من الرؤية الشعرية للوجود حين يقول: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». وهي عبارة تختزل المسافة الفاصلة بين الفكر المفهومي والتجربة الشعرية.

أما بعض الشعراء فقد جعلوا من الشعر فعلاً وجودياً يهدف إلى تفجير البنى المغلقة للمعنى، وإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والعالم على قاعدة الخلق لا التلقي. فالشعر عنده ليس وصفاً للواقع، بل إعادة اختراع له.

ولعل أكثر ما يميز الاستطيقا الشعرية أنها تجعل الجمال حدثاً للكينونة نفسها. فالجمال لا يُنظر إليه بوصفه صفة خارجية للأشياء، بل بوصفه لحظة انكشاف لما كان مستتراً فيها. إنه ذلك الوميض الذي يظهر حين تتصدع القوالب الجاهزة وتتلاشى الحجب التي تفصل الإنسان عن عمق وجوده.

ولهذا فإن القصيدة الحقيقية ليست بناءً لغوياً مغلقاً، بل جسد جمالي حيّ، يتوالد من داخله المعنى باستمرار. إنها كائن وجودي يعود دائماً إلى أصله الأول: الدهشة. وكل قراءة جديدة لها ليست استعادة لمعنى سابق، بل خلق لمعنى جديد.

وقد عبّر الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن هذا الأفق حين جعل الشعر بحثاً دائماً عن الوطن المستحيل، لا باعتباره مكاناً جغرافياً فحسب، بل باعتباره صورة للكينونة المنشودة. كما رأى المتنبي أن الشعر فعل تجاوز دائم للحدود، حين قال:

«وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً»

إن الشعر هنا لا يصف العالم، بل يعيد تشكيله.

وهكذا تبدو المغايرة بين التصور الميتافيزيقي والاستطيقا الشعرية مغايرة بين منطقين للوجود: منطق يسعى إلى تثبيت الحقيقة داخل مفاهيم نهائية، ومنطق يتركها تتجلى في انفتاحها اللامحدود. الأول يبحث عن اليقين، والثاني يبحث عن الانكشاف. الأول يؤسس سلطة المعنى، والثاني يحرر المعنى من كل سلطة.

ومن ثمّ فإن الشعر لا يقف في مواجهة الفلسفة، بل يكمل ما تعجز عنه. فإذا كانت الفلسفة تسأل: ما الوجود؟ فإن الشعر يجعلنا نحيا هذا السؤال. وإذا كانت الميتافيزيقا تطلب الحقيقة بوصفها جواباً، فإن القصيدة تجعل الحقيقة طريقاً لا نهاية له.

وفي هذا المعنى يغدو الشعر أفقاً للحرية الوجودية، وتصبح القصيدة لحظة عودة الكينونة إلى ذاتها، حيث ينبثق الجمال من قلب الغياب، ويولد المعنى من رحم الاختلاف، ويتحول الإنسان من كائن يبحث عن الحقيقة إلى كائن يسكنها دهشةً وتأملاً وانفتاحاً لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تُعَدُّ هذه الرواية من أهم الروايات الروسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أشاد بمكانتها الأدبية كثيرٌ من الأدباء الروس. فقد عدَّها الكاتب فلاديمير نابوكوف « كتابًا ساحرًا ومأساويًا ومؤثرًا للغاية». أمّا الكاتب والناقد ديمتري دانيلوف فيقول: « ينظر المؤلف (أو الأبطال، أو النص نفسه؛ وليس واضحًا تمامًا مَن المقصود تحديدًا، وربما كانوا جميعًا) إلى العالم الذي يبدو بسيطًا من حوله بدهشةٍ متواصلة لا تعرف الفتور. ويستجيب العالم لهذه النظرة، فيغدو أكثر فأكثر إدهاشًا ». والكاتب ألكسندر غينيس فله رأي آخر في مقاله الموسوم « دروس مدرسة الحمقى »، إذ يقول: « تُذكِّرنا رواية (مدرسة الحمقى) بلوحةٍ فنية، أو بصورة، أو ـ على نحوٍ أدق ـ بصورةٍ ثلاثية الأبعاد، إذ تعتمد الأشياء المتجسدة فيها على زاوية النظر إليها. وعلى الرغم من أن عناصر الصورة المجسمة تظل أحيانًا، أو حتى دائمًا، حبيسة الشاشة، فإننا نجعلها تتحرك وتنبض بالحياة عندما نقترب من الصورة أو نبتعد عنها ». وهذه نظرة سريعة إلى بعض ما قاله النقاد والكتاب الروس عن هذه الرواية.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى نقطةٍ مهمة وجوهرية في هذه الرواية، تتمثل في معاناة البطل من الإفراط في التفكير؛ إذ يبدو دائمًا منخرطًا في حوارٍ داخلي مع ذاته. ويعمد إلى خلق شخصية مغايرة لشخصيته المضطربة باستمرار، فيحاورها ويخشاها ويعيش معها، وفي الوقت نفسه تسود العلاقة بينهما حالةٌ من التنافر والاغتراب. يقول البطل: « لكنني سأتحدث عن الأمر رغم كل شيء وهذا لأنني لا أحبك بسبب عدم رغبتك في الاندماج معي، وأن نتوحد معاً في فعل مشترك ونتصرف كفردٍ واحد، كما نصح الطبيب». (72). أمّا الزمن في تصورات البطل، فيبقى في حالةٍ من الاضطراب وعدم الاستقرار؛ فهو يعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة، ثم يعود ليتراجع عن تلك التصورات. كما يوظف إيحاءاته الذاتية في إقناع نفسه، محاولًا إيجاد ما يبرر تصوّراته الفكرية؛ لذلك نجده يعبّر عن هذه الحالة بوضوحٍ تام، قائلًا: « <...> اما عن السيارة فلا تقلقي، لقد تركت خيالي يتحرر لفترة من الوقت، فالسيارة ليست موجودة بالفعل ولن تكون موجودة ابداً». (78).. ويعتقد البطل أنه مختلف عن الآخرين، وهو ما تعبّر عنه والدته بصراحة حين تقول له: « ولكن لماذا أنت غاضب للغاية هكذا من رفاقك، أو لست أنت نفسك مثلهم؟ لو كنت مختلفًا عنهم، أو أفضل منهم، لما أرسلناك إلى هذه المدرسة، أوه، لا يمكنك أن تتخيل مقدار السعادة التي كنت سأشعر بها أنا ووالدك يا إلهي ربما كنت سأصبح أسعد أم في العالم. » (85). ومن المفيد التوقف عند ردّ البطل على هذا الكلام؛ فمن خلال إجابته تتضح السمة التي يراها مصدر تميّزه عن بقية رفاقه. يقول: « ربما يبدو لمن ينظر من بعيد أننا متماثلون تماما ونشبههم وأننا أسوأ من حيث التقدم في الدراسة؛ فكلانا لا يستطيع حفظ قصيدة واحدة، ناهيك عن الحكايات الأدبية، ولكننا في المقابل نستطيع تذكر الأشياء الأكثر أهمية. تذكرين منذ وقت ليس ببعيد قالت لك المعلمة فودوكاتشكا إننا – ولداك – لدينا ما يسمى بالذاكرة الانتقائية، وهو أمر حقيقي، فالذاكرة من هذا النوع تسمح لنا بالعيش كما نتمنى لأننا نتذكر فقط تلك الأشياء التي نحتاجها لا الأشياء التي يحتاجها المعتلُّون عقلياً الذين يتجرؤون على التدريس لنا. » (85).

وانطلاقًا من هذا التصور، اعتمد الكاتب في بناء أحداث روايته على ما يُعرف بـ«الذاكرة الانتقائية»، تاركًا بطله يسبح في دوامةٍ من الخيال المفرط. وعلى الرغم من انتقائية ذاكرة البطل، فإنه يرصد تفاصيل الحياة السوفيتية بدقةٍ لافتة. كما لا يخلو النص من إشاراتٍ رمزية وتلميحاتٍ تنطوي على رفضٍ للواقع القائم آنذاك. ويتجلى ذلك في خطاب أحد شخصيات الرواية للبطل الرئيس، إذ يقول:« استمر في الصراخ من أجلك ومن أجلي، ومن أجلنا جميعا - نحن المخدوعين، المشوهين المهانين والمحقرين - من أجلنا جميعاً نحن، الحمقى والأغبياء، المرضى والفصاميين، والمعلمين، لجميع أولئك الذين حرموا من هذه الموهبة والذين أخرست أفواههم اللعابية أو سيتم إخراسها قريبا، لجميع أولئك الذين تم إسكاتهم وهم أبرياء، وفاقدي السمع والذين فقدوا ألسنتهم - أصرخ أكثر وأكثر. » (98)

وأخيرًا، يكتنف نص هذه الرواية قدرٌ كبير من الغموض، الأمر الذي يجعل الإحاطة بدلالاته وفهم بنيته الفنية من القراءة الأولى أمرًا بالغ الصعوبة؛ وذلك لأن النص يعتمد اعتمادًا واسعًا على الإيحاء الذاتي والرموز. كما تتداخل فيه الصور القاتمة على نحوٍ يشبه تداخل الألوان في لوحةٍ فنية حزينة، بما يضفي على العمل طابعًا تأويليًا مفتوحًا يستدعي القراءة المتأنية والمتكررة.

***

حسين علي خضير

كاتب ومترجم عراقي

....................

المصدر:

رواية مدرسة الحمقى: شيزوفرينيا. تأليف: الكسندر سوكولوف؛ ترجمة وتقديم / محمد نصر الدين الجبالي:. – القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2023، ص 72، 78، 85، 98.

* الأديب الروسي ساشا سوكولوف، واسمه بالكامل ألكسندر فسيفولودوفيتش سوكولوف؛ من مواليد عام 1943 في كندا، وهو أديب وكاتب مقالات وشاعر روسي. ومن أشهر أعماله رواية "مدرسة الحمقى (1973، نشرت عام 1976) و" بين الكلب والذئب " (1980)، و" باليساندريا " (1985).

نحو انكشاف كينونة الجمال في مفارقة الأبستمولوجيا والاستطيقا

في جوهر الفكر الفلسفي، يبرز التصور الميتافيزيقي بوصفه فعلاً تأويلياً يُعيد مساءلة ما يُدَّعى أنه يقين، ويفتح الوجود على احتمالات تتجاوز التشييء العقلي، متوغلاً في مستويات المعنى ما قبل-المعرفي، وما بعد-اللغوي. وهنا، يُصبح التفكّر في الميتافيزيقا تفكّراً مزدوج الحضور: من جهة، يفضح أسس الدوغمائية التي تسعى إلى احتكار الحقيقة، ومن جهة أخرى، يُتيح انفتاحاً استطيقياً يؤسس لوعي شعريّ يُقوِّض الوثوقيات المتكلّسة، ويُعيد الجمال إلى قلب الوجود.

أولاً: التصور الميتافيزيقي كمساءلة لليقين

لطالما سعى التصور الميتافيزيقي في الفكر الغربي والعربي على حدٍّ سواء إلى مساءلة ما يُقدَّم بوصفه يقيناً، خصوصاً في بنيات المعرفة التي تُغلّب الحسم والاطمئنان على الشك والتأويل. فالدوغمائية، كما يشير بول ريكور، ليست سوى انغلاق الوعي على نسقٍ مغلق من المعاني، يعيد إنتاج ذاته بوساطة الإيمان الأعمى بالحقيقة، لا باختبارها عبر الممارسة النقدية والوجودية.

ومن هذا المنطلق، يتعارض التصور الميتافيزيقي مع كل نسقٍ إبستمولوجي يُشيِّئ المعنى ضمن بنى عقلانية مغلقة. فالفلسفة التي لا تُساءِل يقيناتها، تغدو عقيدة متخشّبة، لا أداة لتحرير الفكر. وهنا، يلتقي التصور الميتافيزيقي مع مشروع ديكارت في الشكّ المنهجي، ولكن بتوسيع أفقه نحو مساءلة جدوى كل معرفة تدّعي الكونية والامتداد المطلق.

إذًا، فإن الميتافيزيقا – في أفقها الأعمق – لا تُؤسِّس لليقين، بل تُعرِّي كل يقين من وهم الامتلاك، وتُعيد الفكر إلى مساحته الأصلية: الحيرة، التوتر، الانكشاف، والقلق الخلّاق.

ثانيًا: من العقل إلى الحواس: الاستطيقا الشعرية كمجال وجودي

في مقابل هذا التصور النقدي للميتافيزيقا المعرفية، تنهض الاستطيقا الشعرية بوصفها تصوراً ميتافيزيقياً مغايراً، لا يتّكئ على اليقين، بل يحتفي بالانكشاف الجمالي.

فالشعر، في جوهره، ليس نُطقاً بالأشياء، بل وقوفٌ عند كينونة الأشياء كما تظهر وتتجلّى في لحظة شعرية مكثّفة. وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الشعر إلى مجرد بنية لغوية أو بلاغية، بل يجب النظر إليه كنداء وجودي: استدعاء لجمال الوجود، بما هو ظاهر لحائي وباطن مستتر، أي بما هو تجربة انخطافية تقطع سياق اليوميّ والمألوف.

الشعر، وفق هذا الفهم، ليس صورةً للواقع، بل تمزيقٌ لسطح الواقع من أجل انكشاف جوهره. إنه تجلٍّ للكينونة في انزياحات اللغة، وانفلات المعنى، وتوتر الإيقاع. وهنا، يتقاطع التصور الاستطيقي مع ميتافيزيقا هايدغر الذي رأى في الشعر موطن الحقيقة، وفضاءً للانكشاف الأنطولوجي: فـ"القصيدة جسد الحقيقة في هيئة جمالية"، وهي التي تُعيد للوجود دهشته الأولى.

ثالثًا: الجمال بوصفه انزياحًا وجوديًا

إن الجمال الذي يتمخّض عن التصور الشعري ليس جمالاً شكليًا، بل هو أثرٌ كينوني لانزياح اللغة عن وظيفتها التداولية، وانتقالها إلى فضاء المجاز والحدس والانخطاف. هنا تصبح الكينونة ذاتًا مولّدة للفوارق، لا للتماثلات، وتُصبح الذات الشاعرة شاهدةً على لحظة انفجار الوجود، لحظة تولُّده الشعريّ.

ولذلك فإن التوتر الذي يعيشه الشاعر ليس قلقًا سيكولوجيًا، بل توترٌ وجوديّ، نابع من رغبة جامحة في تجاوز العاديّ، ومجابهة كل ما هو مألوف. وهذا التوتر هو الذي يُنتج الانزياح، وهو ما يُضفي على التجربة الشعرية طابع المجازفة، لا بمعناها التزييني، بل بوصفها اندفاعاً في مجرى تيار جارف، بحثًا عن المعنى في قلب اللايقين.

إن الشاعر، كما يرى رولان بارت، لا يقول الحقيقة، بل يخلق إمكانيات جديدة للوجود. ولذلك، فكلّ قصيدة هي شكل من أشكال مقاومة التكرار، ومجابهة الرتابة، وتفجير للغويّ الراكد.

رابعًا: الشعر كرؤيا كينونية

في هذا الأفق، يمكننا أن نقول إن الشعر ليس قولاً عن الوجود، بل هو الوجود في حالته الشعرية، أي في لحظة تجليه الجماليّ الأقصى.

فالشعر، لا يصف الجمال بل يكشفه، لا يفسّر العالم بل يجسّده، لا يعيد إنتاج الواقع بل يخلقه خلقًا جديدًا.

وهكذا تتجلّى القصيدة بوصفها "جسدًا جمالياً" حيًّا، لا بوصفها نصًّا مغلقًا. وهذا الجسد الجماليّ لا يكتمل، بل يظلّ يعود إلى كينونته كلّما استُحضِر، وتُلي، وتأوّل. القصيدة لا تُستهلك، بل تُبعث في كل قراءة جديدة، وكل تأويل جديد.

إنها ليست وثيقة، بل كائن حي، يعود إلى ذاته في دورة انكشافية لا تنتهي.

خاتمة: انفتاح الميتافيزيقا على الجمال

إذاً، فإن التصور الميتافيزيقي لا ينبغي أن يُختزل في صرامة النسق العقلي، بل ينبغي أن يُعاد فهمه بوصفه أفقًا مفتوحًا على الجمال، والدهشة، والتجربة. وبين مساءلة الأبستمولوجيا وانخطاف الاستطيقا، يُمكن للإنسان أن يجد موقعه في العالم، لا كسيّدٍ عليه، بل كمُنصتٍ له، مُندهشٍ من ظهوره، ومفتونٍ بجماله المستتر.

ولعلّ أعظم ما يمكن أن يفعله الفيلسوف أو الشاعر، هو أن يُعيدنا إلى لحظة البدء، إلى حيث الكينونة تُولد من جديد، وحيث الوجود يُنشد نفسه عبر القصيدة، ككائن يتكلم الجمال بلغته الأصلية.

"ليس الشعر كلمات… الشعر هو جسدُ الوجود حين ينطق ذاته في لحظة كشف لا تُقاس بالعقل، بل تُعاش."

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

تنقلنا رواية " توقيت آخر للحياة" للروائية بشرى الهلالي إلى عالم آخر، وبصوت أنثوي، إذ تقوم بطلة الرواية ملك، بمهمة إدارة الأحداث، وبلغة سردية شفافة وصادقة نابعة من أعماقها، حيث نلج عوالمًا مركبًة ومتداخلًة وإذ تصاحب الأحداث شيئًا من الغرائبية، وتجتاحها شحنة متقدة وهّاجة، من المشاعر والأحاسيس، لامرأة تعيش الحيرة، وتتلاعب فيها الاحداث، وكأنها في بحر عميق، تتلقفها الأمواج وترميها من موجةٍ الى أخرى، كون أن ملك اُختيرت من قبل المؤسسة الاعلامية، لحضور دورة تدريبيه مدتها خمسة أيام في أوغندا، هذا البلد الأفريقي الذي تصله لأول مرة، وإذ ترافقها في سفرتها زميلتها نجوى.

هذه الرواية ميزتها صدق المشاعر تمتزج مع الأحاسيس الأنثوية الحرة الطليقة وبتداعيات الذات الجريحة، مع كشف لوصف بلغة شاعرية لهذه الرحلة منذ أن أقلعت بهما الطائرة وحتى هبوطها في مطار أوغندا.

تقول:

" لم يكن مجرد السفر خارج البلد، ولا المال القليل الذي سيُمنح لي كمخصصات سفر، ما أغرياني، بل ولا حتى الرغبة في الهروب من الرجل الذي استباحني وتركني عارية من كل شيء، ربما هي الرغبة للغوص في مجهول جوزيف كونراد، الذي أحببتُ رواياته، لقد رحل إلى قلب الظلام في القارة السوداء، حيث الكونغو، ليسبر أغوار النفس البشرية. لطالما حلمت برحلة داخلية، كرحلاته، تعيد صياغة ذاتي، فأعود شخصاً، كما يحدث مع أبطال رواياته." (ص 9)

وهكذا نكتشف أن أحداث هذه الرواية، تحمل مفهومين اولاهما محاولة الغوص في أعماق المجهول والتعرّف على أسرار البطلة وما حدث لها، وكذلك سنكون مع واقع الحياة في أفريقيا، لنكتشف أن الأحداث يكتنفها الكثير من الغموض وتحتاج لمتابعة متأنّية لتتضح أمامنا الكثير من الأحداث المتداخلة والغريبة. إذ يمكن لنا أن نطلق عليها سياحة روائية ومن ضمن تلك السياحة تتجلّى الاعترافات العميقة للبطلة.

لقد عمدت الروائية على جعل الرواية متداخلة بشكل فني متقن، فعندما نتابع حكاية ملك، نكتشف أنها وقعت تحت سطوة احد المتنفذين في المنطقة الخضراء، واستطاع أن يتزوجها زواج بورقة عرفي خوفاً من زوجته، وبعد أن حملت منه، طلّقها ورماها خارجاً تحمل بين أحشائها بذرة جنين سرعان ما تخلصت منه، وكذلك بطلة هذا النص بكونها اعلامية نشطة فأنها مشتركة مع المتظاهرين من ثوار تشرين في أوج انطلاقها، وتنقل بشكل يومي ما يحدث في ساحة التحرير من معارك دامية وبشكل يومي، وحتى أثناء سفرتها، تتابع من خلال الانترنيت مجريات هذه المظاهرات التي ازداد حمى وطيسها، وسقط الكثير من الشباب شهداء، وهم يحلمون بوطن آمن.

ومن خلال مجريات المسار السردي لأحداث الرواية، تقدم لنا تفاصيل عن الحياة السياسية في اوغندا، والمعارك التي دارت في مطار انتيبي، وسقوط حكم الرئيس عيدي أمين، وتفاصيل أخرى ذات صلة بالأحداث التي تدور في رحى هذه الرواية.

ويزداد الغموض في الاحداث داخل الفندق الذي سكنت فيه ملك وزميلتها، إذ تكتشف ملك أن هناك امرأة عجوز، تظهر بشكل حذر وتختفي دون أن يراها أحدا، وهي مقعدة تجلس على كرسي متحرك، ولما سألت عنها عرفت بأن سيا التي تعمل في ادارة الفندق حفيدتها، وكذلك ظهور شبح غريب، يظهر في وسط ظلام الليل محاولا دخول الفندق، وأشياء غريبة تحدث من هذا النوع ممّا أضفى إلى سرد الأحداث خيطا بوليسيًّا غامضًا.

وبعد بحث وتقصي والحاح من قبل ملك لمعرفة حكاية الجدة طالبة من سيا ان توضح ما يحدث، يتم لقاء بينهما، ونكتشف أن هذه العجوز كانت زوجة الرئيس عيدي أمين تزوجها عنوة، ـ فهو عندما يشاهد امرأة جميلة يتزوجها، وعندما حدث الانقلاب على الرئيس "عيدي أمين" يتم اعتقالها، إلاّ ان صاحب الفندق استطاع تبرئتها وإخراجها، وهذا سبب اختفائها وظهورها بشكل حذر، وتبدأ معالم الغموض تتضح بشكل تدريجي، تتخلل هذه الأحداث الكثير من المفاجآت الشيّقة الماتعة، التي تجعل القارئ يواصل المتابعة بعد توفر عناصر التشويق السردي المطلوبة.

وهكذا نكتشف أن حياة العجوز زوجة عيدي أمين، تشبه حياتها وما حدث لها من (م)، حيث تشير الروائية بهذا الرمز للشخصية المتنفذة، دون الإفصاح عن اسمه.

نتابع بشكل مسهب الحياة اليومية لملك داخل الفندق، والأحداث اليومية التي تعيشها، وإذ يطغي على السرد الصوت الأنثوي الوحيد وبكل تلقائية، حيث يتحول القارئ تدريجيًّا إلى جزء متعاطف مع البطلة المخذولة، ترافق القارئ ذلك الإحساس بمعاناة هذا الصوت الأنثوي الذي يقود الاحداث. ونلاحظ الاسهاب في التفاصيل بحياة البطلة داخل الفندق، بشكل قد يصيب بعض القراء بشيء من الملل

كما نلاحظ متابعتها لما يحدث إلى بلدها، وكذلك التواصل المستمر مع والدتها، وتزويدها بكل ما يحدث لها:

" سحبتُ منديلاً ورقياً، جفّفتُ به وجهي ورقبتي، ثُمَّ خطرت لي فكرة بطلب مروحة من إدارة الفندق، فقد أصبحت حرارة غرفتي لا تُطاق. نهضت بخطوات يثقلها التعب والإرهاق، كأن الحلم استنزف كل طاقتي، رغم أنني نمتُ نوماً جيداًُ الليلة، إذ راودتني رغبة في العودة الى السرير، إلاّ أن حرارة الغرفة مرتفعة جعلت النوم مستحيلاً." (ص 169)

وتطلب ملك تمديد اجازتها لمدة اسبوع وتسافر الى نيروبي، وقررت أن تبقى هناك، الا أن صوت الوطن أقوى، بالرغم من نشوء علاقة عاطفية مع عادل، فتعود الى بغداد، وفي الطائرة، تظهر لها الاحداث امام عينيها وكأنها اشباح ترافقها.

رواية " توقيت آخر للحياة" للروائية بشرى الهلالي، تمتلك الكثير من التفاصيل الفنية الحديثة، والصدق الواضح في مسارها السردي، وكتبت بهدوء وبشفافية عالية.

***

يوسف عبود جويعد

................

* الرواية من اصدارات دار الحكمة للنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي لعام 2026

من شعرية النص إلى شعرية الأداء.. قصيدة "يا بنت غرناطة" نموذجًا

مقدمة: يشكل الشعر والغناء أحد أعرق أشكال التعبير الجمالي في الحضارة الإنسانية، إذ ارتبطا منذ القدم بعلاقة عضوية جعلت القصيدة الشعرية قابلة للانتقال من فضاء القراءة والتلقي الفردي إلى فضاء الأداء الصوتي والتلقي الجماعي. وقد عرف التراث العربي نماذج عديدة لهذا التداخل الفني، حيث لم يكن الشعر مجرد نص مكتوب، بل كان ينشد ويغنّى ويتداول في المجالس والأسواق والاحتفالات، الأمر الذي أكسبه قدرة استثنائية على الانتشار والتأثير في الوجدان الجمعي. ومن هنا جاءت أهمية الغناء بوصفه وسيطا ثقافيا وجماليا يسهم في إعادة إنتاج النص الشعري وإكسابه حياة جديدة تتجاوز حدود الكتابة.

وفي السياق المغربي، ظل الشعر حاضرا في التجربة الغنائية بمختلف تجلياتها، سواء من خلال الشعر الملحون أو الشعر الفصيح، حيث ساهم عدد من الشعراء المغاربة في إثراء الأغنية المغربية الحديثة بنصوص ذات قيمة فنية وجمالية عالية. وقد برزت أسماء شعرية استطاعت أن تمنح الأغنية المغربية عمقا فكريا وبعدا ثقافيا يتجاوز البعد الترفيهي الخالص، الأمر الذي جعل الأغنية فضاء للتعبير عن القضايا الإنسانية والوطنية والحضارية. وفي المقابل، أسهم الغناء في تقريب الشعر من الجمهور الواسع وإخراجه من دائرة النخبة إلى رحاب التلقي الجماهيري.

ومع التحولات التي عرفتها الأغنية المغربية المعاصرة، برزت تجارب فنية حاولت إعادة الاعتبار للنص الشعري الفصيح من خلال تلحينه وأدائه في قوالب موسيقية حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد. ومن بين هذه التجارب تجربة الفنان المغربي محمد الأشراقي الذي انفتح على الشعر المغربي الحديث، وسعى إلى تحويل عدد من القصائد الشعرية إلى أعمال غنائية تحمل أبعادا جمالية وثقافية وإنسانية متعددة. وتأتي قصيدة «يا بنت غرناطة» للشاعر نور الدين محقق نموذجًا دالا على هذا التفاعل الخلاق بين الشعر والغناء، حيث استطاعت أن تنتقل من فضاء النص المكتوب إلى فضاء الأداء الغنائي، محافظة على قيمتها الشعرية ومكتسبة في الوقت نفسه أبعادًا فنية جديدة.

وتكتسب دراسة هذه التجربة أهميتها من كونها تتيح الوقوف عند طبيعة العلاقة بين الشعر المغربي المعاصر والأغنية المغربية العصرية، كما تسمح باستكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها للغناء أن يسهم في إعادة إنتاج النص الشعري وتوسيع دائرة انتشاره وتأثيره. كما تندرج هذه الدراسة ضمن الاهتمام المتزايد بقضايا التفاعل بين الفنون، وبخاصة التفاعل بين الأدب والموسيقى، وما يتيحه هذا التفاعل من إمكانات جمالية وثقافية تسهم في إثراء المشهد الإبداعي المغربي.

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد التجربة الغنائية التي جسدها الفنان محمد الأشراقي من خلال تلحينه وأدائه لقصيدة «يا بنت غرناطة»، والوقوف عند شعرية النص الأصلي، وشعرية الإنجاز الغنائي، وآليات التلقي التي أنتجتها هذه التجربة الفنية، بغية الكشف عن القيمة الثقافية والجمالية التي يحققها التفاعل بين الشعر المغربي والغناء العصري.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية المركزية الآتية:

إلى أي حد استطاعت الأغنية المغربية العصرية أن تشكل فضاء جماليا وثقافيا لإعادة إنتاج الشعر المغربي المعاصر، وتحويله من نص مكتوب إلى خطاب فني جماهيري قادر على توسيع دائرة التلقي وتعزيز حضور الشعر في الوعي الثقافي المغربي؟. ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما الخصائص الشعرية والجمالية التي تميز قصيدة «يا بنت غرناطة»؟

كيف أسهم التلحين والأداء الغنائي في إعادة بناء الدلالة الشعرية للنص؟

ما طبيعة العلاقة بين الشعرية النصية والشعرية الغنائية في هذه التجربة؟

كيف يتفاعل المتلقي مع النص الشعري بعد انتقاله إلى المجال الغنائي؟

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الأغنية المغربية في التعريف بالشعر المغربي المعاصر وإشاعة قيمه الجمالية والثقافية؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى:

إبراز طبيعة العلاقة التاريخية والجمالية بين الشعر والغناء في الثقافة العربية والمغربية.

الكشف عن الخصائص الفنية والشعرية التي تميز قصيدة " يا بنت غرناطة ".

تحليل الكيفية التي أعاد بها الأداء الغنائي تشكيل النص الشعري وإغناء دلالاته.

الوقوف عند دور الفنان محمد الأشراقي في توظيف الشعر المغربي داخل الأغنية العصرية.

دراسة أثر التفاعل بين الشعر والغناء في توسيع دائرة التلقي الجماهيري.

إبراز القيمة الثقافية والحضارية التي يحققها انفتاح الأغنية المغربية على الشعر الفصيح.

المساهمة في ترسيخ الوعي بأهمية التكامل بين الفنون في تطوير المشهد الثقافي المغربي.

1- شعرية القصيدة

منذ القديم ارتبط الشعر العربي بالغناء، فقد تمت عملية تحويله من إطاره المرتبط بالكلمات إلى إطار ارتباطه بصوت المغني، ونظرا لذلك فقد أسمى أبو الفرج الأصفهاني كتابه الثقافي الشهير المرتبط بحكايات الشعراء والمغنيين بكتاب "الأغاني". وقد أبدع العديد من المغنيين العرب في التغني بالشعر العربي وإيصاله إلى مختلف الفئات الاجتماعية وهو المرتبط أساسا بالنخبة الثقافية. وفي العصر الحديث كانت أغاني محمد عبد الوهاب وهي تشدو بشعر الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي مثار إعجاب كبير.وبالنسبة للشعر المغربي فتكفي الإشارة إلى قصائد الشاعر المغربي عبد الرفيع الجواهري التي تغنى بها كبار المغنيين المغاربة وفي مقدمتهم كل من عبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني. إضافة طبعا إلى مجموعة أخرى من الأغاني التي اعتمدت في كلماتها على قصائد شعراء مغاربة معروفين، وفي هذا الصدد سنقف عند التجربة الغنائية الجميلة التي قام بها ويقوم بها الملحن والمغني الرائع محمد الأشراقي حيث قدم لنا مجموعة من الأغاني الجميلة اعتمد فيها على بعض قصائد الشعراء المغاربة، ومن بين هذه القصائد التي لحنها وغناها قصيدة "يا بنت غرناطة" للشاعر المغربي نور الدين محقق.

من المعلوم أن الشعر المغربي الحداثي قد تواجد في صلب الأغنية المغربية العصرية، لاسيما مع القصائد الشعرية الرائعة التي كتبها الشاعر المغربي المتميز عبد الرفيع الجواهري، فقد حلق صوت عندليب الأغنية المغربية محمد الحياني بقصيدة "راحلة " في سماء الفن الغنائي الراقي، كما حلق صاحب الحنجرة الذهبية عبد الهادي بلخياط بقصيدة "القمر الأحمر" بعيدا، حيث أصبحت من الأغنيات المغربية الخالدة، وتجاوز صداها الرائع كل الأرجاء. وهو ما يثبت لنا أن الشعر المغربي الرفيع إذا وجد من يلحنه ووجد من يؤديه على أحسن وجه، فإنه يستطيع أن يتحول إلى أغان عربية حاضرة بقوة في المشهد الغنائي المغربي من جهة وفي المشهد الغنائي العربي برمته من جهة أخرى.

 ومن الواضح جدا أن الشعر العربي سواء كان مغربيا أو مشرقيا، فإنه حين يتحول في بعض نماذجه القوية إلى أغان، فإنه يجد كل الآذان صاغية له. والدليل ما قدمه المطرب العراقي الكبير كاظم الساهر حين غنى من أشعار الشاعر العربي الكبير نزار قباني. وهو أيضا ما سبق أن قام به الملحن والمطرب اللبناني الكبير مارسيل خليفة مع بعض قصائد الشاعر العربي الكبير محمود درويش مما جعل كل من الشعر والغناء يحلقان معا بشكل فني قوي وعميق معا.

فعنوان القصيدة هو"يا بنت غرناطة" ، وهي قصيدة شعرية مأخوذة من ديوان "عاشق غرناطة العربي" للشاعر المغربي نور الدين محقق، وهي تمتاز بغنائية فاتنة وبعمق شعري جميل، بحيث تطرح علاقة الشرق بالغرب في صورة حضارية متكاملة تعتمد على توظيف تيمة الحب بين فتى مغربي وفتاة إسبانية، جمعت بينهما علاقة حب قوية ، ومن خلال هذه العلاقة يحضر التاريخ المشترك بين الشرق والغرب، حيث يتجلى الحب في أسمى معانيه الإنسانية الكبرى ليعبر عن الوجود الإنساني ويعلن ضرورة التآخي بين كل شعوب الأرض قاطبة . وهذه القصيدة الشعرية تتوفر على غنائية شعرية مذهلة، بحيث نشعر بالإيقاع الشعري يسري بين كل طيات كلماتها وحروفها، بالإضافة طبعا إلى عمقها الشعري الموغل في فلسفة الحب وفي كيفية التعبير عنها بانسيابية، وهو ما دفع الملحن والمطرب المغربي محمد الأشراقي إلى اختيارها والقيام بعملية تلحينها وأدائها بشكل فني عميق.

2- شعرية الأغنية

استطاع الملحن والمطرب المغربي محمد الأشراقي وهو يقوم بتلحين هذه القصيدة وأن يؤديها بصوته الغنائي العميق والرائع، أن يحلق بها بعيدا في سماء الأغنية المغربية العصرية، وأن يجعل منها تحفة فنية جديرة بالحضور في المحافل الفنية وتحقيق وجودها في رحاب الفن المغربي الرفيع.إنه قد منحها صبغة مغربية أندلسية فاتنة، فيها من اللحن أجمله وفيها من الأداء الغنائي أرفعه، وبالتالي فإنه قد تمكن من إبداع قطعة غنائية جميلة، وحين قدمها في مجموعة من اللقاءات الفنية لقيت آذانا صاغية لها وخلفت إعجابا متناميا بها وبالطريقة التي صيغت وقدمت بها. وهو أمر يجعل من الفنان سعيدا بما قام به وبما قام بإنجازه.

إن هذه الأغنية الرائعة وهي تعيد بناء كلمات هذه القصيدة الشعرية الجميلة، قد منحتها بعدا فنيا مضاعفا، بحيث قد حولتها من إطار الكلمات إلى إطار الصوت، ومن إطار القراءة إلى إطار الاستماع، وهو ما يجعل من هذه القصيدة الشعرية وهي تركب صهوة الغناء الفني الرفيع، تجد لها حضورا مضاعفا، حضور في الشعر وحضور في الغناء.

 لقد انفتح الملحن والمطرب المغربي محمد الأشرقي على الشعر المغربي الفصيح، وحاول من خلاله أن يقدم أغانٍ عصرية جديدة ترتقي بالذوق الفني وتربط الفن الشعري بالفن الغنائي في ثنائية فنية قوية. وهو أمر يدعو إلى الإشادة به ومتابعة عمله الفني بكل شغف ومحبة.

3- عملية التلقي

وإذا عدنا إلى الملحن والمطرب المغربي الألمعي محمد الأشرقي، فإننا نلاحظ أن عملية اختياره لبعض قصائد الشاعر المغربي نور الدين محقق، قد كانت موفقة جدا، حيث تميزت هذه القصائد المختارة ومنتها قصيدة "يا بنت غرناطة" وقصيدة "النشيد الكوني" بغنائية عميقة تذكرنا بغنائية كل من الشاعر العربي نزار قباني من جهة وبغنائية الشاعر العربي محمود درويش من جهة أخرى، مما يجعلها قابلة للغناء بشكل عميق.

إن كل عمل لا يمكن أن يتحقق في غياب وجود التلقي، التلقي له والتفاعل الإيجابي معه، وبالتالي فإن هذا الفنان المغربي المتألق محمد الأشراقي، وهو يقدم مجموعة من الأغاني التي هي في الأصل قصائد شعرية كتبها شعراء مغاربة، يكون بعمله الفني هذا مساهما رائعا في الدفع بالمتلقي المغربي إلى الاهتمام بالشعر المغربي والبحث عنه وقراءته، كما يدفع بالملحنين المغاربة إلى ضرورة الاهتمام بالشعر المغربي والقيام باختيار قصائد شعرية منه وتحويلها إلى قطع غنائية جديرة بالخلود الفني. ومن يتصفح الدواوين الشعرية المغربية يجد فيها قصائد شعرية رائعة تستحق أن تغنى وأن تصل إلى كل عشاق الفن الغنائي المغربي الجميل.

 لقد انفتح الملحن والمطرب المغربي محمد الأشرقي على الشعر المغربي الفصيح، وحاول من خلاله أن يقدم أغانٍ عصرية جديدة ترتقي بالذوق الفني وتربط الفن الشعري بالفن الغنائي في ثنائية فنية قوية. وهو أمر يدعو إلى الإشادة به ومتابعة عمله الفني بكل شغف ومحبة.

إن الشعر المغربي وهو يعانق الأغنية المغربية يمنحها بعدا ثقافيا جميلا، كما تمنحه هي بعدا فنيا قويا وامتدادا جماهيريا يساهم في عملية حضوره ويضاعف من هذا الحضور، وهو ما دفعنا للوقوف عند التجربة الفنية الجميلة التي قدمها ويقدمها هذا الفنان المغربي الملحن والمغني محمد الأشراقي وهو يعانق في بعض أغانيه الجميلة قصائد شعرية مغربية ويمنحها حضورا جميلا ويشارك بها في بعض اللقاءات الفنية التي يساهم فيها، وهو أمر ثقافي وفني جدير بالاستمرارية.

خاتمة الدراسة:

تكشف هذه الدراسة أن العلاقة بين الشعر المغربي والأغنية المغربية العصرية ليست علاقة عابرة أو ظرفية، وإنما هي علاقة جمالية وثقافية عميقة تمتد جذورها إلى تاريخ طويل من التفاعل بين الكلمة واللحن والصوت. وقد أظهرت تجربة قصيدة «يا بنت غرناطة» أن النص الشعري حين يمتلك مقومات الغنائية والعمق الدلالي والثراء الإيقاعي، يصبح قادرًا على الانتقال إلى المجال الغنائي دون أن يفقد هويته الجمالية، بل إنه يكتسب أبعادًا جديدة تضاعف من حضوره وتأثيره.

وقد بينت الدراسة أن قصيدة «يا بنت غرناطة» تنتمي إلى نمط من الشعر الذي يجمع بين البعد الغنائي والبعد الفكري، حيث تستثمر موضوع الحب بوصفه قيمة إنسانية وحضارية تتجاوز حدود الانتماءات الضيقة لتؤسس لرؤية تقوم على الحوار والتعايش والتواصل بين الثقافات. كما أن استحضار الرمز الأندلسي في القصيدة لم يكن مجرد استدعاء تاريخي، بل كان توظيفا فنيا يعيد قراءة الذاكرة المشتركة بين الشرق والغرب في أفق إنساني منفتح.

ومن جهة أخرى، أظهرت الدراسة أن الفنان محمد الأشراقي استطاع عبر التلحين والأداء أن يمنح النص الشعري حياة جديدة، حيث انتقل من فضاء القراءة الفردية إلى فضاء الاستماع الجماعي، ومن عالم الكلمات المجردة إلى عالم النغم والإيقاع والصوت. وقد أسهم هذا التحول في توسيع دائرة تلقي القصيدة وجعلها أكثر قربا من الجمهور، دون الإخلال بقيمتها الشعرية أو إضعاف أبعادها الجمالية.

كما أكدت الدراسة أن الأغنية المغربية العصرية يمكن أن تؤدي دورًا ثقافيا وتربويا مهمًا حين تنفتح على النصوص الشعرية الرفيعة، لأن هذا الانفتاح يسهم في الارتقاء بالذوق الفني وتعزيز حضور الأدب في الحياة اليومية للمجتمع. فالأغنية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لنشر الثقافة وترسيخ القيم الجمالية والإنسانية.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أهمها:

وجود علاقة تكاملية عميقة بين الشعر المغربي والغناء العصري.

امتلاك قصيدة «يا بنت غرناطة» مقومات غنائية جعلتها قابلة للتحول إلى عمل فني ناجح.

نجاح التلحين والأداء الغنائي في تعزيز الأبعاد الجمالية والدلالية للنص الشعري.

إسهام الأغنية في توسيع دائرة انتشار الشعر المغربي وتعريف الجمهور به.

قدرة التفاعل بين الشعر والغناء على إنتاج خطاب فني يجمع بين المتعة الجمالية والرسالة الثقافية.

مساهمة الفنان محمد الأشراقي في ترسيخ نموذج فني يربط بين الإبداع الشعري والإبداع الموسيقي.

أهمية الأغنية الشعرية في الحفاظ على حضور اللغة العربية الفصيحة داخل المجال الفني المعاصر.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع الفنانين والملحنين المغاربة على الانفتاح على الشعر المغربي الفصيح واستثماره في الإنتاج الغنائي.

دعم المشاريع الفنية التي تسعى إلى الجمع بين الأدب والموسيقى في إطار رؤية ثقافية متكاملة.

إحداث برامج ومهرجانات متخصصة في الأغنية الشعرية المغربية.

تشجيع الجامعات ومراكز البحث على دراسة العلاقة بين الشعر والغناء ضمن مقاربات بين-فنية متعددة التخصصات.

توثيق التجارب الغنائية التي اعتمدت النصوص الشعرية المغربية حفاظًا على الذاكرة الثقافية الوطنية.

إدماج نماذج من الأغاني المبنية على نصوص شعرية في الأنشطة الثقافية والتربوية لتعزيز الذائقة الأدبية لدى الناشئة.

تشجيع الشعراء على كتابة نصوص تراعي إمكانات الأداء الغنائي دون التفريط في قيمتها الفنية.

تعزيز التعاون بين الشعراء والملحنين والمطربين من أجل إنتاج أعمال تجمع بين الجودة الأدبية والتميز الموسيقي.

إيلاء مزيد من الاهتمام الإعلامي والنقدي للأغنية الشعرية المغربية بوصفها رافدًا من روافد الثقافة الوطنية.

العمل على بناء مشروع ثقافي متكامل يجعل من الأغنية الشعرية وسيلة لترسيخ الهوية الثقافية المغربية والانفتاح على القيم الإنسانية الكونية.

وبذلك يتأكد أن مستقبل الأغنية المغربية يظل رهينًا بمدى قدرتها على استثمار الثروة الشعرية الوطنية، وأن الشعر المغربي، حين يعانق الموسيقى والغناء، لا يكتسب فقط جمهورا أوسع، بل يحقق أيضا شكلا جديدًا من أشكال الخلود الجمالي والثقافي.

***

د. منير محقق

تُمثِّل الهُويةُ الأنثوية واحدةً من أكثر القضايا حضورًا في الأدب المعاصر، إذْ لَم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فَحَسْب، بلْ أصبحتْ ذاتًا كاتبة تعيد تشكيلَ العالَم مِن خِلال لغتها الخاصَّة وتجربتها الوجودية الفريدة.

ومِن هذا المنطلق تتجلى أهمية المقارنة بين الشاعرة الكويتية سعدية مفرح (وُلدت 1964)، والشاعرة الأمريكية لويز غلوك (1943 - 2023/ نوبل 2020)، بوصفهما صوتَيْن شعريين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، لكنَّهما يلتقيان عند سؤال الذات الأنثوية، ومُعضلة تشكُّل الهُوية في مواجهة الفقد والعُزلة والذاكرة والسُّلطة الاجتماعية.

تتأسَّس التجربة الشعرية لدى سعدية مفرح ولويز غلوك على رحلة داخلية عميقة نحو اكتشاف الذات، حيث لا تُقَدَّم المرأة باعتبارها نموذجًا جاهزًا أوْ كِيانًا مستقرًّا، بلْ باعتبارها مشروعًا دائمًا للتشكُّل والتحوُّل. ولهذا فإنَّ الهُوية الأنثوية في شِعرهما لَيست مُعطى نهائيًّا، وإنما بناء متجدد يتشكل عبر الألم والحُب والغياب والصراع معَ الزمن.

لا تتعامل سعدية مفرح معَ الهُوية الأنثوية باعتبارها قضية اجتماعية محضة، بلْ تجعل مِنها سؤالًا وجوديًّا يتَّصل بمعنى الكَينونة نَفْسِها. فالذاتُ في قصائدها تبدو دائمًا في حالة بحث، وكأنها تسعى إلى القبض على حقيقتها وسط عالَم متغير ومضطرب. وتظهر المرأةُ في نُصوصها وهي تراقب نَفْسَها مِن الداخل، وتُعيد مُساءلةَ علاقتها بالجسد والذاكرة والوطن والحُب.

أمَّا لويز غلوك فَتَتَّخذ مِن التأمُّل الوجودي منهجًا شِعريًّا دائمًا، إذْ تنطلق من التجربة الشخصية لتصل إلى أسئلة إنسانية عامَّة. المرأةُ عندها لَيست مُجرَّد شخصية شِعرية، بلْ هي كائن يُواجه هشاشته الخاصَّة أمام المَوت والفَناء والعُزلة. ولذلك تتجلى الهُوية الأنثوية في شِعرها بوصفها وعيًا مأزومًا بالوجود، وسعيًا مستمرًّا لفهم الذات عبر اختبار الخسارة.

إنَّ التشابه بين الشاعرتَيْن يكمن في رفضهما للهُوية الجاهزة. إنَّهما تنظران إلى الذات باعتبارها كِيانًا متحركًا لا يكتمل أبدًا، بلْ يتشكل باستمرار مِن خِلال التجربة والمُعاناة.

تحتل الذاكرةُ موقعًا مركزيًّا في بناء الهُوية لدى الشاعرتَيْن. في شِعر سعدية مفرح تتحوَّل الذاكرةُ إلى فضاء تستعيد فيه المرأةُ ملامحَها المبعثرة. الطفولةُ والأماكن الأُولَى والعلاقات الإنسانية تُشكِّل عناصر أساسيَّة في بناء صورة الذات. ومِن خِلال استدعاء الماضي، لا تهدف الشاعرةُ إلى الحنين فقط، بلْ أيضًا إلى إعادة تركيب الهُوية، وفهمِ جذورها العميقة.

أمَّا لدى لويز غلوك فإنَّ الذاكرة تأخذ طابعًا أكثر قسوةً وتجريدًا، فهي لَيست خزينة للمشاعر الجميلة، بلْ هي مساحة لاستحضار الجِراح القديمة والخَيباتِ المتراكمة. الماضي في شِعرها لا يعود بوصفه زمنًا منتهيًا، بلْ قوة حاضرة تؤثر في تشكيل الحاضر، وتعيد صياغة الشخصية باستمرار.

وهكذا تصبح الذاكرةُ لدى الشاعرتَيْن أداةً أساسيَّة لإنتاج المعنى، ووسيلة لاكتشاف الذات الأنثوية في علاقتها بالزمن والتجربة.

يُعَدُّ الجسد أحد أهم مُكوِّنات الهُوية الأنثوية، غَير أنَّ حُضوره في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك يختلف عن الصور التقليدية التي اختزلت المرأةَ في بُعدها الجسدي.

في شِعر سعدية مفرح يظهر الجسدُ بوصفه مساحة للوعي والتجربة الإنسانية، ولَيس موضوعًا للرغبة فَحَسْب. إنَّه جسد يعيش القلقَ والحُب والانتظار، ويتحوَّل إلى لغة تكشف عن أعماق الذات. ومِن خِلال هذا الجسد تكتب الشاعرةُ تاريخَها الشخصي، وتعلن وجودَها في عالَم كثيرًا ما حاولَ تهميشَ الصوت النسائي.

أمَّا لويز غلوك فتتعامل معَ الجسد بطريقة أكثر فلسفية وتأمُّلًا. الجسدُ عندها علامة على هَشاشة الإنسان وفَنائه، وهو في الوقتِ نَفْسِه وسيلة لفهم العلاقة بين الحياة والموت. لذلك لا يبدو الجسدُ في قصائدها مجالًا للاحتفاء بِقَدْرِ ما يصبح مجالًا للتساؤل والتأمُّل الوجودي.

ومِن هُنا يتجاوز الجسدُ لدى الشاعرتَيْن حدودَ البيولوجيا ليصبح عُنصرًا مركزيًّا في تشكُّل الهُوية الأنثوية.

تُشكِّل العُزلةُ تجربة مِحورية في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك، غَير أنَّ هذه العُزلة لا تُقَدَّم بوصفها حالة سلبية، بلْ باعتبارها فُرصة لاكتشاف الذات، وإعادةِ بنائها.

