عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

في عالَمٍ يزداد قسوةً كُلَّ يوم، يبدو الإنسانُ أكثرَ هَشاشةً مِمَّا يَظُن. المدنُ تكبر، والضجيجُ يعلو، والتكنولوجيا تتوحَّش، لكن القلبَ البشري يبقى ذلك الكائن المرتجف الذي يخاف الوَحدةَ، ويبحث عن معنى، ويحتمي بالأحلام الصغيرة من الانهيار الداخلي الذي لا يراه أحد. ولعلَّ الأدب هو ذلك الفن القادر على كشف هذه الهشاشة العميقة دُون خَطابة أوْ ضجيج، بلْ عَبْرَ التفاصيل الصغيرة، والعابرين المنسيين، والصمتِ الطويل الذي يسكن الأرواحَ.

مِن بَين الأصوات الروائية المعاصرة التي استطاعتْ أن تلامس هذا الجُرْحَ الإنساني العميق، يبرز اسمُ الروائي السوداني أمير تاج السر (وُلد 1960 م)، والروائي الياباني هاروكي موراكامي (وُلد 1949م). ورغم اختلاف الجُغرافيا والثقافةِ واللغةِ، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة مركزية: الإنسان كائن هَش، وحيد، مُرتبك، يعيش في عالَمٍ أكبر مِن قُدرته على الفهم.

لا يكتب أمير تاج السر عن الأبطال العِظَام،ولا عن الشخصيات المنتصرة.أبطالُه غالبًا كائنات مسحوقة ومنسية، تعيش على هامش الحياة، موظفون بسطاء، مرضى، بائعون، مهاجرون، أشخاص لا يَلتفت إليهم أحد. إنهم بشر يعيشون في الظل، لكنَّ الكاتب يمنحهم فجأةً مركزَ الضوء، وكأنه يقول إن المأساة الحقيقية للعالَم لا تسكن القُصورَ، بل الأزقة المنسية والقُلوب المُتعَبة.

في المقابل، يصنع هاروكي موراكامي أبطالَه بالطريقة ذاتها تقريبًا. رجال عاديون، موظف يستمع إلى الموسيقى وحده، شاب يطهو المعكرونة بصمت، امرأة تختفي بلا تفسير، شخص يمشي في المدينة دون هدف واضح. لكن خلف هذا العاديِّ تختبئ هُوَّةٌ هائلة من القلقِ الوجوديِّ والوَحدةِ والانكسارِ الداخلي.

يُدرك الكاتبان أن الإنسان لا ينهار دائمًا بسبب الحُروبِ الكُبرى أو الكوارثِ العنيفة، بلْ قدْ يتحطم بِبُطء بسبب العُزلة، والرتابة، والخِذلانِ اليَومي، والشعورِ الغامض بأن الحياة تفقد معناها شيئًا فشيئًا.

الوَحدةُ عند أمير تاج السر لَيست مُجرَّد حالة نَفْسية، بل تكاد تكون قَدَرًا اجتماعيًّا. شخصياتُه تعيش وسط الناس، لكنها معزولة عنهم. المُدُنُ مزدحمة، لكنَّ الأرواح فارغة، حتى العلاقات الإنسانية تبدو عاجزةً عن إنقاذِ الإنسان من سقوطه الداخلي. هُناك دائمًا مسافة خَفِيَّة بين البشر، ومساحات باردة لا يستطيع أحد عُبورَها.

أمَّا عِند هاروكي موراكامي، فإنَّ الوَحدة تتحوَّل إلى عالَم كامل. شخصياتُه لا تخاف الوَحدةَ فقط، بلْ أحيانًا تتصالح معها، وتسكنها كما يَسكن الناسُ بُيُوتَهم. الوَحدةُ عنده لَيست غيابَ الآخرين فَحَسْب، بَلْ هي شُعور غامض بانفصالِ الإنسان عن العالَم نَفْسِه. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تتحرك داخل حُلْم طويل، أو داخل نفق نَفْسي لا نهاية له. لكنَّ الفارق الجَوهري أن أمير تاج السر يربط هذه الوَحدةَ غالبًا بالواقعِ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بَينما يجعلها هاروكي موراكامي أزمةً وجودية كَونية، تتجاوز المجتمعَ لتصل إلى معنى الحياةِ ذَاتِه.

يَجمع الكاتبَيْن تَوَتُّرٌ غريب بين الواقعي والغرائبي. في روايات أمير تاج السر، يبدو الواقعُ أحيانًا أكثر عبثية من الخيالِ نَفْسِه. هُناك أحداثٌ غير منطقية، وشخصيات مُشوَّهة نَفْسِيًّا، ومواقف تتأرجح بين السُّخريةِ والكابوس. لكنَّه لا يغادر الواقعَ تمامًا، بلْ يَجعل القارئَ يشعر أن الحياةَ نَفْسَها تَحمل قَدْرًا من الجنونِ الخَفِيِّ.

أمَّا هاروكي موراكامي، فإنَّه يذهب أبعد في هذا الاتجاه. الآبار العميقة، القِطَط المُتكلمة، العوالم المُوازية، الاختفاءات الغامضة، كُلُّها عناصر تَجعل القارئَ غير قادر على الفصلِ بين الحقيقةِ والحُلْمِ. ومعَ ذلك، فإنَّ هذه الغرائبية لَيست هُروبًا من الواقع، بلْ مُحاولة لفهمه. والإنسانُ يعيش داخل مَتاهة نَفْسية يصعب تفسيرها بالعقل وحده. والغرابةُ عند الكاتبَيْن لَيست زينة فنية، بل وسيلة للكشف عن هَشاشةِ الإنسانِ أمامَ عالَم غير مفهوم.

بِحُكم خلفيته الطبية، يمتلك أمير تاج السر قُدرةً استثنائية على تصوير الجسدِ البشري بوصفه مساحةً للألمِ والانهيار. المرض، التعب، الشَّيخوخة، العجز، كُلُّها حاضرة بقوة في أعماله. لكنَّه لا يكتب الجسدَ بطريقة بيولوجية باردة، بلْ يَجعله مِرآةً للروحِ المنكسرة.

يهتمُّ هاروكي موراكامي أكثر بالجِراحِ النَّفْسيةِ غير المرئية، الاكتئاب، الفقد، الذكريات الثقيلة، الانفصال الداخلي. شخصياتُه تبدو سليمة من الخارج، لكنَّها تتآكل من الداخل بصمتٍ قاتل.

ويلتقي الكاتبان حول فِكرة مركزية واحدة: الإنسان هَش، سواءٌ انهارَ جسدُه أوْ رُوحُه، وسواءٌ جاءَ الألمُ من الخارج أوْ مِن أعماقه الخاصَّة. ويُدركان أن الإنسان لا يستطيع النجاةَ دُون قليل مِن السُّخرية، لأنها آخر دفاعاته أمام قَسوةِ العالَم. ومعَ هذا، فَهُمَا لا يُقَدِّمان حُلولًا كُبرى. لا تُوجد نِهايات بُطولية، ولا انتصارات كاملة، ولا يقين مُطْلَق. لكنَّهما يَمنحان القارئَ شيئًا أكثر عُمقًا: الاعتراف بضعف الإنسان، وأنَّ الهشاشة جُزء أصيل من التجربة البشرية. وتبدو الكتابةُ عِندهما كأنها مُحاولة هادئة لإنقاذ الإنسانِ من الغرق الكامل، لَيس عبر القوة، بل عبر الفهم والتأمُّل.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست اللغةُ العربيةُ مجرّدَ أوعيةٍ للألفاظ، بل هي هندسةٌ دقيقةٌ للوعي، تُحمِّلُ الكلمةَ شحنةً نفسيةً وفلسفيةً وأخلاقيةً تتجاوز ظاهرَ المبنى إلى عمق المعنى. ومن الألفاظ التي استوقفت اللغويين والمفسّرين والمتكلّمين والنحاة لفظةُ «ضِيزَى» الواردة في قوله تعالى:

﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

— سورة النجم، الآية ٢٢

وهي كلمةٌ نادرةٌ في الاستعمال، غريبةُ الجرس، كثيفةُ الإيحاء، حتى إنّ غرابتَها الصوتية تبدو مقصودةً لتصوير غرابةِ المعنى واختلالِه. فالقرآن لم يقل: «قسمةٌ جائرة» أو «ظالمة»، بل اختار لفظًا ذا نحتٍ صوتيٍّ حادٍّ، كأنّ الحروفَ نفسَها تحتجُّ على الظلم.

الأصل اللغوي لكلمة «ضِيزَى»

ذهب أئمةُ اللغة إلى أنّ «ضِيزَى» تعني: الجائرة الناقصة غير العادلة. وهي مأخوذة من الفعل:

ضازَ يَضِيزُ ضَيْزاً

أي: جارَ وظلمَ ونقَصَ الحقَّ.

قال ابن منظور في لسان العرب:

«ضازَ في الحكم: جارَ، وضازَه حقَّه: نقصه إيّاه».

وقال الزجّاج:

«القِسمة الضيزى هي القسمة الجائرة التي تميل عن العدل».

فاللفظةُ تدورُ كلّها حول معنى الميل والانحراف عن القسط، لا مجرّد الظلم الخامّ، بل الظلم الذي يُلبَس ثوبَ الشرعية والعقلانية.

البناء الصرفي وإشكاليته

استوقفت كلمة «ضِيزَى» علماءَ الصرف والنحو؛ لأنها جاءت على وزنٍ غيرِ مطّرد في العربية. وقد اختلفوا في أصلها ووزنها.

رأي البصريين:

ذهب نحاةُ البصرة، وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد، إلى أنّ «ضِيزَى» على وزن فِعلى، كـ«ذِكرى» و«بُشرى»، إلا أنها صفةٌ مؤنثةٌ بمعنى الجور.

ورأى بعضهم أنّ الياء فيها منقلبةٌ عن واو، وأصلها «ضُوزى»، لكنّ الواو كُسرت فقُلبت ياءً لمجانسة الكسرة، وفق قوانين الإعلال الصوتي.

وكان البصريون شديدي العناية بالقياس، لذا اعتبروا اللفظةَ شاذةً في السماع، لكنها صحيحةٌ في الاستعمال القرآني، لأنّ القرآن عندهم هو الحُجّة العليا التي يُقاس عليها ولا يُقاس هو على غيره.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون فكانوا أوسعَ قبولاً للسماع وأقلَّ تشدداً في القياس، فرأوا أنّ «ضِيزَى» لفظةٌ عربيةٌ فصيحة جاءت على لهجة بعض العرب، ولا ضرورةَ لتكلّف تأويلات صرفية معقّدة.

وقد ذهب بعضهم إلى أنّ غرابةَ الكلمة مقصودةٌ بلاغيّاً؛ لأنّ العرب كانت تستقبحُ الأصواتَ الثقيلة حين تُستعمل في سياقات الذمّ، فجاءت «ضِيزَى» بجرسٍ حادٍّ متكسّر ليُحاكي قبحَ القسمة نفسها.

وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ يتحوّل الصوتُ إلى موقفٍ دلالي، وتصبح الموسيقى اللغوية جزءًا من المعنى.

«قسمة ضيزى» في السياق القرآني

جاءت الآية في سياق نقد التصوّر الوثني عند عرب الجاهلية، حين جعلوا لله البناتِ — بزعمهم — ولأنفسهم البنين، فقال تعالى:

﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

أي: أيُّ عدلٍ هذا الذي تمنحون فيه أنفسَكم ما تستحسنون، وتنسبون إلى الله ما تستقبحون؟

فالآية ليست مجرّدَ اعتراضٍ ديني، بل نقدٌ عميقٌ لبنية التفكير المنحاز؛ إذ إنّ الإنسانَ حين يُؤسّس القيمَ على الهوى، يتحوّل العقلُ إلى أداةِ تبرير، لا أداةِ حق.

ومن هنا التقى علماءُ الكلام مع اللغويين في فهم هذه الآية؛ لأنّ المسألة لم تعد صرفًا أو نحوًا فحسب، بل أصبحت سؤالًا في العدالة والمعرفة والمنطق.

علماء الكلام ومفهوم «الضيزى»

رأى المعتزلة، الذين جعلوا العدلَ أصلًا من أصولهم، أنّ الآيةَ تحمل إدانةً عقليةً قبل أن تكون دينية؛ لأنّ العقل السليم يرفض التناقض في المعايير.

أما الأشاعرة فركّزوا على فساد القياس العقدي عند المشركين، إذ إنهم نسبوا إلى الله ما لا يرضونه لأنفسهم، وهذا عندهم قمّةُ الاختلال المعرفي.

وقد تنبّه المتكلّمون إلى أنّ «القسمة الضيزى» ليست مجرّدَ ظلمٍ اقتصادي أو اجتماعي، بل هي صورةٌ من صور الانحراف الإدراكي؛ حين يُصبح الإنسانُ أسيرَ الهوى في تعريف الحقيقة نفسها.

وهذا ما يجعل اللفظةَ حيّةً في كلّ عصر؛ إذ ما أكثرَ «القِسمات الضيزى» في السياسة والثقافة والاقتصاد والمعرفة، حين تُوزَّع الحقوقُ وفق القوة لا وفق العدل.

فقهاء اللغة ودلالة الانحراف

فرّق فقهاءُ اللغة بين ألفاظ الظلم في العربية:

الجور: الميل عن الحق.

الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

الحيف: النقص المتعمّد.

الضيزى: ظلمٌ منحازٌ مشوَّهُ المعيار.

ولهذا كانت «ضيزى» أعمقَ من مجرد «جائرة»، لأنها توحي بوجود ميزانٍ مختلٍّ من أساسه، لا مجرد خطأٍ عابر في التطبيق.

فاللفظةُ تحمل في جوفها فلسفةً كاملةً عن اختلال القيم.

البلاغة الصوتية في الكلمة

إنّ تأمّل أصوات الكلمة يكشف عن عبقرية التعبير العربي:

الضاد: حرفٌ ثقيلٌ مجهور يوحي بالضغط والانقباض.

الياء المكسورة: تمنح اللفظةَ انكساراً صوتيّاً.

الزاي: صفيرٌ حادّ يشبه الاحتكاك.

الألف المقصورة في النهاية: امتدادٌ يوحي بالتبرّم والاستنكار.

وكأنّ الكلمةَ نفسها تحتجُّ على الظلم قبل أن يكتمل معناها.

وقد أدرك البلاغيون أن العلاقة بين الصوت والدلالة ليست اعتباطية، بل إنّ العربية كثيراً ما تجعل البنيةَ الصوتيةَ مرآةً للحالة النفسية والمعنوية.

«الضيزى» بوصفها بنيةً حضارية

ليست «القسمة الضيزى» حادثةً تاريخيةً من بقايا الجاهلية، بل هي نمطٌ متكرّرٌ في الوعي البشري؛ فكلُّ مجتمعٍ يوزّع الحقوقَ على أساس العِرق أو الطائفة أو الطبقة أو القوة إنما يُعيد إنتاج «الضيزى» بلغةٍ جديدة.

وحين يُصبح القانونُ خادماً للنفوذ، والثروةُ حكرًا على فئة، والحقيقةُ رهينةَ الدعاية، فإنّنا نكون أمام حضارةٍ تمارس «القسمة الضيزى» باسم الحداثة أو الوطنية أو حتى الدين.

ولهذا بقيت الكلمةُ القرآنية حيّةً؛ لأنها لا تصف واقعةً جزئية، بل تكشف آليةَ الانحراف حين يفقد الإنسانُ ميزانَ العدل الداخلي.

خاتمة:

إنّ لفظةَ «ضِيزَى» شاهدٌ على عبقرية العربية في تكثيف المعنى داخل بنيةٍ صوتيةٍ موجزة. فهي ليست كلمةً غريبةً فحسب، بل رؤيةٌ كاملةٌ للظلم حين يتحوّل إلى نظامٍ فكريٍّ ومعياريّ.

وقد كشف النحاةُ عن بنيتها، وفسّر اللغويون أصلَها، وتأمّل المتكلّمون دلالتَها العقلية، بينما جعلها القرآنُ رمزًا لكلِّ ميزانٍ مختلٍّ يتستّر بثوب الشرعية.

وهكذا تبقى «القسمة الضيزى» ليست مجردَ تعبيرٍ لغوي، بل تحذيراً حضاريّاً دائماً:

أنّ أخطرَ الظلم ليس ما يُمارَس بالقوة وحدها، بل ما يُمارَس باسم العدل نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

وانتقاداته للسلبيّات التي تُعاني منها مجتمعاتنا العربية

يكاد الاتّفاق يكون بين معظم الذين تناولوا رواية واسيني الأعرج "مستر ولاشي" بأنّها "كوميديا سوداء"، مُركِّزين على الضحية الرئيسية "نوفل"، مُستحضرين شخصية دون كيشوت الذي أراد أنْ يُعيد للفروسية مجدَها ويقضي على قوى الشرّ والتّخلف التي تسود المجتمع.

والذي أراه أن رواية "مستر ولاشي" التي صدرت قبل مدّة قصيرة، هي صرخة واسيني الأعرج العالية الغاضبة احتجاجا على كل ما يسود المجتمع الجزائري والعربي وحتى العالمي من ظلم واضطهاد وهضم حقوق واستغلال ظروف ومآس، وقد يكون لهاث الرئيس الأمريكي رونالد ترامب وسَعيه المُتواصل للحصول على جائزة نوبل للسلام هي الدّافع المُحرّك لفكر وخيال ورَغبات واسيني الأعرج للمُواجهة الشاملة مع كل ما يسود المجتمع من سَيِّئات.

وإغراءات جائزة نوبل لم تمس رغبات الرئيس ترامب فقط، الذي أرادها ليكون الندّ القويّ للرئيس أوباما حامل الجائزة، وإنّما كانت حلمَ الكثيرين في العالم. ولا نزال في عالمنا العربي ننتظرها كلّ سنة لعلّ وعسى يفوز بها عربي بعد نجيب محفوظ، ونحزن مع أدونيس مُرشّحنا الدّائم لها، ونتذكر حلمَ إميل حبيبي وهو يؤكّد أنّ الجائزة تقرّرت له فالتصقنا بجهار الراديو لسماع البُشرى التي لم تأت. ويوسف إدريس الذي غضب لأنّها تجاوزته إلى نجيب محفوظ فرفض حضور حفل التكريم الذي حضره الرئيس حسني مبارك احتفالا بنيل نجيب محفوظ لجائزة نوبل للآداب، وما كان من الرئيس العراقي صدّام حسين أنْ منح يوسف إدريس جائزة كبيرة تَرْضية له وتعويضا عن نوبل نجيب محفوظ.

ومثل نوفل آل فريد اللاهث وراء نوبل للآداب نعرف العشرات من الشعراء والكتّاب الذين يسعون دون كلل للحصول على أيّة جائزة يُعلَن عنها رغبة في الظهور بالتميّز والتّفوّق، وكَيْد العُذّال والحاسدين. تماما كما كان يقول نوفل الضحيّة المسكين في لحظات التّجلي والوّهم بحصوله على نوبل: "المهم الحصول على نوبل لمُواجهة أبناء الكلب الذين يعتبرونني كاتب المناسبات والبلديات" (ص62) و "أعتقد أنّ وقتي قد حان للانتقام من نقّاد أربعة. أبناء الكلب الذين سخروا مني ومن كتاباتي، ويُقهقهون في مجالسهم الفارغة، كانوا يسمونها كتابات الإسْهال اليومي، حتى جوائزي لم تسلم من حقاراتهم وسُخريتهم"ص 162)

نوفل آل فريد كرّس حياته ووقته كلّه للكتابة والإبداع فنتج عن ذلك إهماله لأفراد أسرته(ص29)، وقد يكون هرب من واقع بيته البائس الحزين بسبب التشوهات التي كانت من نصيب كل بناته (ص28-29)، وكانت ردّة فعل الأم بأخذ بناتها والعودة إلى بيت والديها ومن ثم طرد نوفل عندما جاء لزيارتهم، فأصيب باليأس وشعر بأنّ الكتب هي سبب خرابه الكلّي وضياع عائلته. لم يستوعب كيف تطرده ابنته الكبرى، كاد هذا اليأس أنْ يقودَه إلى حَرْق كتبه"(ص35). ومثل نوفل نجد الكثيرين مَنْ تُدَمَّر حياتُهم البيتية والأُسَريّة نتيجة لتكريس الأب أو الأم كلّ وقته للعمل الذي يعزله عن الأسرة والبيت فتكون الخلافات والمشاكل التي قد تؤدّي للفرقة أو للعيش حياة بائسة مُدَمَّرة يكون ضحيّتها الأولاد بشكل خاص.

اختيار واسيني الأعرج لشخصية نوفل كانت المُنطَلق ليسلِّط الضوء على العديد من السّلبيّات التي يُعاني منها مجتمعنا وإنساننا العربي.

فنوفل إنسان مثقف وأستاذ وكاتب وشاعر، وقع في حبّ طالبة من طالباته، تزوّجها ورُزق منها عشر بنات، معظمهن وُلدن مُشوَّهات، وابن واحد مات وهو صغير. حبُّه للأدب والكتابة جعله يهمل أسرتَه، ممّا دفع بزوجته إلى أخذ بناتها لتعيش بعيدا عنه، وطرده عندما قام بزيارتهن. وهكذا عاش وحيدا مع كُتبه ونشاطاته الأدبية التي وفّرت له الفوز بمختلف الجوائز البلدية التي كان يتقدّم إليها ممّا جعله مشهورا ومحسودا من قبل الكتّاب والشعراء الآخرين الذين كانوا يسخرون منه ويتعرّضون له بمختلف البذاءات والاتّهامات، ولكنه كان قويَّ الشخصية، مثابرا في نشاطاته الثقافية مُكتفيا بحلقة صغيرة من أصدقاء مُقرّبين مُتابعين: الزبير كان في شبابه طالبا مُتطوّعا في صالح الثورة الزراعيّة وكان متحمّسا، يُضرَب به المثل: وهو ثوري حقيقي. وقف حتى ضدّ أهله وانتصر للثورة. وفرح لأنّ جدّه لم ينج من التأمينات الكبرى التي مسّت كبار الملّاكين. (ص88) ثم شغل منصب أستاذ جامعي وكان شاعرا، لكنّه أنهى عمله في الجامعة بعد مضايقته لطالبتين يُدَرّسهما فعمل مع ابنته زها في تربية العجول وتهجينها بأبقار هولندية. وكانت زها ابنة الزبير من أفراد الحلقة القريبة من نوفل خرّيجة كلية الزراعة بدرجة دكتوراة. ثلاث سنوات انتظرت تعيينها في منصب في الجامعة ولما لم يتحقّق أملُها اتّجهت للعمل الحرّ بتربية العجول وتهجينها. والصديق الثاني داود بلجنّي ضليع باللغة وموسوعة في المعرفة. ومولاي أحمد جعبوق بن فرماش. وكثيرا ما كان نوفل مع صديقيه الزبير وداود بلجني يتحدثون حول الحالة الثقافية في البلاد وما كان من تدهور الإبداع في الكتابة السردية والشعر وباقي فروع الأدب من نقد وبحث ودراسات. (ص34)

كانت بداية التحوّل الأولى في فكر نوفل يوم جلس مع أصدقائه في مطعم "المكتوب" ولفت داود بلجني انتباه نوفل إلى التّشابه بين اسمه واسم نوبل ألفرد، ومُصادفة جلوسهم في مطعم "المكتوب" (ص9) حيث نبَّهه داود إلى أحقيّته في التقدّم لجائزة نوبل، وأنه آن الأوان وهو الآن يُصدر مؤلفه الواحد بعد المئة "مارلين مونرو في ضيعتنا" أن يخرج من محليّته والجوائز البسيطة التي تُمنح له ليتقدّم للحصول على جائزة نوبل. وأعجبته كلمات داود بلجني وبدأت تشغل فكره، حتى أنه حلم بأنّه فاز بالجائزة واستلمها من ملك السويد في حفل فخم بهيج حضره كبار القوم والشعراء والكُتّاب والمُثقَّفين ورجال الدولة. (ص17-25)

كان هذا الحلم نقطة التحوّل الكبيرة في تصرفات وفكر نوفل، وتساءل:

أين هو المشكل؟ لستُ أقلّ من الآخرين. كل شيء يبدأ بحلم وينتهي بحقيقة. (ص27)

 وسببا في استمرار صديقيه الزبير وداود بلجنّي بدَفْعه للتقدّم لنَيْل جائزة نوبل: فالزبير قال له:

-نوفل ما رويتَه لي ليس حلما، ولكنّه رُؤيا. أحسدك على بقائك في الأدب وتخلّصك من المصاعب التجارية وتفرّغك كليا للأدب. لقد تخطيتَ كلّ العتبات الوطنية. فأنت لستَ أقلّ من أيّ واحد من الفائزين بنوبل، ما عليك إلّا أنْ تؤمن داخليا لينصاع لك قَدَرُ نوبل. آن الأوان لتترشّح لنوبل للآداب، يا صديقي وأصالتُك هي التي تقودك نحو نوبل.

 قال له الزبير ذلك وهو يُقلِّبُ في صفحات روايته الأخيرة "مارلين مونرو في ضيعتنا". فأجابه نوفل:

-لا أدري كيف أقنعتني أنت وداود بلجنّي، ربما لأنّي أنا نفسي مقتنع بالأصل منذ أن غزتني تلك الرؤية الغريبة التي رأيتُ نفسي فيها في دهاليز الجائزة. (ص42)

وبدأ نوفل يجمع كتبَه كلَّها لإرسالها إلى السويد، وفي البريد استقبلته موظفة عرَفَت كيف تكسبُ ثقته وتُقنعه بالمرور بالشركة التي تعمل فيها حيث يقومون هم بكل شيء وبطريقة حرفية، وبعد حوار حول شروط التَّقَدّم لجائزة نوبل أقنعته بإمكانيّاتهم في شركتها القيام بكل الشروط التي تتطلّبها الجائزة.

وبالفعل توجّه نوقل نحو الشركة "بيتنا" واستقبلته هناك الموظفة التي تَعرّف عليها في البريد، وأقنعته بالتّعامل معهم والاعتماد عليهم. وخلال زياراته المُتكرّرة للشركة تعرّف على العديد من الموظفات ووقع في حبّ الموظفة شميسة. وعاش في حلم جميل لعدّة أشهر دفع مبالغ كبيرة من المال للشركة، مقابل العديد من الطَّلَبات والفَعاليّات التي طلبوها منه.

كان نوفل واثقا من حصوله على الجائزة بعد كل ما رآه من عمل موظفي الشركة الذين لم يتركوا ثغرة صغيرة في المطلوب لتحقيق الفوز، وخاصة بعد لقائه بمندوبي الجائزة أوسكار ميرابو وماريا ماكنزي اللذين نجحا في إيهامه، ويقينه الأكيد بفوزه بنوبل:

-هذه آخر جلسة تجمعنا، أحببنا أنْ نخبركم أنّ أكاديميّة نوبل استقرّت على اسمكم من بين الخمسة المُتبَّقين، وبهذا ستكونون الفائز لهذه السنة بجائزة نوبل. مبروك. يجب احتفاظ السريّة حتى يُعلَن الخبر رسميا من أكاديمية نوبل نفسها.

بقي نوفل جامدا في مكانه، لسانه جمد، وشعرَ بحرارة الدموع تُحدث مجرى على وجهه. فقالت له مدام ماريا مكانزي:

-نعرف أنَّ تَحَمُّل خبر سعيد كهذا أمر شاق جدا وصعب، ولكنها الدنيا يا سيّد نوفل آل فريد.

فسارع نوفل بشكرهما:

-شكرا.. شكرا.. شكرا لقد تعبت كثيرا.

ودّعاه بكلمات أسعدته: إلى اللقاء في ستوكهولم. (ص147)

ومرّت أيام، وفي حديث له مع زها ابنة صديقه الزبير حول الجائزة وتقدّمه لها قال:

--شوفي يا زها ابنتي، إذا مكتوبة ستأتي، وإذا مش مكتوبة سنواصل الكتابة إلى أن تأتي.. جايّة يعني جايّة، لا ريب فيها. (ص82)

وكان اليوم الموعود التاسع من أكتوبر يوم إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب.

وكانت الجلسة الاحتفاليّة التي دعا إليها نوفل أصدقاءه الزبير وابنته زها وداود بلجني وأحمد جعبوق بن فرماش لتناول الطعام بمناسبة الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للآداب.

وكانت صدمة نوفل قاسية حيث مُنحت الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبية. وثقل كل شيء وبدأت الصورة تغيب شيئا فشيئا والصوت ينداح إلى الوراء ليتحوّل إلى مجرّد طنين بلا معنى. أصبح رأس نوفل ثقيلا بينما كان الضيوف قد بدأوا بالأكل والفرقة الموسيقيّة في العزف. اقتربت زها من نوفل لمواساته:

- عمّي نوفل كل الخير؟ لا عليك.

ظلّ صامتا، لم يستطع أن يقول أيّة كلمة في حالة دوار، بلع ريقه بصعوبة وتمتم في أعماقه الجريحة:

-يا إلهي؟ ما هذا؟ أين نحن؟ في أيّ عالم نعيش؟ وأيّة فداحة؟ جهد عمر يتبخّرُ في ثانية.

وفي خضمّ هذه الحالة الصعبة لنوفل يسأله جعفر جعبوق ابن صديقه أحمد جعبوق بن فرماش بعد تعزيته بقوله:

الصدمة كانت قوية لنا جميعا. وماذا أفعل أنا بالمقالة؟ المقالة جاهزة يا أستاذ نوفل.

وبغباء بغير إحساس ومراعاة لمشاعر نوف يسأله أن يعطيه بعض المعلومات عن الكورية التي فازت بنوبل.

ومثله كان تصرّف الزبير بلبحري والد زها الذي كان يتجشأ من أكل الشواء إذ لم يتوقّف منذ أن وضع ساق الخروف على طاولته.

ولم يكن مولاي أحمد جعبوق بن فرماش أقلّ غباء منه، فقد قال بكل ثقة:

-هذه مَكيدة صهيونيّة. أنت رجل متعاطف مع فلسطين وأصدرتَ دواوين كثيرة لمناصرة غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني. أنت تواجه مؤسسة صهيونية شديدة الخطورة لن تقبل بك. خلّ البقية للمولى وتعال تغذّ معنا.

وبدون أيّة مشاعر التفت إلى صحنه، فقد وجد صعوبة في أكل الشواء، وأخذ يقص اللحم بأصابع يده ويأكله ويقول مخاطبا نوفل: كل خويا. عَمِّر كرشَك وغدا ربي يدبّر. لا يمكن أنْ تُضَيِّعَ هذه المأدبة وهي على شرفك.

واعتذر نوفل عن مشاركتهم في الأكل وفضّل تركهم والخروج.  (169-173).

حاول نوفل وزها الاتّصال بموظفات شركة "بيتنا" وخاصة بشميسة ولم ينجحا، فجميع الهواتف مقفلة. واكتشف نوفل أنّ أصحاب الشركة خدعوه وأخذوا ماله بوعودهم الكاذبة، وكانت مفاجأته بعد أن أوصلته زها إلى مقهى طلب الجلوس فيه ليرتاح عندما رأى أوسكار ميرابو وماري ميكانزي مندوبي جائزة نوبل اللذين استقبلاه في شركة "بيتنا" وأكدا له فوزه بالجائزة يدخلان المقهى بأسماء أخرى عربية "سكر عبد النبي" و "كنزة ماريا". لم يصدّق ما ترى عيناه وما تسمع أذناه، وبعد أن تأكّد بما سمع من نادل المقهى قام وتوجّه نحوهما شاتما غاضبا وضرب على الطاولة بعنف وحاول أنْ يعتدي عليهما، لكن الشرطة اعتقلته، وكانت النهاية بإطلاق سراحه وهو حزين مُهان لا يُصدّق ما جرى له.

هكذا انتهت حياة نوفل التي سارت بخط أفقي مُتدرّج من البداية حيث جذبه الأدب وتفرَّغ لكتابة الروايات ونَيْل الجوائز العديدة ثم الدخول في فترة الوهم الكبير بالحصول على جائزة نوبل للآداب ممّا أوقعه تحت سيطرة عصابة عرفت كيف تستغل لهاثه وراء نوبل لتأخذ المبالغ النقدية الكبيرة منه حتى النهاية المأساوية واكتشافه الخديعة الكبرى التي وقع فيها.

نوفل الضحيّة وليس البهلوان

لم يكن نوفل شخصية بهلوانيّة ركضت وراء سراب خادع اسمه جائزة نوبل للآداب. نوفل كان إنسانا مثقفا مُدرّسا كاتبا معروفا يعيش في أجواء الطبقة المثقّفة مع مجموعة من الأصدقاء وَثقَ بهم وأخلص لهم. كرّس حياته للكتابة والإبداع، يُقدَّر من قرّائه والناس، له مواقفه في الحالة الثقافية السائدة في البلاد، يُشارك زملاءَه في انتقاد الفوضى التي تسود الإفرازات السَّيّالة الهزيلة في مختلف جوانب الإبداع من شعر ورواية ونقد، ويهدف من خلال إبداعه أن يخلق جيلا مرتبطا بقيَمه الوطنيّة وبتاريخه"(ص41) كان يشارك في الندوات الثقافية والوطنية مثل ندوة ميراث الثورة بمناسبة يوم الشهيد، وعندما سألته موظفة في البريد كانت قد تابعت مجرى الندوة:

-وهل بقي ميراث ثوري؟ أشكرك على تفاؤلك. لقد أكلوه، نهبوه، دمّروه.

أجابها بأهمية التفاؤل وإمكانية التغيير: 

-يجب ألّا نقنط من رحمة ربي. الشباب ما يزال حيّا. المستقبل ليس مظلما.

فأجابته بحقائق ملموسة عن الوضع:

-أي شباب يا أستاذ نوفل؟ كلّهم مُبَرْمَجون وفق التيكتوك والنّت والفيسبوك والمسنجر وسناب شات، واليوم الذكاء الاصطناعي. (ص 50)

وهو في تقدّمه لنيل جائزة نوبل أراد أن يُحَصِّلَ حقّا للعرب حُرموا منه رغم أنهم كانوا ضحية اختراع نوبل للديناميت.

واهتم واسيني على لسان الراوية وشخصيّات أخرى أن ينتقد الوضع السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، والأمني، والديني. ففي الحوار بين زها ابنة الزبير وأحمد جعبوق بن فرشان صديق والدها ونوفل أراد أن يقنعها بأهمية وواجب لباس الحجاب. قالت زها:

-لا يُمكنك أن تُسَيّر النّفسَ الإنسانيّة بالقوّة. ليتعلّم الناس في هذه البلاد أنْ ينظروا للمرأة بوصفها كائنا كليّا وليس جزئيّا. مُخ وعقل وجسد وروح وثقافة عالية أيضا، وإلّا سنصبح مُجرّد حيوانات تزحف على الأرض. أنظر عن قرب كيف تحوّل العالم. يجب أن تخرجوا من هذه البوتقة الضيِّقة.

وبعدما أصرّ على أنّ الحجاب يُهذِّب المجتمع، قالت له:

-شوف من حولك؟ مجتمعنا الصغير. قالوا الحجاب حتى يتهذب العالم فزاد توحّشا. يَحكي لي والدي عن البنات في فترة السبعينات ولا واحدة كانت بالحجاب. كنَّ يخرجن في حملات التّطوّع الطلابي بكل احترام ولا أحد يعتدي على الآخر. أنظر اليوم. بعد سنوات الحجاب الإجباري، وعشرية سوداء، وسنوات ما بعد الحرب الأهلية، كل شيء يستفحل. كيف نحمي أنفسَنا؟ أنا مثلا مضطرة أنْ أتعامل مع مؤسسات الحراسة لأحمي مالي وبيتي وأهلي. ثقتي انهارت. مُجبرة. يجب أن نعترف أننا نعيش في وضع صعب، كلّ شيء أصبح خاضعا للمال.

وعندما سألها عن دور الدولة؟ قالت:

-لا أطلب منها شيئا سوى أنْ تحمي البلاد من أيّ انهيار يتهدّدها؟ الجهل جعل الناس ينامون سعداء في جهلهم بوصفه الحلّ الجميل.

وكان نوفل الوحيد من بين الحاضرين الذي فرح وأيّد كلامها وقال:

-معك حق. برافو، بنت مثلك تساوي عشرة ذكور.

وأجابته زها بكل الحب: أنا سعيدة كوني امرأة يا عمي نوفل. فرحانة أنّك قرّرتَ أخيرا التّرشّح لنوبل التي لن يُنافسك فيها أحد، على الأقل في بلادنا. (ص84-86).

وتُتابع زها نقدها للواقع الذي يعيشه الناس من خلال ما واجهته هي بعد تخرّجها بشهادة دكتوراة في الزراعة وعدم تعيينها في أي منصب في الجامعة مما جعلها تتّجه للعمل الحرّ في تربية العجول وتلقيح البقر الهولندي بعجول وطنية أصيلة، ووالدها الزبير يعمل معها بعد أن فُصل من التدريس في الجامعة واعتزل قَرْض الشعر. وتُنهي كلامها بقولها:

-نحتاج إلى قليل من الإيمان. عمّي نوفل لأنّه فنان ومُبدع، كان الوحيد الذي آمن بي وبمشروعي. وهو مثلي بدأ مشروعه بحلم وها هو يركض وراءه. ليس شرطا أن ينجح فيه كما يُريده لكنّه مُؤمن فيه.

ووافقها داود بلجني، وذكّر بأنه ووالدها الزبير كانا وراء إقناع نوفل بالتّقدّم للجائزة. (ص89)

ومن قصّة نوفل آل فريد ومؤسسة "بيتنا" يُصوّرُ قمّة الفساد والبلطجيّة في المؤسسات الوهميّة والجماعات السلبية في المجتمع مثل مؤسسة "بيتنا" الوهمية التي تشكلّت من مجموعة من الموظفين وأصحاب المراكز والمال والتّأثير، التي تقوم باصطياد البسطاء أصحاب القلوب والجيوب النظيفة والأهداف النبيلة والسّعي لتحقيق آمالهم وأهدافهم وطموحاتهم في الحياة أمثال نوفل آل فريد فيقع في مَصائدهم ويستغلون طيبته ليُعَيّشوه في حلم كبير يرسمونه له، وأنّه سيكون مُلْكَ يديه فقط بعد تنفيذه لما يطلبونه منه. وبعد استسلامه لكل طلباتهم وسَلْبهم كلَّ ماله يتركونه لربِّه، ويقطعون كلّ صلة به. وإذا ما تجرأ وغضب وشتم وهدّد، يجد نفسَه بين أيدي الشرطة، وفي السجن وقرارات المحاكم المُجَرّمة له. تماما كما حدث لنوفل آل فريد مع شركة "بيتنا".

لكن المجتمع لا يفتقد الإنسان الطيّب المُحب المُتعاطف والمُندفع ليُقدِّم المساعدة، وهذا ما أكده واسيني الأعرج في نماذج عديدة إيجابية مثل النادل بوب في مطعم روايال الذي استقبل نوفل بمحبّة وفرَح ووقف معه ساعة مُواجهته مع سكر عبد النبي وكنزة ماريا اللذين خدعاه بكونهما ممثلي جائزة نوبل وأكدا له فوزه بها وكانا بإسْمَين آخرين، كما قام بوب بتنبيه نوفل إلى وضع حارس سكر عبد النبي إصبع مخدرات في جيبه للإيقاع به مع الشرطة. كذلك نجد الشرطية الطيّبة سامية التي كانت شاهدة على محاولة الإيقاع بنوفل بتهمة المُخدرات فتعاطفت معه وقد عرفته ككاتب أحبَّت كتاباته وحضرت له ندوة ثقافية قبل مدة قصيرة فأقنعت الشرطي المسؤول معها على إطلاق سراح نوفل دون أخذه إلى مركز الشرطة. وكذلك شميسه الموظفة في مؤسسة بيتنا التي كانت تستقبل نوفل في كلّ زيارة يقوم بها للمؤسسة، وتُرافقه حتى وقعا في حبّ مُتبادل، فقد شعرت شميسه بالجريمة التي ارتُكبَت في حق نوفل وتعاطفت معه وجاءته لتكون معه في محنته الصّعبة. 

بداية القصة

لم تبدأ قصة نوفل آل فريد بتلك الجلسة التي جمعته بصديقيه الزبير وداود بلجني وبلفت انتباه بلجني لنوفل بتشابه اسمه باسم ألفريد نوبل، ومُصادفة وجودهم لأوّل مرّة في مطعم "المكتوب". فنوفل كما وضّحْتُ كان إنسانا مثقفا وأستاذا محبوبا وكاتبا له جمهوره المُقَدِّر له، وكان صاحبَ مواقف إيجابية ومبادئ يعيش من أجلها، يسعى لتغيير الواقع إلى الأفضل، مُحبّا كريما، طاهر القلب. يحمل رسالة من أجل سعادة الجميع. يؤلمه استهزاء البعض، وإلغاء البعض له، وتلميحات المُقرَّبين المُثيرة المُغْضِبة. وقد بالغ بلجني بتلك المصادفة وبهذه اللفتة الذكية منه التي دفعته للمبالغة في كلامه وتمجيده بصديقه نوفل ليُدلّل على ذكائه هو وانّه ضالع باللغة وذكي في الربط بين الأسماء ورؤيتها ومآلاتها في المستقبل على أصحابها. وقد يكون جادّا في كلامه ووجد منفذا للمزاح والضحك في الربط بين اسم نوفل آل فريد وألفريد نوبل واسم المطعم "المكتوب" وكأن القَدر يجمع بينهم ويُخطط لمستقبل كبير بهيج آت.

-هل انتبهت لاسمك؟ نوفل آل فريد؟ ألا يُذكرك اسمُك بشيء خاص؟ اسمع مليح نغمة اسمك نوفل آل فريد واسم آخر: نوبل ألْفريد. أكثر من هذا. يتقاطع مع اسمك: نوفل آل فريد.

ولما اعترض نوفل، ورفض كلامه، ولم يفهم قصْدَه، تابع داود بلجني في توضيح كلامه وتوجيهه:

-لم تفهمني. ابق معي قليلا. يا إلهي أيّة صدفة. أنت كاتب كبير. مُتحصّل على كل الجوائز الجَهويّة والولائيّة. تواضعك الزّائد لا يُعجبني مطلقا. تواضَع يطؤك السّفلة. لا بُدّ أن يكون صوت خفيّ في مكان ما، يُناديك، وعليك أن تستمع إليه. يريد أن يقول لك شيئا. حتى الذكاء الاصطناعي لما سألته عن آل فريد لم يُجبني إلّا بسلسلة من الكذبات المضحكة: آل فريد.. قومية قادمة من جبال آلاسكا.. ثم قادني ليقول لي إنّ الكلمتين مجرّد تحريف لألفريد نوبل. شخصيّا قرأتُ في ذلك علامة تتكلم بصمت، وهي موجهة لك تحديدا.

وأجابه نوفل آل فريد: يوما ما تقتلك هذه اللغة. تعصرها حتى تجفّفها من الداخل.

أجابه بلجني: لا يا عزيزي. هذه ملاحظة عن شيء موجود. ليست اختراعا.

فعلق نوفل قائلا: يا حبيبي يمكن أن يكون ذلك مجرّد صدفة عابرة. أنت بحكم تخصّصك اللغوي ترى معنى لكلّ شيء، حتى لو كان اعتباطيّا.

لكنّ نوفل وقع في حالة من الضياع والتّساؤل، رشف قهوته وكرّر لا شعوريّا الإسمين: ألفريد نوبل.. آل فريد نوفل؟ ما هذا التّطابق الغريب؟ حقيقي داود بلجني يرى ما لا نراه.

وتابع داود بلجني في ملاحقة نوفل: شوف اسم المقهى. المكتوب. ما الذي قادنا إلى هذا المقهى وهو ليس مَقْهانا الصباحي على الأقل؟ تطابق الاسمين؟ المكتوب أو القَدَر؟ غريب.. أشعر كأنّ شيئا ما يحوم حولنا. (ص9-11)

دلالة اسم الرواية

اختيار واسيني الأعرج لاسم الرواية فيه الذكاء الكبير والدّلالة القويّة والإيحاء الآخذ بالقارئ إلى عوالم مُتداخلة

فلو اقتصر اسم الرواية على "مستر ولاشي" لكان المفهوم يقتصر على نَبْذ الناس لهذا الشخص، وأنه بالنسبة لهم لا يساوي شيئا، فوجودُه وعدمُه واحد، فحتى لو تزيّن بصفة المستر يظل انسانا تافها غير مُعتَبر من الآخرين، فهو في اعتبارهم عابر لا أهميّة له، ولن يترك أيّ أثر بعده، فكأنّه ما كان، فهو لا شيء، كان وذهب، ولا شيء بقي منه. لكنّ واسيني الأعرج أضاف للعنوان هذه الكلمات "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة" وهنا قفزت الحروف تَشعُّ وتُنَبِّه، والدّلالاتُ تترامى في كلّ الاتّجاهات، والإيحاءات تأخذُ بالقارئ إلى مَلكوت السّماوات، فتشع الأنوار، وتتعالى الموسيقى، وتُسْمَع الترانيم الرّوحانيّة مُردّدة "المسيح قام.. حقّا قام".

فواسيني الأعرج لم ير في نوفل آل ألفريد مُجرّد ظلّ كان واختفى، فهو ككل كاتب يحمل رسالة، هو قدّيس يعمل من أجل نشر رسالته للجميع وعلى استعداد للتضحية من أجل الغير. وكما دعا المسيح تلاميذه الإثني عشر للعشاء الأخير، هكذا دعا نوفل أصدقاءه والمُقرّبين منه لمأدبة بمناسبة فوزه بجائزة نوبل الموعودة، وصفها واسيني "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة"، تشبُّها بالعشاء الأخير الذي دعا المسيح تلاميذَه إليه". وكما تألَّم المسيح وهو مُحاط بآسريه، هكذا كان نوفل يتألَّم لخيبة أمله ومنح الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبيه في الوقت الذي كان الآخرون لاهين بتناول الطعام أو بكلمات تعزية عابرة، والتفكير بخسارات لوعود كانوا ينتظرونها من نوفل لو فاز بنوبل..

نوفل تُرك وحيدا ترعاه زها ابنة الزبير قارئته ومُساندته ومُشاركته حزنه وألمه كما المسيح، تركه تلاميذُه في قبضة الجند وفقط مريم المجدلية ظلت مُرافقته وحارستة والباكية حزنا على ما آلت إليه حالتُه.

هكذا يرى واسيني الأعرج الكاتبَ في مقام النبي والرسول، يحمل رسالة يعمل لنشرها رغم كل ما قد يعانيه من عذابات وصعويات وتعدّيات.

 الكاتب هو في مَصاف الأنبياء، هكذا هو نوفل وكل كاتب ومُبدع. وهكذا هو واسيني الأعرج أيضا، الذي يُواجه الكثير من الانتقادات والمُضايقات في بلده الجزائر مع كلّ صدور لرواية جديدة له، وخاصّة ما واجهه بعد صدور روايته عن عبد القادر الجزائري ورواية "حيزيّة".

اللغة والأسوب في "مستر ولاشي"

عوّدنا واسيني الأعرج في معظم رواياته على اللغة الرّاقية بمفرداتها المتناسقة المُنْسابة الآخذة بدَلالاتها وتشعّباتها وإيقاعاتها الشادّة بالقارئ إلى عالم بعيد عن واقعه، ولأجواء سرمديّة يضيع في مَتاهاتها، ويسحرنا بعباراته المُتناسقة المُتشابكة المُدْخِلة القارئ في عَوالم روحانية بالمشاهد التي يرسمها والحوارات التي يُبدع في خلقها فنستحضر "مريم" في "سيّدة المَقام" و"ميّ زيادة" و "لينا" العازفة في مسرح البيكادلي. وهذا كلّه نفتقده في روايته "مستر ولاشي"، فواسيني في روايته هذه يكتب بأسلوب سَرْدي بسيط قريب من اللغة العاديّة للطبقة المثقفة المتعلمة من الناس، بعيدا عن اللغة الرّاقية الشاعريّة الإيحائية التي تعوّدناها منه. كان بإمكان الكاتب التألّق في لغته وشاعريّته وخياله في الكثير من المشاهد مثل:

1. حياة نوفل البيتية المأساوية مع عشر بنات ولدتْ معظمهن مع عاهة مستدامة وزوجة تطمح لحياة أفضل.

2.علاقة الألفة والحبّ التي ربطته بشميسة الوحيدة التي أخلصت له ووقفت إلى جانبه من كلّ موظفات وعاملي مؤسسة "بيتنا"، وقد يكون واسيني قصد السّرد العاديّ والحوارات البسيطة وإدخال الكلمات العامية لتخفيف صدمة حَجْب جائزة نوبل عن نوفل آل فريد والإشارة للقارئ المُتعاطف: أنّ نوفل لم يكن ذلك الكاتب الذي يستحقُّ نَيْلَها.

وحتى لا يطول الكلام

رغم شدّة الصّدمة التي حلّت بنوفل إلّا أنّه سرعان ما استعاد ثقته بنفسه وإيمانه بصواب تفكيره ورنين كلمات المُدرّب الياباني في رأسه:

-اجعل من ظلامك نورا. من خسارتك ربحا. الفرق بينك وبين الإنسان العادي هو أنّك تملك طاقة جبّارة لتحويل كل شيء. تأمّل جيّدا السرديّة لتُحدّد نقطة الخلل. تعامل معها بهدوء. لا تتركها تأكلك. فيك طاقة مُخَزّنة، استخرجها واستثمرها". (ص174)

وتابع طريقَه للقاء شميسة التي استقالت من عملها في شركة بيتنا بعد أن اكتشفت ألاعيبهم واستغلالهم للناس وسَرقة أموالهم، فجمعت الكثيرَ من المُستندات المُدينة لهم، وتركتهم على أمل أن تدينهم وتنتقم منهم وتُريح المجتمع من سيئات أعمالهم. (ص199)

وأُنهي بالتأكيد على نجاح الكاتب واسيني الأعرج في توجيه انتقاداته للعيوب التي توجد في المجتمع، والتي تَشمل مختلف نواحي الحياة الخاصّة والعامّة، وتركيزه على الطبقة المثقفة المُتعلّمة التي تُدير شؤون البلاد في كلّ المَجالات، وكيف أنَّ الكثيرين يستغلون مراكزَهم وتأثيرَهم وتسامحَ القوانين معهم لاستغلال عامّة الشعب والغنى على حسابهم كما حدث لنوفل. وفرض ارتداء الحجاب على المرأة ورفع شعارات الدين وواجب الالتزام بتعاليمه لاضطهاد المرأة وإخراجها من دائرة التأثير والعمل في المجتمع. كما ينتقد الفوضى التي تسود الحياة الثقافية والأدبية والسطحية والسّهولة والسّيولة في النشر وإصدار الكتب والسّعي وراء الحصول على الألقاب والدّرجات العلمية المُزيّفة التي تنتشر بشكل مخيف، فكل مؤسسة تدّعي العمل الثقافي وكل صاحب موقع يوزّع الشهادات والألقاب الأكاديميّة المدفوعة الثمن في أغلب الحالات، والتّسابق على الجوائز التي تتزايد في مختلف الدول العربية وتُشكّل سببا مهمّا في تدجين الكتّاب والشعراء والصحفيين وتحويلهم لخدمة السلطة ممّا فرّغ الإبداع من مضامينه الأساسيّة ورسالته المقدّسة.

هذه هي رسالة الروائي واسيني الأعرج المهمة في روايته "مستر ولاشي" التي صدرت هذا العام 2026. وهذا هو واسيني الأعرج الذي يعرف كيف يختار مواضيعَه ويستحضرُ شخصيّاته ويأخذ قارئه بسحر مُفرداته وجماليّة عباراته في رحلة يعود منها وهو ليس هو الذي كان قبلها.

***

د. نبيه القاسم

قراءة وجودية في ضوء جان بول سارتر ومسرح العبث

تمهيد: تقدّم رواية "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عالماً سردياً مشبعاً بكوميديا سوداء خافتة، تنتزع من القارئ ضحكة غير مسموعة ودمعة غير مرئية في آنٍ واحد. فهي لا تنشغل بالحكاية بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل بوصفها وسيلة لكشف خلل عميق في بنية الوجود الإنساني، حيث يتبدى الإنسان ككائن يعيش على هامش المعنى، محاطاً بعالم فقد قدرته على تفسير نفسه. ومن هنا، تتشكّل الرواية كمساحة تأمل في ثلاثة مستويات متداخلة:

العبث كتجربة معيشة، والعدمية كنتيجة فلسفية، والكساد الفكري كبيئة تنتج هذا التآكل المستمر

يظهر "المقهى" بوصفه الفضاء المركزي الذي يختزل هذا العالم، ليس كمكان عابر، بل كبديل رمزي للوطن حين يفقد اسمه ودلالته ويتحوّل إلى مجرد مساحة للعيش. في هذا المكان، تبدو الحياة باردة، برائحة متغيرة، كأنها تبدّل جلدها دون أن تغيّر جوهرها. هنا، تتعرّى النفس، كما يرى الراوي سليم القربان، من كل غطاء يزيّفها، فينكشف الإنسان على حقيقته الهشة، بلا أقنعة ولا أوهام قادرة على حمايته. وهكذا، يصبح المقهى "جمهورية" قائمة بذاتها، تتجاوز مفهوم الوطن، بل وتفرغه من معناه، في عالم لم يعد فيه الانتماء سوى وهم قديم.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الرواية في ضوء الفلسفة الوجودية كما صاغها جان بول سارتر، حيث يُلقى الإنسان في عالم بلا معنى مسبق، ويُترك وحيداً ليصنع دلالته، كما يمكن ربطها بتقاليد مسرح العبث عند صامويل بيكيت ويوجين يونسكو، حيث اللغة تتعثر، والحدث يدور في حلقة مفرغة، والوجود يفتقر إلى غاية نهائية.

العبث بوصفه تجربة وجودية

يتجلّى العبث في الرواية بوصفه حالة شاملة تحكم تفاصيل العالم السردي. فالمقهى لا يقدّم نفسه كمكان للقاء بقدر ما يظهر كخشبة مسرح عبثي، تتحرك فوقها شخصيات بلا هدف، تتبادل الكلام دون أن تصل إلى معنى. إنهم يمجّدون الكسل ويقدّسون الملل، وكأن الزمن نفسه قد فقد وظيفته، وتحول إلى عبء يُستهلك بدلاً من أن يُعاش. هذه الحالة تذكّر مباشرةً بعالم صامويل بيكيت، حيث الانتظار يصبح الفعل الوحيد الممكن، دون أمل في تحقق.

يتعمّق هذا العبث في طبيعة الشخصيات التي تبدو جميعها وكأنها تعيش اختلالاً ما- فهناك الغاضبون الفارون من ماضٍ لا يستطيعون تجاوزه، والخائفون من مستقبل لا يملكون القدرة على مواجهته، والسعداء بجهلهم لأنهم لم يدركوا بعد حجم الفراغ الذي يعيشونه. في هذا التقسيم، يغيب الإنسان المتوازن، ويصبح الوعي عبئاً يقود إلى القلق، بينما يتحول الجهل إلى ملاذ زائف.

تتجسد العبثية أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يفقد كل فعل معناه الأصلي. فالمطرب الذي صدأ صوته لم يعد يغني إلا داخل لعبة دومينو، والطبيب يمارس مهنته بوسائل بدائية، والمتسول يجمع المال ليعيد توزيعه، وكأن الأفعال قد انفصلت عن غاياتها، وتحولت إلى طقوس فارغة. حتى اللغة نفسها تفشل في نقل التجربة، فيعجز السارد عن إكمال الحكاية، لتصبح الكلمات مجرد محاولة يائسة للإمساك بمعنى يتفلت باستمرار، وهو ما يقارب عالم يوجين يونسكو حيث تنهار اللغة وتفقد قدرتها على التواصل.

الوجودية: الحرية والقلق والعبء الوجودي

في ضوء الرؤية الوجودية، تبدو شخصيات الرواية ككائنات حرة، لكنها عاجزة عن ممارسة هذه الحرية. فالكاتب، الذي يفترض أن يكون قادراً على خلق المعنى، يجد نفسه مشلولاً أمام الورق، تتبخر أفكاره كلما حاول الكتابة. هذا العجز لا يعكس نقصاً في القدرة بقدر ما يعكس قلقاً وجودياً عميقاً، حيث تتحول الحرية إلى عبء ثقيل، ويصبح الفعل مستحيلاً رغم إمكانية حدوثه.

هذا التوتر يتكرر في أكثر من شخصية، فالقربان يعيش عمره وهو يخطط لمشاريع لا تنجز، ويؤمن بالكتابة كشرط للحياة دون أن يحققها، بينما يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في العمل، لكنه ينتهي إلى المقهى، حيث تتساوى كل الأفعال في لا جدواها. هنا، يصبح الآخر أيضاً مصدر تهديد، لا ملاذاً، إذ تنهار الثقة بين الأفراد، ويتحول الجميع إلى كائنات متوجسة، تعيش في عزلة داخل جماعة.

الحرية في هذا العالم لا تقود إلى الاختيار الواعي، بل إلى الانزلاق الأخلاقي. فالكاتب يتحول إلى عرضحال يكتب حسب الطلب، و يفشي أسرار الخاتون، والمثقف يتخلى عن دوره النقدي ليصبح جزءاً من منظومة التزييف. إنها حرية بلا ضوابط، تعكس المأزق الذي أشار إليه جان بول سارتر حين جعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله في عالم بلا مرجعية أخلاقية ثابتة.

العدمية: سقوط المعنى وانهيار القيم

حين يبلغ العبث ذروته، يتحول إلى عدمية شاملة، حيث لا يبقى لأي شيء معنى ثابت. في هذا العالم، تتآكل القيم تدريجياً، فيصبح الكذب فضيلة، والنفاق وسيلة للنجاح، والدعارة مهنة يمكن تبريرها، بينما يتحول الإيمان إلى طقس فارغ. هنا، لا يعود هناك معيار للحكم على الأفعال، بل تتساوى جميعها في خوائها.

يتجلى هذا الانهيار في صورة الإنسان نفسه، الذي يبدو فارغاً كزجاجة عطر مرمية، فقدت رائحتها وقيمتها. كما يظهر في العلاقات الاجتماعية التي تتفكك، حيث يغيب الانتماء، ويتحول الفرد إلى كائن معزول، بلا عائلة أو جذور. حتى الموت يفقد جلاله، حين لا يجد الميت تابوتاً يليق به، ويُكتب اسمه بخطأ إملائي، في إشارة إلى موت القيم ذاتها.

يمتد هذا الانهيار إلى الحزن، الذي يتحول إلى طقس اجتماعي يُمارس بلا شعور، وإلى الذاكرة، التي لم تعد تنتج سوى أوهام. هنا، تتقاطع الرواية مع تصور فريدريك نيتشه حول "موت القيم"، حيث ينهار كل ما كان يمنح الحياة معناها، ويُترك الإنسان في مواجهة فراغ لا نهائي.

الكساد الفكري: البنية العميقة للأزمة

لا يمكن فهم هذا العالم دون العودة إلى الكساد الفكري الذي يشكّل بنيته العميقة. فالمثقفون في الرواية لا ينتجون معرفة، بل يعيدون تكرار خطاب واحد، والقراءة تنحسر، والكتابة تنعزل، بينما تهيمن الصور السطحية على المشهد الثقافي. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى مهنة مأزومة، تفقد قيمتها في مجتمع لا يقرأ، ويغيب فيه القارئ القادر على التفاعل.

القربان، الذي يقضي حياته في التخطيط دون إنجاز، يجسد هذا الكساد، كما يجسده الكتّاب الذين تحولوا إلى عرضحالجية، يقتاتون على معاناة الآخرين دون أن يقدموا حلولاً. حتى الزمن نفسه يصبح معطلاً، بفعل كثرة العطل والمناسبات، فيتوقف العمل، ويتكرس الركود.

هذا الكساد لا يقتصر على الفكر، بل يمتد إلى السياسة والاقتصاد، حيث تغرق الشخصيات في الديون، وتبتكر معاهدات وهمية لتبرير عجزها، وتعيش على قصص مختلقة تمنحها شعوراً زائفاً بالانتصار. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى منظومة مغلقة، تعيد إنتاج فشلها باستمرار.

البنية السردية بوصفها انعكاساً للعبث

لا يقتصر العبث على مضمون الرواية، بل يمتد إلى شكلها السردي. فالنص يتسم بالتشظي، وتعدد الأصوات، وغياب التسلسل الزمني الواضح، ما يعكس الفوضى الداخلية التي تعيشها الشخصيات. كما أن تكرار المشاهد داخل المقهى، دون تطور حقيقي، يعزز الإحساس بالدوران في حلقة مفرغة، حيث لا شيء يتغير رغم مرور الزمن.

تكتسب قصة الخاتون بعداً رمزياً عميقاً، إذ يمكن قراءتها بوصفها استعارة للوطن المغتصب، الذي تواطأ أبناؤه على خيانته. فالصراع على الإرث، والخيانة، والعنف، كلها تعكس بنية السلطة والمجتمع في آنٍ واحد. ومع ذلك، لا تقدم الرواية حلاً لهذه الأزمة، بل تكتفي بكشفها، تاركة القارئ في مواجهة أسئلتها المفتوحة.

خاتمة

تكشف "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عن عالم يتآكل من الداخل، حيث يتداخل العبث مع العدمية، ويتغذى كلاهما على كساد فكري عميق. إنها رواية عن إنسان يدرك هشاشته، لكنه يعجز عن تجاوزها، وعن مجتمع يعيش على أطلال معنى فقده منذ زمن بعيد. ومن خلال هذا التداخل، لا تسعى الرواية إلى تقديم خلاص، بل إلى تعرية الواقع، وفضح أوهامه، وترك القارئ في مواجهة سؤال الوجود كما هو: مفتوحاً، قلقاً، بلا إجابة نهائية. ومن خلال ربطها بفلسفة جان بول سارتر ومسرح العبث، يتضح أن الرواية لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تجسدها فنياً، عبر لغة متوترة، وسرد متشظٍ، وشخصيات مأزومة.

إنها رواية تضع الإنسان أمام حقيقته العارية: كائن حرّ، لكنه عاجز، واعٍ، لكنه تائه، يبحث عن معنى، في عالم لا يقدّمه.

وفي هذا التوتر تحديداً، تكمن قوة النص: أنه لا يمنح القارئ عزاءً، بل يتركه داخل السؤال.

***

بشرى الهلالي

يكشف الواقع العربي الحالي عن عمق التناقضات المتجذرة في تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وهي تناقضات تُبرز هشاشة الهوية الإقليمية، فما إعتدنا على تسميته نحن ب"المنطقة العربية" أو "الإقليم العربي" – الذي يمتد من المغرب العربي إلى الخليج العربي – يُعرف في تقارير البنك الدولي والمؤسسات المؤثرة مثل صندوق النقد الدولي بـ"منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (MENA)، مما يمحو الطابع العربي صراحةً ويُزيل منه التاريخ واللغة والتراث قبل الجغرافيا، ليصبح تمييز الدول إقليمياً بهويات محلية أي دون هوية مشتركة. ويُطلق البعض الآخرعلى المنطقة تسمية "الشرق الأدنى" في السياقات الأكاديمية الغربية، بينما يُكتفى في أحيان أخرى بتسمية "الخليج" دون إضافة "العربي"، كما في خرائط الأمم المتحدة أو وسائل إعلام غربية، مما يعكس صراعاً جيوسياسياً حول التسميات.

أما على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، فتظهر فوارق هائلة بين دول غنية، تُثير شهية القوى الكبرى، ودول أخرى تغرق في الفقر المدقع وتتصدر قوائم المساعدات "الإنسانية" من تلك القوى، إضافة الي المعونات التي تقدمها منظمات مثل الأمم المتحدة والهيئات المماثلة. وتتجلى هذه التناقضات بوضوح أكبر حتى داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش مئات الآلاف أو الملايين في الأحياء الفقيرة، بينما تتركز الثروة في العواصم، وفي دول أخرى تنقطع الصلات غالباً بين السلطة والشعب جراء طبيعة النظام الحاكم. كما يبرز تباين كبير بين دول أنتجت حضارة كونية كبرى ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، وأخرى ذات تاريخ أكثر تواضعاً.

يتضح مما سبق، أن هناك سلسلة من العوامل والعوائق المؤثرة في إنبثاق "مسرح عربي" ذوسمات وطابع، وملامح يتناغم وتلّون طبائع وسمات المجتمعات العربية المتعددة.  أولى تلك العوائق الأساسية التي تبرز هي غياب هوية عربية موحدة، أو بوضوح تام، إنعدام وجود هوية مشتركة في المسرح، وهو أحد أهم مسببات إفتقاد ما يمكن ان يُسمى "بمسرح عربي" ذو سمات تتصل بكل أو غالبية المجتمعات العربية. فإصطلاح "المسرح العربي" يواجه تحديات بنيوية عميقة، تحول دون تشكيل هوية مشتركة واضحة، تجمع بين التراث والحداثة عبر المنطقة العربية بأكملها. حيث إن النشأه المتأخرة للمسرح في البلدان العربية، في القرن التاسع عشر، (مع مارون النقاش  (1848، دون جذور عضوية تاريخياً، ومقلداً النماذج الأوروبية، عرّض المسرح للتناقضات الثقافية والسياسية.

ومن العوائق الهامة والملموسة إن لكل مجتمع عربي ثقافته، وتقاليده، ولغته الخاصة المحكية، مما يٌسهّل إنبثاق فجوة بين عموم الجماهير. فعائق اللغة حقيقي وكبير في البلدان العربية. لإن إستخدام اللغة الفصحى لا يسمح بالتواصل مع الجماهير الواسعة، بينما اللغات المحكية أو العامية المحلية تحول دون توحيد تلك الجماهير. مما يجعل المسرح نخبوياً، غائباً عن الجمهور الواسع، فعلى سبيل المثال، يزخر المسرح المصري بتاريخه وأسلوبه، بل وجمهوره بينما يعكس المسرح المغربي، والتونسي، والجزائري والسوري، والعراقي واللبناني والاردني والخليجي مجموعة متنوعة ومختلفة من التأثيرات. لا شك ان هذا التنوع جميلًا ومفيداً، ولكنه يُزيد الامر صعوبة، فهو لا يخدم هدف إنشاء هوية مشتركة تُخاطب جميع المجتمعات في المنطقة العربية. فمهمة بناء مسرح عربي حقيقي ستستلزم، إنبثاق مواضيع، وحكايا، وسرديات تُلامس مختلف الثقافات، وتُكتب بلغة، ربما وسيطة، بين اللغة الفصحى المبسّطة واللغة المحكية، وتستكشف خطوطاً مشتركة بين هذه المجتمعات وتبرزها كعناصر جوهرية للفهم المشترك.

كذلك فإن دور الجمهور في خلق مسرح عربي هومن الأمور الحاسمة، حيث إن الجمهور هو الركن الأساسي في المسرح ويجب النظر اليه كشريك عضوي في الفعل المسرحي وليس "كمتلقي". لا يمكن ان يكون هناك مسرح، حتى علي الصعيد المحلي، بتوصيف الجمهور "كمتلقي"، لأن ذلك يُحيل الى حالة من الترفّع في المسرح بنظرة إستعلائية وإقصائية للجمهور. إن مصطلح "المتلقي" ليس فقط إقصائياً بل هو حالة إستكبارية من "الأبارتايد" لا تسمح بالمشاركة او التواصل، في حين ان أي هوية، حتى محلية، للمسرح لا تتكامل الاّ بالجمهور بصفته مشاركا ومتواصلاً. فالمسرح يحتاج إلى الجمهور ليُضفي عليه الحياة، وبدونه لا وجود للعرض المسرحي. فليس خافياً أن تواجه، العديد من المسارح في العالم العربي، تحديات في استقطاب المشاهدين، وقد يعود ذلك إلى نقص الوعي، أو ارتفاع أسعار التذاكر، أو التعويض بالتلفزيون، او السينما، أو ببساطة عدم تقديم عروض تتصل بالحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، تستطيع المسرحيات التي تتناول قضايا اجتماعية، كالوضع الاقتصادي أو الصراعات السياسية، أن تجذب الجمهور بشكل أكثر فعالية من العروض المسرحية التجريدية أو الفنية الملتبسة أوالرمزية المفرطة في الغموض. فإنعكاس إهتمامات الجمهور بالموضوعات الأساسية في المسرح، سواء سياسياً او إقتصاديا أوإجتماعياً، سيزيد من فرص حضوره للعروض ودعمه للمسرح المحلي.

من الأدوات الخافية، ولكنها أساسية في صياغة هوية موحدة للمسرح العربي، هي "النقد المسرحي". فالنقد يتجاوز دوره التحليلي ليصبح عماداً يربط بين الإبداع الفني والسياقات الثقافية والاجتماعية. ومن خلال مدارس النقد المتشعبة، يعزز النقد الوعي الجماعي بالمسرح كفضاء ثقافي متكامل، يجمع بين التراث والحداثة. فمن المدرسة التاريخية، كما عند أرسطو في "فن الشعر"، الى المدرسة الواقعية في القرن التاسع عشر، مع أنطون تشيخوف وهنريك إبسن، الى مدارس العصر الحديث، حيث تبرز المدرسة الشكلانية (Formalist school ) لدى فيكتور شفلوفسكي، التي تركز على اللغة والإيقاع، مما يعمق الوعي بالشكل كعنصر للهوية. كذلك، يساهم النقد البنيوي لدى رولان بارت في تفحص هيكلية اللغة والمعاني مما يسهل تفكيك الرموز، بينما يقدم النقد ما بعد الحداثي، كما عند جاك دريدا، تحدياً للهويات الثابتة، محولاً المسرح الثابت إلى مسرح للتمعن في الاختلاف. هذه المدارس المتعددة لا تتنافس، بل تتكامل في نسيج يوحد المسرح عربياً ودولياً. ففي السياق العربي، يعيد النقد المسرحي تثبيت الهوية الثقافية من خلال نقد التاريخ الاستعماري وإستكشاف مواضع التنويرفي فكر وفلسفة الحداثة. بهذا، يصبح النقد حارساً للهوية المسرحية، يمنع التشتت ويبني جسراً بين التراث والمعاصرة، ضامناً استمرارية المسرح كصوت ثقافي موحد يعكس نبض المجتمعات.

اما في الطرف الآخر من العوائق التي أثرت على تشكيل هوية موحدة حقيقية لمسرح عربي هي حالة إنحسار مساحات الحرية في البلدان العربية، على الصعيدين الفردي والجمعي، فبغياب الحرية، بمفهومها الواسع، وتقييد حدود الأفكار والرؤى لتتناسب ومفاهيم السلطات المحلية لكل بلد، نشأ مسرح منحني تماماً لإرادة هذه السلطات كما نشأ مسرح ملتبس غني بالغموض، بعيد عن الجمهور، مسرح منفّر وليس جاذب للجمهور، بعيد عن هموم الناس، على الصعيد المحلي، وهو بعيد عن اهتمامات الجمهور على الصعيد العربي، أي مسرح يُهمل ما يمكن ان يؤسس لمشتركات إجتماعية بين مختلف الدول العربية، ويتحول الى مسرح معادي للهوية، وهو، غالباً، متناقض مع متطلبات وجود مسرح عربي مشترك.

هذه العوائق ليست طارئة أو عابرة، بل متجذرة في السياقات التاريخية والاجتماعية، وتتطلب جهوداً منهجية لتجاوزها. لعل أهم المتطلبات للتغلب على هذه العوائق هو إبدء إرادة سياسية وثقافية ممنهجة وقوية وواضحة، تنشئ إستراتيجيات تمكينية مفصّلة ومستدامة، فضلاً عن البحث في ثراء الإمكانيات المتوفرة في التراث الغني وتشجيع النزوع الطامح للشباب المسرحي. بإغفال هذه العوامل سيبقى المسرح "بغياب الهوية"، مجرد تهويمات منفصلة عما يُمكن تسميته ب "المجتمع العربي"، ما يزيد عن كونه إنعكاسات لصدى العوامل والاشتراطات المحلية. لذلك فإن بناء هوية مشتركة ليست خياراً، بل ضرورة جوهرية لتعزيز مفهومي الفن والثقافة لإنشاء مسرح عربي، وتعظيم الوعي العربي في عالم معولم.

إن إنبثاق مسرح عربي ذو سمات تتصل بغالبية المجتمعات العربية يستوجب العمل على الحد من العوائق والبدء ببلورة هوية مشتركة لهذه المجتمعات تمنح المسرح العربي ذاتاً متفردة، مع ملاحظة ان إلهوية المشتركة يُمكن ان تتضمن تأثيرات من ثقافات وتراث مجتمعات أخرى، سيما في هذا الركن العربي المعولم على إختلافه.  في هذا الصدد، تلعب المهرجانات المسرحية، ذات الهويات الواضحة، دوراً بارزاً في تجاوز العوائق الثقافية والسياسية التي تحدّ من تشكّل هوية موحدة للمسرح العربي، حيث تتحول، المهرجانات، إلى جسور حية تربط بين التنوع الإقليمي والرؤية المشتركة. ففي ظل التحديات التاريخية، مثل التشتت الجغرافي، والانقسامات السياسية، والتأثيرات الاستعمارية التي فرضت هويات محلية مجزّأة، تقدم هذه المهرجانات فضاءً للتنوع والإختلاف عبر حوار غير مقيد، يجمع فنانين من مختلف الدول العربية والأجنبية، ليتبادلوا الرؤى والخبرات، ويختزلوا الاختلافات في لغة مسرحية تطمح أن تكون مشتركة وأصيلة.

