عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

مقدمة: تتجاوز القصيدة المقاومة في سياقها المعاصر حدود التوثيق الواقعي، لتُنشئ خطاباً مضاداً يواجه سرديات الهزيمة والتطبيع السياسي. وقصيدة "صرخة ضد التطبيع" لشلال عنوز نموذجٌ من هذا النوع من الكتابة، تستمد شرعيتها من تاريخ يتجذر في المكان والدم، وتُعيد تأسيس الذاكرة الجمعية على أرضية رمزية تنسج من الكلمات أسطورة مقاومة قوامها التضحية والفداء والبعث.

شيّدت القصيدة نسقاً دلالياً مركباً على ثنائية أساسية: المقاومة في مواجهة الخيانة، والوفاء الوجودي للمكان في مواجهة البيع السياسي. وكلما تطورت القصيدة، تعمّق هذا التقابل ليشمل مستويات متعددة من الدلالة: الأنطولوجية (الوجود/العدم)، والأخلاقية (الوفاء/الخيانة)، والجمالية (الجمال/القبح)، والزمنية (الأبدية/الفناء). هذا التعدد المستوياتي للدلالة يجعل من القصيدة بناءً سيميائياً متماسكاً.

العنوان:

جاء العنوان "صرخة ضد التطبيع" كعتبةٍ رئيسية تدخلنا إلى فضاءٍ مشبعٍ بدلائل احتجاجية، فتضع النص في سياق الفعل السياسي المقاوم. الصرخة هنا علامةٌ سيميائية مزدوجة: تحيل من جهة إلى الألم الممض والغضب الفادح، ومن جهة ثانية إلى الحياة بكل معانيها والرفض بحمولاته التحدّية.

في السياق الشعري المقاوم، تتجاوز الصرخة البعد الصوتي المباشر، لتصير فعلاً تأسيسياً يُعلن ميلاد الذات المقاومة، وعلامة حضورٍ تُثبت الوجود في مواجهة محاولات المحو، وبياناً سياسياً يُفصح عن الموقف دون مواربة. كعلامة صوتية، تتجاوز حدود اللغة المنطوقة لتصير لغةً جسديةً تعبّر عن ألمٍ وجودي لا تستطيع الكلمات المجردة احتواءه.

أما التطبيع فيُستدعى في العنوان بوصفه نقيضاً وجودياً للمقاومة. إنه في الخطاب المقاوم ليس مجرد علاقات دبلوماسية أو اتفاقيات سياسية، بل تطبيعٌ للذاكرة وتزييفٌ للتاريخ وإلغاءٌ للألم الجماعي، محاولةٌ لجعل اللامعقول معقولاً واللاطبيعي طبيعياً، أي تحويل الاحتلال والاقتلاع والاستيطان إلى حقيقةٍ واقعةٍ يُفترض التعايش معها.

بهذا، أسس العنوان لثنائيةٍ ضديةٍ مركزيةٍ تحكم البنية الكلية للنص، وتتغلغل في مستوياته الصوتية والإيقاعية والرمزية.

سيميائيات المكان المقدس:

تفتتح القصيدة بتحديدٍ مكانيٍ دقيق:

"على بُعد شَهقة / وتِلال وَجع / في القُدس"

القدس مركزٌ رمزيٌ، بما يتوافق مع تعبير ميرسيا إلياده عن "النقطة التي يلتقي فيها المقدس بالمدنس، السماوي بالأرضي". والمسافة المؤدية إليها لا تُقاس بالكيلومترات، بل بشهقةٍ وتلال وجع، أي بمقياس الألم الوجودي والمعاناة الجماعية.

هذا القياس الألمي للمسافة يُحوّل الجغرافيا من علمٍ موضوعي إلى تجربةٍ ذاتيةٍ عميقة. الشهقة لحظة انقطاع النفس، لحظة الاختناق والألم الشديد، وهي أيضاً لحظةٌ ما قبل الصرخة. وتلال الوجع تُحوّل الألم إلى تضاريس جغرافيةٍ وعرة، فيصير الوجع شعوراً متجسداً يمتلك الروح.

تظهر الأحياء السبعة علامةً مركزيةً تحمل دلالاتٍ بوصفها ذاكرةً حيةً لا مجرد مباني:

"كانت الأحياء / السبعة / تَنوءُ بأحجارِها / نازفةً"

تتحول الحجارة إلى جسدٍ حيٍّ يتألم: تنوء أي تتعب وتثقل، وتنزف أي تفقد دمها كما يفقد الشهيد دمه. هذا التماهي بين المكان والجسد يلغي الفاصل بين الإنسان والجغرافيا، فيصير المكان امتداداً للذات الجماعية.

والرقم سبعة يحمل دلالةً قدسيةً في التراث الديني والأسطوري: سبع سماوات، سبعة أيام الخلق، سبعة أشواط. في الحضارة الرافدينية، ارتبطت بالآلهة السبعة الكبار، وفي المصرية القديمة بآلهة الخلق. واستحضار هذا الرقم في سياق الاستشهاد يربط الحدث المعاصر بعمقٍ تاريخيٍّ يمتد لآلاف السنين، مُضفياً على المكان بعداً ميثولوجياً. السبعة رقمُ الاكتمال والدورة الكاملة، فتصير القدس حاضرةً كونيةً ومركزاً مرجعياً مقدساً يتكرر فيه الخلق والتجدد.

وتتحول الأحياء إلى رسّامة خريطة، بهدير الانتفاضة، بصرخات الأمهات، بلهاث صبية الحجارة، لا بحبر المطابع. هنا يتقاطع الصوتي بالمكاني، فالخريطة تُرسم بصراخ الشعب المنتفض وتضحياته. إنها خريطةٌ سيميائيةٌ بديلةٌ تُناقض الخرائط الاستعمارية الثابتة، تعتمد على خطوط الدم ومحاور الألم ونقاط الصمود، خريطةٌ حيةٌ تُجدد نفسها باستمرار.

الأصوات الثلاثة التي ترسم هذه الخريطة تُشكل أوركسترا مقاومة: هدير الانتفاضة (صوتٌ جماعيٌّ عميق)، صرخات الأمهات (صوتُ الألم الأموي)، لهاث صبية الحجارة (صوتُ الجهد الجسدي والمقاومة الفعلية).

الشهيد بوصفه علامة عبور:

يُستحضر أسامة الجدة، أول شهداء انتفاضة الأقصى عام 2000، إشارةً مركزيةً في بنية القصيدة، كشخصٍ تاريخيٍّ ورمزٍ للعبور من الموت إلى الخلود:

"كان أُسامة / يَحمل سِلال الأمل / في بَساتين الطور / حينما أطلقَ / حَماماتِهِ السَبع / في سَماوات القدس / مُتبرِّعاً بِدَمهِ / لِتُراب الأقصى"

تتشابك هنا عدة طبقات دلالية. "سلال الأمل" و"بساتين الطور" تُحيلان إلى الحياة العادية البسيطة قبل لحظة الاستشهاد. أسامة لم يكن مقاتلاً محترفاً، بل طفلاً يحمل الأمل كما يحمل الفلاح سلال الثمار. هذا التقابل بين البراءة والعنف يُعمّق المأساة. "بساتين الطور" تُحيل إلى المكان المقدس (جبل الطور)، تربط الحياة اليومية بالبعد الديني.

الحمامات السبع تُحيل إلى الروح الطاهرة التي تصعد إلى السماء، صورة "الشهيد-الطائر" الذي يتحرر من ثقل الأرض. وهي تناصٌ مع الحديث النبوي: "إن أرواح الشهداء في جوف طيرٍ خضرٍ تعلّق من ثمار الجنة" (رواه أحمد والترمذي).

لكن القصيدة تُضيف بُعداً رمزياً جديداً: "أطلق" يُشير إلى الإرادة والفعل الواعي، فالشهيد لم يمت بشكلٍ سلبي، بل أطلق روحه بوعي، تبرّع بدمه بإرادة. هذا التحول من الضحية السلبية إلى الفاعل الإرادي هو جوهر الخطاب المقاوم.

الحمام في التراث الرمزي يحمل دلالات السلام والنقاء والحب والبشارة، كلها دلالاتٌ إيجابيةٌ تتناقض مع صورة "الإرهابي" التي يحاول الخطاب الاستعماري إلصاقها بالمقاوم. الشهيد هنا مطلقُ حمامٍ وحاملُ أملٍ ومتبرعٌ بدم، في قمة النبل الإنساني.

ثم يأتي مفهوم الدم، قدّمٌ كقربانٍ متبرّعٍ به لصون تراب الأقصى. الدم هنا علامةٌ تأسيسيةٌ تُعيد شرعنة المكان وتجدد ملكيته الرمزية، وتناصٌ مع القرابين الدينية المقدسة. والتبرع بالدم يحمل دلالةً حديثةً إضافيةً بوصفه فعلاً إنسانياً نبيلاً يُنقذ الحياة. فالشهيد يتبرع بدمه تطوعاً لغايةٍ نبيلة، دمه لا يُهدر عبثاً بل يُقدّم للأرض التي تحتاجه كي تستمر حية. يصير فعل الاستشهاد نقل الموت من نهايةٍ لا معنى لها إلى بدايةٍ لحياةٍ متجددة.

جدلية الموت والولادة:

تتحرك القصيدة في مسارٍ تصاعديٍّ من الموت إلى الحياة، عبر سلسلةٍ من التحولات السيميائية:

"أرى نَعشَهُ / تَحملهُ يَدا الضَوء والعنفوان / تَزفُّهُ حَناجر الغَضب"

النعش لا يُحمل بالحزن، بل بالضوء والعنفوان. هذا قلبٌ للدلالة المعتادة: الموت يتحول إلى طقسٍ احتفالي. الفعل "تزفّهُ" المستخدم عادةً في سياق الأعراس لا الجنازات، يُحوّل الموت إلى عرس. وهو تناصٌ مع التقليد الشعبي الفلسطيني في جنازات الشهداء.

في الثقافة المقاومة، الموت الاستشهادي عبورٌ إلى مستوىً أعلى من الوجود. الشهيد لا يموت، هو يعبر، لا ينتهي بل يكتمل، لا يغيب بل يحضر بشكلٍ أقوى. "يدا الضوء والعنفوان" تجمع بين البعد الروحي والبعد المادي، فيجمع الموت الاستشهادي بين السماوي والأرضي.

"حناجر الغضب" التي "تزف" النعش تُحيل إلى الطاقة الثورية التي تتولد من الموت. الغضب هنا وقودُ المقاومة ومحركُ التغيير، صوتٌ شعبيٌّ عامٌ لا صرخةً فرديةً معزولة.

تبلغ الحركة ذروتها في النهاية:

"عِند مَساحات المَخاض / زغاريدُ الأمّهات / مُبشّرة / بِوِلادةِ الفَجر"

المخاض لحظةٌ ما قبل الولادة، لحظة الألم الأقصى التي تسبق الانبثاق. وزغاريد الأمهات تُعيد إنتاج الحياة من الموت. المرأة/الأم هي التي تُبشّر بولادة الفجر، أي بانبعاث زمنٍ جديدٍ من رحم المأساة.

صورة "مساحات المخاض" تُحوّل الزمن إلى مكان، والألم إلى جغرافيا. المخاض مساحاتٌ تُقطع وتُعبر بوجعٍ وتضحيات، يُطيل زمن الانتظار ويُكثّف الألم، لكنه يجعل الولادة أكيدةً وحتميةً.

"زغاريد الأمهات" علامةٌ صوتيةٌ مركزيةٌ في الثقافة العربية، تُطلق في اللحظات الفارقة: الأعراس، الولادات، الأفراح الكبرى. استخدامها في سياق الاستشهاد يُحوّل الموت إلى عرسٍ وولادةٍ وفرحٍ مركّب، يجمع بين الألم والأمل، بين الفقد والإيمان، بين الحاضر المرير والمستقبل الموعود.

"ولادة الفجر" صورةٌ شعريةٌ مكثّفةٌ تختزل فلسفة المقاومة: الفجر يولد من رحم الظلام، كما تولد المقاومة من رحم الاحتلال. والأمهات يُبشّرن بهذه الولادة، فتكون المرأة رحمَ التاريخ وولادةَ المستقبل.

هذا التحول من "النعش" إلى "الولادة" يُشكّل البنية الزمنية العميقة للنص: من الماضي (النكبة) إلى الحاضر (الانتفاضة) إلى المستقبل (الفجر).

التناص والذاكرة الجماعية:

تستدعي القصيدة عدة طبقات من التناص:

التناص التاريخي: استحضار أسامة الجدة، وأريئيل شارون، وانتفاضة الأقصى (2000)، والنكبة (1948). هذه الإحالات تُحوّل النص إلى وثيقةٍ شعريةٍ تؤرخ للصراع، لكن التوثيق الشعري يختلف عن التاريخي: هو يُعيد إنتاج الأحداث رمزياً، يمنحها معنى، يربطها بسياقٍ أوسع.

التناص الديني: الحمام (رمز الروح)، الأقصى (ثالث الحرمين)، الطور (الجبل المقدس). هذا البعد يُضفي على المقاومة شرعيةً روحيةً، ويعمّقها في الذاكرة الجماعية.

التناص الشعري: صورة الدم المتبرّع به للتراب تُحيل إلى تراثٍ شعريٍّ طويلٍ في الأدب المقاوم العربي (محمود درويش، سميح القاسم، معين بسيسو). لكن القصيدة تُطور هذا التراث: الدم يُتبرع به لا يُسفك، فتتغير الدلالة من الخسارة إلى العطاء.

التناص الأسطوري: رمزية الرقم سبعة، وفكرة الموت والانبعاث، وصورة الطائر الذي يحمل الروح. هذه العناصر تربط النص بأساطير الخلق والتجدد في الحضارات القديمة (تموز، أدونيس، أوزيريس)، مُضفيةً بعداً أبدياً على الصراع.

التناص الشعبي: الزغاريد، وجنازات الشهداء كأعراس، وفكرة الشهادة كعرس. هذه العناصر مستمدةٌ من الثقافة الشعبية الفلسطينية، تجعل القصيدة أقرب إلى الوجدان الجماعي.

سردية الخطاب المضاد والزمن البديل:

القصيدة لم تكتفِ برفض الخطاب الاستعماري، بل أنتجت سرديةً بديلةً:

السردية الاستعمارية // السردية المقاومة

الفلسطينيون إرهابيون // الفلسطينيون شهداء

المقاومة عنفاً // المقاومة حقاً

الموت عبثاً       // الموت ولادةً

التطبيع سلاماً // التطبيع خيانةً

لكن القصيدة لا تُبسّط إلى ثنائيات صارمة: "عنف العتمة" و"معاول التطبيع" و"تآمر الخونة" تظهر معاً، مما يُشير إلى أن المقاومة تتم في ظلّ تعدّد الأعداء (الاحتلال والتطبيع الداخلي).

والقصيدة تُقدّم نظاماً زمنياً بديلاً: زمناً دائرياً يؤدي الموت فيه إلى ولادةٍ تؤدي إلى حياةٍ جديدة. وزمنٌ تصاعديٌّ من الماضي إلى المستقبل عبر الحاضر، بطقسية المخاض والولادة والزغاريد. زمنٌ مقدسٌ بديلٌ للزمن الخطي، تصنع أحداثُه دماءَ الشهداء وأصواتَ المنتفضين وزغاريدَ الأمهات وحجارةَ الأطفال.

الخاتمة:

أفضت هذه القراءة السيميائية إلى أن قصيدة "صرخة ضد التطبيع" لم تقف عند حدود التعبير الشعري عن موقفٍ سياسي، بل أسّست لنظامٍ دلاليٍّ متكاملٍ أعاد إنتاج العالم وفق مرجعية المقاومة، بوصفها فعلاً وجودياً وأخلاقياً وجمالياً في آنٍ واحد. النص، عبر بنيته الرمزية المركّبة، لم يكتفِ بتفكيك خطاب التطبيع، بل نجح في بناء خطابٍ مضادٍّ يمتلك أدواته السيميائية الخاصة، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة والتاريخ.

كشفت القصيدة عن قدرةٍ لافتةٍ على تحويل العلامات: المكان يغدو جسداً حياً، والدم يتحول إلى لغةٍ تأسيسية، والموت يُعاد تأويله بوصفه لحظةَ عبورٍ نحو اكتمال الوجود لا نهايته. البنية العميقة للنص تقوم على قلب الدلالات السائدة وإعادة شحنها بطاقةٍ رمزيةٍ جديدة، تجعل من المقاومة أفقاً مفتوحاً للمعنى، لا مجرد رد فعلٍ ظرفيٍّ على واقعٍ سياسي.

استثمار التناص بمستوياته المتعددة أسهم في ترسيخ القصيدة داخل شبكة الذاكرة الجماعية، فغدت جزءاً من سرديةٍ كبرى تتجاوز اللحظة الراهنة، وتربط الفعل المقاوم بسياقٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ ممتد. وهو ما منح النص بعداً كونياً، دون أن يفقد خصوصيته المحلية المتجذرة في تفاصيل المكان الفلسطيني.

في جوهرها، تُعيد القصيدة تعريف الصراع بوصفه صراعاً على المعنى قبل أن يكون صراعاً على الأرض. وهنا تأتي أهمية هذا الخطاب الشعري المقاوم، الذي ينهض بوظيفةٍ تفكيكيةٍ وبنائيةٍ في آنٍ، فيُقاوم المحو بإعادة الكتابة، ويواجه التطبيع بإنتاج معنىً بديلٍ يُعيد للوجود توازنه الأخلاقي.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.............................

المراجع

1. أبو ديب، كمال. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر. بيروت: دار العلم للملايين، 1984.

2. بنيس، محمد. الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1989-2001، 4 أجزاء.

3. درويش، محمود. في حضرة الغياب. بيروت: دار الريّس للكتب والنشر، 2006.

4. السعافين، إبراهيم. شعرية الأنا والآخر: تحليل خطاب الهوية في الشعر الجاهلي. عمان: دار الكرمل للنشر والتوزيع، 1997.

5. السيد، غسان. شعر المقاومة الفلسطينية: دراسة فنية وموضوعية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.

6. العيد، يمنى. في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي. بيروت: دار الآداب، 1983.

7. فضل، صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النص. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، 1996.

8. القاسم، سميح. الدواوين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005.

9. مبارك، محمد. استقبال النص عند العرب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999.

10. الناصر، ياسين. إشكالية المكان في النص الأدبي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2008.

11. إلياده، ميرسيا. المقدس والمدنس. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، 1987.

12. بارت، رولان. درس السيميولوجيا. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986.

13. كريستيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1991.

14. لوتمان، يوري. مشكلة المكان الفني. ترجمة سيزا قاسم. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2001.

.....................

"صرخة ضد التطبيع"

على بُعد شَهقة

وتِلال وَجع

في القُدس..

كانت الأحياء

السبعة

تَنوءُ بأحجارِها

نازفةً

تَرسمُ خارطةَ

هَدير الانتفاضة

على شَفَةِ التاريخ

صارخةً...

تُلملمُ جُرح النَكبة

تُنادي القادِمين الراحلين

على بَوّابات

المَسجد الأقصى

على بُعدِ مَقصلةٍ

مِن نيران

جُند (أرئيل شارون)*

كان (أُسامة)*

يَحمل سِلال الأمل

في بَساتين (الطور)*

حينما أطلقَ

حَماماتِهِ السَبع

في سَماوات القدس

مُتبرِّعاً بِدَمهِ

لِتُراب الأقصى

وعلى الرغم

مِن عُنف العَتمة...

مَعاول التطبيع....

تَآمر الخَونة....

أرى نَعشَهُ

تَحملهُ يَدا الضَوء

والعنفوان

تَزفُّهُ حَناجر الغَضب...

صَلوات الصامدين...

تُطوّقُهُم...

عَزيمة الفَرح

المُنتظر

عِند مَساحات

المَخاض

زغاريدُ الأمّهات

مُبشّرة

بِوِلادةِ الفَجر

***

شلال عنوز

................

* أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اقتحم المسجد الأقصى بقواته عام 2000م، وعلى أثر ذلك حدثت انتفاضة الأقصى

* أسامة جدة أول شهيد في انتفاضة الأقصى

* الطور قرية قرب المسجد الأقصى التي استشهد فيها أسامة الجدة برصاص العدو حينما تسلل لها ليتبرع بالدم لجرحى الانتفاضة

النص تجربة شعورية مكثّفة تنتمي إلى شعرية الألم الصامت، حيث يتحوّل الإنسان القوي ظاهريًا إلى كائن هشّ داخليًا، يعيش تناقض الظهور والتواري في آنٍ واحد.

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية

العنوان ليس مجرد مدخل بل مفتاح تأويلي للنص؛ فـ"النجوم المحترقة" تحيل إلى الكائنات اللامعة التي يُفترض فيها البقاء في العلو، لكنها في الحقيقة تسير نحو الأفول. هنا تتأسس المفارقة: الضوء نفسه يحمل بذور انطفائه. وهذا ينسجم تمامًا مع ثيمة النص: أولئك الذين يُطلب منهم أن يكونوا أقوياء دائمًا، حتى وهم ينهارون.

ثانيًا: البنية الشعورية – إنسان على حافة ذاته

النص يتحرك ضمن حقل دلالي واحد: الضغط الداخلي.

عبارات مثل: "يمشون على حافة أنفسهم" و*"القوة قناع"* تكشف عن انشطار الذات بين ظاهر مفروض وباطن مقموع.

الشاعرة لا تصف السقوط، بل تؤجله وتخفيه، ليصبح أكثر قسوة حين يتحول إلى سقوط داخلي صامت.

ثالثًا: بلاغة الانزياح والتكثيف

النص غني بالصور المركبة التي تقوم على الانزياح الدلالي، ومنها:

"أسنان من صبر" → تحويل الصبر إلى مادة حسية حادة، توحي بالقسوة والضغط.

"إبر من صمت" → الصمت هنا ليس سكونًا بل أداة خياطة للألم.

"انطفاءات صغيرة في زوايا الروح" → صورة بديعة تستثمر حقل الضوء لتصوير الألم النفسي.

هذه الصور لا تُزخرف النص، بل تؤسس رؤيته: الألم لا يُعلن نفسه، بل يتسرّب في الخفاء.

رابعًا: تكرار البنية (أولئك…) كإيقاع نفسي

تكرار "أولئك…" يمنح النص طابعًا إنشاديًا، ويحوّل الفئة الموصوفة إلى جماعة إنسانية ممتدة، لا حالة فردية.

كما أن هذا التكرار يخلق نوعًا من التراكم العاطفي، وكأن الشاعرة تبني شهادة إنسانية ضد قسوة التوقعات الاجتماعية.

خامسًا: ثنائية الداخل/الخارج

النص يقوم على تضاد واضح:

الخارج: ابتسامة، صمود، أداء اجتماعي.

الداخل: سقوط، انطفاء، بكاء بلا دموع.

وهذه الثنائية تبلغ ذروتها في هذا المقطع:

"يسقطون عليها سرًّا، ثم ينهضون كأنّ شيئًا لم يكن"

وهي جملة تلخّص مأساة الإنسان المعاصر الذي يُجبر على تمثيل التماسك.

سادسًا: البعد الوجودي والروحي

ينتهي النص بانزياح دلالي عميق:

"البكاء… ليس ماءً ينزل من العين، بل ثقل يصعد من القلب… إلى الله"

هنا يتحول الألم من حالة نفسية إلى تجربة وجودية ذات بعد روحي، حيث يصبح الله هو الملاذ الأخير لما لا يُقال.

وهذا الختام يمنح النص أفقًا تأمليًا يتجاوز الشكوى إلى نوع من التسليم العميق.

خلاصة القراءة:

النص شهادة شعرية على معاناة "الأقوياء قسرًا"، أولئك الذين لا يُسمح لهم بالانهيار، فيتآكلون بصمت.

إنه نص يكتب الألم غير المرئي، ويمنح الصوت لمن اعتادوا أن يكونوا دعائم للآخرين، حتى فقدوا حقهم في أن يكونوا بشرًا.

نصٌّ يُقرأ لا بعين البلاغة فقط، بل بقلبٍ يعرف معنى أن ينهض الإنسان… بعد سقوطٍ لم يره أحد.

***

الأستاذ محمد مهنا

..........................

نجوم محترقة...في الطريق إلى الأفول...

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يمشون على حافّةِ أنفسهم

لان الأرضَ لا تمنح لهم فسحة طريق ...

لا أحدَ يراهم

حين تُثقلهم أكتافُهم،

حين تصيرُ الأسماءُ التي نادوهم بها

أغلالًا خفيّة،

وحين يكتشفون—متأخّرين—

أنّ القوّةَ قناعٌ

يخفي ملامحهم ، و حقهم في أن يكونوا على سجيتهم ...

أولئكَ…

الذين تعلّموا أن يبتسموا

بأسنانٍ من صبر،

وأن يُرمّموا انكساراتهم

بإبرٍ من صمت،

يُتقنون فنَّ الوقوف

حتّى وهم يسقطون داخليًّا كأبراجٍ،بلا صوت.

*

كيف يبكون؟

لا دموعَ تُعلنهم،

بل انطفاءاتٌ صغيرة

تحدثُ في زوايا الروح،

كأنّ نجومًا خفيّة

تُطفأ واحدةً واحدة

في سماءٍ ليست لهم ...

*

يبكون

حين يُغلقون أبوابَهم جيّدًا،

ويُقنعون الجدران

أن لا تُفشي سرَّ ارتجافهم،

حين يُنادون أسماءهم

فلا يُجيبهم أحدٌ

سوى صدىً يشبههم

ولا يُنقذهم.

*

يبكون

حين يُسمح لهم—لثانيةٍ يتيمة—

أن يكونوا بشرًا،

لا أعمدةً تُسندُ العالم،

ولا جسورًا

يمرُّ فوقها الآخرون

إلى ضفافهم.

*

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يخترعون لأنفسهم أرضًا

في داخلهم،

يسقطون عليها سرًّا،

ثم ينهضون

كأنّ شيئًا لم يكن.

لكنّ شيئًا كان -

دائمًا كان -

جرحٌ يتّسعُ

بمقدار ما يُخفونه،

وصمتٌ

ينمو كغابةٍ

في صدرِ الحشد

وحدهم يعرفون

أنّ البكاء

ليس ماءً ينزل من العين،

بل ثِقَلٌ

يصعد من القلب

ولا يجدُ طريقًا

إلّا إلى الله.

***

مجيدة محمدي

بين الجرح الوجودي وانفتاح الدلالة

يندرج نصّ الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة ضمن الكتابة المكثّفة التي تمزج بين الشعر والنثر، حيث تتقاطع الذات الفردية مع الجرح الجمعي، ويتحوّل الاغتراب من حالة نفسية إلى بنية كونية شاملة. والنصّ، على قصره، ينطوي على كثافة دلالية عالية، تتيح قراءة متعددة المستويات، تتراوح بين اللغوي والجمالي والفلسفي والسيميائي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتميّز النصّ بسلامة لغوية واضحة، حيث تنضبط التراكيب ضمن نسقٍ عربيّ فصيح، دون تكلّف أو تعقيد. ويقوم الأسلوب على جمل قصيرة مكثّفة، تُشبه الومضات الشعورية، مثل:

"أدقّ بابي / زائرًا روحي"

وهنا نلحظ انزياحاً دلالياً، إذ يتحوّل "الباب" من كيان مادي إلى عتبةٍ نفسية، ويتحوّل "الزائر" إلى الذات نفسها، بما يُنتج مفارقة داخلية بين الأنا وذاتها.

أما الصورة المركزية:

"لي حزنُ فينيقٍ تبعثر ريشه"

فهي صورة رمزية مركّبة، تستدعي أسطورة الفينيق (البعث من الرماد)، لكن الشاعر يعكسها: فبدل الانبعاث، نجد التبعثر، بما يوحي بانكسار الأمل أو تعذّر القيامة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

يتوازن اللفظ مع المعنى توازناً دقيقاً؛ فالألفاظ مختارة بعناية، دون حشو أو ترهّل.

كلمات مثل: "الاغتراب، الزنازين، العذاب" تحمل شحنة دلالية ثقيلة، تتناسب مع الموضوع الوجودي.

كما أنّ الخطاب المباشر:

"يا إلهي"

يمنح النص بعداً إنشائياً تعبيرياً، يُكثّف التوتر النفسي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

رغم أنّ النص نثري، إلا أنّه مشبع بإيقاع داخلي قائم على:

التكرار: (أدقّ / الباب / الباب)

التقابل: (الذهاب / الإياب)

التوازي التركيبي

كما يظهر الجرس الصوتي في توالي الأصوات الحزينة (الباء، الغين، الحاء)، ما يعزّز الجو الكئيب للنص.

القافية الداخلية في "الغياب / العذاب / الإياب" تُضفي وحدة صوتية خفيّة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النصّ يقوم على بنية درامية داخلية:

بداية: توصيف الحالة (حزن الفينيق)

وسط: فعل (طرق الباب)

ذروة: المفاجأة (مصافحة الاغتراب)

خاتمة: سؤال وجودي مفتوح

إنّه نصّ سردي-شعري، حيث الحدث نفسي لا خارجي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا وجودية مأزومة؛ العالم يضيق، والذات تتّسع في عذابها: "ضاق الكون واتّسعت زنازين العذاب"

وهي مفارقة فلسفية تُعبّر عن اختلال العلاقة بين الإنسان والعالم.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

الدهشة تتجلّى في:

أن يكون الزائر هو "الاغتراب"

أن يطرق الإنسان بابه ليجد نفسه غريباً عنه

وهذا انزياح جمالي عميق يُخرج النص من المألوف إلى أفق التأويل.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود: "أين أروح إذا ضاع الذهاب مع الإياب؟"

وهو سؤال عبثي قريب من الفلسفة الوجودية، حيث تنهار ثنائية البداية والنهاية.

2. الأفق المعرفي.

يتكئ النص على:

مرجعيات أسطورية (الفينيق)

أبعاد وجودية (العبث، الاغتراب)

إحالات دينية (يا إلهي)

3. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

الباب يساوي الذات

الزائر يساوي الوعي

الاغتراب يساوي الحقيقة النهائية

النص مفتوح على تأويلات متعددة، ولا يُغلق معناه.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي إلى سياق فلسطيني/عربي مثقل بالمنفى والاقتلاع، حيث يتحوّل الاغتراب إلى قدر جماعي.

2. تطوّر النوع الأدبي:

النص مثال على "الشعر النثري" الحديث، حيث تُكسر الحدود بين الأجناس.

3. علاقة النص بالتراث

يحاور:

الأسطورة (الفينيق)

البلاغة العربية (التشبيه، الاستعارة)

الخطاب الصوفي (الذات/الذات)

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

الحزن

القلق

الاغتراب

2. تحليل الذات.

الذات منقسمة:

١- ذات تبحث

٢- ذات تستقبل

٣- ذات تصطدم بحقيقتها

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من:

١- الحنين

٢- الاحتجاج

٣- الانكسار

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس أزمة الإنسان المعاصر في عالم مضطرب.

2. الخطاب الاجتماعي

يحمل نقداً ضمنيًا:

لانسداد الأفق

لضيق العالم رغم اتساعه

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهدٌ على انهيار المعنى، لا مصلح مباشر.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الفينيق يساوي الأمل/الانبعاث المكسور

٢- الباب = العتبة الوجودية

٣- الزنازين = القيد النفسي

2. الثنائيات

١- الحضور / الغياب

٢- الداخل / الخارج

٣- الحركة / العجز

3. النظام الرمزي:

العالم مغلق، والذات محاصرة داخلها.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- القراءة التأويلية

مع التركيز على النص ذاته.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم:

النص يحتفي بالإنسان في ضعفه، لا في قوته.

2. الانفتاح التأويلي

قابل لقراءات:

١- وجودية

٢- نفسية

٣- سياسية

3. البعد الإنساني:

يمسّ كل إنسان يشعر بالغربة.

عاشراً: البعد الإيروتيكي (بمعناه الفلسفي)

الإيروتيكي هنا ليس جسدياً، بل:

رغبة في الاتصال

توق إلى التماهي مع الذات لكن هذه الرغبة تُحبَط، فتتحوّل إلى اغتراب.

خاتمة:

إنّ نص خلدون رحمة ينهض بوصفه لحظةً شعرية مكثّفة، تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، والرمز مع التجربة، والذات مع العالم. إنّه نصّ يُعيد طرح السؤال الإنساني الأبدي: كيف نكون في عالمٍ لا يسعنا، ومع أنفسٍ لا تؤانسنا؟

وهكذا، لا يقدّم النص إجابة، بل يتركنا عند العتبة:

نطرق أبوابنا…

لنصافح غربتنا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

....................................

خلدون عماد رحمة

Khaldoun Rahmeh

طاعناً في غربتي

لي حزنُ فينيقٍ تبعثرَ ريشُهُ

بين الجريمةِ والغيابِ

*

أدقّ بابي

زائراً روحي

فتحتُ البابَ مُنتَظِراً

فصافَحَنِي اغترابي!

يا إلهي ، كيفَ ضاقَ الكونُ

واتّسَعَتْ زنازين العذابِ؟

سألتُ حينَ مشيتُ:

أين أروحُ يا دنيا

إذا ضاع الذهابُ مع الإيابِ؟

 

الفراغ الإبداعي وديناميكية المعنى (الجزء الأول والثاني)

التنصيص كبوابة لفهم النص: يبدأ النص بهذا الزخ الكثيف: (نص بلا خاتمة)، وهو إعلان فلسفي وشاعري متكامل، يرفض أي إحكام نهائي للمعنى. كلمة "نص" تشير إلى خطاب مكتوب، لكنها - هنا- تتحول إلى كائن لغوي حي، قادراً على التطور والتغير عبر التفاعل مع المتلقي . الكلمة الثانية (بلا) التي تعمل كإشارة نفي جذرية، تفكك أي توقع لنهاية محددة، فتُدخل المتلقي منذ الوهلة الاولى في فضاء الاحتمالات المفتوحة. أما كلمة (خاتمة)، التي - عادةً- ما تحمل معنى الإغلاق والتنظيم، فالنص ينفيها ليعلن رفض الانتهاء التقليدي للمعنى.

من منظور سيميائي بنيوي، يمكن قراءة النصيص وفق نظرية غريماس كشبكة من العلاقات: الفعل (يشاء) يتحكم في حركة النص، والموضوع (النص) يحمل العلامات الرمزية، ويشارك المتلقي في بناء المعنى. ليس النصيص -هنا- مجرد تسمية، بل خريطة توجيهية للفضاء السيميائي للنص.

الجملة الأولى: (ويشاءُ أنْ تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ، أن يولدَ المعنى أعزلَ من يقينِه)

تكسر هذه الجملة الافتتاحية توقع المتلقي التقليدي، فالنقطة، التي عادةً ما تمثل نهاية الجملة، تتحول هنا إلى رمز للبداية المفتوحة. العبارة (أن يولد المعنى أعزل من يقينه) تعكس اللايقين الوجودي والمعرفي، فيصبح المعنى كائنًا حيًا ينبع من الفراغ، وليس نتيجة لإحكام مسبق أو يقين مكتسب.

من منظور السيمياء البنيوية، النقطة تعمل كعلامة تحولية، والوجود الأعزل للمعنى يعني أن كل رمز في النص يحمل دلالات متعددة لا تتوقف عند تفسير واحد. اما من منظور التداولية النصية، فالمتلقي - هنا - يُجبر على التفاعل مع الفراغ، والمشاركة في تشكيل المعنى، وليس مجرد متلق سلبي. نفسيًا، يعكس هذا القلق الوجودي للذات الباحثة عن اليقين وسط الفوضى المحتملة للمعرفة.

اما الجملة الثانية: (ويمشي على حافّة السؤال كطفلٍ يتعلّمُ الظل من كسرِ الضوء)

فتضيف بعدًا نفسيًا ومعرفيًا للنص، فالطفل يمثل الذات الباحثة عن المعنى، وحافة السؤال هي موقع التوتر بين اليقين والشك. يرمز الظل المستمد من كسر الضوء إلى المعرفة الجزئية، فالذات تتعلم من الظلال وليس من الضوء الكامل، أي من الجزئيات والتجارب المحدودة، وليس من الحقيقة المطلقة.

سيميائيًا، كل عنصر هنا هو علامة متعددة المستويات: الطفل، الحافة، الظل، وكسر الضوء تتفاعل لتخلق شبكة معقدة من المعاني المحتملة. اما في البعد التداولي ،فان المتلقي يُدعى للتأمل في هذه الرموز، وإنتاج تفسير شخصي لما تمثله هذه الظلال في سياق حياته وتجربته. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع اللايقين والفراغ المعرفي، وإدراك أن المعرفة الكاملة غير متاحة، وأن التعلم يأتي من الجزئيات.

في الجملة الثالثة: (ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء، أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد، ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

تتحول الريح. إلى عامل تفكيكي وتحويلي للمعنى، فهي تعيد ترتيب العلامات والأسماء، وتجعل كل تجربة قابلة لتعدد التأويلات. الجرح، الذي عادةً يحمل معنى محددًا أو سردًا ثابتًا، يصبح هنا مفتوحًا على تفسيرات متعددة. النجاة أيضًا غير محددة، ما يخلق شعورًا بأن النص فضاء ديناميكي دائم الحركة، فالاحتمالات مفتوحة لكل حدث ورمز.

من منظور التداولية، يصبح المتلقي شريكًا في خلق المعنى، فهو الذي يقرر كيف سيقرأ الجرح أو النجاة، وكيف سيتفاعل مع ترتيب الريح للأسماء. اما سيميائيًا، فكل علامة مرتبطة بالآخرى، والحرية في إعادة ترتيب المعنى تعكس النص المفتوح وفق منطق البنيوية الحديثة.

الجملة الرابعة: (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء)

تلخص فلسفة النص ككل: كل تجربة، كل اختيار، كل رمز، يمثل مفتاحًا للخيارات الثنائية الممكنة: سقوط محتمل أو ارتقاء محتمل، فالنص يجعل المعنى مرنًا ويعتمد على التفاعل الذهني للمتلقي. من منظور نفسي، يعكس هذا التوتر بين الخوف والأمل، الفشل والنجاح، الموت والحياة.

سيميائيًا، الباب هنا علامة مركزية تحمل دلالات متعددة: الحدود، التحول، الانتقال بين الفضاءات، وكل قراءة لها احتمالاتها الخاصة. تداوليًا، يصبح المتلقي مسؤولًا عن توقع الاحتمال الأقرب له، ومن ثم يشارك النص في صناعة نهاياته الممكنة.

تحليل البنية النصية للجزء الأول:

يرفض الجزء الاول الخطاب التقليدي المنطقي المغلق. الانقطاعات النحوية، تكرار عبارة (ويشاء أن) , تعدد الرموز، كلها أدوات تجعل النص شبكة دلالية ديناميكية، فكل وحدة تتفاعل مع الأخرى بنحو مستمر، وتخلق إحساسًا بالحركة المستمرة للمعنى.

بهذا الجزء يقدم النص انموذجًا للشعر المفتوح الذي يحتفي بالاحتمالات والرموز المتحركة، ويجعل من المتلقي عنصرًا فعالًا في العملية المعرفية.

الجزء الثاني:

الرموز اليومية والفلسفية – الكرسي والساعة كنماذج للوعي والوجود:

المقدمة

النص بين اليومي والفلسفي:

ننتقل في هذا الجزء الى القراءة النقدية من الرموز الفلسفية المجردة في الجزء الأول، إلى الرموز اليومية التي تتحول إلى دلالات فلسفية ونفسية، مثل الكرسي والساعة. هذه الرموز تعكس قدرة النص على تحويل المألوف إلى أدوات للتأمل في الزمن والوجود، وتجسيد الصراع النفسي للذات مع العالم المادي واللامادي.

في الجملة: (ويشاءُ أنْ يُربَك النظام الصارم للأشياء، أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ قبل أن يُجلَسَ عليه)

هذه الجملة تحوّل الكرسي، الذي عادةً يمثل الثبات والمألوف، إلى كائن يمثل الفكرة، الاستبطان، والوعي المؤجل. الكرسي -هنا- لا يكتفي بدور وظيفي، بل يصبح عنصرًا نشطًا في عملية التفكير نفسها، فقبل أن يجلس عليه أحد، هو قادر على "التفكير"، أي أن الأشياء اليومية تحمل قدرة على إعادة صياغة التجربة الإنسانية.

من منظور سيميائي، الكرسي يصبح علامة مزدوجة: على المستوى الحرفي، كرسي يُجلس عليه، وعلى المستوى الرمزي، تمثيل للوعي المؤجل، للنظام المألوف الذي قد يُفكك ويُعاد ترتيبه. اما تداوليًا، فالنص يضع المتلقي أمام هذا الكرسي المتفكر، ويجعله يطرح أسئلة عن طبيعة الأشياء اليومية وكيف تتفاعل مع وعيه الخاص. اما من الجانب النفسيً فيظهر هذا الرمز صراع الذات مع المألوف، والرغبة في تفكيك الأنظمة الثابتة لفهم دورها الحقيقي في الحياة.

(وأن تسألَ الساعةُ عن جدوى الدوران إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد)

في الجملة آنفا تتحول الساعة إلى رمز فلسفي للزمن والوعي البشري. عادةً يُنظر إلى الساعة كأداة قياس صارمة للزمن، لكنها في النص تصبح عنصرًا متسائلًا، يبحث عن معنى الدوران نفسه . العبارة (إن كان الوقتُ لا يثبت عند أحد) تحرر الزمن من القيود التقليدية، وتؤكد على الذاتية المطلقة للزمن في التجربة الإنسانية.

سيميائيًا، الساعة هي علامة مزدوجة، تجمع بين المعنى اليومي الدقيق للوقت والمعنى الفلسفي للزمن كمتغير مستمر وغير مؤكد. التداوليًا، النص يضع المتلقي أمام هذا التساؤل، ويجعله يشارك النص في إعادة إنتاج المعنى وإعادة ترتيب العلاقة بين الزمن والوجود. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع انسياب الوقت والقلق الوجودي المرتبط بعدم القدرة على السيطرة عليه.

تحليل العلاقة بين الكرسي والساعة:

عند النظر إلى الكرسي والساعة معًا، نجد أن النص يخلق إنموذجًا للوعي المزدوج: الكرسي يمثل المادة المألوفة التي تتفاعل مع الفعل الإنساني، بينما الساعة تمثل الزمن المتغير الذي لا يمكن تثبيته. ان العلاقة بينهما تعكس فكرة أن الوجود لا يمكن فصله عن الزمن، وأن كل تجربة حياتية مرتبطة بسياقها الزمني والمكاني.

من منظور سيميائي، الكرسي والساعة هما علامتان مترابطتان، كل واحدة منهما تحمل معاني متعددة تتداخل مع الرموز الأخرى في النص، مثل الطفل، الظل، والريح، لتخلق شبكة معقدة من الدلالات. اما تداوليا، فيصبح المتلقي عنصرًا فعالًا في النص، فهو المستجيب للتحديات الرمزية، والمشارك في توليد الاحتمالات المختلفة لكل رمز. نفسيًا، تظهر الجمل تفاعلات اللاوعي مع اليومي، والرغبة في فهم الذات بواسطة الأشياء المألوفة والزمن المتغير.

تحليل البنية الإيقاعية والنحوية:

ان التكرار المستمر لعبارة (ويشاء أن) يربط الرموز اليومية بالفلسفية، ويخلق إيقاعًا متدرجًا يدفع المتلقي نحو الاستبطان. الانقطاعات النحوية تسمح للنص بالتنفس بين الصور المختلفة، وتفتح مساحة للتأمل في كل رمز على حدة. النص - هنا - يواصل استراتيجية النص المفتوح التي بدأت في الجزء الأول، لكنه يضيف طبقة من الواقعية الرمزية عبر أدوات الحياة اليومية، مثل الكرسي والساعة، ليصبح النص أكثر ثقلًا فلسفيًا ونفسيًا.

تحليل أفق الاحتمالات: بين هاوية السماء

ان جملة (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء) تتصل اتصالا مباشرًا بالكرسي والساعة، فهي تشير إلى تعدد الاحتمالات التي تواجه كل تجربة وقرار. الكرسي قد يمثل اختيارًا ثابتًا أو مرنًا، والساعة قد تشير إلى وقت محدد أو متغير، والنص هنا يعيد التوكيد على رفض اليقين النهائي. من المنظور النفسي، ترمز هذه الجملة إلى قلق الذات تجاه الخيارات والمسؤوليات، ومن المنظور التداولي، يتحول المتلقي إلى عامل متفاعل يحدد أي الاحتمالات سيعدها الأقرب للواقع.

خاتمة الجزء الثاني

يبرز الجزء الثاني من نص "نص بلا خاتمة" القدرة الرائعة على تحويل الرموز اليومية إلى أدوات فلسفية ونفسية. الكرسي والساعة ليسا مجرد عناصر ملموسة، بل علامات مفتوحة تتيح للمتلقي استكشاف الزمن والوجود والوعي. اما البنية الإيقاعية والنحوية المتحركة فتجعل من النص فضاء مفتوحًا للمعنى، إذ أن كل تجربة وكل رمز قابل للتأويل والتحريك. هذا الجزء يوضح أن النص ليس مجرد سرد، بل شبكة متكاملة من العلامات والدلالات التي تتفاعل مع وعي المتلقي لتخلق نصًا حيًا مستمر الحركة.

الجزء الثالث والاخير

الريح، الجرح، والنجاة – النص بين الفقد والحرية

يشكل الجزء الثالث من قصيدة "نص بلا خاتمة" محورًا مركزيًا لفهم دينامية النص المفتوح في الشعر المعاصر. هنا، تتجاوز الشاعرة مجيدة محمدي حدود السرد التقليدي لتبتكر فضاء شعريًا مفتوحًا على الاحتمالات التأويلية، إذ تتفاعل الرموز – الريح، الجرح، النجاة – على مستويات دلالية، نفسية، فلسفية، وتداولية متداخلة.

تستعمل الشاعرة الرموز لا كأدوات سردية فقط.، بل كعلامات متعددة الأبعاد تتيح للمتلقي الاشتراك في إنتاج المعنى، وفق ما نص عليه رولان بارت في مفهوم النص المفتوح، فيصبح المتلقي عنصرًا فاعلًا يشارك في صناعة المعنى بدل أن يكون متلقياً سلبيًا. هذا التوجه يعكس وعي الشاعرة بالفضاءات التأويلية المفتوحة التي تتجاوز الانغلاق على نهاية تقليدية، وهو ما يتسق مع النيص الصريح: "نص بلا خاتمة".

الريح – حركة الاحتمالات والتحرر من الثابت:

الجملة:

(ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء)

التحليل السيميائي

ليست الريح في النص مجرد عنصر طبيعي، بل عامل تنظيمي وفوضوي في آن واحد. وفق نظرية بارت، الريح تحرر العلامات من دلالتها الثابتة وتعيد إنتاجها في فضاء احتمالي مفتوح، بحيث يصبح كل اسم علامة قابلة للتحول. يمكن القول إن الريح في هذا السياق تخلق نصًا قائمًا على الاحتمالات المتغيرة، وليس على الترتيب المنطقي التقليدي.

التحليل التداولي

تحوّل الجملة المتلقي من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في صناعة المعنى. إذ يتيح النص للمتلقي أن يختبر إمكانيات ترتيب العلامات، ويصبح قراءة النص تجربة إنتاجية ديناميكية.

التحليل النفسي

ترمز الريح إلى حركة اللاوعي والرغبة في التحرر من القيود المسبقة، كما تعكس الفعل الإبداعي الذي يهدم الثابت ويعيد بناء المعنى. هذا يعبّر عن تجربة الذات في مواجهة الغموض وعدم اليقين.

الجرح – الألم والذاكرة الرمزية

الجملة: (ان لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد)

التحليل السيميائي

الجرح هنا ليس مجرد أثر ألم، بل رمز مركب متعدد الطبقات يمثل الألم الشخصي، الذاكرة الجمعية، والتحولات النفسية. رفض تفسير واحد يفتح النص على تعدد التأويلات الإنسانية والفردية، ويحرر النص من الانغلاق على معنى واحد.

التحليل التداولي

يُشرك النص المتلقي في إعادة صياغة تجربته مع الألم، مما يجعل القراءة تجربة معرفية شخصية. يتيح النص للمتلقي أن يربط الجرح الرمزي بتجارب حياته الخاصة، فيصبح مشاركًا في إنتاج المعنى.

التحليل النفسي

يمثل الجرح صراع الذات مع فقدان الاستقرار العاطفي والمعرفي، ويتيح للمتلقي استكشاف طبقات الألم الداخلية ضمن فضاء رمزي متحرك، بحيث يصبح الألم تجربة تأملية وتأويلية متواصلة.

النجاة – الاحتمالات المفتوحة للبقاء والتعافي

الجملة:

(ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

التحليل السيميائي

ليست النحاة حالة ثابتة، بل علامة مرتبطة بالاحتمالات المستمرة. تشمل النجاة في النص البقاء الجسدي، النفسي، الروحي والمعنوي، وتفتح أفقًا لتعدد التأويلات. هذا يتوافق مع رؤية بارت عن النص كفضاء احتمالي متعدد المعاني.

التحليل التداولي

يدعو النص المتلقي للمشاركة في إنتاج احتمالات النجاة، ليصبح النص تجربة تفاعلية وديناميكية. بذلك يتحول المعنى من مفهوم محدد إلى شبكة احتمالات مفتوحة.

التحليل النفسي

تعكس النجاة وعي الذات بعدم اليقين وتبني موقف من المرونة والتحمل أمام الفقد والتحدي. تصبح النجاة عملية مستمرة من إعادة التكيف والتفاعل النفسي والمعرفي.

