عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

في قصيدة "سأقاوم" لشاعر الغضب الثوري "هوميروس فلسطين" سميح القاسم

"ربما أفقد ماشئت، معاشي

ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعمل حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع ..

ربما أبحث، في روثِ المواشي، عن حبوب

ربما أخمد.. عريانا.. وجائع ..

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تسلبني آخرَ شبرٍ من ترابي

ربما تطعمُ للسجن شبابي

ربما تسطو على ميراث جدي ..

من أثاث.. وأوان.. وخراب ..

ربما تُحرقُ أشعاري وكتبي

ربما تُطعم لحمي للكلابِ

ربما تبقى على قريتنا كابوسَ رعب

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!

ربما تطفئ في ليليَ شعلة

ربما أُحرم من أمي قبلة

ربما يشتمُ شعبي وأبي، طفل وطفلة

ربما تغنم من ناطور أحزاني غفلة

ربما زيّفَ تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤُله

ربما تحرمُ أطفالي يوم العيد بدلة

ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعار

ربما ترفع من حولي جداراً وجدار

ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة

يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم

وإلى آخر نبض في عرقي.. سأقاوم!

يا عدوّ الشمس ..

في الميناء زينات، وتلويحُ بشائر ..

وزغاريد، وبهجة

وهتافات، وضجة

والأناشيدُ الحماسية وهجٌ في الحناجر

وعلى الأفقِ شراع ..

يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر ..

إنها عودة يُوليسيز

من بحر الضياع ..

عودةُ الشمس، وإنساني المهاجر

ولعينيها، وعينيه.. يمينا.. لن أساوم ..

وإلى آخر نبضٍ في عروقي ..

سأقاوم!

سأقاوم!

سأقاوم!”

***

سميح القاسم

...................

كان ذلك قبل عامٍ تقريبًا في إحدى الفعاليات المدرسية، إذْ كنت أقف بين طلابٍ إحدى المدارس الحكومية في مشهد يبدو ظاهره بسيطًا في محتواه المكوّن من منصة مدرسية، وطلاب ينتظرون دورهم، وأصوات تتناوب على إلقاء أبيات من الشعر الفلسطيني.

غير أنّ ما كان يحدث أمامي فاق النشاط الأدبي العابر، فقد كانت الكلمات الخارجة من أفواه الطلاب المشاركين تسترد شيئًا من معناها الأول، وكانت القصيدة الساكنة في صفحات الكتاب قد وجدت أخيرًا جسدًا وصوتًا وملامح.

وأذكر طالبًا صغيرًا وقف يومها أمام زملائه محاولا في اللحظات الأولى أنْ يخفي ارتباكه، وهو يضمّ يديه مرة، ثم يفتحهما، وينظر إلى الأرض قبل أنْ يرفع عينيه إلى الجمهور.

كانت ملامحه تقول إنه يعرف أنّ وراء الكلمات شيئًا أكبر من الحفظ.

وعندما بدأ الإلقاء تغيّر صوته تدريجيًا، وأخذ يكتسب نبرة أكثر ثباتًا، وأخذت الكلمات تمنحه الشجاعة.

وفي اللحظة التي وصل فيها إلى بيت يتصل بالأرض والمقاومة رفع رأسه، واتسعت عيناه، وتقدّم نصف خطوة إلى الأمام.

في تلك اللحظة تحديدًا رأيت طفلًا يكتشف أنّ صوته يمكن أنْ يحمل ذاكرة جماعة كاملة.

كان زملاؤه يصغون إليه على نحو مختلف أيضًا، فبعضهم يردد الكلمات معه بصوت خافت، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يرفع رأسه متيقّنًا أنّه يستمع إلى شيء يعرفه قبل أن يسمعه.

وفي نهاية الإلقاء كان في المشهد شيء من الاعتزاز، وشيء من الحنين، وشيء من الحزن، وشيء من الرغبة في أنْ تقول هذه الأجيال الصغيرة: نحن هنا، وما زلنا نتذكر، وسنصفّق بحرارة لأجل هذه الأرض.

ومنذ ذلك المشهد أخذت أتأمل السؤال الذي يتجاوز حدود النشاط المدرسي، وهو ماذا يحدث عندما يصدح صوت الطالب الفلسطيني بشعر المقاومة داخل المدرسة؟

هل يبقى الشعر عند حدود المقرر الدراسي؟ أم أنه يعبر الصفحة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى بناء الهوية؟

إنّ المدرسة ليست فضاءً محايدًا للمعرفة فقط؛ إنها كذلك فضاء تتشكل فيه علاقة الطفل بلغته، وتاريخه، ومكانه، وذاكرته الجمعية.

وعندما يقرأ الطالب قصيدة فلسطينية، ثم يحفظها، ثم يقف بها أمام الآخرين، فإنّ العملية لا تنتهي عند الفهم اللغوي أو التذوق الجمالي؛ إذ تتحول القصيدة إلى فعل أدائي يعيد إنتاج المعنى داخل الجماعة، ويصبح الصوت حاملًا للذاكرة، ويصبح الجسد الذي يقف على المنصة جزءًا من العلامة، وتتحول الكلمات من مادة مكتوبة إلى تجربة حية.

ومن هنا تبدو أهمية حضور الشعر الفلسطيني في المناهج التعليمية الفلسطينية؛ فالنص الأدبي المقاوم يستطيع أنْ يصل إلى الطالب من الطريق الذي لا تصل منه المعلومة المجردة، فهو يصل إلى طريق الشعور والصورة والإيقاع والذاكرة.

ولا سيما حينما يكون الشاعر جزءًا من تاريخ القضية الفلسطينية ووجدانها الثقافي، كما هو الحال مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، والذي ارتبط شعره بالأرض والهوية والصمود والمواجهة، واحتل حضورًا في الثقافة الأدبية الفلسطينية والعربية.

وقد ارتبطت نصوصه أيضًا بالسياق التعليمي الفلسطيني، ومن أبرزها قصيدة "تقدموا" التي عُرفت في سياق شعر المقاومة والانتفاضة.

غير أنّ حضور القاسم في المدرسة لا ينبغي أن يُختزل في الوظيفة الوطنية المباشرة؛ فالقيمة التربوية الأعمق تكمن في أنّ شعره يتيح للطالب أنْ يكتشف كيف يمكن للغة أنْ تتحول إلى موقف، وكيف تستطيع الصورة الشعرية أنْ تحمل ذاكرة، وكيف يمكن لتكرار كلمة واحدة أنْ يتحول إلى بناء نفسي وجمالي كامل.

لقد عادت إلى ذاكرتي مجدّدا صورة ذلك الطالب واقفًا على المنصة، وصوته الذي انتقل من الارتباك إلى الثبات، وحضرت قصائد سميح القاسم في ذهني من جديد، وحضرت معها قصيدته "سأقاوم" تلك القصيدة التي يبدو عنوانها في ظاهره بسيطًا، لكنه يخفي وراءه بنية عميقة من الرفض والإرادة والذاكرة.

فالقاسم يقول إنّ الذات ستقاوم، ويبني القصيدة كلها على امتحان هذه الإرادة، فماذا لو فقد الإنسان معاشه؟ وماذا لو بيع ثوبه وفراشه؟ وماذا لو سُلبت أرضه؟ وماذا لو أُحرقت كتبه؟ وماذا لو زُيّف تاريخه؟ وماذا لو حُرم من أمه وأطفاله؟ وماذا يبقى له بعد كل ذلك؟

وماذا … وماذا!؟

هنا تحديدًا تبدأ القيمة السيميائية للنص؛ لأنّ القصيدة تبني المقاومة من خلال علامات الفقد والتهديد والجسد والأرض والذاكرة والزمن والنور والعودة. وتتكرر "ربما" في بداية الاحتمالات لتفتح أبواب الخسارة، ثم تأتي "لكن" لتقطع مسارها، ويظهر "لن أساوم" كنوع من الرفض قبل أن يستقر النص في يقينه المركزي المتمحور حول "سأقاوم".

ولذلك فإنّ قراءة هذه القصيدة تبدأ من أسئلة عميقة وهي: كيف تصنع اللغة معنى المقاومة؟ وكيف تتحول القصيدة من كلام عن الوطن إلى ممارسة رمزية للانتماء إليه؟

إنّ هذه الأسئلة تعيدنا مرة أخرى إلى ذلك الطالب الذي وقف أمام زملائه. فقد كان يحمل في يده نصًا مكتوبًا، لكنه في الحقيقة كان يحمل أكثر من نص، كان يحمل صوتًا عائليًا وذاكرة مكان، وصورًا سمعها في البيت والمدرسة، ومفرداتٍ تشكل جزءًا من وعيه.

وعندما صدح صوته لم تعد القصيدة حبيسة الكتاب، لقد خرجت منه، وصارت صوتًا حيًا في فضاء المدرسة.

ومن هذه اللحظة تحديدًا يمكن الدخول إلى عالم سميح القاسم الشاعر الذي جعل من اللغة مجالًا للمقاومة.

ومن هنا تأتي قصيدة "سأقاوم" نصًا صالحًا لقراءة سيميائية تكشف كيف تتضافر علاماته لتقول إنّ الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه يستطيع أنْ يحفظ جوهره ما دام قادرًا على رفض المساومة.

فبين "ربما" التي تفتح احتمالات الفقد، و"لن أساوم" التي تغلق باب التنازل، و"سأقاوم" التي تفتح أفق المستقبل تتشكل الرحلة الدلالية للنص كله، هي رحلة تنتقل فيها الذات من الخوف إلى الشجاعة، ومن احتمال المحو إلى فعل حفظ الذاكرة، ومن الجسد المهدد إلى الجسد المقاوم، ومن الأرض المهددة إلى وعد العودة، ومن ظلمة الواقع إلى "عودة الشمس".

إنّ القصيدة في بعدها الجمالي والتربوي السيميائي أكثر من نص يُقرأ؛ إنها نص يُسمع ويُؤدّى ويُعاش، وربما لهذا السبب تحديدًا يختلف وقعها عندما تخرج من فم شاعر أو معلم أو طالب، وتدخل إلى فضاء المدرسة؛ لأنّ الشعر الذي يجد صوتًا شابًا يحمله يتحول إلى ذاكرة تتشكل من جديد أمام أعين جيلٍ كامل متجاوزة الحدث لتصبح جزءًا من الذاكرة التي تحفظه، ومن الوعي الذي يقاوم محوه.

وعندما نقرأ قصيدة "سأقاوم" لسميح القاسم نجد أنفسنا أمام قصيدة سياسية تستعيد خطاب المقاومة من خلال نص تتشابك فيه اللغة بالذاكرة، والجسد بالأرض، والفقد بالهوية، والخاص بالجمعي حتى تغدو الكلمة مساحة للمواجهة.

فالشاعر يفتح أمام الذات سلسلة من الاحتمالات القاسية "ربما أفقد"، و"ربما أعرض"، و"ربما أعمل"، و"ربما تسلبني"، و"ربما تحرق"، و"ربما تحرم"، فالنص يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام كل ما يمكن أن يخسره، غير أنّ هذه الاحتمالات مهما تكاثرت تصطدم بحدّ لا يمكن تجاوزه هو "لن أساوم"، ثم تنفتح القصيدة على فعل المستقبل الحاسم وهو "سأقاوم".

ومن هنا تنشأ المفارقة المؤسِّسة للنص فكلما اتسعت دائرة ما يمكن فقده ازدادت صلابة ما لا يمكن التنازل عنه. فالعدو يستطيع أنْ يهدد المعاش والثوب والفراش، وأنْ يصادر الأرض، ويسجن الشباب، ويحرق الكتب، ويشوّه التاريخ، ويحاصر القرية، ويحرم الطفل فرحة العيد؛ لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع من الذات قرارها الداخلي بالمقاومة. ولعلّ هذا هو المدخل الأعمق إلى شعر سميح القاسم؛ إذ لا تصبح المقاومة عنده شعارًا يضاف إلى القصيدة من الخارج، إنما تتحول إلى بنية داخلية تنتظم المعجم والإيقاع والتكرار والصورة والزمن والفضاء.

وإذا كانت السيميائيات تنظر إلى النص على أنه شبكة من العلامات المتفاعلة، فإنّ "سأقاوم" تقدم نموذجًا غنيًا لهذا الاشتغال؛ فـ"ربما" هي علامة على الاحتمال، و"لكن" هي علامة على الانقلاب، و"لن أساوم" هي علامة على الرفض، و"سأقاوم" هي علامة على الفعل والاستمرار، بينما تتحول الشمس والنبض والأرض والجدار والبحر والشراع والعودة إلى علامات تتجاوز معناها المباشر نحو دلالات أعمق تتصل بالهُوية والحرية والذاكرة والخلاص.

لذلك فإنّ قراءة القصيدة سيميائيًا تكشف أنّ معركتها الحقيقية هي معركة على المعنى الذي يجعل الأشياء جزءًا من هُوية الإنسان.

المحور الأول: "ربما"، و"لن أساوم" و"سأقاوم" — سيمياء الانتقال من احتمال الفقد إلى يقين الفعل

منذ العنوان تضع القصيدة القارئ أمام فعل واضح هو "سأقاوم"، وهذا العنوان يمثل عتبته الدلالية ومفتاحه التأويلي؛ لأنه يجمع بين ضمير المتكلم والفعل والمستقبل.

فالشاعر لا يقول "قاومت" بما يحيل إلى فعل اكتمل، ولا "أقاوم" بما يحصر المقاومة في الحاضر، وإنما يقول "سأقاوم"، ليجعل المقاومة وعدًا مستقبليًا مفتوحًا، وإرادة لا تنتهي بانتهاء اللحظة.

والنص لا يصل إلى هذا اليقين مباشرة؛ إذ يبني طريقه إليه عبر التكرار المتواتر لكلمة "ربما"، وتتوالى الاحتمالات في "ربما أفقد ماشئت، معاشي"، و"ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي"، و"ربما أعمل حجّارًا.. وعتّالًا.. وكنّاس شوارع"، و"ربما تسلبني آخر شبر من ترابي"، و"ربما تحرق أشعاري وكتبي"، و"ربما تطعم لحمي للكلاب".

لاحظوا معي كيف تؤدي "ربما" وظيفة تتجاوز الدلالة المعجمية إلى إنتاج فضاء كامل من التهديد والاحتمال.

إنها تفتح أبوابًا متتالية للخسارة، لكنها لا تمنح هذه الخسارة صفة الحتمية؛ فكل ما يحدث يبقى في فضاء "الاحتمال"، بينما يبقى فعل المقاومة في فضاء اليقين.

ويبلغ البناء ذروته عندما تأتي أداة الاستدراك "لكن"، فبعد سلسلة طويلة من الاحتمالات يأتي الانعطاف الحاسم في "يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم" ليتحول النص من سرد ما يمكن أنْ يحدث إلى تحديد ما لن يحدث.

إنّ "لن" ليست مجرد أداة نفي، فقد باتت علامة على حصانة داخلية؛ فالذات قد تقبل أنْ تفقد أشياء كثيرة، لكنها ترفض أنْ تجعل الفقد مساويًا للتنازل.

ومن هنا تتأسس ثلاثية دلالية مركزية:

ربما أفقد ← لن أساوم ← سأقاوم.

الأولى تفتح الاحتمال، والثانية تغلق باب التنازل، والثالثة تفتح أفق الفعل.

وهذا التدرج هو العمود الفقري للقصيدة؛ إذ ينتقل الخطاب من التهديد إلى الرفض، ومن الرفض إلى المقاومة.

واللافت أنّ "لمساومة" هنا أكثر عمقًا من معناها السياسي المباشر؛ فهي تمثل التنازل عن الجوهر مقابل الاحتفاظ ببعض الأشياء.

ولذلك فإنّ الشاعر يعيد ترتيب سلم القيم بأنّه يمكن أنْ يخسر المعاش والثوب والبيت والأرض، لكنه لا يقبل أنْ يخسر حقه في أنْ يكون ذاته.

وتتبلور فلسفة القصيدة في أنه ليست الهزيمة في فقد الأشياء، وإنما في أنْ يتحول الإنسان إلى طرف يقبل التنازل عن هويته.

وتزداد هذه الدلالة قوة عندما يختم الشاعر كل مقطع تقريبًا بالعبارة:

"وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!"، فالمقاومة تتحرّر من الزمن، وتستمر "إلى آخر نبض"، ويتحول الجسد إلى ساعة للمقاومة، ويصبح النبض علامة على استمرار الحياة، كما يصبح استمرار الحياة علامة على استمرار الفعل المقاوم.

إنّ الشاعر بذلك لا يقول: سأقاوم ما دام لديّ السلاح أو القوة، فهو يقول ما هو أعمق: سأقاوم ما دام في داخلي أثر للحياة لتنتقل المقاومة من المجال السياسي إلى المجال الوجودي.

المحور الثاني: الأرض والجسد والذاكرة — سيمياء الهوية في مواجهة المحو

إذا كان المحور الأول قد كشف عن البنية الفعلية للمقاومة فإنّ هذا المحور يكشف عن موضوع المقاومة، وماذا يحاول الشاعر أنْ يحمي؟

إنّ الإجابة في النص لا تنحصر في الأرض، رغم مركزيتها، وإنما تمتد إلى شبكة كاملة من العلامات التي تشكل هوية الإنسان من الجسد، والبيت، والجد، والقرية، والكتب، والأم، والأطفال، والتاريخ، إلى الذاكرة.

يقول الشاعر:

"ربما تسلبني آخر شبرٍ من ترابي"

والتعبير ب"آخر شبر" بالغ الدلالة؛ لأنّ الشاعر لا يستعمل مساحة واسعة أو مفهومًا تجريديًا للوطن، بقدر ما يستدعي أصغر وحدة مكانية ممكنة. وقيمة الأرض لا تتحدد باتساعها، وإنما بكونها أرض الانتماء، فالشبر هو علامة على الحق في الوجود والامتداد والجذور.

ثم يقول:

"ربما تسطو على ميراث جدي"

لتتحول الأرض من مكان إلى ذاكرة عائلية، فذكر الجد يربط المكان بسلسلة الأجيال، ويجعل الوطن إرثًا رمزيًا يتجاوز الملكية المادية.

ومن خلال هذه العلامة يتشكل خط زمني يمتد من الجد إلى الشاعر ثم إلى الأطفال، أي من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل.

ولذلك فإنّ مصادرة الأرض تخرج في عمق النص عن الاستيلاء على التراب إلى محاولة قطع السلسلة التي تربط الإنسان بأصله.

وتتأكد هذه الفكرة من خلال حضور الأشياء اليومية المتمثّلة في: "الثياب"، و"الفراش"، و"الأثاث"، و"الأواني"، و"الكتب"، و"بدلة العيد" فالشاعر لا يبني الوطن من الرموز الكبرى وحدها، وإنما يستخرج معناه من تفاصيل الحياة الصغيرة.

وهذه التفاصيل تكتسب قيمتها السيميائية من كونها علامات على الحياة الطبيعية والكرامة والبيت والطفولة.

فعندما يقول:

"ربما تحرم أطفالي يوم العيد بدلة"

فهو يتحدث عن محاولة حرمان الطفل من الفرح نفسه.

وكذلك عندما يقول:

"ربما أحرم من أمي قبلة"

فإنّ "قبلة الأم" تتحول إلى علامة على الأمان والجذور والحنان.

وبذلك يتجاوز الوطن في القصيدة حدوده الجغرافية ليصبح شبكة من العلاقات الإنسانية من أم، وأب، وطفل، وبيت، وعيد، وذاكرة.

وفي مقابل هذه العلامات الحميمة يظهر الجسد ميدانًا للعنف والمقاومة معًا:

"ربما أخمد.. عريانًا.. وجائع"

ثم:

"ربما تطعم لحمي للكلاب"

لكنّ الجسد الذي يظهر أولًا مهددًا يتحول في النهاية إلى حامل للمقاومة:

"وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم"

وهنا تحدث مفارقة سيميائية عميقة فالجسد المستباح يتحول إلى جسد مقاوم، والنبض الذي يبدو في الظاهر مجرد علامة بيولوجية على الحياة يصبح في النص علامة على استمرار الإرادة.

ولا يتوقف الصراع عند الأرض والجسد، فهو ينتقل إلى الذاكرة المكتوبة:

"ربما تُحرق أشعاري وكتبي"

ثمّ:

"ربما زُيّف تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤلّه"

إنّ حرق الكتب وتزييف التاريخ ينقلان المعركة من السيطرة على المكان إلى السيطرة على معنى المكان.

فالأرض تمثل الوجود المادي، بينما يمثل الكتاب والتاريخ الوجود الرمزي. وإذا كان الاستيلاء على الأرض محاولة لمحو الحضور فإنّ تزييف التاريخ محاولة لمحو شرعية الحضور.

ومن هنا تصبح الكتابة فعل مقاومة؛ لأنّ الشاعر عندما يكتب ما يُراد له أنْ يُمحى فإنه يحول القصيدة إلى سجل للذاكرة، وإلى شهادة في مواجهة النسيان.

وهذا ما يجعل سيمياء النص قائمة على ثنائية عميقة من المحو / الحفظ، فالعدو يحاول محو المكان والإنسان والتاريخ، بينما تقوم القصيدة بحفظها داخل اللغة.

المحور الثالث: "عدوّ الشمس" و"عودة يوليسيز" - سيمياء النور والعودة وانتصار الذاكرة

في المقطع الأخير تتسع الدلالة من التجربة الفردية إلى أفق أسطوري وجمعي، ويظهر التعبير اللافت:

"يا عدوّ الشمس"

إنّ الشمس هنا علامة مركزية في البناء الرمزي للقصيدة؛ فهي تحيل إلى النور والحياة والدفء والحرية، ولذلك فإنّ وصف الخصم بأنه "عدو الشمس" يحوله من مجرد خصم سياسي إلى رمز لقوة تعادي الحياة والنور.

ويتعزز هذا المعنى في قوله:

"ربما تطفئ في ليليَ شعلة"

فالشمس والشعلة والوهج والنور تنتمي إلى حقل دلالي واحد في مقابل الليل والإطفاء والجدار والسجن.

وهكذا تقوم القصيدة على ثنائية أساسية من النور / الظلام؛ لكنها لا تترك هذه الثنائية معلقة، إذ تنتهي إلى

"عودة الشمس"، وهنا يحدث تحول دلالي بالغ الأهمية فالشمس التي كانت في بداية النص موضوعًا للعداء تصبح في نهايته علامة على العودة والانتصار.

وتتزامن هذه العودة مع استدعاء شخصية "يوليسيز" في

"إنها عودة يُوليسيز

من بحر الضياع".

إنّ استدعاء يوليسيز يمنح تجربة الفلسطيني بعدًا أسطوريًا وإنسانيًا يتجاوز اللحظة التاريخية المباشرة. فـ"يوليسيز" هو رمز الرحلة الطويلة، والتيه، والمخاطر، والحنين إلى الوطن، ثم العودة إليه.

وبذلك تتحول تجربة المهاجر في القصيدة إلى نموذج إنساني للإنسان الذي يرفض أنْ يجعل المنفى نهاية حكايته.

ويأتي البحر في "بحر الضياع"

في مقابل الشراع في "وعلى الأفق شراع..

يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر"

فتتشكل شبكة رمزية واضحة من:

البحر = الضياع

الريح = العائق

الشراع = الإرادة

الأفق = المستقبل

العودة = استعادة الهوية

وهنا تتحول الرحلة إلى استعارة للمقاومة، فالمقاومة ليست طريقًا خاليًا من المخاطر، لكنها تمتلك اتجاهًا. والشراع لا يلغي الريح، وإنما يتعلم كيف يواجهها.

والأهم أنّ المقطع الأخير ينتقل من "أنا" الفرد إلى مشهد جماعي واسع في "في الميناء زينات، وتلويح بشائر"، و"زغاريد"، و"بهجة"، و"هتافات"، و"ضجة"، و"الأناشيد الحماسية وهجٌ في الحناجر".

وهكذا تتسع دائرة الصوت، فبعد أنْ بدأت القصيدة بإنسان مهدد بالجوع والسجن والمصادرة تنتهي بمشهد جماعي من الزغاريد والهتافات والأناشيد.

إنها حركة من العزلة إلى الجماعة،

ومن القهر إلى الاحتفال،

ومن الضياع إلى العودة،

ومن الظلام إلى الشمس.

ولهذا فإنّ تكرار "سأقاوم" ثلاث مرات في الخاتمة يمثل تصعيدًا صوتيًا ودلاليًا إلى جانب التكرار اللفظي.

فبعد أنْ عرض الشاعر كل ما يمكن أنْ يخسره لم يعد بحاجة إلى إضافة أمثلة جديدة.

لقد وصلت اللغة إلى لحظة تختصر فيها كلّ المعاني في فعل واحد هو

"سأقاوم!"، وبذلك تتحول العبارة من صوت فرد إلى ما يشبه النشيد الجماعي، ومن موقف شخصي إلى ذاكرة مشتركة، ومن كلمة شعرية إلى فعل أدائي، فالتكرار يصف المقاومة، ويجعل القارئ يسمع إيقاعها.

وعندما نصل إلى نهاية "سأقاوم" ندرك أنّ سميح القاسم لم يكتب قصيدة عن المقاومة بقدر ما بنى المقاومة داخل القصيدة.

فقد جعل من التكرار فعلًا، ومن النفي موقفًا، ومن المستقبل وعدًا، ومن الجسد ذاكرة، ومن الأرض هوية، ومن الكتاب شهادة، ومن الشمس أفقًا، ومن العودة خلاصًا.

ولعلّ القيمة الأعمق للنص تكمن في أنه لا ينكر الخسارة؛ فالذات فيه تعرف أنها قد تجوع، وتعرى، وتسجن، وتفقد أرضها، وتحرق كتبها، وتحرم من أمها، وتُحاصر بالجدران، لكنها ترفض أنْ تجعل هذه الخسارات نهاية المعنى. ولذلك فإنّ "لن أساوم" تمثل اللحظة التي تستعيد فيها الذات سلطتها الداخلية، بينما تمثل "سأقاوم" اللحظة التي تحول هذه السلطة إلى فعل.

ومن منظور سيميائي تتأسس القصيدة على مسار تحولي واضح هو:

احتمال الفقد ← رفض المساومة ← فعل المقاومة ← استعادة الذاكرة ← العودة ← عودة الشمس.

إنها رحلة تبدأ ب"ربما"، وتنتهي ب"سأقاوم"، أي رحلة من الاحتمال إلى اليقين، ومن التهديد إلى الإرادة، ومن الجدار إلى الأفق، ومن بحر الضياع إلى العودة.

وأجمل ما في خاتمة القصيدة أنها لا تقول إنّ الطريق انتهى، وإنما تجعل المقاومة طريقًا مفتوحًا:

"سأقاوم!

سأقاوم!

سأقاوم!"

ثلاثة أفعال تبدو في ظاهرها تكرارًا، لكنها في العمق ثلاث طبقات من المعنى من مقاومة الجسد الذي يُستباح، ومقاومة الذاكرة التي يُراد محوها، إلى مقاومة المستقبل الذي يُراد مصادرته.

وهنا تتجلى شعرية سميح القاسم في أبهى صورها بأنّه يجعل من الكلمة وطنًا حينما يُهدَّد الوطن، ومن الذاكرة أرضًا حينما تُنتزع الأرض، ومن النبض زمنًا حينما يُحاصر الزمن، ومن الشعر فعلًا لا يكتفي بأنْ يقول: "سأقاوم"، فهو يجعل القارئ يشعر أنّ المقاومة قد بدأت منذ اللحظة التي نطق فيها الفعل.

فقد يستطيع القهر أنْ يسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع منه المعنى إلا إذا أقنعه بالمساومة. ولهذا كان قول القاسم:

"لن أساوم"

هو الوجه الآخر، والأعمق، لقوله:

"سأقاوم".

ومن بين هاتين العبارتين تتشكل فلسفة النص كلها، فما دام في العروق نبض، وفي الذاكرة مكان، وفي اللغة قدرة على التسمية فإنّ المحو لم ينتصر بعد؛ لأنّ الشمس مهما طال الليل تظل قابلة

للعودة.

وفي نهاية قراءتي السيميائيّة لجسد القصيدة تعود صورة ذلك الطالب الذي وقف قبل عام على خشبة المدرسة حاملًا قصيدته بصوتٍ ارتجف في بدايته ثم استقام، لتكتسب معناها الأعمق، فقد أدركت أنّ ما كان يحدث أمامي يفوق الإلقاء شعري، لقد كان لحظة انتقال للقصيدة من الورق إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الصوت.

وهنا تتضح القيمة الحقيقية لحضور سميح القاسم في المناهج الفلسطينية، فالنص الذي يقرؤه الطالب يمنحه معلومات عن الوطن، ويفتح أمامه طريقًا ليتعرف إلى الأرض كذاكرة، وإلى اللغة كهوية، وإلى الشعر كقدرة على حفظ ما يُراد له أنْ يُمحى، فالكبار يموتون، لكنّ الصغار يحفظون، ولا ينسون.

وفي "سأقاوم" تحديدًا تتحول "ربما" بكل ما تحمله من احتمالات الفقد إلى "لن أساوم" بما تحمله من رفض، ثم إلى "سأقاوم" بما تحمله من فعل واستمرار، فيصبح المعاش والثوب والفراش والأرض وميراث الجد والكتاب والأم والطفل والعيد والتاريخ والشمس علاماتٍ متشابكة على حق الإنسان في أنْ يبقى وفيًا لذاكرته.

ولعلّ أعمق ما تقوله القصيدة أنّ المقاومة ليس بالضرورة أنْ تبدأ دائمًا من مشهد كبير، فقد تبدأ من طالب يرفع رأسه بعد أنْ كان خافضًا له، ومن صوت صغير يكتشف أنّ للكلمة قوة، ومن قصيدة تحفظها حناجر الأطفال كي لا تبقى الذاكرة حبيسة الكتب.

لذلك فإنّ المدرسة التي تفتح منابرها للشعر الفلسطيني تستعيد الماضي، وتصنع صلة حية بين الأجيال، فالجد الذي يحضر في "ميراث جدي"، والأم التي تختزنها "قبلة"، والطفل الذي يُحرم "بدلة" العيد، والأرض التي تختزلها عبارة "آخر شبر من ترابي" كلها تعبر من ذاكرة الشاعر إلى ذاكرة الطالب، ومن ذاكرة الطالب إلى مستقبل لم يتشكل بعد. والقصيدة التي تنتهي بثلاثة أصداء متتالية "سأقاوم! سأقاوم! سأقاوم!" تترك باب المعنى مفتوحًا في الحناجر التي ستأتي بعدها؛ ليظل السؤال التربوي والجمالي والأخلاقي قائمًا بأنّه ماذا يستطيع الشعر أنْ يفعل في الوقت الذي يتحول فيه من نص يُحفظ إلى صوتٍ يؤمن به صاحبه؟ وربما كانت الإجابة في ذلك الطالب الذي وقف يومها صغيرًا أمام جمهوره، لكنه عندما نطق القصيدة بدا واقفا على امتداد ذاكرة طويلة معلنا بلغته الخاصة أنّ الذاكرة التي تجد من يحملها لا تموت، وأنّ الشمس التي تسكن الكلمات لا يستطيع الجدار أنْ يحجبها، وأنّ القصيدة التي تسكن قلب الطالب لا تعود درسًا إنما تصبح وعيًا بالذات، ووفاءً للمكان، وحفظًا للذاكرة، وأملًا في العودة، وصوتًا يقول للحاضر والمستقبل معًا: لن أساوم... سأقاوم.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

 قراءة فلسفية – صوفية في المورفولوجيا

منذ أن نطق الإنسان أول كلمة، ارتبط الوجود باللغة، فصارت الكلمات مفاتيح العالم وأبواب المعنى. ليست اللغة مجرّد وعاء محايد، بل هي – كما وصفها هايدغر – بيت الوجود؛ منزل تتأسس فيه هوية الإنسان ويُصاغ وعيه. وإذا كانت اللغة هي البيت، فإنّ المورفولوجيا هي هندسة هذا البيت، إذ تُظهر لنا كيف أن الجذور اللغوية تتحوّل إلى أبنية متفرعة، وكيف تتكاثر المعاني مثل أغصانٍ من أصلٍ واحد، من دون أن تفقد جذورها العميقة.

إنّ البحث في بنية الكلمة ليس تمريناً تقنياً محضاً، بل هو استكشاف أنطولوجي وروحي لمعنى الوجود كما يتجلّى عبر الحرف والكلمة. فالصيغة الصرفية ليست مجرّد وزن، بل أثر من آثار العقل الإنساني في سعيه إلى النظام، وأيضاً بصمة من بصمات الروح في توقها إلى الكمال. لذلك كان التصريف في العربية أكثر من مجرّد نظام لغوي؛ إنه سيمياء الوجود، حيث تتلاقى الفلسفة واللسانيات والتصوف في نقطة واحدة: الكلمة بوصفها كائناً حيّاً يعيش، يتوالد، ويتحوّل، لكنه لا ينفصل أبداً عن أصله.

ليست اللغة مجرد أداة للتواصل أو حاملاً للمعنى، بل هي كما قال هايدغر: بيت الوجود. وإذا كانت اللغة بيتاً، فإن المورفولوجيا – علم بنية الكلمة – هي هندسة هذا البيت، أعمدته وأبوابه ونوافذه. فالمورفولوجيا لا تكتفي بدراسة الجذور والزوائد واللواحق، بل تفتح أمامنا أفقاً فلسفياً عميقاً: كيف تتحوّل الكلمة من مجرد أصوات إلى تجلّيات للمعنى، وكيف تعكس في بنيتها مسار الفكر الإنساني وتوقه إلى الكمال؟

- المورفولوجيا والفكر: بين اللساني والفلسفي

يرى نعوم تشومسكي أن اللغة تكشف عن بنية عميقة في العقل البشري، أي عن قواعد فطرية تسكن الذهن قبل أن تُنطق. أما المورفولوجيا فهي الحقل الذي يتجلّى فيه هذا العمق: الجذور تتوزّع في قوالب وأوزان، فتنتج كلمات تعبّر عن الفعل والانفعال، عن الفاعل والمفعول، عن الزمن والحركة. وهكذا فإن الاشتقاق ليس مجرد لعبة لغوية، بل هو منطق وجودي يُعلّم العقل كيف يرى العالم من خلال أنماط اللغة.

وفي العربية مثلاً، يكشف الجذر الثلاثي (ك-ت-ب) عن ثراء دلالي هائل: كتاب، كاتب، مكتوب، مكتبة، كتابة. إننا هنا أمام شجرة صرفية جذورها ثابتة في التربة، لكن أغصانها تتشعّب في اتجاهات شتى. وهذا التناسُل الصرفي يذكّرنا بفكرة أفلاطون عن "المُثل"؛ فالجذر هو المثال الأصلي، والكلمات المتولدة منه هي الصور التي تشعّ من هذا المثال في العالم المحسوس.

- المورفولوجيا والشعر: الكلمة ككائن حيّ

- يؤكد رومان ياكوبسون أن الشعر هو انحراف اللغة عن وظيفتها التواصلية. والمورفولوجيا هي التربة التي ينبت منها هذا الانحراف. فالشاعر لا يتعامل مع الكلمات كوحدات جاهزة، بل يستحضر طاقتها الاشتقاقية ليولّد منها معاني جديدة.

حين يقول شاعر صوفي "مكتوب"، فهو لا يقصد فقط ما كُتب على الورق، بل يستدعي قَدَراً غيبياً مكتوباً في اللوح المحفوظ. وهنا تتحوّل البنية الصرفية إلى رمز كوني.

- أدونيس يذهب أبعد حين يرى أن الكلمة في الشعر ليست علامة، بل كوكب يتفتّح في الليل. والمورفولوجيا، في هذا المنظور، ليست علماً ميكانيكياً، بل بستان روحي تنمو فيه الكلمات كزهور تفتح أبواب المعنى على اتساعها.

- المورفولوجيا والتصوف: الكلمة سالكة إلى أصلها

- في التصوف، كل شيء رحلة من الكثرة إلى الوحدة، ومن الظاهر إلى الباطن. كذلك المورفولوجيا: الجذر فيها هو الأصل، والأوزان والاشتقاقات هي التجليات.

الحلاج يقول:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا.

الجذر (هـ و ى) يبيّن أن "أهوى" و"هوى" و"هوًى" تنتمي جميعاً إلى أصل واحد، رغم اختلاف الصيغ. وهذا التباين الصرفي لا يلغي الوحدة، بل يثبتها: فالتفرّع عن الجذر هو تجلٍّ لكثرةٍ تعود في النهاية إلى جوهر واحد. وهو عين ما يقوله الحلاج في تجربة الاتحاد العشقي مع الله.

- ما جلال الدين الرومي فيقول:

ألقِ نفسك كما تُلقي الزهرةُ عطرَها

فالعطرُ عودتها إلى أصلها النقي

الجذر (ز هـ ر) الذي يتولّد منه "زهرة"، "إزهار"، "زهور"، يكشف أن كل شكل صرفي ما هو إلا عودة إلى معنى الإشراق والبهاء. التصريف هنا صورة لغوية لفعل العودة الصوفي: من التعدد إلى الأصل، من المظهر إلى الجوهر.

- ويأتي ابن عربي ليجمع بين الكثرة والوحدة:

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ

فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

- كلمة "صورة" نفسها تحيل إلى التعدد الصرفي: صور، تصوير، مصوّر. لكن كل هذه الأشكال تعود إلى جذر واحد (ص و ر). هكذا يُفهم البيت صوفياً ولسانياً معاً: القلب مثل الجذر الصرفي، يتشعّب في صور كثيرة لكنه يظل واحداً في جوهره.

- المورفولوجيا كذكر لغوي:

من هنا، تبدو المورفولوجيا أكثر من علم لغوي: إنها سلوك روحي للكلمة. الجذر هو الحقّ الثابت، والاشتقاق هو التجلي المتغيّر، والوزن هو الإيقاع الذي ينظّم الرحلة بين الأصل والصورة. كل كلمة، إذاً، سالكة إلى معناها الأسمى، مثل روحٍ تعود إلى معشوقها الأزلي.

وهكذا يمكن القول إن علم الصرف نفسه ضربٌ من الذِّكر: نحن حين ندرس تحوّلات الكلمة، نعيد تلاوة أسمائها كما يتلو الصوفي أسماء الله، في انخطافٍ بين الحروف والنور. وبذلك تلتقي المورفولوجيا بالتصوف لتقدّم لنا رؤية فريدة: أن الكلمة ليست مجرد صوت أو معنى، بل كائن حيّ في رحلة عشق نحو أصلها الأزلي.

- خاتمة: الكلمة كرحلة من الجذر إلى المطلق

في ضوء هذا التأمل، تبدو المورفولوجيا أوسع من أن تُختزل في دراسة القوالب والزوائد؛ فهي سيرة الكلمة، من لحظة ولادتها في الجذر إلى لحظة إشراقها في المعنى المتعدد. وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى كشف جوهر الوجود، وكان التصوف يسعى إلى الاتحاد بالمطلق، فإن المورفولوجيا، بما تتيحه من قراءة في بنية الكلمات وتجلياتها، تقف عند نقطة التلاقي بين الاثنين: إذ تعلّمنا أن الكثرة ليست نقيض الوحدة، وأن كل اختلاف صرفي إنما هو صورة أخرى للأصل الواحد.

هكذا نكتشف أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل طريقٌ للتأمل، ووسيلة للارتقاء من المحسوس إلى المعقول، ومن الظاهر إلى الباطن. إنّ دراسة الجذر ليست بحثاً لغوياً فحسب، بل هي أيضاً ضربٌ من الذِّكر، أشبه بالعودة إلى ينبوع المعنى الأول، حيث تلتقي الحروف بالنور، وتتحوّل الكلمة إلى كائن يسعى أبداً نحو أصله الأزلي.

وبذلك يتجلّى أن المورفولوجيا ليست علماً ميكانيكياً جامداً، بل حديقة فلسفية وصوفية في آن، تُثمر كلما قرأناها بوعي، وتُضيء كلما اقتربنا منها بقلبٍ يُصغي للحروف كما يُصغي العارف لأسماء الحقّ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

إضاءة على رواية "مُختلف" للدكتور أشرف المسمار

رواية "مختلف" للكاتب الدكتور أشرف المسمار، رواية تقريرية ذات بعد انساني واجتماعي بامتياز كتبت بأسلوب سردي وبلغة أنيقة ببساطتها، وكان لافتا حضور السارد العليم في معظم فصولها، إضافة إلى تقنية الإسترجاع او ما يعرف بالفلاش باك حيث كان الكاتب يتنقل بحرفية من الماضي ومعاناته إلى الحاضر وتحدياته دون ان يشتت هذا التنقل ذهن القارىء لأن حيّان وهو الشخصية المحورية كان حاضرا في معظم تلك المشاهد.

 قبل الأنتقال إلى الموضوع الأساس في الرواية وهو طيف التوحد، لا بد من التنويه بموهبة الكاتب وقدرته على توصيفه للأمكنة بلغة فنية تجذب القارىء وتحفزه لتخيل تلك الأماكن، مثل دافوس القرية السويسرية المترامية بين جبال الألب، وبرشلونة وفندق كولون المقابل لكاتدرائيتها، وأيضا كنيسة ساغرادا فاميليا ذات الابراج الأربعة النحيفة والعالية، وكذلك بناء الأوبرا ذي التصميم على شكل كبسولة غريبة تحسبها سفينة فضائية وفي برشلونة كازينو كازا باتلو إحدى إبداعات غاودي الهندسية. ولعل هذا الإسهاب بوصف الأشكال الهندسية والمعمارية قد يكون اللبنة الأولى التي زرعت في ذهن واهتمام الطفل حيّان المولع بمثل هذه المثلثات والاشكال الهندسية ويوجه اهتمامه نحو تخصص الهندسة وهكذا كان.

 لم يقتصر الوصف على الأماكن فقط بل ان الكاتب يستعرض مشاعر الأمومة وتفاصيل الحمل بأسلوب وجداني يبرز العلاقة العاطفية بين الأم وجنينها. حيث كانت تشعر بنبض جديد يكمل نبض قلبها، أما الركلات الأولى على جدار بطنها فذات لذّة وأنس خاصّ هي أشبه بحوار أو ربما بوح بينهما. ركلة ناعمة تشبه ضربة ريشتها على اللوحة (وهي الرسامة التشكيلية) وأخرى تشبه ضرب إزميل نحّات (إشارة إلى جواد والد الطفل وهو نحّات).

بالرغم من أن موضوع الرواية يتناول حالة طبية نوعا ما إلا ان الكاتب لم يشأ ان يقدمها كمبحث طبي جاف بل إختار ان يتطرق لهذه المسالة من خلال قالب روائي تمتزج فيه المشاعر الإنسانية والعلاقات الأسرية وتكون مدخلا للإضاءة على جوهر القضية المراد معالجتها.

 أشارت الرواية إلى ما يمكن أن يتعرض له المصاب بطيف التوحد من حالات التنمر والرفض من قبل أقرانه الذين تنقصهم التوعية والتربية الصحيحة لتقبل الآخر المختلف، فقد كان حيّان يوصف من قبل أترابه ب "لوح-حيط" ويمنع من اللعب معهم لعدم مجاراته لهم بالمقدرة البدنية على حد زعمهم، لاحقا إبنه صفا المصاب بمتلازمة "داون" عندما حاول مشاركة أقرانه باللعب تم رفضه بحجة ان هذه اللعبة لا تناسبه وانه بطيء لا يستطيع اللحاق بهم.

بالعودة إلى الرواية والمحاور التي يمكن استخلاصها نجد أنها تتطرق الرواية بشكل اساس إلى مسالة التوحد وتطرحه ليس كحالة طبية أو مرضية بل كحالة إنسانية واخلاقية، وقد أسهب الكاتب في الدلالة على أن التوحد هو طيف من الإضطرابات ومجموعة من الأعراض وكل شخص مصاب بالتوحد لديه مزيج فريد من نقاط القوة والتحديات. والتوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي.

 الكاتب الدكتور أشرف المسمار في روايته الهادفة "مختلف" يسلط الضوء على قضية اخلاقية وتربوية من خلال إثارته لمسألة التوحد والنظرة المجتمعية السائدة عن كل مصاب بهذا الطيف ووصفه بالمختلف.

كما سبق وذكرنا لم يقدم الكاتب هذه الرواية كبحث طبي بل حرص أن يقدمها في قالب روائي يحمل في طياته ما يشبه الرسالة التوعوية والتربوية وما يجب ان تكون عليه علاقة الأهل والمجتمع بالإنسان المختلف. ولقد بدأها من خلال الإشارة إلى مؤتمر رجال المال والأعمال في دافوس حيث تجتمع فيه النخبة المتحكمة في اقتصاديات العالم ومصائر الشعوب هذا المنتدى ربما يمثل الحكومة الخفية للعالم، ولكن هذا لم يمنع حيّان المتفوق في عالم الهندسة من اختراق هذا العالم وإثبات قدراته المهنية والإبداعية. فأطفال طيف التوحد وإن كانت تصرفاتهم في سنواتهم الأولى تبدو غريبة أو غير مألوفة بالنسبة إلى المحيطين بهم، كما أن صعوبة تواصلهم مع الآخرين لا تعني غياب قدرتهم على التفكير والإبداع،من هنا تبرز أهمية الدور والمهام الملقاة على عاتق الأهل في كيفية التعاطي مع هذه المسألة.وهذا ما تهدف إليه هذه الرواية.

 وفي استعراض لبعض المحاور التي تطرقت إليها الرواية نورد الآتي:

1-  طفل مختلف.. وأسرة تتفهم:

لقاء صدفة جمعت النحّات جواد بالفنانة التشكيلية سوزان لتتطور العلاقة بينهما وتُكلّل بالزواج الذي تكون ثمرته ولادة طفلهما "حيّان" وهو الشخصية المحورية في هذه الرواية. لتكتشف العائلة وفي سنواته الأولى إصابته بمتلازمة "اسبرجر" التي هي علامة من علامات طيف التوحد.

 أمام هذه الحقيقة تزداد المخاوف وتكثر تساؤلات الأهل من قبيل: هل سيتمكن من الدراسة؟ هل يستطيع أن يعيش حياة طبيعية؟ هل سيتمكن يومًا من بناء مستقبله؟.. وهنا يورد الكاتب على لسان سوزان الافكار التي تنازعتها فتقول: "خابت كل احلامي واهدافي وكل اللوحات الجميلة التي رسمتها مخيلتي". لكنها مع زوجها إختارا تقبل الأمر وعقدا العزم على النجاح في احتواء ولدهما واحتواء اختلافه. وشرعا في البحث المستمر عن معلومات وعلاجات جديدة لهذه الحالة. كما يشير الكاتب إلى الدور الذي لعبته أسرة حيّان حيث بدأ الأب والأم يلاحظان اهتماماته، ويكتشفان الأشياء التي يستطيع التركيز فيها، ويشجعانه عندما ينجح، ويمنحانه الوقت عندما يتعثر وكانا البيئة الحاضنة له فرعاية الأهل والعلاج تجعل المصاب بالتوحد قادر على التعلم والتكيف. فتّم إلحاقه بمركز التأهيل ومن ثم المدرسة وصولاً حتى الجامعة وتخصصه بالهندسة.

2-  التوحد ليس مرضا بل إضطراب نمائي عصبي:

تشير الرواية من خلال شخصية حيّان وصفاته إلى بعض السمات الدالة على التوحد فتذكر أنّه كان مختلفًا عن أقرانه؛ قليل الكلام، شديد التعلق ببعض الأشياء، لا يحب الضوضاء ولا التغييرات المفاجئة، ويجد صعوبة في الدخول إلى عالم الأطفال من حوله. كان زملاؤه يركضون ويلعبون ويتحدثون بعفوية، بينما كان هو يفضل أن يبقى قريبًا من عالمه الخاص.

 ولم يثره كثير من الاشياء التي تستهوي أقرانه من الأطفال. كما انه يفتقد الى اللعب التخيُلي المهم جدا لنمو الطفل، كما أنّ المصاب بمتلازمة "اسبرجر" يعبر عن الحقيقة كما هي دون مجاملة فالحقيقة عنده لا تحتمل التزييف. لقد قال حيّان مرة لجارتهم أن فطيرتها لم تكن لذيذة، وعندما قالت له أمه "أنت أمير.. أجابها هل لديّ قصر ؟ لا يوجد تاج على راسي لا أنا لست أمير بل أنا حيّان.

 3- الإختلاف لا يعني إنعدام الموهبة:

 لأجل منح القارىء وحتى الأهل جرعة من التفاؤل والإيجابية، قدّم لنا الكاتب شخصية حيّان بأنه كان يمتلك قدرة لافتة على التركيز في التفاصيل. الأشياء التي كانت تبدو للآخرين عادية، كان يراها بطريقة مختلفة. الأرقام، الأشكال، العلاقات بين الأشياء، التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها كثيرون، كانت تستوقفه وتثير فضوله ولم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد واجبات مدرسية وامتحانات، بل أصبح وسيلة لاكتشاف العالم.

وهنا بدأت موهبته بالتبلور وانتقل حيّان من طفل مختلف إلى مهندس بارع يشارك في أهم المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر دافوس حيث أبهر الجميع بموهبته.

4- أسئلة مختلف عليها:

يطرح الكاتب بعض الاسئلة (المختلف عليها) ومنها تساؤل حيّان إذا ما كان هناك من عيب أو خطأ في أن يجلس المرء وحيدًا ؟. فأن تجلس وحيدا هو أن تنعم بترف ومتعة الإستغناء. فمجالسة الكراسي الفارغة أكثر متعة من مجالسة العقول الخاوية. ثم ماذا تقدم لك جموع الناس؟ فغيابهم لا يسبب أي نقص.

 وفي موضوع هاجس الإنجاب لدى الأهل يسأل حيّان "من قال أن هذا الكم من الاطفال أرادوا أن يوجدوا فعلا؟ ومن سمح للاباء أن ينجبوهم؟ أذلك حتى يرضوا غرورهم وإقناع أنفسهم ان هؤلاء الأطفال هم الإنجاز الإستراتيجي في حياتهم الخاوية التي تخلو فعلا من إنجازات حقيقية؟.

كما يشير الكاتب ولو بإشارة بسيطة إلى قضية لا تزال إشكالية ومختلف عليها وهي قضية الإجهاض، وهنا تتساءل تيريز زوجة حيان بعد ان نصحها الطبيب بالإجهاض لأن جنينها (صفا) مصاب بمتلازمة داون فتقول: "هل من الحرية أن اتخذ قرارا يخص جسدي ومستقبلي؟ أم أنني أطرق قدسية الحياة ؟".

5- التحديات التي تواجه الأهل:

 ابرزت الرواية ما قد تواجهه العائلة من تحديات في التعامل مع المصاب بطيف التوحد وقد تمثلت هذه التحديات امام سوزان في كيفية الموازنة بين احتياجات حيان العاطفية والمادية واحتياجات الأسرة بأكملها بالرغم من انها تشعر يأن علاقتها ب حيّان تمنحها فرصة لتجربة الحب غير المشروط. كما ان وجود طفل مصاب بالتوحد قد يعيق اهله ويمنعهم من نسج علاقات اجتماعية صحيّة وهذا ما عبر عنه الوالد جواد عندما قال "علاقتنا الاجتماعية محدودة ومتراجعة أيضا، لا نستطيع زيارة أي كان برفقة حيّان". 

 وفي موضع آخر تيريز زوجة حيان تقول في سِرّها عن جنينها المصاب بمتلازمة داون: "ستدمر هذه الفلذة مستقبلك، ستجعلك تخسرين أحلامك وطموحاتك، هذا الجنين ببراءته سيقضي عليك وسيبدل مفهوم الأمومة عندك لانه يوجب عليك شقاء وعملا مضاعفا".

 6- حضور المرأة في الرواية:

أظهرت الرواية اهمية الدور الذي لعبته المرأة في الرواية سواء المرأة الأم او المرأة الزوجة، فالبيت لا ينفصل عن الأم هي السكن والسكينة والمأوى الذي يحتضن الزوج والابناء، والعلاقة الآمنة مع الأم تمنح الطفل الثقة وتغرس داخله الشعور بالأمان، وهذا ما فعلته كل من سوزان والدة حيان، وكذلك تيريز والدة صفا. كما تبرز الرواية العلاقة الوثيقة التي نشأت بين حيّان وأمه سوزان التي يرثيها بالقول:.. "كل أيامي ليل بدونكِ، أمي أنا ابنك المختلف الذي يرى العالم بعيون مغايرة، لقد كنتِ أنتِ عالمي كله، كنتِ الجسر الذي يربطني بعالم لم يفهمني تماما وربما لم افهمه، كنتِ الترجمان لافكاري المتشابكة. أمي انتِ الصخرة التي عرجت إلى السماء دون أن تتفتت، والشمس التي تضيء دون ان تُرى، أنتِ الكنز الذي لا يُحصى والعدد الذي لا يُعدّ". اما المرأة الزوجة فهي تيريز التي وقفت إلى جانب حيان تقول له: أنت أقوى من كل تحدٍّ، أنا أؤمن بك أكثر ممّا تؤمن أنت بنفسك أحيانَا.

 ختاما نقول أن رواية مختلف تصلح لأن تكون رسالة توعوية وتشجيعية للأهل الذين اصيبوا بمعضلة التوحد وتهدف إلى لفت نظر المجتمع إلى ضرورة تغيير نظرته إلى المختلف، كلنا مختلفون.. ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهومنا عن الاختلاف.

 فالتوحد ليس نقصًا ولا عيبًا وهذا ما أورده الكاتب عندما جعل هذا الإصدار "مُهدى لي ولك.. فكلانا مختلف.. في زمكان ما أو في وجه نظر أحدِهم".

 ***

 عفيف قاووق -  لبنــان

 

قِراءةٌ نَقديَّةٌ أُسلوبيَّةٌ في تَشظيَاتِ المَكانيَّةِ الحَاكمةِ لِروايةِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلَاءِ)

إضاءةُ تَقديـمٍ: الواقعيَّةُ السِّحريَّةُ أو (العجائبيَّةُ) في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ، تعني أُسلوبيةَ المُزاوجة السرديَّة التوليفية المُدهشة بين تداولات الواقعي الحياتي الجمعي اليومي المألوف، والفنتازي أو المخيالي الأُسطوري غيرِ المألوف؛ لذلك فإنَّ الواقعيةَ السَّحريَّة ارتبطت ارتباطاً جمَّاً وكبيراً بكلِّ ما هُوَ غير طبيعي أو غيرِ مألوف أو خارقٍ أو غيرٍ عادٍ. وعلى الرُّغم من فارق البون التعريفي الشاسع بين المُصطلحينِ المُوحدنينِ (الواقعي والسحري)، فإنَّه لا يمكن الفصل بين ثنائية الواقعي وغير الواقعي؛ لأنَّ الأخير تجد له أصولاً أو جذوراً أساسيَّةً نابتةً في أرض الواقع المَعيش.

وهذا يَشي بأنَّ الواقعيَّةَ السَّحريَّة هي اجتماع لما هو خلَّاقٌ وعجيبٌ وعقلانيٌّ يرتبط بتجلِّيات الموروث الشعبي للواقع الحياتي الراهن. وعلى وفق ذلك التوصيف فإنَّ الواقعية السحريَّة يمكن أنْ نعدَّها سلاحاً أُسلوبيَّاً سرديَّاً فعَّالاً ومؤثِّراً وظَّفه الروائي حسن السَّلمان في روايته (وداعاً يا نَهرَ الكحلاءِ) ضد الإقطاع ولمناهضة تجاوزات السُّلطة الحاكمة التي تتحكَّم بحياة جمعٍ كبيرٍ من النَّاس.

وفي الوقت ذاته فإنَّ الواقعيَّة لسِّحريَّة بمفهومها الأدبي السَّردي الحديث تقومُ على ثلاثة عناصر أو أركانٍ أساسيَّةٍ مُهمَّة، العنصر الأول منها هو العجائبي الفنتازي الإدهاشي، والعنصر الثاني هو الأُسطوري أو المِخيالي، والثالث هو السريالي، أو ما يُعرَفُ نقديَّاً بفَوقِ الواقعي أو المَنطقي. وهذه المرتكزات الثلاثة ترتبط بأجناس الفنِّ السَّردي الحديث؛ كون الفنُّ الروائيُّ يعدُّ فنَّاً جماليَّاً إنسانيَّاً مُتشابكاً ومُعقَّداً يَغوصُ بعيداً في أعماق النفس البشرية ويتماهى مع تحوّلاتها الزمكانيَّة السريعة.

أمَّا مصطلح (اليُوتوبيا) فَيرتبطُ ارتباطاً كُليَّاً بكلِّ معاني الخير وسمات الفضيلة الإنسانيَّة على خِلافِ نقيضهِ التَّضادي مصطلح (الدِّيستوبيا) الذي يرتبط بنزعة الشَّرِّ ومجاوراتها الأخرى مثل، الرذيلة والفُوضى والظلم والاستبداد والقمع الإنساني المنظَّم.وهذان المصطلحان الأخيران يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بحركة راهن الواقع الحياتي المعيش، وبعقابيل حركة فاعلية السُّلطة الحاكمة للمجتمع الشعبي المحكوم. فارتباط اليوتوبيا بالديستوبيا يأتي فِعلُهُمَا من عَلاقة المجتمع بالسُّلطة الحاكمة إيجاباً أو سِلباً، وما ينتج عنهما من تشظيَاتٍ مكانيَّةٍ وزمانيَّةٍ عبر مسار التحوُّلات الكثيرة.

عَتباتُ الرِّوايةِّ (النَّصُّ المُوازِي):

إنَّ أُولى عتبات النَّصِّ المُوازي المُهمَّة في هذه الرِّواية، هو عنوان الرِّواية الرئيس (وداعَاً يَا نَهرَ الكّحلاءِ)، وهو مفتاح الدخول إلى باب مدينة السرد السِّحريَّة الفاضلة، وهو عينُهَا البَصَرِيَّةُ الثاقبةُ النظر الهادِيَة إلى شِعاب ومحطَّات عوالمها الداخلية والخارجية المُتحرِّكة. والكاتب الرائي حسن السَّلمان في عنونته لروايته هذهِ قد جعل تحيةَ الوَداعِ الأخيرِ مَخصوصةً بالاسم النكرةِ (نَهرَ) الذي اكتسب صفة التعريفِ من الاسم المُعرَّف بالإضافة بَعدهُ (الكَحلاءِ)، فصار التركيب الجُملي النَّحوي للعُنوان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) . فجاء المعنى الدلاليُّ للعُنوان ليؤكدَ أنَّ وداعَ نهرِ الكَحلاءِ يُعدُّ رِثاءً مكانياً قويَّاً دالاً على الضياع والتشظي، وأنَّ توظيف كلمة (ودَاعاً) في أول التركيب الجُملِي لعنوان الرِّواية يعني أنَّ الرِّوايةَ برُمَّتِها أو كلِّها تُعدُّ جَنازةَ مَيِّتٍ، وأيُّ جنازة هذهِ التي حظيتْ بَوداعِ الرَّائي؟

بَيدَ أنَّ الجنازة هنا ليستْ لِشخصٍ مُتوفٍ أو مَيِّتٍ مَا، وإنَّما هي تَشي بشيءٍ مكاني آخرَ اسمهُ الزمكاني البيئي (نَهرُ الكَحلاءِ)، أوَّل مثابات الرِّواية المَكانيَّة قَتلاً وأخرها مُوتاً وتأزيمَاً. ودلالةُ هذهِ العَنونة تُحيلُنا مَقارباتُها التَّشابهيَّةُ إلى مفهوم الشَّاعرِ ابنِ الرُّومي في رثائه لابنه، بيدَ أنَّ رثَاءَهُ كان موجَّهاً لِوطنٍ أو لِقريةٍ أو لِزمنٍ، أي تحوَّل الزمكان لديه مِنْ وقعِ يوتوبيا الشَّخص لديستوبيا الفَقدِ.

لم يكن الكاتبُ العليمُ حَسنُ السَّلمانِ مُوفقاً في اختياره لعتبة عنوان الرِّواية بهذه الرثائيَّة الغنائيَّة التقريريَّةِ الذَّاتيَّةِ المُباشرةِ التي توحي بعنوان فعلٍ دراميَّ ثمثيليٍّ، لا بعنوان قصٍّ حكائيٍّ دَراميٍّ سرديَّ؛ الأمر الذي أفقد العنوانَ هَيبةَ وجلالَ النضوج الانزياحي البلاغي الجديد في فنية التعبير الجمالي. فلو اختار السيِّد الكاتبُ السَّلمانُ عُنواناً آخر من عتباتِ الرِّواية الفرعيَّة الداخلية، أو ابتكر عنواناً قريباً من مُوحياتِها الدلالية الأخرى، لكان الاختيارُ أكثر تأثيراً سحريَّاً وإمتاعَاً وجدوىً. لذلك أتمنَّى على الأخ الألمعي حسنِ السَّلمانِ إعادةَ النظرِ بعتبة العنوانِ في الطبعة الثانية للرِّواية.

ولو ارتأى المؤلِّفُ حسنُ السَّلمانُ اختيارَاً آخرَ وقالَ: (وَدَاعاً يَا نَهرُ...) فقط، وترك ثلاثَ نُقَاطٍ فراغيةٍ بعد كلمة (نَهرُ)، لكانَ مَآلُ العُنوانِ مفتوحاً ومُؤثِّراً وأكثر بلاغةً ونُضجَاً فنيَّاً ودِلالةً، وذا حُمُولاتٍ فكريَّةٍ وإنسانيةٍ ومكانيَّة عَديدةٍ. لأنَّ كلمة (يا نَهرُ) المنادى القريب من النفس للتَحبيب، هي نكرةٌ مَقصودةٌ اختصًّت بنهرٍ معيَّن ثابتٍ عندَ أفقِ وخيال الكاتبِ. ولكنَّ هذا النهرَ له تَأويلاتٌ كثيرة عندَ المُتلقِّي أو القارئ الواعي الذي يفكِّر بإمر هذه النقاط الفراغية البياضية التي تَبحث عن تَتماتٍ.

وقد يكون المقصود من دلالةِ هذا النهرِ رمزيةً أُخرى كأنْ يكونَ نَهرَاً للحُبِّ أو الشرِّ ِّأو نهراً للخير مِثلَ، نَهرِ دجلةَ أو الفُراتِ أو النيلِ أو بَردى أو اللِّيطاني أو نهر السِّين بفرنسا، أو أيِّ نَهرٍ أخرَ، سواء أكان مَعنويَّا أم ماديَّاً في أرجاء المعمورة من وطننا العربي الكبير أو عالمنا الآخر. كما أنَّ البياض في العنوان (وداعاً يا نهرُ...) يُعدُّ مِساحةً للوداعِ والألمِ وصرخةً مُدوِّيَةً للوضعِ العامِ.

النَّهرُ في دلالاتهِ الكونيةِ الطَّبيعيَّةِ المُتحركةِ والثابتةِ يُعتبرُ أشبهَ بيوتوبيا مكانيةٍ مُصغَّرةٍ، وهذا ما يتَّضح من خلال النداء الذي وجَّههُ السَّلمانُ لهذا النهر الفرعي الحبيب لإلفاتِ نظرِنا بهذه الصَّرخة الجَنوبية المؤلمةِ. وأنَّ فعلَ حَسنِ السَّلمانِ السَّرديِّ هذا يُشبهُ إلى حَدٍّ ما، مَا فعلهُ الرِّوائي اللَّاتيني غابريل غارسيا مَاركيز في روايته الفائزة بجائزة نُوبل للآداب (مائةُ عامٍ مِنَ العِزلةِ)، والتي حوَّل فيها الصراع من يوتوبيا الحقل لدستوبيا الحُكمِ الجائرِ، وكشفِ سِلاحِ السلطة المارقةِ بِالفعلِ السَّيءِ.

ويبقى السؤال المُثير قائماً، ما الذي يَعنيه حسنُ السَّلمان بوداعهِ الأثيرِ لِنهرهِ الكَحلاءِ؟ وهل هُوَ وَداعُ حَبيبٍ آسرٍ مُفارقٍ أم وَدَاعُ حَبيبٍ غَادرٍ خَائنٍ كَاسرِ مُغارَقٍ؟ -لقد أراد السَّلمانُ أنْ يَقولَ بصوتٍ صارخٍ صَادحٍ إنَّ هذا النهرَ قد تحوَّل من نهرٍ مؤثِّرٍ باذخٍ ذي قيمةٍ مَعنويَّةٍ وإنسانيةٍ كبرى لنهرٍ مُستبدٍ طاغٍ ذي قيمةٍ شريرةٍ دُنيَا. وهنا تُصبحُ الروايةُ كلُّها مرثيةَ نهرِ أو قريةً مكانيةً اسمُها أُمُّ ذيبة أو تصبح مرثيةَ زمنٍ غابرٍ تطاولتْ يداهُ على القرية وصار النهر فيها مَجرىً مَيِّتاً لا حياةَ لهُ.

أمَّا العتبة الثانية بعد العنوان التي وظَّفها السَّلمانُ في روايته فكانت عتبة التصدير التي جعلها مِهادَاً تقديميَّاً أو مُفتتحاً استهلاليَّاً لعتبات الخطاب الروائي السردي الفرعيَّة، وكانت جُملةً أو نصَّاً سرديَّاً مختاراً من أدب الذكريات السردي للكاتب والروائي الأديب إبراهيم نصرالله التي يقول فيها:

"الذِّكرياتُ هِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُمكنُ أنْ يَتغلَّبَ بِهِ البَشرُ عَلَى الزَّمنِ، لأنَّهُم يُؤكدونَ لأنفسِهُم بِهَا، أنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا مُجردَ عَابرينَ لِهذهِ الحَياةَ". (وداعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ، ص5).

وكان من المفترض أنْ تكون هذه المقدِّمة التناصيَّة التصديريَّة التي له عَلاقة مُباشرةٌ بِموحيات الرواية وبثيمِ مَسروداتها المَحكية المتراتبة بعد كلمة الإهداء وليس قبلها كما وردت في الرواية. ومهما يكن من أمرٍ، هل استطاع حسنُ السَّلمانُ في ذكرياته السرديَّة الأدبيَّة والميلودراميَّة الشَّائقة أنْ يتغلَّبَ على يدِ زمانه المُتطاول على أبناء جلدته وينتصر لهم في قرية نهر الكحلاء المُسماة (أمُّ ذيبةٍ) ؟وبالرغم من قساوة النهر الوادع وعداء فعل سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة تمكَّن الأحرار والأخيار الصابرونَ من كسرِ شوكة الزمن وتحطيمِ جِدارِ تَطاولِ فِعلِ السلطة الحاكميَّةِ الصُّلبةِ، فتشظَّى المكانُ وتغيَّر الزمانُ، وبدأ عهدٌ جديدٌ للتحرُّر من الإقطاع في خمسينيَّات القرن العشرين.

وثالث عتبات النصِّ المُوازي فكانت عتبةَ (الإهداء) التي جاء توثيقها التكريمي مَخصوصاً إلى روح الشاعر والقاصِّ والرِّوائيِّ السُّومريِّ المَيسانيِّ الشَّابِ الفقيدِ الرَّاحلِ (مُحمَّدُ الحُمرَاني)، صاحب رواية (حُجابُ العَروسِ )، العمل الإبداعي السَّردي الأخير الذي لم يَرَ النورَ إلَّا بعدَ وفاةِ الحُمرَاني. وكأنَّ لسانَ حَالِ حَسن ِالسَّلمانِ يقول ما يَختلج في نفسه من صدقٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ ومحبَّةٍ فَيُردِّدُ القولَ، إنَّ هدايا الإبداعِ السَّرديِّ تُهدَى عَلى مُقدارِ مُهدِيهَا المُبدعينَ والمثابرين في الحَياةِ والمَماتِ.

أمَّا عتبات النصَّ الأخرى، فكانت موزَّعةً بانتظامٍ زمكانيٍّ ومحليٍّ، وبأُسلوبٍ تقنيٍّ حداثيٍ ماتعٍ على العُنوانات الداخلية الفرعية للرواية، فكلُّ عنوانٍ صغيرٍ يُمثِّل قصَّةً أو حكايةً قصصيَةً ترتبط وحداتُها الموضوعيَّةُ وثيمُها الفكريَّةُ المُتشابكةُ بفعلِ بوصلة الحدث الأكبر لواقعة الحدث السرديَّة للرواية، وبوحدتها العضوية الكبرى التي تمثِّل المُعادل الموضوعي المُهمُّ لجسد وروح الرِّواية.

وقد بلغ عددُ عتباتها الكلي بنحو (31) إحدى وثلاثينَ قصةً عنوانيةً. وأنّ أكثر العتبات العنوانيَّة الجُزئيَّة إمتاعاً وإشراقاً ومغايرةً في موضوعيتها الجوهرية بهذه الرِّواية، والتي تَركتْ أثراً سِحريَّاً لافتاً، وندوباً وتأثيراً وإيلاماً موجعاً عالقاً في ذهنِ المُتلقِّي، ونفسية القارئ قصَّة الوصيفة (عَلَاهِن) لحقيقتها الإنسانيَّة المائزة. فَعَلاهِن وولداها وأُمُّها أُسرةٌ كاملةُ من العبيد تَمَّ شراؤهم لمشيخةِ العودة.3150 hasan

تَأثيثُ المَدوَّنةِ السَّرديَّةِ (الرِّوايةُ):

على الرَّغم من أنَّ فنَّ القصَّة القصيرة يعدُّ من أصعب فنون السَّرد الأخرى؛ لاشتراطاته الفنيَّة المُحدَّدة وتعقيداته الفكريَّة والقواعديَّة السَّرديَّة المُتداخلة، فإنَّ من يقرأ نتاجات الكاتب المثابر حسن السَّلمان السرديَّةِ (قِصَّةً وروايَةً)، سيصل -من باب المفاضلة السرديَّة- إلى حُكمٍ نقديٍ فارقٍ بأنَّ قُدرةَ السَّلمانِ الإبداعيةِ في إنتاج وفاعليةِ الفنِّ القصصي تَفوَقُ قُدرتَهُ الفنيَّةَ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ عديدةٍ في إنتاج الفنِّ الرِّوائي، ذلك العالم السردي الكبير سعة ًومِساحةً، والخطاب الفسيح بفضائه النصِّي.

وليس معنى هذا أنَّ السلمان لا يُجيدُ كتابة الرِّواية، بل أنَّه يُحَلِّق فنيَّاً وجماليَّاً وإمتاعيَّاً عالياً في كتابة سرديَّات القصة القصيرة الابتداعية بكلِّ عناصرها الأساسيَّة واشتراطاتها الفنيَّة الأُخرى في الميتا سرد الحداثوي. ولا أدلُّ على ذلك الرأي الشاخص فإنَّ رواية حسن السَّلمان (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) الصَّادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار الشؤون الثقافيَّة العامة بِبغدادَ، وبحجمٍ نوعيٍ فارقٍ وكمّيٍ مُكثفٍ بلغ نحو (160) صفحةً من فئة القطع الكتابي فوق المتوسِّط، تعدُّ في هندستها المعمارية ونسيجها الفنِّي السَّردي المُحكمِ متواليةً قصصيَّةً احتوت على (31) إحدى وثلاثين قصةً، كل قصةٍ منها، لها وحدتها الموضوعية الفاعلة وثيمتها الحكائيَّة الفكريَّة المُستقلَّة بها.

بيدَّ أنَّها ترتبط في تلابيب نسيجها الفرعي الثانوي بوحدة الرِّواية العضويَّة من حيث الشخصيَّات الفواعلية والأحداث الفعاليَّات والوحدات المكانيَّة والزمانيَّة وصراعها وَحِبكتِها وَعُقَدِها وخَواتيمِها السَّرديَّة. ومن هنا تأتي براعة السَّلمان الفكريَّة والفنيَّة في تأثيث سرديَّات هذه الرِّواية تأثيثاً قصصياً تواثبياً رائعاً ومُدهشاً لا تَدعكَ الفَكاكَ عنها أو تركَها أثناء عمليَّة التلقِّي القرائي والمَعرفي.

شَخصيَّاتُ الرِّوايةِ:

فمن حيثُ الشخصيَّات فإنَّ رواية حسنِ السَّلمانِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) تُعدُّ من جنس الروايات البيئية المكانية المجتمعية الإجرائية المتماسكة، وليس من فئة الروايات الوصفية النظرية. وهي أيضاً يمكن تصنيفها فنيَّاً بأنَّها من الرِّوايات البوليفونيَّة المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، فقد بلغ العدد الكلي لشخصياتها الفواعلية الرئيسة والثانويَّة نحو (35) خمسةً وثلاثين شخصيَّةً، منها (21) إحدى وعشرون شخصيةً ذكوريةً، و (14) أربعَ عَشرةَ شخصيَّة أُنثويةً. ومع هذه السيولة التعدُّدية في كثرة الأصوات فقدْ تمكَّنَ السَّلمانُ من التحكُّم بعدد شخصياته الأوليَّة والثانويَّة الفاعلة المهمَّة. واستطاع بمهنيتهِ التَّخليقيَّة وموهبتهِ أنْ يرسمَ لوحةً سرديَّةً ميلودراميةً حيَّةً لروايته.