من الأمثلة الناجحة على ذلك، والتي تستطيع المهرجانات أن تكشفها، استلهام التراث والمورث العربي وإسقاطه، من منظور تنويري وحداثي، على الحاضر اليومي سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، كأعمال الطيب الصديقي من المغرب وبعض أعمال قاسم محمد من العراق. هذه الاعمال تُمثّل بعض الحلول التي تجذب جماهير من مختلف الخلفيات وتخلق شعورًا بالتراث المشترك أي بناء هوية مشتركة.

وفي النهاية، يظل البحث عن المسرح العربي رحلةً مضنيةً في دهاليز الهوية المعتمة، وطموحاً مشروعاً لكسر الرتابة التي فرضتها الجغرافيا السياسية المثقلة بالتبعية والتشظي. إن المسرح الذي نطمح اليه، ليس مجرد رقعة خشبية تُستعاد عليها أمجاد الماضي، بل هو مختبر حي تنصهر فيه اللهجات المحلية المحكية بوقار اللغة الفصحى، وتذوب فيه المسافات بين "الممثل" و"الجمهور" لتُستبدل بعلاقة عضوية نابضة، تعيد للجمهور دوره كصانع للمعنى وشريك في الحلم.

إن بناء كينونة مسرحية عابرة للحدود يستلزم شجاعةً في مواجهة "التابوهات"، واستعادةً لمساحات الحرية التي صودرت تحت ذرائع شتى، فالمسرح في جوهره هو رئة التنفس للمجتمعات، وحين يضيق أفق الحرية، يختنق الإبداع في غرف الرمزية المغلقة. إن المهرجانات المسرحية الجادة، والتبادل الثقافي الحقيقي هما النافذتان اللتان يمكن من خلالهما عبور نفق الانعزال نحو فضاء عربي رحب، يستلهم من "الطيب الصديقي" جرأته وريادته ومن "قاسم محمد" عمقه ومغامرته، ليصيغ سردية مشتركة تجمع شتات الروح العربية.

وختامآً، إن البحث عن الهوية المسرحية المشتركة لا يعني إطلاقاً البحث عن مسرح متجانس حد التطابق، بل عن مسرح يحترم التنوع ويحيله إلى سيمفونية بصرية وفكرية موحدة، قادرة على انتزاع الصرخة من الشفاه الصامتة، وإحالة العتمة إلى ضياء كاشف يعري الهشاشة ويبني القوة. إنها دعوة لاستعادة الذات المسرحية من مخالب التغريب والتبعية، ليصبح المسرح العربي مرآةً صافية، لا تعكس وجوهنا المتعبة فحسب، بل ترسم ملامح مستقبلنا المشترك في عالم معولم لا يعترف إلا بالأقوياء بهويتهم، والواضحين في رسالتهم. وبذلك وحده، يكف المسرح عن كونه ترفاً نخبوياً ليصبح ضرورة وجودية، وصوتاً للحقيقة لا يغلبه الصمت.

***

علي ماجد شبو

 

هايكو الشاعرة بلقيس خالد

اتسم مفهوم "الهايكو العراقي" عند الشاعرة بلقيس خالد برصد الواقع العراقي وأحيا الروح في الأشياء الجامدة لتبدو كائناتٍ حيةً تتفاعل، لا مجرد أجرامٍ ساكنة. وتعد هذه الأنسنة مفرطةً أحياناً من وجهة نظر الهايكو الكلاسيكي، لكنها تبدو طبيعية إذا نظرنا إليها كأسلوب سريالي في الهايكو الحديث، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نصنف هذه النصوص كسريالية أم لا؟ كما في الهايكو التالي:

 تدعوني الطاولة أَن أَضعَ يدي عليها،

 لأشعرَ بهِ:

 دفءٌ بثتهُ الشمس..

**

من البديهيات المتعارف عليها في الهايكو مبدأ "أرِني ولا تخبرني" وقد نجحت هذه النصوص في تحقيق هذا المبدأ بمشهدية محايدة، اقتنصت لحظات ا دون حشو أو زخرفة لغوية. ومع استخدام علامة القطع (النقطتين الرأسيتين مثلا)، خلق النص فراغاً ومعادلاً موضوعياً بين نهاية القطع والسطر الذي يليه:

 يكتبُ رسائلَ صغيرةً

 إلى الهواء:

 بخارٌ يتصاعدُ من فنجان قهوة.

**

 من السدرةِ تهبط العصافير..،

 وتختبئُ

 في جيبِ ابن الجيران.

**

أما هذه النصوص:

 لأَولِ مرةٍ لم يُطاردني،

يركضُ حافياً..

 الوقت.

**

أَطفو بين فكرةٍ وأُخرى،

فتتساقط على الأَوراق.. بتلات:

الحروف.

**

 مُعلّمٌ.. قاسٍ وجميلٌ: الشوق.

**

 أَلمسُ الأَشياء فتُغني،

 عدوى لطيفةٌ انتشرت في أَصابعي:

 الحب.

**

 كأننا عشنا أَلف وداعٍ

قبل أَن نتعلم كيف نقولُ:

 مرحباً.

**

 كأَنها طريقٌ مقصودٌ: أَخطاؤنا.

**

 نسيتُها..

 في اللحظة المناسبة:

كلمةٌ، كنتُ على وشك قولها.

هي أقرب إلى الومضة والحكمة، إذ لم نجد فيها من تقنيات الهايكو —كلاسيكياً كان أم حديثاً— وهذا لا ينفي عنها جماليتها . وتبرز اللغة الاستعارية في تعبيرات مثل: "عدوى الحب" و"بتلات الحروف"، وهي من تأثيرات قصيدة النثر حيث يتداخل المفهوم المجرد مع الصورة البصرية، مما يضفي طبقة من الضبابية على تقنيات الهايكو الرئيسية، وهي "الصورة الحسية المشهدية". الملاحظة الثانية هي استخدام كاف التشبيه لو افترضنا أن هذه النصوص هايكو. طبعا التشبيه من تقنيات الهايكو لكن استخدامه بكثرة في الهايكو يضعف الهايكو وقد تجاوز الهايكو المعاصر هذه التقنية بتقنية التجاور دون الحاجة إلى استخدام أدوات التشبيه منذ هايكو عزرا باوند الشهير:

ظهور هذه الوجوه في الحشد

بتلاتٌ على غصنٍ رطبٍ، أسود

**

وفي السياق ذاته، جاء النص الأخير أقرب إلى الدعاء والمناجاة، وهو نص صوفي بامتياز:

إلهي..

كطفلةٍ.. تطلبُ أَن يُعاد خلقها من الضوءِ،

وقفتُ على بابكَ.

وهذا النص متناصٌّ مع النص المنسوب إلى "حبيبة العدوية" في مذهب الحب الإلهي، وثنائية الضوء والجمال، وموضوعة الباب المفتوح:

"إلهي.. غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك".

إن تجربة الشاعرة بلقيس خالد تتأرجح بين رصد الطبيعة (**هايكو**) ورصد الطبيعة الإنسانية (**سينريو**) بصدق وعاطفة عراقية جياشة. تتجلى الطاقة السائلة في هايكو بلقيس خالد في تمردها الواعي على صرامة الأشكال اليابانية، وانزياحها نحو سيولة تتجاوز ضيق التقنيات لتذيب الحدود المتعارف عليها بين الأنا وبين الطبيعة. فنصوصها لا تقيدها لحظة الاقتناص، إنما تولد كتدفق عضوي يشكل ماهية القصيدة لحظة ولادتها؛ فتارة تطل علينا بجنس الهايكو، وتارة كومضة أو حكمة، وأحياناً كمناجاة صوفية. أمام هذا التدفق المنفلت من القوالب، يبرز تساؤل نقدي ملح: لماذا نحصر هذا الفضاء الجمالي الرحب تحت تسمية "الهايكو العراقي"؟ إن حصر هذه التجربة ضمن هذا العنوان الضيق (الهايكو) قد يؤدي، دون قصد، إلى تحجيم طاقتها التعبيرية وتقويض حيويتها التي تتجاوز الهايكو إلى أشكال تعبيرية لا تقل أهمية عن الهايكو.

***

عباس محمد عمارة

.........................

* ملاحظة: نشرت هذه النصوص (تفسير ما لا يقال) في موقع "الحوار المتمدن"، العدد 8704، بتاريخ 11/5/2026، في محور الأدب والفن.

للشاعرة هادية السالمي

تمضي قصيدة "شتاء على كتفيَّ" للشاعرة هادية السالمي دجبي في مسارٍ وجوديّ عميق، حيث لا يعود الشتاء فصلًا مناخيًا، بل يتحوّل إلى بنية أنطولوجية تُقيم داخل الذات، وتعيد تشكيل علاقتها بالغياب، والزمن، واللغة، والرجاء. ومن منظور "فلسفة الأمل الكوني"، يمكن قراءة هذا النص بوصفه صراعًا بين انكسار الكينونة وإرادة النجاة الروحية، بين خراب العالم الداخلي وإمكانية استعادة المعنى عبر الدعاء والنور.

منذ المطلع، نواجه ذاتًا تتجدّف داخل الفراغ:

"فراغُ الغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى"

إن القلب هنا لا يعيش الغياب كحالة نفسية عابرة، بل كفضاء كوني فارغ، أشبه ببحرٍ بلا ضفاف. واللافت أن فعل "يجدّف" يوحي بمحاولة النجاة، أي أن الذات لم تستسلم تمامًا للعدم، بل لا تزال تُقاوم. وهذه المقاومة، وإن بدت واهنة، تمثل في فلسفة الأمل الكوني الشرارة الأولى للإنسان الإنساني؛ فالإنسان لا يُعرَّف بسلامه، بل بقدرته على الاستمرار داخل العاصفة.

القصيدة مشبعة بصور الانهدام: الجدار الذي كان مأوى "قضى"، الأغاني "تلاشت"، العطاف "هوى"، والسماء يغشاها الدخان.

إننا أمام عالم يفقد تدريجيًا عناصره الحامية: الموسيقى، الحميمية، الضوء، وحتى اللغة نفسها. لذلك يصبح "شتاء الحروف" أخطر من الشتاء الطبيعي، لأنه يعني انهيار القدرة على التعبير، أي انهيار المعنى ذاته. فاللغة في التجربة الإنسانية ليست أداة وصف فقط، بل بيت الوجود كما يرى Martin Heidegger، وحين تتجمّد الحروف يصبح الإنسان منفيًا حتى من صوته الداخلي.

غير أن النص، رغم كثافته السوداوية، لا يغرق في العدمية المطلقة. هنا تتجلّى خصوصية القصيدة؛ فهي لا تنتهي إلى الإنكار، بل تعبر نحو التوسّل النوراني:

"و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى"

هذه النقلة من الغياب إلى الدعاء تمثل لحظة التحول الفلسفي الكبرى في النص. فالأمل هنا لا يأتي من الواقع الخارجي، ولا من الحبيب الغائب، بل من الارتباط بالمطلق الرحيم. إن الذات حين تعجز عن ترميم العالم بالأغنية والمجاز، تتجه نحو البعد الروحي بوصفه آخر إمكانات الخلاص.

ومن منظور فلسفة الأمل الكوني، فإن هذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه يؤكد أن الإنسان حين يفقد المعنى الأرضي لا يموت بالضرورة، بل قد يعيد اكتشاف المعنى عبر الوعي الكوني المتجاوز للألم. لذلك يصبح الدعاء في القصيدة فعل مقاومة وجودية، لا مجرد ابتهال ديني.

القصيدة أيضًا تؤسس لما يمكن تسميته "جغرافيا الغياب". فالغياب لا يسكن شخصًا واحدًا، بل ينتشر في الأشياء كلها: في العشب، في النوافذ، في الحديقة، في التراب، وفي القصيدة ذاتها.

وهنا يتحول العالم إلى مرآة داخلية للحزن. فالطبيعة لم تعد كائنًا حياديًا، بل أصبحت امتدادًا للذات المجروحة. وهذا البعد يقترب من الرؤية الصوفية التي ترى الكون متلبسًا بأحوال الروح؛ فإذا انطفأت الروح اظلمت الأشياء كلها.

كما أن تكرار سؤال:

"فأيُّ مجازٍ..."

ليس سؤالًا بلاغيًا فقط، بل سؤال معرفي وأنطولوجي: هل ما تزال اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟ هل يستطيع الشعر أن يرمّم الخراب؟

والقصيدة لا تقدّم جوابًا مباشرًا، لكنها تُلمح إلى أن المجاز الحقيقي ليس في الزخرفة اللغوية، بل في القدرة على تحويل الألم إلى صلاة، والغياب إلى بحث عن نور.

إن "الشتاء" في النص ليس نهاية مطلقة، بل مخاض روحي عسير. ولذلك تنتهي القصيدة لا بالانطفاء، بل بالرغبة في الإفاقة:

"فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني"

وهذا النجم، في القراءة الكونية، هو رمز الوعي، والأمل، والإشراق الداخلي الذي لا يزال ممكنًا رغم كل هذا الركام.

لقد استطاعت الشاعرة أن تكتب نصًا يتجاوز الرثاء العاطفي التقليدي إلى تجربة وجودية شاملة، حيث يمتزج الشعر بالفلسفة، والحزن بالدعاء، والخراب بإرادة الخلاص. إنها قصيدة تُعلن أن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته بردًا ووحدة، يظل قادرًا على أن يرفع قلبه نحو الضوء.

***

الأستاذ الناقد إبراهيم عثمان - الجزائر

........................

شتاء على كتفيَّ

فراغُ الْغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى.

و لا بدرَ في الدَّربِ

يَرْتُقُ ما جرَّفَتْهُ سياطُ الْجَوَى .

و كلُّ الْأغاني تلاشَتْ

و ذاكَ الْعِطافُ هَوَى.

و ذاك الْجِدارُ الّذي

كنتُ أسْري إليْه

قَضَى.

و حَطَّ الشّتاءُ على كتِفَيَّ

و شَظَّى الْعِصِيَّ.

*

تجاويفُ وجهي

يُجَدِّفُ فيها غبارُاللّظَى.

و يَغْشَى الدُّخَانُ سمائي

و يَطْغَى الْأسى.

وهذي الْغُيُومُ

تُشَظِّي قصيدي

و تُدْمِي يَدِي.

*

ثقيلا يجيءُ شتاءُ الْحُروفِ

و لستَ معى.

و لا شيءَ في الْكَلماتِ

يُعَطِّرُ مِحْبرَتي.

و لا سَقفَ

يَحرُسُ دفءَ شهِيقي وحُنجُرَتي.

فأَيُّ مَجازٍ

يُطَرِّزُ للّيْلِ أجنِحَةً؟؟؟

و لستُ أرى برتقالا

بغير ازرِقاقٍ أبي.

*

و هذا الْغيابُ

يُرَصِّفُ في الصّدرِ أقفاصَهُ.

و كلُّ نوافذِ فجري

تُغَلِّقُها زَفَراتُ الْغُروبِ أبي.

فأيُّ مجازٍ

به أَفتَحُ الْيوْمَ للنُّورِ

بابًا يُدَفِّئُني؟؟؟

أُفتِّشُ في الدّارِ

عن وجهِ أُغنيَةٍ كنتُ أَلْمَسُها.

فيَهْمي السّرابُ على مُقْلَتَيَّ

كثيفا،

و يَرْغُو الصَّدَى.

ولا نغمَ الْيوْمَ

يُوقِظَ فيَّ الطُّفولَةَ أو فَيْأَها.

و لا عنبَ الْيوْمَ يكتُبُني

في ومِيضِ السَّماواتِ

أو ريشِها.

و أسألُ عشبَ الْحديقةِ عنكَ

فلا يبتَسِمُ لي.

و يهطِلُ منه سوادٌ

يُغَشِّي الْأديمَ و يَحرِقُني .

و يَخْتَضُّ بين يَدَيَّ

تُرابٌ جَفَتْهُ خُطاكَ

فما خَمَدَتْ نارُهُ.

*

ثقيلٌ جُؤُومُ الشّتاءُ على مِعصمي.

و لستُ أُفيقُ

لِأَقطِفَ نورا يُحَدِّثُني.

فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني.

*

و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى

أنْ يُغِيثَ الْفُؤَادَ

بِنُورِ السَّلامِ وفيْضِ التُّقَى.

و إنِّي لَأَدْعُو الرَّحِيمَ

يُفيضُ رِضاهُ عليكَ فَتَرْضَى.

***

بقلمي هادية السّالمي دجبي- تونس

جدلية السلطة والهامش في شعر أجود مجبل

في ضوء التحولات التي يشهدها الخطاب الشعري العربي المعاصر، لم تعد شخصية «الصعلوك» تُستدعى بوصفها معطىً تاريخيًا أو نموذجًا سرديًا ينتمي إلى سياق الجاهلية وأخبار العرب فحسب، بل غدت بنيةً ثقافية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل داخل الحاضر الشعري. إذ يتجاوز هذا التوظيف حدود الاستعادة التمثيلية للشخصية التراثية إلى تحويلها إلى «أرشيف للهامش» العربي، بما يحمله من دلالات الفقر، والتمرّد، والانفصال عن أنساق المركز، وما يتفرع عنها من تمثلات للعنف الرمزي والرفض غير المؤسسي. ومن ثمّ فإن الصعلوك في الشعر الحديث لا يعود كذاتٍ مكتملة المعنى أو بوصفه بطلاً مضادًا بالمعنى التقليدي، بل يتحول إلى كيان إشكالي يعيش توترًا دائمًا بين المقاومة والانكسار، وبين الفعل والإقصاء. وفي هذا السياق، يغدو الصعلوك أقرب إلى استعارة للذات الثقافية المهمَّشة في صورتها المعاصرة، ولا سيما ذات المثقف أو الشاعر الخارج عن مؤسسات الاعتراف والسلطة، بحيث تتقاطع دلالته التراثية مع تمثلات الحاضر في إنتاج صورة مركبة للهامش بوصفه مجالًا للصراع بين الرغبة في التمرد واستحالة اكتماله. ومن هنا، فإن استدعاء الصعلوك في النصوص الشعرية الحديثة لا يُفهم بوصفه إحالة تاريخية، بل بوصفه استراتيجية ثقافية لإعادة قراءة العلاقة بين المركز والهامش، والسلطة والذات، ضمن أفق جمالي ومعرفي يتسم بالتوتر والانفتاح الدلالي.

وفي هذا السياق لا تستعيدُ القصيدةُ الحديثةُ الشخصياتِ التراثيةَ بوصفها عناصرَ زخرفيةً أو إحالاتٍ معرفيةً معزولة، بل بوصفها أنساقًا ثقافيةً قابلةً لإعادةِ التأويلِ داخلَ شروطٍ تاريخيةٍ جديدة. ومن هنا يمكن قراءةُ استدعاءِ شخصيةِ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل ضمنَ أفقٍ يتجاوزُ التناصَّ المباشرَ مع التراث، إلى محاولةِ إعادةِ إنتاجِ صورةِ المثقفِ العراقيِّ المعاصر عبر قناعِ الصعلوك العربي. فالصعلكةُ من منظورٍ ثقافي، ليستْ مجرّدَ ظاهرةٍ اجتماعيةٍ ارتبطتْ بالفقرِ أو العنفِ أو التمرّدِ الفردي، بل هي تمثيلٌ مبكرٌ لأزمةِ العلاقةِ بين الفردِ ومنظومةِ المركز؛ أي بين الذاتِ الهامشيةِ والبنيةِ السلطويةِ التي تنتجُ الشرعيةَ والانتماءَ والمعنى. ولهذا فإن الصعلوكَ العربيَّ كان دائمًا كائنًا فائضًا عن النظامِ الرمزيِّ للقبيلة، تمامًا كما يبدو المثقفُ الحديثُ فائضًا عن أنظمةِ السلطةِ السياسيةِ والهوياتِ المغلقةِ في السياقِ العربيِّ الراهن.

ضمنَ هذا التصور، لا يعودُ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل شخصيةً تاريخيةً بقدرِ ما يغدو بنيةً رمزيةً تُعيدُ تمثيلَ الذاتِ الثقافيةِ المهشّمةِ في الواقعِ العراقي. ولذلك يبدأُ النصُّ بتقويضِ الوظيفةِ التقليديةِ للصعلوك بوصفهِ صيادًا أو منتجًا للغنيمة:

«خِراشُ السَّواديُّ ما اصطادَ شيئًا

ولمْ تتكاثرْ عليهِ الظِّباء»

إن فعلَ النفي هنا لا يشتغلُ على مستوى الحدثِ فقط، بل على مستوى النسقِ القيميِّ الكامنِ خلفَهُ. فالقصيدةُ تنزعُ عن الشخصيةِ مفهومَ «الظفر» الذي كان يُنتجُ شرعيةَ البطولةِ في المخيالِ القديم. وبهذا المعنى يتحولُ خِراشُ من ذاتٍ فاعلةٍ داخلَ اقتصادِ الغلبةِ إلى ذاتٍ مُقصاةٍ منطقًا وتاريخًا. غير أن النصَّ يعيدُ تعريفَ الغنيمةِ نفسِها حين يقول:

«صحيحٌ هو اصطادَ نافذةً

ومنها أطَلَّ على الأصدقاء»

فالنافذةُ هنا لا تؤدي وظيفةً مكانية، بل تتحولُ إلى استعارةٍ إبستمولوجيةٍ للرؤيةِ وإمكانيةِ الاتصالِ بالعالم. إن خِراشًا لا يربحُ الأرضَ أو السلطةَ أو الامتياز، بل يربحُ «إمكانَ النظر»، أي القدرةَ على الاحتفاظِ بحدٍّ أدنى من الوعيِ داخلَ واقعٍ مغلق. ومن هنا تتبدّى القصيدةُ بوصفها دفاعًا عن الهامشِ الثقافيِّ بوصفهِ آخرَ مساحةٍ ممكنةٍ للحرية. ويزدادُ هذا المعنى وضوحًا في قوله:

«عليهِ تكاثرتِ الطلقاتُ

وكان يُدافعُ عنهُ الهواء»

فالطلقاتُ لا تُقرأُ هنا بوصفها عنفًا ماديًا فحسب، بل بوصفها تمثيلًا مجازيًا لمنظوماتِ الإقصاءِ التي تُمارسُها السلطةُ بمختلفِ أشكالِها: السياسية، والاجتماعية، والأيديولوجية. أما «الهواء» الذي يدافعُ عنه، فيكشفُ هشاشةَ الحمايةِ التي يمتلكُها المثقفُ الحرُّ داخلَ بنيةٍ تُعادي الاختلاف. فالهواءُ، بوصفهِ عنصرًا غيرَ قابلٍ للامتلاك، يتحولُ إلى رمزٍ للحريةِ المجردة؛ تلك الحريةِ التي لا تستندُ إلى مؤسسةٍ أو جماعةٍ أو يقينٍ مغلق. ومن هنا فإن الطعناتِ المتكاثرةَ لا تنتهي بالفناء، بل تُنتجُ شكلًا آخرَ من الوجود:

«فأصبحَ يملكُ هذا العراء»

إن العراءَ في هذا السياق لا يحيلُ إلى الفقدِ وحده، بل إلى انكشافِ الذاتِ خارجَ جميعِ البنى الحامية. وبهذا المعنى يتحولُ العراءُ إلى فضاءِ حريةٍ سلبية؛ أي حريةٍ لا تتحققُ عبر الامتلاك، بل عبر التخلّي القسريِّ عن المركز. وهنا تقتربُ القصيدةُ من التصوراتِ الوجوديةِ التي ترى أن الإنسانَ لا يمتلكُ حقيقتَهُ إلا بعدَ انهيارِ الأوهامِ الجماعيةِ الكبرى.

أما صورةُ الحقيبةِ التي «تتساقطُ منها النساء» فتشتغلُ بوصفها أرشيفًا رمزيًا للذاتِ العاطفيةِ المهشّمة. فالنساءُ هنا لا يمثلنَ حضورًا جسديًا بقدرِ ما يمثلنَ آثارًا لذاكرةٍ شخصيةٍ متشظية، الأمرُ الذي يجعلُ الحقيبةَ استعارةً للمنفى الداخليِّ الذي يحملهُ الفردُ معه أينما ذهب. وتبلغُ القصيدةُ ذروتَها الثقافيةَ حين يتحولُ القبرُ إلى مقهى:

«وبعدَ سنينٍ رأوا قبرَهُ صارَ مقهًى

يلوذُ به الشعراء»

فالمقهى، في الذاكرةِ الثقافيةِ العراقية، ليس فضاءً ترفيهيًا فحسب، بل مؤسسةً رمزيةً بديلةً عن المؤسساتِ الرسميةِ المغلقة؛ إنه فضاءُ الاعترافِ الهامشيِّ وتداولِ الخطاباتِ الممنوعةِ وإنتاجِ المعنى خارجَ السلطة. وحين يتحولُ القبرُ إلى مقهى، فإن الذاتَ الشاعرةَ تتجاوزُ حدودَ الموتِ الفيزيائي لتغدو أثرًا ثقافيًا مستمرًا في الذاكرةِ الجمعية؛ ولهذا تبدو الخاتمةُ منسجمةً مع البنيةِ الرمزيةِ للنص:

«ولكنَّهُ لم يمتْ،

هل يموتُ الذي قلبُهُ عامرٌ بالغناء؟»

فالغناءُ هنا لا يُقرأُ بوصفهِ فعلًا جماليًا فحسب، بل بوصفهِ طاقةً مضادةً للعدم؛ أي قدرةَ الذاتِ على إعادةِ إنتاجِ المعنى في مواجهةِ الخراب. وبذلك ينجحُ أجود مجبل في تحويلِ شخصيةِ «خِراش» من مجرّدِ إحالةٍ تراثيةٍ إلى استعارةٍ ثقافيةٍ للمثقفِ العربيِّ المعاصر؛ ذلك الكائنِ الذي خسرَ علاقتَهُ بالمركز، لكنه ظلَّ يمتلكُ شيئًا أخيرًا: قدرتَهُ على تحويلِ الهامشِ نفسِه إلى فضاءِ مقاومةٍ رمزية. ومن خلاله يُطلُّ الشاعرُ المعاصر بهمومه المعيشة مجسِّدًا من خلال استدعائه شخصية الصعلوك "خراشة" ما يريد قوله بصورةٍ ذكيّة يتحسّسها المتلقّي الذكيّ لسبر مثل هكذا خطاب شعري يأبى أنْ  يقدّم إدانته للواقع مثل إفادةٍ باردة لشخص يقف بين يدي محقق يستجوبه فيما يريد. وهذا بحسب ما أراه ويراه غيري من نُقّاد الشعر الحديث، تقنية جدّ مهمة في إنقاذ الشعر العربي بشكله النمطي/ التقليدي، من أوزار التقريرية والخطابية التي ابتُلِي الكثير من الشعراء فيها، ويُمكن أنْ أجازف بالقول: إنَّ أجود مجبل هنا، مارسَ ضربًا من الصعلكة الفنّية، بعد أنْ أشرنا أنها تنطوي على التمرُّد على أنساق المجتمع، فهنا الشاعر يكيّفها لا بما يريد الإفصاح عنه من مضامين وأفكار فحسب، بل بمجمل هذا الاستدعاء الفنّي الذكيّ لشخصية الصعلوك "خراشة"، بل أكثر من ذلك، حين يتمرد على النمطيّ المعتاد عند الشعراء المعاصرين، حين اتّكأوا على أبرز رموز الصعلكة، مثل: عروة بن الورد، أو الشنفرى، أو تأبط شرًّا، ولم ينفضوا الغبار عن رموز أخر تُمثّل هذا الاتّجاه مؤكِّدًا حضوره الواعي في التراثي وبحثه العميق في طياته.

***

د. وسام حسين العبيدي

إشكالية التنميط العرقي والاستيهام في مكونات السرد

توطئة: ما جعلني ألتفت إلى عمق دلالات رواية (لأني أسود) كونها تحمل تلك التفاصيل المنتجة في المواقف والعواطف والأفكار، مما يجعلها تحليلا وتأويلا عن موت الانسان المغاير في عرقه ومذهبه وهويته، وصولا إلى تفاصيل جعلت من زمن أحداثها علاقة تدرجية في المرشح الانفصالي والتعالقي في مستوى وحدات السرد العضوية المتماسكة. ولعل الرواية في ظل هواجسها الحسية إستكمالا في طرح (الظاهر ــ الخفي) من مخصبات ورهانات واقعية متحكمة في نسج التفاصيل والأوصاف المتواترة في مدى خطوطها وحظوظها السياقية التي راحت تكتسب من خلالها جملة ترجيعات تمثيلية مصدرها غالبا ذلك النزوع المحوري في علامات نمو الشخصية وعوالمها السردية المتواترة ضمنا وعلنا من خلال حسية (التكوين العرقي) ومحفوظية العملية الاستفهامية في أواصر الهيكل السردي.

ــ فضاءات المتخيل وخصوصية الكينونة التوالدية

تظل محاور أشكال ومفاهيم الفضاء وطرق تبنينها متداخلة، حيث يفضي بعضها إلى بعض، ذلك منذ لحظة الاسقاط الولادي في الإشارة والأداة والتوالد، اتساعا نحو فضاءات ذات مرجعية مغلقة ومفتوحة، الأولى تتعلق ب(مثل كل الأطفال ولدت أصرخ.. هم يصرخون المستقبل المجهول، وأنا أصرخ المستقبل المعلوم. / ص1 الرواية) ويحيل هذا الشطر إلى مرجعية تتمثل في بلوغ حالات أكثر انسدادا وعطبا، خصوصا وإن وجهة النظر الروائية جاءتنا تعبيرا عن فراديس طفولية محكوما عليها بالنفي والأقصاء، فتتوالد الأحلام ملخصا لسيرة موحشة مصدرها المشاعر والخوف والترقب. ويعتبر الشطر المفتوح نظيرا في التداخل والاندغام من الحد الأولي من الفضاء، لذا فإن الشطر الآخر يعبر عن ملموسية مفتوحة من فعل الذات الأولى، وسنحاول أثناء تحليلنا للعناصر الروائية فصلها ولو نسبيا، حتى نميز مميزات كل فئة توالدية من خطوط التشارط المرجعي في النص الروائي.

1 ــ التوالد الرحمي ومختزلات التباين الاختلافي:

في إطار صيغة الخطاب المرشح يتم التفاعل النصي مع تمظهرات مادة رحمية يوظفها الحيز الكتابي في سياق جزئية تأريخية لها من الزمن الخطابي ما يؤهلها على اللعب ك (ناظم خارجي / داخلي) ينقل لنا سمات هذا الخطاب من خلال (الحكي داخل الحكي) امتدادا نحو ذلك الصوت الشهودي الذي يرويه الناظم الخارجي، وهو الخطاب الروائي الأول في نواة الحكاية: (و من بين تشققات جسد أسود.. استقيت أولى بوادر الحياة.. حاملا صبغة جينية داكنة.. ترسم هالتي، تلتصق بجلدي.. تتسرب إلى خلاياي.. وتغزل من السواد نسيجا تاريخيا معتقا. / ص1 الرواية) كذلك يبدأ الأمر ب (الفاعل الذاتي / المتكلم) على حركة السرد، حين يقوم هذا النوع من المروي بممارسة الفعل السردي من خلال تقنيتي (السرد ــ الوصف) وفي غضون هذا وذاك تتنامى عملية المسافة الأحداثية بشكل بطيء، كما إنه يصف معالم الفضاء الرحمي من خلال عين تبئيره له: (لحظتها.. أصدرت حنجرتي صراخا شق سكون المكان.. خشية مستقبل ينضج بالاختلاف.. محمل بأرث عنصري لا فكاك منه. / ص1 الرواية) فهو كعادته في مستوى السرد، يتبين لنا كساردا مبئرا، إلا إن اختلاف الأفضية المكانية التي يتنقل فيها المتكلم يتبعها اختلاف في زاوية التبئير، ومن ذلك تموقعه من خلال مسرودية: (إرث اعتاد أن يلبس السواد، ويعتز به كملك للألوان.. كما اعتاد أن يسلب الأرواح السوداء ملكها. / ص2 الرواية) ولأجل أن تكتمل الصورة المخصوصة رصدا لتفاصيل عوالم المكان تتسع الرؤية إلى موقع الأطراف البيضاء الممتد نحو الجسد الغاطس في طقوس سواده: (في تلك الغرفة المفعمة بالبياض، لمع جسدي الصغير على الأكف البيضاء. كنت أصرخ.. ارتجف.. واعلن للعام.. سوادي.).

2 ــ التداخل في الخطاب:

فهناك خطاب يرويه الناظم المشارك، وهو الخطاب الاحوالي يسرد بطاقة تعرفية تختص بها ماهية الأنا باعتبارها نقطة الارتكاز الملفوظي وسيرة تحولاتها من خطاب تعزيزي يؤكد للقارىء مخطط هويتها الوجودية والإرادية: (جمال.. أسمي / الأسود.. لوني / هل أتمنى ألا يكون لوني؟ !. / ص2 الرواية) من جهة أخرى يمكننا الانتباه إلى مدى التعويل من قبل الكتابة الدعاس حول إحالات مشروعية الإشكالية الاختلافية. فالدعاس تضع شخوصها كشخصية الأم جوان والأب فوزي في مساحة ملغومة من التعويل حول مسألة اللون والعرق بما لا يتناسب أحيانا وحدود الوظيفة السردية تشخيصا: فهل الدعاس تشخص حكاية ضمن أفق الانموذج؟ أم إنها تسعى إلى تجسيد حقيقة سيكولوجية وأخلاقية صارلها من التدليل ما يفوق الوصف الواقعي؟. الدعاس تحدد آليات حكايتها الروائية بشكل يشتغل بصفته هما مشتركا بين (الأنا ــ الآخر) وقد يتم تعليق صور الحالات الموقفية من خلال الوعي الإنساني أو من خلال فاعلية الانطباعات الحسية والصور بضروب التغير والتقلب والتدفق والتفاعل مع ماهية الانموذج. لقد أشرنا منذ برهة إلى أن الحكاية الروائية أخذت تمتد إلى أواصرية زمن حكاية فوزي وجوان وقد ينتج مؤشرات هذه الفصول الأولى والمتوسطة من أجمل ما قامت الدعاس في سكبه من مؤولات وفقرات روائية.

ــ مواقع الأحداث ومعزولية الشخصانية النائية

لعل الشخصية في بناء رواية (لأني أسود) شديدة التركيب والتباين والتنوع، لذا فالشخصية نجدها تتمثل بفاعل الأم (جوان) حيث تتعدد نوازع الذات من خلال علاقتها بمحيطها الأمريكي وصولا إلى ذروية احلامها الوردية في الاقتران بذلك الفارس الأقل سوادا منها، ولكن بناء الحكاية يطرح لنا شخصية فوزي الكويتي الأشد سوادا من بشرتها، ولكن للرجل روح إنسانية وحيوية خاصة في التعامل مع جنس النساء. في الحقيقة لا أود الاطالة في سرد كامل الحكاية المخصوصة بعلاقة جوان وفوزي، لأنها ببساطة استجلاء لسياقات نزوعية خاصة في شكل ومحاور وقائعية الاحداث. عموما أقول أجادت الدعاس في صياغة أفعال حكاية جوان وفوزي بما يناسب ووعي العالم التخيلي، فتظهر بوصفها المقاصد والإيحاءات التي تتمم الفاعلية في رسم المواقف والأحوال من قبل الشخصيتين. عموما فرواية (لأني أسود) رواية تصلح لمتعة القراءة أكثر من كشوفية المقاربة النقدية، ذلك لكونها رواية جمالية تعتمد آليات وتقانات حكائية مألوفة في البناء الروائي الذي يسعى بدوره إلى خلق ومعالجة موضوعة هامة وبأدوات وأفكار ورؤية سردية جديدة ومشوقة.

ــ تعليق القراءة:

لعل ما تقترحه رواية (لأني أسود) هو الخيط الزمني الذي يعالج التصورات والأفكار العنصرية التي تجاوزت الحدود الإنسانية تماما، فجوان وفوزي وجمال هم ضحية الحدوث العنصري المقيت، لذا فهؤلاء الثلاثي نموذجا عن حدود قصوى من إشكالية التنميط العرقي راح كل منهما يتبدد في خيوط وحشية من الاستبعاد والسقوط من تركيبة المجتمع السليمة. فذاك جمال يصطدم بحكاية عشقه بمحبوبته سارة ذات البشرة البيضاء، ولكنه كالعادة يصطدم بذلك التابو العرقي الذي جعل منه مجرد صبغة سوداء ذات مساحات كبيرة من اللاجدوى المتداعية بالفرار والهجران إلى موطن والدته أمريكا حيث الحدود العنصرية هناك تبدو أقل التباسا وإشكالية في الوصل والمواصلة والمماثلة والتمثيل. وهكذا تسجل رواية (لأني أسود) أعلى العلامات السردية الاستبعادية الحاضرة في الذاكرة القرائية الروائية التي تستدر لذاتها العديد من المعاني والمشخصات الإضافية في النوع الإبداعي الروائي.

***

حيدر عبد الرضا

في رواية "أوديسيوس المشرقي"  للكاتب بولص آدم

 يستعين الاديب الروائي (بولص آدم) بروح الفن البصري أو الفن التشكيلي، ليربطه بالرموز الأسطورية، لكي ينطق الحاضر في السرد الروائي، وهي محاولة مبتكرة غير تقليدية في الفن الروائي، في التناص والانزياح، في رحلة الرسم من أجل البحث عن عشبة الخلود، من أجل اعادة صياغة مدينته المحطمة الموصل (نينوى) بالفن البصري من خلال احيائها بالفرشاة والألوان المائية، وهذا ما سعى اليه الرسام العراقي المغترب (أوديسيوس)، عند عودة وجد كل شيء محطم ومهدم، الإنسان. البيوت. المعابد. الكنائس والمآذن، سعى لإيجاد مخرج لهذا الخراب، بمحاولة صياغة الحياة والمدينة مجدداً، أو انبعاثها من رمادها، كالطائر المحترق تنبعث له الحياة من رماده. نحن بصدد اهمية الفن البصري، في رسم مدينة الموصل (نينوى) من خلال اللوحة والألوان، يعطيها متنفساً للحياة والخلود، وهو يعبر عن صرخة احتجاجه ضد الخراب العام الذي اجتاح مدينته، لذا فإن السرد الروائي، يستخدم في درامية الحوارات والجدل، والصراع بين الضمير المتكلم والضمير المخاطب، في لغة مشوقة ومرهفة، تدعو الى التمعن والتفكير، في الدلالات الرمزية البليغة في المغزى والايحاء، في استغلال الاسطورة والتاريخ، وروائع الفن التشكيلي من خلال رموزه البارزين، وهو يربط الأدب والفن البصري ومزجهما في بوتقة واحدة، في ملاحقة الحاضر وتسليط الضوء عليه، لكي يؤكد بأن الفن الجمالي في اللوحات التشكيلية، ليس ديكوراً فارغ المحتوى والمضمون، بل انها تحمل رؤية فكرية وفلسفية على أحداث حاضرنا، الذي اجتاحها الخراب، الذي حول الموصل مدينة النور والجمال الى خراب وأطفئ النور، وهو بهذا الصدد يفتح نافذتين على العالم، الذاكرة وإحياء الحياة من جديد، محاولة اعادة الزمن من خلال بعث الروح، حينما يمسك الفرشاة، كأنه يعيد ذاكرة المدينة، ويعيد أحلام الطفولة التي سرقت، والطرق التي تهدمت، بصياغة ترميمها بالالوان المائية، ويضع في كل لوحة زهرة، تحمل روح انبعاث والمقاومة، والإصرار على بناء ما تهدم، ومن خلال رسم اللوحة، هو الخروج من العتمة الى منطقة النور، هكذا فعل الرسام العراقي، الذي تقمص اسم (اوديسيوس) الاغريقي، الذي تغرب عن مدينته (ايثاكا) عشرين عاماً (عشرة اعوام في حرب الطروادة، والعشرة الاخرى صراعه مع أله البحر (بيسودونس) الذي منعه من ان يصل الى مدينته، الى حبيبته (بينولوبي)، وخاض مغامرة في رحلة بحرية طويلة، من اجل البحث عن عشبة الخلود في الوصول الى مدينته، هكذا فعل الرسام العراقي المغترب، أو اوديسيوس المشرقي (أوديسيوس هو ابن الجبال، ابن القرية تهجع كطفلٍ تحت عباءة الاديرة، لم تكن الطائرات مجرد ظلال في السماء، كانت في طفولته كوابيس تأتي بالنار، العام 1961، انشق الزمن، ومنذها عاش مهاجراً في وطنه، يغترب وهو في الداخل، حتى اضطر للرحيل الاخير الى بخديدا، ليس هرباً، بل تحولاً جسدياً، أما الروح فقد بقيت في المنعطفات الاولى من اللوحة، ترصد. وتحن، وتصر على الغناء) ص55. يحاول ان يكرس جهده في الفن التشكيلي في خدمة مدينته في رسم اللوحات (أرسم عقارب هاربة، أرسم وجوهاً لا تملك وقتاً لتبكي، واجساداً لا ظل لها في الضوء الرقمي، في هذا الزمن، لا أحد يموت موتاً حقيقياً، نُدفن داخل بيانات، تغمرنا الشاشات. نختفي، ونبقى مرئيين، الزمن عندي.. كائن مريض، يعاني من سعال فلسفي يمشي الى الخلف حافياً).

 - الدلالة من استخدام الرموز الأسطورية:

1 - الطائر المحترق الذي يولد من رماده (أنا الطائر الذي لم يرسم، كي يعجب به أحد، أنا الطائر الذي احترق، واترك لحناً لم يسمعه أحد، أنا الموصل حين صارت صوتاً بلا جسد، أنا الانسان حين يُقتل لأنه كان يغني) ص9. حيث احترقت في نينوى، البيوت، المعابد.الكنائس والمآذن، احترقت الحياة وأصبح كل شيء رماد، لذا يحاول ترميم الحياة من خلال الرسوم.

2 - الرسام العراقي اوديسيوس، ذكرته أعلاه، ليس هو من رحلة بحرية الطويلة، بل بحثاً عن عشبة الخلود الى مدينته. من خلال لوحات الرسم

3 - جلجامش في رحلته الطويلة، التي عانى بها الاهول، بحثاً عن عشبة الخلود لنفسه،

4 - الشاعرة السومرية، التي تغني في معبد (إنانا)، لتعيد رونقة الحياة بالغناء، تعيد ترميم الأرواح، وهي تقاوم الزمن، من اجل الوصول الى عشبة الخلود، خلود مدينتها ومعبد (إنانا). لذا فأن الرسام العراقي (اوديسيوس المشرقي) يستلهم هذه الرموز الاسطورية، وكذلك يستلهم رواد الفن الحديث. من بيكاسو الى الرسام الإيطالي مايكل أنجلو، الذي اعاد الحياة الى الكنيسة القديمة، في رسم جدرانها الداخلية، ليبعث فيها الحياة والخلود، وهذا يؤكد على اهمية الفن في ترميم الارواح، وبعث الحياة من جديد، بالفن لا يموت اي شيء، بل يبقى خالداً وحياً، وهذا ما يفعله الرسام العراقي الى مدينته الموصل (نينوى )، ويضع في كل لوحة زهرة، وهي تدل على الجمال والروح والحياة النابضة والمقاومة (لا أريد رسماً جميلاً، أريد رسماً صادقاً بما يكفي ليكمل صلاتي، هذه الزهرة ليست زخرفة، أنها جرح مفتوح بلون دافئ، احياناً تهمس لي اللوحة.... اكسرني كي اتكلم) ص36. يتقمص مقولة سقراط: تكلم حتى اعرفك. لذا يعتبر كل لوحة، تفتح باباً للحياة، وتكسر الحصار في شقوق الخراب، يرسم في محاولة انبعاث الأرواح التي أهملها الزمن، بالرسم يعيد سكة الحياة الى مسارها من شقوق الزمن ( ان تستمر اليد بالرسم، حتى حين لا ترى العين الطريق، تبقى المدينة التي ترسمنا، أجمل، وأصدق من كل الخرائط، هذا الطير العازف في لوحة اوديسيوس المشرقي، ليس رمزاً فقط، بل هو، نينوى، وقد تعلمت الغناء من فوضى الحرب، والعزف من حطام الذاكرة، والتحليق من جدار الحالمون) ص156.

 بهذه الرونقة الابداعية يربط الفن بالادب، ليعبر عن مشروع بالغ الأهمية، أنه يسعى الى عشبة الخلود الى نينوى، مدينة الانبياء والحضارة والتاريخ.

***

جمعة عبد الله

لا نعرف لماذا لا يحب أمبرتو إيكو كرة القدم؟.. هل حقيق به أن لا يحب كرة القدم لأن كرة القدم لاتحبه، هي الأخرى، البتة؟ أم أن طفولته تختلف، جذريا، عن طفولة غيره من الأطفال؟.. لنتأمل المشهد الأول من الحكاية.

عندما كان أمبرتو إيكو طفلا، كان ينتمي إلى ذلك الصنف من الأطفال واليافعين الذين لا يحذقون مهارة اللعب بكرة القدم. لم تكن قدماه تطاوعانه على القيام بالحركات الملائمة لفن اللعبة. لذلك كان أترابه من الأطفال يتحاشون المناداة عليه لخوض المقابلات التي يجرونها في الملاعب. كانوا يغضون الطرف عنه. فبالأحرى السماح له بالانضمام إلى مجموعتهم الكروية خشية أن تلحق بهم هزيمة نكراء، وخوفا من أن يتجرعوا خسارة فادحة تحول فرحهم إلى تعاسة، وسعادتهم إلى مهزلة يتندر بها الأنصار قبل الخصوم. فأمبرتو، الطفل، بمجرد لمسه للكرة، في أول احتكاك بها، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، يرمي بها، بكل عفوية، في شبكة فريقه بدل رميها في شبكة الخصم. وفي أحسن الأحوال، يقدمها هدية سخية للفريق المنافس. وكأنه لا يفرق بين الأضداد والجبر والمقابلة أو بين الدال والمدلول في دلالة اللعب بالكرة. هذا، إذا لم يطرح الكرة خارج الملعب، أو بعيدا عن الحواجز والسياجات، وفي الأقبية والأودية والجداول. بل، حدث، مرات عديدة، أن استقرت الكرة في محل لبيع المثلجات، التي كان يتلذذ بطعمها وتستهويه جاذبية حلاوتها القوية، عوض استقرارها في المرمى. إلى درجة، انتاب فيها الشك أصدقاءه، وبدؤوا يتساءلون مع أنفسهم عن طبيعة طويته وما إذا كان يفعل ذلك عن قصد أم عن جهل صريح بأبجدية كرة القدم. كان يحصل ذلك أمام أنظار عيون الجميع. ولشدة اندهاشهم من غرابة ما يقع، وتكرار ذلك مرارا، وبعد نفاد صبرهم، قرر زملاؤه، في النهاية، الاستغناء عنه والإحجام عن دعوته للمشاركة في الدوريات التي تعودوا تنظيمها بما وسعهم من تفان في العمل، وبما يتحلون به من عزيمة راسخة.

-2-

المشهد الثاني من الحكاية يرد على لسان شاهد عيان، قائلا:

كنا أطفالا، في صورة يافعين وشباب، نجوب أحياء الدار البيضاء ودروبها طولا وعرضا. لا يستقر لنا حال. لا نهاب أيا كان من الإنس والجن. لا يقدر أي شخص على معاندتنا أو يقف في وجهنا أو يعترض سبيلنا. كما لا يثنينا، عن اللعب، فصل الشتاء وبرده القارس ومطره الغزير، وفصل الصيف وجوه الخانق وشمسه الحارقة المشتعلة في كبد السماء. لا تأخذنا سنة ولا نوم في الليل والنهار. مع ما نرتديه من أسمال بسيطة بالكاد تغطي جسدنا، وما ننتعله في أرجلنا من أحذية مهترئة أو من صندلة الميكة، محلية أو أعجمية.

نحث السير، مشيا أو ركضا، برؤوس حليقة إلى درجة الصفر في الحلاقة، أو صلعاء، أو بشعر منسدل، أو محفوف ومقصوص. لا نتكسر في مشيتنا. لا ننحني. الرأس مرفوع دوما. القامة منتصبة. مكتوب على جبهتنا الأمل ولا شيء غير الأمل. من يدري فقد نكون من أتباع أرانتيس وليس من أتباع أنتيستينيس .ندندن. نغني. نحكي. نضحك. نضحك ملء أفواهنا إلى أن تسمع أصوات ضلوعنا. لانصمت أبدا. الصمت في عرفنا مرادف للموت، والكلام مساو للحياة. نحيا بالكلام ونموت بالصمت. نحج من درب إلى درب، ومن زنقة إلى زنقة، ومن بلوك إلى بلوك، ومن حي إلى حي، جماعات وزرافات. نشكل، نحن أولاد الدرب، ومن يناصرنا من الدروب الأخرى، كتلة بشرية واحدة، متراصة الصفوف، متضامنة الأفعال، متناغمة الأقوال، متشابهة الأهواء. تسمع نبضات حركاتنا من مكان بعيد. وقد تصل ذبذبات دويها قبل أن نصل نحن. صدى إيقاعنا يسبقنا. ريحنا دالة بالسيمياء علينا. ظلنا يسامت آدميتنا أينما رحل بنا قدرنا وحل بنا مصير أقدامنا ولو سرنا في الطريق بالظن. عقدتنا منحقة. لا تستطيع قوة غاشمة تهديد كيان وحدتنا جورا، أو الزعم بتفريق حبات عقدها وانحلالها، أو تجهل علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا. مهما أوتيت هذه القوة المغيرة من سلطة وبأس. لا يعترينا الوهن والخلع قطعا. فنحن كأسنان المشط نمضي، وكالبناء المرصوص نقاوم. نكاد نخيف ولا نخاف. إذا اشتكى منا عضو أو شعر بألم، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. يصغي إليه الجميع ويهبون لعيادته، ويسرعون الخطو إلى نجدته. نتقاسم، فيما بيننا، قليل الزاد وكثيره في السراء والضراء. في الحر والقر . قال قائل: "من كان مستبدئا النطق في أبجد أولاد القرة (ثابت بن قرة) فأبتث ابن امسيك الحرة فشهادة مدرسة المقبرة الغرة فكوليج المزرعة الثرة، لا إخالك يخشى أن يخبو فيه نور علم العلم بالمرة." وأضاف: " الليف ما ينقط. الب نقطة من التحت. الت جوج نقط من الفوق...". بعضنا ظهيرا لبعض. شيعاء لبعضنا. لا فضل لفرد على فرد إلا بنسبة الذكاء وملكة البديهة وطبيعة الموهبة والاستطاعة البدنية. وإن كان الجميع أذكياء بالفطرة. وتلك مسلمة من مسلمات حقيقة واقعنا التي لا تشوبها شائبة ولا تتلبس بها ظنة.

في بعض الأحيان، يستعصي على فهمنا لماذا ترتعد فرائص من يبصرنا ونحن نسلك الأزقة والدروب ونتملى الأحياء والضواحي بكيفية مهيبة. هل لأننا نحاكي، عن غير قصد، أسراب الجراد، والطيور المهاجرة، وسربة الخيول؟ أم التبست عليه الصورة وخلط بيننا وبين جنسنا وعصبة الفتوات التي كانت ظاهرة رائجة في معظم أحياء الدار البيضاء، وفي أقطار عربية كمصر، حيث ألفت فيها كتب وأنتجت أفلام سينمائية؟

ينتابنا الشك في ذلك. فنحن لا نستفرد بحمى معين. ولا ندعي ما ليس فينا ويوجد في غيرنا. ولا نتباهى بامتلاك قوة جسمانية خارقة تفوق قدراتنا الطبيعية. وإن كان نفر منا يميل إلى ذلك. ولا فائض قيمة لنا في بورصة الزعامة. ولم تنسج في شأننا حكايات شعبية وأساطير خرافية كجر عربة بمطي حملها وحمارها بأسنان الفك. ولم تحرر رسائل محققة ومنقحة للنظر في أمرنا كرسالة الصاهل والشاحج. بالضرورة أو الرجحان. بالرحمة أو الشفقة.

النظام، والترتيب، والانضباط، والطلقة الواحدة مع الصيحة الواحدة في الزمن الواحد المحدد. تلك مبادىء يسيرة من شيم الخلق يتمثلها في الظاهر والباطن، يتحلى بها في السر والعلن، صبحا وعشية. ومن حاد عنها وسها، أو زاغ عن سكتها، أمسى ملفوظا ومعزولا. ويبقى طفلا شقيا كما تطلق عليه الأمهات والجدات. من دون أن يتماهى مع معنى الشاعر الذي تحامته عشيرته وأفرد إفراد البعير المعبد. وهل هناك من بعير في الدار البيضاء حتى يصير معبدا؟ لهذا، يتعجب لأمرنا من يعلم أننا قطعنا المسافة الفاصلة بين ابن امسيك وعين الدياب سيرا على الأقدام للسباحة والتخييم واللعب.

حاشية:

باللهجة المتداولة على الألسن نقول: " نمشوا كعبة"، " نمشوا فطحة". وفي المعجم: أكعب الرجل: أسرع في مشيته. ولما كنا جماعة، فالشيء يتلو بعضه بعضا إذا انطلق ولم يلتفت إلى شيء، أو لا يبالي ما وراءه. وقدم فطحاء: معرضة، مستوية، منبسطة، حادة، مهيأة للسير والركض.

فقلة ذات اليد لا تعادلها، في سلم القيم التي نتبناها ونهتدي بنور

سراجها، إلا قيمة الأنفة والكرامة والشهامة وعزة النفس. فعزة النفس موضوعة على عتبة أرنبة الأنف، كما يشير إلى ذلك المثل السائر، أو كما قال الشاعر:

فاطلب العز في لظى وذر الذ = ل ولو كان في جنان الخلود

وقد يندهش المرء عندما ينتهي إلى سمعه أننا حجزنا تذكرة في حافلة (طوبيس) السلك (الكات باري) من عين الشق إلى مركز المدينة، بعد استيفاء حقنا من الألعاب بالميزان والطيارة والزعلولة، لمشاهدة عرض مسرحي في " المسرح البلدي" أو فيلم من الأفلام المعروضة في القاعات السينمائية التي كانت تعج بها مدينة الدارالبيضاء وتؤثث أحياءها المختلفة كما تنتشر فيها المقاهي والمحلبات في هذا العهد. فآنذاك، بين سينما وسينما، سينما؛ واليوم، بين مقهى ومقهى، مقهى؛ وبين محلبة ومحلبة، محلبة. وأدهى من ذلك وأمر، كل مكتبة صارت محلبة. كما استبدلت سينما فوكس بشرائح تاكوس. وكأن البشر مضروب على كرشه. وبطونه خاوية على عروشها. وطعامه وشرابه تسنه إلى الأبد.

حاشية:

أقبرت ذكرى فيلم كازابلانكا وذهبت أدراج الرياح مع هدم قاعة سينما فوكس. الفيلم الذي يعد من الأنطولوجيات. وقد تساءل صاحب المرأة والوردة : من أين يأتي سحر كازابلانكا؟ وأين تكمن جاذبيته؟ بعد أن حلل الأنماط الأصلية والمستنسخات والموضوعات المتضمنة في الفيلم كموضوعة.

الحب الشقي، والعبد والسيد، والحضارة مقابل البربرية. مع الحض على قيم الطهرانية والتضحية. ويظل محل ريك فضاء مثاليا للحب، والموت، والمطاردة، والتجسس، والوطنية.

ومن وجهة نظر تاريخية، هناك من يربط الفيلم بعملية الشعلة ومؤتمر الدار البيضاء خلال الحرب العالمية الثانية. مع الإشادة بأدوار الممثلين، وبصفة خاصة، برغمان وبوغارت.

وفي المراوحة بين أحوال الأزمنة في قسوتها ولينها، تظهر لنا ساحة السراغنة مكانا طيبا للعب البيار والفلبير والاستماع لأسطوانات الأغاني الراقية، شرقية وغربية، من تلك الآلة العجيبة التي ننفحها نقودا زهيدة فتهدينا أغنية أثيلة. وفي طلعة زقاق الحي نتذكر الحريري وبا حسن وألبستهما الرياضية مع " أولاد حارتنا". وزنقة القاهرة واحتفالات رأس السنة. ورسائل الجاحظ إلى كريت، وشارع السويس والحرب على مصر، والفداء ومقاومة الدار البيضاء ضد الاستعمار، ومجزرة ساليغان في ابن امسيك ودرب السلطان. والقريعة وملابس البال التي على البال. كما ترجع بنا الذاكرة إلى تونيات اشطيبة التي تكشف في أول تصبينة، فيتغير لونها ويمتقع ويضيق قياسها. فعند ارتدائها يعتلي "اللباس" فوق السرة بكثير ويصبح شبيها بصدريات النساء. كنا نقابل هذا الوضع بالتفكه والتندر وبالضحك من بعضنا والشد في تلابيب بعضنا الآخر. فهذه التونيات، التي لا تصلح أن تسمى "ألبسة"، من وجهة نظر بائعها، مخصصة ل " حرافيش" الدرب دون غيرهم. ومن وجهة نظرنا، اشتريناها من التعاضد التضامني بيننا ومن جمع الكويحة وبيعها سنتا سنتا وفلسا فلسا. ويسري الحكم ذاته على الخيام ذات العماد التي كنا نكتريها من القريعة للتخييم في عين الدياب. نتسلمها خضراء اللون ونرجعها باللون الذي بصمته عليها شمس البحر وحرارتها الشديدة. فلا يتعرف صاحب الخيمة على خيمته. ولا نحن نشك في أصالتها ومدى مقاومتها للحر وآثار البحر. ولماذا مسخ لونها كما مسخ لون تونيات اشطيبة؟ هل هي الخيمة الأصل أم الخيمة النسخة؟ من يقنع من؟ من يجادل من في مسألة الناسخ والمنسوخ؟. وهذه الساحة نفسها هي التي ستشهد خبر إعلان نتائج البكالوريا بوساطة بائع الصحف الذي يتحلق حوله الجميع ويلتف لمعرفة مصيرهم أو مصير ذويهم وأقربائهم في الامتحان. وإن اقتضى ذلك سهر الليل كله. أيام كانت تنطبق على المترشحين لنيل شهادة البكالوريا مقولة: عند الامتحان يعز المرء أو يهان. تنطبق عليهم بحذافيرها وحرفيا بكل معانيها جملة وتفصيلا. وتبعد عن فئة منهم شبح تلك الصورة المقيتة والمرعبة وهي أن يكون كل واحد منهم حيوانا مربوطا ومجرورا إلى عربة يذهبون به أنى شاؤوا ومتى شاؤوا وبأي كيفية شاؤوا. وتلك الوسيلة الوحيدة التي تمنع الألم أن يتسرب إلى الجسم ولو كان تحت عنوان: أزهار الألم.

حاشية:

كان الكلب لويز، بالأبيض والأسود، حصنا منيعا في الدفاع عن حوزة المنزل. وصديقا وفيا في الطريق إلى المدرسة ورفيقا، بفراسة حدسه يميز من يضمر الشر ومن يبشر بالخير من بني البشر. غادر الأهل مكرها حين أذنت ساعة الرحيل عن الربع وانطمس منه كل أثر كما انطمست أطلال الديار الدارسة أبد الدهر.

وإذا لم يسعفنا الوقت، وليس العبارة، واشتد بنا الضيق وقسا، نتطلع إلى مارشي كريو (سوق الجملة) في بلفدير، عند توجهنا إلى السباحة في " الفصة"(تصغير الفوسفاط)، غير بعيد عن المرسى، لقضاء ما نستطيع من الفواكه، كيفما اتفق، وبهذه الطريقة أو تلك، ونيمم وجهنا صوب البحر. وكأننا نتأوى إلى محاضرنا. قبل أن يتطوع أحد أعضاء المجموعة الأشداء لجلب مؤونة إضافية تحتوي على ما لذ وطاب من طعام وشراب بعد نجاح مغامرته في اجتياز الصخور الضخمة والأسلاك الشائكة. نستمرىء ما جاد به علينا ونستطيبه. فقرى البدن علة قرى الروح. من دون أن ننسى نصيبنا من تلك السنيدة الداكنة التي نجمع فتاتها من سطح العربات المنصوبة على السكك الحديدية التي تستعمل آلة لحمل الحاويات.

حاشية:

من بين الأسئلة التي تستبد بالأذهان: لماذا هذه السياجات من الأسوار، والأسلاك، والأحجار، التي تحول دون عين الإنسان والاستمتاع بمنظر البحر، وتحجب، بشدة، مشاهدة حركة السفن وهي ترسو في الميناء؟ هل شيد الميناء، في الأصل، مسرحا أم مسيجا؟ منبسطا أم متقبضا؟

نفعل الشيء ذاته عندما تقذفنا خطواتنا في بحر عوكاشة رجلا برجل في قعر يمة أكثر صخرا وطميا مثل بني يم. وفي عوينة الصابون بين طريق مديونة والقريعة والعومان في ماء نبعها الصافي الذي نتمثله عذبا رقراقا قبل تمثلنا لمياه نهر أبي رقراق من رباط الفتح وما يسمى في حوليات عجم اللاتين قراصنة سلا. أو حين يستغرق يومنا، على بكرتنا، شاطىء بيبسي الفسيح المتاخم لمسبح الرمال الذهبية في قطعة قلادة سلسلة المسابح الممتدة على ساحل عين الدياب ومنار العنق إلى المسبح البلدي، وهواية القفز من عل. مسابح نراها فقط وهي لا ترانا قط. فنشتط في مياه البحر ورماله شططا:

لا رمال الشط إن راح يناديها تجيب

وتلك أمارة الحال أثرا ودرجة. إلى أن يعصب الأفق فنرجع إلى أوكارنا كما طمت به همتنا.

-3-

أين موقع كرة القدم في المشهد الثالث من حبكة الحكاية؟

كان مفهوم الخلاء مفهوما شائعا وواقعا ملموسا في الخارطة الحضرية لأحياء مدينة الدار البيضاء. فأينما ولى المرء وجهه إلا ويعثر على أرض عارية أو تصادفه أرض ميتة قابلة لأن تتحول، بمعاول المتطوعين الشباب، إلى ما يشبه الملعب بعد زرع الروح وإذكاء الحياة فيها. فكان عدد الملاعب، بعدد تلك الأراضي، لا يكاد يعد ويحصى. ومن ثم، اكتسبت هذه الملاعب – التي تسمى ملاعب الأحياء- تاريخا عظيما وشهرة كبيرة لأنها كانت فضاء لاحتضان شباب الحي ومجالا يصرفون فيه وقتهم للترييض والتمرين والتدريب، وتنظيم العصب والدوريات، وإجراء المقابلات بين فرق الحي الواحد وبينهم وبين فرق الأحياء الأخرى.

وإذا كان من العسير تقديم جرد شاف وإحصاء واف بأسماء هذه الملاعب في تضاعيف الحيز القصير لمشاهد هذه الرواية الأولية، والتي كانت مشتلا لتخريج المواهب وصقلها، فإن التمثيل بعينة مختصرة منها يعطي، في تقديرنا، صورة دالة للذين لم تسمح لهم شروط الحياة وظروفها بالتعرف إلى هذه الملاعب أو لم يعيشوا في تلك الحقبة من التاريخ الاجتماعي للدار البيضاء. فهي لائحة، وإن بدت محدودة، مطروحة للتأمل والاستئناس، وعلامة شرعية، بأبعاد متعددة، على جيل من الشباب شق طريقه في الحياة بنفسه، بكل إرادة وعزم، وبرز في الغايات تبريزا، وانعتق من إسار العتمة إلى إشراق النور، وخلق من لاشيء شيئا، وجعل من العدم وجودا، ومن السماء غطاء، ومن الأرض فراشا وملعبا، ومن العصامية مذهبا، ومن تمازج الثقافة الرياضية، والثقافة الشعبية، والثقافة العالمة وتفاوضها التعاوني مثالا. وتعلم دروسا من الحياة أفادته في الحياة. وعاش في علاقة مباشرة وحميمة مع العالم الطبيعي–الفيزيائي. إلى أن أضحى، فيما بعد، منارة مضيئة تقتدي الهداة بنورها، ونجما وهاجا يشع ضوؤه في أرجاء الليل البهيم. فطرد، شر طردة، شبح تلك الصورة القاتمة من الأذهان والألفاظ والكتابة والأعيان.

حاشية:

فاسأل نفسك: " أعصاميا أنت أم عظاميا"، " أظاعنا أنت أم مقيما" وانثر شعرك على سواد الخلق منشدا: نفس عصام لم تسود عصاما.

علمته الكر والإقداما. صيرته ملكا على القوم هماما.

فابن امسيك، على سبيل المثال، كان يمتد على رقعة مساحة شاسعة، مترامية الأطراف، متعددة الأجزاء، من حدود درب الكبير- حيث توجد عرصة ولد امسيك- مرورا بحي الفرح، ودرب ميلان، والكريان، وصولا إلى تراب قرية الجماعة. فكان يتسم هذا الإقليم من الجغرافيا بكثافة سكانية شديدة، وبتركيبة متنوعة ومتراتبة من الفئات والطبقات الاجتماعية، وبفسيفساء من المباني المعمارية. فكان، من حيث الشكل والمادة، علامة بينة على ما يسميه ابن خلدون العمران البشري. لذا، فمن الطبيعي أن يشهد وفرة في ملاعب الأحياء بحكم كثرة أنواع الأراضي المذكورة سالفا، من جهة، والعدد الكبير لليد العاملة من شباب الحي، من جهة أخرى. كملعب القريعة، وملعب الإذاعة (إذاعة عين الشق)، وملعب مبروكة، وملعب المقاطعة، وملعب الفوسفاط، وملعب اغبيلة (المقبرة التي غلقت أبوابها على قبور موتاها)، الذي حمل اسم با محمد، وملعب كانطاريل، وملعب القورع، وملعب السلك، وملعب الحفرة - تيران لاجونيس - الذي كان تابعا لوزارة الشبيبة والرياضة، بالقرب من دار الشباب ابن امسيك والنادي النسوي والحانوت الفريد الذي كان يبيع "حجرة" الراديو التي تشبه بطارية السيارة، صورة ووزنا.

وإذا اقتصرنا في الحديث المجمل والوجيز من القول على ملعب القريعة وملعب اغبيلة (با محمد، الذي حافظ الرعيل الأول من الشباب، بطريقته الخاصة، على بقعته الأرضية حتى لا تلتهمها مدمرات البناء بو- تمكين في ذلك الزمن المبين)، على أن نعود إلى التفاصيل والجزئيات في مناسبة أخرى، فإنهما كانا مسرحا حيا وديناميا لمباريات عديدة، حامية الوطيس، ودية أو في شكل عصبة أو دوري الكأس، بين فرق الأحياء الشهيرة: الحسنية، موناكو، أجاكس...وفي بعض الأحيان تنقل المباريات إلى ملعب لاجونيس – الحفرة - مع فرق أخرى كمجد سيدي عثمان، بإشراف القيم عليه وحارسه الأمين السيد حمان الذي كان يعتني بالملعب اعتناء كبيرا من حيث رسم الخطوط الهندسية للأرضية المتربة ونظافة المرافق ومكوناتها وإن ظهرت بسيطة وتهييء الكرات والملابس لغوث الفرق وإعانتها. بالإضافة إلى المشاركة، بين الفينة والأخرى، في إحدى المباريات الجارية على أرض الملعب وتحكيم أخرى. تشد ساعده في هذا العمل النبيل ابنته ربيعة الوفية التي كانت على استعداد دائما لإحضار الكرة عندما تتجاوز السور وتقع في وسط إحدى البراريك القصديرية المحيطة ببيئة الملعب. وكان يتردد على هذا الملعب-المعلمة لاعبون كبار من طينة: زهيد، وعمر كوميرا، والعربي شباك، الذي كان يفضل اللعب بالحذاء الرياضي (سبرديلة). وعند استحضار كريان ابن امسيك، نستحضر أكبر كريان في مدينة الدار البيضاء على الإطلاق، إن لم يكن في المغرب كله. وإذا كان مظهره يبدو متواضعا، فإن جوهره كان معينا لا ينضب من الطاقات الحية. فقد كان منجما لليد العاملة وخزانا للقوى اليقظة من النساء والرجال. ولمع في وسطه شبان وشابات في جميع مجالات الحياة. وكانت دار الشباب ابن امسيك ودار الشباب قرية الجماعة من المؤسسات التي تشهد نشاطا ثقافيا وفنيا ورياضيا زاخرا، وتعرف إشعاعا لا مثيل له في هذه المنطقة الحيوية الموسومة بدينامية كتلتها السكانية. يتعزز هذا المشهد الثقافي العام بالإقبال الكبير على مشاهدة الأفلام التي كانت تعرضها القاعات السينمائية المؤطرة لفضاءات التربيع والتدوير في الحي، بالمعنى الواسع، كسينما العثمانية، والسينما المدنية، والسينما الحسنية، وسينما الصحراء، وفيلم الجبابرة(العمالقة)، وفيلم المصارعون العشرة، وفيلم القطار، وفيلم تاراس بولبا من بطولة توني كيرتيس ويول برينير، وقصته المستوحاة من رواية الكاتب نيكولاس غوغول، وفيلم أبي فوق الشجرة من بطولة عبد الحليم حافظ ونادية لطفي وقصة إحسان عبد القدوس، وفيلم الحياة كفاح من بطولة عبد الوهاب الدكالي، إلى أن نصل إلى حديقة الألعاب الصغيرة والوحيدة، بين عين الشق والمنظر العام بمحاذاة البريد، التي تحتوي على بعض الألعاب أومأنا إلى أنواع منها سابقا. ويمكن أن تنفتح دائرة التباري، بهذا القدر أو ذاك، لتشمل ملاعب الشابو، والشومينو، وكوزيمار، وموبيل، والشيلي، والفداء...أو على فرق أخرى كالترجي والأهرام... أو تتشوف إلى محاولة الاندماج بين فريقين، كما حصل بين الحسنية ودفاع عين السبع، وإن لم يدم أمل هذا التشوف أمدا وتبدد مسعاه... مع العلم أن أرضية معظم هذه الملاعب لم تكن طيعة وسهلة لدحرجة الكرة بكل يسر، وإنما كانت أرضا متربة، صلبة، صلدة، صماء، من تراب الحمري أو من بياضة، يتحاشى اللاعب ويخشى السقوط عليها. بالإضافة إلى الكرة التي كانت من الجلد، ثقيلة، خشنة، وإذا خالطها الماء وشابها، تبدو أثقل ويزداد وزنها ويتضاعف، ومن أصابته تسديدة منها يكون، لا محالة، عرضة لخطر الموت.

وإذا حدث أن أصيب لاعب في الملعب إصابة ما، فإن مستوصف الحي (اسبيطار) كان الدواء فيه شحيحا ونادرا، والموارد البشرية من ممرضين وأطباء تعد على رؤوس الأصابع أو أقل من ذلك بكثير. فكما كانت البومادا (المرهم) الصفراء دواء لأمراض العيون في المدارس، كان الدوا لحمر والدوا لزرق علاجا لأنواع الجروح والأمراض الجلدية المختلفة. فهذا الطيف من الألوان: الأصفر والأحمر والأزرق هو الطيف الاستشفائي السائد في المستوصفات والمستشفيات العمومية بالإضافة إلى بعض الأدوية الأخرى القليلة. فكانت طائفة من الناس تقصد الرهيبات للعلاج، والأمهات والجدات يحملن إليهن أطفالهن. وكان شائعا بين هؤلاء القوم ما يتصف به الدواء عندهن من فعالية ونجاعة في الشفاء. فهن يهبن الدواء الذي يتشفى به الفرد ويبرأ ويتعافى إذا تعذر عليه البحث عن علاج في مكان آخر.

لذلك، ظلت هذه الجماعة من الشباب مطبوعة، في أقدامها وأجسادها، بآثار هذا الصنف من الملاعب، واللعب في الأزقة والشوارع والمدارات التي تسمح بذلك. موسومة بطابع هذه الأمكنة والفضاءات. كما يغمر الوشم جسد النساء المستوشمات. وإن لم يكن من نمط أشباه ونظائر طابع السلطات الفرنسية على أجسام المغاربة في قشلة جنكير قبل الذهاب إلى الكيرا في لاندو- شين وهوشي منه وحرب التحرير. فكل جسد من أجساد، هؤلاء الشباب، عليه علامة مشبعة، صورة ومحتوى، بهذه الآثار والندبات، وكأنهم أبطال الملاحم والأساطير الغابرة، وجسدهم شبيه بطرس اللوحة والكتابة الآسرة. وهم كذلك، بالفعل، كانوا يكتبون بأجسادهم قبل الرسم والمحو في لوحة الجامع بالقلم والصمغ والصلصال والكراك والكتابة بالريشة (ريشة العربية وريشة الفرنسية) والحبر(المداد) والمحبرة(الدواة) على مقعد الدراسة كما هو الحال في مدرسة ابن امسيك العامرة. ويجتهدون في إزالة بقعة (لطخة) المداد من على سطح الكناش (الدفتر) بالمنشفة الغامرة. كما يسعون، عند الاقتضاء، إلى تضميد الجروح في كل بقعة من أجسامهم بأي لون من ألوان الدواء الشهيرة. فصناعة الألعاب في كرة القدم كصناعة المداد في المدرسة الأم. فالعملان صنوان. وقد برع هذا الجيل من الشباب في الصناعتين معا ونبغ فيهما نبوغا مغربيا، وتفوق وتميز. فأعطى لرحلة حياته معنى، ولعلاقة البدن، والنفس، والعقل دلالة.