التفاعل بين الريح والجرح والنجاة:

التحليل النفسي

تشكل الرموز الثلاثة شبكة معقدة من الاحتمالات المفتوحة، إذ يتحرك المتلقي والذات بين الفقد والتحرر، الألم والأمل، الثابت والمتغير. هذا التفاعل يولّد تجربة إدراكية مستمرة، تجعل النص فضاء للوعي والتأمل.

التحليل السيميائي

تتفاعل الرموز لإنتاج معنى مركب ومتعدد المستويات، وتحوّل النص إلى فضاء للنشوء المتعدد للمعنى. الريح تمثل الفوضى، الجرح يمثل الألم، والنجاة تمثل الاحتمالات المفتوحة للتعافي.

التحليل التداولي

لا يكتفي النص بتقديم الرموز، بل يشارك المتلقي في إعادة ترتيبها وصناعة تجربة معرفية شخصية، مما يجعل القراءة فعلًا ديناميكيًا تشاركيًا.

خامسًا: البنية النصية والإيقاعية

الانقطاعات النحوية: تعكس الحركة وعدم الاستقرار، وتؤكد طبيعة النص المفتوح.

تكرار عبارة "ويشاء أن": يخلق إيقاعًا احتماليًا مستمرًا، يعزز الفضاء التأويلي المفتوح.

تعدد الرموز اليومية والفلسفية والمجازية: يتيح للمتلقي قراءة النص على مستويات متعددة، فلسفية، نفسية، وسيميائية.

الإطار النظري الموسع

رولان بارت: النص مساحة لإنتاج المعنى، العلامة ليست ثابتة، والمتلقي فاعل رئيسي.

الخاتمة

يؤكد الجزء الثالث من "نص بلا خاتمة" على أن النص ليس مجرد شعر تقليدي، بل شبكة ديناميكية من الرموز المفتوحة على الاحتمالات. الريح، الجرح، والنجاة تصبح أدوات لتفكيك الواقع وإعادة بناء تجربة الذات، ويشارك المتلقي في إنتاج المعنى والتجربة التأويلية. يجمع النص بين اليومي والمجازي، النفساني والفلسفي، الثابت والمتغير، ليكون نصًا حيًا مستمر الحركة، بلا ختام تقليدي، بما يتوافق مع نصيصه.

***

رياض عبد الواحد

..........................

نص بلا خاتمة

ويشاءُ أنْ

تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،

أن يولدَ المعنى أعزلَ

من يقينِه،

ويمشي على حافّة السؤال

كطفلٍ يتعلّمُ الظل

من كسرِ الضوء .

*

ويشاءُ أنْ

يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،

أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،

ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،

فكلُّ بابٍ

هو احتمالُ هاوية

أو احتمالُ سماء.

*

ويشاءُ أنْ

يُربَك النظام الصارم للأشياء،

أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ

قبل أن يُجلَسَ عليه،

وأن تسألَ الساعةُ

عن جدوى الدوران

إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد.

***

مجيدة محمدي - تونس

 

بنية الصراع النفسي وتمثلات الاختيار الأخلاقي في قصة (الصفعة) للأديب محمد عاطف

وهو عنوان يجمع المفاهيم

تتأسس قصة (الصفعة) على بنية صراعية داخلية تتقدم فيها الدينامية النفسية على الحدث الخارجي، بحيث يغدو الفضاء (مستشفى الأمراض النفسية) بنية رمزية تمثل هشاشة الذات الحديثة وانقسامها بين اندفاع الرغبة وسلطة الرقيب الأخلاقي. ومن ثم يمكن تأطير القصة ضمن مقاربة مركبة تتكامل فيها القراءة النفسية التحليلية مع المنظور الحداثي في تقنياته السردية والأفق الوجودي في رؤيته للحرية والاختيار....

انقسام الذات وبنية الصراع النفسي

يتجسد الصراع المركزي في وعي عبد الحق بخطر التشظي الداخلي فهو يدرك أن الاستجابة للإغواء ستفضي إلى انشطار وجودي لا يمكن احتماله. يتضح ذلك في قوله:

"لو يفترض.. لو.. سيمنح فلمة جسده فقط، أما قلبه وروحه وكل مشاعره فستظل لعائشة، وسيشهد هو انشطارا رهيبا سوف لن يحتمله…"

يشي هذا المقطع بوعي الذات بذاتها بوصفها وحدة مهددة بالانقسام  ويؤسس قراءة نفسية ترى في فلمة تمثيلاً لـ"اقتصاد الرغبة" المرتبط بالحاجة والنجاة مقابل عائشة التي تؤطر "المرجعية القيمية" المتعالية. إن التوتر هنا ليس عاطفياً فحسب، بل هو صراع حول إمكان الحفاظ على وحدة الكينونة...

الحداثة السردية وتيار الوعي

تعتمد القصة على المونولوج الداخلي وتداعي الصور والاستعارات مع تفكك الحبكة التقليدية لصالح حركة شعورية متصاعدة. الحدث الخارجي يتراجع لصالح الحدث النفسي والزمن يتحول إلى زمن ذاتي يتسع و ينكمش تبعاً لحدة التوتر. بذلك تنخرط القصة في أفق حداثي يجعل من الوعي مادة السرد الأساسية ويذيب الفعل في اللغة فتغدو الكتابة نفسها مساحة اختبار للذات....

الحب بين القيمة والمنفعة

تنتقل القصة من المستوى الفردي إلى مساءلة البعد الاجتماعي للعاطفة حين يطرح السؤال:

"الحب لقاء المساعدة أم المساعدة لقاء الحب؟"

هذا التساؤل يفكك البنية التبادلية للعلاقة ويكشف انزلاق الحب إلى منطق المنفعة. الرفض هنا ليس رفضاً لشخص، بل رفض لتحويل العاطفة إلى عقد ضمني للمقايضة. ومن ثم يتحول القرار الأخلاقي إلى موقف من تصور حداثي للعلاقات تحكمه براغماتية مفرطة...

الهوية والاغتراب

يتعزز التوتر عبر استدعاء ثنائية الوطن/الغربة والذات/الآخر، خاصة حين تصفه فلمة بـ" الأجنبي القذر ". غير أن القصة  لا تنزلق إلى خطاب دفاعي مباشر، بل توظف المفارقة:

" إذا كانت المرأة هناك تمشي خلف الرجل راضية أو كارهة، فكيف تفسر هي الآن مشيها خلفه على إيقاع الجنون..؟ "

تحول هذه المفارقة الاتهام إلى مساءلة وتكشف هشاشة الأحكام الثقافية الجاهزة، مما يمنح القصة بعداً نقدياً يتجاوز الإطار الفردي إلى تمفصل الهوية داخل سياق اغترابي....

 دلالة الصفعة بوصفها مركزاً دلالياً

تشكل الصفعة لحظة انتقال الصراع من المستوى الرمزي إلى الجسد. غير أن دلالتها تتجاوز أثرها الفيزيائي، كما يتجلى في قوله:

"إن الصفعة لا ترى الآن إنما تبعث الألم.."

تغدو الصفعة علامة على ألم غير مرئي وعلى غياب الاعتراف بمعاناة الذات. ومن ثم يصبح الرحيل فعلاً يحمي الكرامة الداخلية ويؤكد أولوية الانسجام القيمي على المكسب الظرفي...

 الأفق الوجودي والاختيار

تتأسس القصة على مركزية القرار الفردي وتحمل تبعاته وهو ما يضعها في تماس مع الرؤية الوجودية التي تجعل الحرية مسؤولية أخلاقية. في هذا السياق تحضر مقولة سارتر  Sartre: "الإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه."

فالذات لا تتحقق إلا عبر فعل الاختيار. كما يمكن استحضار رؤية يونغ  Jung: "من ينظر إلى الخارج يحلم ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ."

عبد الحق يستيقظ على ضرورة مواجهة انقسامه الداخلي ويختتم وعيه بهذه العبارة الدالة: " لن تشفي ضعف نفسك إلا قوة نفسك.."

إنها خلاصة تؤكد أن الشفاء لا يتحقق عبر الاتكاء على الخارج بل عبر إعادة بناء الذات من داخلها....

 وهكذا تشكل قصة (الصفعة) تمثيلاً سردياً لمفهوم الكرامة الداخلية في مواجهة الإغواء النفعي، كما تعكس توتراً هوياتياً يتولد داخل سياق اغترابي ضاغط. ويغدو الفعل البسيط (الصفعة) مركزاً دلالياً تتكثف فيه رهانات الاختيار الأخلاقي، بحيث يتحول الحدث الجزئي إلى علامة رمزية على صراع وجودي يتعلق بوحدة الذات وانسجامها القيمي.

وبهذا تتكامل الأبعاد النفسية والحداثية والوجودية في بنية تأويلية واحدة تمنح القصة كثافتها الدلالية وعمقها الفكري.

***

فاطمة عبد الله

تتميز قصص "48 ساعة في الجحيم" للقاصة والأديبة المغربية مجيدة الفلاحي بتنوع وتنويع في عناصرها وموضوعاتها السردية؛ من أسطورة، وخذلان، وحكي، وغرابة، وكتابة... ورغم اعتمادها ضوابط القصة القصيرة وثوابتها المعروفة كالحوار، والوصف، والشخوص... فإنها أغنت متنها القصصي بأساليب ورؤى منحتها غنى على مستوى الحكي، وعمقا على مستوى الأبعاد.

فقد اعتمدت الحوار الداخلي في أولى القصص " الدوبل في " حيث تقول: " وقفت أمام المرآة تحدق في بطنها المنتفخ... سيكون هذا مولودها الأول بعد أربع سنوات على زواجها... " ص1، في حوار داخلي عقدته سميرة مع نفسها. والخارجي كما في قصة " انتظرني... ": " - هل تحتاجين إلى مساعدة ؟ / - أين أجد مكتب شؤون الموظفين ؟ سألت بخجل. / الطابق الرابع. أجابها بابتسامة هادئة. " ص 11، والاسترجاع في مثل نص " زهرة ": " تذكرت زهرة الحوار الذي دار في ذلك اليوم بين والديها وشقيقها في المطبخ... " ص3، والشخصيات كسميرة في قصة " الدوبل في "، وزهرة بنت قدور في قصة " زهرة " ، وبّا سايكة والجدة في قصة " لغة الحب "، والدادة في " الرجال الذئاب ". وعنصر الوصف بطابعه الرومانسي: " كان ماء البحر أزرق صافيا. يحاكي زرقة السماء، ودفء الشمس وصوت أسراب طيور النورس، المحلقة هناك على المرفأ ترسم دائرة إلى أعلى وإلى أسفل/ والريح تهفهف على أديم الشطآن. " ص19، في وصف لمشهد البحر، وأيضا مشهد الطبيعة حيث نقرأ: " السماء زرقاء صافية، وشمس الخريف الحارقة تمد خيوطها الباهتة على الأفق، ولا هطول منتظرا سوى الضجر. " ص 27، أو وصف الهيئة والشكل واللباس كما حدث مع بّا سايكة في قصة " لغة الحب ": " كان بّا سايكة رجلا طويلا نحيلا في نهاية عقده الخامس، بملامح صارمة وتجاعيد وجه كثيرة، لحيته بيضاء مشوبة بالسواد، يلف رأسه ب " شدّادة " فقدت بياضها من غبار الطريق، ويرتدي جلبابا صوفيا بنيا... " ص31.

ومع غنى المجموعة بما تتناوله من موضوعات، وما تستشرفه من آفاق مختلفة في ما تستعمله من أدوات، وما تتوسل به من عناصر بحمولات رمزية ودلالية، فإن تيمة المعاناة تعد الأبرز داخل سياقات الحكي، وأنساقه التعبيرية ارتباطا بالنساء، وما يتعرضن له من خذلان وظلم في شتى أشكاله وأنواعه، كما يتجلى ذلك في قصة " زهرة ": " وقفت زهرة بنت قدور بانكسار، خفيضة الصوت والجناح تنتظر دورها، إلى جانبها أمها العجوز، وطفلها الذي لم يتجاوز السنتين، وبين ذراعيها رضيعها ذو الثلاثة أشهر... " ص3، في تصوير لحالة زهرة وهي تصطف في طابور أمام المحكمة، مع نساء تجمعهن مشاكل التفكك الأسري، وما ينجم عنه من تبعات يذهبن ضحيتها وصغارهن الذين يزج بهم في نفق اليأس والضياع: " وقفت زهرة صامتة، تستمع إلى أحاديث النساء حولها... كل واحدة تحكي عن معاناتها مع الشقاق والطلاق والنفقة. " ص3، وتعتبر زهرة نموذج لما تتعرض له المرأة من ظلم يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية فيه قرارات الأسرة، وموقف المجتمع، بحيث يفرض عليها الزواج دون مراعاة السن، ووضعية الزوج: " تتذكر زهرة ذاك اليوم الذي تقرر فيه مصيرها، كمصير باقي فتيات القرية...بزواج مبكر، حمل، ووضع، وإرضاع وكنس وطبخ وغسيل... واجهت زوجا سكير مستهترا، وانتهى بها الحال إلى الطلاق والعودة إلى نقطة الصفر، مع طفلين في حضنها وخيبات كثيرة في قلبها. " ص 4، هذه المعاناة التي تأخذ الكثير من الأشكال، فتنتقل من الواقع إلى الحلم كما في قصة " يدك أمي "، وما عاشته الفتاة من معاناة خلال كابوس مزعج لم تتوقف أشواطه المرعبة إلا مع الأم التي اقتربت منها لتوقظها بحركات تنم عن حب وحنان كما تصور ذلك: " فجأة أفقت، اكتشفت أنني كنت نائمة، كانت أمي تقف عند رأسي و تمسد على خدي وجبيني بلطف كعادتها كلما جاءت لتوقظني. فتحت عيني مرعوبة من حلمي، وجدتني أتنفس بصعوبة، ودقات قلبي تتسارع، وكل جسمي يتصبب عرقا من الفزع... "ص7، لتبتعد هذه الأم التي غيبها الموت مخلفة فراغا كبيرا في حياتها، وشروخا تستعصي على الالتئام: " آه يا أمي، أيتها البعيدة الآن، أين صوتك المطمئن اللطيف ؟... أينك يا أمي لتنقذيني من سراب اليقظة، ومن ريح الواقع الهوجاء التي تشتت أحلامي ؟ " ص7، وإلى شوق غامر، وحنين عارم لأم غادرت وغابت. وإلى صورة أخرى لمعاناة من تبعات ومخلفات الحروب التي تترك آلاما عميقة في نفوس ضحاياها: " أشعلت التلفاز لتتابع أخبار العالم... مشاهد القتل والدمار... آلاف الأطفال والنساء يهربون من النار ومن الحطام إلى المجهول... صمت مريب يحيط بالمشهد. الإنسانية تصرخ وتستغيث أرواح تساق كالقطعان، والآمال تدفن تحت الأنقاض. " ص23، صور لمظاهر حرب تعج بأشكال العنف، والتدمير، والتقتيل تعكس وتختزل نوعا وتجليا آخر من المعاناة. وتتضمن المجموعة العديد من الموضوعات والتي نذكر منها موضوع الخذلان، وما يحيط به من جحود وخيانة ينكث مواثيق الوفاء والإخلاص، ويتنكر لعهودها كما نقرأ في قصة " دوبل في " على لسان سميرة: " تمنت لو كان هذا الذي ينمو في أحشائها من صلب حبيبها السابق، بل حبيبها المزعوم الذي خذلها في بداية الطريق، ومضى ليبني حياته بعيدا عن أحلامها الوردية... " ص1، وفي قصة " سأتزوج... " حيث تحول حب الزوجة لزوجها إلى ذكرى تآكلت بفعل الجفاء، لا تحرك فيها أي إحساس، ولا تثير أي اهتمام لما اكتشفت خيانته: " هل أصبح أمره لا يهمها إلى هذا الحد ؟ ليس اليوم فقط... منذ سنوات، منذ تلك اللحظة التي خانها فيها تغير كل شيء. كان حبها هو محور حياتها، لكن تبدلت الأمور. " ص22، فلم تعبأ بخبر زواجه، ولم تعره أي اهتمام لأنه كزوج ولج دائرة التشييئ لديها: " الآن هو مجرد رجل في البيت، أو مجرد شيء كنافذة أو كباب... لا شيء أكثر... والآن خبر زواجه الجديد لم يحرك فيها شيئا. " ص22، وعنصر التناقض،الذي ورد، في تقاطع مع موضوع الخيانة، بحيث يكشف العلاقة المبنية على الخداع والمكر كما تصور ذلك قصة " الدوبل في" في تصريح سميرة بخصوص سلوك شخص ربطته بها علاقة سرعان ما تنكر لها لتنكشف صورته الأصلية ناسفة ما كان يبديه من صفات مبدئية ما فتئت تتبخر وتتلاشى: " كان يبدو مناضلا شرسا، دائم الدفاع عن حقوق الإنسان ومؤيدا لحرية المرأة. وعدها بأنها ستكون المرأة الوحيدة في حياته. لكن هاهو اليوم يظهر على حقيقته، ذئب مفترس، نهش لحمها ولوث مشا عرها، وغادر بلا ندم، كأي ذئب حقير... " ص1، حين اختار استبدالها بفتاة أخرى قرر الارتباط بها متنكرا لما جمعهما من علاقة تنبني على حب ينتهي بالزواج، وهو ما يظهر التناقض في شخصية طالب جامعي يدعي النضال، والإيمان بمبادئه وأهدافه إلا أن الحقيقة التي يخفيها تثبت العكس. وعنصر الغرابة الذي تختزله قصة " انتظرني... "، حيث ظلت الزوجة وفية لزوجها المتوفى، تعيش على إيقاع ذكرياتها معه، فقد هيأت نفسها، وتجملت مرتدية أفضل ملابسها خصوصا التي كان يستحسنها، فاتجهت نحو المقبرة لزيارته وفاء وإحياء لذكريات الزمن الجميل الذي جمعهما، بل لتواصل وجداني عاطفي معه وهو داخل القبر، مما أثار استغراب ودهشة سائق سيارة الأجرة الذي طلبت منه إيصالها إلى المقبرة وهي في أبهى حلة، وأفضل مظهر من حيث الشكل والملبس: " وعندما سألها السائق عن وجهتها، أجابت بصوت خافت: - إلى مقبرة الشهداء./ نظر إليها السائق باستغراب، ثم قال: - حاضر !/ كان يتطلع إليها من خلال المرآة، ربما استغرب كيف تكون بكامل أناقتها، وعطرها يملأ السيارة، وهي في طريقها إلى المقبرة. " ص12، وهو ما يتكرر في قصة " الورقة البيضاء " من أنسنة للورقة من خلال ما جال في ذهن الكاتبة من تصورات وتخيلات في ما صدر عن الورقة من كلام إزاءها: " تحدق فيها أكثر، وتتخيلها تتكلم بصوت خافت: " ها أنا أمامك، بيضاء كالثلج، منذ أيام وشهور وأنت تراقبينني بخوف وتردد. اقتربي... استبيحي بياضي، اكتبي ما تشائين... " ص28، في تصوير لما ألم بها من استعصاء على الكتابة التي تمنعت عن مطاوعتها والاستجابة لها، بدءا من الورقة إلى القلم الذي يخاطبها هو أيضا: " لقد أرهقني صمتك. تخنقينني بين أناملك، حبري يكاد يتجمد... أكاد أختنق. " ص28، مما ساقها إلى الظن أن الورقة والقلم اتفقا على التآمر عليها كما عبرت عن ذلك: " ثم تصرخ في الورقة والقلم معا: مؤامرة ! نعم، مؤامرة تحاك ضدي، لتصوير عجزي... ما ضركما إن طال هذا العدم قليلا؟ " ص28. وموضوع الاهتمام بالكتابة والقراءة، وما يلفه من ضغوطات ومعوقات خصوصا لدى المرأة، التي تتحمل عبء الكثير من المهام تتوزع بين العمل، وتربية الأطفال، وأشغال البيت، وهو ما تصوره قصة " يوم عادي... جدا " الذي تنخرط فيه في برنامج يومي مكثف ينطلق منذ الصباح الباكر: " في تمام الساعة السادسة صباحا رن منبه الهاتف، فسارعت إلى كتم صوته، لكي ينعم زوجها بنومته الهادئة. " ص5، مما يظهر حرصها على توفير الراحة لزوجها، ورعاية طفليها بتحضير كل مستلزماتهما قبل التوجه إلى المدرسة في تسابق مع ضغط الوقت وضيقه: " تشعر وكأنها تسابق الزمن، عيناها تنتقلان بين الساعة الحائطية وبين باب غرفة الطفلين... عليها أن تحضر نفسها للذهاب إلى العمل وإيصال طفليها في طريقها إلى مدرستهم... الساعة الثامنة، كانت تقف أمام باب المدرسة... عند الخامسة مساء كانت تقف من جديد أمام باب المدرسة لتأخذ طفليها... " ص5، ضغط يضاعف من حدته أيضا ما تعرفه شوارع المدينة من زحمة واكتظاظ في ساعات الذروة: " تابعت طريقها إلى العمل، وسط الزحام، حيث كانت أصوات المنبهات تصم الآذان... " ص5، والعودة إلى البيت في حالة تعب وإرهاق: " أخيرا وجدت نفسها ترتمي منهكة على أريكتها المفضلة، قرب المدفأة، أخذت نفسا عميقا وأغمضت عينيها للحظات قصيرة." ص6، فأمن زحمة يومي مثقل بالإلزامات العملية والأسرية تستل وقتا للقراءة: " وأخذت رواية " قواعد العشق الأربعون "، وذهبت إلى الغرفة المجاورة، لتقرأ بعض صفحات قبل أن يزورها سلطان النوم... " ص6، دون أن ينسيها ثقل واجب العمل وشؤون البيت التفكير في كتابة قصتها: " ربما يأتي وقت لتكتب قصتها قبل أن يدركها الصباح. "ص6، تأكيدا للعلاقة الجدلية والتفاعلية التي تجمع بين القراءة والكتابة بشكل تكاملي تنشد من خلاله اختراق، وتكسير إيقاع زمن يدور في عجلة الرتابة والتكرار كما نقرأ في قصة " مطبخ الكتابة " حيث اضطرت الكاتبة إلى توزيع وقتها بين أشغال البيت والقراءة والكتابة: " هذه المرة وخلافا للسنوات السابقة، حيث كنت أخصص زوال اليوم لأشغال المطبخ، وما بعد الإفطار للكتابة والقراءة... هذه المرة قررت أن أجمع بين العالمين في الوقت نفسه، فهيأت لنفسي جلسة في ركن من الصالون على بعد خطوات قليلة من المطبخ... " ص13، مع تحديد ماهية الكتابة والهدف منها، والذي يتجاوز ما هو ذاتي المتمثل في إرضاء نزعة ورغبة داخلية إلى كتابة ما يرضي فضول القراء المعرفي، وتوقهم الوجداني والجمالي كما تصرح بذلك: " فكذلك لا أكتب لنفسي فقط، بل أكتب من أجل الآخرين أيضا، أكتب أجمل ما أعرفه وأحس به من أجل القراء... " ص14، فهي تسخر للكتابة كل طاقاتها الفكرية، ومقدراتها الحسية: " إنها في صراع مع الكتابة التي تأخذ منها أكثر مما تعطيها كأنها تهرب بها منها..." ص15، فالكتابة قدرها المحتوم، الذي يتعقبها، يطاردها، يحاصرها أينما حلت وارتحلت. وبرز موضوع الحكي في سياق مختلف تكلفت به شخصيات،خارج ما هو نمطي مألوف، من قِبَل " الدادة " في قصة " الرجال الذئاب " التي تبحر بعقول وأفئدة الصغار في عوالم تعج ج بالإثارة والتشويق: " كنا صغارا أنا وبنات عمي... وكانت سعادتنا بلا حدود كلما تحلقنا حول " الدادة "، وهي تفتح لنا أبواب القصص والحكايات بصوتها الفريد... كانت تتحدث في كل شيء: عن الماضي والمستقبل، عن الطفولة، عن الشباب، وعن النساء والرجال. تحدثنا عن الله، عن الحلال والحرام، عن الجن والعفاريت والشيطان، وعن مّي الغولة وعيشة قنديشة وميرة وميمونة، وعن حمو شارب دمو، وعن بركات الشرفاء والأولياء، وعن مولاي بوسلهام الذي شق البحر نصفين... وعن لالة ميمونة التي كانت تعبده بكلمة واحدة... " ص37، حكايات بطابع أسطوري خارق ومدهش في حضور قوي ومؤثر لشخصية " الدادة "، وما يميزها من أداء مبهر ومثير وآسر على مستوى الحكي. موازاة مع حكاية المعلم عن عيد الأضحى، ومدى تأثير فصول وتفاصيل سرديته في نفوس، وأذهان التلاميذ الصغار كما جاء في قصة "العيد الكبير": " كان معلما مهابا، يملأ الفصل بحضوره الطاغي، وبنبرة صوته التي تخترق الأسماع. " ص40، موضحا الحكمة الإلهية من استبدال ابن النبي إبراهيم بكبش للنحر، وما ترتب عنه من درء حدث مؤلم ومفجع مرتبط بعيد الأضحى لدى المسلمين: " احمدوا الله... لولا أن رحمته نزلت، لكنتم أنتم مكان الخروف... تخيلوا أخاكم أو أختكم هناك... تخيلوا أنكم ستأكلون لحمهم ! " ص39، كما كانت هناك إشارة وتلميح إلى أسطورة سيزيف، وما يغلفها من عبث ولا جدوى، في قصة " يوم عادي... جدا " في إشارة إلى قصة الصخرة: " سترفع صخرتها على ظهرها وتقضي نهارها ترزح تحت ثقلها دون أن تئن أو تتوجع... " ص6، مع اختلاف للهدف المنشود، فهدف سيزيف عبثي غير محدد، أما هدف الأم هو بلوغ أفق أفضل لطفليها؛ فهي تكد وتتعب وتضحي من أجل ذلك. والإشارة، الضمنية، كذلك إلى شهرزاد في قصص" ألف ليلة وليلة " التي تتقاطع مع قصة الأم في مهمة حكي يتوقف مع بزوغ نور الصباح وانبلاج شعاعه حين تقول: " ربما يأتي وقت لتكتب قصتها قبل أن يدركها الصباح. " ص6. ولم تخل قصص المجموعة من الجانب الأسطوري، مثل ما ورد على لسان " دادة " في قصة " الرجال الذئاب " حيث ورد ذكر العفاريت والجن والشيطان من عالم الغيب، وأسماء شائعة في تراث الحكايات الشعبية كالغولة، وعيشة قنديشة، وميرة وميمونة، وحمو شارب دمو ومانسج حولها من قصص أسطورية خارقة مثل مولاي بوسلهام الذي شق البحر نصفين؛ وهو ما أغنى نسيج القص بحكايات ذات طابع عجائبي. وما أضفى كذلك على مكونات قصص المجموعة صبغة مختلفة تجلت في اعتماد كائنات من قِبَل القطط والعصافير مثلا في تأثيث بعض مشاهده، ومجريات سياقه القصصي حيث تقول: " في الزاوية، كانت قطتها " ميرة " تموء خلف الباب، فنهرتها بقسوة لم تفهمها... في الخارج، على حافة النافدة، عصفوران يتبادلان النغم، ينتظران تشاركهما الغناء كل صباح... " ص24. ولابد كذلك من الوقوف عند اللغة التي تميزت بتنوع أضفى على سياقات السرد عمقا دلاليا، وسعة وتنويعا تعبيريا باستعمال الدارجة في: " يجب أن تكون " بنت دارهم "... و" الله يجيب ليك حتى انتي ولد الناس للي يسترك " ص1، والفرنسية: " أغلقت هاتفها أيضا، وأدخلته في " Mode avion ". " قطعت اتصال ال wi-fi..." ص24.

فقصص " ساعة في الجحيم " منجز سردي بضوابط وثوابت قصصية ساهمت في تشكيل نصوص قصصية، تندرج ضمن القصة القصيرة، تحمل سمات وميزات التنوع والتعدد في العناصر والأدوات المستعملة مما أكسبها فرادة إبداعية على مستوى الشكل والمحتوى والأبعاد.

***

عبد النبي بزاز

.....................

48 ساعة في الجحيم (قصص)، مجيدة الفلاحي، طار طيوف للنشر - مصر2026.

 

قراءة نقدية متعددة المناهج في نص فارس مطر

ينفتح نص الشاعر العراقي فارس مطر على منطقة حساسة في التجربة الإنسانية، حيث يتقاطع الجسد مع المعنى، واللذة مع القلق الوجودي، والرغبة مع البحث عن الجوهر. وهو نص قصير من حيث البنية السطحية، لكنه كثيف من حيث الطاقة الدلالية، بما يتيح قراءة متعددة المستويات: لغوية، جمالية، فلسفية، نفسية، وسيميائية.

إنه نص يُخاتل قارئه: يبدأ بإيروتيكية مباشرة، ثم ينقلب فجأة إلى استعارة وجودية، حيث يتحول الجسد من موضوع للرغبة إلى معبر نحو "القلب" بوصفه مركز المعنى والكينونة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

أولاً- سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النص من حيث البنية اللغوية يقوم على جمل قصيرة، مباشرة، تكاد تميل إلى النثرية المكثفة:

"حسنًا أيها الجسد،

لقد وصلت يدي إلى النهد الأيسر

ماذا بعد الحلمة؟"

نلحظ:

سلامة تركيبية واضحة تخلو من التعقيد النحوي.

اقتصاد لغوي شديد، حيث تُحذف الزوائد لصالح الدلالة المكثفة.

الانزياح الدلالي يتمثل في الانتقال من لغة حسية مباشرة (النهد، الحلمة) إلى سؤال وجودي ("ماذا بعد؟").

الجملة الأخيرة:

"كنتُ أريدُ الأبعد، أردتُ القلب"

تمثل قفزة انزياحية من الحسي إلى المجرد، وهو انزياح بلاغي جوهري يخلق صدمة دلالية.

ثانياً - فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

رغم الجرأة المعجمية، لا يقع النص في الابتذال، بل يحافظ على:

اقتصاد تعبيري رفيع

توازن بين المباشرة والإيحاء

فاللفظ الجسدي هنا ليس غاية، بل وسيلة:

"النهد" ليس موضوعاً إيروتيكياً صرفاً، بل عتبة دلالية.

"الحلمة" تتحول إلى حدّ معرفي: نقطة توقف للسؤال.

ثالثاً- الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا ينتمي إلى وزن خليلي، لكنه يحقق:

إيقاعاً داخلياً قائماً على التقطيع النفسي

تكرار صوتي خافت (أردتُ / الأبعد / القلب)

نلاحظ:

التدرج الصوتي من الامتداد ("الأبعد") إلى الانغلاق ("القلب")

- وكأن الإيقاع نفسه يحاكي حركة الاختراق نحو الداخل.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية تصاعدية:

النداء: "أيها الجسد"

الفعل الحسي: "وصلت يدي"

السؤال: "ماذا بعد؟"

التحول: "أردت القلب"

هذه البنية تشبه:

رحلة اختراق من السطح إلى العمق

أو دراما داخلية مكثفة في بضعة أسطر

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا تقوم على فكرة محورية:

الجسد ليس نهاية، بل بداية للبحث عن المعنى

النص لا يحتفي بالجسد لذاته، بل:

يكشف محدوديته

ويجعله وسيطاً نحو الجوهر (القلب)

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تكمن قوة النص في:

المفاجأة الدلالية: من الإيروتيكي إلى الوجودي

تفكيك التوقع: القارئ يتوقع استمراراً حسياً، لكنه يُفاجأ بانعطاف فلسفي

هذا ما يُسمّى:

الانزياح الجمالي القاطع

رابعاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح سؤالًا ضمنياً:

هل الجسد طريق إلى الحقيقة أم عائق عنها؟

الإجابة الضمنية:

الجسد مرحلة

لكن الحقيقة في "القلب" - أي في الجوهر، الشعور، أو الوعي

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

التصوف (الانتقال من الظاهر إلى الباطن)

الفلسفة الوجودية (البحث عن المعنى خلف التجربة)

التحليل النفسي (الجسد كمدخل للاوعي)

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

يمكن تأويل "القلب" بوصفه:

مركز العاطفة

أو جوهر الكينونة

أو حتى "الحقيقة الداخلية"

النص إذًا:

ليس عن الجسد، بل عن خيبة الاكتفاء بالجسد

خامساً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي النص إلى:

الحداثة الشعرية العربية

حيث يتم كسر التابوهات (الجسد، الرغبة)

2. تطوّر النوع الأدبي

يمثل النص:

انتقال الشعر من الوصف إلى التجربة الداخلية المكثفة

ومن البلاغة التقليدية إلى اللغة الصادمة

3. ارتباطه بالتراث

رغم حداثته، يستبطن:

ثنائية ظاهر/باطن (صوفية)

مركزية القلب (في التراث الإسلامي والفلسفي)

سادساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

رغبة - تبدأ حسية

قلق - يظهر في السؤال

نقص - يدفع نحو "الأبعد"

2. التحليل النفسي:

يمكن قراءة النص وفق فرويد ولاكان:

"النهد" = موضوع الرغبة الأولي

"الحلمة" = نقطة الاكتفاء المستحيل

"القلب" = الآخر المفقود أو المعنى الغائب

3. النبرة النفسية

النبرة:

ليست شهوانية

بل قلقة، باحثة، ناقصة

سابعاً: الأسس السوسيولوجية

النص يتحدى:

الأعراف التي تفصل بين الجسد والفكر

ويعيد طرح الجسد كـ خطاب معرفي

الشاعر هنا:

فاعل نقدي يزعزع التابوه، لا لمجرد الصدمة، بل للكشف.

ثامناً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الجسد يساوي السطح

النهد = يساوي الرغبة

الحلمة تساوي الحدّ

القلب يساوي الجوهر

2. الثنائيات

ظاهر / باطن

لذة / معنى

جسد / روح

3. النظام الرمزي.

النص يبني شبكة تقول:

كل ما هو محسوس يقود إلى ما هو غائب

تاسعاً: الأسس المنهجية

هذه القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- النفسي

٣- السيميائي

٤- والتأويلي

مع التركيز على النص بوصفه بنية مستقلة.

عاشراً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم النص

النص يحتفي بـ:

البحث

القلق المعرفي

رفض الاكتفاء بالسطح

2. الانفتاح التأويلي

النص مفتوح على قراءات متعددة:

١- إيروتيكية

٢- صوفية

٣- نفسية

٤- فلسفية

3. البعد الإنساني:

يمس تجربة إنسانية عامة:

الرغبة في تجاوز الظاهر نحو المعنى

حادي عاشر: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية في النص:

ليست غاية بل استراتيجية

تبدأ بالجسد، لكنها لا تنتهي فيه

إنها:

إيروتيكية معرفية، لا جسدية فقط

حيث يتحول الجسد إلى:

لغة

علامة

طريق نحو "القلب"

خاتمة:

يقدم فارس مطر نصاً بالغ التكثيف، يشتغل على الحد الفاصل بين الإيروتيكي والوجودي، ويحوّل الجسد من موضوع للمتعة إلى أداة للسؤال.

إنه نص يكشف أن:

أقصى ما في الجسد هو عجزه عن أن يكون كافياً،

وأن "القلب" — بما هو رمز للعمق — هو الأفق الذي لا يُطال.

***

عماد خالد رحمة – برلين

..................................

نص القصيدة

حسناً أيها الجسد،

لقد وصلت يدي إلى النهد الأيسر

ماذا بعد الحلمة؟

كنتُ أريدُ الأبعد،

أردتُ القلب..

القلب"

***

فارس مطر

(صريع الهوى) بوصفها بنية دلالية حداثية داخل النسق العمودي

صريع الهوىٰ

شعر خالد الحامد

أشاءُ وأنَّىٰ شئتُ شاءَ ليَ الدَّهرُ

وشطَّ بما شَطَّتْ مَواجِعُهُ البِكرُ

وَهَبْ هذهِ الأوجاعَ محضَ خرافةٍ

فعمَّ بنا قهرٌ وعاثَ بنا القهرُ

وما زلتُ أجني من عذابيْ سنابلاً

فقربي لها دينٌ وبعدي لها كفرُ

متىٰ جُنَّ إنسانٌ بغيرِ مشقةٍ

يُحدِّثْ بأوهامٍ كفيلٌ بها الفَجْرُ

فزد في جنوني في الغرامِ وخلني

مَهيضَ جناحٍ لا يُرامُ لهُ جبرُ

مِنَ العقلِ ما لا تستقيهِ مواجعي

لتبقىٰ بِلُبِّ القلبِ ما مسها الضُّرُّ

فأدركتُ قتلي بالمحبةِ طالما

شربتُ بها كأْسَاً يَخِرُّ لها العمرُ

مِزَاجٌ بها ظنَّ العذولُ حلاوةً

ولو ذاقَ منها الكأسَ لاسْتُشْعِرَ الجمرُ

لَئِنْ أدركَ العُذَّالُ مُهجةَ عاشقٍ

لَآلوا مآلاً من مراتبهِ الصفرُ

فيا ليلُ في ليلىٰ أَقَمْتَ قيامتي

شَطَطْتَ وطارَ القلبُ واستفحلَ الأمرُ

فلا والذي قلبي عليهِ مثابرٌ

لكمْ في أنينِ الرُّوحِ يا مُنْيَتي الصبرُ

أموتُ وآهاتي تُوارىٰ بحرقتي

عجبتُ أمِنْ دفنٍ وليس لها قبرُ

فقد حُرمتْ ليلىٰ مِرارةَ مدفنٍ

فلاقتْ مَراراً ليتَ غادرها المرُّ

فيا عينُ مهلاً قد ذرفتِ فضائحي

فهلا اسْتترتِ اليومَ إنَّ اللِّقَا سِترُ

لِئَلَّا يَضرَّ الجفنَ داءُ غشاوةٍ

وهل بقذاءِ العينِ يستبصرُ الصَّدرُ

وكيفَ أكُفَّ الدَّمعَ عن جريانهِ

لقاءٌ بلا دمعٍ محالٌ لهُ ذُخرُ

فكم بُثَّ لي في الشِّعْرِ سِفرُ صبابةٍ

بَكَتْهُ الأماني والبكاءُ بها شِعرُ

أيا ليلُ كم هدَّ الغرامُ سلامتي

بهِ المدُّ قتلي واقْتتالي بهِ الجزرُ

أرىٰ دورةَ الأيامِ تطلبُ ثأرَها

ففي كلِّ صبحٍ يستفيقُ لها ثأرُ

تَكِرُّ علىٰ قلبي الوَلُوعِ بغارةٍ

فأمضي ولولا الحبُّ لَاقْتادني الكرُّ

علىٰ قدرِ ما تلقىٰ الحياةَ صبابتي

فإنْ متُّ أو أحيا فليسَ لها خُسْرُ

وإنْ سَرَّ روحي الموتُ ذاك لِأَنَّهُ

يراني كسرٍّ والفناءُ بهِ سرُّ

وما عابِرٌ مسَّ الفؤادَ حُشاشَةً

صريعُ الهوىٰ ويلاهُ في حُبِّهِ الحشرُ

فمنْ غيرُ كَفِّ الموتِ أزرىٰ بعاشقٍ

وهل مثْلُهُ كَفٌّ وهل مثلُهُ غيرُ

وما العشقُ إلَّا سكرةُ الموتِ نفسهِ

كشاربِ موتٍ ملءُ اكوابهِ النَّحرُ

ملاحظة:

ألامس هنا وللمرة الأولى تخوم قراءة نص عمودي بمنظور نقدي متأن مستشعرة حاجة هذا النمط الشعري إلى إمعان مختلف في المقاربة وإلى تمعن يليق بما يختزنه من بنى عميقة تتجاوز ظاهر انتظامه

مدخل رؤيوي:

بدواً نجد أن هذا النص يقارب تخوم التجربة العشقية باعتبارها حدثاً وجودياً يتجاوز محمولاته العاطفية إلى فضاء أنطولوجي تتخلخل فيه ثنائيات الكينونة: العقل/الجنون- الحياة/الموت- الحضور/الغياب-

 إن القصيدة على انضباطها العروضي تنفتح على أفق حداثي عميق بحيث تتحول اللغة إلى جهاز إشاري كثيف يعيد تشكيل التجربة الإنسانية ضمن بنية رمزية متشظية

من هنا تتأسس القراءة على منهج سيميائي تأويلي يستند إلى اشتغال العلامة

 وإلى تفكيك العلاقات الدلالية في ضوء تصورات فلسفية قريبة من أطروحات (رولان بارت) و(جاك دريدا) مع استحضار البعد الوجودي الذي يتجاوب مع رؤى (مارتن هايدغر) مع إمكان استدعاء أفق تأويلي يتقاطع مع البنية القصدية عند (إدموند هوسرل) حيث تتحول التجربة إلى وعي بالمعاناة وليس مجرد وقوعها

وقفة منهجية:

(الأفق الأنطولوجي) يتجلى هنا مفهوم (الوجود- في-العالم) عند (مارتن هايدغر). فالنص لا يصف حالة وجدانية عابرة بل يؤسس لـ(كينونة) تعرّف نفسها من خلال المعاناة.  فالبنية المنهجية هنا تنتقل من (اللغة كأداة وصف) إلى (اللغة كمسكن للوجود)، بحيث يصبح القهر والجنون هما الحقيقة الوحيدة التي تمنح الذات حضورها الأنطولوجي في مواجهة العدم

أولاً: عتبة العنوان وإحالات (الميتا-نص)

​يعد العنوان (صريع الهوى) تقديماً لـ /التراجيديا الوجودية/

ف(الصريع) هنا ليس مقتولاً في معركة مادية لكنه سياق من (إيروس) الذي يتحول إلى (ثاناتوس) أي غريزة الحياة التي تطلب حتفها لتكتمل سيميائياً

العنوان يمارس سلطة (التوجيه القبلي) للمتلقي، أي أن النص (يقود) قارئه قبل أن يكتمل الفعل التأويلي واضعاً إياه في مواجهة مع (بطل ضدي) يفتخر بهزيمته الوجدانية، إذ يتحول السرد من تمجيد الفعل إلى مساءلة الفعل.

وتتبدى أهمية العنونة (صريع الهوى) كمفهوم عتبة دلالية كبرى إذ تنشئ منذ البدء علاقة مأساوية بين الذات والعشق حين يتحول الهوى إلى قوة قاهرة وتغدو الذات موضوعاً للسقوط

 أبعد ما تكون عن فاعلاً حر الإرادة

 إن (الصريع) هنا علامة على انكسار الكينونة أمام مطلق العاطفة بما يشي بانزياح من الغنائي إلى التراجيدي وتسند هذه الدلالة نحوياً إلى تركيب إضافي (مضاف + مضاف إليه) يحكم الإغلاق الدلالي حيث يعمل (الهوى) بكونه محدداً دلالياً يقيد (الصريع) فينتفي أي احتمال لكون الصرع عارضاً ويترسخ  كماهية

وقفة منهجية:

(سيمياء العتبات) وفقاً لطروحات (جيرار جينيت) و(رولان بارت) يعمل العنوان كـ /نظام إشاري مبكر/ يمارس عملية (التنصيص الصغير) بنيوياً

 فالعنوان هنا لم يكن مجرد ملخص إنما هو (بؤرة دلالية) تختزل الصراع بين (الإيروس) و (الثاناتوس)

إنه يضع القارئ أمام حتمية الموت قبل الولوج إلى جسد النص مما يجعل القراءة اللاحقة مجرد (تفكيك) لعملية السقوط المعلنة مسبقاً

في البنية الدلالية:

يتأسس النص على شبكة من التوترات الدلالية إذ تتجاور مفردات:

القهر- العذاب- الجنون- الموت-

في مقابل إشارات خافتة إلى اللذة أو الخلاص كما:

(أشاء وأنى شئت شاء لي الدهر)

فالناص القدير يفتتح النص بجملة فعلية تتضمن فعلين (أشاء / شاء) في بنية انعكاسية بحيث يتحول الفاعل إلى مفعول ضمني ويلاحظ نحوياً أن (أنى شئت) جاءت ظرفاً شرطياً دالاً على الإطلاق غير أن جوابها (شاء لي الدهر)

يكسر هذا الإطلاق فينتج مفارقة إرادية حرية ظاهرية تقابلها حتمية زمنية وفي:

(وشط بما شطت مواجعه البكر)

فال(المواجع البكر) تنتج تركيباً دلالياً يزاوج بين الألم والنقاء ويلاحظ صرفياً أن (البكر) صفة مشبهة تدل على الثبات ما يمنح الألم صفة الديمومة الأولى

 كما أن تقديم شبه الجملة (بما شطت) يمنح الفعل امتداداً دلالياً قبل انكشاف الفاعل فتتقدم الحركة على الذات

وهنا: (فعم بنا قهر وعاث بنا القهر)

تتحول مفردة (قهر) من نكرة إلى معرفة وهذه النقلة التعريفية تنتج تثبيتاً دلالياً ويلاحظ أن الفعل (عاث) يحمل دلالة الفساد والانتشار ما يجعل القهر كياناً اجتياحياً وتكرار (بنا) يرسخ الإحاطة الجمعية

ونلمس أيضاً:

(وما زلت أجني من عذابي سنابلا)

انه هنا استعارة زراعية ويلاحظ نحوياً أن (ما زلت) تفيد الاستمرار و(أجني) فعل مضارع يدل على التجدد بينما (سنابل) مفعول به جمع يوحي بالكثرة

 مما يجعل العذاب مورداً إنتاجياً وليس استهلاكياً

وهنا تلعب دورها حرفية الشاعر البارعة

ونلحظ أيضاً في:

(فقربي لها دين وبعدي لها كفر)

يبنى هنا التركيب على مقابلة حدية حيث يتجاور مبتدآن وخبران في تواز نحوي صارم مع حذف الرابط بين الجملتين مما يسرع الإيقاع ويكثف القطع الدلالي في الجملة ليعطي للنص جماليته

أما في البنية التركيبية والنحوية أيضاً نجد:

(متى جن إنسان بغير مشقة يحدث بأوهام...)

ف (متى) هنا ظرف شرط جازم و(جن) فعل ماض مبني للمجهول ما يلغي الفاعل ويعمم الحالة فيتحول الجنون إلى ظاهرة وجودية غير منسوبة

أما عن جواب الشرط (يحدث) فجاء مجزوماً بما يعمق العلاقة السببية بين الجنون والوهم وهذا يحسب للشاعر المتمكن على مستوى البنية والإيقاع والقواعدية

وفي الجملة الآتية:

(فزد في جنوني في الغرام وخلني مهيض جناح)

تتجاور الأفعال الأمرية ويلاحظ أن (مهيض) جاءت حالاً منصوبة وهي اسم مفعول يحمل دلالة الكسر ما يحول الذات إلى موضوع واقع عليه الفعل وليست منتجاً له

وفي (من العقل ما لا تستقيه مواجعي)

فإن (ما) هنا موصولة و(تستقيه) فعل مضارع والضمير يعود على (ما)

مما ينتج بنية إحالية مغلقة ويلاحظ أن تقديم الجار والمجرور (من العقل) يفيد التخصيص كأن العقل مورد منفصل عن الألم

وفي (فأدركت قتلي بالمحبة)

نرى أن الفعل (أدرك) يفيد الوصول المعرفي وليس الحسي مما يجعل (القتل) إدراكاً ذهنياً وتأتي الباء في (بالمحبة) للسببية فتتحول المحبة إلى أداة قتل

ولو تمعنا في البنية التصويرية نرى:

(شربت بها كأسا يخر لها العمر)

نجد (يخر) فعل مضارع يدل على السقوط المفاجئ وإسناده إلى (العمر) يشخص الزمن ويلاحظ أن (كأساً) جاءت نكرة للتكثير

 أو التهويل

أما في:

(ولو ذاق منها الكأس لاستشعر الجمر)

(لو) هي شرط امتناع و(لاستشعر) مبني للمجهول ما يجعل الإحساس بالجمر نتيجة حتمية غير مرتبطة بفاعل معين

وهنا في البيت الآتي:

(فيا ليل في ليلى أقمت قيامتي)

إن النداء هنا استدعاء و(أقمت) فعل ماض يفيد التحقيق

و(قيامتي) مفعول به يحمل حمولة دينية ويلاحظ التداخل الصوتي بين (ليل/ليلى) باعتباره تجانساً صوتياً دلالياً

وحين نمعن في البنية الإيقاعية:

فنشاهد أن الإيقاع لا يقتصر على البحر لكنه يتشكل عبر التوازي التركيبي والتكرار الصوتي خاصة حرف الراء في القوافي (الدهر / القهر / الكفر / الجبر)

 وهو حرف مجهور مكرور يحدث رجعاً صوتياً يشبه الارتطام بما ينسجم مع دلالة الانكسار

أما عن البعد الفلسفي ففي:

(يراني كسر والفناء به سر) نجد إن تقديم (كسر) خبراً يخلق غموضاً مقصوداً ويلاحظ التوازي بين (سر/سر) إذ يتحول هنا الفناء إلى معرفة مغلقة على ذاتها

في بنية قريبة من التفكيك عند (جاك دريدا) حيث الدال يحيل إلى دال

وفي (وما العشق إلا سكرة الموت نفسه)

أسلوب قصر ويغلق الدلالة داخل تعريف واحد

وأما (سكرة) فهو مصدر يدل على حالة مؤقتة بينما (الموت) هو مطلق

 فينتج توتر زمني بين اللحظة والأبد

وقفة منهجية:

الموت والذاتية:

تظهر هنا إشكالية (الإرادة والضرورة) منهجياً يمكن مقاربة هذا التوتر من خلال رؤية (نيتشه) حول (المصير) فالبنية هنا تفكك وهم الحرية والذات التي تظن أنها (تشاء) تكتشف أنها مجرد تجلٍ لمشيئة (الدهر)

هذا الانزياح يمثل (موت المؤلف/الذات) داخل النص لصالح سلطة النسق الزمني

ونجد ​(وشط بما شطت مواجعه البكر) تنتج (المواجع البكر) تركيباً دلالياً يزاوج بين الألم والنقاء

وقفة منهجية - الثنائيات الضدية: 

يعتمد التحليل البنيوي هنا على (الثنائيات المركزية) (المواجع/البكر) هو جمع بين النقيضين فالألم عادة ما يكون (مستهلكاً) لكن وصفه بـ(البكر) يعيد إنتاجه كحالة توليدية دائمة

 هذا ما يسميه (جاك دريدا) بالـ (الاختلاف/الإرجاء) بحيث لا يستقر المعنى عند الألم فقط بل يرجئه نحو القداسة والنقاء

وفي ​(فعم بنا قهر وعاث بنا القهر) نرى بأن مفردة (قهر) تتحول من نكرة إلى معرفة

وقفة منهجية - تشيؤ الكائنات الدلالية: 

المنهج البنيوي يرى في هذا (التعريف) عملية (تشيؤ) (Reification) للمفهوم المجرد

فالقهر هنا يتوقف عن كونه شعوراً ليصبح (كياناً) مستقلاً يمتلك القدرة على الفعل (العيث) نحن أمام (بنية مهيمنة) تحول الإنسان من فاعل إلى مكان (بنا)

 يقع فيه الحدث

وعن ​(وما زلت أجني من عذابي سنابلا) فهو متمظهر كاستعارة زراعية (فقربي لها دين وبعدي لها كفر) يبنى التركيب هنا على مقابلة حدية

وقفة منهجية -

المفارقة الوجودية:

 تتحول التجربة عند الشاعر إلى (نسق قيمي بديل)

فالدين والكفر هنا لا يحيلان إلى مرجعية لاهوتية إنما يؤولان إلى مرجعية (عشقية)

 لذلك نبصر أن النص بنيوياً  يعيد بناء العالم من خلال (الذات العشقية) التي تمنح الأشياء قيمتها وهو ما يتسق مع (الفينومينولوجيا) (الظاهراتية) عند (هوسرل) حيث العالم هو (ما يظهر للوعي) المتألم

و (متى جن إنسان بغير مشقة يحدث بأوهام...)

