عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

في تاريخ الأدب العالمي كُتَّابٌ كثيرون كتبوا عن الزعماء، والثورات، والانتصارات الكُبرى، لكنَّ قليلين فقط امتلكوا القُدرةَ على الإصغاء إلى الإنسان البسيط، ذلك الكائن الذي يمرُّ في الشارع دون أن يلتفت إليه أحد، ويَحمل داخله عَالَمًا كاملًا من الألم والخوف والحُلْم والصمت. ومِن بين هؤلاء القلائل يَبْرز اسمان: الكاتب المصري يُوسُف إدريس (1927-1991) والكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860- 1904)، بوصفهما اثنين من أهمِّ الكُتَّاب الذين منحوا الإنسانَ البسيط مكانته الأدبية والإنسانية.

لَم يكن الإنسانُ عندهما قائدًا عظيمًا، ولا بطلًا خارقًا، ولا فارسًا أُسطوريًّا، ولا شخصية تصنع التاريخَ بقراراتها الكُبرى، بلْ كان موظفًا مُرهَقًا، أوْ فَلَّاحة مسحوقة، أو طفلًا حافي القدمين، أو مريضًا يجلس في زاوية منسية من الحياة. كلاهما آمنَ بأن المأسأة الحقيقية لا تكمن دائمًا في الحروب الكُبرى، بلْ في التفاصيل الصغيرة التي تفتك بالروح ببطء: نظرة احتقار، أوْ جُوع صامت، أوْ حُلْم مُستحيل، أو وَحدة لا يراها أحد.

كانَ أنطون تشيخوف، الطبيب الروسي الهادئ، ينظر إلى الإنسان بعين الرحمة والتأمل. شخصياتُه تبدو وكأنها تعيش داخل ضباب كثيف من الحُزن اليومي، لا تصرخ كثيرًا، لكنها تنكسر من الداخل. أبطالُه لا يَثُورون غالبًا، بلْ يتآكلون ببطء تحت وطأة العجز والرتابة والخذلان. في قصصه نشعر أن الحياة لَيست قاسية لأنها شريرة، بلْ لأنها باردة وغير مُبالية. ولهذا تبدو أعماله أشبه بمرآة صامتة يَرى الإنسانُ فيها هشاشته الخاصَّة.

أمَّا يوسف إدريس، فقدْ حَمَلَ الإنسانَ المِصري البسيط إلى قلب الأدب العربي الحديث بعنفٍ عاطفي وصدقٍ جارح. لَم يكتب عن الفقير بوصفه حالة اجتماعية فقط، بلْ بوصفه إنسانًا كامل الكرامة، ممتلئًا بالرغبةِ والألم والغضب. كانَ يَرى أن البسطاء لَيسوا هامشَ الحياة، بلْ حقيقتها العارية، ولهذا جاءتْ شخصياته نابضة بالحركة والصوت والانفعال، كأنها خارجة لِتَوِّهَا من الأزقةِ والحارات والحقول. وهُنا تتجلى القُدرة على تحويل مشهد يومي صغير إلى صرخة إنسانية هائلة.

وتشيخوف فَعَلَ الشيءَ نَفْسَه بطريقة مختلفة، فهو لا يَرفع صَوْتَه، بلْ يترك الألمَ يتسرَّب بهدوء إلى القارئ. شخصياتُه تبدو أحيانًا عاجزة حتى عن التعبير عن مأساتها، وكأن الصمتَ أصبحَ جُزءًا من تكوينها النَّفْسي. لذلك يشعر قارئ تشيخوف بحزن عميق لا يَعرف مَصْدَرَه بدقة، حُزن يُشبِه إدراكَ الإنسان لفشله في تغيير حياته.

ورغم اختلافِ البيئة بين روسيا القيصرية ومِصْر الحديثة، فإنَّ الإنسان عند الكاتبَيْن واحدٌ في جَوهره، كائن ضعيف يبحث عن معنى، وقليلٍ من الرحمة وسط عَالَمٍ قاسٍ. كِلاهما أدركَ أن البؤس الإنساني لا جنسية له، وأن الفقراء في كُلِّ مكان يتشابهون في أحلامهم الصغيرة وخَيْباتهم الكبيرة.

لكنَّ الفرق بينهما مُهم وعميق أيضًا. أنطون تشيخوف يقترب من شخصياته بمسافة تأملية هادئة، كأنه يُراقب الروحَ البشرية وهي تتداعى بصمت. أمَّا يوسف إدريس فيدخل إلى شخصياته من الداخل، يغضب معها، ويصرخ بها، وينحاز إلَيها بوضوح. عند أنطون تشيخوف نجد الحُزْنَ الإنساني، وعند يوسف إدريس نجد الحُزْنَ ممزوجًا بالاحتجاج.

كذلك تختلف اللغةُ بينهما اختلافًا يكشف طبيعةَ كُلِّ عَالَمٍ أدبي. لغة أنطون تشيخوف رقيقة، ومقتصدة، وشفافة، وتعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح. أمَّا يوسف إدريس فتمتاز لغته بحرارة الحياة اليومية، وتقترب من نبض الشارع المِصري وإيقاعه الشعبي. ومعَ ذلك، فَهُمَا يشتركان في قُدرة مذهلة على التكثيف، فلا جُملة زائدة، ولا مشهد بلا ضرورة إنسانية.

ولعلَّ أعظم ما يَجْمع بينهما أنهما أعادا الاعتبارَ للإنسانِ البسيط. ففي عالَم يحتفي بالأقوياء والناجحين، وقف الكاتبان إلى جانب المنسيين، أولئك الذين يعيشون ويموتون دون أنْ يُدوِّن أحدٌ أسماءَهم. جعلا مِن الأدب مساحةً للعدالةِ الرمزية، حيث يصبح للعامل الفقير، والطفلةِ البائسة، والمُوظَّف المُنْهَك، صَوْتٌ يُسمَع أخيرًا.

إنَّ الكاتبَيْن يكشفان الضعفَ الإنساني، والأحلامَ الصغيرة، والخوفَ مِن الوَحدة، والحاجةَ العميقة إلى مَن يَفْهَم الألمَ الوجودي الصامت. وَرُبَّما لهذا السبب بقي أدبُهما حيًّا حتى اليوم، لأنَّ الإنسان البسيط الذي كَتَبَا عنه لَم يَختفِ، بلْ ما يزال يسير في الشوارع نَفْسِها، حاملًا قَلْبَه المُثْقَلَ بالحياةِ نَفْسِها.

ثَمَّة خَيط سِري مشدود ببراعة، ومغموس في دموع الصامتين، يربط بين حارات قاهرة يوسف إدريس وقُرى روسيا القيصرية عند أنطون تشيخوف. لَم يكن الإنسانُ البسيط في أدبهما مُجرَّد شخصية عابرة تُزيِّن الهامشَ، بلْ كان هو المتن، وهو العدسة التي مِن خِلالها تفككتْ تعقيداتُ الوجودِ وتناقضاتُ المجتمع.

هُناك تقاطعات مذهلة بين هذين الأديبَيْن، تفصل بينهما الجُغرافيا، وتَجْمع بينهما وَحدة المُعاناة الإنسانية. غاصَ أنطون تشيخوف في أعماق الإنسان البسيط (الموظف المقهور، الفلاح المستسلم)، كَيْ يُعَرِّيَ آليَّات الانسحاق النَّفْسي، والخوف المُزمن مِن السُّلطة، أمَّا يوسف إدريس فهو يَقْتنص " الغلابة" من قاع المجتمع المِصري، ليعيد إلَيهم كرامتهم المنهوبة عبر لغة نابضة بالحياة، تلتقط لحظات التمرد الكامنة خلف الاستسلام الظاهري.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي والتناص الديني

المقدمة: تأتي قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نورعلي في سياق السنوات الأولى التي أعقبت احتلال العراق عام 2003، وهي مرحلة اتّسمت بانهيار البنى السياسية والاجتماعية وتحول الحياة اليومية إلى فضاء من الفوضى والتهديد. في هذا المناخ، لا يكتفي الشاعر بتسجيل الحدث، بل يعيد صياغته عبر لغة رمزية كثيفة تستثمر الأسطورة والحكاية الشعبية والدين والتاريخ، منتِجةً نصّاً يتجاوز حدود اللحظة السياسية إلى أفق تأويلي أوسع، حيث يتقاطع الرمز مع الذاكرة والجرح مع الهوية.

يؤسّس عنوان القصيدة «ليلى والذئب» لبنية رمزية كبرى تقوم على ثنائية الضحية/المفترس؛ فليلى تتحوّل إلى صورة العراق–الأنثى الجريحة الباحثة عن نور، بينما يتجسّد الذئب بوصفه قناعاً للاحتلال وقوى الفوضى. ومن خلال هذه الثنائية، ينفتح النص على فضاء دلالي تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، ويتحوّل الحدث السياسي إلى سردية رمزية قابلة للقراءة البنيوية–السيميائية.

تتشكّل القصيدة من شبكة من العلامات: الغابة، الليل، الكوخ، النهر، النورس، الصليب، بيلاطس، الملك المهووس، الأباتشي… وكلها لا تعمل كصور جمالية فحسب، بل كعناصر في بنية رمزية تعيد تشكيل التجربة العراقية في ضوء الاحتلال وانهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء مظلم. هنا تبرز أهمية القراءة السياسية في تتبّع تمثيلات الاحتلال والطغيان الجديد.

بالتوازي، ينهض النص على بعد نفسي واضح يتجلّى في صور الخوف، والتيه، والظل، والنزيف، بما يعكس الصدمة الجماعية للفرد العراقي. فليلى ليست رمزاً سياسياً فقط، بل ذات مجروحة، وقيس يتجاوز صورة العاشق التراثي ليغدو ضميراً معذّباً يراقب الخراب بلا قدرة على الفعل، الأمر الذي يستدعي توظيف أدوات التحليل النفسي.

إن تداخل البنية الرمزية مع السياق السياسي والبعد النفسي يجعل من «ليلى والذئب» نصاً متعدّد الطبقات، لا تُجديه مقاربة أحادية المنهج، بل يحتاج إلى قراءة تكاملية تجمع بين التحليل البنيوي–السيميائي من جهة، والتحليل السياسي–النفسي من جهة أخرى. ومن خلال هذه المقاربة، تتبدّى القصيدة كتراجيديا عراقية مكتوبة بلغة أسطورية، تُعيد صياغة الجرح الوطني في بنية شعرية تحفظ الذاكرة وتفتح أفق التأويل.

تحليل العنوان: «ليلى والذئب»

يحمل عنوان القصيدة «ليلى والذئب» بنية لغوية بسيطة تقوم على اسم علم مؤنث «ليلى» معطوفاً عليها «الذئب»، لكنه يخفي وراء هذا التركيب الموجز تعقيداً دلالياً واضحاً؛ فالعطف هنا لا يجمع بين متكافئين، بل يضع كيانين متضادين في علاقة سردية وصراعية: ضحية في مواجهة مفترس، أنثى إزاء وحش، براءة إزاء افتراس. ومنذ اللحظة الأولى، يستدعي العنوان طبقتين من المخيال: حكاية الفتاة والذئب في الذاكرة الحكائية العالمية (الطفلة البريئة في الغابة والذئب المتربّص)، ثم المخيال العربي الذي يجعل من «ليلى» –ليلى العامرية تحديداً– رمزاً للأنثى–المعشوقة، وللعشق المستحيل الذي كثيراً ما يُقرأ رمزاً للوطن والحلم. بهذا التراكب بين حكاية الطفلة والذئب وأسطورة قيس وليلى، يكتسب العنوان كثافة إيحائية قبل الدخول إلى النص.

في ضوء زمن الكتابة وسياقها (ما بعد احتلال العراق 2003)، يتحوّل هذا التركيب البسيط إلى استعارة كبرى: «ليلى» تصبح قناعاً للعراق بوصفه أنثى/أرضاً مخطوفة ومهدَّدة ومحاطة بـ«غابة» من القوى الإقليمية والدولية، لها تاريخ وحضارة لكنها تُعامَل كضحية، فيما يُجسِّد «الذئب» قوة الاحتلال: جيشاً مفترساً، حضورُه عواءٌ ليليّ وقوّة عمياء لا تستند إلى شرعية أخلاقية. العطف في «ليلى والذئب» هنا ليس عطف مساواة، بل عطف تضاد وتوتّر، يرسم منذ العنوان مشهداً أساسياً: ذات أنثوية هشّة في مواجهة مباشرة مع قوّة افتراس، من غير أن يحضر «الراعي» أو «المنقذ»، ما يجعل النص كله تطوّراً لحكاية صراع بين ضحية ووحش يعاد فيها توزيع الأدوار على رموز سياسية وتاريخية محددة.

بهذا المعنى، يقوم العنوان بوظيفتين متداخلتين: جمالية وإيديولوجية. فهو جمالياً يستثمر مخزوناً حكائياً مشتركاً يسهل به دخول القارئ إلى النص عبر باب مألوف، ثم يقلب توقّعاته، إذ يتبيّن أن الذئب ليس حيواناً في الغابة بل قناع لاحتلال معاصر، وأن ليلى ليست فتاة ساذجة بل وطناً معقّداً. وهو إيديولوجياً ينقل الخطاب من مستوى القول السياسي المباشر إلى مستوى التمثيل الرمزي، فيحوّل الاحتلال إلى «ذئب» والوطن إلى «ليلى»، ويحمّل المتلقي مسؤولية تأويل هذه المعادلة أخلاقياً وسياسياً، بحيث يُرى الاحتلال لا كحدث عسكري فحسب، بل كفعل افتراس لبراءة/أرض/أنثى، أي كجريمة إنسانية شاملة. هكذا ينهض العنوان بوظيفة «العقدة المكثفة» للنص: يلمّح إلى الشخصيات، وإلى طبيعة الصراع، وإلى الخلفية السياسية–الأسطورية للقصيدة، ويضع القارئ منذ البدء داخل أفق قراءة رمزية لواقعة 2003، من غير أن يصرّح باسم العراق أو الاحتلال تصريحاً مباشراً.

تحليل الابيات

البداية المظلمة: انطفاء النجم واستنفار الغابة وبداية مأساة ليلى

 خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ

واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ

تدعو للرَّحيلْ

فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ

وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً

ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ

تشكّل هذه الأسطر افتتاحية كثيفة الرموز، ترسم المناخ العام للقصيدة عبر مزج الصورة الكونية بالحدث التاريخي–السياسي. يبدأ الشاعر بقوله: «خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ»، فيقدّم لحظة انطفاء دلالية: خفوت النجمة لا يعني مجرّد اختفاء ضوءٍ فيزيائي، بل انطفاء رمز الهداية والأمل في لحظةٍ يتصاعد فيها «عواء الذئب»، أي حضور قوّة مفترسة عمياء، يمكن قراءتها في سياق القصيدة كقناع للاحتلال الذي جاء ليملأ فضاء الليل/الوطن بالصوت العنيف بدل النور الهادي. بهذا التقابل بين «النجمة» و«عواء الذئب» يتأسّس محور ثنائي: أملٌ يختفي في اللحظة نفسها التي يتكثّف فيها الخطر.

في السطر التالي: «واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ»، تتحوّل «الغابة» إلى فضاء رمزي واسع يضمّ العالم/المحيط/النظام الدولي، أو البيئة السياسية الملتبسة التي تتحرّك فيها القوى المتنازعة. فعل «استنفرت» يحمل دلالة التعبئة والاستدعاء القسري، فليلى (العراق) لا تدخل المشهد طواعية، بل تُستدعى إلى مسرح الكارثة، في حين أن «ثياب الريح» تكشف عن حالة هشاشة وعراء؛ فهي ليست ثياب حماية، بل ثياب انكشاف، ما يضاعف شعور الضحية بالعجز أمام القوى التي تستنفرها وتدفعها إلى مواجهة المصير.

يتعزّز هذا المعنى في قوله: «تدعو للرَّحيلْ / فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ»، إذ تُدفَع ليلى –بوصفها ذاتاً جمعية/وطنية– إلى نوع من الرحيل أو الفكاك، لكن هذا الرحيل ليس فوق أرض صلبة، بل فوق «بحر الحب والخبز»؛ أي فوق الحاجات الإنسانية الأساسية: العاطفة والعيش اليومي. البحر هنا ليس فقط فضاء اتساع، بل أيضاً فضاء اللاستقرار، ما يوحي بأن أبسط مقوّمات الحياة (الحب، الخبز) قد تحوّلت إلى سطحٍ مائع لا يمكن الاتكاء عليه، وأنّ الرحيل ذاته يجري فوق ما كان ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة، فإذا به يتحوّل إلى عنصر قلق واضطراب.

ويبلغ التوتّر ذروته في صورة «وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً / ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ». فـ«الشوق» هنا ليس حنيناً فردياً، بل حنينٌ جمعي لوطنٍ مستقرّ أو ماضٍ أقلّ قسوة. غير أنّ هذا الشوق يُصدم ويُصدَع؛ أي يُشقّ ويُفَتّت تحت وطأة «أقراص الصهيل». إنّ ربط الصهيل بـ«الأقراص» يحوّل صوت الخيل (ومن ورائها الآلة العسكرية والدبابات والمركبات المدرّعة) إلى ضربات معدنية متتالية، تشبه الأقراص الصلبة الثقيلة التي تهوي على رأس الشوق، فتشوّش عليه وتمنعه من أن يتبلور في أفق أمل. هكذا تتداخل لغة الحصان (الصهيل) بلغة الحرب الحديثة، فيتحوّل الحنين إلى ضحية مباشرة للآلة العسكرية، ويصبح صوت الشوق خافتاً، مكسوراً، داخل ضجيج الحرب.

بهذا الترابط بين خفوت النجمة، واستنفار الغابة، ورحيل ليلى فوق بحر مضطرب من «الحب والخبز»، ثم تكسّر صوت الشوق تحت ضربات الصهيل، يقدّم الشاعر لوحة افتتاحية متماسكة ترمز إلى لحظة دخول الاحتلال: لحظة ينطفئ فيها الأفق، تُستدعى فيها الضحية إلى مسرح العنف، يُقوَّض فيها أساس العيش الإنساني، ويُسحق فيها الحنين تحت وطأة الجيوش المتقدّمة.

بين جدار الليل وكوّة الكوخ: جدلية العتمة والأمل في مصير ليلى

في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ

ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً

طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ

في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ

بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ

وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ

يواصل الشاعر في هذه الأبيات بناء المشهد الكابوسي عبر صورة مكثّفة: «في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ». فالليل هنا ليس زمناً فحسب، بل يتحوّل إلى «جدار»، أي إلى حاجز كثيف يُغلِق الأفق ويمنع الرؤية، فيما يصدر من داخله «صراخ الغابة العمياء»؛ والغابة العمياء توحي بعالمٍ مفعم بالفوضى والخوف، يتحرّك ويصرخ دون بصيرة أو اتجاه، في إحالة إلى واقعٍ سياسي/إنساني يتخبّط في الظلام. في قلب هذا المشهد، تظهر ليلى بوصفها ذاتاً متلهّفة على الخلاص: «ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً / طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ». لا تبحث ليلى عن انفجار ضوءٍ كاسح، بل عن شعاع متواضع يخرج من «كوّة» في «كوخ بعيد»؛ ما يعني أنّ الأمل هنا محدود، وواهن، لكنه مع ذلك باقٍ، ومتموضع في صورة بيت صغير، هامشي، بعيد عن مركز السلطة والخراب. هذا التصغير المتعمّد للأمل (كوّة/كوخ/بعيد) يضاعف من دلالته: فالخلاص محتمل، لكنه ليس قريباً ولا ميسوراً.

ويزيد الشاعر من تعقيد الصورة في قوله: «في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ / بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ / وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ». فعبارة «النهايات التي تمتد» تحمل مفارقة دلالية: النهاية حدّ وانقطاع، لكنها هنا «تمتد»، أي تتحوّل إلى أفق طويل من الاحتضار، إلى زمنٍ ممدود من اللاخاتمة. هذا الامتداد يجري «بين الشجر الملتف بالصخر»، حيث تتداخل عناصر الحياة (الشجر) بعناصر القسوة والجمود (الصخر)، بما يصوّر وجوداً محاصَراً: حياة محاطة بكتل صلبة خانقة. أما «السيقان في قاع البحيرة» فيمكن قراءتها بوصفها جذوراً أو أجساداً غارقة، ما يعمّق الإحساس بالاختناق والغرق؛ فثمة قاع مائي يبتلع السيقان/الكائنات، ويحوّل الحركة إلى سكون ثقيل. بهذه البنية المتشابكة –جدار الليل، صراخ الغابة العمياء، كوّة الكوخ البعيد، النهايات الممدودة، الشجر المختنق بالصخر، والسيقان الغارقة– يرسم الشاعر مساراً درامياً لمصير ليلى/العراق: من عتمة مطبقة وصراخ بلا جدوى، إلى أمل ضئيل بعيد، محاط في الآن نفسه بظروف خانقة تجعل اقتراب ذلك الأمل مهمة شبه مستحيلة، من دون أن تلغيه تماماً من أفق التخييل.

ليلى في مرمى العيون وقيس في هامش الحرب: العشق شاهداً على الخراب

هذهِ ليلى تدورْ

بينَ أحداقِ الشَّجرْ،

قيسُ لا ينظرُ مِنْ فوَّهةِ السَّهمِ،

ولكنْ مِنْ زوايا الْعينِ في قافيةِ الْعشقِ

وأصداءِ الْحروفْ.

في هذه الأبيات يقدّم الشاعر مشهداً دلالياً مضاعفاً؛ فـ«هذه ليلى تدور بين أحداق الشجر» ترسم أولاً صورة كائنٍ تائه، يتحرك في دائرة مغلقة، لا يستقرّ على اتجاه. غير أنّ الشجر هنا ليس عنصراً طبيعياً محايداً، بل يُمنح «أحداقاً»؛ أي يتحوّل إلى عيون، إلى شبكات مراقبة ومحاصرة، وكأن ليلى–بوصفها رمزاً للعراق/الضحية– محاصَرة بنظرات الطبيعة/العالم/القوى المحيطة، تُراقَب أكثر مما تُنصَر، وتُشاهَد أكثر مما تُحمى. في المقابل، يحضر قيس بوصفه العاشق التاريخي، لكنه لا يأتي من «فوهة السهم»، أي لا ينظر بعين المقاتل أو من منظار السلاح، فلا يشارك في منطق العنف، بل «من زوايا العين في قافية العشق وأصداء الحروف»؛ أي من هامشٍ إنساني–جمالي يقع خارج مركز الفعل العسكري. هذا التموضع يحمّله وظيفة الشاهد المحبّ: فهو يرى من موقع العاطفة واللغة، من حافة القصيدة لا من فوهة البندقية، فيتحوّل إلى رمز للمثقف/الشاعر/العاشق الذي لا يملك سوى «قافية العشق» و«أصداء الحروف» لمواجهة مأساة ليلى. هكذا ينشأ تضاد لافت: ليلى في قلب دائرة الرصد والخطر، وقيس في هامش المشهد، أسلحته الكلام والحب لا السهام، بما يشي بإدانة ضمنية لعجز العشق والكتابة أمام واقع الاحتلال، مع الإبقاء عليهما مع ذلك كآخر أشكال المقاومة الرمزية الممكنة.

 «من قلب ليلى إلى منفى النورس: تحوّل الوطن إلى ظلّ ومصير إلى منفى

لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ

في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ

والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ

والنِّهرِ الَّذي يجري بغيرِ الزَّورقِ الْأبيضِ وسْطَ الْموجِ

والنَّورسُ قد هاجرَ في الْحُلْم صدىً

خلفَ بقاعِ الثَّلجِ مرشوقاً بأنواءِ الْمصيرْ.

يعمّق الشاعر في هذه المقاطع صورة التلاشي الداخلي لليلى/العراق عبر قوله: «لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ»، فالقلب الذي يفترض أن يكون مركز الحياة والحرارة العاطفية لم يعد يُدرَك إلا كـ«ظل» باهت، منطبِع على «ورق ذابل» مسوَّد، بما يوحي بأن حضورها الوجداني والسيادي تحوّل إلى مجرّد أثر باهت في وثائق وخطابات وتواريخ منهكة. ويتّخذ هذا الفقد بعداً مكانياً واضحاً في قوله: «في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ / والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ»، إذ ينتقل الشاعر من الغابة والكوخ إلى مشهد حضري صلد: إسفلت، شارع مظلم، انحدار نحو «الجسر»، كأن الوجود كله يسير نحو نقطة عبور حاسمة لا يُعرَف ما بعدها. غير أنّ النهر الذي يفترض أن يكون معبراً إلى الضفة الأخرى من الخلاص «يجري بغيرِ الزَّورقِ الأبیضِ وسط الموج»، فيغيب رمز العبور الآمن (الزورق الأبيض: السلام، البراءة، النجاة)، ويظلّ النهر فيضاً جارياً بلا وسيلة إنقاذ، ما يعمّق الشعور بالانحباس في الضفة المعتمة. وتبلغ الصورة ذروتها الرمزية باستحضار «النَّورس» الذي «قد هاجرَ في الحلم صدىً / خلف بقاع الثلج مرشوقاً بأنواء المصير»؛ فالنورس –طائر الساحل والحرية والحركة– لم يعد كائناً حياً في فضاء الوطن، بل تحوّل إلى «صدى» بعيد لا يتحقق إلا في الحلم، ثم يُقذَف إلى «بقاع الثلج» البعيدة الباردة، حيث يُرمى «بأنواء المصير»؛ أي تتكفّل به عواصف القدر في منفى قاسٍ. بذلك تتضافر عناصر الصورة كلها لتأكيد فكرة مركزية: قلب ليلى في الداخل لم يبقَ منه إلا ظلّ على ورق ميت، والنهر والجسر لم يعودا طريق نجاة، والنورس رمز الحرية لم يجد مكانه إلا في منفى ثلجي بعيد، فيتحوّل الوطن والإنسان معاً إلى ظلال مكسورة بين شارعٍ مظلم ونهر بلا زورق ومصير منفيّ خارج الجغرافيا والدفء.

ليلى والذئب بين جوع الأرض وذبح القطيع: تفكيك معادلة الراعي الغائب

هذه ليلى، وهذا الذِّئبُ،

في قصةِ جوعِ الْأرضِ للرَّاعي

قطيعاً منْ شياهٍ

في انتظارِ الذَّبحِ بالسَّيفِ..

لساناً ورقابا....

في هذه الأسطر يحسم الشاعر المعادلة الرمزية التي مهّد لها منذ البداية: «هذه ليلى، وهذا الذئب»، فيسمّي الطرفين تسمية مباشرة، مثبتاً ثنائية الضحية/المفترس في صورتها العارية، ومنقلاً الحكاية من مستوى الإيحاء إلى مستوى التصريح. غير أنّ المفارقة الأعمق تظهر في قوله: «في قصةِ جوعِ الأرضِ للرَّاعي»، فالأرض –التي يُفترَض أن تكون موضوع رعاية– تُنسب إليها حالة «الجوع للراعي»، أي جوعٌ إلى قيادة عادلة، وحماية، ونظام يرعى القطيع. غير أنّ هذا الجوع نفسه ينفتح على كارثة: حين تغيب صورة الراعي الحقيقي، تتقدّم صورة الذئب ليملأ الفراغ؛ فيتحوّل احتياج الأرض للراعي إلى فرصةٍ سانحة لافتراسها.

في هذا السياق يَرِد تركيب «قطيعاً من شياهٍ / في انتظارِ الذبحِ بالسيف»، حيث تُختَزل الجماعة/الشعب في صورة قطيع مستسلم، لا يملك من أمره شيئاً، ينتظر الذبح بوصفه قدراً محتوماً. وتأتي إضافة «لساناً ورقابا» لتوسّع معنى الذبح من بعده الجسدي إلى بعدٍ رمزي أشمل: فالذبح يصيب «الرقاب» (الحياة، الجسد، الوجود الفيزيقي) و«اللسان» (الهوية، اللغة، الخطاب، القدرة على الشهادة والاحتجاج). بهذا لا يعود العنف مقتصراً على القتل المادي، بل يشمل أيضاً إسكات الصوت ومحو الذات الثقافية.

تتكوّن لدينا، من خلال هذا المقطع القصير، بنية دلالية مركّبة:

أرض جائعة لراعٍ غائب، وقطيع بلا حماية، وذئب يملأ فراغ السلطة، وذبح يطال الجسد واللغة معاً.

وبذلك يتجاوز الشاعر سرد حكاية «ليلى والذئب» بوصفها مواجهة فردية، ليقدّمها كقصة انهيارٍ شامل لمنظومة الرعاية والعدل، وكمجازٍ عن واقعٍ سياسي تتحوّل فيه الشعوب إلى قطعان معطّلة الإرادة، في ظلّ أرضٍ تستدعي من يرعاها، فلا يأتيها إلا الذئب.

قيس في سعير الكوخ وذبح الورد: احتراق العشق تحت طائرات الأباتشي

آهِ، يا ليلى،

هوَ الْعاشقُ قيسٌ يتلوَّى

منْ سعيرِ الْكوخِ في هاويةِ الْعشقِ

وفي أطرافها عَظْمُ الْحمامْ

ريشةٌ تسقطُ في الشَّوقِ نزيفاً

مِنْ ضلوعِ الْوردِ لمْ يُهدَ،

ولكنْ ذُبِحَتْ أغصانُهُ،

قُطِّعتْ أوصالُهُ،

بينَ دروبِ الْغابةِ الْمفتوحةِ الْأشداقِ والْأحداقِ

في سِرْبِ الأپاتشي....

يفتتح الشاعر هذا المقطع بالنداء: «آهِ، يا ليلى»، ليؤطّر ما يليه في خطاب رثائي مباشر للأنثى–الوطن، قبل أن يقدّم صورة قيس: «هو العاشق قيسٌ يتلوّى / من سعير الكوخ في هاوية العشق». لم يعد قيس عاشقَ البادية الرومانسي، بل كائناً يحترق «من سعير الكوخ»، أي من نارٍ مشتعلة في فضاء السكن البسيط، الكوخ–البيت الشعبي، في إشارة إلى أن العشق نفسه بات يتموضع في «هاوية»؛ فالحب هنا ليس خلاصاً بل سقوطاً معذِّباً. وتتجسّد فظاعة هذه الهاوية في أطرافها حيث «عظم الحمام»؛ فالحمام، رمز السلام والبراءة، لم يبقَ منه سوى العظم، أي أن السلام كقيمة ووجود قد قُتل، ولم يبقَ إلا هيكله. ويستكمل الشاعر هذا الخط التصويري بصورٍ متلاحقة: «ريشةٌ تسقط في الشوق نزيفاً»؛ فالريشة –التي يمكن أن تُقرأ كريش حمام أو كقلم كتابة– لا تسقط سقوطاً عادياً، بل «نزيفاً»، فيرسم بذلك تماهياً بين الدم والحبر والحنين، كأن الشوق نفسه جرح نازف. وهذه الريشة النازفة «من ضلوع الورد لم يُهدَ» تشير إلى وردةٍ كان يفترض أن تُهدى في سياق حب وسلام، لكنها لم تُمنَح لأحد؛ إذ لم يتح للحياة أن تأخذ مسارها الطبيعي، بل إن «أغصانه ذُبحت، قُطّعت أوصاله»، فيتكرّس ذبح الجمال والنعومة والوداعة في صلب المشهد.

هكذا ينتقل العنف من ذبح القطيع سابقاً إلى ذبح الورد نفسه هنا، بما يحوّل الطبيعة الرقيقة إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب. ويُكمِل الشاعر بناء المشهد الكابوسي بقوله: «بين دروب الغابة المفتوحة الأشداق والأحداق / في سرب الأپاتشي»، حيث تعود «الغابة» كفضاء رمزي، لكنها الآن «مفتوحة الأشداق والأحداق»: أفواه وحشية فاغرة وعيون متربصة، في إحالة إلى عالمٍ/نظام دولي/محيط يراقب ويفترس في آن واحد. وتتوجّ هذه الصورة بذكرٍ صريح لـ«سرب الأباتشي»، فيخرج النص من حقل الرموز المجازية الخالصة إلى التسمية المباشرة لآلة الحرب الأميركية. بذلك يتجاور قيس العاشق المحترق في كوخه، والحمام المكسور، والورد المذبوح، مع طائرات الأباتشي في مشهدٍ واحد؛ فيغدو العشق والثقافة والجمال كلّها مكوّنات تحترق تحت واقعٍ عسكري عنيف، وتتحوّل «هاوية العشق» إلى استعارة شاملة لسقوط الإنسان–العاشق في زمن الاحتلال، حيث لا مكان للحمام والورد والكوخ الآمن أمام جبروت «سرب الأباتشي» و«الغابة المفتوحة الأشداق.

 راقصة المعبد والملك المهووس وبيلاطس: مسرح الدم و تبرؤ السلطة من الجريمة

هذهِ ليلتُها راقصةُ الْمعبدِ،

هذا الْملكُ الْمهووسُ يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً

من دم المسفوحِ فوق الخشبهْ،

ولسانُ الذَّبحِ ممدودٌ الى أيدي السَّرايا النَّائمهْ

وبيلاطسْ،

ذلك الْهاربُ منْ ذَنْبِ الصَّليبْ

غاسلاً وجهَ يديهِ، صارخاً:

إني بريءٌ من دمِ الْقدِّيس هذا،

فخذوهْ،

وانظروا فيهِ،

ويبقى صامتاً،

يرقبُ فوقَ الْعرشِ تاريخَ الصَّليبْ.

 في هذا المقطع ينقل الشاعر المشهد من غابة الحرب وأطراف الكوخ إلى فضاء طقسي–مسرحي كثيف الرموز: «هذه ليلتُها راقصةُ المعبدِ». تُقدَّم ليلى هنا في هيئة «راقصة المعبد»؛ أنثى تُستَخدم في طقس يبدو مقدساً، لكنه في العمق طقس استغلال وعرض. فالمعبد، بوصفه مكاناً للقداسة، يتحول إلى مسرح، والراقصة إلى جسدٍ يُستثمر ضمن طقس دموي، في إحالة إلى استغلال الوطن/العراق في طقوس سياسية–إعلامية تبريرية تُدار فوق دم الضحية.

في مواجهة هذه الراقصة يظهر «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً من دمٍ مسفوحٍ فوق الخشبة». الملك هنا رمز للسلطة المطلقة، المحلية أو الكونية، التي تتصرّف بهوس وتموضع الحرب في هيئة طقس شرب للدم؛ فالأرض تُسقى دماً كما لو كان نبيذاً، و«الخشبة» تتحول إلى منصة للذبيحة: خشبة مسرح، أو منصة إعدام، أو امتداد لصورة الصليب اللاحقة. هكذا تتخذ الحرب شكل «مسرح مقدس زائف» تُدار فيه طقوس التضحية بالبشر على يد ملك مأخوذ بجنون السلطة.

ويزيد الشاعر وضوح البعد الدموي بقوله: «ولسانُ الذبحِ ممدودٌ إلى أيدي السرايا النائمة». فـ«لسان الذبح» هو حدّ السكين وأداة القتل، وهو هنا ممدود إلى أيدٍ ليست بريئة من الدم؛ إذ تحيل «السرايا النائمة» في سياق ما بعد 2003 إلى الخلايا والتنظيمات المسلحة ذات الطابع الأصولي، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة والجماعات المشابهة التي مارست التفجيرات والذبح والقتل الطائفي داخل المشهد العراقي. وبهذا يوسّع الشاعر دائرة المسؤولية؛ فالدم ليس نتاج الملك المهووس وحده، بل تشارك فيه تلك السرايا التي انتقلت من «النوم» إلى ممارسة العنف الأعمى، فالتقطت «لسان الذبح» وأسهمت في تعميق المأساة وتمزيق النسيج الاجتماعي.

عند هذه النقطة يدخل «بيلاطس» إلى المشهد بوصفه رمزاً تاريخياً–دينياً: «ذلك الهارب من ذنب الصليب، غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا، فخذوه، وانظروا فيه». يستدعي الشاعر شخصية بيلاطس البنطي الذي، في الرواية المسيحية، غسل يديه معلناً براءته من دم المسيح. غير أن القصيدة تعرّي هذه البراءة؛ فبيلاطس «هارب من ذنب الصليب»، أي شريك ضمني في الجريمة، يختبئ خلف طقس غسل اليدين والعبارة القانونية–الخطابية. يُسقِط الشاعر هذا النموذج على الواقع السياسي المعاصر، حيث تتنصّل قوى كبرى من مسؤوليتها عن الدماء المسفوكة عبر خطاب قانوني/أخلاقي يسلّم الضحية للجلادين («فخذوه، وانظروا فيه») ثم يتراجع إلى موقع المتفرج.

ويُختَم المشهد بقول الشاعر: «ويبقى صامتاً، يرقبُ فوق العرش تاريخَ الصليب». فـ«بيلاطس» المعاصر، أي سلطة القرار العالمية، يجلس فوق العرش في موقع السيادة، لا يفعل سوى أن يراقب تكرار تاريخ الصلب، أي إعادة إنتاج مشاهد الذبح والتضحية بالشعوب والأبرياء، بصمت ثقيل. هكذا يتشكّل مشهد ثلاثي الطبقات:

- ليلى/راقصة المعبد: الضحية المستثمَرة في طقس الدم،

- الملك المهووس والسرايا النائمة: سلطة قمعية وسرايا مسلحة تشارك بالفعل أو بالصمت في إنتاج المذبحة،

- وبيلاطس: نموذج التبرؤ الكاذب من الدم، يراقب من عرشه «تاريخ الصليب» وهو يتكرر.

بهذا تتحول الحرب على العراق، في هذا المقطع، إلى «مسرح لاهوت سياسي» مقلوب: معبد وراقصة وملك وسرايا وبيلاطس جديد يرفع شعار البراءة، فيما تُدار أمامه أعنف طقوس الذبح والتضحية

من ليلى إلى (أنتم جميعاً): مساءلة الجماعة في ليل الصلب والعويل والدخان

هذهِ ليلتُكم، أنتمْ جميعاً،

فوق صُلبانِ الرَّحيلْ،

ايُّها الرَّكبُ الْموالي لظلامِ الْكأسِ والْموجةِ

والْعاصفةِ الرَّعناءِ، والْعشق الْحرامْ.

هذه ليلتُكمْ،

في الْغابةِ المُختلَّةِ الْأرجاءِ بالرُّعبِ،

وأقدامِ الظَّلامْ،

ودروبِ الْأُفعوانْ...

هذهِ ليلتكُم..

فيضُ عويلٍ مِنْ سراديبِ الْمَلِكْ

والدَّهاليزِ الْعميقهْ

في مزاميرِ الدُّخانْ....

في هذا المقطع ينتقل الشاعر انتقالة حاسمة من خطاب الضحية المفردة (ليلى) إلى خطابٍ جمعي يتوجّه إلى «أنتم جميعاً»، فيقول: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». لم تعد الليلة ليلة ليلى فقط، بل باتت ليلة الكل: الجلّاد والضحية، المتفرّج والمتواطئ، الساكت والمشارك. تعبير «فوق صلبان الرحيل» يقدّم الرحيل –الهجرة، النزوح، الفقدان– لا كخيار حرّ، بل كنوعٍ من الصلب الوجودي؛ فالإنسان المقهور مصلوبٌ على صليب الغربة والاقتلاع، وكأن الرحيل نفسه عقوبة وجلد. ويتوجّه الشاعر مباشرة إلى «الرَّكبِ الْموالي لظلام الكأس والموجة والعاصفة الرعناء والعشق الحرام»، فيدين منظومة كاملة من القيم والسلوكيات:

«ظلام الكأس» يحيل إلى سُكرٍ/لاوعي سياسي وأخلاقي، «و الموجة» إلى الانقياد الأعمى للتيارات الإعلامية/السياسية،

«والعاصفة الرعناء» إلى الحروب والقرارات المتهوّرة، «والعشق الحرام» إلى التحالفات والمصالح غير المشروعة.

بهذا يكون الخطاب موجَّهاً إلى قوى وأنظمة وجماهير اختارت الاصطفاف مع العتمة، أو انجرفت معها، فيُحمِّلها الشاعر نصيبها من المسؤولية عن الكارثة.

ويعمّق الشاعر هذا الاتهام حين يعلن مجدّداً: «هذه ليلتكم»، ثم يرسم فضاءها: «في الغابة المختلة الأرجاء بالرعب، وأقدام الظلام، ودروب الأفعوان». الغابة هنا تعود رمزاً للعالم/النظام الدولي، لكنها «مختلّة الأرجاء»؛ أي فقدت توازنها وغاياتها، وصارت مُفكَّكة، تسيطر عليها «أقدام الظلام»؛ فالظلام لم يعد حالة سكونية، بل قوة تمشي وتغزو وتطأ. أما «دروب الأفعوان» فتوحي بطرق متعرّجة، خادعة، مملوءة بالسمّ، في إحالة إلى سياسات ملتوِية، ومؤامرات، وتحالفات سريّة تحكم حركة هذا «الركب» في ليله. ويصل المقطع إلى ذروته في الخاتمة: «هذه ليلتكم.. فيض عويلٍ من سراديب الملك، والدهاليز العميقة، في مزامير الدخان». فالعويل هنا لا يأتي من الشوارع فقط، بل من «سراديب الملك» و«الدهاليز العميقة»: أقبية السلطة، غرف القرار، المخابئ المحصّنة؛ أي من قلب البنى الحاكمة ذاتها. و«مزامير الدخان» عبارة كثيفة تربط بين «المزامير» (أناشيد، تراتيل، نصوص مقدّسة أو خطابية) و«الدخان» (النار، الحرب، الإخفاء، الغموض)، لتشير إلى أن الخطابات التي تُنتَج من تلك الدهاليز –سواء كانت خطاباً دينياً أو سياسياً أو إعلامياً– ليست سوى تراتيل مغطاة بالدخان، تبرّر الخراب وتؤدلجه وتغطي على صوته الحقيقي، الذي يبقى «فيض عويل». بهذه البنية المتماسكة، يغلق الشاعر القصيدة بإعادة توزيع المسؤولية: لم يعد الليل ليل ليلى وحدها، بل ليل الجميع، حيث تتجاور صلبان الرحيل، وغابة الرعب، ودروب الأفعوان، وعويل السراديب، ومزامير الدخان؛ فيتحوّل النص كله إلى شهادة إدانة لزمنٍ كامل، لا لحدث احتلالٍ منفرد فقط.

 البنية الرمزية والتناص الديني–السياسي في قصيدة «ليلى والذئب»

 نهض قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نور علي على بنية رمزية كثيفة تستثمر الحكاية الشعبية، والأسطورة، والدين، والتاريخ، في إعادة تمثيل اللحظة العراقية بعد احتلال 2003. فالقصيدة لا تتعامل مع الحدث السياسي بوصفه واقعة مباشرة، بل تعيد صياغته في صورة نظام علاماتي تتجاور فيه الشخصيات والأمكنة والحركة والظلال لتنتج «أسطورة عراقية» جديدة. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تستند إلى البعد البنيوي–السيميائي في تحليل اشتغال الرمز، وإلى البعد السياسي–النفسي في إضاءة الخلفية التاريخية والجرح الجمعي الذي يقوم عليه النص.

يبدأ النص بعنوانه «ليلى والذئب»، وهو عنوان يقوم على قناع رمزي مزدوج؛ فـ«ليلى» لا تُستحضَر بوصفها شخصية تراثية بريئة فحسب، بل بوصفها صورة للعراق–الأنثى، الجريحة، المطاردة، الباحثة عن نور بعيد. و«الذئب» لا يُقرأ باعتباره حيواناً مفترساً، بل قناعاً لقوّة الاحتلال وقوى الفوضى التي اجتاحت البلاد. وبهذا التأسيس، يُدخل العنوان القارئ مباشرة في ثنائية مركزية هي ثنائية الضحية/المفترس، وهي ثنائية تتكرر على امتداد القصيدة وتشكّل محوراً بنيوياً يمكن تتبّعه عبر المستويات المختلفة للنص.

منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، تتكرّس لحظة الانهيار: انطفاء الضوء وعلوّ صوت المفترس. النجمة علامة الأمل، و«عواء الذئب» علامة الخراب القادم. هذا التوتر بين الضوء والعواء يفتح النص على فضاء رمزي تتداخل فيه الطبيعة مع السياسة، ويتحوّل الليل إلى بنية دلالية تمثل الفوضى والاحتلال. في هذا السياق، تغدو «الغابة» في الأبيات اللاحقة رمزاً لـ«فضاء سياسي مختلّ»، حيث تُستنفَر ليلى «في ثياب الريح»؛ أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إحالة إلى انهيار اليومي وتصدّع البنية المعيشية في مواجهة آلة الحرب.

يتعمّق البناء الرمزي بحضور شخصية قيس، العاشق الذي «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس هنا لا يعود مجرّد عاشق تراثي، بل يتشكّل رمزاً للمثقف/الشاعر العراقي الذي يرى الخراب ولا يملك سوى اللغة أداةً للمواجهة. إنّه شاهدٌ عاجز، يراقب ليلى وهي تتحوّل إلى «ظلّ في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل. هذا الانتقال من الجسد إلى الظل، ومن الحضور الحيّ إلى «الورق الذابل»، يكشف البعد النفسي للنص، حيث تتجسّد الصدمة الجماعية في صور الانطفاء والذبول والتلاشي.

وتتسع الدلالة حين ينتقل النص إلى فضاء المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه الصور لا تُقرأ بوصفها وصفاً طبيعياً، بل بوصفها علامات سياسية تشير إلى مدينة فقدت أمنها، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ غادر فضاء الوطن. في هذا المستوى يتجلّى بوضوح عمل القراءة السيميائية في ربط العلامة بسياقها التاريخي والسياسي.

في المقطع الذي يقول فيه الشاعر: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي»، تتبلور البنية السياسية للقصيدة بأقصى درجات وضوحها. فـ«جوع الأرض للراعي» يشي بعراقٍ بلا قيادة حقيقية، وبلا حماية، وبشعبٍ يُختزَل في صورة «قطيع في انتظار الذبح». والذبح هنا لا يُفهم كاستعارة بعيدة، بل كإحالة مباشرة إلى العنف المنفلت الذي اجتاح البلاد بعد الاحتلال. وتأتي صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من الدم» لتؤكد هذا المعنى، حيث يتحوّل الحاكم إلى رمز للطغيان الجديد، وتتحوّل الأرض إلى خشبة مسرح تُسفك عليها الدماء.

يبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء شخصية بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا». هذا التناص يفتح النص على فضاء ديني–تاريخي واسع يربط بين العراق والمسيح، وبين الاحتلال والصلب، وبين العالم وبيلاطس الذي يغسل يديه من الدم. إنه تناص يكشف تواطؤ القوى الدولية، ويحوّل العراق إلى «قدّيس» يُصلب أمام أنظار عالمٍ يكتفي بإعلان البراءة اللفظية. في هذا الموضع يتجلى بوضوح دور التناص الديني في تعميق البعد الأخلاقي–السياسي للقصيدة.

تكتمل اللوحة حين يعلن الشاعر: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». فالصلبان هنا ليست دينية خالصة، بل صلبان سياسية: صلبان المنافي، والتهجير، والرحيل القسري. وتتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» بوصفها علامات على دهاليز السياسة الجديدة التي دُفع إليها العراق بعد 2003: طرق ملتوِية، وبُنى سلطة معتمة، وخطابات تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».

بهذا تتكامل البنية الرمزية مع التناص الديني–السياسي في إنتاج نص يقوم على تراكب طبقات المعنى:

- طبقة أسطورية: (ليلى/الذئب/الغابة)،

- طبقة سياسية: (الاحتلال/الملك/الأباتشي)،

- طبقة دينية: (بيلاطس/الصلب/القديس)،

- طبقة نفسية: (الخوف/التيه/الظل/النزيف).

وتعمل هذه الطبقات مجتمعة على تحويل التجربة العراقية إلى تراجيديا كونية، تُقرأ فيها الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحيةً تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وبهذا تتجاوز القصيدة حدود اللحظة السياسية المباشرة لتغدو نصاً رمزياً مفتوحاً يشتغل على الذاكرة والجرح والهوية، ويعيد صياغة الواقع عبر لغة أسطورية مكثّفة تجعل من الشعر شهادةً على زمنٍ يتداخل فيه الدم مع الأسطورة، والليل مع التاريخ، والرمز مع الحقيقة.

قراءة بنيوية–سيميائية وسياسية–نفسية في قصيدة «ليلى والذئب »

تقدّم قصيدة «ليلى والذئب» علي بنية رمزية كثيفة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد احتلال 2003 عبر شبكة من العلامات يتداخل فيها الأسطوري بالحكائي، والديني بالتاريخي، والذاتي بالمديني، بحيث يغدو النص فضاءً دلالياً متعدّد الطبقات. ومن هنا تبرز أهمية قراءته قراءة بنيوية–سيميائية تكشف انتظام العلامات في نسيجه الداخلي، وقراءة سياسية–نفسية تضيء خلفيته التاريخية والجرح الجمعي الكامن فيه.

ينطلق النص من عنوانه «ليلى والذئب»، القائم على قناع رمزي مزدوج: فـ«ليلى» لا تُفهم هنا بوصفها شخصية بريئة فحسب، بل قناعاً للعراق–الأنثى/الأرض، الجريحة المطاردة الباحثة عن نور. و«الذئب» ليس الحيوان المفترس بل قناع الاحتلال وقوى الفوضى. هكذا يتأسس منذ العتبة الأولى محورٌ بنيوي ضديّ (ضحية/مفترس) يعمل منظِّماً دلالياً يربط بين الصور والمقاطع.

منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، يستعلن مشهدُ الانهيار: انطفاءُ الضوء وصعودُ صوت الخراب. النجمة علامة أمل، و«عواء الذئب» علامة تهديد، والليل يتحوّل إلى بنية دلالية تُمثِّل الفوضى/الاحتلال. في هذا الإطار تُستَنفَر «ليلى في ثياب الريح»، أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إشارة إلى أنّ أبسط مقوّمات الحياة (العاطفة، العيش اليومي) قد تزلزلت تحت وطأة الحرب. هنا يشتغل التحليل السيميائي على تتبُّع تحوّل عناصر الطبيعة إلى علامات سياسية.

يتعمّق البناء الرمزي بحضور قيس: «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس ليس العاشق التراثي فحسب، بل نموذج المثقف/الشاعر العراقي الذي لا يملك في مواجهة الخراب سوى اللغة، فيرى ولا يغيّر، ويشهد ولا يَفعل. تتحوّل ليلى في منظوره إلى «ظل في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل، وهو ما يفتح أفق قراءة نفسية تلاحق آثار الصدمة الجماعية في صور الذبول والانطفاء.

يتسع فضاء القصيدة بالانتقال إلى المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه ليست لوحات طبيعية بل علامات على مدينة مهدّدة، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ منفيّ. يتوازى ذلك مع التصريح بالمعادلة الرمزية: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي». الأرض الجائعة للراعي هي عراق بلا قيادة حامية، وشعبٌ «قطيع في انتظار الذبح»، بما يحيل مباشرة إلى العنف والانهيار الأمني بعد 2003.

يتبلور البعد السياسي–الأسطوري أكثر في صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من دم مسفوح فوق الخشبة»، حيث تغدو الحرب طقساً دموياً يُدار فوق خشبة مسرح/صليب، وتتحوّل الأرض إلى مسرحٍ مفتوح للذبيحة. ويبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا»، بما يربط بين مأساة العراق ومشهد صلب المسيح، ويرمز إلى القوى الدولية التي تغسل يديها من الدم وهي في قلب ماكينة القرار. هكذا يغدو العراق «قدّيساً» يُصلب أمام أعين عالم يتواطأ بالصمت أو بالتبرير.

في الخاتمة، ينقل الشاعر الخطاب من «ليلها» إلى «ليلتكم أنتم جميعاً»: «فوق صلبان الرحيل». الصلبان هنا صلبان المنفى والتهجير والاقتلاع، لا الصليب الديني وحده. تتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» علاماتٍ على دهاليز السياسة الجديدة: مسارات ملتوِية، أنظمة رعب، وخطابات (مزامير) تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».

بهذا تتكامل مستويات القراءة البنيوية–السيميائية مع الأبعاد السياسية والنفسية، لتكشف أن القصيدة لا تكتفي بوصف الحدث العراقي، بل تعيد كتابته بلغة أسطورية مكثفة تجعل من التجربة المحلية تراجيديا كونية؛ حيث تُقرأ الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحية تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وهكذا يتبدّى النص بنية رمزية مفتوحة تتجاوز لحظة 2003 لتندرج في سردية أعمق عن الجرح والهوية والذاكرة.

 خاتمة

تُظهر القراءة المتكاملة لقصيدة «ليلى والذئب» أنّ النص يقوم على بنية رمزية محكمة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد 2003 ضمن منظومة دلالية يتشابك فيها الرمز بالسياق، والذات بالفضاء الجمعي. لا يتعامل الشاعر مع الاحتلال بوصفه واقعة سياسية فحسب، بل لحظة تأسيسية لإعادة تشكيل الوعي، وهو ما يفسّر لجوءه إلى بناء أسطوري–رمزي يستثمر الحكاية الشعبية والدين والتاريخ لتوليد خطاب شعري قادر على احتواء الصدمة وتمثيلها.

كشف المنهج البنيوي عن مركزية ثنائية «ليلى/الذئب» بوصفها محوراً دلالياً تتفرّع عنه ثنائيات أخرى: نور/ظلام، ضحية/مفترس، مدينة/غابة، عشق/ذبح. وتبيّن عبر التحليل السيميائي أنّ العلامات الكبرى—مثل الغابة، والليل، والكوخ، والنورس، والشارع المظلم، والصلب، وبيلاطس—تنتظم في شبكة واحدة تُحوّل الحدث التاريخي إلى سردية رمزية ذات طابع كوني.

أما البعد السياسي فليس طبقة خارجية، بل جزء من نسيج النص؛ إذ تتجسّد آثار الاحتلال في صور الذبح والدم والملك المهووس والأباتشي والغابة المختلّة، بما يعيد تمثيل انهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء للرعب، ويُظهر رؤية شعرية تُحمّل الاحتلال والسلطة معاً مسؤولية التفكك. وفي المستوى النفسي، تجلّت الصدمة الجماعية في صور الظل والذبول والنزيف والتيه؛ فليلى ذات مجروحة تبحث عن خلاص بعيد، وقيس ضمير مأزوم يراقب الخراب عاجزاً عن الفعل، بما يؤكد وظيفة الشعر في محاولة ترميم الوعي الفردي والجماعي.

إن تضافر القراءات البنيوية والسيميائية والسياسية والنفسية يبيّن أن «ليلى والذئب» نصّ متعدّد الطبقات لا يُجدي معه منهج أحادي، لأنه يعيد بناء الواقع عبر لغة رمزية كثيفة تجعل من التجربة العراقية تراجيديا ذات أبعاد كونية؛ تُقرأ فيها الجغرافيا قدراً، والتاريخ صليباً، والإنسان ضحية تبحث عن نورٍ في «كوّة الكوخ». وبهذا تقدّم القصيدة نموذجاً لشعر يدمج بين الجمالي والتاريخي، ويجعل من الرمز أداة لإعادة بناء الوعي في زمن الانهيار.

***

سهيل الزهاوي

 

دراسة نقدية موسّعة لقصيدة «في غربتي» للشاعرة آمال بوحرب

تُعَدّ الغربة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً وتشظّياً، لأنها لا تتمثّل في الابتعاد عن المكان فحسب، بل في انفصال الذات عن يقينها الداخلي، وعن اللغة التي كانت تؤويها، وعن الذاكرة التي تمنح الوجود معناه. ومن هنا، فإن الشعر الحديث لم يعد يتعامل مع الغربة بوصفها موضوعاً وجدانياً عابراً، بل بوصفها أزمة أنطولوجية تمسّ الكينونة ذاتها، وتكشف هشاشة الإنسان أمام التحوّلات الوجودية والنفسية والثقافية التي تعصف بعالمه الداخلي والخارجي معًا.

وفي هذا السياق، تأتي قصيدة «في غربتي» للشاعرة التونسية آمال بوحرب بوصفها نصّاً شعرياً كثيفاً ومفتوحاً على مستويات متعددة من القراءة والتأويل، حيث تتجاوز القصيدة حدود التعبير العاطفي المباشر لتؤسس رؤية شعرية وفلسفية عميقة، تجعل الغربة حالةً من الانشطار الداخلي، والتبعثر الهويّاتي، والتشظّي الوجودي. فالذات في هذا النص لا تفقد المكان فقط، بل تفقد انسجامها مع اسمها، وصوتها، وذاكرتها، وحتى مع لغتها التي تتحوّل في النهاية إلى كيان يتيم: «لغةً بلا أهل».

وتنبع أهمية هذه القصيدة من قدرتها على بناء معمار لغوي ورمزي شديد الكثافة، قائم على الانزياحات التركيبية، والصور التحوّلية، والتبادل الحسي، والانفتاح التأويلي، بما يجعل النص فضاءً حيّاً لإنتاج المعنى، لا بنية مغلقة ذات دلالة واحدة. كما تتجلّى فيها طاقة شعرية واضحة من خلال الإيقاع الداخلي، والتكرار البنائي، والموسيقى الخفيّة، فضلًا عن توظيف الرموز والإشارات بوصفها أدوات لكشف البنية العميقة للاغتراب الإنساني.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة، تنفتح على المناهج الأسلوبية، والبلاغية، والنفسية، والسيميائية، والتفكيكية، والهيرمينوطيقية، فضلاً عن النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة، لا على معنى أحادي نهائي. ومن ثمّ، فإن هذه الدراسة لا تبحث عن “المعنى الصحيح” للنص، بقدر ما تحاول الكشف عن طاقته التأويلية، وعن تعدّد طبقاته الدلالية والفلسفية والجمالية.

كما ستتوقّف الدراسة عند البنية اللغوية والصرفية والنحوية للقصيدة، وعند صورها الحركية والتحوّلية، وانزياحاتها الزمنية والتركيبية، فضلاً عن أبعادها النفسية والاجتماعية والرمزية، للكشف عن الكيفية التي استطاعت بها الشاعرة آمال بوحرب أن تحوّل تجربة الغربة من حالة فردية إلى تجربة إنسانية كونية، يتقاطع فيها الألم الشخصي مع سؤال الوجود، ويتحوّل فيها الشعر إلى محاولة لاستعادة الذات عبر اللغة، أو الاحتماء بها من السقوط النهائي في العدم.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتميّز القصيدة بسلامة تركيبية عالية، وباقتصاد لغوي شديد الكثافة، حيث تميل الشاعرة آمال إلى الجمل القصيرة المتوترة دلالياً، مع توظيف الانزياح بوصفه أداة لإعادة تشكيل العالم لغوياً.

تقول:

«أتمدّدُ خريطةً بلا حدود

تُخطئني الجهات»

الجملة هنا تقوم على انزياح تركيبي ودلالي معاً؛ فالذات لا “تحمل” خريطة، بل “تصير” خريطة. إنّه انتقال من الامتلاك إلى التماهي. وهذا التحوّل يخلق استعارة وجودية كبرى تجعل الجسد فضاءً جغرافياً ضائعاً.

أما قولها:

«أُجزِّئ اسمي

أناديه فلا يلتفت»

فهو من أعمق الانزياحات النفسية في النص؛ إذ يتحوّل الاسم من علامة تعريف إلى كائن مستقلّ، ينفصل عن صاحبه. هنا تتجلّى أزمة الهوية في أرقى صورها البلاغية.

ويُلاحظ اعتماد الشاعرة على الأفعال المضارعة: (أتمدّد، أجزّئ، أمشي، أحمل، أصادق، أزرع، أغنّي…)

وهو اختيار دقيق يمنح النصّ حركية واستمرارية، وكأنّ الغربة فعلٌ دائم الحدوث لا ينتهي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

لغة النصّ متوازنة بين الرهافة الفكرية والاقتصاد الشعري. لا وجود للترهّل أو الحشو. المفردات تنتمي إلى حقلين متقابلين:

حقل الضياع: (الريح، الذئب، الصدى، الغروب، الغريب، الأسئلة)

وحقل الهوية: (الاسم، البيت، الصوت، اللغة، الذاكرة)

هذا التوتر المعجمي يخلق دينامية داخلية تجعل النص يتحرك بين التلاشي والتشبث بالوجود.

وتبرز وجاهة التعبير في صور مثل:

«الوقتُ يدور حولي

كذئبٍ أليف»

إنها صورة تجمع بين الألفة والافتراس في آنٍ واحد، فتنتج مفارقة نفسية عالية العمق.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، لكنها تمتلك موسيقى خفيّة قائمة على:

التكرار البنائي:

«في غربتي»

هذا التكرار يعمل كعتبة إيقاعية ونفسية، ويشكّل لازمة شعورية تُعيد القارئ إلى مركز الألم.

الجرس الصوتي: التقارب بين الأصوات المهموسة: (الصاد، السين، الشين) في:

«أحصدُ صمتي

في سنابلَ من حنين»

يخلق موسيقى حزينة متدفقة.

الإيقاع النفسي: النص يعتمد على التقطيع البصري والوقفات القصيرة، ما يعكس التقطّع الداخلي للذات.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النصّ يقوم على بنية دائرية تبدأ بالغربة وتنتهي باللغة بوصفها الملاذ الأخير:

«أستيقظ وحدي

لغةً بلا أهل»

وهنا تتحوّل الذات إلى لغة مهجورة، بما يحيل إلى اغتراب الإنسان حتى عن وسيلته التعبيرية.

كما أن القصيدة تعتمد معماراً تصاعدياً:

أ- ضياع المكان

ب- تشظّي الاسم

ج- انهيار البيت

د- انقسام الملامح

ه- اغتراب اللغة

أي أننا أمام رحلة تفكك تدريجي للذات.

٢. الرؤية الفنية

ترى الشاعرة العالم بوصفه فضاءً متحوّلًا فاقدًا للثبات:

«المدن تتبدّل في وجهي»

فالمدينة هنا ليست مكاناً، بل قناعاً متغيّراً. وهذا يضع النص ضمن الحساسية الحداثية التي ترى الواقع سائلاً ومتقلّباً.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص غنيّ بالصور التحوّلية:

الصورة الحركية

«الطريق يتبعني»

انقلاب العلاقة التقليدية بين الإنسان والطريق.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

«أحمل بيتي على ظهري»

تحوّل البيت إلى عضو جسدي.

استعارة الامتزاج

«أكتبني قصيدة»

الذات تمتزج بالنص حتى تصبح كتابةً خالصة.

الانزياح الزمني

«كأنّي كنتُه مرّةً

ثم انصرفت»

انقسام زمني بين الذات الماضية والحاضرة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري للنص

القصيدة تطرح أسئلة وجودية عميقة:

أ- من أنا؟

ب- ما معنى الانتماء؟

ج- هل يمكن للغة أن تعيد تشكيل الذات؟

إنها قصيدة هوية مكسورة.

٢. الأفق المعرفي

النص يتقاطع مع:

الوجودية عند جان بول سارتر

الاغتراب عند مارتن هايدغر

المنفى الروحي عند إدوارد سعيد

ويستحضر أيضًا الحسّ الصوفي في البحث عن الذات الضائعة.

٣. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الغربة هنا ليست جغرافية فقط، بل:

١- غربة داخل اللغة

٢- غربة داخل الجسد

٣- غربة داخل الذاكرة

ومن ثمّ يصبح النصّ قابلًا لتأويلات متعددة:

١- تأويل نفسي

٢- تأويل سياسي

٣- تأويل نسوي

٤- تأويل أنطولوجي

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ابنُ اللحظة العربية الحديثة، حيث يعيش الإنسان العربي حالة اقتلاع مستمر:

١- حروب

٢- منفى

٣- تفتت الهويات

٤- انهيار اليقين

كما أن القصيدة تستثمر التراث العربي في صورة الترحال والحنين، لكنها تعيد إنتاجه ضمن حساسية حداثية.

خامساً: الأسس النفسية

١. تحليل البنية الشعورية

يسيطر على النص:

أ- القلق

ب- الانشطار

ج- الحنين

د- فقدان الهوية

وتبدو الذات منقسمة:

«عين تبكي

وأخرى تراقب

وثالثة تبحث عني»

وهذا تصوير نفسي بالغ العمق لانقسام الأنا.

٢. النبرة النفسية

النبرة تتراوح بين:

التأمل

الاحتجاج الصامت

الحزن الوجودي

من دون سقوط في المباشرة العاطفية.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

القصيدة تعبّر عن إنسان معاصر فقد يقينه الاجتماعي والثقافي. إنها تمثيل للهامش الإنساني الحديث.

«لغةً بلا أهل»

هنا يتحول الانفصال اللغوي إلى رمز لانهيار الجماعة والانتماء.

سابعاً: الأسس السيميائية

١. تحليل العلامات والرموز

الريح

رمز التيه والتحوّل.

البيت

رمز الهوية والأمان.

الذئب الأليف

رمز الزمن المفترس المتواطئ مع الذاكرة.

اللغة

رمز الوجود الأخير.

٢. الثنائيات الدلالية

أ- الحضور - الغياب

ب- الذات - الآخر

ج- الصوت - الصدى

د- البيت - المنفى

ه- الاسم - النسيان

ثامناً: النقد الاحتمالي والنص الممكن

وفق النقد الاحتمالي، لا يوجد معنى نهائي للنص، بل شبكة احتمالات:

احتمال أول:

النص عن المنفى الجغرافي.

احتمال ثانٍ:

النص عن الانفصال النفسي عن الذات.

احتمال ثالث:

النص عن اغتراب المرأة داخل البنية الاجتماعية.

احتمال رابع:

النص عن الشاعر بوصفه كائناً لغوياً بلا وطن.

وهكذا يصبح القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، لا مستهلكاً له.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا ليس جسدياً مباشراً، بل وجودي رمزي.

يتجلّى في:

علاقة الذات باسمها

احتضان البيت داخل الصدر

محاورة الصوت والظل

إنه توقٌ إلى الامتلاء والاتحاد بعد التشظّي.

عاشراً: قراءة نحوية وصرفية

إعراب جملة:

«الطريقُ يتبعني»

الطريقُ: مبتدأ مرفوع.

يتبعني: فعل مضارع مرفوع، والنون للوقاية، والياء مفعول به.

والجملة الفعلية خبر.

الدلالة: تقديم “الطريق” يمنحه سلطة رمزية، ويقلب العلاقة التقليدية.

إعراب:

«أكتبني قصيدة»

أكتب: فعل مضارع مرفوع.

النون للوقاية.

الياء: مفعول به أول.

قصيدةً: مفعول به ثانٍ.

والجملة قائمة على انزياح نحوي؛ لأن الذات تصبح موضوعًا للكتابة.

خاتمة:

تنجح قصيدة «في غربتي» في بناء عالم شعري شديد الكثافة، تتداخل فيه اللغة بالفلسفة، والرمز بالوجدان، والغربة بالهوية. إنها قصيدة لا تصف المنفى، بل تُحوّل الإنسان نفسه إلى منفى متحرّك.

لقد استطاعت الشاعرة التونسية د.آمال بوحرب أن تكتب نصّاً مفتوحاً على التأويل، متيناً لغوياً، غنياً بالانزياحات، ومشحوناً بطاقة رمزية وفلسفية عالية، بحيث يغدو النصّ تجربة وجودية كاملة، لا مجرّد قصيدة عن الحنين.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

في غربتي

أتمدّدُ خريطةً بلا حدود

تُخطئني الجهات

وتدلّني عليّ الريحُ إن ضللتُ…

*

في غربتي

أُجزِّئ اسمي

أناديه فلا يلتفت

كأنّي كنتُه مرّةً

ثم انصرفْتُ…

*

أمشي

ولا أرضَ تُقِلُّ خطاي

الطريقُ يتبعني

والمدنُ تتبدّل في وجهي

كأنها وجوهٌ

لم أُحسنْ حفظها…

*

في غربتي

أحملُ بيتي على ظهري

فإذا استرحتُ تهدّم

وإذا بنيتُه في صدري

ضاق بي واتّسع …

*

أصادقُ ظلّي

أحيانا عند الغروب

يخذلني

وأحادثُ صوتي

فيرتدّ غريبًا

كأنّي لم أنطقه…

*

في غربتي

تتعدّدُ ملامحي

عينٌ تبكي

وأخرى تراقب

وثالثةٌ تبحث عني

في وجوه العابرين…

*

أزرعُ خطاي

فتنبتُ أسئلة

وأحصدُ صمتي

في سنابلَ من حنين…

*

في غربتي

الوقتُ يدور حولي

كذئبٍ أليف

يقتاتُ من ذاكرتي

ويتركني نصفَ حكاية…

*

أغنّي

فلا صوتَ لي

إلا صدى

يتعلّم اسمي

ببطءٍ…

وفي آخر الليل

حين ينامُ العالمُ

في لغاته

أستيقظُ وحدي

لغةً بلا أهل

*

وأكتبني قصيدة

قُدّت من المسكوت فيّ

فيتفجّر سيل كلم

***

د. آمال بوحرب

للشاعر السوري "يونس السيد علي"

الشاعر "يونس السيد علي"، من سوريا – محافظة دير الزور – ولادة 1956- حائز على شهادة دار المعلمين – كان ميالاً للشعر منذ صغره – كتب قصيدته الأولى في عام 1977 لأسباب عاطفيّة كما يقول – نزح إلى دمشق مع بداية الأزمة السورية ا2011 – ولم يزل فيه- فاز بالعديد من الجوائز على مستوى القطر – صدر له مجموعتان شعريتان:

الأولى: "ترانيم على قارعة الحرف".

والثانية: "مطايا الوجد".

اخترنا من ديوانه (مطايا الوجد) هذه القصيدة لدراستنا وهي بعنوان (الشوق معراج الهوى).

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة:

نحن أمام قصيدة في الحب، حاول الشاعر "يونس السيد علي" أن يوصف لنا فيها حالات الوجد التي نالت المحب الذي هامه الشوق لحبيبته، هذا الشوق الذي تحول إلى نار حارقة تسعر في قلبه وعقله وأحاسيسه، لقد شعر المحب بأن حرارة الشمس في عز ظهيرة الصيف قد أوقدت لهيبها من نار شوقه هو، فراحت تشتكي من حرارة شوقه لحبيبته، لقد كوته نار شوقه، فراح يستنجد بمن ألهب نار شوقه أن يدله على السبيل لإطفاء سعير هذه النار. يقول الشاعر "يونس":

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

*

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هلْ تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

يعود الشاعر ليبين لمن يريد الدخول في عالم الحب بعد أن جرب هو عالمه وعاش حالات عطشه الروحي ووهج ناره ليقول:

مَنْ لم يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ لعوالمِ الإبهار

*

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ

ورغم قساوة نيران الحب على المحب، إلا أن الشاعر يحسد من يحب، أو من لامسه الحب، حيث يقول له طوبى لك يامن أرداك الهوى:

لا دمعةٌ لا بسمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ أنقى دونَ حُبًّ ساري

ومن ذا الذي يستطيع تأجيج الأشواق عند المحب غير فقد الحبيب، فراح ذاك المغرم يبحث عن حبيبه أو حبيبته في كل مكان لعله يظفر به، ورغم عذاب معانته وشقائه في البحث عن الحبيب إلا أنه يجد في هذه المعاناة كل الرضا والراحةالنفسيّة والروحيّة حيث عند لقائه به يقول:

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُغرمٌ

يطوي الفيافي شوقُهُ بظِفارِ

*

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ رَاحةٌ لِمُداري

يصف لنا الشاعر "يونس" قلوب المحبين كيف ترنوا إلى لقاء الحبيب وهي تتمختر شوقاً له، رغم كل ما أصابها من معاناة الفراق، ومع ذلك تظل قلوب المحبين تمنح عواطفها الجياشة للحبيب، ويظل شوقها له كشوق الأرض الجدباء القفر لقطرات المطر.. فيزهر الحب في القلوب من جديد كزهر الربيع.. وهل يزهر الربيع دون المطر. يقول الشاعر "يونس":

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلها يبقى مَدى الأسفارِ

*

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبة العطشى لِقا الأمطارِ

*

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

*

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ.

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

جاء عنوان القصيدة " الشّوقُ مِعراجُ الهوى" مطابقا كل المطابقة للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة. فحمولة العنوان الدلاليّة مشبعة بالوجد والعاطفة الجياشة اتجاه الحبيب إلى درجة " النسيب"، فالشوق في العنوان جاء معراجاً للحب والشوق عند الشاعر، وهذا ما أشرنا إليه عند دراستنا للبنية السرديّة للقصيدة.

العاطفة في القصيدة:

تظل العاطفة في سياقها العام، حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیها. وهي تقابل العقل في الحقيقة، إلا أنها لا توافقه، فما یراه العقل ويريده، غير ما تهواه العاطفة في أغلب الأحيان. فالعاطفة مرتبطة بالشعور والأحاسيس الإنسانيّة ولا تنفصل عنها مهما كان الإنسان عنيداً في كبت مشاعره". لذلك فالعاطفة في الأدب شديدة الارتباط بالأديب. فالأديب أو الشاعر لا یصدر نصه في الغالب ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات دوافع العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة.. إلخ...

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعر "يونس السيد علي" تظهر لنا العاطفة عنده بكل صدقها، وصحتها، وقوتها.. إنها عاطفة جياشة، مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام فراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تتفتح عند الشاعر أسارير الروح وتزهر، فلقاء الحبيب عنده كالمطر الذي يحيي أرضا جدباء فيحل بها الربيع بكل تجلياته، وهنا نجد كيف راحت عاطفة الشاعر تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها تشبه الطبيعة في ربيعها وهجيرها.. إن لقاء الحبيب عند الشاعر كنَسِيمَ الصَّبَا، أو كماء يروى عطش القلب والروح التي اشتعلت فيها نيران الشوق.. فمع قدوم الحبيب تزدهر حياة الحبيب من جديد.

لقد امتزجت عاطفة الشاعر في حبه بسبب فقده للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. ومع عودته يشعر الشاعر أن حياته قد عادت لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة، رغم أن الشاعر قد استخدم بعض الألفاظ القاموسيّة مثل (إوار- تجيس – سماري- ورفيلها – الجدبة.). فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعر "يونس السيد علي" في قوله:

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هل تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟.

أو في قوله:

فالشوق معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ.

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود الموسيقى الخارجيّة في القصيدة المتعلقة بوزنها وقافيتها في الشعر التقليدي، وهذه الموسيقا تتجلى في تفعيلات البحر (الكامل) هنا والقافية المنتهية بحرفي (الراء والياء) ففي هذين الحرفين تلعب القافية دوراً محورياً في بناء القصيدة؛ فهي ليست مجرد زينة صوتيّة. بل عنصر حيويُّ يربط إيقاع النص بمعانيه، ويؤثر بشكل مباشر على نفسيّة المتلقي. إلا أن الايقاع الداخلي في القصيدة الذي يسمى بالموسيقا الداخليّة، راح يتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من الصوت الداخلي للنص، الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر، التي تتطابق وتتناغم مع نسيج الحروف والكلمات داخل النص، لتشكل وحدة موسيقيّة متكاملة تنسجم معها. وهنا نسجل للشاعر تمكنه من إلغاء تلك الفروقات بين موسيقا الخارج وموسيقا الداخل، ليجعل من موسيقا قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، والترابط ما بين المعنى والمبنى، فكل ذلك جاء أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي نجده في قصيدة الشاعر "يونس" بقوله:

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

أو في قوله:

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسها شدوٌ وصوتُ كناري

*

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام، التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أو عاطفي/ وجداني ،حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة، ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية، وبها يكون المعنى متجليا أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة.

ويعود الاهتمام بالصورة، بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير، مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل، وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة " الشوق معراج الهوى " للشاعر "يونس السيد علي" معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركهما فَقْدُ الحبيب عند المحب من جهة، وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بإمكانيّة لقائه من جهة أخرى. لقد استطاع الشاعر أن يرسم بعواطفه الجياشة وعمق أحاسيسه صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع، وذلك من خلال ربطه العميق فيها بين المعنى والمبنى معا، وهذا ما يحقق عند المتلقي الدهشة. وها هو يصور لنا حالة الشوق ولهيب الروح والعاطفة عند المحب الذي ينتظر لقاء حبيبته بقوله:

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري.

أو في قوله في وصف حالة ترقب الحبيب وكيف يتحول القلب إلى إنسان امتلكته اللهفة وهو يرنو للقاء الحبيب:

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِ.

لقد اندمجت في القصيدة الصورة الحسيّة البلاغيّة بالصورة التخيليّة، ومن هذا الاندماج، استطاع الشاعر " يونس السيد علي" أن يخلق من صور نصه علاقات روحيّة متكاملة في أسلوب إبداعي.

أما الخيال فلم يكن مجرد تصور أشياء غائبة عن الحس عنده، إنما الخيال وما يجسده من صور ابداعيّة جاءت معبرة عن عوالم حسيّة تحيط بالشاعر وتشغل عالمه الداخلي ورغباته وأمانيه، حيث عمل على تجريدها ليجعل منها أقنعة تفرضها معطيات الواقع وعاداته وتقاليده ومخاوفه كما في قوله:

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.................