ومن التقاليد السائدة في تلك الفترة، تمثل أسماء فرق من قارات أخرى، في تجاور بلاغي – كنائي مع الأسماء المحلية، كريال مدريد، وبلنسية (فلانسيا)، وسانتوس، وبوكاجنيور، وبوتافوكو، وغيرها من أسماء الفرق التي ذاع صيتها خارج قارتها إما لتقدم نشاط كرة القدم في بلدانها وإما لشهرة وسمعة فريقها الوطني كالمنتخب البرازيلي، الذي كان منتخبا نموذجيا، يضم بين صفوفه لاعبين من العيار الثقيل، ومن الطراز الرفيع، كبيليه، وريفيلينو، وتوستاو، وجيرزينو، وكارلوس ألبرتو، وجيرسون، وكلود والدو...وغيرهم من العمالقة – الأساطير الذين لا يشق لهم غبار، وينحني لبيان فنهم الساحر كل غطريس جبار. يقودهم، بكل حنكة وحكمة، بيليه ( إدسون أرانتيس دو نسيمينتو) لاعب التاريخ الخرافي العظيم، عالم العلم وفنان الفن في كرة القدم، الذي لا تتكرر نسخة منه، على مدار العصور، مهما بلغت من شأو. ومن فرط عشق هذه الكوكبة من اللاعبين النوابغ الذين وهبوا ملكة تكليم الكرة تكليما يفوق الخيال، ويترجمون التشاكل الصوتي بين الهبة والموهبة إلى فعل كروي خارق للعادة، كانت زمرة من الشباب تعمل بجهد وكد على جمع صورهم واحدا واحدا وترتيبها في ألبوم إلى أن يكتمل لديها فريق بجميع عناصره ممهورا بتوقيع صاحبه. وقد جاور، هذه النجوم المتلألئة في آفاق كرة القدم، المغرب، بلاعبين من قيمة: علال، وقاسم السليماني، وحمان، وسعيد غاندي، والغزواني، والفيلالي، وبوجمعة، وباموس...

ولا يزال هذا الجيل من الشباب تراود مخيلته أحداث تلك المباراة التاريخية، وكأنها جرت بالأمس القريب، التي خاضها المغرب ضد ألمانيا الغربية في أول مجاز في قائمة مباريات كأس العالم في سبعينيات القرن الماضي في مكسيكو. كان الفريق الوطني فريقا مغمورا، وكان الفريق الألماني فريقا شهيرا، تشتمل تركيبته البشرية على لاعبين من المعدن النفيس: بيكنباور، ميلر، سيلير، سيب ماير...لم يكن جهاز التلفاز عاما في كل البيوتات. وخارطة المغرب الجغرافية كانت شبه مجهولة في تلك الأصقاع من الكرة الأرضية، على الرغم من أن ذرية المغرب كانت من الفاتحين الأوائل الذين وطئت أقدامهم ترابها. ويمتلكون رحالة عظيما هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن بطوطة، اللواتي الطنجي، أحاط بالممالك والمسالك القائمة وغرائب أمصارها إحاطة جواب آفاق. سار في الأرض وساح. فترك للعالم تحفة للنظار لطيفة لا يسعها إدراك عقل ولا يشطها طيف خيال. فالكرة، بهذا المعنى، تعريف.

-4-

في المشهد الرابع من الحكاية، ربط الحاضر بالماضي.

كان يرتاد تلك الملاعب، التي أتينا على ذكرها، جمهور غفير من المتفرجين الذين يعشقون كرة القدم ويهيمون بحبها ويفتنون بسحرها. ويتردد صدى صوتهم ويرن في الأذن وكأنه حدث البارحة : إيلياه...إيليا...إلياه..بيت .. بيت...عند تسجيل كل هدف. وإن كان جمهورا لا يوازي، بطبيعة الحال، ولا يضاهي الجمهور العريض لفريق من نمط ريال مدريد العريق وهو يساند ويحتفل بتحقيق فريقه بطولة الدوري الإسباني والبطولة الأوربية والكأس الأوربية الممتازة (كأس السوبر الأوربية) وكأس القارات للأندية؛ أو جمهور الرجاء البيضاوي وأنصاره من المشجعين وقوة طاقتهم الخلاقة واستثمارها في إبداع أعمال فنية رائعة من تيفوات، وشعارات، وأقوال وخطابات، وألوية وأعلام. بخلفية ثقافية وحساسية جمالية لا تخطئها العين. بحيث أمست، هذه الأعمال الفنية المثيرة للإعجاب والدهشة، مادة قابلة للبحث، وموضوعا لاختبار مناهج تستمد جهاز مفاهيمها من حقل نظريات مخصوصة. فالفرضية التي تطفو على سطح هذه الأعمال، لأول وهلة، هي أن نسق الدلائل أشكاله متعددة وصور إحالاته مختلفة وموضوعاته متداخلة. أي هناك إشكال على صعيد التنضيد بين المحايثة والتمظهر. مما قد يفضي إلى إنتاج دلالة هجينة، بالمعنى الإيجابي للكلمة. وإن كان التدريج بين الكيفية، والعلاقة، والقانون؛ وبين التمثيل والتوليد، يظل واردا بقوة منطق الأشياء. ولكن قبل الجزم في مثل هذه الفرضيات، وإذا انزحنا قليلا، وفي إطار هذا التصور المنهجي، يمكن عرض بعض المقترحات النظرية، لقراءة هذا المتن، على النحو التالي:

+ تضمين مكونات اللون، الخط، الكتابة، اللغة المرسومة، الصوت، الصورة، الموجودات والظلال، في نسق بنيوي كلي

+ الاستناد إلى مبدأ المتصل والمتقطع في التركيب

+ التمفصل بين الشكل والمحتوى، والتعبير والجوهر

+ التقاطع بين الفضاء والزمن والتصميم في الصناعة

+ احتواء سنن التواصل المركب لسنن التواصل البسيط

+ افتراض القصدية الاقتضائية لتحيين القصدية المتجلية

+ استنباط الرؤية الفنية والجمالية من البنية الدالة لمجموع العمل

تصدق مقترحات هذه المقاربة ومستويات تحليلها على أعمال فنية من قبيل الغرفة 101، وتلك التي تستوحي حدود تقطيع الزمن والحركات في التأليف الموسيقي في قاموس اللغة الإيطالية.

وعطفا على إبداعات هذا الفريق، وفي السنة الجارية 2024، عمت فرحة الجمهور العارمة جميع أحياء الدار البيضاء ودروبها، الفسيحة والضيقة، كالتي أشرنا إليها، وغطت بإيقاع حناجرها ومقطعات أغانيها وفورة أهازيجها وتشكيل ألوانها المدن المغربية وربوع العالم، بعد إحراز الفريق ثنائية: لقب بطولة المغرب لكرة القدم والدرع الذهبي والتتويج بكأس العرش الفضية بقيادة المدرب الألماني جوزيف زينباور. فكان، في الحقيقة، موسما استثنائيا، بما في الكلمة من معنى، مطبوعا بسجل خال من الهزيمة، وموشوما، على الدوام، بالنصر المبين والحماس اليقين. أتى فيه، الفريق، على الأخضر باللون الأخضر على بساط العشب الأخضر تاركا اليابس للذين ينوون نزع ما في الصدور من غل وتغليب الروح الرياضية في كل نزال كروي على غرار بروتوكول الرجاء البيضاوي.

-5-

عود على بدء.

أولا، إذا كان أمبرتو إيكو لا يميل إلى كرة القدم، وتنفر منها جبلته، لذلك تحدث عنها بالكيفية التي أثبتنا مجمل أجزائها، في أثناء هذه الورقة، فإن رولان بارت في كتابه " أسطوريات" أهمل الكلام عليها كليا، ولم يدرجها في مدونة نصوصه التي اشتملت على نوعين من الرياضة فقط، هما: المصارعة وطواف فرنسا، الذي عده ملحمة. وهو ما يدعو، في نظرنا، إلى التفكير في هذا "الغياب" وذلك "الحضور" في كلا الخطابين. ونحن، في سياق هذا التأمل الابتدائي، استحضرنا " الخطاب" الأول وأجلنا استدعاء " الخطاب" الثاني والمقارنة بين الخطابين إلى لحظة للقراءة أخرى.

ثانيا، إن الشغف بكرة القدم لم يكن مرتبطا أبدا بغياب الغاية وإفشاء الغرور، وبإدراك الكائن باعتباره " ثقبا"، وبالفلسفات النافية، كما يعتقد السيد أمبرتو إيكو افتراء. بل على العكس من ذلك تماما، ارتبط بوضوح الفصول والغايات، وبكوجيتو الذات وشرفها في مقام السرد التاريخي، وبثبات الشخصية وأنماط تحولها، وبالكشف والحدس والاستبطان، وبفلسفة الجدل وفينومينولوجيا الروح، وبمعنى الحياة في أقصى تجلياتها.

إن الحكم الراجح في تعاليم رياضة كرة القدم هو الإيجاب وليس السلب، هو الإثبات وليس النفي، هو المحبة وليس المقت والارتياب. فكان أن استلهمت هذه التعاليم معارف الأخلاقيات، والطبيعيات، والرياضيات، والمنطقيات، وحساب الاحتمالات، والأسلوبيات، والجماليات، وتأويل الخطاب. وما يستجيب لفحواها. معارف يعلم بها صاحبنا جيدا ولا يجهلها، يستوعبها استيعابا لا يوصف ويقرها في أغلب مؤلفاته، لكنه يتغاضى عنها، وأكثر من ذلك، يزدريها ازدراء ويقدح في مقدماتها، وينظر إلى أشكال من خطاباتها المتمظهرة في الحقل الرياضي باعتبارها "ثرثرة رياضية " لا طائل يرجى من ورائها، مستثمرا بالتضمين تعريف م. هايدجر للفظ الثرثرة في مؤلفه الوجود والزمان بكونها " إمكان فهم كل شيء من دون إحاطة أولية بالشيء ". يفعل ذلك بعلة تحرير مقال تحت الطلب، كثير الطنطنة قليل الفائدة، محمول على أغاليط السفسطائيات، وتبكيت فروض السيميائيات بمؤول حرب العصابات. من أجل تمييز قبلي لا يجدي نفعا بين الرياضة والفرجة الرياضية، وإسقاط وقائع خارج اللعبة وليست من صميمها على اللعبة نفسها باسم تمفصل السلطة، ورفع السياق الجزئي على حساب السياق الكلي. بعد أن طاله الشك، في سن مبكرة، في كرة القدم، بالتوازي مع الشك في وجود خالق للكون، متوهما أن العالم مجرد خيال معدوم القصد. فدخل، يومئذ، في أزمة عقدية. يضاف إليها أزمة كروية. ولم يعد الأمر متصلا بتعليقات على اليومي و"تكليم" الوقائع والأحداث والإبلاغ عن الأشياء وفحص مسألة الخطابات التي تحجب الخطابات الأخرى، أو ما يسميه رولان بارت" الفطنة السيميولوجية"، بل تعداه إلى الشعور بحالة نفسانية قصوى من القلق والتوتر وانعدام الأمن والخوف من الخطأ والصواب في تسليم الجواب. وبعبارة أخرى، تحول إلى شخصية قلقة في إدراك تحشية كل مسألة مسألة في التماس الرسالة ومحاولة ترتيب نوع الفهم ووسم الحدس وإنتاج المعنى المتعلق بها ومدى تأثير ذلك على المتلقي.

فلم تجنح، مقاصد اللعبة، في يوم من الأيام، نحو القلق، والبغض، والتسفيه، والإخلال بقواعد السلوك، والضلالة التي تقود إلى العمى، وإقرار بؤس الكرة، لسبب بسيط، وهو أن ذلك يتضمن تشنيعا فظيعا بجوهر كرة القدم الذي لا يتعارض مع شرائع الكون ونواميس الطبيعة، من جهة، ويدخلنا، بقوة، في مظان الخطاب المزيف الذي يحجب حقيقة الأشياء وهو يدعي الكشف عنها، من جهة أخرى.

وعليه، فإن أنشطة الخلاء الرياضية تعد فيضا من صور المحبة المثلى المرسومة لتحقيق السعادة في العالم وتعميم الخير المشترك على بني آدم .

***

الطائع الحداوي

المقدمة: تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبة المشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلى إعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فردية معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني–جمعي أوسع، حيث تُستعاد الغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدو الوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشاد الشعري.

تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسية – بما تنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومرارات تاريخية – إلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرة الروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًا من يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أو الحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقين جاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربة ذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسار – الذي تمثّله مرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّس على الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.

وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرة الجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكرية والنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذه التجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لا كانتفاءٍ للمشروع.

انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» من خلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّل فيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعاد صياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارة الانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسار الذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال «اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًا داخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.

تـرتـيـلـة يـقـيـن

________

أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ

جَـلـيـسَ الـلا  أحَـدْ

//

يـا نـديـمَ  الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ ...

نـاطـورَ الأمـانـي ...

ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ

//

يـومـكَ المُـمْـتـدُّ  مِـنْ   مـذبـحـةِ  الأمـس ِ

إلى بُـسـتـان ِ غـدْ

//

دون  أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ

ونـامـوسَ  الـمـرايـا  :

خـيـمـة ٌ دون وتـدْ

//

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

//

مُـطـفـأ الـشـمـس ِ  ...

وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو  مـن رَمَـدْ

//

فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا  بـيـتـا ً وظِـلا ً

ومـدَدْ

//

ربَّ شـهْـدٍ   في الـهـوى

يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ ...

والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى

شَـهـدْ الـرَّغـدْ

//

أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ  الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ ...

الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ ...

الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :

كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً

وتـراتـيـلَ  يـقـيـن ٍ

بـعـدمـا كـنـتَ  كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ

***

عنوان القصيدة: «ترتيلة يقين»

يأتي عنوان القصيدة «ترتيلة اليقين» بوصفه بنية دلالية مكثَّفة تؤدي وظيفة المفتاح التأويلي للنص، إذ يجمع بين لفظتين تُنشئان علاقة إنتاج وتوليد، لا مجرد علاقة وصف خارجي.

أولًا، تحيل كلمة «ترتيلة» إلى فعل طقسي‑إنشادي يقوم على التدرّج والتمهّل والتكرار، أكثر مما يقوم على التصريح المباشر بالمعنى. فالترتيل، في بعده الثقافي، ليس مجرد لفظة ذات خلفية دينية، بل ممارسة لغوية وإيقاعية يمكن أن تنفتح على النشيد الجماعي والخطاب النضالي والبيان الشعري المبطَّن، بما يجعل من القول نفسه فعلًا لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة.

ثانيًا، لا يحضر «اليقين» في العنوان كحقيقة ناجزة أو عقيدة مغلقة، بل كحصيلة لمسار من التجربة والألم والانكسار. إنه يقين لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُنتَج من داخلها عبر فعل الترتيل ذاته؛ أي عبر المرور بالجرح والمنفى والخيبة وصولًا إلى نوع من التسالم الداخلي. بهذا المعنى يغدو اليقين في القصيدة يقينًا متحوّلًا، يتشكّل داخل اللغة والتجربة لا خارجَهما.

ثالثًا، يكشف التركيب الإضافي «ترتيلة يقين» عن علاقة سببية ضمنية: فاليقين هنا هو ما يُرتَّل، وما يتكوَّن عبر الترتيل، لا ما يُفترَض سلفًا. العنوان لا يقرّر يقينًا، بل يعلن منذ البدء أن النص حركةٌ ترتيلية في اتجاه يقينٍ يُصاغ ويُختبَر، لا نقطةُ وصولٍ مضمونة.

ومن الناحية النحوية، يتكوّن العنوان من مضاف ومضاف إليه: «ترتيلةُ» (مبتدأ أو اسم مرفوع في سياق العنوان) و«يقينٍ» مضاف إليه مجرور، وهو تركيب إضافي يُعمِّق الدلالة على أن موضوع الترتيل هو اليقين نفسه؛ أي يقين لا يُمتلك مباشرة، بل يُعاد إنتاجه عبر الإنشاد واللغة.

خلاصة:

يعمل عنوان «ترتيلة اليقين» بوصفه إعلانًا عن مسار لا عن حالة نهائية؛ فهو يربط بين الترتيل كفعل لغوي‑طقسي جماعي، وبين اليقين كأثر متحوّل ينجم عن إعادة تأويل التجربة داخل فضاء الشعر والذاكرة.

تحليل الابيات

تحليل مقطعي افتتاحية القصيدة:

النداء الافتتاحي وبناء صورة الذات المنفية

«أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا أحَدْ»

1. النداء ووظيفته التأسيسية

يفتتح الشاعر النص بنداءٍ مرتفع النبرة «أيُّها»، وهي صيغة استدعاء تُسند إلى المخاطَب مكانة تتجاوز حدود المخاطَب العابر، لتمنحه ملامح كيان رمزي يُستدعى ليشغل مركز الفضاء الشعري. بهذا المعنى، لا يعمل النداء وظيفة بلاغية شكلية فحسب، بل يؤدّي دورًا تأسيسيًا؛ إذ يعلن دخول شخصية محورية تحمل أبعادًا وجودية وجمعية، ويهيّئ المتلقي لقراءة القصيدة باعتبارها حوارًا مع حالة أو نموذج رمزي، لا مع فرد محدّد في سياق عرضي.

2. «الطاعن بالغربة والحزن» بين الدلالة والنفسية

يعيد الشاعر تشكيل تركيب مألوف هو «الطاعن في السنّ» بنقله من حقل الزمن البيولوجي إلى حقل التجربة الوجودية، فيصبح معيار التقدّم في العمر هو الغربة والحزن لا السنوات. هكذا تتحوّل الغربة من كونها ظرفًا مكانيًا إلى كينونة زمنية متراكمة؛ فهي خبرة طويلة تُراكِم الانفصال عن الوطن والآخرين حتى تصبح جزءًا من هوية المخاطَب. وبالمثل، لا يظهر الحزن كحالة انفعالية عابرة، بل كرسوب كثيف في الوجدان والذاكرة، يُثقِل الكائن بزمن عاطفي ممتد. النتيجة أن المخاطَب يُقدَّم كذات «مُسنّة» في ألمها واغترابها، ما يضفي على النص منذ البدء طابعًا تأمليًا وجوديًا.

3. «جليس اللا أحد» قراءة وجودية ولغوية

يقوم الشطر الثاني على مفارقة دقيقة: لفظة «جليس» تفترض حضور رفقةٍ وأُنس، غير أن المضاف إليه «اللا أحد» ينقض هذا الافتراض بتحويله إلى نفيٍ راديكالي للحضور الإنساني. لسنا أمام «وحيد» بمعناه المتعارف، بل أمام ذاتٍ تجلس في حضرة الفراغ، حيث يغدو العدم شريكًا صامتًا. بهذه الصياغة، تتحوّل العزلة من مجرّد نقص في العلاقات إلى علاقة حميمة مع الغياب نفسه، وتفتح عبارة «جليس اللا أحد» أفق قراءة وجودية تجعل من الوحدة نمطَ كينونةٍ لا مجرد حالة اجتماعية.

4. البعد التداولي والتمهيد السردي للمطلع

من منظور تداولي، يحدّد هذا المطلع أفق التلقّي منذ اللحظة الأولى؛ إذ يدعو القارئ إلى مواجهة ذاتٍ مشروخة، منفيّة على مستوى الوجود لا الجغرافيا فقط، ويضعه في موقع الشاهد على معاناتها. كما ينهض بدور تمهيدي لمسارٍ تحويلي سيتخذه النص لاحقًا: فما يُقدَّم هنا ليس حالة منجزة بل نقطة بداية لمسار ينتقل فيه المخاطَب من «الطاعن بالغربة والحزن» و«جليس اللا أحد» إلى كائنٍ تتكثّف هويته في «تراتيل يقين»، أي من تفكّك الهوية إلى إعادة بنائها لغويًا وروحيًا.

5. عناصر بلاغية دالّة على أفق القصيدة

- النداء بوصفه آلية لرفع المخاطَب إلى مستوى الرمز.

- الاشتقاق التصويري في «الطاعن بالغربة» الذي يربط بين الزمن البيولوجي والزمن الوجداني.

- المفارقة بين «جليس» و«اللا أحد» كوسيلة لإبراز تناقض التجربة الوجودية.

- الإيقاع والوقفة بين الشطرين، بما تعكسه من شعور بالفراغ والتعليق.

خلاصة

يفتح المطلع بوابة القصيدة على ذاتٍ مثقلة بالغربة والحزن، ويحوّل العزلة إلى علاقة حميمة مع العدم. النداء والتراكيب التصويرية لا يقدّمان حالة ثابتة، بل يمهّدان لمسار ترتيلي تحوّلي: من «الطاعن بالغربة» و«جليس اللا أحد» إلى حاملٍ لتراتيل قد تصوغ يقينًا جديدًا داخل اللغة والذاكرة.

بورتريه المنفى بين القلق والأماني واللا‑بلد

يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ، ناطورَ الأماني، ونزيلَ اللا بلدِ

يمكن قراءة هذا البيت استكمالًا لبناء صورة المخاطَب عبر سلسلة ألقاب تشكّل معًا بورتريهًا وجوديًا مركّبًا.

أولًا: يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ — يمنح الشاعر المخاطَب صفة الألفة (النديم)، لكنه يقترن هنا بـ«القلق الوحشي» فتتحول الألفة إلى علاقة مع اضطراب مفترس؛ القلق لا يبقى حالة عابرة بل شريك حياة، فتتبدّل رغبة الأنس إلى تعايش دائم مع اضطراب لا يهدأ.

ثانيًا: ناطورَ الأماني — ينتقل الخطاب من الحقل النفسي إلى حقل التوق والانتظار؛ الناطور حارس لا مالك، وبذلك يُصوَّر المخاطَب كحارسٍ لأحلامٍ مؤجلة أو مهدَّدة، يقظ لكنه عاجز عن التملك، ما يعمّق إحساس الحرمان والأمل المعلّق.

ثالثًا: ونزيلَ اللا بلد — ينقل اللقب الأخير الصورة إلى بعدٍ مكاني ووجودي؛ النزيل ضيف طويل الإقامة لا يصبح صاحب بيت، و«اللا بلد» تشير إلى فراغ الانتماء ذاته، فتتضاعف حالة الاغتراب إلى إقامة في «لا-مكان» بينيّ لا وطن فيه ولا بديل.

بهذا التتابع (نديم القلق → ناطور الأماني → نزيل اللا بلد) يبني الشاعر سلمًا دلاليًا يتحرك من الداخل إلى الخارج، ومن النفسي إلى الوجودي: ذات تؤانس قلقها الوحشي، تحرس أمانيها المؤجلة، وتقيم في فضاء بلا وطن. هذه الصورة لا تظل حالة نفسية فردية فحسب، بل تُعرض كبنية للمنفى الوجودي التي ستسعى القصيدة لاحقًا إلى تأويلها أو تجاوزه عبر فعل الترتيل وإنتاج يقينٍ جديد.

الزمن المعلَّق بين «مذبحة الأمس» و«بستان غد»

«يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـسِ إلى بُـسـتـانِ غـدْ»

1. البنية الزمنية والدلالية

لا يَرِد «اليوم» هنا كوحدة زمنية عابرة، بل كزمنٍ وجوديٍّ ممتد يستوعب الماضي والمستقبل معًا. فصفة «الممتد» تلغي الحدود التقليدية بين الأزمنة، وتحيل الحاضر إلى حالةٍ معلّقة بين قطبين: جرحٍ مؤسِّس ووعدٍ متخيَّل. بذلك يتحوّل اليوم إلى فضاءٍ توتُّري، تنعقد فيه صلةٌ حادّة بين ذاكرة العنف وأفق الأمل.

2. «مذبحة الأمس» كدلالة تاريخية وتوثيقية

تكتسب عبارة «مذبحة الأمس» بُعدًا توثيقيًا وسياسيًا واضحًا؛ فهي تشير إلى عنفٍ جماعي سابق يشكّل أساسًا لوعيٍ جريح. اللفظة لا تعمل كاستحضارٍ عاطفي فحسب، بل كمرجعٍ تاريخي يثبّت الجرح في الذاكرة الجمعية، ويمنح الحاضر ثقلًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة إذا قُرئت في ضوء المذابح التي استهدفت اليساريين والديمقراطيين في التاريخ العراقي الحديث.

3. «بستان غد» كاستعارة للأمل والتحقق

في المقابل، تأتي «بستان غد» كاستعارة مركَّزة للخصب والتحقّق؛ فهي ليست مجرد مكانٍ طبيعي، بل صورة مكثّفة لأفقٍ إنساني–سياسي يعد بالاكتمال والعدل والكرامة. البستان هنا رمز لما يمكن أن يولد عن إعادة البناء، ولأملٍ يحتاج إلى رعايةٍ وحراسة كي يغدو واقعًا.

4. التوتّر الدلالي ووظيفة القصيدة

بين هذين الحدّين — المذبحة الواقعية وبستان الحلم — يتموضع «اليوم» بوصفه حالةَ انتظارٍ ونضالٍ معًا. هذا التوتّر هو ما يبرّر حاجة النص إلى فعلٍ لغوي‑طقسي (الترتيل) لتنظيم المسافة بين الجرح والتحقّق؛ إذ يغدو الترتيل آلية لإنتاج يقينٍ متحوّل أو أملٍ مؤسَّس على الوعي بالألم لا على إنكاره.

5. ملاحظات أسلوبية

- يعمل التركيب المضاد (مذبحة ↔ بستان) كآلية تضادّ دلالي يضخّ طاقة تأويلية في البيت.

- الإيقاع والوقفة بين شقّي البيت يسهمان في توليد إحساسٍ بالامتداد والانتظار.

- على الرغم من صيغة الخطاب الفردي «يومك»، فإنّ سياق القصيدة يتيح قراءة هذا «اليوم» بوصفه زمنَ جماعةٍ وتيارٍ وتاريخٍ بأكمله، ما يربط بين ذاكرة الشاعر وذاكرة الأمة.

من فقدان الأنوار إلى «الخيمة بلا وتد»: العالم بوصفه فضاءً منزوَع المرجعيات

«دونَ أنوارِ التي باتت تُسمّى نخلةَ اللهِ

وناموسَ المرايا:

خيمةٌ دونَ وتدْ»

يقدّم هذا المقطع صورةً لعالمٍ تزعزعت مرجعياته الصلبة وتضاءلت فاعلية أنواره، فصار الحاضر فيه فضاءً هشًّا معلّقًا. يفتتح الشاعر بالتركيب «دون أنوار»، فيضع الذات في حالة حرمان من مصادر نورٍ مخصوصة هي تلك التي «باتت تُسمّى نخلة الله». الفعل «باتت» يحيل إلى صيرورةٍ رمزية رُفِعت فيها هذه الأنوار، عبر الزمن والخطاب، إلى مرتبة «نخلة الله»؛ أي إلى رمزٍ جمعي متعالٍ يجمع بين جذور النخلة العراقية وثباتها وعطائها، وبين بُعدٍ قيمي يجعل منها مرجعًا أخلاقيًا/سياسيًا مرفوعًا في الوعي، لكنه متراجع الفاعلية في الواقع.

في المقابل، يجمع تركيب «ناموس المرايا» بين «الناموس» بوصفه قانونًا أو نظامًا ضابطًا، و«المرايا» التي تشتغل على الانعكاس والتكاثر. النتيجة هي قانون يقوم أكثر على الصور والتمثّلات منه على أصلٍ ثابت؛ نظام من الخطابات يعيد انعكاس ذاته بدل أن يستند إلى مرجع يقيني فعّال، ما يفضي إلى تشتّت المعنى واضطراب الثقة بالمصدر دون أن يعني بالضرورة انعدامه التام.

تأتي الجملة الختامية «خيمةٌ دون وتد» بوصفها خلاصةً مكثّفة لهذا الوضع: فالخيمة، رمز السكن المؤقّت، لا تستقيم بلا وتد، وغياب الوتد يحوّل المأوى إلى بنية معلّقة بلا ضمان. هكذا تتجسّد حالة اغترابٍ عميقة يتعذّر فيها الاستقرار؛ إذ يعيش الكائن في عالم خفتت فيه الأنوار المرجعية، وتصدّع ناموسه، وتهاوى مأواه الثابت.

وإذا قُرئ هذا المقطع في ضوء ما سبقه من ألقاب («يا نديم القلق الوحشي… ناطور الأماني… نزيل اللا بلد»)، اتّضح أن القصيدة تصعد من رسم بورتريه لذاتٍ مشروخة تعايش قلقها وتحرس أمانيها وتقيم في «اللا بلد»، إلى تشخيص مشهدٍ أوسع لعالمٍ متصدّعة مرجعياته: ذاتٌ بلا وطن مستقرّ في عالمٍ خفتت أنواره وتراجعت فعالية قانونه وتهاوى فيه البيت الآمن. بهذا يتكامل البناء الدلالي من الداخل النفسي إلى الخارج الرمزي، ومن سيرة الفرد إلى صورة كونٍ معلَّق.

في هذا الموضع تحديدًا تتّضح الحاجة إلى فعلٍ ترتيليٍّ قادم: فـ«الخيمة دون وتد» تمثّل لحظة ما قبل الترتيل، أي اللحظة التي يستدعي فيها الفراغ والتصدّع فعلًا لغويًا‑طقسيًا يعيد تثبيت المعنى ويعيد توظيف الرموز المخفوتة. ومن هنا سيظهر «الترتيل» في القصيدة كضرورة لإنتاج يقينٍ جديد، لا عبر إنكار الجرح أو إعلان موت المرجعيات، بل عبر تحويل الجرح ذاته إلى مادة للإنشاد والذاكرة والوعي.

من متاهات البحار إلى جزر اليسر: قراءة في صور الضياع واليقين

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

يبني هذا المقطع صورةً لذاتٍ تائهة في فضاء هائل متحوّل؛ ضياعٌ يتوزّع داخل «متاهات بحار»، حيث لا مسار واضح ولا ثبات، بل سيولة ممتدّة تُعقِّد إمكان التثبيت والاتجاه.

أولًا: تفصيل دلالي

- «ضياعٌ في متاهات بحار»: المتاهة ترمز إلى فقدان الاتجاه، والبحر إلى الاتساع والسيولة؛ والجمع بينهما يخلق فضاءً وجوديًا بلا حدودٍ واضحة، فيغدو الضياع بنية مكانية–وجودية لا مجرّد شعور عابر، وتفقد الذات مرجعها في عالمٍ سائل.

- «يُسرُها جزر»: يُختَزل اليسر في لحظات انحسار مؤقتة؛ فالفترات المريحة تظهر كجزر قصيرة تتيح للذات التقاط أنفاسها، لكنها لا ترقى إلى حالة دائمة أو مستقرّة.

- «وأما العسر والخسر فمدّ»: المقابلة تُظهر هيمنة الامتداد السلبي؛ العسر والخسر مرتبطان بالمدّ المستمر، أي بزمنٍ طاغٍ يطول ويتكرّر، فيصبح اليسر استثناءً لا قاعدة.

ثانيًا: البنية الزمنية والوجودية

يقدّم الشاعر زمنًا وجوديًا غير متوازن: اليسر مقطعيّ ومحدود، والعسر ممتدّ ومهيمن. هذا التوزيع يرسّخ شعورًا بأن العالم لا يمنح عدالةً في توزيع المصائر، وأن الذات محكومة بنمطٍ من الخسارة المستمرة مع نوافذ ضيّقة من الفرج، ما يعمّق الحاجة إلى إطار معنوي ينظّم هذه الفوضى.

ثالثًا: الربط بما قبله

يتواصل هذا المقطع مع الألقاب السابقة («نديم القلق الوحشي، ناطور الأماني، نزيل اللا بلد») ومع صورة «الخيمة دون وتد» في توسيع المشهد من الداخل النفسي إلى الخارج الكوني. فإذا كانت الألقاب قد رسمت ذاتًا مشروخة تحفظ الأماني وتقيم في لا‑مكان، فإن هذا البيت يرسم عالمًا واسعًا يضاعف ضياعها: فضاء بحري لا حدود فيه، يسْرُه جزر عابرة ومدُّه عسرٌ وخسرٌ ممتدّان. على هذا النحو، يتكامل البناء الدلالي من الذات المنفيّة إلى كونٍ لا يوفّر لها استقرارًا ولا مرجعية ثابتة.

رابعًا: الإيقاع والوقف

يعمل الإيقاع الصوتي في هذا المقطع كمرآة لحركة المدّ والجزر؛ فامتداد المقاطع في «متاهاتِ بحارٍ» و«العسرِ والخسرِ فمدّ» يقابله تقطّع نسبي في «يُسرُها جزرٌ». الوقفات القصيرة بين الشطور، والفواصل الإيقاعية، تخلق إحساسًا بصعودٍ وانحسار موجي: لحظات تنفّس تشبه انكشاف القاع عند الجزر، تتلوها جُمَل ممتدّة تعكس ضغط المدّ وطول زمن العسر. بذلك يتحوّل الإيقاع من عنصر زخرفي إلى آلية دلالية تُجسّد حالة الامتداد والاختناق والفرج المؤقت.

خامسًا: ربط جزر اليسر بتراتيل اليقين

لا تبقى «جزر اليسر» في النص مجرّد لحظات عابرة، بل تتحوّل إلى مقاطع إيقاعية قابلة للتكرار؛ وهذه المقاطع ذاتها هي التي ستغذّي فعل «الترتيل». بالتكرار والوقف المنظّم تصبح لحظات اليسر وحدات ترتيلية، تعمل كعُقدٍ لغوية تُثبّت معنًى جزئيًا وتؤسِّس لبناء يقينٍ متحوّل داخل اللغة والذاكرة.

«تتحوّل لحظاتُ اليسر إلى مقاطع ترتيلية قابلة للتكرار، فتعمل التراتيل كعُقدٍ إيقاعية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا جزئيًا داخل اللغة والذاكرة.»

جدلية الشهد والحنظل: من المرارة إلى شهد الرغد

«ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى

يُـفـضـي إلى الـحـنـظـل ِ...

والحـنـظـلُ قد يُـفـضـي إلـى

شَـهـدِ الـرَّغـدْ»

يقدّم هذا المقطع صياغة مكثَّفة لجدلية التحوّل في التجربة العاطفية والنضالية؛ فما يبدأ بوصفه «شَهدًا في الهوى» – حلاوة أولى مرتبطة بالحب أو بالإيمان بقضية ما – يمكن أن ينقلب، بفعل الاصطدام بالعنف التاريخي والمجازر التي طالت القوى اليسارية والديمقراطية، إلى «حنظل» مرّ. غير أنّ هذه المرارة لا تُطرَح كنهاية مغلقة، إذ يفتح الشاعر أفقًا معاكسًا: «والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، أي إنّ الحنظل ذاته يمكن أن يكون معبرًا إلى حلاوة أخرى أوسع وأعمق. هكذا يُعرَض الزمن النفسي–النضالي في هيئة سلسلة دورانية: شهد → حنظل → شهد أوسع، حيث لا ثبات للحلاوة ولا للمرارة؛ فكلاهما قابل لأن يتحوّل إلى ضده عبر المرور بالاختبار والجرح.

دلالات المفردات ووظيفتها في بنية القصيدة

- الشهد: يرمز إلى البدايات النقيّة، إلى لذّة الحب الأول أو حماسة الإيمان بالمبدأ، وإلى الوعد الأخلاقي–الوجداني الذي يفتتح التجربة.

- الحنظل: يمثّل المرارة والانكسار الناتجَيْن عن مواجهة الواقع العنيف، وعن المجازر والقمع اللذين تعرّضت لهما القوى اليسارية والديمقراطية، لا عن خيانةٍ ذاتية أو شخصية.

- شهد الرغد: لا يشير إلى عودة بسيطة إلى الحلاوة الأولى، بل إلى حلاوة ناضجة مقرونة بالوفرة والاكتمال، هي حصيلة اجتياز المراحل الصعبة والقدرة على إعادة تأويلها.

البعد التأويلي في سياق «ترتيلة اليقين»

يمكن قراءة هذا المقطع بوصفه خلاصة مكثّفة لفكرة القصيدة برمّتها: فاليقين لا يولد من تجارب مستقيمة خالية من التناقض، بل من المرور عبر تقاطعات الشهد والحنظل. في هذا الأفق، يغدو «الترتيل» آلية لغوية–طقسية لإعادة تدوير التجربة؛ إذ يجعل من مرارة الانكسار التاريخي مادةً قابلة للتحوّل إلى يقينٍ أكثر نضجًا، ويحوّل أثر المذبحة والمنفى إلى خطوة في طريق ترسيخ معنًى روحي وأخلاقي أعمق. اليقين هنا لا يُحسَم دفعة واحدة، بل يُصاغ بالتكرار والإنشاد والعودة التأويلية إلى الجرح.

بعد أن رسمت المقاطع السابقة ذاتًا مشروخة وعالمًا بلا وتد، يقدّم هذا المقطع نموذجًا مصغّرًا لآلية التحوّل الداخلي: من شهد البداية إلى مرارة الحنظل الناتجة عن العنف التاريخي، ومن ثم إلى شهد أوسع يُنتَج عبر الترتيل.

خاتمة موجزة

لا يقدّم المقطع تأمّلًا وجدانيًا فحسب، بل يرسم خريطة عملية لصيرورة اليقين: طريقٌ يمرّ بشهد الأحلام الأولى وحنظل الانكسار التاريخي على نحوٍ دائري، حيث يصبح الألم شرطًا ممكنًا لصياغة يقينٍ لغوي–روحي أكثر متانة واتزانًا.

من «الطاعن بالعشق» إلى «تراتيل اليقين»: اكتمال التحوّل من الجسد إلى الروح

«أيها الطاعنُ بالعشقِ البتوليِّ التراتيلِ…

الشريدُ السومريُّ… الحاسرُ القلبِ:

كفى أنك بتَّ اليومَ روحًا

وتراتيلَ يقينٍ

بعدما كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»

يختتم الشاعر نصّه بلحظة كشفٍ هُويّاتي تُعلن اكتمال المسار الذي سارت فيه القصيدة. يعود النداء في صيغة «أيها» مثقَّلًا بصفاتٍ تؤسِّس صورةً مركّبة للمخاطَب.

أهم هذه الصفات: «الطاعن بالعشق». هنا لا يدلّ الطعن على التآكل أو الضعف، بل على الاستمرار في العشق رغم مرور الزمن؛ فهو شاهد على حيويةٍ لم تنطفئ، وعلى وفاءٍ طويل الأمد لقضية أو فكرة آمن بها الشاعر وجيله. العمر لا يُضعف العشق، بل يضاعف عمقه وصلابته الأخلاقية.

وصف العشق بـ«البتولي» يمنحه طابعًا نقِيًّا وقيميًّا؛ فهو عشق غير نفعي، متحرر من المصالح المباشرة، أقرب إلى التكرّس المبدئي للفكرة. وإضافة «التراتيل» تجعل من هذا العشق فعلًا طقسيًا‑لغويًا: لا يُعاش فحسب، بل يُنشَد ويُرتَّل، بما يحوِّله إلى ممارسة روحية وجماعية في آن.

تتوالى الألقاب لتثبيت هويّة تاريخية ونفسية: «الشريد السومري» يمدّ الذات بجذور حضارية عميقة؛ فالاغتراب الفردي يُرى امتدادًا لتاريخٍ طويل من النكبات الرافدينية، لا حادثة معزولة في الحاضر. أمّا «الحاسر القلب» فيعلن عن قلبٍ مكشوف بلا درع، مستعدٍّ للجرح والصدق معًا؛ قلبٍ لا يحتمي بالتورية أو البرود، بل يواجه العالم بعرائه العاطفي والأخلاقي.

يتجلّى التحوّل النوعي في المقابلة بين:

«كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»

«بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين».

في الشطر الأول، تُختزَل الذات في حقل الحسّ واللذة والجسد:

الكؤوس = بهجة السهر والشراب؛

السرير = الحب الجسدي والحميمية؛

الجسد = الحضور المادّي المباشر.

لا يُبخِّس الشاعر هذه المرحلة، لكنه يضعها في طورٍ كانت فيه التجربة متمركزة حول الجسد ومسرّاته ومشاركه.

في المقابل، يعلن الشطر الثاني انتقال الذات إلى طورٍ روحي‑لغوي:

«روحًا وتراتيل يقين». لا يعني هذا هروبًا من الجسد، بل إعادة ترتيبٍ للأولويات؛ إذ تُستعاد التجربة الجسدية وما انطوت عليه من لذة وألم لتغذّي مستوى أعلى من الوعي، هو مستوى الروح والإنشاد واليقين. «تراتيل اليقين» ليست يقينًا عقائديًا جامدًا، بل حصيلة مسار طويل عبر الغربة والمذبحة والبحر والحنظل والشهد؛ يقين يُصاغ من التجربة لا من الوصفة، ويتجلّى في هيئة تراتيل لا في بيانات.

هذا الختام يربط البنية السابقة كلّها: الذات «الطاعنة بالغربة والحزن»، «نديم القلق»، «ناطور الأماني»، «نزيل اللا بلد»، العالم بوصفه «خيمة دون وتد»، حركة المدّ والجزر، وجدلية الشهد والحنظل. الترتيل هنا ليس ترفًا زخرفيًا، بل آلية تحويلية؛ فـ«جزر اليسر» التي ظهرت كلحظات تنفّس وسط مدّ العسر تتحوّل، عبر التكرار والإنشاد، إلى مقاطع ترتيلية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا لغويًا‑روحيًا. هكذا يُغلق النصّ دائرته بتحوّلٍ من الجسد إلى الروح، ومن التجربة الحسية إلى الترتيل كصيغة لإنتاج يقين ناضج؛ يقينٍ لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُصاغ عبر الوفاء الطويل للعشق والفكرة، وعبر المرور بالشهد والحنظل معًا.

جملة جاهزة للنسخ داخل الفقرة:

«الطاعن بالعشق» عند السماوي لا يعني تراجعًا بفعل الزمن، بل شهادة على حيوية مستمرة ووفاء للفكرة؛ رغم مرور السنين يظلّ المخاطَب متشبّثًا بمبدئه ومؤمنًا به، فيتحوّل العمر إلى تعميقٍ للعشق لا إلى نقيضٍ له.

البعدان النفسي والسياسي في ضوء تحليل الأبيات

يكشف تحليل الأبيات، من النداء الافتتاحي: «أيها الطاعن بالغربة والحزن / جليس اللا أحد»، إلى الخاتمة: «كفى أنك بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»، عن تداخلٍ عميق بين البنية النفسية والبنية السياسية في «ترتيلة اليقين».

على المستوى النفسي، تتشكّل صورة المخاطَب كذاتٍ تعيش منفى داخليًا حادًّا، يتجلّى في مفردات الغربة المزمنة («الطاعن بالغربة والحزن»)، والعزلة القصوى («جليس اللا أحد»)، والضياع في «متاهات بحار»، والعطب الكوني الذي يصيب الشمس والنجوم («مطفأ الشمس… وجفن النجم يشكو من رمد»). هذا العالم يُرى سكنًا هشًّا («خيمة دون وتد») وزمنًا غير متكافئ في توزيع اليسر والعسر («يُسرها جزر وأما العسر والخسر فمدّ»)، وهو ما يرسّخ شعورًا وجوديًا بالقلق واللااستقرار، وحاجةً ملحّة إلى نوعٍ من اليقين ينظّم هذا الاضطراب.

غير أن القصيدة، في مقطع «ربَّ شهدٍ في الهوى / يفضي إلى الحنظل… والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، تعيد تعريف الخبرة الشعورية من خلال جدلية الشهد والحنظل. فانتقال الشهد إلى حنظل لا يُقرأ كانتكاسٍ نهائي أو سقوطٍ مطلق، بل كمرحلة انكسار ووجدان حداد؛ الحنظل هنا تمثيلٌ لوعي الجرح والمرارة التي تفرض إعادة تقييم الذات والمشروع، لا إعلانًا عن موت نفسي أو روحي. وعلى المستوى النفسي، يشير ذلك إلى أن الألم – مع شدّته – جزء من مسار نضج الوجدان، وأن المرور بالمرارة شرطٌ لإمكان تبلور يقينٍ أكثر توازنًا.

على المستوى السياسي، تنفتح هذه البنية النفسية على أفقٍ تاريخي واضح المعالم؛ إذ تحيل «مذبحة الأمس» إلى ذاكرة القمع الذي طال القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، ويُستعاد المنفى في صيغة «نزيل اللا بلد»، بينما تتجسّد أزمة المرجعيات في صورة «أنوارٍ باتت تُسمّى نخلة الله» و«ناموس المرايا»، بما يشير إلى تحوّل القيم والأحزاب والأحلام الكبرى إلى رموز عليا مهدَّدة بالعجز عن الفعل. في هذا السياق، يمكن قراءة «الحنظل» أيضًا كتعبير عن تراجعٍ مؤلم في الفاعلية السياسية أو في الأمل التاريخي؛ هو لحظة خيبة وانكسار للمشروع لا تعني، في منطق القصيدة، انهياره النهائي، بل طورًا من الضعف يُمَهِّد لإعادة بناء رمزية أو استراتيجية جديدة.

تُسند القصيدة إلى «الترتيل» وظيفة محورية في آلية هذا التحوّل؛ فالتراتيل، بما تنطوي عليه من تكرار وإيقاع وإنشاد جماعي، تعمل كآلية لغوية‑طقسية لتحويل مرارة الحنظل إلى معنى قابل للوراثة، ومن ثمّ إلى «شهد الرغد» بوصفه حلاوةً ناضجة لا تعود إلى براءة البداية بل تتشكّل من داخل التجربة الجريحة نفسها. بهذا المعنى، يتحوّل الشهد→حنظل→شهد أوسع إلى نموذج لصيرورة اليقين: «تحول الشهد إلى حنظل يشير إلى انكسار ووجدان حداد لا إلى انهيار نهائي؛ هو تراجع مؤلم يُجبر على إعادة التقييم، والقصيدة تؤكد أن هذه المرارة قابلة لأن تُستثمر عبر الترتيل لتتحول بدورها إلى شهدٍ أعمق ونضج يقيني.»

في ضوء ذلك، يمثّل المسار الذي ترسمه الأبيات – من «نديم القلق الوحشي» و«نزيل اللا بلد» إلى «الطاعن بالعشق البتولي التراتيل» و«الروح وتراتيل اليقين» – حركة انتقال من طور الحضور الجسدي واليومي للحزب/الذات (الكؤوس، السرير، الجسد) إلى طور الحضور الرمزي–الروحي (الروح، التراتيل، اليقين). وهكذا يتأسّس «اليقين» في القصيدة لا كمعطى عقائدي ثابت، بل كحصيلة لمسار نفسي–سياسي طويل، تُعاد فيه صياغة الجرح والمنفى والخسارة في هيئة ترتيلةٍ قابلة للإنشاد والتوريث، أي بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد التفكّك والعدم، واستثمارًا للمرارة في إنتاج شهدٍ أوسع وأعمق.

الخاتمة:

تقدّم قصيدة «ترتيلة اليقين» ليحيى السماوي نصًّا يقوم على جدلية دقيقة بين النفسي والسياسي، وبين الفردي والجماعي، بحيث يتعذّر الفصل بين سيرة الذات المنفية وسيرة الحزب/التيار والذاكرة الوطنية المثقلة بالمجازر والانكسارات. فمن خلال بنية تصويرية ترتكز إلى الغربة و«اللا بلد» و«الخيمة دون وتد» و«متاهات البحار» والعطب الكوني («مطفأ الشمس، رمد جفن النجم»)، يرسم الشاعر ملامح عالم فقد جانبًا كبيرًا من استقراره الرمزي والأخلاقي، ويجسّد في الوقت نفسه حالة وعيٍ جمعي مأزوم عاش القمع والمنفى وتعطّل الحلم.

مع ذلك، لا تقف القصيدة عند حدود تشخيص الخراب، بل تنفتح – عبر صور السعف والبيت والظل والمدد، وعبر جدلية الشهد والحنظل – على إمكانية تحويل الخسارة والانكسار إلى رصيد معنوي ورمزي يمكن استثماره في إعادة بناء المعنى. فتحوّل الشهد إلى حنظل لا يُقدَّم كانتكاسٍ نهائي، بل كمرحلة وجعٍ و«وجدان حداد» تفرض إعادة التقييم؛ والحنظل نفسه يُطرَح بوصفه قابلًا لأن يفضي، عبر الترتيل، إلى «شهد الرغد»، أي إلى حلاوة ناضجة تُستخلص من صلب التجربة الجريحة. هكذا تقرأ القصيدة انطفاء الأنوار كنتيجة للمذابح والتاريخ العنيف، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المبادئ لم تمت، بل يُعاد استثمار مرارة الواقع ترتيليًا لتوليد يقين جديد.

في هذا الأفق، يغدو «اليقين» الذي يَعِد به العنوان يقينًا متحوّلًا لا عقيدة منجَزة؛ فهو ثمرة مسار طويل من التعرّض للجرح وتأويله، ينتقل فيه المخاطَب من طور الحضور الجسدي واليومي («الكؤوس، السرير، الجسد») إلى طور الحضور الرمزي–الروحي («الروح وتراتيل اليقين»)، حيث تتحوّل التجربة الحسيّة والتاريخية – بما فيها من شهدٍ أول وحنظلِ انكسار – إلى مادة للإنشاد والترتيل. وهكذا تنجح القصيدة في أن تحوّل التجربة النفسية الفردية إلى مرآةٍ لوعي سياسي وتاريخي أوسع، وأن تجعل من «الترتيل» فعلًا شعريًا ونفسيًا للمقاومة ضد العدم، ومن «اليقين» أثرًا لغويًا وروحيًا لتجربة نضال لم تستسلم للهزيمة، بل أعادت صوغ ذاتها في هيئة يقينٍ يُرتَّل ويُورَّث ويظل مفتوحًا على التأويل والاستمرار.

«الانكسار هنا مرحلة لا حكمًا؛ والمأساة تُنتِج عبر الترتيل يقينًا متحوّلًا، فتظلّ الفكرة حيّة رغم تراجع البنى السياسية.»

***

سهيل الزهاوي

    

مقدمة: بعد زوال الخلافة العباسية، وتفشي اللهجات المحليّة في البلدان العربية، وانحسار المدارس وضعف التعليم، بقي الشعر العربيّ يسير على نمطين فإمّا أن يقلد الشاعر العربي من سبقه من الشعراء الكبار المعروفين أمثال شعراء العصر الجاهلي والأموي والعباسي المعروفين، أو أن ينظم شعرا لا حياة فيه قد يعالج مواضيع سطحية، ويمكن أن نضع عناوين لمراحل تطوّر الشعر العربي إلى:

1- مرحلة الأرهاصات بعد منتصف القرن التاسع عشر

2- مرحلة الكلاسيكية الجديدة

3- مرحلة الشعر الحر (التحرر)

4- المرحلة الحالية قصيدة النثر والهايكو

1 - الإرهاصات

يمكن أن نرجع محاولات التجديد في الشعر العربي إلى نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من قبل الشعراء :محمود سامي البارود المولود 1839 والشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي المولود عام 1863، والشاعر أحمد شوقي ولد 1868، ويضاف إليهم الشاعر الرصافي 1875.

لقد كان الشعر العربي ينهج على مسار ماسبقه من حيث النظم وللشاعر نماذج من المعاني والاستعارات والتشبيهات أصبح يكررها، فالكريم بحر، والشجاع أسد، والمرأة الجميلة ظبية، وجهها يشبه القمر إذ بقيت تلك التشبيهات أساسا يسير على وفقه الشعراء إلى زمن متأخر جدّا، وانصبّت المحاولات الأولى من قبل البارودي والزهاوي على تخليص الشعر العربي من المحسنات البديعيّة التي كانت تثقل الشعر من جناس وطباق وتبدو مفتعلة إلى حدّما.

غير أنّ البارودي والزهاوي لم يغيّرا ةكثيرا في التجديد الاستعاري والتشبيه في شعرهما، كقوله حين رآى ديار الحبيبة فجاشت شجونه:

فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ فِيهَا بِوَاكِفٍ

مِنَ الدَّمْعِ يَجْرِي بَعْدَ سَحٍّ بِوَابِلِ

*

دِيَارُ الَّتِي هَاجَتْ عَلَيَّ صَبَابَتِي

وَأَغْرَتْ بِقَلْبِي لاعِجَات الْبَلابِلِ

于是双眼垂落连绵的泪滴,在倾盆大雨之后依然流淌不息。 正是那片故土,唤起了我的相思,触动着我的心——而非夜莺的啼鸣

وحاول الشاعر الزهاوي أن يكتب قصيدة من البحر الطويل مختلفة القوافي غير أنّ محاولته لاتعد ضمن دائرة التجديد، لكنّ الشاعر تطرق إلى مواضيع شتى بلغة عصريّة مفهومة مثلما فعل معاصره البارودي، يقول الزهاوي:

قَد كنت في درب ببغداد ماشياً  

 وبغداد فيها للمشاة دروب

*

فَصادَفَت شيخاً قد حنى الدهر ظهرَه

 له فوق مستنّ الطروق دبيب

我曾走在巴格达的一条路上,白昼的太阳已近西沉。 我遇见一位被岁月压弯了腰的老人,在坚硬的路上缓慢爬行

والملاحظ إنّ شعراء تلك الفترة التزموا إلى حدّ ما البحر الطويل الذي يناسب الحركة البطئية حركة الظعائن والسرى في الصحراءوهو بحر صعب كأنّ شعراء تلك المرحلة أردادوا أن يثبتوا إمكانياتهم وموهبتهم عبر هذا البحر الصعب\.

ثمّ جاء الشاعر أحمد شوقي فكانت كلماته أكثر رقة وتشبيهاته أكثر جدّة ممن سبقوه.

الكلاسيكية الجديدة

لقد حررت مرحلة الإرهاصات الشعر العربي من سطوة الأساليب البلاغية القديمة فخرجت به إلى كلمات مألوفة غير قاموسية غير أنّ الشعر العربي مادام (ديوان العرب) كما يقول الشاعر أبو فراس الحمداني، فلا بدّ له من أن يواصل وشائجه بالماضي من دون أن يقع في التقليد.إن خطورة الأدب القديم في أنّه يؤثّر فينا إلى درجة تجعله يقيدنا به فنقلده، فجاء الشعراء وهم محمد مهدي الجواهري ولد عام 1899 أو 1900، والشاعر بدوي الجبل 1903، والشاعر عمر أبو ريشة ولد عام 1910 وهؤلاء الشعراء تكاد تكون ولاداتهم متقاربة فشعراء مرحلة الإرهاص كانت بينهم مسافات زمنية واسعة تلك المسافات تتعلق بالثقافة وأحداث العصر التي عايشوها وأثرت بهم، لكن شعراء مرحلة الكلاسيكية الجديدة ولدوا في الظروف ذاتها، ويمكن أن نعدّ الجواهري أوّلهم وذلك لكون استطاع ترويض الحرف البدوي وجعلنا نتقبله فحرر الشعر عبر الفخامة اللفظيّة والكلمات القوية من سطوة الشعر القديم مع أنّ هناك بقايا من تلك الهيمنة بقيت في شعره وفي بعض شعره يستخدم مفردات قديمة لانعايشها وربما نلجأ إلى قاموس اللغة في فهمه، ومن شعره الفخم السهل:

حييت سفحك عن بعد فحييني

 يادجلة الخير يا أم البساتين

*

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به

لوذ الحمائم بين الماء والطين

我从远方问候你的山麓,也请你回应我——善哉底格里斯河,你是万园之母啊!我怀 着干渴问候你的山麓,以此藏身,如鸽子在水与泥之间寻求庇护

ثاني المثلث الكلاسيكي الجديد هو بدوي الجبل الذي جدد في الشعر والمعاني، وكان شعره فخما أكثر ليونة من شعر الجواهري وأكثر رقة:

الزغاريد فقد جنّ الإباء

من صفات الله هذا الكبرياء

*

أيها الدنيا ارشفي من كأسنا

إنّ عطر الشام من عطر السماء

欢呼声起,骄傲已然疯狂——这傲慢源自真主的尊名与属性。尘世啊,从我们的杯中 饮吧,大马士革的芬芳,确实来自天堂的香气 و

وثالث هؤلاء الشاعر عمر أبو ريشة الذي درس في مدارس أجنبية وعين سفيرا في أكثر من بلد، يقول:

شمس حزني قد استوت وعجيب

 أن أراني أعيش في غير ظلّ

*

أبصر الدهر ناشرا سفر عمري

ولسان الآلام يقرا ويملي

我悲伤的太阳已临中天,奇怪的是——我竟然活在毫无荫蔽之处。 我看见时光展开我生命的书卷,而痛苦之舌在阅读,并代我口授

ونظنّ أنّ الشاعر الجواهري أو شاعر العرب الأكبر حرر الشعر العربي من مخلفات الماضي لكنّ الشاعرين بدوي الجبل وأبا ريشة كان شعرهما أكثر دفئا من حيث البعد الرومانسي الذي يجعل الشعر أكثر رقة وتلألؤا.

3- مرحلة الشعر الحر (شعر التفعلية)

قلنا إنّ الزهاوي حاول أن ينظم شعرا من دون حرف رويّ لكنه التزم بالبحر الطويل وهو مجرد نظم لا يعدّ تجديدا، وحرر شعراء الكلاسيكية الجديدة الثلاثة الشعر من شوائب الماضي وتشبيهاته القديمة ومع الاحتفاظ بالوزن والقافية، ثمّ جاءت مرحلة الأربعة الكبار الذين حرروا الشعر العربي من البحر والقافية وقد احتفظوا بالتفعلية وأسسوا نظام السطر الشعري، وهم نازك الملائكة ولدت عام 1923، بدر شاكر السياب، 1926، بلند الحيدري 1926، عبد الوهاب البياتي 1926.

هؤلاء ولدوا في سنة واحدة وحين أصبحوا في مقتبل العمر كانوا قد تثقفوا بثقافة عصرية، وعايشوا أحداث الخرب العالمية الثانية وسيل المخترعات ونشاط الجامعات إضافة إلى ثقافتهم العربية والإسلامية، فغيروا في الشكل والمضمون حيث استغنوا عن نظام التفعيلة، والقافية وجددوا في المعاني.

كانت الاستعارات معظمها يتوافق مع الحس نقول جاء القمر ونقصد فتاة لعلاقة أنّ القمر جميل وهي جميلة والقمر مدور ووجهها مدور والقمر مضئ وهي بيضاء أما عند السياب والبياتي وبلند وإلى حد ما نازك فإن العلاقات الخفية هي التي تشكل الأساس، وهي علاقات بعيدة، كلما كانت العلاقات خفية بين المشبه به والمشبه خفية وبعيدة كان الشعر أرقى إذ أصبح الشعر يركز على العوالم النفسية والداخلية والخيال، وهناك مثلث شعري يمكن أن نلخصه بثلاثة أضلع هو الخيال(الصورة)، والبعد الفلسفي، والبنية الشعرية.

ويمكن أن نلحق بالشعراء الأربعة الكبار الشعراء: نزار قباني ولد 1923، لميعة عباس عمارة 1929، أدونيس (علي أحمد سعيد).

نزار أكثر الشعراء تنميقا للكلمات والصور، عالج قضايا المرأة، ووصفها بدقة، كانت هناك مقاييس للجمال عند الشعراء القدامى مثل الخدود تفاح والنهود رمان فجاءت مقاييس الجمال عند نزار جديدة يقول في قصيدة بعنوان الشفة:

منضمة مزقزقه

مبلولة كالورقه

سبحانه من شقها

كما تشق الفستقه

闭合着,叽喳着,湿润如同一片叶。赞美主劈开(创造)了它,就像劈开开心果

وتخطت الشاعرة لميعة الشاعرة نازك في الإبداع في الشعر العمودي وشعر التفعيلة، أما أدونيس، فإنّه وإن كان من شعراء التجديد، وله مكانة جيدة إلا إنّ كثيرا من شعره غلب عليه التعقيد، فطغى الفكر عنده على العاطفة، وكأنّنا حين نقرؤ بعض قصائده نطاله نصا فلسفيا ذهنيا لاغير.

4- قصيدة النثر:

تحتلّ قصيدة النثر مساحة واسعة من الساحة الأدبيّة في البلاد العربيّة.إنّ بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر يجيدون الكتابة في الشعر العمودي والتفعيلة ومعظمهم لايعرفون البحور الشعرية وليس لهم تجارب فيها، وقصيدة النثر تعتمد على الموسيقى الداخلية، والصورة العميقة المكثفة. وفي ثمانينيات القرن الماضي انتشرت قصيدة النثر انتشارا واسعا بخاصة وأجادها بعض الشعراء وكان لها حضور بين النساء في شرق الوطن العربي وفي المغرب بخاصة النساء الشواعر.

في أوروبا تمتد قصيدة النثر إلى أكثر من مائتي قرن، وكانت هناك تجارب سميت (الشعر المنثور)، وهناك تجارب للأديبة مي زيادة نذكر منها قصيدة العيون:

تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين.

تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأهداب كبحيرات تنطَّقن بالشواطئ وأشجار الحور.

العيون، ألا تدهشك العيون؟

العيون الرمادية بأحلامها.

والعيون الزرقاء بتنوعها.

والعيون العسلية بحلاوتها.

والعيون البنية بجاذبيتها.

والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوة وعذوبة

那些伫立在面孔上的眼眸,如同黑曜石与银铸成的护符。 那些在眼睑与睫毛间流转的泪光,如同湖泊,借湖岸与白杨树低声诉说。 眼睛啊,难道你不会为眼睛感到惊奇吗? 灰色的眼睛,带着它们的梦境。 蓝色的眼睛,有着它们的斑斓。 蜜色的眼睛,含着它们的甘甜。 棕色的眼睛,散发着它们的魅力。 深色的眼睛,交织着力量与温柔

ثمّ كانت هناك تجارب الشاعر العراقي حسين مردان (1927-1972)التي سماها (شعرا منثورا)، ويعده النقاد رائد قصيدة النثر :

أنت هنا فوق الصخر

فاذهب

فلم يزل في أعماق الغابة المظلمة كهف

لم يُكتشف

你在这里,在岩石之上,那就去吧——在幽暗森林的深处,仍有一个洞穴,尚未被发现

وهناك الشاعر السوري محمد الماغوط(1934-1906)، وهو شاعر قصيدة نثر انتشرت قصائده النثرية في الوطن العربي بحكم تناوله الأحداث السياسية القلقة وتصويره معاناة الناس فحفظ الكثيرون مقاطع من قصائده عن ظهر قلب

الآن

في الساعة الثالثة من القرن العشرين

حيث لاشيء

يفصل جثث الموتى عن أحذية المارة

سوى الإسفلت

سأتكيء في عرض الشارع كشيوخ البدو

ولن أنهض

现在,在二十世纪的第三个时辰,没有什么,能将死者的尸体与行人的鞋子隔开的只 沥青。我将像贝都因老人一样斜倚在街道中央,不再起身

والآن الموجة السائدة في حركة الشعر العربي هي قصيدة النثر التي افتتنت بها النساء، ومن أفضلهن إجادة لقصيدة النثر ماتكتبه وتنشره الشاعرة العراقية (إنعام كمونة)، على سبيل المثال قولها:

يوشوشني عطر البردي

ترانيم جداول سومرية العبق

مزامير مشحوف

تحدوها غيد ملونة الجراغد (الجرغد بلهجة العراق الغطاء الذي تلفه القروية على رأسها)

يغازل رشاقة موج طحلبي الوجنات

بمجذاف ضوء أزرق

它在撩拨那波浪漫柔的、苔绿色双颊的涟漪,用一柄湛蓝的光之桨。 芦笛轻吹,簇拥着彩色头巾的婀娜姑娘。 纸莎草的气息向我悄悄呢喃,苏美尔芬芳溪流的歌谣

5-الهايكو

الهايكو فن ياباني يقوم على كتابة سطرين ويعتمد الهايكو على الحواس وليس على المعاني الضمنية الذهبية ويكم أن نضرب له مثلا بهذين السطرين:

أشرقت الشمس

غادر البوم إلى عشه

头鹰回到了它的巢穴。 太阳升起了

فالشمس محسوس والبوم محسوس وهناك علاقة بين شروق الشمس واختفاء البوم معنى طريف يعتمد على الحس، وربما حسب ماتنشره الميديا نجد الشاعر الفلسطيني عزّ الدين المناصرة(ولد عام 1946) أول ماكتب الهايو وكان ذلك عام 1964، ومن تجاربه الهايكو التالي:

يا صديقي

أيها الغيم الذي يلعب بالزهر

على شال الحرير

فوق أكتاف القدود المائسات

انثر الثلج على ساق القرنفل

وتمهل

我的朋友——那片用骰子玩耍的云,在丝绸披肩上,在婀娜身姿的肩头之上——请把 雪撒在丁香花的茎上,再慢一些

ونجد أيضا أن شعر الهايكو انتشر انتشارا واسعا في البلاد العربية وتقبله المواطن العربي وتذوقه بشكل واسع.

الشعر المهجري

عرفت الصين شعر جبران واحتفلت بمرور مائة عام على ترجمته للغة الصينية لكن بعد التقدم العلمي الهائل وتطور وسائل المواصلات والميديا تناسى الناس الشعر المهجري الذي عدّ أحد العوامل المهمة ساعدت على تحرير الشعر العربي وتجديده، لقد أصبح الآن العالم بسبب التقدم العلمي قرية صغيرة فلم يلتفت أحد إلى الشعر والأدب المهجريين، فجاء الناقد المصري الأكاديمي الدكتور يوسف نوفل ليلفت نظر العرب إلى الأدب المهجريّ المعاصر بخاصة الشعر إذ أننا الآن نقرأ رواية مهجرية وشعرا مهجريا. لقد كان الشعر هو السائد زمن جبران ورفاقه من شعراء المهجر وأغلب شعرهم في الحنين ووصف الوطن والشكوى من الغربة، ولم تكن هناك رواية مهجرية مشهورة أمّا الآن فقد اختلف الوضع إنّ المهاجر يمكن أن يتحدث مع أهله كلّ ساعة ويراهم من على وسائل التواصل الاجتماعي وقتما يشاء، والمهاجر نفسه اندمج بالمجتمع الجديددفكتب الرواية التي تصور المجتمع الغربي الذي يعيش فيه وتحدث عن الأجانب الذين يتعامل معهم وصورهم وتحدث عن نفسياتهم. إنّ الوطن نفسه أصبح بشكل آخر في الشعر المهجري الجديد، أصبح حسب المقاييس الجديدة إنسانا أو كائنا حيا يتعامل معه الشاعر بحميمية لا بشكل حنين بسيط كما كان يفعل الشعراء الرواد. يقول قصي الشيخ عسكر:

تطالعني، وقد ضاقت، منافِ

وينسى صورتي الوطن الكبير

بلادي لم تزل تدمى ولمّا

تدنّسها الخطايا والشرور

لتبقى في دمي بركان عزّ

أراقب لحظة فيها يثور

إذا قال العراق فقول حقّ

وغير حديثه كذب وزور

你望着我,而我的呼吸已变得狭窄, 伟大的故乡却忘了我的模样。 我的祖国仍在流血, 尚未被罪孽与邪恶玷污。 愿她留在我血液中,成为一座荣耀的火山, 我静候她喷发的时刻。 说起伊拉克,请说出真相—— 除此之外的言论,皆是谎言与欺瞒

فالشاعر يعاتب وطنه كما لو كان إنسانا مثله. إنّه يثق بحديثه، على الرغم من أنّ هذا الوطن هو الذي رفض المهاجر غير أن الأخير أبقى علاقة الصداقة مع ذلك الوطن، وهناك لون آخر تطرّق إليه الشّاعر ألا هو التشتت الذي يعانيه المواطن العربي في بقاع الأرض، فالعائلة الواحدة يمكن أن تكون في أكثر من مكان:

لأبي قبر في بغداد

أختي ماتت في كندا وأخي في سدني

أمي ترقد في كوبنهاغن

وأنا أدفن بعد مديد العمر بلندن

حقا

عائلتي تملك كل الأرض

我父亲在巴格达有一座坟墓,姐姐死在加拿大,哥哥死在悉尼,母亲安息在哥本哈 根,而我将在多年以后葬于伦敦。真的,我的家庭拥有整个大地

ويمكن أن يتمثل الشاعر معنى قديما فيحوله إلى شعر مهجري جديد:

المعنى القديم: نظر الحاكم العربي إلى سحابة مرت فقال أينما تمطري يأتنا خيرك

الشاعر يقول:

أيّ سحاب

يعبر أي بلاد يوما ما

سيصيب لنا قبرا

任一片云,有一天飘过任一片土地,都将为我们命中一座坟墓

ولعلّ الشاعر يفهم الوطن فهما جماليا يختلف عن فهم الرواد الذين تحدثوا عن جمال الطبيعة.إن الشاعر يتناول الوطن بشكل رمز جمالي فيختار الغزال ويمكن أن يصور الحنين بهيئة صياد يروح يطارد الغزال الوطن:

وطني

كغزال بريّ مذعور

لا حيلة لي

*

في أن أصطاده إلا

أن أطلق سهمي

إنّ هناك علاقة حميمية بين الشاعر والوطن محكومة بالحركة والعنف والقوة والقسوة في بعض الأحيان فلم يعد المهجر السابق كما هو ولم يعد الوطن الأصلي ببعيد عن المهاجر بفعل التقدم العلمي ووسائل التواصل الاجتماعي والميديا.

الخاتمة

بهذا نكون قد مررنا مرورا سريعا على قضية تطور الشعر العربي وتحرره فرأينا أن الشعر العربي حيوي بقيمته يستطيع أن يواكب الأحداث والتطورات زإن قيمته الفنية والجمالية في تطره وإنه سيبقى ديوانا للعرب مادام ينبض بتلك الحيوية والقدرة على النموّ والتطوّر

***

الأستاذ الدكتور سعيد جمال الدين - ما يانغ جغ

رئيس قسم اللغة العربية، كلية الدراسات الدولية، جامعة صون يات سان

......................

المهرجان الدولي لشعر الشباب عام 2026

الدورة الخاصة بالصين والدول العربية

الجهات الرّاعية: اتحاد الكتاب الصينيين

دائرة الاعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة كانتون

دائرة الاعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في بكين

5-مايوعام 2026 كانتون

دراسة نقدية موسّعة لقصيدة: «إلى نديمِ شعرٍ وعود» للشاعر الجزار الأنيق

حين يلتقي الرثاء بالشعر، وتمتزج الخمرة بالموسيقى، ويتحوّل الغياب إلى نشيدٍ طويلٍ تتردّد أصداؤه في ذاكرة اللغة، يولد نصٌّ يتجاوز حدود البكاء التقليدي ليغدو تجربةً وجوديةً وجماليةً مركّبة. ومن هذا الأفق تنبثق قصيدة «إلى نديم شعر وعود» للشاعر الجزار الأنيق، بوصفها نصّاً مفتوحاً على تعدّد الأصوات والدلالات، يستدعي التراث الخمري العربي، ويستثمر الموسيقى الشرقية، ويعيد صياغة الرثاء ضمن رؤية حداثية تتشابك فيها الذات بالموت، والقصيدة بالنديم، والكأس بالزمن، والعود بالذاكرة.

إنّ هذه القصيدة لا تُقرأ باعتبارها مرثيةً لشخصٍ غائب فحسب، بل باعتبارها رثاءً لمرحلةٍ جماليةٍ كاملة، وانكساراً لزمنٍ كانت فيه الموسيقى والشعر يشكّلان ملاذاً روحياً وإنسانياً في مواجهة قسوة العالم. ولهذا، فإنّ النص يتحرك داخل شبكةٍ معقّدة من الرموز والإشارات والاستعارات، حيث تتداخل المقامات الموسيقية بالوجدان، وتتحوّل الكؤوس إلى استعاراتٍ للفقد، ويغدو الغناء شكلاً من أشكال المقاومة الوجودية ضد العدم والنسيان.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولة مقاربة النص مقاربةً نقديةً شاملة، تستند إلى جملةٍ من المناهج المتداخلة: الأسلوبية، والبلاغية، والسيميائية، والنفسية، والتفكيكية، والتأويلية، فضلاً عن النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحةً على إمكانات متعددة للمعنى، لا تُختزل في قراءةٍ واحدة أو تأويلٍ نهائي. فالنص الشعري الحقيقي لا يمنح قارئه معنى جاهزاً، بل يورّطه في لعبة التأويل، ويجعله شريكاً في إنتاج الدلالة، حيث تتولّد المعاني من التفاعل المستمر بين النص والقارئ والسياق الثقافي والمعرفي.

ومن هنا، ستسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية اللغوية والإيقاعية والرمزية للقصيدة، والكشف عن أنظمتها الدلالية العميقة، وتحليل صورها الحركية والتحوّلية، واستجلاء أبعادها الفلسفية والإيروتيكية والوجودية، إضافةً إلى قراءة بنيتها النحوية والانزياحية بوصفها جزءاً من هندستها الجمالية. كما ستقف الدراسة عند التفاعل الخلّاق بين التراث والحداثة داخل النص، وعند قدرة الشاعر على تحويل الرثاء من حالة وجدانية خاصة إلى سؤال إنساني شامل يتصل بالفقد، والذاكرة، والهوية، والمصير.

إنّ «إلى نديم شعر وعود» ليست مجرد قصيدة تُقال، بل عالمٌ شعريّ كامل تُضاء فيه اللغة بنار الحنين، وتُعزف فيه المأساة على أوتار الغياب، حتى يبدو النص وكأنه مرثيةٌ للموسيقى ذاتها، واحتجاجٌ جمالي ضد انطفاء المعنى في زمن الاستهلاك والتفاهة. ومن هنا تأتي فرادة هذه القصيدة؛ إذ تنجح في أن تجعل من الحزن فناً، ومن الفقد نشيداً، ومن الموت شكلاً آخر للحضور الأبدي في ذاكرة الشعر.

تُمثّل قصيدة «إلى نديم شعر وعود» نصّاً رثائياً حداثياً بالغَ الكثافة الجمالية والدلالية، يتجاوز مفهوم الرثاء التقليدي بوصفه بكائيةً على الفقد، ليغدو نصاً وجودياً مركباً تتداخل فيه الخمرة بالموسيقى، والنديم بالقصيدة، والموت بالبعث الرمزي، في معمارٍ شعريّ يقوم على التناصّ الثقافي، والانزياح البلاغي، والتكثيف الإيقاعي، وتعدّد الطبقات التأويلية. إننا أمام نصّ لا يرثي شخصاً بقدر ما يرثي زمناً جمالياً كاملاً، وانهيار منظومة الذوق والمعنى في ما يسمّيه النص ذاته: «عصر التفاهة».