(فزد في جنوني في الغرام وخلني مهيض جناح)

 (من العقل ما لا تستقيه مواجعي)

وقفة منهجية -

جنون العقل:  يتقاطع هذا الطرح مع رؤية (ميشيل فوكو) في (تاريخ الجنون) فالجنون هنا ماهو بغياب للعقل لكنه (معرفة متجاوزة) لا تستطيع الأدوات العقلية التقليدية استيعابها ومن هنا حين نلتفت للبنية المنهجية للنص نشهدها تؤسس

لـ (عقلانية الوجع)

في مقابل (لا عقلانية الوجود المادي)

​(فأدركت قتلي بالمحبة) (شربت بها كأسا يخر لها العمر)

(ولو ذاق منها الكأس لاستشعر الجمر)

وقفة منهجية -

رمزية الكأس والاحتراق: 

فالكأس هنا علامة سيميائية مزدوجة (اللذة/الاحتراق) منهجياً نحن أمام (تفكيك للمركزية الجمالية) للعشق فالعاشق يدرك أن (الحقيقة) تكمن في (الجمر) وليس في (الحلاوة) الظاهرة

ويجدر بنا الثناء على لغة الشاعر لهذا الوعي الذي يمثل قمة (التجربة الذاتية) التي لا تنقل وصفاً للحالة إنما المعاناة المباشرة

و ​(فيا ليل في ليلى أقمت قيامتي)

 (يراني كسر والفناء به سر) (وما العشق إلا سكرة الموت نفسه)

وقفة منهجية -

 الموت كاكتمال: 

ونصل هنا إلى ذروة الرؤية الوجودية حيث (الموت ليس نهاية لكنه نمط من أنماط الوجود) كما يرى (هايدغر) تحويل العشق إلى (سكرة موت) يدمج بين الوجود والعدم في بنية واحدة (السر) هنا هو الدال الذي لم يشر إلى مدلول نهائي إنما يظل منفتحاً على احتمالات الفناء بوصفه تجلياً أخيراً للحقيقة

إن قصيدة (صريع الهوى) لأستاذ خالد تشكل تجربة شعرية فريدة

 تزاوج بين صرامة الشكل العمودي وانفلات الدلالة الحداثية مع إحكام نحوي دقيق يتبدى في توزع الوظائف الإعرابية وتوازن الجمل وتكثيف الروابط المحذوفة التي تسهم في تسريع الإيقاع وإغناء المعنى

إن لغة الشاعر تنبني على اقتصاد تعبيري كثيف

إذ تتآزر البنية الصرفية (صيغ المبالغة أسماء المفعول- الجموع) مع البنية النحوية (التقديم- الحذف- التوازي) لتنتج خطاباً شعرياً عالي التماسك غني الإحالة متعدد الطبقات التأويلية

فهي لغة تمتلك قدرة نادرة على تحويل الألم إلى نظام دلالي منتج وعلى إعادة تشكيل التجربة العاطفية ضمن أفق فلسفي عميق يجعل من القصيدة نصاً مفتوحاً قابلاً لإعادة القراءة ومؤهلاً للإندراج ضمن التجارب التي تؤكد أن العمود الشعري قادر على استيعاب الحداثة بل وإعادة تعريفها من الداخل عبر وعي لغوي وجمالي شديد النضج والاقتدار

بوركت أ. خالد

***

مرشدة جاويش

 

التشاكل بوصفه آلية لإنتاج المعنى وانسجام النص

على سبيل الافتتاح: في سياق التحولات العميقة التي شهدها الدرس النقدي العربي خلال العقود الأخيرة، برزت الحاجة إلى إعادة مساءلة المفاهيم المؤسسة للفعل التأويلي، لا بوصفها أدوات إجرائية جاهزة، بل باعتبارها أنساقًا معرفية تُنتج داخل شروط تاريخية وثقافية مخصوصة. ومن هذا الأفق المعرفي، يتبدّى المشروع النقدي للباحث المغربي محمد مفتاح بوصفه أحد أبرز المشاريع التي سعت إلى إعادة بناء العلاقة بين النص، والمنهج، والمفهوم، عبر انفتاح واعٍ على المنجز اللساني والسيميائي والتداولي المعاصر.

لم يكن اشتغال محمد مفتاح مجرد استثمارٍ لمناهج غربية في قراءة الخطاب الشعري العربي، بل كان محاولةً لتأسيس وعي نقدي قادر على تفكيك آليات إنتاج المعنى داخل النص، وإعادة تركيبها ضمن رؤية تكاملية تتجاوز الفصل التقليدي بين البلاغة والتراث من جهة، والمقاربات اللسانية الحديثة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم التشاكل مكانة مركزية داخل تصوره النظري، باعتباره أفقًا تحليليًا يعيد توجيه فعل القراءة من البحث عن المعنى الجاهز إلى الكشف عن آليات تشكّله داخل بنية الخطاب.

مقدمة

عرف النقد العربي المعاصر تحولات إبستمولوجية عميقة تمثلت في انتقاله من القراءة الانطباعية للنصوص إلى بناء مقاربات مفهومية تستند إلى أدوات تحليلية دقيقة. وقد ارتبط هذا التحول بتنامي الوعي بأهمية المفهوم النقدي بوصفه أداة تنظّم المعرفة وتمنحها صرامتها العلمية. وفي قلب هذه التحولات يبرز المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره أحد أبرز المشاريع التي أسهمت في إعادة تأسيس الدرس النقدي العربي على قاعدة المفهوم والمنهج، حيث سعت أعماله إلى إعادة بناء العلاقة بين النص والمنهج والمفهوم عبر انفتاح واعٍ على المنجزات اللسانية والسيميائية الحديثة.

لقد أدرك مفتاح مبكرًا أن أزمة النقد العربي لا تكمن في غياب النصوص أو المناهج بقدر ما تكمن في اضطراب الجهاز المفاهيمي الذي يُنتج المعرفة النقدية، لذلك جعل من الاشتغال بالمفاهيم مدخلًا رئيسًا لفهم الخطاب الأدبي وتحليله (مفتاح، 1999). ومن هنا تحوّل التحليل النقدي عنده من ممارسة وصفية إلى مشروع معرفي يسعى إلى بناء أدوات إجرائية دقيقة قادرة على تفسير آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية.

وإذا كان التحول الذي شهده النقد العربي المعاصر قد أفضى إلى إعادة الاعتبار للمفهوم بوصفه أداةً لإنتاج المعرفة لا مجرد وسيلة وصف، فإن المشروع النقدي لمحمد مفتاح يقدّم نموذجًا دالًا على هذا الانتقال المنهجي، حيث يصبح الاشتغال المفاهيمي شرطًا لفهم الخطاب الأدبي في بنيته العميقة. ومن داخل هذا الأفق تتحدد أهمية مفهوم التشاكل باعتباره مبدأً تنظيميًا يكشف عن الكيفية التي تنتظم بها العلاقات الدلالية داخل النص الشعري، بما يجعل انسجامه نتيجة شبكة من التكرارات والتحولات الدلالية المتفاعلة.

أولاً: المفهوم بوصفه أساس المعرفة النقدية

ينطلق محمد مفتاح من تصور معرفي يرى أن المفاهيم ليست مجرد أدوات وصفية، بل آليات تنظّم الإدراك الإنساني وتؤطر إنتاج المعرفة. فالمفهوم يسمح بإقامة العلاقات بين الظواهر، ويمنح الخطاب العلمي دقته وصرامته المنهجية، ويجعل التحليل النقدي انتقالًا من الانطباع إلى الفهم المنظم.

ولهذا أولى عناية خاصة بالمصطلح النقدي، معتبرًا أن أي تحليل للنصوص الأدبية يظل ناقصًا ما لم يستند إلى ضبط اصطلاحي صارم، لأن المفاهيم تمثل الوسيط بين اللغة الطبيعية واللغة العلمية (مفتاح، 2009). ومن ثمّ فإن الاشتغال بالمفهوم عنده لا يقتصر على التعريف، بل يشمل تتبع تحولات المصطلح داخل الحقول المعرفية المختلفة وإعادة توظيفه بما يلائم خصوصية النص العربي.

ويكشف هذا التوجه عن وعي إبستمولوجي يجعل المفهوم أداة تفكير قبل أن يكون أداة تطبيق، إذ لا يمكن للنقد أن يبلغ مستوى العلمية إلا حين يمتلك جهازًا مفاهيميًا قادرًا على تفسير الظواهر الأدبية ضمن شبكة من العلاقات المنظمة.

ثانيًا: الخطاب الشعري بين البنية والتداول

لا يتعامل مفتاح مع النص الشعري باعتباره بنية لغوية مغلقة، بل يدرسه ضمن مفهوم الخطاب الذي يتجاوز حدود الجملة إلى شروط التلفظ والسياق التداولي. فالخطاب، في تصوره، فعل تواصلي مركب يجمع بين البنية اللغوية والوظيفة الحجاجية والتأثير التداولي.

وقد تأثر في هذا التصور بالتحولات اللسانية والسيميائية الحديثة التي نقلت الاهتمام من دراسة الجملة إلى تحليل الخطاب، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل عناصر متعددة تشمل الصوت والتركيب والدلالة والسياق (الحميري، 2008). وبذلك يتحول النص الشعري إلى نظام دينامي للعلاقات لا يمكن فهمه عبر تفكيك عناصره منفردة، بل عبر الكشف عن الروابط التي تحقق وحدته الداخلية.

ومن هذا المنظور يغدو الشعر فضاءً تواصليًا تتقاطع داخله مستويات متعددة من العلامات، الأمر الذي يجعل التحليل الخطابي ضرورة منهجية لفهم كيفية تشكّل المعنى داخل النص.

ثالثًا: التشاكل مركز التحليل الخطابي

يعد مفهوم التشاكل من أهم المفاهيم التي بلورها محمد مفتاح في مشروعه النقدي. وقد استمد المصطلح جذوره من السيميائيات البنيوية، خاصة عند غريماس، حيث يشير إلى تكرار السمات الدلالية التي تضمن انسجام النص (Greimas, 1966).

غير أن مفتاح لم يكتف باستعارة المفهوم، بل أعاد صياغته داخل أفق نقدي عربي، فوسّع دلالته ليشمل مختلف مستويات الخطاب، معتبرًا التشاكل عملية تنمية لنواة معنوية عبر تراكم عناصر صوتية وتركيبية ودلالية وتداولية داخل النص، بما يحقق انسجام الرسالة الشعرية (مفتاح، 2009).

وهكذا لم يعد التشاكل مجرد تكرار معنوي، بل أصبح آلية إنتاج للمعنى تكشف كيفية تشكل الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض.

رابعًا: مستويات التشاكل ووظائفه النصية

يميّز مفتاح بين عدة مستويات يتجلى عبرها التشاكل داخل الخطاب الشعري، من أهمها:

1. التشاكل الصوتي: المرتبط بالإيقاع والنبر والتكرار الصوتي، حيث يسهم انتظام الأصوات في بناء الانسجام الإيقاعي للنص.

2. التشاكل التركيبي: الناتج عن انتظام البنيات النحوية وتكرار الصيغ التركيبية التي تمنح الخطاب توازنه البنائي.

3. التشاكل الدلالي: القائم على تكرار الحقول المعجمية والسمات الدلالية التي تشكّل النواة المعنوية للنص.

4. التشاكل التداولي: المتصل بسياق الخطاب ومقاصده التواصلية، حيث يتحدد المعنى عبر العلاقة بين النص والمتلقي وظروف التلفظ.

وتكمن أهمية هذا التصور في كونه ينقل التحليل النقدي من البحث عن المعنى المفرد إلى دراسة آليات إنتاج المعنى، حيث يصبح الانسجام نتيجة تفاعل مستويات متعددة داخل النص (مفتاح، 1992).

خامسًا: التوازي بوصفه استراتيجية بنائية للخطاب الشعري

يربط مفتاح بين التشاكل والتوازي باعتبارهما آليتين متكاملتين في بناء الخطاب الشعري. فالتوازي لا يمثل مجرد تكرار شكلي، بل إعادة تنظيم للعلاقات اللغوية بما ينتج اختلافًا دلاليًا داخل التشابه البنيوي.

ومن خلال التوازي تتحقق وظائف جمالية وحجاجية في آن واحد، إذ يمنح النص إيقاعه الداخلي ويعزز قدرته التأثيرية، مما يجعل الشعر فضاءً تتحقق فيه الدلالة عبر الحركة المستمرة بين التماثل والاختلاف. وهكذا يصبح التوازي امتدادًا ديناميًا للتشاكل، يرسّخ انسجام النص ويعمّق بنيته الدلالية.

خاتمة

يظهر المشروع النقدي لمحمد مفتاح بوصفه محاولة معرفية عميقة لإعادة بناء النقد العربي على أساس مفهومي صارم يجمع بين التراث البلاغي العربي والمنجز اللساني والسيميائي الحديث. وقد أسهم مفهوم التشاكل، كما أعاد صياغته، في نقل تحليل الخطاب الشعري من مستوى الوصف البلاغي إلى مستوى الكشف عن البنيات العميقة المنتجة للمعنى.

وبذلك يمكن اعتبار إسهام مفتاح لحظة مفصلية في تطور النقد العربي المعاصر، حيث أصبح المفهوم أداة للفهم لا مجرد مصطلح، وأضحى النص مجالًا لعلاقات دينامية تُبنى داخله الدلالة عبر الانسجام البنيوي والتداولي. ومن خلال هذا التصور تتأكد أهمية المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره تجربة فكرية أسهمت في إعادة تشكيل الحساسية المنهجية للنقد العربي الحديث وفتحت إمكانات جديدة لفهم النص الأدبي ضمن أفق معرفي منفتح ومتجدد.

***

بقلم: د. منير محقق كاتب وناقد وباحث مغربي

...................

المراجع والمصادر

الحميري، عبد السلام. (2008). تحليل الخطاب: المفاهيم والإجراءات. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق.

مفتاح، محمد. (1992). تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (1999). مفاهيم موسعة لنظرية شعرية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (2009). دينامية النص: تنظير وإنجاز. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Greimas, A. J. (1966). Sémantique structurale. Paris: Larousse.

منذ العنوان، تنفتح القصيدة على أفق تأويلي متشظٍ، إذ لا يقدّم "خيانة بيضاء" عبارة مكتملة الدلالة بقدر ما يطرح إشكالًا دلاليًا مركّبًا. فالخيانة، بما تحمله من حمولة أخلاقية سلبية، تتجاور مع البياض بوصفه رمزًا للنقاء والبدء والاحتمال. هذا التنافر الظاهري لا يلبث أن يتحوّل إلى توتر منتج، يعيد تعريف الخيانة من كونها فعل سقوط إلى كونها فعل تحرّر. إننا إزاء خيانة لا تُرتكب ضد الآخر، بل ضد الذاكرة بوصفها مستودع الألم، وضد الذات القديمة بوصفها عبئًا يعوق الانبعاث. هكذا يغدو "البياض" ليس تبرئة للفعل، بل أفقًا لإعادة الكتابة، ومساحةً لمحوٍ خلاق، يُفضي إلى ولادة جديدة خارج إرث الجرح.

في متن القصيدة، تتخذ هذه الفكرة مسارها التصاعدي عبر بنية اعترافية تبدأ بالفعل الحاسم:

"أنا اليوم / قررتُ أن أخونَ ذاكرتي"

إنها جملة إعلان، تحمل في طياتها فعل القطيعة الواعية، حيث يُستبدل التذكر بالفعل الإرادي للنسيان. ولا تأتي هذه القطيعة اعتباطًا، بل تتأسس على تراكم من الألم والإنهاك، كما في قولها:

"أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز، / تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش"

الصورة هنا كثيفة الدلالة؛ فالحنين يتحوّل إلى جلد خانق، لا إلى دفء، والأفعى – رمز التجدد عبر الانسلاخ – تأتي عجوزًا، ما يوحي بأن فعل التجدد ذاته صار متعبًا، وأن الذاكرة لم تعد تمنح إمكان الحياة بل تستنزفها.

تتعمّق هذه الرؤية حين تتجسّد الذاكرة في صور مادية قابلة للإيداع والتخلّي:

"أودعتُ مفاتيحي القديمة / في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ"

المفاتيح هنا رمزية للولوج إلى الماضي، وإيداعها فعل إغلاق نهائي، وكأن الذات تقرر أن تحجب نفسها عن أرشيفها الخاص. غير أن اللافت هو وصف الصندوق بـ*"تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح"*، حيث يتحوّل النسيان إلى كيان حسيّ له رائحة، لكنها "مملّحة"، بما تحمله من إيحاء بالحفظ من جهة، وبالمرارة من جهة أخرى. النسيان إذًا ليس خلاصًا نقيًا، بل خلاص ممزوج بأثر الألم.

وفي تحول لافت، تنتقل الذات من موقع الانسحاب إلى موقع الانخراط في فعل جديد:

"ألتحقُ بسِربِ الغزاة، / أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل"

الغزاة هنا ليسوا قوة خارجية، بل استعارة عن إرادة الفعل الجريء، عن أولئك الذين يقتحمون المعنى ولا يكتفون بالحنين إليه. إنها مفارقة أخرى: الذات التي كانت ضحية للذاكرة، تختار أن تنتمي إلى "الغزو"، أي إلى الفعل الذي يعيد تشكيل العالم. وهذا التحول يعمّق دلالة الخيانة بوصفها انتقالًا من السكون إلى الحركة، ومن الاستلاب إلى المبادرة.

غير أن هذا الانتقال لا يتم دون ثمن وجودي، يتجلّى في القطيعة مع الوظائف الحيوية للذاكرة:

"لم أعد أرغبُ / أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي، / أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة"

الذاكرة هنا كائن طفيلي، يتغذى على الجسد والرؤى، لكنه لم يعد منتجًا، بل "يابس". إن رفض إطعامها هو إعلان عن استعادة الجسد لسيادته، وعن رفض استنزاف الحياة في خدمة ماضٍ عقيم.

وتبلغ القصيدة ذروتها الرمزية في صورة الغصن:

"كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى، / لا يحنُّ للجذور، / ولا يطمئنُّ إلى الغصون"

إنها حالة وجودية معلّقة، لا انتماء فيها للماضي (الجذور)، ولا اندماج كامل في الحاضر (الغصون). الغصن هنا كيان بينيّ، يعبّر عن ذات خرجت من تاريخها، لكنها لم تستقر بعد في أفق جديد. وهذه الصورة تكثّف مأساة التحوّل: التحرر لا يعني الطمأنينة، بل غالبًا ما يفتح على قلق جديد.

وفي مشهد موازٍ، تتجلى "الغزاة" بوصفهم قوة احتفالية بالعنف الرمزي:

"يرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم"

هنا يتحوّل الحلم إلى جثة، أي إلى شيء فقد حياته، بينما يتحوّل الرقص إلى طقس انتصار على هذا الماضي. إن القصيدة لا تكتفي بإعلان القطيعة، بل تحتفي – بشكل ما – بموت الحلم القديم، باعتباره شرطًا لولادة أفق آخر.

وتنتهي القصيدة بحالة من التجرّد الكلي:

"وأنا، / بلا ذاكرةٍ، / بلا بكاءٍ، / بلا قصيدةٍ تذكرني"

إنها ذروة "الخيانة البيضاء": تخلٍّ حتى عن اللغة بوصفها حافظة للذات. غير أن هذا الفراغ لا يُقدَّم بوصفه عدمًا، بل بوصفه شرطًا للبحث:

"لأبحث عن نافذةٍ / لا تطلُّ على جرحٍ / ولا تُغلقُ على قيد"

النافذة هنا أفق بديل، رؤية بلا ألم، وحرية بلا حصار. إنها استعارة لمستقبل لا يُبنى على أنقاض الذاكرة، بل على تجاوزها.

في المحصلة، لا تكتفي القصيدة بأن تقدّم تجربة ذاتية في التخفف من عبء الذاكرة، بل ترتقي إلى مستوى الرؤية الوجودية التي تعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وماضيه بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يحسمه الحنين ولا يلغيه النسيان. إن "الخيانة البيضاء" هنا ليست موقفًا عابرًا، بل فعل وعي يتأسس على إدراك عميق بأن الاستمرار في استهلاك الذاكرة قد يتحوّل إلى شكل من أشكال التآكل البطيء، وأن النجاة تقتضي أحيانًا شجاعة القطيعة، حتى وإن بدت هذه القطيعة خيانة في ظاهرها.

ولعل ما يمنح هذه الخيانة طابعها "الأبيض" هو أنها لا تنبع من رغبة في الإنكار أو المحو العدمي، بل من حاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الذات، إلى تحرير الحاضر من سطوة الماضي دون الوقوع في فراغ عبثي. فالقصيدة لا تدعو إلى نسيان ساذج، بل إلى نسيان واعٍ، انتقائي، يختار أن يطوي ما لم يعد قابلًا للحياة، ويترك المجال لولادة معنى جديد. ومن هنا، فإن البياض لا يُفهم بوصفه فراغًا، بل بوصفه إمكانية، فضاءً مفتوحًا للكتابة من جديد، خارج الإملاءات القديمة.

غير أن هذا الأفق لا يخلو من قلق؛ فالتخلّي عن الذاكرة يعني أيضًا التخلّي عن أحد أهم مكوّنات الهوية. لذلك تبدو الذات في نهاية النص معلّقة بين فقدٍ لم يعد يُستعاد، ومستقبل لم يتشكّل بعد، كأنها تعبر منطقة برزخية بين ما كان وما يمكن أن يكون. وهذه الحالة لا تُقدَّم بوصفها ضعفًا، بل بوصفها شرطًا ضروريًا لأي تحوّل حقيقي؛ إذ لا ولادة دون فقد، ولا تشكّل دون تفكك سابق.

بهذا المعنى، تكتب مجيدة محمدي قصيدة تنحاز إلى الإنسان في لحظة هشاشته القصوى، حين يضطر إلى خيانة ما أحبّ كي ينقذ ما تبقى من ذاته.

***

بقلم: سمير اليوسف

............................

"خيانة بيضاء"

مجيدة محمدي

أنا اليوم

قررتُ أن أخونَ ذاكرتي،

أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز،

تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش،

ومن نُدوبِ الوقتِ على جسدِ الغيمة، الهاربة .

*

أنا اليوم،

أودعتُ مفاتيحي القديمة

في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ

تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح،

وقلتُ، كفى!

*

ألتحقُ بسِربِ الغزاة،

أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل،

يَسِنّونَ رغبتهم كالسيوف،

يُطلّون من شقوقِ المعنى

ويزرعون في العواصفِ نشيد الماء،

*

لم أعد أرغبُ

أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي،

أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة،

أن أُربّتَ على كتفِ الأمس

كلّما انطفأ الحاضرُ من حولي.

*

أنا اليوم،

كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى،

لا يحنُّ للجذور،

ولا يطمئنُّ إلى الغصون.

*

تركتُ حكاياتي تمشي حافيةً

فوقَ شوكِ التأويل،

وانحنيتُ للريح،

كي أُخفي ملامحي عن القصائد

التي ما عادت تعرفني.

*

الغزاةُ،

هنا،

عند تخومِ الإرادة،

يرفعونَ الراياتٍ

ينشدونَ صوتا له شفاهُ البرق،

ويرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم.

*

وأنا،

بلا ذاكرةٍ،

بلا بكاءٍ،

بلا قصيدةٍ تذكرني،

خنتُ ذاكرتي...

لأبحث عن نافذةٍ

لا تطلُّ على جرحٍ

ولا تُغلقُ على قيد.

 

البنية الحلمية وتمثلات السلطة الرمزية لقصة (مجرد منام) للقاص محمد عاطف

يندرج النص ضمن سرد حداثي يقوم على بنية حلمية مركبة تتقاطع فيها المستويات الواقعية والرمزية والسياسية واللاشعورية. لا يستعمل الحلم هنا كآلية هروب، بل كجهاز كشف: فهو يفكك مركزية الواقع ويعري بنياته القمعية من الداخل....

تقوم هذه الدراسة على مقاربة بنيوية مدعومة بإضاءة نفسية تحليلية...

 البنية الحلمية: من الهروب إلى المقاومة

يتأسس النص على تكرار الجملة: "إنه مجرد منام.."

ليست العبارة تطميناً، بل آلية دفاعية تكشف هشاشة الوعي. فبينما يرى فرويد الحلم (تحقيقاً لرغبة مكبوتة) يتحول هنا إلى تفجر للكوابيس الجمعية. يتشظى الحلم إلى:

حلم داخل حلم/ نوم داخل نوم/ شلل داخل شلل

"ما أصعب أن تنام وأنت نائم أصلا.."

هذا التضاعف البنيوي يعكس اغتراباً وجودياً، فالذات عاجزة عن الاستيقاظ لأنها لم تعش يقظة مكتملة أصلاً . الزمن دائري والوعي معلق والواقع منزوع اليقين...

على المستوى السردي يمكن قراءة القصة في ضوء تصنيف جيرار جينيت للزمن الحكائي إذ يتأسس على تفكيك الترتيب الخطي عبر تداخل الاسترجاع والاستباق وعلى إبطاء سردي يضخم اللحظات الرمزية (كالصفعة) بما يجعل الزمن النفسي يتغلب على الزمن الكرونولوجي. كما أن الفوكاليزاسيون الداخلية الكلية(التبئير) تحصر الرؤية في وعي البطل فتغدو السلطة بنية مدركة لا موضوعاً خارجياً فقط...

"القائم على مصلحة الضوء": احتكار الرمز وبنية السلطة

يتبدى "القائم على مصلحة الضوء" ككيان منزوع الفردية كما يرد في النص:

"كان مطموس الملامح.."

طمس الوجه لا يحيل إلى نقص في الوصف، بل إلى إلغاء الهوية بوصفها خصوصية إنسانية وتحويل الكائن إلى وظيفة رمزية خالصة. إنه لا يقدم كشخصية ذات ملامح نفسية متمايزة بل كبنية سلطة متجسدة. من هذا المنظور يقترب من مفهوم "الآخر الكبير" عند جاك لاكان، أي تلك السلطة الرمزية التي لا تختزل في فرد بعينه، بل تستقر في نظام الخطاب وتعيد إنتاج نفسها عبره.

تتأكد هذه الدلالة في قوله: "الضوء حق في الظلام…"

فالضوء هنا لا يفهم بوصفه عنصراً فيزيائياً، بل بوصفه امتيازاً معرفياً وشرعيةً للرؤية. احتكاره للضوء يعني احتكار المعنى ذاته، أي التحكم في شروط الإدراك وتحديد ما يجوز أن يُرى ويقال. بذلك يتحول إلى سلطة تضبط الأفق الرمزي للمدينة وللذات معاً.

ويتعزز هذا البعد البنيوي من خلال تكرار صفته ككيان: بلا ملامح / مطموس الوجه/إلى جانب الاعتراف المتبادل:

"عرفته وعرفني…"

هذه العلاقة لا تشير إلى معرفة عابرة، بل إلى تواطؤ سابق أو أصل مشترك، بما يجعل السلطة جزءًا من تاريخ الذات لا قوة خارجية فحسب. وهنا يتخذ الصراع بعداً مزدوجاً: فهو سياسي في ظاهره، لكنه نفسي في عمقه. انه صراع بين الذات وصورتها المنقلبة في القامع، أو بين الفرد والبنية الرمزية التي تشكل وعيه وتعيد إنتاج خضوعه.

بهذا المعنى، لا يمثل "القائم على مصلحة الضوء" طاغية شخصياً، بل جهازاً رمزياً يحتكر الرؤية ويعيد تعريف الواقع، ما يجعل مقاومته مواجهةً مع النظام الذي تتكون داخله الذات نفسها....

الجسد المصفوع: العنف الرمزي

"خدي المصفوع بدأ يسيخ…"

الصفعة تتجاوز الحدث الواقعي لتغدو وصمة وجودية. انصهار الخد إلى "سائل ملون" يرمز إلى تآكل الهوية تحت وطأة الإهانة.

إنها علامة على: الإقصاء الاجتماعي/القمع العاطفي/انهيار صورة الذات.

ورفض الشكوى يشي بأزمة كرامة: مقاومة بلا أدوات، وصمت يفاقم الجرح.....

 غالية: الإيروس في مواجهة العتمة

"إذا كان الخطأ هو الذي جعلني أجري فيك دما… فما أجمله من خطأ.."

غالية ليست عنصراً عاطفياً عابراً، بل طاقة حياة مضادة للموت الرمزي. العلاقة الجسدية تمثل محاولة لاستعادة الكلية ضد الانشطار، غير أن خوف "الفضيحة" يكشف استمرار هيمنة البنية الاجتماعية على الحميمي. الحب هنا فعل مقاومة، لكنه مقاومة محاصرة....

 المدينة: جسد متفسخ

تتحول المدينة إلى كيان مريض: مستوصف يكره المرضى/

إدارة بلا وظيفة/ كهرباء غائبة.

"نحن ولدنا حقا وسنموت حقا، لكننا لم نذق طعم الحياة بعد.."

إنها صورة لـ " الوجود المعلق " حياة بيولوجية بلا تحقق إنساني. المكان يعكس اختلال النظام الرمزي برمته....

الذاكرة والنسيان: صراع السرديات

"أخانتني ذاكرتي لدرجة التفاقم ..؟"

فقدان الذاكرة يتجاوز الفرد إلى الجماعة. وكما يقول ميلان كونديرا:

"صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان."

النص يجسد هذا الصراع عبر تشويش الهوية وتآكل السردية الشخصية....

السخرية السوداء وتفكيك الخطاب السلطوي

" اسحب كل الترخيصات من باعة الغاز والفتائل وأعواد الكبريت…"

تتحول السلطة إلى كاريكاتور استبدادي يجرم حتى أدوات الاشتعال الصغيرة. تجريم الضوء وتأثيم الكلام ومصادرة الأمل تكشف بنية تحكم شمولية تعيش على المنع أكثر مما تعيش على البناء....

اللغة: شعرية الهذيان

اللغة متدفقة وهجائية ومشحونة بالتوتر. الهذيان ليس ضعفاً بل استراتيجية جمالية تعكس تفتت العالم الداخلي. المونولوج الطويل يذيب المسافة بين الراوي والوعي، ويجعل القارئ داخل التجربة لا خارجها....

تكشف الدراسة أن القصة" مجرد منام" يؤسس بنية سردية حلمية تفكك الخطية الزمنية وتعيد تشكيل الواقع داخل وعي مأزوم، بحيث يتحول الحلم إلى جهاز بنيوي لكشف اختلال النظام الرمزي. ومن خلال الفوكاليزاسيون الداخلية (التبئير )وتكثيف الإبطاء السردي، ينتج النص إدراكاً متشظياً يعكس انقسام الذات تحت ضغط السلطة.

كما يتضح أن "القائم على مصلحة الضوء" لا يمثل سلطة خارجية فحسب، بل بنية رمزية تتحكم في شروط الرؤية والمعنى، مما يجعل الصراع ذا طبيعة نفسيةرمزية بقدر ما هو سياسي. وتتقاطع في هذا الإطار ثيمات القمع والذاكرة والخيانة والحب ضمن شبكة دلالية واحدة تكشف هشاشة الهوية في سياق سلطوي.

وعليه تندرج القصة ضمن السرد الحداثي ذي المنحى الكابوسي، حيث تتكامل البنية التفكيكية مع التحليل النفسي في صيغة جمالية واعية بأدواتها، تجعل الكتابة فعل كشف بنيوي لا مجرد تمثيل موضوعاتي.....

***

فاطمة عبد الله

 

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ (وُلدت 1945) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية، أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة. لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع، تتراوح بين الفضول الغربي نحو " المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة "، وبين المَيل نحو المواضيع المثيرة للجدل، ولا سِيَّما تلك المرتبطة بالجسد والجنس، وما يَراه الغربُ تمرُّدًا على الأعراف التقليدية.

إنَّ ترجمة روايات حنان الشيخ ليست مُجرَّد جُهد أدبي لنقل لُغة أو أُسلوب، بل هي انعكاس لرغبة غربية في استكشاف الحميمية الجنسية والثقافية في المجتمعات العربية، كما لو أنَّ الروايات تُقَدِّم نافذة مفتوحة على الكلام المُحرَّم في الثقافة العربية التقليدية. وهذا الحِرص الغربي _ رغم ما فيه من إيجابيات في نشر الأدب العربي عالميًّا _ يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول معايير الاختيار. هل تُتَرْجَم الرواية لأنَّ لغتها وأحداثها مُتْقَنَة ومُؤثِّرة، أَمْ لأنَّها تُلبِّي فُضولَ الغرب نحو " جسد المرأةِ العربية المكبوتة جنسيًّا " ؟.

مِن الناحية الفنية، تعاني روايات حنان الشيخ من التكرار والسرد المُبالغ فيه، والاعتماد على وصف الجسد والتفاصيل الجنسية بشكل يَفُوق الحاجة الدرامية أو البُنية الروائية. هذا التركيز على الجسدِ والبحث عن الإثارة الجنسية يُغَطِّي على بناء الشخصيات بشكل متكامل، ويُقَلِّل مِن العُمق النَّفْسي والاجتماعي للروايات. وفي أعمالها، يبدو أنَّ الصراع الرئيسي لا يتجاوز حدودَ العلاقة الجنسية أو التجربة الجسدية، مَا يَجعل الرواية سطحية في تعاطيها مع القضايا المُجتمعية الكُبرى.

علاوة على ذلك، يُمكن القول إنَّ حنان الشيخ تُقَدِّم صورةً نمطية للمرأة العربية، تَصِفُها كمكبوتة جنسيًّا، أوْ مُضْطَهَدَة بشكل دائم، مِمَّا يُغَذِّي تصوُّرات الغرب عن " المرأة العربية المقهورة "، ويُسهِم في ترسيخ هذا التصوُّر بدل تقديم صورة أكثر تنوُّعًا وواقعية للمرأة في المُجتمعات العربية. هذه الرؤية أُحادية الجانب تُفْقِد القارئَ فُرصة فهم أوسع للهُوِيَّة الأُنثوية المُتعددة الأبعاد.

وتركيزُ حنان الشيخ على الجسد والجنس، مع تصوير دائم لقمع المرأة واضطهادها، يترك انطباعًا مُبَالَغًا فيه عن الواقع الاجتماعي. رواياتُها تميل إلى تصوير المرأة العربية ككائن جِنسي خاضع لمجتمع ذكوري ظالم، وهو تصوير يُقَلِّل من الرؤية المُعقَّدة لواقع المرأة العربية، ويختزلها في قالب من الألم والاضطهاد الجنسي.

حِرْصُ الغرب على ترجمة روايات حنان الشيخ ليس اعترافًا بالأدبِ العربي، وإنَّما هو جُزء مِن مادَّة إعلامية وثقافية تُلبِّي تصوُّرات مُسْبَقَة عن العربِ والمرأةِ العربية، وهو ما يَجعل هذه الترجمات أقرب إلى " أدب الفُضول " مِنْه إلى أدب عالمي مُتوازن.

مِن المُهم التمييز بين قيمة اللغة والأُسلوب، وبين مضمون الرواية وأثرها الاجتماعي والثقافي. يمتاز أُسلوب حنان الشيخ بالسَّلاسة والقُدرة على جذب القارئ، لكنَّ المبالغة في تصوير الجسد، والتركيز على القمع والاضطهاد، يَجعل الروايةَ ضعيفةً في مُعالجة القضايا الإنسانية.

وترجمةُ أعمالها تعكس اهتمامات خارج إطار الأدب، مُتعلقة بالفُضول الثقافي والسياسي، والنظرةِ الاستشراقية المُتطرفة إلى الأُمَّة العربية باعتبارها جماعات بدوية بِدائية مُتخلفة في عَالَمِ الصَّحَاري والخِيَام والجِمَال، لَيْسَ لها تاريخٌ ولا مدنية ولا حضارة ولا إنجازات أدبية ولا عِلْمية.

قراءة روايات حنان الشيخ تتطلَّب نقدًا واعيًا، لا يكتفي بالشُّهرة أو الترجمات الغربية. وينبغي النظر إلى أبعاد الروايات أدبيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، مع ضرورة التمييز بين الصُّوَرِ المثيرة للفُضولِ، والصُّوَرِ المُعبِّرة عن واقع الحياة المُتَنَوِّع والمُعقَّد في العالَم العربي.

رغم المكانة الأدبية المرموقة التي تحتلها حنان الشيخ في المشهد الروائي العربي، إلا أنَّ قراءة رواياتها بِتَمَعُّن تكشف عن مجموعة من نقاط الضعف التي تظلُّ عالقةً في أُفُقِ النُّصوص، وتُضْعِف حُضورَها الروائي.

النُّقْطة الأُولَى : الإفراط في التفاصيل، حيث تُصبح المَشَاهِدُ طويلةً ومُعقَّدة، مِمَّا يُثْقِل النَّصَّ، ويُشتِّت الانتباهَ عَن مِحْوَر الحبكة الرئيسية، تاركة القارئ في حالة مِن الضياع بين التفاصيل الدقيقة والهدف العام للرواية.

النقطةُ الثانية: أُسلوب حنان الشيخ يتَّسم بالعاطفة الجَيَّاشة، والانغماسِ في النَّفْس البشرية، لكنَّه يتحوَّل إلى انحياز لمشاعر الشخصيات، بحيث تغيب الحيادية الفنية، ويَشعر القارئُ بأنَّ الأحداث تتماشى مع العاطفة أكثر مِن منطق السرد، وهذا يُضْعِف الإقناعَ الروائي، ويُقَلِّل مِن التوتُّر الدرامي المطلوب في اللحظات الحرجة.

النقطة الثالثة: التَّكرار في الموضوعات والأفكار، خُصوصًا مَا يَتعلَّق بجسد المرأة وحُريتها، والصراع بين المرأة والمجتمع، أو الانكسارات العاطفية، مِمَّا يُقَلِّل مِن عُنصر المُفاجأة لدى القارئ. وهُناك تقارُب خطي بين رواياتها، وكأنَّها تدور في دائرة مُغْلَقَة مِن الأفكارِ نَفْسِها، دُون تقديم رؤية جديدة، أو عوالم مختلفة.

النقطة الرابعة: الطرح الفكري المُباشر على حساب تعميق البناء الفني أو تطوُّر الشخصيات. وهذا قَدْ يُقْنِع العقلَ مؤقَّتًا، لكنَّه لا يَترك أثرًا حَيًّا في الوِجْدان.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة نقدية شاملة في نص توفيق أحمد

في لحظةٍ يختلّ فيها توازن العالم، وتفقد اللغة يقينها الأول بوصفها أداةً للقول والبيان، ينبثق النص الشعري لا بوصفه ترفاً جمالياً، بل ضرورةً وجودية تفرضها قسوة السؤال وعتمة المعنى. ومن هذا الأفق القلق تتشكّل قصيدة "حنين الحبر" للشاعر توفيق أحمد، بوصفها خطاباً شعرياً يتجاوز حدود التعبير إلى تخوم التأمل، حيث يتحوّل الحبر من مادّةٍ صامتة إلى ذاتٍ حيةٍ تنبض بالحنين، وتئنّ تحت وطأة العجز عن القبض على المعنى في عالمٍ متشظٍ.

إنّ هذه القصيدة لا تقف عند حدود البوح الذاتي، بل تنفتح على أفقٍ جمعيٍّ يعكس مأزق الإنسان في زمنٍ تتفكك فيه الروابط، وتضيع فيه البوصلة بين الحلم والانكسار، بين الممكن والمستحيل. فهي نصٌّ يشتبك مع اللغة في مستواها العميق، لا بوصفها وسيلة تواصل فحسب، بل ككيانٍ إشكالي يعاني التصدّع ذاته الذي يعانيه الواقع، فتغدو الكتابة فعل مقاومة ضد الصمت، ومحاولة دؤوبة لإعادة ترميم المعنى.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية موسّعة لهذا النص، عبر مقاربة متعددة المستويات، تستند إلى جملة من الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلًا عن الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. كما تحاول هذه القراءة استكشاف البنية العميقة للنص، والكشف عن طبقاته الدلالية المضمرة، ضمن أفق تأويلي يوازن بين صرامة المنهج وثراء الانفتاح التأويلي.

إنّ الغاية من هذه الدراسة ليست إصدار حكمٍ تقويمي بقدر ما هي سعيٌ إلى الإنصات للنص في تعدديته، واستنطاقه في عمقه، بوصفه كياناً حياً يتجاوز كاتبه، ويعيد إنتاج ذاته في كل قراءة. ومن هنا، فإنّ "حنين الحبر" تُقرأ لا كنصٍّ مكتمل، بل كأفقٍ مفتوحٍ على أسئلة لا تنتهي، حيث يظلّ الحبر حنيناً، ويظلّ المعنى وعداً مؤجّلاً.

ينفتح نص "حنين الحبر" على توترٍ دلاليّ عميق، يتأرجح بين رغبةٍ في القبض على المعنى، وعجزٍ وجودي عن تثبيته. إنّه نصٌّ تتقاطع فيه اللغة بوصفها أداة تعبير، مع اللغة بوصفها مأزقاً أنطولوجياً، حيث يتحوّل "الحبر" من وسيطٍ كتابي إلى كيانٍ حالمٍ يحنّ، ويقلق، ويبحث عن أفقٍ جديد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتسم النص بسلامة لغوية عالية، حيث يلتزم الشاعر بنحوٍ متين، وتراكيب فصيحة، دون تعقيدٍ مصطنع. نلاحظ:

١- تركيب نحوي متوازن:

"إلى المعنى الجديد يحن حبري"

جملة فعلية ذات نسق انسيابي، يتقدم فيها الجار والمجرور لإبراز الغاية (المعنى الجديد)، وهو انزياح دلالي مقصود.

٢- الانزياح البلاغي:

يتحوّل الحبر إلى كائن حيّ: يحنّ، ويصير الزمن ذئباً، والممكن غباراً.

هذا الانزياح يحرّر اللغة من مرجعيتها الواقعية إلى فضاء رمزي.

اقتصاد لغوي مكثّف:

لا ترهّل في العبارة، بل كل جملة مشحونة بدلالة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

يتجلّى التوازن بين اللفظ والمعنى في اختيار مفردات ذات طاقة إيحائية:

السراب، الغليل، الأفق، الغصن، الفارس، القنديل...

ألفاظ تراثية مشحونة بدلالات حضارية.

اللغة ملائمة لموضوع القلق الوجودي والانكسار الجمعي، فلا نجد مفردات مبتذلة أو نافرة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص يقوم على انسياب إيقاعي واضح.

القافية الموحّدة (ـله / ـلة) تمنح النص وحدة نغمية، لكنها في الوقت نفسه:

تعكس حالة من الانغلاق الدائري (العودة إلى نفس النهاية الصوتية).

الموسيقى الداخلية:

التكرار: أحاول كم أحاول

الجناس: الممكن / المستحيل

الجرس الصوتي يميل إلى النبرة الحزينة الرخيمة، بما يتناسب مع الحنين.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص ليس سردياً، لكنه يملك معماراً شعرياً تصاعدياً:

بداية ذاتية: قلق الحبر والذات.

تحوّل جماعي: الحروب، القبيلة، التمزق.

ذروة وجودية: ضياع المعنى والهوية.

انفراج نسبي: الحلم بالحرية والحب والوطن.

هذا البناء يمنح النص دينامية داخلية.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر تقوم على:

العالم - فوضى، حرب، انقسام.

اللغة - وسيلة نجاة لكنها مريضة.

الحب/الوطن - أفق خلاص.

هناك انسجام بين الشكل (لغة حزينة، قافية مغلقة) والمضمون (اختناق وجودي).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

صور مبتكرة:

"صار الممكن الآتي غباراً يدب على عصاه المستحيل"

صورة مركبة ذات طاقة تخييلية عالية.

النص يتجاوز المألوف عبر:

تشخيص المجردات

قلب العلاقات المنطقية

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل العالم قابل للفهم؟

هل اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟

هل الهوية ممكنة في زمن التفكك؟

هو نص وجودي النزعة، قريب من قلق العبث.

2. الأفق المعرفي.

يحاور:

التراث العربي (الفارس، القبيلة، الغصن)

الحداثة (تفكك المعنى، أزمة اللغة)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

نستخرج ثنائيات:

الحبر / الصمت

الممكن / المستحيل

القبيلة / الوطن

الحلم / الانكسار

المعنى العميق:

الإنسان العربي يعيش اغتراباً لغوياً ووجودياً، حيث لم تعد اللغة توحّده، بل تعكس تمزّقه.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

يحيل إلى:

واقع عربي ممزق بالحروب

أزمة هوية ولغة

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى:

الشعر العمودي المجدّد (محافظة على الوزن مع تحديث الرؤية)

3. ارتباطه بالتراث

استحضار:

الفارس (رمز البطولة)

القبيلة (رمز الانقسام)

لكن مع تفكيك هذه الرموز (الفارس أضاع خيوله)

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق

٢- الحنين

٣- الإحباط

٤- التوق للخلاص

2. اللاوعي الشعري

الحبر - الذات المبدعة

القنديل - الوعي

الذئب - الزمن القاسي

3. النبرة النفسية:

نبرة:

١- شجنية

٢- احتجاجية

٣- وجودية مأزومة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

نقد:

١- الحروب

٢- القبلية

٣- التفكك الاجتماعي

2. الخطاب الاجتماعي

تفكيك سلطة:

١- النسب

٢- اللغة

٣- الجماعة

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا:

ناقد

شاهد على الانهيار

حالم بإصلاح رمزي (عبر اللغة)

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الحبر - الإبداع/الوعي

القنديل - الهداية

الغصن - الانتظار

الذئب - الزمن المفترس

2. شبكات الدلالات

الضوء / الظلام

الطيران / السقوط

الجذر / الاقتلاع

3. النظام الرمزي

النص يبني كوناً رمزياً مأزوماً حيث كل علامة تشير إلى فقدان الأصل.

ثامناً: الأسس المنهجية

1. الصرامة المنهجية

اعتمدنا:

١- المنهج الأسلوبي

٢- النفسي

٣- السيميائي

٤- الهيرمينوطيقي

2. الموضوعية:

التحليل ركّز على النص لا على الشاعر.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

الدعوة إلى:

١- الحرية

٢- الحب

٣- الوطن

2. الانفتاح التأويلي:

النص غني وقابل لقراءات متعددة:

١- سياسية

٢- نفسية

٣- وجودية

3. البعد الإنساني.

يتجاوز المحلي ليطرح:

سؤال الإنسان في عالم متصدّع

خاتمة:

"حنين الحبر" ليس مجرد نص شعري، بل هو مرثية للمعنى في زمن الانكسار، حيث تتحوّل اللغة من أداة تعبير إلى ساحة صراع. ينجح توفيق أحمد في بناء نصٍّ متماسكٍ لغوياً، غنيٍّ رمزياً، عميقٍ فلسفياً، يعكس مأساة الذات العربية وهي تبحث عن معنى في عالمٍ فقد بوصلته.

إنه نصٌّ يكتب بالحبر القلِق لا بالحبر المطمئن، ولذلك يظل مفتوحاً على التأويل، مثل جرحٍ لم يندمل بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

....................