الشّوقُ مِعراجُ الهوى

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هلْ تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

مَنْ لم. يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ لعوالمِ الإبهار.ِ

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ

يا مِنْ تجيسُ الحُبَّ أرداكَ الهوى

طوبى لِمنْ اردى الهوى سُمّاري

لا دمعةٌ لا بسمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ أنقى دونَ حُبًّ ساري

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُغرمٌ

يطوي الفيافيَ شوقُهُ بظِفارِ

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ لرَاحةٌ لِمُداري

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِِ

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ

***

يونس السيد علي

من مجموعته الشعريّة الثانيه "مطايا الوجد".

 يتوجّه الكاتب، حين يشرع في الاشتغال على مشروعه الأدبي، إلى قارئ ضمنيّ يدخل معه في حوار باطنيّ مستمرّ، يتراوح نسقه بين الهدوء والتوتّر، وقد يبلغ حدّ القطيعة أحيانا، فيتوقّف عن الاستمرار في عمله إلى حين استعادة نقطة تواصل جديدة بينهما. يبدأ هذا الحوار منذ اللحظة التي تلامس فيها شفة القلم بياض الورقة، إلى أن تستقرّ نقطة الختام عند طرف الحرف الأخير؛ تلك النقطة التي قد تتفكّك بدورها إلى نقاط متتابعة، مانحة القارئ مساحته الخاصّة للإبداع عبر القراءة والتأويل وإنتاج نصّه الخاصّ على نصّ الكاتب الذي بين يديه.

هذا القارئ ليس فردا معيّنا في الهويّة والعدد، ولا جماعة محدّدة بالمعنى المباشر، بل ذات افتراضيّة يحتاج إليها الكاتب لتنمية الفكرة وتوليد المعاني بعضها من بعض، ولإضفاء حيويّة حواريّة تخييليّة على النصّ أثناء الكتابة وبعد اكتماله.غير أنّ السؤال هنا يتعلّق بماهيّة القارئ الضمنيّ في الأدب الذي يستهدف الأطفال واليافعين، وبطبيعة الأعمال الأدبيّة التي قد تستهوي طفلا أو شابّا من الأجيال الرّقمية، "ألفا" و"بيتا" التي ولدت في بيئة تكنولوجيّة شديدة التطوّر فيخرج عن سلطة الأضواء المنبعثة من جهازه الالكتروني بالغ الذّكاء مقبلا على "أنوار" الأدب الذي تزعم الكتب المؤلفة لليافعين أنّها تبثّها بأشكال وأساليب متنوّعة.

لمقاربة السؤال سرديّا في رواية "أبناء النور" الصادرة مؤخّرا عن الدار المصريّة "فاصلة للنشر والتوزيع"، انطلقت من حدثين مهمّين ذاتيّ وفنّي. في عمر يناهز السنتين، كان ابني كلّما استمع إلى الأذان، قال "الله يُغنّي"، ويظلّ منصتا في خشوع ورهبة لذلك الصوت السحريّ الغامض النازل من علٍ، حتى ينتهي "الله" من الغناء. تكشف هذه الحقيقة الشعريّة، في بساطتها وتلقائيّتها، عن آليّة اشتغال الخيال لدى الطّفل. إذ تسمح لنا بتأمّل طبيعة التلقّي لديه، وكيفيّة تتشكّل علاقته الأولى والفريدة بالأماكن والوجوه والأصوات والصّور والمعاني فيبدو كلّ العالم الحقيقيّ عالما آخر على معنى ما يرتسم في تصوّره الخاصّ، وهذا الانزياح عن الواقع عبر الحلم والخيال ينعكس كذلك على طبيعة تلقّي الطفل للقصص وغيرها من المنتجات الفنيّة.2790 basma

من أجل ذلك استعرنا عبارة "الله يغنّي" من بعدها الشعريّ الخالص إلى عالم السرد، فتخلّقت من أمشاج التخييل شخصيّة الدّيك يقظان، انطلاقا من علاقة الديك المباشرة بالفجر، ومن مرتبته الرمزيّة في التراث الميثيولوجيّ الإنسانيّ، والمخيال الشعبيّ، فـ "الديكة ترى الملائكة" كما يتردّد في القول المأثور. يقظان في "أبناء النور" هو استعارة مركزيّة للطفل الآن واليافع غدا. إذ هو الكائن القادر على الإيقاظ لحظة نبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتأخذ الشّمس في نشر نورها على الكون متسللة أيضا إلى ذواتنا من خلال جراحنا الصغيرة، وأحلامنا التي نبتت أجنحتها وآن لها أن تحلّق خارج القفص الصّدري. وهو بالتالي يمثّل، صحبة عدد آخر من شخصيات الرواية فئة "أبناء النور"، في مواجهة عصابة "بلاك لوكست/الجراد الأسود"، العالميّة المختصّة في الاتجار غير المشروع بالأحياء المميّزين والمختلفين من أبناء الإنسان والحيوان والأنواع النباتيّة النادرة، موظّفة في استدراجهم كلّ الإمكانات البشرية والماديّة للمكنة، فضلا عن التقنيات لتكنولوجيّة والمنصات الافتراضيّة المختلفة.

هناك لحظة مؤثّرة أخرى ساعدت بشحنتها الفلسفيّة والروحيّة العميقة في ميلاد رواية "أبناء النور"، وهي مشهد سينمائيّ من الفيلم "سبع سنوات في التّبت" (1997)، المأخوذ عن سيرة متسلّق الجبال النمساويّ هانريش هارر في التّبت، حيث تعرّف على زعيمها الروحي دالاي لاما[2] وهو في سنّ الرابعة عشر. مثّل دلاي لاما مركز الفيلم ونقطة قوته الباهرة. لقد كان هذا اليافع مزيجا عجيبا جمع في ذات إنسانية واحدة براءة الطفولة ونقاوتها وصفائها الروحي مع قوّة الحكمة ورجاحة العقل ونفاذ البصيرة، مزيج منحه القدرة الناعمة على قيادة الراشدين وتوجيههم روحيّا وفلسفيّا وسياسيّا.. في الفيلم عثر بعض رجال الدّين التبتيّين، أثناء حفر الأرض، على ديدان الأرض الصّغيرة، فخفّوا يلتقطونها بدهشة الأطفال، وتلقائيّتهم، وصخبهم الاحتفاليّ المفعم بالحبّ والتقدير الإنسانيّين لكلّ الكائنات الحيّة الأخرى التي تشاركنا السكن في هذا العالم، ثمّ وضعوها في مكان آمن لحمايتها من الموت أو الأذى. لوهلة بدا لنا المشهد تعبيرة سينمائيّة عن أنّ الطفولة ليست مجرّد مرحلة عمريّة يمرّ بها الإنسان، بل هي "منتهى الإنسانيّة"، هي " نِعم مقدّسة لإعادة تشكيل قيم جديدة وابتكارها"[3] .

 ما حاولت الرواية الاشتغال عليه استنادا لما سبق وسواه هو ماهية الكائن الحيّ في ذاته ومستحقاته، من خلال ما يميّزه فعلا، وليس فقط من خلال نوعه أو أصله أو مرتبته الاجتماعيّة. وهو حقّ لا يترسّخ فقط كمنحة طبيعيّة، بل كسعي دؤوب تعمل من خلاله شخصيّات الرواية على إثبات ذاتها وتطوير قدراتها، والتعرّف على هويّتها وتاريخها عبر طرح سؤال" من أنا"، وكذلك عبر البحث في داخلها عن ثرواتها الباطنيّة الخاصّة. الأمر أشبه بالحذاء الزجاجيّ ذلك الذي لم يكتسب أهميّته إلاّ لمّا لم تستطع أيّ قدم نسائيّة أخرى أن تنتعله سوى سندريلّا. إنّ هذا الحذاء هو الشّيء الخاص بها هي بالذّات دون سواها، شخصيّتها المميّزة، ذاتها المختلفة، والطريق التي لا يستحقّها غيرها، تماما كأيّ فرد من أبناء النور في الرواية أو في الحياة الواقعيّة: لكلّ فرد حذاؤه الزجاجيّ الخاص به هو وحده.

 في تحقيق هذه الفكرة الجوهريّة وسواها، اعتمدت رواية "أبناء النور" نموذجا أسريّا مختلطا مخصوصا. فالسيّد سمير الذي فقد أبناءه الثلاثة في ظروف غرائبيّة غامضة سيعرفها القارئ، يقرّر هو وأمّه السيّدة هدباء أن يتبنّيا ثلاثة من أطفال الحيوان لتربيتهم كما لو كانوا أطفالا من بني الإنسان: الكلب عسبور، والأرنب درّة، والديك يقظان.

هذا البناء السرديّ ليس مجرّد اختيار غرائبيّ، أو سيرا على نهج الأوّلين في إنطاق الحكمة على لسان الحيوان أو استمالة للطفل الذي يسهل عليه التفاعل مع شخصيّة حيوانيّة لتلقّي معارف أو معلومات مقصودة لذاتها، بل اقتراح تخييليّ فنيّ قام على منطق سببيّ اجتهدت الكاتبة في جعله مُحكما من حيث علاقة الترابط الوثيقة بين السبب والنتيجة، واختيار جماليّ تمّ استدعاؤه لإعادة بناء العلاقات الإنسانيّة على أساس التنوّع والتّكامل، في إطار حقّ الجميع في العيش معا في حدود العالم الذي يجمعنا، مقابل عصر رقميّ يذهب بنا يوما عن يوم نحو العزلة والتفكّك في الأسرة والمجتمع، عصر تحلّ فيه الشاشة محلّ الوجه، والخوارزميّة محل العلاقة الإنسانية المباشرة، والروبوت محلّ الصّديق الحقيقيّ.

إنّ محاولة أنسنة الروبوت المزوّد بقدر هائل من الذّكاءات المختلفة بما فيها محاكاة "الذّكاء العاطفي" المثير للدّهشة، هو إن شئنا نوع آخر من "الاستنساخ"، ليس ببعث الروح البشريّة في جسم حيوان كما يُعتقد لدى بعض الحضارات الروحيّة، بل بمحاولة "تنزيلها" في جسم إنسان آليّ. ونقد هذا التشييء الأخير للإنسان، ليس رفضا لما توصّل إليه التقدم التكنولوجي المبهر، فالتكنولوجيا أداة ضرورية جدّا اليوم وفي المستقبل، بلدفاعا عن الغنسان في حدود إنسانيته الثريّة، فالأداة، مهما بلغت كفاءتها لا تُقاس بذاتها بل بمدى نفعيّتها للإنسان، وتأثيرها في تفعله في إنسانيّته. وكما هو الطفل غاية الإنسان كما أسلفنا مع نيتشه، فإنّ الحيوان هو أصله الذي يروم التقدّم عليه في بعديْه: الفطريّ السليم، ممثّلا في أطفال هذه الأسرة وغيرهم من شخصيّات الرواية، والغرائزيّ المتوحّش ممثّلا في عصابة بلاك لوكست وعملائها  في كلّ مكان أكانوا من الأشخاص الطبيعيين ومن "الذّوات" الافتراضيّين.

وتتجلّى ثيمة الحكاية داخل هذا الفضاء السرديّ من خلال شخصيّة هدباء، الجدّة والأمّ في آن، تلك التي تستثمر فنّ القصّ، شفهيّا ومكتوبا، في تربية أطفالها، بعيدا عن الإملاء المباشر أو القسر التربوي. فالحكاية هنا ليست وسيلة تلقين، بل فضاء حوار، يتيح للطفل أن يشارك في بناء المعنى وإثرائه، وفي خلق معانٍ جديدة للحياة في الراهن وفي المستقبل، وهو ما حاولت الرواية أن تقوله بشكل غير مباشر عبر إقحام الشّخصيات الفتية في التجربة الأولى الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، فالنور لا يُرى إلاّ بانكشاف العتمة كما الفجر الضحوك يخرج من جبّة الليل السوداء. فهذه اللّحظة تعلّمنا جميعا أطفالا وكهولا كيف نتمسّك بالأمل لنواجه مصاعب الحياة ونجتاز عقباتها بروح قويّة قادرة على المواجهة. وفنّ المواجهة هو ما تعلّمه الطفل يقظان من القصص التي روتها له ميما هدباء كما سنقرأ. إنّه، في رمزيّته، قريب من صورة الطفل/الملاك في المخيال الشعبي، لكن مع تحوير دلاليّ عميق: فبراءته ليست سكونا، بل طاقة. وهشاشته ليست ضعفا، بل شرطا للإبداع والانفتاح. وصوته ليس مجرّد موهبة إلهيّة نادرة يعلن بها عن ميلاد  اليوم الجديد كلّ يوم، بل وسيلته في الدفاع عن نفسه، وطاقة التحرّر الخيّرة التي سيعمل على إيقاظها في نفوس أصدقائه من ضحايا بلاك لوكست ليهبّ كل أبناء النور في هذا الكون، من كلّ أشكال الحياة، ما يُرى منها بالعين المجرّدة، وما لا يُرى ممّا يوجد على سطحه وفي جوفه وفي سمائه.. الجميع سيثور ثورة واحدة لتخليص أنفسهم هم وكلّ الضحايا الذين لا يمتلكون صوتا أو يعجزون لسبب ما عن رفعه في مواجهة هذه العصابة العالمية وأذرعها العنكبوتية المتغلغلة في العالمين الواقعيّ والافتراضيّ.

إنّ فنّ القصّ، وغيره من الفنون التي تستدعيها الرواية، يفتح للقارئ المشرئبّ نحو المستقبل مجال التّجربة الذّهنية والوجدانيّة لا بوصفه متلقّيا فقط، بل بوصفه أيضا منتجا محتملا للفنّ والجمال، قادرا بوعيه الذّاتي وقدرته على التمثّل والتأويل على اكتشاف منبع النور في نفسه، ومكانته في المجتمع، ودوره في إضاءة طريقه الخاصّ وطريق من يشاركه السّير على نفس الدّرب، درب الحياة والنجاح والتميّز، خاصّة عندما يغادر، كما غادر يقظان، منطقة الأمن والرّفاه الأسريّين ليواجه مصاعب الحياة وتحدّياتها بنفسه البريئة وجسمه الصغير الهشّ.

***

بسمة الشوالي

....................

[1] -ألقيت الشهادة في ندوة "الكتابة لليافعين" ضمن أنشطة جمعية الكتاب التونسيين الأحرار بنزرت - تونس.

[2] -عماري خيرة، " الطفل كإمكانيةّ حقيقيّة للخروج من العدميّة"، مجلة تدوين المجلّد 15 العدد1 (2023)، ص 124- 201

[3]- دلاي لاما الرابع عشر (تينزن غياتسو1935 م– حتى الآن) هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين وحتى عام 1959 م كان دالاي لاما يمثل القيادتين الروحيّة والدنيويّة في إقليم التبت. (التبت إقليم يتبع جمهورية الصين الشعبيّة ويتمتّع بالحكم الذّاتي).

 

في قصص: "مضاجع ملغومة"

لعل ما يميز المجموعة القصصية " مضاجع ملغومة " للقاصة المغربية نعيمة القضيوي الإدريسي هو لغة الكشف والفضح بنبشها في خبايا وخفايا تندرج ضمن المسكوت عنه خصوصا فيما يربط علاقة المرأة بالرجل في جوانبها الحميمية، وما يحيط بها، ويطوقها من علائق تدخل ضمن خانة العادات والتقاليد بحمولاتها الراسخة التي تشكل قاعدة وقناعة لدى فئات عريضة من أفراد العائلات والمجتمع. وهو ما يطالعنا منذ النص الأول " سرير مقعر"، الذي كشف عن علاقة متخيلة بين الرجل الأنيق الذي تُدَوِّخ رائحة عطره، ومظهره المبهر الكثير من نساء الإقامة التي يقيم بها، مما جعلهن ينسجن خيوط علاقة تجمعه بأرملة شابة تقطن في نفس الإقامة، وما تتميز به من جمال، وهو ما لاحظته من خلال ما راج حول علاقته بها من إشاعات: " أمشي بزهو، أعرف أنهن يخفن جمالي، اتسعت رقعة الإشاعات عني حكاياتهن عن علاقتي بجاري الذي بابه قبالة بابي، جاري الذي من كثرة الإشاعات تمنيت رؤيته وشكره، لأنه جعلني محطة تلوكها لكالألسن، بعد أن كنت في مقبرة النسيان.. " ص12، وهو أمر استحسنته لأنه أخرجها من دائرة التهميش إلى أضواء الاهتمام، وقد راقها ذلك أكثر حين جمعهما سرير واحد في علاقة حميمية لتغدو الإشاعة حقيقة أسعدتها كثيرا: " جرني من يدي وبصمت دخلنا غرفة ثالثة، قارعنا نخب لقائنا، من يومها أخرست الإشاعات، لكن لا أحد يعلم أننا شاركنا سريعا مقعرا..." ص13، فتتوالى الحكايا تباعا داخل متن المجموعة كما في قصة " سر الوجع " التي تروي حكاية فتاة عانت من السلوكات الشاذة لزوج أمها كما تحكي ذلك: " وأنا صغيرة كان زوج أمي يقوم بتحميمي، ودوما أشعر بأصابعه تتمادى.. في يوم وأنا نائمة أحسست بجسد يلامسني استيقظت مذعورة، وجدته بجانبي.. " ص23، قصة فتاة هي ضحية لتفكك أسري ابتعدت بسببه عن والدها الذي تفارق مع والدتها عقب مشاكل اختزلتها في إقباله على شرب الخمر: " لا تسأليني عن السكير لو تذكرك لسأل عنك. " ص24، هذه الأم التي وضعتها بين أحضان زوج عديم الأخلاق قادها إلى التيه في عالم الدعارة والضياع: " قررت التحرر من زوج أمي الذي مارس علي كل أشكال الغواية وعلمني كيف أخرج لدرب الدعارة من بابه الواسع.. ولا أعرف لي قريبة، أعرف أمي التي لا تلزم البيت كثيرا وتتركني مع الحمار الوحشي ينهش لحمي ويلقنني فنون العهر.. " ص25، إلى أن أصيبت بمرض عضال قربها من موت وشيك: " وسأموت قريبا، دفعت ثمن خطيئة لم أخترها بإرادتي ولم أحاول الانعتاق من مسار حياتي، يكفي الآن دائي مميت سيريحني من هذا العالم القذر بكل أدرانه.. " ص27، فتنتقل لتصوير جوانب أخرى مثل حالة دون جوان يعاني من عجز فند كل ادعاءاته لحظة عاشتها بين أحضانه بعد أن كان يشنف مسامعها بحلو الكلام ومعسوله: " كان لا يتوانى في إسماعها من تيسر من الكلام المعسول وتقديم الهدايا.. " ص30، لتتأكد من خطل أقواله، ووهم الصورة التي شيدها كلامه عن نفسه حين قالت: " بدا أن الدنجوان، مجرد سكير وعاشق للعاهرات، ينام على صدورهن ليحكي حكاياته الخيالية، تنتهي بالبكاء على نهودهن وبعدها يخر نائما كالحيوان ليستيقظ صباحا مفتخرا بفحولة واهية.." ص31، بناء على تجربتها معه والتي باءت بالفشل، وآلت إلى الخيبة والخدلان: " وما أن هم بها حتى خذلته فحولته، فأجهش بالبكاء، مثل طفل افتقد أمه، ونام.. بينما هي باتت تندب خيبنها !" ص31. والمفارقة التي جسدتها قصة فتاة السادسة عشرة وجليستها الضيفة عن العلاقة بين صديقين في قصة " أرجوحة " حين سألتها عن صديقها، وإحساسها حين تجالسه وتختلي به: " ـ تكلمي عن صديقك المقرب، وسيم، عصبي، هادئ كيف هو؟.. كيف تقضيان الوقت بم تشعرين حين يقبلك؟ ويدغدغ نهديك؟.. دعينا نتشارك الأسرار سأحكي لك عن صديقي أيضا.. " ص33، إلا أنها لم تعش أي تجربة من هذا النوع حسب ردها: " ـ لكن ليس لدي صديق، ولم يكن لدي يوما، ما زلت صغيرة على هذا؟!" ص 34، مشجعة إياها على فضح المستور، وكشف علاقتها مع صديقها: " ـ ما تحشميش حنا بنات. " ص34، إلا أن الرد كان حاسما وقاطعا: " القضية وما فيها لا حشمة ولا هم يحزنون، أكون رفقة أختي، ولا أهتم بماذا سأسبح، فإن أغوتني المياه فقد أرتمي بملابسي، لا يشكل الأمر إحراجا لدي. " ص34، بل مستنكرة تدخلها في خصوصياتها، وأمورها الشخصية والذاتية: " ـ وأنت مالك؟، لِمَ كل التحقيق في خصوصياتي؟ " ص 34،ولم يردعها ذلك من الاسترسال في الحديث عن علاقتها بصديقها بشكل سافر ومكشوف قائلة: " لدي صديق أمس نمت عنده في البيت، واو كان رائعا.. / ـ في ماذا؟ / ـ في الفراش، في قبلاته، في ممارسته، في دغدغته.. " ص35، فتؤكد صديقتها، بعد سماع ما حكته عن الضيفة، أنها تدخل ضمن خانة العهر والدعارة: " حكيت لصديقة ما جرى بيني وبين الضيفة، فقهقهت عالية، وقالت: ـ لا بد أنها عاهرة.. " ص 35، وهي حكاية أطلقت فيها الضيفة العنان لرغباتها العاطفية والجنسية التي خاضت في الحديث عن تفاصيلها بجرأة مكشوفة لجليستها التي لم تعش مثل هذه التجارب، ولم تفكر في ذلك لصغر سنها أولا، وربما طبيعة محيطها الأسري وما يحكمه، ويتحكم فيه من مواضعات وثوابت أخلاقية، وهو ما يؤسس لمفارقة محددة المعالم والأركان. وتطرقت كذلك القاصة لموضوع الخيانة في قصة " أمل... لم يولد بعد "، وما خلفه في نفسية الزوجة من آثار مهينة كما عبرت عن ذلك: " وأعزي النفس بما تفعله تصرفاتك اتجاهي، حين تحط من قدري وتهين وجودي، وتلغي ذاتي كأنثى، وهبت حياتها لإسعادك.. " ص37، حين تتأكد من ذلك، وتستنكر استبلاد الزوج لها: " حين ترتكب جرما في حقي تظن أني بلهاء، تعود وعطر أخرى يفوح منك، أو بقايا أحمر شفاه على ياقة قميصك.. " ص37، فكان رد فعلها انتقاما تمردت فيه على حالة الخضوع والاستسلام، وطوقته بإحساس مرير من الغيرة التي اكتوت بنيرانها قبله: " تركت زميلي ينفث سيجارته بالمكتب وأتعمد الاقتراب منه حتى تطال شعري رائحة التبغ، لم تكن تجرؤ على الكلام، مجرد شك يصيبك بنزيف داخلي، أستشعره بضغطك على الفراميل، وابتسم تذوق من نفس الكأس يا حبيبي.. " ص39. وضمن الحكايات التي تعج بها الأضمومة، والتي تصور معاناة المرأة في سياقات ومواقف تجمعها بالرجل ما ورد في قصة " عانقت خيبتها " بخصوص وضع المرأة العاملة، وما تبذله من جهد مضاعف موزع بين العمل داخل البيت وخارجه: " كانت كلما عادت من العمل تجد نفسها أكثر تأففا وتذمرا لأن بالبيت عمل آخر ينتظرها، تطبخ تكنس، تضع الغسيل في الغسالة تجهز العشاء، وتعد غذاء اليوم التالي وتضعه في الثلاجة، وترضع الصغير وتنومه. وحين ولج المدرسة تذهب وتأتي به.. " ص43، بينما ينعم الزوج بحياة هادئة موزعة بين مشاهدة التلفاز، وملاعبة ابنه: " في خضم انشغالاتها يكون زوجها أمام التلفاز أو يلعب مع صغيره.. تبتسم باستهزاء، وتتمنى لو كانت رجلا لو لو.. " ص44، بل لا تقف الأمور عند هذا الحد بحيث يتضاعف منسوب التعب بمجهود آخر في سرير النوم الذي يجمعهما: " تدلف إلى الغرفة تجد زوجها قد رمى بجسده الثقيل على السرير وتجرد من ملابسه.. " ص44، وفي خضم زحمة المعاناة، وضغط إكراهات المهام تقتنص لحظات تستلها من أيام العطلة: " كم كانت تفرح ليوم العطلة أو أيام إجازتها السنوية.. وساعة فرحها حين ترى الصغير يلعب مع والده وكلاهما مسرور، تعرف بأن لها طفلان بحاجة إلى رعايتها.. كانت تحس بسعادة زوجها وهي تدعوه إلى الفراش.. " ص44، لحظات انفراج عابرة ما تفتأ تنقضي بسرعة لتفاجأ بمستجدات مكلفة ومؤثرة كحملها غير المتوقع رغم ما اتخذته من احتياطات واحترازات: " لم تصدق خبر حملها مرة أخرى، الوقت غير مناسب، كيف حدث ذلك رغم احتياطها، قررت الإجهاض لكن الزوج كان سعيدا بإنجازه.. " ص45، وساهم ذلك في تغير بارز بخصوص زوجها الذي لم يعد يبخل عن مساعدتها، ومد يد العون لها فيما يتعلق بصغيرهما: " في هذه الفترة ترى تغيرات من زوجها، أضحى يساعدها ويلاطف الصغير كثيرا، بل بات طفله شغله الشاغل، وخفف من عبئها التغير المفاجئ.. " ص45، إلا أن وفاته المباغتة، إثر نوبة قلبية، أوقف بداية تحول لافت على مجريات حياتهما، واجتث إرهاصاته، وأجهز عليه: " قيل لها فيما بعد من طرف زملائه في العمل أنه أحس بتغير مفاجئ لذلك غادر باكرا، وكشف التقرير الطبي أنه مات بسكتة قلبية مفاجئة.. " ص46، ومن المواقف التي تضمنتها قصص المجموعة موقف التنكر لأيام زمن عشق ولى زرع بذوره في قلب العاشق كما صرح بذلك في بداية الأمر: " ـ حبيبتي أنت نور عيني وستظلين شجرتي الوارفة. / ـ أنت زهرتي الوحيدة التي لن تذبل، لهذا اخترتك شريكة لحياتي." ص 50، موقف سرعان ما تبدل، فانقلب عما كان يحس به اتجاهها، وتنكر لكل مشاعر الود التي غرستها في وجدانه وإحساسه بخلفية عدم قدرتها على الإنجاب: " ـ لا يمكنك أن تبقي في عصمتي، هذا شرط عروسي الجديدة. " ص51، تنكر فتح بداخلها جرحا غائرا لتصدع بمرارة ما استشعرته من خيانة وجحود: " ـ أي سكين ذبحتني به، لم تجد صيغة أفضل، لتبرر هجرانك؟ " ص 51، متحسرة على ثقتها به، وتصديق عبارات حب قائم على الخداع والخذلان.

وإذا كان موضوع المرأة في علاقتها بالرجل هو الطاغي على جل نصوص المجموعة، والذي عمدت القاصة إلى اختراق غشاوته السميكة، والنفاذ إلى خباياه، وخفاياه لاستجلائها، وكشف ما يترسب في قيعانها من محظور ومسكوت عنه بلغة تنم عن جرأة وجسارة غير مألوفتين فهناك ذكر لبعض العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج، وما يصاحبها من طقوس كليلة الدخلة التي تختبر فيها عذرية العروس: " سروال ليلة الدخلة الذي يجب أن يكون ملوثا بالدم ليدل على عذرية الفتاة " ص 53، وما يعرف، في نفس السياق، ب " التقاف " وهي حالة تلم بالعريس فيعجز معها بالدخول على العروس، فيتم اللجوء إلى طرق معروفة للتخلص منه بارتداء جلباب مقلوب، ويتم تبخيره داخل أجواء من الشعوذة والخرافة. ولجأت القاصة كذلك، في كتابة قصصها، إلى عنصر الاستيحاء كما جاء في قولها: " وقالت الصباح رباح.. وسكتت عن الكلام المباح... " ص21، هي صيغة وردت في قصص ألف ليلة وليلة حين تنهي شهرزاد قصتها. وفي قولها أيضا: " ولم يستيقظ فينيقها بعد.. " ص52، في استحضار لطائر الفينيق الأسطوري الذي حين يشعر باقتراب موته يحترق ليولد من رماده، وهي نماذج من التراث القصصي والأسطوري القديم غنية بحمولاتها الرمزية والدلالية التي أسهمت في إثراء المتن القصصي وتنويع أبعاده ومعانيه. كما تميزت لغة المجموعة باستعمالات مختلفة من الدارجة كما ورد في قصة " سرير مقعر: " كيدخل ويخرج في العيالات.. أش منك يا السمرا يا لبيضا، العريضة، الطويلة القصيرة.. " ص9، وما تتضمنه بعض العبارات العامية من أقوال مأثورة مثل: " إلى مشى الزين تبقى حروفه.. " ص20، وفي: " خرجوا رجليها الشواري.. " ص10، وما تحيل عليه من معاني حِكَمية ووعظية في الغالب، وعبارات فصيحة ذات مسحة مجازية كما في قولها: " ظلت تغذيه من رحيق شهدها.. " ص51، وقولها كذلك: " ويتجدد مجرى نهر الوصال وربما صبيب الحب يرتفع.. " ص52، وتوظيف لعبارات بالفرنسية: " تتذكر وعوده، وأنشودة جاك بريل..Ne me quitte pas -: " ص 52.

وقد استوفت قصص المجموعة أهم العناصر والضوابط القصصية من شخصيات، وحوار، ووصف.. وإن كانت تفردت بميزة الجرأة في فضح، وكشف ما ظل مستورا، وغير معبر عنه في علاقة المرأة بالرجل، وما يجللها من سلوكيات شائنة حينا، ومجحفة أحيانا لا يتم التعبير والإعلان عنها فتبقى حبيسة السر والكتمان.

***

عبد النبي بزاز

...............

- مضاجع ملغومة (قصص قصيرة) نعيمة القضيوي الإدريسي / سليكي أخوين ـ طنجة2014. 

 

من التنظير البلاغي إلى الإبداع السردي

(أحلام مستغانمي نموذجًا)

***

تمهيد: ارتبط علم البديع في الدرس البلاغي العربي، منذ نشأته، بفكرة الصنعة اللغوية القائمة على تصنيف المحسّنات اللفظية والمعنوية وضبط حدودها الاصطلاحية. وقد أسهم هذا التصوّر في ترسيخ صورةٍ عن البديع بوصفه علمًا يُعنى بالزخرفة أكثر من العناية ببناء المعنى. غير أن تطوّر الأجناس الأدبية الحديثة، ولا سيما الرواية، أعاد طرح سؤال البديع من زاوية جمالية جديدة، تتجاوز حدود الصنعة إلى أفق الابتكار والخيال.

وانطلاقًا من هذه الجدلية، يسعى هذا المقال إلى مقاربة البديع بوصفه طاقة جمالية فاعلة في السرد الحديث، لا مجرّد حيلة أسلوبية، وذلك عبر الجمع بين الإطار النظري البلاغي والتحليل التطبيقي، مع اتخاذ تجربة أحلام مستغانمي نموذجًا دالًا على تحوّل البديع من الصناعة الواعية إلى الإبداع الحر.

أولًا: البديع بين المفهوم التراثي والتحوّل الوظيفي

نشأ علم البديع، كما هو معروف، مع محاولات الوصف الأولى للظواهر الجمالية في الكلام، لا سيما عند ابن المعتز في كتابه البديع، حيث كان الهدف رصد الأساليب المبتكرة في الشعر والكلام، دون أن تتحوّل إلى قواعد ملزمة. غير أن مسار البلاغة العربية، خاصة مع السكاكي ومن جاء بعده، اتجه إلى التقعيد والتصنيف، مما أضفى على البديع طابعًا صناعيًا صارمًا.

وقد نبّه عدد من النقّاد إلى مخاطر هذا التحوّل؛ إذ يرى عبد القاهر الجرجاني، وإن لم يفرد للبديع علمًا مستقلًا، أن القيمة الجمالية لا تكمن في المحسّن لذاته، بل في موقعه من النظم، حيث يقول:

«ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله»

(دلائل الإعجاز).

من هذا المنطلق، يتبيّن أن الإشكال لا يكمن في البديع ذاته، بل في طريقة توظيفه:

فإن استُخدم بوصفه غايةً مستقلة، تحوّل إلى تكلّف.

وإن اندمج في النسيج الدلالي، أصبح أداة لتكثيف المعنى وبناء الرؤية.

ثانيًا: البديع في السرد الحديث – من الزخرفة إلى الوظيفة

مع تحوّل الكتابة السردية الحديثة نحو تعميق البعد النفسي والرمزي، تغيّرت وظيفة البديع. فلم يعد يظهر في صورة الجناس والطباق المصرّح بهما، بل اتخذ أشكالًا أكثر اندماجًا، مثل:

التكرار الدلالي

التوازي التركيبي

المقابلات الرمزية الكبرى

المفارقة الأسلوبية

وقد أشار صلاح فضل إلى هذا التحوّل بقوله إن البلاغة الحديثة «لم تعد علم تحسين العبارة، بل علم إنتاج الدلالة داخل النص» (بلاغة الخطاب وعلم النص).

وبذلك، أصبح البديع في الرواية جزءًا من آليات البناء السردي، لا عنصرًا خارجيًا ملحقًا به.

ثالثًا: اللغة البديعية عند أحلام مستغانمي – ملامح عامة

تُعدّ تجربة أحلام مستغانمي من أبرز التجارب السردية التي يتداخل فيها النَفَس الشعري مع البناء الروائي. فاللغة عندها ليست مجرّد وسيط حكائي، بل حقلًا دلاليًا مشحونًا بالإيقاع والتوتر الوجداني.

وتتجلّى ملامح البديع في كتابتها من خلال:

المقابلة الدلالية: حب/فقد، وطن/منفى، ذاكرة/نسيان

التكرار بوصفه إيقاعًا نفسيًا، لا إعادة شكلية

المفارقة التي تعكس انقسام الذات بين الرغبة والواقع

التماثل الصوتي الذي يخلق موسيقى داخلية للنص

هذه العناصر، وإن كانت قابلة للتوصيف البلاغي، فإنها لا تُستدعى بوصفها صنعة واعية، بل تنبع من طبيعة التجربة الشعورية نفسها.

رابعًا: البديع بين الصنعة والابتكار في ذاكرة الجسد

في رواية ذاكرة الجسد، يتحوّل البديع إلى بنية شعورية شاملة. فالتكرار، مثلًا، لا يهدف إلى الإيقاع اللفظي فحسب، بل إلى تكريس الإحساس بالفقد والحنين، كما في تكرار مفردات: الجسد، الذاكرة، الألم، الغياب.

وتقوم الرواية على مقابلة رمزية كبرى بين:

الجسد المعطوب

والوطن الجريح

وهي مقابلة تتجاوز حدود المحسّن المعنوي، لتشكّل الهيكل العميق للنص. تقول مستغانمي:

«الوطن ليس مكانًا، بل ذاكرة… وكل ذاكرة معرضة للبتر»

(ذاكرة الجسد).

هنا يتجلّى البديع بوصفه طريقة في التفكير قبل أن يكون طريقة في القول، إذ تتحوّل البلاغة إلى أداة لبناء الرؤية لا لتزيين العبارة.

خامسًا: البديع والأنوثة اللغوية – الإبداع بوصفه موقفًا

تُعيد أحلام مستغانمي من خلال لغتها البديعية صياغة العلاقة بين البلاغة والذات الأنثوية. فبلاغتها لا تسعى إلى الإبهار التقني، بل إلى:

تفجير الذاكرة الفردية والجماعية

مساءلة الحب والخسارة

فضح التمزّق بين الحلم والواقع

وهكذا، يصبح البديع عندها موقفًا إبداعيًا، لا مجرّد مهارة لغوية، وتنتقل البلاغة من الصنعة الواعية إلى الابتكار الحر.

خاتمة

يكشف هذا المقال أن البديع في السرد العربي الحديث لم يعد حبيس التصنيفات البلاغية التقليدية، بل أصبح جزءًا من آليات بناء النص الروائي.

فهو عند أحلام مستغانمي ليس زخرفة لفظية، بل لغة شعورية تُنتج المعنى وتبني الذاكرة وتُشكّل الرؤية.

وعليه، يمكن القول إن أجمل أشكال البديع هي تلك التي تتحقق في المنطقة الوسطى بين الصنعة والخيال، حيث تتوازن القاعدة مع الابتكار، والتقنية مع التجربة.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

...................

المراجع

- ابن المعتز، كتاب البديع، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، دار المعرفة.

- السكاكي، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية.

- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.

- أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، دار الآداب.

- عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، المركز الثقافي العربي.

تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَةُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ

سَلَامٌ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ القَصِيدَةَ وَالقَمْحَ،

وَسَلَامٌ عَلَى وَطَنٍ كُلَّمَا ضَاقَتْ زَنَازِينُهُ اتَّسَعَتْ فِي أَبْنَائِهِ الحُرِّيَّةُ،

وَسَلَامٌ عَلَى أَرْوَاحِ المُقَاوِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا مِنَ الكَلِمَةِ نَافِذَةً لَا تُغْلِقُهَا السَّلَاسِلُ.

وَسَلَامٌ عَلَى أَسْرَانَا البَوَاسِلِ، حُرَّاسِ الكَرَامَةِ خَلْفَ القُضْبَانِ.

وَسَلَامٌ عَلَى رُوحِ محمود درويش الَّذِي عَلَّمَ القَصِيدَةَ كَيْفَ تُقَاوِمُ، وَكَيْفَ يُولَدُ الضَّوْءُ مِنْ عَتْمَةِ الزَّنَازِينِ.

رُبَّمَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارُ الحَدِيثِ عَنْ محمود درويش بِالنِّسْبَةِ لِي قَرَارًا نَقْدِيًّا خَالِصًا بِقَدْرِ مَا هُوَ اسْتِجَابَةٌ لِذَاكِرَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَجَمْعِيَّةٍ تَشَكَّلَتْ فِي الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.

لَقَدْ جَاءَ اخْتِيَارِي لِهَذَا المَوْضُوعِ؛ لِأَنَّنَا تَعَرَّفْنَا عَلَى شِعْرِ محمود درويش مِنَ الحَيَاةِ، وَمِنْ أَصْوَاتِ الِانْتِفَاضَةِ الأُولَى، وَالحِجَارَةِ الَّتِي كَانَتْ تَكْبُرُ فِي الشَّوَارِعِ قَبْلَ أَنْ تَكْبُرَ فِي أَيْدِينَا، وَمِنَ الأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُرَدِّدْنَ مَقَاطِعَ شِعْرِهِ مِثْلَ الدُّعَاءِ اليَوْمِيِّ.

لَقَدْ تَزَامَنَتْ طُفُولَتُنَا مَعَ زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ فِلَسْطِينُ تُقْرَأُ فِي القَصِيدَةِ، وَفِي نَشَرَاتِ الأَخْبَارِ. كُنَّا نَسْمَعُ:

"سَجِّلْ! أَنَا عَرَبِيٌّ" قَبْلَ أَنْ نُدْرِكَ تَمَامًا مَعْنَى الهُوِيَّةِ، وَنُرَدِّدُ: "عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ" قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْكَلِمَاتِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى وَطَنٍ.

فِي ذَاكِرَتِي الطُّفُولِيَّةِ يَتَصَاعَدُ اسْمُ محمود درويش نَشِيدًا خَاصّا بِالرُّوحِ الفِلَسْطِينِيَّةِ.

كُنْتُ أَنْتَظِرُ صَوْتَهُ بِشَغَفٍ طُفوليٍّ خَالِصٍ، وَأَطِيرُ فَرَحًا كُلَّمَا أَعْلَنَ المِذْيَاعُ أَوِ التِّلْفَازُ عَنْ أُمْسِيَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَوْ لِقَاءٍ مُبَاشِرٍ لَهُ.

كَانَ صَوْتُهُ يَدْخُلُ البُيُوتَ الفِلَسْطِينِيَّةَ بِهَيْبَةِ الوَطَنِ، وَتَتَحَوَّلُ اللَّحْظَةُ إِلَى طَقْسٍ جَمْعِيٍّ تَتَوَحَّدُ فِيهِ القُلُوبُ حَوْلَ الكَلِمَةِ.

أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كُنْتُ أُصْغِي إِلَى نَبْرَتِهِ وَأَنَا أُحَاوِلُ فَهْمَ ذَلِكَ السِّحْرِ الَّذِي يَجْعَلُ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ وَالأُمِّ وَالحُلْمِ.

كَانَ اسْمُهُ يَحْمِلُ فِي وَعْيِي وأنا طفلة صُورَةَ فِلَسْطِينَ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ شَعَرْتُ أَنَّ الوَطَنَ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ أَعْمَقَ مِنَ الخُطَبِ وَالأَخْبَارِ.

وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِهِ يَبْدُو أَنَّ الزَّنْزَانَةَ تَحَوَّلَتْ فِي وُعْيِهِ الشِّعْرِيِّ إِلَى مَسَاحَةٍ لاِكْتِشَافِ الإِنْسَانِ لِقُوَّتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، ففِي تِلْكَ العَتْمَةِ وُلِدَ خِطَابٌ شِعْرِيٌّ يَمْلَأُ المَكَانَ بِالكَرَامَةِ وَالإِصْرَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِالحَيَاةِ، وَسرعان ما صَارَتِ القَصِيدَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَسِيرِ وَوَطَنِهِ، وَبَيْنَ الجُرْحِ وَالأَمَلِ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالمُسْتَقْبَلِ.

فِي شِعْرِ دَرْوِيش يَتَشَكَّلُ الوَعْيُ المُقَاوِمُ مِنْ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ تَحْمِلُ عُمْقَ الحَيَاةِ من رَائِحَة الخُبْزِ، وَصَوْت الأُمِّ، وَالنَّافِذَة المُطِلَّةُ عَلَى سَمَاءٍ بَعِيدَةٍ، وَخُطُوَات الحَالِمِينَ بِالحُرِّيَّةِ.

تِلْكَ الصُّوَرُ تَمْنَحُ القَصِيدَةَ قُدْرَةً عَلَى حِفْظِ الهُوِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ فِي وَجْهِ المَحْوِ، وَتَجْعَلُ الأَسِيرَ حَاضِرًا فِي الضَّمِيرِ الجَمْعِيِّ رمزًا لِلصُّمُودِ وَالكَرَامَةِ.

محمود درويش يَكْتُبُ القَصِيدَةَ فيَفْتَحُ نَافِذَةً فِي جِدَارٍ مُغْلَقٍ، تَدْخُلُ مِنْهَا الشَّمْسُ وَأَصْوَاتُ القُرَى وَحُلُمُ العَائِدِينَ، وَمِنْ هُنَا اكْتَسَبَ خِطَابُهُ الشِّعْرِيُّ قُوَّتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ وَالوَطَنِيَّةَ، حَتَّى غَدَتْ قَصَائِدُهُ مَسَاحَةً يَلْتَقِي فِيهَا الأَلَمُ بِالجَمَالِ، وَتَلْتَقِي فِيهَا فِلَسْطِينُ بِصَوْتِهَا الَّذِي لا يَغِيبُ.

وَهُنَا تَحْدِيدًا يَكْمُنُ الدَّافِعُ الحَقِيقِيُّ لِاخْتِيَارِ شِعْرِ محمود درويش؛ فهو الشَّاعِرُ القَرِيبُ مِنْ تَفَاصِيلِنَا، حتى بات جُزْءًا مِنَ الوَعْيِ الَّذِي تَشَكَّلَ دَاخِلَنَا مُبَكِّرًا.

لَقَدْ دَخَلَتْ قَصَائِدُهُ البُيُوتَ وَالمَدَارِسَ وَالمُخَيَّمَاتِ، وَاخْتَلَطَتْ بِصَوْتِ الِانْتِفَاضَةِ، وَصَارَتِ اللُّغَةُ عِنْدَهُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ البَقَاءِ النَّفْسِيِّ وَالوَطَنِيِّ.

إِنَّ عُنْوَانَ مُدَاخَلَتِي يَحْمِلُ شَبَكَةً مِنَ المَفَاهِيمِ الحَيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالسِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ مَعًا.

فَعِنْدَمَا نَقُولُ: "تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ"، فَنَحْنُ لُغَوِيًّا أَمَامَ كَلِمَةِ "تَجْرِبَةٍ" المُشْتَقَّةِ مِنَ الفعلِ "جَرَّبَ"، أَيْ: المُعَايَشَةُ وَالِاخْتِبَارُ وَالمُرُورُ الفِعْلِيُّ بِالأَلَمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَالتَّجْرِبَةُ حَالَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَتْرُكُ أَثَرَهَا فِي الوَعْيِ وَاللُّغَةِ وَالذَّاكِرَةِ.

أَمَّا "الِاعْتِقَالُ"، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الفِعْلِ "اعْتَقَلَ"، أَيْ: الحَبْسُ وَالمَنْعُ وَالتَّقْيِيدُ. لَكِنَّهُ فِي السِّيَاقِ الفِلَسْطِينِيِّ يَتَجَاوَزُ الجُدْرَانَ الحَدِيدِيَّةَ؛ لِيُصْبِحَ صُورَةً لِحِصَارِ الإِنْسَانِ فِي وَطَنِهِ، وَمُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى صَوْتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ.

وَعَنْ عِبَارَةِ "الوَعْيِ المُقَاوِمِ"، فَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ المَفَاهِيمِ عُمْقًا فِي هَذَا البَحْثِ؛ فَالوَعْيُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مُشْتَقٌّ مِنْ "وَعَى"، أَيْ: أَدْرَكَ وَفَهِمَ وَحَفِظَ، لَكِنَّهُ فِي التَّجْرِبَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ حَالَةُ يَقَظَةٍ وَطَنِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ قَادِرًا عَلَى مُقَاوَمَةِ الطَّمْسِ وَالنِّسْيَانِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ شِعْرُ محمود درويش وَعْيًا يُعَادُ تَشْكِيلُهُ دَاخِلَ النَّصِّ، وَعْيًا يَصْنَعُ مِنَ الأَلَمِ مَعْنًى، وَيُهَنْدِسُ مِنَ الخَسَارَةِ قُدْرَةً عَلَى الِاسْتِمْرَارِ.

ثُمَّ تَأْتِي عِبَارَةُ "بِنْيَةِ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ" لِتَقُودَنَا إِلَى مُسْتَوًى آخَرَ مِنَ القِرَاءَةِ، فَالبِنْيَةُ تَعْنِي النِّظَامَ وَالتَّرْكِيبَ وَالعَلَاقَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا النَّصُّ، بَيْنَمَا الخِطَابُ هُوَ مَوْقِفٌ وَرُؤْيَةٌ وَصَوْتٌ يَسْعَى لِلتَّأْثِيرِ وَالإِقْنَاعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَاقِعِ.

فَالقَصِيدَةُ الدَّرْوِيشِيَّةُ فَضَاءٌ كَامِلٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ اللُّغَةُ مَعَ التَّارِيخِ، وَالرَّمْزُ مَعَ الذَّاكِرَةِ، وَالفَرْدُ مَعَ الجَمَاعَةِ.

فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ قَصِيدَةً كُتِبَتْ فِي زِنْزَانَةٍ أَوْ تَحْتَ الإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ قَادِرَةً عَلَى البَقَاءِ كُلَّ هَذِهِ العُقُودِ؟

وَمَا الَّذِي يَجْعَلُ نُصُوصَ محمود درويش تَتَجَاوَزُ زَمَنَهَا السِّيَاسِيَّ؛ لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنَ الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ؟

إِنَّ السِّرَّ - فِي تَقْدِيرِي - يَكْمُنُ فِي أَنَّهُ كَتَبَ عَنِ الإِنْسَانِ الَّذِي يُخْتَبَرُ فِي حُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ، لِذَلِكَ ظَلَّ شِعْرُهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَوِّلَ الخَاصَّ إِلَى إِنْسَانِيٍّ، وَاليَوْمِيَّ إِلَى رَمْزِيٍّ، وَالأَلَمَ إِلَى جَمَالٍ.

وَلَعَلَّ مَا يَلْفِتُ الانتباهَ فِي شِعْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ المُقَاوَمَةَ بِلُغَةٍ عَالِيَةٍ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ حَرَارَةَ الإِنْسَانِ البَسِيطِ، فالقَصِيدَةُ تبدو عَمِيقَةً وَمَفْهُومَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَلِذَلِكَ شَاعَتْ نُصُوصُهُ وَذَاعَتْ بَيْنَ النُّقَّادِ، وَبَيْنَ النَّاسِ العَادِيِّينَ، بَيْنَ الأَطْفَالِ، وَالطَّلَبَةِ، وَالأَسْرَى، وَالأُمَّهَاتِ.

إِنَّ محمود درويش- بِحَقٍّ - شَاعِرٌ عِمْلَاقٌ نَحَتَ مِنَ اللُّغَةِ تِمْثَالًا أُسْطُورِيًّا لِلْوَطَنِ البَدِيلِ عِنْدَمَا ضَاقَ الوَطَنُ الحَقِيقِيُّ عَلَى أَبْنَائِهِ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ.

وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ مُحَاوَلَةً لِقِرَاءَةِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تَحَوَّلَ فِيهَا الِاعْتِقَالُ مِنْ تَجْرِبَةِ قَهْرٍ إِلَى طَاقَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَنْتَجَتْ خِطَابًا مُقَاوِمًا مَا زَالَ حَتَّى اليَوْمِ قَادِرًا عَلَى مُلَامَسَةِ الوَعْيِ الفِلَسْطِينِيِّ وَالعَرَبِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ.

وَاعْتَمَدْتُ فِي وَرَقَتِي البَحْثِيَّةِ عَلَى المَنْهَجِ الوَصْفِيِّ التَّحْلِيلِيِّ، مُسْتَفِيدَةً مِنْ مُقَارَبَاتِ تَحْلِيلِ الخِطَابِ، عَبْرَ قِرَاءَةِ نَمَاذِجَ مُخْتَارَةٍ مِنْ شِعْرِ محمود درويش فِي مَرْحَلَتِهِ المُبَكِّرَةِ، خَاصَّةً النُّصُوصَ المُرْتَبِطَةَ بِالسِّجْنِ، وَالمُلَاحَقَةِ، وَالإِقَامَةِ الجَبْرِيَّةِ.

سَأَكْتَفِي في مداخلتي المخصّصة للعرض في المؤتمر بِتَنَاوُلِ نَصَّيْنِ شِعْرِيَّيْنِ يُمَثِّلَانِ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ لِلشَّاعِرِ الرَّاحِلِ محمود درويش، وَهُمَا:

قَصِيدَةُ "بَرْقِيَّةٌ مِنَ السِّجْنِ" الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ "عاشق من فلسطين"، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1966م، وَالقَصِيدَةُ مُثْبَتَةٌ ضِمْنَ قَصَائِدِ الدِّيوَانِ المُبَكِّرَةِ المُرْتَبِطَةِ بِتَجْرِبَةِ السِّجْنِ وَالمُقَاوَمَةِ.

وَقَصِيدَةُ "لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ" الَّتِي وَرَدَتْ فِي دِيوَانِ آخر الليل، وَالصَّادِرِ سَنَةَ 1967م، وَتُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ قَصَائِدِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي هَذَا الدِّيوَانِ، وهما جزء من بحث ضافٍ يتضمّن نماذج متعدّدة للشاعر الراحل محمود درويش، والتي ستنشر ضمن جسم البحث الكامل فيما بعد.

وَعَنِ القَصِيدَةِ الأُولَى، يَقُولُ الشَّاعِرُ:

"مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي

تَشُدُّ أَيْدِيَكُمْ رِيحًا عَلَى نَارِ

أَنَا هُنَا، وَوَرَاءَ السُّورِ أَشْجَارِي

تُطَوِّعُ الجَبَلَ المَغْرُورَ.. أَشْجَارِي

مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ، مَا ارْتَفَعَتْ

غَيْرُ النُّجُومِ عَلَى أَسْلَاكِ أَسْوَارِي

أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادَ حَوْلَ يَدِي:

هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي

فِي حَجْمِ مَجْدِكُمُ نَعْلِي، وَقَيْدُ يَدِي

فِي طُولِ عُمْرِكُمُ المَجْدُولِ بِالعَارِ.

أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَا

أسَرَى مَحَبَّتِكُمْ فِي المَوْكِبِ السَّارِي

فِي اليَوْمِ، أَكْبُرُ عَامًا فِي هَوَى وَطَنِي

فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ"

يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِقَوْلِهِ:

"مِنْ آخِرِ السِّجْنِ، طَارَتْ كَفُّ أَشْعَارِي"

وَتَقُومُ الصُّورَةُ الشِّعْرِيَّةُ هُنَا عَلَى مُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ؛ فَالسِّجْنُ مَكَانٌ لِلإِغْلَاقِ، بَيْنَمَا يَرْتَبِطُ الفِعْلُ "طَارَتْ" بِالتَّحَرُّرِ وَالِانْطِلَاقِ. وَهَذَا الِانْزِيَاحُ يَكْشِفُ قُدْرَةَ الشَّاعِرِ عَلَى قَلْبِ وَظِيفَةِ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءٍ لِلْقَمْعِ إِلَى مُنْطَلَقٍ لِلْحُرِّيَّةِ الشِّعْرِيَّةِ، ولكُم أنْ تتابعوا معي إِضَافَةَ "كَفٍّ" إِلَى "أَشْعَارِي"، والتي تَجْعَلُ القَصِيدَةَ امْتِدَادًا جَسَدِيًّا لِلشَّاعِرِ، فالشِّعْرُ يُمَارِسُ المُقَاوَمَةَ نِيَابَةً عَن الشّاعر.

ثُمَّ تَتَصَاعَدُ لُغَةُ التَّوَتُّرِ وَالمُقَاوَمَةِ فِي قَوْلِهِ:

"مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ"

فالكِتَابَةُ كانت سَبَبًا لِلِاعْتِقَالِ، و"الحَرْفُ" قِيمَةٌ نِضَالِيَّةٌ تَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ، وَهُنَا يَتَجَلَّى وَعْيُ محمود درويش المُبَكِّرُ بِأَنَّ الشِّعْرَ مَوْقِفٌ سِيَاسِيٌّ وَوَطَنِيٌّ، وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ السِّجْنُ ثَمَنًا لِلْكَلِمَةِ الحُرَّةِ، واسْتَحضَرْتُ هنا الشاعرَ عبد يغوث الحارثي الفارس الجاهلي اليَماني الذي أسَرَتهُ بنو تميم، وتجربتُهُ في الأسرِ تُعدُّ من أكثر التجارِب الشّعرية انفجارًا بالصدق والألم، ففي قصيدته "ألا لا تلوماني" قال:

أَلاَ لا تَلُومَانِي كَفى اللَّوْمَ ما بِيَا *** وما لَكُما في اللَّوْمِ خَيْرٌ ولا لِيَا

أَقُولُ وقد شَدُّوا لسانِي بِنَسْعَةٍ *** أَمَعْشَرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا عن لِسَانِيَا

فأصبحَ الأسرُ سببًا في خلودِ صوتِه لا في غيابه، ومن هنا يتقاطعُ مع تَجرِبةِ محمود درويش، فكلاهما جعلَ من القيدِ ولادةً للكلمةِ الحُرةِ، فالأسرُ كان مَهْرًا للشعرِ الذي بقيَ حيًا عَبْرَ الزمن.

وَفِي قَوْلِهِ:

"هَذِي أَسَاوِرُ أَشْعَارِي وَإِصْرَارِي"

يَعْمِدُ الشَّاعِرُ إِلَى تَحْوِيلِ الأَصْفَادِ مِنْ رَمْزٍ لِلإِذْلَالِ إِلَى رَمْزٍ لِلصُّمُودِ، وَهِيَ تِقْنِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ المَعْنَى المُضَادِّ؛ فَالقَيْدُ صَارَ دَلِيلًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالمَوْقِفِ بَعِيدًا عَنِ الهَزِيمَةِ، وَمِنْ خِلَالِ هَذَا التَّحْوِيلِ تَنْبَنِي لُغَةُ الخِطَابِ المُقَاوِمِ الَّتِي تَرْفُضُ الِاعْتِرَافَ بِسُلْطَةِ السَّجَّانِ النَّفْسِيَّةِ.

كَمَا يَبْرُزُ البُعْدُ الجَمَاعِيُّ فِي النَّصِّ مِنْ خِلَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ ضَمِيرِ الأَنَا إِلَى ضَمِيرِ الجَمَاعَةِ:

"أَقُولُ لِلنَّاسِ، لِلأَحْبَابِ: نَحْنُ هُنَا"

فَالسَّجِينُ يَتَحَدَّثُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَطَنِيَّةٍ كَامِلَةٍ، وَبِذَلِكَ تَتَحَوَّلُ تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ إِلَى تَجْرِبَةِ شَعْبٍ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا البُعْدَ قَوْلُهُ:

"فَعَانِقُونِي عِنَاقَ الرِّيحِ لِلنَّارِ"

لاحظوا معي كيف تَتَوَلَّدُ صُورَةٌ حَرَكِيَّةٌ عَنِيفَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الرِّيحِ وَالنَّارِ، بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَلَالَاتِ الثَّوْرَةِ وَالِاشْتِعَالِ وَالِاسْتِمْرَارِ.

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى البِنْيَةِ الخِطَابِيَّةِ، فَإِنَّ القَصِيدَةَ تَقُومُ عَلَى أُسْلُوبِ المُوَاجَهَةِ المُبَاشِرَةِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي كَثْرَةِ أَفْعَالِ القَوْلِ.

-  أَقُولُ لِلْمُحْكَمِ الأَصْفَادِ.

-  أَقُولُ لِلنَّاسِ.

فَالنَّصُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى خِطَابٍ احْتِجَاجِيٍّ يُوَاجِهُ السَّجَّانَ مِنْ جِهَةٍ، وَيَتَوَاصَلُ مَعَ الجَمَاعَةِ الوَطَنِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلِهَذَا تَتَدَاخَلُ فِي القَصِيدَةِ اللُّغَةُ الوِجْدَانِيَّةُ بِاللُّغَةِ التَّحْرِيضِيَّةِ، فَتُنْتِجُ خِطَابًا شِعْرِيًّا مُقَاوِمًا يَجْمَعُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالتَّحَدِّي.

أَمَّا النَّصُّ الثَّانِي المُتَمَثِّلُ فِي قَصِيدَةِ "لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ"، فَهِيَ أُنْمُوذَجٌ مُتَقَدِّمٌ لِتَحَوُّلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش مِنْ تَجْرِبَةِ قَمْعٍ مَادِّيٍّ إِلَى تَجْرِبَةِ وَعْيٍ دَاخِلِيٍّ وَفَلْسَفِيٍّ، فَيَقُولُ:

"كَعَادَتِهَا

أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي

وَمِنْ صَدَأِ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ

عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ

وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ

وَأَسْمَاءَ مَنْ فَقَدُوا أَمْسِ أَسْمَاءَهُمْ

عَلَى تُرْبَةِ المَعْرَكَةِ

سَأَعْتَرِفُ الآنَ،

مَا أَجْمَلَ الِاعْتِرَافَ

فَلَا تَحْزَنِي أَنْتِ يَوْمَ الأَحَدِ

وَقُولِي لِأَهْلِ البَلَدِ:

سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ

إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ

تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي

وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي... وَاليَاسَمِينُ

وَتَنْقُصُ أَعْدَادُ مَنْ يَرْقُصُونَ

وَيَذْبُلُ صَوْتُكِ قَبْلَ الأَوَانِ

وَلَكِنَّ زِنْزَانَتِي

كَعَادَتِهَا،

أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ

زِنْزَانَتِي...

وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

فَشَعَّ فَوْقَ الجِدَارِ"

يَفْتَتِحُ الشَّاعِرُ النَّصَّ بِمُفَارَقَةٍ دَلَالِيَّةٍ لَافِتَةٍ:

"أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي"

فالزِّنْزَانَةُ الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ رَمْزًا لِلْمَوْتِ وَالعَزْلِ تحولت إِلَى وَسِيلَةِ إِنْقَاذٍ، وَهَذِهِ المُفَارَقَةُ تَكْشِفُ طَبِيعَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عِنْدَ محمود درويش؛ فَهُوَ يُعِيدُ إِنْتَاجَ الأَشْيَاءِ بِصُورَةٍ مُضَادَّةٍ لِوَظِيفَتِهَا الوَاقِعِيَّةِ، فَالسِّجْنُ لَا يَقْتُلُ الشَّاعِرَ وهذا ما صرّحَ به، وَإِنَّمَا يَحْمِيهِ مِنْ:

"صَدَأ الفِكْرِ، وَالِاحْتِيَالِ عَلَى فِكْرَةٍ مُنْهَكَةٍ"

أَيْ مِنَ المَوْتِ الرُّوحِيِّ وَالرُّكُودِ الفِكْرِيِّ، فالِاعْتِقَالُ لَحْظَةَ وَعْيٍ وَتَجَدُّدٍ.

ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّصُّ إِلَى بِنَاءِ صُورَةِ الحُرِّيَّةِ دَاخِلَ فَضَاءِ السِّجْنِ:

"وَجَدْتُ عَلَى سَقْفِهَا وَجْهَ حُرِّيَّتِي

وَبَيَّارَةَ البُرْتُقَالِ"

وَتَقُومُ الصُّورَةُ هُنَا عَلَى جَدَلِيَّةِ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ؛ فَالسَّقْفُ الَّذِي يُمَثِّلُ الحَدَّ المُغْلَقَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَاحَةِ انْفِتَاحٍ بَصَرِيٍّ وَوَطَنِيٍّ، واسْتِحْضَارُ "بَيَّارَةِ البُرْتُقَالِ" يَحْمِلُ دَلَالَةً فِلَسْطِينِيَّةً وَاضِحَةً تَرْتَبِطُ فيها أرضُ البُرْتُقَالِ بِالهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ، فَالوَطَنُ يَظَلُّ حَاضِرًا دَاخِلَ الزَّنْزَانَةِ رَغْمَ العَزْلِ.

كَمَا يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ لُغَةِ فَقْدٍ وَانْكِسَارٍ فِي قَوْلِهِ:

"تَفِرُّ العَصَافِيرُ مِنْ قَبْضَتِي

وَيَبْتَعِدُ النَّجْمُ عَنِّي"

فَالعَصَافِيرُ وَالنَّجْمُ رَمْزَانِ لِلْحُلْمِ وَالحُرِّيَّةِ وَالجَمَالِ، وَابْتِعَادُهُمَا يَعْكِسُ أَثَرَ السِّجْنِ النَّفْسِيَّ وَالوِجْدَانِيَّ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الإِحْسَاسَ بِالفَقْدِ لَا يَقُودُ إِلَى الِاسْتِسْلَامِ بدليل أنّ الشَّاعِرَ يَعُودُ فِي نِهَايَةِ النَّصِّ إِلَى العِبَارَةِ المركزيّة:

"أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زَنْزَانَتِي"

وَيَكْشِفُ هَذَا التَّكْرَارُ البِنْيَةَ الدَّائِرِيَّةَ لِلنَّصِّ القائمةَ على إِصْرَارِ الشَّاعِرِ عَلَى تَحْوِيلِ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ إِلَى مَصْدَرِ قُوَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ.

أَمَّا عَلَى مُسْتَوَى الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ، فَيُلَاحَظُ تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ بِالوَطَنِيِّ، فحَدِيثُ الشَّاعِرِ عَنْ تَأْجِيلِ حَفْلِ الزَّفَافِ في قوله: " سَنُرْجِئُ حَفْلَ الزَّفَافِ إِلَى مَطْلَعِ السَّنَةِ القَادِمَةِ" يُقْرَأُ رَمْزًا لِتَأْجِيلِ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الِاحْتِلَالِ وَالسِّجْنِ، فالتَّجْرِبَةُ الفَرْدِيَّةُ مِرْآةً لِمُعَانَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ.

وَعَلَيْهِ، يُبْرُزُ النَّصُّ كَيْفَ اسْتَطَاعَ محمود درويش أَنْ يُحَوِّلَ الزِّنْزَانَةَ إِلَى فَضَاءٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ، وَأَنْ يَبْنِيَ خِطَابًا جَمَالِيًّا يَقُومُ عَلَى المُفَارَقَةِ وَالأَمَلِ وَاسْتِعَادَةِ الوَطَنِ دَاخِلَ اللُّغَةِ، وهذا بدورهِ يَجْعَلُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ عُنْصُرًا أَسَاسِيًّا فِي تَشْكِيلِ وَعْيِهِ الشِّعْرِيِّ المُقَاوِمِ.

تَكْشِفُ دِرَاسَةُ نَصَّيْ "بَرْقِيَّةٍ مِنَ السِّجْنِ"، وَ"لَا جُدْرَانَ لِلزِّنْزَانَةِ" فِي شِعْرِ محمود درويش أَنَّ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ شَكَّلَتْ مَنْبَعًا أَسَاسِيًّا فِي مَسِيرَةِ دَرْوِيشَ الشِّعْرِيَّةِ، وَعَمِلَتْ عَلَى تَكْوِينِ خِطَابِهِ المُقَاوِمِ وَبِنْيَتِهِ الجَمَالِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ.

وَقَدْ أَفْضَى تَحْلِيلُ النَّصَّيْنِ إِلَى النَّتَائِجِ الآتِيَةِ:

1.تَحَوُّلُ السِّجْنِ مِنْ فَضَاءِ قَمْعٍ إِلَى فَضَاءِ إِنْتَاجٍ شِعْرِيٍّ وَمُقَاوِمٍ

فَقَدْ نَجَحَ محمود درويش فِي قَلْبِ الدَّلَالَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلسِّجْنِ المُتَمَثِّلَةِ بِالعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ إِلَى فَضَاءٍ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ الحُرِّيَّةِ وَالهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: "أَنْقَذَتْنِي مِنَ المَوْتِ زِنْزَانَتِي".

2.بِنَاءُ خِطَابٍ شِعْرِيٍّ مُقَاوِمٍ قَائِمٍ عَلَى المُفَارَقَةِ

اعْتَمَدَ الشَّاعِرُ عَلَى المُفَارَقَةِ كَتِقْنِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ؛ فَالقَيْدُ يَتَحَوَّلُ إِلَى "أَسَاوِرِ أَشْعَارٍ"، وَالزِّنْزَانَةُ باتت مَصْدَرَ نَجَاةٍ، وَالسِّجْنُ هو مُنْطَلَقٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا التَّحْوِيلُ الدَّلَالِيُّ يَعْكِسُ قُدْرَةَ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى مُقَاوَمَةِ سُلْطَةِ الوَاقِعِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ جَمَالِيًّا.

3.تَدَاخُلُ الذَّاتِيِّ وَالجَمْعِيِّ فِي التَّجْرِبَةِ الشِّعْرِيَّةِ

لَقَدْ نَقَلَتِ القَصَائِدُ تَجْرِبَةَ الِاعْتِقَالِ مِنَ الإِطَارِ الفَرْدِيِّ إِلَى المُسْتَوَى الجَمْعِيِّ الَّذِي يُمَثِّلُ صوتَ الجماعةِ ووجعَ الوطنِ وحُلْمَ الحريّةِ والتمسّكَ بالهُويّةِ؛ لِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ ضَمَائِرُ الجَمَاعَةِ وَصِيَغُ الخِطَابِ المُوَجَّهِ إِلَى الشَّعْبِ وَالأَحْبَابِ وَالوَطَنِ.

4.هَيْمَنَةُ المُعْجَمِ الدَّالِّ عَلَى المُقَاوَمَةِ وَالحَيَاةِ

أَظْهَرَتِ النُّصُوصُ حُضُورَ مُعْجَمٍ مُضَادٍّ لِمُعْجَمِ السِّجْنِ، فَإِلَى جَانِبِ مُفْرَدَاتِ: "السَّلَاسِلِ، وَالأَسْوَارِ، وَالمَوْتِ"، حَضَرَتْ مُفْرَدَاتُ: "الرِّيحِ، وَالعَصَافِيرِ، وَالبُرْتُقَالِ، وَالنُّجُومِ، وَالحُرِّيَّةِ"، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ سَعْيَ الشَّاعِرِ إِلَى تَرْسِيخِ الأَمَلِ فِي مُوَاجَهَةِ القَمْعِ.

5.تَشَكُّلُ الوَعْيِ المُقَاوِمِ عَبْرَ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ

إِنَّ الشِّعْرَ عِنْدَ محمود درويش وَسِيلَةُ تَعْبِيرٍ وِجْدَانِيٍّ، وَأَدَاةُ مُقَاوَمَةٍ وَتَثْبِيتٍ لِلْهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِذَلِكَ ارْتَبَطَ الِاعْتِقَالُ عِنْدَهُ بِالفِعْلِ الشِّعْرِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: "مُذْ جِئْتُ أَدْفَعُ مَهْرَ الحَرْفِ".

6.اعْتِمَادُ الخِطَابِ الشِّعْرِيِّ عَلَى البِنْيَةِ الحِوَارِيَّةِ وَالتَّحْرِيضِيَّةِ

كَشَفَتِ القَصَيدتانِ عَنْ حُضُورٍ وَاضِحٍ لِأَفْعَالِ القَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالخِطَابِ المُبَاشِرِ، مَا مَنَحَ النُّصُوصَ طَابِعًا احْتِجَاجِيًّا وَتَعْبَوِيًّا، وَجَعَلَ القَصِيدَةَ أَقْرَبَ إِلَى رِسَالَةِ مُقَاوَمَةٍ جَمَاعِيَّةٍ.

تَوْصِيَاتُ البَحْثِ

1.تَوْسِيعُ دِرَاسَةِ أَدَبِ السُّجُونِ الفِلَسْطِينِيِّ

لِمَا يَكْشِفُهُ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ وَجَمَالِيَّةٍ أَسْهَمَتْ فِي تَشْكِيلِ الوَعْيِ المُقَاوِمِ فِي الأَدَبِ الفِلَسْطِينِيِّ الحَدِيثِ.

2.الِاهْتِمَامُ بِالبِنْيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالخِطَابِيَّةِ فِي شِعْرِ المُقَاوَمَةِ

وَعَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى المَضَامِينِ الوَطَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالإِيقَاعِ تُؤَدِّي دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي بِنَاءِ الخِطَابِ المُقَاوِمِ.

3.إِبْرَازُ تَجْرِبَةِ الِاعْتِقَالِ كَعُنْصُرٍ مُؤَسِّسٍ فِي شِعْرِ محمود درويش

لِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ وَاضِحٍ فِي تَطَوُّرِ رُؤْيَتِهِ لِلْحُرِّيَّةِ وَالوَطَنِ وَالهُوِيَّةِ.

4.تَشْجِيعُ الدِّرَاسَاتِ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجَارِبِ السِّجْنِ العَرَبِيَّةِ في العصور كافّة

مِثْلَ المُقَارَنَةِ بَيْنَ تَجْرِبَةِ محمود درويش وَتَجْرِبَةِ طَرَفة بن العبد، وأبي العلاء المعري، أو تجربة أمل دُنقُل، أو محمد الماغوط، لِلْكَشْفِ عَنِ اخْتِلَافِ تَمَثُّلَاتِ السِّجْنِ بَيْنَ الخِطَابِ الوَطَنِيِّ وَالخِطَابِ الوُجُودِيِّ.

5.إِدْخَالُ نُصُوصِ شِعْرِ السِّجْنِ ضِمْنَ المَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ

لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ قِيَمٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى تَرْسِيخِ الوَعْيِ بِالحُرِّيَّةِ وَمُقَاوَمَةِ القَهْرِ.

6.دِرَاسَةُ تَطَوُّرِ صُورَةِ السِّجْنِ فِي المَرَاحِلِ الشِّعْرِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ عِنْدَ محمود درويش

بَدْءًا مِنَ السِّجْنِ الوَاقِعِيِّ فِي القَصَائِدِ المُبَكِّرَةِ، وُصُولًا إِلَى السِّجْنِ النَّفْسِيِّ وَالوُجُودِيِّ فِي أَعْمَالِهِ المُتَأَخِّرَةِ مِثْل ديوانِ "جدارية" الذي نُشِر في عام ألفَين.

وأختمُ بسطورٍ من الجدارية فأقول:

سنكونُ يوماً ما نريدُ

لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى

فلنذهبْ إلى أَعلى الجداريات:

أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ،

وأَنا البعيدُ

أَنا البعيدُ

غريبٌ أَنتَ في مَعناكْ.

يكفي أَنْ تكونَ هُناكْ.

اكتُبْ تَكُنْ!

واقرأْ تَجِدْ!

وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ، يَتَّحِدْ

ضدَّاكَ في المعنى.

وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الوَرَقَةِ البَحْثِيَّةِ تَبْقَى تَجْرِبَةُ الِاعْتِقَالِ فِي شِعْرِ محمود درويش نَصًّا مَفْتُوحًا عَلَى وَجَعِ الإِنْسَانِ وَكَرَامَةِ الوَطَنِ وَجَمَالِ اللُّغَةِ.

فَمِنْ قَلْبِ الزَّنَازِينِ خَرَجَتِ القَصِيدَةُ مُثْقَلَةً بِرَائِحَةِ الأَرْضِ، وَمُضِيئَةً بِحُلْمِ الحُرِّيَّةِ، وَمَحْمُولَةً عَلَى صَوْتِ شَعْبٍ يُجِيدُ النُّهُوضَ كُلَّمَا اثْقَلَهُ الجُرْحُ.

هَا هِيَ القُيُودُ تَتَحَوَّلُ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَسَاوِرَ مِنْ صَبْرٍ، وَهَا هِيَ الزَّنْزَانَةُ تَتَّسِعُ لِبَيَّارَاتِ البُرْتُقَالِ وَأَصْوَاتِ العَائِدِينَ وَخُطُوَاتِ الحَالِمِينَ بِفَجْرٍ يُشْبِهُ فِلَسْطِين. فالشَّاعِر كَانَ يَغْرِسُ فِي الجِدَارِ نَافِذَةً، وَيَغْرِسُ فِي القَلْبِ وَعْيًا، وَيَغْرِسُ فِي الزَّمَنِ قَصِيدَةً تُشْبِهُ البَقَاءَ.

يَا أَيُّهَا الحَرْفُ الفِلَسْطِينِيُّ، امْضِ فِي الطَّرِيقِ مُتَوَهِّجًا كَالسَّنَابِلِ فِي مَوْسِمِ الرِّيحِ، وَاحْمِلْ مَعَكَ حِكَايَاتِ الأَسْرَى إِلَى العَالَمِ؛ لِتَبْقَى أَسْمَاؤُهُمْ مُعَلَّقَةً عَلَى جِهَةِ الضَّوْءِ.

وَيَا قَصِيدَةَ محمود درويش، خُذِي بِيَدِ الوَطَنِ نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ الجَمَالِ وَالكَرَامَةِ وَالحَيَاةِ.

فَلْتَبْقَ الكَلِمَةُ جِسْرًا بَيْنَ الأَرْضِ وَأَبْنَائِهَا، وَلْتَبْقَ فِلَسْطِينُ مِئْذَنَةً لِلرُّوحِ وَالقَصِيدَةِ وَالحُرِّيَّةِ، وَلْيَكْتُبِ الأَحْفَادُ يَوْمًا عَلَى جُدْرَانِ الفَجْرِ: هُنَا مَرَّ شُعَرَاءُ حَوَّلُوا الأَلَمَ إِلَى وَرْدٍ، وَحَوَّلُوا السِّجْنَ إِلَى نَشِيدٍ يُرَدِّدُهُ الوَطَنُ عَلَى مَدَى الدَّهْرِ.

***

غدير حميدان الزبون– فِلَسْطِينُ

............................

* المداخلة البحثيّة الخاصة بمؤتمر أدب الأسرى مع وزارة الثقافة الفلسطينيّة

قائمة المصادر والمراجع:

- أبو العلاء المعري. اللزوميات. بيروت: دار صادر، د.ت.

- أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة، 1972م.

- أمل دنقل. الأعمال الشعرية الكاملة. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2007م.

- برادة، محمد. الأسئلة والرواية: مقاربات نقدية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996م.

- التبريزي، الخطيب. شرح ديوان الحماسة. بيروت: دار القلم، د.ت.

- الجيوسي، سلمى الخضراء. الأدب الفلسطيني الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997م.

- خليل، إبراهيم. الشعر الفلسطيني الحديث: من المقاومة إلى الانتفاضة. عمّان: دار المسيرة، 2003م.

- خليفة، خليل. تجليات السجن في الأدب الفلسطيني المعاصر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010م.

- درّاج، فيصل. ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني. بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 2002م.

- مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2004م.

- محمد الماغوط. الأعمال الشعرية الكاملة. بيروت: دار العودة، 2006م.

- محمود درويش. آخر الليل. بيروت: دار العودة، 1967م.

- محمود درويش. الجدارية. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 2000م.

- محمود درويش. عاشق من فلسطين. بيروت: دار العودة، 1966م.

- يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989م.

لكلّ شيءٍ مفهومه في المنظور النصّي، وربّما يعتقد بعضهم أنّ الأشياء هي تلك الكيانات المنظورة الماديّة التي يمكن التعامل معها من خلال الرؤية فقط. غير أنّ للأشياء مفاهيمَ متعدّدة؛ فعندما نقول: (الكرسيّ ينتظر)، فإنّ ذلك يعني وجود حركةٍ شيئيّة، وعلاقةٍ بين الكرسيّ وفعل الانتظار. وهذا يفترض حالةً متكرّرةً مرتبطةً بالكرسيّ من قبل شخصٍ ما، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أشياء كثيرة يمكن تحريكها داخل النصّ الشعري.

ينبني المفهوم الشيئي على التصوّرات والأحلام والخيال؛ فليست كلّ الأشياء تستحضرها الذاتُ الواقعيّة، بل إنّ هناك اختراعاتٍ تمنح الخلقَ الشيئي مساحةً حركيّةً داخل النصّ الشعري الحديث. ولم تعد المساحة النصّية مركزاً للمعنى المباشر، بل أصبحت قائمةً على مساءلةٍ دائمة، بما يتيح استنتاج أسئلةٍ حركيّة عبر الاستدلال النصّي، للوصول إلى نتائج تُظهر المعاني المرتبطة بالنصّ من جهةٍ، وبحركة الأفعال (الحركيّة، والتموضعيّة، والانتقاليّة الدلاليّة) من جهةٍ ثانية. فالدلالة التي نعنيها هنا متعدّدة الأبعاد، حيث إنّ كلّ شيءٍ دالّ على ذاته، ويُنتج المعنى عبر التأويل، أو من خلال الدلالة اللغويّة التي تنسج علاقاتها مع بنية المعنى.

إنّ الدلالة على الشيء تختلف عن دلالة الشيء؛ فالأولى تشير إلى العلامة الواقعة على الشيء وخصوصيّته، إذ إنّ لكلّ شيءٍ خصائص تميّزه، لذلك تكون دلالة الشيء محدودة نسبيّاً. أمّا الدالّ على الشيء، فيتجلّى في الإيحاء والرمز، وما يحمله من إشاراتٍ إلى أشياء أخرى؛ وهنا نكون أمام دلالةٍ واسعةٍ ضمن مفاهيم مفتوحة لا تنتهي عند حدّ، حيث يستوعب اللامحدود هذا الدالّ ويمدّ مساحته داخل النصّ الشعري.

أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ

الذي لا يقف

إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى،

عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار

كما ننسى أشياء كثيرة.

عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً،

والدقات إخوةً فرقتهم الريح

وجاؤوا ليطمئنوا عليها،

أريد أن أصف لكِ الألم

لكن الكلمات تسقط من فمي

كماءٍ في نهارٍ قائض

من قصيدة: يوم شاق – ص 5

تُعدّ الصورة الذاتيّة بناء يتشكّل داخل اللغة، ومن خلال ذلك يظهر الوعي المتماسك، والعلاقة بين الصورة بوصفها معطى تخزينيّاً مرتبطاً بالذات الحقيقيّة، وبين الأثر النصّي الذي يحوي الصور والتصوّرات التي تميل إلى التصوّر الطبيعي للعالم الذي في مدار الشاعر. ومن هنا، يجري تحويل الأشياء والخروج عن طبيعتها المباشرة، حيث تظهر دلالة المعنى وعلاقتها التأويليّة.

أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ + الذي لا يقف + إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى، + عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار + كما ننسى أشياء كثيرة. + عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً، + والدقات إخوةً فرقتهم الريح + وجاؤوا ليطمئنوا عليها، + أريد أن أصف لكِ الألم + لكن الكلمات تسقط من فمي + كماءٍ في نهارٍ قائض

يفتتح الشاعر العراقي حمدان ظاهر مجموعته الشعريّة بقصيدة (يوم شاق)، وهو ينتمي إلى أقرب الأشياء التي تعوم حوله، لكنّه في الوقت ذاته يبني تصوّراته من خلال مفهوم الـ "أنا"، وهذا المفهوم يتعرّض للمسائلة الدائمة، حيث يكون للأنا ميزة التواصل الذاتي بينها وبين الأشياء التي عدّدها في النصّ المكتوب.

بين حقيقة الشيء والتصوّر الذاتي، يبني الشاعر حمدان طاهر تصوّراته الدلاليّة؛ فلكلّ شيءٍ دلالةٌ تعني المعنى الملازم لصفات الشيء. ومن هنا، تتقاطع الأشياء بعضها مع بعض؛ فمثلاً: النهر وشيئيّته عدم الوقوف، أي إنّه يجري، والأنهار بطبيعتها الواقعيّة تعتمد الجريان. وقد أدخل الشاعر بعض الأشياء المتجانسة مع النهر، ومنها الطيور، واشتقّ من ماهيّتها (الحمامة)، ثم أدخل عامل التشبيه ليعيد للنهر دلالته.

(الحقيقي هو الصحيح، والصحيح هو ما يتطابق مع الوقائع، وهو يتطابق عندما يصيب هذه الوقائع، أي عندما يهتدي بكيف تكون الأشياء ذاتها. – مارتن هايدغر – السؤال عن الشيء – ص 70).

العلاقة بين الذات والأشياء

تُعتبر العلاقة بين الذات الحقيقيّة والأشياء علاقةَ تفاعلٍ نصّي، وذلك بسبب البراهين النصّية التي تكون مكتومةً وضمنيّة في النصّ الشعري؛ فالذات قد تذوب في تلك الأشياء، ولا نلاحظ سوى أثرها النصّي، وأحياناً يكون تأثير الشيء في إعادة اكتشاف الذات من جديد. ومن هنا يظهر البعد الزمني للأشياء، إذ إنّ الشيء المحسوس يختلف عن الشيء اللامحسوس؛ فالأوّل منظور عبر الطبيعة، بينما الثاني حسّي يتجاوزها.

يقول مارتن هايدغر: (إنّ الشعر – وهو يلامس الحكمة كالعقل – يخلّص الإنسان من التشيّؤ الملموس، لكنّه يتجاوز العقل في تحرير الكائن من التناهي المعقول، ومن سيطرة العقل على الوعي الباطن، محفّزاً إرادة الإبداع على الخلق الذي ينحرف عن المثال والنموذج والنظام. – الشعر، الوجود والزمان – ص 8–9).

فتخرج الجمل النصّية من دائرة المألوف إلى دائرة الخيال الذاتي، حيث يُعاد إنتاجها وتشكيلها.

أردتّ أن أكلّم الظلامَ،

أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى

دون سبب،

لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت.

مرّ الغريبُ من أمامي،

ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة،

تدحرج جسدي فجأةً،

ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة،

كبرت تلك الحصاة،

صارت جبلاً

من قصيدة: حجر كبير – ص 12

إنّ ما يفصل الذات عن الأشياء هو شاعريّة اللغة؛ إذ يتحقق من خلالها التجانس الكتابي بين اللغة النصّية وشاعريّتها، حيث تتجلّى الأشياء بوصفها معاني تصويريّة وتخيّليّة. وقد يكون بعضها خارج الطبيعة أو خارج الذات، لكن ذلك لا يمنع من انصهارها في الذات الكتابيّة لإنتاج حركة الدلالة وتكوين بنية نصّية قائمة على اللغة وتواصلها الفنّي.

أردتّ أن أكلّم الظلامَ، + أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى + دون سبب، + لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت. + مرّ الغريبُ من أمامي، + ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة، + تدحرج جسدي فجأةً، + ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة، + كبرت تلك الحصاة، + صارت جبلاً

تكون الأشياء متماسكةً بالجمل الشعريّة، والجملة هي المكوّن الأساسي للنصّ، إذ يُنظر إلى النصّ بوصفه نظاماً يفسّره النظام اللغوي. ومن خلال المنظور النصّي الذي يطرحه الشاعر حمدان طاهر، نلاحظ أنّ الرمزيّة متشابكة مع الأشياء؛ فالظلام فسّره النصّ بوصفه صمتاً، وهو جزء من الأشياء، بينما الصمت الذي يعنيه الشاعر هو سكون الموتى. وهنا تكون العلاقة علاقة الجزء بالكلّ، لا علاقة الشيء بنفسه. ومن ثمّ تُكسَر العلاقة التقليديّة بين الدالّ والمدلول، لأنّ الشيء لا يحمل معنى ثابتاً، بل يتشكّل معناه داخل السياق النصّي.

يعتمد النصّ على سيولة المعنى وتعدّده، والجملة تمثّل وحدةً أساسيّة تتدرّج ضمنها الوحدات اللغويّة، بحيث تمتدّ كلّ جملةٍ إلى الأخرى. أمّا الذات، فهي في حالة تشكّلٍ دائم، تخرج من الجمود القولي إلى فضاءٍ متجدّد، تتقاطع فيه الأصوات وتتعدّد مستويات القول.

أحدّق في خطوط يدي،

لأرى حياتي الصغيرة،

التي كبرت كساقية من دمع.

أدخل بين خطوطها الثلاثة،

باحثاً عن ولد صغير،

دخل من الباب،

ولم يعرفْ طريقَ الخروج.

قصيدة: طريق – ص 28

تُعدّ لغة النصّ لغة تواصليّة غير جامدة، وهي تفاعليّة في المقام الأوّل، إذ تستقطب المضامين والدلالات بالاشتراك مع المنظور الشيئي. ولا يكاد نصّ يخلو من حضور الأشياء، التي تُعاد معالجتها داخل «مختبر» النصّ لإنتاج مشاهد مختلفة تقود إلى تأويلات متعدّدة.

أحدّق في خطوط يدي، + لأرى حياتي الصغيرة، + التي كبرت كساقية من دمع. + أدخل بين خطوطها الثلاثة، + باحثاً عن ولد صغير، + دخل من الباب، + ولم يعرفْ طريقَ الخروج.

تعمل الذات من خلال فعل الـ (أنا) على تحقيق اندماجٍ كلّي مع الأشياء، وتحويلها من منظورٍ شيئي إلى فعل وجودٍ داخل النصّ. ومن هنا تتجلّى العلاقة بين الأشياء والكتابة، سواء عبر الرمزيّة أو عبر التمثيل المباشر للمعنى. ويؤكّد الشاعر ذلك من خلال أفعالٍ حركيّة مثل: (أحدّق، أرى، أدخل)، وهي أفعال تمنح الجمل الشعريّة حضورها الفعلي.

إنّه ولدٌ غريب،

في الخمسين من عمره،

يحافظ على أوقات الدواء.

كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده،

ويجلسان على عتبات الألم،

أحياناً ينسى كهولته،

ويركض مع الصغار إلى المدرسة،

وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين،

ربّما عادوا،

ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.

من قصيدة: يد مهجورة – ص 44

قد نأخذ الكلام القصدي من الحياة اليوميّة، ومن خلال الصيغة الفنيّة نعيد صياغة الأشياء بطرازٍ جديد؛ أي بحيث يكون الشيء المعتمد ذا صلةٍ بالحدث. والأحداث اليوميّة كثيرة؛ فمن الناس من تتقاطع نظرته معها، ومنهم من يتأثّر بها برؤيةٍ مباشرة، ومنهم من تكون له علاقةٌ قصديّة بمنظور الحدث؛ أي إنّ الحدث قد مرّ به، أو أنّ هناك ما يشبهه. لذلك يتحقق التواصل عبر العلاقات المعرفيّة التي تُسهم في فهم الخطاب وتوجيهه.

إنّه ولدٌ غريب، + في الخمسين من عمره، + يحافظ على أوقات الدواء. + كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده، + ويجلسان على عتبات الألم، + أحياناً ينسى كهولته، + ويركض مع الصغار إلى المدرسة، + وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين، + ربّما عادوا، + ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.

يتعامل الشعر الحديث – في كثير من الأحيان – مع الأشياء بوصفها حاضرة بذاتها، لا بوصفها انعكاساً مباشراً للمشاعر. ومن هنا تأتي عمليّة النقل بوصفها إعادة إنتاج دلالي، حيث تتحوّل الأشياء إلى عناصر تأويليّة داخل النصّ. فالعناصر مثل: (الولد، الدواء، النهار، الألم، الصغار، المدرسة) تمثّل تحوّلاتٍ دلاليّة مستمدّة من بيئة الشاعر، أعاد توظيفها ضمن بنية نصّية تكشف طبقات الزمن والذاكرة والوجود.

نستنتج من ذلك أنّ هناك قصديّة تتحقق، وفعلًا قصديّاً يمكن إنجازه؛ فالمنظور القصدي يتحقق بوصفه رؤية، بينما يرتبط الفعل القصدي بنيّة التحقيق. ومن هنا تتجلّى المقاصد العامّة والخاصّة، حيث تختلف الرغبة عن الفعل المتحقّق.

نافذة تطلّ على الفراغ

تعتمد هذه المجموعة الشعريّة على نصوصٍ طويلة الجمل نسبياً. وفي هذا الإطار، تتداخل الصورة الذاتيّة مع تصوّرات المعنى ضمن علاقة جدليّة معقدة؛ إذ لا يستقرّ المعنى عند منحى واحد، بل يتأسّس على الانزياح والمساحة الدلاليّة، ويتولّد عبر فجواتٍ نصّية، ويُبنى في المنظور الكتابي، الدالّ والمدلول، ضمن أفقٍ واسع يعكس دلالات الأشياء.

تقع المجموعة في (94) صفحة، من الحجم المتوسّط، وقد صدرت عن دار أهوار للنشر والتوزيع – بغداد، والتصميم الداخلي: علي حيدر.

الشاعر العراقي حمدان طاهر أصدر عدّة مجاميع شعريّة منذ عام 2013 حتى الآن.

..................

كتابة: علاء حمد

ليست الصورة الفنية في الأدب ترفاً بلاغيّاً عابراً، ولا زينةً لغوية تُعلَّق على جدران النصوص كما تُعلَّق الحُليّ على الأجساد، بل هي الكيان الجوهري الذي تتجلّى عبره روح اللغة حين تتحوّل من أداة إخبار إلى طاقة كشفٍ وخلقٍ وإيحاء. فالكلمة في الخطاب الأدبي لا تُستعمل لكي تُسمّي الأشياء فحسب، وإنما لكي تُعيد ولادتها داخل الوعي الإنساني في هيئةٍ أكثر كثافةً ودهشةً وامتلاءً بالمعنى. ولهذا لم يكن الشعراء الكبار يصفون العالم كما هو، بل كما يُرى من داخل التجربة الوجدانية والخيال الخلّاق.

إنّ الصورة الفنية هي اللحظة التي تتجاوز فيها اللغة حدودها التداولية المباشرة لتدخل فضاء المجاز، حيث لا يعود البحر ماءً، ولا الليل زمناً، ولا الريح حركةً هوائية، بل تتحوّل الأشياء إلى رموز نابضة وموجودات حيّة تتداخل فيها النفس بالطبيعة، والخيال بالحقيقة، والمرئيّ بالمضمر.

ومن هنا، فإنّ جوهر الصورة الفنية يكمن في قدرتها على تحويل المعنى العقلي الجامد إلى كيان حسّي نابض. فالإنسان لا يعيش العالم بالمنطق وحده، بل بالصور والانفعالات والإيحاءات. ولذلك قال أرسطو إنّ الشعر أكثر فلسفةً من التاريخ، لأنّه لا ينقل الوقائع كما حدثت، بل يكشف ما يمكن أن يحدث في جوهر النفس البشرية.

الصورة الفنية في نظر البلاغيين والنحاة:

لقد أدرك البلاغيون العرب منذ وقت مبكر أنّ اللغة الأدبية ليست مجرّد نظام نحوي، بل نظام جمالي قائم على العلاقات الخفيّة بين الكلمات والدلالات. ويبرز هنا دور عبد القاهر الجرجاني الذي جعل من “النظم” جوهر البلاغة، حيث لا تكمن القيمة في الألفاظ منفردة، بل في طريقة انتظامها وتفاعلها داخل السياق. فالصورة عنده ليست شكلاً خارجياً، وإنما بنية فكرية وشعورية تنشأ من العلاقات بين المعاني.

وقد ميّز النحاة العرب، ولا سيما الكوفيون والبصريون، بين اللغة بوصفها نظاماً معيارياً، واللغة بوصفها طاقة استعمالية حيّة. وإذا كان البصريون قد اتجهوا نحو الصرامة القياسية والاحتكام إلى القواعد الدقيقة، فإنّ الكوفيين كانوا أكثر انفتاحاً على السماع والمرونة والتنوّع الأسلوبي، وهو ما أتاح للصورة الفنية مجالاً أوسع للتشكّل.

فالنحاة البصريون رأوا أنّ سلامة التركيب هي أساس الفصاحة، ولذلك اعتنوا بالبنية المنطقية للجملة، وضبط العلاقات الإعرابية التي تحفظ المعنى من الالتباس. أما الكوفيون فقد كانوا أقرب إلى روح الشعر واللغة الحيّة، إذ أجازوا كثيراً من الانزياحات التعبيرية التي رفضها البصريون، انطلاقاً من إيمانهم بأنّ اللغة لا تُختزل في القياس وحده، بل تتسع للذوق والسماع والتجربة.

ومن هنا نشأت مساحة جمالية مهمّة في الشعر العربي، لأنّ الصورة الفنية كثيراً ما تقوم على الانحراف المقصود عن المألوف اللغوي. فالاستعارة، والتقديم والتأخير، والحذف، والانزياح التركيبي، كلها وسائل تُحرّر اللغة من آليتها النحوية الجامدة لتجعلها لغةً موحية نابضة.

الصورة الفنية وفقهاء اللغة

أما فقهاء اللغة فقد نظروا إلى الصورة الفنية من زاوية العلاقة بين اللفظ والمعنى، ورأوا أنّ جمال التعبير لا يكمن في غرابة الألفاظ، بل في قدرتها على حمل التجربة الشعورية بأقصى درجات الكثافة والانسجام.

وقد أشار ابن جني إلى أن بين الأصوات والمعاني صلةً خفيّة، وأنّ بعض الحروف يحمل طاقة إيحائية خاصة. فاللغة ليست أصواتاً اعتباطية بالكامل، بل كيانٌ حيّ له موسيقاه الداخلية وإيحاؤه النفسي. ولذلك كان الشعر العربي يعتمد على التناسب الصوتي والإيقاع بوصفهما جزءاً من بناء الصورة الفنية.

فحين يقول الشاعر:

“تكسّرتِ الأمواجُ فوقَ صخورِ الروح”

فإنّ فعل “تكسّرت” لا ينقل الحدث فقط، بل يُحدث صوتياً نوعاً من الإحساس بالتحطّم والعنف الداخلي، وهنا تتداخل الموسيقى بالصورة، ويتحوّل اللفظ إلى تجربة حسّية.

الصورة الفنية وعلم السيمياء

ومع تطوّر الدراسات اللسانية الحديثة، لم تعد الصورة الفنية تُدرس بوصفها زخرفة بلاغية، بل بوصفها نظاماً من العلامات والدلالات. وهنا يبرز علم السيمياء الذي أسّسه فرديناند دي سوسير وطوّره لاحقاً رولان بارت وأمبرتو إيكو.

فالصورة الفنية، من منظور سيميائي، ليست مجرد تركيب لغوي، بل علامة تتجاوز معناها المباشر لتنتج شبكةً من الإيحاءات الثقافية والنفسية والرمزية. فالقمر في الشعر العربي، مثلاً، لا يدلّ على جرم سماوي فحسب، بل قد يرمز إلى الحبيب أو الجمال أو الغياب أو الحنين أو المطلق.

إنّ السيمياء تكشف أنّ اللغة الأدبية ليست مرآةً للواقع، بل إعادة ترميز له. فالأديب لا يصف العالم كما هو، بل يُعيد إنتاجه داخل نسق رمزي يجعل الأشياء قابلةً لتعدّد التأويلات.

ولهذا رأى غاستون باشلار أنّ الصورة الشعرية ليست استعادةً للواقع، بل انبثاقٌ تخييليّ يولد في لحظة الدهشة، ويمنح الإنسان إمكاناً جديداً لرؤية الوجود.

الجمال اللغوي وتحويل اللغة إلى كائن حيّ

إنّ الجمال اللغوي في الصورة الفنية لا يتحقّق عبر الزخرفة اللفظية الفارغة، بل عبر الانسجام العميق بين الفكرة والإيقاع والخيال والعاطفة. فحين تبلغ اللغة ذروة جمالها، تصبح الكلمات كائنات حيّة تتحرّك وتتألّم وتتنفّس.

وهنا تكمن عبقرية الأدب العظيم؛ إذ يجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية لتصبح تجربة وجودية. فالشاعر الحقيقي لا يكتب الكلمات، بل يخلق عالماً موازياً من الرؤى والانفعالات.

ولذلك كانت الصورة الفنية هي قلب الأدب النابض، لأنها المساحة التي يلتقي فيها الفكر بالجمال، واللغة بالخيال، والإنسان بأعماقه الخفية. إنها ليست وصفاً للعالم، بل إعادة اكتشاف له؛ وليست انعكاساً للوجود، بل خلقٌ جديدٌ له داخل مرآة اللغة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مقدمة: الشاعرة إنعام كمونة تكتب النصوص النثرية التي تدخل في دائرة التدوير أي الجملة المتواصلة أو النص النثريّ وفي الوقت نفسه تكتب قصيدة النثر. كنت أقدِّر محاولاتها الأدبية في نصوصها التي تنشرها في صحيفة المثقف وهي نصوص قوية محكمة تدل على موهبتها الأدبيّة وحين طالعت محاولاتها في قصيدة أدركت أنها لا تقل جمالا عن نصها النثري المدور.

لذلك ستقتصر دراستي هذه على قصيدة النثر المتمثلة بمجموعتها (اصطفيتك همسا) آمل أن أجد من الوقت مايسمح لي بدراسة نصوصها الأخرى.

البحث

لا أختلف مع من يقول إنّه (عالم العرفان) أو من يقول (العالم الصوفي) كلاهما اسم لمسمى واحد مع أنّي أفضّل للسيدات مصطلح (العرفان) لما في كلمة عرفان من امتداد وانفتاح لفظيّ تليق برقة المرأة وروحها وشفافيتها المتمثلة بالحياة نفسها وجمالها ورشاقتها.

أوّل ما يطالعنا في المجموعة هو الكتابة الجمالية التي تتمثّل بانفتاح الحرف الواحد وتكراره، نجد تلك السعة الحرفيّة في التأمل والتفكير بالذات الإلهية والابتعاد عن العالم المادي بتكرار حرف الألف أو المدّ، كقولها:

ياااا كرمة نسق الضياء

أيدنس ضوعك لسع ضلاله ص10

الكرمة من الأشجار الدائمة التي تمنحنا ثمارها كل عام، فتعني ديمومة مستمرة تمهّد لها الشاعر بامتداد حرف الألف من خلال تكراره، فهي اختارت الكرمة أمّ الخمرة، فبعد أسطر تعزِّز الامتداد المفتوح عبر الألف المطلق والمنطلق في الامتداد الأفقي إلى الامتداد المدوّر:

وسواحل عشتار

تموووج

يترادف حرف الواو ثلاث مرات، وترادفه يتطابق مع موج البحر الذي تلخّصه حركة الرقص الصوفيّ الدائرية حين يشتدّ الحماس بالمنشد فيروح يلتف على نفسه ليرتفع إلى السماء، أو الحلقة المجتمعة التي تدور، وهكذا تنتهي الدوائر بانفتاحات عليا:

فتنحني زفرااات الدموع

حيث تتحول الحلقات الدائريّة إلى امتدادات أفقيّة عبر الألف لتعود إلى حلقة واحدة هي حرف الواو ضمن كلمة تقابل البحر هي الدموع، ويمكن ترجمة تكرار (أأأأ وووو) بمتابعة شريط لراقص صوفيّ يدور حولة نفسه ثوبة من الأسفل يتسع ورأسه نحو السماء

أما الوسيلة الأخرى، فهي التعامل مع التراث بصفته خيرا لا بصفته سلبا، إنها تأخذ الرموز التاريخية القديمة وتضعها بميزان الخير لأنّ المحبة تشمل الجميع، وهذا ما نجده في محاولتها جذب رموز ما قبل الإسلام إلى مداها العرفانيّ الروحي فالذي يطّلع على العهد السومري يجده عصرا وثنيا، في الوقت نفسه هو عصر علم ومعرفة وجمال، هؤلاء الوثنيون علموا العالم الكتابة، والقراءة، والشعر والتفكير فيالحياة والموت، لذلك تستدرج الشاعرة الروح الخلّاقة الإيجابية من عمق السلب أو الحي من الميت الكامن في تاريخنا القديم لتظهره بصيغة أخرى:

كنَا نسرد أحلامنا الفتية لنجوم (إينانا)

فتهدينا زهرة زقورية

تهودج المدى أعياد شبعاد

بأهزوجة حصاد

تراقص منجل جدي

القطعة أعلاه من قصيدة عنوانها ( ترنيمة سومرية) ص 22 نجد الشاعرة تستدرج فيها الرموز فتضعها في نسق روحاني يتماشى مع الحاضر بصفاء باستلهام روح (أنانا) الإلهة القوية الخالقة المبدعة، فتحوّلها من إلهة مسعورة مفتونة بالحرب والجنس إلى امرأة نقية، نحن في الأرض ونجوم إينانا في السماء، كأننا في العصر الحالي نناغي الماضي البعيد والرابط بيننا هو المنجل الذي يرمز إلى الحصاد والخصب. هي الطقوس الحية التي نمارسها لكي نحيى بلا ذنوب يكفينا فقط أن نرث منجل الجد.

وهناك اعتماد الأسلوب القرآني من خلال الإزاحة اللغوية، في قصيدة (أهازيج شعاع) تقول:

أرى الطير ينقر خبزها

يسكب خمرها

هناك كلمتان وردتا في القرآن الكريم، هما الطير في قصة النبي يوسف، والخمر (إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) يوسف، الأية 36، فقد جعلت الشاعرة الصورتين القرآنتين في صورة واحدة، الطير رسول المعرفة، وتناول الخبز عماد الحياة، وسكب الخمر، إن مدلول الخمر يتخذ معنى واسعا في التفاتة الشاعرة إلى مبدأ الاخترال والإزاحة اللغوية، فمرة تذكرها كما هي، وتصرح باسمها بعدِّها وسيلة عقلية روحية (أنهار من خمور) ولنا مثال في قصيدة (تنهدات نزوة) ص29:

ذبلت شفاه قهوتي

أأأ.. نزوة لوعة ضلت قناديل انتظارة

في النص أعلاه تطابق الشاعرة بين الخمرة التي تصرح باسمها، فيلفت نظرنا الذبول، تحول القهوة إلى كائن بشري يصيبه الملل من شدة الانتظار وبين الضلال الذي هو عين الهداية لكن الشاعرة لا تقول (خمرتي) لأنها تلجأ إلى الاسم القديم للخمرة، ففي ترثنا العربي كانت القهوة تعني الخمرة، يقول الأعشى:

نازَعتُهُم قُضُبَ الرَيحانِ مُتَّكِئاً

وَقَهوَةً مُزَّةٌ راوُوقُها خَضِلُ (راجع ديوانه المعلقة)

فقد كانت كلمة (القهوة) تعادل كلمة (الخمر) أما استعمال كلمة قهوة المعروفة اليوم، حسبما تشير إليه المصادر الإنكليزية التي بين يدي فإنه استخدام يعود إلى القرن السابع عشر حينما جلب حبوب القهوة الإنكليز من أثيوبيا، فأزحنا كلمة (قهوة) من معناها الأصلي إلى معنى آخر معاصر.

ومن الطرق التي اتبعتها الشاعرة تفكيك بدايات الكلمات لتنتهي أمام كلمة قرآنية تندمج فيها الروح بشغف شفاف. نجد ذلك في قصيدتها (نص مثابر)ص20 حيث تختار الحرف الأول من كلمة:إقرأ القرآنية وهي أول كلمة نزل بها الوحي:

إقرأ

واللافت للنظر أن إقرأ تبدأ بالألف وتنتهي به ثمّ تتوالى أخذ الحروف من مقدمة الكلمات:

تحتضن:فاء فتات الخيال

راء:رموز هنا موازاة الحرف بكلمة جديدة.

سين:سطوع هنا أيضا موازاة حرف السين بكلمة جديدة.

ميم مخاض

إنّ الشاعرة تستوعب -عبر صيغة التفكيك والتركيب - بعض الحروف المتقدمة التي تبدأ بها بعض سور القرآن مثل (ألم) أو (ألمر) لتستخرجها من الكلام أو من حياتنا العادية التي نحياها بحلوها ومرها وخيرها وشرها لتصل إلى

تجلّ جديد يتطابق مع روحها التي تبحث عن الأفضل والأنقى:

تضوع بريعان تناسخ

لهيت أوراقي

كلمة هيت ختمت المطاف بتقبل إيجابي نحو السمو، فقد استخدمت الشاعرة لمحة خفية بكسرة (التنوين) ليس هناك من كسرة في نون النسوة بل الفتحة تكبينَ .. أو يسمعنَ والذي تقصده هو الانثى في حالة الخطاب أنتِ لأنّ الشاعرة تخاطب في قصائدها نفسها أو الآخر حتى تصل إلى عالم (هيت) الكلمة المستوحاة من القرآن (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف 23. )، ولم تكن هيت التي وردت في القصيدة هي نفسها هيت التي نطقت بها الشاعرة، فهي في مجالها الشعري الواسع تخرجها من معناها الحسيّ السلبيّ لتضعها في المطلق غير المحدد بحسّ حيث لا مكان ولا زمان فتميل بها إلى الخير والإيجاب.

إنها تقرأ المعنى الأعمق لحالة المرأة:لم تتعلق امرأة العزيز بشخص عاديّ مثل كاتب هذه السطور ولا مثل القارئ إنها تعلقت بنبي آية في الجمال ودعته ب (هيت) فهي في أمان لأنها تعلقت بما هو أسمى وأرفع ما ومن في الوجود.

ومثلما استوعبت الشاعرة في صعودها العرفاني، التراث القديم، والفكر الإسلامي وجلبته إلى شعرها بصورة جمالية فلم يبد علىعبارتها عليه الافتعال نجدها تستدرج إلى قصائدها الحكاية العربية القديمة أو الحكاية الخرافية، تقول في قصيدتها

وتغص جفوة الموج سواحل مد

ليثمل طين الفرات شهد السلام

وبشهقة فجر غجري الضياء

هديل أنثى

الثمل السكر، والثمل يمهد لمأساة عاشتها عشتار وكلّ البشريّة هي فقدان السلام، نحن ندخل السلام لكننا عشنا مأساة حقيقة ففقدنا نفوسنا مثلما فقدت أنثى الحمام ذكرها، فقد خرج ذات يوم ليجلب القوت لها فتعرض له نسر افترسه فأخذت الحمامة تندبه كل يوم. (راجع: معجم الأساطير الجاهلية، قصي الشيخ عسكر حرف الهاء هديل) لكنّ المأساة تنتهي بالفجر الذي يمثل حياة جديدة (والفجر: سورة الفجر 1) حيث يحتل النور الحقيقة محل الوهم والفرح بدل المأساة على صوت الهديل صوت بكاء الحمامة.

أضف إلى ذلك أن الشاعرة استفادت من المسيحية ودعوتها للسلام، فنطقت عنها بروحانية شفّافة في قصيدة (وجعهن وجعي ص9) التي أهدتها إلى سبايا القرن الحادي والعشرين)، فذكرت الغراب الذي نتشاءم منه حيث تقول:

سواحل عشتار

تموووج

بغربان القبور

بلد الشاعرة تعرض إلى انتهاك عنيف مدمر مفجع لا رحمة فيه عانت منه الأزيديات والمسيحيات بصورة وحشية من المسيحيات ربما أكثر، فكان عليها أن تكون وهي أمام عرش الرب أن تجسد صورة الخراب بغراب لا الغراب الدال على المعرفة يوم علم قابيل كيف يدفن أخاه القتيل بل غراب الشرّ الذي يعيش في أذهاننا الدال على الشؤم والخبث (راجع قصي عسكر معجم الأساطير الجاهلية حرف الغين غراب) بعد الغراب تتدرج الشاعرة إلى سلام تنشده في حضرة الذات الإلهية، فتلوح كلمة السلام التي التي جاء بها السيد المسيح (وصاح الديك ثانية، فتذكّر بطرس القول الذي قاله له يسوع "إنّك قبل أن يصيح الديك مرّتين، تنكرني.. مر -1472) بمعناها العميق في نص الشاعرة: الديك صاح فصلب المسيح وبصلبه ارتفع إلى السماء فأصبح مع المطلق ليعمّ سلام على العالم، تصور الشاعرة رحلتها، ورحلتهن إلى المطلق مع المسيح:

سيقبّل الديك خدّ الصباح

وتبزغين

الخاتمة:

ماكتبته أعلاه مجمل ملاحظات عن شعر الشاعرة إنعام كمونة قد تحفز هذه الملاحظات ذاكرتنا نحن القرّاء إلى مواطن جمالية أخرى، فالمجموعة هذه تبدو مثل صيحة ناعمة في عالم ماديّ صاخب لا يريد أن يعيش بسلام ولعل هذه الصيحة تعيد نفوسنا إلى طمأنينتها الأولى.

***

قصي الشيخ عسكر

 

لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية (وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين (1924- 1987).

يلتقي الكاتبان - رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري - عند مشروع إنساني واحد: تفكيك الأب بوصفه رمزًا للهيمنة، وكشف التشققات الأخلاقية والنَّفْسية التي تُخلِّفها السُّلطة الذكورية في الفردِ والمجتمع.

كتب فرح من قلب التجربة الأفريقية المُمزَّقة بين الدكتاتورية والعشيرة والسُّلطة الذكورية، بينما كتب بالدوين من قلبِ التجربة الأمريكية السوداء التي أنهكتها العُنصرية والعُنف الدِّيني والتمييز الطبقي. أدركا أنَّ السُّلطة السياسية تبدأ غالبًا من داخل البَيْت، وأن الطُّغيان الكبير يجد صورته الأُولَى في الأبِ المُستبد، أو في المجتمع الذي يَمنح الذَّكَرَ حقَّ التحكم في مصائرِ الآخَرين.

إنَّ قراءة أعمال فرح وبالدوين لَيست مُجرَّد قراءة أدبية، بلْ هي قراءة في معنى الحرية الإنسانية، والكَيفيةِ التي تتحوَّل بها العائلة أحيانًا إلى مؤسسة قمع، ويتحوَّل فيها الحُب إلى خَوف، والطاعة إلى شكل من أشكال الموت البطيء.

في أعمال فرح، لا يظهر الأبُ باعتباره فردًا فقط، بلْ باعتباره امتدادًا للعشيرةِ والسُّلطةِ السياسية، فالمجتمعُ الصومالي الذي يُقَدِّمه فرح مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة، حيث تُختزَل المرأة في الطاعة، ويُختزَل الابنُ في الامتثال. والأبُ هُنا لَيس شخصًا، بلْ مؤسسة كاملة.

ويُصبح الانتماءُ العائلي نوعًا مِن الأسْرِ الوجودي. الشخصياتُ تعيش تحت وطأة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية، ويُصبح الجسدُ مَيدانًا للسَّيطرة. المرأةُ تُراقَب باسمِ الشرف، والطفلُ يُشكَّل وفق نموذج ذُكوري صارم، وأيَّة محاولة للخروج من هذا النسق تُعَدُّ خيانة للجماعة.

أمَّا بالدوين، فيتناول السُّلطةَ الأبوية من زاوية مختلفة، لكنها لا تقلُّ قسوةً. يَظهر الأبُ بوصفه رَجل دِين مُتسلطًا يستخدم الخِطابَ الدِّيني لتبرير عُنْفِه واستبدادِه. والأبُ يُمارس سُلطةً مُزدوجة: سُلطة الرَّجل، وسُلطة المُقَدَّس. لذلك يُصبح التمردُ عليه أكثر تعقيدًا، لأنَّ الابن لا يواجه شخصًا فقط، بلْ يُواجه بُنيةً أخلاقية كاملة تُقْنعه بأن الطاعة فضيلة، وأن الرغبة خطيئة.

وهكذا يكشف الكاتبان أن السُّلطة الأبوية لا تعتمد على القوة الجسدية وحدها، بلْ على إنتاج الشعورِ بالذنب والخوف. إنها سُلطة تَجعل الإنسانَ يُراقب نَفْسَه بِنَفْسِه، ويقمع رغباته الداخلية خشية العِقاب الاجتماعي.

مِن أبرز الأمور المُشتركة بين فرح وبالدوين أن الجسد في أعمالهما لَيس مُجرَّد حُضور بيولوجي، بلْ مساحة للصراعِ السياسي والأخلاقي. فالسُّلطةُ الأبوية تسعى دائمًا إلى السيطرةِ على الجسدِ: كيف يتحرَّك؟، كي يُحِبُّ؟، كيف يَرغب؟، كيف يُعبِّر عن ذاته؟.

في روايات فرح، يبدو الجسد الأنثوي تحديدًا مَوضوعًا للهَيمنة. المرأةُ تُحاصَر بالأعرافِ، وتُختزَل في أدوارِ الإنجابِ والطاعة. لكنَّ فرح يمنح شخصياته النسائية قوةً داخلية استثنائية، فهي لا تُواجه السُّلطةَ بالصُّراخ فقط،بلْ بالمُقاومة الصامتة أحيانًا، وبإعادةِ تعريفِ ذاتها خارج شروط الرجل. والمرأةُ عند فرح لَيست ضحية مُطْلقة، بلْ هي ذات تبحث عن حُريتها وسط عالَم عدائي. ولهذا فإن رواياته تُمثِّل نقدًا جذريًّا للبُنية الذكورية في المجتمع الأفريقي التقليدي، دون أن تقع في التبسيط أو الشعاراتية.

أمَّا عِند بالدوين، فإنَّ الجسد يرتبط بالهُوية الجنسية والعِرقية معًا. الرَّجلُ الأسود في المجتمع الأمريكي يعيش قمعًا مزدوجًا: قمع العُنصرية البيضاء، وقمع السُّلطة الذكورية داخل مجتمع نَفْسِه. ولهذا كانتْ كتابات بالدوين شجاعة بصورة استثنائية، لأنه لَم يكتفِ بفضخ العُنصرية، بلْ كشفَ أيضًا هشاشةَ النموذج الذكوري التقليدي. يَتحوَّل الجسدُ إلى سؤال وجودي: هلْ يستطيع الإنسانُ أن يحب بحرية دون خوف من المجتمع؟، وهل يُمكن للهُوية أن تتحقق خارج قوالب الذكورة المفروضة؟. وقدْ أدركَ بالدوين أن السُّلطة الأبوية لا تقتل الحريةَ فقط،بلْ تقتل القُدرةَ على الحُبِّ الصادق.

ما يُميِّز مشروع فرح بصورة خاصة هو الرابط العميق بين السُّلطة الأبوية والسُّلطة السياسية. فالدكتاتور في رواياته يُشبِه الأبَ المُستبد، وكلاهما يقوم على إخضاع الفرد، وتجريده من صوته الخاص.

لقدْ عاشَ فرح تجربة المنفى بسبب معارضته السياسية، لذلك جاءت رواياته مُحمَّلة بسؤال الحرية. والدَّولةُ في عَالَمه لَيست سِوى نُسخة مُكبَّرة من العائلة السُّلطوية، حيث يُطلَب من المواطن الطاعة المُطْلقة، ويُنظَر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للنظام.

وفي المقابل، يرى بالدوين أن الدَّولة الأمريكية قامتْ على بُنية أبوية عُنصرية، تَجعل الرجلَ الأبيضَ مركزَ السُّلطة والمعنى. لذلك، فإنَّ نقده للأبِ يمتدُّ تلقائيًّا إلى نقدِ المجتمع الأمريكي كُلِّه.

لقد فهمَ بالدوين أن العُنصرية لَيست مُجرَّد كراهية لَون، بلْ هي نظام سُلطة متكامل يقوم على إخضاع الآخَر، وتجريده من إنسانيته.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كرست المبدعة سعاد الراعي ابداعها في مجموعتها القصصية الجديدة التي حملت عنوان (النخلة العمة وابناءها الاشقياء) المحتوية على 10 قصص قصيرة عن الأطفال.. تناولت من خلالها موضوع العنف الموجهة للأطفال.. وما يترافق في سياق هذا السرد القصصي لمظاهر التفكك الاسري وانعكاساته المباشرة على الأطفال..

واختلاف الثقافات والقيم الاجتماعية.. من خلال الأماكن التي حددت معالمها ابتداء من العراق حيث البصرة والعشار ومروراً باليمن وصوفيا وبلغاريا وبقية بلدان المهجر..

التي انتقلت فيها العوائل قسراً بحكم تواصل الملاحقات والقمع السائد الذي تتفرع منه جملة مواقف لا تخلو من مظاهر العنف.. بحكم اختلاف المفاهيم وتعدد أوجه الثقافة.. وما يرافقها من تصرفات بريئة او متمردة للأطفال.. بحكم قساوة الجو..

كما هو الحال في البصرة ولجوء الأطفال للاستحمام والسباحة في الشط.. وما يرافق هذا التصرف.. من قلق وتوتر يؤدي لشدة تعامل.. يلجأ من خلالها الاب للعنف لكي يضع حداً لهذه التصرفات.. لا تخلو من جوانب ساخرة.. حينما يلجأ الأطفال للحيل وتجفيف سراويلهم المبللة تحت عجلات السيارات المارقة في الشارع العام.. وتكون النتيجة تعلق بعضها في إطار العجلات ومصيبة للأطفال.. تعرضهم للعنف الأسري..

سرعان من نجد في النهاية مفاجأة تنهي هذا العنف من خلال توسط الجدة او رجل تقي لجأ له الأولاد للحماية من غضب ابٍ طفران.. قرر ملاحقة ابنه وتكون النتيجة مساومة مقبولة يفوز بها الأطفال.. تعكس بعداً اجتماعياً واخلاقياً تربوياً.. تشخص بديلاً مقنعاً للعنف.. تنبه له الكاتبة من خلال قصصها التي كرستها كهدف منها لنقد السلوك الاجتماعي.. الذي يستسهل العنف الموجه للأطفال وممارساته البشعة..

طالما كان بالإمكان خلق البديل التربوي.. واللجوء للتفاهم والتوجيه المقنع والعفو.. بدلاً من المنع والقسوة التي تلاحق الطفولة وتحطم شخصيتهم..

دون ان نغفل إن أجواء القصص لا تخلو من حالات مزح وسخرية تجعل القارئ يتمتع بما تسرده بشوق الكاتبة مع كل قصة بأسلوب لا يشعرك بالملل.. كأنك طفل صغير تعود لملاعب الصبا.. مقاعد الدراسة.. اجواء الاحياء التي مررت بها ومارست شقاوتك فيها.. في تلك المراحل..

ولا تكتفي القصص بهذا المستوى من الطرح.. فتنقلك الى مستوى اخر من التعامل الأخلاقي مع العنف.. الذي يتطلب الإدانة.. ويطال حالات جماعية لسكان غزة في قراءة أولية لطبيعة العنف الممارس..

الذي عكست أبشع صوره فيها وتحول من عنف فردي أسرى محدود موجه للأطفال في نطاق عوائلهم ومساكنهم.. واحياناً محيطهم القريب في ذات الحي او المدينة والشاطئ كما هو الحال مع البصرة والعشار..

الى فضاء الدمار الشاسع الذي يحيط بالفلسطينيين واطفالهم الذي خلف الايتام في سياق هدف أوسع يسعى للإبادة الجماعية.. والقضاء على الطفولة.. التي لا تجد وسط الخراب.. الاّ بقايا الدم المراق من الاب والام.. لتقدمه الطفلة الناجية من الموت هدية لشقيقها الآخر في غزة المنكوبة..

بهذه المجموعة القصصية.. المكرسة لمعاناة الأطفال.. من جراء العنف الاسري والاجتماعي والسياسي.. تجعلك سعاد الراعي تعيد موقفك ألف مرة قبل ان تنهر طفل شقي.. مهما تمادى في شقاوته.. لتبحث اولاً عن بديل مقنع وصيغ تربوية للتفاهم مع جيل من الورود البشرية.. في عصرنا الذي ما زال تتواتر فيه نزعات الحروب والاقتتال بين البشر.. لأسباب اقل ما يمكن القول انها تافهة.. لا تليق بالشر.. ولا يمكن تبريرها وقبولها.. يكون فيه الاطفال أولى ضحاياها.. وتتطلب موقفاً مناهضاً للعنف والحروب.. بهذه القصص المناهضة للعنف الموجه للأطفال.. تجسد سعاد الراعي موقفها الثقافي الرافض لكافة اشكال ومظاهر العنف السائدة في عصرنا..

ثقافة ضد العنف.. تنتصر للإنسان وتنبه لأهمية تنشئته من الطفولة.. حري بكل عائلة ان تقرأ هذه المجموعة القصصية.. ولأهمية محتواها.. ادعو وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في العراق لتبنيها وإعادة طبعها..

***

صباح كنجي

18.05.2026

في أنطولوجيا اللغة حين تتحوّل الروح إلى موسيقى

حين قال الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل إنَّ «الشعر هو الفن المطلق للعقل، الذي أصبح حرّاً في طبيعته، والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادة الحسية الخارجية، ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطني للأفكار والمشاعر»، لم يكن يعرّف الشعر بوصفه نوعاً أدبياً فحسب، بل كان يضعه في مرتبةٍ أنطولوجية عليا، تتجاوز حدود التعبير اللغوي إلى تخوم الوعي الإنساني ذاته. فالشعر، عند هيغل، ليس زخرفة للواقع، ولا صناعة لفظية للتسلية الجمالية، بل هو أعلى درجات تحرّر الروح من كثافة المادة، وأقصى أشكال تجلّي العقل في صورته اللامرئية. إنّه الفن الذي لا يحتاج إلى الرخام كما يحتاج النحت، ولا إلى اللون كما يحتاج الرسم، ولا إلى الجسد كما يحتاج المسرح؛ لأن مادته الوحيدة هي الروح حين تتكلّم، والوعي حين يتحوّل إلى إيقاع.

إنَّ الفنون جميعها تبدأ من الخارج لتصل إلى الداخل، إلا الشعر، فإنه يبدأ من الداخل ليعيد خلق الخارج. ولذلك بدا أكثر الفنون التصاقاً بالكينونة الإنسانية، لأنه لا يستعير العالم، بل يعيد ولادته من جديد عبر اللغة. ومن هنا قال الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين إنَّ «الإنسان يسكن العالم شعرياً»، لأن الشعر ليس خطاباً إضافياً للحياة، بل هو الطريقة الأكثر عمقاً لفهم الوجود وتأويله. فحين يعجز العقل البرهاني عن ملامسة المناطق الغامضة في النفس والكون، يتقدّم الشعر ليقول ما لا تستطيع الفلسفة قوله بلغة المفاهيم الجافة.

لقد أدرك الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هذه الحقيقة حين رأى أن اللغة ليست أداةً للتعبير، بل «بيت الكينونة»، وأن الشعراء هم حرّاس هذا البيت. فالكلمات الشعرية ليست إشارات تقنية تُستعمل للتواصل، وإنما هي كائنات روحية تفتح المعنى وتكشف المستور في الوجود. ولذلك كان الشعر، عند هايدغر، نوعاً من الإنصات العميق لصوت الكينونة، لا مجرّد بناءٍ بلاغي أو تمرين جمالي. إنَّ القصيدة الحقيقية لا تشرح العالم، بل تخلقه من جديد، وتمنح الأشياء أسماءها الأولى، كما لو أن اللغة تستعيد طفولتها البدئية قبل أن تُفسدها الاستعمالات اليومية المبتذلة.

ولعلّ هذا ما جعل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور يرى أن الفن، وفي مقدمته الشعر، هو المهرب الوحيد من استبداد الإرادة العمياء التي تحكم العالم. ففي لحظة الشعر يتحرّر الإنسان مؤقتاً من ثقل الرغبات والمصالح والضرورات، ويصعد إلى مستوى التأمل الخالص. وهنا يغدو الشعر خلاصاً روحياً، لا مجرد متعة فنية. إنّه نوع من التطهير الوجودي الذي يعيد للإنسان صفاءه الداخلي وسط عالم ملوّث بالمنفعة والعنف والابتذال.

ولأن الشعر هو الفن الأكثر تحرّراً من المادة، فقد كان أيضاً الفن الأكثر اقتراباً من الحرية. فاللغة الشعرية لا تخضع بالكامل لمنطق العقل الأداتي، بل تتمرّد عليه باستمرار. إنها تكسر النحو أحياناً لتُنقذ المعنى، وتخرق المألوف لتعيد اكتشاف الحقيقة. ولذلك كان الشعراء الحقيقيون غالباً غرباء عن مجتمعاتهم، لأنهم يرون ما لا يراه الآخرون، ويسمعون ما لا تستطيع الضوضاء اليومية التقاطه. لقد كان الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه يرى أن الشاعر كائنٌ يخلق قيماً جديدة، لأنه يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى جمال، والفوضى إلى إيقاع، والعدم إلى معنى. ومن هنا فإن الشعر ليس انعكاساً للحياة، بل مقاومة ضد ابتذالها وانحدارها.

إنَّ أخطر ما يهدّد الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الرمزي أيضاً؛ أي موت الخيال، وجفاف الروح، وتحويل اللغة إلى أداة استهلاكية باردة. ففي عصر التقنية الهائلة، حيث تتحوّل الكلمات إلى بيانات، والمشاعر إلى رموز إلكترونية، يبدو الشعر آخر حصون الإنسان الداخلية. إنه الدفاع الأخير عن هشاشة الروح ضد صلابة الآلة، وعن الحلم ضد هيمنة الواقع النفعي. ولهذا لم يكن غريباً أن يقول الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو إنَّ الفن الحقيقي هو شكل من أشكال المقاومة ضد التشيؤ. فحين يتحوّل الإنسان إلى رقم في منظومة اقتصادية أو سياسية، يأتي الشعر ليعيد إليه فردانيته وفرادته الإنسانية.

إنَّ الشعر العظيم لا يصف الأشياء كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى. إنه يحرّر العالم من رتابته، ويمنح الوجود أفقاً أكثر اتساعاً. ولذلك فإن القصيدة الحقيقية ليست مجرد نص، بل تجربة وجودية كاملة، يدخلها الإنسان ليخرج منها أكثر وعياً بنفسه وبالعالم. إنها لحظة التقاء الفكر بالموسيقى، والعقل بالحدس، واللغة بالصمت. فالشاعر الحقيقي لا يكتب الكلمات، بل يوقظ ما كان نائماً داخلها.

ولعلّ هذا ما جعل الشاعر والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث يقول إنَّ الشعر «معرفة وخلاص وسلطة وتخلٍّ». فهو معرفة لأنه يكشف أعماق الإنسان، وخلاص لأنه ينقذه من قسوة العالم، وسلطة لأنه يعيد تشكيل الوعي، وتخلٍّ لأنه يحرّر الذات من أنانيتها الضيقة.

في هذا المعنى يصبح الشعر فعلاً وجودياً بامتياز، لا ترفاً لغوياً. إنه محاولة الإنسان الدائمة لتجاوز محدوديته، والانتصار على موته الرمزي. فالقصيدة ليست كلمات تُقرأ فقط، بل روح تُعاش. وكلما انحدرت اللغة في المجتمع، انحدرت معها الروح الإنسانية، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل صورة الوعي ذاته. ولذلك فإن الدفاع عن الشعر هو، في جوهره، دفاع عن الإنسان نفسه.

إنَّ الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن وأسواق ومصانع، بل أيضاً بما تنتجه من شعر، لأن الشعر هو المقياس الأعمق لحيوية الروح البشرية. وحين تموت القصيدة داخل أمة، يبدأ الخراب بصمت، حتى لو ظلّت الأبنية قائمة والضوضاء مستمرة. فالأمم التي تفقد شعرها، تفقد تدريجياً قدرتها على الحلم، والأمم التي تفقد قدرتها على الحلم، تتحوّل إلى جماعاتٍ تدير حياتها بالغريزة لا بالبصيرة.

وهكذا يبقى الشعر، كما رآه هيغل، الفن المطلق للعقل الحر؛ الفن الذي لا يحتاج إلى مادة سوى الإنسان نفسه، ولا إلى فضاء سوى ذلك الكون الخفي الذي يسكن في أعماقنا. إنه النداء الأخير للروح كي لا تتحوّل الحياة إلى آلة، ولكي يبقى الإنسان أكثر من مجرد كائن يستهلك الوقت ويمضي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(الصوت كحامل للمعنى، قراءة في كون الطيب صالح كاتبًا يُسمَع أكثر مما يُقرأ)

ثمة أصوات تبقى في الذاكرة أكثر من أصحابها، وثمة كُتّاب تسبق نبرتهم كلماتهم. وفي عالم الطيب صالح تبدو شخصياته أحيانًا وكأنها نبرات تمشي على ساقين.. فالصفحة في أيٍّ من كتبه تتحول إلى فضاءٍ ثريّ تتجاور فيه أصوات القرية، ووقع الخطى، وطبقات الكلام التي تحمل تاريخ المكان في نبرتها.

منذ الصفحات الأولى في "موسم الهجرة إلى الشمال"، يجيء صوت الراوي كأنه عائد من مسافة بعيدة، لا يخبرك بما جرى، وانما يجعلك تسمعه.. الجملة عنده تتقدّم على مهل، وفيها شيء من هدير النيل، وشيء من تردّد السؤال في صدر صاحبه. حين يقول:

“عدتُ إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة..”

تشعر أن المعنى لا يقف عند العودة فحسب، وأن هناك طبقة أخرى في النبرة تتحسس طريقها إلى الأذن، فيها شيء من الحنين الممزوج بالقلق، يشعرك وكأن الرجل يعود وفي داخله غريب آخر، يقترب من ذلك الصوت الخافت الذي يقول:

“كنت أشعر أنني لست واحدًا منهم.. ولا واحدًا من هؤلاء”

ونلاحظ أن هذه الحساسية السمعية تبلغ ذروتها في الحوارات، في مجالس الرجال في القرية، حيث إن الأصوات لا تتشابه ولكنها تنسجم داخل هارموني واحد، فكل صوت يحمل مقامه، طبقته، موقعه، ولا يخرج عن الإيقاع. تسمع الشيخ وهو يوازن بين الحكمة والتهكّم، وتسمع الشاب وهو يتعجّل الكلام، وتسمع من بين ذلك كله صمتًا كثيفًا، صمتًا له وزن، يوازي الكلام في الأثر.

وفي اللحظة التي يتوقف فيها الكلام، لا ينتهي المعنى، بل يظل معلقًا، يتردد في الهواء كأنه ينتظر من يلتقطه.

 في أحد مجالس ود حامد، قبل أن تُفهم الجملة، يُسمع صوت صب الشاي ساخنًا، وتتصاعد رائحته مع نبرة صوت خفيض.

أحدهم يضحك فجأة، ضحكة قصيرة تقطع الحكاية، وآخر يسكت، كأنه ابتلع كلمة كادت أن تفلت من لسانه بعد أن قرر ألّا يُخرجها.

وثالث يعيد عبارة واحدة ببطء.. يمدّها، يثقلها، كأنه يختبرها في فمه قبل أن يتركها تمضي.

هنا، المعنى لا يمرّ من الكلمة وحدها.. بل يمرّ من الطريق الذي سلكته داخل الحلق والحنجرة.

ونجد في "عرس الزين" أن القرية تتحول إلى جوقة كاملة. لا يُقدَّم الزين في الرواية كبطل أو شخصية تُحلَّل، وإنما يُقدَّم كصوت يُسمع. ضحكته، اندفاعه، حضوره المفاجئ في كل مكان، كل ذلك يُبنى عبر الإيقاع، فحين يجري الزين في طرقات القرية وأزقتها، تحس أن الجملة نفسها تجري معه. وحين يسكن، تسكن اللغة.

كأن حضوره كله يختصر في إيقاع بسيط، مباشر، لا يحتاج تفسيرًا:

“الزين يحب.. والناس تضحك”

وهذا التواطؤ بين الصوت والحركة هو ما يجعل الشخصية حيّة خارج حدود الحكاية.

أما في دومة ود حامد، فالصوت يأخذ شكلًا آخر. هناك إيقاع أبطأ، كأن الزمن نفسه يمرّ عبر الحنجرة قبل أن يصل إلى السمع. الشيوخ يتحدثون، لكن ما يثقل الجو أكثر من الكلام نفسه هو ما يتراكم حوله من تاريخ، ومن ذاكرة، ومن أشياء لم تُقل.. الدومة نفسها تبدو كأنها تسمع، تحفظ، وتعيد بثّ ما مرّ بها عبر أجيالٍ جلست تحت ظلالها.

وفي زعمي أن هذه ليست حيلة أسلوبية كما تبدو، بقدر ما هي رؤية للغة.

“الكلمة لا تبدأ في المعجم.

تبدأ حين تُقال”

تبدأ في الفم الذي ينطقها، وفي الأذن التي تستقبلها. لذلك تتداخل الفصحى مع العامية في كتابات الطيب صالح من غير صدام. ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أنها ليست مسألة مستويات لغوية، وإنما مسألة طبقات صوتية، كل طبقة تحمل جزءًا من العالم الذي يخصها.

كثير من القراءات التي كُتبت عن الطيب صالح تعاملت معه ككاتب فكرة، أو كروائي اشتغل على الهوية والاستعمار والذاكرة. غير أن شيئًا أساسيًا ظل يتسلل من بين هذه القراءات دون أن يُلتقط تمامًا، وهو الصوت.

في كتابه “المِتن الروائي المفتوح”، اقترب محمد خلف من هذه المنطقة حين تعامل مع تعدد الأصوات وانفتاح السرد بوصفهما جزءًا من حيوية النص، وليس مجرد تكنيك روائي. وكذلك دينيس جونسون-ديفيز، فقد بدا واعيًا بهذه المسألة من زاوية أخرى، إذ تكشف ترجماته عن إدراك لصعوبة نقل النبرة السودانية إلى الإنجليزية دون أن تفقد شيئًا من روحها.

أما فدوى مالطي-دوغلاس وإدوارد سعيد فقد اقتربا من الفكرة من زاويتين مختلفتين، أحدهما عبر “جسد اللغة”، والآخر عبر “خبرة المكان”، لكن الصوت نفسه ظل يتحرك في الخلفية دون أن يتحول إلى مفهوم نقدي واضح.

في هذا السياق، تبدو كتابة الطيب صالح كأنها تعيد ترتيب العلاقة بين الصوت والسلطة. فالقرية حين تتكلم، تروي، تضحك، وتتهكم، لا تبدو موضوعًا للحكاية بقدر ما تبدو منتجة لها. ولهذا تبدو بعض الشخصيات وكأنها تُعرف من نبرتها قبل أفعالها..

مصطفى سعيد، مثلًا، لا يُفهم عبر ما يقوله فقط، وإنما عبر برودة صوته وطريقته في إخفاء الانفعال، كأن صوته نفسه يخرج من عمق النص ليقول:

“أنا جئتكم غازيًا في عقر داركم”

فنجد أن ما يُقال مهم، وما لا يُقال لا يقل وزنًا.

وكذلك الزين لا يعيش في الذاكرة كشخصية مرسومة بعناية، يعيش كإيقاع وضحكة وحضور صوتي متفلت.

من هنا يمكن فهم تلك المساحات التي تبدو كأنها غائبة في نصوص الطيب صالح، كالأحداث التاريخية التي لم تُذكر صراحة، وطبقات الماضي التي تمرّ من طرف الكلام. هذا الغياب ليس فراغًا، هو جزء من البناء. الصمت هنا شكل من أشكال القول. القارئ لا يُعطى كل شيء، وإنما يُدعى إلى الإصغاء.

وكثيرًا ما يترك الطيب صالح في الجملة فراغًا صغيرًا، مساحة غير مكتملة، كأنه يطلب من القارئ أن يُنصت لما لم يُكتب أيضًا.

 ولهذا تبقى هذه النصوص حيّة. القارئ لا يكتفي بقراءتها، يعود إليها ليسمعها من جديد. كل قراءة تمنحها نبرة مختلفة، وكل زمن يضيف طبقة أخرى من السمع. النص المكتوب ثابت، لكن الصوت الذي يمرّ فيه يتغير، ومعه يتغير المعنى.

فهل نقرأ الطيب صالح.. أم نسمعه؟

ربما تبدأ الإجابة في تلك اللحظة التي تتأخر فيها الكلمة قليلًا قبل أن تُقال..

في ذلك التردد الخفيف، حيث يصبح الصوت هو المعنى.

***

إبراهيم برسي

مقاربة بنيوية، سيميائية، نفسية-سياسية

المقدمة: تسعى هذه الدراسة إلى قراءة ومضة يحيى السماوي قراءةً متعددة المستويات، بالاستناد إلى مقاربات بنيوية وسيميائية ونفسية، إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي للنص. وتنطلق من محاولة الكشف عن البنية الدلالية التي تقوم عليها الومضة، وكيفية تحوّل صور الألم والخسارة داخلها إلى علاماتٍ للوعي والانبعاث والتجدد.

وتعتمد الدراسة على تتبع الحركة الداخلية للنص بوصفه بناءً تصاعديًا يبدأ بنفي الوعود الزائفة، ثم ينتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل المرثية إلى ميلاد جديد، قبل أن يربط بين المأساة وإمكان العيد، وصولًا إلى صورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والحياة.

كما تحاول الدراسة إبراز العلاقة بين الذاتي والجماعي في القصيدة، حيث لا يظهر الحزن بوصفه تجربة فردية معزولة، بل باعتباره تعبيرًا عن معاناةٍ إنسانية واجتماعية أوسع. ومن خلال ذلك تتكشف الومضة بوصفها خطابًا شعريًا يواجه الوهم والخلاص السهل، ويمنح الوعي والإرادة الإنسانية دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الواقع ومقاومة الانكسار.

ومـضـة

لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ ..

فـقـد كـان وَعِـيـدا:

*

هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ ..

وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا

*

إنْ يـكـنْ يـومـيَ مـأسـاةً

فـإنَّ الـغـدَ قـد يُـصـبـحُ عِـيـدا

*

حَـبَّـةُ الـقـمـحِ إذا تُـدفَـنُ

قـد تـمـلأُ بـالــخـضـرةِ والـسـنـبـلِ بِـيـدا

**

تفسير الابيات

الوعي بوصفه نقيض الوعد

لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ.. فـقـد كـان وَعِـيـدا:

يفتتح يحيى السماوي ومضته بنفيٍ حاسم لأي وعدٍ بالخلاص المطلق، إذ تأتي عبارة:

"ليس وعدًا بالفراديس"

لتقويض الأحلام الطوباوية والخطابات التي تعد الإنسان بجنّةٍ مؤجلة بعيدة عن واقع الألم والمعاناة. فالفراديس هنا ليست مكانًا دينيًا فحسب، بل رمزٌ للخلاص السهل الذي اعتادت الشعوب أن تُخدَّر به وسط القهر والانكسارات.

لكن الشاعر يفاجئ القارئ بالانتقال من "الوعد" إلى "الوعيد"، فينقلب الخطاب من لغة التطمين إلى لغة الإنذار. غير أن "الوعيد" لا يظل في معناه المباشر بوصفه تهديدًا فقط، بل يتحول إلى حالةٍ من اليقظة والإدراك؛ فالمعاناة نفسها تصبح مصدرًا للوعي. وكأن الشاعر يرى أن الشعوب لا تبلغ حقيقتها عبر الأحلام، بل عبر الصدمات التي تكشف الواقع وتدفع إلى المقاومة.

ومن الناحية النفسية، يكشف البيت عن ذاتٍ فقدت ثقتها بالوعود الكبيرة بعد تجارب قاسية، لذلك لم تعد تنتظر فردوسًا قادمًا، بل صارت أكثر التصاقًا بالحقيقة مهما كانت مؤلمة. أما سياسيًا، فالبيت يحمل رفضًا ضمنيًا للخطابات الزائفة التي تؤجل العدالة وتَعِد بالخلاص دون تغييرٍ حقيقي، ليصبح الوعي بالفعل التاريخي واليقظة الجماعية هو البديل عن انتظار المعجزة.

وهكذا يؤسس البيت منذ بدايته لرؤيةٍ فكرية ترى أن الخلاص لا يولد من الوهم، بل من الإدراك العميق للمأساة ومواجهتها.

من وعيِ المرثية إلى صناعةِ الميلاد

هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ.. وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا

في هذا البيت يبني يحيى السماوي ثنائيةً حادة بين الموت الرمزي والانبعاث، عبر تقابلٍ دلالي بين "المرثية" و"الميلاد". فقولُه:

"هيأتْ مرثيةً لي"

يوحي بأن قوىً خارجية — سياسية أو اجتماعية أو تاريخية — دفعت الذات نحو الخسارة والحزن، حتى بدا وكأن المصير المعدّ لها هو الرثاء والانطفاء. فالمرثية هنا لا تعني الموت الفردي فقط، بل تشير إلى محاولة إلغاء الإنسان معنويًا وتاريخيًا.

غير أن الشاعر يقلب هذا المصير عبر الجملة المقابلة:

"وأنا هيأتُ ميلادًا جديدًا"

إذ تنتقل الذات من موقع المتلقي للخراب إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره. والميلاد هنا لا يحمل معنى البداية البيولوجية، بل يرمز إلى ولادة وعيٍ جديد وإرادة مقاومة تتجاوز آثار الهزيمة.

ويكتسب البيت قوته البلاغية من تكرار الفعل "هيأت"، فالفعل ذاته استُعمل في اتجاهين متضادين: الخارج يُعِدّ المرثية، بينما الذات تُعِدّ الميلاد. ومن خلال هذا التوازي تتجلى إرادة التحدي؛ إذ يتحول الألم من نهايةٍ مغلقة إلى نقطة انطلاق نحو بناء جديد.

وعلى المستوى الرمزي، يجعل الشاعر من الحزن شرطًا للانبعاث، وكأن المراثي نفسها تصبح التربة التي ينمو منها الميلاد القادم. لذلك لا يبدو البيت استسلامًا للمأساة، بل إعلانًا لقدرة الإنسان على تحويل الخسارة إلى فعل خلقٍ وتجدد.

جدل المأساة والعيد: احتمال التحوّل

في هذا البيت يواصل يحيى السماوي بناء رؤيته القائمة على تحويل الألم إلى أفقٍ جديد، عبر صياغة شرطية تجمع بين الاعتراف بالمأساة والانفتاح على إمكان التغيير:

"إنْ يكنْ يوميَ مأساةً

 فإنَّ الغدَ قد يُصبحُ عيدًا"

يفتتح الشاعر الجملة بأداة الشرط "إنْ"، وكأنه يواجه الواقع كما هو، دون إنكارٍ للوجع أو تجميلٍ للمحنة. فالمأساة هنا ليست احتمالًا بعيدًا، بل تجربة معيشة تثقل الحاضر وتكشف قسوة الزمن.

غير أن البيت لا يتوقف عند حدود الألم، بل ينتقل إلى المستقبل عبر كلمة "الغد"، التي تحمل إيحاءً بزمنٍ مفتوح على التحول. ويأتي استخدام أداة الاحتمال "قد" بالغ الدلالة؛ إذ لا يمنح الشاعر وعدًا يقينيًا بالخلاص، بل يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التغيير. وهذا ما يمنح الأمل طابعًا واقعيًا لا وهميًا، فالعيد لا يتحقق بوصفه معجزة جاهزة، بل بوصفه ثمرةً محتملة للصبر والمقاومة والاستمرار.

وتنبع قوة البيت من هذا التوتر بين المأساة والعيد، بين الحاضر المثقل بالخسارة والمستقبل القابل للانبعاث. فالشاعر لا ينفي الألم، بل يجعله جزءًا من الطريق نحو التحول، وكأن المعاناة نفسها قد تصبح الشرط الذي يمنح الفرح القادم معناه الحقيقي.

وعلى المستوى الرمزي، يتحول "العيد" من مناسبة زمنية إلى رمزٍ للتحرر واستعادة الكرامة والانتصار على الانكسار، ليغدو البيت بأكمله إعلانًا عن إيمانٍ إنساني بأن أكثر اللحظات ظلمة قد تحمل في داخلها بذور الفجر القادم.

جدل الدفن والانبثاق

يختتم يحيى السماوي ومضته بصورةٍ زراعية كثيفة الدلالة، تجعل من الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية:

"حبّةُ القمحِ إذا تُدفنُ

 قد تملأُ بالخُضرةِ والسنبلِ بيدًا"

تقوم الصورة على مفارقة عميقة؛ فالدفن، الذي يرتبط عادةً بالموت والفناء، يتحول هنا إلى الشرط الضروري للحياة والخصب. فحبّة القمح لا تنبت إلا حين تختفي في باطن الأرض، وكأن الشاعر يؤكد أن الانبعاث الحقيقي لا يولد إلا من رحم المعاناة والتلاشي الظاهري.

ويمنح استخدام أداة الاحتمال "قد" الصورةَ بُعدًا واقعيًا؛ فالخُضرة ليست نتيجةً آلية أو مضمونة، بل ثمرةٌ ممكنة لما يُبذل من صبر وتضحية واستمرار. لذلك لا تبدو القصيدة وكأنها تعد بخلاصٍ سهل، بل تؤمن بأن الألم قد يتحول — عبر الزمن والفعل — إلى حياة أكثر اتساعًا.

كما تتسع الصورة لتأخذ بعدًا إنسانيًا وجماعيًا؛ فحبّة القمح المفردة لا تُثمر سنبلةً واحدة فحسب، بل تملأ "بيدًا" كاملة بالخضرة، فيتحول الفقد الفردي إلى خصبٍ جماعي. وهنا يكتسب البيت إيحاءً اجتماعيًا وسياسيًا، إذ تصبح التضحيات الصغيرة بذورًا قادرة على صناعة مستقبل أوسع وأكثر حياة.

وتنبع قوة البيت من اعتماده على دورة الطبيعة بوصفها قانونًا رمزيًا للوجود: فكل ميلادٍ حقيقي يسبقه دفنٌ ما، وكل خُضرةٍ تحتاج أولًا إلى أن تعبر عتمة التراب. وهكذا يختتم الشاعر ومضته بإيمانٍ عميق بأن ما يبدو نهاية قد يكون في حقيقته بدايةً أخرى أكثر خصبًا واتساعًا.

مقاربة بنيوية/ سيميائية/ نفسية/ سياسية

تقوم ومضة يحيى السماوي على حركة دلالية قصيرة لكنها شديدة الكثافة، تبدأ برفض الوعود الزائفة، ثم تنتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل الحزن إلى فعل، قبل أن تنتهي بصورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والانبعاث. لذلك لا يقدّم النص خلاصًا جاهزًا أو يقينًا مطلقًا، بل يفتح أفقًا إنسانيًا يقوم على الوعي والصبر والقدرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة.

البنية العامة (مقاربة بنيوية)

تتحرك الومضة عبر بناءٍ تصاعدي يقوم على أربع مراحل مترابطة:

1. نفي الوهم والخلاص السهل

 في قوله:

 "ليس وعدًا بالفراديس"

 يفتتح الشاعر النص برفض الخطابات التي تعد بالخلاص السريع، واضعًا القارئ منذ البداية أمام واقعٍ لا يحتمل التزييف أو التجميل.

2. الانتقال من الرثاء إلى الفعل

 في قوله:

 "هيّأتْ مرثيةً لي… وأنا هيّأتُ ميلادًا جديدًا"

 تنتقل الذات من موقع المتلقي للحزن إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره، فيتحول الرثاء من نهايةٍ إلى بداية.

3. جدلية الألم والأمل

 في قوله:

 "إن يكن يومي مأساةً

 فإن الغد قد يصبح عيدًا"

 يربط الشاعر بين الحاضر المؤلم والمستقبل الممكن، دون أن يمنح وعدًا يقينيًا، فالعيد يبقى احتمالًا يحتاج إلى صبرٍ واستمرار.

4. الدفن بوصفه شرطًا للانبعاث

 في قوله:

 "حبّة القمح إذا تُدفن

 قد تملأ بالخضرة والسنبل بيدًا"

 تبلغ الحركة الدلالية ذروتها، إذ يتحول الدفن من رمزٍ للفناء إلى مقدمة ضرورية للحياة والخصب.

وبذلك تقوم البنية العامة للنص على مسارٍ تحويلي يبدأ بالنفي وينتهي بالانبعاث:

 وهم → وعي → مقاومة → خصب وحياة.

المقاربة السيميائية (شبكة العلامات)

يبني النص شبكة من العلامات المتقابلة التي تتحول فيها الدلالات السلبية إلى طاقة إيجابية عبر الوعي والإرادة.

العلامات المرتبطة بالألم:

- الفراديس: ترمز إلى الوعود الزائفة والخلاص الوهمي.

- المرثية: تشير إلى الحزن والانكسار.

- المأساة: تعكس قسوة الحاضر.

- الدفن: يرمز إلى الفقد والتلاشي الظاهري.

العلامات المرتبطة بالتحول:

- الميلاد الجديد: رمز للتجدد والانبعاث

-  العيد: دلالة على الفرح والتحرر.

- الخضرة والسنابل: رمزان للخصب والحياة الجماعية.

غير أن هذه العلامات لا تبقى ثابتة، بل تدخل في حركة تحول مستمرة؛ فالمرثية تقود إلى الميلاد، والمأساة تنفتح على احتمال العيد، والدفن يصبح طريقًا إلى الخضرة. ومن خلال هذه الإزاحات الدلالية تتحول اللغة من توصيف الألم إلى إعادة إنتاج معناه بصورة جديدة.

البعد النفسي

يكشف النص عن ذاتٍ لا تنكر الألم، لكنها ترفض الاستسلام له. فالوعي هنا ليس تأملًا سلبيًا، بل طريقة لمواجهة الواقع وتجاوزه.

فالذات الشعرية تبدأ من إدراك الخسارة، لكنها لا تبقى أسيرة الحزن، بل تعمل على تحويله إلى قوة داخلية قادرة على إنتاج بداية جديدة. لذلك يبدو "الميلاد" في القصيدة ميلادًا نفسيًا أيضًا، أي انتقالًا من الانكسار إلى القدرة على الاستمرار.

كما أن استخدام أداة الاحتمال:

"قد يصبح عيدًا"

يكشف عن وعيٍ واقعي لا يعتمد على الأوهام، بل يؤمن بإمكانية التغيير دون أن يضمنه بصورة مطلقة.

أما صورة حبّة القمح، فتعكس بُعدًا نفسيًا عميقًا؛ إذ يصبح الدفن رمزًا لانتهاء مرحلة قديمة، تمهيدًا لولادة أكثر نضجًا واتساعًا.

البعد السياسي والاجتماعي

تحمل الومضة بُعدًا سياسيًا غير مباشر، يتجلى عبر نقد الخطابات التي تَعِد بالخلاص دون أن تغيّر الواقع فعليًا.

فرفض "الفراديس" يوحي برفض الوعود الشعبوية أو الأيديولوجيات التي تخدّر الإنسان بالأمل المجرد. وفي المقابل، يمنح الشاعر قيمة كبرى للوعي والفعل والإرادة الإنسانية.

كما أن الحزن في النص لا يبدو فرديًا خالصًا، بل يتسع ليحمل همًّا جماعيًا يرتبط بالمهمشين والمقهورين وكل من يعيش تجربة الخسارة والقمع.

وتتحول صورة حبّة القمح إلى رمزٍ اجتماعي؛ فالبذرة الصغيرة التي تُدفن في الأرض لا تمنح خصبها لنفسها، بل تملأ المكان بالخضرة والسنابل، وكأن التضحية الفردية يمكن أن تتحول إلى حياةٍ جماعية أكثر اتساعًا وعدالة.

الإزاحة الدلالية وآليات التحول

يقوم النص على سلسلة من التحولات الدلالية التي تمنح الومضة وحدتها الداخلية:

وعد → وعي  مرثية → ميلاد  مأساة → عيد  دفن → خضرة

ومن خلال هذه التحولات يعيد الشاعر تشكيل المعاني التقليدية للكلمات، بحيث لا تبقى المرثية نهاية، ولا الدفن فناءً، بل تتحول الصور كلها إلى مقدمات للانبعاث والتجدد.

الاستعارات المركزية

- استعارة البذرة:

 الدفن يتحول إلى شرط للحياة، بما يجعل الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية.

- استعارة الزمن:

 اليوم والغد لا يدلان على الزمن فقط، بل على الانتقال من المعاناة إلى إمكان الفرح.

- استعارة الميلاد:

 الميلاد هنا ليس بيولوجيًا، بل ولادة وعيٍ جديد وقدرة على تجاوز الانكسار.

الخاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن الومضة لدى يحيى السماوي، على الرغم من تكثيفها الشديد، تقوم على بناءٍ دلالي متصاعد يحوّل الألم إلى وعي، والمرثية إلى بدايةٍ للميلاد، والمأساة إلى أفقٍ لاحتمال العيد، والدفن إلى شرطٍ للخصب والانبعاث. وقد بيّنت المقاربة البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية أن النص لا يكتفي بتجسيد تجربةٍ ذاتية، بل ينفتح على رؤيةٍ جماعية تجعل الوعي بديلًا للوعود الزائفة، والفعلَ الإنساني بديلًا للاستسلام.

ومن خلال شبكةٍ من الصور والاستعارات المتحولة، يبني الشاعر تصورًا يرى أن الخسارة ليست نهايةً مغلقة، بل إمكانيةً لبداية جديدة أكثر نضجًا واتساعًا. وهكذا تتجاوز الومضة حدودها الشعرية المكثفة لتغدو خطابًا إنسانيًا يربط بين الألم والتحول، وبين المعاناة وإمكان الخصب والتجدد.

***

سهيل الزهاوي

(قراءة في الإبداع الشعري ما بعد الحداثوي لقصائد فراس طه الصگر)

في عتبة الاشتباك النقدي الثقافي اليومي الذي نعيشه، لا بد من التوقف أمام اكتشاف مدهش يتجلى بين سطور هذه التجربة؛ إذ نجد أنفسنا أمام "أدونيس" حقيقي، جليّ الرؤية، غير ملتبس ولا ضبابي، يطل علينا بحروفه المشعة ليفرض علينا التزاماً معرفياً وجمالياً بمتابعة هذا التوهج الإبداعي للشاعر (فراس طه الصگر) بجدية مفرطة. إن لكتاباته قدرة استثنائية على اختراق الحُجب وفتح أبواب الحقيقة المغلقة؛ حقيقة الوجود ذاته، وتتبع مسارات من طار وحلق في فضاءاته من الموجودات. هذا الانكشاف الشعري يجعلنا مُلزمين بالوقوف طويلاً أمام نصه، ليس بوصفه مجرد قصيدة، بل كشفاً أنطولوجياً يضعنا وجهاً لوجه أمام جوهر الأشياء.

نقف هنا حيث اللحظات المعرفية الأنيقة أمام تجربة شعرية مغايرة للشاعر المتمرد (فراس طه الصگر)، في قصيدة اختار لها، بوعي فلسفي عميق وقصدية حادة، أن تكون "بلا عنوان". هذا التجرد من العتبة الأولى ليس مجرد صدفة، بل هو انحياز لانعتاق جمالي من سطوة التسمية التي تقيّد النص وتحدد أفقه.

ولتقريب هذه الرؤية العميقة وتفكيك شفراتها للقارئ، اعتمدنا في هذه المقالة آلية نقدية مزدوجة تجمع بين الاستعراض النصي والتحليل التفكيكي؛ حيث قمنا بهندسة المقالة وتوزيعها على أربعة مقاطع نقدية توازي تماماً مقاطع القصيدة الأربعة. في كل قسم، نضع (النص الشعري) وجهاً لوجه أمام (الرؤية النقدية) الخاصة به، ليعيش القارئ لحظة الاشتباك المباشر بين الدفقة الشعرية وتأويلها الفلسفي الذي يتكئ على مفاهيم الفيلسوفين: جاك دريدا؛ عرّاب "التفكيكية" الذي زلزل استقرار اللغة وكشف عن انفلات المعنى واستحالة القبض عليه، وجان بودريار؛ فيلسوف "المحاكاة" والواقع المفرط الذي فكّك سطوة الوهم حين يبتلع حقيقة الأشياء ويحل محلها. لتكون هذه الإضاءة الفلسفية نافذةً أعمق لفهم مأزق الذات الشاعرة وصراعها مع العدم.

ولتعويض الغياب الفلسفي المتعمد للعنوان الرئيسي للقصيدة من قبل الشاعر (الصگر)، ارتأينا عنونة كل مقطع نقدي بمعزل عن الآخر؛ حيث صغنا لكل جزء عنواناً مكثفاً يستقطر الجوهر الفلسفي والجمالي لتلك المحطة الشعرية (كاللمس، المحاكاة، الغياب، والمحو). هذه العناوين الفرعية تعمل كعتبات إضاءة متدرجة، تقودنا في رحلة مريرة مع العدم، حيث تنسج الكلمات أكفانها بيدها، وتغدو الكتابة مرثية كبرى للمعنى.

المقطع الأول: عدوى اللمس ومرثية البياض

النص الشعري:

بيديَّ هاتين

أشرتُ إلى الليل،

فاسودّت أصابعي كلُّها..

وبالأصابعِ ذاتها

أشرتُ إليكِ،

فاسّاقطتْ قصائدَ بيضاء..

الرؤية النقدية:

تنطلق القصيدة من تلك العتبة الملتبسة التي تنتهي عندها حدود اللغة، حيث تتفحم الكلمات متخلية عن معناها، ويغدو "الدال" شبحاً يطارد "مدلولاً" أزلي الغياب. في هذا المشهد، تحمل اليدان اللتان تشيران إلى الليل سر التحول الأنطولوجي؛ إذ يصبح اللمس عدوى، والإشارة عبوراً للاندماج في جوهر الأشياء. هذا الاسوداد الذي أصاب الأصابع يكشف عن ذوبان الذات الشاعرة لدى (فراس طه الصگر) وتلوثها في عتمة العالم الآخر العالم السارتري الجحيمي الذي تحاول تسميته، في تجسيد لجدلية "دريدية" خالصة: كل اندفاع نحو الخارج هو تدمير داخلي للذات، وكل محاولة للإمساك بالليل تعني الانزلاق الحتمي في بئره السحيقة وكذا الحال في وصف الآخر.

ومن رحم هذه العتمة، تنبثق الحركة الثانية المدهشة؛ حين تتجه الأصابع ذاتها، المثقلة بسواد الليل، نحو المحبوبة، لتُساقط "قصائد بيضاء". هنا يتجلى "منطق الأثر" الذي يجعل كل حضور مسكوناً بشبح غيابه، وكل بياض ملوثاً حتماً بالسواد الذي سبقه. تتهاوى هذه القصائد كأوراق الخريف أو كجثث الطيور، ليصبح فعل التساقط رمزاً للانحدار والموت، لا ثماراً دانية للقطاف. هكذا، يُولد البياض ميتاً، وتأتي النصوص حاملةً نعواتها، ليتحول فعل الإبداع نفسه عند (الصگر)، بوصفه شاعراً يدرك مأزق اللغة، إلى وجه آخر للفناء؛ وكأن الكتابة عن الحب، في جوهرها المأزوم، ليست احتفاءً ببهجة الحضور وإن بدا كذلك، إنما الحقيقة تقول هي طقس رثائي خالص، وتدوين موجع للخسارة، وما بعد الموت.

المقطع الثاني: انزياح الدلالة ومحاكاة الوهم

النص الشعري:

في الليلِ نفسهِ..

حينما أضحى الندمُ مسافةً للعشق

والعشقُ زمناً للغياب..

تركتكِ ترحلين،

كصحراء تعاظمَ سرابُها

فاستحالتْ حكايةً من الوهمِ،

والغياب

الرؤية النقدية:

في هذا المقطع، يغور النص عميقاً في مسارات الانزياح الدلالي وصولاً إلى الانفصام التام عن أي مرجعية واقعية. هنا، تتشابك التحولات الأنطولوجية لتذيب صلابة المفاهيم المعجمية، وتجعل من الكلمات مجرد جسور معلقة فوق هاوية المعنى؛ فيستحيل "الندم"، بوصفه شعوراً نفسياً داخلياً، إلى بُعد مكاني ومسافة للعبور، ويتحول "العشق" الوجداني إلى امتداد وزمن خالص للغياب. هذا الترحيل القسري للمفاهيم عن طبائعها الأصلية يكشف عن عنف لغوي مُمارس ضد المعنى، يقوده (الصگر) ببراعة الشاعر الخبير بخبايا الكلمة، غايته تفجير الدلالة من الداخل، ودفع اللغة لتشهد على عجزها الخاص.

وفي ذروة هذا التفكيك، تبرز إحدى أعنف استعارات النص حين تُترك المحبوبة لترحل كـ "صحراء تعاظم سرابها". تتحول المرأة هنا إلى جغرافيا قاحلة وفضاء مسكون بالوهم؛ سرابٌ ينمو ويتضخم مبتلعاً كل شيء، حتى تذوب الصحراء الحقيقية وتستحيل بدورها إلى مجرد حكاية. في هذه الرقصة المدوخة التي يتبادل فيها الحقيقي والوهمي مواقعهما، يكتسب السراب (الوهم) قوة الوجود كحقيقة وحيدة. إن هذا المشهد يجسد ببراعة ما أسماه الفيلسوف بودريار بـ "عصر المحاكاة"، حيث تسبق الصورة الواقع، وتُنتج العلامة مرجعها عوضاً عن الإحالة إليه؛ لتغدو المحبوبة من خلال عدسة (فراس طه الصگر) الشعرية محاكاة صرفة، ووهماً هائلاً يلتهم الحقيقة التي كان يُفترض أن يمثلها.

المقطع الثالث: مركزية الغياب والتشظي الكوني

النص الشعري:

في الغياب..

حينما ترحلُ الصورُ..

والوجوهُ..

والوشايات..

حيث الرمالُ أقربُ ما نستطيعهُ

والمياهُ مجردُ حكايةٍ..

هناك،

لن أجدَ مبرراً لنسيانكِ

سوى أنكِ

مجرّةٌ من الذكريات..

الرؤية النقدية:

في هذا المقطع، يتجذر الغياب ليغدو المركز الغائب الذي يدور في فلكه كل دوال النص وموضوعه الأوحد. ومع رحيل الصور والوجوه والوشايات، تبرز تلك النقطتان المعلقتان في الهواء بعد كل سطر كاعتراف صارخ بعجز اللغة عن الإحاطة والإحصاء؛ فهي إقرار بذاك الفائض المستحيل الذي ينفلت دائماً من قبضة الكلام ليبقى خارج النص. هنا، تصير الرمال القاحلة أقرب ما يمكن الإمساك به، بينما تُجرد "المياه" - بكل ما تحمله من دلالات الحياة والخصوبة والاستمرار - من ماديتها لتستحيل مجرد حكاية وسردية تحل محل الماء ذاته. ويتجلى في هذا الانزياح أعنف قوانين الكتابة التي يعيها الشاعر: الكلمة تقتل الشيء، والتسمية تغتال المسمّى، والنص يبتلع الواقع.

وفي امتداد هذا الغياب، تُوصَف المحبوبة في مخيلة (فراس طه الصگر) المتقدة بأنها "مجرة من الذكريات"، في استعارة كونية تنطوي على عنف تجريدي مرعب. إذ تتشظى صورة المحبوبة الواحدة المتماسكة وتنفجر إلى كثرة لانهائية من العلامات المبعثرة والذكريات المتناثرة كنجوم في فضاء الوعي، تفصل بينها مسافات كونية شاسعة. ولا تكتفي هذه "المجرة" بتجسيد الاستحالة والانفصال الأبدي فحسب، بل تحيلنا إلى حقيقة فلكية موجعة: فكما أن الضوء الذي يصلنا من النجوم قد يكون مجرد شبح وأثر لأجرام ماتت منذ ملايين السنين، كذلك المحبوبة في رؤيا (الصگر)؛ فما يتبقى منها في الذاكرة ليس سوى أشباح وآثار ضوئية لحضور انقضى، وصدى لحبٍ ربما مات قبل أن يولد.

المقطع الرابع: فانتازيا المحو ووهم الحضور الصوتي

النص الشعري:

الآن..

سأمحو الندمَ بأصابع النسيان

ثم سأمحو النسيانَ كذلك..

سأمحو قبلةً ورديةً على شفةِ الموت

ثم أمحو الموتَ كذلك..

سأمحو من الصحراءِ ليلةً ماطرة..

سأمحو من العمرِ أقمارَه

ومن أقمارهِ لياليه..

سأمحو كل ليلةٍ لم يشعّ بهاؤك فيها

ثم سأنسى كل هذا..

سأنسى أنني أمحو..

وأنسى أنني نسيت..

أتعلمين لماذا؟

ذلك أنكِ

ذكرى تتحدّث..

الرؤية النقدية:

ثم يأتي المقطع الرابع ليحمل معه فانتازيا المحو الأكثر جنوناً في النص. حيث تعلن الذات الشاعرة لدى (فراس طه الصگر) برنامجاً تدميرياً شاملاً: سأمحو الندم، سأمحو النسيان، سأمحو القبلة، سأمحو الموت، سأمحو الليلة الماطرة، سأمحو الأقمار، سأمحو الليالي. هذا التكرار القهري لفعل المحو يحمل طبيعة طقسية، كأنه شعيرة تطهيرية أو ممارسة سحرية تحاول من خلال تكرار الفعل اللغوي أن تحقق تأثيراً واقعياً. الذات تتوهم أن اللغة قادرة على المحو، أن الكلمة قادرة على إلغاء ما تسميه، وهذا الوهم هو بالضبط ما تعيشه الذات الحداثية التي تؤمن بقدرة الكلام على تغيير الواقع، بسلطة الدال على المدلول.

المحو يتصاعد من محو الندم إلى محو النسيان نفسه، وهنا يضعنا (الصگر) في المفارقة المنطقية الأولى: كيف يمكن محو النسيان؟ محو النسيان يعني التذكر، يعني عودة المحو، يعني إلغاء فعل المحو الأول. الذات تقع في حلقة مفرغة، في دوامة منطقية تجعل كل فعل محو يستدعي محواً آخر. ثم تمحو القبلة الوردية على شفة الموت، وهذه الصورة السريالية تجمع بين الحياة (القبلة، الوردي) والموت في تجاور مستحيل، ثم تعلن محو الموت نفسه. محو الموت حلم الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون، حلم الخلود والحضور الأبدي، ومحوه عند الشاعر يعني إلغاء الزمن، إلغاء الفناء، وتحقيق الثبات المطلق.

الذات تمحو من الصحراء ليلة ماطرة، وهذه الليلة الماطرة في الصحراء هي المعجزة، الاستثناء. محوها يعني محو الأمل، محو اللحظة الوحيدة التي شهدت فيها الصحراء على معجزة. ثم تمحو الذات من العمر أقماره، ومن أقماره لياليه، في حركة متسلسلة تشبه تفكيك بناء مكون من طبقات. الأقمار هي مصدر الضوء، محوها يعني الظلام المطلق، والليالي هي الزمن نفسه، محوها يعني الخروج من التاريخ.

ثم يأتي التصريح الأكثر قسوة: سأمحو كل ليلة لم يشع بهاؤك فيها. هنا تريد الذات اختزال الوجود كله في لحظات الحضور، في تلك الشقوق الضوئية التي شع فيها بهاء الآخر. العالم كله يصير فائضاً، والوجود الحقيقي يُختزل في ومضات اللقاء. هذا اختزال قاس للوجود يجعل معنى الحياة معلقاً بحضور الآخر، وكل ما عداه عدماً يستحق الإلغاء.

ثم تعلن الذات أنها ستنسى كل هذا، ستنسى أنها تمحو، وستنسى أنها نسيت. هنا نصل إلى الميتا-محو، إلى نسيان فعل النسيان. هذه حركة تفكيكية بامتياز تلتهم نفسها. الذات التي تعلن نسيان النسيان تظل واعية به، وبالتالي تبقى حاضرة في اللحظة التي تعلن فيها غيابها. هذا الوعي يجعل المحو مستحيلاً، لتبقى الذات مسجونة في قفص الوعي.

ثم يأتي السؤال الاستنكاري: أتعلمين لماذا؟ كأن الذات تقدم عرضاً مسرحياً للآخر، تتباهى فيه بسلطتها على الذاكرة والزمن. ثم يأتي الجواب الذي صاغه (فراس طه الصگر) بكثافة فلسفية مرعبة: "ذلك أنكِ ذكرى تتحدث". المحبوبة ذكرى (ماضٍ، غياب، أثر)، لكنها تتحدث (تحضر الآن، تملك صوتاً). الماضي يصير حاضراً عبر فعل الكلام.

هذا ما أسماه دريدا بالصوتانية، ذلك الوهم الميتافيزيقي الذي يجعل الصوت أقرب إلى الحضور والحقيقة من الكتابة. المحبوبة التي تتحدث كذكرى هي وهم الحضور الصوتي، وهم أن الكلام قادر على إحضار الغائب. هذا الوهم هو ما يجعل الذات غير قادرة على النسيان، لأن الذكرى ما دامت تتحدث فهي حاضرة.

القصيدة تكشف في نهايتها عن حقيقتها الأعمق: إنها نص عن اللغة أكثر منها نص عن الحب، ونص عن استحالة القول. الكتابة هنا تدوين للعجز، شهادة على أن اللغة تخون دائماً؛ تخون الحب حين تحاول قوله، وتخون الحضور حين تحاول تسميته. كل نص هو في جوهره نصب تذكاري لشيء مات في اللحظة التي وُضع فيها على الورق.

المحو المتكرر في القصيدة يكشف عن رغبة (الصگر) في العودة إلى ما قبل اللغة، إلى حالة الصمت الأصلي واللحظة السابقة على التسمية. محو الكلمات هو محاولة لمحو الخطيئة الأصلية (خطيئة الكلام). الذات تريد العودة إلى ما قبل الوعي، لكنها محكومة بأن تستخدم الكلمات لمحو الكلمات، وهنا تكمن المفارقة المأساوية: اللغة هي السجن والمفتاح معاً.

القصيدة بعمومياتها التأويلية، وبقلم (فراس طه الصگر) الاستثنائي، هي نص مأزوم بامتياز، يعرف أنه يخون ما يحاول قوله، وأن كل دال سيخذل مدلوله. هذا الوعي بالخيانة يجعل النص شجاعاً وصادقاً في عجزه. القصيدة شهادة على أن الكلام عن الحب كذب جميل، وأن كل نص هو في النهاية نص عن اللغة، عن حدودها، وعن كذبها الضروري.

***

بقلم: كاظم أبو جويدة

يُشكّل الشعر العربي الحديث فضاءً معرفيّاً وجماليّاً تتقاطع فيه الأزمنة، وتتداخل عبره المرجعيات التاريخية والأسطورية والوجودية، بحيث يغدو النص الشعري أكثر من مجرّد بناء لغوي أو تشكيل إيقاعي؛ إنّه ممارسة تأويلية تعيد مساءلة الإنسان والتاريخ والسلطة والهوية. ومن هذا المنظور، تأتي قصيدة الشاعرة ربيعة غانم الموسومة بـ:

«استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً / فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان»

بوصفها نصّاً شعريّاً كثيف البنية، متعدّد الطبقات الدلالية، ينفتح على فضاءات رمزية وتاريخية ونفسية عميقة، مستثمراً شخصية امرئ القيس لا باعتبارها استعادة تراثية جامدة، بل بوصفها قناعاً حضارياً ووجودياً يعكس مأزق الذات العربية المعاصرة، وقلقها التاريخي، وانكسارها أمام أسئلة السلطة والمنفى والفقد.

فالقصيدة لا تُعيد إنتاج الحكاية الجاهلية في بعدها السردي فحسب، بل تعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل أفق حداثي تتجاور فيه:

التراجيديا السياسية، والرؤية الفلسفية، والانكسار النفسي، والاحتجاج الحضاري.

ومن هنا، تتحوّل شخصية امرئ القيس من شاعر طريد يبحث عن ملك أبيه، إلى رمز للذات الممزقة بين الحلم والسقوط، وبين الرغبة في استعادة المجد، والوعي العميق باستحالة العودة إلى زمن البطولة الأولى.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كون النص يتيح إمكانات واسعة للقراءة النقدية المتعددة، إذ تتشابك فيه:

البنية اللغوية والبلاغية، والمعمار الصوتي والإيقاعي، والرمزية المركبة، والصور التحولية، والانزياحات التركيبية والزمنية، والبنية النفسية والسيميائية، والأبعاد الفكرية والاجتماعية والتاريخية.

كما أنّ القصيدة تُعدّ نموذجاً خصباً لتطبيق ما يُعرف بـ«النقد الاحتمالي» أو «النص الممكن»، ذلك المنهج الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على تعدد المعاني، لا تُختزل في تفسير نهائي، بل يُعاد إنتاجها باستمرار عبر تفاعل القارئ مع السياقات الثقافية والمعرفية والتاريخية المختلفة. فالمعنى هنا لا يُعطى جاهزاً، بل يتولّد من حركة القراءة ذاتها، ومن التوتر القائم بين الظاهر والمضمر، بين التاريخي والرمزي، وبين الواقعي والمتخيّل.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربة نقدية شاملة، تنفتح على مناهج متعددة:

الأسلوبي، والبنيوي، والرمزي، والتفكيكي، والنفسي، والسيميائي،

والتأويلي (الهيرمينوطيقي)، وذلك للكشف عن البنية العميقة للنص، وتحليل شبكات الدلالات التي تتحرك داخله، واستجلاء آليات إنتاج المعنى، وكيفية تشكّل الرؤية الشعرية والفلسفية لدى الشاعرة.

كما ستتوقف الدراسة عند:

فصاحة اللفظ، وجمال الصياغة، ودقة التراكيب، والإيقاع الداخلي، والجرس الصوتي، والصورة الحركية، واستعارة الامتزاج،

والاندماج الحسي، والانزياحات الزمنية والتركيبية، فضلاً عن تحليل البعد الإيروتيكي بوصفه طاقة رمزية تتقاطع فيها الرغبة مع السلطة والفقد والبحث عن الخلاص.

إنّ هذه القصيدة، بما تمتلكه من كثافة لغوية وثراء رمزي، لا تُقرأ بوصفها نصاً عن امرئ القيس وحده، بل بوصفها خطاباً شعرياً عن الإنسان العربي في محنته الوجودية والتاريخية؛ عن الكائن الذي ما يزال، منذ قرون، يبحث عن «ملكه الضائع» بين خرائب الداخل ومرايا الخارج، ويعيد إنتاج أسئلته القديمة بأقنعة جديدة، في زمن تتكرّر فيه الهزائم، لكن بأسماء مختلفة.

تُعدّ هذه القصيدة من النصوص الشعرية التي تنفتح على مستويات متشابكة من القراءة؛ إذ لا تكتفي باستدعاء الشخصية التراثية المتمثلة في امرئ القيس بوصفها رمزاً تاريخياً، بل تعيد إنتاجها داخل سياق وجودي وسياسي وثقافي معاصر، بحيث يتحوّل النص إلى مرآة مزدوجة: مرآة للذات العربية المنكسرة، ومرآة للوعي التراجيدي الذي يتأرجح بين الحلم والانهيار، بين البطولة والتيه، وبين الحنين إلى المجد والاصطدام بخراب الواقع.

ومنذ العنوان:

«استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً / فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان»

يدخل النص في فضاء المقارنة التاريخية والتماثل الرمزي، حيث لا يعود امرؤ القيس فرداً تاريخياً، بل يتحوّل إلى استعارة كبرى للذات العربية التي تبحث عن خلاصها خارج ذاتها، فتقع في مأزق الارتهان والانكسار.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١ ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تتأسس لغة القصيدة على بناء لغوي رفيع يستثمر المعجم الجاهلي والتراثي دون أن يقع في أسر المحاكاة التقليدية. فالشاعرة تستعيد مفردات مثل:

«عسيب»، «ذرا دمون»، «سقط اللوى»، «كندة»، «قيصر»، «الخليع»

«الطريد».

لكنها لا تستخدمها بوصفها زخرفة تراثية، بل باعتبارها وحدات دلالية حية تؤسس لمعمار رمزي كثيف.

ويظهر التماسك الأسلوبي في التراكيب المتوالدة القائمة على الانزياح:

«خليل ذؤبان تفور بروح كندة فوق مسرجة اللهب»

فهنا تتحوّل الذات إلى كائن أسطوري هجين:

صديق للذئاب، حامل لروح القبيلة،

ومشتعل فوق نار الثأر.

إن الجملة لا تسير وفق نظامها التداولي المألوف، بل وفق نظام شعري احتمالي يخلق المعنى عبر التوتر الداخلي بين الكلمات.

- الانزياح التركيبي:

من أبرز خصائص النص تفكيك البنية النحوية التقليدية، مثل:

«وعرش كسرى يمتطي

شبق الدبور ولا مدد»

فالفعل «يمتطي» أُسنِد إلى «عرش كسرى»، وهو إسناد انزياحي، لأن العرش يتحوّل إلى كائن راغب، يتحرك بدافع «شبق الدبور».

وهنا تتجلّى:

استعارة التشخيص، والانزياح الدلالي، والتفكيك الرمزي للسلطة.

فالعرش لم يعد رمز استقرار، بل صار جسداً مضطرباً تقتاده الريح العاتية.

٢ ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تمتاز القصيدة بفصاحة عالية لا تقوم على الجزالة القديمة وحدها، بل على التوازن بين:

الفخامة، والتوتر الشعوري، والانكسار الوجودي.

في قولها:

«فسكنت أروقة الخيال محاولاً

ملكاً يعود ولا مدد»

نلاحظ:

الاقتصاد اللغوي، والضغط الدلالي،

والفراغ الإيقاعي الناتج عن تكرار «لا مدد».

فالعبارة القصيرة تتحوّل إلى هاوية صوتية تعكس العجز الوجودي الكامل.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

١ ـ الموسيقى الداخلية:

النص قائم على موسيقى داخلية كثيفة تتولد من:

التكرار، والتوازي، والتدوير، والتقطيع الصوتي.

مثل:

«بها وقفت

بها بكيت»

التكرار هنا ليس زخرفة، بل حركة ارتدادية نفسية تُجسد الوقوف في دائرة الفقد.

٢ ـ الجرس الصوتي

يتكرر حضور الحروف الصلبة:

أ- القاف،

ب- الطاء،

ج- الضاد،

د- الكاف،

في مقاطع الثأر والانكسار:

«فسكنت أروقة الخيال»

«تختطف الظنون»

بينما تظهر الحروف الرخوة:

١- السين،

٢- الشين،

٣- الهاء،

في المقاطع الحزينة:

«شجناً بأزمنة الطرب»

وهذا التوزيع الصوتي يخلق ما يُعرف بالمعمار السمعي الداخلي للنص.

٣ ـ الإيقاع النفسي:

الإيقاع هنا لا يخضع فقط للوزن، بل لما يمكن تسميته: «الإيقاع الوجودي».

فالتكرار:

«ولا مدد»

«لا مدد»

يُنتج إيقاعاً نفسياً قائماً على الانقطاع والفراغ.

ثالثاً: الصورة الشعرية والتحولات الجمالية

الصورة الحركية

النص مليء بالصور المتحركة:

«والريح قد هبت تجوب الخافقين»

فالريح ليست عنصراً طبيعياً، بل طاقة تاريخية جارفة.

الصور التحولية

في قولها:

«وعرش كسرى يمتطي شبق الدبور»

يتحول:

العرش - إلى جسد،

الريح - إلى شهوة،

السلطة - إلى اضطراب غرائزي.

وهذا من أرقى مستويات الصورة التحولية.

الاندماج الحسي والتبادل الوجودي

في قولها:

«تفور بروح كندة فوق مسرجة اللهب»

تمتزج:

الروح بالنار،

القبيلة باللهب،

التاريخ بالجسد.

فتنشأ حالة من «التبادل الوجودي» حيث تتداخل المادة والروح والهوية.

استعارة الامتزاج

النص يقوم على امتزاج:

الإنسان بالمكان، والزمن بالهوية، والجسد بالتاريخ.

فـ«سقط اللوى» ليس مكاناً فقط، بل ذاكرة شعورية.

-الانزياح الزمني:

النص يخلخل الزمن التاريخي:

١- الماضي الجاهلي،

٢- الحاضر العربي،

٣- الزمن الأسطوري،

٤- والزمن النفسي،

كلها تتداخل في بنية واحدة.

ولهذا يصبح امرؤ القيس:

شخصية تراثية، ورمزاً معاصراً، وكائناً وجودياً في آن.

رابعاً: البنية الفكرية والفلسفية

١ـ سؤال السلطة والضياع

القصيدة تطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن استعادة الملك عبر الارتهان للخارج؟

وهنا يصبح «قيصر الروم» رمزاً:

للاستقواء بالآخر،

ولعجز الداخل،

ولتفكك الإرادة الحضارية.

٢ ـ البعد الوجودي:

النص لا يتحدث عن ملك سياسي فقط، بل عن:

ضياع الهوية، وانهيار المعنى، واغتراب الذات.

في قولها:

«ومكثت دهرك تصطلي

ما دارت الأفلاك موتاً»

يتحول الزمن إلى عقوبة كونية.

خامساً: البنية النفسية

القلق الوجودي

النص مشبع بنبرة:

١- الخوف،

٢- والتيه،

٣- والاحتراق الداخلي.

امرؤ القيس هنا ليس بطلاً منتصراً، بل ذاتاً مهددة بالعدم.

عقدة الفقد

يتكرر الفقد عبر:

الملك، القبيلة، الحبيبة، الوطن، المعنى.

ولهذا تتكاثر صور:

التشرد، والرياح، والخراب، والموت.

سادساً: البنية السيميائية

ثنائية الحضور والغياب

يتأسس النص على تقابل:

الملك - الضياع،

النار - الرماد،

العرش - التيه،

الوطن - المنفى.

رمزية المكان

«أنقرة» ليست مكان موت فقط، بل رمز:

للمنفى، وللفشل التاريخي، ولاغتراب البطل.

سابعاً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا ليس حسياً مباشراً، بل رمزيّاً وجودياً.

في قولها:

«خمر وهذا اليوم خمر»

الخمر ليست شراباً فقط، بل:

نشوة السلطة، ودوار الرغبة، والرغبة في نسيان الانكسار.

كذلك فإن العلاقة بين:

الجسد، والثأر، والملك، تظهر بوصفها شبكة رغبات متداخلة.

ثامناً: النقد الاحتمالي والنص الممكن

وفق النقد الاحتمالي، لا يمكن اختزال النص في معنى واحد.

فامرؤ القيس يمكن قراءته بوصفه:

١- رمزاً للحاكم العربي،

٢- أو للمثقف المنفي،

٣- أو للذات الحضارية الممزقة،

٤- أو للإنسان الوجودي الباحث عن خلاص مستحيل.

وهنا يصبح النص «نصاً ممكناً» مفتوحاً على احتمالات لا نهائية.

تاسعاً: قراءة نحوية وصرفية

إعراب جمل مختارة

«هُجر المزار»

هُجر: فعل ماضٍ مبني للمجهول.

المزارُ: نائب فاعل مرفوع.

الدلالة: حذف الفاعل يوسّع دائرة التأويل: من الذي هجر؟ الإنسان؟ الزمن؟ التاريخ؟

«لا تفيء إلى أحد»

لا: نافية.

تفيءُ: فعل مضارع مرفوع.

إلى أحدٍ: جار ومجرور.

الفعل «تفيء» يحمل معنى العودة والانكسار معاً.

«فسكنت أروقة الخيال»

الفاء: استئنافية.

سكنتَ: فعل وفاعل.

أروقةَ: مفعول به.

الخيالِ: مضاف إليه.

لكن الانزياح يكمن في أن «الخيال» صار مكاناً مادياً له أروقة.

عاشراً: البنية الإنسانية العليا

القصيدة ليست استعادة تاريخية فحسب، بل احتجاج حضاري ضد:

الانكسار، والارتهان، وضياع الهوية.

وهي تنجح في تحويل التاريخ إلى سؤال إنساني مفتوح: هل يعيد الإنسان أخطاءه لأن الزمن يتكرر، أم لأن الوعي لم يتغير؟

لقد استطاعت الشاعرة ربيعة غانم أن تُنتج نصاً ذا كثافة رمزية عالية، يجمع بين:

١- الفخامة اللغوية،

٢- والعمق الفلسفي،

٣- والبعد التراجيدي،

٤- والانفتاح التأويلي.

وهو نص لا يُقرأ مرة واحدة، لأن معناه لا يستقر، بل يظلّ يتوالد مع كل قراءة جديدة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

في زمن امرىء القيس

(استنجد بقيصر الروم لكي يستعيد ملكاً ضائعاً

فهل ذلك الزمان بشبه هذا الزمان)

هُجرَ المزارُ..

 وما اقتربتَ من الهوى..

و" عسيبُ " ما برحَ المقيمَ كما تراه..

ولئن أتاك وأنتَ تلتحف الرمالَ..

على ذرا دمون عامر..

هَالكَ النبأ العظيمُ ودهشةٌ..

لتروحَ بين مرارتين ومنتهى..

حَسَبٌ عدوتَهُ..

ما ارتويتَ عروقٓهُ..

وفتوّةٌ ركبتْ عبابَ مجونِها..

وتعشّقتْ لعباً يضيع على جوارحه النسبْ..

خلعوكَ من ومضاتهم..

لتحوم في فلوات طي..

من حمى قيس بن غيلان شريداً..

لا تفيءُ إلى أحدْ..

وبها وقفتَ..

بها بكيتَ..

قطفت من ولع الحبيب لواعجاً..

لتموجَ من ذكراكَ من " سقط اللوى "..

شجناً بأزمنة الطربْ..

آمن الخليع من الطريد..

خليل ذؤبان تفور بروح " كندة "..

فوق مسرجة اللهبْ..

يومان للقلب المثلج بابنة الكرم..

على ثارات " كندة "..

يا امرأ القيس الأمير..

خمرٌ وهذا اليوم خمرْ..

وغداً لنا في الناس أمرْ..

 وعلوت فوق صهيل ثأركَ..

لا توادعهم ولو حَمْلَ النساء..

نكثت عهدك فيهمُ..

لتصولَ ضلّيلاً يطوفُ..

 بلا ظلال أو رَشدْ..

هرقت دماء كنانةٍ..

من غير ذنبٍ أو سببْ..

 وعدوتَ فوق بلائها..

وجعاً تورّق بالأسى..

في طيف أحزان البلدْ..

 أوَ تستريحُ ؟

كذاك شؤمك لم يُرحْ..

والرّيح قد هبت تجوب الخافقين..

وعرشُ كسرى يمتطي..

شبق الدبور ولا مدد..

فسكنت أروقة الخيال محاولا..

ملكا يعود ولا مددْ..

ضاقت بك الأدواء والأمداءُ..

لكن لا مددْ..

فمضيت تختطف الظنونَ..

وما دريتَ الخافيات وما جرى..

وبحلة عبرت جنونك صبوةٌ..

سقط الفؤاد مقرحاً ومعفرا..

وسقطت ترتقب المزار وقيصرا..

ومكثتَ دهرك تصطلي..

ما دارت الأفلاك موتاً..

أن تبوح فتُعذرا..

وعسيبُ بعدك لن يرى..

قمراً لكندة عاشقاً

وكذاك مثواك الغريب..

بأنقرهْ..

***

شعر: ربيعة غانم

..............................

- ذرا دمون: رأس الجبل

- خليل ذؤبان: صديق الذئاب

- شبق الدبور: الريح العاتية

 

في عالَمٍ يزداد قسوةً كُلَّ يوم، يبدو الإنسانُ أكثرَ هَشاشةً مِمَّا يَظُن. المدنُ تكبر، والضجيجُ يعلو، والتكنولوجيا تتوحَّش، لكن القلبَ البشري يبقى ذلك الكائن المرتجف الذي يخاف الوَحدةَ، ويبحث عن معنى، ويحتمي بالأحلام الصغيرة من الانهيار الداخلي الذي لا يراه أحد. ولعلَّ الأدب هو ذلك الفن القادر على كشف هذه الهشاشة العميقة دُون خَطابة أوْ ضجيج، بلْ عَبْرَ التفاصيل الصغيرة، والعابرين المنسيين، والصمتِ الطويل الذي يسكن الأرواحَ.

مِن بَين الأصوات الروائية المعاصرة التي استطاعتْ أن تلامس هذا الجُرْحَ الإنساني العميق، يبرز اسمُ الروائي السوداني أمير تاج السر (وُلد 1960 م)، والروائي الياباني هاروكي موراكامي (وُلد 1949م). ورغم اختلاف الجُغرافيا والثقافةِ واللغةِ، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة مركزية: الإنسان كائن هَش، وحيد، مُرتبك، يعيش في عالَمٍ أكبر مِن قُدرته على الفهم.

لا يكتب أمير تاج السر عن الأبطال العِظَام،ولا عن الشخصيات المنتصرة.أبطالُه غالبًا كائنات مسحوقة ومنسية، تعيش على هامش الحياة، موظفون بسطاء، مرضى، بائعون، مهاجرون، أشخاص لا يَلتفت إليهم أحد. إنهم بشر يعيشون في الظل، لكنَّ الكاتب يمنحهم فجأةً مركزَ الضوء، وكأنه يقول إن المأساة الحقيقية للعالَم لا تسكن القُصورَ، بل الأزقة المنسية والقُلوب المُتعَبة.

في المقابل، يصنع هاروكي موراكامي أبطالَه بالطريقة ذاتها تقريبًا. رجال عاديون، موظف يستمع إلى الموسيقى وحده، شاب يطهو المعكرونة بصمت، امرأة تختفي بلا تفسير، شخص يمشي في المدينة دون هدف واضح. لكن خلف هذا العاديِّ تختبئ هُوَّةٌ هائلة من القلقِ الوجوديِّ والوَحدةِ والانكسارِ الداخلي.

يُدرك الكاتبان أن الإنسان لا ينهار دائمًا بسبب الحُروبِ الكُبرى أو الكوارثِ العنيفة، بلْ قدْ يتحطم بِبُطء بسبب العُزلة، والرتابة، والخِذلانِ اليَومي، والشعورِ الغامض بأن الحياة تفقد معناها شيئًا فشيئًا.

الوَحدةُ عند أمير تاج السر لَيست مُجرَّد حالة نَفْسية، بل تكاد تكون قَدَرًا اجتماعيًّا. شخصياتُه تعيش وسط الناس، لكنها معزولة عنهم. المُدُنُ مزدحمة، لكنَّ الأرواح فارغة، حتى العلاقات الإنسانية تبدو عاجزةً عن إنقاذِ الإنسان من سقوطه الداخلي. هُناك دائمًا مسافة خَفِيَّة بين البشر، ومساحات باردة لا يستطيع أحد عُبورَها.

أمَّا عِند هاروكي موراكامي، فإنَّ الوَحدة تتحوَّل إلى عالَم كامل. شخصياتُه لا تخاف الوَحدةَ فقط، بلْ أحيانًا تتصالح معها، وتسكنها كما يَسكن الناسُ بُيُوتَهم. الوَحدةُ عنده لَيست غيابَ الآخرين فَحَسْب، بَلْ هي شُعور غامض بانفصالِ الإنسان عن العالَم نَفْسِه. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تتحرك داخل حُلْم طويل، أو داخل نفق نَفْسي لا نهاية له. لكنَّ الفارق الجَوهري أن أمير تاج السر يربط هذه الوَحدةَ غالبًا بالواقعِ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بَينما يجعلها هاروكي موراكامي أزمةً وجودية كَونية، تتجاوز المجتمعَ لتصل إلى معنى الحياةِ ذَاتِه.

يَجمع الكاتبَيْن تَوَتُّرٌ غريب بين الواقعي والغرائبي. في روايات أمير تاج السر، يبدو الواقعُ أحيانًا أكثر عبثية من الخيالِ نَفْسِه. هُناك أحداثٌ غير منطقية، وشخصيات مُشوَّهة نَفْسِيًّا، ومواقف تتأرجح بين السُّخريةِ والكابوس. لكنَّه لا يغادر الواقعَ تمامًا، بلْ يَجعل القارئَ يشعر أن الحياةَ نَفْسَها تَحمل قَدْرًا من الجنونِ الخَفِيِّ.

أمَّا هاروكي موراكامي، فإنَّه يذهب أبعد في هذا الاتجاه. الآبار العميقة، القِطَط المُتكلمة، العوالم المُوازية، الاختفاءات الغامضة، كُلُّها عناصر تَجعل القارئَ غير قادر على الفصلِ بين الحقيقةِ والحُلْمِ. ومعَ ذلك، فإنَّ هذه الغرائبية لَيست هُروبًا من الواقع، بلْ مُحاولة لفهمه. والإنسانُ يعيش داخل مَتاهة نَفْسية يصعب تفسيرها بالعقل وحده. والغرابةُ عند الكاتبَيْن لَيست زينة فنية، بل وسيلة للكشف عن هَشاشةِ الإنسانِ أمامَ عالَم غير مفهوم.

بِحُكم خلفيته الطبية، يمتلك أمير تاج السر قُدرةً استثنائية على تصوير الجسدِ البشري بوصفه مساحةً للألمِ والانهيار. المرض، التعب، الشَّيخوخة، العجز، كُلُّها حاضرة بقوة في أعماله. لكنَّه لا يكتب الجسدَ بطريقة بيولوجية باردة، بلْ يَجعله مِرآةً للروحِ المنكسرة.

يهتمُّ هاروكي موراكامي أكثر بالجِراحِ النَّفْسيةِ غير المرئية، الاكتئاب، الفقد، الذكريات الثقيلة، الانفصال الداخلي. شخصياتُه تبدو سليمة من الخارج، لكنَّها تتآكل من الداخل بصمتٍ قاتل.

ويلتقي الكاتبان حول فِكرة مركزية واحدة: الإنسان هَش، سواءٌ انهارَ جسدُه أوْ رُوحُه، وسواءٌ جاءَ الألمُ من الخارج أوْ مِن أعماقه الخاصَّة. ويُدركان أن الإنسان لا يستطيع النجاةَ دُون قليل مِن السُّخرية، لأنها آخر دفاعاته أمام قَسوةِ العالَم. ومعَ هذا، فَهُمَا لا يُقَدِّمان حُلولًا كُبرى. لا تُوجد نِهايات بُطولية، ولا انتصارات كاملة، ولا يقين مُطْلَق. لكنَّهما يَمنحان القارئَ شيئًا أكثر عُمقًا: الاعتراف بضعف الإنسان، وأنَّ الهشاشة جُزء أصيل من التجربة البشرية. وتبدو الكتابةُ عِندهما كأنها مُحاولة هادئة لإنقاذ الإنسانِ من الغرق الكامل، لَيس عبر القوة، بل عبر الفهم والتأمُّل.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست اللغةُ العربيةُ مجرّدَ أوعيةٍ للألفاظ، بل هي هندسةٌ دقيقةٌ للوعي، تُحمِّلُ الكلمةَ شحنةً نفسيةً وفلسفيةً وأخلاقيةً تتجاوز ظاهرَ المبنى إلى عمق المعنى. ومن الألفاظ التي استوقفت اللغويين والمفسّرين والمتكلّمين والنحاة لفظةُ «ضِيزَى» الواردة في قوله تعالى:

﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

— سورة النجم، الآية ٢٢

وهي كلمةٌ نادرةٌ في الاستعمال، غريبةُ الجرس، كثيفةُ الإيحاء، حتى إنّ غرابتَها الصوتية تبدو مقصودةً لتصوير غرابةِ المعنى واختلالِه. فالقرآن لم يقل: «قسمةٌ جائرة» أو «ظالمة»، بل اختار لفظًا ذا نحتٍ صوتيٍّ حادٍّ، كأنّ الحروفَ نفسَها تحتجُّ على الظلم.

الأصل اللغوي لكلمة «ضِيزَى»

ذهب أئمةُ اللغة إلى أنّ «ضِيزَى» تعني: الجائرة الناقصة غير العادلة. وهي مأخوذة من الفعل:

ضازَ يَضِيزُ ضَيْزاً

أي: جارَ وظلمَ ونقَصَ الحقَّ.

قال ابن منظور في لسان العرب:

«ضازَ في الحكم: جارَ، وضازَه حقَّه: نقصه إيّاه».

وقال الزجّاج:

«القِسمة الضيزى هي القسمة الجائرة التي تميل عن العدل».

فاللفظةُ تدورُ كلّها حول معنى الميل والانحراف عن القسط، لا مجرّد الظلم الخامّ، بل الظلم الذي يُلبَس ثوبَ الشرعية والعقلانية.

البناء الصرفي وإشكاليته

استوقفت كلمة «ضِيزَى» علماءَ الصرف والنحو؛ لأنها جاءت على وزنٍ غيرِ مطّرد في العربية. وقد اختلفوا في أصلها ووزنها.

رأي البصريين:

ذهب نحاةُ البصرة، وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد، إلى أنّ «ضِيزَى» على وزن فِعلى، كـ«ذِكرى» و«بُشرى»، إلا أنها صفةٌ مؤنثةٌ بمعنى الجور.

ورأى بعضهم أنّ الياء فيها منقلبةٌ عن واو، وأصلها «ضُوزى»، لكنّ الواو كُسرت فقُلبت ياءً لمجانسة الكسرة، وفق قوانين الإعلال الصوتي.

وكان البصريون شديدي العناية بالقياس، لذا اعتبروا اللفظةَ شاذةً في السماع، لكنها صحيحةٌ في الاستعمال القرآني، لأنّ القرآن عندهم هو الحُجّة العليا التي يُقاس عليها ولا يُقاس هو على غيره.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون فكانوا أوسعَ قبولاً للسماع وأقلَّ تشدداً في القياس، فرأوا أنّ «ضِيزَى» لفظةٌ عربيةٌ فصيحة جاءت على لهجة بعض العرب، ولا ضرورةَ لتكلّف تأويلات صرفية معقّدة.

وقد ذهب بعضهم إلى أنّ غرابةَ الكلمة مقصودةٌ بلاغيّاً؛ لأنّ العرب كانت تستقبحُ الأصواتَ الثقيلة حين تُستعمل في سياقات الذمّ، فجاءت «ضِيزَى» بجرسٍ حادٍّ متكسّر ليُحاكي قبحَ القسمة نفسها.

وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ يتحوّل الصوتُ إلى موقفٍ دلالي، وتصبح الموسيقى اللغوية جزءًا من المعنى.

«قسمة ضيزى» في السياق القرآني

جاءت الآية في سياق نقد التصوّر الوثني عند عرب الجاهلية، حين جعلوا لله البناتِ — بزعمهم — ولأنفسهم البنين، فقال تعالى:

﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

أي: أيُّ عدلٍ هذا الذي تمنحون فيه أنفسَكم ما تستحسنون، وتنسبون إلى الله ما تستقبحون؟

فالآية ليست مجرّدَ اعتراضٍ ديني، بل نقدٌ عميقٌ لبنية التفكير المنحاز؛ إذ إنّ الإنسانَ حين يُؤسّس القيمَ على الهوى، يتحوّل العقلُ إلى أداةِ تبرير، لا أداةِ حق.

ومن هنا التقى علماءُ الكلام مع اللغويين في فهم هذه الآية؛ لأنّ المسألة لم تعد صرفًا أو نحوًا فحسب، بل أصبحت سؤالًا في العدالة والمعرفة والمنطق.

علماء الكلام ومفهوم «الضيزى»

رأى المعتزلة، الذين جعلوا العدلَ أصلًا من أصولهم، أنّ الآيةَ تحمل إدانةً عقليةً قبل أن تكون دينية؛ لأنّ العقل السليم يرفض التناقض في المعايير.

أما الأشاعرة فركّزوا على فساد القياس العقدي عند المشركين، إذ إنهم نسبوا إلى الله ما لا يرضونه لأنفسهم، وهذا عندهم قمّةُ الاختلال المعرفي.

وقد تنبّه المتكلّمون إلى أنّ «القسمة الضيزى» ليست مجرّدَ ظلمٍ اقتصادي أو اجتماعي، بل هي صورةٌ من صور الانحراف الإدراكي؛ حين يُصبح الإنسانُ أسيرَ الهوى في تعريف الحقيقة نفسها.

وهذا ما يجعل اللفظةَ حيّةً في كلّ عصر؛ إذ ما أكثرَ «القِسمات الضيزى» في السياسة والثقافة والاقتصاد والمعرفة، حين تُوزَّع الحقوقُ وفق القوة لا وفق العدل.

فقهاء اللغة ودلالة الانحراف

فرّق فقهاءُ اللغة بين ألفاظ الظلم في العربية:

الجور: الميل عن الحق.

الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

الحيف: النقص المتعمّد.

الضيزى: ظلمٌ منحازٌ مشوَّهُ المعيار.

ولهذا كانت «ضيزى» أعمقَ من مجرد «جائرة»، لأنها توحي بوجود ميزانٍ مختلٍّ من أساسه، لا مجرد خطأٍ عابر في التطبيق.

فاللفظةُ تحمل في جوفها فلسفةً كاملةً عن اختلال القيم.

البلاغة الصوتية في الكلمة

إنّ تأمّل أصوات الكلمة يكشف عن عبقرية التعبير العربي:

الضاد: حرفٌ ثقيلٌ مجهور يوحي بالضغط والانقباض.

الياء المكسورة: تمنح اللفظةَ انكساراً صوتيّاً.

الزاي: صفيرٌ حادّ يشبه الاحتكاك.

الألف المقصورة في النهاية: امتدادٌ يوحي بالتبرّم والاستنكار.

وكأنّ الكلمةَ نفسها تحتجُّ على الظلم قبل أن يكتمل معناها.

وقد أدرك البلاغيون أن العلاقة بين الصوت والدلالة ليست اعتباطية، بل إنّ العربية كثيراً ما تجعل البنيةَ الصوتيةَ مرآةً للحالة النفسية والمعنوية.

«الضيزى» بوصفها بنيةً حضارية

ليست «القسمة الضيزى» حادثةً تاريخيةً من بقايا الجاهلية، بل هي نمطٌ متكرّرٌ في الوعي البشري؛ فكلُّ مجتمعٍ يوزّع الحقوقَ على أساس العِرق أو الطائفة أو الطبقة أو القوة إنما يُعيد إنتاج «الضيزى» بلغةٍ جديدة.

وحين يُصبح القانونُ خادماً للنفوذ، والثروةُ حكرًا على فئة، والحقيقةُ رهينةَ الدعاية، فإنّنا نكون أمام حضارةٍ تمارس «القسمة الضيزى» باسم الحداثة أو الوطنية أو حتى الدين.

ولهذا بقيت الكلمةُ القرآنية حيّةً؛ لأنها لا تصف واقعةً جزئية، بل تكشف آليةَ الانحراف حين يفقد الإنسانُ ميزانَ العدل الداخلي.

خاتمة:

إنّ لفظةَ «ضِيزَى» شاهدٌ على عبقرية العربية في تكثيف المعنى داخل بنيةٍ صوتيةٍ موجزة. فهي ليست كلمةً غريبةً فحسب، بل رؤيةٌ كاملةٌ للظلم حين يتحوّل إلى نظامٍ فكريٍّ ومعياريّ.

وقد كشف النحاةُ عن بنيتها، وفسّر اللغويون أصلَها، وتأمّل المتكلّمون دلالتَها العقلية، بينما جعلها القرآنُ رمزًا لكلِّ ميزانٍ مختلٍّ يتستّر بثوب الشرعية.

وهكذا تبقى «القسمة الضيزى» ليست مجردَ تعبيرٍ لغوي، بل تحذيراً حضاريّاً دائماً:

أنّ أخطرَ الظلم ليس ما يُمارَس بالقوة وحدها، بل ما يُمارَس باسم العدل نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

وانتقاداته للسلبيّات التي تُعاني منها مجتمعاتنا العربية

يكاد الاتّفاق يكون بين معظم الذين تناولوا رواية واسيني الأعرج "مستر ولاشي" بأنّها "كوميديا سوداء"، مُركِّزين على الضحية الرئيسية "نوفل"، مُستحضرين شخصية دون كيشوت الذي أراد أنْ يُعيد للفروسية مجدَها ويقضي على قوى الشرّ والتّخلف التي تسود المجتمع.

والذي أراه أن رواية "مستر ولاشي" التي صدرت قبل مدّة قصيرة، هي صرخة واسيني الأعرج العالية الغاضبة احتجاجا على كل ما يسود المجتمع الجزائري والعربي وحتى العالمي من ظلم واضطهاد وهضم حقوق واستغلال ظروف ومآس، وقد يكون لهاث الرئيس الأمريكي رونالد ترامب وسَعيه المُتواصل للحصول على جائزة نوبل للسلام هي الدّافع المُحرّك لفكر وخيال ورَغبات واسيني الأعرج للمُواجهة الشاملة مع كل ما يسود المجتمع من سَيِّئات.

وإغراءات جائزة نوبل لم تمس رغبات الرئيس ترامب فقط، الذي أرادها ليكون الندّ القويّ للرئيس أوباما حامل الجائزة، وإنّما كانت حلمَ الكثيرين في العالم. ولا نزال في عالمنا العربي ننتظرها كلّ سنة لعلّ وعسى يفوز بها عربي بعد نجيب محفوظ، ونحزن مع أدونيس مُرشّحنا الدّائم لها، ونتذكر حلمَ إميل حبيبي وهو يؤكّد أنّ الجائزة تقرّرت له فالتصقنا بجهار الراديو لسماع البُشرى التي لم تأت. ويوسف إدريس الذي غضب لأنّها تجاوزته إلى نجيب محفوظ فرفض حضور حفل التكريم الذي حضره الرئيس حسني مبارك احتفالا بنيل نجيب محفوظ لجائزة نوبل للآداب، وما كان من الرئيس العراقي صدّام حسين أنْ منح يوسف إدريس جائزة كبيرة تَرْضية له وتعويضا عن نوبل نجيب محفوظ.

ومثل نوفل آل فريد اللاهث وراء نوبل للآداب نعرف العشرات من الشعراء والكتّاب الذين يسعون دون كلل للحصول على أيّة جائزة يُعلَن عنها رغبة في الظهور بالتميّز والتّفوّق، وكَيْد العُذّال والحاسدين. تماما كما كان يقول نوفل الضحيّة المسكين في لحظات التّجلي والوّهم بحصوله على نوبل: "المهم الحصول على نوبل لمُواجهة أبناء الكلب الذين يعتبرونني كاتب المناسبات والبلديات" (ص62) و "أعتقد أنّ وقتي قد حان للانتقام من نقّاد أربعة. أبناء الكلب الذين سخروا مني ومن كتاباتي، ويُقهقهون في مجالسهم الفارغة، كانوا يسمونها كتابات الإسْهال اليومي، حتى جوائزي لم تسلم من حقاراتهم وسُخريتهم"ص 162)

نوفل آل فريد كرّس حياته ووقته كلّه للكتابة والإبداع فنتج عن ذلك إهماله لأفراد أسرته(ص29)، وقد يكون هرب من واقع بيته البائس الحزين بسبب التشوهات التي كانت من نصيب كل بناته (ص28-29)، وكانت ردّة فعل الأم بأخذ بناتها والعودة إلى بيت والديها ومن ثم طرد نوفل عندما جاء لزيارتهم، فأصيب باليأس وشعر بأنّ الكتب هي سبب خرابه الكلّي وضياع عائلته. لم يستوعب كيف تطرده ابنته الكبرى، كاد هذا اليأس أنْ يقودَه إلى حَرْق كتبه"(ص35). ومثل نوفل نجد الكثيرين مَنْ تُدَمَّر حياتُهم البيتية والأُسَريّة نتيجة لتكريس الأب أو الأم كلّ وقته للعمل الذي يعزله عن الأسرة والبيت فتكون الخلافات والمشاكل التي قد تؤدّي للفرقة أو للعيش حياة بائسة مُدَمَّرة يكون ضحيّتها الأولاد بشكل خاص.

اختيار واسيني الأعرج لشخصية نوفل كانت المُنطَلق ليسلِّط الضوء على العديد من السّلبيّات التي يُعاني منها مجتمعنا وإنساننا العربي.

فنوفل إنسان مثقف وأستاذ وكاتب وشاعر، وقع في حبّ طالبة من طالباته، تزوّجها ورُزق منها عشر بنات، معظمهن وُلدن مُشوَّهات، وابن واحد مات وهو صغير. حبُّه للأدب والكتابة جعله يهمل أسرتَه، ممّا دفع بزوجته إلى أخذ بناتها لتعيش بعيدا عنه، وطرده عندما قام بزيارتهن. وهكذا عاش وحيدا مع كُتبه ونشاطاته الأدبية التي وفّرت له الفوز بمختلف الجوائز البلدية التي كان يتقدّم إليها ممّا جعله مشهورا ومحسودا من قبل الكتّاب والشعراء الآخرين الذين كانوا يسخرون منه ويتعرّضون له بمختلف البذاءات والاتّهامات، ولكنه كان قويَّ الشخصية، مثابرا في نشاطاته الثقافية مُكتفيا بحلقة صغيرة من أصدقاء مُقرّبين مُتابعين: الزبير كان في شبابه طالبا مُتطوّعا في صالح الثورة الزراعيّة وكان متحمّسا، يُضرَب به المثل: وهو ثوري حقيقي. وقف حتى ضدّ أهله وانتصر للثورة. وفرح لأنّ جدّه لم ينج من التأمينات الكبرى التي مسّت كبار الملّاكين. (ص88) ثم شغل منصب أستاذ جامعي وكان شاعرا، لكنّه أنهى عمله في الجامعة بعد مضايقته لطالبتين يُدَرّسهما فعمل مع ابنته زها في تربية العجول وتهجينها بأبقار هولندية. وكانت زها ابنة الزبير من أفراد الحلقة القريبة من نوفل خرّيجة كلية الزراعة بدرجة دكتوراة. ثلاث سنوات انتظرت تعيينها في منصب في الجامعة ولما لم يتحقّق أملُها اتّجهت للعمل الحرّ بتربية العجول وتهجينها. والصديق الثاني داود بلجنّي ضليع باللغة وموسوعة في المعرفة. ومولاي أحمد جعبوق بن فرماش. وكثيرا ما كان نوفل مع صديقيه الزبير وداود بلجني يتحدثون حول الحالة الثقافية في البلاد وما كان من تدهور الإبداع في الكتابة السردية والشعر وباقي فروع الأدب من نقد وبحث ودراسات. (ص34)

كانت بداية التحوّل الأولى في فكر نوفل يوم جلس مع أصدقائه في مطعم "المكتوب" ولفت داود بلجني انتباه نوفل إلى التّشابه بين اسمه واسم نوبل ألفرد، ومُصادفة جلوسهم في مطعم "المكتوب" (ص9) حيث نبَّهه داود إلى أحقيّته في التقدّم لجائزة نوبل، وأنه آن الأوان وهو الآن يُصدر مؤلفه الواحد بعد المئة "مارلين مونرو في ضيعتنا" أن يخرج من محليّته والجوائز البسيطة التي تُمنح له ليتقدّم للحصول على جائزة نوبل. وأعجبته كلمات داود بلجني وبدأت تشغل فكره، حتى أنه حلم بأنّه فاز بالجائزة واستلمها من ملك السويد في حفل فخم بهيج حضره كبار القوم والشعراء والكُتّاب والمُثقَّفين ورجال الدولة. (ص17-25)

كان هذا الحلم نقطة التحوّل الكبيرة في تصرفات وفكر نوفل، وتساءل:

أين هو المشكل؟ لستُ أقلّ من الآخرين. كل شيء يبدأ بحلم وينتهي بحقيقة. (ص27)

 وسببا في استمرار صديقيه الزبير وداود بلجنّي بدَفْعه للتقدّم لنَيْل جائزة نوبل: فالزبير قال له:

-نوفل ما رويتَه لي ليس حلما، ولكنّه رُؤيا. أحسدك على بقائك في الأدب وتخلّصك من المصاعب التجارية وتفرّغك كليا للأدب. لقد تخطيتَ كلّ العتبات الوطنية. فأنت لستَ أقلّ من أيّ واحد من الفائزين بنوبل، ما عليك إلّا أنْ تؤمن داخليا لينصاع لك قَدَرُ نوبل. آن الأوان لتترشّح لنوبل للآداب، يا صديقي وأصالتُك هي التي تقودك نحو نوبل.

 قال له الزبير ذلك وهو يُقلِّبُ في صفحات روايته الأخيرة "مارلين مونرو في ضيعتنا". فأجابه نوفل:

-لا أدري كيف أقنعتني أنت وداود بلجنّي، ربما لأنّي أنا نفسي مقتنع بالأصل منذ أن غزتني تلك الرؤية الغريبة التي رأيتُ نفسي فيها في دهاليز الجائزة. (ص42)

وبدأ نوفل يجمع كتبَه كلَّها لإرسالها إلى السويد، وفي البريد استقبلته موظفة عرَفَت كيف تكسبُ ثقته وتُقنعه بالمرور بالشركة التي تعمل فيها حيث يقومون هم بكل شيء وبطريقة حرفية، وبعد حوار حول شروط التَّقَدّم لجائزة نوبل أقنعته بإمكانيّاتهم في شركتها القيام بكل الشروط التي تتطلّبها الجائزة.

وبالفعل توجّه نوقل نحو الشركة "بيتنا" واستقبلته هناك الموظفة التي تَعرّف عليها في البريد، وأقنعته بالتّعامل معهم والاعتماد عليهم. وخلال زياراته المُتكرّرة للشركة تعرّف على العديد من الموظفات ووقع في حبّ الموظفة شميسة. وعاش في حلم جميل لعدّة أشهر دفع مبالغ كبيرة من المال للشركة، مقابل العديد من الطَّلَبات والفَعاليّات التي طلبوها منه.

كان نوفل واثقا من حصوله على الجائزة بعد كل ما رآه من عمل موظفي الشركة الذين لم يتركوا ثغرة صغيرة في المطلوب لتحقيق الفوز، وخاصة بعد لقائه بمندوبي الجائزة أوسكار ميرابو وماريا ماكنزي اللذين نجحا في إيهامه، ويقينه الأكيد بفوزه بنوبل:

-هذه آخر جلسة تجمعنا، أحببنا أنْ نخبركم أنّ أكاديميّة نوبل استقرّت على اسمكم من بين الخمسة المُتبَّقين، وبهذا ستكونون الفائز لهذه السنة بجائزة نوبل. مبروك. يجب احتفاظ السريّة حتى يُعلَن الخبر رسميا من أكاديمية نوبل نفسها.

بقي نوفل جامدا في مكانه، لسانه جمد، وشعرَ بحرارة الدموع تُحدث مجرى على وجهه. فقالت له مدام ماريا مكانزي:

-نعرف أنَّ تَحَمُّل خبر سعيد كهذا أمر شاق جدا وصعب، ولكنها الدنيا يا سيّد نوفل آل فريد.

فسارع نوفل بشكرهما:

-شكرا.. شكرا.. شكرا لقد تعبت كثيرا.

ودّعاه بكلمات أسعدته: إلى اللقاء في ستوكهولم. (ص147)

ومرّت أيام، وفي حديث له مع زها ابنة صديقه الزبير حول الجائزة وتقدّمه لها قال:

--شوفي يا زها ابنتي، إذا مكتوبة ستأتي، وإذا مش مكتوبة سنواصل الكتابة إلى أن تأتي.. جايّة يعني جايّة، لا ريب فيها. (ص82)

وكان اليوم الموعود التاسع من أكتوبر يوم إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب.

وكانت الجلسة الاحتفاليّة التي دعا إليها نوفل أصدقاءه الزبير وابنته زها وداود بلجني وأحمد جعبوق بن فرماش لتناول الطعام بمناسبة الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للآداب.

وكانت صدمة نوفل قاسية حيث مُنحت الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبية. وثقل كل شيء وبدأت الصورة تغيب شيئا فشيئا والصوت ينداح إلى الوراء ليتحوّل إلى مجرّد طنين بلا معنى. أصبح رأس نوفل ثقيلا بينما كان الضيوف قد بدأوا بالأكل والفرقة الموسيقيّة في العزف. اقتربت زها من نوفل لمواساته:

- عمّي نوفل كل الخير؟ لا عليك.

ظلّ صامتا، لم يستطع أن يقول أيّة كلمة في حالة دوار، بلع ريقه بصعوبة وتمتم في أعماقه الجريحة:

-يا إلهي؟ ما هذا؟ أين نحن؟ في أيّ عالم نعيش؟ وأيّة فداحة؟ جهد عمر يتبخّرُ في ثانية.

وفي خضمّ هذه الحالة الصعبة لنوفل يسأله جعفر جعبوق ابن صديقه أحمد جعبوق بن فرماش بعد تعزيته بقوله:

الصدمة كانت قوية لنا جميعا. وماذا أفعل أنا بالمقالة؟ المقالة جاهزة يا أستاذ نوفل.

وبغباء بغير إحساس ومراعاة لمشاعر نوف يسأله أن يعطيه بعض المعلومات عن الكورية التي فازت بنوبل.

ومثله كان تصرّف الزبير بلبحري والد زها الذي كان يتجشأ من أكل الشواء إذ لم يتوقّف منذ أن وضع ساق الخروف على طاولته.

ولم يكن مولاي أحمد جعبوق بن فرماش أقلّ غباء منه، فقد قال بكل ثقة:

-هذه مَكيدة صهيونيّة. أنت رجل متعاطف مع فلسطين وأصدرتَ دواوين كثيرة لمناصرة غزة والضفة الغربية والشتات الفلسطيني. أنت تواجه مؤسسة صهيونية شديدة الخطورة لن تقبل بك. خلّ البقية للمولى وتعال تغذّ معنا.

وبدون أيّة مشاعر التفت إلى صحنه، فقد وجد صعوبة في أكل الشواء، وأخذ يقص اللحم بأصابع يده ويأكله ويقول مخاطبا نوفل: كل خويا. عَمِّر كرشَك وغدا ربي يدبّر. لا يمكن أنْ تُضَيِّعَ هذه المأدبة وهي على شرفك.

واعتذر نوفل عن مشاركتهم في الأكل وفضّل تركهم والخروج.  (169-173).

حاول نوفل وزها الاتّصال بموظفات شركة "بيتنا" وخاصة بشميسة ولم ينجحا، فجميع الهواتف مقفلة. واكتشف نوفل أنّ أصحاب الشركة خدعوه وأخذوا ماله بوعودهم الكاذبة، وكانت مفاجأته بعد أن أوصلته زها إلى مقهى طلب الجلوس فيه ليرتاح عندما رأى أوسكار ميرابو وماري ميكانزي مندوبي جائزة نوبل اللذين استقبلاه في شركة "بيتنا" وأكدا له فوزه بالجائزة يدخلان المقهى بأسماء أخرى عربية "سكر عبد النبي" و "كنزة ماريا". لم يصدّق ما ترى عيناه وما تسمع أذناه، وبعد أن تأكّد بما سمع من نادل المقهى قام وتوجّه نحوهما شاتما غاضبا وضرب على الطاولة بعنف وحاول أنْ يعتدي عليهما، لكن الشرطة اعتقلته، وكانت النهاية بإطلاق سراحه وهو حزين مُهان لا يُصدّق ما جرى له.

هكذا انتهت حياة نوفل التي سارت بخط أفقي مُتدرّج من البداية حيث جذبه الأدب وتفرَّغ لكتابة الروايات ونَيْل الجوائز العديدة ثم الدخول في فترة الوهم الكبير بالحصول على جائزة نوبل للآداب ممّا أوقعه تحت سيطرة عصابة عرفت كيف تستغل لهاثه وراء نوبل لتأخذ المبالغ النقدية الكبيرة منه حتى النهاية المأساوية واكتشافه الخديعة الكبرى التي وقع فيها.

نوفل الضحيّة وليس البهلوان

لم يكن نوفل شخصية بهلوانيّة ركضت وراء سراب خادع اسمه جائزة نوبل للآداب. نوفل كان إنسانا مثقفا مُدرّسا كاتبا معروفا يعيش في أجواء الطبقة المثقّفة مع مجموعة من الأصدقاء وَثقَ بهم وأخلص لهم. كرّس حياته للكتابة والإبداع، يُقدَّر من قرّائه والناس، له مواقفه في الحالة الثقافية السائدة في البلاد، يُشارك زملاءَه في انتقاد الفوضى التي تسود الإفرازات السَّيّالة الهزيلة في مختلف جوانب الإبداع من شعر ورواية ونقد، ويهدف من خلال إبداعه أن يخلق جيلا مرتبطا بقيَمه الوطنيّة وبتاريخه"(ص41) كان يشارك في الندوات الثقافية والوطنية مثل ندوة ميراث الثورة بمناسبة يوم الشهيد، وعندما سألته موظفة في البريد كانت قد تابعت مجرى الندوة:

-وهل بقي ميراث ثوري؟ أشكرك على تفاؤلك. لقد أكلوه، نهبوه، دمّروه.

أجابها بأهمية التفاؤل وإمكانية التغيير: 

-يجب ألّا نقنط من رحمة ربي. الشباب ما يزال حيّا. المستقبل ليس مظلما.

فأجابته بحقائق ملموسة عن الوضع:

-أي شباب يا أستاذ نوفل؟ كلّهم مُبَرْمَجون وفق التيكتوك والنّت والفيسبوك والمسنجر وسناب شات، واليوم الذكاء الاصطناعي. (ص 50)

وهو في تقدّمه لنيل جائزة نوبل أراد أن يُحَصِّلَ حقّا للعرب حُرموا منه رغم أنهم كانوا ضحية اختراع نوبل للديناميت.

واهتم واسيني على لسان الراوية وشخصيّات أخرى أن ينتقد الوضع السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، والأمني، والديني. ففي الحوار بين زها ابنة الزبير وأحمد جعبوق بن فرشان صديق والدها ونوفل أراد أن يقنعها بأهمية وواجب لباس الحجاب. قالت زها:

-لا يُمكنك أن تُسَيّر النّفسَ الإنسانيّة بالقوّة. ليتعلّم الناس في هذه البلاد أنْ ينظروا للمرأة بوصفها كائنا كليّا وليس جزئيّا. مُخ وعقل وجسد وروح وثقافة عالية أيضا، وإلّا سنصبح مُجرّد حيوانات تزحف على الأرض. أنظر عن قرب كيف تحوّل العالم. يجب أن تخرجوا من هذه البوتقة الضيِّقة.

وبعدما أصرّ على أنّ الحجاب يُهذِّب المجتمع، قالت له:

-شوف من حولك؟ مجتمعنا الصغير. قالوا الحجاب حتى يتهذب العالم فزاد توحّشا. يَحكي لي والدي عن البنات في فترة السبعينات ولا واحدة كانت بالحجاب. كنَّ يخرجن في حملات التّطوّع الطلابي بكل احترام ولا أحد يعتدي على الآخر. أنظر اليوم. بعد سنوات الحجاب الإجباري، وعشرية سوداء، وسنوات ما بعد الحرب الأهلية، كل شيء يستفحل. كيف نحمي أنفسَنا؟ أنا مثلا مضطرة أنْ أتعامل مع مؤسسات الحراسة لأحمي مالي وبيتي وأهلي. ثقتي انهارت. مُجبرة. يجب أن نعترف أننا نعيش في وضع صعب، كلّ شيء أصبح خاضعا للمال.

وعندما سألها عن دور الدولة؟ قالت:

-لا أطلب منها شيئا سوى أنْ تحمي البلاد من أيّ انهيار يتهدّدها؟ الجهل جعل الناس ينامون سعداء في جهلهم بوصفه الحلّ الجميل.

وكان نوفل الوحيد من بين الحاضرين الذي فرح وأيّد كلامها وقال:

-معك حق. برافو، بنت مثلك تساوي عشرة ذكور.

وأجابته زها بكل الحب: أنا سعيدة كوني امرأة يا عمي نوفل. فرحانة أنّك قرّرتَ أخيرا التّرشّح لنوبل التي لن يُنافسك فيها أحد، على الأقل في بلادنا. (ص84-86).

وتُتابع زها نقدها للواقع الذي يعيشه الناس من خلال ما واجهته هي بعد تخرّجها بشهادة دكتوراة في الزراعة وعدم تعيينها في أي منصب في الجامعة مما جعلها تتّجه للعمل الحرّ في تربية العجول وتلقيح البقر الهولندي بعجول وطنية أصيلة، ووالدها الزبير يعمل معها بعد أن فُصل من التدريس في الجامعة واعتزل قَرْض الشعر. وتُنهي كلامها بقولها:

-نحتاج إلى قليل من الإيمان. عمّي نوفل لأنّه فنان ومُبدع، كان الوحيد الذي آمن بي وبمشروعي. وهو مثلي بدأ مشروعه بحلم وها هو يركض وراءه. ليس شرطا أن ينجح فيه كما يُريده لكنّه مُؤمن فيه.

ووافقها داود بلجني، وذكّر بأنه ووالدها الزبير كانا وراء إقناع نوفل بالتّقدّم للجائزة. (ص89)

ومن قصّة نوفل آل فريد ومؤسسة "بيتنا" يُصوّرُ قمّة الفساد والبلطجيّة في المؤسسات الوهميّة والجماعات السلبية في المجتمع مثل مؤسسة "بيتنا" الوهمية التي تشكلّت من مجموعة من الموظفين وأصحاب المراكز والمال والتّأثير، التي تقوم باصطياد البسطاء أصحاب القلوب والجيوب النظيفة والأهداف النبيلة والسّعي لتحقيق آمالهم وأهدافهم وطموحاتهم في الحياة أمثال نوفل آل فريد فيقع في مَصائدهم ويستغلون طيبته ليُعَيّشوه في حلم كبير يرسمونه له، وأنّه سيكون مُلْكَ يديه فقط بعد تنفيذه لما يطلبونه منه. وبعد استسلامه لكل طلباتهم وسَلْبهم كلَّ ماله يتركونه لربِّه، ويقطعون كلّ صلة به. وإذا ما تجرأ وغضب وشتم وهدّد، يجد نفسَه بين أيدي الشرطة، وفي السجن وقرارات المحاكم المُجَرّمة له. تماما كما حدث لنوفل آل فريد مع شركة "بيتنا".

لكن المجتمع لا يفتقد الإنسان الطيّب المُحب المُتعاطف والمُندفع ليُقدِّم المساعدة، وهذا ما أكده واسيني الأعرج في نماذج عديدة إيجابية مثل النادل بوب في مطعم روايال الذي استقبل نوفل بمحبّة وفرَح ووقف معه ساعة مُواجهته مع سكر عبد النبي وكنزة ماريا اللذين خدعاه بكونهما ممثلي جائزة نوبل وأكدا له فوزه بها وكانا بإسْمَين آخرين، كما قام بوب بتنبيه نوفل إلى وضع حارس سكر عبد النبي إصبع مخدرات في جيبه للإيقاع به مع الشرطة. كذلك نجد الشرطية الطيّبة سامية التي كانت شاهدة على محاولة الإيقاع بنوفل بتهمة المُخدرات فتعاطفت معه وقد عرفته ككاتب أحبَّت كتاباته وحضرت له ندوة ثقافية قبل مدة قصيرة فأقنعت الشرطي المسؤول معها على إطلاق سراح نوفل دون أخذه إلى مركز الشرطة. وكذلك شميسه الموظفة في مؤسسة بيتنا التي كانت تستقبل نوفل في كلّ زيارة يقوم بها للمؤسسة، وتُرافقه حتى وقعا في حبّ مُتبادل، فقد شعرت شميسه بالجريمة التي ارتُكبَت في حق نوفل وتعاطفت معه وجاءته لتكون معه في محنته الصّعبة. 

بداية القصة

لم تبدأ قصة نوفل آل فريد بتلك الجلسة التي جمعته بصديقيه الزبير وداود بلجني وبلفت انتباه بلجني لنوفل بتشابه اسمه باسم ألفريد نوبل، ومُصادفة وجودهم لأوّل مرّة في مطعم "المكتوب". فنوفل كما وضّحْتُ كان إنسانا مثقفا وأستاذا محبوبا وكاتبا له جمهوره المُقَدِّر له، وكان صاحبَ مواقف إيجابية ومبادئ يعيش من أجلها، يسعى لتغيير الواقع إلى الأفضل، مُحبّا كريما، طاهر القلب. يحمل رسالة من أجل سعادة الجميع. يؤلمه استهزاء البعض، وإلغاء البعض له، وتلميحات المُقرَّبين المُثيرة المُغْضِبة. وقد بالغ بلجني بتلك المصادفة وبهذه اللفتة الذكية منه التي دفعته للمبالغة في كلامه وتمجيده بصديقه نوفل ليُدلّل على ذكائه هو وانّه ضالع باللغة وذكي في الربط بين الأسماء ورؤيتها ومآلاتها في المستقبل على أصحابها. وقد يكون جادّا في كلامه ووجد منفذا للمزاح والضحك في الربط بين اسم نوفل آل فريد وألفريد نوبل واسم المطعم "المكتوب" وكأن القَدر يجمع بينهم ويُخطط لمستقبل كبير بهيج آت.

-هل انتبهت لاسمك؟ نوفل آل فريد؟ ألا يُذكرك اسمُك بشيء خاص؟ اسمع مليح نغمة اسمك نوفل آل فريد واسم آخر: نوبل ألْفريد. أكثر من هذا. يتقاطع مع اسمك: نوفل آل فريد.

ولما اعترض نوفل، ورفض كلامه، ولم يفهم قصْدَه، تابع داود بلجني في توضيح كلامه وتوجيهه:

-لم تفهمني. ابق معي قليلا. يا إلهي أيّة صدفة. أنت كاتب كبير. مُتحصّل على كل الجوائز الجَهويّة والولائيّة. تواضعك الزّائد لا يُعجبني مطلقا. تواضَع يطؤك السّفلة. لا بُدّ أن يكون صوت خفيّ في مكان ما، يُناديك، وعليك أن تستمع إليه. يريد أن يقول لك شيئا. حتى الذكاء الاصطناعي لما سألته عن آل فريد لم يُجبني إلّا بسلسلة من الكذبات المضحكة: آل فريد.. قومية قادمة من جبال آلاسكا.. ثم قادني ليقول لي إنّ الكلمتين مجرّد تحريف لألفريد نوبل. شخصيّا قرأتُ في ذلك علامة تتكلم بصمت، وهي موجهة لك تحديدا.