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغةٍ عربية جزلة ذات نفس تراثي واضح، تستثمر القاموس الكلاسيكي دون أن تقع في أسر المحاكاة العتيقة. فاللغة هنا ليست زخرفةً بل بنية دلالية تولّد الإيقاع والمعنى معاً.

يقول:

يا صاحبي بعضُ الغناءِ نبيذُ

أيمسّنا سكرٌ وأنت بعيدُ؟

يفتتح الشاعر بالاستفهام الإنكاري الذي يحمل شحنة وجدانية عالية، حيث يتحوّل الغناء إلى «نبيذ»، وهي استعارة تأسيسية ستبني عليها القصيدة شبكتها الرمزية اللاحقة. إنّ الخمرة هنا ليست خمرةً حسية، بل خمرة وجودية - جمالية ترتبط بالنشوة الفنية والرفقة الروحية.

أسلوبياً، تعتمد القصيدة على:

الجملة الفعلية ذات الحركة المستمرة.

التراكيب الانفعالية.

النداء التكراري.

الاستفهام بوصفه أداة قلق وجودي.

الانزياح التركيبي الذي يفكك المألوف اللغوي.

مثل قوله:

مع ركنك الخالي أدير حديثنا

مرسول حب، والرسول فقيدُ

فالشاعر لا يدير الحديث مع الشخص، بل مع «الركن الخالي»، أي مع الغياب ذاته، وهنا يتحول الفراغ إلى كيان حواري.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تمتلك القصيدة توازناً دقيقاً بين فخامة اللفظ وحرارة الشعور. فاللغة لا تبدو متكلّفة رغم غناها المعجمي، بل تأتي منسجمة مع طبيعة الرثاء الوجداني.

نلاحظ حضور ألفاظ مثل:

السلاف، الطلا، العناقيد، النُدَامى، المقامات، البياتي، النهوند، الرست.

وهي ألفاظ تؤسس حقلاً دلالياً مزدوجاً:

حقل الخمرة.

وحقل الموسيقى.

وهذا الامتزاج يشكّل أحد أبرز جماليات النص.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة، بما يمنحها من طاقة إنشادية عالية تناسب النبرة الرثائية الغنائية.

ويتجلّى المعمار الصوتي عبر:

أ ـ التكرار الإيقاعي

يا أول الكاسات

يا ثاني الكاسات

يا ثالث الكاسات...

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يخلق طقساً جنائزياً دائرياً يشبه التراتيل الصوفية.

ب ـ الموسيقى الداخلية

من خلال:

الجناس.

التوازي التركيبي.

تقابل الأصوات.

المدود الطويلة.

مثل:

كأس المنية يا رفيق فناؤها

عند الندامى رشفها تخليدُ

حيث يتقابل:

الفناء - التخليد.

المنية - الندامى.

في بنية صوتية ودلالية مزدوجة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات بنية تصاعدية تبدأ من:

الصدمة، ثم:

استدعاء الذاكرة، ثم:

استحضار النديم، ثم:

تفكيك العالم بعد غيابه، وأخيراً:

التصالح التراجيدي مع الموت.

النص يتحرك درامياً عبر:

أ- النداء.

ب- الحوار الغائب.

ج- الطقس الخمري.

د- الاستدعاء الموسيقي.

وكأننا أمام «مرثية مسرحية».

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا تقوم على:

أ- تمجيد الفن.

ب- مقاومة النسيان.

ج- تحويل الموسيقى إلى خلاص وجودي.

إنّ الراحل ليس فرداً فقط، بل حاملُ معنى جمالي. لذلك يقول:

يا حامل الأمجاد كيف تركتها

ثكلى، وحزن الأغنيات شديدُ؟

فالأغنيات نفسها تدخل في حالة حداد.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص ينجح في إنتاج الدهشة عبر:

مزج الخمرة بالموت.

تحويل المقامات الموسيقية إلى كائنات يتيمة.

تشخيص الغناء والأوتار والكؤوس.

مثل:

الكرد والنهوند فيك تيتموا

فجع البياتي والصبا مكبودُ

هنا تتحول المقامات الموسيقية إلى أيتام ثكالى.

الصورة الحركية والتحوّلية

١. الصور التحولية

النص قائم على التحول:

الغناء - نبيذ.

العود - سياط.

المقامات - خيل.

الكأس - قبر.

الموت - تخليد.

٢. الاندماج الحسي - التبادل الوجودي

هناك تداخل حسي واضح:

أ - الموسيقى تُشرب.

ب - الخمرة تُسمع.

ج- الأوتار تنزف.

اللحن يسجد.

مثل:

ما كل لحن كالصلاة سجودُ؟

وهو انزياح مذهل يحوّل الموسيقى إلى طقس روحي.

٣. استعارة الامتزاج

تتداخل:

الذات بالشعر.

الخمرة بالقصيدة.

النديم بالموسيقى.

الموت بالحياة.

حتى يصبح الفقد فقداً للهوية الفنية نفسها.

٤. الانزياح التركيبي

مثل:

هل للغناء بفقده أعنابنا؟

فالأعناب هنا ليست للخمر فقط، بل للغناء.

٥. الانزياح الزمني

الزمن في النص غير خطي:

الماضي حاضر.

الغائب حي.

الميت يعود في الذاكرة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

أ- الفن والموت.

ب- الذاكرة والنسيان.

ج- جدوى الجمال في عصر التفاهة.

د- إمكانية الخلود عبر الفن.

٢. الأفق المعرفي

النص متشابك مع:

أ- التراث الخمري العباسي.

ب- الرثاء العربي.

ج- الموسيقى الشرقية.

د- الحس الصوفي.

ه - الحداثة الوجودية.

ويتناص خصوصاً مع: أبو نواس

وأبو الطيب المتنبي

وعمر الخيام

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في القراءة التأويلية:

الخمرة تساوي الوعي الجمالي.

النديم يساوي الذات الثانية.

العود يساوي الذاكرة.

الكأس يساوي الزمن.

الموت يساوي عبور رمزي.

وبالتالي فالنص لا يرثي شخصاً، بل يرثي انطفاء المعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

النص ابنُ زمنٍ يشعر فيه الشاعر بانهيار الذائقة الفنية، لذا يستحضر الماضي بوصفه ملاذاً جمالياً.

٢. تطور النوع الأدبي

القصيدة تمثل:

تحديثاً للمرثية التقليدية.

ودمجاً بين القصيدة الغنائية والرثاء الفلسفي.

٣. الارتباط بالتراث

يتفاعل النص مع:

خمريات أبي نواس.

الرثاء الأندلسي.

المقامات الموسيقية العربية.

الحس الصوفي.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

يسيطر:

الحنين.

الفقد.

الإنكار.

التعلّق المرضي بالذاكرة.

٢. النبرة النفسية

النبرة بين:

أ- السكر الرمزي.

ب- الانهيار الداخلي.

ج- السخرية السوداء.

د- التحدي للموت.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يحمل احتجاجاً ضمنياً ضد:

أ- عصر التفاهة.

ب- سقوط القيمة الفنية.

ج- استهلاك الفن.

والآن يا عصر التفاهة قل لنا

هل بعد موت النابغات وليدُ؟

وهنا يتحول الرثاء إلى نقد حضاري.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات المركزية

العلامة، الدلالة، الخمر، النشوة الجمالية، العود، الذاكرة. الكأس، الزمن، المقامات، الهوية الثقافية، النديم، الذات المكملة، الليل، الوجود، القلق.

ثامناً: القراءة الاحتمالية للنص

وفق النقد الاحتمالي: النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة معانٍ مفتوحة.

فالقصيدة يمكن قراءتها بوصفها:

أ- مرثية لصديق.

ب- رثاء للموسيقى العربية.

ج- احتجاجاً على عصر التفاهة.

د- بحثاً عن الخلود.

ه- نصاً إيروتيكياً مقنّعاً بالخمرة.

خطاباً صوفياً عن الاتحاد الروحي.

البعد الإيروتيكي:

الإيروتيكية هنا ليست جسدية مباشرة، بل:

حسية روحية.

قائمة على التماهي.

الامتزاج.

النشوة.

الجسد الموسيقي.

فالخمرة والعود والكأس والرقص كلها علامات إيروسية مؤنسنة.

تاسعاً: قراءة لغوية نحوية مختصرة

إعراب جمل مهمة

يا صاحبي بعض الغناء نبيذُ

يا: أداة نداء.

صاحبي: منادى مضاف منصوب.

بعضُ: مبتدأ مرفوع.

الغناءِ: مضاف إليه.

نبيذُ: خبر مرفوع.

ما كل لحن كالصلاة سجودُ؟

ما: نافية.

كلُّ: مبتدأ.

لحنٍ: مضاف إليه.

كالصلاة: جار ومجرور.

سجودُ: خبر مرفوع.

الكرد والنهوند فيك تيتموا

الكردُ: مبتدأ.

النهوندُ: معطوف.

فيك: جار ومجرور.

تيتموا: فعل ماضٍ.

خاتمة:

تُعدّ قصيدة «إلى نديم شعر وعود» نصاً شعرياً عميقاً متعدد الطبقات، يجمع بين الفخامة التراثية والوعي الحداثي، ويحوّل الرثاء إلى تجربة وجودية كبرى تتشابك فيها الموسيقى بالموت، والخمرة بالذاكرة، والصداقة بفلسفة الفناء. إنها قصيدة لا تُقرأ بوصفها مرثية فقط، بل بوصفها مقاومة جمالية ضد اندثار المعنى في زمن الضجيج والتفاهة، ونصاً مفتوحاً على احتمالات تأويلية لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

إِلَى: نَدِيمِ شِّعْرٍ وَ عُودٍ

​يَا صَاحِبِي بَعْضُ الْغِنَاءِ نَبِيذُ

أَيَمُسُّنَا سُكْرٌ وَأَنْتَ بَعِيدُ؟

*

بِالدَّمْعَةِ الْحَمْرَاءِ نَخْبِي مُتْرَعٌ

كَأْسَانِ، وَالسَّاقِي عَلَيَّ شُهُودُ

*

مَعَ رُكْنِكَ الْخَالِي أُدِيرُ حَدِيثَنَا

مَرْسُولَ حُبٍّ، وَالرَّسُولُ فَقِيدُ

*

مَا بَالُ «آنْفَا» أُوحِشَتْ أَعْوَادُهَا

وَالصَّمْتُ فِي أَحْشَائِهَا سَفُّودُ؟

*

يَا صَاحِبِي، «الْبَيْضَاءُ» ضَاعَ بَيَاضُهَا

لَمَّا انْطَوَى فِي كَفْنِكَ التَّغْرِيدُ

*

مَنْ لِلْمَوَاوِيلِ الْحَزِينَةِ يَا فَتَى؟

بَعْدَ «الْعَمِيدِ» أَهَلْ لَهَا تَعْمِيدُ؟

*

مَنْ كَانَ فِي الْكَاسَاتِ لَحْنُهُ كَرْمَةً

مَنْ كَانَ عُودُهُ بِالسُّلَافِ يُجِيدُ؟

*

هَلْ لِلْغِنَاءِ بِفَقْدِهِ أَعْنَابُنَا؟

يَدُ صَاحِبِي إِنْ صَبَّهَا عُنْقُودُ

*

هَلْ ثَمَّ عُودٌ كَالَّذِي أَذَّنْتَهُ

مَا كُلُّ لَحْنٍ كَالصَّلَاةِ سُجُودُ؟

*

كَمْ قُلْتَ لِي: الْأَوْتَارُ بَعْضُ عُرُوقِنَا

مَنْ يَا «وَهَّابُ» بِنَزْفِهِ سَيَجُودُ؟

*

تِلْكَ الْمَقَامَاتُ الَّتِي أَسْرَجْتَهَا

خَيْلًا عَدَتْ، وَسِيَاطُهُنَّكَ عُودُ

*

عَجَمٌ وَسِيكَا وَالْحِجازُ تغربوا

وَالرَّسْتُ بَعْدَكَ يَا عَمِيدُ شَرِيدُ

*

الْكُرْدُ وَالنَّهَوَنْدُ فِيكَ تَيَتَّمُوا

فُجِعَ الْبَيَاتِي وَالصَّبَا مَكْبُودُ

*

هَلْ يُنْطِقُ الْأَوْتَارَ بَعْدَكَ عَازِفٌ

أَوْ يُنْتَشَى لَحْنٌ وَتَرْقُصُ غِيدُ؟

*

أَوْ يُؤْنِسُ الْأَرْوَاحَ بَعْدَكَ مُؤْنِسٌ

لَا هِي «أُمُّ كُلْثُومٍ» وَلَاهُ «فَرِيدُ»؟

*

فِي اللَّحْظَةِ الْأُولَى مَعًا ضُرِبَتْ لَنَا

فَوْقَ الصَّدَاقَةِ عُهْدَةٌ وَقُيُودُ

*

وَاللَّيْلُ فِي «كَازَا» نُمَاطِلُ صُبْحهُ

مِنْ نُوتَةٍ لِقَصِيدَةٍ تَمْدِيدُ

*

فِي «الزَّرْقَطُونِي» كَمْ يَطُولُ وَدَاعُنَا

وَهُنَا اللِّقَا عِنْدَ الْمَسَا مَوْعُودُ

*

لِي فِي الضَّيَاعِ شَوَارِعٌ وَأَزِقَّةٌ

وَزُجَاجَةٌ وَتَسَكُّعٌ وَنَشِيدُ

*

أَمْشِي وَظِلُّكَ فِي الزِّحَامِ يَقُودُنِي

عَنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَجْهُكَ الْمَفْقُودُ

*

يَا حَامِلَ الْأَمْجَادِ كَيْفَ تَرَكْتَهَا

ثَكْلَى، وَحُزْنُ الْأُغْنِيَاتِ شَدِيدُ؟

*

مَعَ مَنْ أُنَادِمُ يَا عَمِيدُ قَصَائِدِي

مَعَ مَنْ يَدُورُ الْكَأْسُ وَالتَّصْعِيدُ؟

*

مَعَ مَنْ يَطُولُ اللَّيْلُ بَعْدَكَ صَاحِبِي

وَحْدِي وَجَفْنُ النَّوْمِ فِيكَ عَنِيدُ

*

وَالْآنَ يَا «عَصْرَ التَّفَاهَةِ» قُلْ لَنَا

هَلْ بَعْدَ مَوْتِ النَّابِغَاتِ وَلِيدُ؟

*

مَا جِئْتُ أَشْرَبُ كَيْ أَغِيبَ، وَإِنَّمَا

كَيْ أَسْتَعِيدَكَ، وَالْمُحَالُ طَرِيدُ

*

يَا أَوَّلَ الْكَاسَاتِ أَيْنَهُ صَاحِبِي

هَلْ مِنْ كُؤُوسِ الْخَمْرِ عَزَّ بَرِيدُ؟

*

يَا ثَانِيَ الْكَاسَاتِ مِنْكَ هِلَالُهُ

لو مِنْ كُرُومِ الْحُزْنِ يُعْصَرُ عِيدُ

*

يَا ثَالِثَ الْكَاسَاتِ مَوْتُهُ مُزْحَةٌ

مِنْ بَابِ مَتْحَفِهِ عَسَاهُ يَعُودُ

*

يَا رَابِعَ الْكَاسَاتِ دُورِي بَيْنَنَا

بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي الْقُبُورِ وَرِيدُ

*

يَا خَامِسَ الْكَاسَاتِ هَذَا عَهْدُنَا

مَنْ مَاتَ مِنَّا كَأْسُهُ مَعْدُودُ

*

يَا سَادِسَ الْكَاسَاتِ أُعْلِنُ بَعْثَهُ

عَنْ أَنْفِ «عَزْرَائِيلَ» لِي مَرْدُودُ

*

يَا سَابِعَ الْكَاسَاتِ كَيْفَ بِدُونِهِ

فِي خِصْرِ نَادِلَةٍ يَدُورُ قَصِيدُ؟

*

يَا ثَامِنَ الْكَاسَاتِ دَفْعُ حِسَابِنَا

مَعَ مَنْ يُقَامُ سِبَاقُنَا الْمَعْهُودُ

*

يَا تَاسِعَ الْكَاسَاتِ أَيْنكِ مِنْ دَمِي

لَا الرَّأْسُ دَارَتْ لَا الْبَلَاطُ يَمِيدُ

*

يَا عَاشِرَ الْكَاسَاتِ حَسْبُكِ صَاحِيًا

مَا قَالَهُ سُكْرِي، نَفَى التَّنْهِيدُ

*

يَا خَمْرُ أَيْنَكِ مِنْ عُيُونِي فِي الْعَمَى

بَصَرِي هُنَا تَحْتَ الْخُمُورِ حَدِيدُ

*

وَنَقُولُ: إِنَّ الْمَوْتَ ضُيِّعَ بَيْنَنَا

وَإِذَا بِهِ بَيْنَ الصِّحَابِ رَشِيدُ

*

كَأْسُ الْمَنِيَّةِ يَا رَفِيقُ فَنَاؤُهَا

عِنْدَ النُّدَامَى رَشْفُهَا تَخْلِيدُ

*

كُنَّا عَلَى رَفْعِ الْعُتَاقِ شَدَائِدًا

وَكَأَنَّنَا «عَادٌ» بِهَا وَ«ثَمُودُ»

*

كُنَّا عَلَى كَأْسِ الطِّلَا أَسْيَادَهَا

مِنْ يَوْمِ فَقْدِكَ لِلْكُؤُوسِ عَبِيدُ

*

مَوْتُ النَّدِيمِ أَيَا نَدِيمُ مُؤَجَّلٌ

بَعْضُ الْكُؤُوسِ لَهَا الْفَقِيدُ شَهِيدُ

*

فَقْدُ الشَّقِيقِ وَكَمْ يُضَمَّدُ جُرْحُهُ

عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمَا لَهُ تَضْمِيدُ

*

مَنْ مَاتَ مِثْلَكَ يَا رَفِيقِي لَمْ يَمُتْ

مِذْيَاعَ صُبْحِكَ لَسْتُ عَنْهُ أَحِيدُ

*

لَا شَيْءَ بَعْدَكَ وَالْخُمُورُ قَدِيمَةٌ

مَا عَادَ لِي تَحْتَ السَّمَاءِ جَدِيدُ

*

نَمْ يَا صَدِيقِي لَا عَدِمْتَ سَكِينَةً

أَنَا بَعْدَكَ الْأَشْقَى، وَأَنْتَ سَعِيدُ.

***

​الجزار الأنيق

 

قراءة بنيوية نفسية في رواية الكاتب الكوردي كوڤان سندي

صدرت رواية (الحداد الأعور) للكاتب الكوردي كوڤان سندي عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب سنة 2025، وتقع في 252 صفحة من القطع المتوسط.؛ وقد صدرت بالعربية بترجمة كنعان بليج، المترجمة عن الكوردية الكرمانجية إلى العربية، التي نجحت في نقل حساسية النص وأجوائه إلى المتلقی بلغة رصينة وحافظة لنبرة الأصل؛ لوحة الغلاف التي أنجزها الفنان جوان گران تشكل عتبة بصرية دالة، إذ تلتقط توتر الرواية بين جسد معطوب وعالم قاس، وتؤطر سرد الحداد الأعور في مناخ من العتمة والشرر؛ بهذه العناصر المادية والجمالية (دار نشر متخصصة، ترجمة متمكنة، وغلاف معبر) يتعزز حضور الرواية في سياق السرد الكوردي المترجم إلى العربية، وتقدم للمتلقي بوصفها نصا يشتغل بجدية على سؤال الجسد والهامش.

في زمن تتكاثر فيه الأصوات الروائية التي تكتب عن الخراب العام، تأتي رواية " الحداد الأعور" لكاتبها كوڤان سندي،  لتختار زاوية مغايرة؛ لا تبدأ من الكوارث الكبرى ولا من شعارات السياسة، بل من ورشة حدادة صغيرة وجسد رجل ناقص العين، لتعيد عبرهما طرح السؤال القديم‑الجديد: من الأعمى حقا؛ من فقد عينا في وجهه، أم المجتمع الذي فقد بصيرته بأكمله؟ الرواية، في بنيتها وأسلوبها، تنتمي إلى تيار السرد الحداثي الذي يفضل الاقتراب من العالم عبر الشخصيات الهامشية، لكنها تفعل ذلك بوعي فني واضح، يمزج بين واقعية قاتمة ولمسات مجازية تجعل من (العور) أكثر من عاهة جسدية، بل استعارة كبرى للرؤية الملتبسة في زمن مضطرب.

منذ الصفحات الأولى، يقدم النص شخصية الحداد الأعور بوصفها مركز الجاذبية السردية: رجل يشتغل بالنار والحديد، في مهنة تفترض القوة والدقة والصلابة، بينما يحمل في وجهه علامة نقص فادحة، وجسدا يعاني من تعب مزمن، ونفسا مثقلة بما راكمته السنوات من خيبات؛ هذه المفارقة بين قسوة المادة التي يصوغها وبين هشاشة الجسد الذي يحملها، تصبح تدريجيا المفتاح الأهم لفهم الرواية.

أولا: الحداد الأعور… جسد مكسور وكرامة تقاوم

لا تقدم الرواية حدادها الأعور كبطل استثنائي أو (منقذ) رمزي، بل كإنسان عادي إلى حد الألم، يعيش في الهامش الاجتماعي والجغرافي، ويكافح من أجل البقاء اليومي؛ العاهة هنا ليست مجرد تفصيل في الخلفية، بل تذكر المتلقي على الدوام بأننا أمام ذات تعيش فقدا دائما، لا يمكن ترميمه، وأن هذا الفقد ليس منفصلا عن شكل العالم الذي يتحرك فيه.

في الطريقة التي يروى بها الجسد، نلمس حساسية واضحة: لا تقع الرواية في فخ الشفقة، ولا تتورط في تمجيد بطولي مجاني؛ بل تترك الحداد يتكلم من موقعه بوصفه شخصا تعلم أن يتعايش مع نقصه، ويحوله أحيانا إلى سلاح بارد في مواجهة نظرات الآخرين وتعليقاتهم؛ يشتغل الكاتب على تفاصيل صغيرة: كيف يلتقط الضوء في العين السليمة، كيف يتجنب النظر المباشر في وجوه الناس، كيف يعيد ترتيب حركة جسده في الورشة تعويضا عن فقدانه زاوية من مجاله البصري.

من خلال هذه التفاصيل، يتحول الجسد المعطوب إلى مرآة لعطب أوسع: المجتمع نفسه مصاب بعمى من نوع آخر، يرفض أن يرى المهمشين، ويشيح بوجهه عن الآلام اليومية التي لا تدخل في عداد (الأحداث الكبرى؛ المفارقة أن الحداد، الذي يفترض أنه الأقل رؤية، يبدو في لحظات كثيرة أكثر وعيا من الآخرين بما يجري حوله: يلتقط إشارات الخوف في عيون الزبائن، يقرأ في وجوه أبناء الحي آثار الفقر والقهر، ويرى في وجوه رجال السلطة ما يتجاوز مظهرهم الرسمي من هشاشة أو استعلاء.2738 blacksmith

ثانيا: البناء السردي… زمن متكسر يعكس وعيا متشظيا

لا تقوم رواية (الحداد الأعور) على خط زمني مستقيم يروي حياة البطل من الطفولة إلى اللحظة الراهنة، بل تعتمد شكلا أقرب إلى التقطيع: مقاطع سردية تتقدم وتتأخر، استرجاعات تنفتح من مشهد حالي إلى حادثة قديمة، وثغرات زمنية تترك للمتلقي مهمة إعادة تركيب التسلسل التاريخي للمصائر؛ هذا الاختيار الفني لا يبدو اعتباطيا؛ فهو ينسجم مع طبيعة الوعي الذي تحاول الرواية تجسيده: وعي رجل يعيش الحاضر تحت ثقل الماضي، لا يرى خط الزمن إلا كسلسلة من الصدمات المتراكمة.

الراوي، في معظم المقاطع، يقترب كثيرا من وعي الحداد، سواء تحدث بصوته المباشر أو من خلال راو بضمير الغائب ملتصق بمشاعره وتفاصيل يومه، هذه التقنية تمنح السرد نوعا من الحميمة، وتجعل المتلقي يعيش إلى جوار الشخصية في الورشة والبيت والشارع، من دون مسافة كبيرة أو تعال تأملي. غير أن الراوي لا يكتفي بالتماهي؛ ثمة لحظات يبتعد فيها عن الحداد، ينظر إليه من الخارج، كمن يعاين حالة اجتماعية قبل أن يعاين فردا بعينه، وهو ما يتيح للرواية أن تجمع بين حرارة التجربة الفردية واتساع النظرة الاجتماعية.

كذلك، تبرز في البناء السردي مشاهد مفصلية يعيد النص الدوران حولها من زوايا مختلفة: حادثة مرتبطة بالعاهة أو بجرح سابق، مواجهة مهينة مع سلطة ما، موقف من الماضي العائلي يلقي بظله على الحاضر، هذه المشاهد لا تروى مرة واحدة ثم تنسى، بل تستعاد في لحظات مختلفة، كل مرة مع تفصيل جديد أو شعور مختلف، مما يخلق إحساسا بأن الزمن نفسه جرح مفتوح، لا ينغلق بسهولة.

ثالثا: المكان والهامش… ورشة الحديد كصورة للعالم

تمنح الرواية مكان الحداد – ورشة الحديد – دورا مركزيا، حتى تكاد تتحول إلى شخصية موازية له؛ الورشة ليست مجرد فضاء عمل، بل هي مسرح يومي يمر عبره العالم: زبائن من طبقات مختلفة، أصوات الشارع، أخبار المدينة، شائعات السياسة، وحكايات الناس الصغيرة؛ كل قطعة حديد تشكل هناك، كل شرارة نار تتطاير، تبدو كأنها جزء من إيقاع عالم كامل يعيش على الحافة.

يرسم الحي المحيط بورشة الحداد بوصفه هامشا اجتماعيا: بنايات متعبة، شوارع مكتظة، فقر واضح في التفاصيل اليومية، وأحيانا حضور لسلطات أمنية أو بلدية لا تدخل إلا بوصفها قوة قمع أو تهديد؛ لا نجد في هذا الحي ملامح المدينة الحديثة المترفة، بل ملامح مدينة مهملة، يطالب أهلها بأبسط مقومات الحياة، ويتعاملون مع العنف بوصفه جزءا من العادي اليومي.

من خلال هذا المكان، تطرح الرواية قراءة ضمنية لعلاقة المركز بالهامش: الحداد وأمثاله يدفعون ثمن خيارات سياسية واقتصادية لا يشاركون في صنعها؛ يعملون بأجور زهيدة، ويتعرضون للاستغلال، بينما يعيش أصحاب القرار في فضاءات أخرى، بعيدة جغرافيا ورمزيا، المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل تجسيد لهيمنة بنية اجتماعية لا تعترف بكرامة الأفراد إلا بمقدار ما يخدمون استمرارها.

رابعا: لغة الرواية… بين واقعية حادة وتكثيف مجازي

اللغة في (الحداد الأعور) تنوس بين مستويين: لغة وصفية واقعية دقيقة حين يتعلق الأمر بالتفاصيل اليومية (أصوات الطرق على الحديد، روائح الورشة، عرق الجسد تحت حرارة النار، ملامح الزبائن)، ولغة أكثر تكثيفا حين يغوص السرد في أعماق وعي الحداد، أو حين يتأمل في معنى ما يجري حوله.

الجمل غالبا ليست طويلة متعرجة، بل تميل إلى القِصر والتوتر، وكأنها مطارق صغيرة تضرب على معنى محدد ثم تنتقل إلى غيره؛ هذا الإيقاع يدعم الإحساس بشفافية السرد من جهة، وبتوتر العالم المروي من جهة أخرى؛ فكأن النص نفسه يعيش على حافة الانفجار، كما يعيش بطله على حافة الانهيار أو الانفجار النفسي.

على مستوى المعجم، تهيمن حقول دلالية واضحة: النار، الحديد، العين، العتمة، الوجع، القهر. هذه الكلمات تتكرر بصيغ مختلفة، في السرد والوصف والحوار، فتخلق شبكة من الترابطات تجعل من قراءة الرواية تجربة حسية بقدر ما هي فكرية؛ حين يصف الكاتب النار في الفرن، أو وهج الحديد وهو يطرق، يشعر المتلقي بحرارة المشهد، كما يشعر بثقله الرمزي: هذه النار ليست فقط أداة عمل، بل هي صورة عن عنف العالم، وعن محاولات الإنسان العبثية لتطويع الواقع القاسي.

أما الحوارات، فتأتي في معظم الأحيان طبيعية، منسجمة مع خلفيات الشخصيات ومستواها الثقافي والاجتماعي؛ لا تتحول الشخصيات الفقيرة فجأة إلى فلاسفة، ولا يتحدث رجال السلطة بلغة شاعرية؛ هناك عناية بأن يبقى لكل صوت نبرته الخاصة؛ ومع ذلك، لا يخلو النص من لحظات يلمع فيها صوت الكاتب نفسه عبر جملة مكثفة أو تعليق عابر، يفتح فجأة أفقا فلسفيا فوق المشهد الواقعي، من دون أن يخرجه تماما من سياقه.

خامسا: ثيمات الرواية… العاهة كاستعارة والعنف كبنية

يمكن تلخيص الثيمات الكبرى في الرواية في محورين متداخلين؛ الاول: العاهة كاستعارة للوجود المبتور: لا تقدم عاهة العين بوصفها حالة فردية فريدة، بل بوصفها صورة مكثفة عن حالة مجتمع يعيش نقصا دائما: نقص العدالة، نقص الأمان، نقص الاعتراف. الحداد الأعور يرى العالم ناقصا، لكنه يدرك تدريجيا أن النقص ليس في عينه وحدها، بل في البنية التي تجعل أمثاله في موقع دائم من الهشاشة. الثاني: العنف البنيوي في حياة الهامش، العنف في الرواية ليس مجرد ضرب أو إهانة عابرة؛ إنه سلوك يومي مطبع: طريقة تعامل الدولة مع مواطنيها، طريقة تعامل الأغنياء مع الفقراء، وحتى طريقة تعامل بعض المهمشين مع بعضهم بعضا تحت وطأة الضغط؛ يتجلى هذا العنف في اللغة الجافة، في الأوامر الصارمة، في الابتزاز، وفي نظرات الاحتقار، بقدر ما يتجلى في الضرب أو التهديد المباشر.

في تقاطع هاتين الثيمتين، تظهر رسالة الرواية الأعمق: إن الجسد المعطوب ليس حالة شاذة، بل هو نتيجة طبيعية لعالم مختل؛ وإذا كان الحداد الأعور يحمل في وجهه علامة واضحة على هذا العطب، فإن كثيرين من حوله يحملون عاهات أقل ظهورا، لكنها لا تقل قسوة: عاهات الخوف، الجبن، التواطؤ، واللامبالاة.

سادسا: بين التسجيل والاحتجاج… قيمة الرواية في المشهد الراهن

لا تسعى رواية (الحداد الأعور) إلى بناء ملحمة سياسية كبرى، ولا تتورط في سرد تاريخ شامل لحقبة بعينها؛ إنها تكتفي بالاقتراب من جزء صغير من هذا العالم، من ورشة حدادة وشخصية واحدة محورية، لكن هذا الاقتصار ليس تضييقا لأفق الرواية، بل هو على العكس ما يمنحها قوتها: فهي تذكر بأن التاريخ الحقيقي يصنع في التفاصيل الصغيرة، في حياة من لا تذكر أسماؤهم في نشرات الأخبار.

قيمة الرواية، في المشهد الروائي الحداثي الراهن، أنها تعيد الاعتبار للإنسان العادي جدا، المقهور جدا، من دون أن تحوله إلى بطل خارق أو ضحية لا حول لها ولا قوة؛ الحداد الأعور ليس قديسا ولا وحشا؛ هو إنسان يحاول أن ينجو، يخطئ ويصيب، يستسلم أحيانا ويتمرد أحيانا أخرى، ويقف في منطقة رمادية تعكس تعقيد الواقع الذي يعيش فيه.

من الناحية الفنية، يبقى للرواية بعض مواطن يمكن أن تؤخذ عليها: هناك مقاطع ربما تطول أكثر مما ينبغي، أو ثانوية لا تضيف كثيرا إلى المسار العام، وشخصيات تمر مرورا عابرا كان يمكن تعميق حضورها قليلا لإغناء عالم الحداد وتوسيع شبكة العلاقات من حوله؛ مع ذلك، لا يطغى هذا على الانطباع العام بأننا أمام نص محسوب في لغته، واع في اختياراته البنيوية، ومخلص لرؤيته إلى حد كبير.

في النهاية، يبدو أن " الحداد الأعور"  ليست رواية عن إعاقة فرد، بقدر ما هي رواية عن عالم يعري أفراده يوميا، جسديا ومعنويا، ويتركهم يواجهون مصائرهم في ورش صغيرة، وبيوت ضيقة، وشوارع مزدحمة، من دون أن يتكفل حتى بإعطائهم وهم الرؤية الكاملة؛ في هذا العالم، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا هذا الرجل أعور؟ بل: كيف استطاع، رغم عاهته، أن يرى ما لم يرده الآخرون أن يرى؟.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

٩-٥-٢٠٢٦

للأستاذة الإعلامية الشاعرة الروائية التونسية فضيلة مسعي

هذه الرواية عمل أدبي جريء يتجاوز السرد التقليدي، لتقديم لوحة فنية معقدة عن مأساة إنسانية ووطنية. تقوم القراءة النقدية على عدة محاور رئيسية:

أولاً: البناء السردي (القصة داخل القصة)

تستخدم الكاتبة تقنية "القصة داخل القصة" ببراعة. البداية تبدأ مع الكاتبة "راوية الخزرجي" التي تحلم بروايتها، ثم ننتقل إلى حياة "صبريانا" التي تعيش تفاصيلها، وأخيراً نكتشف أن كل ما عاشته صبريانا هو مجرد حلم موجود داخل رواية قديمة تقرأها "اللوحة القارئة". هذا التداخل بين عدة مستويات سردية يخلق تشويقاً ويدفع القارئ إلى التساؤل: أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال؟

ثانياً: المزج بين الواقع والخيال (الواقعي العجائبي)

الرواية لا تفرق بين ما هو معيش وممكن وما هو خارق ومستحيل. الأحداث المؤلمة التي يمر بها الشعب العراقي (القصف، القتل، الاحتلال، الفساد، الهجرة) تُقدّم مختلطة بعناصر عجائبية، مثل الحوار مع الموتى (شبح ناظم)، واللوحة التي تنطق وتقرأ، والإنجاب من حيوانات منوية محفوظة بعد وفاة الأب بتسع سنوات. هذا المزج يعكس حالة نفسية وجماعية هشة، حيث يصبح الخيال ملاذاً من واقع دموي لا يُحتمل.

ثالثاً: تقنيات السرد – الحلم والمونولوج الداخلي

تعتمد الرواية بشكل كبير على أحلام اليقظة والمونولوج الداخلي (الحديث مع الذات). صبريانا تجلس وتحادث نفسها، وتحادث شبح حبيبها، وتحادث اللوحة القارئة. هذا الأسلوب يكشف عن أعماق المعاناة النفسية، وعن تفتت الشخصية بين رغباتها وواقعها، وبين ما تخفيه وما تعلنه. الحلم في هذه الرواية ليس هروباً، بل هو أداة معرفية لفهم ما لا تستطيع الكلمات المباشرة التعبير عنه.

رابعاً: الشخصيات – بطلة من لحم ودم وحلم

صبريانا: الشخصية الرئيسية هي أكثر من امرأة عراقية تونسية. إنها رمز للذات العربية الممزقة بين الرغبة في الحياة والواقع القاسي. حبها لناظم الذي مات قبل أن تكبر هي، ثم إنجابها لولده بعد موته، يمثل حالة من التحدي للموت والاستمرار رغم كل شيء.

اللوحة القارئة: هذا الكيان الذي لا ينطق بالكلمات إلا بصوت مسموع هو من أبدع ابتكارات الرواية. هي تمثل الذاكرة الجماعية ورواية الأجداد التي تتوارثها الأجيال. هي التي تروي لصبريانا قصتها لتدرك أنها ليست مجرد فرد، بل هي وارثة لقصة قديمة.

شبح ناظم: ليس ذكرى عابرة، بل شخصية تفاعلية نشطة. هو الذي يكشف لصبريانا حقائق عن مشاعرها ويساعدها على رؤية أبعاد المؤامرات السياسية.

خامساً: اللغة والأسلوب

لغة الرواية شاعرية ومؤثرة، تعتمد على الصور البصرية القوية (وصف شارع المتنبي المدمر، وصف جثث الضحايا، وصف لوحة فراغونار). تتنقل اللغة بين الفصاحة الراقية والمرارة اليومية، وأحياناً بين الكلمات المباشرة القاسية واللغة الحلمية الموشحة بالعذوبة. هذا التباين يزيد من عمق الأثر العاطفي.

سادساً: الرؤيا السياسية والنقد الاجتماعي

الرواية هي ساحة مفتوحة لنقد السياسات الأمريكية في العراق بشكل خاص، ونقد الإمبريالية في العالم العربي بشكل عام. هي تفضح زيف "الديمقراطية المحمولة على دبابة"، وتكشف عن آليات تشكيل الطائفية، وتصور عملية تفريخ الجنود من خلال الاستنساخ كرمز للسيطرة الكاملة على الإنسان والأرض. النقد لا يقتصر على المحتل فقط، بل يمتد إلى طبقات المجتمع والفاسدين.

سابعاً: التقييم النقدي

- مناطق القوة: الرواية ابتكار فني متميز، يجرؤ على كسر الكثير من التابوهات (الاستنساخ، الحب بعد الموت، حوار الأموات). أسلوبها المعقد يضفي عليها عمقاً يستحق التأمل والقراءة المتكررة.

- ملاحظات: قد يشعر بعض القراء بأن الرواية طويلة جداً، وخصوصاً في فصولها الأخيرة، وأحياناً تتكرر بعض الأفكار السياسية. النهاية، التي تكشف أن كل ما عاشته صبريانا كان مجرد حلم يقظة لكاتبة اسمها راوية، قد تكون محبطة للقارئ، ولكنها في الوقت نفسه إضافة فنية تطرح سؤالاً حول طبيعة الإبداع نفسه.

خلاصة:

رواية "صبريانا" هي عمل ناضج وجريء، يربط بين ألم الماضي وأوجاع الحاضر، مازجاً الوثائقي بالخيال، ليعطي تصويراً حياً لمأساة إنسانية ووطنية. هي رواية تستحق القراءة بتمعن، وتترك في نفس القارئ أثراً عميقاً وعلامات استفهام كثيرة لا تزول.

***

بهيج حسن مسعود

 

دراسة بلاغية أسلوبية تطبيقية

يشكّل الخطاب الشعري الحديث فضاءً دلاليًا مركّبًا تتداخل فيه البنية اللغوية مع الأنساق الرمزية والتشكيلات التأويلية، بحيث يغدو النص الشعري مجالًا لإنتاج المعنى وإعادة تشكيله، لا مجرد وسيط لنقله. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة محمود درويش بوصفها واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية الحديثة اشتغالًا على الطاقات الكامنة في اللغة، حيث تتأسس قصيدته على وعي جمالي عميق بقدرة الخطاب الشعري على تفجير الدلالة عبر الانزياح والتكثيف والتوتر الأسلوبي. ومن هنا تغدو اللغة عنده بنيةً دينامية تتجاوز حدود التعبير المباشر لتتحول إلى أفق وجودي تتقاطع فيه الذات بالرمز، والواقع بالمتخيَّل، والحضور بالفقد.

وتُعدّ “الجداريّة” من النصوص المركزية في تجربة درويش الشعرية، لما تنطوي عليه من كثافة دلالية وثراء بلاغي يجعلها نصًا مفتوحًا على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل. فقد كُتبت القصيدة في سياق تجربة وجودية حادّة واجه فيها الشاعر تخوم الموت، الأمر الذي جعل الخطاب الشعري يتشكّل بوصفه مواجهةً مع الفناء ومحاولةً لإعادة بناء الذات عبر اللغة. ومن ثمّ لم تعد الكتابة فعلًا جماليًا فحسب، بل غدت فعلًا وجوديًا مضادًا للعدم.

وقد أسهمت اللسانيات الحديثة، منذ تصورات فرديناند دي سوسير، في إعادة النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلامات تتحدد قيمته من خلال العلاقات الداخلية بين الدوال والمدلولات، وهو ما فتح المجال أمام الدراسات الأسلوبية والسيميائية للكشف عن آليات اشتغال الخطاب الأدبي. ثم جاءت تصورات رولان بارت لتؤكد انفتاح النص وتعدديته الدلالية، حيث لا يُنظر إلى النص بوصفه بنية مغلقة ذات معنى ثابت، بل شبكة من العلامات القابلة لإعادة القراءة باستمرار. وفي السياق نفسه، بلور أمبرتو إيكو مفهوم “النص المفتوح”، الذي يجعل المعنى نتاجًا للتفاعل بين البنية النصية ووعي القارئ، لا معطًى نهائيًا مكتملًا.

في ضوء هذه التصورات، تتجلّى آليات التلاعب اللغوي في “الجداريّة” عبر جملة من التقنيات الأسلوبية التي تسهم في إنتاج خطاب دلالي شديد التعقيد. ويأتي الانزياح الدلالي في مقدمة هذه الآليات، إذ يعمد الشاعر إلى خرق أفق التوقّع اللغوي وإعادة توزيع الدلالة داخل السياق الشعري، بحيث تفقد المفردة معناها المعجمي المباشر لتكتسب أبعادًا رمزية ووجودية. كما يحضر التناص بوصفه استراتيجية لإعادة إنتاج المعنى، حيث تتداخل الإحالات الدينية والتاريخية والفلسفية داخل بنية النص، غير أنّها لا تُستعاد بصورتها المرجعية الثابتة، بل يعاد تشكيلها ضمن رؤية شعرية معاصرة تمنحها أفقًا إنسانيًا جديدًا.

ويتجلى ذلك بوضوح في قوله:

“هذا هو اسمك

قالت امرأةٌ، وغابت في الممرّ اللولبي”

فالاسم هنا لا يُقدَّم بوصفه علامة تعريفية محايدة، بل يتحول إلى جوهر وجودي يحفظ الكينونة من التلاشي. أما المرأة فلا تؤدي وظيفة سردية مباشرة، بل تنهض بوصفها بنية رمزية مفتوحة على احتمالات متعددة؛ إذ يمكن تأويلها باعتبارها تمثيلًا للحياة أو الذاكرة أو سلطة الغيب. ويأتي “الممر اللولبي” بوصفه صورة مكانية ذات أبعاد فلسفية ونفسية، تحيل إلى حركة دائرية لا نهائية تعكس قلق الذات وهي تعبر تخوم الحياة والموت. وهنا تتحول الصورة الشعرية من توصيف مكاني إلى استعارة وجودية كثيفة، يتداخل فيها الحسّي بالمجرّد، والمرئي بالميتافيزيقي.

كما ينهض التكرار بوظيفة تتجاوز الإيقاع الموسيقي إلى بناء التوتر الدلالي داخل النص. ففي تكرار عبارة:

“أنا لستُ لي”

لا يعود الضمير أداة إحالة مستقرة، بل يتحول إلى علامة على تشظّي الذات وانقسامها الداخلي. فالتكرار هنا يُنتج إيقاعًا دائريًا يوحي بانمحاء الهوية وتآكل اليقين الوجودي، بحيث تغدو الذات معلّقة بين الحضور والغياب، والانتماء والفقد. ومن ثمّ يتحول البناء الصوتي ذاته إلى عنصر دلالي يشارك في تشكيل الرؤية الشعرية.

ويقوم الخطاب الدلالي في “الجداريّة” على شبكة من الثنائيات المتوترة، مثل الحياة والموت، الحضور والغياب، الجسد واللغة، وهي ثنائيات لا تُطرح بهدف الحسم أو المفاضلة، بل لتوليد منطقة وسطى تتعالق فيها الحدود وتتداخل. ومن هنا تتأسس القصيدة على جدلية وجودية تجعل من اللغة فضاءً لمقاومة الفناء وإعادة إنتاج الذات. فالكتابة عند درويش ليست انعكاسًا للتجربة فحسب، بل إعادة خلق لها داخل النص.

وتتجلى القيمة البلاغية للنص في توظيفه المكثف للاستعارة والكناية والتوازي التركيبي، غير أن هذه الأدوات لا تُستخدم بوصفها زينة أسلوبية، بل بوصفها آليات منتجة للمعنى. فالاستعارة تنقل المفاهيم المجردة إلى صور حسية مشحونة بالإيحاء، فيما تفتح الكناية المجال أمام تعددية التأويل، ويمنح التوازي التركيبي الخطاب إيقاعًا داخليًا يعمّق البنية النفسية للنص. كما يتداخل المستوى الصوتي مع المستوى الدلالي تداخلًا عضويًا، بما يجعل القصيدة بنية متعددة الطبقات تستدعي قراءة تأويلية تتجاوز المعنى الظاهر إلى البنى العميقة الكامنة خلف الخطاب.

وعلى هذا الأساس، تكشف “الجداريّة” عن وعي شعري حداثي يجعل من اللغة أفقًا لإعادة تشكيل الوجود، لا مجرد أداة للتعبير عنه. فالنص عند محمود درويش يقوم على دينامية دلالية مفتوحة، تتشابك فيها الأبعاد الجمالية والفلسفية والوجودية ضمن خطاب شعري قادر على تجاوز حدود المباشرة إلى أفق إنساني أكثر عمقًا واتساعًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

السيرة الذاتيّة للشاعرة: "د. سمر محمد المحني". أديبة وباحثة اجتماعيّة من اليمن. تحمل شهادة دبلوم عالي من كلية التربية - جامعة الحديدة، اختصاص اجتماعيات.. وبكالوريوس شريعة وقانون من جامعة المستقبل – صنعاء.. ودبلوم في الجرافيك والتصميم (في المجال المهني).. ودكتوراه فخرية في مجال التنمية البشريّة.. ومدربة دوليّة بدرجة الامتياز.. تعمل حاليّاً رئيسة أكاديميّة الأدب والرواية والقصة والقصيدة.. وهي تحمل العديد من الشهادات المتعلقة بمجالات تنمية الإنسان وتطوير مهارته.. تكتب القصة القصيرة والشعر. ومن بين كتاباتها الأدبيّة اخترنا هذه القصيدة النثريّة (ربيع الفجر) موضوعا لدراستنا.

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة |ربيع الفجر":

إذا كان الربيع عند عشاق الطبيعة يتمثل في نسيمه وزهوره وخضرة وجمال الأرض التي يحل فيها، فإن الربيع عند الشاعرة الدكتورة "سمر محمد المحنبي" هو ربيع آخر.. هو ربيع يتجسد في حضور شخص افتقدته في حياتها، ومع حضوره استطاع أن يحيي كل يباس الروح عندها، فأعاد لحياتها بهجت حضورها، مثلما استطاع أن يعيد نسج عواطفها من جديد ليجعل منها روحاً تهيم في عالم من الفرح والسعادة افتقدتهما منذ زمن بعيد.

ها هي الشاعرة "سمر" تشبه حبيبها الذي جاء أخيراً بـ (الفجر) بعد ظلام للروح طالت مدته.. ومع قدومه ابتسمت الروح وتحولت كل المعاناة إلى فرح، وكأنه الماء الذي تسرب إلى أرض روحها اليابسة فأحيا كل شيء فيها. تقول الشاعرة عن هذه العودة:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي.. فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ.. وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ).

وها هي تناجي الحبيب (الفجر) الذي أطل عليها بعد غياب طويل: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ..كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ.. طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي.. فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ).. فها هي تشبه حبيها الذي التقته أخيرا بنسيم الصبا الذي تتمنى منه بعد غياب طويل، أن يروي قلبها المشبع بالحزن ويزيل ما تعانيه من الوحدة والفراق وألم غربة الروح.. فمع قدومه شعرت وكأن قلبها حديقة قد تفتحت فيها كل الأزهار الجميلة.. أو كأنه القمر الذي أضاء لها عتمة القلب والروح معا.. أو كطائر راح يغني حتى انساحت ألحانه الجميلة في ربا روحها فانتشت طرباً بعد أن فقدت الإحساس بكل ما هو جميل.

قاسية هي آلام الفقد وغربة الروح.. أنها كأرض مسها اليباس فتشققت تربتها وأصبحت في غاية الشوق لمن يرويها ويبعث الحياة فيها الحياة والجمال والخصب.. هنا نجد الشاعرة "سمر " تبوح عن مشاعر إنسان وجد أخيرا من أعاد له البسمة وبهجة الحياة وكأنه حلم، عاد ليشعل قناديل الفرح في قبلها فحطم كل يأس وغم فيه، الأمر الذي جعلها تشعر بجمال حضوره الذي وجدت فيه كل حسن الكون. فراحت تناجي منقذها وكأنها في حلم قائلة: (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا.. لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ.. فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي.. وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:

لم تخرج البنية السرديّة في القصيدة بكل مضمونها ودلالاتها عن العنوان (ربيع الفجر).. لقد كانت مطابقة في شكلها ومضمونها له.. فإذا كان ربيع الطبيعة يأتي بشكل دوري كي يعيد للحياة بهجتها، فإن حبيب الشاعرة الذي وصفته بالربيع قد جاء كالفجر الذي أضاء لعالم الروح بهجته وفرحه بعد فَقْدٍ طالت مدته، فازدهرت فيه الروح من جديد، فكان في عودته كالنسيم.. والماء.. والأزهار.. وتغريد الطيور.. وفرح الحياة.

البنية الفكريّة للقصيدة:

يشكل الفقد في حياة الإنسان عاملاً من العوامل السلبيّة التي تحفر في نفسيّة الإنسان وذاكرته، ليؤسس عنده شعورا عميقا بغربة الروح عن من كان يجد فيه سلوته واستقراره وأمنه النفسي.. وقصيدة (ربيع الفجر) للشاعرة "سمر المحنبي" تذكرنا بأغنية على درجة عالية من التعبير والاحساس عن حالة الفقد لمن نحب، للمطربة (أنغام) بعنوان (جنطة سفر):

(لسه ناوي على الرحيل.. تفتكر مالوش بديل.. أعمل أيه في الوحدة وانت مش هنا.. أعمل ايه.. ومنين أجيب صبر السنى أعمل إيه.. من سؤال مهزوم يترجى الجواب.. مش بتقصد عيني يا حبيبي العتاب.. سيبك انت من دموع العين وقلي. خذت ايه جنطة سفر.. أو إيه فاضلي.. خذت من صبري وطريقي منتهاه.. مش معاك نبضي الي فات.. شوف كده لتكون نسيت عمري وصباه.. ولا إحساسي بكياني في الحياة. أما حيرتي وعذابي ملكي أنا.. همّا أصحابك طول سنة.. ياحبيبي ياحبيبي. قَدِّ عمري قلتها لك وانت جنبي مشتقالك.. منت عارف.. منت سامع.. أنت الليل والشوارع.. كل حبة رمل بتقلك حرام. حرام.. اتحرم حضن الخطاوي وفين أنا..الخ.

هكذا تكون تجليات الفقد عند الإنسان.. وهكذا تكون متاهة العقل والروح والعواطف في غياب من نحب.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام، التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/ طبيعي أو عقلي/ فكري أوعاطفي/ وجداني، حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة، ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية، ليكون المعنى متجليا أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير، مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل، وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة "ربيع الفجر" للشاعرة "سمر محمد محنبي" معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركها فقد الحبي عندها من جهة، وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بعودة من سيحقق لها الأمن الروحي والسعادة من جهة ثانية. لقد استطاعت الشاعرة أن ترسم بعواطفها الجياشة وعمق أحاسيسها صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع في ربطها بين المعنى والمبنى معا، فحققت عند المتلقي الدهشة. وها هي تقول بعد وجدت الحبيب الذي سيمنحها دفء الوجود:

(وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها وهي تناجي حبيبها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ)..أو في قولها (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ).. أو في قولها: (كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ.).

العاطفة في القصيدة:

جاء في المعجم المفصل في الأدب لجبور عبد النور:

العاطفة: "حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیه. وهي تقابل العقل ولا توافقه؛ فما یراه العقل غير ما تهواه العاطفة. والعاطفة مرتبطة بالشعور الإنساني ولا تنفصل عنه، مهما كان الإنسان عنيداً في إظهار مشاعره". والعاطفة في الأدب شدیدة الارتباط بالأدب؛ فالأديب أو الشاعر لا یصدر نصه ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة إلخ..

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعرة "سمر" تظهر لنا العاطفة عندها بكل صدقها، وصحتها، وقوتها.. عاطفة جياشة مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام الفراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تفتحت عند الشاعرة أسارير الروح وأزهرت، وراحت تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها مع (ربيع فجر) تغيرت بقدومه كل ملامح حياتها. لقد كان قدومه كنَسِيمَ الصَّبَا، أو كماء روى عطش قلبها وروحها، ومسح الحزن عنهما، ومع قدومه أزهرت حياتها من جديد، وكان كالقمر أضاء حياتها بعد حلكة ظلام غطت كل جميل عندها. لقد امتزجت عاطفة الشاعرة في حبها بسبب فقدها للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. مع عودة الحبيب عادة حياتها لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "سمر محمد المحنبي" في قولها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ.. كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ ). أو في قولها: (فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي..وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها في الشعر التقليدي، وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة، وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة، التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسية والشعورية وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة، ومع تأكيدنا بأن قصيدة (ربيع الفجر" للشاعرة "سمر المحنبي" على (البحر الخفيف) إلا أن هناك بعض الانكسارات في الوزن، الأمر الذي يجعلنا ندخل موسيقاها في عالم شعر النثر، وهنا نسجل للشاعرة تمكنها من إلغاء تلك الفروقات الطفيفة لتجعل من موسيقى قصيدتها رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، والترابط ما بين المعنى والمبنى، وكل ذلك يأتي أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي تجلى في قصيدة الشاعرة " سمر محمد المحنبي" ( ربيع الفجر). حيث تقول الشاعرة واصفة بهجة قدوم الحبيب:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي.. فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ..وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها : (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ..كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ..طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي.. فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ.).

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.........................

ربيعُ الفجرِ

أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي

فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ

وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا

إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ

يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ

كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى

مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ

طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي

فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ

يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا

لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ

فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي

وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ

كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ

كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ

***

م. د. سمر محمد عيسى المحنبي

2026/4/26

 

رواية «أطياف» لوفاء شاهر داري نموذجًا

(دراسة في بنية السرد والذاكرة والرمزية والمكان)

تأتي رواية «أطياف» ضمن سياق السرد الفلسطيني الذي يشتبك مع الذاكرة بوصفها فعلًا وجوديًا ومقاومًا، ويجعل من التجربة الفردية مرآةً للتجربة الجمعية. في هذا العمل تتقاطع ثيمات الفقد والحنين والهوية مع ثيمة المقاومة بالكتابة والتوثيق، عبر بناء روائي متقن يعتمد السرد غير الخطي وتداخل الأزمنة، ولغة تميل إلى الشاعرية دون أن تتنازل عن توتر الحدث. وعليه، تستهدف هذه الدراسة تقديم ملخصٍ للرواية ثم تحليلها من زوايا: العنوان، الشخصيات، الحبكة، الزمان، المكان، الرمزية، والنهاية.

ملخص الرواية

تتمحور الرواية حول أطياف، امرأة فلسطينية مثقفة تحمل ذاكرةً مثقلةً بالفقد والخذلان، وتعيش صراعًا بين ألمها الشخصي وألم الوطن. تبدأ الأحداث حين تتلقى البطلة رسالة غامضة تشعل داخلها شرارة الاسترجاع، فتفتح صناديق الماضي وتعيد تركيب حياتها على هيئة مشاهد وذكريات متداخلة، حيث يصبح الحاضر امتدادًا لجرح قديم لا يلتئم.

في قلب التجربة يقف صافي (الزوج الراحل/الشهيد/المناضل) بوصفه غيابًا حاضرًا؛ فموته لا يقطع حضوره داخل وعي البطلة، بل يتحول إلى “طيف” مرافق، يتجسد في الذاكرة واللغة والبيت والأماكن. ومع هذا الفقد، تواجه أطياف جرحًا آخر يتمثل في علاقتها بأبنائها (ورد – نجم – زهرة)، حيث يظهر التفاوت في القرب والجفاء، وتتشكل داخل البيت مشاهد قاسية من التباعد وسوء الفهم، بما يجعل البيت ذاته مساحةً للوجع والصبر.

وبالتوازي مع المسار الشخصي، تنفتح الرواية على مسار وطني عبر مشروع الأرشفة والتوثيق الذي تنخرط فيه البطلة مع عاصم السعدي؛ فيغدو التوثيق محاولةً لحماية الذاكرة الفلسطينية من المحو، وتتحول الكتابة والصحافة إلى سلاحٍ رمزي في مواجهة النسيان. كما تتجلى ميّ الكرمي بوصفها حضورًا صديقًا يحمل ملامح الوطن الغائب، فتعمّق فكرة التلازم بين الفقد الفردي والفقد الجمعي.

تتحرك الرواية بين أمكنة ذات حمولة رمزية: القدس مركزًا روحيًا وسياسيًا، ولفتا بوصفها القرية المسلوبة وحلم العودة، ومحطات التكوين مثل الجامعات والمنافي، بينما يظل البيت نقطة ارتكاز للذاكرة والتصدّع. وتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة تترك القارئ أمام سؤال الذاكرة واستمرار المعاناة:

من يكتب الذاكرة بعد رحيل شهودها؟

العنوان: دلالات وسيمياء «أطياف»

يحمل العنوان ثقلًا رمزيًا ووجدانيًا واضحًا؛ فـ**«أطياف»** جمع «طيف»، والطيف أثر الشيء بعد رحيله أو حضوره غير المحسوس. وبذلك يؤسس العنوان لمنطق الرواية كله:

- الحضور الغائب: الغائب لا ينتهي، بل يعود كأثرٍ يعيش داخل الوعي.

- الذاكرة ككائن حي: ما مضى لا يموت، بل يتحول إلى أطياف ترافق الشخصيات والوطن.

وفي السياق الفلسطيني، يتسع الطيف ليشمل: الأحباء الراحلين، القرى المهجرة، الأحلام المنكوبة، والهوية المهددة بالمحو.

الشخصيات ووظائفها الدلالية

تبدو الشخصيات في «أطياف» نابضة وحاملة لطبقات رمزية تتجاوز حضورها الواقعي:

- أطياف (البطلة/الراوية): تجسد المرأة الفلسطينية المثقفة المقاومة، تتحرك من الحب إلى الحداد، ومن الانكسار إلى تشييد معنى عبر الكتابة.

- صافي: رمز الشهيد والمناضل والحبيب، “غائب حاضر” يرسخ فكرة الطيف بوصفه وطنًا داخل الذاكرة.

- الأبناء (ورد – نجم – زهرة): يمثلون أجيالًا فلسطينية متباينة في علاقتها بالإرث؛ بين الوفاء والجفاء والإنهاك، بما يفتح سؤال انتقال الذاكرة من جيل إلى آخر.

- ميّ الكرمي: صديقة البطلة وامتداد رمزي لفكرة الوطن الغائب/ المعتقل/ المغيّب فجأة.

- عاصم السعدي: صورة المثقف المقاوم ورفيق مشروع الأرشفة، الذي يحول الثقافة إلى فعل حماية للذاكرة الجمعية.

الحبكة وتقنيات السرد

تعتمد الرواية حبكة غير خطية، تتكئ على التشظي وتداخل الأزمنة والذكريات، فيما يشبه المونولوج الداخلي الممتد للبطلة. تبدأ الحكاية بمحفّز سردي (الرسالة الغامضة) يفتح باب الاسترجاع، لتتشابك الوقائع بين الماضي والحاضر في دوائر لا تتبع تسلسلًا كرونولوجيًا صارمًا.

محاور البناء السردي

1.  محور شخصي: علاقة أطياف بصافي، وتحولات الحداد، وانكسارات العلاقة مع الأبناء.

2.  محور وطني: سرد تاريخ التهجير والقرى من خلال مشروع الأرشفة.

3.  محور اجتماعي: تصوير واقع المرأة الفلسطينية وتوترها مع الأعراف والأسرة والضغط الاجتماعي.

4.  محور ثقافي: مقاومة النسيان عبر الكتابة والصحافة وتوثيق الفقد.

إن اللاخطية هنا ليست مجرد “شكل”، بل تُحاكي طبيعة الذاكرة نفسها: ذاكرة جريحة تستدعي الماضي وفق الانفعال والصدمة، لا وفق ترتيب السنين.

الزمان: الزمن النفسي وزمن الذاكرة

الزمن في «أطياف» زمنٌ داخلي متحوّل، يعتمد على الذاكرة لا على التسلسل. تتقاطع فيه لحظات مرتبطة بالنكبة والاعتقالات والفقد، ويغلب عليه الزمن النفسي الذي يعيد ترتيب الأحداث وفق وقعها العاطفي. وبذلك يصبح الزمن أداة لتمثيل التشظي الفلسطيني، حيث الماضي غير منتهٍ، والحاضر ليس إلا إعادةَ اختبارٍ للألم.

المكان: جغرافيا الهوية والوجع

المكان في الرواية ليس خلفية محايدة بل “حامل معنى”، يشتغل بوصفه ذاكرة متجسدة:

- القدس: مركز روحي/سياسي تتكثف فيه أسئلة الهوية والسيادة.

- لفتا: رمز العودة الحلمية والقرية المسلوبة، واستعارة لفكرة الوطن الذي يتحول إلى طيف.

- بيرزيت/النجاح/المنافي: محطات تكوين ووعي، وصناعة هوية تحت ضغط الاقتلاع.

- البيت: فضاء مزدوج؛ حماية ودفء من جهة، ووجع وصبر وانكسار من جهة أخرى.

الرمزية: شبكة العلامات في النص

تتعدد الرموز في الرواية وتتحرك ضمن نسيج دلالي كثيف، من أبرزها:

- صافي: الوطن/الشهادة/الحبيب الغائب.

- الرسائل الغامضة: نداء الذاكرة ومحاولة استدعائها.

- البيت: ذاكرة وحماية وجرح معًا.

- لفتا: الوطن المسلوب وحلم العودة.

- ميّ الكرمي: صديقة/ظلّ الوطن الذي يختفي قسرًا.

- عاصم: المثقف المقاوم/حارس الذاكرة الجمعية.

- الكتابة: مقاومة ضد التلاشي ومواجهة للمحو.

- الشرفة والحديقة: الحياة التي تصر أن تزهر رغم القحط.

- المفتاح: علامة العودة والحق المتوارث، ورمز المكان المغتصب الذي لا يسقط بالتقادم.

النهاية: انفتاح السؤال واستمرار المعنى

تتعمّد الرواية نهايةً مفتوحة تحمل مرارة الواقع وتؤكد استمرارية المعاناة في شروط الاحتلال والشتات. ترحل أطياف، ويأتي ندم (ورد) متأخرًا، لكن الأهم أن النهاية تُصاغ كسؤال معرفي وأخلاقي:

من يكتب الذاكرة بعد رحيل شهودها؟

وبذلك تغدو النهاية موقفًا فنيًا وسياسيًا: لا خلاص نهائيًا، لكن الذاكرة تستمر كفعل مقاومة.

خاتمة

يمكن القول إن «أطياف» رواية نسوية وطنية تجمع بين السيرة الذاتية والذاكرة الجمعية، وتحوّل التجربة الأنثوية إلى مركز سردي يعيد تشكيل معنى الفقد بوصفه طاقة مقاومة. تشتغل الرواية على ثنائية الحضور/الغياب عبر عنوانها وشخصياتها وتقنياتها، وتربط بين جراح البيت وجراح الوطن، بحيث يصبح الخاص طريقًا لفهم العام. كما تجعل من الكتابة والتوثيق أداة لحماية الهوية من المحو، ومن ثم فإن الرواية لا “تحكي” فقط، بل تقاوم عبر الحكي، وتؤكد أن الأطياف ليست أشباحًا عابرة، بل ذاكرةٌ فاعلة تُبقي الحق حيًا وتفتح السؤال على المستقبل.

***

د. نجلاء نصير

للشاعر فائز الحداد

 ينطلق هذا النص من إشكالية مركزية تتمثل في إعادة تشكيل ثنائية العطش/الامتلاء بوصفها استعارة كبرى لأزمة وجودية ومعرفية تتجاوز بعدها الحسي إلى تمثيل اختلال العلاقة بين الذات والعالم. وتتجلى هذه الإشكالية عبر بنية رمزية كثيفة تفعل حقلين دلاليين متقاطعين: العطش/الماء والذاكرة/الخيانة، حيث يعاد إنتاجهما ضمن شبكة من الاستعارات المنزاحة التي تغلب الإيحاء على التقرير. ومن ثم يسعى النص إلى مساءلة تموضع الذات الشعرية بين ماض مثقل وحاضر متصدع، بما يعكس حساسية حداثية تفكك الثابت وتعيد تركيب المعنى....

وانطلاقاً من هذه الإشكالية، يتأسس النص على اشتغال رمزي يقتضي مقاربة تأويلية، إذ لا تفهم دلالاته عبر المعنى المباشر بل من خلال انفتاحها على تعدد القراءات. وهو ما ينسجم مع ما يذهب إليه بول ريكور من أن "الرمز يعطي للفكر ما يدعوه إلى التفكير". وعليه، يمكن تفكيك النص عبر مستويين متكاملين: دلالي وذاتي..

 تتبدّى البنية الدلالية للنص من خلال حضور العطش مفهوماً أنطولوجياً، لا مادياً يقوم على فقدان الامتلاء الوجودي.

 مفردات مثل (الندى، زمزم، الظامئ، راوية) تقابلها مفردات الانقطاع: (غادرك، هجرت، لم يرحمه) هذه الثنائية تنشئ توتراً دائماً بين الممكن والممتنع. اللافت أن "زمزم" بوصفها رمزاً للخلاص تهجر، ما يشير إلى رفض الخلاص التقليدي لصالح تجربة ذاتية معذبة...

وإذا كانت هذه البنية الدلالية تؤسس لأزمة العطش والامتلاء، فإن صداها يتجلى في الصوت الشعري بوصفه تعبيراً عن انشطار الذات. الخطاب يتأرجح بين المخاطب/الذات، ما ينتج انشطاراً داخلياً. هذا الانشطار حداثي بامتياز حيث الذات ليست مركزاً مستقراً بل ساحة صراع بين ماض قاتل وحاضر متشظ. سؤال: "أتحبُّ أم يخجلك الماضي؟" يكشف مركز الأزمة: الحب بوصفه إمكاناً معطلاً بفعل ذاكرة مثقلة....

كذلك هذه الثنائية تتجسد جمالياً في الصورة الشعرية بوصفها آلية لإنتاج المعنى. حيث تتخذ الصور طابعاً تركيبياً يقوم على خرق أفق التوقع. فعلى سبيل المثال في صورة : "يحتلم برواية قادمة" تمزج الإيروتيكي بالمائي/الروحي، في انزياح جريء يفتح دلالة الخصب المؤجل. كذلك "قارورة على الشفاه" تحيل إلى احتواء الحياة/المعنى داخل وسيط هش. بما يعكس توتراً بين الامتلاء الممكن والهشاشة البنيوية للمعنى...

في امتداد هذا الاشتغال الصوري المكثف، يتبدى البعد الزمني بوصفه مستوى موازياً يعمق البنية الدلالية ذاتها.

 فالزمن دائري/راكد. "سنوات تتلهف، ماضيك وحده قاتلك". لا حضور لمستقبل فعلي، بل توق مؤجل (راوية قادمة). هذا التعليق الزمني يعمق الإحساس بالحصار الوجودي...

وإذا كانت المقاربة السابقة قد ركزت على البنية الدلالية والصورية بوصفها آليات لتشكل المعنى، فإن القراءة في المقطع الثاني تنتقل هنا إلى بعد ميتا شعري يكشف تموضع الذات داخل خطابها وعلاقتها بالمتلقي والحقل الثقافي..

 ينتقل النص إلى مساءلة موقع الشاعر داخل الحقل الثقافي. هناك نقد لاذع للمتلقين/التلاميذ الذين تحولوا إلى وعاظ: "يعلمونني الآن النصيحة". الصورة: "يقرأون الشعر من على كتفي" تشي بعلاقة استغلال/ تشييء. ينتهي المقطع بمفارقة جارحة: من يطلب الماء يرمي "زمزمك" حجراً، أي خيانة المصدر بعد الارتواء...

وفي امتداد هذا البعد الميتاشعري، يتبدى المستوى الأسلوبي بوصفه حاملاً للتوتر الدلالي ومكثفاً لإيقاعه الداخلي.

 فاللغة مشبعة بانزياحات نحوية ودلالية مع اعتماد الجملة المتقطعة والاستفهام الاستنكاري، ما يخلق إيقاعاً نفسياً متوتراً. الاشتغال على الجذر المائي يمنح النص وحدة عضوية رغم التشتت الظاهري....

يمكن إدراج هذا النص ضمن أفق حداثي يتقاطع على مستوى الاشتغال الرمزي مع تجربة أدونيس في نزوعها إلى تفكيك المرجعيات وكسر الثابت، كما يلامس من حيث تمثيل توتر الذاكرة وانشطار الذات، بعض ملامح الكتابة المتأخرة لدى محمود درويش. غير أن هذه التقاطعات تظل جزئية ووظيفية إذ يحتفظ النص بخصوصيته عبر تركيزه المكثف على استعارة العطش بوصفها محوراً أنطولوجياً ومجازاً منظماً لبنيته الدلالية...

 وعليه، فإن النص ينجح في تشييد ميتافيزيقا للعطش بوصفه تمثيلاً لأزمة وجودية معرفية، حيث تتقاطع البنية الرمزية مع انشطار الذات لإنتاج توتر دلالي مستمر. كما يكشف عن تفكيك واع لعلاقة الشاعر بالآخر ضمن أفق نقدي حداثي. وتتمثل أبرز مقوماته الجمالية في كثافة الصورة وتماسك الحقل الرمزي....

***

قراءة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

....................

صريرُ ناب

لكَ الندى أيها الظامئ في عيون الجنان..

فما من ماطرة كظمياء راوية

وقد شفّك العطش.. وأبرحكَ شوب البياض

غادركَ الياسمين بللاً..!؟

وبلالاً.. شئته شهد حياة بفاغرة القبل

سنوات تتلهف لخصبكَ أيّها الممعن بالعطر

ولا من خيال امرأة يخضّر على شفاهكََ قارورة

هل تجرّبُ الجرح ثانية،..

وأنتَ طعينٌ كجرف.. لم يرحمه عنف الماء..؟؟!

فاخترت عيونكَ الظامية رؤى..

وهجرت زمزم والحجيج..

أتحبُّ أم يخجلك الماضي..؟

ماضيكَ وحده قاتلكَ في ظمأ الخريف

فعش ضمير الصحراء ماءً..

يحتلم براوية قادمة!!

(2)..

كلُّ السعاة منحتهم عين الضوء..

فاحترسوا..

واستفاقوا قبل سبات الحلم..

صاروا.. تعاويذ في منهجي

يعلمونني الآن النصحية.. يا لوحيكَ!!؟

كانوا يقرأون الشعر من على كتفي..

ولازالت أصابعي بجيوبهم

إن شئتُ أخردهم دراهم مثلومة

لا تدرج عين الصرف!!

أكنتُ سلما.. لنظارات لا تعي؟!!

ربما..!!

لكنَّ المعلم يبقى معلّما..

وتحته الشعراء والأنبياء

هي غصة..

البعضُ يمر عليكَ كالسائل عن الماء!

وحين يغادركَ..

يلقي بزمزمك الحجر.

***

الشاعر: فائز الحداد

صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.

شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."

عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.

يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.

بضمير المتكلم يعرض إدريس فردي (بطل الرواية) تجليات صراع داخلي، يكشف الفجوة الهائلة بين مجتمع يدعم الممارسة الدينية الصارمة، حتى وإن كانت منافقة، وبين النقلة الفكرية التي أحدثها التحاقه بالثانوية الفرنسية، حيث دروس الأدب والفلسفة تزوده بأدوات التفكير النقدي، والتوق إلى التحرر من قيود مجتمع إسلامي تقليدي. يفضي الصراع إلى حدوث شرخ عميق داخل الأسرة المحافظة، حين يرفض إدريس عبء التقاليد، والهوية المستكينة لضعفها وترددها، لتصبح رغبته في الاستقلال مرآة لسعي مجتمع برمته نحو الاستقلال والتخلص من ربقة الاستعمار.

ينسج الشرايبي أحداث الرواية بلغة صريحة وغير مهادنة، وبأسلوب ثوري وقاس، لايلتزم بقواعد اللغة الفرنسية التي كُتب بها النص الأصلي، ولا ببُناها النحوية. كما تعمد الكاتب استخدام مفردات عنيفة، تعكس التوتر الهائل بين جيلين.

إلى جانب أحداث الرواية يستوعب النص جملة من القضايا الجدلية التي تولدت عن الاحتكاك بين ثقافتين في مغرب الحماية، من قبيل التساؤل عن الركود الاجتماعي والسياسي الذي خيم على الطبقة البرجوازية المغربية، والتنديد بالقيود الاجتماعية التي توظف الدين للحد من حرية الفرد وسعيه لتأكيد ذاته. غير أنه، وخلافا للمتوقع، لم يكن على استعداد للاحتفاء بالحرية والانفتاح الذي تبشر به ثقافة الغرب، ممثلا في المدرسة الفرنسية؛ إذ يصر الشرايبي على توجيه نقده للحداثة الغربية، وإبداء جوانبها السلبية وتناقضاتها الوجودية.