حنين الحبر

شعر: توفيق أحمد

إلى المعنى الجديدِ يَحِنُّ حِبري

وبي قَلَقٌ أُحاولُ أنْ أقولَهْ

هي الدنيا سَرابٌ مَنْ يَجِئْها

على ظمأٍ فلن تَروي غليلَهْ

وأحلامي تكاد تَضيقُ ذَرْعاً

بأُفْقٍ كم أُحاولُ أن أَطولَهْ

تُودِّعُ بعضَها الأطيارُ بعضاً

ويَبْقى الغصنُ منتظراً رحيلَهْ

وذا زمنٌ خلا الميدانُ فيهِ

غَداةَ أَضاعَ فارسُه خُيولَهْ

وليس كَمَنْ تَعَلَّقَ بالأماني

كَمن خاض المنايا بالبطولَةْ

تَجَمَّعْنا لتقسِمَنا حروبٌ

وكلُّ قبيلةٍ تغزو قبيلةْ

نَبَتْنَا في تُرابٍ من غبارٍ

فلا عَمٌ يُفيدُ ولا خؤولَهْ

ولا لغةٌ تكون لنا رباطاً

ولا نَسَبٌ يُعيدُ لنا أُصولَهْ

تشابكتِ الأمورُ على عَماها

وما عادت لدينا أيُّ حيلَةْ

وصار الحامِلُ القنديلَ فينا

كمن يمشي ولا يدري سبيلَهْ

وصار المُمْكنُ الآتي غباراً

يَدُبُّ على عصاهُ المستحيلَهْ

أيا زمناً عَصِيَّاً مستبِدَّاً

أُحاولُ كم أُحاولُ أن أُزيلَهْ

كذئبٍ قد رَقَصْتَ على جراحي

ولم تَرْأَفْ بأجنحتي النحيلةْ

ألا جرِّدْ رياحَكَ من لظاها

وخُذْ قلبي على فرسٍ أصيلَهْ

ودَرِّبْني على صَيْد المعاني

لأُصبحَ فارسَ اللغةِ العليلهْ

لكَ الضوءُ المُوشَّى بالأغاني

يطوف على الورودِ ، ولِيْ الخميلَهْ

إذا خَذَلَتْكَ أجنحةُ الأماني

بِها طِرْ نحو آفاقٍ بديلَهْ

إلى الحريةِ الخضراءِ خُذْني

وسَلّمْنِي إلى امرأةٍ جميلَهْ

أنا المقطوفُ من شجرِ الليالي

سوى عشقِ الهوى مالي وسيلَهْ

بحضنِ الياسمينِ زَرَعْتُ قلبي

هنا وطني ولن أَرضى بديلَهْ

 

قراءة نقدية لقصيدة عبد الناصر عليوي العبيدي احكام الاساس

في المقاطع اللاحقة تتبلور بنية رمزية أخرى تقوم على مشهد الحراسة والرعاية: «ولم يحمِ القطيع نباح كلبٍ / إذا ما عنهم نام الرعاة».

تعمل هذه الصورة بوصفها علامة دلالية على خلل القيادة أو غيابها؛ فالنباح – أي الضجيج – لا يملك قوة الحماية ما لم يكن وراءه راعٍ يقظ. إنها إشارة إلى أن الصخب الخطابي وحده لا يكفي لصون القيم، بل يحتاج إلى فعلٍ حقيقي ينهض به أصحاب المسؤولية. وهنا تبلغ القصيدة ذروة توازنها بين الرمز الشعري والمقصد الوعظي.

البعد الإنساني في خاتمة النص

يبلغ الخطاب ذروته الإنسانية حين يستحضر صورة الأطفال الجياع:

«أينسى الجوع أطفالٌ جياعٌ / إذا طبخت على نارٍ حصاة؟».

هذه الصورة، المستوحاة من الذاكرة التاريخية، تمنح النص عمقًا وجدانيًا يتجاوز التنظير العقائدي إلى فضاء المعاناة الإنسانية. إنها لحظة يتحول فيها الشعر من خطاب توجيهي إلى شهادة وجدانية على الألم الاجتماعي، فيتلاقى البعد الديني مع الحس الإنساني.

وارتكازا على ما سبق نرى أن: قصيدة «إحكام الأساس» تكشف عن تجربة شعرية تمزج بين الوعي الديني والوظيفة الأخلاقية للشعر. فالنص لا يكتفي بإنتاج صورة جمالية، بل يسعى إلى بناء خطاب قيمي يذكّر القارئ بضرورة إحكام الأساس العقائدي قبل تشييد صرح العمل. وفي هذا المزج بين الشعر والخطابة تتجلّى قدرة الشاعر على تحويل الفكرة الوعظية إلى مشهد رمزي حيّ، حيث تتجاور صورة البناء، والقطيع، والذئاب، لتشكّل شبكة دلالية واحدة تؤكد أن خلل الأساس لا يهدد البناء وحده، بل يهدد الوعي الجمعي بأسره.

وهكذا يغدو النص مثالًا على الشعر الذي لا يكتفي بالغناء، بل يسعى إلى إيقاظ الضمير، حيث تتآلف البلاغة مع الحكمة، وتتحول اللغة إلى جسرٍ بين الجمال والمعنى، وبين الوجدان والإيمان.

شكرا جزيلا للشاعر الأديب الراسخ عبد الناصر عليوي العبيدي على هذا النص الماتع والإبداع الحقيقي الهادف

***

د. سيد فاروق

..........................

إحكام الأساس

إِذَا لَــــمْ يُــحْـكِـمِ الأُسَّ الْـبُـنَـاةُ

وَشَـجَّـعَـهُمْ عَــلَـى ذَاكَ الْـهُـوَاةُ

*

سَـيَـنْـهَارُ الْـبِـنَـاءُ بِــصَـوْتِ رَعْــدٍ

وَتَــطْـمُـرُهُ الــرِّيَــاحُ الـسَّـافِـيَاتُ

*

كَــذَاكَ الـدِّيـنُ إِنْ فَـسَدَ اعْـتِقَادٌ

وَصَـارَ الـشِّرْكُ تُـرْجَى بِـهِ النَّجَاةُ

*

فَــلَا يُـرْجَـى مِــنَ الأَعْـمَالِ نَـفْعٌ

وَإِنْ كَــثُــرَ الــصِّـيَـامُ أَوِ الــصَّـلَاةُ

*

وَجَـــاءَ الْـمُـرْجِفُونَ بِـبَـعْضِ زَيْــغٍ

فَــزَيَّــنَــهُ بِــلَـحْـنِـهِـمُ الْـــغُــوَاةُ

*

فَـشَـتَّـانَ الَّـــذِي يُــرْضِـي إِلَـهًـا

وَمَنْ يَسْعَى لِكَيْ يَرْضَى الطُّغَاةُ

*

فَــعُـودُوا لِـلْـيَـقِينِ قُـبَـيْـلَ يَـــوْمٍ

تَــحُـوفُ الْــمَـرْءَ فِـيـهِ الـنَّـازِعَاتُ

*

فَــوَيْــلٌ لِــلَّـذِي حَــابَـى نِـفَـاقًـا

وَكَـــــانَ لِـــكُــلِّ مُــنْـحَـرِفٍ أَدَاةُ

*

فَلَا يَحْمِي الْحُدُودَ صَدَى خُطُوبٍ

إِذَا فَــسَــدَ الْـجُـنُـودُ أَوِ الْـكُـمَـاةُ

*

وَلَــمْ يَـحْـمِ الْـقَـطِيعَ نُـبَاحُ كَـلْبٍ

إِذَا مَــــا عَــنْـهُـمُ نَـــامَ الــرُّعَـاةُ

*

فَــمَـا رَدَعَ الــذِّئَـابَ ثُـغَـاءُ شَــاةٍ

وَلَـكِـنْ فِــي يَــدِ الـرَّاعِي عَـصَاةُ

*

إِلَى قَاضِيِ السَّمَاءِ نَبْثُ شَكْوَى

وَقَـدْ حَـادَتْ عَـنْ الـعَدْلِ الـقُضَاةُ

*

أيَـنـسى الـجـوعَ أطـفـالٌ جـياعٌ

إِذَا طُـبِـخَتْ عَـلَـى نَــارٍ حَـصَاةُ؟

*

فَـطُـوبَـى لِــلَّـذِي أَبْـــدَى ثَـبَـاتًـا

وَمُــلْـتَـزِمٌ بِــمَــا نَــقَـلَ الـثِّـقَـاتُ

*

فَـــإِنَّ الــلَّـهَ يَـغْـفِـرُ كُـــلَّ ذَنْـــبٍ

إِذَا مَــا تَـــابَ وَارْتَـجَعَ الْـعُـصَـاةُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

المقدّمة: تندرج رباعيات يحيى السماوي ضمن كتابة شعرية مكثّفة تُنتج معناها عبر اقتصاد لغوي وتوتر دلالي عالٍ، فلا تُقرأ بوصفها بوحًا ذاتيًا محضًا، ولا خطابًا مباشرًا عن الواقع، بل ممارسة شعرية تُعيد تنظيم التجربة المعاشة في صيغ رمزية قابلة للتأويل. ففي هذه الرباعيات، يتقاطع الذاتي بالجمعي، ويتحوّل الاعتراف الفردي إلى أفق دلالي أوسع يلامس الوعي الجمعي، من دون أن يفقد النص طابعه الجمالي أو ينزلق إلى المباشرة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن رباعيات السماوي تتحرّك ضمن جدلٍ واضح بين وعيٍ ذاتيٍّ مراجِعٍ للماضي، ووعيٍ جمعيٍّ يلتقط أثر البنى الاجتماعية والسياسية في الجسد والذاكرة واللغة. ولا يُقدَّم الماضي في هذه النصوص بوصفه ملاذًا تعويضيًا، بل يُعاد تفكيكه نقديًا، فيما يُستدعى الحاضر بوصفه مجالًا للإنهاك والاختبار الأخلاقي، لا مجرد لحظة زمنية عابرة.

وتعتمد الدراسة قراءةً نقديةً أدبيةً ذات طابع جدلي–تأويلي، مدعومة بأدوات التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي، مع تركيز خاص على آليتي الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية بوصفهما آليتين مركزيتين في إنتاج المعنى. وانطلاقًا من طبيعة الرباعية بوصفها بنية شعرية مكثّفة، تعتمد القراءة منهجًا بؤريًا يقوم على تحليل أبيات مختارة تمثّل نواة دلالية قادرة على كشف البنية العميقة للنص، دون الوقوع في التعميم أو الاستطراد.

 عرض الرباعيتين

(1)

عـتـبْـتُ عـلـيَّ لا خـمـري وكـأسـي

لـِخـذلانـي غـدي  بـفـتـون ِ أمــسي

أنـبـتُ عـن الـبـصيـرة ِ فـي شــبابي

دُجـى بَـصـري فـكـنتُ عـدوَّ نـفـسي

وأوْهَـمَـنـي الـصِّـبـا  أنَّ  الأمـانـي

رهـيـنـة ُ رغـبـتي ويـدي وغـرسي

فـحـمـدا ً لـلـيـقـيـن ِ أضـاءَ  روحـي

وطـهَّـرَ روضـتي من وحْـلِ رجـس ِ

(2)

عـيـنـايَ مـائدتـان ِ ... والـجُـلاسُ

قـلـمٌ عـصـيُّ الشّـدو ِ والـقـرطـاسُ

إنْ أظلمـتْ مُـقـلي وحاصَـرَ جـفـنهـا

وسَــنٌ  وأوشــكَ أنْ يـكـرُّ  نـعـاسُ

حَـشَّـمْـتُ ماضي الـذكرياتِ يـزورني

طـيـفـا ً فـيـنـدى بالـحـبـور يَـبـاسُ

ما قـوَّسَـتْ ظهـري السـنـون وإنـما

مـا يـشـتـكـيـهِ في الـعـراق ِ الـنـاسُ

تحليل الأبيات (على المستوى الدلالي والفكري)

1. صورة العتاب الذاتي: إزاحة اللوم من الخارج إلى الداخل

في قوله:

"عتبتُ عليّ لا خمري وكأسي / لخذلاني غدي بفتون أمسي" 

تتشكّل صورة العتاب بوصفها لحظة وعي نقدي، حيث تُنجز إزاحة دلالية تنقل مركز اللوم من الموضوع الخارجي (الخمر والكأس) إلى الذات. فالخمر لا تُقرأ هنا بوصفها مادة حسية، بل بوصفها رمزًا للإغواء، فيما يُعاد تعريف (الأمس) بوصفه قوة فاعلة في تعطيل المستقبل. وبهذا، يتحوّل العتاب من تبرير سلوكي إلى مساءلة أخلاقية، ويغدو الماضي مجالًا لإنتاج الوهم لا زمنًا بريئًا.

2. صورة العمى والبصيرة: من الإدراك الحسي إلى الوعي المعرفي

في قوله:

"أنبتُ عن البصيرة في شبابي / دجى بصري فكنتُ عدوّ نفسي" 

تقوم الصورة على استعارة مفهومية تُقابل بين النور والظلمة، حيث لا يُقدَّم العمى بوصفه نقصًا حسيًا، بل بوصفه غيابًا للبصيرة بوصفها قيمة معرفية–أخلاقية. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل العمى من مستواه الفيزيائي إلى مستوى الوعي، فيتحوّل الظلام إلى أثر لالتباس الرؤية الداخلية. وهنا تتشكّل الذات بوصفها خصمًا لنفسها، لا بفعل قهر خارجي، بل نتيجة تورّطها في صناعة وهمها والانخداع به.

3. صورة الصبا والأماني: تفكيك وهم الإرادة الفردية

في قوله:

"وأوهمني الصِّبا أن الأماني / رهينة رغبتي ويدي وغرسي" 

تُبنى الصورة على تفكيك وهم السيطرة الفردية المطلقة. فالصبا يُعاد تعريفه بوصفه حالة وعي ناقص تُغفل تعقيد البنى الاجتماعية والسياسية، فيما تتحوّل (اليد) و(الغرس) إلى رمزين لاعتقاد زائف بالتحكّم في المصير. وتعمل الإزاحة هنا على نقل المسؤولية من الخارج إلى بنية الوعي نفسها، كاشفةً عن محدودية الإرادة الفردية أمام شروط الواقع.

4. صورة التطهير واليقين: الاستعارة المعرفية للتحوّل الداخلي

في قوله:

"فحمداً لليقين أضاء روحي / وطهّر روضتي من وحل رجس" 

تتشكّل صورة تطهيرية تقوم على استعارة مفهومية ترى أن التحوّل يبدأ من الداخل. فـ«الروح» تُضاء، و"الروضة" تُطهَّر، في معادلة معرفية تجعل الوعي شرطًا لأي أفق تغييري. ولا يُقدَّم اليقين بوصفه حالة إيمانية مجردة، بل بوصفه وعيًا نقديًا يُعيد تنظيم العلاقة بين الذات وواقعها.

5. صورة العين والمائدة: الشعر بوصفه شهادة أخلاقية

في الرباعية الثانية، يقول:

"عيناي مائدتان… والجلاس / قلمٌ عصيّ الشدو والقرطاس" 

تُبنى هنا استعارة ممتدّة تُحوّل العين إلى موضع شهادة، والمائدة إلى فضاء استقبال للواقع، فيما يُقدَّم القلم بوصفه ذاتًا أخلاقية مقاومة للتزييف. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل الشعر من كونه أداة تعبير جمالي إلى ممارسة نقدية تُواجه الواقع بدل تجميله.

6. صورة تحطيم الذاكرة: فشل الحنين الاستعادي

في قوله:

"حشّمتُ ماضي الذكريات يزورني / طيفًا فيندى بالحبور يباس" 

تتشكّل صورة عنف رمزي موجّه ضد الذاكرة، حيث يتحوّل الماضي إلى طيف عاجز عن الإحياء. وتعمل الاستعارة هنا على كشف فشل النوستالجيا بوصفها آلية تعويضية، إذ لا تعود الذاكرة قادرة على إنتاج المواساة، بل تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك.

7. صورة الجسد المنحني: الإزاحة من البيولوجي إلى السياسي

في قوله:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

تُنجز الصورة إزاحة دلالية حاسمة تنقل سبب الانحناء من الزمن البيولوجي إلى الواقع الاجتماعي–السياسي. فيتحوّل الجسد الفردي إلى علامة على ثقل المعاناة الجمعية، ويغدو الظهر المنحني نصًا دلاليًا يختزن تاريخًا من الخيبات.

خلاصة تحليل الصور

تكشف هذه الصور، مجتمعة، أن الشاعر لا يقدّم الألم بوصفه تجربة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الذات. فكل صورة تُسهم في توسيع أفق الاعتراف الذاتي ليغدو مساءلة جماعية، حيث يتقاطع الذاتي بالجماعي، ويتحوّل الألم إلى علامة على وعي مثقل بتاريخ من الخيبات، ممّا يمهّد للانتقال إلى الخاتمة التي تستكمل هذا المسار التأويلي.

التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي

المستوى البنيوي 

تنتظم الرباعيتان ضمن مسار جدلي ينتقل من الاعتراف الفردي إلى الوعي الجمعي، ومن تفكيك الوهم إلى اكتساب بصيرة نقدية. وتمنح هذه الحركة النص طابع "السيرة الجمعية"، حيث تتجاوز التجربة حدود الذات لتغدو تمثيلًا لمعاناة أوسع، لا تُختزل في البعد الشخصي.

المستوى السيميائي 

يؤسّس النص شبكة من العلامات التي تُعاد شحنها دلاليًا عبر الإزاحة، فتتحوّل عناصر مألوفة إلى أدوات في بناء رؤية نقدية للعالم. وتؤدي الاستعارة المفهومية دورًا مركزيًا في هذا السياق، إذ تُنقل المعاناة السياسية والاجتماعية من مستوى التصريح المباشر إلى مستوى العلامة الشعرية، بما يتيح للنص توسيع أفقه التأويلي.

المستوى النفسي 

يتشكّل الخطاب الشعري بوصفه ممارسة اعترافية واعية، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تسعى إلى تفكيك آلياته الداخلية. فاللوم الذاتي لا يُقرأ بوصفه جلدًا للذات، بل بوصفه لحظة اكتساب بصيرة تُدرك فيها الأنا دورها في إنتاج الوهم أو التواطؤ معه. وتعمل الإزاحة هنا كآلية دفاع نفسي تسمح بنقل الانفعال من موضوعه المباشر إلى صور رمزية، فتغدو الاستعارة وسيلة لحماية الذات وهي تُسمّي الحقيقة دون انكسار. وفي هذا الإطار، لا يظهر العمى بوصفه حالة وجودية، بل بوصفه خللًا في الممارسة العملية، حيث يؤدّي غياب النقد الذاتي إلى إعادة إنتاج الخراب على المستويين الفردي والجماعي. كما يكشف فشل الحنين الاستعادي عن عجز الذاكرة عن أداء وظيفة تعويضية، إذ تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك بدل التخفيف منه، مما يفتح الوعي النفسي على أفق جمعي يتقاطع فيه الذاتي بالجماعي.

ملخّص

وهكذا يتّضح أن مستويات القراءة الثلاثة—البنيوي والسيميائي والنفسي—لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتشابك لتشكّل رؤية متكاملة لطبيعة الوعي في الرباعيات. فالبنية الجدلية التي تنتقل من الفردي إلى الجمعي، وشبكة العلامات التي تُعاد شحنتها عبر الإزاحة والاستعارة، والوعي النفسي الذي يكشف آليات الألم والدفاع والتواطؤ، كلها تتضافر لتجعل التجربة الشعرية أكثر من مجرد تعبير ذاتي. إنها بنية معرفية تُعيد مساءلة الواقع، وتحوّل التجربة الفردية إلى مدخل لفهم أعمق للشرط الإنساني والاجتماعي، ممّا يجعل الانتقال إلى الخاتمة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار.

الخاتمة

  تكشف قراءة رباعيات يحيى السماوي، في ضوء المقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، عن نصّ يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس رؤية نقدية تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات وواقعها السياسي والاجتماعي. فالألم لا يُقدَّم بوصفه تجربة شخصية معزولة، بل بوصفه أثرًا جمعيًا يتجسّد في الجسد المنحني، الذي يتحوّل إلى علامة على ثقل التاريخ ووطأة الخيبات المتراكمة. وهكذا يغدو الجسد نصًا موازيًا، يفضح ما لا تقوله اللغة صراحة، ويكشف عن عمق التصدّع الذي يعيشه الفرد بوصفه امتدادًا لخرابٍ أوسع.

وفي هذا الإطار، لا يعمل الشعر كخطاب وجداني فحسب، بل بوصفه ممارسة معرفية تُعيد تنظيم العلاقة بين الذات والعالم عبر الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية. فقول الشاعر:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

يمثّل لحظة انزياح حاسمة، تنتقل فيها العلّة من الزمن إلى الواقع، ومن الشيخوخة إلى المعاناة الجمعية، ليغدو انحناء الجسد علامة على انهيار البنية الاجتماعية والسياسية التي تُثقل كاهل الإنسان.

ومن هذا المنظور، تقدّم الرباعيات نموذجًا لشعرية واعية بدورها النقدي؛ شعرية لا تكتفي بفضح الوهم، بل تكشف أيضًا تورّط الذات في إعادة إنتاجه، وتعرّي البنى التي رسّخته. إنها شعرية تُحوّل الخذلان السياسي والاجتماعي إلى وعي أخلاقي حادّ، يدعو إلى مراجعة جذرية للوعي، وإلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والسياسة، وبين الذاكرة والمستقبل.

***

سهيل الزهاوي

قراءة في البنيان اللغوي والتحوّل العربي وأشكال التعبير

لم يعد النصّ العربي المعاصر فضاءً خطّياً منغلقاً على بنيةٍ واحدةٍ أو صوتٍ أحاديّ، بل غدا مجالاً مفتوحاً لتجاور الأصوات، وتناسل الدلالات، وتداخل المرجعيات. وفي هذا السياق، يبرز التشكيل الكولاجي بوصفه استراتيجية جمالية ومعرفية تعيد مساءلة البنية اللغوية، وتوسّع أفق المعنى عبر تفكيك المركز، وإعادة تركيب العناصر ضمن نظامٍ دلاليٍّ متحرّك. إنه انتقال من “نصّ يُقال” إلى “نصّ يُبنى”، ومن معنى مُعطى إلى معنى يُنتَج عبر التفاعل والتأويل.

أولًا: في مفهوم التشكيل الكولاجي

الكولاج، في أصله الفني، هو تقنية تقوم على تجميع عناصر متباينة (نصوص، صور، أصوات) في بنية واحدة، دون أن تفقد هذه العناصر فرادتها. غير أنّ انتقاله إلى الحقل اللغوي والأدبي جعله يتخذ بعداً أعمق: إذ لم يعد مجرّد تجميعٍ شكلي، بل صار فعلاً تأويلياً يشتغل على التوتر بين الانفصال والاتصال، بين التشظّي والوحدة.

في هذا الإطار، يتحوّل النص إلى “فسيفساء دلالية”، حيث تتجاور المقاطع السردية، والاقتباسات، والإشارات الثقافية، والأنماط الأسلوبية المختلفة، لتنتج بنية هجينة، مفتوحة على قراءات متعددة. وهنا، لا يكون التماسك قائماً على التسلسل المنطقي، بل على العلاقات الإيحائية والرمزية التي تنشأ بين الأجزاء.

ثانياً: البنيان اللغوي بين التفكيك وإعادة التركيب

يقوم التشكيل الكولاجي على زعزعة البنية النحوية التقليدية، عبر كسر النسق المعياري للجملة، وإدخال انقطاعات، وتجاورات غير متوقعة. فالجملة لم تعد وحدة مغلقة، بل صارت شظية ضمن كلٍّ مفتوح. وهذا ما يفضي إلى:

تفكيك التراتبية اللغوية: حيث تتساوى الجملة الشعرية مع السردية، والمباشر مع الرمزي.

تعدد الأصوات: إذ يتداخل صوت الكاتب مع أصوات أخرى (تراثية، معاصرة، ذاتية، جمعيّة).

انزياح الدلالة: حيث لا يُفهم المعنى من داخل العبارة فقط، بل من علاقتها بما يجاورها أو يناقضها.

إن هذا التحوّل يعكس انتقال اللغة من كونها أداة تمثيل إلى كونها فضاءً للخلق، حيث تُنتج المعاني عبر التوتر، لا عبر التطابق.

ثالثاً: التحوّل العربي وأزمة التعبير

لا يمكن فهم التشكيل الكولاجي بمعزل عن السياق الثقافي العربي الراهن، الذي يشهد تحوّلات عميقة على مستوى الهوية، والسلطة، والمعرفة. فالتشظّي الذي يطبع النص هو انعكاسٌ لتشظّي الواقع، وتعدّد مرجعياته، وتنازع خطاباته.

في ظلّ هذا الواقع، لم تعد الأشكال التعبيرية التقليدية قادرة على استيعاب التعقيد، فكان لا بدّ من ابتكار أشكال جديدة، تتسم بـ:

المرونة البنيوية: لتواكب التحوّلات المتسارعة.

التعدّد الدلالي: لمواجهة أحادية الخطاب.

الانفتاح التأويلي: لإشراك القارئ في إنتاج المعنى.

وهنا، يصبح الكولاج ليس مجرد خيار جمالي، بل ضرورة معرفية، تعبّر عن وعيٍ مأزوم، يسعى إلى إعادة تركيب العالم عبر اللغة.

رابعاً: أفق المعنى وانفتاح التأويل

في النص الكولاجي، لا يُعطى المعنى دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجياً عبر التفاعل بين العناصر. فالقارئ لا يستهلك المعنى، بل يشارك في إنتاجه، من خلال:

الربط بين المقاطع المتباعدة

تأويل التناصّات والإشارات

ملء الفراغات التي يتركها النص عمداً

وهكذا، يتحوّل النص إلى فضاءٍ حواريّ، تتعدّد فيه القراءات، وتتباين فيه الدلالات، دون أن يستقرّ على معنى نهائي. إنّه نصّ “مفتوح”، بالمعنى الذي يجعل من القراءة فعلًا إبداعياً موازياً للكتابة.

خامساً: الكولاج بوصفه مقاومة جمالية

يمكن النظر إلى التشكيل الكولاجي أيضًا بوصفه فعل مقاومة ضدّ الأنساق المغلقة، والخطابات الأحادية، والسلطات المعرفية التي تدّعي امتلاك الحقيقة. فهو:

يرفض المركزية

يحتفي بالهامش

يزعزع اليقين

ويعيد الاعتبار للتعدد والاختلاف

ومن ثمّ، فإن الكولاج لا يشتغل فقط على مستوى الشكل، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنية الثقافية ذاتها، عبر تفكيكها وإعادة تركيبها.

خاتمة:

إن التشكيل الكولاجي، في أفقه اللغوي والجمالي، ليس مجرد تقنية، بل هو تحوّل في الوعي بالنص، وباللغة، وبالعالم. إنه تعبير عن لحظة تاريخية تتسم بالانكسار والتشظّي، لكنه في الوقت ذاته يفتح إمكانات جديدة للمعنى، ويمنح اللغة قدرةً على إعادة بناء الواقع، لا بوصفه معطىً ثابتاً، بل كأفقٍ مفتوحٍ للتأويل.

وفي هذا الأفق، يغدو النص العربي المعاصر مشروعاً دائماً للكتابة، لا يكتمل، ولا يُختزل، بل يظلّ في حالة تشكّلٍ مستمر، حيث كلّ قراءة هي إعادة كتابة، وكلّ معنى هو احتمالٌ مؤجَّل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

يُعَدُّ الغُموض النَّفْسي أحد أهم المساحات التي يلتقي فيها الأدبُ بالفلسفةِ وعِلْمِ النَّفْسِ، إذْ يَتحوَّل النَّص الأدبي إلى مِرْآةٍ دقيقة للرُّوحِ البشرية في لحظاتِ اضطرابها وخَوْفِها وتأمُّلها في المجهول. وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان من بيئتين ثقافيتَيْن مُتباعدتَيْن جُغرافيًّا، لكنَّهما مُتقاربان فَنِّيًّا: القاص العِراقي محمد خضير (وُلِدَ في البصرة 1942)، أحد أبرز مُجدِّدي القصة العربية الحديثة، والكاتب الأمريكي إدغار ألان بو (1809 - 1849) الذي رسَّخ تقاليد السرد النَّفْسي والغرائبي في الأدب العالمي.

بين هَذَين الكاتبَيْن تتشكل تجربة أدبية ثرية تقوم على استكشافِ الأعماقِ المُظلمة للنَّفْس الإنسانية، حيث يُصبح الغُموض أداةً مَعرفية للكشفِ عَنْ هَشاشةِ الإنسانِ أمام ذاته والعَالَمِ، ولَيْسَ مُجرَّد أُسلوب فني.

الغُموض النَّفْسي في الأدب لا يعني الإبهامَ أو التعقيد، بَلْ يُشير إلى حالة من التوتر الداخلي في الشخصية، تتجلَّى عبر السردِ واللغةِ والصُّورة. إنَّه ذلك الشُّعور الذي يَجعل القارئَ يقف على حافةِ الإدراك، حيث تتداخل الحقيقةُ بالوَهْم، والواقعُ بالحُلْم، والعقلُ باللاوَعْي. هذا النَّوع مِن الغُموض يتجاوز الأحداثَ الظاهرة ليغوص في البُنية العميقة للوعي الإنساني.

محمد خضير يبني غُموضه النَّفْسي عبر فضاء رمزي هادئ ظاهريًّا، لكنَّه مشحون بإيحاءات وجودية، حيث تتداخل الأزمنةُ والأمكنة في نسيج سردي يُثير الأسئلة أكثر مِمَّا يُقَدِّم الإجابات.

في أدبِ إدغار ألان بو يتجلَّى الغُموض النَّفْسي بوصفه عَالَمًا داخليًّا مُضطربًا. شخصياتُه غالبًا ما تعيش حالات من الهوس والقلق والذَّنْب، فتتحوَّل القصة إلى رحلة داخل العقلِ ذاته.

ويُعَدُّ من أوائل الكُتَّاب الذين جعلوا النَّفْسَ البشرية مركز الحدث الأدبي. ففي قصصه يتراجع العَالَمُ الخارجي ليُصبح مُجرَّد خلفية، بَينما يتصدر الصراعُ الداخلي المشهدَ. وشخصياتُه ليستْ أبطالًا تقليديين، بَلْ كائنات مأزومة تعيش في مُواجهة مُستمرة معَ خَوفها الداخلي.

يَتجلَّى هذا بوضوح في قصصه التي تقوم على فكرة الذَّنْبِ والهوس، حَيث يَتحوَّل العقلُ إلى مسرح للصِّراع بين الرغبة والضمير.

وهو يعتمد على تقنيات سردية دقيقة: الراوي غَير المَوثوق، والتوتر المُتصاعد، والوصف التفصيلي للحالات النَّفْسية. والنتيجةُ هي عَالَم أدبي يكتنفه الظلامُ والقلق، لكنَّه يَكشف في الوقتِ ذاته عن طبيعة الإنسان حين يُحَاصَر بذاته.

يُقَدِّم محمد خضير تجربة مختلفة في التعامل مع الغُموض النَّفْسي. بَينما يميل إدغار ألان بو إلى توتر درامي حاد، يتَّجه محمد خضير إلى بناء عَالَم تأمُّلي هادئ ظاهريًّا. قصصه لا تعتمد على الصدمة أو الرُّعب، بَلْ على الإيحاءِ والرمزية والتكثيف اللغوي.

في نُصوصه يَتحوَّل المكانُ إلى كِيان حَي يُشارك الشخصيةَ في قلقها الوجودي. المدينةُ، والأزِقَّة، والبُيوت القديمة، والأشياء اليَومية، كُلُّها تَحمل دَلالات نَفْسية خَفِيَّة. ويُصبح الزمنُ في قصصه غَير خَطي، إذْ يتداخل الماضي بالحاضر، والذكرى بالواقع، في بُنية سردية تَعكس تعقيدَ الوعي الإنساني.

إنَّ الغُموض في أدب محمد خضير ليس مُظلمًا كما هو عند إدغار ألان بو، بَلْ هو غُموض تأمُّلي يُشبه الضبابَ الذي يُغَلِّف المَعنى دُون أنْ يَحجبه تمامًا. فالقارئُ يَشعر بأنَّه يقترب من الحقيقة، لكنَّه لا يُمسِك بها بالكامل.

على الرَّغْمِ مِن اختلاف السِّياق الثقافي بين الكاتبَيْن، فإنَّ ثَمَّة تقاطعات واضحة بين تَجْرِبتيهما:

1_ التركيز على النَّفْس البشرية: كِلا الكاتبَيْن يَجعل مِن العَالَم الداخلي للشخصية مِحْوَرًا أساسيًّا للسرد.

2_ كسر الواقعية المُباشرة: لا يَكْتفيان بوصف الواقع كما هُوَ، بَلْ يُعيدان تشكيلَه عبر مَنظور نَفْسي مُعقَّد.

3_ استخدام الغُموض كوسيلة معرفية: الغُموض ليس غايةً جَمالية فقط، بَلْ أيضًا أداة لاكتشافِ مناطق مجهولة في الإنسان.

لكنَّ الاختلاف يَكمُن في طبيعة هذا الغُموض. عِند إدغار ألان بو، يتَّخذ شكلَ التوتر والاضطراب والرُّعْب النَّفْسي. عِند محمد خضير، يَظهر في صورة تأمُّلات رمزية هادئة تنفتح على مَعانٍ مُتعددة.

إنَّ الغُموض النَّفْسي لَيس حِكرًا على ثقافة مُعيَّنة، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية مُشتركة. ومعَ ذلك، فإنَّ الخلفية الحضارية تُؤَثِّر في طريقة التعبير عنه.

محمد خضير يميل إلى كشف الصراع الداخلي بصورة أكثر رمزية وتأمُّلًا، في حِين أنَّ إدغار ألان بو يعتمد على الصَّدمةِ والحِدَّةِ الدرامية. هذا الاختلافُ يَعكِس تباين الرُّؤية إلى العَالَم: رُؤية تميل إلى الإيحاءِ والتأمُّل الفلسفي، ورُؤية تُركِّز على الصَّدْمة النَّفْسية، وتحليلها المُباشر.

وبين ضباب التأمُّل الرمزي عند محمد خضير، وَظِلالِ الرُّعْب النَّفْسي عِند إدغار ألان بو، يتشكل فضاء أدبي واسع يُذكِّر بأنَّ الغُموض لَيس عَيبًا في الفَهْم، بَلْ هُوَ أحيانًا الطريقُ الوحيد للاقترابِ مِن حقيقة الإنسان المُعقَّدة.

***

ابراهيم ابو عواد

 

مقدمة: القصيدة بوصفها رحلة في معنى المعرفة

قصيدة "حكمة جدي" للشاعرة مجيدة محمدي رحلة داخلية هادئة، لكنها عميقة، تبدأ من سؤال بسيط وتنتهي بتأمل واسع في معنى المعرفة والإنسان. فهذه القصيدة لا تقدم حكمة جاهزة بقدر ما تدعو القارئ إلى اختبار الطريق الذي تقود إليه الحكمة: طريق الشك والتجربة والبحث.

ومن خلال صور شعرية تعتمد على الحواس والطبيعة والضوء، تنسج الشاعرة نصاً يحمل في داخله أبعاداً نفسية واجتماعية وفلسفية، بحيث تتحول القصيدة إلى مساحة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين التجربة الفردية والعالم الذي يحيط بها.

أولاً: البعد النفسي - حين يصبح السؤال تجربة شخصية

- القلق المعرفي كبداية للوعي:

لا تبدأ القصيدة من يقين ثابت، بل من شعور داخلي مضطرب يمكن وصفه بالقلق المعرفي؛ ذلك الإحساس الذي يراود الإنسان عندما يكتشف أن الأسئلة أكبر من الإجابات الجاهزة.

ولهذا يبدو النداء في بداية القصيدة: "تعلّم، أيها اللائك لعلكة البحث". كأنه صوت داخلي يخاطب الذات أكثر مما يخاطب الآخرين. فالشاعرة تشير إلى نوع من المعرفة السطحية التي يكتفي صاحبها بمضغ الأفكار دون أن يهضمها أو يفهمها حقاً. إنها معرفة تشبه تكرار الكلمات دون أن تتحول إلى تجربة حقيقية في العقل والروح.

- الحواس كلغة للتجربة النفسية:

تعتمد القصيدة على صور حسية بسيطة لكنها عميقة الدلالة، مثل المرارة والحموضة والحلاوة. هذه النكهات ليست مجرد وصف شعري، بل تمثل مراحل مختلفة من تجربة المعرفة.

المرارة تشير إلى لحظة الصدمة حين يهتز اليقين القديم ويبدأ الإنسان في الشك.

الحموضة تعبر عن مرحلة التفكير غير المكتمل، عندما يبدأ الوعي في التكوّن لكنه لم يصل إلى نضجه بعد.

الحلاوة تأتي أخيراً كإشارة إلى لحظة الفهم، حين يكتشف الإنسان أن الإجابة كانت كامنة في داخله منذ البداية.

بهذا التدرج الحسي تجعل الشاعرة رحلة المعرفة تجربة ملموسة، يمكن للقارئ أن يشعر بها كما يشعر بطعم الأشياء.

- الجد رمز الذاكرة والحكمة:

يحمل عنوان القصيدة دلالة رمزية واضحة. فالجد في الذاكرة الإنسانية غالباً ما يمثل الخبرة المتراكمة والحكمة التي تأتي من الزمن.

لكن اللافت في القصيدة أن الجد لا يظهر كشخصية حاضرة تتكلم، بل يظل غائباً جسدياً حاضراً روحياً. وهذا الغياب يمنح الحكمة بعداً أعمق: فهي لا تُلقّن مباشرة، بل تُستعاد عبر التجربة والذاكرة.

ثانياً: البعد الاجتماعي – المعرفة في مواجهة السطحية

- نقد المعرفة الاستهلاكية:

في بعض صور القصيدة يمكن قراءة نقد خفي لظاهرة شائعة في المجتمعات الحديثة، وهي تحويل المعرفة إلى مجرد تكرار أو استعراض.

فصورة "علك البحث" توحي بأن هناك من يتعامل مع المعرفة كعادة يومية أو أداء اجتماعي، دون أن يحاول فعلاً فهم ما يقرأ أو يسمع.

هذا النقد يتجاوز التجربة الفردية ليشير إلى أزمة أوسع في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها في العصر الحديث.

- الفاكهة غير الناضجة: صورة للنمو الناقص

تقدم القصيدة صورة لافتة حين تتحدث عن فاكهة لم تكمل شمسها.

هذه الصورة يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن إنسان لم تتح له الفرصة الكاملة للنضج الفكري أو الروحي. ففي كثير من الأحيان يُطلب من الإنسان أن يكون جاهزاً قبل أن يكتمل تكوينه، وأن يمتلك إجابات قبل أن يمر بتجربة السؤال. وهكذا تصبح الحموضة رمزاً لتجربة إنسانية لم تنضج بعد.

- الضوء والعتمة كصراع دائم:

تتكرر في القصيدة صور الضوء والليل، وكأن الشاعرة ترسم صراعاً مستمراً بين المعرفة والجهل.

لكن هذا الصراع لا يظهر بشكل مباشر أو حاد، بل يأتي في صورة فجر يتعلم كيف يولد من الليل. وكأن الشاعرة تقول إن الوعي لا يظهر فجأة، بل ينمو ببطء مثل الضوء الذي يتسلل تدريجياً إلى العالم.

ثالثاً: البناء الفني – كيف تنسج القصيدة معناها

- التدرج من الحس إلى الفكرة:

تعتمد القصيدة على حركة داخلية تبدأ بالحس وتنتهي بالفكرة. فهي تبدأ بالطعم، ثم تنتقل إلى الضوء، ثم تصل إلى القياس والتأمل.

هذا التدرج يمنح النص إحساساً بالحركة، وكأن القارئ يسير مع الشاعرة في رحلة تتقدم خطوة بعد أخرى نحو الفهم.

- الثنائيات التي تحرك النص:

تقوم القصيدة على مجموعة من الثنائيات التي تعطيها عمقاً دلالياً، مثل: السؤال الواضح مقابل السؤال المرتبك

- الضوء مقابل العتمة

- الذهب مقابل الحجر

- الفجر مقابل الليل

لكن هذه الثنائيات لا تبقى ثابتة، بل تتحول إلى حركة مستمرة. فالليل يحمل بداخله إمكانية الفجر، والشك يمكن أن يصبح بداية المعرفة.

رابعا: نهاية القصيدة: حكم شعري على السطحية

تختتم القصيدة بصورة مكثفة تقول إن السؤال المرتبك يشبه الضباب الذي يمر فوق المعنى دون أن يراه.

هذه الصورة تختصر فكرة القصيدة كلها: فالمشكلة ليست في وجود السؤال، بل في نوعيته. فالسؤال الحقيقي يفتح الأبواب، أما السؤال السطحي فيظل عالقاً على سطح الأشياء.

خاتمة: الحكمة التي تنمو ببطء

في نهاية المطاف تقدم قصيدة "حكمة جدي" رؤية هادئة لكنها عميقة لمعنى المعرفة. فهي تذكّرنا بأن الحكمة لا تأتي من الإجابات السريعة، بل من رحلة طويلة من الشك والتجربة.

والجد الذي يلوح في عنوان القصيدة ليس مجرد شخصية من الماضي، بل رمز لزمنٍ كانت فيه المعرفة تنضج ببطء، مثل فاكهة اكتملت شمسها.

لهذا تبدو القصيدة وكأنها دعوة إلى التمهل في التفكير، وإلى إعادة اكتشاف قيمة السؤال الحقيقي، ذلك السؤال الذي لا يكتفي بالمرور فوق المعنى، بل يتوقف عنده حتى يراه.

***

شهاب احمد الفضلي

..........................

حكمة جدي

بقلم: مجيدة محمدي

تعلَّم، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحث،

أنَّ السؤالَ لا ينبت مصادفة، كنبات طفيلي،

بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتين الحيرة....

إنْ تأمَّلتَه، ليس واحدًا كما يبدو،

بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّة.

بعضُه مُرٌّ

كجذرٍ اقتُلِع من تربة اليقين،

يترك في الفم طعمَ الشكِّ

ويوقظ في الروح عطشَ المعرفة.

وبعضُه حامضٌ

كفاكهةٍ لم تكمل شمسها،

يعصرُ الفكرَ قليلًا

ثم يتركه يقظًا

مثل نافذةٍ فُتحت فجأةً على الريح.

وبعضُه حلوٌ

كقطرةِ عسلٍ سقطت من خلية الحكمة،

يذوب ببطءٍ في الوعي

حتى يكتشف المرءُ، أنَّ الإجابة كانت تنام في داخله منذ البدء.

*

وللأسئلة أيضًا أنوارٌ،

تتدرّج بين الضوء والعتمة،

مثل فجرٍ يتعلّم كيف يولد من الليل.

منها ما يلمع

كفكرةٍ خرجت تَوًّا من يد البرق،

ومنها ما يتعثّر في الظلال

كطفلٍ يتهجى اسمه في ضوضاء الجمع

*

و مقاييسها الخفيّة،

أطوالٌ تمتدّ مثل أنهار الفكر،

وأوزانٌ تثقل و تخف،

وأعماقٌ تُقاس

بمدى اتّساع القلب للدهشة.

*

فاحذر، أيُّها السائرُ في طرق المعنى،

أن ترمي سؤالًا

كحجرٍ أعمى في بئر الكلام.

اصقلهُ أولًا

كما يُصقَل الضوءُ في عين الفجر،

و ِزنهُ

كما يزن الصائغُ ذهبَ الحكمة.

فالسؤالُ الدقيق

هو المفتاحُ الوحيد

الذي يعرف كيف يوقظ الأبواب.

أمّا السؤالُ المرتبك

فليس سوى ضبابٍ

يمرّ على المعنى

دون أن يراه.

نحو أنطولوجيا الحضور في اللغة

ليس الشعرُ— في جوهره العميق —ارتحالاً نحو الغياب، ولا تعقّباً لأثرٍ تلاشى في عتمة العدم، بل هو عودةٌ مشحونةٌ إلى الداخل، إقامةٌ في كثافة الحضور، حيثُ تنكشف الذاتُ لذاتها بوصفها موضعَ المعنى ومنبعَ الإشراق. فالشاعر لا يبحث عمّا ليس، بل يُصغي لما هو كائنٌ فيه، مستترٌ بفرط القرب، مُحجَّبٌ بكثرة الألفة. وهنا تتأسّس المفارقة الأولى للشعر: أن أقربَ الأشياء إلينا هو أشدُّها خفاءً، وأن الحضور— حين يفيض —يتقنّعُ بصورة الغياب.

إنّ اللغةَ الشعرية لا تُحيل إلى الخارج بوصفه مرجعاً نهائياً، بل تُعيد العالم إلى باطن قائله، فتغدو الكلماتُ مرايا، لا لتعكس الأشياء، بل لتُكثّف الوعي بها. فالشعر، في أحد أعمق تعريفاته، هو تحويلُ المدرك إلى مُدرِك، وإعادةُ الموضوع إلى ذاتٍ حيّةٍ نابضة. ولذلك فإن الرائي—حتى لو توهّم أنه يعانق المطلق—لا يخرج عن مدار روحه، إذ لا يرى إلا بقدر ما يتّسع فيه أفقُ الرؤية، ولا يحتضن إلا ما يتهيّأ في داخله لاستقبال المطلق. إنّ كلَّ تعالٍ يُرى إنما يُرى من داخل، وكلَّ مطلقٍ يُدرك إنما يُدرك بوساطة ذاتٍ تتّقدُ به.

ومن هنا، يغدو القلب—لا بوصفه عضواً بيولوجياً، بل كياناً رمزياً جامعاً—هو الموطن الوحيد للحضور. فيه تتلاقى الأزمنة، وتتصالح المتناقضات، وتنبثق المعاني في لحظةٍ لا زمنية. فالحاضر الذي نتوهّم البحث عنه في الخارج، إنما يقيم في هذا المركز الخفيّ من الكينونة؛ حيثُ تتجلّى الحقيقة لا كمعطى جاهز، بل كاشتعالٍ داخليّ، كـ"بصيرةٍ" لا تُرى بقدر ما تُرى بها الأشياء.

والشعر، بهذا المعنى، ليس وصفاً للحقيقة، بل تحوّلٌ إليها؛ ليس خطاباً عنها، بل انخراطاً فيها. إنّه فعلُ انكشافٍ يطال الذات قبل العالم، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الرائي والمرئي، بحيثُ يغدو النظرُ ضرباً من التجلّي، لا مجرّد إدراكٍ حسّي. وحين يبلغ الشاعر هذه العتبة، لا يعود يميّز بين ما يراه وما يكونه، إذ تصير الرؤيةُ امتداداً للوجود، ويغدو الوجودُ لغةً تتكلّم في كيان الشاعر.

على هذا الأساس، يمكن القول إنّ الشعر يؤسّس لما يمكن تسميته بـ"أنطولوجيا الحضور"، حيث لا يكون الوجودُ شيئاً خارجياً نُحيله إلى كلمات، بل تجربةً معاشة تُعيد اللغةُ تشكيلها في هيئة إيقاعٍ وصورةٍ ودلالة. فالكلمةُ الشعرية لا تُحيل إلى غائب، بل تُحضِر ما هو كامن، وتستدعي ما هو متوارٍ في طبقات الشعور واللاوعي، لتُقيمه في فضاء القول.

وإذا كانت الفلسفةُ تسعى إلى القبض على الحقيقة بمفاهيمها، فإنّ الشعر يُدركها بوميضه، بتلك اللحظة الخاطفة التي ينكشف فيها الكلُّ في الجزء، واللامتناهي في اللفظة. إنّه لا يُشيّد أنظمةً فكرية، بل يُوقظ فينا القدرة على التجلّي، على أن نرى العالم لا كما هو معطى، بل كما يُعاد خلقه في أعماقنا.

وهكذا، لا يعود الشعرُ بحثًا عن معنى مفقود، بل اكتشافاً لمعنى مُقيم؛ لا يكون غوصاً في العدم، بل إبحاراً في الامتلاء. إنّه رحلةٌ إلى الذات، لكنّها ذاتٌ لا تنغلق على نفسها، بل تنفتح—من فرط عمقها —على الوجود بأسره. وفي هذا الانفتاح، يتبدّى السرّ الأكبر للشعر: أنّه كلّما ازداد توغّلاً في الداخل، ازداد اتّساعاً نحو الخارج، حتى يغدو الباطنُ أفقاً، ويصير الحضورُ أبداً لا تحدّه تخوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

حوارٌ افتراضي بين فقهاء اللغة والنحاة العرب حول الصفر اللغوي

في قاعةٍ لا يحدّها زمن، اجتمع أئمة اللغة والنحو، كأنما استُدعيت عقولهم من طبقات التاريخ لتتحاور حول سؤالٍ حديث الاسم قديم الجوهر: الصفر اللغوي. جلسوا في دائرة من نور الفكر؛ المخطوطات تحيط بهم، والحبر لم يجفّ بعد على أوراق القرون.

تقدّم شيخ الصناعة، سيبويه، وقد بدا عليه هدوء العلماء الذين يرون اللغة نظاماً لا فوضى فيه، وقال:

- «تزعمون أنكم اكتشفتم في لغاتكم الحديثة ما تسمّونه العنصر الصفري؟ لقد عرفناه منذ أن رأينا العرب يقولون: ذهبتُ، فيُفهم الفاعل دون ذكره. الحذف عندنا لم يكن نقصاً، بل استخفافاً بالذكر حيث يقوم الدليل مقام اللفظ.»