فكان الشَّيخ الإقطاعي عايش العُودة وزوجته الشَّيخة (نَجمةُ) التي تعدُّ امرأة الظلَّ المُضمرةِ والداهية العميقة في التَّحكم بإدارة حكم المَشيخة وتسيير أمورها على رأس هرم الرِّواية وتشكُّلاتِها السرديَّة المُتعددة. فضلاً عن الدورِ السيء لكبيرِ الحَوشيَّة المدعو (ضَاحي الأعورُ) . وقد تَوزَّعت شخصيَّات الرِّواية بين فئتين من الناس، فئة يوتوبيا عوام الناس وسوادهم الأعمّ الغالب من المُعدمينَ والمهمشينَ والمُغَّيينَ، كالفلاحينَ والمُزارعينَ والباعة المُتجوِّلينَ والصيادينَّ وأصحابِ الحِرفِ البدائيةِ من الصَّابئة المندائيينَ، والعبيدِ السُّودِ من المملوكين أو الخَدم. أمَّا الفئة الأخرى فَتمثَّلُ دِيستوبيا الخَواص من أُسرِ الشُّيوخ الحاكمينَ وأربابِ السُّلطةِ الحاكمة الجائرةِ من المُترفينَ:

" لَمْ يَكُنْ تَمنًّع نَجمةَ خَجَلاً، أو خَوفَاً، بَلْ كَانَ الأمرُ بِرِمُّتِهِ مَقصودَاً. كَانِ تَمنُّعهَا فِي عَدمِ مَنحِ[أوْ تَمكينِ]نَفسِها لِلشيخِ مُنذُ المَحاولةِ الأُولى، وَمُقاومتُهَا لَهُ تِلكَ المُقاومةُ الشَّرسةُ، مَا هُو إلَّا رِسالةٌ قَويَّةٌ، شَديدةُ الوضُوحِ، بِأنَّها اِمرَأةٌ أمرُها بِيدِها. اُمرأةٌ لَيستْ سَهلةَ الاِنقيادِ والمَنالِ. اِمرأةٌ كَلمتُها هِيَ القَولُ الفَصلُ، وَبَقيَّةُ الكَلامِ مُجردُ ثَرثرةٌ فَارغةٌ. اِمرَأةٌ خُلِقَتْ كَي تَسودَ وَتَأمُّرَ وَتُقرِّرَ، وَلَا أحدَ يُجبرُهَا عَلَى فِعلِ شَيءٍ إلَّا بِرضاهَا وِمزَاجِها وَقَناعتِهَا التَّامةِ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 15) .

مَنابعُ الصِّراعِ السَّرديّ:

وحين نُجيلُ النَّظرَ في البحث عن موضوعاتِ الرِّواية المُتنوِّعة متأملينَ في خُطَى حِفرياتِنا النقدية تَقفّي أثرِ محكياتها القصصيَّة المُتراتبة من أجل الكشف عن منابع الخير والشرِّ التي تمثَّلت في صراع يوتوبيا مدينة السَّرد الفاضلة مع ديستوبيا سلطة الحُكم الجائرة؛ فإنَّ آفاق الخطاب السَّردي للرواية تُظهِرُ بجلاءٍ ووضوحٍ تفوقاً مَلموساً وكبيراً لعناصر السَّلب الديستوبي الشريرة الجائرة التي تمثَّلت بسلطة الحكم الإقطاعي المَارقة على يوتوبيا الخَير المسالمة التي اتَّحَدَتْ بقوى السواد الأعظم من عامة الشعب وجمهور الناس من الفقراء والمُعدمينَ طبقيَّاً والمسحوقينَ إنسانياً.

وعندما نَشرعُ إحصائيَّاً بِعدِّ موضوعاتِ قَصصِ الشَّرِّ في الرِّواية الَّتي قَامت بها رموز النزعة الديستوبية المعتدية نجدَها قد بلغت (15) خمس عَشرةَ موضوعاً أو قصَّةً، وهي تتفوقُ على قوى الخير بثلاثة أضعاف حجمها الكلي. وهذه القصص تتوزَّعُ في الرِّواية بِدءَاً من قصَّة (المُؤامرة) التي تمثَّل مركز الحدث الأكبر لواقعة الحدث السَّردية في الرِّواية، ومرورَاً بقصَّة (العَمَّةُ نَجمةُ) المرأة الحديدية التي تُمثِّل قناع رأس السُّلطة الإقطاعيَّة العميق، والعقلَ الخفي المُفكِّرَ والمُدبِرَ في إدارة شؤون حكم إقطاعية آل العودة في قرية (أُمِّ ذيبةٍ) على ضفاف نهر الكحلاء المُتَّصل بأهوار الجنوب، القريةُ التي تعدُّ مسرحَ أحداث الرِّواية وموطنَ سردياتها القصصيَّة العَجيبة المَلأى بالخيانة والاستعباد. ولم أقرأ في أدبيات تاريخ الإقطاع اِمرأةً شَيخانيَّةً شَبيهةً بالشَّيخة نجمة تفنَّنَتْ بالمكائد.

ونجمةُ هي المرأة التي حرَّضتْ زوجها الشَّيخ عايش على انتزاع السُّلطة الإقطاعيَّة من أخيه الأكبر الشَّيخ مُحمَّد العُودة الرجل الأكثر عقلانيةً واتزاناً في قرية نَهر الكَحلاءِ. وتمَّ لها إنجاز خطَّة المؤامرة الانقلابية التي حاكت خيوطها بإحكام شديدٍ وإسناد وتعضيدٍ وتدبيرٍ سريٍّ عالٍ من قبل مَأمِنِ سرِّها الحياتي وخادمتها المقرَّبة (إعزيزة)، وبمشاركة جماعيةٍ من قبلِ كبير حوشية المقاطعة الجلاد (ضَاحي الأعورُ)، الذي يعدُّ أداة تنفيذ جرائم الاقطاعية الخفيَّة النكراء، وانتهاء بخاتمة الرِّواية قصَّة (عَامُ الأحزانِ) التي تُمثِّل آخرَ مَعقلٍ من مَعاقل ديستوبيا التِّيهِ والخراب والتَّشظي المّكاني:

"لَمْ يَتوقَعِ الشَّيخُ مُحمَّدُ العُودَةِ أنْ تَكونَ الزَّوجةَ الَّتي اِختارَهَا لِأخيهِ عَايشٍ سَتكونَ سَبَبَاً فِي فُقدانِهِ لِرئاسَةِ المَشيخةِ، وَإذلالِهِ، ثُمَّ فُقدانِهِ لِحياتهِ غَدرَاً، لَمْ يَكُنْ يَعلمْ بَأنَّهُ يَحفرُ قَبرَهُ بِيديِهِ. فَمَا إنْ مَرَّ عَامٌ وَثَلاثةُ أَشهُرٍ علَى زَواجِ نَجمَةَ مِنَ الشَّيخِ عَايشٍ، وَبَعدَ أنْ ثَبَتَتْ أقدامَهَا فِي الإقطاعيَةِ، وَاشتَرَتْ ذِمَمَ الكَثيرِ مِنَ العَبيدِ وَمَنْ يَعملُ بِالإقطاعِيَةِ، وَأصبحَتْ أُمَّ مُولودِ الأمرةَ النَّاهيةَ، ثُمَّ تَحوَّلَ اِسمُها إلَى العَمَّةِ نَجمَةَ صَاحِبَةِ السَّطوةِ وَالكَلمَةِ المَسموعَةِ، حَتَّى بَدَأتْ تفَكِّرُ بِالطُرقِ الكَفيلةِ لإيصالِ زَوجِهَا الشَّيخِ عَايشِ العُودَةِ إلَى سُدَّةِ رِئاسَةِ العَشيرَةِ..." (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 17 ) .

وفي الوقتِ نفسه، إنَّ الموضوعات الإيجابيَّة ليوتوبيا مصادر الخير الحَدَثية الفاضلة ومرجعياتها الثقافية اقتصرتْ على (5) خمسة فُصولٍ من قصصِ الرِّواية ومسروداتِها الفعليَّة الآتية: مثل، قصَّة (ضَاحي الأعورَ وعَليُ الأكبرَ)، وقصَّة (طُقوسُ ليلةِ نَجمةَ)، وقصَّة (صُورةٌ)، وقصَّة (رَسائلُ حُبٍّ عبرَ الأثيرِ)، وانتهاءً بقصَّة (الحُلُمُ) التي تُمثِّل فنتازيا الحُلُمِ الفاشلةِ التي تدور أحداثها عن قصَّة الفتاة (فضةُ) ابنة الشيخ عايش مع أخيها غير الشقيق الفتى (مظلوم) ابن الوصيفة (عَلَاهِن) محظيَّة الشيخ عايش وعشيقته اللَّيليَّة.فضلاً عن حكايات العَبيد والحَكواتي عبود التي يُلقيها على مسامعهم للتسليَة.

"بَعدَ رَحيلِ عَلاهِنِ إلَّى ضَفَةِ النَّهرِ الأُخرَى مَطروَدَةُ مُهانَةً، وَانقطَاعُ الأخبارِ، وعَلَى وَجهِ التَّحديدِ أَخبارُ فُضَّةَ، دَأبَ مَظلومٌ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى جُرفِ النَّهرِ وَبثِّ رَسائلِ الحُبِّ وِالاشتياقِ واللَّوعةِ إلى فُضَّةَ عبرَ مَواويلَ شَجيَّةٍ بِصوتهِ الجَميلِ. كَانَ صَدَى صَوتِهِ الجَريحِ يَصلُ إلَى مَسامِعِهَا فَتَهِبُ مِنْ نَومِها كَمَا لَوْ أنَّ أحداً جَذَبَهَا بِشدةٍ وَأيقظَهَا[...] وَهُناكَ تُرسِلُ نَظراتِها إلَى صَرائفَ وَأكواخِ عَلاهِنَ وَتَلمَحُ (مَظلومَ) يَقِفُ على حَافةِ الجُرفِ، وَمِنَ خَلفِهِ ثَمَّةَ أطيافٌ تَتخاطَفُ مَا بَينَ الصَّرائفِ وَالأكواخِ وَشُجيراتِ الغَرَبِ وَالزُّوْرِ لَا تَتَبَينُها جَيَّدَاً وَلًا تًعودُ إلَّا بَعدَ أنْ يَهبِطَ ظَلامُ المَساءِ إذا كَانَ الوَقتُ غُرُوباً، أوْ إلَى أنْ تِتِكِشفَ الظُّلمة إذا كَانَ الوَقتُ سَحَرَاً، إذْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ وَقتٌ مُحدَّدٌ لِرسائلِ مَظلومٍ الصَوتيةِ الَّتي يُرسِلُهًا عًبرً الأًثيرٍ..." (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 133 ) .

قِصصُ السَّرديَّاتٍ المَكانيَّةِ:

من اللَّافت لنظر القارئ النابه لرواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) أنَّ الرِّواية خطَّت أوَّل فصولها السرديَّة وابتدأت مُنطلق أحداثها الفعليَّة من مَثابات المكانيَّة فكانت قصَّة (أُمُّ ذيبةَ)، ثمَّ انتهتْ واقعتها الحَدثِيَّة بخاتمتها المكانية نهر الكحلاء وبالقرية ذاتها وتحديداً في قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، أي أن ختام الرواية بمكانِ المَطلع، وأنَّ مثل هذه التوليفة الأُسلوبية المُتوحدِنَة تُحسَبُ لكاتبها المُبدع.

وقد بلغ عدد مَحكيَّات القصص السَّرديَّة التي ارتبطت أحداثها بالقرية المكانيَّة والنهر والهور والإقطاع نحو (6) ست قصصٍ عنوانيَّةٍ ظهرت تمثُّلاتها الحَدثية بِقصَّة (أُمُّ ذيبةَ) مُوئِل السَّرد، وقصَّة (سَلفُ الصابئة) المندائيينَ، وأثرِ هُوِيَّتهتم الفَرعيَّة الإثنية، وصدقِ عَلاقة تعايشهم السِّلمي مِعِ نظائرهم المُسلمينَ في الجَنوب، وقصَّة (مَاكينةُ الحَاجِ رضوانَ) مَثابة اللِّقاء والأنس والمحبَّة والتأمل، وقصَّة (مَركبُ العَطَّار) المُتجوِّل بالزورق المائي، وقصَّة (الزِّيارةُ المَكروهة لِنرجسَ) زوج الشيخ التي كانت أصولها فارسيَّةً أعجميَّةً، وانتهتْ مَحطَّات المكانيَّة المَاديَّة بقصَّة مُناجاة نهر الكحلاء وموته. فضلاً عن الأحاديث الأخرى التي تأتي عرضاً في قصص الرواية عبر تنامي رقعة السَّرد:

"يَتناقَلُ كُبَارُ السِّنِّ مِنْ أهالِي قَريَةِ أُمِّ ذَيبَةٍ حَديثَاً مُتواتِرَاً بَأنَّ سَببَ تَسميتِهَا بِهذَا الاِسمِ، جَاءَ مِنْ قِصَّةِ الذِّئبةِ الرَّماديَّةِ اللَّونِ الَّتي كَانتْ تَختَبِئ فِي أطرافِ القَريَةِ الكَثيفَةِ الأحرَاشِ وَالأدغَالِ، وَالكَثيرةِ البُرَكِ وَالسَّواقِي وَالمُستنقعَاتِ مُنذُ زَمَنِ بَعيدٍ، يَومَ لَمْ تَكُنْ قَريَّةُ أُمِّ ذَيبَةٍ تَضمُّ أكثرَ مِنْ بُضعِ صَرائفَ لَا تَزيدُ عَنْ ثَلاثينَ صَريفَةً وَعشرةِ أكواخٍ، وَيَومَ لَمْ يَفِدْ أفرَادُ عَائِلةِ العُودَةِ وَيَبسطونَ سُلطتّهُم عَلَى القَريَةِ كَشُيوخٍ وَيَستولونَ عَلَى أفضلِ الأراضَي الزِّراعيَّةُ، لَا سِيَّمَا الَّتي تُحاذِي ضِفَةِ النَّهرِ". (وَداعَاً يا نَهَر الكَحلاءِ، ص 9) .

وبالتأكيد أنَّ أمَّ ذيبةٍ هي الاسم المكاني المُستعار مِخياليَّاً لقرية حقيقية تقطن في الجنوب، وأنَّ أُسرَةَ أل العودة، ماهي في حقيقة الأمر إلَّا الوجه الرمزي الثقافي الآخر لِهُويَّة وبيوتات ومشايخ الإقطاعيَّات الكبرى التي كانت حاكمةً لأراضٍ ومقاطعاتٍ واسعةٍ في قضاء الكحلاء وأقضية الجنوب العراقي امتدَّ سيطرتها لسنواتٍ طِوالِ خلال مدَّةالعهد الملكي وأُزيِلَتْ في العهد الجُمهوري.

مُوضوعاتُ الرِّوايةِ الأُخرى:

لمْ يَبقَ من قصص الرِّوايةِ البالغة إحدى وثلاثين قصةً إلَّا (5) خمسُ قِصصٍ تَمثَّلت في الحديث عن شخصيَّات الرِّواية الرئيسة منها والثانوية، وقد تَصدَّرتها قصَّةُ (نَجمةُ، وعَلاهِن، ومَظلومُ، وأُمُّ خَنجرِ، وعِرمِشُ) الصبي المخبول. والحديث عن شخصيَّات الرِّواية والتَّعريف بوظائفها المُناطة بِها والدور المرسوم لها كان في حقيقة الأمر مَقصوراً فقط على أبناء وشيوخ الإقطاعيَّة وعن حَاشيتها وخدِمها وعَبيدِها وتوابعها ومجاوراتها الحَقليَّة وعن الثّراء والتَّرف الباذخ الذي يتمتَّعون به حياتياً:

"قَدَمَ كَبيرُ الحُوشيَّةِ اِمرأةً فِي نَهايةِ عَقدِهَا الثّلاثينِي، تَرتَدِي ثَوبَاً أحمرَ مِنْ قِماشِ البَازَة، مُشَرشَحَ الحَوافِ، قَائِلاً، هَذهِ عَلَاهِن.. كَانتْ عَلاهِنُ جَميلةَ المَلامحِ، مُمتَلئِةَ القَوَامِ، وَثَمَّةَ شِيءٌ مَا فِيهَا لَفَتَ أنظارَ الشَّيخِ فَأطالَ التَّحديقَ فِي وَجهِهَا، وَعَاينَهَا مِنْ رَأسِهَا حَتَّى قَدَمِيهَا كَمَا لَوْ أنَّه يُعَاينُ حَاجَةً ثًمينةً يًودُّ شّراءَها.. أشارّ إلّى شَابَةٍ فِي الثَّالثةِ عَشرَةَ مِنَ العُمرِ، نَحيلَةِ العُودِ، شَديدةِ السَّواد، ذَاتَ عَينينِ كَبيرتَينِ، وَأنفٍ صَغيرٍ، وَبُوزٍ يُشبِهُ بُوزَ الغَزالَةِ، يُطَوّقُ مِعصَمِها سِوارٌ مِنْ البَلاستيكِ الأسودَ، وَقدَّمَها قَائلاً، هِذهِ غزالةُ بِنتِ عَلاهِن.. جَذَبَ عَبدَاً مُتهالِكَاً طَويلَ القَامةِ، بِمنخرينِ كَبيرينِ لِلغايةِ، يَرتدي دِشداشَةً مُمزَقةً، مُخطَّطَةً بٍاللونينَ الأبيضِ والأزرَقِ، وَسَترةً بَاليَةً تَصلُ حَدّ رُكبتَيهِ، وَقَدَّمَهُ ضَاحكَاً، هَذا عِرمشٌ ابنَ عَلاهِن.. أشارَ إلَى اِمرأةٍ قَصيرةِ القَامةِ، طَويلةِ الذِّراعينِ، قَصيرةِ الأطرافِ كَأنَّها غُوريِلا، وِقِدَّمها قَائِلاً، هَذهِ نُوريةُ أمُّ عَلاهِن.. نَظَرَ الشَّيخُ إليهِم وَأطلقَ ضِحكَةً مُدَوّيَّةً قَائلاً لِضاحِي الأعورِ: ( (اللهْ يِهلككْ يَا ضْويحِي. وِلَكْ ذُولَهْ وِين لِكَيتهم) ) . ثُمَّ تَفحَّصَهُم وَاحدَاً واحدًاً وقالَ: ... " (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكحلاءِ، ص 29) .

ومن خلال هذه المعاينة البَصريَة المُحدقة النظر للتعرُّف على أُسرة هؤلاءِ العبيد التي بدأها الشيخ بعلاهِن العَبدة الجميلة والصيد الثمين لمبتغاه وهوسه النَّفسي الفاجر، كانت أولى علامات الشبق الجنسي للشيخ عايش العُودة لمُريِدتِهِ علاهٍن التي صَيَّرها بين ليلةٍ وضحاها مَحظيَّةَ له أو معشوقةً وَزوجةَ ليلِ أُنسيةً غيرَ مُعترَفٍ بها وبابنها ولده مظلوم رَسميَّاً، بسبب سواد اللَّون والنسب الآخر لعلاهِن . ومن هذه اللَّحظة الفارقة بدأت معاناة عَلاهِن وأبنائها مع زوجة الشَّيخ صانعة المكائد.

وَمِمَّا يُؤخذ على الكاتب الحاذق حسن السلمان أنَّه لم يتحدَّث قطّ في سرديَّات وقصص الرِّواية ولو بنموذج نصيٍّ واحدٍ عن آ ثار الظلم والحيف والاستلاب والتعذيب القهري الذي وقع على كاهل الفلاحينَ المُزارعينَ البُسطاء من عامةً أبناء هذه القريَة المُثقلة بالوجع والهمِّ والغمِّ، ولم يُشرْ إلى أثر الفساد الذي أصابَ السَّوادَ الأعظم من النَّاس في إقطاعيَّة العُودة عدا ما يَخصُّ شأنهم الخاصَّ. وقد كان الكلام في الرواية محصوراً على مكائد الأسرة الحاكمة وصراعها الداخلي من أجل لبقاء.

تَمثُّلاتُ العَجائبيَّةِ (الفِنتازيَّةِ):

العجائبية أو الفنتازيا المخياليَّة التي هي إحدى تمظهرات الواقعية السِّحريَّة التي وظَّفها الرائي حسن السَّلمان في روايته هذه سبع مرَّاتٍ توظيفاً فنيَّاً وجماليَّاً سرديَّاً لافتاً ومُذهلاً؛ لكسر أفق توقُّع المألوف الواقعي الحياتي المَعيش، وَلِبثِّ الرُّوح الإمتاعية والتأمليَّة في نفوس مُتلقِّيه وحَملَهُم على الاستغراق في التفكير الغنوصي الرُّوحي والوجودي مع ما يَطرحه السَّرد من كشوفاتٍ مَعرفيَّةٍ.

ولعلَّ أولى بواكير هذه العجائبية التي اشتغل عليها حسن السَّلمان في المركز كانت مُكرسَةً للحديث عن قصة الذئبة العدوانية المفترسة، وعن ممارساتها الفِعليَّة اليومية المرعبة والمُتكرِّرة في إيذاء السُّكَّان. وقد تحوَّلت قصتها المخيالية إلى أُعجوبةٍ فنتازية أذهلت الجميع بأفعالها، وأعجزت تفكيرهم الإنساني البيئي بغرابتها وما رافقها من مخاوفَ وحوادثَ وأحداثٍ وخسائر وتقوُّلاتٍ جمِّةٍ.

أمَّا الموضوع الثاني لفنتازيا هذه التقانات الحداثوية فكان تسريده مُنصبَّاً للحديث عن قصَّة غرق الفتاة الشَّابة غزالة ذي الرقصة المُميزة وبنت الوصيفة (عَلاهِن) من زوجها العبد السابق، والتي تحوَّلت موضوعتها إلى خُرافة عجائبية تقوَّلتها أفواه الناس وألسن سكان قرية (أُمُّ ذيبة)، فقيلَ: عُثِرَ على رأس غزالة بقرنينِ وعينينِ كحيلتينِ وُجِدَ عَالقاً بين الأسماك في نهر القرية ثُمَّ صَار أيقونة.

ولم تكتفِ مخيلة حسن السَّلمان بهذه التراتبية العجائبية المدهشة، بل انعطف في مَتنِ اشتغالاته السردية المخياليَّة إلى ما هو أكثر خارقيَّةً وعجائبيةً، فكان التسريد هَذهِ المرَّة أكثر نضجاً وأبلغ رعباً وتخويفاً وحضوراً، وعلى وجه التحديد في قصَّة (الحَكواتي عَبُودِ المِحْرِبِ) التي ورد القصُّ عنَّها على لسان الإخوة الصيادينَ الثلاثة: الأكبر حَامد، والمتوسِّط مَحمود، والأصغر أحمد الَّذينَ توجَّهوا بزوارقهم الثَّلاثة الصغيرة إلى أعماق الهَور للكشف عن هُويَّة الإيشانات الثلاثة، وما جرى لهم وحصل من أحداث خطيرةٍ جٍسام في حكايات هذه الإيشانات الأهواريَّة الثلاثة الغرائبية الآتية.

الأُعجوبة السَّرديَّة الأولى فكانت عن إيشان (حْفيظ) الذي يقع على طرف مدينة قضاء المجر الكبير في محافظة ميسان، وأسطورته تقول:إنَّ جزيرةً صغيرةً تضمُّ الكثير من الكنوز والذهب والأحجار الكريمة كما يشاع عنها، وكل من يفكر في الذهاب إلى التَّحقُقِ من هذه الجزيرة يصاب بمكروه مثلما حدث مع الصياد حامد الذي عاد منها أبكماً لا يتكلَّم من شدَّة هولِ ما رأى فيها وما حدثَ له.

أمَّا الأعجوبة الفنتازية الثانية فكانت عن إيشان (أبو الذهب) الذي يقع في هور الحويزة، وقصته الأسطورية المخاليَّة تذكر، أنَّ زورقاً من الذهب يخرج في أول اللَّيل ويختفي مع انبلاج صَلاة الفجر صباحاً. وما حدث للصياد محمود فقد أصابه العَمى وَفَقدَ بصرَهُ، ثمَّ عَثرَ عليه أحدُ الصيادين.

وحكاية الإيشان الثالث والأخير كانت عن ما يُسمَّى بإيشان (أُمّ الهِنِد) الذي يقع ضمن حدود قضاء الكحلاء مثابة الرواية في محافظة ميسان/ العُمَارة، وأسطرته العجائبية تقول كما يسرد الراوي العليم: إنَّ حكاية هذا الإيشان تتعلَّق بعالم المُوتى أو الأموات وما يتعرَّضون له من ألوان العذاب عقاباً لهم على ذنوبهم، وما ارتكبوه من أفعال مقيتة وقميئة، فصارَّ الصيَّاد إثرِ هَولِ ذلك الحدث العجيب أصمَّاً لا يَسمعُ، وأمضى طيلة حياته واضعاً إصبعه في أُذنيه كي لايسمعَ أصوات الموتى:

"أمَّا أصغرُهُم، وَيُدعَى أحمدُ، فَقدْ تَوجَّهَ إلَى إيشانِ أُمِّ الهِندِ، حَيثُ ظَلَّ أُسبوعَاً يَتجوَلُ بِمَشحوفِهِ فَي الهُور حَتَّى كَادَ مَا تَزوَّدَ بِهِ مِنْ طَعامٍ أنْ يَنفدَ، وَهَمّ بِالرجوعِ إلَى أهلِهِ، إلَّا أنَّ سَماعَهُ أصواتَ اِستغاثَةٍ فِي مُنتَهَى الهَلعِ، وَعَويلَاً مًريرًاً يَفطرُ القَلبَ، جَعلَهُ يَلتَفِتُ بِاحِثَاً عَنْ مَصدرِ الأصواتِ لِتَنفَتِحَ أمامَهُ ثَغرةٌ فِي أَجَمَةٍ مِنْ قَصَبٍ البَردِي، وَيَلِجُ مِنهَا، وَيُشاهدُ إيشَانَاً مُمتلئِاً بِالقُبورِ المَفتوحةِ الَتي يَتصاعَدُ مِنهَا غُبارٌ بَنفسجِيُ اللَّونِ مَعَ صُراخٍ وَاستغاثاتِ المُوتَى الَّذينَ كَانُوا يَتعرَّضونَ لِأبشَعِ عَمليَّاتِ التَّعذيبِ فَاستدَارَ بِمشحوفِهِ هَارِبَاً، وَابتَعَدَ عَنْ هَذِا الإيشانِ المُرعِبِ، وَأصواتُ المُوتَى وَاستغاثاتُهُم تُلاحِقُهُ حَتَّى وَصلِ إلَّى أهلِهِ وَهوَ يَرتَجِفُ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص116) .

وتأتي تراتبياً الأعجوبة السادسة فَتُلقي الضوءَ سرديُاتها على قصَّة غرق الصَّبيينِ، العَبدُ مَظلوم، والشَّيخة الشَّابة فِضَّة، وما رافق واقعتهما الحكائيَّة قِصَّةُ السَّمكتينِ الفضيتينِ اللَّتينِ تَسبحانِ في النَّهر، وما جرى لإحداهما من تعالق مع الطير ذي المنقار الطويل الذي التقطَ إحداهما بينا سقطتْ السمكة الأخرى بقاع النَّهر، ومن خلال حكايتها تَمَّ العثور على جُثَّة (فضَّة) عالقة في قاعِ القِصبِ.

أمَّا التمظهُر السابع والأخير من قصص تَمظهرات العجائبية السِّحريَّة فكانت اشتغالاته الفكريَّة والمخيالية مُخصصَّةً للحديث عن حكاية أو قصَّة الوصيفة المرأة (عَلاهِن)، وما جرى لها مَصائب في حياتها أثناء وبعد أحداث قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، والأصوب الصحيح أنْ يقولَ (سَنةُ الأحزانِ) الدالة على الضيق والعسر والشِّدَّة، بينما مفردة (العام) تدلُّ على سعة بحبوبة العيش والرخاء والانفراج.

فهذه القصة أخر محكيَّات رواية حسن السَّلمان، وكانت مظانُ سِحريتِها المُدهشة مواجهةً حقيقية وحواراً ساخناً وموجعاً بين عَلاهن الإنسان المُذل، ونهر الكحلاء رمز الحياة المؤنسنِ الذي أذلَّها وخذلها وأخذ الكثير منها ومن عمرها، وما أحدثه هذا النهر من فاقة وعوز ورزايا ومصائب وأحداث فذةٍ كبيرةٍ وَجِسَام ألمت بعلاهِن المرأة المملوكة السوداء وما حدث لأسرتها الفقيرة المعدمة من قتلٍ وترويعٍ وتعذيبٍ وتمثيلٍ وَتِيهٍ وتَهجيرٍ قَسريٍّ وتشظٍ منظَّمٍ للمكان خسرتْ على إثره هيبتَها كإنسان له حقُّ العيش الكريم. فتنكَّر لها زوجها الشيخ عايش العودة ولولدها مظلوم الذي أخصاه وهو من صُلبه؛ كونه عبداً أسودَ والعُودة شيخ حرٌّ طليقٌ أبيضُ. فضلاً عن تَعذيبه لِعرمش ولدِها.

والمُذهل في سرديَّات هذه القصَّة التراجيدية الميلودراميَّة المائزة أنَّ مَظلوماً ابن الشيخ عايش قد عَشِقَ أخته الحُرَّة عشقَاً جمَّاً دُونَ أن يَعلم أنَّها أخته غيرالشقيقة، فقد كان يرعاها ويهتمُّ بها مُنذُ نُعومة أظفارها، لكنَّ التمييز العنصري للون والعِرق والأصل والمكانة حال دُونَ تحقيق حبَّه النَّقي. وتعدُّ قصَّة علاهِن من أروع وأجمل قصص هذه الرواية؛ كونها قصة إنسانية حقيقية لا تمسُّ سرديتها ذات علاهِن الفردية الضيِّقة فقط، بل تخصُّ الذات الجمعية المشتركة للجامعة الإنسانيَّة.

ولم تنحصر عجائبيَّات السَّلمان عن التمظهرات السابقة التي تمَّ عرضها، وإنَّما أخذتْ مَساراتٍ سَرديَّةً أُخرى اتَّصلت بحياة وأفعال وممارسات الآخرين، وخاصةً الأطفال منهم الذين يَقصونَ احاديثهم لآبائهم في رؤيتهم الخيالية لـ (عبدِ الشَّطِ) ذلك الرمز الشخصي أو الكائن الخُرافي العَجائبي المُخيف الذي لم يُرَ بالعين المُجرَّدة، وإنما بالقول والتخيُّل كجزءٍ من تراثهم الشعبي المحلِّي العتيد.

ويتصل النسق العجائبي والخرافي الغرائبي السردي بطقوس الطوائف الإثنية والهُوِيَّات الفرعية الأُخرى الساكنة في القرية. وأعني بذلك (سَلفُ) طائفة الصابئة الذين كانت الشيخة نجمة تنظر لهم نظرةَ اِزدراءٍ وتَصفَهُم (بِربعِ الشَّيطان) بهذه العبارة القاسيَةِ وتمقتهم بُغضاً وُكُرهاً أعمى، مع أنهم مكونٌ سَومريٌ أصليٌّ مهمُّ، ومن سُكَّان الأهوار الذينَ اشتهروا بالحِرفِ اليدوية البسيطة وممارسة أعمال السِّحر والرُّوحانيات الغيبية والعجائبيَّات القنتازيَّة التي يَفكُّون طلاسمَها الرُّوحيَّةَ الشَّيطانيَّةَ. فكانت هذه السرديَّات الغرائبيَّة مَدعاةً للواقعية السَّحريَّة التي تستمدُّ وقائعها من طبيعة الحياة العامة للناس ومن صمت مورثهم التراثي الشعبي والانثُروبولوجي والتاريخي المُتجدَّد إشراقاً وإضاءةً.

"مِنْ طَلبَاتِ فُضَّةَ اللَّجُوجةِ الذِّهابُ بِهَا إلَى سَلفِ الصَّابئةِ المُحَرَّمِ عَلَى الآخرينَ الذِّهابُ إليهِ، وَلَا سِيّمَا نِساءُ المَشيخَةِ وَصِبيانُها. فَالذهابُ إلَى سَلَفِ الصَابئةِ، يَعنِي التَلوثَ بِالنجاسَةِ. يَعنِي التَعنيفَ وَالتَّقريعَ وَالعقوباتِ القَاسيَةَ بِدءَاً مِنْ رَبطِ المُخالفينَ مَعَ الأبقارِ فِي الحَظائِرِ لِعِدَّةِ أيامٍ، مُرورَاً بِالجلدِ بِالعِصيِّ، وَانتهاءً بِالحرمَانِ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّراب.الذِّهابُ إلى سَلَفِ (رِبعِ الشَّيطانِ) كَمَا يَحلُو لِلعمَّة نَجمَةَ تَسميتَهُم، يَعنِي العَزلَ وَالاجتنابَ وَالاستحمامَ بِقِدْرِ مَاءٍ كَبير مُسَمَّى عَليهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِاسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ لِلتَطُّهرِ. كَانتْ فُضَّةُ مَأخوذةً بِالصابئةِ". (وَداعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 54) .

اللَّهجةُ المَحليَّةُ العَاميَّةُ الدَارجةُ:

حدُّ اللُّغةِ في مفهوم ابن جني هي (أصواتٌ يُعبرُ بها كُلُّ قَومٍ عًنْ أغراضِهِم) اليومية في الحياة. لذا فإنَّ من التقنيات اللُّغويَّة والفنية المحبَّبة للنفس والعمل السردي التي وظَّفها الرُّوائي الواعي حسن السَّلمان في مركز اشتغالاته السردية ومحكياته القصصيَّة الروائيَّة استخدامه التدوالي المثير لنموذج معيَّن من نماذج اللَّهجة الرِّيفية العاميَّة المحليَّة العراقية القُح التي تتطلبُها لُغةُ الحوار السردي وطبيعة المثابات المكانيَّة. وتفرضها ثيمُ واقعة الحدث السَّرديَّة وموضوعاتها لِضروراتٍ بيئيةٍ وإنسانيةٍ وتقاناتٍ فنيَّةٍ وجماليَّةٍ أكثرَ تأثيراً في النفوس وأبلغ أثراً وتماشياً مع سرديَّات لُغةِ ولهجة الرِّيف أو المناطق الجنوبية الأهواريَّة النائية التي لا يفهمُها، أو يُجيدُها الكثيرُ من الناس إلَّا مَنْ عَاشَ في تلك البيئية القاسية وتعلَّم لُغتها الدَّارجة وأدرك كُنهَهَا الإنساني وَسِرَّ وجودِها الكوني:

"اِزِلَفْ، اِزْلَفْ وِلَكْ مِنْ طِريجِي. مِنْ عِمَى العِمَاكْ. ثُولْ حتَّى ثُولْ. جَا بَعدْ الله شِيسوي بِيك. عَين وكَلَبهَا بِيضه جَنْه فُص مِلح. يَوم الأسود يَوم اللَّي لِفَيت بِيه علينه يا بوعَين العُورة.[...] شِفِتْ وِلَك؟ وِلكْ حتَّى هاَي الطَيرة اللِّي كِلشِي مَا تِفتهم هَمْ تِكرهَك، تِركض وَرَاك مِنْ دُون عِباد الله وَتْعضَّك.. دَهر فَرَّك يَبُو عَين العُورًة". (وَداعَا يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 67) . وبرغم كمية السُّباب والتعنيف والتحقير والاستهجان فإنَّها لهجة عاميَّة تُناسبُ الواقعة وتنطلقُ من رَحم بيئة الحدث الموضوعيَّة.

واستخدام حسن السَّلمان لهذهِ اللُّغة الجَنوبية المُغرقة بالتداوليَّة المَحليَّة البيئيَّة ليس ضَربَاً من البَطرِ أو نوعاً من التَّرفِ الباذخ للزينة أو الزُخرفة اللَّفظيَّة لتلك اللَّهجة المحليَّة المُغلقة التي تتصل بحياة مَعدان الأهوار وسُكَّانها الأصليينَ، وإنَّما كَانت وُجُوداً كونيَّاً مُلحاً وانتماءً تأصيليَّاً عميقاً لهذه الأرض السومرية التي ينتمي إليها الكاتب السلمان ويُنتسبُ، وَعاشَ فيها رَدحَاً من الزَّمنِ الغَابرِ.

وقد بلغَ الحُبُّ والهوس اللَّهجوي بحسن السَّلمان في كثرة الإفراط باستخدام ألفاظٍ ومُصطلحاتٍ وعباراتٍ وتراكيبَ وأمثال ومسميَّات طبيعيَّة وكونية من صميم اللَّهجة المحليَّة الرَّيفية والأهواريَّة العراقيَّة فيِ سَرديَّات رِوايته ومَحكياتها القصصيَّة.حتَّى بلغ الاستخدام اللَّفظي الإجرائي لها في أكثر من (49) تِسعةٍ وأربعينَ مُوضعاً أو نموذجا تعبيريَّاً استشهاديَّاً مُوزَّعاً على طيَّات الرِّواية.

وطبيعي أنَّ توظيفات هذه اللَّهجة المغرقة بالعاميَّة المحليَّة الدَّارجة تتصل بحياة الناس العامَّة وبفعل ممارساتهم الواقعية الحياتية؛ونتيجة لذلكَ اضطر حسن السَّلمان في أكثر من اشتغال مركزي إجرائي لهذه المصلحات والمُفردات اللُّغويَّة العَاميَّة المُنتشرة في الرِّواية، اضطر إلى استخدام الهوامش لبيان وتوضيح وتقريب معاني هذه المفردات التي لا يفهمها المُتلقِّي إلا القليلُ من القرَّاء.

"ولك استحي. شلون إلك عين وتوصلنا؟ شلون تمشي بجنازة أخوك وانت جتاله". (وَداعاً يا نَهرَ الكَحلاء، ص 140 ) . هذه العبارة التعنيفية قالتها المرأة الفريضة عمة الشيخ عايش العودة عندما أراد المشاركة بتشييع جثمان أخيه الشيخ محمَّد العُودة الذي قُتِلَ غَدراً بفالةٍ وَاتُّهمَ بمقتله عايش وزوجته.

ويتناهى إلى فكري أنَّ جُلَّ هذا الإيغال اللُّغوي الحواري المُكثَّف في استدعاء ألفاظٍ وعباراتٍ وتراكيب من شواهد اللَّهجة المَحليَّة العاميَّة الريفية يعدُّ جزءاً من آثار بنية السرد الواقعية السِّحريَّة المكانية التي هيمنتْ على محكيَّات الرواية وقصصها الإنسانية البيئية العفوية المُمتعة التي تُحاكي المُتلقِي وتوقظ عقل القارئ بالمشاركة التأملية لواقع الحياة الريفية ذات النسق العشائري المُحافظ.

إنَّ أهمَّ ما يُميَّز رواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكحلاءٍ)، هو وحدة بنيتها السردية المُتماسكة، وثيمتها الفكرية المتراتبة مكانياً وزمانياً، وفاعلية إيقاع أسلوب لُغتها الشعرية التسريدية المحكمة سبكاً وحبكاً ودلالةً. لقد كان الرَّاوي العليم السَّلمان في عدسة التقاطاته السرديَّة وقصصه ومحكيَّاته الروائية عين الكامرة النقديَّة المضيئة التي تتحرك بمختلف الزوايا والاتجاهات المفتوحة والضيقة. وكان يبحث من خلالها عن الطريقة الابتداعية المُثلى التي تتحوَّل فيه تجربته الروائيَّة الشخصيَّة، وذاكرته الزمكانية إلى عمل فنِّي إنساني فارقٍ عابرٍ للتوثيق وقابلٍ لرؤى مَباضع التحليل والتأويل.

فجاءت أحداث هذه الرِّواية ومَسروداتها الفعليَّة، وحركات شخصيَّاتها الفواعلية أشبهَ بعملٍ فنِّيٍ سينمائي أو درامي بَصري تَتحرَّك فيه لُغة السرد صوتاً وصورةً سرديَّةً ويتداخل فيه وقع الأحداث والتفاصيل بمشاهدها الواقعيَّة مع السِّحريَّة من حال إلى حال آخر دونَ شعورٍ بثقل أو إملالٍ يُصاب به المتلقِّي جراء هذا التلقي الإبداعي الذي يحظُّه على المشاركة في بناء وتأثيث الرِّواية وتنمية الذوق الثقافي العام للحدث.فتتحوَّل وحدة المكان وحركة الزمان إلى عنصر مرئيٍّ فاعلٍ ومُناهضٍ.

لقد كان السَّلمان أميناً في نقل الأحداث، جريئاً مِقدَاماً في رسم الأهداف والتفاصيل والتطلُّعات الإنسانيَّة، وغيرَ هيَّابٍ في بيان كشوفاته السِّلبية التي فضحتْ مقارباتها السرديَّة أرباب سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة، ورسمت واقعيته السِّحرية الطريقَ المعبَّد العادلَ للفصل بينَ النَّجدينِ، يوتوبيا المدينة أو القرية الفاضلة وديستوبيا الرذيلة أو السلطة القمعية المارقة. فانتصر السَّلمان لوجع أخيه الإنسان بلغة السرد، لغة الواقع الحيِّ والرِّهان، وما كان أمرُ ذلك المكان إلَّا تِيهَاً وَتَشظيَاً وَخُسران.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ

تَتشكَّل قصائد الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء» للشاعرة الدكتورة أنيسة بوكلاطة الصادر عن دار بصمة للنشر والتوزيع بالمغرب في طبعته الأولى سنة 2026 من مجموع حالات مجتمع يتطلّع إلى تحقيق سرور الأمكنة المغربية، أيضا مجتمع يشكو الحرمان والنقص والدفء الإنساني. القصيدة هي كمياء الغموض الممتع واللَّعِب المُقلِق باللغة، فلو تَحقق الكمال واللا-نقص فلماذا تَنسُج الذات الشاعرة نسيج استعاراتها ومجازاتها ارتكازا على الخرق والحرق، وهنا تتخذ القصيدة شكل وساطة ثقافية معرفية بين الذات الصانعة للقصيدة والمتلقي فيتوالد معنى القصيدة وفق دينامية مسار مُحاوَرة تكشف لنا عن القيم الإنسانية وإمكانية الأحلام الجيّدة وهي أحلام يقظة الشِّعر، فالذات الشاعرة بتعبير غاستون باشلار، يقول: « إن الشاعر لا يمنحني ماضي صورته، ولكن هذه الصورة تتجذر في داخلي».

التجذيرات القيمِيَّة

ارتكزت الذات الشاعرة في تشييد القصائد وبناء المعنى على آلية التجذير (أسماء أماكن، تواريخ، أسماء أعلام، أحداث، وقائع) مما أسهم في توليد الدلالة وإقحام القارئ في سيرورة التأويل الشعري ونمثل لبعض التجذيرات كالآتي: (الحسيمة/ زقاق أجدير/ عكاظ/ الكوثر/ عبقر/ تونس/ ليبيا/ الجزائر/ مصر/ فرنسا)، (يوسف/ زليخة/ سليمان/ دونكيشوط/ عشتار/ فيروز/ ابن قتيبة/ الفيروز آبادي/ المفضل الضبي)

إن هذه التجذيرات التي تمتد زمنيا إلى ما قبل العصر الإسلامي وتنتهي إلى زمنية الرقمي حيث إن الشاعرة تُشيد المعنى على آلية السخرية الشعرية الممتدة في الذاكرة وفق زمنيات مختلفة، تقول:

«ألا تعلم؟!

استَعِن "بأي پي" و "شات جيبيتي"

(...) "فطوبى" لنا بالسّم المعسل

(...)

في "عكاظ الفايس" يسري بدهاء

ويجاهر سلالة "عبقر" نحن النبغاء..

"الليكات" ألوانها تسر اللقطاء» (قصيدة:«عنها..». ص، 22)

السخرية أفضت إلى آلية محاورة زمنيتين مختلفتين: زمنية «فحول الشعراء» وزمنية «بغال الشعراء» الذين أسندوا الإبداع الإنساني إلى الرقمي "شات جي بيتي"، وعليه نكون أمام طبقتين من الشعراء؛ طبقة تمتلك الصنعة والدربة وأخرى رامت السرقة والسطو والكسل واللا-إبداع حيث إن الشاعرة تسخر من البريكولاج الشعري الجديد الذي لا يرتكز على موسوعة سوسيو-ثقافية. إن التجذيرات تحيل على الموسوعة الثقافية للذات الشاعرة وهي بذلك تقحم القارئ داخل  عوالِم الأثر الإنساني الذي تُحدِثه القصيدة والتي تدفع بالمعنى إلى أن يتخذ شكل جسد إنساني حرّ؛ يحاور، ينتقد، يُحبّ، يصوّر، يحاكي، يكره، يثور، ينفعل ثم يبتسم لحالات اللا-إصلاح لأنه فقط الكتابة هي تطهير معرفي تحضرُ بقوّة الميكانيزمات الشعرية المغربية وإلا لِمَ تحضر لو لَمْ تَكُن الذات الشاعرة أدركت شيئا وجب تقويمه وإصلاحه داخل أمكنة الوطن وخصوصا الأمكنة الثكلى التي تشكو التَّمزُّق في شمولية المجالات اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحقوقيا وإبداعيا من خلال محاكاة رقمية جافة من الأحاسيس والحزن وحالات الحداد الممتد في الأزمنة والأمكنة. إن الكتابة الشعرية الحقّة هي أداة تعرية وكشف زيف ما يرقد داخل اللا-قيم؛ إنها الإبداعية الشعرية للشاعرة التي وسمتها بالغموض واتكزت على اللعب الشعري باعتباره حيلة استعارية ومجازية وانزياحات وخرق للقواعد داخل حالات الصراع اللا-متكافئ ماديا ورمزيا وجغرافيا، وما معنى الحرية الإبداعية إن لم تتمثل الصراع الغامض الممتع الذي يحقق لذة للمتلقي ويمنحه الأحاسيس التي تُؤشر على حالات الانفعال والتوتر والشِدَّة في علاقة بالمقولتين السيميائيتن: الموت/ الحياة.

إن موت الإنسان يسبقه موت الأمكنة، فالقصيدة عند الشاعرة هي نداء ما تبقى من الروح لإصلاح الأمكنة ومصالحة الجذور والهوية والخصوصية المغربية، مصالحة تقطع مع الليكات والإعجاب المزيّف وما تحمله بغال الرقمي، لأن الواقعي الشعري هو تمثيل الروح والجسد معا داخل القصيدة تقول:

«والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

عُدتِ كما أنتِ

ثكلى الرّوح ...بالبوح

ما ذنبك ...

مدينتي يا بهية

الأحرار

يا سليلة الأبرار

ما ذنب صغارك يُخطفون

في الفجر ...وبالكر

ماذنبك توشحين بالحالك

والقهر

(...)

فداك حُسيمتي

فداك ..» (قصيدة «فداك...»، ص. 90-91)

من منظور الذات الشاعرة وقفنا على أن إشباع حالات الحرمان التي تشكو منها أمكنتنا لا تتحقق إلا بالصلاح والإصلاح وهزم الفساد، أيضا كل مواضيع-القيم الإنسانية تشترط الرغبة والإرادة لإنجازها ومن ثمّة حماية أمكنة الدفء الإنساني المغربي من موتها. الشاعرة في قصيدة «نهرتني القصيدة»، تؤشر على حالة اللا-سرور الأمكنة، تقول:

«المُسيَّجة بالآسى واللظى

ذويها في الهجيرة

على صدى الآهات

 مرقص الأنين

 وذيول الموت

بين أسياخ نيرونية

وعهود ثمودية

وقوارب ..

وعباب ..

مَضْيَفة للموت والنهاية..».

إن حضور مُقوّمات الموت تفضي إلى نسج علاقة مع مقوّمات الحياة الجيّدة كحلم يقظة يمكن أن يتحقق فقط إذا حضر اللا-تدثر بالقافية واللا-انزواء إلى التطريات الكاذبة والتباس الكتابة الشعرية خصوصا والأدبية-الثقافية عموما، تقول:

«لن أتدثر بالقافية

فالسليقة مُغيَّبة

والقريحة مُقيَّدة

حتى ينتفض

 جناح العنقاء..». (القصيدة: «نهرتني القصيدة»، ص129-130)

إن الانزياحات هنا هي انزياحات لا-مادية؛ إنها «روح الشِّعر» التي أسندت لها الشاعرة استيضاح المعنى من خلال العلامات الدالّة على الاحتراق والبعث من جديد، هذه القوّة الأسطورية أفضت إلى بناء المعنى الشعري بآلية عاطفية نسائية، فالشعر بتعبير جان كوهن «هو الشكل الأرقى للغة العاطفية» وهي عاطفة تروم الاحتراق الإبداعي لإعادة تشكيل حياة شعرية لواقع جيّد، ويتوالد الاحتراق ليشمل بعض القصائد، تقول في قصيدة: «زمن اليتم»

«أبحث

(...)

عن ضحكة وليد

يشعل فتيل الحياة»

هذه الصورة الشعرية الأسطورية للاحتراق والبعث من جديد تكثف شعرية وجمالية قصائد الديوان التي تؤشر على فرح قد يُحققه طفل قد فقد والديه أو أنّه فقد «شُعلة» الأباء والأجداد والأرض، إننا أمام طائر الفرح بتعبير غاستون باشلار، إنه الطفل-الطائر الذي قد يجدد الحياة، فتوظيف آلية الاحتراق هو توظيف لعظمة تخييل الشاعرة لتصوير الحياة الجيّدة التي تهزم الحياة الفاسدة وتعيد لنا حلم التجديد، وما الكتابة الشعرية النسائية المغربية إلا تمثيل أُمومي لحالات الماء الفاسد والحلم بالماء الأسطوري الطيّب، وعليه يقول باشلار «إن عظمة الأسطورة تظهر في مدى قدرتها على إثارة الخيال الإبداعي».

الشعر هو حقل الخيالي والواقعي واللعب بالخرق والاحتراق وأكسيولوجيات الحياة من ماء وتراب وهواء ونار، إننا داخل الشِّعر نكون داخل عالم الذات الشاعرة وعوالم الاشتهاء، نشتهي لأننا محرومون من وطنية مغربية تشمل كل المجالات، نشتهي لأننا جوعى القيم الإنسانية، نشتهي لأنّنا نوشك أن نموت ونضمحل، فالاشتهاء سيرورة بحث عن حياة عادِلة.

أشتهي الحياة، أنا أشتهي الصمت.

نجد أن الشاعرة أسندت للصمت حالات غرق المعنى، تقول في قصيدة «أعبُرُك..»:

«فيحتويني الصمت

في حرم العشق

يُغرقني ولَهاً وجنونا بك

فكيف لروحي أن تسبح

في صمت وصراخ

(...)

صوامت وصوائت

جنادل اشتهاء»

نتبيّن أن الذات الشاعرة رامت اشتهاء الينابيع الأكثر عمقا في الذاكرة الطفولية لتمثيل حبّ وطن كقصيدة: «أنتِ قدري المشتهى/ أنتِ قصيدتي العصماء». وتؤشر على هذا الحبّ بالفرحة الأبدية لاستمرارية جذور وهوية ووطنية مغربية ارتكازا على استعارة الأمّ-الوطن:

«مِن أجلك يا أمّي

نعم أمّي،

يا فرحة عمري الأبدية» (القصيدة: «من أجلك ..»، ص.6)

إن تصويرية الأرض المغربية بصورة الأمّ الأبدية هي الأمكنة الجيّدة التي يصنعها الإنسان، فالأرض لا تصنع الإنسان ولكن الإنسان هو من يصنع أرضه، وأيضا يمكن لهذا الإنسان أن يقتل أرضه فيقتل الإنسان معها ويقتل الطفل، وماذا يتبقى إن ماتت الأرض ومات الإنسان ومات الطفل؟ سؤال يُفضي إلى قلب العلامات داخل الديوان الشعري فتحضر الأمّ باعتبارها وطناً، والوطن باعتباره أمّاً وهذا يؤشر على استمرارية الرَّحِم الوطني الشامل وهو الرَّحِم الإنساني الكوني، حيث إن القصيدة الشعرية تروم معرفية كونية ترتبط بالإنسان وتعزز حياة أطفال أرضنا، فالشاعرة تُشيّد مرآةً لغوية تعكس هشاشة الإنسان في علاقة بالمجتمع والكون:

«وتلك جراح في الروح تسقيني

كلّما جال بالبال حالك

الحزين» (القصيدة: «هزلت..»،ص.121)

إن شعرية الشّعر تُعرَّفُ فقط من خلال تركيب القصيدة وشكل بنائها ولغتها ومسارات معناها وتشاكلاتها، جنادل الاشتهاء وإن توزعت لمقاطع متفرقة فهي تجتمع في سطر شعري موّحد وهو عتبة الإهداء: «إلى كلّ من شكّل ملامؤح قصيدي». فالقصيدة الشعرية النسائية المغربية تضمر أسئلة جوهرية يطرحها نسق لغة تتعالق والواقعي التصويري والتخييلي والجغرافي وأزمنة حالة الكتابة باعتبارها أحلام يقظة الذات الشاعرة وأمل المتلقي في كشف زيف السرّاب الذي يتلوّن بالكذب ولعنة الذنب:

«عدت إلى صراخك

والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

ثكلى الروح.. بالبوح

ما ذنبك

مدينتي يا بهية الأحرار

(...)

فداك حسيمتي.. فداك» (القصيدة: «فداك..». ص، 90-91).

نستبين أن لعنة حبّ أمكنة الحلم والأمل انقلبت إلى أمكنة سراب، فالذات الشاعرة في علاقة صراع مع الزيف الثابت واللا-متغيّر تؤشر على دينامية الرغبة في هزم الزيف الثابت وتتخذ لغتها داخل القصيدة شكل صراع للخروج من حالات النقص والكذب التي تعرفها أمكنة القصيدة حيث إن رمزية المكان تحضر في القصيدة بصورة لافتة وفي حالات تُسنِد الشاعرة للمكان رمزية الجسد كآلية للتمويه أو حمل القارئ إلى عوالم فنّ التأويل لإخراج القصيدة من الضيق إلى الرحابة المعرفية بالأمكنة وتاريخها وهذه جمالية القصيدة، فالقصيدة تفضي إلى توثيق مرحلة تاريخية تتمتد إلى زمنية بعيدة وهذا حقل أرشفة المكان والزمان، وعليه أرشفة وتوثيق فعل الإنسان وهنا العلاقة هي علاقة تأثير وتأثُّر بين الأمكنة والإنسان، وهنا نكون أمام نسق العالم الخارجي ونسق العالم الداخلي للذات الشاعرة، وعليه تستضيح شعرية القصيدة لتكشف عن بعض المعنى ولو أنه معنى جد معقد مما يجعل القارئ في حالة ذهاب وإياب داخل القصائد تائها وسط لعبة الظهور والكينونة، فالشاعرة لا تكشف عن قلب الوطن ولكنها تُظهر عقل الوطن؛ ونمثل لبعض هذه اللعبة كالآتي:

الظهور: عقل الوطن، تقول في (قصيدة، «كيف..» ص،31)؟

«في خضم التيه والوهن

كيف سأرضيك

يا عقلي

فأنت منبع المِحن».

هنا الظّاهِر شقاءٌ عقلي منطقي داخل حالات العبث والكذب واللا-رضى على الفساد واللا-صلاح.

الكينونة: قلبها/ قلب الوطن، إن الذات الشاعرة ترتكز على معرفة تاريخية للشعر والنقد العربيين، إلا أنها تخفي هذه المعرفة وتسربها في شكل سلس وإيقاع شعري جمالي، تقول في القصيدة «لست أنا..»، ص70-73:

«من قال: إنّي شاعرة؟

ليس لي

إلا أحلام غفوة أصارعها

وأخرى

أحلام يقظة فادحة أقايضها

فيا ويلي من عيون "قتيبة"

(...)

استعرت من "المفضليات"

أرجوحته الدانية

(...)

و"للفيروز آبادي" محيطه في كلمة».

لكن الذات الشاعرة في قصيدة: «يا قطوفا..»

« آه من زمن يعيد

(...)

أنا الضائع قبلا وبعدا

في الباطن والظاهر»

إن القصيدة تحيل على العالم المعرفي للذات الشاعرة وتعتذر لقوة اللغة الشعرية القديمة التي رامت الحماسة وهزمت الميوعة الآنية، حيث تسأل عن وظيفة الشعر وكيف أنه كان يتمثل القيم الإنسانية عكس ما صار الآن، تقول:

«فما القريض إن

جزّ من الهوان

والميوعة قربانا

حامية

عذرا للشعر منذ عهود غابرة

فأنا لست شاعرة» (ص، 73).

إن صوت الشاعرة يُشخِّص الحالة الانهزامية التي شملت بعض أساسيات الحياة الجيّدة من خلال ثنائية الظهور والكينونة وهي آلية جمالية استضاحت راهنية واقع حالة أمكنة تعيش ظاهريا حالة سرور مُزيّف ولكنها كينونةً تُخفي اللا-سرور واللا-الحياة الجيّدة التي تصوّرها الشاعرة من خلال تعددية العلامات الدّالة على الانفعال والتوتر من خلال محاورة هذه الأمكنة، تقول في قصيدة « أه لو أستطيع..»، (ص.24-26):

« وهل تستطيع الحروف

 إبراء العلل،

أتقدر القوافي

خلق اللقاح،

أتستطيعُ

 القصيدة إطعام الجياع

وتهدئة النفوس بهول ما يقع

هنا وكل بقاع العالم ؟!

أتستطيع إيقاف زحف الردى

وردع تلك الرائحة

(...)

من يبالي

 بشذو الكناري في مدينة الأشباح

والغربان على الناصية

تتلقف الهزع»

وأختم، ليس في وسع القصيدة مَسرَحَة كل أشكال الحياة، ولكن القارئ يمكن أن يستضيح بعضها من خلال آلية التفكيك وإعادة القراءة الممتعة كبناء لنصوص تأويلية لا نهاية لها وفق مقومات الأزمنة والأمكنة وحالات التوتر والشدة في الانفعالات والأحاسيس التي تناولها الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء»، فحين تكون الأمكنة والأزمنة حزينة تتحوّل اللغة إلى شكل مقاومة تقطع مع اللا-استسلام، وهذه شعلة شعرية الشِّعر التي لا يمكن أن تنطفأ أبدات ما دامت هناك كتابة تضيء داخلنا حالة الحلم والأمل والعمل الجيّد، فالشِّعر نار القلب والعقل والأيادي الصالحة: (القلب: أحلام، العقل: آمال، اليد: أعمال).

قفل القراءة: حكمة مقوّم المادة «الهواء» باعتباره آلية للتغيير الحقّ وبعث الرّوح في المُقوِّم الدلالي للمادة «الرماد-النار» لبعث شعلة الحياة من جديد، تقول الذات الشاعرة:

« فمن أعاصير الوهن يفوح عطر النور

زخات...وأطواق...فرح..» (قصيدة: «رياح نديمة»، ص. 95).

***

د. فؤاد بنبشينة

من إرهاصات الحكاية إلى تعدّد أسئلة الإنسان

ليست الرواية التونسية حادثةً أدبيةً طارئة على هامش التاريخ، ولا جنساً سرديّاً استوردته البلاد دفعةً واحدةً مع الحداثة، وإنما هي ثمرة مسار طويل من التحوّل الثقافي والاجتماعي والفكري، بدأت إرهاصاته منذ مطالع القرن العشرين، ثم أخذت تتبلور تدريجيّاً حتى غدت الرواية واحداً من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على تمثيل التحولات العميقة في المجتمع التونسي.

والحديث عن الرواية التونسية يقتضي، قبل كل شيء، التحرّر من السردية النقدية المختصرة التي تجعل تاريخها يبدأ بمحمود المسعدي أو البشير خريف، ثم تنتقل به مباشرة إلى أجيال السبعينيات والثمانينيات. فهذه الرؤية، على ما فيها من وجاهة في إبراز أسماء مركزية، تحجب طبقات أخرى من التجربة السردية، وتغفل المحاولات المبكرة التي مهّدت الطريق، كما تقلّل من شأن أجيال متعاقبة أسهمت في تحويل الرواية التونسية من تمرين أولي في الحكاية إلى فضاء رحب لتجريب اللغة، وتفكيك الذاكرة، ومساءلة السلطة، واستنطاق الهوية.

إرهاصات التأسيس: حين بدأت الحكاية التونسية تكتشف شكلها الجديد:

ترجع بعض الدراسات إلى «الهيفاء وسراج الليل» لصالح السويسي القيرواني بوصفها من أقدم المحاولات الروائية التونسية، ويؤرَّخ لها غالباً بسنة 1906، مع وجود اختلاف ببليوغرافي في تاريخ نشرها؛ إذ تشير بعض الفهارس إلى نشرها في مجلة «خير الدين» في وقت أسبق.

وهذا الاختلاف في التاريخ لا يقلّل من القيمة التأسيسية للنص، فالمهم أن الرواية التونسية بدأت تتلمّس طريقها في بيئة ثقافية كانت تتفاعل مع النهضة العربية، والطباعة، والصحافة، والترجمة، وتنامي الوعي الإصلاحي والوطني.

وفي السياق نفسه تبرز محاولة الصادق الرزقي في «الساحرة التونسية»، وهي تجربة سردية ذات صلة وثيقة بالوعي الوطني ومقاومة الاستعمار، وتصفها مصادر تونسية بوصفها محاولة روائية انشغلت بتصوير تضحيات أبطال الحركة الوطنية وشهداء المقاومة التونسية ، في حين تصنّفها الفهرسة الوطنية ضمن الأدب التونسي القصصي. كما أن تاريخ نشرها الأول ليس محسوماً بصورة قاطعة في الفهارس المتاحة، ولذلك ينبغي الحذر من تثبيت سنة واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.

ومن هنا تبدو البدايات الأولى للرواية التونسية أشبه ببذور متفرقة منها بمدرسة مكتملة المعالم؛ فقد كانت الكتابة تختبر الشكل، وتستعين بالسرد من أجل الإصلاح الاجتماعي، أو التعبير عن الوعي الوطني، أو استعادة الماضي، أو مواجهة الحاضر.

علي الدوعاجي: السرد حين يخرج إلى الشارع والبحر

ولا يمكن الحديث عن تشكل الحس السردي التونسي من دون الوقوف عند علي الدوعاجي، أحد أبرز أصوات جماعة «تحت السور». وقد كتب «جولة بين حانات البحر المتوسط» في سياق رحلته عبر المتوسط سنة ١٩٣٣م ، ونُشرت نصوصها متسلسلة في الدوريات خلال الثلاثينيات قبل أن تجمع في كتاب بعد وفاته. وتكمن أهميتها في أنها كشفت عن سرد تونسي ساخر، مشاهداتي، رحّال، شديد الالتصاق بالحياة اليومية وبالتفاصيل الإنسانية.

ولذلك فإن وضع الدوعاجي في تاريخ الرواية ينبغي أن يتم بشيء من الدقة الاصطلاحية؛ فـ«جولة بين حانات البحر المتوسط» ليست رواية تقليدية مكتملة البناء بقدر ما هي نص رحلي سردي تتقاطع فيه الحكاية والمشهد والسخرية والملاحظة الاجتماعية. لكن قيمتها التاريخية تكمن في أنها وسّعت إمكانات السرد التونسي، وأثبتت أن الحكاية تستطيع أن تكون مرآة للمدينة والبحر والمقهى والشارع والإنسان العابر.

وهنا بدأت الرواية التونسية، بمعناها الواسع، تتحرر من سلطة الوعظ المباشر، وتتجه إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورة المجتمع الكبير.

من «ومن الضحايا» إلى «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»

في منتصف القرن العشرين أخذ السرد التونسي ينتقل من مرحلة المحاولات إلى مرحلة التأسيس الفني الأكثر.  رسوخًا. ويبرز محمد العروسي المطوي في هذه المرحلة بروايته «ومن الضحايا» الصادرة سنة ١٩٥٦م ، ثم «حليمة» سنة ١٩٦٤م ، و«التوت المر» سنة ١٩٦٧ م . وقد انشغلت أعماله بالاستعمار والمقاومة والتحول الاجتماعي، وبالشخصية التونسية في صراعها مع شروط التاريخ.

ثم يأتي البشير خريف بوصفه واحداً من أهم مؤسسي الرواية التونسية الحديثة، فتظهر «برق الليل» سنة ١٩٦١ م ، ثم «الدقلة في عراجينها» سنة ١٩٦٩ م ، و«حبك درباني» سنة ١٩٨٠ م . وهنا لا بد من تصحيح تاريخي مهم: «الدقلة في عراجينها» لم تصدر سنة ١٩٦١ ، وإنما صدرت سنة ١٩٦٩ م ، أما سنة ١٩٦١ م فهي تاريخ صدور «برق الليل».

وتحتل «الدقلة في عراجينها» موقعاً بالغ الأهمية في تاريخ الرواية التونسية؛ لأنها لم تكتفِ بتصوير الريف، بل جعلت المكان الاجتماعي نفسه بنيةً كاشفةً للصراع بين القديم والجديد، وبين سلطة العائلة وإرادة الفرد، وبين التقاليد والحرية، وبين المرأة بوصفها ذاتاً إنسانية وبين المجتمع الذي يحاول اختزالها في أدوار جاهزة. وقد رصدت الرواية كذلك بدايات الوعي النقابي والسياسي والتحولات التي شهدتها تونس في العقود السابقة للاستقلال.

محمود المسعدي: حين تحولت الرواية إلى سؤال وجودي

أما محمود المسعدي فقد نقل الرواية التونسية إلى منطقة أخرى؛ منطقة يتراجع فيها الحدث الخارجي لحساب السؤال الوجودي، وتتقدم اللغة من كونها أداةً للحكي إلى كونها جزءًا من التفكير نفسه.

بدأ المسعدي كتابة «حدّث أبو هريرة قال» في أواخر الثلاثينيات، ونُشرت فصول منها منذ ١٩٣٩م ، لكن العمل في صورته الكاملة لم يصدر إلا سنة ١٩٧٩ .

وهذا التفصيل مهم؛ لأن القول إن الرواية ظهرت سنة ١٩٧٣ وحدها يطمس تاريخ تشكلها، كما أن القول إنها صدرت كاملة في الثلاثينيات غير دقيق. والحقيقة أن المسعدي كان يكتب مشروعه الروائي والفكري مبكرًا، ثم اكتملت صورته الطباعية لاحقًا.

في «حدّث أبو هريرة قال» تتحول الحكاية إلى رحلة في أعماق الذات: الحرية، الرغبة، الموت، الاختيار، العزلة، والجماعة. أما «السد» فيذهب أبعد في مساءلة الإنسان أمام الإرادة والمصير، ويجعل الصراع الروائي أشبه بمواجهة بين الإنسان والقوة التي تتجاوزه.

وهكذا لم تعد الرواية عند المسعدي مجرد تسجيل للواقع، بل أصبحت مختبرًا فلسفيًا للوجود، تستعيد التراث العربي في لغته وإيقاعه وصياغاته، وتعيد تركيبه داخل سؤال حديث عن الإنسان.

مصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري: الرواية بوصفها سجلًا للتحولات

إذا كان المسعدي قد دفع الرواية إلى فضاء السؤال الوجودي، وخريف إلى فضاء المجتمع والريف، فإن مصطفى الفارسي اشتغل على التحولات الاجتماعية والنفسية التي أصابت الفرد التونسي في مرحلة بناء الدولة الوطنية. ومن أبرز رواياته «المنعرج» و«حركات»، وفي الانتقال بين العملين يمكن ملاحظة انتقال الرواية نفسها من الواقعية ذات النفس الاجتماعي إلى التجريب السردي الأكثر انفتاحًا على الخطابات والأشكال.

أما محمد صالح الجابري فقد جعل الرواية أكثر التصاقًا بالتاريخ الاجتماعي، فاشتغل على نضال العمال في المناجم، وعلى العلاقة بين الريف والمدينة، وعلى صعوبة التكيف مع التحولات الاجتماعية. ومن عناوينه «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه»، ثم «ليلة السنوات العشر».

وفي هذين المسارين تتأكد حقيقة جوهرية: الرواية التونسية لم تكن تتطور في خط واحد، بل كانت تتشعب بحسب الأسئلة التي يطرحها كل جيل، وبحسب موقع الكاتب من التحول السياسي والاجتماعي.

الرواية والذاكرة: من التاريخ الرسمي إلى التاريخ المعيش

من السمات اللافتة في الرواية التونسية أنها لم تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة جاهزة، بل أعادت مساءلته من خلال الذاكرة الفردية والجماعية.

وفي هذا السياق يبرز محمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع تجربة الاستعمار والمقاومة، كما يبرز عز الدين المدني في اهتمامه بالتاريخ والتراث والذاكرة، وفي توسيع حدود التجريب السردي، بما يجعل التاريخ مادة لإعادة بناء المعنى لا مجرد خلفية للأحداث.

ثم يأتي الصديق الدكتور المنصف الوهايبي في تجربته السردية المتقاطعة مع الشعر، ومن أعماله الروائية «هل كان بورقيبة يخشى حقًا معيوفة بنت الضاوي؟»، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع التاريخ الوطني، ويتجاور الخاص والعام، ويصبح الماضي مادة لإعادة بناء الذات لا مجرد سجل لما انقضى.

إن الذاكرة هنا ليست مستودعاً للماضي؛ إنها فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لاسترداد ما أسقطته الرواية الرسمية من حسابها.

من الواقعية إلى التجريب:

ومع تعاقب الأجيال، لم تعد الرواية التونسية أسيرة الواقعية الاجتماعية وحدها. دخلت إليها أشكال جديدة من التجريب: تعدد الأصوات، تكسير التسلسل الزمني، الرواية داخل الرواية، التخييل التاريخي، السرد الذاتي، التهجين بين الشعر والنثر، وتداخل السرد مع الوثيقة والذاكرة.

ومن أبرز الأصوات التي عمقت هذا المسار حسونة المصباحي، الذي قدّم عدداً من الروايات المهمة، منها «هلوسات ترشيش» و«الآخرون» و«وداعاً روزالي» و«نوارة الدفلى» و«حكاية تونسية». وقد شكّلت الهجرة والاغتراب والذاكرة والعلاقة بالآخر فضاءات متكررة في مشروعه السردي.

كما جاء الحبيب السالمي ليمنح الرواية التونسية فضاءً أكثر حميمية، يتقاطع فيه الريف والمدينة، والشرق والغرب، والرغبة والذاكرة، والمرأة والرجل. ومن أعماله «عشّاق بيّه» و«روائح ماري كلير»، ثم «بكارة» و«الاشتياق إلى الجارة».

وفي جيل أحدث يبرز كمال الرياحي الذي جعل من الرواية فضاءً لكشف الأقنعة الاجتماعية والسياسية، في «المشرط» و«الغوريلا» و«عشيقات النذل»، حيث تتجاور المدينة الهامشية، والجريمة، والجسد، والعنف، والسياسة، وتتحول الشخصيات إلى كائنات قلقة تتحرك في واقع مضطرب.

أما فوزي الديماسي فقد واصل مغامرة التجريب في أعمال مثل «واحة الأجداث» و«الزنيم»، ثم «هبل»، حيث يتقاطع سؤال المثقف مع سؤال الواقع، ويتحول السرد إلى بحث في الهوية واللغة والاغتراب.

الروائيات التونسيات: حين أصبحت المرأة صاحبة الصوت لا موضوع الحكاية:

ولا يمكن أن تكتمل صورة الرواية التونسية من دون التوقف عند التحول الكبير الذي أحدثته الكتابة النسائية. فقد خرجت المرأة من موقع الشخصية التي تُروى حكايتها إلى موقع الذات التي تمتلك حق رواية العالم وتأويله وإعادة تشكيله.

وتأتي فوزية زواري في مقدمة الأصوات التونسية التي وسعت حضور التجربة النسائية والهجرة والهوية، ومن أعمالها «جسد أمي»، وهي رواية تستعيد حياة النساء القرويات وعلاقة الذاكرة بالأم والجسد والمكان. وقد ارتبطت كتابة الرواية لديها بتجربة شخصية عميقة مع الأم والذاكرة.

وتبرز أميرة غنيم بوصفها من الأصوات السردية التونسية الجديدة الأكثر حضورًا، ولا سيما في «نازلة دار الأكابر»، التي أعادت عبر التخييل كتابة جانب من تاريخ تونس الحديث، وجعلت النساء حافظات للذاكرة ومشاركات في صناعة الرواية التاريخية، لا مجرد شخصيات هامشية داخلها. صدرت الرواية سنة ٢٠٢٠ م ، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.