في قصائد سعدية مفرح تبدو العُزلةُ مساحةً للتأمُّل وإعادةِ النظر في العلاقات الإنسانية. المرأةُ المنعزلة لَيست مهزومة، وإنما تحاول استعادةَ صوتها الخاص بعيدًا عن ضجيج العالَم. لذلك تتحوَّل الوَحدةُ إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة.

أمَّا عند لويز غلوك فإنَّ العُزلة تَحمل بُعدًا وجوديًّا أكثر حِدَّة. إنَّها مُواجهة مباشرة معَ النَّفْسِ، وأسئلةِ الحياة الكُبرى. ومِن خِلال هذه المواجهة تتكشف طبقات الهُوية العميقة، وتتَّضح هشاشةُ الإنسانِ وقوته في آنٍ واحد.

والعُزلةُ لدى الشاعرتَيْن لَيست هُروبًا مِن العالَم، بلْ هي وسيلة لفهمه، وفهمِ الذات داخله.

تلعب اللغةُ دَورًا حاسمًا في تشكيل الهُوية الأنثوية لدى الشاعرتَيْن. إنَّهما لا تكتبان عن المرأة فقط، بلْ تكتبان مِن داخل تجربتها الخاصَّة.

تميل سعدية مفرح إلى لغة شفَّافة تَجمع بين البساطة والعُمق، حيث تتداخل اليومياتُ معَ التأملات الوجودية. وتمنح هذه اللغةُ للذات الأنثوية مساحةً للتعبير الحُر عن مشاعرها وأسئلتها دون افتعال أوْ خَطابية.

أمَّا لويز غلوك فتتميز بلغتها المُكَثَّفَة والدقيقة التي تعتمد على الاقتصاد التعبيري، والبُعدِ الرمزي. ومِن خِلال هذه اللغة تنجح في تحويل التجارب الفردية إلى رؤى إنسانيَّة شاملة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تأتي دراسة تحولات الأدب الطبقي من الحاجة إلى فهم التغيرات العميقة التي أصابت العلاقة بين الأدب والبنية الاجتماعية خلال العقود الأخيرة. فقد شهد العالم منذ أواخر القرن العشرين تحولات اقتصادية وثقافية واسعة، رافقتها إعادة تشكيل لمفهوم العمل، وتراجع للصناعات الثقيلة، واتساع لاقتصاد الخدمات والعمل المؤقت، إلى جانب صعود الفردانية وتراجع الأطر الجماعية التقليدية. وقد انعكست هذه التحولات مباشرة على الأدب، الذي وجد نفسه أمام واقع لم تعد الطبقة فيه كتلة اجتماعية متماسكة يسهل تمثيلها ضمن سردية تاريخية واحدة، وإنما شبكة معقدة من التجارب الفردية التي تتقاطع فيها الظروف الاقتصادية مع أسئلة الهوية، والهجرة، والجندر، والثقافة.

لهذا لم يعد السؤال المطروح أمام الأدب: كيف يمثل الطبقة العاملة بوصفها قوة تاريخية موحدة؟ وإنما: كيف يكتب الإنسان الذي يعيش هشاشة العمل، وقلق السكن، والاغتراب، والخوف من التهميش، في عالم فقد كثيرًا من يقينياته الاجتماعية؟ ومن هنا تكتسب دراسة تحولات الأدب الطبقي أهميتها؛ لأنها تتيح قراءة انتقال الأدب من تمثيل الجماعة إلى استكشاف التجربة الفردية، ومن السرديات الكبرى إلى التفاصيل اليومية، ومن المشروع التاريخي إلى معيش الإنسان داخل واقع شديد التعقيد.

يمثل هذا التحول امتدادًا لتاريخ طويل من العلاقة بين الأدب والطبقة الاجتماعية. فقد احتلت الواقعية الاشتراكية مكانة بارزة في القرن العشرين بوصفها أحد أكثر المشاريع الأدبية تنظيمًا وتأثيرًا في ربط الإبداع بالبنية الاجتماعية. وقد انطلقت من تصور يرى أن الأدب قادر على المساهمة في تشكيل الوعي الجمعي، وأن الكاتب شريك في التعبير عن التحولات التاريخية للمجتمع. ولهذا قدمت صورة البطل الجماعي، وربطت مصير الفرد بمصير الجماعة، وجعلت من العمل والإنتاج والتحول الاجتماعي موضوعات مركزية في البناء السردي.

وتتجسد هذه الرؤية في أعمال مكسيم غوركي، حيث يظهر العامل أو الفقير جزءًا من حركة اجتماعية واسعة تتجاوز مصيره الفردي، كما تتجلى في روايات ميخائيل شولوخوف التي وسعت أفق السرد ليشمل تحولات الريف والمجتمع الروسي ضمن سياق تاريخي شامل. وفي ألمانيا الشرقية برز هذا التصور أيضًا في أعمال بريجيت رايمان وكريستا وولف، حيث احتلت قضايا العمل والإنتاج والاندماج في المشروع الاشتراكي موقعًا محوريًا داخل البناء الروائي، مع اختلاف واضح بين الكاتبتين في درجة الانفتاح على الأسئلة الوجودية والنقد الداخلي للتجربة الاشتراكية. وقد منحت هذه التجارب الأدب قدرة كبيرة على بناء سرديات تاريخية متماسكة، حتى وإن ارتبطت بمرجعيات أيديولوجية محددة، فإنها تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الأدب الاجتماعي.

غير أن التحولات التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة، وصعود الاقتصاد النيوليبرالي، وتفكك كثير من البنى الصناعية التقليدية، أعادت تشكيل مفهوم الطبقة نفسه. فلم تعد الطبقة تُدرك باعتبارها هوية جماعية مستقرة، وإنما بوصفها تجربة معيشة تتسم بالحركة وعدم اليقين، وتتشكل من خلال علاقات عمل متغيرة، وأوضاع اقتصادية هشة، وأشكال جديدة من الاغتراب الاجتماعي. وهنا بدأ الأدب يعيد صياغة أسئلته، متجهًا نحو الإنسان الفرد الذي يعيش آثار هذه التحولات في تفاصيل حياته اليومية.

وفي هذا السياق ظهرت في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، محاولات جديدة لإحياء الكتابة الطبقية خارج الأطر التقليدية، من أبرزها الكولكتيف الأدبي Nous – konfrontative Literatur، الذي يمكن ترجمته إلى العربية بـ«نحن – الأدب التصادمي». ويقوم هذا المشروع على كتابة التجربة الاجتماعية من داخلها، عبر لغة مباشرة، وتفاصيل ملموسة، تجعل من الإيجار، والعمل المؤقت، والإرهاق الجسدي، والهشاشة الاقتصادية، عناصر أساسية في البناء الأدبي. فالواقع هنا لا يُستدعى بوصفه خلفية للنص، وإنما يصبح مادته الأولى.. وقد أثار هذا المشروع نقاشًا واسعًا في الأوساط الأدبية الألمانية. فقد رأى بعض النقاد أن التركيز المكثف على تفاصيل الحياة اليومية قد يقلص المسافة الجمالية بين الأدب والواقع، ويقرب النص من التسجيل الاجتماعي أو الشهادة المباشرة أكثر من اقترابه من البناء الفني المركب. كما طُرحت تساؤلات حول مدى قدرة هذه الكتابة على تمثيل التنوع الطبقي دون اختزال التجارب المختلفة في صورة واحدة للمعاناة.

في المقابل، يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن المجتمع نفسه تغير بصورة جعلت الأشكال السردية القديمة أقل قدرة على تمثيل الواقع الجديد. فالعمل لم يعد مستقراً كما كان، والانتماءات الاجتماعية أصبحت أكثر سيولة، والتفاوت الاقتصادي اتخذ صورًا أكثر تعقيدًا، الأمر الذي يستدعي أشكالًا كتابية جديدة تستطيع التقاط هذه التحولات. ومن ثم يُنظر إلى تجربة Nous بوصفها محاولة لإعادة تعريف الأدب الاجتماعي، لا عبر إحياء النماذج القديمة، وإنما عبر إعادة بناء العلاقة بين النص والحياة اليومية.

وفي فرنسا ظهر مسار موازٍ تمثل في أعمال إدوار لويس وديدييه إريبون، حيث تحولت السيرة الذاتية إلى وسيلة لتحليل التجربة الطبقية. فالصعود الاجتماعي لا يُقدَّم بوصفه نجاحًا فرديًا خالصًا، وإنما باعتباره تجربة يرافقها شعور دائم بالانقسام بين عالمين، وبالخزي الطبقي، وبالانفصال عن البيئة الأولى دون اندماج كامل في البيئة الجديدة. وهكذا أصبحت الكتابة وسيلة لفهم الأثر النفسي والثقافي الذي تتركه الطبقة في اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

ويتعزز هذا الفهم من خلال السوسيولوجيا المعاصرة، ولا سيما لدى بيير بورديو، الذي أوضح عبر مفهوم «الهابيتوس» أن الطبقة لا تُختزل في الدخل أو المهنة، وإنما تترسخ في أنماط التفكير والذوق واللغة والسلوك اليومي، بحيث يحمل الفرد أثر موقعه الاجتماعي حتى بعد انتقاله إلى طبقة مختلفة. ومن هنا يغدو الأدب قادرًا على الكشف عن الطبقة باعتبارها تجربة معيشة، أكثر من كونها تصنيفًا اقتصاديًا مجردًا.

كما توسعت الدراسات الثقافية في تفسير هذه التجارب من خلال مفهوم التقاطعية الذي طورته كيمبرلي كرينشو، والذي يبين أن التهميش لا ينتج عن عامل واحد، وإنما عن تداخل عوامل متعددة تتفاعل فيما بينها داخل التجربة الإنسانية الواحدة.

وفي هذا السياق تكتسب أعمال الكاتبة والمفكرة الألمانية البريطانية ميثو سانيال أهمية خاصة؛ إذ تقدم تصورًا أدبيًا وثقافيًا يرى أن التجربة الإنسانية تتشكل عند نقطة التقاء الطبقة والجندر، والأصل الثقافي والهوية والهجرة. لذلك تكشف أعمال ميثو سانيال أن التهميش يتحرك داخل خرائط اجتماعية متشابكة، تتقاطع فيها الطبقة مع الجندر، والعرق، والأصل، والهوية الثقافية، فتتشكل تجربة الإنسان عند نقطة التقاء هذه العلاقات جميعًا، الأمر الذي يمنح الأدب الطبقي المعاصر أفقًا أوسع من القراءة الاقتصادية التقليدية، ويجعله أكثر اقترابًا من تعقيد الواقع الإنساني.

ولذلك لم يعد الأدب الطبقي المعاصر يبحث عن بطل يمثل جماعة كاملة، وإنما عن فرد يحمل في داخله آثار التحولات الاجتماعية. فالخوف من السقوط الاقتصادي، والشعور بعدم الانتماء، والاغتراب الناتج عن الصعود الاجتماعي، وصعوبة الانتقال بين البيئات الثقافية، أصبحت جميعها موضوعات مركزية في السرد الحديث. ولم يعد السؤال الأساسي: كيف تناضل الطبقة؟ وإنما: كيف يعيش الإنسان طبقته؟ وكيف تترك البنية الاجتماعية أثرها في لغته وذاكرته وعلاقاته ونظرته إلى نفسه؟

أما في العالم العربي، فتأخذ هذه التحولات طابعًا خاصًا، حيث تنبع الكتابة الطبقية من سياقات العمل الهش، والبطالة، والهجرة، والاقتصاد غير المستقر، أكثر مما تنبع من حركات عمالية منظمة كما كان الحال في أوروبا الصناعية. ولذلك تظهر نصوص كثيرة تكتب من هوامش المدن، ومن المقاهي، ومن فضاءات التواصل الرقمي، حيث تصبح الكتابة تسجيلًا لتجربة العيش اليومي تحت ضغط القلق الاقتصادي والاجتماعي، وتغلب عليها اللغة المكثفة التي تقترب من الشهادة الشخصية دون أن تفقد بعدها الأدبي.

ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني القطيعة مع الإرث البروليتاري أو الواقعية الاشتراكية. فهذه التجربة التاريخية تظل إحدى اللحظات المؤسسة في تاريخ الأدب الاجتماعي، لأنها أرست تصورًا متكاملاً للعلاقة بين الأدب والمجتمع، وطرحت أسئلة العدالة والعمل والتحول التاريخي بصيغة سردية واسعة. كما تبقى مرجعًا نقديًا مهمًا تُقاس إليه التحولات اللاحقة، سواء من حيث قدرة الأدب على تمثيل البنى الاجتماعية، أم من حيث موقعه داخل المجال العام.

ومن ثم فإن الانتقال من الواقعية الاشتراكية إلى السرديات الطبقية المعاصرة يمثل تحولًا في أشكال التعبير أكثر مما يمثل تحولًا في جوهر السؤال الاجتماعي. فالأدب ما يزال منشغلًا بالعلاقة بين الإنسان والسلطة والاقتصاد والعمل والعدالة، غير أنه يعالج هذه القضايا اليوم من خلال الفرد، لا الجماعة، ومن خلال التجربة اليومية، لا السردية التاريخية الكبرى. وهكذا يغدو الأدب الطبقي المعاصر فضاءً للكشف عن الإنسان في هشاشته، ولإعادة التفكير في معنى الطبقة داخل عالم تتبدل فيه الحدود الاجتماعية باستمرار، دون أن يتخلى عن سؤاله القديم: كيف يمكن للأدب أن يمنح صوتًا لمن يعيشون على تخوم المجتمع، وأن يحول التجربة الفردية إلى معرفة إنسانية مشتركة؟

***

بولص آدم

شكَّلتْ سلسلةُ العبقريات علامةً فارقةً في منجز العقاد في البحث عن سرِّ التفوق والنبوغ لدى أبرز الشخصيات في التاريخ العربيّ الإسلاميّ، وتبقى كتبُهُ: (الله) و(إبراهيم أبو الأنبياء) و(الإنسان في القرآن) لوناً مختلفاً في الكتابة الدينية؛ إذْ هي أقربُ إلى تخصص علم الأديان المقارن وحقل أنثروبولوجيا الدين؛ فقد دشن لوناً مختلفاً في الكتابة قبلَ أنْ يُدشنها غيرُهُ بعقودٍ طويلةٍ من الزمنِ. وأَبْدَعَ في النَّقدِ فكتبَ (الدّيوانَ) بمعية المازنيّ فأَسْهمَ فيْ مسارِ حَداثةِ النَّقدِ العربيّ فيْ بَواكيره ِالمُعاصِرة عبر مدرسة الدّيوان ومن خلال معاركه الأدبية مع شعراء وكتاب عديدين. ولَهُ نتاجٌ ضخمٌ في التَّاريخ والسياسة والفلسفة والفكر، ولم يحالفه التوفيقُ في كتابة الشّعر وكتابة الرواية على الرغم من محاولاته الجادة في ذلك. ولا يمكن أن يُقَيَّمَ نتاجُ العقاد خارج إطار مفهوم (تاريخانية النَّص) بكل ما للمصطلح من مفهوم نقديّ. فمَنْ مِنِ القراء المعاصرينَ يمكنه أنْ يتفاعلَ أو يجدَ مُتعةً في القراءة مع كتابهِ عن النازية وهتلر مثلاً ؟ هذا الكتاب الذي كان له صدى مهم ضمن تلقياتِ عَصْرِهِ المتزامنة للحرب العالمية الثانية، وغيرُ هذاْ كثيرٌ. وللعقاد كتابانِ عنْ سِيرتِهِ هُمَاْ (أنا) وكتابه الثاني (سيرة قلم)، والأولُ الذي حملَ عتبةً نصيَّةً مُفارِقةً في عنوانهِ المتجسد في كلمةٍ واحدةٍ (أنا) كانَ عبارةً عن مقالاتٍ صحفيةٍ عَنْ سيرتهِ وطفولتهِ ونشأته وأَسرته استكتبته فيها مجلةُ الهلالِ، وهو ــ في ظني المتواضع ــ أقربُ إلى السيرة الذاتيَّة من الثَّاني (سيرة قلم) فهو أقربُ إلى السِّيرة المهنية والفكرية تحدَّث فيه عن مسيرته في الكتابة والعمل في الصحافة والسياسة وتحدث مفصلاً عن رأيه في الفن والأدب والدين والحياة ، وهذه الثنائية في الكتابة والتمييز بين سيرتين سيرة ذاتية حياتية اجتماعية وأخرى مهنية فكرية ربما هي التي ألهمت المفكرَ والفيلسوفَ زكي نجيب محمود التمييزَ بينهما في الكتابة فيما بعد حينما عمد إلى كتابة سيرته؛ ففي كتابه الأول (قصة نفس) تحدث زكي نجيب محمود عن نشأته وحياته وأسرته ودراسته بأسلوب رمزيّ، وفي كتابه الثاني(قصة عقل) اختار الحديثَ عن فكره وتحولاته وفلسفته في الحياة والوجود. ولم ينتهجْ المفكرُ المغربيّ محمد عابد الجابري النهجَ نفسه في سيرته (حفريات في الذاكرة من بعيدة) فقد غلبت فيها السّيرة الذاتية الشخصية، ولكنه فطن إلى أهمية تشكل رؤيته الفكرية عن الوجود والقيم فألحقَ كتابَهُ بما أسماه: بـ (نصوص) وهي مقالات كان قد كتبها تتعلق بالمستقبل وقلق الشباب وأبرز الاسئلة الدينية العقائدية والمرأة والحب وغيرها، فهي عملية أرشفة وإعادة نشر لمقالات كان قد كتبها في ستينيات القرن العشرين تتعلق بمخاض تشكل أسئلته مكتفياً بانتخابِ نماذجٍ منها، ولكنه بعد حين وعد بإصدار الجزء الثاني المتعلق بسيرته وتحولاته الفكرية. ولكنه لم يرَ النور بعد على الرغم من مضي سنوات عديدة على وفاته. ففي ظني إذا كان طه حسين هو رائد أدب السيرة العربي فإنَّ العقاد هو من دشن التمييز بين سيرة ذاتية وأخرى فكريَّة، وأوحى بها لمن بعدَهُ، وعلى أية حال فعلى الرغم من جرأة العقاد في الكتابة بنحو عامٍ لكن سيرته (أنا) لم تتضمنْ اعترافاتٍ خطيرة كما هو معهود في فن السِّيرة؛ فقد سادها الحذرُ والتَّحفظ ُ، فلم تشرعْ نافذةً على البوح والاعتراف كما صَنَعَ توفيق الحكِيْم في سِيرته (سُجن العمر) فقد تضمنتِ الاعترافَ بخصوصياتٍ دقيقةٍ. ولم تتضمنْ (أنا) العقاد حديثاً جريئاً عن الطفولة بتلقائيتها وعبثها ولعبها وسذاجتها ومخاوفها كما تضمنت (الأيام) لطه حسين النَّص المؤسس لفن السيرة المعاصر، فقد غلبت على (أنا) العقاد التأملات الفكرية في الطفولة والشباب والكهولة والحب والأمل والصحة والمرض وغيرها. لقد مثلت الطفولة أبرز معالم أدب السيرة الذاتية؛ لأنها تشكل التحدي الأكبر إزاء استدعاء الذاكرة واستنباتها في لحظات الكهولة وزمن الكتابة وإلى جنب ما لها من محطات مشرقة وسعيدة في عمر الإنسان بنحو عام فضلاً عن تحرر الكاتب من تبعات البوح؛ فالطفل لا يُؤاخذ على ما يفعل في طفولته من حماقات وأخطاء. والطفولة تمثل أجمل فصول السير الذاتية في مطالعة أدب السيرة في التشويق والتوثيق والاستبطان لأغوار نفوس الأطفال ذلك العالم المجهول لنفوس الكبار. وما استأثرت به سيرة العقاد (أنا) عن غيرها من سير الأدباء هو حديثه وتوثيقه لخلجات الفرح عند الطفل وأزمنتها التي يمثل العيد فيها محطة كبرى وميقاتا بارزاً يتهيأ له الأطفال بلوازم من ثياب ونقود وحلوى وألعاب تملأ عليهم العيد بهجة وسروراً وألقاً. وفي الختام تجدر الإشارة أنَّ كلمة (أنا) صحيح أنها تمثل مشيراً لفظياً يُعيّنُ طرفَ الخطاب لكنها في متخيلها التداوليّ مشحونة جداً بإيحاءات سلبية عن ذات متعالية في اعتداد مفرط قد يُؤاخذ عليها صاحب السّيرة. والحق لم تكن رغبة المؤلف منعقدة بهكذا عنوان، فقد كانت نيته أنْ ينشرَ تلك المقالات تحت عنوان موسوم بكلمة واحدة هي: (عني) يصدر فيما بعد في كتابٍ يضمُ ما تفرق مِنْ مَقالاتٍ، ولكن بعد وفاته اختارتْ مجلةُ الهلال ومحررُهاْ كلمة (أنا)، وقدْ يبدو اختياراً موفقاً لكنه لا يعكسُ رغبةَ العقادِ الحقيقيَّة في العنوان.

***

كـريم عـبيـد علـوي

باحث وتدريسي في جامعة بغداد

لعلَّه قد تبيَّن خلال المساقات السابقة أنَّ طامَّتنا الثقافيَّة ليست في الأدب وحده، ولا في الرواية وحدها، وإنَّما هذان تجلِّيان لشبكةٍ أعمق من العُقَد اللُّغويَّة والثقافيَّة والحضاريَّة، تسري في الذات العَرَبيَّة، تربيةً وتعليمًا ونُضجًا حضاريًّا. ومن ثَمَّ لا غرابة أن تؤدِّي حواراتنا عادةً إلى (لا نتيجة)، بل إلى نتائج عكسيَّة، من تأجيج الخلافات القديمة والصراعات المطويَّة. ولا عجب أن تُفضي بعض الممارسات التي تُسمَّى ديموقراطيَّة إلى ما تُفضي إليه من فوضى و«مليشيَّات»؛ لأنَّ العقل غير المهيَّأ لثقافة الحِوار، سيظلُّ مُزايِدًا، مُدَّعيًا، مُزوِّرًا للأقوال والحقائق، والمجتمع غير المهيَّأ للديموقراطيَّة كذلك سيتحوَّل إلى قطعان من «العناتر» المدجَّجين بأسلحتهم، يأخذون المجتمع إلى القلاقل وتعطُّل المصالح، وربما إلى الحروب الأهليَّة. ولذا فإنَّ كثيرًا من مضامين الرواية العَرَبيَّة تعكس عقليَّتنا وثقافتنا وأمراضنا، لا بالمعنى الإيجابيِّ الذي يمكن أن يعكسه العمل الأدبيُّ عن مجتمعه، ولكن بصورةٍ استنساخيَّة لوجوه تلك العقليَّة والثقافة والأمراض البدائيَّة التقليديَّة، الهادفة باستمرارٍ إلى إقصاء الفريق الآخَر، ونفي اسمه وحضوره. حتى وصل الأمر إلى كتابة روايةٍ لا لشيء سِوَى لتَرُدَّ على روايةٍ صدرت عن حزبٍ نقيض! أي أنَّنا ما زلنا في أحراش (جرير) و(الفرزدق) النقائضيَّة، محافظين وليبراليِّين، يلعن أحدنا الآخَر، ويكيد له كيدًا بكلِّ وسيلة، بما فيها وسائل الكتابة والأدب، تحت دعوَى التنوير والتغيير وكشف المسكوت عنه. ولا تنوير، ولا تغيير، ولا كشف مسكوت عنه، وإنَّما تهارش قبائل وانتماءات وولاءات وتعصُّبات، لا يمكن أن تؤسِّس في واقعها المشهود مجتمعًا ثقافيًّا حضاريًّا، تتعايش فيه جميع الأطياف والرؤى على اختلاف مشاربها.  قلت لـ(ذي القُروح)، وقد كاد يخرج من إهابه:

ـ والخلاصة؟

ـ الخلاصة أنَّ فكرة «الأدبيَّة» المغلوطة لا تحمي الخطابات النَّزِقة، المضادَّة للمجتمعات وأعرافها بحالٍ من الأحوال، تحت ذريعة الحُرِّيَّة أو التعبير؛ فالحُرِّيَّة معروفة، والتعبير مفهوم، والأدب معلوم، وليست تلك الشعارات بشمَّاعاتٍ مقبولةٍ لتُلقَى عليها تفاهات النفوس وأمراض العقول وعَتَه الأقلام.

ـ في المقابل، ماذا عن الأدب الوعظي؟

ـ لستُ أدري- إنْ لم تكن واهمًا- لِـمَ وصفته بـ«الوعظي»؟ وما مفهوم الوعظيَّة لديكِ؟

ـ الوعظي...

ـ لاحظ أنَّ هذا ضربٌ من التصنيف المضادِّ، الذي تنفر منه! ما الوعظي؟

ـ هو ما يدعو إلى العِبرة، دون أن يُقدِّم بالضرورة تعليلاتٍ مقنعةً عقليًّا، وإنَّما يتَّكئ على النُزوع الإيماني.

ـ أنْ نصفَ كلَّ ما يدعو إلى مراجعة القِيَم، والسلوكيَّات، بالوعظيِّ، فيعنى ذلك أمرين: أنَّنا نُصِرُّ على أن نُتبع نفوسنا هواها- مغمضي العيون- وأن نُقصي مَن يحاول تنبيهنا إلى الهاوية، بحُجَّة أنَّه: واعظ، ومثالي! والمفارقة هنا أن تُصبح «العِظة» و«المثاليَّة» سُبَّةً، ونقيضهما مِدْحة!

ـ الإشكال هنا أنَّ الأسلوب الوعظي يتنافَى مع طبيعة الأدب.

ـ لكلِّ حادث حديث. حينما يكون المتحدِّث ناقدًا أدبيًّا، يتحلَّى بالعِلميَّة والموضوعيَّة، لا ناقدًا مؤدلجًا، فلا خلاف معه. أمَّا حين يأتيك القائل من خندق الأدلجة أو الجهل، وهو لا يعرف ما طبيعة الأدب أصلًا وما وظيفته، فيقال له، عندئذٍ، أرِنا عَرض كتفيك:

ما أنتَ بالحَكَمِ الـتُرْضَى حُكُوْمَتُـهُ

ولا الأصيلُ ولا ذي الرَّأْيِ والجَدَلِ!

ـ مَن الشاعر؟

ـ هذا بيت شاع وذاع، وحفِّظناه، صِغارًا وكِبارًا، على أنه للفرزدق، ولكن ليس في ديوانه المطبوع، ولا حتَّى في مستدركات ديوانه.(1) نسبَه (الأزهري) في «تهذيب اللُّغة»(2) إلى الفرزدق. ونقل ذلك عنه (ابن منظور)، كالعادة، في «لِسان العرب».(3) ومن المشتغلين بالنحو، ووَرَثَة نِسْبَتِه إلى الفرزدق (عبدالقادر البغدادي)، في «خزانة الأدب».(4) وقد مرَّ على كلامه، (عبدالسلام محمَّد هارون)، المنعوتُ بشيخ المحقِّقين، مَرور الأَضِرَّاء، بلا تحقيق، ولا توثيق، ولا تعليق. ومن المحدَثين (محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد)، في «شرح ابن عقيل»؛ فحين وجد أنَّ ابن عقيل قد أورده بغير نِسبة؛ تطوَّع هو فنسبَه إلى الفرزدق، بلا توثيق، وساق حوله قصَّةً طريفة.(5)  وهكذا فالبيت ضائع، كمعظم تراثنا، والمحقِّقون- أو مَن ينعتون بالتحقيق- يمرُّون على ذلك غالبًا صمًّا وعميانًا! فلا تسألني أسئلة تثير الشجون من هذا النوع!

ـ كيف ليس في مستدرك ديوانه؟

ـ وهذا من أعجب العجب! يبدو أن الباحثَين اللَّذين حاولا أن يستدركا على ديوانه، لم يمرَّ بهما ذلك البيت المشهور، الذي نسبَه إليه غير واحدٍ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليحقِّقا صحَّة نِسبته أو لينفياها. إنَّ مَن يتابع ما يحدث في شؤون تحقيق التراث في عالمنا العَرَبي لا يصدِّق ما يحدث! أمَّا (الفرزدق)، فيبدو أنْ قد تواكلته طوالع الشؤم، بدعوةٍ من (جرير)، فلم يحظ بجمع شِعره وتحقيقه جمعًا وتحقيقًا عِلميًّا يليق به. وإنَّما هي أمشاجٌ بائسة، يستنسخ بعضها بعضًا، في منافساتٍ تجاريَّة غالبًا.

ـ ما لفتَ نظري توالي استشهادك بالفرزدق!

ـ يبدو أنَّه كان يثير حفيظة النُّحاة، فنسبوا إليه من الشِّعر والحكايات ما يصحُّ وما قد لا يصح!

ـ نعود إلى أدب الوعظ والدعوة والإرشاد!

ـ سَمِّه ساخرًا كما يحلو لك! غير أنَّ ما يُنعَت بهذا النعت لإقصائه، ليس وعظيًّا أحيانًا، وإنَّما هو «وَعْيِي»، إذا جاز القول، وداخلٌ في (النقد الثقافي). ولا يَعيبه، بحالٍ، أن تكون منطلقاته غَيرةً دِينيَّة، إلَّا لدَى من بات يرى الغَيرة الدِّينيَّة عيبًا في التكوين المعرفي والثقافي! ثمَّ ألا ترى أنَّ الطَّرَف الآخَر يَعِظ بطريقته الخاصَّة أيضًا؟! أعني أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو على جبهةٍ من صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه هو الآخَر، ربما الشيطانيَّة، مهاجمًا أفكارًا بأفكار، وسلوكيَّات بأخرى، وتوجُّهات بتوجُّهات مضادَّة، داعيًا مخلصًا إلى تركيبةٍ اجتماعيَّةٍ معيَّنة، وأنماط حياتيَّة يحبِّذها. فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل، لتقريب المعنى: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة- العَرَب منهم بخاصَّة- قد يعجبك من أحدهم «قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ!» يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطابٌ أُصوليٌّ مسيَّسٌ أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك، ولا ليبراليَّة، ولا علمانيَّة، ولا يفرحون! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنه لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالقفز من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر!

* مرفأ:

إذا ما كُنْتَ تَسْمَعُ نَـبْضَ عَيْـنِـيْ

فمِـلْءُ العَـيْنِ ساكِنُها جَـمَالا

وكَمْ حُـرٍّ يُـكَـبِّـلُـهُ جَـمِيْـلٌ

وكَمْ عَـبْدٍ يُـحَـرِّرُهُ، اعتِقَالا

هِـيَ الدُّنـيا وما فِيها؛ فـأَنَّـى

تُقَطِّعُ مِن عُرَى الدُّنـيا الحِـبَالا

بَـلِ الدُّنْـيَا تَزُوْلُ وعَاشِقُـوْهَا

ويَـأْبَـى وَجْـدُ عَاشِقِهَا زِيَـالا

وأَعْجَبُ ما رَأَيْـنا في المَـرَايـا

جُـنُـوْنٌ عَارِيًا يَفْرِيْ الرِّمَـالا

وما هُوَ واصِلٌ في الأُفْقِ عِشْقًا

ولا استَدْنَى لِوَاصِلَةٍ وِصَالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

..................

(1)  يُنظَر: النهار، طرَّاف طارق، «المستدرك على ديوان الفرزدق»، مجلَّة الآداب، كليَّة الآداب، جامعة ذمار، اليَمَن، العدد 4، يوليو 2008، ص288- 312؛ محمَّد طالب الأسدي، «المستدرك على شعر الفرزدق»، مجلَّة اللُّغة العَرَبيَّة وآدابها، كليَّة الآداب، جامعة الكوفة، مجلد1 عدد 9، نيسان 2010، ص 251-282.

(2)  يُنظَر: (أمس).  

(3)  يُنظَر: (أمس)، (لوم).  

(4)  يُنظَر: (1979)، خزانة الأدب ولُبُّ لُباب لسان العَرَب، تحقيق: عبدالسَّلام محمَّد هارون، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 32.  

(5)  يُنظَر: (1980)، شرح ابن عقيل على ألفيَّة ابن مالك، تحقيق: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، المسمَّى «منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل»، (القاهرة: دار التُّراث)، 1: 157.

في عرضحال بغدادي

لا تبدو مجموعة "عرضحال بغدادي" لخضير فليح الزيدي مجموعةً قصصية بالمعنى التقليدي الذي يجمع نصوصاً متجاورة ومستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفككة الأجزاء، تتعدد فيها الوجوه بينما تبقى الحكاية واحدة. فالشخصيات التي تتوزع على القصص المختلفة لا تؤدي وظيفة فردية أو درامية فحسب، بل تتحول إلى شظايا من صورة أكبر، هي صورة المجتمع العراقي خلال العقود الأربعة الأخيرة. ومن هنا فإن القيمة الفنية الأبرز للمجموعة لا تكمن في الأحداث بقدر ما تكمن في الشخصيات التي تتحرك داخل فضاء بغدادي مثقل بالحروب والانكسارات، حتى تغدو كل شخصية مرآة لجرح اجتماعي أو نفسي أو أخلاقي أصاب البنية العميقة للمجتمع.

يرى الناقد الفرنسي فيليب هامون Philippe Hamon أن الشخصية ليست كائناً مستقلاً داخل النص، بل هي "علامة" تحمل شبكة من الدلالات الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى شخصيات المجموعة بوصفها تمثيلات لفئات اجتماعية أكثر من كونها أفراداً منفصلين. فالعامل، والعانس، والشاعر، والجندي، واللص، والمثقف، جميعهم يتحولون إلى علامات ثقافية تكشف ما أصاب المجتمع العراقي من تشظٍ وتراجع في منظومته القيمية والرمزية.

لا يقدم الزيدي بطلاً مركزياً يقود السرد، لأن البطولة نفسها تبدو فكرة مستحيلة في عالم فقد يقينه. ولذلك يختار شخصيات هامشية: عامل بسيط، امرأة وحيدة، شاعر منسي، جندي غائب، لص، موظف، أو رجل يقضي عمره في الانتظار. هؤلاء ليسوا أفراداً معزولين، بل تجليات متعددة لإنسان عراقي واحد أنهكته الحروب والحصار والاضطرابات السياسية، وفقد تدريجياً قدرته على الحلم وصناعة المستقبل. وتظهر بغداد في المجموعة بوصفها بطلة خفية تقف وحيدة بعد أن جُرّدت من كثير من ملامح مدنيتها وتاريخها، فلم تعد المدينة إطاراً للأحداث، بل أصبحت موضوعاً للرثاء ومصدراً دائماً للأسئلة.

في هذا السياق تغدو بغداد أكثر من مكان للأحداث، إنها الشخصية الكبرى التي تتفرع عنها جميع الشخصيات الأخرى. مدينة تتكلم عبر أبنائها المنكسرين، وتكشف من خلال مصائرهم حجم الخراب الذي أصاب الإنسان قبل أن يصيب الحجر. ومن خلال "Irony" - تقنية السخرية والمفارقة، ولا سيما السخرية السوداء، يوظف الزيدي التناقض الصارخ بين الحقيقي والزائف، وبين الشعارات والواقع، لرصد حياة عبثية تعيش داخل شبكة من المسميات الفارغة التي فقدت معناها الأصلي. فالحانة تصبح أكثر أمناً من الوطن، واللصوص أكثر التزاماً بالأخلاق من المجتمع، والحمار أكثر وعياً بكرامته من الإنسان. ومن خلال هذه المفارقات يبني الكاتب عالمه السردي القائم على قلب المعايير وكشف زيفها.

الإنسان بعد الحرب: انكسار الحلم والعيش في الهامش

تكشف شخصيات المجموعة عن أثر تاريخ طويل من العنف السياسي والحروب المتعاقبة، لكن هذا الأثر لا يظهر في صورة خطابات سياسية مباشرة، بل يتجسد في البنية النفسية للشخصيات نفسها. فالحروب هنا ليست أحداثاً ماضية انتهت بانتهاء زمنها، بل حالة مستمرة تسكن الوعي الجمعي وتعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وأنماط التفكير والسلوك.

يرى عالم النفس الألماني إريك فروم أن المجتمعات التي تتعرض لفترات طويلة من الخوف والحرمان تنتج أفراداً يعانون من القلق المزمن وفقدان الثقة بالمستقبل. وهذا ما نجده في شخصيات المجموعة التي تبدو عاجزة عن بناء مشاريع حياتية مستقرة، وتعيش غالباً داخل دائرة الانتظار والتردد والانكسار. فالشخصيات لا تتحرك نحو المستقبل بقدر ما تحاول الاحتماء من الحاضر.

وتعيش هذه الشخصيات حالة من الإحباط الجمعي وانسداد الأفق. لا أحد يمتلك مشروعاً كبيراً أو حلماً واضحاً، والجميع منشغل بمحاولة النجاة من يومه فقط. فالعانس في "خريف العانس" ليست امرأة أخفقت في الزواج فحسب، بل نموذج لإنسان اكتشف متأخراً أن حياته استُهلكت في خدمة منظومة اجتماعية لم تمنحه شيئاً في المقابل. لقد أمضت عمرها ملتزمة بما اعتبرته فضائل المجتمع وأخلاقياته، لتكتشف في النهاية أن تلك الفضائل نفسها كانت سبباً في مصادرة حياتها الفردية وحرمانها من حقها الطبيعي في الحب والاختيار.

أما الشاعر في "ابنة الشاعر" فلا يمثل المثقف الخلاق بقدر ما يمثل المثقف الذي فقد تأثيره الاجتماعي وتحول إلى كائن معزول يترك خلفه بيرية مثقوبة وديوناً أكثر مما يترك إرثاً إبداعياً. وهي صورة لا تتعلق بشخصية فردية فحسب، بل تعكس تراجع الدور الرمزي للثقافة والمثقف في مجتمع أرهقته الأزمات المعيشية والسياسية.

وتجسد شخصية حسن في "غودو بغدادي" حالة الانتظار الوجودي التي أصبحت سمة لجيل كامل. انتظار لا يتعلق بشخص بعينه أو حدث محدد، بل بغياب دائم للخلاص. لقد تحول الانتظار نفسه إلى أسلوب حياة، وكأن الأمل لم يعد في تحقق الحلم، بل في استمرار إمكانية الحلم فقط. وهنا تقترب الشخصية من أجواء العبث الوجودي التي عرفها الأدب العالمي منذ بيكيت، لكن بمرجعية عراقية مشبعة بالحروب والفقدان.

ومن خلال هذا الحضور الكثيف للشخصيات المهمشة، يرسم الزيدي صورة لمجتمع تآكلت طبقته الوسطى وتراجعت طموحاته الكبرى. فالفقر ليس مجرد نقص في الموارد، بل حالة نفسية تسلب الإنسان قدرته على تخيل مستقبل مختلف. ولذلك تبدو شخصيات المجموعة سجينة حاضر ثقيل، عاجزة عن تجاوز خساراتها أو بناء بدائل حقيقية لها.

تشوه العلاقات الإنسانية وانهيار المنظومة الأخلاقية

إذا كانت الحروب قد أفقرت الإنسان مادياً، فإنها في المجموعة أفقرته عاطفياً وأخلاقياً أيضاً. فمعظم العلاقات الإنسانية تبدو مشوهة أو ناقصة أو عاجزة عن تحقيق معناها الطبيعي. وكأن الخراب الذي أصاب المجال العام تسلل تدريجياً إلى المجال الخاص، فأفسد أبسط الروابط الإنسانية.

في قصة "عبس بس الرجل الحمار" يصل هذا التشوه إلى ذروته. إذ يتحول الإنسان إلى كائن لا يمتلك من إنسانيته سوى الغريزة، بينما يكتسب الحمار وعياً أخلاقياً وإنسانياً يفوق وعي البشر. وتقوم القصة على مفارقة لاذعة تجعل الحيوان أكثر إحساساً بحقه في الكرامة من الإنسان نفسه. بل إن الحمار، الذي يفترض أن يكون رمزاً للخضوع، يتحول إلى شخصية تحتج على الاستغلال وترفض اختزال وجودها في وظيفة بيولوجية أو نفعية. وهنا لا يصبح الحمار رمزاً للحيوان، بل مرآة لإنسان جرى تجريده من إنسانيته تحت ضغط الفقر والقهر والحرمان.

وتتكرر الفكرة نفسها في "ليلة عرس الضباع"، حيث تتحول المرأة التي أثبتت شجاعة وكفاءة استثنائية إلى ضحية لجماعة من الذكور لا يرون فيها سوى موضوع للرغبة. هنا تنقلب المعايير الأخلاقية رأساً على عقب، فالمرأة ترتقي أخلاقياً حتى تكاد تجسد قيم الرجولة التقليدية من شجاعة ونبل ومسؤولية، بينما ينحدر الرجال إلى مستوى الغريزة المجردة. وليست القصة إدانة لأفراد بعينهم، بل لمجتمع فقد توازنه الأخلاقي وأصبح عاجزاً عن الاعتراف بقيمة الإنسان خارج محددات الجنس والقوة.

وفي "زوجة رجل هامشي" يذهب الكاتب إلى مستوى آخر من الانهيار، حيث يستمر الزواج لأن التواصل انعدم تماماً بين الزوجين. الصمت هنا ليس علامة انسجام، بل دليل على موت العلاقة الإنسانية. وكأن المجتمع الذي فقد قدرته على الحوار والتفاهم أعاد إنتاج هذا العجز داخل أكثر العلاقات حميمية.

حتى في "لص ليلة الجمعة" تتجلى المفارقة الأخلاقية بوضوح. فبينما ينهار النظام القيمي في الواقع، يظهر عالم اللصوص محكوماً بقوانين داخلية أكثر صلابة واحتراماً من المجتمع الخارجي. وهكذا تصبح السرقة مهنة لها أعرافها الخاصة، ويغدو اللص أكثر وفاءً لرفاقه من كثير من الشخصيات "الشرعية" في المجتمع. إنها سخرية سوداء تكشف أن الخلل لم يعد محصوراً في الأفراد، بل أصاب البنية الأخلاقية ذاتها.

الثقافة في زمن الخراب: موت المعنى وتسطيح الوعي

لا يقتصر الخراب في "عرضحال بغدادي" على المجالين الاجتماعي والأخلاقي، بل يمتد إلى الثقافة نفسها، حيث يرصد الزيدي تراجع دور الأدب والمثقف وانحسار القيمة المعرفية للثقافة في مجتمع أرهقته الحروب والأزمات المتلاحقة. فالثقافة التي كانت يوماً إحدى أدوات بناء الوعي وتحريك الأسئلة الكبرى تبدو في هذه القصص وقد فقدت كثيراً من قدرتها على التأثير، لتحل محلها مظاهر شكلية وأصوات عالية تخفي خواءها خلف اللغة المنمقة والشعارات الكبيرة.

 ففي "ابنة الشاعر" يقدم الزيدي واحدة من أكثر صوره مرارة في تشخيص أزمة الثقافة. فالشاعر الذي يفترض أن يكون حارس المعنى وصاحب الرؤية يتحول إلى شخصية هامشية لا يعرفها أحد، مثقلة بالديون، عاجزة عن ترك أثر حقيقي في محيطها. وتبدو البيرية المثقوبة التي يتركها خلفه رمزاً مزدوجاً لفقره المادي وفقر منجزه الإبداعي معاً. أما العبارة المتفخمة المنقوشة على قبره: "الريح تعوي وتراب القبر يبكي"، فتتحول إلى سخرية من الميل إلى تضخيم الصورة وتعويض ضحالة التجربة ببلاغة لفظية فارغة.

وتتوسع هذه الرؤية في "عرضحال بغدادي" حين تصبح الحانة ملاذاً للمثقفين وكتّاب العرائض معاً، في إشارة إلى تراجع العمق الثقافي وتسطيح الوعي، حتى غدت الكتابة تقاس بزخرفة العبارات وعدد الكلمات أكثر مما تقاس بقيمة الأفكار. وتولد السخرية هنا من المساواة بين مشروعين متناقضين: مشروع فكري يبحث في قضايا الأدب والمعرفة متمثلة ب "أصول الحداثة"، وآخر يختزل الكتابة في مهارة شكلية. ومن خلال هذا التوازي يكشف الزيدي انحسار العمق الثقافي وصعود ثقافة الاستهلاك اللغوي، حتى يغدو كاتب العريضة أكثر حضوراً وتأثيراً من الكاتب أو المثقف.

وفي "الدفء تحت معطف غوغول" تظهر صورة أخرى لهذا التراجع، إذ يجد الصحفي الذي يقضي حياته في قراءة شكاوى الآخرين ومعالجة أزماتهم نفسه عاجزاً عن معالجة أزمته الشخصية أو منح حياته معنى مختلفاً. وكأن المعرفة نفسها فقدت قدرتها على إنقاذ أصحابها، وتحولت إلى وظيفة يومية لا أكثر.

أما في "فيل القصة المجنح" فيوجه الزيدي نقداً مباشراً للكتابة التي تستعيض عن الواقع بالزخرفة، وعن الأسئلة الحقيقية بالأوهام المصنوعة. فالفيل المجنح ليس سوى رمز للتفخيم والكذب وصناعة البطولات الوهمية التي يلجأ إليها بعض الكتّاب لإبهار القارئ، بينما يمتلئ الواقع بحكايات إنسانية أكثر عمقاً وأشد إلحاحاً. وهكذا يدافع الكاتب عن أدب ينحاز إلى الإنسان العادي وإلى الحقيقة المرة، لا إلى الاستعراض البلاغي أو الأحلام المصنعة.

ومن خلال هذه النماذج جميعاً، تبدو الثقافة في "عرضحال بغدادي" جزءاً من الأزمة العامة لا معزولة عنها. فكما انهارت منظومات القيم والعلاقات، تراجع أيضاً دور الأدب والمثقف، وحلّت محل الأسئلة الكبرى نزعة متزايدة إلى التسطيح والاستهلاك اللغوي. لذلك لا يرثي الزيدي أفراداً بعينهم، بل يرثي زمناً كاملاً فقد فيه الشعر رسالته، والمثقف مكانته، والكلمة قدرتها على إحداث التغيير.

الجسد والهوية والبحث عن معنى الوجود

جانب آخر من الخراب الذي ترصده المجموعة يتمثل في العلاقة المأزومة مع الجسد والهوية والانتماء. فالشخصيات لا تعاني فقط من الفقر أو التهميش، بل من فقدان المعنى أيضاً.

في "خريف العانس" يتحول الجسد الأنثوي إلى ساحة صراع بين الرغبة الطبيعية وسلطة الأعراف الاجتماعية. وتكتشف المرأة متأخرة أن سنوات عمرها ضاعت تحت وطأة الوصايا والمحرمات والخوف من نظرة المجتمع. غير أن المفارقة الأشد قسوة تكمن في أنها حين تحاول التمرد تكتشف أن التحرر الخارجي أسهل من التحرر الداخلي، وأن الأفكار التي زرعتها الثقافة المحافظة أعمق من أن تزول بمجرد تغيير المظهر أو السلوك. لقد استطاعت أن تخلع الحجاب، لكنها لم تستطع أن تخلع من داخلها منظومة كاملة من الخوف والذنب والرقابة.

وفي "شيء ما يلاحقني يدعى أبي" ينتقل الصراع من الجسد إلى الهوية. فالاسم لم يعد مجرد تعريف بالشخص، بل أصبح علامة طائفية واجتماعية تلاحقه أينما ذهب، (كل الأردية زائفة، والطوائف أردية تنهش لحمنا ونحن شبه أحياء نحتاج الى الهروب الى كوكب آخر يخلو منها لنحيا دون تساؤلات وعقد نفسية). وهنا يكشف الكاتب عن التحول الذي أصاب المجتمع العراقي حين تراجعت الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية المتصارعة، فأصبح الإنسان يُحاكم على اسمه وانتمائه قبل أن يُنظر إلى فرديته وإنسانيته.

أما في "عرضحال بغدادي" نفسها، فتبلغ السخرية ذروتها حين تصبح الحانة أكثر قدرة على توفير الأمان من الوطن أو الدولة. ليست الحانة هنا مكاناً عابراً، بل رمزاً لانهيار المؤسسات الكبرى التي يفترض أن تمنح الإنسان الشعور بالحماية والانتماء. ومن هنا تكتسب العبارة: "كل من دخل حانة دانيال فهو آمن" قوة مفارِقة تكشف حجم الاختلال الذي أصاب الواقع. فالأمن الذي كان يفترض أن توفره الدولة أصبح يُطلب في الهامش، بينما فقد المركز قدرته على أداء وظيفته الأساسية.

خاتمة: سيرة مجتمع من خلال وجوه أفراده

تنجح "عرضحال بغدادي" في تحويل الشخصية القصصية إلى وثيقة ثقافية واجتماعية ترصد التحولات العميقة التي شهدها المجتمع العراقي خلال عقود من الحروب والعنف والتقلبات السياسية. فالعانس، والشاعر، والعامل، واللص، والجندي الغائب، والمرأة المقهورة، والمثقف المنكسر، ليسوا شخصيات منفصلة، بل وجوه متعددة لإنسان واحد يعيش آثار الكارثة التاريخية.

تكشف أغلب الشخصيات عن وعي مهزوم بالواقع. فلا نجد شخصيات تمتلك مشاريع كبرى أو أحلامًا واضحة، بل أفرادًا يحاولون النجاة من يومهم فقط. وهذا ما يمكن ربطه بمفهوم الإحباط الجمعي Collective”  Frustration " الناتج عن تكرار الخسارات التاريخية وتراكم الصدمات السياسية والاجتماعية.