ابتسم الحاضرون، فرفع أحدهم رأسه، وكان عبد القاهر الجرجاني، صاحب النظر الدقيق في أسرار البيان، وقال:

- «يا أبا بشر، إنك نظرت إلى الحذف من جهة الصناعة، وأنا نظرت إليه من جهة البلاغة. فالذكر يقيّد المعنى، أما الحذف فيطلقه. إنك إذا قلت: حتى توارت بالحجاب، فقد تركت للسامع أن يكتشف المتواري. هنا يصبح العقل شريكاً في الكلام.»

ثم التفت إلى الحاضرين وأضاف:

- «ليس الحذف سكوتاً، بل خطابٌ مؤجَّل في ذهن المتلقي.»

هنا تدخّل العالم المدقّق، ابن هشام الأنصاري، وقد حمل بين يديه أوراقاً كثيرة كعادته، وقال:

- «أما أنا فقد أكثرْتُ من قول: والتقدير كذا. ولم يكن ذلك ترفاً علمياً. إن الجملة العربية قد تخفي عناصرها لكنها لا تفقدها. فإذا قلت: لولا العلمُ، فالتقدير: لولا العلم موجود. ولو تركنا التقدير لانقطع المعنى.»

سأله أحد التلاميذ الجالسين في المجلس:

- «أفلا يكون التقدير ضرباً من التكلف؟»

فأجاب ابن هشام:

- «بل هو إنصاف للنص. نحن لا نضيف شيئاً من عندنا، بل نستعيد ما أرادته اللغة ولم تُصرّح به.»

عندها رفع رجل وقور صوته من طرف المجلس، وكان إمام المعاجم ابن جني، فقال:

- «إن اللغة يا سادة ليست أصواتاً فحسب، بل قياس وعقل. العرب حذفوا لأنهم وثقوا بفهم السامع. ولو لم يكن في العقل نظام سابق لما جاز الحذف أصلاً.»

ثم أضاف وهو يشير إلى الهواء كأنه يرسم بنية خفية:

- «إن المحذوف حاضر في النفس قبل أن يكون غائباً في اللفظ.»

ساد صمت قصير، كأن المجلس نفسه يمارس الصفر اللغوي الذي يتحدث عنه.

فقال الجرجاني:

- «أترون؟ حتى سكوتنا الآن معنى.»

ضحك سيبويه وقال:

- «بل هو دليل.»

ثم قال مخاطباً الجمع:

- «لقد بنى العرب لغتهم على الاقتصاد. الضمة تقوم مقام كلمة، والضمير المستتر يقوم مقام اسم كامل. إننا لم نحتج إلى الإسهاب لأن الإعراب حمل الوظيفة.»

تقدّم أحد الحضور قائلاً:

- «إن اللسانيين اليوم يقولون إن البنية العميقة للجملة تحتوي عناصر غير منطوقة.»

فأجاب ابن جني:

- «وما الجديد؟ ألم نقل إن المعاني قائمة في النفس قبل اللفظ؟»

وأضاف الجرجاني:

- «إن النظم هو العلاقة بين المعاني، لا مجرد الأصوات. فإذا حذف المتكلم، فقد نقل جزءاً من العبء إلى المتلقي، وهنا يولد الجمال.»

قال ابن هشام:

- «بل يولد أيضاً الضبط؛ لأن التقدير يمنع الفوضى.»

ثم دار الحديث إلى الشعر.

قال سيبويه:

- «كيف يبتدئ الشاعر بقوله: قفا نبك؟ من المخاطب؟ ولماذا؟ كل ذلك محذوف، لكنه مفهوم.»

قال الجرجاني:

- «لأن الشعر يعيش في المسافة بين ما يقال وما يُفهم.»

وسأل أحدهم:

- «وهل الصمت إذن كلام؟»

فأجاب ابن جني:

- «إذا دلّ، فهو كلام.»

هنا ختم الجرجاني المجلس قائلاً:

- «إنكم تسمونه اليوم صفراً لغوياً، ونحن سميناه حذفاً وتقديراً وإيجازاً. الأسماء تختلف، لكن الحقيقة واحدة: اللغة لا تقوم على الامتلاء وحده، بل على الفراغ المنظّم.»

فقال سيبويه وهو ينهض:

- «الصمت في اللغة ليس عجزاً، بل نظام.»

وأضاف ابن هشام:

- «وليس نقصاً، بل دقة.»

وقال ابن جني:

- «وهو دليل على أن العقل شريك اللسان.»

وانفضّ المجلس، وبقي في الهواء شيء لم يُقَل… لكنه فُهم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

سعى الأدب الإيراني منذ أوائل ستينيات القرن الماضي وحتى قيام الثورة الإسلامية، إلى إرساء صلة واعية بتاريخ الأمة الفارسية وواقعها. وفي ظل الحالة المزرية للبلد آنذاك، والاحتكاك بالنظام البهلوي الذي جعل الأدباء عرضة للملاحقة السياسية والحظر الفكري، تشكلت موجة للأدب الملتزم، قادها كتاب ذوو ميول يسارية صرفوا حماسهم للدفاع عن المحرومين، وتميزت كتاباتهم بالاحتجاج، ورفض التضييق الحكومي على الحيز الاجتماعي والسياسي، وإحياء ذاكرة الأمة التي سعت التفسيرات الرسمية للنظام إلى طمسها.

داخل هذا المعترك برز اسم الأديبة سيمين دانِشوَر، ليقدم لعالم الأدب تفاصيل المجتمع الإيراني في فترة تاريخية عصيبة، التأم فيها الشعور القومي مع إحدى أوجه الصراع بين الحداثة والتقاليد. ويُعتبر عملها الروائي الأبرز "سووشون"، نموذجا للكتابة الروائية التي دمجت التراث الفارسي بالتقنيات السردية الحديثة، لتروي للعالم فظاعة الحرب من منظور المهزومين والمنسيين.

تعد "سُووَشون"(*) أول رواية نسائية حديثة باللغة الفارسية. وتدور أحداثها في مدينة شيراز خلال الاحتلال الإنجليزي، لترسم الفضاء الاجتماعي السائد آنذاك، وتنقل معاناة شعب مزقته تداعيات الحرب العالمية الثانية بشتى تعقيداتها. غير أن حس المظلومية لم يمنع الكاتبة من إبداء تشريح قاس للبنى التقليدية داخل المجتمع، ونقد الأوضاع الداخلية التي عمقت من أزماته، كقضايا المرأة، والنظام الطبقي، والتوتر المستمر بين مكونات النسيج القبَلي.

نستكشف أحداث الرواية بعيني زاري. امرأة إيرانية متعلمة تمارس أدوارها التقليدية كزوجة وأم، لكن يتخلل هذه الحياة لحظات ارتياب ويأس، نجمت عن تعقيدات زواجها من يوسف المثالي والصريح، والذي سيُعرض حياة الأسرة للخطر جراء مواقفه من الاحتلال.

بعد أن سيطرت قوات الحلفاء على أجزاء من إيران، سعت للاستيلاء على جميع المحاصيل المتاحة لإطعام جيوشها المتمركزة هناك. إلا أن يوسف الذي يمثل طبقة ملاك الأراضي، يرفض التعاون وتسليم المحاصيل، خشية أن يموت الفلاحون جوعا. تكسر معارضته فرضية تواطؤ الملاك مع القوى الأجنبية، بينما يبرز موقف شقيقه كممثل للطموح السياسي الذي أظهره بعض المتعاونين من أبناء البلد، لتأمين امتيازات ومناصب في الحكومة المحلية:

" كان الأمر أهون على آبائنا، وإذا لم نتحرك سيكون عسيرا على أبنائنا. كان آباؤنا يواجهون خصما واحدا، وللأسف استسلموا له. ونحن الآن نواجه خصمين، وسينضم إليهما غدا خصم ثالث بنفس جديد، وبعد غد خصوم آخرون.."

يتعرض يوسف للقتل بسبب موقفه الثابت، ليصبح دون قصد رمزا للمقاومة. أما زاري فإن موت زوجها يغير نظرتها للحياة، لتجد نفسها في قلب الأحداث بعد أن ظلت بمنأى عن معاناة الناس. تعود زاري في الفصول الأخيرة من حافة الجنون، وتستعيد رباطة جأشها لتنضم للحشد الذي حوّل موكب الجنازة إلى مظاهرة للثأر من مقتل زوجها:

"نحن لا نبتغي فتنة. أقمنا عزاء لابن بلدتنا. تصور أن هذا المكان كربلاء وأن هذا اليوم عاشوراء، هل تريد أن تكون الشمر؟

صدح أحدهم: يا حسين، فأطلقت الجموع صرخة مدوية ورددت بصوت ممطوط: يا حسين!"

بفضل شخصيات حية جرى تصميمها ببراعة، تمكنت سيمين من تحقيق سرد مقنع للحب والفقدان، ونقلت ببصيرتها العميقة تفاصيل مجتمع تحت الضغط. وتظهر براعتها تحديدا في رسم الشخصيات النسائية، سواء العادية أو السلبية كشخصية عزت.

وبما أن الأحداث تُروى من منظور زاري، فإن القارئ يلمس حضورا جليا للكاتب، خصوصا حين تكشف التناقض بين ذاتية زاري والعالم الخارجي. ذاك التناقض الذي سيحطم سعي البطلة للحفاظ على الهدوء داخل أسرتها، ليزج بها في أتون زمن مظلم يفكك أدوارها التقليدية كزوجة وأم؛ فتصبح امرأة واعية بالواقع من حولها. غير أن هذا التحول يتم ضمن مزيج من المثالية والواقع، مما يُكسب الرواية هالة من الغموض الشبيه بالأساطير.

يحيل عنوان الرواية على طقوس حداد قديمة، تعيد للذاكرة مأساة البطل الفارسي "سياوش"، تقول الأسطورة أن سياوش نجل الملك، وأحد أبطال إيران المعدودين، كان صاحب وجه حسن وملامح فاتنة. تعلقت به زوجة الملك لكنه امتنع عليها، فدبرت له المكائد حتى قُتل بفعل مؤامرة خبيثة؛ بينما تحول دمه الذي سال على الأرض إلى نبتة تُخلد حتى اليوم مظلومية أمير الفضيلة. وباستعارة هذا الحدث الأسطوري تخلصت الرواية من الوصف البسيط للواقع، لتمنحها الخلفية الفلكلورية أحد أسباب نجاحها الكبير:

 " كنت أبكي لأجل سياوش.. لم أكن أعرفه في بادئ الأمر، وكنت أكرهه. أما الآن فصرت أعرفه جيدا وقلبي ملتاع له.. كنت واقفة تحت "شجرة الشَعر" أبكي سياوش. ياللخسارة! فأنا لا أملك شَعرا، وإلا كنت قد قصصته وعلقته على الشجرة مثلما تفعل الأخريات..".

أفسحت سيمين مجالا واسعا للمونولوج الداخلي، وللأحلام والتأملات التي يمكن القول أنها أكسبت هذا العمل سمة الرواية الاجتماعية، من خلال تتبع الدمار الذي لحق البنى الاجتماعية بما فيها الأسرة. غير أن موهبة الكاتبة الحقيقية تتجلى في ابتكارها لاستعارات تنقل بتعقيدها معاناة أمة أثرت فيها الحرب بشدة. يشرح فيليب ماريون ابتكار الاستعارة بأنه البحث، ثم اختيار ضمن فئة من العلامات وحدة تشبه الوحدة المراد استبدالها، لتمثيلها بشكل أفضل. ولا شك أن سيمين برعت في دمج التراث الفارسي بأبطاله ووقائعه، لتوجيه نقد لاذع للآثار المؤلمة التي تسبب فيها الاحتلال. ويظهر استحضار قوى البطل الأسطوري "رستم" على سبيل المثال، مدى يأس الشعب ومصائبه، بسبب إجباره على تسليم مؤنه للاحتلال؛ فرستم هو البطل الذي كسر أقفال مخازن المؤن لتوزيع الحبوب والتمر والدقيق على الفلاحين.

أدارت سيمين أحدث الرواية من داخل عقل زاري، بأسلوب مزجت فيه بين الواقعية والأصالة، إلى جانب العمق العاطفي الذي منحنا شخصيات معقدة، تعكس صراعات أخلاقية مفعمة بالتحدي والصمود دون ابتذال. وبدلا من التصريحات السياسية المباشرة، لجأت سيمين إلى الأساطير والعادات والمعتقدات المحلية، لتوجه نقدا قاسيا لفترة حرجة من تاريخ إيران المعاصر.

تقدم سيمين حكايتها من خلال رؤيتين، إحداهما واقعية والأخرى رمزية، وبذلك تضفي مزيدا من الغموض والترقب لدى القارئ الذي يواجه ما يمكن أن نعتبره سردا مزدوجا. فهناك طبقة سردية تقدم قصة شيقة لعائلة شيرازية، تورطت في دهاليز السياسة القذرة خلال أربعينيات القرن الماضي، حيث يجري توظيف مظاهر الثقافة والحضارة الإيرانية بلغة شعرية رائقة. أما الطبقة الرمزية أو المجازية فتمنح بعض الشخصيات والأماكن وظيفة رمزية، تساعد على تقديم مسار تفسيري للقارئ، يصل من خلاله إلى معنى أعمق.

حققت الرواية حضورا طاغيا منذ صدورها لأول مرة عام 1969. وعدّها النقاد ذروة الكتابة الروائية الفارسية، حيث لا أثر لأي ضعف في الأسلوب أو البنية. إضافة إلى أن تنوع الشخصيات في هذا العمل استوعب مختلف شرائح المجتمع الإيراني، بتطلعاتها، ومُثلها العليا، وتعبيراتها الشعبية. لذا يستمر حضور "سُووَشون" التي بلغت طبعتَها الثامنة والعشرين سنة 2021، وتُرجمت إلى سبع عشرة لغة.

بعد أن تلقت تعليما جيدا في كنف أسرة مثقفة، انتقلت سيمين من مسقط رأسها شيراز إلى طهران، لتدرس الادب الفارسي في كلية الآداب بجامعة طهران. غير أن وفاة والدها سنة 1941 أجبرتها على البحث عن عمل لمواجهة الصعوبات المالية، فالتحقت بإذاعة طهران لتقدم سلسلة بعنوان (الشيرازي المجهول)، بالإضافة إلى كتابة وترجمة مقالات لصحيفة "إيران".

نشرت سيمين مجموعتها القصصية الأولى (النار المُطفأة) عام 1948. وبعد حصولها على الدكتوراه استفادت من منحة فولبرايت، لتستكمل دراستها الأكاديمية بجامعة ستانفورد الأمريكية حول علم الجمال وعلم نفس الفن.

إثر عودتها التحقت بجامعة طهران كأستاذة مشاركة لتاريخ الفن. واهتمت إلى جانب الكتابة القصصية والروائية، بترجمة أعمال تشيخوف، وهوثورن، وسارويان، وأرتور شنيتسلر وغيرهم. وخلال هذه الفترة نضج أسلوب سيمين النثري، وصار أكثر اقترابا من لغة الناس، حيث طورت أسلوب كتابة أقرب إلى الواقعية السينمائية، تتجنب من خلاله إصدار الأحكام، لتقدم شخصيات قادرة على التعبير عن نفسها، ولتخلق ببراعة عوالم حقيقية وخيالية نابضة بالحياة عن المجتمع الإيراني.

إلى جانب مسيرتها الأدبية اضطلعت سيمين بأدوار قيادية لاستكمال مشروع رابطة الكُتاب الإيرانيين التي تأسست عام 1968، وتقديم الدعم المعنوي للمثقفين المعارضين لنظام بهلوي. كما عُرف عنها حرصها على المساعدة المادية والأكاديمية لطُلابها. وهو الأمر الذي عرّضها باستمرار للمضايقات من لدن شرطة السافاك، رغم أنها لم تتبنّ أية إيديولوجية سياسية محددة.

شكلت أعمال سيمين إسهاما قيما في عالم الكتابة الروائية. وقدمت نموذجا للأدب الذي يتولى مهمة التغيير الاجتماعي، دون أن يتخلى عن موضوعيته أو عن مقوماته الفنية التي تتيح للكاتب محاكاة الحياة. وتعكس مجموعاتها القصصية المنشورة فهما عميقا للمجتمع الإيراني من حيث عرضها للمشاكل الاجتماعية التي تعبّر عن الحقيقة أكثر من الخيال، كسرقة الأطفال، والاستغلال الجنسي، والفقر، ووضع المرأة في ظل التحول الاجتماعي الذي تشهده إيران.

منحت سيمين للمرأة الإيرانية صوتها من خلال معالجة قصصية تندد بالإقصاء واللامساواة، لكن دون الوقوع في فخ التغريب والاجتثاث. فهي تؤكد على أن حضور المرأة يستمد قوته من أدوارها كأم وزوجة، تُدعم الصمود الوطني في مواجهة النفوذ الغربي، وتدافع عن الأخلاق المتجذرة في الثقافتين الإسلامية والفارسية التي تحقق الاستقرار الاجتماعي والتكامل بين الجنسين.

***

حميد بن خيبش

.......................

(*) سيمين دانشور: المأساة الإيرانية-سووشون. منشورات الربيع. 2024

 

إلى هؤلاء الشعراء الأفذاذ الذين عاشوا يوم الشعر العالمي، فرسان الكلمة واليراع والإبداع، وأمراء القافية والبيان والإشعاع والإمتاع، إلى عشّاق الشعر و الهائمين فى حلو الكلام وعذبه، أهدي هذه الباقة حول صناعة الشعر ومشاغله وأهله وذويه. ومحبّيه.

الشّعر عناق للآمال والآلام

 يقول هؤلاء الذين تخفق قلوبهم بمحبة الشعر والانشغال به وبعوالمه التي لا تحدّها حدود: الحديث عن الشعر هو الحديث عن الكون الهائل المحيّر.. عن عذابات النفس المكلومة التائهة في متاهات الحياة، ومرابض الكينونة في تناوش وتشاكس وديمومة متجدّدة. الشعر هو اللغة في أرقى مظاهرها، هو تجسيد للكون وما يكتنفه من غموض، وتساؤل واغتراب. واستلاب، هو ضرب من مناوشة الوجود. هو تعبير أفلاطوني، وهوميري، ولبيدي، وزُهيري أزلي عن توحيد الجزء في الكلّ والعكس. هو - كما يقول عنه كولاريدج - مخلوق يدبّ على قدمين، دائم البحث عن القيم الجديدة، وهو ليس قصراً على التذوّق الفنّي أو وصف الإحساس المرهف أو رصد التسامر أو الانطواء أو الانتماء. بل هو مواجهة صريحة ومجابهة جريئة للواقع، واستكناه لخباياه وأسراره، كينونته ومتاهاته، هو استجلاء لغوامضه ومفارقاته، و في آخر المطاف هو كيّ، ووخز، واحتراق وعناق للآمال والآلام.

 يقول العارفون الشكوى عند الشاعر الحقّ حبّات متناثرة، وذرّات مبعثرة كأنها كثبان رملية منهمرة على وقع هدير أمواج صاخبة عاتية. الشعر لمحٌ تكفي إشارته، وليس بالهذر طُوِّلت خُطبُه، الشعرفكر يبعث على التأمّل وإعمال النظر، بضرب من المناوشة والمشاكسة والمعاناة والنغوص والتوتّر حيناً، وبالخيال المجنّح الطليق والاسترخاء حينا آخر. والغربة عند الشاعر تنويعات حزينة، تعزفها أوتار القلوب المعذّبة المكلومة، والقصيد نبع وارفٌ رقراق يتلألأ مشعّاً في أعماق النفس البشرية المحبّة العاشقة الولهانة.

يرى الناقد المكسيكي ساندرُو كوهين: "أنّ الشاعر هو مرآة الروح في النفس البشرية. وهو الذي يعمل على تجلية وتنقية ما علق بها من صدأ وبلى وأدران. ويجعلها تشعر بالحنين إلى الحياة الأولى الحالمة الخالية من أيّ أثر للتيارات المادية التي طغت وطبعت هذا العصر". كان الشعر فيما مضى من الأزمان يُسمع ويُقرأ من طرف العديد من الرجال والنساء، وأعني به الشعر المكتوب، أيّ الشعر الذي بدأ الإنسان ينظمه بغضّ النظر عن الغناء أوالتقاليد.

المذياع والتلفزيون والسّينما والشّعر

لم يعرف التاريخ من قبل وسائل ذات آثار واسعة مثلما هو عليه الشأن فى عصرنا الحاضر بالنسبة للمذياع والتلفزيون والسينما، وأخيراً الإنترنت، إنه منذ بضع عقود كان كل شخص «مهذّب» يقدّر مختلف الفنون الإبداعية وفي مقدّمتها الشعر، ويواظب على حضورها أو قراءتها أمّا اليوم فقد تبعثر هذا المعنى بطغيان المرئيات، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة الفنّ السابع (جيّده ورديئه) عن باقي الفنون.

وإذا كانت إبداعات القرنين الماضيين شعراً ونثراً لم تحقق مبيعاتها ما حققه بعض الكتاب والشعراء اليوم. ذلك أن الذي كان يُشترىَ «بضمّ الياء» منذ مائة سنة كان يقرأ، سواء تعلق الأمر بديوان أو كتاب مطبوع. وعلى العكس من ذلك أصبح التباهي اليوم ليس بالقراءة؛ بل باقتناء العديد من الكتب حتى وإن لم تقرأ.

ويرى بعض ممّن يتعاطون الشعر أن يولون عناية للموسيقى والراديو والسينما والتلفزيون -حتى وإن كانت هناك بعض المفعولية والمعقولية في أهمّية هذه الوسائل- إلا أنه ليس هناك من ريب أنها قد تسبّبت في تجميد وتشويه وغِلظة الحواس. ولا يمكن لهذه الوسائل برمّتها أن تنفلت أو تتنكّر لهذه القيم الجمالية. فلا يمكننا أن ننكر أن هناك موسيقي ممتازة، وهناك أفلام تستحقّ أن تُشاهد والتي تعتبر أعمالاً فنيّة رائعة. وهناك كذلك إذاعات جيّدة. كما إنّ هناك تلفازاً متقدّماً ومتطوّراً في جميع أنحاء العالم، بإبداعاته وطاقاته الفنيّة الهائلة فضلاً عن تقنياته العالية.

عوامل حجمت قرّاء الشّعر

 من المعروف انّ هناك العديد من العوامل التي أدّت إلى نقص واضح في قراءة الشعر، وجعلت من الصعوبة بمكان وضع تفسير واضح لهذه الظاهرة. إلاّ أن هناك وجهة نظر بالمقابل لمحايد أو ملاحظ متضرّر وهو الشاعر الذي ليس له قرّاء كثيرون. إننا ما زلنا نستمع إلى أقوال مثل: إن العالم قد أصبح فظيعاً لدرجة أنه لم يعد هناك مكاناً للشعر» أو: «إنها بكاملها، بهيئاتها، وامتشاقها، وهيافة خصرها، وطريقة مشيتها، وحديثها، بل حتى طريقة جلوسها إنما هي قصيدة حقيقية ناطقة. وإن التهديد بالحروب والجوع والأمراض الفتّاكة يعمل على بعث الكآبة في أقل الشعراء حساسية وشعوراً.

إلا أن كلّ ما سبق ليس عذراً لهجر الشعر، لأنّ الشعر ليس فنّاً زخرفيّاً، ولا أداة من أدوات الزينة والتنميق. فالشعر يفهم عموماً في الغرب بأنه حافل بالأشباح والأرواح والرومانسية والأحلام. وترجع هذه المفاهيم إلى الفلاسفة الإغريق، إلا أنه عندما ظهر أمثال «والت ويتمان» (1819م) و»شارل بودلير»(1821م) و»أستيفان مالارميه»(1842م ) و» أرثور رامبو»(1854م) فإنّ أمثال هذه المفاهيم بدأت تهتزّ، وطفق معها الشعر السحري الحالم يفقد رونقه وبهاءه وإشعاعه شيئاً فشيئاً.

إن كلمات مثل الأيديولوجية، الالتزام، النقد، التأمل، إعمال النظر، والاستنطاق قد أصبح لها من الانسجام والتوافق والحسن، والجمال الشيء الكثير. كما إن هناك فئة من الشعراء ما فتئوا ينشرون أعمالهم ودواوينهم، ويتركون آثاراً بالغة في قرّائهم. بل إن بعضهم قد خلّف مدارس واتجاهات شعرية خاصّة بهم، وهم بذلك إنما ينثرون بذوراً لقلّة وضآلة القرّاء. إن بعض الشعراء الجدد عند هجرهم للاستنطاق بحثاً عن أنغام وموسيقى وقيم جديدة، إنما كانوا يبعدون القرّاء عن ناصية الشعر.

الشّعر ليس فرجة رائعة

 عندما يذهب الأغلبية الساحقة من القرّاء إلى الاستماع إلى الشعر يعتقدون أن الجديد سيدور حول مناظر رائعة، وعن كبار رجال التاريخ العالمي، وعن قصص الحب الحالمة، وعن طرق ووسائل الإبداع المبتكرة والمميّزة لشاعر مّا، هذا يحدث عندما لا يكون هناك ما ينبغي البحث عنه حقاً. القارئ من هذا النوع سرعان ما يبدأ في الشعور بالملل فيبحث له عن وسيلة أخرى للتسلية والتسرّى. إلاّ أنّ هذا الحكم يتضمّن غير قليل من الإجحاف، لأنه يعتبر القارئ غبياً. وبالفعل فإن غير قليل من الشعراء الغربيين يعتبرون القارئ غبياً لا سبيل إلى إصلاحه، إلّا أن ملاحظة «المحايد» الشاعر هو أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الشعراء يعزون ويردّون سبب فشلهم - من باب الجور والتجنّي- إلى الآخر. ذلك اللاّ مرئي والأقل اجتهاداً وهو القارئ. ويغيب عنهم أنه إذا كان الشعر لا يقرأ الآن كثيراً، فالسّبب لا يرجع الى القرّاء أو الى الشعر في حدّ ذاته، بل في نوعية الشعر الذي أصبح يُكتب اليوم ومدى جودته.

فماذا حدث بين أستيفان مالارميه، وجون أسبيري، وبين فيسينسيو كارداريلي، وروبين بونيفاس، وبين ت. س إليوت وأوكتافيو باث؟! ماذا حدث بين الكتاب والشعراء المولودين خلال العقدين الأوّلين من القرن الماضي. إنها مسألة ضآلة الشعر الجيّد. الواقع أن هناك تناقضاً غريباً ومحيّراً، ففي الوقت الذي كان فيه شعراء مجدّون، قد نجد العكس بالنسبة للقرّاء، والعكس صحيح أيضاً، إن فنون القرن العشرين قد تميّزت بالتساؤل المستمر حول ماهية الفن ودوره. إنه بحث دائم عن هويّته، يتوازى مع البحوث العلمية والفلسفية في عصرنا. إننا لا نستطيع أن نستمر في الكتابة طبقاً لاستنطاقات لم تعد لها صلة بالهموم الإنسانية والقلق والمسؤوليات التي تميّز إنسان العصر.

المُبدع يعي مدىَ ضآلته وصِغَره في الكون

إن المبدع الحقيقي لا يحيد أبداً عن حاجاته ورغباته وهواجسه وهوسه الإبداعي شعراً كان أم نثراً أم تشكيلاً. ذلك أنه كلما ازداد علماً بعالمه المادي كلما تعرّف أكثر على مدى ضآلته وصغره في الكون. وعظمة وجلال كل ما لا نعرف عنه شيئاً، ولا نجرؤ على التفكير فيه، أو الخوض في غماره.

إنّه لمن الصعب أن نجد الحلول الجاهزة والسريعة والواضحة للشعر. فقد أصبح بعيداً عن الدور الذي كان يضطلع به في العالم الإغريقي، واللاتيني والعربي بشكل خاص، عندما كانت مواضيعه تدور في الطبّ، والتاريخ، والفلسفة، والجغرافيا، والدّين، والعلوم، والنحو وكانت هذه العلوم تكتب شعراً. ناهيك عن الوصف والمدح والرثاء والهجاء والحماسة والفخر والغزل والنّسيب والتشبيب. فقد عمل الشعر على امتصاص جميع تلك المواضيع والأغراض التي قد لا تجد لبعضها مكاناً في الشعر على أيّامنا الحاضرة.

الشّعر بين التجزيئ والشّمُول

الشعر قد فقد اليوم إحدى خاصياته الكبرى وهي الشمول وأصبح أكثر تجزيئاً. إن الكوميديا الإلهية "لأليجيري دانتي" (المستوحاة كما هو معروف من رسالة الغفران للمعرّي) كانت تسعى إلى إقامة نظرة كونية منطقية شمولية متكاملة منسجمة. كان دانتي يريد أن يقول كل شيء في ملحمته. ومنذ زمن غير بعيد كان الكاتب الأرجنتيني "خورخي لويس بورخيس" يعرب عن ارتياحه وانشراحه وغبطته عند عثوره على بيت واحد من الشعر الجيّد الجدير بالقراءة في عمل مّا أو في ديوان شاعر. كانت باكورة أعمال بورخيس الإبداعية تحمل اسم حرف «الألف» العربي تعبيراً عن إعجابه الكبير بالتراث العربي، وهيامه بلغة الضاد. ومثلما كان يعاب على شاعرنا العربي الكبير أبي تمّام الطائي أنّه كان يقول ما لا يفُهم، فكان يجيب ولماذا لا تفهم ما يُقال، فإن بعض الشعر اليوم لم يعد يُفهم. ثم إنه في نظر البعض قد أصبح شبيهاً بقطعة فنيّة زخرفية، وانصرف نحو التجزئة. وكان الشعر الحقيقي يُفهم ويُقرأ ويُستوعب قبل هذا القرن بسهولة ويسر.

الشاعر المكسيكي الكبير الراحل أوكتافيو باث – الذي شاءت الأقدار ان ألتقي به أوائل التسعينيات من القرن الفارط خلال عملي بسفارة المغرب فى المكسيك - سمعته يقول عن الشعر: " مع كل ذلك لا سبيل إلى الخوف من زواله أو تلاشيه، فالشّعر سيظلّ موجوداً ما دام للإنسان وجود في هذه الأرض". ونقول نحن عن كلّ جدارة واقتناع إنّ الشّعر باقٍ بين ظهرانينا، ما دامت تشهد بلداننا مهرجانات شعرية كبرى ناجحة، وما دام هناك بيننا حرّاس، وساهرون، وعشّاق للشّعر ما فتئوا يصدحون كلّ يوم بعذب الكلام وحلوه.

ورحم الله شاعرنا العربي القديم الحطيئة إذ قال:

الشّعرُ صَعبٌ وطويلٌ سلّمُهْ  / إذا إرتقى فيه الذي لا يعلمُهْ

زلّت به إلى الحضيض قدمُهْ /  يريد أن يعربه فيعجمهْ.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي - كاتب وباحث ومترجم من المغرب

"كريمة الحسيني" شاعرة تونسية معاصرة، غزيرة الإنتاج وعضوة في اتحاد الكتاب التونسيين، تنحدر من مدينة الكاف. تميزت بقصائدها التي نشرت في الصحف التونسية والعربية، صدر لها ثلاث مجموعات شعريّة: "تناقضات أنثى" و" لا ظل يشبهني" و"مواويل للعشق والشجن". حظيت كتاباتها باستحسان النقاد وتم تكريمها في عدة مهرجانات، وتعتبر من الأصوات النسائية البارزة.

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:

نحن أمام نص إشكالي في دلالاته، ففي الوقت الذي تجد فيه حنيناً إلى الماضي لتخليص الإنسان الراهن من شقائه وبؤسه وآلامه وعذابه، تجد فيه أيضا بحثاً عن مستقبل يؤمل فيه الخلاص.. وهذه إشكالّية المأساة التي غابت فيها القدرة على تحديد طريق للخروج منها في الزمان والمكان أيضاً.

ففي قصيدة (نص حزين) للشاعرة " كريمة الحسيني" نقف أمام شاعرة متمكنة من أدواتها المعرفيّة والفنيّة. استطاعت أن تتناول في قصيدتها مأساة فتاة أرهقها الحاضر، وتركتها مأساتها في حيرة من أمرها في كيفيّة الخلاص من هذه المأساة ما بين البحث عنه في الماضي، أي الفردوس المفقود، أم في الحاضر الذي غابت فيه ملامح الاستقرار والأمان ودفء الروح والجسد. وعلى هذا جاء عنوان القصيدة (نص حزين).

في هذا (النص الحزين) تحاول "كريمة الحسيني" (تصحيح) موقف ملتبس من الحياة التي لم نزل فيها نتمسك بالماضي الذي تلبس عقولنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وأشواقنا.. ونجدها هنا تقول: (فأشواقنا لم تزل قديمة وكذلك عبثنا).. فذاكرتنا لم تزل مشبعة بالماضي وقضاياه وناسه.. (أنت لست وحدك في الذاكرة كما قلت لك.. هناك أيضاً فتاة بلا أب.) تبحث عن الحقيقة رغم أنها لم تزل تشارك رفيقاتها السكن واللعب والكذب أيضاً.

كبرت الفتاة..وما زال الماضي يعشعش في ذاكرتها.. للبحث عن ذاتها.. لم تتعب.. (فهي تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها.. والصناديق القديمة والوادي تبحث عن أب) أي عن المخلص الذي سيخلصها من معاناتها ولكنها لم تجده بعد.. فظل التساؤل عندها قائما، ترى هل اختفى هذا المنقذ (عبثاً أو مصادفة ولم ينتبه له أحد..)؟.. نعم إنها تكره التمسك بالمضي عل خطى الآباء (القادمون من خلف التلال لشراء الحلوى والدمى لبناتهم).. إنها تبحث عن حريتها عن (أب).. عن مستقبل لعلها تجد فيه ذاك المخلص.. لقد قالت لها أمها إنه سيأتي لا محال في (الطائرة).. ولكن الطائرة لم تأت بعد.. لقد ابتلعها ضباب الزمن المر بكل تخلفه.. فراحت "كريمة" تصنع (آلاف الطائرات الورقيّة التي أطلقتها في الريح، ولكن لم يأت الأب المخلص.. ربما نسيت أن تكتب العنوان لسائق الطائر). أو ربما العنوان نفسه لم يزل مجهولاً في متاهة بؤسنا.

البنية الفكريّة للقصيدة:

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً جزء من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً...هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف.

ما تريد الوصول إليه الشاعرة "كريمة" هو توصيف حالة المرأة قد وعت ذاتها، تحت مظلة أجواء من التخلف المزمن لا زالت تعيش فيه المرأة بشكل عام في عالم تحكمه الذكورة، فراحت تبحث عن دورها ومكانتها في هذا العالم، إلا أنها لم تجد أمامها سوى آفاق مسدودة، فالماضي لا زال بكل عجره وبجره يتحكم ليس بها فحسب، بل وفي محيطها الاجتماعي أيضاً، أما المستقبل فلم يزل غامضاً في معطياته، وبالتالي فرض عليها أن تُحكم بالأمل وتعوّل عليه للخلاص من قهرها وظلمها وغربتها الروحيّة.

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة لعنوان القصيدة:

لم يأت عنوان القصيدة (نص حزين) عبثياً في الحقيقة، فهو مشبع بحمولة واعية لدلالاته التي تعبر عن عالم المرأة اليوم، التي تعاني القهر والظلم والنظرة الدونيّة. وهذا ما فرض على عالمها بكل مفرداته (الحزن) أمام عجزها في الخلاص من قهر المجتمع الذكوري وتخلف الواقع معاً.

البنية الفنيّة والجماليّة في القصيدة:

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "كريمة الحسيني".. فكل هذا البساطة التي حازت عليها لغة الشاعرة، عوضها في الحقيقة عن استخدام الصورة في القصيدة، وهذا قلما نجده عند معظم الشعراء تقريباً.

التجريد والغموض في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعرة "كريمة الحسيني" من خلال قدرتها على التجريد في البنيّة الحكائيّة للقصيدة، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أي التعبير عما هو موجود وراءها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد.

إن الشاعرة المبدِعة "كريمة"، استطاعت عبر استخدامها الرموز والاشارات والايحاءات أن تتجاوز استخدام "الصّورة" في توصيل الفكرة لتركز على الرمز والاشارة في بوحها للوصول إلى المتلقي، عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه، فهي تقول:

(شوق قديم..عبث قديم.. أنت لست وحدك في الذاكرة).. أو في قولها: (هناك أيضاً فتاة بلا أب.. على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن.. يشاركنها اللعب يشاركنها الكذب). أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة...لم تتعب تجري آخر النهار لأوراقها لألبوم صورها). أو في قولها: ( تكره خطا الآباء القادمون من خلف التلال.. لشراء الحلوى والدمى لبناتهم).. الخ.

إن كلّ شاعر أو أديب مبدع، هو من يستطيع أن يتجاوز المباشرة في التعبير ليجعل ما يراه حسيّاً، أي ليس إلا عتبة لما لا يراه، ولا يُعنَى في بوحه هنا بالصّورة زخرفاً وشكلاً، كما يقول "أدونيس" وإنّما يُعنَى من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى. ولا تكمن أهميّة الرمز أو الاشارة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما وباباً يقود الناظر إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات أو في الطّبيعة.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، وبالتالي صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة والرمز بوصفهما مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثلها قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة "نص حزين" للشاعرة "كريمة الحسيني". لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرموز والاشارات الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري، أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (هناك أيضاً فتاة بلا أب..على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن...يشاركنها اللعب.. يشاركنها الكذب..).أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة...لم تتعب.. تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها). قالت (سيأتي في الطائرة.. لاحقت الطائرات الكبيرة التي سرعان ما يبتلعها الضباب.).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الأصوات وجمالية وصدق وعمق دلالاتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك عنده خوالج الروح. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرمزر والاشارات الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.............................

(نص حزين)

تصحيح لنص قديم

شوق قديم

عبث قديم

أنت لست وحدك في

الذاكرة

كما قلت لك

هناك أيضاً فتاة بلا أب

على عكس رفيقاتها

اللواتي يشاركنها السكن

يشاركنها اللعب

يشاركنها الكذب

كبرت وما زالت تتجول

في الذاكرة

لم تتعب

تجري آخر النهار

لأوراقها

لألبوم صورها

للصناديق القديمة

والوادي الكبير تبحث عن

أب

ربما اختفى عبثاً

أو صدفة

ولم ينتبه له أحد

تكره خطا الآباء

القادمون من خلف التلال

لشراء الحلوى والدمى

لبناتهم

تقف وسط الساحة

الكبيرة

تدور حول نفسها

تبحث لها عن أب

كلما مرضت

أو سقطت على الأرض

وأدميت ركبتها

كان أبوها بعيداً

سألت أمها

قالت سيأتي في الطائرة

لاحقت الطائرات الكبيرة

التي سرعان ما يبتلعها

الضباب

صنعت آلاف الطائرات

الورقيّة

أطلقتها مع الريح

لم يأت الأب

ربما نسيت أن تكتب

العنوان لسائق الطائرة

***

كريمة الحسيني

 

قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي "اليانكيز عادوا…"

حين يعود التاريخ بوجهه القديم:  في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا التكرار التاريخي. ليست القصيدة مجرد تعليق سياسي صارخ، بل خطاب مقاوم يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويجعل من الذاكرة وسيلة للاحتجاج على التواطؤ.

ملاحظة افتتاحية عن النداء الأول

 من السطر الأول يضعنا الشاعر أمام نداء معلق: «إلى الذين…؟»؛ هذا النداء المبتور ليس تفصيلًا ثانويًا بل يمثل بوابة داخلية للقراءة، لأنه يسبق العنوان في تحديد مخاطَبه. في الشعر السياسي، يكون المخاطَب محورًا للخطاب، وهنا يتحقق اختبار وعيه عبر علامة استفهام تضعه في موضع المساءلة.

العنوان: «اليانكيز عادوا…» وتأويل الإطار

 العنوان يضع الإطار العام للنص لكنه لا يحدد موقع القارئ بداخله. كلمة «اليانكيز» ليست محايدة — هي تسمية محملة بدلالات استعمارية وحضور قهري — وفعل "عادوا" يؤشر إلى أن الهيمنة دورة تعود كلما سمحت الظروف. علامات الحذف في النهاية تشتغل كتهديد مفتوح: العودة ليست حدثًا مغلقًا بل استمرارًا يقتضي اليقظة.

مقدمة نظرية

نقترح قراءة النص من تقاطع ثلاث مناهج: البنيوي، التداولي، وما بعد الكولونيالي. هذا المزيج يساعد على فهم القصيدة كخطاب مضاد للهيمنة، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السلطة الرمزية والخطاب الذي يدعمها — ما يتقاطع مع مقاربات تربط بين الثقافة والهيمنة، وبين إنتاج الخطاب والسلطة، وبين آليات تمثيل الذات المهيمنة.

نص القصيدة

اليانكيز عادوا...

إلى الذين...؟:

انا لم أثِقْ يوماً بيانكيزَ ولا:

راياتِهمْ،

أصدائِهِمْ،

ميثاقِهمْ،

و"الخيلُ والليلُ والبيداءُ"

لم تثِقِ.

همْ في الخباثةِ مِلَّةٌ

وحشيَّةٌ

ولدى الهزيمةِ..

همْ غزالُ.

فاسألْ بـ(ميكونغَ)

واسألْ بـ(توربورَ)

واسألْ بـ(مظلوم)*

وعليهِ خُذْ مَثَلاً!!!

فاهجرْ عقيرتَكمْ

عن نهجِ سيرتِهمْ،

واحفظْ عجيزتَكمْ

عنْ مقعدٍ خَرِقِ

في السَّفحِ والزَّلَقِ،

والْحَقْ بمُنطلِقِ

في ساحة الفَلَقِ

بالفيلقِ الطَلِقِ،

"وأعدِّوا ما اسْطعْتُمْ..."!

****

عبد الستار نور علي

...........................

*ميكونغ: نهر في فيتنام

تورابورا: سلسلة جبال في أفغانستان

مظلوم: مظلوم عبدي

17 آذار/مارس 2026 

.......................

العتبة الداخلية: قراءة بنيوية ودلالية لإشكالية "إلى الذين…؟"

 البيت الافتتاحي يبدو بسيطًا لكنه بنيويًا معقّد: جملة ناقصة تقطع بناءً نحويًا ودلاليًا. حرف الجر «إلى» يتوقع جهة محددة، لكن الاسم الموصول "الذين" يبقي على عمومية معطوفة بعلامة استفهام تُجهض الاكتمال. هذه الناقصة ليست هفوة بل تقنية مقصودة: الشاعر يمتنع عن تسمية المخاطَب ليجعل الفراغ نفسه ساحة مساءلة، ويحوّل صيغة الإهداء إلى امتحان أخلاقي وسياسي يضع المخاطَب أمام مرآة موقفه.

تفكيك رموز السلطة: الرايات والأصداء والميثاق

 عبر تفكيك الشاعر لمنظومة السلطة إلى "رايات"، "أصداء"، و"ميثاق"، يبرز النص مستويات متعددة للهيمنة: القوة المادية، الخطاب الإعلامي، والشرعية القانونية. هذا التفكيك يؤكد أن السلطة لا تقتصر على القمع المادي بل تمتد إلى شبكات تنتج المعنى وتفرض قراءاته.

قلب الرموز التراثية

 الفصل بين "الخيل والليل والبيداء" ودلالته البطولية التقليدية يمثل إزاحة قوية: الشاعر يفصل الرمز عن معناه التاريخي ويعيد توظيفه داخل مشهد سياسي معاصر، محذرًا من خطر استعمال الرموز الثقافية لتبرير تحالفات غير متكافئة.

الاستعارة الأخلاقية وبنية العنف

 وصفُ الشاعر للآخرين بأنهم "ملة وحشية في الخباثة" يشيع تجريد الفعل السياسي إلى حكم أخلاقي يطال منظومة كاملة. بهذا يُحمّل النص الكيان السلطوي مسؤولية عنف منظّم، في خط قراءة ترى السلطة كنسق يمارس العنف ويبرّره باسم النظام أو الحضارة.

التقليل من قداسة القوة: تشبيه الغزال

 تحويل صورة القوة إلى "غزال عند الهزيمة" يعمل سخريةً تهدّم عباءة القوة المطلقة. هذه الصورة تعيد تشكيل وعي القارئ بفضح التناقض بين الخطاب الذي يروّج للقوة ووقائع الانكسار التي تكشف هشاشتها.

التاريخ كذاكرة مضادة

بأسماء مثل (ميكونغ) و(تورابورا) و(مظلوم)، لا يستدعي الشاعر التاريخ بوصفه أرشيفًا للأحداث، بل بوصفه ذاكرة حيّة. تتحول هذه الأسماء إلى علامات دلالية تختزن تجارب الهزيمة، وتكشف عن التواطؤ الكامن فيها، حيث يُعاد إنتاج الخيانة في كل مرة تحت صيغ مختلفة. وبهذا، لا يكتفي النص باستحضار الوقائع، بل يعمل على قلب السردية المهيمنة، عبر إعادة كتابتها من موقع الضحية لا المنتصر، كاشفًا ما تُخفيه من تناقضات وانكسارات.

نقد اللغة الموالية والتحرر عبر القطيعة

 دعوةُ الشاعر لترك "عقيرتكم" عن نهجهم تشكّل نداءً لقطع الوصل اللغوي مع خطاب القوة. فاللغة التي تستعملها الأنظمة تصبح ناقلًا لرؤيتها، والقطع معها خطوة أولى نحو التحرر السياسي والمعرفي.

الجسد كموقع سياسي معرض للخطر

 صور مثل "عجيزتكم" والمقعد الخَرِق تُجسد هشاشة الجماعة المتحالفة وتكشف تعرّض أجسادها للانكشاف والتحكم بسبب تحالفات هشّة. الجسد هنا يتحول إلى خريطة السياسة التي تُعرّض المتبوعين لصالح قوى أكبر.

اقتراح البديل: الفيلق الطلق واستعادة الفاعلية

 الانتقال من التشخيص إلى اقتراح "الفيلق الطلق" يصوّر فكرة قوة مستقلة غير مرتهنة — استعادة للقدرة على الفعل التاريخي من موقع الذات. هذه ليست دعوة إلى العنف بقدر ما هي دعوة لاستعادة الفعالية السياسية والكرامة الجماعية.

المرجعية الأخلاقية الختامية

 استدعاء العبارة القرآنية "وأعدّوا ما استطعتم..." لا يتجه إلى الوعظ بل يمنح الخطاب شرعية أخلاقية تتجاوز اللحظة الآنية. بهذا يضع النص المقاومة في إطار أخلاقي واسع يربط بين الوعي والالتزام المسئول بدل الانفعال اللحظي.

الخاتمة: الشعر كفعل مقاوم

 تُظهر القصيدة قدرة الشعر على التحول من وصف سياسي إلى ممارسة نقدية تفكك خطاب الهيمنة من الداخل. عبر عتبة "إلى الذين…؟" تصبح المحاكمة داخلية: الشاعر يضع المخاطَب في موضع المساءلة قبل أن يُقوِّض الإمبراطورية نفسها. النص لا يكتفي بتسمية العدو، بل يعمل على زعزعة شروط إنتاج الخطاب ذاته، معلنًا أن التحرر يبدأ باستعادة اللغة والذاكرة وموقع الفاعلية في التاريخ.

***

سهيل الزهاوي

قراءة أسلوبية، رمزية، نفسية، هيرمينوطيقية في قصيدة "على مفترق طريق" لعبد الفتاح إدريس

في سياق التحوّلات العميقة التي شهدها الخطاب الشعري العربي الحديث، لم يعد النصّ الأدبي بنيةً مغلقةً تُبنى على التماسك الخطي ووحدة المعنى، بل غدا فضاءً مفتوحاً على التشظّي والتعدّد، تتقاطع فيه الأصوات وتتجاور الأزمنة وتتداخل المرجعيات. ومن هذا الأفق، تبرز قصيدة "على مفترق طريق" بوصفها نصاً ينتمي إلى جمالية التفكيك وإعادة التركيب، حيث تُستبدل السردية المتماسكة ببنية شذرية، ويُعاد إنتاج التجربة عبر لقطات متقطّعة تومض في عتمة الغياب.

إنّ هذه القصيدة لا تُقدَّم بوصفها حكاية تُروى، بل بوصفها أثراً شعورياً مركّباُ، تتنازع فيه ثنائيات الحضور والغياب، العتمة والضوء، الرغبة والاستحالة. وهي، في ذلك، تُجسّد وعياً شعرياُ مأزوماً، يتكئ على اللغة لا ليُفصح عن المعنى، بل ليكشف عن انكساراته وتصدّعاته. فالذات الشاعرة هنا لا تقيم في يقينٍ دلالي، بل في توتّر دائم بين ما يُقال وما يتعذّر قوله، بين ما يُستعاد في الذاكرة وما يتبدّد في الغياب.

وانطلاقاً من هذا التصوّر، تأتي هذه الدراسة لتقارب النصّ من خلال مقاربة نقدية مركّبة، تتوسّل المنهج الأسلوبي لرصد انزياحات اللغة وبنيتها الإيقاعية، وتستثمر التحليل الرمزي للكشف عن الشبكات الدلالية الكامنة، وتستنطق البعد النفسي بوصفه حاضنةً للقلق والاغتراب، قبل أن تنفتح على القراءة الهيرمينوطيقية التي ترى في النصّ أفقًاً تأويلياً لا نهائياً، يتجدّد بتجدّد القارئ.

وعليه، فإنّ هذه القراءة لا تسعى إلى تثبيت معنى نهائي، بقدر ما تروم تفكيك طبقات النصّ وإعادة بنائها، في محاولة للاقتراب من دينامية المعنى وهو يتشكّل في فضاء لغوي تتجاور فيه الشظايا، وتنبثق منه دلالات تتجاوز ظاهر القول إلى عمق التجربة الإنسانية المتوترة.