كما تمثل حياة الرايس تجربة مختلفة في مزج السرد بالفلسفة والأسطورة والأسئلة المتعلقة بالجسد والمرأة والحرية، فيما تمثل رشيدة الشارني صوتًا نسائيًا آخر انشغل بالهامش والألم والذاكرة وقضايا المرأة، ومن أعمالها السردية «تراتيل لآلامها».

وهكذا لم تعد الرواية النسائية التونسية مجرد «أدب نسوي» بالمعنى الضيق، وإنما غدت جزءًا من إعادة تعريف الذات التونسية نفسها: من يتكلم؟ من يملك الذاكرة؟ من يكتب التاريخ؟ ومن يحق له أن يكون بطلًا؟

الرواية التونسية وأسئلة الهوية والحرية:

إذا أردنا أن نبحث عن خيط ناظم لهذا التعدد، فإننا سنجده في سؤال الهوية.

الهوية في الرواية التونسية ليست بطاقة تعريف وطنية، بل هي سؤال دائم عن العلاقة بين الفرد والجماعة، بين المدينة والريف، بين الماضي والحاضر، بين اللغة والواقع، بين الموروث والحداثة، وبين الذات والآخر.

ومن هنا تتكرر ثيمات الحرية والاغتراب والمنفى والجسد والسلطة والذاكرة في أعمال مختلفة، وإن اختلفت طرائق معالجتها. فالمسعدي يسائل الحرية من منظور وجودي، وخريف من منظور اجتماعي، والمطوي من منظور وطني، والجابري من منظور طبقي وتاريخي، والمصباحي من منظور الاغتراب، والسالمي من منظور العلاقات الإنسانية والجندرية، والرياحي من منظور المدينة والسلطة والهامش، وأميرة غنيم من منظور الذاكرة والتاريخ والمرأة.

وهذا التعدد هو سر حيوية الرواية التونسية.

الرواية التونسية ليست أسماءً قليلة:

إن اختزال الرواية التونسية في محمود المسعدي والبشير خريف وحدهما ظلمٌ لتاريخ سردي طويل، كما أن اختزالها في جيل السبعينيات والثمانينيات ظلم آخر للأجيال التي جاءت بعد ذلك.

فإلى جانب الأسماء الكبرى التي رسخت دعائم الفن الروائي، هناك محمد العروسي المطوي، ومصطفى الفارسي، ومحمد صالح الجابري، وعز الدين المدني، وحسونة المصباحي، والحبيب السالمي، ومحمد الهادي بن صالح، وعبد القادر بن الحاج نصر، وفوزي الديماسي، ويوسف عبد العاطي، ومحمد علي اليوسفي، وكمال الرياحي، وشكري المبخوت، وغيرهم كثيرون، فضلًا عن أجيال شابة واصلت توسيع المجال السردي التونسي.

ومن المهم كذلك ألا تُفهم هذه القائمة بوصفها قائمة نهائية؛ فالمشهد الروائي التونسي أوسع من أن تستوعبه أنطولوجيا مختصرة، وأغنى من أن يُختزل في مسار نقدي واحد.

أنطولوجيا روائية تونسية منتقاة:

يمكن، على سبيل الاستدلال لا الحصر، استحضار عدد من الأسماء والعناوين المفصلية:

- صالح السويسي القيرواني: «الهيفاء وسراج الليل».

- الصادق الرزقي: «الساحرة التونسية».

- محمد العروسي المطوي: «حليمة» و«التوت المرّ».

- البشير خريف: «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها».

- محمود المسعدي: «حدّث أبو هريرة قال» و«السد».

- مصطفى الفارسي: «المنعرج» و«حركات».

- محمد صالح الجابري: «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه».

- حسونة المصباحي: «هلوسات ترشيش» و«نوارة الدفلى».

- الحبيب السالمي: «عشّاق بيّه» و«الاشتياق إلى الجارة».

- كمال الرياحي: «المشرط» و«الغوريلا».

- أميرة غنيم: «الملف الأصفر» و«نازلة دار الأكابر».

- فوزي الديماسي: «واحة الأجداث» و«الزنيم».

- يوسف عبد العاطي: «غروب الشرق» و«ريح الوقت».

أما الروائيات التونسيات، فقد اتسع حضورهن بصورة لافتة مع فوزية زواري، وأميرة غنيم، وحياة الرايس، ورشيدة الشارني، وغيرهن من الأصوات التي جعلت التجربة النسائية جزءًا أصيلًا من المتن الروائي التونسي، لا ملحقًا به.

 الرواية بوصفها ذاكرةً حيّة:

الرواية التونسية، في نهاية المطاف، ليست تاريخاً خطياً يبدأ بمحاولة أولى ثم يبلغ نضجه عند كاتب بعينه، وإنما هي تراكم من المغامرات السردية؛ بعضها نجح في تأسيس تقاليد فنية، وبعضها أخفق فنياً لكنه ظل مهماً من الناحية التاريخية، وبعضها تجاوز زمنه، وبعضها لم ينل بعد ما يستحق من القراءة النقدية.

لقد بدأت الحكاية التونسية وهي تبحث عن شكلها، ثم اكتشفت المجتمع، فواجهت الاستعمار، ورافقت بناء الدولة، وانشغلت بالريف والمدينة، ثم غاصت في أعماق الفرد، وفتحت أبواب الجسد والذاكرة والمنفى والهوية، وانتقلت من الواقعية إلى التجريب، ومن الحكاية الواحدة إلى تعدد الأصوات.

ولهذا فإن الرواية التونسية ليست مجرد مرآة لتونس؛ إنها أحد المختبرات التي صنعت صورتها الحديثة.

إنها تكتب تونس وهي تتذكر، وتكتبها وهي تنسى، وتكتبها وهي تتساءل عن نفسها.

وإذا كان الشعر قد حفظ للروح التونسية إيقاعها، فإن الرواية حفظت لها ذاكرتها المتحركة؛ ذاكرة الريف والمدينة، والمقاومة والاستقلال، والحب والهزيمة، والهجرة والعودة، والمرأة والرجل، والماضي والمستقبل.

إنها رواية لا تنتهي لأن الأسئلة التي أنجبتها لم تنتهِ بعد.

فالرواية التونسية ليست فنّ الإجابة، بل فنّ السؤال المؤجل؛ وكل جيل جديد لا يرث الحكاية مكتملة، وإنما يرث حقه في إعادة روايتها.

وهنا تكمن قوتها الحقيقية:

أنها لم تكتب تونس كما كانت فحسب، بل حاولت أن تكتب تونس كما كان يمكن أن تكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في الذكرى الثانية عشرة لغياب الشاعر سميح القاسم

تميّز انطلاقة سميح القاسم الشعرية

لا بدّ للقارئ قبل أن يقرأ شعر سميح القاسم المولود في الحادي عشر من أيار عام 1939، أن يعي بعض القضايا المهمّة التي يتميّز بها سميح القاسم في انطلاقته الشعرية ومسيرته الغنيّة بالعطاء:

الأولى: أنّ الباعث الأول والقويّ لهاجس الإبداع عند سميح القاسم كان الحسّ القومي العربي الذي فجّرته نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، وبعثته انطلاقةُ ثورة الضباط الأحرار في 22 يوليو 1952 في مصر والمشاعر القومية العربية التي فجّرها وأرساها جمال عبد الناصر في كل أرجاء الوطن العربي.

وليست قصائد سميح الأولى في مجموعته الأولى "مواكب الشمس" (1958)، إلاّ نشيدًا قوميًا متواصلاً يتغنّى بالثوار في كل بقاع العالم العربي، ولم يخمد وهجُ هذه المشاعر القومية في قصائد الدواوين اللاحقة.

الثانية: إنّ البيئة التي ولد فيها سميح وكبر، تميّزت بالانفتاح على العلم والثقافة والسّعي للمزيد منها، إضافة إلى الجوّ الدّيني المتنوّر البعيد عن التّعصب والانغلاق، ممّا سمح له أن يطّلعَ على مختلف المعتقدات الدينيّة، ويُعمِلَ فكرَه في المقارنة بينها، وكشفَ المشترك المُوَحِّد بين الجميع.

الثالثة: المناخ العلمي والثقافي إضافة إلى الديني المتنوّر دفَعا سميح إلى الاهتمام بالبحث والسّؤال والمَعرفة، مما أوصله إلى اكتشاف حقائق جديدة، وهي أنّه يعود بانتمائه المذهبي إلى طوائف دينيّة، كان لها الباع الطويل في دَفْع الفكر العربي والفلسفة العربية الإسلامية خطوات إلى الأمام، وأنه يعود بانتمائه إلى أحد أسياد القرامطة الثوريين مما ترك بصماتِه على تكوين سميح النّفسي والثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ.

الرابعة: اعتناق سميح القاسم للفكر الماركسي اللينيني.

وهو ينطلق في إبداعاته من موقف واع لدوره ورؤيته الواضحة، ويؤكّد "أنّ عملية الخَلق ثورةٌ دائمةٌ على كل ما هو قائم، ودعوةٌ مستمرةٌ لخَلق عالم جديد، وهذه الثورةُ الدائمة نفسُها ينبغي ألّا تفقدَ توازنَها، وينبغي ألّا تخرجَ من منطقة جَذب الموقف الفكري والاجتماعي، وإلاّ فإنّها تتحوّل إلى ثورة "أنارخية" قد يهدم جموحُها أكثرَ مما يبني.

وهذا الموقف الواعي في الرؤية والمُدْرِك للدور المَنوط بالكلمة كان ملازمًا لإدراك الشّاعر التّام بوجوب تطوّر العَملية الإبداعيّة، وكسر المسلّمات، واختراق المَجاهيل والإتيان بالجديد دائمًا.

هكذا ظلّ سميح القاسم طوال سنوات عمره الإبداعيّة يُعلنها صريحة: لم أقل كلمتي الأخيرة بعد.

والكلمة الأخيرة يجب أن تكونَ مختلفة عن التي سبقتها.

شرارة الانطلاق الأولى

فوجئ سميح أنّ الدولة العبريّة التي احتلّت وطنَه وهجّرت شعبَه وحرمته من أعزّ الأصدقاء والجيران والمعارف لم تكتف بما فعلت وإنّما تعمل على سَلخه عن جذوره العربية وعن شعبه، وتُوغل في الجريمة إلى درجة أنّها تريد أنْ تحوّلَه إلى أداة قَتل ضدّ أبناء شعبه بفرضها قانون التجنيد الإجباري على أبناء الطائفة الدرزية التي لم يكن عددُ أفرادِها يتجاوز الستة عشر ألف نسمة عام 1956. وكانت ردّةُ فعل سميح القاسم، ومعه المئات من الشباب الذين خرجوا في مظاهرات، وقلبوا سيّارت الجيش التي جاءت لتُقلّهم إلى معسكرات التّجنيد أنْ أعلنوها قويّة:

"لا للتجنيد. نحن عربٌ لا نخون أمّتَنا وشعبَنا".

وسارع سميح بتشكيل أوّل تنظيم سرّي لمقاومة التّجنيد ولتأكيد هويّة الدروز وانتمائهم لأمّتهم العربية سمّاه "جمعية الشباب الدروز الأحرار" تيمّنا بتنظيم "الضباط الأحرار" بقيادة جمال عبد الناصر في مصر.

كانت ملاحقة سلطات الجيش لسميح شرسة ومتواصلة تهدف إلى كسر معنويّاته وإخمادِ كلّ صوت يرتفع ضدّ قانون التّجنيد وسَلخ الدروز عن العرب، وهو يهربُ من مكان إلى مكان عند الأصدقاء في القرى المختلفة حتى نجحت أخيرا واعتقلته وأودعته العديدَ من معتقلات الجيش، ثم أرسلوا به ليعملَ في "غرفة الأموات" في مستشفى رمبام في حيفا. وظلّت السلطاتُ تلاحقُ سميح القاسم قصدَ اخراسه وفرضِ القوانين الجائرةِ عليه، وتُطاردُه في أماكن عمله، وتعمل على فَصله من كل مكان عمل، ولم يضعف ولم يستسلم، وكانت كلماتُه العالية المتحدّيّة:

ربما أفقدُ – ماشئتَ – معاشي

ربما أعرضُ للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعملُ حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع

ربما أبحثُ، في رَوْث المواشي، عن حبوب

ربما أخمُدُ .. عُرْيانا.. وجائع

يا عدوَّ الشمس.. لكن.. لن أساوم.

وإلى آخر نبض في عروقي .. سأقاوم.

ويتحدّى كلّ الضّعفاء والمستسلمين ويُعلنُها صريحة:

أبدا على هذا الطريق

شرفُ السّواقي أنّها تفنى

فِدى النهر العَميقْ

هذا الجانب النّضالي الخاص لم يمرّ به باقي رفاق سميح من الشّعراء والكتاّب، ولم يجدوا أنفسَهم في مواقف التّحدّي والمواجهة والمطاردة والسّجن ضدّ قوانين غاشمة تريدُ سلخَهم عن أمّتهم وشعبهم وجذورهم وثقافتهم وتراثهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم.

التزام سميح القاسم بالنّهج الثوري وجانب الجماهير

ما ميّز شعرنا هنا، رغم النكبة والتشريد واحتلال الوطن والعَزل عن العالم العربي وسياسة التّجهيل ومصادرة الأرض وفرض الحكم العسكري أنّه بقي شعرا متفائلا انطلاقا من الوعي الثوري والثّقة بأنّ المستقبل لنا، كما أنّ شعراءنا كانوا على حساسيّة عالية لكلّ ما يجري في مجتمعهم العربي المحلي وفي عالمهم العربي الواسع. وكان سميح القاسم النّموذج الأمثل.

العوامل المؤثّرة في شعرية سميح القاسم

* النكبة.

* سياسةُ مَسح الهويّة وقوانينُ لم يواجهها غيرُه من الشعراء والكتّاب

* التحام الشاعر بقضايا الجماهير: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافيّة، السياسيّة

* تأثير ما يجري في العالم العربي خاصّة والعالم الواسع على فكر ورَدّة فعل الشاعر.

* هزيمة حزيران وانطلاقة منظمة التحرير الفلسطينيّة والأمل بالمستقبل.

* سنوات السبعين والنّكسات التي عانتها المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني على المستوى العربي والمستوى العالمي.

* الانتفاضة الأولى وبَعث المقاتل الفلسطيني من جديد.

من بداية طريقه وفي قصائده الأولى التي صدرت في مجموعة باسم "مواكب الشمس" عام 1958 يُغنّي للعمّال في عيدهم بقصيدة طويلة يُنهيها مُمَجّدا بالعامل

هل غيرُ أذرعِ عاملٍ جبّارةٍ

هي بالثّنا العالي أحقّ وأخلقُ؟!

*

العاملُ الجبّارُ تاجُ حياتنا

ولأنتَ يا أيّارُ، أنتَ المَفْرقُ!!

كما أنّه يخصّ ثوّار الجزائر بملحمة طويلة:

حيَّ أرضَ المَجد، حيّ الشّهداءْ

حيّ أبطالَ الكفاح البُسلاء

*

حيَّ مَن ثاروا على مُستعمر   

      مستبدٍّ ملأ الدّنيا شقاء

*

حيَّ في أوراس آسادَ الشّرى

ولبوءات تُظَلّلن اللواء

*

وأنشدَ أيضا لثورة لبنان اختتمها بقوله:

إنّي ابنُ قوم لنير الذلّ ما خضَعوا  

   للأجنبيّ وللأذنابِ ما دانوا

وغنّى لليمن وثوّارِه

وكان سميح القاسم أوّلَ مَن يغنّي للثّوّار في إرتيريا ولثورة الذئاب الحُمر في ردَفان:

يا طامعا بالذئاب الحُمر ما غنمتْ    

أطماعُك السّودُ، إلّا بعضَ قتلانا

*

بلادُنا القدرُ المحتومُ قاطنُها   

مذ كانتِ الشمسُ ما لانتْ وما لانا

وكان الشعرُ الثوري يتدفّق من سميح القاسم في مناسبات لم يكن قد استعدّ لها. ففي الذكرى التاسعة لمجزرة كفر قاسم حضر سميح مع وفد شبابي إلى كفر قاسم لإحياء ذكرى الذين سقطوا برصاص شرطة إسرائيل عام 1956، لكنهم مُنعوا من الدّخول وحدثت مشادّة بين الشرطة والشباب فاندفع سميح القاسم مُرتجلا قصيدة أصبحت نشيدَ الشباب العرب:

رغم ليلِ الخَنى وليلِ المظالم          حلّ وفدُ الكفاحِ يا كفرَ قاسم

 رغم عُسفِ الطّاغوت يُزبدُ سُمّا      رغم سَدّ الأسلاك في الدّرب جاثم

رغم حقد الرّشّاشِ يُشهرُهُ الظلمُ        أتينا.. فَلْيلعَقِ الخِزيَ حاكم

نحن جئنا نهيبُ أنْ تستفيقي             فلتُلبّي النّداءَ يا كفرَ قاسم.

واهتم القاسم بوضع الجماهير العربية الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحال البطالة التي أقعدت آلافَ العمال في بيوتهم، وكانت قصيدته "خطاب من سوق البطالة" التي يتحدّى بها الحاكمَ الظالم ويشدّ على أيدي العمال بأنه ليل وينتهي.

وعرف قيمةَ الكلمة وفعاليَّتها ودورَها في توعية الجماهير وتحدّي الظلم والظالم

هذي الحروفُ المدلهمّة         يا سيّدي أحزانُ أمّه

فاشحذ مُداكَ على جرا         حي إنّني قربانُ كِلْمه

وبصوت عال يُحدّد دورَ الشعر:

قصائدُنا، موقّعة على الفولاذ

والأخشابِ والصّخرِ

وأمّتُنا تحثّ الزّحفَ

ما زالت تحثّ الزّحفَ للفجر

ويرى أنّ دورَ المُبدع الحقيقي يكون في التزامِ جانب الجماهير والاهتمامِ بقضاياها ومدِّ يدِ المساعدة لها والوقوفِ إلى جانبها والتّصدّي لظالمها، وهذا كان موقفُ سميح القاسم يوم صادرت السلطاتُ الإسرائيلية أرضَ ثلاث قرى عربية لبناء مدينة "كرمئيل" فكتب بكلّ الغضب والحقد والتّحدّي:

صباحَ مساء

يُطالعنا وجهُها والسّماءْ

ونبسمُ لا بسمة الأغبياء

ولكنها بسمةُ الأنبياء

تحدّاهم صالبٌ  تافه

يُغطي الشّموسَ ببعضِ رداء.

وينهي القصيدة التي سمّاها "كرمئيل مدينة الحقد والجوع والجماجم":

هنا سفرُ تكوينِهم ينتهي

هنا، سفرُ تكويننا، في ابتداءْ                                       ْ

وغنّى لفقراء مصر ولعروس النيل ولسدّ أسوان والأسطى سيّد.

ولم تستطع هزيمة الجيوش العربية في الخامس من حزيران عام 1967 أنْ تنال من ثقة سميح القاسم بأمّته وبالإنسان العربي، وتحدّى العَنجهيَّة ومشاعرَ الغرور والتّعالي التي أصابت الإسرائيلي بقصيدته التي حوّلها الفنان مرسيل خليفة لتكون نشيدَ العرب على امتداد الوطن العربي كلّه:

منتصبَ القامة أمشي

مرفوعَ الهامة أمشي

في كفّي قُصْفةُ زيتون

وعلى كَتفي نَعْشي

وأنا أمشي.

عندما بدأت بعضُ الأصوات الفلسطينيّة ترتفع مُتعالية على العرب، ومُتنكّرة للانتماء العربي، وباحثة عن الجذور الأخرى، والشواطئ الغريبة، كردّة فعل على ما فعله الأشقاءُ العربُ بنا في المنافي العربية، كان سميح القاسم المتربّصَ بأصحاب هذه الأصوات مُعلنا بكل قوة:

أنّ انتماءَنا فقط للعروبة وللصّحراء العربية فهي قبلتُنا وموطنُنا:

هي التي رملُها من خلايايَ

من رملها نُطفتي

من لواعجها جُذوتي

ويؤكّد:

آمنتُ بالصحراءِ

كلُّ الهاربين إلى البحارْ

سيقانُهم قَصَبٌ

فلا هم أهلُ ماءٍ

يومَ نُحصيهِم

ولا همْ أهلُ نارْ

وأخذ سميح القاسم يعود إلى الكتب الدينية وكتب التاريخ ولأساطير الشعوب ويستخرج منها رموزَه ونماذجَه التي تخدم قضيّتَه، ويُتابع أخبارَ المناضلين والثوّار في العالم ويتّخذهم نموذجه الثوري، لإدراكه الأكيد أنّ التّقوقعَ في الذّات خطرٌ وقَتلٌ للنفس والأمّة، وأنّ قضيتَنا من أجل الحرية والعدالة والسّلام هي قضيّتُهم، فيكتب القصائدَ التي يخصّ بها أبطالَ المقاومة والثوار مثل باتريس لومومبا وفيدل كاسترو وثوّار الفيتكونغ:

أسْمعها تهدرُ ملءَ دمي

أسمعْها في الوديان على الغابات على القممِ

أسمعْ صرخاتِ الأحرار وقهقهةَ الرّشّاشْ

أسمعْ غارات الفاشستْ الأوباشْ

وأصيحُ أصيحُ بلا صوت:

الموت لآلهة الموت.

كذلك نراه يقف إلى جانب الطبقات الفقيرة والمظلومين في العالم:

فهناك في أعماق أفريقيا الجواري والعَبيدْ

فجرٌ يمرَ بكفّه فوق الجباه النّاحباتْ

ويصبّ فيها النّورَ والدّمَ والحياةْ

وهناك في أعماق أمريكا الجريمةُ والتّمزّقُ والضّياعْ

طبل يدقُّ بلا انقطاع

لمدينة تُشرى وزنجيّ يُباع

كان سميح القاسم حارسَ الوطن والمتشبثَ بترابه والعاشقَ لأهله، واعيا لما ينبضُ به قلبُه، وواثقا بأن جذوةَ الرفض والثورة تتفاعل، وتتمرّدُ، وتتهيأ للتفجّر قويّة مُفزعة في وجه جُند المحتل الغريب.

تقدّموا.. تقدّموا !!

كلّ سماء فوقكم جهنّمُ

وكلّ أرض تحتكم جهنّمُ

تقدّموا.

وليُلحقها بعد فترة بالبيان قبل الأخير:

لا. لا تعدّوا العَشَرَه..

يومُ الحساب فاتكُمْ

وبعثرتْ أوقاتَكُمْ

أرْقامُها المُبَعْثَره

فلا تعدُّوا العَشَره.

كانت الدواوين الأربعة (دمي على كفي، 1967، دخان البراكين، 1968، سقوط الأقنعة، 1969، ويكون أن يأتي طائر الرعد، 1969، وسربية إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل، 1970)، استجابة للفرحة التي عمت كل نفس فلسطينية لانطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة "فتح" نواة منظمة التحرير الفلسطينية وردّة قوية وواثقة للنكسة التي أصابت الجيوش العربية في حزيران 1967.

أما سنوات السبعين وما رافقها من انفجار الصّراع في لبنان والنّكسة التي أصابت كل عربي يؤمن بانتمائه القومي، وفلسطيني يتمسّك بتراب وطنه أينما كان، فقد عبّرت عنها قصائد سميح القاسم في دواوينه التي طغت على عناوينها كلمة "الموت"، إذ كان الموت الروحي والجسدي حصّة الفلسطيني في أيلول الأسود في الأردن، وفي تل الزعتر والشيّاح وعين الرمانة في لبنان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الجليل والمثلث في يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976 وهي: (قرآن الموت والياسمين، 1971، الموت الكبير، 1972، مراثي سميح القاسم، 1973، إلهي إلهي لماذا قتلتني، 1974، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، 1976، سربيه ثالث أكسيد الكربون، 1976).

ويرى الناقد حاتم محمد صكر أنّ سميح القاسم " يستند في مراثيه كلّها على الموروث الديني الشائع في الشرق والذي يدخل ضمن التكوين النفسي والاجتماعي للمواطن.

حزنا حزنتُ، وبكاء يا أبي بكيتْ

ولم تزل منازلي المهجوره

مغائرا وحشيه.

وقد برزت في قصائد مجموعات سميح القاسم حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين أبعادٌ يلخّصها الناقد جمال يونس في: "الاعتزاز بالهوية العربية، التمسّك بالأرض، التسامح الديني، العلاقة بين الأنا المفردة والأنا الجماعيّة، النفَس الأممي. واعتماده الاشتراكيّة العلمية في تحليلاته وتفسيراته لمُجمل القضايا والأحداث والتصوّرات المتصلة بالإنسان."

وكانت قصائد ديوان الحماسة بمجموعاته الثلاث (1978-1981) المُعَبّرة عن هذه الأبعاد.

ويقول الدكتور عادل الأسطة: "سميح القاسم شاعر متمكن ملمّ بأدواته الشعرية، ويستطيع أن يشدّ قارئ شعره، بحيث لا يُنفّره من شعره سواء الشعر المَبني على وحدة التفعيلة أم المبني على الشكل الموروث للقصيدة العربية القديمة. وهو في قصائده التي اعتمد فيها الشكل الحديث للقصيدة العربية حافظ على إضفاء الجوّ الموسيقيّ عليها. وسميح القاسم يأسر القارئ أسرا مزدوجا: الأسر اللغوي والموسيقي ثمّ أسره من حيث توضيح طريقة الخلاص. والشاعر هنا يلجأ إلى المحسّنات اللفظية، فيختار الكلمات المتجانسة صوتيّا دون أن تطغى هذه الصياغة الفنيّة على المضمون."

وصوّرت قصائد الدواوين: (جهات الروح، 1983، قرابين، 1983، سربية الصحراء، 1984، برسونا نون غراتا، 1986، لا أستأذن أحدًا، 1988) صمود الفلسطينيين البطولي في الجنوب اللبناني وبيروت وطرابلس، قبل وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخروجهم، وما رافق ذلك من حزن ويأس واكتئاب.

كانت (سربية الصحراء، 1984) "إشارة الانتقال الواضحة في درب سميح القاسم الشعرية فهو يُعلنها صريحة أنّ جذورَ العربي عميقةٌ هناك في الصحراء العربية التي خرج منها واليها يعود، إذا كان لا بد من العودة، يعود لا ليقنَع بالهجوع ويعزف عن ملاحقة الآمال وتحقيق الغايات، وإنّما ليستريح ويتخفّف من ثقل الماضي والحاضر، ويبدأ من جديد وبقوة وإصرار على تحقيق المستحيلات."   فالصحراء بالنسبة لسميح القاسم كما يقول الناقد نعيم عرايدي: "ليست استعارة أدبية ولا خلفيّة شعريّة، بل هي رمز أساسيّ وعمود فقريّ في جسد أيدولوجيّته الشعرية. إنّها الشكل والمضمون وهي أيضا الرسالة. وهي الفكر وهي الشعر وهي اللغة والصورة، هي الماضي والحاضر والمستقبل، هي المقام المشترك الذي يجمع العرب."

أحبّك

أومنُ بالضّاد

روحا تألّق في الأبجديّة

ونزّل آياته البيّنات

ليُبدع جنّاته الدنيويّة..

بالإضافة إلى هذه الرؤية العميقة الجديدة المتطورة الملتزمة والمشدودة إلى الجذور، الرافضة كل محاولات التخلّص والانسلاخ والهروب، "فان سربية الصحراء تُشكل نَقلة فنية متطورة وذات دلالات، حيث إنّ النبرة الخطابية المباشرة التي كثيرًا ما أشار إليها معظم النقاد الذين تناولوا إبداعات سميح القاسم تبدو خفيفة ومنزوية في هذه السربية وإن لم تنعدم كليًا وتبدو هنا وهناك بتفاوت ما."

في قصائد ديوان (لا أستأذن أحداً) "لم يغب الإنسان الفلسطيني وإن لم يظهر باسمه الواضح، وظلّ وجودُه هو الطاغي. فهو الغائبُ الحاضر، وقضيتُه هي الشاغلُ الأوحد. لكن الشاعر آثر الامتناعَ عن الصّراخ والعويل والنّدْب، وجلد الذات والتّشهير والإدانة. فكتم حزنَه وترفّع عن الشتم وآثر أنْ يترك للمُتلقي مهمة أنْ يستشفَ القضية بنفسه من خلال القصيدة. وبذلك يجعله يحسّ إحساساً قوياً ومزلزلا بكافة جوانبها."

ويستشرف الشاعر سميح القاسم في مجموعة (سبحة للسّجلات، 1989)، الحلم بإقامة الدولة الفلسطينية، فالانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت في التاسع من كانون الثاني عام 1988 في كلّ الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وما حملته هذه الانتفاضة من بذور التغيير في العقليّة الفلسطينيّة والعربية والعالميّة، إنما تُمثل دور الكشف الفلسطيني واقتراب يوم الحساب الفلسطيني وتجلّي قائم الزمان الفلسطيني، وتجسّد الإله الفلسطيني على أرض فلسطين.

وسربية (خذلتني الصحارى، 1998)، التي يذكر فيها الكثير من الهموم التي كانت تؤرّقه وذكرها في قصائد الحماسة.

وسربية (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه، 2000)، التي قال عنها الناقد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة: "إنّها مفارقة ساخرة بامتياز، بأجواء سياسيّة بامتياز، في إطار فلسطينيّ. ويتماهى الشاعر مع شخصيّة مأساويّة، محيّرة محتارة، يرى فيها مأساة الإنسان الفلسطيني، هي هاملت أمير الدانمارك. وتكون المراوحة بين صورة هاملت وهمومه وبين صورة الفلسطيني المعاصر وهمومه. ويكون التماهي بين الإثنين تجسيدا لمفارقة الميّت/الحيّ، الفقيد "الغائب" الذي يحضر لمخاطبة الحاضرين /الغائبين."

ويعتبر الشاعر محمد علي شمس الدين هذه السّربيّة أهمّ سربيّات سميح القاسم حيث فيها "يقوم بإسقاط تراجيديا "هاملت" لشيكسبير التي كتبها في العام 1602م، على الواقع الفلسطيني الرّاهن، متّكئا على أشهر جملة قالها هاملت وهو يُناجي نفسَه: أنْ نكون أو لا نكون، هي تلك المسألة".

"لموتي وموتِ أبي ما يشاءُ الرّواةُ الثّقاتُ التّقاةُ

وفي عُرسِ أمّي

وضوحٌ شديدٌ

أرى شبحاً في الظلام، أُخاطبُهُ لا يردّ"

(كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص9)

ويمسك القاسم في قصيدته بأشباح هاملت وآلام هاملت، ليصرّح في ثنايا القصيدة، مستعملا لعبة المرايا:

"أنا هملتُ العربيُّ اشهدوني

أدرّبُ عقلي على أحجيات الجنونِ

أبي مَيْتٌ لا يموتُ

وأمّي أمّي

ومُلكيَ نَهْبٌ لعمّي" (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص53)

وكانت سربية (أنا متأسّف، 2009)، الردّ السّريع على عدوان الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة عام 2008 حيث يجتهد في جعل الإنسان اليهودي يُواجه نفسَه ويُحاكم نفسه، وينكشف على حقيقته أمام إنسانيّة الإنسان الفلسطيني. وقال الناقد أحمد عمر زعبار: "في هذا الديوان (أنا متأسف) يُدافع سميح القاسم عن إنسانيته، عن دمعته وعن صموده، عن حقّه في الوجود ويدافع عن روح الإنسان."

"ديوان أنا متأسف قصيدة طويلة تُشبه الملحمة وتعتمد أساسا علي صعود وهبوط التداعيات الوجدانية. ويستفيد القاسم من قدرته على استنباط إيقاع موسيقي جليّ ومتناسق يتصاعد مع وتيرة الحدَث ولا تنخفض حركتُه إلّا بانخفاض حركة الحدَث نفسه، ثم يعاودان الصّعود والنّزول في وحدة غير قابلة للانفصال، ويستفيد الشاعر أيضا من خبرته وتمكّنه من اللغة، فلغة سميح القاسم مشحونة بدلالات الواقع، تخلق صورة مكثّفة في جماليتها الشعرية، صورة مستمدة من الواقع ومُعبّرة عنه ومُتجاوزة لجموده، وهي لغة تشتبك فيها المأساة بالملحمة، المُباشر بالرمزي والحاضر بالرؤية والواقع بالأمل. وصور سميح القاسم الشعرية تتشكّل من لغة تُبدع رمزَها الواقعي من خلال إيحائها الغامر الناتج عن تفجير ما في مفردات اللغة من معني ورؤى إذ تصبح للكلمة من خلال علاقاتها بما قبلها وما بعدها أكثر من معني وأكثر من دلالة، وهي مع ذلك صور شعرية تعتمد الرؤية الواضحة بعيدا عن كل ضجيج لفظي خطابي رنّان."

وقدرته على التلاعب بالمفردات والصور، ومزج الكلمات من لغات مختلفة في جملة واحدة مُتناسقة مُتكاملة،

رحلة الشاعر سميح القاسم الإبداعيّة، كانت ولا تزال، رحلة اكتشاف وخَلق، لا تعرفُ الاكتفاء والرّاحة، رحلة قلق وإلحاح على الجديد. ولأنّ رحلة الآلام طويلة، وكثيرا ما تُصادفه خلالها النكساتُ والنكباتُ والانحرافاتُ والخياناتُ التي تلمّ بشعبه وأمّته، فإنّنا كثيرا ما نُواجهه في حالة من الدون كيشوتيّة يُواجه العالم بأكمله، مُتحدّيا، صارخا، شاتما، قاذفا إيّاه بكل ما تحملُ يداه، مؤكّدا على صموده وتحدّيه، ومُصرّا على أنّه لا يستأذنُ أحدا، وأنّ الإنسان نصف الإله، وفي كثير من الحالات يُعلنُها صريحة أنّه الإله الواحد الأحد القادر على كلّ شيء، فيبوّل على العالم من قمّة الجبل الأعلى، ويقذفه بقنبلة تمحوه، ويصرخ: كُن. فيكون.

رسولٌ على جبلٍ

غادرته القبائلْ

وحيدٌا

بعيدٌا

وضلّتْ على شَفَتيْه الصلاةُ

وأهوَتْ على قدمَيْه الرسائلْ

***

د. نبيه القاسم - الرامة

لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.

مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج (وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922 - 2010 / نوبل 1998). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان، خصوصًا في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه.

التاريخ عند واسيني الأعرج مُشبع بذاكرة المكان العربي، والجزائرِ وهي تَحمل طبقات استعمارها وحروبها وانكساراتها، والإنسانِ الذي وجد نَفْسَه مِرارًا داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق، ثُمَّ طُلب مِنْه أنْ يُصدِّقه.

أمَّا عند ساراماغو، فإنَّ التاريخ يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب. يفتح الكاتبُ شقًّا في الرواية الرسمية، ثم يترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة، كأنَّ الحقيقة أصبحتْ كائنًا مرتبكًا لا يعرف الطريق إلى خلاصه.

فاجعة التاريخ لَيست في أنَّ الماضي كان قاسيًا فَحَسْب، بلْ أيضًا في أنَّ القسوة كثيرًا ما تُعاد صياغتها بلغة محترمة. يتحوَّل القاتلُ إلى بطل، والضحية إلى هامش، والخراب إلى مجد قَومي، ويُطلَب مِن الأجيال اللاحقة أن تحفظ أسماءَ المنتصرين بدل أن تصغي إلى أنين الذين سقطوا تحت أقدامهم.

والروايةُ حين تقترب من هذه المنطقة، تصبح مواجهة معَ هذا الترتيب الظالم للذاكرة. في أعمال واسيني الأعرج، لا يبدو التاريخ بعيدًا عن الجسد، إنَّه يدخل البيوتَ، ويترك أثره في العائلة، والحُب، واللغة، وعلاقة الإنسان بأرضه. الجزائر عنده ليست خلفية روائية جاهزة، بل ذاكرة متوترة، تتصارع فيها الأزمنة، لذلك فإنَّ استعادة التاريخ لَيست فِعلًا بريئًا، إنَّها عَودة إلى مَا لَم يُحسَم، والماضي لا يأتي كي يُروَى، وإنَّما كَي يُحاسَب.

غَير أنَّ مشكلة هذا الاشتغال تظهر حين يصبح التاريخُ أثقل من الرواية نَفْسِها، ففي بعض التجارب التي تجعل مِن الذاكرة مركزًا مطلقًا، قد تتحوَّل الشخصيات إلى حوامل للأفكار التاريخية، وتفقد شيئًا من ارتباكها الإنساني الطبيعي. والإنسانُ الحقيقي لا يعيش وهو يشرح عَصْرَه، ولا يستيقظ كُلَّ صباح وفي رأسه وعيٌ كامل بموقعه في التاريخ. إنَّه يُحب ويخاف ويخطئ، ثم يفهم متأخرًا ما الذي حدث له. وحين تُحمَّل الشخصية أكثر مِمَّا تحتمل، يصبح السردُ أقرب إلى محاكمة الماضي مِنْه إلى الإصغاء إلى الإنسان.

أمَّا ساراماغو فيتعامل معَ التاريخ بطريقة أكثر مراوغة. لا يواجهه دائمًا مواجهةً مباشرة، بلْ يزعزع اليقينَ به. يسأل: ماذا لوْ كانت الرواية التي وصلتْ عن الماضي ناقصة؟، ماذا لوْ أنَّ ما يعرفه الإنسان ليس إلا نسخة صاغتها القوة؟، ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أنَّ التاريخ الذي ظَنَّه حقيقة نهائية ليس سِوى تأويل انتصرَ لأنَّه كان الأقوى؟.

لا يحتاج ساراماغو إلى رفع صوته كي يجعل التاريخَ موضع اتهام. يكفي أن يُغَيِّر زاويةَ النظر قليلًا، ويمنح الهامشي مساحةً لَم يكن يمتلكها، أو يضع الشخصية العادية في مواجهة مؤسسة ضخمة، حتى تبدأ البِنية كُلُّها بالاهتزاز. لكنَّه قد يقع في فخ آخر، فالسخرية الفكرية حين تزداد ثقة بنفسها، يمكن أن تتحوَّل إلى مسافة باردة بين القارئ والمأساة. وحين يصبح العبثُ وسيلة دائمة للنظر إلى العالَم، قد يتراجع الألمُ خلف لعبة الأسلوب.

واسيني الأعرج يكتب من قلب ذاكرة مجروحة، لذلك تبدو العاطفة عنده أكثر التصاقًا بالمكان والهُوية والتاريخ الجزائري. لكنَّه يواجه خطر الاستغراق في الذاكرة إلى الحد الذي يجعل الروايةَ أسيرةً لها.

وساراماغو يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المُسلَّمات، لذلك يستطيع أن يفكك التاريخَ، ويسخر من سُلطاته، لكنَّه يواجه خطرَ أن يتحوَّل الإنسانُ إلى فكرة داخل بناء فلسفي شديد الإحكام.

كلاهما يضع القارئ أمام السؤال نَفْسِه: مَن يملك حق رواية الماضي؟. وهذا السؤال ليس أدبيًّا فقط، إنَّه سؤال عن السُّلطة، والتاريخُ الذي تكتبه الدول المنتصرة لَيس مُجرَّد سرد للأحداث، إنَّه طريقة لتحديد مَن يستحق أنْ يُذكَر، ومَن يُمكن أن يُنسَى. لذلك تبدو الرواية في بعض لحظاتها كأنَّها محاولة لاستعادة صوت سُرق منذ زمن طويل، لكنَّها لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تصلح ما انكسر. كُلُّ ما تستطيع فِعْلَه هو أن تمنع النسيانَ مِن أنْ يصبح انتصارًا ثانيًا للظلم.

لا تكمن أهمية واسيني الأعرج وساراماغو في أنَّهما يمدحان التاريخَ، أوْ يعيدان تقديمه بصورة أجمل، العكس هو الصحيح، قوتهما حين ينجحان، تأتي من الشك في التاريخ حين يتحوَّل إلى عقيدة، والارتيابِ في الرواية حين تدَّعي امتلاكَ الحقيقة كاملة.

بين الجزائر وسياقاتها التاريخية، وبين البرتغال وذاكرتها الأوروبية، لا تتطابق التجربتان، ولا ينبغي لهما أن تتطابقا. لكنَّ الرواية في الحالتين تقترب من منطقة واحدة، المنطقة التي يصبح فيها الماضي حاضرًا بطريقة موجعة، ويكتشف الإنسانُ أنَّه لا يستطيع الهربَ مِن الأشياء التي لَم تُدفَن. والتاريخُ، في النهاية، ليس ما حدث فقط، إنَّه أيضًا ما بقي مِن الإنسان بعد أن حدث.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حين تتحول الرواية إلى شهادة على سقوط اليقين

تُعدّ رواية "حصار العنكبوت" للروائي العراقي كريم كطافة من الأعمال التي تبرز في المشهد الروائي العراقي المعاصر، ولا سيما في الكتابة التي تسعى إلى استعادة الذاكرة السياسية والإنسانية للعراق الحديث. وقد صدرت الرواية في طبعتها الأولى سنة 2014 عن دار نون، مستندة إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشها العراقيون في كردستان العراق خلال السنوات الأخيرة من الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبخاصة أحداث الأنفال في منطقة بهدينان. غير أن الرواية لا تكتفي باستحضار هذه الوقائع بوصفها أحداثاً تاريخية، وإنما تعمل على إعادة صياغتها في تجربة أدبية وإنسانية تكشف آثار العنف والحصار والملاحقة في حياة الإنسان.

تجري أحداث الرواية في كردستان العراق سنة 1988، في مرحلة اتجه فيها النظام العراقي إلى ملاحقة الأنصار الشيوعيين والقوى المعارضة الموجودة في المناطق الجبلية، بالتزامن مع عمليات عسكرية واسعة لم تقتصر آثارها على المقاتلين، بل امتدت إلى القرى والسكان المدنيين. وتولي الرواية اهتماماً خاصاً بالمرحلة الأخيرة من عمليات الأنفال في منطقة بهدينان، حيث تتقاطع الحرب مع حياة أناس وجدوا أنفسهم في مواجهة مصير بالغ القسوة.

لكن القيمة الحقيقية للرواية لا تنبع من كونها تسجيلاً لحدث تاريخي فحسب، إذ إن كطافة لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفاً من التواريخ والأسماء والوقائع، بل يحوّله إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة. فالحرب هنا لا تظهر كحدث عسكري مجرد، وإنما تتجسد في الخوف والجوع والتشرد والمطاردة، وفي ألم فقدان الأحبة، وفي إحساس الإنسان بالعجز حين يجد نفسه محاصراً بين طبيعة جغرافية قاسية وقوة عسكرية لا تتردد في استخدام أقصى درجات العنف.

ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من أن تكون شهادة أدبية على مرحلة شديدة الحساسية، كان الحديث عنها محفوفاً بالخوف والصمت. وقد استطاع الكاتب أن ينقل تجربة الكفاح المسلح وحياة الأنصار من واقعها التاريخي إلى عالم الرواية، مستفيداً من معرفته القريبة بتلك التجربة وما تنطوي عليه من تفاصيل إنسانية ونفسية.

ويحمل عنوان الرواية دلالة مركزية تساعد على فهم بنيتها ومعناها. فـعبارة "حصار العنكبوت" لا تؤدي وظيفة جمالية أو بلاغية فحسب، وإنما تحيل إلى أسلوب عسكري يقوم على إحكام الطوق حول المحاصرين من جهات متعددة، بحيث تتقلص مساحة الحركة تدريجياً ويصبح الإفلات من الحصار أمراً بالغ الصعوبة.

وتتجاوز هذه الصورة معناها العسكري لتأخذ أبعاداً رمزية أوسع. فالعنكبوت لا يعتمد على القوة المباشرة في اصطياد فريسته، وإنما يبني شبكة من الخيوط المتشابكة التي تبدو رقيقة، لكنها تتحول إلى وسيلة يصعب معها الهروب. وعلى هذا الأساس، يصبح الحصار في الرواية رمزاً لعالم متكامل تتداخل فيه السلطة والخوف والموت والجغرافيا، بينما تتضاءل مساحة الإنسان وحريته شيئاً فشيئاً.

ومن الجوانب اللافتة في الرواية أيضاً طريقة بناء الشخصيات. فكطافة لا يقدم شخصياته باعتبارها مجرد مقاتلين أو مناضلين يمثلون موقفاً سياسياً محدداً، بل يمنحها حضوراً إنسانياً مركباً. إنهم، قبل كل شيء، بشر لهم مخاوفهم ومشاعرهم وذكرياتهم وأحلامهم، ويبحثون رغم ظروف الحرب عن معنى للحياة وعن إمكانية لمستقبل مختلف. ولذلك فإن القارئ لا يتعامل معهم بوصفهم رموزاً سياسية فقط، وإنما يقترب منهم بوصفهم ذوات إنسانية تواجه الخوف والفقد والموت.

ومن هنا تطرح الرواية سؤالاً أساسياً حول علاقة الأدب بالتاريخ: كيف يمكن للروائي أن يتناول حدثاً تاريخياً حقيقياً من دون أن يتحول عمله إلى كتاب في التاريخ؟

يبدو أن كريم كطافة اختار لنفسه موقعاً بين التوثيق والتخييل. فهو ينطلق من أحداث ووقائع تاريخية حقيقية، لكنه يعيد بناءها أدبياً من خلال الشخصيات والحوار والذاكرة والانفعالات الإنسانية. وبذلك لا تصبح أهمية "حصار العنكبوت" مرتبطة فقط بما تقدمه من معلومات عن أحداث الأنفال، وإنما بما تنجح في إيصاله من أثر تلك الأحداث في الإنسان، وفي قدرته على الاحتمال والتذكر ومواجهة الخوف.

إن أكثر ما استوقفني في الرواية هو الفصل المعنون "أخبار موسكو مقلقة". إذ ليس من السهل أن نقرأ النص بوصفه حكاية عن مقاتلين في الجبل وحسب. فالمكان الجبلي، والمفرزة، والحرب، والاختباء، والعلاقة مع السلطة، ليست سوى الإطار الخارجي لأزمة أعمق تتشكل في الداخل: أزمة الإنسان حين يبدأ اليقين الذي عاش عليه طويلاً بالتصدع. ومن هذه الزاوية، يبدو النص أقرب إلى مساءلة داخلية للذات المقاتلة منه إلى سرد حدث سياسي أو عسكري.

تبدأ الحكاية من عزلة حاتم تحت صخرة بعيدة عن القاعدة. في هذا المكان المنعزل يجد الرجل، للمرة الأولى تقريباً، فسحة ليكون مع نفسه. الكتب والدفاتر والشاي والتبغ والنار الصغيرة تصبح جميعاً عناصر في طقس شخصي لاستعادة الذات. حتى أصوات القاعدة تصل إليه خافتة، بينما يتحول هدير الجدول إلى "همس العشاق". الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية للمشهد؛ إنها فضاء مضاد لعالم الجماعة، وشرط ضروري لكي تبدأ الأسئلة التي لا يستطيع الإنسان طرحها وسط الآخرين.

ومن هذه الخلوة يعود حاتم إلى حديثه السابق مع دلير، مساعده السياسي. لكن أهمية دلير في النص لا تنبع من كونه شخصية قررت الاستسلام، بل من كونه الشخص الذي نقل الشك من منطقة الشعور الغامض إلى منطقة السؤال الصريح. يبدأ الأمر بسؤال يبدو بسيطاً: "هل ما زلت مؤمناً بأفكارنا؟". غير أن السؤال يفتح دفعة واحدة ملفات العقيدة كلها: الاشتراكية، والماركسية، والصراع الطبقي، وقدرة الفقراء على تحرير أنفسهم، وطبيعة النظام السياسي، بل وطبيعة الصراع ذاته.

هنا ينتقل النص من الحرب بوصفها فعلاً خارجياً إلى الحرب بوصفها صراعاً داخل الوعي.

فالذي يهدد دلير وحاتم لم يعد العدو وحده، وإنما احتمال أن يكون تفسيرهما للعالم نفسه ناقصاً أو خاطئاً. ولهذا تأتي "أنباء موسكو" بوصفها لحظة فاصلة. فالمجلة لا تحمل إليهم أخباراً جديدة عن بلد بعيد فقط، بل تحمل إليهم صورة مختلفة عن النموذج الذي تشكل وعيهم عليه. والحديث عن الفساد والاستبداد والجرائم وغياب الحريات، ثم ظهور مفاهيم مثل "البيروسترويكا" و"الغلاسنوست"، يجعل المقاتلين أمام سؤال لم يكن سهلاً عليهم مواجهته: ماذا يبقى من الإيمان حين تتصدع صورة المثال؟

ولا يكتفي دلير بنقد الأخطاء في التطبيق، بل يذهب إلى أصل النظرية، متسائلاً إن كانت المشكلة كامنة في النظرية الماركسية نفسها. وهنا تكمن جرأة الشخصية؛ فهو لا يريد استبدال خطأ بخطأ، وإنما يحاول إعادة النظر في المنظومة التي صنعت يقينه طوال سنوات. وفي المقابل، يبدو حاتم أقل استعداداً للذهاب إلى النهاية التي ذهب إليها رفيقه. إنه يفهم بعض الأسئلة، وربما تراوده بعض الشكوك نفسها، لكنه لا يستطيع تحويل الشك إلى موقف.

وهذه المنطقة تحديداً تمنح علاقة الرجلين بعدها المأساوي. فحاتم لا يواجه دلير باعتباره خصماً فكرياً؛ إنه يرى في كلامه شيئاً من نفسه. لذلك يكون خوفه عليه أكبر من خوفه من أفكاره. إنه يخشى أن يكون دلير مقبلاً على فعل يعرض حياته للخطر، وفي الوقت نفسه يشعر أن ما يقوله رفيقه قد يكون صحيحاً في بعض جوانبه. ومن هنا يبدأ التمزق الحقيقي.

إن أخطر ما يحدث في النص هو أن الأسئلة السياسية تتحول تدريجياً إلى أسئلة أخلاقية ووجودية. لماذا تقاتل الحكومة بالسلاح السوفييتي؟ لماذا تقف قوى مختلفة مع صدام؟ ما طبيعة العلاقة مع إيران؟ هل يمكن أن يتحول المقاتل، من حيث لا يريد، إلى جزء من مشروع يخالف ما يعتقده؟ وما معنى التحالف حين يصبح السكوت عن الخلافات جزءاً من شروطه؟

هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن معلومات، وإنما تبحث عن معنى الفعل. فالمقاتل يستطيع أن يواصل القتال ما دام يعرف من يقاتل ولماذا يقاتل. أما عندما يصبح "لماذا" موضع شك، فإن السلاح نفسه يفقد جزءاً من يقينه.

من هنا يمكن فهم قرار دلير بالاستسلام بعيداً عن القراءة السطحية التي تختزله في الجبن أو الخوف. فالنص لا يقدم الرجل بهذه الصورة. على العكس، يترك لنا شخصاً مثقفاً وقادراً ومخلصاً لما يراه حقيقة، ثم يدفعه الصراع الداخلي إلى اتخاذ قرار بالغ الخطورة. والأهم أن الرسالة التي يتركها لحاتم لا يقول فيها إنه انتصر أو إنه وجد الحقيقة النهائية، وإنما يكتب: "لا تخافوا مني سأبقى إنساناً".

هذه الجملة القصيرة هي إحدى أكثر عبارات النص كثافة. فهي تضع "الإنسان" في مواجهة "المقاتل"، وتطرح سؤالاً ضمنياً: هل يصبح الإنسان أقل إنسانية إذا تراجع عن القتال؟ أم أن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى التراجع لكي يحافظ على ما تبقى من إنسانيته؟

النص لا يجيب. وهذه إحدى نقاط قوته.

بل إن السؤال ينتقل من دلير إلى حاتم بعد رحيله. وهنا تبدأ الرحلة الداخلية الأهم في المقطع. يحاول حاتم إعادة ترتيب الواقع: يغير الكهف، ويلغي الشحنات، ويوقف خطط الاستطلاع، وكأنه يستطيع أن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل حادثة دلير. لكنه يكتشف أن الأمر لم يعد ممكناً. فالمكان يمكن تغييره، والخطط يمكن إلغاؤها، لكن السؤال الذي زرعه دلير في داخله لا يمكن إلغاؤه.

لذلك يلجأ حاتم إلى دفتره. الكتابة هنا ليست نشاطاً أدبياً عابراً، بل تصبح وسيلة لاكتشاف الذات. هو يكتب لكي "يفك ذلك التشابك الحاصل في رأسه"، وكأن الورقة تتحول إلى مساحة لممارسة التفكيك النفسي الذي لا يستطيع ممارسته في الواقع.

وهنا يصل النص إلى أكثر مناطقه عمقاً: الخوف من الموت.

كان حاتم خائفاً من الموت طوال حياته، لكنه كان قادراً على التعامل مع هذا الخوف. كان الخوف جزءاً من تجربة القتال، بل كان يؤدي وظيفة معينة: يحذره، ثم ينسحب حين تبدأ المعركة. يقول إنه ما إن تطلق الرصاصة الأولى حتى ينسى خوفه وينسى نفسه وكل شيء إلا الهدف.

لكن الخوف بعد حادثة دلير أصبح مختلفاً. لم يعد خوفاً يساعده على القتال، بل صار خوفاً يواجهه بذاته. الموت الذي كان موجوداً دائماً لكنه مهمش، "كالحاضر الغائب"، أصبح فجأة مرئياً وماثلاً أمامه.

وهنا تأتي صورة الكلب الأبلق بوصفها واحدة من أقوى الصور الرمزية في النص. فالموت يتحول إلى كائن يجلس قبالته، يحدق فيه، وينتظر منه أن يفهم شيئاً لا يزال عاجزاً عن فهمه. لقد انتقل الموت من هامش الوعي إلى مركزه.

والأهم أن حاتم لا يخاف الموت وحده؛ إنه يخاف المعنى الذي صار يحمله الموت.

فحين يستدعي حكمة الساموراي عن أن الشجاعة ليست مجرد الاندفاع إلى الموت، بل معرفة متى يكون الصواب أن تحيا ومتى يكون الصواب أن تموت، يجد نفسه أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف يعرف الإنسان الصواب أصلاً؟ ومن يمنحه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ؟

هنا ينهار آخر يقين بسيط.

لقد كان حاتم يعرف طوال سنوات أن الشجاعة تعني الإقدام، وأن الصلابة تعني الاستمرار، وأن المقاتل الحقيقي لا يتراجع. لكنه الآن يكتشف أن هذه المفاهيم قد تكون في جانب منها مجرد قناع. يقول بوضوح: "البسالة، الصلابة، الاقدام، الشجاعة". هذه هي ملامح قناعي. قناعنا جميعاً.

والقناع في النص ليس نفاقاً بالضرورة. إنه هوية صنعها الإنسان لكي يستطيع الاستمرار. لقد شكل الجبل قناع المقاتلين، كما شكلته الحرب والعدو والقصص والأساطير التي نسجوها حول أنفسهم. لكن المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان أن القناع ليس وجهه الحقيقي.

ولهذا تأتي العبارة: "وأنا.. أين أنا. من أنا..؟" بوصفها الذروة الفلسفية للنص. فالسؤال لم يعد عن الاشتراكية ولا عن الحزب ولا عن الحرب ولا عن البعث ولا عن إيران. إنه سؤال الذات بعد سقوط المرجعيات التي كانت تمنحها تعريفها.

ومن هذه الزاوية يصبح دلير، حتى بعد غيابه، الشخصية الأكثر حضوراً في النص. لقد ذهب جسدياً، لكنه بقي داخل حاتم كسؤال مفتوح. لقد اختار قناعه الخاص، بينما اكتشف حاتم أن قناعه كان جماعياً. ولذلك فإن حادثة دلير لا تنتهي باستسلامه، بل تبدأ عند حاتم من تلك اللحظة.

المفارقة الكبرى أن حاتم، بعد كل هذا الاضطراب، ينتهي إلى جملة تبدو حاسمة: "دلير سلم نفسه لأعدائه. لا أغفر له".

لكن هذه الجملة لا تعيد اليقين الذي كان موجوداً قبل رحيل دلير. إنها تبدو أشبه بمحاولة أخيرة لإغلاق الباب الذي فتحه السؤال. فحاتم قد لا يستطيع أن يرفض كل ما قاله دلير، لكنه يستطيع أن يرفض نتيجته. يستطيع أن يقول: أخطأتَ حين سلمت نفسك، حتى لو كانت بعض أسئلتك صحيحة.

وهنا تكمن مأساة الشخصية: العقل بدا بالشك، لكن الولاء لم يسمح له بالوصول إلى نهايات الشك.

لذلك فإن "أخبار موسكو مقلقة" ليست، في جوهرها، حكاية عن الاستسلام بقدر ما هي حكاية عن سقوط اليقين. وهي لا تسأل فقط: لماذا استسلم دلير؟ بل تسأل سؤالاً أشد قسوة: ماذا يحدث للإنسان الذي يكتشف أن القضية التي منحها شبابه وحياته ليست بالوضوح الذي ظنها عليه؟

يضع النص الإنسان بين خيارين كلاهما مؤلم: أن يستمر في ارتداء القناع كي يستطيع مواصلة الطريق، أو أن ينزعه ويواجه نفسه، وربما يواجه الموت أيضاً. وبين الخيارين يقف حاتم، لا منتصراً ولا منهزماً، وإنما إنساناً بدأ يرى الشقوق في القناع.

ومن هنا تأتي قوة النص الأدبية: إنه لا يمنح القارئ حكماً جاهزاً على دلير، ولا يحوّل حاتم إلى بطل يقيني في مواجهة الخائن، ولا يحسم الأسئلة السياسية التي أثارتها "أنباء موسكو". إنه يتركها مفتوحة، لأن القضية في النهاية ليست العثور على جواب سريع، وإنما تصوير اللحظة التي يتحول فيها السؤال نفسه إلى عبء لا يستطيع الإنسان التخلص منه.

وإذا كان دلير قد قال: "سأبقى إنساناً"، فإن حاتم ينتهي إلى سؤال: "من أنا؟". وبين العبارتين تتشكل المسافة المأساوية كلها: مسافة بين الإنسان والقناع، وبين الشجاعة والخوف، وبين الموت والحياة، وبين الإيمان الذي يصنع المقاتل والشك الذي يعيده، للمرة الأولى، إلى إنسانيته الفردية.

إن الرواية، في نهاية المطاف، لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، بل تجعل من الذاكرة وسيلة لفهم الإنسان الذي عاش الحرب، ومن الأدب مساحة لاستعادة الأصوات التي كادت أن تضيع وسط العنف والتاريخ. ومن خلال هذا المزج بين الواقعة التاريخية والرؤية الإنسانية، تتحول "حصار العنكبوت" إلى عمل روائي يتجاوز حدود التسجيل، ليصبح مساءلة للذاكرة، وللعنف، ولقدرة الأدب على منح التجربة الإنسانية ما تستحقه من حضور وبقاء.

وفي النهاية، تطرح رواية "حصار العنكبوت" سؤالًا يتجاوز زمن أحداثها: ماذا يفعل الإنسان عندما تضيق حوله الدوائر حتى لا يبقى أمامه سوى خيط رفيع بين الحياة والموت؟ وربما هنا تحديداً تكمن قوة عنوانها؛ فالعنكبوت لا يمثل الحصار وحده، بل يمثل شبكة التاريخ التي تظل عالقة بالإنسان حتى بعد انتهاء الحرب.

***

جورج منصور

من علم الشكل إلى أنطولوجيا البنية وتحولات المعنى

ليست المورفولوجيا، في جوهرها العميق، علماً ينظر إلى الأشياء من خارجها، ولا معرفةً تكتفي بوصف هيئاتها الظاهرة؛ إنها علمٌ يتوغّل في بنية الشيء، وفي الطريقة التي تشكّل بها، وفي العلاقات التي تنتظم عناصره، وفي التحولات التي تصيب تلك البنية وهي تعبر الزمن والتجربة والوظيفة. ولذلك فإن سؤال المورفولوجيا لا يقف عند حدود: ماذا يوجد؟، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الأكثر تركيباً: كيف تكوّن الموجود؟ وكيف انتظمت أجزاؤه؟ وما القوانين التي تحكم تشكّله وتحوله؟

ومن هنا تكتسب المورفولوجيا قيمتها حين تنتقل من مجال الطبيعة والعلوم إلى مجال اللغة والأدب والفكر؛ إذ يصبح الشكل، في النص الأدبي، ليس غلافاً خارجياً للمعنى، بل نظاماً منتجاً للمعنى، وتصبح البنية ليست مجرد ترتيب للعناصر، بل شبكةً من العلاقات التي تمنح العمل هويته وإيقاعه ودلالته وطاقته الجمالية.

فالنص الأدبي لا يعيش بما يقوله فحسب، وإنما يعيش أيضاً بالكيفية التي يقول بها ما يريد قوله. وهذه الكيفية هي إحدى أهم مناطق اشتغال المورفولوجيا.

أولاً: المورفولوجيا؛ من الشكل إلى قانون التشكل

تتألف كلمة «مورفولوجيا» من بمعنى، علم الشكل والبنية والتكوين. غير أن «الشكل» هنا لا ينبغي أن يُفهم فهماً سطحياً بوصفه مظهراً خارجياً؛ فالشكل، في التفكير البنيوي الحديث، هو كيفية انتظام العناصر وعلاقاتها بعضها ببعض.

ولهذا فإن المورفولوجيا لا تسأل عن الشيء بوصفه نتيجة مكتملة فحسب، وإنما تبحث في آلية تكوّنه. إنها تنقل النظر من السكون إلى الحركة، ومن المنتج إلى عملية الإنتاج، ومن المظهر إلى البنية، ومن العنصر المنفرد إلى شبكة العلاقات التي تمنحه وظيفته.

وفي اللغة، تقترب المورفولوجيا من علم الصرف؛ إذ تتجه إلى دراسة بنية الكلمة، وجذرها، وأوزانها، واشتقاقاتها، وزياداتها، وتحولاتها الصرفية، وما يطرأ عليها من تثنية وجمع وتصغير ونسب وتصريف وغير ذلك. فالكلمة ليست كتلة لغوية صماء، وإنما كائن بنيوي تتفاعل داخله وحدات ودوالّ وصيغ، ويتغير معناه أو وظيفته بتغير بنيته.

فالجذر العربي، مثلاً، يمثل نواة توليدية تتشعب عنها صيغ متعددة؛ والفعل يتحول بتغير الزمن والضمير والبناء، والاسم يتحول بالتثنية والجمع والتصغير والنسب والتعريف والتنكير. وكل تحول في البنية قد يستتبع تحولاً في الوظيفة والدلالة.

ومن هنا يمكن القول إن الصرف هو مورفولوجيا اللغة العربية في أحد أهم مستوياتها، مع التنبيه إلى أن مفهوم المورفولوجيا في اللسانيات الحديثة أوسع من الصرف التقليدي في بعض استعمالاته؛ لأنه ينظر في الوحدات الصرفية وفي طرائق تركيبها ووظائفها وعلاقاتها بالنحو والدلالة والصوت.

ثانياً: حين تدخل المورفولوجيا إلى الأدب:

إذا كانت المورفولوجيا اللغوية تبحث في بنية الكلمة وتحولاتها، فإن مورفولوجيا الأدب تنتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً: بنية النص ذاته، ومكوناته، ووظائف عناصره، وأنماط انتظامه، والتحولات التي تطرأ على شكله الداخلي.

فالنص الأدبي ليس مجرد مجموعة من الجمل أو الصور أو الأحداث؛ إنه بنية حية تتشابك فيها مستويات متعددة: الصوت، والإيقاع، والصورة، والسرد، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث، والضمائر، والتكرار، والحذف، والتقديم والتأخير، والتوازي، والتقابل، والتضمين، والرمز، والإحالة.

وهنا يصبح السؤال المورفولوجي سؤالاً عن الهندسة الداخلية للنص:

كيف يبدأ النص؟

كيف يتنامى؟

كيف تتكرر وحداته؟

أين يقع التحول؟

ما العناصر التي تعود بصورة ثابتة أو متغيرة؟

كيف تنتقل الشخصية أو الصورة أو الفكرة من حالة إلى أخرى؟

ما الوظائف التي يؤديها كل عنصر داخل النظام الكلي؟

وكيف ينتج الشكل النهائي دلالته؟

إن مورفولوجيا الأدب لا تتعامل مع النص باعتباره مستودعاً للأفكار، بل باعتباره آلة جمالية لإنتاج المعنى.

ثالثاً: فلاديمير بروب ومورفولوجيا الحكاية

يُعدّ الروسي فلاديمير بروب من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمفهوم الحديث لمورفولوجيا الأدب، ولا سيما من خلال كتابه الشهير مورفولوجيا الحكاية الخرافية.

وقد اتجه بروب إلى دراسة الحكايات الشعبية الروسية لا من خلال مضامينها الأخلاقية أو موضوعاتها العامة، وإنما من خلال وظائف الشخصيات والأفعال التي تتكرر داخل البناء الحكائي.

والأهمية الكبرى لمشروع بروب أنه نقل الاهتمام من سؤال: من هو هذا الشخص؟ إلى سؤال: ماذا يفعل داخل بنية الحكاية؟

فالشخصية لا تستمد أهميتها من اسمها أو صفاتها النفسية وحدها، وإنما من الوظيفة التي تؤديها في النظام السردي. وقد لاحظ بروب وجود وظائف سردية متكررة، تنتظم في تسلسل معين، فتتغير الشخصيات والأسماء والأمكنة والتفاصيل، بينما تظل بعض البنى العميقة قابلة للتكرار.

ومن هنا جاءت أهمية «المورفولوجيا» بوصفها بحثاً عن الثابت خلف المتغير، والنظام خلف التنوع، والبنية خلف المظهر الحكائي.

وهذا المبدأ يتجاوز الحكاية الشعبية إلى الأدب كله؛ إذ يمكن للناقد أن يسأل عن «الشكل العميق» الذي ينتظم قصيدة أو رواية أو قصة، وعن العناصر التي تتكرر داخلها، وعن التحولات التي تجعل النص ينتقل من حالة إلى أخرى.

رابعاً: مورفولوجيا القصيدة؛ حين يصبح الشعر بنيةً تتنفس

إذا كان السرد مجالاً خصباً للمورفولوجيا، فإن الشعر أكثر تعقيداً؛ لأن القصيدة لا تقوم على الحدث وحده، ولا على تسلسل الوقائع، وإنما تقوم على التكثيف، والانزياح، والإيقاع، والصورة، والتوتر الدلالي، والمفارقة، والتكرار، والصمت، والحذف، والفراغ، والتداعي.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر لا يمكن اختزالها في دراسة الوزن والقافية، وإن كان الوزن والقافية من أهم عناصرها. إنها تبحث في كيفية تشكل القصيدة بوصفها كياناً جمالياً مستقلاً.

فالقصيدة تبدأ غالباً من نواة: صورة، أو سؤال، أو جرح، أو ذاكرة، أو مفارقة، أو انفعال. ثم تنمو هذه النواة عبر سلسلة من التحولات، حتى تتشكل منها بنية شعرية كاملة.

قد تبدأ القصيدة من «أنا»، ثم تتحول إلى «نحن»؛ وقد تبدأ من المكان ثم تنتهي إلى الذاكرة؛ وقد تبدأ من صورة حسية صغيرة ثم تنفتح على سؤال وجودي واسع. وقد تبدأ من حدث واقعي ثم تخلعه عن واقعيته، وتعيد تشكيله في فضاء الرمز والأسطورة والحلم.

وهنا تحديداً تظهر المورفولوجيا بوصفها علم التحول الشعري.

فالقصيدة ليست ما تتضمنه من صور منفردة، وإنما الطريقة التي تتولد بها الصورة من صورة، والفكرة من صورة، والإيقاع من انفعال، والدلالة من صراع بين عناصر النص.

خامساً: الشكل الشعري ليس ثوباً للمعنى

من أكثر التصورات شيوعاً وخطأً أن يُنظر إلى الشكل باعتباره ثوباً يلبسه المعنى؛ كأن يكون لدينا معنى مكتمل في الداخل، ثم نختار له وزناً وقافية وصياغة من الخارج.

لكن الشعر العظيم ينقض هذا الفصل.

المعنى الشعري يتكون في لحظة تشكل الشكل.

فالوزن ليس مجرد وعاء، والقافية ليست زينة، والصورة ليست زخرفة، والاستعارة ليست حيلة بلاغية منفصلة عن الفكر. إن هذه العناصر جميعاً تدخل في إنتاج المعنى.

حين يختار الشاعر بحر الكامل، أو الطويل، أو المتقارب، أو المتدارك، أو يختار قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، فإنه لا يختار مجرد هندسة صوتية؛ إنه يختار نظاماً من الحركة والتنفس والتوتر.

والبيت الشعري ليس سطراً من الكلمات، بل وحدة موسيقية ودلالية. والتفعيلة ليست مجرد تكرار إيقاعي، بل نبض يتفاعل مع الدلالة. والقافية ليست نهاية صوتية فحسب، بل عودة موسيقية تؤسس للانتظار والتوقع والاكتمال.

وهكذا يصبح السؤال المورفولوجي في الشعر:

لماذا جاءت القصيدة على هذه الهيئة تحديداً؟

ولماذا تكررت هذه الكلمة؟

ولماذا تأخرت هذه الصورة؟

ولماذا انقطع السطر هنا؟

ولماذا عاد الضمير؟

ولماذا تغيّر الإيقاع؟

ولماذا تحولت القصيدة من خطاب الذات إلى خطاب الآخر؟

إن كل ذلك ليس عارضاً في القصيدة؛ إنه جزء من مورفولوجيتها العميقة.

سادساً: مورفولوجيا الصورة الشعرية

الصورة الشعرية نفسها قابلة للدراسة المورفولوجية.

فالصورة قد تولد حسية، ثم تتحول إلى رمزية، ثم إلى فلسفية؛ وقد تبدأ من المرئي لتصل إلى المجرد. فالليل، مثلاً، قد يكون في بداية القصيدة ظاهرة طبيعية، ثم يتحول إلى عزلة، ثم إلى موت، ثم إلى تاريخ، ثم إلى كينونة تنتظر الفجر.

وهكذا لا تكون الصورة ثابتة، بل كائناً دلالياً متحركاً.

ومن هنا يمكن الحديث عن «مورفولوجيا الصورة»: أي دراسة شكل الصورة، ومراحل تشكلها، وعلاقاتها بالصور الأخرى، وتحول وظيفتها من مستوى إلى آخر.

وقد تكون القصيدة مبنية على صورة مركزية تتفرع عنها صور أخرى، فتغدو القصيدة أشبه بشجرة دلالية؛ جذعها صورة أولى، وأغصانها استعارات وتناصات ورموز، وأوراقها تفاصيل حسية، وثمرتها النهائية هي المعنى الكلي.

سابعاً: مورفولوجيا الإيقاع؛ العمارة الخفية للقصيدة

للإيقاع في الشعر مورفولوجيا خاصة.

فالإيقاع ليس الوزن وحده؛ إنه يتولد من تضافر الوزن، والتكرار، والتنغيم، والتوازي، والتدوير، والتقطيع، والتكرار الصوتي، وحركة الحروف، وتوزيع المقاطع، وطول الجمل وقصرها.

وفي قصيدة التفعيلة، على وجه الخصوص، يصبح الإيقاع أكثر مرونة، لأن الشاعر يستطيع أن يغيّر طول السطر الشعري مع المحافظة على وحدة التفعيلة أو النظام الإيقاعي العام.

وهنا يمكن للناقد أن يتتبع مورفولوجيا النبض الشعري: أين يتسارع؟ أين يبطئ؟ أين ينكسر؟ أين يتكرر؟ وأين يصمت؟

فالقصيدة قد تكون حزينة لا بسبب مفرداتها فقط، بل بسبب بطء إيقاعها؛ وقد تكون ثائرة بسبب تتابع وحداتها الصوتية القصيرة؛ وقد تكون تأملية بسبب امتداد الجمل وتراخي الإيقاع.

وبذلك يصبح الإيقاع معنىً قبل أن يكون موسيقى.

ثامناً: مورفولوجيا الزمن والمكان في النص

لا يقتصر الشكل الأدبي على الكلمات والصور، بل يمتد إلى الزمن والمكان.

في الرواية، يمكن دراسة كيفية تشكل الزمن: هل يسير خطياً؟ هل يعود إلى الماضي؟ هل يتقدم عبر الاسترجاع والاستباق؟ هل يتوقف عند لحظة واحدة؟ هل يكرر الحدث نفسه من وجهات نظر مختلفة؟

وفي الشعر، قد يتحول الزمن من زمن تقويمي إلى زمن نفسي؛ فتختصر قصيدة عشرين عاماً في صورة، أو تستغرق لحظة واحدة عشرات الأبيات.

أما المكان فقد يبدأ جغرافياً ثم يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى هوية، ثم إلى أسطورة.