وأجابه نوفل آل فريد: يوما ما تقتلك هذه اللغة. تعصرها حتى تجفّفها من الداخل.

أجابه بلجني: لا يا عزيزي. هذه ملاحظة عن شيء موجود. ليست اختراعا.

فعلق نوفل قائلا: يا حبيبي يمكن أن يكون ذلك مجرّد صدفة عابرة. أنت بحكم تخصّصك اللغوي ترى معنى لكلّ شيء، حتى لو كان اعتباطيّا.

لكنّ نوفل وقع في حالة من الضياع والتّساؤل، رشف قهوته وكرّر لا شعوريّا الإسمين: ألفريد نوبل.. آل فريد نوفل؟ ما هذا التّطابق الغريب؟ حقيقي داود بلجني يرى ما لا نراه.

وتابع داود بلجني في ملاحقة نوفل: شوف اسم المقهى. المكتوب. ما الذي قادنا إلى هذا المقهى وهو ليس مَقْهانا الصباحي على الأقل؟ تطابق الاسمين؟ المكتوب أو القَدَر؟ غريب.. أشعر كأنّ شيئا ما يحوم حولنا. (ص9-11)

دلالة اسم الرواية

اختيار واسيني الأعرج لاسم الرواية فيه الذكاء الكبير والدّلالة القويّة والإيحاء الآخذ بالقارئ إلى عوالم مُتداخلة

فلو اقتصر اسم الرواية على "مستر ولاشي" لكان المفهوم يقتصر على نَبْذ الناس لهذا الشخص، وأنه بالنسبة لهم لا يساوي شيئا، فوجودُه وعدمُه واحد، فحتى لو تزيّن بصفة المستر يظل انسانا تافها غير مُعتَبر من الآخرين، فهو في اعتبارهم عابر لا أهميّة له، ولن يترك أيّ أثر بعده، فكأنّه ما كان، فهو لا شيء، كان وذهب، ولا شيء بقي منه. لكنّ واسيني الأعرج أضاف للعنوان هذه الكلمات "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة" وهنا قفزت الحروف تَشعُّ وتُنَبِّه، والدّلالاتُ تترامى في كلّ الاتّجاهات، والإيحاءات تأخذُ بالقارئ إلى مَلكوت السّماوات، فتشع الأنوار، وتتعالى الموسيقى، وتُسْمَع الترانيم الرّوحانيّة مُردّدة "المسيح قام.. حقّا قام".

فواسيني الأعرج لم ير في نوفل آل ألفريد مُجرّد ظلّ كان واختفى، فهو ككل كاتب يحمل رسالة، هو قدّيس يعمل من أجل نشر رسالته للجميع وعلى استعداد للتضحية من أجل الغير. وكما دعا المسيح تلاميذه الإثني عشر للعشاء الأخير، هكذا دعا نوفل أصدقاءه والمُقرّبين منه لمأدبة بمناسبة فوزه بجائزة نوبل الموعودة، وصفها واسيني "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة"، تشبُّها بالعشاء الأخير الذي دعا المسيح تلاميذَه إليه". وكما تألَّم المسيح وهو مُحاط بآسريه، هكذا كان نوفل يتألَّم لخيبة أمله ومنح الجائزة لكاتبة من كوريا الجنوبيه في الوقت الذي كان الآخرون لاهين بتناول الطعام أو بكلمات تعزية عابرة، والتفكير بخسارات لوعود كانوا ينتظرونها من نوفل لو فاز بنوبل..

نوفل تُرك وحيدا ترعاه زها ابنة الزبير قارئته ومُساندته ومُشاركته حزنه وألمه كما المسيح، تركه تلاميذُه في قبضة الجند وفقط مريم المجدلية ظلت مُرافقته وحارستة والباكية حزنا على ما آلت إليه حالتُه.

هكذا يرى واسيني الأعرج الكاتبَ في مقام النبي والرسول، يحمل رسالة يعمل لنشرها رغم كل ما قد يعانيه من عذابات وصعويات وتعدّيات.

 الكاتب هو في مَصاف الأنبياء، هكذا هو نوفل وكل كاتب ومُبدع. وهكذا هو واسيني الأعرج أيضا، الذي يُواجه الكثير من الانتقادات والمُضايقات في بلده الجزائر مع كلّ صدور لرواية جديدة له، وخاصّة ما واجهه بعد صدور روايته عن عبد القادر الجزائري ورواية "حيزيّة".

اللغة والأسوب في "مستر ولاشي"

عوّدنا واسيني الأعرج في معظم رواياته على اللغة الرّاقية بمفرداتها المتناسقة المُنْسابة الآخذة بدَلالاتها وتشعّباتها وإيقاعاتها الشادّة بالقارئ إلى عالم بعيد عن واقعه، ولأجواء سرمديّة يضيع في مَتاهاتها، ويسحرنا بعباراته المُتناسقة المُتشابكة المُدْخِلة القارئ في عَوالم روحانية بالمشاهد التي يرسمها والحوارات التي يُبدع في خلقها فنستحضر "مريم" في "سيّدة المَقام" و"ميّ زيادة" و "لينا" العازفة في مسرح البيكادلي. وهذا كلّه نفتقده في روايته "مستر ولاشي"، فواسيني في روايته هذه يكتب بأسلوب سَرْدي بسيط قريب من اللغة العاديّة للطبقة المثقفة المتعلمة من الناس، بعيدا عن اللغة الرّاقية الشاعريّة الإيحائية التي تعوّدناها منه. كان بإمكان الكاتب التألّق في لغته وشاعريّته وخياله في الكثير من المشاهد مثل:

1. حياة نوفل البيتية المأساوية مع عشر بنات ولدتْ معظمهن مع عاهة مستدامة وزوجة تطمح لحياة أفضل.

2.علاقة الألفة والحبّ التي ربطته بشميسة الوحيدة التي أخلصت له ووقفت إلى جانبه من كلّ موظفات وعاملي مؤسسة "بيتنا"، وقد يكون واسيني قصد السّرد العاديّ والحوارات البسيطة وإدخال الكلمات العامية لتخفيف صدمة حَجْب جائزة نوبل عن نوفل آل فريد والإشارة للقارئ المُتعاطف: أنّ نوفل لم يكن ذلك الكاتب الذي يستحقُّ نَيْلَها.

وحتى لا يطول الكلام

رغم شدّة الصّدمة التي حلّت بنوفل إلّا أنّه سرعان ما استعاد ثقته بنفسه وإيمانه بصواب تفكيره ورنين كلمات المُدرّب الياباني في رأسه:

-اجعل من ظلامك نورا. من خسارتك ربحا. الفرق بينك وبين الإنسان العادي هو أنّك تملك طاقة جبّارة لتحويل كل شيء. تأمّل جيّدا السرديّة لتُحدّد نقطة الخلل. تعامل معها بهدوء. لا تتركها تأكلك. فيك طاقة مُخَزّنة، استخرجها واستثمرها". (ص174)

وتابع طريقَه للقاء شميسة التي استقالت من عملها في شركة بيتنا بعد أن اكتشفت ألاعيبهم واستغلالهم للناس وسَرقة أموالهم، فجمعت الكثيرَ من المُستندات المُدينة لهم، وتركتهم على أمل أن تدينهم وتنتقم منهم وتُريح المجتمع من سيئات أعمالهم. (ص199)

وأُنهي بالتأكيد على نجاح الكاتب واسيني الأعرج في توجيه انتقاداته للعيوب التي توجد في المجتمع، والتي تَشمل مختلف نواحي الحياة الخاصّة والعامّة، وتركيزه على الطبقة المثقفة المُتعلّمة التي تُدير شؤون البلاد في كلّ المَجالات، وكيف أنَّ الكثيرين يستغلون مراكزَهم وتأثيرَهم وتسامحَ القوانين معهم لاستغلال عامّة الشعب والغنى على حسابهم كما حدث لنوفل. وفرض ارتداء الحجاب على المرأة ورفع شعارات الدين وواجب الالتزام بتعاليمه لاضطهاد المرأة وإخراجها من دائرة التأثير والعمل في المجتمع. كما ينتقد الفوضى التي تسود الحياة الثقافية والأدبية والسطحية والسّهولة والسّيولة في النشر وإصدار الكتب والسّعي وراء الحصول على الألقاب والدّرجات العلمية المُزيّفة التي تنتشر بشكل مخيف، فكل مؤسسة تدّعي العمل الثقافي وكل صاحب موقع يوزّع الشهادات والألقاب الأكاديميّة المدفوعة الثمن في أغلب الحالات، والتّسابق على الجوائز التي تتزايد في مختلف الدول العربية وتُشكّل سببا مهمّا في تدجين الكتّاب والشعراء والصحفيين وتحويلهم لخدمة السلطة ممّا فرّغ الإبداع من مضامينه الأساسيّة ورسالته المقدّسة.

هذه هي رسالة الروائي واسيني الأعرج المهمة في روايته "مستر ولاشي" التي صدرت هذا العام 2026. وهذا هو واسيني الأعرج الذي يعرف كيف يختار مواضيعَه ويستحضرُ شخصيّاته ويأخذ قارئه بسحر مُفرداته وجماليّة عباراته في رحلة يعود منها وهو ليس هو الذي كان قبلها.

***

د. نبيه القاسم

قراءة وجودية في ضوء جان بول سارتر ومسرح العبث

تمهيد: تقدّم رواية "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عالماً سردياً مشبعاً بكوميديا سوداء خافتة، تنتزع من القارئ ضحكة غير مسموعة ودمعة غير مرئية في آنٍ واحد. فهي لا تنشغل بالحكاية بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل بوصفها وسيلة لكشف خلل عميق في بنية الوجود الإنساني، حيث يتبدى الإنسان ككائن يعيش على هامش المعنى، محاطاً بعالم فقد قدرته على تفسير نفسه. ومن هنا، تتشكّل الرواية كمساحة تأمل في ثلاثة مستويات متداخلة:

العبث كتجربة معيشة، والعدمية كنتيجة فلسفية، والكساد الفكري كبيئة تنتج هذا التآكل المستمر

يظهر "المقهى" بوصفه الفضاء المركزي الذي يختزل هذا العالم، ليس كمكان عابر، بل كبديل رمزي للوطن حين يفقد اسمه ودلالته ويتحوّل إلى مجرد مساحة للعيش. في هذا المكان، تبدو الحياة باردة، برائحة متغيرة، كأنها تبدّل جلدها دون أن تغيّر جوهرها. هنا، تتعرّى النفس، كما يرى الراوي سليم القربان، من كل غطاء يزيّفها، فينكشف الإنسان على حقيقته الهشة، بلا أقنعة ولا أوهام قادرة على حمايته. وهكذا، يصبح المقهى "جمهورية" قائمة بذاتها، تتجاوز مفهوم الوطن، بل وتفرغه من معناه، في عالم لم يعد فيه الانتماء سوى وهم قديم.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الرواية في ضوء الفلسفة الوجودية كما صاغها جان بول سارتر، حيث يُلقى الإنسان في عالم بلا معنى مسبق، ويُترك وحيداً ليصنع دلالته، كما يمكن ربطها بتقاليد مسرح العبث عند صامويل بيكيت ويوجين يونسكو، حيث اللغة تتعثر، والحدث يدور في حلقة مفرغة، والوجود يفتقر إلى غاية نهائية.

العبث بوصفه تجربة وجودية

يتجلّى العبث في الرواية بوصفه حالة شاملة تحكم تفاصيل العالم السردي. فالمقهى لا يقدّم نفسه كمكان للقاء بقدر ما يظهر كخشبة مسرح عبثي، تتحرك فوقها شخصيات بلا هدف، تتبادل الكلام دون أن تصل إلى معنى. إنهم يمجّدون الكسل ويقدّسون الملل، وكأن الزمن نفسه قد فقد وظيفته، وتحول إلى عبء يُستهلك بدلاً من أن يُعاش. هذه الحالة تذكّر مباشرةً بعالم صامويل بيكيت، حيث الانتظار يصبح الفعل الوحيد الممكن، دون أمل في تحقق.

يتعمّق هذا العبث في طبيعة الشخصيات التي تبدو جميعها وكأنها تعيش اختلالاً ما- فهناك الغاضبون الفارون من ماضٍ لا يستطيعون تجاوزه، والخائفون من مستقبل لا يملكون القدرة على مواجهته، والسعداء بجهلهم لأنهم لم يدركوا بعد حجم الفراغ الذي يعيشونه. في هذا التقسيم، يغيب الإنسان المتوازن، ويصبح الوعي عبئاً يقود إلى القلق، بينما يتحول الجهل إلى ملاذ زائف.

تتجسد العبثية أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يفقد كل فعل معناه الأصلي. فالمطرب الذي صدأ صوته لم يعد يغني إلا داخل لعبة دومينو، والطبيب يمارس مهنته بوسائل بدائية، والمتسول يجمع المال ليعيد توزيعه، وكأن الأفعال قد انفصلت عن غاياتها، وتحولت إلى طقوس فارغة. حتى اللغة نفسها تفشل في نقل التجربة، فيعجز السارد عن إكمال الحكاية، لتصبح الكلمات مجرد محاولة يائسة للإمساك بمعنى يتفلت باستمرار، وهو ما يقارب عالم يوجين يونسكو حيث تنهار اللغة وتفقد قدرتها على التواصل.

الوجودية: الحرية والقلق والعبء الوجودي

في ضوء الرؤية الوجودية، تبدو شخصيات الرواية ككائنات حرة، لكنها عاجزة عن ممارسة هذه الحرية. فالكاتب، الذي يفترض أن يكون قادراً على خلق المعنى، يجد نفسه مشلولاً أمام الورق، تتبخر أفكاره كلما حاول الكتابة. هذا العجز لا يعكس نقصاً في القدرة بقدر ما يعكس قلقاً وجودياً عميقاً، حيث تتحول الحرية إلى عبء ثقيل، ويصبح الفعل مستحيلاً رغم إمكانية حدوثه.

هذا التوتر يتكرر في أكثر من شخصية، فالقربان يعيش عمره وهو يخطط لمشاريع لا تنجز، ويؤمن بالكتابة كشرط للحياة دون أن يحققها، بينما يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في العمل، لكنه ينتهي إلى المقهى، حيث تتساوى كل الأفعال في لا جدواها. هنا، يصبح الآخر أيضاً مصدر تهديد، لا ملاذاً، إذ تنهار الثقة بين الأفراد، ويتحول الجميع إلى كائنات متوجسة، تعيش في عزلة داخل جماعة.

الحرية في هذا العالم لا تقود إلى الاختيار الواعي، بل إلى الانزلاق الأخلاقي. فالكاتب يتحول إلى عرضحال يكتب حسب الطلب، و يفشي أسرار الخاتون، والمثقف يتخلى عن دوره النقدي ليصبح جزءاً من منظومة التزييف. إنها حرية بلا ضوابط، تعكس المأزق الذي أشار إليه جان بول سارتر حين جعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله في عالم بلا مرجعية أخلاقية ثابتة.

العدمية: سقوط المعنى وانهيار القيم

حين يبلغ العبث ذروته، يتحول إلى عدمية شاملة، حيث لا يبقى لأي شيء معنى ثابت. في هذا العالم، تتآكل القيم تدريجياً، فيصبح الكذب فضيلة، والنفاق وسيلة للنجاح، والدعارة مهنة يمكن تبريرها، بينما يتحول الإيمان إلى طقس فارغ. هنا، لا يعود هناك معيار للحكم على الأفعال، بل تتساوى جميعها في خوائها.

يتجلى هذا الانهيار في صورة الإنسان نفسه، الذي يبدو فارغاً كزجاجة عطر مرمية، فقدت رائحتها وقيمتها. كما يظهر في العلاقات الاجتماعية التي تتفكك، حيث يغيب الانتماء، ويتحول الفرد إلى كائن معزول، بلا عائلة أو جذور. حتى الموت يفقد جلاله، حين لا يجد الميت تابوتاً يليق به، ويُكتب اسمه بخطأ إملائي، في إشارة إلى موت القيم ذاتها.

يمتد هذا الانهيار إلى الحزن، الذي يتحول إلى طقس اجتماعي يُمارس بلا شعور، وإلى الذاكرة، التي لم تعد تنتج سوى أوهام. هنا، تتقاطع الرواية مع تصور فريدريك نيتشه حول "موت القيم"، حيث ينهار كل ما كان يمنح الحياة معناها، ويُترك الإنسان في مواجهة فراغ لا نهائي.

الكساد الفكري: البنية العميقة للأزمة

لا يمكن فهم هذا العالم دون العودة إلى الكساد الفكري الذي يشكّل بنيته العميقة. فالمثقفون في الرواية لا ينتجون معرفة، بل يعيدون تكرار خطاب واحد، والقراءة تنحسر، والكتابة تنعزل، بينما تهيمن الصور السطحية على المشهد الثقافي. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى مهنة مأزومة، تفقد قيمتها في مجتمع لا يقرأ، ويغيب فيه القارئ القادر على التفاعل.

القربان، الذي يقضي حياته في التخطيط دون إنجاز، يجسد هذا الكساد، كما يجسده الكتّاب الذين تحولوا إلى عرضحالجية، يقتاتون على معاناة الآخرين دون أن يقدموا حلولاً. حتى الزمن نفسه يصبح معطلاً، بفعل كثرة العطل والمناسبات، فيتوقف العمل، ويتكرس الركود.

هذا الكساد لا يقتصر على الفكر، بل يمتد إلى السياسة والاقتصاد، حيث تغرق الشخصيات في الديون، وتبتكر معاهدات وهمية لتبرير عجزها، وتعيش على قصص مختلقة تمنحها شعوراً زائفاً بالانتصار. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى منظومة مغلقة، تعيد إنتاج فشلها باستمرار.

البنية السردية بوصفها انعكاساً للعبث

لا يقتصر العبث على مضمون الرواية، بل يمتد إلى شكلها السردي. فالنص يتسم بالتشظي، وتعدد الأصوات، وغياب التسلسل الزمني الواضح، ما يعكس الفوضى الداخلية التي تعيشها الشخصيات. كما أن تكرار المشاهد داخل المقهى، دون تطور حقيقي، يعزز الإحساس بالدوران في حلقة مفرغة، حيث لا شيء يتغير رغم مرور الزمن.

تكتسب قصة الخاتون بعداً رمزياً عميقاً، إذ يمكن قراءتها بوصفها استعارة للوطن المغتصب، الذي تواطأ أبناؤه على خيانته. فالصراع على الإرث، والخيانة، والعنف، كلها تعكس بنية السلطة والمجتمع في آنٍ واحد. ومع ذلك، لا تقدم الرواية حلاً لهذه الأزمة، بل تكتفي بكشفها، تاركة القارئ في مواجهة أسئلتها المفتوحة.

خاتمة

تكشف "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عن عالم يتآكل من الداخل، حيث يتداخل العبث مع العدمية، ويتغذى كلاهما على كساد فكري عميق. إنها رواية عن إنسان يدرك هشاشته، لكنه يعجز عن تجاوزها، وعن مجتمع يعيش على أطلال معنى فقده منذ زمن بعيد. ومن خلال هذا التداخل، لا تسعى الرواية إلى تقديم خلاص، بل إلى تعرية الواقع، وفضح أوهامه، وترك القارئ في مواجهة سؤال الوجود كما هو: مفتوحاً، قلقاً، بلا إجابة نهائية. ومن خلال ربطها بفلسفة جان بول سارتر ومسرح العبث، يتضح أن الرواية لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تجسدها فنياً، عبر لغة متوترة، وسرد متشظٍ، وشخصيات مأزومة.

إنها رواية تضع الإنسان أمام حقيقته العارية: كائن حرّ، لكنه عاجز، واعٍ، لكنه تائه، يبحث عن معنى، في عالم لا يقدّمه.

وفي هذا التوتر تحديداً، تكمن قوة النص: أنه لا يمنح القارئ عزاءً، بل يتركه داخل السؤال.

***

بشرى الهلالي

يكشف الواقع العربي الحالي عن عمق التناقضات المتجذرة في تاريخ المنطقة وجغرافيتها، وهي تناقضات تُبرز هشاشة الهوية الإقليمية، فما إعتدنا على تسميته نحن ب"المنطقة العربية" أو "الإقليم العربي" – الذي يمتد من المغرب العربي إلى الخليج العربي – يُعرف في تقارير البنك الدولي والمؤسسات المؤثرة مثل صندوق النقد الدولي بـ"منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (MENA)، مما يمحو الطابع العربي صراحةً ويُزيل منه التاريخ واللغة والتراث قبل الجغرافيا، ليصبح تمييز الدول إقليمياً بهويات محلية أي دون هوية مشتركة. ويُطلق البعض الآخرعلى المنطقة تسمية "الشرق الأدنى" في السياقات الأكاديمية الغربية، بينما يُكتفى في أحيان أخرى بتسمية "الخليج" دون إضافة "العربي"، كما في خرائط الأمم المتحدة أو وسائل إعلام غربية، مما يعكس صراعاً جيوسياسياً حول التسميات.

أما على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، فتظهر فوارق هائلة بين دول غنية، تُثير شهية القوى الكبرى، ودول أخرى تغرق في الفقر المدقع وتتصدر قوائم المساعدات "الإنسانية" من تلك القوى، إضافة الي المعونات التي تقدمها منظمات مثل الأمم المتحدة والهيئات المماثلة. وتتجلى هذه التناقضات بوضوح أكبر حتى داخل الدولة الواحدة، حيث يعيش مئات الآلاف أو الملايين في الأحياء الفقيرة، بينما تتركز الثروة في العواصم، وفي دول أخرى تنقطع الصلات غالباً بين السلطة والشعب جراء طبيعة النظام الحاكم. كما يبرز تباين كبير بين دول أنتجت حضارة كونية كبرى ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، وأخرى ذات تاريخ أكثر تواضعاً.

يتضح مما سبق، أن هناك سلسلة من العوامل والعوائق المؤثرة في إنبثاق "مسرح عربي" ذوسمات وطابع، وملامح يتناغم وتلّون طبائع وسمات المجتمعات العربية المتعددة.  أولى تلك العوائق الأساسية التي تبرز هي غياب هوية عربية موحدة، أو بوضوح تام، إنعدام وجود هوية مشتركة في المسرح، وهو أحد أهم مسببات إفتقاد ما يمكن ان يُسمى "بمسرح عربي" ذو سمات تتصل بكل أو غالبية المجتمعات العربية. فإصطلاح "المسرح العربي" يواجه تحديات بنيوية عميقة، تحول دون تشكيل هوية مشتركة واضحة، تجمع بين التراث والحداثة عبر المنطقة العربية بأكملها. حيث إن النشأه المتأخرة للمسرح في البلدان العربية، في القرن التاسع عشر، (مع مارون النقاش  (1848، دون جذور عضوية تاريخياً، ومقلداً النماذج الأوروبية، عرّض المسرح للتناقضات الثقافية والسياسية.

ومن العوائق الهامة والملموسة إن لكل مجتمع عربي ثقافته، وتقاليده، ولغته الخاصة المحكية، مما يٌسهّل إنبثاق فجوة بين عموم الجماهير. فعائق اللغة حقيقي وكبير في البلدان العربية. لإن إستخدام اللغة الفصحى لا يسمح بالتواصل مع الجماهير الواسعة، بينما اللغات المحكية أو العامية المحلية تحول دون توحيد تلك الجماهير. مما يجعل المسرح نخبوياً، غائباً عن الجمهور الواسع، فعلى سبيل المثال، يزخر المسرح المصري بتاريخه وأسلوبه، بل وجمهوره بينما يعكس المسرح المغربي، والتونسي، والجزائري والسوري، والعراقي واللبناني والاردني والخليجي مجموعة متنوعة ومختلفة من التأثيرات. لا شك ان هذا التنوع جميلًا ومفيداً، ولكنه يُزيد الامر صعوبة، فهو لا يخدم هدف إنشاء هوية مشتركة تُخاطب جميع المجتمعات في المنطقة العربية. فمهمة بناء مسرح عربي حقيقي ستستلزم، إنبثاق مواضيع، وحكايا، وسرديات تُلامس مختلف الثقافات، وتُكتب بلغة، ربما وسيطة، بين اللغة الفصحى المبسّطة واللغة المحكية، وتستكشف خطوطاً مشتركة بين هذه المجتمعات وتبرزها كعناصر جوهرية للفهم المشترك.

كذلك فإن دور الجمهور في خلق مسرح عربي هومن الأمور الحاسمة، حيث إن الجمهور هو الركن الأساسي في المسرح ويجب النظر اليه كشريك عضوي في الفعل المسرحي وليس "كمتلقي". لا يمكن ان يكون هناك مسرح، حتى علي الصعيد المحلي، بتوصيف الجمهور "كمتلقي"، لأن ذلك يُحيل الى حالة من الترفّع في المسرح بنظرة إستعلائية وإقصائية للجمهور. إن مصطلح "المتلقي" ليس فقط إقصائياً بل هو حالة إستكبارية من "الأبارتايد" لا تسمح بالمشاركة او التواصل، في حين ان أي هوية، حتى محلية، للمسرح لا تتكامل الاّ بالجمهور بصفته مشاركا ومتواصلاً. فالمسرح يحتاج إلى الجمهور ليُضفي عليه الحياة، وبدونه لا وجود للعرض المسرحي. فليس خافياً أن تواجه، العديد من المسارح في العالم العربي، تحديات في استقطاب المشاهدين، وقد يعود ذلك إلى نقص الوعي، أو ارتفاع أسعار التذاكر، أو التعويض بالتلفزيون، او السينما، أو ببساطة عدم تقديم عروض تتصل بالحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، تستطيع المسرحيات التي تتناول قضايا اجتماعية، كالوضع الاقتصادي أو الصراعات السياسية، أن تجذب الجمهور بشكل أكثر فعالية من العروض المسرحية التجريدية أو الفنية الملتبسة أوالرمزية المفرطة في الغموض. فإنعكاس إهتمامات الجمهور بالموضوعات الأساسية في المسرح، سواء سياسياً او إقتصاديا أوإجتماعياً، سيزيد من فرص حضوره للعروض ودعمه للمسرح المحلي.

من الأدوات الخافية، ولكنها أساسية في صياغة هوية موحدة للمسرح العربي، هي "النقد المسرحي". فالنقد يتجاوز دوره التحليلي ليصبح عماداً يربط بين الإبداع الفني والسياقات الثقافية والاجتماعية. ومن خلال مدارس النقد المتشعبة، يعزز النقد الوعي الجماعي بالمسرح كفضاء ثقافي متكامل، يجمع بين التراث والحداثة. فمن المدرسة التاريخية، كما عند أرسطو في "فن الشعر"، الى المدرسة الواقعية في القرن التاسع عشر، مع أنطون تشيخوف وهنريك إبسن، الى مدارس العصر الحديث، حيث تبرز المدرسة الشكلانية (Formalist school ) لدى فيكتور شفلوفسكي، التي تركز على اللغة والإيقاع، مما يعمق الوعي بالشكل كعنصر للهوية. كذلك، يساهم النقد البنيوي لدى رولان بارت في تفحص هيكلية اللغة والمعاني مما يسهل تفكيك الرموز، بينما يقدم النقد ما بعد الحداثي، كما عند جاك دريدا، تحدياً للهويات الثابتة، محولاً المسرح الثابت إلى مسرح للتمعن في الاختلاف. هذه المدارس المتعددة لا تتنافس، بل تتكامل في نسيج يوحد المسرح عربياً ودولياً. ففي السياق العربي، يعيد النقد المسرحي تثبيت الهوية الثقافية من خلال نقد التاريخ الاستعماري وإستكشاف مواضع التنويرفي فكر وفلسفة الحداثة. بهذا، يصبح النقد حارساً للهوية المسرحية، يمنع التشتت ويبني جسراً بين التراث والمعاصرة، ضامناً استمرارية المسرح كصوت ثقافي موحد يعكس نبض المجتمعات.

اما في الطرف الآخر من العوائق التي أثرت على تشكيل هوية موحدة حقيقية لمسرح عربي هي حالة إنحسار مساحات الحرية في البلدان العربية، على الصعيدين الفردي والجمعي، فبغياب الحرية، بمفهومها الواسع، وتقييد حدود الأفكار والرؤى لتتناسب ومفاهيم السلطات المحلية لكل بلد، نشأ مسرح منحني تماماً لإرادة هذه السلطات كما نشأ مسرح ملتبس غني بالغموض، بعيد عن الجمهور، مسرح منفّر وليس جاذب للجمهور، بعيد عن هموم الناس، على الصعيد المحلي، وهو بعيد عن اهتمامات الجمهور على الصعيد العربي، أي مسرح يُهمل ما يمكن ان يؤسس لمشتركات إجتماعية بين مختلف الدول العربية، ويتحول الى مسرح معادي للهوية، وهو، غالباً، متناقض مع متطلبات وجود مسرح عربي مشترك.

هذه العوائق ليست طارئة أو عابرة، بل متجذرة في السياقات التاريخية والاجتماعية، وتتطلب جهوداً منهجية لتجاوزها. لعل أهم المتطلبات للتغلب على هذه العوائق هو إبدء إرادة سياسية وثقافية ممنهجة وقوية وواضحة، تنشئ إستراتيجيات تمكينية مفصّلة ومستدامة، فضلاً عن البحث في ثراء الإمكانيات المتوفرة في التراث الغني وتشجيع النزوع الطامح للشباب المسرحي. بإغفال هذه العوامل سيبقى المسرح "بغياب الهوية"، مجرد تهويمات منفصلة عما يُمكن تسميته ب "المجتمع العربي"، ما يزيد عن كونه إنعكاسات لصدى العوامل والاشتراطات المحلية. لذلك فإن بناء هوية مشتركة ليست خياراً، بل ضرورة جوهرية لتعزيز مفهومي الفن والثقافة لإنشاء مسرح عربي، وتعظيم الوعي العربي في عالم معولم.

إن إنبثاق مسرح عربي ذو سمات تتصل بغالبية المجتمعات العربية يستوجب العمل على الحد من العوائق والبدء ببلورة هوية مشتركة لهذه المجتمعات تمنح المسرح العربي ذاتاً متفردة، مع ملاحظة ان إلهوية المشتركة يُمكن ان تتضمن تأثيرات من ثقافات وتراث مجتمعات أخرى، سيما في هذا الركن العربي المعولم على إختلافه.  في هذا الصدد، تلعب المهرجانات المسرحية، ذات الهويات الواضحة، دوراً بارزاً في تجاوز العوائق الثقافية والسياسية التي تحدّ من تشكّل هوية موحدة للمسرح العربي، حيث تتحول، المهرجانات، إلى جسور حية تربط بين التنوع الإقليمي والرؤية المشتركة. ففي ظل التحديات التاريخية، مثل التشتت الجغرافي، والانقسامات السياسية، والتأثيرات الاستعمارية التي فرضت هويات محلية مجزّأة، تقدم هذه المهرجانات فضاءً للتنوع والإختلاف عبر حوار غير مقيد، يجمع فنانين من مختلف الدول العربية والأجنبية، ليتبادلوا الرؤى والخبرات، ويختزلوا الاختلافات في لغة مسرحية تطمح أن تكون مشتركة وأصيلة.

من الأمثلة الناجحة على ذلك، والتي تستطيع المهرجانات أن تكشفها، استلهام التراث والمورث العربي وإسقاطه، من منظور تنويري وحداثي، على الحاضر اليومي سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، كأعمال الطيب الصديقي من المغرب وبعض أعمال قاسم محمد من العراق. هذه الاعمال تُمثّل بعض الحلول التي تجذب جماهير من مختلف الخلفيات وتخلق شعورًا بالتراث المشترك أي بناء هوية مشتركة.

وفي النهاية، يظل البحث عن المسرح العربي رحلةً مضنيةً في دهاليز الهوية المعتمة، وطموحاً مشروعاً لكسر الرتابة التي فرضتها الجغرافيا السياسية المثقلة بالتبعية والتشظي. إن المسرح الذي نطمح اليه، ليس مجرد رقعة خشبية تُستعاد عليها أمجاد الماضي، بل هو مختبر حي تنصهر فيه اللهجات المحلية المحكية بوقار اللغة الفصحى، وتذوب فيه المسافات بين "الممثل" و"الجمهور" لتُستبدل بعلاقة عضوية نابضة، تعيد للجمهور دوره كصانع للمعنى وشريك في الحلم.

إن بناء كينونة مسرحية عابرة للحدود يستلزم شجاعةً في مواجهة "التابوهات"، واستعادةً لمساحات الحرية التي صودرت تحت ذرائع شتى، فالمسرح في جوهره هو رئة التنفس للمجتمعات، وحين يضيق أفق الحرية، يختنق الإبداع في غرف الرمزية المغلقة. إن المهرجانات المسرحية الجادة، والتبادل الثقافي الحقيقي هما النافذتان اللتان يمكن من خلالهما عبور نفق الانعزال نحو فضاء عربي رحب، يستلهم من "الطيب الصديقي" جرأته وريادته ومن "قاسم محمد" عمقه ومغامرته، ليصيغ سردية مشتركة تجمع شتات الروح العربية.

وختامآً، إن البحث عن الهوية المسرحية المشتركة لا يعني إطلاقاً البحث عن مسرح متجانس حد التطابق، بل عن مسرح يحترم التنوع ويحيله إلى سيمفونية بصرية وفكرية موحدة، قادرة على انتزاع الصرخة من الشفاه الصامتة، وإحالة العتمة إلى ضياء كاشف يعري الهشاشة ويبني القوة. إنها دعوة لاستعادة الذات المسرحية من مخالب التغريب والتبعية، ليصبح المسرح العربي مرآةً صافية، لا تعكس وجوهنا المتعبة فحسب، بل ترسم ملامح مستقبلنا المشترك في عالم معولم لا يعترف إلا بالأقوياء بهويتهم، والواضحين في رسالتهم. وبذلك وحده، يكف المسرح عن كونه ترفاً نخبوياً ليصبح ضرورة وجودية، وصوتاً للحقيقة لا يغلبه الصمت.

***

علي ماجد شبو

 

هايكو الشاعرة بلقيس خالد

اتسم مفهوم "الهايكو العراقي" عند الشاعرة بلقيس خالد برصد الواقع العراقي وأحيا الروح في الأشياء الجامدة لتبدو كائناتٍ حيةً تتفاعل، لا مجرد أجرامٍ ساكنة. وتعد هذه الأنسنة مفرطةً أحياناً من وجهة نظر الهايكو الكلاسيكي، لكنها تبدو طبيعية إذا نظرنا إليها كأسلوب سريالي في الهايكو الحديث، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نصنف هذه النصوص كسريالية أم لا؟ كما في الهايكو التالي:

 تدعوني الطاولة أَن أَضعَ يدي عليها،

 لأشعرَ بهِ:

 دفءٌ بثتهُ الشمس..

**

من البديهيات المتعارف عليها في الهايكو مبدأ "أرِني ولا تخبرني" وقد نجحت هذه النصوص في تحقيق هذا المبدأ بمشهدية محايدة، اقتنصت لحظات ا دون حشو أو زخرفة لغوية. ومع استخدام علامة القطع (النقطتين الرأسيتين مثلا)، خلق النص فراغاً ومعادلاً موضوعياً بين نهاية القطع والسطر الذي يليه:

 يكتبُ رسائلَ صغيرةً

 إلى الهواء:

 بخارٌ يتصاعدُ من فنجان قهوة.

**

 من السدرةِ تهبط العصافير..،

 وتختبئُ

 في جيبِ ابن الجيران.

**

أما هذه النصوص:

 لأَولِ مرةٍ لم يُطاردني،

يركضُ حافياً..

 الوقت.

**

أَطفو بين فكرةٍ وأُخرى،

فتتساقط على الأَوراق.. بتلات:

الحروف.

**

 مُعلّمٌ.. قاسٍ وجميلٌ: الشوق.

**

 أَلمسُ الأَشياء فتُغني،

 عدوى لطيفةٌ انتشرت في أَصابعي:

 الحب.

**

 كأننا عشنا أَلف وداعٍ

قبل أَن نتعلم كيف نقولُ:

 مرحباً.

**

 كأَنها طريقٌ مقصودٌ: أَخطاؤنا.

**

 نسيتُها..

 في اللحظة المناسبة:

كلمةٌ، كنتُ على وشك قولها.

هي أقرب إلى الومضة والحكمة، إذ لم نجد فيها من تقنيات الهايكو —كلاسيكياً كان أم حديثاً— وهذا لا ينفي عنها جماليتها . وتبرز اللغة الاستعارية في تعبيرات مثل: "عدوى الحب" و"بتلات الحروف"، وهي من تأثيرات قصيدة النثر حيث يتداخل المفهوم المجرد مع الصورة البصرية، مما يضفي طبقة من الضبابية على تقنيات الهايكو الرئيسية، وهي "الصورة الحسية المشهدية". الملاحظة الثانية هي استخدام كاف التشبيه لو افترضنا أن هذه النصوص هايكو. طبعا التشبيه من تقنيات الهايكو لكن استخدامه بكثرة في الهايكو يضعف الهايكو وقد تجاوز الهايكو المعاصر هذه التقنية بتقنية التجاور دون الحاجة إلى استخدام أدوات التشبيه منذ هايكو عزرا باوند الشهير:

ظهور هذه الوجوه في الحشد

بتلاتٌ على غصنٍ رطبٍ، أسود

**

وفي السياق ذاته، جاء النص الأخير أقرب إلى الدعاء والمناجاة، وهو نص صوفي بامتياز:

إلهي..

كطفلةٍ.. تطلبُ أَن يُعاد خلقها من الضوءِ،

وقفتُ على بابكَ.

وهذا النص متناصٌّ مع النص المنسوب إلى "حبيبة العدوية" في مذهب الحب الإلهي، وثنائية الضوء والجمال، وموضوعة الباب المفتوح:

"إلهي.. غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك".

إن تجربة الشاعرة بلقيس خالد تتأرجح بين رصد الطبيعة (**هايكو**) ورصد الطبيعة الإنسانية (**سينريو**) بصدق وعاطفة عراقية جياشة. تتجلى الطاقة السائلة في هايكو بلقيس خالد في تمردها الواعي على صرامة الأشكال اليابانية، وانزياحها نحو سيولة تتجاوز ضيق التقنيات لتذيب الحدود المتعارف عليها بين الأنا وبين الطبيعة. فنصوصها لا تقيدها لحظة الاقتناص، إنما تولد كتدفق عضوي يشكل ماهية القصيدة لحظة ولادتها؛ فتارة تطل علينا بجنس الهايكو، وتارة كومضة أو حكمة، وأحياناً كمناجاة صوفية. أمام هذا التدفق المنفلت من القوالب، يبرز تساؤل نقدي ملح: لماذا نحصر هذا الفضاء الجمالي الرحب تحت تسمية "الهايكو العراقي"؟ إن حصر هذه التجربة ضمن هذا العنوان الضيق (الهايكو) قد يؤدي، دون قصد، إلى تحجيم طاقتها التعبيرية وتقويض حيويتها التي تتجاوز الهايكو إلى أشكال تعبيرية لا تقل أهمية عن الهايكو.

***

عباس محمد عمارة

.........................

* ملاحظة: نشرت هذه النصوص (تفسير ما لا يقال) في موقع "الحوار المتمدن"، العدد 8704، بتاريخ 11/5/2026، في محور الأدب والفن.

للشاعرة هادية السالمي

تمضي قصيدة "شتاء على كتفيَّ" للشاعرة هادية السالمي دجبي في مسارٍ وجوديّ عميق، حيث لا يعود الشتاء فصلًا مناخيًا، بل يتحوّل إلى بنية أنطولوجية تُقيم داخل الذات، وتعيد تشكيل علاقتها بالغياب، والزمن، واللغة، والرجاء. ومن منظور "فلسفة الأمل الكوني"، يمكن قراءة هذا النص بوصفه صراعًا بين انكسار الكينونة وإرادة النجاة الروحية، بين خراب العالم الداخلي وإمكانية استعادة المعنى عبر الدعاء والنور.

منذ المطلع، نواجه ذاتًا تتجدّف داخل الفراغ:

"فراغُ الغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى"

إن القلب هنا لا يعيش الغياب كحالة نفسية عابرة، بل كفضاء كوني فارغ، أشبه ببحرٍ بلا ضفاف. واللافت أن فعل "يجدّف" يوحي بمحاولة النجاة، أي أن الذات لم تستسلم تمامًا للعدم، بل لا تزال تُقاوم. وهذه المقاومة، وإن بدت واهنة، تمثل في فلسفة الأمل الكوني الشرارة الأولى للإنسان الإنساني؛ فالإنسان لا يُعرَّف بسلامه، بل بقدرته على الاستمرار داخل العاصفة.

القصيدة مشبعة بصور الانهدام: الجدار الذي كان مأوى "قضى"، الأغاني "تلاشت"، العطاف "هوى"، والسماء يغشاها الدخان.

إننا أمام عالم يفقد تدريجيًا عناصره الحامية: الموسيقى، الحميمية، الضوء، وحتى اللغة نفسها. لذلك يصبح "شتاء الحروف" أخطر من الشتاء الطبيعي، لأنه يعني انهيار القدرة على التعبير، أي انهيار المعنى ذاته. فاللغة في التجربة الإنسانية ليست أداة وصف فقط، بل بيت الوجود كما يرى Martin Heidegger، وحين تتجمّد الحروف يصبح الإنسان منفيًا حتى من صوته الداخلي.

غير أن النص، رغم كثافته السوداوية، لا يغرق في العدمية المطلقة. هنا تتجلّى خصوصية القصيدة؛ فهي لا تنتهي إلى الإنكار، بل تعبر نحو التوسّل النوراني:

"و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى"

هذه النقلة من الغياب إلى الدعاء تمثل لحظة التحول الفلسفي الكبرى في النص. فالأمل هنا لا يأتي من الواقع الخارجي، ولا من الحبيب الغائب، بل من الارتباط بالمطلق الرحيم. إن الذات حين تعجز عن ترميم العالم بالأغنية والمجاز، تتجه نحو البعد الروحي بوصفه آخر إمكانات الخلاص.

ومن منظور فلسفة الأمل الكوني، فإن هذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه يؤكد أن الإنسان حين يفقد المعنى الأرضي لا يموت بالضرورة، بل قد يعيد اكتشاف المعنى عبر الوعي الكوني المتجاوز للألم. لذلك يصبح الدعاء في القصيدة فعل مقاومة وجودية، لا مجرد ابتهال ديني.

القصيدة أيضًا تؤسس لما يمكن تسميته "جغرافيا الغياب". فالغياب لا يسكن شخصًا واحدًا، بل ينتشر في الأشياء كلها: في العشب، في النوافذ، في الحديقة، في التراب، وفي القصيدة ذاتها.

وهنا يتحول العالم إلى مرآة داخلية للحزن. فالطبيعة لم تعد كائنًا حياديًا، بل أصبحت امتدادًا للذات المجروحة. وهذا البعد يقترب من الرؤية الصوفية التي ترى الكون متلبسًا بأحوال الروح؛ فإذا انطفأت الروح اظلمت الأشياء كلها.

كما أن تكرار سؤال:

"فأيُّ مجازٍ..."

ليس سؤالًا بلاغيًا فقط، بل سؤال معرفي وأنطولوجي: هل ما تزال اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟ هل يستطيع الشعر أن يرمّم الخراب؟

والقصيدة لا تقدّم جوابًا مباشرًا، لكنها تُلمح إلى أن المجاز الحقيقي ليس في الزخرفة اللغوية، بل في القدرة على تحويل الألم إلى صلاة، والغياب إلى بحث عن نور.

إن "الشتاء" في النص ليس نهاية مطلقة، بل مخاض روحي عسير. ولذلك تنتهي القصيدة لا بالانطفاء، بل بالرغبة في الإفاقة:

"فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني"

وهذا النجم، في القراءة الكونية، هو رمز الوعي، والأمل، والإشراق الداخلي الذي لا يزال ممكنًا رغم كل هذا الركام.

لقد استطاعت الشاعرة أن تكتب نصًا يتجاوز الرثاء العاطفي التقليدي إلى تجربة وجودية شاملة، حيث يمتزج الشعر بالفلسفة، والحزن بالدعاء، والخراب بإرادة الخلاص. إنها قصيدة تُعلن أن الإنسان، حتى في أكثر لحظاته بردًا ووحدة، يظل قادرًا على أن يرفع قلبه نحو الضوء.

***

الأستاذ الناقد إبراهيم عثمان - الجزائر

........................

شتاء على كتفيَّ

فراغُ الْغيابِ

يُجَدِّفُ فيه فؤادي ضُحًى.

و لا بدرَ في الدَّربِ

يَرْتُقُ ما جرَّفَتْهُ سياطُ الْجَوَى .

و كلُّ الْأغاني تلاشَتْ

و ذاكَ الْعِطافُ هَوَى.

و ذاك الْجِدارُ الّذي

كنتُ أسْري إليْه

قَضَى.

و حَطَّ الشّتاءُ على كتِفَيَّ

و شَظَّى الْعِصِيَّ.

*

تجاويفُ وجهي

يُجَدِّفُ فيها غبارُاللّظَى.

و يَغْشَى الدُّخَانُ سمائي

و يَطْغَى الْأسى.

وهذي الْغُيُومُ

تُشَظِّي قصيدي

و تُدْمِي يَدِي.

*

ثقيلا يجيءُ شتاءُ الْحُروفِ

و لستَ معى.

و لا شيءَ في الْكَلماتِ

يُعَطِّرُ مِحْبرَتي.

و لا سَقفَ

يَحرُسُ دفءَ شهِيقي وحُنجُرَتي.

فأَيُّ مَجازٍ

يُطَرِّزُ للّيْلِ أجنِحَةً؟؟؟

و لستُ أرى برتقالا

بغير ازرِقاقٍ أبي.

*

و هذا الْغيابُ

يُرَصِّفُ في الصّدرِ أقفاصَهُ.

و كلُّ نوافذِ فجري

تُغَلِّقُها زَفَراتُ الْغُروبِ أبي.

فأيُّ مجازٍ

به أَفتَحُ الْيوْمَ للنُّورِ

بابًا يُدَفِّئُني؟؟؟

أُفتِّشُ في الدّارِ

عن وجهِ أُغنيَةٍ كنتُ أَلْمَسُها.

فيَهْمي السّرابُ على مُقْلَتَيَّ

كثيفا،

و يَرْغُو الصَّدَى.

ولا نغمَ الْيوْمَ

يُوقِظَ فيَّ الطُّفولَةَ أو فَيْأَها.

و لا عنبَ الْيوْمَ يكتُبُني

في ومِيضِ السَّماواتِ

أو ريشِها.

و أسألُ عشبَ الْحديقةِ عنكَ

فلا يبتَسِمُ لي.

و يهطِلُ منه سوادٌ

يُغَشِّي الْأديمَ و يَحرِقُني .

و يَخْتَضُّ بين يَدَيَّ

تُرابٌ جَفَتْهُ خُطاكَ

فما خَمَدَتْ نارُهُ.

*

ثقيلٌ جُؤُومُ الشّتاءُ على مِعصمي.

و لستُ أُفيقُ

لِأَقطِفَ نورا يُحَدِّثُني.

فيا ليْتَ نَجما

يَجِيءُ إليَّ ويُوقِظُني.

*

و إنِّي لَأَدْعُو الَّذي عَلَّمَ الطَّيْرَ

مَغْنَى الْهُدَى

أنْ يُغِيثَ الْفُؤَادَ

بِنُورِ السَّلامِ وفيْضِ التُّقَى.

و إنِّي لَأَدْعُو الرَّحِيمَ

يُفيضُ رِضاهُ عليكَ فَتَرْضَى.

***

بقلمي هادية السّالمي دجبي- تونس

جدلية السلطة والهامش في شعر أجود مجبل

في ضوء التحولات التي يشهدها الخطاب الشعري العربي المعاصر، لم تعد شخصية «الصعلوك» تُستدعى بوصفها معطىً تاريخيًا أو نموذجًا سرديًا ينتمي إلى سياق الجاهلية وأخبار العرب فحسب، بل غدت بنيةً ثقافية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل داخل الحاضر الشعري. إذ يتجاوز هذا التوظيف حدود الاستعادة التمثيلية للشخصية التراثية إلى تحويلها إلى «أرشيف للهامش» العربي، بما يحمله من دلالات الفقر، والتمرّد، والانفصال عن أنساق المركز، وما يتفرع عنها من تمثلات للعنف الرمزي والرفض غير المؤسسي. ومن ثمّ فإن الصعلوك في الشعر الحديث لا يعود كذاتٍ مكتملة المعنى أو بوصفه بطلاً مضادًا بالمعنى التقليدي، بل يتحول إلى كيان إشكالي يعيش توترًا دائمًا بين المقاومة والانكسار، وبين الفعل والإقصاء. وفي هذا السياق، يغدو الصعلوك أقرب إلى استعارة للذات الثقافية المهمَّشة في صورتها المعاصرة، ولا سيما ذات المثقف أو الشاعر الخارج عن مؤسسات الاعتراف والسلطة، بحيث تتقاطع دلالته التراثية مع تمثلات الحاضر في إنتاج صورة مركبة للهامش بوصفه مجالًا للصراع بين الرغبة في التمرد واستحالة اكتماله. ومن هنا، فإن استدعاء الصعلوك في النصوص الشعرية الحديثة لا يُفهم بوصفه إحالة تاريخية، بل بوصفه استراتيجية ثقافية لإعادة قراءة العلاقة بين المركز والهامش، والسلطة والذات، ضمن أفق جمالي ومعرفي يتسم بالتوتر والانفتاح الدلالي.

وفي هذا السياق لا تستعيدُ القصيدةُ الحديثةُ الشخصياتِ التراثيةَ بوصفها عناصرَ زخرفيةً أو إحالاتٍ معرفيةً معزولة، بل بوصفها أنساقًا ثقافيةً قابلةً لإعادةِ التأويلِ داخلَ شروطٍ تاريخيةٍ جديدة. ومن هنا يمكن قراءةُ استدعاءِ شخصيةِ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل ضمنَ أفقٍ يتجاوزُ التناصَّ المباشرَ مع التراث، إلى محاولةِ إعادةِ إنتاجِ صورةِ المثقفِ العراقيِّ المعاصر عبر قناعِ الصعلوك العربي. فالصعلكةُ من منظورٍ ثقافي، ليستْ مجرّدَ ظاهرةٍ اجتماعيةٍ ارتبطتْ بالفقرِ أو العنفِ أو التمرّدِ الفردي، بل هي تمثيلٌ مبكرٌ لأزمةِ العلاقةِ بين الفردِ ومنظومةِ المركز؛ أي بين الذاتِ الهامشيةِ والبنيةِ السلطويةِ التي تنتجُ الشرعيةَ والانتماءَ والمعنى. ولهذا فإن الصعلوكَ العربيَّ كان دائمًا كائنًا فائضًا عن النظامِ الرمزيِّ للقبيلة، تمامًا كما يبدو المثقفُ الحديثُ فائضًا عن أنظمةِ السلطةِ السياسيةِ والهوياتِ المغلقةِ في السياقِ العربيِّ الراهن.

ضمنَ هذا التصور، لا يعودُ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل شخصيةً تاريخيةً بقدرِ ما يغدو بنيةً رمزيةً تُعيدُ تمثيلَ الذاتِ الثقافيةِ المهشّمةِ في الواقعِ العراقي. ولذلك يبدأُ النصُّ بتقويضِ الوظيفةِ التقليديةِ للصعلوك بوصفهِ صيادًا أو منتجًا للغنيمة:

«خِراشُ السَّواديُّ ما اصطادَ شيئًا

ولمْ تتكاثرْ عليهِ الظِّباء»

إن فعلَ النفي هنا لا يشتغلُ على مستوى الحدثِ فقط، بل على مستوى النسقِ القيميِّ الكامنِ خلفَهُ. فالقصيدةُ تنزعُ عن الشخصيةِ مفهومَ «الظفر» الذي كان يُنتجُ شرعيةَ البطولةِ في المخيالِ القديم. وبهذا المعنى يتحولُ خِراشُ من ذاتٍ فاعلةٍ داخلَ اقتصادِ الغلبةِ إلى ذاتٍ مُقصاةٍ منطقًا وتاريخًا. غير أن النصَّ يعيدُ تعريفَ الغنيمةِ نفسِها حين يقول:

«صحيحٌ هو اصطادَ نافذةً

ومنها أطَلَّ على الأصدقاء»

فالنافذةُ هنا لا تؤدي وظيفةً مكانية، بل تتحولُ إلى استعارةٍ إبستمولوجيةٍ للرؤيةِ وإمكانيةِ الاتصالِ بالعالم. إن خِراشًا لا يربحُ الأرضَ أو السلطةَ أو الامتياز، بل يربحُ «إمكانَ النظر»، أي القدرةَ على الاحتفاظِ بحدٍّ أدنى من الوعيِ داخلَ واقعٍ مغلق. ومن هنا تتبدّى القصيدةُ بوصفها دفاعًا عن الهامشِ الثقافيِّ بوصفهِ آخرَ مساحةٍ ممكنةٍ للحرية. ويزدادُ هذا المعنى وضوحًا في قوله:

«عليهِ تكاثرتِ الطلقاتُ

وكان يُدافعُ عنهُ الهواء»

فالطلقاتُ لا تُقرأُ هنا بوصفها عنفًا ماديًا فحسب، بل بوصفها تمثيلًا مجازيًا لمنظوماتِ الإقصاءِ التي تُمارسُها السلطةُ بمختلفِ أشكالِها: السياسية، والاجتماعية، والأيديولوجية. أما «الهواء» الذي يدافعُ عنه، فيكشفُ هشاشةَ الحمايةِ التي يمتلكُها المثقفُ الحرُّ داخلَ بنيةٍ تُعادي الاختلاف. فالهواءُ، بوصفهِ عنصرًا غيرَ قابلٍ للامتلاك، يتحولُ إلى رمزٍ للحريةِ المجردة؛ تلك الحريةِ التي لا تستندُ إلى مؤسسةٍ أو جماعةٍ أو يقينٍ مغلق. ومن هنا فإن الطعناتِ المتكاثرةَ لا تنتهي بالفناء، بل تُنتجُ شكلًا آخرَ من الوجود:

«فأصبحَ يملكُ هذا العراء»

إن العراءَ في هذا السياق لا يحيلُ إلى الفقدِ وحده، بل إلى انكشافِ الذاتِ خارجَ جميعِ البنى الحامية. وبهذا المعنى يتحولُ العراءُ إلى فضاءِ حريةٍ سلبية؛ أي حريةٍ لا تتحققُ عبر الامتلاك، بل عبر التخلّي القسريِّ عن المركز. وهنا تقتربُ القصيدةُ من التصوراتِ الوجوديةِ التي ترى أن الإنسانَ لا يمتلكُ حقيقتَهُ إلا بعدَ انهيارِ الأوهامِ الجماعيةِ الكبرى.

أما صورةُ الحقيبةِ التي «تتساقطُ منها النساء» فتشتغلُ بوصفها أرشيفًا رمزيًا للذاتِ العاطفيةِ المهشّمة. فالنساءُ هنا لا يمثلنَ حضورًا جسديًا بقدرِ ما يمثلنَ آثارًا لذاكرةٍ شخصيةٍ متشظية، الأمرُ الذي يجعلُ الحقيبةَ استعارةً للمنفى الداخليِّ الذي يحملهُ الفردُ معه أينما ذهب. وتبلغُ القصيدةُ ذروتَها الثقافيةَ حين يتحولُ القبرُ إلى مقهى:

«وبعدَ سنينٍ رأوا قبرَهُ صارَ مقهًى

يلوذُ به الشعراء»

فالمقهى، في الذاكرةِ الثقافيةِ العراقية، ليس فضاءً ترفيهيًا فحسب، بل مؤسسةً رمزيةً بديلةً عن المؤسساتِ الرسميةِ المغلقة؛ إنه فضاءُ الاعترافِ الهامشيِّ وتداولِ الخطاباتِ الممنوعةِ وإنتاجِ المعنى خارجَ السلطة. وحين يتحولُ القبرُ إلى مقهى، فإن الذاتَ الشاعرةَ تتجاوزُ حدودَ الموتِ الفيزيائي لتغدو أثرًا ثقافيًا مستمرًا في الذاكرةِ الجمعية؛ ولهذا تبدو الخاتمةُ منسجمةً مع البنيةِ الرمزيةِ للنص:

«ولكنَّهُ لم يمتْ،

هل يموتُ الذي قلبُهُ عامرٌ بالغناء؟»

فالغناءُ هنا لا يُقرأُ بوصفهِ فعلًا جماليًا فحسب، بل بوصفهِ طاقةً مضادةً للعدم؛ أي قدرةَ الذاتِ على إعادةِ إنتاجِ المعنى في مواجهةِ الخراب. وبذلك ينجحُ أجود مجبل في تحويلِ شخصيةِ «خِراش» من مجرّدِ إحالةٍ تراثيةٍ إلى استعارةٍ ثقافيةٍ للمثقفِ العربيِّ المعاصر؛ ذلك الكائنِ الذي خسرَ علاقتَهُ بالمركز، لكنه ظلَّ يمتلكُ شيئًا أخيرًا: قدرتَهُ على تحويلِ الهامشِ نفسِه إلى فضاءِ مقاومةٍ رمزية. ومن خلاله يُطلُّ الشاعرُ المعاصر بهمومه المعيشة مجسِّدًا من خلال استدعائه شخصية الصعلوك "خراشة" ما يريد قوله بصورةٍ ذكيّة يتحسّسها المتلقّي الذكيّ لسبر مثل هكذا خطاب شعري يأبى أنْ  يقدّم إدانته للواقع مثل إفادةٍ باردة لشخص يقف بين يدي محقق يستجوبه فيما يريد. وهذا بحسب ما أراه ويراه غيري من نُقّاد الشعر الحديث، تقنية جدّ مهمة في إنقاذ الشعر العربي بشكله النمطي/ التقليدي، من أوزار التقريرية والخطابية التي ابتُلِي الكثير من الشعراء فيها، ويُمكن أنْ أجازف بالقول: إنَّ أجود مجبل هنا، مارسَ ضربًا من الصعلكة الفنّية، بعد أنْ أشرنا أنها تنطوي على التمرُّد على أنساق المجتمع، فهنا الشاعر يكيّفها لا بما يريد الإفصاح عنه من مضامين وأفكار فحسب، بل بمجمل هذا الاستدعاء الفنّي الذكيّ لشخصية الصعلوك "خراشة"، بل أكثر من ذلك، حين يتمرد على النمطيّ المعتاد عند الشعراء المعاصرين، حين اتّكأوا على أبرز رموز الصعلكة، مثل: عروة بن الورد، أو الشنفرى، أو تأبط شرًّا، ولم ينفضوا الغبار عن رموز أخر تُمثّل هذا الاتّجاه مؤكِّدًا حضوره الواعي في التراثي وبحثه العميق في طياته.

***

د. وسام حسين العبيدي

إشكالية التنميط العرقي والاستيهام في مكونات السرد

توطئة: ما جعلني ألتفت إلى عمق دلالات رواية (لأني أسود) كونها تحمل تلك التفاصيل المنتجة في المواقف والعواطف والأفكار، مما يجعلها تحليلا وتأويلا عن موت الانسان المغاير في عرقه ومذهبه وهويته، وصولا إلى تفاصيل جعلت من زمن أحداثها علاقة تدرجية في المرشح الانفصالي والتعالقي في مستوى وحدات السرد العضوية المتماسكة. ولعل الرواية في ظل هواجسها الحسية إستكمالا في طرح (الظاهر ــ الخفي) من مخصبات ورهانات واقعية متحكمة في نسج التفاصيل والأوصاف المتواترة في مدى خطوطها وحظوظها السياقية التي راحت تكتسب من خلالها جملة ترجيعات تمثيلية مصدرها غالبا ذلك النزوع المحوري في علامات نمو الشخصية وعوالمها السردية المتواترة ضمنا وعلنا من خلال حسية (التكوين العرقي) ومحفوظية العملية الاستفهامية في أواصر الهيكل السردي.

ــ فضاءات المتخيل وخصوصية الكينونة التوالدية

تظل محاور أشكال ومفاهيم الفضاء وطرق تبنينها متداخلة، حيث يفضي بعضها إلى بعض، ذلك منذ لحظة الاسقاط الولادي في الإشارة والأداة والتوالد، اتساعا نحو فضاءات ذات مرجعية مغلقة ومفتوحة، الأولى تتعلق ب(مثل كل الأطفال ولدت أصرخ.. هم يصرخون المستقبل المجهول، وأنا أصرخ المستقبل المعلوم. / ص1 الرواية) ويحيل هذا الشطر إلى مرجعية تتمثل في بلوغ حالات أكثر انسدادا وعطبا، خصوصا وإن وجهة النظر الروائية جاءتنا تعبيرا عن فراديس طفولية محكوما عليها بالنفي والأقصاء، فتتوالد الأحلام ملخصا لسيرة موحشة مصدرها المشاعر والخوف والترقب. ويعتبر الشطر المفتوح نظيرا في التداخل والاندغام من الحد الأولي من الفضاء، لذا فإن الشطر الآخر يعبر عن ملموسية مفتوحة من فعل الذات الأولى، وسنحاول أثناء تحليلنا للعناصر الروائية فصلها ولو نسبيا، حتى نميز مميزات كل فئة توالدية من خطوط التشارط المرجعي في النص الروائي.

1 ــ التوالد الرحمي ومختزلات التباين الاختلافي:

في إطار صيغة الخطاب المرشح يتم التفاعل النصي مع تمظهرات مادة رحمية يوظفها الحيز الكتابي في سياق جزئية تأريخية لها من الزمن الخطابي ما يؤهلها على اللعب ك (ناظم خارجي / داخلي) ينقل لنا سمات هذا الخطاب من خلال (الحكي داخل الحكي) امتدادا نحو ذلك الصوت الشهودي الذي يرويه الناظم الخارجي، وهو الخطاب الروائي الأول في نواة الحكاية: (و من بين تشققات جسد أسود.. استقيت أولى بوادر الحياة.. حاملا صبغة جينية داكنة.. ترسم هالتي، تلتصق بجلدي.. تتسرب إلى خلاياي.. وتغزل من السواد نسيجا تاريخيا معتقا. / ص1 الرواية) كذلك يبدأ الأمر ب (الفاعل الذاتي / المتكلم) على حركة السرد، حين يقوم هذا النوع من المروي بممارسة الفعل السردي من خلال تقنيتي (السرد ــ الوصف) وفي غضون هذا وذاك تتنامى عملية المسافة الأحداثية بشكل بطيء، كما إنه يصف معالم الفضاء الرحمي من خلال عين تبئيره له: (لحظتها.. أصدرت حنجرتي صراخا شق سكون المكان.. خشية مستقبل ينضج بالاختلاف.. محمل بأرث عنصري لا فكاك منه. / ص1 الرواية) فهو كعادته في مستوى السرد، يتبين لنا كساردا مبئرا، إلا إن اختلاف الأفضية المكانية التي يتنقل فيها المتكلم يتبعها اختلاف في زاوية التبئير، ومن ذلك تموقعه من خلال مسرودية: (إرث اعتاد أن يلبس السواد، ويعتز به كملك للألوان.. كما اعتاد أن يسلب الأرواح السوداء ملكها. / ص2 الرواية) ولأجل أن تكتمل الصورة المخصوصة رصدا لتفاصيل عوالم المكان تتسع الرؤية إلى موقع الأطراف البيضاء الممتد نحو الجسد الغاطس في طقوس سواده: (في تلك الغرفة المفعمة بالبياض، لمع جسدي الصغير على الأكف البيضاء. كنت أصرخ.. ارتجف.. واعلن للعام.. سوادي.).

2 ــ التداخل في الخطاب:

فهناك خطاب يرويه الناظم المشارك، وهو الخطاب الاحوالي يسرد بطاقة تعرفية تختص بها ماهية الأنا باعتبارها نقطة الارتكاز الملفوظي وسيرة تحولاتها من خطاب تعزيزي يؤكد للقارىء مخطط هويتها الوجودية والإرادية: (جمال.. أسمي / الأسود.. لوني / هل أتمنى ألا يكون لوني؟ !. / ص2 الرواية) من جهة أخرى يمكننا الانتباه إلى مدى التعويل من قبل الكتابة الدعاس حول إحالات مشروعية الإشكالية الاختلافية. فالدعاس تضع شخوصها كشخصية الأم جوان والأب فوزي في مساحة ملغومة من التعويل حول مسألة اللون والعرق بما لا يتناسب أحيانا وحدود الوظيفة السردية تشخيصا: فهل الدعاس تشخص حكاية ضمن أفق الانموذج؟ أم إنها تسعى إلى تجسيد حقيقة سيكولوجية وأخلاقية صارلها من التدليل ما يفوق الوصف الواقعي؟. الدعاس تحدد آليات حكايتها الروائية بشكل يشتغل بصفته هما مشتركا بين (الأنا ــ الآخر) وقد يتم تعليق صور الحالات الموقفية من خلال الوعي الإنساني أو من خلال فاعلية الانطباعات الحسية والصور بضروب التغير والتقلب والتدفق والتفاعل مع ماهية الانموذج. لقد أشرنا منذ برهة إلى أن الحكاية الروائية أخذت تمتد إلى أواصرية زمن حكاية فوزي وجوان وقد ينتج مؤشرات هذه الفصول الأولى والمتوسطة من أجمل ما قامت الدعاس في سكبه من مؤولات وفقرات روائية.

ــ مواقع الأحداث ومعزولية الشخصانية النائية

لعل الشخصية في بناء رواية (لأني أسود) شديدة التركيب والتباين والتنوع، لذا فالشخصية نجدها تتمثل بفاعل الأم (جوان) حيث تتعدد نوازع الذات من خلال علاقتها بمحيطها الأمريكي وصولا إلى ذروية احلامها الوردية في الاقتران بذلك الفارس الأقل سوادا منها، ولكن بناء الحكاية يطرح لنا شخصية فوزي الكويتي الأشد سوادا من بشرتها، ولكن للرجل روح إنسانية وحيوية خاصة في التعامل مع جنس النساء. في الحقيقة لا أود الاطالة في سرد كامل الحكاية المخصوصة بعلاقة جوان وفوزي، لأنها ببساطة استجلاء لسياقات نزوعية خاصة في شكل ومحاور وقائعية الاحداث. عموما أقول أجادت الدعاس في صياغة أفعال حكاية جوان وفوزي بما يناسب ووعي العالم التخيلي، فتظهر بوصفها المقاصد والإيحاءات التي تتمم الفاعلية في رسم المواقف والأحوال من قبل الشخصيتين. عموما فرواية (لأني أسود) رواية تصلح لمتعة القراءة أكثر من كشوفية المقاربة النقدية، ذلك لكونها رواية جمالية تعتمد آليات وتقانات حكائية مألوفة في البناء الروائي الذي يسعى بدوره إلى خلق ومعالجة موضوعة هامة وبأدوات وأفكار ورؤية سردية جديدة ومشوقة.

ــ تعليق القراءة:

لعل ما تقترحه رواية (لأني أسود) هو الخيط الزمني الذي يعالج التصورات والأفكار العنصرية التي تجاوزت الحدود الإنسانية تماما، فجوان وفوزي وجمال هم ضحية الحدوث العنصري المقيت، لذا فهؤلاء الثلاثي نموذجا عن حدود قصوى من إشكالية التنميط العرقي راح كل منهما يتبدد في خيوط وحشية من الاستبعاد والسقوط من تركيبة المجتمع السليمة. فذاك جمال يصطدم بحكاية عشقه بمحبوبته سارة ذات البشرة البيضاء، ولكنه كالعادة يصطدم بذلك التابو العرقي الذي جعل منه مجرد صبغة سوداء ذات مساحات كبيرة من اللاجدوى المتداعية بالفرار والهجران إلى موطن والدته أمريكا حيث الحدود العنصرية هناك تبدو أقل التباسا وإشكالية في الوصل والمواصلة والمماثلة والتمثيل. وهكذا تسجل رواية (لأني أسود) أعلى العلامات السردية الاستبعادية الحاضرة في الذاكرة القرائية الروائية التي تستدر لذاتها العديد من المعاني والمشخصات الإضافية في النوع الإبداعي الروائي.

***

حيدر عبد الرضا

في رواية "أوديسيوس المشرقي"  للكاتب بولص آدم

 يستعين الاديب الروائي (بولص آدم) بروح الفن البصري أو الفن التشكيلي، ليربطه بالرموز الأسطورية، لكي ينطق الحاضر في السرد الروائي، وهي محاولة مبتكرة غير تقليدية في الفن الروائي، في التناص والانزياح، في رحلة الرسم من أجل البحث عن عشبة الخلود، من أجل اعادة صياغة مدينته المحطمة الموصل (نينوى) بالفن البصري من خلال احيائها بالفرشاة والألوان المائية، وهذا ما سعى اليه الرسام العراقي المغترب (أوديسيوس)، عند عودة وجد كل شيء محطم ومهدم، الإنسان. البيوت. المعابد. الكنائس والمآذن، سعى لإيجاد مخرج لهذا الخراب، بمحاولة صياغة الحياة والمدينة مجدداً، أو انبعاثها من رمادها، كالطائر المحترق تنبعث له الحياة من رماده. نحن بصدد اهمية الفن البصري، في رسم مدينة الموصل (نينوى) من خلال اللوحة والألوان، يعطيها متنفساً للحياة والخلود، وهو يعبر عن صرخة احتجاجه ضد الخراب العام الذي اجتاح مدينته، لذا فإن السرد الروائي، يستخدم في درامية الحوارات والجدل، والصراع بين الضمير المتكلم والضمير المخاطب، في لغة مشوقة ومرهفة، تدعو الى التمعن والتفكير، في الدلالات الرمزية البليغة في المغزى والايحاء، في استغلال الاسطورة والتاريخ، وروائع الفن التشكيلي من خلال رموزه البارزين، وهو يربط الأدب والفن البصري ومزجهما في بوتقة واحدة، في ملاحقة الحاضر وتسليط الضوء عليه، لكي يؤكد بأن الفن الجمالي في اللوحات التشكيلية، ليس ديكوراً فارغ المحتوى والمضمون، بل انها تحمل رؤية فكرية وفلسفية على أحداث حاضرنا، الذي اجتاحها الخراب، الذي حول الموصل مدينة النور والجمال الى خراب وأطفئ النور، وهو بهذا الصدد يفتح نافذتين على العالم، الذاكرة وإحياء الحياة من جديد، محاولة اعادة الزمن من خلال بعث الروح، حينما يمسك الفرشاة، كأنه يعيد ذاكرة المدينة، ويعيد أحلام الطفولة التي سرقت، والطرق التي تهدمت، بصياغة ترميمها بالالوان المائية، ويضع في كل لوحة زهرة، تحمل روح انبعاث والمقاومة، والإصرار على بناء ما تهدم، ومن خلال رسم اللوحة، هو الخروج من العتمة الى منطقة النور، هكذا فعل الرسام العراقي، الذي تقمص اسم (اوديسيوس) الاغريقي، الذي تغرب عن مدينته (ايثاكا) عشرين عاماً (عشرة اعوام في حرب الطروادة، والعشرة الاخرى صراعه مع أله البحر (بيسودونس) الذي منعه من ان يصل الى مدينته، الى حبيبته (بينولوبي)، وخاض مغامرة في رحلة بحرية طويلة، من اجل البحث عن عشبة الخلود في الوصول الى مدينته، هكذا فعل الرسام العراقي المغترب، أو اوديسيوس المشرقي (أوديسيوس هو ابن الجبال، ابن القرية تهجع كطفلٍ تحت عباءة الاديرة، لم تكن الطائرات مجرد ظلال في السماء، كانت في طفولته كوابيس تأتي بالنار، العام 1961، انشق الزمن، ومنذها عاش مهاجراً في وطنه، يغترب وهو في الداخل، حتى اضطر للرحيل الاخير الى بخديدا، ليس هرباً، بل تحولاً جسدياً، أما الروح فقد بقيت في المنعطفات الاولى من اللوحة، ترصد. وتحن، وتصر على الغناء) ص55. يحاول ان يكرس جهده في الفن التشكيلي في خدمة مدينته في رسم اللوحات (أرسم عقارب هاربة، أرسم وجوهاً لا تملك وقتاً لتبكي، واجساداً لا ظل لها في الضوء الرقمي، في هذا الزمن، لا أحد يموت موتاً حقيقياً، نُدفن داخل بيانات، تغمرنا الشاشات. نختفي، ونبقى مرئيين، الزمن عندي.. كائن مريض، يعاني من سعال فلسفي يمشي الى الخلف حافياً).

 - الدلالة من استخدام الرموز الأسطورية:

1 - الطائر المحترق الذي يولد من رماده (أنا الطائر الذي لم يرسم، كي يعجب به أحد، أنا الطائر الذي احترق، واترك لحناً لم يسمعه أحد، أنا الموصل حين صارت صوتاً بلا جسد، أنا الانسان حين يُقتل لأنه كان يغني) ص9. حيث احترقت في نينوى، البيوت، المعابد.الكنائس والمآذن، احترقت الحياة وأصبح كل شيء رماد، لذا يحاول ترميم الحياة من خلال الرسوم.

2 - الرسام العراقي اوديسيوس، ذكرته أعلاه، ليس هو من رحلة بحرية الطويلة، بل بحثاً عن عشبة الخلود الى مدينته. من خلال لوحات الرسم

3 - جلجامش في رحلته الطويلة، التي عانى بها الاهول، بحثاً عن عشبة الخلود لنفسه،

4 - الشاعرة السومرية، التي تغني في معبد (إنانا)، لتعيد رونقة الحياة بالغناء، تعيد ترميم الأرواح، وهي تقاوم الزمن، من اجل الوصول الى عشبة الخلود، خلود مدينتها ومعبد (إنانا). لذا فأن الرسام العراقي (اوديسيوس المشرقي) يستلهم هذه الرموز الاسطورية، وكذلك يستلهم رواد الفن الحديث. من بيكاسو الى الرسام الإيطالي مايكل أنجلو، الذي اعاد الحياة الى الكنيسة القديمة، في رسم جدرانها الداخلية، ليبعث فيها الحياة والخلود، وهذا يؤكد على اهمية الفن في ترميم الارواح، وبعث الحياة من جديد، بالفن لا يموت اي شيء، بل يبقى خالداً وحياً، وهذا ما يفعله الرسام العراقي الى مدينته الموصل (نينوى )، ويضع في كل لوحة زهرة، وهي تدل على الجمال والروح والحياة النابضة والمقاومة (لا أريد رسماً جميلاً، أريد رسماً صادقاً بما يكفي ليكمل صلاتي، هذه الزهرة ليست زخرفة، أنها جرح مفتوح بلون دافئ، احياناً تهمس لي اللوحة.... اكسرني كي اتكلم) ص36. يتقمص مقولة سقراط: تكلم حتى اعرفك. لذا يعتبر كل لوحة، تفتح باباً للحياة، وتكسر الحصار في شقوق الخراب، يرسم في محاولة انبعاث الأرواح التي أهملها الزمن، بالرسم يعيد سكة الحياة الى مسارها من شقوق الزمن ( ان تستمر اليد بالرسم، حتى حين لا ترى العين الطريق، تبقى المدينة التي ترسمنا، أجمل، وأصدق من كل الخرائط، هذا الطير العازف في لوحة اوديسيوس المشرقي، ليس رمزاً فقط، بل هو، نينوى، وقد تعلمت الغناء من فوضى الحرب، والعزف من حطام الذاكرة، والتحليق من جدار الحالمون) ص156.

 بهذه الرونقة الابداعية يربط الفن بالادب، ليعبر عن مشروع بالغ الأهمية، أنه يسعى الى عشبة الخلود الى نينوى، مدينة الانبياء والحضارة والتاريخ.

***

جمعة عبد الله

لا نعرف لماذا لا يحب أمبرتو إيكو كرة القدم؟.. هل حقيق به أن لا يحب كرة القدم لأن كرة القدم لاتحبه، هي الأخرى، البتة؟ أم أن طفولته تختلف، جذريا، عن طفولة غيره من الأطفال؟.. لنتأمل المشهد الأول من الحكاية.