تنتمي هذه القصيدة إلى أفق الكتابة الحداثية التي تُراهن على التشظّي البنيوي والانفتاح الدلالي، حيث لا يُقدَّم المعنى في صيغة مكتملة، بل يُستدعى بوصفه أثراً يتشكّل عبر التقطيع والتجاور. إنّها كتابة تتوسّل اللغة لا لنقل تجربةٍ فحسب، بل لتفكيكها وإعادة تركيبها في هيئة شذرات تتناسل من داخل غيابٍ مركزي: غياب الحبيبة/الآخر/المعنى.

أولًا: التحليل الأسلوبي

1. بنية الجملة والانزياح:

تقوم القصيدة على تفكيك البنية النحوية المعيارية، حيث تتشظّى الجملة إلى وحدات قصيرة، غالباً ما تُفصل بنقط الحذف، بما يخلق إيقاعاً متقطّعاً:

"قطارٌ يلهث…

شاشةُ هاتفٍ تومض…"

هذا التقطيع ليس عارضاً، بل هو استراتيجية أسلوبية تُحاكي التمزّق الداخلي، وتُحوّل اللغة إلى نبضات دلالية لا إلى سلاسل منطقية.

2. الحقول المعجمية:

يمكن رصد ثلاثة حقول دلالية مهيمنة:

١- حقل العتمة: (العتم، الليل، الظل، الغيم، السكون)

٢- حقل الغياب: (لم تأت، غابت، الرحيل، الغربة)

٣- حقل الانتظار: (انتظرتك، سأم، يُناطر، يترقّب)

 هذا التكرار المعجمي يخلق شبكة إيحائية مغلقة، تُحاصر الذات داخل أفق كئيب، حيث يغدو الزمن دائرياً لا تقدّمياً.

3. الإيقاع الداخلي

رغم غياب الوزن الخليلي الصارم، فإن القصيدة تُنتج موسيقاها عبر:

١- التكرار (العتم / الليل / الظل)

٢- التوازي التركيبي

٣- الجمل القصيرة المتلاحقة

وهذا يُفضي إلى إيقاع نفسي أقرب إلى التنفّس المتقطّع، لا إلى الغناء المنتظم.

ثانيًا: التحليل الرمزي

1. ثنائية العتمة/النور

١- العتمة ليست مجرد فضاء زماني، بل رمز أنطولوجي:

العتم = الضياع، اللايقين، القلق الوجودي

٢- النور (الغائب غالبًا) = الخلاص المؤجَّل.

 غياب النور يُحوّل النص إلى ميتافيزيقا للتيه.

2. مفترق الطريق:

العنوان ذاته يشتغل بوصفه رمزاً وجودياُ مركزياً:

مفترق الطريق = لحظة الاختيار المستحيل / التعليق بين إمكانين / العجز عن الحسم

إنّه ليس مكاناُ، بل حالة كينونية معلّقة.

3. الحبيبة بوصفها علامة:

الحبيبة لا تظهر ككائن واقعي، بل

١- كأثر

٢- طيف

٣- غياب مُجسَّد

 فهي تتحوّل إلى دالّ فارغ، يحمل دلالات متعددة:

١- الوطن

٢- المعنى

٣- الذات الضائعة

ثالثًا: التحليل النفسي

1. بنية الفقد

النص مشدود إلى تجربة فقد مؤسِّس:

غياب الحبيبة - غياب الطمأنينة

غياب اللقاء -  تعطّل الزمن

 هذا الفقد لا يُعالَج، بل يُعاد إنتاجه لغوياً.

2. القلق والاغتراب

الذات الشاعرة تعيش:

اغتراباً مزدوجاً: عن الآخر وعن نفسها

توتراً بين الرغبة (اللقاء) والاستحالة (الغياب)

وهو ما يذكّر ببنية "الرغبة المؤجَّلة" في التحليل النفسي.

3. آلية الإسقاط:

الذات تُسقط حالتها على العالم:

١- الليل يصبح حزينًا

٢- الظلّ مغتربًا

٣- الزمن متعبًا

 هنا يتحوّل الخارج إلى مرآة للداخل، في ما يُعرف بـ"تشخيص العالم".

رابعاً: القراءة الهيرمينوطيقية

1. انفتاح المعنى.

النص لا يقدّم معنى واحداً، بل:

يشتغل كـنص مفتوح

يتيح تعدّد التأويلات

القارئ ليس متلقياً، بل مُنتِج للمعنى.

2. أفق التلقي

كل قراءة للنص مشروطة بـ:

خبرة القارئ

خلفيته الثقافية

حالته الوجودية

 لذلك، يمكن أن تُقرأ الحبيبة:

١- كأنثى

٢- كوطن

٣- كخلاص ميتافيزيقي

3. الدائرة التأويلية.

يفرض النص حركة دائرية:

نفهم الجزء عبر الكل

ونفهم الكل عبر الأجزاء

 وهذا ما يجعل القراءة فعلاً لا ينتهي.

خامساً: التركيب العام.

يمكن القول إن القصيدة تُجسّد:

وعياً شعرياً مأزوماً يعيش على تخوم الغياب، ويحوّل اللغة إلى حطام دلالي يُعاد ترتيبه باستمرار في محاولة يائسة لالتقاط معنى متفلّت.

خاتمة:

ليست هذه القصيدة سرداً لحكاية، بل بنية شعورية متكسّرة، تتجلّى فيها الذات وهي تُصارع فقدها عبر اللغة. إنّها كتابة لا تبحث عن اكتمال، بل تحتفي بالنقص، ولا تُشيّد معنى نهائياً، بل تتركه معلقاً في أفق التأويل.

هكذا يغدو النصّ فعل مقاومة ضد الصمت،

ومحاولة لإعادة تشكيل العالم…

لا كما هو، بل كما يتشظّى في الوعي

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

على مفترق طريق

انتظرتُك في دروب العتم،

في مفترقِ طريقٍ!

ألفتُكِ من زمانٍ قد ذوى بُعدًا؛

طال انتظارُك في يباب الليل...

*

لم تأتِ! وغابت في سكون العتم؟!

قد عبرت مع الأيام؛ غافلَها الرحيل.

ذابت خطاها في ضمير الصمت؛

واغتربت...

وظلّ الليل مشغولًا!

يُساكنُ غربةَ السُّمّار،

وقلبي غارقٌ في اللَّوم!

يُعاتب نأيكِ المنذور في الأسفار،

ولم يحظَ بلحظٍ تشتهيه العين!

غفوتِ هناكِ متعبةً على الشرفات.

حسبتُكِ في المدى حلمًا،

وفي الآفاق مُدمنةً سجافَ الغيب.

مآلُكِ غربةٌ موفورةُ الأنواء.

أُساهر ظلَّها الممهورَ

في عُريٍ من الأسرار...

أُنادم خاطرًا يرتاحُ في عينيكِ،

يغفو على عبقِ الرغبات.

أُخاتل شهوةً مشفوعةً باللهفات،

والغائبون هناك... قطرٌ في شفافية الغيم؛

وأنتِ هناك... غاربةٌ بدمع العين.

تروين للغادين أسرارًا،

قصصًا وأشعارًا يُعاشرها الرحيل...

تسرين وحدكِ في براري العتم،

وأنا على وجع انتظار،

وعلى شفاف الوقت؛

أنتظر نازفًا سأمًا...

متغافلًا عن لهفةٍ تهفو مواتيةً،

وحضورُها عدمٌ...

فيضٌ من الذكرى يُشاغلني،

يُساير صحبةَ اللحظات.

ومنذ رحيلها المجهول،

لم تبرح شغافَ الوجد،

واختزنت عُرى اللحظات

تداعَت في ضباب السرد.

أُناطر فجرها المكنونَ في الكلمات،

أُساهر ظلَّها الموسومَ في السكنات...

وحيدًا في عيون الليل ملتجئًا،

يا ليل! لستُ معاتبًا وجِلًا...

وأنا أُصابر وحشةَ الأيام محتسبًا،

ولن تمرَّ وليفتي!

ستظلُّ وعدًا غامضًا، حلمًا،

تنطوي على وجعٍ،

يحدوه وهمٌ يرتجي أملًا...

لعلّه يأتي ويحمله الإياب،

ويصوغه... كلما...!

تهمي على ألقٍ من الأشعار،

تسمو على غبشٍ من الأسفار،

وتنوء راحلةً ومضًا مع الأعوام،

تسري على وهجٍ من الأفكار.

وأنا أُغافل ظلمةَ الأذكار،

وأهيم مقتفيًا رؤى السُّمّار،

وأراكِ ومضًا غامضًا يمضي

على قبسٍ من الأسحار...

سأمُ انتظاركِ لن يدوم!

ويصول في قلبي السؤال،

ويبوح همسًا يقتفي أثرًا،

ويطوف رهن العتم منحسرًا،

يطوي مساره متعبًا ندمًا،

وعلى جناح الغيب رجعه عدمٌ...!

أهيم معتَكفًا بحضن الليل،

أُناطر طيفها الغافي بظل الغيم،

أُساير ظلَّها المغمور في الطرقات،

في صحبةٍ للفجر واسنةٍ،

لمّاحةِ الخطوات...

ولم تأتِ على شفقٍ من الإشراق!

لعلّها في صحاف الليل مقمرةً،

تسهو على سحبٍ من الأفكار...

ويملّ مني الوقت منتظرًا،

أُناطر طيفها الغافي بعتم الليل.

وظننتُها قدرًا!

ترامى ظلّه في الكون،

وضاع ملتجئًا بأسرار الغياب...

***

عبد الفتاح إدريس

 

ربما تختلف هذه القصيدة في مضمونها عن الكثير من شعر ساجدة الموسوي؛ فهي تُعدُّ من قصائد "الشوق والحنين"، ودائماً ما يكون هذا النوع من الشعر قريباً جداً من المتلقي لما يمتاز به من عاطفة جياشة؛ لذا أرى أن ساجدة الموسوي قد ضربت على الوتر الحساس لدى المتلقي؛ فمَن اليوم لا يعيش الاغتراب بصوره المحسوسة والملموسة؟ ومَن لا يعاني غربةً عن وطنه وناسه؟ وأيُّ منا لا يحلم بجمعٍ يضم أهله وإخوته وأبناءه؟

ساجدة الموسوي غازلت مشاعر الجميع، وألقت بالحقيقة بين أحضانهم، فأحزنتهم وأفرحتهم في آنٍ واحد، بتوظيفها لغة استفهامية ذات دلالة عالية تعبر عن خلجات النفس، وقد تطفئ شيئاً من نار الشوق الذي بات حالة عامة نعيش تفاصيلها في حياتنا اليومية. وعبر أبياتها هذه، نسجت الموسوي خيوط الحنين بين تباعد المسافات والذاكرة الموجوعة.

ببساطتها المعهودة في شعرها الذي أصفه -إن جاز لي- بـ (النقي)؛ ينساب النص الذي تكتبه الموسوي كالماء في عذوبته وسلاسته، وتوظيفها لمفردات رائعة وجوهرية من ناحية الفهم والاستيعاب، لا شائبة فيها، ولا تُثقل كاهل القارئ، ولا يجد صعوبة في إدراك أو تخيل الصورة الشعرية التي توظفها ساجدة بدقة موسيقاها الرائعة المعبرة عن المضمون. وفق ذلك، تطرح ساجدة الموسوي وجع السؤال وجماليات البساطة في نصها الجديد "متى نلتقي".

كيف حالُك ِ والثّلجُ حولك طَودٌ

وبردُ الشّمال ثقيل؟

كيف حال الصّغار؟

وهل هجروا لغة الضّادِ واستعجموا؟

بدأت ساجدة الموسوي قصيدتها "متى نلتقي" بجملة تساؤلات: (كيف حالُكِ؟ كيف حال الصغار؟ هل هجروا...؟)، وهو استهلال وجداني حاولت من خلاله استحضار معنى السؤال باللاشعور؛ أسئلةٌ وظفتها الموسوي لا بقصد تحري الجواب، بل على العكس؛ أوردتها لاستنطاق القادم، وتفريغ شحنات العاطفة الجياشة المكبوتة في الصدور. وهي حركة انفعالية وظفتها ساجدة الموسوي بذكاءٍ عالٍ ناتجٍ عن خبرة عميقة في مخاطبة القارئ؛ فساجدة شاعرة مرموقة المكانة، تحافظ بدقة على فلسفة التخاطب في شعرها، وتدرك إحساس القراء كما لو أنها تشعر بأنفسهم، وهذا رصيد تراكمي يُحسب لها؛ فالقمة لا ينالها إلا المثابرون أمثالها، والمكانة التي تسجلها في عالم الشعر تستحق مثل تلك التوصيفات.

في "متى نلتقي"، كسرت ساجدة عبر البساطة التي جاءت بها في العنوان الحاجزَ بين الذات الشعرية والمتلقي؛ فقد استخدمت (المفردة اليومية المعتادة) مما جعلها حميمية قريبة من الجميع، إلا أن المزيّة في تلك "اليومية" أنها مشحونة بعاطفة صادقة تنم عن صدق الإحساس والتعبير عما يجيش في النفس من خلجات؛ لذا أقول إنها كانت موفقة تماماً في اختيار هذا العنوان.

أم أراه سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود ..؟

أجوبُ الخرائط أبحثُ عن قطعٍ

من فؤادي

تبعثرنَ من يومِ (بوش)…

بساطةُ الفكرة والطرح، وتوظيف المفردات القريبة من نفس القارئ وذهنه، وعدم تضمين النص صعوباتٍ تتعلق باللفظ أو النطق أو حتى التصور؛ كلها عوامل كانت كفيلةً بخلق جوٍّ من التواصل الذهني ما بين النص والقارئ. وهذه نقطةٌ غاية في الأهمية في التناول الأدبي لأي موضوع، شعراً كان أم قصصاً؛ أن يكون النتاجُ قريباً من القارئ، بل ومحبباً لديه، وأبرز ما يحقق ذلك هو مخاطبة المتلقي وجدانياً.

ابتعدت ساجدة الموسوي عن كل ما من شأنه أن يحيط القصيدة بالغموض، فجاءت بمفرداتها من الواقع اليومي المعاش، لتطرح صورةً مألوفة يعرفها القارئ وعاش معاناتها؛ وهنا تكمن الحبكة، في أن يعيش القارئ ذروة الحدث في النص وكأنه جزءٌ منه. ثم تناولت الموسوي -بقصد التأكيد على المأساة التي يعيشها طيفٌ واسع من الشعب- دالةَ التحديد الزمني للحدث، لكي لا يتشتت المتلقي أو تأخذه التصورات لغير ما قصدت الشاعرة؛ فأتت بتحديد الوصف الزمني للحدث بدقة متناهية: "تبعثرنَ من يومِ بوش". وهنا نرى أن اختلافاً ورد في التكوين الشكلي للنص، أضفى عليه واقعية ذلك الحدث المتسبب في (التبعثر) منذ وقوعه، والذي غدا شاهداً تاريخياً على ما جرى.

أبدعت ساجدة الموسوي حين حوّلت النص الشعري إلى دراما، استنطقت من خلالها الكلمات لتخلق رؤية درامية هائلة؛ ولو سُئلت عنها لقلتُ إنها "وثيقة سياسية تاريخية" جسدت فيها الواقعَ المعاش والحدث المألوف في تلك الفترة، واصفةً ما جرى ومسجلةً حكمها للتاريخ عبر تلك المكالمة التي دارت بين الأم وابنتها (يوم بوش، الغربة).

كيف حال الأميرةِ بنتي؟

أنائمةٌ أنتِ أم صاحية؟

تقول : مساؤك نورٌ حبيبتي ماما

يحاصرني البردُ..

والثّلجُ حول النّوافذ يعلو..

استطاعت ساجدة الموسوي أن تحافظ على وحدة الموضوع، وابتعدت عن التشتيت (وهذا وصفٌ للنص وليس لنهج ساجدة الموسوي الشعري؛ فنحن مهما كتبنا لا نصدر أحكاماً على الكبار، وساجدة منهم بلا شك، وإنما نخوض في ثنايا النص لنبرز وجهة نظرنا لا الحُكم)، وفي ذلك نرى أنها ابتعدت عن التكلف فيما أوردت من مفردات -كما ذكرنا سابقاً- وساجدة كما نعرفها لا تكتب بعيداً عن جوهر المعنى الذي تقصده؛ فهي شاعرةٌ من القمة، والقمة لا تليق إلا بـ "نخلة العراق".

هل لديكِ طعام؟

أجابت : تعشّيتُ قبل قليل ٍ فلا تقلقي..

هل تخافين جوعي؟

قلت : لا .. ثمّ سالت دموعي..

هي الأمُّ أمٌّ على كلّ حال..

"استفهام ومعاناة".. مشاعرُ يطغى عليها "الخوف" من المجهول دائماً، كطابعٍ أساسي تُبنى عليه فلسفة التلقي؛ فالقارئ والشاعر كلاهما سواء في المشاعر الإنسانية التي يمتلكانها، إلا أن نسبة التفاوت في المدى تلك مسألةٌ حسابية لا علاقة لنا بها. لكن أن تنقل الشاعرةُ صورة المعاناة بتلك الصورة الناطقة المعبرة عما يجول في نفوس الجميع؛ فتلك درجةٌ عالية من الشفافية في الإحساس والتصور، ودقةِ التطبيق واحترافيةِ العمل، وهذه خصائص لا نبالغ حين نقول إن قلائل من الشعراء اليوم من يمتلكونها، تتقدمهم ساجدة الموسوي التي تمنح النص روحَها وإحساسَها ومشاعرَها الصادقة، لتعبر من خلالها عن الحدث بشعريةٍ راقيةٍ متزنةٍ، مصحوبةٍ بفنيةٍ دراميةٍ تُجسد المجريات وكأن المتلقي يراها حقيقةً ماثلةً أمامه.

هذه الدقة في الأداء الشعري تأتي بها الموسوي مقرونةً بترتيبٍ يتوافق مع موسيقى النص؛ لتُخرج نصاً شعرياً جمالياً هادفاً، لا يخلو من مقاصد تؤرخ للحدث وتسجل مآلاته للتاريخ

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

ثمَّ دار بي الرّقمُ أبحثُ عن إخوتي

في البلاد ِ الغريبة ِ

طال الفراقُ وقلبي عليهم..

ربما يذهب بعض القراء إلى تسجيل ملحوظة "التكرار" على نص "متى نلتقي"، وهنا لا بد من التوضيح أن "التكرار الإيقاعي" لا يُعدُّ تكراراً بالمفهوم الدارج الذي يعيب النص أو يُؤخذ على الشاعر. نحن نقرأ لساجدة الموسوي، ومن المؤكد أنها تعي الحسابات التي تُدار بها خيوط اللعبة الشعرية، وبكل تأكيد لا يغيب عن نصها مثل هذه المآخذ؛ فـ "التكرار الإيقاعي" الذي جاءت به ساجدة وطرزت به نصها، أرادت منه تمثيل "اللازمة الشعرية" التي تُكمل وحدة الموضوع، حتى وإن اختلفت الصورة في النص أو تغير مجرى الحدث. وهنا لا بد من رابط يعيد الصورة الأصلية لذهن القارئ بعيداً عن التشويش أو التشتت، وهذه الرابطة هي "اللازمة الشعرية" التي لا تكتمل صورتها إلا بـ "التكرار الإيقاعي"؛ ولأنه يمثل صلب الموضوع، فلا غنى عن تكراره ليكون جسراً يرسخ المعنى في ذهن القارئ دون عناء.

أما "الحوارية" الواضحة والطاغية على النص، فقد أرادت منها ساجدة الموسوي كسر الرتابة التي قد يستشعرها القراء، وهي حركة ذكية جداً حوّلت القصيدة إلى ما يشبه "المشهد السينمائي"، وهو ما يصبُّ في تبسيط البناء النصي للقصيدة، ويعمل على تقليص الفجوة مع المتلقين بمختلف مستوياتهم.

يغالبني الشّوقُ حيناً فأبكي

وحين أفتشُ عن ريحِ أخبارهم

كيف هم.. كيف أولادهم

وهل أذبل العمرُ أجفانهم؟

*

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

.

.

.

متى نلتقي

لقد نجحت ساجدة الموسوي في أن تجعل من قصيدتها تجسيداً لـ "الغربة"، لا كفكرة مجردة فحسب، بل كوجع ملموس في الأطراف حين تناولت مفردة (البرد)، وفي الهوية عبر (لغة الضاد). لقد قدمت ساجدة الموسوي نصاً بسيطاً في تناوله، كبيراً في معانيه وما يتضمنه من فنية في التوظيف والأداء؛ ولا نبالغ حين نقول إنه نصٌ عفوي خلق إحساساً عالياً بالحدث، وجعل من "دموع الأم" لغة عالمية لا تحتاج إلى قاموس لشرحها.

نصٌ تتجلى فيه مشاعر الوجع الذي تخلفه الغربة على الإنسان، "نصٌ درامي وجداني" تمثّلَ في حقيقة معاشة ماثلة للعيان، ممزوجة بحنينٍ لا يخبو؛ إذ تتناثر الأسئلة من خلاله كثلجٍ باردٍ يعجز عن إذابة مشاعر الشوق. يؤكد نص ساجدة الموسوي حقيقة لا تُنكر؛ تظلُّ فيها الأم قلباً نابضاً بالحب رغم المسافات، تبحث عن أبنائها في تفاصيل الحياة والذكريات، وفيها يغدو اللقاء حلماً مؤجلاً يثقل كاهل الزمن ويأبى القيود. إنها قصيدة تصور "الفقد المؤقت"، قصيدة الأمل رغم عتمة ما يحيط بالأجواء.

***

سعد الدغمان

حين تجلس أمام الشاشة متابعاً "اسمي حسن" للمرة الأولى، تظنه مسلسلاً رمضانياً كسواه - يفتح بيوت العراقيين على مصاريعها ويملأ الشاشة بالأصوات والوجوه والحكايات المتشابكة. غير أنك سرعان ما تكتشف أنك أمام عمل أعمق من ذلك بكثير؛ فالكاتب حامد المالكي والمخرج سامر حكمت لا يعرضان عليك حكاية، بل يضعانك في مواجهة سجلٍّ ما زال مفتوحاً - شيء يخصّك، يحتاج إلى جلسة محاكمة أنت الشاهد الوحيد فيها، دون أن تُسأل إن كنتَ مستعداً للشهادة أو لا.

هذا المسلسل يضجّ بالصور البلاغية والحقائق الإنسانية والتاريخية حتى يكاد الناقد يضيع في ثرواته الجمالية؛ فكل مشهد يستدعي توقفاً، وكل شخصية تحمل نسيجاً يستحق التشريح. وقدِ احتاج ذلك مني أكثر من خمسة آلاف كلمة للإحاطة بجماليات المسلسل المتعددة. غير أنني، عن سابق إصرار وترصّد، ورغبةً في أن تُقرأ هذه المقالة لا أن تُهجر لطولها، سأتجاوز كل ذلك وأقتصر على لحظة واحدة متميزة شهدتها نهاية الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة - لحظةٍ اكتشفت فيها أن الحلقات الخمس عشرة كلها كانت تمشي نحوها بتؤدة وصمت، دون أن تفسد متعة المتابعة أو تكشف عن وجهتها قبل الأوان.

وقبل الوصول إلى تلك اللحظة، ثمة توطئة ضرورية تتحدث عن طبيعة هذا العمل وما الذي جعله مختلفاً في المشهد الدرامي العراقي والعربي.

في زمن تتكاثر فيه المسلسلات كمّاً على حساب النوع، جاء "اسمي حسن" مغايراً لكل ما سبقه؛ يستحضر سنة 1982 من قبرها الساكن في الذاكرة الجماعية ويجلسها أمامنا على مائدة السحور. عام الدجيل، عام إحكام البعث قبضته الحديدية، عام موجة القمع التي طالت الشباب خاصة.

المسلسل يرسم آلية الاستبداد كسرطان يتجاوز تغييب الجسد إلى تفكيك الهوية وإعادة برمجتها؛ الضحية فيه تتحوّل إلى منفِّذة لتفاصيل هذا السرطان بعد أن ينكسر فيها كل ما كان يقاوم، والألم يغدو نظاماً دقيقاً لإنتاج الطاعة. والاعتراف في سجون الطاغية كان في حقيقته: محاولة انتحار للمعتقل - الثمن الأخير الذي يدفعه الإنسان إيقافاً للتعذيب والفكاكَ منه.

ثمة مسافة حقيقية تفصل بين متفرجٍ على دراما وشاهدٍ على حدث عاشه هو، أو ذووه، أو كل من تربطه به صلة إنسانية. "اسمي حسن" يُعيد رسم هذه المسافة ليلغيها.

الموت قتلاً وتصفيةً وظلماً في تلك الأيام كان مباغتاً بلا مقدمات، يأتي في الليل أو في وضح النهار، سواءٌ بسواء... في الصلاة أو في الشارع، لا فرق... في المقدس أو في المدنس، وارد جداً. تفاصيل المكان والزمان والحصانة والطقس كلها فقدت معناها وخصوصيتها دفعةً واحدة.

هذا الانقطاع عن لغة الصورة التلفزيونية التقليدية ينطوي على فعل أعمق من مجرد خيار جمالي؛ إذ يُعيد برمجة آلية قراءة المتن البصري ذاته. المسلسل يرتقي منذ لحظته الأولى من كونه وسيطاً درامياً إلى حقيقة سياسية قاسية تتكئ على الذاكرة الجماعية وتُعيد صياغتها بمخيال خاص يحمل بصمة حامد المالكي وحده. فما يترسّخ في الوعي بعد المشاهدة إجابةٌ راسخة على سؤال ظلّ يسكن الصدور همساً طويلاً: ما الذي حدث يومها؟

" "اسمي حسن" يصنع واقعاً موازياً يُقيمك فيه شاهداً ومشاركاً، عوضاً عن الاكتفاء بوصف الواقع من بعيد.

ولفهم كيف يصنع المسلسل هذا الواقع الموازي، ثمة وقفة ضرورية عند بنيته الهيكلية التي تشتغل باتساق معماري مضمر. خمس عشرة حلقة تقوم على ما يمكن تسميته "البنية الدائرية مع التراجع الديناميكي": أربع دورات متصاعدة في الانغلاق، كل دورة تُوهم بإمكانية الخروج ثم تُحكم القفل.. الدورة الأولى (الحلقات 1-3) تقدم الحرية النسبية والخطر الكامن. الدورة الثانية (الحلقات 4-6) تقدم الاختيار المزعوم واستحالته الحقيقية. الدورة الثالثة (الحلقات 7-9) تقدم التسليم الإرادي والفقدان المطلق. الدورة الرابعة (الحلقات 10-15) تقدم الانقياد الكامل والعدم. في كل دورة يبدو الخروج ممكناً - الهرب، السفر، الاعتراف - وكل "خروج" يقود في حقيقته إلى انغلاق أعمق.

وهذا البناء الدائري يجد صدىً في إيقاع السرد ذاته؛ الحلقات الأولى تتحرك ببطء، تراكم التفاصيل وتبني الشخصيات طبقةً فوق أخرى، ثم يتسارع الإيقاع بعد الحلقة السادسة تسارعاً محسوباً، وبحلول الحلقة الخامسة عشرة تتراكم الأحداث بسرعة مغايرة تماماً. هذا التسارع اختيار فني واعٍ في صميمه؛ إذ يعكس الشعور النفسي للشخصيات بدقة مدهشة: حين تكون حراً تتمنى أن يمر الوقت ببطء، وحين تكون محاصراً يسقط الوقت من بين يديك، وحين يلوح لك حبل المشنقة في أفق جبروت الطغاة، يتحوّل الزمن إلى وطأة بثقل صاروخ سجيل الإيراني.

والآن لنسلّط الضوء على اللحظة المُستلّة من العمل، تلك التي أشرت إليها في مفتتح المقالة والتي اخترتها عن قصدية معرفية رغم اكتناز المسلسل بالكثير من أبجديات الوعي والدراما والحقيقة والجمال الفني.

وقف المسلسل عند لحظة توليفية بالغة الذكاء حين جمع الحسنَين في توقيت واحد في زنزانة واحدة: أحدهما "حسن" إسلامي شيعي يقرأ لمحمد باقر الصدر، والآخر "حسن" شيوعي يقرأ للينين وماركس وسارتر. الجامع بينهما اسمٌ واحد وقعَ في فم معتقل آخر بتفاصيل أخرى تحت وطأة التعذيب فاستوى دليلاً كافياً لسلطة صادرت الاسم قبل أن تصادر الجسد.

ما بناه الكاتب حامد المالكي هنا أدقّ من المصادفة الدرامية – بل تجاوزها؛ فالحسنان يمثّلان خطّين أيديولوجيين يتسيدان المشهد العراقي في تلك الحقبة ويتوجّسان من بعضهما تاريخياً، غير أن السلطة الخائفة توحّدهما بقرار واحد. التعذيب لا يُفرّق بين كتاب ولا بين عقيدة؛ يختار الاسم ويبني التهمة وفق تأويلاته المزاجية. والأشد وطأةً أن الحسنَين يحملان صفة مشتركة أعمق من الاسم: كلاهما في عمر الزهور، واعٍ، منفتح، يقرأ ويسأل ويُكوّن. هذا الوعي هو بالضبط ما يجعلهما خطرَين في منطق الاستبداد؛ القراءة تهمة، والتفكير جريمة، والشباب المتفتح مشروع تمرد مؤجَّل في عين السلطة الخائفة.

وحين تبلغ هذه المعادلة ذروتها الدرامية في الحلقة الأخيرة على حافة المشنقة، يلتقي الحسنان مرة أخرى في قاعة الإعدام دون محاكمة دون شهود سوى قلم أحمر أطلق العناق لدكتاتوريته ليشطبهما من سجل الأحياء. لِقاؤهما من جديد يقوم على الاسم وحده، دون رابط دم أو قضية بتفاصيل مشتركة أو أي شيء يعرفه منطق الدراما عادةً.

صعدوا جميعاً بالسلم ذاته إلى المنصة ذاتها - الحسنان والأزلام في مستوى واحد، كأن المنصة تتظاهر بالمساواة لحظةً قبل أن تكشف نيّتها. ثم تحرّكت العتلة بيد أحدهم صاحبها خارج الكادر (طبعاً يجهل اغلبنا من حرّكها على وجه الدقّة)، ربما هي السلطة ذاتها أو قائدها ومحركها العالمي المجهول - فنزل الحسنان عن مستوى الواقفين، وصار الأزلام هم الأعلى بوجوههم الكالحة وشواربهم الكثة المتدلية قذارة.

لكن ما لم تحسبه العتلة: أن أقدام الحسنين المتدلية باتت ترتفع فوق مستوى من كان يرقب المشهد من الأسفل، تلك السلطة التي آثرت أن تُدير المشنقة دون أن تقف على منصتها خوفاً من مستقبل مشابه – مستقبل فايروسي مُعدٍ.

وهنا يُبدع سامر حكمت برسم اللقطة كما يُجيد رسّام الفريسكو مايكل انجلو تثبيت اللحظة قبل أن تبتلعها الحركة - مشهد ثابت يختزل ما عجزت عنه ألف مسلسل ومسلسل: قدمان تركلان الفراغ، وفي هذا الركل ما هو أعمق من وداع الجسد للروح؛ أقدامهما المتدلية في النزع الأخير تركل فوق رؤوس تلك السلطة التي لا تحضر لحظة الموت بنفسها بل تُوكّل أدواتها وتُبقي يديها نظيفتين.

الحبل - أداة الإذلال المزعومة - هو ما جعل أقدامهما ترتفع في اتجاه من لا يُرى في الكادر، تركله دون أن تقصد ودون أن يستطيع الدفاع.

وخلفهما في العمق البصري ذاته يتسمّر الأزلام بشواربهم الكثّة جامدِين كتماثيل شمع، حاضرين في الكادر غائبين عن معناه - أدوات مكتملة الحضور منقوصة الإرادة. المسافة بين المعلَّقَين والواقِفِين هي المسافة ذاتها بين من انتهى كل شيء بالنسبة إليهم (التهمة – الاسم – شماتة الاحياء) وبين من لم يبدأ لديهم شيء قط (عدم لا غير).

ما جعل هذا الكادر بمشنقته وضحاياه وجلاديه يتنفس هو ما قدمه تحسين داحس وأمير إحسان رغم خفاء وجهيهما بالكيس الأسود. الأول في دور حسن الشيوعي والثاني في دور حسن الإسلامي - لكن المشاهد لا يرى ممثلَين يؤدّيان، بل يرى حياةً تجري في زمنها الخاص غير مُستأذنة من الكاميرا. كيمياؤهما مع بعضهما ومع العدسة في آنٍ واحد هي تلك النادرة التي لا تُصنَع في البروفة ولا تُكتسب بالتقنية؛ أداء راكز عفوي تلقائي كأن النص لم يُكتب قط وكأن اللقطة تسرق حياةً لا تعلم أنها تُصوَّر. واحد يحمل لينين والآخر يحمل الصدر، وكلاهما في الكادر الأخير يحمل الشيء ذاته: خفّة من لم يعد ثمة ما يثقله.

ترتفع الكاميرا من الأقدام الراكلة إلى الرأسين الغائبين خلف كيس الإعدام الأسود فيتوهج حامد المالكي وسامر حكمت مرّة أخرى بفلاش باك صوتي يستعيد لحظة دخول حسن الشيوعي السجن ليلتقي بحسن الإسلامي:

- اسمي حسن حبيبي. (يضحك حسن الإسلامي)

- شو تضحك؟

- آني هم اسمي حسن.

يضحكان سوية لسخافة الموقف، وقد تعلقا بالمشنقة ذاتها التي أُكره بسطاء الشعب على تخيّلها حبلَ نجاة، حين دقّت السلطة شعاراتها في آذانهم (على ظهور الشگر شدّوا الخيّاله...حلو نوط الشجاعة يلوگ لابطاله) حتى غدا الوهم يقيناً - يقيناً لا خياراً لديهم معه.

هذه الضحكة تستحق التأمل النقدي العميق؛ ضحكتهما سوية تفجّرت باتساق فونيمي كأن التشابه بينهما امتد حتى بلغ إيقاع ضحكتهما ذاتها - هي ضحكة تتجاوز خانة الاستهانة بالموت وخانة الجنون معاً، وتغدو الإجابة الوحيدة الممكنة على كل شيء، على سخافة الوجود برمته.

بعد تلك اللحظة المحددة-حين يضحك الحسنان مشنوقَين-اختار القائمون على المسلسل إدخال "داده حسن" بصوت أنوار عبد الوهاب الشفاف. لا نعرف ما إذا كانت قدحة درامية استفزت مخيال حامد المالكي، أو حقيقة جمالية أشعلت وعي سامر حكمت، أو ذاكرة جمعية عميقة تؤكد أن جمال الكلمات والصوت هو ما استدعى هذه النهاية العظيمة جسداً وصوتاً.

"داده حسن" من كلمات علي الهنداوي وألحان الراحل محمد جواد أموري، وغناء السيدة أنوار عبدالوهاب أنتجت سنة 1973 - أغنية تناجي بل تنعى حسناً بالاسم وتلومه بحنان، استعاض سامر حكمت عن موسيقى الأغنية الأصلية بتوليفة من تتر بداية المسلسل مكتفياً بصوت المطربة. هذا ليس حذف موسيقى عابر-إنه تفكيك زمني متعمد: موسيقى التتر تعيدك فوراً إلى الحلقة الأولى-إلى حيث بدأنا قبل أن نعرف من هو حسن الحقيقي.

الخيار الأهم: الأغنية لا تُسمع متصلة. بل كل بيت أو مقطع يرافق مشهد معين من المسلسل. هذا يعني: البيت الأول لا ينتظر النهاية، بل ينفجر عند الصورة التي تستحقه. البيت الثاني قد يأتي بعد فاصل زمني صوري، مرتبطاً بلحظة مختلفة من الألم الموثق. الأغنية لا تستنزف نفسها دفعة واحدة، بل تعود بجرعات مختلفة من الحزن.

في داده حسن التي أعدها سامر حكمت لابد من الإشارة إلى البيت الأصلي الذي يحمل التأنيب والمحاسبة - والذي تم نفيه تماماً من الرؤية - النسخة المعروضة مع التايتل النهائي:

حيل وبعد وياك هاي...... الردته؟

مو گالت الشمات...... ما حسبتها؟

واعتقد أنَّ سبب الحذف هو تأويل هذا السطر الذي يبدو ليس سؤالاً بريئاً. إنه توبيخ من الأهل، من الناس، من الذاكرة الجمعية.

"حيل وبعد وياك" = أنت كنت هنا، كان بإمكانك أن تفعل غير ذلك. "هاي الردته؟" = هذا ما تيقنته أفكارك؟ هذا مصيرك الذي اخترته بيديك؟ هذا الذي كنت تحلم به وترجوه؟.

المسؤولية كاملة ملقاة على حسن وحده. أنت من قرر أن يكون إنساناً حراً في عالم يكره الأحرار. والثمن-الشنق، الوحدة، الموت-هو ما يستحقه من اختار هذا بعينين مفتوحتان. كم انت شقي يا حسن؟.

والشق الثاني من البيت (مو گالت الشمات ما حسبتها؟ ) فيه من التأويل الذي كان سيشرق به المسلسل أكثر لو أن الأغنية المرافقة للتر قد تضمنته كالأبيات الأخرى لكنني متأكد أن سامر حكمت أراد للأغنية أنَّ تكون نعياً خالصاً لحسن لا تأنيب فيه.

إذن تعالوا معي لتحليل الشطر الثاني من البيت .. (مو گالت الشمات ما حسبتها؟) عبارة يلتبس سماعها حتى على أبناء اللهجة أنفسهم فالمسموع يبدو كأنه "مو گالت الشمات ما حسبتها" غير أن التأمل في النص يكشف أن الملحن حوّر العبارة الأصلية صوتياً، وأن الأصل هو تساؤل حقيقته "مقالة الشمات... ما حسبتها؟" - أي أن حسن لم يحسب حساباً لكلام ومقالة الشامتين ولا لتبعاته. والدليل اللغوي قاطع: ضمير "ها" في "ما حسبتها" مؤنث، يعود على "مقالة" المؤنثة وحدها، ولا يستقيم إلا بها وليس مع (مو گالت).

وهذا المعنى يحتمل وجهين محترمين: إما أن حسن كان شجاعاً حراً لا يعبأ بما يقوله الشامتون وهو فعل تاريخي اتسم به الأبطال الأفذاذ على غرار علي والصدر وجيفارا، وإما أنه كان ساذجاً لم يقدّر ثمن تلك "كلام الناس" وهو رأي الأغلبية المدجنة الخائفة من خيالها. والاختيار الحصيف للأغنية هذه تترك التأويلين معاً مفتوحين دون أن تختار بينهما.

وحين تدخل "داده حسن" في تلك اللحظة تحديداً - حين يضحك الحسنان مشنوقَين – تتكشف وجوههما من خلل الكيس الاسود. ربما كانا شجاعين فلم يحسب الحسنان حساب مقالة الشامتين بوقوف أزلام النظام خلفهم بهيئتهم الحقيرة. وربما لم يحسباها فدفعا الثمن غالياً وهي الأرجح ولأجلها حذفها القائمون على المسلسل من التايتل النهائي.

والمفارقة أن الضحكة المشتركة للحسنين، هي في حد ذاتها أقوى رد ممكن على كل شامت - وأعمق دليل على أن "مقالة الشمات" لم تُحسب، ولن تُحسب لان ما كانا عليه وما فعلاه هو عن سبق يقين وقصدية لا تراجع فيها وإعلان انتماء لا ندم فيه وطز بمن يقول غير ذلك.

ختام أغنية "داده حسن" يصبح بكاءً جماعياً على كل حسن - كل من اغتيل، كل من فُقد، كل من لم يستطع البقاء إنساناً تحت ضغط النظام. لكن الأغنية تُذكر بأمر وجودي مهم {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}: "لا أم تحن لبچاي. لا خاله وياي"، هذا هو المصير النهائي - وحدة مطلقة، لأننا لا نشبه الآخرين نعيش الوحدة الانفجارية.. أفكارنا يخاف الجميع من الاقتراب منا خوفا من العدوى – عدوى الأفكار التي تكون نتيجتها: جسد يتدلى تحت مشنقة لا تعترف بحرية الفكر.

في النهاية، يبقى ما أنجزه الكاتب حامد المالكي برفقة المخرج سامر حكمت أعمق بكثير من مجرد حُسْنُ توزيع أدوار بين الممثلين؛ فالعملان معاً رسما حضور الشخصيات بوصفه فعلاً بنيوياً داخل العرض، لا زينةً على هامشه. كل شخصية - من الشيخ حسين مروراً بالحاج ناظم وعائلته كخط أول، وحسن الشيوعي وحسن الإسلامي وسالم الانتهازي كخط ثانٍ، مروراً برجالات السلطة وأذنابها كخط ثالث، وحتى عيون المدينة وشخصياتها الاجتماعية كخط رابع - تحمل قيمتها الدرامية الكاملة وتؤدي وظيفتها في المنظومة السردية دون أن تطغى على ما جاورها أو تذوب فيه. هذا التوازن الصارم في الحضور هو ما منح العرض نسيجه المتماسك، إذ ظهر الممثلون أبطالاً بالتساوي، في الضوء وفي الظل، في الفعل وفي الصمت.

والأدق في هذا الإنجاز أن الشخصيات التي تمثل أداة القمع - السجانون والمعذِّبون - جاءت مرسومةً بالعناية الدرامية ذاتها التي أُوليت لضحاياها. هذا الاختيار الاخراجي يُفكّك الصورة النمطية المريحة التي تُبسّط الاستبداد إلى أشرار من ورق؛ فحين يُمنح الجلاد حضوراً إنسانياً مكثفاً، تتضاعف فداحة ما يرتكبه وتتعقد معها مسألة المسؤولية الأخلاقية.

وإلى جانب هذا البناء الإنساني للشخصيات، وظّف المخرج سامر حكمت تقنية الذكاء الاصطناعي في استعادة بغداد الثمانينيات؛ شوارعها وأرصفتها وحركة الناس فيها، والمركبات ذات الطابقين التي كانت علامةً على تلك الحقبة. توظيف التقنية هنا جاء في خدمة الذاكرة دون البهرجة البصرية؛ فالمدينة المُعاد بناؤها تُضفي على الأحداث ثقل الحقيقة وتُرسّخ الإحساس بأن ما يجري على الشاشة حدث فعلاً في هذه الشوارع بالذات، على هذه الأرصفة، بجوار هذه السيارات.

ولإحقاق الحق، لا بد من التعريج على أداء الممثلين، مع احترامنا لبقيتهم بعد أن قيّمنا أداء تحسين داحس وأمير إحسان آنفاً. فلا يسعنا إلا أن نورد تقييمنا المنصف لبقية الممثلين.

1- محمود أبو العباس (الحاج ناظم)

حضور فيزيائي مهيب. تدرج الأداء من الثبات الكاذب إلى الانهيار الداخلي متقن ومقنع. استخدام الصمت والإيماءة البسيطة والصوت الطبيعي والنظرات المتهدّلة لشيخ كبير مبتلى بمسؤولية الحفاظ على من يرتبط به يدلّ على خبرة تمثيلية عالية. محمود أبو العباس فنان قدير صعب تكراره.

2- زهرة بدن (صفية)

أداء بسيط وفعّال (سهل ممتنع) يجسّد الزوجة التي تعيش داخل القلق العائلي والمسؤولية بحراك دؤوب لصيانة البيت وأفراده من كل سوء اجتماعي وحكومي. الاعتماد على التعابير الدقيقة والصوت الكثيف بالقلق يدلّ على احتراف عالٍ. الحضور الهادئ رغم مأساة التحديات التي تعيشها يخلق ضغطاً نفسياً حقيقياً على المشهد، فيدفع به ليكون هوية للإبداع ونموذجاً للحضور الممتع. كل ذلك تجلّى في تمثيلها مع اجتهاد عاطفي أمومي قلّ نظيره.

3- حسين علي صالح (جمعة)

الممثل القدير الذي ظُلم كثيراً من قبل الإعلام العراقي، قدّم شخصية الرفيق جمعة كواحد من أعظم الأدوار الدرامية في التلفزيون العراقي. ميزانُ أدائه التحكم في الصوت والحركة اللذين عكسا الضعف المؤسسي البعثي دون مبالغة. التناقض بين محاولات القوة والانهيار الداخلي قُدّم برصانة احترافية.

4- بتول كاظم (أم حسن)

أداء اقتصادي في استخدام العناصر التمثيلية لتحقيق تأثير عميق. الحركات القليلة المختارة والصوت الضعيف يعكسان الحضور المتفجّر فلسفياً والغياب الوجودي القادم. كفاءة عالية في تحويل القليل إلى معنى كثير-إشارة إلى مشاهدها القليلة التي تمّ نسجها بأصابع خبير، حيث اجتهد حامد المالكي وسامر حكمت بتوهّجها درامياً في خدمة المسلسل. نجحت بتول كاظم في تحويل شخصية "أم حسن" من مجرد دور مساند إلى واحدة من أكثر الشخصيات التي علقت في أذهان المشاهدين.

5- محمود شنيشل (أبو حسن الإسلامي)

أداء حساس في تجسيد الأب المحطّم بفقدان الابن والخوف على مصيره المحتوم المتوقّع. التحكم الدقيق في الملامح يعكس الألم المكبوت دون درامية مفرطة. الصوت المتداعي والنظرات العائمة خدمت الشخصية بمهنية واضحة. وخاصة صراخه خلف ابنه حسن لحظة دفعه لمنصة الإعدام شنقاً بكلمة (بويه) الحميمية التي قطعت نياط قلوب المشاهدين.

6- زياد الهلالي (العميد عصام)

توازن احترافي بين الصلابة الحكومية والقلق الداخلي العائلي الخفي القابع خلف منصات الندم. التحكم في طبقات الصوت والحركة يعكس خبرة تمثيلية متقدّمة. الأداء يتجنب النمطية ويحافظ على التعقيد الإنساني للشخصية.

7- مجد الخضر (سالم)

يتميّز مجد الخضر بقدرة لافتة على "العيش داخل الشخصية"، وقد تجاوز تمثيلها الحدود المتوقّعة، وهو ما أشاد به متابعوه على نطاق واسع. شخصية سالم تحتاج إلى توازن دقيق بين الطاعة والمكر الضمني، وهو ما أدّاه بتحكم واضح دون مبالغة أو تسطيح.

8- علي صبيح (شوقي)

قدم لنا علي صبيح شخصية شوقي بإتقان يبعث على الفخر باستخدامه تنويعات صوتية دقيقة تعكس حالات الشخصية النفسية؛ من الهمس الحميمي عند الحوارات الفكرية إلى الارتفاع الحاد في لحظات الصراع والخوف والقلق، مما يشير إلى وعي عالٍ بآليات التعبير الصوتي.

"عموماً. اسمي حسن" بهذا المعنى الشامل - في كتابته وإخراجه وأداء ممثليه وتوظيفه للتقنية - عمل يصعب تكراره، وأشق منه تجاوزه. صنع من الذاكرة فناً، ومن الجرح شهادة، ومن الاسم البسيط بياناً إنسانياً يتجاوز زمنه إلى كل زمن تحوّل فيه الوجود ذاته إلى تهمة.

***

كاظم أبو جويدة

في تحوّلات الشعر بين دولوز وصيرورة الحسّ

لم يعد السؤال اليوم: كيف نقول؟ بل: كيف يحدث القول؟.. ذلك أن البلاغة، بوصفها علماً لضبط القول وتزيينه، كانت تفترض مسبقاً عالماً قابلاً للتمثيل، ولغةً شفافةً تنقل المعنى من ذهنٍ إلى ذهن، كما تُنقل صورةٌ في مرآةٍ صقيلة. غير أنّ هذا التصور، الذي استقرّ قروناً في الوعي الفلسفي والأدبي، أخذ يتهاوى مع الانعطافة المعاصرة التي دشّنها مفكرون من طراز جيل دولوز، حيث لم يعد الفكر تمثيلاً، بل صار حدثاً، ولم تعد اللغة أداة، بل غدت صيرورة.

إنّ ما سمّاه دولوز بـ"موت البلاغة" ليس إعلاناً لنهاية اللغة، بل نهاية لوهمٍ قديم: وهم التماثل بين الفكر والعالم، بين الدالّ والمدلول، بين الذات والموضوع. هذا الوهم الذي غذّته العقلانية الدوغمائية، وأضفت عليه مسحةً لاهوتيةً تجعل من الانسجام الكوني غايةً مُسبقة، ومن الحقيقة تطابقاً مريحاً بين الداخل والخارج. وفي ظلّ هذا النسق، كانت البلاغة تزدهر بوصفها تقنيةً لإحكام هذا التطابق، وتجميل هذا الانسجام.

غير أنّ التحوّل الجذري الذي تقترحه فلسفة دولوز، ومعه تيارات ما بعد البنيوية، يقوم على تقويض هذا الأساس برمّته. فالفكر، في هذا الأفق، لا يُعيد إنتاج الواقع، بل يخلقه؛ واللغة لا تُحاكي العالم، بل تُفجّره إلى احتمالات؛ والمعنى لا يُكتشف، بل يُنتج عبر انزلاقات الدلالة وتكثّف الإحساس. وهنا، يتبدّى الشعر لا كفنّ للقول الجميل، بل كحقلٍ للتجريب الأنطولوجي، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الكائن والعالم.