ومن خلال هذه البانوراما البشرية الواسعة، يقدم خضير فليح الزيدي تأريخاً غير مباشر للخراب العراقي، تأريخاً لا ينشغل بسرد الوقائع السياسية بقدر انشغاله بما فعلته تلك الوقائع في النفس الإنسانية. فالحروب في هذه المجموعة لا تظهر في ساحات القتال، بل في الخوف المزمن، والكبت، والعزلة، والانتظار، وانهيار العلاقات، وفقدان الثقة بالمستقبل، وتراجع المنظومة الأخلاقية، وتحول الإنسان إلى كائن منشغل بالبقاء أكثر من انشغاله بالحياة.

وهكذا تتجاوز الشخصيات حدودها الفردية لتصبح استعارة لمجتمع بأكمله، وتتحول "عرضحال بغدادي" إلى مرثية طويلة لبغداد المعاصرة، وإلى شهادة أدبية على إنسان ما بعد الحرب، ذلك الإنسان الذي خسر الكثير، لكنه ما زال، رغم كل شيء، يتشبث بخيط واهٍ من الحياة والمعنى.

***

بشرى الهلالي- العراق

رمق ضوء" ليس مجرد كتاب ادبي، إنه شهادة حياة خطّتها الأديبة الشاعرة إنعام كمونه بمداد من مكابدات المرأة وأوجاعها وآمالها. هو مجموعة نصوص نثرية شعرية تتجاوز حدود الورق، لتصبح مرآةً تعكس صراع الأنثى مع الوجود، وبحثها الدائم عن ذاتها وسط متاهات الحياة.

 إن المرأة في نصوص كمونه ليست "بقايا ضوء" تذوي عند أول عاصفة، بل هي الحياة نفسها. حياة تنبض بالعناد، وتتشبث بالبقاء، وتحوّل العدم إلى وجود. من رحم الألم تولد، ومن قلب الظلام تشق طريقها. تكتبها الكاتبة ككائنٍ متجذرٍ في الماء والأرض والنجوم والسماء، فهي الموج حين يثور، والتربة حين تُعطي، والنجم حين يهدي التائهين، والسماء حين تتسع للجميع.

الغلاف

يُعدّ تصميم الغلاف أهمية أدبية للنصوص الحديثة، وتقنية فنية لجذب القارئ نفسيا وحسيا وشعوريا، يرتسم أول انطباع عن كونية النصوص، ومهما تكون صورة الغلاف رسما أو تشكيلا مركبا هوعتبة بصرية ورمزية دلالية، تسهم في توجيه شغف القارئ نحو عالم المجموعة الشعرية، وما لرمزية الصور وتوزيع الألوان تنوعها ودرجاتها لها دور مهم في التأثير على تكوين فكرة القارئ، ليسترسل في تأمل دلالاتها.

عتبة العنوان:

حيث يلتقي الشكل بالمضمون تدرك إنعام كمونه أن النصوص الحديثة لا تُقرأ وحدها، بل تُستقبل عبر عتباتها. ومن أهم هذه العتبات تصميم الغلاف وعنوانه، وهما هنا ليسا زخرفة، بل مفتاحان للدخول إلى عالم النص. الصورة والعنوان يمنحان القارئ الرؤية الأولى، فيهيئانه لاستقبال مضمونٍ عميق. العنوان "رمق ضوء" صورة شعورية التعبير، عتبة رمزية يتجلى منها تركيب انزياحي بين (المحدود من رمز "رمق" وبين اللامحدود من رمز "ضوء") فيحدث ارتباكا دلاليا في أفق المعنى وأجمال التناسب بين السكون والحركة يودي إلى توازن التضاد، "رمق ضوء" ينبع من قلة النور ليترامى شعاعا لا تحده المسافات ولا يكسره عقبات الزمن، وهجٌ هادئ لكنه يمنح الوجود الكوني معنى.، كتذوق الخلود.

الغلاف الأمامي: ميلاد من العدم

 يأخذنا الغلاف الأمامي في رحلة رمزية عميقة؛ فيه تتجلى الفكرة بجلاء ضوءٌ يشق طريقه من رحم الزمن، ليس ضوءاً عابراً، بل رمق ولادة تشق طريقها نحو التفاؤل، حتى يتجاوز هذا الضوء رحابة السماءٌ ويخترق نهرٌ جارٍ برمق لا ينضب. فالسماء رمز للاتساع والحرية التي تنشدها المرأة كإنسانة تستحق الوجود بقدرة مشاعر ربانية، والنهر دليل على العطاء المتجدد والروح التي لا تيأس، مهما اشتد بها الجفاف، إنه إعلان بصري: من قلب العتمة يولد الأمل، ومن صمت المعاناة يولد صوت التجدد وتنبثق الحياة.

الغلاف الخلفي: استراحة ضوء

ترأى كظل مائي أتخذ موضعه للغلاف الأمامي، من خلال تطابق متوائم، ويتجلى من اطلالة المرأة على بدأ الحياة، أي حياة تطل على حياة، لكنها ليست متفرجةً بل ليُستمَد منها الضياء لتضيء العتمة، هي جذور النور، هي الأصل والامتداد، البدايات والاستمرار. نظراتها ليست نظرات انتظار، بل نظرات امتلاك ووعي، امرأة تدرك أنها ليست هامشاً في هذا العالم، بل مركزه النابض، وسرّ بقائه.

رمزية الألوان: ألوان الغلاف الأمامي تبدو في لمعان وسطوع أما الغلاف الخلفي تبدو بالوان خافتة ومظللة، ما يدل على العلاقة الوثيقة بينهما، كدلالة الجسد بظله، ومنه تتجلى تعلق الروح بذاتها الوجدانية، ككيان متوحد التطابق، وما رمزية خفوت الألوان وسطوعها إلا دلالة استمرارية الليل والنهار لتعبر عن دلالة أزلية الزمن، وممكن تفتح أمام رؤى القارئ أبعاد دلالية تناسبية وتناقضية أخرى، منها تناقض الصوت والصمت، الوضوح والغموض، القرب والبعد، وبالتالي هو دلالة مرآة حياة بكل تغيراتها تتحداها كل امرأة بلا اكتراث.

***

المهندس الأديب القاص د. سعد الجصاص

دراسة بلاغية أسلوبية

مقدمة: لا تُقاس الرؤية في التجربة الإنسانية بحدود الإبصار الحسي وحده، بل تتجاوز ذلك إلى فضاءات الوعي والإدراك والتأمل العميق؛ إذ كثيرًا ما استطاع فاقدو البصر أن يؤسسوا لأنماط خطابية عالية الكثافة الدلالية والبلاغية، انبثقت من طاقة البصيرة لا من سلطة العين. ومن هنا تتبدى العلاقة العضوية بين العمى بوصفه فقدًا حسيًا، والبصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وروحيًا وجماليًا، الأمر الذي أفرز نصوصًا خطابية تمتلك قدرة استثنائية على النفاذ إلى أعماق اللغة وإعادة تشكيل العالم عبر الحس الداخلي.

لقد شكّل العميان في الثقافة العربية ظاهرة معرفية وأدبية لافتة؛ فبرز منهم الشعراء والخطباء والنقاد والفلاسفة، بدءًا من بشار بن برد، وأبي العلاء المعري، وصولًا إلى طه حسين، الذين استطاعوا أن يحولوا العجز الحسي إلى فائض بلاغي ورؤيوي. ولم يكن خطابهم مجرد تعبير لغوي، بل ممارسة تأويلية للعالم، تستند إلى طاقة التخيل والتكثيف والإيقاع الداخلي.

إن النص الخطابي لدى الأعمى لا يتحرك ضمن البنية التقليدية للخطاب، بل يعيد إنتاج اللغة عبر حساسية مختلفة، تتكئ على السمع والحدس والتخييل، مما يمنحه خصوصية أسلوبية وبلاغية تستحق الدراسة والتحليل. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى الكشف عن الأبعاد البلاغية والأسلوبية في خطاب العميان، وتحليل كيفية تشكل البصيرة داخل البنية اللغوية والنسق الدلالي.

أولًا: البصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وجماليًا

يذهب النقد الحديث إلى أن فقدان الحاسة لا يؤدي بالضرورة إلى انطفاء الإدراك، بل ربما يدفع الذات إلى تعويض النقص عبر تنشيط الحواس الأخرى وإعادة تشكيل العالم داخليًا. وفي هذا السياق، يتحول العمى إلى محفز للرؤية الباطنية، وتغدو اللغة وسيلة لتعويض المرئي بالمُتخيَّل.

وقد أشار الجاحظ إلى هذه الظاهرة حين تحدث عن قوة الحفظ والالتقاط عند العميان، مبينًا أن فقدان البصر قد يؤدي إلى مضاعفة القدرة الذهنية والسمعية(1). وهذا ما يفسر الكثافة الإيقاعية والسمعية في خطاباتهم، حيث تتقدم الموسيقى الداخلية والتراكيب المتوازنة على الصورة البصرية المباشرة.

إن البصيرة هنا ليست مفهومًا صوفيًا فحسب، بل بنية معرفية تعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم. فالأعمى لا يرى الأشياء كما تبدو، بل كما تُدرك داخليًا؛ ولذلك تصبح اللغة لديه أكثر عمقًا وتجريدًا وتأملًا.

ثانيًا: الخصائص البلاغية للنص الخطابي عند العميان

1. هيمنة الصورة السمعية

تميل النصوص الخطابية لدى العميان إلى بناء صور تعتمد على الإيقاع والجرس والتنغيم أكثر من اعتمادها على الوصف البصري. فالسمع يتحول إلى مركز إدراكي بديل، الأمر الذي يجعل الخطاب غنيًا بالتكرار والتناظر الصوتي والسجع والإيقاع الداخلي.

ويظهر ذلك جليًا في خطاب أبي العلاء المعري الذي اعتمد على الموسيقى الفكرية واللغوية أكثر من اعتماده على المشهدية البصرية. ففي قوله:

“وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل”

نلاحظ أن القوة البلاغية لا تكمن في الصورة المرئية، بل في النبرة التحدّية والإيقاع التركيبي المتوازن.

2. الكثافة التأملية

تتميز خطابات العميان بعمق فلسفي واضح، نتيجة العلاقة الخاصة التي تربطهم بالعالم الداخلي. فالحرمان البصري كثيرًا ما يدفع الذات إلى التأمل الوجودي والبحث عن المعنى.

وقد تجلت هذه النزعة التأملية عند أبي العلاء المعري في “اللزوميات”، حيث تتداخل الحكمة بالسخرية السوداء والرؤية الوجودية القلقة. فاللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل تتحول إلى أداة كشف فلسفي.

3. بلاغة التعويض

يعمد الأديب الكفيف إلى تعويض غياب الصورة البصرية عبر توسيع الطاقة المجازية للغة؛ فتكثر الاستعارات والتشابيه المركبة والرموز الذهنية. إن المجاز هنا ليس زينة أسلوبية، بل ضرورة إدراكية.

ومن ثم فإن الخطاب يتحول إلى فضاء بديل للرؤية، حيث تقوم اللغة مقام العين، ويغدو الخيال أداة لإعادة إنتاج الواقع.

ثالثًا: البعد الأسلوبي في خطاب العميان

يرتبط الأسلوب بطبيعة التجربة النفسية والمعرفية للكاتب، ولذلك يمكن القول إن خصوصية تجربة العمى تنعكس مباشرة على البنية الأسلوبية للنص.

1. النزعة الإيقاعية

يميل خطاب العميان إلى التوازن الصوتي والإيقاعي، نتيجة الاعتماد الكبير على الذاكرة السمعية. ولذلك نجد كثافة في التوازي التركيبي والتكرار والتنغيم.

2. الاقتصاد اللغوي

غالبًا ما تتسم نصوصهم بالتكثيف والدقة، إذ تُنتقى الكلمات بعناية عالية، ويُختزل الوصف لصالح الإيحاء.

3. النزعة التجريدية

تميل اللغة إلى التجريد أكثر من التشخيص الحسي، فتغدو المفاهيم الفكرية والوجدانية أكثر حضورًا من التفاصيل المادية.

رابعًا: طه حسين نموذجًا للبصيرة الخطابية

يُعد طه حسين من أبرز النماذج التي جسدت انتصار البصيرة على العمى. فقد استطاع أن يؤسس خطابًا نقديًا وفكريًا يمتلك قدرة هائلة على التحليل والتأويل.

في كتابه “الأيام” تتجلى البلاغة السردية القائمة على استبطان التجربة وتحويل الألم إلى معرفة. فالعمى لم يكن عائقًا أمام الرؤية، بل كان دافعًا إلى إعادة اكتشاف العالم عبر العقل واللغة.

وقد اتسم أسلوبه بالوضوح والصرامة المنهجية، إلى جانب الإيقاع الهادئ والقدرة على النفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية.

خاتمة

تكشف دراسة بلاغة النص الخطابي لدى العميان عن علاقة معقدة بين فقدان البصر وولادة البصيرة. فالعجز الحسي لم يمنع هؤلاء المبدعين من إنتاج خطاب يمتلك قوة جمالية وفكرية عالية، بل ربما كان سببًا في تعميق تجربتهم اللغوية والوجودية.

لقد تحولت اللغة عندهم إلى بديل للرؤية، وغدت البلاغة أداة لتعويض الفقد وإعادة تشكيل العالم. ومن هنا فإن دراسة خطاب العميان لا تنتمي إلى حقل البلاغة وحده، بل تتقاطع مع الفلسفة وعلم النفس والأسلوبية والدراسات الثقافية، لأنها تكشف قدرة الإنسان على تحويل النقص إلى طاقة إبداعية خلاقة.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

........................

الهوامش

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ج1، ص 76.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت، ص 112.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة، ج1، ص 54.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة، ص 91.

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press, Boston, p. 43.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press, p. 77.

المراجع العربية

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة.

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي.

حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة.

محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

المراجع الأجنبية

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press.

Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor, Routledge.

Mikhail Bakhtin, The Dialogic Imagination, University of Texas Press.

Jonathan Culler, Literary Theory: A Very Short Introduction, Oxford University Press

يُعَدُّ الشعر أحد أكثر الأجناس الأدبية كثافةً في إنتاج العلامات وتوليد الدلالات، إذ لا يكتفي بتوصيل المعنى المباشر، بل ينفتح على عوالم من الإيحاء والرمز والإشارة والتضمين. ومن هنا برزت السيميولوجيا بوصفها علماً للعلامات، يسعى إلى استكشاف الآليات العميقة التي تنتظم بها البنى الدلالية داخل الخطاب الإبداعي، وتكشف عن العلاقات الخفية بين اللفظ والمعنى، وبين الرمز ومرجعياته الثقافية والفكرية والجمالية.

لقد نشأت السيميولوجيا في أحضان الفلسفة، قبل أن تتحول إلى منهج نقدي ولساني معاصر، فكانت امتداداً للأسئلة الكبرى التي طرحها الفلاسفة حول طبيعة اللغة وعلاقتها بالأشياء والوجود والمعرفة. ومن ثم فإن سيميولوجيا الشعر ليست مجرد تقنية تحليلية، بل هي رؤية فلسفية وجمالية تتعامل مع النص الشعري بوصفه نظاماً من العلامات المتشابكة التي تنتج المعنى عبر مستويات متعددة من التفاعل والتأويل.

الجذور الفلسفية للسيميولوجيا:

ترجع البذور الأولى للفكر السيميولوجي إلى الفلسفة اليونانية القديمة، حيث انشغل أفلاطون وأرسطو بمسألة العلاقة بين الأسماء والأشياء، وبين اللغة والواقع. ففي محاورة "كراتيلوس" ناقش أفلاطون أصل الأسماء وطبيعة الدلالة، متسائلاً عمّا إذا كانت العلاقة بين اللفظ ومدلوله طبيعية أم اصطلاحية. أما أرسطو فقد خطا خطوة أبعد حين ربط بين الألفاظ والتصورات الذهنية والأشياء الخارجية، واضعاً بذلك أحد الأسس الأولى لفلسفة العلامة.

ثم تطورت هذه الرؤية في الفلسفة الرواقية التي أولت أهمية كبرى لمفهوم العلامة، فميزت بين اللفظ بوصفه دالاً، والمعنى بوصفه مدلولاً، والشيء المشار إليه بوصفه مرجعاً. ومن خلال هذا التصور الثلاثي بدأت تتشكل الملامح الأولى للسيميولوجيا التي ستصبح لاحقاً علماً مستقلاً يبحث في أنظمة العلامات المختلفة.

ولم تكن العلامة عند الرواقيين مجرد أداة للتواصل، بل كانت جسراً معرفياً يصل الفكر بالعالم، ويجعل من اللغة أداةً لإدراك الحقيقة وتنظيم الخبرة الإنسانية. ومن هنا اكتسبت السيميولوجيا بعداً فلسفياً عميقاً يتجاوز حدود اللسانيات إلى رحاب المعرفة والوجود والتأويل.

مفهوم العلامة وبنية الدلالة:

تقوم العلامة السيميولوجية على علاقة مركبة بين عناصر متعددة، أبرزها الدال والمدلول والقصدية التواصلية. فالدال هو الصورة اللفظية أو الرمزية التي تُدرَك حسياً، بينما يمثل المدلول المفهوم الذهني الذي تستحضره تلك الصورة. أما الوظيفة القصدية فهي الغاية التي من أجلها تُستعمل العلامة داخل سياق تواصلي معين.

وبهذا المعنى لا تكون الكلمات وحدها علامات، بل تتحول الإشارات والرموز والألوان والحركات والأصوات إلى أنظمة دلالية كاملة. فاللغة ليست سوى واحد من أنظمة الإبلاغ، إلى جانب أنظمة أخرى غير لسانية كالإشارات المرورية والرموز البصرية والطقوس الاجتماعية والفنون المختلفة.

ومن هنا أصبح العالم في نظر السيميولوجيين شبكةً واسعةً من العلامات المتداخلة التي تنتظر من يقرأها ويفكك شفراتها.

الشعر بوصفه نظاماً علامياً:

إذا كانت اللغة العادية تهدف إلى الإخبار والتبليغ المباشر، فإن اللغة الشعرية تتجاوز ذلك لتصبح فضاءً رمزياً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية من المعنى. فالكلمة في الشعر لا تؤدي وظيفة معجمية فحسب، بل تتحول إلى علامة جمالية تتشابك فيها الأصوات والصور والإيحاءات والمرجعيات الثقافية.

ولهذا ينظر التحليل السيميولوجي إلى القصيدة بوصفها بنية من العلامات المتفاعلة، لا باعتبارها مجموعة من الألفاظ المتجاورة. فكل صورة شعرية علامة، وكل استعارة علامة، وكل انزياح لغوي علامة، بل إن الصمت نفسه قد يتحول إلى علامة دلالية داخل النسيج الشعري.

إن الشاعر لا يكتب الكلمات بقدر ما يبني عالماً من الرموز والإشارات، بينما يصبح القارئ مشاركاً في إنتاج المعنى عبر عملية تأويلية مستمرة. وهكذا تتحول القصيدة إلى فضاء حواري بين النص والقارئ، وبين الدال والمدلول، وبين الظاهر والمضمر.

المربع السيميائي وآليات إنتاج المعنى:

يُعد المربع السيميائي من أهم الأدوات التحليلية التي طوّرها السيميائيون لفهم العلاقات المنطقية والدلالية داخل النصوص. ويقوم هذا المربع على أربعة محاور أساسية: التضاد، والتناقض، والتضمن، والاستلزام.

فالمعنى لا يتولد من المفردات منفردة، وإنما من شبكة العلاقات التي تربط بينها. والحياة لا تُفهم إلا من خلال علاقتها بالموت، والنور من خلال علاقته بالظلام، والحضور من خلال الغياب. ومن خلال هذه الثنائيات تتشكل البنية العميقة للنص الشعري.

إن القصيدة في ضوء هذا التصور ليست بناءً لغوياً سطحياً، بل نظام دلالي معقد تتحكم فيه قوانين عقلية ومنطقية خفية، تجعل من التضاد والتوتر والتفاعل بين القيم المختلفة مصدراً أساسياً لإنتاج الشعرية.

مستويات التحليل السيميولوجي للشعر:

تعتمد سيميولوجيا الشعر على تحليل النص عبر مستويات متعددة تتكامل فيما بينها:

أولاً: المستوى الصوتي:

يبحث في الإيقاع والتنغيم والتكرار والتناغم الصوتي، باعتبار الأصوات علامات تؤدي دوراً دلالياً وجمالياً. فالموسيقى الشعرية ليست زينة خارجية، بل عنصر أساسي في بناء المعنى.

ثانياً: المستوى الصرفي:

يدرس الأبنية الصرفية واختيار الأوزان والصيغ، وما تحمله من قيم إيحائية. فاختيار اسم الفاعل أو صيغة المبالغة أو الفعل المضارع ليس أمراً اعتباطياً، بل يرتبط بالنسق الدلالي العام للقصيدة.

ثالثاً: المستوى التركيبي:

ويشمل العلاقات النحوية والبنائية داخل النص، وكيفية ترتيب الكلمات والجمل. فالتقديم والتأخير والحذف والذكر ليست مجرد ظواهر نحوية، وإنما علامات تسهم في تشكيل الرؤية الشعرية.

رابعاً: المستوى البلاغي:

ويتناول الاستعارة والكناية والمجاز والرمز وغيرها من الوسائل التي تجعل اللغة تتجاوز معناها المباشر إلى فضاءات أرحب من الإيحاء والتأويل.

خامساً: المستوى التناصي:

ويبحث في العلاقات التي يقيمها النص مع نصوص أخرى دينية أو أدبية أو تاريخية أو أسطورية، مما يمنح القصيدة عمقاً ثقافياً ودلالياً مضاعفاً.

سادساً: المستوى الدلالي:

وهو المستوى الذي تتقاطع فيه جميع المستويات السابقة لتشكيل البنية المعنوية للنص، حيث تتولد الدلالات الظاهرة والخفية وتتشكل الرؤية الفكرية والجمالية للقصيدة.

سيميولوجيا الشعر بين التأويل والمعرفة

لا تقتصر سيميولوجيا الشعر على تفكيك البنى النصية، بل تسعى إلى الكشف عن الرؤية الكامنة خلفها. فكل قصيدة تحمل تصوراً للعالم والإنسان والزمن والوجود، وتخفي داخل علاماتها شبكة من القيم الفكرية والثقافية.

ومن هنا يغدو التحليل السيميولوجي فعلاً معرفياً وتأويلياً في آن واحد؛ لأنه ينتقل من ظاهر النص إلى أعماقه، ومن البنية اللغوية إلى الرؤية الفلسفية التي تنتظمها. فالقصيدة ليست مجرد كلام جميل، بل شكل من أشكال التفكير في الوجود وإعادة بناء العالم عبر اللغة.

خاتمة:

إن سيميولوجيا الشعر تمثل جسراً معرفياً يصل الفلسفة باللسانيات، والنقد بالأدب، والعلامة بالتأويل. فهي تنظر إلى النص الشعري بوصفه نسقاً معقداً من الرموز والدلالات التي تتفاعل داخل بنية جمالية وفكرية متكاملة. ومن خلال أدواتها التحليلية تكشف عن الأسرار الكامنة في اللغة الشعرية، وتبرز كيف تتحول الكلمة من مجرد وعاء للمعنى إلى طاقة رمزية قادرة على إنتاج المعرفة والجمال معاً.

وهكذا تظل سيميولوجيا الشعر واحدة من أكثر المناهج النقدية قدرةً على النفاذ إلى جوهر الإبداع، لأنها لا تكتفي بقراءة ما يقوله النص، بل تسعى إلى استنطاق ما يخفيه، وإضاءة المسافات الرحبة بين العلامة والمعنى، وبين اللغة والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

للمغربي سعيد رضواني

تستهل المجموعة بمشهد يسبق الطقس الجنائزي، وتستنطق الذاكرة في التقاط التفاصيل لبناء فصول الكل السّردي، توازيا مع أبعاد استدعاء المأساة الإنسانية المشتركة، تماما، مثلما يحاول رسم ملامحها السرد المكسيكي، صارخا بالخطاب الإنساني في عالميته العميقة والمعبّرة، من خلال رواية" بيدرو بارامو" للكاتب خوان رولفو، أو رواية تخليد الرموز، في أعتم زوايا الاحتفاء بالمكان، قرية " كومالا" عند حدود التجاور المطبوع بأصداء الموتى وأهازيج الأشباح، على تنوع وتعدد الأصوات والشخصيات والأحداث.

كل هذا يحصل تقاطعا، كما أراده ودبّره بإحكام صوت سردي متفرّد وقوي، يتقن صاحبه لعبة الإمتاع وتغذية جوارح التلقّي، في دورة تواصلية تدمغ بأبجديات التجديد، وتخطّي كل قشيب.

الكاتب سعيد رضواني والذي يقف في هذه المجموعة موقف المُتجاوِز، وإن اصطبغت سرديته بانثيالات التناص الأدبي، أحيانا، وجرت إيقاعاتها على مبدأ الانفتاح اليقظ.

نقتبس للسارد قوله: أجثم على ركبتي وأضع رأسي على صدرها، ثم أغمض عيني وأغوص في ظلمة النهاية، ولا أفتحهما إلا بعد أن يغمض، في صباح اليوم الموالي، القبر جفنيه على جسد زوجتي.

أنتصب أمام قبرها مستهجنا هذا الدفن الذي لا يليق بشاعرة، وأتجه إلى البيت مصمما على إعادة دفنها بين سطور ما سأكتبه أثناء إعادة الرواية التي قرأت.

أجتاز الباحة حيث يجتمع المعزون، وأدخل غرفتي. أحمل القلم وأشرع متعجلا في الكتابة خوفا من فتور الحوافز المشجعة على العمل، لعلي أظفر ببضع فقرات قبل أن أجالس المعزين. أنتبه إلى أن القلم الذي كان مفترضا أن يزحف من اليسار إلى اليمين مشكلا كلمات إسبانية، قد أخذ يزحف من اليمين إلى اليسار مشكلا حروفا عربية، وأرى على الورق تَشكُّل عنوان مخالف لعنوان رولفو.(1)

من ثم هذا البياض المهيمن الذي يكتب الذات الساردة، في محطة برزخية، أو مرحلة ما بعد تجربة الموت، والتي برع رضواني في بلورتها والتبئير على مركزيتها، في مزاوجة مدهشة وتشاكل كلي ما بين الفني والمعرفي.

إذ على خلفية الفقد هذه، تتجلى ثيمة الموت، كحد فاصل ما بين الشهواني والصوفي.

إن مجرّد عتبة هذه المجموعة، لتحيل على حقيقة الموت، كلغز وجودي محيّر وكبير، ومستفزّ بأسئلته، وقهرية جبروته.

"عام الوحش" في إحالة مباشرة على المقدّس، أي ما يترجمه الموروث الديني، قياسا إلى تأويل أوراق" عام الحزن"، أو ما مرّ به المعلّم الأول للبشرية، محمد صلى الله عليه وسلم، وكابده من اختبارات، دور البطولة فيها، لهذا الوحش على حد تعبير القاص، والذي يسمّى" موتا".

ففي غمرة هذا التوازي، تكتسي المجموعة، قيمتها وأهميتها، كما أحقّيتها وأهليتها في مقارعة ومنافسة السرديات الأدبية العالمية، من دون شك.

حتّى أنه جرّاء البناء الدرامي، وفق دواعي خلط الأوراق إزاء القارئ، في مثيل هذه السرديات التي استطاعت القفز فوق الحبكة بمفهومها الكلاسيكي، إلى رهان الفوضى الخلاّقة والبانية، قلت، في أفق هذا وسائر ما يمتدّ عنه، بما يشدّ إلى جذر الهوية الكونية التي قد تمارس إدانة السلبية والنقصان، تماهيا مع المشترك الإنساني، بدرجة أولى.

جرّاء هذه الموسوعية، ليعجز المتلقّي عن إصابة كبد الحقيقة، مأخوذا بنوبات الإرباك: متسائلا: أيهما يكتب الآخر؟ الحي أم الميت؟ قبل ان يصطدم بالخيوط الناظمة والمتحكمة بروح التجديد في كهذه سردية راسية على قواعد فهم الأدب العالمي فهما بليغا، هو بمثابة الولادات الثانية إبداعيا.

السارد يكتب بقناع برزخي، أو بذاكرة ميت عائد، أي انها كتابة غياب، على اعلى مستويات الحِلمية والرمزية وجنوح المخيال، وكل عناصر الدغدغة بديباجات الخطاب الاسترجاعي والذاكراتي.

فقط، عندما يكون الاختبار وجوديا وهوياتيا، المُمتحِنُ فيه، هو هذا الوحش القاهر المستوي على عامِه، كسلطان خارج النص والزمن.

مواقف القاص هنا، مواقف تجاوز لا تعارض، فقط، في سياق تجربة الموت التي ما تنفك تطالعنا بها، وعبر زمكانية القص، من أول قصة" الاتجاه المعاكس ل "كومالا"، مرورا بقصص: "عام الوحش"، "لقاء مع بورخيس"،" الحمامة البيضاء"، " النخيل الذي يثمر القصص" و" الـزمــن" ثم" المانوليا والزرنيخ" و" لعـبة النظائـر" و" الريح" انتهاء ب" شجرة البلوط".

فقصة" لقاء مع بروخيس" استفزتني بالقدر الذي جعلني استحضر مثلا شعبيا يفيد كيف أن اللقلاق أراد تقليد مشية الحمامة فأتلف مشيته، أو تبادل الأدوار كما يُقال، فمن منظور القاص الذي يرفض التقليد، أو أي مبدع متمكن، الموسوعية لا تتأتى إلا بنهم القراءة، مع اليقظة والحذر الشديد من أن يُبدع القارئ ما يعرّفه على أنه مجرد نسخة عن غيره الذي قرأه واستلهم منه، أو وجها مقنّعا في مرآة الآخر. فالممارسة الإبداعية يفترض ألا تولد اجترارا واستنساخا.

إن قاصا من طينة رضواني، ليقرّ بضرورة الهجرة الروحية إبداعيا، ويدعمها، فهو قد سماها هروبا من غيبوبة الواقع، إلى غيبوبة الجمال.

مثلما أنه يعلن وبكل جرأة وشجاعة، الافتقار والحاجة الماسة إلى من باستطاعته إضاءة الحياة والنصوص، كناية عن جدلية التلميذ والمدرسة، والرغبة في التطور الدائم والمستمر، على أصعدة شتّى.

يقول أيضا:

تغفو في الغسق أو تتثاءب في الشفق هذه الممرات الضيقة التي تنسل من تحت قدمين قويتين تركضان فوق أعشاب تعانق التراب إذ تُداس وتحاول النهوض إذ تتحرر، وكالعرق يتساقط فوقها ندى الشجيرات، وكالندى يتساقط فوق الشجيرات عرقُه، وكشجيرة بدا شعره الأشعث حين توقف كي يحدق هنا وهناك مترصدا حركة أي شبح أو طيف يعلن عنه هذا المحيط أو ذاك الأفق.

 حملت إليه الرياح رائحة الرعب والموت وذكرى صداقة امّحت، ومزيجا من الشعور بالتيه والغثيان، ومع كل همسة تخدش مسامعه كان يرتعب متوقعا أن يباغت قلبَه نصلُ خنجر حتما سيوقف نبض الحياة والخوف والحب.(2)

فأي شاعر هذا الذي يحتل أعماق السارد، فيهبه طاقة رهيبة لا مثيل لها، وقدرة خارقة على تلوين عالم ما تلبث تحاصره الفوضى والدموية والاضطراب، وسرعان ما يستسلم لأسئلة الموت..؟

إنها كتابة الغياب، في محاولة لإضاءة مواطن العتمة والخواء في الذات كما الحياة، عبر مناطحة هواجس الفناء، بإبداع أرقى صور التشبث بالحياة، على مرارتها وإسمنتيتها وفجائعيتها وتخشبها.

ختاما، لا يمكن إلا الإشادة بهذه التجربة السردية الناضجة، التي تجدد جلدها في كل مرة، كي ترقى إلى التطلعات، وإشباع فضول جيل جديد ومختلف، ربما يلبس زمنه بالمقلوب، وربما تكبره أحلامه، ويعتبر الأخطاء مشاعا حياتيا وإبداعيا، يفضي إلى الفوقية التي من شأنها أن تثمر الصواب، بيد أنه جيل وجب علينا احترام قناعة واحدة بانية لشخصيته المستقلة، والتي تكمن في كوننا لسنا نريد له أن يتحسس ملامح وجهه، في مريا الكبار، بما قد تنطوي عليه من تركيبية وتكعيبية وعقد أبوية.

***

شاعر وناقد من المغرب

................

هوامش:

(1) مقتطف من قصة (الاتجاه المعاكس ل "كومالا")، الصفحة6/7.

(2) مقتطف من قصة" شجرة البلوط"، الصفحة75/76.

*انظر مجموعة" عام الوحش" للقاص المغربي سعيد رضواني.

من الذاكرة القحطانية إلى الأفق الحضاري

ليس الأدب العربي نهرًا واحدًا منسابًا في مجرى واحد، بل هو شبكة واسعة من الروافد الثقافية واللغوية والتاريخية التي التقت في مصب الحضارة العربية الكبرى، وكان للأزد نصيب وافر في صناعة هذه الحضارة وإغناء مدونتها الأدبية والشعرية. فالأدب الأزدي ليس جنسًا أدبيًا مستقلًا عن الأدب العربي، وإنما هو أحد تجلياته المضيئة، ورافد أصيل من روافده الكبرى، يحمل بصمات المكان اليمني، وعبق الذاكرة القحطانية، وخصائص الشخصية العربية في أنقى صورها.

لقد نشأ الأدب الأزدي في أحضان البيئة العربية الجنوبية، حيث تشكلت ملامحه الأولى بين الجبال والسهول والأودية والحواضر المزدهرة التي عرفتها بلاد اليمن القديمة. وكان هذا الأدب مرآة صادقة لحياة الأزد، ناقلًا لعاداتهم وقيمهم ومآثرهم، ومعبرًا عن رؤيتهم للوجود والإنسان والتاريخ. ومن هنا فإن دراسة الأدب الأزدي ليست دراسة لفرع قبلي محدود، بل هي قراءة لجزء مهم من الوعي العربي في أحد أعرق تجلياته الحضارية.

وفي الأدب العربي القديم تتجلى آثار الأزد في كثير من النصوص الشعرية التي احتفت بالفروسية والكرم والشجاعة والنجدة والوفاء، وهي القيم التي شكلت العمود الفقري للأخلاق العربية. وقد ارتبطت القصيدة الأزدية القديمة بالذاكرة الجمعية للقبيلة، فكانت سجلًا للبطولات، وحافظة للأنساب، ومرآة للأحداث الكبرى التي مرت بها القبائل الأزدية منذ عهد مأرب وحتى انتشارها في أرجاء الجزيرة العربية وخارجها.

ويُعدُّ حدث انهيار سد مأرب من أبرز المنعطفات التي تركت أثرًا عميقًا في المخيال الشعري الأزدي؛ إذ تحوّل من واقعة تاريخية إلى رمز أدبي كثيف الدلالة، يجسد معاني الرحيل والفقد والتحول وإعادة البناء. ولهذا كثيرًا ما نجد في الشعر الأزدي صور الحنين إلى المواطن الأولى، واستدعاء الأمكنة المؤسسة للهوية، واستحضار الماضي بوصفه قوة روحية تضيء الحاضر ولا تعزله عنه.

ولم يكن حضور الأزد في الأدب العربي القديم حضورًا عابرًا، بل أسهم عدد من شعرائهم في إثراء التجربة الشعرية العربية، ومن أشهرهم الشنفرى الأزدي الذي ارتفع بالصوت الفردي إلى مستوى الرمز الإنساني، فغدت تجربته الشعرية إحدى العلامات البارزة في التراث العربي. كما حافظت النصوص الأزدية على قدر كبير من الصفاء اللغوي والفصاحة البيانية، الأمر الذي جعلها مادة مهمة للغويين والنحاة والرواة.

أما في الأدب العربي الحديث، فقد شهدت القصيدة الأزدية تحولًا نوعيًا في الرؤية والبناء والدلالة. فلم تعد القبيلة غاية الخطاب الشعري، بل أصبحت رمزًا للانتماء الحضاري والثقافي. وانتقل الشاعر الأزدي من تمجيد العصبية الضيقة إلى الاحتفاء بالدور التاريخي للأزد في بناء الحضارة العربية والإسلامية، وإبراز إسهاماتهم العلمية والسياسية والثقافية عبر العصور.

ومن هنا غدت القصيدة الأزدية الحديثة قصيدة هوية وذاكرة، تجمع بين الخصوصية والانفتاح، وتوازن بين الاعتزاز بالجذور والانتماء إلى الفضاء العربي الأوسع. فهي تستحضر مأرب لا بوصفها مكانًا فحسب، بل باعتبارها رمزًا للحضارة والإنجاز والإرادة الإنسانية. كما تستدعي الأوس والخزرج وخزاعة وسائر البطون الأزدية بوصفها حلقات في سلسلة تاريخية كبرى أسهمت في صناعة التاريخ العربي والإسلامي.

ولغويًا، تمتاز التجربة الشعرية الأزدية بثراء معجمها التراثي، وكثافة إشاراتها التاريخية، ووفرة رموزها المكانية، فضلًا عن ميلها إلى الصور المستمدة من الطبيعة اليمنية والعربية. وفيها تتجاور الفخامة القحطانية مع الرقة الوجدانية، ويتعانق الحس الملحمي مع البعد الإنساني، فتولد نصوص تجمع بين قوة الانتماء وجمال التعبير.

إن الأدب الأزدي، في جوهره، ليس أدب قبيلة بقدر ما هو أدب ذاكرة حضارية ممتدة في الزمن العربي. وهو شاهد على أن القبائل الكبرى لم تكن مجرد وحدات اجتماعية، بل كانت مؤسسات ثقافية أسهمت في تشكيل اللغة والشعر والفكر والتاريخ. ومن ثم فإن استعادة الأدب الأزدي اليوم ليست استدعاءً للماضي من أجل الماضي، وإنما هي قراءة لجذور الهوية العربية، واستكشاف لأحد الروافد التي أغنت نهر الأدب العربي الكبير وأمدته بأسباب الحيوية والاستمرار.

وهكذا يبقى الأدب الأزدي، قديمه وحديثه، صفحة مشرقة من صفحات الأدب العربي، تتجلى فيها أصالة الانتماء، وعمق الذاكرة، وجمال اللغة، وتستمر عبرها رسالة الشعر بوصفه حارسًا للهوية، وراويًا للتاريخ، وبانيًا للجسور بين الماضي والحاضر والمستقبل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مَشيتُ والظِلُّ خلفي لا يُشابهني

 كأنَّ روحيَ في المرآةِ تَنفصلُ

*

لي في الغيابِ حضورٌ لستُ أُدركُهُ

 ولي منَ النورِ في أعماقهِ ظِلَلُ

تُعدّ السيمياء من أكثر المناهج النقدية قدرةً على اختراق البنية العميقة للنصوص الشعرية، لأنها لا تكتفي بالنظر إلى اللغة بوصفها أداة تعبير، بل تتعامل معها باعتبارها نظامًا من العلامات، يتأسس على العلاقات المتشابكة بين الدال والمدلول، وبين المرئي واللامرئي، وبين ما يقال وما يُضمر. ومن هذا المنطلق، يغدو الشعر فضاءً علاماتيًا معقّدًا، تتقاطع فيه الرموز والإشارات والأيقونات، وتتحول فيه المفردة من معناها القاموسي البسيط إلى معنى تداولي ووجودي يتشكّل عبر السياق والرؤية.

وفي هذا السياق، يبرز ديوان "ظلال لا تشبهني" للشاعرة سعاد بسناسي بوصفه نصًا شعريًا غنيًا بالعلامات، يستثمر طاقة اللغة الرمزية ويعيد إنتاج الدلالة من خلال مفهوم مركزي يتكرر ويتكثف ويتحول: الظل. فالظل في هذا الديوان ليس مجرد مفردة وصفية، ولا استعارة عابرة، بل هو بنية دلالية كبرى، ومفتاح تأويلي، ونواة رمزية تتفرع منها أنساق عديدة، تشكل مجمل الرؤية الشعرية للديوان. إن الظل هنا يتحول إلى علامة سيميائية متعددة المستويات، تعمل على بناء خطاب الذات، وترسم حدود الهوية، وتفكك علاقة الإنسان بذاته وبالزمن وبالآخر وبالوجود.

أ‌- الظل بوصفه علامة سيميائية ومفتاحًا تأويليًا

إنّ "الظل" في المعجم العام يحيل إلى معنى بسيط: أثر الجسم حين يعترض الضوء. غير أن الشعر، بوصفه فعلًا تأويليًا، يعيد تحرير هذا المعنى من محدوديته الفيزيائية، لينقله إلى أفق رمزي تتعدد فيه القراءات. فالظل يصبح في الديوان تمثيلًا للغياب داخل الحضور، وللخفاء داخل الظهور، وللمستور داخل المكشوف. إنّه وجود ناقص، لكنه وجود لا يمكن إنكاره، لأنه مرتبط بجسدٍ ما، وبنورٍ ما، وبزمنٍ ما. ولهذا يكتسب الظل طبيعةً فلسفية تتجاوز معناه الحسي: إنه وجود غير مكتمل، لكنه شاهد على الوجود.

وفي المنظور السيميائي، لا تُقرأ العلامة بمعزل عن النظام الذي تنتمي إليه. فالظل لا يُفهم إلا بوصفه عنصرًا ضمن شبكة ثنائية كبرى: نور/ظل، ظهور/خفاء، ذات/آخر، حقيقة/قناع. ومن خلال هذه الثنائيات يشتغل الديوان على تفكيك العالم بوصفه فضاءً من الانقسام، حيث لا تكون الذات واحدة، ولا يكون المعنى مستقرا، بل يصبح كل شيء معرضًا للانكسار والتحول.

ب - سيمياء العنوان بوصفها عتبة إنتاج المعنى

إن عنوان الديوان "ظلال لا تشبهني" يمثل أول عتبة سيميائية كبرى، لأنه يعلن منذ البداية أن الذات الشاعرة تدخل النص من بوابة التوتر والتناقض. فالظل عادةً هو امتداد الجسد، وصورته الثانية، وقرينه الذي لا ينفصل عنه، لكن العنوان يقطع هذه العلاقة ويعلن مفارقة صادمة: الظلال لا تشبهني.

وهنا يتحول العنوان إلى إعلان فلسفي عن أزمة الهوية: كيف يمكن للظل، وهو صورة الذات، ألا يشبهها؟ وكيف يمكن للمرآة الرمزية للذات أن تخون صاحبها؟ إن هذا التوتر يؤسس لمعنى وجودي مفاده أن الذات في الديوان ليست مستقرة، وأن علاقتها بنفسها علاقة شك وانفصال. فالذات لا تثق في امتدادها، ولا في انعكاسها، ولا في صورتها التي تظهر للآخر. وهذا يفتح أفقًا واسعًا لفهم الديوان بوصفه تجربة شعرية تتأسس على الانقسام الداخلي، وعلى ما يمكن تسميته بـ انشطار الذات.

إنّ "لا" النافية في العنوان ليست مجرد أداة نحوية، بل هي علامة رفض ومقاومة. إنها تمثل حركة نفسية ضد التطابق، ضد الثبات، ضد الهوية المغلقة. فالذات الشاعرة ترفض أن تكون نسخة واحدة، أو أن تُختزل في صورة واحدة. وهذا ما يجعل الظلال رموزًا للتمزق، والاختلاف، والانزياح.

ج- الظل بوصفه مجازًا للانفصال والاغتراب

يعمل الديوان على تحويل الظل إلى مجاز للانفصال عن الذات وعن العالم. فالظل في كثير من التجارب الشعرية هو رمز للحماية والستر، لكنه هنا يتحول إلى رمز للاغتراب. إن الظل الذي "لا يشبهني" يعني أن الذات فقدت وحدتها، وأنها لم تعد ترى نفسها فيما يحيط بها، أو فيما يصدر عنها.

وهذا يفضي إلى قراءة الظل بوصفه هوية ثانية مزيفة، أو قناعًا اجتماعيًا، أو تمثيلًا لذات أخرى تتشكل تحت ضغط الزمن أو المجتمع أو الخيبة أو الفقد. فالظل يصبح بمثابة "أنا" أخرى تتحرك خارج الإرادة، وتتكلم خارج السيطرة، وتظهر أمام العالم بصورة لا تعكس الحقيقة الداخلية.

وبهذا المعنى، يقترب الديوان من تصور فلسفي عميق: الذات ليست جوهرًا ثابتًا، بل هي عملية تشكل مستمرة، والهوية ليست حقيقة نهائية، بل هي صيرورة تتغير باستمرار. فالظل يمثل هنا الهوية المتحولة، أو الذات الممزقة بين ما تريد أن تكونه وما فُرض عليها أن تكونه.

د- الظل بين الذاكرة والغياب

تتصل سيمياء الظل في الديوان اتصالًا وثيقًا بالذاكرة، لأن الظل يحمل في ذاته معنى الأثر. إنه ليس حضورًا كاملا، لكنه بقايا حضور، مثل الذكرى تمامًا. فالذكرى هي ظل الماضي، والظل هو ذاكرة الضوء.

من هنا يتخذ الظل في شعرية بسناسي وظيفة استحضارية: إنه يستدعي ما غاب، ويعيد إنتاجه بصيغة غير مكتملة. فكل ظل في النص هو تذكير بأن شيئًا ما كان هنا ثم رحل. وهكذا تتحول القصائد إلى فضاء للحزن الهادئ، وللاسترجاع الوجودي، وللحنين الذي لا يجد خلاصًا.

ويبدو أن الذات الشاعرة لا تستحضر الماضي بوصفه حدثًا سعيدًا، بل بوصفه جرحًا مفتوحًا. فالظل لا يمرّ في النص مرورًا عابرًا، بل يظهر محمّلا بإيحاءات الألم، والفراغ، والانكسار. إنه يمثل ذاكرة لا تكتمل، وحنينًا لا يشفي، وحضورًا ناقصًا لا يعوض الغياب.

هـ - الظل بوصفه بنية جمالية وتشكيلًا لغويًا

لا يقف الظل في الديوان عند كونه موضوعًا أو رمزًا، بل يتحول إلى عنصر جمالي يوجه بناء الصورة الشعرية. فاللغة نفسها تتخذ هيئة الظلال: تتكثف، وتتلاشى، وتومئ أكثر مما تصرّح. فالنص يتحرك في منطقة بين الوضوح والإبهام، بين الكشف والتستر. وهذه هي وظيفة الظل الفنية: أن يجعل المعنى غير مباشر، وأن يمنح القصيدة قدرة على الانزياح والتعدد.

وهنا تتجلى شعرية بسناسي في قدرتها على صناعة "لغة ظليّة"، أي لغة تقوم على الإيحاء بدل التصريح، وعلى الرمز بدل التقرير. فالقصيدة لا تقدم الحقيقة كاملة، بل تتركها ناقصة، كما يترك الظل الشكل ناقصًا. وهذا ما يجعل الديوان يندرج ضمن الشعر الذي يراهن على القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى.

و - تحولات المعنى بين الظل والذات

يُلاحظ أن المعنى في الديوان لا يبقى ثابتًا، بل يتحول باستمرار. فالظل مرة يكون أثرًا للغياب، ومرة يكون علامة على الخوف، ومرة يكون قناعًا، ومرة يكون رفيقًا، ومرة يكون تهديدًا. وهذه التحولات تجعل الظل علامة سيميائية مفتوحة، تتغير بتغير السياق.

وتتجسد هذه التحولات في الطريقة التي تتنقل بها الذات الشاعرة بين حالات متعددة: بين الاعتراف والإنكار، بين الشوق والرفض، بين الألم والأمل، بين الانكسار والمقاومة. فالظل لا يقدم صورة واحدة للذات، بل يقدمها في حالاتها المختلفة، وكأن الذات تتبدل مثل الظلال التي تتغير بتغير الضوء والزاوية والزمن.

وهكذا يصبح الديوان فضاءً لصيرورة المعنى: المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يتشكل في الحركة، في التحول، في التوتر. وهذه هي طبيعة الشعر العميق: أنه لا يقدم إجابات، بل ينتج أسئلة.

ز - الظل بوصفه نقدًا للواقع وتمثيلًا للقلق الحضاري

لا يمكن فصل تجربة "الظل" في الديوان عن سياقها الثقافي المعاصر. فالذات الحديثة تعيش في عالم مضطرب، تتكاثر فيه الأقنعة، وتختلط فيه الصور بالحقائق، وتتعدد فيه الهويات حتى يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه. ومن هنا يمكن قراءة الظل بوصفه رمزًا للإنسان المعاصر الذي فقد يقينه، ولم يعد يملك صورة واحدة مستقرة.

فالظل في الديوان يمكن أن يمثل أيضًا التباس الواقع، وغياب المعنى، وانهيار الثوابت. إنه تعبير عن أزمة الوجود في زمن التشتت. وهذا ما يمنح الديوان بعدًا ثقافيًا يتجاوز التجربة الذاتية، ليصبح خطابًا عن الإنسان في عصر الانقسام والاغتراب.

