قراءات نقدية

قراءات نقدية

إنَّ ريتا في شِعْر محمود درويش (1941- 2008) لَيْسَت اسمًا عابرًا في قصيدة حُب، بَلْ هِيَ جُرح مفتوح في ذاكرة الشاعر، واستعارةٌ مُعقَّدة تختلط فيها المَرأةُ بالوطن، والعاطفةُ بالتاريخِ، والابتسامةُ بالبُندقية.

ريتا لَيْسَتْ شخصيةً شِعرية عاديَّة، إنَّها واحدة من أكثرِ الرُّموز الشِّعْرية إثارةً للجدل. فَهِيَ حبيبة يهودية، أحبَّها الشاعرُ في شبابه داخل فِلَسْطين المُحتلة. وقدْ كُشِفَ لاحقًا أنَّ الشخصية الحقيقية التي تقفُ خلف الاسم هي امرأة إسرائيلية تُدعَى تمار بن عامي (1947 - 2026). نشأتْ في حَيفا، وَتَعَلَّمَت الرقصَ، وانضمَّتْ في عام 1962 إلى فِرْقة تَجمع بين راقصِين يهود وعَرَب، كما كانتْ عُضْوًا في حِزبِ الشبابِ الشيوعي. وَتَعَرَّفَتْ على مَحمود درويش في سِن السادسة عشرة، واستمرَّت العلاقةُ خمس سنوات حتى حرب 1967. وَقَدْ خَدَمَتْ في البحرية الإسرائيلية، ثُمَّ أصبحتْ مُصمِّمة رقصات ومُدَرِّسَة.

حرصَ محمود درويش على إبقاء ريتا في فضاءِ الشِّعْر، لا في أرشيفِ السِّيرة، فهو لَمْ يُرِدْ لها أنْ تُخْتَزَلَ في قِصَّة حُب عابرة، بَلْ أنْ تبقى رمزًا مُتحركًا يتجاوزُ الشخصَ إلى المَعنى.

العاشقان يَفصلُ بَينهما صِراع سِياسي وعسكري. لَيست المُشكلةُ في اختلافِ الدِّينِ أو الثقافةِ فَحَسْب، بَلْ أيضًا في واقعِ الاحتلالِ الذي يَجعل الحُبَّ فِعْلًا مُستحيلًا. ريتا هُنا تَنتمي إلى الجِهة المُحتلة التي تَحمل السِّلاحَ، وهُنا تَكمُن المُفارَقةُ المُؤلمة: كيف يُمكن للقلبِ أنْ يُحِبَّ مَنْ يقفُ على الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ الصِّراع؟.

إنَّها صُورة الحُب في زمنِ الانقسام، حيث لا يَكُون الصِّراعُ فِكرةً نظريةً مُجرَّدة، بَلْ يَكُون واقعًا يوميًّا يَخترقُ العاطفةَ ويُشوِّهها. ريتا تَتحوَّل مِن امرأةٍ إلى هُوِيَّة، وَمِنْ حبيبة إلى سُؤال أخلاقي وسِياسي.

كثيرٌ مِنَ النُّقَّادِ رَأَوْا في ريتا رمزًا لِفِلَسْطين نَفْسِها، فكما أحبَّ الشاعرُ ريتا حُبًّا جارفًا رَغْمَ استحالةِ اللقاءِ، أحبَّ وَطَنَه رَغْمَ الجِراحِ والمَنافي. لكنَّ هذا التأويلَ الرُّومانسي الحالم لا يُلْغي البُعْدَ الإنسانيَّ الواقعي.ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ مُجرَّد استعارة للوطن، إنَّها امرأة حقيقية مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، ثُمَّ هِيَ رَمْزٌ يَتَّسع بالتدريج.

والشاعرُ لَمْ يُحوِّل المرأةَ إلى شِعار سِياسي، بَلْ أبقاها حَيَّةً، ومُتناقضة، ودافئة، وقاسية، في آنٍ معًا. ريتا تضحكُ، وترقص، وتَبتعد، ورُبَّما تَخُون الذاكرةَ. إنَّها كائنٌ كاملٌ لا مُجرَّد فِكْرة. وريتا تُجسِّد صِراعَ الهُوِيَّةِ داخل الشاعرِ نَفْسِه، فَهُوَ الفِلَسْطيني الذي يعيشُ داخل وطنٍ مُحتل، ويُتقِن لُغَةَ الآخَر، ويقع في حُبِّ امرأةٍ تنتمي إلى الطرفِ المُحتل. هذا التداخلُ يكشفُ أنَّ الهُوِيَّة لَيْسَتْ جِدارًا صُلْبًا، بَلْ مساحة تَوَتُّرٍ دائمٍ.

أحبَّ محمود درويش ريتا بلغةٍ هي نَفْسُها لُغَةُ الصِّراعِ. كَتَبَ بالعربيةِ عَنْ حبيبة تَتكلَّم العِبْرِيَّة. كانت القصيدةُ جِسْرًا هَشًّا بَيْنَ لُغَتَيْن وتاريخَيْن. لكنَّ هذا الجِسْر لَمْ يَصمد طويلًا، لأنَّ السِّياسة أقوى مِن العاطفة.

معَ مُرور الزمن، تَحوَّلتْ ريتا إلى جُزء مِنَ الأُسطورةِ الدرويشية. لَمْ تَعُدْ مُجرَّد امرأة عَرَفَهَا في شبابه، بَلْ أصبحتْ أيقونةً للحُبِّ الضائع، ودليلًا على أنَّ الحُدود أقسى مِنَ الإنسان. وتجاوزتْ قِصَّةُ ريتا التَّجْرِبَةَ الشخصية، وأصبحتْ قِصَّةً رمزيةً للحُبِّ تحت ظِلالِ البَنادقِ.

ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ لُغْزًا يُحَل، بَلْ تَجْرِبة تُعاش. إنَّها الحبيبة التي هَزَمَهَا الواقعُ، والرَّمْزُ الذي لَمْ يَستطعْ أنْ يَمحو صُورةَ الإنسانِ. هِيَ امرأةٌ حقيقية، لها كِيَان وكَيْنونة، لكنَّها أيضًا استعارةٌ لِتَمَزُّقِ الرُّوحِ في زمنِ الاحتلال.

رُبَّما كانَ سِرُّ ريتا الحقيقي أنَّها لَمْ تَبْقَ في حَياةِ الشاعر، لكنَّها بَقِيَتْ في شِعْرِه. تَحَوَّلَتْ مِنْ قِصَّةٍ خاصَّة إلى ذاكرةٍ جَمَاعِيَّة، وَمِنْ حُبٍّ عابرٍ إلى كَلِمَات مُستمرة ودائمة. وهكذا كُلَّما ذُكِرَتْ ريتا، ذُكِرَ معها السُّؤال الأبدي : هَلْ يُمكِن للحُبِّ أن يَنتصر على البُندقية ؟.

تُمثِّل ريتا صُورةً شِعْرية مُركَّبة للحُبِّ المُستحيل في سِياق صِراع يَلتهمُ التفاصيلَ الإنسانية. إنَّها تتجاوزُ كَوْنَها حبيبة إلى رمزٍ للتَّوَتُّرِ بَيْنَ العاطفةِ والهُوِيَّةِ، وبَيْنَ الفرديِّ والوطنيِّ، حتى تَغْدو مساحةً يتقاطعُ فيها الخاصُّ بالتاريخي.

ومع ذلك، فإنَّ هذا التَّوظيف الرمزي الكثيف لا يَخْلو مِنْ إشكال، إذْ تَتحوَّل ريتا أحيانًا إلى أداةٍ خَطَابية، تُحمَّل مَا يَفُوق طاقتها الإنسانية، فتبهتْ ملامحُها كشخصٍ مُستقل، وَتَذُوب في سَرْدية الشاعرِ الكُبرى.

وتَجْرِبَةُ محمود درويش معَ ريتا تكشفُ قُدرته على الصِّناعةِ اللغويةِ والبِناءِ الشِّعْري، لكنَّها تَكشف أيضًا نَزعةً إلى تَضخيمِ الذاتِ الشاعرة، وجَعْلِها مَركَزًا للمَعنى، بحيث يَبدو الحُبُّ مَحكومًا بإطارٍ أيديولوجي يُقَيِّدُه بَدَلَ أنْ يُحرِّره. لذلك، فإنَّ فَهْمَ ريتا لا يَكتملُ بِتَمجيدِ التَّجْرِبَةِ، أوْ تَقْديسِ صاحبها، بَلْ بقراءتها قِراءةً نَقْدية ضِمْن السِّياقِ المَحكومِ بحدوده، والقابلِ للمُساءلةِ مِثْل أيِّ خِطابٍ شِعْري آخَر.

وَحُضُورُ ريتا الشِّعْري شَكَّلَ مُنْعَطَفًا نَفْسِيًّا عميقًا في مسيرةِ محمود درويش، وكَشَفَ عَنْ قُدرته على صِياغةِ الألَمِ بِصُورةٍ درامية تُغْري بِالتَّحَوُّلِ إلى أُسطورةٍ شِعْرية أكثر مِمَّا تَعكِس واقعًا إنسانيًّا بسيطًا. وَقَدْ مَنَحَتْهُ ريتا مادَّةً شِعرية رمزية، لكنَّه في المُقابلِ حَمَّلَها أعباءَ الرمزِ السِّياسي، فَجَعَلَهَا أداةً لِصِراعه الداخلي والخارجي، وهذا يَكشِف الهَشَاشةَ الإنسانيةَ والصِّراعَ النَّفْسي الذي لا يَخْلو مِن التناقضِ والمُبالغة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يشكّل الشعر، في لحظاته الصادقة، مرآةً مكبّرةً لارتعاشات الذات وهي تصطدم بعالمٍ تتآكله التصدّعات الأخلاقية والإنسانية. ومن هذا المنعطف الوجودي تنبثق قصيدة «أصل الوجع» للشاعرة الجزائرية عزيزة مكرود، بوصفها نصّاً يلامس تخوم الألم الفردي ليحيله إلى سؤالٍ جمعيّ يتجاوز حدود التجربة الشخصية نحو أفقٍ إنسانيّ أوسع. فالوجع في هذا النص ليس عارضاً نفسياً عابراً، بل بنيةً عميقةً متجذّرة في التاريخ والعلاقات والوعي، حتى ليغدو «الأزل» نفسه موطناً للجرح ومصدراً للخذلان.

تنهض القصيدة على توتّرٍ داخلي بين الرغبة في الانتماء والانسحاب، بين الإخاء واللاإخاء، بين السعي والخيبة، لتشيّد عالماً شعرياً مشبعاً بالأسئلة الوجودية والاحتجاج الأخلاقي. وهي، في بنيتها اللغوية والإيقاعية، تميل إلى الاقتصاد التعبيري المشحون بالدلالة، حيث تتضافر التكرارات والنداءات والانكسارات الصوتية لتشكّل نبرةً أنينيةً متواصلة تعكس قلق الذات وتيهها.

وإذا كان النص يستدعي في ذروته رمز «قابيل وهابيل» ليؤسّس لأصلٍ ميتافيزيقي للصراع، فإنه في الوقت ذاته يظلّ نصاً معاصراً يقرأ واقعاً عربياً وإنسانياً مأزوماً، تتنازعُه الانقسامات وتنهشه العداوات. ومن هنا تكتسب هذه الدراسة مشروعيتها؛ إذ تسعى إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تنفتح على المستويات اللغوية والجمالية والفكرية والنفسية والسوسيولوجية والسيميائية، في محاولة للكشف عن بنيتها العميقة، وعن الرؤية التي تحكم معمارها الشعري.

إنّ قراءة «أصل الوجع» ليست بحثاً في خطاب الحزن فحسب، بل هي مساءلة لأسس الألم في التجربة الإنسانية، واستجلاءٌ لحدود الشعر حين يتحوّل إلى فعل مقاومة رمزية ضدّ انهيار المعنى وتفكّك القيم.

تندرج قصيدة «أصل الوجع» ضمن الشعر الحرّ ذي النزعة الوجدانية التأملية، حيث تتكاثف الأسئلة الوجودية في بنية لغوية مقتضبة، تتوسّل التكرار والنداء والانكسار الصوتي لتشييد عالمٍ مثقل بالفقد والخذلان. النص لا يقدّم شكوى عابرة، بل يشيّد أطروحة شعرية حول منشأ الألم: هل هو في الخارج (الآخر/العدو/الوباء) أم في الداخل (العقل المختلّ، القلب المثقل، فلسفة الاقتتال)؟

سنعالج النص وفق المحاور النقدية المقترحة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

اللغة في النص سليمة في مجملها، تميل إلى البساطة المباشرة، مع حضور لافت للتراكيب الفعلية القصيرة:

رحلنا – ودّعنا – مللنا – جنيناه – ضحّينا – ابتعدنا – نفرنا – أوقفنا

هذا التتابع الفعلي يُنتج إيقاعاً حركياً، لكنه يكشف في الآن ذاته عن دائرة مغلقة من الأفعال التي لا تقود إلى نتيجة، بل إلى مزيد من الخيبة.

توظيف الاستفهام في المطلع:

«أيا جرح الأزل… لمَ استعجلت أجلي؟»

يفتح أفقاً ميتافيزيقياً؛ فالجرح ليس حادثاً طارئاً بل «أزلي»، ما يوسّع الدلالة من التجربة الشخصية إلى البعد الأنطولوجي.

أما الانزياح البلاغي فيتجلى في:

«حصادنا جنيناه وجعاً بالقلب»

«جمّد الدم في العروق»

«فلسفة قابيل وهابيل فرضت وجودها باللاإخاء»

هنا يتحول المجرد إلى محسوس، والفكرة إلى صورة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المعجم المعتمد:

(وجع – خسارة – إحباط – قحط – متاهات – قلق – فشل – قحط – وباء – بلاء…)

وهو معجم يتسم بالتجانس الدلالي، لكنه يقترب أحياناً من التقريرية المباشرة (فشل البحث، خسارة الحب).

ومع ذلك، فإن التوازن بين اللفظ والمعنى يتحقق في لحظات التكثيف مثل:

«فالوحـدة.. انتماء

والانطواء.. اكتفاء»

هنا تتحول المفارقة إلى أطروحة شعرية: الانسحاب ليس هزيمة بل خيار وجودي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص أقرب إلى قصيدة التفعيلة الحرة، دون التزام صارم ببحر محدد. الإيقاع يتأسس على:

التكرار: (آه – كم – لا… ولا – رحلنا)

الجناس الصوتي: (وباء – بلاء)

التقابل: (لا نقاء ولا صفاء / لا صدق ولا وفاء)

التكرار هنا ليس زخرفاً بل بنية توكيدية تعكس الإلحاح النفسي.

أما القافية فحرة، لكنها تميل إلى نهايات مدّية (ـاء، ـاه)، ما يضفي نبرة أنينية ممتدة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص لا يقدّم سرداً خطياً، بل يتقدّم عبر مقاطع وجدانية متتابعة. الزمن فيه دائري:

ماضٍ مثقل (عانينا – ضحينا)

حاضر مأزوم (اختلّ عقلنا)

مستقبل منغلق (رحلنا بلا وداع)

لا شخصيات محددة، بل «نحن» جماعية. وهذا الضمير الجمعي يحوّل التجربة الفردية إلى جماعية.

2. الرؤية الفنية

الرؤية قائمة على مفارقة كبرى:

السعي يؤدي إلى الفشل، الحب إلى الخسارة، التضحية إلى اللاجدوى.

إنها رؤية مأساوية للعالم، تُذكّر بالفلسفة التراجيدية حيث يصبح الألم جزءاً من بنية الوجود.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

ذروة الإبداع في استحضار:

«فلسفة قابيل وهابيل»

الإحالة هنا إلى أول جريمة أخوية في التاريخ الديني، ما يربط الألم المعاصر بجذر إنساني بدئي. هذا التناص مع قصة قابيل وهابيل يمنح النص بعداً كونيّاً.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يتبنى موقفاً نقدياً من فلسفة الصراع الأخوي. إنه يحتجّ على عالم تحكمه «اللاإخاء».

السؤال المركزي: هل أصل الوجع هو الخيانة؟ أم الاقتتال؟ أم اختلال العقل الجمعي؟

2. الأفق المعرفي

يحاور النص المرجعية الدينية والأسطورية، لكنه يوظفها توظيفاً رمزياً لا وعظياً.

كما يمكن ربطه بفلسفة الاغتراب حيث يتحول الإنسان إلى غريب في محيطه، أو بفلسفة العبث، خاصة أن النص جزائري الهوية، و«كامو» ابن البيئة نفسها التي شهدت صراعات الهوية والعدالة.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

البنية العميقة تشير إلى أن:

الوجع ليس حادثة.

الفشل ليس عرضاً.

الصراع الأخوي أصل كل وباء.

الانطواء هنا ليس عزلة مرضية، بل آلية دفاع وجودية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

في سياق عربي يعاني انقسامات سياسية وطائفية، يصبح «اللاإخاء» توصيفاً لواقع ثقافي.

القصيدة تعكس وعياً جماعياً مأزوماً.

2. تطور النوع الأدبي

النص ينتمي إلى تيار الشعر الحر الذي تأسس عربياً مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، حيث تحرر الوزن لصالح الإيقاع الداخلي.

3. الارتباط بالتراث

استدعاء قابيل وهابيل يرسّخ علاقة النص بالتراث الديني، لكن بتأويل حديث يحمّل القصة معنىً سياسياً واجتماعياً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النبرة المسيطرة: الحزن المشوب بالاحتجاج.

يتجلى القلق في تكرار (آه – كم – لا).

2. التحليل النفسي:

اختلال العقل («عقلنا اختلّ وتاه») يعكس صدمة جماعية.

الانسحاب («الانطواء اكتفاء») دفاع نفسي ضد العدوى الرمزية.

3. النبرة النفسية:

مزيج من:

١- القلق

٢- الخيبة

٣- الإحباط

٤- الحنين إلى نقاء مفقود

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

النص احتجاج على انهيار القيم: (لا نقاء – لا صفاء – لا صدق – لا وفاء)

إنه نقد أخلاقي للواقع الاجتماعي.

2. الخطاب الاجتماعي

يتناول النص ثيمة السلطة غير المباشرة عبر:

١- مفهوم العدوى

٢- الجرم

٣- الوباء

كأن المجتمع ذاته حقل مرضي.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

الشاعرة لا تمارس دور الضحية فقط، بل تمارس فعل الوعي؛ فهي تُسمّي المرض وتكشف جذره.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. العلامات والرموز

١- الجرح = التاريخ المؤلم

٢- القلب = مركز الشعور

٣- الدم المتجمد = موت الحياة الداخلية

٤- قابيل/هابيل = العنف الأخوي

2. الثنائيات

١- الحب / الخسارة

٢- السعي / الفشل

٣- الجماعة / الوحدة

٤- الأخوة / اللاإخاء

3. النظام الرمزي العام

النص مشبع بعلامات العقم: (قحط – متاهات – وباء)

مقابل غياب الماء والنقاء.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج النفسي

٣- المنهج السيميائي

٤- القراءة الهيرمينوطيقية

مع التركيز على النص ذاته لا على السيرة الشخصية للشاعرة.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

رغم سوداوية النص، إلا أن فيه احتفاءً ضمنياً بالصدق والنقاء بوصفهما قيماً مفقودة.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات متعددة:

١- قراءة سياسية

٢- قراءة نفسية

٣- قراءة دينية رمزية

3. البعد الإنساني الشامل

«أصل الوجع» ليس وجع فرد، بل وجع إنسانية تكرر مأساة الأخ الأول.

خاتمة نقدية

قصيدة «أصل الوجع» نصّ وجداني احتجاجي، يقوم على لغة مباشرة مشحونة بالعاطفة، ويبلغ ذروته الجمالية في استدعاء الرمز الديني (قابيل وهابيل) لتأصيل الألم في بنية الصراع الأخوي.

قد يقترب أحياناً من التقريرية، لكنه يعوّض ذلك بصدق شعوري واضح وبنبرة إنسانية مأساوية.

إنه نصّ يطرح سؤالاً لا ينتهي:

هل يمكن للإنسان أن يتحرر من فلسفة اللاإخاء؟

أم أن أصل الوجع أقدم من كل محاولات الشفاء؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

أصـل الوجــع

أيـا جــرح الأزل ...

لمَ استعجلـت أجـلي؟

تحاشينـا الـولاء

لإخـوان لنـا أعــداء

رحـلنــا ودّعـنـا الأوهـام

مللنـا قـالــوا  وقـلنـا

فحصـادنـا جنينـاه ...

وجعًــا بالقـلــب

خسـارة للحــب

كم عـانيْنـا لمـا سعيْـنـا

و زوَّد الفشـل إحباطـاتـنـا

كـلّ مـا جنيْـنــا

قحـطهم باللاّاحتـواء

إيــه علينـا وآه

كـم صبـرنـا على هـمّ المحـن

فشَـل البحـث والمُحـاولات

متـاهـات  ومسافـات

لا نقـاء  ولا صفــاء

لا صـدق ولا وفـاء

آه يـا قـلـب ثـم آه

عـقـلُنــا إختـلّ  وتــاه

ضحيْـنـا  دون جـدوى

فهجرنـا تحاشيْنـا العـدوى

ابتعـدنـا.. نفـرنـا

كـي لا يُصيبنـا ...

جُـرم أو وبـاء  وبـلاء

فـلا شمـاشتـة .. ولا لـوم علينـا

إن تلاشينـا وتشبّـث العنـاء

فالـوحـدة .. انتمــاء

والانـطـواء .. اكتـفــاء

رحلنـا بـلا وداع

أوقفـنـا عجلـة الصّـراع

 وألـمُ الفـراق يا رفـاقــي...

جـمَّـد الـدم في العــروق

إذ فلسفـة قابيـل وهـابيـل

فرضـت وجـودهـا باللّاإخـاء

***

عـزيزة مكـرود - الجـزائــر

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الكتابة بوصفها استجابةً سريعة للواقع، يظلّ النص الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بأن يقول الألم، بل يعيد تشكيله جمالياً وفكرياً ليغدو تجربة إنسانية قابلة للتأويل والاستمرار. ومن هذا الأفق تنبثق قصيدة النثر «ثمنه.. أن تحترق» للشاعرة نجمة عمر علي كراتة، بوصفها نصّاً يتجاوز حدود الاعتراف العاطفي إلى فضاءٍ أوسع تتقاطع فيه الذات الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتداخل فيه الحب مع الوطن، والجسد مع الجغرافيا، والجرح مع السؤال الوجودي.

لا يقدّم النص سردية شعورية خطّية، بل يبني عالماً رمزياً متشظّياً تتحرك داخله الصور كما تتحرك الذاكرة تحت ضغط الفقد والحرب والحنين. فالاحتراق هنا ليس مجرد استعارة وجدانية، بل تجربة معرفية تتخذ من الألم طريقاً إلى الوعي، ومن الانكسار إمكانيةً لإعادة بناء المعنى. ومن خلال شبكة كثيفة من الرموز — القمر، القمح، الزيتون، الضوء، الفزاعة — تتشكّل لغة تستثمر الاقتصاد التعبيري والانزياح البلاغي لتصنع موسيقاها الداخلية الخاصة، بعيداً عن الوزن التقليدي، وقريبةً من نبض النفس المتوتر.

تأتي هذه الدراسة النقدية محاولةً لقراءة النص قراءةً شاملة متعددة المناهج، تنطلق من الأسس اللغوية والبلاغية، مروراً بالبنية الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية والنفسية والسوسيولوجية والسيميائية، مع مراعاة السياق الثقافي والتاريخي الذي يتخلّق داخله الخطاب الشعري. وهي قراءة تسعى إلى الإنصات للنص من داخله، لا إلى فرض أحكام مسبقة عليه، للكشف عن طبقاته الدلالية العميقة وقدرته على إنتاج المعنى والانفتاح على تأويلات متعددة، بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان نحو أفق إنساني أشمل.

النص بوصفه احتراقاً لغوياً ووجودياً

ينتمي نص «ثمنه.. أن تحترق» للشاعرة نجمة عمر علي كراتة إلى منطقة الكتابة التي تتجاوز حدود القصيدة النثرية التقليدية لتقترب من «السيرة الشعورية المفتوحة»، حيث يتحول الجسد إلى جغرافيا، والوطن إلى جرح، والحب إلى قدرٍ وجوديٍّ يدفع الذات إلى الاحتراق بوصفه شرطاً للمعرفة والانبعاث. إننا أمام نص لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يصنع من الألم جهازاً تأويلياً يعيد قراءة الإنسان والعالم والتاريخ.

يتداخل في النص خطاب الحب مع خطاب الوطن، ويتقاطع الوجداني مع السياسي، والأنثوي مع الجمعي، في بنية تتكئ على الاقتصاد اللغوي والانزياح البلاغي، مما يستدعي قراءة متعددة المناهج تجمع الأسلوبي والنفسي والسيميائي والهیرمينوطيقي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

يتميز النص بسلامة لغوية واضحة، إذ تعتمد الشاعرة على جملة عربية سليمة التركيب، بعيدة عن التعقيد المصطنع أو الزخرفة الثقيلة. الجملة الشعرية قصيرة غالباً، تعتمد القطع والتكثيف:

«ركضت نحوك والروح تنزف وجعاً...

قهراَ...

غصباً...»

هذا التفكيك التركيبي ليس ضعفاً بل استراتيجية دلالية؛ إذ تتحول الكلمات المفردة إلى جمل نفسية قائمة بذاتها. هنا يتحقق الانزياح الأسلوبي عبر تفتيت الجملة التقليدية لصالح نبض شعوري متقطع.

كما تتكئ الشاعرة نجمة عمر علي كراتة على الحذف البلاغي والإضمار، فتترك فراغات يملؤها القارئ:

«تعال لتبكي فوق كتفي...»

فلا نعرف من المخاطب تحديداً: الحبيب؟ الوطن؟ الشهيد؟ الذاكرة؟ وهذا الغموض المقصود يمنح النص كثافة تأويلية.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة في النص تميل إلى الفصاحة المعاصرة؛ فهي لا تستعير المعجم التراثي مباشرة، بل تعيد صياغته ضمن حساسية حديثة:

١- الصفصاف

٢- البنفسج

٣- القمح

٤- الزيتون

كلها مفردات ذات جذور عربية راسخة لكنها توظف داخل سياق حداثي.

التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ إذ لا توجد مفردات فائضة بلا وظيفة دلالية. حتى التكرار يخدم البناء الشعوري:

١- «الكل يهرب...

٢- الكل يجري...

٣- الكل يهذي...»

إنه تصعيد لغوي يعكس فوضى الواقع.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص لا يخضع لوزن تقليدي، لكنه يمتلك موسيقى داخلية قوية قائمة على:

أ ـ التكرار الصوتي

تكرار القاف والراء في:

القمر ـ القمح ـ القهر ـ القتل

يوحي بخشونة الواقع.

ب ـ التوازي التركيبي

«أين أنت؟

أين الوعد؟

أين العهد؟»

وهو إيقاع استجوابي يخلق توتراً درامياً.

ج ـ الجرس الداخلي

تكرار حرف المد يمنح النص بطئاً تأملياً:

«أنفاسي ثقيلة جدًا أغرقتني في ملحي».

إنه إيقاع الانهاك.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية شبه سردية تتطور عبر مراحل:

١- مرحلة الجرح الشخصي.

٢- مرحلة الحلم والبناء.

٣- مرحلة الغزو والانكسار.

٤- مرحلة البحث والخلاص.

وهو معمار قريب من «الرحلة البطولية» ولكن بصيغة أنثوية داخلية.

الشخصيات ليست أشخاصاً بل رموز:

١- الحبيب = المعنى أو الوطن.

٢- الغريب = المحتل أو العنف التاريخي.

٣- الفزاعة = الوعي المراقب أو الخوف الجمعي.

2 ـ الرؤية الفنية:

ترى الشاعرة العالم باعتباره مساحة صراع بين الضوء والاقتلاع.

«هشم زجاج الضوء.»

إنها صورة تعلن أن العنف لا يقتل الجسد فقط بل المعنى.

الشكل يخدم المضمون؛ إذ تتشظى الجمل كما تتشظى الذات.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

أبرز مظاهر الدهشة:

«أتوضأ بنوره وأسجد بجبيني المثقوب بالرصاص.»

دمج المقدس بالجرح السياسي يمنح الصورة قوة استثنائية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- ما ثمن الحب؟

٢- ما معنى الوطن؟

٣- هل النجاة ممكنة دون احتراق؟

الاحتراق هنا تجربة معرفة.

2 ـ الأفق المعرفي

يحاور النص:

التراث الصوفي (الاحتراق = الفناء).

الذاكرة العربية المعاصرة (بيروت ـ القدس ـ دمشق).

إنه نص عابر للجغرافيا العربية.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القمر رمز مركزي:

١- الحبيب.

٢- الأمل.

٣- الوطن.

أما القمح فهو رمز الاستمرار والحياة.

الحذف والغموض ينتجان طبقات متعددة من المعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص

النص يكتب من داخل زمن الحروب العربية المعاصرة.

بيروت والقدس ودمشق ليست أسماء بل جراح تاريخية.

2 ـ تطور النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى قصيدة النثر العربية الجديدة التي تجاوزت الغنائية الفردية نحو الوعي الجمعي.

3 ـ العلاقة بالتراث

استحضار:

١- الزيتون.

٢- القمح.

٣- صلاح الدين.

يعيد وصل النص بالذاكرة التاريخية.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

تتأرجح الذات بين:

١- الحب.

٢- الفقد.

٣- المقاومة.

اللاوعي يظهر في تكرار الجرح الجسدي.

2 ـ تحليل الشخصية:

الشخصية المركزية ليست ضحية فقط بل مقاومة:

«عزيزة النفس لا أهون.»

3 ـ النبرة النفسية

النص مزيج من:

١- الحنين.

٢- الاحتجاج.

٣- القلق.

٤- الأمل المؤجل.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص ينتقد الانهيار الجمعي:

«الكل يهرب من الحرب.»

ويكشف هشاشة الجماعة.

الكاتبة نجمة عمر علي كراتة هنا شاهدة اجتماعية لا عاشقة فقط.

سابعاً: الأسس السيميائية:

1 ـ الرموز

١- القمر = الأمل.

٢- الزيتون = الأرض.

٣- الفزاعة = الخوف.

2 ـ الثنائيات

١- الضوء / الظلام.

٢- الحب / الحرب.

٣- الوطن / المنفى.

3 ـ الفضاءات

الأرض = الجسد.

السماء = الرجاء.

ثامناً: الأسس المنهجية

هذه القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- النفسي.

٣- السيميائي.

٤- التأويلي.

مع التركيز على النص لا على سيرة الكاتبة.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا:

النص يحتفي بالإنسان رغم الخراب.

الاحتراق ليس موتاً بل عبوراً.

والقصيدة مفتوحة على قراءات متعددة: حب، وطن، مقاومة، أو سيرة نجاة.

خاتمة:

«ثمنه.. أن تحترق» نص ينجح في تحويل الألم الفردي إلى تجربة إنسانية عامة. لغته مشدودة بين الاقتصاد والتوهج، وصوره تتجاوز المألوف دون أن تفقد جذورها العربية. إنه نص يكتب بالجرح لكنه لا يستسلم له؛ بل يحوله إلى نورٍ يولد من رماد الاحتراق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

ثمنه.. أن تحترق..

ليس لأنني كنت لا أعي أين أضع قدمي النازفة،

بل لأنني ظننتك الضمادة التي لن تملَّ البقاء ملتحمةً بجلدي..

ما كان الثمن بخسًا، وكان الثمن احتراقي...

نظمت نثري ودسسته بين أبيات شعري..

في منطقةٍ قاسيةِ المناخ زرعتُ حبوبَ القمر..

قيل إنَّ القمر لا ينبت فوق تراب الأرض..

قبل مغيب الشمس كنتُ أجمع كلَّ الشعاع المبعثر..

أغسل الدفءَ بروحي، وأجفف خيوط الشمس..

وقبل بزوغ النجمات أجمع شعاع القمر المعطر بالصبر..

أتوضأ بنوره وأسجد بجبيني المثقوبِ بالرصاص..

من فرط تعبي أغمض طرف عيني، والقمر يحرسني..

فزاعة الحقل تراقب صمتي وتسمع آه الشوق المستتر..

أغصان الصفصاف خلعت رداء التوبة..

غرقت أوراقها في بركةٍ من دماء أبناء البلد..

بالحب قيل سيُبنى الوطن..

وثمن الحب أن تحترق...

شتاءٌ بيني وبينك يفصل بين الأنفاس..

جوارب الصوف تمزقت كما تتمزق الحدود..

خوذةٌ وصورةٌ وقصائدنا وعينانا والقمر...

تعال لتبكي فوق كتفي...

دثرني بكل السطور، غرامي..

ضمَّ رفات روحي وأوراقي..

أشعل الشموع تحت سمائي..

ولا تنتظرني، فالوقت يداهمني..

خذ ما تبقى مني لتحيا على ذاكرتي...

أنفاسي ثقيلةٌ جدًّا، أغرقتني في ملحي...

لا تترك سطوري تنجو... وضمني..

فقط لا تجعلها تنسى... وأحبني...

هناك، في أرضٍ مستويةٍ مع كثبان ملحي، بنيت بيتي..

وضعت حبوب القمر والشمس فوق الأرض وانتظرت..

خبأت مفتاح داري تحت وسادةٍ من طين..

اقترب الغمام رغم الهزال، وأمطر غيثًا يشبه دعائي لربي..

نمت الحبوب الشبيهة بالقمح وأزهرت..

فاح عطر البنفسج..

استوت قامتي شامخةً كسنبلة القمح..

نمت في الروح سنابلُ التبر ونجمات..

ما ذلّني بشرٌ، ولا إليه انحنى ظهري...

عزيزةُ النفس لا أهون...

سليلة الضوء، ابنة النور...

استوطن الغريب أرضي..

قلع خيوط القمر..

هشم زجاج الضوء..

حرّف سنابل القمح..

عصر زيتون بلدي..

سرق دفاتري..

شوّه مفرداتي...

سلخ جلدي الأسمر..

بكيت وحدي..

أين أنت؟

أين الوعد وأين العهد؟

سرق الغريب عمري...

قتل صدى الفزاعة حلمي..

خاف عصفور الزيتون مني..

صرت أشبع الفزاعة من خوفي..

دست فوق الشظايا بقدمي..

جرحت جلدي..

ركضت نحوك والروح تنزف وجعًا...

قهرًا...

غصبًا...

صرخت صرخة البكماء...

أفلت الوقت من يدي..

خذلتِ صوتي..

انتُزع مني قلبي..

شوارع بيروت سرقتك مني..

كحبوب الطلع حروف الأمل..

كفراشةٍ أحوم حول روحك، وحدي..

في حقول الغيم والقمر نبتت نجمةٌ من الأرض...

لكنه طحين الورق..

بلون التراب لون الوجه..

بلون الكحل رموش العين..

ردَّ قلبي لمكانه وارحل، ولا تسل عن طريق العودة...

وضعت قدمي فوق تراب القدس وحدي..

يتيمةٌ هي تلك الأرض..

كسيحةٌ هي أرجل المحاربين..

خائنةٌ هي دموع الحروف..

كل الجيوش خلف صلاح الدين تتأهب...

يتأهب الفؤاد للرحيل..

وأبقتني حقول القمح وحدي...

حبوب القمر انجرفت مع السيل...

في دمشق زرعت وردة الحب..

بتلات روحي أينعت وأضاءت دربي..

القول يباغت حقيقة الفعل..

الكل يهرب من الحرب..

الكل يجري...

الكل يهذي...

الكل يعاتب صبري...

وحده حبيبي يراقب خيوط القمر...

ينتظر أن تنمو حبات الشعاع..

ليقطف من السماء نجمة..

وحده حبيبي هناك تحت سماء الوطن.

ينتظر اصطفاف الأقمار ليقطف من القمر شعاعًا..

وحده هناك ينظر إلى السماء ويخبئني نجمةً في الدعاء..

كي يبزغ في الروح نورًا متجددًا...

لو أنك كنت تدري كم أهواك يا قمري!

ما كنت أدري أن عشق القمر ثمنه أن يحترق قلبي...

وها قد صرت أدري، وما ندمت...

لقد التقت عينانا فوق أرض الطهر، فكنت لي بردًا وسلامًا..

***

الكاتبة نجمة عمر علي كراتة تونس فلسطين

رداء الروح نجمة والقمر حبوب الطلع

إضاءة: ليس النص الأدبي مجرّد بناء لغوي من الكلمات والتراكيب، ولا هو محض مرآة تنعكس عليها التجربة الذاتية للكاتب أو الواقع الموضوعي من حوله؛ بل هو كيان مركّب، تتداخل فيه أبعاد اللغة والتجربة، الشكل والمضمون، والذات والموضوع، والشعور والوعي، والزمان والمكان، إنَّ هذا البحث يسعى إلى مقاربة هذا الكيان المعقد مقاربةً شمولية تستنطق النص من داخله، وتلاحق إشاراته من خارجه، في آن معًا، إذ تتوزع مباحثه على جملة من المحاور التي تقف عند جوهر النص وطبيعته، وعلاقته بالذات المبدعة والمتلقية، فضلاً عن التفاعل بين مكوناته الداخلية والعوامل الخارجية المؤثرة فيه.

ينطلق هذا من رؤية أنَّ الإنسان، بفطرته، مدفوعا نحو استكشاف الغامض والتفاعل مع العالم من خلال الرموز والصور والتجارب، وهو ما يمكّنه من تشكيل وعي مركب بذاته وبالآخرــ في هذا السياق ـــ يُنظر إلى الفن بوصفه مظهرًا من مظاهر هذا الوعي الإنساني، لأنه يمثل قدرة الإنسان على الإفصاح عن تجربته وتبادلها مع بني جنسه، ولعل الفن الأدبي، بما في ذلك الشعر والنثر، يُعدّ من أعمق هذه الفنون، لأنه يرتكز على اللغة، هذه الأداة التي هي أكثر أدوات التعبير شحنًا بالتراث والمعنى.

تتمايز الفنون على أساس مادتها: بين الفنون: المكانية كالنحت والرسم، والفنون الزمانية: كالموسيقى والشعر. وفي هذا التقسيم، يحظى النص الأدبي بموقع خاص، إذ يرتكز على اللغة التي تحمل طبيعة مزدوجة: فهي من جهةٍ أصوات ومفردات "مادية"، ومن جهة أخرى رموز ودلالات " ذهنية "، ولا يمكن اختزال النص الأدبي إلى مجرد لفظ منطوق أو شكل من أشكال الكلام، لأن الشعرية لا تتحقق في المفردات ذاتها، بل في طريقة تشكلها وانسجامها، في إيقاعها الداخلي والخارجي، وفي التوتر الذي ينشأ بين الإشارة والإيحاء، بين قول وقول اخر.

إنَّ النص الأدبي ليس نقلًا مباشرًا أو شفافًا للتجربة الشعورية، وإنما هو تشكيل خاص لهذه التجربة، قد يشوّهها أو يعمقها أو يحرفها، بحسب قوانين اللغة وحدودها وإمكاناتها. ولأنَّ اللغة ليست أداة محايدة، بل كيان مشبع بالتراث الجمعي، فإنها كثيرًا ما تفرض على الأديب قيودًا تُبعد النص عن التجربة الأصل، وتجعل النص ذاته كيانًا مستقلاً يستدعي قراءة مستقلة ومركبة.

ولا ريب أنَّ هناك فجوة بنيوية قائمة بين ما يشعر به الأديب في أعماقه، وما يُقدَّم على الورق في شكل نص، وبين ما يُقصد من المعاني وما يُتلقّى منها. وهذه الفجوة ذات بعدين: أحدهما داخل النص، بين قصدية الكاتب وتشكيله، والآخر خارجه، بين النص والمتلقي، إذ إنَّ القارئ لا يتلقى التجربة ذاتها التي مر بها الأديب، بل يتلقى تمثلاً لغويًا لها، وهو تمثل غير أمين، ويتلوه تمثل آخر خاص بالمتلقي نفسه، فتتعدد القراءات، ويصبح لكل قارئ نصه الخاص.

وفي الإطار ذاته، فإننا نناقش القراءات المتنوعة للنص الأدبي، ونقف على الفرضيات التي تصوره إما كمرآة للواقع أو كذات لغوية مغلقة على بنيتها، ويرفض كلا الاتجاهين بوصفهما قاصرين عن الإحاطة بماهية النص، فالنص، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي ولا تعبيرًا عن نفس فردية فحسب، بل هو "كائن ثالث" بين الاثنين، إنه كشفٌ يتجاوز الواقع والذات معًا، وله بنيته المستقلة التي يجب تحليلها من داخلها، مع عدم إغفال العلاقات الخارجية التي تربطه بالمؤلف والسياق التاريخي والقرائي.

وتتجلى ماهية النص كذلك من خلال بنيته التكوينية: علاقة المكونات بعضها ببعض، تأثير الموقع والتجاور، وظائف العناصر داخل السياق، والتغييرات التي تطرأ على المعنى والدلالة بحسب ترتيب الكلمات ونظامها، فالقصيدة ليست مجرد كلمات، بل نسق من العلاقات الجمالية التي تتولد بفعل التضام والسياق، كما أن الكلمة الشعرية – وإن كانت مأخوذة من المعجم – فإنها تتحول إلى دلالة جديدة تمامًا داخل النص، وقد تتغير وظيفتها الجمالية والإيحائية وفق موقعها فيه، وهي بذلك تتحول إلى كيان عضوي داخل منظومة شعرية لا تكتمل إلا بها.

ويحتل الجانب الإيقاعي حيّزًا مهمًا من هذا المشروع، ليس من جهة الوزن فحسب، بل من جهة الإيقاع الداخلي للكلمات، وانفعالاتها، وموسيقاها التي تنشأ عن تراصف الأصوات والتكرار والتوازي، وهذا ما يجعل النص الأدبي – وخصوصًا الشعر – كيانًا حيًا، يتفاعل فيه الصوت مع المعنى، ويتضافر فيه الحس بالزمن مع الحس بالدلالة.

ولا يغفل البحث حضور المتلقي ودوره في توليد المعنى، مؤكدًا أن كل قراءة هي خلق جديد للنص، وكل قارئ يضيف إلى النص ما لم يكن فيه أصلاً، لأن التفاعل مع النص هو تفاعل مع اللغة بما تحمله من تاريخ، وذاكرة، وإيحاءات، وطبقات من المعنى.

وإجمالًا، فإنَّ هذا لا يعني تقديم إجابة قاطعة ونهائية عن سؤال "ما النص الأدبي؟"، بقدر ما يسعى إلى فتح مسارات جديدة للتفكير فيه، وإعادة تأمل ما يبدو مألوفًا وبديهيًا، وكشف التوترات الكامنة في صلب العملية الإبداعية، إنه محاولة لتقديم رؤية نقدية وفلسفية تشتبك مع مفهوم النص بوصفه وجودًا ديناميًا يتغير بتغير الزوايا التي ننظر من خلالها إليه، ويتجدد مع كل قراءة، ان ماهية " النص الأدبي" لا يتناول النص كجسد لغوي فحسب، بل كنصٍّ حيٍّ نابضٍ بالتجربة، وبالتحوّلات، وبالدلالات المتفاعلة، وبالأسئلة التي لا تنتهي.

1

لا شك أنَّ الإنسان مهيأ بفطرته لاستكشاف الغامض والمجهول، مما يؤدي به إلى وعي ذاته والعالم من حوله، وعِبْرَ هذا السعي، فانه يلبي للإنسان حاجةً معينةً في نفسه، لتحقيق الكمال، ليصبح أفضل مما هو عليه، بمعنى آخر" يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلًا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا".[1]

ويبدو أنَّ هذا التكامل لا يتحقق عِبْرَ وعي التجارب الفردية التي يمر بها الإنسان فحسب، بل يمكن الوصول إلى "هذه الكلية إذا حصل على تجارب الآخرين، وهي التجارب التي يمكن أنْ تكون تجاربه في المستقبل... والفن يمثل قدرة الإنسان غير المحدودة على الالتقاء بالآخرين، وعلى تبادل الرأي والتجربة معهم ".[2]

يفرق المفكر الألماني إفرايم ليسينغ بين الفنون بناءً على الوسائط المستخدمة، إلى مجموعتين: الأولى: هي الفنون التشكيلية التي تعتمد المكان، مثل العمارة والنحت والتصوير، والثانية: هي الفنون الإيقاعية التي تعتمد الزمان، مثل الموسيقى والشعر[3]، وهذا يعني أنَّ الفنون المكانية تشغل حيزًا محددًا في المكان، مما يعكس الوجود الموضوعي للعمل الفني التشكيلي ــ على سبيل المثال ـــ يتجسد النحت عِبْرَ كتلة الحجر التي قام النحات بتشكيلها، محولًا إياها من مجرد كتلة حجرية صماء لا تحمل معنى، إلى عمل فني يحمل دلالاته المعرفية وقيمته الجمالية.[4]

تستند الفنون الإيقاعية في أحد مكوناتها إلى الجانب الحسي المتمثل في الزمن، إذ تمثل الأصوات المادة الأساسية التي تعتمدها هذه الفنون، ويتدخل الإنسان في توزيع هذه الأصوات بطريقة معينة، مما يحولها من مادة خام تفتقر إلى الأبعاد الفنية والجمالية إلى عمل فني متكامل، ومن ثم، تتكون الموسيقى من " تكرار ضربة او مجموعة الضربات بشكل منظم على نحو تتوقعه الاذن، كلما آن اوانها ".[5]

في هذا السياق، يتضمن الإيقاع عنصرين أساسيين هما: الحركة والتنظيم، إذ يميز ابن فارس بين صناعة الموسيقى وصناعة العروض، إذ تُقسّم صناعة الموسيقى الزمن بالنغم، بينما تُقسّم صناعة العروض الزمن بالحروف المسموعة[6]، وجدير بالإشارة أنّ فؤاد زكريا يحد الايقاع في الموسيقى بأنَّه " تنظيم لحركة اللحن بحيث يتناوب عبر هذه الحركة عنصر التأكيد المتوتر وعنصر اطلاق هذا التوتر وتحقيقه "[7]، ومن هنا، يتجلى الجانبان المادي والروحي؛ فالحركة تعبر عن الجانب المادي، بينما يعبر التنظيم عن الجانب الذهني والروحي.[8]

وإذا كانت الفنون تتميز بخصوصية المادة التي يستخدمها الفنان، فإنها تُستقبل من المتلقي عِبْرَ حاسة إنسانية معينة، وهي البصر في الفنون التشكيلية المكانية، فلا يمكن تذوق النحت والرسم إلا عِبْرَ العين التي تراقب الكتلة والفراغ في حالة النحت، أو تلاحظ الألوان وكيفية تشكيلها وتحديد أبعادها وظلالها في حالة الرسم، وبهذه الحالة، يمكن إدراك هذه الفنون في كليتها دفعة واحدة، إذ يمكن رؤية التمثال أو الصورة بشكل كامل في آن واحد، لأنَّ ذلك لا يتطلب وقتًا لإتمام عملية المشاهدة.

وإذا كانت حاسة البصر هي الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون المكانية، فإنَّ حاسة السمع تُعد الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون الزمانية، مثل الموسيقى والشعر، فالإيقاع يجمع بين الحركة والتنظيم، كما أشرنا سابقًا، إذ تتكون الموسيقى من أصوات متعاقبة بطريقة معينة وتحدث في زمن محدد، مما يجعلها فنًا زمنيًا يتطلب وقتًا للاستمتاع به، وتكون الأذن هي الحاسة التي يعتمد عليها البشر في تلقي هذه الفنون، كما أن اللغة بشكل عام والشعر بشكل خاص يتبعان حاسة السمع، إذ يُعرّف ابن جني اللغة بأنها " اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم "[9]، هذا التعريف المتقدم يسلط الضوء على الطبيعة الرمزية للغة، لأنها تعتمدها الأصوات التي تمثل جانبها المادي، وفي الوقت نفسه تعبر عن الدلالات والمعاني، ومن هنا، تختلف اللغة كأداة تعبيرية للأديب عن كتلة الحجر بوصفها مادة خامًا للنحات، إذ إنَّ اللغة تختلف عن الحجر، لأنها مشحونة بالتراث الثقافي،[10]ومن ثم فإنَّ كتلة الحجر أكثر مرونة وقابلية للتشكيل على وفق إرادة الفنان، على عكس اللغة التي تتسم بالثبات، فتحمل الكلمات دلالاتها لسنوات طويلة.

وتحمل اللغة طبيعتها المزدوجة بوصفها اداة للتواصل والتعبير في آن واحد، كما يصفها آرنست فيشر بأنها ادراك حسي للشيء وتجريدًا له[11]، وفي هذا السياق، يهيمن العقل عليها بشكل كبير، ولا يمكن الاستغناء عن التعبير في الشعر، لأنَّ الشاعر يعبر عن كل شيء على وفق معايير الجمال، مما يتطلب رؤية فنية خاصة.[12]

2

يسعى الأديب عِبْرَ إبداعه الشعري إلى تقديم تجربته الانفعالية، التي لا يمكن أن توجد بشكل موضوعي إلا بعد تجسيدها في صياغة لغوية، ومن ثم، يتم تذوق هذه التجربة وفحص عناصرها ومكوناتها عِبْرَ هذا الوسيط اللغوي الذي يتميز بخصائصه الأسلوبية، أما ما يدور في ذهن الأديب في أثناء عملية الإبداع أو قبلها، فهو أمر يصعب على الناقد تتبعه[13] ما لم يتشكل العمل الإبداعي لغويًا، وهذا الجانب له خصوصيته التي تهم غير النقاد.

بذل الأدباء جهودًا كبيرة ليكون النص الأدبي معبرًا عن التجربة الانفعالية وشاملاً لجوانبها المتعددة وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ هذا الأمر لا يتحقق دائمًا، إذ تتحول اللغة أحيانًا إلى عائق يمنع الأديب من التعبير عن تجربته الانفعالية بكل شموليتها وكليتها، لذا، نلاحظ شكاوى الأدباء التي تشير إلى وجود معيق يحول دون التعبير عما يريدون إيصاله، مما يجعل التجربة تبدو غير واضحة وغير مكتملة، وعندما يحاول الأديب التعبير، يتشتت الوضوح ويتبدد التكامل.[14]

إن تجربة الأديب الانفعالية ذات طبيعة كلية تامة قبل تشكيلها اللغوي، يحس بها الأديب ويعيها ويسيطر عليها، وحين يعمد إلى تقديمها عِبْرَ سياق " زماني/ لغوي " يضطر الى اخضاع تجربته الانفعالية الكلية الشاملة الى المحدد والجزئي، أي إخضاع الكلي " التجربة الانفعالية " إلى الزماني الجزئي " التشكيل اللغوي "، لأنَّ الاخير لا يتحقق وجوده إلا بترتيب الكلمات وانتظامها بكيفية معينة، فالتجربة الانفعالية خاضعة لقوانين اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ويحاول الأديب التحرك في إطار ما سبق خلقه، أي أنه يحاول تقديم تجربته التي تتسم بكونها مطلقة وكلية وفردية عِبْرَ جبرية اللغة، أي عِبْرَ جبرية مفردات وتراكيب لم يخلقها الأديب، وقوانين لم يسهم في تأسيسها أو توليدها، ولذلك يخضع الكلي والمطلق للمحدد والجزئي.[15]

وفي هذا السياق، يبقى التشكيل اللغوي غير قادر على نقل ما يسعى الشاعر إلى تقديمه، لكنه مضطر لقبوله، إذ لا توجد لديه وسيلة أخرى سوى التعبير عن هذه الصورة التي تعكس عالمه الخاص، ومن هنا، يشعر الأديب بوجود فجوة بين تجربته الانفعالية وما يقدمه في النص الأدبي كمعطى يعكس تلك التجربة، ويبقى النص كيانًا لا يعبر بدقة عن تجارب الأدباء.[16]

إنَّ الأديب في أثناء خلقه النص الأدبي يتفاعل مع المفردات بكيفيات خاصة، أقول مجازًا يتفاعل، ليس بوصفها أحجاراً، وإنما بوصفها مخلوقات، وكأنه يحاول إعادة خلقها من جديد، ومن ثم تتلون المفردات والتراكيب في ضوء: رؤيته، و تجربته، وإن المفردة تشع وتوحي بإيحاءات خاصة لدى الكاتب، ولا يمكن لهذه الإيحاءات أن تتماثل أبدًا مع إنسان آخر، بسبب المخزون النفسي ـــ وهو مخزون فردي خاص قطعًا ـــ ولما يتصل بهذا المخزون من رواسب فردية يتصل جزء كبير منها باللاشعور، إن حدثًا واحدًا أمام شخصين يترك آثارًا متفاوتة فيهما، بسبب كيفية تفاعلهما معه من ناحية، وبسبب تفاوت العالمين الداخليين لهما من ناحية أخرى، ويرجع ذلك إلى تلك الكوامن القارة في أعماق كل واحد منهما، وهي التي تتفاعل مع الحدث، ومن ثم تؤثر في التعبير عنه.[17]

إنَّ المتلقي يتفاعل مع التشكيل اللغوي، وليس مع تجربة الشاعر الانفعالية، وبما أن النص ليس أمينًا في نقل هذه التجربة يحدث أول سوء فهم لتجربة الشاعر بسبب النص، أي بسبب التشكيل اللغوي،[18] وإذا كان المبدع له خصوصيته في تجربته وكيفية إبداعه فإنَّ المتلقي هو الآخر له خصوصيته الفردية وله كوامنه الخاصة المستقرة في أعماقه، وحين يلتقي بالنص فإنه يتفاعل بكيفية خاصة معه، إنَّ أثر النص يتشكل ويتلون بحسب المثيرات اللغوية التي تترك إيحاءات خاصة لدى المتلقي[19]، ومن ثم تخلق تجربة انفعالية جديدة لديه، وهي قطعًا ليست التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ المتلقي لا يتفاعل مع تجربة الأديب الانفعالية وإنما يتفاعل مع وسيط لغوي غير الأمين في نقل تجربة الأديب، وأكثر من هذا أنَّ المفردات والتراكيب عند الأديب في هذا النص توحي بإيحاءات خاصة، ولذلك اختارها هو، ولكنها عند المتلقي توحي بإيحاءات أخرى خاصة به ،لا يمكنها أنْ تكون هي بأي حال من الأحوال، ولذلك فإنَّ تلقي التجربة الانفعالية الجديدة يبتعد مرتين عن أصل التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ كل قراءة للنص هي فهم جديد له، ولذلك فنحن لسنا إزاء نص واحد إلا بوصفه موجودًا فيزيقيًا، ولكننا إزاء أعداد لا حصر لها من النصوص المقروءة، لأنَّ القراءة تحول الوجود الفيزيقي إلى نص آخر، ليس هو الوجود الفيزيقي ـــ قطعًا ـــ وليس هو تجربة الأديب الانفعالية، وإنما هي تجربة جديدة أثارها النص في المتلقي، ومن ثم تتفاوت طبيعة النص بتفاوت المتلقين، وبتعددهم وتكرارهم .

3

إنَّ هناك قراءات متعددة تتفاعل مع النص، وكل واحدة منها تحاول التركيز على جانب منه، غير إنَّ هذه القراءات يمكن تصنيفها إلى قسمين:قسم لا يرى في النص إلا وجوده اللغوي، وقسم: لا يرى فيه إلا كونه صورة لما يقع خارج النص، وكلتا القراءتين ليست سليمة ـــ كما يقول أدونيس ـــ إذ " لا تصح قراءة العمل الشعري بما هو خارج عنه، ولا بمجرد نصيته المحضة، فقراءته بعناصر من خارجه إلغاء له، وقراءته بعّده نصًا وحده إلغاء لتاريخيته أو لاجتماعيته، فليس العالم الشعري مجرد انعكاس نفسي ـــ ذاتي، كما أنه ليس مجرد انعكاس واقعي ـــ اجتماعي، إنه قبل كل شيء كشف، أعني أنه ليس وثيقة عن المعطى، وإنما هو اختراق وتجاوز"[20].

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ النص يتميز بسمات ثلاث: كليته، وعضويته، وتكامله، كما يشير إلى ذلك يوري لوتمان، وأن طبيعته لا تتحدد في مجرد" جمع إلى للعناصر التي تؤلفه، وإن تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجود إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي "[21].

وعلى الرغم من صحة إمكان دراسة النص ودراسة بنيته وفقا لقوانينه الداخلية فإنه ليس مستقلًا أو منفصمًا عن بنى أخرى، تتوازى وإياه، أو تتقاطع معه، أو يتأثر فيها: نصوص، وواقع، وذوات، إن وجود النص تحكمه مقومات داخلية تُحدد زمانيته في إطار إبداعه وتلقيه على السواء، إذ لا يمكن إبداعه وتلقيه مرة واحدة بسبب زمانية اللغة، وانه لا وجود له إلا بها، وان الكشف عن بنيته، وهو مجرد افتراض تجريدي، لا يعني الكشف ـــ حقيقةً ـــ عن ماهيته.

ولو تصورنا أنَّ نصًا يتكون من مكونات جوهرية أساسية هي: أ، ب، ج، فإنَّ هذه العناصر لوحدها لا يمكنها أن تحدد ماهيته، لأنَّ تحديد ماهية النص وبنيته ليست مقتصرة على تحديد مكوناته الجوهرية التي لا يتم وجود النص إلا بها، فحسب، وإنما يتحدد في ضوء مواقع هذه المكونات من ناحية وعلاقاتها ببعضها من ناحية ثانية، وبالبناء الكلي من ناحية ثالثة، أي وظيفة كل كلمة في التركيب وأثرها في الكلمة الأخرى بالتركيب نفسه .

إنَّ هذه الأشكال الثلاثة ليست واحدة على الرغم من أنها مكونة من العناصر نفسها، غير إنَّ مواقع هذه العناصر مختلفة، كما أن العلاقات التي تصل بين هذه المكونات مختلفة، ومن ثم تغير من ماهية الشيء، ولا ريب في أن ترابطًا عضويًا بين هذه المكونات يحدد طبيعة النص، وان تغير أحد المكونات أو تغير موقعه، أو تغير علائقه يؤثر قطعًا في المكونات الأخرى، بمعنى أن ماهيته وبنيته تتأثران قطعًا في هذه التغيرات، إن طبيعة المكون ستختلف إن أخرجت من سياقها إلى سياق آخر، فلو تصورنا أننا أخذنا صورة رأس حصان من لوحة فنية وأخرجناها من سياقها في هذه اللوحة الفنية ووضعناها في سياق لوحة أخرى لإنسان ـــ مثلًا ـــ موقعًا وعلاقة، لا ريب في أن هناك تغيرًا جوهريًا سيحدثه هذا العنصر في تحديد ماهية اللوحة وماهية بنيتها، ولو غيرنا موقع هذا المكون وعلاقته فإنه سيترك أثرًا مختلفاً، ويكون له تأثير كلما كان الموقع الذي وضعناه فيه بالغ الأهمية، والعلاقة التي تؤديها مؤثرة. وهذا هو الذي أكده كلود ليفي شتراوس اذ قال " أن البنية ذات طابع عضوي، لأنَّ علاقة العناصر المكونة لها تقتضي أن يكون تغيير أي عنصر مفضيًا بذاته إلى تغيير بقية العناصر"[22] .