إنّ الاستطيقا، في هذا السياق، لم تعد فرعاً من البلاغة، بل بديلاً عنها. فالصورة الشعرية لم تعد زينةً خطابية، بل أصبحت كثافةً إدراكية، "كتلةً من الإحساس" بتعبير دولوز، حيث تتشابك المؤثرات الحسية والانفعالية في نسيجٍ يتجاوز اللغة ذاتها. إنّ القصيدة، بهذا المعنى، ليست خطاباً يُفهم، بل تجربةً تُعاش؛ ليست رسالةً تُفكّك، بل طاقةً تُلامس.

ولعلّ المفارقة العميقة تكمن في أنّ البلاغة، التي كانت تُعنى بإقناع العقل وإمتاع الذوق، قد أُزيحت لصالح فنٍّ لا يسعى إلى الإقناع، بل إلى الإحداث؛ لا يطلب الفهم، بل يُربك شروطه؛ لا يُنتج المعنى، بل يُفجّر إمكاناته. وهكذا، يتحوّل الشعر من نظامٍ للعلامات إلى فضاءٍ للصيرورات، من بنيةٍ مغلقة إلى تدفّقٍ مفتوح.

في هذا الأفق، يغدو "المتناهي" – أي اللغة المحدودة، الجسد، اللحظة – معبراً نحو "اللامتناهي"، لا بوصفه ميتافيزيقا مفارقة، بل كطاقةٍ كامنةٍ في قلب التجربة. فالفن، كما يرى دولوز، يمرّ عبر المحدود لا ليُثبّته، بل ليُشظّيه، ويستخرج منه ما يتجاوز حدوده. ومن هنا، فإنّ القصيدة ليست تمثيلاً للعالم، بل انخراطاً في صيرورته؛ ليست وصفاً للواقع، بل إعادة خلقٍ له.

أما ما يمكن أن نلمحه عند بعض القراءات المعاصرة، ومنها ما يُنسب إلى "بومسهولي"، فهو محاولة لتأصيل هذا التحوّل في سياق نقديّ عربيّ أو كونيّ، حيث يُعاد التفكير في البلاغة لا كتراثٍ ينبغي تجاوزه فحسب، بل كبنيةٍ ذهنيةٍ ما زالت تحكم وعينا باللغة. إنّ موت البلاغة، بهذا المعنى، ليس حدثاً تاريخياً وقع وانتهى، بل عملية تفكيكٍ مستمرة، تتطلب وعياً نقدياً يقظاً.

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يعني موت البلاغة انعدام المعايير؟ هل نحن بإزاء فوضى جمالية؟

الجواب، في العمق، هو النفي. فما يحلّ محلّ البلاغة ليس العدم، بل نوعٌ آخر من النظام: نظام الكثافة، التوتر، الإيقاع الداخلي، والقدرة على توليد الإحساس. إنّها معايير لا تُقاس بمقاييس البيان والبديع، بل بقدرة النصّ على خلق تجربةٍ فريدة، لا تُختزل في معنى، ولا تُستنفد في تأويل.

وهكذا، فإنّ الشعر، في أفق ما بعد البلاغة، لا يُكتب ليُفهم، بل ليُحدث أثراً؛ لا يُقرأ لاستخلاص فكرة، بل للانخراط في تجربة. إنّه انتقال من "بلاغة القول" إلى "استطيقا الحدوث"، من لغةٍ تُحيل إلى معنى، إلى لغةٍ تُنتج عالماً.

في خاتمة المطاف، لا يمكننا أن نرثي البلاغة بوصفها فناً ميتاً، بقدر ما ينبغي أن نفهمها كمرحلةٍ من تاريخ الوعي باللغة، مرحلةٍ تجاوزتها تحوّلات الفكر المعاصر. فموت البلاغة ليس نهاية الشعر، بل ولادته من جديد: شعراً بلا يقين، بلا مركز، بلا غاية مُسبقة؛ شعراً ينفتح على اللامحدود، لا ليُفسّره، بل ليُجسّده في ومضةٍ عابرة، أو ارتعاشةِ معنى لا يستقرّ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في أفق الشعر العربي المعاصر، حيث تتقاطع التجربة الوجودية بالهمّ الجمعي، وتتشابك اللغة بوصفها أداة تعبير مع اللغة بوصفها كينونة كاشفة، تبرز قصيدة "وللبلاد عتابها" للشاعر فرحان الخطيب بوصفها نصاً رؤيوياً ينهض على توتر عميق بين الذات والوطن، بين الحلم والانكسار، وبين الذاكرة والتاريخ. إننا أمام خطاب شعري لا يكتفي باستحضار البلاد كحيّز جغرافي أو كيان سياسي، بل يعيد تشكيلها في بنية رمزية مركّبة، تتخذ من "الغابة" استعارة كبرى تختزن طبقات من المعنى، وتفتح أفقاً تأويلياً رحباً يتجاوز المباشر إلى الإيحائي، ومن الواقعي إلى الوجودي.

تتأسس هذه القصيدة على لغة مشحونة بالانزياحات البلاغية، حيث تتكثف الصورة الشعرية وتتوالد الدلالات عبر تراكيب متوترة، تُعيد ترتيب العلاقة بين اللفظ والمعنى، وتُحرّر العبارة من نمطيتها نحو أفق جمالي منتج للدهشة. كما يتجلى في النص معمار صوتي خاص، يقوم على التكرار الإيقاعي، وتناوب النبرات بين الحزن والاحتجاج، بما يعكس البنية النفسية المضطربة للذات الشاعرة، ويمنح القصيدة طابعاً إنشادياً داخلياً يوازي انكسارها الدلالي.

ولا تنفصل هذه البنية الجمالية عن أفق فكري وفلسفي أرحب، إذ يطرح النص أسئلة حادة حول الهوية، والانتماء، والانكسار التاريخي، ويكشف عن وعي نقدي يتجاوز الرثاء إلى مساءلة الذات الجماعية، واستنطاق أسباب التراجع والتمزق. ومن ثمّ، فإن القصيدة تنخرط في سياق ثقافي وتاريخي عربي مثقل بالتحولات، حيث تتقاطع الذاكرة التراثية مع واقع مأزوم، لتُنتج خطاباً شعرياً يراوح بين الحنين والاحتجاج، وبين التوق إلى الانبعاث والإحساس بالخذلان.

انطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية شاملة، تستند إلى جملة من الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إلى جانب الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية، في محاولة للكشف عن البنية العميقة للقصيدة، واستجلاء آليات اشتغالها الدلالي والجمالي. كما تروم هذه القراءة تجاوز الانطباعية السطحية إلى تحليل منهجي يضيء العلاقات الداخلية للنص، ويُبرز قدرته على إنتاج المعنى، وتوليد تأويلات متعددة، بما يؤكد انتماءه إلى النصوص الشعرية المفتوحة التي تستعصي على الاختزال، وتظل قابلة لإعادة القراءة في ضوء تحولات الوعي والسياق.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم لغة النص بقدرٍ عالٍ من السلامة النحوية والتركيب المتماسك، حيث ينتمي الشاعر إلى نمط اللغة الشعرية الكثيفة التي تتجاوز التداولي إلى الإيحائي. فالتراكيب هنا لا تُبنى على الإخبار المباشر، بل على الانزياح التركيبي والدلالي، كما في قوله:

"قبلةَ الوجعِ المبلّلِ من نزيفِ الوهم"

حيث تتكثف الاستعارة المركبة: (قبلة/وجع/نزيف/وهم)، لتشكّل بنية رمزية متعددة الطبقات.

كما يظهر التقديم والتأخير، والحذف، وتكثيف الجملة الشعرية بوصفها آليات لخلق توتر دلالي، مثل:

"لا لا أريدُ سحابةً.. غيرَ التي..."

هذا التكرار (لا لا) ليس حشواً، بل إيقاع نفسي احتجاجي يعكس انكسار الذات ورفضها.

أما على مستوى الانزياح، فنجد اللغة تتحرك في أفق مجازي كثيف، حيث تتحول المفاهيم المجردة إلى كائنات حسية:

١- الروح تُلاقي

٢- الظلمات تُدحر

٣- الغيم له جروح

٤- اللغة تُقترف

وهذا ما يمنح النص طابعاً رؤيوياً لا وصفياً.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتوازن المفردات بين:

١- معجم صحراوي (الرمال، الغابة، القَطا، النخيل)

٢- ومعجم روحي/صوفي (الروح، الدعاء، الرحمان، النبل)

هذا التداخل يخلق ازدواجية بين الأرضي والمقدّس، وهو ما يخدم موضوع "البلاد" بوصفها:

١- مكاناً

٢- ورمزاً

٣- وجرحاً وجودياً

الألفاظ فصيحة جزلة دون تكلف، مع ميل إلى التراكيب التراثية:

"يشرب التاريخ أنهاراً من الألق"

وهي صياغة تنتمي إلى البلاغة العربية الكلاسيكية، لكن ضمن رؤية حداثية.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص أقرب إلى قصيدة التفعيلة الحرة، لكنه لا يلتزم بوزن صارم، بل يعتمد على:

١- الإيقاع الداخلي (التكرار، التوازي)

اللازمة: "هي غابة.." التي تؤدي وظيفة بنائية ونفسية

٢- التكرار الصوتي: (الغين، القاف، الراء) -  يعطي جرساً خشناً يناسب الألم

مثال:

"الغيم – الغابة – الغبار – الغواية"

كما أن القافية ليست موحدة، لكنها تتولد موضعياً، مما يخلق موسيقى متقطعة تعكس اضطراب الذات.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

النص قائم على بنية تكرارية دائرية:

تبدأ كل مقطوعة بـ "هي غابة"

لكن "الغابة" تتغير دلالياً في كل مرة

فهي:

١- بدايةً: ملاذ روحي

٢- ثم: فضاء تاريخي

٣- ثم: كيان مريض

٤- ثم: وطن مأزوم

وهذا يشي ببنية تحولية (دينامية)، لا ثابتة.

لا توجد شخصيات سردية تقليدية، بل هناك:

"أنا" شعرية

"الغابة" كذات مقابلة

"البلاد" كمعادل رمزي

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا تراجيدية نقدية:

الشاعر فرحان الخطيب لا يرثي فقط، بل يُحاكم

الوطن ليس ضحية فقط، بل متواطئ أحياناً

"لم تعد تهذي بأوجاع الولادة"

أي أن الوطن فقد قدرته على التجدد.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

يبلغ النص درجة عالية من الابتكار عبر:

الاستعارة الكلية (الغابة = الوطن)

الصور المركبة:

"جروح الغيم ثلجاً"

وهي صورة تجمع:

الألم (جروح)

البرودة (ثلج)

السمو (غيم)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- لماذا ينكسر الوطن؟

٢- كيف يتحول المجد إلى ذاكرة؟

٣- أين الفعل الجمعي؟

"وصِرنا شرذماتٍ من نثير"

وهي إدانة واضحة للتفكك.

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

التراث العربي (الصحراء، القوافل، القَطا)

الحس الصوفي (الروح، الدعاء)

الوعي القومي (الفرح العروبي)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

"الغابة" ليست مجرد رمز، بل بنية دلالية مفتوحة:

١- الطبيعة

٢- الوطن

٣- الذات

٤- التاريخ

وهذا يخلق تعددية تأويلية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يعكس سياقاً عربياً معاصراً:

١- التفكك

٢- الحروب

٣- خيانة القيم

كما يستدعي التراث:

"عنيزة" - إحالة إلى فضاء بدوي/عشقي

خامساً: الأسس النفسية

النبرة العامة:

١- قلق

٢- حنين

٣- احتجاج

الذات تعيش:

١- انكساراً

٢- اغتراباً

٣- صراعاً بين الأمل واليأس

"تعبت يداي بحمل بيرقها"

صورة نفسية للإرهاق الوجودي.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص نقدي بوضوح:

ينتقد النخب:

"الجالسين على بساط من حرير الشعر"

ينتقد التواطؤ الجمعي

يكشف انحراف اللغة نفسها:

"يقترفون من لغة الغواية"

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

الغابة = الوطن

الغيم = الأمل/الألم

الدم = التضحية

القنديل = الهداية

2. الثنائيات:

الحياة / الموت

الحضور / الغياب

الضوء / الظلمة

الفعل / العجز

ثامناً: الأسس المنهجية

يمكن قراءة النص عبر:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج السيميائي

٣- المنهج التفكيكي

والنص يقاوم القراءة الأحادية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بـ:

١- الحرية

٢- الكرامة

٣- الوعي

ويظل مفتوحاً على تأويلات متعددة، ما يجعله نصاً حياً.

خاتمة:

قصيدة "وللبلاد عتابها" نصٌّ شعريٌّ كثيف، يتجاوز الغنائية إلى الخطاب الرؤيوي النقدي. إنها ليست مجرد مرثية للوطن، بل تفكيك عميق لبنية الانكسار العربي، حيث تتداخل اللغة بالجرح، والرمز بالتاريخ، والذات بالجماعة.

إنها قصيدة تُقرأ لا بوصفها نصاً، بل بوصفها:

حالة وعيٍ مأزوم… يحاول أن ينجو باللغة.

في ختام هذه المقاربة النقدية لقصيدة "وللبلاد عتابها"، يتبيّن لنا أننا بإزاء نصّ شعري متعدّد الطبقات، تتشابك فيه اللغة بالرؤية، والرمز بالتاريخ، والذات بالجمعي، في نسيج دلالي كثيف يستعصي على القراءة الأحادية. لقد استطاع الشاعر فرحان الخطيب أن يُشيّد عالماً شعرياً قائماً على استعارة مركزية ("الغابة") تحوّلت إلى بنية رمزية مفتوحة، تتسع لاحتواء الوطن بوصفه جغرافيا، وذاكرة، وجرحاً، ومصيراً.

وعلى المستوى اللغوي، تجلّت قدرة النص على توظيف الانزياح بوصفه أداة لإعادة تشكيل المعنى، حيث لم تعد اللغة وسيلة نقل، بل صارت فضاءً لإنتاج الدهشة والتوتر الجمالي. أما من حيث البناء الفني، فقد أفضت البنية التكرارية والتحولات الدلالية إلى خلق معمار شعري دينامي، يعكس حركة الوعي من التماهي إلى المساءلة، ومن الحنين إلى الاحتجاج.

وفي أفقه الفكري، يتجاوز النص حدود الرثاء العاطفي إلى مساءلة عميقة للواقع العربي، كاشفاً عن وعي نقدي يعرّي أسباب الانكسار، ويطرح أسئلة وجودية تتعلق بالهوية والانتماء والقدرة على النهوض. كما أن البعد النفسي للنص يشي بذات مأزومة، تتأرجح بين الأمل والانكسار، فيما يعكس البعد السوسيولوجي حضوراً واضحاً لنقد البنى الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في إنتاج هذا الواقع المتصدّع.

أما على الصعيد السيميائي، فقد شكّلت شبكة الرموز والعلامات منظومة دلالية متكاملة، تقوم على ثنائيات متقابلة تُغني المعنى وتعمّقه، وتفتح المجال أمام قراءات تأويلية متعددة. وهذا ما يمنح النص طابعه الإنساني الكوني، إذ يتجاوز خصوصيته المحلية ليُلامس هموماً إنسانية عامة تتعلق بالانكسار، والبحث عن المعنى، والتوق إلى الخلاص.

إن هذه القصيدة، في محصلتها النهائية، لا تُقرأ بوصفها نصاً مغلقاً، بل بوصفها أفقاً تأويلياً مفتوحاً، يظل قابلاً لإعادة القراءة والتفكيك في ضوء تحولات القارئ والسياق. ومن هنا، فإن قيمتها لا تكمن فقط في جمالياتها الأسلوبية، بل في قدرتها على إثارة السؤال، وتحفيز الوعي، وإعادة مساءلة العلاقة بين الإنسان ووطنه، بين اللغة والحقيقة.

إنها، في جوهرها، قصيدة عتابٍ يتجاوز البلاد… ليصيب الذات ذاتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

وللبـلادِ عـتابُـها

شعر: فرحان الخطيب

هيَ غـابـةٌ..

هيَ شعلةُ الرّمل التي..

لاقيتُ روحي في مدارجِها تشبُّ..

وتدحرُ الظلماتِ حتى..

لا يطلُّ على مشارفِ وحدتي..

قهرٌ تسربلَ في مساءات السكونْ..

لا ما رغبتُ الريحَ ترسلُ..

قبلةَ الوجعِ المبلّلِ من نزيفِ الوهم صَوبي..

لا لا أريدُ سحابةً..

غيرَ التي تهمي عليَّ بضرعِها فرحاً..

وتبزغُ من مشاتلها صَهيلاً..

لا أوَدُّ سوى النسائمِ تستريحُ على هدىً..

في باحة الشّمس الفتيةِ..

أستفيقُ الليلَ والدعواتُ أرسلها ظباءً..

صغتُها روحاً ورحماناً وأفراساً تغيرْ..

**

هيَ غابـةٌ..

أرَّخْتُ وجهي في عميقِ مياهها..

وزرعتُ صوتي في رنيم السّربِ غيماً..

أو قــَطا..

حَمّلْتُها طَلْعي فماجتْ في اخضرارٍ..

لملمتْ خجلَ الرّمالِ..

وَروّجتْ للصبحِ أنْ يلجَ الصعودَ معاركاً..

ومسالماً..

رفّتْ طيورٌ..

لوّنتْها رهجةُ الصحراءِ أخلاقاً وعزماً..

لو تدبُّ الضّادُ قفراً..

يشربُ التّاريخُ أنهاراً من الألقِ..

المُسيّجِ بالعبيرْ..

**

هي غابةٌ ضلّتْ دروبَ أريجها..

فتشامخَ الشّجرُ الكئيبُ بلا براعمَ..

مسنداً كفلَ الدّهورِ إلى كثيبٍ..

لا يشمُّ روائحَ الكلماتِ حين تساقطتْ..

من فِيهِ حَيْرى..

رثّةَ النّغمات تذكرُ مجدَها..

في معقل الرّيحِ القصيّةِ وهي تبكي..

حاضراً مَيْتـاً وتنعي..

أينَ زَنْــدٌ !!!؟؟

حانَ قطْفُ الشّـرِّ والدّجلِ الضّريــرْ..

**

هيَ غابةٌ..

ولجتْ على أغوارها قصصي فأحيتْ..

مشتلاً عبقا تطرّزَ بالسّخي..

من الدّماء الغاديات على مساكبهِ انهماراً..

كي تعاجلـَني جروحُ الغيم ثلجاً..

أبيضَ الخطرات محمولاً على نُبل الشهيدِ..

ولا نمدُّ إليه عوناً من يدٍ..

وكأننا نلجُ الفناءَ..

بأرجل الغسقِ الكسيرْ..

**

هي َ غابــةٌ..

ما عدتُ أحتملُ التّعلقَ في مفاتنها..

فَما..

أبقيتُ ركناً بين عطرِ الياسمينِ..

وقصفةِ الغصنِ الذي يحنو علينا..

حين كان الصيفُ بيني والحبيبةِ..

مَــدَّ أجنحةَ انعتاقِ الصّبرِ..

مـنْ شرَكِ القيودِ..

إلى توهّجِ مشتهانا..

أن يفضَّ سكونَها..

بالوشوشاتِ الزّهرِ حيناً..

أو بذيلٍ من زفيرْ..

**

هـيَ غابــةٌ..

أو جذوةٌ حتَّ الرّمادُ بصيصَها..

ما عدتُ أذكرُ في مرابعِها " عنيزةَ "..

حين كان اللحظُ مشدوداً..

لنهر غوايةٍ..

بل لارتشافِ القادم..

الآتي غزالاً من صباحات النّدى..

والوردُ تَــلٌّ من كلامٍ نافـذٍ للقلبِ..

يختصرُ الطريق لهودجٍ يشتاقُـها..

من بعد ما اغتسلَ النّضيرُ..

بِسَقْسَقـاتٍ من نَميرْ..

**

هي غابةٌ..

لِـمَ أوصدتْ أبوابَها !؟

كمْ كنتُ أعتمرُ الفلاةَ وأستبيحُ جهاتِـها..

فـتـمرُّ أشجارُ النّخيل على دروبٍ..

كُـنْـتُـهَا..

أمضي لأزرعَ كمشةً..

من حنطةِ الشّمسِ التي خبـّأتـُها بعباءتي..

ما زلتُ أحملُ..

قلْ وأحلمُ..

أنْ تظلَّ كغيمةٍ خضراءَ تسخو..

كلما عانيتُ من تعبي..

وطالَ الدربُ وأحتدم المسيرْ..

**

هي غابةٌ..

تعبتْ يداي بِحَمْـلِ " بَيْـرَقِهَـا..

تَحَمّـلْ..

فاحتملتُ..

ووجهتي !!؟؟

خُـذْها مساراً مثلَ قنديلِ المساءِ..

وخذْ دمي زيتاً..

تَبَصّـرْ !!

لا يكونُ الدّربُ خيطاً من ضُحىً..

بل موحشٌ..

كالأدم المجبول من حلكٍ..

وبعضٍ من غبارِ الحقـدِ..

والطّمعِ المُطَعَّـمِ باقترافِ الإثم..

خُذْها..

لا تؤجّـلْ ما لديكَ..

وَما أتاكَ من القصيدةِ حيثُ ما كانتْ..

ولا كُنّـا..

وصُرنا شرذماتٍ من نـثـيـرْ..

**

هي غابـةٌ..

لَمْلَمتُ بعضي فوقَ مرتعِ صـَدرِها..

وجثوتُ أحدو بالنشيدِ وبالنشيجِ..

وبالبكاءِ وبالدّماءِ  على مسامعِ عمرها..

فَـتَـمَلْـمـَلَـتْ..

حَملتٔ شروخي..

ثُـمَّ مالتْ تسـتـظلُّ بما تبقَّى خِـلالٍ..

بعدما..

كانتْ تَصُبُّ عليَّ بنتَ دِنانِها..

قمراً تدحرجَ فوق غاديةِ الغديرْ..

**

هي غابة..

ملأتْ جِـرارَ حياتها..

وتجاهلتْ من أينَ تنبجسُ العيونُ..

تسامقتْ..

نَسِـيَـتْ عذابي..

لمْ تعدْ تهذي بأوجاعِ الولادةِ..

أو تمررْ كفَّـهـا فوقَ انبلاج الرّوح..

والجسدِ المُـزَنـّرُ بالهجيرْ..

**

هي غابةٌ..

أدمتْ مسيري..

قَصَّرتْ خُطوي أثارتْ دعوتي..

للجالسينَ على بساط من حريرِ الشّـعرِ..

يقترفونَ من لغةِ الغـوايةِ..

ما يطفُّ البحرَ لو حَملوا حروفَهُمُ سيولاً..

أو خُيولاً..

تعبرُ الحَزَنَ الغليظَ كرامـحٍ..

والغَـمْـرُ يهزجُ من إرادتهِ اعتداداً..

كيف يرتحلُ الصُّمودُ..

إلى جهاتِ المُـعْـجماتِ من الكلامِ..

ليهْـطُـلَ الفرحُ العُروبيُّ احتفاءً..

واحتفالاً..

بانبثاقِ  الغـَـارِ..

من شَرَفِ الزَّئــيــرْ..

 

إنَّ التذرُّع ب -«كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي لا ينبغي أن يعشينا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في رواية لا يعني رواية، لدَى من يعي وظيفة الأدب! فليس الأدب في أيِّ جنسٍ من أجانسه نقلًا وإخبارًا وفضحًا. هكذا تحدَّث (ذو القُروح) في المساق السابق. قلتُ:

 - إنَّ نصًّا بلا فِكر، ولا نقد، ولا رؤية، أو فلسفة، هو محض تدوينٍ وتقييدٍ ووصفٍ إعلاميٍّ للأحداث.(1)

 - أنا أعبِّر فأنا، إذن، موجود! ذلك أنَّ التفكير أساس الوجود الذهني، لكنَّه لا يكتمل إلَّا بالوجود الاجتماعي، المتمثِّل في التعبير. والكاتب الروائي حين لا يعي طبيعة الأدب وظيفته لا يعدو أن يكون خرِّيج تلك المدرسة الإخباريَّة؛ أي صحفيًّا من ذلك النوع الأَثْوَل، يسترزق عن هذا الطريق، ويبحث عن الشهرة والأضواء بأيِّ ثمن، وإنْ لم يجد مَن يفضح، فضح نفسه. وكثير من الأعمال هي بالفعل فضحٌ لأصحابها أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، وهم قد يسعون إلى ذلك سعيًا، ما دام يُدِرُّ عليهم المال والأضواء. أمَّا الأدب، فهو فِكر، ورسالة. ارتبط في المصطلح العَرَبي بالتهذيب القيمي والتأديب النفسي، «أدب»، وارتبط في مصطلحه الإنجليزي، مثلًا، بالحرف Literature، وما أدراك ما الحرف، وما قيمته الرمزيَّة، وأمانته العظمَى في المسيرة الإنسانيَّة؛ بما هو مفتاح إنسانيَّة الإنسان التي تميِّزه عن الحيوان(2)، وأوَّل مراقي الأبجديَّة الحضاريَّة في العالم.

 - في هذا السياق تَصْدَع مقولة (غابرييل غارسيا ماركيز) في التفريق بين الكاتب الذي يؤمن بأنَّ الأدب موجَّه إلى: «تحسين العالم»، وآخَرين من الكُتَّاب يرون أنه فَنٌّ مكرَّس ل -«تحسين حساباتهم المصرفيَّة»!(3)

 - ذلك أنَّ الأدب، منذ كان، كانت غاياته سامية، تتعلَّق بالجَمال والخير والحق. وأمَّا الشاذُّ فلا قيمة له ولا سُمُوَّ، وإنَّما هو الانحراف عن الأصل. واستخدام الشيء في غير ما وُجِد له يقع من الناس في كلِّ شؤونهم على مرِّ التاريخ، حتى في الأديان. ومشكل الكاتب الذي لا يعي هذه المفاصل النوعيَّة بين الإعلام المنفلت والأدب- الذي يستحقُّ أن يُطلَق عليه هذا الاسم- هو أنه يفتقر أصلًا إلى الأساس الفكري الذي يؤهِّله إلى فهم دهاليز هذا المجال.  فإذا أضيف إلى هذا عدم احترامه عقول الناس، وأذواقهم، وقيمهم العامَّة، فتلك الطامَّة الكبرى. هذا مع الجهل بتاريخ النوع الأدبي الذي يكتب فيه الملقبُ بالشاعر أو الروائي، ولا سيما باختلاط الوظيفة الأدبية بالوظيفة الإعلاميَّة الشَّعبيَّة في عقله، كما هو حال معظم هؤلاء.

 - ربما ليس لعدم تمييز الكاتب كوعه من بوعه، بالضرورة، ولكن أحيانًا لاستخفافه، أو لأغراض «سوسيو-أيديولوجيَّة» واقتصاديَّة. ومع هذا يُصِرُّ بعض أولئك حين تناقشه على القول: ليست وظيفة الأدب أيديولوجيَّة!

 - في الوقت الذي يمارس هو أيديولوجيا مضادَّة للثقافة المجتمعيَّة.

 - كما يردِّد: أنْ ليس (مُصلِحًا اجتماعيًّا).

 - لكنه لا يناقش مشروعيَّة أن يكون في المقابل (مفسِدًا اجتماعيًّا)! وهكذا من هذه المغالطات البيزنطيَّة. لا يعني هذا أن يتحوَّل العمل الروائي مثلًا إلى توجيهٍ مباشر. أمَّا كيف يمكن الجمع بين الجماليَّة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة، فتلك هي لُعبة الأديب التي حارت البريَّة فيها منذ عُرِف الأدب، يُفلِح فيها العباقرة ويُخفِق الخائبون.

 - ولقد يُنصَّب الخائب معيارًا لدَى أضرابه، فيقال: ها هو ذا فلان وفلان.. فلسنا بخيرٍ منهم!

 - المجال الأدبي كأيِّ مجالٍ آخَر، له أدواته، وأصوله، وأخلاقيَّاته. مَن خرج عليها، فعليه أن يبحث عن نفسه في عالَم آخر. وممَّا يحوِّل الميدان الأدبي إلى ساحات مستباحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ، أن يأتي مَن لديه قدرة كتابيَّة من درجةٍ ما، وثقافةٍ متوسطة، وأفكارٍ متوتِّرةٍ حول أمرٍ من الأمور، مع هوسٍ بالنجوميَّة، فيخرج على الناس مستعرضًا عضلاته، التي يزعمها أدبيَّة، ثمَّ إذا انتُقِد قذفَ الآخَرين بالتخلُّف والتشدُّد؛ كي يُدافِع عن ذاته أوَّلًا، ثمَّ لكي يُدافِع عن سلعته المزيَّفة، بِنيةً ومضمونًا.

 - بالأمس اختُطف الشِّعر العَرَبي إلى ضروب من الهَلْس(4)، تارةً باسم النثر وقصيدته الخُلاسيَّة، وتارةً باسم السَّرد والرواية. ثمَّ ها نحن هؤلاء اليوم نشهد اختطاف الرواية العَرَبيَّة نفسها باسم الرواية التجريبيَّة الفارغة، أو الفنتازيا والعجائبيَّة.

 - بهذا تعود بنا تلك الرواية، ثقافيًّا، إلى عالم الخرافة، الذي ما زال معشِّشًا في الرؤوس، لا منذ الجاهليَّة فحسب، بل في بعض الفكر الإسلامي أيضًا، إن صحَّت تسميته «فكرًا».

 - هل من مثال؟

 - الأمثلة كثيرة ومعروفة. خذ ما يرد، على سبيل النموذج، في بعض كتب التراث المذهبي الباطني من كلامٍ حول مفهوم «المُسُوْخِيَّة»- على وزن (الملوخيَّة)- وهي ضربٌ من القول بتناسخ الأرواح. في استنساخ واضح لبعض تصوُّرات الهندوس حول التناسخ. وحدِّث ولا حرج عن مثل هذه الشطحات الخزعبليَّة في التُّراث العَرَبي والإسلامي. ليأتي ذلك التيَّار من الرواية المعاصرة ليعيدها جذعةً في عقلنا المبارك، الذي لا ينقصه العَتَه!

 - القضيَّة هنا تتجاوز الإشكالات الفنيَّة، إلى الإشكالات الثقافيَّة والأيديولوجيَّة.

 - نعم. أمَّا أن يرحِّب (الناقد الثقافي) بهذا النتاج، فخيانة ثقافيَّة أخرى، تضاف إلى خياناته الأدبيَّة السابقة في ميدان (النقد الأدبي).

 - ليس هذا في ميدان الأدب فحسب، بل أنت تشهد اليوم أنَّ اللُّغة العَرَبيَّة نفسها تُختطف عبر الإعلام. ففي بعض القنوات الإعلاميَّة العَرَبيَّة الرسميَّة لم يَعُد المذيع يخجل من اللَّحن الفاحش، ولم يَعُد يحاسَب عليه، حتى في نشرات الأخبار. وقد بات الأمر، فيما يبدو، سياسةً ممنهجة؛ وإلَّا من أين جاء هؤلاء المذيعون الجُدد، بلا أصوات، ولا لُغة، ولا ثقافة، ولا مؤهِّلات تُذكَر، اللَّهم إلَّا تمتُّع جُلِّهم ببعض الصفاقة في التعامل مع ضيوف الحوارات؟! وما كان لهذا الانحدار أن يقع لولا مقصديَّة إفساديَّة لجوهر الثقافة العَرَبيَّة: اللُّغة العَرَبيَّة!

 - وصادمٌ أن تقرأ، أيضًا، لبعض من يقدِّمون النصوص على أنها شِعر حديث، متربِّعين في معارض الكُتب لتوقيع إصداراتهم «الإبداعية»، التي يُسمُّونها دواوين شِعريَّة، ثمَّة يتحلَّق حولهم المريدون في ندوات جماهيريَّة، وتُدار معهم حوارات عبر الفضائيَّات. لتكتشف حين تقرأ لأحدهم- ويا لهول ما تكتشف-أنه يفتقر أصلًا إلى أبسط مقوِّمات الكتابة، بل هو في حاجة ماسَّة إلى تلك المهارات العَرَبيَّة للمبتدئين، بل لغير الناطقين بها.

 - أو قل: إنْ كان قد تجاوز المراحل الدراسيَّة الدُّنيا، بطرائق لا يعلم كيفيَّاتها إلا الله سبحانه وتعالى، كان عليه أن يجتاز مقرر (١٠١ عرب) في المهارات اللغويَّة في المرحلة الجامعيَّة، قبل أن يمتشق قلمه السيَّال ليتحفنا بقصائده العصماء!

 - المهزلة الشِّعريَّة الآن قد تجاوزت، إذن، قضايا الموسيقى الشِّعريَّة، والتغريب الفني أو التشريق الجمالي، وأسئلة الموهبة الشِّعريَّة، والخيال، والصورة، ممَّا كان مثار جدال قبل سنين. تجاوزت الحالة اليوم (محمَّد الماغوط)، و(أدونيس)، و(أنسي الحاج)، وغيرهم ممَّن كانوا يكتبون لنا بلغةٍ عَرَبيَّةٍ سليمة، بل بعَرَبيَّة راقية، مهما اختلفتَ معهم في ما بعد اللُّغة في البناء والفنيَّات، إلى حالةٍ راهنةٍ؛ اللُّغة فيها معاقة أساسًا، والنصوص تفتقر إلى قواعد العَرَبيَّة الأوَّلية، قبل النظر في تصنيفها في أيِّ جنسٍ أدبيٍّ أو غير أدبي!

 - السؤال الذي قد يتبادر هنا: لماذا لا يكتب هؤلاء بالعاميَّة، فيُريحون ويستريحون، ما داموا لا يُحسنون اللُّغة العَرَبيَّة؟!

 - السبب واضح! لأنَّ الشِّعر بالعاميَّة ما زالت له أصوله الفنيَّة وقواعده الشِّعريِّة! ولو كتب أحدهم، لا قدر الله، قصيدة نثرٍ بالعاميَّة، على سبيل الاحتمال، لسحلته ساحات الشِّعر الشَّعبي، ولصار هنالك أضحوكة الثكالى!

 - أين الجريمة في بعض ما يُتجرَّأ اليوم على تسميته شِعرًا ويُنشَر علينا بالعَرَبيَّة الفصيحة؟ أ في أدعياء الشِّعر؟ أم في ناشري ذاك الهراء؟ أم في الإعلام الركيك؟ أم في النقد الأدبي، الغائب أو المغيَّب؟ أم في ذلك كلِّه؟

 - أمَّا أدعياء الشِّعر، فجهَلة، ولو كانوا يُدرِكون ما يكتبون، أو لو كانوا على الأقل يعقلون ما يفعلون، لما فضحوا أنفسهم في العالمَين، وإنْ على المدَى البعيد، وعبر التاريخ، ومهما طبَّل لهم «المطبِّلون»، على المدَى القريب، من أترابهم وأمثالهم، أو قل: من مستغلِّي غفلاتهم! وأمَّا الناشرون، من الأبواب الخلفية للنشر الثقافي، فمحض تُجَّار في النهاية، كما وصفهم (ماركيز)، لا يعنيهم سِوَى ما يدخل إلى جيوبهم وحساباتهم المصرفيَّة. وإنْ فضحوا أنفسهم، بدورهم، عبر التاريخ، بسجلٍّ من المنشورات الشوهاء، وإن ارتاشوا الآن بالدراهم والدنانير والجنيهات! وأمَّا الإعلام، فحدِّث ولا حرج! هو منشغل بالأضواء، أعشَى عمَّا تحت الأضواء من سوءات! وأمَّا النقد الأدبي، فمفقود مفقود مفقود، يا ولدي!

 - أو ربما هو موجود موجود موجود، ولكن لتلميع تلك النتاجات الهجينة؛ تجارةً، على مذهب الناشرين المذكورين، ولاستنزال أضواء وهميَّة، على طريقة الإعلام المعاصر!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

....................

(1)  لا ينفي هذا ما يُفترَض للإعلام نفسه من دَورٍ فِكري وتوعوي. لولا أنَّ الإعلام، ولاسيما في عالمنا العَرَبي، تطغَى عليه «مضادَّات حيويَّة» للفِكر والتوعية! حتى إنك لتلحظ أنه لا يُحِبُّ أن يغيِّر اقتناعات الجماهير، ولا مصادمة مسلَّماتهم، مهما كانت ضالَّة، هذا فضلًا عن رقابته الشديدة على ما قد يُقِضُّ مضاجع المؤسَّسات بأفكار الإصلاح والتغيير المشبوهة. ولذلك يقف دون ما قد يُبديه الكاتب من نقدٍ أو رأيٍ يشتمُّ فيه مخالفة المسلَّمات السائدة.

(2)  الحيوان هنا بمعنى: الكائن الحي، عدا الإنسان. فمصطلح (الحيوان) في العَرَبيَّة قد يشمل الحياة عمومًا، كما ورد في «القرآن الكريم»، وكما سمَّى (الجاحظ) كتابه «الحيوان»، الذي يفهم العامَّة من عنوانه أنه عن الحيوانات، وهو في الحقيقة عن الحياة بعامَّة، جامعًا بين (علم الإناسة/ الأنثروبولوجيا) وما يمكن أن نسمِّيه (علم الحياة)، بل إنَّ هذا الأخير يشمل الأوَّل. في ريادة للجاحظ، ما نعلم أنه سُبِق إليها.

(3)  يُنظَر: (د.ت)، كيف تكتب الرواية؟ ومقالات أخرى، ترجمة: صالح علماني، (دمشق: الأهالي للطباعة)، ص9. 

(4)  من معاني (الهَلْس) في العَرَبيَّة: مرض السُّلِّ، والهُزال والضُّمور بصفةٍ عامَّة. وتُحسِن العاميَّة باستخدام هذه المفردة في الإشارة إلى كلِّ كلام فارغ، هزيل، مسلول المعنى، لا ماء فيه.

تُعتبر رواية "الخلود" للكاتب التشيكي الذائع الصّيت ميلان كونديرا، من أشهر وأهمّ الرّوايات التي كُتبت فى القرن العشرين، ذلك ما يراه غير قليل من النقاد، ومعروف أن هذا الكاتب يقف فى مصافّ عمالقة الكتّاب فى العصر الحديث (من مواليد شهر أبريل1929). هذه الرواية ما فتئت تترى، وتتوالى ترجماتها، وما زالت الدّراسات الأدبية، والرؤى النقدية تنشر عنها إلى يومنا هذا بمختلف لغات العالم الحية.

تناوش وغنوص وقلق وارتياب

إنّها رواية تناوش، وغنوص، وقلق، وإرتياب، وتفكيك الحياة بكل تعقيداتها وألغازها الأبدية، ثمّ محاولة رأبها من دون جدوى، إنّها رحلة فى عمق الزّمن البروستي حاضرا وماضيا ومستقبلا، بل هي إستهتار بهؤلاء الذين ينعتون بالخالدين أو يحلمون بالخلود، الذين لا يمكث لهم منه سوى الأسماء.

كلّ ما هو يبدو بسيطا فى هذه الرّواية يغدو عظيما فى عمقه، ففيها تتحوّل الصّدف العابرة إلى أحداث هامّة، إنّها رواية صادمة بالمعنى الحرفي للكلمة، لذا فبعد قراءتها قراءة متأنية يصعب نسيانها بسهولة ويسر، انها رواية اللّهاث الحميم لإستذكار وإستحضار، واستكناه، واستغوار، واستبطان، وإستكشاف وتفجير دهشة “الأنا ” حيال حقيقة الوجود المحيّر، وهلوسة اللاّمعقول، ومداعبة العبث بالعبث، ومناغاة العدم بالعدم، إنغماس فى فلسفة الحياة، والتحديق فى صيرورة إنصرام الزّمن، وانصرافه، وإنسيابه وتآكله وتحاتّه، تأمّل وإستقراء على طريقة الكاتب فى مواجهة التوابع والزوابع، وصدّ العواصف والأعاصير، والتطلّع نحو الأبقى، إنها رواية تخلد فى خلد قارئها فتغدو أحداثها وعباراتها خالدة في قرارة فكره وتفكيره، ساكنة فى أعماقه ووجدانه، لا ينقطع عن العيش فى كنفها لسنوات طوال، إنّها تجعلك تضع “أنا” القارئ على كاهله، وتجعله يحمل صخرة سيزيف على متنه منتشيا بوجوده، منغمسا فى كينونته، مستمتعا بهنيهاته كما أعطيت له، ويجعله يمضي دون أن يلوي على شئ.

روايه العصر

تنعت قصة “الخلود” بـأنها “رواية العصر”، حيث أصبح العقوق القديم، الذي أعلنه صاحب الرواية “ ميلان كونديرا” ضدّ الشيوعية، ينظر إليه بإعجاب كبير. لقد خرج الكاتب بهذه الرّواية من الشكّ إلى اليقين، ومن الحيرة إلى الثبات، بعدما هاجر عنوة وقهرا وقسرا 1975 من بلده إلى بلد آخر وهو (فرنسا) كان بلدا مجهولا بالنسبة إليه، وكان يشعر وكأنّه قد إنتزع من وطنه الأصلي إنتزاعا، أو قد قٰدّ من أرضه الأولى قدّا… كانت أعماله بمثابة “أحجار كريمة”أو ” دانات نادرة” مرصّعة إنفرط عقدها، وتناثرت حبّاتها في أرض بور. حصل كونديرا على الجنسيّة الفرنسية 1981 وهو محاط بهالة من الشّهرة والمجد كانت أخبار كتبه تنقل من فم إلى فم، وتلوكها الألسن فى كل مكان.

الارض المحروقة بين جوته وهمنغواي

ليس من قبيل المصادفة أن يتخيّل كونديرا لقاءً بين كاتبين عملاقين جوته وهمنغواي، وهما يناقشان إشكالية الأرض المحروقة، حيث تدفن الأقلام كلّ ما تلمسه، إنّها تعجن وتسمّم كلّ شىء. إنّه واعٍ كلّ الوعي بهذا المسخ الشيطاني الذى كان يحدث في” جحيم براغ “، وهو يتخيّل ظلال الناس وهم يجوبون أزقّتها، ويتجوّلون في ساحاتها، تلك الظلال أوالأشباح الإنسية، مثلما هو عليه الشأن لدى شخصيات الكاتب المكسيكي خوان رولفو فى رائعته “بيدرو بارامو”، كانت هذه الشخوص تعيش حياواتها المشّعة المؤقتة التى تتحوّل جسومها إلى هيادب تكتظّ بها الأحياء المظلمة، والأزقّة المعتمة، هذه الظلال الإنسية يختلط عليها الأمر لعدم وضوح الرؤية، ولشدّة ضبابية الحقيقة، حقيقيتها بل وحقيقة العالم، إنّها خيالات المآتة المصنوعة من خيال سديميّ آخر أكثرحلكة وضبابيّة، وأعمق قلقا وإضطرابا. إنّها تفلت من المارّ، أو من المسافر، أو من المهاجر، أو من الفارّ من خياله إلى ظلال أشباحه العتيقة، إلاّ أنّه يستحيل عليه أن يستنسخها أو يعيد إليها الحياة، وهي خائفة، مذعورة، قلقة، حائرة، متوجّسة من الضّباب المعتم الذي يغشي البصائر والعيون حتى وإن كانت هناك فنارات، وقناديل إصطناعية مضيئة تهتزّ تحت لسعة البرد القارس، أو لفحة الهواء المكيّف.

إنّ ضحايا وأبطال القصص التراجيدية للأزمنة الأخرى مثل هرمان بروش، وموسيل، وهمنغواى سوف ينادى عليهم للفداء، وإلاّ فإنّ تلك الأشباح سوف تشفق على ضحاياها، وتنزل من عليائها، لتستقرّ في الورق الصقيل المطبوع، إلاّ أنّنا لا نعرف إذا ما كانوا هم حقيقة أم مجرد أقنعة كانوا يرتدونها في أوقات وأماكن أخرى وهم واقعون تحت رحمة المؤلف الذى ينعي على شخوصه قصورهم، هذه الشخوص التى سبق أن فكّر فيها وإستنبطها إستنباطا.

تنويعات سّيمفونية مبعثرة

كونديرا يعرف كيف يُهذّب، ويرتّب، ويركّب تلك المقطوعات والتنويعات المبعثرة للسمفونية التي لم تكتمل بعد. إلاّ أنّ العمل الإبداعي قد ضاع، ولم يبق منه سوى ومضات أو آثار ضوئية، هناك النوتة أو تجسيم النّغمات لعمل فكّر الكاتب في خلقه إلاّ أنّه يعجز عن تنفيذ ونقله الى الورق. هذا المسافر المتمرّد والمتمرّس لا ينسى أبدا الشّعاب، والدروب، والمسالك الوعرة التي يمكن أن يلتقي فيها أماديوس بموتزارت، والفارس باري ليدون، وفرجيل لبروش، عندما يتخيّل كونديرا طريقا ضائعا ضرب له فيه موعدا مع أشباحه، حينئذ يهرول أو راكضا ومسرعا لإنجاز المشروع الأدبي الذي يدور بخلده ولا يبرح مخيّلته، بالطريقة نفسها التي يكتب بها عادة مؤرّخو الأدب (يحكى أن…) أو (كان يا ما كان) ويعود العملاقان جوته وهمنغواي للظهور من جديد ليرتديا ثوب العزلة وهندام الخواء، ليست عزلتهما بل عزلة الرّاوي، وتنثال كلماته متصبّبة بالعرق، بعد أن كانت فى طيّ الكتمان أوالنسيان أو في غياهب المجهول والبهتان، ها هي ذي تعود ولها إهابان وهيدبان جديدان، إلاّ أنّ الخلود يكون قد ضاع فارّا في إتّجاه عكسي في سفرية بعيدة. هاربا وفارّا من نظراتنا، إذ في تلك اللحظة تبتدئ الصّور والأخيلة تتراكم وتتفاقم وتتسابق وتتلاحق وتطفو على ثبج الذّاكرة الوهنة، وتعلو فوق سطح الوعي، وتتحوّل في هنيهة إلى حركات سابحة، وإلى شذى أو أريج جسم بشرى ظهر ثم إختفى، إلى ذكرى ليلة حبّ تطاردنا وتجعلنا نتخيّل القصّة التي لم تنته أبدا، ولن تنتهي، وهكذا تبتدئ الرحلة في إتّجاه أرض ومشاهد فيها أدميّون يمدّوننا بالدفء، والحرارة، والدّعة والرقّة والسلام، إلاّ أنّ الوطن اليتيم، الوطن العتيق يعلو وجوه سكّانه الخوف والهلع وهم يتلذّذون بمتعة حكايات الجدّات الخرافية المثيرة والغريبة. كلّ ذلك قد زال وإختفى لا محالة بسبب الكوارث البيئية والطبيعية والتلوّث العوادمي الصناعي، إنّ مشهد المدن القديمة في وسط أوروبا وروائحها العبقة والفوّاحة لم يعد له وجود كما كان الغمر فيما مضى، وقد تمّ إستبدالها بأخرى توضع داخل أحقاق وقوارير محكمة يمكن إبتياعها في الأسواق التجارية الكبرى الممتدّة على ضفتي التّاريخ. إنّ الظّلال الماضية للأزمنة الغابرة قد بدّلت بدمى ولعب ومخلوقات تتلظّى وتتعذّب بوجودها المادّي الذي لا حياة فيه، وتجعلنا بالتالي نتأسّف ونتأسّى ونتعذّب نحن كذلك معها.

روائي لغته مستعصية الفهم

العنصر المحيّر لدى هذا الكاتب هو مدى قدرته على التعامل مع اللغة وإحترامه للكلمة، إنّه قد يبدو مملاّ عند بعض القرّاء، أو ثقيل الدم عند بعض النقّاد، لأنّ كتاباته ليست سهلة أو مستساغة الهضم، بل إنّها مستعصية الفحوى والفهم، إنّ من يقرأه كمن يواجه هبوب الرّياح العاتية، إنّ التعليقات النقدية التي تسبق أعماله تخلق فينا حيرة وتساؤلا وذهولا ودهشة وشدوها، بل إنّها تحرمنا من متعة إكتشاف ما بداخل هذه الأعمال التي يجمع الكلّ أنها أعمال جيّدة، وذات مغزى أدبيّ وإنسانيّ عميق.

إنّ تهافته المتواصل بحثا عن الزّمن الضائع على الطريقة ” البروستية ” لأمر يبعث على القلق والحيّرة، ذلك أنّ هذه العملية هي في الواقع تجسيم، أو تجسيد لحياته نفسها بسبب ظرفه الإنساني كمهاجر يرتمي فى أحضان الإستلاب المعنّى، والغربة القاتلة ويعانقهما ويتغنىّ بهما. ولكن جذوره ظلّت ضاربة أبداً في أعماق تربة بلده كجذور الاشحار الباسقات، والأدواح الشّاهقات.

***

د. محمّد محمد خطّابي - كاتب من المغرب

يُعدّ النص الذي كتبه الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة مثالاً بليغاً على الشعر الذي يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليغدو تأملاً في الوجود الإنساني الممزق. فاللقاء الذي يصفه النص بين صديقين شاعرين ليس مجرد حادثة عابرة في ذاكرة الحرب، بل هو لحظة انكشاف عميقة تتجسد فيها مأساة الإنسان حين يفقد ذاته في زمن الخراب.

في ظاهر النص، نرى مشهداً بسيطاً: شاعر يلتقي صديقاً قديماً بعد سنوات من الغياب الذي صنعته الحرب. غير أن هذا المشهد يتخذ، عبر اللغة الكثيفة والرموز الشفيفة، بعداً فلسفياً يتصل بمفهوم الاغتراب. فالاغتراب هنا ليس فقط تباعداً اجتماعياً أو سياسياً، بل هو انقسام داخلي تعيشه الذات حين تفقد انسجامها مع العالم ومع نفسها.