نشر الشرايبي روايته في فرنسا سنة 1954، وهو التوقيت الحرج الذي جر عليه انتقادات شديدة في المغرب، حين اعتبرتها الأوساط الأدبية والسياسية بمثابة عمل استفزازي، يسيء لحركة الاستقلال التي كان جل رموزها من رجال العلم والفكر الإسلامي؛ لذا لم يسمح بنشرها في المغرب إلا عام 1977.

بعد أن تبدد سوء الفهم الذي اكتنفه ظرف سياسي حرج، تواطأت القراءات المتعددة للنص على كون الشرايبي لم يهاجم الدين ولا عقائده، بل تعلق الأمر في الحقيقة بحنين موجع لإسلام القيم الذي توارى تطبيقه العملي أمام هجمة التقاليد البالية، ولإله المحبة الذي لم يعرفه بطل الرواية، في غمرة القسوة والعنف المتلفع بقدسية الدين. يلخص البطل هذا الحنين بكلمات بليغة قائلا:

" انظر يا إلهي: لقد علمني الحاج فردي أن أحبك، في خوف الروح ووحشتها. لقد طبق شريعتك على امرأة عذبها، عذبها عذابا شديدا، وقورة، دقيقة، شامخة، حتى أنها لولا هذا التعذيب لتحولت إلى غبار، خيوط يربطها، ويقطعها، ويسحقها الواجب والشرف كما يقول.. ومع ذلك، مازلت أحبك. لا بد أنك شيء آخر غير إله المساجد والأغلال."(1)

وطد الشرايبي علاقته باللغة والثقافة الفرنسيتين منذ أن اختار العيش في الضفة الأخرى. غير أنه ظل وفيا للحقائق المرة، والتهكم اللاذع الذي لا يفلت منه حتى شخص الكاتب. ومكنته المواضيع التي يطرقها في أعماله من تحقيق مكانة فريدة في الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية.

من الهجرة إلى العنصرية، مرورا بأوضاع العمال المهاجرين في فرنسا، استكشف الشرايبي جل أبعاد الكتابة، من خلال مضامين متحررة من مقص الرقيب، وبارعة في الخلخلة والجرأة التي لا تنقصها الرقة ورهافة الحس.

واصل الشرايبي جرد أصداء الماضي في روايته "الحضارة أمي"(1972) باعتماد نمط سردي يؤكد على أوجه التشابه. تدور الأحداث حول أم يقودها حب ولديها إلى اكتشاف العالم، لتتحرر من وضع الأم حامية التقاليد، والعالقة داخل قوقعة الجهل والخضوع، في مغرب ثلاثينيات القرن الماضي، إلى امرأة ناضجة، تنضم إلى حركة تحرير المرأة، وترتدي ملابس على الطراز الأوربي دون أن تفقد شيئا من بساطتها ونقائها وحنانها.

من خلال سرد بسيط وعميق كعادته، كشف الشرايبي عن أثر التعليم والوعي في إحداث تحولات، تفكك العزلة المعرفية والاجتماعية للمرأة، وتعيد ترتيب العلاقات الأسرية بما يتوافق مع معطيات العلم والحضارة. وفي ثنايا الأحداث يُجرد الشرايبي تهكمه اللاذع لخلخلة بنى التفكير في مجتمع يعيش صدام التقاليد والحداثة.

بعد إتمام دراسته الثانوية في المغرب، انتقل إدريس الشرايبي إلى فرنسا سنة 1945 ليدرس الكيمياء، ثم ليعمل مدرسا ومنتجا للبرامج الإذاعية. وفي الثامنة والعشرين من عمره نشر روايته" الماضي البسيط" التي حققت قطيعة مع الرواية الكولونيالية، وأظهرت ازدراءا للأدب الذي يحصر قضايا الوطن في بعده الفولكلوري المثير لفضول السياح!

من أعماله خلال هذه الفترة رواية "الماعز" وهي بمثابة نقد شديد لأوضاع المهاجرين في فرنسا، واستحضار مؤلم لمصير شمال إفريقيا في بلد التنوير. ورواية "الحشد" التي يوجه من خلالها نقدا مبطنا للجنرال الفرنسي شارل ديغول.

تُظهر الأعمال اللاحقة لإدريس الشرايبي انعطافات متعددة، يُرسي من خلالها حوارا متجددا بين الضفتين. ففي روايته" الحضارة أمي" يقدم إجابة للتحرر من ضغوط المجتمع الأبوي، حين يُمهد للمرأة طريقا خاصا تتحد فيه الحرية مع الوعي بالذات والطموح للتغيير.

أما في روايتيه" أم الربيع" و"ولادة الفجر" فيستند إلى اليوتوبيا لحل إشكال التعايش، حيث يستدعي من صحف التاريخ قصة وصول الفرسان العرب إلى الغرب، وبناء مدينة فاضلة في الأندلس، يتحقق فيها مثل أعلى للتعايش بين العرب والأمازيغ واليهود.

رغم منفاه الطويل، إلا أن مسار الكتابة الروائية لإدريس الشرايبي ظل موسوما بالتوتر، والرفض، والوفاء لقلم ينكأ الجرح بفنية عالية. يقول الروائي والناقد عبد الكبير الخطيبي، في معرض رد الاعتبار للشرايبي بعد ضجة "الماضي البسيط":

" استفز الشرايبي، بطريقته، حمَلة الضمائر المرتاحة المتشبثة بالتقاليد والدفاع عن البنيات الاجتماعية المحافظة. وهذا فضل يُحسب له.. هكذا، وبشكل تراجيدي، فالغائبون، حتى لما يكونوا على حق، يُجبرون على مكابدة نيران مآل النسيان والإنكار"(2).

***

حميد بن خيبش

...................

1- إدريس الشرايبي: الماضي البسيط. سيويل. باريس.1954. ص96

2- مجلة الصقيلة في النقد والإبداع: عدد 14- نونبر 2020

"دراسة سيميو- تواصليّة" للدكتور محمد عبد الله الخولي

تتمايلُ الحروفُ في روض الكلام كغصونِ زيتونٍ على رُبى فلسطين، وتنبضُ القصيدةُ بوجعِ الأرضِ وحنينِ الإنسان، أقفُ أنا-غدير حميدان الزبون-على عتبةِ البوح، أستفتحُ مقامي بفيضٍ من العشقِ الدرويشيّ الذي رافقني منذ الطفولة، يومَ كانت الكلماتُ الأولى تُنقشُ في وجداني: "سجّل أنا عربي"، وكنتُ أرتّلها كما يُرتّلُ الدعاء، وأستعيدُ "أحنّ إلى خبز أمي" كما يُستعادُ الدفءُ في ليالي الغياب، وأتأمّلُ "ريتا والبندقية"، إذْ يتعانقُ الحبُّ والمأساة في مشهدٍ لا يغيب.

ابتدأ التعلّقُ بأدبِ محمود درويش شاعرِ القضيةِ والإنسان في فسحة الطفولة؛ هناك عندما كانت الكلماتُ تتسرّبُ إلينا على هيئة أناشيدَ خفيفة لا ندرك عمقها، لكنّها تترك في القلب أثرًا لا يُمحى.

ومع امتداد الذاكرة أخذ هذا الصوتُ ينمو معنا، ويتبدّل كما نتبدّل، ويزدادُ رسوخًا كلّما اتّسعت تجاربنا حتى غدا جزءًا من يوميّاتنا نردّده غناءً في استراحاتِ القهوة، ونستحضره كأنّه رفيقُ العملِ والوقتِ والوجدان.

كان حضوره أشبهَ بخيطٍ خفيّ يربط بين مراحل العمر، يلوّن تفاصيلها ويمنحها معنًى إضافيًا، ففي كلّ مرحلة كنّا نكتشف في نصوصه وجهًا جديدًا لنا، أو ظلًّا من ذواتنا لم نكن قد رأيناه من قبل.

وفي اللحظة التي تضيقُ بها الأيام كانت قصائده تتّسع لنا، وتفتح نوافذها على أفقٍ أبعد، وتعيد ترتيب الفوضى داخلنا بكلماتٍ تبدو بسيطة، لكنها مشبعة بحكمة التجربة وحرارة الشعور.

ومع مرور الوقت تحوّل درويش إلى ذاكرةٍ موازية تسكننا كما نسكنها، نستعيده في لحظات الفرح كما في مواطن الحنين، وفي الغياب كما في الحضور حتى صارت مفرداته جزءًا من لغتنا اليومية، وصوره مرآةً لأسئلتنا الكبرى: من نكون؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف نحمل الوطن فينا وقتما يبتعد، أو في الوقت الذي نبتعد نحن عنه؟

إنّ تعلّقنا بدرويش يتجاوز حدود الإعجاب الأدبي، ليغدو علاقةً حميمة بين القارئ والنص تتشكّل عبر الزمن، وتزداد عمقًا مع كلّ قراءة جديدة.

فشعر محمود درويش كائنٌ حيّ ينمو فينا، ويمنحنا في كلّ مرّة ما يناسب حالتنا، ويبوح لنا بما لم نكن قادرين على قوله.

ولم يكن هذا الولعُ عابرًا، فقد تكرّسَ في مسيرتي البحثيّة، إذ أفردتُ للدراسةِ الدرويشيّة حيّزًا من جهدي، وغصتُ في عوالمها قراءةً وتأمّلًا حتى اتخذتُ أحدَ دواوينه عنوانًا لأطروحتي في الدكتوراة في محاولةٍ للاقترابِ من سرِّ هذا الشعرِ الذي يتجاوزُ القولَ إلى الكينونة.

وفي سياقِ حوارٍ أدبيٍّ عابرٍ للحدود جمعني بابنِ مصرَ الحبيبة الدكتور محمد عبد الله الخولي لفتَ انتباهي إلى عملهِ الموسوم بـ "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميو-تواصليّة"، فكان ذلك الوقوفُ لحظةَ دهشةٍ واستدعاء، إذ بدا لي النصُّ بابًا آخر يُفضي إلى قراءةٍ مغايرة تتقصّى البُنى الدلاليّة ومساراتِ المعنى في شعرِ درويش، وتعيدُ النظرَ في تمثّلاتِ الموضوعِ بين الرمزِ والتواصل.

ومن هنا كان هذا المقالُ محاولةً للسيرِ بين ضفّتي الإعجابِ والنقد، والوقوفِ على ما لهذا العملِ من إضاءةٍ معرفيّة، وما عليه من تساؤلاتٍ منهجيّة في قراءةٍ تأملُ أنْ تكونَ امتدادًا لذاك العشقِ القديم لا تكرارًا له، وأنْ تظلّ وفيةً لروحِ الشعرِ الدرويشيّ، وهو يعلّمنا أنْ نرى، وأنْ نقول، وأنْ نكون.

تُعدّ دراسة الشعر الحديث، وبخاصة شعر محمود درويش من أكثر الحقول النقدية تعقيدًا وتعددًا في المقاربات؛ نظرًا لتشابك البعد الجمالي بالبعد التاريخي، وتداخل الذاتي بالجمعي، وانفتاح النص الشعري على مستويات متعددة من الدلالة والتأويل.

فالشعر الحديث أضحى فضاءً تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والوجود، وتتداخل داخله أنساق ثقافية وتاريخية تعيد تشكيل الوعي الجمعي بوساطة اللغة.

ومن هذا المنطلق يغدو التعامل مع هذا الشعر محكومًا بضرورة امتلاك أدوات نقدية قادرة على استيعاب هذا التعقيد، والكشف عن البنى العميقة التي تتحكم في إنتاج المعنى.

وتزداد هذه الضرورة إلحاحًا عند مقاربة تجربة شعرية بحجم تجربة محمود درويش، والتي تجاوزت حدود الجغرافيا والثقافة المحلية لتغدو ظاهرة شعرية عالمية استطاعت أنْ تؤسس خطابًا شعريًا يمزج بين الخصوصي والكوني، ويحوّل التجربة الفلسطينية من سياقها التاريخي المحدّد إلى أفق إنساني مفتوح.

فقد نجح درويش في إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع، ليُعاد تشكيله داخل النص عبر آليات لغوية ورمزية وتخييلية تمنحه أبعادًا جديدة.

وتبرز أهمية هذه التجربة في قدرتها على إنتاج نص شعري متعدد الطبقات تتجاور فيه الدلالة المباشرة مع الإيحاء، والمرجع الواقعي مع البناء الجمالي في صيغة تجعل من القراءة فعلًا تأويليًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.

ومن ثمّ لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالقراءات التقليدية التي تنظر إلى النص على أنّه مرآة للواقع أو وعاء لمضمون جاهز، إذ إنّ مثل هذه المقاربات تظل عاجزة عن استيعاب دينامية النص الشعري الحديث، وعن إدراك الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الواقع داخل اللغة.

وقد أفرز هذا التحول حاجة ملحّة إلى تبني مقاربات نقدية حديثة، تُعيد مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات، وتفكك آليات إنتاج المعنى داخل الخطاب الشعري من خلال التركيز على البنية الدلالية للنص، وعلى الأدوار التي تضطلع بها كلّ من العلامة والسياق والمتلقي في تشكيل المعنى.

ويندرج كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" للدكتور محمد عبد الله الخولي ضمن الجهود النقدية التي تسعى إلى إعادة بناء المفاهيم المؤسسة للعملية الشعرية من خلال توظيف المنهج السيميائي في أفقه التواصلي.

وتنبع أهمية هذا العمل من كونه ينطلق من شعر درويش لبناء تصور نظري أوسع حول طبيعة التمثيل الشعري، وآليات تشكّل "الموضوع" داخل النص.

فالموضوع في هذا الإطار يُفهم كنتاج لعملية دلالية معقدة تتداخل فيها اللغة مع التجربة، وتتفاعل فيها الذات الشاعرة مع أفق التلقي.

ويكتسب هذا الطرح مشروعيته من طبيعة النص الدرويشي الذي يتسم بقدرة عالية على تحويل التجربة التاريخية إلى بنية شعرية، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم عبر اللغة.

فالشعر عند درويش يعمل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه في صيغة تجعل من الكلمة فضاءً لإعادة خلق العالم.

ومقاربة هذا الشعر تقتضي وعيًا نقديًا يتجاوز حدود التفسير المباشر نحو تحليل الآليات التي تُنتج المعنى، وتكشف عن مستويات التمثيل المختلفة التي يتشكل من خلالها الموضوع الشعري.

وعليه فإنّ توسيع أفق القراءة النقدية لهذا العمل يقتضي الانطلاق من فرضية مركزية مؤداها أنّ شعر محمود درويش يمثل مختبرًا دلاليًا غنيًا، يسمح باختبار النماذج النظرية الحديثة، وفي مقدمتها النموذج السيميائي التواصلي.

كما يقتضي النظر إلى هذا الشعر في سياق عالمي تتقاطع فيه قضايا الإنسان المعاصر، وتتجلى فيه قدرة اللغة الشعرية على تجاوز الحدود الثقافية، لتخاطب الإنسان في كونيته.

وهذا ما يمنح دراسة التمثيل الشعري في هذا السياق أهمية مضاعفة، إذ يتعلق الأمر باستكشاف إمكانات الشعر في إعادة تشكيل العالم، وفي إنتاج معنى يتجدد باستمرار عبر تعدد القراءات وتنوع التأويلات.

يُصنَّف كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميائية تواصلية" ضمن الأعمال النقدية العربية المعاصرة التي تنشغل بإعادة بناء العلاقة بين الشعر والواقع من داخل البنية اللغوية للنص.

ويعود هذا العمل إلى الدكتور محمد عبد الله الخولي، وهو باحث وناقد أكاديمي مصري يتجلى في هذا الكتاب انخراطه العميق في حقول السيميائيات وتحليل الخطاب والشعرية الحديثة، مع توظيف منهجي واعٍ للمرجعيات الغربية في سياق قراءة النص الشعري العربي.

ويعكس هذا الاشتغال قدرة على استيعاب التصورات النظرية المرتبطة بالعلامة والتأويل والتواصل، واستثمارها في بناء مقاربة نقدية تسعى إلى مقاربة الشعر من زاوية إنتاج المعنى وتشكله داخل الخطاب.

وتكشف عتبة العنوان عن بناء دلالي مركّب، يقوم على تفاعل مصطلحين مركزيين: "التمثيل الشعري" و"الموضوع"، ويحيل التمثيل إلى فعل إجرائي دينامي يتصل بكيفية تشكّل الدلالة داخل النص، ويشير الموضوع إلى مجال الإحالة الذي يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل.

ويمنح اقتران العنوان باسم محمود درويش بعدًا تطبيقيًا محددًا يربط التصور النظري بتجربة شعرية ذات ثقل جمالي وثقافي.

ويُسهم العنوان الفرعي "دراسة سيميائية تواصلية" في توجيه أفق التلقي عبر تحديد الإطار المنهجي الذي تتحرك داخله الدراسة، إذْ تتقاطع فيه تصورات تشارلز بيرس حول العلامة بثلاثيتها المعروفة، مع نماذج رومان جاكوبسون في تحليل العملية التواصلية في صيغة نقدية تنفتح على دور المتلقي في إنتاج المعنى.

وقد صدر الكتاب عن "دار النابغة للنشر والتوزيع"، ويقع في (537) صفحة، وهو حجم يكشف عن امتداد تحليلي واسع، يتيح للمؤلف بسط أطروحته عبر مستويات متعددة تجمع بين التأصيل المفاهيمي والتطبيق النصي.

ويعكس هذا الامتداد رغبة في الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري ضمن مسار بحثي متدرج يستوعب التنظير والتحليل في آن واحد.

وتتوزع بِنية الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول رئيسة تتكامل فيما بينها ضمن نسق منهجي متصاعد، إذْ تنهض المقدمة بوظيفة تأطيرية تتحدد فيها إشكالية البحث، وتُعرض منطلقاته النظرية، وتُرسم حدوده المفهومية.

ويُشكّل الفصل الأول المعنون بـ "مفاهيم نقدية" قاعدة تأسيسية للعمل، فهو يتناول مفهوم الموضوع في أبعاده المختلفة، ويتتبع تحوّلاته من التصور المطلق إلى المقاربة البنيوية وصولًا إلى الأفق السيميائي، مع بلورة نموذج سيميائي تواصلي يُعيد تنظيم العلاقة بين العلامة والمرجع والمتلقي، وينتهي بتحديد دوائر التمثيل الثلاث: الواقع، والرمز، والخيال.

ويأتي الفصل الثاني بعنوان "التمثيل الواقعي للموضوع"، ليُعنى بدراسة تجليات الواقع داخل النص الشعري من خلال تحليل بنى المكان والمنفى، والعلاقة بين الوطن والهوية، إضافة إلى استكشاف التداخلات الأجناسية بين الشعر والسرد والمسرح، وتحليل الطقوس الثقافية والزمن الشعري، والعنوان بوصفه عتبة دلالية تُسهم في توجيه القراءة.

ويُبرز هذا الفصل كيفية تشكّل الواقع داخل النص عبر آليات لغوية وجمالية تعيد صياغته في بنية شعرية.

أما الفصل الثالث المسوم ب "التمثيل الرمزي للموضوع" فيرتقي بالتحليل إلى مستوى أكثر تجريدًا، ليدرس آليات إنتاج الرمز وانتقال الدلالة من المباشر إلى المركّب مع تتبع استراتيجيات التمثيل الرمزي، وتحليل مستويات التأويل في أبعادها الإنسانية والطبيعية والدينية والأسطورية.

ويكشف هذا الاشتغال عن اتساع الحقل الدلالي للنص الشعري، وقدرته على استيعاب أنساق ثقافية متعددة داخل بنية رمزية متداخلة.

ويُعالج الفصل الرابع المعنون ب "التمثيل التخييلي للموضوع" المستوى الأقصى من التشكيل الشعري، ليتحول الموضوع إلى بناء تخييلي تنصهر فيه المرجعيات الواقعية مع تمثلات الذات، فتتشكل عوالم شعرية ذات طابع داخلي تعكس دينامية الخيال بوصفه قوة مولِّدة للمعنى.

ويتناول هذا الفصل مستويات التخيل الشعري، ويُبرز دوره في إعادة تشكيل الواقع داخل فضاء جمالي مستقل.

وتنتهي بنية الكتاب بقائمة المصادر والمراجع التي تعكس تنوع المرجعيات النظرية والمعرفية، وتكشف عن انفتاح المؤلف على حقل واسع من الدراسات النقدية الحديثة. ويُظهر هذا البناء الكلي تدرجًا منهجيًا ينتقل من التأصيل المفاهيمي إلى التحليل التطبيقي، ومن المباشر إلى المجرد في مسار نقدي يسعى إلى الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري، ضمن رؤية علمية دقيقة تتكامل فيها المفاهيم والإجراءات.

وينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أنّ "الموضوع" في الشعر يُعاد تشكيله عبر اللغة، ضمن شبكة من العلاقات الدلالية التي تتداخل فيها العلامة بالمرجع، والذات بالموضوع، والنص بالمتلقي.

وبذلك يتحول الشعر من كونه تمثيلًا انعكاسيًا للواقع إلى كونه فعلًا إنتاجيًا يعيد خلق هذا الواقع داخل بنية لغوية مخصوصة.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه لا يكتفي بتطبيق أدوات نقدية جاهزة على شعر درويش، إنما يسعى إلى تأسيس نموذج نظري يزاوج بين السيميائيات والبُعد التواصلي، مستفيدًا من تصورات تشارلز بيرس في ثلاثية العلامة، ومن اجتهادات رومان جاكوبسون في وظائف اللغة، مع محاولة تجاوز محدودية كل منهما عبر إدماج دور المتلقي في إنتاج الدلالة.

ومن هنا فإنّ الكتاب ينشغل بتحليل "الموضوع" مركّزا على آليات تمثيله، وعلى التحولات التي تطرأ عليه حين ينتقل من مستوى الواقع إلى مستوى الخطاب الشعري.

وتأتي هذه القراءة النقدية استجابة لحاجة منهجية إلى تفكيك هذا المشروع، والكشف عن بنيته المفهومية، وآلياته الإجرائية، وحدوده المعرفية، كما تسعى إلى إعادة بنائه من الداخل عبر تتبع تطور مفاهيمه الأساسية (التمثيل، الموضوع، المرجع، العلامة، التأويل)، وتحليل كيفية اشتغالها داخل الفصول المختلفة مع الوقوف عند مدى اتساقها النظري، وقدرتها على تفسير الظاهرة الشعرية عند درويش.

كما تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة الاختيارات المنهجية التي تبناها المؤلف من خلال فحص علاقته بالمرجعيات السيميائية والبنيوية والتأويلية، والكشف عن حدود هذا التداخل المعرفي، ومدى نجاحه في إنتاج رؤية نقدية متماسكة.

وإلى جانب ذلك تعمل القراءة على اختبار فاعلية النموذج الذي يقترحه الخولي خاصة في تقسيمه لدوائر التمثيل الشعري إلى: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وذلك من خلال تحليل كيفية انتقال الموضوع بين هذه المستويات، وتأثير ذلك في بنية النص ودلالته.

وعليه فإنّ هذه الدراسة تنطلق من فرضية مؤداها أنّ قيمة هذا الكتاب تكمن فيما يقدمه من تصور نظري للتمثيل الشعري، لأنه بات عملية دلالية مركبة تفتح النص على أفق تأويلي لا نهائي.

وهذه القيمة لا تخلو من إشكالات تتعلق بكثافة الجهاز الاصطلاحي، وهيمنة البعد التنظيري، وإشكالية التوفيق بين المرجعيات المختلفة، وهو ما ستسعى هذه القراءة إلى الكشف عنه وتحليله.

وبناءً على ذلك، ستعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقوم على قراءة الفصول وفق تدرجها البنيوي، مع ربطها بالإطار النظري العام، بهدف الوصول إلى تقييم علمي متوازن يبرز إسهام الكتاب في حقل النقد الأدبي، ويحدد في الوقت ذاته حدوده وآفاق تطويره.

تمهيد عام: أفق القراءة ومنطلقها النظري.

يندرج هذا الكتاب ضمن الحقل النقدي الذي يسعى إلى تجاوز المقاربات التقليدية للنص الشعري، تلك التي كانت تنظر إلى الشعر كانعكاس مباشر للواقع، أو كتعبير عن تجربة ذاتية محددة نحو أفق أكثر تعقيدًا يقوم على مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات.

فقراءة الخولي تنشغل بكيفية تمثيل "الموضوع" داخل البنية الشعرية، أي كيف يتحول الواقع إلى خطاب لغوي يحمل طابعًا جماليًا ودلاليًا مركبًا.

إنّ هذا التحول المنهجي يضع الكتاب ضمن سياق النقد السيميائي المعاصر، ليُقرأ على أنه نظام من العلامات تتداخل فيه مستويات الدلالة، وتتعدد فيه إمكانات التأويل. فالخولي يطرح منذ البداية سؤالًا مركزيًا:

كيف يتشكل الموضوع داخل النص الشعري؟

وهل هو معطى سابق، أم أنه نتاج عملية لغوية وجمالية معقدة؟

أولاً: بنية الكتاب وشكله المعرفي

يتميز الكتاب ببنية أكاديمية واضحة تقوم على تدرج منهجي يبدأ بالتأسيس النظري، ثم ينتقل إلى التفصيل المفاهيمي وصولًا إلى المقاربة التطبيقية.

غير أنّ هذه البنية على الرغم من انتظامها الظاهري تكشف عن نزوع واضح نحو تغليب الجانب التنظيري على حساب الجانب التطبيقي، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى مشروع نظري في "الشعرية" منه إلى قراءة تطبيقية مباشرة لشعر محمود درويش.

أمّا من حيث اللغة فيعتمد المؤلف أسلوبًا علميًا كثيفًا، تتراكم فيه المصطلحات السيميائية والفلسفية مثل: "التمثيل"، "المؤول"، "المدلول"، "النسق"، "الانزياح"، "التواصلية"، وغيرها. وهذه الكثافة الاصطلاحية تمنح النص صرامة علمية، لكنها في الوقت ذاته تخلق نوعًا من الإغلاق بحيث يصبح الخطاب موجّهًا إلى قارئ متخصص أكثر من كونه موجّهًا إلى قارئ عام.

أما من حيث المرجعية النظرية فيتبدّى بوضوح أنّ المقاربة المعتمدة من قبل المؤلف في دراسة الموضوع الشعري عند محمود درويش تستند إلى تراثين نقديين رئيسيين يتكاملان في قراءة البِنية الدلالية والرمزية للنص:

1- التراث السيميائي الغربي

يرتكز هذا التراث على التصورات التي بلورها كلّ من تشارلز ساندرز بيرس ورومان جاكوبسون، وتُفهم العلامة على أنها عبارة عن نظام دلالي متعدد المستويات يتجاوز العلاقة البسيطة بين الدالّ والمدلول إلى شبكة معقّدة من الإحالات والتأويلات.

فمن منظور بيرس تتخذ العلامة ثلاثة أبعاد: الأيقونة، والمؤشّر، والرمز، وهو ما يتيح مقاربة الصورة الشعرية عند درويش كونها فضاءً تتداخل فيه الإشارات الحسية مع الرموز الثقافية والتاريخية.

أما جاكوبسون فقد أسهم في إبراز الوظيفة الشعرية للغة مركّزًا على البنية الصوتية والتركيبية، وعلى كيفية اشتغال الانزياح والتوازي داخل النص، الأمر الذي يساعد في تحليل البنية الإيقاعية والدلالية في شعر درويش، فاللغة تتكثف لتنتج معاني تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.

2- التراث البنيوي وما بعد البنيوي

يتأسس هذا التراث على قراءة النص من منطلق الحكم عليه كبنية مغلقة نسبيًا تتحدد عناصرها من خلال العلاقات الداخلية بينها، كما عند كلود ليفي-ستروس ورولان بارت. ففي هذا الإطار يُنظر إلى القصيدة على أنّها نظام من العلاقات الدلالية التي تتولد عبر التكرار والتقابل والتناص.

غير أنّ المقاربة لا تقف عند حدود البنيوية، فهي تنفتح على ما بعد البنيوية، خاصة مع جاك دريدا، ليُعاد النظر في ثبات المعنى، ويُنظر إلى النص كفضاء للتشظي والانزلاق الدلالي، بما يتيح قراءة شعر درويش قراءةً دينامية تكشف تعددية الأصوات وتداخل المرجعيات.

وفي ضوء هذا التكامل بين السيميائيات والبنيوية، وما بعدها يغدو النص الشعري عند محمود درويش حقلًا مفتوحًا للتأويل تتشابك فيه العلامات مع البنى، ويتحوّل المعنى إلى عملية إنتاج مستمرة لا تُختزل في دلالة واحدة، إنما تتوالد عبر التفاعل بين النص والقارئ والسياق الثقافي.

وهذا التداخل المرجعي يمنح الكتاب عمقًا نظريًا، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدي التوفيق بين هذه المرجعيات المختلفة.

ثانياً: مفهوم التمثيل الشعري وإشكاليته

يُعد مفهوم "التمثيل" حجر الزاوية في هذا الكتاب، إذْ ينطلق الخولي من التصور السيميائي الذي يرى أنّ العلاقة بين العلامة وموضوعها هي علاقة إحالة وتأويل، فالنص الشعري يعيد إنتاج الواقع داخل نظام لغوي خاص.

وبالاستناد إلى تصور تشارلز بيرس يحدد المؤلف التمثيل كعلاقة ثلاثية تقوم على الممثل (العلامة)، والموضوع، والمؤول.

غير أنّ الأهمية الحقيقية لهذا التصور تكمن في كونه يفتح المجال أمام فكرة لا نهائية المعنى، إذ إنّ كل تمثيل يولّد تمثيلًا آخر، وكلّ علامة تستدعي علامة جديدة في سلسلة لا تنتهي من التأويلات.

وعلى هذا الأساس فإنّ الموضوع في الشعر لا يمكن أنْ يكون ثابتًا أو مكتملًا، فهو دائم التحول، ويتشكل باستمرار عبر اللغة، ويتغير بتغير زاوية النظر إليه.

فالتمثيل الشعري يصبح عملية دينامية تتداخل فيها الذات الشاعرة مع اللغة، ومع العالم في إنتاج دلالة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.

ثالثاً: مفهوم الموضوع وإعادة بنائه داخل النص

ينتقد الخولي التصورات التقليدية التي ترى أنّ الموضوع كيان سابق على النص، وأنّ الشاعر يقوم فقط بنقله أو التعبير عنه، فهو يقترح بدلًا من ذلك تصورًا مغايرًا يرى أنّ الموضوع لا يوجد إلا داخل النص، وأنه نتاج عملية تمثيل لغوي.

وبهذا المعنى فإنّ "الموضوع" هو بناء لغوي، وتركيب دلالي، ونتاج تفاعل بين الذات واللغة، كما أنّ هذا التحول في النظر إلى الموضوع يؤدي إلى نتيجة مهمة مفادها أنّ قراءة النص ينبغي أنْ تبحث عن كيفية تشكله داخله، فالموضوع ليس ما يقوله النص، إنما كيف يقوله.

وهذا ما يجعل من التمثيل الشعري عملية معقدة تتداخل فيها مستويات متعددة:

المستوى الواقعي، والمستوى الرمزي، والمستوى التخييلي.

رابعاً: مستويات التمثيل الشعري: نحو نموذج تحليلي

يقدم الخولي نموذجًا تحليليًا مهمًا يتمثل في تقسيم التمثيل الشعري إلى ثلاثة مستويات:

1. مستوى هيمنة الموضوع

في هذا المستوى يظل الموضوع قريبًا من الواقع، ويكون النص خاضعًا له، بحيث يمكن للقارئ أنْ يتعرف بسهولة على المرجع الواقعي للنص.

وغالبًا ما يكون هذا المستوى مرتبطًا بالشعر الخطابي أو المباشر.

2. مستوى التوازن بين الموضوع والنص

يتحول الموضوع في هذا المستوى إلى بنية شعرية دون أنْ يفقد ارتباطه بالواقع، ويتميز هذا المستوى بقدر من الانزياح يسمح بإنتاج دلالة جمالية مع الحفاظ على إمكانية التأويل.

3. مستوى هيمنة الذات الشاعرة

تصبح الذات ضمن هذا المستوى هي المركز، وتفرض رؤيتها على النص إلى درجة يصبح معها الموضوع غامضًا أو متوارياً.

وهنا يتحول النص إلى فضاء تأويلي مفتوح يصعب الإمساك بمعناه.

هذا التقسيم يمثل أداة تحليلية، كما يكشف أيضًا عن رؤية عميقة لطبيعة الشعر، فهو مجال خصب لصراع مستمر بين الواقع، واللغة، والذات.

خامساً: قراءة شعر محمود درويش

يرى الخولي أنّ شعر محمود درويش يمثل أنموذجًا غنيًا لدراسة التمثيل الشعري؛ نظرًا لتعدد مستوياته، وتعقيد بنيته، وتنوع موضوعاته، غير أنّ المؤلف يتعامل مع درويش كشاعر للقضية الفلسطينية إلى جانب اعتباره شاعرًا يعيد تشكيل هذه القضية داخل لغة شعرية ذات طابع جمالي خاص.

فالقضية الفلسطينية في هذا السياق تتحول إلى رمز، واستعارة، وبنية تخييلية؛ لأنّ قراءة شعر درويش يجب أنْ تنفتح على أبعاده الجمالية والدلالية.

في هذا الأفق التأويلي تتحوّل القضية الفلسطينية في شعر محمود درويش إلى بنية رمزية مركّبة تتداخل فيها مستويات الدلالة وتتشابك.

فهي تظهر رمزًا يتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية ليغدو علامة إنسانية كونية تُحيل إلى تجربة الفقد والاقتلاع والبحث عن الهوية، ففلسطين في النص الدرويشي حالة وجودية تُعاد صياغتها عبر اللغة.

كما تتجلى القضية كاستعارة كبرى، فيعمد الشاعر إلى تحويل العناصر الواقعية (الأرض، والمنفى، والعودة، والذاكرة) إلى صور تخييلية كثيفة تتسع لتشمل أبعادًا نفسية ووجودية.

فالأرض قد تغدو جسدًا، والهوية جرحًا مفتوحًا، والمنفى زمنًا معلقًا، وهو ما يمنح التجربة الشعرية طابعها الإيحائي العميق، ويُخرجها من حدود المباشرة إلى فضاء المجاز الخلّاق.

كذلك تتخذ القضية شكل بنية تخييلية تنتظم داخلها مكوّنات النص، فتُقرأ القصيدة كعالم يُعاد بناؤه وفق قوانين الشعر، وتتفاعل الرموز والاستعارات والصور ضمن شبكة دلالية متكاملة تُنتج المعنى عبر العلاقات الداخلية بين عناصرها.

وقراءة شعر درويش ضرورةً منهجية تقتضي الانفتاح على أبعاده الجمالية والدلالية معًا؛ إذ لا يمكن اختزال النص في بُعده السياسي، كما لا يجوز فصله عن سياقه التاريخي؛ لأنّ القيمة الحقيقية لتجربته الشعرية تكمن في هذا التوتر الخلّاق بين الواقعي والمتخيَّل، وبين المرجعي والرمزي، فتتأسس دلالة متعددة تتجدّد مع كل قراءة، وتظلّ مفتوحة على إمكانات تأويل لا نهائية.

سادساً: اللغة الشعرية المنتجة للواقع

يؤكد الخولي أنّ اللغة الشعرية تخلق الواقع، وهذه الفكرة تمثل تحولًا جذريًا في فهم العلاقة بين اللغة والعالم، فلم تعد اللغة وسيلة للتعبير، إنما أصبحت أداة لإنتاج المعنى.

فالواقع في الشعر لا يظهر إلا من خلال اللغة، وبقدر ما تسمح به هذه اللغة، وهذا يعني أنّ العالم الشعري هو عالم مستقل له قوانينه الخاصة، وهذا الطرح يقترب من تصورات ما بعد البنيوية، والتي ترى أنّ اللغة هي التي تنتج الواقع، وليس العكس.

سابعًا: تقييم نقدي للكتاب

يمكن القول إنّ هذا الكتاب الذي قدّمه محمد خولي يمثّل إضافة نوعية إلى حقل النقد العربي المعاصر، ولا سيّما في مجال الدراسات السيميائية وتطبيقاتها على الخطاب الشعري.

فالخولي ينخرط في مشروع نقدي يسعى إلى إعادة بناء أدوات قراءة النص الأدبي، وتجاوز الأطر التفسيرية التقليدية التي طالما حصرت الشعر في بعده الموضوعي أو المرجعي، ومع ذلك فإنّ القيمة العلمية لأيّ عمل لا تكتمل إلا بإخضاعه لنظر نقدي متوازن يُبرز مكامن القوة كما يرصد حدود التجربة وإشكالاتها.

أولًا: المحاسن

1. عمق نظري واضح

يتكئ الكتاب على خلفية معرفية رصينة تستمد أدواتها من التراث السيميائي والبنيوي الغربي، وهو ما يمنح التحليل بعدًا إبستمولوجيًا متينًا يتجلّى في قدرة المؤلف على توظيفها ضمن سياق نقدي عربي، بما يشي بوعيٍ منهجي يسعى إلى تأصيل هذه الأدوات داخل الثقافة النقدية العربية لا مجرد استنساخها.

2. بناء مفاهيمي متماسك

يتميّز العمل بوضوح هندسته المفاهيمية، حيث تتآزر المصطلحات ضمن شبكة دلالية منسجمة تتدرّج من التعريف إلى الإجراء، ومن التنظير إلى التطبيق.

وهذا التماسك يسهم في بناء رؤية نقدية متكاملة تجعل من النص الشعري نظامًا من العلامات القابلة للتحليل وفق منطق داخلي بدل النظر إليه على أنّه خطاب مفكك أو اعتباطي.

3. محاولة جادة لتجاوز القراءات التقليدية

يُحسب للمؤلف سعيه إلى كسر أفق التلقي الكلاسيكي الذي يركّز على المضامين المباشرة، إذ يقدّم قراءة تنفتح على الأبعاد الرمزية والتخييلية للنص خاصة في تناول شعر محمود درويش.

وبذلك يسهم الكتاب في نقل مركز الثقل من "ماذا يقول النص؟" إلى "كيف يقول النص ما يقوله؟"، وهو تحوّل نوعي في آليات القراءة النقدية.

ثانيًا: المآخذ

1. كثافة اصطلاحية قد تعيق الفهم

على الرغم من أهمية الجهاز المفاهيمي المعتمد فإنّ كثافة المصطلحات السيميائية وتداخلها قد تجعل النص النقدي عسير التلقّي خاصة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. إذ يغلب أحيانًا حضور المفهوم على حساب الشرح، ما يخلق مسافة بين الخطاب النقدي والمتلقي، ويحدّ من انتشار هذا النوع من الدراسات خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة.

2. هيمنة الجانب النظري على التطبيقي

يميل الكتاب إلى ترجيح الكفّة النظرية بحيث يبدو التحليل التطبيقي محدودًا قياسًا إلى الامتداد المفاهيمي.

وكان من الممكن تعزيز القيمة الإجرائية للعمل عبر توسيع الحيّز التطبيقي، وإيراد قراءات نصية أكثر تفصيلًا تُجسّد المفاهيم في سياق عملي واضح.

3. ميل إلى التجريد أحيانًا

يتّسم الخطاب النقدي في بعض مواضعه بدرجة من التجريد قد تُضعف صلته بالنصوص المدروسة، حيث يتحوّل التحليل إلى بناء مفاهيمي قائم بذاته، وهذا الميل على الرغم من كونه جزءًا من طبيعة الخطاب السيميائي إلى أنّه يحتاج إلى موازنة دقيقة تُبقي النص الأدبي في مركز العملية النقدية.

ثالثًا: أفق القراءة وإمكاناتها

على الرغم من هذه الملاحظات فإنّ الكتاب يفتح أفقًا رحبًا أمام الدراسات النقدية العربية، إذ يقدّم نموذجًا لقراءة تتجاوز الأحكام الانطباعية نحو تحليل علمي يستند إلى أدوات منهجية دقيقة.

كما أنّه يتيح إمكانات تطوير لاحقة سواء عبر تعميق الجانب التطبيقي، أو عبر تبسيط الجهاز المفاهيمي، أو حتى من خلال توسيع النصوص المدروسة.

ويمكن النظر إلى هذا العمل كخطوة ضمن مسار تراكمي لا مشروع مكتمل نهائيًا؛ إذ يضع أسسًا يمكن للباحثين البناء عليها سواء بالمراجعة أو بالتطوير أو بالمقارنة مع مقاربات نقدية أخرى.

ومن باب إنصاف تجربة الدكتور محمد خولي يقتضي الإقرار بأنّ ما قد يبدو من مآخذ لا ينفصل عن طبيعة المشروع الذي يسعى إلى إدخال أدوات معرفية معقّدة إلى حقل نقدي ما يزال في طور التشكّل.

وخلاصة القول: إنّ هذا الكتاب يجمع بين الجرأة المعرفية والجهد المنهجي، ويؤسّس لوعي نقدي جديد، حتى وإنْ ظلّ بحاجة إلى مزيد من التوازن بين التنظير والتطبيق. وهو بذلك يُعدّ إسهامًا جادًا يستحق التقدير، ويشكّل إضافة ثريّة في دراسة الشعر العربي الحديث وتحليل بنياته الدلالية.

ويمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنّه محاولة جادة لإعادة التفكير في العلاقة بين الشعر والواقع من خلال مفهوم التمثيل، وهو يفتح أفقًا نقديًا جديدًا يدعو إلى قراءة النصوص الشعرية على أنها أنظمة دلالية معقدة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.

إنّ أهم ما يقدمه الخولي هو هذا التحول في النظر من البحث عن "الموضوع" إلى البحث عن "تمثيله"، وهذا التحول في حدّ ذاته يمثل نقلة نوعية في النقد الأدبي تستحق الوقوف عندها والتوسع فيها.

تشير هذه القراءة النقدية إلى أنّ كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" للدكتور محمد عبد الله الخولي يندرج ضمن المشاريع النقدية الجادة التي تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع عبر وسيط اللغة، وفي ضوء مقاربات سيميائية ذات أفق تواصلي.

فقد نجح المؤلف إلى حدٍّ بعيد في نقل النقاش من مستوى التعامل مع "الموضوع" كمعطى سابق على النص إلى اعتباره بنية دلالية تُنتج داخل الخطاب الشعري، وتتشكل عبر تفاعل معقد بين العلامة والمرجع والذات والمتلقي.

لقد بيّنت الدراسة أنّ الخولي لا يكتفي باستثمار المنجز السيميائي كما تبلور عند تشارلز بيرس، ولا عند رومان جاكوبسون، فهو يسعى إلى إعادة تأويل هذه المرجعيات ضمن مشروع يهدف إلى بناء نموذج تحليلي قادر على استيعاب خصوصية النص الشعري، وخاصة في تجربة محمود درويش التي تتسم بتعقيد دلالي وتنوع في مستويات التمثيل. وتتجلّى القيمة المعرفية لهذا الكتاب في إسهامه النظري، ولا سيما في اقتراحه لتقسيم التمثيل الشعري إلى دوائر ثلاث هي: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وهي دوائر لا تعمل في عزلة، إنما تتداخل وتتكامل في إنتاج المعنى الشعري.

وقد كشفت هذه القراءة عن جملة من الإشكالات التي تفرض نفسها عند تقويم هذا العمل:

فمن جهة أولى يلاحظ هيمنة واضحة للبعد التنظيري على حساب الاشتغال التطبيقي، إذ كان بالإمكان تدعيم الأطروحات بمزيد من القراءات النصية التفصيلية التي تُظهر فاعلية الجهاز المفاهيمي المقترح.

ومن جهة ثانية، فإنّ الكثافة الاصطلاحية على الرغم من دلالتها على عمق معرفي إلّا أنها قد أسهمت في إضفاء قدر من الإغلاق على الخطاب، ما يجعل تلقيه مشروطًا بامتلاك خلفية نظرية متقدمة في السيميائيات والنقد الحديث.

أما من جهة ثالثة، فمحاولة التوفيق بين مرجعيات متعددة (بنيوية، سيميائية، تأويلية) تظل في بعض المواضع غير محسومة تمامًا، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات حول مدى انسجام الإطار النظري العام.

ومع ذلك فإنّ هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الكتاب بقدر ما تندرج ضمن أفق نقدي يسعى إلى تطوير هذا النوع من الدراسات، والبناء عليه.

إذ يمكن اعتبار عمل الخولي خطوة متقدمة في سبيل تأسيس مقاربة عربية معاصرة للتمثيل الشعري قادرة على الانفتاح على المناهج الحديثة دون أنْ تفقد صلتها بخصوصية النص الأدبي العربي.

إنّ أهم ما تخلص إليه هذه الدراسة هو أنّ الشعر في ضوء هذا التصور يُفهم كونه ممارسة دلالية تُعيد إنتاج هذا الواقع داخل اللغة، وتفتحه على إمكانات تأويلية متعددة. وهو ما يجعل من "الموضوع" كيانًا ديناميًا لا يستقر، ويظل في حالة تشكّل مستمر تبعًا لتعدد القراءات وتنوع السياقات.

هذا وإنّ آفاق البحث في هذا المجال تظل مفتوحة، سواء من خلال تعميق الاشتغال على البعد التطبيقي للنموذج الذي يقترحه الخولي، أو عبر مقارنته بمقاربات نقدية أخرى، أو من خلال توسيع دائرة التطبيق لتشمل تجارب شعرية مختلفة.

كما يمكن أنْ يشكل هذا العمل منطلقًا لإعادة التفكير في مفاهيم مركزية في النقد الأدبي مثل: المرجع، والتمثيل، والتأويل في ضوء التحولات التي يشهدها الفكر النقدي المعاصر.

إنّ كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" يفتح أسئلة جديدة، وهو ما يمثل في حد ذاته إحدى أهم وظائف الخطاب النقدي الجاد الذي يسعى إلى توسيع أفق التفكير في النصوص، وإعادة صياغة أدوات قراءتها.

في ختام مقالي أقول: تنطوي الصفحاتُ وتبقى جمرةُ المعنى يقِظةً في رمادِ اللغة، تشعُّ كلّما لامستها يدُ قارئٍ جديد، لينهض محمود درويش في هذا المقام كينونةً شعريّةً لا تستقرُّ على حال، لتتوالدُ من داخلها طبقاتُ الدلالة، وتفيضُ من حوافِّها أسئلةُ الوجود والهُوية والحنين.

يغدو النصُّ مع محمود درويش مجالًا حيًّا تتعالقُ فيه الإشارةُ والرمزُ والصوت، وتتشكّلُ خرائطُ المعنى على إيقاعِ التجربة، فتتبدّلُ القراءةُ كلّما تبدّلَ موقعُ النظر، وتغتني كلّما اتّسعَ أفقُ التأويل.

وفي ضوءِ هذا الامتداد يبرزُ جهدُ الدكتور محمد عبد الله الخولي كونه محاولةً واعيةً لإحكامِ النظر في بنيةِ التمثيل الشعريّ للموضوع، واستجلاءِ علاقاتِ العلامةِ بمحيطها التواصليّ.

وتتقدّمُ مقاربتهُ بخطًى محسوبة، فتلتقطُ الخيوطَ الدقيقة بين الدالِّ والمدلول، وتستقرئُ آلياتِ التشكيل في النصّ الدرويشيّ، فتفتحُ للمتلقّي مسالكَ جديدةً للفهم، وتستدعي في الآنِ نفسِه أسئلةً موازيةً حول حدودِ المنهج، وسِعةِ الإحاطة، وإمكانِ القبض على نصٍّ يراوغُ الاكتمال.

وهذا ما يسعى لتحويل القراءة إلى فعل مركّب يتجاورُ فيه الكشفُ مع الإبداع، ويصيرُ القارئُ شريكًا في بناءِ المعنى لا مجرّدَ متلقٍّ له.

كما تنسحبُ العلاماتُ من سكونها لتدخلَ حيّزَ الحركة، وتتجاوبُ الأصواتُ في نسيجٍ تتداخلُ فيه الذاتيّةُ بالجماعيّة، والتاريخيُّ بالوجدانيّ، فيتشكّلُ نصٌّ مفتوحٌ على أزمنةٍ متعدّدة، يَصْدُقُ فيه الحضورُ بقدرِ ما يتكثّفُ الغياب.

وفي هذا الأفق تتجلّى التجربةُ الدرويشيّةُ كمرآةٍ تعكسُ هشاشةَ الإنسان وقوّتَه معًا، وتمنحُ اللغةَ قدرةً على أنْ تقولَ ما يتجاوزُ القول، فيتبدّى الشعرُ طاقةً خلاّقة تُعيدُ ترتيبَ العالم في صيغةٍ أكثرَ إنسانيّة، وتستدعي من القارئ يقظةً دائمة تليقُ بعمقِ هذا الأثر واتّساعِه.

تمتدُّ الرحلةُ الأدبيّةُ في هذا المقال مقامًا من مقاماتِ العشقِ المعرفيّ، فتتآلفُ فيه الخبرةُ الشخصيّةُ مع التحليل، ويتحوّلُ التلقّي إلى ممارسةٍ واعية تُنصتُ للنصّ وتُحاورهُ في آن، ويتعزّزُ اليقينُ أنّ الشعرَ الدرويشيّ فضاءٌ لا يُحدُّ، وأنّ كلّ قراءةٍ تفتحُ بابًا لقراءةٍ أخرى، وكلّ تأويلٍ يُنبتُ تأويلًا جديدًا، في سلسلةٍ لا تنقطعُ من التفاعلِ والاشتغال.

يستقرُّ هذا المقالُ في خاتمته على أفقٍ رحب يوسّع المعنى، ويحرّر الدلالة، ليغدو درويشُ حضورًا متجدّدًا في الوعي، ونبضًا يرافقُ اللغةَ في مسيرتها، وصوتًا يعبرُ الأزمنةَ ليذكّرَ القارئ بأنّ الشعرَ تجربةٌ تُعاش، ومسارٌ يُعادُ اكتشافه مع كلّ اقتراب، فتتعانقُ البدايةُ مع النهاية تعانقَ الدائرةِ بنقطةِ انطلاقها، ما يكشف للوعي أنّ المعرفةَ الأدبيّةَ سيرورةٌ لولبيّةٌ تتقدّمُ عبر عودتها، وتُعيدُ تشكيلَ ذاتها مع كلِّ اقتراب.

عند هذا المنعطف، ينهضُ محمود درويش ككثافة دلاليّةً تتولّدُ من توتّرٍ خلّاقٍ بين القولِ ومجازه، وبين الإشارةِ وامتدادها، فتغدو القصيدةُ مجالًا يختبرُ القارئُ فيه أدواته ويعيدُ ترتيبَ وعيه.

وتتأسّسُ الحُجّةُ على تحويلِ المعنى إلى فعلٍ، وعلى جعلِ القراءةِ إنتاجًا يتشكّلُ ضمن أفقِ التلقّي، ويظهرُ المنهجُ لدى الدكتور محمد عبد الله الخولي إطارًا يلتقطُ العلاقاتِ بين العلامات، ويقترحُ مسالكَ للفهم تُوسّعُ مجالَ الدلالة، وتُعيدُ توزيعَ مراكزِ النظر داخل النصّ.

ومن ثمّ تتقدّمُ القراءةُ التي باتت ممارسةً واعية تجمعُ بين تفكيكِ البنيةِ واستنطاقِ المعنى، وتُسهمُ في توليدِ طبقاتٍ جديدةٍ من التأويل.

يتخذُ ختامي لهذه القراءة هيئةَ عتبةٍ معرفيّة تُحرّضُ على قلقٍ منتج، وتدعو إلى مساءلةِ الأسئلةِ، وإعادةِ صوغِ العلاقةِ بين القارئِ والنصّ.

فأيُّ معنى يتشكّلُ في كلِّ قراءة؟ وأيُّ أفقٍ يتّسعُ مع كلِّ اقتراب؟

إنّ القراءةَ هنا تجربةُ وعيٍ يتنامى، ومسارٌ تتكثّفُ فيه الدلالةُ عبر الحركة كونه انفتاحًا على بدايةٍ أشدَّ عمقًا، فكلُّ قراءةٍ خطوةً في طريقٍ يتجدّد يتواطأ فيه القارئُ مع النصّ على إنتاجِ معنى يتنامى باستمرار.

وفي هذا الأفق يستقرُّ الأدبُ فعلًا حيًّا، وتستقرُّ القراءةُ فعلَ خلقٍ دائم يوسّعُ حدودَ الرؤية، ويمنحُ المعنى امتدادًا لا ينضب.

كما تنبثقُ من بينِ السطورِ رسالةٌ خفيّة تُسلَّمُ إلى القارئ كما تُسلَّمُ زهرةٌ على عتبةِ دربٍ طويل، إنها زهرةٌ من أثرِ محمود درويش، ومن صدى قراءةٍ سعت إلى ملامسةِ جوهرِه، ومن يقينٍ يتنامى بأنّ النصَّ يزهرُ كلّما امتدّت إليه يدٌ جديدة.

سأترك هذه الزهرةُ شاهدةً على عبورٍ لم يكتمل، وعلى حوارٍ يطلبُ من يُتابعُه، وعلى معنى يتشكّلُ مع كلّ عينٍ تُصغي.

فإنْ صادفتْ هذه الكلماتُ قلبًا يلتقطُ خيطَها فإنّ الرحلةَ تستأنفُ نبضَها، ويتحوّلُ الأثرُ إلى امتداد، ويغدو القارئُ شريكًا في كتابةِ ما يتجدّد.

أرجو أنْ أكون قد وفّقتُ في غرسِ هذه الزهرةِ في طريقِ القراءة، لتظلَّ تنفتحُ كلّما مرَّ بها وعيٌ جديد، وتُهدي عطرَها لمن يُكملُ المسير.

وللهِ وَلِيُّ التوفيق، عليهِ أُفوِّضُ الحرفَ وما انطوى عليه من جهدٍ وتأمّل، وبهِ أستودِعُ هذه الزهرةَ على عتبةِ القراءة علّها تُزهرُ في خطى العابرين، وتمتدُّ في قلوبٍ تعرفُ للحياةِ وجهها الأبهى، كما أنشدَ محمود درويش يوم قال: " وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا، وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ، وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَزْرَعُ حَيْثُ أَقمْنَا نَبَاتاً سَريعَ النُّمُوِّ، وَنَحْصدْ حَيْثُ أَقَمْنَا قَتِيلاَ، وَنَنْفُخُ فِي النَّايِ لَوْنَ البَعِيدِ البَعِيدِ، وَنَرْسُمُ فَوْقَ تُرابِ المَمَرَّ صَهِيلاَ،

وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا حَجَراً: أَيُّهَا البَرْقُ أَوْضِحْ لَنَا اللَّيْلَ أَوْضِحْ قَلِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا...".

***

د. غدير حميدان الزبون

صباحُ يومِ الأحد، من قلبِ غرفة تعجُّ بضجيجِ العلمِ والحياة

02 مايو 2026م

 

للشاعر بن يونس ماجن

يقدم الشاعر المغربي نصوص بلا عناوين، هي خلاصة مسيرة حياته وعمره الطويل في دروب النضال المتعثرة، المليئة بحفر الزمن، انها مسيرة شاقة في معاناتها وعبئها الثقيل، كأنه يتكوى على جمر من النار، خلال مسيرته الحياتية والنضالية، حتى بلوغه الثمانين عاماً، شاهد على فظائع، الظلم والطغيان وجبروت الطغاة، وضعفهم واذلالهم امام اسيادهم، تجار الحروب، هذه النصوص هي شاهد اثبات على جرائم عصرنا الحالي، بكل الجوانب الغطرسة والوحشية، هذه النصوص هي عرق جبينه الكفاحي الطويل، سطرها شعراً، لذلك اهداها الى نفسه لبلوغه ثمانين عاماً، هي خلاصة بما تواجهه الشعوب العربية، من الحروب، وانتهاك، والدوس بالاقدام على القيمة الانسانية، المهدورة والمنكوبة في عالمنا العربي، في دخانها المتصاعد من كل الميادين الحياتية، واقع يواجه وحشية ونذالة الحكام العرب وخنوعهم الذليل أمام وحشية العالم المتغطرس في جرائمه، رغم الاعوام الطويلة التي عاشها في المهجر (بريطانيا) لكنه ظل مرتبطاً روحياً وعضوياً في معاناة الشعوب العربية، بأن يكون صوتاً احتجاجياً، متمرداً، ورافضاً الواقع العربي الميؤس، كأنه داخل سجن، بأغلال حديدية، تخنق صوته وارادته واختياراته، يفتقد ابسط شروط الحرية والكرامة، لهذا يصرخ بالرفض المتمرد، يصوغها في بيانات شعرية ملتهبة من لهيب الجمر، وبصيغة أسلوبه الخاص، الذي تميز به في تجربته الشعرية الطويلة، في تناول الشعر في الاتجاه والاسلوب السريالي المتمرد، رداً على سريالية العالم المتوحش، أو التبادل بالمثل، لان الاوطان العربية مكبلة بالظلم والاضطهاد والتعسف، الانسانية فيها مغدورة أو مفقودة، يعرض قضايا الشعوب العربية من المنصة الدفاع عنها، يتعامل مع الإنسان العربي عامة والفلسطيني خاصة، من منطلق الدفاع عن حرية الشعوب المفقودة، ورفض اغتصاب الاراضي المغتصبة في فلسطين، وكذلك الجرائم الوحشية في غزة المدمرة، عن اطفال غزة الذين يواجهون الموت المدمر، والحرمان من ابسط حقوق الطفولة، يجري هذا الدمار هذا الدمار الوحشي، على صمت الحكام العرب، وصمت العالم كأنهم لا يسمعون الصرخات والانين شعوبهم، يضعهم هذا الصمت المريب، في موقع المسؤولية لهذه الجرائم، ويضعهم في موضع العار والتخاذل، نصوص هي صوت احتجاجي مدوية، تثقب طبلة الاذن. النصوص هي تمثل مرآة حقيقية بما يجري من غرائب في عالمنا العربي، في الانتهاك والحرمان للإنسان العربي المظلوم. والشاعر يتعامل مع القصيدة من منطلق المسؤولية والالتزام، ان يقدم شيء مفيد للقضايا الناس والأوطان. لذا فأن القصيدة لديه مسؤولية والتزام، ان لا تكون تافهة وفارغة من المضمون و فارغة وتافهة، وكذلك ينبغي ان تملك الإبداع والتعبير، لذا فإنه يحمل قدسية تجاه القصيدة، يخاف منها وتستفزه، عندما يهاجمه الالهام، وينزوي في بيته المعتم، في طقوس القصيدة (أخاف من القصيدة / تستفزني / على خلفية ثأر قديم / لم أعد أحتمل الكتابة / السطور التفاهة / الفارغة من فحوى / التعبير والابداع / وعندما يهاجمني الالهام / انزوى الى ركن في بيتي المعتم / وارفع رايتي البيضاء / واستسلم للهذيان).. كوابيس القصيدة والواقع تطارده، لذلك يده تبقى على زناد حروف القصيدة، توجعه وتؤلمه، أن يرميها في منابر الساحات، وهو يرى اكياس الجثث ترمى في المقابر (علقت أكياس الجثث / على سياج مقبرة / في انتظار صلاة الغائب / الجمر الكامن تحت الرماد / يسخر من شمعة تحتضر في ليلة عاصفة).. وحنظلة حاضر في القصيدة (ابداع رسم حنظلة، الرسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي)، لكي يعبر عن المعاناة والمحنة العربية، ضد الحروب واغتصاب الأرض، بأن يحمل غصن الزيتون على جنح حمامة بيضاء (كان حنظلة / يرسم على جدران سجن الطغاة / حمامة بيضاء وغصن زيتون / سأتبرع بكفني / الذي قُدَّ من ثياب الديكتاتور / وألفه حول شاهدة قبره / ليس لدينا جيش نعتمد عليهم / وعساكر في سبات عميق).. ولا ينسى السخرية والاستهزاء والتهكم بحكام العرب (الحكام العرب / لصوص ليس ظرفاء / الوطن العربي / بلد طارد أهله وشبابه / شعب يحاول البقاء مستيقظاً / بعد نوم حاكمه / هل سمعتم صراخ وأنين / المفقودين تحت الانقاض ؟).. والسخرية من الأناشيد الوطنية التي تسبح في الخيال والوهم في الانفصال التام عن الواقع، كلمات غامضة وضبابية في تراجيديا الكوميدية (طوق حول العنق / وكمامة على الفم / و خنجر مغروس في الظهر / وتمساح أليف / يتدرب على البسمة الصفراء / ونشيد وطني مبهم / يكتنفه الغموض / كلماته ضبابية / وموسيقاه غير متناغمة).. الحكام العرب حولوا هزائمهم الكبرى الى انتصارات عظيمة، فقد اختلفت المعايير بين النصر والهزيمة (في بحر متلاطم / يقف الصقر الجريح / ويغرف حفنة من الملح / ليذرها على جراحه العميقة / ميداليات الشجاعة / لجندي عربي / هارب من الحرب).. ونحن نتجرع انتصاراتنا الوهمية من حكام العرب المتخاذلين، اسود ضارية وفتاكة على شعوبهم، وارانب مذعورة امام اسيادهم، ونحن نتجرع علقم الهزائم والانكسارات منهم، ونسجلها في دفتر أيامنا الهاربة والخائبة (سنكون معاً / في وقت لاحق / لنعد انتصاراتنا الوهمية / ونسجل في دفتر / الأيام التي هربت من قبضتنا).. الصراع الشرس قائم ومستمر لم يتوقف، رغم الارهاب والتنكيل واعواد المشانق والمقابر الجماعية (زوال الطغاة / يرجم الشيطان / شعب مثقل بالاضطهاد / مقيد الاغلال / في كل درب وبيت / نصبت له اعواد المشانق / موجات القمع والتصفية / شبح الموت / يحوم حول المقابر الجماعية)..  خيانات الحكام العرب كثيرة، لا تعد ولا تحصى، بالخذلان والخيانة، لكنهم يتسلون على مشاهد حرب الابادة ضد ابناء جلدتهم (يتسلى العرب / بمشاهدة حرب الابادة / انفاسهم تضيق / من فرط الخيانة الكبرى).. ويحصي حصاد عمره، وهو على مشارف الثمانين عاماً، يمشي ويتعثر في حفر الزمن، ويختلط عليه الربيع والخريف، وشعر رأسه يشتعل بياضاً، وهو يحمل عبء وتعب السنين (ها أنا الآن / على مشارف الثمانين / أحمل شيخوختي / المثقلة بعبء السنين / وامشي بين حفر الزمن / كم تخبطت / بين الربيع والخريف / رأسي يزيد بياضاً / ويشتعل شيباً).. ولا ينسى أطفال غزة المنكوبة بالوحشية والدمار، الطفولة المدمرة من الكيان الصهيوني (غزة مذبحة العصر / رضع تحت الأنقاض / اشلاء مبعثرة / اطراف مبتورة / يتامى / ارامل / جياع / عطشى / / حصار / والعالم اصم واخرس / لقد أصيب بجلطة دماغية / ونوبات البكم / أمام المجازر اليومية)..

***

جمعة عبدالله

 

تندرج هذه الدراسة النقدية ضمن أفق قرائي يسعى إلى مقاربة النص الشعري بوصفه بنية لغوية وجمالية مفتوحة، تتجاوز حدود الدلالة الأحادية إلى رحابة الاحتمال التأويلي. ومن هذا المنطلق، تأتي قصيدة "فراشة" للشاعر أحمد شهاب بوصفها نصاً كثيفاً، متشعّب البنية، تتداخل فيه مستويات اللغة والصورة والرؤية، لتنتج خطاباً شعرياً مشحوناً بالرمز، ومفتوحاً على تعددية المعنى.

لا تتعامل هذه الدراسة مع النص باعتباره معطى جاهزاً أو حاملاً لدلالة مستقرة، بل تنظر إليه بوصفه فضاءً دينامياً تتفاعل داخله اللغة مع الوعي، والتجربة مع المخيال، والتاريخ مع الذات. ومن ثمّ، فإن القراءة هنا لا تسعى إلى القبض على "المعنى الصحيح"، بقدر ما تنشغل باستكشاف "شبكة المعاني الممكنة"، وفق مقاربة نقدية احتمالية تجعل من القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة، لا مجرد متلقٍ سلبي لها.

تستمد هذه الدراسة مشروعيتها المنهجية من تضافر جملة من المناهج النقدية، في مقدمتها المنهج الأسلوبي الذي يشتغل على تفكيك البنية اللغوية والتركيبية، والمنهج الجمالي الذي يستكشف الطاقات الفنية للصورة والإيقاع، فضلاً عن المقاربة الهيرمينوطيقية التي تنفذ إلى طبقات المعنى العميقة، كاشفةً عن التوترات الوجودية الكامنة في النص. كما تستأنس الدراسة بأدوات التحليل السيميائي والنفسي والسوسيولوجي، في محاولة لإحاطة النص من زوايا متعددة، دون الوقوع في أسر القراءة الاختزالية.

وتتخذ الدراسة من جملة من المحاور التحليلية مساراً لها، بدءاً من فحص سلامة اللغة وبنية الأسلوب، مروراً بتحليل الإيقاع والمعمار الصوتي، وصولاً إلى تفكيك الصورة الشعرية بوصفها بنية حركية قائمة على التحوّل والاندماج والانزياح. كما تقف عند الأبعاد الفكرية والفلسفية للنص، وتبحث في سياقه الثقافي والتاريخي، قبل أن تنفذ إلى طبقاته النفسية والسيميائية، لتكشف عن شبكة الرموز والعلاقات الدلالية التي تشكّل نسيجه العميق.

إن قصيدة "فراشة"، بما تنطوي عليه من كثافة رمزية وثراء لغوي، تمثّل نموذجاً دالاً على تحوّلات الشعر العربي المعاصر، حيث لم يعد النص مجرد تعبير عن تجربة، بل صار مجالاً لإعادة تشكيل الوعي، وإنتاج معنى يتجاوز حدود القول إلى أفق التأويل. ومن هنا، تأتي هذه الدراسة محاولةً جادة لقراءة هذا النص قراءةً معمّقة، تستنطق لغته، وتفكك بنيته، وتفتح آفاقه على إمكانات لا نهائية من الفهم والتأويل.

أولاً: المدخل التأويلي العام

تنهض قصيدة "فراشة" على توتّر رمزي بين الخفّة والثقل، بين الكائن العابر (الفراشة) والذاكرة المثقلة بالحنين والفقد. ليست الفراشة هنا كائناً طبيعياً فحسب، بل هي استعارة كبرى للروح الهاربة، أو الذات التي تبحث عن معنى في عالم مفكّك.

منذ العتبة النصية: "طيري أيتها الفراشة يا أخت أسطورتي"، يدخل النص في فضاء أسطوري-وجداني، حيث تتحوّل الفراشة إلى قرين للذات الشاعرة، بل إلى امتداد أنطولوجي لها.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

اللغة في النص سليمة في مجملها، لكنها تعتمد على الانزياح التركيبي بوصفه أداة جمالية:

"فلتنتظر عمّا قليلٍ تكتب الطُرْقات ما قالت خطاك النازفة"

- تفكيك للجملة المألوفة، حيث تتقدّم الجملة الفعلية على منطق السببية.

"أعرف طيراً أنجبته العاصفة"

- انزياح دلالي (العاصفة كأمّ).

ملحوظة: الشاعر يتعمّد كسر النحو التداولي لصالح كثافة شعرية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

هناك توازن واضح بين اللفظ والمعنى:

ألفاظ: الطرقات، العاصفة، الصبابة، الصفصاف، الغيوم

- معجم حسي-وجداني.

اللغة ملائمة لموضوع الحنين والذاكرة، دون تكلّف أو غموض مصطنع.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص حرّ (نثر شعري)، لكنه غني بالإيقاع الداخلي:

التكرار: "خلف... خلف... خلف..."

التوازي: "أبيضَ أبيضَ - أحلى عباد الله أفقرهم - أغنى عباد الله"

الجرس الصوتي:

تكرار الأصوات الرخوة (اللام، الميم، النون) - يخلق نبرة حنينية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص يتكوّن من ثلاث حركات:

النداء (الفراشة- الأسطورة)

استدعاء سعد الله (الذاكرة- الطفولة)

بناء عالم بديل (الكوخ- الخيال)

- بنية حلزونية: من الخارج (الفراشة) إلى الداخل (الذات).

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا:

العالم هشّ، لكن يمكن إعادة بنائه عبر الذاكرة والخيال.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

"من موجة نبني لنا مرفأ"

- مفارقة جمالية (الموج = نقيض الاستقرار).

الصورة الحركية

١. الصور التحوّلية

الفراشة - أسطورة - ذات

سعد الله - إنسان - قيمة نقاء

٢. الاندماج الحسي - التبادل الوجودي

"دماؤه حديقة"

- امتزاج الجسد بالطبيعة.

٣. استعارة الامتزاج

"شريانه ورد"

- الدم يتحوّل إلى جمال.

٤. الانزياح الزمني

تداخل الماضي والحاضر:

"سوف نبني" (مستقبل)

"وكان سعد الله" (ماضٍ)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

ما معنى الصداقة؟

هل النقاء ممكن في عالم فقير؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

الرومانسية

النزعة الإنسانية

٣. الهيرمينوطيقا (البنية العميقة)

سعد الله ليس شخصاً فقط، بل:

رمز للبراءة المفقودة.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ينتمي إلى سياق:

ما بعد الحروب العراقية

ذاكرة الفقد

حضور:

العتابة - تراث شفهي.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

الحنين

الحزن النبيل

القلق الوجودي

٢. النبرة النفسية

نبرة مزدوجة:

حميمية

انكسار

سادساً: الأسس السوسيولوجية

تمجيد الفقر:

"أحلى عباد الله أفقرهم"

نقد ضمني للمجتمع المادي.

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

الفراشة تساوي الروح

الغيوم تساوي النقاء

الرغيف يساوي الحياة

٢. الثنائيات

الفقر - الغنى

الحزن - الصفاء

الحضور - الغياب

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة هنا:

أسلوبية

رمزية

هيرمينوطيقية

احتمالية

تاسعاً: النقد الاحتمالي (شبكة المعاني الممكنة)

النص لا يحمل معنى واحداً، بل احتمالات:

قراءة وجودية:

سعد الله يساوي الذات النقية.

قراءة اجتماعية:

تمجيد الفقراء بوصفهم أكثر إنسانية.

قراءة نفسية:

سعد الله يساوي صديق متخيَّل يعوّض الفقد.

قراءة أسطورية:

الفراشة تساوي روح تنتقل بين العوالم.

عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا رمزي رقيق:

الامتزاج (دماؤه حديقة)

الحميمية العاطفية - ليس جسدياً بل وجودي.

أحد عشر: قراءة نحوية مختارة

١. "فلتنتظر عمّا قليلٍ"

الفاء: استئنافية

اللام: لام الأمر

تنتظر: فعل مضارع مجزوم

عمّا: عن زائد ما

قليلٍ: اسم مجرور

٢. "تكتب الطرقات ما قالت خطاك"

تكتب: فعل مضارع

الطرقات: فاعل

ما: اسم موصول

قالت: فعل ماض

خطاك: فاعل مرفوع وهو مضاف

٣. "أعرف طيراً أنجبته العاصفة"

أعرف: فعل مضارع

طيراً: مفعول به

أنجبته: فعل زائد ضمير

العاصفة: فاعل

الخاتمة:

قصيدة "فراشة" ليست نصاً عن كائن طائر، بل عن:

هشاشة الإنسان حين يتشبّث بالذاكرة كي لا يسقط في العدم.

إنها كتابة تنتمي إلى الشعر الذي لا يقدّم إجابات، بل يفتح جراح الأسئلة، ويترك القارئ معلقاً في فضاء التأويل.

خاتمة مختصرة

تُفضي هذه القراءة إلى أنّ قصيدة "فراشة" للشاعر أحمد شهاب ليست نصاً يُستنفد في دلالة واحدة، بل بنية شعرية حيّة تتوالد فيها المعاني عبر تفاعل اللغة والرمز والتجربة. فقد كشفت الدراسة عن نسيج لغوي مشحون بالانزياح، وصورة شعرية ديناميّة تقوم على التحوّل والامتزاج، ورؤية فنية تمزج بين الحنين والأسطورة والوعي الوجودي.

كما بيّنت المقاربة الاحتمالية أنّ النص يظل مفتوحاً على قراءات متعددة: وجودية، نفسية، وسوسيولوجية، دون أن يستقر في تأويل نهائي. ومن ثمّ، فإن قيمة القصيدة لا تكمن في ما تقوله فحسب، بل في قدرتها على إثارة الأسئلة، واستدعاء القارئ شريكاً في إنتاج معناها.

هكذا، تظل "فراشة" نصاً قابلاً لإعادة القراءة، متجدداً في دلالاته، وممتداً في أفقه الإنساني والجمالي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

فراشة

"طيري ايتها الفراشة يا اخت اسطورتي"

-1-

فلتنتظر عمّا قليلٍ تكتب الطُرْقات ما قالت خطاك النازفة

ولتقترب أعرف طيراً انجبتهُ العاصفة

-2-

وكان سعدُ الله زار بيتنا القديم

خلف "الوسام المختلطة"

خلف الصِّبا خلف الصبابة

وخلف دمعات العتابة

ولتبتسم اعرف شعباً انجبته العاطفة

وسوف نبني كوخنا من ورق الصفصاف

من موجةٍ نبني لنا مرفأ

من قشةٍ نبني لنا بيتين

وسوف أتلو من صبايَ ما تيسّرَ

والقلب مال قبل القلب

كم غابةٍ نقطعُها بلا دليل

كالنجمةِ الخائفة..........