ح - الظل كأفق فلسفي للوجود والعدم

تأخذ سيمياء الظل في الديوان أبعادًا فلسفية واضحة، لأنها تضع القارئ أمام سؤال الوجود والعدم. فالظل ليس وجودًا كاملًا، لكنه ليس عدمًا أيضًا. إنه منطقة بين الاثنين، منطقة رمادية لا تستقر. وهذا ما يجعله رمزًا مثاليًا للذات التي تعيش بين الحضور والغياب، بين الحياة والموت، بين اليقين والشك.

فالظل يذكّر الإنسان بأن وجوده هشّ، وبأن كل حضور قابل للتلاشي. لكنه في الوقت نفسه يثبت أن هناك أثرًا يبقى حتى بعد انطفاء الضوء. وهكذا يصبح الظل علامة مزدوجة: علامة الفناء، وعلامة الاستمرار. وهذا التوتر هو جوهر الديوان، وجوهر التجربة الشعرية التي يقدمها.

ص - نحو أفق نقدي يليق بشعرية الظلال

إن ديوان "ظلال لا تشبهني" ليس مجرد تجربة شعرية في وصف الذات أو التعبير عن الألم، بل هو مشروع دلالي قائم على بناء علامة مركزية تتكاثر حولها الرموز والصور والمعاني. فالظل في هذا الديوان يتحول إلى لغة، وإلى رؤية، وإلى فلسفة وجودية. إنه ليس مجرد استعارة، بل هو بنية تأويلية تتداخل فيها السيمياء مع النفس، واللغة مع الفلسفة، والجمال مع الألم.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الديوان بوصفه نصًا مفتوحًا على المقاربات اللسانية والسيميائية والتأويلية، لأنه يمنح القارئ فرصة لتتبع تحولات المعنى، ومراقبة كيف تُنتج القصيدة دلالاتها عبر الإيحاء والتوتر والانزياح. إن الظلال في شعرية سعاد بسناسي ليست ظلالًا طبيعية، بل هي ظلال الهوية، وظلال الذاكرة، وظلال الوجود، وظلال الذات حين تعجز عن أن ترى نفسها في مرآة العالم.

وبذلك يمكن القول إن سيمياء الظل في هذا الديوان تمثل محاولة شعرية لتفكيك المعنى وإعادة بنائه، وتحويل اللغة إلى فضاء فلسفي يكشف هشاشة الذات وقوة الرمز، ويؤكد أن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يجعل العلامة تتجاوز حدودها، وتتحول إلى سؤال دائم لا ينتهي.

وتأسيسًا على هذا التصور، تندرج البحوث المجمّعة في هذا الكتاب ضمن مقاربة نقدية متعددة المناهج، تتقاطع فيها اللسانيات النصية بالسيميائيات، وتتحاور فيها القراءة الأسلوبية مع التأويل الثقافي والقراءة النفسية والجمالية. وهي لا تنظر إلى النص الشعري بوصفه بنية مغلقة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا مفتوحًا على تعدد القراءات وتداخل المستويات، حيث تتشابك العلامة بالصوت، والصورة بالمعنى، واللغة بالرؤية، في إنتاج تجربة شعرية تتجاوز حدود التعبير المباشر نحو بناء عالم رمزي مركّب.

ويأتي هذا العمل الجماعي في سياق اهتمام نقدي متزايد بإعادة مساءلة النص الشعري المعاصر، خصوصًا في علاقته بإشكالات الهوية، واللغة، والذات، والتمثيل الثقافي. إذ لا يكتفي هذا الكتاب بتفكيك البنى الشكلية للنصوص، بل يسعى إلى استكشاف آليات إنتاج الدلالة داخلها، والكشف عن منطق اشتغالها الداخلي، سواء عبر المجاز، أم الإحالة، أم الإيقاع، أم التوتر الدلالي، أم الاستراتيجيات التداولية التي تُخفي بقدر ما تُظهر، وتُضمر بقدر ما تُعلن.

وتتأسس الدراسات هنا على وعي منهجي بتعدد زوايا النظر إلى النص الأدبي، بحيث لا تُختزل القراءة في مقاربة واحدة، بل تتوزع بين السيمياء بوصفها علم العلامات، واللسانيات النصية بوصفها أداة لفهم التماسك البنيوي، والتحليل الأسلوبي بوصفه مدخلًا إلى جماليات التعبير، إضافة إلى المقاربة الثقافية التي تربط النص بسياقه الرمزي والاجتماعي. ومن ثمّ، فإن هذا التنوع المنهجي لا يعني التشتت، بل يعكس وحدة موضوعية خفية تتمثل في الرغبة في فهم الشعر بوصفه تجربة للمعنى في حال تشكّله المستمر.

كما يولي هذا الكتاب اهتمامًا خاصًا بالتحولات التي تطرأ على اللغة الشعرية في سياقها المعاصر، حيث لم تعد اللغة مجرد وسيلة للتبليغ، بل أصبحت فضاءً للتجريب وإعادة الإنتاج الدلالي. فالشعر هنا لا يقدّم خطابًا جاهزًا، بل يشتغل على تفكيك اليقينيات اللغوية وإعادة تركيبها ضمن رؤى جمالية وفكرية جديدة، تجعل من النص مجالًا للتأمل في الذات والعالم معًا.

وتكشف هذه الدراسات، في مجملها، عن وعي نقدي يسعى إلى تجاوز القراءة الانطباعية نحو قراءة علمية تأويلية، تستنطق النصوص في عمقها، وتعيد مساءلة بنياتها الظاهرة والخفية، بما يسمح بتأسيس رؤية أكثر تركيبًا للشعر المعاصر، بوصفه ممارسة لغوية وجمالية وفكرية في آن واحد.

وعلى هذا الأساس، لا يُقدَّم هذا الكتاب بوصفه تجميعًا لمقالات نقدية متفرقة، بل بوصفه مشروعًا معرفيًا يسعى إلى بناء شبكة من المفاهيم والأدوات التي تمكّن من الاقتراب من النص الشعري من زوايا متعددة، وتفتح أفقًا قرائيًا جديدًا يوازن بين التحليل الدقيق والانفتاح التأويلي، وبين الصرامة المنهجية وخصوبة المعنى.

في ضوء ذلك، جاء محور: ديناميات العلامة وإنتاج الدلالة، متضمنا هذه الدراسات:

- استعارة الظلال ومجازات الانفصال في ديوان ظلال لا تشبهني

ينطلق هذا البحث من مقاربةٍ تأويلية تتخذ من “الظل” بنيةً رمزية مركزية تتجاوز وظيفته الوصفية أو الزخرفية داخل الخطاب الشعري، لتتحول إلى استعارة كبرى تؤسس لمنظور دلالي قائم على فكرة الانفصال والانشطار الداخلي. فـالظل، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه أثرًا ضوئيًا تابعًا للجسد، بل بوصفه كيانًا موازياً يعيد إنتاج الذات في صيغة غير مكتملة، أو في صورة مشروخة تعكس توتر الهوية وعدم استقرارها. ومن ثمّ يصبح الديوان فضاءً تتقاطع فيه تجليات الذات المنقسمة مع تمثلات وجودية تتسم بالقلق واللايقين، حيث لا تحضر الهوية كمعطى ثابت، بل كعملية تشكّل مستمرة تتأرجح بين الحضور والغياب، وبين التحقق والامحاء.

ويُعنى البحث بتحليل آليات اشتغال المجاز داخل هذا البناء الشعري، خصوصًا من حيث قدرته على توليد صور تقوم على التوتر الثنائي بين المرئي والمستتر، وبين ما يظهر في سطح اللغة وما يتوارى في عمقها الدلالي. فالصورة الشعرية لا تُبنى هنا على منطق التطابق أو التمثيل المباشر، بل على منطق الانزياح والتشظي، حيث يتحول الظل إلى علامة دلالية كثيفة تُحيل إلى مستويات متعددة من المعنى، تتداخل فيها النفسية بالوجودية، والذاتي بالكوني. ومن خلال هذا التداخل، تتأسس شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل من النص فضاءً مفتوحًا على احتمالات التأويل، بدل أن يكون بنية مغلقة ذات معنى واحد.

كما يبرز التحليل أن استعارة الظل لا تعمل كعنصر جمالي إضافي، بل كآلية إنتاج دلالي فاعلة تسهم في بناء رؤية شعرية ذات بعد وجودي واضح. فهي تكشف عن قلق الذات إزاء وجودها، وعن هشاشة علاقتها بالعالم، حيث يغدو العالم ذاته مساحة مراوغة لا تمنح يقينًا، بل تعمّق الإحساس بالاغتراب والانقسام. ومن هذا المنظور، يتحول الظل إلى مرآة مشروخة تعكس لا اكتمال الإنسان، وتعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم بوصفها علاقة توتر دائم، لا تستقر على معنى نهائي بل تظل منفتحة على سؤال الوجود ومعضلة الهوية.

- الإحالة ودورها في التماسك النصي (قصيدة نور السماوات نموذجًا) – جلال مصطفاوي

يركز هذا البحث على الإحالة بوصفها آلية لسانية تحقق التماسك داخل النص الشعري، من خلال تتبع الضمائر، وأسماء الإشارة، وأدوات الربط، والإحالات الزمنية والمكانية في قصيدة "نور السماوات". ويبين الباحث أن الإحالة لا تضمن فقط وحدة النص من الناحية التركيبية، بل تُسهم في بناء المعنى وتحريك الدلالة داخل القصيدة، حيث تتحول الروابط الإحالية إلى جسور تربط المقاطع وتوجّه القراءة نحو تأويل منسجم ومتصاعد.

البنية الإحالية في ديوان "ظلال لا تشبهني": مقاربة لسانية نصية – قطاف تمام فاطمة الزهراء

يعالج البحث البنية الإحالية في الديوان من منظور لساني نصي، ويكشف عن كيفية تشكّل شبكة إحالية واسعة تضمن تلاحم الخطاب الشعري وتمنحه بعدًا تداوليًا. ويرصد الباحثة توظيف الإحالات الداخلية والخارجية، وأثر الضمائر والتحولات المرجعية في تكثيف البعد الذاتي للقصائد، مبينة أن الإحالة في الديوان تتحول من وظيفة لغوية إلى وظيفة دلالية تسهم في تشكيل الرؤية الشعرية وإنتاج التوتر بين الذات والعالم.

سيمياء اللغة في "ظلال لا تشبهني" – مقاربة نصية – سماح محمد حيدة

يقدّم البحث قراءة سيميائية للغة الديوان بوصفها نسقًا من العلامات، ويحلل كيف تتحول المفردات والصور والتراكيب إلى إشارات تتجاوز معناها القاموسي. ويركز على آليات الانزياح والتلميح والتكثيف الرمزي، مبينًا أن الديوان يبني معناه عبر لغة إيحائية تتأسس على الغموض المنتج لا الغموض المعطّل. كما يؤكد أن اللغة في هذا الديوان ليست أداة نقل للمعنى بل هي المعنى ذاته، لأنها تتحول إلى فضاء دلالي مفتوح على التأويل.

- النص الإشهاري: قراءة سيميائية في ديوان ظلال لا تشبهني – صباح إبراهيم أبوشاقور

يتناول هذا البحث حضور الخطاب الإشهاري أو بنيته الرمزية داخل الديوان، من خلال تفكيك العلامات التي تحيل إلى الاستهلاك، والصورة، والإغراء، وتشييء المعنى. ويحلل الباحث كيف تتداخل بعض آليات الإشهار (الإيحاء، التكرار، بناء الصورة، الاقتصاد اللغوي) مع التعبير الشعري لتوليد خطاب نقدي أو ساخر أحيانًا، يعرّي واقعًا ثقافيًا معاصرًا يطغى عليه التسويق الرمزي. وبذلك يتحول الشعر إلى مساحة مقاومة دلالية ضد الاستلاب.

- سطوة العنوان على الذات النّاصة: مقاربة سيكونصّية (ديوان ظلال لا تشبهني أنموذجًا) – إيناس رمضان عمر الشّتيوي

يركز البحث على العنوان بوصفه عتبة نصية موجِّهة للقراءة، ويحلل علاقته بالذات الكاتبة داخل الديوان من خلال مقاربة سيكونصّية تهتم بتتابع العلامات وبناء الدلالة عبر المقاطع. ويبين أن العنوان ليس مجرد تسمية خارجية، بل سلطة تأويلية تتحكم في توقعات القارئ وتفرض أفقًا دلاليًا عامًا، كما يكشف عن أن العناوين في الديوان تؤسس لمزاج شعري قائم على الانكسار والتوتر، وتُسهم في بناء هوية النص عبر إشارات رمزية مكثفة.

أما محور شعرية التشكّل الجمالي، فقد تضمن مجموعة من الدراسات:

- الإيقاع الصوتي في المجموعة الشعرية "ظلال لا تشبهني": دراسة صوتية – نورية بويش

يعالج البحث الإيقاع الصوتي في الديوان من زاوية صوتية دقيقة، ويحلل أثر التكرار والتنغيم وتوزيع الحروف والصيغ في تشكيل الموسيقى الداخلية للقصائد. ويبين أن الإيقاع في الديوان لا يقوم على الوزن التقليدي فقط، بل يتأسس على توازن الأصوات وتجاور الحروف وجرس المفردات، مما يمنح النص طاقة انفعالية خاصة. ويؤكد أن الصوت يتحول إلى حامل دلالي يترجم حالات الحزن والاغتراب والاحتراق الداخلي التي تميز التجربة الشعرية.

- شعرية التوتر وبناء الإيقاع الداخلي في قصيدة "جذور تمسك بالروح" – جنات زراد

يركز البحث على مفهوم "التوتر" بوصفه محركًا جماليًا للنص، ويحلل كيفية تشكل الإيقاع الداخلي في القصيدة عبر التقطيع، والتكرار، والتضاد، وتوالي الجمل القصيرة والممتدة. كما يبرز أن التوتر في القصيدة ليس توترًا معنويًا فقط، بل يتجسد صوتيًا وإيقاعيًا، إذ يتحول الإيقاع إلى انعكاس مباشر لصراع الذات وتعلقها بالجذور بوصفها رمزًا للهوية والذاكرة. وبذلك يصبح الإيقاع الداخلي وسيلة لتجسيد القلق الوجودي داخل البناء الشعري.

- التجريب في ديوان ظلال لا تشبهني – عبد الرحمن بن شويحة

يعالج هذا البحث مظاهر التجريب في الديوان، من خلال رصد انزياحات اللغة، وتفكيك البنية التقليدية للقصيدة، وتنوع الأساليب بين التكثيف السردي والومضة الشعرية واللغة الرمزية. ويبرز الباحث أن التجريب هنا ليس مجرد شكل حديث، بل هو تعبير عن رؤية فكرية تبحث عن لغة جديدة قادرة على احتواء الانكسار الداخلي وتحوّلات الذات. كما يشير إلى أن الديوان يؤسس شعرية تقوم على كسر المألوف وإعادة بناء الصورة والعبارة بما يخدم المعنى النفسي والوجودي.

- ترجمة النصوص الأدبية بين المجازية والحرفية – علي أحمد عمر

يناقش البحث إشكالية الترجمة الأدبية بين الوفاء للحرف والوفاء للروح، ويبرز الفرق بين الترجمة الحرفية التي قد تُضعف الجمالية، والترجمة المجازية التي قد تُغيّر البنية الأصلية للنص. ويطرح الباحث معايير التوازن بين نقل الدلالة ونقل الإيقاع والصورة والحمولة الثقافية، مؤكدًا أن الترجمة الأدبية ليست نقلاً لغويًا فقط بل هي إعادة خلق للنص داخل لغة أخرى. كما يبرز أهمية فهم المجاز الشعري بوصفه قلب النص الأدبي ومفتاحه الجمالي.

بينما تُعيد هذه الدراسات مساءلة محور الذات في أفق الانكسار

- تجليات الذات: قراءة في هندسة الغياب الشعري في ديوان ظلال لا تشبهني – دورين نصر

يقدّم البحث قراءة تأويلية لمفهوم الذات داخل الديوان، من خلال تتبع حضور الغياب بوصفه بنية نفسية وجمالية. ويرى أن الذات الشاعرة لا تتجلى عبر الاعتراف المباشر، بل عبر ما تغيب عنه وما تفقده وما تلمّح إليه. كما يوضح أن الغياب يتحول إلى هندسة داخلية للقصائد، حيث يتشكل النص حول الفراغ والفقد والانتظار. وبذلك تصبح الذات كيانًا هشًا يعيش في ظل التوتر بين الرغبة في الحضور والخوف من المواجهة.

- شعرية الصمت ودلالاته في ديوان ظلال لا تشبهني: قراءة نفسية تأويلية تحليلية – محمد فوضيل

يركز البحث على الصمت بوصفه علامة دلالية داخل الديوان، لا باعتباره غيابًا للكلام، بل باعتباره شكلًا من أشكال التعبير العميق. ويحلل الباحث الصمت كاستراتيجية نفسية تترجم الألم والخذلان والاحتراق الداخلي، وكوسيلة لخلق توتر جمالي داخل القصيدة. كما يبرز أن الصمت في الديوان يتخذ أبعادًا وجودية، إذ يتحول إلى مساحة للتأمل والانكسار، وإلى لغة ثانية تتكلم عبر الإيحاء لا التصريح.

- المفارقة الدلالية للعنونة في شعر سعاد بسناسي (مقاربة سيميائية لنماذج مختارة) – أسماء حمايدية

يعالج البحث ظاهرة المفارقة في عناوين قصائد سعاد بسناسي، ويحلل كيف تخلق العناوين صدمة دلالية عبر الجمع بين المتناقضات أو عبر كسر توقع القارئ. ويرى أن العنوان في شعرها لا يؤدي وظيفة تعريفية فحسب، بل يفتح باب التأويل ويوجه القراءة نحو أفق رمزي خاص. كما يبرز الباحثة أن المفارقة في العنونة تسهم في بناء التوتر العام للديوان، وتكشف عن انشطار الذات بين الرغبة والخذلان، وبين الحضور والانمحاء.

كما تضمن محور: سيمياء الرؤية والتمثيل الثقافي، هده العناوين:

- استراتيجية الافتراض المسبق في الشعر النسوي (ظلال لا تشبهني أنموذجًا) – زينب عبد السلام المقوز

يتناول البحث آلية الافتراض المسبق بوصفها استراتيجية تداولية تعمل داخل النص الشعري النسوي، حيث يُبنى المعنى على ما يُفترض أنه معلوم أو مسكوت عنه. ويحلل كيف توظف الشاعرة هذه التقنية لإنتاج خطاب إيحائي يتجاوز التصريح، ويمنح القصائد عمقًا نفسيًا وثقافيًا. كما يبرز أن الافتراض المسبق يتحول إلى وسيلة مقاومة رمزية، إذ يسمح للشاعرة بتعرية التجربة الأنثوية وتقديمها في صيغة غير مباشرة لكنها شديدة التأثير.

- تمثيلات الرؤية الأنثوية وحضورها الرمزي في ديوان ظلال لا تشبهني – عائدة صبحي حمزة مصاروة

يركز البحث على الرؤية الأنثوية داخل الديوان بوصفها رؤية رمزية لا تقريرية، ويحلل كيف تتحول التجربة النسوية إلى صور وإشارات تتعلق بالذات والجسد والذاكرة والخذلان والحرية. ويؤكد الباحثة أن الأنوثة في الديوان لا تُعرض بوصفها موضوعًا اجتماعيًا فحسب، بل بوصفها بنية رمزية تعيد صياغة العالم من الداخل. كما يبرز أن الرموز الأنثوية تُستخدم لتفكيك السلطة، وإعادة إنتاج معنى الذات في مواجهة التهميش والغياب.

- النور والظلال: ثنائية التوافق والتضاد في ديوان ظلال لا تشبهني – سعاد آمنة بوعناني

يعالج البحث الثنائية المركزية نور/ظل بوصفها نظامًا دلاليًا يتحكم في حركة المعنى داخل الديوان، ويحلل كيف ينتج النص دلالته عبر التضاد والتوازن في آن واحد. ويبرز أن النور لا يظهر كقيمة مطلقة، بل بوصفه معنى هشًا مهددًا بالانطفاء، بينما الظل لا يظهر كشرّ مطلق، بل كمساحة تأمل ووعي وعمق. كما يؤكد أن هذه الثنائية تمنح القصائد طابعًا فلسفيًا يربط التجربة الذاتية بالأسئلة الوجودية الكبرى.

- دلالة الشعر العمودي في ديوان ظلال لا تشبهني – عبد الفتاح دباز

يركز البحث على حضور الشعر العمودي داخل الديوان، ويحلل دلالاته الفنية والثقافية في سياق تجربة شعرية حديثة. ويبين الباحث أن العودة إلى العمود ليست تراجعًا عن الحداثة، بل هي اختيار جمالي يثبت قدرة الشاعرة على الجمع بين التراث والتجديد. كما يبرز أن العمود الشعري داخل الديوان يؤدي وظيفة تأكيد الهوية الإيقاعية العربية، ويمنح التجربة الشعرية بعدًا تراثيًا يتجاور مع الرمزية والانزياح، مما يخلق توازنًا بين الصياغة الكلاسيكية والرؤية المعاصرة.

وفي حصيلة التمثل النقدي، تتأسس هذه الدراسات ضمن أفقٍ تأويلي لا ينظر إلى النص الشعري بوصفه بنية لغوية مكتفية بذاتها، بل باعتباره كينونة دلالية متحركة، تتشكل باستمرار داخل توترٍ وجودي لا يهدأ بين الظهور والاختفاء، وبين القول وما ينسحب من القول، وبين المعنى بوصفه حضورًا والمعنى بوصفه أثرًا يتلاشى في اللحظة ذاتها التي يتشكل فيها. ومن هذا المنظور، لا تعود السيمياء مجرد أداة إجرائية لوصف العلامات داخل النص، بل تنقلب إلى طريقة في مساءلة الوجود عبر اللغة، ومساءلة اللغة عبر هشاشتها الداخلية، حيث يغدو المعنى مشدودًا إلى قابلية دائمة للانزياح، ويصبح كل حضور محكومًا بإمكان غيابه، وكل دلالة مفتوحة على احتمالات تفككها وإعادة تشكلها.

في هذا السياق، يتبدّى ديوان "ظلال لا تشبهني" بوصفه تجربة شعرية تقف عند تخوم الكينونة، حيث لا تُبنى الذات باعتبارها جوهرًا ثابتًا، بل باعتبارها أثرًا يتشكل في مرآة الانقسام، ووعيًا لا يكتمل إلا عبر تكسّر صورته. فالظل، الذي يبدو في الوهلة الأولى علامة ثانوية تابعة للجسد، ينقلب في هذا النص إلى مركز تأويلي يبتلع مركزية الجسد نفسه، ليعيد تعريف العلاقة بين الأصل والصورة، بين الحقيقة وتمثيلها، بين الذات وامتدادها الرمزي. إن ما يحدث داخل هذا التحول ليس مجرد انتقال في الاستعارة، بل انقلاب في بنية التفكير الشعري، حيث لا يعود الأصل أصلًا، ولا يعود الظل تابعًا، بل يصبح كل منهما احتمالًا للآخر، وانزياحًا عنه في آن.

إن الظل في هذا ديوان سعاد بسناسي لا يعمل داخل الاقتصاد البلاغي التقليدي للاستعارة، بل داخل اقتصاد وجودي للانقسام. فهو ليس صورة للغياب فحسب، بل طريقة في التفكير بالوجود بوصفه نقصًا دائم التشكّل، وامتلاءً لا يكتمل إلا عبر ما ينقصه. وهنا تتأسس المفارقة الكبرى: فكلما اقتربت الذات من نفسها، ابتعدت عنها، وكلما سعت إلى التماهي مع صورتها، انشطر حضورها إلى تعدد لا يمكن اختزاله. يصبح الظل إذن ليس ما يتبع الجسد، بل ما يكشف استحالة أن يكون للجسد وحدة نهائية.

ومن هذا المنظور، يغدو العنوان "ظلال لا تشبهني" لحظة فلسفية مكثفة، لأنه لا يصف علاقة، بل يفكك إمكانية العلاقة ذاتها. فالتشابه، بوصفه مبدأ للتماهي والانسجام، يُنقض داخل بنية النفي، وكأن النص منذ عتبته الأولى يعلن انقطاعًا عن منطق الهوية المستقرة. إن "لا" هنا ليست أداة لغوية، بل شقّ وجودي داخل بنية المعنى، إذ تفتح الكينونة على انفصالها عن صورتها، وتضع الذات أمام سؤالها الأكثر قسوة: كيف يمكن للظل، بوصفه أكثر الأشياء قربًا، أن يتحول إلى دليل على الغربة القصوى؟

إن هذا الانفصال لا يعني فقط أزمة في تمثيل الذات، بل يكشف عن أن الذات نفسها لم تعد قابلة للتحديد خارج انقسامها. فهي لا تُدرك إلا عبر ما تنفيه، ولا تحضر إلا عبر ما ينسحب منها. وهنا يتجلى المنطق السيميائي العميق للنص: المعنى لا يُنتج من التطابق، بل من التوتر، ومن المسافة التي تفصل الشيء عن صورته، والذات عن انعكاسها، واللغة عن يقينها.

وعلى هذا الأساس، يتحول الظل إلى بنية أنطولوجية لا يمكن اختزالها في وظيفة رمزية واحدة. فهو مرة أثر للغياب، ومرة فائض حضور، ومرة قناع لا واعٍ، ومرة ذاكرة تتكلم بلغة الإمحاء. غير أن هذا التعدد ليس تشتتًا دلاليًا، بل هو جوهر الظل ذاته، بوصفه كيانًا لا يستقر، ولا يكتمل، ولا ينغلق على تعريف. إن الظل ليس موضوعًا داخل النص، بل طريقة في تفكير النص بذاته، أي أنه شكل من أشكال وعي اللغة بحدودها.

في هذا الأفق، تتراجع الحدود بين العلامة والوجود، بين السيمياء والأنطولوجيا، لأن العلامة هنا لا تشير إلى شيء خارجها فحسب، بل تكشف عن هشاشة كل إحالة. فكل دالّ في النص يبدو وكأنه يحفر في داخله فجوة دلالية، وكل صورة تحمل داخلها أثر امحائها المحتمل. وهكذا لا يعود النص فضاءً لتمثيل العالم، بل يصبح فضاءً لزعزعة فكرة التمثيل نفسها.

ومن ثم، فإن الذات في هذا الديوان لا تُبنى عبر الامتلاء، بل عبر النقص، ولا تتحدد عبر الحضور، بل عبر ما يتسرب منها باستمرار. إنها ذات لا تملك نفسها إلا بوصفها أثرًا لغيابها، ولا ترى نفسها إلا في لحظة فقدانها. وهذا ما يجعل تجربة القراءة نفسها تجربة غير مستقرة، لأن القارئ لا يواجه معنى مكتملًا، بل يواجه حركة المعنى في انحلاله المستمر.

إن الظل، في أعمق مستوياته، ليس مجرد علاقة بين الضوء والجسد، بل استعارة كبرى للوجود بوصفه توترًا بين ما يظهر وما لا يكتمل ظهوره. فالوجود هنا لا يُفهم بوصفه حضورًا صلبًا، بل بوصفه اهتزازًا دائمًا بين الظهور والانسحاب، بين التحقق والتلاشي، بين ما يمكن قوله وما يظل عصيًا على القول. ومن هذا المنظور، يصبح الشعر ذاته شكلًا من أشكال التفكير في هذا الاهتزاز، لا وسيلة لتثبيته.

ويكشف ديوان ظلال لا تشبهني للشاعرة سعاد بسناسي، عبر هذا المنطق، أن اللغة ليست وسيطًا شفافًا للمعنى، بل هي فضاء تتصارع فيه الإمكانات الدلالية. فكل كلمة هي احتمال لمعنى آخر، وكل تركيب هو انفتاح على تأويل لا ينتهي. لذلك، فإن الظل ليس فقط موضوعًا شعريًا، بل هو أيضًا أثر لغوي داخل بنية النص، حيث تتحول اللغة نفسها إلى شبكة من الظلال التي لا تستقر على دلالة واحدة.

ومن هنا يمكن القول إن ما يُبنى داخل هذا الديوان هو أنطولوجيا للانكسار، حيث لا يُفهم الانكسار بوصفه خللًا في البنية، بل بوصفه شرطًا للمعنى. فالمعنى لا يولد من الوحدة، بل من التصدع، ولا يتحقق في الاكتمال، بل في التوتر بين الأجزاء. إن كل محاولة لتثبيت الدلالة تنقلب إلى حركة إضافية في تفكيكها، وكأن النص يرفض أن يُختزل في أي شكل نهائي للفهم.

وتتعمق هذه الرؤية حين نضع الظل في أفقه الزمني، حيث لا يعود مجرد علامة مكانية، بل يتحول إلى زمن داخلي للإمحاء. فالظل هو الزمن الذي يمر داخل الصورة، لا الزمن الذي يمر خارجها. إنه أثر اللحظة وهي تفقد نفسها أثناء تشكلها. ومن ثم، فإن الذاكرة في هذا النص ليست استعادة لما كان، بل استمرار لما يتلاشى وهو يُستعاد.

وفي هذا الأفق، تتداخل الذات بالزمن، واللغة بالغياب، والصورة بالفقد، بحيث يصبح النص كله حركة مستمرة نحو ما لا يمكن الإمساك به. لا توجد نقطة استقرار يمكن أن يتوقف عندها المعنى، لأن كل استقرار هو بداية انزياح جديد. وهكذا يغدو الشعر تجربة في مقاومة الثبات، لا عبر نفيه، بل عبر كشف استحالته.

إن ما تكشفه هذه الدراسة في نهايتها هو أن سيمياء الظل ليست مجرد منهج في قراءة الديوان، بل هي مدخل لفهم الكينونة بوصفها علامة غير مكتملة، ومعنى لا يكتمل إلا بانفتاحه على نقصه. فكل علامة في هذا النص تحمل داخلها ما ينقضها، وكل معنى ينهض على إمكانية انهياره، وكل حضور يظل مشدودًا إلى غيابه بوصفه شرطه الداخلي.

وبذلك، لا يعود الشعر تعبيرًا عن العالم، بل يصبح طريقة في كشف أن العالم نفسه ليس إلا شبكة من الظلال المتحولة، وأن الذات ليست إلا أثرًا داخل هذا التحول، وأن اللغة ليست إلا حركة هذا الأثر وهو يحاول أن يقول ما لا يُقال. وفي هذا الحدّ تحديدًا، حيث تتراجع قدرة القول أمام كثافة الإمحاء، يولد الشعر بوصفه شكلًا من أشكال التفكير في المستحيل، لا بوصفه تجاوزًا له، بل بوصفه إقامة داخله.

ومن ثم، فإن ديوان "ظلال لا تشبهني" لا يُقرأ كنص يصف تجربة ذاتية، بل كنص يفكك إمكانية التجربة ذاتها، ويعيد بناء السؤال حول ما يعنيه أن يكون للإنسان ظل، وما يعنيه أن يكون للظل معنى، وما يعنيه أن يكون للمعنى ظل لا يشبهه، ولا يشبه صاحبه، ولا يشبه إلا انفتاحه الدائم على الغياب.

في هذا الأفق الأخير، يتجلى الشعر بوصفه لحظة إدراك قصوى لهشاشة الوجود، لا بوصفه خطابًا جماليًا يضيف إلى العالم طبقة من الزخرفة، بل بوصفه تجربة معرفية حدّية تقف عند تخوم ما يمكن للغة أن تقوله وما يتعذر عليها الإمساك به. فالشعر، في هذا المنظور، لا يعمل على تثبيت المعنى أو إغلاقه داخل صيغة نهائية، بل يكشف عن الطبيعة المتصدعة للمعنى ذاته، وعن كونه ليس جوهرًا مكتملًا يمكن القبض عليه، بل حركة دائمة من التشكل والانمحاء، ومن الظهور الذي يحمل في داخله أثر غيابه.

إنه شعر لا يطمئن إلى يقين الدلالة، لأن الدلالة فيه ليست معطى جاهزًا، بل أثرًا يتولد داخل التوتر بين اللغة وما تعجز اللغة عن استيعابه. لذلك، لا يعود السؤال عن المعنى سؤالًا يمكن أن يقود إلى إجابة مستقرة، بل يتحول إلى بنية وجودية مفتوحة، تشتغل داخلها الذات وهي تواجه انكشاف هشاشتها أمام العالم وأمام نفسها. فكل محاولة للإجابة لا تفعل سوى إعادة إنتاج السؤال في مستوى أعمق، وكأن المعنى لا يُكتشف، بل يُؤجَّل باستمرار، ويُعاد دفعه إلى حافة الانفلات.

وفي هذا السياق، يغدو الشعر شكلًا من أشكال الوعي الحدّي، حيث لا تنفصل المعرفة عن القلق، ولا ينفصل الإدراك عن تجربة الانكسار الداخلي للثباتات المفهومية. فالعالم لا يظهر في الشعر كمنظومة من الدلالات المستقرة، بل كنسيج من العلامات المتحولة التي لا تكف عن إعادة تعريف نفسها، الأمر الذي يجعل من كل قراءة فعلاً تأويليًا محفوفًا بالاحتمال، لا يقود إلى يقين بل إلى اتساع أكبر في دائرة السؤال.

وهكذا، يتحول الوجود نفسه إلى بنية شعرية مفتوحة، لا تُدرك إلا عبر ما يتخلخل فيها من فراغات، وما يتسرب منها من غياب. فالذات لا تواجه العالم بوصفه معطى مكتملًا، بل بوصفه أثرًا دائم التبدل، واللغة لا تعيد تمثيل الواقع بل تكشف عن اهتزازه الداخلي. وفي هذا التداخل بين الوجود واللغة، بين الإدراك واللايقين، يتشكل الشعر بوصفه لحظة كشف لا تُفضي إلى طمأنينة، بل إلى وعي أكثر عمقًا بتعذر الطمأنينة نفسها.

ومن ثم، فإن السؤال عن المعنى لا يعود سؤالًا معرفيًا بالمعنى التقليدي، بل يتحول إلى سؤال وجودي يلامس حدود الكينونة ذاتها. إذ يصبح المعنى ليس ما يمكن الوصول إليه، بل ما يُعاش في لحظة تعذّر الوصول إليه، وما يتجلى بوصفه أثرًا للانفلات الدائم، لا بوصفه نتيجة يمكن تثبيتها أو امتلاكها.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الشعر في أقصى تجلياته لا يقدّم إجابة عن العالم، بل يعيد صياغة علاقة الإنسان بسؤاله عن العالم. فهو لا يغلق السؤال، بل يفتحه على اتساعه النهائي، حيث تتراجع إمكانية الحسم، ويغدو التفكير نفسه نوعًا من الإقامة داخل اللايقين. وفي هذا المقام تحديدًا، لا يعود السؤال عن المعنى منفصلًا عن معنى السؤال، بل يتماهى معه، بحيث يصبح السؤال هو الشكل الأكثر كثافة للمعنى، والمعنى هو الامتداد الوجودي للسؤال.

وهكذا، في هذا الأفق الذي تتقاطع فيه السيمياء بالوجود، واللغة بالانكشاف، والذات بحدودها القصوى، يتجلى الشعر بوصفه لحظة إدراك قصوى لهشاشة الوجود، حيث لا يعود السؤال عن المعنى قابلاً للإجابة، بل يصبح هو نفسه شكل الإجابة الوحيد الممكن، لأن الإجابة لم تعد تنتمي إلى منطقة الحل، بل إلى منطقة الوعي العميق باستحالة الاكتمال، وإلى ذلك الفضاء الذي يظل فيه المعنى قائمًا بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا ينطفئ.

***

..................

سعاد بسناسي

https://www.souad-besnaci.com

أستاذة اللغويات جامعة وهران 1، كلية الآداب والفنون/ الجزائر

عضو المجلس الأعلى للغة العربية

مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام

مديرة مجلة الكلم ورئيس تحريرها

رئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي

 

شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.

وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي (وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت (1915-1980)، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.

يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.

ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.

ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.

أرادَ الغذامي أن يجعل النقدَ أداةً للوعي والتغيير، لا مُجرَّد نشاط أكاديمي معزول. لذلك ارتبطَ مشروعه بطموح إصلاحي يسعى إلى تحرير العقل العربي من هَيمنة الأنساق التي تُكرِّس الجُمودَ، وتُعيد إنتاج التبعية الفكرية والاجتماعية.

أمَّا رولان بارت، فهو أحد أهم أعلام الفكر النقدي في القرن العشرين. أسهمَ إسهامًا كبيرًا في الانتقال مِن البنيوية إلى ما بعد البنيوية. وقد انطلقَ في مشروعه من دراسة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات، متأثرًا باللسانيات الحديثة، لكنَّه سُرعان ما تجاوزَ حدودَ التحليل اللغوي إلى قراءة الثقافة بأكملها باعتبارها شبكة من الرموز والدَّلالات.

نظرَ بارت إلى الظواهر اليومية نظرةً نقدية كاشفة، فالإعلاناتُ والصور والأزياء والرياضة والسينما لَيست في نظره أشياء عادية، بلْ هي أنظمة دَلالية تَحمل رسائل أيديولوجية خَفِيَّة. وقدْ تجلَّى هذا المنهج بوضوح في كتاباته، حيث كشفَ كيف تتحوَّل الظواهر الثقافية إلى أساطير حديثة تخدم مصالح اجتماعية وسياسية مُعيَّنة.

مِن أشهر أفكاره مفهوم " موت المؤلف"، الذي دعا فيه إلى تحرير النص مِن سُلطة صاحبه، ومنحِ القارئ دَورًا مركزيًّا في إنتاج المعنى. فالمعنى عند بارت لَيس ثابتًا أوْ نهائيًّا، بلْ يتولد باستمرار من تفاعل النص معَ قُرَّائه المختلفين. وبهذا التصوُّر فتحَ البابَ أمام قراءات متعددة ومتجددة للنصوص الثقافية والأدبية.

سعى بارت إلى زعزعة اليقينيات، وكشفِ الأوهام التي تتخفى وراء الخِطابات السائدة، مؤمنًا بأنَّ الثقافة فضاء للصراع والتفاوض وإعادة إنتاج السُّلطة. ومِن هُنا أصبحت القراءةُ عِنده فِعلًا نقديًّا يهدف إلى تحرير الإنسان مِن سَطوة المعاني الجاهزة.

على الرغم من اختلاف البيئة الثقافية التي ينتمي إليها الغذامي وبارت، فإنَّ بينهما قواسم مشتركة عديدة. كِلاهما رفضَ حَصْرَ النقد في الجانب الجَمالي للنص، وسعى إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل الثقافةَ بكلِّ تجلياتها. كما أنَّهما اشتركا في الاهتمام بكشف البِنى الخفية التي تتحكم في إنتاج الخطاب، وتوجيهِ الوعي.

كذلك يؤمن الاثنان بأن النصوص لَيست كِيانات مستقلة عن المجتمع، بلْ هي جُزء من منظومة ثقافية أوسع تتداخل فيها السُّلطة والمعرفة والقِيَم. لذلك فإنَّ مهمة الناقد تتجاوز الوصفَ والتذوقَ إلى التفكيك والكشف والمُساءلة.

وقدْ أسهمتْ أفكار بارت في تمهيد الطريق أمام كثير من مشاريع النقد الثقافي المعاصرة، بما فيها مشروع الغذامي، الذي استفادَ من مناهج التفكيك وتحليلِ الخِطاب في بناء رؤيته النقدية الخاصَّة.

غَير أن هذا التقاطع لا يُلغي وجودَ اختلافات جَوهرية بين المفكرَيْن. بارت انطلقَ أساسًا مِن خلفية فلسفية ولسانية غربية، وكانَ اهتمامه مُنْصَبًّا على تحليل أنظمة العلامات وآليَّاتِ إنتاج المعنى داخل الثقافة الحديثة.

أمَّا الغذامي فقدْ ركَّز على إشكاليات المجتمع العربي، وسعى إلى توظيف النقد الثقافي في مُعالجة قضايا اجتماعية وفكرية مرتبطة بواقع الثقافة العربية.

كما أن بارت كان معنيًّا بتفكيك المعنى وإبراز تعدديته، في حِين ركَّز الغذامي على كشف الأنساق الثقافية المُهيمنة وآثارها الاجتماعية. وإذا كان بارت قد انشغلَ بالسؤال: كيف يتمُّ إنتاج المعنى؟، فإنَّ الغذامي انشغلَ بالسؤال: ما هي القوى الثقافية التي تتحكم في إنتاج هذا المعنى؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كشك الحكاية.. الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب

تنتمي قصة "كشك الحكاية" للكاتبة سعاد حسين الراعي إلى فئة القصص الإنسانية التي لا تكتفي بالحديث عن مصير البطل أو البطلة، بل تتخذ من معاناتهم وسيلةً للتأمل في قضايا الحياة والفقدان والصمود. ظاهريًا، هي حكاية حرب، لكنها في جوهرها حكاية قدرة الروح الإنسانية على التجدد بعد الكارثة، وكيف تُصبح الكلمة ترياقًا لليأس والوحدة والموت.

في السطور الأولى فقط، تنجح الكاتبة في الارتقاء بالكشك من مجرد كيان مادي إلى رمز يحمل دلالات نفسية وروحية عميقة. لم يعد هذا الكشك مجرد متجر صغير يبيع الصحف والمجلات، بل أصبح بمثابة وطن بديل وشرفة ينظر منها بطل القصة حوله. هذا هو المكان الذي استعاد فيه أديب عافيته بعد أن حطمته ذكريات الماضي. وهذا ما يجعل الكاتبة قادرة على تحويل الأشياء العادية إلى رموز ذات معانٍ أعمق من معناها الظاهر.

في الواقع، إنها شخصية رائعة، موصوفة بكل عيوبها ومزاياها. تخلق الكاتبة شخصية أديب التي لا تنتمي إلى فئة الأبطال الخارقين، بل إلى فئة أولئك الذين نجوا من حرب مروعة بساق مبتورة، وذكريات مؤلمة، وخسائر فادحة. ومع ذلك، تكمن الأهمية الفنية للشخصية في الصراع الداخلي بين الاستسلام للمعاناة والرغبة في إيجاد المعنى الحقيقي للحياة. ونتيجة لذلك، تبدو عملية تطور الشخصية في القصة أشبه بمسار روحي ونفسي، وليست مجرد سلسلة من الأحداث.

تستخدم الكاتبة أسلوبًا قويًا في تصوير الحرب، التي لا تُوصف كعمل عسكري أو سياسي بحت، بل كظاهرة مدمرة تحطم الأحلام الشخصية. صحيح أن الحرب سلبت أديب ساقه وشبابه، لكنها لم تسلبه إرادته القوية التي دفعته إلى الدراسة والكتابة. بهذه الطريقة، تتبلور إحدى الأفكار المحورية للقصة: انتصار الروحانية على الجسد، وانتصار الإرادة على الضعف.

يُصبح من الأهمية بمكان، بالنسبة للحبكة، إظهار حضور شخصية الأب في هذه القصة. فالأب هنا ليس مجرد شخصية ثانوية في ماضي البطل، بل هو عنصر أساسي في ثقافته وعالمه الداخلي. لقد غرس فيه حب القصص، وشجعه على الكتابة في سن مبكرة، ليصبح بذلك رمزًا للذاكرة الحية والجذور التي تمنح الإنسان القدرة على البقاء. وهذا يعني أن الحلم الذي يظهر فيه الأب في الجزء الأخير من القصة مُبرر تمامًا ببنية السرد.

أما فيما يتعلق بالخصائص الأدبية، فإن لغة النص تتسم بالشاعرية. فكثيرًا ما تستخدم الكاتبة الصور والاستعارات في جملها. ويمكن للقارئ أن يلمس مدى التأثير العاطفي العميق للوصف الذي كتبته. هناك العديد من العبارات التي تبدو شعرية، وليست نثرًا واقعيًا. يُضفي هذا الأسلوب جمالية خاصة على العمل الأدبي، وفي الوقت نفسه يجعل نبرته أكثر هدوءًا وتأملًا، نظرًا لما يحمله موضوع العمل من أبعاد روحية.

أما السمة البارزة الأخرى للنص، فتتمثل في مفهوم الازدواجية، كالعزلة والتواصل. فمن جهة، يسعى أديب في بداية القصة إلى العزلة في الكشك، محاولًا الابتعاد عن صخب العالم. لكنه في النهاية يفتح هذا المكان كوسيلة للتواصل مع الناس. وبهذا، تتحول الكتابة، التي كانت فعلًا شخصيًا، إلى فعل إنساني. أي أنه بدلًا من الكتابة عن الذات، ينبغي أن يستمع إلى الآخرين ويستوعب قصصهم ومشاكلهم وأحلامهم.

وتُعدّ الخاتمة من أجمل عناصر النص وأكثرها تماسكًا. فبداية قصة "كشك الحكاية" تعني إعادة إحياء مكان مهجور، لكنها ترمز أيضًا إلى ولادة جديدة للبطل. وتلخص الجملة الأخيرة جوهر القصة: "الإنسان لا يُهزم ما دام قادرًا على أن يمنح حياته معنى جديدًا" فالإنسان ينتصر حين يجد غاية لوجوده. وهكذا، يتحول الكشك إلى بوابةٍ لإنقاذ الذات، ويصبح سرد القصص أداةً لاستعادة الهوية الحقيقية.

وختامًا، تُعدّ "كشك الحكاية" من القصص التي تكشف عن نصٍّ إنسانيٍّ قائمٍ على سحر الذاكرة والكتابة وحبّ الأبوة، مُثبتةً أنَّ أيّ ضررٍ جسيمٍ قد يُؤثّر على الصحة الجسدية، لكنّه لا يُمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يُدمّر القوة الروحية. هي في جوهرها حكايةُ ولادةٍ جديدةٍ بعد الهزيمة، حيث يُعتبر سرد القصص من أثمن الوسائل لمواجهة الفراغ. في الواقع، تنتمي هذه القصة تحديدًا إلى الأعمال التي تُعطي الأولوية للجانب الإنساني على حساب تطورات الحبكة المُفاجئة، لذا فإنّ قيمتها الجوهرية تتحدّد بمستواها العاطفي.

***

بقلم: محمود سلامه الهايشه - كاتب وباحث مصري

١٩ حزيران (يونيو)

حين قرأتُ رواية (العالم ناقصاً واحداً) للمرة الأولى تأثرتُ بها كثيراً، دون أن أعرف أنني سأعيش مشاعر الفقد التي امتلأت بها، وكأنني جزء من الرواية. وبعد رحيل ابنتي الرسامة الملهمة سماء الأمير عدتُ إلى الكتاب باحثةً فيه عن مرآة مشاعري، لأكتب قراءةً وجدانيةً ترتبط بها. ولأنّ قراءتي للرواية أول مرة لم تكن مصادفة، ذلك أنّ كل ما يمرّ بنا ونتصور أنه حدث مصادفة يتضح لاحقاً أنّه ليس كذلك، إذا انتبهنا إلى الإشارات وفسرناها تفسيراً دقيقاً.

تقوم الرواية التي كتبتها الروائية المُجِدّة والمبدعة المعروفة ميسلون هادي على ثيمة الحرب، وفقدان الأب والأم معنى الحياة بفراق ابنهما الطيار علي. وهي تقترب كثيراً من مشاعري الأمومية الجريحة في الفقد والشوق والإنكار والأمل، وإن كان أبطالها آخرين وظروفهم تختلف عن ظروفي.

في الرواية تتساءل الأم كما تساءلتُ أنا. فكل الأمهات في مختلف قصص الفقد الواقعية تنبع أسئلتهن نديةً من بئر اللوعة، حين تنظر كل واحدة منهن إلى سطح الماء فترى وجه ابنها ودموعها: لماذا حصل لي ذلك أنا؟ لماذا ابني بالذات؟

شخصياً زاحمت مفردة "لماذا" رأسي طويلاً، وتساءلتُ: كم تحتل ابنتي مساحة من الوجود حتى يبخل بها عليها؟ إنّها لا تكلفه شيئاً يُذكر. إنها ناعمة، رقيقة الوجدان، صوتها كموسيقى الماء العذب، قلبها الصغير يتسع لكل العالم، عقلها يضاهي الكون، ووجودها إضافة للوجود الكلي لا ينقصه بشيء.

في الرواية يقول طيار زار والدَي الشهيد للتعزية:

«قسمته يا أمي... إننا في الجبهة نقول إن القذيفة تنطلق وهي تحمل معها أسماء الذين سيُقتلون بها... ألم يجئه الموت من مروحة طائرته نفسها بعد أن أخطأته قذيفة العدو... قسمته يا أمي، قسمته..».

في رواية حياتي الواقعية (رواية منعطفي الفاجع): منذ أيامها الأولى دخلتُ في حرب. قال طبيب الجملة العصبية إن ابنتي لن تصل إلى العشرين. إنها قسمتها.

في الرواية تسأل الأم:

"لماذا تسلقت لافتة الموت السوداء جدار بيتهم مثل بساط مشؤوم طالما كانت تراه على بيوت الآخرين، وتعتقد أنه سيتسلق كل الجدران إلّا جدران بيتها؟".

أنا لم أعلق لافتة سوداء، ولم أحدد صورة ابنتي بشريط حداد، لأنها في قلبي عصية على الموت. فقد قالت وكتبت ذات مرة، كأنها تستشرف القادم:

«لو أنّ الكوكب زال والعالم انتهى، تبقى لدينا كواكب نعيش فيها هي قلوب أمهاتنا».