وقد نبه على ذلك عبد القاهر الجرجاني في قوله: " لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادًا ومجردة عن معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد أعمال فعل فيه وجعله فاعلًا له أو مفعولًا ... فقل في:

قفا نبك من ذكر حبيب ومنـزل

" من نبك قفا حبيب ذكر منـزل «ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟[23].

إن للنص خصوصيته واستقلاليته، غير إنَّ المادة التي يتشكل منها النص ـــ الكلام بالمنظور السوسيري ـــ[24] ليست مجرد مادة هامدة كالحجر أو اللون ـــ كما اشرنا ـــ ولكنها تتميز بأنها من صنع الإنسان ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي كما يرى رينيه ويليك[25]، وإذا كانت مواد الفنون الأخرى ـــ كالحجر واللون ـــ تظل خاملة من الناحية الاجتماعية حتى تقع في يد الفنان[26] فإنَّ اللغة " تتميز بفاعلية اجتماعية عالية "[27]، وفي هذا السياق ينبغي ألا ّ ينظر إلى النص الشعري بوصفه كيانًا يتماثل في خصائص جزئية مع الموسيقى والنحت، ليس بسبب التغاير في المواد المستخدمة فحسب، وإنما بسبب طبيعة التشكيل أيضاً، لأنَّ الكلمات ـــ وهي مادة الأدب ـــ على الرغم من أنها تشتمل على دلالات ومفاهيم معجمية، فإنها في أثناء التشكيل تتفجر دلالات جديدة ودلالات مصاحبة، وتولد أنماطًا من الشعور، ويسهم التناوب والتكرار والتوازي ـــ في الشعر بخاصة ـــ في توليد دلالات مصاحبة وينبئ عن مستويات تعبيرية وانفعالية .

إنَّ النص لا يتكون بدون كلمات، والكلمات تتميز أولاً باستقلالها الموضوعي لكونها تتألف من وحدات صوتية متضامة بكيفية معينة، وتشتمل على دلالة ما، مهما كان نوعها، في حدود وجودها المعجمي، أعني خارج أي سياق، وإذا كان القول بأنَّ استخدام هذه الكلمة في سياق جديد يعني إضافة إليها، بحيث تتلون دلالتها وفقًا لعلاقتها، بما قبلها وما بعدها أولاً، وبسياق النص ثانياً، أو على حد تعبير فيرث " إن كل كلمة حين تستخدم في سياق جديد تكون كلمة جديدة "[28] غير إنَّ هذا لا يلغي الثوابت الكائنة في الكلمة التي تبقى محافظة عليها، مهما استخدمت في سياقات مختلفة، وان التغاير الكائن فيها يمكن تسميته بالمتغيرات التي تنتاب هذه الكلمات، هذا فضلًا على القول بأن " الكلمات المستقلة في قصيدة ليست مجرد رموز ضمن أوضاع سياقية، بل هي نفسها أيضا سياقات كل منها للآخر، يعدل كل منها الآخر وينضم كل منها للآخر لتثير استجابة متصلة "[29]، إنَّ معنى قصيدة ليس حاصل مجموع دلالات الكلمات مستقلة، بل هناك دلالات يولدها السياق، ويولدها إيقاع الكلمات، سواء في خصائصها المنفردة، أم في أثناء تضامها مع بعضها، أم بهما معا .

ويمكن توضيح ذلك بنصين على سبيل المثال، الاول لأبي نؤاس، والثاني لجحظة البرمكي، أما النص الاول الذي ترد فيه كلمة " ايضًا " فانَّ هذه الكلمة في الاستعمال العادي لها دلالة ضامرة تفيد التوصيل ليس غير، كأن تطلب وأنت على مائدة الطعام: من فضلك اعطني قدحًا من الماء أيضا، إن هذه الكلمة " أيضًا " لا تدل على أكثر من أنك تطلب شيئًا آخر ولكنها عند أبي نؤاس[30] في قوله:

وَلَستُ بِقائِلٍ لِنَديمِ صِـدقٍ

وَقَد أَخَذَ النـعاسُ بِوجنتيه ِ

*

تَنـــــــاوَـلها وَإِلّا لَـــم أَذُقــها

فيشربها وقد ثَقُلَت عَلَيـهِ

*

وَلَكِنّي أُصـــدُّ الكَأسَ عَنهُ

وَأَصــــــــرِفُها بِغَمزَةِ حاجِبَيهِ

*

وَأَحبِسُها إِلى أَن يَشتَهيها

وَآخُـــــــذُها بِرِفقٍ مِن يَدَيــهِ

*

وإن مُدّ الوساد لنوم سكرٍ

مددت وسادتي أيضًا إليه

تحمل دلالة أخرى، لا يمكن أن تكون نفسها التي ألفيناها في السياق السابق " إنَّ عمل الكلمة في سياق فني ليس هو عملها نفسه في استخدامات الحياة اليومية "[31]، ولذلك فإنَّ كلمة أيضًا ليست كلمة رديئة أو حسنة، كما أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى ليست شعرية " ليس ثمة كلمات سيئة أو كلمات جيدة، هناك كلمات في مواضع رديئة أو مواضع جيدة "[32].

وإن للواو العاطفة دورًا دلاليًا وجماليًا في آن واحد، فهي تخلط المعطوف بالمعطوف عليه، بحيث لا يبقى قيمة لمتقدم على متأخر، فيشتركان في القيمة، كما أنّ واو العطف " يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية " يعذب " فيها الأداء ويحلو، لا سيما أنّ السياق ينبئ عن لون من الانبهار والإعجاب في المثل الذي استشهد به ابن جنّي لتعزيز رأيه في بيتي جحظة البرمكي[33]:

إذا ما ظَمِئتُ إِلى ريقـــِهِ

جَعَلتُ المُدامَةَ مِنهُ بَديـــــلا

*

وَأَينَ المُـــــدامَةُ مِن ريقِهِ

وَلكِن أُعَلِّلُ قَلبــــــاً غَليــــــــلا

يقول ابن جنّي: " ولو قال: " أين المدامة من ريقه " لم يكن له ماء الواو ولا رونقها"[34]."

إن التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات نفسها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت في ضوئه، لأنَّ للتقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقات، أو في إطار سياقات أخرى .

وإذا كان دي سوسير قد حدد الكلمة في إطار بنيتين متلاحمتين معًا هما: البنية الصوتية والبنية الدلالية، وهما متلاحمتان، ولا يمكن الفصل بينهما[35]، فإنَّ الإيقاع في حقيقته ليس وليد إحدى هاتين البنيتين، وإنما هو يتولد منهما معا، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ قيمة الكلمة الجمالية وطبيعة موسيقاها لا تحددهما هاتان البنيتان ـــ الصوتية والدلالية ـــ لنفسيهما، إذ يسهم السياق في تحديد جماليات الكلمة وإيقاعها، إذ يؤكد ويليك أن الكلمات ليس لها و هي منفردة " في ذاتها صفات أدبية خاصة، ولا توجد كلمة قبيحة أو جميلة أو قبيحة في ذاتها أو من طبيعتها أن تبعث على اللذة أو عدمها، ولكن لكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة طبقًا للظروف التي توجد فيها "[36]، كما أن اللفظ القبيح كما يرى إليوت " هو اللفظ الذي لا يلائم السياق الذي جاء فيه"[37] ويؤكد عبد المنعم تليمة أنه ليست هناك «كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وليست هناك لغة شعرية ـــ أو شاعرة ـــ وأخرى غير شعرية، وإنما يتعامل الشاعر مع كلمات اللغة العادية، لكنه لا يتعامل مع النظام العادي لهذه اللغة "[38]، إن جمال الكلمات أو قبحها ليس ذاتيًا وإنما هو وليد موقعها في السياق، كما أن إيقاع الكلمة يتحدد على ضوء علاقاتها بما قبلها وما بعدها، من ناحية، وبموقعها قي سياق النص من ناحية أخرى .

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك ألفاظًا ثرية أو فقيرة في دلالاتها وإيحاءاتها، ويبدو بعضها أكثر دورانًا وترددًا وبعضها أقل وروداً، بسبب إمكاناتها الصوتية، وبسبب بعض القوانين اللغوية التي تتحكم بها، ويشير ويليك إلى هذه الظاهرة في أثناء تحدثه عن " كلمات ملساء مشذبة وأخرى وعرة غير مشذبة " وهذا يعني " أن بعض الكلمات نتيجة لطول الاستعمال قد أصبح مجاله أضيق من مجال غيره "[39].

وفي ضوء هذا فإنَّ شعرية النص تتحكم فيه أبعاد متفاعلة، أعني: الخصائص الكامنة التي تشتمل عليها المكونات الصوتية والدلالية للكلمة، وموقعها في سياقها الدلالي والإيقاعي، بمعنى أن شعرية النص لا تنفرد بها خاصية واحدة: الكلمة منفردة، أو السياق وحده، أو الإيقاع بمفرده، وإنما تتفاعل هذه المكونات جميعا، إن السياق لا يؤثر في تحديد دلالة الكلمة فحسب، وإنما يؤثر في استحضار هالة من المترادفات التي يوحيها السياق، وتتفاوت هذه المترادفات بحسب طبيعة السياق، ويسهم الإيقاع في التأثير في تحديد شعرية النص، ويؤثر في تحديد دلالة النص، ولذلك «فالموسيقى الشعرية تعّد إحدى الوسائل المرهفة التي تملكها اللغة للتعبير عن ظلال المعاني وألوانها علاوة على دلالة الألفاظ والتراكيب اللغوية "[40]، كما أن الإيقاع الكلي للقصيدة يسهم هو الآخر في إضفاء دلالات مرافقة ومصاحبة للتشكيل اللغوي للنص .

ان التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات ذاتها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت على ضوئه لأنَّ التقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة وغيرهما من شأنها أن تحدث آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقاتها، أو في اطار سياقات أخرى.

ونخلص من هذا كله الى أنَّ ماهية النص الادبي لا تتحدد الا عبر خاصية التشكيل اللغوي التي توصف بأنها منظومة لا تختلف عن بقية المنظومات الأخرى، بعناصرها الجوهرية التي تتكون منها، وبمواقع هذه العناصر، وبالعلاقات بينها، وهذا يعني، أيضا، ان ماهية النص الادبي تتجلى عبر كلية النص الادبي ،وتكامله، وعضويته التي تؤكد تلاحم مكوناته، وكأنها كائن حي.

ان النص الادبي، والحالة هذه، له خصوصيته واستقلاله، على الرغم من ان المادة التي يتشكل منها معروفة ومحددة ،لأنه يتكون من كلمات تتميز باستقلالها الموضوعي، ولا تتجلى ــ في ذاتها ــ بخصائص أدبية، وانما تتخلق الخاصية الأدبية عبر تضامها بكيفية معينة، وهذه الكلمات بعد تضامها في سياق، ليست هامدة تمامًا وإنما هي مشحونة بالتراث الثقافي من ناحية، وتعبر عن الخصوصية الفردية للمبدع، ولذلك، فإنَّ لغة النص الادبي تتسم بفاعليتها الخاصة في اطاري التراث من ناحية، والخصائص الفردية من ناحية ثانية .

***

د. كريم الوائلي

........................

[1] كريم الوائلي، الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، نور للنشر، 2018م، ص 13 .

[2] فيشر (آرنست)، ضرورة الفن، ترجمة ميشال عاصي، دار الحقيقة، بيروت، د. ت. ص 15 .

[3] يُنظر: أميرة حلمي مطر، مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، دار المعارف، مصر، 1989 م، ص 87 ـــ 88 .

[4] يمكن أن ينطبق هذا على التشكيلات التي تخلقها الطبيعة نتيجة لعوامل التعرية، إذ يواجه المتلقي تشكيلات من الحجر والصخور التي تتمتع أيضًا بخصائص جمالية، ومع ذلك، هناك فرق جوهري بينهما، إذ إنَّ تشكيلات الطبيعة تحدث بشكل عفوي دون نية لإثارة الجمال، بمعنى أنَّ الطبيعة لا تخلق الجمال بوعي، على عكس ما يقوم به الإنسان الذي يسعى بإرادته ووعيه إلى التعبير بهدف التأثير في المتلقي. ويؤكد زكريا إبراهيم هذا المعنى، إذ يشير إلى أن" المادة الخام لا تكتسب صبغة فنية فتصبح مادة استطيقية إلا بعد إنَّ تكون يد الفنان قد امتدت لها فخلقت منها " محسوسا جماليا " نشعر حين نكون بإزائه انه قد اكتسب ليونة وطواعية بفعل المهارة الفنية " زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت. ص 38 .

[5] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، مكتبة مصر، القاهرة ،1956م، ص 20.

[6] ابن فارس (أحمد)، الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1977 م، ص 467 .

[7] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 20، وينظر كتابنا: الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، ص 337 .

[8] نفسه، ص 61 .

[9] ابن جني (عثمان)، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952 ــ 1956 م. 1/ 33. وأكد هذا المعنى القاضي الجرجاني في وساطته، حين يقول:" وإنما الكلام أصوات محلها من الاسماع محل النواظر من الابصار " الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1386 هـ ــ 1966 م، ص 412 .

[10]يُنظر: ويليك ( رينيه ) بالاشتراك مع ) اوستن وارين (: نظرية الأدب، ترجمة محي الدين  صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981م، ص 21.

[11] يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ص 41 .

[12]يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ، ص 4.

[13] يرى رتشاردز " أنَّ العناصر التي تتألف منها القصيدة تشمل الكثير من العناصر اللاشعورية، ولربما كانت هذه العناصر الشعورية اهم بكثير من غيرها " رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ترجمة د. مصطفى بدوي، ومراجعة د لويس عوض، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1963م، ص 69 .

[14]  يُنظر: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 240 .

[15] تشبه التجربة الشعرية إلى حد كبير الرؤيا التي يراها النائم في أثناء نومه، فالرؤيا تمثل شيئًا، بينما التعبير عنها لغويًا يمثل شيئًا آخر، بمعنى آخر، نحن أمام منظومتين تتشابهان من جهة وتختلفان من جهة أخرى. إذا نظرنا إلى رؤيا يوسف، على سبيل المثال، نجد أنَّ الرؤيا تُعتبر "تصويرًا مرئيًا" وليست تعبيرًا لغويًا ، لذا بدأ النبي حديثه بقوله: "يا أبت إني رأيت " إذ يروي بتعبير لغوي عن تجربة تخيلية، أي أنه يصف لغويًا ما أدركته مخيلته أثناء النوم، كما إنَّ الصورة المرئية التي رآها النبي تعبر عن تجربة شخصية، ويعكس معادلها اللغوي وصفًا لها، مما يجعلها تنتقل من الخصوصية إلى العمومية، أي أنها تتحول من كونها تجربة خاصة بالرائي إلى تجربة يمكن للمتلقين تخيلها عبر ما توحي به وتؤديه "اللغة/الكلام": بحثنا: الاخفاء والاظهار، تأملات في سورة يوسف، مجلة شؤون اسلامية، لندن، العدد 2، 2000م .

[16] يُنظر حديثا مفصلا: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 232 .

[17] وهذا ما يؤكده رتشاردز بان" تأثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات الاخرى التي ترد هذه الكلمة بينها، فالكلمة التي يلتبس معناها وهي بمفردها يتحدد معناها حين ترد في سياق ملائم " مبادئ النقد الادبي، ص 236، وينظر: مكليش (ارشيبالد)، الذي يتحدث عن الكلمات والعلاقات فيما بينها بمعنى ،"ان القصيدة توجد كقصيدة في العلاقات بين الكلمات كأصوات " الشعر والتجربة، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، مراجعة توفيق صايغ، دار اليقظة العربية، بيروت،1963م.، ص 22 ـــ 25 .

[18] تختلف مادة الادب وهي اللغة عن مواد الفنون الاخرى، فالحجر والبرونز مادة النحت، والالوان مادة الرسم، والاصوات مادة الموسيقى ... فاللغة الادبية تكتظ بالالتباسات، ويليك( رينيه )، نظرية الادب، ص 21 ، ويقول ايضا: " إنَّ كل عمل ادبي هو مجرد انتقاء من لغة معينة" نفسه ص 179، وينظر ايضا، فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 25

[19] يؤكد ويليك ( رينيه ) أنَّ الكلمة لا تحمل معناها المعجمي بل هالة من المترادفات، ينظر: نظرية الادب، ص 181 .

[20] أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب، بيروت، 1989م، ص 28.

[21] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ترجمة محمد ابي الفتوح، دار المعارف، مصر، 1995م، ص 27 .

[22] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28 .

[23] الجرجاني( عبد القاهر )، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رضوان الداية، وفايز الداية، دار قتيبة، دمشق 1983م، ص 280 .

[24] يُنظر: دي سوسير، (فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ترجة عبد القادر قنيني،  ومراجعة أحمد حبيبي، افريقيا للشرق، د. م، 1987 م، ص 23 .

[25] ويليك ( رينيه )، نظرية الأدب، ص 21 .

[26] لوتمان( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28

[27] نفسه .

[28] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ترجمة عيسى العاكوب، وخليفة العزابي ،معهد الانماء العربي، بيروت، 1996م ص 35 .

[29] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ص 47 ـ 48 .

[30] الأربلي ( الصاحب بهاء الدين) ،التذكرة الفخرية، تحقيق حاتم الضامن، دار البشائر، دمشق ،2004 م، ص 249 .

[31] نوتني ( ونفرد) لغة الشعراء، ص 50 .

[32] نفسه، ص 51 .

[33] الحموي ( ياقوت ) معجم الادباء، ارشاد الاريب الى معرفة الاديب، تحقيق: احسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993 م، 1/207 .

[34] ابن جنّي ( عثمان )، الفسر الكبير ) شرح ديوان المتنبي ) تحقيق صفاء خلوصي، دار الجمهورية، بغداد، 1389 هـ ــ 1969 م، ص 49 ويُنظر: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، ص 119 ـــ 120 .

[35] يُنظر: دي سوسير( فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ص 86 .

[36] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .

[37] محمد النويهي، قضية الشعر الجديد،، معهد الدراسات العربية، المطبعة العالمية، القاهرة 1964م ص 22

[38] عبد المنعم تليمة، مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة، القاهرة ،1978 l، ص 113 .

[39] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .

[40] محمد مندور، الأدب وفنونه، معهد الدراسات العربية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1963م، ص 29 .

إنّ إدهاش القارئ الحقيقي لا يصدر عن براعة الإقناع المنطقي وحدها، ولا عن زخرفة الأسلوب أو هندسة العبارة فحسب، بل ينبثق قبل كل شيء من حرارة التجربة الداخلية التي يحملها الكاتب، ومن قدرته الواعية على تحويل انفعالاته النفسية إلى طاقة جمالية نابضة تنتقل إلى المتلقي دون وسيط. فالكاتب الذي يكتب بروحه لا بحبره فقط، يصبح شخوصه أو يكاد؛ يلبس وجوههم، ويتكلم بارتعاشاتهم، ويحمّلهم جزءاً من قلقه وأسئلته واحتراقاته. وهنا تحديداً تسطع الكتابة حين تتحول إلى فعل مشاركة وجدانية، قادرة على إشعال الآخر بأحاسيسنا وطموحاتنا وأوجاعنا المؤجلة.

في مجموعته القصصية «من أين وإلى أين» الصادرة عن وزارة الثقافة في دمشق عام 2002، يسعى الأديب الدكتور عبد الكريم عبد الصمد إلى انتشال القارئ من سطحية الوضوح ومن النبل التقليدي المفترض لسير الوقائع. فهو لا يقدّم أحداثاً مكتملة الطمأنينة بقدر ما يفتح أبواب الأسئلة على احتمالاتها القلقة، حيث تتوزع قصصه الست عشرة بين واقعٍ يبدو عادياً في ظاهره، وعواصف نفسية تضطرب في أعماقه. إنّها كتابة تشتغل على المسافة الدقيقة بين ما يحدث وما يُحسّ، بين الفعل الخارجي والانكسار الداخلي.

البعد النفسي وبنية الاغتراب

في القصة الأولى المعنونة «رصاصة في لحم الكتف» يدخل الكاتب مباشرة إلى مختبر النفس الإنسانية. بطل القصة طالب عربي يدرس في موسكو، المدينة التي تتحول إلى فضاء نفسي بارد يعكس شعور الغربة والاغتراب بوصفهما من سمات الإنسان المعاصر. الغربة هنا ليست جغرافية فقط، بل وجودية أيضاً؛ إذ يعيش البطل حالة انفصال عن ذاته وعن العالم من حوله.

تتداخل في النص حالات الهلوسة الناتجة عن الكحول مع كوابيس زميله الذي يحمل ذاكرة حرب دامية في براغ وإصابة جسدية لم تندمل. غير أنّ الرصاصة لا تبقى جرحاً جسدياً فحسب، بل تتحول إلى رمز نفسي دائم للحرب المقيمة داخل الإنسان. فالقصة تنفتح على علاقة مركّبة بين الوعي واللاوعي، بين الحلم واليقظة، حيث تتجاور الذكريات والصدمات في بنية سردية تستدعي التحليل النفسي بوضوح.

المفردات المختارة هنا تكشف عن حساسية نفسية عالية؛ إذ تتكرر مفردات مثل: الدم، الكتف، الكابوس، الصمت، الهلوسة، وكلها تنتمي إلى حقل دلالي يوحي بالصدمة والانكسار. وهي ليست مفردات عرضية، بل أدوات لخلق مناخ ذهني يجعل القارئ شريكاً في التجربة الشعورية لا مجرد متابع لها.

إنّ الكاتب يبرهن عبر هذه القصة على اطلاعه العميق على الدراسات النفسية الحديثة، إذ ينجح في جعل السرد مساحة عبور بين طبقات الوعي المختلفة، فتغدو اللغة أشبه بممرّات خفية نحو أعماق الإنسان.

اللغة الإيروسية والحنين العاطفي في «رذاذ الشمبانيا»

أما في قصة «رذاذ الشمبانيا» فإنّ شاعرية العنوان تمهّد لدخول عالم آخر، عالم الرغبة والحلم الأنثوي واللقاء الثقافي بين الشرق والغرب. المرأة الغربية هنا ليست شخصية عابرة، بل صورة رمزية لرغبة اللقاء مع المختلف.

يعتمد الكاتب لغة أدبية مشبعة بالعاطفة، مبللة بالحنين والتوق، وكأن المفردات نفسها تبحث عن خلاصها عبر الحب في زمن فقد فيه الحب معناه التضحيتي. فالألفاظ تنتمي إلى معجم الحسّ والجسد والدفء والأنفاس والاشتعال، وهو معجم يكشف توتراً نفسياً بين الرغبة والذنب، بين الانجذاب والمساءلة الأخلاقية.

المشهد الذي يصف فيه الكاتب لحظة الاقتراب الجسدي لا يُقرأ بوصفه إثارة حسية فحسب، بل باعتباره لحظة انكشاف نفسي؛ إذ تتحول اللمسة إلى لغة بديلة عن الكلام، وتصبح الأنفاس خطاباً داخلياً يعكس وحدة الإنسان في مواجهة ذاته.

إنّ تبسيط ردود الأفعال الحسية في هذه القصة ليس تبسيطاً فنياً، بل استراتيجية سردية تسمح للقارئ بالدخول إلى الحدث دون حواجز، حيث تتحول اللغة إلى وسيط وجداني مباشر.

«موعد»: الضمير بوصفه شخصية سردية

في قصة «موعد» يبتكر الكاتب حيلة سردية لافتة، إذ يجعل البطل يختلق موعداً مع نفسه هرباً من جلسة أنثوية. غير أنّ الموعد الحقيقي هو مع الضمير، مع ذلك الصوت الذي ينام ويستيقظ داخل الإنسان.

اللغة هنا تعتمد مفردات الزمن والانطفاء والشمعة والليل، وهي مفردات ذات بعد نفسي واضح تشير إلى التآكل الداخلي. فالشمعة التي تذوب حتى لا يبقى منها إلا خيط ضوء واهٍ ليست مجرد صورة شعرية، بل استعارة لحياة أخلاقية تتلاشى ببطء.

تكشف هذه القصص التي كُتبت في موسكو عن فجوة حضارية يعيشها الإنسان الشرقي بين انفتاح العلاقات الاجتماعية في الغرب وبين حالة الجفاف الروحي والعاطفي التي يعانيها في مجتمعه الأصلي. وهنا يصبح النص مساحة مقارنة صامتة بين نمطين من الوجود.

إنّ تجربة الكاتب في الولوج إلى الأعماق تنبع من إدراكه علاقة الذات بالموضوع، والجمال بالمعرفة، والحدس بالرغبة في تجاوز المحدود نحو المطلق. فالوعي بالماضي والحاضر يتداخل ليصنع وعياً جمالياً كونياً، قوامه الانفعال بالفضاء الواسع والرغبة في التحرر من قيود الواقع.

المفردة اللغوية بوصفها حاملة للمعنى النفسي

تتميز المجموعة بثروة لغوية تقوم على اقتصاد التعبير دون فقر دلالي. فالمفردة عند عبد الصمد لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل نفسية أيضاً. الكلمات تتنفس داخل النص، وتتحول إلى إشارات انفعالية.

نجد معجماً يتكرر عبر القصص: الخوف، الانتظار، الليل، المطر، الجسد، الصمت، الذاكرة، السفر. وهذه المفردات تنتمي إلى حقل الاغتراب والبحث والقلق الوجودي. كما أنّ الانتقال بين الأفعال الحركية والأفعال الذهنية يعكس انتقال الشخصية بين الخارج والداخل.

كذلك يكثر الكاتب من الاستفهام: أين؟ كيف؟ لماذا؟ وهو استفهام وجودي لا معلوماتي، يعبّر عن أزمة المعنى أكثر مما يبحث عن إجابة.

العناوين بوصفها مفاتيح تأويلية

احتوت المجموعة على عناوين موحية مثل: «كوابيس»، «من أين وإلى أين»، «حكاية»، «حدث في المستقبل»، «يفرجها الله»، «الكتابة الطبشورية أو بترول العرب للعرب»، «أغنية الثأر» وغيرها. وهذه العناوين تشكّل عتبات دلالية تمهّد للدخول إلى النص.

إنها تطرح سؤال الزمن والمصير والتاريخ الاجتماعي والسياسي، وتدفع القارئ إلى قراءة الحالة الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على السلوك الفردي وبنية الشخصية.

القصص المكتوبة في دمشق وحمص تكشف تحوّلاً في النبرة؛ إذ تصبح اللغة أكثر التصاقاً بالواقع المحلي، وأكثر احتكاكاً باليومي والمعيشي.

البنية السردية والتشكيل اللغوي

ينوء النص القصصي عند الكاتب بلغة سردية تتصل وتنقطع عبر حوارات ومنولوجات قصيرة وطويلة، بحيث يصعب أحياناً تحديد نقطة الفصل بين الوصف والسرد. فهو يدخل ويخرج من المشهد بخفة، مستبدلاً الزوايا ومبدلاً الإيقاع وفق مقتضى الحالة الشعورية.

حين يتسارع السرد يتدخل الوصف لتهدئة اندفاعه، وحين يطول الوصف يعاود السرد ضخّ الحركة من جديد. هذه الدينامية تمنح النص حرارة داخلية.

وقد استخدم الكاتب أنماطاً لغوية متعددة في الجملة الفعلية، مثل توظيف الفعل الناقص «كان» ماضياً ومضارعاً، والاستفهام بـ«هل» و«أين» و«كيف» و«لماذا»، واستخدام «لقد» للتوكيد، والفعل الماضي مع واو الجماعة، إضافة إلى كثافة حروف العطف التي تمنح الجملة امتداداً نفسياً يوحي بتراكم الأفكار.

أما في الجملة الاسمية فقد نوّع بين الضمير المنفصل مبتدأ وخبره المفرد أو الموصوف، وبين الخبر الجملة الفعلية، واستخدام أسماء الإشارة، والحروف المشبهة بالفعل، مما أتاح تنويعاً إيقاعياً ودلالياً واضحاً.

الأسلوب المباشر وتوتر التعبير

حرص الكاتب على الأسلوب المباشر القادر على إيصال المعنى دون تعقيد، مستخدماً أدوات الشرط والتعجب والقسم والنفي والتأكيد. وقد سار هذا الأسلوب في منحنيين: الجمع بين السرد والحوار، أو الاعتماد على السرد وحده.

الوصف في المجموعة يرفع من وتيرة النص عبر زخات انفعالية متتابعة، أشبه بزفرات حارقة مرصوفة بلغة أنيقة مشغولة بعناية. إنها لغة تمتلك حساسية جمالية ترتعش على حافة العاطفة، وتكشف معرفة دقيقة بعالم المرأة والنفس البشرية.

الذاكرة والزمن والانكسار العاطفي

تستدعي المجموعة التوقف عند مفاتنها الفنية لأنها تحيلنا إلى شرائح زمنية مقتطعة من الذاكرة الجزئية. إنها نصوص مشحونة بطاقة إدهاش عالية توازي حجم الاندحارات العاطفية التي تعيشها شخصياتها.

الزمن هنا ليس خطاً مستقيماً، بل ذاكرة تتكسر وتعود، وشعوراً دائماً بأن الإنسان يسير بين سؤالين مفتوحين: من أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟

وهكذا تنجح مجموعة «من أين وإلى أين» في خلق انسجام داخلي يدفع القارئ إلى التورط الوجداني في عوالمها دون مقاومة، لأنّها لا تقدّم حكايات فقط، بل تقدّم الإنسان وهو يواجه نفسه في مرآة اللغة، ويبحث عن خلاصه بين الواقع والحلم، بين الرغبة والضمير، وبين الذاكرة والمصير.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تمثّل رواية "ما تخيّله الحفيد" للشاعر والروائي العراقي مروان ياسين الدليمي تجربة سردية تتجاوز الإطار التقليدي للرواية العائلية، لتغدو مشروعاً رمزياً لاستعادة الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، لا مجرد حنين إلى الماضي. فالرواية لا تنشغل بتتبّع سيرة عائلة عراقية بقدر ما تشتغل على تفكيك العلاقة بين الفرد والتاريخ، بين الصمت والكلام، وبين ما عُيش فعلاً وما أُجبر على الاختفاء.

تنهض الفكرة المحورية على أن السرد ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية؛ فالحفيد لا يروي ليحكي قصة، بل ليمنع اختفاءها. إنه يكتب من موقع القلق، من فجوة بين ذاكرة مثقوبة وواقع مشحون بالخوف. وهكذا يتحول السرد إلى أداة مواجهة لنظام قمعي لا يكتفي بالهيمنة على الجسد، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والذاكرة ذاتها.

الزمن في الرواية ليس خطياً، بل متكسّر، يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي. ويغدو يوم "الاثنين" رمزاً دائرياً للانتظار والإذلال، في إحالة إلى تجربة اجتماعية تتجاوز حدود الأسرة نحو مجتمع كامل عاش طقوس الخوف ذاتها. وهكذا يصبح الخاص مرآة للعام، والعائلة نموذجاً مصغراً لوطن مكسور.

تتمركز البنية الدلالية حول شخصية "أمينة" بوصفها بؤرة رمزية. فهي قليلة الحركة في مستوى الحدث، لكنها مركز الثقل في مستوى المعنى. صمتها ليس عجزاً، بل خطاباً مضاداً؛ إنها تمثل الذاكرة النسوية المقموعة، والبعد الأخلاقي الذي ظل خارج السرد الرسمي.

وتتعزّز هذه العلاقة بعلاقتها بالبيت؛ فالبيت ليس مكاناً فحسب، بل خزّاناً للزمن المؤجَّل، ووعاء للآلام المكبوتة. وجودها عند تقاطع البيت والغياب واللغة يجعلها أقرب إلى استعارة كبرى: استعارة الزمن المعلّق، والحنان المؤجل، والكرامة الصامتة.

قرارها بالمشي بعد زيارة ابنها المعتقل يكثف فلسفة الرواية: حين يصبح الخوف مادة يومية، يتحوّل أبسط فعل إلى مساحة تفكير ومقاومة داخلية. هنا ينتقل النص من توصيف تجربة فردية إلى تشريح حالة جماعية من الرعب الموروث.

أما العلاقة بين سليمان وآمال فتكشف بعداً آخر: الحب لا يُمنع بالقوة المباشرة، بل يُستبعَد بالخوف. الهروب من الحب هو امتداد لمنظومة القمع ذاتها. وهنا يبرز المعنى الأكثر قسوة: القمع لا يقتل الأجساد أو يملأ السجون فحسب، بل يعيد تشكيل العواطف، ويجعل النجاة مرادفة للتنازل.

لا تعد الرواية بخلاص نهائي، ولا تمنح بطلاً مركزياً. شخصياتها شظايا، لكنها شظايا حيّة. فالكتابة لا تنقذ أحداً، لكنها تمنحهم أثراً. وهذا هو جوهر فحواها: مقاومة النسيان، لا الانتصار على المأساة.

تكشف الرواية عن رؤية ترى في التخييل وسيلة لحماية ما تآكل من الحقيقة. إنها لا تكتب تاريخاً بديلاً، بل تصغي إلى ما سقط من التاريخ. ومن خلال الحفيد وأمينة وبقية الشخصيات، يتحول السرد إلى مساحة أخلاقية لإعادة الاعتبار لما هُمِّش، وتخليد ما كان مهدداً بالمحو.

هي رواية عن العراق بوصفه ذاكرة مجروحة، وعن العائلة بوصفها وطناً مصغراً، وعن الصمت بوصفه لغة لا تقل بلاغة عن الكلام.

تتجاوز الرواية حدود السرد العائلي لتغدو قراءة في سيرة مدينة ومرحلة تاريخية كاملة، تُستعاد فيها الموصل لا كجغرافيا فحسب، بل كطبقات زمنية متراكبة، تتجاور فيها الحِرف القديمة، والمقاهي، والعلاقات الحميمة، مع ظلال الخوف وأقبية السجون وتقلبات السياسة.

تنهض الرواية على عائلة تقليدية: الجدة أمينة القادمة من ماردين، وأبناؤها، وأحفادها. غير أن هذا الإطار يتخطى خصوصيته ليغدو مرآة لتاريخ العراق الحديث. فاعتقال شكيب بجريرة أخيه غالب المعارض، وسجن الجدة وتعذيبها، ثم إعدام غالب، كلّها حلقات في سلسلة عسف سلطوي يتكرر عبر الأجيال.

 العائلة هنا ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل بنية رمزية تختصر مصير المجتمع: خيارات شبه معدومة، ومصائر تُقرَّر خارج الإرادة الفردية. وهكذا تتحول المأساة الخاصة إلى استعارة عن وطن يعيش تحت وطأة سلطة تتدخل في أدق تفاصيل الحياة.

يعتمد العمل على مونولوجات الأب سليمان التي تبدو أحياناً غير مترابطة، لكنها تعبّر عن تشظي الذاكرة نفسها. فالذاكرة لا تستعاد وفق منطق كرونولوجي صارم، بل عبر تداعيات نفسية يتداخل فيها الخاص بالعام، والعاطفي بالسياسي.

هيمنة التحليل النفسي تمنح الرواية كثافة داخلية، لكنها تثير سؤالاً نقدياً حول تجانس الأصوات؛ إذ تأتي هواجس بعض الشخصيات، خصوصاً النسائية غير المتعلمة، محمّلة بوعي تحليلي يفوق مستواها المفترض، مما يوحي احياناً بتدخل الراوي بوصفه منظِّماً لوعي الجميع. عند هذه النقطة تتوحد مستويات البوح، ويغدو النص أقرب إلى تيار داخلي واحد، وإن تعددت الشخصيات.

تستحضر الرواية فترة ما قبل الحرب العراقية- الإيرانية، بما حفلت به من صراعات وملاحقات أمنية. غير أن السياسة لا تُقدَّم كخلفية تاريخية فحسب، بل كقوة غاشمة تعيد تشكيل المصائر: سجون، تعذيب، هجرة، إعدام، شلل جسدي ونفسي. حتى قصة الحب بين سليمان وآمال القادمة من السليمانية تظل مهددة بظلال الانقسام القومي والسياسي، بما يعكس هشاشة العلاقات الإنسانية أمام جبروت السلطة.

يتحوّل الأب المشلول إلى رمز: جسد معطّل يقابل وطناً معطّلاً، وذاكرة مثقلة تقابل حاضراً ملتبساً. أما الحفيد، المقيم في مالمو، فيمثل خيار الهجرة بوصفه خلاصاً فردياً، لكنه خلاص ناقص؛ إذ يبقى مشدوداً إلى تاريخ لم يُحسم.

عنوان الرواية "ما تخيله الحفيد"، يوحي بفعل تخييلي، غير أن الخيال هنا ليس بديلاً عن الواقع، بل وسيلة لإعادة ترتيبه وفهمه. فالمصائر المأساوية- جنون أمينة، إعدام غالب، شلل سليمان، اغتراب الحفيد- تؤكد أن الواقع أصلب من أن يُمحى بالسرد. ومع ذلك، تمنح الكتابة تلك الحيوات معنى، وتقاوم نسيانها.

تأتي هذه الرواية لتؤكد توجه مروان ياسين الفني نحو مساءلة الواقع، عبر تفكيكه وإعادة بنائه في منطقة التخييل السردي، بعد روايته "اكتشاف الحب".

تشتغل الرواية على ثلاث دوائر متداخلة: ذاكرة المدينة، وبنية العائلة، وسطوة السياسة. وهي، وإن بدت قصيرة نسبياً، تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في علاقة الفرد بالمكان، والذاكرة بالسلطة، والخيال بالواقع. إنها ليست مجرد حكاية عائلة موصلية، بل محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير مدوَّن، من زاوية الحفيد الذي يستمع، ويعيد تخيّل ما لم يعشه، ليمنحه حياة أخرى في النص.

تدور أحداث الرواية المركزية في سبعينيات القرن الماضي داخل فضاء مدينة الموصل العراقية، حيث تنتمي الشخصيات إلى شريحة الطبقة الوسطى بكل تعقيداتها وحضورها الفاعل في صراعات المدينة السياسية والاجتماعية. غير أن الرحلة السردية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تمتد ارتداداً في الزمن إلى خمسينيات القرن الماضي، وصولاً إلى السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ما يتيح للرواية مساءلة مراحل ملتبسة من تاريخ العراق المعاصر.

تقنياً، تعتمد الرواية بنية متعددة الأصوات، تتناوب فيها وجهات النظر على صياغة الحدث، منطلقة من زمن الحفيد لتعود بالقارئ إلى الماضي. كما توظّف تقنية "النص داخل النص"، حيث يمنح المؤلف مساحة لنسج لعبته الزمنية، في إبراز شغف الإنسان بالحرية رغم قسوة السلطات التي تمارس ضده شتى أساليب القمع والتغييب.

تشكل النساء العنصر المحوري في انتظام الحبكة، إذ تتوزع أدوارهن بين الجدة والزوجة والعشيقة، ويخضن صراعات متعددة الأبعاد: اجتماعية، وسياسية، وعاطفية، مما يضفي على الرواية عمقاً إنسانياً ودرامياً.

***

جورج منصور

 

يأتي النصّ الشعري الحديث بوصفه مساحةً تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، والذاكرة مع التاريخ، والذات مع جراح العالم، بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبيرٍ جماليٍّ عن العاطفة، بل يتحوّل إلى فعلِ مساءلةٍ عميقةٍ للإنسان في لحظة انكساره الكبرى. وفي هذا السياق تندرج قصيدة «جيوبٌ محشوةٌ بالصدى» للشاعر العراقي المعاصر مازن جميل المناف، بوصفها نصّاً ينتمي إلى شعرية ما بعد الصدمة، حيث تتداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتحوّل الصوت الشعري إلى شاهدٍ على الخراب أكثر منه راوياً للحكاية.

فالقصيدة لا تكتفي برصد آثار الحرب أو الفقد بوصفهما حدثين خارجيين، بل تنفذ إلى طبقاتهما النفسية والوجودية، كاشفةً عن الإنسان الذي يواصل العيش وهو يحمل داخله صدى ما حدث، لا الحدث ذاته. ومن هنا تتشكّل بنية النص على أساس التوتر بين الحضور والغياب، وبين النجاة الجسدية والانكسار الداخلي، لتصبح اللغة نفسها أداة مقاومة ضد النسيان، ومحاولة لإعادة ترتيب المعنى وسط عالمٍ فقد يقينه.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربةً نقديةً شاملة، تتجاوز القراءة الانطباعية إلى تحليلٍ منهجيٍّ متعدد المستويات، يشمل الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إلى جانب الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية والتاريخية. كما تهدف إلى الكشف عن البنية العميقة للدلالة داخل القصيدة، واستجلاء آليات اشتغالها الجمالية والرمزية، وبيان موقعها ضمن تحولات الكتابة الشعرية العربية المعاصرة التي جعلت من الذات الجريحة مركزاً لرؤية العالم.

بهذا المعنى، لا تُقرأ القصيدة باعتبارها نصاً فردياً فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية مفتوحة على التأويل، تُحاور سؤال الإنسان أمام العنف والذاكرة والزمن، وتعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: كيف يمكن للكلمة أن تنقذ ما تبقّى من الإنسان حين يعجز الواقع عن ذلك؟

النص بوصفه كتابةً على حافة الوعي الجريح

تنتمي هذه القصيدة إلى فضاء الكتابة الحداثية التي تتكئ على الاقتصاد اللغوي والتكثيف الرمزي، حيث تتحول التجربة الفردية إلى مرآة لجماعةٍ مأزومة تاريخياً ونفسياً. إنها قصيدة تقوم على شعرية الندبة لا شعرية الحدث؛ فالزمن فيها ليس ما وقع، بل ما بقي عالقاً داخل الذات بعد وقوعه. ومنذ العنوان «جيوب محشوة بالصدى» يدخل القارئ إلى عالمٍ تتجاور فيه المفارقة والفراغ: الجيب ـ رمز الامتلاك ـ ممتلئ، لكنه ممتلئ بالعدم الصوتي.

النص إذن ليس سرداً للحرب بقدر ما هو أنطولوجيا للناجي الذي لم ينجُ داخلياً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب

لغة النص سليمة نحواً وصرفاً، لكنها لا تسعى إلى البلاغة التقليدية، بل إلى بلاغة الانكسار والانزياح.

نلاحظ تراكيب قصيرة متقطعة:

«لم أعد أحلم»

«أمشي…»

«الآن… السقف خالٍ»

هذه الوقفات ليست عجزاً لغوياً بل تقنية دلالية؛ إذ تتحول البياضات إلى امتداد للصمت النفسي.

كما يعتمد الشاعر على الانزياح التركيبي:

«النوم جثة أدارت وجهها»

النوم ـ وهو حالة راحة ـ يتحول إلى كيان ميت رافض، وهو انقلاب دلالي يمنح العبارة توتراً وجودياً.

أما صورة: «كانت أمي ترفو ثقوب الليل»

فهي استعارة مركبة عالية الحساسية، حيث يصبح الليل ثوباً ممزقاً، والدعاء خيطاً، والأم خيّاطة الوجود.

إنها لغة تُبنى على تحويل المجرد إلى محسوس.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات مختارة بدقة:

١- الرصاص

٢- الشظية

٣- صفارة الإنذار

٤- الدخان

كلها تنتمي إلى معجم الحرب، لكنها تدخل النص دون مباشرة خطابية.

المفارقة الكبرى:

«الحزن لم يعد عابراً

لقد صار كنيتي»

الكنية علامة اجتماعية للانتماء، وهنا يصبح الألم هو الهوية.

التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ فلا زخرفة لفظية زائدة، بل اقتصاد يخدم الثقل النفسي.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تعتمد شعر التفعيلة الحرة أو قصيدة النثر الإيقاعية.

الإيقاع يتولد من:

أ ـ التكرار:

«لم أعد أحلم»

يتكرر بوصفه لازمة نفسية.

ب ـ الجرس الصوتي:

تجاور الحروف الصلبة:

(ص ـ ض ـ ق)

في كلمات:

الصدى ـ الرصاص ـ الصباح ـ صفارة.

هذا الجرس يخلق خشونة صوتية تناسب تجربة الحرب.

ج ـ الموسيقى الداخلية

نلاحظ تناغماً خفياً:

«ظلّي الذي يسبقني إلى المرآة»

التكرار الصوتي بين (ظ ـ ذ ـ ي) يمنح العبارة انسياباً حزيناً.

الإيقاع هنا نفسي أكثر منه وزني.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص

النص شبه سردي.

الشخصيات:

١- الأنا الشاعرة.

٢- الأم (ذاكرة الحماية).

٣- الحرب (شخصية غير مرئية).

الزمن:

ينقسم إلى:

١- ماضٍ دافئ (الأم).

٢- حاضر خالٍ (الصدى).

القصيدة تتحرك من الحماية إلى العراء.

2 ـ الرؤية الفنية :

الشاعر يرى العالم مكاناً فقد حراسه.

الأم كانت:

«تصلب فوق رأسي قمراً»

صورة دينية كونية؛ الحماية هنا شبه مقدسة.

لكن الحاضر:

«السقف خالٍ إلا من الصدى»

تحول من السماء الحارسة إلى الفراغ.

الشكل يخدم المضمون؛ فالتقطيع البصري يوازي التمزق الداخلي.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح

من أجمل الانزياحات:

«أنا الوريث الشرعي للرصاص»

إرث بلا نسب.

إنها مفارقة سوداء؛ فالميراث عادة مال أو اسم، بينما هنا ميراث الموت.

النص ينتج الدهشة دون غرابة مفتعلة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يسأل:

هل النجاة ممكنة بعد النجاة الجسدية؟

البيت الختامي:

«ولا أنا أستحق النجاة»

يكشف ذنب الناجي.

2 ـ الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١- فلسفة العبث.

٢- أدب الحروب الحديثة.

٣- الذاكرة الجمعية العربية.

الطفولة هنا ليست زمناً بل جرحاً مؤجلاً.

3 ـ البنية الهيرمينوطيقية

طبقات المعنى:

١- الصدى = ذاكرة لا تجد مخاطباً.

٢- الجيب = الداخل النفسي.

٣- صفارة الإنذار = اللاوعي.

٤- المرآة = مواجهة الذات.

النص يخبرنا أن الحرب لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل حين يصمت صداها داخل الإنسان.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ السياق:

النص ينتمي إلى أدب ما بعد الحروب العربية الحديثة حيث يصبح الفرد شاهداً على انهيار المعنى.

2 ـ تطور النوع الأدبي:

يقع ضمن تيار قصيدة النثر العربية التي انتقلت من الذات الرومانسية إلى الذات الجريحة.

3 ـ علاقة النص بالتراث

صورة الأم تذكّر بالتراث الصوفي حيث الدعاء حماية كونية.

لكن النص يفكك البلاغة القديمة ويستبدلها ببلاغة الخراب.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

المهيمن النفسي:

١- القلق.

٢- الفقد.

٣- الإنهاك الوجودي.

«أتدرب كل ليلة على اعتناق يقظة»

النوم نفسه صار تهديداً.

2 ـ تحليل الشخصية

الشخصية ناجٍ قسري.

تحمل:

١- ذاكرة حرب.

٢- فقد الأم.

٣- ذنب البقاء.

3 ـ النبرة النفسية:

النبرة احتجاج صامت لا صراخ فيه.

الحزن هنا بيروقراطي:

«يوقع عني محاضر الصباح».

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يفضح مجتمعاً اعتاد الحرب.

النوافذ:

«لا تنفث سوى الدخان»

مجتمع بلا أفق.

الشاعر فاعل اجتماعي عبر الشهادة لا الخطابة.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات

١- القمر = الحماية.

٢- الصدى = الفراغ.

٣- الشظية = طفولة مشوهة.

الثنائيات

١- الحضور / الغياب.

٢- الأم / الحرب.

٣- النوم / اليقظة.

الفضاء

السقف والنوافذ والمرايا فضاءات مغلقة.

العالم داخلي.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة هنا تعتمد:

المنهج الأسلوبي.

النفسي.

التأويلي.

النص يسمح بقراءة موضوعية لأنه يقدّم أدلة داخلية لا خارجية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا:

النص يحتفي بالإنسان عبر كشف هشاشته.

إنه لا يمجد الموت بل يعريه.

كما أنه مفتوح التأويل:

١- حرب سياسية.

٢- حرب داخلية.

٣- أو فقد شخصي.

الخلاصة:

«جيوب محشوة بالصدى» نصٌّ عالي الكثافة، ينجح في تحويل الحرب من حدثٍ خارجي إلى بنية نفسية مقيمة داخل الإنسان. لغته مقتصدة لكنها عميقة، وصوره متماسكة، وإيقاعه ينبض من داخل الجرح لا من الوزن.

إنه نص عن الإنسان الذي خرج من الحرب حيّاً… لكنه لم يخرج منها تماماً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

جيوب محشوة بالصدى

​لم أعد أحلم ..

كأن النوم جثة

أدارت وجهها عن سريري

تساقطت حكايات أمي

تلك التي كانت ترفو ثقوب الليلِ

بخيط من دعاءٍ

وتصلب فوق رأسي قمراً

يحرس ذعري

​الآن ... السقف خالٍ إلا من الصدى

ولا يد ترمم هذا الارتجاف

الحزن لم يعد عابراً

لقد صار كنيتي

وظلي الذي يسبقني إلى المرآة

ويوقع عني

محاضر الصباح المر

​أنا الوريث الشرعي للرصاصِ

للنوافذ التي لا تنفث سوى الدخان

أمشى ...

وفي جيبي شظية طفولة مسنونةٌ

وفي حلقي

صدى صفارة إنذار لا تصمت

​لم أعد أحلم  ...

أنا فقط أتدرب كل ليلةٍ

على اعتناق يقظةٍ

أشد تنكيلاً .. من الموتِ

.

.

​فلا الحربُ تنتهي ...

ولا أنا أستحقُ النجاة

***

مازن جميل المناف

 

المدخل: تُعدّ الومضة الشعرية من أبرز الأشكال التعبيرية في الشعر العربي الحديث، لما تنطوي عليه من تكثيف لغوي وقدرة عالية على شحن المشهد البسيط بدلالات رمزية وإنسانية عميقة. فهي لا تكتفي بتقديم صورة خاطفة، بل تعمل على اختزال تجربة كاملة في لحظة لغوية مشحونة بالتوتر والانزياح، قادرة على فتح أفق تأويلي واسع رغم قصرها الشديد. وفي هذا الإطار، يبرز الشاعر العراقي يحيى السماوي بوصفه أحد الأصوات الشعرية التي نجحت في توظيف الومضة بوصفها أداة احتجاج جمالي وإنساني، حيث تتقاطع في نصوصه اليوميات البسيطة مع أسئلة القهر، والاقتلاع، والوجع الجمعي، عبر لغة موحية، وصور مكثفة، ونبرة هادئة تخفي توترًا داخليًا عميقًا.

تنطلق هذه الدراسة من قراءة إحدى ومضاته الشعرية، ساعية إلى تقديم تحليل أكاديمي متكامل يشتغل على مستويات متعددة، تشمل البنية، والدلالة، والسيمياء، والانزياح، والبعد النفسي والسياسي. وتركّز الدراسة على كيفية اشتغال الاستعارة و الانزياح الدلالي في بناء عالم شعري يبدو في ظاهره بسيطًا ومألوفًا، لكنه يحترق من الداخل، كاشفًا عن واقع إنساني مأزوم تُدان فيه الحياة اليومية عبر الصورة، لا عبر الخطاب المباشر.

نص الومضة:

هذا الصوتُ المنبعثُ من التنُّورِ

ليس حواراً بين المحراثِ والجمر ..

إنه: أنينُ الحطبِ المقطوعِ

من الشجرة !

*

وهذا المتصاعدُ نحو الأعلى:

ليس دخاناً ..

إنه: هديلُ الحمامةِ المفجوعةِ بعُشِّها ..

*

فلا عجبَ لو تفحَّمَ رغيفُ الخبز!

***

أولاً: القراءة الدلالية المباشرة

1. الصوت الذي ليس صوتاً

ظاهر الومضة يقدّم صوتاً يخرج من التنور، لكن الشاعر ينفي أن يكون هذا الصوت حواراً بين أدوات العمل والنار.

المعنى العميق:

ما نسمعه في الحياة اليومية ليس صوت عمل طبيعي، بل صوت ألمٍ خفيّ يختبئ خلف تفاصيل العيش.

2. أنين الحطب المقطوع

الصوت ليس احتراقاً، بل أنين الحطب المقطوع من الشجرة.

المعنى الرمزي:

الحطب هو الإنسان المقتلع من جذوره، من أرضه، من بيته، من حياته الطبيعية.

إنه صوت المقهورين، صوت الذين قُطعت صلتهم بأصلهم.

3. الدخان الذي ليس دخاناً

ما يتصاعد نحو الأعلى ليس دخاناً.

المعنى:

ما يعلو من بيوت الناس ليس مجرد أثر احتراق، بل شحنة روحية وإنسانية.

4. هديل الحمامة المفجوعة

الدخان يتحوّل إلى هديل حمامة فقدت عشّها.

المعنى الرمزي:

إنه نواح الأم، الوطن، الضحية التي فقدت بيتها وأمانها.

إنه بكاء الناس على خراب بيوتهم وأحلامهم.

5. الرغيف المتفحّم

ليس غريباً أن يحترق رغيف الخبز.

المعنى:

في واقع مملوء بالقهر والفقد والخراب، حتى أبسط مقومات الحياة – الخبز – تُشوَّه وتحترق.

الظلم يمتد حتى إلى لقمة العيش.

خلاصة القراءة المباشرة

السماوي يحوّل مشهد التنور والخبز والحطب والدخان إلى رموز للعراقي المقتلع من جذوره، وللوطن المكلوم.

الصوت اليومي يتحوّل إلى أنين جماعي، والدخان إلى نواح، والرغيف إلى ضحية.

البنية التحويلية في الومضة: النفي وإعادة التسمية

يقوم النص على بنية تحويلية واضحة تُدار عبر ثلاث مراحل متتابعة:

تعيين أولي → نفي → إعادة تسمية. هذه الآلية لا تعمل بوصفها حيلة أسلوبية فحسب، بل بوصفها محركاً دلالياً ينقل القارئ من اليومي المألوف إلى جوهر مأساوي كثيف.

التعيين الأولي يقدّم معطى حسياً محايداً:

«هذا الصوت المنبعث من التنور» / «وهذا المتصاعد نحو الأعلى».

- هنا يُستدعى المشهد اليومي كما هو، دون شحنة رمزية مباشرة.

النفي يفرّغ هذا المعطى من دلالته الاعتيادية:

«ليس حواراً بين المحراث والجمر» / «ليس دخاناً».

- وظيفة النفي ليست الإنكار، بل تعليق المعنى وفتح فراغ دلالي يُمهّد للتحويل.

إعادة التسمية تعيد كتابة الواقع بلغة وجدانية مأساوية:

«إنه أنين الحطب المقطوع من الشجرة» / «إنه هديل الحمامة المفجوعة بعشّها».

- هنا يحدث الانزياح الدلالي الكامل: يتحول الصوت إلى أنين، والدخان إلى هديل، أي من مظهر مادي إلى صوت حزن.

يتكرّر هذا المسار مرتين، ما يمنح النص تماسكاً بنيوياً ويؤسس لتوازي داخلي يخدم الفكرة المركزية: الاحتراق ليس مادياً فقط، بل إنساني ووجودي.

التوازي البنيوي ودوره الدلالي

يُبنى النص على شبكة مقابلات دقيقة تُعمّق المعنى عبر مستويات متعددة:

- الصوت ↔ الدخان — مظهران حسّيان لعملية الاحتراق.

- الأنين ↔ الهديل — انتقال من الطبيعي إلى الوجداني، من المادة إلى الصوت الإنساني.

- الحطب ↔ الحمامة — ضحيتان من مستويين مختلفين: مادة وكائن حي، بما يوسّع دائرة الألم.

- الشجرة ↔ العش — الأصل، الجذر، مكان الانتماء والملاذ.

هذا التوازي لا يزيّن النص، بل ينظّم دلالته: فالفقد يتدرّج من اقتلاع المادة (الحطب/الشجرة) إلى فجيعة الكائن الحي (الحمامة/العش)، وصولاً إلى النتيجة المنطقية في الخاتمة: تفحّم رغيف الخبز بوصفه ذروة الاحتراق اليومي للحياة نفسها.

بهذا، تتكامل البنية التحويلية مع التوازي البنيوي لتنتج نصاً محكماً، حيث يخدم الشكل المعنى، ويقود الانزياح الدلالي القارئ من المشهد العادي إلى مرثية إنسانية شاملة.

السيميائيات: الأشياء بوصفها علامات:

التنور

يُقرأ التنور بوصفه بيتًا ووطنًا ومصدرًا للدفء، غير أنّ توسيع دلالته ليغدو «موقد الحياة» ومركز صناعة القوت اليومي يمنح العلامة عمقًا إضافيًا. فالتنور يتحول هنا إلى نقطة التقاء بين العمل والاحتراق، بين الاستمرار والألم، ليغدو فضاءً تتكثف فيه دورة العيش بكل ما تحمله من جهد ومعاناة. وبهذا المعنى، ينسجم حضوره مع منطق النص الذي ينقل المشهد اليومي المألوف إلى أفق مأساوي أوسع، حيث تتداخل تفاصيل الحياة البسيطة مع وجعها العميق.

الحطب المقطوع

قراءته كإنسان مقتلع من جذوره دقيقة، وتوسيعها لتشمل الفلّاح والإنسان العراقي والشجر والبشر معًا يحوّل العلامة من فردية إلى جمعية. هذا التماهي بين مصير الطبيعة ومصير الإنسان يخدم الرؤية الكلية للومضة ويعزّز بعدها الإنساني‑السياسي.

الحمامة المفجوعة

تفسيرها كسلام مكسور موفّق، غير ان توسيع دلالتها بوصفها الأم الثكلى أو الروح الجماعية الجريحة لا تخرج عن السياق، بل تضيف بعدًا وجدانيًا أعمق. الحمامة هنا علامة مركّبة تجمع البراءة والسلام والأمومة والروح الجمعية، وتعدّدها الدلالي جزء من قوتها السيميائية.