عندما كان أمبرتو إيكو طفلا، كان ينتمي إلى ذلك الصنف من الأطفال واليافعين الذين لا يحذقون مهارة اللعب بكرة القدم. لم تكن قدماه تطاوعانه على القيام بالحركات الملائمة لفن اللعبة. لذلك كان أترابه من الأطفال يتحاشون المناداة عليه لخوض المقابلات التي يجرونها في الملاعب. كانوا يغضون الطرف عنه. فبالأحرى السماح له بالانضمام إلى مجموعتهم الكروية خشية أن تلحق بهم هزيمة نكراء، وخوفا من أن يتجرعوا خسارة فادحة تحول فرحهم إلى تعاسة، وسعادتهم إلى مهزلة يتندر بها الأنصار قبل الخصوم. فأمبرتو، الطفل، بمجرد لمسه للكرة، في أول احتكاك بها، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، يرمي بها، بكل عفوية، في شبكة فريقه بدل رميها في شبكة الخصم. وفي أحسن الأحوال، يقدمها هدية سخية للفريق المنافس. وكأنه لا يفرق بين الأضداد والجبر والمقابلة أو بين الدال والمدلول في دلالة اللعب بالكرة. هذا، إذا لم يطرح الكرة خارج الملعب، أو بعيدا عن الحواجز والسياجات، وفي الأقبية والأودية والجداول. بل، حدث، مرات عديدة، أن استقرت الكرة في محل لبيع المثلجات، التي كان يتلذذ بطعمها وتستهويه جاذبية حلاوتها القوية، عوض استقرارها في المرمى. إلى درجة، انتاب فيها الشك أصدقاءه، وبدؤوا يتساءلون مع أنفسهم عن طبيعة طويته وما إذا كان يفعل ذلك عن قصد أم عن جهل صريح بأبجدية كرة القدم. كان يحصل ذلك أمام أنظار عيون الجميع. ولشدة اندهاشهم من غرابة ما يقع، وتكرار ذلك مرارا، وبعد نفاد صبرهم، قرر زملاؤه، في النهاية، الاستغناء عنه والإحجام عن دعوته للمشاركة في الدوريات التي تعودوا تنظيمها بما وسعهم من تفان في العمل، وبما يتحلون به من عزيمة راسخة.

-2-

المشهد الثاني من الحكاية يرد على لسان شاهد عيان، قائلا:

كنا أطفالا، في صورة يافعين وشباب، نجوب أحياء الدار البيضاء ودروبها طولا وعرضا. لا يستقر لنا حال. لا نهاب أيا كان من الإنس والجن. لا يقدر أي شخص على معاندتنا أو يقف في وجهنا أو يعترض سبيلنا. كما لا يثنينا، عن اللعب، فصل الشتاء وبرده القارس ومطره الغزير، وفصل الصيف وجوه الخانق وشمسه الحارقة المشتعلة في كبد السماء. لا تأخذنا سنة ولا نوم في الليل والنهار. مع ما نرتديه من أسمال بسيطة بالكاد تغطي جسدنا، وما ننتعله في أرجلنا من أحذية مهترئة أو من صندلة الميكة، محلية أو أعجمية.

نحث السير، مشيا أو ركضا، برؤوس حليقة إلى درجة الصفر في الحلاقة، أو صلعاء، أو بشعر منسدل، أو محفوف ومقصوص. لا نتكسر في مشيتنا. لا ننحني. الرأس مرفوع دوما. القامة منتصبة. مكتوب على جبهتنا الأمل ولا شيء غير الأمل. من يدري فقد نكون من أتباع أرانتيس وليس من أتباع أنتيستينيس .ندندن. نغني. نحكي. نضحك. نضحك ملء أفواهنا إلى أن تسمع أصوات ضلوعنا. لانصمت أبدا. الصمت في عرفنا مرادف للموت، والكلام مساو للحياة. نحيا بالكلام ونموت بالصمت. نحج من درب إلى درب، ومن زنقة إلى زنقة، ومن بلوك إلى بلوك، ومن حي إلى حي، جماعات وزرافات. نشكل، نحن أولاد الدرب، ومن يناصرنا من الدروب الأخرى، كتلة بشرية واحدة، متراصة الصفوف، متضامنة الأفعال، متناغمة الأقوال، متشابهة الأهواء. تسمع نبضات حركاتنا من مكان بعيد. وقد تصل ذبذبات دويها قبل أن نصل نحن. صدى إيقاعنا يسبقنا. ريحنا دالة بالسيمياء علينا. ظلنا يسامت آدميتنا أينما رحل بنا قدرنا وحل بنا مصير أقدامنا ولو سرنا في الطريق بالظن. عقدتنا منحقة. لا تستطيع قوة غاشمة تهديد كيان وحدتنا جورا، أو الزعم بتفريق حبات عقدها وانحلالها، أو تجهل علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا. مهما أوتيت هذه القوة المغيرة من سلطة وبأس. لا يعترينا الوهن والخلع قطعا. فنحن كأسنان المشط نمضي، وكالبناء المرصوص نقاوم. نكاد نخيف ولا نخاف. إذا اشتكى منا عضو أو شعر بألم، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. يصغي إليه الجميع ويهبون لعيادته، ويسرعون الخطو إلى نجدته. نتقاسم، فيما بيننا، قليل الزاد وكثيره في السراء والضراء. في الحر والقر . قال قائل: "من كان مستبدئا النطق في أبجد أولاد القرة (ثابت بن قرة) فأبتث ابن امسيك الحرة فشهادة مدرسة المقبرة الغرة فكوليج المزرعة الثرة، لا إخالك يخشى أن يخبو فيه نور علم العلم بالمرة." وأضاف: " الليف ما ينقط. الب نقطة من التحت. الت جوج نقط من الفوق...". بعضنا ظهيرا لبعض. شيعاء لبعضنا. لا فضل لفرد على فرد إلا بنسبة الذكاء وملكة البديهة وطبيعة الموهبة والاستطاعة البدنية. وإن كان الجميع أذكياء بالفطرة. وتلك مسلمة من مسلمات حقيقة واقعنا التي لا تشوبها شائبة ولا تتلبس بها ظنة.

في بعض الأحيان، يستعصي على فهمنا لماذا ترتعد فرائص من يبصرنا ونحن نسلك الأزقة والدروب ونتملى الأحياء والضواحي بكيفية مهيبة. هل لأننا نحاكي، عن غير قصد، أسراب الجراد، والطيور المهاجرة، وسربة الخيول؟ أم التبست عليه الصورة وخلط بيننا وبين جنسنا وعصبة الفتوات التي كانت ظاهرة رائجة في معظم أحياء الدار البيضاء، وفي أقطار عربية كمصر، حيث ألفت فيها كتب وأنتجت أفلام سينمائية؟

ينتابنا الشك في ذلك. فنحن لا نستفرد بحمى معين. ولا ندعي ما ليس فينا ويوجد في غيرنا. ولا نتباهى بامتلاك قوة جسمانية خارقة تفوق قدراتنا الطبيعية. وإن كان نفر منا يميل إلى ذلك. ولا فائض قيمة لنا في بورصة الزعامة. ولم تنسج في شأننا حكايات شعبية وأساطير خرافية كجر عربة بمطي حملها وحمارها بأسنان الفك. ولم تحرر رسائل محققة ومنقحة للنظر في أمرنا كرسالة الصاهل والشاحج. بالضرورة أو الرجحان. بالرحمة أو الشفقة.

النظام، والترتيب، والانضباط، والطلقة الواحدة مع الصيحة الواحدة في الزمن الواحد المحدد. تلك مبادىء يسيرة من شيم الخلق يتمثلها في الظاهر والباطن، يتحلى بها في السر والعلن، صبحا وعشية. ومن حاد عنها وسها، أو زاغ عن سكتها، أمسى ملفوظا ومعزولا. ويبقى طفلا شقيا كما تطلق عليه الأمهات والجدات. من دون أن يتماهى مع معنى الشاعر الذي تحامته عشيرته وأفرد إفراد البعير المعبد. وهل هناك من بعير في الدار البيضاء حتى يصير معبدا؟ لهذا، يتعجب لأمرنا من يعلم أننا قطعنا المسافة الفاصلة بين ابن امسيك وعين الدياب سيرا على الأقدام للسباحة والتخييم واللعب.

حاشية:

باللهجة المتداولة على الألسن نقول: " نمشوا كعبة"، " نمشوا فطحة". وفي المعجم: أكعب الرجل: أسرع في مشيته. ولما كنا جماعة، فالشيء يتلو بعضه بعضا إذا انطلق ولم يلتفت إلى شيء، أو لا يبالي ما وراءه. وقدم فطحاء: معرضة، مستوية، منبسطة، حادة، مهيأة للسير والركض.

فقلة ذات اليد لا تعادلها، في سلم القيم التي نتبناها ونهتدي بنور

سراجها، إلا قيمة الأنفة والكرامة والشهامة وعزة النفس. فعزة النفس موضوعة على عتبة أرنبة الأنف، كما يشير إلى ذلك المثل السائر، أو كما قال الشاعر:

فاطلب العز في لظى وذر الذ = ل ولو كان في جنان الخلود

وقد يندهش المرء عندما ينتهي إلى سمعه أننا حجزنا تذكرة في حافلة (طوبيس) السلك (الكات باري) من عين الشق إلى مركز المدينة، بعد استيفاء حقنا من الألعاب بالميزان والطيارة والزعلولة، لمشاهدة عرض مسرحي في " المسرح البلدي" أو فيلم من الأفلام المعروضة في القاعات السينمائية التي كانت تعج بها مدينة الدارالبيضاء وتؤثث أحياءها المختلفة كما تنتشر فيها المقاهي والمحلبات في هذا العهد. فآنذاك، بين سينما وسينما، سينما؛ واليوم، بين مقهى ومقهى، مقهى؛ وبين محلبة ومحلبة، محلبة. وأدهى من ذلك وأمر، كل مكتبة صارت محلبة. كما استبدلت سينما فوكس بشرائح تاكوس. وكأن البشر مضروب على كرشه. وبطونه خاوية على عروشها. وطعامه وشرابه تسنه إلى الأبد.

حاشية:

أقبرت ذكرى فيلم كازابلانكا وذهبت أدراج الرياح مع هدم قاعة سينما فوكس. الفيلم الذي يعد من الأنطولوجيات. وقد تساءل صاحب المرأة والوردة : من أين يأتي سحر كازابلانكا؟ وأين تكمن جاذبيته؟ بعد أن حلل الأنماط الأصلية والمستنسخات والموضوعات المتضمنة في الفيلم كموضوعة.

الحب الشقي، والعبد والسيد، والحضارة مقابل البربرية. مع الحض على قيم الطهرانية والتضحية. ويظل محل ريك فضاء مثاليا للحب، والموت، والمطاردة، والتجسس، والوطنية.

ومن وجهة نظر تاريخية، هناك من يربط الفيلم بعملية الشعلة ومؤتمر الدار البيضاء خلال الحرب العالمية الثانية. مع الإشادة بأدوار الممثلين، وبصفة خاصة، برغمان وبوغارت.

وفي المراوحة بين أحوال الأزمنة في قسوتها ولينها، تظهر لنا ساحة السراغنة مكانا طيبا للعب البيار والفلبير والاستماع لأسطوانات الأغاني الراقية، شرقية وغربية، من تلك الآلة العجيبة التي ننفحها نقودا زهيدة فتهدينا أغنية أثيلة. وفي طلعة زقاق الحي نتذكر الحريري وبا حسن وألبستهما الرياضية مع " أولاد حارتنا". وزنقة القاهرة واحتفالات رأس السنة. ورسائل الجاحظ إلى كريت، وشارع السويس والحرب على مصر، والفداء ومقاومة الدار البيضاء ضد الاستعمار، ومجزرة ساليغان في ابن امسيك ودرب السلطان. والقريعة وملابس البال التي على البال. كما ترجع بنا الذاكرة إلى تونيات اشطيبة التي تكشف في أول تصبينة، فيتغير لونها ويمتقع ويضيق قياسها. فعند ارتدائها يعتلي "اللباس" فوق السرة بكثير ويصبح شبيها بصدريات النساء. كنا نقابل هذا الوضع بالتفكه والتندر وبالضحك من بعضنا والشد في تلابيب بعضنا الآخر. فهذه التونيات، التي لا تصلح أن تسمى "ألبسة"، من وجهة نظر بائعها، مخصصة ل " حرافيش" الدرب دون غيرهم. ومن وجهة نظرنا، اشتريناها من التعاضد التضامني بيننا ومن جمع الكويحة وبيعها سنتا سنتا وفلسا فلسا. ويسري الحكم ذاته على الخيام ذات العماد التي كنا نكتريها من القريعة للتخييم في عين الدياب. نتسلمها خضراء اللون ونرجعها باللون الذي بصمته عليها شمس البحر وحرارتها الشديدة. فلا يتعرف صاحب الخيمة على خيمته. ولا نحن نشك في أصالتها ومدى مقاومتها للحر وآثار البحر. ولماذا مسخ لونها كما مسخ لون تونيات اشطيبة؟ هل هي الخيمة الأصل أم الخيمة النسخة؟ من يقنع من؟ من يجادل من في مسألة الناسخ والمنسوخ؟. وهذه الساحة نفسها هي التي ستشهد خبر إعلان نتائج البكالوريا بوساطة بائع الصحف الذي يتحلق حوله الجميع ويلتف لمعرفة مصيرهم أو مصير ذويهم وأقربائهم في الامتحان. وإن اقتضى ذلك سهر الليل كله. أيام كانت تنطبق على المترشحين لنيل شهادة البكالوريا مقولة: عند الامتحان يعز المرء أو يهان. تنطبق عليهم بحذافيرها وحرفيا بكل معانيها جملة وتفصيلا. وتبعد عن فئة منهم شبح تلك الصورة المقيتة والمرعبة وهي أن يكون كل واحد منهم حيوانا مربوطا ومجرورا إلى عربة يذهبون به أنى شاؤوا ومتى شاؤوا وبأي كيفية شاؤوا. وتلك الوسيلة الوحيدة التي تمنع الألم أن يتسرب إلى الجسم ولو كان تحت عنوان: أزهار الألم.

حاشية:

كان الكلب لويز، بالأبيض والأسود، حصنا منيعا في الدفاع عن حوزة المنزل. وصديقا وفيا في الطريق إلى المدرسة ورفيقا، بفراسة حدسه يميز من يضمر الشر ومن يبشر بالخير من بني البشر. غادر الأهل مكرها حين أذنت ساعة الرحيل عن الربع وانطمس منه كل أثر كما انطمست أطلال الديار الدارسة أبد الدهر.

وإذا لم يسعفنا الوقت، وليس العبارة، واشتد بنا الضيق وقسا، نتطلع إلى مارشي كريو (سوق الجملة) في بلفدير، عند توجهنا إلى السباحة في " الفصة"(تصغير الفوسفاط)، غير بعيد عن المرسى، لقضاء ما نستطيع من الفواكه، كيفما اتفق، وبهذه الطريقة أو تلك، ونيمم وجهنا صوب البحر. وكأننا نتأوى إلى محاضرنا. قبل أن يتطوع أحد أعضاء المجموعة الأشداء لجلب مؤونة إضافية تحتوي على ما لذ وطاب من طعام وشراب بعد نجاح مغامرته في اجتياز الصخور الضخمة والأسلاك الشائكة. نستمرىء ما جاد به علينا ونستطيبه. فقرى البدن علة قرى الروح. من دون أن ننسى نصيبنا من تلك السنيدة الداكنة التي نجمع فتاتها من سطح العربات المنصوبة على السكك الحديدية التي تستعمل آلة لحمل الحاويات.

حاشية:

من بين الأسئلة التي تستبد بالأذهان: لماذا هذه السياجات من الأسوار، والأسلاك، والأحجار، التي تحول دون عين الإنسان والاستمتاع بمنظر البحر، وتحجب، بشدة، مشاهدة حركة السفن وهي ترسو في الميناء؟ هل شيد الميناء، في الأصل، مسرحا أم مسيجا؟ منبسطا أم متقبضا؟

نفعل الشيء ذاته عندما تقذفنا خطواتنا في بحر عوكاشة رجلا برجل في قعر يمة أكثر صخرا وطميا مثل بني يم. وفي عوينة الصابون بين طريق مديونة والقريعة والعومان في ماء نبعها الصافي الذي نتمثله عذبا رقراقا قبل تمثلنا لمياه نهر أبي رقراق من رباط الفتح وما يسمى في حوليات عجم اللاتين قراصنة سلا. أو حين يستغرق يومنا، على بكرتنا، شاطىء بيبسي الفسيح المتاخم لمسبح الرمال الذهبية في قطعة قلادة سلسلة المسابح الممتدة على ساحل عين الدياب ومنار العنق إلى المسبح البلدي، وهواية القفز من عل. مسابح نراها فقط وهي لا ترانا قط. فنشتط في مياه البحر ورماله شططا:

لا رمال الشط إن راح يناديها تجيب

وتلك أمارة الحال أثرا ودرجة. إلى أن يعصب الأفق فنرجع إلى أوكارنا كما طمت به همتنا.

-3-

أين موقع كرة القدم في المشهد الثالث من حبكة الحكاية؟

كان مفهوم الخلاء مفهوما شائعا وواقعا ملموسا في الخارطة الحضرية لأحياء مدينة الدار البيضاء. فأينما ولى المرء وجهه إلا ويعثر على أرض عارية أو تصادفه أرض ميتة قابلة لأن تتحول، بمعاول المتطوعين الشباب، إلى ما يشبه الملعب بعد زرع الروح وإذكاء الحياة فيها. فكان عدد الملاعب، بعدد تلك الأراضي، لا يكاد يعد ويحصى. ومن ثم، اكتسبت هذه الملاعب – التي تسمى ملاعب الأحياء- تاريخا عظيما وشهرة كبيرة لأنها كانت فضاء لاحتضان شباب الحي ومجالا يصرفون فيه وقتهم للترييض والتمرين والتدريب، وتنظيم العصب والدوريات، وإجراء المقابلات بين فرق الحي الواحد وبينهم وبين فرق الأحياء الأخرى.

وإذا كان من العسير تقديم جرد شاف وإحصاء واف بأسماء هذه الملاعب في تضاعيف الحيز القصير لمشاهد هذه الرواية الأولية، والتي كانت مشتلا لتخريج المواهب وصقلها، فإن التمثيل بعينة مختصرة منها يعطي، في تقديرنا، صورة دالة للذين لم تسمح لهم شروط الحياة وظروفها بالتعرف إلى هذه الملاعب أو لم يعيشوا في تلك الحقبة من التاريخ الاجتماعي للدار البيضاء. فهي لائحة، وإن بدت محدودة، مطروحة للتأمل والاستئناس، وعلامة شرعية، بأبعاد متعددة، على جيل من الشباب شق طريقه في الحياة بنفسه، بكل إرادة وعزم، وبرز في الغايات تبريزا، وانعتق من إسار العتمة إلى إشراق النور، وخلق من لاشيء شيئا، وجعل من العدم وجودا، ومن السماء غطاء، ومن الأرض فراشا وملعبا، ومن العصامية مذهبا، ومن تمازج الثقافة الرياضية، والثقافة الشعبية، والثقافة العالمة وتفاوضها التعاوني مثالا. وتعلم دروسا من الحياة أفادته في الحياة. وعاش في علاقة مباشرة وحميمة مع العالم الطبيعي–الفيزيائي. إلى أن أضحى، فيما بعد، منارة مضيئة تقتدي الهداة بنورها، ونجما وهاجا يشع ضوؤه في أرجاء الليل البهيم. فطرد، شر طردة، شبح تلك الصورة القاتمة من الأذهان والألفاظ والكتابة والأعيان.

حاشية:

فاسأل نفسك: " أعصاميا أنت أم عظاميا"، " أظاعنا أنت أم مقيما" وانثر شعرك على سواد الخلق منشدا: نفس عصام لم تسود عصاما.

علمته الكر والإقداما. صيرته ملكا على القوم هماما.

فابن امسيك، على سبيل المثال، كان يمتد على رقعة مساحة شاسعة، مترامية الأطراف، متعددة الأجزاء، من حدود درب الكبير- حيث توجد عرصة ولد امسيك- مرورا بحي الفرح، ودرب ميلان، والكريان، وصولا إلى تراب قرية الجماعة. فكان يتسم هذا الإقليم من الجغرافيا بكثافة سكانية شديدة، وبتركيبة متنوعة ومتراتبة من الفئات والطبقات الاجتماعية، وبفسيفساء من المباني المعمارية. فكان، من حيث الشكل والمادة، علامة بينة على ما يسميه ابن خلدون العمران البشري. لذا، فمن الطبيعي أن يشهد وفرة في ملاعب الأحياء بحكم كثرة أنواع الأراضي المذكورة سالفا، من جهة، والعدد الكبير لليد العاملة من شباب الحي، من جهة أخرى. كملعب القريعة، وملعب الإذاعة (إذاعة عين الشق)، وملعب مبروكة، وملعب المقاطعة، وملعب الفوسفاط، وملعب اغبيلة (المقبرة التي غلقت أبوابها على قبور موتاها)، الذي حمل اسم با محمد، وملعب كانطاريل، وملعب القورع، وملعب السلك، وملعب الحفرة - تيران لاجونيس - الذي كان تابعا لوزارة الشبيبة والرياضة، بالقرب من دار الشباب ابن امسيك والنادي النسوي والحانوت الفريد الذي كان يبيع "حجرة" الراديو التي تشبه بطارية السيارة، صورة ووزنا.

وإذا اقتصرنا في الحديث المجمل والوجيز من القول على ملعب القريعة وملعب اغبيلة (با محمد، الذي حافظ الرعيل الأول من الشباب، بطريقته الخاصة، على بقعته الأرضية حتى لا تلتهمها مدمرات البناء بو- تمكين في ذلك الزمن المبين)، على أن نعود إلى التفاصيل والجزئيات في مناسبة أخرى، فإنهما كانا مسرحا حيا وديناميا لمباريات عديدة، حامية الوطيس، ودية أو في شكل عصبة أو دوري الكأس، بين فرق الأحياء الشهيرة: الحسنية، موناكو، أجاكس...وفي بعض الأحيان تنقل المباريات إلى ملعب لاجونيس – الحفرة - مع فرق أخرى كمجد سيدي عثمان، بإشراف القيم عليه وحارسه الأمين السيد حمان الذي كان يعتني بالملعب اعتناء كبيرا من حيث رسم الخطوط الهندسية للأرضية المتربة ونظافة المرافق ومكوناتها وإن ظهرت بسيطة وتهييء الكرات والملابس لغوث الفرق وإعانتها. بالإضافة إلى المشاركة، بين الفينة والأخرى، في إحدى المباريات الجارية على أرض الملعب وتحكيم أخرى. تشد ساعده في هذا العمل النبيل ابنته ربيعة الوفية التي كانت على استعداد دائما لإحضار الكرة عندما تتجاوز السور وتقع في وسط إحدى البراريك القصديرية المحيطة ببيئة الملعب. وكان يتردد على هذا الملعب-المعلمة لاعبون كبار من طينة: زهيد، وعمر كوميرا، والعربي شباك، الذي كان يفضل اللعب بالحذاء الرياضي (سبرديلة). وعند استحضار كريان ابن امسيك، نستحضر أكبر كريان في مدينة الدار البيضاء على الإطلاق، إن لم يكن في المغرب كله. وإذا كان مظهره يبدو متواضعا، فإن جوهره كان معينا لا ينضب من الطاقات الحية. فقد كان منجما لليد العاملة وخزانا للقوى اليقظة من النساء والرجال. ولمع في وسطه شبان وشابات في جميع مجالات الحياة. وكانت دار الشباب ابن امسيك ودار الشباب قرية الجماعة من المؤسسات التي تشهد نشاطا ثقافيا وفنيا ورياضيا زاخرا، وتعرف إشعاعا لا مثيل له في هذه المنطقة الحيوية الموسومة بدينامية كتلتها السكانية. يتعزز هذا المشهد الثقافي العام بالإقبال الكبير على مشاهدة الأفلام التي كانت تعرضها القاعات السينمائية المؤطرة لفضاءات التربيع والتدوير في الحي، بالمعنى الواسع، كسينما العثمانية، والسينما المدنية، والسينما الحسنية، وسينما الصحراء، وفيلم الجبابرة(العمالقة)، وفيلم المصارعون العشرة، وفيلم القطار، وفيلم تاراس بولبا من بطولة توني كيرتيس ويول برينير، وقصته المستوحاة من رواية الكاتب نيكولاس غوغول، وفيلم أبي فوق الشجرة من بطولة عبد الحليم حافظ ونادية لطفي وقصة إحسان عبد القدوس، وفيلم الحياة كفاح من بطولة عبد الوهاب الدكالي، إلى أن نصل إلى حديقة الألعاب الصغيرة والوحيدة، بين عين الشق والمنظر العام بمحاذاة البريد، التي تحتوي على بعض الألعاب أومأنا إلى أنواع منها سابقا. ويمكن أن تنفتح دائرة التباري، بهذا القدر أو ذاك، لتشمل ملاعب الشابو، والشومينو، وكوزيمار، وموبيل، والشيلي، والفداء...أو على فرق أخرى كالترجي والأهرام... أو تتشوف إلى محاولة الاندماج بين فريقين، كما حصل بين الحسنية ودفاع عين السبع، وإن لم يدم أمل هذا التشوف أمدا وتبدد مسعاه... مع العلم أن أرضية معظم هذه الملاعب لم تكن طيعة وسهلة لدحرجة الكرة بكل يسر، وإنما كانت أرضا متربة، صلبة، صلدة، صماء، من تراب الحمري أو من بياضة، يتحاشى اللاعب ويخشى السقوط عليها. بالإضافة إلى الكرة التي كانت من الجلد، ثقيلة، خشنة، وإذا خالطها الماء وشابها، تبدو أثقل ويزداد وزنها ويتضاعف، ومن أصابته تسديدة منها يكون، لا محالة، عرضة لخطر الموت.

وإذا حدث أن أصيب لاعب في الملعب إصابة ما، فإن مستوصف الحي (اسبيطار) كان الدواء فيه شحيحا ونادرا، والموارد البشرية من ممرضين وأطباء تعد على رؤوس الأصابع أو أقل من ذلك بكثير. فكما كانت البومادا (المرهم) الصفراء دواء لأمراض العيون في المدارس، كان الدوا لحمر والدوا لزرق علاجا لأنواع الجروح والأمراض الجلدية المختلفة. فهذا الطيف من الألوان: الأصفر والأحمر والأزرق هو الطيف الاستشفائي السائد في المستوصفات والمستشفيات العمومية بالإضافة إلى بعض الأدوية الأخرى القليلة. فكانت طائفة من الناس تقصد الرهيبات للعلاج، والأمهات والجدات يحملن إليهن أطفالهن. وكان شائعا بين هؤلاء القوم ما يتصف به الدواء عندهن من فعالية ونجاعة في الشفاء. فهن يهبن الدواء الذي يتشفى به الفرد ويبرأ ويتعافى إذا تعذر عليه البحث عن علاج في مكان آخر.

لذلك، ظلت هذه الجماعة من الشباب مطبوعة، في أقدامها وأجسادها، بآثار هذا الصنف من الملاعب، واللعب في الأزقة والشوارع والمدارات التي تسمح بذلك. موسومة بطابع هذه الأمكنة والفضاءات. كما يغمر الوشم جسد النساء المستوشمات. وإن لم يكن من نمط أشباه ونظائر طابع السلطات الفرنسية على أجسام المغاربة في قشلة جنكير قبل الذهاب إلى الكيرا في لاندو- شين وهوشي منه وحرب التحرير. فكل جسد من أجساد، هؤلاء الشباب، عليه علامة مشبعة، صورة ومحتوى، بهذه الآثار والندبات، وكأنهم أبطال الملاحم والأساطير الغابرة، وجسدهم شبيه بطرس اللوحة والكتابة الآسرة. وهم كذلك، بالفعل، كانوا يكتبون بأجسادهم قبل الرسم والمحو في لوحة الجامع بالقلم والصمغ والصلصال والكراك والكتابة بالريشة (ريشة العربية وريشة الفرنسية) والحبر(المداد) والمحبرة(الدواة) على مقعد الدراسة كما هو الحال في مدرسة ابن امسيك العامرة. ويجتهدون في إزالة بقعة (لطخة) المداد من على سطح الكناش (الدفتر) بالمنشفة الغامرة. كما يسعون، عند الاقتضاء، إلى تضميد الجروح في كل بقعة من أجسامهم بأي لون من ألوان الدواء الشهيرة. فصناعة الألعاب في كرة القدم كصناعة المداد في المدرسة الأم. فالعملان صنوان. وقد برع هذا الجيل من الشباب في الصناعتين معا ونبغ فيهما نبوغا مغربيا، وتفوق وتميز. فأعطى لرحلة حياته معنى، ولعلاقة البدن، والنفس، والعقل دلالة.

ومن التقاليد السائدة في تلك الفترة، تمثل أسماء فرق من قارات أخرى، في تجاور بلاغي – كنائي مع الأسماء المحلية، كريال مدريد، وبلنسية (فلانسيا)، وسانتوس، وبوكاجنيور، وبوتافوكو، وغيرها من أسماء الفرق التي ذاع صيتها خارج قارتها إما لتقدم نشاط كرة القدم في بلدانها وإما لشهرة وسمعة فريقها الوطني كالمنتخب البرازيلي، الذي كان منتخبا نموذجيا، يضم بين صفوفه لاعبين من العيار الثقيل، ومن الطراز الرفيع، كبيليه، وريفيلينو، وتوستاو، وجيرزينو، وكارلوس ألبرتو، وجيرسون، وكلود والدو...وغيرهم من العمالقة – الأساطير الذين لا يشق لهم غبار، وينحني لبيان فنهم الساحر كل غطريس جبار. يقودهم، بكل حنكة وحكمة، بيليه ( إدسون أرانتيس دو نسيمينتو) لاعب التاريخ الخرافي العظيم، عالم العلم وفنان الفن في كرة القدم، الذي لا تتكرر نسخة منه، على مدار العصور، مهما بلغت من شأو. ومن فرط عشق هذه الكوكبة من اللاعبين النوابغ الذين وهبوا ملكة تكليم الكرة تكليما يفوق الخيال، ويترجمون التشاكل الصوتي بين الهبة والموهبة إلى فعل كروي خارق للعادة، كانت زمرة من الشباب تعمل بجهد وكد على جمع صورهم واحدا واحدا وترتيبها في ألبوم إلى أن يكتمل لديها فريق بجميع عناصره ممهورا بتوقيع صاحبه. وقد جاور، هذه النجوم المتلألئة في آفاق كرة القدم، المغرب، بلاعبين من قيمة: علال، وقاسم السليماني، وحمان، وسعيد غاندي، والغزواني، والفيلالي، وبوجمعة، وباموس...

ولا يزال هذا الجيل من الشباب تراود مخيلته أحداث تلك المباراة التاريخية، وكأنها جرت بالأمس القريب، التي خاضها المغرب ضد ألمانيا الغربية في أول مجاز في قائمة مباريات كأس العالم في سبعينيات القرن الماضي في مكسيكو. كان الفريق الوطني فريقا مغمورا، وكان الفريق الألماني فريقا شهيرا، تشتمل تركيبته البشرية على لاعبين من المعدن النفيس: بيكنباور، ميلر، سيلير، سيب ماير...لم يكن جهاز التلفاز عاما في كل البيوتات. وخارطة المغرب الجغرافية كانت شبه مجهولة في تلك الأصقاع من الكرة الأرضية، على الرغم من أن ذرية المغرب كانت من الفاتحين الأوائل الذين وطئت أقدامهم ترابها. ويمتلكون رحالة عظيما هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن بطوطة، اللواتي الطنجي، أحاط بالممالك والمسالك القائمة وغرائب أمصارها إحاطة جواب آفاق. سار في الأرض وساح. فترك للعالم تحفة للنظار لطيفة لا يسعها إدراك عقل ولا يشطها طيف خيال. فالكرة، بهذا المعنى، تعريف.

-4-

في المشهد الرابع من الحكاية، ربط الحاضر بالماضي.

كان يرتاد تلك الملاعب، التي أتينا على ذكرها، جمهور غفير من المتفرجين الذين يعشقون كرة القدم ويهيمون بحبها ويفتنون بسحرها. ويتردد صدى صوتهم ويرن في الأذن وكأنه حدث البارحة : إيلياه...إيليا...إلياه..بيت .. بيت...عند تسجيل كل هدف. وإن كان جمهورا لا يوازي، بطبيعة الحال، ولا يضاهي الجمهور العريض لفريق من نمط ريال مدريد العريق وهو يساند ويحتفل بتحقيق فريقه بطولة الدوري الإسباني والبطولة الأوربية والكأس الأوربية الممتازة (كأس السوبر الأوربية) وكأس القارات للأندية؛ أو جمهور الرجاء البيضاوي وأنصاره من المشجعين وقوة طاقتهم الخلاقة واستثمارها في إبداع أعمال فنية رائعة من تيفوات، وشعارات، وأقوال وخطابات، وألوية وأعلام. بخلفية ثقافية وحساسية جمالية لا تخطئها العين. بحيث أمست، هذه الأعمال الفنية المثيرة للإعجاب والدهشة، مادة قابلة للبحث، وموضوعا لاختبار مناهج تستمد جهاز مفاهيمها من حقل نظريات مخصوصة. فالفرضية التي تطفو على سطح هذه الأعمال، لأول وهلة، هي أن نسق الدلائل أشكاله متعددة وصور إحالاته مختلفة وموضوعاته متداخلة. أي هناك إشكال على صعيد التنضيد بين المحايثة والتمظهر. مما قد يفضي إلى إنتاج دلالة هجينة، بالمعنى الإيجابي للكلمة. وإن كان التدريج بين الكيفية، والعلاقة، والقانون؛ وبين التمثيل والتوليد، يظل واردا بقوة منطق الأشياء. ولكن قبل الجزم في مثل هذه الفرضيات، وإذا انزحنا قليلا، وفي إطار هذا التصور المنهجي، يمكن عرض بعض المقترحات النظرية، لقراءة هذا المتن، على النحو التالي:

+ تضمين مكونات اللون، الخط، الكتابة، اللغة المرسومة، الصوت، الصورة، الموجودات والظلال، في نسق بنيوي كلي

+ الاستناد إلى مبدأ المتصل والمتقطع في التركيب

+ التمفصل بين الشكل والمحتوى، والتعبير والجوهر

+ التقاطع بين الفضاء والزمن والتصميم في الصناعة

+ احتواء سنن التواصل المركب لسنن التواصل البسيط

+ افتراض القصدية الاقتضائية لتحيين القصدية المتجلية

+ استنباط الرؤية الفنية والجمالية من البنية الدالة لمجموع العمل

تصدق مقترحات هذه المقاربة ومستويات تحليلها على أعمال فنية من قبيل الغرفة 101، وتلك التي تستوحي حدود تقطيع الزمن والحركات في التأليف الموسيقي في قاموس اللغة الإيطالية.

وعطفا على إبداعات هذا الفريق، وفي السنة الجارية 2024، عمت فرحة الجمهور العارمة جميع أحياء الدار البيضاء ودروبها، الفسيحة والضيقة، كالتي أشرنا إليها، وغطت بإيقاع حناجرها ومقطعات أغانيها وفورة أهازيجها وتشكيل ألوانها المدن المغربية وربوع العالم، بعد إحراز الفريق ثنائية: لقب بطولة المغرب لكرة القدم والدرع الذهبي والتتويج بكأس العرش الفضية بقيادة المدرب الألماني جوزيف زينباور. فكان، في الحقيقة، موسما استثنائيا، بما في الكلمة من معنى، مطبوعا بسجل خال من الهزيمة، وموشوما، على الدوام، بالنصر المبين والحماس اليقين. أتى فيه، الفريق، على الأخضر باللون الأخضر على بساط العشب الأخضر تاركا اليابس للذين ينوون نزع ما في الصدور من غل وتغليب الروح الرياضية في كل نزال كروي على غرار بروتوكول الرجاء البيضاوي.

-5-

عود على بدء.

أولا، إذا كان أمبرتو إيكو لا يميل إلى كرة القدم، وتنفر منها جبلته، لذلك تحدث عنها بالكيفية التي أثبتنا مجمل أجزائها، في أثناء هذه الورقة، فإن رولان بارت في كتابه " أسطوريات" أهمل الكلام عليها كليا، ولم يدرجها في مدونة نصوصه التي اشتملت على نوعين من الرياضة فقط، هما: المصارعة وطواف فرنسا، الذي عده ملحمة. وهو ما يدعو، في نظرنا، إلى التفكير في هذا "الغياب" وذلك "الحضور" في كلا الخطابين. ونحن، في سياق هذا التأمل الابتدائي، استحضرنا " الخطاب" الأول وأجلنا استدعاء " الخطاب" الثاني والمقارنة بين الخطابين إلى لحظة للقراءة أخرى.

ثانيا، إن الشغف بكرة القدم لم يكن مرتبطا أبدا بغياب الغاية وإفشاء الغرور، وبإدراك الكائن باعتباره " ثقبا"، وبالفلسفات النافية، كما يعتقد السيد أمبرتو إيكو افتراء. بل على العكس من ذلك تماما، ارتبط بوضوح الفصول والغايات، وبكوجيتو الذات وشرفها في مقام السرد التاريخي، وبثبات الشخصية وأنماط تحولها، وبالكشف والحدس والاستبطان، وبفلسفة الجدل وفينومينولوجيا الروح، وبمعنى الحياة في أقصى تجلياتها.

إن الحكم الراجح في تعاليم رياضة كرة القدم هو الإيجاب وليس السلب، هو الإثبات وليس النفي، هو المحبة وليس المقت والارتياب. فكان أن استلهمت هذه التعاليم معارف الأخلاقيات، والطبيعيات، والرياضيات، والمنطقيات، وحساب الاحتمالات، والأسلوبيات، والجماليات، وتأويل الخطاب. وما يستجيب لفحواها. معارف يعلم بها صاحبنا جيدا ولا يجهلها، يستوعبها استيعابا لا يوصف ويقرها في أغلب مؤلفاته، لكنه يتغاضى عنها، وأكثر من ذلك، يزدريها ازدراء ويقدح في مقدماتها، وينظر إلى أشكال من خطاباتها المتمظهرة في الحقل الرياضي باعتبارها "ثرثرة رياضية " لا طائل يرجى من ورائها، مستثمرا بالتضمين تعريف م. هايدجر للفظ الثرثرة في مؤلفه الوجود والزمان بكونها " إمكان فهم كل شيء من دون إحاطة أولية بالشيء ". يفعل ذلك بعلة تحرير مقال تحت الطلب، كثير الطنطنة قليل الفائدة، محمول على أغاليط السفسطائيات، وتبكيت فروض السيميائيات بمؤول حرب العصابات. من أجل تمييز قبلي لا يجدي نفعا بين الرياضة والفرجة الرياضية، وإسقاط وقائع خارج اللعبة وليست من صميمها على اللعبة نفسها باسم تمفصل السلطة، ورفع السياق الجزئي على حساب السياق الكلي. بعد أن طاله الشك، في سن مبكرة، في كرة القدم، بالتوازي مع الشك في وجود خالق للكون، متوهما أن العالم مجرد خيال معدوم القصد. فدخل، يومئذ، في أزمة عقدية. يضاف إليها أزمة كروية. ولم يعد الأمر متصلا بتعليقات على اليومي و"تكليم" الوقائع والأحداث والإبلاغ عن الأشياء وفحص مسألة الخطابات التي تحجب الخطابات الأخرى، أو ما يسميه رولان بارت" الفطنة السيميولوجية"، بل تعداه إلى الشعور بحالة نفسانية قصوى من القلق والتوتر وانعدام الأمن والخوف من الخطأ والصواب في تسليم الجواب. وبعبارة أخرى، تحول إلى شخصية قلقة في إدراك تحشية كل مسألة مسألة في التماس الرسالة ومحاولة ترتيب نوع الفهم ووسم الحدس وإنتاج المعنى المتعلق بها ومدى تأثير ذلك على المتلقي.

فلم تجنح، مقاصد اللعبة، في يوم من الأيام، نحو القلق، والبغض، والتسفيه، والإخلال بقواعد السلوك، والضلالة التي تقود إلى العمى، وإقرار بؤس الكرة، لسبب بسيط، وهو أن ذلك يتضمن تشنيعا فظيعا بجوهر كرة القدم الذي لا يتعارض مع شرائع الكون ونواميس الطبيعة، من جهة، ويدخلنا، بقوة، في مظان الخطاب المزيف الذي يحجب حقيقة الأشياء وهو يدعي الكشف عنها، من جهة أخرى.

وعليه، فإن أنشطة الخلاء الرياضية تعد فيضا من صور المحبة المثلى المرسومة لتحقيق السعادة في العالم وتعميم الخير المشترك على بني آدم .

***

الطائع الحداوي

المقدمة: تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبة المشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلى إعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فردية معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني–جمعي أوسع، حيث تُستعاد الغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدو الوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشاد الشعري.

تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسية – بما تنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومرارات تاريخية – إلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرة الروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًا من يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أو الحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقين جاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربة ذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسار – الذي تمثّله مرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّس على الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.

وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرة الجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكرية والنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذه التجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لا كانتفاءٍ للمشروع.

انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» من خلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّل فيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعاد صياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارة الانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسار الذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال «اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًا داخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.

تـرتـيـلـة يـقـيـن

________

أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ

جَـلـيـسَ الـلا  أحَـدْ

//

يـا نـديـمَ  الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ ...

نـاطـورَ الأمـانـي ...

ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ

//

يـومـكَ المُـمْـتـدُّ  مِـنْ   مـذبـحـةِ  الأمـس ِ

إلى بُـسـتـان ِ غـدْ

//

دون  أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ

ونـامـوسَ  الـمـرايـا  :

خـيـمـة ٌ دون وتـدْ

//

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

//

مُـطـفـأ الـشـمـس ِ  ...

وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو  مـن رَمَـدْ

//

فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا  بـيـتـا ً وظِـلا ً

ومـدَدْ

//

ربَّ شـهْـدٍ   في الـهـوى

يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ ...

والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى

شَـهـدْ الـرَّغـدْ

//

أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ  الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ ...

الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ ...

الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :

كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً

وتـراتـيـلَ  يـقـيـن ٍ

بـعـدمـا كـنـتَ  كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ

***

عنوان القصيدة: «ترتيلة يقين»

يأتي عنوان القصيدة «ترتيلة اليقين» بوصفه بنية دلالية مكثَّفة تؤدي وظيفة المفتاح التأويلي للنص، إذ يجمع بين لفظتين تُنشئان علاقة إنتاج وتوليد، لا مجرد علاقة وصف خارجي.

أولًا، تحيل كلمة «ترتيلة» إلى فعل طقسي‑إنشادي يقوم على التدرّج والتمهّل والتكرار، أكثر مما يقوم على التصريح المباشر بالمعنى. فالترتيل، في بعده الثقافي، ليس مجرد لفظة ذات خلفية دينية، بل ممارسة لغوية وإيقاعية يمكن أن تنفتح على النشيد الجماعي والخطاب النضالي والبيان الشعري المبطَّن، بما يجعل من القول نفسه فعلًا لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة.

ثانيًا، لا يحضر «اليقين» في العنوان كحقيقة ناجزة أو عقيدة مغلقة، بل كحصيلة لمسار من التجربة والألم والانكسار. إنه يقين لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُنتَج من داخلها عبر فعل الترتيل ذاته؛ أي عبر المرور بالجرح والمنفى والخيبة وصولًا إلى نوع من التسالم الداخلي. بهذا المعنى يغدو اليقين في القصيدة يقينًا متحوّلًا، يتشكّل داخل اللغة والتجربة لا خارجَهما.

ثالثًا، يكشف التركيب الإضافي «ترتيلة يقين» عن علاقة سببية ضمنية: فاليقين هنا هو ما يُرتَّل، وما يتكوَّن عبر الترتيل، لا ما يُفترَض سلفًا. العنوان لا يقرّر يقينًا، بل يعلن منذ البدء أن النص حركةٌ ترتيلية في اتجاه يقينٍ يُصاغ ويُختبَر، لا نقطةُ وصولٍ مضمونة.

ومن الناحية النحوية، يتكوّن العنوان من مضاف ومضاف إليه: «ترتيلةُ» (مبتدأ أو اسم مرفوع في سياق العنوان) و«يقينٍ» مضاف إليه مجرور، وهو تركيب إضافي يُعمِّق الدلالة على أن موضوع الترتيل هو اليقين نفسه؛ أي يقين لا يُمتلك مباشرة، بل يُعاد إنتاجه عبر الإنشاد واللغة.

خلاصة:

يعمل عنوان «ترتيلة اليقين» بوصفه إعلانًا عن مسار لا عن حالة نهائية؛ فهو يربط بين الترتيل كفعل لغوي‑طقسي جماعي، وبين اليقين كأثر متحوّل ينجم عن إعادة تأويل التجربة داخل فضاء الشعر والذاكرة.

تحليل الابيات

تحليل مقطعي افتتاحية القصيدة:

النداء الافتتاحي وبناء صورة الذات المنفية

«أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا أحَدْ»

1. النداء ووظيفته التأسيسية

يفتتح الشاعر النص بنداءٍ مرتفع النبرة «أيُّها»، وهي صيغة استدعاء تُسند إلى المخاطَب مكانة تتجاوز حدود المخاطَب العابر، لتمنحه ملامح كيان رمزي يُستدعى ليشغل مركز الفضاء الشعري. بهذا المعنى، لا يعمل النداء وظيفة بلاغية شكلية فحسب، بل يؤدّي دورًا تأسيسيًا؛ إذ يعلن دخول شخصية محورية تحمل أبعادًا وجودية وجمعية، ويهيّئ المتلقي لقراءة القصيدة باعتبارها حوارًا مع حالة أو نموذج رمزي، لا مع فرد محدّد في سياق عرضي.

2. «الطاعن بالغربة والحزن» بين الدلالة والنفسية

يعيد الشاعر تشكيل تركيب مألوف هو «الطاعن في السنّ» بنقله من حقل الزمن البيولوجي إلى حقل التجربة الوجودية، فيصبح معيار التقدّم في العمر هو الغربة والحزن لا السنوات. هكذا تتحوّل الغربة من كونها ظرفًا مكانيًا إلى كينونة زمنية متراكمة؛ فهي خبرة طويلة تُراكِم الانفصال عن الوطن والآخرين حتى تصبح جزءًا من هوية المخاطَب. وبالمثل، لا يظهر الحزن كحالة انفعالية عابرة، بل كرسوب كثيف في الوجدان والذاكرة، يُثقِل الكائن بزمن عاطفي ممتد. النتيجة أن المخاطَب يُقدَّم كذات «مُسنّة» في ألمها واغترابها، ما يضفي على النص منذ البدء طابعًا تأمليًا وجوديًا.

3. «جليس اللا أحد» قراءة وجودية ولغوية

يقوم الشطر الثاني على مفارقة دقيقة: لفظة «جليس» تفترض حضور رفقةٍ وأُنس، غير أن المضاف إليه «اللا أحد» ينقض هذا الافتراض بتحويله إلى نفيٍ راديكالي للحضور الإنساني. لسنا أمام «وحيد» بمعناه المتعارف، بل أمام ذاتٍ تجلس في حضرة الفراغ، حيث يغدو العدم شريكًا صامتًا. بهذه الصياغة، تتحوّل العزلة من مجرّد نقص في العلاقات إلى علاقة حميمة مع الغياب نفسه، وتفتح عبارة «جليس اللا أحد» أفق قراءة وجودية تجعل من الوحدة نمطَ كينونةٍ لا مجرد حالة اجتماعية.

4. البعد التداولي والتمهيد السردي للمطلع

من منظور تداولي، يحدّد هذا المطلع أفق التلقّي منذ اللحظة الأولى؛ إذ يدعو القارئ إلى مواجهة ذاتٍ مشروخة، منفيّة على مستوى الوجود لا الجغرافيا فقط، ويضعه في موقع الشاهد على معاناتها. كما ينهض بدور تمهيدي لمسارٍ تحويلي سيتخذه النص لاحقًا: فما يُقدَّم هنا ليس حالة منجزة بل نقطة بداية لمسار ينتقل فيه المخاطَب من «الطاعن بالغربة والحزن» و«جليس اللا أحد» إلى كائنٍ تتكثّف هويته في «تراتيل يقين»، أي من تفكّك الهوية إلى إعادة بنائها لغويًا وروحيًا.

5. عناصر بلاغية دالّة على أفق القصيدة

- النداء بوصفه آلية لرفع المخاطَب إلى مستوى الرمز.

- الاشتقاق التصويري في «الطاعن بالغربة» الذي يربط بين الزمن البيولوجي والزمن الوجداني.

- المفارقة بين «جليس» و«اللا أحد» كوسيلة لإبراز تناقض التجربة الوجودية.

- الإيقاع والوقفة بين الشطرين، بما تعكسه من شعور بالفراغ والتعليق.

خلاصة

يفتح المطلع بوابة القصيدة على ذاتٍ مثقلة بالغربة والحزن، ويحوّل العزلة إلى علاقة حميمة مع العدم. النداء والتراكيب التصويرية لا يقدّمان حالة ثابتة، بل يمهّدان لمسار ترتيلي تحوّلي: من «الطاعن بالغربة» و«جليس اللا أحد» إلى حاملٍ لتراتيل قد تصوغ يقينًا جديدًا داخل اللغة والذاكرة.

بورتريه المنفى بين القلق والأماني واللا‑بلد

يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ، ناطورَ الأماني، ونزيلَ اللا بلدِ

يمكن قراءة هذا البيت استكمالًا لبناء صورة المخاطَب عبر سلسلة ألقاب تشكّل معًا بورتريهًا وجوديًا مركّبًا.

أولًا: يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ — يمنح الشاعر المخاطَب صفة الألفة (النديم)، لكنه يقترن هنا بـ«القلق الوحشي» فتتحول الألفة إلى علاقة مع اضطراب مفترس؛ القلق لا يبقى حالة عابرة بل شريك حياة، فتتبدّل رغبة الأنس إلى تعايش دائم مع اضطراب لا يهدأ.

ثانيًا: ناطورَ الأماني — ينتقل الخطاب من الحقل النفسي إلى حقل التوق والانتظار؛ الناطور حارس لا مالك، وبذلك يُصوَّر المخاطَب كحارسٍ لأحلامٍ مؤجلة أو مهدَّدة، يقظ لكنه عاجز عن التملك، ما يعمّق إحساس الحرمان والأمل المعلّق.

ثالثًا: ونزيلَ اللا بلد — ينقل اللقب الأخير الصورة إلى بعدٍ مكاني ووجودي؛ النزيل ضيف طويل الإقامة لا يصبح صاحب بيت، و«اللا بلد» تشير إلى فراغ الانتماء ذاته، فتتضاعف حالة الاغتراب إلى إقامة في «لا-مكان» بينيّ لا وطن فيه ولا بديل.

بهذا التتابع (نديم القلق → ناطور الأماني → نزيل اللا بلد) يبني الشاعر سلمًا دلاليًا يتحرك من الداخل إلى الخارج، ومن النفسي إلى الوجودي: ذات تؤانس قلقها الوحشي، تحرس أمانيها المؤجلة، وتقيم في فضاء بلا وطن. هذه الصورة لا تظل حالة نفسية فردية فحسب، بل تُعرض كبنية للمنفى الوجودي التي ستسعى القصيدة لاحقًا إلى تأويلها أو تجاوزه عبر فعل الترتيل وإنتاج يقينٍ جديد.

الزمن المعلَّق بين «مذبحة الأمس» و«بستان غد»

«يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـسِ إلى بُـسـتـانِ غـدْ»

1. البنية الزمنية والدلالية

لا يَرِد «اليوم» هنا كوحدة زمنية عابرة، بل كزمنٍ وجوديٍّ ممتد يستوعب الماضي والمستقبل معًا. فصفة «الممتد» تلغي الحدود التقليدية بين الأزمنة، وتحيل الحاضر إلى حالةٍ معلّقة بين قطبين: جرحٍ مؤسِّس ووعدٍ متخيَّل. بذلك يتحوّل اليوم إلى فضاءٍ توتُّري، تنعقد فيه صلةٌ حادّة بين ذاكرة العنف وأفق الأمل.

2. «مذبحة الأمس» كدلالة تاريخية وتوثيقية

تكتسب عبارة «مذبحة الأمس» بُعدًا توثيقيًا وسياسيًا واضحًا؛ فهي تشير إلى عنفٍ جماعي سابق يشكّل أساسًا لوعيٍ جريح. اللفظة لا تعمل كاستحضارٍ عاطفي فحسب، بل كمرجعٍ تاريخي يثبّت الجرح في الذاكرة الجمعية، ويمنح الحاضر ثقلًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة إذا قُرئت في ضوء المذابح التي استهدفت اليساريين والديمقراطيين في التاريخ العراقي الحديث.

3. «بستان غد» كاستعارة للأمل والتحقق

في المقابل، تأتي «بستان غد» كاستعارة مركَّزة للخصب والتحقّق؛ فهي ليست مجرد مكانٍ طبيعي، بل صورة مكثّفة لأفقٍ إنساني–سياسي يعد بالاكتمال والعدل والكرامة. البستان هنا رمز لما يمكن أن يولد عن إعادة البناء، ولأملٍ يحتاج إلى رعايةٍ وحراسة كي يغدو واقعًا.

4. التوتّر الدلالي ووظيفة القصيدة

بين هذين الحدّين — المذبحة الواقعية وبستان الحلم — يتموضع «اليوم» بوصفه حالةَ انتظارٍ ونضالٍ معًا. هذا التوتّر هو ما يبرّر حاجة النص إلى فعلٍ لغوي‑طقسي (الترتيل) لتنظيم المسافة بين الجرح والتحقّق؛ إذ يغدو الترتيل آلية لإنتاج يقينٍ متحوّل أو أملٍ مؤسَّس على الوعي بالألم لا على إنكاره.

5. ملاحظات أسلوبية

- يعمل التركيب المضاد (مذبحة ↔ بستان) كآلية تضادّ دلالي يضخّ طاقة تأويلية في البيت.

- الإيقاع والوقفة بين شقّي البيت يسهمان في توليد إحساسٍ بالامتداد والانتظار.

- على الرغم من صيغة الخطاب الفردي «يومك»، فإنّ سياق القصيدة يتيح قراءة هذا «اليوم» بوصفه زمنَ جماعةٍ وتيارٍ وتاريخٍ بأكمله، ما يربط بين ذاكرة الشاعر وذاكرة الأمة.

من فقدان الأنوار إلى «الخيمة بلا وتد»: العالم بوصفه فضاءً منزوَع المرجعيات

«دونَ أنوارِ التي باتت تُسمّى نخلةَ اللهِ

وناموسَ المرايا:

خيمةٌ دونَ وتدْ»

يقدّم هذا المقطع صورةً لعالمٍ تزعزعت مرجعياته الصلبة وتضاءلت فاعلية أنواره، فصار الحاضر فيه فضاءً هشًّا معلّقًا. يفتتح الشاعر بالتركيب «دون أنوار»، فيضع الذات في حالة حرمان من مصادر نورٍ مخصوصة هي تلك التي «باتت تُسمّى نخلة الله». الفعل «باتت» يحيل إلى صيرورةٍ رمزية رُفِعت فيها هذه الأنوار، عبر الزمن والخطاب، إلى مرتبة «نخلة الله»؛ أي إلى رمزٍ جمعي متعالٍ يجمع بين جذور النخلة العراقية وثباتها وعطائها، وبين بُعدٍ قيمي يجعل منها مرجعًا أخلاقيًا/سياسيًا مرفوعًا في الوعي، لكنه متراجع الفاعلية في الواقع.

في المقابل، يجمع تركيب «ناموس المرايا» بين «الناموس» بوصفه قانونًا أو نظامًا ضابطًا، و«المرايا» التي تشتغل على الانعكاس والتكاثر. النتيجة هي قانون يقوم أكثر على الصور والتمثّلات منه على أصلٍ ثابت؛ نظام من الخطابات يعيد انعكاس ذاته بدل أن يستند إلى مرجع يقيني فعّال، ما يفضي إلى تشتّت المعنى واضطراب الثقة بالمصدر دون أن يعني بالضرورة انعدامه التام.

تأتي الجملة الختامية «خيمةٌ دون وتد» بوصفها خلاصةً مكثّفة لهذا الوضع: فالخيمة، رمز السكن المؤقّت، لا تستقيم بلا وتد، وغياب الوتد يحوّل المأوى إلى بنية معلّقة بلا ضمان. هكذا تتجسّد حالة اغترابٍ عميقة يتعذّر فيها الاستقرار؛ إذ يعيش الكائن في عالم خفتت فيه الأنوار المرجعية، وتصدّع ناموسه، وتهاوى مأواه الثابت.

وإذا قُرئ هذا المقطع في ضوء ما سبقه من ألقاب («يا نديم القلق الوحشي… ناطور الأماني… نزيل اللا بلد»)، اتّضح أن القصيدة تصعد من رسم بورتريه لذاتٍ مشروخة تعايش قلقها وتحرس أمانيها وتقيم في «اللا بلد»، إلى تشخيص مشهدٍ أوسع لعالمٍ متصدّعة مرجعياته: ذاتٌ بلا وطن مستقرّ في عالمٍ خفتت أنواره وتراجعت فعالية قانونه وتهاوى فيه البيت الآمن. بهذا يتكامل البناء الدلالي من الداخل النفسي إلى الخارج الرمزي، ومن سيرة الفرد إلى صورة كونٍ معلَّق.

في هذا الموضع تحديدًا تتّضح الحاجة إلى فعلٍ ترتيليٍّ قادم: فـ«الخيمة دون وتد» تمثّل لحظة ما قبل الترتيل، أي اللحظة التي يستدعي فيها الفراغ والتصدّع فعلًا لغويًا‑طقسيًا يعيد تثبيت المعنى ويعيد توظيف الرموز المخفوتة. ومن هنا سيظهر «الترتيل» في القصيدة كضرورة لإنتاج يقينٍ جديد، لا عبر إنكار الجرح أو إعلان موت المرجعيات، بل عبر تحويل الجرح ذاته إلى مادة للإنشاد والذاكرة والوعي.

من متاهات البحار إلى جزر اليسر: قراءة في صور الضياع واليقين

وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ

يُـسْـرُهـا  جـزرٌ

وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ

يبني هذا المقطع صورةً لذاتٍ تائهة في فضاء هائل متحوّل؛ ضياعٌ يتوزّع داخل «متاهات بحار»، حيث لا مسار واضح ولا ثبات، بل سيولة ممتدّة تُعقِّد إمكان التثبيت والاتجاه.

أولًا: تفصيل دلالي

- «ضياعٌ في متاهات بحار»: المتاهة ترمز إلى فقدان الاتجاه، والبحر إلى الاتساع والسيولة؛ والجمع بينهما يخلق فضاءً وجوديًا بلا حدودٍ واضحة، فيغدو الضياع بنية مكانية–وجودية لا مجرّد شعور عابر، وتفقد الذات مرجعها في عالمٍ سائل.

- «يُسرُها جزر»: يُختَزل اليسر في لحظات انحسار مؤقتة؛ فالفترات المريحة تظهر كجزر قصيرة تتيح للذات التقاط أنفاسها، لكنها لا ترقى إلى حالة دائمة أو مستقرّة.

- «وأما العسر والخسر فمدّ»: المقابلة تُظهر هيمنة الامتداد السلبي؛ العسر والخسر مرتبطان بالمدّ المستمر، أي بزمنٍ طاغٍ يطول ويتكرّر، فيصبح اليسر استثناءً لا قاعدة.

ثانيًا: البنية الزمنية والوجودية

يقدّم الشاعر زمنًا وجوديًا غير متوازن: اليسر مقطعيّ ومحدود، والعسر ممتدّ ومهيمن. هذا التوزيع يرسّخ شعورًا بأن العالم لا يمنح عدالةً في توزيع المصائر، وأن الذات محكومة بنمطٍ من الخسارة المستمرة مع نوافذ ضيّقة من الفرج، ما يعمّق الحاجة إلى إطار معنوي ينظّم هذه الفوضى.

ثالثًا: الربط بما قبله

يتواصل هذا المقطع مع الألقاب السابقة («نديم القلق الوحشي، ناطور الأماني، نزيل اللا بلد») ومع صورة «الخيمة دون وتد» في توسيع المشهد من الداخل النفسي إلى الخارج الكوني. فإذا كانت الألقاب قد رسمت ذاتًا مشروخة تحفظ الأماني وتقيم في لا‑مكان، فإن هذا البيت يرسم عالمًا واسعًا يضاعف ضياعها: فضاء بحري لا حدود فيه، يسْرُه جزر عابرة ومدُّه عسرٌ وخسرٌ ممتدّان. على هذا النحو، يتكامل البناء الدلالي من الذات المنفيّة إلى كونٍ لا يوفّر لها استقرارًا ولا مرجعية ثابتة.

رابعًا: الإيقاع والوقف

يعمل الإيقاع الصوتي في هذا المقطع كمرآة لحركة المدّ والجزر؛ فامتداد المقاطع في «متاهاتِ بحارٍ» و«العسرِ والخسرِ فمدّ» يقابله تقطّع نسبي في «يُسرُها جزرٌ». الوقفات القصيرة بين الشطور، والفواصل الإيقاعية، تخلق إحساسًا بصعودٍ وانحسار موجي: لحظات تنفّس تشبه انكشاف القاع عند الجزر، تتلوها جُمَل ممتدّة تعكس ضغط المدّ وطول زمن العسر. بذلك يتحوّل الإيقاع من عنصر زخرفي إلى آلية دلالية تُجسّد حالة الامتداد والاختناق والفرج المؤقت.

خامسًا: ربط جزر اليسر بتراتيل اليقين

لا تبقى «جزر اليسر» في النص مجرّد لحظات عابرة، بل تتحوّل إلى مقاطع إيقاعية قابلة للتكرار؛ وهذه المقاطع ذاتها هي التي ستغذّي فعل «الترتيل». بالتكرار والوقف المنظّم تصبح لحظات اليسر وحدات ترتيلية، تعمل كعُقدٍ لغوية تُثبّت معنًى جزئيًا وتؤسِّس لبناء يقينٍ متحوّل داخل اللغة والذاكرة.

«تتحوّل لحظاتُ اليسر إلى مقاطع ترتيلية قابلة للتكرار، فتعمل التراتيل كعُقدٍ إيقاعية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا جزئيًا داخل اللغة والذاكرة.»

جدلية الشهد والحنظل: من المرارة إلى شهد الرغد

«ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى

يُـفـضـي إلى الـحـنـظـل ِ...

والحـنـظـلُ قد يُـفـضـي إلـى

شَـهـدِ الـرَّغـدْ»

يقدّم هذا المقطع صياغة مكثَّفة لجدلية التحوّل في التجربة العاطفية والنضالية؛ فما يبدأ بوصفه «شَهدًا في الهوى» – حلاوة أولى مرتبطة بالحب أو بالإيمان بقضية ما – يمكن أن ينقلب، بفعل الاصطدام بالعنف التاريخي والمجازر التي طالت القوى اليسارية والديمقراطية، إلى «حنظل» مرّ. غير أنّ هذه المرارة لا تُطرَح كنهاية مغلقة، إذ يفتح الشاعر أفقًا معاكسًا: «والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، أي إنّ الحنظل ذاته يمكن أن يكون معبرًا إلى حلاوة أخرى أوسع وأعمق. هكذا يُعرَض الزمن النفسي–النضالي في هيئة سلسلة دورانية: شهد → حنظل → شهد أوسع، حيث لا ثبات للحلاوة ولا للمرارة؛ فكلاهما قابل لأن يتحوّل إلى ضده عبر المرور بالاختبار والجرح.

دلالات المفردات ووظيفتها في بنية القصيدة

- الشهد: يرمز إلى البدايات النقيّة، إلى لذّة الحب الأول أو حماسة الإيمان بالمبدأ، وإلى الوعد الأخلاقي–الوجداني الذي يفتتح التجربة.

- الحنظل: يمثّل المرارة والانكسار الناتجَيْن عن مواجهة الواقع العنيف، وعن المجازر والقمع اللذين تعرّضت لهما القوى اليسارية والديمقراطية، لا عن خيانةٍ ذاتية أو شخصية.

- شهد الرغد: لا يشير إلى عودة بسيطة إلى الحلاوة الأولى، بل إلى حلاوة ناضجة مقرونة بالوفرة والاكتمال، هي حصيلة اجتياز المراحل الصعبة والقدرة على إعادة تأويلها.

البعد التأويلي في سياق «ترتيلة اليقين»

يمكن قراءة هذا المقطع بوصفه خلاصة مكثّفة لفكرة القصيدة برمّتها: فاليقين لا يولد من تجارب مستقيمة خالية من التناقض، بل من المرور عبر تقاطعات الشهد والحنظل. في هذا الأفق، يغدو «الترتيل» آلية لغوية–طقسية لإعادة تدوير التجربة؛ إذ يجعل من مرارة الانكسار التاريخي مادةً قابلة للتحوّل إلى يقينٍ أكثر نضجًا، ويحوّل أثر المذبحة والمنفى إلى خطوة في طريق ترسيخ معنًى روحي وأخلاقي أعمق. اليقين هنا لا يُحسَم دفعة واحدة، بل يُصاغ بالتكرار والإنشاد والعودة التأويلية إلى الجرح.

بعد أن رسمت المقاطع السابقة ذاتًا مشروخة وعالمًا بلا وتد، يقدّم هذا المقطع نموذجًا مصغّرًا لآلية التحوّل الداخلي: من شهد البداية إلى مرارة الحنظل الناتجة عن العنف التاريخي، ومن ثم إلى شهد أوسع يُنتَج عبر الترتيل.

خاتمة موجزة

لا يقدّم المقطع تأمّلًا وجدانيًا فحسب، بل يرسم خريطة عملية لصيرورة اليقين: طريقٌ يمرّ بشهد الأحلام الأولى وحنظل الانكسار التاريخي على نحوٍ دائري، حيث يصبح الألم شرطًا ممكنًا لصياغة يقينٍ لغوي–روحي أكثر متانة واتزانًا.

من «الطاعن بالعشق» إلى «تراتيل اليقين»: اكتمال التحوّل من الجسد إلى الروح

«أيها الطاعنُ بالعشقِ البتوليِّ التراتيلِ…

الشريدُ السومريُّ… الحاسرُ القلبِ:

كفى أنك بتَّ اليومَ روحًا

وتراتيلَ يقينٍ

بعدما كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»

يختتم الشاعر نصّه بلحظة كشفٍ هُويّاتي تُعلن اكتمال المسار الذي سارت فيه القصيدة. يعود النداء في صيغة «أيها» مثقَّلًا بصفاتٍ تؤسِّس صورةً مركّبة للمخاطَب.

أهم هذه الصفات: «الطاعن بالعشق». هنا لا يدلّ الطعن على التآكل أو الضعف، بل على الاستمرار في العشق رغم مرور الزمن؛ فهو شاهد على حيويةٍ لم تنطفئ، وعلى وفاءٍ طويل الأمد لقضية أو فكرة آمن بها الشاعر وجيله. العمر لا يُضعف العشق، بل يضاعف عمقه وصلابته الأخلاقية.

وصف العشق بـ«البتولي» يمنحه طابعًا نقِيًّا وقيميًّا؛ فهو عشق غير نفعي، متحرر من المصالح المباشرة، أقرب إلى التكرّس المبدئي للفكرة. وإضافة «التراتيل» تجعل من هذا العشق فعلًا طقسيًا‑لغويًا: لا يُعاش فحسب، بل يُنشَد ويُرتَّل، بما يحوِّله إلى ممارسة روحية وجماعية في آن.

تتوالى الألقاب لتثبيت هويّة تاريخية ونفسية: «الشريد السومري» يمدّ الذات بجذور حضارية عميقة؛ فالاغتراب الفردي يُرى امتدادًا لتاريخٍ طويل من النكبات الرافدينية، لا حادثة معزولة في الحاضر. أمّا «الحاسر القلب» فيعلن عن قلبٍ مكشوف بلا درع، مستعدٍّ للجرح والصدق معًا؛ قلبٍ لا يحتمي بالتورية أو البرود، بل يواجه العالم بعرائه العاطفي والأخلاقي.

يتجلّى التحوّل النوعي في المقابلة بين:

«كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»

«بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين».

في الشطر الأول، تُختزَل الذات في حقل الحسّ واللذة والجسد:

الكؤوس = بهجة السهر والشراب؛

السرير = الحب الجسدي والحميمية؛

الجسد = الحضور المادّي المباشر.

لا يُبخِّس الشاعر هذه المرحلة، لكنه يضعها في طورٍ كانت فيه التجربة متمركزة حول الجسد ومسرّاته ومشاركه.

في المقابل، يعلن الشطر الثاني انتقال الذات إلى طورٍ روحي‑لغوي:

«روحًا وتراتيل يقين». لا يعني هذا هروبًا من الجسد، بل إعادة ترتيبٍ للأولويات؛ إذ تُستعاد التجربة الجسدية وما انطوت عليه من لذة وألم لتغذّي مستوى أعلى من الوعي، هو مستوى الروح والإنشاد واليقين. «تراتيل اليقين» ليست يقينًا عقائديًا جامدًا، بل حصيلة مسار طويل عبر الغربة والمذبحة والبحر والحنظل والشهد؛ يقين يُصاغ من التجربة لا من الوصفة، ويتجلّى في هيئة تراتيل لا في بيانات.

هذا الختام يربط البنية السابقة كلّها: الذات «الطاعنة بالغربة والحزن»، «نديم القلق»، «ناطور الأماني»، «نزيل اللا بلد»، العالم بوصفه «خيمة دون وتد»، حركة المدّ والجزر، وجدلية الشهد والحنظل. الترتيل هنا ليس ترفًا زخرفيًا، بل آلية تحويلية؛ فـ«جزر اليسر» التي ظهرت كلحظات تنفّس وسط مدّ العسر تتحوّل، عبر التكرار والإنشاد، إلى مقاطع ترتيلية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا لغويًا‑روحيًا. هكذا يُغلق النصّ دائرته بتحوّلٍ من الجسد إلى الروح، ومن التجربة الحسية إلى الترتيل كصيغة لإنتاج يقين ناضج؛ يقينٍ لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُصاغ عبر الوفاء الطويل للعشق والفكرة، وعبر المرور بالشهد والحنظل معًا.

جملة جاهزة للنسخ داخل الفقرة:

«الطاعن بالعشق» عند السماوي لا يعني تراجعًا بفعل الزمن، بل شهادة على حيوية مستمرة ووفاء للفكرة؛ رغم مرور السنين يظلّ المخاطَب متشبّثًا بمبدئه ومؤمنًا به، فيتحوّل العمر إلى تعميقٍ للعشق لا إلى نقيضٍ له.

البعدان النفسي والسياسي في ضوء تحليل الأبيات

يكشف تحليل الأبيات، من النداء الافتتاحي: «أيها الطاعن بالغربة والحزن / جليس اللا أحد»، إلى الخاتمة: «كفى أنك بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»، عن تداخلٍ عميق بين البنية النفسية والبنية السياسية في «ترتيلة اليقين».

على المستوى النفسي، تتشكّل صورة المخاطَب كذاتٍ تعيش منفى داخليًا حادًّا، يتجلّى في مفردات الغربة المزمنة («الطاعن بالغربة والحزن»)، والعزلة القصوى («جليس اللا أحد»)، والضياع في «متاهات بحار»، والعطب الكوني الذي يصيب الشمس والنجوم («مطفأ الشمس… وجفن النجم يشكو من رمد»). هذا العالم يُرى سكنًا هشًّا («خيمة دون وتد») وزمنًا غير متكافئ في توزيع اليسر والعسر («يُسرها جزر وأما العسر والخسر فمدّ»)، وهو ما يرسّخ شعورًا وجوديًا بالقلق واللااستقرار، وحاجةً ملحّة إلى نوعٍ من اليقين ينظّم هذا الاضطراب.

غير أن القصيدة، في مقطع «ربَّ شهدٍ في الهوى / يفضي إلى الحنظل… والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، تعيد تعريف الخبرة الشعورية من خلال جدلية الشهد والحنظل. فانتقال الشهد إلى حنظل لا يُقرأ كانتكاسٍ نهائي أو سقوطٍ مطلق، بل كمرحلة انكسار ووجدان حداد؛ الحنظل هنا تمثيلٌ لوعي الجرح والمرارة التي تفرض إعادة تقييم الذات والمشروع، لا إعلانًا عن موت نفسي أو روحي. وعلى المستوى النفسي، يشير ذلك إلى أن الألم – مع شدّته – جزء من مسار نضج الوجدان، وأن المرور بالمرارة شرطٌ لإمكان تبلور يقينٍ أكثر توازنًا.

على المستوى السياسي، تنفتح هذه البنية النفسية على أفقٍ تاريخي واضح المعالم؛ إذ تحيل «مذبحة الأمس» إلى ذاكرة القمع الذي طال القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، ويُستعاد المنفى في صيغة «نزيل اللا بلد»، بينما تتجسّد أزمة المرجعيات في صورة «أنوارٍ باتت تُسمّى نخلة الله» و«ناموس المرايا»، بما يشير إلى تحوّل القيم والأحزاب والأحلام الكبرى إلى رموز عليا مهدَّدة بالعجز عن الفعل. في هذا السياق، يمكن قراءة «الحنظل» أيضًا كتعبير عن تراجعٍ مؤلم في الفاعلية السياسية أو في الأمل التاريخي؛ هو لحظة خيبة وانكسار للمشروع لا تعني، في منطق القصيدة، انهياره النهائي، بل طورًا من الضعف يُمَهِّد لإعادة بناء رمزية أو استراتيجية جديدة.

تُسند القصيدة إلى «الترتيل» وظيفة محورية في آلية هذا التحوّل؛ فالتراتيل، بما تنطوي عليه من تكرار وإيقاع وإنشاد جماعي، تعمل كآلية لغوية‑طقسية لتحويل مرارة الحنظل إلى معنى قابل للوراثة، ومن ثمّ إلى «شهد الرغد» بوصفه حلاوةً ناضجة لا تعود إلى براءة البداية بل تتشكّل من داخل التجربة الجريحة نفسها. بهذا المعنى، يتحوّل الشهد→حنظل→شهد أوسع إلى نموذج لصيرورة اليقين: «تحول الشهد إلى حنظل يشير إلى انكسار ووجدان حداد لا إلى انهيار نهائي؛ هو تراجع مؤلم يُجبر على إعادة التقييم، والقصيدة تؤكد أن هذه المرارة قابلة لأن تُستثمر عبر الترتيل لتتحول بدورها إلى شهدٍ أعمق ونضج يقيني.»

في ضوء ذلك، يمثّل المسار الذي ترسمه الأبيات – من «نديم القلق الوحشي» و«نزيل اللا بلد» إلى «الطاعن بالعشق البتولي التراتيل» و«الروح وتراتيل اليقين» – حركة انتقال من طور الحضور الجسدي واليومي للحزب/الذات (الكؤوس، السرير، الجسد) إلى طور الحضور الرمزي–الروحي (الروح، التراتيل، اليقين). وهكذا يتأسّس «اليقين» في القصيدة لا كمعطى عقائدي ثابت، بل كحصيلة لمسار نفسي–سياسي طويل، تُعاد فيه صياغة الجرح والمنفى والخسارة في هيئة ترتيلةٍ قابلة للإنشاد والتوريث، أي بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد التفكّك والعدم، واستثمارًا للمرارة في إنتاج شهدٍ أوسع وأعمق.

الخاتمة:

تقدّم قصيدة «ترتيلة اليقين» ليحيى السماوي نصًّا يقوم على جدلية دقيقة بين النفسي والسياسي، وبين الفردي والجماعي، بحيث يتعذّر الفصل بين سيرة الذات المنفية وسيرة الحزب/التيار والذاكرة الوطنية المثقلة بالمجازر والانكسارات. فمن خلال بنية تصويرية ترتكز إلى الغربة و«اللا بلد» و«الخيمة دون وتد» و«متاهات البحار» والعطب الكوني («مطفأ الشمس، رمد جفن النجم»)، يرسم الشاعر ملامح عالم فقد جانبًا كبيرًا من استقراره الرمزي والأخلاقي، ويجسّد في الوقت نفسه حالة وعيٍ جمعي مأزوم عاش القمع والمنفى وتعطّل الحلم.

مع ذلك، لا تقف القصيدة عند حدود تشخيص الخراب، بل تنفتح – عبر صور السعف والبيت والظل والمدد، وعبر جدلية الشهد والحنظل – على إمكانية تحويل الخسارة والانكسار إلى رصيد معنوي ورمزي يمكن استثماره في إعادة بناء المعنى. فتحوّل الشهد إلى حنظل لا يُقدَّم كانتكاسٍ نهائي، بل كمرحلة وجعٍ و«وجدان حداد» تفرض إعادة التقييم؛ والحنظل نفسه يُطرَح بوصفه قابلًا لأن يفضي، عبر الترتيل، إلى «شهد الرغد»، أي إلى حلاوة ناضجة تُستخلص من صلب التجربة الجريحة. هكذا تقرأ القصيدة انطفاء الأنوار كنتيجة للمذابح والتاريخ العنيف، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المبادئ لم تمت، بل يُعاد استثمار مرارة الواقع ترتيليًا لتوليد يقين جديد.