ويبدو أنها استشرفت القادم، لأنها الآن تتخذ من قلبي كوكباً لها. كما أنّ لون الحزن لا يليق بمثلها، فهي مخلوقة من مشاعر نبيلة وألوان جميلة كورد الطبيعة، وهي كالشمس حين تغيب تشرق في مكان آخر.

الشمس في الرواية: "سقط نظر الأب على صورة ابنه المعلّقة على الجدار، وتجمدت نظرته هناك عدة دقائق وهو يفكر برغبة ابنه علي تلك للحاق بالشمس وهي تغيب.. كان يفكر بأن رغبته تلك تبدو كما لو أنها دخلت العقل الإلكتروني لهذا الكون، كما يدخل أي فايل معلومات إلى الحاسوب، ويحفظ لحين مجيء أوان استعماله.. ولا بد أن تلك الرغبة قد خُزنت هناك طيلة تلك السنوات حتى جاء أوان تنفيذها.. ثم فكر أنّ الشمس وحدها هي التي تغيب وتشرق من جديد في اليوم الثاني، فجعله ذلك يشعر بعزاء غريب يبرق في روحه، بل ويمده بالراحة ولو إلى حين".

في الرواية كذلك:

"كانت الأم قد عادت إلى الجلوس أثناء حديثه.. تهاوت على الكرسي وهي تشعر بأن العالم من حولها ينشرخ، وأن لا أحد يستطيع اللحاق بذلك الشرخ الماشي بسرعة ليوقفه، ثم بدت وكأنها أصبحت خارج العالم تماماً في مكان لا يصلها فيه أحد.... الأم جامدة في مكانها".

حين رحلت ابنتي تجمدتُ وأصبحت خارج العالم تماماً. فعالم ليس فيه ابنتي لا يستحق التواصل أو البقاء فيه.

في الرواية:

"تسقط الأصوات في الليل لتؤكد الصمت بدلاً من أن تبدده".

في روايتي الواقعية أخذ نواحي الليلي بالضرب على طبول الصمت، ونفخ شعور المرارة في ناي التمرد، إلى أن أتسمر على فراشي وسط ذهولي.

نعود إلى الرواية والعثور على أشياء مفقودة من  آثار الابن الشهيد:

"كان البيت مليئاً بآثار حياة علي، لا بآثار موته، وثمة أحداث بسيطة مثل ظهور فردة حذائه المفقودة تجعل الأب يتساءل إن كان علي سيعود يوماً، وكأن الغياب قد يكتمل أو يُلغى بحسب ما يحدث من علامات صغيرة".

كذلك بيتي. عثرت على خصلة شعر لابنتي في مجفف الشعر، وطرت فرحاً كأنني أحتضن ابنتي. حفظت الخصلة في صندوق ذهبي وضعته في دولاب الملابس. وكنت، بسبب شدة الحزن، قد وزعت ملابس سماء لمن يحتاجها، بقصد الثواب، وأبقيت القليل من بلوزاتها للذكرى.

وبعد حين شعرت بالندم لأنني، وبسبب فقداني التركيز وسط الحزن، لم أحتفظ ببعض قمصانها التي أحبها. ولكن ذات يوم، وأنا أمدّ يدي إلى دولاب ملابسي، عثرت على قميص أبيض كان مختبئاً بينها. كان أكثر قميصاً تحبه سماء. وهذا ما جعلني أطير فرحاً. حضنته وقبّلته وشعرت بأنها بعثته لي. لم يكن عثوري عليه مصادفة، بل كان أمراً مدبّراً من القدر.

تتناول الرواية الاتصالات الهاتفية من حبيبة تجهل أن حبيبها استشهد:

"في الساعة الخامسة.. والخامسة دائماً.. تمتد يد الأم الناحلة وترفع السماعة وتهم باستمهال تلك الحبيبة المجهولة، لكنها تختلج وتصمت، ولا تغلق الخط إلّا بعد أن يكون قد انغلق من الطرف الآخر.. إنها تستبقي النداء المجهول وتجعل ابنها حياً ما دام هذا النداء موجوداً".

كذلك أنا حاولت إبقاء النداء الهاتفي مفتوحاً. فقد كنت أتصل على رقم ابنتي، فيرن هاتفها قربي. أراجع الرسائل المتبادلة بيني وبينها، وأكتب لها رسائل جديدة كأنها موجودة، وأردُّ على نفسي من هاتفها، كمجنونة.

في الرواية: زرع علي ياسميناً قرب الأرجوحة ليحظى بالضوء وينجو من الموت. وعندما تجمدت أغصانها من البرد ظهرت فجأة ورقة خضراء جديدة أعادت الحياة للنبتة، مانحة الأم لمحة فرح عابرة رغم فقدانها لابنها. وكانت جارتها تقول لها إنها رأت طيفاً يشبه علي أطل على الحديقة.

وفي واقعي: كنت قد جهزت سنادين زرع صممتها بطريقة جميلة من أجل ابنتي كي تنظر إليها من شيزلونجها في غرفة المعيشة. وبعد رحيلها بقيت أعتني بها. وحين تزهر وردة أقول إنها ابنتي أو رسالة منها تطمئنني بأنها بخير. كما أنني رأيت طيفها، وسمعت صوتها. كانت تظهر لي علامات هي رموز كانت بيننا في حياتها.

في نهاية الرواية ينبثق خاطر في رأس الأب يناقش الشك حول هوية جثة الطيار مُدَمَر الوجه، في ضوء ما قاله شهود عيان عن الحادث الذي وقع في قرية حدودية، وهم لم يروا المشهد كاملاً، فالطائرة المروحية كان فيها طياران، استشهد أحدهما ودفنه رجال غير معروفين للشهود في مكان سقوطها وجُرح الآخر ووقع في أسرهم. لا أحد يستطيع الجزم بأنّ السترة وبداخلها هوية علي وقرآنه وأوراقه الأخرى، والتي عُثر عليها قرب القبر تعود إلى الطيار الذي استشهد ودُفن،  فقد تكون للطيار الذي نجا ووقع في الأسر.

زلزلت فكرة الأمل هذه كيان الأب، لينفتح القبر من جديد، ويظل فاغراً فمه في رأسه إلى الأبد.

أنا أيضاً انفتح القبر في رأسي حين كنت أتساءل: ماذا لو عادت إليّ ابنتي بشكل آخر؟ لأنّ أحبابنا عصيون على الموت دائماً. وسيظل القبر ينفتح من جديد فاغراً فمه في رأسي وقلبي إلى الأبد، مثل القبر في الرواية.

***

أسماء محمد مصطفى

لحكمت ويدان

على سبيل التقديم: يعتبر الخطاب المقدماتي من العتبات النصية التي يعتمد عليها في برمجة المتلقي وتوجيه استراتيجيات الاستقبال لديه، بقصد التعرف على محيط النص ومقاصده، فهو المطلع، والركن الركين في جسد النص، وعادة ما يكتب بعد أن يتم الانتهاء من تأليف الكتاب، لكنه يظل متصلا اتصالا بنيويا بالنص الأصلي.

وبالرغم أن جيرار جنيت لم يكن من المؤيدين للخطاب المقدماتي، ولا يراه ضروريا أو إلزاميا، بيد أن جاك دريدا شجع على كتابته باعتباره حوارا نقديا، وخطابا مساعدا في تقريب العمل من القارئ. وبناء عليه، جاء ديوان للريشة كلمات- ديوان البوح والتشكيل للشاعرة المغربية والفنانة التشكيلية المغربية حكمت ويدان الصادر عن مطبعة باب الحكمة في طبعته الأولى 2026، مشتملا على ثلاث مقدمات:

- الأولى: مقدمة ذاتية ضيقة، عملت الشاعرة على تصغير مساحة إيرادها.

- الثاني: مقدمة شبه موسعة، من توقيع الفنان التشكيلي عبد اللطيف زيدان

- والثالثة، كانت من نصيب الناقد الأدبي سعيد يفلاح العمراني

قراءة في الخطابات االمقدماتية:

أ- الخطاب المقدماتي الذاتي:

 يكتبه المؤلف بنفسه، يقدم به عمله، ولايخرج عن دائرة التوجيه نحو النص والقارئ بقصد تحديد المتوخاة، وإبراز مناطق الضوء والظل.

وهكذا جاء الخطاب المقدماتي الذاتي الذي وقعته الشاعرة حكمت ويدان بنفسها، واختارت لها كلمتي عنوانا، دقيق اللفظ وفي إيجاز دون تطويل، أشارت من خلالها إلى حاجة الإنسان للفن منذ طفولته الأولى: عندما وجد الإنسان على الأرض، وبعد تحقيق مطالب حياته البيولوجية من أكل وشرب وتكاثر... احتاج إلى مايجعله يرتقي فوق الكائنات فاختار الفن ص 7

ومعنى ذلك أن الفن حاجة إنسانية فطرية منذ فجر التاريخ، ومنذ كانت التجمعات الإنسانية، لأن الفن كان ومايزال وسيبقى، ضرورة في حياة الإنسان، بل يوشك أن يكون عمر الفن هو عمر الانسان، كما يرى إرنست فيشر.

وبخصوص وظيفة الفن في حياة الإنسان، ترى الشاعرة أنه يسهم في تقويم الذوق العام وصقله لدى الإنسان المتلقي، ولأ نه مغرس الجمال، والإقبال عليه يسمو به إلى القيم الإنسانية الإيجابية ويضمن لها توازنها السوي ص7

بهذا الاعتبار يهب الفن نفسه لتلميع ذوق المتلقي، والارتقاء بمشاعره مما يضمن الاستقرار العاطفي والعقلي، والرضى الداخلي، لأن الفن ارتقاء بالقيم الإنسانية وتلميع للسلوك ليغدو رسالة أخلاقية.

 وبانتقالنا إلى اختيارات الشاعرة للكلمة والتشكيل في منجزها وللريشة كلمات، نقرأ في نفس الصفحة: اخترت بداية الشعر لتهذيب كلماتي وبوحي، واعتكفت في محراب الألوان علني أرتل فيه بعض تفاصيل الجمال، مستندة إلى الريشة التي لم تخذلني ص7

وبذا، يشكل الشعر والتشكيل علاقة متداخلة ومتكاملة، حيث تتفاعل الكلمة والريشة لتوليد نص بصري، ومن ثم يصبح النص الشعري تجربة تشكيلية، واللوحة التشكيلية روحا شعرية.

ب - الخطاب المقدماتي الغيري:

خطاب يضعه شخص واقعي، و المؤلف هو الذي يختار بنفسه من يوكل إليه أمر تقديم ديوانه الشعري أو روايته أو مسرحيته أو مجموعة قصصية أو غير ذلك1، ومن ثم يكون الخطاب المقدماتي خطابين وكالتالي:

ا- الأول تكفل بها الفنان التشكيلي عبداللطيف زيدان، جاءت شبه موسعة على امتداد ما يقارب الصفحتين، موسومة بجولاة بين الكلاسيكية والانطباعية والواقعية في تجربة الفنانة التشكيلية حكمت ويدان، وهي قراءة يهيمن عليها النقد البصري، وهو ما يفصح عنه الحقل اللغوي التشكيلي الانطباعية، اللون، الضوء، الريشة، إضاءة، تقنية النقط، جورج سورا، الفرشاة، كلود مونيه، اللوحة، الضوء، أشكال، المنظر الهندسي، وضمن هذا السياق، يدس زيدان قراءة لبعض لوحات الديوان، مثل اللوحات التالية لوحة جسر وحلم، لوحة حديث الموج، لوحة على قارعة الخلوة وتفكيك عناصرها (إضاءة اللون، الألوان الرئيسية، توظيف الفراغات) وفهم دلالاتها.

ولم لا ؟ وعبد اللطيف زيدان فنان تشكيلي وأستاذ سابق للفنون التشكيلية، أقول، تجربة تشكيلية عالمة بعوالم اللوحة، مما أهله لبناء قراءة عارفة بما هي إنصات لصمت اللوحة ونسج علاقة حميمية مع لوحاتها المصاحبة لقصائدها.

ب - القراءة الغيرية الثانية، تكفل بها الناقد سعيد يفلاح العمراني، وجاء موسعة على امتداد ثلاث صفحات ونصف، عنونها بجدلية الكلمة واللون في ديوان وللريشة كلمات لحكمت ويدان.

ولأن العنوان يفضح نية النص، سنكون أمام قراء.ة نقدية تتوخى البحث في العلاقة الدينامية بين الكلمة الشعرية واللوحة، لأن الشعر والتشكيل توأمان حميميان لأم واحدة، وينهلان من نفس المغرس الإبداعي.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، يفتتح الشاعر قراءته في العتبات النصية البصرية واللسانية، يشكل العنوان عتبة دلالية كاشفة عن طبيعة المشروع الشعري، إذ يجمع بين البعد الوجداني الكلمات.. الخواطر، والبعد البصري الريشة... الألوان، حيث كل ما المصاحبات النصية، تكون مشاهدة بالعين أي أنها عبارة لوحة تشكيلية أو صورة فوتوغرافية، أو رموز، ثم كلمات تقرأ.

ولتدعيم صدقية هذا الجوار بين ماهو بصري ولساني، يعتبر سعيد يافلاح القصيدة نفسها بنية بصرية، تتأسس على:

 - التقطيع الحر

- الجملة القصيرة

- المساحات البيضاء

- الاقتصاد اللغوي ص12

مما يجعل القصيدة أقرب إلى اللوحة التشكيلية منها إلى النص السردي أو الغنائي التقليدي، فالبياض هنا ليس فراغا شكليا، بل مكون دلالي يوازي الصمت في الموسيقى، ويينتج توترا بصريا يشخصن توسيع المعنى ص12

ولتدعيم صدقية هذا الكلام، نشير إلى أنه وتساوقا مع هذه التغييرات الجديدة التي مست ديكور القصيدة، ولحقت النظر في النص الشعري، وغذا البصر أحد دعائم الكتابة الشعرية الحديثة، ما جعل العين محور التلقي، بعد أن كانت وظيفتها لا تتجاوز حدود السمعي، وهو الفعل الذي يجذر جدلية البصري واللساني في القصيدة الحديثة، وبالتالي توسيع اشتغالات اللغة لصناعة نص إبداعي مختلف، والحصيلة أن النص قد أصبح شكلا بصريا وشديد الإثارة للعين.

عطفا على ماسبق، يؤكد سعيد يفلاح من منظوره القرائي أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن القصيدة يمكن أن تكون لوحة، باستثمارها للانفتاح على بلاغة الكتابة الجديدة، مما يخالف البلاغة التقليدية التي اهتمت أساسا بفن القول، وبالتالي بإنتاج الخطاب، غالفة عن الكتابة بدعوى أنها ثانوية وملحقة، كما هي غافلة عن أماكن الانفصال والنقص، والغياب والصمت، والتعارض والنفي، والانكسار والفوضى2.

وفي مقاربة أخرى للصورة الشعرية التي تعددت بتعدد المسارب المتنوعة التي أفادت منها الصورة الشعرية، حيث نهلت من الفنون المعاصرة المتنوعة كالفن السينمائي والتشكيلي والمسرحي3.

 تكون الصورة الشعرية الصورة الشعرية عند الشاعرة ليست أداة توضيح، بل وسيلة إيحاء وتأمل، وغالبا ما تتشكل من عناصر طبيعية ذات حمولة بصرية قوية مثل:

- الماء والموج

- الظلال والضوء

- الرمل

- اللون الأزرق ص12

مما يعني أن الشاعرة أبدعت في استثمار الطاقات اللونية والحركية والصوتية في صناعة صورتها الشعرية وتجسيدها بعين سينمائية ماهرة، ذلك أن للصورة حيوية، وقدرة على الكشف، وتفجير الإيحاء 4 وبذلك يجتمع الحس الشعري والحس البصري، مما يستحضر تشارك اللوحة والقصيدة في الحس البصري.

وأخيرا، وليس أخيرا، يتنتج سعيد يفلاح أن العلاقة بين الشعر والتشكيل وأن الشاعرة لا تكتب قصائد تفسيرية للوحة، ولا توظف اللوحة كعنصر تزييني للنص، بل تشتكل وفق مطق تشكيلي في بناء القصيدة نفسها:

- اللون محل الاستعارة

- التكوين يحل محل السرد

-الإيحاء يحل محل الخطاب المباشر ص ص13

ولا ريب في أن الشاعرة حين فتحت صورها على آفاق مختلفة، فإنما أرادت تشكيل أساليب بلاغية متناسقة تساوقا من رؤيتها الشعرية والتشكيلية.

وينتهي الخطاب المقدماتي لسعيد يفلاح بتقييم لهذه التجربة الشعرية والتشكيلية بتقييم عام معتبرا إياها تجربة تفتح القصيدة على أفق بصري وإنساني رحب، وتمنح القارئ دورا فعالا في استكمال المعنى ص 14، ولعل هذه النهاية من شأنها اصطياد القارئ والارتقاء به من أجل فتح شهيته، ومن ثم توجيهه والتأثير عليه من أجل الدخول إلى ديوان وللريشة كلمات.

 بعد إطلالتنا السريعة على هذه المقدمات الثلاث، نستنج أنها جاءت منسجمة، وتمتميز بأعلى درجات التناغم والتناسق، وتنسجم خيوطها، فالشعر في تواز مع التشكيل، والتشكيل في تواز مع الشعر، ومن ثم يتولد الثراء المعرفي والجمالي كاستراتيجية كامنة في نصوص التقديم.

على سبيل الخاتمة:

ومجمل القول، حققت الشاعرة والفنانة التشكيلية حكمت ويدان انتصارا شعريا وتشكيليا في رماد هذا الوقت الذي تدجنت فيه كل الحواس، وانتصارا للكتابة وكل كتابة صدمة توقف الوجدان على أسرار نقائه، وتؤهله لاختيار النقاء، كل كتابة عرس، عرس للعين والأذن والباطن، القالون وحدهم يكتشفون الرعب في الأعراس، يكتشفون ملامحهم الهجينة5

***

عبد الله المتقي

...................

إحالات:

1- مصطفى سلوى، عتبات النص: المفهوم والموقعية والوظائف، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، ص 91

2- د. أحمد فرشوخ، حياة النص: دراسات في السرد، دار الثقافة ن الدار البيضاء، ص17

3- كاميليا عبدالفتاح، القصيدة العربية المعاصرة: دراسة تحليلية في البنية الفكرية والفنية، دار المطبوعات الجامعية، ص483

4- كمال أبو ديب، نظرية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، ص22

5- عبدالله راجع، الجنون المعقلن، مجلة الثقافة الجديدة، عدد 19

- د. أحمد فرشوخ، حياة النص دراسات في السرد، دار الثقافة، الدار البيضاء، ص17

«أغرق وحدي في غيوم صاخبة» للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي

يُعَدُّ الشعر الحديث فضاءً رحباً لتجليات الوعي الإنساني في أشدّ لحظاته توتراً وقلقاً، إذ لم يعد النص الشعري الحديث مجرد بناء لغوي يُعنى بوصف العواطف أو تصوير الوقائع، بل أصبح بنيةً دلاليةً مركبةً تتقاطع فيها الفلسفة مع الجمال، والرمز مع التجربة، والذات مع العالم. ومن هذا المنطلق تندرج قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي، بوصفها نصاً رؤيوياً كثيفاً ينهض على شبكة من العلامات والرموز والإشارات التي تتجاوز ظاهر القول إلى آفاق تأويلية متعددة.

فمنذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام مفارقة شعرية لافتة؛ إذ يتحول الغرق من فعل مرتبط بالماء إلى تجربة وجودية تحدث داخل «غيوم صاخبة»، فتتشكل صورة انزياحية تؤسس لعالم شعري مضطرب تتداخل فيه الحدود بين الواقع والمتخيل، وبين الحضور والغياب، وبين اليقين والشك. وتتنامى هذه الرؤية عبر نسيج لغوي زاخر بالصور التحولية والتراسل الحسي والانزياحات التركيبية، حيث تتحول المرايا إلى كائنات مخاطبة، والألسنة إلى ذوات متحركة، والضوء إلى قوة تنهش الذات، فتغدو القصيدة مسرحاً درامياً لصراع داخلي تتجاور فيه السلطة المعرفية مع الانكسار الوجودي.

وتكتسب القصيدة أهميتها من قدرتها على استدعاء مرجعيات متعددة؛ دينية وأسطورية وصوفية وحداثية، تتجلى في رموز التفاحة والمرايا والقناديل والشاهنامة، بما يمنح النص عمقاً ثقافياً وفلسفياً يفتح المجال أمام قراءات متنوعة ومتجددة. كما أنها تطرح أسئلة جوهرية تتعلق بالمعرفة والحرية والهوية والسلطة والبحث الدائم عن المعنى، وهي أسئلة تتجاوز خصوصية التجربة الفردية لتلامس الهمّ الإنساني العام.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة تستند إلى جملة من المناهج والرؤى النقدية المتكاملة؛ بدءاً من التحليل اللغوي والبلاغي والأسلوبي، مروراً بالقراءة الجمالية والفنية والنفسية والسيميائية والسوسيولوجية، وصولاً إلى القراءة الفلسفية والهيرمينوطيقية والنقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على إمكانات متعددة من المعنى، لا تستقر عند تأويل واحد أو حقيقة نهائية. كما تتناول الدراسة البنية الصرفية والنحوية والإعرابية للنص، للكشف عن الدور الجمالي الذي تؤديه التراكيب اللغوية في إنتاج الدلالة وتعميق الرؤية الشعرية.

ومن ثمّ فإن هذه المقاربة لا تنشد البحث عن «المعنى الصحيح» للقصيدة بقدر ما تسعى إلى استكشاف «شبكة المعاني الممكنة» التي يتيحها النص، والكشف عن آلياته الفنية والجمالية والفكرية التي جعلت منه نصاً حداثياً ثرياً، قادراً على تجديد دلالاته مع كل قراءة جديدة، ومؤهلاً لأن يحتل مكانة متميزة في فضاء الشعر العربي المعاصر.

من هنا فإنّ هذه القصيدة تنهض على بنية شعرية حداثية عالية الكثافة، تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر إلى بناء عالم رمزي متشظٍ تتصارع فيه الأصوات والرموز والمرجعيات، بحيث تتحول القصيدة إلى دراما داخلية تتجاور فيها الرؤيا الصوفية مع القلق الوجودي، والأسطورة مع التجربة الذاتية، والواقع مع الحلم.

أولاً: البنية الفنية للنص:

المعمار الشعري العام:

يمكن تقسيم النص إلى ثلاث حركات درامية كبرى:

الحركة الأولى: مرحلة السلطة واليقين

تبدأ الذات المتكلمة من موقع المتعالي:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

«أنا الذي تقدست ألويتي»

فهنا يتشكل صوت مركزي يمتلك سلطة روحية وفكرية وأخلاقية.

ويبدو وكأنه مرشد أو نبي أو صاحب رسالة.

لكن هذا اليقين سرعان ما يتصدع.

الحركة الثانية: مرحلة الانفلات والفوضى

يبدأ الانهيار مع لحظة:

«قضموا التفاحة»

وهي لحظة مفصلية في النص.

إذ تنتقل الجماعة من الطاعة إلى المعرفة.

ومن الامتثال إلى السؤال.

ومن السكون إلى التمرد.

فتنتج:

«غوايات وأسئلة»

ثم:

«أينعت ألسنة»

والألسنة هنا ليست أعضاء كلامية، بل قوى خطابية جديدة.

ولهذا تتحول إلى شخصيات فاعلة:

«ألسنة تخطو إلى طاولتي»

«تربكني»

«تربك كأسي ووسائدي»

فتصبح الذات مطاردة بخطابات كانت هي نفسها سبباً في ولادتها.

الحركة الثالثة: مرحلة الانكسار الوجودي

في القسم الأخير ينهار مركز السلطة تماماً.

فتتحول الذات من المتكلم الواثق إلى السائل القلق:

«أين شمسي وشتاتي؟»

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

وهنا تبلغ الدراما ذروتها.

إذ يصبح المنقذ محتاجاً إلى الخلاص.

ويتحول صاحب اليقين إلى طالب معنى.

البنية السردية داخل القصيدة:

رغم أن النص شعري، فإنه يحتوي عناصر سردية واضحة:

الراوي

الراوي هو الأنا الشعرية.

لكنها ليست أناً مستقرة.

بل تتطور عبر النص.

فتبدأ

١- معلِّماً.

٢- ثم شاهداً.

٣- ثم ضحية.

٤- ثم باحثاً عن النجاة.

الشخصيات الرمزية:

النص يزخر بشخصيات غير بشرية.

منها:

١- المرايا

٢- الألسنة

٣- الريح

٤- الضوء

٥- القناديل

٦- الزبانية

٧- التفاحة

وكلها تتحرك بوصفها شخصيات درامية كاملة.

مثلاً:

«الريح تحوم في يدي»

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

«الألسنة تخطو إلى طاولتي»

فالجمادات هنا تكتسب أفعال الكائنات الحية.

الزمن

يتشظى الزمن داخل القصيدة.

فالماضي حاضر بقوة:

«ظللتهم دهراً»

«مكثت فيهم أمداً»

والحاضر:

«أغرق وحدي»

والمستقبل الضمني:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني»

وبذلك يتشكل ما يسمى:

الزمن النفسي الدائري

حيث تتجاور الأزمنة داخل لحظة شعورية واحدة.

الرؤية الفنية

منظور الشاعرة للعالم:

العالم في القصيدة ليس عالماً مستقراً.

إنه عالم يتعرض باستمرار للتصدع والانفجار.

فالحقائق لا تبقى حقائق.

والسلطات لا تبقى سلطات.

واليقين يتحول إلى شك.

والخلاص يتحول إلى أزمة.

ويظهر ذلك في التحول الدرامي من:

«أنا الذي تقدست ألويتي»

إلى:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

وهذا الانتقال يكشف رؤية حداثية ترى الإنسان مشروع سؤال لا مشروع يقين.

الانسجام بين الشكل والمضمون

لا يمكن فصل المضمون عن الشكل في هذه القصيدة.

فالتشظي النفسي يقابله تشظٍ تركيبي.

والقلق الوجودي يقابله قلق إيقاعي.

والاضطراب الداخلي يقابله اضطراب في العلاقات المنطقية بين الصور.

ولهذا فإن الشكل نفسه يصبح جزءاً من المعنى.

الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

من أبرز خصائص النص قدرته على إنتاج الدهشة.

فالشاعرة لا تصف الأشياء كما هي.

بل تعيد خلقها.

مثلاً:

«صهيل خطوه»

فالخطو لا يصهل.

لكن الشاعرة تمنحه صوت الحصان الجامح.

وفي:

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

يتحول الضوء إلى مفترس.

وفي:

«كرسي يرتب اللهيب في دوارقي»

يتحول الكرسي إلى كائن منظم للنار الداخلية.

وهذه الصور ليست زخرفاً بلاغياً.

بل بناءات دلالية عميقة.

الصورة الحركية:

الحركة في النص لا تتوقف.

فالقصيدة مليئة بالأفعال:

١- تسقط، ٢- ينثر، ٣- قضموا،

٤- أورقت، ٥ - أينعت، ٦- تخطو

٧- تطوف، ٨- يفر، ٩- ترتب،

١٠- تنهش

وهذا الفيض الحركي يجعل العالم الشعري عالماً نابضاً ومضطرباً.

الصور التحولية:

الصورة التحولية من أبرز خصائص النص.

فالأشياء لا تبقى على حالها.

التفاحة تتحول إلى: غوايات وأسئلة

الألسنة تتحول إلى: كائنات تمشي

الضوء،يتحول إلى:حيوان مفترس

الريح تتحول إلى: ساكن جسدي

المرايا تتحول إلى: كائن آثم

وهذا التحول المستمر يعبّر عن سيولة الوجود.:

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

يتجسد التراسل الحسي في صور كثيرة:

«صهيل خطوه»

مزج بين الحركة والصوت.

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

مزج بين الرؤية واللمس والألم.

«الريح تحوم في يدي»

مزج بين العنصر الطبيعي والجسد.

فالذات والعالم يتبادلان الخصائص.

ويذوب الحد الفاصل بين الداخل والخارج.

استعارة الامتزاج:

يتحقق الامتزاج الكامل بين الكائن والأشياء.

فالضوء يدخل الجسد.

والريح تدخل اليد.

والألسنة تدخل الغرفة.

والمرآة تدخل الوعي.

ولهذا لا يعود العالم خارج الذات.

بل يصبح امتداداً لها.

الانزياح التركيبي

يتجلى في اختراق البنية النحوية المألوفة.

مثل:

«ألسنة حيث أنا»

إذ حُذفت الروابط المعتادة.

وكان النسق التقليدي:

(هناك ألسنة تحيط بي حيث أكون).

لكن التكثيف الشعري يولّد توتراً جمالياً.

وفي:

«يا ذي المرايا»

يتولد تركيب استدعائي خاص يجمع النداء بالمجاز.

فتصبح المرايا مخاطَباً حقيقياً.

الانزياح الزمني

القصيدة لا تسير وفق خط زمني مستقيم.

بل وفق ارتدادات الذاكرة.

فالماضي والحاضر يتداخلان باستمرار.

وهو ما يجعل الزمن هنا زمناً شعورياً لا تاريخياً.

القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي يمكن اعتبار النص خطاباً تحذيرياً حول مصير السلطة حين تتحول إلى يقين مغلق.

فالذات المتكلمة تمارس دور الراعي الفكري:

«ظللتهم دهراً»

لكن الجماعة تختار المعرفة:

«قضموا التفاحة»

فتولد الأسئلة.

ومن ثم يتحول صاحب السلطة إلى ضحية لنتائج مشروعه نفسه.

فتصبح القصيدة درساً وجودياً في أن المعرفة لا يمكن احتكارها.

وأن السؤال يولّد أسئلة أخرى إلى ما لا نهاية.

وهنا تتحقق الوظيفة الذرائعية للنص باعتباره تحريضاً على مراجعة اليقينيات وكشف هشاشة السلطة المعرفية مهما بلغت قداستها.

هنا يمكن الانتقال إلى:

١- الأسس الفكرية والفلسفية (الهرمينوطيقا)،

٢- النقد الاحتمالي،

٣- البعد الإيروتيكي،

٤- الأسس النفسية والسيميائية،

٥- قراءة صرفية ونحوية وإعرابية لأهم التراكيب والمفردات في القصيدة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

قراءة هيرمينوطيقية واحتمالية في شعر هادية السالمي دجبي

تتجاوز هذه القصيدة حدود البوح الذاتي لتدخل في فضاء السؤال الأنطولوجي العميق، إذ لا تقدم خطاباً شعرياً مغلقاً على معنى واحد، بل تفتح شبكة واسعة من التأويلات الممكنة، بحيث يتحول النص إلى حقل هرمنيوطيقي متجدد تتعدد فيه مستويات القراءة بتعدد المرجعيات الفكرية والثقافية للقارئ.

أولاً: الموقف الفكري للنص

تقوم القصيدة على ثلاث إشكاليات كبرى:

إشكالية السلطة والمعرفة

في البداية يتكلم صوت يملك يقيناً معرفياً:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

«أنا الذي تقدست ألويتي»

فالذات هنا تتموضع بوصفها مالكة للحقيقة.

غير أن هذه الحقيقة تبدأ بالانهيار عندما يحدث الفعل المركزي:

«قضموا التفاحة»

وهو فعل يتجاوز معناه السردي المباشر ليصبح إعلاناً عن ولادة الوعي.

ومن هنا تطرح القصيدة سؤالاً فلسفياً خطيراً:

هل يمكن للمعرفة أن تبقى محتكرة؟

وهل يستطيع صاحب السلطة أن يمنع الآخرين من الوصول إلى المعرفة؟

النص يجيب ضمنياً بالنفي.

إشكالية الهوية

تتكرر الأسئلة:

«أين شمسي وشتاتي؟»

«ومفاتيح خزائني؟»

فتغدو الذات في حالة بحث عن نفسها.

وهنا لا تعود الهوية معطى جاهزاً.

بل مشروعاً مفتوحاً على الضياع وإعادة الاكتشاف.

إشكالية الخلاص

في نهاية القصيدة تسأل الذات:

«كيف ألاقي قبساً يعصمني؟»

فالبحث عن القبس ليس بحثاً عن نور مادي.

بل عن خلاص روحي ومعرفي.

وهكذا تتحول القصيدة إلى رحلة وجودية نحو المعنى.

الأفق الأخلاقي للنص

تنبني القصيدة على نقد أخلاقي خفي للوصاية الفكرية.

فالذات التي:

«أسقت صدورهم تباشير اللظى»

كانت تظن أنها تهديهم الطريق.

لكن الآخرين اختاروا طريق السؤال.

ومن هنا يصبح النص دفاعاً غير مباشر عن حرية المعرفة.

وحرية الاختيار.

وحرية الشك.

ثانياً: الأفق المعرفي

المرجعية التراثية

يتجلى حضور التراث في عدة مستويات.

المرجعية الدينية

في:

«قضموا التفاحة»

إحالة إلى قصة السقوط الأولى.

لكن الشاعرة تعيد إنتاجها شعرياً.

فالتفاحة هنا ليست رمز الخطيئة فقط.

بل رمز الوعي.

المرجعية الصوفية

في:

«أين شمسي؟»

«كيف ألاقي قبساً؟»

تتردد أصداء المعجم الصوفي.

إذ يصبح النور معادلاً للحقيقة.

والقبس معادلاً للمعرفة الإشراقية.

المرجعية الأسطورية

في:

«ومضات الشاهنامة»

تدخل الأسطورة والتاريخ الملحمي إلى النص.

فتصبح الشاهنامة رمزاً للبطولات المؤسسة للوعي الجمعي.

المرجعية الحداثية

النص قريب من الرؤية الحداثية العربية التي مثلها شعراء مثل:

أدونيس

وأنسي الحاج

من حيث تفكيك اليقينيات وتحويل الشعر إلى أداة سؤال لا أداة جواب.

ثالثاً: البنية العميقة للمعنى (الهرمينوطيقا)

التأويل الأول: سقوط السلطة

يمكن قراءة النص بوصفه مأساة سلطة روحية فقدت قدرتها على التحكم في أتباعها.

فالمتكلم هو قائد أو معلم أو نبي رمزي.

لكن الجماعة تتمرد.

فتولد الأزمة.

التأويل الثاني: أزمة المثقف

قد تمثل الذات المتكلمة المثقف العربي.

فهو الذي:

«ظللهم دهراً»

أي مارس دور التوجيه.

لكن المجتمع تجاوز خطاباته.

وأصبح أسير أسئلة جديدة.

ومن هنا تأتي حالة الانكسار.

التأويل الثالث: صراع الإنسان مع ذاته

وفق القراءة النفسية العميقة:

المتكلم والجماعة شخص واحد.

فالألسنة والغوايات والأسئلة ليست كائنات خارجية.

بل أصوات الذات نفسها.

وعندئذ تصبح القصيدة دراما داخلية خالصة.

التأويل الرابع: السقوط الوجودي

يمكن أن تُقرأ القصيدة باعتبارها رحلة إنسانية كبرى.

من اليقين.

١- إلى المعرفة.

٢- إلى الشك.

٣- إلى القلق.

٤- إلى البحث عن معنى جديد.

النقد الاحتمالي والنص الممكن

مفهوم النص الممكن

وفق النقد الاحتمالي لا يوجد معنى نهائي.

بل توجد معانٍ متجاورة ومتنافسة.

فالنص لا يقول شيئاً واحداً.

بل يقترح إمكانات متعددة للفهم.

الاحتمال الأول

المرايا رمز المجتمع.

وبالتالي:

«يا ذي المرايا»

تعني:

يا أيها المجتمع الذي يعكس صورتي.

الاحتمال الثاني

المرايا رمز الضمير.

فتصبح القصيدة حواراً بين الإنسان ووعيه.

الاحتمال الثالث

المرايا رمز التاريخ.

وبذلك يتحول النص إلى مواجهة مع الذاكرة الحضارية.

احتمالات التفاحة

تأويل ديني

رمز الخطيئة الأولى.

تأويل معرفي

رمز الوعي.

تأويل سياسي

رمز الثورة على السلطة.

تأويل نفسي

رمز الرغبة المكبوتة.

احتمالات الألسنة

قد تكون:

ألسنة الناس.

وسائل الإعلام.

الشائعات.

الأفكار.

الضمير.

اللغة ذاتها.

وهنا تكمن قوة النص.

إذ لا يحسم المقصود.

بل يتركه مفتوحاً.

البعد الإيروتيكي في القصيدة

لا يظهر الإيروتيك هنا بمعناه الجسدي المباشر.

بل بمعناه الرمزي العميق.

فالقصيدة مشبعة بما يسميه النقد الحديث:

إيروتيكا المعرفة.

أي الرغبة الجامحة في الوصول إلى المحظور.

ويظهر ذلك في:

«قضموا التفاحة»

إذ تصبح التفاحة موضوع رغبة.

وموضوع اكتشاف.

وموضوع تجاوز للممنوع.

كما أن صور:

«أينعت ألسنة»

«يسكن طيفها جناح الطير»

تحمل إيحاءات حسية دقيقة تقوم على التوق إلى الامتزاج والعبور نحو الآخر.

إنه إيروس معرفي وروحي أكثر منه إيروساً جسدياً.

البنية الفلسفية العميقة

يمكن تلخيص البنية الفكرية للقصيدة في ثنائية مركزية:

اليقين، الشك، الألوية، الألسنة، القناديل، المرايا، السلطة، السؤال، التوجيه، المعرفة، الثبات، التحول

ومن هذا الصراع تتولد الحركة العميقة للنص.

فالقصيدة في جوهرها ليست قصيدة ألم فحسب.

إنها قصيدة انهيار المركز وبزوغ السؤال.

ولهذا تنتهي دون حل نهائي.

وتبقى معلقة بين:

«أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

وبين

«كيف ألاقي قبساً يعصمني»

أي بين الغرق والنجاة، وبين الفقد والبحث، وبين السؤال والاحتمال؛ وهي المسافة التي تمنح النص ثراءه التأويلي وطاقته الجمالية المستمرة.

الآن الانتقال إلى

١-الأسس النفسية والسوسيولوجية والسيميائية،

٢- القراءة الصرفية والنحوية والإعرابية الدقيقة لأهم الجمل والمفردات المحورية في القصيدة.

رابعاً: الأسس النفسية والسوسيولوجية والسيميائية في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

إذا كانت القراءة الفكرية قد كشفت البنية الفلسفية للنص، فإن المقاربة النفسية والسيميائية والاجتماعية تكشف طبقاته الأعمق، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتصارع فيه قوى اللاوعي الفردي مع ضغوط الوعي الجمعي، وتتقاطع فيه العلامات الرمزية لتنتج شبكة دلالية كثيفة تتجاوز ظاهر القول إلى باطنه.

أولاً: الأسس النفسية

تحليل البنية الشعورية

تقوم البنية الشعورية للقصيدة على توتر متصاعد يبدأ من الإحساس بالهيمنة وينتهي إلى الإحساس بالتهديد والانكسار.

فالذات تعلن أولاً:

«أنا الذي ظللتهم دهراً»

وهو تصريح يوحي بالتفوق والسيطرة.

لكن هذا الشعور يتآكل تدريجياً.

حتى تصل الذات إلى الاعتراف الضمني بالعجز:

«كيف أسترد تفاحاً يعيد لي توازني؟»

إننا أمام انتقال نفسي من:

الأنا المهيمنة إلى الأنا المهددة.

ومن:

اليقين إلى القلق الوجودي.

القلق بوصفه المحرك النفسي للنص

يكاد القلق يكون الشخصية الحقيقية في القصيدة.

فهو يتجسد في صور متعددة:

«يهزمني الأزيز»

«نثيثه من هلع»

«تربكني»

«يرهقني»

«تنهشني»

«العويل»

«الوجع»

إن الحقل المعجمي هنا يشيع جواً من التوتر النفسي المستمر.

حتى إن الأشياء ذاتها تصبح أدوات للقلق.

فالضوء:

«تنهشني ارتعاشة الضوء»

والخطو:

«صهيل خطوه»

والمرايا:

«يا ذي المرايا الآثمة»

اللاوعي ومكبوتات الذات

من منظور التحليل النفسي يمكن النظر إلى:

«الألسنة»

على أنها تمثيل رمزي للمحتوى المكبوت الذي عاد إلى السطح.

فالذات حاولت طويلاً فرض النظام:

«استكنوا»

لكن المكبوت يعود على هيئة:

«غوايات وأسئلة»

ثم يتحول إلى:

«ألسنة تخطو إلى طاولتي»

إنه عودة المقموع إلى المشهد.

وهي إحدى أهم آليات اللاوعي في التحليل النفسي.

عقدة السقوط

تستدعي القصيدة نموذجاً نفسياً قديماً هو:

قلق السقوط من العلو.

فالذات كانت في موضع رمزي مرتفع:

«تقدست ألويتي»

لكنها تنتهي إلى:

«أغرق وحدي»

وهو انتقال من الأعلى إلى الأسفل.

ومن المركز إلى الهامش.

ومن الامتلاء إلى الفراغ.

النبرة النفسية للنص

تتداخل عدة نبرات شعورية:

نبرة الخوف

«يهزمني الأزيز»

«من هلع»

نبرة الاحتجاج

«قضموا التفاحة»

نبرة الفقد

«أين شمسي؟»

نبرة الحيرة

«كيف أسترد تفاحاً؟»

نبرة الاستغاثة

«يا ذي المرايا»

خامساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

علاقة النص بالواقع الاجتماعي

على الرغم من الطابع الرمزي للنص، فإنه يعكس صراعاً اجتماعياً واضحاً بين السلطة والجماعة.

فالذات المتكلمة تصرح:

«ظللتهم دهراً»

«أسقي صدورهم تباشير اللظى»

وهو خطاب الراعي أو الموجه.

بينما تمثل الجماعة الطرف الآخر:

«قضموا التفاحة»

أي أنها تجاوزت الوصاية.

الخطاب الاجتماعي

تطرح القصيدة إشكالية العلاقة بين:

السلطة والمعرفة.

المركز والهامش.

القائد والجماعة.

المعلم والمتعلم.

ومن ثم يمكن قراءتها باعتبارها نقداً للعلاقة الأبوية التقليدية.

إذ إن الجماعة لم تعد تكتفي بالتلقي.

بل أصبحت تنتج أسئلتها الخاصة:

«فأورقت بين ضلوعهم غوايات وأسئلة»

الهوية الاجتماعية

يتكرر الضمير الجمعي:

«ظللتهم»

«فيهم»

«صدورهم»

«أعناقهم»

«قضموا»

مقابل ضمير الأنا:

«أغرق»

«أرهق»

«أسترد»

وبذلك يتأسس الصراع بين الفرد والجماعة.

الشاعرة بوصفها فاعلاً اجتماعياً

في هذا النص لا تمارس الشاعرة دور الراصد فقط.

بل تمارس دور المفكر النقدي.

فهي تطرح أسئلة تتعلق بالسلطة والمعرفة والتاريخ والهوية.

ولهذا تتجاوز القصيدة حدود التجربة الذاتية إلى أفق إنساني واجتماعي أوسع.

سادساً: الأسس السيميائية

تحليل العلامات والرموز

النص قائم على شبكة من العلامات المركزية.

المرآة

علامة على:

الوعي.

الضمير.

المجتمع.

الذاكرة.

التفاحة

علامة على:

المعرفة.

الرغبة.

التمرد.

الحرية.

الألسنة

علامة على:

الخطاب.

الرأي.

النقد.

الشائعة.

السلطة المضادة.

القناديل

علامة على:

الهداية.

النور.

اليقين.

لكنها:

«تسقط من يدي»

فتتحول إلى علامة على فقدان السلطة المعرفية.

الزبانية

علامة على:

العقاب.

الرهبة.

الحساب النفسي.

شبكات الدلالات

يقوم النص على عدد من الثنائيات المتقابلة.

الحضور

الغياب

الشمس

الشتات

النور

الظلمة

القناديل

الغيوم

اليقين

الشك

الألوية

الأسئلة

المركز

الهامش

الأنا

الألسنة

السكون

الحركة

استكنوا

تخطو

النظام الرمزي العام

فضاء العلو

يمثله:

الغيوم

الشمس

القناديل

جناح الطير

ويرتبط بالمعرفة والروح.

فضاء السفل

يمثله:

النعال

الوجع

العويل

الزبانية

ويرتبط بالسقوط والمعاناة.

فضاء الوسط

يمثله:

المرايا

فهي تقع بين السماء والأرض.

وبين الذات والعالم.

وبين الحلم والواقع.

ولهذا احتلت مركز النظام الرمزي في القصيدة.

قراءة سيميائية نهائية

يمكن اختزال الحركة الرمزية الكبرى للنص في المسار الآتي:

قناديل - تفاحة - ألسنة - مرايا - غيوم

أي:

اليقين، المعرفة، السؤال، الوعي، الحيرة الوجودية.

وهذا المسار هو الهيكل العميق للقصيدة.

فهي ليست قصيدة شكوى فردية، بل نص رمزي يصور رحلة الوعي الإنساني منذ امتلاك الحقيقة حتى اكتشاف استحالة امتلاكها بصورة نهائية.

- الأسس التاريخية والثقافية، والأسس المنهجية، والأسس الإنسانية والجمالية العليا، ثم الدراسة الصرفية والنحوية والإعرابية الدقيقة لأهم التراكيب والمفردات المحورية في القصيدة مع بيان وظائفها البلاغية والدلالية.

سابعاً: الأسس التاريخية والثقافية والمنهجية والإنسانية العليا في قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

تُعدّ هذه القصيدة نصّاً حداثياً مفتوحاً على مرجعيات ثقافية وتاريخية متعددة، تتجاور فيه الأسطورة مع الموروث الديني، والوعي الفردي مع الذاكرة الجمعية، بما يجعلها نصاً قابلاً للقراءة من زوايا متباينة دون أن يفقد وحدته العضوية.

أولاً: الأسس التاريخية والثقافية

سياق النص الثقافي

ينتمي النص إلى فضاء الشعر العربي الحداثي الذي أعاد النظر في علاقة الإنسان بالعالم، وفي علاقة اللغة بالمعنى.

فالشاعرة لا تنطلق من وصف الواقع، بل من تفكيكه وإعادة بنائه رمزياً.

ولهذا تبتعد القصيدة عن النموذج الغنائي التقليدي القائم على المباشرة، وتتجه نحو شعر الرؤيا الذي يتكئ على الإيحاء والرمز والتناص.

وتظهر هذه السمة في صور مثل:

«الريح تحوم في يدي»

«كرسي يرتب اللهيب في دوارقي»

«ارتعاشة الضوء تنهشني»

حيث يغدو العالم الخارجي امتداداً للعالم الداخلي.

اللحظة الحضارية للنص

يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها انعكاساً لقلق الإنسان المعاصر.

فهي تتحدث عن:

فقدان اليقين.

انهيار المرجعيات الكبرى.

تضخم الأسئلة.

البحث عن الخلاص.

وهذه كلها سمات بارزة في أدب ما بعد الحداثة.

تطور النوع الأدبي

تقع القصيدة ضمن فضاء قصيدة التفعيلة الحديثة ذات النزعة الرؤيوية.

فهي تستفيد من منجزات:

الشعر الحر.

الشعر الرمزي.

الشعر الصوفي.

الشعر الدرامي.

وتدمجها في نسيج واحد.

ولهذا فإنها لا تنتمي إلى المدرسة الغنائية الخالصة، بل إلى شعر الرؤيا والتأمل الفلسفي.

ارتباط النص بالتراث

التناص الديني

يظهر التناص الأوضح في:

«قضموا التفاحة»

إذ تستدعي الشاعرة قصة المعرفة الأولى.

لكنها لا تستعيدها بصورتها الدينية التقليدية.

بل تعيد تأويلها بوصفها لحظة ولادة السؤال.

فالتفاحة هنا ليست رمز الخطيئة فقط.

بل رمز الوعي والتمرد المعرفي.

التناص الصوفي

يتجلى في مفردات:

الشمس

القبس

القناديل

وهي مفردات شائعة في خطاب الكشف الصوفي.

فالقبس ليس نوراً حسياً.

بل نوراً معرفياً.

التناص الملحمي

في قولها:

«ومضات الشاهنامة الأبت»

تستدعي الشاعرة ملحمة الشاهنامة بوصفها رمزاً للذاكرة الحضارية والأسطورة المؤسسة.

وهذا التناص لا يعمل بوصفه إحالة ثقافية فحسب.

بل بوصفه سؤالاً حول علاقة الفرد بالتاريخ الكبير.

التفاعل مع البلاغة العربية

النص زاخر بأساليب عربية أصيلة:

النداء

يا ذي المرايا

الاستفهام

أين شمسي؟

كيف أسترد تفاحاً؟

التكرار

ألسنة...

ألسنة...

ألسنة...

الالتفات

الانتقال من السرد إلى الخطاب المباشر.

ومن الحديث عن الذات إلى مخاطبة المرايا.

ثانياً: الأسس المنهجية

الصرامة المنهجية

عند دراسة هذا النص ينبغي الجمع بين عدة مناهج:

المنهج الأسلوبي

لدراسة الانزياحات والصور والإيقاع.

المنهج البنيوي

لدراسة العلاقات الداخلية بين الرموز.

المنهج النفسي

لفهم ديناميات القلق والانكسار.

المنهج السيميائي

لفك شفرات العلامات.

المنهج التأويلي

لاستكشاف طبقات المعنى.