وهنا لا يعود المكان «أين؟» فقط، بل يصبح:

كيف تشكل المكان داخل الوعي الشعري؟

وكيف تحولت المدينة إلى حنين؟

وكيف تحولت البلاد إلى غياب؟

وكيف تحولت القدس، أو غزة، أو حيفا، أو يافا، من أماكن جغرافية إلى أشكال رمزية للهوية والذاكرة والمقاومة؟

وهذا هو أحد أعمق وجوه المورفولوجيا الأدبية: دراسة انتقال الأشياء من وجودها الخارجي إلى وجودها النصي.

تاسعاً: المورفولوجيا والرمز والأسطورة

الرمز أيضاً يمر بمراحل تشكل.

فقد يدخل الرمز إلى القصيدة بوصفه علامة بسيطة، ثم تتسع دلالته عبر السياق حتى يصبح مركزاً بنيوياً للنص.

وقد يستدعي الشاعر أسطورة قديمة، لكنه لا يكررها، وإنما يعيد تشكيلها وفق حاجته الجمالية والفكرية. وهنا تصبح الأسطورة مادة أولية تدخل في عملية مورفولوجية جديدة؛ إذ يعيد النص إنتاجها، ويحرف مسارها، ويمنح شخصياتها وظائف جديدة، ويضعها في سياق تاريخي معاصر.

وهذا ما يجعل التناص ليس مجرد استدعاء لنص سابق، بل تحويلاً لبنية سابقة داخل بنية جديدة.

عاشراً: مورفولوجيا النص والقراءة السيميائية

تلتقي المورفولوجيا مع السيميائيات عند نقطة أساسية: كلاهما يهتم بالعلاقات التي تجعل العنصر دالاً.

لكن المورفولوجيا تسأل بصورة خاصة عن كيفية انتظام هذه العلامات وتحوّلها داخل البنية.

فالكلمة في القصيدة ليست مجرد كلمة، والصورة ليست مجرد صورة، واللون ليس مجرد لون، والباب ليس مجرد باب، والبحر ليس مجرد بحر.

كل عنصر يمكن أن يتحول إلى علامة، وكل علامة تدخل في شبكة من العلاقات.

ومن ثم فإن الناقد المورفولوجي لا يكتفي بإحصاء الرموز، بل يدرس حركتها داخل النص: كيف تظهر؟ كيف تتكرر؟ كيف تتغير؟ كيف تتجاور؟ كيف تتناقض؟ وكيف تتآلف حتى تنتج البنية الكلية؟

الحادي عشر: المورفولوجيا بين البنية والتحول

من الخطأ أن نفهم المورفولوجيا بوصفها بحثاً عن الثبات وحده؛ لأن الشكل الأدبي ليس بنية جامدة.

إن أهم ما في المورفولوجيا هو التوتر بين الثبات والتحول.

هناك عناصر ثابتة تمنح النص هويته، وعناصر متحولة تمنحه حركته. وبين الثابت والمتحول يولد الشكل.

ولهذا فإن القصيدة الناجحة لا تكون مجرد مجموعة من العناصر المتجاورة، بل كياناً تتغير داخله العناصر مع احتفاظها بخيط ناظم.

قد تتغير نبرة الشاعر، لكن صوته يبقى.

وقد تتغير الصورة، لكن مركزها الدلالي يبقى.

وقد تتغير القافية، لكن الإيقاع الداخلي يستمر.

وقد يتغير الموضوع الظاهر، لكن السؤال العميق يظل يطارد النص.

وهنا تكشف المورفولوجيا عن إحدى حقائق الإبداع: أن الهوية لا تعني الجمود، وأن التحول لا يعني الفوضى.

الثاني عشر: مورفولوجيا الأدب بوصفها بحثاً في «كيف»

إذا كان النقد الموضوعاتي يسأل: ما الموضوع الذي يعالجه النص؟ وإذا كان النقد النفسي يسأل عن دوافع الذات الخفية، وإذا كان النقد الاجتماعي يبحث عن علاقة الأدب بالبنية الاجتماعية، وإذا كان النقد التاريخي يربط النص بسياقه، فإن المورفولوجيا تضيف سؤالاً لا غنى عنه:

كيف صار هذا كله نصاً؟

كيف تحولت التجربة إلى لغة؟

كيف تحولت الذاكرة إلى صورة؟

كيف تحول الألم إلى إيقاع؟

كيف تحول الواقع إلى رمز؟

كيف تحولت الحكاية إلى بنية؟

كيف تحولت الذات إلى صوت؟

وكيف انتظمت كل هذه العناصر في كيان جمالي قادر على أن يعيش بعد انتهاء اللحظة التي ولد فيها؟

وهنا تكمن القيمة الفكرية الكبرى للمورفولوجيا؛ فهي لا تفصل الشكل عن المضمون، وإنما تكشف الطريقة التي يصنع بها الشكلُ مضمونَه.

الثالث عشر: مورفولوجيا الشعر بوصفها تشريحاً للجمال

الشعر، في نهاية المطاف، ليس فكرةً ترتدي لغة، ولا معنىً يطلب من الكلمات أن تحمله؛ إنه ولادة مشتركة للمعنى والصورة والصوت.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر هي، في أحد أعمق تعريفاتها، تشريح للجمال من الداخل.

إنها تبحث عن الهيكل الذي يجعل القصيدة قصيدة، وعن العلاقات التي تمنحها وحدتها، وعن التوترات التي تجعلها حية، وعن التحولات التي تجعلها تتجاوز المباشر واليومي والواقعي إلى فضاء الشعر.

والشاعر، في هذا المنظور، ليس صانع كلمات فحسب؛ إنه مهندس بنى خفية. إنه يبني بالإيقاع كما يبني المعمار بالحجر، ويصوغ بالصورة كما يصوغ النحات بالكتلة، ويخلق بالتكرار كما يخلق الموسيقي باللحن، ويترك في مواضع الصمت ما قد يكون أبلغ من الكلام.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تكون بعض القصائد عصية على الاختزال؛ لأن قيمتها لا تكمن في «ما تقوله» وحده، وإنما في الطريقة التي أصبح بها القول نفسه شكلاً من أشكال الوجود.

حين يصبح الشكل ذاكرةً للمعنى

المورفولوجيا ليست علم الأشكال بالمعنى السطحي، بل علم التشكل؛ إنها لا تنظر إلى الشيء بعد اكتماله فقط، وإنما تحاول أن ترى يده الخفية وهي تبنيه.

وفي اللغة، تكشف عن حياة الكلمة وتحولاتها؛ وفي الأدب، تكشف عن هندسة النص؛ وفي السرد، عن وظائف الحكاية ومساراتها؛ وفي الشعر، عن العمارة الخفية التي تجعل القصيدة كائناً نابضاً لا مجرد كلام موزون.

إنها تسأل عن الجذر قبل الفرع، وعن البنية قبل المظهر، وعن العلاقة قبل العنصر، وعن التحول قبل النتيجة.

وفي الشعر تحديداً، تبلغ المورفولوجيا أقصى حساسيتها؛ لأن القصيدة لا تتشكل من الكلمات وحدها، بل من الإيقاع والصورة والذاكرة والرمز والصمت والحذف والتكرار والانزياح والتوتر. وكل واحد من هذه العناصر لا يكتسب قيمته منفرداً، وإنما من موقعه في النظام الكلي.

لذلك فإن قراءة القصيدة مورفولوجياً هي أن نقرأ رحلة تشكلها: من البذرة إلى الشجرة، ومن النواة إلى البنية، ومن التجربة الخام إلى اللغة، ومن اللغة إلى الإيقاع، ومن الإيقاع إلى الصورة، ومن الصورة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الدلالة.

وعند هذه النقطة يغدو الشعر أكثر من قول جميل؛ يصبح شكلاً من أشكال المعرفة، وتغدو المورفولوجيا أكثر من علم للهيئة؛ تصبح معرفةً بكيفية ولادة الأشياء من داخل أجزائها، وكيف تتحول البنية إلى حركة، والحركة إلى معنى، والمعنى إلى جمال.

فليس السؤال الشعري الأعمق: ماذا قالت القصيدة؟

بل ربما كان السؤال الذي يفتح أبوابها كلها:

كيف صارت القصيدة ما هي عليه؟

وهناك، في المسافة الدقيقة بين «ما قيل» و«كيفية القول»، تبدأ مورفولوجيا الشعر؛ وهناك أيضاً يبدأ سرُّ الأدب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقدمة: ديوان "كلمات" للشاعرة السورية روز علي شرابة (صادر عام 2009) هو عمل شعري نسائي عربي معاصر، يحمل ثقلاً استثنائياً من الذاكرة والجسد والوطن. كما تصفه المقدمة النقدية للديوان، فإن روز شرابة "تتقدّم إلى مشهد الكتابة النسائية العربية المعاصرة بحمل ثقيل من الذاكرة والجسد والوطن، تحمله على كتفيها كما تحمل المرأة الشرقية أقدازها: بخطو واثق وإن كان مرتجفاً، بصوت عالٍ وإن كان يتوسل بالهمس أحياناً".

تتوزع قصائد الديوان بين الحب والوطن والهوية والذاكرة، بصوت أنثوي سوري بامتياز، يعيد صوغ الأنوثة من داخل الذاكرة الجمعية ومن تفاصيل المدينة العتيقة.

أولاً: الأفكار والقيم والمعارف في الديوان

1. الأنوثة الدمشقية والهوية المكانية

تتمحور قصائد الديوان حول بناء "أنا" أنثوية سورية، لا تستكين إلى التصنيفات الجاهزة للأنوثة. تظهر دمشق في نصوص شرابة ليس بوصفها مكاناً جغرافياً فحسب، بل بوصفها "كينونة شعورية، وامرأة أخرى، وحالة وجودية تتقاطع مع الذات الشاعرة".

في قصيدة "أنثى دمشقية"، تتحول المدينة إلى قالب أنثوي يصوغ المرأة ويصوغ بها:

"حين تدخل متاهة العشق، وكل الطرق تؤدي بك إلى قلب امرأة واحدة، تأكد... أنك غارق في عشق أنثى دمشقية"

هذه الأنثى الدمشقية ليست مجرد موضوع شعري، بل هي "وعاء للحضارة، وذاكرة للجماليات، ومهارة في التعبير عن العشق بلغة الضوء والياسمين والقمر".

2. ثنائيات الضوء والظل والحضور والغياب

تبنى الشاعرة نسيجها الشعري على ثنائيات متقابلة تبدو متضادة لكنها في جوهرها متكاملة: الضوء والظل، الحضور والغياب، الصوت والصمت، الانتظار والرحيل.

تظهر هذه الثنائيات بوضوح في قصيدة الافتتاح "ظلك أسقطني"، حيث يصير الظل كائناً فاعلاً:

"أَخْطَأَ ظَلُّكَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً حِينَ أَسْقَطَنِي سَهْوًا وَمَرَّةً حِينَ لَمْ أَكُنْ ظَلَّكَ"

إنها لعبة المرايا المتقاطعة، حيث يتحقق الحضور من خلال الغياب، ويتشكل الضوء من رحم الظل.

3. اللغة بين التمرد والتراث

تتميز لغة روز شرابة بـ"الثراء البلاغي، والانزياح الدلالي، والتمرد على المألوف اللغوي، من دون أن تنفصل عن جذورها التراثية". تمتزج الفصحى العذبة مع نبرة عامية خفيفة، وتتداخل الإشارات الأسطورية (كفينيق وأوغاريت ورأس شمرا) مع تفاصيل الحياة اليومية (كقهوة الصباح وخبز الرغيف ووشم الجسد).

في قصيدة "مرآة المساء"، تستدعي الشاعرة مفردات من الذاكرة السورية القديمة لتقول الحب:

"نَقْطِفُ لِعِبْئِنَا قِطْعَةً مِنْ غُوطَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ تَزْدَحِمُ بِالْقِطَافِ، وَمَا اضْطَبَعَ عَلَى الْخُدُودِ مِنْ حُمْرَةِ الْكَرَزِ وَالتُّوتِ"

هذه اللغة التي تتكئ على الجغرافيا والذاكرة والتاريخ ليست مجرد زينة، بل هي "فعل مقاومة وجودي، يحافظ على الهوية في زمن الانكسار والضياع".

4. الجسد الأنثوي كفضاء شعري ووطن بديل

يتوسّط الجسد الأنثوي مشهد الديوان بوصفه "فضاء مفتوحاً على التأويل، ومكاناً للتجربة الشعورية، وأرضاً للكتابة". لا يظهر الجسد هنا بوصفه موضوعاً إيروسياً مبتذلاً، بل بوصفه "حاملاً للذاكرة، ومستودعاً للحنين، ومرآة للوطن".

في قصيدة "لا تحزن"، تخاطب الشاعرة حبيبها:

"افْرُدْ قَمْحَكَ عَلَى جَسَدِي، لِتَمْتَلِئَ الْبَيَادِرُ. دَثِّرْنِي بِغِطَاءٍ مِنْ حَنِينٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَلْبِسْنِي الْبَهَاءَ"

يتحول الجسد هنا إلى أرض زراعية ووطن يُنتظر إحياؤه، ونص ينتظر كتابته.

5. الانكسار كجمالية مضادة

ثمة انكسار جميل في نصوص روز شرابة، ليس انكسار الضعيف أو الهزيمة، بل "انكسار القناع، وانكشاف الحقيقة، وهدم التصنيع الشعري الذي يخفي الوجع". الشاعرة لا تخشى البوح بالجراح، ولا تتواري خلف البلاغة الزائفة.

في قصيدة "فن الخداع"، تسأل بسخرية موجعة:

"أما زلت تَتْقُنُ فَنَّ الْخِدَاعِ؟ أَلَا مَا تَعِبْتَ بِهَذَا الْقِنَاعِ؟"

هذا السؤال ليس موجهاً إلى الحبيب وحده، بل هو "سؤال عن الذات أيضاً، وعن الزمن، وعن كل ما يختئ خلف الأقنعة في علاقات الحب والوطن والكتابة".

6. الزمن والانتظار كبناء درامي

يعتمد الديوان على زمنين متوازيين: زمن الحضور الفائت، وزمن الانتظار الممتد. الانتظار في قصائد شرابة ليس سلبية أو جموداً، بل هو "فعل وجودي، وممارسة شعورية، وطقس يومي تعيد من خلاله ترتيب العالم".

في قصيدة "قصيدة بدوية"، تتكرر عبارة "أنتظرك" كأنها نشيد:

"بِكُلِّ فُصُولِكَ، أَنْتَظِرُكَ، كَقَصِيدَةٍ بَدَوِيَّةٍ، بَصِيرَةٍ لِمَا بَعْدَ بَعْدِ الْفِرَاسَةِ"

7. الكتابة كخلاص وولادة

في عمق قصائد روز شرابة، ثمة إيمان عميق بـ"قدرة الكتابة على الخلاص، وعلى إعادة تشكيل الواقع، وعلى منح المعنى للوجود المتصدع". الكتابة عندها ليست انعكاساً للواقع، بل هي "إعادة بنائه، وصياغة أسئلته، ومواجهة انكساراته".

في قصيدة "حين نلتقي"، تقول:

"اللَّامُتَوَقَّعُ، يَا سَيِّدِي، هُوَ الْمُعَرَّفُ بِالْقَصِيدَةِ"

وهكذا، تصير القصيدة أداة لتفجير المألوف، وكسر المتوقع، واستبطان المجهول.

ثانياً: مختارات من شعر روز شرابة

1. من قصيدة "ظلك أسقطني" (قصيدة الافتتاح)

"أَخْطَأَ ظَلُّكَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً حِينَ أَسْقَطَنِي سَهْوًا وَمَرَّةً حِينَ لَمْ أَكُنْ ظَلَّكَ"

2. من قصيدة "بعض الحب لا يكفي"

"بَعْضُ الْحُبِّ لَا يَكْفِي لِتَحْوِيكَ الْهَوَاءِ مَا بَيْنَنَا تَحْتَ حِدَّةِ الشَّمْسِ وَالْفَرَاغُ مُنْشَعِلٌ بِشِدَّةِ الْحَرَارَةِ"

"بَعْضُ الْحُبِّ لَا يَكْفِي فَانْهَضْ بِمَا لَدَيْكَ نَحْوِي بِكُلِّ مَا لَدَيْكَ فَبَعْضُ الْحُبِّ لَا يَكْفِي لِكُلِّ حَالَاتِ الْجُنُونِ"

3. من قصيدة "أنت وأيلول"

"وَحْدَهُ أَيُولُ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ، لِكَيْ تَزْغَرِدَ الْبُشْرَى لِلْمَوْلُودَةِ الْجَدِيدَةِ"

"أَنَا، يَا سَيِّدِي، لَمْ أَخْرُجْ عَنِ النَّصِّ الْإِلَهِيِّ لِلْحُبِّ. لَمْ أُقَدِّمْ لَكَ تُفَّاحَةَ الْبَدْءِ"

4. من قصيدة "لا تحزن"

"حَبِيبِي، يَا رَجُلًا بِحَجْمِ وَطَنٍ، أَنَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ، فَلَا تَحْزَنْ حِينَ أَطْلُبُ الْهُوِيَّةَ"

"افْرُدْ قَمْحَكَ عَلَى جَسَدِي، لِتَمْتَلِئَ الْبَيَادِرُ. دَثِّرْنِي بِغِطَاءٍ مِنْ حَنِينٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَلْبِسْنِي الْبَهَاءَ"【34†L1-L4】

5. من قصيدة "مرآة المساء"

"نَقْطِفُ لِعِبْئِنَا قِطْعَةً مِنْ غُوطَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ تَزْدَحِمُ بِالْقِطَافِ، وَمَا اضْطَبَعَ عَلَى الْخُدُودِ مِنْ حُمْرَةِ الْكَرَزِ وَالتُّوتِ"

"لَعَلَّهُ طَائِرُ الْفِينِيقِ يُبْعَثُ لِلْيَوْمِ مِنَ الْجَمْرِ الْمُغَطَّى بِالرَّمَادِ نَحْوَ وِلَادَةٍ جَدِيدَةٍ، بِمُحَاذَاةِ الْأَبْجَدِيَّةِ الْأُولَى، بُنْيَانِ أُوغَارِيتَ وَرَأْسِ شَمْرَا"

6. من قصيدة "حين نلتقي"

"اللَّامُتَوَقَّعُ، يَا سَيِّدِي، هُوَ الْمُعَرَّفُ بِالْقَصِيدَةِ"

"حِينَ نَلْتَقِي، كُلُّ شَيْءٍ مُتَوَقَّعٌ، يَا سَيِّدِي. فَأَنَا أَحْزِمُ لَكَ أَنَّكَ الْحُضُورُ الْأَرْضِيُّ، وَأَنِّي قَصِيدَةُ الْبَقَاءِ"

7. من قصيدة "قصيدة بدوية"

"بِكُلِّ فُصُولِكَ، أَنْتَظِرُكَ، كَقَصِيدَةٍ بَدَوِيَّةٍ، بَصِيرَةٍ لِمَا بَعْدَ بَعْدِ الْفِرَاسَةِ"

"أَنَا، يَا حَبِيبِي، قَصِيدَةُ بَدْوِيَّةٍ، يُحَيِّمُ الشَّعْرُ فِي مَضَارِبِهَا"

8. من قصيدة "أنثى دمشقية"

"حِينَ تَدْخُلُ مَتَاهَةَ الْعِشْقِ، وَكُلُّ الطُّرُقِ تُؤَدِّي بِكَ إِلَى قَلْبِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، تَأَكَّدْ... أَنَّكَ غَارِقٌ فِي عِشْقِ أُنْثَى دِمَشْقِيَّةٍ"

"هِيَ بَارِعَةٌ فِي الْحَدِيثِ مَعَ الْهَوَاءِ، هِيَ مَزِيجٌ بَيْنَ الْعِطْرِ وَالْقَمَرِ، وَبَعْضِ رَسَائِلِ الْيَاسَمِينِ"

9. من قصيدة "فن الخداع"

"أَمَا زِلْتَ تَتْقُنُ فَنَّ الْخِدَاعِ؟ أَلَا مَا تَعِبْتَ بِهَذَا الْقِنَاعِ؟"

10. من قصيدة "واعشقيني"

"اعْشِقِينِي بِلَا حُدُودٍ، كَالْهَوَاءِ بِلَا قُيُودٍ"

"وَاعْشِقِينِي بِلَا حُدُودٍ، دَهْشَةَ الصُّدْفَةِ"

11. الخاتمة الشعريّة للديوان

"أَنَا لَمْ أُفْرِطْ. مَا حَدَثَ بِاخْتِصَارٍ: أَنَّ الضَّوْءَ أَعْلَنَ الْعُبُورَ فِي الْهَوَاءِ"

ثالثاً: أخطر قصائد الديوان

1. "ظلك أسقطني" (قصيدة الافتتاح)

تُعتبر هذه القصيدة من أخطر قصائد الديوان لأنها تؤسس لثنائية الحضور والغياب، وتجعل من الظل كائناً فاعلاً له استقلاليته. يقول الناقد: "إِنَّها لعبة المرايا المتقاطعة، حيث يتحقق الحضور من خلال الغياب، ويتشكل الضوء من رحم الظل". خطرها يكمن في قلبها للمفاهيم التقليدية للعلاقة بين الرجل والمرأة، حيث تصير المرأة ليست مجرد منعكس للرجل، بل "كينونة تعيد تعريف ذاتها من خلال علاقتها به".

2. "بعض الحب لا يكفي"

تحمل هذه القصيدة جرأة الاعتراف بأن الحب الناقص لا يكفي، وتدعو إلى الحب الكلي المجنون:

"بَعْضُ الْحُبِّ لَا يَكْفِي لِتَحْرِيكِ السُّكُونِ وَإِعْصَارِ الْهَوَى"

خطرها في نقدها للعلاقات الناقصة، ودعوتها إلى "ثورة الموج وإعصار الهوى، لا إلى ترتيبات الساعة وقوانين المفترض".

3. "لا تحزن"

تتضمن هذه القصيدة جرأة الطلب المباشر للهوية من الحبيب الذي هو بحجم وطن:

"حَبِيبِي، يَا رَجُلًا بِحَجْمِ وَطَنٍ، أَنَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ، فَلَا تَحْزَنْ حِينَ أَطْلُبُ الْهُوِيَّةَ"

خطرها في ربط الهوية الشخصية بالهوية الوطنية، وجعل الجسد الأنثوي أرضاً للزرع والبناء.

4. "فن الخداع"

تسأل الشاعرة بسخرية لاذعة:

"أَمَا زِلْتَ تَتْقُنُ فَنَّ الْخِدَاعِ؟ أَلَا مَا تَعِبْتَ بِهَذَا الْقِنَاعِ؟"

خطرها في فضح الأقنعة، وتعرية العلاقات، ومحاولة استعادة البدايات قبل أن تفسدها الأزمنة.

5. "حين نلتقي"

تضع الشاعرة القصيدة في مواجهة المجهول:

"اللَّامُتَوَقَّعُ، يَا سَيِّدِي، هُوَ الْمُعَرَّفُ بِالْقَصِيدَةِ"

خطرها في جعل القصيدة أداة لتفجير المألوف وكسر المتوقع

6. "مرآة المساء"

تستدعي الشاعرة الذاكرة السورية القديمة (أوغاريت ورأس شمرا) لتقول الحب، محولة القصيدة إلى مقاومة وجودية ضد النسيان والضياع

7. "قصيدة بدوية"

تكمن خطورة هذه القصيدة في جعل الانتظار قيمة وجودية، حيث تتكرر عبارة "أنتظرك" كأنها نشيد، وكأن الانتظار هو الغاية ذاتها وليس الوسيلة

رابعاً: القيم والمعارف المستخلصة

القيم:

1.  قيمة الهوية: تؤكد الشاعرة على أهمية الهوية الشخصية والوطنية، وترفض فقدانها في زمن الانكسار.

2.  قيمة الصدق والفضح: تنزع الأقنعة وتفضح الخداع في العلاقات الإنسانية

3.  قيمة الانتظار: ترفع الانتظار من كونه سلبية إلى كونه فعلاً وجودياً وممارسة شعورية.

4.  قيمة الجسد: تعيد الاعتبار للجسد الأنثوي بوصفه حاملاً للذاكرة والوطن

5.  قيمة الكتابة: تؤمن بقدرة الكتابة على الخلاص وإعادة تشكيل الواقع

المعارف:

1.  معرفة المكان: تقدم دمشق ككينونة شعورية وامرأة أخرى وحالة وجودية.

2.  معرفة التراث: تستدعي الإشارات الأسطورية والتاريخية (أوغاريت، رأس شمرا، الفينيق) لبناء رؤيتها الشعرية.

3.  معرفة الأنوثة: تعيد تعريف الأنوثة من داخل الذاكرة الجمعية، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة.

4.  معرفة اللغة: توظف اللغة بثراء بلاغي وانزياح دلالي، ممتزجة بالفصحى والعامية.

خاتمة

ديوان "كلمات" لروز شرابة ليس مجرد مجموعة نصوص، بل هو بناء شعري متكامل يضم بين دفتيه هموماً امرأة وأوجاع وطن وتطلعات روح تبحث عن الخلاص بالكلمة

إنها شاعرة الانكسار الجميل، وامرأة الشرق التي ترفض أن تكون أيقونة جامدة في عقد الزمن، بل تختار أن تكون قصيدة مضرجة بنزيف العصور. تظل روز شرابة واحدة من الأصوات النسائية السورية التي تعيد تعريف الشعر النسائي، ليس بوصفه بكاء أو شكوى، بل بوصفه فعلاً حضورياً ومقاومة للغياب، وبناء هوية تتوسل الضوء والهواء والحب كي تبقى حية

كما يقول الناقد محمد عبد الكريم يوسف في ختام مقدمته: "تبقى روز شرابة، في خاتمة هذا المطاف، شاعرة الانكسار الجميل، وامرأة الشرق التي ترفض أن تكون أيقونة جامدة في عقد الزمن، بل تختار أن تكون قصيدة مضرجة بنزيف العصور"

"أنا لم أُفْرِطْ. ما حَدَثَ باخْتِصار: أنَّ الضَّوْءَ أَعْلَنَ العُبورَ في الهواءِ"

***

محمد عبد الكريم يوسف

.............................

خامساً: المراجع

اعتمدت هذه القراءة على المصادر التالية:

1.  ديوان "كلمات" – روز علي شرابة، 2009

2.  المقدمة النقدية للديوان – بقلم محمد عبد الكريم يوسف، التي تقدم تحليلاً معمقاً لقصائد الديوان وقيمها الفنية والموضوعية.

3.  نصوص قصائد الديوان – التي تم الاستشهاد بها مباشرة من الديوان

قراءة نسغية لماهية التفكير البنيوي للاوعي النص

لقد مثّل النقد النفسي واحداً من أبرز المناهج النقدية الحديثة التي أعادت قراءة النصوص الأدبية في ضوء معطيات علم النفس والتحليل النفسي. فمنذ أن وضع الطبيب النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939) أسس التحليل النفسي ومفاهيمه الكبرى مثل اللاوعي والأنا والأنا الأعلى والهو، أصبح النقد الأدبي أمام أفق جديد يتجاوز البنية الظاهرة للنصوص ليغوص في أعماقها الدفينة، مستكشفًا رموزها ومكبوتاتها وما تتكتم عليه من عقد وأسرار.

- النص الأدبي – وفق هذا المنهج – ليس مجرد بناء لغوي جمالي، بل هو أيضًا مرآة للنفس البشرية، يعبّر عن صراعاتها الداخلية ورغباتها المكبوتة، ويشكّل أحيانًا نوعًا من التعويض أو التنفيس النفسي.

أولاً: الإرث الفرويدي وتطبيقاته الأدبية:

لقد أدرك فرويد أنّ العمل الأدبي لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن بواطن المبدع. ففي تحليله لرواية الإخوة كارامازوف لـ دوستويفسكي، رأى أنّ الدافع اللاشعوري للجريمة متجذر في عقدة أوديب، وأنّ الصراع بين الأبناء والأب يمثل صورة مكثفة لصراع الأنا مع الأنا الأعلى.

كما كشف في تحليله للوحات ليوناردو دافنشي أنّ الإبداع الفني يمكن أن يكون قناعًا لرغبات مكبوتة، بخاصة تلك المتعلقة بالمكبوت الجنسي. وهكذا، فتح فرويد الباب أمام تصور جديد للأدب بوصفه وثيقة نفسية تحمل بصمات اللاشعور.

ثانياً: الامتداد الأوروبي:

بعد فرويد، تطور المنهج على يد مفكرين ونقاد بارزين:

شارل مورون: قدّم مفهوم الأسطورة الشخصية، حيث اعتبر أنّ كل مبدع يُسقط أسطورته الخاصة في أعماله.

جاك لاكان: أعاد قراءة التحليل النفسي في ضوء البنية اللغوية، ورأى أنّ اللاوعي مُبنى كاللغة، وأنّ النصوص هي شبكات رمزية تعكس بنى لاشعورية.

كما استفاد كل من إي. إم. فورستر وفرجينيا وولف من التحليل النفسي في بناء الشخصيات وتعقيدها، وهو ما انعكس على تيار الرواية الحديثة.

أما الشعر الرمزي عند ستيفان مالارميه، فكان مجالًا خصبًا للتأويل النفسي، إذ إنّ الغموض الشديد فيه يُعبّر عن أعماق نفسية مقلقة.

ثالثاً: الامتداد العربي:

- في النقد العربي، وجدت مقولات التحليل النفسي صدى واسعًا:

- محمود عباس العقاد: درس شخصية أبي نواس، وخلص إلى أنّ نرجسيته وحبه لذاته منطلق أساسي لفنه.

- محمد النويهي: تناول عقدة أوديب في تحليل بعض النصوص العباسية.

- عز الدين إسماعيل: في كتابه التحليل النفسي للأدب وضع لبنة مهمة للنقد النفسي العربي.

- جورج طرابيشي: في دراسته عقدة أوديب في الرواية العربية، كشف البنى النفسية المضمرة في النصوص الروائية الحديثة.

- خريستو نجم: في دراسته النرجسية في أدب نزار قباني أبرز كيف يطل اللاوعي الشعري من خطاب الحب والجسد.

- حسن المودن: في كتابه لاوعي النص في روايات الطيب صالح، جسّد مثالًا متقدّمًا في تطبيق التحليل النفسي على السرد العربي.

إضافة إلى ذلك، مثّل كتاب مصطفى سويف الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر منطلقًا تأسيسيًا لمدرسة عربية في علم نفس الإبداع.

رابعاً: موقع النقد النفسي بين المناهج:

إنّ النقد النفسي يتميز عن غيره من المناهج النقدية.

بخلاف البنيوية التي تنظر إلى النص كبنية مغلقة مستقلة عن مؤلفها، يربط النقد النفسي النص بالكاتب ويكشف لاوعيه.

وبخلاف النقد الاجتماعي الذي ينظر إلى الأدب بوصفه نتاجًا للطبقات والظروف التاريخية، فإن النقد النفسي يركز على الفرد وحياته الباطنية.

ومع ذلك، فإنّه لا ينفي قيمة المناهج الأخرى، بل يمكن أن يتكامل معها عبر رؤية متعددة المستويات.

خامساً: أثره على القارئ والمتلقي:

النقد النفسي لا يقف عند تحليل النص أو المبدع فقط، بل يتعداه إلى أثر العمل الأدبي في نفس المتلقي. فالنص قادر على إثارة مكبوتات القارئ نفسه، وتحريك لاوعيه، وهو ما يجعل عملية التلقي مشاركة وجدانية عميقة، لا مجرد فعل قراءة سطحية.

خاتمة:

لقد أثبت النقد النفسي أنّ الأدب ليس مجرد بناء جمالي أو خطاب لغوي، بل هو كشف لدهاليز النفس البشرية. فهو يتعامل مع النص الأدبي باعتباره ساحة تتصارع فيها الرغبات المكبوتة والرموز والمعاني الدفينة. وإذا كان النقد البنيوي يهتم بالبنية، والنقد التاريخي يهتم بالسياق، فإن النقد النفسي يفتح نافذة على العالم الداخلي للإنسان.

ولهذا يمكن القول إنّ التفكير البنيوي للاوعي النص يشكّل اليوم أفقًا رحبًا للبحث النقدي، لأنه يعيد الاعتبار إلى الأدب بوصفه نصًا حيًا، ينطق بما تخفيه الذات من أسرار وما تحمله من جراحات ورغبات لم تجد سبيلها إلى الواقع.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

هذهِ الرّوايةُ (مَعْبَدِ أَنَاْملِ الحَرِيْرِ) تُحِيْلُ فِيْ بنيتها الدَّاخليَّة وبأسْلُوبٍ أخَّاْذٍ إلىْ عَمَلٍ سَرْدِيّ وهو روايةٌ ضمنيَّة تشكّلُ جُزْءاً منْ بنيةِ السَّرْدِ نفسِهِ، والرّوايةُ الدَّاخليَّة تتحدَّثُ عنْ نفسِهَاْ بتقنيةٍ سَرْدِيَّةٍ مُدهشةٍ، فما من راوٍ عليم ٍإلا الرّواية نفسها، فهي تخبرُ القارئ عن كيفيَّةِ تَخَلُّقِهَاْ فِيْ ذهنِ الكاتبِ وكيف تسهمُ حياةُ الكاتبِ فيْ خلقِ شَخصيَّاتِ الرّوايةِ وبنائِها. روايةٌ تمتلكها البهجةٌ لحظةَ شروعِ القارئ بمطالعتها، وهي تتألمُ بشدّةٍ حينما يحصل عارضٌ ليقطع القراءةَ فينتهي بها المطافُ مُهْمَلَةً فِيْ دُرْجٍ مَاْ، رواية تقرأُ مَنْ يطالعها وتسبرُ أغوارَ شَخْصِيَّتِهِ بدقةٍ مُتناهية. اشتملتْ على موضوعات الهُويَّةِ والهجرةِ غيرِ الشَّرعيَّة إلى أوربا عبر قوارب البحر واستبطنتْ قضيَّةَ المثليَّة بنحوٍ جريءٍ جداً ومُلفتٍ للنَّظرِ ربما لَمْ يُسْبَقْ إليه في الرّواية العربيَّة، وأولتِ الأهميةَ للهُويَّة الأفريقيَّة ولا سيما الحضارة المصريَّة، والثَّقافة الأثيوبيَّة ومعاناة الافريقيين في الهجرة غيرِ الشَّرعيَّة، وصوَّرتْ ذلك بحسٍّ إنسانِيّ نبيل. جسَّدَتِ الصّراع الفكريّ بين قوى الظَّلام الرّجعيَّة والتَّنويريين بأسلوبِ الواقعيَّةِ السّحريَّةِ، فبعد أنَّ سيطرَ (المتكتّمُ) المستبدُ الذي يمثّلُ قوى الظَّلامِ ومرتزقتُهُ وبعد مصادرته للتّراث الأدبيّ والفن الإنسانيّ وخنقه للحريات يلجأ الكُتَّابُ والمؤلفونَ إلى عالم ٍسفليّ تحتَ الأرضِ (عالم الأنفاق) ويشرعون بنسخ تلك الأعمال الأدبيَّة بطريقةٍ غرائبيَّةٍ في مشروع ٍكبيرٍ لإنقاذ الذَّاكرة الإنسانيَّة الأدبيَّة من الطَّمس والحرق على يد (المتكتّم). الرّواية تتضمَّن نقداً لعيوبٍ نسقيَّةٍ مضمرةٍ يرزحُ تحتها النّخبةُ، فهم فيْ عالم الأنفاق (السري) في نسخ المخطوطات لا يعملون إلا بروحٍ (شللية) و(دوائر ضيقة) قائمة على التَّسلق والتَّخادم وتبادل المصالح، فيتحول مشروعُ النَّسخ إلى حيلةٍ دفاعيَّة للهروب من استبداد (المتكتم)، ويتحول عالمُ الأنفاقِ إِلىْ أَبْرَاْجٍ عَاْجيَّةٍ، فيفقدونَ رُوْحَ المُبادرةِ في الثَّورة ويكتفونَ بفعل التَّحريض عبر زجّ أَجسادٍ بشريَّة أُسْتُغِلَّتْ إثارتُها فيْ خطِّ محتوياتِ المخطوطات بدلاً من الورق، فهذهِ الأجسادُ وحدَها من تدفعُ ثمنَ المواجهة بينما يكتفي الكُتَّابُ بإنقاذ المخطوطات، كما أدانتِ الرّواية بشدَّةٍ دورَ الرَّقيب الفكريّ الذي انخرطَ فيْ مَشْرُوع (المتكتم) عبر تصويرها لعقدة الذَّنب التي يعيشها الكثِيْرُ من النّسَّاخ فيْ عالم الأنفاق السّفليّ بعد هروبهم من المتكتم وتركهم لرقابة المنشورات. وقعت الرّواية فِيْ شَرَكِ الإطالة غيرِ المُسوغ، فثمَّة فائِض تعبيريّ في رَسْمِ الشَّخصياتِ وتجسيدِ المكان بنحوٍ مُفصَّلٍ، وهذاْ التَّفصيلُ لا يخلُّ عَدَمُ وجودِهِ بإعلاميَّة السَّرد وإِخباره. وبعدُ فالرّوايةُ للكاتب المصريّ إبراهيم فرغلي، وقدْ رُشِّحَتْ إلى القَائِمة الطَّويلة لنيلِ جَاْئِزةِ البوكر عَام 2016.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

لم تكن المكانة الاجتماعية الرفيعة التي حظي بها الكاتب في روسيا، في العهدين القيصري والسوفيتي، وليدة تقدير المجتمع للأدب وحده، بل كانت أيضاً ثمرة الظروف التاريخية القاسية التي عاشتها الأغلبية الساحقة من الشعب الروسي. ففي مجتمع ارتفعت فيه نسب الأمية في القرن التاسع عشر، ثم عانى الفقر والاستبداد والرقابة السياسية، أصبح الأدب نافذة نادرة للتأمل في قضايا الإنسان والمجتمع، ومتنفساً فكرياً وروحياً يعوض غياب كثير من وسائل الترفيه والتعبير الحر. ولهذا لم يكن الروائي أو الشاعر مجرد صانع للجمال، بل اضطلع بدور الناقد الاجتماعي، والمفكر الأخلاقي، و«معلم الحياة»، حتى إن النقاد الروس درجوا على وصف الأدب بأنه «ضمير الأمة».

وقد انعكس ذلك في المكانة الاستثنائية التي احتلها كبار الأدباء الروس، مثل بوشكين، وتولستوي، ودوستويفسكي، وتشيخوف، الذين تجاوز تأثيرهم حدود الأدب ليصبحوا مرجعيات أخلاقية وفكرية، وكانت أعمالهم تُقرأ وتُناقش كما تُناقش القضايا العامة. وفي العهد السوفيتي، وعلى الرغم من الرقابة الصارمة ومحاولات إخضاع الأدب للأيديولوجيا الرسمية، ظل الكاتب شخصية ذات وزن اجتماعي كبير، لأن الكلمة المكتوبة احتفظت بقدرتها على تشكيل الوعي، حتى عندما كانت تُكتب بلغة الرمز والتلميح.

ومن المفارقات أن إلغاء الرقابة على المطبوعات في روسيا، قبل أكثر من ثلاثة عقود، لم يؤدِّ إلى الازدهار الكبير الذي كان متوقعاً للأدب في أجواء الحرية والانفتاح والليبرالية، بل حدث العكس إلى حد كبير. فقد انخفض عدد القراء بصورة حادة، وعانت المجلات الأدبية المرموقة، المعروفة باسم «المجلات السميكة»، من تراجع شديد في مبيعاتها، ولم تعد الأعمال الأدبية تُنشر بعشرات أو مئات الآلاف من النسخ كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية، بل أصبحت مبيعات كثير منها لا تتجاوز بضعة آلاف من النسخ في أفضل الأحوال.

فما الذي حدث؟

لا شك أن انتشار الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون التجاري، وتعدد وسائل الترفيه الجديدة، كان له أثر بالغ في تراجع القراءة. فقد أصبحت هذه الوسائل تنافس الكتاب على وقت القارئ واهتمامه، ولم يعد الأدب يحتل الموقع المركزي الذي شغله لعقود طويلة في الحياة العامة. غير أن المسألة، في تقديري، لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل ترتبط أيضاً بتحول عميق في البنية الاقتصادية والثقافية التي أحاطت بالكتاب نفسه.

فمع انهيار الاتحاد السوفيتي، أُلغيت أو تراجعت مكانة دور النشر الحكومية الكبرى التي كانت تضطلع، رغم ما كان يحيط بها من قيود أيديولوجية ورقابية، بدور مهم في نشر الأدب وتوزيعه على نطاق واسع. وحلت محلها دور نشر خاصة وتجارية أصبحت تتحكم إلى حد كبير في عمليات اختيار الكتب وطباعتها وتوزيعها وتسويقها والإعلان عنها. وبات من الطبيعي، في ظل اقتصاد السوق، أن تبحث هذه المؤسسات عن الكتاب الأكثر قدرة على تحقيق المبيعات والأرباح.

وهكذا أخذت السوق تفرض ذائقتها الخاصة، وأصبحت الكتب الخفيفة ذات الطابع الترفيهي تحظى بمساحة واسعة من النشر والترويج: أدب الرعب والجريمة والمغامرات، والروايات الموجهة إلى جمهور يبحث عن التسلية، وروايات الحب السهلة التي تجد رواجاً خصوصاً بين المراهقين. وهي كتب قد تحقق مبيعات كبيرة، لكنها غالباً ما تُقرأ مرة واحدة لقضاء الوقت، ثم تفقد قيمتها بالنسبة إلى القارئ، شأنها شأن كثير من السلع الاستهلاكية الأخرى.

ولم تعد المشكلة مقتصرة على نوعية الكتب التي تجد طريقها إلى السوق، بل امتدت أيضاً إلى آليات صناعة الشهرة الأدبية نفسها. فقد حصرت بعض دور النشر الكبرى اهتمامها في دائرة محدودة من المؤلفين، وأحاطتهم بحملات دعائية واسعة، بينما نشأت حول المؤسسات الثقافية التجارية شبكات من النقاد والمراجعين الذين يسهمون في صناعة الصورة الأدبية للمؤلف والترويج لأعماله. كما أن الجوائز الأدبية، التي ازداد عددها في روسيا بصورة كبيرة، أصبحت إحدى أهم الأدوات التي تمنح الأعمال الأدبية مزيداً من الظهور والانتشار.

وتوجد في روسيا اليوم جوائز أدبية عديدة، بعضها ذو قيمة مالية ومعنوية كبيرة، مثل «الكتاب الكبير» و«كتاب العام» و«البوكر الروسية» وغيرها. وقد أصبحت الجوائز، في كثير من الحالات، جزءاً من منظومة الترويج للكتاب، إذ يمكن أن تؤدي الجائزة إلى إعادة طبع عمل لم يكن يحظى بإقبال كبير، وإلى زيادة مبيعاته وإعادة تقديم مؤلفه إلى الجمهور.

أما الأدباء الذين لا يكتبون وفق متطلبات السوق، ولا يحاولون إنتاج الكتب «حسب الطلب»، فقد وجد كثير منهم أنفسهم على هامش المشهد الثقافي، مهما كانت مواهبهم كبيرة وأعمالهم متفردة أو رائدة. وهذا لا يعني، بالطبع، اختفاء دور النشر الرصينة التي ما زالت تهتم بالأدب الرفيع، وإنما أصبحت هذه الدور في الغالب أصغر حجماً وأضعف موارد، كما أن إمكاناتها في مجال الدعاية والتوزيع لا تقارن بإمكانات المؤسسات التجارية الكبرى.

وهنا حدث تحول جوهري في مفهوم الكتاب نفسه: فقد أصبح الكتاب، بصورة متزايدة، سلعة في السوق، بعد أن كان يُنظر إليه بوصفه مصدراً للثقافة والمعرفة والمتعة الجمالية، ووسيلة للتفكير في الإنسان والمجتمع ومصيرهما.

ولا يقتصر هذا التحول على روسيا وحدها، بل يمثل اتجاهاً عالمياً ارتبط بصعود النزعة الاستهلاكية وهيمنة الثقافة الرقمية. فالمنافسة لم تعد بين كتاب وكتاب فحسب، وإنما بين الكتاب ومئات الوسائل التي تتنافس على انتباه الإنسان كل يوم. وأصبح النجاح الأدبي، في كثير من الأحيان، يقاس بقدرته على تحقيق الانتشار والمبيعات وإثارة الاهتمام الإعلامي، أكثر مما يقاس بقدرته على إثراء الوعي أو تعميق التجربة الإنسانية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم المفارقة الروسية بوضوح أكبر: لقد تحرر الأدب من الرقابة السياسية المباشرة، لكنه دخل في الوقت نفسه تحت ضغط آلية أخرى، هي آلية السوق. وإذا كانت الرقابة السياسية تستطيع أن تمنع بعض الكتب من الوصول إلى القارئ، فإن السوق تستطيع أن تفعل شيئاً أكثر خفاءً: فهي لا تمنع الكتاب بالضرورة، وإنما قد تحرمه من النشر والتوزيع والإعلان، أو تدفنه وسط آلاف العناوين التي لا يملك الكاتب المستقل القدرة على منافستها.

وقد انعكس ذلك أيضاً على حضور الأدب الروسي المعاصر خارج روسيا. فالأعمال الأدبية الروسية التي ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، والتي تُرجمت إلى اللغات الأجنبية، غالباً ما تصل إلى جمهور محدود، ولا يقبل عليها القارئ العام بالدرجة التي كان يحظى بها الأدب الروسي الكلاسيكي، بل يهتم بها بصورة خاصة أساتذة وطلبة أقسام الأدب الروسي والدراسات السلافية. وتؤدي مؤسسات ثقافية متخصصة في روسيا، ومنها معهد الترجمة في موسكو، دوراً في تعريف القراء الأجانب بالأدب الروسي المعاصر، من خلال دعم ترجمة بعض الأعمال إلى اللغات الأجنبية ونشرها بالتعاون مع دور نشر في بلدان مختلفة، وفي السنوات الأخيرة بالتعاون أيضاً مع بعض دور النشر والمترجمين العرب.

ومع ذلك، فإن التراجع في مكانة الأدب لا يعني أن الأدب فقد قدرته على التأثير، ولا أن الإنسان لم يعد بحاجة إليه. فالإنسان، مهما توفرت له وسائل الرفاه والتسلية، لا يستطيع أن يعيش بالمنفعة وحدها. إنه يحتاج إلى معنى يضفي على حياته غاية تتجاوز الاستهلاك والربح، وإلى أسئلة تتعلق بالخير والشر، والحرية والمسؤولية، والحب والموت، والعدالة والمصير.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في عصرنا: كلما ازدادت وسائل الترفيه وتنوعت، ازدادت الحاجة إلى ما يتجاوز الترفيه؛ وكلما أصبح الإنسان محاطاً بالمعلومات والصور والأصوات، ازدادت حاجته إلى صوت يساعده على فهم نفسه والعالم من حوله.

ولذلك فإن تراجع مكانة الكاتب لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الأدب. وربما يكون الأدب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أن يستعيد وظيفته الأعمق: ألا يكون مجرد سلعة تُباع، ولا مجرد وسيلة لقضاء الوقت، بل مساحة للتأمل، ومجالاً لمقاومة الابتذال، ومصدراً للمعرفة والمعنى، وذاكرةً تحفظ للإنسان قدرته على أن يسأل: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟

فالأدب الذي كان يوصف ذات يوم بأنه «ضمير الأمة» قد يفقد مكانته الاجتماعية، لكنه لا يفقد بالضرورة قدرته على أن يكون ضمير الإنسان.

***

جودت هوشيار

"شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا.

طويلٌ هذا الصَّيفُ" لا "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ.. "هَكَذَا تَقُولُ رِيتَا في حَديثِهَا عَنْ عُمْرٍ كَامِلٍ مِنَ الِانْتِظَارِ، فالشِّتَاءُ أَصْبَحَ زَمَنًا يَسْكُنُ بَيْنَ قَلْبَيْنِ، وَمَسَافَةً تَتَّسِعُ كُلَّمَا اقْتَرَبَ الْحُبُّ مِنْ لَحْظَةِ الْفِرَاقِ.

"رِيتَا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتِنَا.. "، وَمَا أَغْرَبَ هَذَا اللَّيْلَ الَّذِي يُرَتَّبُ! وَمَا أَجْمَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ الَّتِي تُعِيدُ صِيَاغَةَ وُجُودِهَا! لَيْلٌ يُرَتَّبُ، وَشُبَّاكٌ يُفْتَحُ "كَيْ يَتَعَطَّرَ اللَّيْلُ الْجَمِيلُ"، وَقَمَرٌ يُوضَعُ عَلَى الْكُرْسِيِّ، وَجَسَدٌ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَدِيقَةٍ، وَ "مَوْجَةُ قَمْحٍ" تَنَامُ عَلَى تَنَفُّسِ امْرَأَةٍ.

هكذا  نَدْخُلُ عَالَمًا يَجْعَلُ فِيهِ مَحْمُودُ دَرْوِيشٍ الْحُبَّ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ قَوَانِينَ الْأَشْيَاءِ.. إي والله يا دامَ عزُّكم، وأنا مِن خَلفِ ظِلّي المُمِسك بالقلمِ أتمرّدُ وأضمُّ صوتي إلى درويش، وأظنّكم مثلي، فالحبُّ قادرٌ على أنْ يغيّرَ قوانينَ الأشياء وينأى بنا إلى ما وراءِ جسدِ القصيدة.

ففِي عَالَمِهِ لَا يَبْقَى الْجَسَدُ جَسَدًا، وَلَا الْبَحْرُ بَحْرًا، وَلَا الْبَابُ بَابًا، وَلَا الشِّتَاءُ شِتَاءً.

وَلَكِنْ.. مَا الَّذِي يَحْدُثُ عندما يَخْرُجُ الْحُبُّ مِنْ غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ لِيَصْطَدِمَ بِعَالَمٍ كَبِيرٍ اسْمُهُ الْحَرْبُ؟

هُنَا تَتَغَيَّرُ الْقَصِيدَةُ.. تَدْخُلُ الْجَرِيدَةُ، فَتَدْخُلُ الْحَرْبُ، وَيَظْهَرُ الْبَابُ، فَتَظْهَرُ الْحُدُودُ، وَيَظْهَرُ الْبَحْرُ، فَتَظْهَرُ الْمَسَافَةُ، وَتَظْهَرُ الصَّحْرَاءُ، فَيَظْهَرُ الْمَنْفَى، وَيَقُولُ الْعَاشِقُ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟"، فَيَكُونُ السُّؤَالُ أَكْبَرَ مِنْ حُبٍّ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ؛ إِنَّهُ سُؤَالُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَكَانِهِ فِي عَالَمٍ تُغْلَقُ فِيهِ الْأَبْوَابُ أَمَامَ الْمُحِبِّينَ.

وَلِذَلِكَ أُرِيدُ فِي هَذِهِ الْمَقالةِ أَنْ أَقْتَرِبَ مِنْ «شِتَاءَ رِيتَا الطَّوِيلَ» مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، سأقتربُ مِنْ مَكَانِ اللُّغَةِ التي تَتَحَوَّلُ إِلَى ضَوْءٍ، وَمِنْ مَكَانِ الصُّورَةِ التي تَتَحَوَّلُ إِلَى رُؤْيَا، وَمِنْ مَكَانِ الرَّمْزِ الذي يَتَجَاوَزُ الْمَرْئِيَّ إِلَى مَا يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ.

سَأَقْتَرِبُ مِنْ رِيتَا لِأَسْأَلَ: مَاذَا أَصْبَحَتْ فِي لُغَةِ دَرْوِيشٍ؟

وَسَأَقْتَرِبُ مِنَ الشِّتَاءِ لِأَفْهَمَ لِمَاذَا كُلَّمَا طَالَ الشِّتَاءُ ازْدَادَ الْحُبُّ حَرَارَةً، وَازْدَادَ الْفِرَاقُ وَجَعًا.

وَسَأَقْتَرِبُ مِنَ الْبَابِ لِأَفْهَمَ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ بَابٌ وَاحِدٌ أَنْ يَحْمِلَ مَعْنَى الْحُبِّ وَالْحَدِّ وَالْمَنْفَى وَالرَّحِيلِ.

فَلَرُبَّمَا كانت "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" قَصِيدَةً عَنْ عَالَمٍ كَامِلٍ حَاوَلَ أَنْ يَرْحَلَ بِهَا.

وَرُبَّمَا كَانَ دَرْوِيشٌ يَعْرِفُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى أَنَّ رِيتَا سَتَرْحَلُ، وَأَنَّ الشِّتَاءَ سَيَطُولُ، وَأَنَّ الْبَحْرَ سَيَبْقَى خَلْفَ الْبَابِ، وَأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَتَبْقَى خَلْفَ الْبَحْرِ..

لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّحِيلُ أَنْ يَبْلُغَهُ وهو جسدُ الْقَصِيدَة.

فِي الْقَصِيدَةِ بَقِيَتْ رِيتَا، وَفِي الْقَصِيدَةِ بَقِيَ اللِّقَاءُ، وَفِي الْقَصِيدَةِ لَمْ يَسْتَطِعِ الشِّتَاءُ أَنْ يُطْفِئَ دِفْءَ الْحُبِّ.

وَمِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ فِيهِ الْحُبُّ إِلَى لُغَةٍ، وَاللُّغَةُ إِلَى صُورَةٍ، وَالصُّورَةُ إِلَى رَمْزٍ، وَالرَّمْزُ إِلَى ذَاكِرَةٍ، أَدْخُلُ مَعَكُمْ إِلَى عَالَمِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ فِي جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي "شِتَاءِ رِيتَا الطَّوِيلِ".

فِي "شِتَاءِ رِيتَا الطَّوِيلِ" يَضَعُ درويشٌ الحبَّ فِي مُوَاجَهَةِ عَالَمٍ يُضَيِّقُ عَلَى الْعَاشِقَيْنِ مَسَاحَةَ اللِّقَاءِ، وَيُحَوِّلُ الْعَلَاقَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنْ وَعْدٍ بِالْحَيَاةِ إِلَى سُؤَالٍ مَفْتُوحٍ عَلَى الْفِرَاقِ وَالرَّحِيلِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَطْرَحُهُ الْقَصِيدَةُ فِي أَعْمَاقِهَا هو مَاذَا يَحْدُثُ لِلْحُبِّ عندما يَقَعُ فِي مَنْطِقَةٍ مُشْبَعَةٍ بِالتَّارِيخِ وَالْحَرْبِ وَالْحُدُودِ؟ وَمَاذَا يَحْدُثُ لِلُّغَةِ عندما تَعْجزُ الْحَيَاةُ عَنْ مَنْحِ الْعَاشِقَيْنِ مَا تَعِدُهُمَا بِهِ الْقَصِيدَةُ؟

مِنْذُ الْبِدَايَةِ تَكْشِفُ لُغَةُ دَرْوِيشٍ عَنْ قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ الْمَأْلُوفِ إِلَى مُدْهِشٍ، وَالْوَاقِعِيِّ إِلَى شِعْرِيٍّ، فَعندما يَقُولُ: "رِيتَا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتِنَا" يَتَحَوَّلُ الليلُ إِلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ تَرْتِيبُهُ، وَكَأَنَّ رِيتَا لَا تَدْخُلُ الْغُرْفَةَ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ إِلَى فَوْضَى الْعَالَمِ لِتَمْنَحَهَا نِظَامًا مُؤَقَّتًا.

ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: "اِفْتَحْ لَهَا الشُّبَّاكَ كَيْ يَتَعَطَّرَ اللَّيْلُ الْجَمِيلُ"، فَتَنْتَقِلُ الرَّائِحَةُ مِنْ خَاصِّيَّة لِلزُّهُورِ وَالنَّبِيذِ إِلَى خَاصِّيَّة لِلَّيْلِ، فالشَّاعِر يُعِيدُ اخْتِرَاعَ قَوَانِينِ الواقع وَفْقَ مَنْطِقِ الشِّعْرِ. وَمِنْ هُنَا تَتَشَكَّلُ إِحْدَى أَبْرَزِ جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ الدَّرْوِيشِيَّةِ، وَهِيَ قُدْرَةُ اللُّغَةِ عَلَى تَبَادُلِ الْحَوَاسِّ وَالصِّفَاتِ، وَعَلَى أَنْ تَجْعَلَ مَا لَا يُلْمَسُ قَابِلًا لِلْمَسِّ، وَمَا لَا يُشَمُّ قَابِلًا لِلْعِطْرِ، وَمَا لَا يُرَى قَابِلًا لِلرُّؤْيَةِ، فَيُصْبِحُ اللَّيْلُ مُعَطَّرًا، وَالْقَمَرُ مَوْضُوعًا عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالْبُحَيْرَةُ مُحَاطَةً بِمِنْدِيلٍ، وَالنَّخِيلُ قَابِلًا لِلِارْتِفَاعِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْعَاطِفَةِ.

وَلَا تَقِفُ هَذِهِ اللُّغَةُ عِنْدَ حُدُودِ الْمَجَازِ الْجَمِيلِ، فهي تَتَحَوَّلُ إِلَى طَرِيقَةٍ كَامِلَةٍ فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ، فعندما يَقُولُ دَرْوِيشٌ: "تَنَامُ رِيتَا فِي حَدِيقَةِ جِسْمِهَا"، فَإِنَّهُ يَنْقُلُ الْجَسَدَ إِلَى فَضَاءٍ آخَرَ، فَيُصْبِحُ مَكَانًا لِلْخِصْبِ وَالْحَيَاةِ وَالسِّرِّ، وَتَتَحَوَّلُ الْمَرْأَةُ مِنْ جَسَدٍ يُرَى إِلَى عَالَمٍ يُعَاشُ، وعندما يَقُولُ: "تُوتُ السِّيَاجِ عَلَى أَظَافِرِهَا يُضِيءُ الْمِلْحَ فِي جَسَدِي" تَتَدَاخَلُ الطَّبِيعَةُ بِالْجَسَدِ، وَيَتَحَوَّلُ التُّوتُ إِلَى أَثَرٍ حِسِّيٍّ، وَالْمِلْحُ إِلَى ضَوْءٍ، وَيُصْبِحُ الْجَسَدُ مَسَاحَةً تَلْتَقِي فِيهَا عَنَاصِرُ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ تَبْلُغُ الصُّورَةُ اتِّسَاعَهَا عندما يَقُولُ: "نَامَتْ مَوْجَةُ الْقَمْحِ النَّبِيلِ عَلَى تَنَفُّسِهَا الْبَطِيءِ"، فَالْمَوْجَةُ وَالْقَمْحُ وَالتَّنَفُّسُ وَالْجَسَدُ تَدْخُلُ فِي حَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ، فرِيتَا تَحْمِلُ فِي جَسَدِهَا الطَّبِيعَةَ كُلَّهَا، وَأَنْفَاسُهَا قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الْقَمْحَ مَوْجَةً، وَالْمَوْجَةُ حَيَاةً، وَالْحَيَاةُ ذَاكِرَةً خَصْبَةً.

وَهُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الصُّورَةَ عِنْدَ دَرْوِيشٍ لَيْسَتْ زِينَةً بَلَاغِيَّةً تُضَافُ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا هِيَ الْمَعْنَى وقتما يَتَّخِذُ هَيْئَةً حِسِّيَّةً.

وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يَلْفِتُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّهَا لَا تَنْغَلِقُ عَلَى الْجَسَدِ، فهي تَتَّسِعُ مِنْهُ إِلَى الْكَوْنِ، فَالْجَسَدُ فِي الْقَصِيدَةِ لَيْسَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْبَحْرِ وَالْقَمْحِ وَالنَّخِيلِ وَالْغَابَاتِ وَالصَّحْرَاءِ وَالنَّهْرِ.

إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ، وَالطَّبِيعَةُ بَدَوْرُهَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِيرُ مَلَامِحَ الْجَسَدِ، وَهُنَا يَتَأَسَّسُ تَدَاخُلٌ عَمِيقٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ الْحَبِيبَةِ وَالْوَطَنِ دُونَ أَنْ يَسْقُطَ دَرْوِيشٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ أَوِ الْخِطَابِ الشِّعَارِيِّ.

إِنَّ الْوَطَنَ يَأْتِي في القصيدة فِي صُورَةِ بَابٍ مُغْلَقٍ، أَوْ بَحْرٍ بَعِيدٍ، أَوْ صَحْرَاءَ مُمْتَدَّةٍ، أَوْ حَارِسٍ يَمْنَعُ الدُّخُولَ، أَوْ رَحِيلٍ لَا يَجِدُ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَمِيمِيَّ عِنْدَ دَرْوِيشٍ لَيْسَ بَعِيدًا عَنِ السِّيَاسِيِّ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ السِّيَاسِيَّ فِي دَاخِلِهِ، وَيَجْعَلُهُ مَحْسُوسًا فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَبالتَّالي تَأْتِي شَخْصِيَّةُ رِيتَا أَكْثَرَ مِنْ امْرَأَةٍ، رِيتَا امْرَأَةٌ يُحِبُّهَا الشَّاعِرُ، نَعَمْ، لَكِنَّهَا فِي الْبِنْيَةِ الْعَمِيقَةِ لِلْقَصِيدَةِ تُمَثِّلُ "الْآخَرَ" ذَلِكَ الْآخَرَ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ عَاطِفِيًّا، لَكِنَّهُ يَكْتَشِفُ أَنَّ التَّارِيخَ قَدْ وَضَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ جِدَارًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقَلْبُ وَحْدَهُ هَدْمَهُ.

وَلِهَذَا فَإِنَّ أَسْئِلَةَ الشَّاعِرِ لَهَا تَتَجَاوَزُ الغيرة العاطفيّة إِلَى سُؤَالِ الْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ:

"هَلْ لَبِسْتَ سِوَايَ؟ هَلْ سَكَنَتْكَ امْرَأَةٌ؟" ثُمَّ يَتَكَرَّرُ السُّؤَالُ بِصُورَةٍ أَعْمَقَ: "هَلْ أَنْتَ أَنْتَ؟"، وَهُنَا تَبْدَأُ الْهُوِيَّةُ فِي الِاهْتِزَازِ.

فَهَلْ نَحْنُ كَمَا كُنَّا قَبْلَ الْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْعَاشِقُ أَنْ يَبْقَى هُوَ نَفْسَهُ حِينَما يُصْبِحُ حُبُّهُ جُزْءًا مِنْ صِرَاعٍ أَكْبَرَ مِنْهُ؟

إِنَّ رِيتَا فِي هَذَا السِّيَاقِ تُصْبِحُ مِرْآةً لِلْآخَرِ، وَالْحُبُّ بَيْنَهُمَا يُصْبِحُ اخْتِبَارًا لِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى تَجَاوُزِ الْحُدُودِ الَّتِي لَمْ يَصْنَعْهَا قَلْبُهُ.

وَلِهَذَا فَإِنَّ مَأْسَاةَ الْقَصِيدَةِ لَيْسَتْ أَنَّ الْحُبَّ غَائِبٌ، فالْحُبَّ حَاضِرٌ بِقُوَّةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْعَالَمَ الْمُحِيطَ بِهِ لَا يَسْمَحُ لَهُ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى حَيَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ.

إِنَّهُمَا يُحِبَّانِ بَعْضَهُمَا، لَكِنَّهُمَا لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَمْنَحَا هَذَا الْحُبَّ مَكَانًا آمِنًا خَارِجَ الْغُرْفَةِ، فتَتَحَوَّلُ الْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ إِلَى عَالَمٍ كَامِلٍ، ثُمَّ إِلَى وَطَنٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ إِلَى مَسَاحَةٍ مُؤَقَّتَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِيَ عَاشِقَيْنِ مِنْ عَالَمٍ أَكْبَرَ مِنْهُمَا.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُصْبِحُ الشِّتَاءُ فِي عُنْوَانِ الْقَصِيدَةِ أَكْثَرَ مِنْ فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ.

إِنَّ "الشِّتَاءَ" حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَوُجُودِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ.

إِنَّهُ زَمَنُ الْبُرُودَةِ وَالِانْتِظَارِ وَالْغِيَابِ، زَمَنٌ يَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمَطَرُ، ويَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمُسْتَقْبَلُ، وَلِهَذَا تَتَرَدَّدُ الْعِبَارَةُ: "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ"، والتي تَصِفُ امْتِدَادَ الْفِرَاقِ.

إِنَّ الشِّتَاءَ يَطُولُ لِأَنَّ الرَّحِيلَ يَطُولُ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ لَا يَجِدُ خَاتِمَةً، وَلِأَنَّ الْعَاشِقَيْنِ لَا يَعْرِفَانِ مَتَى يَنْتَهِي الزَّمَنُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.

وَلِأَنَّ دَرْوِيشَ شَاعِرُ التَّفَاصِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رُمُوزٍ ضَخْمَةٍ لِكَيْ يَجْعَلَنَا نَشْعُرُ بِثِقَلِ التَّارِيخِ، يَكْفِيهِ أَنْ يَضَعَ أَمَامَنَا كُوبَ شَايٍ، أَوْ تُفَّاحَةً، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ مِفْتَاحًا، أَوْ نَافِذَةً. حِينَما يَقُولُ: "رِيتَا تَحْتَسِي شَايَ الصَّبَاحِ" تَبْدُو الصُّورَةُ فِي ظَاهِرِهَا عَادِيَّةً، لَكِنَّهَا فِي سِيَاقِ الْقَصِيدَةِ مَشْحُونَةٌ بِإِحْسَاسِ الرَّحِيلِ، فَالصَّبَاحُ لَيْسَ صَبَاحًا عَادِيًّا، وَالْجَرِيدَةُ لَيْسَتْ جَرِيدَةً عَادِيَّةً، وَالْبَيْتُ لَيْسَ بَيْتًا عَادِيًّا، فكُلُّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَعِيشُ عَلَى حَافَّةِ الْفَقْدِ.

وَحِينَما تَقُولُ رِيتَا: "لَا تَقْرَأِ الْآنَ الْجَرِيدَةَ، فَالطُّبُولُ هِيَ الطُّبُولُ، وَالْحَرْبُ لَيْسَتْ مِهْنَتِي"، فَإِنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُؤَجِّلَ دُخُولَ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ إِلَى الْغُرْفَةِ، وَتُرِيدُ أَنْ تَحْمِيَ اللَّحْظَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنَ التَّارِيخِ، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ؛ فَالْحَرْبُ حَتَّى حِينَما لَا نَتَحَدَّثُ عَنْهَا تَكُونُ حَاضِرَةً فِي الْبَابِ، وَفِي الذَّاكِرَةِ، وَفِي الْخَوْفِ، وَفِي سُؤَالِ الرَّحِيلِ.

وَلَعَلَّ الْجَسَدَ يُصْبِحُ فِي الْقَصِيدَةِ أَحَدَ أَهَمِّ الرُّمُوزِ؛ لأنّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَضَاءٍ لِلْعَاطِفَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى وَطَنٍ مُؤَقَّتٍ، إِلَى مَسَاحَةٍ يَسْتَطِيعُ الْعَاشِقَانِ أَنْ يَلْتَقِيَا فِيهَا في اللحظة التي تَعْجِزُ الْجُغْرَافِيَا عَنْ جَمْعِهِمَا.

وَلِذَلِكَ عندما يَقُولُ: "لَا أَرْضَ لِلْجَسَدَيْنِ فِي جَسَدٍ" يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ عَلَاقَةٍ جَسَدِيَّةٍ، لَكِنَّهُ فِي الْعُمْقِ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْجُغْرَافِيَا وَالسِّيَاسَةِ وَالْحُدُودِ.

فأَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَقِيَ اثْنَانِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمَا أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ؟ وأَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُنَ الْحُبُّ إِذَا كَانَ الْوَاقِعُ نَفْسُهُ يَرْفُضُ أَنْ يَمْنَحَهُ مَكَانًا؟

إِنَّ الْجَسَدَ يُصْبِحُ وَطَنًا مُؤَقَّتًا، لَكِنَّ الْوَطَنَ الْمُؤَقَّتَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْمُدَ أَمَامَ قُوَّةِ الرَّحِيلِ.

وَتَزْدَادُ الْمُفَارَقَةُ عُمْقًا عندما تَتَجَاوَرُ فِي الْقَصِيدَةِ مُفْرَدَاتُ الْحُبِّ مَعَ مُفْرَدَاتِ الْمَوْتِ، فَ"الثَّوْبُ" إِلَى جَانِبِ "التَّابُوتِ"، وَ"النَّعْنَاعُ" إِلَى جَانِبِ "الْمَصْرَعِ"، وَ"الْحُبُّ" إِلَى جَانِبِ "الْمَوْتِ".

إِنَّ دَرْوِيشَ لَا يَضَعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ عَبَثًا، فهو يتقصّدُ أنْ يَكْشِفَ عَنْ عَالَمٍ فَقَدَتْ فِيهِ الْأَشْيَاءُ بَرَاءَتَهَا الْأُولَى، فَالْحَبِيبُ قَدْ يُصْبِحُ ثَوْبًا يَحْمِي الْآخَرَ، لَكِنَّهُ قَدْ يُصْبِحُ أَيْضًا تَابُوتًا يَحْمِلُ مَصْرَعَهُ، وَالْوَطَنُ الَّذِي أَنْجَبَ الْإِنْسَانَ قَدْ يُصْبِحُ الْمَكَانَ الَّذِي يَصْطَدِمُ فِيهِ وَيُصْرَعُ.

وَالْحُبُّ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِالْحَيَاةِ يُصْبِحُ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ فِي اسْتِحَالَةِ التَّرَاجُعِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ تَأْتِي عِبَارَتُهُ: "وَالْحُبُّ مِثْلُ الْمَوْتِ وَعْدٌ لَا يُرَدُّ وَلَا يَزُولُ" إذْ يُصْبِحُ الْحُبُّ قَدَرًا، لَا اخْتِيَارًا عَابِرًا، وَيُصْبِحُ الْفَقْدُ جُزْءًا مِنْ بِنْيَةِ الْحُبِّ نَفْسِهِ.

وَمِنْ أَجْمَلِ مَفَاصِلِ الْقَصِيدَةِ، وَأَشَدِّهَا دَلَالَةً عَلَى أَزْمَةِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: "لَا أُدْرِكُ الْمَعْنَى، تَقُولُ، وَلَا أَنَا، لُغَتِي شَظَايَا"، فاللُّغَةَ هُنَا لَا تَعُودُ وَسِيلَةً مُسْتَقِرَّةً لِلتَّوَاصُلِ، لِأَنَّهَا تَصْطَدِمُ بِوَاقِعٍ مُتَشَظٍّ، فعندما يَكُونُ الْعَالَمُ وَاضِحًا تَسْتَطِيعُ اللُّغَةُ أَنْ تُسَمِّيَ الْأَشْيَاءَ، لَكِنْ حِينَما تَتَنَاقَضُ التَّجْرِبَةُ مَعَ نَفْسِهَا تُصْبِحُ الْكَلِمَاتُ شَظَايَا تُشْبِهُ الْوَاقِعَ.

إِنَّ الْعَاشِقَيْنِ لَا يَعْجزَانِ عَنِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ مَا يَقُولَانِ، وَإِنَّمَا لِأَنَّ مَا يُرِيدَانِ قَوْلَهُ أَكْبَرُ مِنَ اللُّغَةِ، فالْحُبُّ مَوْجُودٌ لَكِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ غَائِبٌ، وَاللِّقَاءُ حَاضِرٌ لَكِنَّ الرَّحِيلَ يَقْتَرِبُ، وَالْمَرْأَةُ قَرِيبَةٌ لَكِنَّ الْمَسَافَةَ التَّارِيخِيَّةَ بَيْنَهُمَا هَائِلَةٌ، وَلِذَلِكَ تَتَشَظَّى اللُّغَةُ كَمَا تَتَشَظَّى التَّجْرِبَةُ.

وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الْبَحْرِ وَالصَّحْرَاءِ فِي الْقَصِيدَةِ، فيَقُولُ دَرْوِيشٌ: "الْبَحْرُ خَلْفَ الْبَابِ، وَالصَّحْرَاءُ خَلْفَ الْبَحْرِ"، إِنَّهَا صُورَةٌ تَتَجَاوَزُ الْمَكَانَ لِتُصْبِحَ صُورَةً لِلْفِرَاقِ، فالْبَحْرُ قَرِيبٌ، لَكِنَّهُ خَلْفَ الْبَابِ، وَالصَّحْرَاءُ أَبْعَدُ لَكِنَّهَا خَلْفَ الْبَحْرِ.