في هذا الأفق، يغدو «اليقين» الذي يَعِد به العنوان يقينًا متحوّلًا لا عقيدة منجَزة؛ فهو ثمرة مسار طويل من التعرّض للجرح وتأويله، ينتقل فيه المخاطَب من طور الحضور الجسدي واليومي («الكؤوس، السرير، الجسد») إلى طور الحضور الرمزي–الروحي («الروح وتراتيل اليقين»)، حيث تتحوّل التجربة الحسيّة والتاريخية – بما فيها من شهدٍ أول وحنظلِ انكسار – إلى مادة للإنشاد والترتيل. وهكذا تنجح القصيدة في أن تحوّل التجربة النفسية الفردية إلى مرآةٍ لوعي سياسي وتاريخي أوسع، وأن تجعل من «الترتيل» فعلًا شعريًا ونفسيًا للمقاومة ضد العدم، ومن «اليقين» أثرًا لغويًا وروحيًا لتجربة نضال لم تستسلم للهزيمة، بل أعادت صوغ ذاتها في هيئة يقينٍ يُرتَّل ويُورَّث ويظل مفتوحًا على التأويل والاستمرار.

«الانكسار هنا مرحلة لا حكمًا؛ والمأساة تُنتِج عبر الترتيل يقينًا متحوّلًا، فتظلّ الفكرة حيّة رغم تراجع البنى السياسية.»

***

سهيل الزهاوي

    

مقدمة: بعد زوال الخلافة العباسية، وتفشي اللهجات المحليّة في البلدان العربية، وانحسار المدارس وضعف التعليم، بقي الشعر العربيّ يسير على نمطين فإمّا أن يقلد الشاعر العربي من سبقه من الشعراء الكبار المعروفين أمثال شعراء العصر الجاهلي والأموي والعباسي المعروفين، أو أن ينظم شعرا لا حياة فيه قد يعالج مواضيع سطحية، ويمكن أن نضع عناوين لمراحل تطوّر الشعر العربي إلى:

1- مرحلة الأرهاصات بعد منتصف القرن التاسع عشر

2- مرحلة الكلاسيكية الجديدة

3- مرحلة الشعر الحر (التحرر)

4- المرحلة الحالية قصيدة النثر والهايكو

1 - الإرهاصات

يمكن أن نرجع محاولات التجديد في الشعر العربي إلى نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من قبل الشعراء :محمود سامي البارود المولود 1839 والشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي المولود عام 1863، والشاعر أحمد شوقي ولد 1868، ويضاف إليهم الشاعر الرصافي 1875.

لقد كان الشعر العربي ينهج على مسار ماسبقه من حيث النظم وللشاعر نماذج من المعاني والاستعارات والتشبيهات أصبح يكررها، فالكريم بحر، والشجاع أسد، والمرأة الجميلة ظبية، وجهها يشبه القمر إذ بقيت تلك التشبيهات أساسا يسير على وفقه الشعراء إلى زمن متأخر جدّا، وانصبّت المحاولات الأولى من قبل البارودي والزهاوي على تخليص الشعر العربي من المحسنات البديعيّة التي كانت تثقل الشعر من جناس وطباق وتبدو مفتعلة إلى حدّما.

غير أنّ البارودي والزهاوي لم يغيّرا ةكثيرا في التجديد الاستعاري والتشبيه في شعرهما، كقوله حين رآى ديار الحبيبة فجاشت شجونه:

فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ فِيهَا بِوَاكِفٍ

مِنَ الدَّمْعِ يَجْرِي بَعْدَ سَحٍّ بِوَابِلِ

*

دِيَارُ الَّتِي هَاجَتْ عَلَيَّ صَبَابَتِي

وَأَغْرَتْ بِقَلْبِي لاعِجَات الْبَلابِلِ

于是双眼垂落连绵的泪滴,在倾盆大雨之后依然流淌不息。 正是那片故土,唤起了我的相思,触动着我的心——而非夜莺的啼鸣

وحاول الشاعر الزهاوي أن يكتب قصيدة من البحر الطويل مختلفة القوافي غير أنّ محاولته لاتعد ضمن دائرة التجديد، لكنّ الشاعر تطرق إلى مواضيع شتى بلغة عصريّة مفهومة مثلما فعل معاصره البارودي، يقول الزهاوي:

قَد كنت في درب ببغداد ماشياً  

 وبغداد فيها للمشاة دروب

*

فَصادَفَت شيخاً قد حنى الدهر ظهرَه

 له فوق مستنّ الطروق دبيب

我曾走在巴格达的一条路上,白昼的太阳已近西沉。 我遇见一位被岁月压弯了腰的老人,在坚硬的路上缓慢爬行

والملاحظ إنّ شعراء تلك الفترة التزموا إلى حدّ ما البحر الطويل الذي يناسب الحركة البطئية حركة الظعائن والسرى في الصحراءوهو بحر صعب كأنّ شعراء تلك المرحلة أردادوا أن يثبتوا إمكانياتهم وموهبتهم عبر هذا البحر الصعب\.

ثمّ جاء الشاعر أحمد شوقي فكانت كلماته أكثر رقة وتشبيهاته أكثر جدّة ممن سبقوه.

الكلاسيكية الجديدة

لقد حررت مرحلة الإرهاصات الشعر العربي من سطوة الأساليب البلاغية القديمة فخرجت به إلى كلمات مألوفة غير قاموسية غير أنّ الشعر العربي مادام (ديوان العرب) كما يقول الشاعر أبو فراس الحمداني، فلا بدّ له من أن يواصل وشائجه بالماضي من دون أن يقع في التقليد.إن خطورة الأدب القديم في أنّه يؤثّر فينا إلى درجة تجعله يقيدنا به فنقلده، فجاء الشعراء وهم محمد مهدي الجواهري ولد عام 1899 أو 1900، والشاعر بدوي الجبل 1903، والشاعر عمر أبو ريشة ولد عام 1910 وهؤلاء الشعراء تكاد تكون ولاداتهم متقاربة فشعراء مرحلة الإرهاص كانت بينهم مسافات زمنية واسعة تلك المسافات تتعلق بالثقافة وأحداث العصر التي عايشوها وأثرت بهم، لكن شعراء مرحلة الكلاسيكية الجديدة ولدوا في الظروف ذاتها، ويمكن أن نعدّ الجواهري أوّلهم وذلك لكون استطاع ترويض الحرف البدوي وجعلنا نتقبله فحرر الشعر عبر الفخامة اللفظيّة والكلمات القوية من سطوة الشعر القديم مع أنّ هناك بقايا من تلك الهيمنة بقيت في شعره وفي بعض شعره يستخدم مفردات قديمة لانعايشها وربما نلجأ إلى قاموس اللغة في فهمه، ومن شعره الفخم السهل:

حييت سفحك عن بعد فحييني

 يادجلة الخير يا أم البساتين

*

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به

لوذ الحمائم بين الماء والطين

我从远方问候你的山麓,也请你回应我——善哉底格里斯河,你是万园之母啊!我怀 着干渴问候你的山麓,以此藏身,如鸽子在水与泥之间寻求庇护

ثاني المثلث الكلاسيكي الجديد هو بدوي الجبل الذي جدد في الشعر والمعاني، وكان شعره فخما أكثر ليونة من شعر الجواهري وأكثر رقة:

الزغاريد فقد جنّ الإباء

من صفات الله هذا الكبرياء

*

أيها الدنيا ارشفي من كأسنا

إنّ عطر الشام من عطر السماء

欢呼声起,骄傲已然疯狂——这傲慢源自真主的尊名与属性。尘世啊,从我们的杯中 饮吧,大马士革的芬芳,确实来自天堂的香气 و

وثالث هؤلاء الشاعر عمر أبو ريشة الذي درس في مدارس أجنبية وعين سفيرا في أكثر من بلد، يقول:

شمس حزني قد استوت وعجيب

 أن أراني أعيش في غير ظلّ

*

أبصر الدهر ناشرا سفر عمري

ولسان الآلام يقرا ويملي

我悲伤的太阳已临中天,奇怪的是——我竟然活在毫无荫蔽之处。 我看见时光展开我生命的书卷,而痛苦之舌在阅读,并代我口授

ونظنّ أنّ الشاعر الجواهري أو شاعر العرب الأكبر حرر الشعر العربي من مخلفات الماضي لكنّ الشاعرين بدوي الجبل وأبا ريشة كان شعرهما أكثر دفئا من حيث البعد الرومانسي الذي يجعل الشعر أكثر رقة وتلألؤا.

3- مرحلة الشعر الحر (شعر التفعلية)

قلنا إنّ الزهاوي حاول أن ينظم شعرا من دون حرف رويّ لكنه التزم بالبحر الطويل وهو مجرد نظم لا يعدّ تجديدا، وحرر شعراء الكلاسيكية الجديدة الثلاثة الشعر من شوائب الماضي وتشبيهاته القديمة ومع الاحتفاظ بالوزن والقافية، ثمّ جاءت مرحلة الأربعة الكبار الذين حرروا الشعر العربي من البحر والقافية وقد احتفظوا بالتفعلية وأسسوا نظام السطر الشعري، وهم نازك الملائكة ولدت عام 1923، بدر شاكر السياب، 1926، بلند الحيدري 1926، عبد الوهاب البياتي 1926.

هؤلاء ولدوا في سنة واحدة وحين أصبحوا في مقتبل العمر كانوا قد تثقفوا بثقافة عصرية، وعايشوا أحداث الخرب العالمية الثانية وسيل المخترعات ونشاط الجامعات إضافة إلى ثقافتهم العربية والإسلامية، فغيروا في الشكل والمضمون حيث استغنوا عن نظام التفعيلة، والقافية وجددوا في المعاني.

كانت الاستعارات معظمها يتوافق مع الحس نقول جاء القمر ونقصد فتاة لعلاقة أنّ القمر جميل وهي جميلة والقمر مدور ووجهها مدور والقمر مضئ وهي بيضاء أما عند السياب والبياتي وبلند وإلى حد ما نازك فإن العلاقات الخفية هي التي تشكل الأساس، وهي علاقات بعيدة، كلما كانت العلاقات خفية بين المشبه به والمشبه خفية وبعيدة كان الشعر أرقى إذ أصبح الشعر يركز على العوالم النفسية والداخلية والخيال، وهناك مثلث شعري يمكن أن نلخصه بثلاثة أضلع هو الخيال(الصورة)، والبعد الفلسفي، والبنية الشعرية.

ويمكن أن نلحق بالشعراء الأربعة الكبار الشعراء: نزار قباني ولد 1923، لميعة عباس عمارة 1929، أدونيس (علي أحمد سعيد).

نزار أكثر الشعراء تنميقا للكلمات والصور، عالج قضايا المرأة، ووصفها بدقة، كانت هناك مقاييس للجمال عند الشعراء القدامى مثل الخدود تفاح والنهود رمان فجاءت مقاييس الجمال عند نزار جديدة يقول في قصيدة بعنوان الشفة:

منضمة مزقزقه

مبلولة كالورقه

سبحانه من شقها

كما تشق الفستقه

闭合着,叽喳着,湿润如同一片叶。赞美主劈开(创造)了它,就像劈开开心果

وتخطت الشاعرة لميعة الشاعرة نازك في الإبداع في الشعر العمودي وشعر التفعيلة، أما أدونيس، فإنّه وإن كان من شعراء التجديد، وله مكانة جيدة إلا إنّ كثيرا من شعره غلب عليه التعقيد، فطغى الفكر عنده على العاطفة، وكأنّنا حين نقرؤ بعض قصائده نطاله نصا فلسفيا ذهنيا لاغير.

4- قصيدة النثر:

تحتلّ قصيدة النثر مساحة واسعة من الساحة الأدبيّة في البلاد العربيّة.إنّ بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر يجيدون الكتابة في الشعر العمودي والتفعيلة ومعظمهم لايعرفون البحور الشعرية وليس لهم تجارب فيها، وقصيدة النثر تعتمد على الموسيقى الداخلية، والصورة العميقة المكثفة. وفي ثمانينيات القرن الماضي انتشرت قصيدة النثر انتشارا واسعا بخاصة وأجادها بعض الشعراء وكان لها حضور بين النساء في شرق الوطن العربي وفي المغرب بخاصة النساء الشواعر.

في أوروبا تمتد قصيدة النثر إلى أكثر من مائتي قرن، وكانت هناك تجارب سميت (الشعر المنثور)، وهناك تجارب للأديبة مي زيادة نذكر منها قصيدة العيون:

تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين.

تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأهداب كبحيرات تنطَّقن بالشواطئ وأشجار الحور.

العيون، ألا تدهشك العيون؟

العيون الرمادية بأحلامها.

والعيون الزرقاء بتنوعها.

والعيون العسلية بحلاوتها.

والعيون البنية بجاذبيتها.

والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوة وعذوبة

那些伫立在面孔上的眼眸,如同黑曜石与银铸成的护符。 那些在眼睑与睫毛间流转的泪光,如同湖泊,借湖岸与白杨树低声诉说。 眼睛啊,难道你不会为眼睛感到惊奇吗? 灰色的眼睛,带着它们的梦境。 蓝色的眼睛,有着它们的斑斓。 蜜色的眼睛,含着它们的甘甜。 棕色的眼睛,散发着它们的魅力。 深色的眼睛,交织着力量与温柔

ثمّ كانت هناك تجارب الشاعر العراقي حسين مردان (1927-1972)التي سماها (شعرا منثورا)، ويعده النقاد رائد قصيدة النثر :

أنت هنا فوق الصخر

فاذهب

فلم يزل في أعماق الغابة المظلمة كهف

لم يُكتشف

你在这里,在岩石之上,那就去吧——在幽暗森林的深处,仍有一个洞穴,尚未被发现

وهناك الشاعر السوري محمد الماغوط(1934-1906)، وهو شاعر قصيدة نثر انتشرت قصائده النثرية في الوطن العربي بحكم تناوله الأحداث السياسية القلقة وتصويره معاناة الناس فحفظ الكثيرون مقاطع من قصائده عن ظهر قلب

الآن

في الساعة الثالثة من القرن العشرين

حيث لاشيء

يفصل جثث الموتى عن أحذية المارة

سوى الإسفلت

سأتكيء في عرض الشارع كشيوخ البدو

ولن أنهض

现在,在二十世纪的第三个时辰,没有什么,能将死者的尸体与行人的鞋子隔开的只 沥青。我将像贝都因老人一样斜倚在街道中央,不再起身

والآن الموجة السائدة في حركة الشعر العربي هي قصيدة النثر التي افتتنت بها النساء، ومن أفضلهن إجادة لقصيدة النثر ماتكتبه وتنشره الشاعرة العراقية (إنعام كمونة)، على سبيل المثال قولها:

يوشوشني عطر البردي

ترانيم جداول سومرية العبق

مزامير مشحوف

تحدوها غيد ملونة الجراغد (الجرغد بلهجة العراق الغطاء الذي تلفه القروية على رأسها)

يغازل رشاقة موج طحلبي الوجنات

بمجذاف ضوء أزرق

它在撩拨那波浪漫柔的、苔绿色双颊的涟漪,用一柄湛蓝的光之桨。 芦笛轻吹,簇拥着彩色头巾的婀娜姑娘。 纸莎草的气息向我悄悄呢喃,苏美尔芬芳溪流的歌谣

5-الهايكو

الهايكو فن ياباني يقوم على كتابة سطرين ويعتمد الهايكو على الحواس وليس على المعاني الضمنية الذهبية ويكم أن نضرب له مثلا بهذين السطرين:

أشرقت الشمس

غادر البوم إلى عشه

头鹰回到了它的巢穴。 太阳升起了

فالشمس محسوس والبوم محسوس وهناك علاقة بين شروق الشمس واختفاء البوم معنى طريف يعتمد على الحس، وربما حسب ماتنشره الميديا نجد الشاعر الفلسطيني عزّ الدين المناصرة(ولد عام 1946) أول ماكتب الهايو وكان ذلك عام 1964، ومن تجاربه الهايكو التالي:

يا صديقي

أيها الغيم الذي يلعب بالزهر

على شال الحرير

فوق أكتاف القدود المائسات

انثر الثلج على ساق القرنفل

وتمهل

我的朋友——那片用骰子玩耍的云,在丝绸披肩上,在婀娜身姿的肩头之上——请把 雪撒在丁香花的茎上,再慢一些

ونجد أيضا أن شعر الهايكو انتشر انتشارا واسعا في البلاد العربية وتقبله المواطن العربي وتذوقه بشكل واسع.

الشعر المهجري

عرفت الصين شعر جبران واحتفلت بمرور مائة عام على ترجمته للغة الصينية لكن بعد التقدم العلمي الهائل وتطور وسائل المواصلات والميديا تناسى الناس الشعر المهجري الذي عدّ أحد العوامل المهمة ساعدت على تحرير الشعر العربي وتجديده، لقد أصبح الآن العالم بسبب التقدم العلمي قرية صغيرة فلم يلتفت أحد إلى الشعر والأدب المهجريين، فجاء الناقد المصري الأكاديمي الدكتور يوسف نوفل ليلفت نظر العرب إلى الأدب المهجريّ المعاصر بخاصة الشعر إذ أننا الآن نقرأ رواية مهجرية وشعرا مهجريا. لقد كان الشعر هو السائد زمن جبران ورفاقه من شعراء المهجر وأغلب شعرهم في الحنين ووصف الوطن والشكوى من الغربة، ولم تكن هناك رواية مهجرية مشهورة أمّا الآن فقد اختلف الوضع إنّ المهاجر يمكن أن يتحدث مع أهله كلّ ساعة ويراهم من على وسائل التواصل الاجتماعي وقتما يشاء، والمهاجر نفسه اندمج بالمجتمع الجديددفكتب الرواية التي تصور المجتمع الغربي الذي يعيش فيه وتحدث عن الأجانب الذين يتعامل معهم وصورهم وتحدث عن نفسياتهم. إنّ الوطن نفسه أصبح بشكل آخر في الشعر المهجري الجديد، أصبح حسب المقاييس الجديدة إنسانا أو كائنا حيا يتعامل معه الشاعر بحميمية لا بشكل حنين بسيط كما كان يفعل الشعراء الرواد. يقول قصي الشيخ عسكر:

تطالعني، وقد ضاقت، منافِ

وينسى صورتي الوطن الكبير

بلادي لم تزل تدمى ولمّا

تدنّسها الخطايا والشرور

لتبقى في دمي بركان عزّ

أراقب لحظة فيها يثور

إذا قال العراق فقول حقّ

وغير حديثه كذب وزور

你望着我,而我的呼吸已变得狭窄, 伟大的故乡却忘了我的模样。 我的祖国仍在流血, 尚未被罪孽与邪恶玷污。 愿她留在我血液中,成为一座荣耀的火山, 我静候她喷发的时刻。 说起伊拉克,请说出真相—— 除此之外的言论,皆是谎言与欺瞒

فالشاعر يعاتب وطنه كما لو كان إنسانا مثله. إنّه يثق بحديثه، على الرغم من أنّ هذا الوطن هو الذي رفض المهاجر غير أن الأخير أبقى علاقة الصداقة مع ذلك الوطن، وهناك لون آخر تطرّق إليه الشّاعر ألا هو التشتت الذي يعانيه المواطن العربي في بقاع الأرض، فالعائلة الواحدة يمكن أن تكون في أكثر من مكان:

لأبي قبر في بغداد

أختي ماتت في كندا وأخي في سدني

أمي ترقد في كوبنهاغن

وأنا أدفن بعد مديد العمر بلندن

حقا

عائلتي تملك كل الأرض

我父亲在巴格达有一座坟墓,姐姐死在加拿大,哥哥死在悉尼,母亲安息在哥本哈 根,而我将在多年以后葬于伦敦。真的,我的家庭拥有整个大地

ويمكن أن يتمثل الشاعر معنى قديما فيحوله إلى شعر مهجري جديد:

المعنى القديم: نظر الحاكم العربي إلى سحابة مرت فقال أينما تمطري يأتنا خيرك

الشاعر يقول:

أيّ سحاب

يعبر أي بلاد يوما ما

سيصيب لنا قبرا

任一片云,有一天飘过任一片土地,都将为我们命中一座坟墓

ولعلّ الشاعر يفهم الوطن فهما جماليا يختلف عن فهم الرواد الذين تحدثوا عن جمال الطبيعة.إن الشاعر يتناول الوطن بشكل رمز جمالي فيختار الغزال ويمكن أن يصور الحنين بهيئة صياد يروح يطارد الغزال الوطن:

وطني

كغزال بريّ مذعور

لا حيلة لي

*

في أن أصطاده إلا

أن أطلق سهمي

إنّ هناك علاقة حميمية بين الشاعر والوطن محكومة بالحركة والعنف والقوة والقسوة في بعض الأحيان فلم يعد المهجر السابق كما هو ولم يعد الوطن الأصلي ببعيد عن المهاجر بفعل التقدم العلمي ووسائل التواصل الاجتماعي والميديا.

الخاتمة

بهذا نكون قد مررنا مرورا سريعا على قضية تطور الشعر العربي وتحرره فرأينا أن الشعر العربي حيوي بقيمته يستطيع أن يواكب الأحداث والتطورات زإن قيمته الفنية والجمالية في تطره وإنه سيبقى ديوانا للعرب مادام ينبض بتلك الحيوية والقدرة على النموّ والتطوّر

***

الأستاذ الدكتور سعيد جمال الدين - ما يانغ جغ

رئيس قسم اللغة العربية، كلية الدراسات الدولية، جامعة صون يات سان

......................

المهرجان الدولي لشعر الشباب عام 2026

الدورة الخاصة بالصين والدول العربية

الجهات الرّاعية: اتحاد الكتاب الصينيين

دائرة الاعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة كانتون

دائرة الاعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في بكين

5-مايوعام 2026 كانتون

دراسة نقدية موسّعة لقصيدة: «إلى نديمِ شعرٍ وعود» للشاعر الجزار الأنيق

حين يلتقي الرثاء بالشعر، وتمتزج الخمرة بالموسيقى، ويتحوّل الغياب إلى نشيدٍ طويلٍ تتردّد أصداؤه في ذاكرة اللغة، يولد نصٌّ يتجاوز حدود البكاء التقليدي ليغدو تجربةً وجوديةً وجماليةً مركّبة. ومن هذا الأفق تنبثق قصيدة «إلى نديم شعر وعود» للشاعر الجزار الأنيق، بوصفها نصّاً مفتوحاً على تعدّد الأصوات والدلالات، يستدعي التراث الخمري العربي، ويستثمر الموسيقى الشرقية، ويعيد صياغة الرثاء ضمن رؤية حداثية تتشابك فيها الذات بالموت، والقصيدة بالنديم، والكأس بالزمن، والعود بالذاكرة.

إنّ هذه القصيدة لا تُقرأ باعتبارها مرثيةً لشخصٍ غائب فحسب، بل باعتبارها رثاءً لمرحلةٍ جماليةٍ كاملة، وانكساراً لزمنٍ كانت فيه الموسيقى والشعر يشكّلان ملاذاً روحياً وإنسانياً في مواجهة قسوة العالم. ولهذا، فإنّ النص يتحرك داخل شبكةٍ معقّدة من الرموز والإشارات والاستعارات، حيث تتداخل المقامات الموسيقية بالوجدان، وتتحوّل الكؤوس إلى استعاراتٍ للفقد، ويغدو الغناء شكلاً من أشكال المقاومة الوجودية ضد العدم والنسيان.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولة مقاربة النص مقاربةً نقديةً شاملة، تستند إلى جملةٍ من المناهج المتداخلة: الأسلوبية، والبلاغية، والسيميائية، والنفسية، والتفكيكية، والتأويلية، فضلاً عن النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحةً على إمكانات متعددة للمعنى، لا تُختزل في قراءةٍ واحدة أو تأويلٍ نهائي. فالنص الشعري الحقيقي لا يمنح قارئه معنى جاهزاً، بل يورّطه في لعبة التأويل، ويجعله شريكاً في إنتاج الدلالة، حيث تتولّد المعاني من التفاعل المستمر بين النص والقارئ والسياق الثقافي والمعرفي.

ومن هنا، ستسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية اللغوية والإيقاعية والرمزية للقصيدة، والكشف عن أنظمتها الدلالية العميقة، وتحليل صورها الحركية والتحوّلية، واستجلاء أبعادها الفلسفية والإيروتيكية والوجودية، إضافةً إلى قراءة بنيتها النحوية والانزياحية بوصفها جزءاً من هندستها الجمالية. كما ستقف الدراسة عند التفاعل الخلّاق بين التراث والحداثة داخل النص، وعند قدرة الشاعر على تحويل الرثاء من حالة وجدانية خاصة إلى سؤال إنساني شامل يتصل بالفقد، والذاكرة، والهوية، والمصير.

إنّ «إلى نديم شعر وعود» ليست مجرد قصيدة تُقال، بل عالمٌ شعريّ كامل تُضاء فيه اللغة بنار الحنين، وتُعزف فيه المأساة على أوتار الغياب، حتى يبدو النص وكأنه مرثيةٌ للموسيقى ذاتها، واحتجاجٌ جمالي ضد انطفاء المعنى في زمن الاستهلاك والتفاهة. ومن هنا تأتي فرادة هذه القصيدة؛ إذ تنجح في أن تجعل من الحزن فناً، ومن الفقد نشيداً، ومن الموت شكلاً آخر للحضور الأبدي في ذاكرة الشعر.

تُمثّل قصيدة «إلى نديم شعر وعود» نصّاً رثائياً حداثياً بالغَ الكثافة الجمالية والدلالية، يتجاوز مفهوم الرثاء التقليدي بوصفه بكائيةً على الفقد، ليغدو نصاً وجودياً مركباً تتداخل فيه الخمرة بالموسيقى، والنديم بالقصيدة، والموت بالبعث الرمزي، في معمارٍ شعريّ يقوم على التناصّ الثقافي، والانزياح البلاغي، والتكثيف الإيقاعي، وتعدّد الطبقات التأويلية. إننا أمام نصّ لا يرثي شخصاً بقدر ما يرثي زمناً جمالياً كاملاً، وانهيار منظومة الذوق والمعنى في ما يسمّيه النص ذاته: «عصر التفاهة».

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم القصيدة على لغةٍ عربية جزلة ذات نفس تراثي واضح، تستثمر القاموس الكلاسيكي دون أن تقع في أسر المحاكاة العتيقة. فاللغة هنا ليست زخرفةً بل بنية دلالية تولّد الإيقاع والمعنى معاً.

يقول:

يا صاحبي بعضُ الغناءِ نبيذُ

أيمسّنا سكرٌ وأنت بعيدُ؟

يفتتح الشاعر بالاستفهام الإنكاري الذي يحمل شحنة وجدانية عالية، حيث يتحوّل الغناء إلى «نبيذ»، وهي استعارة تأسيسية ستبني عليها القصيدة شبكتها الرمزية اللاحقة. إنّ الخمرة هنا ليست خمرةً حسية، بل خمرة وجودية - جمالية ترتبط بالنشوة الفنية والرفقة الروحية.

أسلوبياً، تعتمد القصيدة على:

الجملة الفعلية ذات الحركة المستمرة.

التراكيب الانفعالية.

النداء التكراري.

الاستفهام بوصفه أداة قلق وجودي.

الانزياح التركيبي الذي يفكك المألوف اللغوي.

مثل قوله:

مع ركنك الخالي أدير حديثنا

مرسول حب، والرسول فقيدُ

فالشاعر لا يدير الحديث مع الشخص، بل مع «الركن الخالي»، أي مع الغياب ذاته، وهنا يتحول الفراغ إلى كيان حواري.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تمتلك القصيدة توازناً دقيقاً بين فخامة اللفظ وحرارة الشعور. فاللغة لا تبدو متكلّفة رغم غناها المعجمي، بل تأتي منسجمة مع طبيعة الرثاء الوجداني.

نلاحظ حضور ألفاظ مثل:

السلاف، الطلا، العناقيد، النُدَامى، المقامات، البياتي، النهوند، الرست.

وهي ألفاظ تؤسس حقلاً دلالياً مزدوجاً:

حقل الخمرة.

وحقل الموسيقى.

وهذا الامتزاج يشكّل أحد أبرز جماليات النص.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة موزونة، بما يمنحها من طاقة إنشادية عالية تناسب النبرة الرثائية الغنائية.

ويتجلّى المعمار الصوتي عبر:

أ ـ التكرار الإيقاعي

يا أول الكاسات

يا ثاني الكاسات

يا ثالث الكاسات...

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يخلق طقساً جنائزياً دائرياً يشبه التراتيل الصوفية.

ب ـ الموسيقى الداخلية

من خلال:

الجناس.

التوازي التركيبي.

تقابل الأصوات.

المدود الطويلة.

مثل:

كأس المنية يا رفيق فناؤها

عند الندامى رشفها تخليدُ

حيث يتقابل:

الفناء - التخليد.

المنية - الندامى.

في بنية صوتية ودلالية مزدوجة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

القصيدة ذات بنية تصاعدية تبدأ من:

الصدمة، ثم:

استدعاء الذاكرة، ثم:

استحضار النديم، ثم:

تفكيك العالم بعد غيابه، وأخيراً:

التصالح التراجيدي مع الموت.

النص يتحرك درامياً عبر:

أ- النداء.

ب- الحوار الغائب.

ج- الطقس الخمري.

د- الاستدعاء الموسيقي.

وكأننا أمام «مرثية مسرحية».

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا تقوم على:

أ- تمجيد الفن.

ب- مقاومة النسيان.

ج- تحويل الموسيقى إلى خلاص وجودي.

إنّ الراحل ليس فرداً فقط، بل حاملُ معنى جمالي. لذلك يقول:

يا حامل الأمجاد كيف تركتها

ثكلى، وحزن الأغنيات شديدُ؟

فالأغنيات نفسها تدخل في حالة حداد.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص ينجح في إنتاج الدهشة عبر:

مزج الخمرة بالموت.

تحويل المقامات الموسيقية إلى كائنات يتيمة.

تشخيص الغناء والأوتار والكؤوس.

مثل:

الكرد والنهوند فيك تيتموا

فجع البياتي والصبا مكبودُ

هنا تتحول المقامات الموسيقية إلى أيتام ثكالى.

الصورة الحركية والتحوّلية

١. الصور التحولية

النص قائم على التحول:

الغناء - نبيذ.

العود - سياط.

المقامات - خيل.

الكأس - قبر.

الموت - تخليد.

٢. الاندماج الحسي - التبادل الوجودي

هناك تداخل حسي واضح:

أ - الموسيقى تُشرب.

ب - الخمرة تُسمع.

ج- الأوتار تنزف.

اللحن يسجد.

مثل:

ما كل لحن كالصلاة سجودُ؟

وهو انزياح مذهل يحوّل الموسيقى إلى طقس روحي.

٣. استعارة الامتزاج

تتداخل:

الذات بالشعر.

الخمرة بالقصيدة.

النديم بالموسيقى.

الموت بالحياة.

حتى يصبح الفقد فقداً للهوية الفنية نفسها.

٤. الانزياح التركيبي

مثل:

هل للغناء بفقده أعنابنا؟

فالأعناب هنا ليست للخمر فقط، بل للغناء.

٥. الانزياح الزمني

الزمن في النص غير خطي:

الماضي حاضر.

الغائب حي.

الميت يعود في الذاكرة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

أ- الفن والموت.

ب- الذاكرة والنسيان.

ج- جدوى الجمال في عصر التفاهة.

د- إمكانية الخلود عبر الفن.

٢. الأفق المعرفي

النص متشابك مع:

أ- التراث الخمري العباسي.

ب- الرثاء العربي.

ج- الموسيقى الشرقية.

د- الحس الصوفي.

ه - الحداثة الوجودية.

ويتناص خصوصاً مع: أبو نواس

وأبو الطيب المتنبي

وعمر الخيام

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

في القراءة التأويلية:

الخمرة تساوي الوعي الجمالي.

النديم يساوي الذات الثانية.

العود يساوي الذاكرة.

الكأس يساوي الزمن.

الموت يساوي عبور رمزي.

وبالتالي فالنص لا يرثي شخصاً، بل يرثي انطفاء المعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

النص ابنُ زمنٍ يشعر فيه الشاعر بانهيار الذائقة الفنية، لذا يستحضر الماضي بوصفه ملاذاً جمالياً.

٢. تطور النوع الأدبي

القصيدة تمثل:

تحديثاً للمرثية التقليدية.

ودمجاً بين القصيدة الغنائية والرثاء الفلسفي.

٣. الارتباط بالتراث

يتفاعل النص مع:

خمريات أبي نواس.

الرثاء الأندلسي.

المقامات الموسيقية العربية.

الحس الصوفي.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

يسيطر:

الحنين.

الفقد.

الإنكار.

التعلّق المرضي بالذاكرة.

٢. النبرة النفسية

النبرة بين:

أ- السكر الرمزي.

ب- الانهيار الداخلي.

ج- السخرية السوداء.

د- التحدي للموت.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يحمل احتجاجاً ضمنياً ضد:

أ- عصر التفاهة.

ب- سقوط القيمة الفنية.

ج- استهلاك الفن.

والآن يا عصر التفاهة قل لنا

هل بعد موت النابغات وليدُ؟

وهنا يتحول الرثاء إلى نقد حضاري.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات المركزية

العلامة، الدلالة، الخمر، النشوة الجمالية، العود، الذاكرة. الكأس، الزمن، المقامات، الهوية الثقافية، النديم، الذات المكملة، الليل، الوجود، القلق.

ثامناً: القراءة الاحتمالية للنص

وفق النقد الاحتمالي: النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة معانٍ مفتوحة.

فالقصيدة يمكن قراءتها بوصفها:

أ- مرثية لصديق.

ب- رثاء للموسيقى العربية.

ج- احتجاجاً على عصر التفاهة.

د- بحثاً عن الخلود.

ه- نصاً إيروتيكياً مقنّعاً بالخمرة.

خطاباً صوفياً عن الاتحاد الروحي.

البعد الإيروتيكي:

الإيروتيكية هنا ليست جسدية مباشرة، بل:

حسية روحية.

قائمة على التماهي.

الامتزاج.

النشوة.

الجسد الموسيقي.

فالخمرة والعود والكأس والرقص كلها علامات إيروسية مؤنسنة.

تاسعاً: قراءة لغوية نحوية مختصرة

إعراب جمل مهمة

يا صاحبي بعض الغناء نبيذُ

يا: أداة نداء.

صاحبي: منادى مضاف منصوب.

بعضُ: مبتدأ مرفوع.

الغناءِ: مضاف إليه.

نبيذُ: خبر مرفوع.

ما كل لحن كالصلاة سجودُ؟

ما: نافية.

كلُّ: مبتدأ.

لحنٍ: مضاف إليه.

كالصلاة: جار ومجرور.

سجودُ: خبر مرفوع.

الكرد والنهوند فيك تيتموا

الكردُ: مبتدأ.

النهوندُ: معطوف.

فيك: جار ومجرور.

تيتموا: فعل ماضٍ.

خاتمة:

تُعدّ قصيدة «إلى نديم شعر وعود» نصاً شعرياً عميقاً متعدد الطبقات، يجمع بين الفخامة التراثية والوعي الحداثي، ويحوّل الرثاء إلى تجربة وجودية كبرى تتشابك فيها الموسيقى بالموت، والخمرة بالذاكرة، والصداقة بفلسفة الفناء. إنها قصيدة لا تُقرأ بوصفها مرثية فقط، بل بوصفها مقاومة جمالية ضد اندثار المعنى في زمن الضجيج والتفاهة، ونصاً مفتوحاً على احتمالات تأويلية لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

إِلَى: نَدِيمِ شِّعْرٍ وَ عُودٍ

​يَا صَاحِبِي بَعْضُ الْغِنَاءِ نَبِيذُ

أَيَمُسُّنَا سُكْرٌ وَأَنْتَ بَعِيدُ؟

*

بِالدَّمْعَةِ الْحَمْرَاءِ نَخْبِي مُتْرَعٌ

كَأْسَانِ، وَالسَّاقِي عَلَيَّ شُهُودُ

*

مَعَ رُكْنِكَ الْخَالِي أُدِيرُ حَدِيثَنَا

مَرْسُولَ حُبٍّ، وَالرَّسُولُ فَقِيدُ

*

مَا بَالُ «آنْفَا» أُوحِشَتْ أَعْوَادُهَا

وَالصَّمْتُ فِي أَحْشَائِهَا سَفُّودُ؟

*

يَا صَاحِبِي، «الْبَيْضَاءُ» ضَاعَ بَيَاضُهَا

لَمَّا انْطَوَى فِي كَفْنِكَ التَّغْرِيدُ

*

مَنْ لِلْمَوَاوِيلِ الْحَزِينَةِ يَا فَتَى؟

بَعْدَ «الْعَمِيدِ» أَهَلْ لَهَا تَعْمِيدُ؟

*

مَنْ كَانَ فِي الْكَاسَاتِ لَحْنُهُ كَرْمَةً

مَنْ كَانَ عُودُهُ بِالسُّلَافِ يُجِيدُ؟

*

هَلْ لِلْغِنَاءِ بِفَقْدِهِ أَعْنَابُنَا؟

يَدُ صَاحِبِي إِنْ صَبَّهَا عُنْقُودُ

*

هَلْ ثَمَّ عُودٌ كَالَّذِي أَذَّنْتَهُ

مَا كُلُّ لَحْنٍ كَالصَّلَاةِ سُجُودُ؟

*

كَمْ قُلْتَ لِي: الْأَوْتَارُ بَعْضُ عُرُوقِنَا

مَنْ يَا «وَهَّابُ» بِنَزْفِهِ سَيَجُودُ؟

*

تِلْكَ الْمَقَامَاتُ الَّتِي أَسْرَجْتَهَا

خَيْلًا عَدَتْ، وَسِيَاطُهُنَّكَ عُودُ

*

عَجَمٌ وَسِيكَا وَالْحِجازُ تغربوا

وَالرَّسْتُ بَعْدَكَ يَا عَمِيدُ شَرِيدُ

*

الْكُرْدُ وَالنَّهَوَنْدُ فِيكَ تَيَتَّمُوا

فُجِعَ الْبَيَاتِي وَالصَّبَا مَكْبُودُ

*

هَلْ يُنْطِقُ الْأَوْتَارَ بَعْدَكَ عَازِفٌ

أَوْ يُنْتَشَى لَحْنٌ وَتَرْقُصُ غِيدُ؟

*

أَوْ يُؤْنِسُ الْأَرْوَاحَ بَعْدَكَ مُؤْنِسٌ

لَا هِي «أُمُّ كُلْثُومٍ» وَلَاهُ «فَرِيدُ»؟

*

فِي اللَّحْظَةِ الْأُولَى مَعًا ضُرِبَتْ لَنَا

فَوْقَ الصَّدَاقَةِ عُهْدَةٌ وَقُيُودُ

*

وَاللَّيْلُ فِي «كَازَا» نُمَاطِلُ صُبْحهُ

مِنْ نُوتَةٍ لِقَصِيدَةٍ تَمْدِيدُ

*

فِي «الزَّرْقَطُونِي» كَمْ يَطُولُ وَدَاعُنَا

وَهُنَا اللِّقَا عِنْدَ الْمَسَا مَوْعُودُ

*

لِي فِي الضَّيَاعِ شَوَارِعٌ وَأَزِقَّةٌ

وَزُجَاجَةٌ وَتَسَكُّعٌ وَنَشِيدُ

*

أَمْشِي وَظِلُّكَ فِي الزِّحَامِ يَقُودُنِي

عَنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَجْهُكَ الْمَفْقُودُ

*

يَا حَامِلَ الْأَمْجَادِ كَيْفَ تَرَكْتَهَا

ثَكْلَى، وَحُزْنُ الْأُغْنِيَاتِ شَدِيدُ؟

*

مَعَ مَنْ أُنَادِمُ يَا عَمِيدُ قَصَائِدِي

مَعَ مَنْ يَدُورُ الْكَأْسُ وَالتَّصْعِيدُ؟

*

مَعَ مَنْ يَطُولُ اللَّيْلُ بَعْدَكَ صَاحِبِي

وَحْدِي وَجَفْنُ النَّوْمِ فِيكَ عَنِيدُ

*

وَالْآنَ يَا «عَصْرَ التَّفَاهَةِ» قُلْ لَنَا

هَلْ بَعْدَ مَوْتِ النَّابِغَاتِ وَلِيدُ؟

*

مَا جِئْتُ أَشْرَبُ كَيْ أَغِيبَ، وَإِنَّمَا

كَيْ أَسْتَعِيدَكَ، وَالْمُحَالُ طَرِيدُ

*

يَا أَوَّلَ الْكَاسَاتِ أَيْنَهُ صَاحِبِي

هَلْ مِنْ كُؤُوسِ الْخَمْرِ عَزَّ بَرِيدُ؟

*

يَا ثَانِيَ الْكَاسَاتِ مِنْكَ هِلَالُهُ

لو مِنْ كُرُومِ الْحُزْنِ يُعْصَرُ عِيدُ

*

يَا ثَالِثَ الْكَاسَاتِ مَوْتُهُ مُزْحَةٌ

مِنْ بَابِ مَتْحَفِهِ عَسَاهُ يَعُودُ

*

يَا رَابِعَ الْكَاسَاتِ دُورِي بَيْنَنَا

بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي الْقُبُورِ وَرِيدُ

*

يَا خَامِسَ الْكَاسَاتِ هَذَا عَهْدُنَا

مَنْ مَاتَ مِنَّا كَأْسُهُ مَعْدُودُ

*

يَا سَادِسَ الْكَاسَاتِ أُعْلِنُ بَعْثَهُ

عَنْ أَنْفِ «عَزْرَائِيلَ» لِي مَرْدُودُ

*

يَا سَابِعَ الْكَاسَاتِ كَيْفَ بِدُونِهِ

فِي خِصْرِ نَادِلَةٍ يَدُورُ قَصِيدُ؟

*

يَا ثَامِنَ الْكَاسَاتِ دَفْعُ حِسَابِنَا

مَعَ مَنْ يُقَامُ سِبَاقُنَا الْمَعْهُودُ

*

يَا تَاسِعَ الْكَاسَاتِ أَيْنكِ مِنْ دَمِي

لَا الرَّأْسُ دَارَتْ لَا الْبَلَاطُ يَمِيدُ

*

يَا عَاشِرَ الْكَاسَاتِ حَسْبُكِ صَاحِيًا

مَا قَالَهُ سُكْرِي، نَفَى التَّنْهِيدُ

*

يَا خَمْرُ أَيْنَكِ مِنْ عُيُونِي فِي الْعَمَى

بَصَرِي هُنَا تَحْتَ الْخُمُورِ حَدِيدُ

*

وَنَقُولُ: إِنَّ الْمَوْتَ ضُيِّعَ بَيْنَنَا

وَإِذَا بِهِ بَيْنَ الصِّحَابِ رَشِيدُ

*

كَأْسُ الْمَنِيَّةِ يَا رَفِيقُ فَنَاؤُهَا

عِنْدَ النُّدَامَى رَشْفُهَا تَخْلِيدُ

*

كُنَّا عَلَى رَفْعِ الْعُتَاقِ شَدَائِدًا

وَكَأَنَّنَا «عَادٌ» بِهَا وَ«ثَمُودُ»

*

كُنَّا عَلَى كَأْسِ الطِّلَا أَسْيَادَهَا

مِنْ يَوْمِ فَقْدِكَ لِلْكُؤُوسِ عَبِيدُ

*

مَوْتُ النَّدِيمِ أَيَا نَدِيمُ مُؤَجَّلٌ

بَعْضُ الْكُؤُوسِ لَهَا الْفَقِيدُ شَهِيدُ

*

فَقْدُ الشَّقِيقِ وَكَمْ يُضَمَّدُ جُرْحُهُ

عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمَا لَهُ تَضْمِيدُ

*

مَنْ مَاتَ مِثْلَكَ يَا رَفِيقِي لَمْ يَمُتْ

مِذْيَاعَ صُبْحِكَ لَسْتُ عَنْهُ أَحِيدُ

*

لَا شَيْءَ بَعْدَكَ وَالْخُمُورُ قَدِيمَةٌ

مَا عَادَ لِي تَحْتَ السَّمَاءِ جَدِيدُ

*

نَمْ يَا صَدِيقِي لَا عَدِمْتَ سَكِينَةً

أَنَا بَعْدَكَ الْأَشْقَى، وَأَنْتَ سَعِيدُ.

***

​الجزار الأنيق

 

قراءة بنيوية نفسية في رواية الكاتب الكوردي كوڤان سندي

صدرت رواية (الحداد الأعور) للكاتب الكوردي كوڤان سندي عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب سنة 2025، وتقع في 252 صفحة من القطع المتوسط.؛ وقد صدرت بالعربية بترجمة كنعان بليج، المترجمة عن الكوردية الكرمانجية إلى العربية، التي نجحت في نقل حساسية النص وأجوائه إلى المتلقی بلغة رصينة وحافظة لنبرة الأصل؛ لوحة الغلاف التي أنجزها الفنان جوان گران تشكل عتبة بصرية دالة، إذ تلتقط توتر الرواية بين جسد معطوب وعالم قاس، وتؤطر سرد الحداد الأعور في مناخ من العتمة والشرر؛ بهذه العناصر المادية والجمالية (دار نشر متخصصة، ترجمة متمكنة، وغلاف معبر) يتعزز حضور الرواية في سياق السرد الكوردي المترجم إلى العربية، وتقدم للمتلقي بوصفها نصا يشتغل بجدية على سؤال الجسد والهامش.

في زمن تتكاثر فيه الأصوات الروائية التي تكتب عن الخراب العام، تأتي رواية " الحداد الأعور" لكاتبها كوڤان سندي،  لتختار زاوية مغايرة؛ لا تبدأ من الكوارث الكبرى ولا من شعارات السياسة، بل من ورشة حدادة صغيرة وجسد رجل ناقص العين، لتعيد عبرهما طرح السؤال القديم‑الجديد: من الأعمى حقا؛ من فقد عينا في وجهه، أم المجتمع الذي فقد بصيرته بأكمله؟ الرواية، في بنيتها وأسلوبها، تنتمي إلى تيار السرد الحداثي الذي يفضل الاقتراب من العالم عبر الشخصيات الهامشية، لكنها تفعل ذلك بوعي فني واضح، يمزج بين واقعية قاتمة ولمسات مجازية تجعل من (العور) أكثر من عاهة جسدية، بل استعارة كبرى للرؤية الملتبسة في زمن مضطرب.

منذ الصفحات الأولى، يقدم النص شخصية الحداد الأعور بوصفها مركز الجاذبية السردية: رجل يشتغل بالنار والحديد، في مهنة تفترض القوة والدقة والصلابة، بينما يحمل في وجهه علامة نقص فادحة، وجسدا يعاني من تعب مزمن، ونفسا مثقلة بما راكمته السنوات من خيبات؛ هذه المفارقة بين قسوة المادة التي يصوغها وبين هشاشة الجسد الذي يحملها، تصبح تدريجيا المفتاح الأهم لفهم الرواية.

أولا: الحداد الأعور… جسد مكسور وكرامة تقاوم

لا تقدم الرواية حدادها الأعور كبطل استثنائي أو (منقذ) رمزي، بل كإنسان عادي إلى حد الألم، يعيش في الهامش الاجتماعي والجغرافي، ويكافح من أجل البقاء اليومي؛ العاهة هنا ليست مجرد تفصيل في الخلفية، بل تذكر المتلقي على الدوام بأننا أمام ذات تعيش فقدا دائما، لا يمكن ترميمه، وأن هذا الفقد ليس منفصلا عن شكل العالم الذي يتحرك فيه.

في الطريقة التي يروى بها الجسد، نلمس حساسية واضحة: لا تقع الرواية في فخ الشفقة، ولا تتورط في تمجيد بطولي مجاني؛ بل تترك الحداد يتكلم من موقعه بوصفه شخصا تعلم أن يتعايش مع نقصه، ويحوله أحيانا إلى سلاح بارد في مواجهة نظرات الآخرين وتعليقاتهم؛ يشتغل الكاتب على تفاصيل صغيرة: كيف يلتقط الضوء في العين السليمة، كيف يتجنب النظر المباشر في وجوه الناس، كيف يعيد ترتيب حركة جسده في الورشة تعويضا عن فقدانه زاوية من مجاله البصري.

من خلال هذه التفاصيل، يتحول الجسد المعطوب إلى مرآة لعطب أوسع: المجتمع نفسه مصاب بعمى من نوع آخر، يرفض أن يرى المهمشين، ويشيح بوجهه عن الآلام اليومية التي لا تدخل في عداد (الأحداث الكبرى؛ المفارقة أن الحداد، الذي يفترض أنه الأقل رؤية، يبدو في لحظات كثيرة أكثر وعيا من الآخرين بما يجري حوله: يلتقط إشارات الخوف في عيون الزبائن، يقرأ في وجوه أبناء الحي آثار الفقر والقهر، ويرى في وجوه رجال السلطة ما يتجاوز مظهرهم الرسمي من هشاشة أو استعلاء.2738 blacksmith

ثانيا: البناء السردي… زمن متكسر يعكس وعيا متشظيا

لا تقوم رواية (الحداد الأعور) على خط زمني مستقيم يروي حياة البطل من الطفولة إلى اللحظة الراهنة، بل تعتمد شكلا أقرب إلى التقطيع: مقاطع سردية تتقدم وتتأخر، استرجاعات تنفتح من مشهد حالي إلى حادثة قديمة، وثغرات زمنية تترك للمتلقي مهمة إعادة تركيب التسلسل التاريخي للمصائر؛ هذا الاختيار الفني لا يبدو اعتباطيا؛ فهو ينسجم مع طبيعة الوعي الذي تحاول الرواية تجسيده: وعي رجل يعيش الحاضر تحت ثقل الماضي، لا يرى خط الزمن إلا كسلسلة من الصدمات المتراكمة.

الراوي، في معظم المقاطع، يقترب كثيرا من وعي الحداد، سواء تحدث بصوته المباشر أو من خلال راو بضمير الغائب ملتصق بمشاعره وتفاصيل يومه، هذه التقنية تمنح السرد نوعا من الحميمة، وتجعل المتلقي يعيش إلى جوار الشخصية في الورشة والبيت والشارع، من دون مسافة كبيرة أو تعال تأملي. غير أن الراوي لا يكتفي بالتماهي؛ ثمة لحظات يبتعد فيها عن الحداد، ينظر إليه من الخارج، كمن يعاين حالة اجتماعية قبل أن يعاين فردا بعينه، وهو ما يتيح للرواية أن تجمع بين حرارة التجربة الفردية واتساع النظرة الاجتماعية.

كذلك، تبرز في البناء السردي مشاهد مفصلية يعيد النص الدوران حولها من زوايا مختلفة: حادثة مرتبطة بالعاهة أو بجرح سابق، مواجهة مهينة مع سلطة ما، موقف من الماضي العائلي يلقي بظله على الحاضر، هذه المشاهد لا تروى مرة واحدة ثم تنسى، بل تستعاد في لحظات مختلفة، كل مرة مع تفصيل جديد أو شعور مختلف، مما يخلق إحساسا بأن الزمن نفسه جرح مفتوح، لا ينغلق بسهولة.

ثالثا: المكان والهامش… ورشة الحديد كصورة للعالم

تمنح الرواية مكان الحداد – ورشة الحديد – دورا مركزيا، حتى تكاد تتحول إلى شخصية موازية له؛ الورشة ليست مجرد فضاء عمل، بل هي مسرح يومي يمر عبره العالم: زبائن من طبقات مختلفة، أصوات الشارع، أخبار المدينة، شائعات السياسة، وحكايات الناس الصغيرة؛ كل قطعة حديد تشكل هناك، كل شرارة نار تتطاير، تبدو كأنها جزء من إيقاع عالم كامل يعيش على الحافة.

يرسم الحي المحيط بورشة الحداد بوصفه هامشا اجتماعيا: بنايات متعبة، شوارع مكتظة، فقر واضح في التفاصيل اليومية، وأحيانا حضور لسلطات أمنية أو بلدية لا تدخل إلا بوصفها قوة قمع أو تهديد؛ لا نجد في هذا الحي ملامح المدينة الحديثة المترفة، بل ملامح مدينة مهملة، يطالب أهلها بأبسط مقومات الحياة، ويتعاملون مع العنف بوصفه جزءا من العادي اليومي.

من خلال هذا المكان، تطرح الرواية قراءة ضمنية لعلاقة المركز بالهامش: الحداد وأمثاله يدفعون ثمن خيارات سياسية واقتصادية لا يشاركون في صنعها؛ يعملون بأجور زهيدة، ويتعرضون للاستغلال، بينما يعيش أصحاب القرار في فضاءات أخرى، بعيدة جغرافيا ورمزيا، المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل تجسيد لهيمنة بنية اجتماعية لا تعترف بكرامة الأفراد إلا بمقدار ما يخدمون استمرارها.

رابعا: لغة الرواية… بين واقعية حادة وتكثيف مجازي

اللغة في (الحداد الأعور) تنوس بين مستويين: لغة وصفية واقعية دقيقة حين يتعلق الأمر بالتفاصيل اليومية (أصوات الطرق على الحديد، روائح الورشة، عرق الجسد تحت حرارة النار، ملامح الزبائن)، ولغة أكثر تكثيفا حين يغوص السرد في أعماق وعي الحداد، أو حين يتأمل في معنى ما يجري حوله.

الجمل غالبا ليست طويلة متعرجة، بل تميل إلى القِصر والتوتر، وكأنها مطارق صغيرة تضرب على معنى محدد ثم تنتقل إلى غيره؛ هذا الإيقاع يدعم الإحساس بشفافية السرد من جهة، وبتوتر العالم المروي من جهة أخرى؛ فكأن النص نفسه يعيش على حافة الانفجار، كما يعيش بطله على حافة الانهيار أو الانفجار النفسي.

على مستوى المعجم، تهيمن حقول دلالية واضحة: النار، الحديد، العين، العتمة، الوجع، القهر. هذه الكلمات تتكرر بصيغ مختلفة، في السرد والوصف والحوار، فتخلق شبكة من الترابطات تجعل من قراءة الرواية تجربة حسية بقدر ما هي فكرية؛ حين يصف الكاتب النار في الفرن، أو وهج الحديد وهو يطرق، يشعر المتلقي بحرارة المشهد، كما يشعر بثقله الرمزي: هذه النار ليست فقط أداة عمل، بل هي صورة عن عنف العالم، وعن محاولات الإنسان العبثية لتطويع الواقع القاسي.

أما الحوارات، فتأتي في معظم الأحيان طبيعية، منسجمة مع خلفيات الشخصيات ومستواها الثقافي والاجتماعي؛ لا تتحول الشخصيات الفقيرة فجأة إلى فلاسفة، ولا يتحدث رجال السلطة بلغة شاعرية؛ هناك عناية بأن يبقى لكل صوت نبرته الخاصة؛ ومع ذلك، لا يخلو النص من لحظات يلمع فيها صوت الكاتب نفسه عبر جملة مكثفة أو تعليق عابر، يفتح فجأة أفقا فلسفيا فوق المشهد الواقعي، من دون أن يخرجه تماما من سياقه.

خامسا: ثيمات الرواية… العاهة كاستعارة والعنف كبنية

يمكن تلخيص الثيمات الكبرى في الرواية في محورين متداخلين؛ الاول: العاهة كاستعارة للوجود المبتور: لا تقدم عاهة العين بوصفها حالة فردية فريدة، بل بوصفها صورة مكثفة عن حالة مجتمع يعيش نقصا دائما: نقص العدالة، نقص الأمان، نقص الاعتراف. الحداد الأعور يرى العالم ناقصا، لكنه يدرك تدريجيا أن النقص ليس في عينه وحدها، بل في البنية التي تجعل أمثاله في موقع دائم من الهشاشة. الثاني: العنف البنيوي في حياة الهامش، العنف في الرواية ليس مجرد ضرب أو إهانة عابرة؛ إنه سلوك يومي مطبع: طريقة تعامل الدولة مع مواطنيها، طريقة تعامل الأغنياء مع الفقراء، وحتى طريقة تعامل بعض المهمشين مع بعضهم بعضا تحت وطأة الضغط؛ يتجلى هذا العنف في اللغة الجافة، في الأوامر الصارمة، في الابتزاز، وفي نظرات الاحتقار، بقدر ما يتجلى في الضرب أو التهديد المباشر.

في تقاطع هاتين الثيمتين، تظهر رسالة الرواية الأعمق: إن الجسد المعطوب ليس حالة شاذة، بل هو نتيجة طبيعية لعالم مختل؛ وإذا كان الحداد الأعور يحمل في وجهه علامة واضحة على هذا العطب، فإن كثيرين من حوله يحملون عاهات أقل ظهورا، لكنها لا تقل قسوة: عاهات الخوف، الجبن، التواطؤ، واللامبالاة.

سادسا: بين التسجيل والاحتجاج… قيمة الرواية في المشهد الراهن

لا تسعى رواية (الحداد الأعور) إلى بناء ملحمة سياسية كبرى، ولا تتورط في سرد تاريخ شامل لحقبة بعينها؛ إنها تكتفي بالاقتراب من جزء صغير من هذا العالم، من ورشة حدادة وشخصية واحدة محورية، لكن هذا الاقتصار ليس تضييقا لأفق الرواية، بل هو على العكس ما يمنحها قوتها: فهي تذكر بأن التاريخ الحقيقي يصنع في التفاصيل الصغيرة، في حياة من لا تذكر أسماؤهم في نشرات الأخبار.

قيمة الرواية، في المشهد الروائي الحداثي الراهن، أنها تعيد الاعتبار للإنسان العادي جدا، المقهور جدا، من دون أن تحوله إلى بطل خارق أو ضحية لا حول لها ولا قوة؛ الحداد الأعور ليس قديسا ولا وحشا؛ هو إنسان يحاول أن ينجو، يخطئ ويصيب، يستسلم أحيانا ويتمرد أحيانا أخرى، ويقف في منطقة رمادية تعكس تعقيد الواقع الذي يعيش فيه.

من الناحية الفنية، يبقى للرواية بعض مواطن يمكن أن تؤخذ عليها: هناك مقاطع ربما تطول أكثر مما ينبغي، أو ثانوية لا تضيف كثيرا إلى المسار العام، وشخصيات تمر مرورا عابرا كان يمكن تعميق حضورها قليلا لإغناء عالم الحداد وتوسيع شبكة العلاقات من حوله؛ مع ذلك، لا يطغى هذا على الانطباع العام بأننا أمام نص محسوب في لغته، واع في اختياراته البنيوية، ومخلص لرؤيته إلى حد كبير.

في النهاية، يبدو أن " الحداد الأعور"  ليست رواية عن إعاقة فرد، بقدر ما هي رواية عن عالم يعري أفراده يوميا، جسديا ومعنويا، ويتركهم يواجهون مصائرهم في ورش صغيرة، وبيوت ضيقة، وشوارع مزدحمة، من دون أن يتكفل حتى بإعطائهم وهم الرؤية الكاملة؛ في هذا العالم، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا هذا الرجل أعور؟ بل: كيف استطاع، رغم عاهته، أن يرى ما لم يرده الآخرون أن يرى؟.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

٩-٥-٢٠٢٦

للأستاذة الإعلامية الشاعرة الروائية التونسية فضيلة مسعي

هذه الرواية عمل أدبي جريء يتجاوز السرد التقليدي، لتقديم لوحة فنية معقدة عن مأساة إنسانية ووطنية. تقوم القراءة النقدية على عدة محاور رئيسية:

أولاً: البناء السردي (القصة داخل القصة)

تستخدم الكاتبة تقنية "القصة داخل القصة" ببراعة. البداية تبدأ مع الكاتبة "راوية الخزرجي" التي تحلم بروايتها، ثم ننتقل إلى حياة "صبريانا" التي تعيش تفاصيلها، وأخيراً نكتشف أن كل ما عاشته صبريانا هو مجرد حلم موجود داخل رواية قديمة تقرأها "اللوحة القارئة". هذا التداخل بين عدة مستويات سردية يخلق تشويقاً ويدفع القارئ إلى التساؤل: أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال؟

ثانياً: المزج بين الواقع والخيال (الواقعي العجائبي)

الرواية لا تفرق بين ما هو معيش وممكن وما هو خارق ومستحيل. الأحداث المؤلمة التي يمر بها الشعب العراقي (القصف، القتل، الاحتلال، الفساد، الهجرة) تُقدّم مختلطة بعناصر عجائبية، مثل الحوار مع الموتى (شبح ناظم)، واللوحة التي تنطق وتقرأ، والإنجاب من حيوانات منوية محفوظة بعد وفاة الأب بتسع سنوات. هذا المزج يعكس حالة نفسية وجماعية هشة، حيث يصبح الخيال ملاذاً من واقع دموي لا يُحتمل.

ثالثاً: تقنيات السرد – الحلم والمونولوج الداخلي

تعتمد الرواية بشكل كبير على أحلام اليقظة والمونولوج الداخلي (الحديث مع الذات). صبريانا تجلس وتحادث نفسها، وتحادث شبح حبيبها، وتحادث اللوحة القارئة. هذا الأسلوب يكشف عن أعماق المعاناة النفسية، وعن تفتت الشخصية بين رغباتها وواقعها، وبين ما تخفيه وما تعلنه. الحلم في هذه الرواية ليس هروباً، بل هو أداة معرفية لفهم ما لا تستطيع الكلمات المباشرة التعبير عنه.

رابعاً: الشخصيات – بطلة من لحم ودم وحلم

صبريانا: الشخصية الرئيسية هي أكثر من امرأة عراقية تونسية. إنها رمز للذات العربية الممزقة بين الرغبة في الحياة والواقع القاسي. حبها لناظم الذي مات قبل أن تكبر هي، ثم إنجابها لولده بعد موته، يمثل حالة من التحدي للموت والاستمرار رغم كل شيء.

اللوحة القارئة: هذا الكيان الذي لا ينطق بالكلمات إلا بصوت مسموع هو من أبدع ابتكارات الرواية. هي تمثل الذاكرة الجماعية ورواية الأجداد التي تتوارثها الأجيال. هي التي تروي لصبريانا قصتها لتدرك أنها ليست مجرد فرد، بل هي وارثة لقصة قديمة.

شبح ناظم: ليس ذكرى عابرة، بل شخصية تفاعلية نشطة. هو الذي يكشف لصبريانا حقائق عن مشاعرها ويساعدها على رؤية أبعاد المؤامرات السياسية.

خامساً: اللغة والأسلوب

لغة الرواية شاعرية ومؤثرة، تعتمد على الصور البصرية القوية (وصف شارع المتنبي المدمر، وصف جثث الضحايا، وصف لوحة فراغونار). تتنقل اللغة بين الفصاحة الراقية والمرارة اليومية، وأحياناً بين الكلمات المباشرة القاسية واللغة الحلمية الموشحة بالعذوبة. هذا التباين يزيد من عمق الأثر العاطفي.

سادساً: الرؤيا السياسية والنقد الاجتماعي

الرواية هي ساحة مفتوحة لنقد السياسات الأمريكية في العراق بشكل خاص، ونقد الإمبريالية في العالم العربي بشكل عام. هي تفضح زيف "الديمقراطية المحمولة على دبابة"، وتكشف عن آليات تشكيل الطائفية، وتصور عملية تفريخ الجنود من خلال الاستنساخ كرمز للسيطرة الكاملة على الإنسان والأرض. النقد لا يقتصر على المحتل فقط، بل يمتد إلى طبقات المجتمع والفاسدين.

سابعاً: التقييم النقدي

- مناطق القوة: الرواية ابتكار فني متميز، يجرؤ على كسر الكثير من التابوهات (الاستنساخ، الحب بعد الموت، حوار الأموات). أسلوبها المعقد يضفي عليها عمقاً يستحق التأمل والقراءة المتكررة.

- ملاحظات: قد يشعر بعض القراء بأن الرواية طويلة جداً، وخصوصاً في فصولها الأخيرة، وأحياناً تتكرر بعض الأفكار السياسية. النهاية، التي تكشف أن كل ما عاشته صبريانا كان مجرد حلم يقظة لكاتبة اسمها راوية، قد تكون محبطة للقارئ، ولكنها في الوقت نفسه إضافة فنية تطرح سؤالاً حول طبيعة الإبداع نفسه.

خلاصة:

رواية "صبريانا" هي عمل ناضج وجريء، يربط بين ألم الماضي وأوجاع الحاضر، مازجاً الوثائقي بالخيال، ليعطي تصويراً حياً لمأساة إنسانية ووطنية. هي رواية تستحق القراءة بتمعن، وتترك في نفس القارئ أثراً عميقاً وعلامات استفهام كثيرة لا تزول.

***

بهيج حسن مسعود

 

دراسة بلاغية أسلوبية تطبيقية

يشكّل الخطاب الشعري الحديث فضاءً دلاليًا مركّبًا تتداخل فيه البنية اللغوية مع الأنساق الرمزية والتشكيلات التأويلية، بحيث يغدو النص الشعري مجالًا لإنتاج المعنى وإعادة تشكيله، لا مجرد وسيط لنقله. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة محمود درويش بوصفها واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية الحديثة اشتغالًا على الطاقات الكامنة في اللغة، حيث تتأسس قصيدته على وعي جمالي عميق بقدرة الخطاب الشعري على تفجير الدلالة عبر الانزياح والتكثيف والتوتر الأسلوبي. ومن هنا تغدو اللغة عنده بنيةً دينامية تتجاوز حدود التعبير المباشر لتتحول إلى أفق وجودي تتقاطع فيه الذات بالرمز، والواقع بالمتخيَّل، والحضور بالفقد.

وتُعدّ “الجداريّة” من النصوص المركزية في تجربة درويش الشعرية، لما تنطوي عليه من كثافة دلالية وثراء بلاغي يجعلها نصًا مفتوحًا على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل. فقد كُتبت القصيدة في سياق تجربة وجودية حادّة واجه فيها الشاعر تخوم الموت، الأمر الذي جعل الخطاب الشعري يتشكّل بوصفه مواجهةً مع الفناء ومحاولةً لإعادة بناء الذات عبر اللغة. ومن ثمّ لم تعد الكتابة فعلًا جماليًا فحسب، بل غدت فعلًا وجوديًا مضادًا للعدم.

وقد أسهمت اللسانيات الحديثة، منذ تصورات فرديناند دي سوسير، في إعادة النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلامات تتحدد قيمته من خلال العلاقات الداخلية بين الدوال والمدلولات، وهو ما فتح المجال أمام الدراسات الأسلوبية والسيميائية للكشف عن آليات اشتغال الخطاب الأدبي. ثم جاءت تصورات رولان بارت لتؤكد انفتاح النص وتعدديته الدلالية، حيث لا يُنظر إلى النص بوصفه بنية مغلقة ذات معنى ثابت، بل شبكة من العلامات القابلة لإعادة القراءة باستمرار. وفي السياق نفسه، بلور أمبرتو إيكو مفهوم “النص المفتوح”، الذي يجعل المعنى نتاجًا للتفاعل بين البنية النصية ووعي القارئ، لا معطًى نهائيًا مكتملًا.

في ضوء هذه التصورات، تتجلّى آليات التلاعب اللغوي في “الجداريّة” عبر جملة من التقنيات الأسلوبية التي تسهم في إنتاج خطاب دلالي شديد التعقيد. ويأتي الانزياح الدلالي في مقدمة هذه الآليات، إذ يعمد الشاعر إلى خرق أفق التوقّع اللغوي وإعادة توزيع الدلالة داخل السياق الشعري، بحيث تفقد المفردة معناها المعجمي المباشر لتكتسب أبعادًا رمزية ووجودية. كما يحضر التناص بوصفه استراتيجية لإعادة إنتاج المعنى، حيث تتداخل الإحالات الدينية والتاريخية والفلسفية داخل بنية النص، غير أنّها لا تُستعاد بصورتها المرجعية الثابتة، بل يعاد تشكيلها ضمن رؤية شعرية معاصرة تمنحها أفقًا إنسانيًا جديدًا.

ويتجلى ذلك بوضوح في قوله:

“هذا هو اسمك

قالت امرأةٌ، وغابت في الممرّ اللولبي”

فالاسم هنا لا يُقدَّم بوصفه علامة تعريفية محايدة، بل يتحول إلى جوهر وجودي يحفظ الكينونة من التلاشي. أما المرأة فلا تؤدي وظيفة سردية مباشرة، بل تنهض بوصفها بنية رمزية مفتوحة على احتمالات متعددة؛ إذ يمكن تأويلها باعتبارها تمثيلًا للحياة أو الذاكرة أو سلطة الغيب. ويأتي “الممر اللولبي” بوصفه صورة مكانية ذات أبعاد فلسفية ونفسية، تحيل إلى حركة دائرية لا نهائية تعكس قلق الذات وهي تعبر تخوم الحياة والموت. وهنا تتحول الصورة الشعرية من توصيف مكاني إلى استعارة وجودية كثيفة، يتداخل فيها الحسّي بالمجرّد، والمرئي بالميتافيزيقي.

كما ينهض التكرار بوظيفة تتجاوز الإيقاع الموسيقي إلى بناء التوتر الدلالي داخل النص. ففي تكرار عبارة:

“أنا لستُ لي”

لا يعود الضمير أداة إحالة مستقرة، بل يتحول إلى علامة على تشظّي الذات وانقسامها الداخلي. فالتكرار هنا يُنتج إيقاعًا دائريًا يوحي بانمحاء الهوية وتآكل اليقين الوجودي، بحيث تغدو الذات معلّقة بين الحضور والغياب، والانتماء والفقد. ومن ثمّ يتحول البناء الصوتي ذاته إلى عنصر دلالي يشارك في تشكيل الرؤية الشعرية.

ويقوم الخطاب الدلالي في “الجداريّة” على شبكة من الثنائيات المتوترة، مثل الحياة والموت، الحضور والغياب، الجسد واللغة، وهي ثنائيات لا تُطرح بهدف الحسم أو المفاضلة، بل لتوليد منطقة وسطى تتعالق فيها الحدود وتتداخل. ومن هنا تتأسس القصيدة على جدلية وجودية تجعل من اللغة فضاءً لمقاومة الفناء وإعادة إنتاج الذات. فالكتابة عند درويش ليست انعكاسًا للتجربة فحسب، بل إعادة خلق لها داخل النص.

وتتجلى القيمة البلاغية للنص في توظيفه المكثف للاستعارة والكناية والتوازي التركيبي، غير أن هذه الأدوات لا تُستخدم بوصفها زينة أسلوبية، بل بوصفها آليات منتجة للمعنى. فالاستعارة تنقل المفاهيم المجردة إلى صور حسية مشحونة بالإيحاء، فيما تفتح الكناية المجال أمام تعددية التأويل، ويمنح التوازي التركيبي الخطاب إيقاعًا داخليًا يعمّق البنية النفسية للنص. كما يتداخل المستوى الصوتي مع المستوى الدلالي تداخلًا عضويًا، بما يجعل القصيدة بنية متعددة الطبقات تستدعي قراءة تأويلية تتجاوز المعنى الظاهر إلى البنى العميقة الكامنة خلف الخطاب.

وعلى هذا الأساس، تكشف “الجداريّة” عن وعي شعري حداثي يجعل من اللغة أفقًا لإعادة تشكيل الوجود، لا مجرد أداة للتعبير عنه. فالنص عند محمود درويش يقوم على دينامية دلالية مفتوحة، تتشابك فيها الأبعاد الجمالية والفلسفية والوجودية ضمن خطاب شعري قادر على تجاوز حدود المباشرة إلى أفق إنساني أكثر عمقًا واتساعًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

السيرة الذاتيّة للشاعرة: "د. سمر محمد المحني". أديبة وباحثة اجتماعيّة من اليمن. تحمل شهادة دبلوم عالي من كلية التربية - جامعة الحديدة، اختصاص اجتماعيات.. وبكالوريوس شريعة وقانون من جامعة المستقبل – صنعاء.. ودبلوم في الجرافيك والتصميم (في المجال المهني).. ودكتوراه فخرية في مجال التنمية البشريّة.. ومدربة دوليّة بدرجة الامتياز.. تعمل حاليّاً رئيسة أكاديميّة الأدب والرواية والقصة والقصيدة.. وهي تحمل العديد من الشهادات المتعلقة بمجالات تنمية الإنسان وتطوير مهارته.. تكتب القصة القصيرة والشعر. ومن بين كتاباتها الأدبيّة اخترنا هذه القصيدة النثريّة (ربيع الفجر) موضوعا لدراستنا.

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة |ربيع الفجر":

إذا كان الربيع عند عشاق الطبيعة يتمثل في نسيمه وزهوره وخضرة وجمال الأرض التي يحل فيها، فإن الربيع عند الشاعرة الدكتورة "سمر محمد المحنبي" هو ربيع آخر.. هو ربيع يتجسد في حضور شخص افتقدته في حياتها، ومع حضوره استطاع أن يحيي كل يباس الروح عندها، فأعاد لحياتها بهجت حضورها، مثلما استطاع أن يعيد نسج عواطفها من جديد ليجعل منها روحاً تهيم في عالم من الفرح والسعادة افتقدتهما منذ زمن بعيد.

ها هي الشاعرة "سمر" تشبه حبيبها الذي جاء أخيراً بـ (الفجر) بعد ظلام للروح طالت مدته.. ومع قدومه ابتسمت الروح وتحولت كل المعاناة إلى فرح، وكأنه الماء الذي تسرب إلى أرض روحها اليابسة فأحيا كل شيء فيها. تقول الشاعرة عن هذه العودة:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي.. فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ.. وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ).

وها هي تناجي الحبيب (الفجر) الذي أطل عليها بعد غياب طويل: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ..كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ.. طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي.. فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ).. فها هي تشبه حبيها الذي التقته أخيرا بنسيم الصبا الذي تتمنى منه بعد غياب طويل، أن يروي قلبها المشبع بالحزن ويزيل ما تعانيه من الوحدة والفراق وألم غربة الروح.. فمع قدومه شعرت وكأن قلبها حديقة قد تفتحت فيها كل الأزهار الجميلة.. أو كأنه القمر الذي أضاء لها عتمة القلب والروح معا.. أو كطائر راح يغني حتى انساحت ألحانه الجميلة في ربا روحها فانتشت طرباً بعد أن فقدت الإحساس بكل ما هو جميل.

قاسية هي آلام الفقد وغربة الروح.. أنها كأرض مسها اليباس فتشققت تربتها وأصبحت في غاية الشوق لمن يرويها ويبعث الحياة فيها الحياة والجمال والخصب.. هنا نجد الشاعرة "سمر " تبوح عن مشاعر إنسان وجد أخيرا من أعاد له البسمة وبهجة الحياة وكأنه حلم، عاد ليشعل قناديل الفرح في قبلها فحطم كل يأس وغم فيه، الأمر الذي جعلها تشعر بجمال حضوره الذي وجدت فيه كل حسن الكون. فراحت تناجي منقذها وكأنها في حلم قائلة: (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا.. لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ.. فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي.. وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:

لم تخرج البنية السرديّة في القصيدة بكل مضمونها ودلالاتها عن العنوان (ربيع الفجر).. لقد كانت مطابقة في شكلها ومضمونها له.. فإذا كان ربيع الطبيعة يأتي بشكل دوري كي يعيد للحياة بهجتها، فإن حبيب الشاعرة الذي وصفته بالربيع قد جاء كالفجر الذي أضاء لعالم الروح بهجته وفرحه بعد فَقْدٍ طالت مدته، فازدهرت فيه الروح من جديد، فكان في عودته كالنسيم.. والماء.. والأزهار.. وتغريد الطيور.. وفرح الحياة.

البنية الفكريّة للقصيدة:

يشكل الفقد في حياة الإنسان عاملاً من العوامل السلبيّة التي تحفر في نفسيّة الإنسان وذاكرته، ليؤسس عنده شعورا عميقا بغربة الروح عن من كان يجد فيه سلوته واستقراره وأمنه النفسي.. وقصيدة (ربيع الفجر) للشاعرة "سمر المحنبي" تذكرنا بأغنية على درجة عالية من التعبير والاحساس عن حالة الفقد لمن نحب، للمطربة (أنغام) بعنوان (جنطة سفر):

(لسه ناوي على الرحيل.. تفتكر مالوش بديل.. أعمل أيه في الوحدة وانت مش هنا.. أعمل ايه.. ومنين أجيب صبر السنى أعمل إيه.. من سؤال مهزوم يترجى الجواب.. مش بتقصد عيني يا حبيبي العتاب.. سيبك انت من دموع العين وقلي. خذت ايه جنطة سفر.. أو إيه فاضلي.. خذت من صبري وطريقي منتهاه.. مش معاك نبضي الي فات.. شوف كده لتكون نسيت عمري وصباه.. ولا إحساسي بكياني في الحياة. أما حيرتي وعذابي ملكي أنا.. همّا أصحابك طول سنة.. ياحبيبي ياحبيبي. قَدِّ عمري قلتها لك وانت جنبي مشتقالك.. منت عارف.. منت سامع.. أنت الليل والشوارع.. كل حبة رمل بتقلك حرام. حرام.. اتحرم حضن الخطاوي وفين أنا..الخ.