الموضوعية النقدية

النص يفرض على الناقد ألا يبحث عن نوايا الشاعرة بقدر ما يبحث في ما يقوله النص نفسه.

فمثلاً:

«الألسنة»

لا يجوز اختزالها في معنى واحد.

بل يجب النظر إليها باعتبارها علامة متعددة الإمكانات.

النص بوصفه بنية مفتوحة

وفق النقد الحديث لا يوجد تفسير نهائي للقصيدة.

بل توجد شبكة من القراءات الممكنة.

وهذه السمة متحققة بقوة في هذا النص.

ثالثاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

قيمة الحرية

تظهر الحرية من خلال رمز التفاحة.

فالفعل:

«قضموا التفاحة»

هو فعل اختيار.

وفعل تجاوز للحدود المفروضة.

قيمة المعرفة

النص يحتفي بالمعرفة رغم نتائجها المؤلمة.

فالغوايات والأسئلة ليست لعنة.

بل ضرورة وجودية.

قيمة البحث

لا تنتهي القصيدة بإجابة.

بل بسؤال:

«كيف ألاقي قبساً يعصمني؟»

وهذا يعني أن الإنسان الحقيقي هو الذي يظل باحثاً.

الانفتاح على التأويلات

من أهم عناصر جمال النص قدرته على إنتاج قراءات لا نهائية.

فالمرايا يمكن أن تكون:

المجتمع.

الضمير.

التاريخ.

الذات الأخرى.

والتفاحة يمكن أن تكون:

المعرفة.

الرغبة.

الحرية.

الثورة.

والألسنة يمكن أن تكون:

الناس.

الأفكار.

اللغة.

الوعي.

وهذا الانفتاح هو سر ثراء النص.

البعد الإنساني الشامل

رغم خصوصية التجربة الشعرية، فإن النص يمس تجربة إنسانية عامة.

فكل إنسان يمر بلحظة يسأل فيها:

أين شمسي؟

وكل إنسان يبحث عن:

قبس يعصمه.

وكل إنسان يختبر صراعاً بين اليقين والشك.

ولهذا تتجاوز القصيدة حدود المكان والزمان لتدخل في فضاء التجربة الإنسانية المشتركة.

خلاصة نقدية جامعة

تُعدّ قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» نصاً رؤيوياً كثيفاً ينهض على بنية رمزية متشعبة تتداخل فيها المرجعيات الدينية والأسطورية والصوفية والفلسفية. وقد نجحت الشاعرة هادية السالمي دجبي في بناء عالم شعري قائم على التحول الدائم؛ حيث تتبدل الأشياء وظائفها، وتتحول العلامات إلى كائنات حية، ويتحول اليقين إلى سؤال، والمعرفة إلى قلق، والنور إلى بحث لا ينتهي عن قبس جديد.

ومن الناحية الجمالية، يمتاز النص بثراء الصورة الحركية، وكثافة الانزياحات، والتراسل الحسي، والتوتر الإيقاعي الداخلي. أما من الناحية الفكرية، فإنه يطرح أسئلة عميقة حول السلطة والمعرفة والحرية والهوية. ومن الناحية التأويلية، يظل نصاً مفتوحاً لا يستنفد دلالاته في قراءة واحدة، بل يعيد إنتاج نفسه مع كل قارئ جديد.

وفي تقدير نقدي شامل، تُعدّ هذه القصيدة من النصوص الحداثية التي تنجح في الجمع بين العمق الفكري والثراء الجمالي، وبين الانفعال الوجداني والتشكيل الرمزي، بما يمنحها قابلية عالية للاستمرار والتأويل وإثارة الأسئلة الجمالية والمعرفية لدى المتلقي المتخصص.

ويبقى الجزء الأخير الممكن من هذه الدراسة هو القراءة اللغوية الدقيقة (الصرف والنحو والإعراب) لأهم الجمل والمفردات المحورية، مع بيان أثر البنية النحوية في إنتاج المعنى الشعري والانزياح الدلالي.

عاشراً: القراءة اللغوية الدقيقة

(الصرف والنحو والإعراب وأثر البنية النحوية في إنتاج المعنى الشعري)

قصيدة: «أغرق وحدي في غيوم صاخبة»

للشاعرة هادية السالمي دجبي

لا تكتمل القراءة النقدية العميقة لهذا النص دون الوقوف عند بنيته اللغوية؛ إذ إن الشاعرة لا تستخدم النحو والصرف استعمالاً وظيفياً فحسب، بل توظفهما بوصفهما أدوات جمالية منتجة للدلالة، بحيث يصبح التركيب النحوي نفسه جزءاً من الرؤية الشعرية.

أولاً: المستوى الصرفي

الأفعال ودلالتها الزمنية

يغلب على النص الفعل المضارع.

مثل:

يهزمني

أشتهي

يحدث

ينبئها

تسقط

ينثر

تحوم

تخطو

تطوف

يرهقني

يفر

ترتب

تنهشني

يؤذن

إن كثافة المضارع هنا ليست مسألة نحوية فحسب.

بل تشير إلى:

استمرار المعاناة.

تجدّد الأزمة.

انفتاح الحدث على الحاضر.

فالقصيدة لا تحكي ماضياً منتهياً.

بل تعيشه لحظة بلحظة.

الأفعال الماضية

مثل:

ظللتهم

ولهوا

استكنوا

مكثت

تقدست

قضموا

أورقت

أينعت

وهذه الأفعال تؤسس خلفية سردية يستند إليها الحاضر المضطرب.

فالماضي هنا هو سبب الأزمة الراهنة.

الأسماء المشتقة

من أبرزها:

صاخبة

الشاحبة

الآثمة

مهترئاً

وهي صفات تحمل شحنة دلالية قوية.

فلا تصف الأشياء بقدر ما تؤوّلها.

ثانياً: التحليل النحوي والإعرابي

الجملة الأولى

أغرقُ وحدي في غيومٍ صاخبةٍ

الإعراب:

أغرقُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

والفاعل: ضمير مستتر تقديره (أنا).

وحدي: حال منصوب بالفتحة المقدرة وهو مضاف، والياء مضاف إليه.

في غيومٍ: جار ومجرور متعلقان بالفعل.

صاخبةٍ: نعت مجرور لغيوم.

الدلالة النحوية

قدمت الحال:

وحدي

لتصبح العزلة بؤرة المشهد.

فالغرق ليس الحدث المركزي.

بل الوحدة.

الجملة الثانية

يهزمني الأزيزُ

الإعراب:

يهزمني: فعل مضارع مرفوع.

والياء مفعول به.

الأزيزُ: فاعل مرفوع.

الدلالة

في التركيب المألوف:

أنا أقاوم الأزيز.

أما هنا:

الأزيز يهزمني.

فتنتقل القوة من الذات إلى الخارج.

وهذا انقلاب دلالي مهم.

الجملة الثالثة

أنا الذي ظللتهم دهراً

الإعراب:

أنا: ضمير منفصل مبتدأ.

الذي: اسم موصول خبر.

ظللتهم: ظللت: فعل وفاعل.

هم: مفعول به.

دهراً: ظرف زمان منصوب.

الدلالة

اختارت الشاعرة الجملة الاسمية.

ولم تقل:

ظللتهم دهراً.

لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت.

أي تثبيت هوية المتكلم.

الجملة الرابعة

أسقي صدورهم تباشير اللظى

الإعراب:

أسقي: فعل مضارع.

والفاعل ضمير مستتر.

صدورهم: مفعول به أول.

تباشيرَ: مفعول به ثانٍ.

اللظى: مضاف إليه.

الدلالة

الفعل:

أسقي

يرتبط عادة بالماء.

لكن المفعول:

تباشير اللظى

ينتمي إلى حقل النار.

وهنا يحدث انزياح دلالي شديد.

إذ تمتزج وظيفة الماء بطبيعة النار.

الجملة الخامسة

تسقط من يدي قناديلُ

الإعراب:

تسقط: فعل مضارع.

من يدي: جار ومجرور.

قناديلُ: فاعل مؤخر مرفوع.

الدلالة

تأخير الفاعل أحدث تشويقاً.

فالقارئ ينتظر ما الذي يسقط.

ثم تأتي المفاجأة:

قناديل.

أي أن السقوط يطال النور ذاته.

الجملة السادسة

قضموا التفاحةَ

الإعراب:

قضموا: فعل ماضٍ وواو الجماعة فاعل.

التفاحةَ: مفعول به منصوب.

الدلالة الرمزية

هذه أبسط جملة تركيبياً.

لكنها أكثر الجمل انفجاراً دلالياً.

إذ تشكل نقطة التحول المركزية في النص كله.

الجملة السابعة

أورقت بين ضلوعهم غواياتٌ وأسئلةٌ

الإعراب:

أورقت: فعل ماض.

بين: ظرف مكان.

ضلوعهم: مضاف إليه.

غواياتٌ: فاعل مرفوع.

وأسئلةٌ: معطوف مرفوع.

الانزياح

الذي يورق عادة:

النبات.

أما هنا:

الغوايات

والأسئلة

فتتحول المعاني المجردة إلى نبات حي.

الجملة الثامنة

ألسنةٌ تخطو إلى طاولتي

الإعراب:

ألسنةٌ: مبتدأ.

تخطو: فعل مضارع.

والفاعل ضمير مستتر.

والجملة الفعلية خبر.

الدلالة

الألسنة تتحول إلى كائنات تمشي.

وهنا ينهار الحاجز بين المجرد والمحسوس.

الجملة التاسعة

أمدُّ ظفري نحوه

الإعراب:

أمدُّ: فعل مضارع.

والفاعل مستتر.

ظفري: مفعول به.

نحوه: جار ومجرور.

الدلالة

اختارت الشاعرة:

ظفري

ولم تقل:

يدي.

فالظفر يحمل معنى الافتراس والدفاع.

وهو أكثر انسجاماً مع الجو النفسي.

الجملة العاشرة

تنهشني ارتعاشة الضوء

الإعراب:

تنهشني: فعل مضارع ومفعول به.

ارتعاشةُ: فاعل مرفوع.

الضوءِ: مضاف إليه.

الانزياح النحوي والدلالي

الضوء عادة مصدر طمأنينة.

لكن الشاعرة جعلته مصدر افتراس.

فأنتجت مفارقة شعرية عالية.

الجملة الحادية عشرة

لا صاحب اليوم لصوتي

الإعراب:

لا: نافية للجنس.

صاحبَ: اسم لا منصوب.

اليوم: ظرف زمان.

لصوتي: جار ومجرور.

الدلالة

النفي هنا مطلق.

وليس نفياً جزئياً.

لأن:

لا النافية للجنس

تنفي وجود أي صاحب على الإطلاق.

الجملة الثانية عشرة

يؤذن البعوض في شقوقه

الإعراب:

يؤذن: فعل مضارع.

البعوضُ: فاعل.

في شقوقه: جار ومجرور.

الدلالة

انزياح ساخر ومأساوي معاً.

فالأذان رمز النداء المقدس.

أما البعوض فدلالة الضآلة والهشاشة.

فيجتمع المقدس والهامشي في صورة واحدة.

الخصائص النحوية العامة للنص

١ - هيمنة الجمل الفعلية

وهو ما منح النص:

الحركة.

التوتر.

الدرامية.

٢ - كثرة التقديم والتأخير

مثل:

من يدي قناديل

وهو أسلوب يخلق مفاجآت دلالية.

٣ - كثرة الحذف

مثل:

ألسنة حيث أنا

إذ حُذفت روابط كثيرة.

وتركت للقارئ مهمة ملء الفراغ.

٤ - هيمنة الضمير المتكلم

تكرار:

أنا

أغرق

أرهق

أسترد

يجعل القصيدة اعترافاً وجودياً بامتياز.

الخلاصة اللغوية النهائية:

تكشف القراءة الصرفية والنحوية أن جمال النص لا يقوم على الصورة وحدها، بل على البنية اللغوية ذاتها. فاختيار الأزمنة، وتوزيع الضمائر، وهيمنة الأفعال المضارعة، وكثرة الحذف والتقديم والتأخير، كلها عناصر تشارك في بناء الرؤية الشعرية. وقد نجحت هادية السالمي دجبي في تحويل النحو من نظامٍ يضبط العبارة إلى طاقة جمالية تُنتج المعنى، وتجعل اللغة نفسها جزءاً من الدراما الوجودية التي يعيشها النص.

ومن ثمّ فإن قصيدة «أغرق وحدي في غيوم صاخبة» تُعدّ نصاً حداثياً مركباً تتضافر فيه البنية اللغوية والرمزية والفلسفية والنفسية والسيميائية لإنتاج عالم شعري مفتوح على التأويل، وقادراً على استنطاق قراءات متعددة دون أن يفقد وحدته الفنية العميقة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

أَغْرَقُ وحدي في غيوم صاخبَهْ

يهزمني الْأزيزُ - قال - وارتعاشةُ الْإبَرْ

و أشتهي فَرْقَعَةَ الْجَبينِ والْأَثَرْ.

كذلك الْيومَ يُحدِّثُ الْمرايا مِنْ أَلَمْ.

يُنبئُها نَثيثَهُ مِنْ هَلَعْ:

*

أنا الّذي ظَلَّلْتُهُمْ دَهْرًا

و بي قدْ وَلِهُوا

فَاسْتَكَنُوا.

مَكَثْتُ فيهم أَمَدًا

أسقي صدورَهُمُ تباشيرَ اللَّظَى،

فما اسْتَطالَتْ أبدا أعناقُهُمْ

و لا كِعابُهُمْ عَلَتْ.

أنا الّذي تَقَدَّسَتْ أَلْوِيَتي،

تَسْقُطُ مِنْ يَدِي قناديلُ

و كَفٌّ يَنْثُرُ الْبُرْءَ لِمَنْ به السَّقَمْ.

و ها أراهُمْ

قَضَموا التُّفّاحَةَ الْأَنْذَرْتُهُمْ،

فأَوْرَقَتْ بين ضلوعهم

غِواياتٌ وأسئلَهْ.

و أيْنَعَتْ ألسنةٌ

يَسْكُنُ طَيْفُها جناحَ الطّيْرِ

و الرّيحُ تَحُومُ في يدي.

ألسنةٌ تَخْطُو إلى طاولتي،

تُرْبِكُها،

تُرْبِكُني،

تُرْبِكُ كأسي ووَسائِدي…

*

ألسنةٌ حيثُ أنا.

أَلْمَحُ طَيْفَها يَطُوفُ في نوافذي

و فيها يتعالى نَبْضُهُ.

أَلْمَحُهُ يَنْثُرُ في ثُقْبِ الْمرايا وجهَهُ.

أَمُدُّ ظُفْري نحوه

لعَلَّني أَطْحَنُهُ،

فيَنْثَني مُهْتَرِئًا.

يُرْهِقُني الْآنَ صهيلُ خَطْوِهِ

في غُرْفتي.

في غرفتي طاولةٌ منها يفرُّ ريحُ كَفَّيَّ،

و كرسيٌّ يُرَتِّبُ اللَّهيبَ في دَوَارِقي.

تَنْهَشُني اِرْتِعاشةُ الضَّوْءِ،

أُنادي شَبَحَ الزَّبَانِيَهْ…

أَغْرَقُ وَحْدي في غُيُومٍ صاخبَهْ…

*

يا ذي الْمرايا !

أيْنَ شمسي وشَتاتي

و مفاتيحُ خَزَائِني؟؟؟؟؟

ها أنَّنِي في صَخَبِ النِّعالِ

أَدْفِنُ الْعَوِيلَ - صِرْتُ -

و اهتِزَازَةَ الْإِبَرْ.

لا صاحِبَ الْيوْمَ لِصَوْتي

 غيْرُ مِحْرابٍ

يُؤَذِّنُ الْبَعُوضُ في شُقُوقِهِ

و في حُنْجُرَتي.

فَكَيْفَ أَسْتَرِدُّ تُفّاحًا

يُعِيدُ لي تَوَازُني؟؟؟

*

يا ذي الْمرايا الشّاحِبَهْ!

كيف أُلاقي قَبَسًا

يَعْصِمُني

مِنْ وَمَضاتِ الشّاهِنَامَةِ الْأَبَتْ (*)؟؟؟

يا ذي الْمَرايا الْآثِمَهْ!

شُدّي على صِدْغي كُفُوفَ الْمِطْرَقَهْ.

ما أَجْدَرَ الْمَطَارِقَ الْبَيْنَ شَظَاياكِ

بِإِخْمَادِ الْوَجَعْ!!!

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

...............

*إضاءة: الشّاهنامة: ملحمة شعرية فارسية كتبها أبو القاسم الفردوسي، تهدف إلى إحياء التراث الفارسيّ.

عندما تلامس الفجيعة حاضرا وماضيا، حدود الكارثة

 ان ما تعيشه الاوطان العربية، وشعوبها العربية في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية والفارقة والخطيرة، بل منذ اكثر من عقدين ليس وليد هذه اللحظة، بل انها وليدة مخاض سلبي عسير منذ ما يقارب الخمسة عقود وربما اقل او اكثر من تراجع مخيف للفعل المؤسس لدول واوطان تأخذ بناصية التطور والحرية سواء حرية الفرد في الرأي الحر وحرية التحرك في وطنه، وفي كل اصقاع الاوطان العربية ايضا، والتأسيس الديمقراطي للتبادل السلمي للسلطة والحكم في هذه الاوطان العربية ويكون لشعوبها رأي في اختيار من يتولى الحكم فيها، ان العكس كان هو الذي حدث ولايزال يحدث حتى هذه اللحظة التي اقل ما يمكن ان توصف بها هو انها اسوء لحظة تاريخية، بل اخطر لحظة تاريخية، تمر ومرت على الاوطان العربية جميعها من دون استثناء لأحد منها بما فيها دول الخليج العربي. بالإضافة الى التدخل الدولي، امريكا والغرب الجماعي، واذرع الأخطبوط الصهيوني في اسرائيل، وفي امريكا، والغرب الجماعي، والتدخل الاقليمي.. لبنان كان ولايزال هو الصورة الصغيرة لكنها في الوقت ذاته هي الصورة الكلية والجامعة لكل ما حدث ويحدث الى الآن في كل مكان من ارجاء الاوطان العربية. والقضية الفلسطينية هي الضحية كما انها هي الترجمة الحقيقية والواقعية لجميع ما هو قد حدث من سوء وتردي ولايزال يحدث في الواقع العربي هذا المتردي والذي تتنازع فيه كل الاجندات الدولية والاقليمية والعربية؛ حيث تتشابك وتتقاطع وتختلط وتتقاتل جميع خيوط اللعبة العربية وجوارها والدولية على ساحة الملعب اللبناني. رواية بيروت بيروت للروائي المصري لناحية خطابها السياسي تقع على هذا المسار؛ فهي رواية فيها حشد من الرموز والاشارات والعلامات الدالة على هذا التردي العربي وعلى هذا التطاحن بين ابناء الوطن الواحد تحت ضغط الثيمات والادوات التي ليس لها علاقة بكل ما يخص لبنان ولكل ما يعني قضية الاوطان العربية، القضية الفلسطينية، اضافة الى قضايا شعوبها بالتحرر وبناء غد واعد ومشرق من التنمية الحقيقية والحرية، والقضية الفلسطينية، المقاومة الفلسطينية على طريق التحرر والحياة الحرة، بل انها، الاحزاب والكتل والفرق الملشياوية لها مرجعياتها سواء بالأفكار او بالأجندة فهي تتوزع في ولاءتها بين الاقطار العربية وجوار الاوطان العربية وحتى في خارج الجوار في الابعد في الفضاءات الدولية. جميع هذا الذي اشير إليه في هذه السطور المتواضعة قالته رواية بيروت بيروت للروائي صنع الله ابراهيم بتقنيات ابتعد فيها عن الخطاب التقريري المباشر، إنما في الوقت عينه كان الخطاب فيها تقريري ومباشر عبر او من خلال التقنية التي غطت كل جسد الرواية؛ ازعم انها، هذه التقنية، مبتكرة في حدود علمي واطلاعي. تبدأ الرواية بالشخصية المحورية فيها والتي تدور حولها بقية شخصيات الرواية؛ السرد فيها بضمير المتكلم؛ يقوم به بطل الرواية، كاتب روائي عربي مصري. يقول فيها او انه يبدأ بسرد رحلته من القاهرة الى بيروت حيث يبث فيها مجموعة من الرموز والعلامات الدالة على استبداد الانظمة العربية وكيف انها تقيد حركة كل مواطنيها او ان جميع مواطنيها هم في موضع ريبة وشك.. يخضع الكاتب، الشخصية المركزية فيها الى التفتيش الدقيق في مطار القاهرة من قبل رجال امن المطار مع انه كاتب معروف او ان اسمه معروف وليس هامشيا او غير مُعرف، يخضع ايضا في مطار بيروت لذات التفتيش الدقيق على ذات القاعدة من الشك والريبة. ينزل في بيروت ضيفا عند صديقه بديع والذي هو ايضا كاتب وصحفي. بديع كان قد اعتقل مع صديقه الضيف قبل عدة سنوات في القاهرة غير انها او انه يتم الافراج عنه في ظرف اسبوع فيما ظل زملاءها او رفاقه في السجن الذي فيه؛ خضعوا للتعذيب. ثم وفي ظرف ايام ينتمي الى الاتحاد الاشتراكي العربي، الواجهة الحزبية للسلطة الرسمية، ليس هذا فقط، بل انه يكون عين السلطة على بقية رفاق دربه. ثم لاحقا بعد سنوات يُنقل الى بيروت ليكون رئيسا لمكتب القاهرة الصحفي في العاصمة اللبنانية. هذا المقطع من الرواية يحمل الكثير من العلامات والاشارات الدالة على تخلي البعض من درب العقيدة لصالح دروب المصالح الشخصية، ودور السلطة في جر البعض الى خاناتها وتحويلهم من رجال فكر وعمل ونضال بالكلمة، الى رجال مأجورين وهم بهذا يفقدون هويتهم الشخصية ويكونوا عندها مجرد بيادق بيد الحكومة والنظام. في بيت صديقه بديع يلتقي مع انطوانيت، صحفيه، تعمل في الافلام الوثائقية. يتفق معها على كتابة تعليق للفلم الوثائقي عن الحرب الاهلية في لبنان. يشترط عليها ان يشاهد الفلم اولا قبل كتابة التعليق. في هذه المشاهدة يقول الكاتب كل ما يريد ان يقوله من رؤى سياسية وثقافية ورؤيته السياسية لجميع اوضاع لبنان والقضية الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية، وما يدور في جميع بقاع الاوطان العربية. يتصل لاحقا بعد ايام بزوجة صديقه الأخر او الصديق المشترك بينهما، عدنان الصائغ الذي يمتلك دار نشر في بيروت، فقد كان قد اتفق معه وهو في القاهرة على نشر روايته هذه. يفجأ بان صديقه كان قد غادر بيروت الى لندن. ليلتقي مع زوجته بعد يوم فقط من اتصاله بها. تتعهد له بنشر الرواية بعد قراءة المخطوطة. في اليوم التالي يبدأ بمشاهدة الفلم الوثائقي والذي يحتل اكثر من ثلاثة ارباع مساحة الرواية.. تتم المشاهدة مع انطوانيت لعدة ايام، بين يوم وأخر يكون لديه فراغ يلتقي فيه مع بديع ولميا زوجة صديقه عدنان الصائغ. تدور الكامرة على مساحة واسعة من هنا ومن هناك في بيروت العاصمة اللبنانية. مؤتمر للقمة العربية لمناقشة الاوضاع العربية في لبنان. في اللحظة عينها تقوم الطائرات الاسرائيلية بقصف الجنوب اللبناني وقصف مخيمات الفلسطينيين، مخيم تل الزعتر، وقصف بيروت العاصمة. طفل يسبح في دمه، امرأة تصرخ وهي تبحث عن اطفالها الذين دفنوا تحت الانقاض، تشير وهي تنوح الى كتل من الخرسانة والرمال والغبار الذي لايزال يتطاير من المكان." تشكيلات من طائرات حربية تحمل نجمة داود على جوانبها، الطائرات في طلعات متلاحقة فوق منازل متواضعة وحقول ممتدة، القنابل تنفجر وسط الحقول، المنازل تتهاوى. عنوان: مع الساعات الاولى من عام 1975، ارتفعت حدة الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب اللبناني. دائرة حول فقرة من جريدة معاريف الاسرائيلية بتاريخ 31 يناير كانون الثاني مردخاي جور رئيس الاركان الاسرائيلي يعلن: يجب خلق وضع جغرافي سياسي جديد في المنطقة." تتحول الكامرة الى مكان أخر او الى شارع اخر؛ صور لجمال عبد الناصر في ناصية الشارع، وفي الشارع الأخر، في الساحة الذي ينتهي عندها الشارع صور للأسد، وفي بداية ذات الشارع صور لصدام حسين. رجال يحملون السلاح وهم يهتفون مرة بحياة عبد الناصر، في توازي زمني أخرون وهم ايضا يحملون السلاح يهتفون بحياة صدام حسين، وأخرون يهتفون بحياة الأسد. في مكان أخر وفي يوم أخر ترصد الكامرة مسلحين في الجنوب وهم يحملون صور الامام موسى الصدر ويهتفون باسمه. الشوارع والدروب والطرقات كلها ممتلئة بالجثث التي لم يتم رفعها بعد. الطائرات الاسرائيلية تعاود القصف، قصف مخيمات الفلسطينيين، والمقاومة الفلسطينية في هذه المخيمات، مخيم تل الزعتر. تقول انطوانيت اثناء هذا العرض لشرف، الكاتب المصري؛ في لبنان الكل يحمل السلاح والكل يهتف بحياة فلسطين، والامة العربية. الشعب اللبناني مقسم الى احزاب وكتل وجميعها تحمل السلاح وتتقاتل فيما بينها. بيروت الشرقية يحجزها حاجز من البراميل والكتل الاسمنتية عن بيروت الغربية. كل حزب او مليشا او فصيل مسلح ترتبط مع هذا النظام العربي او ذلك النظام العربي، او مع ايران وحتى مع فرنسا والولايات المتحدة الامريكية، المسلمون والمسيحيون جميعهم موزعين الولاءات والمرجعيات وتتلقى كلها الدعم الاعلامي والمال والسلاح من خارج حدود لبنان وارض لبنان. في يوم أخر تتجول الكامرة في مخيم تل الزعتر؛ نساء يندبن بنواح يفطر القلب. رجل هنا مقطوع الساقين راقد على اسلفت الطريق بالا حراك، على مقربة منه طفل لايزال الدم يشخب من فمه وجبينه. الاسد يخطب في الجيش الذي سوف يذهب او هو يستعد للذهاب الى لبنان لمساعدة اللبنانيين في بسط الامن والاستقرار؛ يقول الرئيس الاسد لقد اخترنا القوات التي ستذهب لمعاونة لبنان من كل فئات المجتمع حتى تتلائم مع الاوضاع في لبنان. تسلط الكامرة اضواءها على الصحف العربية واللبنانية: موافقة امريكية لسوريا في تدخل جيشها لحفظ الامن في لبنان. في صحيفة أخرى الاتحاد السوفيتي يفرض شروط على تدخل الجيش السوري في لبنان. في يوم أخر صحيفة لبنانية في صدر صفحتها الاولى الطائرات الاسرائيلية تغير على تل الزعتر وعلى جنوب لبنان." واشنطن، هنري كيسنجر في مكتبه بالطابق السابع لمبنى وزارة الخارجية الامريكية يتحدث لصحفي امريكي: الوضع في لبنان يشبه ما كان عليه في الاردن سنة 1970. كل ما يحتاج لمعالجته هو ان ترسل سوريا لواء من قواتها." صحيفة عربية أخرى في اول صفحة من صفحاتها؛ مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية ينعقد لمناقشة الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وعلى الفلسطينيين في تل الزعتر تمهيدا لمؤتمر الرؤساء العرب.. الكاتب شرف وهو يتجول في احياء بيروت القديمة، بيوتها عثمانية البناء والطراز وهو يتأمل هذه البيوت وواجهاتها مأخوذا بها وبالتاريخ الذي تحكيه هذه البيوت؛ يفجأ بسيارة تقف الى جانبه وينزل منها اثنان من المسلحين، يدفعونه، على الرغم منه الى داخل السيارة مع تغطية عينيه. في داخله يتأكد من ان هؤلاء قد اختطفوه. يترك في قاعة لا شبابيك فيها فقط كوة صغيرة جدا في اعلى الجدار قريبا من السقف. لا طعام لا ماء لنهار كامل وليلة كاملة هي الأخرى. اخيرا يطلق سراحه بواسطة المكتب الثاني التابع للمخابرات اللبنانية عبر واسطة انطوانيت وشبكة علاقاتها. مسؤول المكتب وهو برتبة عميد يسأله عن كارلوس الارهابي. لم يجب لأنه لايعرف شيئا عنه. في هذا المقطع من الرواية يسرد الكاتب شبكة العلاقات بين الاحزاب والفصائل المسلحة وبين السلطة اللبنانية من خلال عمل مخابراتها التي هي جزء من هذا الاشتباك بين الجميع خارج مصلحة لبنان وايضا هي خارج مصلحة فلسطين وكل الاوطان العربية بل هي بالضد من هذا كله. في القسم ما قبل الأخير من الفلم الوثائقي تدور الكامرة حول مخيم تل الزعتر.. معارك طاحنة بين الفلسطينيين، المقاومة الفلسطينية، منظمة فتح، وبين عناصر مسلحة أخرى لتنظيمات مناوئة لها مدعومة من سوريا الاسد، منظمة الصاعقة، الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يدعوا المجاهدين على الصمود والمقاومة وعدم تسليم السلاح والمخيم. الجيش السوري يطوق المخيم فيما الفصائل المسلحة التي تمثله، النظام السوري، منظمة الصاعقة، وبمعاونة الحكومة اللبنانية؛ تدخل المخيم. ترتكب جرائم بحق المقاومة الفلسطينية، منظمة فتح. قبل هذا تستظهر الكامرة عملية حصار مخيم تل الزعتر وكيف ان الناس، كبار السن والنساء والاطفال يبحثون عن المياه في كل مكان من المخيم، ويبحثون عن الطعام بسبب الحصار القاسي عليهم من الجيش اللبناني والسوري. صورة أخرى ترصدها الكامرة.. طائرات الكيان الاسرائيلي وهي تقصف قصفا شديدا مخيم تل الزعتر وجنوب لبنان. صراخ وعويل في جميع امكنة تل الزعتر. تمتلىء ارض تل الزعتر بالشهداء من المقاومة الفلسطينية ومن الاطفال والنساء وكبار السن. " العنوان الرئيسي لصحيفة السفير: الامام الصدر يعلن ولادة افواج المقاومة اللبنانية، أمل، منظمة أمل؛ للدفاع عن الجنوب،.. قصر الرئاسة في بيروت، جانب من اجتماع في بيروت، زهير محسن قائد منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا في قميص حريري ملون وبنطلون ابيض، يحمل في يده غليونا فاخرا، ابو الحسن مسؤول امن فتح، ياسر عبد ربه من قادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، العقيد انطون الدحداح، مدير الأمن العام اللبناني. عنوان: تم الاتفاق على وقف اطلاق النار، لكن الكتائب فجرت الموقف في زحلة. قصف اسرائيلي لمدينة صور من البحر والبر والجو. درج مبنى فخم، مسلحون يحملون سجاجيد فارسية، مدخل مسكن، ويبدو الاثاث ال الوثير محطما الى قطع صغيرة. عنوان رئيسي لصحيفة ثالثة: لجنة ارتباط من خبراء مدنيين وعسكريين يمثلون حلف الاطلنطي، تعمل في غرفة عمليات وزارة الدفاع اللبنانية. مدينة طرابلس، مؤتمر صحفي في مستشفى المدينة العام يعقده النقيب الاسكندر نقولا معلوف يقول للصحفيين: لقد انتدبت في مهمة من جول بستاني، رئيس المكتب الثاني، مع ضباط اخرين، لإلقاء القنابل في اماكن متفرقة من طرابلس من اجل اشعال الفتنة." ظل القسم الأخير من الفلم يقول شرف الكاتب لها، لأنطوانيت لاحاجة لمشاهدته؛ سوف اسلمك التعليق خلال ثلاثة ايام. لكنه في النهاية يشاهده بسرعة بعد ملحتها عليه. في اليوم التالي يتصل بمايا زوجة صديقه عدنان الصائغ يستفسر منها حول نشر مخطوطة روايته. توجه له دعوة بزيارتها في مكتبها. يدور بينهما الحوار التالي:-

- لم أكمل لك ما قاله عدنان، أنه مستعد للمغامرة من أجلك، بسبب الوعد الذي أعطاه لك، ولكن في هذه الحالة يجب ان تتنازل له عن كافة حقوقك.

- هذا كل شيء؟

- لا، هناك فكرة أخرى. توجد شركة سويسرية مهتمة بنشر الكتاب.

- باللغة العربية؟

- طبعا.

- لم اكن اعرف ان السويسريين يقرءون العربية.

- لا يا عبيط، أستخدم مخك. قلت لبنان

- قالت: لبنان ليس مركزا للتوزيع، أنه مركز للإنتاج وحسب.

- تساءلت في حيرة: اين؟

-  لم اكن اظن انك بهذا الغباء. اسرائيل طبعا. هناك اكثر من مليون وربع المليون فلسطيني يتعطشون لقراءة كلمة باللغة العربية.

اشعلت سيجارة جديدة، ولاحظت ان يدي ثابتة.

استطردت: اكتب لنا تفويضا، ونحن نتلوى الأمر كله، ستحصل على عائد مجزِ. في الإمكان ان تأخذ جانبا منه قبل سفرك.

رفعت حاجبا وسألت: نقدا ام عينا؟

دفعتني في صدري وقالت: انت سيء. لاتستحق المعروف.

يشد شرف الكاتب العربي المصري على عزمه على السفر الى القاهرة، بعد ان ابتاع تذكرة سفر بالطائرة الى مصر وهو يجر ذيول الخيبة والخسران.." بحثت عن علبة السجائر، فوجدتها على الأرض الى جوار المقعد. اشعلت سيجارة بأصابع مرتعشة وعدت الى مقعدي. دخنت السيجارة حتى نهايتها، وطفأتها في المنفضة، ثم مضيت الى غرفتي، فحملت حقيبة يدي وحقيبة السفر الى الصالة. وتناولت المظروف الذي يضم مخطوطتي، فأعدته الى الجيب السري بحقيبة السفر." الرواية من اصدارات مؤسسة هنداوي. تقع الرواية في 220صفحة من القطع الصغير؛ بحروف صغيرة جدا.

***

مزهر جبر الساعدي

ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات

ان المسافة بين التعبيرية والرؤيوية في الشعر قد يتصورها البعض مجرد فارق تقني. والحقيقة غير ذلك بشاكلة جذرية. فالتعبيرية مهما تألقت فهي بشكل او بآخر انعكاس للواقع بموهبة ووجهة نظر شعريتين لتصوير الحياة بعينها كما يراها المصور من الخارج والداخل بنحو منفرد او مجتمع..

اما الرؤيوية الشعرية فهي واقع لغوي معادل او موازن يهب الحياة وعالمها مثيلهما الجمالي الضروري مشكلا ازاءهما دلالتين خلاقتين الاولى راهنة تستثمر الوعي الابتداعي مجالا زمكانيا للخلق الفني. والثانية مستقبلية تغير التاريخ النمطي المتوالي الى تاريخ متداخل لا يستغني عن النص الشعري لكونه حادثا في الشعر ومن غير الممكن ان يحدث خارجه معرفيا مما يجعل النص الرؤيوي مجالا للتاريخ الاخر وصيغة من صيغه المتحققة كذلك.

ولم تتريث الشاعرة العراقية المبدعة السيدة رجاء الغانمي او تتردد في تشكيل مجال الرؤيا الابداعية التحويلي لهذا النص المتميز فهي كما اتصور قد اتخذت قرارا ذاتيا " عميقا "، مطبوعا غير مصنوع، في ان يكون خطابها هذا رؤيوياً. وهي تعي بمطبوعيتها الخالصة ان هذا سيكون قرارا شعريا مصيريا فالنتاج من الجائز ان يتبلور فريدا او ان يخبو مستنسخا. فلا توجد ارض " تتوسط " التحولات الرؤيوية مثل التعبيرية. اما الابتداع او الاتباع والتقليد المدرسيين. الا ان الشاعرة المجتهدة اختارت التميز ونجحت بامتياز.

فسلكت مذهب (تدجين الغرابة) المدرسية على حد تعبير "ادونيس" حيث ينشأ " الكلام " الشعري في حجر الغرابة ذاتها ويؤول او يصير اليها غرائبيا كذلك:

كي انقاد اليك

على القمح ان ينمو علىٰ خاصرتي

كما اشتعال المواقد..!

*

أنا لا أرى

عظمك، جلدك

ودمك المطلي بتقلبات مزاجك..!

وللحدث الشعري في الجهتين بعد اعتباري غرائبي كذلك فالنشأة الغرائبية تشي بالصيرورة الغرائبية، الاسطورية هنا، والعكس مثله كليا:

خاتمك الفضي

حين ابتلعه البحر

لم اجده في جوف سمكة..!

*

ما بيني وبينك سعة عالمين

ما قبل الوراء واحد

ما بعد الامام آخر..!

(لاحظ اللهجة الغرائبية الاسطورية المشتركة)

كما تأخذ الرؤيا الغرائبية نوعا من التشكل الفريد، غير المسبوق برأيي، لدى الشاعرة بين الواقع اللغوي ووعيه الرؤيوي فيتداخل الترميز مذهبا واقعيا والوعي يتألف سورياليا فوق الواقع. ومغايرا كذلك فيظهر الرمز وعيا والسوريالية واقعا. في اشتباك ابداعي اعتباره ناجز في صعيد المداخلة بين الرؤيا والحقيقة معاً:

لم اقل:

عالم مضىٰ

وعالم آت...!

*

فما بين الحروف تأويل

وثمة صدفة..!

فايهما الحقيقة وايهما الرؤيا.. التأويل ام الصدفة فنيا؟

ام هما يتبادلان الادوار؟

والاشكالية الخلاقة التي تسوقها الشاعرة تبقي ابواب السؤال مشرعة. ولا غرو فالفلسفة تزحف باتجاه المفاضلة بين الخطأ والصواب في الاجوبة. والشعر عكسها ينزاح مكتشفا صائرا في جماليات التساؤلات المفتوحة. ولا تتوانىٰ الشاعرة في تشييد تكوين كهذا غير قابل للانغلاق مطلقا. سيما انها تجد ذاتها طليقة ايضا ترى وتسمع في المالانهايات قبل الاتجاهات وبعدها حيث يتولىٰ الشعر مهمة ومسؤولية اعادة ايجاد وتشكل قيامة اللحظة الكونية المعرفية.

نحوك

تقرر الصدفة وجهتها

لم اقل انني جزء من المهمة..

*

أين الطريق؟

الصحو مخيم على عيني.

*

ولقد كان للايقاع حضوره الخاص الموثر في النص فالشاعرة ببراعة تلقائية تامة وفقت في تمييز مواقيت موسيقية تفصح عن عناصر الخلق السوريالية والرمزية في آن.

١. سورياليا:

على القمح ان ينمو على خاصرتي

عللقم / ح أن ين / مو على / خاصرتي

فعولن / فعولن - فاعلن / مستعلن

٢. رمزيا:

خاتمك الفضيُّ حين ابتلعه البحر

خاتمكل / فضييحي / نبتل / عهلبحرو - اشباع

مستعلن / مستفعلن - فاعل / مفاعيلن

لم اجده في جوف سمكة

لم اجد / هفيجو / فسمكهْ

فاعلن / فعولن / متعلن

مما يكرس، خلال مجهود الشاعرة البارعة بنظري، ان مصطلح " قصيدة النثر " بات غير قادر على تجشم اعباء نماذجه، بجواز التعبير، المتألقة التي تبلور الاسلوبية الابتداعية الايقاعية القافزة عاليا على النسج النثري المتداول غالبا بهيئات نماذج سميكة نثرية مقالية احيانا كثيرة متثاقلة غير حيوية..

مع التثمين والثناء

الأديب ابو محمد الصفار

....................

ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات

نحوكَ تُقرِّرُ الصدفةُ وجهتَها.

لم أقلْ إنني جزءٌ من المهمة،

كي أنقادَ إليكَ،

على القمحِ أن ينمو على خاصرتي،

 كما اشتعالِ المواقد.

خجلًا من صبيةٍ صغارٍ،

 تذوبُ روحي،

 فأُلملمُ أطرافَها، وأقول:

 أين الطريق؟

الصحوُ مُخيِّمٌ على عيني،

وأنا لا أرى:

عظمَكَ، جلدَكَ،

 ودمَكَ المطليَّ بتقلباتِ مزاجِكَ،

 وحتى خاتمَكَ الفضيَّ، حين ابتلعه البحر،

لم أجده في جوفِ سمكة.

ما بيني وبينكَ سعةُ عالمين،

 ما قبلَ الوراءِ واحدٌ،

وما بعدَ الأمامِ آخرُ.

لم أقل:

 عالمٌ مضى،

 وعالمٌ آتٍ،

يوخزُ الحنينُ بإبرةِ وجعٍ.

فما بين الحروفِ تأويلٌ

وثمّةَ صدفة.

***

 رجاء الغانمي - العراق

يُعَدُّ الأدب المُسندي أحد أقدم الشواهد الحضارية واللغوية في جزيرة العرب، وهو الأدب الذي دوّنته الممالك العربية الجنوبية القديمة؛ كسبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير، بخطِّ المسند الذي ازدهر قرابة ألف عام قبل الإسلام واستمر استعماله حتى القرون الميلادية الأولى. ولا تقتصر أهمية هذا الأدب على قيمته التاريخية والحضارية، بل تمتد إلى كونه مصدراً أصيلاً لفهم الجذور العميقة للغة العربية، والكشف عن تطور بنياتها النحوية والدلالية والصوتية، مما جعله مادةً لا غنى عنها لفقه اللغة العربية والدراسات المقارنة.

الأدب المسندي: ذاكرة العرب الجنوبية

الأدب المسندي هو مجموع النصوص التي وصلتنا منقوشة على الأحجار والمعادن والأخشاب، وتشمل نصوصاً ملكية ودينية وتشريعية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن نصوص ذات طابع بلاغي وأدبي. وقد كُتبت هذه النصوص بلغات عربية جنوبية قديمة تنتمي إلى الأسرة السامية، أبرزها السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية.

وعلى الرغم من أن أغلب ما وصل إلينا ليس شعراً موزوناً بالمعنى المعروف في الأدب العربي اللاحق، فإن تلك النقوش تكشف عن نزعة أدبية واضحة تتمثل في حسن السبك، والإيجاز المكثف، والتوازي التركيبي، والعبارات الاحتفالية ذات الإيقاع اللفظي المتميز.

الأدب المسندي وفقه اللغة العربية

يُعنى فقه اللغة بدراسة اللغة في تاريخها وتطورها وعلاقاتها وأصول ألفاظها، ومن هنا تأتي القيمة الكبرى للأدب المسندي.

فقد أثبتت النقوش المسندية أن العربية الفصحى لم تظهر فجأة، وإنما سبقتها مراحل لغوية متعددة داخل البيئة العربية نفسها. وقد ساعدت النصوص المسندية الباحثين على فهم أصول كثير من المفردات العربية، والكشف عن تطورها الدلالي عبر العصور. ومن أبرز الجوانب التي أسهم فيها الأدب المسندي:

أولاً: دراسة الجذور اللغوية

تكشف النقوش عن جذور لغوية ما تزال حية في العربية الفصحى، مثل جذور تدل على الملك والزراعة والتجارة والحرب والعبادة، مما يؤكد وحدة الأصل الحضاري واللغوي بين عرب الجنوب وعرب الشمال.

ثانياً: تطور المعنى

تُظهر النصوص المسندية كيف انتقلت بعض الألفاظ من معانٍ مادية محددة إلى معانٍ مجردة أوسع، وهو ما يساعد على فهم المسار التاريخي للمعجم العربي.

ثالثاً: الظواهر الصوتية

أتاحت دراسة اللغات المسندية فهماً أعمق لظواهر الإبدال والإعلال والتقارب الصوتي بين اللهجات العربية القديمة، مما أسهم في تفسير كثير من الظواهر التي عالجها علماء العربية لاحقاً.

الأدب المسندي والنحو العربي

لم يكن النحو العربي الذي دوّنه علماء البصرة والكوفة معزولاً عن التاريخ اللغوي السابق، بل جاء ثمرةً لتراكم طويل من الاستعمالات اللغوية العربية.

وتكشف النصوص المسندية عن عدد من الظواهر النحوية المهمة:

أدوات التعريف

من أشهر خصائص بعض اللغات المسندية استعمال النون أو الهاء والنون في التعريف، بدلاً من (أل) المعروفة في العربية الفصحى. وتُعد هذه الظاهرة من أهم الشواهد على تطور أدوات التعريف في اللغات العربية القديمة.

الضمائر

قدمت النقوش نماذج متعددة للضمائر المتصلة والمنفصلة، تساعد في تتبع تطور النظام الضميري العربي عبر العصور.

الإضافة

أظهرت النصوص أن نظام الإضافة كان مستقراً منذ أزمنة مبكرة، وهو ما يعكس قِدَم هذا البناء النحوي في العربية.

ترتيب الجملة

تدل النقوش على وجود أنماط متنوعة من الجمل الاسمية والفعلية، بما يقارب كثيراً من التراكيب المعروفة في العربية الفصحى.

الأدب المسندي والأدب العربي

تمثل العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي علاقة جذورٍ وامتداد، لا علاقة انفصال أو قطيعة. فالمناخ الثقافي الذي أنتج النقوش المسندية هو جزء من البيئة العربية الكبرى التي ازدهر فيها الشعر الجاهلي ثم الأدب الإسلامي.

وقد ورث الأدب العربي اللاحق كثيراً من السمات التي عرفتها الحضارات الجنوبية القديمة، ومنها:

الفخر الحضاري

يتجلى الاعتزاز بالملك والعمران والبطولات في النقوش المسندية، ثم يظهر بصورة أكثر نضجاً في الشعر الجاهلي وشعر الفخر الإسلامي.

وصف الطبيعة

عرفت النقوش اليمنية القديمة أوصافاً للجبال والوديان والسدود والكروم والحقول، وهي موضوعات وجدت طريقها إلى الشعر العربي في مختلف عصوره.

النزعة البلاغية

يظهر في النقوش استعمال التكرار والتوازي والتوكيد، وهي وسائل بلاغية أصبحت فيما بعد من أبرز أدوات التعبير في الأدب العربي.

الأدب المسندي والشعر العربي اللاحق

رغم ضياع معظم الشعر المدوَّن بالمسند، فإن تأثير البيئة الثقافية الجنوبية ظل واضحاً في شعر كثير من الأدباء اليمنيين والعرب، ولا سيما في أشعار الفخر بالأنساب والحديث عن سبأ وحمير والتبابعة.

وقد حافظ شعراء اليمن عبر العصور على شعور عميق بالانتماء إلى الإرث السبئي والحميري، فظل هذا الميراث حاضراً في أشعارهم التاريخية والقومية واللغوية.

كما أن الاهتمام بالنسب واللغة وأصول العرب، الذي نجده عند علماء اليمن وأدبائها، يُعَدُّ امتداداً فكرياً لذلك التراث القديم الذي حفظته النقوش المسندية.

قيمة الأدب المسندي في الدراسات الحديثة

لقد أصبح الأدب المسندي اليوم أحد أهم المفاتيح لفهم تاريخ العربية. فكل نقش جديد يُكتشف يضيف لبنةً جديدة إلى صرح المعرفة اللغوية، ويساعد الباحثين على إعادة رسم خريطة تطور العربية قبل الإسلام.

ولذلك فإن دراسة الأدب المسندي لم تعد شأناً تاريخياً محضاً، بل أصبحت جزءاً من علوم اللغة والنحو واللسانيات المقارنة، ومن أهم الوسائل لفهم البنية العميقة للعربية وأصولها الحضارية.

خاتمة

إن الأدب المسندي ليس تراثاً محلياً يخص جنوب الجزيرة العربية وحده، بل هو فصلٌ مبكر من السيرة الكبرى للغة العربية. ففي نصوصه تتجلى الجذور الأولى لكثير من الظواهر اللغوية والنحوية والبلاغية التي ازدهرت لاحقاً في العربية الفصحى. ومن ثم فإن العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي هي علاقة الأصل بالامتداد، والجذر بالغصن، والماضي بالحاضر؛ إذ أسهمت نقوش المسند في حفظ جزء مهم من الذاكرة اللغوية للعرب، وأمدّت فقه اللغة والنحو العربي بمادة علمية ثمينة لا تزال تكشف عن أسرارها يوماً بعد يوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في العالم الشعري لأدونيس

مقدمة الدراسة: يشكل الشعر، في مختلف تجلياته التاريخية والحضارية، أحد أكثر الخطابات الإنسانية قدرة على مساءلة الوجود وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. وإذا كانت اللغة العادية تُستعمل من أجل التواصل ونقل المعنى المباشر، فإن اللغة الشعرية تنزع إلى تجاوز وظيفتها المرجعية لتتحول إلى فضاء للإيحاء والكشف وإنتاج الدلالات الممكنة. ومن هنا ارتبط الشعر منذ نشأته بفكرة الانفلات من المألوف، والخروج من أنظمة التعبير الجاهزة، والسعي إلى تشييد عالم بديل تتداخل فيه الرؤيا بالخيال، والتجربة الفردية بالوعي الجمعي، والواقع بالممكن.