فالطَّرِيق إِلَى الْآخَرِ يَتَكَوَّنُ مِنْ طَبَقَاتٍ مُتَرَاكِمَةٍ مِنَ الْحَوَاجِزِ، فالْبَابُ حَاجِزٌ، وَالْبَحْرُ مَسَافَةٌ، وَالصَّحْرَاءُ تِيهٌ، وَالرَّحِيلُ نَتِيجَةٌ، وَلِهَذَا حِينَما يَقُولُ: "لَمْ أَجِدْ أُفُقًا لِأَنْظُرَ"، لَا يَكُونُ قَدْ فَقَدَ الْمَكَانَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا فَقَدَ جِهَةَ النَّظَرِ أَيْضًا، فَالْأُفُقُ عَادَةً هُوَ مَسَاحَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَحِينَما يَغِيبُ الْأُفُقُ يَغِيبُ الْمُسْتَقْبَلُ مَعَهُ.

أَمَّا التَّكْرَارُ فِي الْقَصِيدَةِ، فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تِقْنِيَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ، وَإِنَّمَا فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ لِلنِّسْيَانِ، فعندما يُكَرِّرُ الشَّاعِرُ اسْمَ "رِيتَا" يُحَاوِلُ أَنْ يُثَبِّتَ الِاسْمَ فِي الذَّاكِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الرَّحِيلُ. وَكُلَّمَا قَالَ "رِيتَا" شَعَرْنَا أَنَّ الِاسْمَ يَقْتَرِبُ لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ أَنَّ الشَّخْصَ يَبْتَعِدُ.

إِنَّ حُضُورَ الِاسْمِ يَتَزَايَدُ كُلَّمَا ازْدَادَ الْغِيَابُ، وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ التَّكْرَارُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ مُقَاوَمَةِ الْفَقْدِ، وَكَذَلِكَ حِينَما تَتَكَرَّرُ الْعِبَارَةُ: "إنّي وُلِدْتُ لِكَيْ أُحِبَّكْ" يَتَحَوَّلُ الْحُبُّ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَى قَدَرٍ، وَمِنْ لَحْظَةٍ إِلَى هُوِيَّةٍ، فلَا تَقُولُ رِيتَا إِنَّهَا وُلِدَتْ لِكَيْ تَعِيشَ مَعَ حَبِيبِهَا، وَإِنَّمَا وُلِدَتْ لِكَيْ تُحِبَّهُ، وَكَأَنَّ الْحُبَّ هُنَا غَايَةٌ فِي ذَاتِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ اللِّقَاءُ الدَّائِمُ.

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الْبُعْدِ الْوَطَنِيِّ فِي الْقَصِيدَةِ، وَهُوَ بُعْدٌ لَا يَظْهَرُ فِي صُورَةِ خِطَابٍ مُبَاشِرٍ، وَإِنَّمَا يَتَسَرَّبُ إِلَى النَّسِيجِ الْعَاطِفِيِّ.

فدَرْوِيش لَا يَرْفَعُ شِعَارًا سِيَاسِيًّا، لَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْحَارِسَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ، وَالْجَرِيدَةَ تَحْمِلُ أَخْبَارَ الْحَرْبِ، وَالرَّحِيلَ يُصْبِحُ قَدَرًا، وَالْمَدِينَةَ تَحْمِلُ نَارَ الْحُبِّ، وَالْأَرْضَ تُصْبِحُ سُؤَالًا، وَالْبَحْرَ يُصْبِحُ مَسَافَةً.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ قَصِيدَةَ الْحُبِّ تَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى قَصِيدَةٍ عَنِ الْوَطَنِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ حَمِيمِيَّتَهَا، وفِلَسْطِين لَا تُذْكَرُ دَائِمًا بِاسْمِهَا لَكِنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي بِنْيَةِ الْفَقْدِ، وَفِي سُؤَالِ الْمَكَانِ، وَفِي مَعْنَى الرَّحِيلِ، وَفِي اسْتِحَالَةِ الْوُصُولِ.

وَعندما يَقُولُ: "هَذِهِ الْأَرْضُ الصَّغِيرَةُ فِي غُرْفَةٍ"، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الصُّوَرِ كَثَافَةً فِي الْقَصِيدَةِ؛ فَالْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ تُصْبِحُ أَرْضًا، وَالْأَرْضُ تُصْبِحُ غُرْفَةً، فالْإِنْسَان الذي تَضِيقُ بِهِ الْجُغْرَافِيَا يَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ دَاخِلَ الْمَسَاحَةِ الْأَكْثَرِ حَمِيمِيَّةً، فَيُصْبِحُ السَّرِيرُ وَطَنًا، وَالذَّاكِرَةُ وَطَنًا، وَالْجَسَدُ وَطَنًا، وَاللُّغَةُ فِي النِّهَايَةِ وَطَنًا أَخِيرًا.

وَهُنَا نَفْهَمُ لِمَاذَا يَسْتَطِيعُ دَرْوِيشٌ أَنْ يَكْتُبَ عَنِ الْوَطَنِ مِنْ خِلَالِ امْرَأَةٍ، وَعَنِ الْحَرْبِ مِنْ خِلَالِ سَرِيرٍ، وَعَنِ الْحُدُودِ مِنْ خِلَالِ بَابٍ، وَعَنِ الْمَنْفَى مِنْ خِلَالِ رِحْلَةِ عَاشِقَيْنِ.

ثُمَّ تَأْتِي النِّهَايَةُ لِتَضَعَ كُلَّ هَذِهِ الرُّمُوزِ أَمَامَ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّحِيلِ، إذْ تَقُولُ الْقَصِيدَةُ: "وَضَعَتْ مُسَدَّسَهَا الصَّغِيرَ عَلَى مُسَوَّدَةِ الْقَصِيدَةِ"، فَتَجْتَمِعُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ أَدَوَاتُ الْحَرْبِ وَأَدَوَاتُ الشِّعْرِ: الْمُسَدَّسُ وَالْقَصِيدَةُ، الْعُنْفُ وَالْكَلِمَةُ، الْقَتْلُ وَالْإِبْدَاعُ.

ثُمَّ "ورَمَتْ جَوَارِبَهَا عَلَى الْكُرْسِيِّ، فَانْكَسَرَ الْهَدِيلُ" مَا أَبْسَطَ الْمَشْهَدَ وَمَا أَعْظَمَ أَثَرَهُ! إِنَّهَا تَخْلَعُ جَوَارِبَهَا وَتَتْرُكُهَا، لَكِنَّ خُرُوجَهَا لَا يَجْعَلُ شَخْصًا يَغِيبُ فَحَسْبُ، إِنَّهُ يَكْسِرُ الْهَدِيلَ، وَيَكْسِرُ إِيقَاعَ الْمَكَانِ، وَيُعْلِنُ أَنَّ الْغُرْفَةَ بَعْدَ رِيتَا لَنْ تَكُونَ الْغُرْفَةَ نَفْسَهَا.

ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ: "وَمَضَتْ إِلَى الْمَجْهُولِ حَافِيَةً، وَأَدْرَكَنِي الرَّحِيلُ"، وهُنَا يَقُولُ دَرْوِيشٌ إِنَّ رِيتَا رَحَلَتْ، ويَجْعَلُ الرَّحِيلَ قُوَّةً حَيَّةً تُدْرِكُهُ، فكَأَنَّ الرَّحِيلَ كَانَ يَنْتَظِرُ لَحْظَةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ انْقَضَّ عَلَيْهِ.

وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَحْدِيدًا تُخْتَصَرُ الْقَصِيدَةُ كُلَّهَا: امْرَأَةٌ تَمْضِي إِلَى الْمَجْهُولِ، وَرَجُلٌ يَبْقَى فِي قَبْضَةِ الرَّحِيلِ، وَحُبٌّ يَتَحَوَّلُ مِنْ حُضُورٍ جَسَدِيٍّ إِلَى ذَاكِرَةٍ شِعْرِيَّةٍ.

وَهَكَذَا، فَإِنَّ "شِتَاءَ رِيتَا الطَّوِيلَ" هِيَ نَصٌّ تَتَدَاخَلُ فِيهِ طَبَقَاتُ الْحُبِّ وَالْوَطَنِ وَالْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْمَنْفَى وَالْحَرْبِ.

إِنَّ دَرْوِيشَ يَجْعَلُنَا نَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ لِتَجْرِبَةٍ شَخْصِيَّةٍ شَدِيدَةِ الْخُصُوصِيَّةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَامَّةٍ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ الشَّاعِرُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ لِيَنْتَهِيَ إِلَى أَسْئِلَةِ الْكَوْنِ كُلِّهِ.

وَلَعَلَّ جَمَالَ الْقَصِيدَةِ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي أَنَّهَا لَا تَمْنَحُنَا مَعْنًى وَاحِدًا مُغْلَقًا؛ فَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمْسَكْنَا بِرِيتَا وَجَدْنَا وَرَاءَهَا وَطَنًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمْسَكْنَا بِالشِّتَاءِ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ فِرَاقًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمَامَ جَسَدٍ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ أَرْضًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمَامَ حُبٍّ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ حَرْبًا.

وَهَذَا هُوَ سِحْرُ دَرْوِيشٍ بأَنْ يَجْعَلَ الْأَشْيَاءَ تَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ، وَأَنْ يَمْنَحَ اللُّغَةَ قُدْرَةً عَلَى أَنْ تَقُولَ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْكَلِمَاتِ.

إِنَّهُ شَاعِرٌ يَجْعَلُنَا نَرَى الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِعَيْنِ الْوَاقِعِ، وَمَرَّةً بِعَيْنِ الرُّوحِ، وَلِذَلِكَ فَالنَّافِذَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ نَافِذَةً، وَالْبَابُ لَيْسَ بَابًا، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بَحْرًا، وَالشِّتَاءُ لَيْسَ شِتَاءً، وَرِيتَا لَيْسَتْ رِيتَا وَحْدَهَا، فكُلُّ شَيْءٍ يَحْمِلُ ظِلًّا آخَرَ، وَكُلُّ صُورَةٍ تَفْتَحُ بَابًا إِلَى صُورَةٍ أَعْمَقَ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تَقُودُ إِلَى ذَاكِرَةٍ بَعِيدَةٍ.

وَفِي النِّهَايَةِ، رُبَّمَا لَا يَكُونُ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: هَلِ اسْتَطَاعَ الشَّاعِرُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِرِيتَا؟ فَالْقَصِيدَةُ تَقُولُ لَنَا بِوُضُوحٍ إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَفْقِدُ مَنْ يُحِبُّ، وَقَدْ يُغْلَقُ الْبَابُ، وَقَدْ يَطُولُ الشِّتَاءُ، وَقَدْ يُصْبِحُ الْبَحْرُ خَلْفَ الْبَابِ وَالصَّحْرَاءُ خَلْفَ الْبَحْرِ لَكِنَّ هناك شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّحِيلُ أَنْ يَأْخُذَهُ ألا وهو اللُّغَةُ.

لَقَدْ أَخَذَ الرَّحِيلُ رِيتَا مِنَ الْغُرْفَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنَ الْقَصِيدَةِ، وَأَخَذَ الشِّتَاءُ دِفْءَ اللِّقَاءِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُطْفِئَ حَرَارَةَ الذَّاكِرَةِ، وَأَغْلَقَتِ الْجُغْرَافِيَا أَبْوَابَهَا لَكِنَّ الشِّعْرَ فَتَحَ بَابًا آخَرَ لَا تُغْلِقُهُ الْحُدُودُ.

لِهَذَا بَقِيَتْ رِيتَا فِي اللُّغَةِ، وَبَقِيَ الشِّتَاءُ فِي الذَّاكِرَةِ، وَبَقِيَ الْحُبُّ فِي الْقَصِيدَةِ، وَبَقِيَ السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟

وَرُبَّمَا كَانَتْ إِجَابَةُ دَرْوِيشٍ الْأَكْثَرَ جَمَالًا أَنَّ اللِّقَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ دَائِمًا فِي الْمَكَانِ، وَلَا فِي الْجَسَدِ، وَلَا فِي الزَّمَنِ، وَإِنَّمَا قَدْ يَحْدُثُ فِي الْقَصِيدَةِ نَفْسِهَا، هُنَاكَ، إذْ يَسْتَطِيعُ مَا عَجَزَتِ الْحَيَاةُ عَنْ حِمَايَتِهِ أَنْ يَبْقَى، وَيَسْتَطِيعُ الْعَاشِقُ الَّذِي أَدْرَكَهُ الرَّحِيلُ أَنْ يَسْتَعِيدَ حَبِيبَتَهُ بِالْكَلِمَاتِ.

لَقَدْ رَحَلَتْ رِيتَا لَكِنَّ رِيتَا الشِّعْرِ لَمْ تَرْحَلْ، أُغْلِقَ الْبَابُ لَكِنَّ الْقَصِيدَةَ أَبْقَتْهُ مَفْتُوحًا، وطَالَ الشِّتَاءُ لَكِنَّ اللُّغَةَ لَمْ تَبْرُدْ، وَانْتَهَى اللِّقَاءُ لَكِنَّ الشِّعْرَ أَنْقَذَ أَثَرَهُ مِنَ النِّهَايَةِ.

وَهُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ بأَنَّهُ لَا يَهْزِمُ الرَّحِيلَ بِمَنْعِ الرَّحِيلِ، وَإِنَّمَا يَهْزِمُهُ بِمَنْحِ الرَّاحِلِينَ حَيَاةً أُخْرَى دَاخِلَ اللُّغَةِ.

وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ لَعَلَّنَا نَكْتَشِفُ أَنَّ رِيتَا لَمْ تَكُنْ امْرَأَةً تَرْحَلُ فَقَطْ، وَأَنَّ الشِّتَاءَ لَمْ يَكُنْ فَصْلًا يَمُرُّ فَقَطْ؛ فَرِيتَا صَارَتْ ذَاكِرَةً، وَالشِّتَاءُ صَارَ زَمَنًا، وَالْبَحْرُ صَارَ مَسَافَةً، وَالْبَابُ صَارَ حَدًّا بَيْنَ مَا نُحِبُّ وَمَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَبْلُغَهُ.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فَعَلَهُ دَرْوِيشٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لِلْحُبِّ أَنْ يَمُوتَ حِينَما رَحَلَ أَصْحَابُهُ؛ فَأَخْرَجَهُ مِنْ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، وَأَوْدَعَهُ فِي قَصِيدَةٍ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَنَا لِنَحْمِلَهُ فِي ذَاكِرَتِنَا.

رِيتَا رَحَلَتْ، نَعَمْ.. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَرَكَتْهُ لَمْ يَرْحَلْ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟" وَرُبَّمَا كَانَ جَوَابُ دَرْوِيشٍ غَيْرَ الْمُعْلَنِ أَنَّنَا لَا نَلْتَقِي دَائِمًا فِي الْأَمَاكِنِ، سنَلْتَقِي فِي الْكَلِمَاتِ، فِي الذَّاكِرَةِ، فِي قَصِيدَةٍ تُعِيدُ لِمَنْ رَحَلَ صَوْتَهُ، وَلِمَنْ فَقَدَ الْمَكَانَ مَكَانَهُ.

وَلِهَذَا، فَعندما أَقُولُ: "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ"، فَلَا أَعْنِي شِتَاءَ رِيتَا وَحْدَهَا، فأنا أَعْنِي كُلَّ شِتَاءٍ يَدْخُلُ حَيَاتَنَا عندما نَفْقِدُ مَنْ نُحِبُّ، وَكُلَّ بَابٍ يُغْلَقُ فِي وَجْهِ حُلْمٍ، وَكُلَّ بَحْرٍ نَقِفُ أَمَامَهُ وَلَا نَمْلِكُ عُبُورَهُ.

وَلَكِنْ.. إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ طَوِيلًا، فَالْقَصِيدَةُ أَطْوَلُ، وَإِذَا كَانَ الرَّحِيلُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْجَسَدَ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ الذِّكْرَى.

وَإِذَا كَانَ الْبَابُ قَدْ أُغْلِقَ، فَقَدْ فَتَحَ دَرْوِيشٌ بَابًا آخَرَ لَا تُغْلِقُهُ الْحُدُودُ وَلَا الْحُرُوبُ وَلَا الْمَنَافِي، هو بَاب الشِّعْرِ.

وَرُبَّمَا لِذَلِكَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ مَا زِلْنَا نَسْمَعُ رِيتَا تَقُولُ:

"طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ.. "، فَنَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَتَحَدَّثُ عَنِ الشِّتَاءِ.. هي تتحدّث عَنَّا نَحْنُ.

عَنْ كُلِّ حُبٍّ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ، وَعَنْ كُلِّ وَطَنٍ أَغْلَقَتِ الْحُدُودُ أَبْوَابَهُ، وَعَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ وَقَفَ أَمَامَ بَحْرِهِ، وَسَأَلَ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟"

وَهذهِ الْقَصِيدَةُ هِيَ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّحِيلُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَّا.

لِذَلِكَ سَأَخْتِمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: رِيتَا رَحَلَتْ.. وَلَكِنَّ الشِّتَاءَ لَمْ يَنْتَهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحُبِّ يَعْجِزُ عَنِ اللِّقَاءِ فيَتَحَوَّلُ إِلَى قَصِيدَةٍ.. نعم، تَتَحَوَّلُ الْحَيَاةُ إِلَى قَصِيدَةٍ.. فلَا يَعُودُ الرَّاحِلُونَ رَاحِلِينَ.

إنهم ينتقلون من ذاكرة القلب إلى ذاكرة اللغة… ومن هناك، لا يرحلون أبدًا.

***

غدير حميدان الزبون

 

قراءات في وجدان الحب وأسرار الإبداع عند ستة شعراء

قصة حب درويش وريتا: سرد تاريخي وعناق بين العشق والمنفى

لم تكن قصة محمود درويش مع "ريتا" مجرد عاطفة عابرة في سيرة شاعر شاب، بل كانت الزلزال العاطفي والسياسي الذي ترك ندوبه الأبدية على وجدانه وشعره. بدأت الحكاية في منتصف ستينيات القرن الماضي في مدينة حيفا المحتلة. كان درويش شاباً عربياً فلسطينياً يناضل بالكلمة والهوية، ويلتقي سراً بفتاة يهودية بولندية الأصل تُدعى "تمار بن أَمِي"، وهي راقصة باليه كانت تعمل في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كان درويش ناشطاً فيه آنذاك. أطلق درويش عليها اسم "ريتا" في قصائده لحمايتها ولإضفاء طابع سرّي وساحر على هويتها.

عاش الحبيبان قصة عشق شديدة الخصوصية والتعقيد؛ فقد كانا يلتقيان في شقة مهجورة أو مقاهي خفية، بينما كانت جدران مدينة حيفا تعج بتمييز عنصري، وصراع سياسي، وتوتر وجودي طاحن. كان درويش يدرك تماماً استحالة هذا الاستمرار؛ فالتاريخ والوطن والبنادق تقف بالمرصاد لكل خطوة بينهما. وفي عام 1967، ومع اندلاع حرب الأيام الستة وتأزم الأوضاع السياسية، وصلت العلاقة إلى طريقها المسدود وانتهت بالانفصال الحتمي؛ إذ قررت ريتا السفر إلى الخارج (إلى بيروت ثم أوروبا)، لتنتهي قصة الوصل المادي وتبدأ أسطورة الفقد في الذاكرة. من رحم هذا الفراق المؤلم، وُلدت واحدة من أعظم قصائد الحب في الشعر العربي الحديث "ريتا والبندقية".

بَيْنَ رِيتَا وَعُيُونِي.. بُنْدُقِيَّةْ

وَالَّذِي يَعْرِفُ رِيتَا

يَنْحَنِي وَيُصَلِّي

لِإِلَهٍ فِي العُيُونِ العَسَلِيَّةْ !

وَأَنَا قَبَّلْتُ رِيتَا

عِنْدَمَا كَانَتْ صَغِيرَةْ

حين نقف أمام مطلع رائعة "ريتا والبندقية"، يغمرنا درويش في تدفق شعوري مذهل يبدأ حين يضعنا فوراً أمام حاجز الموت ("بين ريتا وعيوني.. بندقية")، ليعكس قسوة الواقع وصراع التاريخ؛ فالمرء هنا لا ينظر إلى معشوقته بحرية، بل تحول السلاح إلى فاصل حارق يتربص بكل نبضة. لكن هذا الحصار لا يكسر روح العشق، بل يدفع الشاعر إلى أعلى درجات الخشوع والتقديس في تقديس الجمال ("والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لاله في العيون العسلية")، محولاً العيون العسلية إلى محراب طاهر يتعالى على بشاعة الحروب والمتاريس. ثم يرتد الزمن إلى ورائه ليبحث عن الطهر الأول والنقاء الخالص في استحضار زمن البراءة المفقودة ("وأنا قبلت ريتا عندما كانت صغيرة")، في محاولة يائسة لحراسة براءة ذلك الحب قبل أن تلوّثه أوزار السياسة وانقسامات العالم.  وبهذا، لم تكن القصيدة مجرد سرد لغرام عابر، بل صاغ منها درويش بياناً إنسانياً عميقاً يهدف إلى أنسنة الآخر في زمن الكراهية، والعمل على فضح عبثية الحرب التي تلتهم أرواح الأبرياء وقصصهم، ليجعل من المقاومة بالذاكرة وجرح الفراق سلاحاً أبدياً للوفاء والبقا

نازك الملائكة والغياب: تراتيل الانتظار وشجن الروح الممتزج بموسيقى التفعيلة الأولى

قصة حب نازك الملائكة: طهارة الروح ورومانسية العذاب الصامت

لم تكن سيرة رائدة الشعر الحر نازك الملائكة كغيرها من سِيَر الشعراء الصاخبة بالعلاقات العاطفية المعلنة أو المغامرات الغرامية؛ فقد عاشت حياتها العاطفية محاطة بهالة من العفاف الرومانسي الصارم، والتعالي الوجداني الذي نبع من تربيتها البغدادية المحافظة وسط عائلة عريقة تُقدس الكلمة. في مطلع حياتها، وإبان كتابتها لديوانها الأول "عشاق الليل" (1947)، كان الحب في وجدانها حالة مثالية خيالية يشبه المواسم الناعمة؛ فلم ترتبط بقصة حب تقليدية مكشوفة، بل كان حبيبها في كثير من الأحيان هو "الكون، والليل، والقمر، والشجن الإنساني المطلق". لقد غلبت على تجربتها مسحة تطهيرية تجعل من العشق تراجيديا صامتة وتراتيل انتظار لا تبحث عن الوصل المادي.

وفي مرحلة لاحقة، استقر قلبها حين التقت برفيق دربها الدكتور عبد الهادي محبوبة، فتزوجا وعاشا معاً رحلة طويلة، وأنجبت منه ابنها "البراق"، لتتحول بوصلة مشاعرها نحو الأمومة. وحين توفي زوجها لاحقاً، أطاحت بها لوعة الفقد النهائي، فخطت أشجن قصائد الرثاء، لتختم حكاية حياة عششت فيها الطهارة وشجن الغياب الأبدي.

كيفَ يلهو بهِ الخيالُ فيمضي

 اللّيلَ سهرانَ غارقاً في مناهْ

صفْ حياةَ الذي استبدّ بهِ الحبّ

فخالَ الحياةَ جَنّةَ سحرِ

ومضى فاتحاً ذراعيهِ للنورِ

 يصوغُ الحياةَ ديوانَ شعرِ

 يلثمُ الزهرَ في الحقولِ ويشدو

للّيالي الحصادِ لحنَ هواهْ

حين نتأمل هذه الأبيات الخالدة، تغمرنا نازك الملائكة في تدفق شعوري شجي يبدأ حين يضعنا فوراً أمام أسرار الحلم وسطوة الوهم في   .كيف يلهو به الخيال فيمضي الليل سهران غارقاً في مناه  . ليعكس مرارة السهد وطغيان الشوق الذي يستحوذ على وجدان المحب؛ فالروح هنا تائهة في محراب الأماني الساهرة. لكن هذا الوجد لا يتوقف عند حدود الشجن، بل يدفع الشاعرة إلى استنطاق الوجع الإنساني في صف حياة الذي استبد به الحب فخال الحياة جنة سحر مصورة روعة الانجراف الكلي خلف سحر البدايات الخادعة. ثم ترتد لتلاحق أثر هذا العشق في ومضى فاتحاً ذراعيه للنور يصوغ الحياة ديوان شعر قبل أن يعود الواقع ليهدئ حماس الروح في     يلثم الزهر في الحقول ويشدو للّيالي الحصاد لحن هواهوبهذا، لم تكن هذه الأبيات مجرد لوحة رومانسية عابرة، بل صاغت منها نازك الملائكة بياناً روحياً وفنياً عميقاً يهدف إلى تأصيل شجن الغياب كحالة إنسانية نبيلة، والعمل على تثوير الموسيقى الشعرية عبر التفعيلة الأولى لتنساب رقة وبكاءً دون قيد، ليصبح الانتظار المقاوم سلاحاً أبدياً للروح في وجه عصف الزمان.

نزار قباني وبلقيس الراوي: العشق الذي توجته الحياة وختمته مأساة الفقد الكبرى والمرثية الخالدة

قصة حب نزار وبلقيس: سرد تاريخي بين المجد والدمار

لم تكن قصة الشاعر السوري الكبير نزار قباني وزوجته العراقية بلقيس الراوي مجرد قصة حب عادية، بل كانت إحدى أعمق وأفجع الحكايات في تاريخ الأدب العربي الحديث. بدأت الحكاية في عام 1962 حين لفتت بلقيس أنظار نزار أثناء إحدى أمسياته الشعرية في بغداد؛ إذ كانت تعمل في السفارة العراقية وحضرت الأمسية لتدير حواراً شعرياً. وقع نزار في غرامها من الوهلة الأولى، وبدأ رحلة طعن في المستحيل للاقتراب منها، وسط تعقيدات سياسية واجتماعية هائلة في ذلك الوقت، لكونها عراقية الأصالة من عائلة بغدادية معروفة. لم يستسلم نزار لرفض أهلها الأولي، وظل يراسلها ويطرق الأبواب حتى توج قصة حبهما بالزواج عام 1969. أنجبا طفليهما "عمر" و"زينب", وعاشا معاً سنوات من الاستقرار الإبداعي والعاطفي الباذخ، حيث كانت بلقيس هي الملهمة، والصديقة، والشارحة لفكره، والبيت الدافئ الذي استقر فيه طائر الدوران والترحال. لكن المأساة الكبرى حلت في 15 ديسمبر 1983، حين وقع الانفجار الإرهابي الهائل الذي استهدف السفارة العراقية في بيروت، وكانت بلقيس تعمل فيها؛ لتفارق الحياة في تلك اللحظة المفجعة. لقد قتل الانفجار نصف نزار العاطفي، وترك في روحه جرحاً أبدياً لا يندمل، فكتب فيها أعظم وأوجع مرثية في الشعر العربي الحديث "بلقيس"، معلناً فيها موت الشعر وفناء الفرح بعد رحيلها.

شكراً لكم ..

شكراً لكم

فحبيبتي قتلت ..

 وصار بوسعكم

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت ..

وهل من أمـةٍ في الأرض

.. إلا نحن تغتال القصيدة ؟

بلقيس

 كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

 بلقيس ..

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي

 ترافقها طواويسٌ

 وتتبعها أيائل..

 بلقيس .. يا وجعي

 ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى .. من بعد شعرك  سوف ترتفع السنابل ؟

حين نتأمل هذه الأبيات الفاجعة من مرثية "بلقيس"، يغمرنا نزار قباني في طوفان من الأسى البليغ الذي يبدأ حين يواجه الجناة بصرخة عتب ووجع في (شكراً لكم.. فحبيبتي قتلت وصار بوسعكم أن تشربوا كأساً على قبر الشهيده)، ليعكس هول الصدمة ووحشية الجريمة التي أطفأت رمز النقاء والحياة. ثم يرتقي بذكرها في لوحة عراقية ساحرة تربط بين أجمل الملكات في تاريخ بابل وأطول النخلات في أرض العراق، لتتحول بلقيس إلى الوطن والذاكرة والقصيدة معاً. لكن هذا الفقد العظيم يدفع الشاعر إلى استنطاق ضمير الأمة والتاريخ في (أين السموأل والمهلهل والغطاريف الأوائل؟ فقبائل أكلت قبائل..)، متسائلاً بمرارة عن عبثية الواقع ومصير البطولة بين أنقاض العنف. وبهذا، لم تكن المرثية مجرد بكاء على رفيق الدرب، بل صاغ منها نزار بياناً إنسانياً وفنياً موجعاً يهدف إلى خلود العشق في وجه العنف، والعمل على فضح غطرسة الإرهاب والموت الذي يغتال الأبرياء، ليجعل من المرثية الأبدية سلاحاً للذاكرة والوفاء الذي لا يموت.

فدوى طوقان: الحب المكبوت الذي تحول إلى ثورة على القيود والاحتلال والتقاليد

قصة حب فدوى طوقان: سرد تاريخي بين قمع الأسرة ووجع الوطن

لم تكن سيرة شاعرة فلسطين الكبيرة فدوى طوقان ("خنساء فلسطين") حكاية عاطفية تقليدية، بل كانت مسيرة تراجيدية قاسية ومذهلة تحول فيها الحب المكبوت والمهزوم إلى طاقة ثورية جبارة هدمت جدران الحريم واقتحمت ميادين النضال الوطني. نشأت فدوى في مدينة نابلس الجبلية وسط عائلة صارمة ومحافظة للغاية؛ حيث كانت المرأة فيها ممنوعة من التعليم الواسع، ومحاطة بسياج حديدي من التقاليد العشائرية القاسية التي تعتبر صوت الأنثى عورة ووجودها تبعياً.  في مطلع شبابها، عاشت فدوى تجربة حب سرية ومبكرة حطمتها الأعراف الاجتماعية بعنف؛ إذ تم قمع تلك المشاعر البريئة بقسوة بالغة، وعاشت سنوات طويلة أسيرة جدار الغرفة المظلم والعزلة المفروضة. لكن نقطة التحول الكبرى في حياتها جاءت بفضل شقيقها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان، الذي اكتشف موهبتها الفذة، وأخذ بيدها نحو عالم القراءة والكتابة، ليكون نافذتها الأولى على الهواء والحرية.  وحين توفي إبراهيم، تركت صدمة رحيله جرحاً عميقاً تضاعف مع نكبة عام 1948 واحتلال وطنها. لم تسقط فدوى في فخ اليأس، بل حولت الحب المحروم والألم الشخصي الدفين إلى وقود ثوري عارم؛ فكتبت عن الحب، والجسد المحروم، والوطن السليب، والقيود الاجتماعية بجرأة غير مسبوقة في الأدب العربي، لتنتقل من قفص العزلة والاضطهاد الأسري إلى رحاب المقاومة والحرية الشاملة.

كَفاني أموتُ عليها وأدفنُ فيها

وَتَحْتَ ثراها أذوبُ وأفنى

وَأبعثُ عشباً على أرضِها

وَأبعثُ زهرةً إليها

تعبثُ بها كفُّ طفلٍ نمتهُ بلادي

كَفاني أظلُّ بحضنِ بلادي

تراباً، وعشباً، وزهرة

حين نتأمل هذه الأبيات الخالدة من قصيدة فدوى طوقان، تغمرنا الشاعرة في فيض من العشق الصوفي والوجودي للوطن الذي يبدأ حين تضعنا فوراً أمام أقصى درجات التماهي والفناء في (كفاني أموت عليها وأدفن فيها وتحت ثراها أذوب وأفنى)، ليعكس الرغبة المطلقة في الاندماج الكامل بتراب الأرض طهارةً وخلوداً. ثم تتصاعد الروح لتتحول إلى حياة متجددة في (وأبعث عشباً على أرضها وأبعث زهرة إليها تعبث بها كف طفل نمته بلادي . لتلتحم الطفولة بالأرض في أطهد أواصر الانتماء. وتنتهي الملحمة بهذا اليقين الدافئ في (كفاني أظل بحضن بلادي تراباً، وعشباً، وزهرة وبهذا، لم تكن هذه الأبيات مجرد تعبير عن حب جارف، بل صاغت منها فدوى طوقان بياناً وجودياً ونضالياً عميقاً يهدف إلى تحرير الأنثى والروح من قيود العزلة والاستبداد، والعمل على التحام الذات بتراب الوطن كأرقى أشكال المقاومة، ليصبح الحب الأبدي للأرض سلاحاً في وجه الموت والنسيان.

غادة السمان (ومحيطها الثقافي والأدبي): حب الحرية والتمرد وسط صقيع المدن الكبرى وغربتها

قصة حب غادة السمان وثورتها: سرد تاريخي بين دمشق وصقيع المهجر

لم تكن سيرة الكبيرة غادة السمان مجرد حكاية أدبية عابرة، بل كانت ملحمةً للحرية المطلقة، والتمرد المشتعل، والرفض القاطع لكل قيود البيئة الشرقية والتقاليد البالية. نشأت غادة في دمشق وسط بيئة ثقافية وعلمية منفتحة نسبياً (فهي ابنة الدكتور أحمد السمان رئيس جامعة دمشق وزعيمها الفكري)، مما منحها قاعدة صلبة من الثقافة والجرأة، لكنها صفعت المجتمع والأعراف حين قررت أن تخوض غمار الأدب والصحافة بلسان أنثوي جريء يرفض التدجين والمواربة. في مسيرتها العاطفية والإنسانية، لم ترتبط غادة بقصة حب تقليدية مستقرة، بل كان حبها الأكبر هو "الحرية وحق الرفض". عاشت تجارب عاطفية عميقة وموجعة، وانتقلت من دمشق إلى بيروت (التي شكلت معمل إبداعها الذهبي ومحيطها الأدبي والفكري الصاخب)، ثم إلى صقيع المدن الكبرى في أوروبا (وخاصة باريس ولندن وجنيف). وفي تلك المنافي الباردة، وسط غربة المدن الكبرى وصقيعها الروحي، تحولت قصص حبها إلى مواجهات وجودية حارقة؛ فكانت تكتب عن العشق بوصفه ثورة على الوحدة، وعن اللقاء الإنساني بوصفه محاولة فاشلة أحياناً وناجحة أحياناً أخرى لترميم روح المغترب.  لم تنطفئ جذوة تمردها يوماً؛ بل أسست دار نشر خاص بها، وفضلت الاستقلال المادي والفكري التام، رافضة أن تُحشر في أي قفص حزبي أو عائلي، لتظل أيقونة للرومانسية المتمردة التي تتنفس حرية وتكتوي بنار الغربة والاشتياق الأبدي للوطن والجسد والحرية.

أتذكر أيامي معك كمن يرى الأشياء عبر نافذة قطار مسرع

: نائية وجميلة والقبض عليها مستحيل من وقت إلى آخر

 فلنعد أطفالا

 ولنحزن بلا كبرياء زائف

يوم احتضر

سأفكربتلك اللحظة المضيئة

حين وقفنا في الظلمة

على شرفة القرار

وقلت لي بحقد : أحبك

سأتذكر صوتك

وسيجيء الموت عذبا

ويضمني كرحم الفرح المنسي

 وسأهمس بحقد مشابه : آه كم أحببتك!

حين نتأمل هذه الكلمات النابضة بصدق الوجع الإنساني من أدب غادة السمان، تغمرنا في فيض من الشجن الوجودي الذي يبدأ حين تضعنا فوراً أمام قسوة الفراق والزمن في (أتذكر أيامي معك كمن يرى الأشياء عبر نافذة قطار مسرع: نائية وجميلة والقبض عليها مستحيل)، ليعكس استحالة استعادة ما تمضي به الحياة. ثم تتصاعد مشاعر التمرد على زيف الواقع في (فلنعد أطفالا ولنحزن بلا كبرياء زائف)، لتصل إلى ذروتها في تلك المفارقة العاطفية المذهلة حين يختلط الموت بالحب في (حين وقفنا في الظلمة على شرفة القرار وقلت لي بحقد: أحبك.. وسيجيء الموت عذبا.. آه كم أحببتك!. وبهذا، لم تكن هذه الكلمات مجرد خواطر عابرة، بل صاغت منها غادة السمان بياناً أدبياً وفكرياً يهدف إلى تحرير الروح من قيود العقلانية والزيف، والعمل على مواجهة الفراق وصقيع الوحدة بصدق العاطفة المطلقة، ليصبح الاعتراف بالحب حتى في أقسى لحظاته هو العنوان الأبدي لحياة لا تقبل النصف حلول.

بدر شاكر السياب و"لافيه" أو ذكريات جيكور: شقاء العاطفة الذي تفجر أنهاراً من الحنين و"أنشودة مطر" خالدة

قصة حب السياب و"لافيه": سرد تاريخي بين جيكور وصقيع المرض والمنفى

لم تكن سيرة رائد الشعر الحر الكبير بدر شاكر السياب سوى رحلة طويلة من الشقاء المعذب، والحنين الجارف، والبحث الدائم عن الدفء وسط عواصف المرض والغربة والفقر. نشأت جذور وجده الأولى في قريته الوضيئة جيكور في جنوب العراق، حيث تفتحت عيناه على بساتين النخيل وجداول الماء التي ستصبح لاحقاً المفردات الأساسية لقصائده الخالدة. في حياته العاطفية، عاش السياب حبًا مبكراً وموجعاً لشخصية حفرت في وجدانه عميقاً، وهي الفتاة التي رمز إليها أحياناً باسم "لافيه" أو تلك الحبيبة المستحيلة التي شكلت في وعيه الشعري رمزاً للسلام والبعث والجمال البعيد. لم تكن علاقاته العاطفية صاخبة أو هادئة، بل كانت محفوفة بمرارة الحرمان والاشتعال الداخلي؛ فكل امرأة أحبها أو تمنّاها تحولت في مخيلته إلى تجسيد لروح جيكور السليبة. وحين داهمه المرض العضال ونفيه السياسي القاسي بين بيروت والكويت ولندن، تضاعفت لوعة الفراق. لقد تحول جسده النحيل إلى ساحة حرب بين الألم والذاكرة، فلم يجد سلاحاً يواجه به صقيع المنافي والموت القريب سوى تفجير دموعه وأشواقه أنهاراً من الشعر الخالد؛ فكتب "أنشودة المطر" التي امتزجت فيها قطرات المطر العراقي بدموع الحنين والوجع الإنساني المطلق، ليخلد العشق والألم في آنٍ واحد.

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر

عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم

وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر

يرجُّهُ المجذافُ وَهْناً ساعةَ السحر...

كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم

أوتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف

كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء

دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف

والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء

حين نتأمل هذه الأبيات الخالدة من "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب، تغمرنا الشاعلية الحزينة في فيض من الوجد الذي يبدأ حين يضعنا الشاعر أمام سحر العيون وسطوة الذاكرة في (عيناك غابتا نخيل ساعة السحر، أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر)، ليعكس رهافة الحنين وسط ليل الاغتراب. ثم تتصاعد مأساة الروح حين تغرق العيون في ضباب من الأسى والدموع، لتلتحم متناقضات الوجود من موت وميلاد وظلام وضياء في رعشة البكاء التي تشبه (نشوة الطفل إذا خاف من القمر). وتنتهي الملحمة بتدفق قطرات المطر وكركرة الأطفال لتغدو أنشودة أبدية للبعث والرجاء. وبهذا، لم تكن هذه الأبيات مجرد وصف للمطر، بل صاغ منها السياب بياناً وجدانياً وفنياً عميقاً يهدف إلى تخليد جيكور وحنين المنفى كقضية وجودية، والعمل على تفجير طاقات الموسيقى الشعرية عبر التفعيلة لتلامس وجع الأرض والإنسان، ليصبح الحق في البقاء والحنين هو السلاح الأخير في وجه الموت والنسيان.

***

ئاريان علي

الترفيل والتسبيغ والتذييل بين صرامة الإيقاع ومرونة الشعر

يُعَدُّ علمُ العَروض أحدَ أجلِّ العلوم التي أبدعتها العربية في مجال ضبط الإيقاع الشعري وصيانة موسيقاه، فهو العلم الذي انتقل بالشعر من دائرة الذوق السمعي المحض إلى فضاءٍ من التنظيم المنهجي الذي يكشف هندسةَ الإيقاع، ويضبط علاقات المقاطع والتفعيلات، ويميّز بين ما يستقيم في الوزن وما يختلّ فيه. وقد وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أصول هذا العلم، مستقرئاً الشعر العربي الفصيح، كاشفاً أن وراء تنوع القصائد نظاماً إيقاعياً عميقاً يقوم على التفعيلات والبحور والزحافات والعلل.

وليس العَروض، في جوهره، علماً للقيود كما قد يتوهم بعض الدارسين، وإنما هو علمٌ لبيان مرونة الإيقاع داخل نظامه؛ إذ لم يكن الشعر العربي القديم محكوماً بجمودٍ آلي، بل كان يمتلك قدرةً مذهلة على المناورة الصوتية، والإبدال الإيقاعي، والتخفيف، والزيادة، من غير أن يفقد هويته الوزنية. ومن هنا تبرز أهمية الزحافات والعلل، وبخاصة التذييل والترفيل، بوصفها ظواهر تكشف عن عبقرية النظام العروضي العربي وثرائه.

أولاً: الزحاف، حركة الإيقاع في جسد التفعيلة:

الزحاف في اصطلاح العروضيين تغييرٌ يطرأ على ثواني الأسباب في التفعيلة، وهو في الغالب تغيير غير لازم؛ فقد يأتي في بيت ولا يأتي في آخر، وقد يقع في بعض أبيات القصيدة دون بعض.

وهذه الخاصية تمنح الشعر العربي قدرةً على التنفس الإيقاعي؛ فالوزن لا يبقى أسير صورة واحدة، وإنما يحتفظ بهويته الكبرى مع السماح ببعض التحويرات الداخلية.

ومن أشهر الزحافات:

الخَبْن، وهو حذف الثاني الساكن، مثل انتقال فاعلاتن إلى فعلاتن.

والطي، وهو حذف الرابع الساكن، مثل انتقال مستفعلن إلى مستعلن.

والقبض، وهو حذف الخامس الساكن، كما في انتقال فعولن إلى فعولُ.

والكف، وهو حذف السابع الساكن، مثل انتقال فاعلاتن إلى فاعلاتُ.

وهذه التحولات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عمليات حسابية مجردة، وإنما بوصفها آلياتٍ موسيقية تُعيد توزيع الحركة والسكون داخل النسيج الشعري.

ثانياً: العِلّة؛ التحول في أطراف البناء الوزني:

إذا كان الزحاف يمثل في كثير من صوره حركةً داخل التفعيلة، فإن العلّة ترتبط غالباً بأطرافها، ولا سيما في العَروض والضرب.

والعلل أكثر ارتباطاً ببنية البيت النهائية؛ ولذلك تبدو آثارها في إيقاع القفلة الشعرية أوضح من آثار الزحاف. وقد تكون العلة بالزيادة، وقد تكون بالنقص.

ومن علل الزيادة المشهورة: التذييل، والتسبيغ، والترفيل.

أما علل النقص فمنها: الحذف، والقطع، والقصر، والبتر وغيرها.

وتكشف هذه العلل عن حقيقة أساسية في العَروض العربي، هي أن الشاعر يستطيع أن يغيّر البنية الجزئية للتفعيلة من أجل تحقيق إيقاع يتلاءم مع حركة المعنى، من غير أن يخرج بالقصيدة عن جنسها الوزني.

ثالثاً: التذييل؛ امتداد الصوت الساكن:

التذييل من علل الزيادة، ومعناه عند العروضيين زيادة حرف ساكن في آخر التفعيلة.

ومن أمثلته ما يقع في مستفعلن، فتصير:

مستفعلنْ - مستفعلانْ

وتظهر قيمة التذييل في أنه يمنح التفعيلة امتداداً صوتياً عند نهايتها، فينشأ عن ذلك إيقاع أكثر انفتاحاً وأطول نفساً.

ومن الناحية الصوتية، فإن الحرف الساكن الزائد لا يأتي عبثاً؛ إذ يؤدي وظيفةً إيقاعية تتمثل في إطالة المقطع الأخير، ومن ثم تغيير زمن النطق بالتفعيلة.

وهنا تتقاطع العَروضيات مع علم الأصوات؛ فالمسألة ليست زيادة حرف مكتوب فحسب، وإنما زيادة زمنية في الأداء، تتصل بالعلاقة بين الحركة والسكون وطول المقطع.

رابعاً: الترفيل؛ زيادة السبب الخفيف:

أما الترفيل فهو من علل الزيادة، ويقوم على زيادة سبب خفيف في آخر التفعيلة.

والسبب الخفيف في اصطلاح العروضيين يتكون من:

متحرك زائد ساكن

أي إنه يمثل وحدة صوتية قصيرة مكتملة البنية.

ومن أشهر مواضع الترفيل ما يقع في تفعيلة الكامل:

متفاعلن - متفاعلاتن

فتكتسب التفعيلة سبباً خفيفاً في نهايتها.

وهذه الزيادة تجعل التفعيلة أطول من صورتها الأصلية، وتمنحها امتداداً إيقاعياً واضحاً، ولذلك يمكن النظر إلى الترفيل باعتباره تقنية عروضية تؤدي إلى توسيع المدى الموسيقي للتفعيلة.

والترفيل بهذا المعنى ليس مجرد «زيادة» في عدد المقاطع، بل هو إعادة تشكيل للزمن الإيقاعي. فالشعر، في جوهره، ليس عدداً من الحركات والسكنات فحسب، وإنما هو زمن لغوي منظم.

خامسًا: الفرق بين التذييل والترفيل

قد يلتبس التذييل بالترفيل؛ لأن كليهما من علل الزيادة، غير أن بينهما فرقًا جوهريًا:

التذييل: زيادة حرف ساكن واحد.

الترفيل: زيادة سبب خفيف، أي مقطع مكوّن من متحرك وساكن.

ومن ثم فإن التذييل يضيف عنصرًا ساكنًا إلى نهاية التفعيلة، في حين أن الترفيل يضيف وحدة إيقاعية كاملة.

وهذا الفرق الصغير في المصطلح كبير في الأثر الموسيقي؛ لأن الزيادة في التذييل أضيق زمنًا من الزيادة الناشئة عن الترفيل.

سادسًا: بين الزحاف والعلة؛ نظام الحركة داخل الوزن

يمكن القول إن الزحاف والعلة يمثلان وجهين متكاملين في النظام العروضي.

فالزحاف غالبًا أكثر حرية وأقل لزومًا، بينما العلة ترتبط بالبنية النهائية للتفعيلة، وقد تكون أكثر ثباتًا بحسب نوعها وموقعها.

ومن هنا يستطيع الباحث أن يرى في الزحاف مرونةً داخلية، وفي العلة تحولًا بنيويًا.

والشاعر المتمكن لا يتعامل مع هذه الظواهر باعتبارها قوانين جامدة فحسب، وإنما يستثمر إمكاناتها الموسيقية؛ فقد يأتي الزحاف ملائمًا لسرعة الانفعال، وقد تأتي العلة ملائمة لإيقاع القفلة، وقد يؤدي التذييل إلى إبطاء النهاية، بينما يخلق الترفيل امتدادًا صوتيًا يسمح للنفس الشعري بأن يتسع.

سابعًا: المنظور اللغوي والنحوي في الظاهرة العروضية

لا يمكن فصل العَروض عن اللغة؛ فالتفعيلة لا تتشكل في فراغ، وإنما تنشأ من مادة لغوية هي الكلمات والتراكيب.

وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ تقوم بنيتها الصوتية على نظام دقيق من الحركات والسكنات، مما جعلها قابلةً لأن تُبنى عليها منظومة عروضية شديدة الدقة.

وقد يتطلب الوزن أحيانًا وصلًا أو قطعًا أو إشباعًا أو حذفًا صوتيًا في الأداء، وهو ما يجعل الدرس العروضي متصلًا اتصالًا وثيقًا بالنحو والصرف والصوتيات.

فاللغة العربية ليست مجموعة كلمات فحسب، بل هي نظام من المقاطع الصوتية التي تتآلف في الكلام، ويعيد الشعر تنظيمها داخل نسق إيقاعي مخصوص.

ولهذا فإن سلامة الوزن لا تعني سلامة الإعراب وحدها، كما أن سلامة الإعراب لا تكفي وحدها لصناعة الوزن؛ إذ قد يكون التركيب صحيحًا نحويًا، لكنه غير مستوفٍ للبنية الإيقاعية المطلوبة.

ثامنًا: العَروض بوصفه هندسةً للصوت والمعنى

إذا نظرنا إلى العَروض من زاوية أوسع، وجدناه نوعًا من الهندسة الصوتية التي تتداخل فيها اللغة والموسيقى والدلالة.

فالقصيدة لا تقوم على الكلمات وحدها، ولا على الوزن وحده، وإنما على علاقة مركبة بين:

الصوت، والحركة، والسكون، والزمن، والدلالة، والانفعال.

ومن هنا تصبح الزحافات والعلل أكثر من مجرد مصطلحات مدرسية؛ إنها أدوات تكشف كيفية اشتغال الموسيقى الداخلية للقصيدة.

فالخبن، والطي، والقبض، والكف، والتذييل، والترفيل ليست تغييرات اعتباطية، وإنما هي إمكانات يوفرها النظام العروضي للشاعر لكي يحقق تنويعًا في الأداء، ويمنح البحر الواحد وجوهًا متعددة من الحيوية.

تاسعًا: الخليل بن أحمد وعبقرية التقعيد

تكمن عظمة الخليل بن أحمد في أنه لم يخترع الشعر، وإنما اكتشف النظام الكامن وراء الشعر العربي، ثم صاغه في صورة علمية قادرة على وصف ظواهره.

وقد مكّنه استقراؤه الواسع من الكشف عن البحور والتفعيلات والدوائر العروضية، ومن ثم أصبح الشعر العربي قابلًا للدراسة من منظور إيقاعي منظم.

إن العَروض الخليلية، بهذا المعنى، ليست سجنًا للشاعر، وإنما خريطةٌ للإيقاع؛ يستطيع الشاعر أن يتحرك في فضائها، وأن يستثمر إمكاناتها، وأن يخلق التنويع داخل الثبات.

إن دراسة الزحافات والعلل، ولا سيما التذييل والترفيل، تكشف أن العَروض العربي أكثر مرونة وثراء مما قد توحي به القواعد المجردة.

فالوزن ليس قالبًا صامتًا، وإنما كيان حيّ يتنفس بالحركة والسكون، ويكتسب جماله من التوازن بين النظام والانحراف المحسوب، وبين الثبات والتنوع.

وإذا كان الزحاف يمنح التفعيلة مرونةً في داخلها، فإن العلة تمنحها إمكاناتٍ أوسع للتحول، ويأتي التذييل ليضيف امتدادًا ساكنًا إلى نهايتها، بينما يفتح الترفيل أمامها مجالًا لزيادة سبب خفيف يوسّع زمنها الإيقاعي.

ومن هنا يمكن القول إن الزحاف والعلة هما من أسرار الحيوية في الشعر العربي؛ فبفضلهما لا يبقى الوزن صورةً واحدة متحجرة، بل يتحول إلى طاقة موسيقية قابلة للتشكيل، تحفظ للقصيدة هويتها العروضية، وتمنحها في الوقت نفسه حريةً داخلية تجعل الإيقاع قادرًا على ملامسة المعنى والانفعال.

وهذه هي إحدى أعمق خصائص الشعر العربي: أن النظام لا يلغي الحرية، وأن القاعدة لا تقتل الجمال، وأن الانضباط الإيقاعي يمكن أن يكون، مصدرًا من مصادر الخلق والابتكار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءةٌ في سؤال السلطة والوطنِ عند الجواهري

ثمة قصائد لا تشيخ؛ لا لأن الزمن توقف عندها، وإنما لأن الأسئلة التي طرحتها في وقتها، لم تجد إلى الآن جواباً نهائياً. وكلما تبدلت الوجوه، وتغيرت أسماء الحكام، وتبدلت الشعارات، عادت تلك القصائد لتضع أيديها على الجرح نفسه، وكأنها كُتبت بالأمس لا قبل عقود...!!

ومن هذا النوع قصيدة لشاعر العرب الأكبر الراحل محمد مهدي الجواهري، عنوانها: «سبحان من خلق الرجال»* قالها قبل أكثر من مائة عام، أي في أوائل تأسيس الدولة العراقية، وبالتحديد في عام 1924. وهي قصيدة تبدو في ظاهرها هجاءً سياسياً غاضباً، لكنها في عمقها أبعد من ذلك بكثير؛ إنها قصيدة تسأل سؤالاً يكاد يكون أبدياً: ماذا يحدث للوطن حين يتولى أمره رجال لا يستحقونه؟ هذا السؤال أرجأ الجواهريُّ الإجابةَ عنه، وبدأ خطابه الشعري لا بالحديث عن السلطة، ولا عن الحاكم، ولا عن الفساد، وإنما يبدأ بالوطن:

«يا للرفاقِ لموطنٍ لجّوا به

حتى ازدرى أخلاقَه فتخلّقا»

إنه وطنٌ بلغ به العبثُ السياسيُّ مبلغاً جعله في صورةٍ من الإحباط يكاد يزدري أخلاقه. وكأن الخراب لا يبدأ حين تُنهب الثروة أو تُهدر المؤسسات، وإنما يبدأ في مكان أكثر عمقاً: حين تختل المعايير التي يُقاس بها الصواب والخطأ، وحين تصبح الأخلاق عبئاً على من يريد أن يمارس السلطة. وهنا تكمن إحدى أفكار الجواهري الكبرى: الفساد السياسي ليس في المال وحده؛ بل في فساد معيار الاختيار أولاً، وذلك حين لا يعود السؤال: «من الأكفأ؟» أو «من الأنزه؟» أو «من الأقدر على حمل الأمانة؟»، وإنما يصبح السؤال: «من الأكثر نفوذاً؟ ومن الأكثر قدرةً على جمع الأنصار؟ ومن يملك المال والقوة والحماية؟» فإن الوطن يكون قد بدأ رحلة انحداره، حتى لو بقيت مؤسساته قائمة، وبقيت شعارات الوطنية مرفوعة؛ ولهذا يقول الجواهري:

«فإذا نزتْ همجٌ إلى طمعٍ نزا

أو صفّقتْ فيه قرودٌ صفقا»

إنها صورةٌ ساخرةٌ وقاسيةٌ في آن. فالجواهري لا يرى المشهد السياسي ساحةً لتنافس الأفكار والمشروعات، بل يرى الطمع وقد أصبح قوةً دافعةً، والتصفيق وقد أصبح وظيفة، والجموع وقد تحولت إلى جمهور يصفق لما يُعرض عليه. وهذه واحدة من أكثر صور القصيدة قابليةً للقراءة في حاضرنا؛ لأن السياسة حين تتحول إلى منظومة مصالح، لا يعود التصفيق مجرد تعبير عن الإعجاب، وإنما يصبح أحياناً جزءاً من آلية إنتاج السلطة نفسها. فصاحب القرار يحتاج إلى من يصفق، والمصفق يحتاج إلى ما يحصل عليه من صاحب القرار، وهكذا تنشأ دائرة مغلقة تنشأ من سلطة تمنح لمن يصفق لها وينضوي تحت إرادتها، وجمهور يبرِّرُ لها أخطاءها ويُمجِّد إنجازاتها الوهمية، والرابط بين الطرفين هي المصلحة الآنية وإن كانت على حساب المصلحة الوطنية العامة.

ومن هنا يأتي بيت أكثر عمقاً:

«تركَ القريبَ من الصلاحِ ففاته

ورجا البعيدَ من الظنونِ فأخفقا»

في هذا البيت تتجسّد المأساة في نظر الجواهري من أنًّ صلاح حال الشأن السياسي ليس غير موجود دائماً، فقد يكون موجوداً ثم يُترك، بينما تُمنح الثقة لمن لا يستحقها. وهذا يضعنا أمام قضية تتجاوز الجواهري وزمنه وهي تتعلق بكيفية اختيار الأمم لرجالها؟ فالدول لا تنهض بمجرد وجود الكفاءات، وإنما بقدرتها على الوصول إلى هذه الكفاءات، وإسناد المسؤولية إليها، وحمايتها من أن تُقصى لصالح أصحاب الولاء أو النفوذ أو المال. وقد يكون في المجتمع ألف رجل صالح وكفء، لكن الخلل يبدأ حين يصبح النظام السياسي غير قادر على رؤيتهم، أو غير راغب في رؤيتهم.

ومن هنا أفهم البيت الأشهر في القصيدة:

«سبحانَ من خلقَ الرجالَ فلم يجدْ

رجُلاً يحقُّ لموطنٍ أن يُخلَقا»

وهنا ليس الجواهري بصدد البحث عن «الرجل» بمعناه الجسدي أو الذكوري، وإنما عن الرجل الذي تتوافر فيه أهلية المسؤولية. والذي يستطيع أن يحمل وطناً لا أن يحمل الوطن عليه. والذي يرى المنصب تكليفاً لا غنيمة، والسلطة أمانة لا ملكية خاصة، والمال العام حقاً للناس لا مورداً لتعظيم النفوذ. هذه المعاني التي لم يجد الجواهري في عصره من تتمثل فيه، ما جعله من شدة مرارة المفارقة لا يقول إن الرجال انعدموا، بل يقول إن الله خلق الرجال ولم يجد من بينهم «رجلاً يحقُّ لموطن أن يُخلقا»؛  وكأنَّ أزمة الوطن ليست في قلة الأجساد، وإنما في ندرة الصفات التي تجعل الإنسان جديراً بأن يُؤتمن على مصير الآخرين.

ثم يقدم لنا الشاعر، في بيت واحد، ثلاثة نماذج من الرجال الذين يمكن أن تُسند إليهم الأمور:

«ما إن يزالُ مرشّحاً لأموره

متجبّراً أو طامعاً أو أحمقا»

وهنا تصبح القصيدة أشبه بتشريحٍ سياسيٍّ. فـ (المتجبِّر) يريد السلطة؛ لأنها تمنحه القدرة على إخضاع الآخرين. و (الطامع) يريدها لأنها تمنحه ما يطمح إليه من مال أو نفوذ أو امتياز. أما (الأحمق) فربما لا يريد الشر أصلاً، لكنه يملك السلطة من دون أن يملك شروط إدارتها. فإذا اجتمعت هذه الصفات الثلاثةُ في شخصٍ واحد، فهنا لا يعود الوطن أمام مشكلة مسؤولٍ سيِّئ، وإنما أمام كارثةٍ سياسيةٍ مكتملةِ الأركان: قوةٍ بلا أخلاق، ومصلحةٍ بلا شبع، وقرارٍ بلا حكمة.

لكن الجواهري لا يتوقف عند وصف المرض، بل يصل إلى تشخيصه:

«وطني وداؤك أنفُسٌ مملوءةٌ

جشعاً فمَنْ لي أن تُبِلَّ وتُفرِقا»

وهذا، في تقديري، من أكثر أبيات القصيدة التصاقاً بفلسفة الجواهري السياسية. فهو لا يقول إن داء الوطن الفقر، ولا الاحتلال وحده، ولا قلة الموارد، ولا ضعف الإمكانات. إنه يقول بوضوح: «داؤك أنفس مملوءة جشعاً». أي الجشع الذي يدفع صاحبه ليفعل كلَّ     شيءٍ لأجل إرضاء نفسه على حساب الوطن، وهنا تتحول القصيدة من هجاء سياسي إلى نقد أخلاقي عميق للسلطة. فالفساد، في جذره الأول، ليس قانوناً فاسداً فقط؛ إنه نفس جشعة تجد في القانون فرصةً للالتفاف عليه. وليس المشكلة في غياب المال؛ فقد يكون البلد غنياً وتكون نفوسُ من يديرونه أفقر ما تكون إلى القناعة. وليست المشكلة في كثرة الموارد؛ فقد تتحول الموارد نفسها إلى وقود للفساد إذا كانت النفوس التي تديرها لا ترى فيها إلا فرصة للاغتناء.

وهنا تلتقي أخلاق الفرد بأخلاق الدولة. فالذي يدخل السياسة بعقلية الغنيمة سيحوّل المؤسسة إلى غنيمة، والذي يدخلها بعقلية الثأر سيحوّل الدولة إلى ساحة تصفية حسابات، والذي يدخلها بعقلية الولاء الضيق سيجعل الوطن تابعاً لما هو أضيق منه؛ ولذلك يقول الجواهري:

«بلوى الشعوبِ مخادعون إذا ادّعوا

للنُصحِ كذّبتِ الفعالُ المنطقا»

وهذا البيت ربما يكون أكثر أبيات القصيدة حداثة؛ لأنَّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس المسؤول السيئ فحسب، وإنما المسؤول الذي يتقن الحديث عن الإصلاح وهو يمارس نقيضه؛ فالخطاب السياسي يستطيع أن يقول كل شيء: وطنية، إصلاح، عدالة، إنصاف، محاربة الفساد، حماية الشعب، بناء الدولة. لكن ثمة شيئاً واحداً لا يستطيع الخطاب أن يخفيه طويلاً: النتيجة؛ ولهذا يجعل الجواهري الفعل حكماً على القول: إذا جاءت الأفعال لتكذّب الكلام، فقد انتهى الأمر. لا قيمة لما يقوله السياسي عن نفسه إذا كان الواقع الذي يتركه وراءه ينطق بشيء آخر. وهذه الفكرة تصلح لأن تكون معياراً أخلاقياً في قراءة الخطاب السياسي المعاصر كله التي تتلخص بالقول: لا تقرأ السياسي من خطابه عن نفسه، بل اقرأه من أثره في الناس. فربما كان أجمل الخطابات أكثرها تضليلاً، وربما كان أكثر الشعارات وطنية هو أبعدها عن مصلحة الوطن، وربما كان من يتحدث عن الشعب أكثر الناس بعداً عن حاجاته الفعلية.

والجواهري، لأنه شاعر لا يثق كثيراً بالكلمات حين تنفصل عن الحياة، يرد الكلام إلى امتحانه الوحيد: الفعل. ثم تأتي المفارقة المريرة:

«الآنَ يلتمسون فكَّ وثاقه

من بعدِ ما نزلَ البلاءُ وأحدقا»

فالإنقاذ يأتي بعد أن يقع الخراب. وهذه ليست مجرد ملاحظة سياسية؛ إنها فلسفة في إدارة الأوطان التي ترى أن أسوأ السياسات هي التي لا ترى الخطر إلا بعد أن يتحول إلى كارثة. فكم من فرصة كان يمكن إنقاذها قبل أن تضيع؟ وكم من مؤسسة كان يمكن إصلاحها قبل أن تنهار؟ وكم من فساد كان يمكن إيقافه قبل أن يصبح شبكةً كاملة يصعب تفكيكها؟ وكم من كفاءة كان يمكن الاحتفاظ بها قبل أن تدفعها بيئة الإقصاء إلى الهجرة أو الانسحاب أو الصمت؟ فالوطن لا ينهار دفعة واحدة. بل يفقد شيئاً من عافيته كل يوم، حتى يأتي اليوم الذي يلتفت فيه الجميع إلى الخراب ويسألون: كيف وصلنا إلى هنا؟ والجواهري لا يسمح لنا بأن ننسب الكارثة إلى «الزمن» أو «الظروف» وحدها؛ فهو يضع إصبعه على الإنسان الذي صنع هذه الظروف. ولذلك فإن قصيدته ليست قصيدة عن وطن فقير، وإنما عن وطن أُسيء استخدام ثروته وإمكاناته. وهذا المعنى يتأكد أكثر حين يستدعي الشاعر بغداد والخورنق والسدير:

«أهلُ الخورنقِ والسديرِ ولو سعوا

رفعوا سديراً ثانياً وخورنقا»

فالجواهري لا يرى العراق عاجزاً عن البناء. على العكس، فهو يُذكّر بماضيه الحضاري وبقدرته على أن يبني مجداً جديداً. لكن الحضارات لا تصنعها المواردُ وحدها؛ بل تحتاج إلى عقولٍ تعرف كيف تستثمر الموارد، ونفوسٍ تعرف كيف تصونُ الأمانة، ورجالٍ يضعون المصلحة العامة فوق مصالحهم الخاصة. ومن هنا فإن السؤال الذي تتركه القصيدة في وجدان القارئ ليس: «أين المال؟» وإنما: أين الرجل الذي إذا تولى أمراً لم يره ملكاً له؟ وإذا دخل مؤسسة لم يسأل: ماذا سأحصل منها؟ وإنما سأل: ماذا أستطيع أن أقدم لها؟ ولا يحتاج إلى أن يسرق لكي يشعر أنه انتصر؟ ويستطيع أن يقول «لا» حين تكون «نعم» أكثر ربحاً؟ ولا يبيع ضميره لمن يملك النفوذ؟ ويستطيع حين تتعارض مصلحته الشخصية مع مصلحة الوطن، أن يختار الوطن؟ هنا تتجاوز القصيدة زمنها تماماً. فالجواهري - وهو في الرابعة والعشرين من عمره - لا يبحث عن «بطلٍ» بالمعنى الرومانسي للكلمة، ولا عن حاكمٍ خارقٍ، وإنما يبحث عن إنسانٍ طبيعيٍّ يمتلك الحد الأدنى من النزاهة والكفاءة والمسؤولية. وهذه، في الحقيقة، ليست مواصفات استثنائية في إدارة الدولة، بل هي شروطها الأولى؛ ولذلك فإن مشكلة العراق، كما يمكن أن نقرأها من هذه القصيدة، ليست في أن العراقيين لم يملكوا يوماً رجالاً قادرين على البناء، بل في أن آليات السلطة كثيراً ما كانت قادرة على إنتاج الرجل الخطأ واستبعاد الرجل المناسب. وهنا تكمن المأساة حين تصبح البيئة السياسية نفسها مصممة بحيث يُكافأ الطامع، ويُخشى من النزيه، ويُهمّش الكُفءُ، ويُحتفى بالمُصفِّق، ويُغضَب من الناقد، فيصبح الفسادُ أكثرَ من سلوكٍ فردي؛ يصبح ثقافة سياسية. وعندها لا يكفي أن نغيّر الأشخاص. إذ لا بد أن تتغير القواعد التي تصنع الأشخاص الذين يصلون إلى مواقع القرار. فالبلد الذي يستبدل وزيراً بوزير، ومسؤولاً بمسؤول، وحكومة بحكومة، لكنه يبقي معيار الاختيار نفسه، قد يغيّر الوجوه ولا يغيّر المرض. وهذا ما يجعل الجواهري أكثر عمقاً من مجرد شاعر هجاء سياسي. فهو يسأل عن المعيار الذي من خلاله نعرف الرجل الذي يستحق الوطن، ونمنع المتجبر والطامع والأحمق من الوصول إلى المكان الذي لا يحتمل أخطاءهم، ونجعل الكفاءة والنزاهة والاستقلال شروطاً للوصول إلى السلطة، لا صفات هامشية يمكن التضحية بها حين تتعارض مع الولاء والمصلحة.

ثم إن الجواهري لا يترك الوطن في نهاية المطاف بلا أمل. ففي امتداد القصيدة يعود إلى معنى الاتحاد والعزم، ويستحضر مثلاً من «يعرب» ليجعل اجتماع العصي واستحالة كسرها مجتمعة صورةً لسبيل البقاء. وهذا مهمٌّ؛ لأن القصيدة، على الرغم من مرارتها، ليست قصيدة يأس كامل. وذلك في قوله في آخر ثلاثة أبيات من هذه القصيدة:

مَثَلٌ جرى فيما مضى لمُحنّكٍ

من "يعربٍ" رامَ السدَادَ فَوُفِّقا

*

أعيا به جمعُ العِصِيِّ فلم يُطِق

تحطيمَ وُحدَتِهِنَّ حتّى فَرّقا

*

أهدى لكم، لو تقتفون سبيله

مَثَلاً به كان السبيلُ إلى البَقا

إنها قصيدة غضب على الوطن لأن الشاعر يحبه. والذي لا يعنيه الوطن لا يتألم لخرابه، ولا يبحث عن رجاله، ولا يُسائل الذين تولوا أمره. أما الجواهري، فكان غضبه في جوهره شكلاً من أشكال الحب؛ ولذلك يخاطب العراق وكأنه يخاطب كائناً حيّاً يمكن أن يمرض ويمكن أن يبرأ:

وطني ومَنْ لَكَ أن تعودَ فترتقي

من بعد ما أعيا وعزّ المرتقى..؟!

وهنا تبلغ القصيدة أجمل تناقضاتها، فهي قاسيةٌ على الرجال، لكنها حنونةٌ على الوطن؛ غاضبةٌ من السلطة، لكنها شديدةُ التعلق بالعراق؛ ساخرةٌ من المتصدرين، لكنها لا تسخر من البلاد نفسها. وربما لهذا السبب تبدو القصيدة اليوم كأنها لا تتحدث عن زمن مضى، وإنما عن سؤال يتجدد كلما أُسيء استعمال السلطة، فالشاعر الكبير لا يعيش لأن أبياته محفوظة في الكتب، وإنما لأنه استطاع أن يمسك بالسؤال الذي لا يموت. وفي هذه القصيدة تحديداً، اختصر الجواهري أزمة الوطن كلها في مفارقة واحدة: أن يكون الوطن غنياً بالتاريخ والموارد والطاقات، فقيراً في الرجال الذين يستطيعون تحويل كل ذلك إلى دولة. ومن هنا يصبح عنوان القصيدة نفسه أكثر إيلاماً مما يبدو: «سبحان من خلق الرجال» فكأن الجواهري، وهو ينظر إلى وطنه، لا يسأل عن كثرة الرجال، وإنما يتحسر على ندرة الرجل الذي يحق للوطن أن يختاره..!!

وما أحوجنا اليوم إلى إعادة قراءة هذا السؤال لا بوصفه سؤالاً عن «الرجل» وحده، بل عن المعيار الذي نختار به رجال الدولة. فربما لا تكون مأساة الأوطان دائماً في أنها لا تجد الرجال، وإنما في أنها ــ أحياناً ــ تجدهم ولا تختارهم.

***

د. وسام حسين العبيدي

...................

* نُشِرت القصيدة في جريدة (المفيد) العدد 257 في 26 تشرين الثاني 1924م.

 

كيف أعاد محمد خضير اكتشاف السكيتش السردي؟

ينتمي مصطلح السكيتش (Sketch) في أصله إلى الفن التشكيلي، قبل أن ينتقل إلى الأدب في بدايات القرن التاسع عشر، ولا سيما مع الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفنغ في كتابه (The Sketch Book of Geoffrey Crayon, Gent.) الصادر عام 1819، ويشير المصطلح في أصله إلى الرسم الأولي أو التخطيط السريع غير المكتمل، الذي يسعى إلى القبض على جوهر المشهد أو الفكرة بأكثر قدر من التجريد، وعندما انتقل إلى السرد احتفظ بجانب كبير من هذا الأصل التشكيلي، فأصبح يدل على نص يقوم على رسم مشهد، أو مكان، أو شريحة اجتماعية، من خلال ملاحظات وصفية مكثفة، دون أن يخضع بالضرورة لبناء الحبكة التقليدية أو لتنامي الأحداث، ولا تتحدد قيمة السكيتشات، كما يذكر الأستاذ محمد خضير (بحجم أو مقياس أو معيار، أي لا تقدر أهميتها بدرجة العمل السردي الكامل، (القصة أو اللوحة أو الفيلم) وإنما بخصائصه التقريرية والشخصية)، (الأقلام، العدد 3، 2024، ص5).

وقد استعاد محمد خضير هذا المفهوم في عدد من تجاربه السردية، كما أفرد له أكثر من مقالة حاول فيها تأصيله، والكشف عن إمكاناته التعبيرية في الكتابة المعاصرة، وانطلاقًا من هذه المحاولة التأصيلية، نسعى إلى مقاربة أحد نصوصه من خلال العودة إلى أحد النماذج الكلاسيكية للسكيتش السردي، ممثلاً بنص "الشوارع صباحاً(The Streets – Morning) " لتشارلز ديكنز، الوارد في كتابه (Sketches by Boz)، حيث صدرت السلسلة الأولى منه والتي تحتوي على هذا النص عام 1836، علماً أن (Boz) هو الاسم المستعار الذي كان يوقّع به ديكنز كتاباته الأولى، وسنقارن هذا النص بسكيتش محمد خضير "ميترو 58"، المنشور في جريدة طريق الشعب عام 2022، في محاولة للكشف عن الكيفية التي أعاد بها خضير توظيف هذا المفهوم، محولاً إياه من لوحة وصفية ترصد المكان إلى بنية رمزية تستوعب الذاكرة والتاريخ والثقافة.

يفتتح ديكنز نصه بصورة بانورامية لمدينة لندن قبيل شروق الشمس، حيث تبدو الشوارع ساكنة وموحشة، وكأن الليل ما يزال يفرض سكونه عليها، حتى أنه يصفها بقوله (يخيم سكون الموت على الشوارع)، ومنذ هذه اللحظة الأولى، يقدم المدينة كمحور للرؤية السردية؛ إذ نراها من خلال عين تجوب أرجاءها، وترصد تحولاتها التدريجية من السكون إلى الحركة، ومن الفراغ إلى الازدحام، حتى تغدو المدينة الشخصية المركزية التي تنتظم حولها بقية العناصر السردية.