وكان سعد الله أنقى غيوم الله

أبيضَ أبيضَ

أحلى عبادِ اللهِ افقرهم

أغنى عبادِ الله

وكان سعدُ الله انقى من رغيف

شريانهُ ورد ٌ

دماؤهُ حديقة

ويحملُ الحنين قبل ما يكتشفُ الحنين

له سماءٌ من غموض

كان رفيقَ الحزن سعدُ الله

وربّما شقيقه

وكنتُ شاعراً ببال سعدِ الله

كنت الحقيقة

وهل تعبتَ من صداقتي ؟

***

أحمد شهاب

- استطاع الحطاب تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة

- سعى لانتقاء مفرداته بعناية ليوحي للقارئ بأن إيقاع النص مبني على الاسترخاء

أعاد جواد الحطاب من خلال نصه هذا الذي يتسم بالكثافة الحسية- تشكيل المشهد اليومي المعتاد ببساطته (أشغال البيت)؛ سعياً لتحويله إلى لوحة طبيعية تتسم بالصمت، لكنها تنبض بالحياة. هذا المشهد الصامت، و(الصَمت) جماد، حاول الحطاب ونجح في «أنسنته»؛ فجعل المادة تلامس الروح وتسجل حضوراً طاغياً على جلّ المشهد الذي أحاله إلى حياة نابضة. وبصور خارجة غرائبية ومشوقة، جسد الحطاب المشهد الذي جعل منه إرثًا حسياً، صوّر من خلاله معاكسة المتوقع وكسر حاجز الثبات في الأشياء؛ فجعل الرائحة (تنمو) بدلاً من أن تنتشر، ما منحها كينونة وحيزاً وكأنها جسد له كيان وتواجد. كما جاء باختيارات واقعية رمزية تدل على بيئة ريفية محددة (عصير الطماطم، الطست، الخميرة) أضفت على النص واقعية حميمية، وظفها الحطاب بصورة جمالية استحضر عبرها الحواس؛ فكانت تعبيراً عن الشم في الرائحة، والبصر في الفقاعات البراقة، والسمع في «شخير» الخميرة.

هذا التوصيف الغريب حوّل ما يحيط به من أشياء إلى كائن حي يشاركه لحظة الغروب، في تجربة رائعة تشخّص حالة الإبداع وتجسد مدى التداخل بين الصورة والرمزية الدلالية. أما استهلاله للمقطع الثاني بذكر "القط"، فقد جاء كعنصر توازن في مشهد الصورة الوصفية حين قال: (وحده جنب القدور)؛ ليوحي بالأمان الذي يطغى على المشهد المنزلي، ويُبعد صورة القلق التي قد ترافق عمليات الإعداد والتجهيز المعتادة. إنَّ التحول الدرامي في النص، والذي انتقل من خلاله الحطاب من المطبخ إلى الواقع، ثم القرية، فالحلم، شكّل صورة سريالية شديدة العذوبة، ومنها قوله: "ينحني فوق نومي البنفسج"؛ إذ جسدها بصورة حالمة جعلت من اللون والزهر غطاءً لحماية اللاوعي (النوم)، مما أضفى لمسات حانية تتخللها السكينة التي يستشعرها (الشاعر) قبل غيره.

 الحطاب شاعر مُتقن، يملك قدرة بارعة على تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة، حيث تَحول بسلاسة من الداخل إلى الخارج، في انسيابية جعلت من البيت والفضاء مكاناً واحداً، وهي تقنية تمنح نصوصه دائماً سمة محببة وقريبة من وجدان القارئ.

نَمَتِ الرائحة ..

في عصير الطماطم

تبدو الفقاعات – في الطست – برّاقة

وشخير الخميرة يأتي أليفا

ودافئ

.. النباتات مشغولة بالظلال الأخيرة

.. والشمس

تجمع أسمالها من حبال الغروب

والخريف تثاءب

وعبر استنطاق الجماد، جاء الحطاب بالمتناقضات؛ فجعل الخميرة «تشخر»، ومنها أضفى الألفة على المكان الذي كرّسه بالتوصيف، فقال فيه: (أليفاً ودافئاً)، بأسلوب مشوق يصف من خلاله طبيعة المكان الذي صوره —كما أسلفنا— بمتناقض القول؛ فجعل النباتات (مشغولة، والشمس تجمع أسمالها، والخريف يتثاءب). هذا التوصيف الغريب جسد الحطاب من خلاله ما يحيط به من أشياء عبارة عن كائن حي يشاركه لحظة الغروب. إنّ "أنسنة الأشياء" تجربة رائعة تشخّص حالة الإبداع التي يكتب فيها الشاعر نصه، وتجسد مدى التداخل في الصور والرمزية التي تحتويها. فعندما قال (أليفاً ودافئاً): أراد تسكينها لتأتي متوافقة مع إيقاع النص، ورغم أنها معطوفة على المنصوب إلا أنها سُكّنت —كما ذكرنا— مراعاةً للقافية أو الإيقاع الداخلي، وهذا ما نصفه بالإبداع في التفاعل مع النص حين يراعي الشاعر القافية ويوظف المفردة بما يتناسب والايقاع الداخلي للنص.

تتجلى الغرائبية التي وظفها جواد الحطاب في نصه حين جاء بالألوان ليغني مادته الشعرية بتعدد دلالاتها وتحديد الأشياء بها، وهو توظيف نادر ينم عن إبداع حقيقي (أحمر الطماطم، لمعان الفقاعات، وظلال الغروب). ومن الغرائبية أيضاً تكريس صورة الشمس في النص بوصفٍ يعلوها، فجاءت (تجمع أسمالها)، وهو توصيف بديع يوحي بأن ثياب الشمس بالية من حبال الغروب؛ صور سريالية تحتاج لبراعة في التوظيف حين تُعبر عن الزوال والتلاشي بتعبير ذكي يجسد أشعة الشمس وكأنها "خيوط" مادية تُجمع قبل الغروب (الرحيل). (نمت، تبدو، يأتي، مشغولة، تجمع، تثاءب)؛ كلها مفردات منتقاة أراد بها الحطاب أن يوحي للقارئ بأن إيقاع النص مبني على «الاسترخاء» عبر تلك الأفعال التي تعبر عن المعنى الحرفي لتلك الصفة، كما تفيد الإبطاء في الحركة؛ وهو تصور يتناسق مع حركة الغروب وانحسار النهار، فيما وظف صورة الخريف ليُعبر من خلالها عن حالة ذهنية تتسم بالخمول أو التعب والسكينة، وأصعبها (التعب الذهني).

- القطّ – وحده، جنب القدور

يمرّغ في رقدة آمنة

.. إنه لا يغيظ كوابيسها

.. (في ليالي القرى

ينحني فوق نومي البنفسج

وتثغو المشاعل في باب ليلي طوال السنة)

استهلّ الحطاب المقطع الثاني من النص بذكر "القط"، الذي جاء به كعنصر توازن في مشهد الصورة الوصفية التي جسدها بواقعية حين قال: (وحده جنب القدور)؛ في اختيار موفق لتوصيف ذلك الحدث الذي جعله الحطاب يشغل حيزاً وجودياً من المكان، وهو الكائن الذي (لا يغيظ كوابيسها). ومن خلال هذا الاشتغال على الصورة الشعرية، أراد الحطاب "أنسنة الكوابيس"؛ إذ هدف من تجسيد هذا المشهد إلى إظهار الحركة الرتيبة التي توحي بالهدوء والسكينة عبر وجود "القط"، ليوحي للقارئ بالأمان الذي يطغى على المشهد المنزلي، ويُبعد صورة القلق التي قد ترافق ذهن المتلقي حين يتصور "الأبعاد الحركية" المرافقة لعمليات الإعداد والتجهيز التي تُدار في المطابخ، سواء في البيت أو في أماكن أخرى.

ذهب الحطاب ليخلق نوعاً من التمازج بين الثغاء (صوت الشياه) وإسناده للمشاعل (النار، الضوء)؛ هذا التمازج الغريب يوحي للقارئ بحركية الضوء، حيث لم يكتفِ بإضفاء صفة الحياة عليه، بل جعل في صوته صفات أخرى (كالضعف والحنان الفطري)، ممّا يحوّل الزمان في المشهد الشعري (الليل) إلى مكان مأهول بالحياة والأصوات الأليفة، حتى في ذروة الصمت. اعتاد الحطاب ان يوظف الجمالية في إنتقاءه مفردات تغني الخطاب أو الشكل العام للنص، ومنها توظيف لفظ "ينحني" لوصف البنفسج يعطي انطباعاً بالرعاية والحماية، وهو ما يجعل النص يتنفس (الأمومة أو الاحتواء) بشكل غير مباشر.

وفي تحولٍ هائلٍ في سياق التناول، نجح الحطاب في تقديم صورة أكثر عمقاً مما سبق في صيغة السرد التي أوردها؛ حيث انتقل من رصد الرائحة والفقاعات إلى رصد الأحلام والذاكرة، وجعل من القرية فضاءً تجاوز من خلاله جغرافية المكان ولو نفسياً عبر تهيئة ذهن القارئ لصيغة التناول التي جاءت تمثيلاً للطبيعة (البنفسج)، والجماد (المشاعل)، واللذين جعل منهما حراساً للسكينة.

المفارقة الجميلة التي أضفت على النص مزيداً من الجمالية تجلّت في التناول فيما بين (الرقدة الآمنة للقط، وبين الكوابيس والمشاعل)؛ حيث جسد الحطاب من خلالها مساحة من التأرجح ما بين (الأمان والقلق الكامن)، كشعور أراد له الشاعر أن يكون امتداداً زمنياً يُعبر من خلاله عن الخلود أو الديمومة، أو يخلق منها حالة وجودية تتصف بالاستمرارية التي تتخلل ذاكرة المتلقي أو حتى واقعه المعاش.

والمفارقة الثانية التي ابدع من خلالها الحطاب هي التي كسرت هدوء النص وسكونه، تمثلت في الانتقال من (الألفة إلى الحرب)، وهي مفارقة جسدها جواد الحطاب ببراعة وتقنية عالية حولت سكون المشهد المنزلي إلى مساحة أو مسرح للمأساة.

...قاطعتها، مع الأفق، الطائرات

فهّرّت على قطّها

: بِشْ     

لنوقد مصابيحنا في طريق القنابلِ

موت القنابل .. أعمى !!

المفارقة التي أشرنا إليها بتحول المكان من السكون المنزلي إلى مشهد مغاير، قطع الحطاب من خلالها الانسياب الجمالي للرائحة والبنفسج بكلمة: (قاطعتْها)؛ وهي جملة اعتراضية دالة على تدخل خارجي يشي بالعنف، غير المشهد المنظور للنص، شوّه صفة التناغم التي كانت قائمة بين المرأة (الذات الشاعرة) والأفق الذي تدور فيه حبكة النص. هذا التحول في المشهد أو الصورة الشعرية عند الحطاب، كان لا بد له من ردة فعل تجسده وتوازيه في القوة، فكان أن "نهرتْ قطّها"؛ وهو تعبير يجسد ذروة التوتر الإنساني، وتغيراً حاداً في الصورة السائدة؛ حيث تحول الحيوان الأليف -الذي عُدَّ رمزاً للأمان- إلى شريكٍ في مشاعر الفزع التي أطبقت على المكان.

لقد اعتدنا أن نقرأ غرائب التوصيف الجمالي عند جواد الحطاب، وهو اليوم يجسد تلك الصفات في نصه بأعلى درجات الجمالية الغرائبية، التي لا تُوصف إلا بـ (التناقض التشكيلي الجمالي)؛ فحين يشكل الحطاب جملته من التضاد والتخالف بقوله: "لنوقد مصابيحنا في طريق القنابل"، نجد تعبيراً ينمّ عن السخرية قبل أن يمثل مفارقة تراجيدية خارجة عن المألوف؛ فـ"المصابيح" رمز للوعي والأمل والحياة، بينما "القنابل" للعدم. ثم يسعى لتوظيف جملة أخرى يصف فيها موت القنابل بأنه "أعمى"، وهو توصيف مبدع؛ فالقنبلة لا تميز بين (طست الطماطم والبنفسج)، هي آلية صماء تقتل الجمال بجهل، إلا أن تلك المتناقضات أضفت على شكل النص وجوهره فداحة الألم المفجع، ووحشية الموت عبر تلك الوسائل المخيفة.

وحين أراد أن يترك الأمور تأخذ مداها في نصه دون تدخل بشري، ترك الحبكة تتجه نحو الغيبيات، بما يمثله (الشعور الجمعي أو المزاج الشعبي) في مواجهة الكوارث أو الفواجع. لقد مثلت القصيدة هروباً من الواقع أو استسلاماً مطلقاً للأقدار؛ مما يعبّر الحطاب من خلاله عن «انتظار المجهول».

جواد الحطاب شاعر متقن، لا نبالغ حين نقول إنه يملك القدرة على تجميد اللحظة العابرة وتحويلها إلى تجربة شعورية عميقة تتجاوز مجرد وصف مشهد منزلي؛ إذ يُبرع في التقاط (شاعرية التفاصيل الصغيرة). لقد صاغ نصاً بسيطاً بلغة طيّعة وظفها بعيداً عن التعقيد، ما جعل النص مترابطاً جداً حتى في انتقالاته الوصفية للمكان؛ حين تحول بسلاسة من الداخل (الطست والخميرة) إلى الخارج (النباتات والشمس والخريف)، في انسيابية جعلت من البيت والفضاء مكاناً واحداً. وتلك التقنية البارعة في التوصيف والانتقال يشتغل عليها الحطاب بديمومة، مما يمنح نصوصه سمة محببة لدى القراء.

بشكل عام النص "تمثيلٌ للصدمة"، نجح من خلاله جواد الحطاب في نشر السكينة المتناهية كشعور جمعي، إلا أنه عاد ليهدم ذلك التصور في آخر القصيدة؛ ليترك القارئ في جوٍّ من الفزع، وحالة من الذهول والتأمل حول عبثية الحروب، مقابل قدسية التفاصيل اليومية التي نعيشها.

***

سعد الدغمان

قالتْ: رأيتُكَ

قالتْ: رأيتُكَ مشغولًا بأبياتي

والشِّعرُ عندكَ موصولٌ بآهاتي

ما بالُ بيتِكَ لا معنىً يُساندُهُ

كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ

أرى قوافيكَ قد أُرعِشنَ عن هزلٍ

والبيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ

قلتُ: اعذريني، فبوحُ الحبِّ أكتمُهُ

وعنكِ في ذا الهوى أُخفي عذاباتي

شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ

والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي

أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني

والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي

قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ

تُعانقُ البدرَ رقصًا بين نجماتِ

هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها

علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ

بوحي بعطرٍ لأبياتي على خجلٍ

ليسطعَ الحرفُ في عمقِ اضطراباتي

لا تسألي، وجلًا، كيف اللقاءُ بنا

فالحلمُ يمحو بنا بُعدَ المسافاتِ

إلى لقاءٍ به نشدو قصائدَنا

نُحيي مواضيَ فيضٍ للملذّاتِ

نرجو العناقَ هوًى من بعد غربتِنا

عسى العناقُ يُزيلُ اليأسَ من ذاتي

أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ

وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي

أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا

أن تجعلَ الحبَّ نورًا للغدِ الآتي

***

تمهيد:

(حين يمسك الشاعر بالحرف بيدٍ وبالجرح باليد الأخرى، يولد نصٌّ حواريٌّ كالمرآة؛ الأنثى تسأل عن بيوت الشعر المكسورة، والرجل يردّ بأنّ البحر الشعري غريقٌ في الحسرات. بين هذين الصوتين تمتد هذه القراءة لترصد رمزية ما خفي، وصوراً جدّدت ماء البلاغة.)

القراءة:

 بين يدينا نصٌ حواري، لكن حواره ليس حوار كلامٍ عابر، بل حوار روحين تتقاذفهما المسافات وتلمُّهما القصيدة. الشاعرة فوز حمزة تبني نصها على مشهدٍ درامي صامت، تبدأه صوت الأنثى عاتباً متأملاً، ثم يرد صوت الشاعر/العاشق. لكن ما يبدو موقفاً غزلياً ينزاح سريعاً إلى ما هو أبعد: إلى ميتافيزيقا الكتابة، حيث يصير الشعر كياناً حياً يُجرح ويُقيَّد، وبيت القصيد بيتاً للروح.

لنبدأ من "البيت"؛ هذه المفردة تحمل انزياحاً دلالياً مزدوجاً يتوهج في مركز النص. حين تقول: "ما بال بيتك لا معنىً يُسَانِدهُ / كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ"، فهي لا تسأل عن مسكن، بل عن بيت الشعر نفسه. البيت الشعري هنا يصور طائراً محلقاً في الأفق لكنه مبتور الأجنحة، صورة بصرية تجديدية تستعير من عالم الطير هيبة التحليق لتُلبسها للقصيدة، وفي الوقت ذاته تجرد البيت من اكتماله. هذا التصوير المركب، حيث يصبح المجرد (المعنى) كائناً عضوياً له أجنحة تُقص، هو أحد ملامح التجديد في صور الشاعرة.

وتتعمق الصورة العضوية حين يصور "البيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ". الإثخان بالجراح فعلٌ حربي يُنقل إلى جسد القصيدة، فيمنح الحرف هشاشة الجسد البشري وقدرته على النزف. هذا الانزياح في الإسناد (إسناد الجراح للبيت الشعري) يخلق استعارة مكثفة تجعل النص كياناً يتألم، مما ينقلنا من النقد الأدبي الظاهري إلى مكاشفة وجدانية عن حال المبدع.

يرد صوت الرجل العاشق معترفاً بأن تقطيع أوصاله الشعرية كان مقصوداً: "شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ / والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي". هنا تشتغل الرمزية العروضية: الشطر والعجز هما نصفا البيت الشعري، فإذا غاب "العجز" بقي الشطر وحيداً مبتوراً، كما أن "البحر" الشعري (الوزن) لم يعد مجرد تفعيلات موسيقية، بل صار بحراً مائياً غارقاً في الحسرات، مقروناً بالوجد لا بالتفاعيل. هذا الربط بين بنية القصيدة التقنية ونبض القلب العاشق هو إحدى لآلئ النص التي تجدد التعبير عن المعاناة الإبداعية؛ فالكتابة هنا ليست نقصاً في الموهبة، بل وفاءٌ لفرط الحب، إذ "بوحُ الحبِّ" يُكتم فيصدأ الشكل الشعري وتنكسر أوزانه.

ثم تنكشف لنا ليلة الشاعر: "أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني / والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي". الليل هنا ليس زماناً فقط، بل فضاءً وجودياً مقفراً من الحروف، والصبح مُشخصنٌ في حالة وجل، يمحو ما كُتب بوصفه رقيباً خائفاً لا مُشرقاً، انزياح عاطفي يعكس قلق المبدع الذي يشعر أن الضوء ذاته يتآمر على نصوصه. هذه الصورة تُبرز جِدَّة الطرح: الإشراق المعتاد صار محواً مذعوراً، فالمألوف الشعري (الصبح رمز الأمل) يُقلَب ليخدم رؤيةً مأساوية.

ويأتي الانفراج الرمزي عبر فعل القول: "قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ / تُعانقُ البدرَ رقصاً بين نجماتِ". لا تكتفي الشاعرة بصورة اللقاء، بل ترسمه كونيّاً. الشمس والبدر في عناقٍ راقص، والمكان بين النجمات، فالعشق يتجاوز الذاتي إلى مجرَّات، في صورة بالغة الحركية والضوء، تتسق مع المنحى الصوفي الكامن في النص.

ويتصاعد هذا المنحى في صورة كتابة الحب بآلية كونية: "هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها / علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ". الحروف تُنسَج بخيط الشمس في مغزل كوني، صورة استثنائية في بنائها تدمج ضوء النهار بفعل الغزل الأنثوي المقدس. والغاية سامية: إذابة "ثلج الغيابات"، حيث البرودة والغياب والفقد تتحول إلى مادة صلبة يُراد تذويبها بشمس الحرف. هذا التركيب البلاغي الذي يزاوج بين الملموس (الثلج) والمجرد (الغياب) يخلق ما يشبه المعادل الموضوعي لبرودة البُعد ووطأة الانتظار.

وفي الإيقاع الختامي يتكشف البعد التعبدي: "أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ / وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي / أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا / أن تجعلَ الحبَّ نوراً للغدِ الآتي". هنا يبلغ الانزياح ذروته: ترتيل الحب كتابةً، تحويل النص إلى آيات وجدانية، وحمل الوجد ابتهالاً. والأخطر أن الشاعرة تنتصب "يمين الهوى" وتطلب من الآخر أن "يقسم" بعشرتهما، فالحب ميثاق، والقصيدة قسم. هذا التداخل بين الشعيرة الدينية والتجربة العاطفية يخلق جمالية خاصة تتجاوز الغزل إلى ما يشبه الصلاة بالحب.

ختاماً، النص يكتب ذاته من داخل نقد الذات الشعرية. الحوار بين "هي" و"هو" ليس مجرد عتاب غرامي، بل هو حوار بين القصيدة وشاعرها، بين المعنى والجرح. فوز حمزة تقدم نصّاً تتشابك فيه الرمزية العروضية بالرمزية الوجدانية، وتُنتج انزياحات تحول المصطلح الشعري (بيت، شطر، عجز، بحر) إلى أيقونات للنفس التواقة، في إطار صور شعرية مركبة: طائر مقصوص الجناح، بيت مثخن بالجراح، ثلج الغيابات يذوب بمغزل الشمس، وبدر يُعانق الشمس بين النجوم. بهذا تؤكد أن القصيدة، حين تصدق معاناتها، تخلق أساطيرها الخاصة، وتسير على خيط الشمس من غياب مؤلم إلى نور الغد المأمول.

***

بهيج حسن مسعود

 

مقاربة أسلوبية، جمالية، هيرمينوطيقية، سيميائية، نفسية وفق النقد الاحتمالي

تندرج قصيدة "بِلا سَكِينَةٍ لا أَنَام" للشاعرة الفلسطينية نهى عمر ضمن النصوص الشعرية الحديثة التي تتجاوز البوح العاطفي المباشر إلى بناء تجربة وجودية مركّبة، تتقاطع فيها الذاتي بالجمعي، والوجداني بالتاريخي، والحلمي بالواقعي. فهي ليست مجرد قصيدة عن الأرق بوصفه حالة نفسية عابرة، بل نصٌّ ينفتح على قلق كوني عميق، تتداخل فيه أسئلة الإنسان المأزوم مع مأساة المكان المثقل بالعنف والانكسار.

تتشكّل هذه القصيدة في فضاءٍ لغويٍّ مشحون بالانزياح والتكثيف، حيث تتخذ اللغة وظيفةً مزدوجة: فهي من جهة أداة تعبير، ومن جهة أخرى بنية دلالية تُعيد تشكيل الواقع عبر الرمز والصورة. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص تقتضي تجاوز القراءة الانطباعية إلى قراءة تحليلية تستند إلى جملة من المناهج النقدية، تجمع بين الأسلوبي والجمالي، والسيميائي والهيرمينوطيقي، فضلًا عن الانفتاح على المنظور النفسي والاجتماعي.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن المعنى في هذا النص ليس معطًى جاهزاً، بل هو بنية احتمالية تتولّد من التفاعل بين النص والقارئ والسياق. لذلك، سيتم اعتماد ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا يسعى إلى تثبيت معنى واحد، بل إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة، والكشف عن طبقات الدلالة المتعدّدة التي يختزنها النص.

وعليه، ستتناول الدراسة القصيدة من زوايا متعددة: تبدأ بتحليل بنيتها اللغوية والبلاغية، مروراً بجمالياتها الفنية ومعمارها الصوتي، وصولاً إلى أبعادها الفكرية والفلسفية، ثم سياقها التاريخي والثقافي، فبنيتها النفسية والاجتماعية، وانتهاءً بقراءتها السيميائية والتأويلية. كما ستُعنى بتفكيك الصور الحركية والانزياحات الأسلوبية، وإبراز البعد الإنساني والجمالي للنص، مع الوقوف عند ملامح الإيروتيكية الرمزية التي تتجلّى فيه.

بهذا المنظور، لا تُقرأ القصيدة بوصفها نصاً مغلقاً، بل ككيان حيٍّ متجدّد، يعيد إنتاج ذاته في كل قراءة، ويمنح القارئ إمكانية المشاركة في تشكيل معناه، في تجربة جمالية وفكرية تتجاوز حدود اللغة إلى أفق الوجود.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النصّ يتّسم بسلامة لغوية عالية بعد التنقيح، مع حضور واضح للانزياح الأسلوبي بوصفه أداة جمالية لا خللاً بنيوياً. فالتراكيب تميل إلى التوتر الإيقاعي والتكثيف الدلالي، مثل:

"لكنَّ عصفاً من تفكيري / يجتاحني"

حيث يتحوّل "التفكير" من فعل ذهني إلى قوّة إعصارية (عصف)، وهو انزياح دلالي يضخّ الحركة في المجرد.

كما يظهر تفكيك الجملة المألوفة في:

"والروحُ من عطشٍ / إلى قلبِ العدالةِ / كالشظايا بُعثِرَتْ"

إذ تتوزع الجملة على مستويات شعورية متصاعدة، بدل البنية الخطية التقليدية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة منسجمة مع الموضوع: القلق، الحرب، الفقد، الحب المؤجّل.

لا نجد تنافراً بين اللفظ والمعنى، بل تناغماً بين الجزالة والشفافية:

ألفاظ مثل: العصف، الشظايا، المأفون، مسعورة - تعكس العنف الخارجي

ألفاظ مثل: اللوز، العشب، الفراش - تعكس الحلم والجمال

هذا التوازن يمنح النص بعداً جدلياً بين القسوة والرهافة.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص مكتوب على تفعيلة الكامل (متفاعلن)، مع مرونة حداثية:

تكرار الأصوات الصامتة (ص، ش، ق) يعزّز الإحساس بالقسوة:

"الشظايا بُعثِرَتْ"

التكرار البنيوي:

"وأنا..." -  "وأنت..."

يولّد إيقاعاً حوارياً داخلياً

الموسيقى الداخلية قائمة على:

١- التوازي التركيبي

٢- التكرار الدلالي

٣- التقطيع الشعوري

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص:

النص يتشكّل من ثلاث حركات:

القلق الداخلي (الليل - التفكير - الأرق)

الانفجار الواقعي (الحرب -التهجير / القصف)

الانفراج التخيّلي (الحب - الطبيعة - الطيران)

وهذا يعكس معماراً درامياً تصاعدياً.

٢. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

العالم  يساوي فوضى - والحب يساوي خلاص مؤجّل

وهذا ينسجم مع الفلسفة الوجودية التي ترى الإنسان ككائن ممزّق بين العبث والمعنى.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص غني بالانزياحات:

استعارة الامتزاج:

"ويراك قلبي في عيون الطير"

(امتزاج الذات بالكون)

الاندماج الحسي: البصر (يراك) زائد الشعور (قلبي)

الانزياح الزمني: الانتقال من حاضر الحرب إلى زمن حلمي

الصورة الحركية

-  الصور التحوّلية

التفكير - عصف

الروح - شظايا

المدن - كائن متآكل

- التبادل الوجودي

الذات تذوب في الطبيعة

الحبيب يتحوّل إلى كيان كوني

- الحركة الديناميكية

النص قائم على أفعال:

تتسلّل، يجتاح، تبكي، يطير، نحلّق

وهذا يمنحه طاقة حركية عالية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

لماذا الحرب؟

أين العدالة؟

هل الحب ممكن في عالم مكسور؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

الفكر الإنساني (العدالة، الحرب)

الحس الصوفي (الذوبان في الآخر)

الشعر الحديث (القلق الوجودي)

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

النص ليس عن الأرق فقط، بل عن:

فقدان المعنى في عالم منهار

الليل يساوي الوجود

الأرق يساوي الوعي

الحلم يساوي الخلاص المؤجّل

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. السياق

النص فلسطيني بامتياز:

القصف

التهجير

الانقسام

٢. تطوّر النوع الأدبي

ينتمي إلى:

شعر التفعيلة الحديث

مع نزعة سردية وتأملية

٣. العلاقة بالتراث

استدعاء الطبيعة (اللوز، الطير)

رمزية قريبة من الشعر الأندلسي والحديث معاً

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

القلق

الحنين

الانكسار

التوق للحب

٢. اللاوعي

الأطياف تمثل:

ذاكرة صادمة - مكبوتات نفسية

٣. النبرة النفسية

النبرة = مزيج من:

احتجاج

حزن

أمل خافت

سادساً: الأسس السوسيولوجية

النص يعكس:

مجتمعًا مفككاً

سلطة فاشلة

إنسانًا مقهوراً

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

الليل يساوي القلق

الطير يساوي الحرية

الحرب تساوي العبث

٢. الثنائيات

الحب - الحرب

الحلم - الواقع

الحياة - الموت

٣. الفضاءات

مغلق: (أسوار)

مفتوح: (الفضاء، النهر)

ثامناً: النقد الاحتمالي

النص بنية مفتوحة:

قد يُقرأ كقصيدة حب

أو قصيدة مقاومة

أو نص وجودي عن العبث

المعنى ليس ثابتًا، بل:

يتولّد من تفاعل القارئ مع النص

تاسعاً: الإعراب (نماذج مختارة)

"يسلبني السكينةَ فلا أنامُ"

يسلب: فعل مضارع مرفوع

النون للوقاية زائد ياء المتكلم مفعول به أول

السكينةَ: مفعول به ثانٍ

فلا: فاء السببية زائد لا نافية

أنامُ: فعل مضارع مرفوع

"والروحُ من عطشٍ كالشظايا بُعثِرَتْ"

الروحُ: مبتدأ

من عطشٍ: جار ومجرور

كالشظايا: حال

بُعثرت: فعل ماضٍ مبني للمجهول

-  "والحربُ مسعورةٌ"

الحربُ: مبتدأ

مسعورةٌ: خبر

- عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا:

شفيفة، رمزية، غير جسدية

تظهر في:

"نراقص ظلّنا"

"نهيم عاشقين"

إنها إيروتيكية روحية تقوم على الامتزاج لا الامتلاك.

- الخاتمة:

قصيدة "بلا سكينة لا أنام" نصّ شعري كثيف، يتجاوز التعبير العاطفي إلى بناء رؤية وجودية مركّبة، حيث يتصارع الداخل القَلِق مع الخارج العنيف، ويظلّ الحبّ أفقاً مفتوحاً للخلاص.

إنها قصيدة:

لغوياً: متماسكة ومشحونة بالانزياح

جمالياً: ديناميكية ومركّبة

فكرياً: عميقة ومفتوحة

تأويلياً: لا تُختزل في معنى واحد

وبهذا، تنتمي إلى النصوص التي:

لا تُقرأ مرة واحدة… بل تُعاد قراءتها بوصفها تجربة وجودية مستمرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...............................

بِلا سَكِينَةٍ لا أَنَام

في الليلِ

أسعى للتحرّرِ—يا فؤادي—

من فجائعِ النهارِ

وممّا يجودُ به القدرْ،

لكنَّ عصفًا من تفكيري

يجتاحُني،

يسلبُني السكينةَ،

فلا أنامُ.

تتسلّلُ الأطيافُ،

تملأُ شاشةَ العقلِ،

لا يومًا تُهادنُ أو تكلُّ،

فأبقى أُكابدُ لوعتي

ممّا أراهُ وأسمعُهُ،

وكلُّ المشاهدِ تعتلي

جدرانَ وعيي،

والمشاعرُ أُرهِقَتْ.

والروحُ من عطشٍ

إلى قلبِ العدالةِ

كالشظايا بُعثِرَتْ،

وأرى المدائنَ قد تآكلَ حلوُها

مع مُرِّها،

وتناثرتْ أحجارُ عمرانٍ بها

كالريشِ في قلبِ الرياحِ العاتيةْ.

ويراكَ قلبي في عيونِ الطيرِ لامعًا،

في زهورِ اللوزِ والليمونِ

عطرٌ… ونقاءٌ،

ويداكَ تحتضنُانِ شوقَ وجدٍ ثارَ بي،

لكنَّ واقعَ حالِنا

بُعدٌ يُعذّبُنا،

ولسانٌ شائكٌ

يغتالُ أحلامًا لنا،

فالحبُّ أوّلُ خاسرٍ.

والتضحياتُ جسامُها

العشّاقُ يحملُها،

وأشجارُ الصنوبرِ شاهداتٌ

أن لا للبحرِ زُرقتهُ،

ولا للشمسِ ضحكتُها،

وغاب الدفءُ،

والأغصانُ تبكي هجرةَ الأطيارِ قسرًا،

فالعنادلُ والنوارسُ

والحساسينُ الجميلةُ هُجِّرَتْ.

وأنا هناكِ خلفَ أسوارٍ،

وأنتَ هناكَ لا تأتي،

وعهدُ لقائنا حلمٌ

ومرّاتٍ تأجّلَ رغمَنا.

والعالَمُ المأفونُ يقصفُنا

بما ملكتْ يداهُ من السلاحِ،

وما عقولٌ آثمةٌ صمّمتْ،

متَعطّشةٌ للقتلِ، للتدميرِ،

لا حيًّا ترحمُ أو جمادًا.

وأنا أُكابدُ للبقاءِ مكافِحةً،

لا غيثَ أهلٍ أو جوارٍ ينهملُ،

والحربُ مسعورةٌ،

جنونُ فعالِها،

والنارُ لا تدري مَن تُحرِقُ:

لاعبًا أم شاهدًا،

والأرضُ أنَّتْ

من جحيمٍ طالها.

يا قلبُ—يا سببَ التعاسةِ والهناءِ—

متى يفيقُ الحسُّ

أو يصحو الضميرُ

لدى زعاماتٍ

ترى في الفتكِ نصرًا لامعًا؟

هيا نعودُ إلى الخيالِ،

أراكَ قربَ النهرِ،

فوقَ العشبِ نعشقُ،

نراقصُ ظلَّنا،

وسربُ الفراشِ يطيرُ،

يعدو حولَنا،

نسمو، نحلّقُ طائرينِ،

نهيمُ عاشقينِ،

ورحبُ الفضاءِ يضمُّنا…

***

نهى عمر – فلسطين

على الرغم من تنوع الكتابة الإبداعية ووجود أكثر من نوع، إلا أن الرواية بدأت تفرض هيمنتها على بقية الأنواع، وأخذت تتطور استجابة للمتغيرات التي تحدث في المجتمعات، لذا لم تعد الرواية عنصر ترفيه فحسب، بل صارت شاهداً على أحداث تاريخية واجتماعية وسياسية، كما أن الرواية ذات الجودة العالية من حيث الشكل والمضمون أصبحت ضمن العلاجات النفسية، لأنّها توفر شبكة اجتماعية داعمة للمريض من خلال أحداثها وشخوصها وأماكنها، وكذلك اللغة، فقراءة رواية عالية الجودة قد تُغني عن زيارة طبيب نفسي وتحمي من تناول أدوية ذات مضار خطيرة على العقل والدماغ.

الروايات عالية الجودة تحّول الكوابيس إلى أحلام سعيدة، بعد أن تُحّفز هرمونات السعادة، فتخفف القلق وتزيد جرعة الثقة بالنفس، وتنير الدروب المعتمة، لأنها باختصار رحلة في عالم النفس البشرية، حيث تكشف لنا تأثير اللامرئي على المرئي.

كما يمكن للرواية الجيدة أن تُغيّر قانوناً رسمياً أو تنقل عادة اجتماعية من ضارة إلى حميدة، فعلى سبيل المثال، حققت رواية "البيت الكئيب" (Bleak House) للمؤلف تشارلز ديكنز تأثيراً كبيراً في قانون المحاكم، والإرث، وسلطّت الضوء على مسألة اللقطاء واستغناء الآباء والأمهات عنهم، وطالبت بحلول تشريعية وإنسانية في بريطانيا، ومنذ صدورها عام 1853، وإلى الآن وهي تُدّرس في الجامعات لأهميتها، فهناك العديد من المشاكل التي طرحتها مازالت موجودة في بلدان عديدة.

كذلك، قدمت رواية " صورة دوريان جراي" (The Picture of Dorian Gray) للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد التي نُشِرت عام 1890، درساً عظيماً عن " الضمير"، وحوّلت هذا الشيء غير المرئي إلى مرئي من خلال رسم صورة جميلة جدا تبدأ بالتشّوه مع كل عمل رديء يرتكبه صاحبها إلى أن تصبح بشعة جدا. هنا يُقّدم لنا وايلد تشريحاً عن آلية اشتغال الضمير، هذا الجهاز المخفي غير الملموس.

جمعت "صورة دوريان جراي" أدب الرعب ((Gothic والخيال الفلسفي fiction) Philosophical) والأدب التعليمي (Didactic fiction)، فضلاً عن سحر أسلوبها، وطرحت مواضيع عدة، منها حلم الجمال الدائم، حيث يتم الآن في أمريكا والغرب تداول مصطلح "متلازمة دوريان جراي"(Dorian Gray Syndrome) الخاص بالتجميل، وهذا تأثير واضح للرواية، كما هو تأثيرها في بقية الأشياء، منها علم النفس، وتأثير اللغة، وسلبيات التثقيف الذاتي التي تعد مدمرة في بعض الأحيان، فدوريان بطل الرواية انحرف بشدة عن الطريق الصحيح بعد أن قرأ "الكتاب الأصفر" الذي يدعو إلى الانحراف، إلى أن واجه مصيره المأساوي.

ولا ننسى رواية " جين أير"(Jane Eyre) للكاتبة البريطانية شارلوت برونتي التي نُشِرتْ عام 1847، حيث تعد واحدة من أبرز روايات تطوير الذات، التي بقيت خالدة، يقرأها جيل بعد جيل.

تتصدر الأعمال الروائية الآن في أمريكا مبيعات الكتب لما لها من فوائد جمة من حيث رفع الوعي المعرفي، واكتشاف الذات، وتحفيز مشاعر التعاطف مع الآخرين، والتفكير في معالجة مشاكل شخصيات الرواية.

على الرغم من ارتفاع تكاليف النشر وتطور الذكاء الاصطناعي، حافظت مبيعات الكتب المطبوعة في أمريكا على قوتها في عام 2025، حيث بيع منها ما يقارب 707 ملايين نسخة، وفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز. ازدهرت مبيعات روايات الكبار، لا سيما روايات الخيال العلمي، بينما عانت الكتب غير الروائية، وانخفضت مبيعات روايات اليافعين بنسبة 12% مقارنة بالعام الماضي. في المقابل، ارتفعت مبيعات الروايات الرومانسية بشكل ملحوظ. شكلّت الكتب الورقية الغالبية العظمى من المبيعات، بينما استقرت مبيعات الكتب الإلكترونية. وافتُتح أكثر من 420 مكتبة العام الماضي، بزيادة قدرها 24% عن عام 2024.

هذه الأرقام تؤكد ازدهار صناعة النشر في أمريكا رغم وجود الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتبرهن على وجود قراّء، والسبب يكمن في جودة التأليف وسحره.

من المؤسف أن صناعة النشر في العراق مازالت دون المستوى المطلوب على الرغم من الحرية والانفتاح وعدم وجود رقابة تُقيّد المؤلفين، حتى أن معظم الإصدارات لا تسدد ثمن كلفتها. ليس من المعقول أن تموت العادات القرائية في العراق في ظل وجود 45 مليون نسمة وعدد كبير من الجامعات والمعاهد والمدارس، ربما تمرض هذه العادات، لكنها لا تموت، وأن علاجها يكمن بوجود نصوص قابلة للقراءة. تقول الأديبة والفيلسوفة البريطانية جوان رولينغ مؤلفة هاري بوتر: " "إذا كنت لا تحب القراءة، فأنت لم تجد الكتاب المناسب بعد."

تعاني الروايات العراقية أزمة تسويق، والتسويق هنا ليس الترويج الإعلاني فقط، بل التسويق الداخلي للرواية، مثل التشويق والإثارة والأهمية والأسلوب واللغة ونوعية السرد الذي يمنح فرصة للقارئ في الانخراط في النص، أو المشاركة في أحداثه.

في منتصف عام 2025، تم إجراء استبيان في محافظتي البصرة وميسان حول أسباب عدم قراءة الرواية، شارك فيه أكثر من ألف قارئ، فجاء الملل في الدرجة الأولى، حيث شكّل نسبة 72% من بقية الأسباب، وهذا الملل ناتج عن اللغة المعقدة، غموض بلا مفاتيح، ضعف الصياغة، سرد عادي وسطحي. وأكد بعض المشاركين الذين يقرؤون روايات أجنبية رغبتهم في الحصول على سرد عراقي قابل للقراءة، فيه المتعة والتشويق والفائدة.

حقيقة، هناك روايات عراقية جيدة، لأن بعض كتّاب العراق مبدعون. ظهور ساردات عراقيات مهم جدا للساحة الروائية، مثل سمية المشتت وروايتها "ما قبل القبر قبلة" التي صدرت العام الماضي، فقد كُتبت هذه الرواية بصورة مؤثرة ومتماسكة، وناقشت موضوعاً نفسياّ شديد الخطورة يهّم كل عائلة عراقية. استخدمت المؤلفة الأسلوب الشعري في الصياغة من دون أن تؤثر سلباً في مجرى السرد. وكذلك ركز المؤلف سلمان كيوش في روايته " عرقشينة السيد" على قضايا أجتماعية وبيئية، في حين سجل الروائي والصحفي عبد الستار البيضاني معاناة العراقيين خلال فترة ما قبل 2003، ومأساة العائلة العراقية بفقد أولادها في الحروب والسجون في روايته " نوائح سومر".

أهمية الرواية

اكتشف علماء الأعصاب أن قراءة الروايات تُحسّن وظائف الدماغ. حسب موقع علم النفس اليوم (Psychology Today)، أُجريت دراسة حديثة حول فوائد قراءة الروايات للدماغ في جامعة إيموري (Emory University). ونُشرت الدراسة، تحت عنوان "الآثار قصيرة وطويلة المدى للرواية على الترابط الدماغي".

(“Short- and Long-Term Effects of a Novel on Connectivity in the Brain،")

أشار الباحثون إلى أن الانغماس في رواية يُعزز الترابط الدماغي ويُحسّن وظائف الدماغ، وأن قراءة الروايات تُحسّن قدرة القرّاءعلى التعاطف مع الآخرين وتنمية الخيال لديهم.

يقول عالم الأعصاب البروفيسور غريغوري س. بيرنز، المؤلف الرئيسي للدراسة: "تشير التغييرات العصبية التي وجدناها مرتبطة بأنظمة الإحساس الجسدي والحركة إلى أن قراءة رواية تُمكن القارئ من الانغماس في عالم بطل الرواية. إن القدرة على وضع نفسك مكان الآخرين تُحسّن فهمك لنظرية العقل."(Theory of Mind).

ويضيف الدكتور بيرنز، مدير مركز السياسات العصبية بجامعة إيموري في أتلانتا: "القصص تُشكّل حياتنا، وفي بعض الحالات تُساعد في تعريف شخصيتنا". وأضاف: "نريد أن نفهم كيف تصل القصص إلى الدماغ، وماذا تفعل به".

يُعدّ الجانب القصصي في الرواية شكلاً متعدد الأوجه من أشكال التواصل، يُفعّل نطاقاً واسعاً من مناطق الدماغ. ورغم وجود العديد من النظريات اللغوية والأدبية التي تُحدد ماهية القصة، إلا أن الأبحاث العصبية البيولوجية بدأت للتو في تحديد شبكات الدماغ النشطة أثناء معالجة القصص.

في هذه الدراسة، قاس الباحثون التغيّرات في ترابطات الدماغ في حالة الراحة قبل وبعد قراءة رواية. وقد اختار الباحثون رواية بدلاً من قصة قصيرة لأن طول الرواية وعمقها يسمحان لهم بتكرار التفاعل مع محفزات فريدة مرتبطة بها (أجزاء من الرواية) ضمن سياق تحفيزي أوسع وأكثر تحكماً، يمكن استيعابه بين فترات متعددة في فحص الدماغ.

تتيح لك قراءة رواية جيدة إطلاق العنان لخيالك. فالروايات تُنسيك همومك اليومية وتُنقلك إلى عالم خيالي يتحول إلى حقيقة في مخيلتك.

هذه المعلومات التي استخلصتها الدراسة توضح لنا أهمية قراءة الرواية، ومن قبل أهمية كتابتها.

يقول الروائي مارك هادون: " كل الكتب تتحدث، لكن الكتاب الجيد يصغي أيضًا. "

تُبرز هذه المقولة أن الأدب الاستثنائي يأخذ القرّاء إلى العمق، مما يسمح لهم بالتأمل والتساؤل والتفاعل.

الإلهام، الدافع، الموهبة، أم الشغف؟

يشّكل الإلهام 1% من العبقرية، ويشّكل الكد 99% "، قول منسوب للمخترع ورجل الأعمال الأمريكي توماس أديسون.

وفي كتابها "داء منتصف الليل، الدافع إلى الكتابة،"(The Midnight Disease Alice W. Flaherty) تقول عالمة الأعصاب والأديبة الأمريكية أليس ويفر: " يبدو أن الإجماع يعدّ الدافع مهمّاً أكثر من الموهبة في إنتاج الإبداع." وتضيف: "قد يكون للباعث الخارجي تأثير سلبي في الإبداع من خلال صرف انتباه الفرد عن المهمَّة إلى أفكارٍ تتعلق بالثواب والعقاب." في حين يرى الإغريق أن الشغف والدافع هما منبع الإبداع.

هذه الإجابات ليست كافية، لكنها تضع أقدامنا على طريق البحث والتقصي لاكتشاف الأسرار التي تختفي خلف أسوار النجاح، لذا على المختصين اكتشاف سر الطبخات اللذيذة.

 كتابة الروايات تشمل فوائد عدة، منها التطور الشخصي والصحة النفسية، ويخفف هذا النوع من التوتر، ويساعد على الاسترخاء الذهني، وزيادة الوعي الذاتي. كما تُساعد الساردين على معالجة المشاعر المعقدة، من خلال الانشغال في بناء عالم الرواية، من أماكن وشخصيات وأحداث، ويعزز بناء السرد العملية الإبداعية، ويُحسّن الذاكرة، وينّمي مهارة حل المشكلات، ويمنح فرصة كبيرة للتخطيط، وتعزز الرواية التعاطف من خلال إتاحة الفرصة للمتلقي لتجربة وجهات نظر مختلفة، وتساعد كتابة الرواية الكاتب والقارئ على فهم التجربة الإنسانية بصورة أعمق.

نستنتج مما تقدم، أن كتابة الرواية في ظل هذه الدراسات العلمية والتجارب مهمة جداً في عصر التحّول الرقمي، لأن فوائدها كثيرة للفرد والمجتمع، وعليه من الضروري أن نراجع مناهجنا الدراسية علّنا نضيف إليها شيئاَ يُحّسن مهارات الطلبة في الكتابة الإبداعية، ويعزز تفكيرهم النقدي، فزيادة جرعات الكتابة الخيالية في المدارس والجامعات يمنح الطلبة فرصة لاكتشاف ذواتهم في عالم السرد، وبالتالي نقدم لصناعة النشر مؤلفين جددا قادرين على كتابة روايات مؤثرة تخدم الفرد والمجتمع.

يقول الروائي الإسباني كارلوس زافون في روايته الشهيرة ظل الريح: " كل كتاب هنا تعيش فيه روح ما. روح من ألّفه وأرواح من قرؤوه وأرواح من عاشوا وحلموا بفضله. كل الكتب التي لا يذكرها أحد، أو التي يختفي أثرها بفعل الزمن، تعيش هنا أبداً في انتظار اليوم الذي تعود فيه إلى يدي قارئ جديد، وروح جديدة. كل كتاب هنا كان أفضل صديق لشخص ما."

قبل أن نكتب الرواية علينا طرح ثلاثة أسئلة جوهرية: ماذا نكتب؟ لماذا نكتب؟ لمن نكتب؟

***

د. عبير علي العبدلي

تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.

في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني (وُلد 1948)، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه (1877- 1962/ نوبل 1946). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.

يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.

تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة " التِّيه" التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم " السِّر " بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

في المقابل، ينطلق هيسه من سياق أوروبي مأزوم، حيث الحداثة صنعتْ إنسانًا مُمزقًا بين العقلِ والروح، وحضارةً تائهة بين المادة والمَعنى. تأتي كتاباته كرد فِعل على هذا التمزق، عبر رحلة بحث داخلي عن التوازن والانسجام.

تتجلَّى النزعة الصوفية في أعماله من خلال التركيز على التجربة الفردية العميقة، والسَّعْي نحو التَّوَحُّدِ مع الذات الحقيقية. شخصياته تعيش صِراعًا داخليًّا حادًّا، لكنَّها تجد الخلاصَ عبر التأمُّل، والانفصالِ عن القيم السطحية، والانفتاحِ على الحكمة الشرقية.

في رواياته، لا تكون الحقيقة جاهزة أو مفروضة، بل تُكشَف عبر التجربة والمعاناة. وهذا يتقاطع مع الفكرة الصوفية القائلة إنَّ الطريق إلى المعرفة يمرُّ عبر الألم والتجرُّد. كما أنَّ مفهوم الوَحْدة يحتلُّ مكانة مركزية، حيث يسعى الإنسانُ إلى تجاوز الانقسام الداخلي، والوصولِ إلى حالة مِن الانسجام الرُّوحي معَ العالَم.

رغم اختلاف البيئتَيْن الثقافيتَيْن، فإنَّ هناك تقاطعًا واضحًا بين الكُوني وهيسه في النظر إلى العالَم بوصفه لُغزًا يحتاج إلى تأويل، وفي اعتبار الرحلة الداخلية شرطًا للوصول إلى الحقيقة. كلاهما يرفض السطحية، ويبحث عن الجَوهر، ويَرى أن المُعاناة لَيست عبثًا، بل هي طريق للتَّرَقِّي.

لكنَّ الاختلاف يكمن في طبيعة المسار. الكُوني ينطلق من تُراث صوفي متجذر في الثقافة الصحراوية، حيث الطبيعة نَفْسها تُصبح مُرشدًا رُوحيًّا. أمَّا هيسه، فيبني رؤيته من خلال تفاعل معَ الفلسفات الشرقية والغربية، في محاولة لإعادة بناء الإنسان الأوروبي مِن الداخل.

تكشف تجربةُ الكُوني وهيسه أنَّ الأدب يمكن أن يكون وسيلةً للارتقاءِ الروحي، لا مُجرَّد أداة للتعبير الجَمالي. والنزعةُ الصُّوفية في أعمالهما لَيست زينةً فكرية، وإنَّما جَوهر الرؤية، ومُحرِّك السرد، وغاية الرحلة.

إنهما يُقَدِّمان نموذجَيْن مُختلفَيْن لطريق واحد، طريق البحث عن الحقيقةِ والذاتِ والمعنى. طريق يبدأ بالقلق، ويمرُّ بالتِّيه، ويَنتهي - إن انتهى - بلحظة كشف، حيث يُدرِك الإنسانُ أنَّ ما كان يبحث عنه في الخارج، كان يَسكنه مُنذ البداية.

لا تبدو النزعةُ الصوفية عند الكُوني وهيسه مُجرَّد خِيار جَمالي أو نُزوع فِكري عابر، بل هي موقف وجودي حاسم مِن العالَم، ومُحاولة حثيثة لاختراق ظاهر الأشياء نحو جَوهرها العَصِيِّ. كِلاهما، رغم اختلاف الجُغرافيا والمَرجعيات، يلتقيان عند تلك النقطة الحرجة التي يُصبح فيها الإنسانُ غريبًا عن ضجيج الواقع، وباحثًا عن معنى يتجاوز اللغةَ والمنطق. عِند الكُوني، تتجسَّد الصوفية في صمتِ الصحراء واتِّساعها، حيث يتلاشى الكائنُ في الطبيعة اللانهائية، بينما عند هيسه تتَّخذ شكلَ رحلة داخلية شاقَّة، وصِراعًا بين الذات وظلالها، حتى بُلوغ نوع مِن الصفاء.

إنَّها لَيستْ صُوفية هُروب، بل صُوفية مُواجَهة: مُواجهة الذات، والزمنِ، والفراغِ الوجودي. ومِنْ هُنا، فإنَّ أعمالهما لا تمنح أجوبةً جاهزة، وإنما تَطرح أسئلة كثيرة، حيث يبدأ القلقُ، ويتشكَّل الوَعْي. لهذا السبب، تظلُّ نُصوصهما مفتوحة، وعَصِيَّة على الاكتمال، لأنَّها تعكس تجربة إنسانية لا تنتهي، تجربة البحث المُستمر عن المَعنى في عَالَم مُتآكل، وغارق في الغُموض والسِّرِّية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة في المجموعة القصصية الصادرة حديثًا "النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" للروائية سعاد الراعي

تقدّم المجموعة القصصية "النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" عالمًا سرديًا نابضًا بالحياة، مترابطًا موضوعيًا، تتخذ من الطفولة بوابةً لفهم الإنسان والمجتمع، ومن الذاكرة مسرحًا للسرد. لا تُقدَّم الطفولة هنا بوصفها مرحلة بريئة فقط، بل بوصفها مساحة صدام مبكر مع الفقر، الحرب، السلطة الأبوية، القمع الاجتماعي، والمنفى. وتستند إلى بيئة محلية ثرية بالرموز والدلالات، ويستثمر الموروث الاجتماعي بوصفه مادة حكائية قابلة لإعادة التأويل.

فمنذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام استعارة مركزية: النخلة بوصفها "عمة" حاضنة، تقابلها صورة "الأبناء الأشقياء" بما تحمله من شغب وتمرد، وهو تقابل يختزل توترًا بين الأصل والفروع، بين الحكمة المتجذرة واندفاع الجيل الجديد.

فالنخلة، بوصفها رمزًا مركزيًا: الأم، الوطن، الذاكرة، والملاذ الأخير الذي يَمنح رغم القسوة ويَغفر رغم الجحود، تتجاوز حضورها النباتي لتغدو علامة على الصبر والعطاء والذاكرة، في حين تتوزع بقية العناصر السردية حولها كدوائر دلالية متسعة.

تتحرك قصص المجموعة في فضاء يتناوب بين المدينة والريف /ولكن يغلب عليها الطابع الشعبي، حيث التفاصيل اليومية الصغيرة تتحول إلى مادة سردية كاشفة عن بنية المجتمع وعلاقاته.

تنجح الكاتبة في التقاط نبض هذا العالم عبر شخصيات تبدو مألوفة، لكنها مشحونة بدلالات إنسانية عميقة. فالأشقياء هنا ليسوا مجرد شخصيات عابثة، بل هم تمثيل لحيوية الحياة، ورغبة دائمة في كسر القوالب، حتى وإن جاءت هذه المحاولات في صيغة فوضوية أو مؤذية أحيانًا

تضم المجموعة قصصًا مستقلة متكاملة، تدور أحداثها في العراق، اليمن، فلسطين، وألمانيا، وتغطي أزمنة مختلفة، لكنها تلتقي عند محور واحد: الطفولة حين تُختبر قبل أوانها.

* أطفال يواجهون العنف الأسري باسم التربية.

* طفولة مسحوقة تحت الفقر والحرب والحصار.

* صدام الهوية بين الشرق والغرب، والمنفى والذاكرة.

* الآباء حين يحبّون لكن يجرحون، والأمهات حين يقسين بدافع الخوف.

براءة تُجبر على النضج المبكر، لكنها لا تنكسر.

على المستوى الفني، تميل النصوص إلى السرد الوصفي المشهدي، حيث تتجاور اللقطة الحسية مع التأمل الداخلي، في توازن يمنح القصص إيقاعًا هادئًا لكنه مشدود. ولا تتورط في الخطاب السياسي المباشر، لكنها تشكل شهادة إنسانية صامتة على أثر السياسة والحرب والسلطة في الجسد النفسي للطفل.

كما توظف الكاتبة الحوار بمهارة، ليس فقط لتطوير الحدث، بل لكشف البنية النفسية والاجتماعية للشخصيات. وتبرز قدرة لافتة على بناء المفارقة، إذ كثيرًا ما تنتهي القصص بلحظة دلالية مفتوحة تترك القارئ أمام أسئلة أكثر مما تقدم إجابات. فهي تطرح، في عمقها، أسئلة تتصل بالانتماء، والسلطة الرمزية للأسرة، وحدود الحرية الفردية داخل الجماعة. وهي، وإن بدت في ظاهرها مشغولة بحكايات بسيطة، إلا أنها تنجح في ملامسة قضايا أوسع تتعلق بالتحول الاجتماعي، وصراع القيم بين جيلين.

الكاتبة لا تُدين ولا تُبرّئ، بل تترك الوقائع تتكلم، وتمنح القارئ مساحة أخلاقية مفتوحة للتأمل

أما اللغة، فتتسم بمرونة تجمع بين البساطة والعمق، وتستفيد من الإيحاءات البيئية دون الوقوع في فخ المحلية المغلقة. فاللغة هنا، أدبية مكثفة، حسّاسة، واضحة، تعتمد الصورة والرمز دون تعقيد لغوي أو تجريب مُنفّر. السرد واقعي، لكنه مشحون بالشاعرية، قريب من القارئ العام دون التفريط بالعمق.

"النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" تمثل تجربة قصصية واعية بأدواتها، وقادرة على تحويل اليومي إلى نص أدبي مشحون بالدلالة.

إنها كتابة تراهن على التفاصيل الصغيرة لتقول أشياء كبيرة، وتفتح للقارئ نافذة على عالم مألوف، لكنه يُرى هنا بعيون أكثر عمقاً وتأملاً.

- تقع المجموعة في 108 صفحة من القطع المتوسط؛

- تحتوي على عشر قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛

- قدم للمجموعة الشاعر طارق الحلفي؛

- صمم الغلاف واخرجها ونسقها طارق الحلفي؛

- تمت طباعة المجموعة في مطبعة "نحن نطبع ـ باكنانغ "/ المانيا.

**

طارق الحلفي

قبل بضعة أعوام كتبتُ موضوعاً أدبياً عن طرق تثمين الأدب والأدباء، والموضوع كان بعنوان: (وقفة وسؤال عن المقياس العادل الذي تُقاس به الأعمال الأدبية)..

لم يكن الحديث عن ظاهرة فرانتز كافكا (Franz Kafka) هو أساس الموضوع ولكنني تطرقت الى الظاهرة الكافكوية كمثال على أثر قوّة الدعاية والتفخيم والترهيب في تسويق اسم الأديب ومن ثم نتاجه الأدبي..

قبل هذه الأثناء وبعدها كنت قد علَّقت ورددت على الكثير من آراء زملاء وزميلات في مواضيع تخص كافكا نشروها في صحف ومجلات أدبية ومنابر ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي..

احاول اليوم نشر آرائي وقناعاتي وأفكاري عن أدب فرانتز كافكا مثلما قرأته وعرفته، وأنا على استعداد للحوار حول الموضوع وتقبّل النقد الأدبي الموضوعي والعلمي ضمن أجواء الاحترام وتبادل الآراء.

لدي قناعة بنيتها على أساس قراءة متأنية وخبرة أدبية خبرة شاعر وكاتب وأديب وأكاديمي مختص في الأدب العام والأدب المقارن بأن كافكا أديباً لم يكن بالمستوى الذي صنَّفته فيه الدعاية على أساس من انه أديب عالمي فذ وروائي خارق ومؤسس مدرسة في الأدب الروائي والقصصي..

درستُ رواية كافكا المعنونة ب (المحاكمة) أو (Der Prozess) في منهاج دراسة الماجستير في قسم الأدب العام والأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة والمسماة Freie Universität Berlin، وكانت دراستنا للرواية في اللغة الألمانية وللنص الألماني الأصل..

من أول ملاحظاتي عن لغة كافكا الألمانية في هذه الرواية انها لغة فقيرة، مُهلهلة، مُملَّة، جافة، تفتقد الى التدفق والتجدد، مثلما تفتقد الى ذكاء الأديب في جعل لغته حيوية جذّابة تؤثر في القارئ وتدعوه لاكتشاف خبايا النص والابحار معه، ويأتي الى جنب فقر هذه اللغة وجدبها جمود الاسلوب الروائي وتكرار مشاهده ومواضيعه بشكل مقرف ومضجر حقاً وافتقاده الى روح الابتكار والتجديد الى الدرجة التي استحال معها النص الى نص طويل متشابه حتى ان من الممكن ترحيل مقطع من صفحة في الثلث الأول من الرواية الى صفحة في الثلث الثاني أو الثالث في الرواية ودمجها في مكان جديد دون ان يحس القارئ اذا عاد لقراءة الرواية مرَّة ثانية..

في يوم ما ـ وبينما كنت أزور احد الصالونات الأدبية في برلين ـ قرأ أحد الأدباء الألمان نصاً أدبياً له يحاكي فيه من بعيد أو قريب نصوص كافكا، وكان من تقاليد هذا الصالون ان يقرأ الأديب نصّه أو قصيدته ثم يستمع لآراء الحاضرين ويناقشهم، وحين انتهى الأديب من قراءة نصه عبَّرتُ عن رأيي الناقد للنص، وذكرت أيضاً ان كافكا نفسه لم يكن أديباً موفقاً فلغته فقيرة مملة لا ترقى الى لغة أديب، واسلوبه جامد يفتقر الى الحركة والحيوية ومشاهده مكررة..

يبدو ان رأيي كان صادماً للجمهور الحاضر فكافكا قد كُرِّس كأديب كبير ووُضع في خانة القداسة فبدأ البعض بمهاجمتي، بيد ان أديباً المانيا مثقفاً من الحضور اسكت الجمهور الغاضب حين أخبرهم بأنني لست الوحيد في هذا الرأي، فالأديب الألماني المعروف توماس مان (Thomas Mann) كان له رأي مشابه في أعمال كافكا..

وفي الحقيقة انني لم أكن أعرف رأي توماس مان بكتابات كافكا من قبل لكن رأي الزميل الأديب خفف من حدَّة الهجوم، فتوماس مان أديب كبير، والجمهور يخشى آراء الأدباء المعروفين كأدباء كبار..

أعتقد شخصياً ان كافكا المنتشر والمقروء هو من صنع صديقه تاجر الكتب ماكس برود (Max Brod) وهو صديق قريب لكافكا، وقد تجاوز على وصية كافكا الذي أوصى بعدم نشر نتاجه بعد موته، وفي اعتقادي ان وصية كافكا هذه تنم عن عدم قناعته بكتاباته الشخصية وشكوكه في مستواه الأدبي واللغوي، وهذه الشكوك في محلها تماماً.. لكن ماكس برود تاجر كتب ولديه عقلية تاجر قبل عقلية الأديب أو الشاعر، وأعتقد انه فكَّر مع معارف له في عمل موجات دعاية لكافكا قبل وبعد نشر كتبه لترويجه في عالم سوق الكتب والمكتبات، ثم أتت الى جنب هذا اسباب تاريخية سياسية تتعلق بتاريخ أوربا وأوضاع المجموعات اليهودية الأوربية التي ينتمي اليها كافكا في براغ حيث ولد وفي النمسا حيث عاش..

حُسب أدب كافكا على الأدب المهم والغامض وعلى انه أدب النخبة المثقفة التي ترتاد الصعاب، مما جعل أي مشكك فيه يتردد في اعلان شكوكه خشية اتهامه بأنه ليس من قراء النخبة أو انه ينتقد كافكا لأسباب لا تتعلق بالأدب، وقد تذهب هذه الاتهامات الى حد اتهام المنتقد الألماني أو الأوربي بالعنصرية وهذا أكثر ما يخافه الألمان والأوربيون..

هكذا تخطى كافكا الحواجز ودخل الى رحاب الجامعات وفُرضت كتبه كمناهج دراسية على مئات الآلاف من الطلبة والأكاديمين عبر العصور، وبيعت منها ملايين النسخ في مكتبات وجامعات العالم، ووصلت أرباحها الى مئات ملايين الدولارات، أو ربما المليارات اذا ما اعتبرنا ان كتب كافكا تُباع في كل أنحاء العالم وخصوصاً في اميركا وأوربا ومنذ حوالي ثمانين سنة، والى الآن!!

***

كريم الأسدي

 

ولد الاديب والفيلسوف الفرنسي البير كامو في الجزائر في 7/ نوفمبر/ 1913م، وعاش فيها حياة فقيرة بائسة يكتنفها قدر كبير من المعاناة، فلقد كان والده مجرد مزارع بسيط يعمل على إعالة أسرته، ولذا عاش كامو مع أمه وأبيه في الأحياء الفقيرة في الجزائر، ثم نكب بمقتل والده في الحرب العالمية الأولى، وقست عليه الحياة كثيرا، وتولت رعايته والدته وكانت مهنتها بسيطة، وحين تقدمت بالعمر، اضطر كامو لاحقا الى وضعها في ملجأ للعاجزين، لأنَّ وضعه المادي لم يسمح له بذلك، وقد تجسَّد ذلك في روايته الغريب، ولعله تحدث عن معاناته فيها.

درس في جامعة الجزائر، وتأثر بفلاسفة الاغريق والرومان، واطلع بوقت مبكر على الفكر الوجودي، وقد اتجه الى العمل بالصحافة والكتابة الأدبية، وأسهم مرض السل الذي أُصيب به في مزيد من معاناته وبلورة افكاره المفعمة بالحديث عن الموت، محاولا تقديم تفسير وجودي للحياة، وظل شبح الموت يطارده في فلسفته وإبداعه الأدبي، كما أنَّ الظروف القاسية زرعت بذرة التمرد لدى كامو منذ طفولته، وبدأت تجليات تمرده تظهر حتى في انتمائه السياسي، فلقد انضم الى الحزب الشيوعي، وبعد سنة تمرد عليه وانفصل عنه، وقام كامو بتغيير عبارة الكوجيتو الديكاريتية« أنا افكر إذن أنا موجود» الى « أنا متمرد إذن أنا موجود».

واقترن التمرد بالعبث، وقدما ـــ التمرد والعبث ـــ تفسيرا للعالم، وعبثية للامعنى في الحياة، إنَّ قضية العبث ــــ هنا ــــ لا ترتبط بالعالم وحده، ولا ترتبط بالإنسان وحده، وانما في طبيعة العلاقة التي تربط العالم بالإنسان.(1) لم يكن العبث لديه حالة مرضية بل هو جزء من فلسفته التي تعنى بالمواجهة بين رغبة الانسان من ناحية والعالم الذي يعيش فيه من ناحية أخرى، وقد تولد من هذه المواجهة حالة من التوتر، وهي حالة لا تدعو لديه الى الانتحار وانما تقوده الى نمط من التمرد.

وقد ألَّفَ كتبا وروايات عدة، وكان كتابه« أسطورة سيزيف » أحد أبرز الكتب الفلسفية الذي تجلت فيه ملامح التمرد والعبث، وأصبحت شخصية سيزيف الأسطورية معبرة عن العبث واللامعنى، وسيزيف شخصية اسطورية أغضب الآلهة فأصدروا عليه حكما بأنْ يعيش حياة أبدية في عمل غير مجدٍ، ألا وهو دحرجة صخرة صعودًا إلى جبل حتى تعود للتدحرج نزولا من جديد، مرارا وتكرارا، وبلا نهاية، وظل سيزيف خاضعا لقدريته دون أنْ يتمرد.

وقد تجلت ملامح هذا الفكر في أعماله الروائية مثل روايتي « الغريب » و« الطاعون » اللتين يحاول فيهنا الإنسان التمرد على اللامعنى في الحياة وتأمله لفلسفة الموت في إطار نزعته في الوجودية العابثة.

لم يعش البير كامو طويلا فلقد مات في حادث سيارة في 4 /يناير/1960م، وعثروا في معطفه على رواية غير مكتملة « الرجل الأول» الذي أراد أنْ يعود فيها إلى جذوره الجزائرية.

2

تمثل رواية الغريب للأديب والفيلسوف الوجودي إلبير كامو أحد أبرز المحطات الأدبية والفلسفية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استقطبت اهتمام الباحثين والنقاد لما تشتمل عليه من رؤى وجودية وعبثية تكشف عن رؤية كامو للعالم والمجتمع والإنسان.

وتحثل صورة الأم مكانة مركزية على الرغم من حضورها المحدود المباشر في السرد، وإنَّ تأمل صورة الأم يقود الى فهم طبيعة السرد وتطوره ونموه، وإنه يسهم في بلورة ملامح شخصية البطل « ميرسو» فإنها تفتح الأبواب مشرعة للإجابة عن الأسئلة العميقة حول الموت والوجود والمعنى واللامعنى واللامبالاة.

تبدا الرواية بجملة سردية مستفزة، وتحمل هذه الجملة مزيجا من اللامبالاة وعدم الاحساس العاطفي يقول بطل الرواية « اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى.الأم توفيت. الدفن غدا. احتراماتنا. وهذا لا يعني شيئا. ربما حدث الأمر أمس. ».(2)

إنَّ الحزن والحداد يمثلان طقسا يرتبط بمشاعر الإنسان ومدى حزنه على فقد عزيز عليه، ولكنه في الرواية ومن أول جملة فيها تدل على أنها مجرد معلومة ليس غير، يكتنفها الإبهام والضجر وعدم الشعور بأي مسؤولية، وتتحول صوة الأم من كونها رمزا إنسانيا عظيما وعاطفيا مليئا بالحب والحنان الى مجرد كونه، مرآة وصدى لبدء المأساة الوجودية العابثة، وعلى الرغم من أنه يؤكد أنَّ« ليس للمرء سوى أُم واحدة » فانه شعر بعدم ارتياح رئيسه حين طلب إجازة لمدة يومين لحضور جنازة أمه فقال لرئيسه: « إنها ليست غلطتي»(3)

إنَّ العلاقة بين « ميرسو» وأمه تفتقر الى العاطفة والحنان، فلقد أرسلها الى دار المسنين، لأنه لم يعد يملك نقودا كي يحتفظ بها ويعنى بها(4)، وإنه لم يعد لديهما ما يقولانه لبعضهما، أو على حد تعبير ميرسو« إني وأمي بلغنا مبلغا ما عاد فيه أحدنا ينتظر شيئا من الآخر، لا بل ما كنا ننتظر شيئا من أحد، وأنَّ كل واحد منها اعتاد حياته الجديدة » (5)فهو لا يكرهها وليس هناك ما يدل على حبها، ولكنه لا يجد ضرورة للبقاء معها والاستمرار في حياتيهما. يقول ميرسو« لا شك إني كنت أُحب أمي كثيرا، لكن هذا الامر لا يعني شيئا، فما من كائن سوي إلا رغب بدرجة او بأخرى في موت من يحبهم »(6)، وأنه أكد أنَّ حاجاته الجسدية عادة ما تشوش عليه عواطفه، فيوم وفاة أمه كان تعبا جدا، وكانت به حاجة الى النوم.

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ وعي ميرسو لا تختفي فيه صورة الأم نهائيا بعد موتها وتشييع جنازتها، إذْ تتكرر صورتها في مخيلته في أثناء سجنه بعد ارتكابه جريمة القتل، تعود بوصفها صوتا داخليا كامنا في أعماق الإنسان وكأنها الحاضر/ الغائب، فهو يستدعي ذكرياته عن أمه وكيف تأقلمت في دار المسنين التي تدل في أحد أبعادها على عزلة حقيقية عن الواقع الإنساني، إنَّ آلامه الحادة هذه تتحول من شخص غائب الى وجود يعبر عن وجدان البطل، وحين يحل وقت اعدامه يسترجع ذكرى أمه ليس بشعور الأسف والأسى والحزن، وإنما بإحساس غريب يقول كانت امي تشعر انها بدأت تعيش من جديد هناك، بعد ان شعرت انها قد ماتت.

إنَّ البير كامو يضفي على صورة الأم معنى وجوديا عابثا وكأنها الانسان الذي يتصالح مع اللامعنى، ومن الجدير بالذكر أنَّ موقف ميرسو من أمه في الجنازة، وفي ألفاظه الدالة على انعدام المشاعر، يُستعمل هذا كله ضده في المحكمة، سأله القاضي هل كان يحب أمه، أجاب: « أجل مثل بقية الناس »، وهذا يعني أنَّ الأم بعد موتها لاحقت ابنها بوصفه عاقا، وكأنها تدينه اجتماعيا.

إنَّ الرواية تعرض عالمين: العالم الاعتيادي الذي يعيشه الناس جميعا، وتجسده المحكمة التي تؤكد المعاني الأخلاقية والوفاء والبر بالوالدين، وعالم ميرسو العابث الصامت الذي يخلو من كل مشاعر إنسانية، إنَّ صورة الأم في هذه الحالة تجسيد رمزي لثنائية الحياة والموت، فهي تخرج عن الإطار الإنساني العاطفي بشكله التقليدي المألوف، ويدخله كامو في مجال التفكير الوجودي العبثي، فالرواية ليست ميدانا للحب والترابط العاطفي الأسري بين الابن وامه، وخصوصا في حالة فقد الأم، بوصفها منبعا للحب والحنان والأمان، بل تتحول لدى كامو الى عزلة وصمت وتأمل في المصير الإنساني.

ويمثل الموت موضوعا مهما في الرواية إذْ يهيمن عليها منذ السطور الأولى حتى لحظات إعدام بطل الرواية« ميرسو»، وفي أثناء ذلك يتكرر صدى والدته وصدى الموت الذي أحاق بها، إنَّ الموت ليس مجرد حدث عابر بل هو علاقة عميقة في جوهر تفكير البير كامو وفي بنائه السردي، ويمثل هذا أساس التفكير الفلسفي الوجودي الذي تشتمل عليه الرواية، إذْ تُفتتح الرواية بالموت وتختتم به، لأنَّ كامو يعد الموت حقيقة مطلقة تكشف عن عبثية العالم، وتضع الانسان أمام امتحان عسير لوجوده.