العش

فهمه كوطن مهدّم دقيق، وتوسيعه ليشمل بيت العائلة أو الحلم الجماعي ينسجم مع التوازي البنيوي في النص. العش يتحول إلى فضاء أمان مفقود، سواء أكان وطنًا أو بيتًا أو حلمًا مشتركًا.

الرغيف المتفحّم

قراءته كرمز لحياة يومية غير صالحة للعيش قوية، و لمعاني فساد لقمة العيش وضياع ثمار الكدح تعزّز الذروة الدلالية. الرغيف هنا لا يرمز إلى الجوع فقط، بل إلى انكسار العلاقة بين العمل والنتيجة، بين الجهد والعيش الكريم.

الانزياح الدلالي التحويلي والاستعارة التشخيصية

يقوم الانزياح الدلالي في النص على تحويل تحويلي لا يكتفي بتغيير وظيفة الأشياء، بل يهدم هويتها الأولى ويعيد تأسيسها داخل أفق مأساوي جديد. فالصوت لا يعود مجرد أثر احتراق، بل يتحول إلى أنين، والدخان لا يبقى ظاهرة طبيعية، بل يغدو هديل فجيعة، فيما يتحول الرغيف من نتاج يومي للعمل إلى ضحية نهائية للاحتراق.

هذا التحويل ينسجم مع المسار البنيوي‑السيميائي الذي ينتقل فيه النص من التنور والحطب والدخان والحمامة والرغيف بوصفها عناصر يومية مألوفة، إلى الوطن والإنسان المقتلع والألم الجماعي والسلام المكسور والحياة غير الصالحة للعيش. وبهذا، لا يغيّر الشاعر دلالة الأشياء فحسب، بل يعيد كتابة العالم من داخل احتراقه، في إطار رؤية تقوم على القهر الجمعي والاحتراق الشامل.

وتتكامل هذه البنية مع الاستعارة والتشخيص، حيث يئنّ الحطب بوصفه إنسانًا أو شجرًا يتألم، ويهدل الدخان متحوّلًا من مادة إلى صوت حزن حيّ، ويحترق الرغيف لا بوصفه مادة غذائية فحسب، بل بوصفه رمزًا لانكسار لقمة العيش والحياة نفسها. وهكذا يتحول المشهد الريفي البسيط إلى مرثية وجودية تتجاوز حدود المكان لتعبّر عن خراب إنساني أوسع.

البعد النفسي: الوجع المكبوت وإسقاط الألم

يُكتب النص بنبرة وصفية هادئة تخلو من الصراخ والمباشرة، غير أنّ هذه السكينة الظاهرية تخفي توترًا داخليًا عميقًا. فالصور التي يستدعيها الشاعر – أنين الحطب، هديل الحمامة المفجوعة، والرغيف المتفحّم – مشحونة بطاقة عالية من الألم، ما يكشف عن آلية نفسية قائمة على الكبت، حيث يُحتوى الوجع بدل أن يُفجَّر لغويًا.

ويتجلّى هذا الكبت في اعتماد النص على إسقاط الألم على عناصر الطبيعة. فالحطب يئنّ، والدخان يتحوّل إلى هديل حزن، والرغيف يغدو ضحية، في عملية إسقاطية تنقل المعاناة من الذات إلى الأشياء المحيطة بها. هنا لا تتكلم الذات الجريحة عن نفسها مباشرة، بل تجعل الطبيعة وسيطًا نفسيًا للتعبير عن القهر، فتغدو الأشياء حاملةً لثقل الألم الإنساني.

ويتعزّز هذا البعد النفسي بما يمكن تسميته الوجع الصامت، حيث يغيب الصراخ المباشر ويحلّ محله تعبير موارب، يتوافق مع بنية النفي وإعادة التسمية التي يقوم عليها النص. فالألم لا يُقال صراحة، بل يُعاد تشكيله عبر الصور، كما أنّ حضور الضحية يقابله غياب شبه كامل للجلاد، ما يجعل المشهد يُروى من زاوية المعاناة وحدها. وبهذا، يتحول النص إلى شهادة نفسية على عجز الإنسان عن الصراخ في واقع خانق، فيكتفي بأن يجعل الأشياء تنطق بما يعجز هو عن قوله.

البعد السياسي: الإدانة عبر الصورة لا عبر الشعار

يحضر البعد السياسي في النص حضورًا غير مباشر، بعيدًا عن الخطاب الصريح أو التسمية المباشرة للسلطة أو الفاعل السياسي. فالشاعر لا يذكر حزبًا أو نظامًا أو جهة بعينها، لكنه يقدّم إدانة عميقة للواقع السياسي من خلال شعرية الصورة وتحويل اليومي إلى علامة على القهر.

يُقرأ قطع الشجرة بوصفه أكثر من فعل مادي، إذ يتحول إلى رمز لاقتلاع الإنسان من جذوره: من أرضه، وهويته، وذاكرته الجمعية. إنه تمثيل لسياسات القمع والحروب والتهجير التي لا تكتفي بإيذاء الجسد، بل تستهدف الأصل والانتماء، فتجعل الإنسان شبيهًا بالحطب المقطوع، صالحًا للاحتراق لا للحياة.

أما فجيعة الحمامة، فلا تقتصر دلالتها على تهجير شعب أو تدمير بيت، بل تمتد لتشمل تحطيم فكرة السلام ذاتها. فالحمامة، بوصفها رمزًا تقليديًا للسلام والاستقرار، تتحول هنا إلى كائن مفجوع، ما يعني أن السلام نفسه صار ضحية، وأن الاستقرار لم يعد ممكنًا في واقع تحكمه الفجيعة.

وتبلغ الإدانة السياسية ذروتها في صورة تفحّم رغيف الخبز، الذي لا يرمز فقط إلى الفقر أو الجوع، بل إلى فشل الدولة في أبسط وظائفها: حماية لقمة العيش وضمان حياة كريمة لمواطنيها. فاحتراق الرغيف يعني فساد العلاقة بين العمل ونتيجته، وبين الجهد والعيش، ويكشف عن واقع سياسي يعجز عن صون أبسط مقومات الحياة اليومية.

اللغة بوصفها حاملة للألم: قراءة صرفية‑دلالية

تُظهر الأفعال المختارة في النص وعيًا دقيقًا بوظيفة اللغة في إنتاج المعنى، إذ لا تأتي بوصفها أدوات سردية محايدة، بل بوصفها حوامل دلالية تكشف عن طبيعة الفعل الإنساني في واقع مأزوم. فالفعل «ينبعث» يوحي بحركة غير إرادية، لا تصدر عن اختيار أو قصد، ما يعكس حالة قهر تُفرض على الأشياء كما تُفرض على الإنسان. الصوت لا يُنتَج، بل يخرج قسرًا، كما يخرج الألم من داخله دون قدرة على كبحه.

ويأتي الفعلان «يئنّ» و«يهدل» ليؤكدا هذا البعد، فهما فعلان صوتيان داخليان، لا يحملان طابع الصراخ أو المواجهة، بل يشيران إلى ألم مكبوت وحزن خافت. الأنين والهديل هنا لا يعبّران عن احتجاج صريح، بل عن معاناة صامتة، ما ينسجم مع البعد النفسي للنص القائم على الكبت والوجع غير المعلن.

أما الفعل «تفحّم»، فيحمل دلالة الاكتمال والنتيجة النهائية، لا مجرد حدوث الاحتراق. فالرغيف لا يحترق عرضًا، بل يصل إلى حالة نهائية من التلف، ما يجعل الفعل علامة على انسداد الأفق وانهيار دورة الحياة اليومية. بهذا، تتحول الأفعال من توصيف لحركة مادية إلى مؤشرات على واقع مسلوب الفعل، حيث تسود الأفعال غير الإرادية، وتغيب القدرة على الفعل الحر.

وتتكامل هذه البنية الصرفية مع الصور البلاغية المركزية في النص، التي تقوم على نقل الفعل من مستواه الطبيعي إلى مستواه الوجداني. فالاحتراق لا يُقدَّم بوصفه عملية مادية فحسب، بل يُعاد تشكيله عبر الأنين والهديل والتفحّم، لتغدو اللغة نفسها مساحة يتجسّد فيها الألم. وبهذا، لا تكون الأفعال مجرد عناصر لغوية، بل أدوات تكشف عن عالم فقد توازنه، وصار الاحتراق فيه هو القاعدة، لا الاستثناء.

الخاتمة

تُظهر هذه الومضة الشعرية قدرة يحيى السماوي على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات كاشفة عن وجع جمعي عميق. فمن خلال بنية محكمة تقوم على الانزياح، والاستعارة، وإعادة التسمية، تتجاوز الأشياء وظيفتها المألوفة لتغدو حوامل دلالية لمعاناة إنسانية تتخفّى خلف مشهد هادئ في ظاهره، محتدم في جوهره.

لقد تضافرت المستويات البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية، إلى جانب التحليل الصرفي‑الدلالي للغة، لتشكّل نصًا «يحترق من الداخل»، حيث لا يُقال الألم مباشرة، بل يُسقَط على الطبيعة، فتغدو الشجرة، والحمامة، والرغيف، شهودًا صامتين على القهر والاقتلاع وانكسار دورة الحياة اليومية. وبهذا، لا تعود الومضة مجرد صورة شعرية خاطفة، بل تتحول إلى مرآة مكثفة لواقع إنساني مأزوم، تُدان فيه السلطة والخراب عبر الصورة لا عبر الشعار.

إنها ومضة صغيرة في حجمها، لكنها كثيفة في دلالتها، تختزل وطنًا كاملًا في لحظة احتراق، وتؤكد أن الشعر، حتى في أقصر أشكاله، قادر على حمل الذاكرة، وفضح القهر، وتحويل اليومي العابر إلى شهادة جمالية على الألم الجمعي.

***

بقلم: سهيل الزهاوي

حين تنفلت اللغة من حدودها التداولية وتتحول إلى كائن حيّ يلهث خلف ارتجاف المعنى، يصبح النص الشعري فضاءً للانكشاف الوجودي أكثر منه حاملاً للقول المباشر. في هذا الأفق يكتب الشاعر شاهر خضرة عتباته النصية بوصفها مناطق عبور بين الذات ومرآتها، بين الحضور والانمحاء، حيث تتسابق الكلمات مع قلق الكينونة، وتقطف من ربيع العمر أكاليل الحزن وثمار الهروب الدائري من الذات إلى ذاتها.

منذ العنوان الأول لمجموعته «غناء على مؤخرة الحياة» يضعنا الشاعر أمام مفارقة تأويلية؛ إذ لا تبدو «المؤخرة» نهاية زمنية بقدر ما هي نقطة انكشاف قصوى، لحظة مواجهة مع ما تبقى من الإنسان بعد أن تجرّده التجربة من أوهامه. هنا تتحول العتبة العنوانية إلى سؤال هيرمينوطيقي مفتوح: هل الغناء فعل احتفاء بالحياة أم مرثية متأخرة لها؟ وهل الوقوف عند المؤخرة هو اعتراف بالفناء أم محاولة لالتقاط المعنى الأخير قبل السقوط في صمت اللازمن؟

في قصيدة «الرياح» تتكثف هذه الأسئلة عبر بنية رمزية متحركة، إذ يجعل الشاعر من الريح شخصية أنثوية تتجاوز التشخيص البلاغي التقليدي لتغدو استعارة وجودية مركبة. فالريح ليست مجرد قوة طبيعية، بل طاقة اقتلاع وتحوّل، امرأة هاربة ومراوغة في آن، تحتضنها الذات الشاعرة كما لو كانت تحاول احتضان ما لا يمكن القبض عليه. يقول:

«الرياح امرأة أضمها بين ذراعيّ

أعشقها من نافذة علّيتي...»

إن «العلّية» هنا ليست مكاناً مادياً فحسب، بل موقع رؤية؛ إنها المسافة التي تفصل الشاعر عن العالم وتمنحه سلطة التأمل. ومن الناحية الأسلوبية يعتمد النص على نقل الواقعي اليومي ـ حبال الغسيل، النوافذ الخشبية، الأبواب المخرّشة بالقدم ـ إلى مستوى جمالي مشحون بالدلالة. فالواقعي لا يظهر بوصفه تسجيلاً بل بوصفه طاقة إيحائية تستدرج المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

بهذا المعنى لا يلجأ الشاعر إلى التغريب الصادم بقدر ما يمارس «إزاحة ناعمة» للواقع، حيث يصبح المألوف فجأة غريباً دون أن يفقد ملمسه الحسي. فاهتزاز النوافذ أو حركة الغسيل تتحول إلى إشارات جسدية خفية، وإلى لغة رغبة تتداخل فيها أنوثة العالم مع عطش الذات إلى التماس.

غير أن السؤال الذي يطرحه النص أعمق من العلاقة بين الرجل والمرأة؛ إنه سؤال العلاقة بين الجسد والروح. فالمرأة ـ في مستويات عديدة من القصيدة ـ ليست موضوع عشق مكتمل، بل كيان متصدّع يعكس ارتداد الشاعر نحو الداخل. لذلك تبدو العلاقة أقرب إلى التنافر منها إلى الاكتمال، وكأن البحث عن الآخر ليس سوى محاولة لفهم هشاشة الذات.

عندما يحاول الشاعر قراءة ما كُتب على الأوراق اللاصقة بالطين و«يفشله الارتعاش»، فإن الفشل نفسه يتحول إلى علامة تأويلية. فالارتعاش هنا ليس ضعفاً جسدياً، بل انكشافاً روحياً أمام سرّ لا يُقرأ بالحواس. إن المعرفة الحقيقية ـ كما يوحي النص ـ لا تُنال باللمس، بل بالحدس.

وتبلغ الرمزية ذروتها في صورة «القميص» العالق على غصن الحطب. فالقميص، بوصفه بقايا جسد غائب، يتحول إلى علامة على أنوثة مجروحة وعلى ذاكرة معلّقة بين المطر والريح. وحين تتسلل الريح إلى فتحاته لتراقص مزقه، يتشكل مشهد مزدوج: احتفال بالحركة من جهة، وانكشاف للفقد من جهة أخرى.

أسلوبياً يعتمد النص على تضادّات متلاحقة: البلل والجفاف، الاحتراق والماء، الانغلاق والانفتاح. هذه الثنائيات لا تؤسس صراعاً خارجياً بقدر ما تكشف انقسام الإيقاع الداخلي للذات الشاعرة. فالجسد يبدو طينياً هشاً، بينما تتجه الروح إلى التجلي الصوفي، وكأن القصيدة تحاول المصالحة بين عنصرين يستحيل اتحادهما الكامل.

في هذا السياق يصبح الماء والريح مفاتيح رمزية مركزية. الماء طقس تطهير ورغبة في الولادة الجديدة، والريح قوة اقتحام وكشف. وبينهما يقف الجسد بوصفه «تياراً» عابراً، لا يمتلك سوى المرور بين حالتين من الوجود. يقول:

«جسدي تيار بينهما…

كان ظهري مغلقاً تقحمه الرياح

وجهي مفتوحاً كأغصان عراها الشتاء.»

إن الانفتاح والإغلاق هنا ليسا وصفين فيزيائيين، بل موقفين وجوديين: الظهر المغلق ذاكرة مقاومة، والوجه المفتوح استعداد دائم للانكشاف.

ومن منظور هيرمينوطيقي، تتكاثر العتبات داخل النص لا بوصفها مقدمات بل بوصفها حالات عبور متتالية. كل صورة تفضي إلى أخرى، وكل رمز يفتح باباً لتأويل جديد، حتى يغدو النص نفسه عتبة كبرى بين الحياة والموت. فالموت لا يظهر نهاية، بل احتمالاً للمعرفة؛ برزخاً قد يسمح للجذور بأن تتجذر أخيراً إذا «ولجت رؤوسها في التراب».

هنا تتجلى لذة النص بوصفها لذة الانزلاق المستمر بين المعاني. القارئ لا يستهلك القصيدة بل يشارك في صنعها، لأن الشاعر يترك فراغات مقصودة تدعو إلى التأويل. وهكذا تتحول القراءة إلى تجربة وجودية موازية، حيث يعيش المتلقي ارتجاف الأسئلة ذاتها التي يعيشها الشاعر.

إن عالم شاهر خضرة الشعري، عبر هذه العتبات المتآلفة والمتخالفة، يقودنا إلى تخوم صوفية تارة وسريالية تارة أخرى، حيث يندفع الجسد ليتخفى خلف الروح، وتتوهج النفس في مواجهة عناصر الكون. الماء والريح ليسا مجرد صورتين بل لغتان: لغة الجسد حين يشتعل، ولغة الروح حين تبحث عن خلاصها الأخير.

بهذا المعنى لا تكون القصيدة نصاً مغلقاً، بل ممارسة دائمة للعبور نحو المطلق؛ محاولة لإعادة ترجمة الإنسان داخل هشاشته، حيث تتحول الكلمة إلى نافذة، والنافذة إلى ريح، والريح إلى سؤال لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

كان البلاط الياباني خلال فترة (هييآن) المزدهرة (794 – 1185 م) بمثابة الحاضنة الأدبية التي وفرت البيئة التأهيلية الداعمة للنساء النبيلات الموهوبات، وكان للعناية الفائقة والاهتمامات الكبيرة التي أولاها المجتمع الأرستقراطي ورجال البلاط بالفنون الراقية في تلك الفترة المردود الجلي والتأثير الكبير في ازدهار ونضج الحركة الأدبية النسوية، وتعزيز خصوصية الكتابة الأنثوية، بعيدا عن المثل العسكرية التي كانت غالبة وأساسية في الماضي، وبمنأى عن التأثير الصيني المباشر المهيمن سابقا. وشملت شعر الواكا / التانكا والرسم الملون (ياماتو – إي) والموسيقى والخط (الشودو – وايو) وفن تنسيق الزهور (الإيكيبانا) وحفلات الشاي والمهرجانات والفنون الزخرفية والطلاء بالورنيش، مع ظهور جماليات (ياماتو – إي) الوطنية المرتكزة على تصوير الحكايات الأدبية والمواضيع السردية والمشاهد المحلية والمناظر الطبيعية والمواسم الأربعة (شيكي – إي) والأماكن الشهيرة (ميشو – إي) والحياة اليومية باسلوب سردي، وبتوظيف لفائف يدوية طويلة (إيماكيمونو)، تروى من خلالها القصص الأدبية والتاريخية الشهيرة وغيرها كثيرة.

أما (ياماتو – إي) فهو أسلوب ياباني كلاسيكي بارز في الرسم، نشأ في أواخر فترة هييآن (القرن العاشر الميلادي) تقريبا، مستقلا عن التأثيرات الصينية (كارا – إي)، وباستخدام تقنيات فنية مبتكرة (هيكيمي كاجيانا، فوكينوكي ياتاي، تسوكيوري – إي). ازدهر خلال فترة كاماكورا ثم تراجع وتم إحياؤه عن طريق مدرسة (توسا) ومدرسة (رينيا). وأما الشودو (طريق الكتابة) فهو فن الخط الياباني التقليدي المعروف، المستمد أصلا من الخط الصيني (كارايو)، وقد تم تطويرة وتجويده في فترة هييآن مع انتشار حروف (الكانا) وبأسلوب (وايو) الذي يعتبر النقيض المباشر لأسلوب (كارايو). ويقوم (الشودو) على الليونة والجمالية والانسيابية، وأستخدم بادىء ذي بدء بين النبلاء و الكهنة والساموراي.

و قد اتسمت النتاجات الأدبية النسائية اليابانية في فترة هييآن المتكونة من تشكيلة مميزة من الشعر والنثر والسرد والغناء بالدقة والحساسية الفنية والعمق التحليلي والتفصيلية المتقنة الجلية، وهي صفات وخصائص ميزت أدب تلك الفترة بالدرجة الأساس، وصارت إحدى السمات الرئيسية للأسلوب الأدبي الكلاسيكي الياباني المعروف آنذاك.

و الذي ميز هذه النتاجات الأدبية أيضا كونها قد كتبت في أكثرها بنظام كتابة صوتي مقطعي ياباني هو ال (كانا) المنقسم إلى ال (الهيرغانا) وال (كاتاكانا)، بعكس الرجال الذين كانوا يكتبون بالمقام الأول بال (كانجي) الذي كثيرا ما أعتبر رمزا للذكورة، بعكس الهيراغانا الذي طالما ربط بالأنوثة.

و قد أحدث هؤلاء الشاعرات والكاتبات بذلك ثورة ناعمة وتحولا بينا وجليا في الأدب الياباني، وعززن ودعمن بقوة ما يعرف ب (أدب المرأة) في تلك البلاد، ولذلك أعتبرت فترة هييآن العصر الذهبي للكتابة النسائية، وعموم الأدب الكلاسيكي الياباني (1). فقد كتبن خلاله أبدع وأجود القصائد وأروع المذكرات وأول رواية نسائية في اليابان والعالم أجمع (2)، وأشتهرت بثراء وتطور كتابات النساء على نحو بين، وكان تأنيث أدبه الثري الغزير، وربطه بالأنوثة بمفهومها الواسع أمرا تاريخيا وحتميا ولازما لا مفر منه (3).

و هكذا أصبحت النساء في هذه الفترة رائدات الكتابة الإبداعية، ويعزى لهن الفضل الكبير لتحظى (الهيراغانا – أونا – دي – يد المرأة) بشعبية كبيرة، ولتغدو لغة التأليف والكتابة الرسمية في البلاط (4).

كما نشطت وفعلت إبان فترة هييآن صالونات البلاط، فشجعت ودعمت النساء الموهوبات الذكيات من وصيفات هذا البلاط، فكانت بمثابة المنازل التي توفر لهن كل مستلزمات الحياة من ملابس وطعام وشراب ومنام ورعاية صحية وغيرها، والملتقى الذي يتبادلن من خلاله الآراء والخبرات والمعلومات، مع الاستمتاع بالقراءة والكتابة في شتى المواضيع السائدة في ذلك الوقت (5).

و نقدم أدناه النبذ المختصرة عن بعض هؤلاء الشاعرات المبدعات الشهيرات من تلك الفترة التي بدأت فيها الهوية اليابانية المتميزة بالتبلور، مع استحداث وابتكار تقاليد أدبية وفنية ودينية فريدة دامت لقرون.. كما نقدم نماذج من قصائدهن (مترجمة عن اللغة الإنكليزية): -

1 - أوتو جيجو (السيدة ساغامي) (998 / 1000 –1061 / 1068 م ؟ تقريبا): شاعرة يابانية كبيرة من منتصف فترة هييآن. والدتها (يوشيكيو نو هوشو)، ولم يعرف الكثير عن نسبها الذي اختلفت حوله الآراء ولم يحسم أمره لحد الآن. عاشت في مقاطعة (ساغامي) مع زوجها (كينسوكي أوي) الذي تقلد فيها منصب الحاكم لفترة من الزمن، ومنها استمدت اسمها. وهي مقاطعة يابانية قديمة لقبت سابقا ب (سوشو)، وتقع في المنطقة التي تعرف الآن بمحافظة (ناكاغاوا) وتحدها (موساشي) و(إيزو) وغيرهما. عرفت الشاعرة (أوتو جيجو) الشاعر البارز (فوجيوارا نو سادايوري) (995 – 1045 م) الشخصية النبيلة من عشيرة فوجيوارا القوية وغيره من الشعراء في محيطها. ومن شعرها:

آه، أيها الفؤاد

فؤادي المفطور الذي تعاظم همه

ليصبح كم ثوبي مبللا بالدموع الأجاج

و لا يذكر اسمي الآن

إلا للاستهزاء والاستخفاف الشرير

و كان السائد في اليابان القديمة أن تقوم النساء من ذوات النسب الرفيع بمسح دموعهن بأكمامهن، وعليه فإن (الأكمام المبللة) استعارة شائعة للحزن وخيبة الأمل العاطفية. وقد أستخدمت هذه العبارة من قبل الشاعرات اليابانيات بشكل كبير لرغبتهن بعدم الافصاح عن حزنهن على نحو مباشر، فكانت موضوعا مكررا في شعر التانكا وعموم الأدب الياباني الكلاسيكي للتعبير عن الشجن والندم والمعاناة وغيرها.

لقد عصفت الريح

على حين غرة

و تفكك نسيج العنكبوت المديد

هل ينبغي أن تسير الأمور بيننا

على هذا النحو ؟

***

لا تغضبوا مني، بل سامحوني

إذا كانت دموعي لا تزال تنساب

لقد جفاني حبيبي

و أخشى أن تجرح بعده

سمعتي الحسنة التي أعتز بها كثيرا

(اشتركت الشاعرة بهذه القصيدة في مسابقة شعرية أقيمت عام 1051 ميلادية، وكانت نشطة في مثل هذه المسابقات وغيرها)

***

لا يكاد يجف كم ثوبي أبدا

بسبب الدموع السواجم

الناتجة عن الحزن المختلط بالمرارة

ما أندم عليه يقينا

هو اسمي الذي شانه الهوى

و نظرا لطبيعة مجتمع البلاط في ذلك الوقت وانغلاقه وخصوصيته، فقد كان موضوع هجرة الحبيب وما تدور حوله من شائعات وأقاويل كافيا لتشويه سمعة المرأة  وقد نظمت حوله الكثير من القصائد بأقلام نساء عانين من هجرة الأحباب والألم الشديد والحرقة العميقة في الفؤاد التي تنشأ عن غياب الحبيب أو البعد عنه.

2 - كوكامونين نو بيتو: شاعرة ذائعة الصيت من القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو توشيتاكا). كانت مرافقة إمبراطورة. ولها قصيدة مدرجة ضمن مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني الشهيرة المسماة (هياكونين إيشو - مائة شاعر، قصيدة واحدة لكل منهم ) التي تضم (100) قصيدة واكا كتبت خلال الفترة من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر. وقد أستخدمت في لعبة (كاروتا) المبتكرة في فترة (إيدو) (1603 – 1868)، لتتوطد شعبيتها في الثقافة اليابانية على نحو عميق وحتى الوقت الحاضر. تقول (كوكامونين نو بيتو) في إحدى قصائدها:

ليلة حميمية واحدة لا أكثر نقضيها معا

و لتكن قصيرة بقدر المسافات التي بين أعواد القصب

المحصودة في خليج نانيوا

لا غنى عنها من أجل هذا الحب الرقيق

هل أفدي بنفسي في سبيل ذلك ؟

أما خليج (نانيوا) فهو التسمية القديمة لخليج أوساكا الياباني، وترتبط بالأسم القديم لمدينة (أوساكا) التي كانت عاصمة إمبراطورية قديمة وموقعا لقصر الإمبراطور لفترات وجيزة في القرنين السابع والثامن، وكانت أيضا مركزا اقتصاديا وسياسيا هاما، وخصوصا في القرن السادس عشر أي فترة تويوتومي هيده – يوشي.

3 - تايكينمون في هوريكاوا: كانت سيدة نبيلة وشاعرة متميزة، عاشت في القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو أكناكا)، وكان الأخير مسؤولا كبير المستوى في شؤون (الشنتو) التي كانت تدار عبر نظام كهنوتي مترابط مع وجود مناصب إدارية. عرفت الشاعرة أيضا باسم (هوريكاوا)، لما كانت تخدم كراهبة في دير المجلس الإمبراطوري للمراسم.

خدمت أولا الأميرة الإمبراطورية (ريشي) ولقبت خلالها ب (روكوجو)، وكانت أيضا مرافقة للإمبراطورة (تايكن). لها قصيدة مدرجة في (هياكونين إيشو) الإمبراطورية وضمن مجموعة (الشاعرات ال 36 الخالدات) أيضا. اشتركت في مسابقات شعرية (أوتاواسي) خلال الفترة (1142 – 1143) تقريبا، وقد نافست فيها الكاهن البوذي والشاعر النحرير (سايغو – ساتو نوريكو) (1118 – 1190) الذي يعد من أكبر أساتذة شعر التانكا الياباني آنذاك.

و هي مسابقات أجريت بكثرة كأحداث طقسية في فترة (هييآن) المزدهرة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، والمستقرة أمنيا تقريبا حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة النبلاء الذين حرصوا على اقامتها ومنحوها اهتماما بالغا. وكان يتم فيها تقسيم الشعراء إلى فرق، ليقرضوا الشعر من خلال سلسلة من الجولات. وبحسب (هياكونين إيشو) فإن أطول مسابقة من هذا النوع في تلك الفترة قد أخذت (500) جولة، فتصور عدد الشاعرات والشعراء الذين اشتركوا فيها. ومن شعرها:

لا أعلم كم من الوقت ظل فؤادي يعاني

و لكن في أواخر الصباح

كان شعري الأسود المتشابك

في حالة فوضى

ثمة شيء آخر يشغل بالي الآن

***

لا أعرف هل ستثبت في قلبك

المشاعر التي تكنها تجاهي ؟

عندما نفترق هذا الصباح

فسيكون شعري في حالة فوضى

و سوف يختلج فؤادي

4 - يوشي نايشينو – كي نو كيي: كانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أواخر فترة هييآن، وعرفت بأسماء أخرى. كانت وصيفة للأميرة الإمبراطورية (يوشي) (1038 – 1105 م) ابنة الإمبراطور (غو سوزاكو) (1009 – 1045). لها مجموعة شعرية بعنوان (إيتشي – نو ميا نو كي شو). اشتركت في الكثير من المسابقات الشعرية المقامة في زمنها. وردت أعمالها في العديد من المجموعات الإمبراطورية وغيرها، مثل شينتشوكوسين واكاشو وشينسينزاي واكاشو وجيوكويو واكاشو وشوكوجوسين واكاشو وسينزاي واكاشو وشينغوشوي واكاشو والشاعرات ال 100 الخالدات.

5 - سو نو نايشي: كانت شاعرة متميزة، واسمها الحقيقي (تايرا نو تشوشي / ناكاكو). ابنة (تايرا نو مونيناكا) الذي كان حاكما لمقاطعة (سو) بمنطقة (بوشو) (محافظة ياماغوتشي حاليا)، ومن هنا جاء لقبها. خدمت كوصيفة في بلاط أربعة أباطرة (هوريكاوا، شيراكاوا، غو – سانجو، وغو ريزي الذي حكم خلال الفترة 1046 – 1068 م).

ترهبت (سو نو نايشي) في البوذية عام 1108 من جراء السقم، ووافاها الأجل سريعا حوالي عام 1110 ميلادية بعد معاناة شديدة مع المرض. وردت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ولها مجموعتها الشعرية الخاصة بها.

و لها قصيدة مشهورة تعود قصتها إلى موقف حدث للشاعرة عندما همست لوصيفة قريبة منها داخل البلاط، طالبة منها وسادة، وسمعها أحد النبلاء، فبادر مازحا إلى تقديم ذراعه لها من وراء الستارة الفاصلة بينهما لتستخدمها كوسادة. ولكنها أبت أن تفعل ذلك حفاظا على سمعتها.

سيكربني الغم

إن لحق العار بسمعتي الحسنة

لو توسدت ذراعه *

فقط للحظة عابرة

مثل حلم في ليلة ربيعية

و لم يقتصر استخدام تلك الستائر في البلاط الإمبراطوري الياباني على ضمان الخصوصية وتوفير الظل، بل تعدى ذلك لتكون من العناصر الفنية والرمزية الأساسية التي تحدد بموجبها المكانة والرتبة، ولتعكس أسلوب الحياة الراقي لأستقراطية هييآن. وكانت رقيقة وعالية الجودة، وتصنع في الغالب من القصب أو الخيزران أو الخشب (سوداري)، ومزينة بحواف جميلة من القماش، ومنسوجة بخيوط حريرية متينة وخفيفة الوزن. وقد جرت العادة أن تتستر سيدة البلاط خلف الستارة عند تبادلها الحديث مع شخص من خارج أسرتها، كان ينبغي له الوقوف على مسافة معينة منها، ودون أن يحق له الاقتراب منها أو النظر إليها إلا بموافقتها، وبخلاف ذلك فإن أي تصرفات لا مسوغ لها كانت تعتبر انتهاكا للأعراف وتهديدا لخصوصية تلك السيدة.

6 - سي شوناغون (966 – 1017 / 1025): كانت سيدة بلاط وكاتبة يوميات مبدعة متقنة للكلمات وشاعرة مرموقة، وواحدة من (السيدات الثلاث العظيمات) في زمنها إلى جانب (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو) وفقا للنقاد وكتاب التاريخ الأدبي. لا يعرف اسمها الحقيقي الذي اختلفت حوله الآراء، وقد يكون (كيوهارا نو ناجيكو) وفقا لبعض المصادر التي لم تؤكد صحته على نحو قاطع.

ولدت وترعرعت في كنف أسرة مثقفة وواعية ومستنيرة، ووالدها هو الشاعر المعروف (كيوهارا نو موتوسوكي) الذي كان حاكما متمكنا لمقاطعة يابانية مهمة، وجدها الأكبر الشاعر هو (كيوهارا نو فوكايابو). تزوجت من (تاتشيبانا نو نوريميتسو) وهي في السادسة عشرة من العمر، وأنجبت منه ولدا أسمته (نورينغا)، وربما تطلقت بعدها لتتزوج من حاكم ولاية (سيتسو) التي كانت تشمل قديما أجزاء واسعة من أوساكا وهيوغو، وأنجبت منه ابنة اسمها (كوما نو ميوبو).

خدمت الإمبراطورة (فوجيوارا نو تيشي – ساداكو) (977 – 1001) زوجة الإمبراطور (إيتشيجو)، الإمبراطور ال (66) لليابان. وفي زمن كان بلاط هييآن يهتم اهتماما بالغا للرقي والتميز الأدبي، وجرت العادة أن تحيط الإمبراطورات أنفسهن بوصيفات متميزات، ذوات ثقافة واسعة وراقية، ويجدن تأليف الشعر، ويتم اختيارهن ليس فقط للخدمة بل لامتلاك المعرفة والمهارات والتعليم في عدة مجالات مثل الأدب والفنون وآداب السلوك.

ألفت (سي شوناغون) (كتاب الوسادة – ماكورا نو سوشي) في تسعينيات القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وقد اكتمل في عام 1002، وكان ذلك أثناء خدمتها في البلاط، وباللغة اليابانية العامية مستخدمة حروف (الهيراغانا)، وقد أستنسخ الكتاب لعدة مرات في الأعوام 996 و1000 و1002 و1021، وطبع أخيرا في القرن السابع عشر، ونالت مؤلفته شهرة واسعة. والكتاب عبارة عن مذكرات شخصية متألفة من مجموعة نصوص قصيرة غير مترابطة في الغالب من قصائد وحكايات والمقاطع الوصفية عن حياة النبلاء في أوج عصر هييآن المثالي. تقول عنها (أيدان دويل): (كانت سي شوغانون حاذقة ومتقنة في فن التخاطب البليغ والتبادل الشعري، وكانت تبتهج بتسجيل أبهى اللحظات التي عاشتها، كما كانت تصف على الدوام درجة قلقها عند تأليف الشعر، ولا عجب في ذلك، بالنظر لأهمية الأمر). ومن قصائد (سي شوناغون) المشهورة:

لقد خدع الديك بصياحة

كل من سمعه

وسط الليل

باستثناء الحراس عند بوابة أوساكا

الذين لا يمكنه خداعهم على الإطلاق

تعاتب الشاعرة سي شوناغون هنا زوجها الذي كان يسهر ويعود للبيت دوما متأخرا في منتصف الليل. وتذكره بقصة صينية معروفة عن رجل مطلوب للعدالة، فقلد صوت الغراب ليتحايل على الحراس. ولكن لا يمكن أن تنطلي هذه الحيلة على حراس بوابة أوساكا إن حاول أن يجربها.

تتناثر ندف الثلج

الناعمة

بفعل النسيم

على نحو متقطع

إنها تثير الأسى

***

أسنت بي الأيام

مع انقضاء الزمن

و لكنني عندما أشاهد

هذه الزهرة الآسرة

أغفل عن العمر والوقت أيضا

7 - إيسي نو تايفو (نحو 990 – 1060): شاعرة وكاتبة أغاني بارعة وعازفة موسيقى موهوبة. ابنة النبيل (أوناكاتومي نو سوكيتشيكا) من عشيرة (أوناكاتومي) المعروفة باهتماماتها بالأدب والشعر، واسهاماتها البينة في الشعر عبر أجيال، وهي أيضا حفيدة الشاعر المعروف (أوناكاتومي نو يوشينوبو) (921 – 991 م). عرفت أيضا باسم (إيسي نو أوسوكي) و(إيسي نو تايو). عملت كوصيفة للإمبراطورة (فوجيوارا نو شوشي) (988 – 1074)، ونشطت في صالونها الأدبي. وكانت صديقة مقربة ل (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو)، واشتركت في العديد من المسابقات الشعرية.

لم يصلنا من قصائدها إلا القليل حيث وردت لها ثلاث قصائد ضمن (الشاعرات ال 36 الخالدات) (نيوبو سانجوروكاسين)، وقصيدة واحدة في (أوغورا هياكونين إيشو) ومختارات إمبراطورية أخرى، ويعزى ذلك إلى صعوبات وتحديات حفظ النصوص المكتوبة في تلك الفترة الزمنية، والعوامل الطبيعية وغير الطبيعية التي تؤثر فيزيائيا وكيميائيا على الورق والأحبار، مسببة التلف والتحلل وفقدان الكتابة، ومنها الرطوبة الزائدة والحرارة المرتفعة والقوارض والفطريات والحشرات وغيرها. ومن شعرها:

تتناثر أوراق الشجر المتساقطة

لتجرفها المياه المتدفقة أسفلها

في جدول منسي

لا يكاد يعرف

و لا يشاهد إلا نادرا

***

أمعن النظر في الظلمة شيئا فشيئا

و قد جفاني الكرى

وتثبت نظرتي الساهية على قطرات الندى

التي تغطي أوراق البرسيم الشجيري

بفعل النسيم في ليلة خريفية

أما البرسيم الشجيري (ليسبيديزا) فهو نبات عشبي معمر أو شجيرة صغيرة سريعة النمو من فصيلة البقوليات، له أوراق مركبة من ثلاث وريقات. له أزهار ناعمة بألوان عديدة تشبه البازلاء. يزرع في المناطق الدافئة والمناخات المعتدلة. يسمى في اليابان (هاجي)، ويرمز إلى الحب من طرف واحد وما يسببه من حزن.

8 - أكازومي إيمون (نحو 956 كيوتو – 1041): مؤرخة مقتدرة وشاعرة رائدة. ابنة (أكازومي نو توكيموتشي) الذي كان مسؤولا متوسط الرتبة في البلاط الإمبراطوري، واحتمال أن تكون ابنة الشاعر (تايرا نو كانيموري) وفقا لبعض النظريات حيث هناك عدة آراء حول نسبها. تزوجت من العالم والشاعر والحاكم (أوي نو ماساهيرا) الذي توفي عام 1012 ميلادية.

عملت الشاعرة كوصيفة لشخصات بارزة، وتلقت تعليما عاليا في النصوص الصينية الكلاسيكية والأدب الياباني والشعر على وجه الخصوص. انضمت إلى بلاط (فوجيوارا نو ميتشيناغا) الذي توفي عام 1027، وكان شخصية سياسية بارزة من عائلة معروفة، تمتعت بالنفوذ السياسي لعدة قرون. وقد كتبت (أكازومي) تاريخ هذه العائلة على نحو مسهب. وهي من (الشاعرات ال36 الخالدات)، ولها قرابة (93) قصيدة مدرجة في المختارات الإمبراطورية، مثل (شوي واكاشو – ثالث مجموعة مختارات شعرية إمبراطورية من شعر الواكا) وغيرها. ومن شعرها:

من الأجدر

أن يكون قد أوى إلى فراشه الآن

و دون تأخير

لقد احلولكت ظلمة الليل

و أنا أراقب القمر حتى أفل

9 - دايني نو سانمي (ربما 999 – بعد 1078 م): شاعرة فائقة الشهرة، عرفت باسم (إيتشيغو نو بنين) أيضا، واسمها الحقيقي (كلتاكو)، ابنة الشاعرة الكبيرة (موراساكي شيكيبو) (973 – 1025)، وزوجها (فوجيوارا نو نوبوتاكا). كانت وصيفة للإمبراطورة المتقاعدة (شوشي) منذ عام 1017. تزوجت من (فوجيوارا نو كانيتاكا) عام 1026. لها قصيدة في مختارات (أوغورا هياكونين إيشو) الشهيرة التي تعتبر من أهم مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني، وتضم (100) قصيدة من قرون مختلفة (من السابع إلى الثالث عشر). أما (أوغورا) فهو الجبل الذي كان يقع فيه قصر جامعها الشاعر (فوجيوارا نو تيكا). و(هياكو: مائة، نين: شخص أو شاعر، إيشو: قصيدة واحدة). ومن شعرها:

تهب الريح

و تنساب عبر أعواد القصب

المتمايلة والثابتة في في حقول (إينا)

بالقرب من سفح جبل أريما

سأثبت مثلها ولن أغفل عنك لحظة واحدة

أما جبل أريما أو جبل (روكو) فهو يطل على مدينة (كوبي)، ويزخر بينابيع المياه الساخنة النابعة من عدة مصادر والمعروفة منذ أكثر من ألف عام.

10 - تاكاشينا نو تاكاكو (؟ - 996 م) أو (تاكاشينا نو كيشي) أو (جيدو سانشي نو هاها): شاعرة واكا / تانكا فائقة الشهرة. اتقنت اللغة الصينية واطلعت على آدابها وقرضت الشعر الصيني أيضا، وشاركت في عدة مسابقات شعرية، وهو أمر نادر بالنسبة لفتاة في ذلك الزمن. زوجة المستشار (فوجيوارا نو ميتشيتاكا) وأم الإمبراطورة (تيشي) (ساداكو). لم يفضل من شعرها إلا خمس قصائد مدرجة في إحدى المختارات الإمبراطورية، وقد ترجمت لعدة لغات. نذرت نفسها للخدمة الدينية بعد وفاة زوجها عام 995، أي قبل وفاتها بعام. ومن شعرها:

لن أنسى أبدا العهد الصارم

الذي قطعته على نفسك

و لأنه لا يبدو شيئا يمكنني التعويل عليه

إلى الأبد

ليكن هذا اليوم هو الأخير في حياتي

11 - أوكون (936 – 966 م): سيدة بلاط وشاعرة مبدعة. كان والدها (فوجيوارا نو سويناوا) قائدا في الحرس الملكي، ومن عشيرة (فوجيوارة) المتنفذة. كانت وصيفة ل (فوجيوارا نو أونشي) زوجة الإمبراطور. لها قصيدة مشهورة نظمتها في عام 933 بمناسبة بلوغ الأميرة (كوشي) سن الرشد. شاركت في مسابقات شعرية أقيمت في البلاط الملكي خلال الفترة (960 – 962 م). ظهرت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ومن شعرها:

لا أكترث البتة

و إن كان قد جافاني

بعد أن عاهدني على حبه الأبدي

أمام السماء ذات يوم

يا له من بائس

12 - فوجيوارا نو ميتشيتسونا لا هاها (936 أو 937 - 995 ؟): كاتبة يوميات مبدعة وشاعرة كبيرة، لا يعرف اسمها الحقيقي، وقد استخدمت هذا الاسم المستعار في كتاباتها واشتهرت به. كانت فائقة الجمال ومعروفة بشدة الحسن والفتنة، وبارعة في كتابة الشعر. نشرت العديد من قصائدها في المختارات الإمبراطورية. ومن شعرها:

شخص مثلك

قد لا يعرف أبدا

كم يمكن أن يطول الليل

لمن تشتاق لحبيبها

ربما حتى طلوع الفجر

13 – كوداي نو كيمي: كانت سيدة بلاط وشاعرة كبيرة، اتسمت قصائدها بالعمق العاطفي واستخدام الرموز المستمدة من أساطير الشنتو كدلالات ثقافية ودينية تعكس معتقدات الشعب الياباني. لا يعرف تاريخ ميلادها أو وفاتها على وجه الدقة. درست الأدب الكلاسيكي الصيني والياباني وفنون الشعر والخط والموسيقى حال أقرانها في المجتمع الارستقراطي.

نشطت خلال الفترة (945 – 1010 م)، وشاركت في العديد من المسابقات الشعرية (أوتاواسي – مسابقات مطابقة الشعر). عرفت باسم (كو – أو غيمي) أيضا. عملت كوصيفة في بلاط الإمبراطور (إيتشيجو) وولي العهد (سانجو). وصلنا منها نحو (90) قصيدة، وأدرج بعضها في مختارات إمبراطورية، مما رسخ إرثها في الأدب الكلاسيكي الياباني. أعدت إحدى الشاعرات اليابانيات الخالدات ال (36). ظهرت في الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، مثل (سانجوروكاسين) و(إوكيو – إي). ومن شعرها:

بإمكاننا الافتتان بألوان

أشجار الكرز البري المزهرة

كما يروق لنا

في زمن تنعدم فيه الرياح الهوجاء

التي تنثر الأزهار

(الكرز البري: يعرف أيضا بالكرز الحلو والكرز الأخضر والمحلب وسان لوسي، شجرة تشتهر بأزهارها البيضاء الجميلة وثمارها الناعمة. لها عدة استخدامات).

و كما يلاحظ (فقد تميزت فترة هييآن بازدهار ثقافي ملحوظ بريادة النساء، وعندما يتعلق الأمر بالمساعي الثقافية، كانت النساء في البلاط ومن حوله يتفوقن على الرجال. وتتسم المذكرات والقصائد التي كتبتها النساء خلالها برابط مشترك، يتمثل في شعور يصعب التعبير عنه بالكلمات، أصبح يعرف اليوم باسم مونو نو أواري) (6) (7).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...............................

(1) – يرى البعض أن ثقافة (هييآن) قد بلغت أوج تطورها وازدهارها في القرن الثاني عشر برعاية (فوجيوارا نو ميتشيناغا) (966 - 1028 م) كاتب يوميات (ميدوكانباكوكي) وأقوى رجل دولة ياباني في تلك الفترة بتزويج بناته لأربعة أباطرة، ومنهم الإمبراطور (إيتشيجيو). ويعرف عنه أيضا الاعتناء الكبير بالجوانب الثقافية مع ولادة أعظم النتاجات الأدبية خلال فترة حكمه، ومنها (حكاية غينجي) ل (موراساكي شيكيبو) و(كتاب الوسادة) ل (سي شوناغون).

(2) – د. كرم خليل سالم، تاريخ تطور الأدب النسائي الياباني الحديث والمعاصر، وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2024.

(3) – Tomiko Yoda، Gender and National Literature: HeianTexts in the Constructions of Japanese Modernity. Duke University Press 2004.

(4) – Arthur Reiji Morris، Japanese Writing: The Birth of Kana in the Heian Period. https: // unseen – japan. com

(5) –Ellis Khachidze، Women’s fan writing and transformative works in eleventh – century Japan.https: // journal. transformativeworks. org

(6) – د. المؤمن عبدالله، عندما يصبح الوداع جزءا من الجمال في الثقافة اليابانية !، اليابان اليوم، عدد يوم 21 / 3 / 2025.

(7) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Shongon’s The Pillow Book with Gender – Translation Theory. https: // course – journal. lib. sfu. ca

2 - Estee Crenshaw، The Rhetoricity of Poetic Dialogues (Zotoka) in Heian Japan. https: // scholarlypublishingcollective. org

3 - Faezah Kassim & Abd -. Wahid Jais، Status of Women in the Heian Period. https: // ejournal. um. edu. my

4 - H. E. Plutschow، Shinto – Buddhist Ritual and Medieval Japanese Poetry – Ritual in Early and Medieval Japanese Literature. Brill 1990.

5 - Harold Pinter & Others، 100 Poems by 100 Poets: An Anthology، Grove Press 1994.

6 - Ivan Morris (Tr & Ed)، The Pillow Book of Sei Shonagon، Harmondsworth 1955

7 - Kim Miller، Manipulations of Feminine Conventions in Heian Period Nikki. https: // kb، osu. edu

8 - Matthew Gerber، The Importance of Poetry in Japanese Heian – era Romantic Relationships. https: // kb. osu. edu

9 - Naoe Kukita Yoshikawa،Women’s Writing in the Japanese Heian Period: A Medieval Dialogue Between the East and West.

https: // www. degruyterbrill. com

10 - Peter McMillan، One Hundred Poets، One Hundred Each. Colombia University Press 2010.

11 -- Suzuki Hideo، Yamaguchi Shin’ichi، Yada Yasushi، Genshoku: Ogura Hyakunin Issue، Bun ‘eido 1997.

12 - Sanae Fukuto، Girl’s Education in the Aristocratic Society of the Heian Period. https: // shs. cairn. info

13 - Yue Zhao، A Study on the Word “ Sleeve “ in Japanese Waka. YTaking the Waka in “ The Tale of Genji “ as an Example. www. researchgate، net

14 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن: مقدمة قصيرة ونماذج، صحيفة المثقف، عدد يوم 5 شباط / فبراير 2026.

15 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة نارا، صحيفة المثقف، عدد يوم 20 شباط / فبراير 2026.

16 – بنيامين يوخنا دانيال، أبوتسوني: شاعرة تانكا يابانية بارزة من فترة كاماكورا، صحيفة المثقف، عدد يوم 17 كانون الثاني / يناير 2026.

التحليلُ النفسيّ والنقدُ الإيكولوجيّ بوصفهما فلسفةَ نجاةٍ معاصرة

لم يعد الإنسان المعاصر يقرأ النصوص كما كان يفعل في الأزمنة الكلاسيكية؛ إذ لم تعد اللغة سطحاً يشفّ عن معنى واحد، ولا الطبيعة خلفيةً صامتةً لحكاية البشر. لقد صار النصُّ كائناً نفسياً، وصارت الأرضُ ذاتاً أخلاقيةً، وأضحى النقد — في تحوّلاته الحديثة — محاولةً مزدوجةً لفهم جرح الإنسان في داخله، وجرحه الذي تركه خارج نفسه أيضاً. فمن لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض يمتدُّ خيطٌ خفيّ يعيد مساءلة معنى الوجود الإنساني ذاته.

أولاً: لاوعي النصّ — حين تتكلّم اللغة بما لا يقصده صاحبها

مع التحليل النفسي لم يعد المؤلف سيّد نصّه المطلق؛ فقد كشف سيغموند فرويد أن الإنسان نفسه لا يملك سيادة كاملة على ذاته، فكيف يمتلكها على لغته؟ إن الرغبات المكبوتة، والذكريات المنسيّة، والقلق الجمعي، تتسرّب إلى العبارة كما يتسرّب الحلم إلى نومٍ مضطرب.

النصّ إذن لا يقول ما يعلنه فقط، بل ما يخفيه أيضاً.

ومن هنا جاءت جهود الناقد الفرنسي جان بيلمان نويل الذي سعى إلى إقصاء مركزية المؤلِّف، والبحث عن «اللاوعي النصّي»، حيث تصبح الكلمات آثاراً نفسية لا مجرد أدوات بلاغية. فالجملة قد تكون اعترافاً مؤجلاً، والاستعارة عرضاً نفسياً، والصمت بين الكلمات منطقةً مملوءة بما لا يُقال.

إن اللغة — وفق هذا المنظور — ليست خطاباً فحسب، بل عرضٌ نفسيٌّ يتخفّى في هيئة جمال.

ثانياً: من السخرية إلى التفكيك — النصّ بوصفه حواراً مع غيابه

لاحقاً، وسّع الناقد الفرنسي بيير بيار هذا الأفق حين اقترح أن القراءة ليست بحثاً عن المعنى النهائي، بل عن احتمالاته الساخرة والمفارِقة. فالنصّ عنده لا يُقرأ فقط بما كُتب، بل بما لم يُكتب أيضاً.

وهكذا صار النقد النفسي أقرب إلى حوار مع الأشباح:

أشباح الرغبة،

وأشباح السلطة،

وأشباح الخوف الجمعي.

فالقارئ نفسه يدخل النصّ محمّلاً بلاوعيه، فتغدو القراءة لقاءً بين لاوعيين لا بين عقلين.

ثالثاً: النفس والطبيعة — من عقدة الإنسان إلى جرح الأرض

غير أن التحليل النفسي لم يتوقف عند الإنسان وحده. فمع الأزمات البيئية المتلاحقة ظهر سؤال جديد: هل تحمل الحضارة الحديثة أعراضاً نفسية انعكست على علاقتها بالطبيعة؟

لقد رأى بعض المفكرين أن استنزاف الأرض ليس أزمة تقنية فقط، بل عرضٌ نفسيٌّ عميق: رغبة السيطرة، والخوف من الفناء، والهروب من هشاشة الإنسان أمام الكون.

وهنا يلتقي التحليل النفسي بالنقد الإيكولوجي.

فالطبيعة في الأدب الإيكولوجي لم تعد مجرد مشهد، بل شخصية حيّة:

الغابة ذاكرة،

والنهر ضمير،

والصحراء اختبارٌ أخلاقي.

إن الإنسان الذي قطع صلته الرمزية بالأرض فقد جزءاً من توازنه النفسي.

رابعاً: البعد الاجتماعي — البيئة بوصفها مرآةً للعدالة

يكشف النقد الإيكولوجي أن الخراب البيئي ليس محايداً اجتماعياً. فالمناطق الأكثر فقراً غالباً ما تتحمل عبء التلوث والحروب المناخية والهجرة القسرية.

ومن هنا يصبح الأدب مساحة احتجاج أخلاقي.

الرواية الديستوبية، على سبيل المثال، لا تتنبأ بالمستقبل فقط، بل تكشف خوف المجتمع من ذاته. إنها حلمٌ جماعيٌّ مضطرب يشبه ما وصفه كارل يونغ باللاوعي الجمعي، حيث تتكرّر الرموز نفسها لأن المخاوف واحدة.

فالأرض المريضة انعكاسٌ لإنسانٍ قلق.

خامساً: الإيروسية والطبيعة — حين يعود الجسد إلى أصله

في الأدب الإيكولوجي تتخذ العلاقة بين الإنسان والطبيعة بعداً إيروسياً رمزياً؛ إذ يعود الجسد إلى إدراك جذوره الأولى.

الحب ليس فقط علاقة بين شخصين، بل مصالحة بين الكائن والعالم.

فالعشب، والمطر، والرائحة الأولى للتربة بعد المطر، تصبح استعارات لشفاء داخلي. إن الإيروس هنا ليس إثارة حسّية، بل توقٌ إلى وحدة مفقودة بين الإنسان وبيئته.

سادساً: اللغة بوصفها مسؤولية أخلاقية

إذا كان التحليل النفسي قد كشف أن الكلمات تخفي ما لا نعترف به، فإن النقد الإيكولوجي يذكّرنا بأن الكلمات تصنع العالم أيضاً.

فكل خطاب يمجّد الهيمنة والاستهلاك يشارك — ولو رمزياً — في تخريب الأرض.

والأدب الذي يعيد الإصغاء إلى الأشجار والأنهار يعيد تدريب الحساسية الإنسانية على التواضع.

إن اللغة ليست وصفاً للطبيعة فقط؛ إنها طريقة العيش فيها.

خاتمة: إعادة كتابة الإنسان

من لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض تتكوّن رحلة واحدة: إعادة كتابة الإنسان نفسه.

فالتحليل النفسي يعلّمنا أن نواجه ظلالنا الداخلية، والنقد الإيكولوجي يطالبنا بأن نواجه آثارنا الخارجية.

وإذا كان النصّ مرآة النفس، فإن الأرض مرآة الضمير.

وحين يتعلّم الإنسان أن يقرأ الاثنين معاً — جرحه الخفي وجرح العالم — ربما يكتشف أخيراً أن النجاة ليست في السيطرة، بل في الإصغاء؛ لا إلى صوته وحده، بل إلى همس اللغة، وأنين الطبيعة، وما بينهما من معنى ينتظر أن يُولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قرأت ديوان "لا صلح مع السمّ" للشاعر اللبناني شوقي مسلماني  ووجدت إدهاشاً حقيقيّاً من حيث التجريب في المبنى والمعنى، إنّه لمن النادر جدّاً أن نجد شعراً يتناول الفكر الإقتصادي الإشتراكي،  ولو قلنا أن ديوان شوقي مسلماني حاشية على أفكار ماركس في كتاب رأس المال فذلك صحيح لولا أن الديوان أكثر من ذلك، فهو حاشية شعرية فكرية واقتصادية للحياة والناس والتاريخ والدين والسياسة والمرأة، لكنها لا تفسّر ما بتلك المتون بل تعرّيها وتشرّحها بمبضع جرّاح ماهر غير منتمٍ حتى للإشتراكية ولو زعم ذلك، ولكن للإنسان وحده ولا غيره، ثم ترتقي بعد كل ذلك لتصير متناً،

لننظر هنا: "الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على واحدٍ أم على الكلّ؟"،

وفي هذا القول جوهر الاشتراكيّة وبيت القصيد،

ولننظر هنا: "الكائنُ يصدرُ عن الفكرِ أم يصدرُ الفكرُ عن الكائن؟"،

وفي هذا القول تلخيص بليغ لموضوع هو محلّ جدل تاريخيّ بين فلاسفة الماديّة وفلاسفة المثاليّة، وقد ذكّرني بالإضافة إلى ما ورد عن الإمبرياليّة والتكنولوجيا التي تقرّب من محتوى مقال حول "فلسفة الوعي والوجود في فعّالية التكنولوجيا!؟" الذي أقول فيه:

يتّصف النظام المعرفي العالمي وأدواته بأنه نظام له قطبين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي؛ مثلا، يقول كارل ماركس عن الاشتراكيّة بأنّه يمكن اختصارها بجملة واحدة هي: "تحطيم الخصوصيّة"؛ ولعلّ هذا هو ما يمكن أن نراه بوضوح في فعاليّة السوشيال ميديا التي يعيشها العالم والتي تلغي خصوصيّة الأفراد بشكلٍ أو بآخر، كما يقول أيضا تعبيراً عن المسار نفسه الذي تقوم عليه نظريّة إقتصاد المعرفة: "الإنسان أثمن رأسمال في الوجود"،

أما الرأسماليّة فنراها بوضوح في السلطة المركزيّة المطلقة التي تتحكّم بفضاءات السوشيال ميديا ثم توزّعها على شكل مركزيّات صغرى في كلّ تفريعاتها، ومفاد القول أن النظام المعرفي العالمي يجمع بين نقيضين تشبه نظريّة هيجل وهما المركزيّة واللامركزيّة في آن، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع الواقع الافتراضي أن يحسم الجدل الفلسفي التاريخي حول الوعي والوجود؟ وأيّهما يحدد الآخر؟! أم هل ثمّة نظريّة فلسفيّة جديدة تؤسِّس لها فعاليّة التكنولوجيا بخصوص الوعي والوجود؟.