وقد شهد الشعر العربي الحديث تحولات عميقة مست بنيته الفنية ومرجعياته الفكرية والجمالية، خاصة منذ منتصف القرن العشرين، حين بدأت القصيدة العربية الحديثة تبحث عن أفق جديد يتجاوز النموذج البلاغي التقليدي، وينفتح على منجزات الحداثة الشعرية العالمية. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الأشكال والأوزان أو في التقنيات التعبيرية، بل كان في جوهره تحولًا في الرؤية إلى الشعر نفسه؛ إذ أصبحت القصيدة مجالًا للتفكير في الإنسان والتاريخ والهوية والحرية، ومجالًا لإعادة إنتاج العالم عبر اللغة.

وفي سياق هذا التحول الحداثي برز الشاعر والمفكر العربي الكبير أدونيس بوصفه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في إعادة صياغة مفهوم الشعر العربي المعاصر. فقد استطاع أن يؤسس مشروعًا شعريًا وفكريًا متكاملًا يقوم على مساءلة التراث، وإعادة النظر في العلاقة بين اللغة والواقع، وبين الشعر والمعرفة، وبين الإبداع والتاريخ. ولذلك لا تبدو تجربة أدونيس مجرد تجربة شعرية فردية، وإنما مشروعًا ثقافيًا واسعًا يسعى إلى تفكيك البنى الجامدة وإعادة بناء الرؤية إلى الإنسان والعالم.

وتنبع فرادة التجربة الأدونيسية من قدرتها على الجمع بين العمق الفكري والكثافة الجمالية، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتجاور فيه الأسطورة والتاريخ والفلسفة والرمز والرؤيا. فاللغة الشعرية عنده لا تنقل الواقع كما هو، وإنما تعيد خلقه داخل نظام دلالي جديد تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والهويات والصور والأساطير. ومن ثم يصبح النص الشعري مجالًا لإنتاج المعرفة بقدر ما هو مجال لإنتاج الجمال.

ويُعد مفهوم الانزياح من أهم المفاهيم التي تساعد على فهم خصوصية العالم الشعري الأدونيسي؛ لأن اللغة في شعره لا تخضع لقوانين الاستعمال المألوف، بل تنزع باستمرار إلى خرق العادة اللغوية وإعادة تشكيل العلاقات بين الكلمات والأشياء. ومن خلال هذا الانزياح تتولد الدهشة الشعرية، وتتعدد مستويات المعنى، ويتحول النص إلى بنية مفتوحة على احتمالات تأويلية لا نهائية.

وإذا كان الانزياح يمثل الآلية الجمالية التي تنتج شعرية النص، فإن المتخيل الرمزي والأسطوري يمثل البنية العميقة التي تنتظم داخلها الرؤيا الشعرية. فالرمز في شعر أدونيس لا يؤدي وظيفة زخرفية أو تزيينية، بل يتحول إلى أداة معرفية وجمالية تسمح بإعادة قراءة الواقع والتاريخ والإنسان. كما أن الأسطورة لا تُستدعى بوصفها حكاية ماضية، وإنما بوصفها نظامًا دلاليًا قادرًا على إعادة إنتاج المعنى وتجاوز حدود الزمن التاريخي.

ومن هنا يتخذ المتخيل الرمزي والأسطوري مكانة مركزية في العالم الشعري لأدونيس، حيث تتردد شخصيات وأساطير ورموز تنتمي إلى حضارات وثقافات متعددة، لتصبح عناصر فاعلة في بناء رؤية شعرية تتجاوز المحلي نحو الإنساني والكوني. فالأسطورة عنده ليست استعادة للماضي، بل وسيلة لتأويل الحاضر واستشراف المستقبل، والرمز ليس بديلاً عن الواقع، بل طريقة أخرى للكشف عن أبعاده العميقة.

وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي يتداخل بها الانزياح مع الرمز والأسطورة في بناء العالم الشعري لأدونيس، وإلى بيان الوظائف الجمالية والفكرية التي يؤديها هذا التداخل داخل النص الشعري، بما يسمح بفهم أعمق لخصوصية التجربة الأدونيسية ومكانتها في مسار الحداثة الشعرية العربية.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية المركزية الآتية:

كيف يسهم الانزياح الشعري في بناء المتخيل الرمزي والأسطوري داخل العالم الشعري لأدونيس، وما الأبعاد الجمالية والفكرية التي يكتسبها هذا المتخيل في تشكيل رؤيته للإنسان والتاريخ والوجود؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود بشعرية الانزياح في التجربة الأدونيسية؟

كيف تتحول اللغة الشعرية عند أدونيس إلى فضاء لإنتاج الدلالة؟

ما طبيعة المتخيل الرمزي الذي يؤسس عالمه الشعري؟

كيف يوظف الشاعر الأسطورة في بناء رؤيته الشعرية؟

ما العلاقة بين الرمز والأسطورة والانزياح؟

كيف تسهم هذه العناصر في منح النص الشعري بعده الكوني؟

إلى أي حد يمكن اعتبار شعر أدونيس مشروعًا معرفيًا وجماليًا في آن واحد؟

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى:

الكشف عن مفهوم الانزياح وتجلياته الأسلوبية والدلالية في شعر أدونيس.

دراسة البنية الرمزية وآليات تشكلها داخل النص الشعري.

تحليل حضور الأسطورة ووظائفها الجمالية والفكرية.

إبراز العلاقة بين الرمز والأسطورة والانزياح في إنتاج الرؤيا الشعرية.

استجلاء ملامح العالم الشعري الذي يشيده أدونيس من خلال اللغة والمتخيل.

بيان البعد الفلسفي والوجودي في التجربة الأدونيسية.

إبراز إسهام أدونيس في تطوير الشعرية العربية الحديثة.

الكشف عن الطابع الكوني والإنساني الذي يميز مشروعه الشعري.

أولاً: شعرية الانزياح وتحول اللغة إلى أفق للرؤيا:

يشكل الانزياح أحد أهم الأسس الجمالية التي قامت عليها الحداثة الشعرية العربية، لأنه يمثل لحظة خروج اللغة من دائرة التداول اليومي إلى فضاء الإبداع والتخييل. وإذا كانت اللغة العادية تقوم على مبدأ الإبلاغ والتواصل، فإن اللغة الشعرية تؤسس مشروعها على مبدأ الاختراق وإعادة تشكيل العلاقات المألوفة بين الكلمات والأشياء. ومن هذا المنطلق لا يصبح الانزياح مجرد تقنية أسلوبية أو زخرف بلاغي، بل يتحول إلى رؤية للعالم وطريقة خاصة في إدراك الوجود.

وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في تجربة أدونيس الشعرية، حيث لا تعمل اللغة بوصفها مرآة للواقع، بل بوصفها قوة خالقة تعيد إنتاجه وفق نظام دلالي جديد. فالقصيدة الأدونيسية لا تقدم الأشياء في صورتها المباشرة، وإنما تعيد تركيبها داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي تجعل المعنى متحركاً ومتجدداً باستمرار. ولهذا يغدو الانزياح في شعره فعلاً معرفياً يوازي فعل الكتابة نفسه، لأنه يسمح للشاعر باكتشاف ما هو خفي وراء الظواهر والأشكال.

ويظهر ذلك منذ العتبة الأولى لديوان المطابقات والأوائل، حيث يختار الشاعر عنواناً يقوم على مفارقة دلالية بين مفهومين مختلفين ظاهرياً ومتكاملين في العمق. فـ"المطابقات" تحيل إلى التشابه والعلاقات الخفية بين الأشياء، بينما تشير "الأوائل" إلى الأصل والبداية والمنبع الأول للوجود. ومن خلال الجمع بين المفهومين يخلق الشاعر فضاءً تأويلياً مفتوحاً يجعل القارئ منذ البداية أمام عالم شعري لا يقوم على اليقين، بل على السؤال والكشف وإعادة القراءة.

إن الانزياح هنا لا يقتصر على مستوى المفردة، وإنما يشمل بنية الرؤية بأكملها. فالأرض ليست أرضاً بالمعنى الواقعي المباشر، بل تصبح رمزاً للخصوبة والانبعاث والتاريخ. والبحر لا يمثل فضاءً جغرافياً، بل يتحول إلى صورة للتيه والبحث الوجودي. أما المدن والأمكنة فتغدو علامات ثقافية وحضارية تختزن الذاكرة الجمعية للإنسان.

ومن ثم فإن اللغة الأدونيسية لا تصف العالم، بل تعيد خلقه. إنها لغة تحاول أن تجعل المستحيل ممكناً، وأن تمنح الأشياء أسماء جديدة، وأن تفتح أمام الكلمات آفاقاً غير مسبوقة من الدلالة. ولهذا السبب تبدو القصيدة الأدونيسية وكأنها مشروع دائم لتجاوز الحدود المرسومة بين الواقع والحلم، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذات والعالم.

إن هذا الطابع الانزياحي للغة هو الذي يمنح النص الأدونيسي كثافته الجمالية وقدرته على إنتاج التأويل. فالمعنى لا يقدم جاهزاً للقارئ، وإنما يولد من تفاعل العلامات والصور والرموز داخل النص. ومن هنا تتحول القراءة إلى فعل اكتشاف مستمر، ويتحول النص إلى بنية مفتوحة لا تستنفدها قراءة واحدة.

ثانياً: المتخيل الرمزي وبناء العالم الشعري:

إذا كان الانزياح يمثل الآلية الجمالية التي تؤسس خصوصية الخطاب الشعري عند أدونيس، فإن الرمز يمثل البنية العميقة التي تنتظم داخلها رؤيته للعالم. فالرمز في تجربته ليس مجرد وسيلة للتعبير غير المباشر، بل هو أداة معرفية وجمالية تتيح للقصيدة أن تتجاوز حدود اللحظة الآنية نحو أفق إنساني وكوني أكثر اتساعاً.

ويكتسب الرمز أهميته داخل المشروع الأدونيسي من قدرته على الجمع بين مستويات متعددة من المعنى في آن واحد. فالصورة الشعرية الواحدة قد تحيل إلى التاريخ والأسطورة والواقع والتجربة الذاتية في الوقت نفسه. ولهذا يصبح الرمز مركزاً تتقاطع داخله مختلف الدلالات الممكنة.

وفي قصيدة "ثمود" تتجلى هذه الوظيفة الرمزية بوضوح. فالشاعر لا يستحضر قبيلة ثمود باعتبارها حدثاً تاريخياً منتهياً، وإنما يحولها إلى رمز حضاري يعبر عن أوضاع إنسانية متكررة في التاريخ. إن ثمود تتحول في النص إلى صورة للمجتمع الذي يرفض التغيير ويقاوم النور ويختار البقاء داخل دائرة الجمود والانغلاق.

ومن خلال هذا التحويل الرمزي يغادر النص حدود التاريخ ليصبح معبراً عن وضع إنساني عام. فالمقصود ليس القبيلة في ذاتها، بل كل واقع يعيد إنتاج شروط السقوط والانهيار. وهكذا تتجاوز القصيدة وظيفتها السردية لتصبح أداة للتأمل الحضاري والفلسفي.

كما يبرز الرمز في صورة الأرض التي تتكرر في الديوان بوصفها كائناً حياً قادراً على المعاناة والانبعاث. فالأرض عند أدونيس ليست فضاءً جغرافياً محايداً، وإنما ذات رمزية كبرى تتقاطع فيها معاني الوطن والتاريخ والخصوبة والحياة. ولذلك يوجه إليها الشاعر خطابه وكأنها كائن أسطوري قادر على الإصغاء والاستجابة.

ويكشف هذا الحضور المكثف للرمز عن طبيعة المشروع الشعري عند أدونيس، فهو مشروع يسعى إلى تجاوز المباشر واليومي والعابر من أجل بناء عالم دلالي غني ومفتوح. ومن هنا يصبح الرمز أداة لتوسيع أفق المعنى، كما يصبح وسيلة لتحرير النص من أحادية القراءة ومن سلطة التفسير الواحد.

إن المتخيل الرمزي في شعر أدونيس لا ينفصل عن رؤيته للحداثة. فالحداثة عنده ليست مجرد تجديد شكلي، وإنما هي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. ولهذا يتحول الرمز إلى وسيلة للكشف عن المعاني العميقة المختبئة خلف الظواهر، وإلى أداة لتأسيس معرفة شعرية جديدة تتجاوز حدود العقل الأداتي والتفكير التقليدي.

ثالثاً: الأسطورة وبناء رؤيا الانبعاث:

تحتل الأسطورة مكانة مركزية في العالم الشعري لأدونيس، حتى يمكن القول إن جزءاً كبيراً من فرادة تجربته ينبع من قدرته على إعادة توظيف المادة الأسطورية داخل أفق حداثي جديد. غير أن الأسطورة في شعره لا تظهر بوصفها حكاية موروثة أو سردية جاهزة، بل تتحول إلى بنية فكرية ورمزية قادرة على إنتاج المعنى وتجديد الرؤية.

وتتخذ أسطورة الموت والانبعاث موقعاً خاصاً داخل هذا المشروع الشعري. فالموت لا يمثل نهاية الوجود، بل يصبح لحظة انتقال نحو ولادة جديدة. ولذلك تتكرر صور الاحتراق والخراب والسقوط لتقود في النهاية إلى صور النهوض والتجدد والانبعاث.

وتقترب هذه الرؤية من البنية الرمزية لأسطورة طائر الفينيق الذي يولد من رماده بعد الاحتراق. غير أن أدونيس لا يستعير الأسطورة بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل يعيد إنتاجها داخل سياق ثقافي وإنساني جديد. فالانبعاث هنا لا يتعلق بالفرد وحده، بل يمتد إلى التاريخ والحضارة واللغة والإنسان.

ومن خلال هذه الرؤية تصبح القصيدة نفسها فعلاً من أفعال الانبعاث. فالشاعر يواجه الخراب بالكلمة، ويواجه الموت بالخلق، ويواجه الصمت بإنتاج لغة جديدة. وهكذا تتحول الكتابة الشعرية إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية والحضارية.

إن حضور الأسطورة في شعر أدونيس يكشف عن وعي عميق بوظائفها الجمالية والمعرفية. فهي تمنح النص كثافة رمزية عالية، كما تسمح له بالانتقال من المستوى الفردي إلى المستوى الإنساني الشامل. ولهذا لا تبدو الأسطورة عنصراً خارجياً مضافاً إلى القصيدة، بل مكوناً عضوياً من مكونات رؤيتها للعالم.

رابعاً: جدلية الذات والكون في العالم الشعري لأدونيس:

تُعدُّ الذات الشاعرة إحدى القضايا المركزية في الشعر الحديث عامة، وفي تجربة أدونيس خاصة، غير أن هذه الذات لا تظهر بوصفها ذاتًا غنائية منغلقة على انفعالاتها الخاصة أو مشاعرها الفردية المحدودة، بل تتجاوز حدود الأنا الشخصية لتتحول إلى ذات رؤيوية تتماهى مع الإنسان في بعده الكوني. ولهذا فإن قراءة العالم الشعري لأدونيس تكشف عن حركة دائمة من الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الفردي إلى الإنساني، ومن اللحظة العابرة إلى الزمن الكوني المفتوح.

إن الذات في شعر أدونيس لا تكتفي بتسجيل التجربة، وإنما تسعى إلى إعادة تأويلها وإعادة بنائها. فهي ذات تتساءل أكثر مما تجيب، وتبحث أكثر مما تستقر، وتتحرك داخل فضاء من القلق الوجودي الذي يجعلها في حالة عبور دائم نحو آفاق جديدة من الرؤية والمعرفة. ولذلك كثيرًا ما تبدو القصيدة الأدونيسية رحلة متواصلة في أعماق الذات وفي أعماق العالم في آن واحد.

ويتجلى هذا البعد الكوني بوضوح في قصيدة «ثمود»، حيث يتحول الشاعر من مجرد راوٍ للأحداث إلى ذات تشارك في صناعة الرؤيا. فهو لا يقف خارج العالم الذي يصفه، بل ينخرط فيه بوصفه جزءًا من مأساته وأحلامه وأسئلته. ومن هنا تكتسب القصيدة بعدها الوجودي، لأن الشاعر لا يتحدث عن ثمود بوصفها قبيلة تاريخية فحسب، وإنما يتحدث عن مصير الإنسان في مواجهة الخراب والتكلس والموت.

وتؤكد صور الألم المنتشرة في الديوان هذا التحول من الذاتي إلى الكوني. فحين يقول الشاعر إن أحزانه ليست أحزانه وحده، وإنما هي جرح ينزف من تاريخ الإنسان، فإنه ينقل التجربة الشعرية من مستوى الاعتراف الفردي إلى مستوى التأمل الحضاري. فالألم هنا لم يعد ألم شخص بعينه، بل أصبح تعبيرًا عن معاناة الإنسان في صراعه الدائم مع الظلم والقهر والاغتراب.

ومن هذا المنطلق تتجاوز الذات الأدونيسية الحدود الجغرافية والثقافية الضيقة لتصبح ذاتًا عابرة للأزمنة والأمكنة. فهي تستحضر الأساطير القديمة كما تستحضر الحاضر، وتستدعي المدن التاريخية كما تستدعي المدن المعاصرة، وتتحاور مع الشخصيات التراثية كما تتحاور مع الإنسان الحديث. وبذلك تتحول القصيدة إلى فضاء تلتقي فيه مختلف التجارب الإنسانية داخل رؤية موحدة تتأسس على البحث عن الحرية والمعنى.

كما تتجلى هذه الكونية في حضور المكان داخل النصوص الشعرية. فالأمكنة عند أدونيس لا تُستحضر بوصفها مواقع جغرافية جامدة، بل بوصفها فضاءات رمزية تنطوي على أبعاد حضارية وثقافية وإنسانية. وحين يستحضر مدينتي مراكش وفاس، على سبيل المثال، فإنه لا يكتفي بوصف جمالهما أو تاريخهما، بل يحولهما إلى فضاءين للتأمل في الذاكرة والثقافة والتاريخ العربي.

إن الذات الشاعرة هنا تتحول إلى نقطة التقاء بين الفردي والجماعي، وبين الواقعي والأسطوري، وبين التاريخي والكوني. ولذلك فإن العالم الشعري الذي يبنيه أدونيس لا يقوم على مركزية الأنا بقدر ما يقوم على مركزية الإنسان بوصفه كائنًا باحثًا عن المعنى وسط عالم متغير ومضطرب.

خامساً: تفاعل الانزياح والرمز والأسطورة في بناء الرؤيا الشعرية

إذا كانت الدراسة قد بينت أن الانزياح يشكل البنية الجمالية الأساسية في شعر أدونيس، وأن الرمز والأسطورة يمثلان مكونين جوهريين في متخيله الشعري، فإن القيمة الحقيقية لتجربته تكمن في التفاعل العضوي بين هذه العناصر الثلاثة داخل بنية واحدة متماسكة. فليست هناك حدود فاصلة بين الانزياح والرمز والأسطورة في النص الأدونيسي، بل إن كل عنصر منها يغذي العنصر الآخر ويسهم في إنتاج الرؤيا الشعرية الكلية.

فالانزياح يحرر اللغة من معناها المباشر، ويمنحها القدرة على إنتاج الرموز. والرمز بدوره يوسع أفق الدلالة ويجعل النص قادرًا على استيعاب البنية الأسطورية. أما الأسطورة فتمنح الرمز عمقه الثقافي والإنساني، وتفتح أمامه إمكانات تأويلية جديدة. ومن خلال هذا التفاعل تتشكل خصوصية العالم الشعري الأدونيسي.

ويظهر هذا التداخل بوضوح في توظيف أسطورة الموت والانبعاث. فالأسطورة هنا لا تُقدَّم بصورتها التقليدية المعروفة، وإنما يعاد تشكيلها عبر لغة انزياحية كثيفة تجعلها رمزًا للتحول والتجدد. ومن ثم تتحول الأسطورة إلى أفق فكري وجمالي تتقاطع داخله قضايا الإنسان المعاصر مع الرموز الكونية الكبرى.

إن صورة الأرض المسبية التي تتكرر في بعض نصوص الديوان تقدم نموذجًا دالًا على هذا التفاعل. فالأرض تتحول بفعل الانزياح من دلالتها الواقعية إلى رمز للحياة المهددة والقوة الكامنة في آن واحد، ثم تكتسب من خلال البنية الأسطورية بعدًا يرتبط بفكرة الخصوبة والانبعاث. وهكذا تنتقل الصورة من مستوى الواقع إلى مستوى الرمز، ثم إلى مستوى الأسطورة، دون أن تفقد وحدتها الفنية.

كما أن حضور الشخصيات التاريخية والأسطورية داخل النصوص لا يهدف إلى استعادة الماضي أو تمجيده، بل إلى إعادة إنتاجه داخل سياق جديد. فالشخصية التراثية تتحول إلى قناع شعري، والقناع يتحول إلى رمز، والرمز يتحول إلى أداة للكشف عن قضايا الحاضر. ومن هنا تتجلى قدرة أدونيس على تحويل المادة التاريخية والأسطورية إلى طاقة شعرية معاصرة.

وتكشف هذه الآليات مجتمعة عن أن القصيدة الأدونيسية ليست نصًا مغلقًا، بل نص مفتوح على التأويل. فالمعنى لا يوجد في مستوى واحد، وإنما يتوزع بين طبقات متعددة تتداخل فيها الإحالات التاريخية والأسطورية والفلسفية والجمالية. ولهذا تظل قصائد أدونيس قابلة لإعادة القراءة من زوايا مختلفة، لأن بنيتها العميقة تقوم على مبدأ التعدد والانفتاح.

ومن جهة أخرى، يبرز هذا التفاعل بين الانزياح والرمز والأسطورة بوصفه تجسيدًا لرؤية أدونيس إلى الشعر نفسه. فالشعر عنده ليس وصفًا للعالم، بل إعادة خلق له. وليس نقلًا للحقيقة، بل إنتاجًا لحقائق جديدة. وليس انعكاسًا للواقع، بل محاولة لتجاوزه نحو أفق أكثر رحابة وحرية.

وبذلك يمكن القول إن العالم الشعري لأدونيس يقوم على مشروع جمالي وفكري متكامل يجعل من اللغة مجالًا للابتكار، ومن الرمز أداة للمعرفة، ومن الأسطورة أفقًا للرؤيا. ومن خلال هذا المشروع استطاع الشاعر أن يحقق واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة عمقًا وتأثيرًا، وأن يؤسس كتابة شعرية تتجاوز حدود الزمان والمكان لتدخل في حوار دائم مع الإنسان والوجود والتاريخ.

انتهت الدراسة إلى أن شعرية أدونيس لا يمكن فهمها من خلال عنصر منفرد، لأن فرادة تجربته تنبع من التفاعل الخلاق بين الانزياح والرمز والأسطورة والرؤيا. فالقصيدة عنده ليست بناءً لغويًا فحسب، وإنما مشروع معرفي وجمالي يسعى إلى إعادة التفكير في الإنسان والعالم. ومن ثم فإن المتخيل الرمزي والأسطوري لا يمثل مجرد تقنية فنية، بل يشكل جوهر الرؤية الشعرية التي قامت عليها تجربته الإبداعية برمتها.

خاتمة الدراسة

تكشف دراسة «شعرية الانزياح وبناء المتخيل الرمزي والأسطوري في العالم الشعري لأدونيس» عن تجربة شعرية وفكرية تُعد من أكثر التجارب الإبداعية عمقًا وتعقيدًا في مسار الحداثة الشعرية العربية. فشعر أدونيس لا يمكن اختزاله في كونه ممارسة لغوية أو بناءً جماليًا قائمًا على الصور والاستعارات فحسب، بل هو مشروع رؤيوي متكامل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين اللغة والوجود، وبين الشعر والمعرفة. ومن هنا تنبع أهمية هذه التجربة التي استطاعت أن تجعل من القصيدة فضاءً مفتوحًا للتفكير والتأويل وإعادة اكتشاف المعنى.

لقد بينت الدراسة أن الانزياح يشكل البنية الجوهرية التي تقوم عليها الكتابة الشعرية عند أدونيس، إذ تتحرر اللغة من وظائفها التواصلية المباشرة لتتحول إلى لغة كاشفة ومبدعة، قادرة على اختراق المألوف وإنتاج رؤى جديدة للعالم. فالانزياح في النص الأدونيسي لا يعمل بوصفه تقنية أسلوبية معزولة، وإنما بوصفه استراتيجية جمالية ومعرفية تسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين الكلمات والأشياء، وبين الدال والمدلول، وبين الواقع والمتخيل. ولذلك تبدو القصيدة الأدونيسية فضاءً تتحول فيه اللغة إلى كائن حي يواصل إنتاج الدلالة دون توقف.

كما أظهرت الدراسة أن المتخيل الرمزي يحتل موقعًا مركزيًا في بناء العالم الشعري لأدونيس. فالرمز لا يؤدي وظيفة زخرفية أو بلاغية محدودة، وإنما يتحول إلى أداة معرفية تسمح للشاعر بالنفاذ إلى المناطق العميقة من التجربة الإنسانية. ومن خلال شبكة واسعة من الرموز الكونية والتاريخية والثقافية، استطاع أدونيس أن يبني نصًا شعريًا متعدد الطبقات، منفتحًا على إمكانات تأويلية لا نهائية، وقادرًا على تجاوز حدود اللحظة التاريخية نحو أفق إنساني أشمل.

وأثبتت الدراسة كذلك أن الأسطورة تشكل إحدى الركائز الأساسية في المشروع الشعري الأدونيسي، غير أن الشاعر لا يستحضرها باعتبارها تراثًا حكائيًا جامدًا، بل بوصفها بنية دلالية حية قادرة على إنتاج المعنى وتجديد الرؤية. فالأسطورة تتحول في نصوصه إلى وسيلة لإعادة قراءة الحاضر وتأويل التاريخ واستشراف المستقبل. ولهذا لم تعد شخصيات الأساطير وأحداثها مجرد عناصر مستعارة من الماضي، وإنما أصبحت مكونات عضوية داخل البناء الشعري، تسهم في تشكيل الرؤية الكونية التي يحملها الشاعر.

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن أسطورة الموت والانبعاث تمثل المحور الرمزي الأعمق في تجربة أدونيس الشعرية. فالموت لا يظهر في نصوصه بوصفه نهاية أو فناءً، وإنما يتحول إلى شرط للولادة الجديدة، وإلى لحظة ضرورية للانتقال من حالة إلى أخرى. ومن هنا تتأسس رؤية الشاعر على مبدأ التحول الدائم والتجدد المستمر، وهو المبدأ الذي يحكم نظرته إلى الإنسان والتاريخ والحضارة واللغة في آن واحد.

كما كشفت الدراسة أن الذات الشعرية عند أدونيس لا تنغلق داخل حدود التجربة الفردية، بل تتجاوزها نحو أفق إنساني شامل. فالأنا الشعرية تتحول إلى ذات كونية تستوعب هموم الإنسان وأسئلته الوجودية ومخاوفه وآماله. ولهذا لا يصبح الألم ألمًا شخصيًا، بل يتحول إلى جرح إنساني عام، ولا يعود الحلم حلمًا ذاتيًا، بل يغدو حلمًا حضاريًا يسعى إلى إعادة بناء العالم على أسس جديدة من الحرية والإبداع والانفتاح.

وقد تبين من خلال تحليل النصوص أن العالم الشعري الذي يشيده أدونيس يقوم على جدلية مستمرة بين الماضي والمستقبل، وبين الواقع والحلم، وبين التاريخ والأسطورة، وبين الذات والكون. وهذه الجدلية هي التي تمنح قصيدته طابعها الديناميكي وقدرتها على مقاومة الجمود والانغلاق. فالشاعر لا يتعامل مع التراث بوصفه سلطة نهائية، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة والتأويل. كما أنه لا ينظر إلى الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، بل بوصفها فعلًا إبداعيًا يعيد بناء العلاقة مع التراث وفق منظور جديد.

وتؤكد نتائج الدراسة أن القيمة الحقيقية لتجربة أدونيس تكمن في نجاحها في تحقيق توازن نادر بين العمق الفكري والكثافة الجمالية. فالقصيدة عنده لا تضحي بالفكر لصالح الشعر، ولا بالشعر لصالح الفكر، وإنما تحقق اندماجًا عضويًا بينهما يجعل من النص فضاءً للرؤيا والجمال والمعرفة في الوقت نفسه. ولهذا استطاع أدونيس أن يرسخ حضوره بوصفه أحد أهم مجددي الشعر العربي الحديث، وأن يؤسس مشروعًا إبداعيًا ما يزال قادرًا على إثارة الأسئلة وإنتاج المعاني وفتح آفاق جديدة للقراءة والتأويل.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن شعرية الانزياح وبناء المتخيل الرمزي والأسطوري ليست مجرد مكونات فنية في شعر أدونيس، بل هي جوهر المشروع الشعري الذي أنجزه. فمن خلال الانزياح تحررت اللغة من حدودها التقليدية، ومن خلال الرمز اتسعت آفاق الدلالة، ومن خلال الأسطورة اكتسب النص عمقه الحضاري والإنساني. ونتيجة لهذا التفاعل الخلاق تشكل عالم شعري فريد استطاع أن يجعل من القصيدة العربية الحديثة فضاءً رحبًا للحوار بين الفكر والجمال، وبين الإنسان والكون، وبين الماضي والمستقبل.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج العلمية والنقدية، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أثبتت الدراسة أن الانزياح يمثل البنية الشعرية المركزية التي تقوم عليها الكتابة الأدونيسية.

 أن الانزياح في شعر أدونيس يتجاوز مستواه البلاغي ليصبح رؤية معرفية للعالم.

تبين أن المتخيل الرمزي يشكل أحد أهم المرتكزات الجمالية والفكرية في بناء النص الشعري الأدونيسي.

كما أثبتت الدراسة كذلك أن الرمز يؤدي دورًا أساسيًا في توسيع أفق الدلالة وإغناء عملية التأويل.

 أن الأسطورة تُوظف بوصفها بنية للرؤية الشعرية لا مجرد عنصر زخرفي أو تراثي.

بينت الدراسة أيضا أن أسطورة الموت والانبعاث تعد من أكثر الأساطير حضورًا وتأثيرًا في العالم الشعري لأدونيس.

 أن الشخصيات والأساطير المستحضرة في النصوص تتحول إلى أقنعة ورموز تعبر عن قضايا الإنسان المعاصر.

أظهرت الدراسة أيضا أن الذات الشعرية عند أدونيس ذات كونية تتجاوز حدود الفردية نحو أفق إنساني شامل.

تبين أن العالم الشعري الأدونيسي يقوم على مبدأ التحول الدائم والتجدد المستمر.

 أن العلاقة بين الشعر والفكر في تجربة أدونيس علاقة تكامل عضوي لا علاقة تناقض أو انفصال.

كشفت الدراسة عن الحضور القوي للأسئلة الوجودية والحضارية داخل النصوص الشعرية.

كما أكدت على أن الرمز والأسطورة والانزياح تتفاعل فيما بينها لتشكيل رؤية شعرية متكاملة.

 أن شعر أدونيس يمثل أحد أبرز النماذج الحداثية التي استطاعت تجديد الشعر العربي على المستويين الجمالي والفكري.

أن البعد الكوني في شعر أدونيس نابع من قدرته على تحويل التجربة المحلية إلى تجربة إنسانية شاملة.

أثبتت الدراسة أن مشروع أدونيس الشعري يشكل محاولة مستمرة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والتاريخ والوجود.

توصيات الدراسة

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

توسيع دائرة الدراسات الأكاديمية المتخصصة في شعر أدونيس من خلال الاستفادة من المناهج النقدية الحديثة.

تشجيع الدراسات السيميائية والتأويلية التي تتناول البنية الرمزية في شعر أدونيس.

تعميق البحث في حضور الأسطورة داخل الشعر العربي الحديث ومقارنتها بوظائفها في الآداب العالمية.

إنجاز دراسات مقارنة بين أدونيس وعدد من شعراء الحداثة العالمية مثل

T. S. Eliot وEzra Pound وOctavio Paz و Charles Baudelaire و Arthur Rimbaud و Renè Char و Stèphane Mallarmè.

دراسة العلاقة بين المتخيل الشعري والتحولات الحضارية في المشروع الأدونيسي.

الاهتمام ببحث حضور الفلسفة داخل شعر أدونيس وعلاقتها بالبنية الجمالية للنص.

تشجيع البحوث التي تتناول مفهوم الانبعاث والتحول في الشعر العربي المعاصر.

تطوير الدراسات التي تبحث في جدلية التراث والحداثة في التجربة الأدونيسية.

توسيع البحث في العلاقة بين الشعر والأنثروبولوجيا والأسطورة في الأدب العربي الحديث.

إعادة قراءة أعمال أدونيس الشعرية في ضوء التحولات الثقافية والفكرية الراهنة.

تعزيز الدراسات المقارنة بين شعر أدونيس والتجارب الشعرية المغاربية الحديثة.

تشجيع ترجمة الدراسات النقدية العربية حول أدونيس إلى اللغات العالمية لتعزيز حضور النقد العربي في الساحة الأكاديمية الدولية.

العمل على إدراج نماذج أكثر من شعر أدونيس ضمن المقررات الجامعية الخاصة بالشعر العربي الحديث.

فتح آفاق بحثية جديدة تتناول مفهوم المتخيل الشعري بوصفه مدخلًا لفهم التحولات الجمالية في الأدب العربي المعاصر.

بناء مشاريع نقدية عربية قادرة على استيعاب التجارب الشعرية المركبة التي تجمع بين العمق الفلسفي والكثافة الجمالية كما هو الحال في تجربة أدونيس.

***

بقلم: د. منير محقق

 كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

"ليلى والذئب" قصيدة للشاعر العراقي أجود مجبل. استلهم فيها قصة (ليلى والذئب) المشهورة، ليبني عليها قصةً شعريّةً مغايرةً.

قصة ليلى والذئب التراثية الكلاسيكية المعروفة، نُشِرت أول مرة عام 1698م للكاتب الفرنسي شارل بيرو، حكايةً عن الصراع بين الخير والشرِّ، وبين الغدر والطيبة، وبين الخداع والبراءة. ربما كان هدف المؤلف من كتابتها هو التنبيه وتحذير الناس، والأطفال خاصةً - لأنّها حكاية مكتوبة للأطفال في الأساس – وتحذيرَهم من الوقوع في خطر الغدر والخيانة، والحيلة والمكر والخداع.

هذه الرواية التي أخذت شهرة عالمية واسعة، وتُرجمت الى لغات كثيرة، أحدثتْ أثراً سحريًّا بالغاً في نفس كلِّ مَنْ قرأها، وخاصةً الأطفال؛ لتميّزها بعنصر الإثارة، وشدِّ القارئ، والأحداث المثيرة للمتابعة، وبالخصوص اختيار ليلى طفلةً بريئةً صافيةَ النفس، والذئب بما عُرف عنه من غدرٍ، ووحشيةٍ وافتراس، والغابة بما تمتاز به من عمق وغموض وظلام، وطرقٍ ملتفةٍ صعبةٍ شائكة، وما تبثُّه من الخوف والرعب، والحذروالتوجُّس، إذ تمتلئ بالحيوانات المتوحشة، والأدغالِ والتضاريس الملتوية، والطرق الضالّة.

تحوَّلت الحكاية مع الزمن، وبالتأويلات المختلفة، والنظر والتفسير والتحليل، تحوّلت من مجرد حكاية للأطفال الى نصٍّ ذي أبعاد عديدة: بُعدٍ فلسفيٍّ، وبُعد سيكولوجيٍّ نفسيٍّ، وبعد اجتماعيٍّ، وسياسيٍّ، ليتناولها كلٌّ مِنْ زاوية رؤيته، وتحليله.

شقَّت القصةُ طريقَها أيضاً الى الفنِّ المرئيِّ والمقروء، السينمائيّ، وأفلام الرسوم المتحركة، ومجلات الأطفال. كما أنّها ألقتْ رحالَ تأثيراتها لتصلَ الى الأدباء والفنانين، ليستلهموها في نصوصهم، ويضيفوا عليها منْ وحيهم وتجاربهم، وأفكارهم، وإبداعهم، مضامينَ تتجاوز أصل الحكاية، لتُغنيها بمُلهماتِهم، وأحاسيسهم، وعواطفِهم، وأخيلتهم، وفكرهم. وكلُّ هذا يعود إلى سحر وجمال، وعمق الحكاية، مع شعبيتها التراثية.

مِنَ الذين استلهموها، واستوحوا منها مضامين ومعاني أخرى الشاعر العراقي أجود مجبل، في قصيدته الموسومة بـ"ليلى والذئب". وهي قصيدة كتبها على الشكل العمودي الكلاسيكي الموزون والمقفّى، الذي عُرفَ به، وهو مِنْ فرسانها المُحدَثين.

اعتمدت القصيدة في صياغتها على فنِّ (الشعر القصصيّ)، الذي هو أحد أنواع الشعر - كما قُسِّمَ منهجيّاً مدرسيّاً كلاسيكيّاً - إلى جانب الأنواع الأخرى، ويمكننا تسميته بـ(الشعر القصصي الوجداني/العاطفي)؛ فالقصيدة قصة وجدانية، كُتبتْ شعراً، وبكلِّ اشتراطات وقوانين، وخصائص، وعناصر فنِّ القصة السردية:

- الشخصيات: والقصيدة تدور حول شخصيتين، ليلى والذئب.

- الأحداث: في القصيدة مجموعة من الأحداث التي هي محورُ الحكاية.

- الحبكة: للقصة المحكيّة في القصيدة، كما القصة الفنيّة عموماً، بداية ووسط (الصراع)، ونهاية (الخاتمة)، وما في مجرياتها من صراع، وحركةٍ، وشدٍّ وجذبٍ، وأحاسيس، وعواطف متضاربة مضطربة، ومتصارعة.

- الفكرة: في القصيدة فكرة وموقف، يريد الشاعر إيصالها الى المتلقي من خلال اختياره الحكاية، ومضمونها، وربطها بقصة ليلى والذئب.

القصيدة مع عناصرها وخصائصها هذه عبارة عن قصة حبٍّ شعرية: الراوي (الذئب) أحد بطليها، والشخصية الثانية هي الحبيبة (ليلى). قصة حبّ تراجيدية. بمعنى أنّ الشاعر أجود مجبل أستوحى من الحكاية جانباً آخر من دلالاتها، وهو الجانب الوجداني العاطفي، فحوّلها الى قصة غرامية ذات طابع درامي تراجيدي حديث.

قلبَ الشاعرُ معادلةَ: ليلى/البراءة والطيبة، والذئب/الخداع والغدر والخيانة، لتتحوَّل عكسيّاً في القصيدة إلى: ليلى/ الخداع والغدر والخيانة، والذئب/البراءة والطيبة والغفلة.

فكان الصراعُ (الحبكة) بين نوازع الحبِّ والخيانة، لتصلَ إلى نهايتها المأساوية، التي تذكّرنا بالتراجيديات الكلاسيكية.

تبدأ الحكايةُ (البداية) على لسان الذئب (العاشق/الراوي)، ليُمهِّد للقارئ ما يشعرُ به الذئب (المتهم الجاني) المغضوب عليه، فيردُّ:

الذِّئبُ قالَ: أنا لمْ أفترسْ أبَدًا

ليلى ، وما أنا شِرِّيرًا لِأقتُلَها

*

ما كنتُ في سابِقِ الأيّامِ أعرِفُها

ولا دَخَلْتُ على الإطلاقِ مَنزِلَها

هنا يبرِّئُ الذئبُ نفسه من دم ليلى. ويواصلُ روايته:

هيَ التي أرسلَتْ لي في مُناسَبَةٍ

هَدِيَّةً وتَرَجَّتني لِأقبَلَها

*

وفي الهَديَّةِ أخفَتْ رَقْمَ هاتِفِها

وصورةَ امرأةٍ والوردُ كَلَّلَها

*

فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

نجدُ مما تقدَّم عنصرَ السرد، الذي بُنيتْ عليه القصيدةُ. وتسلسل الأحداثِ، فهي قصة حبٍّ بدأت من ليلى، وليس من الذئب، ليلى التي تحرَّشت واتصلتْ به، وأغوته، وخدعته؛ لتُوقعَه في حبائلها (الخديعة)، وهي تخطِّطُ من البداية لشيءٍ فاجع قادم مغايرٍ، لا يمتُّ للحبّ بصلةٍ.

ونواصلُ رحلةَ السردِ والحكاية، والخداع والتخطيط لخيانةٍ، وغدرٍ قادمين، رحلةَ السرد الشاعريّ، وعلى لسان الذئب:

فيها رسالةُ حُبٍّ زانَها وَرَقٌ

مُلَوَّنٌ ورَذاذُ العِطرِ بَلَّلَها

*

قالتْ: أحِبُّكَ يا ذِئبًا حَلِمْتُ بهِ

بَلْ صِرتَ آخِرَ أحلامي وأَوَّلَها

*

فأنتَ جائزتي الكُبرى أفُوزُ بِها

ومِنْ أماني فَتاةٍ كُنتَ أجمَلَها

*

كُنْ فُندُقًا لِحياتي أستريحُ بهِ

وكُنْ لِأرضٍ غَزاها الجُوعُ سُنبُلَها

*

وهذهِ جَدَّتي أيضًا تُحِبُّكَ يا ذِئبي الجَميلَ،

وهذا الشَّوقُ أثْقَلَها

إذن هذه هي ليلى المبادرة في الاتصال والاحتكاك، وعرض حبِّها الخادع على الذئب البريء (من دمها). ثم تتواصل الأحداثُ في القصة، فينخدع الذئبُ، ليقعَ في الفخِّ المنصوب مِنْ ليلى:

صَدَّقْتُ لَهفَتَها حتى كَتبْتُ لَها

شِعرًا عنِ الحُبِّ مِثْلَ الخَمْرِ أثْمَلَها

*

فكُنتُ أبدُو كطفلٍ جائعٍ

وأبُوهُ ابتاعَ حَلوى لَهُ يومًا لِيَأكُلَها

*

يأخذنا الشاعر في روايته، وعلى لسان الذئب (الرجل) المخدوع، الذي يقع في حبائلها، فيواصل سرديته التراجيدية:

لكنَّها خَطَّطَتْ بِالحُبِّ تَخدَعُني

حتى أُشَيِّدَ بيتَ العاشقينَ لَها

*

وبَعدَما اكتمَلَ البيتُ الذي حَلِمَتْ

بهِ كثيرًا وآواها وظَلَّلَها

*

هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

*

سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

فما الذي حدث بعد هذا؟ وقعَ المحظور، وانكشفت اللعبةُ، لتصلَ الحكايةُ الى قمّةِ توتُّرها، حيث الصراعُ الدرامي وسط القصة، والمفاجأة التي اكتشفها الذئبُ (العاشق):

هُناكَ إذْ لمْ تَعُدْ تحتاجُني غَدَرَتْ

بِمَنْ إلى غَدِها المَضمونِ أوصَلَها

*

سَعَتْ لإسقاطِهِ في خُطَّةٍ رُسِمَتْ

وهو الذي ما سَعى إلّا لِيَحمِلَها

*

فَسَمَّمَتْ كأسَ شايٍ كان تَذكِرَةً

لِرِحلَةٍ حَرَصَتْ أنْ لا يُؤجِّلَها

ماذا فعل الذئب بعد معرفته بالغدر والخيانة والفخّ، والخطّة التي وضعتها ليلى ورسمتها:

وحِينما انشغَلَتْ عنِّي بِهاتِفِها

قَرَّبْتُ مِنْ كَأسِها كَأسي لِأُبْدِلَها

*

وهكذا هي ماتَتْ موتَ خائنةٍ

وبعد عُمْرٍ عَجيبٍ صِرتُ أَرمَلَها

*

رِوايةٌ صَعبَةٌ لمْ تَكتمِلْ،فُقِدَتْ

أوراقُها، ثُمَّ جاءَ المَوتُ أكمَلَها

*

كانتْ نِهايةَ حُبٍّ غَيرَ شائعةٍ

للآنَ لَمْ أستطِعْ حتى تَخَيُّلَها

هنا تنتهي القصة بحكمةٍ، وهو بيتُ القصيد، الذي أرادَ الشاعر أجود مجبل إيصالها للمتلقي، وهي خلاصة تجربة خداع وغدر وخيانة رومانسية وجدانية:

ما أقبحَ الغدرَ إنْ سَنَّتهُ بُلْبُلَةٌ

تَخُونُ بعدَ ربيعِ العُمْرِ بُلْبُلَها

وهكذا تنتهي حكاية ليلى والذئب في هذه القصيدة، بالرؤية الشاعرية واستلهامها، وتماهيها مع الرواية، وقراءة صائغها الشاعر أجود مجبل، تنتهي بمأساة، وتراجيديا صاخبة، لتدخلَ عالمَ التراجيديات الكلاسيكية، ذاتِ النهايات الدرامية المحزنة الصادمة.

الانتقام العادل؟:

في القصيدة يبرز انتقام العاشق/الذئب كردِّ فعلٍ وجزاء عادل، لما تعرّض له من غدر وخيانة، في محاولة ليلى اغتياله بوضع السُّمِّ في شرابه. وهي عقوبة عادلة لمحاولة اغتيال. فالشاعر يريد ان يقول بأنّه ليس كلُّ ظاهر حقيقة، ولا كلُّ حكايةٍ مرويَّةٍ بصادقة. قد يكون العكس هو الصواب. وهذا تأويلٌ وقراءة إبداعية مُستلهَمة من الحكاية ومتناصّة معها، وهي دلالة على عمق قصة ليلى والذئب التراثية، وما تحمله في طياتها من دلالات ورؤى مختلفة، وفي فهم وتفسير وتأويل مغزى الحكاية. كما إنّها إشارة لأثرها البالغ في نفس الشاعر؛ مما ألهمته وأوحت إليه بهذه القصيدة القصصية الشعرية الجميلة والمؤثرة.

السلاسة الشعرية في السرد:

تمتاز هذه القصة الشعرية للشاعر أجود مجبل بسلاستها وحرارتها، وإحساسها، وبلاغة لغة شاعرها الحاذق في صنعته، بحيث أنها تنقاد له بسهولة ويسر وانسيابية شاعرية وجمال. وكان لاستلهام قصة ليلى والذئب، وقلب معادلة الصياد والضحية، قد أضفت على القصيدة عنصر الإثارة، والشدِّ، والسرد المُحكَم شعرياً. فهي قصيدة شعرية وجدانية، ذات حبكة فنية سردية متقنة الصنعة الشعرية العالية، بحيث أنَّ المتلقي حين يبدأ قراءتها ومن خلال حرارة العاطفة والأحاسيس التي تغمرها، وتنبض بها الصياغة اللغوية والبلاغية والتصويرية، يتوقع القارىء انها ستتغزل بالحبيبة ومفاتنها، لكنه بعد التوغل في مفاتن الأبيات وجمال اللغة ورقتها وسهولتها وسلاسة صياغتها، وبساطتها المعتمدة على السرد والقريبة من وعي وإدراك المتلقي بمختلف مستوياته المعرفية، يتفاجأ هذا القارئ بالأحداث، ونهايتها المفجعة.

نحن أمام فيلم مقروء، مخرجه هو الشاعر، وأدواتُ الإخراج هي الشعر واللغة، والصور التعبيرية بالكلمات، المصاغة بدقة فنية عالية، فهي لا تخرج الى التصوير الفوتوغرافي الجامد المتكلف، إنّما الى التصوير بحركة الألفاظ واللغة والشعر، والوزن والقافية، والعواطف والأحاسيس الحارّة، بحيث يشعر القارىء وكأنها تجربة شخصية حقيقية عاشها الشاعر؛ بسبب دقّة وعمق وقوة الصياغة والسرد المُحكَم، وما تحتويه من إثارة وحركة وشدٍّ وتوتر، وأحداث وعواطف جيّاشة مضطربة.

***

عبد الستار نورعلي

مايس 2026

 

للشاعرة آمال صالح.. مقاربة بنيوية أسلوبية

تنتمي قصيدة (غربال الضوء) إلى قصيدة النثر الحديثة التي تبني شعريتها على كثافة الصورة الرمزية وتنامي الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية المتفاعلة. ولا تستمد القصيدة قيمتها الجمالية من مرجعياتها الخارجية بقدر ما تستمدها من بنائها النصي القائم على جدلية العتمة والنور، والانكسار والخلاص، والجرح والعشق. ومن هذا المنطلق، اعتمدت هذه الدراسة المنهج البنيوي الأسلوبي مع انفتاح تأويلي رمزي للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل النص ورصد الثنائيات الدلالية التي تنتظم حركته الشعرية وصولاً إلى صورته المركزية الكبرى: " الكون أعار النهار غربالاً " بوصفها البؤرة الرمزية التي تتجمع عندها رؤيته الجمالية والفكرية.

ولعل أول ما يكشف عنه هذا البناء النصي هو المسار الدلالي الذي تنتظم وفقه حركة القصيدة، حيث تتدرج من فضاء العتمة والانكسار إلى أفق النور والتطهير...