ويخرج الموت من دلالته الدينية والميتافزيقية الى حقيقة باردة خالية تماما من العزاء، ولا يتجلى فيه أي ملامح للخلود، ولذلك فإنَّ كل ما يرتبط بالموت يعرض بشكل عارٍ ومباشر دون دلالات رمزية أو مجازية، إنَّ الموت لا يثير في بطل الرواية أية أحاسيس أو مشاعر، وإنَّ جنازة الأم لا تثير أي حزن أو دموع، وحين تمر الجنازة فإنها تمر ضمن أجواء الضجر، ويبدو أنَّ ميرسو لا يتفاعل مع الموت بوصفه خسار’ وجود، وإنما بوصفه حدثا حسيا ثقيل الظل.

إنها نظرة أُحادية صامتة لأنَّ إلبير كامو يعرض فلسفته الوجودية العابثة التي تعني ان هناك عالما صامتا من ناحية، وتوق الانسان الى الوصول الى معنى في زمن اختفت فيه المعاني كلها من ناحية أخرى، ولذلك فإنَّ الموت اقسى تجل لهذا الصمت الذي يكتنف العالم ولا ينجو أحد منهم مطلقا.

إنَّ حدوث الموت مجرد حدوثه يعني أنَّ القيم والمعاني كلها قابلة للسقوط والتشظي والتلاشي، ويتحول الانسان الى مجرد دمية أو آلة خالية من الأحاسيس فميرسو لا يبكي على أمه، بل ليس لديه أي احساس إزاء وفاتها، فهو يأكل ويشرب ويذهب للهو في اليوم الثاني لوفاتها مع صديقته، وحين يقتل إنسانا عربيا جزائريا لا يندم على القتل كما انه لا يطلب الصفح من المحكمة، جراء قيامة بهذه الجريمة.

ويشعر ميرسو ـــ أخيرا ـــ ان موته لا يقل اهمية او تفاهة من موت الاخرين، ويعيش ميرسو أيامه الأخيرة دون تذلل او تمرد، ويريد أنْ يوحي كامو أنَّ بطل الرواية إنما هو حر تماما، لأنَّ الحياة لا تحتمل أي معنى، كما أنَّ الاعتراف بعبثيتها يمنحه حرية وجودية مطلقة، وفي ضوء هذا لا يمكن فصل دلالة الموت في الرواية عن بنائها الفلسفي، فهو ليس موتا خاصا لفرد، وانما هو أنموذج يدل على مواقف الانسان أمام عبث الوجود.

***

د. كريم الوائلي

.........................

(1) البير كامو، الانسان الأول، ترجمة لبنى الزيدي، دار الهلال، مصر، ص 9.

(2) إلبير كامو، الغريب، ترجمة: محمد ايت حنا، منشورات الجمل، بيروت، 2014 / ص 7

(3) الرواية، ص 8

(4) الرواية، ص 103.

(5) الرواية، ص 103.

(6) الرواية، ص 77.

قراءة بلاغية نقدية في ملحمة "الجزائريادة" للشاعر عبد العزيز شبين

حين يتجرأ الشاعر: ثمةَ قصائدُ تُكتَب، وثمةَ ملاحمُ تُسكَب من صميم الدم والتراب والمعنى. وبين القصيدة والملحمة مسافةٌ لا تُقطع إلا بشاعر يحمل في قلبه أمةً بأكملها، ويرى في كلمته رسالةً لا تنتهي بانتهاء القافية. هذا ما فعله الشاعر الجزائري الكبير الدكتور عبد العزيز شبين حين أجرأ نفسه على الاشتباك مع الزمن الجزائري كله - من حجر الصوّان في الحضارات الأولى إلى دماء الثورة التحريرية - فأنجز ملحمته الكبرى «الجزائريادة» في أكثر من عشرة آلاف بيت على رويّ الهمزة، في عمل لا يُقدَّر حجمه الحقيقي إلا بالوقوف عند تضاعيف نصّه والتأمل في بنيانه من الداخل.

وحين يُوضَع هذا الديوان بين يدي ناقد، فإنه لا يواجه قصيدةً تُقرأ، بل يواجه هويةً تتكلم. ليست القراءة هنا مجرد تحليل عروضي أو تصنيف بلاغي، إنما هي محاولة للكشف عن الطاقة الدلالية الكامنة في نسيج الملحمة، والخريطة الشعرية التي رسمها شبين لجزائر عبر التاريخ، وعن الصوت الخاص الذي يُميّزه عن سابقيه في هذا الجنس الشعري الصعب.

أولاً: الاختيار الشكلي وسياسته

أ - الرهان على الملحمة

لو أحصى المرء ملاحم عربية حقيقية - لا محاكاة لها - فسيجد النص شحيحًا مقلقًا. الملحمة بوصفها جنسًا أدبيًا كانت تاريخيًا مرتبطة بحضارات بعينها: اليونانية مع هوميروس، الفارسية مع الفردوسي. أما في التراث العربي فثمة «شِعر التأريخ» والمديح الملحمي، لكن «الإلياذة» بمعناها المكثّف كانت تُعدّ من الجنس المستعار. ما فعله شبين أنه لم يستعر الجنس بل استأهله، وصبّ فيه مادةً أصيلة هي تاريخ الجزائر وروحها الأمازيغية والعربية الإسلامية في آنٍ واحد.

الاختيار الملحمي نفسه موقفٌ نقدي وحضاري: هو إعلان بأن الجزائر تستحق ملحمتها كما استحقتها الأمم العظيمة. وهذا الإعلان لا يصدر من فراغ؛ فالجزائر التي صمدت على مر التاريخ، وقدّمت في ثورتها التحريرية ما لم تقدّمه أمة حديثة تقريبًا، جديرةٌ بملحمة تُعيد صياغة وجودها في اللغة العربية قيدًا ومنطلقًا.

ب - قافية الهمزة: حين يُصبح الصوتُ رمزًا

لعلّ أول ما يُلفت النظر في «الجزائريادة» هو الإصرار على قافية الهمزة في عشرة آلاف بيت، ولا يتسرعنّ قارئٌ فيظنّ هذا ترفًا أو عبثًا شكليًا؛ فالهمزة في العربية حرفٌ ابتداءٌ، فيه شيء من الشدة والاندفاع - وهي كذلك نقطة البداية في هجاء العربية - وهي حرف المدّ حين تُمدّ، وحرف القطع حين تُوقَف. وفي هذا كله مزيةٌ دلالية تتوافق مع روح الملحمة: كلٌّ يبدأ وكلٌّ ينقطع، والصوت الجزائري يواصل حضوره مدّةً بعد مدة.

ذكّرني هذا الاختيار بالمتنبي وإصراره على قوافي بعينها كأداة موقف وليس مجرد أداة موسيقى. وشبين كذلك - وإن كان يختار طريقًا أطول وأكثر مشقةً - يجعل الهمزة قافيةً كونيةً تمتدّ من أبيات الفجر البشري الأولى في ص 111 حتى رائحة الغناء في ص 456 وما بعدها، في مسار دائري يستعيد معه رُوحَ الهمزيّات الشهيرة: البوصيري ومحمد العيد.

ثانيًا: البنية الزمنية - الديوان ديوانَ جغرافيا الأزمنة

ما يُفاجئ قارئ «»الجزائريادة أولًا هو أن الشاعر يمتلك وعيًا زمنيًا استثنائيًا. فهو لا يبدأ من الفتح الإسلامي أو من الثورة، بل يشقّ طريقه من عمق ما قبل التاريخ، من العصر الحجري القديم والحضارتين الأشولية والعاترية، ثم الحضارة القبصية، فالعهد النوميدي، فالحقبة الرومانية، فأصل البربر، فالفتح الإسلامي، وصولًا إلى دماء الثورة. هذه البنية الزمنية الطولية تجعل الملحمة أقرب إلى «التأريخ الشعري» منها إلى القصيدة ذات الزمن المنكسر.

غير أن الأمر ليس مجرد تأريخ. فشبين يُحوّل كلَّ محطة زمنية إلى رمز حاضر، أي أن الزمن في الجزائريادة لا يسير نحو الماضي هربًا بل يُستدعى إلى الحاضر دليلًا وتعزيةً وتحريضًا. حين يصف إيمدغاسن والعهد النوميدي (ص 138) يجعل التاج النوميدي يُضيء اليوم، وحين يصف ثورة يربّاص (ص 175) يجعلها مرآة التحرر الحديث. هذا ما يُميّز شاعر الملحمة عن المؤرّخ: المؤرخ يُثبّت، والشاعر يُضيء.

الزمن الدائري وليس الخطي

الأدق في قراءة بنية الزمن هنا أنها دائرية وليست خطية. فالديوان يبدأ بالبدايات الكونية، ويعود إليها كلما أراد تأكيد مشروعية الوجود الجزائري. الهمزة التي تُختم بها كل بيت هي نفسها نقطة عودة - كأن الزمن لا يذهب بل يدور، وكأن الجزائر في كل عصر تعود إلى نفس الينبوع الأصيل. والشاعر الواعي يعرف أن من يملك بداية التاريخ لا يخشى نهايته.

ثالثًا: الصورة الشعرية - من التصوير إلى التجذير

أ - الصورة الطبيعية وقيمتها الحضارية

الصورة الشعرية الطبيعية في الجزائريادة ليست زخرفةً وصفية بل هي الوسيلة الأعمق للتجذير الحضاري. حين يقول الشاعر في وصف الحضارات الأولى:

أَدَوَاتٌ تَعْدُو الطَّبِيعَةَ صُنْعًا

وَلَهَا مِنْ رُؤَى السُّوَرَى إِيحَاءُ

فهو لا يصف أداةً حجرية بل يُعلن فلسفةً: الإنسان الجزائري الأول تجاوز الطبيعة بصنيعه، وفي ذلك نبوءةٌ بكل ما سيأتي من تحرر. الصورة الطبيعية هنا ذات أبعاد ثلاثة: الأداة الحجرية (المستوى الأول)، وفعل الخلق والتشكيل (المستوى الثاني)، والرمز الحضاري الدال على مرحلة التجاوز (المستوى الثالث).

وحين يُصوّر الأمازيغ (ص 159) بقوله:

رُحَّلٌ حُفِّظُوا البِحَارَ كِتَابًا

وَالصَّحَارَى هُنَّمُ كِيسًا وَنَوَاءُ

فهنا جمعٌ بديع بين البحر والصحراء - وهما ضدّان في الوجدان العربي - إلا أن شبين يجمعهما في صورة الأمازيغي الذي يُحسن قراءة الاثنين. البحر «كتاب» والصحراء «كيس»: تصوير يُحوّل الجغرافيا إلى ثقافة ويُحوّل الترحال إلى معرفة.

ب - صورة الظلم ومفارقة النور والعتمة

أكثر الصور ثراءً وتشابكًا في الديوان هي تلك المتعلقة بالظلم والاحتلال. يقول الشاعر (ص 150-151):

احْتِلَالٌ يَسَاتِي بِسُودٍ عِجَافٍ

وَبَيَاضٌ يَمْضِي يَبِينُ الشَّقَاءُ

كَيْفَ يَغْدُو الظَّلَامُ فِيهَا خَلَاصًا

لَا يُجَلِّي نُورَ الصَّبَاحِ المَسَاءُ

في هذين البيتين تقابلٌ مزدوج: السُّود عجاف × البياض الزائف، والظلام المزعوم خلاصًا × النور الذي لا تستطيع العتمة إزاحته. وهذا المعنى — أن المحتلّ يبيع الظلام باسم النور — معنى حديث الملمح جدًا، وكأن شبين يستحضر كل تاريخ الاستعمار البشري في بيتين مركّزين. الاقتصاد في الصورة مع اتساع الدلالة: سمةٌ نادرة.

ثم تتطور الصورة فتصبح أكثر تجريدًا ومرارةً:

كُلُّ فِرْعَوْنَ لَا يُرِيدُ بِنَاءَ

إِنَّمَا الهَدْمُ مَا يُرِيدُ البَذاءُ

إسقاط «فرعون» على كل محتل - دون أن يُسمّيه - هو أسلوب النص المفتوح: الصورة تتجاوز التاريخي لتصبح كونية. وهذا من سمات الشعر الملحمي الناضج، حيث التاريخ خاص والرؤية عامة.

جـ - الصورة المدينية ووجدان المكان

الجزائريادة ملحمة مدنٍ أيضًا. والمدينة في الشعر العربي الكلاسيكي عادةً ما تكون خلفيةً لا بطلًا، أما شبين فيجعلها بطلًا حاضرًا. انظر إلى تصوير تلمسان وفاس (ص 348):

فَسَلَامُ الرُّبَى تَلِمْسَانُ أَنْدَى

أَدَبًا، مِنْكِ تُنْعِشُ الأَنْدَاءُ

بَيْنَ فَاسٍ وَأَرْضِ بَاهِيَةِ الغَرْ

بِ دِمَاءٌ زَكَّتْ فَطَابَ انْتِماءُ

الندى الذي يصف ربى تلمسان يحمل ظلالًا مزدوجة: ندى الطبيعة وندى الأدب. والأدب هنا ليس أدبَ الكتب، بل أدبُ الروح، ما تتميّز به تلمسان من رسوخ حضاري. والجمع بين فاس وتلمسان في صورة الدماء التي «زكّت» هو توحيد شعري للمغرب العربي في وجدان واحد - وهو موقف سياسي وحضاري يتبناه الشاعر عبر الصورة لا عبر الخطاب.

وتبلغ الصورة المدينية ذروتها في وادي الهواء (ص 324):

عِنْدَ وَادِيكَ قَدْ خَلَعْتُ نِعَالِي

جَذْوَةٌ مِنْكَ مَوْطِنِي تُسْتَضَاءُ

خلع النعال أمام الوادي فعلٌ في الفضاء الديني (موسى وسيناء)، لكنه هنا يتحول إلى فعل وطني: الأرض الجزائرية مقدسة بالدم والذاكرة، تستوجب خلع النعال تعظيمًا. وهذا التحويل الدلالي من المقدس الديني إلى المقدس الوطني دون إسقاط أيٍّ منهما - هو من أرقى ما يُقدّمه شبين على مستوى التخييل.

رابعًا: الإيقاع والبناء الصوتي - عندما تُصبح الموسيقى خطابًا

أ - التمديد الإيقاعي وظاهرة الشطرة الطويلة

من أبرز ما تلفت إليه القراءة المتأنية للجزائريادة أن الشاعر كثيرًا ما يلجأ إلى ظاهرة التمديد الإيقاعي: يمدّ الشطرة حتى تكاد تنكسر وزنيًا، ثم تعود إلى مسارها. هذا التمديد ليس خللًا بل استراتيجية؛ ففي المقاطع التي يصف فيها الظلم والاحتلال تجد الشطرات أطول وأكثر ثِقَلًا، كأن اللغة نفسها تتثاقل تحت عبء ما تقوله:

يَدُّ بِبِيزَنْطِيَّةٍ أَمَا أَغْلَظَتْ طُوَلا

وَعَرَّضَا وَاسْتَنْزَفَتِ الفُقَرَاءُ؟

هذا البيت حافل بالأفعال المتراصة (أَغْلَظَتْ، اسْتَنْزَفَتْ) وهو تكثيف إيقاعي يُعبّر عن ضغط الاستبداد وتراكمه. لا يحتاج الشاعر أن يقول «كان الظلم فادحًا»؛ هو يُحسسك به بتراص الأفعال وثقلها الصوتي.

ب - ظاهرة التكرار الدلالي

التكرار في «الجزائريادة» ليس تكرار الكسل بل تكرار الإلحاح. والفرق بينهما أن الأول لا يُضيف والثاني يُضاعف. حين يُكرر شبين صيغ الإضافة والتوليد (فَشُرُوقُ الأَعْيَادِ... وَقِيَامٌ مِنْ رَقْدَةٍ... فَاجْتِلَاءُ) في سياق الأمازيغ والوطن، فهو يبني هرمًا من الأفعال يُمثّل مسار التاريخ الجزائري: ظلام - صحو - مولود - احتواء. كأن الجملة الشعرية تُعيد إنتاج منطق التاريخ نفسه.

جـ - الاستفهام الخطابي وتحميله

من الأدوات الإيقاعية الأكثر حضورًا في الديوان الاستفهامُ الخطابي. وهو استفهامٌ لا يطلب إجابة بل يُوقّع موقفًا. انظر إلى:

طولا وَعَرَّضَا وَاسْتَنْزَفَتِ الفُقَرَاءُ؟

كَيْفَ رُومَا تَدْعُو إِلَى قِيَمٍ وَالـ

ـشَمْسُ لَا تَدْعُو مَا ادَّعَى الإِيذَاءُ؟

هذا الاستفهام عن موقف روما من القيم هو في الحقيقة طعنٌ مزدوج: في منطق الاستعمار، وفي دعواه حمل الحضارة. ولم يقل شبين «روما كانت كاذبة» - وهي جملة خبرية مسطّحة - بل قال ذلك في صورة استفهام يدعو المتلقي إلى أن يصل هو بنفسه إلى الحكم. وهذه من أرقى وظائف الاستفهام البلاغي.

خامسًا: المعجم الشعري - بين الأصالة والتركيب

أ - المعجم الجيولوجي والتاريخي

ما يُلفت في معجم «الجزائريادة» أنه معجمٌ متعدد المصادر لكنه متماسك الروح. فثمة معجم جيولوجي طبيعي (حجر الصوّان، الأشولي، العاتري، القبصي)، ومعجم تاريخي حضاري (النوميد، إمذغسن، ماسينيسا، روما، البيزنطيون)، ومعجم جغرافي مدني (تلمسان، وهران، فاس، وادي الهواء، سيرتا)، ومعجم ثوري وطني (الثوار، الفداء، التحرر، الشهداء).

هذا التعدد المعجمي ليس ترفًا موسوعيًا، بل هو سياسة شعرية: شبين يريد أن يقول إن الهوية الجزائرية كلٌّ لا يتجزأ، وأن الانتماء للأرض الجيولوجية لا ينفصل عن الانتماء للتاريخ الحضاري وللوجدان الثوري.

ب - توظيف الكلمة

من سمات الشاعر الملحمي الكبير أنه يُلقي بنفسه في منطقة المخاطرة اللغوية، أي يُوظّف الكلمة في غير مقامها المتوقع، أو يُركّب كلمات جديدة من عناصر قديمة. وشبين يفعل هذا حين يقول:

يَا اعتِزَازًا بِهِ الجَزَائِرُ تَسْمُو

«اعتزاز» - وهي على وزن «افتعال» من العزّ (النفاسة والإفخار) - كلمة يُعيد الشاعر توظيفها لتحمل معنى الاعتزاز والانتشاء والافتخار دفعةً واحدة. هذا التوليد يُنمّي الطاقة الدلالية للكلمة ويجعلها أكثر استيعابًا لروح الجملة.

سادسًا: الأنا الشاعرة - بين الفردي والجماعي

من المفارقات الجميلة في الجزائريادة أن الشاعر يحضر فيها بصوت جماعي في معظم الأحيان، لكنه حين يحتاج إلى اللحظة الشخصية ينزلها في مكانها تمامًا دون توتر. انظر إلى هذه الأبيات التي يتكلم فيها بضمير المتكلم المباشر (ص 354):

أَلْفُ حَرْفٍ مِنْكِ انْتَشَى إِيمَاءُ

عَبَّرَتِي بِالَّذِي اخْتَشَى هَيَّماءُ

بِاسْمِ وَادِيكِ يَا مَوَارِدَ فَخْرِي

وَحِمَى مَهْدِ لَوْحُهُ الإِيحَاءُ

أَنَا مِنْ أَصْلِ ذِي المَكَارِمِ تَاجًا

فَرْعُ مَنْ عَرَّجَتْ بِهِمْ شَمَّاءُ

الأنا هنا ليست أنا الغرور الشخصي، بل أنا الانتماء: أنا مِن هذا الأصل، أنا فرعٌ في شجرة هذه الشماء. وهذا التقديم الذاتي عبر الشجرة الحضارية هو تعريف هوية لا تعريف سيرة. الشاعر لا يُعرّف بنفسه اسمًا ومكانًا بل يُعرّفها انتماءً وجذرًا - وهو الأسلوب اللائق بصوت ملحمي يتكلم نيابةً عن أمة.

سابعًا: شبين في ميزان الموروث الملحمي

لا مناص من المقارنة حين ندرس الجزائريادة في سياق الشعر الملحمي العربي. فالبوصيري صاحب الهمزية الشهيرة اختار المديح النبوي موضوعًا ومحبة سيد الكائنات المصطفى صلى الله عليه وسلم مِحوَرًا، ومحمد العيد آل خليفة - شاعر الجزائر الأكبر - اختار الثورة والهوية الجزائرية لحظةً مضيئة. أما شبين فيجمع هذين الخيطين ويُضيف إليهما خيطًا ثالثًا: التاريخ الحضاري الطولي من أعماق ما قبل الميلاد حتى اليوم.

وإذا كانت الهمزية البوصيرية تُوحّد المسلمين عبر المديح، وكانت قصائد العيد تُوحّد الجزائريين عبر الثورة، فإن الجزائريادة تُوحّد الجزائريين عبر الذاكرة الحضارية الكاملة - وهي وحدة أعمق لأنها لا تستند إلى لحظة واحدة بل إلى مسار متكامل.

غير أن ثمة تحديًا يواجه القارئ في بعض مقاطع الجزائريادة: الكثافة المعجمية التاريخية قد تجعل بعض الأبيات أقرب إلى «شعر الموسوعة» منها إلى «شعر التجربة»، أي أن الشاعر حين يُدرج اسمًا تاريخيًا أو موقعًا جغرافيًا قد ينقل القارئ من الفضاء الشعري إلى الفضاء المعلوماتي للحظة. وهذا توتر داخلي في بنية أي ملحمة تاريخية، وشبين يُحسن التعامل معه في الغالب، لكنه يقع فيه أحيانًا كسائر شعراء الملاحم.

ثامنًا: الدلالة السياسية والرسالة الحضارية

الجزائريادة ليست شعرًا سياسيًا بالمعنى الضيق، لكنها مشحونة بالدلالة الحضارية التي تُقدّم رؤيةً واضحة لسؤال: من هم الجزائريون؟ ومن أين جاءوا؟ وما الذي يجمعهم؟

الإجابة التي يُقدّمها شبين من خلال ملحمته: الجزائريون هم خلاصة حضارات متعددة - الأمازيغية في جذورها، والإسلامية في روحها، والعربية في لسانها، والثورية في إرادتها. وهو لا يرى في هذه المكونات تناقضًا بل تضافرًا: الأمازيغية لا تنفي الإسلام والعروبة، والثورة لا تلغي التاريخ القديم.

هذه الرؤية التوفيقية الجامعة - التي يُقدّمها الشاعر شعرًا لا خطابةً - هي الرسالة الحضارية الأهم في الجزائريادة. وفي زمنٍ تُستغلّ فيه الهويات لتفريق الأمم بدل توحيدها، تأتي الجزائريادة لتُؤكّد أن الانتماءات يمكن أن تتعانق في ملحمة واحدة دون أن يُلغي أيٌّ منها الآخر.

تاسعًا: أبيات مختارة تحت المجهر

البيت الأول: الصنعة والوجود

أَدَوَاتٌ تَعْدُو الطَّبِيعَةَ صُنْعًا

وَلَهَا مِنْ رُؤَى الوَرَى إِيحَاءُ

«تَعْدُو الطبيعةَ»: الفعل «عدا» بمعنى تجاوز وتخطّى - والمتعدي هنا هو الصنعة البشرية التي تتجاوز حدود ما أعطته الطبيعة. وفي «رُؤَى الورى» (خبرات البشر) إيحاءٌ بأن لهذه الأدوات الحجرية مرتبةً في سلّم المعنى، ليست أدوات بدائية بل بذور الحضارة.

البيت الثاني: البحر والصحراء

رُحَّلٌ حُفِّظُوا البِحَارَ كِتَابًا

وَالصَّحَارَى لهم كِسًا وَثوَاءُ

الصورة ذكية ومكثفة: البحر «كتاب» (الحفظ والمعرفة)، والصحراء «كساء» (يلبسون التحديات والصعاب). والرحّال الذي يحفظ الاثنين إنسانٌ يجمع العقل والعمل، المعرفة والبقاء. «ثواء» — وهي المأوى - تُتمّم الصورة الرائعة للصحراء. بيتٌ واحد يرسم حضارة.

الشهداء والغناء

شُهَدَاءُ الخُلُودِ فِيكِ بِلَادِي

عَلَّمُونَا كَيْفَ الفِدَاءُ يَكُونُ

فَمَضَيْنَا صَحْواً هَوَاكِ نُغَنِّي

هذه الأبيات الثلاثة - رغم أن قافيتها بالواو لا الهمزة – هي الثيمة التي تتكرر بطول الملحمة - تكشف عن بُعد الأداء الصوتي: «صَحْواً هواكَ نُغنّي». الغناء بحب الجزائر العظيمة وهو موقف الشعوب التي لا تُكسَر. ولعلّ في هذه الأبيات أقوى تجلٍّ للروح الجزائرية في الديوان.

عاشرا: نموذج للرؤية الحضارية وسنن التحول التاريخي في الجزائريادة:

كُـلُّ مَـا فِي الوَرَى لَـهُ إِنْشَـاءُ

فِي وُجُـودٍ بِظِلِّـهِ مَـا تَشَـاءُ

سُنَـنُ الكَـوْنِ فِي تَغِيُّـرِ حِيـنٍ

وَاتِنّقَـالٌ بِمَـا ابْتَغَـاهُ البِنَـاءُ

بَعْـدَ أَحْجَـارٍ سَطَّرَتْ لِابْـنِ طِيـنٍ

 عُمْـرَهُ صَـارَ لِلنُحَـاسِ الوَلَـاءُ

أَفَلِلْمِحْـرَاثِ الَّـذِي مِثْـلَ سَيْـفٍ

حِيـنَ يُسْتَـوْفَى فِي الرَّغَـامِ المَضَـاءُ؟

لِلْحُسَّـامِ البُرُونزيٌّ صِفَـاتٌ

إِذْ بِـهِ كَـانَ فِي السَّبَلَـاءِ احْتِذَـاءُ

يَا سَمِينِيَّ فِي سَمَائِـكَ حُمْـرٌ

بِفِلِزَّاتِـهِ لَـهُ اسْتِـقْوَاءُ

تمثل هذه الأبيات نموذجًا للشعر التأملي ذي النزعة الحضارية، حيث تتجاوز حدود الوصف المباشر إلى استحضار حركة التاريخ الإنساني في سياق فلسفي يستند إلى فكرة سنن الكون والتطور الحضاري. فالشاعر لا يكتفي بتصوير مظاهر الحياة، بل يسعى إلى تأمل قوانين الوجود التي تحكم حركة الإنسان عبر العصور، من مرحلة البدائية الحجرية إلى مراحل التقدم المعدني، مع إبراز التوتر الدائم بين البناء والهدم، وبين الزراعة والحرب، وبين الحضارة والقوة.

ومن هنا تتبدى الأبيات بوصفها خطابًا فكريًا يعكس وعيًا تاريخيًا بحركة الإنسان في الزمان، ويؤسس لرؤية حضارية ترى أن التغير سنة كونية لا تنفصل عن إرادة الخالق، وأن أدوات الحضارة ليست محايدة، بل قد تتحول من وسائل إعمار إلى أدوات صراع.

أولًا: سنن الكون وفلسفة التغير في الرؤية الشعرية

يستهل شبين بتقرير مبدأ كوني عام، يتمثل في أن كل ما في الوجود قائم على الإنشاء والتكوين، وأن الوجود محكوم بإرادة عليا تتصرف فيه وفق سنن ثابتة. ويظهر ذلك في قوله:

 كُلُّ مَا فِي الوَرَى لَهُ إِنْشَاءُ

فِي وُجُودٍ بِظِلِّهِ مَا تَشَاءُ

شبين هنا يقرر حقيقة وجودية ذات بعد عقدي، مفادها أن الموجودات كلها حادثة مخلوقة، وأنها تتحرك في إطار نظام كوني محكم. وهذه النظرة تعكس وعيًا دينيًا وفلسفيًا يربط بين التغير الكوني وبين المشيئة الإلهية، في انسجام مع التصور الإسلامي الذي يرى الكون قائمًا على نظام السنن.

ثم يواصل شبين تأكيد هذه الفكرة من خلال إبراز التغير بوصفه قانونًا حتميًا في حركة الحياة، إذ يقول:

 سُنَنُ الكَوْنِ فِي تَغَيُّرِ حِينٍ

وَانْتِقَالٌ بِمَا ابْتَغَاهُ البِنَاءُ

وهنا تتجلى الرؤية التاريخية في النص؛ فالتغير ليس طارئًا أو عشوائيًا، بل هو انتقال من حال إلى حال وفق غاية محددة، وهو ما يجعل البناء الحضاري نتيجة طبيعية لحركة الزمن. وبذلك يربط الشاعر بين الزمن والحضارة، وبين التغير والتقدم، في إطار رؤية سننية تؤكد أن التطور جزء من نظام الكون.

ثانيًا: التحول الحضاري من العصر الحجري إلى العصر المعدني

تنتقل الأبيات بعد ذلك إلى تصوير مرحلة مفصلية في تاريخ الإنسان، هي مرحلة الانتقال من استخدام الحجر إلى استخدام المعادن، وهو تحول يمثل بداية التقدم التقني في الحضارة الإنسانية. ويتجسد ذلك في قوله:

 بَعْدَ أَحْجَارٍ سَطَّرَتْ لِابْنِ طِينٍ

عُمْرَهُ صَارَ لِلنُّحَاسِ الوَلَاءُ

ويلاحظ أن الشاعر استخدم تعبير "ابن طين" للدلالة على الإنسان، وهو تعبير ذو دلالة دينية وإنسانية، يستحضر أصل الإنسان من الطين، ويؤكد ارتباطه بالأرض والعمل. كما أن إسناد الفعل إلى الأحجار في قوله "سطّرت" يمثل استعارة بليغة، حيث جعل الأدوات الحجرية كأنها تكتب تاريخ الإنسان.

أما انتقال الولاء إلى النحاس، فهو رمز للتحول الحضاري من البدائية إلى التقنية، ومن الطبيعة الخام إلى الصناعة، وهو تحول يعكس بداية نشوء الحضارات المنظمة.

 ثالثًا: جدلية البناء والصراع في رمزية المحراث والسيف

من أبرز مظاهر العمق الفكري في هذه الأبيات تصوير العلاقة المتوترة بين أدوات البناء وأدوات الحرب، وهي علاقة تعكس طبيعة الإنسان المركبة، حيث يجمع بين النزوع إلى الإعمار والنزوع إلى الصراع. ويتجلى ذلك في قوله:

 أَفَلِلْمِحْرَاثِ الَّذِي مِثْلَ سَيْفٍ

حِينَ يُسْتَوْفَى فِي الرَّغَامِ المَضَاءُ؟

فالاستفهام هنا يحمل طابعًا تأمليًا، إذ يطرح الشاعر سؤالًا ضمنيًا عن مصير الأدوات الحضارية: هل تبقى وسيلة للزراعة والبناء، أم تتحول إلى وسيلة للقتال؟ ويعكس هذا التصوير رؤية نقدية للحضارة، مفادها أن التقدم التقني لا يضمن السلام، بل قد يزيد من قدرة الإنسان على الصراع.

ويعزز شبين هذه الفكرة بقوله

 لِلْحُسَامِ البُرُونْزِيِّ صِفَاتٌ

إِذْ بِهِ كَانَ فِي السَّبَلَاءِ احْتِذَاءُ

فالحسام البرونزي هنا يمثل ذروة التطور العسكري في مرحلة معينة من التاريخ، حيث أصبح السلاح معيارًا للقوة والنفوذ. كما أن الاقتداء بالسيف في الطرق والمسالك يشير إلى أن القوة العسكرية أصبحت وسيلة لفرض الهيمنة، وهو ما يعكس تحول الحضارة من البناء إلى الصراع.

رابعًا: رمزية المعادن والقوة في بناء الحضارة

يشير شبين إلى دور المعادن في تشكيل موازين القوة في العالم، حيث أصبحت السيطرة على الموارد المعدنية أساسًا للتفوق الحضاري. ويتجلى ذلك في قوله:

 يَا سَمِينِيَّ فِي سَمَائِكَ حُمْرٌ

بِفِلِزَّاتِهِ لَهُ اسْتِقْوَاءُ

فالفلزات هنا رمز للقوة المادية التي تقوم عليها الحضارات الحديثة، وهي تشير إلى أن امتلاك الموارد الطبيعية يمنح الأمم قدرة على التفوق والسيطرة. كما أن استخدام اللون الأحمر يوحي بدلالات متعددة، منها القوة والطاقة وربما الدم، مما يضفي على الصورة بعدًا دراميًا يعكس طبيعة الصراع الحضاري.

تكشف هذه الأبيات عن رؤية شعرية عميقة للشاعر الكبير عبد العزيز شبين تستند إلى وعي تاريخي وفلسفي بحركة الإنسان في الكون، حيث تتداخل فيها مفاهيم الخلق والتغير والتطور الحضاري. وقد نجح شبين في توظيف الرمز التاريخي والأداة الحضارية لتصوير مسيرة الإنسان من البدائية إلى التقدم، مع إبراز التوتر الدائم بين البناء والهدم، وبين الزراعة والحرب.

وتؤكد هذه الرؤية أن الحضارة ليست مجرد تراكم تقني، إنما هي اختبار أخلاقي مستمر، وأن أدوات القوة قد تتحول من وسائل إعمار إلى أدوات صراع إذا فقد الإنسان البعد القيمي الذي يوجه حركته في التاريخ. ومن ثم فإن هذا النص الملحمي يمثل نموذجًا للشعر الفكري الذي يجمع بين العمق الفلسفي والتصوير الفني، ويعكس إدراكًا واعيًا لسنن الكون وتحولات الحضارة الإنسانية.

خاتمة: الجزائريادة - صوتٌ لم يُنهِه الكتاب

عندما يُغلق المرء آخر صفحة من الجزائريادة ويُودّع آخر قافية من قوافي الهمزة، يشعر بأنه لم يقرأ كتابًا بل عاش رحلةً. رحلةٌ في الزمن الجزائري الطويل، من حجر الصوّان الأول حتى أغنية الشهداء، من تامزغا إلى وادي الهواء، من وهران إلى تلمسان وفاس.

عبد العزيز شبين لا يُقدّم لنا تاريخًا منسوخًا أو حوليات مُلحَّنة. يُقدّم وعيًا شعريًا متماسكًا يرى الجزائر كائنًا حيًا يتنفس عبر الأجيال، وكلّ جيل هو لحظة تنفس في هذا الكائن الكبير. وما تفعله الهمزة في نهاية كل بيت هو أكثر من مجرد قافية: هي همزة الوصل بين الأمس واليوم، بين الجذر والثمرة، بين الدم والمعنى.

وفي ميزان الشعر العربي، «الجزائريادة» إضافةٌ حقيقية إلى رصيد الملحمة العربية الحديثة، ليس لأنها الأطول بل لأنها الأعمق في نيّتها والأرحب في رؤيتها. فالطول وحده لا يصنع ملحمة - الرؤية هي التي تصنعها - ورؤية شبين واضحة: الجزائر أمةٌ تُلخّص التاريخ الإنساني في أرض واحدة، وكان لزامًا أن تُلخّصه في ملحمة واحدة.

ولعلّ خير ختامٍ لهذه القراءة السريعة أن نُشير إلى أن مثل هذا العمل يستحق دراسات متعددة متخصصة: دراسة في أثره التاريخي، ودراسة في شبكته المعجمية، ودراسة في موسيقاه وتحليل قافيته وشواهدها على المستوى الصوتي الدقيق. ما قدّمناه هنا قراءةٌ أولى تُضيء المسالك الكبرى في نصٍّ كبير - وللكبير حقّه وإن طال المشوار.

***

بقلم الدكتور محمود حلمي القاعود

ناقد ومؤرخ وأديب مصري

في 26 إبريل 2026م

 

دراسة بلاغية تحليلية

مقدمة: يُعدّ شعر ابن الرومي أحد أكثر النماذج ثراءً في الشعر العباسي من حيث البنية الدلالية واللغوية، إذ يتكئ على شبكة معقّدة من الانزياحات التي تتجاوز الاستعمال المألوف للغة إلى أفق إيحائي عميق. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة مفهوم الانزياح الاستدلالي والسياقي في شعره، عبر مقاربة بلاغية تحليلية تستند إلى مناهج نقدية عربية وغربية، مثل مفاهيم البلاغة العربية والأسلوبية، مع استثمار أدوات التحليل الدلالي والسيميائي.

أولًا: الإطار المفاهيمي للانزياح

يُعرَّف الانزياح (Deviation) في الدراسات الأسلوبية الحديثة بوصفه خروجًا مقصودًا عن النسق اللغوي المعياري، بهدف توليد دلالة جديدة أو تكثيف الأثر الجمالي. وقد توسّع النقاد الغربيون، مثل رومان ياكوبسون، في ربط الانزياح بوظيفة الشعر، حيث تصبح اللغة غاية في ذاتها لا مجرد وسيلة.

أما في التراث العربي، فقد تجلّى هذا المفهوم ضمنيًا في مباحث المجاز والاستعارة والعدول، كما عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم، التي تؤكد أن المعنى لا ينفصل عن طريقة تركيبه.

ثانيًا: الانزياح الاستدلالي في شعر ابن الرومي

يتجلّى الانزياح الاستدلالي عند ابن الرومي في قدرته على نقل الألفاظ من معانيها المباشرة إلى دلالات إيحائية مركّبة، غالبًا ما تعكس حالته النفسية القلقة.

1. توسيع الدلالة عبر الاستعارة المركّبة

في قوله:

كأنّ قلبي من الأحزان في لُجَجٍ

يغشاه موجٌ من الذكرى ويغتربُ

نلحظ انزياحًا دلاليًا يتمثل في تحويل "الحزن" إلى فضاء مائي متلاطم، حيث تتداخل التجربة النفسية مع صورة حسية، مما يخلق شبكة من الإيحاءات تتجاوز المعنى المباشر.

2. المفارقة الدلالية (Paradox)

يكثر ابن الرومي من بناء علاقات تضاد داخلية، كالجمع بين الحياة والموت في سياق واحد، مما يخلق توترًا دلاليًا:

أحيا وأمضي كالميت الذي انتبهت

عيناه، لكنّ روحَ العيش لم تعدِ

هذا الانزياح يعبّر عن اغتراب وجودي، وهو ما يتقاطع مع قراءات حديثة في النقد النفسي.

ثالثًا: الانزياح السياقي وتحولات الخطاب

يتجلى الانزياح السياقي في قدرة الشاعر على تغيير دلالة اللفظ وفق السياق، أو خلق سياقات غير متوقعة.

1. التهكّم والسخرية السوداء

اشتهر ابن الرومي بسخريته اللاذعة، حيث يُنزاح بالسياق من المدح إلى الهجاء ضمنيًا:

يُريكَ وجهًا كأنّ البدر طلعته

لكنّه في الخفا ليلٌ بلا قمرِ

هنا يتحوّل السياق من الإشادة إلى الإدانة، عبر مفارقة خفية.

2. الانزياح عبر التناص

يستدعي الشاعر أحيانًا معاني قرآنية أو تراثية، ثم يعيد توظيفها في سياق جديد، مما يخلق طبقات دلالية متعددة، وهو ما تدرسه المناهج الحديثة ضمن التناص (Intertextuality).

رابعًا: البعد النفسي والسيميائي للانزياح

يرتبط الانزياح في شعر ابن الرومي ببنيته النفسية القلقة؛ فقد عُرف بتشاؤمه وقلقه الوجودي، ما انعكس في كثافة الصور المنحرفة عن المألوف. ويمكن قراءة ذلك في ضوء السيميائيات، حيث تتحول العلامة اللغوية إلى حامل لرموز نفسية عميقة.

كما أن هذا الانزياح يحقق ما يسميه ياكوبسون بـ"الوظيفة الشعرية"، حيث يتم التركيز على الرسالة ذاتها، لا على مرجعها الخارجي فقط.

خامسًا: تنويع النماذج الشعرية

لا يقتصر الانزياح عند ابن الرومي على غرض شعري واحد، بل يتنوع:

في الرثاء: يتحول الموت إلى حضور حيّ عبر الذاكرة.

في الهجاء: تتخذ اللغة طابعًا تشريحيًا يكشف العيوب بدقة تصويرية.

في الوصف: تتحول الأشياء اليومية إلى عوالم رمزية (كالأطعمة أو الملامح الجسدية).

خاتمة

تكشف دراسة الانزياح الاستدلالي والسياقي في شعر ابن الرومي عن شاعر يمتلك حسًا لغويًا فائقًا، وقدرة على إعادة تشكيل المعنى عبر أدوات بلاغية معقدة. فليس الانزياح عنده مجرد زخرف أسلوبي، بل هو جوهر التجربة الشعرية، ووسيلة لتجسيد قلقه الوجودي ورؤيته للعالم.

وتؤكد هذه الدراسة أن شعره يظل مجالًا خصبًا للتقاطع بين التراث البلاغي العربي والمناهج النقدية الحديثة، مما يجعله نصًا مفتوحًا على قراءات لا تنضب.

***

بقلمي: ربا رباعي- الاردن

..........................

مراجع مقترحة (عربية وأجنبية)

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.

رومان ياكوبسون، Linguistics and Poetics.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته.

محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية.

كتب النقد العباسي وتحقيقات ديوان ابن الرومي.

 

ليست لفظة "ران" في العربية مجرّد فعلٍ دالٍّ على الغلبة أو التغطية، بل هي بنيةٌ دلالية كثيفة، تتقاطع فيها مستويات اللغة: من الاشتقاق الصرفي، إلى التحليل النحوي، إلى الامتداد البلاغي والعقدي في النص القرآني. وهي بهذا الاعتبار مثالٌ بليغٌ على كيفيّة تحوّل اللفظة من معنى حسّيٍّ أولي إلى مفهومٍ أخلاقيٍّ مركّب يلامس بنية الوعي الإنساني.

أولاً: في الجذر والاشتقاق من الحسّي إلى المعنوي

ينتمي الفعل ران إلى الجذر (ر ي ن)، وهو جذرٌ يفيد في أصل وضعه الغلبة والتراكم والتغطية. تقول العرب: ران الشيءُ على الشيء، إذا علاه حتى ستره. ومنه الرَّيْن: وهو الصدأ الذي يعلو الحديد، أو الغشاء الذي يطمس الصفاء.

وهذا الأصل الحسّي (الصدأ، التراكم، الغشاء) هو الذي مهّد لانتقال اللفظة إلى مجالٍ معنويٍّ أعمق، حيث صار "الرَّيْن" استعارةً عن تراكم الذنوب على القلب حتى تحجبه عن الإدراك السليم.

ثانياً: في الاستعمال القرآني، التحوّل من الفعل إلى البنية الأخلاقية.

تبلغ الكلمة ذروة كثافتها الدلالية في قوله تعالى:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14)

في هذا السياق، لا يُفهم "الرَّيْن" بوصفه حدثاً مفرداً، بل بوصفه عملية تراكمية:

"ما كانوا يكسبون" يدلّ على الاستمرار والتكرار.

"ران" تفيد النتيجة النهائية لهذا التراكم: غشاءٌ كثيف يعزل القلب.

فالآية تؤسس لمفهومٍ ديناميكيّ:

الذنب ليس واقعةً عابرة، بل فعلٌ يتراكم حتى يُنتج بنيةً مغلقة للوعي.

ثالثاً: البصريون تحليل صرفي ودلالي مضبوط

ينظر النحاة البصريون وفي طليعتهم أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد إلى "ران" بوصفه فعلاً ماضياً ثلاثيّاً، يخضع لقواعد الفعل العربي من حيث التصريف والدلالة.

فهو عندهم:

فعلٌ لازم في أصله، يتعدّى بـ"على".

يدلّ على تحقّق الفعل واكتماله (باعتبار صيغته الماضية).

يحمل معنىً مجازياً منقولاً من الحسّ إلى المعنى.

ولا يخرج تحليلهم عن إطار التقعيد:

فهم يركّزون على البنية (فعل زائد جار ومجرور)،

ويرون أن الدلالة تُستمدّ من السياق لا من تغيير في طبيعة الكلمة.

رابعاً: الكوفيون توسيع أفق الدلالة

أما الكوفيون ومنهم أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، المعروف بـ "ثعلب" (200 هـ - 291 هـ / 816 - 904 م).

وهو إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد أبرز علماء العربية في القرن الثالث الهجري، وثالث ثلاثة قامت على أعمالهم مدرسة الكوفة النحوية.  فيميلون إلى قراءةٍ أوسع، لا تقف عند حدود التحليل الصرفي، بل تتجاوزه إلى الوظيفة الدلالية العميقة.

فهم لا ينكرون فعلية "ران"، لكنهم يُعطون الأولوية لما تؤدّيه في السياق:

يرون أن الفعل هنا يكاد يتحوّل إلى وصفٍ ثابت (حالٌ مستمرّة للقلب).

ويُبرزون البعد التراكمي بوصفه حالةً وجودية لا مجرد حدثٍ نحوي.

وبهذا يقتربون من فقه اللغة، حيث لا تُدرس الكلمة بمعزل عن أثرها في النفس والمعنى.

خامساً: فقهاء اللغة من الرين إلى الطبع

يتوسّع فقهاء اللغة والمفسّرون في تحليل "الرَّيْن"، فيضعونه ضمن سلّمٍ دلاليٍّ دقيق يصف حالات القلب:

الغَيْن: غشاوة خفيفة تعتري القلب.

الرَّيْن: تراكم الذنوب حتى يصير غطاءً كثيفاً.

الطَّبْع: ختمٌ نهائي يمنع النفاذ.

الخَتْم: إغلاق محكم لا يُفتح.

وهذا التدرّج يكشف أن "الرَّيْن" مرحلة وسطى:

هو نقطة التحوّل من قابلية الإصلاح إلى خطر الانغلاق.

سادساً: البنية البلاغية، اقتصاد اللفظ ووفرة المعنى

تتجلّى عبقرية العربية في هذه اللفظة من خلال:

١- الإيجاز: فعل واحد يحمل منظومة دلالية كاملة.

٢- لاستعارة: نقل مفهوم الصدأ المادي إلى فساد معنوي.

٣- التكثيف: الجمع بين الزمن (الماضي) والاستمرار (كانوا يكسبون).

فاللغة هنا لا تصف فحسب، بل تكشف آلية الانحراف.

سابعاً: في الأفق الفلسفي اللغة كتشخيص للوعي

إذا تجاوزنا حدود النحو، نجد أن "ران" تقدّم تصوراً فلسفياً عميقاً:

الوعي ليس معطًى ثابتاً، بل بنية تتشكّل بالفعل.

التكرار يُنتج طبيعة، لا مجرد عادة.

الانحراف يبدأ خفيفاً، ثم يتراكم حتى يُصبح معياراً.

وهكذا تتحوّل الكلمة إلى مفهومٍ أنطولوجيّ:

إنها تصف كيف يفقد الإنسان قدرته على رؤية الحقيقة، لا لأنه يجهلها، بل لأنه لم يعد قادراً على إدراكها.

خلاصة:

"ران" ليست مجرد فعلٍ ماضٍ في ميزان الصرف،

ولا مثالًا نحوياً يُستشهد به في باب التعدية،

بل هي:

عند البصريين: فعلٌ مضبوط البنية والدلالة،

وعند الكوفيين: حالةٌ دلالية تتجاوز حدود الفعل،

وعند فقهاء اللغة: مرحلةٌ في تدرّج انغلاق القلب،

وفي القرآن الكريم: قانونٌ أخلاقيّ يربط الفعل بنتيجته الوجودية.

إنها كلمةٌ تُثبت أن العربية لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تكشف مصائره.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تحولات المعنى في شعر بدر شاكر السياب.. مقاربة تأويلية في بنية الصورة الشعرية

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف البنية العميقة للصورة الشعرية في تجربة بدر شاكر السياب، من خلال تحليل آليات اشتغال الرمز والأسطورة داخل القصيدة الحديثة، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في إنتاج الدلالة وتشكيل الرؤية الشعرية. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التحول الذي شهده الشعر العربي الحديث لم يكن مجرد تحول شكلي في الإيقاع أو البناء، بل هو تحول في أنماط التفكير الشعري ذاته، حيث أصبحت الصورة الشعرية مركز الثقل في العملية الإبداعية.

وقد أبرزت الدراسة أن السياب استطاع أن ينقل القصيدة من مستوى التعبير المباشر إلى أفق رمزي كثيف، تتداخل فيه التجربة الذاتية مع الموروث الأسطوري والرمزي، مما أتاح للقصيدة أن تنفتح على أبعاد إنسانية شاملة. فالأسطورة لم تعد مجرد استدعاء تراثي، بل تحولت إلى بنية دلالية حية، يعاد تشكيلها داخل النص وفق مقتضيات التجربة المعاصرة.

كما كشفت الدراسة أن توظيف الأسطورة عند السياب يرتبط بسياقين متداخلين: سياق سياسي، يتمثل في الرغبة في التعبير غير المباشر عن الواقع القمعي؛ وسياق وجودي، يعكس أزمة الذات الشاعرة في عالم فقد توازنه القيمي. ومن خلال هذا التداخل، تتحول الأسطورة إلى أداة مزدوجة الوظيفة: تخفي المعنى وتكثفه في الآن ذاته.

وقد انتهت الدراسة إلى أن الصورة الشعرية عند السياب ليست مجرد عنصر جمالي، بل هي بنية معرفية ورمزية، تتقاطع فيها مستويات متعددة من الدلالة (الأسطوري، الديني، الواقعي، النفسي)، مما يجعل القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، يعيد إنتاج المعنى باستمرار.

إشكالية الدراسة:

تنبثق إشكالية هذه الدراسة من محاولة فهم التحول الجذري الذي عرفته بنية القصيدة العربية الحديثة، خاصة في تجربة بدر شاكر السياب، حيث لم يعد التعبير الشعري قائمًا على المباشرة والوضوح، بل أصبح يعتمد على أنساق رمزية معقدة، تتداخل فيها الأسطورة بالصورة الشعرية.

وعليه، يمكن صياغة الإشكالية المركزية على النحو الآتي:

كيف أسهم توظيف الرمز والأسطورة في إعادة تشكيل الصورة الشعرية عند السياب، وفي نقل القصيدة من مستوى التعبير الواقعي المباشر إلى أفق رمزي إنساني مفتوح؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

إلى أي حد تشكل الصورة الشعرية البنية المركزية في القصيدة الحديثة؟

ما طبيعة العلاقة بين الأسطورة والتجربة الذاتية في شعر السياب؟

هل يمثل توظيف الأسطورة عند السياب استعادة للماضي أم إعادة إنتاج له؟

كيف تتحول الأسطورة من حكاية تراثية إلى أداة نقدية للواقع؟

ما حدود التداخل بين الرمزي والواقعي في بناء الدلالة الشعرية؟

وتسعى الدراسة، من خلال هذه الأسئلة، إلى الكشف عن الكيفية التي يتحول بها النص الشعري إلى بنية مركبة، تتجاوز حدود اللغة المباشرة نحو أفق تأويلي متعدد.

مقدمة الدراسة:

لا تُستوعَب تجربة بدر شاكر السياب ضمن منطق التدرّج التاريخي البسيط لتطوّر الشعر العربي الحديث، بل تُقرأ بوصفها لحظةً تأسيسيةً أحدثت انزياحًا نوعيًا في بنية الوعي والرؤية الشعرية ذاتها. ففي منجزه، لا يقتصر التحوّل على تفكيك الإيقاع التقليدي أو إعادة توزيع البنية العروضية، وإنما يمتدّ إلى إعادة تشكيل علاقة اللغة بالعالم، وعلاقة الذات بالتجربة، بحيث تغدو القصيدة مجالًا كثيفًا لتوليد الدلالة، لا وعاءً لنقلها. ومن ثمّ، تنفتح الكتابة الشعرية على أفق تأويلي رحب، تتداخل فيه مستويات القول بين الذاتي والرمزي والأسطوري، في حركة بحث لا تنقطع عن معنى يتفلّت من المباشرة ويستدعي أدوات أعمق للقبض عليه.

لقد أسهم السياب في نقل القصيدة من خطاب وصفيّ تقريري إلى بنية رمزية مركّبة، تحتل فيها الصورة الشعرية موقع القلب من العملية الإبداعية؛ إذ لم تعد الصورة تابعةً للمعنى، بل صارت مُنتِجةً له، ومجالًا لتفاعل الطاقات التخييليّة والمعرفيّة في آن. بهذا المعنى، تتحوّل القصيدة إلى شبكة من الصور المتجاورة والمتراكبة، تُشيِّد دلالتها عبر التوتر بين المرئيّ واللامرئي، وبين التجربة الفردية ومخزون الذاكرة الثقافية. ومن داخل هذا الأفق، يغدو استدعاء الرمز والأسطورة فعلًا بنيويًا لا زخرفيًا، إذ ينهض بوظيفة إعادة كتابة الواقع عبر وسيط تخييلي يضاعف المعنى ويؤجّله ويكثّفه.

وإذا كانت حياة السياب قد وُسمت بالقِصر وبوطأة المعاناة الجسدية والنفسية، فإن أثره الإبداعي قد تجاوز حدود الزمن البيولوجي، ليؤسس حضورًا ممتدًا في الوعي النقدي العربي. ذلك أنّ هذه المعاناة لم تُقِم حدًّا لتجربته، بل تحوّلت داخل النص إلى طاقة دلالية خصبة، أعادت صياغة العلاقة بين الألم والخلق، وبين الانكسار وإرادة المعنى. وهنا تتبدّى خصوصية تجربته في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى أفق إنساني عام، بحيث يجد القارئ في نصوصه صدىً لقلق وجودي مشترك يتخطّى الجغرافيا والسياق.

إن استحضار تجربة السياب في سياق الحديث عن تحولات الشعر العربي الحديث لا يندرج في باب التأريخ فحسب، بل في صميم مساءلة الكيفية التي أعادت بها القصيدة الحديثة تعريف نفسها: لغةً، ورؤيةً، وبنيةً. فقد أسّس الشاعر لمنطق كتابيّ جديد، تتقدّم فيه الصورة بوصفها مبدأ تنظيميًا، وتغدو فيه الأسطورة جهازًا تأويليًا يعيد وصل الحاضر بالمخزون الرمزي للثقافة، دون أن يقع في استعادة ماضوية ساذجة. وبهذا، تتشكّل القصيدة عنده كفضاء تتقاطع فيه الأزمنة، وتتناسل داخله المعاني عبر انفتاح لا نهائي على القراءة.

من هنا، تنبثق أهمية هذه الدراسة من سعيها إلى تفكيك بنية الصورة الشعرية في هذا المنجز، ورصد آليات اشتغال الرمز والأسطورة في إنتاج الدلالة، بما يكشف عن التحول العميق الذي مسّ جوهر الكتابة الشعرية. فالمسألة لم تعد كيف تقول القصيدة، بل كيف تُحوِّل التجربة إلى صور قادرة على احتضان التناقض، واستيعاب القلق، وابتكار معنى يظلّ في حالة تشكّل دائم.

الصورة الشعرية وإعادة تشكيل المعنى في القصيدة الحديثة: من التمثيل إلى الكشف:

تُشكّل الصورة الشعرية في التجربة الشعرية الحديثة مركز الثقل الجمالي والدلالي الذي تتأسس حوله بنية القصيدة برمتها، إذ لم تعد مجرد عنصر تزييني أو تقنية بلاغية ثانوية، بل غدت نظامًا معرفيًا ورؤيويًا يعيد عبره الشاعر إنتاج العالم لا بوصفه معطى جاهزًا، بل بوصفه إمكانية متجددة للفهم والتأويل. فالشعر، في جوهره العميق، لا يشتغل على نقل المعنى في صورته المباشرة، بل على تفكيكه وإعادة تركيبه داخل نسيج تخييلي تتداخل فيه الحواس بالحدس، والمرئي باللامرئي، والمادي بالرمزي. ومن ثمّ، فإن الصورة الشعرية لا تُحيل إلى الواقع إحالة تقريرية، بل تتجاوزه نحو أبعاده الكامنة، حيث يصبح المعنى نفسه نتيجة عملية انبثاق داخلي تنبع من تفاعل الذات مع العالم، لا من مطابقته. وفي هذا الأفق، تتحول القصيدة إلى بنية تصويرية كلية، تتأسس على شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن فصل عناصرها دون الإخلال بوحدتها العضوية، إذ تتآزر الصور فيما بينها لتشكّل رؤية متكاملة للعالم، قوامها الإيحاء لا التصريح، والكشف لا الوصف. ويزداد هذا التصور رسوخًا في الشعر الحديث، حيث تتراجع مركزية اللغة بوصفها نظامًا منطقيًا خطيًا، لصالح الصورة بوصفها طاقة تخييلية قادرة على اختراق حدود الدلالة المستقرة وإعادة فتحها على احتمالات متعددة للمعنى. وفي هذا السياق، يذهب أدونيس إلى أن التحول الجوهري في الكتابة الشعرية الحديثة يتمثل في انتقال مركز الثقل من الكلمة إلى الصورة، بحيث لم تعد اللغة تُنتج المعنى بقدر ما أصبحت الصورة هي التي تُعيد إنتاج اللغة داخل أفق جديد من الإدراك الجمالي، قوامه “الرؤية” بدل “القول”، و”الكشف” بدل “التمثيل”. وهكذا تغدو الصورة الشعرية بنية معرفية معقدة، لا تقتصر وظيفتها على تشكيل المادة الجمالية للنص، بل تمتد لتشمل إعادة بناء علاقة الإنسان بالعالم، عبر تحويل التجربة إلى رؤية، والرؤية إلى معنى مفتوح يتجاوز الحدود النهائية للتفسير. وبذلك، لا تعود القصيدة مجرد خطاب لغوي، بل تتحول إلى فضاء وجودي متحرك، تتجلى فيه الصورة بوصفها أفقًا لإعادة اكتشاف العالم والذات معًا في لحظة شعرية كثيفة ومفتوحة على الدهشة والمعنى في آن واحد.

وهكذا أصيحت الكتابة الشعرية الحديثة، لا تعتمد على الكلمة بوصفها وحدة دلالية مستقلة، بل أصبحت الصورة هي العنصر الأكثر قدرة على إنتاج المعنى، الأمر الذي جعل من الكتابة بالصور قانونًا بنيويًا للقصيدة المعاصرة.

الأسطورة بوصفها بنية رمزية لإعادة تشكيل الدلالة في الشعر الحديث:

تُعدّ الأسطورة في الشعر الحديث إحدى أكثر الآليات البنائية كثافة وعمقًا، إذ لم تعد تُستحضر بوصفها تراثًا حكائيًا منغلقًا ينتمي إلى زمن ماضٍ منقطع، بل تحولت إلى بنية رمزية حية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل داخل السياق الشعري المعاصر. فهي، في جوهرها، ليست مجرد سرديات قديمة عن الآلهة والأبطال والصراعات الكونية، بل تمثل نسقًا تخييليًا عميقًا يعكس البنية اللاواعية للإنسان، ويجسد في الوقت ذاته رؤيته الوجودية للعالم في علاقتها بالولادة والموت، الخصب والجفاف، الانطفاء والانبعاث. ومن ثمّ، فإن استدعاء الأسطورة في الشعر الحديث لا يعني العودة إلى الماضي بقدر ما يعني إعادة توظيفه بوصفه طاقة دلالية مفتوحة، قادرة على تفجير المعنى داخل النص وإخراجه من حدوده المباشرة إلى فضاءات أكثر اتساعًا وعمقًا. وفي هذا الإطار، يتخذ توظيف الأسطورة عند شعراء الحداثة، ولا سيما في تجربة السياب، بعدًا بنائيًا يتجاوز الزينة الرمزية إلى كونه آلية لإنتاج الرؤية الشعرية ذاتها، حيث تتحول الأسطورة من حكاية مستقلة إلى شبكة دلالية تتداخل مع التجربة الذاتية والتاريخية للشاعر. فأسطورة “تموز” على سبيل المثال لا تُستدعى بوصفها قصة عن إله يموت ويُبعث، بل بوصفها نموذجًا رمزيًا لدورة الوجود ذاتها، حيث يغدو الموت شرطًا للخصب، والانطفاء مقدمة ضرورية للانبعاث، في انعكاس واضح لجدلية الحياة في بعدها الكوني والإنساني معًا. كما أن هذا التوظيف الأسطوري يتيح للشاعر تجاوز المباشرة التعبيرية، عبر تحويل التجربة الفردية إلى تجربة كونية تتسع لتشمل الإنسان في عموميته، بما يحمله من قلق وجودي وأسئلة مفتوحة حول المصير والمعنى. وبهذا المعنى، تصبح الأسطورة في الشعر الحديث بنيةً دينامية لا تنتمي إلى الماضي إلا بقدر ما تنفتح على الحاضر، وتُعيد إنتاجه داخل خطاب شعري قائم على الإيحاء والتكثيف والتجاوز، بحيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والرؤى، وتتماهى فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية للإنسان.

الرمز الأسطوري وتحولات الدلالة: من الوسيط الرمزي التعبيري إلى إعادة بناء الرؤية الشعرية:

يُشكّل الرمز الأسطوري في الشعر الحديث، ولا سيما في تجربة السياب، آليةً بنائية ذات وظيفة جمالية وفكرية في آن واحد، إذ لا يقتصر حضوره على كونه وسيلة زخرفية أو إحالة ثقافية إلى مخزون تراثي قديم، بل يتجاوز ذلك ليصبح استراتيجية تعبيرية معقّدة تُتيح للشاعر إعادة صياغة الواقع عبر وسيط إيحائي متعدد الطبقات. فحين يلجأ السياب إلى الرمز الأسطوري، فإنه لا يستدعي الأسطورة بوصفها حكاية مكتملة المعالم، بل بوصفها بنية مفتوحة قابلة لإعادة التشكيل داخل سياق التجربة الشعرية، بما يسمح بتحويل الدلالة من معناها المباشر إلى فضاء رمزي رحب تتداخل فيه المستويات السياسية والوجودية والجمالية. وفي هذا الإطار، يغدو الرمز وسيلة لخلق مسافة بين الذات والواقع، مسافة ضرورية لإنتاج خطاب شعري يتجاوز المباشرة التي قد تُفرغ التجربة من عمقها، خاصة في سياقات القمع والتوتر التاريخي التي عاشها الشاعر، حيث يصبح القول المباشر محاصرًا، وتغدو اللغة نفسها مطالبة بإيجاد أشكال بديلة للتعبير. ومن ثمّ، فإن الأسطورة تتحول إلى وسيط رمزي تعبيري يتيح للذات الشاعرة أن تقول ما لا يمكن قوله بشكل صريح، وأن تفكك الواقع عبر إعادة تركيبه داخل شبكة رمزية كثيفة الدلالة، تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها الطبقات السردية.

وفي هذا الأفق، تتخذ الأسطورة وظيفة بنائية تتجاوز حدود الإشارة الثقافية إلى كونها أداة لإعادة إنتاج المعنى داخل النص الشعري، بحيث تتحول القصيدة إلى فضاء مركّب تتفاعل فيه مستويات زمنية متعددة: الماضي الأسطوري بما يحمله من كثافة رمزية، والحاضر التاريخي بما يفرضه من أسئلة وجودية وسياسية، والمستقبل بوصفه أفقًا مفتوحًا على الإمكان والانتظار. ويزداد هذا التحول وضوحًا في توظيف السياب لأساطير مثل “تموز” و“عشتار”، حيث تتجلى ثنائية الموت والانبعاث بوصفها محورًا دلاليًا يعيد تشكيل التجربة الشعرية برمتها، فالموت هنا لا يُفهم بوصفه نهاية، بل بوصفه شرطًا ضروريًا لولادة جديدة، والانطفاء لا يُدرك إلا باعتباره مقدمة لانبثاق الحياة من جديد. وبهذا المعنى، تتحول التجربة الفردية للشاعر، بما تحمله من ألم ومعاناة واغتراب، إلى تجربة إنسانية شاملة تتجاوز حدود الذات لتلامس البعد الكوني للوجود. كما أن هذا التداخل بين الأسطورة والرمز الديني، ولا سيما استحضار نموذج المسيح بما يحمله من دلالات الفداء والبعث، يعمّق من كثافة الدلالة الشعرية، ويجعل من النص فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتقاطع فيه المرجعيات الثقافية والروحية والفكرية، في انسجام يجعل من الأسطورة ليس مجرد عنصر داخل القصيدة، بل بنية مولّدة للمعنى وإعادة تشكيل للرؤية الشعرية ذاتها.

أنماط توظيف الأسطورة وتقنيات المزج بين الواقعي والأسطوري في شعر السياب:

يتأسس توظيف الأسطورة في شعر السياب على دينامية تطورية واضحة تكشف عن تحول في وظيفة الرمز من مرحلة إلى أخرى، حيث يمكن تمييز مسارين رئيسيين يعكسان طبيعة التحولات التي عرفتها تجربته الشعرية. ففي المرحلة الأولى، تحضر الأسطورة بوصفها أفقًا للتعبير عن الهمّ الجماعي والقومي، إذ تتخذ بعدًا جمعيًا يتجاوز حدود الذات الفردية، كما يتجلى ذلك في ديوان أنشودة المطر، حيث تصبح الرموز الأسطورية وسيلة لتجسيد القلق التاريخي والاجتماعي للإنسان العربي، وما يعتريه من توتر بين الانكسار والأمل. أما في المرحلة الثانية، فإن هذا الحضور الأسطوري ينزاح تدريجيًا نحو الداخل، ليغدو معبرًا عن معاناة ذاتية عميقة مرتبطة بتجربة المرض، والغربة، والشعور بالانطفاء الوجودي، بحيث تتحول الأسطورة من خطاب جمعي إلى خطاب فردي مكثف، يعكس أزمة الذات في علاقتها بالعالم وبالجسد وبالمصير. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين المرحلتين يتمثل في أن السياب لا يتعامل مع الأسطورة بوصفها مادة جاهزة أو بنية مغلقة، بل بوصفها نسقًا قابلًا لإعادة التشكيل، حيث يتم تفكيك عناصرها الأصلية وإعادة تركيبها داخل سياق شعري جديد يدمج بين الذاكرة الأسطورية والتجربة المعاصرة، مما يؤدي إلى ولادة دلالة مركبة تتجاوز مصدرها الأول.

وفي هذا السياق، تتجلى إحدى أبرز سمات الشعر عند السياب في تقنية المزج بين الواقعي والأسطوري، حيث لا يعود النص الشعري قائمًا على حدود فاصلة بين العالمين، بل على تداخل عضوي يجعل من التجربة اليومية امتدادًا رمزيًا للأسطورة، ومن الأسطورة مرآة مكثفة للواقع. فالشاعر يخلق حالة من التماهي بين الذات الشاعرة والشخصيات الأسطورية أو الدينية، بحيث لا تبقى هذه الأخيرة كيانات خارجية مستقلة، بل تتحول إلى امتدادات رمزية للذات، تعبّر عنها وتعيد صياغتها في مستوى أعمق من الوعي. وبهذا المعنى، لا تشتغل الأسطورة بوصفها قناعًا منفصلًا عن الذات، بل بوصفها بنية اندماجية تتداخل فيها الحدود بين الأنا والآخر، بين التاريخ والرمز، وبين الواقعي والمتخيل. ولا يتم هذا التداخل بشكل عفوي أو اعتباطي، بل وفق رؤية فنية واعية تسعى إلى بناء صورة شعرية كلية تتجاوز التقطيع الزمني والمكاني، وتفتح النص على أفق إنساني رحب تتشابك فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية للإنسان. ومن ثمّ، لا يكتفي السياب باستعادة الأسطورة في صورتها الأصلية، بل يعيد إنتاجها داخل بنية جديدة، قد تمتد أحيانًا إلى خلق أساطير شعرية مستمدة من الواقع ذاته، مما يجعل من القصيدة فضاءً توليديًا تتشكل فيه الدلالة باستمرار، وتتحول فيه الحدود بين الحقيقي والمتخيل إلى منطقة تفاعل خصبة ومفتوحة على الاحتمال الجمالي والمعنوي.

فمن أبرز سمات تجربة السياب قدرته على دمج الأسطورة بالواقع، بحيث لا تبقى الأسطورة مجرد إحالة ثقافية، بل تتحول إلى مكون عضوي داخل النص. فالشاعر لا يستدعي الأسطورة ليحكيها، بل ليعيد كتابتها في ضوء معاناته.

ويظهر ذلك بوضوح في استحضاره لشخصيات مثل "تموز" و"عشتار" و"المسيح"، حيث تتحول هذه الرموز إلى تجليات للذات الشاعرة، وتعكس صراعها بين الألم والأمل، وبين الموت والرغبة في الانبعاث.

الأسطورة بين الجمالية وإنتاج المعنى: من التوسيع الدلالي إلى فعل المقاومة والإبداع في شعر السياب:

تتجاوز الأسطورة في تجربة السياب كونها مجرد عنصر جمالي داخل البنية الشعرية، لتتحول إلى آلية معقدة لإنتاج الدلالة وإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، حيث تتداخل وظائفها الجمالية مع أبعادها الفكرية والوجودية في نسيج شعري واحد. فهي تتيح أولًا توسيع أفق الدلالة الشعرية عبر تحرير الصورة من محدودية المعنى المباشر، وإدخالها في فضاء رمزي مفتوح تتعدد فيه إمكانات التأويل وتتداخل فيه الطبقات الدلالية، بحيث لا يعود النص محصورًا في معنى أحادي، بل يصبح شبكة من الإيحاءات المتحركة. كما تسهم الأسطورة في ربط التجربة الفردية للشاعر بالبُعد الإنساني العام، إذ تتحول المعاناة الخاصة إلى نموذج كوني يعكس قلق الإنسان في مختلف تجلياته، فيغدو الألم الشخصي جزءًا من سردية إنسانية أوسع تتقاطع فيها التجارب وتتشابه المصائر. وإلى جانب ذلك، تؤدي الأسطورة وظيفة نفسية عميقة تتمثل في خلق نوع من التوازن الداخلي في مواجهة قسوة الواقع، حيث تصبح بمثابة فضاء تخييلي يعيد الشاعر من خلاله ترتيب الفوضى الخارجية وفق منطق رمزي يمنحه قدرًا من الانسجام والتماسك الداخلي. وفي هذا السياق، لا تشتغل الأسطورة بوصفها زخرفًا فنيًا، بل بوصفها بنية مولّدة للمعنى، تعيد تشكيل الصورة الشعرية لتصبح فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتداخل فيه المستويات الرمزية والوجدانية والتجريبية في آن واحد.

ومن جهة أخرى، تكتسب الأسطورة في شعر السياب بعدًا وظيفيًا يتجاوز الجماليات إلى فعل المقاومة، إذ تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لمواجهة الواقع السياسي والاجتماعي، خاصة في ظل القيود التي تحدّ من حرية التعبير المباشر. فالشاعر يوظف الرمز الأسطوري بوصفه آلية للقول المتخفي، حيث يسمح له بإيصال مواقفه ورؤاه دون الاصطدام المباشر بسلطة الرقابة، وفي الوقت ذاته يمنحه قدرة على تعميق الدلالة وإثرائها عبر الإيحاء بدل التصريح. وهكذا تغدو الأسطورة مجالًا حيويًا للتعبير عن الرفض والتمرد، لكنها أيضًا فضاء لإعادة بناء الذات في مواجهة الانكسار، إذ يجد الشاعر فيها ملاذًا رمزيًا يعيد من خلاله صياغة تجربته الوجودية، ويمنحها شكلًا أكثر اتساقًا داخل عالم تتداخل فيه الهزيمة بالأمل، والانطفاء بإمكانية البعث. وبهذا المعنى، تتحول الأسطورة إلى أداة مزدوجة: فهي من جهة توسّع أفق المعنى وتثري البنية الجمالية للقصيدة، ومن جهة أخرى تؤسس لفعل مقاوم يعيد للشعر قدرته على مساءلة الواقع وتجاوزه، فيغدو النص الشعري فضاءً مفتوحًا على التوتر الخلاق بين الجمال والمعنى، بين الحلم والواقع، وبين الذات والعالم.

خاتمة: الأسطورة والصورة الشعرية في أفق إعادة تشكيل التجربة الإنسانية عند السياب:

تكشف تجربة بدر شاكر السياب عن تحول عميق في بنية الشعر العربي الحديث، تحول لا يقتصر على مستوى الشكل أو الأسلوب، بل يمتد إلى مستوى الرؤية الشعرية ذاتها، حيث يصبح الشعر فعلًا معرفيًا وجماليًا يعيد مساءلة العالم بدل الاكتفاء بوصفه. فقد استطاع السياب، عبر توظيفه المركب للأسطورة والرمز والصورة الشعرية، أن يؤسس لقصيدة تتجاوز حدود التعبير المباشر، لتغدو بنية دلالية كثيفة تتقاطع فيها الطبقات التاريخية بالأسطورية، والذاتية بالجمعية، والواقعية بالمتخيلة. ومن ثمّ، لم تعد القصيدة عنده مجرد انعكاس لتجربة فردية معزولة، بل تحولت إلى فضاء رحب لإعادة إنتاج المعنى داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي تمنح التجربة الشعرية بعدًا كونيًا وإنسانيًا شاملًا.