نعم هكذا: هل استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات ووسائل التكنولوجيا أن تقدم إضافة جديدة بما قد يفرض نظريّة جديدة فيما يخصّ وعي الإنسان ووجوده ـ بيئته، وأيهما يحدّد الآخر؟ والتي مثّلت على مرّ تاريخ الفلسفة جدلاً واسعاً بين الفلاسفة المادييّن والفلاسفة المثالييّن بما لا يمكن تجاوزه بسهولة أو عدم التفكير فيه؟،

لتوضيح ذلك نعود إلى أهم مقولات الفلاسفة حول الوعي والوجود، ولنبدأ بقول كارل ماركس: "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم"؛ وقال إنجلز معبّراً عن رأي ماركس وفلسفته الماديّة مع فارق توجّهه أكثر باتجاه الايديولوجيا: "إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أوفي كوخ". 

وبحسب فريدريك أنجلز فإن الايديولوجيا أو الأفكار الفلسفية تتمّ صياغتها وفقاً لمصالح الطبقة الحاكمة أو نمط الإنتاج، فكان أفلاطون وأرسطو مثلاً وضعا ضمن قوانين فلسفتهما العلاقة بين السيّد والعبد، ضمن سياق الأمر الواقع، وإضفاء صفة المعقوليّة والشرعيّة عليها!، وبالتالي عدم حقّ العبيد في أثينا أن يشاركوا في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة لأن ذلك قد يضعف من امتيازات الاحرار المالكين للعبيد والأراضي ووسائل الانتاج.!

ويقول ماركس: "لقد اقتصر الفلاسفة حتى الآن على تأويل ـ تصوُّر العالم بطرقٍ متنوعةٍ، لكن المهمّ هو تغيير هذا العالم".

ويقول هايدجر معلقًا على قول ماركس: "إن تغيير العالم يفترض تغيير تأويلنا ـ تصوُّرنا لهذا العالم، وامتلاك تأويل ـ تصوُّر صحيح له". ويستند ماركس إلى تأويل ـ تصوُّر خاص جدًّا للعالم ليقول إن المهم هو تغييره. 

ويقول ماركس في كتابه "رأس المال": "إن منهجي الديالكتيكي لا يختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة، فالبنسبة لهيجل: إن عمليّة تطوّر الفكر ونموّه، هذه العمليّة التي يشخّصها ويعتبرها مستقلّة ويطلق عليها اسم الفكرة هي في نظره خالقة الواقع، فما الواقع في نظره إلاّ المظهر الخارجي للفكر، أما بالنسبة لي فإن عالم الأفكار ليس إلاّ العالم المادّي منقولاً إلى الذهن البشريّ ومترجماً فيه."

ويقول كارل ماركس: "إنّ عدم تسليح الجماهير بالوعي الطبقي لإدراك مصالحها الحقيقيّة سيجعلها معادية لمصالح طبقتها"،

وفي الطرف الآخر الذي يعبّر عن الفلسفة المثاليّة كان هناك كانط وأيضا هيجل الذي يرى أن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقّفة والواقع المثالي وهذا هو شرط تحصيل الوعي لدى الأفراد،

وبرأيي أن التكنولوجيا وفّرت واقعاً إضافيّاً افتراضيّاً بديلاً، بما يسمح للأفراد أن يحظوا بفرصة إيجاد وجود اجتماعي، وهو ما يحقّق وعيهم المفقود، بخلاف واقعهم الحقيقي الذي يعيق امتلاكهم لوعي يمكن التعويل عليه، بمعنى أن هذا الواقع الافتراضي البديل يمثّل القصر على حد تعبير إنجلز، وهو رأي الفلاسفة الماديين عموماً، وأما الجانب الآخر الذي يتقاطع فيه الواقع الافتراضي البديل مع فلسفة المثاليين هو أن الواقع الافتراضي الذي توفّره وسائل التكنولوجيا يسمح بإمكانية خلق وعي مما يجعل إمكانية وجود بيئة أو واقع مثالي أمراً حقيقياً ممكناً.

مفاد القول إن التكنولوجيا تفرض نظريّة جديدة تتقاطع فيها الفلسفتان المادّية والمثاليّة؛ ويبقى الإشارة إلى مسألة مهمّة وهي مسألة الأخلاق، والتي لم يتطرّق إليها الماديّون ولا المثاليون في سياق جدليّة الواقع والوجود؛ حيث أن لها دوراً مهماً في الواقع الافتراضي وتحديد نوع العالم الذي يجد الأفراد أنفسهم فيه، أو بالأصح يصنعونه؛ فبالأخلاق وحدها يمكن إيجاد واقع مثالي ووعي حقيقي وبيئة بديلة وبدونها يصبح الأمر سيّان بالنسبة للأفراد في الواقع الحقيقي أو في الواقع الافتراضي.

شوقي هو هذا الشاعر المبدع والمثقّف المفكّر الذي يمتلك عدسة عين السمكة التي ترى فتحيط بكل شيء في المشهد الذي تراه، بل هو عقل الناقد حين يطلّ على العالم من فوق مميّزاً الخبيث من الطيّب في الأفكار وحوادث التاريخ وقضايا الأمّة.

***

د. هايل علي المذابي

تندرج قصيدة «بلدتي» للشاعر توفيق أحمد ضمن النصوص الشعرية التي تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر لتتحوّل إلى خطابٍ كينونيّ مركّب، تتشابك فيه الذات الفردية مع الجغرافيا والذاكرة والتاريخ. فالبلدة هنا ليست موضعاً جغرافياً فحسب، بل كياناً أنطولوجياً يتماهى مع الدم واللغة والوعي، ويغدو الوطن ــ عبر اللغة ــ بنيةً رمزية تتداخل فيها الأسطورة باليومي، والذاكرة بالوجود.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم القصيدة على لغة عربية رصينة ذات جذور فصيحة، تتكئ على المعجم التراثي دون الوقوع في الجمود. فالشاعر يستثمر ألفاظاً ذات كثافة إيحائية مثل:

«دمي المرابط خلف أضلاعي»

«السنديانات الذهولة»

«بيت الطين»

نلحظ هنا انزياحاً تركيبياً ودلالياً واضحاً؛ فالدم لا يكون «مرابطاً»، لكن إسناد فعل الرباط إليه يحوّله إلى جنديّ وجودي يحرس الهوية. وهذا انزياح ناجح لأنه لا يخلّ بالوضوح بل يوسّع الدلالة.

كما يعتمد الشاعر على الجملة الممتدّة المتدفقة، حيث تتراكم الصور دون انقطاع نحوي حاد، وهو ما يمنح النص صفة التدفّق الشعوري المتواصل.

ومن جهة الدقة اللغوية، يظهر إحكام في اختيار المفردة؛ إذ لا نجد ترادفاً زائداً، بل اقتصاداً تعبيرياً يوازن بين الشعرية والوضوح.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

ينجح النص في تحقيق توازن بين اللفظ والمعنى؛ فاللغة لا تتضخم على حساب الدلالة.

مثلاً:

«يغسلها براحتِهِ الصباح»

الصباح يتحول إلى كائن حميمي ذي يدٍ راعية، وهو انتقال بلاغي من الطبيعة إلى الإنسان (تشخيص)، يمنح البلدة بعداً أمومياً.

اللغة هنا ملائمة للموضوع؛ لأن الحديث عن القرية والذاكرة يستدعي لغة عضوية قريبة من الأرض لا لغة تجريدية باردة.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحر، حيث يعتمد الإيقاع على:

التكرار الصوتي.

الجمل الطويلة المتدفقة.

الوقفات الداخلية.

نلاحظ موسيقى داخلية عبر الأصوات الرخوة:

«قُبلاً قُبل»

التكرار يخلق جرساً حميماً يشبه الهمس.

كما تتكرر أصوات اللام والنون والميم، وهي أصوات رخوة توحي بالحنين والاحتواء.

الإيقاع لا يعتمد القافية الصارمة بل «القافية النفسية»، وهو اتجاه يذكّر بتجارب شعرية عربية حديثة سعت إلى تحرير الموسيقى دون فقدانها.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة دائرية بين:

١- الماضي (القرية).

٢- الحاضر (الذات الشاعرة).

٣- الزمن الحضاري.

فالبلدة تتحول إلى «شخصية مركزية».

«هي الحبيبة والحقيقة»

تتعدد وظائفها:

١- الأم.

٢- الحبيبة.

٣- الحضارة.

وهذا يمنح النص بنية درامية غير مباشرة.

2 ـ الرؤية الفنية:

العالم عند الشاعر ليس مفككاً؛ بل وحدة عضوية.

«هي جزء هذا الكل»

الجزء هنا يحمل الكل، وهي رؤية قريبة من التصورات الفلسفية الكلية التي ترى الإنسان جزءاً من نظام كوني.

الشكل يخدم المضمون؛ فالتدفّق اللغوي يعكس امتداد الذاكرة نفسها.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

من أجمل الانزياحات:

«عصافيراً تطير بلا جوانح خلف أسيجة الوطن»

صورة مفارقية تجمع الحرية والمنع معاً.

الطيران بلا أجنحة - إرادة الحرية رغم القيد.

هنا يتحقق عنصر الدهشة الشعرية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- ما الوطن؟

٢- هل هو مكان أم ذاكرة؟

٣- هل الحضارة استمرار الأرض؟

٤- البلدة تصبح أصل الهوية.

2 ـ الأفق المعرفي

يظهر تفاعل مع:

١- التراث الزراعي.

٢- رمزية الشرق.

٣- مفهوم الحضارة.

«تنام على سرير الشرق واقفة»

صورة تجمع النهوض والسكون.

الشرق هنا ليس جغرافيا فقط بل رمز حضاري.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القصيدة تحمل طبقات متعددة:

الطبقة الأولى:

وصف قرية.

الطبقة الثانية:

حنين شخصي.

الطبقة الثالثة:

نقد اغتراب الإنسان الحديث.

البلدة -  مركز المعنى.

ويمكن قراءة النص وفق تصور وجودي قريب من أسئلة الانتماء التي ناقشها فلاسفة مثل مارتن هايدغر حول «السكن في العالم».

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص

النص يتولد من بيئة الريف والذاكرة الجمعية في بلاد الشام، حيث القرية تمثل مركز الهوية في مواجهة التحولات الحديثة داخل سوريا.

2 ـ تطور النوع الأدبي

يقع النص ضمن تيار شعر التفعيلة بعد الحداثي:

صورة مركبة.

لغة رمزية.

غياب السرد المباشر.

وهو امتداد لتجارب الحداثة العربية.

3 ـ ارتباط النص بالتراث

يحضر التراث عبر:

بيت الطين.

الأشجار.

الخصوبة.

رمزية الخصوبة تعيدنا إلى الأساطير الزراعية القديمة حيث الأرض أمّ كونية.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

النبرة الأساسية:

حنين.

خوف من الفقد.

دفاع عن الذاكرة.

الدم «مرابط» لأن الذات تخشى الانقطاع.

2 ـ تحليل الشخصية الشعرية

الشاعر:

١- عاشق.

٢- محارب.

٣- شاهد.

«وأنا المتيم والمحارب والبطل»

تعدد الأدوار يدل على صراع داخلي بين الحساسية والواجب.

3 ـ النبرة النفسية

يمتزج:

١- الاحتجاج.

٢- العشق.

٣- القلق الحضاري.

فالقصيدة مقاومة للنسيان.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1 ـ علاقة النص بالواقع

النص يدافع عن القرية بوصفها:

١- هوية اجتماعية.

٢- ذاكرة جماعية.

٣- في مواجهة التحول المدني والاقتلاع.

2 ـ الخطاب الاجتماعي

الأسيجة في:

«خلف أسيجة الوطن»

قد تُقرأ كرمز للحدود السياسية أو القيود الاجتماعية.

3 ـ الكاتب فاعلاً اجتماعياً

الشاعر هنا شاهد ثقافي يحاول إعادة الاعتبار للجذور.

سابعاً: الأسس السيميائية

1 ـ الرموز

السنديانة - الثبات.

الصباح - الولادة.

البابونج -  الشفاء.

2 ـ الشبكات الدلالية

النص قائم على تقابلات:

١- الحياة / الموت.

٢- الطيران / الأسوار.

٣- الوقوف / النوم.

3 ـ النظام الرمزي:

الفضاء الطبيعي يتحول إلى لغة:

الغيم - التاريخ.

المطر - الاستمرار.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة هنا تعتمد:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- التحليل الرمزي.

٣- التأويل الهيرمينوطيقي.

مع التركيز على النص لا على السيرة الشخصية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1 ـ قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بالإنسان من خلال الأرض.

الحرية ليست شعاراً بل تجربة دم.

2 ـ الانفتاح التأويلي

يمكن قراءته:

١- كنص حب.

٢- كنص مقاومة.

٣- كنص وجودي.

3 ـ البعد الإنساني:

البلدة هنا نموذج لكل أمكنة الإنسان الأولى.

ولهذا ينجح النص في تجاوز المحلي نحو الإنساني العام.

 خلاصة:

«بلدتي» نصّ يمتلك كثافة شعرية عالية، يجمع بين البلاغة التراثية والانزياح الحداثي، ويحوّل المكان إلى كائن حيّ يشارك الإنسان مصيره. قوته الكبرى تكمن في:

اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة.

موسيقى داخلية رفيعة.

شبكة رمزية متماسكة.

رؤية حضارية تتجاوز النوستالجيا السطحية.

إنه نصّ لا يصف القرية بقدر ما يستعيد الإنسان وهو يبحث عن بيته الأول داخل اللغة نفسها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

بَلْدتي

شعر: توفيق أحمد

لو فَتَّشوا دميَ المُرابطَ خلفَ أضلاعي

وتلكَ السندياناتِ الذَّهولَةَ

تَزْدهي قُدَّامَ بيتِ الطينِ

يَغْسِلُها براحتِهِ الصَّباحْ

وأنا كآخِرِ شُرْفَةٍ يَرْمي عَلَيَّ

الورْدُ نَكْهَتَها ،

ويَشْرَبُ قَهْوةَ الأيّامِ منْ فنجانِها

الموتُ الُمتاحْ

هي جُزْءُ هذا الكُلّ

وجْهٌ في تضاريس الزَّمَنْ

هي شُعْلةٌ مِنْ بعضِ هذي النَّارِ

كنّا قَدْ رميناها .. ونَرْميها...

عصافيراً تَطيرُ بلا جوانحَ

خَلْفَ أَسْيِجَةِ الوطنْ

مَنْ ذا رآها

وهيَ تَلْبَسُ زَهْوةَ الأشجارِ

في عُرسِ الخُصوبةِ

تُنْجِبُ البابونجَ المَلَكيَّ

مِنْ وجَنَاتِهِ قَطَفَ الصًَباحُ نهارَهُ

قُبَلاً قُبَلْ

ظَلَّتْ تنامُ على سرير الشرقِ واقفةً

وتلكَ هي الحضارةُ

غيمُها يَروي الزمانَ إذا هَطَلْ

هيَ قريتي ...

ميدانُ معركةِ الطبيعةِ قريتي

وهي الحبيبةُ و الحقيقةُ

والحديقةُ والنّدى

هي سيفُ ملحمتي وتاجُ قَصيدتي

وأنا المُتَيَّمُ والمُحارِبُ والبَطَلْ

هي هذه الأفكارُ في جَسَد الكلامِ

تُريْدُ وَأْدَ قصيدةٍ برَمادِ أُخرى

ليس أكثرَ - يا تباريحَ الغمامِ- ولا أَقَلّْح

 

يُعد الأدب الصوفي واحدا من أكثر التجارب الأدبية والروحية عمقا في التراث العربي والإسلامي إذ لا يكتفي بتجميل اللغة أو استعراض البلاغة بل يسعى إلى تحويل الكلمة إلى جسر يصل بين الإنسان والمطلق وبين الظاهر والباطن وبين الجسد والروح. إنه أدب الرحلة الداخلية حيث يصبح النص سلوكا ويغدو المعنى تجربة معيشة لا فكرة مجردة. ومن هنا تنبع خصوصيته بوصفه أدبا يتجاوز حدود الزمان والمكان ليخاطب جوهر الإنسان في شوقه الدائم إلى الحقيقة والمحبة الإلهية.

نشأ الأدب الصوفي في سياق ديني وروحي اتسم بالزهد والبحث عن الصفاء الداخلي كرد فعل على مظاهر الترف والسلطة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا الزهد لم يكن انقطاعا عن العالم بقدر ما كان سعيا إلى إعادة ترتيب العلاقة معه عبر تطهير القلب وتحرير الروح من أثقال الأنا. ومع تطور التجربة الصوفية تحولت هذه الرؤية الروحية إلى خطاب أدبي ثري استخدم الشعر والنثر والرمز والحكاية للتعبير عن حالات وجدانية لا تستوعبها اللغة المباشرة.

المحبة الإلهية تشكل المحور المركزي في الأدب الصوفي فهي البداية والنهاية والغاية القصوى لكل سلوك روحي. الصوفي لا يعبد الله خوفا أو طمعا بل حبا وشوقا ولذلك جاءت لغته مشبعة بعاطفة عارمة تتخذ من مفردات العشق والهيام والسكر والفناء أدوات للتعبير. هذا التحول في اللغة من العبادة إلى العشق منح النص الصوفي طاقة شعرية عالية وجعل القارئ يعيش التجربة لا يكتفي بتلقيها. فحين يتحدث رابعة العدوية عن حب لا يشوبه رجاء ولا خوف فإنها تؤسس لثورة روحية عميقة تجعل العلاقة مع الإله علاقة قرب لا مسافة.

الرحلة الصوفية كما يصورها الأدب ليست مسارا سهلا أو خطيا بل دروب متعرجة مليئة بالمجاهدة والشك والاختبار. يبدأ السالك باليقظة ثم التوبة ثم المجاهدة لينتقل بين مقامات وأحوال تختلف من شخص إلى آخر. هذا المسار الروحي انعكس في النصوص الصوفية التي جاءت في كثير من الأحيان على شكل مناجاة أو اعتراف أو حوار داخلي. فاللغة هنا ليست وصفا للعالم الخارجي بل أداة لاكتشاف الداخل وكشف طبقاته الخفية.

الرمز يحتل مكانة جوهرية في الأدب الصوفي لأنه الوسيلة الوحيدة للتعبير عن تجارب تتجاوز العقل والمنطق. فالخمر ترمز إلى المعرفة الإلهية والسكر إلى الفناء في المحبوب والمرأة إلى الحقيقة المطلقة والسفر إلى السلوك الروحي. هذه الرموز ليست زخرفا بل ضرورة لأن التجربة الصوفية بطبيعتها عصية على القول المباشر. ومن هنا جاء الأدب الصوفي مفتوحا على التأويل متعدد الدلالات لا يُختزل في معنى واحد.

ويبرز الشعر بوصفه الشكل الأقدر على احتضان هذه التجربة لما يتمتع به من كثافة وإيقاع وقدرة على الإيحاء. في أشعار الحلاج وابن الفارض وجلال الدين الرومي تتجسد المحبة الإلهية في أبهى صورها حيث تختلط الذات بالمطلق ويذوب العاشق في المعشوق. هذه النصوص لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب القلب وتدعوه إلى المشاركة الوجدانية في التجربة. ولذلك ظل الشعر الصوفي حيا عبر القرون يتجاوز حدود الثقافة والدين ليصل إلى الإنسان بوصفه إنسانا.

أما النثر الصوفي فقد اتخذ أشكالا متعددة من الحكم والأقوال إلى الرسائل والسير الروحية. في كتب مثل إحياء علوم الدين للغزالي أو فتوحات ابن عربي نجد لغة تجمع بين العمق الفكري والإشراق الروحي. النثر الصوفي يسعى إلى تهذيب النفس وبناء الوعي الأخلاقي لكنه لا ينفصل عن البعد الجمالي إذ تتخلله صور واستعارات تجعل النص أقرب إلى التأمل الأدبي منه إلى الوعظ المباشر.

ما يميز الأدب الصوفي أيضا أنه أدب تجربة فردية لكنها ذات أفق كوني. فالصوفي ينطلق من ذاته ليصل إلى الإنسان المطلق ولذلك نجد في هذا الأدب انفتاحا على قيم التسامح والمحبة والسلام. المحبة الإلهية في التصوف لا تنفصل عن محبة الخلق لأن الجميع مظاهر للحقيقة الواحدة. هذه الرؤية الإنسانية جعلت الأدب الصوفي قادرا على الحوار مع ثقافات أخرى وأكسبته حضورا عالميا يتجلى في الاهتمام الواسع بأعمال الرومي وابن عربي وغيرهما.

في العصر الحديث أعيد اكتشاف الأدب الصوفي بوصفه ملاذا روحيا في عالم مضطرب تحكمه المادية والسرعة. كثير من الشعراء والكتاب المعاصرين استلهموا رموزه ورؤاه للتعبير عن قلق الإنسان الحديث واغترابه. فالتصوف لم يعد مجرد تجربة دينية خاصة بل أفقا إنسانيا يبحث عن المعنى في زمن فقدت فيه القيم الروحية حضورها المركزي.

إن الأدب الصوفي في جوهره دعوة إلى الرحلة نحو الداخل وإلى إعادة اكتشاف الإنسان في أنقى حالاته. إنه أدب لا يفرض إجابات جاهزة بل يفتح أبواب السؤال ويحث على السير. وفي زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب يعيد التوازن بين المادة والروح يظل الأدب الصوفي واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على ملامسة القلب وإضاءة دروب المحبة الإلهية بوصفها أسمى تجليات الوجود الإنساني.

ولتعميق النظر في الأدب الصوفي بوصفه رحلة روحية وجمالية لا بد من التوقف عند العلاقة المعقدة بين التجربة الصوفية واللغة. فالصوفي يدرك منذ البداية أن اللغة قاصرة عن احتواء ما يعيشه من حالات وجد وفناء واتحاد ولذلك يتعامل معها بوصفها أداة إشارة لا أداة تعريف. الكلمات في النص الصوفي لا تدل بقدر ما تلمّح ولا تشرح بقدر ما تفتح أفقا للذوق والمشاهدة. من هنا جاءت العبارات الصوفية محمّلة بالإيحاءات والانزياحات الدلالية التي تجعل القراءة فعلا مشاركا في التجربة لا مجرد تلقي سلبي.

هذا الوعي بحدود اللغة دفع كثيراً من المتصوفة إلى استخدام المفارقة والتناقض الظاهري مثل الجمع بين السكر والصحو أو الغياب والحضور أو الموت والحياة. هذه الثنائيات لا تعبّر عن ارتباك فكري بل عن عمق التجربة التي تتجاوز منطق العقل الثنائي. في الأدب الصوفي يصبح التناقض وسيلة لإيصال حقيقة لا يمكن القبض عليها بشكل مباشر. ولذلك كثيرا ما وُصفت نصوص الصوفية بالغموض في حين أن هذا الغموض هو انعكاس لطبيعة الموضوع لا لقصور في التعبير.

كما أن العلاقة بين الصوفي والزمن في الأدب الصوفي علاقة مختلفة عن التصور المألوف. فالزمن الخطي الذي يقوم على الماضي والحاضر والمستقبل يذوب في لحظة الكشف أو الحال حيث يتوقف الزمن وتتحقق المعاينة. هذا الإحساس بالزمن الروحي انعكس في النصوص التي جاءت غير خاضعة للتسلسل السردي التقليدي بل قائمة على الومضات واللحظات المكثفة. وكأن النص الصوفي يسعى إلى محاكاة التجربة نفسها في بنيته وشكله.

ولا يمكن إغفال البعد التربوي في الأدب الصوفي إذ لم يكن موجها للنخبة فقط بل لعب دورا في تهذيب العامة وتوجيههم نحو قيم أخلاقية وروحية سامية. الحكايات الرمزية والأمثال التي استخدمها المتصوفة مثل قصص الطير والسفر والبحث عن الكنز كانت وسيلة لتبسيط المعاني العميقة وجعلها قريبة من وجدان القارئ. وهنا تتجلى قدرة الأدب الصوفي على الجمع بين العمق والبساطة وبين الحكمة والجمال.

الأدب الصوفي أسهم أيضا في تشكيل الذائقة الجمالية العربية عبر تأثيره في الشعر والموسيقى والفنون البصرية. الإيقاع الداخلي للنصوص الصوفية واللغة المشحونة بالعاطفة أثّرا في الإنشاد والموسيقى الروحية كما ألهمت رموزه الفنون التشكيلية والزخرفية. هذا التداخل بين الأدب والفنون يعكس شمولية التجربة الصوفية التي لا تفصل بين الجمال والروح بل ترى فيهما وجهين لحقيقة واحدة.

وفي ضوء هذا كله يمكن النظر إلى الأدب الصوفي بوصفه ذاكرة روحية للأمة ومخزونا رمزيا لا ينضب. إنه أدب يذكّر الإنسان بعمقه المفقود وبقدرته على تجاوز السطح والضجيج نحو السكينة والمعنى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتزداد فيه القطيعة مع الذات يظل الأدب الصوفي دعوة مفتوحة إلى الإصغاء للصوت الداخلي وإلى السير في دروب المحبة الإلهية لا بوصفها هروبا من العالم بل عودة أعمق إليه.

***

د. عصام البرّام

دراسة نقديّة موسّعة في البنية اللغوية والجمالية والفكرية لنصّ الشاعرة فوزية شاهين

ينتمي نصّ «خارجُ نطاقِ الطِّين» إلى ذلك النمط من الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى تجاوز الإنشاد الوطني المباشر نحو بناء رؤية حضارية ـ وجودية تتخذ من الوطن فكرةً كونية لا جغرافيا فحسب. فالشاعرة لا تكتب مصر بوصفها أرضاً من طين، بل باعتبارها وعياً تاريخياً وروحاً رساليةً تتشابك فيها الأسطورة بالدين، والتاريخ بالهوية، والإنسان بالمعنى. ومن هنا يغدو النص مشروعاً تأويلياً مفتوحاً تتداخل فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحسّ الحداثي، ويتحوّل الشعر إلى خطاب معرفي يزاوج بين الجمالي والفلسفي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتميّز النص بسلامة لغوية واضحة تستند إلى معجم عربي فصيح مشبع بالإيحاءات التراثية، إذ تعتمد الشاعرة على تراكيب عربية أصيلة تقوم على الجملة الفعلية المتحركة والجملة الاسمية ذات النفس الإنشادي.

مثل قولها:

«نهرٌ من المعنى يشقّ ذهولنا»

الجملة هنا قائمة على استعارة حركية تجعل المعنى كياناً مادياً قادراً على الشقّ والغسل، وهو انزياح بلاغي يخرج اللغة من حدودها المعجمية إلى طاقتها التصويرية.

كما يظهر الإحكام التركيبي في انتظام العلاقات النحوية دون تعقيد أو غموض صناعي، فالقصيدة تعتمد اقتصاداً لغوياً دقيقاً؛ إذ لا نجد حشواً لفظياً بل كثافة دلالية.

الانزياح اللغوي حاضر بقوة عبر تحويل المجرد إلى محسوس:

الوعي يصبح وجهاً.

الزمن يرتدي.

الحجر يبوح.

وهذا ما يمنح النص طاقة تخييلية عالية.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

تحقّق الشاعرة فوزية شاهين توازناً واضحاً بين اللفظ والمعنى؛ فلا تقع في زخرفية البلاغة التقليدية رغم حضور القافية الموحدة.

نلاحظ مثلاً:

«ليس التراب هو المقدّس إنما

وعيٌ يحيل الأرض وجه نضارة»

هنا تنتقل اللغة من المادي إلى المفهومي، فتقلب مفهوم القداسة من الأرض إلى الإنسان الواعي. التعبير موجز لكنه مشحون بحمولة فلسفية.

كما أن اختيار المفردات ينسجم مع موضوع النص:

١- الطور.

٢- طوى.

٣- النبوءة.

٤- الخلود.

وهي ألفاظ ذات أفق ديني وحضاري يعزز الرؤية المركزية للنص.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تعتمد نظام الشطرين مع قافية موحّدة (ـاره)، وهو اختيار صعب؛ لأن القافية الواحدة قد تتحول إلى عبء إن لم تُحسن إدارتها.

غير أن الشاعرة نجحت في:

تنويع البنية الصوتية داخل القافية.

تفادي الرتابة عبر اختلاف البناء التركيبي.

الموسيقى الداخلية تظهر في:

١- التكرار الدلالي (مصر ـ النيل ـ الضوء ـ الفجر).

٢- الجناس الصوتي (نضارة / حضارة / منارة).

كما أن الجرس الصوتي قائم على الحروف المجهورة ذات الامتداد (الراء والهاء والألف)، مما يمنح النص نبرة احتفالية قريبة من الإنشاد.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة تصاعدية تبدأ من الطين وتنتهي بالروح.

البنية تقوم على ثلاث مراحل:

١- نفي الطين بوصفه الأصل.

٢- استحضار التاريخ الديني.

٣- تثبيت الهوية الحضارية.

الشخصية المركزية ليست إنساناً بل «مصر» بوصفها كائناً حيّاً:

«لبس الزمان رداءها»

إنها أنسنة للوطن تجعل الزمن تابعاً له.

2 ـ الرؤية الفنية:

الرؤية هنا حضارية توحيدية؛ إذ تتعامل الشاعرة مع مصر باعتبارها ملتقى الرسالات.

فهي تستحضر:

١- تجربة موسى عند الطور.

٢- قصة يوسف الاقتصادية والسياسية.

٣- الضيافة الإبراهيمية عبر إبراهيم وسارة.

هذه الاستدعاءات لا تأتي بوصفها حكايات دينية بل باعتبارها طبقات رمزية تؤسس لفكرة «الأرض المختارة للمعنى».

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة في النص لا تقوم على الغموض بل على إعادة تعريف المألوف.

فالقول:

«كل اللغات تموت في أعتابها»

ليس مبالغة وطنية بقدر ما هو إعلان رمزي عن مركزية اللغة العربية بوصفها حاملة الذاكرة.

الانزياح الأكبر يتمثل في تحويل الوطن إلى فكرة ميتافيزيقية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري.

النص يطرح سؤالاً مركزياً:

هل القداسة في الأرض أم في الإنسان؟

وتجيب الشاعرة:

«وعي يحيل الأرض وجه نضارة».

إنها رؤية إنسانية أخلاقية تجعل البطولة مرتبطة بالفعل لا بالنسب.

2 ـ الأفق المعرفي

يتداخل في النص:

١- المرجع القرآني.

٢- التاريخ المصري.

٣- المخزون البلاغي العربي.

فذكر يوسف يربط مصر بفكرة العدالة الاقتصادية، وذكر الطور يحيل إلى الوحي.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

العلاقات الثنائية واضحة:

١- الطين / الروح.

٢- الحجر / النبوءة.

٣- الزمن / الخلود.

الطين هنا رمز للمادة الأولى، بينما «الخارج» هو الوعي.

إذن العنوان نفسه تأويل فلسفي:

الخروج ليس جغرافياً بل معرفياً.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص:

النص ينتمي إلى لحظة عربية تبحث عن هوية وسط التحولات السياسية والثقافية؛ لذلك يأتي استدعاء التاريخ بوصفه طاقة مقاومة للانكسار.

2 ـ تطوّر النوع الأدبي:

القصيدة تستثمر العمود الخليلي لكنها تكتب بروح حديثة؛ فهي أقرب إلى «القصيدة الفكرية» التي تجمع بين خطاب محمود درويش والإنشاد الكلاسيكي.

3 ـ ارتباط النص بالتراث

النص يستعيد:

١- القصيدة المدحية.

٢- الشعر الرسالي الإسلامي.

لكنه يحررها من البلاط السياسي إلى المجال الحضاري.

خامساً: الأسس النفسية:

1 ـ البنية الشعورية

النبرة العامة تجمع بين:

١- الاعتزاز.

٢- القلق الحضاري.

٣- الحنين.

الشاعرة تتحدث من موقع الابنة لا المؤرخة.

2 ـ تحليل الذات المتكلمة.

الذات هنا ذائبة في الجماعة:

«أنا من شربت النيل حتى صرته».

إنه اتحاد نفسي كامل بالوطن.

3 ـ النبرة النفسية.

تتراوح بين:

١- الاحتجاج على الطغاة.

٢- الطمأنينة الروحية.

وهو ما يمنح النص توازناً عاطفياً.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:

النص خطاب مقاومة ثقافية ضد محاولات تفريغ الهوية.

فالقول:

«الأرض محض حجارة صمّاء إن لم يرو حرّ بالدماء دياره»

يحوّل الوطن إلى مسؤولية أخلاقية جماعية.

الشاعرة هنا فاعل اجتماعي لا مجرد مغنٍّ للذاكرة.

سابعاً: الأسس السيميائية:

الرموز الأساسية

١- النيل = الاستمرارية.

٢- الطور = الوحي.

٣- الفجر = التجدد.

الفضاء العمودي (السماء ـ الفجر ـ الضوء) يقابل الفضاء الأرضي (الطين ـ الحجر).

والصعود دائماً هو الحركة الغالبة.

ثامناً: الأسس المنهجية:

يمكن قراءة النص عبر:

١- المنهج الأسلوبي (البنية الصوتية).

٢- المنهج الرمزي.

٣- المنهج الهيرمينوطيقي.

والنص يسمح بهذه التعددية دون أن ينهار.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بثلاث قيم:

١- الإنسان الواعي.

٢- الحرية المرتبطة بالتضحية.

٣- الجمال بوصفه ذاكرة حضارية.

وهو نص مفتوح على التأويل؛ فمصر قد تكون:

١- وطناً.

٢- أو فكرة.

٣- أو روحاً إنسانية كبرى.

خلاصة نقدية:

«خارج نطاق الطين» ليست قصيدة وطنية بالمعنى التقليدي، بل بيان شعري حضاري يعيد تعريف الوطن بوصفه وعياً أخلاقياً وتاريخاً رسالياً. نجحت الشاعرة في الجمع بين اللغة الكلاسيكية المحكمة والرؤية الحداثية التأويلية، فخرج النص من حدود المديح إلى أفق الفلسفة الشعرية، حيث يصبح التاريخ مادة للمعنى، والإنسان شرطاً للقداسة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

خارجُ نطاقِ الطٍّين

هِيَ لم تَكُنْ طِينًا وكفَّ عِمَارهْ

بَلْ هَمْسَةٌ باحت بها القِيثَارَهْ

*

نهرٌ مِنَ المَعنى يَشُقُّ ذُهولَنا

عِبَرًا ، لِيَغسِلَ عن يديه غُبَارَهْ

*

يَبْنِي مِنَ الضَّوْءِ القَدِيمِ جِلَالَها

وَيَصُبُّ فِي كَأسِ الخُلُودِ نُضَارَهْ

*

كَانَت مَدَارًا لِلسَّمَاءِ، وَمَن نَأَى

عَن طُورِهَا، زادَ الطَّرِيقُ عِثَارَهْ

*

(مِصرُ) التي لَبِسَ الزمانُ رداءَها

فَغدَتْ لِكُلِّ العابرين منارَهْ

*

عبروا، وظَلَّ النيلُ يَكتُبُ سِرَّهُ

فوقَ السحابِ لمن سَلا أسرارَهْ

*

وعلى القِبَابِ صَلاةُ ضوءٍ لم تَزَلْ

تَبني على سقفِ الزمانِ حَضارَهْ

*

ليسَ التُّرابُ هو المُقَدَّسُ إنَّما

وَعـيٌ يُحيلُ الأرضَ وجهَ نَضارَهْ

*

ما قِيمةُ الوعيِ الذي لا يَنتَمِي

 لِيَدٍ تَرُدُّ عَنِ الحِمَى أَخْطَارَهْ؟

*

فَالأرضُ مَحْضُ حِجَارةٍ صَمَّاءَ إنْ

لم يَروِ حُرٌّ بِالدِّمَاء ديارَهْ

*

حجرٌ يَبوحُ، ولحظةٌ مَسكونةٌ

بِسؤالِ مَنْ جعلَ الخُلودَ شِعارَهْ

*

ما كانَ سِرُّكِ في الحِجارةِ وحدَهـا

بلْ في نبيٍّ أرضُه مُختارهْ

*

هِيَ فِكرةٌ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلصالِ كَيْ

تُهدي (لموسى) في الوجودِ قَرارَهْ

*

وَالطُّورُ يَشْهَدُ كَيْفَ كَلَّمَ رَبَّهُ

جهرًا ، وَأَوْدَعَ فِي (طوى) أذكارَه

*

(وَلِيُوسُفَ) الصِّدِّيقِ بَعْضُ حِكايَةٍ

في مصرَ.. حِينَ اسْتَنْطَقَتْ أَقْدَارَهْ

*

قَرَأَتْ خَزائِنُها نُبُوءَةَ قَلْبِهِ

فَأَزَاحَ عَنْ أُفُقِ المَدَى.. أَكْدَارَهْ

*

عَبَرَ السَّنَابِلَ جُوعُ كُلِّ مَدِينَةٍ

إِلَّا حِمَاها.. أَطْعَمَتْ زُوَّارَهْ

*

لا تَسألي التَّارِيخَ عَنْ أحداثِهِ

مِصرُ التي صَنَعَتْ له مِعيارَهْ

*

تَتَقادمُ الدُّنيا.. وأنتِ صَبِيَّةٌ

تُهدين (إبراهيمَ) نفحةَ (سارَه)

*

وَبِـ (مَارِيَا) نَسَبٌ تَعَالَى شَأْنُهُ

أَوْصَى النَّبِيُّ.. لتُكرِموا أصْهَارَهْ

*

فِي كُلِّ مِئذَنَةٍ نِداءٌ سامِقٌ

 اللهُ أكبرُ : يا حبيبُ أمارَهْ

*

وعلى بياضِ الفجرِ طلعٌ بَاسِقٌ

يَبني لِمَدِّ الرُّوحِ.. بَحْرَ طَهَارَهْ

*

لَمْ تستَلِفْ ضَوءًا، فَمِن أحشائِها

 وُلِدَ الـيَقينُ.. وشَكَّلَتْ أنوارَهْ

*

بحرٌ منَ الآمالِ يَجري خَلفَها

نيلٌ ويَنشُدُ عِندَها استِقرارَهْ

*

مِصرُ امتِدادُ الذَّاتِ في مِرآتِنا

وَجهٌ يُعِيدُ إلى الضَّميرِ وقارَهْ

*

لَوْ بَاعَ كُلُّ النَّاسِ نَبْضَ قُلُوبِهِمْ

مَا بَاعَ طِفْلٌ فِي حِمَاكِ جوارَهْ

*

أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالقَوَافِي رُحَّلٌ

فَرأيتُ نَبْضِيَ فِي ثَرَاكِ مدارَهْ

*

مَاذَا أَقُولُ وَفِي حُرُوفِيَ لَجَّةٌ

وَعَلَى الشِّفَاهِ المِلْحُ خَطَّ "مَسَارَهْ ؟؟

*

أَنَا مَنْ شَرِبْتُ النِّيلَ حَتَّى صِرْتُهُ

وَنَسَجْتُ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ عبارَهْ

*

قَد حارَتِ الأفكارُ في مكنونِها

سِرٌّ.. وَلَم ينلِ الطُّغَاةُ حِصَارَهْ

*

بَلَدٌ إذا انكَسَرَ الزمانُ رَأيتَهُ

يَبني مِنَ الرَّحمِ العَظيمِ فَخَارَهْ

*

مِلحُ الحَوادثِ لم يُجَفِّفْ ماءها

باقٍ هو الطُّوفانُ.. يُوقدُ نَارَهْ

*

هِيَ جودَةُ المَعنى، ومرفأُ غُربَةٍ

لِمُسافِرٍ جعلَ المدى أسفارَهْ

*

فاقرأْ بها لغةَ السُّكونِ، فإنَّها

نَطَقَتْ، وليسَ لِمَا تقولُ إشارَهْ

*

يا مِصرُ، والتَّأويلُ طِفلٌ عابِثٌ

يَلهو، ويَجعلُ سِرَّكِ استِبصارَهْ

*

يَا مِصْرُ، تَتْعَبُ فِي مَدَاكِ عيوننا

وَالقلبُ يُلْقِي عِنْدَكِ اسْتِغْفَارَهْ

*

هِيَ بَرزخُ الأرواحِ.. كُـلُّ قَصيدةٍ

عَطشى، تَرومُ مِنَ المجازِ غِمارَهْ

*

كلُّ اللُّغاتِ تَموتُ في أعتابِها

وِيَظَلُّ همسُ الضادِ فيك مزارهْ

*

يا مِصرُ.. لو جَفَّ الكلامُ بِرِيـقِنـا

لبقيتِ في ثَغرِ البشير بشارَهْ

*

الفجرُ يطلعُ مِنْ مَسَامِ ترابِها

لا يَستعيرُ مِنَ السَّما أنوارَهْ

*

يا مِصرُ.. والتَّارِيخُ يقرأُ سِفْرَهُ

تبقين في وجه العدوٍّ شرارَهْ

*

فالنِّيـلُ يَمشي في العُروقِ كأنَّهُ

نبضٌ.. يُعيدُ لِمَنْ يموتُ نَهارَهْ

*

إنْ كانَ لِلأمجادِ في الدُّنيا فَمٌ

كانتْ حُروفُكِ صَوتَهُ وشِعارَهْ

*

كَمْ مُعتِمٍ مَرَّتْ خُيُولُ جُنُودِهِ

فَانْهَارَ، وَانْتَصَرَتْ " عيالُ الحَارَهْ"

***

فوزية شاهين

 

يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي. وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي.

الروائي السوداني الطيب صالح (1929 - 2009)، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014)، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري، والصِّدام بين القديم والحديث، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص، ومَنظوره المُتميز.

عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم، وعمله في الخارج. هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية.

مِنْ جِهة أُخرى، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية. استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع.

في أعمال الطيب صالح، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ.

أمَّا ماركيز، فَيُقَدِّم الصِّراعَ الحضاري كقضية تاريخية ومُجتمعية، وليس قصية شخصية فَحَسْب. ويَظهر الصراعُ في العُزلة التقليدية للمجتمع، وتتَّضح الضغوطُ الحديثة التي تَفْرضها التحوُّلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهو يَستخدم السِّحْرَ والخيالَ لإظهار كيف أنَّ الصِّدام بين القديم والحديث لَيْسَ مُجرَّد صِراع فِكري، بَلْ هُوَ صِراع وجودي يُهدِّد استمراريةَ الثقافةِ نَفْسِها.

يَعتمد الطيب صالح على الواقعية النَّفْسية، والتحليلِ العميق للشخصيات، معَ لُغةٍ دقيقة وَسَلِسَة، تَحْمِل رَمزيةً ثقافية قوية، فَهُوَ يُعالج الصِّراعَ الحضاري مِنْ خِلال العلاقات الشخصية والوِجْدانية، مُستعينًا برمزية المكان ( مِثْل نهر النيل ) والزمانِ، ليعكس الانقسامَ الداخلي بين المَوْروث الثقافي والانفتاح على الآخَر.

بَينما يَستخدم ماركيز الواقعيةَ السِّحْرية، حيث تختلط الأحداثُ الواقعية بالخيال، ليعكس الصراعَ الحضاري على مُستوى المُجتمع بأكمله. وقوةُ ماركيز تكمن في تصويره للتحوُّلاتِ الكُبرى عبر الزمن، حيث تُصبح الشخصياتُ والأساطير جُزءًا من التاريخ الجَمَاعي، ولَيْسَ فقط تَجْرِبة فردية. هُنا يَكُون الصِّراعُ الحضاري شاملًا ومَلْحَمِيًّا، وليس شخصيًّا فقط.

يَتمحور صِراعُ الطيب صالح حول الهُوية والانتماء، حيث يُظهِر كيف أنَّ الإنسان في مُواجهة الحضارة الغربية الحديثة يعيش حالةً مِن الاغترابِ النَّفْسي والاجتماعي، مِمَّا يَجعله يُعيد النظرَ في جُذوره وقِيَمِه. وهذه الرُّؤية تَحْمِل نَقْدًا ضِمْنِيًّا للاستعمارِ الثقافي، معَ تسليط الضوء على أهمية الحِوار بين الثقافات دُون الانصهار الكامل.

أمَّا ماركيز، فَيتطرَّق إلى الحُرية الفردية والجَمَاعية والتاريخ والذاكرة، ويُظهِر كيف أنَّ الصِّراع الحضاري يُشكِّل جُزءًا مِن مصير المُجتمعات. السِّحْرُ في أعماله ليس هُروبًا من الواقع، بَلْ وسيلة لتكثيف الصراع الحضاري، وجَعْلِ القُرَّاء يُدرِكون تعقيدَ التغيُّرات الاجتماعية والسياسية، وتأثيرها على الفردِ والمُجتمع على حَد سَواء.

رَغْمَ أنَّ الكاتبَيْن يُعالجان الصِّراعَ الحضاري، إلا أنَّ هُناك فُروقات واضحة بينهما :

1_ الطيب صالح يُركِّز على الفردِ وانكساره أمام التحوُّلات الثقافية، معَ اهتمام بالبُعْدِ النَّفْسي والاجتماعي العميق.

2_ ماركيز يُركِّز على المُجتمعِ والتاريخ، ويَجعل الصراعَ الحضاري جُزءًا مِن النسيج الأُسطوري والتاريخي لأمريكا اللاتينية.

3_ أُسلوب الطيب صالح واقعي دقيق، بَينما أُسلوب ماركيز يَجمع بين الواقع والخَيالِ في تَكوين أدبي ساحر ومَلْحمي.

إنَّ دراسة الصِّراع الحضاري بين أعمال الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز تكشف عن أبعاد مُختلفة لتفاعل الإنسانِ مع التحوُّلاتِ التاريخية والثقافية. الطيب صالح يُقَدِّم الصراعَ كأزمة هُوِيَّة فردية ومُجتمعية في قلبِ العَالَمِ العربي والأفريقي، بَينما يُقَدِّم ماركيز الصراعَ كَمَلْحمة تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية، حيث تتشابك الأُسطورة والتاريخ والواقع.

في كِلا الحالتَيْن، يظلُّ الأدبُ مِرْآةً صادقة لِمُعاناةِ الإنسانِ أمام التغيُّرات والتحوُّلات، مُسَاهِمًا في تَعزيزِ فهم العلاقة المُعقَّدة بين الفردِ والمُجتمع، وبين التقليدِ والحداثة، وبين الشرقِ والغرب، وبين الحُلْمِ والواقع.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

من بلاغة الانزياح إلى أنفاس المعنى الخفي

ليس الشعرُ قولاً يُلقى على السمع، بل أثرٌ يتسرّب إلى الوعي من منافذ لا تُرى. إنّه اللغة حين تخرج من وظيفتها الإخبارية لتصبح حدثاً وجودياً، وحين تكفّ الكلمات عن أن تكون أوعيةً للمعنى لتغدو هي المعنى ذاته. ومن هنا يبدأ النقد الحقيقي للشعر؛ لا عند حدود الوزن والقافية، ولا عند زخرفة العبارة، بل عند اللحظة التي يحدث فيها الانزياح: تلك الحركة الدقيقة التي تبتعد بها اللغة عن مألوفها كي ترى العالم من زاوية أخرى.

فالبلاغة العربية القديمة، وإن لم تستعمل لفظ «الرمزية» بالمعنى الاصطلاحي الحديث، قد عرفت جوهرها مبكّراً. فحين تحدّث النقاد عن الاستعارة والمجاز والكناية، لم يكونوا يصفون مجرد محسناتٍ لفظية، بل كانوا يؤسّسون لوعيٍ بأنّ اللغة تمتلك طبقاتٍ خفيّة تتجاوز ظاهر القول. إنّ الاستعارة، في حقيقتها، ليست نقل كلمة من معناها إلى معنى آخر فحسب، بل هي انتقال الرؤية نفسها؛ إذ يصبح الشيء مرآةً لغيره، ويغدو العالم شبكة إحالاتٍ لا تنتهي.

لقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم أنّ جمال الشعر لا يقوم في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها. وهذا الإدراك يكاد يكون النواة الأولى لما سيسمّيه النقد الحديث لاحقاً بالبنية الدلالية. فالمعنى عنده لا يُعطى مباشرة، بل يُستنبط من ترتيب الكلام، أي من المسافة بين الكلمات لا من الكلمات نفسها. وهذه المسافة هي عين الانزياح.

ومن هنا نستطيع القول إنّ البلاغة التراثية لم تكن بريئة من الرمز، بل كانت تمارسه تحت أسماء أخرى. فالكناية تفتح باب الاحتمال، والاستعارة تخلخل الهوية الصلبة للأشياء، والمجاز يحرّر اللغة من سجن المطابقة. إنّها جميعاً أدوات تجعل النص الشعري مجالاً للغموض المنتج، لا للالتباس العقيم.

غير أنّ الرمز، بوصفه مشروعاً جمالياً كاملاً، بلغ ذروته في الشعر الأوروبي الحديث، خاصة لدى شعراء فرنسا الذين تمرّدوا على الواقعية العقلانية، ورفضوا أن تكون القصيدة تقريراً عن العالم. فقد رأى شارل بودلير أنّ الكون غابة من الرموز، وأنّ الأشياء تتخاطب عبر إشاراتٍ سرية لا يسمعها إلا الحسّ الشاعري. وهكذا لم تعد القصيدة وصفاً للطبيعة، بل ترجمةً للذبذبات الخفية التي تربط الإنسان بالمطلق.

ثم جاء ستيفان مالارميه ليذهب أبعد من ذلك، إذ لم يعد الرمز عنده طريقاً إلى المعنى، بل بديلاً عنه. فالكلمة لا تشير إلى الشيء، بل تستبدله. والقصيدة ليست نافذة على الواقع، بل عالماً مستقلاً يخلق قوانينه الخاصة. هنا يصبح الغموض ضرورة جمالية؛ لأنّ الوضوح الكامل موتٌ للشعر، إذ لا يبقى للقارئ دورٌ سوى التلقي السلبي.

وفي التجربة السوريالية، بلغ الانزياح حدّ القطيعة مع العقل المراقب. فالصورة الشعرية لم تعد وليدة التأمل الواعي، بل انفجاراً لاشعورياً يندفع من الأعماق مثل حممٍ بركانية. لقد سعى أندريه بريتون إلى تحرير اللغة من رقابة المنطق، لأنّ الحقيقة — في نظره — تقيم في الحلم أكثر مما تقيم في اليقظة. وهكذا صار النصّ الشعري جسداً يتنفس من خاصرته، لا من رئتيه؛ أي من مناطقه الهامشية والمسكوت عنها.

غير أنّ هذا المسار الحديث لا ينفي جذوره العربية، بل يعيد اكتشافها. فالشاعر العربي القديم، حين شبّه الأطلال بالكائن الحي أو جعل الليل كائناً ذا إرادة، كان يمارس ضرباً من الرمز الوجودي دون أن يسمّيه. إنّ الغموض الذي نجده في بعض نصوص المتصوّفة، مثلاً، لا يقلّ كثافةً عن الرمزية الأوروبية؛ لأنّه يسعى إلى التعبير عمّا لا يمكن قوله مباشرة.

إنّ نقد الشعر، في ضوء ذلك، لا ينبغي أن يكتفي بتفكيك الصور أو تعداد الأساليب، بل أن يسأل: كيف يولد المعنى من الانحراف المقصود عن اللغة اليومية؟ وكيف يتحوّل الغموض إلى طاقة كشفٍ لا إلى حجاب؟ فالشعر العظيم لا يقدّم رسالةً جاهزة، بل يخلق مجالاً للتأويل. وكل قراءةٍ حقيقية هي إعادة كتابة للنص داخل وعي القارئ.

إنّ التلامح الرمزي ليس زينةً تُضاف إلى القصيدة، بل هو طريقة وجودها. فالرمز يسمح للمعنى بأن يعيش أكثر من حياة، وأن يظلّ مفتوحاً على الأزمنة القادمة. لذلك فإنّ النصّ الشعري لا يُستهلك؛ لأنّه لا يقول شيئاً واحداً. إنّه يشبه نبعاً تتغيّر مياهه باستمرار، بينما يظلّ اسمه ثابتاً.

ولعلّ أعظم ما يفعله الرمز أنّه يعيد إلى اللغة براءتها الأولى. فحين يسمّي الشاعر الأشياء من جديد، لا يصفها كما هي، بل كما يمكن أن تكون. عندئذٍ يصبح الشعر فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعلٌ جمالي؛ لأنّه يحرّر الإنسان من أسر المألوف، ويفتح له أبواب الاحتمال.

وهكذا، فإنّ الانزياح ليس خروجاً عن اللغة، بل عودةٌ إلى جوهرها. والرمزية ليست غموضاً متعالياً، بل محاولة لإنقاذ المعنى من الابتذال. فالشعر — في نهاية المطاف — لا يتنفس من رئتَي البلاغة وحدهما، بل من خاصرة السرّ التي تجعل الكلمة أكثر حياةً من الواقع نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بين اللسانيات الحديثة وحكمة فقهاءِ العربية

إذا كانت اللسانيات الحديثة قد جعلت من العلاقة بين الصوت والمعنى موضوعاً للتحليل البنيويّ والعقليّ، فإنّ فقهاء اللغة العربية وأئمّة البيان سبقوا إلى إدراك هذا السرّ إدراكاً حدسياً عميقاً، حين تعاملوا مع الحرف لا بوصفه وعاءً شكلياً، بل كائناً دلالياً نابضاً. فاللغة عندهم لم تكن أصواتاً تُنطق فحسب، بل تجربةً شعوريةً تُسمَع قبل أن تُفهم.

لقد لمح الخليل بن أحمد الفراهيدي هذه العلاقة حين أسّس معجمه الصوتيّ على مخارج الحروف، مبتدئاً بحرف العين لأنّه الأعمق خروجاً من الحلق. لم يكن ذلك ترتيباً اعتباطياً، بل رؤية ترى أنّ الصوت أصلُ البناء، وأنّ معرفة موضعه في الجسد مفتاحُ فهم حركته في المعنى. فاللغة تبدأ من الجسد قبل أن تستقرّ في الذهن.

ثم جاء سيبويه فحوّل الصوت إلى نظامٍ علميّ دقيق، حين درس صفات الحروف وتقارُبها وتباعدها، وأدرك أنّ المخارج المتجاورة تُنتج ظواهر الإبدال والإدغام؛ أي أنّ اللغة نفسها تميل إلى الاقتصاد الصوتيّ، فتقرّب بين ما تقاربت طبيعته. وهذا الميل الصوتيّ ليس آلياً، بل يعكس نزوع العقل إلى الانسجام والسهولة، وهو ما يجعل القرب الصوتيّ جسراً إلى القرب الدلالي.

أما ابن جني فقد بلغ بهذه الفكرة ذروتها حين تحدّث عن «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، وهي عبارة تكاد تختصر علم الرمزية الصوتية كلّه قبل قرون من نشوء المصطلح الحديث. فقد لاحظ أنّ العرب تميل إلى الأصوات الشديدة في التعبير عن القسوة والاصطدام، وإلى الأصوات اللينة في التعبير عن الرقة والانسياب. فالفرق بين «قضم» و«خضم» عنده ليس صوتياً فقط، بل حسّيٌّ أيضاً؛ إذ جعلوا القاف لما هو صلب، والخاء لما هو رخو. هنا يصبح الصوت صورةً مصغّرةً للتجربة الإنسانية.

ولم يكن البلاغيون بعيدين عن هذا الوعي؛ إذ رأى عبد القاهر الجرجاني أنّ المعنى لا يقيم في المفردة وحدها، بل في النظم؛ أي في العلاقة بين الكلمات كما تتآلف الأصوات في اللحن. فالتقديم والتأخير، واختيار الحرف دون غيره، ليسا زينةً أسلوبية بل هندسة دلالية. الكلمة عنده تشبه نغمةً موسيقية، فإذا تغيّر موضعها تغيّر الأثر النفسيّ كله.

ولعلّ ابن فارس قد اقترب من الفكرة البنيوية حين ردّ المفردات إلى أصولٍ معنوية مشتركة، فلاحظ أنّ تقارب الأبنية الصوتية يقود غالباً إلى اشتراكٍ دلاليّ. فالجذر عنده ليس مجرد اشتقاقٍ صرفيّ، بل نواة معنى تتشعّب عنها الكلمات كما تتشعّب الأغصان من أصلٍ واحد.

وإذا انتقلنا إلى الأدباء والفلاسفة، وجدنا أنّ الحسّ اللغويّ لديهم لم يكن أقلّ عمقاً. فقد رأى الجاحظ أنّ البيان هو مطابقة اللفظ للمعنى، وأنّ اللفظ القلق يفسد المعنى ولو كان صحيحاً. فالكلمة التي تثقل على اللسان تثقل على النفس أيضاً، لأنّ الإيقاع جزءٌ من الفهم.

وفي الفلسفة، يلتقي هذا التصوّر مع رؤية أبو حيان التوحيدي الذي جعل اللغة مرآة العقل، معتبراً أنّ فساد العبارة دليل اضطراب الفكرة. فالتباعد بين الحروف ليس خللاً صوتياً فحسب، بل علامة انفصال بين الفكر وتجربته الإنسانية.

أما الشعراء فقد مارسوا هذا العلم دون أن يسمّوه. فالقصيدة العربية الكبرى تقوم على اختيار الحروف قبل اختيار الأفكار. وليس غريباً أن نجد الأصوات المهموسة في لحظات الحزن، والأصوات المجهورة في مواطن الفخر والحماسة؛ لأنّ الشاعر يدرك intuitively أن الأذن باب القلب.

إنّ اجتماع اللسانيات الحديثة مع فقه اللغة العربية يكشف حقيقةً واحدة: الصوت ليس تابعاً للمعنى، بل شريكٌ في تكوينه. فحين نقرّب بين الأصوات نقرّب بين التجارب الإنسانية ذاتها، وحين نباعد بينها نخلق مسافاتٍ جديدة في الإدراك. اللغة إذن ليست نظاماً محايداً، بل ذاكرة حسّية وفكرية، تتحوّل فيها الحروف إلى جسورٍ بين العقل والعالم.

وهكذا يبدو أنّ علماء الغرب حين صاغوا نظرياتهم العلمية إنما أعادوا اكتشاف حدسٍ قديمٍ عرفته العربية مبكّراً: أن الحرف ليس صوتاً فقط، بل أثرُ معنى يمشي في الهواء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لذة وقلق: وأنا أقرأ قصائد الديوان الشعري «النوم على سرير الله»، بدا لي أن السرير؛ «سرير الله» هو علامة سيميائية كبرى تتقابل والعلامة السيميائية الصغرى «سرير الناس»، في الاختلاف التناظري يتوالد المعنى وفق مسارات القصائد، هل هي أمكنة السماء تتقابل وأمكنة الأرض من منظور الذات الشاعرة لتؤسس لدينامية حوارية شعرية جديدة تخدش المعنى وتُقشِّره قصيدة قصيدة.