يلعب الزمن الطبيعي في نص ديكنز دوراً محورياً في تشكيل بنيته الداخلية؛ إذ يغدو تعاقب الساعات، الآلية التي تتكشف عبرها المدينة، فشروق الشمس، وافتتاح الأسواق، وخروج العربات، واستيقاظ العمال، وتدفق الموظفين إلى أعمالهم، كلها علامات على يقظة المكان واستعادت إيقاعه اليومي، لا مجرد إطار زمني وأحداث مستقلة، بالإضافة إلى أن الشخصيات التي يمر بها، تعبر عن نماذج اجتماعية عابرة، كالشرطي، والخادمة، وبائع الفطائر، وسائق العربة، والموظف، والصبي، والعامل، يدخلون المشهد ويغادرون، كضربات الفرشاة على سطح اللوحة، لتصبح عناصراً في التكوين البصري، لا وحدات فاعلة في بناء حبكة سردية، ليقترب أسلوب الكتابة من منطق الرسم أكثر من اقترابه من السرد، عن طريق السعي إلى إعادة تشكيل الإحساس بمدينة تستيقظ ببطء، وتسترد حياتها تدريجياً مع انبثاق النهار.

تكشف لنا هذه المقاربة مدى التحول الذي أحدثه الأستاذ محمد خضير في بنية السكيتش السردي، حيث يمكننا بسهولة أن ندعي بأنه لم يفعل شيئاً سوى أنه قد استعار التسمية من الأدب الغربي، لكن القراءة الدقيقة لما كتبه تقودنا إلى رؤية أكثر تعقيداً، فبدل أن يستعيد الشكل فقط، سعى إلى استعادة الفكرة الكامنة خلفه، وأعاد بناءها وفق منطق مختلف تماماً، ففي نصه الذي جنسه بسكيتش سردي، ورغم أنه ابتدأ من مكان محدد، كما فعل ديكنز (خلال جولات منتصف الليل في مترو جمهورية 1958)، إلا أن مكانه هذا لا يؤدي الوظيفة نفسها، كما هي شوارع لندن في نص ديكنز، والذي مثلت فيه المدينة "لندن" واقعاً مرئياً مدركاً، بينما مثل الميترو استعارة كبرى، أو فضاء يحتشد بداخله تاريخ طويل، وما يبدو ظاهرياً وسيلة نقل، هو بالحقيقة تحول تدريجي إلى بناء مجازي، لأحلام جيل وانكسارات مرحلة كاملة.

ويتجسد الاختلاف بين الكاتبين، كما أعتقد، في زاوية النظر، حيث يمثل المكان/ المدينة لدى ديكنز صورة مرئية، كما أسلفنا، بينما مكان محمد خضير هو ذكرى، والفرق كبير، برأيي على أقل تقدير، بين أن ترى وبين أن تتذكر، بين أن تكتب ما تراه العين، وأن تكتب ما أعادت الذاكرة تشكيله، تتحرك عين ديكنز في الحاضر "زمن النص"، ترصد التفاصيل الصغيرة، وهي تتشكل أمامها، بينما تتحرك ذاكرة محمد خضير في الماضي، تستدعي الوقائع، وقد اختلط فيها التاريخ بالأسطورة، والحدث بالرمز، والواقع بالتأويل، ليصبح الميترو وسيلة لعبور الأزمنة، داخل فضاء النص، دون أن يشعرك، كقارئ، أنه قد غادر وحدته الداخلية.

يتحرك الزمن في سكتش ديكنز وفق إيقاع طبيعي كرونولوجي، ساعة بعد ساعة، لتبلغ المدينة ذروة نشاطها عند الظهيرة، كما قد أوضحنا سابقاً، بينما يتكثف الزمن في "ميترو 58" داخل الذاكرة التاريخية، إذ تمثل الأحداث ورغم تواليها وتعاقبها بهذا الترتيب، أجزاء من تجربة واحدة في وعي الكاتب، لذلك يظهر الانتقال بين تلك الحوادث، أو الوقائع، استجابة لمنطق داخلي يحكم حركة الذاكرة أكثر مما يحكم حركة التاريخ، ليصبح هذا الميترو وسيلة لنقل الذاكرة العراقية، بكل ما تختزنه من وقائع، وأصوات، وخيبات.

تظهر لنا من هذه المقارنة البسيطة، أن سكتش ديكنز هو رسم للمكان بوساطة الزمن، بينما عند محمد خضير فهو رسم للزمن بواسطة المكان، وهذا ربما يمثل ملخصاً فعلياً لاختلاف الرؤيتين، لذلك أميل، ربما، إلى الاعتقاد بأنه قد نقل مصطلح السكيتش إلى أفق جمالي جديد، ولم يكتف بإعادة إحيائه داخل السرد العربي، حين تحول الوصف لديه إلى بنية تأويلية، وأصبح المشهد مدخلاً إلى التاريخ، وصار المكان أداة لإنتاج المعنى، لا إطاراً يحتضن الأحداث فقط، لذا تكمن أهمية هذه التجربة، بأنه أعاد تعريف هذا المصطلح، وجعله مختبراً تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ، ليصبح النص مفتوحا للتأويل، بالإضافة الى إظهار قدرة السرد العربي على إعادة ابتكار الأشكال الأدبية، لا الاكتفاء باستعارتها فقط.

***

أمجد نجم الزيدي

للشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي

لا يمكن حصر السرياليّة ولغتها في بضعة أسطر؛ إذ تشكّل الصورة السرياليّة فضاءً لغويّاً تتحرّك فيه المقاصد داخل الذات، ويحدث من خلالها نوعٌ من الانقطاع عن انتظام العالم الخارجي، ليعيش الشاعر لحظته الشعريّة وينغمس في ما يمكن تسميته «الأفيون النصّي»؛ أي تلك الحالة التي تستغرق فيها الذات في التخييل، وتبتعد مؤقّتاً عن رقابة الواقع المباشر. وفي هذه اللحظة يميل الشاعر إلى الغرابة والعجائبيّة والدهشة، وإلى التلاعب بالعلاقات اللغويّة، بحثاً عن صورٍ سرياليّة تنسجم مع الخيال الذي قاده إلى هذا المنفذ.

ويقول أدونيس في كتابه الصوفيّة والسرياليّة: (تعبر عن عالم هو نفسه غريب وغامض ومتحوّل. إنّها تعكس حسّاسية المبدع الشخصيّة ومفهومه الخاص للوجود، بالتالي لا يمكن حصرها ضمن مقاييس شائعة ومعايير عامة متعارف عليها أو تقييدها بقواعد المنطق وأصول الذوق). ومن هذا المنظور، يصبح التشكيل اللغوي، وما يصاحبه من تفكيكٍ لسلطة الوعي المنظّم، أحد العوامل التي تدفع الذات نحو طبقاتٍ أعمق من الوعي، حيث تتداخل حالات الحلم والتداعي والخيال والتخييل. وهنا يغدو الشاعر قريباً من الفنّان الذي يرسم مستغرقاً في عالمه الداخلي، مستجيباً لخيالٍ يصعب إيقاف تدفّقه أو عزله عن التجربة الإبداعيّة.

لقد تأسّست السرياليّة بوصفها نزوعاً نحو تحرير الإنسان والمخيّلة من القيود التي يفرضها العقل المنطقي والواقع المباشر، ولذلك قادت إلى تحرير الصورة وإطلاق طاقة اللاوعي في الكتابة. ويشكّل هذا التحرّر أحد المرتكزات الأساسيّة للحركة السرياليّة؛ فهي لا تكتفي بالواقع الذي تدركه الحياة الواعية، بل تبحث عن واقعٍ آخر أكثر اتّساعاً، يتمثّل في اللاوعي أو اللاشعور، حيث تنشأ علاقات جديدة بين الأشياء لا نجدها بالضرورة في واقع الوعي المنظّم. ومن هنا يمارس الشاعر أو الفنان السريالي حريّته داخل حساسيّته الداخليّة، كأنّه يقيم في جمهوريّةٍ تخييليّة خاصّة به، تتراجع فيها سلطة الرقيب العقلي، وتتحرّر فيها الأشياء والصور من وظائفها الاعتياديّة.

أستيقظ خارج نفسي

كخطأ كونيٍّ نجا من المحو صدفةً،

أتحسّسُ جلدي

كما لو أنّه حقيبةٌ تُركت في محطةٍ مهجورة،

لا صاحبَ لها سواي...

ولا أنا أعرف مَن أكونُ فيها.

من قصيدة: -حين ينكرني الفراغ - ص7.

من خلال اقتحام الذاكرة بواقعٍ ينتمي إلى الفوضى ويقوم على التناقضات، نلاحظ أنّ الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي تبدأ انتقالها إلى ما وراء الواقع المباشر، وهي خصوصيّة تتأسّس على تفعيل الذات وما تفضي إليه من خلق عالمٍ داخلي خاص. ويقترب هذا المسار من الكتابة الآليّة بما تتيحه من تحرير التداعي والصورة من الرقابة المنطقيّة الصارمة، غير أنّ النصّ، بعد تشكّله، لا يبقى مجرّد تدفّقٍ عفوي؛ إذ تتدخّل فيه تجربة الكتابة والوعي الفنّي لإعادة تنظيم العلاقات والصور داخل البنية النصّيّة.

أستيقظ خارج نفسي + كخطأ كونيٍّ نجا من المحو صدفةً + أتحسّس جلدي + كما لو أنّه حقيبةٌ تُركت في محطةٍ مهجورة + لا صاحب لها سواي + ولا أنا أعرف مَن أكون فيها.

تفتتح الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي مدوّنتها النصّيّة بقصيدة (حين ينكرني الفراغ)، ومن خلال العنونة تقودنا إلى مفهوم الفراغ بوصفه فضاءً قابلاً للتمثّل والإدراك، لا شيئاً محسوساً مستقلاً بذاته. فالفراغ يُدرك من خلال علاقته بالأشياء وحدودها ومواقعها، ومن هنا تتحوّل العنونة إلى منبّهٍ دلالي يضع القارئ أمام سؤال: كيف يمكن للفراغ أن ينكر الذات؟ وما الذي يحدث بعد هذا النكران حين ندخل الأروقة النصّيّة التي شيّدتها الشاعرة بغيابٍ وجودي يتقاطع فيه الفراغ مع سؤال الهويّة؟

وتتجلّى خصوصيّة المفردة وتقنيّة توظيفها لدى الشاعرة في بناءٍ تصويري يبدأ من الفراغ ليجعله مركزاً دلاليّاً وقصديّاً، ثمّ تتوالد حوله الأشياء والصور في علاقاتٍ عجائبيّة وغير مألوفة. ومن هنا تستدعي الشاعرة مجموعةً من المفردات ذات الحمولة الشيئيّة والجسديّة والمكانيّة، ومنها: النفس، والخطأ، والجلد، والحقيبة، والمحطّة. غير أنّ هذه العناصر لا تبقى على وظائفها المعجميّة المألوفة؛ فالجلد يتحوّل إلى حقيبة، والحقيبة ترتبط بالمحطّة المهجورة، والمحطّة تستدعي الغياب والانتظار، بينما تصبح الذات نفسها عاجزةً عن التعرّف إلى هويّتها داخل جسدها.

وفي هذا التحوّل تتجلّى إحدى أهمّ العلاقات السرياليّة: إخراج الشيء من وظيفته الاعتياديّة وإدخاله في علاقة جديدة مع شيء آخر، بحيث لا تعود قيمة الشيء كامنةً في مظهره وحده، بل فيما يتيحه من احتمالاتٍ تخييليّة ودلاليّة. وفي هذا السياق: (كان السرياليون يثمّنون القيمة الكامنة للأشياء أكثر من محتواها الظاهر. في اللغة السرياليّة، الفارق بين المحتوى الكامن أو المستتر والمحتوى الجلي هو هام جداً. الكامن مرتبط بحرّية التخيّل بينما الجلي ينذر بالنتائج المحبطة للمبدأ المنفعي المضاد تماماً لمبدأ المتعة الذي يحكم نشاط المخيلة - السرياليّة في عيون المرايا - ترجمة وإعداد أمين صالح، ط2، دار الفارابي، بيروت، 2010 - ص209).

وبذلك لا تعود الأشياء في النصّ السريالي عناصر محايدة، بل تتحوّل إلى مراكز مولِّدة للعلاقات؛ فالجلد ليس جلداً فقط، والحقيبة ليست حقيبةً، والمحطّة ليست مكاناً للانتقال فحسب، والفراغ لا يبقى غياباً مادّيّاً. إنّها جميعاً تدخل في شبكةٍ من الاستبدالات والانزياحات التي تفكّك العلاقة المألوفة بين الدالّ ومدلوله، وتعيد تشكيلها داخل المخيّلة. وهنا تحديداً تتكوّن العلاقة السرياليّة: حين يلتقي شيئان لا يجمع بينهما الواقع المباشر، ثم يمنحهما النصّ شرعيّة الاجتماع داخل عالمه الخاص.

العقل السريالي بين الإدراك والدهشة

من خلال العقليّة السرياليّة نلاحظ أنّ الذات الحقيقيّة تكون مشبعةً بوقائع يوميّة ومؤثّرات وحوادث تتعلّق بها، فتغدو جزءاً من متعلّقاتها الذاتيّة ومخزونها الداخلي. وعندما يعمل الشاعر على تحويل هذه المؤثّرات وإعادة تشكيلها ضمن رؤية سرياليّة، تصبح العقليّة السرياليّة منفذاً إلى الأبعاد النصّيّة، ووسيلةً لإعادة تنظيم الفوضى الواقعيّة وفق علاقاتٍ جديدة تتجاوز المألوف. ويبدأ ذلك منذ الوحدة اللغويّة الأولى؛ إذ تتحرّك الأشياء والمؤثّرات خارج انتظامها الاعتيادي لتدخل في شبكةٍ من العلاقات غير المتوقّعة، فتظهر الفجائيّة في تنظيم اللغة، وفي توليد معانٍ غير مطروقة. ومن هنا يغدو الإدراك انتقالاً من رؤية الظاهر إلى اكتشاف الباطن، وتغدو الأشياء متعلّقاتٍ ذاتيّة من جهة، وعناصر قابلةً للتحويل إلى أفعالٍ وصورٍ حركيّة مفتوحة على التأويل من جهةٍ ثانية.

وُضعتُ في العالمِ

كغلطٍ نُسي في دفتر الخلق،

كجفافٍ تسلّل إلى دمي

قبل أن أتعلّم البكاء،

قالوا: سينمو..

كما تنمو الكوارثُ حين يُصفّق لها الصابرون.

كبرتُ...

وكان في عينيّ ضوءٌ ثقيل،

لا يشبهُ الضوء،

أشبه بيدٍ خفيّةٍ تفتحُ رأسي كلّ يومٍ

وتريني ما لا يُحتمل.

من قصيدة: - جفاف يتعلّم المشي - ص14.

لا يصبح العقل السريالي أداةً للهروب من الواقع وضجيجه، بل يتحوّل إلى منطقةٍ للكشف عن طبقاته الخفيّة، واستنطاق ما يكمن وراء ظاهره من إمكاناتٍ جماليّة ودلاليّة. فالسرياليّة لا تقطع صلتها بالواقع بقدر ما تعيد تشكيله، مستعينةً بما تختزنه الذاكرة واللاوعي والمخيّلة من صورٍ وتجارب وانفعالات. وفي هذا السياق يرد: (ليس في الحقل الذهني خلقاً تلقائياً أكثر ممّا في العالم المحسوس. فالكلمات والصور جميعها التي يستخدمها وعينا تنطلق من خزّان ضخم يسميه "فرويد" اللاوعي، والأصح أن ندعوه ما تحت الوعي مثلما فعل "مايرز". والوعي يسجّلها كما يدرك بالحسّ أصوات العالم الخارجي ورؤاه، فهو لا يبتدعها، بل يحيط بها علماً بإسقاطها على شاشته المضيئة؛ لأنّ وجودها سابق لهذا الإدراك - أندريه برايتون والمعطيات الأساسية للحركة السريالية – ص 138 – ميشيل كاروج – ترجمة: الياس بديوي – منشورات وزارة الثقافة 1973م – دمشق).

وُضعتُ في العالمِ + كغلطٍ نُسي في دفتر الخلق + كجفافٍ تسلّل إلى دمي + قبل أن أتعلّم البكاء + قالوا: سينمو + كما تنمو الكوارثُ حين يُصفّق لها الصابرون + كبرتُ + وكان في عينيّ ضوءٌ ثقيل + لا يشبهُ الضوء + أشبه بيدٍ خفيّةٍ تفتحُ رأسي كلّ يومٍ + وتريني ما لا يُحتمل.

يبدأ الإدراك السريالي من لحظة اختلال العلاقة المألوفة بين العالم والذات؛ إذ تتحوّل الأشياء والمتعلّقات الذاتيّة إلى علاماتٍ متحرّكة ومتواصلة، وتكتسب الرمزيّة مساحةً واسعة ضمن العلاقات التي ينتجها المنظور السريالي. فالعالم الخارجي لا يبقى معطىً مستقلاً، بل يتحوّل إلى ذاكرةٍ وصورةٍ وتجربةٍ داخليّة نتيجة علاقاته الجديدة بالذات وانتقاله إلى منطقة ما وراء الواقع المباشر. وكذلك لا يبقى الدم عنصراً جسديّاً فحسب، بل يتحوّل، في عبارة "جفافٍ تسلّل إلى دمي"، إلى حاملٍ لحالةٍ وجوديّة تتصل بالألم والزمن والحزن المتراكم.

ومن خلال مبدأ الـ "أنا" لا يحدث الانتقال على مستوى الألفاظ وحدها، بل يمتدّ إلى الرؤية والإدراك البصري والتصوّر الذهني، لتشكيل عالمٍ من طرازٍ جديد. وهنا تتولّد الدهشة من المفارقة بين طبيعة الأشياء في الواقع وطبيعتها بعد إعادة تركيبها داخل النصّ؛ فالضوء، مثلاً، يفقد صفته المألوفة حين يصبح "ضوءاً ثقيلا"، ثم يزداد انزياحه عندما يشبَّه بـ "يدٍ خفيّةٍ تفتح رأسي كلّ يوم". وبذلك تنتقل الصورة من الإدراك الحسّي للضوء إلى إدراكٍ سريالي يقوم على خرق العلاقة المألوفة بين المحسوس وصفاته.

إنّ الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي لا تتخلّى عن العالم الذي اختارته من خلال الفعل التصويري؛ لذلك نلاحظ أنّ الاختلافات اللغويّة، والتناقضات، والانزياحات، والأفعال الحركيّة، تتضافر جميعها لتشكّل تحوّلاتٍ في الرؤية، وتسهم في إعادة تشكيل الإدراك الإنساني داخل النصّ. فاللغة هنا لا تصف عالماً جاهزاً، وإنّما تعيد إنتاجه وفق علاقاتٍ تنتمي إلى المخيّلة وتمنح الأشياء وظائف جديدة.

جسدي يتعثّر بي،

وأفكاري تسبقني

ككلابٍ هاربةٍ،

وأنا بينهما

شيءٌ نُسي تعريفه

في قاموسٍ قديم.

من قصيدة: «بدون عنوان»، ص32.

إذا اعتبرنا الجملة وحدةً إرساليّة تنقل تجربة الذات داخل خيالها الشعري، فإنّ الصورة تصبح الحاضنة الفاعلة لهذه الجمل الخياليّة والحلميّة، والمكوّن الذي تنتظم داخله العلاقات الجماليّة والدلاليّة. ولذلك تعدّ الصورة الشعريّة من أكثر العناصر قدرةً على حمل الرؤية السرياليّة، لأنها تجمع بين اللغة والخيال والحركة والانزياح، وتدفع الدهشة إلى توليد تأويلاتٍ ومعانٍ متعدّدة.

جسدي يتعثّر بي + وأفكاري تسبقني + ككلابٍ هاربة + وأنا بينهما + شيءٌ نُسي تعريفه + في قاموسٍ قديم.

تكشف هذه الوحدات عن انقلابٍ واضح في العلاقات الاعتياديّة؛ فبدلاً من أن يتعثّر الإنسان بجسده أو بشيءٍ خارجي، يصبح "الجسد يتعثّر بالذات"، وبدلاً من أن تكون الأفكار حالاتٍ ذهنيّة ساكنة، تتحوّل إلى كائناتٍ حركيّة تسبق صاحبتها "ككلابٍ هاربة". وهنا تتشكّل الدهشة من خلال تحويل المجرّد إلى محسوس، والذهني إلى حركي، وإعادة توزيع الوظائف بين الذات والجسد والفكرة. وتبلغ الصورة ذروتها في قولها: "شيءٌ نُسي تعريفه / في قاموسٍ قديم"؛ إذ تتحوّل الذات نفسها إلى شيءٍ فاقدٍ لتعريفه، فتنتقل أزمة الإدراك من العالم الخارجي إلى سؤال الهويّة والوجود.

ولا تنفصل هذه الصورة عن البعد السردي حين تدخل القصيدة في بناء مشهدي أو حكائي؛ إذ تستطيع الوحدات الشعريّة أن تتعاقب بطريقة تمنح المشهد حركةً وزمناً وتحوّلاً. وفي هذا السياق يذهب د. محمد زيدان إلى أنّه (برغم من أن صوت الراوي "السارد" هو المستحوذ على تشكيلات النصّ، فإن الأصوات الأخرى والشخصيات والفضاء الحكائي، والتشكيلات الحوارية الضمنية التي تزخر بها القصيدة نقلت السرد الحكائي في الشعر إلى أعلى مراحله والأكثر نضجاً وقرباً من بنية الخطاب السردي بشكل عام. د. محمد زيدان، البنية السرديّة في النصّ الشعري، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ص27).

ومن هنا تتواصل الشاعرة مع التشبيه والصورة الحركيّة لتمنح المشهد النصّي قوّته وفاعليّته؛ فقولها "وأفكاري تسبقني / ككلابٍ هاربة" لا يقدّم تشبيهاً جمالياً فحسب، وإنما ينقل الفكر من مجال التجريد إلى مجال الحركة البصريّة، فيصبح ما هو ذهني قابلاً للتخيّل والمشاهدة. وتنبثق الدهشة تحديداً من المسافة التي تفصل بين طرفي الصورة، ثم من قدرة اللغة على الجمع بينهما داخل علاقةٍ يقبلها عالم النصّ، وإن كانت غير ممكنة في انتظام الواقع المباشر.

وبذلك يعمل العقل السريالي بين قطبين متفاعلين: الإدراك والدهشة. فالإدراك يمدّه بمادّة العالم والأشياء والجسد والذاكرة، بينما تعيد المخيّلة تفكيك هذه المادّة وتركيبها في علاقاتٍ جديدة، فتولد الدهشة. ولا تكون الدهشة، في هذه الحالة، زينةً لغويّة أو غرابةً مقصودة لذاتها، بل نتيجةً لتحوّل الإدراك نفسه؛ إذ يرى الشاعر الأشياء مرّةً أخرى خارج وظائفها وحدودها المألوفة، ثم يعيد تقديمها إلى المتلقّي في صورةٍ تستفزّ وعيه وتدفعه إلى التأويل.

الوعي السريالي وأفق المتخيَّل

لا يكمن الوعي السريالي في اللاوعي بمعناه المباشر، بقدر ما يتشكّل من التفاعل بين الوعي واللاوعي والمتخيَّل. فعندما يبلغ فعل التخييل درجاتٍ قصوى من الفاعليّة، تدخل الذات في حالةٍ إدراكيّة مغايرة، تتفاعل فيها التصوّرات العقليّة مع المتعلّقات الذاتيّة والذاكرة والانفعال. ومن هنا يصبح الخيال أحد المنافذ الرئيسة لفهم العالم وإعادة تشكيله، لا بوصفه واقعاً جاهزاً، بل لأنّه مادّةً قابلةً للتحويل إلى صورٍ وعلاقاتٍ جديدة.

وفي هذا المستوى تظهر التصوّرات الذهنيّة والمتعلّقات الذاتيّة بوصفها مساحاتٍ أساسيّة في بناء الرؤية السرياليّة. وحين ينتقل الشاعر إلى التوضيح النصّي، وهو انتقال لا غنى عنه، تتحوّل هذه التصوّرات إلى إشاراتٍ وعلامات، يستدعي من خلالها الأشياء، ثم يدفعها إلى منطقة اللامألوف، لتفقد وظائفها العاديّة وتكتسب دلالاتٍ جديدة داخل النصّ.

ولا يقوم الإبداع النصّي على تكرار ما كتبه الآخرون، بل على إنتاج حالاتٍ فرديّة غير مطروقة، وهو ما يتجلّى بوضوح في الوعي السريالي الذي يرفض القوالب الجاهزة. وفي هذا السياق تقول الدكتورة خالدة سعيد: (يفترض الإبداع بدئيّاً رفض التقليد، وكلّ طغيان يتمثّل بأحاديّة التعبير، أي القول بشكل فنّي ثابت أو شكل سابق على العمل الفنّي، مفروض عليه من خارجه. فالأخذ بأحاديّة التعبير أو ثبات أشكاله يبطن نظرةً أداتيّة ترى اللغة والشكل الفنّي وعاءً جاهزاً، أو مجموعةً من المفردات والتراكيب القابلة للتكرار، القابلة على استيعاب الجديد المتنوّع، وتلبية الحاجات غير المتناهية - خالدة سعيد - حركيّة الإبداع - ص8).

لم أولد

سقطتُّ من فكرةٍ مكسورة

أخيط وجهي كلّ صباحٍ

كي لا يتسرّبَ المطر

في صدري حقولٌ تتذكّرني،

وترفضني

قصائدي مقابرُ صغيرة

كلّ كلمةٍ شاهدةُ قبرٍ

من قصيدة:- أثر يتعلّم الهطول - ص43.

لا يمكن تجاوز اللغة وطبيعة تنظيمها حين نتحدّث عن الوعي السريالي؛ لأنّ اللغة هي الوسيط الذي تتحوّل من خلاله التجربة الداخليّة إلى بناءٍ تصويري. فاللغة السرياليّة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد بناءه عبر علاقاتٍ غير مألوفة، فتنتج صوراً تنتمي إلى منطقة ما وراء الواقع المباشر.

وفي هذا السياق يمكن المقارنة بين الشاعر والفنّان التشكيلي؛ فكلاهما ينطلق من الحسّ والإدراك والخيال، غير أنّ الاختلاف يكمن في الأدوات. فالفنّان يحوّل رؤيته إلى ألوان وخطوط ومساحات، بينما يحوّل الشاعر تجربته إلى كلمات وصور وعلاقات لغويّة. وفي الحالتين يحدث انتقالٌ من الطبيعة الخارجيّة إلى التشكيل الداخلي، ومن الإدراك الحسّي إلى البناء الجمالي.

لم أولد + سقطتُّ من فكرةٍ مكسورة + أخيط وجهي كلّ صباحٍ + كي لا يتسرّب المطر + في صدري حقولٌ تتذكّرني + وترفضني + قصائدي مقابر صغيرة + كلّ كلمةٍ شاهدة قبر.

ومن خلال الكتابة الآليّة وما تتيحه من حرّيّة في تدفّق الصور، تصوغ الشاعرة أمل عايد البابلي بنيةً سرياليّة تقوم على المشاكسة الدلاليّة واللغويّة. فهي لا تتعامل مع الأشياء وفق وظائفها المألوفة، بل تعيد توزيعها داخل الصورة؛ فـ "خياطة الوجه" لا تنتمي إلى الواقع المنطقي، كما أنّ "حبس المطر" من خلال خياطة الوجه يكشف عن تزاوجٍ بين المحسوس والمتخيَّل، وبين الصورة البصريّة والمعنى الرمزي.

وفي هذا المستوى تتقاطع أداة الرسّام مع أداة الشاعر؛ فاللون والكلمة يختلفان في مادّتهما، لكنّهما يلتقيان في فعل التشكيل. ويشير أحد المصادر في هذا السياق إلى أنّ: (في بعض الأحيان تكون المساهمة الواعية للمبدع في حدّها الأدنى، وفي حالاتٍ أخرى تكون كبيرةً وبارزة. والمدى الذي إليه يشارك الفنّان بفعاليّة في تطوير أو إبراز الصورة التي كانت التقنية قد قادت إليها. - السرياليّة في عيون المرايا - ترجمة وإعداد أمين صالح - ط2، دار الفارابي، بيروت، 2010 - ص91).

من الذي دسّ الغبار

في الشعيرات الدموية للنهار؟

مَن علّق الدخان

كأعضاءٍ محترقةٍ

في فم السماء؟

كلّ شيء هنا يبدو كأنّه نجا من حريقٍ قديم،

حتى الوجوه

تمشي برائحة الرماد.

أمشي داخلَ رأسي

كلاجئةٍ في مدينة أعصاب.

أبدّلُ أفكاري

كما يبدّلُ الجلاد أدوات التعذيب

من قصيدة: - غيمة في السجن بتهمة المطر -ص73.

من خلال النطق التعبيري ينتمي النصّ الشعري إلى فضاء الخيال السريالي، فيغدو الفعل الشعري فعلاً إدراكيّاً وتصويريّاً في آنٍ واحد. فهو لا يكتفي بإنتاج صورٍ عجائبيّة أو غرائبيّة، بل يعيد بناء العلاقات بين الموجودات النصّيّة، ويجمع بين المتباعدات، ويؤلّف بين المتناقضات، مستعيناً بالاستعارة والصور الذهنيّة والانزياح.

من الذي دسّ الغبار + في الشعيرات الدموية للنهار؟ + مَن علّق الدخان + كأعضاءٍ محترقة + في فم السماء؟ + كلّ شيء هنا يبدو كأنّه نجا من حريقٍ قديم + حتى الوجوه + تمشي برائحة الرماد + أمشي داخل رأسي + كلاجئةٍ في مدينة أعصاب + أبدّل أفكاري + كما يبدّل الجلاد أدوات التعذيب.

تكشف هذه الوحدات عن شبكةٍ من العلاقات لا تخضع إلى المنطق الواقعي؛ فالنهار يمتلك شعيراتٍ دمويّة، والسماء تمتلك فماً، والوجوه تمشي برائحة الرماد، والرأس يتحوّل إلى مدينةٍ عصبيّة تستطيع الذات أن تسير داخلها. ومن هنا لا تكون الغرابة غايةً في ذاتها، بل أداةً لإعادة بناء الإدراك، بحيث يتحوّل المحسوس إلى مجرّد، والمجرّد إلى محسوس، والجسد إلى فضاء، والفضاء إلى كائن حي. فيكون للكائن النصّي عمليّة تفكيكيّة، وفي منظور التفكيك لا يمكننا نقل البعد الجمالي كحالة فكرية متواجدة لدى الآخرين، فالأبعاد الجمالية متواجدة في الذوق المختلف، وحسب رؤية الفنان – الشاعر – وكيفية الولوج إلى الجمال الخلاق، لأنّ العملية النصّية، عملية خلق جمالي تعتمد الهدم والبناء.

ولا يمكن فصل العقل السريالي عن الوعي، كما لا يمكن فصله عن اللاوعي؛ إذ يعمل في المنطقة التي تتقاطع فيها الخبرة الحسّيّة مع التداعي الحرّ، والذاكرة مع الحلم، والإدراك مع الخيال. ومن هنا تقودنا الشاعرة إلى منطقةٍ وسطى بين التأمّل والشرود، وبين اليقظة والحلم، حيث تُعاد صياغة الوقائع في هيئة صورٍ تتجاوز منطق الإدراك اليومي.

ولا يعني ذلك أنّ كلّ جملة سرياليّة هي حلم مستقل، بل إنّ النصّ قد يستفيد من منطق الحلم، بما يقوم عليه من انتقالاتٍ مفاجئة وتراكماتٍ نفسيّة وتجاوراتٍ غير مألوفة. وهنا تعيد المخيّلة ترتيب عناصر الخبرة في بنيةٍ جديدة تمتزج فيها أحلام اليقظة بالتأمّل والذاكرة. ويقول غاستون باشلار: (التأمّلات الشاردة هي بذاتها راحة الكينونة، سعادة شخصيّة، فيدخل الحالم وتأمّلاته الشاردة، جسداً وروحاً، في جوهر السعادة - غاستون باشلار- شاعريّة أحلام اليقظة - ص 15).

ليلة أمس،

كنتُ زاويةً فقدتْ هندستها

ركناً منزوعَ الجدران،

يتدلّى في حلمٍ واسعٍ كفم هاويةٍ

كانت العيون تتكاثرُ حولي

كحشراتٍ من زجاج،

تدخلُ مسامي، وتعدّ ارتجافاتي واحدةً واحدة.

أرتجفُ

لا من ذنبٍ اقترفته يداي،

بل من خطيئةٍ مرّت قربَ اسمي

وتركت ظلّها فيه.

كنتُ عاريةً، لا لأنّ الثوبَ خانني،

بل لأنّكَ غادرتَ اللغةَ، فانكشفتُ.

من قصيدة: - حين انقلب المأوى إلى نافذة - ص87.

إنّ الواقع المتخيَّل من أكثر الفضاءات قرباً من الرؤية السرياليّة، لأنّ الاتصال بينه وبين الواقع المباشر يتمّ عبر علاماتٍ وإشارات تقوم على التناقض، والانزياح، والاختلاف اللغوي. وكلّ صورةٍ شعريّة جديدة تفتح أفقاً إضافيّاً للإدراك، لذلك يكون الخلق النصّي في حالة تجدّدٍ دائم، وتغدو العلاقة غير المألوفة وسيلةً لزيادة قدرة اللغة على إنتاج الدلالة.

ليلة أمس + كنتُ زاويةً فقدتْ هندستها + ركناً منزوعَ الجدران + يتدلّى في حلمٍ واسعٍ كفم هاوية + كانت العيون تتكاثر حولي + كحشراتٍ من زجاج + تدخل مسامي + وتعدّ ارتجافاتي واحدةً واحدة + أرتجف + لا من ذنبٍ اقترفته يداي + بل من خطيئةٍ مرّت قرب اسمي + وتركت ظلّها فيه + كنتُ عاريةً، لا لأنّ الثوب خانني + بل لأنّك غادرت اللغة، فانكشفتُ.

يتجلّى في هذا المقطع انتقالٌ واضح من الواقع إلى المتخيَّل؛ فالذات تتحوّل إلى (زاوية فقدت هندستها)، ثمّ إلى (ركن منزوع الجدران)، بينما تتكاثر العيون (كحشرات من زجاج)، وتصبح اللغة نفسها غطاءً وجوديّاً؛ فعندما يغادرها الآخر تنكشف الذات. وهنا لا يعود المتخيَّل فضاءً للهروب، بل يتحوّل إلى أداةٍ للكشف عن هشاشة الوجود، واضطراب الهويّة، والخوف، والانكشاف.

ومن خلال هذا الوعي المتفاعل مع اللاوعي، تنتقل الكتابة إلى عالمٍ تتجاور فيه الحقيقة مع الحلم، والواقع مع الاحتمال، والإدراك مع الدهشة. وبذلك يجد القارئ نفسه أمام نظامٍ جديد لا يخضع إلى قوانين الإدراك المألوف، بل يؤسّس قوانينه الخاصّة داخل النصّ.

وتبني الشاعرة أمل عايد البابلي هذا العالم منذ الوحدة اللغويّة الأولى؛ ففي قولها: (كنتُ زاويةً فقدت هندستها) تتحوّل الذات إلى شكلٍ هندسي، ثم يفقد هذا الشكل قوانينه، فتنتقل الصورة من الإنسان إلى الهندسة، ومن الهندسة إلى الاختلال، ومن الاختلال إلى الحلم. ومن هنا تتكوّن دلالاتٌ تأسيسيّة تتوالد الواحدة من الأخرى، بحيث يصبح النصّ فضاءً لانتقال المعنى لا موضعاً لاستقراره.

ومن خلال النصّ والنصّية نرى العالم الذي يحيط بالشاعرة، لكنّه عالمٌ أعيد تشكيله معرفيّاً وتصوّريّاً. فالقيمة الدلاليّة لا تنفصل عن البنية الإدراكيّة التي تنتظم فيها المعاني، ولا سيّما حين تتحوّل الخبرة إلى تصوّر ذهني يعيد تنظيم العالم.

وهنا يمكن الاستفادة من منظور الدلالة المعرفيّة  (Cognitive Semantics)، التي تنظر إلى المعنى بوصفه مرتبطاً بطرائق التصوّر والإدراك وبناء المعرفة في الذهن، لا بوصفه قيمةً قائمة في اللفظ وحده. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الصورة السرياليّة يصيغة تنظيمٍ تصوّري للتجربة؛ إذ تتحوّل الأشياء والمفاهيم من مواقعها المألوفة إلى بنياتٍ ذهنيّة جديدة، فيتغيّر الإدراك، وتتجدّد الدلالة، ويتّسع أفق المتخيَّل.

المتخيَّل السريالي وإعادة تشكيل الواقع

لا يلغي المتخيَّل السريالي المتعلّقات المباشرة بالذات، بل يعيد توزيعها داخل بنيةٍ جديدة، مستفيداً من أثر المحسوس الجزئي وما يتركه من بصماتٍ في الذات الفاعلة. ومن هنا يميل المتخيَّل إلى مناطق تتقاطع فيها الذاكرة مع اللاوعي، والتلقائيّة مع الوعي الكتابي، فتتشكل لدى الشاعر إمكاناتٌ جديدة لإعادة بناء النصّ. وتُعدّ هذه الأبنية من مظاهر الابتكار والإبداع؛ لأنها لا تكتفي باستعادة الواقع، بل تعيد تشكيل علاقاته، وتؤسّس صلاتٍ جديدة بين المعاني، والانزياحات اللغويّة، والمفارقات، وما ينتمي إلى فضاء اللامعقول. وبذلك يتحوّل المتخيَّل السريالي إلى مجالٍ للخيال المكثّف، يستوعب المؤثّرات والتحوّلات، ويعيد ترتيبها وفق منطقٍ نصّي خاص.

أدخلُ الصباحَ

كمن يدخلُ مشرحةً جماعيّة،

أرتّبُ وجهي بعناية موظّفةِ كوارث،

أرسمُ فماً صالحاً للمجاملة،

وعينين تستطيعان المرورَ أمامَ الحياة

دون أن تفضحا الجثثَ المكدّسةَ في الداخل.

الكحلُ؟

ليس زينةً،

إنّه آخرُ سوادٍ سحبته من رئةِ الليل.

من قصيدة: امرأة تعطّل آلة الطمأنينة - ص119.

لا يعني انتماء الذات إلى منطقة اللاوعي أنّها تفقد السيطرة على كلّ فعلٍ كتابي أو إدراكي؛ فالنصّ السريالي يتشكّل غالباً في المنطقة التي تتداخل فيها تلقائيّة التداعي مع وعي الصياغة. ومن هنا تتحدّى الذات العالم الخارجي، وتعيد تنظيم أثره داخلها، من غير أن تنفصل عنه نهائياً. فاللاوعي يمدّ النصّ بالصور والمفاجآت والعلاقات غير المتوقّعة، بينما يتدخّل الوعي الكتابي في ترتيبها وإكسابها شكلها النصّي مع الصيغة النصّية.

أدخلُ الصباح + كمن يدخل مشرحةً جماعيّة + أرتّب وجهي بعناية موظّفة كوارث + أرسم فماً صالحاً للمجاملة + وعينين تستطيعان المرور أمام الحياة + دون أن تفضحا الجثث المكدّسة في الداخل + الكحل؟ + ليس زينةً + إنّه آخر سوادٍ سحبته من رئة الليل.

يكشف هذا التتابع عن تحوّلٍ متدرّج في وظيفة الأشياء؛ فالصباح، الذي يرتبط عادة بالبداية والنور، يتحوّل إلى مشرحةٍ جماعيّة، والوجه لا يعود علامةً طبيعيّة للهوية، بل أنّه بنيةً يعاد ترتيبها للعبور أمام الحياة، بينما يفقد الكحل وظيفته التزيينيّة ليصبح "آخر سوادٍ سحبته من رئة الليل" وهكذا لا تكتفي الشاعرة بخرق المألوف، بل تعيد توزيع المعاني بين الأشياء، لتنتج فضاءً سرياليّاً تتجاور فيه الحياة والموت، والزينة والرماد، والصباح والمشرحة.

ومن خلال هذا التحوّل، يظهر ما يمكن تسميته بالجنون الخلّاق؛ وهو ليس غياباً للنظام، بل إعادة تنظيم للفوضى في صورةٍ جماليّة جديدة. فالمحسوس الجزئي يظلّ حاضراً داخل المتخيَّل، لكنه يفقد انتظامه الواقعي ويكتسب وظيفةً أخرى. ومن هنا تتكوّن ثنائيّة الحضور والغياب: يغيب المعنى المألوف للشيء، ليحضر معنى جديد ينتجه النصّ. فالصباح، والوجه، والعين، والكحل، والليل، جميعها عناصر محسوسة، لكنّها تُعاد كتابتها ضمن علاقاتٍ دلاليّة غير مألوفة.

ولو نظرنا إلى البنية العميقة للذات، وجدنا أنّ العناصر الثلاثة: المحسوس، والخيال، والمتخيَّل، تدخل في تجانسٍ فعلي. فالمحسوس يقدّم المادّة الأولى، والخيال يعيد تركيبها، بينما يمنح المتخيَّل هذه العناصر عالمها النصّي الجديد. وبهذا لا تكون الذات مجرّد ناقلٍ للواقع، بل مركزاً لإعادة تشكيله وتحويله إلى تجربةٍ جماليّة.

كلّما حاول نهدي

أن يهربَ من قميصي،

كنتُ أعيده إلى جسدي

كما تُعادُ الفكرةُ الخطأ

إلى رأسِ امرأةٍ شرقيّة.

في عيدي الأخير،

جلستُ أمام المرآة أُحصي خسائري على هيئة أعضاءٍ:

هذا نهدٌ تأخر عن الثورة،

وهذا رحمٌ يواصل تدوير الفراغ

كآلة غسيل،

وهذه أنوثةٌ انتهت صلاحيتها قبل أن يلمسها أحد.

من قصيدة: ندبة على هيئة امرأة - ص138.

يظهر المحسوس هنا غارقاً في شبكةٍ من التناقضات؛ فالجسد لا يُقدَّم بوصفه بنيةً ثابتة، بل بوصفه فضاءً للصراع والتحوّل. ومن هذه التناقضات تتشكّل فوضى أوليّة يعيد النصّ تنظيمها في بنيةٍ جديدة، فتتحوّل الأعضاء إلى علاماتٍ دلاليّة تحمل أسئلةً عن الأنوثة، والقمع، والزمن، والهويّة. ومن هنا، لا يكون ما يبدو "جنوناً" خروجاً من المعنى، بل وسيلةً لإنتاج معنى آخر أكثر كثافةً وتركيباً.

كلّما حاول نهدي + أن يهرب من قميصي + كنتُ أعيده إلى جسدي + كما تُعاد الفكرة الخطأ + إلى رأس امرأة شرقيّة + في عيدي الأخير + جلست أمام المرآة أُحصي خسائري على هيئة أعضاء + هذا نهد تأخر عن الثورة + وهذا رحم يواصل تدوير الفراغ + كآلة غسيل + وهذه أنوثة انتهت صلاحيتها قبل أن يلمسها أحد.

ويُعدّ المحسوس من أقرب العناصر إلى الترتيبات النصّيّة التي تغذّي المخيّلة؛ إذ يقدّم للذات مادّةً قابلةً للتحويل وإعادة التنظيم من الداخل. غير أنّ الأشياء لا تحمل معانيها بصورةٍ مكتملة وثابتة، بل تكتسب دلالاتها الجديدة من خلال طريقة حضورها في النصّ وعلاقتها بالذات. ومن هنا تصبح إحدى وظائف المحسوس خلق إمكاناتٍ جديدة للمعنى، من خلال ترتيب غير تقليدي للأشياء، وربطها بمستوياتٍ نفسيّة ورمزيّة وجماليّة.

وفي قول الشاعرة: كلّما حاول نهدي أن يهرب من قميصي، يتحوّل القميص من مجرّد لباسٍ إلى فضاءٍ يحدّ الجسد ويحتويه، بينما يتحوّل النهد إلى كائنٍ قادر على الحركة والرغبة في الهرب. وهنا تدخل أعضاء الجسد في بنيةٍ إشاريّة، تنتقل فيها الأشياء من المحسوس إلى المتخيَّل. وفي هذا السياق يقول ابن سينا: (الشيء قد يكون محسوساً عندما يُشاهد، ثم يكون متخيَّلاً عند غيبته بتمثّل صورته في الباطن... وأمّا الخيال الباطن فخياله المحسوس مع عوارض الأين والمتى والوضع والكيف، لا قدرة له على تجريده المطلق عنها، ولكنّه يجرّده عن العلاقة التي تعلّق بها الحسّ، فهو يتمثّل صورته مع غيبوبة حاملها. الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي، ص343–345).

ومن هذا المنطلق، لا يبقى المحسوس مقصوراً على حضوره المباشر، بل ينتقل إلى المخيّلة ليُعاد تشكيله في صورةٍ جديدة. وهذه هي إحدى الركائز الأساسيّة للمتخيَّل السريالي: أن يحتفظ بأثر الشيء، من دون أن يحتفظ بوظيفته الأولى. فالجسد يبقى جسداً، والقميص يبقى قميصاً، والرحم يبقى عضواً، لكنّ العلاقات التي تنشأ بينها تتجاوز الواقع المباشر، وتمنحها وظائف رمزيّة جديدة.

وتنتمي الشاعرة أمل عايد البابلي إلى أساليب دهشويّة هادئة، تنبع من العلاقات الجديدة التي يقيمها النصّ مع الأشياء المحسوسة. فالغرائبيّة والعجائبيّة لا تظهر عندها بوصفهما زخرفةً أو مبالغةً لغويّة، بل نتيجةً لتحوّل العلاقة بين الذات والعالم. ومن هنا، يتكوّن الانفعال الجمالي، حين يرى القارئ الشيء المألوف وقد اكتسب وظيفةً لم تكن له في الواقع.

وبذلك لا يعمل المتخيَّل السريالي على إلغاء الواقع، بل على إعادة تركيبه؛ فهو يستعير من الواقع عناصره المحسوسة، ثم يعيد توزيعها داخل علاقاتٍ جديدة تتداخل فيها الذاكرة، والجسد، والرمز، واللاوعي، والوعي الكتابي. ومن خلال هذه العمليّة يصبح النصّ فضاءً لإنتاج واقعٍ موازٍ، لا ينكر العالم الخارجي، بل يكشف إمكاناته الخفيّة، ويمنح الأشياء حياةً دلاليّة جديدة.

***

كتابة: علاء حمد

......................

لغة بأعضاء داخليّة: مجموعة شعريّة صادرة عن: دار السومري للنشر والوزيع، الناصرية

 

دراسة نقدية في قصيدة «مهاجر» للشاعر السوري فرحان الخطيب

تأتي قصيدة «مهاجر» للشاعر السوري فرحان الخطيب بوصفها نصّاً شعرياً يختزل في فضائه الوجداني تجربةَ الاقتلاع من المكان، وما تتركه الغربة في الروح من شروخٍ لا تندمل. فالمهاجر في هذه القصيدة لا يعبر الحدود الجغرافية فحسب، بل يعبر من حالةٍ من الانتماء والدفء والذاكرة إلى فضاءٍ آخر تظل فيه الذات معلّقة بين وطنٍ يسكنها، ومكانٍ لا يزال يجهلها.

وقد جعل الشاعر من الوطن والأم والطفولة ودمشق وبردى والغوطة علاماتٍ مركزية في بناء تجربته، تتداخل فيها الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجمعية، ويتحوّل المكان من جغرافيا محسوسة إلى كيانٍ رمزي ونفسي. لذلك تبدو القصيدة أشبه برحلة داخلية يستعيد فيها المهاجر ما فقده عبر اللغة، ويقاوم بها تآكل الذاكرة وانكسار الهوية.

وتنبع أهمية النص من قدرته على الجمع بين جزالة القصيدة العربية ودفء الاعتراف الإنساني؛ إذ يستثمر الشاعر الإيقاع والقافية والصورة البلاغية والتكرار والتوازي، ليمنح تجربته بنية موسيقية تتماهى مع اضطراب الذات وحنينها. ومن هنا يغدو الشعر وطناً بديلاً، وتصبح القصيدة مساحةً لاسترداد ما عجز الواقع عن استرداده.

والنص الآتي، بما يحمله من صورٍ وأصواتٍ ووقفاتٍ واستدعاءاتٍ للذاكرة، يفتح أمام القارئ أبواباً متعددة للتأويل؛ فهو قصيدة في الهجرة بقدر ما هو قصيدة في الوطن، وفي الغياب بقدر ما هو قصيدة في الحضور، وفي الأم بقدر ما هو قصيدة في الهوية. ومن هذه الزاوية تأتي الدراسة النقدية اللاحقة محاولةً لقراءة بنيته البلاغية والأسلوبية والسيميائية والنفسية، والكشف عن آليات اشتغال اللغة والإيقاع والرمز في تشكيل تجربة المهاجر.

نص القصيدة:

مهاجر

شعر: فرحان الخطيب

ما يَبّسَ القلبَ مُرُّ البعد عن وطني

كزهرةٍ شلّعتها الريحُ عن فننِ

*

هبّتْ عواصفُ أيامي تدحرجُها

لم يبقَ منها سوى عطرٍ يذكّرني

*

غرّبتُ معتمرا غيماً وبعضَ صدى

بل غرّبتْ شمسُها من شدّة المحنِ

*

غرّبتُ، غمّضتُ عيني عن ضُحى بلدي

جُنّتْ.. فراحتْ الى الهلّاك تقذفني

*

كأنني لم أذقٌْ مِلْحَاً بمَخْبزها

او انها نَسِيَتْ مِلْحاً تملّحُني

*

أمشي، أضمُّ المنى أعدو أطاردها

في غَفْلة العمر، بل من رجفة الزّمنِ

*

وبين جَفنَيْ عينِ البحرِ واجدُني

موجٌ تعاصفَ بي، موجٌ يُغرّقني

*

حتى وصلتُ بلادا لستُ اعرفها

وهي البلادُ التي، والحقّ تجهلُني

**

لمْلَمْتُ كلَّ المواويل التي مخرتْ

عبابَ رأسي وألقتني على وَهني

*

ورحتُ اذكرُ بابَ الدار كم شهقتْ

عينٌ لمفتاحهِ التَبكي، تودّعُني

*

كأنها عينُ أمّي إذ تُبَسْملُني

فتدمعُ العينُ من نافورة الشّجنِ

*

وهي الأمومةُ كالأشجار ليس لها

إلا حنين اصطبارٍ وهي تنطُرني

*

فقلتُ يا أمُّ عيناكِ وضوؤهما

هما دليلاي لو تاهتْ بنا سُفني

*

امّاهُ عندي تحايا، كيف ابعثها !؟

وروحُكِ الان تدري مايعذّبُني

*

امّاه جسمي هنا قلبي يغادرني

فاسْتقبليهِ، فهذا الوقتُ شطّرني

*

لو دمّعتْ عينُك اليسرى بكيتُ هنا

او أن يُسراك رفّ الجفنُ، رجّفني

*

هنا تآكلَ وجهي لم أذقْ قُبَلاً

كطعْمِ تلك التي امّي تقبّلني

**

هاجرتُ، مالوّنتْ عمري مذ اكتحلتْ

عيناي، الا عذاباتٌ تؤرّقني

*

هناك نجمُ سماءِ الشّام لوّحَ لي

أما هنا، فنجومُ الكونِ لم تَرَني

*

وكنتُ كم ارتوي من عين فيجتنا

وصرتُ في الهجر، نهرُ السّين عطّشني

*

وكنتُ، أغصانُ عمري جدّ مزهرةٌ

والهجرُ ماعاد رغمَ الرّغد، زَهّرني

*

وكنتُ كالغوطةِ الفيحاء ذا ألقٍ

وكنت نهرا، وهذا البعدُ جَدْوَلَني

*

وأذكر الأرضَ كم وافيت ُروضتها

على امتداد الضّحى مرجاً يُخضّرني

*

وصرتُ زرعا هنا، لا لستُ أحمِلُها

غرائرَ القمح، بل ما عدتُ أحْملني

**

اجولُ ما بينَ اسواقٍ تُشعْشِعُني

والشو قُ للأهل عن طفليّ، عتّمني

*

لو أنّ ليلى معي لبّسْتُها رهجا

لكثرةِ الزينة اللألاءِ في المُدن

*

وكنت أهديتُها ما كنتُ واعدَها

وكنتُ حَلّيتُها من فاخر الثّمن

*

لو ان سعدا معي بدراً لرحلتنا

يلهو كما شاءَ، مزّاحا يولدنني

*

كانت شقاوتهُ المجنونةُ اضطرمتْ

يقطّف الضوءَ عن العاب تبهرني

*

يا أيها النهرُ، سِرُّ الشام، يابردى

خذني الى وطني، عِدني ترجّعُني

**

انا الغريبُ هنا لاشيءَ يفرحني

ُمذْ جئتُ أحملُ أحزاني على كفني

*

وَرَّقْتُ بوحيَ من آهات مَحْبرَتي

اما يراعي هنا، ما عاد يكتبُني

*

امشي وحيدا، أعدُّ الناسَ، ارقُمها

مارفّ قلبي إلى أيٍّ يؤانسُني

*

هنا تُضيّعني الأصواتُ تعجُمني

لو انّ صوتي معي، لابدّ عَندلني

*

وصرتُ في غصّةٍ شالتْ هراوتها

باتتْ تطاردُ روحي بي، وتنهرُني

*

كأنني طائرٌ من دونِ أجنحة

من دونِ زقزقة، والجوُّ يخنقني

*

قد ضيّعتْني هنا، مهزومةٌ لغتي

أمشي كأنّي هنا، ما عدتُ أشبهني

*

مايَبّسَ القلبَ، لاجوعٌ ولاعطشٌ

مايبّسَ القلبَ، هذا البعدُ عن وطني

**

تنهض قصيدة «مهاجر» للشاعر السوري فرحان الخطيب على تجربة إنسانية كثيفة تتجاوز المعنى الجغرافي للهجرة إلى معنى وجودي تتقاطع فيه ثنائيات الوطن والمنفى، الحضور والغياب، الذاكرة والراهن، الأمومة والاقتلاع، واللغة والصمت. فالمهاجر في النص ليس جسداً انتقل من مكان إلى مكان، بل ذاتٌ اقتُلعت من سياقها الرمزي، وأخذت تبحث عن صورتها الأولى في مرآة الذاكرة.

ومنذ البيت الأول:

“ما يَبَّسَ القلبَ مُرُّ البعدِ عن وطني

كزهرةٍ شلَّعتها الريحُ عن فننِ»،

يؤسّس الشاعر معادلاً شعرياً للاقتلاع؛ فالزهرة رمز الرقة والحياة، والفنن رمز الأصل، والريح قوة عمياء تنزع الكائن من جذره. ومن هنا تتشكل البنية العميقة للنص بوصفها رحلةً من المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الأم، ومن الأم إلى الوطن، ثم من الوطن إلى أزمة الهوية واللغة.

إنها قصيدة تستعيد الصولجان في محراب الشعرية العربية؛ لأنها تستثمر الموروث العروضي والبلاغي، ولكنها تمنحه حساسية معاصرة، وتجعل القصيدة فضاءً للاعتراف النفسي والتأمل الوجودي.

مكانة فرحان الخطيب ودوره الثقافي:

ينتمي فرحان الخطيب إلى تلك السلالة من المثقفين الذين لم يحصروا علاقتهم بالأدب في الكتابة، بل مارسوا الثقافة بوصفها فعلاً اجتماعياً وتنويرياً. وتزداد أهمية تجربته الثقافية من خلال عمله مديراً لمركز ثقافي في أشرفية صحنايا بدمشق، بما يضع تجربته في سياق المؤسسة الثقافية التي تصل الأدب بالمجتمع، وتفتح المجال أمام الحوار والمعرفة والإبداع.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قصيدته «مهاجر» لا باعتبارها تعبيراً ذاتياً فحسب، بل باعتبارها وثيقة شعرية عن سؤال الإنسان العربي حين يجد نفسه بين وطنٍ يسكنه في الذاكرة وواقعٍ جديد لا يمنحه بسهولة شعور الانتماء.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالمهاجر

المهاجر في القصيدة كائن معلّق بين عالمين. يقول:

«حتى وصلتُ بلاداً لستُ أعرفها

وهي البلادُ التي، والحقُّ، تجهلُني»

إن الثنائية هنا شديدة الدلالة:

لا أعرفها

تجهلني. فالمعرفة ليست من طرف واحد؛ إنما هي شرط للانتماء. ولذلك يتحول الوصول الجغرافي إلى استمرار للاغتراب النفسي.

ويبلغ هذا الشعور ذروته في الخاتمة:

«ما يَبَّسَ القلبَ، لا جوعٌ ولا عطشٌ

ما يَبَّسَ القلبَ، هذا البعدُ عن وطني»

فالقصيدة تبدأ بالبعد وتنتهي به، وبذلك يتخذ النص شكلاً دائرياً؛ يبدأ بالوطن بوصفه جرحاً، وينتهي بالوطن بوصفه الحقيقة الوحيدة التي تفسر الجرح.

العنوان: العتبة النصية الأولى ومفتاح التأويل:

كلمة «مهاجر» عنوان مكثف، وهي اسم فاعل يحمل دلالة الحركة والاستمرار؛ فالمهاجر ليس «منفىً» نهائياً، ولا «مقيماً» مستقراً، بل ذات في حالة انتقال دائم. ولذلك يبدو العنوان عتبةً تأويلية تسبق النص وتفتح أبوابه.

واللافت أن الشاعر لم يسمِّ القصيدة «الهجرة»، بل اختار «مهاجر»، أي الإنسان الذي يحمل الهجرة في كيانه. ومن ثم تصبح الهجرة هويةً نفسية لا مجرد حادثة مكانية.

وتتفرع من العنوان حقول دلالية متكررة: الوطن، البعد، الغربة، الأم، الشام، بردى، الغوطة، الأرض، الطفلان، اللغة؛ وهي جميعاً علامات تؤسس معجم الانتماء المفقود.

الإيقاع والمعمار الصوتي:

اختار الشاعر بنية القصيدة العمودية ذات الشطرين، بما يمنح النص انتظاماً إيقاعياً قريباً من القصيدة العربية الموروثة. ويظهر الروي الموحد في النون المكسورة، مثل: «وطني، فننِ، يذكّرني، المحنِ، يقذفني، تغرّقني»، وهي نهاية صوتية ذات امتداد أنيني ينسجم مع المناخ النفسي.

واللافت كثرة الأصوات المجهورة والأنفية، ولا سيما النون والميم والراء؛ فالنون تتكرر في مفردات مركزية مثل: وطني، يذكّرني، المحن، أمي، يغرّقني، يؤانسني. وهذه الهيمنة الصوتية تمنح القصيدة نبرةً داخلية تشبه النشيج المكتوم.

الموسيقى الداخلية وبؤرة التوتر:

لا تقوم موسيقى القصيدة على الوزن والقافية وحدهما، وإنما تتولد من التكرار والتوازي والتقابل الصوتي والدلالي.

ومن أبرز أدوات التكرار:

«وكنتُ... وكنتُ...»

في قوله:

«وكنتُ كم أرتوي من عين فيجتنا

وصرتُ في الهجر، نهرُ السين عطّشني»

ثم:

«وكنتُ، أغصانُ عمري جدُّ مزهرةٍ

والهجرُ ما عاد رغمَ الرغدِ زهّرني»

يتحول التكرار من مجرد وسيلة موسيقية إلى آلية لاستعادة الماضي ومقارنته بالحاضر.

كما يتكرر الفعل «غرّبتُ»:

«غرّبتُ معتمراً غيماً وبعضَ صدى

بل غرّبتْ شمسُها من شدة المحنِ»

ثم:

«غرّبتُ، غمّضتُ عيني عن ضحى بلدي»

فيصبح الفعل محوراً دلالياً: فالغربة ليست مكاناً فقط، بل فعلٌ يتكرر حتى يتحول إلى قدر.

أما التوازي، فيظهر بوضوح في:

«جسمي هنا، قلبي يغادرني»

وهو تقابل بين الجسد والقلب، وبين الحضور الفيزيائي والغياب الوجداني.

الجناس والاشتقاق والحروف المهيمنة:

يستفيد النص من التقارب الاشتقاقي والصوتي، مثل:

«الهجر... هاجرتُ»،

و«زهرة... زهّرني»،

و«أمّي... أمّاه»،

وهي روابط تجعل المعجم الداخلي للقصيدة شبكة من الأصوات المتجاوبة.

وتبدو الميم والنون والراء حروفاً مهيمنة؛ فالميم ترتبط بالأم والوطن والألم، والنون تتصل بضمير المتكلم وامتداد الأنين، فيما تمنح الراء حركةً وارتجاجاً صوتياً يتناسب مع ألفاظ مثل: الريح، الرحلة، الغربة، البحر، الروح.

الأسس اللغوية والبلاغية:

لغة الشاعر فصيحة في عمومها، مشبعة بالمعجم التراثي من غير أن تنقطع عن التجربة المعاصرة. ومن أجمل صورها التشبيه في:

«كزهرةٍ شلّعتها الريحُ عن فننِ»

إذ يتحول الإنسان إلى زهرة، والوطن إلى غصن، والهجرة إلى ريح اقتلاع.

وفي:

«كأنني طائرٌ من دون أجنحة

من دون زقزقة، والجوُّ يخنقني»

تتضافر الاستعارة والتشبيه؛ فالطائر رمز الحرية، لكن الشاعر يسلبه جناحه وصوته معاً، فيصبح العجز مضاعفاً: فقدان الحركة وفقدان القدرة على التعبير.

أما الانزياح التركيبي فيبلغ ذروته في:

«جُنّتْ... فراحتْ إلى الهلاك تقذفني»

إذ تتحول البلاد أو الشمس، بحسب السياق، إلى قوة فاعلة تقذف الذات في الهلاك. وهذا التشخيص يحمّل المكان نفسه مسؤولية المأساة، ويحوّل الجغرافيا إلى شخصية درامية.

ومن الناحية الأسلوبية، يكثر الشاعر فرحان الخطيب من الجمل الفعلية، وهو ما ينسجم مع دينامية الرحيل والاضطراب: «أمشي، أضم، أعدو، أطارد، لمْلَمْتُ، رحتُ أذكر، هاجرتُ، أجول، أرقمها». إن كثافة الأفعال تعكس ذاتاً لا تستقر.

العتبات النصية والرموز المركزية:

تتقدم الأم بوصفها العتبة العاطفية الأعمق:

«كأنها عينُ أمي إذ تُبَسْملُني

فتدمعُ العينُ من نافورة الشجنِ»

الأم هنا ليست شخصية عائلية فقط، بل رمز للوطن الأول. لذلك يقول:

«فقلتُ يا أمُّ، عيناكِ وضوؤهما

هما دليلاي لو تاهتْ بنا سفني»

إن عيني الأم تتحولان إلى بوصلة؛ وحين تضيع الجغرافيا تبقى الأم علامة الطريق.

ويأتي بردى بوصفه علامة سيميائية على دمشق:

«يا أيها النهرُ، سرُّ الشام، يا بردى

خذني إلى وطني، عِدني ترجّعني»

فالنهر هنا ليس مجرى مائياً؛ إنه ذاكرة مكانية، وعلامة حضارية، وجسر رمزي بين المهاجر ووطنه.

أما الغوطة الفيحاء فهي تستحضر فردوساً مفقوداً:

«وكنتُ كالغوطة الفيحاء ذا ألقٍ

وكنتُ نهراً، وهذا البعدُ جدولني»

والمفارقة في «جدولني» أن الذات التي كانت نهراً واسعاً صارت جدولاً ضيقاً؛ إنها بلاغة الانكماش الوجودي.

الرغبة واللّاكان: قراءة نفسية:

وفق المنظور اللاكاني، لا تتشكل الرغبة إلا حول الغياب والنقص؛ والقصيدة كلها مبنية على هذا النقص. فالمهاجر يريد ما لا يستطيع امتلاكه حضوراً: الوطن، الأم، الطفلان، اللغة، والذات القديمة.

ولهذا يقول:

«جسمي هنا، قلبي يغادرني

فاستقبليه، فهذا الوقتُ شطّرني»

إن الذات منشطرة بين مكانين، ولا تستطيع استعادة وحدتها إلا عبر الآخر؛ والأم هنا تمثل «الآخر» الأول، بينما الوطن هو المجال الرمزي الذي يمنح الذات اسمها وهويتها.

ويتجسد «موضوع الرغبة» في قوله:

«خذني إلى وطني، عِدني ترجّعني»

فالأمر موجَّه إلى بردى، لكن المقصود أعمق من النهر: إنه نداء إلى المستحيل، إلى استعادة ما فقدته الذات.

الوقفات والإيقاع النفسي:

تؤدي الوقفات دوراً نفسياً بارزاً، ولا سيما علامات النداء والاستفهام والحذف. ففي:

«أمّاهُ، عندي تحايا، كيف أبعثها؟!»

يتحول السؤال من استفهام لغوي إلى عجز وجودي؛ فالمشكلة ليست في طريقة إرسال التحايا، بل في استحالة الوصول.

وكذلك:

«امشي وحيداً، أعدُّ الناس، أرقمها»

تتتابع الأفعال القصيرة فتنتج إيقاعاً نفسياً متقطعاً، يعكس وحدة المهاجر وسط كثرة بشرية لا تتحول إلى أُلفة.

البنية الفنية والجمالية:

يمكن تقسيم القصيدة إلى خمس حركات: الاقتلاع، استعادة الأم، استحضار الوطن، استدعاء الأسرة، ثم الانغلاق على الغربة. وهي بنية تصاعدية تنتهي إلى الخلاصة الوجودية: الإنسان قد يجد مكاناً جديداً، لكنه لا يجد بالضرورة وطناً جديداً.

وتبلغ القصيدة ذروة جمالها حين تمتزج الذات بالمكان:

«وصرتُ زرعاً هنا، لا لستُ أحملُها

غرائرَ القمح، بل ما عدتُ أحملني»

إن التحول من «أحمل القمح» إلى «ما عدتُ أحملني» انتقال من حمل الأشياء إلى فقدان الذات؛ وهذه من أكثر صور النص كثافةً ودلالة.

خاتمة:

إن «مهاجر» قصيدة الاقتلاع والذاكرة واستعادة الهوية عبر الشعر. وقد استطاع فرحان الخطيب أن يجعل من التجربة الفردية خطاباً إنسانياً قابلاً للتعميم؛ فالمهاجر في النص هو كل إنسان فقد المكان الذي كان يمنحه معنى وجوده.

وتكمن قوة القصيدة في تضافر الإيقاع الخارجي مع الموسيقى الداخلية، والبلاغة مع التجربة النفسية، والعلامة السيميائية مع الذاكرة، بحيث يصبح الوطن ليس أرضاً فحسب، بل لغةً وأماً وطفولةً ونهرَاً ووجهاً وذاكرة.

وإذا كان الشاعر يقول في النهاية:

«ما يَبَّسَ القلبَ، هذا البعدُ عن وطني»

فإن هذه العبارة تختصر البنية العميقة كلها: إن الهجرة لا تبدأ حين يغادر الإنسان وطنه، بل حين يصبح عاجزاً عن استعادة الوطن في الواقع؛ غير أن الشعر يمنحه إمكانية أخرى، هي أن يستعيد الصولجان المفقود في محراب القصيدة، وأن يحوّل المنفى من جغرافيا للغياب إلى جغرافيا للقول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة سيميولوجية في صمود القيم زمن الأزمات وانكشاف النفاق الاجتماعي

ملخّص القصة

تُعدّ قصة «كرة الشحم» (Boule de Suif) للكاتب الفرنسي غي دو موباسان من أشهر القصص القصيرة التي تناولت الحرب وآثارها الأخلاقية والاجتماعية. نُشرت القصة سنة 1880 ضمن المجموعة القصصية الجماعية «أمسيات ميدان» (Les Soirées de Médan)، وتدور أحداثها خلال الحرب الفرنسية البروسية سنة 1870، حين تغادر عربةٌ مدينة روان الواقعة تحت الاحتلال البروسي متجهةً نحو لوهافر، وعلى متنها مجموعة غير متجانسة من الأشخاص ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، من تجار وأثرياء وأرستقراطيين وراهبات، إضافة إلى امرأة تُدعى إليزابيث روسيه، تلقّب بـ«كرة الشحم»، وهي مومس وطنية المشاعر.

تتوقف الرحلة في أحد النزل بعد أن يشترط ضابط بروسي السماح للعربة بالرحيل مقابل أن تستجيب «كرة الشحم» لرغبته. ترفض المرأة في البداية، انطلاقًا من شعورها الوطني ورفضها الخضوع لرجل من جيش الاحتلال، فيتعاطف معها رفاقها ظاهريًا. غير أن موقفهم يتبدل تدريجيًا عندما يدركون أن رفضها يمنعهم جميعًا من مواصلة الرحلة، فيمارسون عليها ضغطًا أخلاقيًا ونفسيًا متدرجًا حتى تقبل بالتضحية بنفسها من أجل إنقاذهم. وبعد أن يتحقق لهم ما أرادوا، يتخلون عنها ويعاملونها باحتقار، في واحدة من أكثر المفارقات الأخلاقية قسوة في الأدب الواقعي الفرنسي.

مقدمة

لا تكشف الأزمات حقيقة الإنسان بقدر ما تعيد ترتيبها أمام عينيه. ففي زمن الاستقرار يستطيع الإنسان أن يختبئ خلف القوانين والعادات والصور الاجتماعية التي صنعها لنفسه، وأن يبدو صالحًا لأن الظروف لم تضع أخلاقه أمام امتحان حقيقي. أما حين تأتي الحرب أو المجاعة أو الخوف أو الاحتلال، فإن الأقنعة تبدأ في السقوط، ويصبح السؤال الأخلاقي أكثر قسوة: ماذا يبقى من القيم عندما يصبح الحفاظ عليها مكلفًا؟

من هذا السؤال تحديدًا يمكن الاقتراب من قصة «كرة الشحم» لغي دو موباسان. فالقصة، وإن بدت في ظاهرها حكايةً عن مجموعة من المسافرين عالقين في طريق الحرب، فإن بنيتها العميقة تتجاوز الحدث الحربي إلى مساءلة منظومة كاملة من القيم الاجتماعية: الشرف، والوطنية، والتضامن، والتضحية، والكرامة، والرحمة، والطبقية، والأنانية، والنفاق.

لقد جعل موباسان من عربة صغيرة فضاءً اجتماعيًا مصغرًا، جمع فيه أشخاصًا تختلف مواقعهم الاجتماعية ولكنهم يشتركون في الخوف والمصلحة. ومن خلال هذا الجمع، لا تعود الحرب مجرد مواجهة بين الفرنسيين والبروسيين، وإنما تتحول إلى اختبار داخلي للمجتمع نفسه؛ إذ يتضح أن الاحتلال الخارجي ليس الخطر الوحيد الذي يهدد الإنسان، فقد يكون هناك احتلال آخر أشد خفاءً: احتلال المصلحة للضمير.

وتكمن أهمية القصة أخلاقيًا في أنها تقلب التوقعات التقليدية حول مفهوم الفضيلة. فالمرأة التي تنتمي اجتماعيًا إلى الفئة التي ينظر إليها المجتمع المحافظ بوصفها «منحرفة» تظهر في لحظة الاختبار أكثر التزامًا بالكرامة والوطنية والكرم من أولئك الذين يمثلون الطبقات المحترمة اجتماعيًا. وقد لاحظت بعض القراءات النقدية للقصة هذا التناقض بين الصورة الاجتماعية للشخصية وبين منظومتها الأخلاقية الفعلية، بحيث تصبح «كرة الشحم» صاحبة ميثاق أخلاقي يتعارض مع الصورة التي ألصقها بها المجتمع.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها:

كيف تعيد الأزمات، في قصة «كرة الشحم»، تشكيل العلاقة بين الأخلاق والمصلحة؟ وإلى أي مدى تستطيع القيم الإنسانية أن تصمد حين يصبح الإنسان محاصرًا بالخوف والحاجة والضغط الاجتماعي؟

أولًا: الأخلاق بوصفها اختبارًا للإنسان في زمن الأزمة

الأخلاق في الظروف العادية قد تبدو أمرًا يسيرًا؛ إذ لا يحتاج الإنسان إلى قدر كبير من الشجاعة لكي يكون كريمًا حين لا يهدده شيء، أو صادقًا حين لا يخسر شيئًا بسبب صدقه، أو وفيًا حين لا يتعارض الوفاء مع مصلحته.

لكن القيمة الأخلاقية تظهر حقيقتها حين تتحول إلى اختيار مكلف.