هكذا تكون تجليات الفقد عند الإنسان.. وهكذا تكون متاهة العقل والروح والعواطف في غياب من نحب.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام، التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/ طبيعي أو عقلي/ فكري أوعاطفي/ وجداني، حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة، ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية، ليكون المعنى متجليا أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير، مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل، وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة "ربيع الفجر" للشاعرة "سمر محمد محنبي" معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركها فقد الحبي عندها من جهة، وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بعودة من سيحقق لها الأمن الروحي والسعادة من جهة ثانية. لقد استطاعت الشاعرة أن ترسم بعواطفها الجياشة وعمق أحاسيسها صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع في ربطها بين المعنى والمبنى معا، فحققت عند المتلقي الدهشة. وها هي تقول بعد وجدت الحبيب الذي سيمنحها دفء الوجود:

(وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها وهي تناجي حبيبها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ)..أو في قولها (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ).. أو في قولها: (كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ.).

العاطفة في القصيدة:

جاء في المعجم المفصل في الأدب لجبور عبد النور:

العاطفة: "حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیه. وهي تقابل العقل ولا توافقه؛ فما یراه العقل غير ما تهواه العاطفة. والعاطفة مرتبطة بالشعور الإنساني ولا تنفصل عنه، مهما كان الإنسان عنيداً في إظهار مشاعره". والعاطفة في الأدب شدیدة الارتباط بالأدب؛ فالأديب أو الشاعر لا یصدر نصه ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة إلخ..

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعرة "سمر" تظهر لنا العاطفة عندها بكل صدقها، وصحتها، وقوتها.. عاطفة جياشة مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام الفراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تفتحت عند الشاعرة أسارير الروح وأزهرت، وراحت تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها مع (ربيع فجر) تغيرت بقدومه كل ملامح حياتها. لقد كان قدومه كنَسِيمَ الصَّبَا، أو كماء روى عطش قلبها وروحها، ومسح الحزن عنهما، ومع قدومه أزهرت حياتها من جديد، وكان كالقمر أضاء حياتها بعد حلكة ظلام غطت كل جميل عندها. لقد امتزجت عاطفة الشاعرة في حبها بسبب فقدها للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. مع عودة الحبيب عادة حياتها لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "سمر محمد المحنبي" في قولها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ.. كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ ). أو في قولها: (فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي..وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها في الشعر التقليدي، وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة، وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة، التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسية والشعورية وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة، ومع تأكيدنا بأن قصيدة (ربيع الفجر" للشاعرة "سمر المحنبي" على (البحر الخفيف) إلا أن هناك بعض الانكسارات في الوزن، الأمر الذي يجعلنا ندخل موسيقاها في عالم شعر النثر، وهنا نسجل للشاعرة تمكنها من إلغاء تلك الفروقات الطفيفة لتجعل من موسيقى قصيدتها رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، والترابط ما بين المعنى والمبنى، وكل ذلك يأتي أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي تجلى في قصيدة الشاعرة " سمر محمد المحنبي" ( ربيع الفجر). حيث تقول الشاعرة واصفة بهجة قدوم الحبيب:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي.. فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ..وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها : (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ..كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ..طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي.. فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ.).

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.........................

ربيعُ الفجرِ

أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي

فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ

وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا

إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ

يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ

كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى

مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ

طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي

فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ

يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا

لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ

فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي

وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ

كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ

كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ

***

م. د. سمر محمد عيسى المحنبي

2026/4/26

 

رواية «أطياف» لوفاء شاهر داري نموذجًا

(دراسة في بنية السرد والذاكرة والرمزية والمكان)

تأتي رواية «أطياف» ضمن سياق السرد الفلسطيني الذي يشتبك مع الذاكرة بوصفها فعلًا وجوديًا ومقاومًا، ويجعل من التجربة الفردية مرآةً للتجربة الجمعية. في هذا العمل تتقاطع ثيمات الفقد والحنين والهوية مع ثيمة المقاومة بالكتابة والتوثيق، عبر بناء روائي متقن يعتمد السرد غير الخطي وتداخل الأزمنة، ولغة تميل إلى الشاعرية دون أن تتنازل عن توتر الحدث. وعليه، تستهدف هذه الدراسة تقديم ملخصٍ للرواية ثم تحليلها من زوايا: العنوان، الشخصيات، الحبكة، الزمان، المكان، الرمزية، والنهاية.

ملخص الرواية

تتمحور الرواية حول أطياف، امرأة فلسطينية مثقفة تحمل ذاكرةً مثقلةً بالفقد والخذلان، وتعيش صراعًا بين ألمها الشخصي وألم الوطن. تبدأ الأحداث حين تتلقى البطلة رسالة غامضة تشعل داخلها شرارة الاسترجاع، فتفتح صناديق الماضي وتعيد تركيب حياتها على هيئة مشاهد وذكريات متداخلة، حيث يصبح الحاضر امتدادًا لجرح قديم لا يلتئم.

في قلب التجربة يقف صافي (الزوج الراحل/الشهيد/المناضل) بوصفه غيابًا حاضرًا؛ فموته لا يقطع حضوره داخل وعي البطلة، بل يتحول إلى “طيف” مرافق، يتجسد في الذاكرة واللغة والبيت والأماكن. ومع هذا الفقد، تواجه أطياف جرحًا آخر يتمثل في علاقتها بأبنائها (ورد – نجم – زهرة)، حيث يظهر التفاوت في القرب والجفاء، وتتشكل داخل البيت مشاهد قاسية من التباعد وسوء الفهم، بما يجعل البيت ذاته مساحةً للوجع والصبر.

وبالتوازي مع المسار الشخصي، تنفتح الرواية على مسار وطني عبر مشروع الأرشفة والتوثيق الذي تنخرط فيه البطلة مع عاصم السعدي؛ فيغدو التوثيق محاولةً لحماية الذاكرة الفلسطينية من المحو، وتتحول الكتابة والصحافة إلى سلاحٍ رمزي في مواجهة النسيان. كما تتجلى ميّ الكرمي بوصفها حضورًا صديقًا يحمل ملامح الوطن الغائب، فتعمّق فكرة التلازم بين الفقد الفردي والفقد الجمعي.

تتحرك الرواية بين أمكنة ذات حمولة رمزية: القدس مركزًا روحيًا وسياسيًا، ولفتا بوصفها القرية المسلوبة وحلم العودة، ومحطات التكوين مثل الجامعات والمنافي، بينما يظل البيت نقطة ارتكاز للذاكرة والتصدّع. وتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة تترك القارئ أمام سؤال الذاكرة واستمرار المعاناة:

من يكتب الذاكرة بعد رحيل شهودها؟

العنوان: دلالات وسيمياء «أطياف»

يحمل العنوان ثقلًا رمزيًا ووجدانيًا واضحًا؛ فـ**«أطياف»** جمع «طيف»، والطيف أثر الشيء بعد رحيله أو حضوره غير المحسوس. وبذلك يؤسس العنوان لمنطق الرواية كله:

- الحضور الغائب: الغائب لا ينتهي، بل يعود كأثرٍ يعيش داخل الوعي.

- الذاكرة ككائن حي: ما مضى لا يموت، بل يتحول إلى أطياف ترافق الشخصيات والوطن.

وفي السياق الفلسطيني، يتسع الطيف ليشمل: الأحباء الراحلين، القرى المهجرة، الأحلام المنكوبة، والهوية المهددة بالمحو.

الشخصيات ووظائفها الدلالية

تبدو الشخصيات في «أطياف» نابضة وحاملة لطبقات رمزية تتجاوز حضورها الواقعي:

- أطياف (البطلة/الراوية): تجسد المرأة الفلسطينية المثقفة المقاومة، تتحرك من الحب إلى الحداد، ومن الانكسار إلى تشييد معنى عبر الكتابة.

- صافي: رمز الشهيد والمناضل والحبيب، “غائب حاضر” يرسخ فكرة الطيف بوصفه وطنًا داخل الذاكرة.

- الأبناء (ورد – نجم – زهرة): يمثلون أجيالًا فلسطينية متباينة في علاقتها بالإرث؛ بين الوفاء والجفاء والإنهاك، بما يفتح سؤال انتقال الذاكرة من جيل إلى آخر.

- ميّ الكرمي: صديقة البطلة وامتداد رمزي لفكرة الوطن الغائب/ المعتقل/ المغيّب فجأة.

- عاصم السعدي: صورة المثقف المقاوم ورفيق مشروع الأرشفة، الذي يحول الثقافة إلى فعل حماية للذاكرة الجمعية.

الحبكة وتقنيات السرد

تعتمد الرواية حبكة غير خطية، تتكئ على التشظي وتداخل الأزمنة والذكريات، فيما يشبه المونولوج الداخلي الممتد للبطلة. تبدأ الحكاية بمحفّز سردي (الرسالة الغامضة) يفتح باب الاسترجاع، لتتشابك الوقائع بين الماضي والحاضر في دوائر لا تتبع تسلسلًا كرونولوجيًا صارمًا.

محاور البناء السردي

1.  محور شخصي: علاقة أطياف بصافي، وتحولات الحداد، وانكسارات العلاقة مع الأبناء.

2.  محور وطني: سرد تاريخ التهجير والقرى من خلال مشروع الأرشفة.

3.  محور اجتماعي: تصوير واقع المرأة الفلسطينية وتوترها مع الأعراف والأسرة والضغط الاجتماعي.

4.  محور ثقافي: مقاومة النسيان عبر الكتابة والصحافة وتوثيق الفقد.

إن اللاخطية هنا ليست مجرد “شكل”، بل تُحاكي طبيعة الذاكرة نفسها: ذاكرة جريحة تستدعي الماضي وفق الانفعال والصدمة، لا وفق ترتيب السنين.

الزمان: الزمن النفسي وزمن الذاكرة

الزمن في «أطياف» زمنٌ داخلي متحوّل، يعتمد على الذاكرة لا على التسلسل. تتقاطع فيه لحظات مرتبطة بالنكبة والاعتقالات والفقد، ويغلب عليه الزمن النفسي الذي يعيد ترتيب الأحداث وفق وقعها العاطفي. وبذلك يصبح الزمن أداة لتمثيل التشظي الفلسطيني، حيث الماضي غير منتهٍ، والحاضر ليس إلا إعادةَ اختبارٍ للألم.

المكان: جغرافيا الهوية والوجع

المكان في الرواية ليس خلفية محايدة بل “حامل معنى”، يشتغل بوصفه ذاكرة متجسدة:

- القدس: مركز روحي/سياسي تتكثف فيه أسئلة الهوية والسيادة.

- لفتا: رمز العودة الحلمية والقرية المسلوبة، واستعارة لفكرة الوطن الذي يتحول إلى طيف.

- بيرزيت/النجاح/المنافي: محطات تكوين ووعي، وصناعة هوية تحت ضغط الاقتلاع.

- البيت: فضاء مزدوج؛ حماية ودفء من جهة، ووجع وصبر وانكسار من جهة أخرى.

الرمزية: شبكة العلامات في النص

تتعدد الرموز في الرواية وتتحرك ضمن نسيج دلالي كثيف، من أبرزها:

- صافي: الوطن/الشهادة/الحبيب الغائب.

- الرسائل الغامضة: نداء الذاكرة ومحاولة استدعائها.

- البيت: ذاكرة وحماية وجرح معًا.

- لفتا: الوطن المسلوب وحلم العودة.

- ميّ الكرمي: صديقة/ظلّ الوطن الذي يختفي قسرًا.

- عاصم: المثقف المقاوم/حارس الذاكرة الجمعية.

- الكتابة: مقاومة ضد التلاشي ومواجهة للمحو.

- الشرفة والحديقة: الحياة التي تصر أن تزهر رغم القحط.

- المفتاح: علامة العودة والحق المتوارث، ورمز المكان المغتصب الذي لا يسقط بالتقادم.

النهاية: انفتاح السؤال واستمرار المعنى

تتعمّد الرواية نهايةً مفتوحة تحمل مرارة الواقع وتؤكد استمرارية المعاناة في شروط الاحتلال والشتات. ترحل أطياف، ويأتي ندم (ورد) متأخرًا، لكن الأهم أن النهاية تُصاغ كسؤال معرفي وأخلاقي:

من يكتب الذاكرة بعد رحيل شهودها؟

وبذلك تغدو النهاية موقفًا فنيًا وسياسيًا: لا خلاص نهائيًا، لكن الذاكرة تستمر كفعل مقاومة.

خاتمة

يمكن القول إن «أطياف» رواية نسوية وطنية تجمع بين السيرة الذاتية والذاكرة الجمعية، وتحوّل التجربة الأنثوية إلى مركز سردي يعيد تشكيل معنى الفقد بوصفه طاقة مقاومة. تشتغل الرواية على ثنائية الحضور/الغياب عبر عنوانها وشخصياتها وتقنياتها، وتربط بين جراح البيت وجراح الوطن، بحيث يصبح الخاص طريقًا لفهم العام. كما تجعل من الكتابة والتوثيق أداة لحماية الهوية من المحو، ومن ثم فإن الرواية لا “تحكي” فقط، بل تقاوم عبر الحكي، وتؤكد أن الأطياف ليست أشباحًا عابرة، بل ذاكرةٌ فاعلة تُبقي الحق حيًا وتفتح السؤال على المستقبل.

***

د. نجلاء نصير

للشاعر فائز الحداد

 ينطلق هذا النص من إشكالية مركزية تتمثل في إعادة تشكيل ثنائية العطش/الامتلاء بوصفها استعارة كبرى لأزمة وجودية ومعرفية تتجاوز بعدها الحسي إلى تمثيل اختلال العلاقة بين الذات والعالم. وتتجلى هذه الإشكالية عبر بنية رمزية كثيفة تفعل حقلين دلاليين متقاطعين: العطش/الماء والذاكرة/الخيانة، حيث يعاد إنتاجهما ضمن شبكة من الاستعارات المنزاحة التي تغلب الإيحاء على التقرير. ومن ثم يسعى النص إلى مساءلة تموضع الذات الشعرية بين ماض مثقل وحاضر متصدع، بما يعكس حساسية حداثية تفكك الثابت وتعيد تركيب المعنى....

وانطلاقاً من هذه الإشكالية، يتأسس النص على اشتغال رمزي يقتضي مقاربة تأويلية، إذ لا تفهم دلالاته عبر المعنى المباشر بل من خلال انفتاحها على تعدد القراءات. وهو ما ينسجم مع ما يذهب إليه بول ريكور من أن "الرمز يعطي للفكر ما يدعوه إلى التفكير". وعليه، يمكن تفكيك النص عبر مستويين متكاملين: دلالي وذاتي..

 تتبدّى البنية الدلالية للنص من خلال حضور العطش مفهوماً أنطولوجياً، لا مادياً يقوم على فقدان الامتلاء الوجودي.

 مفردات مثل (الندى، زمزم، الظامئ، راوية) تقابلها مفردات الانقطاع: (غادرك، هجرت، لم يرحمه) هذه الثنائية تنشئ توتراً دائماً بين الممكن والممتنع. اللافت أن "زمزم" بوصفها رمزاً للخلاص تهجر، ما يشير إلى رفض الخلاص التقليدي لصالح تجربة ذاتية معذبة...

وإذا كانت هذه البنية الدلالية تؤسس لأزمة العطش والامتلاء، فإن صداها يتجلى في الصوت الشعري بوصفه تعبيراً عن انشطار الذات. الخطاب يتأرجح بين المخاطب/الذات، ما ينتج انشطاراً داخلياً. هذا الانشطار حداثي بامتياز حيث الذات ليست مركزاً مستقراً بل ساحة صراع بين ماض قاتل وحاضر متشظ. سؤال: "أتحبُّ أم يخجلك الماضي؟" يكشف مركز الأزمة: الحب بوصفه إمكاناً معطلاً بفعل ذاكرة مثقلة....

كذلك هذه الثنائية تتجسد جمالياً في الصورة الشعرية بوصفها آلية لإنتاج المعنى. حيث تتخذ الصور طابعاً تركيبياً يقوم على خرق أفق التوقع. فعلى سبيل المثال في صورة : "يحتلم برواية قادمة" تمزج الإيروتيكي بالمائي/الروحي، في انزياح جريء يفتح دلالة الخصب المؤجل. كذلك "قارورة على الشفاه" تحيل إلى احتواء الحياة/المعنى داخل وسيط هش. بما يعكس توتراً بين الامتلاء الممكن والهشاشة البنيوية للمعنى...

في امتداد هذا الاشتغال الصوري المكثف، يتبدى البعد الزمني بوصفه مستوى موازياً يعمق البنية الدلالية ذاتها.

 فالزمن دائري/راكد. "سنوات تتلهف، ماضيك وحده قاتلك". لا حضور لمستقبل فعلي، بل توق مؤجل (راوية قادمة). هذا التعليق الزمني يعمق الإحساس بالحصار الوجودي...

وإذا كانت المقاربة السابقة قد ركزت على البنية الدلالية والصورية بوصفها آليات لتشكل المعنى، فإن القراءة في المقطع الثاني تنتقل هنا إلى بعد ميتا شعري يكشف تموضع الذات داخل خطابها وعلاقتها بالمتلقي والحقل الثقافي..

 ينتقل النص إلى مساءلة موقع الشاعر داخل الحقل الثقافي. هناك نقد لاذع للمتلقين/التلاميذ الذين تحولوا إلى وعاظ: "يعلمونني الآن النصيحة". الصورة: "يقرأون الشعر من على كتفي" تشي بعلاقة استغلال/ تشييء. ينتهي المقطع بمفارقة جارحة: من يطلب الماء يرمي "زمزمك" حجراً، أي خيانة المصدر بعد الارتواء...

وفي امتداد هذا البعد الميتاشعري، يتبدى المستوى الأسلوبي بوصفه حاملاً للتوتر الدلالي ومكثفاً لإيقاعه الداخلي.

 فاللغة مشبعة بانزياحات نحوية ودلالية مع اعتماد الجملة المتقطعة والاستفهام الاستنكاري، ما يخلق إيقاعاً نفسياً متوتراً. الاشتغال على الجذر المائي يمنح النص وحدة عضوية رغم التشتت الظاهري....

يمكن إدراج هذا النص ضمن أفق حداثي يتقاطع على مستوى الاشتغال الرمزي مع تجربة أدونيس في نزوعها إلى تفكيك المرجعيات وكسر الثابت، كما يلامس من حيث تمثيل توتر الذاكرة وانشطار الذات، بعض ملامح الكتابة المتأخرة لدى محمود درويش. غير أن هذه التقاطعات تظل جزئية ووظيفية إذ يحتفظ النص بخصوصيته عبر تركيزه المكثف على استعارة العطش بوصفها محوراً أنطولوجياً ومجازاً منظماً لبنيته الدلالية...

 وعليه، فإن النص ينجح في تشييد ميتافيزيقا للعطش بوصفه تمثيلاً لأزمة وجودية معرفية، حيث تتقاطع البنية الرمزية مع انشطار الذات لإنتاج توتر دلالي مستمر. كما يكشف عن تفكيك واع لعلاقة الشاعر بالآخر ضمن أفق نقدي حداثي. وتتمثل أبرز مقوماته الجمالية في كثافة الصورة وتماسك الحقل الرمزي....

***

قراءة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

....................

صريرُ ناب

لكَ الندى أيها الظامئ في عيون الجنان..

فما من ماطرة كظمياء راوية

وقد شفّك العطش.. وأبرحكَ شوب البياض

غادركَ الياسمين بللاً..!؟

وبلالاً.. شئته شهد حياة بفاغرة القبل

سنوات تتلهف لخصبكَ أيّها الممعن بالعطر

ولا من خيال امرأة يخضّر على شفاهكََ قارورة

هل تجرّبُ الجرح ثانية،..

وأنتَ طعينٌ كجرف.. لم يرحمه عنف الماء..؟؟!

فاخترت عيونكَ الظامية رؤى..

وهجرت زمزم والحجيج..

أتحبُّ أم يخجلك الماضي..؟

ماضيكَ وحده قاتلكَ في ظمأ الخريف

فعش ضمير الصحراء ماءً..

يحتلم براوية قادمة!!

(2)..

كلُّ السعاة منحتهم عين الضوء..

فاحترسوا..

واستفاقوا قبل سبات الحلم..

صاروا.. تعاويذ في منهجي

يعلمونني الآن النصحية.. يا لوحيكَ!!؟

كانوا يقرأون الشعر من على كتفي..

ولازالت أصابعي بجيوبهم

إن شئتُ أخردهم دراهم مثلومة

لا تدرج عين الصرف!!

أكنتُ سلما.. لنظارات لا تعي؟!!

ربما..!!

لكنَّ المعلم يبقى معلّما..

وتحته الشعراء والأنبياء

هي غصة..

البعضُ يمر عليكَ كالسائل عن الماء!

وحين يغادركَ..

يلقي بزمزمك الحجر.

***

الشاعر: فائز الحداد

صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.

شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."

عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.

يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.

بضمير المتكلم يعرض إدريس فردي (بطل الرواية) تجليات صراع داخلي، يكشف الفجوة الهائلة بين مجتمع يدعم الممارسة الدينية الصارمة، حتى وإن كانت منافقة، وبين النقلة الفكرية التي أحدثها التحاقه بالثانوية الفرنسية، حيث دروس الأدب والفلسفة تزوده بأدوات التفكير النقدي، والتوق إلى التحرر من قيود مجتمع إسلامي تقليدي. يفضي الصراع إلى حدوث شرخ عميق داخل الأسرة المحافظة، حين يرفض إدريس عبء التقاليد، والهوية المستكينة لضعفها وترددها، لتصبح رغبته في الاستقلال مرآة لسعي مجتمع برمته نحو الاستقلال والتخلص من ربقة الاستعمار.

ينسج الشرايبي أحداث الرواية بلغة صريحة وغير مهادنة، وبأسلوب ثوري وقاس، لايلتزم بقواعد اللغة الفرنسية التي كُتب بها النص الأصلي، ولا ببُناها النحوية. كما تعمد الكاتب استخدام مفردات عنيفة، تعكس التوتر الهائل بين جيلين.

إلى جانب أحداث الرواية يستوعب النص جملة من القضايا الجدلية التي تولدت عن الاحتكاك بين ثقافتين في مغرب الحماية، من قبيل التساؤل عن الركود الاجتماعي والسياسي الذي خيم على الطبقة البرجوازية المغربية، والتنديد بالقيود الاجتماعية التي توظف الدين للحد من حرية الفرد وسعيه لتأكيد ذاته. غير أنه، وخلافا للمتوقع، لم يكن على استعداد للاحتفاء بالحرية والانفتاح الذي تبشر به ثقافة الغرب، ممثلا في المدرسة الفرنسية؛ إذ يصر الشرايبي على توجيه نقده للحداثة الغربية، وإبداء جوانبها السلبية وتناقضاتها الوجودية.

نشر الشرايبي روايته في فرنسا سنة 1954، وهو التوقيت الحرج الذي جر عليه انتقادات شديدة في المغرب، حين اعتبرتها الأوساط الأدبية والسياسية بمثابة عمل استفزازي، يسيء لحركة الاستقلال التي كان جل رموزها من رجال العلم والفكر الإسلامي؛ لذا لم يسمح بنشرها في المغرب إلا عام 1977.

بعد أن تبدد سوء الفهم الذي اكتنفه ظرف سياسي حرج، تواطأت القراءات المتعددة للنص على كون الشرايبي لم يهاجم الدين ولا عقائده، بل تعلق الأمر في الحقيقة بحنين موجع لإسلام القيم الذي توارى تطبيقه العملي أمام هجمة التقاليد البالية، ولإله المحبة الذي لم يعرفه بطل الرواية، في غمرة القسوة والعنف المتلفع بقدسية الدين. يلخص البطل هذا الحنين بكلمات بليغة قائلا:

" انظر يا إلهي: لقد علمني الحاج فردي أن أحبك، في خوف الروح ووحشتها. لقد طبق شريعتك على امرأة عذبها، عذبها عذابا شديدا، وقورة، دقيقة، شامخة، حتى أنها لولا هذا التعذيب لتحولت إلى غبار، خيوط يربطها، ويقطعها، ويسحقها الواجب والشرف كما يقول.. ومع ذلك، مازلت أحبك. لا بد أنك شيء آخر غير إله المساجد والأغلال."(1)

وطد الشرايبي علاقته باللغة والثقافة الفرنسيتين منذ أن اختار العيش في الضفة الأخرى. غير أنه ظل وفيا للحقائق المرة، والتهكم اللاذع الذي لا يفلت منه حتى شخص الكاتب. ومكنته المواضيع التي يطرقها في أعماله من تحقيق مكانة فريدة في الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية.

من الهجرة إلى العنصرية، مرورا بأوضاع العمال المهاجرين في فرنسا، استكشف الشرايبي جل أبعاد الكتابة، من خلال مضامين متحررة من مقص الرقيب، وبارعة في الخلخلة والجرأة التي لا تنقصها الرقة ورهافة الحس.

واصل الشرايبي جرد أصداء الماضي في روايته "الحضارة أمي"(1972) باعتماد نمط سردي يؤكد على أوجه التشابه. تدور الأحداث حول أم يقودها حب ولديها إلى اكتشاف العالم، لتتحرر من وضع الأم حامية التقاليد، والعالقة داخل قوقعة الجهل والخضوع، في مغرب ثلاثينيات القرن الماضي، إلى امرأة ناضجة، تنضم إلى حركة تحرير المرأة، وترتدي ملابس على الطراز الأوربي دون أن تفقد شيئا من بساطتها ونقائها وحنانها.

من خلال سرد بسيط وعميق كعادته، كشف الشرايبي عن أثر التعليم والوعي في إحداث تحولات، تفكك العزلة المعرفية والاجتماعية للمرأة، وتعيد ترتيب العلاقات الأسرية بما يتوافق مع معطيات العلم والحضارة. وفي ثنايا الأحداث يُجرد الشرايبي تهكمه اللاذع لخلخلة بنى التفكير في مجتمع يعيش صدام التقاليد والحداثة.

بعد إتمام دراسته الثانوية في المغرب، انتقل إدريس الشرايبي إلى فرنسا سنة 1945 ليدرس الكيمياء، ثم ليعمل مدرسا ومنتجا للبرامج الإذاعية. وفي الثامنة والعشرين من عمره نشر روايته" الماضي البسيط" التي حققت قطيعة مع الرواية الكولونيالية، وأظهرت ازدراءا للأدب الذي يحصر قضايا الوطن في بعده الفولكلوري المثير لفضول السياح!

من أعماله خلال هذه الفترة رواية "الماعز" وهي بمثابة نقد شديد لأوضاع المهاجرين في فرنسا، واستحضار مؤلم لمصير شمال إفريقيا في بلد التنوير. ورواية "الحشد" التي يوجه من خلالها نقدا مبطنا للجنرال الفرنسي شارل ديغول.

تُظهر الأعمال اللاحقة لإدريس الشرايبي انعطافات متعددة، يُرسي من خلالها حوارا متجددا بين الضفتين. ففي روايته" الحضارة أمي" يقدم إجابة للتحرر من ضغوط المجتمع الأبوي، حين يُمهد للمرأة طريقا خاصا تتحد فيه الحرية مع الوعي بالذات والطموح للتغيير.

أما في روايتيه" أم الربيع" و"ولادة الفجر" فيستند إلى اليوتوبيا لحل إشكال التعايش، حيث يستدعي من صحف التاريخ قصة وصول الفرسان العرب إلى الغرب، وبناء مدينة فاضلة في الأندلس، يتحقق فيها مثل أعلى للتعايش بين العرب والأمازيغ واليهود.

رغم منفاه الطويل، إلا أن مسار الكتابة الروائية لإدريس الشرايبي ظل موسوما بالتوتر، والرفض، والوفاء لقلم ينكأ الجرح بفنية عالية. يقول الروائي والناقد عبد الكبير الخطيبي، في معرض رد الاعتبار للشرايبي بعد ضجة "الماضي البسيط":

" استفز الشرايبي، بطريقته، حمَلة الضمائر المرتاحة المتشبثة بالتقاليد والدفاع عن البنيات الاجتماعية المحافظة. وهذا فضل يُحسب له.. هكذا، وبشكل تراجيدي، فالغائبون، حتى لما يكونوا على حق، يُجبرون على مكابدة نيران مآل النسيان والإنكار"(2).

***

حميد بن خيبش

...................

1- إدريس الشرايبي: الماضي البسيط. سيويل. باريس.1954. ص96

2- مجلة الصقيلة في النقد والإبداع: عدد 14- نونبر 2020

"دراسة سيميو- تواصليّة" للدكتور محمد عبد الله الخولي

تتمايلُ الحروفُ في روض الكلام كغصونِ زيتونٍ على رُبى فلسطين، وتنبضُ القصيدةُ بوجعِ الأرضِ وحنينِ الإنسان، أقفُ أنا-غدير حميدان الزبون-على عتبةِ البوح، أستفتحُ مقامي بفيضٍ من العشقِ الدرويشيّ الذي رافقني منذ الطفولة، يومَ كانت الكلماتُ الأولى تُنقشُ في وجداني: "سجّل أنا عربي"، وكنتُ أرتّلها كما يُرتّلُ الدعاء، وأستعيدُ "أحنّ إلى خبز أمي" كما يُستعادُ الدفءُ في ليالي الغياب، وأتأمّلُ "ريتا والبندقية"، إذْ يتعانقُ الحبُّ والمأساة في مشهدٍ لا يغيب.

ابتدأ التعلّقُ بأدبِ محمود درويش شاعرِ القضيةِ والإنسان في فسحة الطفولة؛ هناك عندما كانت الكلماتُ تتسرّبُ إلينا على هيئة أناشيدَ خفيفة لا ندرك عمقها، لكنّها تترك في القلب أثرًا لا يُمحى.

ومع امتداد الذاكرة أخذ هذا الصوتُ ينمو معنا، ويتبدّل كما نتبدّل، ويزدادُ رسوخًا كلّما اتّسعت تجاربنا حتى غدا جزءًا من يوميّاتنا نردّده غناءً في استراحاتِ القهوة، ونستحضره كأنّه رفيقُ العملِ والوقتِ والوجدان.

كان حضوره أشبهَ بخيطٍ خفيّ يربط بين مراحل العمر، يلوّن تفاصيلها ويمنحها معنًى إضافيًا، ففي كلّ مرحلة كنّا نكتشف في نصوصه وجهًا جديدًا لنا، أو ظلًّا من ذواتنا لم نكن قد رأيناه من قبل.

وفي اللحظة التي تضيقُ بها الأيام كانت قصائده تتّسع لنا، وتفتح نوافذها على أفقٍ أبعد، وتعيد ترتيب الفوضى داخلنا بكلماتٍ تبدو بسيطة، لكنها مشبعة بحكمة التجربة وحرارة الشعور.

ومع مرور الوقت تحوّل درويش إلى ذاكرةٍ موازية تسكننا كما نسكنها، نستعيده في لحظات الفرح كما في مواطن الحنين، وفي الغياب كما في الحضور حتى صارت مفرداته جزءًا من لغتنا اليومية، وصوره مرآةً لأسئلتنا الكبرى: من نكون؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف نحمل الوطن فينا وقتما يبتعد، أو في الوقت الذي نبتعد نحن عنه؟

إنّ تعلّقنا بدرويش يتجاوز حدود الإعجاب الأدبي، ليغدو علاقةً حميمة بين القارئ والنص تتشكّل عبر الزمن، وتزداد عمقًا مع كلّ قراءة جديدة.

فشعر محمود درويش كائنٌ حيّ ينمو فينا، ويمنحنا في كلّ مرّة ما يناسب حالتنا، ويبوح لنا بما لم نكن قادرين على قوله.

ولم يكن هذا الولعُ عابرًا، فقد تكرّسَ في مسيرتي البحثيّة، إذ أفردتُ للدراسةِ الدرويشيّة حيّزًا من جهدي، وغصتُ في عوالمها قراءةً وتأمّلًا حتى اتخذتُ أحدَ دواوينه عنوانًا لأطروحتي في الدكتوراة في محاولةٍ للاقترابِ من سرِّ هذا الشعرِ الذي يتجاوزُ القولَ إلى الكينونة.

وفي سياقِ حوارٍ أدبيٍّ عابرٍ للحدود جمعني بابنِ مصرَ الحبيبة الدكتور محمد عبد الله الخولي لفتَ انتباهي إلى عملهِ الموسوم بـ "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميو-تواصليّة"، فكان ذلك الوقوفُ لحظةَ دهشةٍ واستدعاء، إذ بدا لي النصُّ بابًا آخر يُفضي إلى قراءةٍ مغايرة تتقصّى البُنى الدلاليّة ومساراتِ المعنى في شعرِ درويش، وتعيدُ النظرَ في تمثّلاتِ الموضوعِ بين الرمزِ والتواصل.

ومن هنا كان هذا المقالُ محاولةً للسيرِ بين ضفّتي الإعجابِ والنقد، والوقوفِ على ما لهذا العملِ من إضاءةٍ معرفيّة، وما عليه من تساؤلاتٍ منهجيّة في قراءةٍ تأملُ أنْ تكونَ امتدادًا لذاك العشقِ القديم لا تكرارًا له، وأنْ تظلّ وفيةً لروحِ الشعرِ الدرويشيّ، وهو يعلّمنا أنْ نرى، وأنْ نقول، وأنْ نكون.

تُعدّ دراسة الشعر الحديث، وبخاصة شعر محمود درويش من أكثر الحقول النقدية تعقيدًا وتعددًا في المقاربات؛ نظرًا لتشابك البعد الجمالي بالبعد التاريخي، وتداخل الذاتي بالجمعي، وانفتاح النص الشعري على مستويات متعددة من الدلالة والتأويل.

فالشعر الحديث أضحى فضاءً تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والوجود، وتتداخل داخله أنساق ثقافية وتاريخية تعيد تشكيل الوعي الجمعي بوساطة اللغة.

ومن هذا المنطلق يغدو التعامل مع هذا الشعر محكومًا بضرورة امتلاك أدوات نقدية قادرة على استيعاب هذا التعقيد، والكشف عن البنى العميقة التي تتحكم في إنتاج المعنى.

وتزداد هذه الضرورة إلحاحًا عند مقاربة تجربة شعرية بحجم تجربة محمود درويش، والتي تجاوزت حدود الجغرافيا والثقافة المحلية لتغدو ظاهرة شعرية عالمية استطاعت أنْ تؤسس خطابًا شعريًا يمزج بين الخصوصي والكوني، ويحوّل التجربة الفلسطينية من سياقها التاريخي المحدّد إلى أفق إنساني مفتوح.

فقد نجح درويش في إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع، ليُعاد تشكيله داخل النص عبر آليات لغوية ورمزية وتخييلية تمنحه أبعادًا جديدة.

وتبرز أهمية هذه التجربة في قدرتها على إنتاج نص شعري متعدد الطبقات تتجاور فيه الدلالة المباشرة مع الإيحاء، والمرجع الواقعي مع البناء الجمالي في صيغة تجعل من القراءة فعلًا تأويليًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.

ومن ثمّ لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالقراءات التقليدية التي تنظر إلى النص على أنّه مرآة للواقع أو وعاء لمضمون جاهز، إذ إنّ مثل هذه المقاربات تظل عاجزة عن استيعاب دينامية النص الشعري الحديث، وعن إدراك الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الواقع داخل اللغة.

وقد أفرز هذا التحول حاجة ملحّة إلى تبني مقاربات نقدية حديثة، تُعيد مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات، وتفكك آليات إنتاج المعنى داخل الخطاب الشعري من خلال التركيز على البنية الدلالية للنص، وعلى الأدوار التي تضطلع بها كلّ من العلامة والسياق والمتلقي في تشكيل المعنى.

ويندرج كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" للدكتور محمد عبد الله الخولي ضمن الجهود النقدية التي تسعى إلى إعادة بناء المفاهيم المؤسسة للعملية الشعرية من خلال توظيف المنهج السيميائي في أفقه التواصلي.

وتنبع أهمية هذا العمل من كونه ينطلق من شعر درويش لبناء تصور نظري أوسع حول طبيعة التمثيل الشعري، وآليات تشكّل "الموضوع" داخل النص.

فالموضوع في هذا الإطار يُفهم كنتاج لعملية دلالية معقدة تتداخل فيها اللغة مع التجربة، وتتفاعل فيها الذات الشاعرة مع أفق التلقي.

ويكتسب هذا الطرح مشروعيته من طبيعة النص الدرويشي الذي يتسم بقدرة عالية على تحويل التجربة التاريخية إلى بنية شعرية، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم عبر اللغة.

فالشعر عند درويش يعمل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه في صيغة تجعل من الكلمة فضاءً لإعادة خلق العالم.

ومقاربة هذا الشعر تقتضي وعيًا نقديًا يتجاوز حدود التفسير المباشر نحو تحليل الآليات التي تُنتج المعنى، وتكشف عن مستويات التمثيل المختلفة التي يتشكل من خلالها الموضوع الشعري.

وعليه فإنّ توسيع أفق القراءة النقدية لهذا العمل يقتضي الانطلاق من فرضية مركزية مؤداها أنّ شعر محمود درويش يمثل مختبرًا دلاليًا غنيًا، يسمح باختبار النماذج النظرية الحديثة، وفي مقدمتها النموذج السيميائي التواصلي.

كما يقتضي النظر إلى هذا الشعر في سياق عالمي تتقاطع فيه قضايا الإنسان المعاصر، وتتجلى فيه قدرة اللغة الشعرية على تجاوز الحدود الثقافية، لتخاطب الإنسان في كونيته.

وهذا ما يمنح دراسة التمثيل الشعري في هذا السياق أهمية مضاعفة، إذ يتعلق الأمر باستكشاف إمكانات الشعر في إعادة تشكيل العالم، وفي إنتاج معنى يتجدد باستمرار عبر تعدد القراءات وتنوع التأويلات.

يُصنَّف كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميائية تواصلية" ضمن الأعمال النقدية العربية المعاصرة التي تنشغل بإعادة بناء العلاقة بين الشعر والواقع من داخل البنية اللغوية للنص.

ويعود هذا العمل إلى الدكتور محمد عبد الله الخولي، وهو باحث وناقد أكاديمي مصري يتجلى في هذا الكتاب انخراطه العميق في حقول السيميائيات وتحليل الخطاب والشعرية الحديثة، مع توظيف منهجي واعٍ للمرجعيات الغربية في سياق قراءة النص الشعري العربي.

ويعكس هذا الاشتغال قدرة على استيعاب التصورات النظرية المرتبطة بالعلامة والتأويل والتواصل، واستثمارها في بناء مقاربة نقدية تسعى إلى مقاربة الشعر من زاوية إنتاج المعنى وتشكله داخل الخطاب.

وتكشف عتبة العنوان عن بناء دلالي مركّب، يقوم على تفاعل مصطلحين مركزيين: "التمثيل الشعري" و"الموضوع"، ويحيل التمثيل إلى فعل إجرائي دينامي يتصل بكيفية تشكّل الدلالة داخل النص، ويشير الموضوع إلى مجال الإحالة الذي يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل.

ويمنح اقتران العنوان باسم محمود درويش بعدًا تطبيقيًا محددًا يربط التصور النظري بتجربة شعرية ذات ثقل جمالي وثقافي.

ويُسهم العنوان الفرعي "دراسة سيميائية تواصلية" في توجيه أفق التلقي عبر تحديد الإطار المنهجي الذي تتحرك داخله الدراسة، إذْ تتقاطع فيه تصورات تشارلز بيرس حول العلامة بثلاثيتها المعروفة، مع نماذج رومان جاكوبسون في تحليل العملية التواصلية في صيغة نقدية تنفتح على دور المتلقي في إنتاج المعنى.

وقد صدر الكتاب عن "دار النابغة للنشر والتوزيع"، ويقع في (537) صفحة، وهو حجم يكشف عن امتداد تحليلي واسع، يتيح للمؤلف بسط أطروحته عبر مستويات متعددة تجمع بين التأصيل المفاهيمي والتطبيق النصي.

ويعكس هذا الامتداد رغبة في الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري ضمن مسار بحثي متدرج يستوعب التنظير والتحليل في آن واحد.

وتتوزع بِنية الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول رئيسة تتكامل فيما بينها ضمن نسق منهجي متصاعد، إذْ تنهض المقدمة بوظيفة تأطيرية تتحدد فيها إشكالية البحث، وتُعرض منطلقاته النظرية، وتُرسم حدوده المفهومية.

ويُشكّل الفصل الأول المعنون بـ "مفاهيم نقدية" قاعدة تأسيسية للعمل، فهو يتناول مفهوم الموضوع في أبعاده المختلفة، ويتتبع تحوّلاته من التصور المطلق إلى المقاربة البنيوية وصولًا إلى الأفق السيميائي، مع بلورة نموذج سيميائي تواصلي يُعيد تنظيم العلاقة بين العلامة والمرجع والمتلقي، وينتهي بتحديد دوائر التمثيل الثلاث: الواقع، والرمز، والخيال.

ويأتي الفصل الثاني بعنوان "التمثيل الواقعي للموضوع"، ليُعنى بدراسة تجليات الواقع داخل النص الشعري من خلال تحليل بنى المكان والمنفى، والعلاقة بين الوطن والهوية، إضافة إلى استكشاف التداخلات الأجناسية بين الشعر والسرد والمسرح، وتحليل الطقوس الثقافية والزمن الشعري، والعنوان بوصفه عتبة دلالية تُسهم في توجيه القراءة.

ويُبرز هذا الفصل كيفية تشكّل الواقع داخل النص عبر آليات لغوية وجمالية تعيد صياغته في بنية شعرية.

أما الفصل الثالث المسوم ب "التمثيل الرمزي للموضوع" فيرتقي بالتحليل إلى مستوى أكثر تجريدًا، ليدرس آليات إنتاج الرمز وانتقال الدلالة من المباشر إلى المركّب مع تتبع استراتيجيات التمثيل الرمزي، وتحليل مستويات التأويل في أبعادها الإنسانية والطبيعية والدينية والأسطورية.

ويكشف هذا الاشتغال عن اتساع الحقل الدلالي للنص الشعري، وقدرته على استيعاب أنساق ثقافية متعددة داخل بنية رمزية متداخلة.

ويُعالج الفصل الرابع المعنون ب "التمثيل التخييلي للموضوع" المستوى الأقصى من التشكيل الشعري، ليتحول الموضوع إلى بناء تخييلي تنصهر فيه المرجعيات الواقعية مع تمثلات الذات، فتتشكل عوالم شعرية ذات طابع داخلي تعكس دينامية الخيال بوصفه قوة مولِّدة للمعنى.

ويتناول هذا الفصل مستويات التخيل الشعري، ويُبرز دوره في إعادة تشكيل الواقع داخل فضاء جمالي مستقل.

وتنتهي بنية الكتاب بقائمة المصادر والمراجع التي تعكس تنوع المرجعيات النظرية والمعرفية، وتكشف عن انفتاح المؤلف على حقل واسع من الدراسات النقدية الحديثة. ويُظهر هذا البناء الكلي تدرجًا منهجيًا ينتقل من التأصيل المفاهيمي إلى التحليل التطبيقي، ومن المباشر إلى المجرد في مسار نقدي يسعى إلى الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري، ضمن رؤية علمية دقيقة تتكامل فيها المفاهيم والإجراءات.

وينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أنّ "الموضوع" في الشعر يُعاد تشكيله عبر اللغة، ضمن شبكة من العلاقات الدلالية التي تتداخل فيها العلامة بالمرجع، والذات بالموضوع، والنص بالمتلقي.

وبذلك يتحول الشعر من كونه تمثيلًا انعكاسيًا للواقع إلى كونه فعلًا إنتاجيًا يعيد خلق هذا الواقع داخل بنية لغوية مخصوصة.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه لا يكتفي بتطبيق أدوات نقدية جاهزة على شعر درويش، إنما يسعى إلى تأسيس نموذج نظري يزاوج بين السيميائيات والبُعد التواصلي، مستفيدًا من تصورات تشارلز بيرس في ثلاثية العلامة، ومن اجتهادات رومان جاكوبسون في وظائف اللغة، مع محاولة تجاوز محدودية كل منهما عبر إدماج دور المتلقي في إنتاج الدلالة.

ومن هنا فإنّ الكتاب ينشغل بتحليل "الموضوع" مركّزا على آليات تمثيله، وعلى التحولات التي تطرأ عليه حين ينتقل من مستوى الواقع إلى مستوى الخطاب الشعري.

وتأتي هذه القراءة النقدية استجابة لحاجة منهجية إلى تفكيك هذا المشروع، والكشف عن بنيته المفهومية، وآلياته الإجرائية، وحدوده المعرفية، كما تسعى إلى إعادة بنائه من الداخل عبر تتبع تطور مفاهيمه الأساسية (التمثيل، الموضوع، المرجع، العلامة، التأويل)، وتحليل كيفية اشتغالها داخل الفصول المختلفة مع الوقوف عند مدى اتساقها النظري، وقدرتها على تفسير الظاهرة الشعرية عند درويش.

كما تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة الاختيارات المنهجية التي تبناها المؤلف من خلال فحص علاقته بالمرجعيات السيميائية والبنيوية والتأويلية، والكشف عن حدود هذا التداخل المعرفي، ومدى نجاحه في إنتاج رؤية نقدية متماسكة.

وإلى جانب ذلك تعمل القراءة على اختبار فاعلية النموذج الذي يقترحه الخولي خاصة في تقسيمه لدوائر التمثيل الشعري إلى: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وذلك من خلال تحليل كيفية انتقال الموضوع بين هذه المستويات، وتأثير ذلك في بنية النص ودلالته.

وعليه فإنّ هذه الدراسة تنطلق من فرضية مؤداها أنّ قيمة هذا الكتاب تكمن فيما يقدمه من تصور نظري للتمثيل الشعري، لأنه بات عملية دلالية مركبة تفتح النص على أفق تأويلي لا نهائي.

وهذه القيمة لا تخلو من إشكالات تتعلق بكثافة الجهاز الاصطلاحي، وهيمنة البعد التنظيري، وإشكالية التوفيق بين المرجعيات المختلفة، وهو ما ستسعى هذه القراءة إلى الكشف عنه وتحليله.

وبناءً على ذلك، ستعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقوم على قراءة الفصول وفق تدرجها البنيوي، مع ربطها بالإطار النظري العام، بهدف الوصول إلى تقييم علمي متوازن يبرز إسهام الكتاب في حقل النقد الأدبي، ويحدد في الوقت ذاته حدوده وآفاق تطويره.

تمهيد عام: أفق القراءة ومنطلقها النظري.

يندرج هذا الكتاب ضمن الحقل النقدي الذي يسعى إلى تجاوز المقاربات التقليدية للنص الشعري، تلك التي كانت تنظر إلى الشعر كانعكاس مباشر للواقع، أو كتعبير عن تجربة ذاتية محددة نحو أفق أكثر تعقيدًا يقوم على مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات.

فقراءة الخولي تنشغل بكيفية تمثيل "الموضوع" داخل البنية الشعرية، أي كيف يتحول الواقع إلى خطاب لغوي يحمل طابعًا جماليًا ودلاليًا مركبًا.

إنّ هذا التحول المنهجي يضع الكتاب ضمن سياق النقد السيميائي المعاصر، ليُقرأ على أنه نظام من العلامات تتداخل فيه مستويات الدلالة، وتتعدد فيه إمكانات التأويل. فالخولي يطرح منذ البداية سؤالًا مركزيًا:

كيف يتشكل الموضوع داخل النص الشعري؟

وهل هو معطى سابق، أم أنه نتاج عملية لغوية وجمالية معقدة؟

أولاً: بنية الكتاب وشكله المعرفي

يتميز الكتاب ببنية أكاديمية واضحة تقوم على تدرج منهجي يبدأ بالتأسيس النظري، ثم ينتقل إلى التفصيل المفاهيمي وصولًا إلى المقاربة التطبيقية.

غير أنّ هذه البنية على الرغم من انتظامها الظاهري تكشف عن نزوع واضح نحو تغليب الجانب التنظيري على حساب الجانب التطبيقي، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى مشروع نظري في "الشعرية" منه إلى قراءة تطبيقية مباشرة لشعر محمود درويش.

أمّا من حيث اللغة فيعتمد المؤلف أسلوبًا علميًا كثيفًا، تتراكم فيه المصطلحات السيميائية والفلسفية مثل: "التمثيل"، "المؤول"، "المدلول"، "النسق"، "الانزياح"، "التواصلية"، وغيرها. وهذه الكثافة الاصطلاحية تمنح النص صرامة علمية، لكنها في الوقت ذاته تخلق نوعًا من الإغلاق بحيث يصبح الخطاب موجّهًا إلى قارئ متخصص أكثر من كونه موجّهًا إلى قارئ عام.

أما من حيث المرجعية النظرية فيتبدّى بوضوح أنّ المقاربة المعتمدة من قبل المؤلف في دراسة الموضوع الشعري عند محمود درويش تستند إلى تراثين نقديين رئيسيين يتكاملان في قراءة البِنية الدلالية والرمزية للنص:

1- التراث السيميائي الغربي

يرتكز هذا التراث على التصورات التي بلورها كلّ من تشارلز ساندرز بيرس ورومان جاكوبسون، وتُفهم العلامة على أنها عبارة عن نظام دلالي متعدد المستويات يتجاوز العلاقة البسيطة بين الدالّ والمدلول إلى شبكة معقّدة من الإحالات والتأويلات.

فمن منظور بيرس تتخذ العلامة ثلاثة أبعاد: الأيقونة، والمؤشّر، والرمز، وهو ما يتيح مقاربة الصورة الشعرية عند درويش كونها فضاءً تتداخل فيه الإشارات الحسية مع الرموز الثقافية والتاريخية.

أما جاكوبسون فقد أسهم في إبراز الوظيفة الشعرية للغة مركّزًا على البنية الصوتية والتركيبية، وعلى كيفية اشتغال الانزياح والتوازي داخل النص، الأمر الذي يساعد في تحليل البنية الإيقاعية والدلالية في شعر درويش، فاللغة تتكثف لتنتج معاني تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.

2- التراث البنيوي وما بعد البنيوي

يتأسس هذا التراث على قراءة النص من منطلق الحكم عليه كبنية مغلقة نسبيًا تتحدد عناصرها من خلال العلاقات الداخلية بينها، كما عند كلود ليفي-ستروس ورولان بارت. ففي هذا الإطار يُنظر إلى القصيدة على أنّها نظام من العلاقات الدلالية التي تتولد عبر التكرار والتقابل والتناص.

غير أنّ المقاربة لا تقف عند حدود البنيوية، فهي تنفتح على ما بعد البنيوية، خاصة مع جاك دريدا، ليُعاد النظر في ثبات المعنى، ويُنظر إلى النص كفضاء للتشظي والانزلاق الدلالي، بما يتيح قراءة شعر درويش قراءةً دينامية تكشف تعددية الأصوات وتداخل المرجعيات.

وفي ضوء هذا التكامل بين السيميائيات والبنيوية، وما بعدها يغدو النص الشعري عند محمود درويش حقلًا مفتوحًا للتأويل تتشابك فيه العلامات مع البنى، ويتحوّل المعنى إلى عملية إنتاج مستمرة لا تُختزل في دلالة واحدة، إنما تتوالد عبر التفاعل بين النص والقارئ والسياق الثقافي.

وهذا التداخل المرجعي يمنح الكتاب عمقًا نظريًا، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدي التوفيق بين هذه المرجعيات المختلفة.

ثانياً: مفهوم التمثيل الشعري وإشكاليته

يُعد مفهوم "التمثيل" حجر الزاوية في هذا الكتاب، إذْ ينطلق الخولي من التصور السيميائي الذي يرى أنّ العلاقة بين العلامة وموضوعها هي علاقة إحالة وتأويل، فالنص الشعري يعيد إنتاج الواقع داخل نظام لغوي خاص.

وبالاستناد إلى تصور تشارلز بيرس يحدد المؤلف التمثيل كعلاقة ثلاثية تقوم على الممثل (العلامة)، والموضوع، والمؤول.

غير أنّ الأهمية الحقيقية لهذا التصور تكمن في كونه يفتح المجال أمام فكرة لا نهائية المعنى، إذ إنّ كل تمثيل يولّد تمثيلًا آخر، وكلّ علامة تستدعي علامة جديدة في سلسلة لا تنتهي من التأويلات.

وعلى هذا الأساس فإنّ الموضوع في الشعر لا يمكن أنْ يكون ثابتًا أو مكتملًا، فهو دائم التحول، ويتشكل باستمرار عبر اللغة، ويتغير بتغير زاوية النظر إليه.

فالتمثيل الشعري يصبح عملية دينامية تتداخل فيها الذات الشاعرة مع اللغة، ومع العالم في إنتاج دلالة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.

ثالثاً: مفهوم الموضوع وإعادة بنائه داخل النص

ينتقد الخولي التصورات التقليدية التي ترى أنّ الموضوع كيان سابق على النص، وأنّ الشاعر يقوم فقط بنقله أو التعبير عنه، فهو يقترح بدلًا من ذلك تصورًا مغايرًا يرى أنّ الموضوع لا يوجد إلا داخل النص، وأنه نتاج عملية تمثيل لغوي.

وبهذا المعنى فإنّ "الموضوع" هو بناء لغوي، وتركيب دلالي، ونتاج تفاعل بين الذات واللغة، كما أنّ هذا التحول في النظر إلى الموضوع يؤدي إلى نتيجة مهمة مفادها أنّ قراءة النص ينبغي أنْ تبحث عن كيفية تشكله داخله، فالموضوع ليس ما يقوله النص، إنما كيف يقوله.

وهذا ما يجعل من التمثيل الشعري عملية معقدة تتداخل فيها مستويات متعددة:

المستوى الواقعي، والمستوى الرمزي، والمستوى التخييلي.

رابعاً: مستويات التمثيل الشعري: نحو نموذج تحليلي

يقدم الخولي نموذجًا تحليليًا مهمًا يتمثل في تقسيم التمثيل الشعري إلى ثلاثة مستويات:

1. مستوى هيمنة الموضوع

في هذا المستوى يظل الموضوع قريبًا من الواقع، ويكون النص خاضعًا له، بحيث يمكن للقارئ أنْ يتعرف بسهولة على المرجع الواقعي للنص.

وغالبًا ما يكون هذا المستوى مرتبطًا بالشعر الخطابي أو المباشر.

2. مستوى التوازن بين الموضوع والنص

يتحول الموضوع في هذا المستوى إلى بنية شعرية دون أنْ يفقد ارتباطه بالواقع، ويتميز هذا المستوى بقدر من الانزياح يسمح بإنتاج دلالة جمالية مع الحفاظ على إمكانية التأويل.

3. مستوى هيمنة الذات الشاعرة

تصبح الذات ضمن هذا المستوى هي المركز، وتفرض رؤيتها على النص إلى درجة يصبح معها الموضوع غامضًا أو متوارياً.

وهنا يتحول النص إلى فضاء تأويلي مفتوح يصعب الإمساك بمعناه.

هذا التقسيم يمثل أداة تحليلية، كما يكشف أيضًا عن رؤية عميقة لطبيعة الشعر، فهو مجال خصب لصراع مستمر بين الواقع، واللغة، والذات.

خامساً: قراءة شعر محمود درويش

يرى الخولي أنّ شعر محمود درويش يمثل أنموذجًا غنيًا لدراسة التمثيل الشعري؛ نظرًا لتعدد مستوياته، وتعقيد بنيته، وتنوع موضوعاته، غير أنّ المؤلف يتعامل مع درويش كشاعر للقضية الفلسطينية إلى جانب اعتباره شاعرًا يعيد تشكيل هذه القضية داخل لغة شعرية ذات طابع جمالي خاص.

فالقضية الفلسطينية في هذا السياق تتحول إلى رمز، واستعارة، وبنية تخييلية؛ لأنّ قراءة شعر درويش يجب أنْ تنفتح على أبعاده الجمالية والدلالية.

في هذا الأفق التأويلي تتحوّل القضية الفلسطينية في شعر محمود درويش إلى بنية رمزية مركّبة تتداخل فيها مستويات الدلالة وتتشابك.

فهي تظهر رمزًا يتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية ليغدو علامة إنسانية كونية تُحيل إلى تجربة الفقد والاقتلاع والبحث عن الهوية، ففلسطين في النص الدرويشي حالة وجودية تُعاد صياغتها عبر اللغة.

كما تتجلى القضية كاستعارة كبرى، فيعمد الشاعر إلى تحويل العناصر الواقعية (الأرض، والمنفى، والعودة، والذاكرة) إلى صور تخييلية كثيفة تتسع لتشمل أبعادًا نفسية ووجودية.

فالأرض قد تغدو جسدًا، والهوية جرحًا مفتوحًا، والمنفى زمنًا معلقًا، وهو ما يمنح التجربة الشعرية طابعها الإيحائي العميق، ويُخرجها من حدود المباشرة إلى فضاء المجاز الخلّاق.

كذلك تتخذ القضية شكل بنية تخييلية تنتظم داخلها مكوّنات النص، فتُقرأ القصيدة كعالم يُعاد بناؤه وفق قوانين الشعر، وتتفاعل الرموز والاستعارات والصور ضمن شبكة دلالية متكاملة تُنتج المعنى عبر العلاقات الداخلية بين عناصرها.

وقراءة شعر درويش ضرورةً منهجية تقتضي الانفتاح على أبعاده الجمالية والدلالية معًا؛ إذ لا يمكن اختزال النص في بُعده السياسي، كما لا يجوز فصله عن سياقه التاريخي؛ لأنّ القيمة الحقيقية لتجربته الشعرية تكمن في هذا التوتر الخلّاق بين الواقعي والمتخيَّل، وبين المرجعي والرمزي، فتتأسس دلالة متعددة تتجدّد مع كل قراءة، وتظلّ مفتوحة على إمكانات تأويل لا نهائية.

سادساً: اللغة الشعرية المنتجة للواقع

يؤكد الخولي أنّ اللغة الشعرية تخلق الواقع، وهذه الفكرة تمثل تحولًا جذريًا في فهم العلاقة بين اللغة والعالم، فلم تعد اللغة وسيلة للتعبير، إنما أصبحت أداة لإنتاج المعنى.

فالواقع في الشعر لا يظهر إلا من خلال اللغة، وبقدر ما تسمح به هذه اللغة، وهذا يعني أنّ العالم الشعري هو عالم مستقل له قوانينه الخاصة، وهذا الطرح يقترب من تصورات ما بعد البنيوية، والتي ترى أنّ اللغة هي التي تنتج الواقع، وليس العكس.

سابعًا: تقييم نقدي للكتاب

يمكن القول إنّ هذا الكتاب الذي قدّمه محمد خولي يمثّل إضافة نوعية إلى حقل النقد العربي المعاصر، ولا سيّما في مجال الدراسات السيميائية وتطبيقاتها على الخطاب الشعري.

فالخولي ينخرط في مشروع نقدي يسعى إلى إعادة بناء أدوات قراءة النص الأدبي، وتجاوز الأطر التفسيرية التقليدية التي طالما حصرت الشعر في بعده الموضوعي أو المرجعي، ومع ذلك فإنّ القيمة العلمية لأيّ عمل لا تكتمل إلا بإخضاعه لنظر نقدي متوازن يُبرز مكامن القوة كما يرصد حدود التجربة وإشكالاتها.

أولًا: المحاسن

1. عمق نظري واضح

يتكئ الكتاب على خلفية معرفية رصينة تستمد أدواتها من التراث السيميائي والبنيوي الغربي، وهو ما يمنح التحليل بعدًا إبستمولوجيًا متينًا يتجلّى في قدرة المؤلف على توظيفها ضمن سياق نقدي عربي، بما يشي بوعيٍ منهجي يسعى إلى تأصيل هذه الأدوات داخل الثقافة النقدية العربية لا مجرد استنساخها.

2. بناء مفاهيمي متماسك

يتميّز العمل بوضوح هندسته المفاهيمية، حيث تتآزر المصطلحات ضمن شبكة دلالية منسجمة تتدرّج من التعريف إلى الإجراء، ومن التنظير إلى التطبيق.

وهذا التماسك يسهم في بناء رؤية نقدية متكاملة تجعل من النص الشعري نظامًا من العلامات القابلة للتحليل وفق منطق داخلي بدل النظر إليه على أنّه خطاب مفكك أو اعتباطي.

3. محاولة جادة لتجاوز القراءات التقليدية

يُحسب للمؤلف سعيه إلى كسر أفق التلقي الكلاسيكي الذي يركّز على المضامين المباشرة، إذ يقدّم قراءة تنفتح على الأبعاد الرمزية والتخييلية للنص خاصة في تناول شعر محمود درويش.

وبذلك يسهم الكتاب في نقل مركز الثقل من "ماذا يقول النص؟" إلى "كيف يقول النص ما يقوله؟"، وهو تحوّل نوعي في آليات القراءة النقدية.

ثانيًا: المآخذ

1. كثافة اصطلاحية قد تعيق الفهم

على الرغم من أهمية الجهاز المفاهيمي المعتمد فإنّ كثافة المصطلحات السيميائية وتداخلها قد تجعل النص النقدي عسير التلقّي خاصة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. إذ يغلب أحيانًا حضور المفهوم على حساب الشرح، ما يخلق مسافة بين الخطاب النقدي والمتلقي، ويحدّ من انتشار هذا النوع من الدراسات خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة.

2. هيمنة الجانب النظري على التطبيقي

يميل الكتاب إلى ترجيح الكفّة النظرية بحيث يبدو التحليل التطبيقي محدودًا قياسًا إلى الامتداد المفاهيمي.

وكان من الممكن تعزيز القيمة الإجرائية للعمل عبر توسيع الحيّز التطبيقي، وإيراد قراءات نصية أكثر تفصيلًا تُجسّد المفاهيم في سياق عملي واضح.

3. ميل إلى التجريد أحيانًا

يتّسم الخطاب النقدي في بعض مواضعه بدرجة من التجريد قد تُضعف صلته بالنصوص المدروسة، حيث يتحوّل التحليل إلى بناء مفاهيمي قائم بذاته، وهذا الميل على الرغم من كونه جزءًا من طبيعة الخطاب السيميائي إلى أنّه يحتاج إلى موازنة دقيقة تُبقي النص الأدبي في مركز العملية النقدية.

ثالثًا: أفق القراءة وإمكاناتها

على الرغم من هذه الملاحظات فإنّ الكتاب يفتح أفقًا رحبًا أمام الدراسات النقدية العربية، إذ يقدّم نموذجًا لقراءة تتجاوز الأحكام الانطباعية نحو تحليل علمي يستند إلى أدوات منهجية دقيقة.

كما أنّه يتيح إمكانات تطوير لاحقة سواء عبر تعميق الجانب التطبيقي، أو عبر تبسيط الجهاز المفاهيمي، أو حتى من خلال توسيع النصوص المدروسة.

ويمكن النظر إلى هذا العمل كخطوة ضمن مسار تراكمي لا مشروع مكتمل نهائيًا؛ إذ يضع أسسًا يمكن للباحثين البناء عليها سواء بالمراجعة أو بالتطوير أو بالمقارنة مع مقاربات نقدية أخرى.

ومن باب إنصاف تجربة الدكتور محمد خولي يقتضي الإقرار بأنّ ما قد يبدو من مآخذ لا ينفصل عن طبيعة المشروع الذي يسعى إلى إدخال أدوات معرفية معقّدة إلى حقل نقدي ما يزال في طور التشكّل.

وخلاصة القول: إنّ هذا الكتاب يجمع بين الجرأة المعرفية والجهد المنهجي، ويؤسّس لوعي نقدي جديد، حتى وإنْ ظلّ بحاجة إلى مزيد من التوازن بين التنظير والتطبيق. وهو بذلك يُعدّ إسهامًا جادًا يستحق التقدير، ويشكّل إضافة ثريّة في دراسة الشعر العربي الحديث وتحليل بنياته الدلالية.

ويمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنّه محاولة جادة لإعادة التفكير في العلاقة بين الشعر والواقع من خلال مفهوم التمثيل، وهو يفتح أفقًا نقديًا جديدًا يدعو إلى قراءة النصوص الشعرية على أنها أنظمة دلالية معقدة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.

إنّ أهم ما يقدمه الخولي هو هذا التحول في النظر من البحث عن "الموضوع" إلى البحث عن "تمثيله"، وهذا التحول في حدّ ذاته يمثل نقلة نوعية في النقد الأدبي تستحق الوقوف عندها والتوسع فيها.

تشير هذه القراءة النقدية إلى أنّ كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" للدكتور محمد عبد الله الخولي يندرج ضمن المشاريع النقدية الجادة التي تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع عبر وسيط اللغة، وفي ضوء مقاربات سيميائية ذات أفق تواصلي.

فقد نجح المؤلف إلى حدٍّ بعيد في نقل النقاش من مستوى التعامل مع "الموضوع" كمعطى سابق على النص إلى اعتباره بنية دلالية تُنتج داخل الخطاب الشعري، وتتشكل عبر تفاعل معقد بين العلامة والمرجع والذات والمتلقي.

لقد بيّنت الدراسة أنّ الخولي لا يكتفي باستثمار المنجز السيميائي كما تبلور عند تشارلز بيرس، ولا عند رومان جاكوبسون، فهو يسعى إلى إعادة تأويل هذه المرجعيات ضمن مشروع يهدف إلى بناء نموذج تحليلي قادر على استيعاب خصوصية النص الشعري، وخاصة في تجربة محمود درويش التي تتسم بتعقيد دلالي وتنوع في مستويات التمثيل. وتتجلّى القيمة المعرفية لهذا الكتاب في إسهامه النظري، ولا سيما في اقتراحه لتقسيم التمثيل الشعري إلى دوائر ثلاث هي: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وهي دوائر لا تعمل في عزلة، إنما تتداخل وتتكامل في إنتاج المعنى الشعري.

وقد كشفت هذه القراءة عن جملة من الإشكالات التي تفرض نفسها عند تقويم هذا العمل:

فمن جهة أولى يلاحظ هيمنة واضحة للبعد التنظيري على حساب الاشتغال التطبيقي، إذ كان بالإمكان تدعيم الأطروحات بمزيد من القراءات النصية التفصيلية التي تُظهر فاعلية الجهاز المفاهيمي المقترح.

ومن جهة ثانية، فإنّ الكثافة الاصطلاحية على الرغم من دلالتها على عمق معرفي إلّا أنها قد أسهمت في إضفاء قدر من الإغلاق على الخطاب، ما يجعل تلقيه مشروطًا بامتلاك خلفية نظرية متقدمة في السيميائيات والنقد الحديث.

أما من جهة ثالثة، فمحاولة التوفيق بين مرجعيات متعددة (بنيوية، سيميائية، تأويلية) تظل في بعض المواضع غير محسومة تمامًا، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات حول مدى انسجام الإطار النظري العام.

ومع ذلك فإنّ هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الكتاب بقدر ما تندرج ضمن أفق نقدي يسعى إلى تطوير هذا النوع من الدراسات، والبناء عليه.

إذ يمكن اعتبار عمل الخولي خطوة متقدمة في سبيل تأسيس مقاربة عربية معاصرة للتمثيل الشعري قادرة على الانفتاح على المناهج الحديثة دون أنْ تفقد صلتها بخصوصية النص الأدبي العربي.

إنّ أهم ما تخلص إليه هذه الدراسة هو أنّ الشعر في ضوء هذا التصور يُفهم كونه ممارسة دلالية تُعيد إنتاج هذا الواقع داخل اللغة، وتفتحه على إمكانات تأويلية متعددة. وهو ما يجعل من "الموضوع" كيانًا ديناميًا لا يستقر، ويظل في حالة تشكّل مستمر تبعًا لتعدد القراءات وتنوع السياقات.

هذا وإنّ آفاق البحث في هذا المجال تظل مفتوحة، سواء من خلال تعميق الاشتغال على البعد التطبيقي للنموذج الذي يقترحه الخولي، أو عبر مقارنته بمقاربات نقدية أخرى، أو من خلال توسيع دائرة التطبيق لتشمل تجارب شعرية مختلفة.

كما يمكن أنْ يشكل هذا العمل منطلقًا لإعادة التفكير في مفاهيم مركزية في النقد الأدبي مثل: المرجع، والتمثيل، والتأويل في ضوء التحولات التي يشهدها الفكر النقدي المعاصر.

إنّ كتاب "التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش" يفتح أسئلة جديدة، وهو ما يمثل في حد ذاته إحدى أهم وظائف الخطاب النقدي الجاد الذي يسعى إلى توسيع أفق التفكير في النصوص، وإعادة صياغة أدوات قراءتها.

في ختام مقالي أقول: تنطوي الصفحاتُ وتبقى جمرةُ المعنى يقِظةً في رمادِ اللغة، تشعُّ كلّما لامستها يدُ قارئٍ جديد، لينهض محمود درويش في هذا المقام كينونةً شعريّةً لا تستقرُّ على حال، لتتوالدُ من داخلها طبقاتُ الدلالة، وتفيضُ من حوافِّها أسئلةُ الوجود والهُوية والحنين.

يغدو النصُّ مع محمود درويش مجالًا حيًّا تتعالقُ فيه الإشارةُ والرمزُ والصوت، وتتشكّلُ خرائطُ المعنى على إيقاعِ التجربة، فتتبدّلُ القراءةُ كلّما تبدّلَ موقعُ النظر، وتغتني كلّما اتّسعَ أفقُ التأويل.

وفي ضوءِ هذا الامتداد يبرزُ جهدُ الدكتور محمد عبد الله الخولي كونه محاولةً واعيةً لإحكامِ النظر في بنيةِ التمثيل الشعريّ للموضوع، واستجلاءِ علاقاتِ العلامةِ بمحيطها التواصليّ.

وتتقدّمُ مقاربتهُ بخطًى محسوبة، فتلتقطُ الخيوطَ الدقيقة بين الدالِّ والمدلول، وتستقرئُ آلياتِ التشكيل في النصّ الدرويشيّ، فتفتحُ للمتلقّي مسالكَ جديدةً للفهم، وتستدعي في الآنِ نفسِه أسئلةً موازيةً حول حدودِ المنهج، وسِعةِ الإحاطة، وإمكانِ القبض على نصٍّ يراوغُ الاكتمال.

وهذا ما يسعى لتحويل القراءة إلى فعل مركّب يتجاورُ فيه الكشفُ مع الإبداع، ويصيرُ القارئُ شريكًا في بناءِ المعنى لا مجرّدَ متلقٍّ له.

كما تنسحبُ العلاماتُ من سكونها لتدخلَ حيّزَ الحركة، وتتجاوبُ الأصواتُ في نسيجٍ تتداخلُ فيه الذاتيّةُ بالجماعيّة، والتاريخيُّ بالوجدانيّ، فيتشكّلُ نصٌّ مفتوحٌ على أزمنةٍ متعدّدة، يَصْدُقُ فيه الحضورُ بقدرِ ما يتكثّفُ الغياب.

وفي هذا الأفق تتجلّى التجربةُ الدرويشيّةُ كمرآةٍ تعكسُ هشاشةَ الإنسان وقوّتَه معًا، وتمنحُ اللغةَ قدرةً على أنْ تقولَ ما يتجاوزُ القول، فيتبدّى الشعرُ طاقةً خلاّقة تُعيدُ ترتيبَ العالم في صيغةٍ أكثرَ إنسانيّة، وتستدعي من القارئ يقظةً دائمة تليقُ بعمقِ هذا الأثر واتّساعِه.

تمتدُّ الرحلةُ الأدبيّةُ في هذا المقال مقامًا من مقاماتِ العشقِ المعرفيّ، فتتآلفُ فيه الخبرةُ الشخصيّةُ مع التحليل، ويتحوّلُ التلقّي إلى ممارسةٍ واعية تُنصتُ للنصّ وتُحاورهُ في آن، ويتعزّزُ اليقينُ أنّ الشعرَ الدرويشيّ فضاءٌ لا يُحدُّ، وأنّ كلّ قراءةٍ تفتحُ بابًا لقراءةٍ أخرى، وكلّ تأويلٍ يُنبتُ تأويلًا جديدًا، في سلسلةٍ لا تنقطعُ من التفاعلِ والاشتغال.

يستقرُّ هذا المقالُ في خاتمته على أفقٍ رحب يوسّع المعنى، ويحرّر الدلالة، ليغدو درويشُ حضورًا متجدّدًا في الوعي، ونبضًا يرافقُ اللغةَ في مسيرتها، وصوتًا يعبرُ الأزمنةَ ليذكّرَ القارئ بأنّ الشعرَ تجربةٌ تُعاش، ومسارٌ يُعادُ اكتشافه مع كلّ اقتراب، فتتعانقُ البدايةُ مع النهاية تعانقَ الدائرةِ بنقطةِ انطلاقها، ما يكشف للوعي أنّ المعرفةَ الأدبيّةَ سيرورةٌ لولبيّةٌ تتقدّمُ عبر عودتها، وتُعيدُ تشكيلَ ذاتها مع كلِّ اقتراب.

عند هذا المنعطف، ينهضُ محمود درويش ككثافة دلاليّةً تتولّدُ من توتّرٍ خلّاقٍ بين القولِ ومجازه، وبين الإشارةِ وامتدادها، فتغدو القصيدةُ مجالًا يختبرُ القارئُ فيه أدواته ويعيدُ ترتيبَ وعيه.

وتتأسّسُ الحُجّةُ على تحويلِ المعنى إلى فعلٍ، وعلى جعلِ القراءةِ إنتاجًا يتشكّلُ ضمن أفقِ التلقّي، ويظهرُ المنهجُ لدى الدكتور محمد عبد الله الخولي إطارًا يلتقطُ العلاقاتِ بين العلامات، ويقترحُ مسالكَ للفهم تُوسّعُ مجالَ الدلالة، وتُعيدُ توزيعَ مراكزِ النظر داخل النصّ.

ومن ثمّ تتقدّمُ القراءةُ التي باتت ممارسةً واعية تجمعُ بين تفكيكِ البنيةِ واستنطاقِ المعنى، وتُسهمُ في توليدِ طبقاتٍ جديدةٍ من التأويل.

يتخذُ ختامي لهذه القراءة هيئةَ عتبةٍ معرفيّة تُحرّضُ على قلقٍ منتج، وتدعو إلى مساءلةِ الأسئلةِ، وإعادةِ صوغِ العلاقةِ بين القارئِ والنصّ.

فأيُّ معنى يتشكّلُ في كلِّ قراءة؟ وأيُّ أفقٍ يتّسعُ مع كلِّ اقتراب؟

إنّ القراءةَ هنا تجربةُ وعيٍ يتنامى، ومسارٌ تتكثّفُ فيه الدلالةُ عبر الحركة كونه انفتاحًا على بدايةٍ أشدَّ عمقًا، فكلُّ قراءةٍ خطوةً في طريقٍ يتجدّد يتواطأ فيه القارئُ مع النصّ على إنتاجِ معنى يتنامى باستمرار.

وفي هذا الأفق يستقرُّ الأدبُ فعلًا حيًّا، وتستقرُّ القراءةُ فعلَ خلقٍ دائم يوسّعُ حدودَ الرؤية، ويمنحُ المعنى امتدادًا لا ينضب.

كما تنبثقُ من بينِ السطورِ رسالةٌ خفيّة تُسلَّمُ إلى القارئ كما تُسلَّمُ زهرةٌ على عتبةِ دربٍ طويل، إنها زهرةٌ من أثرِ محمود درويش، ومن صدى قراءةٍ سعت إلى ملامسةِ جوهرِه، ومن يقينٍ يتنامى بأنّ النصَّ يزهرُ كلّما امتدّت إليه يدٌ جديدة.

سأترك هذه الزهرةُ شاهدةً على عبورٍ لم يكتمل، وعلى حوارٍ يطلبُ من يُتابعُه، وعلى معنى يتشكّلُ مع كلّ عينٍ تُصغي.

فإنْ صادفتْ هذه الكلماتُ قلبًا يلتقطُ خيطَها فإنّ الرحلةَ تستأنفُ نبضَها، ويتحوّلُ الأثرُ إلى امتداد، ويغدو القارئُ شريكًا في كتابةِ ما يتجدّد.

أرجو أنْ أكون قد وفّقتُ في غرسِ هذه الزهرةِ في طريقِ القراءة، لتظلَّ تنفتحُ كلّما مرَّ بها وعيٌ جديد، وتُهدي عطرَها لمن يُكملُ المسير.

وللهِ وَلِيُّ التوفيق، عليهِ أُفوِّضُ الحرفَ وما انطوى عليه من جهدٍ وتأمّل، وبهِ أستودِعُ هذه الزهرةَ على عتبةِ القراءة علّها تُزهرُ في خطى العابرين، وتمتدُّ في قلوبٍ تعرفُ للحياةِ وجهها الأبهى، كما أنشدَ محمود درويش يوم قال: " وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا، وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ، وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَزْرَعُ حَيْثُ أَقمْنَا نَبَاتاً سَريعَ النُّمُوِّ، وَنَحْصدْ حَيْثُ أَقَمْنَا قَتِيلاَ، وَنَنْفُخُ فِي النَّايِ لَوْنَ البَعِيدِ البَعِيدِ، وَنَرْسُمُ فَوْقَ تُرابِ المَمَرَّ صَهِيلاَ،

وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا حَجَراً: أَيُّهَا البَرْقُ أَوْضِحْ لَنَا اللَّيْلَ أَوْضِحْ قَلِيلاَ.

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا...".

***

د. غدير حميدان الزبون

صباحُ يومِ الأحد، من قلبِ غرفة تعجُّ بضجيجِ العلمِ والحياة

02 مايو 2026م