إنتاجية شعرية: تكتيك طفل مُحبّ

صدر مؤخرا عن دار الدّراويش للنشر والترجمة بجمهورية بلغاريا الديوان الشعري «النوم على سرير الله» في طبعته الأولى، 2026، للشاعر المغربي «المصطفى حناني»*  المقيم ببلجيكا، وجاءت هذه الإنتاجية الإبداعية الشعرية في ثمان وثلاثين قصيدةً رامت تمثيل فنّ المخاطبة الشعرية المعاصرة للظرفية الاجتماعية العالمية الآنية وأيضا الظرفية المحلية المغربية، باعتبار أن الشّذرة الشعرية عند الشاعر أفضت إلى إنطاق الذات الشاعرة والناقدة في الوقت ذاته، هذه الذات التي أخذتنا في جولة داخل بعض المدن المغربية من خلال ضمير القصيدة وهو ضمير نقد النقد السوسيو-ثقافي، باعتبار أن المدينة «نصّاً مُركبا» (رولان بارث)، ليستضيح لنا الشاعر عن فضاءات كل من (مازاغان، آسفي، مراكش وموغادور)؛ في قصيدة «هنا المازاغان»، يقول:

«حيث نحت البرتغاليون القدامى أيامنا القادمة

الوقت الحاتل داخل جيوب الفقراء..» (ص، 26).

في قصيدة «آسفي»، يقول:

«في آسفي آسف قديم

يحمله قطار الفوسوفور الشاحب

(...) تحيا مواجع الحياة..» (ص، 27-28).

أيضا، في قصيدة «في الموغادور»، يُقاوِم الشاعر طفولته ليستحضر الذاكرة العادية، ويُقلّب في تحوّلات رمزية المدينة:

«في الموغادور تذكرتني نوارس الله

(...) ومن الجدران القديمة فقر واقف» (ص، 29).

حبّ الأمكنة عطر يستذكره الشاعر كلّما أحسّ بالعطش وحضرته الرغبة في الارتواء من حبّ الوطن، إنها محاورة الظمأ وشدّة الحنين الطفولي المشبع بالماء الأمومي للوطن، هل فقدنا ماء وطننا؟ أم هي كتابة تقابل الفراغ بالعطش لتعيد شيئا إلى المعنىالشعري، يقول في أول قصيدة:

"لم يسألني الفراغ

ولا غيره

لماذا تعود إلي...؟" (ص، 5).

في البدء يكشف لنا الشاعر عن حيرة عودته إلى حقل الكتابة الشعرية بعد إصداره للديوان الأوّل الموسوم ب: «آخر رقصات الطين» عن دار النشر سليكي أخوين، طنجة، 2021. وهي عودة تحمل قلق السؤال والتجديد في القصيدة الشعرية الحديثة ارتباطا بالحداثة لا بالزمنية التاريخية الآنية أي أنها تستمد قوتها من ماضي التجديد الشعري المنبثق من المشرق العربي وخصوصا العراق مع كل من الملائكة نازك وبدر شاكر السياب مرورا بالتطور والتبلور الحداثي مع أمل دنقل ومحمود درويش وأدونيس وأحمد المجاطي وشعراء من أقطار مختلفة، إذن هي الحداثة الشعرية أعتقد أنها قول تحديث في حقل سياسات المجتمعات التي أفقدتها الهزائم والحركات الاستعمارية قوتها وتوهجها، والقصيدة هنا هي محكي ظلال الله في مقابل ظلال الشيطان، وعليه الصراع داخل القصائد يتخذ شكل الحقيقة الورقية.

القصيدة الشعرية والحق في الحياة

مَسرَح الشاعر قصائده في علاقة بالبحث عن مُقوّم الماء، وهو بحث عن الحياة، في قصيدة «ذاكرة الظمإ» حيث تتمثل القصيدة عند الشاعر صوت المدينة المغربية الجريح صيفها/ شدّة حرّها مجازيا، وهي القصيدة التي تنظر وتصف وتصنّف الفضاء المديني صيفا، حيث تحضر كل مدينة باعتبارها علامات دالّة على شكل حياة تحوّل من الحسن إلى الأسوأ، وأن :«الصيف أسد الفصول/ والمطر معجزة يرتلها الغياب» (ص، 38). ومن منظور الشاعر، إن الظمأ هو اللا-حياة إنه شكل موت آخر، حيث إن الماء في القصيدة يغيب ليحضر «العطش السياسي» وهو شكل ظمأ أفسد الفضاءات الحميمية التي ذكرها الشاعر، وخصوصا فضاء «قصر الشوق» بواحاته التي تقاوم الموت بكبرياء النخل وصمود الراعي الذي شرّده شح المرعى/ شح تدبير الفضاء وسمّ السياسة المجالية التي أفضت إلى عقم شجرة الطلح، فهل هو إذن عقم «سرير الناس» الذي قطع مع استمرارية الحياة داخل المدينة المغربية في اختلاف جغرافيتها وهُوياتها، هي خمسة  فضاءات مغربية أفضت إلى تمثيل حيوات متشابهة تشكو الحرمان والفقر وبهذا تموت المدينة على سرير الناس وتستعيد ذاكرتها وتاريخها على سرير الله، فالشاعر يُصوّر الأمكنة بسخرية قاتمة وكأنها ركاما عمرانيا إسمنتيا فقدت روحها وكذلك فقدت القيم الإنسانية التي كانت تتشبع بها، هذه الأمكنة هي: (مراكش وسلا والرباط وفاس وقصر السوق (الرشيدية)، وتحضر مدينة الرباط من خلال رمزية «أسوار شالة» و «باب الحد» باعتبارها فضاءً للاحتجاج وصوت من ظلمتهم السياسة الفاسدة و«مكر قطط الخريف» وكأن الشاعر يؤسس القصيدة على قانون المقارنة الواقعية بين المدينة المغربية والمدينة الغربية المضمرة داخل القصيدة حيث أبقى الشاعر على تمثيل المدينة المغربية وحدها بشكليها العريق والحديث أي المدينة التي أنتجتها سياقات الاستعمار الفرنسي والغزو البرتغالي، وأن العلامة «القطط» تؤشر على التشرّد خارج مركزية الأمكنة، بمعنى اللا-نظام داخل النسق المديني والنسق القروي وخصوصا فضاء الواحات.

شعرية السرير: طفلٌ شاعِرٌ، شاعِرٌ طِفلٌ

بدءا من عتبة العنوان «النوم على سرير الله» يتبادر إلى الذهن شكل الاستعارات الجديدة التي تنفصل عن الاستعارات القديمة وعن الخرافة والفانتستيك والشعرية المُحبطة التي تستسلم إلى أطلال الذات، وجراحات اللا-قيمة الحياتية؛ في المقام الأوّل يتخذ العنوان التحاما قويا بالقصيدة الموسومة بنفس العنوان، حيث تنصهر جميع العلامات المادية في علامة واحدة وهي: "استحضار غياب روح البلد" وكأننا أمام غياب "الطفل"، يستبين الشاعر هذه الروح الغائبة وهي ظلال تُلهِم القصائد صدقية القول حين تحضر الأم والأب نكون أمام شفافية الاستعارات، يقول:

«أتعرفين يا أمّي!

حين كبرنا

كبر الليل معنا

وغابت شمس الصباحات

(..) يطرد الحلم من عيوننا». (ص، 13-14).

وفي قصيدة «مات أبي» (ص، 49)، يقول:

«مات أبي

ولم يعرف أحد منّا أين دُفن عشقه للوطن؟»

يصوّر الشاعر روايتين لموت الأب، الرواية الأولى يقول إنها رصاصة أصابت صدره في صباح خريفي، والرواية الثانية تقول، إنه مات شهيدا يدافع عن تراب وطنه، إذن هل هي قطط الخريف من أطلقت الرصاصة أم أن العدو كان متفوقا وهنا تقول الحكاية التاريخية أن العدوّ كان ضعيفا وأن أحصنة المغاربة كانت تعشق عطر البارود وتُحبّ نسائم أعلى قمم الجبال، تتناسل الرواية لتفضي إلى قول الشاعر: «مات أبي ولم يدر أنه مات» (ص،49). هل علامات الموت انقلبت إلى نوم في حضن سماء الله بعيدا عن سرير الناس؟ أم هي القصيدة اختزلت القضية العربية في صورة الأب، حيث إن الشاعر استحضر في بعض قصائده القضية الفلسطينية.

 في روح الأب/ روح الأرض:

النوم هنا هو نوم طويل استحضره الشاعر ليوقظ لدى القارئ الذاكرة المثقلة بالإحباطات والجهل وتمظهرات الحياة المزيّفة ومكر السياسة الجاهلة بقوانين التدبير والتسيير الجيد، أيضا القصائد تتوالد بفعل قوّة الذاكرة الحسيّة مرة ومرات أخرى من خلال ذاكرة الفضاءات التي وقف عليها الشاعر وهي فضاءات مُدمجة ضمن فضاء شامل وهو المغرب حيث تحضر الفضاءات الغربية الأوروبية لتمنح للقصيدة قوة المقارنة، باعتبار أن الذات تقيم بهذه الفضاءات أكثر من ربع قرن من الزمن، وهي إقامة دفعت بالاستعارات الجديدة أن تتخذ شكل حرية نسبية وقول خطاب مَحبّة مُوّجه للقارئ باعتبار أن القصيدة هي نقدا لواقع مثقل بالأحزان، في المقام الثاني بعدما تتزيّن بالجمالية الحداثية وهي «شعرية موت الرومانسية وانبعاث شعرية الموت»، البوح المقلق والمُزعج الذي يدفع باللغة إلى استيضاح الأخطاء وترهين الخوف بسبب محو الأمنيات والأحلام وملاحقات الذئاب. إن الخوف هو خوف طفولة، الشاعر استدعى زمنية الطفل الذي كان، وهنا يحضر ضمير الديوان أو ضمير «السرير» كعلامة دالّة على الفتوحات الاستعارية الحديثة للقصائد في مُجملها، كلّ سرير فهو ذلك الضمير الحيّ للأسرار التي نلتقيها نهارا بعدما كان ليل الشاعر منصهرا في الحياة الداخلية والخارجية واحتراق اللغة داخل اللغة وأيضا احتراق الجسد داخل الجسد واحتراق الطفولة داخل القصيدة لينبعث شاعر جديدٌ ويولد وعي تاريخي جديد.

المنفعة الشعرية الحديثة:

المنفعة هي مواضيع-قيمة طرحها الشاعر ضمن كونية مُصغرة تستضيح العلاقات العدوانية ارتكازا على الملفوظات الجيهية (شمال/ شرق/ جنوب/ غرب) حيث تتناسل القصائد وفق سخرية سياسية واقعية، لكن تحملها لغة راقية لتكشف لنا عن لغة ماكِرة وهي لعبة الخبث السياسي. وقد لعبت السخرية الشعرية دروا وظيفيا في ترهين حالات الفضاءات الممزقة مثل: هنا المزاغان/ آسفي/ مراكش/ موغادور/ فاس.. وفلسطين، يقول في قصيدته «أغنيتان للظلال الحمراء»:

«... لا تموت العزة

هنا غزة تتدوّر جوعا ولا تأكل من ثدييها

أبدا

يا أولاد القحبة أين منكم البشر؟» (ص، 34).

أيضا المنفعة طرحها الديوان وفق قصائد تكشف حالات الظلال باعتبار أن الظل معنى يحمل التأويل للذات الصانعة للظل/ الطفل، هنا يحضر ضوء الصدمة السريرية وكأن متخيل السرير يصنع وميضا أو برقا يتجه من الأعلى نحو الأسفل، فالشاعر العالِم بأسرار من وُلِدوا ومن ماتوا ومن دفنوا ومن لم يُدفنوا.. ومن هاجروا ومن رحلوا ومن كذبوا شعرا ومن صدقوا شعرهم، هي الظلال تتكرر أمامنا لتمثيل مشاهد جريئة في رحلة حياة القصيدة الورقية، وهنا الجرأة هي جرأة لغة تتسلل في هدوء فكري لتكشف حيوات ظلال في علاقة بتاريخ المجتمع المغربي.

الظلال جليد ورقي يشترط مغامرة نقدية علنية جريئة لتلج بقوّة عوالم الذوات والفضاءات الممزقة داخل هذا التاريخ، إنه احتراق الكاتب والقارئ معا ليتشكل الجليد لغة واضحة صافية.

كبرياء السرير:

نقول أرض الله، دنيا الناس، أرض الناس، سرير الله، سرير الناس؛ تتغير العلامات فتتغير الدلالات، الشاعر هنا أسلم الكتابة للضمير الحيّ ليُفَصِّلَ تَفصيلاً في الأحاسيس والانفعالات وفق حالات التوّتر والشدة والامتداد في الزمن والذاكرة، إن الضمير الحيّ يبتعد عن سرير الناس بمعنى هو ابتعاد عن كلام الناس ولو أنه كلام مقفى موزون له إيقاع موسيقي لكن لا يرقى لدرجة كلام الضمير الحيّ الذي هو كلام سرير الله، والنوم هنا ما إن تنتهي كل قصيدة من قصائد الديوان يحضر الاستقاظ ولو للحظة، وهي حالة الصحو والعودة العادية المؤقتة، ثم تعود حالة النوم وهي أحلام القصيدة الواقعية ذات الفكر المنفعي. سرير لا يصنع الحياة الجيّدة فهو سرير مُزوّر ومزيّف وعاهر بالمعنى التام للأخلاقية الإنتاجية الإبداعية، السرير الجيّد هو أمكنة الغزوات والحروب العادِلة إنه مجاز أمكنة أبطال اللغة الواضحة، أو كما يقول المثل المغربي: تولدنا فوق الخيل نموتو فوق الخيل، أي تولدنا  فوق سرير الله نموتو فوق سرير الله. القصيدة سرير الخيل الجامحة، القصيدة سرير العقل والقلب، القصيدة في ديوان النوم على سرير الله هي سرّ ضمير الشاعر المصطفى حناني.

إجمالا، رام الشاعر تجديد حبّه للهوية والأرض والإنسان المغربي والأمكنة بأسلوب مقلوب حيث النوم هو صحو واستفاقة طفل، طفل الله، أيضا القصائد هي يقظة لغة تمنح للروح الطفولية فسحة تمثيل أثر حقيقة، ومن منظور الظلال المتماسكة داخل القصائد فالشاعر يُمسرِح أشكال حيوات تتقاسم الفضاء المغربي في علاقة بحياة الآخر الغربي وكأن القصيدة إيديولوجية بريئة تحاور العقلين معاً العقل المغربي والآخر الأوروربي، وهذا ما يستدعي آلية التأويل للإمساك ببعض من المعنى الذي يشترط استحضار التاريخي في المقام الأوّل، إن النوم على سرير الله هي مطالبة بإعادة قراءة تاريخنا وتسريع طرائق إصلاح مواضيع-قيمة على هذه الأرض المغربية وعليه فالبدايات هي منح الإصلاح للطفل أولا وحفظ حياته من ملاحاقات الذئاب، يقول الشاعر في اقتباس متناغم مع الموروث الشعبي المغربي ليستضيح حالات خيانات الأرض وكيف أن مأساة موت الطفل هي مأساة جميع أطفال البسطاء الفقراء المحبّين بإخلاص أرضهم التي خذلتهم من خلال نسج علاقات سرية لا-عادلة اقتصاديا وسياسيا وتعليميا، أيضا خذلهم الشّعر المزيّف، يقول اقتباسا:

«ميلودة فينْ كُنتي قولِ لي فينْ دَرتِ لوليد

لحبيبة كِسْرا لِك كيفْ دَرْتِ حتى نْسيتي سعيد...؟»

وكأننا أمام نداء استعاري يستحضر الأرض –الحبيبة- وكيف لهذا الوطن أن ينسى أبناءه/ أطفاله الذين قال فيهم الشاعر: «فقراء هذا الوطن، أيتام عراة حفاة... شرّدتهم شعارات الزيف في نواميس الساسة» (ص، 50). ميلودة هي الأرض هي القصيدة التي تقول الحقيقة وتبحث عن ماء كتابة الحياة الجيّدة.

***

فؤاد بنبشينة

دكتوراه في الأدب، جامعة محمد الخامس بالرباط- المغرب.

..........................

* المصطفى حناني، شاعر مغربي من مواليد 1969، حاصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب عربي حديث، من جامعة المولى إسماعيل بمكناس سنة 1992، مقيم حاليا ببلجيكا في إطار البعثة التعليمية المغربية بالمهجر.

تنهض قصيدة: (أسير الشعر) للشاعر د. وليد العرفي (الفائزة بجائزة القوافي الذهبية باختيار حاكم الشارقة سمو الأمير: د. سلطان بن محمد القاسمي)، على تجربة وجدانية عميقة تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع اللغة، والذاكرة، والجرح الإنساني، لتصوغ نصاً يراوح بين التأمل الفلسفي والبوح الشعري، ويستند إلى نبرة ذاتية عالية تفيض بالأسى والحنين والوعي بوطأة التجربة. ومن خلال قراءة نقدية تتكئ على تحليل البنية الدلالية والصورية والإيقاعية، يمكن الوقوف عند أبرز السمات الفنية التي شكّلت ملامح النص، وجعلته أقرب إلى سيرة شعرية تتحدث بلسان شاعر يرى في الشعر قدراً لا مهرب منه.

تبدأ القصيدة بسؤال استنكاري مشحون بالدهشة:

"هل تسأل الريح عمّا موج البحرا؟

وتسأل النار عمّا أوقد الجمرا؟"

وهذا الاستهلال يشي منذ اللحظة الأولى بطبيعة النص القائم على المفارقة البلاغية، إذ يُحيل الشاعر إلى أشياء لا تُسأل عن أفعالها، لأنها جزء من طبيعتها. فالريح لا تُسأل عن هيجان البحر، والنار لا تُسأل عن اشتعال الجمر. وبهذا التقديم الرمزي، يُمهّد الشاعر للحديث عن الشعر بوصفه قوة فطرية داخله، لا يستطيع الانفصال عنها، كما لا تستطيع الريح أن تتوقف عن الحركة. إن هذا المدخل البلاغي يفتح الباب أمام رؤية فلسفية مفادها أن الشعر ليس اختياراً، بل هي قدر محتوم.

تتجلى الذات الشاعرة في البيت التالي بوصفها معذّبة بإيقاعها الداخلي

"يا حادي الشعر في إيقاع قافيتي

تبكي التفاعيل في ميزانها عسرا"

وهنا تظهر معاناة الخلق الشعري، إذ تتحول القافية إلى كائن حيّ، وتصبح التفاعيل كأنها تبكي، في إشارة إلى صعوبة الإمساك بالإيقاع وترويض اللغة. إن الشاعر لا يقدم صورة رومانسية سهلة عن الكتابة، بل يكشف عن توترها الداخلي، وعن الألم الملازم لعملية التشكيل الفني. وهذه النظرة تجعل من الشعر معركة يومية بين الشاعر واللغة، لا مجرد لحظة إلهام عابرة. وفي قوله:

"كأنني لم أكن رسّام لوحتها

ولم ألوّن حروفي من رؤى حبراً"

يبرز الإحساس بالاغتراب عن الذات، إذ يشعر الشاعر، وكأنه لم يشارك في صنع تجربته، الشاعر كأن الحروف تُكتب من تلقاء نفسها. وهذه الصورة تُعمّق فكرة (الأسر) حيث يبدو فيبدو الشاعر أسيراً لما يكتب، لا مالكاً له.

إن العلاقة بين الشاعر ونصه هنا علاقة مزدوجة؛ فهو صانع اللوحة، لكنه في الوقت ذاته يشعر بأنه مجرد أداة في يد قوة أكبر.

تتكرر في النص صور الانكسار والسقوط والتعب، كما في قوله:

"فكم هززتُ بجذع الحزن نخْلتها

فاسَّاقط الحرف من أغصانها شعرا"

فالحزن هنا يتحول إلى نخلة، والحروف إلى ثمر يتساقط. وهذه الصورة المركبة تنتمي إلى الحقل الرمزي الذي يجعل من الألم مصدر إنتاج شعري. فالشاعر لا يكتب إلا عندما يهزّ جذع الحزن، ولا يسقط الحرف إلا عندما يشتد الألم. إن هذه الاستعارة تكشف عن رؤية ترى في المعاناة الشرط الأساس للكتابة، وتربط بين الألم والإبداع برباط عضوي.

النص في رسم مسار ذاتي طويل مليء بالتعب والتجربة:يتابع

"وكم صعدتُ على درجاتها ولداً

وكم هبطتُ وليداً في الهوى عشرا"

إن هذا التناوب بين الصعود والهبوط يعكس حركة الحياة ذاتها، حيث لا استقرار ولا ثبات. فالشاعر يصعد طفلاً ويهبط وليداً، في صورة توحي بتجدّد التجربة رغم قسوتها. وكأن الشاعر يولد في كل مرة من جديد، لكنه يحمل معه إرثاً من الخيبات.

ومن أبرز ملامح القصيدة حضور المكان بوصفه ذاكرة وجرحاً في آن، كما في قوله:

لتنتشي كلماتي في مواضعها

تختال واحدةً إذ تزدهى أخرى:

فهنا تتحول الكلمات إلى كائنات تتحرك وتتنفّس وتختال، وكأن اللغة نفسها تمتلك حياة مستقلة. وهذه الصورة تدل على عمق العلاقة بين الشاعر وكلماته، فهي ليست مجرد أدوات، بل كائنات تشاركه تجربته وتعبّر عنه.

ويصل النص إلى ذروة وجدانية حين يقول:

"وما خطوتُ على آثار من سبقوا

إلا عبور طواف ذلك المسرى"

في هذا البيت يتجلّى الإحساس بالانتماء إلى سلسلة إنسانية ممتدة، فالشاعر لا يسير وحده، بل يتبع آثار من سبقوه، لكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة. وهذا البعد التأملي يجعل من القصيدة نوعاً من الاعتراف بأن التجربة الشعرية جزء من تاريخ إنساني طويل.

ويتعمّق النص أكثر في البعد الفلسفي حين يقول:

"وما عرفتُ سوى الآلام فلسفةً

وكيف من جرّحه في الروح أن يبرأ؟"

هنا تتحول الآلام إلى فلسفة، ويصبح الجرح شرطاً للوعي. فالشاعر لا يرى في الألم مجرد حالة عابرة، بل يراه مصدراً للفهم والتأمل. وهذا الموقف يعكس رؤية وجودية ترى أن المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من المعاناة.

ويستمر الخطاب في رصد العلاقة بين الحلم والواقع، إذ يقول:

"أرتّق الحلم بالآمال بارقةً   علّ التفرّق بين الناس لا يُدرى"

إن الحلم هنا هو الملاذ الأخير، وهو الضوء الذي يحاول الشاعر أن يتمسك به في مواجهة قسوة الحياة. وهذه النزعة التفاؤلية الخافتة تمنح النص توازناً بين الألم والأمل.

وفي القسم الأخير من القصيدة، تتصاعد نبرة الاعتراف، ويبدو الشاعر كمن يراجع مسيرته:

"فما الكلام بمجدٍ في علا نية

ولا الضمير يراضٍ سرّا"

إن هذه النظرة النقدية للغة نفسها تشير إلى وعي الشاعر بحدود القول، فالكلمات مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تشفي الجرح كاملاً. وهذه المفارقة تعمّق فكرة الأسر، فالشاعر محكوم بالكلام، لكنه يدرك عجزه.

وتختتم القصيدة بنبرة حميمية تقول:

"يا شعر ما زلت رغم الألم تسكنني

ومن عجيبي أني أعشق الأسرا"

وهنا تتكثف فكرة النص كلها في هذا الاعتراف النهائي. فالشاعر يدرك أنه أسير الشعر، لكنه يحب هذا الأسر. إنها علاقة متناقضة تجمع بين الألم واللذة، بين القيد والحرية. فالشعر هو سجنه وملاذه في آن واحد.

ومن الناحية الفنية، تتسم القصيدة بوحدة شعورية واضحة، إذ تدور حول محور واحد هو تجربة الشاعر مع الكتابة والحياة. كما تعتمد على لغة شفافة تميل إلى الرمز دون أن تغرق في الغموض، وتستند إلى صور مركبة تنبع من الطبيعة والذاكرة والوجدان. أما الإيقاع، فيتسم بالتماسك والانسجام مع الحالة النفسية، حيث تتناغم الموسيقى الداخلية مع المعاني المتوترة.

كما أن تكرار أدوات الاستفهام والنداء يمنح النص طابعاً حوارياً، وكأن الشاعر يخاطب ذاته أو الشعر نفسه، في محاولة لفهم سرّ هذه العلاقة المعقدة. وهذا الأسلوب يعزز البعد التأملي للنص، ويجعله أقرب إلى مناجاة داخلية ممتدة.

في المجمل، تكشف قصيدة "أسير الشعر" عن تجربة إنسانية ناضجة، تتداخل فيها الذات الفردية مع همّ وجودي أوسع. وهي قصيدة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحوّله إلى مادة فنية، وتعيد صياغته في صور موحية تجعل القارئ شريكاً في التجربة. إنها نص يقوم على صدق العاطفة، وعمق التأمل، وقدرة اللغة على احتضان الوجع وتحويله إلى جمال. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر نجح في تقديم نص يعبّر عن مأزق الشاعر المعاصر، الذي يجد نفسه أسيراً للكلمة، لكنه لا يملك إلا أن يحب هذا الأسر ويواصل الكتابة.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

جدليّةُ «المعنى» و«معنى المعنى» في عبقريّة العربية

ليست اللغة العربية مخزناً للألفاظ بقدر ما هي هندسةٌ للوعي، ولا تُقاس قيمتها بعدد مفرداتها فحسب، بل بقدرتها العجيبة على أن تجعل اللفظة الواحدة باباً إلى عوالم متعددة. ومن هنا نشأ التمييز الدقيق بين المعنى بوصفه الدلالة المباشرة التي تدركها الحواس، ومعنى المعنى بوصفه الأفق التأويلي الذي يتولد من المجاز والاستعارة والتصوير البلاغي، حيث يغدو الكلام أكثر مما يقول، ويصير الصمت نفسه جزءاً من البيان.

لقد أدرك فقهاء اللغة والنحو والبلاغة منذ وقت مبكر أنّ الكلمة لا تُستنفد عند حدودها المعجمية، وأنّ النص الحقيقي يبدأ حين تتجاوز العبارة ظاهرها إلى إشعاعها الدلالي.

أولاً: المعنى بين الإشارة والعبارة

المعنى في صورته الأولى هو ما يدلّ عليه اللفظ مباشرة؛ فإذا قيل: طلع القمر، فالدلالة الحرفية واضحة لا التباس فيها. غير أنّ العربية لا تكتفي بهذا المستوى، لأنّ العقل العربي — شعراً ونثراً وقرآناً — كان يبحث دائماً عن الطبقة الثانية من الإدراك.

فحين يقول الشاعر:

طلع القمر في وجهها.

لم يعد القمر جرماً سماوياً، بل صار رمزاً للجمال والاكتمال والنور الداخلي. هنا يولد «معنى المعنى». إنه انتقال من الواقع إلى التخيل، ومن التقرير إلى الإيحاء.

ثانياً: عبد القاهر الجرجاني واكتشاف العمق الدلالي

بلغ هذا المفهوم ذروته النظرية عند الإمام البلاغي الكبير عبد القاهر الجرجاني الذي جعل البلاغة قائمة على النظم لا على المفردة المفردة. فقد رأى أنّ المعنى الأول لا قيمة له إذا لم ينتظم في علاقة تُنتج دلالة ثانية.

فالقول:

"رأيت أسداً."

قد يكون خبراً عادياً.

أما:

"رأيت أسداً يخطب في الناس."

فإن الذهن ينتقل فوراً إلى الشجاعة والفصاحة والهيبة.

الأسد هنا ليس الحيوان، بل ما وراء الحيوان.

وهذا هو «معنى المعنى»؛ أي أن يصل المتلقي إلى مقصد المتكلم عبر طريق غير مباشر.

ثالثاً: النحاة وبناء المعنى قبل البلاغيين

ولم يكن البلاغيون وحدهم من وعى هذه الحقيقة؛ فالنحاة أنفسهم أسّسوا لها دون أن يسمّوها بهذا الاسم.

فالإمام سيبويه حين جعل السماع أصلاً والقياس تابعاً له، إنما أقرّ بأنّ الاستعمال البشري أوسع من القاعدة، وأنّ العرب قد تختار تركيباً لأنه أبلغ في الإيحاء لا لأنه الأيسر قياساً.

وكذلك فعل اللغوي العبقري ابن جني حين رأى أنّ اللغة فعلٌ عقليّ قبل أن تكون أصواتاً، وأنّ العدول عن القياس أحياناً حكمةٌ دلالية لا خطأ.

فالانحراف المقصود عن الأصل قد يكون الطريق الأقصر إلى المعنى الأعمق.

رابعاً: المجاز بوصفه اقتصاداً في الفكر

المجاز ليس ترفاً بلاغياً، بل اقتصادٌ معرفي.

فاللغة تختصر تجربة كاملة في صورة واحدة.

حين يقول العربي:

"اشتعل الرأس شيباً."

فهو لا يصف لون الشعر فقط، بل يستدعي الزمن والقلق والتجربة والانتظار.

جملة قصيرة تحمل عمراً كاملاً.

ولهذا كان البيان العربي يميل إلى التصوير؛ لأن الصورة تسمح بتعدد القراءة.

وهو ما فهمه الأديب الموسوعي الجاحظ حين جعل البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لا مجرد زخرفة لفظية. فالكلمة عنده تنجح حين تصيب النفس قبل الأذن.

خامساً: علماء الصرف ودلالة البنية

حتى الصرف — الذي يبدو علماً تقنياً — شارك في صناعة «معنى المعنى».

فالفارق بين:

قاتل.

قتّال.

مقتول.

ليس صرفياً فحسب، بل نفسياً أيضاً.

فزيادة الحرف زيادة في المعنى.

والوزن الصرفي يلمّح أحياناً إلى الكثرة أو المبالغة أو الاستمرار، فتتحول البنية إلى موقفٍ شعوري.

ولهذا قال علماء العربية إن الأبنية قوالب للمعاني، لأن الصوت نفسه يحمل دلالة.

سادساً: القارئ شريك في إنتاج المعنى

لا يولد «معنى المعنى» من الكاتب وحده، بل من القارئ أيضاً.

فقراء اللغة — من الأدباء والمتذوقين — هم الذين يوسّعون النص بقراءاتهم.

إن القارئ الذي يقف عند ظاهر العبارة يرى خبراً.

أما القارئ الذي يمتلك حساسية التأويل فيرى عالماً.

ولهذا تختلف قراءة النص الواحد باختلاف الثقافات والخبرات.

فالمعنى ثابت نسبياً، أما «معنى المعنى» فحيّ متجدّد.

سابعاً: العربية لغة الاحتمال الجميل

إن أعظم ما منح العربية قدرتها على البقاء هو هذا التوازن بين الضبط والانفتاح.

النحو يحرس المعنى من الفوضى.

والبلاغة تحرسه من الجمود.

فلو اقتصرت اللغة على المعنى المباشر لصارت تقارير.

ولو غرقت في الإيحاء وحده لصارت غموضاً.

بين الاثنين تولد العبقرية.

خاتمة: اللغة حين تصبح رؤيةً للعالم

إن «معنى المعنى» ليس مجرد مصطلح بلاغي، بل هو إعلان أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بتأويلها. فالكلمة العربية تشبه مرآةً ذات طبقتين: ترى فيها الشيء كما هو، ثم تراه كما يمكن أن يكون.

وهكذا ظلّت العربية — عبر فقهائها ونحاتها وبلاغييها وقرّائها — لغةً لا تكتفي بأن تُسمّي العالم، بل تعيد خلقه؛ لأنّ المعنى فيها بداية الطريق، أمّا «معنى المعنى» فهو أفقه المفتوح على احتمالات الروح والعقل معاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

صدرت رواية قواعد العشق الأربعون عام 2009 للكاتبة التركية البريطانية إليف شافاق باللغة الإنجليزية بعنوان The Forty Rules of Love، ثم تُرجمت إلى العربية، فكان لها في الفضاء الثقافي العربي وقعٌ خاص، إذ لامست وترًا روحيًا ظل طويلًا مهملًا في زحام السرديات المادية المعاصرة.

تعتبر هذه الرواية مشروعًا سرديًّا متكاملًا يستدعي التراث الصوفي ليعيد صياغته في أفقٍ إنسانيٍّ كوني، جامعًا بين التاريخي والآني، وبين التجربة الروحية والقلق الوجودي للإنسان الحديث.

تنهض الرواية على بنيةٍ مزدوجةٍ محكّمَة، تقوم على تقنية "الرواية داخل الرواية"، حيث يتجاور خطّان سرديّان يتبادلان الضوء والظلال.

 في الخط المعاصر، نتابع حياة إيلا روبنشتاين، ربّة المنزل الأمريكية التي استهلكها الروتين الأسري، وأفرغتها سنوات الزواج البارد من شغفها الأول بالحياة. تبدو كصورةً للإنسان المعاصر وقد انطفأت جذوته الداخلية، يعيش في انتظامٍ ظاهريٍّ يخفي خواءً روحيًا عميقًا. لكن حين تُكلَّف بقراءة مخطوطًا روائيًّا بعنوان «الكفر الحلو» لكاتب يُدعى عزيز زاهارا، تكون هذه القراءة شرارة التحوّل في مسار حياتها.

أما الخط الثاني فيعود بنا إلى القرن الثالث عشر، إلى قونية، حيث تتشكّل واحدة من أكثر العلاقات الروحية أثرًا في تاريخ التصوف الإسلامي:

العلاقة بين الشاعر والفقيه جلال الدين الرومي، ورفيقه العارف المتوهّج شمس التبريزي.

لا تقدّم شافاق هذه العلاقة بوصفها واقعة تاريخية جامدة، بل باعتبارها لحظة انفجار روحي أعادت تشكيل الرومي، فنقلته من مقام العالم المدرّس إلى أفق العاشق المتبتّل في حضرة المطلق.

بهذا التوازي السردي، لا تكون الرواية حكايتين منفصلتين، بل نسيجًا واحدًا تتعالق خيوطه في العمق. فالمخطوط الذي تقرؤه إيلا يتحوّل إلى مرآةٍ ترى فيها تشقّقات روحها، كما كان شمس مرآةً للرومي كشف له ما كان كامناً فيه من شوقٍ إلهيٍّ مكبوت. القراءة هنا ليست فعلًا معرفيًا فحسب، بل تجربة وجودية؛ إذ تغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الذات نحو ذاتها الأعمق.

تمنح تقنية "الرواية داخل الرواية" النصَّ بعدًا تأويليًا ثريًا؛ فالقارئ لا يكتفي بتتبّع الأحداث، بل يُستدرج إلى مساءلة نفسه. التاريخ، في هذا السياق، ليس زمنًا منقضيًا، بل طاقةً روحية قابلة للاستدعاء، كأن الماضي يسكن الحاضر في طبقاتٍ خفية، ينتظر لحظة انكشاف. وبهذا تكرّس شافاق مفهوم "الرواية المزدوجة" بوصفها فضاءً فنيًا يسمح بتداخل الأزمنة دون افتعال، ويجعل من الحوار بين القرون حوارًا بين حالتين إنسانيتين متشابهتين في جوهر القلق والبحث.

المحور الفلسفي للرواية هو "العشق" في معناه الصوفي؛ ذلك العشق الذي لا يقتصر على علاقةٍ بشرية، بل يتجاوزها إلى أفقٍ كونيٍّ رحب.

"القواعد الأربعون" التي يبثّها شمس ليست وصايا وعظية بقدر ما هي شذرات تجربة، نُسجت من معاناةٍ واحتراقٍ داخلي. العشق، في هذا المنظور، ليس انفعالًا عابرًا، بل طريق معرفة؛ هو الوسيلة التي يذوب بها الإنسان في المطلق، متحرّرًا من أثقال الأنا، ومن قيود الصورة الاجتماعية.

تستلهم شافاق روح التصوف الإسلامي في جوهره القائم على المحبة والتسامح والانفتاح. فشمس لا يدعو إلى هدم الشريعة، بل إلى إحياء القلب.. لا يسعى إلى تقويض الدين، بل إلى تحريره من قسوته الشكلية حين ينفصل عن جوهره الرحماني. العشق عنده فعلُ تحوّلٍ جذري، يهدم التصورات الجامدة ليعيد بناء الذات على أسسٍ من الصفاء والصدق. ومن هنا تغدو الرواية مساءلةً عميقةً للتدين الشكلي، ودعوةً إلى استعادة البعد الإنساني في العلاقة مع الله والناس.

في ضوء هذه الفلسفة، تلامس الرواية قضايا معاصرة بجرأةٍ هادئة:

التعصب، الخوف من المختلف، أزمة الهوية، اغتراب الإنسان في عالمٍ يقدّس المادة وينسى الروح. إيلا، التي تنتمي إلى سياقٍ ثقافيٍّ مختلف، تجد في تعاليم شمس ما يوقظها من سباتها. والرومي، الذي كان أسير مكانته العلمية والاجتماعية، يجد في صحبة شمس انعتاقًا من قوالب المعرفة الجامدة. كلاهما يختبر اهتزازًا وجوديًا يفضي إلى ميلادٍ جديد.

هذا التوازي لا يقوم على تشابهٍ سطحيّ، بل على وحدة التجربة الإنسانية: البحث عن المعنى.

إن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الجغرافيا، يظل كائنًا قلقًا، تتنازعه الرغبة في الطمأنينة والخوف من التغيير.

وهنا تتجلّى براعة شافاق في جعل الرواية التاريخية مرآةً للراهن، وفي إضفاء طابعٍ كونيٍّ على تجربةٍ صوفيةٍ محلية المنشأ.

يمكن ان نحيل انتماء الرواية، إلى فضاء الرواية التاريخية الروحية، وتتقاطع مع الرواية الفلسفية، بل وتستعير من تقنيات "الميتاسرد" حين تعي ذاتها بوصفها نصًا داخل نص.

 تعدد الأصوات السردية، وتناوب الشخصيات على رواية الأحداث، يمنح النص طابعًا بوليفونيًا/ متعدد الأصوات مما يثري الرؤية، ويكسر أحادية المنظور.

كل شخصية تروي جزءًا من الحقيقة، وكأن الحقيقة الكاملة لا تُدرك إلا من خلال تضافر الأصوات.

ومن أبرز ما تطرحه الرواية إعادة قراءة العلاقة بين الرومي وشمس بوصفها علاقة تحوّلٍ روحي عميق، لا مجرد صداقةٍ عابرة. كما تكشف الصراع بين الروحانية الحية والمؤسسة الدينية الجامدة، وتؤكد أن الحب يتجاوز الهويات الضيقة والانتماءات الجامدة. التغيير، كما توحي الرواية، لا يبدأ من الخارج، بل من ثورةٍ صامتةٍ في الداخل.. من لحظة صدقٍ يعترف فيها الإنسان بظمئه.

أما مصير شمس المأساوي، فيجسّد ثمن الاختلاف في مجتمعٍ يخشى كل ما يهدّد استقراره الظاهري. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، يعادي من يوقظه من سباته، ويقاوم من يكشف له زيف طمأنينته. وهنا تبرز الرواية بوصفها دفاعًا عن المختلف، وعن حرية الروح في أن تبحث عن طريقها الخاص.

تكمن قوة العمل أيضًا في قدرته على تحويل التصوف " الذي قد يبدو فلسفةً عصيّةً على التلقي " إلى تجربة إنسانية ملموسة. إيلا تمثل "الموت النفسي" تحت وطأة الواجبات والتوقعات الاجتماعية، وشمس يمثل الشرارة التي تحرق القوالب لتفسح المجال للحياة. دخوله حياة الرومي، ثم حضوره غير المباشر في حياة إيلا، يكرّس مبدأ عظيم الدلالة، الا وهو، أن التحوّل لا يأتي دون ألم، وأن الولادة الجديدة تقتضي احتراقًا.

لم تنجح «القواعد الأربعون» لأنها قدّمت نصائح دينية، بل لأنها صاغت دستورًا روحيًا يتجاوز الأديان والمذاهب. من بين أفكارها المركزية:

أن الآخرين مرايا نرى فيها ما يختبئ في أعماقنا، وأن التسليم ليس خنوعًا بل ثقةٌ عميقة في حكمة الوجود، وأن اللحظة الحاضرة هي المجال الوحيد الممكن للحياة. هذه الأفكار، على بساطتها الظاهرية، تمسّ حاجةً إنسانيةً أصيلة إلى السكينة والمعنى.

تتقاطع شافاق بإسلوبها السردي مع التراث الصوفي في لغته الرمزية، ومع تقاليد الرواية الغربية الحديثة في تقنياتها السردية. انها تجمع بين بساطة العبارة وشفافيتها، وبين كثافة الرمز ودلالته. كما انها توظّف العناصر الأربعة " الماء، النار، الريح، الأرض " بوصفها استعارات لمراحل التحوّل الروحي، في انسجامٍ بنائي يشي بوعيٍ فنيٍّ متماسك.

صحيح أن بعض النقاد رأوا في الطابع الوعظي لبعض "القواعد" مسحةً تقريرية قد تخفف من كثافة الفن، غير أن هذا الوضوح نفسه كان أحد أسرار انتشار الرواية، إذ جعلها قريبةً من القارئ العادي دون أن تفقد عمقها الدلالي.

 لقد استطاعت شافاق أن توازن " إلى حدٍّ بعيد " بين الرسالة الجمالية والرسالة الإنسانية.

في زمنٍ تتفاقم فيه الاستقطابات الثقافية والدينية، وتتعالى فيه أصوات الإقصاء، تكتسب مثل هذه الأعمال قيمةً مضاعفة. فهي تذكّر بأن الدين، في جوهره، محبة، وأن الاختلاف لا ينفي القاسم الإنساني المشترك. وفي عالمٍ يركض بلا هوادة، تعيد الرواية الاعتبار إلى التأني الروحي، وإلى الإصغاء للصوت الداخلي.

ليست "قواعد العشق الأربعون" حكايةً عن صوفيين مضوا، بل هي دعوةٌ مفتوحةٌ إلى أن يفتّش كل إنسانٍ عن "شمسه" الخاصة.. تلك اللحظة أو العلاقة أو التجربة التي توقظه من غفلته، وتعيده إلى ذاته. ومن هنا تتجاوز الرواية حدود المتعة الجمالية لتغدو فعل وعيٍ ومحرّك تحوّل، ورسالة عشقٍ في عالمٍ يتعطّش إلى معنى أعمق للحياة.

بهذا النفس الإنساني المتدفق، وبالرؤية المنفتحة على التراث والحداثة معًا، تثبت إليف شافاق أن الرواية قادرةٌ على أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، بين العقل والقلب.. وأن الأدب، حين يتصل بجذوة التجربة الصادقة، يغدو طاقةً روحيةً تُنير عتمة الإنسان وتدلّه على طريقه.

**

سعاد الراعي

اللاجئ الشرقي وصدمته في الغرب

ما الذي سيكون عليه موقف طالب اللجوء في الغرب ليثبت مصداقيته في التواصل مع من يختلف عنه دينيا وثقافيا، طالما أمسى الشك بمصداقيته من قبل الآخر مسبقا، وليس من السهل زحزحته أو تغييره؟ تفرض هذه التجربة أسئلة صادمة لروافد ثقافته التي تعوَّد على أن لا يضعها تحت المساءلة، باعتبارها شأنا طبيعيا، مثل الهواء والماء والشمس.

رواية «+15» للكاتب العراقي المغترب في فنلندا ياسين غالب، تتصدى في بنية خطابها الفني لمسألة اغتراب اللاجئ المسلم، وما يواجهه من تحديات تضع كينونته الإنسانية على المحك، خاصة أن ثقافته بكل سطوتها، تشكلت في بيئة تتقاطع معطياتها، في كثير من المواضع القيمية، أخلاقيا واجتماعيا عن بيئة اللجوء.

مشهدية سينمائية

يتقدم السرد في رواية «+ 15 «مستعينا بلغة ليِّنة تملك قوتها الإيحائية في استبطان دواخل الشخصيات، ما يجعلها تمسك بالصورة والصوت معا، كما لو أننا نتابع تفاصيل مشهد سينمائي واقعي، التقطته عدسة كاميرا بالغة الحساسية:» اقتربتُ من النافذة، وأخرجت يدي للخارج، لمستُ أولى قطرات المطر المتساقطة، أفركُها بإصبعي، كصبي يكتشف مَنيَّهُ.. الماءُ هو الماء.. شاهدت الباص يمر في الشارع العام رسَم قوسين مائيين جانبيين في الهواء، عندما مرَّ ببركةِ ماءٍ صغيرة كوَّنتها قطرات المطر، كانت قد تجمعت من الليلة الماضية، مع صوت تشششش فعلت بعض السيارات».

سياق الزمن

يتوزع المتن الحكائي على ستة فصول، يتحرر فيها سياق الزمن السردي من مساره الأفقي إلى حركة دائرية، لينتج شكلا جماليا فضفاضا، مكَّن المؤلف من تقطيع الزمن إلى فصول، بما أتاح له تتبع قصص عدد من طالبي اللجوء، الذين عبروا من تركيا إلى اليونان ومن ثم إلى النمسا وألمانيا والنرويج وفنلندا عام 2015. فقد حاول سرمد اللاجئ العراقي الذي عمل صحافيا في بلده قبل أن يهرب منه، الحفاظ على شغفه بالكتابة أثناء وجوده في»الكمب» فما كان منه إلاّ أن يصغي لقصص اللاجئين، لتكون مادة روايته المقبلة، مبتدأ بزملائه العراقيين الثلاثة الذين يشاطرونه الغرفة رقم»155» سعد، لطيف، مروان، إضافة إلى خامسهم اللاجئ الأفغاني أمير.

ما بعد القص

بنية النص قائمة على تقنيات سرد ما بعد القص»الميتافكشن»حيث تتشكل الرواية من نصٍ أوَّل يضم في داخله نصَّا ثانيا، وهذا يعني أننا أمام مؤلفَين، الأول: غالب ياسين المؤلف الحقيقي للرواية، والثاني: سرمد الطاهر المؤلف الافتراضي للنص الثاني داخل النص الأول، بهذه الحبكة سنقف عند بنية سردية مركبة من طبقات يتناوب فيها على سرد الأحداث إلى جانب المؤلف الحقيقي والافتراضي، الشخصيات الرئيسية «لطيف، مروان، سعد، ليلى، أمير». ويشكل سرمد لوحده شخصية ثنائية من حيث الدور السردي الذي يلعبه، فبالإضافة إلى كونه المؤلف الضمني/السارد للأحداث في نَّص الرواية الثاني، فهو يمثل شخصية محورية في نَص الرواية الأول.

محنة الاغتراب

ابتداء من أول سطور الصفحة الأولى في الفصل الأول سنقف أمام شخصية لطيف الذي كان في المرحلة الأخيرة من دراسته للطب، قبل أن يغادر العراق، ليعبِّر عمَّا يدور في داخله، كاشفا عن إشكالية علاقته الاغترابية مع الزمكانية، بينما يكون جالسا في المترو صباحا، قاصدا الوصول إلى مكان عمله في العاصمة الفنلندية هلسنكي. فبدت حالته النفسية على درجة عالية من التوتر، تعكس حالة غضب شديد تسيطر عليه، إزاء ما يصدر من ردود أفعال لامبالاية من قبل ركاب المترو المنطلق بسرعة كبيرة، كما لو أنها إيحاء بسرعة جريان الزمن الخارجي، ومعادل موضوعي لبطء حركته داخل شخصية سرمد:» لِمَ تتباعدون عنّي؟ أنا لست خطرا، أنا أضعف من أن أؤذي فراشة، أنا هولوغرام «.

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية

فانتازيا سردية

بناء السرد قائم على تعددية الأصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم، اعتمادا على الشخصيات الست الرئيسية «لطيف، سعد، أمير الأفغاني، مروان، ليلى، سرمد»وكل فصل من الفصول الستة تنفرد فيه إحداها، لتسرد من وجهة نظرها أحداثا مرت بها في سفر رحلة اللجوء، والفصل السادس والأخير يتولى سرمد المؤلف الضمني، سرد حكايته، باعتبارها حكاية الآخرين وعنهم في آن، بذلك تكتمل دائرة السرد.كما أن هناك مساحة سردية لشخصيات ثانوية، مثل فيصل الكويتي، هانو الرجل الفنلدني العجوز وحِصَانيه «تيو وورها».

وبنقلة فانتازية يعمد المؤلف الضمني إلى أن يشارك الحصانين في لعبة السرد نيابة عن صاحبهما العجوز من بعد أن يموت في دار المسنين، وكان لطيف يتولى رعايته متطوعا، ليسرد الحصانان ماشهده العجوز مع عائلته من احداث اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان طفلا، وعلى لسانهما تتعرى جرائم مخيفة ارتكبها الجيش السوفييتي في فنلندا بحق المدنيين، حتى أنهم أوشكوا على طبخ العجوز هانو عندما كان طفلا لسد جوعهم.

هذه النقلة السردية الفانتازية في بنية النص الضمني تستمد منطقية حضورها من تعاطي لطيف للحشيش السويدي، فتنفلت ذاكرته من أسرها، لتنطلق خيالاته حرّة من قيود المنطق، فتختلط الوقائع بما هو متخيل، ولنقف أمام مقاربة فنية تفضح وحشية الحرب، سواء في فنلندا تحت سلطة الجيش الأحمر السوفييتي، أو في مدينة الفلوجة العراقية التي جاء منها لطيف هاربا بعد أن سيطر عليها تنظيم «داعش».

دائرية الزمن السردي

يتحرك الزمن السردي متنقلا بين مستويات زمنية متراكبة ومتداخلة أحيانا، فينسل منها الحاضر إلى الماضي، ومن ثم يعود بنا السرد إلى الزمن الحاضر في حركة متوالية سريعة لا تتوقف، كما لو أننا نتابع تقطيعا مونتاجيا سينمائيا، يتدفق بسرعة وحيوية، فالسرد يأتي ضمن مسار دائري، قوامه مجموعة أصوات تتناوب على نسجه، وتتسع هذه الدائرة لتشمل حتى الحصانين تيو وورها، وعلى ذلك فإن المؤلف قد وسّع من فضاء السرد ليجنح إلى بنية فانتازية، ليكون لهذه البنية التخييلية بكل جنوحها دور في صياغة المبنى الدلالي للسرد.

أزمة الشخصيات

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية، وتم التعبير عنها بشكل صارخ في شخصية»مروان»الذي لم يتردد في أن يبيع جسده لنساء مسنات ومثليين، ما أن وطأت قدماه مدينة هلسنكي، فالمهم بالنسبة له أن لا يعود إلى بغداد، وأن يقدم قصة قوية يقنع بها اللجنة بمصداقية خوفه على حياته من خطر الاستهداف بالقتل، إذا ما تم رفض طلب لجوئه وأُعيدَ إلى بلده، ومثله أيضا «ليلى»المتزوجة من»أكثم»إذ لا تتردد في أن تقيم علاقة عاطفية مع الباحث الاجتماعي الفنلندي»فيلبي»لأجل أن تحصل على الإقامة، مع انها تزوجت عن حب، رغم فارق المستوى التعليمي بينهما، فهي تحمل شهادة بكالوريوس من كلية الآداب وتكتب القصة والشعر، بينما زوجها لا يحمل شهادة جامعية، فتتعرض علاقتها في مجتمع اللجوء إلى هزات قوية، ولأسباب تافهة، وتكتشف عبر علاقتها مع فيلبي معنى الحب ومعنى أن ترتبط برجل مدى الحياة، فتستيقظ الأنثى المسحوقة بفحولة وشهوانية الرجل في داخلها، وتدرك أنها ليست أكثر من موضوع جنسي للزوج ساعة يكون سعيدا أو تعيسا، ولانَّ الغرب يدعم المرأة في حقوقها، تبدأ تمرينها على التمرد.

نهايات بائسة

العديد من اللاجئين يفشل في العثورعلى وسائل مشروعة تدعم بقاءه في بلد اللجوء، فينتهي إلى نهايات بائسة مثلا «شياو»الكردي يتحول إلى بائع مخدرات، ومهاجر أفغاني يحرق نفسه داخل غرفته في»الكمب»ويكون الانتحار أيضا خيار العراقي»لطيف»، ولم يكن مصير»سرمد» أفضل حالا من بقية الشخصيات رغم أنه أكبرهم سنا وأكثرهم ثقافة ولكن مقتل شقيقه الأصغر برصاص القوات الأمنية العراقية أثناء مشاركته في التظاهرات، يدفعه إلى اتخاذ قرار سريع بالعودة إلى العراق، خاصة بعد أن طاله اليأس من الحصول على الإقامة، ورغم أن بطاقة الإقامة تصله بعد قرار الرجوع، إلا أن نهاية الرواية تبقى مفتوحة، فلا نعرف إن كان سيعود أم سيبقى؟

الجسد هنا والروح هناك

أزمة الشخصيات الرئيسة تكمن في أن أجسادهم فقط تعيش في بلد اللجوء، بينما أرواحهم تقيم هناك، في الصحارى التي جاؤوا منها، العراق وأفغانستان والكويت(فيصل كويتي من شريحة البدون)ورغم أن أوطانهم ضاقت بهم، وحاصرتهم بالخوف والموت وانعدام الأمل، إلاَّ أنها مازالت تفرض سطوتها على مشاعرهم وأفكارهم وأنماط عيشهم.ولا تنتهي رحلة شقاء الشخصيات حتى بعد أن يصل بها المطاف إلى الملاذ الآمن، بل تتضاعف مشاعر ارتباطهم العاطفي بالمكان الذي هربوا منه، وتنمو في الروح لتصبح هاجسا يلازمهم، كلما هربوا منها، حتى روائح الأشياء من ثياب وتراب وحقول وأزهار تبقى عالقة في الذاكرة، فرائحة الحشيشة التي يتعاطاها أمير تذكره برائحة عظام أجداده في أفغانستان. ويبقى مشتتا بين إحساسه بضياع كرامته ورجولته عند عجوز فنلندية، تستغل حاجته للمال والأمان والدفء فتغتصبه، فما بين بحثه عن أخبار تطمئنه على شقيقه الأصغر بعد أن اعتقلته عناصر طالبان، وخشيته من أن يبيعونه لأحد زعماء القبائل ليستمتع به، لا نجد فرقا بين مصيره ومصير شقيقه لأن كلاهما مغتصب. والغربة هنا مثلما هي هناك، وإذا ما كانت في الأوطان أشد قسوة، فالاندماج أيضا ليس هيِّناً، ولن يتحقق بمجرد أن يقرر اللاجئ، إنما يحتاج إلى مكاشفةِ ذاته لذاته لتنهار الحواجز التي تعزلها عن نفسه وعن الآخر، وهذا ما بدت عليه شخصية «لطيف»عندما انخرط في العمل التطوعي في دار رعاية المسنين لمدة عام كامل، ومع ذلك كان يشعر باغتراب حاد ناجم عن انزواء الآخرين في عوالمهم الذاتية، وما كان يلمحه من مشاعر الارتياب على وجوه السكان الأصليين تجاه المهاجرين خاصة القادمين من الشرق، ليكتشف أن الكثير من الغربيين لا فرق بينهم وبين الشرقيين، فهم أيضا لديهم قناعات متوارثة يغلب عليها اللامنطق، تجعلهم يدورون في مكان واحد مثل الشرقيين.

يأتي عنوان الرواية»+15 «بمثابة تحذير لمن هم دون هذا السن بان يتجنبوا قراءتها، لانها اقتربت كثيرا من عوالم المثليين، ولامست في لغتها جوانب من أسرار حياتهم الجنسية.

***

كتب: مروان الدليمي

اليهودي شايلوك أنموذجاً

يعد تاريخ الأدب العالمي مجساً مهماً في كشف التحولات التي تطرأ في السياسة وغيرها من المجالات التي تستخدمها السلطة في تحقيق مآربها على المستوى التاريخي؛ كون أنّ الأدب يعد من صور الكشف الحقيقية للمتغيرات العالمية، كونه يرصدها ويبين متغيراتها على مر التاريخ. لذا، فإن في حقيقة تحول أي ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، وخاصة التي لها جذور تاريخية بعيدة راكزة في الوعي الجمعي السلبي، والتي تتحول فيما بعد إلى ظاهرة أخرى لها تأثير في العالم ونظامه، تثير هذه التحولات علامات استفهام حول هذه التغيرات التي حصلت مع أي ظاهرة على مر التاريخ.

ومن خلال دراسة بعض الصور التي وثّقها الأدب المسرحي بصورة خاصة، والمنظومات الأخرى من علم الاجتماع وعلم النفس وحتى الأخلاق في القرون السابقة، يتم الكشف عن طبيعة المنظومات الإنسانية المختلفة وما لها من دلالات تبيّن طبيعة السلوكيات في السابق، والتغيرات التي حصلت على مستوى الأنظمة في العالم بصورة عامة، وفي الجزئيات المطبقة في أنظمة الشرق الأوسط بصورة خاصة في الوقت الحاضر.

إنَّ من بين هذه الصور التي تمت فيها عملية التحول هي شخصية المنبوذ المهمش في كثير من القرون والعقود، وما ساقته لنا هذه الدلالات التاريخية من تصورات لواقعه فيما سبق، وبين ما هو عليه الآن، ومنها الشخصية اليهودية المؤثرة اليوم في صناعة الحدث من خلال تشكيل النظام العالمي الجديد، وما يخفيه هذا التحول من سيطرة في تكوين الوعي على مستوى الأنظمة السياسية، وخاصة عند بعض من سار في أفق هذه الشخصية وسياساتها المختلفة.

ومما لا شك فيه أن ما قُدّم من خلال الأدب والفن في القرون الماضية خير شاهد على أن هذه الشخصية كانت تعيش في تهميش عالمي وفي حالة من العزلة على المستويين الأوروبي والعالمي، مما جعلها تظهر بشكل علني في أهم مسرحية تناولت مثل هكذا شخصية، وهي مسرحية (تاجر البندقية) التي ألّفها الكاتب المسرحي الشهير (وليم شكسبير)، معطية دلالة واضحة لطبيعة هذه الشخصية التي مثلت المجتمع اليهودي آنذاك، كونه مجتمعاً يقبع في درجات متأخرة في السلم البشري في النظام العالمي القديم.