وهنا تكمن قوة «كرة الشحم». فموباسان لا يقدم لنا عالمًا تنعدم فيه الأخلاق، وإنما يقدم عالمًا توجد فيه الأخلاق بوصفها قيمة معلنة، ثم يختبر مدى قدرة أصحابها على الالتزام بها عندما تتعارض مع مصالحهم.

في بداية الرحلة، يبدو الركاب متقاربين في موقفهم من «كرة الشحم». إنهم يبدون احترامًا لقرارها، بل يقرون ضمنيًا بحقها في الرفض. غير أن هذا الموقف يتغير عندما يدركون أن قرارها أصبح عائقًا أمام مصالحهم الشخصية.

وهنا تحدث النقلة الأخلاقية الأساسية في القصة:يتحول الآخر من إنسان له إرادة وكرامة إلى وسيلة لتحقيق غاية.

وهذا التحول شديد الأهمية من منظور فلسفة الأخلاق؛ لأنه يتعارض مع المبدأ الكانطي الذي يرفض اختزال الإنسان إلى مجرد وسيلة، ويؤكد ضرورة معاملته بوصفه غاية في ذاته. وفي القصة، لا تعود «كرة الشحم» في نظر رفاقها شخصًا له الحق في اتخاذ القرار، وإنما تصبح «حلًا» لمشكلتهم.

إنهم لا يسألون: ماذا تريد؟بل يسألون: كيف نجعلها تفعل ما نريد؟

وهذا الفارق البسيط في اللغة يكشف انهيارًا عميقًا في الأخلاق.

ثانيًا: «كرة الشحم» وإعادة تعريف مفهوم الفضيلة

من أكثر جوانب القصة إثارةً أن موباسان يقلب العلاقة بين المظهر الاجتماعي والقيمة الأخلاقية.

فالمجتمع الذي يحيط بالشخصية يصنف الناس وفق مراتب اجتماعية وأخلاقية جاهزة: هناك «المحترمون»، وهناك المرأة التي تمارس البغاء. لكن الأحداث سرعان ما تكشف أن هذه التصنيفات لا تصمد أمام الاختبار الحقيقي.

فـ«كرة الشحم» هي التي أحضرت الطعام في الرحلة، وهي التي تشارك مؤونتها مع الجميع حين يجوع الركاب. وتصف المصادر التي تعرض ملخص القصة هذا السلوك بوصفه جزءًا من سخائها، إذ كانت الوحيدة تقريبًا التي استعدت للرحلة بالطعام ثم شاركت الآخرين فيه.

وهنا يضع موباسان أمام القارئ مفارقة أخلاقية شديدة الدلالة:

المرأة التي يصفها المجتمع بأنها غير محترمة هي الأكثر احترامًا للآخرين.

وفي المقابل، أولئك الذين يستندون إلى المكانة والمال والدين والوجاهة الاجتماعية لا يترددون في دفع امرأة ضعيفة إلى تقديم جسدها قربانًا لإنقاذ مصالحهم.

إن القيمة الأخلاقية، وفق هذا المنظور، لا تُقاس بالملابس ولا بالطبقة ولا بالمهنة ولا بالخطاب الأخلاقي، وإنما بالفعل عندما يحين وقت الاختبار.

وهذه إحدى أهم أفكار القصة:قد يكون الإنسان محترمًا في نظر المجتمع، لكنه غير جدير بالاحترام أخلاقيًا؛ وقد يكون منبوذًا اجتماعيًا، لكنه يحتفظ في داخله بقدر كبير من النبل.

ثالثًا: الوطنية بين المبدأ والمصلحة

تمنح القصة لمفهوم الوطنية بعدًا نقديًا بالغ الأهمية.

فـ«كرة الشحم» لا ترفض طلب الضابط البروسي بدافع شخصي فقط، بل لأن الرجل يمثل قوة الاحتلال. إن رفضها في البداية يحمل معنى وطنيًا واضحًا: فهي لا تريد أن تجعل جسدها أداة لإرضاء ممثل عن الجيش الذي يحتل بلدها.

لكن المفارقة أن الشخصيات التي تبدو أكثر احترامًا للوطنية هي التي تدفعها لاحقًا إلى التنازل عن موقفها.

وهنا يفضح موباسان نوعًا من الوطنية الانتهازية؛ أي الوطنية التي تبقى قوية في الكلام، لكنها تنهار أمام المصلحة الشخصية.

فالآخرون لا يطلبون منها التضحية لأنهم أكثر وطنية منها، وإنما لأن تضحيتها هي التي ستسمح لهم بالرحيل.

وهكذا يتحول مفهوم الوطن من قيمة مشتركة إلى أداة ضغط على الفرد.

إنهم يقولون لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: إذا كنت وطنية حقًا، فعليك أن تضحي.

لكن المفارقة الأخلاقية أن من يطالب بالتضحية ليس مستعدًا للتضحية بنفسه.

وهنا يطرح موباسان سؤالًا لا يزال صالحًا بعد أكثر من قرن:

من يحق له أن يطالب الآخرين بالتضحية؟

إن الوطنية الحقيقية، في منطق القصة، ليست رفع الشعارات، وإنما تحمل الكلفة الأخلاقية للموقف. أما حين يتحول الوطن إلى وسيلة لإجبار الأضعف على دفع ثمن نجاة الأقوياء، فإن الوطنية نفسها تصبح قناعًا للمصلحة.

رابعًا: صمود القيم زمن الأزمات

إذا كانت الأزمة تكشف هشاشة بعض القيم، فإنها تكشف أيضًا قدرة قيم أخرى على الصمود.

وهنا ينبغي ألا تُقرأ «كرة الشحم» بوصفها قصة عن انهيار الأخلاق فقط، وإنما بوصفها قصة عن بقاء الأخلاق في شخص واحد حين تفشل الجماعة في الحفاظ عليها.

تتعرض الشخصية لضغط شديد: الاحتلال، والخوف، والعزلة، والحاجة إلى مواصلة الرحلة، والضغط الجماعي، والإغراء الأخلاقي الذي يمارسه عليها الآخرون.

ومع ذلك، تظل في البداية متمسكة بموقفها.

ثم، عندما ترضخ في النهاية، لا ينبغي أن نقرأ فعلها قراءة سطحية باعتباره مجرد سقوط أخلاقي. فقبولها لا يحدث بدافع الأنانية، وإنما تحت ضغط الجماعة ومن أجل مصلحة الجميع. إنها تضحي بنفسها، بينما الآخرون لا يضحون إلا بها.

وهنا تظهر مفارقة شديدة العمق:

هي التي تدفع الثمن الأخلاقي، وهم الذين يحصلون على المكافأة المادية.

وبذلك يصبح صمود القيم في القصة صمودًا مأساويًا. فالإنسان الأخلاقي قد يخسر، لا لأن أخلاقه خاطئة، وإنما لأن المجتمع المحيط به لا يشاركه الالتزام بها.

وهذا من أكثر أوجه القصة قتامة؛ إذ لا تنتصر الفضيلة في النهاية بالمعنى التقليدي، لكنها تظل حاضرة بوصفها معيارًا يكشف سقوط الآخرين.

خامسًا: التضحية حين تتحول إلى استغلال

التضحية قيمة أخلاقية رفيعة عندما تكون اختيارًا حرًا. لكنها تفقد معناها الأخلاقي عندما تُفرض على شخص ضعيف من أجل حماية مصالح الأقوياء.

وهذا تحديدًا ما يحدث في «كرة الشحم».

فالركاب لا يضحون بأنفسهم، ولا يبحثون عن حل يتحملون هم تبعاته، وإنما يبحثون عن الشخص الأكثر ضعفًا داخل المجموعة لكي يدفع الثمن.

وتكشف القصة بذلك آلية اجتماعية خطيرة يمكن تسميتها «نقل كلفة الأزمة إلى الأضعف».

ففي لحظة الخطر، لا يتساوى الجميع في تحمل العبء. الأقوى اجتماعيًا يستخدم مكانته وذكاءه وخطابه الأخلاقي لإقناع الأضعف بأن التضحية واجب.

ومن هنا تصبح الأخلاق نفسها قابلة للاستغلال.

إنهم لا يقولون لها:«نريد أن نستخدمك».

بل يقدمون لها خطابًا أخلاقيًا يجعلها تشعر بأن رفضها أنانية.

وهذه هي قوة النفاق الأخلاقي:أن يجعل الإنسان ضحيته تشعر بأنها مذنبة لأنها رفضت أن تكون ضحية.

وقد تناولت قراءة حديثة للقصة هذه الآلية من زاوية مختلفة، معتبرةً أن الشخصية الضعيفة تتحول داخل منظومة الضغط الجماعي إلى «الحل الأرخص» للمأزق، وأن التضحية بها لا تنتهي بانتهاء الصفقة، بل يتبعها نوع آخر من الأذى يتمثل في محو فضلها وإهانتها بعد استفادة الآخرين منها.

سادسًا: النفاق الاجتماعي بوصفه العدو الحقيقي

الحرب في «كرة الشحم» لها وجهان.

هناك الحرب الخارجية التي يخوضها الفرنسيون والبروسيون، وهناك حرب داخلية أكثر خفاءً تدور بين الإنسان وضميره.

وقد يبدو الضابط البروسي هو الخصم المباشر، لكن موباسان يوجه نقده الأشد إلى الشخصيات الفرنسية نفسها.

فالاحتلال الخارجي يمارس سلطته بالقوة، بينما يمارس المجتمع سلطته على «كرة الشحم» بالضغط النفسي والاجتماعي.

والفرق بينهما أن الضابط لا يخفي مطالبه؛ أما الآخرون فيغطون مصلحتهم بأقنعة الدين والوطنية والأخلاق.

وهنا تصبح المفارقة أشد قسوة:

الاستبداد الصريح أكثر وضوحًا من النفاق الأخلاقي.

فالضابط يقول ما يريد مباشرة، أما المسافرون فيحولون رغبتهم في النجاة إلى «واجب أخلاقي» عليها.

ومن هنا فإن القصة لا تدين الحرب فقط، بل تدين المجتمع الذي يسمح لنفسه بإعادة إنتاج منطق القوة داخل المجموعة نفسها.

سابعًا: الدين والأخلاق بين الإيمان الحقيقي والتبرير النفعي

وجود راهبتين ضمن الشخصيات ليس تفصيلًا عابرًا. فهو يسمح لموباسان بإدخال الدين إلى الاختبار الأخلاقي.

والسؤال الذي تثيره القصة هنا ليس سؤالًا عن الدين في ذاته، وإنما عن استخدام الخطاب الديني لتبرير المصلحة.

فالأخلاق الدينية، إذا كانت قائمة على الرحمة والكرامة الإنسانية، لا يمكن أن تتحول إلى أداة لإجبار شخص على تقديم نفسه قربانًا لمصلحة الآخرين.

وفي هذه النقطة تتضح براعة موباسان في تفكيك الخطاب الأخلاقي: فالمشكلة ليست في وجود القيم، وإنما في الطريقة التي يمكن للإنسان أن يستخدم بها القيم ضد معناها الأصلي.

وهكذا يصبح السؤال:

هل نحن أمام أخلاق حقيقية، أم أمام لغة أخلاقية تخدم سلوكًا غير أخلاقي؟

وهذا التفريق ضروري جدًا؛ لأن الإنسان قد يتحدث عن التضحية والفضيلة والوطن، بينما يكون هدفه الحقيقي حماية نفسه.

ثامنًا: الطبقية وأخلاق الأقوياء

لا تنفصل أخلاق القصة عن بنيتها الطبقية.

فموباسان يضع داخل العربة شخصيات تمثل مواقع اجتماعية متعددة، ثم يجعل الظروف تسقط الحدود بينها مؤقتًا. الجميع جائع، والجميع خائف، والجميع ينتظر الرحيل.

لكن المساواة الظاهرية لا تستمر طويلًا.

عندما تظهر الأزمة الأخلاقية، تعود الطبقات إلى الظهور، ولكن بصورة أكثر قسوة: يستخدم أصحاب المكانة الاجتماعية نفوذهم الرمزي لإجبار الشخصية الأقل مكانة على دفع الثمن.

ومن هنا تكشف القصة أن الطبقية لا تعني فقط التفاوت في المال، وإنما تعني أيضًا التفاوت في القدرة على قول «لا».

فمن يملك المال والمكانة يستطيع أن يحمي نفسه، بينما يجد الضعيف نفسه مضطرًا إلى قبول ما يرفضه الآخرون.

وهذا يجعل «كرة الشحم» نصًا شديد الحداثة، لأن السؤال الذي تطرحه لا يخص القرن التاسع عشر وحده:

من يتحمل كلفة الأزمات في المجتمعات؟

غالبًا ما تكون الإجابة: أولئك الذين يملكون أقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم.

تاسعًا: المرأة والجسد بوصفهما مجالًا للصراع الأخلاقي

من أهم أبعاد القصة أيضًا علاقتها بمسألة الجسد الأنثوي.

فالجسد هنا لا يظهر بوصفه موضوعًا جنسيًا فحسب، وإنما بوصفه آخر مساحة تمتلكها الشخصية للدفاع عن إرادتها.

ولهذا فإن إجبارها على الخضوع لا يمثل مجرد تنازل شخصي، وإنما يكشف عن ممارسة القوة على جسد امرأة من أجل تحقيق غاية جماعية.

وتتضاعف المفارقة لأن المجتمع الذي يحتقر مهنتها لا يتردد في استخدام جسدها عندما يحتاج إليه.

وهنا يتكشف وجه من أوجه النفاق الاجتماعي المرتبط بالمرأة: المجتمع قد يحاكم المرأة على جسدها، لكنه في الوقت نفسه يطالبها بتقديم هذا الجسد عندما تخدم مصالحه.

وهذه المفارقة تجعل «كرة الشحم» نصًا قابلًا للقراءة من منظور نقدي معاصر حول السلطة على جسد المرأة، والإكراه، والرضا، والطبقية الجندرية.

كما أن دراسة حديثة تناولت ترجمات القصة إلى الكورية في سياقات سياسية مختلفة لاحظت أن تمثيل الشخصيات النسائية في الحرب يتأثر بالخلفية السياسية والثقافية للترجمة، بما يكشف قابلية صورة المرأة في «كرة الشحم» لإعادة التأويل بحسب السياق التاريخي الذي تُقرأ فيه.

عاشرًا: الطعام بوصفه رمزًا للأخلاق والتكافل

يكتسب الطعام في القصة قيمة رمزية تتجاوز وظيفته الواقعية.

فالطعام الذي تحمله «كرة الشحم» معها يمثل في البداية قيمة المشاركة.

إنها لا تحتفظ بما لديها لنفسها، بل تشارك الآخرين مؤونتها.

وهنا يضع موباسان فعلًا بسيطًا ــ تقديم الطعام ــ في مقابل أفعال تبدو أكثر «تحضرًا» و«احترامًا» لكنها تخفي الأنانية.

ومن الناحية الرمزية، يمكن القول إن الطعام يصبح اختبارًا مبكرًا لأخلاق الشخصيات:

هي تعطي عندما تستطيع.

أما الآخرون فيأخذون عندما يحتاجون.

ثم يتكرر النمط نفسه في الجزء الثاني من القصة، لكن بصورة أكثر مأساوية: يأخذون منها تضحية أكبر، ثم يتنكرون لها.

ومن ثم يمكن قراءة القصة كلها بوصفها انتقالًا من استغلال الخبز إلى استغلال الجسد؛ أي من أخذ ما تملك إلى أخذ ما أنتِ عليه.

حادي عشر: الأزمة بوصفها كاشفًا لا صانعًا للأخلاق

من الخطأ الاعتقاد أن الحرب تصنع الإنسان الأناني أو الجبان أو المنافق.

الأدق أن نقول إنها تكشف ما كان موجودًا فيه.

فالأزمة لا تمنح الإنسان أخلاقًا جديدة بالضرورة، وإنما تزيل الظروف التي كانت تخفي أخلاقه الحقيقية.

وهذا ما يحدث في العربة.

في الظروف العادية، يمكن للأثرياء أن يظهروا في صورة المحترمين، ويمكن للمتدين أن يبدو صالحًا، ويمكن للوطني أن يتحدث عن حب الوطن، ويمكن للبرجوازي أن يتحدث عن الأخلاق.

لكن الأزمة تضع الجميع أمام سؤال عملي:

ماذا ستفعل حين يصبح ثمن أخلاقك هو راحتك؟

هنا فقط يصبح الإنسان واضحًا أمام نفسه والآخرين.

ولذلك فإن «كرة الشحم» يمكن قراءتها بوصفها مختبرًا أخلاقيًا مغلقًا؛ العربة تتحرك في فضاء الحرب، لكن الشخصيات تتحرك داخل منظومة من المصالح، وكل موقف يزيح طبقة جديدة من الأقنعة.

ثاني عشر: صمود القيم أمام انهيار الجماعة

قد يبدو لأول وهلة أن القصة تنتهي بانتصار الأنانيين وهزيمة الأخلاق.

لكن القراءة الأعمق تقود إلى نتيجة أخرى.

فالقيم لا تحتاج دائمًا إلى انتصار خارجي حتى تكون موجودة.

قد يخسر الإنسان أخلاقيًا في نظر المجتمع، لكنه يظل منتصرًا في معيار الضمير.

و«كرة الشحم» لا تخرج من القصة رابحة بالمعنى المادي؛ بل على العكس، هي أكثر الشخصيات تعرضًا للاستغلال والإهانة. ومع ذلك فإنها تخرج من النص بوصفها الشخصية التي يمكن للقارئ أن يثق بإنسانيتها أكثر من الآخرين.

وهنا يكمن انتصارها الحقيقي.

إن موباسان لا يمنحها خطابًا فلسفيًا طويلًا، ولا يجعلها واعظة، ولا يقدمها في صورة بطلة أسطورية. بل يجعل أفعالها تتحدث عنها.

وهذه واحدة من علامات الكتابة الواقعية الرفيعة:لا يقول الكاتب إن الشخصية أخلاقية؛ بل يضعها في موقف يجعل القارئ يكتشف أخلاقها بنفسه.

ثالث عشر: «كرة الشحم» بين أخلاق الواجب وأخلاق المنفعة

يمكن قراءة القصة أيضًا من خلال صراع فلسفي بين اتجاهين أخلاقيين رئيسيين:

أخلاق الواجب من جهة، وأخلاق المنفعة من جهة أخرى.

«كرة الشحم» تتمسك في البداية بمبدأ لا تريد انتهاكه: رفض الخضوع للمحتل. إنها تضع المبدأ فوق المصلحة الشخصية.

أما بقية الشخصيات فتتحرك وفق منطق المنفعة: إذا أدى تنازل شخص واحد إلى إنقاذ المجموعة، فإن التنازل يصبح ــ في نظرهم ــ مقبولًا.

وهنا يظهر السؤال الأخلاقي التقليدي:

هل يجوز التضحية بحق فرد من أجل مصلحة الجماعة؟

القصة لا تقدم جوابًا فلسفيًا مباشرًا، لكنها تقدم جوابًا سرديًا شديد القسوة: عندما تبدأ الجماعة في التضحية بفرد ضعيف من أجل مصالحها، فإنها قد تنقذ أجسادها، لكنها تخسر شيئًا من إنسانيتها.

وبهذا المعنى، لا يكون السؤال الحقيقي:هل نجوا؟

بل:

بأي ثمن نجوا؟

رابع عشر: المفارقة الأخلاقية في نهاية القصة

تبلغ المفارقة ذروتها بعد أن تحقق الركاب ما كانوا يريدونه.

كان من المفترض أن تصبح «كرة الشحم» موضع امتنان؛ فهي التي سمحت لهم بمواصلة الرحلة.

لكن العكس يحدث.

إنهم يتخلون عنها نفسيًا واجتماعيًا، وكأنهم يريدون محو حقيقة أنهم احتاجوا إليها.

وهنا تظهر آلية نفسية واجتماعية شديدة الدلالة: إنكار فضل الضحية.

فالاعتراف بفضلها يعني الاعتراف بأنهم كانوا ضعفاء، وأنهم احتاجوا إلى امرأة كانوا ينظرون إليها من موقع التعالي الاجتماعي.

لذلك يصبح احتقارها وسيلة لحماية صورتهم عن أنفسهم.

إنهم لا يحتقرونها لأنها أخطأت، وإنما لأن الاعتراف بفضيلتها يفضح رذيلتهم.

وهذا هو السبب في أن النهاية مؤلمة: فهي لا تكشف سقوط فرد، وإنما تكشف نظامًا اجتماعيًا قادرًا على استهلاك الإنسان ثم التخلص منه.

خامس عشر: القيمة الإنسانية التي تنتصر في صمت

إذا كان للنص من رسالة أخلاقية عميقة، فهي أن القيمة الإنسانية الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى اعتراف المجتمع.

«كرة الشحم» لا تصبح نبيلة لأن الآخرين اعترفوا بنبلها؛ بل لأن سلوكها نفسه جعلها كذلك.

والمجتمع، في المقابل، لا يصبح أخلاقيًا لأنه يملك المال أو الدين أو المكانة أو اللغة المهذبة.

إن الأخلاق في نهاية المطاف ليست لقبًا اجتماعيًا.

إنها موقف.

والإنسان الأخلاقي ليس من يتحدث كثيرًا عن القيم، وإنما من يحافظ عليها عندما تصبح عبئًا عليه.

ومن هنا فإن القصة تقدم صياغة أدبية بالغة القوة لفكرة يمكن اختصارها في العبارة الآتية:

القيمة التي لا تصمد أمام المصلحة ليست قيمة راسخة، بل عادة اجتماعية قابلة للسقوط.

خاتمة

تكشف قصة «كرة الشحم» أن الحرب ليست مجرد صراع بين جيوش، وإنما امتحان شامل للإنسان وللمجتمع ولمنظومة القيم التي يدّعيها. ففي لحظة الأزمة، تتراجع المسافات بين الشعارات والمواقف، ويصبح الإنسان مضطرًا إلى ترجمة ما يؤمن به إلى فعل.

ومن خلال شخصية «كرة الشحم»، ينجح موباسان في قلب المعادلة الأخلاقية التقليدية؛ فالمرأة التي يصنفها المجتمع في أسفل سلم الاحترام الاجتماعي تظهر أكثر سخاءً وكرامة ووطنية من أولئك الذين يمثلون الطبقات «المحترمة». وفي المقابل، تنكشف الشخصيات التي تتحدث باسم الوطنية والدين والأخلاق بوصفها شخصيات محكومة بالخوف والمصلحة والأنانية.

ولعل أكثر ما يجعل القصة باقية في الذاكرة الأدبية أنها لا تطرح الأخلاق بوصفها فكرة مجردة، وإنما تجعلها ثمنًا. فكل قيمة في النص لها كلفة: الوطنية لها كلفة، والكرامة لها كلفة، والتضحية لها كلفة، والأنانية لها كلفة أيضًا، غير أن المشكلة تبدأ حين يقرر بعض الناس أن يدفع الآخرون ثمن أخلاقهم ونجاتهم.

وهنا تتجلى دلالة عنوان الدراسة: صمود القيم زمن الأزمات.

فالقيم قد تنهزم اجتماعيًا، لكنها لا تختفي. وقد يُهزم الإنسان النبيل في الواقع، لكنه يظل منتصرًا في الذاكرة الأخلاقية للنص. وهذا ما يحدث لـ«كرة الشحم»: فهي لا تحصل على مكافأة، ولا تنال اعتذارًا، ولا يعترف لها الآخرون بفضلها، لكن القارئ يكتشف في النهاية أن الجميع كانوا بحاجة إليها، وأنها وحدها تقريبًا دفعت الثمن كاملًا.

إن موباسان، من خلال هذه القصة، لا يسألنا فقط: من هو الأخلاقي؟ بل يضع أمامنا سؤالًا أشد إزعاجًا:

ماذا يبقى من أخلاقنا عندما يصبح ثمنها أن نخسر شيئًا نريده؟

وهنا تكمن راهنية «كرة الشحم». فالأزمات الحديثة، مهما اختلفت أشكالها عن حرب 1870، لا تزال تكشف الآلية نفسها: حين تضيق الموارد، ويشتد الخوف، ويتعاظم خطر الجماعة، يبحث الأقوياء غالبًا عن أضعف حلقة لكي تتحمل الكلفة. لكن الأدب العظيم يذكرنا بأن الإنسان لا يُقاس بما احتفظ به لنفسه في زمن الرخاء، بل بما استطاع أن يحميه من إنسانيته حين كان كل شيء يدعوه إلى التخلي عنه.

وبهذا المعنى، تصبح «كرة الشحم» أكثر من قصة عن الحرب؛ إنها مرآة أخلاقية للإنسان في زمن الخوف، ودراسة مبكرة في قابلية القيم للتصدع، وفي قدرة بعض الأرواح على الاحتفاظ بكرامتها حتى عندما يتخلى عنها الجميع.

***

مجيدة محمدي – تونس

....................

المراجع والمصادر

Maupassant, Guy de. Boule de Suif, in Les Soirées de Médan, Paris, Charpentier, 1880. وقد نُشرت القصة أول مرة ضمن هذه المجموعة سنة 1880.

Maupassant, Guy de. Boule de Suif, النص الفرنسي الكامل، النسخة الرقمية المتاحة من النص الأصلي.

Maupassant, Guy de. Boule de Suif, Project Gutenberg, eBook No. 10746.

Larousse, Encyclopédie. «Boule de suif», مدخل موسوعي حول القصة وسياقها وأحداثها وشخصياتها.

Park, Sunheui. “Translating women in war: North and South Korean versions of Boule de Suif”, The Journal of Translation Studies, vol. 26, no. 2, 2025, pp. 53–77. DOI: 10.15749/JTS.2025.26.2.002.

Yuan, Yongming. “Boule De Suif's Optimal Play: Transaction, Terminal Extraction, and Operational Sacrifice in a No-win Game”, SSRN, 2026.

Kant, Immanuel. Groundwork of the Metaphysics of Morals، خصوصًا مبدأ معاملة الإنسان بوصفه غاية في ذاته.

Aristotle. Nicomachean Ethics، في مباحث الفضيلة والفعل الأخلاقي وتكوين الشخصية الأخلاقية.

Levinas, Emmanuel. Totalité et Infini: Essai sur l’extériorité, Martinus Nijhoff, 1961، في العلاقة بالآخر والمسؤولية الأخلاقية.

Sartre, Jean-Paul. L’Être et le Néant, Gallimard, 1943، في الحرية والمسؤولية والاختيار الإنساني.

قراءة في بنية المأساة وتجليات النزعة الإحيائية وبناء الذاكرة التاريخية

على سبيل الافتتاح: يمثل أحمد شوقي واحدا من أبرز الأصوات الشعرية التي أسهمت في إعادة بناء القصيدة العربية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد ارتبط اسمه بمرحلة شعرية حاولت أن تستعيد للقصيدة العربية مكانتها الفنية واللغوية بعد فترة طويلة من التراجع، مستفيدة من التراث الشعري القديم، ومستندة إلى نماذجه في بناء القصيدة، وانتقاء الألفاظ، والمحافظة على الوزن والقافية، مع إضفاء قدر من الوعي الجديد على الموضوعات والقضايا التي عالجها الشعراء.

وإذا كان محمود سامي البارودي قد اضطلع بدور تأسيسي في مشروع العودة إلى أصول الشعر العربي، فإن أحمد شوقي استطاع أن يوسع دائرة هذا المشروع، وأن يمنحه أبعادا موضوعية وإنسانية وتاريخية متعددة. و أن الغرس الذي بدأه البارودي نما على أيدي شعراء من أمثال حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، وأن شوقي ارتقى بالقصيدة العربية إلى آفاق من الإبداع والتجديد مع احتفاظه بصلته الواضحة بالموروث الشعري. وتندرج قصيدة " الأندلس الجديدة " ضمن هذا السياق، حيث تستند إلى واقعة تاريخية مؤلمة تتمثل في سقوط أدرنة واستيلاء البلغاريين عليها، وما رافق ذلك من مآسٍ أصابت المسلمين. غير أن شوقي لا يتعامل مع الواقعة بوصفها حدثا منفصلا عن الذاكرة الجماعية، بل يحولها إلى صورة جديدة من صور الفقد الحضاري، ويستدعي من خلالها مأساة الأندلس بوصفها نموذجا تاريخيا للضياع والانكسار.

ومن هنا تكتسب تسمية " الأندلس الجديدة " دلالتها العميقة، فالأندلس في القصيدة ليست مجرد مكان تاريخي، وإنما تتحول إلى رمز للذاكرة الجريحة، وللأرض التي يفقدها أصحابها، وللحضارة التي تتعرض للانحسار. أما أدرنة فتغدو امتدادا رمزيا لذلك الفقد، وكأن التاريخ يعيد إنتاج مأساته في صورة جديدة

وتتأسس القصيدة، من الناحية الفنية، على بناء تقليدي موحد الوزن والقافية، وهو ما ينسجم مع اختيارات مدرسة البعث والإحياء، غير أن هذا البناء التقليدي لا يعني بالضرورة غياب التجربة أو ضعف التعبير عنها، حيث استطاع شوقي أن يجعل من القالب الموروث أداة لاحتضان تجربة وجدانية وتاريخية كثيفة، تقوم على الحزن والأسى، واستحضار الماضي، واستنهاض الهمم، وتوظيف الرموز الدينية والتاريخية.

وتكشف القراءة المتأنية للقصيدة عن تداخل مجموعة من المستويات من قبيل المستوى التاريخي الذي يؤطر الحدث، والمستوى الوجداني الذي يعكس إحساس الشاعر بالمأساة، والمستوى الديني الذي يحضر من خلال استدعاء الإسلام والخلافة والمسيح وصلاح الدين، والمستوى المعجمي الذي تتضافر داخله حقول الحرب والحزن والدين، فضلا عن المستوى الإحيائي الذي يتجلى في اللغة والأسلوب والمحافظة على ملامح القصيدة العربية القديمة.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في السؤال الآتي:

إلى أي حد استطاع أحمد شوقي، في قصيدة " الأندلس الجديدة." ، أن يوظف النموذج الشعري الإحيائي في التعبير عن مأساة تاريخية جديدة، وأن يحول واقعة سقوط أدرنة إلى تجربة شعرية تستحضر ذاكرة الأندلس وتعيد بناء دلالاتها داخل الوعي العربي؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الجزئية:

كيف انتظمت البنية الدلالية للقصيدة؟

ما طبيعة العلاقة التي أقامها شوقي بين أدرنة والأندلس؟

كيف تجلت النزعة الدينية والتاريخية في النص؟

ما وظيفة استدعاء شخصية صلاح الدين الأيوبي؟

كيف أسهمت الحقول المعجمية في تشكيل المعنى؟

إلى أي حد تكشف اللغة عن تأثر شوقي بالتراث الشعري القديم؟

وهل استطاع القالب الإحيائي التقليدي استيعاب التجربة الجديدة والتعبير عن أبعادها الإنسانية والتاريخية؟

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة من كونها تحاول تجاوز القراءة الموضوعاتية المباشرة للقصيدة، والانتقال إلى مقاربة تكشف آليات بناء المعنى داخلها. فالقصيدة لا تقدم مجرد رثاء لسقوط مدينة، وإنما تشيد شبكة من العلاقات بين المكان والتاريخ والذاكرة والدين والهوية.

كما تكمن أهميتها في إبراز طبيعة المشروع الشعري عند أحمد شوقي، ولا سيما في علاقته بمدرسة البعث والإحياء، حيث لا يظهر شوقي شاعرا مقلدا للقديم بصورة آلية، وإنما شاعرا يستثمر النموذج التراثي في التعبير عن قضايا عصره.

وتكتسب الدراسة أهميتها أيضا من كونها تكشف عن حضور التاريخ في التجربة الشوقية، فالتاريخ عند شوقي ليس مادة سردية محايدة، وإنما يتحول إلى وسيلة لاستعادة الذاكرة، واستنهاض الوعي، وبناء موقف من الحاضر انطلاقا من دروس الماضي.

" الأندلس الجديدة" بين التاريخ والذاكرة الشعرية:

يبدو العنوان نفسه مفتاحا أساسيا لفهم القصيدة. فإضافة صفة "الجديدة" إلى "الأندلس " تؤسس منذ البداية لعلاقة مقارنة بين مكانين وزمنين. أدرنة ليست الأندلس، لكن الشاعر يجعلها "أندلسا جديدة" بسبب تشابه التجربة في بعدها المأساوي، أي تجربة فقد الأرض وانحسار النفوذ الإسلامي وتعرض السكان للمحنة.

وهكذا يتحول التاريخ من مجرد خلفية للقصيدة إلى بنية دلالية تتحكم في رؤيتها. فاستحضار الأندلس يعني استدعاء ذاكرة ممتدة من السقوط والفقد، بينما استحضار أدرنة يعني إضافة جرح جديد إلى الذاكرة نفسها.

وقد افتتح الشاعر قصيدته بلوعة الفراق، وجعل مأساة أدرنة امتدادا لمأساة الأندلس، بما يجعل المدينة الجديدة أختا للأندلس الإيبيرية في التجربة التاريخية والوجدانية.

وبذلك تتأسس القصيدة على جدلية الماضي والحاضر، فالماضي لا يعود بوصفه زمنا منقضيا، بل بوصفه ذاكرة حية تستمر في إنتاج الحزن وفي توجيه رؤية الشاعر إلى الحاضر.

البنية الدلالية للقصيدة وتدرج بناء المأساة:

يمكن النظر إلى القصيدة باعتبارها بناء دلاليا متدرجا ينتقل من استحضار المكان إلى مساءلة التاريخ، ثم إلى بناء موقف يتجاوز حدود الواقعة المباشرة.

الوحدة الأولى: أدرنة بوصفها أندلسا جديدة:

تمتد الوحدة الأولى، من البيت الأول إلى البيت التاسع، وفيها يخاطب الشاعر أدرنة، رابطا مأساتها بمأساة الأندلس.

ويكشف هذا الخطاب عن تشخيص للمكان، إذ تتحول أدرنة من مجرد مدينة إلى كيان يمتلك ذاكرة ومأساة. ويؤدي هذا التشخيص وظيفة وجدانية، فالشاعر لا يتحدث عن حدث بعيد، بل يقيم علاقة مباشرة مع المكان المنكوب.

كما أن استدعاء الأندلس يمنح المأساة الجديدة عمقا تاريخيا، فالمصيبة لا تبدو حادثا عابرا، وإنما حلقة جديدة في سلسلة من التحولات التي عرفها الحضور الإسلامي في مناطق مختلفة. ومن هنا يمكن القول إن الوحدة الأولى تؤسس للمركز العاطفي للقصيدة: الفقد.

الوحدة الثانية: مقدونيا وسؤال الماضي والحاضر:

تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى مخاطبة مقدونيا، باعتبارها الإقليم الذي توجد فيه أدرنة، ويتحول الخطاب من وصف المصيبة إلى التساؤل عن أحوال المسلمين وماضي المنطقة وحاضرها.

وهنا يتسع الأفق الدلالي للنص، فالشاعر لا يعود معنيًا بمدينة واحدة، وإنما يصبح المكان فضاء لتأمل التحول التاريخي. ويتجاور في هذه الوحدة ماضي الازدهار مع حاضر الانكسار، الأمر الذي يمنح القصيدة بعدا تأمليا.

كما يتخذ الخطاب في نهايات هذه الوحدة منحى حكميا، وهو منحى يتناسب مع طبيعة الشعر الإحيائي الذي يستفيد من الحكمة بوصفها وسيلة لتكثيف التجربة واستخلاص العبرة منها.

. الوحدة الثالثة: خطاب المسيح ومفارقة القيم:

في الوحدة الثالثة يخاطب الشاعر المسيح عليه السلام، مستحضرا صور المذابح التي ارتكبها بعض أتباعه في حق المسلمين، ومقابلا بين رسالة المحبة والسلام المنسوبة إلى المسيح وبين ممارسات العنف التي وقعت باسمه.

وهنا تتجاوز القصيدة حدود الرثاء المباشر، لتقوم على المفارقة القيمية بين المبدأ والممارسة، وبين الرسالة الدينية من جهة، وما يرتكب باسمها من جهة أخرى.

ويمنح هذا المستوى القصيدة بعدا أخلاقيا، حيث يصبح موقف الشاعر قائما على إدانة العنف والمجازر أكثر من كونه مجرد تسجيل لحادثة تاريخية.

النزعة الدينية وبناء الرؤية الإسلامية:

تحتل النزعة الدينية موقعا بارزا في القصيدة، وهي نزعة ترتبط بتكوين شوقي الفكري والشعري، وبحضوره ضمن الاتجاه الإحيائي.

وتظهر هذه النزعة من خلال حضور مفردات الخلافة والإسلام والهلال والعرش وعيسى والصليب، وهي مفردات تكشف عن ارتباط الحدث في وعي الشاعر بمجال ديني وحضاري أوسع. وقد سجل النص الأصلي بروز هذه النزعة، وربطها بتعاطف شوقي مع العثمانيين وبحضوره الإسلامي السابق على المنفى.

غير أن الدين في القصيدة لا يظهر بوصفه عنصرا زخرفيا، بل يدخل في تشكيل الرؤية إلى التاريخ. فسقوط أدرنة يصبح في الوعي الشعري فقدا لمجال حضاري، وليس مجرد خسارة جغرافية.

ومن ثم فإن النزعة الدينية تتداخل مع النزعة التاريخية، ويصبح الدفاع عن الأرض دفاعا عن الذاكرة والهوية والانتماء.

الشعر بوصفه وسيلة لاستنهاض الهمم:

من أبرز أبعاد القصيدة انتقالها من تسجيل الألم إلى محاولة تجاوزه. فالشاعر لا يكتفي بتصوير الهزيمة، وإنما يستحضر شخصية صلاح الدين الأيوبي بوصفها رمزا للتحرير والقوة والتسامح.

ويكتسب هذا الاستحضار وظيفة تربوية واضحة، فالتاريخ هنا يتحول إلى مدرسة، والشخصية التاريخية تتحول إلى نموذج يمكن استعادته من أجل مقاومة حالة الضعف.

وقد تبين من خلال القصيدة رغبة شوقي في إيقاظ همم المسلمين، واستحضار صلاح الدين الأيوبي والاقتداء بما أنجزه في تحرير القدس، كما ربط ذلك بالوظيفة التعليمية للشعر باعتباره وسيلة لغرس القيم.

ومن ثم فإن الشعر عند شوقي لا يقتصر على التعبير الجمالي، بل يؤدي وظيفة ثقافية وتربوية، فهو يستعيد الماضي من أجل التأثير في الحاضر.

بين الاستسلام للقدر وإرادة الفعل:

تتضمن القصيدة توترا واضحا بين نزعتين متمثلتين من خلال نزعة الاستسلام للألم والقدر، ونزعة الفعل والمقاومة.

وتظهر النزعة الأولى في بدايات القصيدة، حيث يسيطر الحزن والخضوع أمام حجم المصيبة، كما يتجلى جانب منها في مخاطبة المسيح. غير أن هذه النبرة لا تستمر على حالها، إذ سرعان ما تستعيد القصيدة نبرة أكثر قوة مع استدعاء صلاح الدين الأيوبي.

وبذلك يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها حركة وجدانية تبدأ بالانكسار وتنتهي باستعادة صورة القوة. وهي حركة تمنح النص دينامية داخلية، وتحول دون بقائه مجرد مرثية تاريخية.

إن صلاح الدين الأيوبي هنا لا يؤدي وظيفة تاريخية فحسب، وإنما يمثل رمزا نفسيا وحضاريا يعيد للشاعر إمكانية الأمل بعد لحظة الانكسار.

البنية المعجمية ودورها في تشكيل الدلالة:

تشكل المعجمية أحد أبرز المفاتيح التي يمكن من خلالها الكشف عن البنية العميقة للقصيدة، حيث تتضافر مجموعة من الحقول الدلالية لتكوين عالمها الشعري.

الحقل المعجمي للحرب:

يحضر هذا الحقل من خلال ألفاظ مرتبطة بالموت والصراع والسلاح، من قبيل: الممالك، السيوف، الخناجر، الجرح وغيرها. وقد تم حضور هذا الحقل بسبب ارتباط القصيدة بواقعة تاريخية عسكرية، مع ملاحظة طابع التهويل والتعظيم في استعماله.

وتؤدي هذه المفردات وظيفة تصويرية ووجدانية في آن واحد، فهي تجعل الحرب محسوسة من خلال مفردات الجرح والموت والقتال.

الحقل المعجمي الديني:

يضم هذا الحقل ألفاظا مثل: الهلال، الخلافة، الإسلام، العرش، عيسى، الصليب، وغيرها.

ويكشف هذا الحقل عن أن الواقعة التاريخية تقرأ من منظور ديني وحضاري، بحيث يصبح الصراع مرتبطا في وعي الشاعر بتراجع الخلافة وانحسار النفوذ الإسلامي.

الحقل المعجمي للحزن:

يتجلى هذا الحقل في مجموعة من الألفاظ المرتبطة بالموت والمأثم والمصرع والدفن والإصابة، وهو حقل يتناسب مع المناخ النفسي العام للقصيدة.

ولا يأتي الحزن في النص مجرد انفعال عاطفي، بل يتحول إلى عنصر بنائي يربط أجزاء القصيدة، ويجعل القارئ يعيش التجربة بوصفها مأساة جماعية.

اللغة الإحيائية واستعادة النموذج التراثي:

تكشف اللغة الشعرية في " الأندلس الجديدة " عن حضور واضح لخصائص المدرسة الإحيائية. فشوقي يستعيد كثيرا من ملامح المعجم الشعري القديم، ويستخدم ألفاظا قد تبدو غريبة بالنسبة إلى الاستعمال المعاصر، مثل الأوام والصمصام والشرن، وهذا راجع إلى توجه مدرسة البعث والإحياء نحو القدم والأصالة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها ضعفا لغويا، وإنما ينبغي وضعها في سياق المشروع الإحيائي الذي كان يرى في التراث نموذجا لغويا وجماليا يمكن استعادته.

كما أن التزام الوزن والقافية يرسخ الصلة بالقصيدة العربية التقليدية. لكن شوقي لا يستعيد الشكل القديم لمجرد المحاكاة، وإنما يوظفه للتعبير عن قضية تاريخية معاصرة له.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في تجربة شوقي والتي تتجلى في حداثة الموضوع داخل تقليدية الشكل.

جدلية التقليد والتجديد في القصيدة:

تقدم " الأندلس الجديدة " نموذجا دالا على طبيعة التجديد الذي عرفه الشعر العربي في مرحلة البعث والإحياء. فالتجديد عند شوقي لا يقوم على هدم البنية التقليدية للقصيدة، وإنما على إعادة توظيفها في التعبير عن تجارب جديدة.

فالوزن والقافية والبناء اللغوي تستند إلى الموروث، بينما القضية التي يعالجها الشاعر تنتمي إلى سياقه التاريخي المباشر.

ومن هنا يمكن القول إن شوقي مارس نوعا من التجديد من داخل النموذج، أي إنه لم يقطع مع القصيدة العربية القديمة، وإنما حاول تطوير وظائفها التعبيرية والموضوعية.

وهذا يفسر قدرة القصيدة على الجمع بين الحزن التاريخي، والبعد الديني، والوظيفة التعليمية، والاستنهاض الحضاري، ضمن بناء شعري واحد.

على سبيل الختام:

تكشف قراءة قصيدة " الأندلس الجديدة " لأحمد شوقي عن نص شعري يتجاوز حدود تسجيل حادثة تاريخية مؤلمة إلى بناء رؤية مركبة تتداخل فيها الذاكرة والتاريخ والدين والحزن والأمل.

فأدرنة في القصيدة ليست مجرد مدينة سقطت، وإنما تتحول إلى صورة رمزية لجرح تاريخي يتجدد، ولذلك يستدعي الشاعر الأندلس بوصفها النموذج الأشد حضورا في الذاكرة الجماعية للضياع. ومن خلال هذه العلاقة بين المكانين، يتحول الماضي إلى مرآة للحاضر، ويصبح التاريخ أداة لقراءة الواقع واستحضار العبرة.

كما أظهرت الدراسة أن البناء الدلالي للقصيدة يتدرج من مخاطبة أدرنة واستحضار مأساتها، إلى مساءلة مقدونيا واستعادة ماضيها، ثم إلى خطاب المسيح وإبراز المفارقة بين قيم المحبة والسلام وممارسات العنف. وبذلك تتطور القصيدة من الحزن إلى التأمل، ومن التأمل إلى بناء موقف أخلاقي وحضاري.

وتبرز النزعة الدينية باعتبارها مكونا أساسيا في الرؤية الشوقية، غير أنها تتداخل مع النزعة التاريخية والإنسانية، فلا يقتصر حضور الدين على المفردات الدينية، بل يصبح إطارا لتفسير الحدث واستيعاب دلالاته.

كما أن استدعاء صلاح الدين الأيوبي يمثل نقطة تحول في المسار النفسي للقصيدة، إذ ينتقل الخطاب من الانكسار والاستسلام إلى استحضار نموذج القوة والتحرير والتسامح. ومن هنا يؤدي الشعر وظيفة تتجاوز التعبير الجمالي إلى التوجيه والتربية واستنهاض الوعي.

أما على المستوى الفني، فقد كشفت الحقول المعجمية، ولا سيما حقول الحرب والدين والحزن، عن قدرتها على تشكيل المناخ الدلالي للقصيدة. كما أكدت اللغة التراثية والمحافظة على الوزن والقافية حضور الخصائص الأساسية للمدرسة الإحيائية.

وبذلك يمكن القول إن " الأندلس الجديدة " تجسد جانبا مهما من تجربة أحمد شوقي، حيث يتجاور الموروث والواقع، والتقليد والتجديد، والحزن والأمل، والتاريخ والحاضر. وهي، في النهاية، قصيدة تكشف عن قدرة النموذج الإحيائي على احتضان تجربة تاريخية معاصرة، وتحويلها إلى خطاب شعري يستمد قوته من الذاكرة ويبحث في الوقت نفسه عن إمكانية استعادة الفعل.

نتائج الدراسة:

أظهرت القصيدة عن حضور قوي لخصائص مدرسة البعث والإحياء، خصوصا في المحافظة على الوزن والقافية واستعادة المعجم الشعري التراثي.

أثبتت الدراسة أن عنوان "الأندلس الجديدة" يقوم على علاقة رمزية بين سقوط أدرنة ومأساة الأندلس، بما يحول الواقعة الجديدة إلى امتداد لذاكرة تاريخية قديمة.

تبين أن البنية الدلالية للقصيدة تقوم على تدرج واضح يبدأ بالحزن على أدرنة، ثم التأمل في مصير مقدونيا، وينتهي بخطاب يتضمن بعدا دينيا وأخلاقيا.

شكلت النزعة الدينية أحد المكونات الأساسية في رؤية شوقي، وظهرت من خلال المعجم الديني ومن خلال موقفه من الخلافة والواقع الإسلامي.

أدى استحضار صلاح الدين الأيوبي وظيفة رمزية تتجاوز مجرد الإشارة التاريخية، حيث تحول إلى نموذج للقوة والتحرير واستعادة الفعل.

كشفت الحقول المعجمية للحرب والدين والحزن عن ترابط وثيق بين المعجم والحالة النفسية والفكرية للقصيدة.

يتجلى التجديد عند شوقي أساسا في تجديد الموضوع والوظيفة أكثر من تجديد الشكل، حيث ظل البناء الشعري مرتبطًا بالنموذج التقليدي.

استطاع الشاعر تحويل الحدث التاريخي إلى تجربة شعرية ذات أبعاد وجدانية وحضارية وأخلاقية، بدل الاكتفاء بالتسجيل أو الوصف.

يتسم المسار النفسي للقصيدة بالانتقال من الانكسار إلى استعادة الأمل، وهو ما يمنحها حركة داخلية تتجاوز الرثاء المباشر.

تكشف القصيدة عن تصور للشعر بوصفه وسيلة للتعبير والتربية واستحضار الذاكرة وغرس القيم، وليس مجرد ممارسة جمالية منفصلة عن قضايا المجتمع والتاريخ.

توصيات الدراسة:

تشجيع الدراسات التي تعيد قراءة شعر أحمد شوقي من خلال المناهج الحديثة، مع عدم إغفال خصوصية السياق التاريخي والثقافي الذي أنتج نصوصه.

توسيع البحث في علاقة شوقي بالتاريخ، ولا سيما كيفية تحويل الأحداث التاريخية إلى رموز شعرية تتجاوز زمنها المباشر.

دراسة حضور الأندلس بوصفها ذاكرة رمزية في الشعر العربي الحديث، ومقارنة تمثلاتها عند شوقي وغيره من الشعراء.

الاهتمام بالدراسة المعجمية في الشعر الإحيائي للكشف عن العلاقة بين استعادة المفردات التراثية وبناء الرؤية الشعرية.

إعادة النظر في مفهوم «التقليد» في مدرسة البعث والإحياء، وعدم اختزاله في المحاكاة الشكلية؛ لأن تجربة شوقي تثبت إمكانية توظيف النموذج التراثي في التعبير عن قضايا جديدة.

الإفادة من القصيدة في الدراسات التي تبحث في العلاقة بين الأدب والتاريخ والذاكرة الجماعية، باعتبارها نموذجًا لتحويل الحدث التاريخي إلى تجربة جمالية.

إجراء دراسات مقارنة بين «الأندلس الجديدة» وقصائد أخرى تناولت سقوط المدن أو ضياع الأوطان، للكشف عن تطور صورة الفقد في الشعر العربي الحديث.

توجيه مزيد من الاهتمام بالبعد التربوي في شعر شوقي، ولا سيما توظيف الشخصيات التاريخية والرموز الحضارية في بناء الوعي والقيم.

***

بقلم د. منير محقق  - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

لَيست الأُبوَّة في الأدب دائمًا ذلك الملجأ الأول الذي يُفْتَرَض أن يعود إليه الابنُ حين تضيق به الحياة، وليست بالضرورة صورة للحماية أو الامتداد أو الحكمة المتوارثة. أحيانًا، تتحوَّل الأبوة إلى جدار، وسُلطة، وذاكرة ثقيلة تلاحق الابنَ حتى بعد أن يغادر البيت. وفي بعض الكتابات السيرية والروائية لا يظهر الأب بوصفه أصل الحياة، بل بوصفه أول خصم للذات، وأول سلطة ينبغي على الابن أن يختبر حدودها، وأن يتمرد عليها كي يكتشف نَفْسَه.

في هذا السياق، تبرز تجربة الروائي المغربي محمد شكري (1935- 2003) والروائي الأمريكي من أصل إيطالي جون فانتي (1909 - 1983)، ليس لأنهما يُقَدِّمان صورةً متطابقة للأب، بل لأن كُلًّا منهما يجعل العلاقة بالأب واحدة من المناطق العميقة التي تتشكل فيها شخصية الابن والكاتب معًا.

والمقارنة بينهما لا ينبغي أن تقوم على تسوية الفوارق بين التجربتين. فالأبُ عند شكري يدخل حياة الابن من باب العنف المباشر، والفقر، والتخلي، والإذلال، بينهما يظهر الأب عند فانتي في شبكة أكثر تعقيدًا من الفقر والهجرة والهُوية والعار الاجتماعي. لذلك فإنَّ التمرد على الأبوة عند شكري يبدو أقرب إلى محاولة نجاة، في حين يبدو عند فانتي أقرب إلى صراع طويل مع ميراث لا يستطيع الابن أن يرفضه تمامًا، ولا يستطيع أن يقبله بلا مقاومة.

في تجربة شكري، لا يبدأ التمرد من فكرة فلسفية عن استقلال الفرد، بل من الجسد الذي يتعرض للقسوة. الطفلُ لا يملك في البداية لغةً يواجه بها السلطة الأبوية، يملك الخوف، والجوع، والهرب. وحين تصبح الأسرة مكانًا لا يوفِّر الحد الأدنى من الأمان، تفقد الأبوة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها العاطفي.

الأبُ الذي يُفْتَرَض أن يكون حارسًا للطفولة يتحوَّل إلى مصدر من مصادر تهديدها. وحين يبلغ العنف هذا الحد، يصبح الانفصال عن الأب شبيهًا بالانفصال عن مصير كامل. هذه النقطة أساسية لفهم شكري. الابنُ لا يتمرد على شخص أبيه وحده، وإنما يتمرد على النموذج الذي يُمثِّله، أبوة تريد الطاعة، ولا تمنح الحماية، وتفرض السلطة، ولا تؤدِّي مسؤولية الرعاية. لهذا فإنَّ الخروج من سلطة الأب ليس مُجرَّد انتقال جغرافي من البَيْت إلى الشارع، بل هو انتقال وجودي من موقع الضحية إلى موقع مَن يحاول امتلاك حياته. لقد عاش شكري طفولة قاسية في الفقر، وتعرَّضت علاقته بالأب إلى عنف شديد، ثم وجد نَفْسَه في فضاءات التشرد، والعمل المبكر والانحراف، قبل أن يتعلم القراءة والكتابة في مرحلة متأخرة من حياته.

يبدو فِعل الكتابة عند شكري امتدادًا لفِعل الهرب. في الطفولة، كان الهرب بالجسد، وفي الكتابة يصبح الهرب باللغة. الطفلُ الذي لَم يكن قادرًا على مواجهة الأب مباشرةً يستطيع، بعد سنوات، أن يستعيده داخل السرد، وينزع عنه الهالة. والأبُ الذي كان يملك سُلطة الصمت يصبح شخصيةً قابلة للمُساءلة، والابنُ الذي كان مُضطرًّا إلى السُّكوت يُصبح هو صاحبَ الصوت.

وُلد فانتي في أسرة إيطالية مهاجرة في الولايات المتحدة، وكان والده عاملًا في البناء قَدِمَ مِن إيطاليا. وقد تركَ الفقرُ وشجاراتُ الوالدَيْن والكحولُ وسُلوكُ الأبِ أثرًا عميقًا في تكوينه الأدبي والشخصي، وتَحَوَّلَ الأبُ في عالَمه السردي إلى مادَّة متكررة، مَرَّة بوصفه نموذجًا للغضب والسُّلطة، ومَرَّة بوصفه علامة على الأصل الإيطالي الذي يحاول الابنُ التخلصَ مِن وَصمته، ومَرَّة بوصفه ميراثًا لا يستطيع الابنُ أن يقطع صِلته به تمامًا.

وهُنا تختلف المسألة عن شكري اختلافًا جوهريًّا. شكري يريد الخروجَ مِن أب يُهدِّده، أمَّا فانتي فيجد نَفْسَه أمام أب يُهدِّده ويُغْريه في الوقت نَفْسِه. الأبُ لَيس مُجرَّد عائق خارجي، إنَّه جزء مِن تكوين الابن. في غضبه شيءٌ مِن غضب الأب، وفي تمرُّده شيءٌ مِن تمرُّد الأب، وفي رغبته في إثبات ذاته شيءٌ مِن الصراع الأبوي نَفْسِه. لهذا فإنَّ الابن عند فانتي لا يستطيع أن يقول ببساطة: " أنا لستُ أبي". المشكلةُ الأعمق هي أنَّه يكتشف مِرارًا أنَّ بعض ما يحاول الفِرارَ مِنْه يسكن داخله.

هذه الازدواجية تجعل التمردَ عند فانتي أكثر التواءً. الابنُ يريد أن يصبح أمريكيًّا لا إيطاليًّا، فردًا لا تابعًا، كاتبًا لا عاملًا، صاحب مصيره لا امتدادًا لأبيه. لكنَّ الأب يظلُّ حاضرًا في اللغةِ، والذاكرةِ، والخَيال. ومِن هُنا تتشكَّل مُفارَقة قاسية: كلما حاولَ الكاتبُ أن يطرد الأبَ مِن عالَمه، عادَ الأبُ في صورة شخصية، أو ذاكرة، أو صراع، أو عُقدة هُوية.

إنَّ التمرد عند فانتي لا يؤدِّي بالضرورة إلى التحرر الكامل. إنَّه يعيد إنتاجَ العلاقة في مستوى آخَر. يتحوَّل الأبُ من شخص موجود في البَيْت إلى شخصية موجودة في الكتابة، ويتحوَّل النزاعُ العائلي إلى نزاع سردي، ويصبح الكاتبُ، الذي يظنُّ أنَّه انتصر على أبيه حين حوَّله إلى مادَّة أدبية، مُضطرًّا إلى اكتشاف أنَّ الأب لَم يخرج مِن حياته، لقد انتقلَ فقط مِن الواقع إلى اللغة.

وهذا ما يجعل الأبوةَ عند فانتي أقل بساطة مِمَّا تبدو عليه. الأبُ ليس شريرًا مطلقًا، والابنُ ليس ضحيةً صافية. هُناك علاقة مِن الحُب والكراهية، والخجل والحنين، والرفض والتشابه. وصورةُ الأب تتغيَّر عبر مسيرة فانتي الأدبية، مِن مَصدر للعار العِرقي والطبقي في البدايات إلى شخصية أكثر قابلية للاحتضان في مراحل لاحقة، غَير أنَّ هذا التطور لا ينبغي أنْ يُقْرَأ بوصفه مصالحة نهائية، فالمصالحةُ معَ الأب، حين تحدث، لا تعني إلغاءَ النقد، بلْ قد تكون أحيانًا نتيجة لاكتشاف الابن أنَّ أباه لَم يكن مُجرَّد جلاد شخصي، وإنما إنسان مهزوم داخل ظروف الهجرة والفقر والتمييز والاقتلاع الثقافي. لكنَّ هذه المعرفة المتأخرة لا تمحو آثارَ الطفولة. الابنُ يستطيع أن يفهم أباه، لكنَّه لا يستطيع أن يعيد كتابة طفولته بحيث لَم يحدث فيها ما حدث.

وهُنا تتقاطع تجربة فانتي معَ تجربة شكري مِن جهة، وتفترقان مِن جهة أُخرى. كلاهما يضع الأب في مركز أزمة الذات، لكنَّ شكري يميل إلى جعل الأبوة سُلطة ينبغي كسرها، بينما يميل فانتي إلى جعلها إرثًا ينبغي تفكيكه. عند شكري يَكون الخلاص في المسافة، وعند فانتي يصبح الخلاص في محاولة فهم المسافة نَفْسِها: " لماذا أكره أبي؟، لماذا أُشبهه؟، لماذا أهرب مِنْه؟، لماذا أعود إليه في الكتابة كلما ظننتُ أنَّني تجاوزته؟".

والأبوةُ في التجربتين مرتبطة بنموذج ذكوري يقوم على السيطرة، لكنَّ هذا النموذج لا يعمل بالطريقة نَفْسِها. عند شكري تتحوَّل الرجولةُ الأبوية إلى عُنف صريح، وحق في التأديب والإخضاع والتصرُّف في مصير الابن. أمَّا عند فانتي فترتبط الرجولةُ بالفقر والعمل والغضب وإثبات القدرة على إعالة الأسرة، وبذلك تصبح الأبوة محكومة بفشل اقتصادي واجتماعي ينعكس في صورة غضب داخل البَيْت.

والأبُ، في هذه الحالة، يحاول إثبات سُلطته، لأنَّه فقد كثيرًا مِن أشكال السُّلطة خارج البَيْت. وهذا لا يُعْفيه، بلْ رُبَّما يزيد مسؤوليته، فالبَيْتُ ليس المكان الذي يحقُّ للرَّجل أن يصب فيه هزيمته. ومِن الأخطاء النقدية الشائعة تحويلُ العُنف الأبوي إلى مأساة تخصُّ الأبَ وحده، وكأنَّ الابن مُجرَّد متفرج على انكسار الرَّجل. والأدبُ الجاد لا يقبل هذه المُعادلة بسهولة، لأنَّ انكسار الأب لا يمنحه حقَّ كسر الطفل.

في تجربة شكري، تتَّخذ المسألة شكلها الأكثر قسوة: الأبوة التي لا تحمي، تصبح نقيضًا للأبوة، والدمُ الذي يُفْتَرَض أن يكون رابطة، يتحوَّل إلى مصدر خَوف، لهذا فإنَّ التمرد يبدو ضروريًّا مِن أجل البقاء. أمَّا عند فانتي، فإنَّ الأبوة الفاشلة لا تنتهي في لحظة الهروب، لأنَّها متَّصلة بالهُوية نَفْسِها. يستطيع الابنُ أن يغادر البَيْت، لكنَّه لا يستطيع أن يغادر الاسمَ، والملامح، واللغة العائلية، والذاكرة، والفقر الذي صعد مِنْه.

ومِن هُنا يمكن فهو سبب حضور الأب في أدب فانتي حتى عندما يغيب فعليًّا. الغيابُ يتحوَّل إلى حُضور، فالأبُ قد يكون بعيدًا، أو ميتًا، أو خارج مركز الأحداث، لكنَّه يظلُّ يعمل داخل وعي الابن. وهذا النوع مِن الأبوة أكثر خفاءً مِن الأبوة العنيفة عند شكري، لكنَّه ليس أقل تأثيرًا، إنَّه أب يسكن الذاكرةَ ، لذلك يصعب طرده.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حين يتحول الامتداد الإيقاعي إلى جمال لغوي

ليس الشعر العربي كلاماً موزوناً فحسب، ولا الوزن فيه قيداً خارجياً يُفرض على اللغة من خارجها؛ إنما هو نظام دقيق تتآزر فيه الحركة والسكون، والزيادة والنقص، والامتداد والانقطاع، حتى يغدو الإيقاع جزءاً من المعنى، وتصبح الموسيقى الداخلية إحدى طرائق تشكل الدلالة. ومن هنا جاءت العناية العربية القديمة بالعَروض، لا بوصفه صناعةً حسابية للأوزان وحدها، بل باعتباره علماً يكشف عن هندسة الصوت في الشعر، وعن قدرة العربية على أن تجعل من الاختلاف الإيقاعي طاقةً جمالية.

وفي هذا السياق تبرز عِلّة الترفيل بوصفها واحدة من علل الزيادة في العَروض العربي؛ وهي علة تبدو في ظاهرها مجرد إضافة سبب خفيف إلى التفعيلة، غير أن وراء هذه الزيادة نظاماً صوتياً بالغ الدقة، يكشف عن مرونة الوزن العربي وقابليته للتشكيل دون أن يفقد هويته الإيقاعية.

فالترفيل، في جوهره، ليس زيادة اعتباطية، ولا خروجاً على نظام البحر، وإنما هو امتداد محسوب داخل النظام؛ وكأن التفعيلة، حين تبلغ نهاية الشطر، تستدعي ذيلًا صوتياً يطيل نَفَسها ويمنحها خاتمة أكثر اتساعاً.

أولًا: من الدلالة اللغوية إلى المصطلح العروضي:

يرتبط لفظ الترفيل بالجذر العربي «رَفَلَ»، ومنه: رَفَلَ في ثوبه، إذا أطاله وأسبله، ورجلٌ رافلٌ إذا جرّ ثوبه وأرخاه. وفي هذا الاشتقاق صورة حسية دقيقة تساعد على فهم المصطلح العروضي؛ إذ تبدو التفعيلة بعد دخول العلة عليها وكأنها قد أُلحق بها ذيل صوتي زائد، فأصبحت أطول امتداداً من صورتها الأصلية.

وهذه الطريقة في تسمية المصطلحات تكشف جانباً مهماً من عبقرية المصطلح العربي القديم؛ فالعروضيون لم يكونوا يضعون الأسماء اعتباطاً، بل كانوا يستمدونها في كثير من الأحيان من خصائص صوتية أو حركية أو شكلية محسوسة.

أما في الاصطلاح، فالترفيل هو:

زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع.

والسبب الخفيف، في اصطلاح العروضيين، يتكون من متحرك وساكن، بينما الوتد المجموع يتكون من متحركين وساكن.

وعلى هذا الأساس تتحول بعض التفعيلات إلى صور أطول، ومن أشهرها:

مُتَفَاعِلُنْ  - مُتَفَاعِلَاتُنْ

و:

فَاعِلُنْ  - فَاعِلَاتُنْ

فالزيادة هنا ليست حرفاً منفرداً، وإنما سبب خفيف كامل؛ ولذلك ينبغي ألا يختلط الترفيل بالتذييل أو التسبيغ، وإن كانت العلل الثلاث تنتمي إلى باب الزيادة.

ثانياً: الترفيل بين الصناعة العروضية وفقه اللغة:

إذا كان النحاة قد انشغلوا ببنية الجملة وعلاقات العامل والمعمول، وكان فقهاء اللغة قد تتبعوا الألفاظ في اشتقاقاتها ودلالاتها وتحولاتها، فإن العروضيين اتجهوا إلى منطقة أخرى من اللغة: منطقة النبض الصوتي للكلمة والجملة الشعرية.

وهنا تتجاور علوم العربية دون أن تتطابق.

فالنحو يبحث في انتظام التركيب، والصرف يبحث في بناء الكلمة وتحولاتها، والمعجم يبحث في أصول الألفاظ ودلالاتها، أما العروض فينظر إلى الكلام من حيث قابليته للتنظيم الإيقاعي.

ومن المفيد، في هذا المقام، استحضار موقف المدرستين البصرية والكوفية من اللغة. فقد عُرفت المدرسة البصرية بميلها إلى القياس والتقعيد والتعليل، والعناية بالاطراد اللغوي، بينما اتسمت المدرسة الكوفية بقدر أكبر من التوسع في الرواية والسماع والاحتجاج بالشواهد، وقبول بعض الظواهر التي ضاق عنها القياس البصري.

وقد انعكس هذا الاختلاف في طريقة النظر إلى اللغة ذاتها: أهي نظام تحكمه القواعد المطردة، أم فضاء واسع للسماع والاستعمال والشاهد؟

والعروض، وإن كان علماً مستقلاً عن النحو، يقترب في منهجه من هذه القضية؛ فهو أيضاً لا يكتفي بالسماع الشعري، بل يسعى إلى استخراج نظام كامن وراء الشواهد.

ومن هنا يمكن القول إن العروض العربي يقف في منطقة وسطى بين المدرستين: فهو سماعي في مادته، قياسي في تحليله؛ إذ ينطلق من الشعر المروي، ثم يحاول أن يستنبط القواعد التي تضبط ظواهره.

وهذه الثنائية بين السماع والقياس من أعمق القضايا التي عرفتها علوم العربية؛ وهي تفسر لنا لماذا لم يكن الشعر عند القدماء مادة جمالية فقط، بل كان أيضاً مدونة لغوية كبرى احتج بها النحاة واللغويون لإثبات القواعد وتفسير الظواهر.

ثالثاً: الخليل بن أحمد وهندسة الإيقاع:

يُعدّ الخليل بن أحمد الفراهيدي المؤسس الأكبر لعلم العَروض، وقد استطاع أن يحول الإيقاع الشعري من ممارسة فطرية إلى علم له نظام ومصطلحات وقواعد.

والأهمية التاريخية للخليل لا تكمن في أنه أحصى البحور فحسب، وإنما في أنه كشف أن الشعر العربي يقوم على علاقات دقيقة بين الوحدات الصوتية، وأن الاختلاف الذي يبدو في ظاهر النص عشوائياً يمكن رده إلى نظام.

ومن هنا تأتي قيمة الترفيل؛ فهو مثال صغير على تلك العبقرية النظامية.

فالتفعيلة لا تتمدد كيفما اتفق، ولا تضاف إليها أصوات لمجرد تحسين النغمة، وإنما تقع الزيادة في موضع محدد وبشروط محددة. وهذا يعني أن المرونة نفسها محكومة بالقانون.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في الشعر العربي: فالوزن لا يقتل الحرية، بل يمنحها مجالًا للتحرك؛ والزحاف والعلة لا يهدمان النظام، بل يكشفان عن قدرته على استيعاب التنوع.

رابعاً: الترفيل في مجزوء الكامل:

من أشهر مواضع الترفيل ما يرد في مجزوء الكامل، حيث تأتي التفعيلة في الأصل:

مُتَفَاعِلُنْ

فإذا دخلها الترفيل أصبحت:

مُتَفَاعِلَاتُنْ

ومن الشواهد المشهورة في هذا الباب قول المنخل اليشكري:

«إِنْ كُنْتِ عَاذِلَتِي فَسِيرِي

نَحْوَ العِرَاقِ وَلَا تَحُورِي»

ويُحلَّل هذا الوزن على مجزوء الكامل، مع دخول الإضمار على التفعيلة الأولى، وورود الترفيل في الضرب.

وهنا ينبغي التشديد على مسألة منهجية مهمة: ليس كل ما في البيت مرفلاً؛ فالترفيل يتعلق بموضع محدد، غالبًا هو الضرب، ولا يجوز تعميم العلة على سائر التفعيلات لمجرد ورودها في البيت نفسه.

والإضمار في الكامل شيء آخر؛ فهو تسكين الثاني المتحرك من «متفاعلن»، فتتحول:

مُتَفَاعِلُنْ  - مُتْفَاعِلُنْ

ومن ثم فإن البيت الواحد قد يجمع بين الإضمار والترَفيل، لكن لكل منهما وظيفته العروضية وحدوده الاصطلاحية.

وهنا تظهر أهمية الدقة في قراءة الشاهد؛ إذ لا يجوز أن يتحول التحليل العروضي إلى مجرد تسمية للظواهر، بل ينبغي أن يُبيّن ما الذي تغير، وأين تغير، ولماذا يسمى هذا التغيير بهذه التسمية.

خامساً: الترفيل في مجزوء المتدارك

أما المتدارك، فتفعيلته الأساس:

فَاعِلُنْ

وعند دخول الترفيل عليها تصبح:

فَاعِلَاتُنْ

وقد ترد صور أخرى نتيجة اجتماع الترفيل مع زحاف سابق، ومنها الصورة التي يكون فيها الضرب مخبونًا مرفلًا، فتأتي على نحو:

فَعِلاتُنْ

وهذا المثال يكشف أن العلل والزحافات قد تتداخل داخل البنية الإيقاعية، بحيث لا يكون التغيير الواحد منعزلًا عن غيره.

ومن هنا ينبغي للدارس ألا يتعامل مع التفعيلة بوصفها قالباً جامداً، بل بوصفها بنية قابلة للتحول المنضبط.

كما ينبغي التثبت في نسبة الشواهد إلى الشعراء والعهود؛ فبعض الصور العروضية التي تتداولها كتب التعليم قد تكون أمثلة تفسيرية، وليس من المنهج العلمي أن تُعامل كلها بوصفها شواهد شعرية تراثية ثابتة.

سادساً: الترفيل والتذييل والتسبيغ:

تتجاور في علم العروض ثلاث علل من علل الزيادة، ولذلك يقع الخلط بينها أحياناً، مع أن الفروق بينها دقيقة:

الترفيل: زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع.

ومن أمثلته:

مُتَفَاعِلُنْ  - مُتَفَاعِلَاتُنْ

فَاعِلُنْ  - فَاعِلَاتُنْ

أما التذييل فهو زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع، ومن صوره:

فَاعِلُنْ  - فَاعِلَانْ

و:

مُتَفَاعِلُنْ  - مُتَفَاعِلَانْ

وأما التسبيغ فهو زيادة حرف ساكن على ما آخره سبب خفيف، ومن أمثلته:

فَاعِلَاتُنْ  - فَاعِلَاتَانْ

وهذه الفروق ليست ترفاً اصطلاحياً؛ لأن علم العروض قائم على تحديد طبيعة الوحدة الصوتية، ولذلك فإن الخلط بين أنواع الزيادة يؤدي إلى اضطراب في تحليل الوزن.

سابعاً: هل الترفيل مجرد ظاهرة تقنية؟

هنا تبدأ المنطقة التي ينتقل فيها العروض من علم الوزن إلى علم الجمال.

فالتفعيلة المرفلة أطول من التفعيلة الأصلية، وهذا الطول لا يظل مجرد رقم في جدول العروض؛ إذ يظهر في الأداء بوصفه امتداداً صوتياً.

وعندما تقع الزيادة في نهاية الشطر، فإنها تمنح الإيقاع فسحة إضافية قبل الوصول إلى القافية. وقد ينتج عن ذلك نوع من التمهل الموسيقي، أو الانبساط النغمي، أو إطالة النفس.

غير أن المنهج النقدي الدقيق يقتضي ألا نحول هذه الملاحظة إلى قانون نفسي جاهز. فلا يصح أن نقول إن الشاعر يستعمل الترفيل دائمًا للدلالة على الحزن أو الشوق أو الفرح؛ فالدلالة تتشكل من السياق، والمعجم، والصورة، والتركيب، والمقام، والإيقاع معاً.

والأصح أن نقول إن الترفيل يتيح إمكاناً صوتياً يمكن أن يستثمره الشاعر دلالياً.

وهذا فرق جوهري بين القراءة العلمية والقراءة الانطباعية.

ثامناً: بين النحو والعروض: القانون والحرية

تكشف ظاهرة الترفيل عن قضية أعمق تتجاوز حدود العروض إلى فلسفة اللغة العربية نفسها.