البنية الدلالية: من العتمة إلى التصفية

تقوم القصيدة على حركة تصاعدية تبدأ من تجربة الفقد والانكسار وتنتهي إلى لحظة تطهير روحي. يفتتح النص فضاءه الشعري بقوله:

" حين خرجتُ من سجنك

 ظننتُ النهارَ سراباً "

فالسجن هنا ليس مكاناً واقعياً، بل بنية رمزية تحيل إلى حالة من الأسر الوجداني. ومنذ البداية يقدم النهار بوصفه قيمة مفقودة أو مشكوكاً في حقيقتها بما يشي باضطراب الرؤية بعد تجربة الخروج.

وتتعزز هذه الرؤية حين يصبح الليل نفسه:

" سجينٌ آخر " إذ تتلاشى الحدود التقليدية بين السجان والمسجون وبين الحرية والقيد لتغدو الذات محاطة بدائرة من الانغلاق الوجودي.

وإذا كانت البنية الدلالية للنص تقوم على جدلية العتمة والنور، فإن تجسد هذه الجدلية فنياً يتحقق عبر شبكة من الصور الشعرية المنزاحة التي تمنح التجربة كثافتها الجمالية وطاقتها الإيحائية....

شعرية الصورة والانزياح

تعتمد القصيدة على الانزياح بوصفه الآلية الأساسية لإنتاج الشعرية. فالأشياء لا تؤدي وظائفها المعتادة، بل تتحول إلى كيانات رمزية جديدة. الليل " يرتّل فراغاً " والكون " يسمع" والشمس " تلتقي بالعطر".

هذا الخرق المتعمد للمنطق المرجعي يخلق ما يسميه جان كوهن "اللغة الشعرية المنحرفة عن الاستعمال المعياري" حيث يتولد المعنى من المفاجأة لا من التقرير.

ومن أجمل صور النص:

" تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه "

إذ تتداخل الرؤية البصرية (الخيوط البنفسجية) مع الانفعال النفسي (اللهفة) فتتشكل صورة مركبة تجمع الحسي والوجداني في بنية واحدة.

وتنسجم البنية التصويرية في (غربال الضوء) مع ما يذهب إليه غاستون باشلار من أن " الصورة الشعرية ليست صدى للماضي، بل هي ظهورٌ مفاجئ للوجود في اللغة" إذ لا تستعيد الشاعرة صوراً جاهزة، بل تبتكر رؤية جديدة للعالم من خلال الصورة المركزية: " الكون أعار النهار غربالاً "وهي صورة تفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد وجودية وفلسفية أرحب. وإذا كان الانزياح قد أسهم في تشكيل البنية التصويرية للقصيدة، فإن القيمة الجمالية الأعمق لهذه الصور تتجلى في انخراطها ضمن نسق رمزي متماسك يمنح النص أبعاده التأويلية والوجودية...

البنية الرمزية

تتأسس القصيدة على بنية رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة إلى فضاء تأويلي مفتوح، حيث يغدو الضوء والليل والجرح والعشق عناصر ضمن شبكة من الرموز المتفاعلة. وتبلغ هذه البنية ذروتها في الصورة الختامية:

" الكونُ أعار النهارَ غربالاً، ليصفو الضوءُ من ظلاله"

فالغربال هنا لا يؤدي وظيفة مادية، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتمييز وإعادة تشكيل التجربة الوجدانية. ومن هذا المنظور يصدق على النص ما ذهب إليه بول ريكور بقوله: " الرمز يعطي الفكر ما يدعو إلى التفكير " إذ لا يقدم الرمز في القصيدة معنى جاهزاً أو مغلقاً، بل يفتح أفقاً من التأويلات الممكنة ويحفز القارئ على المشاركة في إنتاج الدلالة واكتشاف مستوياتها العميقة. وتستدعي مركزية الضوء في هذه القصيدة بعض التجارب الشعرية الحديثة التي جعلت من النور رمزاً للتحول الداخلي والخلاص الوجودي غير أن (غربال الضوء) تنفرد بمعالجة هذا الرمز معالجة مغايرة، إذ لا تقدم الضوء بوصفه نقيضاً جاهزاً للظلام، بل تجعله ذاته موضوعاً للتنقية والمراجعة. وبهذا تنتقل الدلالة من ثنائية التعارض إلى أفق أكثر تركيبا، حيث يغدو الخلاص فعلاً داخلياً مستمراً لا حالة نهائية مكتملة. ولا تنفصل هذه البنية الرمزية عن المستوى المعجمي للنص، إذ تتجسد دلالاتها عبر شبكة من المفردات المتقابلة التي تسهم في ترسيخ جدلية العتمة والنور وتمنح القصيدة وحدتها الدلالية الداخلية....

الحقل المعجمي ووحدة النص

يتأسس المعجم الشعري في القصيدة على حقلين دلاليين رئيسين:

حقل العتمة: سجن، سراب، ليل، فراغ، بؤرة، ظلال، جرح.

حقل النور:نهار، نجمة، بريق، شمس، نور، دفء، عشق.

وتنتظم القصيدة كلها داخل التوتر بين هذين الحقلين. غير أن الحركة النهائية لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، بل بعملية مصالحة وتجاوز تؤسس لرؤية تركيبية تتجاوز الثنائية التقليدية،حين:

" يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه "

فالليل لا يهزم وإنما يعاد إنتاج دلالته في سياق أكثر تركيباً...

وعليه يمكن القول أن، قصيدة (غربال الضوء) تكشف عن بناء شعري متماسك يقوم على تفاعل الحقول الدلالية والصور الرمزية ضمن حركة نصية تتدرج من الانكسار إلى الخلاص. وقد أظهرت القراءة البنيوية والأسلوبية أن فاعلية النص لا تنبع من موضوعه الوجداني فحسب، بل من قدرته على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية ذات أفق إنساني وتأملي أوسع. ومن هنا تتجلى قيمة القصيدة في إحكام بنيتها الداخلية وفي نجاحها في إنتاج معنى يتجاوز المباشرة نحو فضاء رمزي مفتوح على التأويل.

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله...

.......................

غربال الضوء

حين خرجتُ من سجنك

ظننتُ النهارَ سرابًا

لا يعبر نافذتي،

وأن الليلَ

سجينٌ آخر

*

يرتّل فراغًا

يفضي إلى بؤرةٍ

خارج الصوت

والمدى

*

أين وجدانٌ

يكتبُ

حمرةَ العشق؟

تتمازج خيوطه البنفسجية

مع لهفةِ بحّارٍ تائه

*

أين ذلك البريق

لنجمةٍ موعدُها

قريب؟

تتشابك الأصابع حولها

وتعيدُ الوقتَ

إلى دورانٍ حميم

*

وحين يسمعنا الكون،

تلتقي الشمسُ بالعطر،

ويصيرُ النور

أقوى من كلّ المعارك الخاسرة

*

يمسّ الليلَ القاسي،

فيلينُ حدُّه،

ويتعلمُ الإصغاء

*

الكونُ أعار النهارَ غربالًا،

ليصفو الضوءُ

من ظلاله،

ويُغلقُ الجرحُ

على دفءِ العشق.

***

الشاعرة آمال صالح

الجذور المشتركة وملامح التفاعل الحضاري

يمثّل الأدب العربي والأدب الأمهري رافدين مهمين من روافد التعبير الإنساني في فضاءين متجاورين تاريخيًا وجغرافيًا، هما شبه الجزيرة العربية وإثيوبيا في القرن الإفريقي. وقد نشأت بين هذين الفضاءين علاقات قديمة عبر التجارة والهجرة والتجاور الجغرافي المطل على البحر الأحمر، مما أتاح فرصاً لتبادل ثقافي ولغوي وروحي ظلّ ممتداً عبر القرون. ورغم اختلاف الخصوصيات الحضارية لكل منهما، فإن بينهما وشائج قربى واضحة تتجلى في اللغة والبنية الجمالية والموضوعات الفكرية والإنسانية.

أولاً: الجذور اللغوية المشتركة

تنتمي العربية والأمهرية إلى العائلة اللغوية السامية، وإن تفرعت كل منهما في مسار مستقل؛ فالعربية من السامية الوسطى، بينما تنتمي الأمهرية إلى السامية الإثيوبية الجنوبية. هذا الانتماء المشترك أفرز تقاطعات لغوية في البنية الصرفية وبعض الجذور والمعاني، كما تسربت إلى الأمهرية مفردات عربية عبر الدين والتجارة والتواصل التاريخي.

ثانياً: التأثير الحضاري والثقافي

أسهمت حركة التبادل عبر البحر الأحمر في نقل كثير من المفاهيم الثقافية بين العرب والحبشة. وقد دخلت إلى اللغة الأمهرية مفردات عربية في مجالات متعددة مثل الدين والتجارة والحياة الاجتماعية، كما تأثر الأدب الأمهري ببعض الأغراض الأدبية المعروفة في الأدب العربي مثل الحكمة والمديح والرثاء، إلى جانب تشابه في الرؤية الأخلاقية والإنسانية.

ثالثًا: أوجه الشبه الأدبية

١. النزعة الحكمية:

يحتل البعد الحكمي مكانة بارزة في كلا الأدبين، حيث نجد في الشعر العربي لدى شعراء مثل المتنبي وأبو العلاء المعري نزعة تأملية فلسفية، وهي نزعة تقابلها في الأدب الأمهري نصوص شعرية وأمثال تحمل رؤى أخلاقية عميقة.

٢. الشفاهية والإيقاع:

نشأ الأدبان في بيئات شفاهية تعتمد على الإنشاد والرواية، مما جعل الإيقاع والتكرار والصور السهلة الحفظ عناصر أساسية في بنية النص الشعري.

٣. الرمز والتلميح:

يعتمد الأدب العربي على الكناية والتورية والرمز، بينما يشتهر الأدب الأمهري بأسلوب “الشمع والذهب”، الذي يقوم على ازدواجية المعنى بين الظاهر والباطن، وهو قريب في روحه من التراكيب البلاغية العربية.

٤. الشعر الغنائي

في كلا التقليدين يمتزج الشعر بالغناء، حيث لا ينفصل النص عن الأداء الصوتي، مما يمنحه طابعًا احتفاليًا ووجدانيًا حيًا.

٥. موضوعات الهوية والبطولة

يحضر الفخر والدفاع عن الأرض والهوية في الشعر العربي القديم، كما يظهر في الأدب الأمهري في سياق تاريخ الممالك الإثيوبية وصراعاتها وتجاربها الوطنية.

رابعاً: أوجه الاختلاف

على الرغم من هذه التقاطعات، يحتفظ كل أدب بخصوصيته:

الشعر العربي يقوم على نظام العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي، بينما لا يخضع الشعر الأمهري لنظام وزني مماثل.

تتأثر الصور الشعرية في الأدب العربي غالبًا بالبيئة الصحراوية، بينما يغلب على الأدب الأمهري حضور الطبيعة الجبلية والأنهار والأمطار.

يرتبط التراث الأدبي الأمهري بالكنيسة الإثيوبية ولغة الجعزية، بينما ارتبط الأدب العربي بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية.

خاتمة:

يمكن القول إن العلاقة بين الأدب العربي والأدب الأمهري ليست علاقة تأثير أحادي، بل هي علاقة تفاعل تاريخي وثقافي نشأت في فضاء البحر الأحمر المشترك. وقد أفرز هذا التفاعل تقاطعات في اللغة والرمز والموضوعات، مع احتفاظ كل أدب بخصوصيته الجمالية ورؤيته للعالم. ومن هنا تتجلى أهمية دراسة هذا التواشج بوصفه نموذجاً للتعدد داخل وحدة التجربة الإنسانية، ولحوار الثقافات في أعمق تجلياته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

إذا أردنا التزوّد من الشعر الكهلاني، فإننا لا نقصد مدرسة شعرية قائمة بذاتها بقدر ما نقصد ذلك التراث الشعري الذي نشأ في أوساط القبائل الكهلانية الكبرى، مثل عمرو بن عامر وقبائل الأزد وهمدان ومذحج وطيء وكندة، وهي قبائل أسهمت إسهاماً عظيماً في بناء الشعر العربي قبل الإسلام وبعده.

وكانت قبائل كهلان من أغزر القبائل العربية شعراً، حتى إن كثيراً من كبار شعراء الجاهلية والإسلام ينتسبون إليها، ومن أشهرهم امرؤ القيس والأعشى وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ومالك بن الريب.

خصائص الشعر الكهلاني

أولاً: النزعة القبلية والاعتزاز بالأصل

فالشاعر الكهلاني يرى القبيلة امتداداً لذاته، ويجعل من أمجادها مرآةً لمجده الشخصي، ولذلك يكثر الفخر بالآباء والأنساب والبطولات.

ثانياً: الصلة الوثيقة بالمكان

تظهر الجبال والأودية والنجود والسهول اليمنية في كثير من أشعارهم، إذ كانت الأرض جزءاً من الهوية لا مجرد مسرح للأحداث.

ثالثاً: الحكمة والتجربة

برزت في شعرهم نزعة تأملية عميقة، فامتزج الفخر بالحكمة، والحماسة بالتفكير في تقلّب الأيام.

رابعاً: الجزالة اللغوية

تتسم قصائدهم بقوة السبك وفخامة الألفاظ وبعدها عن التكلف، مع ميل إلى التصوير الحسي المستمد من البيئة العربية.

نماذج من الروح الكهلانية

يقول الفارس الشاعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي:

إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ

وجاوزه إلى ما تستطيعُ

وهو بيت تحوّل إلى حكمة عربية خالدة تجمع بين الواقعية والعزم.

ومن شعر الفخر الكهلاني ما ينسب إلى قبائل همدان ومذحج وطيء من الاعتزاز بالمجد الموروث:

نحنُ بنو المجدِ الذي لا ينثني

والموتُ عندَ الوغى لنا ميدانُ

وإن كانت مثل هذه الأشعار قد وصلتنا في روايات متفرقة، فإنها تكشف عن روح الشجاعة والكرامة التي وسمت الأدب الكهلاني.

الشعر الكهلاني في نظر نشوان الحميري

ومن أعمق من تناول تراث كهلان شعراً ونثراً العلامة اليمني نشوان بن سعيد الحميري، فقد رأى أن القبائل الكهلانية كانت من أهم روافد العربية الفصحى، ودافع عن مكانة اليمن في بناء الحضارة العربية واللغة والشعر، واحتج بأشعار القبائل اليمنية على فصاحة العربية وأصالتها.

خلاصة

الشعر الكهلاني ليس مجرد شعر قبائل، بل هو سجلٌّ تاريخي وثقافي وحضاري يحمل ذاكرة اليمن القديمة وامتدادها العربي. وفيه تلتقي البطولة بالحكمة، واللغة بالتاريخ، والإنسان بالمكان. ومن أراد فهم الروح العربية الجنوبية في أصفى تجلياتها، فليقرأ شعر كهلان كما يقرأ نقشاً قديماً على صخرةٍ من جبال اليمن؛ إذ تتكلم الحروف هناك بلسان التاريخ، ويتكلم التاريخ بلسان الشعر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عند محمود درويش

تمثل تجربة محمود درويش إحدى أكثر التجارب الشعرية العربية المعاصرة ثراءً من حيث إنتاج المعنى وتشكيل الصورة الشعرية. فقد استطاع أن يحوّل القصيدة من خطاب مباشر إلى فضاء دلالي مفتوح تتفاعل فيه الرموز والأساطير والتناصات الثقافية، لتصبح الصورة الشعرية أداةً معرفية وجمالية في آن واحد. وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن آليات بناء المعنى في شعر درويش، وتحليل العلاقة الجدلية بين الصورة الشعرية والبعد الدلالي، من خلال مقاربة أسلوبية تأويلية تستند إلى تحليل عدد من النماذج النصية المختارة من أعماله الشعرية.

مقدمة

يشكل محمود درويش ظاهرة شعرية استثنائية في الأدب العربي الحديث؛ إذ تجاوزت تجربته حدود التعبير الوطني والقومي لتصبح مشروعًا جماليًا وإنسانيًا متكاملًا. وقد انشغل النقاد بدراسة شعره من زوايا متعددة، غير أن العلاقة بين جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية تظل من أكثر القضايا النقدية عمقًا؛ لأن المعنى عند درويش لا يُمنح جاهزًا، بل يتولد من شبكة معقدة من الصور والاستعارات والرموز والإيحاءات.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من كون الصورة الشعرية لدى درويش ليست عنصرًا زخرفيًا، بل هي بنية دلالية تؤسس رؤية الشاعر للعالم والوجود والذات والآخر. ومن هنا تتجلى ضرورة دراسة الكيفية التي تتشكل بها الصورة، وكيف تنتج طبقات المعنى داخل النص الشعري.

إشكالية البحث

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

كيف تسهم الصورة الشعرية في إنتاج جماليات المعنى في شعر محمود درويش؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:

ما الخصائص الأسلوبية للصورة الشعرية عند محمود درويش؟

كيف تتحول الصورة إلى أداة لإنتاج الدلالة؟

ما دور الرمز والتناص في تعميق المعنى الشعري؟

كيف تسهم البنية اللغوية في تشكيل الأفق التأويلي للنص؟

فرضيات البحث

تقوم الصورة الشعرية عند درويش بوظيفة معرفية تتجاوز البعد الجمالي.

يتشكل المعنى عبر تفاعل الرمز والاستعارة والتناص داخل النص.

تعتمد شعرية درويش على الانفتاح الدلالي وتعدد مستويات التأويل.

تسهم البنية الإيقاعية واللغوية في إثراء الصورة وتعميق أثرها الجمالي.

منهج البحث

تعتمد الدراسة المنهج الأسلوبي التحليلي، مع الإفادة من المنهج التأويلي في استكشاف مستويات المعنى الكامنة خلف البنية اللغوية والصورة الشعرية، بالإضافة إلى الاستفادة من بعض مفاهيم النقد الحديث ونظرية التلقي.

الإطار النظري: جماليات المعنى والصورة الشعرية

يرى النقاد المحدثون أن الشعر لا يقوم على المعنى المباشر، بل على المعنى المتولد من العلاقات الداخلية بين عناصر النص. وقد أشار الناقد الفرنسي رولان بارت إلى أن النص الأدبي فضاء تتعدد فيه الدلالات ولا يستقر على معنى واحد.

أما الصورة الشعرية فتُعدُّ، وفق رؤية غاستون باشلار، جوهر التجربة الشعرية ومصدر طاقتها التخييلية. وهي ليست انعكاسًا للواقع، بل إعادة تشكيل له وفق رؤية جمالية جديدة.

وفي الشعر الحديث، أصبحت الصورة بنية معرفية قادرة على إنتاج الرؤى الفكرية والوجودية، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة محمود درويش.

أولًا: الصورة الشعرية بوصفها مولدًا للمعنى

تتجاوز الصورة الشعرية عند درويش الوظيفة البلاغية التقليدية لتصبح وسيلة للكشف عن الوجود الإنساني.

في قوله:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

تتحول الأرض من مفهوم جغرافي إلى رمز كوني يحتضن قيم الجمال والحرية والحب.

إن الصورة هنا لا تصف الأرض، بل تعيد إنتاجها بوصفها مركزًا للمعنى الإنساني. ويتولد الجمال من المفارقة بين واقع القهر الذي يعيشه الفلسطيني وبين احتفاء الشاعر بالحياة.

وهكذا تتأسس الدلالة على التوتر بين الواقع والحلم، وبين الفقد والأمل.

ثانيًا: جدلية الرمز وتكثيف الدلالة

يعتمد درويش بصورة لافتة على الرمز بوصفه أداة لتوسيع المجال التأويلي للنص.

فالزيتون، والخبز، والأم، والبحر، والعصافير ليست مجرد مفردات طبيعية، بل تتحول إلى علامات ثقافية وحضارية.

يقول:

"وأحن إلى خبز أمي"

فالخبز هنا لا يدل على الطعام فقط، وإنما يحيل إلى منظومة من القيم المرتبطة بالهوية والذاكرة والانتماء.

وتتضاعف الدلالة عبر الاقتصاد اللغوي الذي يجعل الرمز قادرًا على حمل معانٍ متعددة في آن واحد.

ثالثًا: التناص وبناء الصورة المركبة

يُعد التناص من أبرز السمات الأسلوبية في شعر محمود درويش، إذ تتداخل النصوص الدينية والأسطورية والتاريخية داخل بنيته الشعرية.

فنجد استحضار شخصيات مثل يوسف، وأيوب، وعنترة، وجلجامش، وأوديسيوس.

ولا يأتي هذا التناص على سبيل الزينة الثقافية، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى.

فعندما يستدعي شخصية يوسف عليه السلام، فإنه يعيد بناء مأساة المنفى والاغتراب في سياق فلسطيني معاصر، مما يفتح النص على مستويات دلالية جديدة.

وبذلك تتحول الصورة الشعرية إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والثقافات.

رابعًا: جماليات الانزياح اللغوي

يقوم شعر درويش على انزياحات لغوية كثيفة تجعل اللغة نفسها موضوعًا للشعر.

يقول:

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا"

فالتركيب اللغوي البسيط يخفي وراءه شبكة من الإيحاءات المرتبطة بالصراع الوجودي.

إن الانزياح هنا لا يكمن في المفردات فحسب، بل في طريقة تركيبها داخل السياق الشعري.

ومن خلال هذه الانزياحات تتولد دلالات جديدة تجعل النص مفتوحًا على احتمالات تأويلية متعددة.

خامسًا: الصورة الوجودية ورحلة البحث عن الذات

يتجاوز درويش البعد الوطني إلى أسئلة الوجود الكبرى: الموت، الزمن، الهوية، المصير.

وفي مجموعته "الجدارية" تتكثف هذه الرؤية بصورة واضحة، حيث تتحول القصيدة إلى حوار فلسفي مع الموت.

فالصورة الشعرية لم تعد تمثل الواقع الخارجي، بل أصبحت تمثل قلق الإنسان أمام الزمن والفناء.

وهنا تتجلى شعرية المعنى في قدرتها على الجمع بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والتجربة الإنسانية الكونية.

نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

تمثل الصورة الشعرية الركيزة الأساسية في بناء المعنى عند محمود درويش.

تتسم صور درويش بالتكثيف والانفتاح الدلالي والتعدد التأويلي.

يسهم الرمز والتناص في إثراء المعنى وتوسيع آفاق القراءة.

تتجاوز الصورة الوظيفة الجمالية لتؤدي دورًا معرفيًا وفلسفيًا.

تعتمد شعرية درويش على جدلية الحضور والغياب، والواقع والحلم، والذات والآخر.

تشكل اللغة الشعرية فضاءً ديناميكيًا لإنتاج المعنى لا مجرد وسيلة لنقله.

خاتمة

تكشف رحلة البحث في فضاءات جماليات المعنى وتشكّل الصورة الشعرية عند محمود درويش عن مشروع شعري استثنائي استطاع أن يزاوج بين الحس الجمالي والرؤية الفكرية. فالصورة عنده ليست انعكاسًا للعالم، بل إعادة خلق له، والمعنى ليس معطى جاهزًا، بل تجربة تأويلية متجددة تتشكل مع كل قراءة جديدة.

ومن هنا تكمن فرادة درويش في قدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء إنساني مفتوح، تتجاور فيه الذاكرة والأسطورة والتاريخ والحلم، فتغدو الصورة الشعرية طريقًا لاكتشاف الذات والعالم معًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

المراجع العربية

أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة.

الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

درويش، محمود. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: رياض الريس.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعري. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. في نظرية النص الأدبي. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

المسدي، عبد السلام. الأسلوبية والأسلوب. تونس: الدار العربية للكتاب.

صلاح فضل. أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة: دار الشروق.

عز الدين إسماعيل. الشعر العربي المعاصر وقضاياه. القاهرة: دار الفكر العربي.

المراجع الأجنبية

Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Boston: Beacon Press.

Barthes, Roland. The Pleasure of the Text. New York: Hill and Wang.

Ricoeur, Paul. The Rule of Metaphor. Toronto: University of Toronto Press.

Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. Oxford: Blackwell.

Culler, Jonathan. Literary Theory: A Very Short Introduction. Oxford University Press.

Genette, Gérard. Palimpsests: Literature in the Second Degree. University of Nebraska Press.

حين تصير الحساسية مِلاكَ الحُكم الجمالي

ليس النقد الأدبي علماً يُدار بمسطرة المنهج، ولا هو صنعة محايدة تُفرز الجمال كما تفرز الفيزياء الكتلة أو تزن الرياضيات المعادلات. بل هو، في جوهره، فنٌّ يقيس بالفؤاد، ويحكم بالذوق، ويتكئ على الحساسية بوصفها مرآة النفس وقدرتها على استقبال الإشعاعات الخفية التي لا يلتقطها العقل وحده. من هنا، يغدو الادّعاء بأن النقد الأدبي موضوعيّاً كالهندسة أو الكيمياء، خيانة لطبيعته الوجدانية، وتجريداً له من جوهره الحيّ.

لذا نبحث هنا عن الحساسية لا المنهج. وهو مفتاح الدخول إلى عوالم الأدب.

إنّ كلّ أثر أدبي، إذا ما جرّدناه من أثره فينا، من رعشته في أوتار وجداننا، غدا نصّاً ميتاً، حبراً على ورق. فليس النص الأدبي ما يُكتب، بل ما يُوقظ، ما يُلامس، ما يهزّ القارئ في منطقة لا يصلها سوى الفن. في هذا المستوى، يغدو النقد الأدبي استجابةً قبل أن يكون تحليلاً، ارتجافةً شعورية قبل أن يكون مقاربة تقنية.

لأنّ الحساسية تلك القدرة الغامضة على التنبّه لما يتوارى خلف الحروف، لما لا يُقال، لما يُوشك أن يُلمَح ، هي جوهر ما به يحكم الناقد الجمالي على العمل، وهي وحدها القادرة على إدراك "النفَس" في النص، ذلك النسغ الخفي الذي يُضفي عليه الحياة. ولهذا، فإن الناقد، وإن تمرّس بالمناهج، يبقى طفلاً أمام الجمال إذا فقد الحساسية، وإذا جفّت فيه عروق الذائقة.

كون الذائقة كقوة استبطان وانحياز نبيل. فالذائقة ليست مزاجاً عابراً ولا محض تفضيل شخصي، بل هي حصيلة تراكم، وخلاصة ترقٍّ في القدرة على التلقي. إنها ذلك "الميزان الداخلي" الذي به تُوزن الأشياء لا بحسب ما تظهر عليه، بل بحسب ما تختزنه من عمق، من صدق، من توهّج. والذائقة الرفيعة هي الحساسية حين تنضج، حين تصبح قادرة على اقتناص المدهش في الخفي، وعلى تمييز النفيس من بين ركام المتشابه.

من هنا، لا يُعرض الأدب على الذائقة لأنّها تحكم تعسّفاً، بل لأنها تختزن خبرة الروح، وتمثّل ذروة التطوّر في التلقّي. وما قيمة أي عمل أدبي، إن لم يكن له أن يتسلل إلى الذائقة، أن يهزّها، أن يترك فيها أُثراً كأثر الحلم حين يوقظ ما كان نائماً في أعماق النفس؟

 النقد بين نزعة التفسير ورهبة التذوّق. لقد سعى بعض النقّاد إلى صبّ الأدب في قوالب صارمة من التحليل المنهجي، فأخضعوا النصوص لأبجديات بنيوية، أو قرأوها بعدسة تاريخية، أو سلطوا عليها مناهج تفكيكية، ظانين أن الفهم وحده يكفي، وأن التحليل قادر على الكشف. بيد أن النص الأدبي، في جوهره، لا يُفهم فحسب، بل يُحَسّ، ويُعاش، ويُكابد. وكم من تفسير أطفأ وهج القصيدة، وكم من تحليل حوّل الرواية إلى معادلة باردة!

إنّ النقد حين يغدو تفسيراً محضاً، يتحوّل إلى خطاب ثانٍ يبتعد عن روح النص، وربما يخونه. أما حين يكون تذوّقاً، استبطاناً، إنصاتاً للذبذبات الدقيقة في نسيج اللغة، فإنه يُنصف الأدب، ويعيد له مقامه بوصفه كياناً حيّاُ لا مجرد موضوع للتحليل.

من هنا كانت الذات كمرآة للمعنى، لا نقد بلا انفعال. فكلّ نقد، في نهاية المطاف، هو شهادة ذاتية. لا بمعنى العشوائية أو المزاجية، بل بمعنى أن الناقد، وهو يتفاعل مع النص، يكشف عن نفسه بقدر ما يكشف عن النص. ولئن كان كلّ علم يسعى إلى الموضوعية عبر نزع أثر الذات، فإن النقد الأدبي يبلغ ذروته حين تحضر الذات، لا بوصفها حاجزاً، بل بوصفها وسيطاً.

إنّ الذات القارئة هي التي تمنح للنص حياته الثانية. وهي  في لحظة نقد تصير صدىً لما فيه من نبض. ومن هنا، فإن الاختلاف بين النقّاد ليس دليلًا على ضعف النقد، بل على قوته: إذ تتعدّد القراءات بتعدّد الحساسيات، وتتلوّن الأحكام بتنوّع الذوائق.

لذا فالشهرة لا تبرّر القيمة، والحكم للذوق لا للصيت. فكم من عمل أدبيّ شاعت شهرته، لكنه فارغ كقنينة لامعة؟ وكم من نصّ مهمل ظلّ صامتاً حتى تبنّته ذائقة أصيلة فبعثته إلى الحياة؟ إنّ المعيار في الأدب ليس الصدى، بل الصدق. وما من شيء أصدق من ذوق ناضج، حرّ، لا تشتريه الجوائز، ولا تُغويه الموضة.

ولذا، يظلّ العرض على الذوق هو المعيار الأصيل. ما قبله فهو خليق بالبقاء، ولو كُتب في ظلمة العزلة، وما رفضه فمصيره الذبول، حتى وإن تُوِّج بتصفيق المجامع وشُهر في المعارض. فإنّ الذائقة الحقّة لا تُخدع، لأنها لا تتعامل مع المظهر، بل مع الجوهر.

وهنا تبدو الحساسية بوصفها فنّاً للحكم وسرّاً في الرؤية.

النقد الأدبي، في مآله الأصفى، ليس علماً يُصنّف النصوص وفق معايير ثابتة، بل فنّاً ينصت إلى نغمة خفيّة في عمق الكلمة، ويكشف عن المعنى حيث لا يراه سواه. هو فنّ الإصغاء للحياة وهي تنبض في اللغة، وفنّ الحكم لا بالمنطق الصارم، بل بالذوق المُصفّى، والوجدان المفتوح، والروح المُدرّبة على الانفعال الصادق.

إن الحساسية الجمالية، بما هي اشتعال داخليّ واستجابة متوهّجة، تظلّ مناط القيمة في النقد. ومن لا يمتلكها، فليتأدب بالصمت أمام النصوص التي لا تُكاشف إلا من استوفى شرط الذائقة، ومن أعدّ ذاته لأن تكون وعاءً لرعشة الجمال، لا مختبراً لإطفائها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من أوائل مبادرات الانسجام في المنظور السريالي إعطاءُ الذات حقيقتها الانطلاقيّة؛ أي إطلاقها وعدم الوقوف أمام تحوّلاتها من اليومي إلى الأحلام المتباعدة. ومن هنا تتجلّى حقيقة العمل الباطني والمكبوتات عبر تصوّراتٍ عديدة لا حصر لها. وقد يكون تكتّل هذه التصوّرات نتيجة تراكماتٍ حياتيّة بعيدة المدى، بدأت مع التحوّلات الأولى في الشعريّة. ومع نتائج متعدّدة أخذت بالظهور، بدأ الوعي الذاتي يتشكّل من خلال اللاوعي، لتنشأ حالاتٌ مفتوحة يتّجه همّها نحو السرياليّة وكيفيّة الاشتغال تحت مظلّة هذا المنظور.

غير أنّ الإعاقات التي تعترض مثل هذه الأعمال تتمثّل في سيطرة اليوميّ التقليدي على العقل الشعري؛ فتموت الذات في لحظة نشوتها، ثم تعود إلى حالةٍ من النشاط المتجدّد لأسبابٍ عدّة، من بينها حريّتها وعدم تكبيلها، وانفتاحها على العالم، وعدم حصرها في اليوميّ والمحليّ والتقليديّ المكرّر.

ولعلّ من أبرز الأسباب التي تجعل السرياليّة على تماسّ دائم مع الشاعر عفويّة الكتابة، والسخرية من المنظور المباشر الذي يقوم على عاداتٍ يوميّة تقليديّة غير قابلة للتجدّد. وقد تنشأ دعوات الشكّ من هذه الصيرورة المفروضة على كثيرين؛ لذلك تنحاز السرياليّة إلى عالمٍ غير مطروق، عالمٍ يعتمد العمل الخفيّ لإظهاره عبر الشعريّة. وهي، في هذا السياق، تؤمن بما وراء الواقع، وترى أنّ أمراض العصر تنبع من واقعٍ مهيمنٍ يفرض حضوره اليومي على الجميع.

وسنتطرّق إلى مفهوم التحرّر بأنواعه، لإقامة بعض العلاقات المهمّة بين المنظور الفلسفي وامتداداته اليوميّة، وبين تقنيّاته في ما يُعرف بالكتابة الآليّة:

التحرّر الذاتي:

تتمثّل العلّة الكامنة في الذات في تخلّيها عن السائد المتطابق مع الحياة اليوميّة؛ لذلك يُعدّ تحرّر الذات من أوائل المهامّ المتواصلة، عبر الابتعاد عن الرقيب الذي يقيّد الفعل الإبداعي، سواء أكان رقيباً ذاتيّاً مهيمناً أم رقيبَ سلطةٍ يفرض قناعاته على التحوّلات الجارية. وتُعدّ هذه من أخطر المواجهات التي تواجه السرياليّة، إذ تعمل على تحرير البيئة الذاتيّة.

تحطيم الذات:

لا يستطيع الشاعر السريالي بلوغ أفق السرياليّة قبل تحطيم ذاته وتحريرها من السيطرة والرقابة؛ فالذات تمتلك تأمّلاً كونيّاً، وتصوغ لنفسها عالماً خارج المنظور الواقعي، هو عالم التحرّر الذاتي من كلّ إعاقة قد تواجهها.

تحرّر الرقيب:

تغدو كتابة الشاعر السريالي قوّةً لنفي الرقيب السلطوي، ومبادرةً لتغيير الذات الاعتياديّة التي تشكّل حاجزاً أمام التحرّر؛ أي إخراج الجمرة من بين الرماد. وهنا يتجلّى العمل التلقائي، والآليّة الكتابيّة المطلقة، بوصفهما فعلين حرّين غير خاضعين لأيّ أيديولوجيا. ومن ثمّ يصبح التحرّر شاملاً لا جزئيّاً، ويغدو العمل السريالي الأبَ الروحيّ للشاعر. (مَثل الصور السريالية كمثل صور الأفيون التي لايعود الإنسان يستحضرها « يقول بودلير: بل تأتيه من ذاته، تلقائية طاغية. إنّه لايستطيع صرفها، إذ تغدو الإرادة لا قوة فيها ولا سيطرة لها على القوى. – أندريه بريتون - بيانات السريالية – ترجمة: صلاح برمدا – ص 55).

تحرّر الرؤية:

قد تكون الرؤية الخياليّة مقيَّدةً نتيجة عوامل بيئيّة مُحاكة من قِبَل الآخر، وقد تكون شبه غائبة بسبب تراكمات الضيق الخارجي، إذ تؤثّر هذه العوامل في رؤية الشاعر وتقيّد حركتها، ولا سيّما في الأمكنة التي يرصدها أو البيئة التي ينتمي إليها. لذلك، فإنّ التحرّر الذي ندعو إليه يشبه تحرّر السجين من سجّانه؛ فعندما يطالب الشاعر بطموحاته، ويرفض الالتزام بأيديولوجيا معيّنة تقيّد رؤيته، تصبح الحرّيّة والهدوء النفسي من متطلّبات الكتابة اليوميّة، ومن ضرورات توجيهاته التقنيّة والنوعيّة.

وعندئذٍ تغيب الأحكام المفروضة على العقليّة الشعريّة التي تسعى إلى السباحة في فضاء التحرّر والتنفس الطبيعي؛ لذلك يستمدّ كلّ تصوّرٍ ذاتي رؤاه من فعل المتخيّل. وبما أنّنا نعيش في واقعٍ يتداخل فيه اللاعقلاني، فإنّ الشاعر يتجاوز المألوف ليحوّله إلى اللامألوف، وهذه هي حكمة العمل السريالي في المنظور القصائدي.

التحرّر النفسي:

تتمثّل مسألة التحرّر النفسي في إطلاق الذات المتحرّرة ومنح الأحلام التي تنتاب النفس قيمةً تصويريّة، ولا سيّما تلك الأحلام العالقة التي لا تتشابه فيما بينها؛ لذلك يُعدّ الخروج عن الأعراف والابتعاد عن المألوف خيرَ سبيلٍ لتحقيق التحرّر النفسي. (السريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعيّة، ومن النزعة العقلانيّة، ومن جميع أشكال الروابط التي يفرضها عالمٌ نفعي. وهو يدعو إلى التمرّد ضدّ الواقع، وضدّ قيود العادة والامتثال، وإلى الإطاحة بكلّ القيود المسلَّم بها. – السرياليّة في عيون المرايا، ص 77، ترجمة وإعداد: أمين صالح).

ومن خلال هذه الدعوة إلى الحرّيّة، نلاحظ أنّ هيمنة العشيرة في بعض المجتمعات ما تزال سارية المفعول، إلى جانب التسلّط العائلي وهيمنة واقعٍ متخلّف يواجه الشاعر بشكلٍ يومي. ومن هنا تنشأ لدى السريالي دوافع عميقة لاستدعاء الحبّ والأمل والتأمّل، والعمل على إزالة كلّ ما يعيق حريّته النفسيّة، لكي يتمكّن – ولو جزئيّاً – من الكتابة برغبةٍ فاعلة، ومن ترجمة أحلامه إلى نصٍّ شعري.

النسق السائد:

إنّ النسق السائد في اللوائح السرياليّة يتمثّل في فعل المتخيَّل والتخييل والخيال، وكذلك اللاشعور؛ وتحتلّ التلقائيّة المساحة الأوفر في قرار الاقتراب من التقنيّة السرياليّة، وهو القرار الصائب للتغلغل في عماد النصّ والاندماج بين عناصره. فطالما أنّ التصوّرات التي تزرعها الذات الحقيقيّة تمتلك فضاءها الخاصّ ضمن المفهوم النصّي، فإنّ ما يتبدّى أمامنا هو الثقافة السرياليّة بمستلزماتها المنظورة؛ وأوّل هذه المستلزمات عنصر الرغبة، كما وصفها فرويد بأنّها العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوّة جاذبيّته.

لقد بات من الضروري إزالة الأنساق التقليديّة التي تُعدّ من المسلّمات المتداولة، والتي يتجلّى فيها التكرار غير المنتج؛ علماً بأنّ الشعريّة تستوعب مختلف الخصائص المنسوبة إليها، غير أنّ هذه الخصائص لا تبلغ كلّها ذروتها في سلطة النصّ الجديد. ومن هنا يمكن مقاربة بعض الأنساق ضمن المنظور الفلسفي، مثل المجاورات والروابط الفاعلة التي تمتلك أثراً ديناميكيّاً في فعل الإثارة، بوصفه أحد الأنساق المثيرة للجدل، والقادر على إحداث تبادلات مع العناصر المنشِّطة للنصّ الحديث.

وينفصل النسق، في هذا السياق، عن العالم الخارجي؛ إذ تتحوّل المعيشة إلى تجربة داخليّة – بيتية – إلّا في حدود بعض العلاقات التي تُطلّ على الشاعر عبر نافذةٍ تنفّسية. وهكذا تغدو تجربة الدواخل تجربةً نفيسة، تحمل في طيّاتها مبدأ الـ«أنا» أيضاً؛ وقد تكون هذه الـ«أنا» داخليّة، وقد تكون خارجيّة، غير أنّ حضورها الخارجي يظلّ محدوداً. ومن هنا يمكن القول إنّ القوّة الداخليّة للعمل النصّي، ضمن المنظور السريالي، هي القوّة الأكثر فاعليّة، إذ تتفاعل مع العناصر الذاتيّة والعقليّة، وتنعكس آثارها في قوّة النصّ الشعري. وما العلاقات المُعلنة إلا علاقات تفرضها الذات الحقيقيّة الساعية إلى التحوّل.

إعادة التشكيل:

من الظواهر التي تواجهنا التقنيّة السائدة والتقنيّة التقليديّة، وهما أداتان في حالة صراعٍ دائم. غير أنّنا، ما دمنا نؤمن بالهدم والبناء، فإنّ السعي إلى ابتكار تقنيّات وتشكيلاتٍ جديدة للنصّ الحديث يُعدّ من القدرات الفاعلة التي يمارسها الشاعر. ويُعدّ تجاوز العقل المنظَّم وتحويله إلى عقليّةٍ شعريّة من المهام التي تستوعب كلّ ما تراه العين وما تسمعه الأذن. ومن خلال هذا المنطق، نلاحظ أنّ هناك خزائن متعدّدة تتجمّع فيها الخبرات والتجارب لتُنتج نصّاً من طرازٍ مختلف.

ويبقى مبدأ الاختلاف، وإن بدا بسيطاً، حاضراً ضمن السياق المتواصل للغة؛ إذ تغدو اللغة، في حالتها المتشكّلة والمؤهّلة، قادرةً على اكتساب طبيعتها الشعريّة. (تذهب اللسانيّات الإدراكيّة إلى أنّ اللغة ليست نتاج بنى خاصّة في الدماغ، وإنّما هي نتاج كفاية إدراكيّة عامّة يستعملها البشر في تفكيرهم، من أجل صياغة تصوّراتٍ لمختلف جوانب الواقع وتجاربهم فيه. وقد أسفر ذلك عن لفت الانتباه إلى ضرورة فحص العلاقة بين اللغة في الاستعمال الأدبي واللغة في الاستعمال التواصلي المعتاد، وكذلك إلى دراسة ظواهر لغويّة معيّنة، مثل اللغة التخيّليّة، التي لم تعد تُفهم بوصفها نتاج آليّات خاصّة أو موهبة إدراكيّة حِكراً على مبدعي الأدب. – مجلة فصول، ملفّ الإدراكيّات، العدد 100، ص 142، لارزيا بيليخوفا، ترجمة وتقديم: محي الدين محسب).

ومن خلال ذلك، يمكن القول إنّ للنصّ ثقله الشعري، وهو يقودنا إلى اتجاهاتٍ متعدّدة، من بينها الاتجاه السريالي، الذي لا يُقدَّم بوصفه رسالةً مباشرة، بل بوصفه تجلّياً لقلقٍ متجدّد يسعى الشاعر من خلاله إلى الذوبان خارج المألوف. ومن رغبات الباث الحقيقية ترسيم الأحلام، بوصفها الوسيلة القادرة على تخفيف هذا القلق، وفتح أفقٍ فلسفي داخلي ما إن يتجلّى حتى يعلن استقلاله.

فالاستقلال النصّي يُعدّ مطلباً أساسياً في العمل الأدبي، لكي يحقق أسلوبيّة غير مكرّرة؛ ومن هنا تبرز اللغة التخيّليّة بوصفها عنصراً فاعلاً في البنية النصّية. وفي الوقت نفسه، نلاحظ أنّ الانحدار التصويري الذي يواجهنا يصدر عن لغةٍ عليا، بحيث تتشكّل الوحدات اللغويّة المطلقة في صيغٍ جديدة تمتلك خصوصيّتها وعلاقاتها داخل النصّ الشعري.

وفي بعض الأحيان، يُعاد النظر في مفهوم القصديّة في المنظور النصّي الجديد؛ فالعلاقات التي نعنيها هي تلك التي تتشكّل خارج الوعي المباشر، حيث ينهض العقل الباطني ليتفاعل مع العقليّة الشعريّة، مُنشئاً مساحةً مشتركة بينهما. ومن هنا، تغدو السرياليّة دافعاً للشاعر نحو الاندماج في هذه المساحة، بوصفها أحد متطلّبات اللامحدود في العمل السريالي.

***

كتابة: علاء حمد

يأتي نص "مومس تائبة" للشاعرة مجيدة محمدي بوصفه اعترافًا شعريًا كثيفًا، لا يقف عند حدود الحكاية المباشرة لامرأة أنهكتها الخطيئة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة إنسانية عميقة حول الجوع الروحي، والعزلة، وإمكان الخلاص. فالعنوان نفسه يفتح منذ البدء أفقًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يجمع بين مفردتين متقابلتين: "المومس" بوصفها رمزًا للسقوط الاجتماعي والأخلاقي في المخيال الجمعي، و"التائبة" بوصفها وعدًا بالتطهر واستعادة المعنى. ومن هذا التوتر بين القاع والأفق يتولد النص كله.

تبدأ الشاعرة بصورة جارحة:

"هذا الليل يأكل من خاصرتي، كما تأكل النار آخر أوراق الخريف."

فالليل هنا ليس ظرفًا زمانيًا، بل كائن مفترس يلتهم ما تبقى من الجسد والروح. أما "أوراق الخريف" فهي استعارة لما تبقى من العمر والبراءة والأمل؛ وكأن الذات تقف في فصلها الأخير، تراقب احتراق ما تبقى منها. إنها صورة تجمع بين هشاشة الورق ووحشية النار، لتؤسس منذ السطر الأول مناخ الخراب الداخلي.

ثم تبلغ المأساة ذروتها في قولها:

"لا رغيف لي، سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح."

وهنا يتجلى أحد أجمل الانزياحات في النص؛ فالجوع لم يعد جوعًا بيولوجيًا، بل صار قدرًا وجوديًا معلقًا في أعماق الكيان. إنه جوع إلى الطمأنينة، وإلى الغفران، وإلى الاعتراف بالإنسان المختبئ خلف الوصمة.

وتتوالى الصور في نسق حلمي كابوسي:

"الظلال تتناسل من ظل إلى ظل، كقبيلة من الأسئلة ضلت طريق اليقين."

وهي صورة بالغة الذكاء؛ إذ تحوّل الشكوك والهواجس إلى قبيلة كاملة، تتكاثر وتتيه بعيدًا عن يقين مفقود. فالذات لا تعاني فقط من خطيئة الماضي، بل من عجزها عن العثور على معنى يفسر وجودها ويمنحها السلام.

أما الذئاب الشبقة التي:

"تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة"

فهي ليست مجرد شخوص خارجية، بل يمكن قراءتها بوصفها استعارة للمجتمع الذي لا يغفر، أو للشهوات التي تعاود افتراس الإنسان حتى بعد إرادته التوبة، أو لذاكرة الذنب نفسها حين تتحول إلى مطاردة أبدية. واللافت أن الشاعرة تمنح هذه الذئاب بعدًا كونيًا؛ فهي تدور "كالكواكب"، في إشارة إلى أن الخطيئة تدخل أحيانًا في نظام مغلق من التكرار والقهر يصعب الفكاك منه.

وفي المقطع الذي تقول فيه:

"لا أحد يرتب الفوضى في عيوني، ولا أحد يجمع شظايا النجوم..."

تبلغ الوحدة أقصى تجلياتها؛ فالذات لا تطلب خلاصًا كبيرًا، بل يدًا حانية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية. غير أن النجوم نفسها أصبحت شظايا متناثرة على أرصفة الانتظار، في صورة تجمع بين سمو الحلم وابتذال الواقع، بين السماء والرصيف، بين الأمل المكسور وطول الترقب.

غير أن أجمل ما في النص يكمن في نهايته؛ إذ لا تستسلم الذات تمامًا للخطيئة التي:

"تقدم لي كأسها المعتمة..."

فالخطيئة هنا تتكلم، وتغوي، وتبشر باليأس، لكنها تُواجَه بابتسامة معرِضة:

"فأبتسم لها، معرضة، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي..."

إنها نهاية مفتوحة على مفارقة مدهشة؛ فالغريق يعلم هشاشته، لكنه لا يفقد حريته الأخيرة في الاختيار. يحيي موجته، لا استسلامًا لها، بل اعترافًا بأنه أدرك حقيقتها ومضى متجاوزًا إياها. ولذلك فإن فعل "أمضي" هو الكلمة الأكثر إشراقًا في النص كله؛ إذ ينقل الشخصية من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن أسر الخطيئة إلى أفق التوبة الممكنة.

لقد نجحت مجيدة محمدي في بناء نص يعتمد على كثافة الصورة، وتشخيص المجردات، والانزياح الدلالي، والإيقاع الداخلي المتولد من تكرار النفي والأسئلة المؤجلة. وهو نص لا يدين امرأة بعينها، بقدر ما يكشف هشاشة الإنسان حين يضيع في متاهة الجوع والخوف والنبذ، ثم يجرؤ – رغم كل شيء – على أن يمضي نحو احتمال الخلاص.

إن "مومس تائبة" ليست قصيدة عن الخطيئة بقدر ما هي قصيدة عن كرامة الروح وهي تحاول النهوض من بين أنقاضها؛ فالتوبة هنا ليست حدثًا دينيًا عابرًا، بل فعل مقاومة وجودية، وانتصار خافت للإنسان على أكثر ظلاله عتمة. وفي هذا يكمن جمال النص وفرادته: أنه يجعلنا نشفق على الساقط، لا لأنه بلا خطيئة، بل لأنه لم يكف عن البحث، وسط هذا الليل الآكل، عن نافذة صغيرة تؤدي إلى الضوء.

***

أ. د. محمد عيسى مهنى - أديب وناقد ليبي

..........................

"مومس تائبة "

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

 سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

 كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...

***

|مجيدة محمدي

في المثقف اليوم