في هذا الجزء سنناقش هذا التحول الذي يعد من أولويات التغير في النظام العالمي الجديد، وخاصة بعد انحسار الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وظهور دول عظمى حاولت أن ترسم شكل النظام العالمي الجديد. وهذه الشخصية هي من أساسيات الظهور في هذا النظام الجديد بمظهر مختلف عما سبق لها، وهي التي تصنع الحدث الجديد بشكل معكوس لصورتها السابقة. ولكن لماذا أصبح التحول في هذه الشخصية واضحاً بعدما كانت متراجعة فكرياً وإنسانياً؟ وكيف استطاع هذا التغيير أن يمحو الصورة السابقة كما هي في مسرحية (شكسبير) التي ستكون جزءاً مهماً في حديثنا عن هذه الشخصية؟

يرى (شكسبير) في هذه المسرحية أن (شايلوك) -الشخصية اليهودية التي تسكن مدينة البندقية- هي شخصية تعمل على مبدأ السيطرة على التجار المسيحيين من خلال إقراض التجار في هذه المدينة بمال الربا وبشكل جشع، كما تصور المسرحية الحدث، مما يجعل قلوب تجار البندقية وأهلها في غضب وازدراء دائم لهذه الشخصية، وخاصة الشاب الذي يدعى (أنطونيو). وهذه العداوة والبغضاء تزداد بين الطرفين (شايلوك وأنطونيو) عندما يلتقيان في السوق وتصدر من الشاب كلمات فيها تأنيب لـ(شايلوك) اليهودي ومنها: "كافر، وكلب، وسفاح". وهذه الكلمات يعيدها اليهودي عندما يريد الشاب أن يقترض المال منه بعد ظروف يمر بها (أنطونيو). وتدور الأحداث في المسرحية وتتضح صورة اليهودي (شايلوك) بكل طباعها كما يصورها (شكسبير)، وتنتهي الأحداث بانتصار الشاب الذي تحكم له المحكمة بعدم قطع رطل من لحمه، كون ذلك يتعارض مع ما كُتب في الصك الخاص بالاقتراض دون أن تراق قطرة دم واحدة؛ إذ إن إراقة الدم تعرض (شايلوك) إلى مصادرة ماله وممتلكاته بحكم قانون مدينة البندقية (1). هذه الأحداث تبيّن حقيقة الشخصية اليهودية في أوروبا في القرون الماضية، ونحن نحاول في هذا الفصل أن نتحقق من طبيعة هذه الشخصية ومدى مصداقيتها على الشخصيات اليهودية في السابق.

إنَّ هذه الشخصية في مسرحية (تاجر البندقية) التي قُدمت مرات عديدة في المسارح الغربية، وخاصة في أوروبا وبالأخص في بريطانيا العظمى أيام (شكسبير)، كانت صورة طبيعية لهذه الشخصية وواقعها المصور. ثم إن هذه الشخصية وما تعانيه في السابق من انعزال وشراسة في التعامل مع كل من يحاول الاقتراب منها والمحافظة على كيانها، هي في الأصل تعاني من كونها منبوذة في المجتمعات بسبب ما تضمره تجاه الآخرين من أفعال توحي بطبيعتها. وما وصلت إليه الحالة النفسية لهذه الشخصية تتبين طبيعته من خلال تعاملها مع الوسط المحيط بها في دول أوروبا، التي تتمتع بأنها صاحبة الامتياز في النظرة الثقافية وما حملته فيما بعد من تطور علمي غزت من خلاله العالم وسيطرت على دول كثيرة.

لكن هذه الشخصية بقيت على حالها، بل زادت في عزلتها بسبب العزل الذي مارسته على نفسها عن المحيط الاجتماعي من غير أبناء جلدتها. وعلى الرغم من أن عدد اليهود كان قليلاً مقارنة بعدد سكان أوروبا، لكن هذا العدد القليل كان له الأثر الاجتماعي الذي جعل أشهر كتاب أوروبا والعالم يتناولهم ويجعل من طباعهم وتعاملهم حدثه الرئيس في المسرحية؛ كون (شكسبير) وغيره من المتمعنين في هذه الشخصيات، رغم قلتها، وجدوا لها أثراً واضحاً في التأثير على كشف حقيقة وطباع الأفراد والجماعات، ونقل الطريقة التي يفكرون بها، وبيان مجالهم العاطفي الذي يميزهم من خلال السلوك الواضح والمعبر عن غيرهم. هذه الأفكار العاطفية لها الأثر في تكوين شخصياتهم، وكذلك الطباع والسلوكيات التي تميزهم على الرغم من أنّها "تكون هذه النسبة المئوية من عدد السكان، الصغيرة نسبياً، أكبر من أن يعوض خطرها سائر السكان المحسوبين أسوياء. فحالتهم العقلية هي الجماعة الهائجة جميعاً، تحكمهم أفكار عاطفية وشوارد رغبية (Wish fantasies) في حالة من (الاستحواذ الجمعي) (Collective Possession)" (2). وهذه الصفات التي تشير إلى شواردهم الرغبية ساعدتهم في استخدام طرق ووسائل وأساليب للحصول على امتيازات معينة في المجتمعات التي يسكنون بها حتى وإن كانت بطرق غير سليمة، وهذا ما يدلل على التحولات التي حصلت لديهم، وكانت هذه الوسائل التي كشفها الأدب الشكسبيري مقدمات لما سيكون عليه مستقبلاً سلوك هذه الشخصية في تحولها نحو السيطرة الاقتصادية ومن ثم السياسية.

إنَّ طبيعة المدن اليهودية التي كانت مركزاً لتجمع اليهود في أوروبا، كانت تتصف بمواصفات تدل على إشكالية هذه الشخصية وصيغتها النفسية التي كانت تحاول أن تبين عكسه. ففي مسرحية (تاجر البندقية)، كانت شخصية (شايلوك) تبين أنها في ظاهرها غنية تلعب على وتر المال والربا، ولكنها كانت في داخلها شخصية مرابية وفيها الكثير من الانتهازية، وهي أيضاً شخصية تعاني داخلياً من هذه النظرة التي أوجدتها هي كنوع من الدفاع. وفي الوقت نفسه، كانت المدينة اليهودية التي يجتمع فيها اليهود تعاني أيضاً من القضية ذاتها، أي من الخراب الداخلي، ولكنها كانت تحاط بأسوار وتنعزل عن الآخرين رغم بؤسها من الداخل.

وهذه الأحوال الداخلية للمدينة اليهودية في أوروبا يقدمها لنا الأديب اليهودي (شالوم عليخم) من خلال هذا التصور، إذ يعطينا مثالاً عن إحدى المدن اليهودية، وهي مدينة (كاسر يلفسكي)، التي يصورها بالآتي: "المدينة في حد ذاتها خليط من البيوت الخشبية التي تضاربت حول مكان السوق عند سفح التل... وكاسر يلفسكي مكتظة كاكتظاظ الأحياء القذرة، وهي في الحقيقة حي قذر.. شوارعه ملتوية كمناقشات التلمود، ملتوية على شكل علامة استفهام، وتخرج منها حوارٍ وأزقّة وزرائب خلفية. وأغنى اليهود فيها يمكن أن يكون في إحدى صور أربع: غني أو فقير أو بائع متجول أو صانع، والشتتل (*) عادة ما يكون مستقلاً أو منفصلاً حضارياً وعرفياً عن البيئة المحيطة به" (3). هذه الصفات تبين طبيعة هذه الشخصية حتى وهي في الداخل، وأهم ما يميزها هو الانفصال الحضاري عن المحيط الذي يعيش فيه اليهود في أوروبا وغيرها من المناطق.

لقد تميزت الشخصية اليهودية في أوروبا سابقاً بصفات ثابتة تدلل على أن النظرة إليها هي نظرة حقيقية وليست نظرة متخيلة، أو فيها جانب من التجني. فالأدب الشكسبيري في نص مسرحية (تاجر البندقية) اختار هذه الصفات للدلالة على حقيقتها وتطابقها مع الشخصية اليهودية؛ فهي شخصية تأتي في الدرجات الدنيا في أوروبا لأسباب جعلتها تقع في هذا المجال التصنيفي في البعد السوسيولوجي والتاريخي في هذه المنطقة التي كانت حاضرة العالم، والتي لا يسمح لغير الأوروبي أن يتصدر المشهد الحضاري، وخاصة فيما يتميز به هذا الأوروبي دينياً عن الشخصية اليهودية. ورغم قدم المجتمعات اليهودية في أوروبا، إلا أنها تتميز بالمجالات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الآخرين؛ لذا كان من السهولة أن يتميز الشخص اليهودي عن الأوروبي، وخاصة المسيحي، في القارة العجوز.

قدم (شكسبير) صفات عديدة توضح طبيعة هذه الشخصية، فعمل على صياغة بعض من هذه الملامح من خلال المشاهد التي تبرز كل صفة، بين الجشع والحقد والحسد ومحاولة استخدام الدين لتبرير أعماله في الحصول على المال والسيطرة على الآخرين ووضع شروط مذلّة عليهم. يسوق (شكسبير) صفة الحسد والحرص الشديد على المال في المنظر الثالث من خلال حوار (شايلوك) مع (بسانيو)، ويصور الحوار هذه الصفات على لسان (شايلوك) نفسه:

"شايلوك: لا، لا، لا، لا، ما عنيته بقولي إنه كفيل جيد، هو أن أُفهمك أنه موثوق به، ولكن أمواله موضع الحدس والتخمين. فله سفينة تيمم شطر (طرابلس)، وأخرى صوب (الهند)، وفضلاً عن ذلك علمت في (الريالتو) أن له سفينة ثالثة في مياه (المكسيك)، ورابعة تتجه صوب (إنجلترا) كما سمعت عن سفن أخرى له متفرقة في البحار" (4).

ويتناول (شكسبير) صفة الحرص الشديد على الأموال على لسان (شايلوك) الذي يصف أموال الكفيل بالطائلة وأن سفنه تملأ البحار، لكنه لا يعتقد بأنها تضمن له أمواله التي يريد أن يعطيها؛ لأن الحرص الشديد لديه يقدم أحداثاً يعتقد بأنها تقضي على أموال الكفيل في البحار، ويوضحها من خلال الحوار الآتي:

"شايلوك: ... بيد أن السفن ليست إلا خشباً، وما الملاحون إلا بشراً، وثمة جرذان في البر وجرذان في البحر، ولصوص البر ولصوص البحر، وأعني بهؤلاء القراصنة" (5).

ويعتقد (شايلوك) أن هذه الأحداث قد تطيح بأموال الكفيل، وهذا ما يوضح حرصه الشديد على الأموال. كما يتناول (شكسبير) صفات أخرى تعبر عن طبيعة تلك الفترة، ومنها صفة انعدام المشاعر والحقد والكراهية الدينية التي يتبناها اليهودي ضد الديانة الأخرى في أوروبا وعدم احترامه لخصوصية الآخر الدينية، ويسوق هذه الصفة أيضاً في الحوار الآتي:

"شايلوك: نعم، لأشم رائحة الخنزير، ولأطعم من اللحم الذي جعله نبيكم الناصري للشيطان سكناً؟ لا.. إني أشتري منكم وأبيع لكم وأتحدث معكم، وأسير معكم، بيد أني لن آكل معكم أو أشرب أو أصلي معكم" (6).

هذه الصفة تجعل من الشخصية اليهودية قليلة الاحترام للآخرين في تعاملها معهم. ينتقل بعدها لصفة مرتبطة باستخدام الدين من أجل الحصول على المال من خلال التعامل بالربا، وفي الحوار الذي يدور بين (شايلوك) و(أنطونيو) يحاول الأخير تبيان تزوير (شايلوك) لكلام الأنبياء من أجل الوصول إلى مآربه، وكما يوضحه (أنطونيو) في حواره:

"أنطونيو: لقد كانت هذه يا سيدي صفقة عقدها (يعقوب) نظير خدمته، وإنها لشيء فوق قواه هو، هيأتها له العناية الإلهية. أو هل ضربت هذا المثال لكي تقول إن الربا حق؟ (...) استمع إلى هذا القول يا (بسانيو): إن في وسع هذا الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدس تأييداً لمآربه. وإنَّ نفساً شريرة تسرد الشواهد المقدسة شبيهة بشرير ذي وجه مبتسم، أو كأنها تفاحة جميلة المنظر ولكن متعفنة في الصميم. ألا ما أجمل الطلاء الخارجي للزور والبهتان!" (7).

هذه النفس اليهودية الشريرة التي تستخدم كل شيء للوصول إلى مآربها، حتى التزوير وتغيير المعاني الدينية لجعل الربا حلالاً، تجعل صاحبها يتصف بالقبح الداخلي والأناقة الزائفة والكلام المعسول الذي يغلف الباطل بكلمات الحق. وهذه الصفات تجعل من الشخصية قاسية وفاقدة للرحمة، وهو ما يسوقه (شكسبير) في حوار (أنطونيو):

"أنطونيو: أرجوك أن تتذكر أنك تناقش اليهودي. إنه لأسهل عليك أن تتوجه إلى الشاطئ لتأمر ماء المحيط أن يخفض من ارتفاعه، أو في وسعك أن تسأل الذئب لمَ أبكى النعجة بافتراس صغيرها، بل وفي مقدورك أيضاً أن تمنع أشجار الصنوبر الجبلية من تحريك أغصانها العالية... إذا كان في وسعك أن تفعل كل شيء مهما صعب، فإن في وسعك تليين قلب اليهودي الذي لا نظير له في قسوته" (8).

ونلاحظ أن (شكسبير) على لسان (أنطونيو) لم يقل "شايلوك" بل جعل الصفة عامة لكل يهودي من خلال تكرار الكلمة. كما يسوق صفة انعدام الرحمة، وفي الحوار الآتي يحاول (بورشيا) طلبها من (شايلوك):

"بورشيا: إذن فمن واجب اليهودي أن يكون رحيماً. شايلوك: وما الذي يلزمني بذلك؟ قل لي. بورشيا: إن الرحمة لا يلزم بها الناس إلزاماً وإنما هي كالمطر الرقيق يهطل من السماء على ما تحته... شايلوك: لتقع تبعة أعمالي على أم رأسي! إنني متمسك بالقانون ومصر على توقيع العقوبة..." (9).

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الشخصية اليهودية التقليدية تتصف بصفات سلبية نابعة من ذاتها وتعاني في ذهنيتها من تصورات داخلية متمظهرة في سلوكها الخارجي، ومنها:

- عقدة التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد.

- عقدة الانعزال عن البشر المتولدة من النظرتين معاً: الاستعلاء من جهة، والدونية في نظر الآخرين من جهة أخرى.

- تضخم الأنا من خلال التصورات المشتقة من بعض النصوص التي اعتبرت اليهود شعب الله المختار، والتي تعمقت فيما بعد من خلال ما تشكل في (التلمود) (*) اليهودي (10).

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

........................

الهوامش:

1.  ينظر: المقدمة النثرية، وليم شكسبير: (تاجر البندقية)، تعريب: دائرة التعريب بالمركز الدولي للصحافة، جونيه: المركز الدولي للصحافة والنشر والتوزيع، ب.ت، ص 5، ص 16.

2.  كارل غوستاف يونغ: (التنقيب في أغوار النفس)، ترجمة: نهاد خياط، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1996، ص 11.

3.  الشتتل: كلمة ييديشية تعني (المدينة الصغيرة)، وهو تجمع سكاني يهودي تتراوح أعداده بين ألف وعشرين ألفاً، وكانت الحياة تتمحور فيه حول المعبد والسوق. المصدر: د. رشاد عبدالله الشامي: (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية)، الكويت: عالم المعرفة، 1986، ص 12-13.

4.  د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 13.

5.  وليم شكسبير: المصدر نفسه، ص 37-38.

6.  المصدر نفسه، ص 38.

7.  المصدر نفسه، ص 38.

8.  المصدر نفسه، ص 40.

9.  المصدر نفسه، ص 102.

10. المصدر نفسه، ص 106-107.

11. التلمود: التراث الشفهي اليهودي الذي يضم اجتهادات الحاخامات في تفسير الدين. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر السابق، ص 20-21.

12. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 26-30.

بعد انحسار النصوص الأجنبية عن مسارح بغداد منذ فترة غير قصيرة، يعود المخرج (محمد حسين حبيب) إلى تناول نص مسرحية سبق وان قدمها قبل أربعين عاما في مهرجان منتدى المسرح / الدورة الثالثة 10- 20/ آذار 1986، وكنتُ مشاركا في المهرجان وحضرت العرض، انها مسرحية (أهمس في أذني السليمة) تأليف وليم هانلي، وعرضت في (منتدى المسرح) في شارع الرشيد، يومي الاثنين والثلاثاء ١٦- ١٧/ ٢/ ٢٠٢٦ الساعة السادسة مساء

تشارلي ينتظر ماكس، يأتي ماكس، يسأله تشارلي: هل جئت به؟ لا يعرف المتلقي ما الذي جاء به ماكس إلا في النصف الثاني من زمن العرض تقريبا، وليعرف أن العجوزين تشارلي وماكس يعيشان مأساة منذ أن وجدوا أنفسهم زائدين عن الوجود في الحياة، لذا طلب تشارلي من ماكس ان يقتله بالمسدس الذي جاء به ثم ينتحر. فكان المتلقي بانتظار اجابة السؤال: متى تنتهي حياتهم القاتمة وكيف ستتم عملية القتل والانتحار.

(أن المشردين والفقراء والساكنين في دور المسنين والذين يشعرون بأن لا ضرورة لهم، عليهم أن يبحثوا عن شيء لجعل حياتهم أكثر إشراقا.) هذا ما سعى المخرج إلى تبنيه وتقديمه للمتلقي بصورة جلية لا لبس ولا غموض فيها.2416 habib

تضامن الإخراج مع النص في زرع أحداث وانسيابية بناء الشخصيات مثل زرع شفرة المسدس والسعي للموت، وشفرة فاكهة الرمان والدافع للحياة، شفرة الكراسي وحركتها في مساحة الحلبة. وكانت البلاغة حاضرة في سلوك الشخصيات والحوار عندما تذوق (تشارلي) فاكهة الرمان لأول مرة في حياته، انه يعاني من الحرمان لدرجة انه لا يعرف فاكهة الرمان لا من حيث الطعم ولا حتى كيف تؤكل… وعندما يصر ماكس على قتل تشارلي ويشهر المسدس مرات عدة في وجهه، تشارلي يقول لماكس دعنا نعيش لنأكل رمانة اخرى. وكأن الرمانة تشكل حافر للحياة، وبارقة أمل لبداية جديدة.

سار الإيقاع إلى منتصف زمن العرض تقريبا برتابة ناتجة عن سببين: السبب الأول: تقديم المعلومات عن تاريخ الشخصيات والتعريف بأسمائهم (ماكس وتشارلي) وانهم يريدون العيش من اجل اي شيء ينتظرهم او مكان يأويهم او أحد يحبهم وليس في دار مسنين بائس، وأن (تشارلي) ضعيف النظر ومصاب بـداء (ألزهايمر). السمات المشتركة بينهما هي إنهما عجوزين، ضحايا ماض ملوث وقاسي. اكتشف ماكس ان امه امرأة زانية مع الكثيرين، وقد همس لابوه بذلك، ولكن الأب الطيب الذي يمتلك أذن سليمة واحدة، عجّز عن إيقاف زنا الام في المخزن، الذي وَلَدَ عقدة نفسية لدى (ماكس) جعلته مضربا عن الزواج، رغم حبه لان يكون لديه أولاد، لدرجة انه يخترع وجودهم ويدعي أنهم يكتبون له رسائل. أما تشارلي كان فقد يتعاطى المخدرات ويتسول.

لا يوجد صراع فعلي بين الشخصيات بقدر ما يكون الصراع (داخليا) مع ذواتهم ومع المسدس (فكرة الموت) الذي عمل المخرج على تشويق المتلقي زمنا طويلا حتى تم كشف المسدس والمراد فعله.

السبب الثاني: إشكالية المنظر أو موقع الأحداث التي كانت في المتنزه/ الحديقة العامة، بحسب وصف المؤلف، وما جاء في على لسان الشخصيتان في  الحوار، في حين كان المنظر الماثل أمام المتلقي هو حلبة مصارعة، وكانت بنية الشخصيات وأبعادها وسلوكها يتسم بالواقعية، وكانت قريبة من وجدان المتلقي إلى حد كبير، وأثارت التعاطف معها، ولكن بيئة الحدث (حلبة المصارعة) أخذت بعدا رمزيا وفتحت  العرض على تأويل غير متسق مع صورة الشخصيات الواقعية المرسومة بعناية فائقة، خصوصا مع حالة التقمص في إداء الشخصيات وعدم وجود صراع فعلي بين الشخصيتين، إذ أن الصراع كان مع حالة اليأس المسيطرة على الشخصيتين، وإذا ذهب التحليل الى أن (تشارلي وماكس) يعيشان في بيئة مصارعة، فهذا يتنافى مع الوصف الذي يقولونه في الحوار (حديقة عامة أو منتزه) وحالة الصداقة الجميلة بينهما.2417 habib

ورغم الحالة السوداوية للعرض، إلا أن روح الكوميديا كانت حاضرة في أداء الشخصيات والتي أظهرت تمكن الممثلين (أحمد عباس ومحمد حسين حبيب) من تقديم مختلف الحالات الشعورية والتماهي مع طبيعة الشخصيات غير المستقرة نفسيا.

يمكن تصنيف العرض ضمن نوع (الديودراما) القائمة على الحوار بامتياز، رغم وجود صوتين خارجيين اضافة إلى شخصيتي (تشارلي وماكس) إذ منح صوت المرأة (شذى سالم) والطفل (أحمد بشير) زخما عاطفيا للعرض وليس تصعيدا دراميا.

اكتفى مخرج الديودراما (محمد حسين حبيب) بالتأكيد على الصورة السمعية التي قدمت الفكرة بانسيابية وعمق، عبر إلقاء حوار اتسم بالوضوح التام واللغة العربية السليمة - مع الإشارة إلى ندرة وجود إداء مسرحي تتسم بهذه الصفة - وتناغمت الأصوات والإلقاء مع حركة الممثلين، ولم يذهب الإخراج كما جرت العادة في الكثير من العروض إلى التأكيد على الصورة البصرية أو ما يسمى بــ (سيادة المرئيات على المسموعات) حتى وإن لم تحتمل معطيات النص ذلك مما يخلق تشويشا على عملية التلقي. مع وجود لحظات كثيرة احتاجت إلى دعم الجو النفسي بالموسيقى والمؤثرات مثل: (ترقب: اظهار المسدس واشهاره) (مشاعر تشارلي تجاه حبيبته) وان رصد مثل هذه الحالات تحتاج أن يجلس المخرج أمام الممثلين في الصالة أكثر مما أن يكون المخرج ممثل على المسرح. إلا أن المخرج (محمد حسين حبيب) في تقديمه للعرض الثاني والثلاثين في مسيرته الاخراجية آثر أن يكون ممثلا ومخرجا لهذا العرض الذي حرك المشاعر وحفز الأفكار تجاه كبار السن بأسلوب ملؤه الجمال طوال خمس وخمسون دقيقة.

***

ا. د. حبيب ظاهر

قراءة في أزمة الذات في ادب نجيب محفوظ ومحمود المسعدي

مقدمة: لم يعد مفهوم الهزيمة في الأدب العربي الحديث محصورًا في دلالته السياسية أو العسكرية، بل اتّخذ أبعادًا أعمق، تمسّ بنية الوعي، وتكشف تصدّع العلاقة بين الذات والعالم. فالهزيمة، منذ منتصف القرن العشرين، غدت حالة وجودية مركّبة، يتداخل فيها التاريخي بالثقافي، والجماعي بالذاتي، ما جعل الأدب أحد أبرز الحقول التي استوعبت هذا التحوّل، لا بوصفه انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتباره فعلًا تأويليًا يعيد صياغة الخسارة في لغة، وصورة، وبنية سردية.

في هذا السياق، تبرز أعمال نجيب محفوظ ومحمود المسعدي بوصفها نماذج دالّة على تحوّل الهزيمة من حدث خارجي إلى أزمة داخلية. فمحفوظ، في الشحّاذ وسلسلة رواياته التأملية، ينقل الصراع إلى داخل الذات الحديثة، حيث يصبح الانكسار فقدانًا للمعنى قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا. أما المسعدي، في السد وحدّث أبو هريرة قال…، فيؤسّس لخطاب أدبي فلسفي يرى الهزيمة قدرًا أنطولوجيًا للإنسان في صراعه مع المطلق، والطبيعة، والوجود.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث، من خلال مقاربة نموذجين سرديين مختلفين في اللغة والسياق، متقاطعين في الجوهر: أزمة الذات، وقلق المعنى، واستحالة الاكتمال.

أولًا: الهزيمة بوصفها أزمة ذات في الأدب العربي الحديث

أسهمت التحوّلات السياسية والفكرية التي عرفها العالم العربي في تفكيك التصوّرات الكلاسيكية للذات، فبرز في الأدب نموذج الإنسان الممزّق بين وعيه النقدي وعجزه الوجودي. ولم تعد الهزيمة تُصوَّر بوصفها هزيمة جماعية فقط، بل كشرخ داخلي، يتجسّد في القلق، والضياع، والبحث العبثي عن المعنى.

هذا التحوّل يجعل من الذات مركزًا للسرد، ويحوّل الأدب إلى مختبر لفحص الهزيمة في مستوياتها النفسية والفكرية، وهو ما يتجلّى بوضوح في روايات نجيب محفوظ ومحمود المسعدي.

ثانيًا: نجيب محفوظ والهزيمة الداخلية للذات الحديثة

تُعدّ رواية الشحّاذ (1965) من أبرز النصوص التي عالجت الهزيمة بوصفها فراغًا وجوديًا. فالبطل، عمر الحمزاوي، ليس مهزومًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل مثقف ناجح، غير أنّه يعاني خواءً داخليًا، وفقدانًا للغرض، ما يجعله شحّاذًا للمعنى لا للحياة.

الهزيمة هنا ليست سقوطًا خارجيًا، بل عجز الذات عن التحقّق، وعن التوفيق بين الفكر والفعل. ويستمر هذا الهاجس في روايات محفوظ الأخرى مثل الطريق وثرثرة فوق النيل، حيث تتجلّى الهزيمة في صورة العبث، والانفصال عن الواقع، والانكفاء إلى اللامبالاة.

يعتمد محفوظ سردًا نفسيًا وتأمليًا، يجعل من الشخصية فضاءً لتجلّي الانكسار، ومن المدينة الحديثة مسرحًا للضياع، وبذلك تتحوّل الرواية إلى نقد عميق للوعي العربي الحديث، الذي امتلك المعرفة، لكنه فقد البوصلة.

ثالثًا: محمود المسعدي والهزيمة بوصفها قدرًا وجوديًا

على خلاف محفوظ، لا ينطلق محمود المسعدي من واقع اجتماعي مباشر، بل يؤسّس نصوصه على بعدٍ فلسفي وتجريدي. ففي السد، تتجلّى الهزيمة في صراع الإنسان مع الطبيعة، وفي وهم السيطرة على المصير. فالسدّ، بوصفه رمزًا، يتحوّل إلى تعبير عن طموح الإنسان المطلق، وعن حتمية سقوطه أمام قوانين الوجود.

أما في حدّث أبو هريرة قال…، فتتخذ الهزيمة شكل قلق وجودي عميق، حيث يعيش البطل صراعًا بين الجسد والروح، وبين الرغبة والمعرفة. هنا، لا تكون الهزيمة نتيجة حدث، بل نتيجة وعي الإنسان بمحدوديته، وباستحالة الإمساك بالحقيقة الكاملة.

لغة المسعدي المكثّفة، المشبعة بالبعد الفلسفي والتراثي، تجعل من الانكسار تجربة معرفية، لا مجرّد مأساة نفسية، وتمنح الهزيمة بُعدًا كونيًا يتجاوز السياق العربي المحلي.

رابعًا: من الانكسار إلى مساءلة المعنى

على الرغم من اختلاف السياق والأسلوب، يلتقي محفوظ والمسعدي في جعل الهزيمة مدخلًا لمساءلة المعنى. فالهزيمة، في نصوصهما، ليست نهاية، بل لحظة وعي حاد، تكشف زيف اليقينيات السابقة، وتضع الإنسان أمام أسئلته العارية.

وهكذا، يتحوّل الأدب من رصد للانكسار إلى فعل نقدي، يعيد التفكير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، ويمنح الهزيمة وظيفة معرفية وجمالية في آن واحد.

الخاتمة

تبيّن هذه القراءة أنّ تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث تتجاوز بعدها التاريخي، لتغدو تعبيرًا عن أزمة وجودية عميقة. ففي روايات نجيب محفوظ، تتجلّى الهزيمة في فراغ الذات الحديثة، وعجزها عن التوفيق بين الوعي والفعل. أما عند محمود المسعدي، فتتخذ الهزيمة بعدًا أنطولوجيًا، يكشف حدود الإنسان في مواجهته للمطلق والوجود.

لقد أسهم هذا التناول في تحويل الأدب العربي الحديث إلى فضاء للتأمّل النقدي، لا في أسباب الهزيمة فحسب، بل في معناها الإنساني العميق. ومن ثمّ، يمكن القول إن الأدب، وإن كتب من موقع الانكسار، ظلّ قادرًا على إنتاج وعي جديد، يجعل من الهزيمة لحظة كشف، لا مجرّد سقوط.

***

مجيدة محمدي - تونس

........................

المراجع

نجيب محفوظ، الشحّاذ، دار الشروق، القاهرة.

نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل، دار الشروق، القاهرة.

نجيب محفوظ، الطريق، دار الشروق، القاهرة.

محمود المسعدي، السد، الدار التونسية للنشر.

محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال…، الدار التونسية للنشر.

فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي.

صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.

عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي.

إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب

تتشكل قصص "كاتب الديوان" للكاتب والقص الجزائري خليل حشلاف من عناصر وموضوعات سردية تتوزع بين ضوابط القص وأدواته المعروفة من حوار ووصف وأحداث وشخصيات وموضوعات تنزاح عن طابعها المألوف في انتهاجها لنمط ينأى عن طابعها الشائع حيث يخترق سلطة تسيير ورسم الوقائع التي يتحكم القاص في تحديد مسارها، وسير مجرياتها، فضلا عن تضمين مدونة القص عناصر مختلفة من قبيل السؤال، والكتابة، والتحول عطفا على ما هو أسطوري غيبي، وأنسنة لكائنات كالذباب، والورود، والأشجار، في تقاطع مع أشخاص من صنف المجانين، وما طبع بعض سياقات السرد من نزعة وجودية بأبعاد عقدية غيبية.

وبما أن المجموعة صنفت ضمن القصص القصيرة فقد تضمنت عناصر القصة المعروفة من حوار خارجي حينا: " ـ ماذا ألم بالمدينة؟ / قال الأول: / ـ رجل طارئ / قال الثاني: / ـ حراسنا قبضوا على كاتب الديوان متلبسا بالخيانة " ص21، وداخلي أحيانا: " وهمست في خبيئتي: إن رحاب بيتي قد ضاقت... " ص39، ووصف: " كان خداها برتقاليتين ونهداها رمانتين وجسدها الأبيض قطعة لحم مضرمة في الزيت ومداواة بالعشب ومضمخة بالكوثر.. " ص9، وشخوص مثل الملك، وكاتب الديوان، وإبراهيم، وأحمد بن واوة (المجنون)، والكتبي، ومقداد، و(محمد ع)، وفي تكريس للطابع العجائبي داخل المجموعة تم توظيف الذبابة، والوردة في نسق منظومة الشخوص كما في نص " نوابض السريرالحديدي "، وما أضفاه عليهم الكاتب من أنسنة، بالإضافة إلى الأحداث التي تميز بعضها بخاصيات غرائبية. وهناك عناصر وردت ضمن ثنايا المجموعة ساهمت في خلخلة نمطية السرد، وتكسير إيقاع خطيته، مثل عنصر الكتابة كما نقرا في نص " ظمأ": " أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟ " ص15، في الصدع برغبة ضمنية، عبر السؤال، عن اجتراح فعل كتابة مختلفة مع نفي صفة الكاتب عن المتكلم، وهو ما يثبت في الآن ذاته ولعه بالكتابة وافتتانه بتضميخ بياض الورقة، وترجمة ما تعج به دواخله، وما يجول بذهنه على بياض الصفحة، بل نَهَجَ مسلكا مغايرا في وضع نهاية مختلفة يتركها، ويوكل أمرها لكاتب آخر: " بادهته حيرة في أن يكتب قصته بنهاية أخرى... ومضى يجرب ما تخيله، ويترك نهاية قصته لكاتب آخر... " ص18، وهو نهج مختلف عن المواضعات والضوابط المتبعة في كتابة القصة التي يملك الكاتب سلطة تحديد نهايتها دون تكليف غيره بذلك. وعنصر التحول الذي طال يد الراوي ليحولها إلى قطعة جليدية يتوسطها قلم كما جاء في قصة " نسر بلا أجنحة ": " وشعرت أن يدي استحالت إلى قطعة جليدية في وسطها قلم..." ص10، وتحول القصاصة التي هي عبارة عن كتلة صغيرة إلى بركة بعد أن رشحت وفاضت لتملأ الغرفة بماء عكر: " القصاصة كتلة مائية صغيرة، فاضت، تحولت إلى بركة، ساحت على الغرفة بماء عكر... " ص10، والجانب الأسطوري الذي تمثل في ولي الله الصالح، والذي يتردد على ضريحه كل من يرغب في النهل من حياض علمه وصلاحه: " يا ولي الله الصالح: ها قد جئتك أشد أزارك الأخضر، وأرش قبرك بعطر الفقراء الرخيص... أدعوك أن تعلمني سر علمك، وجوهر صلاحك... " ص 14، إلا أن الموقف ما يفتأ يتغير أمام عدم استجابة الولي المدفون بالقبر وتجاوبه مع طلب الزائر لضريحه: " هذا الصخر لا يجيب.. " ص14، إلا أن موقف الأم ظل ثابتا رهين عقيدة راسخة بقدرة ولي الله الصالح على الاستجابة لدعاء وطلب زائريه: " وأمي تداوم الزيارة وعندما نسام من بكائها نسألها الخروج، فتعود راضية البال مطمئنة.. " ص14، فتتأسس مفارقة قطباها الثقة والاعتقاد الراسخ بالولي، والانغماس في قراءة الكتب، والاهتمام بما هو ثقافي معرفي، وما ينجم عنه من غياب الاعتبار والتقدير لرجل الثقافة: " إن هذا الرجل مهيب وملهم في جذب الناس، فساسهم من حيث لا يعلمون، كان بيده شفاؤهم أو موتهم وها أنا الرجل المحاط بأرفف الكتب لا جمل ولا ناقة.. " ص14. وتضمنت قصص المجموعة كذلك مشاهد خبل وجنون في قصة " عسس الليل "، والتي تحكي عن شخص لم يتمدد على الأرض لمدة خمس سنوات، ولا يتناول الطعام لأيام كثيرة، وتصدر عنه همهمات مبهمة. تسكن عينيه حالة زوغان، ويرى وكأنه يتربص بشيء ما ويرصده، هيئته على قدر كبير من النتانة كما تصوره بعض مقاطع القصة: " إذ له إلى تلك الليلة خمس سنوات لم يضع جنبه على الأرض ويمكث أياما عديدة لا يأكل... كان يكثر من الهمهمات من الصباح حتى الغروب... ففي قعر عينيه تيهان لا حد له وكان وقوفه ركضا وراء شيء لا يحيد عنه، تراه وأرجله المفلطحة والأظافر التي تخشبت من الأوساخ، يعود وكأنه ظفر بشيء ما... " ص37، و الانتقال لمتابعة ظهور مجنون آخر هو أحمد بن واوة، إلا أن ما توقعه الراوي من حدوث خصام أو شجار بينهما لم يحصل: " إلى أن جاء أحمد بن واوة ـ مجنون مثله ـ... التقت عيناهما وظل يحدقان ببعضهما حتى إني انتظرت حدوث شيء تخيلت معركة بين المهبلين بالأيدي والعصي... " ص37، فانقطع الخيط الرابط بين أحمد بن واوة والراوي، وسار كل في طريقه ومن ثمة تم تعليق فصول الرواية: " أردت أن أقول له شيئا، أي شيء، لكنني وجدت فمي معلقا كأنه مخيطا بقفل، ورأيته يخالفني الطريق... شعرت وكأنني أريد أن أذهب وراءه، لكن رجلاي قادتني بعيدا إلى تذكرة قديمة... تمنيت لو أني أشاهد الرواية كاملة ويتم السماع التام." ص38. وقد كان حضور العنصر الغرائبي بارزا في ثنايا الأضمومة حيث يتم أنسنة الأشجار من خلال الإحساس بقدرتها على الكلام: " ساعتها شاهدت أشجارا ينظرن في استنكار وتعجب أن كل شجرة تقول: يا عبد الله تأدب مع الله... " 8. أو ما حدث للقاص مع الكتاب الذي حلق إلى أعلى وشرعت أوراقه في الانفجار: " أخرجت كتاب الجيب، وضغطت عليه بقوة، هويت بكل جسدي إلى الأرض، ارتفعت قليلا، وأثناء ذلك رميت الكتاب بعزم... ارتفع الكتاب إلى الأعلى وفجأة سمعت أوراقه النافرة محدثة انفجارا أو دويا... " ص14، في تصوير لمشهد سريالي عجيب. ولم تخل نصوص المجموعة كذلك من نفحة رومانسية نوعت في أساليبها التعبيرية لتكسير إيقاع السرد وخطيته كما في قصة " ظمأ ": " وكتفتح الوردة الندية تقرأ شفتاها كلمات القصيد ورحيق صوتها يدور في أفلاك الغرفة... " ص16، مستطردا: " كانت الشمس تترك تحياتها على السماء أشكالا وألوانا قزحية... " ص17، ماتحا من معجم رومانسي تختزله عناصر من صلب الطبيعة كالورد، والرحيق، والشمس، والألوان القزحية لتشكيل لوحة تنضح نضارة وبهاء. وكان السؤال أيضا، عبر امتداداته وتعالقاته، حاضرا في العديد من قصص المجموعة، ويبرز ذلك من أول نص " نسر بلا أجنحة ": " فالأسئلة نشرت خواطري في صحاري كلما توغلت فيها شعرت بضحالتها... " ص7، فتظل معلقة على أفق تحكمه المستجدات والصدف: " وظلت الأسئلة معلقة !. " ص9، لتمتد إلى مواضيع كالكتابة: " وسارق النار يسائل نفسه: أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟... " ص 15، بطرح استشكالات الكتابة، وما تنطلق منه من خلفيات، وما تستشرفه من أبعاد ومرامي نابعة من صلب كنهها وجوهرها. وتطرق كذلك للنزعة الوجودية ومدى علاقتها بموضوع الموت والحياة: " أليس في كل موت حياة، وفي حياة موت؟! " ص17، وما يوحدهما أو يفرقهما من مفارقات وتجاذبات. والطابع الرومانسي وصياغته على شكل سؤال: " هل أدلك على شيء يعطر الألوان بأجنحة الموسيقى؟ " ص27، داخل أشكال تعبيرية يؤثثها الحلم والخيال. والتشكيلي في استحضار للفنان العبقري فان غوغ: " من يرسم فان غوغ غيره؟ " ص27. وأيضا الجانب الغيبي في انفتاح على عالم الجن: " هل هو جن يريد أن يلعب معنا؟!" ص31، ككائن غيبي تنسج حوله حكايات غريبة. كما كانت هناك إشارات لما يعيشه المجتمع من أعطاب تدفع بفئة من أفراده إلى الارتماء في أحضان الرذائل والموبقات: " قررت أني ضحية مجتمع تعفنت أعرافه وأعراقه، هذا ما قد يبرر معاقرتي للخمر وممارسة الشهوات... " ص 8، وينتقل بعدها القاص إلى ما هو قومي عربي في تصوير لما يعيشه العراق من أوضاع قائمة على الفساد والقمع والاستغلال من طرف طغمة تكتم أنفاس الأفراد لتنفرد بالحكم والسلطة: " أبناءنا ببغداد تداءمت عليهم أذناب الغدر، والغفل منهم يتحدثون عن انتخابات تعددت فيها الأنهار، يا لحزن شعوبنا ما زالوا ينامون على أخبار موت أطفالهم وينهضون على صناديق تثقل كاهلهم بإذاعة رأيهم والرأي المخادع، فأصبحوا لا يحركون نأمة وكلما حاولوا نفض التراب، نجح الملوك إلى رميهم بقناة مسيلة للكرامة وقد جمح الجنرالات على ضعفائها كأنهم الناقة الجرباء.. " ص42، في كشف وفضح لما يعيشه المواطن العراقي من استبداد وتسلط من قبل الحكام الذين يعيثون الفساد، ويكرسون منطق الاستفراد، في تسيير شؤون البلاد والعباد.

ف " كاتب الديوان " قصص تجمع بين أدوات القصة الأساسية متوسلة بمواضيع وعناصر في تجريب ُمخْتلِف لشكل سردي يروم التجديد والتغيير بما يفتحه من آفاق مغايرة لطرائق قراءة تتغيا الاكتشاف والاستشراف.

***

عبد النبي بزاز

.......................

* كاتب الديوان (قصص) خليل حشلاف، إصدار طوى للثقافة والنشر والإعلام ـ لندن 2012.

 

ليس النقد الأدبي فعلاً تابعاً للنص، ولا وظيفةً شارحةً لما استغلق من عباراته، بل هو ـ في جوهره العميق ـ إعادةُ خلقٍ معرفيٍّ للنص داخل أفقٍ أوسع من لغته الظاهرة. فالناقد الحقّ لا يقف عند حدود التذوّق أو الانطباع، بل يمتلك عبقرية التركيب اللغوي التي تمكّنه من تحويل القراءة إلى فعلٍ تأويليٍّ مركّب، يجمع بين الحسّ اللغوي والبصيرة الفلسفية، وبين علم الدلالة وسياقات الاجتماع والثقافة.

إن اللغة ليست مادّةً محايدة؛ إنها نظامُ علاقاتٍ وتاريخُ وعيٍ متراكم. ومن هنا كان على الناقد أن يمتلك قدرةً فائقة على افتِحاص النص المنقود؛ أي تفكيك طبقاته الصوتية والتركيبية والدلالية، والانتقال من ظاهر القول إلى باطنه، ومن العلامة إلى مقصدها، ومن الأسلوب إلى بنيته المعرفية. فالنص الأدبي لا يُقرأ في مفرداته، بل في توتّراته الداخلية، وفي صمته بقدر ما يُقرأ في نطقه.

وقد أدرك البلاغيون العرب هذه الحقيقة مبكراً حين ربطوا المعنى بالنظم، فأسّسوا لنقدٍ لغويٍّ عميق بلغ ذروته عند عبد القاهر الجرجاني الذي رأى أن جمال النص لا يكمن في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنتظمها داخل السياق. فالنظم عنده ليس ترتيباً لفظياً فحسب، بل هندسة عقلية تتجاور فيها الدلالة والنحو والبلاغة. وهنا تتجلّى عبقرية الناقد: أن يرى العلاقات الخفية التي لا يراها القارئ العابر.

غير أنّ النقد الحديث لم يقف عند حدود البلاغة؛ إذ توسّع ليصبح مجالاً تلتقي فيه أطراف العلوم والفلسفة. فالناقد المعاصر مطالب بأن يجمع ما أخذ من علوم الإنسان المختلفة تأثّراً وتأثيراً وتجاذباً وإمداداً واستمداداً؛ من اللسانيات إلى علم النفس، ومن التاريخ إلى الأنثروبولوجيا. وقد أسهمت البنيوية وما بعدها في توسيع هذا الأفق، حين تعاملت مع النص بوصفه شبكةً من العلامات لا مرآةً للواقع فحسب، كما نجد عند

رولان بارت الذي نقل مركز الثقل من المؤلف إلى اللغة ذاتها، وجعل القراءة فعلاً إنتاجياً لا استهلاكياً.

لكن هذا الاتساع المعرفي لا يستقيم دون الاستناد إلى علم الكلام بوصفه علماً كلياً أكبر؛ إذ إن جوهره قائم على الجدل العقلي وبناء الحجّة وتحليل المفاهيم الكلّية. فالكلاميون لم يناقشوا النصوص الدينية وحدها، بل أسّسوا لمنهجٍ في النظر يقوم على مساءلة المعنى وإقامة البرهان وموازنة الظاهر بالباطن. ومن هنا يتأثّر علم المقاصد بهذا المنهج تأثيراً عميقاً؛ إذ ينتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الفرع إلى الأصل.

وعلم المقاصد ـ في بعده المعرفي ـ لا يقتصر على التشريع، بل يمكن توظيفه نقدياً لفهم النص الأدبي؛ لأنه يبحث عن الغاية الكامنة وراء البنية. فالناقد حين يتتبّع مشاوير النص إنما يسأل: إلى أي أفقٍ يتجه المعنى؟ وما الذي يريد النص قوله عبر ما لا يقوله صراحة؟ وهنا يتكامل الباطني والظاهر، إذ يصبح الأسلوب جسراً بين المقصد الخفي والبنية المعلنة.

وقد مارس بعض النقاد العرب هذا الوعي المركّب، كما عند طه حسين الذي جعل النقد بحثاً في التاريخ الاجتماعي للعقل العربي، لا مجرد تقويمٍ للأساليب. فالنص عنده ابنُ بيئته، واللغة انعكاس لتحوّل المجتمع. وكذلك نجد في النقد الفلسفي الغربي أثراً واضحاً لتحليل الخطاب بوصفه ممارسة سلطة ومعرفة، كما بيّن ميشيل فوكالت حين ربط اللغة بأنظمة التفكير التي تنتجها المؤسسات والثقافات.

وإذا عدنا إلى الجذور الأولى للنقد، وجدنا أن الفلسفة نفسها قد وضعت أسسه حين جعلت المحاكاة والتمثيل أساس الحكم الجمالي، كما في تنظير أرسطو الذي نظر إلى الأدب باعتباره بنيةً ذات قوانين داخلية يمكن تحليلها عقلياً. ومنذ ذلك الحين، ظلّ النقد يتحرك بين قطبين: قطب الجمال وقطب الحقيقة.

أما المذاهب النقدية، على اختلافها، فهي محاولات للإجابة عن سؤال واحد: أين يقيم المعنى؟ فالواقعية تبحث عنه في المجتمع، والرومانسية في الذات، والبنيوية في اللغة، والتفكيكية في الاختلاف والانزياح. غير أن الناقد المتمكّن لا يستعبد نفسه لمذهبٍ واحد؛ بل يجعل المذاهب أدواتٍ لا قيوداً، يستنطق بها النص وفق مقتضى حاله.

ومن هنا تبرز ضرورة حثّ الأديب على تتبّع حالة الازدهار اللغوي وبنيانه؛ لأن اللغة كائنٌ اجتماعيٌّ حيّ، لا زخرفٌ معزول. فالكاتب الذي لا يفهم بنية ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه يكتب خارج الزمن، ويصنع نصوصاً بلا جذور. غير أنّ هذا الفهم لا يعني الوقوع في أسر العامية أو الابتذال، كما لا يبرّر الانزلاق إلى لغةٍ مقعّرة متكلّفة أو محدّبة متعالية على القارئ؛ لأن البلاغة الحقيقية هي اقتصاد التعبير لا تضخّمه، وشفافية المعنى لا غموضه المصطنع.

إن الناقد ـ في نهاية المطاف ـ هو مهندسُ المعنى؛ يجمع بين عقل المتكلّم، وبصيرة المقاصدي، وحسّ اللغوي، وجرأة الفيلسوف. فإذا امتلك عبقرية التركيب، صار النقد ضرباً من الحكمة العملية؛ يضيء النص، ويكشف المجتمع، ويعيد إلى اللغة قدرتها الأولى: أن تكون بيتاً للفكر لا متحفاً للألفاظ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في تَقَدُّمِ المذكَّرِ وتأخُّرِ المؤنَّث بين العلامةِ والدلالة

لم يكن النحاةُ العربُ الأوائلُ يُقيمون أحكامَهم على المصـادفة أو على أذواقٍ لغويةٍ عابرة، بل كانوا يستنطقون البنية العميقة للسان العربي، باحثين عن قوانينه الخفيّة التي تُنظّم العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين الصورة الصوتية والوظيفة الدلالية. ومن هنا جاء قولهم إنَّ المذكَّرَ مُقدَّمٌ على المؤنَّث؛ لا من باب المفاضلة القيمية أو الاجتماعية كما قد يتوهّم قارئ العصر، بل من باب البناء الصرفي والمنطق اللغوي الذي يقوم على فكرة الأصل والفرع.

فاللغة — في نظرهم — اقتصادٌ في العلامة، وميلٌ دائمٌ إلى الأخفّ والأبسط. وما لا يحتاج إلى علامةٍ فهو أقرب إلى الأصل؛ لأن الأصل سابقٌ في الوجود الذهني، سابقٌ في التداول، وسابقٌ في الاستعمال. ولذلك لم يحتج المذكَّر في العربية إلى علامةٍ تُعرِّفه؛ إذ يكفي اللفظ في صورته المجرّدة ليؤدّي معناه، بينما احتاج التأنيث إلى قرينةٍ ظاهرةٍ تُخرجه من حياد الأصل إلى خصوص الفرع، فجاءت التاء المربوطة، والألف المقصورة، والألف الممدودة، وغيرها من العلامات الدالة على التحوّل البنيوي.

إنَّ العلامة في التصوّر النحوي العربي ليست زينةً صوتية، بل أثرٌ دلاليٌّ يدل على انتقالٍ من حالةٍ إلى أخرى. فإذا كان التذكير هو الصيغة الخالية من العلامة، فإن التأنيث يُعدّ إضافةً بنيوية تستدعي دليلاً لفظياً، تماماً كما تحتاج الفروع في الشجرة إلى امتداداتٍ جديدة، بينما يبقى الجذر كامناً بأنسجته الأولى.

وقد عبّر إمام الصناعة النحوية سيبويه عن هذا المنهج بوضوح حين قرّر أنَّ الأصل في الأشياء النكرة، ثم يطرأ التعريف بعد ذلك. وهذه الفكرة ليست مسألة نحوية جزئية، بل رؤية معرفية كاملة؛ فالنكرة تمثّل الانفتاح والإمكان، بينما التعريف يقيّد المعنى ويخصّصه. وكأن اللغة تبدأ من العموم لتبلغ الخصوص، ومن الإطلاق لتصل إلى التعيين.

وقد بسط هذا التصور في مصنّفه العظيم الكتاب حين جعل القواعد اللغوية قائمة على مبدأ الحركة من الأبسط إلى الأعقد، ومن الخالي من العلامة إلى الموسوم بها. فكما أن النكرة أصلٌ والتعريف فرع، كذلك التذكير أصلٌ والتأنيث فرع من جهة البنية الصرفية.

غير أن هذا الحكم لا يعني أن التأنيث أقلّ حضوراً في الدلالة أو أضعف قدرةً في التعبير؛ فاللغة العربية نفسها تؤنّث أعظم المعاني: الأرض، والحياة، والروح، والشمس، واللغة ذاتها. وهذا يكشف أن مفهوم الأصل والفرع عند النحاة مفهومٌ شكليٌّ بنيويّ لا تقويميٌّ قيميّ. إنّه حكمٌ في الاقتصاد الصرفي لا في منزلة المعنى.

فاللغة — كما فهمها القدماء — تميل إلى الحذف ما استطاعت، وتستبقي العلامة حين تقتضي الحاجة تمييزاً أو رفعاً للّبس. ومن هنا كان التأنيث محتاجاً إلى إشارةٍ صوتيةٍ لأن المتكلّم يريد أن يعلن انتقال الاسم من حياد الأصل إلى خصوص الصفة. إن العلامة إذن إعلانٌ لغويّ عن اختلافٍ مقصود.

ولعلّ عبقرية العربية تظهر في أنها لا تجعل الأصل جامداً، بل قابلاً للتحوّل. فالمذكّر قد يُؤنّث مجازاً، والمؤنّث قد يُعامل معاملة المذكّر في بعض الاستعمالات، مما يدل على أن اللغة ليست قانوناً ميكانيكياً، بل نظاماً حيّاً يوازن بين القياس والسماع، وبين المنطق والاستعمال.

إن فكرة الأصل والفرع التي صاغها سيبويه لم تكن مجرد تنظير نحوي، بل محاولة لفهم كيف يفكّر الإنسان باللغة: يبدأ من المجرّد قبل المحدّد، ومن العام قبل الخاص، ومن الصمت قبل العلامة. وهكذا يصبح التذكير والتأنيث مثالاً على فلسفةٍ أعمق في العربية؛ فلسفة ترى أن العلامة ليست إلا أثراً للمعنى حين يريد أن يُعلن اختلافه.

فاللغة في نهاية المطاف لا تُقدّم المذكّر لأنه أقوى، ولا تؤخّر المؤنّث لأنه أضعف، بل لأنها تسير وفق قانونٍ داخليٍّ قوامه: أن ما استقرّ في الأصل استغنى عن العلامة، وما خرج عنه احتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه. وفي هذا تكمن دقّة العقل اللغوي العربي الذي لم يفصل بين الاقتصاد الصوتي والوعي الدلالي، فجعل من النحو علماً لفهم التفكير قبل أن يكون علماً لضبط الإعراب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جاءت تسمية فترة (نارا) (710 – 794 م) نسبة إلى مدينة (نارا) التي كانت   أول عاصمة دائمة لليابان، وبتصميم شبكي متميز وأبنية إدارية فخمة وقصر إمبراطوري على غرار المدن الصينية الكبيرة، مثل لويانغ وتشانغآن (مدينة السلام) عاصمة أسرة (تانغ) التي أتخذت نموذجا لبناء هذه العاصمة. وتعتبر حقبة مهمة في تاريخ البلاد، وينظر إليها على انها فترة النفوذ الصيني البين، لتأثر ثقافتها به بشدة من حيث الفنون والأزياء والتصميم الحضري والدين حيث أصبحت البوذية دينا للدولة والأدب الذي انتقل من كونه تراثا شفويا إلى فن مدون تحت وطأة التأثير الصيني، فتم بذلك إرساء دعائم الأدب الياباني الكلاسيكي.

و جرى التركيز خلال هذه الفترة على التدوين التاريخي والديني بهدف توثيق التاريخ الأسطوري والنسبي للحكم الإمبراطوري الذي يعود إلى سنة 660 ميلادية عندما أسس الإمبراطور الإنسي الأول (جينمو) حفيد إلهة الشمس (أماتيراسو) هذه السلالة وفقا للأسطورة، مع تقصي أصول الشعب الياباني العريق. فشهد ولادة ال (كوجيكي – وقائع الأشياء القديمة) أقدم سجل تاريخي وأسطوري عام (712 م) المكتوب بلغة صينية كلاسيكية ممزوجة باللغة اليابانية القديمة، وهو بمثابة السجل التاريخي الذي جمعت فيه مختلف الأساطير اليابانية وأنواع الموسيقى والأغنيات الشعبية المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، ومن أشكالها (شوميو، غاغاكو، كاجورا، دينغاكو). وأيضا كتاب (نيهون شوكي – سجلات اليابان) (720 م) الذي هو بمثابة سجل تاريخي مستفيض كتب باللغة الصينية الكلاسيكية ويعتبر ثاني أقدم كتب معروفة في التاريخ الياباني بعد ال (كوجيكي)، مع تجميع أول مختارات شعرية بالغة الأهمية في كتاب (مان يوشو – مجموعة العشرة آلاف ورقة أو مجموعة الأوراق الكثيرة) (حوالي 759 م) التي تمثل أقدم كتاب شعري ياباني صمد أمام اختبار الزمن، وأعظم مجموعة شعرية تعود لتلك الفترة، وتمثل بذلك جوهر الثقافة اليابانية المبكرة، مظهرة على نحو جلي التأثيرات المحلية والصينية على حد سواء، وهي مكتوبة بنظام كتابة معقد قديم معروف باسم (مانيوغانا)، حيث أستخدمت الحروف الصينية لتمثل الأصوات اليابانية، ليصار بعدها إلى تطوير هذا النظام إلى الشكل المبكر من الأبجدية الصوتية (كانا).

و قد أرست هذه الأعمال على نحو راسخ وموفق الأساس للديانة الشنتوية الأصلية والهوية الوطنية لليابان، ولفترة (هييآن) الذهبية اللاحقة (794 – 1185 م) (1) التي تميزت بالتطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، مع صعود وبروز دور المرأة خلالها، وتطور شعر التانكا النسوي الياباني، ومن رائداتها (أونو نو كوماتشي، إيزومي شيكيبو، كوشيكيبو نو نايشي، إيسي نو مياسودورو، موراساكي شيكيبو، وشيكيشي) وغيرهن كثيرات.

و من أبرز شاعرات فترة (نارا) (أوتومو نو ساكانو نو إيراتسومي) (نحو 695 / 700 – 750 م). كانت سيدة نبيلة وشاعرة تانكا غزيرة الإنتاج من منتصف هذه الفترة. والدها (أوتومو نو ياسومارو) وامها (إيشيكاوا نو إيراتسومي). عرفت أيضا باسم (السيدة أوتومو من ساكانو)، أما كلمة (إيراتسومي) فتعني (الابنة الحبيبة، العذراء، السيدة الشابة). تزوجت أولا من الأمير (هوزومي) ابن الإمبراطور (تينمو) ((631 – 686) الذي توفي عام 715 لتتزوج بعدها من (فوجيوارا نو فوهيتو) (659 – 720) ثم من (أوتومو نو سوكونامارو).

لها (84) قصيدة موزعة بين سيدوكا وتشوكا وتانكا (من أشكال الواكا بالاضافة إلى كاتاوكا وبوسوكوسيكيكا) مدرجة في مختارات (مان يوشو) التي تعتبر أول مختارات رئيسية للشعر الياباني الكلاسيكي، وتقع في (20) مجلدا، وتضم (4516) قصيدة في مواضيع عدة (مرثية – بانكا، حب – سومونكا، متنوعة – زوكا). وهي بذلك أبرز شاعرة أنثى وردت أعمالها في هذه المختارات. قصائدها موجهة إلى بناتها وزوجها وحبيبها. وقد ترجمت لعدة لغات مثل الإنكليزية والفيتنامية والألمانية والعربية. ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

(1)

لكم هو مضطرب فؤادي

الذي يحاصره الشوق

فيصبح كالقارب المتأرجح

تخور قواي كلما تقدمت بي السن

و يغلب علي الوهن

***

(2)

يصعد المد

ليغمر الشاطىء الصخري

جالبا معه الأعشاب البحرية

التي نادرا ما تشاهد

و هي مطلوبة كثيرا

***

(3)

بينما أنظر

من خلال الحقل المؤدي إلى تاكيتا (2)

أسمع دوما

النداء الدائم لطيور الكركي

كذلك هو شوقي إليك (3)

***

(4)

لقد أودعت جوهرتي (4)

لدى أمين

الجواهر

و ليس لدينا يا وسادتي

إلا أن ننام معا

***

(5)

إن شتلة البرتقال

التي زرعناها في جنينتنا

تخليدا لحبنا

كان جديرا بها

رغم ندمنا على فعل ذلك

أما (غينمي تيمو) (660 / 661 – 721 م): فهي (أونونوسارا، أونونوساسارا)، شاعرة واكا يابانية من فترة نارا والإمبراطورة ال (43) لليابان حسب ترتيب الخلافة، اعتلت العرش سنة 687 ميلادية وحكمت لمدة (11) عاما، وهي ابنة الإمبراطور (تنجي تينو)(626 – 672) وأمها (أوتشي نو إيراتسومي). يشك في تفاصيل حياتها ويعتقد بأن معظمها أسطوري.