وفي ضوء هذا التوظيف العميق للأسطورة، يتبين أن السياب لم يتعامل مع الموروث الأسطوري بوصفه مادة جاهزة أو معطى ثقافيًا ثابتًا، بل بوصفه طاقة دلالية قابلة لإعادة التشكيل داخل سياق شعري حديث، حيث يتم تفكيك البنية الأصلية للأسطورة وإعادة تركيبها بما يخدم التجربة المعاصرة. وهكذا تتحول الأسطورة من سردية مغلقة إلى بنية مفتوحة على التأويل، ومن حكاية ماضوية إلى أداة لاستنطاق الحاضر واستشراف إمكاناته. كما أن هذا الاشتغال الأسطوري لا ينفصل عن التحولات التي عرفتها الصورة الشعرية ذاتها، إذ أصبحت الصورة عند السياب بنية مركبة تستوعب التوترات الوجودية والرمزية، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم على أسس تخييلية جديدة.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن تجربة السياب تمثل لحظة مفصلية في تطور الشعر العربي الحديث، لأنها أعادت تعريف وظيفة الشعر من مجرد تعبير جمالي إلى فعل كشف وتأويل وإعادة بناء للواقع. فقد غدت القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الأزمنة والرؤى، ويتداخل فيه الفردي بالجماعي، والواقعي بالأسطوري، في حركة دائمة من إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه. ومن ثمّ، فإن القيمة العميقة لهذه التجربة لا تكمن فقط في تجديد أدوات الشعر، بل في إعادة تأسيس وعي شعري جديد يرى في اللغة والصورة والأسطورة إمكانات لا نهائية لقراءة الإنسان والعالم، وإعادة صياغة علاقتهما داخل أفق جمالي وفكري متجدد ومفتوح على الدهشة والتأويل.

 نتائج الدراسة:

أفضت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج النظرية والتحليلية، يمكن إجمالها فيما يلي:

أولًا، أثبتت الدراسة أن الصورة الشعرية تمثل النواة المركزية في بناء القصيدة الحديثة، وأنها لم تعد مجرد وسيلة للتزيين البلاغي، بل أصبحت أداة للتفكير وإنتاج المعنى، وهو ما ينسجم مع التصورات النقدية الحديثة التي ترى أن الشعر تفكير بالصور لا بالكلمات.

ثانيًا، تبين أن توظيف الأسطورة عند بدر شاكر السياب يقوم على مبدأ التحويل لا الاستنساخ، حيث يعيد الشاعر تشكيل البنية الأسطورية بما يتلاءم مع تجربته الذاتية وسياقه التاريخي، مما يمنح الأسطورة دلالات جديدة تتجاوز معناها الأصلي.

ثالثًا، كشفت الدراسة أن العلاقة بين الذاتي والأسطوري في شعر السياب هي علاقة اندماج، لا مجرد توظيف خارجي، إذ تتحول الشخصيات الأسطورية إلى امتدادات للذات الشاعرة، وتعكس صراعاتها الداخلية.

رابعًا، أظهرت النتائج أن الأسطورة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة وسيلة للترميز والإخفاء، ومن جهة أخرى أداة لتكثيف المعنى وتوسيعه، مما يجعل النص الشعري قابلاً لقراءات متعددة.

خامسًا، تبين أن حضور الأسطورة يرتبط بثيمة مركزية هي ثنائية الموت والانبعاث، والتي تعكس رؤية السياب للعالم، حيث لا يتحقق الخلاص إلا عبر المعاناة والتضحية.

سادسًا، أكدت الدراسة أن المزج بين الأسطوري والواقعي أسهم في نقل التجربة الشعرية من بعدها المحلي العراقي إلى أفق إنساني كوني، مما منح شعر السياب بعدًا عالميًا.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العلمية والمنهجية:

أولًا، ضرورة إعادة قراءة الشعر العربي الحديث في ضوء المقاربات التأويلية التي تركز على البنى الرمزية، بدل الاقتصار على التحليل البلاغي التقليدي.

ثانيًا، الدعوة إلى توسيع الدراسات التي تربط بين الأدب والأسطورة، خاصة في سياق تحليل النصوص الحديثة، لما توفره الأسطورة من إمكانات تأويلية غنية.

ثالثًا، تشجيع المقاربات البين-تخصصية التي تجمع بين النقد الأدبي والفلسفة وعلم النفس، لفهم الأبعاد العميقة للصورة الشعرية.

رابعًا، الاهتمام بدراسة التحولات الدلالية للأسطورة داخل النصوص الأدبية، بدل التعامل معها كمرجع ثابت أو مغلق.

خامسًا، اقتراح إدماج نصوص بدر شاكر السياب ضمن مناهج التعليم، ليس فقط بوصفها نماذج شعرية، بل باعتبارها مختبرًا لتحليل العلاقة بين الأدب والواقع والتاريخ.

سادسًا، الدعوة إلى إجراء دراسات مقارنة بين السياب وشعراء آخرين (مثل أدونيس) للكشف عن تنوع أنماط توظيف الأسطورة في الشعر العربي الحديث.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

للشاعر السوري بديع صقور

الشاعر "بديع علي صقور" من سوريا - اللاذقية – مواليد 1949- يحمل إجازة في الفلسفة جامعة دمشق – 1980 – يتقن اللغة الاسبانيّة إضافة للعربيّة – مارس التعليم في سورية وللجالية السورية في تشيلي – كان عضوا في المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين في سورية لعدة دورات – كلف رئيساً لتحرير مجلة وجريدة "بناة الأجيال" من 2001 إلى 2013- عمل عضوا للمكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب 2015- 2021- كتب ويكتب في العديد من الصحف والمجلات السوريّة والعربية – شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العربية الثقافية – ترجمت بعض أعماله إلى الاسبانيّة والفارسيّة والتركيّة.

صدر للشاعر العديد من المؤلفات في القصة والشعر والسيرة ونصوص أدبية منها:

في القصة:

1- مرفأ طائر الظهيرة. مجموعة قصصية. 2- شمال المغيب – مجموعة قصصية – 3- خريف المطر – مجموعة قصصية – طقوس الغريب – مجموعة قصصية.. وغيرها.

وفي الشعر منها:

2- الدفتر البري لأعشاب البحر – 2- شقائق الخريف – 3- جلنار البحر – 4- تحت فيء النجوم 5- يرث البحر الغبار.. وغيرها.

اخترنا له من ديوانه "مات البنفسج" بعض المقاطع من قصيدة "زهور على نوافذ الروح" أجرينا عليها الدراسة النقديّة التالية:

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة " "زهور على نوافذ الروح":

كثيرة هي المآسي التي تمر بها الشعوب، ويولد بحلولها الألم والعذاب في الروح والجسد معاً، ولكن تظل أقسى هذه المآسي هي تلك التي تولدها حروب أهليّة باسم الدين، فمثل هذه الحروب التي انغرس فيها الحقد والكراهية مجاناً للمختلف في العقيدة أو المذهب أو الطائفة، حتى تحولت إلى ثارات، وفي كل مرة تتفجر فيها مثل هذه الحروب، تضيع البوصلة وينفجر صمام الأمان في حياة الفرد والمجتمع.

وها هو الشاعر السوري " بديع صقور" الذي عاش ويعيش عمق هذه المأساة، شأنه شأن معظم السوريين الذين غربوا وجاعوا وتألموا، وهم يرون شواهد قبور موتاهم قد انتشرت حتى غطت في دلالاتها مساحات كبيرة من حياتهم الماديّة والروحيّة معاً. يصف "الصقور" في قصيدته "زهور على نوافذ الروح" حالة ضياع وطن لم يعرف الأمن والاستقرار لسنين طويلة.. وطن كان في طبيعته الجغرافيّة والاجتماعيّة حديقة غناء حوت كل ما هو جميل في مكوناتها.. ولكن شهوة السلطة التي اتخذت من الدين وسيلة للحفاظ أو الحصول عليها راحت تنشر الخراب والدمار وغربة الروح والجسد وتدمير كل ما هو جميل في هذا الوطن، فكانت حرباً أهليّةً حطمت البشر والحجر معاً.

يقول الشاعر: الصقور" واصفاً حالة مأساة شعبه ووطنه: لقد (أفل الربيع.. وخبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف).. لقد غابت ملاعب الطفولة البريئة في وطنه، فلم يعد الأطفال يمتطون أحصنة القصب.. ولم يعودوا يلاحقون فراشات أزهار وورود حقولهم الزاهية، لقد جرفتهم سيول الحرب، وغرق الجميع في (مائها الآسن ولم ينتشلنا أحد!.. ).. هناك في بساتين الخير والعطاء (حل العطش.. وحطت طيور الخريف.. ). التي راحت تبحث عن ما يسد جوعها في حياة اليباس.. (ياه ! كم كانت حزينة ليالي بساتين العطش؟.).. فتحت ظلال الشمس راح الناس يستجدون الغيوم المسافرة كسحابات صيف حُصًتًهْم من المطر، ليروا بها زهور أعمارهم الذابلة..  ومع حرقة الألم التي اخترقت كل مشاعر وأحاسيس الشاعر "بديع صقور" راح يناجي نفسه قائلاً: (ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً من عروق أشجارنا.. التي على وشك اليباس.). لقد حل الموت والفقد في وطننا، وانتشرت أرواح من قتل كأنها (زهور على نوافذ الشمس)..

إن عمق الحقد الذي دار حول هذه الأرواح الكثيرة من أبناء الشعب السوري، حول هذه الأرواح إلى طيور شاردة فقدت أمنها في قبورها التي راحت تنبش باسم الدين.. حتى أن النجوم التي تفتحت أزهارها في المساء كانت (تتأهب للبكاء!.) من شدّة المأساة.. مؤلم هو التشرد والهروب من الجوع أو الخوف أو الموت المحتوم.. فها هو الشاعر "صقور" يدردك عمق مأساة التشرد فينصح من فرض عليهم التشرد قائلاً: (قبل أن تدير وجهك وتبتعد.. تزود قليلاً من خضرة الوجوه، والجبال، والشمس، والأغاني.. قبل أن يمر عليهم خريف جديد.). وكأنه يريد القول بأن المأساة لن تنتهي فهي قدرنا الذي فرض علينا بسبب جهلنا وأنانيتنا.

البنية الفكريّة للقصيدة:

كثيرة هي المآسي التي تحل على حياة الشعوب، قد تكون طبيعيّةً كالزلازل والسيول والبراكين والجفاف والتصحر، ولكن الأكثر خطورة على حياة الطبية والمجتمع معاً، هي المآسي التي يولدها المجتمع لنفسه بسبب الفقر والجوع والتمايز الطبقي.. أو بسبب أنظمة استبداديّة تمارس ظلمها وقمعها على الشعوب. أو بسبب الخلاف في العقيدة الدينيّة أو الوضعيّة وتفريعاتها وخاصة الطائفيّة والمذهبيّة منها. فالتعصب الديني هو من يورث الحقد والكراهيّة والثأر الذي تظل جذوته تسعر لآلاف السنين في عقول وقلوب ونفوس المختلفين الذين ينتظرون دائما الفرصة، بل يخططون لها في السر للانتقام الذي أصبح وسيلة حياة عندهم.

البنية السيمائيّة لعنوان القصيدة:

من خلال تتبعنا للبنية السرديّة للقصيدة، يتبين لنا كيف جاء عنوان القصيدة " "زهور على نوافذ الروح" مطابقا في دلالاته تماما مع البنية السرديّة أو الحكائية للقصيدة. فإذا كانت البنية السرديّة والفكريّة تحكي عن حالات الضياع والتشرد والظلم واستغلال الدين، وبالتالي تلاشي كل ما هو جميل ومزهر في بنية حياة المجتمع السوري بسبب تلك الحرب الأهليّة التي امتدت عقد ونصف من الزمن، فعنوان القصيدة هو تشبيه بليغ في الحقيقة بين حياة المجتمع السوري المتآلف كحديقة زهور في كل مكونته، وبين ما يعيشه أبناء الشعب السوري اليوم من كره للمختلف، الأمر الذي أدى إلى دمار بنيته الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة وحتى السياسيّة، فعمت الفوضى واليباس واللامعقول حياة المجتمع.

"التّعبير" و"العبور" في القصيدة:

إذا كان (التّعبير) في الشعر يتمّ في يقظة الحواسّ، نتيجة لاستحضار الموجودات بهذه الحواس ذاتها، فإن (العبور) يتمّ بالرؤيا المجرّدة والتخيل أو المجاز أو الرمز، من هنا فـ (التّعبير) يقتضي يقظة الحسّ، وعند غياب هذه اليقظة، يتمّ (العبور) عبر التّخيُّل والرّؤيا المجرّدة والرمز، وهذا ما وجدناه في قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" " للشاعر "بديع صقور" الذي اتكأ كثيراً على التخيل والرؤى المجردة والرمز في البنية السرديّة للقصيدة، حيث نجد هذه الرؤى تغطي مساحة كبيرة من هذه البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة: (خبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ..) أو في قوله: (حصاني القصب.. فراشات طفولتي وأنا.. جرفتنا سيول الحرب.. غرقنا في مائها الآسن.. ولم ينتشلنا أحد! كغيمة صيف.).

هنا كما يتبين معنا، يغيب الاحساس المباشر بالأشياء عند الشاعر "صقور" ويبقى التخيل والرمز والاشارة والتلميح للأحداث التي تعبر عنها القصيدة، غارقة في خيال الشاعر وأحاسيسه المفعمة بالمأساة، لترسم من هذا الخيال عوالم لأشياء تجعل المتلقي يلهث وراء كشف أسرارها، وهذا ما منح القصيدة غموضاً في التقاط الدلالات الحقيقية للحدث سنبينه بعد قليل.

التجريد والغموض في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعر "بديع صقور" من خلال قدرته على التجريد، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة والتلميح، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أو التعبير عما هو موجود وراءها أو في جوهرها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد، وكأنّ الشاعر المصوِّر المبدِع، يصوِّر عبر رموزه وإشاراته وتلميحاته ما يتمناه، لكي يمحو "الصّورة" الحقيقية التي يريد البوح بها وإيصالها إلى المتلقي عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه وهذا ما يتجلى في قوله: (في بساتين العطش.. حطت طيور الخريف.. ياه! كم كانت حزينة ليالي بساتين العطش؟). أو في قوله: (تحت شمس الظلال.. نستجدي الغيوم المسافرة لتمنحنا حصتنا من المطر.. لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.. ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً من عروق أشجارنا، التي على وشك اليباس.).

هكذا نرى كيف استطاع الشاعر "صقور أن يتجاوز المباشرة في التعبير عن مأساة مجتمعه، ليعبر عن ما يراه أو يعيشه حسيّاً، بطريقة تخييليّه، فالصّورة التي عبر فيها عن عمق المأساة، لم تأت زخرفاً وشكلاً مجانيّاً، وإنّما جاءت من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى أعمق بكثير مما هو حسي. وبالتالي لم تكمن أهميّة الصّورة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما، وباباً يقود الناظر أو المتلقي إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات الفرديّة أو في الطّبيعة أو المجتمع. كقول الشاعر: (أرواحهم زهور على نوافذ الشمس.. اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.. كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.). أو في قوله: (قبل أن تدير وجهك وتبتعد.. تزود قليلاً من خضرة الوجوه والجبال، والشمس، والأغاني.. قبل أن يمر عليهم خريف جديد.). هذا إضافة إلى استخدام الشاعر للرمز كثيرا في القصيدة، الأمر الذي عمق في غموضها عند المتلقي. فاستخدامها لمفردات مثل: (الربيع، صوت العندليب، كغيمة صيف، حصاني القصب، فراشاة طفولتي، طيور الخريف، الغيوم المسافرة، عروق أشجارنا.. ). إن كل مفردة أو جملة هنا تحمل دلالات كنا قد أشرنا إليها من خلال السياق العام في نقدنا للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة.

إن نص قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" يظل عند المتلقي مفتوحاً في دلالاته، بناءً على ثقافة المتلقي ودرجة اهتمامه بمأساة مضمون النص، وعلى هذا الأساس يتفاعل المتلقي مع النّصّ ويمارس إحساساً شخصيّاً وثقافة خاصّة تُوجِّه متعته وفهمه في إطار منظور خاصّ به.

الصورة في القصيدة.

يعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في الأداء أو التعبير من جهة، ومن جهة أخرى تعد مقياساً فنيّاً وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها البلاغيّة والموسيقيّة والتخيليّة، التي تجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل.

لقد شكلت الصورة عنصرًا بارزًا ومهمًّا في هذا النص الشعري، إذ لجأ الأديب "بديع صقور" إلى تغليف أفكار النص بالصور التخيليّة، المشبعة بالعبور والغموض معاً وتثبيتها في نفس وذهنية القارئ. وهذا ما أيقظ العواطف والعقل معاً عند المتلقي من لغتها التصويريّة. لقد كان الشاعر أكثر قدرة على التعبير في بوحه من التقرير. وبالتالي كلما كان الأدب تعبيريًّا كانت الصور هي التي تتشكل في ذهن القارئ أكثر. أما حين يكون الأدب تقريريًّا فإن الأفكار تطغى على الصور.

لقد جاءت الصورة عنده جزئيّة ومباشرة ومشبعة بمفردات البلاغة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، كما في قوله: (وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف).. (حصاني القصب.. فراشات طفولتي، وأنا جرفتنا سيول الحرب، غرقنا في مائها الآسن). أو في قوله أيضاً: (أرواحهم زهور على نوافذ الشمس.. اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.. كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.). ولكون الشاعر استطاع أن يجعل من تراسل صوره حكاية أو أقصوصة قهر وظلم وفقد وغربة، فقد أَلَفَتْ هذه الصور الجزئيّة مع بعضها نسيجاً حيّاً من الدلالات المتكاملة والمترابطة ليس مع بعضها فحسب، بل ومع مكونات وخلجات الشاعر النفسيّة والفكريّة أيضا لتصبح في الغالب صوراً جديدةً من نسج جديد، يتراءى فيها عالم الشاعر الداخلي وارتباطه بعالمه الخارجي، الذي تدفقت عواطفه وأحاسيسه نحوه دون حساب من أجل الارتقاء به وتجاوز محنته.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ونظام الوزن الصارم في الشعر، إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، ومن ثمة صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي، بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة بوصفها مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثله قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" للشاعر "بديع صقور"، الذي استطاع عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفها في النص الشعري، أن يقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، (كاد) أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. يقول الشاعر: (خبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف). (تحت شمس الظلال.. نستجدي الغيوم المسافرة لتمنحنا حصتنا من المطر.. لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الصور التخيليّة والحسيّة بكل جماليتها ومصداقيتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك خوالج الروح والجسد معا. لقد استطاع الشاعر عبر كل هذه الصور الحسيّة والتخيليّة التي وظفها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصه كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

اللغة في القصيدة:

لقد توشحت لغة القصيدة بالسماحة والسهولة والترابط والسبك والغموض في الدلالة. والأهم أنها كانت لغةً فصيحةً بسيطةً في الظاهر، بيد أنها ليست لغة تقريريّة. إن حسن اللفظ في القصيدة حقق إلى جانب كل سماتها التي أشرنا إليها، رنتها الموسيقية اللذيذة في الأذن أيضاً، فكانت اللفظة الواحدة منسجمة مع بقية أجزاء الكلام، وهنا يكمن سر غرابة السبك وبراعة الصياغة وفن التعبير.

ملاك القول:

نحن أمام نص شعري مأساوي يجنح نحو العقل منبهاً، مثلما يجنح نحو العاطفة حزناً وقهراً على مأساة وطن أيضاً، وهذا ما يجعل المتلقي يقف كثيرا أمام كل مفردة أو عبارة وردت فيه، يبحث عن دلالات في رموزه وإشاراته وبنيته السرديّة بشكل عام. مثلما نحن أمام شاعر محترف، ومبدع في التعبير عن عمق أحاسيسه الداخليّة وخلجات هذه الأحاسيس والعقل معاَ، وبالتالي قدرته على نقل هذه الأحاسيس والمشاعر إلى المتلقي ليشاركه المأساة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

زهور على نوافذ الروح

أفل الربيع

خبا صوت العندليب

وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ

كغيمة صيف.

2-

حصاني القصب..

فراشات طفولتي، وأنا

جرفتنا سيول الحرب،

غرقنا في مائها الآسن

ولم ينتشلنا أحد!

3-

في بساتين العطش،

حطت طيور الخريف..

ياه ! كم كانت حزينة ليالي

بساتين العطش؟.

4-

تحت شمس الظلال

نستجدي الغيوم المسافرة

لتمنحنا حصتنا من المطر،

لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.

ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً

من عروق أشجارنا، التي على وشك اليباس.

5-

أرواحهم

زهور على نوافذ الشمس..

اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.

كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.

6-

قبل أن تدير وجهك وتبتعد،

تزود قليلاً من خضرة الوجوه،

والجبال، والشمس، والأغاني،

قبل أن يمر عليهم خريف جديد.

***

الشاعر بديع صقور

 

إنّ العلاقة التي تربط البنية الدلاليّة بالبنية التصوّرية، هي علاقة تأويليّة من خلال اللغة الشعريّة النصّية، وما يحمله النصّ من مؤثرات تؤدّي إلى حركة الألفاظ، ومن الطبيعي أن تحوي النصوص حركات فعليّة، بعضها تنبيهيّة وأخرى تواصليّة، تجمعهم موضوع الصلة في المساحة النصّية.

من طبيعة النصّ الشعري ومن خلال ثقله يتجاوز الواقع المحدود بصفاته، لذلك يعتمد الشاعر على القول التنبيهي والتحريضي، ويعتبر مثل هذا القول دلالة غير واضحة، وإنّما يستمدّ عمله من خلال السياقات الدلاليّة التي تتجاوز زمنيتها، فيظهر النصّ الشعري مطرزاً بإشاراته ورموزه وذلك من خلال بنائه اللغوي. إنّ النظرية التصورية ترتكز على مبدأ التصوّرات المتمثلة بالمعاني المتواجدة في ذهنية الشاعر، وهي تعود للفيلسوف الانكليزي (جون لوك) وأطلق عليها بالنظرية العقليّة. (وهذه النظرية تعتبر اللغة "وسيلة أو أداة لتوصيل الأفكار". وما يعطي تعبيراً لغوياً معنى معينا استعماله بإطراد "في التفاهم" كعلامة على فكرة معيّنة. الأفكار التي تدور في أذهاننا تملك وجوداً مستقلاً. – د. أحمد مختار – علم الدلالة – ط5 لسنة 1998م - ص 57).

نتواصل مع الشاعر العراقي طالب حسن وقصيدته (إيواءات)، حيث أنّه اعتمد التقطيع المرقّم، وهذا يعني أن تواجهنا عدّة نصوص تحت مسمّى واحد، أي أنّ الغرفة النصّية التي تحضن تلك النصوص تلوّح للمتلقي وما يقدّمه من انزياحات ورموز ودلالات واستعارات تصوّرية، صنّـفها ضمن علم التركيب النصّي.

1= النواميس المستعادة + أقاويل فقدت + بصيرتها

2= عظامك هشة + أيتها البلاد + مثل حلم قابل + للأنكسار

3= لماذا في كل موسم + تتعرين كما الأشجار + وتفتحين فخذيك لقلق + ولادة جديدة؟

إنّ بيان قيمة النصّ تأتي بالدرجة الأولى عندما يتكئ الشاعر على العجائبيّة والغرائبيّة، ويبتعد عن الواقع المباشر، ومن هنا يُدخلنا إلى فلسفة المعنى التي لا تجد اتفاقاً معيّناً بين النظريات والأطروحات المتعدّدة، لذلك تختلط في النصّ بصيغته الاندماجيّة علاقات تصويريّة بعضها تأتي من الخارج على شكل محسوس يقتحم الذات، وبعضها يكون متعلقا بالذات الحقيقيّة، والذاكرة لا تبتعد عن المتعلقات والأفكار والهواجس، كلّها لخدمة المعنى وكيفية توصيله للمتلقي. (إذن فالتصوّرات المختلفة التي تحقق نتيجة عملية واحدة، والتصوّرات التي لا ينتج عنها آثار لا معنى لها. – د. محمود فهمي زيدان – في فلسفة اللغة – ط1 لسنة 1985م، دار النهضة العربية، بيروت - ص 97).

نلاحظ أنّ الشاعر طالب حسن، يمثل البلاد بالكائن، كائن حسّي حركيّ، ومن خلال هذه التشبيهات والتصوّرات تتمركز أيقونة المعنى على نتائج معيّنة، (عظامك هشّة)، إذن نتيجة الهشاشة عدم التحرّك بالصيغة التي يتصوّرها المرء.

4 = قبل أن أعرفها + لم أكن أفهم كيف  أو لماذا + القتلة.... + والسفلة... + يتناسلون

5 = لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء + فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي

6 = الخطأ ليس في الكرسي + ولا بالجالس عليه... + الخطأ في ذاكرة الأشجار + التي شاخت مبكرا

من خلال دلالة المفاهيم النصّية ينطلق الشاعر بأسئلة، وكلّ سؤال جواب لهذا المفهوم، فالقتلة مثلا، لا تحتاج إلى مبيّنات تدعم المفردة، بل هي ضمن المفهوم الدلالي للنصّ، أي تابعة لسياق معيّن ولا يمكننا تجزئة المفردة، وكذلك ربط هذا المفهوم بالمقطع الثاني (لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء)؛ إذن العلاقة متوازنة بين القتلة وبين الشهداء. فالأولى حنطها بالاستفسار (وأراد أن ينتقص من المفردة) بينما نلاحظ أنّه جعل الثانية في إطار الاحترام (لا أستطيع التخلص/ فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي).

إن صورة الحياة الكائنة أمام الشاعر هي نفسها اللعبة اللغويّة التي دجّنها في منظور الدلالة اللغويّة من جهةٍ، وفي دلالة المعنى من جهة ثانية. وإنّ فكرة الوجود التي أطلقها الشاعر لا معنى لها إلا ضمن إطار التصوّرات، حيث تمتدّ المعاني عبر النصوص المقطعة والتي أراد أن تكون ضمن اللغة بالضرورة.

7 = العالم يضج بالحماقات + حتى وإن تظاهر + بالبراءة 

8 = حين تشظى وجهه في المرايا + صار يتلقى الصفعات + من بغايا الأرصفة 

9 = ذنوبهم كبيرة + أولئك الذين قنصوا الطيور + من على الأشجار + والورود من على الحدائق

تنتمي بعض المقاطع إلى القوّة الدلالية من خلال تغييرات التواصل اللغوي، مثلا هناك القوّة العقلية للتفكير، وقوّة المفردة التي تحافظ على المعنى (المفردة الذكيّة)، وقوّة الأشياء، والتي تنتمي إلى الطبيعة، وقوّة الكائن، وتنتمي إلى القوّة النفسية. تتوزّع هذه الدلائل على المعاني من جهة، وعلى قوّة الأفعال وحركتها النصّية من جهةٍ ثانية. لذلك عندما تطرق الشاعر إلى العالم، فإنّنا نعبّر عن ذلك بقوّة الملاحظة، وتعتبر الدلالة التواصليّة ذات علاقة مع قوّة الإدراك الذاتي. ومن ثمّ لم يتوقف الشاعر في مجال معيّن بل دمج بعض الأشياء من خلال قوّتها التركيبيّة في النصّ المكتوب.

10 = الذئاب التي أدمنت الافتراس + تعلمت القنص من دمى + السيرك 

11 = هكذا يمضون + لا حلم في اليد + لا جهة يشيرون + إليها..

سحر الجملة، أو الحيلة الكلاميّة التي يرافقها الانزياح أو بعض الأشياء الرمزيّة التبادليّة، كلّها تؤدّي إلى غرائبيّة اللغة، فاللغة النصّية تعتمد بصيغتها القصديّة على تغيير المعنى اللفظي، لذلك فالمعاني المكتومة، تكون دائماً خلف سياقات لغوية تخصّ النصّ ولو كانت من خارجه.

إنّ عناصر التشبيه واعتماد بعض الرموز ومنها مثلا (الذئاب، السيرك والحلم) هي مفردات أراد منها الشاعر أن يشكّل نسقاً معيناً موازياً للمعاني والتأويلات النصّية.

لقد قدّم الشاعر العراقي طالب حسن نصّاً اعتمد على شبكة من العلاقات الداخليّة والخارجيّة المتداخلة، وقد أثر المحسوس الخارجي على فطنته في الدخول إلى وحدات من المعاني وأخرى وحدات لغويّة، وحرّك الأحاسيس والتكوينات واللوازم التي تؤدّي إلى الخلق النصّي.

***

كتابة: علاء حمد

..........................

إيواءات

النواميس المستعادة

أقاويل فقدت

بصيرتها

2

عظامك هشة

أيتها البلاد

مثل حلم قابل

للأنكسار

3

لماذا في كل موسم

تتعرين كما الأشجار

وتفتحين فخذيك لقلق

ولادة جديدة؟

4

قبل أن أعرفها

لم أكن أفهم كيف أو لماذا

القتلة....

والسفلة...

يتناسلون

5

لا أستطيع التخلص

من قوائم أسماء الشهداء

فهم حتى بعد رحيلهم

لا زالوا يسقون براعم حلمي

6

الخطأ ليس في الكرسي

ولا بالجالس عليه...

الخطأ في ذاكرة الأشجار

التي شاخت مبكرا

7

العالم يضج بالحماقات

حتى وإن تظاهر

بالبراءة 

8

حين تشظى وجهه في المرايا

صار يتلقى الصفعات

من بغايا الأرصفة 

9

ذنوبهم كبيرة

أولئك الذين قنصوا الطيور

من على الأشجار

والورود من على الحدائق 

10

الذئاب التي أدمنت الافتراس

تعلمت القنص من دمى

السيرك 

11

هكذا يمضون

لا حلم في اليد

لا جهة يشيرون

إليها..

***

طالب حسن - العراق

مرابع كينونة الفاعل الذاتي

توطئة: بقي نشاط كينونة الفاعل الذاتي في إدراك أشياء الوجود الذاكراتي المتخيل في رصيد اهتمامات الشاعر بمثابة المدار البحثي التنظيري والاجرائي منذ أقدم المفاهيم المعرفية والفلسفية في شعرية توجهات الشاعر عبر نصه بوصفه الأداة التي يختزل منها وفيها الشاعر لوجود أوليات صوره وأفكاره المنشطرة بين هويته الذاتية وعلامات عوالمه الدالة سعيا للاقتراب من بواعثه المخصوصة في الذاكرة وعين اللحظة الحاضرة من حيز محمولات الذاكرة الخيالية. جاءت قصيدة الشاعر الفرنسي أرثور رامبو الموسومة بـ (الشاعر في السابعة) تجسيدا لملامح انطولوجية ــ ذاتية، عبر ربطهما بما تحمله الذاكرة من شواهد ومكونات كينونية متخيلة تلتقي فيها الذات الحلمية بما تثيره من صور وتكوينات سيكولوجية خاصة.

ــ السارد الشعري وأهواء الطفولة المنفعلة

من هنا نجد في مستهل مقاطع القصيدة الأولى ثمة مرجحات خاصة تتوزعها (الذاكرة ــ الصور ــ المتخيل) ضمن شكلية وصفية في الوحدات سردا شعريا:

.. وأغلقت الأم كتاب الدرس، وهبت ماضية

وهي فخورة.

لكنها لم تر النظرة

في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب

ــ تحت الجبهة العالية،

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إن التأكيد على المعنى الأساسي في الجمل الشعرية، هو (غضب الطفل) حيث أن شكل المعنى في هذه المقاطع لا يمكننا حصره في رأينا في مراهنة أهوائية تسلك مجالا انفعاليا من داخل وخارج الذات الموصوفة، وهذا النوع من الأداء غدا جاريا على لسان السارد الشعري إذ يمتاز بالرؤية وفيض موجهات الرقيب الشعري (.. وأغلقت الأم كتاب الدرس) لعل من الملفت إلى الانتباه أن حركية دال الأم في موجهات الجملة، مبعثها سيرورة خفية من عدم اللامبالاة التي تتعارض وسورة السخط التي تحيط بدال الطفل، فلا نعلم هل هي سيرورة مفترضة من جهة الأم الأدوارية ؟ أم إنها الهيمنة الذاتية التكرارية بإعطاء الدروس القسرية على قيد رفضية الطفل الدال ؟ أم إن هناك مستويات خاصة لهذه التراتيبية النمطية اللامتوازنة (لكنها لم تر النظرة ــ في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب ــ تحت الجبهة العالية) إن الراوي الشعري ها هنا يسعى نحو خلق علاقة طريفة متنافرة بين حالات الأم (و هي فخورة راضية) وبين قصدية إلتباسية تنتهي بغضب الطفل من جراء تجربة الدرس وشواغلها القسرية بوعي مقارب لآليات العنونة المركزية عبر علاقاتها اللفظية والدلالية المسكونة بروح التنافر السلبي:

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إذ إن الجمل الواردة أعلاه تسعى من خلالها الذات الساردة إلى خلق شكلا آخر يتجلى فيه دال الطفل في المتن النصي تجليا ذات مساحة ملتبسة في الكشف والكشوف، لذا فهي تستجيب سلبيا عبر ملفوظها المهيمن وتركيزا قصديا شديدا يقود فيه السارد حمولاته التلفظية عبر حركة الدوال وتشكيلها بالصور وبث السؤال العائد إلى فضاء الكائن الطفولي المتحرك تحت العمودي الساقط من ثريا العنونة المركزية، لذا جاءت جميع علامات التنقيط والفواصل، بذلك المصرح به عبر ضميري (الأنا الساردة ــ هو) وصولا إلى ذروة المتن النصي وتحولاته المتحركة عبر حساسية الفعل والاجراء والاقفال:

و ظل طوال اليوم يتصبب بالعرق

من فرط غيظ مطيع

ولد ذكي الفؤاد ! لكنه رغم ذلك بدا وهو يكشف عن

نفاق مرير

بأفانين من قاتم القلق.

لا شك في أن آلية عقدة الغضب لدى الطفل هي آلية هبوط إلى مستوى الملتبس بتشكيله بدلالة تواصلية الألم الذي يقود إلى منظومة أفعال آنوية في سياقها التشكيلي، لذا فإنها انفعالية ترتد بنا إلى ذلك السؤال الكبير: ما حدود حقيقة غضب الشاعر طفلا ؟ فهل هو الغضب الأزلي الذي لا بد منه لإتمام حساسيته الشعرية ؟ أم إنه الغضب المزهو المبتهج قيدا ؟.

ــ معزولية كائنية الذات وطقوس سكينة الهواجس

تنحو بنا ذاتية السارد الشعري بزمن طفله الشعري بذلك المنحى الذي يجعل من سكينة الأشياء ملاذه الإشكالي الذي يسلك إليه كقطيع أزلي تتمركز فيه آنويته كصيغة تقودها متاهة التمركز:

و في الدهاليز المزورقة بأبسطة حائلة

كان يمد لسانه، ويشد القبضتين

إلى فخذيه بقوة،

و يرى بعينين مغمضتين

بقعا من الضياء.

إن مرويات السارد ترتكز في بنيتها الدلالية على جملة غريبة من الأوصاف الشعرية إلا إنها بدت لنا من جهة ما تتعرض إلى حالة خاصة من الترميز والانزياح في الرؤية واللغة الشعرية، لذا تصبح بمقتضاها الفكرة الشعرية إلى موضوعة ملتبسة وصورا غرائبية تحيل الذوات إلى ملامح مفارقة في التكوين الدوالي والصوري: (كان يمد لسانه، ويشد القبضتين) كل هذه الصور هي من الكشف الانفعالي بثبات صيغة الأهوائية الذاتية في موصوف المعادل (الدهاليز ــ أبسطة ــ حائلة) إذ لا شك أن  (الدهاليز) ترتبط في عملية تكريس صورية المضمر والمكظوم من خيبات الذات عبر جملة التكثيف (و يرى بعينين مغمضتين) إلى ما هناك من سلسلة خاصة من الإيحاءات والإحالات المكرسة في سياق لفظي غاطس برؤى وأفكار سوداوية تتجسد على هيئة خلاصة ذاتية وحيدة (بقعا من الضياء) تنطوي هذه الجملة الأخيرة على إزاحة زمنية كفاصلة خطية تقارب حلولية الملاذ الخلاصية بوصفه بديلا حتميا عن فراغ الداخل الذاتي وتصحره وموته.

ــ الفضاء الدوالي بين الدلالة المكانية وآليات النص

إن ما نريد التوكيد عليه هنا، أن (الفضاء الدوالي) تترتب بمقتضاه الأفكار والمعاني ضمن حدود ما يتوخاه الشاعر من إيرادات خاصة في إانتاج الدلالا، لذا فالشاعر يتعامل مع حيثيات فضاءات دواله بما ينبغي تقديمه من وظائف الدلالات، ويؤخر ما ينبغي تأخيره منها وهذا الأمر ما تقتضيه معايير الشعرية التي تتعلق بلغة الخطاب الفضائي:

وانفتح باب على المساء

وحينذاك

ــ عاليا،، تحت خليج من الألأ

يتدلى من السقف، على قمة السلم ــ ابصروه

يهتف كالديك من هناك.

و بطبيعة الحال يصبح للفضاء ذلك التأويل المضمر إذ يقضي بتطرف الذات المتداخلة وصوت السارد في تقديم رؤى الفضاء ضمن الاستعدادات التي تدفع بالرؤى المتهيئة إلى ملازمة الجوهر (و انفتح باب على المساء) بصفات لا تميل لها تلقائية النفس بل إن المتعة الحقيقية له تكمن في وصفه ضمن مقاصده وصياغته بتحويل السياق المكاني إلى ظاهرة من المعنى المؤول (يتدلى من السقف) أو بجوار جملة اللاحق (أبصروه يهتف كالديك). إن ما ينبغي التأكيد عليه ها هنا لأجل إمكانية الربط التراكيزي، وهو الاستخدام للظاهرة الصوتية وهي تشكل بذاتها ذلك الاختزال في ثنائية دمجية خاصة بين صوت الدال الفاعل وصوت السارد الشعري، في الوقت الذي غدا فيه التصور الفضائي لمساحة القول بمثابة الانعطافة الزمانية بين الجهات الدوالية (باب على المساء ــ عاليا، تحت خليج من اللألأ ــ يتدلى من السقف ــ على قمة السلم) ولكن لا يمكننا بسهولة أن نزج هذه الانماذج في خالقية دلالية ما دون أن نعرف مسبقا القيمة الوظيفية من الاقتراح العنواني (الشارع في السابعة) خصوصا وإن إمكانية البوح الدوالي غدت جملة من التصورات الخارج إطار كينونة الذات المشار إليها فاعلا، لذا يستدعي الواقع البحثي منا استدراك صورة الذات الواقعة دون شعورنا بأرتباطها مع مكونات الحكي الوسائطي:

و في الشتاء

حين تتضوأ الحديقة الصغيرة

وراء البيت،من نور القمر،

ــ تغسلها كل عطور الظهيرة.

كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار،

مختفيا في الأرض الوعيرة،

إلى صرير العرائش الجرداء.

هنا يعود الشاعر لبني تصوره في رصد الفضاء المكاني ظاهراتيا على لحظة الانبثاق الصورية التي ولدت شعورا ساذجا أوليا، وهكذا فقاعدة الرصد (و في الشتاء) تنطلق من محددات مشخصة من حالات المساحة الفضائية (حين تتضوأ الحديقة الصغيرة) والوساطة الحلمية بالمكان الأولي يشكل بذاته ذلك المحور الطبيعي الذي يؤاخي مأوى الطفولة وحضور كينونة اللحظة الأولى للأنسان في طفولته (كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار، مختفيا في الأرض الوعيرة) فباشلار يرى أن كل ركن في البيت وكل زاوية في الحجرة، وكل بوصلة في المكان المنعزل الذي يقودنا إلى الاختباء فيه، هو ما يشكل بذاته الانطوائية على انفسنا كرمزية للعزلة والرغبة في الانزواء بوصفهما كونا آخر له دلالته.

ــ تأويل أكوان الذات وسكينة المخيلة الحلمية

1ــ المرجعية الذاتية في ضوء استقصائية الطابع الرمزي:

إن العناصر العاملية  في شواغل نمو الذات النواتية، تمثل بطبيعتها بنيات معقدة من حوافز المعارف النفسية (الحسية ــ اللاحسية) وفضلا عن ذلك فإن العنصرية العاملية للذات تمتاز بكونها متغيرة ومتمحورة حول تغايراتها في مسار أدائية المعنى:

شاخصا إلى الرؤى حتى يترنح منه البصر.

يا لقلبه الفض! إنه اختار

ــ رفاقا دون الآخرين ــ

أولئك الأطفال الأشقياء

ذوي الجباه الخلية الملساء

والعيون المعفرات، والخدود الملطخة بالطين

والأصابع التي هي كالدود

النحيلة، العليلة،

المندسة في أطمار للوحل فيها ريح.

و قد وضع الشاعر رامبو يده على الأوضاع الإشكالية بوصفها مصدر بؤس طفولة الشاعر، والشاعر لا يقف عند وصف الصفات الظاهرة من موقعية الدوال الأخرى (يا لقلبه الفض إنه اختار) وأنما يكشف عن تعقيد المفترض في هيئة خياراته الطفولية (رفاقا دون الآخرين، أولئك الأطفال الأشيقياء) فيما يستشرف أبعاد العوامل والصفات ضمن أداة ورؤية واصفة لأدق معاينات الوصف البليغ (>وي الجباه الخلية الملساء ـ والعيون المعفرات ـ والخدود الملطخة بالطين) إن عظمة الشاعر وحسية الشعر، تكمن في قدرتهما على تحريك الشعور المضمر وأثارة الأنفعال، وليس تلك الأدوات الفجة في صور القصيدة أو تلك اللغة المتحجرة التي يراها الواهمون إنها من مظاهر شعرية الحداثة الشعرية المزيفة، وشعرية النص لدى رامبو ممارسة لغوية وصفية تستخدم معادلات موضوعية تدخل من خلالها مجالات خصبة من القيمة المعادلة المشرئبة باللحظة الدراماتيكية المحملة بأقصى اشراقات وكشوفات النص الشعري.

ــ تعليق القراءة ــ

و في السابعة من سنيه

كتب قصص المغامرة عن الحياة في الصحراء الكبيرة

حيث تزهر الحرية المنفية، والغابات والبطاح.

إن الموسيقى الداخلية، من العناصر العضوية في مؤثثات الشعرية المؤثرة، وعلى هذا النحو تحملنا المقاطع شبه الأخيرة من قصيدة الشاعر نحو دلالات الأصوات الحروفية والمتناغمة مع دلالات النص العميقة المشحونة بالرؤى الانفعالية والفعلية ذات الخالقية التأملية لواقع كينوني طفولي يجسد أجلى وأسمى رؤية الذات المنكفئة على نفسها، خروجا لها نحو مرابع كينونة فضاءات المكان وفواعل زمنية الإثارة والترقب في ابعاد بوصلة استدراكات الراوي الشعري وكفاءته الايصالية المنهمكة في خطاب الفعل الشعري المعمق.

***

حيدر عبد الرضا

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة الحركة الرومانسية بوصفها ظاهرة أدبية وفكرية مركّبة، استعصت على التعريف الأحادي بسبب طبيعتها الدينامية وانفتاحها على أبعاد جمالية ونفسية وفلسفية متعددة. ورغم تباين التصورات النقدية حول ماهيتها، فإنها تلتقي في اعتبار الرومانسية ثورة على صرامة الكلاسيكية وتمردًا على هيمنة العقلانية، وانتصارًا للذات الإنسانية بما تحمله من طاقة شعورية وخيالية خلاقة.

وقد تتبعت الدراسة نشأة الرومانسية في سياقها الغربي، حيث تبلورت بوصفها استجابة لتحولات حضارية عميقة، قبل أن تنتقل إلى العالم العربي عبر قنوات متعددة، أبرزها التثاقف والتفاعل مع الغرب، وحركة الترجمة، والبعثات العلمية، وظهور الصحافة الحديثة، فضلًا عن تشكّل مدارس أدبية جديدة مثل مدرسة الديوان ومدرسة أبولو، التي أسهمت في ترسيخ هذا الاتجاه وتوطينه ضمن السياق الثقافي العربي.

كما كشفت الدراسة عن أبرز الخصائص التي وسمت الشعر الرومانسي العربي، من حيث المضمون، حيث برزت الفردية بوصفها مركزًا للتجربة، وتجلى تمجيد الذات، والحنين، والهروب إلى الطبيعة، والتعبير عن القلق الوجودي والتشاؤم، إلى جانب النزوع نحو الحرية والانعتاق. أما من حيث البنية الفنية، فقد تميز هذا الشعر بتجديد عميق شمل الصورة الشعرية، وتطوير اللغة لتغدو أكثر شفافية وإيحاءً، والعناية بالموسيقى الداخلية والخارجية، فضلًا عن التحرر من القوالب التقليدية الصارمة.

وخلصت الدراسة إلى أن الرومانسية مثّلت لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث، إذ أسهمت في تحريره من أسر الكلاسيكية، وأعادت توجيهه نحو أفق إبداعي قائم على التجربة الذاتية والابتكار الجمالي، مما مهّد لظهور أشكال شعرية أكثر حداثة وانفتاحًا.

على سبيل الافتتاح:

تندرج الحركة الرومانسية ضمن التحولات العميقة التي شهدها الوعي الإنساني في منعطف حاسم من تاريخ الفكر والأدب، حيث لم تكن مجرد مذهب فني عابر، بل مثّلت ثورة جمالية وأنطولوجية أعادت صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. ففي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وجد الإنسان نفسه في قلب تحولات جذرية مست البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية، لعل أبرزها صعود النزعة العقلانية الكلاسيكية، واتساع آثار الثورة الصناعية، وما ترتب عن ذلك من إحساس متزايد بالاغتراب والتمزق الداخلي. وفي خضم هذا السياق المأزوم، برزت الرومانسية بوصفها استجابة وجودية عميقة، سعت إلى استعادة التوازن المفقود بين العقل والعاطفة، وبين النظام والحرية، وبين الواقع والحلم.

لقد جاءت الرومانسية ثورة على صرامة الكلاسيكية التي أعلت من شأن العقل والنموذج والامتثال، وأقصت في المقابل العاطفة والخيال والتجربة الفردية. ومن هنا، أعلنت انحيازها الصريح للذات الإنسانية بوصفها مركزًا للوجود والمعنى، وجعلت من الانفعال والتخيّل مصدرين أساسيين للمعرفة الجمالية. ولم يعد الأدب، في هذا الأفق، مجرد محاكاة لنماذج موروثة، بل غدا تعبيرًا حيًا عن التجربة الداخلية، وعن القلق الوجودي، وعن التوتر الدائم بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

وقد أسهم في بلورة هذا الاتجاه في أوروبا أعلام كبار مثل Victor Hugo (فيكتور هوغو)، وAlphonse de Lamartine (ألفونس دو لامارتين)، وAlfred de Musset (ألفريد دو موسيه)، فضلًا عن François-René de Chateaubriand (فرانسوا رينيه دو شاتوبريان)، الذين جعلوا من الأدب فضاءً رحبًا للتجربة الذاتية العميقة، متجاوزين حدود البلاغة التقليدية نحو أفق إنساني أكثر انفتاحًا وحرية.

غير أن الرومانسية، في انتقالها إلى العالم العربي، لم تكن مجرد انعكاس آلي لتجربة غربية، بل تشكّلت ضمن سياق تاريخي وثقافي خاص، تداخلت فيه عوامل متعددة، من أبرزها الاحتكاك الحضاري بالغرب منذ الحملة الفرنسية على مصر، وحركة البعثات العلمية، واتساع دائرة الترجمة، وظهور الصحافة الحديثة، فضلًا عن الأزمات السياسية والاجتماعية التي عمّقت الإحساس بالاغتراب والبحث عن الحرية. وفي هذا الإطار، وجد الشاعر العربي في الرومانسية أفقًا جديدًا للتعبير عن ذاته القلقة، وعن تمزقه بين ماضٍ مهيمن وواقع مأزوم وتطلعات مستقبلية مفتوحة.

وقد تبنّى هذا الاتجاه في الأدب العربي الحديث روّاد بارزون مثل خليل مطران، وجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، الذين سعوا إلى تحرير الشعر من قيود المحاكاة، وإضفاء بعد إنساني وجداني عميق على التجربة الشعرية، فانتقل النص من التعبير عن الجماعة إلى التعبير عن الذات، ومن وصف الواقع إلى إعادة تخييله.

ومن ثم، فإن دراسة الحركة الرومانسية لا تقتصر على رصد خصائصها الفنية أو الموضوعية، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة خلفياتها الفلسفية وتجلياتها النفسية وأبعادها الحضارية، باعتبارها تعبيرًا مكثفًا عن أزمة الإنسان الحديث وتطلعه الدائم إلى الحرية والجمال والمعنى. إنها، بهذا المعنى، لحظة تأسيسية في تاريخ الأدب، دشّنت انتقالًا نوعيًا من أدب النموذج إلى أدب التجربة، ومن لغة جامدة إلى لغة نابضة بالحياة، ومن وعي جمعي مستقر إلى وعي فردي متوتر ومبدع.

إشكالية الدراسة:

إذا كانت الحركة الرومانسية قد مثّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأدب، بما أحدثته من قطيعة مع النموذج الكلاسيكي وإعادة اعتبار للذات والعاطفة والخيال، فإن الإشكال الذي يفرض نفسه بإلحاح لا يكمن فقط في تحديد ماهيتها، بل في فهم طبيعة هذا التحول العميق الذي مسّ بنية الوعي الجمالي ذاته. ذلك أن الرومانسية، بوصفها ظاهرة متحركة ومتعددة الأبعاد، تطرح سؤالًا مركزيًا حول حدود تعريفها: هل يمكن اختزالها في مذهب أدبي محدد المعالم، أم ينبغي النظر إليها كتجربة إنسانية مفتوحة تتجاوز التصنيفات الجاهزة؟

وانطلاقًا من هذا التعقيد، تتفرع إشكالية الدراسة لتلامس جملة من الأسئلة المتداخلة: إلى أي حد يمكن اعتبار الرومانسية ثورة شاملة على الكلاسيكية، وليس مجرد رد فعل مرحلي عليها؟ وكيف أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم الإبداع من محاكاة للنموذج إلى تعبير عن التجربة الذاتية؟ ثم كيف تمثّلها الأدب العربي: أكان انتقالها مجرد استيراد لنموذج غربي، أم تفاعلًا خلاقًا أعاد إنتاجها وفق خصوصيات السياق الثقافي والتاريخي العربي؟

وإلى جانب ذلك، تطرح الدراسة تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة التحولات التي أحدثتها الرومانسية في بنية القصيدة العربية: هل اقتصر تأثيرها على مستوى الموضوعات، أم امتد ليشمل البنية الفنية واللغة الشعرية والرؤية الجمالية؟ وهل استطاعت هذه الحركة أن تؤسس لوعي شعري جديد، أم ظلت مرحلة انتقالية ممهّدة لظهور تيارات أكثر حداثة؟

إن هذه الأسئلة، في تداخلها وتشابكها، لا تهدف إلى تقديم أجوبة نهائية بقدر ما تسعى إلى تفكيك الظاهرة الرومانسية والكشف عن رهاناتها العميقة، باعتبارها لحظة توتر خلاق بين القديم والجديد، وبين العقل والعاطفة، وبين الواقع والحلم، وهي بذلك تمثل مدخلًا أساسيا لفهم تحولات الشعر العربي الحديث ومساراته

مدخل نظري:

تُعدّ الرومانسية من أكثر الظواهر الأدبية والفكرية تعقيدًا وإثارة للجدل في تاريخ الإبداع الإنساني، إذ لم تنشأ بوصفها مذهبًا مغلقًا أو نسقًا نظريًا مكتملًا، بقدر ما تشكّلت كتجربة حية متحركة، تعكس توتر الإنسان الحديث بين الواقع والممكن، وبين العقل والعاطفة، وبين النظام والحرية. ولهذا، فقد تضاربت الآراء في تحديد ماهيتها، واختلفت المقاربات النقدية في تأطير حدودها، غير أنّ هذه التباينات، على تعددها، تلتقي عند اعتبار الرومانسية ثورة عميقة على تصلب المذهب الكلاسيكي، الذي جعل من العقل مرجعية مطلقة، ومن الماضي نموذجًا يُحتذى، وأقصى في المقابل العاطفة والخيال والتجربة الفردية.

غير أن صعوبة تعريف الرومانسية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها قصورًا نظريًا، بل هي دليل على طبيعتها الحيوية وانفتاحها الدلالي. فهي، في جوهرها، تجربة وجودية مركبة، تتداخل فيها الأضداد: الألم والأمل، الواقع والحلم، الانكسار والتوق إلى المطلق. إنها تعبير عن ذات قلقة، تعيش التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وتسعى إلى إعادة بناء العالم انطلاقًا من رؤيتها الخاصة. ومن هنا، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها فعل تحرّر مزدوج: تحرّر من سلطة النموذج، وتحرّر من هيمنة العقل الأداتي.

 إشكالية المفهوم وحدود تعريف الرومانسية:

تندرج الرومانسية ضمن المفاهيم الأدبية التي استعصت على الضبط التعريفي الدقيق، لا لقصور في المقاربات النقدية التي تناولتها، بل لكونها، في جوهرها، ظاهرة دينامية متحركة، تتجاوز حدود التصنيف الجامد وتقاوم الاختزال في نسق نظري مغلق. فهي ليست مذهبًا محدد المعالم بقدر ما هي تجربة إنسانية مفتوحة، تتقاطع فيها الأبعاد الجمالية والنفسية والفلسفية، وتتداخل فيها العاطفة بالخيال، والأسطورة بالواقع، والألم بالأمل، في بنية معقدة تعكس توتر الذات الحديثة في سعيها إلى المعنى. ومن هنا، فإن كل محاولة لتعريف الرومانسية تظل جزئية بالضرورة، لأنها تسعى إلى تثبيت ما هو بطبيعته متحوّل، وإحاطة ما يتسم بالانفلات والتجدد.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها وعيًا مأزومًا بالوجود، ينبثق من شعور عميق بالانفصال عن العالم، ومن إدراك حاد للتناقض بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. إنها ليست مجرد انفعال عابر أو نزعة جمالية، بل هي موقف وجودي يعيد من خلاله الإنسان تشكيل علاقته بذاته وبالكون، عبر الانكفاء إلى الداخل، واستدعاء قوى الخيال، والبحث عن المطلق في الطبيعة والحلم واللغة. وبذلك، تتحول الرومانسية إلى فعل تحرر مزدوج: تحرر من سلطة العقل الصارم الذي قيّد الإبداع، وتحرر من هيمنة النماذج الجاهزة التي كبّلت التجربة، لتغدو الذات مركزًا للخلق، ومصدرًا للحقيقة الجمالية التي لا تُدرك إلا عبر التجربة الشعورية العميقة.

 الرومانسية بين النشأة الغربية والتشكل العربي:

انبثقت الرومانسية في أوروبا في سياق تاريخي اتسم بالتوتر والتحول، حيث جاءت كردّ فعل عميق على صرامة الكلاسيكية التي كرّست سلطة العقل والنموذج، وأخضعت الإبداع لقوانين ثابتة تحدّ من حريته. وفي مواجهة هذا الأفق المغلق، سعى الأدباء إلى تحرير التجربة الجمالية من قيودها، فدعوا إلى العودة إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا أصيلًا للانسجام، وإلى الذات باعتبارها منبعًا للحقيقة والمعنى. وقد ارتبط هذا التحول بتحولات فكرية كبرى، جعلت من الفرد مركزًا للكون، ومن التجربة الشعورية معيارًا لإدراك العالم، الأمر الذي منح الرومانسية بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود الأدب إلى مساءلة الوجود الإنساني ذاته. وقد أسهم في ترسيخ هذا الاتجاه أعلام بارزون مثل Victor Hugo (فيكتور هوغو)، وAlphonse de Lamartine (ألفونس دو لامارتين)، وAlfred de Musset (ألفريد دو موسيه)، الذين نقلوا الأدب من فضاء البلاغة والمحاكاة إلى فضاء التجربة الذاتية العميقة، حيث يغدو النص تعبيرًا عن قلق الإنسان وتوقه إلى المطلق.

أما في العالم العربي، فإن الرومانسية لم تتشكل بوصفها امتدادًا آليًا للتجربة الغربية، بل جاءت نتيجة تفاعل تاريخي وثقافي معقد، انخرط فيه الأدب العربي في مسار من التحول العميق. فقد أسهم الاحتكاك الحضاري بالغرب، خاصة منذ الحملة الفرنسية على مصر، في فتح آفاق جديدة أمام الفكر العربي، تلاه نشاط ملحوظ في حركة الترجمة التي نقلت نصوصًا أدبية وفكرية أسهمت في زعزعة البنى التقليدية. كما لعبت البعثات العلمية إلى أوروبا دورًا مهمًا في نقل معارف حديثة، إلى جانب نشوء الصحافة التي شكّلت منبرًا لنشر أفكار التجديد، فضلًا عن بروز تجمعات أدبية حديثة مثل مدرسة الديوان والرابطة القلمية ومدرسة أبولو، التي تبنّت خطابًا نقديًا جديدًا يدعو إلى تحرير الشعر من قيوده.

وفي هذا السياق، برزت أسماء شعرية رائدة مثل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وخليل مطران، الذين أسهموا في إعادة تشكيل الحساسية الشعرية العربية، حيث نقلوا القصيدة من أفق المحاكاة الشكلية إلى أفق المعاناة الوجدانية، وجعلوا من الذات محورًا للتجربة، ومن اللغة أداة للتعبير عن القلق والحنين والتوق إلى الحرية. وهكذا، تبلورت الرومانسية في الأدب العربي بوصفها تجربة خاصة، أعادت إنتاج النموذج الغربي في ضوء خصوصيات الواقع العربي، وأسهمت في إحداث قطيعة نسبية مع التراث الكلاسيكي، ممهّدة بذلك لظهور أشكال أكثر حداثة وانفتاحًا في التعبير الشعري.

الخصائص الموضوعية للشعر الرومانسي:

يتأسس الشعر الرومانسي على منظومة من الخصائص الموضوعية المتشابكة التي تعكس تحولات عميقة في بنية الوعي الإنساني، وفي طبيعة العلاقة بين الذات والعالم، وبين التجربة الداخلية والخطاب الشعري. فبدل أن يكون الشعر تعبيرًا عن موضوعات خارجية ثابتة أو محاكاة لنماذج جاهزة، أصبح في التصور الرومانسي فضاءً لتجلي الذات في أبعادها الأكثر حميمية وقلقًا، حيث تتبوأ التجربة الفردية مركز الإبداع، وتتحول الذات إلى بؤرة انطلاق للرؤية الشعرية، بما يجعل النص امتدادًا مباشرًا لانفعالات الشاعر وهواجسه وتوتراته الوجودية.

وفي هذا السياق، يبرز القلق الوجودي بوصفه أحد أهم المكونات الدلالية للرؤية الرومانسية، إذ يعكس إحساس الإنسان العميق بالاغتراب داخل عالم لا ينسجم مع طموحاته الداخلية، عالم تتسع فيه الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ومن هذا الإحساس يتولد نزوع دائم نحو الهروب إلى الطبيعة، التي لا تُستدعى في الشعر الرومانسي بوصفها خلفية وصفية محايدة، بل تتحول إلى كيان حيّ وملاذ روحي يعيد للذات توازنها المفقود، ويمنحها إمكانية التأمل والصفاء في مواجهة صخب الواقع وضغوطه.

كما يتجلى في هذا الشعر تمجيد الألم بوصفه تجربة وجودية ذات قيمة جمالية ومعرفية في آن واحد، حيث لا يُنظر إلى المعاناة باعتبارها انكسارًا سلبيًا فحسب، بل باعتبارها شرطًا من شروط الوعي العميق بالذات والعالم، ومدخلًا إلى إدراك التوترات التي تحكم الوجود الإنساني. وفي السياق ذاته، يتعزز النزوع إلى الحرية بوصفه قيمة مركزية، لا تقتصر على بعدها الفردي المرتبط بتحرر الذات من القيود الداخلية والخارجية، بل تمتد لتشمل بعدًا إنسانيًا أوسع يتطلع إلى عالم أكثر عدلًا ومساواة وكرامة.

وتتداخل هذه الأبعاد جميعها مع ظاهرة الغموض الشعوري، الذي لا يُفهم بوصفه نقصًا في وضوح الفكرة، بل باعتباره نتيجة طبيعية لهيمنة الانفعال على الفكر، حيث تتقدم التجربة الشعورية على البناء المنطقي الصارم، فيغدو التعبير الشعري أكثر انفتاحًا على الإيحاء والتأويل، وأقل خضوعًا للتحديد العقلي المباشر. وهكذا، تتشكل الخصائص الموضوعية للشعر الرومانسي بوصفها شبكة دلالية متكاملة، تعكس انتقال الشعر من وظيفة التمثيل الخارجي إلى وظيفة الكشف الداخلي، ومن خطاب العالم إلى خطاب الذات في عمقها الوجودي والإنساني.

 الخصائص الفنية وتحولات الشكل في الشعر الرومانسي:

لم تقتصر الرومانسية على إعادة تشكيل المضامين الشعرية أو إعادة توجيه التجربة الإبداعية نحو الذات، بل امتد أثرها ليطال البنية الفنية ذاتها، محدثةً انقلابًا عميقًا في شكل القصيدة العربية وأدواتها التعبيرية. فقد انتقل الشعر، في ظل هذا التحول، من كونه بناءً تقليديًا محكومًا بقواعد صارمة وقوالب جاهزة، إلى فضاء أكثر انفتاحًا ومرونة، يسمح بتدفق التجربة الشعورية بكل ما تحمله من توتر واندفاع وحرية داخلية.

وفي هذا السياق، تحررت الصورة الشعرية من منطق التكرار والمحاكاة، وتجاوزت القوالب البلاغية الموروثة لتغدو أكثر ابتكارًا وجرأة، حيث لم تعد مجرد وسيلة للتزيين أو التوضيح، بل أصبحت أداة للكشف والتجلي، تعكس العالم الداخلي للشاعر بقدر ما تعيد تشكيل العالم الخارجي وفق رؤيته الخاصة. وبالموازاة مع هذا التحول، شهدت اللغة الشعرية بدورها تطورًا نوعيًا، إذ تخلّت عن التعقيد الزخرفي لصالح لغة أكثر شفافية وإيحاءً، قريبة من الحس الإنساني اليومي، لكنها في الوقت ذاته مشحونة بطاقة وجدانية عميقة تمنحها قدرة على الإيحاء والتكثيف بدل التصريح المباشر.

أما على مستوى الموسيقى الشعرية، فقد تميز الشعر الرومانسي بتنوع إيقاعاته وتعدد مصادر نغمته، حيث لم تعد الموسيقى الخارجية وحدها، المرتبطة بالأوزان والقوافي، هي المحدد الأساسي للجمال الصوتي، بل برزت إلى جانبها موسيقى داخلية نابعة من انسجام الألفاظ وتجاوبها وتراسل دلالاتها، مما أضفى على النص الشعري طابعًا انسيابيًا يعكس حركة الشعور وتقلّباته. وفي الوقت ذاته، لم تعد الرؤية الشعرية أحادية الاتجاه، بل أصبحت مركبة ومفتوحة على التناقض، إذ تتأرجح بين التشاؤم والأمل، وبين الانكسار والتمرد، وبين الإحساس بالاغتراب والتوق إلى الخلاص، بما يعكس طبيعة التجربة الرومانسية القائمة على التوتر الدائم وعدم الاستقرار.

وهكذا، فإن التحولات الفنية التي أحدثتها الرومانسية لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل كانت إعادة تأسيس شاملة لمفهوم الشعر ذاته، حيث غدا النص الشعري كائنًا حيًا نابضًا بالتجربة، يتجاوز حدود البناء الهندسي المغلق ليصبح فضاءً مفتوحًا لتجليات الذات في أعمق أبعادها الإنسانية والجمالية.

نتائج الدراسة:

خلصت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي تؤكد أن الرومانسية ليست مجرد مذهب أدبي محدود في زمانه أو خصائصه، بل هي في جوهرها تحول عميق في بنية الوعي الإنساني وطريقة إدراكه للعالم، إذ انتقلت بالتفكير الأدبي من الاهتمام بالموضوع الخارجي إلى التركيز على الذات بوصفها مصدرًا للتجربة والمعنى، ومن هيمنة العقل والمنطق إلى اتساع فضاء العاطفة والخيال بوصفهما أداة أعمق لفهم الوجود وتفسير تناقضاته. وقد تبين من خلال التحليل أن ما يُظن من غموض في تحديد مفهوم الرومانسية لا يعود إلى قصور نظري، بل يعكس ثراء هذا التيار وتعدد تجلياته وانفتاحه على مستويات مختلفة من التعبير الإنساني والجمالي، الأمر الذي يجعل كل محاولة لتعريفه تعريفًا نهائيًا محاولة اختزالية لا تفي بطبيعته المركبة.

كما أظهرت الدراسة أن انتقال الرومانسية إلى الأدب العربي لم يكن مجرد عملية استنساخ أو تقليد للنموذج الغربي، بل كان فعل تفاعل ثقافي وإبداعي خلاق، أعاد فيه الأدباء العرب تشكيل هذا التيار وفق خصوصياتهم التاريخية والاجتماعية، مما أفرز تجربة رومانسية عربية ذات ملامح مميزة، تتداخل فيها المؤثرات الوافدة مع الحساسية المحلية. وفي هذا السياق، كشفت النتائج أن الشعر الرومانسي العربي كان في عمقه تعبيرًا عن أزمة الذات العربية في مرحلة تاريخية مضطربة، اتسمت بتفكك البنى التقليدية، وضغط الاستعمار، واتساع الإحساس بالاغتراب واللااستقرار، وهو ما انعكس في خطاب شعري مثقل بالحنين والقلق والتوتر الوجودي.

ومن جهة أخرى، بينت الدراسة أن الطبيعة في التصور الرومانسي لم تعد مجرد فضاء وصفي أو خلفية جمالية، بل تحولت إلى كيان حيّ يتفاعل مع الذات الإنسانية ويوازيها في التعبير عن حالاتها الداخلية، بما يجعلها امتدادًا رمزيًا للشعور الإنساني. كما أكدت النتائج أن الرومانسية أسهمت إسهامًا حاسمًا في تجديد اللغة الشعرية، حيث دفعتها نحو مزيد من المرونة والشفافية والإيحاء، وجعلتها أكثر قدرة على احتضان التجربة الوجدانية بكل كثافتها وتعقيدها.

وفي السياق ذاته، أبرزت الدراسة أن النزعة التشاؤمية التي طبعت جانبًا من التجربة الرومانسية لا ينبغي فهمها بوصفها موقفًا سلبيًا من الحياة، بل باعتبارها تعبيرًا عن وعي عميق بمأساة الوجود الإنساني وتعقيداته، حيث يتجاور الألم مع البحث عن المعنى، والانكسار مع التوق إلى التجاوز. كما انتهت الدراسة إلى أن الرومانسية، في بعدها الأوسع، تمثل لحظة تأسيسية في تاريخ الشعر الحديث، إذ أسهمت في إعادة مركزية الذات داخل الخطاب الشعري، وكشفت عن أزمة الإنسان الحديث واغترابه، وأحدثت تحولات جوهرية في اللغة والصورة والإيقاع، ممهّدة بذلك لظهور الحساسية الحداثية في الشعر العربي، دون أن تكون مجرد تقليد للغرب، بل بوصفها تفاعلًا إبداعيًا أعاد إنتاج المفاهيم في سياق ثقافي جديد.

توصيات الدراسة:

تخلص هذه الدراسة إلى جملة من التوصيات العلمية والمنهجية التي من شأنها تعميق الفهم النقدي للحركة الرومانسية وإعادة توظيفها في سياقات بحثية وتربوية أكثر انفتاحًا وخصوبة، وذلك من خلال ضرورة إعادة قراءة هذا التيار الأدبي في ضوء المناهج النقدية الحديثة، بما في ذلك التحليل النفسي والتفكيكية والسيميائيات، لما توفره هذه المقاربات من أدوات قادرة على الكشف عن البنيات العميقة للنصوص الرومانسية وتفكيك تمثلات الذات والعالم داخلها. كما توصي الدراسة بتعزيز الدراسات المقارنة بين التجربة الرومانسية في بعدها الغربي ونظيرتها في الأدب العربي، من أجل إبراز نقاط التلاقي والاختلاف، والكشف عن مدى قدرة الثقافة العربية على إعادة إنتاج هذا التيار في سياقها الخاص دون الوقوع في الاستنساخ أو الذوبان.

وفي السياق ذاته، تؤكد الدراسة على أهمية إدماج النصوص الرومانسية في المناهج التعليمية إدماجًا أكثر عمقًا وتحليلًا، لا يقتصر على العرض التاريخي أو التوصيف السطحي، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك بنياتها الجمالية والفكرية، لما تحمله هذه النصوص من قيم إنسانية وجمالية قادرة على تنمية الحس الذوقي والوعي النقدي لدى المتعلمين. كما تدعو إلى العناية بتحقيق أعمال الشعراء الرومانسيين العرب ونشرها في طبعات علمية محققة ودقيقة، تضمن الحفاظ على النصوص الأصلية وتيسير دراستها للباحثين والمهتمين.

ومن جهة أخرى، توصي الدراسة بتوسيع دائرة البحث في تأثير الرومانسية على التيارات الأدبية اللاحقة، خاصة الواقعية والرمزية والحداثية، باعتبار أن هذه التيارات لم تنشأ في فراغ، بل تفاعلت بشكل مباشر أو غير مباشر مع المنجز الرومانسي على مستوى الرؤية الفنية واللغة والتصور الجمالي. كما تشدد على أهمية التعمق في دراسة البعد الفلسفي للرومانسية، وربطه بإشكالات كبرى من قبيل الحرية، والوجود، والمعنى، والاغتراب، لما لهذه الأبعاد من قدرة على إغناء الفهم النظري لهذا التيار وتجاوز قراءته الشكلية إلى قراءته بوصفه رؤية شاملة للإنسان والعالم.

وأخيرًا، توصي الدراسة بضرورة توسيع البحث في العلاقة الجدلية بين الرومانسية والحداثة، باعتبار أن الأولى شكّلت أرضية تمهيدية لعدد من التحولات التي ستتبلور لاحقًا في الشعر الحديث، سواء على مستوى تفكيك البنية التقليدية أو على مستوى تعميق مركزية الذات. كما تدعو إلى تشجيع الجهود الأكاديمية الهادفة إلى تحقيق النصوص الرومانسية ونشرها علميًا وفق معايير دقيقة، بما يضمن إعادة إحياء هذا التراث الأدبي وإتاحته للأجيال الباحثة في سياق علمي رصين.

على سبيل الختام:

وفي ختام هذه الدراسة يتضح أن الحركة الرومانسية لم تكن مجرد مرحلة أدبية عابرة أو نزعة جمالية محدودة في زمن معين، بل كانت في عمقها لحظة تحول نوعي في الوعي الإنساني، أعادت صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، في سياق تاريخي اتسم بتصاعد هيمنة العقلانية الصارمة وتنامي التحولات المادية التي كادت أن تُفرغ التجربة الإنسانية من بعدها الروحي والوجداني. فقد جاءت الرومانسية لتستعيد للإنسان صوته الداخلي، ولتمنح العاطفة شرعية التعبير، ولتُعيد للخيال مكانته بوصفه قوة فاعلة في تشكيل المعنى، لا مجرد أداة تزيينية ثانوية في الخطاب الأدبي.

ومن هذا المنظور، أسهمت الرومانسية في تحرير الإبداع من سلطة النماذج الجاهزة والقواعد المعيارية الصارمة التي كرستها الكلاسيكية، ففتحت أمامه أفقًا واسعًا من التجريب والتجدد، حيث أصبح النص الشعري فضاءً رحبًا لتجليات الذات بكل توتراتها وقلقها وتطلعاتها. ولم تعد القصيدة مجرد بناء شكلي محكوم بالامتثال، بل تحولت إلى كائن حيّ ينبض بالتجربة الإنسانية في أعمق مستوياتها، بين الألم والأمل، وبين الانكسار والتجاوز.

أما في السياق العربي، فإن الرومانسية لم تكن مجرد امتداد للنموذج الغربي أو تقليدًا له، بل كانت عملية إعادة تشكل وتكيّف داخل سياق ثقافي وتاريخي خاص، حيث تفاعلت مع قضايا الإنسان العربي وهمومه الوجودية والاجتماعية في ظل التحولات السياسية والاحتكاك الحضاري بالغرب. وقد أسهم هذا التفاعل في بلورة وعي شعري جديد، أعاد الاعتبار للذات الفردية، ووسّع من أفق التعبير الجمالي، ومهّد لانتقال تدريجي من أنماط التقليد إلى آفاق الحداثة الشعرية.

وعليه، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها جسرًا حضاريًا بالغ الأهمية، انتقلت عبره القصيدة العربية من طور الاتباع والمحاكاة إلى طور الإبداع والتجديد، ومن مركزية الجماعة إلى مركزية الذات، ومن الثبات النسبي إلى التحول الدائم. كما أن أهميتها لا تكمن فقط في ما أحدثته من تغييرات شكلية أو موضوعاتية، بل في كونها أسست لرؤية جديدة للأدب باعتباره تعبيرًا عن التجربة الإنسانية في بعدها الوجودي العميق.

وهكذا، تظل الرومانسية تجربة إنسانية مفتوحة على الدوام، لا تُختزل في إطار تاريخي مغلق، بل تتجدد بتجدد أسئلة الإنسان ذاته، لأنها تقوم على التوتر الدائم بين الواقع والحلم، وبين المعاناة والتجاوز، وبين الصمت والبوح. ومن ثم، فإن قيمتها الكبرى تكمن في كونها لحظة تأسيسية في مسار الوعي الأدبي الحديث، أكدت أن الأدب ليس مجرد انعكاس للعالم، بل هو محاولة مستمرة لإعادة خلقه وإعادة فهمه في ضوء التجربة الإنسانية المتغيرة.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