فاللغة ليست قانوناً جامداً، كما أنها ليست فوضى مفتوحة؛ إنها نظام يسمح بالاختلاف داخل حدوده.

وهذا ما نراه في النحو العربي أيضاَ. فقد اختلف البصريون والكوفيون في مسائل كثيرة بسبب اختلافهم في قيمة السماع والقياس، وفي حدود الشاذ، وفي مدى الاحتجاج بالمرويات. ولم يكن الخلاف بينهم خلافاً في الجزئيات وحدها، بل كان في جانب منه خلافاً حول طبيعة اللغة ذاتها: أهي ما قعّده العلماء، أم ما نطقت به العرب؟

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العروض بوصفه شاهداً على أن العربية أوسع من القاعدة، لكن القاعدة تحاول أن تكشف انتظام هذه السعة.

فالترفيل ليس خروجاً على الوزن، كما أن الزحاف ليس انهياراً للنظام؛ إنهما دليلان على أن النظام العربي يمتلك مرونة داخلية.

وهذه المرونة هي التي جعلت الشعر العربي قادراً على الجمع بين صرامة البحر وحرية التعبير.

تاسعاً: فقه اللغة والصوت الشعري

إذا كان فقهاء اللغة قد اهتموا بالفروق بين الألفاظ، وبمخارج الأصوات، وبالاشتقاق، وبظلال المعاني، فإن دراسة الترفيل تفتح باباً آخر من أبواب فقه العربية: فقه الإيقاع.

فالصوت في العربية ليس حاملًا للمعنى المعجمي وحده، بل يشارك في تشكيل الإحساس به.

وقد أدرك البلاغيون العرب هذه الحقيقة على نحو واضح حين ربطوا بين نظم الكلام وحسن تأليفه، وجعلوا جودة التعبير مرتبطة بعلاقات الأصوات والألفاظ والمعاني.

ومن هنا يمكن استحضار التصور البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم؛ فالمزية لا تكمن في المفردة منفردة، وإنما في طريقة انتظامها داخل السياق. وإذا كان هذا صحيحاً على مستوى التركيب والدلالة، فإنه يصح، من باب أولى، على المستوى الإيقاعي؛ إذ لا تكون الزيادة جميلة بذاتها، وإنما تصبح ذات أثر حين تدخل في نظام صوتي متكامل.

وهنا يمكن النظر إلى الترفيل باعتباره جزءاً من «نظم» موسيقي أوسع، لا مجرد إضافة ميكانيكية إلى تفعيلة.

عاشراً: الترفيل وفلسفة الامتداد

لعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من هذه العلة أن الشعر العربي لا يبني جماله على الحركة وحدها، بل على التوازن بين الحركة والسكون، وبين الامتلاء والفراغ، وبين القصر والامتداد.

فالترفيل يعلّمنا أن الزيادة قد تكون جزءاً من النظام، وأن الامتداد قد يكون شكلاً من أشكال الانضباط.

إنها فكرة تتجاوز العروض إلى اللغة والحياة معًا: ليست كل زيادة حشواً، كما أن كل اختصار ليس جمالًا. القيمة في الموضع والعلاقة والوظيفة.

والشاعر المتمكن لا يتعامل مع الوزن باعتباره قفصاً، بل باعتباره فضاءً موسيقياً؛ يتحرك داخله، ويعرف مواضع التمديد والتقصير، ويوازن بين الدفقة الشعورية والحدود الإيقاعية.

ومن هنا فإن الترفيل يمنح نهاية الشطر شيئًا من «الذيل الموسيقي» الذي يمكن أن تتسع فيه النبرة قبل أن تستقر على القافية.

- حين تكون الزيادة نظامًاً:

الترفيل في العروض العربي ليس مجرد مصطلح تقني في كتب الأوزان، ولا مجرد سبب خفيف يضاف إلى تفعيلة؛ إنه مثال مصغر على عبقرية النظام الإيقاعي العربي الذي استطاع أن يجمع بين القانون والمرونة، وبين الثبات والتحول، وبين صرامة الوزن وحرية التعبير.

فالقاعدة تقول:

التفعيلة الأصلية زائد سبب خفيف يساوي التفعيلة المرفلة.

فتتحول:

مُتَفَاعِلُنْ  -  مُتَفَاعِلَاتُنْ

و:

فَاعِلُنْ  -  فَاعِلَاتُنْ.

لكن القيمة الحقيقية للترفيل لا تستنفدها هذه المعادلة؛ إذ تكمن في الكشف عن حقيقة أعمق: أن الشعر العربي كان، منذ نشأته، قادرًا على أن يجعل من الاختلاف داخل النظام مصدرًا للجمال.

وإذا كان النحو قد علّم العربية كيف تنتظم في الجملة، والصرف كيف تتشكل الكلمة، والبلاغة كيف تتولد الدلالة، فإن العروض علّمها كيف تنظم نبضها الصوتي.

ولذلك يبقى الترفيل شاهداً على أن موسيقى الشعر العربي ليست موسيقى خارجية تُضاف إلى الكلام بعد اكتماله، بل هي كامنة في بنيته؛ وأن الشاعر حين يمدّ التفعيلة لا يضيف صوتاً فحسب، وإنما قد يضيف زمناً، ونَفَساً، وإيقاعًا، ومساحةً جديدة لتردد المعنى.

وهنا تتجلى واحدة من أخصب أسرار الشعر العربي: أن الزيادة قد تكون اقتصادًا جماليًا، وأن الامتداد قد يكون ضربًا من ضروب الاختصار؛ لأن سببًا خفيفًا واحدًا قد يفتح في جسد البيت فضاءً موسيقياً كاملًا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في قصيدة "لُجّة الهيولى" للشاعرة مرشدة جاويش.. مقاربة تفكيكية في جدلية اللغة والغياب والخلق

تنهض قصيدة "لُجّة الهيولى" على بنية لغوية تتجاوز التعبير الوجداني المباشر إلى مساءلة شروط إنتاج المعنى ذاته. فالقصيدة لا تجعل اللغة وسيطاً شفافاً بين الذات والعالم، وإنما تحولها إلى فضاء للصراع بين الحضور والغياب، وبين القول والصمت، وبين المعنى وتأجيله. ومن ثم تقترح هذه الدراسة قراءة النص من منظور تفكيكي، مع الإفادة من المنظور السيميائي في تحليل العلامات المركزية، ولا سيما: الحرف، الظل، البياض، الغيم، السنا، الكاف، و" كن" ....

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القصيدة تبني مراكز دلالية مؤقتة ثم تعمل على زحزحتها من الداخل، فالذات ليست جوهراً ثابتاً، والآخر لا يظهر بوصفه حضوراً مكتملاً، والمعنى لا يُمنح للقارئ في صورة نهائية، بل يتشكل عبر سلسلة من الاختلافات والإحالات. وتبلغ هذه الاستراتيجية ذروتها في تفكيك العلاقة بين " الكاف" و" كن"، ثم في الخاتمة التي تجعل " الشتات" نفسه " رؤيا "، بما يقلب ثنائية النظام/الفوضى ويعيد تعريف الخلق بوصفه حركة أولى للتشكل....

إشكالية الدراسة ومنهجها

لا تتمثل المشكلة النقدية الأساسية في السؤال: ماذا تقول القصيدة؟ وإنما في سؤال أكثر تركيباً:

كيف تنتج القصيدة معناها، وكيف تقوض في الوقت نفسه إمكانية استقرار هذا المعنى؟ وهنا تكتسب عبارة الشاعرة:

" أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي يقيناً"

أهميتها النظرية،إذ إن " المعنى" في النص ليس موضوعاً جاهزاً تسعى الذات إلى امتلاكه، بل هو معنى عصي، أي معنى لا يكتمل بالوصول إليه، وإنما يستمر من خلال مراودته للذات.

وهذا يتقاطع بصورة مباشرة مع مفهوم (différance) الاختلاف عند جاك دريدا، حيث لا يتولد المعنى من حضور مكتمل ونهائي، وإنما من حركة الاختلاف والتأجيل التي تجعل الدلالة في حالة تشكل مستمر. ويؤكد دريدا أن حركة الدلالة تظل مرتبطة بما ليس حاضراً فيها، وأن ما يبدو حاضراً يحمل آثار ما سبقه وما سيأتي بعده.

ومن هنا فإن المنهج التفكيكي ليس إسقاطاً خارجياً على القصيدة، بل إن القصيدة نفسها تمارس على المستوى الشعري، ما تصفه النظرية التفكيكية على المستوى الفلسفي.

الحرف بوصفه بداية للوجود وبؤرة لتشظي المعنى.تفتتح القصيدة خطابها بفعل الأمر:

" تعالَ

فقد عُمِّدَ الحرفُ

بمكنوننا"

إن البداية بـ" تعال" ليست مجرد دعوة عاطفية، إنها فعل إنشائي يضع الآخر في قلب عملية إنتاج النص. فالآخر لا يأتي بعد اكتمال القصيدة، وإنما تستدعيه القصيدة لكي يبدأ الكلام.

واللافت أن الحرف نفسه يُقدم في صورة ذات طابع طقوسي:

" عُمِّدَ الحرفُ"

فالحرف لم يعد وحدة لغوية محايدة، بل أصبح كياناً يخضع لفعل " التعميد" أي ينتقل من مستوى العلامة اللغوية إلى مستوى شبه مقدس. غير أن هذا التقديس لا يؤدي إلى تثبيت المعنى، بل إلى فتحه:

" واستحالَ المجازُ

معتَكَفاً"

فالمجاز ليس زينة بلاغية، وإنما مكان إقامة. وهذه النقلة مهمة: حين يصبح المجاز " معتكفاً"، تتحول اللغة من أداة نقل للمعنى إلى فضاء يسكنه المعنى ويظل قابلاً لإعادة التأويل.

وهنا يمكن الاستفادة من بول ريكور، الذي رفض اختزال المجاز في وظيفة زخرفية، وربط الخطاب الشعري بقدرة المجاز على فتح أفق دلالي جديد، فالشعر في تصوره، لا يقتصر على الوظيفة الانفعالية، وإنما يمتلك وظيفة استكشافية/استدلالية تكشف إمكانات جديدة للعالم. وعليه فإن"المجاز" في القصيدة ليس انتقالاً من معنى إلى معنى آخر فحسب، بل هو آلية لإنتاج عالم دلالي جديد...

الصمت والبياض: حضور الغياب

من أكثر المفاتيح الدلالية تكراراً في النص:

" تعالَ نُقشِّرُ عنّا رداءَ الصمت"

ثم:

" لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ"

هنا يتحول الصمت إلى " رداء" والبياض إلى شيء قابل لأن تكون له " أوجاع" .

وهذا التحويل الاستعاري بالغ الأهمية، لأن الشاعرة لا تتعامل مع الغياب باعتباره فراغاً سلبياً. الصمت له قشرة، والبياض له ألم، والغياب له أثر:

" ونبضي نزيفٌ يُظهر

جحودَ الغياب"

إذن الغياب لا يعني انعدام الحضور، بل ينتج أثراً داخل الذات.

وهذه إحدى أكثر النقاط التي تسمح بالقراءة التفكيكية: الحضور لا يكون حضوراً خالصاً، لأنه يحمل في داخله أثر الغياب، والغياب ليس غياباً محضاً، لأنه يترك أثراً محسوساً في النبض واللغة.بهذا المعنى، لا تعمل القصيدة وفق ثنائية بسيطة:(حضور، غياب )بل تجعل كل طرف مشروطاً بالآخر.فالغياب هو الذي يكشف النزيف، والنزيف هو الذي يجعل الغائب حاضراً في الجسد." أنا اللغة": تحول الذات من موضوع إلى بنية دلالية . تصل القصيدة إلى واحدة من أهم عتباتها:

" أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك"

 هذه العبارة تستحق الوقوف طويلاً عندها.فالذات لا تقول:

" أصفك باللغة"، ولا " أكتب إليك باللغة" بل تقول: " أنا اللغة الآن" . وهنا يحدث انتقال من ذات تتكلم باللغة إلى ذات تتماهى مع اللغة. وهذا يزعزع مفهوم الذات بوصفها مصدراً مستقلاً للقول.فالـ" أنا" هنا لا تسبق اللغة، وإنما تتكون من خلالها. وهذا ينسجم مع التصور الحداثي للذات النصية الذي يجعل " الأنا" أثراً من آثار التلفظ، لا جوهراً سابقاً عليه. وفي هذا السياق يكتسب قول رولان بارت أهمية، إذ يميز بين الشخص التاريخي وبين الذات التي تظهر داخل فعل التلفظ، مؤكداً أن اللغة لا تقدم لنا الشخص بوصفه جوهراً مكتفياً بذاته، وإنما تنتج " ذاتاً" داخل عملية القول. وهذا بالضبط ما يحدث في القصيدة: الذات، اللغة، الآخر. لا توجد " أنا" مكتملة خارج هذا التفاعل. الآخر بوصفه " معنى عصياً" من أكثر المقاطع كثافة:

 " أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي يقيناً"

هنا تتحرر علاقة الذات بالآخر من نموذج الامتلاك. فهي لا تقول: أريدك معنى واضحاً، أو يقيناً نهائياً، وإنما:

" معنى عصياً" أي أن قيمة الآخر تكمن في عدم اكتماله.

و الأكثر دلالة أن هذا المعنى " العصي" لا يمنح يقيناً فقط، بل:

" يُنبت شكاً ويحيي يقيناً" فتنشأ علاقة جدلية بين الشك واليقين.والقصيدة لا تختار أحدهما، وإنما تجعل كل واحد منهما شرطاً للآخر. وهذا يرفض فكرة المعنى النهائي. فالمعنى لا يصل إلى نهايته، إنه يتحرك بين قطبين. ومن هنا يصبح "الآخر" في النص بنية لتوليد الدلالة أكثر منه شخصية أو موضوعاً غزلياً...

تفكيك الهوية:

 تبلغ القصيدة مستوى أكثر تعقيداً في قولها:

" أنا الظلُّ الذي فارقَ

جسدَه"

إنها صورة تقوم على قلب العلاقة التقليدية بين الأصل والتابع.

فالظل عادة تابع للجسد، ولا وجود له مستقلاً عنه. لكن النص يقول:" فارق جسده" فتنفصل العلامة عن أصلها المفترض.وهنا يمكن قراءة " الظل" بوصفه استعارة للهوية نفسها: هوية لم تعد نسخة من أصل، بل أصبحت كياناً مستقلاً يعيد تعريف الأصل. ثم يأتي:

" أنا المغايرةُ التي لا تجيدُ التمثيلَ" فتتضح الاستراتيجية أكثر. المغايرة لا تعني هنا مجرد الاختلاف، بل رفض " التمثيل"، أي رفض أن تكون الذات نسخة من نموذج سابق.

ومن ثم: " بخروجٍ عن زيفِ التوازن"

فالقصيدة لا تبحث عن توازن مصطنع، وإنما عن الاختلاف المنتج....

 تفكيك الاختزال الجندري

المقطع:

" ولا تختصرني بأُنثى

فإنّي كونٌ من الوجد

لا يستريحُ"

يمثل انتقالاً من الهوية الجزئية إلى الهوية الكونية. فالفعل: "تختصرني" هو الفعل الدال مركزياً هنا. فالقصيدة تقاوم الاختزال: اختزال المرأة في " أنثى"، واختزال الذات في هوية واحدة، واختزال التجربة في علاقة غزلية. وبذلك تتحول الأنوثة من هوية نهائية إلى موقع مقاومة للتصنيف.

لا تقول الذات: " لست أنثى"، بل تقول: لا تختصرني في هذه العلامة. وهذا فرق مهم جداً نقدياً. إنها لا تلغي العلامة، وإنما تفكك احتكارها للدلالة...

" الكاف" و" كن": تفكيك العلامة في أعمق مستوياتها

هذا هو المحور الأكثر جرأة في القصيدة:

" يَغيبُ به (الكافُ)

عن (كُنْ)"

هنا لا تعود اللغة أداة للتعبير عن فكرة فلسفية، تصبح موضوعاً للتفكير الفلسفي نفسه. فالقصيدة تدخل إلى الكلمة وتفككها إلى مكوناتها." كن" تحضر بوصفها علامة على الخلق، والكاف بوصفها حرفاً من بنيتها.

لكن النص يقول:

" يغيب به الكاف عن كن''

فتنشأ فجوة داخل العلامة. هذه الفجوة ليست مجرد لعبة لغوية، إنها تتصل ببنية القصيدة كلها:

الوجود / الغياب، الحضور / الأثر،  المعنى / ما وراء المعنى،

الوحدة / الشتات. فالخلق نفسه يصبح مشروطاً بالفجوة. و

هنا يصبح استدعاء دريدا شديد الصلة، إذ يربط مفهوم الاختلاف "différance" بعملية اختلاف وتأجيل تجعل الدلالة لا تستقر في حضور مكتمل، بل تتحقق من خلال علاقات الفروق والآثار. وإذا كانت القصيدة تجعل " الكاف" تغيب عن

 " كن"، فهي شعرياً تضع العلامة في حالة فقدان داخلي، أي إنها تجعل الكلمة تحمل إمكانية غياب أحد شروطها...

من الخلق إلى الشتات

تصل القصيدة إلى نهايتها:

" فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكانَ الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا"

هذه ليست خاتمة وصفية، بل خاتمة إعادة تأويل. فالعبارة:

"الرعشة الأولى للخلق" تعيد تعريف الذات والآخر. لم يعودا مجرد عاشق ومعشوق، إنهما يصبحان استعارة للحظة التكوين الأولى. ثم تأتي المفاجأة:

" وكان الشتات هو الرؤيا"

إنها قلب للعلاقة التقليدية بين: الخلق / النظام و: الشتات / الفوضى. فالشتات لا يظهر هنا بوصفه عكس الرؤيا، وإنما بوصفه الرؤيا نفسها. وهذا يجعل الخاتمة تعيد قراءة كل ما سبق: الحرف، المجاز، الصمت، الظل، المغايرة، الكاف، كن، كلها كانت تحركات داخل فضاء لم يتشكل نهائياً. إن "الهيولى" في العنوان تصبح هنا ذات وظيفة تأويلية: المادة الأولى التي لم تدخل بعد في شكل نهائي. ومن ثم فإن القصيدة لا تنتهي بالوصول إلى المعنى، بل تنتهي عند ما قبل اكتمال المعنى...

 البنية العميقة للنص

يمكن تمثيل الحركة الداخلية للقصيدة هكذا:

الحرف، المجاز، الصمت، البياض، الغياب، اللغة، الآخر، المغايرة الظل، الكاف / كن،الخلق، الشتات، لكن هذه ليست حركة خطية. فالقصيدة تعود باستمرار من كل مركز إلى نقيضه:( الحرف، الصمت) (الحضور، الغياب) (الجسد، الظل) (المعنى، العصيان) (اليقين، الشك)

(الأنثى، الكون) (الخلق، الشتات) وهنا تحديداً تتجاوز القصيدة البنية البنيوية المغلقة إلى بنية تفكيكية متحركة...

القيمة السيميائية للعلامات

يمكن قراءة العلامات المركزية في النص وفق شبكة ثلاثية:

الحرف: علامة القول، لكنه يصبح علامة الخلق.

الظل: علامة التبعية في التصور التقليدي، لكنه يتحول إلى علامة استقلال ومغايرة.

البياض: علامة الفراغ ظاهرياً، لكنه يصبح حاملاً للألم.

الغيم: علامة اللاشكل، لكنه يصبح مادة للجسد:

" جسداً يُصاغُ من الغيم"

اللؤلؤ: علامة الجمال، لكنه يخرج من " العري":

" لم يلمس العري إلا

ليلبسه لؤلؤاً من لغات"

وهنا تقوم القصيدة بعملية سيميائية متكررة يمكن تسميتها:

إعادة ترميز العلامة. فالعلامة تدخل النص بدلالة أولى، ثم تخرج منه بدلالة جديدة....

البعد الصوفي والأنطولوجي

لا يصح اختزال النص في الغزل الصوفي، كما لا يصح قراءته بوصفه نصاً صوفياً خالصاً. الأدق أن نقول إن النص يستثمر المعجم الصوفي والميتافيزيقي لإنتاج سؤال شعري عن الوجود واللغة. نجد: " نُونِ الجلال" " العارفين" " آمنتُ فيك" "الغيب"

" الخلق" "الله" " كن" .

لكن هذه المفردات لا تؤدي وظيفة عقائدية تقريرية، إنها تدخل في لعبة شعرية تجعل المطلق نفسه مجالاً للسؤال. ولهذا فإن:

" فكُن لي غيباً"

لا تعني مجرد طلب الغياب، بل تجعل " الغيب'' شرطاً لاستمرار الرغبة والمعنى. إن حضور الآخر لو اكتمل تماماً لانتهت عملية البحث عنه. ومن هنا تتطابق بنية الرغبة مع بنية الدلالة: ما لا يمتلك يستمر في إنتاج المعنى....

التخييل المفهومي وتفكيك مركزية المعنى

تنهض قصيدة " لُجّة الهيولى" على كثافة في التخييل المفهومي؛ إذ تحول المفاهيم المجردة إلى صور وعلامات ذات حمولة فلسفية، كما في: " أنا الظلُّ الذي فارقَ جسدَه"،و "أُريدُكَ معنىً عصيّاً"، و" يغيب به الكافُ عن كُنْ"، و" وكانَ الشَّتاتُ هو الرُّؤيا"، ولا ترد هذه الصور منفصلة، بل تنتظم في شبكة دلالية تتفاعل فيها الهوية والمعنى والحضور والخلق. كما توازن الصورة الشعرية كثافة التجريد، إذ تتجسد المفاهيم في علامات حسية ومجازية: الظل، والنزيف، والبياض، والغيم، واللؤلؤ، والسنا، والرعشة، وبذلك يستبقي النص سؤاله الفلسفي داخل بنيته الشعرية، فلا يتحول إلى خطاب فلسفي مباشر.

ومن منظور تفكيكي، لا يؤسس النص معنى نهائياً بقدر ما يؤجل اكتماله؛ فبين افتتاحه بـ" عُمِّدَ الحرفُ" واختتامه بـ"وكانَ الشَّتاتُ هو الرُّؤيا" يتحرك من الحرف إلى الخلق، ومن اللغة إلى الوجود، ومن الحضور إلى الغياب. وتقوم بنيته على زحزحة مراكزها الدلالية من الداخل: فالحرف لا يغلق المعنى، والمجاز يفتح دلالته، والحضور يحمل أثر الغياب، والظل ينفصل عن الجسد، والذات ترفض اختزالها في الأنوثة، واليقين يستدعي الشك، فيما تعاد مساءلة " كُنْ" على مستوى العلامة ذاتها. وهكذا يغدو الشتات في الخاتمة ليس نقيضاً للرؤيا، بل شرطاً من شروط تشكلها.

وعليه، تجعل " لُجّة الهيولى" من اللغة مختبراً أنطولوجياً لتفكيك مركزية الحضور، فالمعنى لا يتأسس فيها على الاكتمال، وإنما يتولد من الفجوة والأثر والاختلاف وتأجيل الوصول. وتتمثل القيمة الفنية والفكرية للنص في أن هذه الحركة لا تقدم بوصفها فكرة خارجية، بل تتجسد في بنيته التخيلية نفسها، بحيث يصبح المعنى فعلاً متجدداً لا نتيجة نهائية...

وعليه، تكشف " لُجّة الهيولى" عن شعرية حداثية تجعل اللغة فضاءً لتوليد المعنى وزحزحة مراكزه، حيث يتجاور الحضور والغياب، والتشكل والتشظي، دون استقرار دلالي نهائي. وبذلك تتحول القصيدة من التعبير عن التجربة إلى مساءلة شروط الوجود داخل اللغة، ليغدو "الشتات" فيها لا خاتمة للمعنى، بل لحظة أولى لتكونه....

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله

.......................

لُجَّةُ الهيولى

تعالَ

فقد عُمِّد الحرفُ

بمكنُوننا

واستحالَ المجازُ

 مُعتكَفاً

تعالَ نُقشِّرُ عنَّا رداءَ

 الصمْت

لندخُلَ في بهوِ (نُونِ)

الجلالِ

فلا قصدَ يعلو

ولا انحنى عزمٌ لتذوي

جمرةٌ

في لُجّةِ المعنى وما

وراءَ القافية

تعالَ لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ

فصدري كتابٌ

ونبضي نزيفٌ يُظهِر

جُحودَ الغِياب

أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك

فَمُت فيَّ شوقاً لِتحيا

 بي

ما كانَ هذا البهاءُ ليُبصِرَ

 لولاكَ

نُوراً تجلّى ليسجُدَ

بينَ يديكْ

أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي

يقيناً

ويَسقي الصخَب

الذي في كياني

نبيذاً تقطَّرَ مِن مُقلتيكْ

أنا الظِّلُّ الذي فارقَ

جسدَه

وإيقاعُ خَلق تمرَّده

أنا المغايرةُ التي لا

تجيدُ التمثيلَ

بخُروج عن زيفِ التوازن

كي أَمشيَ خارجَ إيقاعِ

 حبالهم

فلا تَقترب برُؤى

 العابِرينَ

ولا تَختصرني بأُنثى

فإنِّي كونٌ منَ الوجد

لا يستريحُ

وأنت القُطبُ الذي

شَفَّ

حتَّى تماهى مع

العارفين

تعالَ بلا مطلبٍ

 أو مآربَ طينٍ

فإنّي كفرتُ بكلِّ

 الوُجوهِ

وآمنتُ فيك

لنكتملَ الآن كَوناً نقيّاً

يَغيبُ به (الكَافُ)

عن (كُنْ)

فنغدو غرقاً

يَضيقُ به المحيطُ

بل يلُمُّكْ

خُذِ الحرفَ منِّي

جَسداً يُصاغُ منَ

الغيمِ

لم يَلمس العُري إلا

ليُلبسهُ لؤلؤاً من لُغاتْ

أنا غايةُ الانطفاءِ

وأنت السَّنَا

فما نحنُ إلا اصطدامُ

 القصيدةِ بالرُّوحِ

فكُن لي غيباً

كي أُعيدَ للَّهِ مَعناهُ

في حُطامكَ

فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

 للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكان الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا!

***

الشاعرة مرشدة جاويش

بشرى الهلالي تكتب عن تحولات المكان البغدادي وإعادة بناء الهوية

لا تنفصل البنية السردية في رواية بشرى الهلالي «توقيت آخر للحياة» (دار الحكمة، لندن) عن سياق السرديات العراقية المعاصرة المحكومة باستراتيجية المواجهة مع الصدمة؛ إلا أنها تمتاز عنها بتقديم جغرافيا بديلة تشتغل بوصفها مختبراً سيكولوجياً وسيميائياً لفحص شروخ١ الذات والوطن. إذ لا يكتفي النص برصد عذابات العاصمة في لحظة التحول (احتجاجات تشرين)، بل يعمد إلى تفكيك هذه الصدمة عبر آلية الإزاحة المكانية، إذ يغدو السفر قناعاً لحفر معرفي داخل وعي البطلة (ملك)، فيتحوّل الانتقال الجغرافي إلى انتقال في طبقات الوعي لا في المكان فقط.

يتكشّف العنوان (توقيت آخر للحياة) بوصفه عتبة دلالية كثيفة تحيل إلى زمن نفسي لا فيزيائي؛ إذ لا يشير «التوقيت» إلى حركة عقارب الساعة بل إلى بنية إدراكية تعيد تشكيل علاقة الذات بالعالم. ومن ثم فإن البحث عن «توقيت آخر» ليس بحثاً عن زمن بديل بقدر ما هو محاولة لتخفيف وطأة الزمن الجريح الذي يهيمن على تجربة «ملك» في بغداد. غير أن النص يكشف منذ البدء أن هذا التوقيت البديل لا يتحقق بوصفه خلاصاً، لأن الداخل يظل أكثر حضوراً من أي جغرافيا خارجية، فتظل الذات أسيرة زمنها النفسي حتى وهي تغادر المكان.

وتتعمق هذه الإشكالية عبر البنية السير-ذاتية التي تسم الرواية، حيث تتقاطع تجربة «ملك» الصحافية مع التجربة العراقية الجمعية، فيتحول الخاص إلى علامة على العام، والفردي إلى مرآة للوطني. وتعود الرواية إلى الطفولة بوصفها لحظة تأسيس للانكسار الأول، حين تُصاغ الذات داخل نظام قمعي ناعم، كما في قول الأم: «أنتِ الكبرى، عليك تلبية ما يعنيه أخوك» (ص 12)، وهي عبارة تختزل تشكل عقدة الالتزام والإذعان. ويقابل ذلك التمثيل الرمزي في استعارة قوالب التجميد: «نولد سوائل بلا شكل أو رائحة، ثم نُصَب في قوالب صُممت خصيصاً لتجميدنا» (ص 38)، إذ يغدو المجتمع بنيةً صلبةً تصادر سيولة الكينونة وتحولها إلى أشكال جاهزة.

وتتداخل الصدمة العاطفية مع الصدمة الوطنية؛ إذ لا يمكن فصل تجربة الطلاق المرتبطة بالحرف «م» عن سياق الانهيار العام. فالحرف «م» لا يحيل إلى شخص بقدر ما يتحوّل إلى أثر دلالي للغياب، إلى ظلّ يطارد الوعي ويعيد إنتاج الانكسار. وهكذا يصبح السفر محاولة للهروب من الذاكرة لا من المكان، غير أنَّ النص يثبت أن الذاكرة لا تُهزم بالجغرافيا، بل تعيد تشكيل ذاتها داخل كل فضاء جديد.

ويظهر المكان في بغداد بوصفه بنيةً أيديولوجيةً أكثر منه فضاءً مادياً، خصوصاً في تمثيل المنطقة الخضراء التي تتحوّل إلى علامة على الانفصال الطبقي والسياسي. فقول الساردة: «لم تطأ قدماي المنطقة الخضراء...» (ص 98) لا يصف منعاً مكانياً فقط، بل يكشف عن نظام كامل من الإقصاء والوساطة والرقابة. ويتحول المكان إلى جهاز سلطة، حيث لا يدخل الفرد إلا عبر شروط مسبقة، وحيث تُعاد صياغة الوجود داخل منطق الحجب لا الانفتاح. وتتشابك هذه السلطة السياسية مع سلطة عاطفية موازية، إذ يتحول الحبيب إلى امتداد لبنية السيطرة: «أن يطويني بيديه كورقة بيضاء» (ص 98)، في تداخل بين الجسدي والسياسي، والحب بوصفه احتواءً والحب بوصفه محواً.

وعند انتقال السرد إلى الفضاء الأفريقي، لا ينفصل المطار والطائرة عن هذا المنطق الوجودي؛ إذ يشتغل المطار بوصفه عتبةً برزخيةً بين عالمين، بينما تتحوّل الطائرة إلى «مكان معلق بين غيمتين» (ص 11)، أي حالة وعي معلقة بين الإقلاع والهبوط، بين الانفصال والعودة. وتكتسب الرحلة بعداً تناصياً مع «قلب الظلام» لجوزيف كونراد، إذ يصبح السفر إلى أوغندا غوصاً في أعماق الذات، وتتحوّل الغابة إلى امتداد للظلام الداخلي لا إلى جغرافيا خارجية.

وفي هذا الفضاء، لا يشتغل الفندق بوصفه مكان إقامة، بل بوصفه «لا مكان» وفق مارك أوجيه، أي فضاء منزوع الهوية والذاكرة. تتحوّل الغرفة إلى بنية اغتراب، ويصبح فقدان الهاتف لحظة انقطاع وجودي عن العالم؛ إذ يمثل الهاتف أرشيف الذات وامتدادها الرقمي، وضياعه يعادل فقدان الخيط الرابط بين «ملك» وذاكرتها البغدادية. ومن هنا تتكثف المتاهة، إذ تتشابه الممرات وتتشظى الاتجاهات، ويتحول المكان إلى انعكاس مباشر لتشظي الوعي.

ومع تعمق التجربة الأفريقية، يتكشف أن هذا الفضاء ليس بديلاً للخلاص، بل امتداد آخر للعنف التاريخي؛ إذ تتجاور الطبيعة البكر مع آثار العنف السياسي، فتسقط فكرة المكان الآمن. وتتشكل بنية فانتازية تجعل الغابة والفندق في حالة توازي رمزي بين العمودي (النظام/الفندق) والأفقي (الحرية/الغابة)، لتبقى الذات معلقة بينهما دون استقرار.

وتتجلى هوية «ملك» عبر شبكة مرايا بشرية تؤدي وظيفة تفكيك الذات من الداخل، حيث تمثل «نجوى» العفوية مقابل النخبوية، و«عادل» المثقف الممزق بين الوطن والمنفى، و«سيا» نموذج التصالح مع الجسد واللحظة. وهذه العلاقات لا تقدم شخصيات مساعدة، بل تكشف انكسارات الذات المركزية وتعيد إنتاجها في صور متعددة.

ويشكل مقتل المصدر لحظة انهيار بنيوي في السرد؛ إذ يسقط وهم المسافة بين الذات العراقية والحدث الجاري. فالمصدر ليس مجرد وسيط معلوماتي، بل امتداد حيّ للواقع، وموته يعيد «ملك» إلى سؤال أخلاقي قاسٍ حول جدوى البقاء في فضاء آمن، بينما الآخرون يُمحون في الداخل. وهنا يتحول السفر إلى عبء أخلاقي لا إلى حرية، ويصبح الاغتراب شكلاً من أشكال التواطؤ الصامت.

وفي مستوى أعمق، تتسع الرواية لتشمل ذاكرة العنف التاريخي في السياق الأفريقي، إذ يتقاطع الجسد مع السرد في تجربة «ديمبي»، ويتحوّل الاعتراف إلى إعادة فتح للجرح بدل إغلاقه، مما يعمّق فكرة أن الحقيقة ليست خلاصاً بل عبء دائم.

وتصل الرواية إلى لحظة تحول جمالي حين يبرز مشهد الجاز بوصفه قطيعة مع الرقابة والذاكرة الجريحة، إذ يصبح الفن نافذة على وعي بديل خارج ثقل السياسة والتاريخ. غير أنَّ هذا الانفتاح لا يلغي التوتر الداخلي، بل يعيد صياغته داخل شكل جديد من الإدراك.

وتتجلى في النهاية بنية الانقسام الداخلي للذات عبر مستويات متعددة من الوعي، إذ تتصارع الأنا الواعية مع الأنا الغريزية والأخرى الناقدة، ويتحوّل الجسد إلى خطاب احتجاجي يكشف ما تعجز اللغة عن قوله.

أخيراً لا تقدم الرواية خلاصاً نهائياً، بل تنتهي إلى تثبيت فكرة أن الكتابة هي «التوقيت الآخر للحياة»، أي الزمن الوحيد الذي يمكن فيه إعادة تشكيل الوجود من ركام الصدمة. فالكتابة ليست وصفاً للعالم، بل إعادة إنتاج له داخل بنية رمزية جديدة، إذ يتحول الألم إلى نص، والخراب إلى معنى مؤجل.

هكذا يتضح أن الرواية لا تقترح مغادرة المكان بقدر ما تقترح إعادة كتابته، وأن السفر ليس خروجاً من الجرح بل إعادة تدوير له في جغرافيا مختلفة، بينما تبقى الكتابة وحدها الفضاء القادرعلى احتواء هذا التشظي ومنحه شكلاً قابلاً للفهم دون أن تدّعي شفاءه. يظهر المكان في بغداد بوصفه بنيةً آيديولوجيةً أكثر منه فضاءً مادياً كما في تمثيل المنطقة الخضراء علامة على الانفصال الطبقي والسياسي

***

د. جاسم حسين الخالدي

حين تتحرر القصيدة من القيد ولا تتحرر من القانون

لم يكن التحول الذي شهدته القصيدة العربية الحديثة خروجًا عابرًا من نظام القصيدة العمودية إلى فضاء أكثر رحابة، بل كان انقلابًا عميقًا في مفهوم الشعر نفسه، وفي علاقته باللغة والإيقاع والصورة والذات والعالم. فحين بدأت القصيدة العربية تتلمّس طريقها نحو التفعيلة وقصيدة النثر، لم تكن تبحث عن فوضى بديلة، وإنما كانت تبحث عن نظام جديد يليق بتحولات الإنسان العربي، وبالقلق الذي أخذ يتسلل إلى بنية الوعي الحديث.

ومن هنا تكتسب عبارة نازك الملائكة دلالتها النقدية الحاسمة: «الشعر الحر ليس دعوة إلى الفوضى، بل له قواعده وأصوله التي ينبغي أن تُحترم». فهذه العبارة لا تنتمي إلى زمنها فحسب، بل ما تزال تصلح معيارًا لمساءلة كثير من الكتابات التي تتوسل باسم الحداثة لتبرير غياب الشعر عن النص، أو لتجعل من التحرر من الوزن تحررًا من كل مقتضيات الفن.

إن القضية، في جوهرها، ليست في أن تكون القصيدة موزونة أو غير موزونة، مقفاة أو غير مقفاة؛ وإنما في أن تمتلك شعريتها. فالقصيدة لا تصبح شعرًا لأنها كسرت البيت، كما أنها لا تصبح شعرًا لأنها التزمت الوزن؛ الشعرية أعمق من الشكل، وأشد مراوغة من القاعدة، لأنها ذلك التوتر الخفي الذي يجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية المباشرة لتغدو كشفًا وإيحاءً وإيقاعًا وصورةً ورؤيا.

الشعر الحر: تحرير الإيقاع لا إلغاء الإيقاع:

حين ظهرت قصيدة التفعيلة في صورتها الحديثة، كان من أهم من نظّر لها ومارسها نازك الملائكة، إلى جانب شعراء مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وغيرهم. ولم يكن المقصود بـ«الشعر الحر» إلغاء الوزن العربي، وإنما إعادة تنظيمه على أساس التفعيلة، بحيث لا يعود البيت وحدة القصيدة الوحيدة، ولا تصبح القافية قيدًا لازمًا في كل سطر.

لقد انتقل الإيقاع من صرامة البيت إلى مرونة السطر الشعري، ومن التكرار الميكانيكي إلى التشكيل الموسيقي المتعدد. فالتفعيلة تظل حاضرة، ولكنها تتوزع داخل السطر بحسب مقتضى التجربة والانفعال. وقد يطول السطر أو يقصر، وقد تتعدد التفعيلات أو تقل، غير أن ذلك كله لا يعني غياب النظام، بل يعني وجود نظام آخر.

وهنا ينبغي التمييز بدقة بين الشعر الحر والشعر المنثور وقصيدة النثر. فالشعر الحر، في اصطلاح مدرسة الريادة، يقوم على أساس التفعيلة، بينما قصيدة النثر تنطلق من تصور آخر للإيقاع والبناء الشعري. أما الخلط بين المصطلحات فقد أدى، في كثير من الممارسات، إلى تحويل الحداثة الشعرية إلى منطقة سائبة لا معيار لها.

الشعر الحر إذن ليس قصيدة عمودية مشوهة، وليس نثرًا مقطعًا إلى أسطر؛ إنه بنية إيقاعية جديدة، لها منطقها الداخلي، وتحتاج إلى حس موسيقي قادر على إدراك حركة التفعيلة، وتوتر السطر، ومواقع الوقف، والتكرار، والتدوير، والتوازي.

قصيدة النثر: حين ينتقل الوزن من الخارج إلى الداخل:

أما قصيدة النثر فقد جاءت بقطيعة أكثر جرأة مع النموذج العروضي التقليدي. فهي لا تجعل الوزن الخليلي شرطًا لوجود الشعر، ولا تعتمد التفعيلة بوصفها وحدتها الإيقاعية الأساسية، وإنما تبحث عن شعرية أخرى تتأسس على الإيقاع الداخلي، والتكثيف، والصورة، والمفارقة، والانزياح، ووحدة النسيج، وفاعلية اللغة.

وقد رسخت قصيدة النثر حضورها العربي من خلال تجارب شعرية ونقدية متعددة، وخصوصًا في سياق مجلة «شعر» في بيروت، مع أسماء مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط، فضلًا عن تجارب عربية أخرى أسهمت في توسيع أفقها.

غير أن تحرير القصيدة من الوزن لا يعني تحريرها من الشعر. وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما تُغفل.

فإذا كان الوزن الخارجي قد غاب، وجب أن يحضر ما يعادله أو يعوضه من داخل النص. ولذلك يمكن القول إن قصيدة النثر لا تُعفى من الموسيقى، وإنما تستبدل موسيقى العَروض بموسيقى اللغة؛ ولا تتخلى عن الإيقاع، وإنما تعيد اكتشافه في التكرار، والتنغيم، وتجاور الأصوات، وتواتر الصور، وتوزيع الجمل، وانقطاعات المعنى، والصمت بين الكلمات.

إن قصيدة النثر الناجحة لا تُسمع بأذن العروض وحدها، وإنما تُسمع أيضًا بأذن الروح.

الحرية الشعرية ليست غيابًا للحدود:

أخطر ما واجه قصيدة النثر، وربما الشعر الحر أيضًا، هو سوء فهم مفهوم الحرية.

فالحرية الفنية لا تعني أن يفعل الشاعر ما يشاء باللغة، وإنما أن يعرف لماذا يفعل ما يفعل. إن كسر الجملة ينبغي أن يكون له مبرره الجمالي، والانقطاع ينبغي أن يخلق دلالة، والبياض ينبغي أن يؤدي وظيفة، والصورة ينبغي أن تتجاوز الزينة البلاغية إلى إنتاج المعنى.

الفوضى ليست حرية؛ إنها عجز عن بناء النظام

والنص الذي لا تحكمه ضرورة داخلية يتحول إلى تراكم من الجمل الجميلة، والجمل الجميلة وحدها لا تصنع قصيدة. قد يكون في النص استعارات كثيرة، وصور مدهشة، ومفردات نادرة، لكنه يظل نثرًا أدبيًا إذا لم تنتظم عناصره في بنية شعرية قادرة على خلق أثر يتجاوز المعنى المباشر.

الشاعر الحقيقي لا يكتب خارج القوانين، بل يكتشف قانون قصيدته الخاص.

ولهذا فإن كل قصيدة عظيمة، مهما بدت حرة، تحمل في داخلها نظامًا خفيًا. وقد يكون هذا النظام عروضيًا، أو إيقاعيًا، أو دلاليًا، أو صوتيًا، أو تصويريًا، لكنه موجود بالضرورة؛ لأن الفن، في جوهره، تحويل للفوضى الخام إلى شكل قابل للتلقي والتأويل.

بين البيت والسطر والكتلة الشعرية:

لقد أعادت الحداثة الشعرية النظر في وحدة القصيدة. ففي الشعر العمودي كان البيت وحدة إيقاعية ودلالية شبه مستقلة، بينما جعلت قصيدة التفعيلة من السطر الشعري وحدة أكثر مرونة، ثم جاءت قصيدة النثر لتمنح الجملة والفقرة والكتلة الشعرية وظائف جديدة.

وهنا لم تعد القصيدة مجرد سلسلة من الأبيات أو الأسطر، بل صارت كائنًا لغويًا متكاملًا، تتفاعل فيه الأصوات والصور والدلالات والحركة البصرية.

ولهذا فإن تقطيع النص النثري إلى أسطر قصيرة لا يجعله قصيدة نثر. فالأسطر ليست هي الشعر، كما أن البياض ليس هو الشعر. إنهما وسائل تنظيمية لا تكتسب قيمتها إلا من ضرورة جمالية تحكم استخدامها.

ومن ثم يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: «هل هذا النص موزون؟»، بل: «ما الذي يجعل هذا النص شعريًا؟»

وهذا السؤال ينقل النقد من مراقبة الشكل الخارجي إلى البحث عن الطاقة الداخلية للنص.

الشعرية بين اللغة والرؤيا:

الشعر في جوهره ليس كلامًا موزونًا فحسب، ولا كلامًا جميلًا فحسب؛ إنه طريقة أخرى في رؤية العالم.

والشاعر لا يكتفي بأن يقول إن الليل مظلم، بل يعيد تشكيل الليل بحيث يصبح علامة على العزلة أو الموت أو الانتظار أو المنفى. ولا يصف المطر بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل قد يحوله إلى ذاكرة أو غياب أو خلاص.

هنا تتجلى وظيفة الانزياح الشعري: أن تنقل اللغة الأشياء من مألوفها إلى احتمالات جديدة.

لكن الانزياح إذا تحول إلى غموض مجاني فقد يفقد قيمته. فالغموض الشعري ليس إغلاقًا للمعنى، وإنما توسيع له. القصيدة الجيدة لا تعطي قارئها معنى واحدًا جاهزًا، لكنها لا تتركه أيضًا في صحراء من الكلمات المتجاورة بلا روابط.

الشعر العظيم يفتح باب التأويل، لكنه لا يهدم البيت الذي يقف فيه التأويل.

نازك الملائكة ومسؤولية الحداثة:

تظل نازك الملائكة واحدة من أهم الأصوات التي أدركت مبكرًا أن التجديد لا يكتسب شرعيته بمجرد التمرد على القديم. لقد كانت حداثتها واعية بأصولها، ولذلك دافعت عن الشعر الحر بوصفه نظامًا جديدًا، لا بوصفه سقوطًا للنظام.

وهذه الرؤية تكشف مفارقة عميقة في تاريخ الحداثة: أن أكثر التجارب تجديدًا قد تكون أكثرها وعيًا بالمسؤولية الفنية.

فالشاعر الذي يعرف القاعدة يستطيع أن يخالفها بوعي، أما الذي يجهلها فقد يظن عجزه عن الالتزام بها ثورة عليها.

وليس المقصود هنا إعادة الشعر إلى سلطة القوالب القديمة، ولا مصادرة حق التجريب، وإنما الدفاع عن مبدأ جوهري: لا إبداع بلا معرفة، ولا حداثة بلا وعي، ولا حرية فنية بلا مسؤولية جمالية.

الشعر الحر وقصيدة النثر: اختلاف الطريق ووحدة الغاية:

قد تختلف قصيدة التفعيلة عن قصيدة النثر في أدوات البناء، لكنها تلتقي معها في البحث عن شكل أكثر قدرة على التعبير عن الإنسان الحديث.

الشعر الحر حرر القصيدة من وحدة البيت والقافية الموحدة، لكنه أبقى على جوهر الإيقاع العروضي.

أما قصيدة النثر فقد ذهبت أبعد في مساءلة مفهوم الوزن نفسه، واستبدلت بالإيقاع الخارجي شبكة من العلاقات الداخلية التي تمنح النص تماسكه وشعريته.

وفي الحالتين، تظل الغاية واحدة: أن تصبح اللغة أكثر قدرة على حمل التجربة الإنسانية.

فليست قيمة القصيدة في مقدار ما تخالف به التراث، ولا في مقدار ما تلتزم به، وإنما في مقدار ما تستطيع أن تضيفه إلى اللغة والوعي والخيال.

 ليست القضية أن نكسر القيد، بل أن نعرف لماذا:

إن مستقبل الشعر لا يتحدد بالعودة إلى العمود، ولا بالانتصار للتفعيلة، ولا بإعلان قصيدة النثر ملكًا نهائيًا للمشهد الشعري. فالشعر أكبر من الأشكال التي يتخذها، وأبقى من المعارك التي تنشأ حولها.

المشكلة ليست في الوزن، ولا في غيابه؛ المشكلة في غياب الشعر

قد يكون النص موزونًا ولا يكون شعرًا، وقد يكون نثريًا ولا يكون إلا نثرًا، وقد تكون قصيدة النثر بلا تفعيلة ومع ذلك تبلغ من الموسيقى والشعرية ما لا تبلغه قصائد موزونة.

إن القصيدة الحقيقية هي التي تمتلك ضرورة وجودها؛ التي لا يمكن أن تُكتب إلا بالطريقة التي كُتبت بها. وحين يصبح حذف كلمة منها إخلالًا بإيقاعها، أو تغيير صورة منها انتهاكًا لبنيتها، نكون أمام نص امتلك شروطه الجمالية الخاصة.

لهذا تبقى عبارة نازك الملائكة درسًا يتجاوز الشعر الحر إلى مفهوم الإبداع كله: الحرية ليست نقيض النظام، بل أرقى أشكاله حين تنبع من وعيٍ به.

فالشاعر لا يتحرر حين يهدم كل القواعد، وإنما حين يعرف القواعد، ثم يمتلك من الوعي والموهبة ما يسمح له بأن يصنع من داخلها، أو من خارج بعضها، قانونًا جماليًا جديدًا.

وهكذا، فإن قصيدة النثر ليست قصيدة بلا قواعد، كما أن الشعر الحر ليس شعرًا بلا وزن؛ كلاهما بحث عن نظام آخر، عن موسيقى أخرى، وعن طريقة جديدة تجعل اللغة قادرة على أن تقول ما عجزت الأشكال القديمة عن قوله.

وفي النهاية، لا يبقى من القصيدة شكلها وحده، ولا وزنها وحده، ولا نثرها وحده؛ يبقى أثرها: ذلك الوميض الذي تتركه في الذاكرة، وذلك السؤال الذي توقظه في الروح، وذلك القدر من الجمال الذي يجعل اللغة، ولو للحظة، أكثر اتساعًا من الحياة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لباقر طه الموسوي

قد يبدو الاسم مجرد كلمة يُنادى بها الإنسان، لكن الشاعر باقر طه الموسوي يدعونا إلى النظر إليه بطريقة مختلفة. فالقصيدة لا تتحدث عن الاسم بوصفه لفظًا فحسب، بل تتخذه مدخلًا للتأمل في العلاقة بين اللغة والإنسان، وبين الاسم والمسمّى، وبين ثبات الاسم وتحولات التجربة الإنسانية.

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: «لم أنل نصيبي من اسمي»، ومنذ هذه الجملة يضع القارئ أمام سؤال فلسفي عميق: هل يستطيع الاسم أن يستوعب حقيقة الإنسان؟ أم أن الإنسان أوسع من أن يُختزل في لفظ؟

لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة وعلماء اللغة منذ القدم. فتساءل أفلاطون: هل تكشف الأسماء حقيقة الأشياء أم أنها مجرد مواضعات بشرية؟ ثم رأى سوسير أن العلاقة بين الاسم والمسمّى علاقة اعتباطية، وأن الاسم علامة لغوية لا تماثل الشيء الذي تشير إليه. وقال هايدغر إن الإنسان يسكن اللغة، بينما ذهب دريدا إلى أن المعنى لا يستقر على دلالة نهائية، بل يظل قابلًا للتأجيل وإعادة القراءة.

غير أن القصيدة تنطلق من أفق آخر. فالاسم في أصله لفظٌ لغوي يحمل معنىً معجميًا يخص اللفظ ذاته، لكنه يؤدي وظيفةً أكثر ثباتًا، هي وظيفته الإشارية؛ إذ يصبح العلامة التي تُعيّن الإنسان وتشير إليه في اللغة والمجتمع والذاكرة. وهذه الوظيفة لا تنفك عن الاسم، كما لا ينفك الإنسان عنها، فهي دلالة تعيينية وجودية تلازمه طوال حياته.

ولهذا يقول الشاعر:

«اسمي ليس لي، يتداوله العابرون.»

فالناس يتداولون الاسم لأنه العلامة التي تشير إلى صاحبه، لكنهم لا يحيطون بالإنسان الذي يقف وراء هذا الاسم. فهم يعرفون الاسم، أما المسمّى فلا تنكشف حقيقته إلا عبر تجربته وأثره ومسيرته في الحياة.

ثم يصور الشاعر حروف اسمه وهي تتآكل، ويسقط بعضها، ويتلعثم بعضها الآخر. وهذه ليست صورة عن الحروف وحدها، بل عن حدود الاسم في احتواء التجربة الإنسانية؛ إذ يبقى في الإنسان دائمًا ما يتجاوز كل تسمية، وكل محاولة لغوية للإحاطة به.

ومن هنا تنشأ الفجوة التي تؤسس القصيدة. فالتوتر الدلالي فيها يتجلى على مستويين متداخلين: أولهما التوتر بين الاسم ومعناه المعجمي؛ إذ قد ينسجم هذا المعنى مع صاحبه، فيقال: «اسمٌ على مُسمّى»، وقد يفارقه فيبقى الاسم مجرد دلالة لغوية لا تعكس حقيقة الإنسان. أما المستوى الأعمق، وهو جوهر القصيدة، فيتمثل في التوتر بين الاسم بوصفه علامةً إشارية ثابتة، وبين الإنسان بوصفه وجودًا متحولًا لا تستطيع علامة لغوية واحدة أن تستوعب ثراء تجربته وامتدادها.

وهذا هو محور القصيدة. فالشاعر لا ينكر اسمه، ولا ينفصل عنه، لأن الاسم يظل العلامة التي تعيّنه في الوجود. لكنه يشعر بأن هذا الاسم، على الرغم من ملازمته له، لم يعد قادرًا على احتواء الإنسان الذي صار إليه بعد سنوات من التحول والتجربة. ومن هنا نشأت الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى، وهي الفجوة التي شكّلت عمود البناء الفني والفكري للقصيدة، ومنها تولّد التوتر الدلالي الذي منح النص عمقه الفلسفي وجماله الشعري.

وتبلغ القصيدة ذروتها في قوله:

«ربما لأن اسمي هو الذي لم ينل نصيبه مني.»

وهنا يقلب الشاعر زاوية النظر. ففي مطلع القصيدة بدا وكأن الإنسان هو الذي لم ينل نصيبه من اسمه، لكن الخاتمة تكشف أن الاسم هو الذي لم ينل نصيبه من صاحبه. فالاسم ظل يؤدي وظيفته الإشارية كاملة، لكنه لم يستطع أن يستوعب كل ما صنعته التجربة الإنسانية من تحولات ومعانٍ.

إن قيمة هذه القصيدة لا تكمن في مساءلة الاسم بوصفه لفظًا، بل في مساءلة العلاقة بين الاسم والوجود الإنساني. وقد نجح باقر طه الموسوي في بناء قصيدته على فجوة دلالية عميقة، كشف من خلالها أن الاسم يظل ملازمًا للإنسان بوظيفته الإشارية، لكنه يعجز عن احتواء الكائن الإنساني بكل تحولاته الوجودية. ومن هذه الفجوة بين ثبات الاسم وتحول المسمّى تولّد التوتر الدلالي الذي شكّل البنية العميقة للقصيدة، وجعل سؤال الاسم في حقيقته سؤالًا عن الإنسان نفسه.

***

عبد الكريم حنون السعيد

.....................

لمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

اسْمِي

كَانَ يَقِفُ خَلْفِي

كُلَّمَا نَادَانِي أَحَدٌ

نَظَرَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ

اسْمِي لَيْسَ لِي، يَتَدَاوَلُهُ

الْعَابِرُونَ

أَسْتَعِيرُهُ كُلَّ صَبَاحٍ

وَأُعِيدُهُ مَسَاءً مَثْقُوبَ الْحَوَافِ

عَلَى الْبَاءِ

ذُبَابَةٌ،

وَعَلَى الْأَلِفِ

ذُبَابَةٌ أُخْرَى،

وَعَلَى الْقَافِ

يَجْتَمِعُ النَّامُوسُ،

يَمْتَصُّ مَا تَبَقَّى

مِنَ الْقَافِ وَالرَّاءِ

فِي اللَّيْلِ أَسْمَعُ اسْمِي يَتَآكَلُ

حَرْفٌ يَسْقُطُ

حَرْفٌ يَتَلَعْثَمُ

وَحَرْفٌ

يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ فِي فَمِي

وَحَرْفٌ يَبْقَى سَاهِرًا

يَحْرُسُ خَوْفِي

كَبِرْتُ

وَكَبِرَ اسْمِي قَبْلِي

صَارَ مِعْطَفًا وَاسِعًا

أَتَعَثَّرُ بِأَكْمَامِهِ

اسْمِي لَيْسَ جَرَسًا

كَأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ

مَوْعِدًا مُؤَجَّلًا

مُنْذُ الْوِلَادَةِ

لَمْ أَنَلْ نَصِيبِي مِنِ اسْمِي

رُبَّمَا لِأَنَّ اسْمِي

هُوَ الَّذِي لَمْ يَنَلْ نَصِيبَهُ مِنِّي

نَنْظُرُ إِلَى بَعْضِنَا

فِي مِرْآةٍ مُعْتِمَةٍ،

وَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُنَا

نَحْوَ الْآخَرِ.

وَيَبْقَى الِاسْمُ

وَاقِفًا بَيْنَنَا كَغَرِيبٍ

يَنْتَظِرُ مَنْ يُنَادِيهِ

***

باقر طه الموسوي

منذ فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، يتردد السؤال في الأوساط الثقافية العربية. عن عدم تكرار هذا الإنجاز. وبقاء حضور الأدب العربي في أهم المحافل والجوائز الأدبية العالمية محدودا، رغم ما تزخر به ثقافتنا من أسماء وتجارب وأعمال لا تقل قيمة فنية وإنسانية عن كثير من الأعمال التي نالت اعتراف العالم.

لا ينبغي أن يُفهم التساؤل على أنه وضع للأدب العربي في موقع الدونية أو الاعتراف بنقص فيه وهذا مزلق لا يرضاه التحليل هنا لان النصوص في تراكمها انما تتعالى عن الجوائز. فالأدب العربي غني بعظمائه وشواهده التي لا تحتاج إلى جائزة غربية لتثبت وجودها. لكنه نوع من تمارين العصف الذهني للبحث في علاقة الأدب العربي بالعالمية ذاتها، وعن الكيفية التي يتحول بها النص المحلي إلى ظاهرة كونية، وعن الشروط التي تجعل من العبقرية الفردية حضورا عالميا مستداما.

وهم العبقرية المعزولة

ثمة في ثقافتنا تصور راسخ مفاده أن العمل العظيم يفرض نفسه بنفسه، وأن العبقرية قادرة على اختراق الحدود مهما كانت الظروف، ونجد هذا التصور في عبارات شائعة مثل: "الأدب الجيد يجد طريقه دائماً". غير أن تاريخ الأدب العالمي لا يؤيد هذه الفكرة الرومانسية. فلو كانت العبقرية كافية، لما مات عشرات الكتاب العظام مجهولين خارج لغاتهم، ولما تأخر الاعتراف بكثير من الأسماء التي أصبحت لاحقاً من كلاسيكيات الأدب الإنساني.

لا يعيش النص الأدبي في فراغ. هو بحاجة إلى منظومة ثقافية تكتشفه، وتدعمه، وتشرحه، وتترجمه، وتنقده، وتعيد تقديمه للعالم. العالمية ليست خاصية جينية كامنة في النص، هي نتيجة تفاعل حي بين قيمته الجوهرية والحاضنة الثقافية التي تتولى نقله إلى فضاءات جديدة.

الحاضنة الثقافية: من ينتج الشرعية الأدبية؟

تمثل الحاضنة الثقافية شبكة العلاقات والمؤسسات التي تمنح النص الأدبي قيمته الاجتماعية قبل قيمته الجمالية. هذه الشبكة تحدد من يُقرأ، ومن يُترجم، ومن يُدرّس، ومن يرشح للجوائز الكبرى..

تتكون هذه الشبكة من عناصر مترابطة تعمل كحلقات في سلسلة واحدة:

دور النشر الكبرى، التي تمتلك فروعاً في قارات متعددة وشبكات توزيع واسعة.

المترجم المحترف، الذي لا ينقل الكلمات فقط، يعيد بناء النص في لغة جديدة مع الحفاظ على روحه.

الناقد والأكاديمي المؤثر، الذي يكتب في الصحف الثقافية العالمية ويضمّن النص في مناهج الجامعات.

الوكيل الأدبي، وهو الحلقة الأكثر غياباً في العالم العربي، ودوره يتجاوز التفاوض على العقود إلى صناعة الشهرة واختيار الناشر المناسب.

الجوائز الوسيطة، مثل بوكر ودبلن وفيمينا، لأنها تمنح النص شرعية فورية تختلف عن شرعية الجوائز الكبرى مثل نوبل.

غياب أي من هذه الحلقات يجعل النص، مهما كانت قيمته، عرضة للبقاء في نطاق لغته وسياقه المحلي. الكاتب العالمي ليس بالضرورة أفضل كاتب في بلده، لكنه غالبا الكاتب الذي نجحت منظومته الثقافية في تحويل موهبته إلى حضور مرئي ومستدام.

هندسة العالمية: دروس من القارات الأخرى

أمريكا اللاتينية: حين أصبحت القارة ظاهرة أدبية

تقدم تجربة أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات درسا استثنائيا؛ فالطفرة الروائية التي شهدتها القارة لم تكن نتيجة ظهور مجموعة من العباقرة بمحض الصدفة، كانت نتيجة التقاء شبكة نشر قوية في برشلونة وبوينس آيرس، ووكلاء أدبيين مؤثرين مثل كارمن بالثيس، ومجلات ثقافية فاعلة، وحضور أكاديمي مبكر. الأهم من ذلك أن كتاب القارة ظهروا أمام العالم باعتبارهم جزءً من ظاهرة ثقافية واحدة؛ لم يكن القارئ الغربي يقرأ أعمالاً منفصلة قادمة من دول متفرقة، كان يقرأ الأدب اللاتيني المعاصر كتيار جارف ورؤية جمالية موحدة.

آسيا: العالمية بوصفها سياسة ثقافية

أما التجربة الآسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان فسلكت طريقا مؤسساتيا؛ إذ أدركت هذه الدول مبكرا أن الثقافة جزء من القوة الناعمة، وأن الترجمة استثمار استراتيجي طويل الأمد وليست نشاطا ثانويا. جرى تمويل برامج ترجمة واسعة عبر معاهد حكومية مستقلة، ودعم النشر الخارجي، وبناء شراكات مع الجامعات والمهرجانات العالمية. ونتيجة لذلك، لم يظهر الكاتب الآسيوي للعالم بوصفه استثناء فردياً، ظهر بوصفه طليعة لمشهد ثقافي متكامل ومدعوم.

إفريقيا: بناء الحضور دون مركز واحد

تقدم إفريقيا نموذجا ثالثا نجح خلال العقود الأخيرة في بناء حضور أدبي عالمي متنامٍ ومتوج بأرفع الجوائز. يكمن سر هذه التجربة في تشكل ما يمكن تسميته بالحقل الأدبي الإفريقي؛ وهي شبكة ممتدة بين الجامعات الغربية ودور النشر المستقلة والجوائز المخصصة للأدب الإفريقي مثل جائزة كين، والتي جعلت من القضايا الإفريقية وجدلياتها متطلبا نقديا وقرائيا ثابتا في العالم.

نماذج التلقي العربي: بين الاختراق الفردي والمؤسساتي

عند تأمل نماذج التلقي في الأدب العربي المعاصر، نجد تفاوتا كبيرا يكشف عن طبيعة هذه الهندسة المعقدة:

نجيب محفوظ

لم يكن وصول محفوظ إلى نوبل نتاج عبقريته الفذة وحدها، رغم أنها كانت الشرط الأساسي؛ هو وجد مترجمين مؤمنين بمشروعه مثل دنيا جونسون وجاكلين كاهانوف، وناشرين مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة تبنوا توزيع أعماله وعرضها في الأسواق الدولية، وتراكماً نقدياً ساعد على جعل اسمه مرئياً داخل المجال الأدبي العالمي قبل الجائزة بسنوات.

إبراهيم الكوني: حدود الاختراق الفردي النخبوي

تمثل تجربة إبراهيم الكوني إحدى أكثر الحالات العربية دلالة؛ فالكوني صاحب مشروع روائي كوني متفرد يستلهم عالم الصحراء وأساطير الطوارق وأسئلتها الوجودية الكبرى. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وحظيت باهتمام نقدي وأكاديمي واسع، ونالت جوائز دولية مرموقة في أوروبا. ومع ذلك، بقي حضوره في معظمه نخبويّاً أكاديمياً أكثر منه جماهيرياً عريضاً. تكشف هذه التجربة حدود الاختراق الفردي مهما بلغ حجمه؛ فالمبدع هنا يحقق ما يشبه المعجزة بمفرده، لكن غياب الحاضنة الإعلامية والتسويقية العربية يحرم المشروع من التحول إلى ظاهرة ثقافة عامة عابرة للقارات.غير ان هذه العالمية النخبوية تبقى أسيرة الأكاديميا إن غابت الآليات التسويقية.

جوخة الحارثي: كسر الجدار بالجوائز الوسيطة

تعد تجربة الروائية العُمانية جوخة الحارثي نموذجا حديثا ملهماً لكيفية اختراق المركزية الأدبية الدولية عبر بوابة الجوائز الوسيطة. فوز روايتها "سيدات القمر" بجائزة مان بوكر الدولية عام 2019، بترجمة بارعة من مارلين بوث، أحدث تحولا جذريا. هذا الفوز أثبت أن النص العربي المحلي المغرق في تفاصيله وتاريخه واجتماعه قادر على انتزاع الاعتراف العالمي فور توفر شروط ثلاثة: ترجمة رفيعة صاغت شروط تلقٍ ذكية، وناشر غربي مستقل ذكي، وجائزة وسيطة كبرى تمنح النص الشرعية الفورية وتضعه في واجهات المكتبات العالمية كأكثر الكتب مبيعاً.

إبراهيم نصر الله: الملحمة الإنسانية وجسر عدالة القضية

يقدم إبراهيم نصر الله من خلال مشروعه الضخم "الملهاة الفلسطينية" نموذجا مختلفاً للعالمية؛ عالمية تنطلق من عدالة القضية لتصنع جمالياتها الخاصة. حظيت أعمال المترجمة منه بالإنجليزية والإيطالية وغيرها باهتمام دولي استثنائي مثل ترشحه لجائزة دبلن الأدبية الدولية. يكمن نجاح نصر الله في أنه لم يقدم القضية الفلسطينية كتقرير سياسي، قدمها كملحمة إنسانية تتقاطع مع الملاحم الإنسانية الكبرى في التاريخ. أعماله تجد طريقها عالمياً لأنها تلبي حاجة الضمير الإنساني لمعرفة الحقيقة من خلال الفن، لكن هذا الانتشار يظل محكوماً بمدى تعاطف وتأثير الشبكات التضامنية والمؤسسات الثقافية المستقلة في الغرب، مما يعيد تأكيد حاجتنا لآليات عربية داعمة ومستدامة لا تترك هذه النصوص للمصادفات السياسية.

الشعر العربي والمعضلة المزدوجة

إذا كانت الرواية تواجه تحديات مرتبطة بالترجمة والنشر، فإن الشعر العربي يواجه صعوبة إضافية معقدة. العقبة الأولى تكمن في طبيعة الشعر نفسه؛ فالإيقاع، والموسيقى الداخلية، والجرس اللغوي، والإحالات الثقافية العميقة للغة العربية هي عناصر يصعب نقلها بصورة كاملة إلى لغة أخرى دون أن تفقد الروح الكامنة فيها. أما العقبة الثانية فتنتمي لتحولات الثقافة العالمية نفسها؛ حيث أصبحت الرواية الجنس الأدبي الأكثر جماهيرية وقدرة على السفر والوصول، بينما تراجع الشعر عالمياً إلى فضاءات النخب الأكاديمية المتخصصة. ومع ذلك، فإن تجربة أدونيس تستحق وقفة خاصة، لأنها تمثل أقرب لحظة بلغ فيها الشعر العربي الحديث عتبة الاعتراف العالمي الواسع. على امتداد عقود، تمتعت أعماله بحضور قوي في الجامعات والدوريات الأدبية العالمية، وترجمت قصائده ودراساته، وارتبط اسمه مرارا بالترشيحات المرتبطة بجائزة نوبل. غير أن هذه اللحظة كشفت حدود الوسيط الشعري نفسه؛ فالمشكلة لم تكن في غياب الاعتراف بنبوغه، كانت في تراجع المركزية الثقافية للشعر عالمياً، وفي الصعوبة الجوهرية لنقل الزلزال اللغوي للقصيدة العربية إلى لغات أخرى دون تبريده.

الترجمة واللغة: من النقل إلى صناعة التلقي

كثيراً ما يُلقى بضعف الترجمة كشماعة للغياب العربي، وهذا صحيح جزئيا لكنه لا يفسر الظاهرة كلها. ثمة فرق شاسع بين ترجمة نص إلى لغة أخرى مجرد نقل لغوي، وبين خلق شروط تلقيه داخل تلك اللغة. الكتاب المترجم يحتاج إلى مراجعات نقدية في الصحف الكبرى، وندوات أكاديمية، وحضور في المناهج الجامعية، ومؤسسات تتبناه وتعيد تسويقه. أزمة الأدب العربي ليست أزمة مترجمين، هي أزمة صناعة سوق كامل للتلقي.

نلحظ هنا أن نجاح بعض الكتاب العرب الذين يكتبون بلغات غير العربية كالإنجليزية أو الفرنسية لا ينقض هذه الأطروحة يؤكدها. هؤلاء الكتاب لم يتفوقوا بالضرورة جماليا على زملائهم داخل الأوطان، لكن كتابتهم بلغة أجنبية منحتهم بطاقة دخول فورية ومباشرة إلى شبكات النشر، والترجمة، والنقد، والتعليم التي تصنع رأس المال الرمزي دون المرور بسلسلة الحواجز والمؤسسات الوسيطة المعطلة في العالم العربي.

تحيز اللحظة التاريخية: فخ الاستشراق الجديد

لا تعمل الجوائز والمؤسسات الثقافية العالمية في فراغ مبرأ من السياسة، فلكل مرحلة تاريخية أسئلتها المهيمنة واهتماماتها الخاصة. في مرحلة سابقة كان أدب ما بعد الاستعمار والرواية الوطنية الكبرى يحظيان بالاهتمام، ثم جاءت مرحلة تصدرت فيها موضوعات الهوية، والهجرة، والمنفى، والانتماءات المتعددة.

يقع الأدب العربي أحيانا في فخ الاستشراق الجديد؛ حيث لا يبحث سوق التلقي الغربي في النص العربي عن الجماليات المجردة، يبحث عن الوثيقة الأنثروبولوجية أو السياسية؛ يريد نصوصا تتحدث عن الحروب، قمع الحريات، أو التمرد الفج على التقاليد ليؤكد تصوراته المسبقة. وبدون مشروع عربي مستقل يفرض ذائقته ومعاييره الجمالية، يظل الأدب العربي عرضة لأن تُرفع نصوصه المتوسطة لأسباب سياقية وسياسية، وتُهمش أعماله العبقرية لأنها لا تخدم السردية السائدة.

البيان والمشروع: لماذا نحتاج إلى الاثنين معا؟

شهد خلال العقدين الأخيرين المشهد الثقافي العربي تطورات مهمة مع ظهور جوائز عربية كبرى بدأت تلعب دور المنصة الوسيطة، ونشاط ملحوظ لحركات الترجمة العكسية والمهرجانات الدولية. غير أن هذه الجهود ما تزال متفرقة وموسمية، وغير كافية لإنتاج الأثر التراكمي المستدام. ما ينقص هو الانتقال من المبادرات الفردية  في مواسم الجوائز إلى مشروع مؤسساتي طويل النفس يعمل بمنطق الأجيال.

يحتاج الأدب العربي اليوم إلى أمرين. الأول ما نسميه هنا البيان، عبر رؤية فكرية ونقدية تعيد تعريف علاقتنا بالعالمية؛ تؤكد أن الغاية ليست استرضاء ذائقة أجنبية أو تفصيل نصوص على مقاس الجوائز، الغاية بناء حضور إنساني ندّي يخاطب الآخر من موقع الشريك العابر لخصوصيته المحلية نحو الكونية. اما الثاني فمشروع يملك آليات عمل تترجم هذه الرؤية إلى بنية تحتية حقيقية؛ تتضمن صناديق تمويل مستقلة للترجمة، برامج إقامات أدبية للكتاب والمترجمين الأجانب، تأسيس وكالات أدبية عربية محترفة، ومنصات نقدية تفرض حضورها وشراكاتها الطويلة مع الجامعات ودور النشر العالمية. لكن لبيان من دون مشروع يتحول إلى خطاب بلاغي جميل، والمشروع من دون بيان يتحول إلى مجرد هندسة عكسية .

إضافة الى كل ما تقدم يحتاج هذا البناء إلى ثلاثة أسس عملية . بتأسيس وكالة أدبية عربية محترفة تعمل كحلقة وصل بين الكاتب والناشر الغربي، على غرار ما فعلته كارمن بالثيس مع أدب أمريكا اللاتينية. وإنشاء صندوق عربي للترجمة طويلة الأمد، يمول إقامة المترجمين الأجانب في البلدان العربية لمدة لا تقل عن سنة، لكي يعايشوا النص قبل نقله. والأهم لأنه اجرائي وفعّال تحويل مهرجانات او معرض الكتب إلى منصات سنوية لتوقيع عقود نشر دولية، لا إلى مجرد فعاليات موسمية.

عندما يكتمل هذا البناء، يدخل الأدب العربي المشهد العالمي شريكا يصنع التنوّع، لا طالبا للاعتراف. ولن نحتاج الى خاتمة لفتح الافاق.

***

سعيف علي

 

في المثقف اليوم