شجعت الشعراء والكتاب ورعت عدة مشاريع ثقافية ومنها كتاب (كوجيكي). كما أصدرت مرسوما ووجهت الإدارات في كافة أنحاء البلاد في عام 713 لجمع الأساطير المحلية والتقاليد الشفوية والمعلومات عن التربة والطقس والمنتجات الزراعية والصناعية المحلية المتميزة وأسماء الجبال والأنهار والسهول والخصائص الحيوانية والجيولوجية وغيرها في معاجم. لها ضريح شينتو تذكاري في نارا (ميساساغي). ومن قصائدها (مترجمة عن الإنكليزية):

تطير مرتحلة

طيورعزبة أسوكا (5)

فيتوارى مسكن راحة

سيدي

هذا ما أعتقده (6)

وهناك الشاعرة (أواتا نو جو) المعروفة بالأميرة (أواتا) (؟ - 764). لها قصيدة مدرجة في (مانيوشو).

و الشاعرة (هيجوري أوجي نو إيراتسومي) وكانت سيدة نبيلة من عشيرة مرموقة وذات نفوذ، ولا يعرف الكثير عن سيرتها الذاتية لقلة المصادر الموثوقة بهذا الجانب. لها (12) قصيدة مدرجة في المجلد (17) من (مانيوشو) بالتسلسلات (3931 – 3942)، وكانت مرسلة أساسا وعلى نحو متقطع إلى (أوتومو نو ياكاموتشي) لما كان حاكما لمقاطعة (إيتشو) لهذا الغرض. ومن هذه القصائد (مترجمة عن الإنكليزية):

ما من طريقة للتفكير بخصوصك

على وسادة من العشب

متى سترجع من رحلاتك

في أي يوم وأي شهر ؟

كل شيء يبدو غامضا ومحزنا

أما الشاعرة (ناكاتومي نو إيراتسومي) فكانت سيدة نبيلة من عشيرة (ناكاتومي – أوجي) المعروفة التي كانت تشرف على طقوس واحتفالات الشنتو في تلك الفترة، وقد تطورت لاحقا إلى عشيرة (فوجيوارا). تفاصيل حياتها قليلة أيضا، ويعزى ذلك لقلة السجلات التاريخية المتعلقة بالنساء آنذاك، ونظرا للطبيعة الأبوية للسجلات الرسمية، عاشت على الأكثر في (هيجيو – كيو) (نارا حاليا)، ولا يعرف تاريخ ولادتها أو وفاتها على نحو دقيق. لها خمس قصائد مدرجة في المجلد الرابع من (مانيوشو) وبالتسلسلات (675 – 679). ومن قصائدها (مترجمة عن الإنكليزية):

أحبك

بعمق الغور الصخري

للمحيط السحيق

سأحرص على زيارتك

إلى آخر الدهر

أما (كاسا نو إيراتسومي) فهي شاعرة تانكا يابانية بارزة من فترة (نارا) أيضا، ولا يعرف تاريخ ميلادها ووفاتها، ولا اسمها الحقيقي، ولكنها عرفت أيضا ب (السيدة كاسا). عاشت من بين عدة نساء حول السياسي والشاعر المعروف (أوتومو نو ياكاموتشي) (718 – 785) الذي عرف بعلاقاته النسائية العديدة، ودخلت معه في علاقة غرامية لم تدم. لها (29) قصيدة متبقية مدرجة في المختارات الشعرية المسماة (مانيوشو)، وهي قصائد وجهتها الشاعرة إلى اللورد (أوتومو). وقد تم الاشارة إليها في هذه المختارات باسم (أوشيكا) ابنة (كي نو شيكاهيتو) وزوجة (آكي نو أوكيمي). ألهمت شاعرات بعدها مثل (إيزومي شيكيبو) (976 – 1030) و(أونو نو كوماتشي) (حوالي 825 – 900). وردت قصائد لها في كتاب (شاعرات اليابان) للشاعر والمترجم والكاتب الأمريكي (كينيث ريكسروث) (1905 – 1982) والكاتبة والمترجمة اليابانية (إيكوكو أتسومي) الصادر عن دار نشر نيو دايريكشنس 2014. ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

(1)

في وحشة قلبي

أظنني على وشك الهلاك

كقطرة ندى باهتة

على عشب جنينتي المظللة

عند شروق الشمس

***

(2)

عندما يغشى الليل

يغمرني الحزن

فيتراءى لي شبحه

كأنه ينطق بالكلمات

التي كان يلفظ بها فيما مضى

***

(3)

أنتظرك مثل الحمامة البيضاء

التي تتنقل بين الصنوبرات

في توبا المحضنة بالجبال (7)

هل وقعت في حبائل هواك

على مدى هذه الأشهر الكثيرة ؟

***

(4)

تتحطم الأمواج

على المنحدرات الصخرية

لخليج إيسي (8)

و لذلك أخشى على سلامة

من أهواه

كما شهدت هذه الفترة المهمة من تاريخ اليابان ظهور العديد من الشعراء الذكور الكبار الذين هيمنوا على المشهد الشعري آنذاك، وتركوا بصمة لا تمحى في تاريخ الشعر الياباني، ومنهم: يامابي نو أكاهيتو (700 – 736) الذي وصف المناظر الطبيعية على نحو آسر ودقيق ، والسياسي والشاعر أوتومو نو ياكاموتشي (718 – 785) الذي يعتقد بأنه أول جامع مختارات شعرية ظهرت في التاريخ الياباني، ويامانوي نو أوكورا (660 – 733 ؟) الذي تناول في قصائده شؤون الطبقة الكادحة في المجتمع وأولئك الذين تصدوا للمحن وتكبدوا المعاناة ، والعالم والدبلوماسي والشاعر آبي نو ناكامارو (698 – 770) الذي يعكس شعره مزيجا فريدا من التأثيرات اليابانية والصينية في آن واحد ويعرف بتأملاته للطبيعة على نحو شيق، وأومي نو ميفوني (722 – 785)، وأسادا نو ياسو، وأونوشي نو تاموري، وتاكاهاشي نو موشيمارو المشهور بقصائد السفر والأساطير المحلية والحكايات الشعبية، و كادوبي نو إيواتاري، وأونو نو كونيكاتا، وإيغيو، وأوتومو نو تابيتو (665 – 731) الذي كتب شعر التشوكا بأسلوب غنائي أنيق، وسايكي نو أكامارو. ومن هؤلاء الشعراء أيضا: آبي نو كوجي، أسانو نو كاتوري (774 – 843)، فوجيوارا نو هاماناري (724 – 790)، هانيشي نو ميميتشي (هانيشي نو شيبيمارو)، كي نو إيراتسومي، ميبو نو أودامورو، سايكي نو أكامارو، شيكونو ميكو (؟ - 716).

***

بنيامين يوخنا دانيال

..............................

(1) – ينظر: دراستنا بعنوان (شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن: مقدمة قصيرة ونماذج)، صحيفة المثقف، عدد يوم 5 شباط / فبراير 2026.

(2) - تاكيتا: بلدة قليلة السكان، تقع حاليا في (أويتا). تزخر بالكثير من ينابيع المياه الطبيعية المعروفة منذ القدم ومنها تلك المستثمرة في السياحة والفندقة حاليا.

. قصيدة وجهتها الشاعرة إلى ابنتها الكبرى العذراء لما كانت في (تاكيتا)  (3) -

(4) - يعتقد بأن المقصود بالجوهرة هنا هو ابنتها التي أودعتها برعاية زوجها في نارا عند سفرها مضطرة لزيارة شقيقها.

(5) - أسوكا: العاصمة الإمبراطورية لليابان خلال فترة أسوكا. تزخر بالعديد من المعابد البوذية والآثار القديمة والمقابر الكبرى. شهدت الكثير من التحولات وعلى مختلف الأصعدة.

(6) - كتبتها عام 711 م عند الانتقال من قصر فوجيوارا إلى نارا. أما قصر فوجيوارا فيمثل بقايا أول عاصمة إمبراطورية مخططة بالكامل (فوجيوارا كيو)، وكان أول قصر إمبراطوري يمتلك سقفا من البلاط الطيني، وقد لعب دورا مهما في تخطيط العواصم اللاحقة مثل (هيجو – كيو) و(هيان كيو).

(7) - توبا: مدينة تابعة لمحافظة (ميه). تشتهر بمناظرها الطبيعية الخلابة وتراثها الثقافي الغني.

(8) - خليج إيسي: خليج واقع عند مصب أنهار (كيسو) في محافظة (ميه). وهو جزء من منطقة (إيسي – شيما) المعروفة بتنوعها البيئي واحتضانها أضرحة إيسي المقدسة.

- المصادر والمراجع:

1 - Hiroaki Sato، Japanese Women Poets. https: // thehaikufoundation. org

2 - History of Japanese Poetry. https: // fr.scribd.com

3 - History of Japan’s Literature: Nara Period. www.https: // scribd. com

4 - On Japanese literature of the Nara Period. https: // geniusjournales. org

5 - Otomo no Sakanoue no Iratsume. www. scilit. com

6 - Paula Doe، A Warbler’s Song in the Dusk، University California Press 1982

7 - Robert H. Brower & Earl Miner، Japanese Court Poetry، Stanford University Press 1961.

8 - Robert H. Brower & Earl Miner، Formative Elements in the Japanese Poetic Tradition. The Journal of Asian Studies. Vol. 16، No. 4 (Aug.، 1957).

9 - Sonia Coman، Nara period، an introduction. https: // smarthistory. org

في سؤال الفارق بين أدب المرأة وأدب الرجل

ليس أخطر على الأدب من الأحكام الجاهزة، ولا أخصب له من الأسئلة التي تُحرّره من التعميم. ومن بين هذه الأسئلة: هل يصحّ القول إن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناءٍ للعالم»؟ أهو توصيفٌ جماليٌّ لطبيعةٍ أسلوبية، أم هو امتدادٌ لثنائيةٍ ثقافيةٍ قديمة قسّمت الوجود بين العاطفة والعقل، الداخل والخارج، الخاص والعام؟

إنّ هذه العبارة، على كثافتها، تختزن تاريخاً طويلاً من التصوّرات عن الجندر والكتابة. غير أنّ النقد الحديث، منذ سيمون دو بوفوار،الفيلسوفة والكاتبة والمفكّرة الفرنسية الني قرّرت في كتابها «الجنس الآخر» أنّ «المرأة لا تولد امرأة بل تُصبح كذلك»، كشف أنّ الفروق المنسوبة إلى الطبيعة قد تكون في حقيقتها صنيعةَ بنيةٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ. فإذا كانت الكتابة امتدادًا للخبرة، فإنّ اختلاف الشروط التاريخية يُنتج اختلافاً في الموضوعات والنبرات، لا بالضرورة اختلافاً في القدرة على «بناء العالم».

أولاً: أدب المرأة بوصفه استعادةً للصوت

حين نقول إن أدب المرأة «بؤرة أحاسيس»، فإننا نشير – غالباً – إلى كثافة الداخل فيه، إلى انشغاله بالذات، بالجسد، بالعاطفة، بالهشاشة، بالتجربة المعيشة في تفاصيلها الدقيقة. غير أنّ هذا التركيز على الداخل لم يكن خياراً جمالياً حرّاً دائماً، بل كان أحياناً نتيجة إقصاء المرأة عن المجال العام، كما نبّهت فرجينيا وولف في «غرفة تخص المرء وحده»، حين ربطت بين حرية الكتابة وامتلاك الفضاء والموارد.

لقد كان على المرأة أن تستعيد ذاتها أولاً قبل أن تعيد بناء العالم؛ أن تقول «أنا» في وجه سردياتٍ كبرى صاغها غيرها. ومن هنا تبدو كتابة كثير من الأديبات – من نوال السعداوي إلى أحلام مستغانمي – كتابةَ كشفٍ للباطن المسكوت عنه، لا لأن المرأة عاجزة عن رؤية العالم، بل لأنّ العالم ذاته كان يُرى من خارج تجربتها.

غير أنّ تحويل هذا المنحى إلى صفة جوهرية ثابتة («بؤرة أحاسيس») يُخفي أن الإحساس نفسه فعلُ معرفة. فالفلسفة الظاهراتية عند إدموند هوسرل، ثم عند مارتن هايدغر، أكّدت أنّ الوعي لا ينفصل عن الخبرة المعيشة. الإحساس ليس نقيض العقل، بل طريقٌ إليه. وعليه، فإن أدب المرأة – حين يكتب الجسد والحميمية – إنما يكتب العالم من زاويةٍ أخرى، لا أقلّ شمولاً.

ثانياً: أدب الرجل وإرادة البناء

أما القول إن أدب الرجل «يعيد بناء العالم»، فهو يستند إلى تقليدٍ طويل من السرديات الكبرى: الملاحم، الروايات التاريخية، الفلسفات الشاملة. منذ ليو تولستوي إلى نجيب محفوظ، نجد مشروعاً روائياً يسعى إلى تصوير المجتمع، وتحليل طبقاته، وإعادة تشكيل رؤيته للواقع. وهنا يبدو الرجل – تاريخياً – فاعلاً في المجال العام، ومن ثمّ انعكس ذلك في نصوصه التي تتجه إلى الخارج، إلى السياسة، إلى التاريخ، إلى الصراع الاجتماعي.

غير أنّ هذا «البناء» ليس حكراً على جنسٍ بعينه، بل هو نتيجة تموضعٍ اجتماعيٍّ مكّن الرجل – عبر قرون – من احتلال الفضاء العمومي. فلو توفرت للمرأة الشروط ذاتها، لأمكنها أن تبني عوالم روائية لا تقلّ اتساعاً، كما فعلت توني موريسون حين أعادت كتابة تاريخ العبودية من منظورٍ أنثويٍّ كونيّ.

ثالثاً: تفكيك الثنائية: الداخل والخارج

إنّ تقسيم الأدب إلى «أدب إحساس» و«أدب بناء» يعيد إنتاج ثنائيةٍ قديمة: المرأة/العاطفة، الرجل/العقل. غير أنّ الفكر التفكيكي عند جاك دريدا نبّه إلى خطورة هذه الثنائيات، لأنها لا تكتفي بالتمييز، بل تُقيم تراتبيةً خفية، تجعل أحد الطرفين أصلاً والآخر فرعاً.

في الحقيقة، كلّ كتابةٍ عظيمة هي بؤرة إحساس وإعادة بناء في آنٍ معاً. فـ«مدام بوفاري» عند غوستاف فلوبير ليست مجرد تحليلٍ اجتماعي، بل غوصٌ في العاطفة المأزومة. و«موسم الهجرة إلى الشمال» عند الطيب صالح ليست إعادة بناءٍ لعلاقة الشرق بالغرب فحسب، بل تشريحٌ لنفسٍ ممزّقة.

رابعاً: الجندر كزاوية نظر لا كقدر

الأدقّ أن نقول إنّ الاختلاف – إن وجد – هو اختلاف زاوية نظر، لا اختلاف جوهر. المرأة، بحكم خبرتها التاريخية، قد تميل إلى كشف الهامش، إلى تفكيك المسكوت عنه، إلى إعادة تعريف الجسد والهوية. والرجل، بحكم موقعه التاريخي، قد ينشغل بالبنى الكبرى والأنساق العامة. لكنّ هذه الميول ليست قوانين طبيعية، بل آثار تاريخ.

لقد أشار ميشيل فوكو إلى أنّ الخطاب يتشكّل ضمن شبكات السلطة. وإذا كان الخطاب الأدبي جزءاً من هذه الشبكات، فإنّ اختلافه يعكس موقع المتكلم داخلها. فالمرأة التي كانت موضوعاً للخطاب، حين تكتب، تُعيد ترتيب علاقات السلطة في اللغة ذاتها.

خامساً: نحو أفقٍ إنسانيٍّ جامع

إنّ الأدب، في جوهره، ليس ذكورياً ولا أنثوياً، بل إنساني. إنّه فعلُ مقاومةٍ للنسيان، ومحاولةٌ لإضفاء معنى على التجربة. قد تبدأ الكتابة من بؤرة إحساس، لكنها – إن كانت عظيمة – تنتهي بإعادة تشكيل العالم في وعي القارئ. وقد تبدأ من مشروع بناءٍ اجتماعي، لكنها لا تكتمل دون أن تمسّ شغاف القلب.

الفارق، إذن، ليس في القدرة على الإحساس أو البناء، بل في المسار الذي تسلكه التجربة نحو الكونية. والكتابة التي تبقى أسيرة جنسها، ذكراً كان أم أنثى، هي كتابةٌ لم تبرح حدود التجربة الفردية. أما الكتابة التي تُحوّل الإحساس إلى رؤية، والرؤية إلى أفقٍ إنسانيٍّ مشترك، فهي التي تستحق اسم الأدب.

خاتمة:

إنّ العبارة القائلة بأن «أدب المرأة بؤرة أحاسيس، وأدب الرجل إعادة بناء للعالم» تحمل شيئاً من الحقيقة التاريخية، لكنها لا تصمد أمام النقد الفلسفي والجمالي المعاصر. فكلّ أدبٍ أصيل يبدأ من الذات ليصل إلى العالم، أو من العالم ليعود إلى الذات. وفي اللحظة التي يلتقي فيها الإحساس بالبناء، يتجاوز النصّ حدوده الجندرية، ويصير مرآةً للإنسان في هشاشته وقوته، في عاطفته وعقله، في فرديته وكونيّته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

دراسة سيميائية ذرائعية في نص «اليعربيات» للشاعر العراقي القدير فائز حداد

اليعربياتُ

أبعدَ مزايا خدّكِ المهموز بدمع الوردة

وعصف زفيري البارح الندى

يستأنف أنفكِ طلعا مستعارا ؟!

أبعدَ شفا حلمة التوبة..أستقيلُ عن زمزم عطرها؟

فيا لسؤدد السواد في تيجان الرغبات

كبدائل أثاث الحب.. نؤثثُ للهباء!!

آآآآآآآآآآآهٍ ..

لا بديل للعربياتِ المعرِّشات

كأنظمة القهر العربي

كحكومات النخل الطويلة

ولا بديل لجباهنا إلا قبلات الرصاص..

لكنَّ النخلَ يثمر في الفسائل القصيراتِ أحيانا !!

ربما.. وذات حياة لا تشبه الأحياء ..

سنلتقي بفؤاد طير على جنح ريح

تسقطنا مطرا يبلّل الفراشات بوحي الزهور

وفي آياتِ الشهد نحتمي برذاذ شفتين؛

سنقرأ شعرا لبعضنا وتبكينا القصائد

فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..

لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل..

ولم نكترث إلى مافاتنا من نداء حروب الحب

لكنّها الحقيقة:

إننا نعشق الفردوس بخطى جهنم

ونقبّل بعضنا كخطيئة العشيرة ..

في رهاب الحلم فقط !!

فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون

أماتني بايماءة غيمة..

لاتزورني إلا بظمأ الأرض الماحلة

أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب .. ثم نزولُ؟؟

بلى..

وكالشعر لا ميقات مقدّس له في التخارج

فما تهاجس زمني بمكانية الخيال ..

وأنت ربّة اللحظة المحرجة

أخالها بكأس فارغة تملؤني ارتعاشا ..

لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا..

فما حجَّ رضابي بلسعتها ..

إلا فاغرا.. دون لعابها المميت !!

***

 مدخل منهجي رؤيوي

عتبة النص:

ينتمي نصّ (اليعربيات) إلى أفق شعري حداثوي يشتغل على تفكيك العلاقة بين الجسد والهوية وايضاً بين الإيروس والسلطة وبين الفردوس والرعب الجمعي

نلمس أن النص لا يتحرك في إطار غنائي بسيط،  لكنه يؤسس شبكة دلالية مركبة تُعيد ترتيب العلامات الثقافية العربية (النخل- زمزم- القهر- القبلة- الرصاص- الفردوس) ضمن نسق تصادمي يعيد مساءلة القيم المؤسسة للوعي الجمعي. و​تتجلى في نص (اليعربيات) بنية درامية قوامها (المفارقة) حين لا تقتصر القصيدة عند حدود التوصيف للحالة الوجدانية لكنها تذهب نحو تأسيس وعي معرفي يربط بين التاريخي (العروبة/ الحكومات/ النحل) وبين الذاتي (الرغبة/ القبلة/ الجسد) فالقصيدة ترفض السكون وتتبنى حداثة (قلقة) تشتبك مع الراهن بوصفه (قهراً)

 ومع الغيب كونه (وعداً مؤجلاً)

فنحن أمام نص يمارس (الخطيئة المعرفية) بوعيٍ تام ليعيد صياغة مفهوم الفداء بالحب في زمنٍ ماحل

 والمنهج المعتمد في هذه القراءة يقوم على  المقاربة السيميائية، أي تتبع العلامة وتحولاتها داخل النص.

 والنهج الذرائعي: الكشف عن وظيفة الخطاب وأثره التداولي في تشكيل موقف معرفي

 وعن المدخل الإبستمولوجي: في مساءلة طبيعة المعرفة التي ينتجها النص عن الحب والسلطة والهوية

 والاستدعاء الميثيولوجي: قراءة الرموز التراثية كونها حوامل سردية عميقة

وسنقرأ النص من خلال ذلك قراءة متسلسلة تشتغل على البنية النحوية والانزياح التركيبي ونسق الصور ووحدة الاشتغال الداخلي في أغلب السياقات

أولاً: العنوان بوصفه عتبة دلالية:

(اليعربيات)

حين نتجلى بالعنوان نراه جمع مؤنث سالم إنما لا يحيل إلى مجرد نساء منسوبات إلى يعرب لكن إلى هوية جمعية مؤنثة

 واختيار الجمع المؤنث يضع النص منذ البداية داخل فضاء:

أنثوي /  قومي / أسطوري

وهو اختيار يحمل توتراً: فالأنثى هنا لم تكن فرداً لكنها نظاماً ثقافياً.  فالجمع يشي بالاستغراق وكأن النص لا يخاطب امرأة بل بنية حضارية كاملة

 ثانياً: سيميائية (التوبة) وزمزم العطر (المقدس والمدنس)

لو أمعنا ​في السطر ( أبعدَ شفا حلمة التوبة.. أستقيلُ عن زمزم عطرها؟)

نلحظ أن النص يتحول نحو سيميائية (الارتداد)، فالناص يستخدم (زمزم) كعلامة ميثيولوجية للطهر لكنه يضعها في سياق (العطر) والجسد، مما يخلق إزاحة دلالية تجعل من الجسد مكاناً مقدساً للحج.  أما عن الفعل المضارع (أستقيل) فهو يشير إلى (الوعي الذي لا يهدأ)،  وهو رفض الشاعر للحلول الوسطى في الحب أو الانتماء والجسد. هنا إذاً تنبثق جدلية القداسة والجسد.

/ أستقيلُ عن زمزم عطرها؟/  كتوظيف بارع من قبل المبدع حين أخذ الاستقالة وهي فعل إداري استعمله في سياق مقدس (زمزم) ليحدث تصادم تداولي. فالقداسة تتحول إلى عطر والعطر يتحول إلى عبء. إذاً النص يعيد تعريف المقدس بعيداً عن الطهر إلى إغواء.

 ثالثاً: سوسيولوجيا النخل وأنظمة القهر (قراءة في المسكوت عنه):

و​ننتقل هنا إلى سطر مفصلي: (لا بديل للعربياتِ المعرِّشات.. كأنظمة القهر العربي.. كحكومات النخل الطويلة). فهنا ​الحيثية القواعدية: باستخدام (الكاف) للتشبيه، لم يعتمد عليها كحالة جمالية إنما هو تشبيه (إبستمولوجي) يربط الفيزيولوجيا (طول النخل) بالأيديولوجيا (ثبات الأنظمة). وحين نلجأ إلى ​التأويل: ف(المعرّشات) صفة تدل على الامتداد والتشابك، وهي صورة سيميائية للمرأة العربية التي تحمل إرث القهر كقَدَر لا فكاك منه.  أما (قبلات الرصاص) فهي الجملة التي تستلّين فيها مفردة (الرصاص) لتكون فاعلاً في فعل الحب مما يقلب موازين (الحقيقة الشعرية)، ويجعل الموت هو (المطهر) الوحيد للجباه.

 رابعاً: ميثيولوجيا (وضوء النحل) وطفولة المعنى:

لو أوغلنا ​في السطر (فما بيننا طفلٌ ستحملينه غدا ..

لم يبلغ الصلاة بوضوء النحل)

 نجد انزياحاً قواعدياً وسيمانتيكياً مذهلاً.  فالشاعر نراه يمنح (النحل) صفة (المُتوضّئ).  وهنا تبرز الحداثة بوصفها وعياً متجدداً. وإن استخدام (لم) الجازمة لنفي بلوغ (الصلاة) يشير إلى (براءة التجربة). فالطفل/ الحب الذي لم يتوضأ بـ (شهد النحل) هو حبٌّ عذريٌّ لم يدرك بعد دنس (نداء حروب الحب). صورة عميقة أبدعها شاعرنا وهذا يحسب له وهو المالك مفاتيح الادهاش.

 خامساً: سيمياء (رضاعة الجنون) والزمان الدوار

​يصل إلى ذروة النص في قوله: (فإِصْبَعك الذي استحال نهدا في رضاعة الجنون.. أماتني بايماءة غيمة). وهنا ​يتبلور الاستلال اللغوي في فعل (استحال) يعكس التحول الأنطولوجي من الجزء (الإصبع) إلى الكل (النهد/ الرضاعة). وهو ما نسميه في الدراسات الحديثة بـ( تراسل الحواس).

ولقد سعى الناص لفلسفة الزمن، حين تساءل (أكل الأزمنة تدولُ بزمان الحب.. ثم نزولُ؟).  فهو يضع (دالة النقص) (نزول) في مقابل (دالة الاستمرار) (تدول).  ليقرر أن الحب هو (الميقات المقدس) الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الزمن الفيزيائي إنما لـ(مكانية الخيال)

 سابعاً: البنية النحوية والانزياح

إن النص يعتمد على: كثافة الاستفهام والجمل الاعتراضية وكثرة الإضافات (رضاعة الجنون- نداء حروب الحب). إن هذا التراكم الإضافي يولد شبكة تعلق دلالي أي ليست كلمة مستقلة بذاتها. فلعبت هنا الغائية المعنية من قبل الشاعر لإبراز السياق الادهاشي. كما أن استخدام الفعل المضارع (نلتقي- تسقطنا- نحتمي- نعشق) يمنح النص حيوية مستمرة ويجعل الزمن غير منغلق له ديمومته.

 ثامناً: الحقول الدلالية الكبرى:

 عندما نستقرئ النص تتبدى لنا امكانية استخراج أربعة حقول:

١/  حقل الجسد (خد- أنف- حلمة- إصبع- نهد- شفتين)

٢/  حقل القداسة (زمزم- آيات- الشهد- الصلاة)

٣/  حقل السلطة (القهر- حكومات- الرصاص)

٤/  حقل الطبيعة (نخل- طير- مطر- فراشات)

والنص لا يعزل هذه الحقول فهي خلطة لها تمازجيتها التي  يحدث من خلالها تداخل بين الجسد والمقدس، وبين الطبيعة والسياسة دون خلل بنيوي او اهتراء بالمعنى. أما عن البنية الكلية ووحدة النص، فرغم كثافة الصور في النص لكنه ليس مفككاً وهذا أيضاً يحسب لبراعة الناص فإن المحورية المركزية هي :

تحرير الهوية الأنثوية من سلطة التقديس الزائف ومن قهر البنية العمودية. فكل المقاطع تصب في هذا الجدل. من السؤال الأول عن (الطلع المستعار إلى الاعتراف الأخير بـ (اللعاب المميت).

وهناك خط سردي داخلي: من التشكيك - إلى الفضح - إلى الاعتراف - إلى الانخطاف.

وحين ندرك الخاتمة نقف على (سيميولوجيا النخب المنتحر)

​يختم الشاعر  بـ (لأرفع نخبي منتحرا بقبلتها العليا.. فما حجَّ رضابي بلسعتها.. إلا فاغرا). إذ ​يعود هنا النص لينهي رحلة (الحج) التي بدأت بزمزم لكنها تنتهي بـ(لسعة مميتة) (الرضاب) (المبتدأ المكنّى) يحجّ إلى (اللسعة) (الخبر الفاجع).

​إن اللغة في هذا النص هي (مختبر إبستمولوجي)، لقد طوعتِ القواعد (مثل الاستثناء بـ (إلا) في الخاتمة) لتقييد المعنى في لحظة (الدهشة المطلقة).

نص "اليعربيات" هو بنية احتمالية بامتياز استطاع الناص فيه من خلال (الضوء الخاطف) أن يشتبك مع (أنظمة القهر) و(رهاب الحلم) إن السيميائية المتوسعة في النص تكشف عن ذات شاعرة ترفض (الأثاث الجاهز) للحب وتفضل أن (تؤثث للهباء) شريطة أن يكون هذا الهباء أصيلاً ونابعاً من (وعي متقد) النص في وحدته العضوية يمثل (درساً نقدياً) في كيفية تحويل (الخطيئة) إلى (فردوس) عبر بوابة الحرف الرصين.  نصّ حداثوي عميق البنية يشتغل على تفكيك العلامة الثقافية العربية من داخلها ويعيد توزيع العلاقة بين الجسد والسلطة  وبين الحب والرعب.  وأيضاً الفردوس والعقاب. إن لغته هي اشتعال داخلي لكنها محكومة بانضباط نحوي واعٍ وانزياحات محسوبة غير مجانية. ووحدته نابعة من مركز توتري ثابت أبعد عن التكرار اللفظي.

هو نص يليق بمبدع كبير لأنه لا يبوح بكل شيء بل يترك فجوات تأويلية واسعة ويجبر المتلقي على المشاركة في إنتاج المعنى. نص متماسك في بنيته عميق في رموزه متوتر في لغته ومتماهٍ مع سؤال الهوية حتى آخر سطر.

بورك اليراع أيها القدير

***

 مرشدة جاويش

 

شهد الشعر العربي خلال القرن العشرين تحوّلات عميقة مست بنيته الجمالية ورؤيته للعالم وطرائق اشتغاله اللغوي وكان من أبرز هذه التحوّلات بروز القصيدة النثرية بوصفها شكلا إبداعيا إشكاليا أثار ولا يزال يثير جدلا واسعا بين النقاد والشعراء والقراء على حد سواء إذ بدت القصيدة النثرية منذ لحظة ظهورها وكأنها إعلان قطيعة مع أنساق راسخة في الوعي الشعري العربي ومساءلة جذرية لمفاهيم الوزن والقافية والبيت الشعري ومعايير الشعرية ذاتها ولم يكن هذا التحوّل وليد نزوة عابرة أو تقليد أعمى لتجارب غربية بقدر ما كان استجابة تاريخية وثقافية لتحولات أعمق مست الإنسان العربي ووعيه بذاته وبالعالم من حوله

لقد ارتبط الشعر العربي الكلاسيكي بمنظومة عروضية صارمة أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي وأصبحت عبر القرون معيارا أساسيا للحكم على شعرية النص وكانت القصيدة العمودية بنظام شطريها وقافيتها الموحدة بمثابة النموذج الأعلى للشعر وظلت هذه الهيمنة قائمة حتى بدايات العصر الحديث حين بدأت الأسئلة تتسلل إلى وعي الشعراء حول قدرة هذا الشكل التقليدي على التعبير عن تحولات العصر وعن التجارب الفردية الجديدة ومع ظهور حركة الشعر الحر في منتصف القرن العشرين حدث أول خرق واضح للنظام العروضي الصارم غير أن هذا الخرق ظل جزئيا إذ حافظ الشعر الحر على الإيقاع العروضي وإن بصيغ أكثر مرونة

أما القصيدة النثرية فقد ذهبت أبعد من ذلك إذ أعلنت تحررها الكامل من الوزن والقافية وراهنت على بناء شعري مختلف يقوم على تكثيف اللغة وخلق الإيقاع الداخلي وتوظيف الصورة والانزياح والدلالة المفتوحة وقد كان لهذا الشكل الجديد جذوره في الأدب الغربي خاصة في الشعر الفرنسي مع بودلير ورامبو ومالارميه غير أن انتقاله إلى السياق العربي لم يكن نقلا آليا بل جاء عبر تفاعل مع أسئلة محلية تتعلق بالهوية واللغة والحداثة والحرية الفنية

واجهت القصيدة النثرية منذ بداياتها رفضا حادا من أنصار الشعر التقليدي الذين رأوا فيها تهديدا لكيان الشعر العربي وخروجا على تراثه وذهب بعضهم إلى إنكار صفتها الشعرية تماما واعتبارها مجرد نثر فني أو خواطر لغوية لا ترقى إلى مستوى الشعر وكان الوزن في نظر هؤلاء هو الحد الفاصل بين الشعر والنثر ومن دونه يفقد النص هويته الشعرية غير أن هذا الموقف سرعان ما بدا قاصرا أمام التحولات الجمالية التي شهدها الأدب العالمي وأمام النصوص النثرية الشعرية التي استطاعت أن تخلق تأثيرا جماليا عميقا دون الاستناد إلى الوزن الخليلي

إن أحد أبرز تحولات القصيدة النثرية يتمثل في مفهوم الشكل ذاته فالشكل لم يعد قالبا جاهزا يسكب فيه المحتوى بل أصبح جزءا عضويا من التجربة الشعرية يتشكل معها ويتحول بتغيرها فالقصيدة النثرية نص مفتوح على احتمالات متعددة لا يخضع لقوانين مسبقة بقدر ما يخلق قوانينه الخاصة من داخل التجربة وهذا ما جعلها قادرة على استيعاب الهش واليومي والذاتي والقلق واللايقين وهي عناصر لم تكن تجد دائما مكانها في القصيدة التقليدية ذات النبرة الخطابية واليقين البلاغي

كما أن اللغة في القصيدة النثرية شهدت تحولا لافتا إذ لم تعد اللغة الفخمة والجزلة هي المعيار الوحيد للجمال الشعري بل ظهرت لغة أقرب إلى التداول اليومي لكنها مشحونة بطاقة إيحائية عالية وتقوم على المفارقة والانزياح وتفجير الدلالة من الداخل هذه اللغة لا تسعى إلى الإبهار البلاغي بقدر ما تسعى إلى ملامسة التجربة الإنسانية في تعقيدها وهشاشتها وتناقضاتها وقد أسهم هذا التحول في توسيع أفق الشعر وفتح المجال أمام أصوات جديدة وتجارب مهمشة كانت تجد صعوبة في التعبير عن نفسها ضمن الأشكال التقليدية

أما الإيقاع الذي طالما اعتبر جوهر الشعر فقد أعادت القصيدة النثرية تعريفه فلم يعد الإيقاع مقترنا بالبحور والأوزان بل أصبح إيقاعا داخليا ينبع من تكرار الصور وتوازي الجمل وتوتر الدلالة وتقطيع العبارة وتوظيف البياض والصمت داخل النص وهذا الإيقاع الخفي يتطلب قارئا مختلفا قادرا على الإصغاء إلى نبض النص لا إلى موسيقاه الظاهرة فقط وهو ما جعل تلقي القصيدة النثرية تحديا بحد ذاته يتطلب وعيا جماليا جديدا

لا يمكن الحديث عن القصيدة النثرية بمعزل عن سياقها الثقافي والسياسي فقد ارتبط هذا الشكل في كثير من التجارب بروح التمرد ورفض السلطة بكل أشكالها سواء كانت سلطة سياسية أو اجتماعية أو جمالية فالخروج عن الوزن والقافية كان في كثير من الأحيان تعبيرا رمزيا عن الرغبة في كسر القيود المفروضة على الفرد واللغة والخيال ولذلك وجدنا القصيدة النثرية مساحة خصبة للتعبير عن القلق الوجودي والاغتراب والأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والمعنى والمصير

ومع ذلك فإن هذا الانفتاح الكبير لم يخل من مخاطر إذ أدى في بعض الأحيان إلى فوضى كتابية جعلت كل نص نثري يدعي صفة الشعر وهو ما أسهم في تشويش مفهوم القصيدة النثرية نفسها فغياب المعايير الصارمة لا يعني غياب المعايير الجمالية على الإطلاق فالقصيدة النثرية الناجحة ليست مجرد كلام مرسل بل هي بناء لغوي دقيق يقوم على رؤية شعرية واضحة وقدرة على خلق التوتر الجمالي وتكثيف المعنى وإلا تحولت إلى نثر عادي يفتقر إلى الخصوصية الشعرية

إن تحدي المعايير التقليدية لا يعني بالضرورة إلغاء التراث أو القطيعة معه بل يمكن النظر إلى القصيدة النثرية بوصفها امتدادا حيويا لهذا التراث من زاوية مختلفة فهي تستثمر طاقات اللغة العربية وإمكاناتها الإيقاعية والدلالية بطرائق جديدة وتعيد طرح سؤال الشعر في زمن متغير وهي بذلك تسهم في إبقاء الشعر حيا وقادرا على التفاعل مع تحولات الواقع والوعي

من هنا، يمكن القول إن القصيدة النثرية ليست مجرد شكل أدبي عابر بل هي تعبير عن تحوّل عميق في الحساسية الجمالية وفي علاقة الشاعر باللغة والعالم وقد نجحت عبر عقود من التجريب والجدل في فرض حضورها بوصفها أحد الأشكال المشروعة للشعر المعاصر رغم كل الاعتراضات ويبقى الحكم الحقيقي عليها مرهونا بجودة النصوص وقدرتها على لمس القارئ وإثارة أسئلته لأن الشعر في جوهره ليس وزنا ولا قافية بل رؤية وكثافة ودهشة متجددة

ويمكن توسيع النظر في تجربة القصيدة النثرية من خلال التوقف عند علاقتها بالقارئ وبفعل التلقي إذ لم تعد القصيدة النثرية تقدّم نفسها بوصفها نصا مغلقا يفرض دلالته الواحدة بل بوصفها فضاء تأويليا مفتوحا يدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى فالقارئ لم يعد متلقيا سلبيا يكتفي بتذوق الإيقاع أو متابعة الصور البلاغية بل أصبح شريكا في تفكيك النص وإعادة تركيبه والبحث عن خيوط المعنى المتناثرة بين السطور وهذا التحول في علاقة النص بالقارئ يعكس بدوره تحولا أعمق في مفهوم الإبداع ذاته حيث لم يعد الشعر فعلا فرديا خالصا بل عملية تواصل معقدة تقوم على التفاعل والتأويل والاختلاف

كما أسهمت القصيدة النثرية في إعادة تعريف صورة الشاعر فالشاعر لم يعد صوتا نبويا أو خطيبا يمتلك الحقيقة ويعلنها بل أصبح كائنا قلقا يطرح الأسئلة ويكشف هشاشته ويكتب من موقع الشك لا اليقين وهذا ما منح القصيدة النثرية صدقا إنسانيا خاصا جعلها أقرب إلى روح العصر الذي يتسم بتفكك المرجعيات الكبرى وتعدد الأصوات والرؤى وفي هذا السياق بدت القصيدة النثرية قادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة والهامشية وتحويلها إلى مادة شعرية مكثفة وهو ما يعكس تحولا في سلّم القيم الجمالية حيث لم يعد البطولي والاحتفالي في الصدارة بل اليومي والعابر والمسكوت عنه

ولا يمكن إغفال دور المجلات الثقافية وحركات الترجمة في ترسيخ حضور القصيدة النثرية عربيا إذ وفرت هذه المنابر فضاءات للتجريب والنقاش وأسهمت في تعميق الوعي النظري بهذا الشكل الشعري كما ساعدت الترجمات على توسيع أفق الشعراء العرب وربط تجاربهم بسياقات إنسانية أوسع دون أن يفقدوا خصوصيتهم اللغوية والثقافية

إن الجدل حول القصيدة النثرية سيظل قائما ما دام الشعر نفسه فعلا متجددا يرفض الاستقرار غير أن هذا الجدل في حد ذاته علامة صحة وحيوية لأنه يدل على أن الشعر لا يزال يحتل موقعا مركزيا في الثقافة بوصفه مساحة للسؤال والتجريب وإعادة التفكير في اللغة والمعنى ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى القصيدة النثرية لا كبديل يلغي الأشكال الأخرى بل كإضافة نوعية تثري المشهد الشعري وتوسّع إمكاناته التعبيرية وتؤكد أن الشعر العربي قادر على التحول والتجدد دون أن يفقد روحه العميقة.

***

د. عصام البرّام

للدكتور أمين جياد – Ameen Giad

مقدمة منهجية:

مدخل رؤيوي إلى أفق القراءة:

إن قصيدة /جِنان البحر/تنهض على بنية تعبيرية مكثفة تخفي تحت ظاهرها اللغوي نظاماً دلالياً معقداً لذلك فهي تستدعي قارئاً لديه ذاك الفضول وعدم الإكتفاء باستقبال المعنى لكن إعادة إنتاجه عبر مسار تأويلي تراكمي يجمع بين الإشارة والوظيفية وبين الرمز والحركة

لذلك من هذا المنطلق تتخذ هذه الدراسة من النهج الذرائعي ومن المقاربة الإبستمولوجية ومن الأفق السيميائي مسارات تحليلية متكاملة تسعى إلى فهم كيف تنتج القصيدة معناها عبر فعلها اللغوي بعيداً عن محتواها الظاهري فحسب

إن القراءة هنا تجانب النص باعتباره وحدة مغلقة على ذاتها إنما تؤازره كبؤرة دلالية تتفعل داخل شبكة من العلاقات المتشابكة فنراها بين الذات والشيء

وبين المقدس والمخيف

وبين التثبيت والاحتراق

ومن ثم فإن المنهج المعتمد لم يكن ساعياً إلى استخراج / معنى نهائي/ لكنه يسعى إلى تتبع طرق تشكل المعنى داخل البنية اللغوية وكيف تمارس العلامات فعلها على المتلقي كونه شريكاً في الإنتاج أي إلغاء دوره كمستهلك فقط للرسالة.

أولاً: العنونة بوصفها عتبة دلالية حديثة:

نرى أن العنونة/ جِنان البحر/منذ توغلنا بمعناها هي تحمل توترها الدلالي الذي يؤسس منذ اللحظة الأولى لثنائية مفارقة: ف(الجنان) بما توحي به من الامتلاء والخصب والمأوى في مقابل (البحر) بما يستدعيه من اتساع وغموض ولا يقين.  فهذه المجاورة لم تكن توصيفية لكنها إنشائية فهي تنتج أفق توقع يضع القارئ أمام فكرة أن المأوى لا يوجد في الثبات إنما في الحركة وأن الخصب لا ينبت إلا من حافة الخطر.

ولو تمعنا من منظور سيميائي حديث فإن العنونة تعمل بمنزلتها ك/علامة كلية/ تختزل شبكة العلاقات اللاحقة في النص: (الحجر- الصدر- الجبل-البحر- الظلمات- الاحتراق)،  كلها عناصر تدور داخل فلك هذا التوتر الأولي بين الأمان والانكشاف.

ثانياً: الحجر بوصفه علامة وظيفية لا مادية:

إن /الحجر/ يحتل موقع العلامة المركزية في النص

فلم يكن توظيفه منطلقاً باعتباره شيئاً صامتاً فتوظيفه كان يعتمد على كونه فاعلاً دلالياً

فهو يتحرك بين وظائف متعددة:

الحجر المعلق على الصدر:

كما (اعلقها على صدري

لتنير روحي)

هنا يتحول إلى بوصلة داخلية علامة تنير /الروح/ أي أنه لا يشتغل في الخارج لكن ينغمس في الحيز الذاتي حيث يعاد تعريف القدسية من حيث هي تجربة وليست بميراث

الحجر على حافة الجبل:

في (وتلك الأحجارُ علىٰ حافةِ الجبلِ)

نلمس أنه يغدو عنصر تثبيت بعيداً عن الصلابة لأنه

/ يمسك/ الذات

فهنا ينقلب الفاعل والمفعول: الذات لا تمسك الحجر بل إن الحجر هو الذي يمسك الذات في إشارة كلية إلى أن الهوية تبنى من الخارج كما من الداخل

الحجر في أخاديد البحار:

(وتلك الأحجارُ بين أخاديد البحار)

وهنا يصير مصدر خوف ليس بسبب غيابه عن الضوء فالناص هنا كان يعني تأويله بقصدية عالية الرؤيا

فلقد أحاله لسببية أخرى وهي قابليته للتحول إلى نار فالعلامة هنا تراكم دلالاتها عبر الانتقال من الإنارة إلى التثبيت ومن ثم إلى الاحتراق

ففي هذا المسار لا يقدم النص الحجر كمسار للرمز الثابت إنما ضمن أفق / علامة ذرائعية/ تتغير وظيفتها بحسب موقعها في البنية وبحسب علاقتها بالذات المتكلمة

ثالثًا: الذات بوصفها حيزاً إبستمولوجياً:

نجد هنا أن جملة (هذه الأحجار المقدسة لي)

تفصح عن انتقال مركز القدسية من المجال العام إلى المجال الذاتي. إذ أن المعرفة هنا لا تستمد من سلطة خارجية بل من علاقة خاصة بين الذات والعلامة. وهذا الانتقال يؤسس لرؤية معرفية ترى أن المعنى لا يعطى لكنه ينتج عبر التجربة. فالذات في النص لم تكن متكلماً مهيمناً بقدر ماهي كائناً معرضاً للفعل: تمسك- تثبت- تخاف-

إنها ذات تعرف نفسها من خلال ما يمارس عليها لا فقط من خلال ما تمارسه وهو ما يضفي على النص بعده النقدي الذي يعيد مساءلة مفهوم السيطرة في العلاقة بين الإنسان والعالم.

رابعًا: الجبل والبحر: فضاءان وظيفيان غير طبيعيان

إذ أن الجبل والبحر يظهران  كـ(فضاءين دلاليين) في سياق لايتواكبان من خلاله كمعنين لمشاهد طبيعية ليحمل كل منهما وظيفة في بنية المعنى.

فالجبل: فضاء التثبيت والحد:

أي إنه المكان الذي تختبر فيه فكرة القمة باعتبارها حالة تماس دائم مع السقوط لا كمقام للانتصار.

البحر: فضاء السيولة والانمحاء والأخاديد التي تحتضن الحجر تحيل إلى عمق لا يرى إلى معرفة لا تنال إلا عبر الخوف. وبهذا إذاً يتحول الفضاء من إطار خارجي إلى عنصر بنائي في إنتاج الدلالة.

خامساً: الضوء والظلمات اقتصاد الرؤية في النص

تقابل بل تقارب القصيدة بين (الإنارة) و(الظلمات) بإطار يقدمهما كحالتين معرفيتين ونهج يبعدهما عن كونهما حالتين بصريتين. فالضوء هنا يحيل إلى الفهم إلى القابلية على التسمية بينما الظلمات تحيل إلى منطقة يتوقف فيها التحديد وتبدأ فيها التجربة المفتوحة. فالخوف من الحجر في الظلمات ليس خوفاً من الشيء ذاته إنما من احتمالية تحوله من قابليته لأن ينتج معنى جديداً خارج سيطرة الذات.

سادساً: الاحتراق بوصفه قمة الدورة الدلالية:

يختتم النص بمشهد الاحتراق بتوظيفه كذروة في مسار التحول ويبعده عن المعنى الحقيقي له ككينونة للنهاية فالعلامة التي بدأت بالإنارة مرت بالتثبيت، تنتهي إلى التدمير. هذا التسلسل لا يحمل طابعاً تشاؤمياً بقدر ما يجسد رؤية ترى أن كل معنى يحمل في داخله إمكانية نقضه.

إذاً فالاحتراق هنا ليس محواً هو إعادة ضبط لشروط القراءة بعده فالحجر لايعود هو ذاته ولا تعود الذات هي ذاتها

سابعاً: البنية اللغوية ووحدة النسق:

تتسم لغة الدكتور أمين في قصيدته بالاقتصاد والتركيز حيث لا تتمظهر المفردة بسياقتها كحشو إنما كعقدة في شبكة من العلاقات والتكرار البنائي لعبارة (وتلك الأحجار) لا يشتغل على مستوى الإيقاع فقط بل على مستوى التنظيم الدلالي إذ يقسم النص إلى مشاهد وظيفية تراكم المعنى تدريجياً

هذه الوحدة في النسق تعزز من إحساس المتلقي بأن النص يتحرك ككل واحد محايداً الإنطلاقة كمجموعة جمل متجاورة. لذلك نرى أن النص (جنان البحر) يقدم نصاً يشتغل على حافة التجربة حيث لا تقدم الدلالة ككيان لإجابة. لكنها تتبدى كدعوة إلى المشاركة في إنتاجها.

إن قوة القصيدة كانت تكمن في كثافة صورها ولكن تفوقت بقدرتها على بناء وحدة داخلية تجعل كل عنصر فيها مرتبطاً بغيره داخل دورة دلالية محكمة. فاللغة هنا لم تكن وسيلة نقل لكنها حيز اختبار تمارس فيه العلامات فعلها على الذات والمتلقي معاً ومن هذا المنظور يغدو النص كياناً حياً مفتوحاً على قراءات لا تنتهي لأنه يؤسس معناه في لحظة القراءة ذاتها وليس قبلها.

ولا تكتمل هذه القراءة إلا بالإشارة إلى الحضور الإبداعي للدكتورالشاعر والناقد باعتباره ذاتاً مزدوجة الوعي تمسك بالأداة المفهومية بصرامة الباحث وتفلتها في آن داخل أفق اللغة بصفتها كينونة حية تستنشق الإشارة والحدس معاً.

إن لغته الصوفية العميقة لا تشتغل على الترف البلاغي فقط إنما تنجاوزه باعتمادها على كشف المستور في بنية النص وعلى ملامسة ما يتوارى خلف العبارة من توتر معرفي وتجربة وجودية. فهو في مقاربته لا يقف عند تخوم الدلالة الظاهرة بل متخطياً بالنفاذ إلى طبقاتها السفلى بحيث تتجاور العلامة مع أثرها والمعنى مع احتماله ليعيد للقراءة طابعها الطقسي بكونها فعل مشاركة بعيدة عن فعل الاستهلاك. ومن هنا تغدو الرؤية الصوفية أداة معرفية تعيد ترتيب العلاقة بين القارئ والنص على أساس الكشف غير معتمدة على التفسير بحد ذاته، وعلى أساس المعايشة مغايرة للحكم فقط.

إن هذا التزاوج بين الحس الإبداعي والصرامة المنهجية يمنح القراءة عمقها الخاص ويجعل من اللغة جسراً بين التجربة والوعي وبين النص ومصيره التأويلي المفتوح في وحدة تكرس النقد بوصفه فعل معرفة وجمال على حد سواء أمام النص المتميز واللافت.

دكتور أمين جياد مبدع ونيف

***

انجاز مرشدة جاويش

 

للكاتب العراقي عصام الياسري

تأتي قصيدة «نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» للكاتب العراقي عصام الياسري بوصفها نصاً تأملياً يتكئ على لحظةٍ حدّيةٍ بين العتمة والانكشاف، بين الليل بوصفه فضاءً للاختبار الداخلي، والفجر بوصفه أفقاً للانبعاث الروحي. إنها قصيدة تنتمي إلى الحساسية الشعرية الحديثة التي جعلت من التجربة الذاتية مركزاً للرؤية، ومن اللغة أداة كشفٍ لا مجرد وعاء تعبير.

لا يتعامل النص مع الصمت بوصفه فراغاً صوتياً، بل يرفعه إلى مقام الرمز الوجودي؛ فالصمت هنا معرفة، والوحدة رفيقة، والظلام شرطٌ لاكتشاف الضوء. ومن ثمّ، فإن القصيدة لا تُقرأ قراءةً سطحية تقتصر على صورها المباشرة، بل تستدعي مقاربة نقدية متعدّدة الأبعاد، تكشف بنيتها اللغوية، ومعمارها الإيقاعي، ورؤيتها الفكرية، وطبقاتها الرمزية والنفسية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل النص ضمن منظومة نقدية شاملة، تبدأ من الأسس اللغوية والبلاغية، وتمرّ بالمرتكزات الجمالية والفنية، وصولاً إلى أفقه الفلسفي والإنساني، مع مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتخلّق فيه الخطاب الشعري. فالنص الشعري، في جوهره، ليس مجرد بناء لغوي، بل هو حدثٌ معرفيّ وجماليّ يعيد مساءلة الذات والعالم في آنٍ واحد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة سليمة في مجملها، تعتمد الجملة الفعلية بوصفها بنيةً حركيةً («أتعلمُ»، «أتركُ»، «أرى»، «أصحو»، «اكتشفتُ»، «تعلمتُ»، «أصبحتُ»)؛ وهو اختيار ينسجم مع ثيمة التحوّل الداخلي. فالفعل هنا ليس حركية خارجية، بل حركة وعي.

التركيب يتّسم بالبساطة المشبعة بالدلالة؛ فلا نجد تعقيداً نحوياً متكلفاً، بل اقتصاداً تعبيرياً يقوم على:

الجمل المتوازنة.

الصور المركّبة («الحياة كغيمة تمرّ، تسافر»).

الإسناد المجازي («يهمس الأفق لي»).

غير أنّ بعض المواضع تقترب من الالتباس التركيبي، مثل:

«هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ»

إذ يعتريها اضطراب في المطابقة الزمنية والنحوية، ويمكن عدّها انزياحاً تعبيرياً مقصوداً يعبّر عن تكسّر الهوية، أو موضعاً قابلاً للمراجعة الأسلوبية.

الانزياحات البلاغية واضحة في:

تشخيص الأفق.

تحويل الصمت إلى كيان مكتشف.

جعل الوحدة «رفيقة».

وهذه انزياحات تخدم المعنى ولا تفتعله.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

المعجم الشعري يتوزع بين:

١- معجم كوني: (الفجر، الليل، الأفق، الظلام، الضوء، الغيمة).

٢- معجم داخلي نفسي: (الصمت، الوحدة، القلب، الروح، الأحلام).

٣- معجم زمني: (جريان الزمان، الأيام التي كانت).

هذا التوازن يمنح النص وجاهة تعبيرية، إذ لا يطغى التجريد على الحسّ، ولا الحسّ على الفكرة. اللغة ملائمة للموضوع التأملي، بعيدة عن الزخرفة المفتعلة.

اللفظ في خدمة المعنى، لا يستعرض ذاته، ولا يغرق في الغموض المجاني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى فضاء الشعر الحر (قصيدة التفعيلة أو النثر الإيقاعي)، ولا تلتزم وزناً تقليدياً صارماً، لكنها تبني موسيقاها عبر:

التكرار البنائي («وفي…»، «ومع…»، «لقد…»).

التقابل الصوتي (الصمت/الصخب – الظلام/الضوء).

التوازي الإيقاعي في الجمل.

التكرار الداخلي لـ«الصمت» يخلق لازمة رمزية، فيتحول إلى محور دلالي وصوتي معاً.

الجرس الصوتي هادئ، يتجنّب الحروف الصاخبة، ويغلب عليه الانسياب، بما ينسجم مع ثيمة السكينة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية؛

القصيدة تقوم على معمار تحوّلي:

١- بداية: تعلّم الصمت.

٢- وسط: مواجهة الوحدة والظلام.

٣- نهاية: المصالحة واستقبال الفجر.

الزمن دائري، يتحرك بين الليل والفجر، لكنه زمن نفسي لا كرونولوجي. لا شخصيات سوى «الذات»، لكنها ذات تتشظّى بين:

١- الماضي («الأيام التي كانت»).

٢- الحاضر الواعي.

٣- الغياب الداخلي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية قائمة على فلسفة المصالحة:

الوحدة ليست عدواً، بل رفيقة.

الظلام ليس نقيض الضوء، بل شرط اكتشافه.

الشكل (الهدوء الإيقاعي) منسجم مع المضمون (السلام الداخلي).

3. الطابع الإبداعي:

الدهشة لا تأتي من غرابة الصورة، بل من إعادة تأويل المألوف:

١- الصمت نشيد.

٢- الوحدة رفيقة.

٣- الظلام موطن الضوء.

هذا قلب دلالي يمنح النص طاقته الجمالية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

النص يطرح سؤال الهوية:

١- من أنا عندما أسكت؟

٢- هل أنا صوت أم صمت؟

٣- هل الغياب فقد أم اكتمال؟

هنا يتقاطع النص مع أفق تأملي قريب من النزعات الوجودية، كما نجد عند مارتن هايدغر في حديثه عن «الإنصات للكينونة»، أو عند جلال الدين الرومي في فلسفة الصمت ككشف روحي.

2. الأفق المعرفي

يحمل النص أثرًا من:

١- التأمل الصوفي (الصمت بوصفه معرفة).

٢- الحسّ الوجودي (الإنسان ككائن في العبور).

٣- النزعة الحداثية في تحويل التجربة الداخلية إلى مركز العالم.

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقيًا)

تحت السطح، النص يتحدث عن:

١- انمحاء الأنا القديمة.

٢- إعادة ميلاد الذات عند الفجر.

٣- تحوّل الصمت من غياب إلى حضور مكثّف.

الصمت هنا ليس سلباً، بل امتلاء.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

إذا قُرئ النص في سياق التجربة العراقية المعاصرة، حيث الاضطراب والقلق الجمعي، فإن الصمت قد يُفهم بوصفه انسحاباً تأملياً من صخب الواقع.

2. تطور النوع:

النص يقع ضمن مسار الشعر التأملي العربي الحديث، الذي بدأ مع رواد الحداثة مثل بدر شاكر السياب، لكنه هنا يتجه نحو التجريد الهادئ بدل الدراما الأسطورية.

3. علاقته بالتراث

يتفاعل مع:

١- تقليد الفجر في الشعر العربي (الفجر رمز الأمل).

٢- الرمز الصوفي للصمت.

٣- ثنائية الليل/النهار في الشعر القديم.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

النص يبدأ بقلق خفيف، لكنه ينتهي بسكينة.

الانفعال الأساسي: التصالح.

2. تحليل الذات:

الذات تمرّ بثلاث مراحل:

١- البحث.

٢- الضياع.

٣- الاكتشاف.

3. النبرة النفسية:

النبرة تأملية، لا احتجاجية، ولا مأساوية؛ إنها نبرة نضج.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يصرّح بالواقع الاجتماعي، لكنه يقدّم نموذج المثقف الذي يختار التأمل بدل الضجيج.

الصمت هنا موقف وجودي، وربما احتجاج غير مباشر على صخب العالم.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية:

١- الفجر: الميلاد.

٢- الليل: التجربة.

٣- الصمت: المعرفة.

٤- الضوء: الحقيقة.

٥- الغيمة: العبور.

2. الشبكات التقابلية:

١- الصمت / الصخب

٢- الظلام / الضوء

٣- الحضور / الغياب

٤- الوحدة / الرفقة

هذه التقابلات تمنح النص بنيته العميقة.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- القراءة النفسية.

٣- المقاربة الهيرمينوطيقية.

٤- البعد السيميائي.

مع التركيز على النص ذاته، لا على السيرة الشخصية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بقيمة:

١- السكينة.

٢- الحرية الداخلية.

٣- التصالح مع الذات.

وهو نص مفتوح التأويل، يمكن قراءته بوصفه:

١- تجربة صوفية.

٢- تأملاً وجودياً.

٣- بيانًا نفسيًا عن النضج.

خلاصة عامة:

«نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» نصّ تأملي هادئ، يقوم على بنية تحوّلية من القلق إلى الصفاء، ويعتمد لغة شفيفة متوازنة، وصوراً غير صادمة لكنها عميقة.

إنه نصّ لا يصرخ، بل يهمس؛ لا يعلن الثورة، بل يعلن المصالحة.

وإذا كانت بعض المواضع قابلة للمراجعة الأسلوبية، فإن القيمة الكبرى للنص تكمن في صدقه الداخلي، وانسجامه بين الرؤية والتعبير، وقدرته على تحويل الصمت من فراغ إلى معنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر

بقلم: عصام الياسري

ومع كلِّ فجرٍ، أتعلمُ الصمتَ أكثرَ

وأتركُ نفسي في جريانِ الزمانِ

أرى الحياةَ كغيمةٍ تمرُّ، تسافرُ

فأظلُّ أسمعُ أنفاسَ الأحلامِ

وفي الليلِ، حينما يهمسُ الأفقُ لي

تتراءى الأيامُ التي كانتْ

أصحو على الهدوءِ، ولا أخافُ الوحدةَ

فأرى في الظلامِ ضوءًا ساطعًا كانَ

وما كانتْ وحدتي إلا رفيقةً

حملتني في أفقٍ لم أعهده

وفي الصمتِ، اكتشفتُ هدوءًا أعمقَ

من كلِّ صخبٍ مرَّ في العمرِ، وهدّه

لقد تعلمتُ أنني، في النهايةِ

صوتٌ من صمتٍ، وشيءٌ من سرابِ

أني في الحقيقةِ ما كنتُ أبحثُ عنه

هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ

فصارتْ المسافةُ بينَ القلبِ والروحِ

محوًا لكلِّ فكرٍ كانَ عليَّ

وأصبحتُ حالي صمتًا يهتفُ ببساطةٍ

ويستقبلُ الفجرَ في أبسطِ المعاني

10 فبراير 2026

 

لطالما تساءلت لم لا نكتب رواية (بلا مشاكل) أي لا تبعث الغم في نفس القارئ. ماذا يعني هذا، وهل يمكن كتابة رواية بلا مشاكل؟ كيف سيكون شكل الرواية بلا مشاكل؟ ماذا ستعرض وماذا ستعالج، لكي تستوفي عناصر السرد واشتراطاته لتكون رواية وتستهوي القارئ وتشده لقراءتها؟ الإجابة ببساطة ستعرض للجانب الثاني من الحياة، جانب اللامشاكل! وهنا سيواجهنا السؤال: هل هناك وجه بلا مشاكل للحياة؟ أين يكون هذا الوجه، ما هي صفاته، ولمن يظلل بنعيمه أو من يعيش فيه؟ على أي أسس أو وفق أي اشتراطات يقوم؟ ما هو شكل الحياة فيه ووفق أي تضاريس يسير؟ حياة بلا مشاكل؟ ما طعمها يا ترى وبأي حواس ووعي سيتلقاها الإنسان؟ والأهم من كل هذا، هل ستحتاج حياة بلا مشاكل للرواية؟ عم ستكتب الرواية في دورة حياة بلا مشاكل؟ عن الجانب الثاني منها، كما أسلفنا.. نعم، ولكن ما شكل وصفات الجانب الذي بلا مشاكل من الحياة؟ والإجابة البديهية على هذا السؤال محكومة بسؤال (الجنحة) الفلسفية: ومن قال أو فرض أن الحياة يجب أن تكون بمشاكل لتكون حياة؟ لا أحد… نحن فقط نعمم وضع ما ألفنا.. إذن ما هو شكل الحياة في الجانب المشرق منها، الجانب الذي بلا مشاكل؟ الإجابة البدهية هي إنه بلا مشاكل! بلا مشاكل على الإطلاق أم بلا مشاكل من النوع الذي ألفنا؟ سنفترض أن السؤالين وجهان لعملة واحدة، بحكم أننا نعجز عن تصنيف ما نجهل، وعليه سنسلم أن الوجه الثاني من الحياة صافٍ ولا تكدره المشاكل. عم سنكتب في حياة بلا مشاكل إذن، لنخرج للمتلقي برواية ممتعة؟ ومن قال أن الرواية الممتعة يجب أن تكون عن مشاكل أو تعرض لها؟ ماذا تعرض الرواية إذن أو عم تكون، إن لم تعرض لإحدى مشاكل الإنسان في الحياة؟ الأديان اقترحت الجنة (كمكان للنعيم وخالي من أي شكل من أشكال التعب) كوجه ثانٍ لوجه مشاكل الحياة، وقد قبل أغلب البشر هذه الرؤية، رغم بساطتها، كتصور محدود السقف وبأفق ضيق، لكون أثره لا يتعدى عملية إشباع الغرائز. في حين يقترح التصور الفلسفي امتلاك كل ما هو أصيل وعصي على الفقد. ولكن ما هو الشيء أو الأشياء التي لا يمكن فقدها أو لا يجب أن تزول أو تتبدد؟ هو أو هي كل ما ينحصر بالجانب الاعتباري طبعاً ولا يحكمه زمننا الوجودي المرهونين له، أي هو كل ما يطفو بنا على الجوانب المادية - الغريزية، التي تمثل مشاكلنا التي نكتب الرواية (حالياً) من أجل عرضها والبحث عن حلول لها.

إذن هل كل الأمر يتعلق بزمننا الوجودي الذي نعيشه ونعيش عبر حسابه؟ وبعبارة أدق، هل هذا المقترح يتعلق بالتحرر من طوق وحصار الزمن الفيزيائي الذي يحكمنا أي يحكم وجودنا أو دورة حياتنا القصيرة؟

في أعماق كل منا صوت محتج ومتلهف يسعى للتحرر وكسر قيد زمننا الوجودي القصير الذي ولدنا تحت سقفه. وهذا مرده حس عميق وأصيل أن زمننا الذاتي (الزمن الذي تعيشه ذواتنا في الحياة) ضيق، مبتسر، وبسقف واطئ لا يسمح لنا برفع رؤوسنا إلى المدى الذي نصبو إليه. ومن نافلة القول أن نذكر أن أغلبنا يصبو بالفعل، وبحس عميق وكثيف، لكسر حدود زمنه الذاتي والتمدد في زمن أعمق و(أكبر)، يناسب حسه بأهميته، أي بأنه محور هذا العالم، على أقل تقدير، وليس مجرد ترس صغير قابل للعطب في أي لحظة، لأن أكثر ما يثير غضب الإنسان هو ألا تكون دورة ذاته ووجهتها بلا أهمية، بل وبالأهمية الأولى، فيي حسابات الحياة.

زمننا الذاتي (زمن كل ذات) غامض وملتبس، وكل همه أن يقنع كل منا (على حدة) بأنه فرصتنا المثالية والكافية، في حين أن كل جزء في تركيبنا الداخلي المعقد، لا (يفكر) ولا يسعى لغير كسر طوقه والتحرر من قيده لدخول عالم الزمن المفتوح الذي نملكه نحن ولا يملك دورة حياتنا، كما هو الأمر مع زمننا الوجودي الراهن الذي ينتهي بنا إلى الموت.

أي زمن إذن الذي يجب أن تكتب عنه الرواية وتكون فيه خالصة لمتعة القارئ؟ وهذا يسحبنا لسؤال هل ثمة زمن بلا مشاكل؟ متى يعيشه الإنسان؟

إنه زمن التحرر من كل ما هو حسي، أي زمن الحرية المطلقة التي يطفو عبرها الإنسان على كل ما هو غريزي وحسي.

والسؤال الآن هو.. وعم يمكن الكتابة حينها، أعني في زمن اللحظة صفر، أي اللحظة النقية وغير المحدودة؟

عن كل ما هو أصيل وعصي على الفقد، وبالتالي يليق بكبرياء الكيان الإنساني وحرمة ذاته الفردية.

هل يعني هذا أن نحصر الجهد الروائي في ما هو ثقافي (أي الزمن الثقافي، إذا جاز التعبير) ونهمل ما هو تاريخي، أي الزمن المعيشي أو اليومي؟

برأيي هذا ما وجدت الرواية لأجله، ببساطة لأنها أول ما كتبت فإنما كتبت (في أوربا) للمتعة وتبديد ثقل ليالي الشتاء الطويلة والقارسة البرودة.. الجلوس أمام نار موقد النار والاستغراق في قراءة ما ينسجه الخيال…. ومن لا خيال له فما هو بروائي! وعلى هذا الأساس ولدت المدارس النقدية الأوربية، من أجل ملاحقة وتحليل البناء الفني والإشاري للرواية، وليس للقبض على رسالتها ومحاكمتها على أهدافها.

وربما تهويمة الروائية الفرنسية، جورج ساند، تضيء لنا هذا الجانب، وملخصها (الإنسان طيب وشرير، لكنه أيضاُ شيء آخر…).. ما هو هذا الشيء الآخر؟

هذا ما يجب أن تقام وتكتب من أجله الرواية (شيء الإنسان الآخر…)… وربما هو بحثه عما لا يمكن فقده… مدفوعاً بحسه العميق بأصالته الذاتية وإنه محور الحياة الذي لا يجب فقده!

هل يجب أن يُفقد الإنسان؟

على الأقل لا إنسان يقول هذا وهو غير هرم وبصحة جيدة!

هل ثمة صوت (يقول، أي يفكر بعمق ويسأل) غير صوت الإنسان في هذا الوجود؟

أنا لم أسمع صوت ثانِ!

***

سامي البدري

القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ المَعنى، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة. وفي الشِّعْرِ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ، ونَبْرَةٍ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى.

في هذا الأُفق، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا، لكنَّهما مُتجاورتان رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح (1935- 1985)، وتَجْرِبة الشاعرةِ الأمريكية سيلفيا بلاث (1932 - 1963 انتحار). كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ، لا بِوَصْفِه فِكرةً فلسفية مُجرَّدة، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات.

عِند سَنِيَّة صالح، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب، وشُعورٍ عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير. هِيَ لا تكتب عَن القلق، بَلْ تَكتُب بِه، كأنَّ القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق، يتقدَّم ويتراجع. يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى. وَشِعْرُها لا يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى : المَوْت، الوَحْدة، الحُب، الأُمُومة، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت.

أمَّا سيلفيا بلاث، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي. قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي. قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ ذاتَه. الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي، بين الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي.

يُشكِّل الجسدُ مِحْوَرًا أساسيًّا في تَجْرِبةِ الشاعرتَيْن. عِند سَنِيَّة صالح، الجسدُ كائنٌ مُتعَب، ومريض، ومُحاصَر بالانتظارِ والخَسارات.إنَّه جسدٌ أُنثوي يعيشُ القلقَ بصمتٍ نبيل، قَلَق لا يَصرخ كثيرًا،بَلْ يتآكل بِبُطْء. يَظهر الجسدُ بِوَصْفِه مَكانًا للألمِ والذاكرةِ، لا كَمَوضوع للزينةِ أو الاحتفاءِ، بَلْ كحقيقة ثقيلة لا مَهرَب مِنها.

في المُقابِل، يَتحوَّل جسدُ سيلفيا بلاث إلى ساحة مُواجَهة مُباشرة معَ العدم. جسدٌ يَتكلَّم، ويَحْتَج، وينكسر، ويُعاد تَركيبُه لُغويًّا بِقَسوة. القلقُ هُنا لَيْسَ ساكنًا، وإنَّما عنيف، يَضرب الجسدَ، ويُعيد تَعريفَه باعتباره شيئًا هَشًّا، وقابلًا للفَنَاءِ في كُلِّ لَحْظة.

تكتبُ سَنِيَّة صالح بِلُغَةٍ شفيفة ومُقتصدة، لكنَّها مشحونة بطاقةٍ داخلية عالية. لُغتها تُشبِه حَياةً مَكسورة، أو اعترافًا يُقَال بصوتٍ مُنخفض خَوْفًا مِن انكساره. القلقُ في لُغتها يَتجلَّى عَبْرَ الفَرَاغات، والمَيْلِ الواضحِ إلى التأمُّلِ الداخلي.

سيلفيا بلاث تلجأ إلى لُغةٍ صادمة، ومليئة بالصُّوَرِ الحادَّة، والاستعاراتِ القاسية. لُغَتُها لا تَخشى العُنْفَ الرمزي، ولا تَخجل مِنْ تَعريةِ الذاتِ حتى أقصى دَرَجَاتِ الهَشَاشة. القلقُ هُنا يُتَرْجَمُ إلى صُوَرٍ قوية، وإيقاعٍ مُتوتِّر، وقصيدةٍ تكادُ تَكُون صَرخةً وُجودية مُكتملة.

يَلتقي صَوْتَا الشاعرتَيْن عِند سُؤالِ الأُنوثة، لَيْسَ باعتباره هُوِيَّةً بيولوجية فَحَسْب، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وُجودية مُركَّبة. سَنِيَّة صالح تعيشُ أُنوثتها في ظِلِّ مُجتمع يُثْقِلُها بالتوقعاتِ والقُيود، فَتتحوَّل الأُنوثةُ إلى عِبْءٍ وُجودي، وسُؤالٍ مُؤلِم عن الحُرِّيةِ والمَعنى. القلقُ هُنا مُرتبط بالإحساس بالاختناقِ داخل أدوارٍ جاهزة. وسيلفيا بلاث تَخوضُ صِراعًا عنيفًا معَ صُورةِ المرأة كما يَرسمها المُجتمعُ الغَرْبيُّ الحديث. وهذا التَّمَزُّقُ يُولِّد قَلَقًا مُضَاعَفًا، لا يَجِد مَخرجًا سهلًا، ويَتحوَّل إلى رَغبةٍ في مَحْوِ الذات، أوْ إعادةِ صِناعتها مِنَ الصِّفْر.

المَوْتُ حاضرٌ بقوة في تَجْرِبَتَي الشاعرتَيْن، لكنَّ حُضوره يَختلف في النَّبْرَةِ والوظيفة. عِند سَنِيَّة صالح، المَوْتُ ظِلٌّ بعيدٌ نِسْبِيًّا، يُستدعَى بِوَصفه نِهايةً مُحتمَلة، أوْ كحقيقةٍ صامتةٍ تُراقِب الحياةَ مِنَ الخَلْف. إنَّه جُزْءٌ مِنَ التأمُّلِ الوُجودي لا ذِرْوَة درامية. وَعِند سيلفيا بلاث، المَوْتُ يَكاد يَكُون شخصيةً مَركزية، وَحِوارًا مَفتوحًا، وهاجسًا دائمًا. القلقُ الوجودي هُنا يصلُ إلى ذِروته، حيث تُصبح الحياةُ سُؤالًا ثقيلًا، ويَغدو المَوْتُ إغراءً فلسفيًّا ونَفْسِيًّا في آنٍ معًا.

لا يُقْرَأ شِعْرُ سَنِيَّة صالح وسيلفيا بلاث بِوَصفه تعبيرًا ذاتيًّا فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا شهادة وجودية على هَشاشةِ الكائنِ في مُواجهةِ العَالَمِ والذاتِ والمصير. كِلْتاهُما جَعَلَتْ مِن القلقِ مادَّةً شِعْرية مَركزية، وَوَعْيًا حادًّا بالوُجودِ وحُدودِه القُصْوى، ولَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة.

تَلْتقي الشاعرتان في إدراكهما العميقِ لاغترابِ الإنسانِ الحديثِ، وتَحويلِ التَّجْرِبَة الشخصية إلى سُؤالٍ كَوْني، وتفترقان في نَبْرَةِ المُواجَهة. سَنِيَّة صالح تُصْغي إلى القلقِ وتَحْتويه، بَينما سيلفيا بلاث تُهاجمه وتشتبك معه حتى الاحتراقِ.

بَيْنَ الهمسِ والصَّرخةِ، يَتشكَّل شِعْرُهما كَوَثيقةٍ إنسانية عالية الكُلْفَة، تُثْبِتُ أنَّ القلقَ الوُجودي أحدُ أشكالِ الوَعْي، يَنبُع مِنْ شُعورٍ دائم بالانفصال، انفصال المَرأةِ عن جسدها، والعَالَمِ الذي يفرض صَمْتَه الثقيل، ويتعامل معَ المَوْتِ كَحَقيقةٍ تَسْكُنُ الحياةَ ذَاتَها، وَلَيْسَ شيئًا خارجيًّا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الطفولة الأزلية

من خلال مشاهدتي للفلم في عرض خاص ضمن حدث مهرجان الفلم العربي في هلسنكي بنسخته الثانية للعام 2025، خرجت بهذا الانطباع النقدي للفلم ولمصدر فكرة الفلم. يقدّم الفيلم العراقي أناشيد آدم (عدي رشيد) والرواية الألمانية طبل الصفيح (غونتر غراس) نموذجًا متقاطعًا لشخصية استثنائية: طفل يرفض أن يكبر. في الحالتين، تلتقي رواية طبل الصفيح لغونتر غراس (1959) والفيلم العراقي أناشيد آدم لعدي رشيد (2025) عند فكرة محورية: الطفل الذي وقف خارج حركة الزمن، بينما تتحرك الأحداث من حوله، وينمو الكل ويشيخ ويموت، حتى الأوطان. هذه الثيمة تتحوّل في كلا العملين من حادثة غرائبية إلى أداة نقدية تكشف عن مأزق الفرد في مواجهة التاريخ الجماعي. يتحوّل توقف النمو من حادثة غريبة إلى رمز وجودي وتاريخي يكشف مأساة مجتمع بأكمله، والخوف من القادم بتغيراته الحادة القاطعة، في النسخة العراقية على الأقل. الرواية تسرد أحداث حياة أوسكار من منظور الطفولة، متتبعة تحولات عائلته والمجتمع المحيط، مع تصوير تأثير النازية على ألمانيا.

بينما كان سرد الفيلم أناشيد آدم بصيغة البالغين كالراوي العليم " المخرج هنا "في السرد الروائي. من خلال أفعاله الغريبة، يواجه أوسكار فساد المجتمع والسلطة، والحروب، والانقسامات الاجتماعية، ما يجعل طفولته رمزًا للرفض والاحتجاج الفردي.

يبدأ الفيلم العراقي في عام 1946، في العصر الملكي العراقي، ويتزامن مع الانقلابات في الخمسينيات ثم الستينيات، حيث يتجمد عمر آدم، حتى يصل بنا إلى زمننا الحالي مع اجتياح داعش غرب العراق وهروب الأهالي في 2015، مزامنة مع الموت الذي نرى ملامحه في كثير من المشاهد، والتي ظهرت بها الجثث منذ أول الفيلم حتى آخره، خاصة المشهد النهائي حين دفع آدم بجثة أخيه في قارب في النهار، حيث لا نهاية لجريان الزمن والماء، وحيث المجهول.

مثل دور أنكي الممثل الموهوب تحسين داحس، بينما مثل دور آدم الطفل عزام أحمد علي، بينما مثلت هدى شاهين دور إيمان "شابّة". ويعكس المخرج تغيرات الزمن بشكل مقنع على الشخصيات المرافقة: إخوة الطفل الذي لا يكبر، آدم وأنكي وعلي، ورفيقة طفولته إيمان. يسجل للفيلم نقاط عدة في الفريمات البصرية الفنية الممتعة، المضافة للمشاهدة، خاصة وأن البيئة الغربية الريفية والصحراوية تقدم خدمة مجانية في هذا الصدد للكاميرا. اللعب على الضوء والظل للدفع لفهم الجوانب النفسية كان موفقًا كذلك. مع هذا، فشل الفيلم في المحافظة على نسق واحد للهجة المناطقية، فجاءت بين البغدادية ولهجة أهل الغربية في خلطة غير متناسقة. التمثيل كان مقبولًا في فصول الفيلم، لكنه جاء فاتراً. كان كاست دور آدم غير موفق؛ كان تمثيله باردًا و"فلات " بلا مشاعر في سبعين بالمئة من الفيلم. مع هذا، كانت تجربة الفيلم جيدة، ينقصها الاختزال والتكثيف، وتقليل مدة زمن الفيلم، والتخلص من الكليشيهات السياسية التي دسّها المخرج في الحوارات، خاصة موضوعة مقتل عبد الكريم قاسم في 1963 ومناصرة الشارع الشيوعي له. و للدقة التاريخية والواقعية، فإن المناطق الغربية لم تكن متعاطفة مع قاسم، وكانت تميل للانقلابيين بحس قومي، وهو عكس ما تحدث به أحد الشخصيات المحورية في الفيلم. ولو كان الفيلم لا يستند لوقائع زمنية حصلت، فلماذا حشر المخرج هذا الحدث في الحوار؟

في أناشيد آدم، يولد التوقف عن النمو من خوف شخصي: الطفل آدم يرى جسد جده المسجّى فيغدو مشدودًا إلى أمنية ألا يشيخ. الأمنية تتحقق، لكن المجتمع يراها لعنة، فتغدو حياته استعارة عن العراق الذي لا يتجاوز جراحه ولا يشيخ ليكتسب الحكمة. أما في طبل الصفيح، فإن قرار أوسكار بالتوقف عند سن الثالثة كان فعل احتجاج سياسي وأخلاقي ضد عالم الكبار الملوّث بالنازية والزيف. يتماهى آدم الطفل في الفيلم مع أوسكار في الرواية، ولكن آدم أكثر ملائكية وسلبية؛ فلا هو يجيد الاعتناء بنفسه، ولا حتى يعرف لماذا يكبر الآخرون، بينما هو محبوس في جسد وعقل طفل. في مشهد على النهر، يحاول أنكي تعليم آدم مهارة شق بطن السمكة وتجهيزها للشوي، نرى مدى صعوبة هذا نفسيًا وجسديًا على الملائكي آدم. كلا العملين يستخدم الواقعية السحرية: آدم طفل عالق في الزمن، وأوسكار ككائن يملك قدرة صرخة تحطم الزجاج وطبلًا يحفظ طفولته. غير أن غاية الرمز تختلف؛ في الفيلم يشتبك مع ذاكرة العراق وتراجيدياته، بينما الرواية تفكك تورط المجتمع الألماني في النازية. بهذا المعنى، يتجاوز الطفلان فرديتهما ليصيرا مرآة تاريخية: آدم يمثل براءة العراق المعلقة في دائرة موت لا ينتهي، وأوسكار يجسد رفضًا لبلوغ مجتمعٍ غارق في خطيئة الماضي. إنهما إعلان مزدوج بأن الطفولة ليست ملاذًا، بل صرخة ضد الزمن والخراب.

***

كتب: ياسين غالب

ليست اللغة نظاماً من العلامات فحسب، بل هي أفقٌ تأويليٌّ يتخلّق فيه المعنى بين ظاهر اللفظ وباطن القصد. ومن هنا نشأت في التراث العربي إشكالياتٌ دقيقة تتصل بـ التأويل والتقدير والإضمار، وبما اصطلح عليه النحاة من العلل الثواني والثوالث والأقيسة البعيدة؛ وهي أدواتٌ منهجية أراد بها العلماء صونَ النظام اللغوي، غير أنّها – حين تتجاوز حدودها – قد تُفضي إلى تضخيم البناء النحوي على حساب إشراق الدلالة.

أولًا: التأويل بين ضرورة الفهم ومخاطر الإسقاط

التأويل في أصله فعلُ عودةٍ إلى المآل، أي إلى ما يؤول إليه المعنى في سياق الخطاب. وقد أدرك البلاغيون – من مثل عبد القاهر الجرجاني – أنّ المعنى لا يُنال من مفرداتٍ مفصولة، بل من نظمٍ يُنشئ العلاقات بينها. غير أنّ التأويل حين يغادر مقتضى السياق، ويتحوّل إلى محاولةٍ لإخضاع النصّ لقواعد مسبقة أو تصوّراتٍ معيارية صارمة، يغدو ضرباً من العنف المعرفي.

فكم من تركيبٍ عربيٍّ سليمٍ في استعماله، أُثقِل بتأويلاتٍ بعيدة، لا لشيء إلا لأنّه خالف قياساً مشهوراً أو قاعدةً مستقرّة. وهنا يتجلّى التوتر بين “اللغة كما تُستعمل” و“اللغة كما تُنظَّر”. إنّ الخطر لا يكمن في التأويل ذاته، بل في تحوّله من أداةٍ لفهم النص إلى أداةٍ لإعادة تشكيله وفق قوالب ذهنية جاهزة.

ثانياً: التقدير والإضمار: اقتصاد اللغة أم إسراف الصناعة؟

العربية لغةُ إيجازٍ واحتشاد، وفيها من الحذف ما يدلّ على ثقةٍ بالسياق وذكاءٍ في المتلقّي. غير أنّ النحاة – حرصاً على استكمال البناء الإعرابي – لجؤوا إلى التقدير والإضمار لسدّ ما رأوه فراغاً نحويّاً. فصار في كثيرٍ من المواضع “محذوفٌ واجب التقدير”، و“ضميرٌ مستترٌ تقديره هو”، و“فعلٌ محذوف دلّ عليه السياق”.

ولا ريب أنّ التقدير ضرورةٌ في بعض المواطن، غير أنّ الإفراط فيه يُفضي إلى مفارقةٍ لافتة: نصٌّ موجزٌ في ظاهره، متضخّمٌ في باطنه، إذ يتكاثر فيه المحذوف والمقدَّر حتى يكاد يُثقِل بنيته الدلالية. هنا يغدو السؤال مشروعاً: هل كلُّ سكوتٍ في اللغة نقصٌ ينبغي ملؤه؟ أم أنّ الصمت أحياناً جزءٌ من البنية، لا خللٌ فيها؟

لقد وعى بعض الأصوليين – ومنهم أبو إسحاق الشاطبي – أنّ المقاصد تُفهم من مجموع الخطاب لا من تفكيكه الجزئي، وأنّ التقدير ينبغي أن يُراعى فيه مقصد المتكلم وسياق الحال، لا مجرد تمام الصناعة الإعرابية.

ثالثاً: العلل الثواني والثوالث: من التفسير إلى التبرير

نشأت فكرة العلّة في النحو متأثرةً بالمنطق، وبلغت ذروتها عند ابن جني في بحثه عن “علل النحو”. فبعد العلّة الأولى (كالتخفيف أو الثقل)، ظهرت عللٌ ثانية وثالثة لتفسير الظواهر اللغوية تفسيراً عقليّاً منسجماً.

غير أنّ تضاعف العلل قد يحوّل التفسير إلى تبرير، ويجعل القاعدة أصلًا والنصّ فرعاً، بدل أن يكون الاستعمال هو الأصل والقاعدة وصفاً له. وهنا تنشأ فجوةٌ بين المنطوق اللغوي ونسقه النظري؛ إذ يُستدعى التعليل لا لفهم الظاهرة، بل لحمايتها من الاستثناء.

إنّ كلّ علّةٍ تتجاوز حدود الضرورة الوصفية، وتتحوّل إلى بناءٍ افتراضيٍّ مركّب، إنما تُعبّر عن رغبة العقل في النظام أكثر مما تعبّر عن طبيعة اللغة نفسها؛ فاللغة كائنٌ حيّ، لا يستجيب دائماً لمنطقٍ صوريٍّ صارم.

رابعاً: الأقيسة البعيدة وإشكالية التعميم

القياس في العربية أداةٌ لتوسيع القاعدة، غير أنّ القياس البعيد – حين يُلحق ما لا يشبه بما يشبهه في الظاهر فقط – قد يُنتج أحكاماً تُباعد بين النصّ وسليقة الاستعمال. وقد نبّه سيبويه إلى أهمية السماع، وجعل له المقام الأعلى، غير أنّ بعض المتأخرين غلّبوا القياس حتى ضاقوا بالشاهد القليل إذا خالف المشهور.

إنّ القياس البعيد يُفضي إلى مفارقةٍ معرفية: فهو يسعى إلى توسيع النظام، لكنه في الوقت نفسه يُقصي التنوع اللغوي، ويُحيل الظواهر الشاذة – التي قد تكون أثراً لتطورٍ حيّ – إلى أخطاء ينبغي تأويلها أو ردّها.

خامساً: بين العقل النحوي وأفق الدلالة

تكشف هذه الإشكاليات عن صراعٍ خفيٍّ بين عقلٍ معياريٍّ يسعى إلى الاتساق، ولغةٍ حيّةٍ تميل إلى الاقتصاد والانزياح. فكلّ تأويلٍ مفرط، وكلّ تقديرٍ متكلف، وكلّ علّةٍ متراكبة، وكلّ قياسٍ بعيد، إنما يدلّ على خوفٍ من الفوضى أكثر مما يدلّ على فهمٍ لروح اللغة.

ولعلّ المخرج يكمن في إعادة التوازن بين الوصف والتقعيد، وبين السماع والقياس، وبين ظاهر النصّ ومقاصده. فاللغة لا تُفهم بفرض اكتمالٍ منطقيٍّ عليها، بل بوعي سياقاتها التداولية، وبتحريرها من وهم الانسجام المطلق.

خاتمة: نحو نحوٍ تأويليٍّ جديد

إنّ الحاجة اليوم ماسّةٌ إلى نحوٍ تأويليٍّ يراعي البعد التداولي، ويُعيد الاعتبار للسياق والاستعمال، دون أن يُفرّط بصرامة المنهج. نحوٌ يعترف بأنّ الحذف قد يكون دلالةً، وأنّ الشذوذ قد يكون أثرَ حياة، وأنّ القاعدة وُضعت لتصف لا لتقهر.

فاللغة، في نهاية المطاف، ليست معادلةً منطقية، بل كائنٌ رمزيٌّ يتحرّك في التاريخ، ويتنفس في الوعي، ويقاوم كلّ محاولةٍ لتحويله إلى هندسةٍ مغلقة. ومن هنا فإنّ مشكلات التأويل والتقدير والعلل والأقيسة ليست عيوباً في التراث، بل علاماتٌ على حيوية العقل العربي، بشرط أن تُقرأ قراءةً نقديةً تُحرّرها من تضخّمها، وتعيدها إلى وظيفتها الأولى: خدمة المعنى لا السيطرة عليه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لعلي بنساعود

تمثل مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود مرآة سيكولوجية تعكس تفكك واغتراب الذات الإنسانية في سياق اجتماعي مُحطّم، فهذه المجموعة التي تضم ثمان عشرة قصة لا تقدم قصصاً فردية معزولة فقط؛ بل تُجسّد حالة جماعية من الاغتراب والهذيان، حيث تتشابك مصائر الشخصيات في دوامة من العزلة، والعنف، والهروب المرضي من الواقع. ومقاربتنا النقدية لهذه القصص سترتكز على محاور رئيسة تكشف عن البنية السيكولوجية المشتركة التي تُوحّد هذه الشخصيات المُعذّبة. 

العزلة السيكولوجية والبحث عن بدائل التواصل

تُعدّ العزلة السيكولوجية هي اللعنة الأولى التي تُطارد شخصيات المجموعة القصصية، حيث تفشل العلاقات الإنسانية الحقيقية في توفير الدعم، ما يدفع الأفراد، خاصة الأطفال والنساء، إلى خلق عوالم بديلة للتعويض.

الفراغ العاطفي والهروب إلى كائنات غير بشرية:

تُجسّد قصة "ما خلف الباب" العزلة المبكرة للطفلة التي تعيش في إطار أسري يفتقر إلى التواصل العميق، حيث تفشل الطفلة في البوح لوالديها وأختها، الذين "لا يعرفون أي شيء" عن عالمها الداخلي؛ وبالتالي تلجأ إلى آلية تعويض عن هذا الحرمان التواصلي، بتحويل دميتها الخزفية "فلة" إلى كائن حي، أخت وصديقة حساسة، تجد فيها "بئر أسرارها" وملاذها للحصول على الطمأنينة والدفء، تقول الساردة الطفلة في هذا الصدد بكثير من الوثوقية المفترضة " كانت فُلَّتي، مثلي تماما، حساسة للغاية، تتفاعل معي في الأفراح والأحزان، فعندما أحزن، أسارع لعناقها، وبمجرد ما تطبطب علي، تطمئن نفسي، وأشعر بالارتياح، وكانت تفعل معي الشيء نفسه" ص 16؛ إن هذا التماهي المفرط مع الجماد ليس مجرد لعب، بل هو آلية دفاع سيكولوجية تُعوض عن النقص في الاعتراف والاحتواء العاطفي؛ ويصل هذا الهروب إلى ذروته، عندما يتجاوز التخيل حدود الواقع، فتظهر الهلاوس (أنفاس دافئة وقبلة من الدمية إلى صديقتها الطفلة)، و(نطق الدمية بخبر وفاة أم الطفلة)، لدرجة أن الطفلة تعتبر أمها هي أم للدمية، تهذي مصورة ذلك قائلة" وحين دنوتُ منها، جرتْ نحوي، وارتمتْ في حضني، معانقة إياي، باكية بصوت حقيقي مسموع، وتقول "ماتت ماما، حبيبتي، ماتت ماما، ماتت، ماتت..."، كاد يغمى علي، وأقع أرضا، لولا أنها سندتني" ص 19، إنه أمر يُشير إلى تدهور نفسي تام ناجم عن انهيار سيكولوجي وعاطفي تام.

الاغتراب الزوجي والخيانة:

ينتقل الاغتراب إلى العلاقات الزوجية في قصص أخرى، مؤكداً فشل الأسرة كنواة للدعم، ففي قصة "لوحي المحفوظ"، يتشارك الأبوان الشعور بالوحدة، حيث الأب يشتاق إلى طفولة أبنائه، والأم منشغلة بعوالمها المدنية، وفي غمرة هذا الاغتراب، يسترجع الزوج أيضا ماضي أبيه وأمه، حيث يكتشف من خلال خبر صاعق من شقيقته، حالة الاغتراب العاطفي التي عاشته أمه رغم كرم زوجها، إذ تبدأ المشكلة بخيانة أبيه لأمه عبر رسائل غرامية مع إحداهن استعار لها اسم المختار، والسبب أنه لم يكن يشعر بالسعادة معها، فما كان من السارد الابن  إلى أن يعود إلى مذكرات أمه، ليكتشف أيضا خيانتها لأبيه، من خلال ما كتبته " أعيش على الذكرى، من أجل ابني... منذ تزوجت، قبل سنتين تقريبا، قررت النسيان، قررت نسيان حبي الأول... لكنني، حتى اليوم، ما زلت أغالب نفسي... رغم كرم زوجي وأخلاقه العالية، لم يستطع أن يملأ الفراغ، خصوصا أنه مجرد عامل، لا ثقافة له ولا طموح... رضيعي نفسه لم يستطع أن يخلصني من هذه المشاعر والأحاسيس المترسخة لدي..." ص 73، نستنتج أن هذا الزواج قد قام على أسس اجتماعية غير متكافئة ولا عاطفية، نشأ عنه اغتراب متبادل تؤثر فيه اختيارات ومواقف وقناعات اجتماعية وثقافية متفاوتة أنشأت بيئة خصبة لـلخيانة، سواء خيانة الأب الجسدية أو خيانة الأم العاطفية، ليدفع بالسارد الابن والزوج أن يعيش العدم في ما تبقى له من حياة مع زوجة مشغولة أيضا، وهكذا تستمر دوامة الاغتراب الزوجي الذي قد ينفتح على خيانات جديدة محتملة.

وفي قصة "حين قررت أن أتعايش معها"، يتجسد الاغتراب في فقدان الساردة لذاكرتها وهويتها، تبدأ مشكلتها قائلة " بعد أبي، غابت أمي! وحين استيقظتُ ذات صباح، بحثت عني... وجدتني في غرفة، في بيت مع رجل!... بعد مدة، تعثرتُ بطفل..." ص105-106، لم يكن الرجل سوى زوجها الحاضر الغائب، والطفل ابنها الذي يعاني من مشكلات سلوكية ملء العناد واللامبالاة، فتحس بالخيبة والاغتراب الأسري سواء لضبط ابنها، أم إزاء مشاغل البيت المتعبة، أو أمام سلطة وتحكم حماتها في خياراتها وخروجها بحثا عن صديقات، أو أمام زوج غائب، ولكي تخرج من هذا الكابوس تفاجئنا بنهاية مضللة لحكايتها، حيث كانت مشاركة في خرجة رياضية للمشي، لتكتشف أن الجميع يبحث عن طفلة تائهة، لتقول: " تلكأتُ في الالتحاق، وحين وصلتُ، فوجئتُ برجل وامرأة عائدين بطفلة، يلوحان من بعيد، فخمنت أنهما أمي وأبي عائدان بي من ضياعي المزمن!" ص110، إنه تماه ذكي من الكاتب، ليشير إلى أن الساردة تتوق إلى خلاص من هذا الاغتراب الزوجي والأسري الثقيل، كي يعيدها إلى زمنها الطفولي الطهراني الأول رفقة أبويها حيث الطمأنينة والسكينة في أوثق علاقة إنسانية تفتقدها في أسرتها الجديدة.2395 ali bnsaed

2-  العنف كقوة مُحركة للانهيار النفسي

يُعدّ العنف، سواء كان جسدياً، أو لفظياً، أو سيكولوجياً، القوة المحرّكة التي تُفجّر الانهيارات النفسية والاجتماعية في المجموعة، وتلعب الذكورة دورا سلبيا في ترسيخ هذا العنف وتذويته نفسيا كأثر ثقيل على الأطفال والنساء بشكل خاص.

العنف الأسري والاستبداد الذكوري:

في قصة "واقترب الفرج"، يظهر الأب كشخصية استبدادية عنيفة، يمارس العنف الجسدي واللفظي بشكل ممنهج، واصمًا ابنته بأقذع الصفات، حيث تستنكر البنت ذلك قائلة " بمجرد أن وصلت إلى المنزل عائدة من المدرسة، دلق علي حاوية شتائم وكلمات بذيئة زاعما أنني، حين دخلت، لم أنظر إليه! أكره نفسي، كما أكرهه... لو أستطيع لغادرت هذا الخم البئيس..." ص51، فهذا العنف الممتد عليها في كل وقت، نهارا وليلا، قد ولد لدى الابنة الكراهية العميقة للأب (المجنون كما وصفته) وللذات وللواقع، ودفعها إلى محاولة إيذائه "فقد أخذتُ، يوما، سكينا، وكدتُ أبقر بطنه" ص51، وكم آذت نفسها محاولة الانتحار؛ فحتى الأم، بدورها، لم تسلم من هذا العنف الذكوري حيث يعنفها متى حاولت حماية ابنتها، وغدت ضحية صامتة له؛ لكن صمتها وطلبها من ابنتها أن تعتذر لأبيها، يُعتبَر تواطؤاً سيكولوجياً يزيد من عزلة الابنة التي أصبحت تبحث عن معادل عاطفي آخر لدى رجل آخر، لم يكن سوى فتى جميل يدرس معها، وقد وقعت في حبه، ليفضح أخوها أمرها من خلال صور نسيتها على حاسوبه ف"جاء غاضبا يسألني عن الشخص معي في الصور... ارتفع صراخنا، سمِعَنا والدي، ولما عرف الموضوع، صفعني، قائلا: الساقطة لا يمكنها أن تنجب إلا ساقطة مثلك... فررتُ منه، فتحت الباب، لحق بي ودفعني، فتدحرجتُ حتى أسفل السلم" ص53، فعلا لقد تدحرجت جراء العنف الأبوي والذكوري إلى مقام سفلي حيث تنوء معه كل انثى تبحث عن حب يحتويها ويكون لها سقفا واقيا يحميها من كل اغتراب أو تيه وضياع عاطفي شاذ.

أما قصة "عينان خابيتان"، فتعكس نوعاً مختلفاً من العنف الأسري، حيث يتحول الأب المتقاعد من الجندية، بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، إلى كائن غريب بارد العواطف والمسؤولية، يمارس عنفاً سلبياً على زوجته وابنته، يتمثل في حساب ومراقبة كل شيء، والسخرية، والضرب، والتهديد بالطرد، وقد وصفت الزوجة حالته الشاذة بأنه " أصبح لا ينام، وإن نام، فنومه شجار وصراخ، أحيانا، أستيقظ، فأجده نائما يتشاجر مع آخرين، يتبادل معهم السب والضرب، فينهال علي ضربا وتعنيفا..." ص 66،  إنه نوع من الانتقام النفسي الذي يسقطه على أسرته، ومرد ذلك أنه عانى كثيرا حين كان مرابطا على الجبهة، وآخر معاناته أنه " أمضى أياما عصيبة محاصرا في خندق، قرب جثث متعفنة لمن سقط من زملائه، تنهشها الغربان، وأنه كلما نظر ناحيتها، كانت تهاجمه محاولة نقر عينيه الخابيتين..." ص 69، إن هذا النص يشير إلى بعض التداعيات السلبية التي تؤثر على المجندين الذين كابدوا ويلات وفظائع الحروب، الأمر الذي ينعكس نفسيا عليهم وعلى ذويهم، وهي معضلة تحتاج إلى مواكبة ودعم نفسي بعد العودة من الحرب، لكي يتمكنوا من إعادة إدماجهم ضمن العلاقات الاجتماعية والأسرية.

قمع المؤسسة التربوية والانتقام الرمزي:

يُمارس العنف في المدرسة أيضاً، كما في قصة "فجأة انقطع التيار" حيث المعلمة البديلة، بشخصيتها القمعية والمُتسلّطة، تُعامل تلميذة مجدة بوقاحة وتحدٍّ، محوّلة الفصل الدراسي إلى سجن قسري، لا تفاعل، لا أسئلة...، فقط القمع والسخرية والكراهية، فحتى حين تجيب التلميذة ببراعة، ودون تعثر، تشيح عنها المعلمة بنظرها، لتتساءل الطفلة في نفسها ببراءة ودهشة: " يا إلهي، ألهذه الدرجة تكرهني، تكره طفلة في عمر حفيدتها؟ ارتبكتُ فأخطأتُ في آخر جواب، استدارت نحوي قائلة: هذا مستواك! ونظرت إلى التلاميذ تحرضهم، فقهقهوا ساخرين مني... انفجرتُ باكية."76-77؛ وكرد فعل دفاعي على هذا العنف النفسي داخل فضاء تربوي، وعلى لسان مربية تعاني خللا ما، تلجأ الطفلة إلى الانتقام السحري، تصنع دمية شبيهة بالمعلمة البديئة، تنتف شعرها وتصفعها وترميها على الأرض، وتطعنها بالإبر والدبابيس، وتشعر بالسعادة والانتشاء، وبمحض الصدفة الغريبة يتحقق حلم التلميذة حيث تقول أنه " في اليوم الموالي، تأخرتْ المعلمة، فرحتُ، وفرحتُ أكثر، حين جاءت متأخرة تجر خطواتها، وانتشيتُ حين سمعتها تشكو لزميلتها من ألم في مفاصلها... وأنها لا تستطيع حمل جثتها!" ص79، إنه حلم بالانتقام المتخيل عبر هذا النوع من السحر الأسود التي تقرأ عنه أو تشاهده في أفلام الرعب، معتقدة بأنه سينجح كقناعة راسخة يكرسها غياب الرقابة الأبوية حول ما يطلع عليه النشء، فيترسخ في اللاوعي إيمانا وسلوكا وفعلا؛ ثم يتطور الأمر إلى طردها من المدرسة بسبب اتهام المعلمة لها أنها صاحبة رسم لصورة المعلمة على هيئة ساحرة شمطاء بملامح شريرة على السبورة، في حين يبقى الفاعل مجهولا في صفوف التلاميذ؛ فهذا العنف المُمارس على الطفلة يُحوّلها إلى مُعنِّفَة في عالمها الخيالي، وتنتهي بها الأمور إلى الانهيار النفسي ورؤية الهلاوس، وإلى زيارة طبيب نفسي لا يفتأ يحقنها بمحقن مهدئ، وهذا طبعا يؤكد تسبب البيئة القمعية في تحطم الذات جراء سلوك ناجم عن مربية يفترض فيها التوازن والحكمة والتبصر، مما يكشف عن مُعضلة تربوية وأخلاقية وقانونية وسيكولوجية تحتاج إلى إعادة نظر وتصويب.

الاستغلال في العلاقات العلاجية والحميمية:

تتجسد الصدمة النفسية في شكل استغلال مهني سُلطوي في قصة "هذا لست أنا"، حيث تنتهك المعالجة النفسية حدود المهنة باستغلال هشاشة المريض عاطفياً وجسدياً، حين " يتمدد على الأريكة صامتا، ينظر إليها، في وضع يشبه من هو في حالة تنويم مغناطيسي... شجعها صمته... اعترفت أنها تريده... قالت له كلمات جعلته يذوب... أثارت رغبته. بدت واثقة بنفسها... جلست جواره، لامسته بلطف، مدت يدها تفك أزراره ثم نزعت سترها..." ص 23، يكشف هذا المقطع حجم الهشاشة النفسية لكل من المريض والطبيبة النفسية، حيث انقلبت المعادلة إلى مرض نفسي تعاني منه الطبيبة (النفسية) جراء الحرمان العاطفي والجنسي ونداء الجسد، وانعدام المسؤولية المهنية وميثاقها، مما يُحوّل جلسة العلاج إلى تلاعب واستغلال ثم تخلٍ قسري في النهاية بعض قضاء الحاجة وتلبية الرغبة، وهذا ما يعمق من أزمة المريض النفسية؛ إنه نوع من الانقلاب القيمي والخلقي الذي أصاب المجتمع، فالطبيب والمريض كلاهما يعانيان من أمراض ناجمة عن أمراض اجتماعية انعكست على العلاقات المهنية.

3- الانهيار السيكولوجي وآليات الهروب المرضي

يُعدّ الانهيار النفسي نتيجة حتمية لكل أشكال العنف والعزلة. وتتراوح آليات الهروب بين الذهان، وفقدان الذاكرة، والهروب نحو الموت، وذلك من خلال ما يلي:

الشخوص بين الضغوطات والذهان:

في قصة "بعوض بلا طنين"، يُصوّر القاص حالة الذهان عند الأم بشكل متدرج ومقنع بعد أن عاشت البؤس وشظف العيش جراء عدة تجارب زواج فاشلة، وقد بدأت الحالة بهلاوس سمعية تقول عنها ابنتها الساردة " بدأتْ تَدَّعي أنها تسمع أصواتا أهمها صوت البعوض، حاولت أنا وزوجي أن نقنعها بأنه ليس هنالك أصوات ولا بعوض..." ص112، وتطور الأمر إلى هلاوس تخيلية غير صحيحة تخص بيت الجيران المقابل لهما، يفصلهما شارع عريض، ، حيث تخبر الأم ابنتها وزوجها بأن " الفتاة التي تسكن ذاك المنزل تبكي، طوال اليوم، حزنا على فراق أمها وأبيها... واليوم، جاء خالها ليأخذها، لكنها رفضت أن تذهب معه... تعالي، بنيتي، لنتدخل عسى الله يجعل لها مخرجا..." ص 113، في حين أن المنزل المذكور، لا يسكنه سوى أربعة إخوة ذكور فقط، ماتت أمهم منذ زمن؛ أو أن هذه الأم تلجأ إلى التحدث مع الموتى والتشاجر مع الأزواج السابقين. وتشتد الذروة عندما تكتشف الساردة بفعل ضغوطاتها وتناول بعض الأدوية أن الحديقة والغرفة التي كانت تبحث فيها عن أمها لم تكن هناك أصلاً، تقول " هذا الصباح، استيقظتُ متأخرة بفعل ما أتناوله من أدوية، ناديتُ أمي لأسلم عليها، لم ترد، لعلها في الحديقة، قلت، فتحتُ الباب، لم أجدها، لا هي ولا ما زرعته من ورود وأزهار، بل لم تكن هناك حديقة أصلا!" ص 115، يشير هذا المقطع إلى أن الهلاوس قد تسللت فعلا بالمحاكاة إلى وعي الساردة نفسها، كما إلينا كقراء، بفعل هذا التمويه النهائي للقصة، وذلك للتدليل على ذكاء سردي وذكاء النهاية والقفلة، حيث جعلَنا الكاتب بطريقة كافكاوية نصدق هذا الهذيان الأدبي العاكس لواقع مرير يعيش في دوامة من الهلاوس والهذيانات التي تنتقل بالعدوى.

الموت كخيار للتعامل مع الصدمة الوجودية:

تُثير قصة "رسوم عاطفية" قضية الموت الرحيم (أو الموت الاختياري) كهروب نهائي من المعاناة الجسدية والنفسية؛ فالصراع السيكولوجي والمهني الذي تعيشه الابنة الطبيبة يصور عمق الصدمة، حيث تصف موافقتها مكرهة على موت والدها ، فالهروب هنا هو هروب الأب عبر موت رحيم من "مرض عضال" و"معاناة تأبى أن تنتهي" حيث يصر على موقفه قائلا لابنته " حقنة كافية لأن تهدئني، تضع حدا لآلامي، وتنقلني إلى العالم الآخر بسلاسة، ودون أن أشعر" ص 135؛ كما أن ابنته كطبيبة تعيش رفقة عائلتها صدمة وجودية كبرى تحاول الهروب منها أيضا، لكن إصرار الأب ومحاولاته المتكررة للانتحار، تضعها في محك حقيقي، وهي الخبيرة بأحوال المرضى ومعاناتهم، وفي الأخير تستسلم لهذا القرار، لهذا الخيار حين " حقنه الطبيب بمنوم، بعدها بنصف ساعة، ناوله جرعة زائدة من "الباربتيورات"... ارتخى... دخل في سبات عمييييق... انتهى كل شيء" ص 139؛ لكن الصدمة تستمر بعد الموت في شكل لوم الذات والشعور بالندم يلازم الساردة بنتا وطبيبةً، رغم محاولتها إقناع نفسها بأنها فعلت صوابا لتحقق لأبيها الراحة والطمأنينة؛ فأحيانا يكون الموت الجسدي أفضل وسيلة نهائية وإجبارية لموت المعاناة والصدمات أيضا.

المراهق بين الوهم والواقع الحتمي:

في قصة "مجرى ولا ماء"، يظهر التظاهر بالانتحار كآلية للتعبير عن اليأس ولفت الانتباه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أن خديجة المراهقة ذات الأربعة عشر ربيعا، بقوامها الطويل والرشيق، والتي كانت تحلم بأن تصبح مانكان كما أسرت لأستاذها ذات فصل، لم يكن هدفها هو الموت الحقيقي حين تناولت الحلوى المسممة بسم الفئران، بل "التظاهر بالإغماء" لاستجداء عاطفة حبيبها، وقد أسرت بذلك لإحدى زميلاتها بالقسم قائلة " سأتناول قليلا من سم الفئران، سيغمى علي، فأٌنقَل إلى المستشفى، ويتم إسعافي... ومن على السرير، سألتقط صور "سيلفي" أبعثها إلى هشام... فيعود ماؤه إلى مجراي!" ص 62؛ لكن النهاية انسدلت على أحلام خديجة ذات القوام الطويل والرشيق، ووقع الخبر الصاعق على أمها التي" انهارت حين جاءت إحدى الممرضات تعزيها، وتخبرها أن الطفلة لفظت أنفاسها الأخيرة..." 58؛ هذه الخطة المأساوية تكشف عن الهشاشة المفرطة للمراهقين، وعن أحلامهم وطموحاتهم التي تعيقها انتماءاتهم لأوساط شعبية وهامشية، لذلك يعتقدون، عبر اللجوء إلى عقدة التسامي والتعويض، أن الدراما والألم هما السبيل الوحيد للحصول على الاعتراف العاطفي المفقود، وعلى تحقيق الأماني مهما كانت، دون وعي أو مسؤولية من الوالدين حتى؛ فالقصة تدعو إلى ضرورة الانتباه ومراقبة سلوكات المراهقين، وتربيتهم على العيش تحت سقف اجتماعي كمعطى واقعي، والتعايش مع طموحاتهم بنفس المنطق.

ألية الكتابة والتدوين الأدبي والصحفي للتنفيس ومواجهة السلطة والفساد:

تُقدّم قصتا "ذات وجع" و"سيف ديموقليس" آليات الهروب من السأم والقنوط ومحاربة الفساد عبر التعبير الأدبي والتدوين الصحفي.

في القصة الأولى، تتماهى الساردة مع ضحية الاغتصاب في مخطوطة مجهولة عثرت عليها ضمن أغراضها، وتصف الإحساس بالطعن بخنجر الاغتصاب الذي تعرضت له فتاة، وكأنه واقع بها حين وقعت فريسة عنف جسدي بعد أن اقتادها وحشان آدميان (سائق سيارة أجرة وراكب شريك له) إلى مكان مهجور بين الأشجار، تقرأ لنا الساردة بعضا من هذه المخطوطة: "... فتح السائق صندوق السيارة، تكلف الثاني بجذبي من داخلها. حاولت المقاومة، لكن صفعة منه شلت حركتي... شد ضفيرتي، جذبني خارج السيارة. جثوت أصرخ، دفعني بقدمه، وقعت على قفاي، مزق فستاني، كتم أنفاسي... وغرز خنجره فيَّ..." ص 84، فغرز الخنجر إنما هو استعارة من الكاتب للاغتصاب، الذي تعرضت له الساردة يوما ما، وقد تكون المخطوطة خاصتها (عثرت عليها ضمن أغراضها)، تعود إليها لتستحضر هذه المأساة، تقرأها كوسيلة لتنفيس الصدمات المكبوتة عنها، وذلك يشير إلى تداخل ذكي عبر التعبير الأدبي وذكرى الاعتداء، تتذكرها لتنساها عبر تكرار البوح عبر تقنية وآلية تدوين المذكرات، فهذا هروب متكرر لا تدرك معناه حتى الساردة نفسها وهي تختم حكايتها قائلة: " يا إلهي، قلت في سري، أي نوع من الكتابة هذه التي متى قرأتَها، عثرتَ على نفسك متشظيا بين حروفها، ووجدت تجربتك مقطرة ترشح من ثناياها، حاملة أفكارك... مشاعرك... أحلامك... هلاوسك... رغم الألم والإحباط، أعيد قراءة المخطوطة، فيترسخ لدي الشعور بأنني بصدد مشاهدة إعادة تمثيل جريمة أنا ضحيتها..." ص86.

أما في قصة "سيف ديموقليس"، فيواجه الصحفي المعارض، المتخصص في الصحافة الاستقصائية، اتهامًا بالسرقة كرد فعل على نبشه لأعشاش دبابير السلطة والفساد، حيث تحاول السلطة، بعد محاولات عديدة لثنيه عن توجهه الصحفي، أن تصادر بعض محجوزاته ونصوصه الأدبية التي تتحدث عن هوسه بسرقة أي شيء مهما كان متواضعا، وهي عادة أدمن عليها منذ طفولته ويتمه وعيشه مع جدته إلى أن كبر، أشياء عادية يجمعها أنى كان، يقول السارد في إحدى تدويناته الأدبية التي صادرتها المحكمة واعتبرتها صك اعتراف واثبات على السرقة: " وحين تجمعت لدي كمية كبيرة من هذه المواد، استغللتها في تزيين بورتريهات نسائية كنت رسمتها على جدران غرفتي... وما تبقى من ألوان رسمت به ألوية حمراء تحفها المطارق والمناجل وتحملها الجموع... وتحتها كتبت: يا مزاليط العالم، لن تتحدوا أبدا." ص 128، فهذه التدوينة المصادرة (التي أحدثت صراعا بين ممثل النيابة العامة ودفاع المتهم حول طبيعة النص هل هو سيرة حقيقية أم خيال؟)، تسلّط الضوء على محاولة السلطة لـتشويه الذات وتصفية المعارضة عبر سلاح الوصم النفسي والجنائي، وعلى طبيعة الشخصية التي تعيش هوسا نفسيا يجمع بين انتماء إيديولوجي سياسي معارض قرينته المطارق والمناجل والألوية الحمراء، وبين الإدمان على السرقة لأشياء الآخرين ليشكل بها عالمه المشتهى الأثير والمفترض، وذلك ما يشير إلى عيش الشخصية في فصام بين واقعين، واقع مريض بالهلاوس، وواقع فاسد بالسلطة، مما يدفعه عبر التعبير الأدبي إلى إشهار"سيف ديموقليس" للتهديد بالانتقام والنبش في عش دبابير السلطة والفساد دون إدراك عاقبة أن تلدغه كما نبهه محامي دفاعه في نهاية القصة.

ختاما، تؤكد مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" أن الشخصيات فيها مُحاصَرة في دائرة مغلقة من العذاب والمعاناة النفسية والجسدية، إذ العزلة تولّد العنف، والعنف يُفجّر الانهيار النفسي، والانهيار يقود إلى آليات هروب مَرَضية تُعيد الفرد إلى واقع أكثر مرارة، فهذا البؤس السيكولوجي ينبع أساساً من فشل العلاقات الإنسانية الحقيقية، حيث تُعاني الشخصيات من العزلة الناتجة عن الوصاية والاستغلال، فتجد في الهروب الذهاني، أو التماهي مع الجماد، أو أحلام اليقظة، أو حتى التخطيط الانتقامي (السحر الأسود)، أو اللجوء إلى الانتحار الحقيقي أو التظاهر به... سبيلاً وحيداً للنجاة والخلاص.

هكذا نجد القاص على بنساعود قد برز في براعة رسم المشاهد الداخلية لشخصياته السردية، مصورا كيف تتداخل الهلوسة بالواقع، ويتحول الحلم إلى صدمة، لتبقى الشخصيات "صخرة في الوحل" لا تستطيع أن تكمل رحلتها نحو قمة الجبل، مُعلنة أن الستارة قد تُسدل في نهاية كل قصة؛ لكنها لا تنسدل أبدا على مستوى الذات والعذاب الداخلي والصراع النفسي والاجتماعي.

***

سعيد السوقايلي - كاتب وناقد مغربي

.............................

* المجموعة القصصية "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود 2025، مطبعة وراقة بلال بفاس – المغرب.

 

في المثقف اليوم