إن صمت الشاعرين في النص ـ حين يسأل كلٌّ منهما الآخر عن حاله ولا يجيب ـ يكشف عن مأساة عميقة؛ فالكلمات تصبح عاجزة عن نقل حجم التجربة. وهنا يتحول الصمت إلى لغةٍ بديلة، لغةٍ تُعبّر عن فيض الألم الذي يعجز الكلام عن احتوائه. وفي هذا الصمت تتجلى المفارقة الكبرى: فكلٌّ منهما يفهم الآخر تماماً، ومع ذلك يعجز عن التعبير.

يمكن قراءة هذه اللحظة في ضوء مفهوم الاغتراب عند معظم الفلاسفة ومنهم كارل ماركس، الذي رأى أن الإنسان في ظروف الاضطراب التاريخي يفقد علاقته الحقيقية بذاته وبالعالم. فالإنسان المغترب لا يشعر أنه ينتمي إلى ما يحيط به، بل يصبح غريباً حتى عن تجربته الخاصة. وهذا ما نلمسه في النص حين يبدو الشاعران كأنهما كائنان يلتقيان بعد أن غيّرت الحرب ملامحهما الداخلية.

أما من منظور فلسفة الوجود، فإن النص يلامس تجربة ما سماه الفيلسوف الألماني “الوجود في العالم بوصفه قلقاً”. فالإنسان في لحظة القلق الوجودي يشعر بأن الأرض التي يقف عليها لم تعد ثابتة. ويبدو هذا القلق واضحاً في وصف الراوي لصديقه: جسد نحيل، ملامح ضبابية، حزن كوني يسبح في العينين. إنها صورة الإنسان الذي أرهقه التاريخ حتى أصبح ظلًّا لنفسه.

وتتجلى فكرة أخرى قريبة من الفلسفة الوجودية، وهي أن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عبر الآخر. ففي النص يرى الراوي نفسه “يلمع في بؤبؤ صديقه”، وكأن عين الآخر تحولت إلى مرآة تعيد للذات صورتها المفقودة. غير أن هذه اللحظة من الانكشاف لا تلبث أن تتحول إلى مأساة رمزية حين يختفي الصديق فجأة، ثم يختفي الراوي نفسه. فالاختفاء هنا ليس مجرد حدث سردي، بل هو استعارة مكثفة عن تلاشي الإنسان في زمن العنف.

ومن الناحية الجمالية، يعتمد النص على بنية التوازي والانعكاس:

اللقاء يقابله الاختفاء،

الحضور يقابله الغياب،

الصمت يقابله البكاء.

هذه البنية تجعل النص أشبه بمرآة مزدوجة تعكس انشطار الذات الحديثة، تلك الذات التي لم تعد قادرة على الإمساك بوحدتها القديمة.

ومع ذلك، فإن لحظة البكاء المشتركة بين الشاعرين تحمل دلالة تطهيرية عميقة. فالبكاء هنا ليس تعبيراً عن الضعف، بل هو محاولة لاستعادة إنسانية مهددة بالانطفاء. إنه لحظة مواجهة مع الحقيقة العارية: حقيقة أن الإنسان، مهما اشتدّ عليه الخراب، لا يزال قادراً على الاعتراف بألمه.

هكذا يتحول النص إلى تأمل شعري في مصير الإنسان العربي المعاصر، الإنسان الذي وجد نفسه في مواجهة العنف والتشرد وفقدان المعنى. لكنه في الوقت ذاته نصّ يلمح ـ ولو خافتاً ـ إلى إمكانية النهوض من الرماد، تماماً كما تنهض العنقاء الأسطورية من احتراقها.

إن شعر خلدون رحمة في هذا النص يبرهن أن القصيدة يمكن أن تكون أكثر من بناء لغوي جميل؛ يمكنها أن تكون شهادة وجودية على زمنٍ جريح، ومحاولة لاستعادة الذات التي ضاعت في متاهة التاريخ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

....................

 النص

بالمصادفة، التقيتُ بشاعر صديق، كنّا غائبَينِ عن ملامحنا حتى تشكّل فينا الغياب، لا اتصال بين هواجسنا مذ قطّعت الحرب أوصال الناس والطرق.

في البدﺀ لم أدرك ملامحه جيداً، ولا هو أدرك ملامحي، كان نحيلاً كخيط ضوﺀ شفيف، شَعره ناعم وذقنه شعثاﺀ، رأيتُ حزناً كونيّاً يسبح في عينيه، رأيت براﺀة مقموعة، قصائد خرساﺀ، ورأيتُني واضحاً، ألمعُ في بؤبؤيه.

سألته عن أحواله (لم يُجب)، سألني عن أحوالي (لم أجِب).

ارتبكنا، لم نستطع كسر صمتنا الدائريّ، ولكن بعد برهة انفجر فينا البكاﺀ، أدار وجهه عنّي، وأدرتُ وجهي عنه.

*

كأنّ كلانا فهم الآخرَ بعمق.

أدرتُ وجهي نحوه

يا إلهي !

لم أكد أودّعه حتى اختفى..

*

اختفى

واختفيتُ

 

فكرة نهاية العالم تشكّل هاجساً إنسانياً متكرراً منذ البدايات الأولى للوعي، وقد حضرت في الأساطير القديمة والرؤى الدينية والتجارب التاريخية الكبرى بوصفها سؤالاً عن المصير والمعنى أكثر من كونها مجرد حدث كارثي. في المخيلة الإبداعية تحولت النهاية إلى مرآة للإنسان نفسه، تتخذ أشكالاً متعددة بين الخراب المفاجئ والانطفاء البطيء والصمت الذي يتسلل إلى الحياة اليومية، فتغدو نهاية العالم رمزاً لانهيار القيم أو تبدد المعنى أو شعور الكائن بالعزلة أمام الزمن. لهذا ظل الأدب يعود إلى هذه الفكرة باستمرار، لأن الحديث عن نهاية العالم هو في جوهره حديث عن هشاشة الوجود وعن اللحظة التي يُعاد فيها طرح السؤال القديم: ماذا يبقى حين يتداعى كل شيء؟

ومن هذا الأفق الوجودي والرمزي تحديداً تنبثق قصيدة ميلوش “أغنية عن نهاية العالم”، التي تقارب النهاية لا بوصفها مشهداً مدوّياً، بل كحقيقة تتخفّى في التفاصيل العادية للحياة.

يمثّل تشيسلاف ميلوش واحداً من الأصوات الشعرية الأكثر حساسية وعمقاً في القرن العشرين، شاعراً تشكّلت تجربته على تماس مباشر مع أكثر لحظات التاريخ الأوروبي قسوة واضطراباً. وُلد عام 1911، وخلال حياته الطويلة التي انتهت عام 2004، شهد الاحتلال النازي لبولندا، ثم صعود النظام الشيوعي، فالمنفى القسري الذي قاده إلى فرنسا ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث استقر أستاذاً في جامعة كاليفورنيا – بيركلي. هذه السيرة الممزقة بين الجغرافيا والأنظمة واللغات تحوّلت إلى مادة داخلية صاغت نظرته إلى الإنسان والتاريخ والمعنى. في شعر ميلوش، يتجاور التأمل الفلسفي مع الحس الأخلاقي، وتظهر اللغة كأداة نجاة بقدر ما هي أداة مساءلة، وهو ما يفسّر نيله جائزة نوبل في الأدب عام 1980، بوصفه شاعراً أعاد للقصيدة دورها الشاهد في زمن التدمير.

كُتبت قصيدة «أغنية عن نهاية العالم» عام 1945، في لحظة بدا فيها العالم وقد بلغ ذروة الانهيار. كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت رسمياً، غير أن آثارها الأخلاقية والإنسانية بلغت أوج حضورها، من معسكرات الإبادة إلى المدن المدمّرة، ومن القنبلة الذرية إلى الشعور الجمعي بأن الحضارة نفسها قد انكسرت. نُشرت القصيدة ضمن ديوان «الخلاص»، وهو عنوان يكشف منذ البداية عن توتر دلالي بين النجاة والفقدان، وبين الاستمرار والانقطاع. في هذا السياق، بدت الكتابة الشعرية محاولة لإعادة تثبيت الإنسان في عالم فقد قدرته على الفهم وفق المفاهيم القديمة.

رؤية النهاية في تفاصيل الحياة اليومية

تأتي القصيدة بوصفها رؤية شعرية لنهاية العالم، رؤية تعيد تعريف هذا المفهوم من داخله. النهاية هنا تظهر عبر مشاهد من الحياة اليومية، حيث تتحرك الكائنات ضمن إيقاعها الطبيعي، ويواصل البشر أعمالهم الصغيرة، وتبقى الطبيعة وفية لدورتها. النحلة تحلّق فوق زهرة الكبوسين، الصياد يصلح شبكته، الدلافين تقفز في البحر، العصافير تتشبث بالميزاب، الأفعى تستمتع بجلدها الذهبي، النساء يمشين تحت المظلات، السكير يغفو على حافة العشب، بائع الخضراوات ينادي في السوق، القارب ذو الشراع الأصفر يقترب من الجزيرة، وصوت الكمان يعلّق نغمة بشرية في الهواء، بينما ينفتح الليل المرصع بالنجوم. هذه الصور تؤدي وظيفة تأسيسية في بناء المعنى، إذ ترسم أفقاً تأويلياً متكاملاً. العالم، في لحظة نهايته، يواصل كينونته كما لو أن التفاصيل تملك استقلالها الخاص، وكأن الحياة تحتفظ بإيقاعها بعيداً عن التوقعات الكبرى. من هنا، تتحقق في القصيدة عملية تفكيك هادئة للسرديات الشاملة، عبر تجاهلها شعرياً، وإعادة توطين المعنى في المشهد القريب، المحسوس، والهش.

وظيفة العنوان والبنية الشعرية

تُسمّى القصيدة «أغنية»، وهو اختيار يحمل دلالة جوهرية. فالأغنية تقترن بالخفة والإيقاع والتداول الشفهي، وتبتعد عن نبرة التحذير والإنذار. هذا الاختيار يخلق توتراً داخلياً مع موضوع النهاية، ويمنح النص قدرة على احتواء الفجيعة دون تصعيدها، وتحويل النهاية إلى تجربة وجودية صامتة. البنية الشعرية نفسها تدعم هذا الاتجاه، فهي قصيدة بيضاء ذات قوافٍ غير مستقرة، مقاطعها متفاوتة الطول، وإيقاعها يتقدّم على نحو يشبه جريان الحياة، من دون ذروة درامية واضحة.

تلعب الأدوات الأسلوبية دوراً مركزياً في تشكيل هذا المناخ. الألقاب الكثيفة التي تصف الطبيعة والأشياء تخلق إحساساً بالسلام والتوازن، وتحوّل المشهد إلى لوحة تقترب من المخيال الأركادي (أي التصور الشعري لعالم بسيط متناغم، تعيش فيه الطبيعة والإنسان في انسجام بدائي هادئ). الاستعارات، مثل امتداد صوت الكمان في الهواء وانفتاح الليل المرصع بالنجوم، توحّد بين الجمال الإنساني والجمال الكوني، وتضع الإنسان داخل النسيج العام للوجود. أما التكرارات الأنافورية، ولا سيما تلك التي تستدعي الشمس والقمر والنحلة والأطفال، فترسّخ فكرة الاستمرارية، وتبني مقابلة ضمنية مع المخيال الإسخاتولوجي، أي تصورات النهاية الكبرى المرتبطة بيوم القيامة والتحولات الكونية القصوى، من خلال طمأنينة وجودية متواصلة.

في قلب هذا المشهد، تظهر شخصية الرجل العجوز ذو الشعر الرمادي، وهو يربط شجيرة الطماطم ويتحدث عن نهاية العالم. تؤدي هذه الشخصية وظيفة رمزية دقيقة، إذ تمثل معرفة متأتية من الخبرة، وحكمة تشكّلت عبر الزمن. موقعه ليس موقع نبوءة، وإنما موقع العمل اليومي، وصوته لا يرتفع بوصفه إعلاناً، بل يأتي كشهادة عابرة. هنا تتجسد فكرة أن المعرفة الأخلاقية تنبع من الانتباه لما يحدث أمام اليد والعين، لا من الخطابات المتعالية.

جورج تراكل و"Grodek": مأساة الفرد أمام آلة الحرب

كتب الشاعر النمساوي جورج تراكل قصيدته الشهيرة "Grodek" عام 1914، بعد أن شهد القتال في الحرب العالمية الأولى مباشرة. تعكس القصيدة الصدمة النفسية للمقاتل أمام الموت الجماعي والدمار المروع، حيث يسقط الجنود بلا حول ولا قوة، وتمتزج الطبيعة بالمأساة لتصبح انعكاساً للخراب الداخلي والخارجي على حد سواء.

استخدم تراكل الرمزية المكثفة والصور الطبيعية لتجسيد الموت والعزلة، مع لغة موسيقية حالمة تعكس شعوره بالغربة والاغتراب أمام آلة الحرب الحديثة. فالليل يحيط بالمحاربين المحتضرين، وظل الأخت يمرّ في البستان الصامت لتحية الأرواح، والسحاب الأحمر الذي يسكنه "إله ساخط" يرمز إلى القسوة الكونية، فيما يصف الدم المراق بالبرودة القمرية الفقد والفناء. وختام القصيدة بذكر "الأحفاد غير المولودين" يرمز إلى خسارة المستقبل والجيل القادم، وهو ألم عميق يتجاوز الموت الفردي ليصل إلى المستوى الأخلاقي والكوني.

جورج تراكل و«Grodek»: مأساة الفرد أمام آلة الحرب

كتب الشاعر النمساوي جورج تراكل قصيدته الشهيرة «Grodek» عام 1914، في لحظة تاريخية كانت أوروبا فيها تنزلق إلى واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية في تاريخها. جاءت القصيدة بعد أن شهد تراكل القتال في الحرب العالمية الأولى مباشرة، وعاش بوصفه مسعفاً عسكرياً تجربة مواجهة الموت الجماعي عن قرب، وسط عجز الإنسان أمام سيل الجرحى والانهيار الأخلاقي الذي تفرضه الحرب. لذلك تبدو «Grodek» أكثر من مجرد قصيدة عن معركة بعينها، إنها وثيقة شعرية للصدمة، ورؤية أبوكاليبتية لنهاية عصر كامل، حيث يسقط الجنود بلا حول ولا قوة، ويتحوّل الإنسان إلى ضحية داخل آلة حرب حديثة تبتلع الأفراد وتحوّلهم إلى أرقام في مشهد مروّع من الفناء.

استخدم تراكل لغة رمزية مكثفة وصوراً طبيعية مشبعة بالعتمة ليجسّد الموت والعزلة والانكسار. فالطبيعة في القصيدة ليست ملاذاً بريئاً، بل تتحول إلى خلفية صامتة أو شاهد متواطئ على الخراب: الليل يطوّق المحاربين المحتضرين، والغابات الخريفية تبدو خاوية من المعنى، والدم المسفوح يكتسب برودة قمرية توحي بالفقد والعدم. وفي أحد أكثر مشاهد القصيدة تأثيراً، يمرّ ظل الأخت عبر البستان الصامت لتحية الأرواح، في تلميح إلى عالم داخلي حميم يختلط فيه الحنين بالموت، وكأن الحياة الشخصية نفسها تُسحق تحت ثقل المذبحة. أما السحاب الأحمر الذي يسكنه «إله ساخط» فيرمز إلى قسوة كونية تتجاوز حدود السياسة والتاريخ، لتجعل الحرب وكأنها لعنة شاملة على الوجود. ويأتي ختام القصيدة بذكر «الأحفاد غير المولودين» بوصفه صرخة ضد المستقبل المهدور، وألماً أخلاقياً يتجاوز موت الفرد إلى موت الجيل القادم قبل أن يرى النور.

مقارنة تراكل وميلوش: الحرب الأولى مقابل الثانية

في هذا السياق، تتقاطع تجربة تراكل مع تجربة الشاعر البولندي تشيسواف ميلوش بعد الحرب العالمية الثانية، رغم اختلاف النبرة والبعد التاريخي. تراكل يكتب من قلب الحرب الأولى بوصفها صدمة فردية مباشرة، حيث الموت حاضر أمام العين والطبيعة شاهدة على الانهيار، وحيث العالم يبدو وكأنه يسير نحو تسوّس أسود لا مخرج منه. قصيدته تصرخ من الداخل، وتغرق في الكآبة والرؤية الانطفائية التي تجعل النهاية حتمية.

أما ميلوش، الذي يكتب بعد الحرب الثانية، فيقدّم منظوراً أكثر اتساعاً وتأملاً، حيث لا تأتي نهاية العالم في صورة انفجار صاخب أو خراب فوري، بل تظهر في مفارقة هادئة: الحياة اليومية تستمر، النحل يطير، الدلافين تقفز، النساء يمشين تحت المظلات، فيما يراقب رجل عجوز النهاية بهدوء أشبه بالحكمة المرّة. هنا تتحول النهاية إلى سؤال أخلاقي وفلسفي عن معنى الحضارة بعد الخراب، وعن قدرة الإنسان على إدراك الكارثة حتى وهو يعيش تفاصيله العادية.

يمكن القول إن تراكل يصوّر مأساة الحرب على مستوى الفرد المسحوق داخل آلة القتل، بينما يحوّل ميلوش الخراب إلى تجربة وجودية أوسع، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة منصة للتأمل في الإنسانية والمصير. ومع ذلك، يشترك الشاعران في جوهر عميق: الطبيعة واللحظة اليومية ليستا مجرد خلفية، بل أداة شعرية لإعادة بناء المعنى وسط الانهيار. هكذا يتحول الشعر لدى كليهما إلى شهادة على ما يكاد يتعذر التعبير عنه، وإلى محاولة للقبض على الإنسان والتاريخ والحياة في أكثر لحظات النهاية ظلمةً وقسوة.

نص قصيدة ميلوش الكاملة:

أغنية عن نهاية العالم

تشيسلاف ميلوش

*

في يوم نهاية العالم

تحلق نحلة فوق زهرة الكبوسين،

ويُصلح صياد شبكة لامعة.

تقفز الدلافين المبتهجة في البحر،

وتتشبث العصافير الصغيرة بالميزاب،

وتتمتع الأفعى بجلد ذهبي، كما ينبغي.

في يوم نهاية العالم

تسير النساء في الحقول تحت المظلات،

يغفو سكير على حافة العشب،

وينادي بائعو الخضراوات في الشارع،

ويقترب قارب ذو شراع أصفر من الجزيرة،

ويتردد صوت الكمان في الهواء،

ويُفتح الليل المرصع بالنجوم.

ومن انتظر البرق والرعد،

يخيب أمله.

ومن انتظر العلامات وأبواق رئيس الملائكة،

لا يُصدق أنه يحدث بالفعل.

ما دامت الشمس والقمر ساطعين،

ما دامت النحلة الطنانة تزور الوردة،

ما دامت ولادة أطفال ورديين،

لا أحد يصدق أن هذا قد حدث بالفعل.

فقط رجل عجوز ذو شعر رمادي كان ليكون نبيًا،

لكنه ليس نبيًا، لأنه لديه أمور أخرى ليفعلها،

يقول وهو يربط الطماطم:

لن تكون هناك نهاية أخرى للعالم،

لن تكون هناك نهاية أخرى للعالم.

الشعر كشهادة وإعادة بناء للمعنى

تُذكر قصيدة ميلوش اليوم ضمن أبرز نصوص القرن العشرين الشعرية التي تناولت فكرة النهاية، من زاوية جمالية وفلسفية فريدة. وهي تؤكد أن الشعر أداة شهادة، ووسيلة لإعادة بناء المعنى من داخل استمرارية الحياة اليومية، مهما بلغ الخراب حدّه. ومثل تراكل، الذي صور مأساة الفرد في قلب الحرب الأولى، يظل ميلوش شاهدًا على النهاية الكبرى، لكنه يقدّمها بصوت هادئ وامتنان للحياة اليومية، مما يمنح القارئ فرصة لتأمل هشاشتنا الإنسانية، وربط المعنى بالحياة نفسها.

هكذا، يتحول الشعر إلى جسر بين التاريخ والفلسفة والأخلاق، ومنصة لمواجهة الكوارث الإنسانية عبر الصور اليومية، من دون الانغماس في الصدمة المباشرة، مع الحفاظ على القدرة على التأمل الأخلاقي والجمالي.

***

بولص آدم

النص كحفرية معرفية وأركيولوجيا للروح الشقية

يشرع الكاتب آلان الأنصاري في منجزه الأدبي هذا بتأسيس ما يمكن وصفه بـ "أركيولوجيا الوجع الكوني"، حيث لا تغدو الكتابة مجرد تدوين، إنما هي عملية تنقيب مضنية في طبقات الذاكرة الجيولوجية للروح الإنسانية. فمنذ العتبة الاستهلالية الأولى، ينصب الكاتب فخاخا سيميائية لمتلقيه عبر استراتيجية التخييل الوثائقي؛ إذ إن ادعاء العثور على نصوص موغلة في القدم تعود للألف الثالث قبل الميلاد (ص 5) يتجاوز كونه حيلة سردية أو تقنية لاستدرار عاطفة القارئ، ليصبح إعلانا فلسفيا مدويا عن تذويب التراتبية الزمنية المستقرة، وإلغاء المسافة بين فواجع الماضي وانكسارات الحاضر، ما يسمح بانبعاث الزمن الدائري الذي يعيد إنتاج المأساة بوجوه شتى.

إننا هنا بإزاء نص مراوغ بامتياز، نص يرتدي قناع الأسطورة السومرية ببراعة مذهلة، لا لينكفئ على الماضي، بل ليمرر من خلال مساماته كوابيس الواقع الراهن بحدة جارحة. فالطوفان في رؤية الأنصاري ليس مجرد واقعة ميثولوجية غابرة، إنما هو استعارة كبرى للخراب المعاصر؛ فنحن نلمس بوضوح أن طوفان بابل التاريخي هو ذاته القناع الجمالي لـ "طوفان الحصار" العراقي في تسعينيات القرن الماضي، وهو ذاته "طوفان الضياع" في سراديب المنفى مع مطلع الألفية الجديدة.

هذه وحدة المصير التراجيدي هي التي تجعل من الخراب في هذا العمل قدرا جغرافيا وتاريخيا عابرا للعصور، لا ينفك يلاحق الذات العراقية بضراوة، ويحولها من ذات فاعلة إلى أثر يحاول الكاتب استعادته من بين أنياب الموج والنسيان. إن الأنصاري في هذا التمهيد يضعنا أمام مواجهة حتمية مع ذواتنا، حيث تصبح المدينة الغارقة هي مرآتنا التي تعكس ملامحنا المشوهة بفعل توالي الانكسارات.

عتبات النص: جدلية العنوان وأنطولوجيا الغلاف

يمثل العنوان "مدينة بلعها الطوفان" مفتاحا تأويليا يحيلنا قسرا إلى "المركزية المائية" المهيمنة على الخيال الأدبي الرافديني، لكنه هنا يكتسي ببعد سيميائي مغاير؛ فاستخدام فعل البلع يتجاوز الدلالة الميكانيكية للغرق، ليصبح فعلا بيولوجيا يتضمن الالتهام، الهضم، والمحو التام. إنها "سيميولوجيا الافتراس" التي تضعنا منذ اللحظة الأولى أمام مدينة مفعول بها، مدينة مسلوبة الإرادة والكيان، مما يمهد الطريق لفهم علاقة الضحية بالقدر العنيف الذي يجسده الطوفان.

أما الغلاف، بتكوينه البصري القائم على الضبابية وتداخل الظلال (صورة الطيور المهاجرة، تجاعيد الأشجار، وشحوب الغروب)، فهو لا يعمل كمجرد وعاء خارجي، إنما هو "أنطولوجيا للتيه" الوجودي. نحن نلمس في هذا التكوين البصري تجسيدا للحالة التي تسبق الكارثة أو تلي النجاة المتعثرة؛ حيث الأشياء تفقد ملامحها الواضحة لتصبح أشباحا بصرية. الغلاف هنا هو "عتبة تشكيلية" تجهز وعي المتلقي للدخول في منطقة اللا-يقين، حيث كل ما هو قائم آيل للزوال، وحيث النجاة بحد ذاتها تبدو في نصوص الأنصاري كنوع من اللعنة التي تحكم على الناجي بحمل أطلال مدينته الغارقة في ذاكرة مثقوبة.

إن الجدلية القائمة بين العنوان العنيف (البلع) والغلاف الساكن والضبابي (الغروب) تخلق توترا دراميا يسبق القراءة؛ فبينما يشي العنوان بضجيج الكارثة وانهيار الجدران، يفرض الغلاف صمتا جنائزيا مهيبا. هذه الثنائية هي التي تشكل وعينا بـ "المدينة"؛ فهي لم تعد مكانا جغرافيا، بل أصبحت حالة ذهنية مسكونة بالانتظار والخوف من الابتلاع القادم.

لغة الكاتب: "أنطولوجيا الألم وشعرية النواح المستعاد

تعد لغة آلان الأنصاري لغة عضوية بامتياز؛ فهي لا تكتفي بنقل الدلالة، بل تشتبك بالحواس في عملية صهر فنية فريدة. إننا أمام لغة منحوتة وليست مكتوبة، لغة تستعير من الأثر صلابته ومن الدمع سيولته، ويمكننا تفكيك هذا النسيج اللغوي عبر ثلاثة مسارات جوهرية:

أولا: التكثيف الصوري (فتنة الومضة السردية):

يبتعد الكاتب عن الترهل الإنشائي والثرثرة الوصفية، متبنياوجماليات "الاقتصاد اللغوي". هو يقدم ومضات بصرية خاطفة لكنها مشحونة بطاقة درامية هائلة. في نص "نشيد البحر" (ص 23)، تتحول الكلمة إلى مادة فيزيائية ملموسة؛ حيث نشم فيها رائحة الملوحة ونبصر من خلالها زرقة المنافي الشاحبة. اللغة هنا ليست وعاء للفكرة، بل هي الجسد الحي للألم.

ثانيا: النزعة الجنائزية (سيمياء النقش على الحجر):

تسيطر نبرة الرثاء الوجودي على مفاصل الجمل، حيث يعيد الكاتب تدوير مفردات البيئة الرافدينية (الطين، الرماد، النخيل، الغياب) ليشحنها بدلالات معاصرة. إن لغته في الصفحات (37-43) تبدو وكأنها "نقش مسماري" حديث؛ لغة مقتضبة، حادة، وكأنها تسابق الزمن وتخشى المحو الوشيك تحت وطأة طوفان النسيان. إنها لغة الأمانة العلمية والتاريخية التي ادعاها في التمهيد، لكنها هنا أمانة الوجع لا أمانة الحجر.

ثالثا: الموسيقى الداخلية (صدى النواح السومري):

ينساب تحت سطور المجموعة إيقاع شجي يحاكي في جوهره "تعديد" النساء في المآتم السومرية القديمة. هذا الإيقاع الموسيقي يبلغ ذروته الجمالية عند استحضار الهويات الأنثوية مثل "منار" أو "زينب"؛ حيث تتحول هذه الأسماء في يد الأنصاري من مجرد شخصيات ورقية إلى تمائم سحرية ورُقى لغوية، يستنزل بها السكينة على روح البطل المتشظية، محاولا عبر هذه الهارموني الحزينة أن يقاوم ضجيج الخراب المحيط بالمدينة.

إن اللغة لدى الأنصاري هي "طوق النجاة" الوحيد من العدم؛ ففي عالم يبتلعه الماء، تظل الكلمة هي اليابسة الوحيدة التي يمكن الوقوف عليها لترميم ما تبقى من هوية.

التحليل العميق: تراجيديا الصدام بين الماكينة القمعية والطوفان الوجودي

ينحرف المسار السردي عند الأنصاري ببراعة نقدية مذهلة من آفاق الرمزية الأسطورية العالية إلى تخوم "الواقعية الصادمة"؛ حيث لا يعود الطوفان مجرد قدر غيبي، بل يتجسد في "آلة" بشرية قمعية تطحن الروح. ففي الصفحة (27)، ينفتح النص على توثيق مروع للسقوط الإنساني داخل دهاليز سجن أبو غريب ومعسكرات التجنيد القسري، وهي لحظة تحول مفصلية يغادر فيها الكاتب عباءة الناجي السومري ليرتدي قميص المعذب المعاصر.

إننا نرى في هذا المفصل أن الأنصاري قد نجح في إحداث صدمة نقدية لوعي المتلقي؛ فبينما يستغرق القارئ في استعادة ميثولوجيا الغرق التاريخي، يباغته الكاتب بحضور شخصية "المدير" الذي يمارس سطوته وصراخه في وجه "جعفر" (ص 28). هنا، يتحول المدير في السيميولوجيا النصية إلى تجسيد لـ "الطوفان المؤسساتي"؛ ذلك الطوفان الذي لا يغرق الأجساد بالماء، بل يغمر الكرامة بالهوان.

إن الصراخ داخل العلبة المغلقة كما يصوره الكاتب، هو التوصيف الأركيولوجي الدقيق لانسداد الأفق الإنساني في ظل الأنظمة الشمولية؛ حيث يتحول الوطن من مرفأ إلى معتقل، وتتحول المواطنة من انتماء إلى تيه. الطوفان هنا في جوهره هو "إرادة المحو"؛ سواء كانت ريحا صرصرا أو قرارا إداريا جائرا، كلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها: مدينة مبلوعة بالصمت والنسيان. نحن أمام قراءة نقدية تعري بشاعة الماكينة التي لا تكتفي ببلع المدن، بل تحاول هضم الذاكرة الفردية وتحويلها إلى مجرد حطام في أرشيف الخراب.

ثيمة "ياسين" واستعارة المفقود: رحلة البحث عن المركز الضائع

في نص "ياسين.. أين أنت؟" (ص 44)، نصل إلى ذروة التعرية الوجدانية التي يمارسها الأنصاري في مجموعته؛ فالبحث هنا يتجاوز استعادة شخص غائب جسديا ليصبح بحثا عن المركز الوجودي الذي فقده الإنسان في خضم الطوفانات المتلاحقة. "ياسين" في هذه القراءة ليس مجرد اسم لرفيق أو حبيب ضائع، بل هو "الأنا المغتربة" التي انشطرت عن جسد الوطن، وهو المعنى الذي انزلق من بين الأصابع في زحمة الهروب الكبير.

إننا نلمس في هذا النداء المتكرر قدرة الكاتب على تحويل السؤال الشخصي إلى صرخة كونية تتردد أصداؤها في أزقة المدينة المبلوعة؛ فالاستفهام الاستنكاري (أين أنت؟) هو إدانة لخراب لا يكتفي بخطف الأجساد، بل يغتال الحضور الإنساني ذاته. "ياسين" هنا هو الأيقونة التي تمثل كل المفقودين في حروب العبث، وهو الوجه الذي يحاول الكاتب استرداده من ملامح الماء العكرة. نحن نرى أن هذا النص يمثل البوصلة التي يوجه بها الأنصاري قارئه؛ فكل من سكن هذه المدينة هو "ياسين" بشكل أو بآخر، يبحث عن مرفأ آمن في عالم تحول فيه الاستقرار إلى محض خيال أسطوري. إن البحث عن ياسين هو في جوهره محاولة لترميم الثقب الأسود في الذاكرة الجمعية، وجعل الغياب حضورا لغويا يقاوم المحو.

أنطولوجيا التغريب: "آنا كلارسيا هول" وترميم الهوية في المنافي

نحن نلحظ في المنعطفات الأخيرة من المجموعة (ص 53) تقاطعا حادا ومصيريا بين الذاكرة الرافدينية المثقلة بالطين وبين الواقع الأوروبي البارد. إن حضور شخصيات مثل "آنا كلارسيا هول" لا يمثل مجرد انفتاح على الآخر، بل هو تجسيد لمحاولة الكاتب المستميتة لترميم هويته المتشظية عبر مرآة مغايرة. الغربة في نصوص الأنصاري ليست مجرد إحداثيات جغرافية أو "تذكرة سفر"، بل هي لغة وجودية جديدة يحاول الكاتب من خلالها إعادة صياغة انكساراته القديمة بلغة المكان البديل.

في هذا المحور، يتحول الطوفان من كونه حدثا تدميريا إلى كونه تيارا جارفا قذف بالذات إلى شواطئ غريبة لا تشبه أحلامها الأولى. ومع ذلك، يظل الكاتب مخلصا لجذره؛ فهو إذ يخاطب "آنا"، إنما يحاول البحث عن المشترك الإنساني في الوجع. وهنا  نرى أن الأنصاري يمارس نوعا من الاستلاب العكسي؛ فهو لا يذوب في الآخر، بل يستحضر الآخر ليكون شاهدا على مدينته المبلوعة. إن الغربة هنا هي المختبر الذي يعيد فيه الكاتب اكتشاف قيمة حفنة الطين البابلية التي ما زال يحملها في مسامات لغته، مما يخلق توازناً دراميا مذهلا بين حنين العودة وبين حتمية البقاء في اللا-مكان.

الخاتمة الدرامية: المسرحية بوصفها محاكمة جماعية للغياب

إن قرار الكاتب بختم عمله بنص مسرحي (ص 61) ليس مجرد تنويع في القوالب الأدبية، بل هو تتويج بنيوي وفلسفي لعملية "البعث من تحت الركام". فبعد رحلة طويلة من السرد المنولوجي والاعترافات الذاتية، يختار الأنصاري الخشبة لتكون الميدان الأخير للمواجهة.  وترى أن في هذا التحول الدرامي فعل "الخروج من الطين"؛ حيث تغادر الشخوص صمتها الكتابي لتجسد مأساتها حية أمام القارئ.

المسرحية هنا هي المطهر الأرسطي الذي يغسل أدران الانتظار؛ فالممثلون الذين يتحركون على حواف المدينة الغارقة هم نحن، القراء الذين تحولنا بفضل لغة الكاتب من متلقين سلبيين إلى شهود عيان على هلاك الحضارة والروح. إنها "محاكمة وجودية" للغياب، حيث يصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة لترميم الشروخ التي أحدثها الطوفان في جدار الكيان الإنساني.

الخلاصة: استعادة المدينة من براثن الطمي

إن كتاب "مدينة بلعها الطوفان" لآلان الأنصاري هو نص "عابر للحزن" ومتجاوز للبكائيات التقليدية التي وسمت أدب المنافي. هو لا يكتفي برصد لحظة الانهيار، إنما يحاول تأريخ الألم وتأطيره في قوالب جمالية شديدة الكثافة والعمق. تكمن القوة القاتلة لهذا العمل في قدرته على جعل القارئ يشعر ببرودة ماء الطوفان ورائحة الطمي المبلل في كل فكرة يطرحها.

ونخلص إلى أن هذا المنجز يمثل حجر زاوية في الأدب العراقي والعربي المعاصر؛ لكونه استطاع بفرادة نادرة أن يزاوج بين الجذر السومري الغائر في القدم، وبين التيه الحداثي في المنافي، ليخلق ملحمة ضياع عصرية تخاطب جوهر الإنسان المهدد بالزوال في كل زمان ومكان. إنه كتاب لا يُقرأ بالعين فحسب، بل يُستعاد بالذاكرة، ويُعاش كوجع شخصي أصيل، محولا الهزيمة التاريخية إلى انتصار أدبي باق.

***

بقلم: الأستاذة ليلى بوشمامة - المغرب

تُعد رواية «جنوب الروح» من الأعمال الروائية المغربية التي تنفتح على أسئلة الذاكرة والمصير الإنساني، حيث ينسج الكاتب عالماً سردياً تتداخل فيه الحياة بالموت، والواقعي بالرمزي، والتاريخ الفردي بالتاريخ الجماعي. فالرواية لا تقدم مجرد حكاية عائلية، بل تطرح رؤية عميقة لعلاقة الإنسان بالمكان والقدر، مستحضرةً ذاكرة الريف المغربي وتحولات الحياة الاجتماعية.

منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب القارئ في فضاء مشبع بالإيحاءات الرمزية المرتبطة بالفناء والهشاشة الإنسانية. ففي المشهد الافتتاحي يقول السارد:

«في تلك الساعة من صباح اليوم الأول من رمضان، لم تكن الشمس الزاحفة ببطء قد وصلت بعد إلى الجسم النحيل المتكوم أسفل العتبة» (ص 7).

يكشف هذا الوصف عن تقنية سردية تعتمد التأخير الدلالي؛ إذ لا يتضح فورًا ما إذا كان هذا الجسد حيًا أم ميتًا، غير أن الصورة البصرية للجسد النحيل المتكوم توحي منذ البداية بحضور الموت كظل ثقيل يخيم على العالم الروائي. كما أن حركة الشمس «الزاحفة ببطء» تعكس إيقاع الزمن المتباطئ الذي يميز فضاء الرواية.

ويتعمق هذا الإحساس بالمفارقة بين الحياة والموت حين تظهر شخصية الفرسيوي في لحظة غير متوقعة. تقول الرواية:

«عبرت هموشة العجوز فناء البيت ممسكة مكنستها اليابسة، وألقت تحيتها في عجلة، ثم انتبهت لضحكة الفرسيوي التي تشبه ضحكة الرضيع» (ص 8).

تكتسب هذه الصورة دلالة رمزية قوية، إذ تجمع بين براءة الطفولة ووهن الشيخوخة في آن واحد. فـ «ضحكة الرضيع» الصادرة عن رجل مسنّ تحيل إلى دورة الحياة التي تبدأ بالطفولة وتنتهي بالضعف، وكأن الأشعري يريد أن يضع الشخصية داخل دائرة زمنية مغلقة يعود فيها الإنسان إلى هشاشته الأولى.

غير أن حضور الموت في الرواية لا يظل مجرد احتمال أو إحساس غامض، بل يتحول إلى حدث مركزي في مصير الشخصيات. فبعد فترة قصيرة يُدفن الفرسيوي في المقبرة نفسها التي تضم رفات طفلته، كما يرد في الرواية:

«دُفن الفرسيوي في المقبرة التي تضم رفات الطفلة التي ماتت منذ أربعة عشر عامًا» (ص 15).

إن هذا التلاقي بين الأب والطفلة في فضاء المقبرة يكشف عن بنية دائرية للمصير؛ فالموت في الرواية لا يقطع الروابط العائلية، بل يعيد جمعها في فضاء آخر. كما أن استحضار الطفلة بعد أربعة عشر عامًا يؤكد حضور الذاكرة كعنصر بنائي في السرد، حيث يستعيد الماضي مكانه داخل الحاضر ليعيد تشكيله.

وتتخذ الرواية بعدًا آخر حين تتداخل المعتقدات الشعبية مع الواقع الاجتماعي. ففي أحد المشاهد الجماعية تقول الرواية:

«وضحكت النساء وترحمن على الفرسيوي، وآمن الجميع بأن محمداً سيحل بالدوار ليلة التفريـق» (ص 26).

يكشف هذا المقطع عن حضور الوعي الجماعي القروي الذي يمتزج فيه الواقع بالأسطورة والتوقعات الغيبية. فالإيمان بعودة محمد في ليلة التفريق يعكس ثقافة شعبية تقوم على انتظار الخلاص أو العودة المفاجئة، وهو ما يمنح الرواية بعدًا أنثروبولوجيًا يضيء الحياة اليومية في المجتمع القروي.

غير أن هذه العودة المنتظرة لا تتحقق دون ثمن، إذ يواصل الموت حضوره المهيمن في مصائر الشخصيات. ففي لحظة مؤثرة يقول السارد:

«وفعلاً ماتت يامنة شهراً بعد سفره، وفي شهر رجب، أي بضعة أسابيع قبل عودته» (ص 86).

هنا يبلغ التوتر الدرامي ذروته؛ فالموت يحدث قبل لحظة اللقاء المرتقب، وهو ما يخلق مفارقة مأساوية عميقة. إن هذا التأجيل المستمر للحياة أمام حتمية الفناء يعكس رؤية الأشعري للعالم بوصفه فضاءً تحكمه المصادفات القدرية التي تفلت من سيطرة الإنسان.

من خلال هذه المشاهد المتفرقة، يتضح أن «جنوب الروح» ليست رواية أحداث بقدر ما هي رواية مناخات إنسانية تقوم على استحضار الذاكرة والحنين والموت. فالكاتب يستخدم شخصياته وأحداثه ليكشف عن هشاشة الوجود الإنساني، وعن العلاقة المعقدة بين الإنسان وماضيه ومحيطه الاجتماعي.

إن القيمة الفنية للرواية تكمن في قدرتها على الجمع بين اللغة الشاعرية والبناء الرمزي، حيث تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات عميقة عن الزمن والمصير. وبهذا المعنى، تقدم «جنوب الروح» نصًا سرديًا غنيًا يفتح المجال أمام قراءات متعددة، ويؤكد مكانة محمد الأشعري كأحد الأصوات الروائية المميزة في الأدب المغربي المعاصر.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

..............................

* محمد الأشعري - جنوب الروح - المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء - الطبعة الثانية - 2012

المنهج الوصفي وإشكالية البنية في اللسانيات الحديثة

تُعَدُّ اللغة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً وتشابكاً، فهي في آنٍ واحدٍ نظامٌ رمزيٌّ منظم، وكائنٌ حيٌّ يخضع لقوانين التحوّل والتبدّل عبر الزمن. ومن هنا نشأت في الفكر اللساني الحديث إشكالية منهجية تتعلق بكيفية مقاربة هذا الكائن المركّب: هل ينبغي دراسته في حالته الراهنة بوصفه بنية مكتملة، أم في مساره التاريخي بوصفه ظاهرة متحولة؟ وقد كان المنهج الوصفي أحد أهم الإجابات العلمية التي قدّمها علم اللغة الحديث لهذه الإشكالية.

لقد ارتبط ظهور المنهج الوصفي في اللسانيات الحديثة ارتباطاً وثيقاً بالتحول المنهجي الذي أحدثه اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير، حين ميّز بين نوعين من دراسة اللغة: الدراسة التزامنية التي تنظر إلى اللغة في لحظة زمنية محددة، والدراسة التعاقبية التي تتناول تطورها التاريخي عبر الزمن. وقد رأى أن فهم اللغة بوصفها نظاماً متماسكاً يقتضي أولاً تحليلها في حالتها الراهنة، أي بوصفها بنية قائمة بذاتها، تتحدد فيها قيمة كل عنصر من خلال علاقته بالعناصر الأخرى داخل النظام.

ومن هذا المنطلق نشأ المنهج الوصفي بوصفه منهجاً علمياً يهدف إلى وصف اللغة كما هي مستعملة في زمن معين، من غير أن ينشغل بتفسير أصولها التاريخية أو تحوّلاتها الزمنية. فاللغة، في هذا التصور، ليست مجرد تراكم تاريخي للألفاظ والقواعد، بل هي قبل كل شيء نظام من العلاقات؛ شبكة دقيقة من الروابط الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي تمنح الكلام معناه ووظيفته.

ولهذا السبب نظر اللسانيون الوصفيون إلى اللغة بوصفها بنية مغلقة نسبياً أثناء التحليل، أي منظومة متماسكة يمكن فهمها من الداخل، من خلال العلاقات القائمة بين وحداتها المختلفة. فالفونيم لا يكتسب قيمته إلا في مقابل الفونيمات الأخرى، والكلمة لا تتحدد وظيفتها إلا من خلال موقعها في الجملة، والجملة نفسها لا تُفهم إلا في إطار النظام النحوي العام للغة. وهكذا يصبح كل عنصر لغوي جزءاً من شبكة علاقات معقدة، لا يمكن عزله عن الكل الذي ينتمي إليه.

غير أن وصف اللغة كبنية مغلقة لا يعني أنها بنية جامدة أو غير قابلة للتحوّل في الواقع التاريخي، بل يعني فقط أن الباحث، لأغراض التحليل العلمي، يعمد إلى تجميد الزمن مؤقتاً ليتمكن من دراسة النظام في تماسكه الداخلي. فالمنهج الوصفي يقوم على نوع من "القطع المنهجي" مع التاريخ، يتيح للدارس أن يرى اللغة بوصفها نظاماً قائماً بذاته، لا مجرد مرحلة في سلسلة من التحولات.

وقد أسهم هذا التصور في نشوء ما عُرف لاحقاً بـ البنيوية اللسانية التي سعت إلى الكشف عن القوانين المنظمة للبنية اللغوية. ففي هذا الاتجاه لم تعد اللغة تُدرس بوصفها قائمة من المفردات أو القواعد المتفرقة، بل بوصفها نظاماً متكاملاً تحكمه علاقات بنيوية دقيقة. وقد امتد تأثير هذا المنهج إلى مجالات معرفية أخرى، مثل الأنثروبولوجيا مع كلود ليفي ستروس، والنقد الأدبي مع رولان بارت، حيث أصبح مفهوم البنية أداة مركزية في تحليل الظواهر الثقافية.

ومع ذلك، فقد أثار هذا التصور البنيوي جملة من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة اللغة وحدود المنهج الوصفي نفسه. فالنظر إلى اللغة بوصفها بنية مغلقة قد يفضي أحياناً إلى تجاهل الدينامية التاريخية والاجتماعية التي تشكلها. فاللغة ليست مجرد نظام تجريدي، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية حية تتأثر بالتحولات الثقافية والسياسية والتقنية.

ولهذا ظهرت لاحقاً اتجاهات لسانية حاولت تجاوز هذا الانغلاق البنيوي، مثل اللسانيات التداولية واللسانيات الاجتماعية، التي أعادت الاعتبار إلى السياق الاستعمالي والتاريخي للغة. غير أن هذه الاتجاهات لم تلغِ قيمة المنهج الوصفي، بل أكدت أن فهم التحول اللغوي نفسه يقتضي أولاً فهماً دقيقاً للبنية القائمة في كل مرحلة.

وهكذا يمكن القول إن المنهج الوصفي يمثل لحظة أساسية في تطور الفكر اللساني؛ لحظة الانتقال من النظر إلى اللغة بوصفها مجرد تراث تاريخي إلى النظر إليها بوصفها نظاماً معرفياً منظماً. فقد أتاح هذا المنهج للدارسين أن يكشفوا عن القوانين الداخلية التي تحكم عمل اللغة، وأن يدركوا أن المعنى لا يتولد من الكلمات منفردة، بل من العلاقات التي تربط بينها داخل البنية اللغوية.

إن اللغة، في نهاية المطاف، تقف دائماً على تخوم مفارقة عميقة: فهي بنيةٌ تتسم بقدر من الثبات يسمح بفهمها وتحليلها، لكنها في الوقت نفسه كائنٌ متحوّل يتغير مع تغير الإنسان وتجاربه التاريخية. ومن هنا تنبع أهمية المنهج الوصفي، لا بوصفه تصوراً نهائياً للغة، بل بوصفه أداة معرفية تكشف لنا عن لحظة السكون داخل حركة التحول؛ تلك اللحظة التي يتجلى فيها النظام اللغوي في أقصى درجات اتساقه الداخلي.

وبهذا المعنى، فإن دراسة اللغة وصفياً لا تعني إنكار حيويتها التاريخية، بل تعني الإمساك بالبنية في لحظة توازنها، قبل أن يعاود الزمن حركته ويعيد تشكيلها من جديد. فبين السكون والتحوّل، وبين البنية والتاريخ، تظل اللغة مرآةً دقيقة للعقل الإنساني وهو يصوغ العالم في شبكة من الرموز والدلالات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في البلدان التي تمتعت باستقرار طويل، قد يكون الميل إلى الخيال الأدبي ترفاً مشروعاً، بل حاجة جمالية وفكرية. أمّا في العراق، حيث تتراكم الأحداث كما تتراكم طبقات الغبار على الذاكرة، فإن السؤال عن جدوى الأدب لا ينفصل عن السؤال الأخلاقي: ماذا نكتب؟ ولماذا؟ ولمن؟.

لقد عرف العراق في أقل من نصف قرن ما لم تعرفه أممٌ أخرى في قرون: انقلابات، وحروب خارجية وداخلية، وسجون ومعتقلات، وحصار طويل حوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، ثم احتلالٌ أعقبته فوضى وعنفٌ مفتوح. أمام هذا الفيضان من الوقائع، يبدو الواقع نفسه أكثر كثافةً ودراميةً من أي حبكة متخيَّلة. وهنا تحديداً تبرز أهمية أدب السيرة بوصفه ضرورة ثقافية، لا مجرّد نوع أدبي.

في مثل هذا السياق، تصبح السيرة وثيقة حياة، لا مجرد نص أدبي. إنها شهادة ضد النسيان، وضد التزييف، وضد تحويل المأساة إلى رقم أو خبر عابر.

أدب السيرة، سواء أكان سيرة ذاتية أم مذكرات أم شهادات أم أدب سجون، هو فعل مقاومة للنسيان. ففي العراق، لم يكن القمع سياسياً فحسب، بل كان قمعاً للذاكرة أيضاً. كم من قصص اختفت مع أصحابها؟ وكم من حياة طُمست لأنها لم تُدوَّن؟. تعيد السيرة الاعتبار للإنسان العادي: الطالب، والجندي، والموظف، والأم، والسجين، والمحاصر بالجوع. هؤلاء لا يظهرون في البيانات الرسمية ولا في كتب التاريخ المدرسية، لكنهم يشكّلون جوهر التجربة العراقية. حين يكتب أحدهم سيرته، فهو لا يروي حياته فقط، بل يفتح نافذة على زمنٍ كامل، على بنية الخوف، وآليات القمع، وتفاصيل العيش تحت ضغط دائم.

يُعيد أدب السيرة الإنسان العادي إلى مركز التاريخ، ويكشف ما لا تقوله الوثائق الرسمية، ويحفظ تفاصيل الجوع والخوف والانتظار والمهانة والصمود. في حين قد يهرب الخيال أحياناً من الواقع بدل أن يحاوره، أويتحول إلى لعبة لغوية باردة لا تمسّ حياة الناس. لكن هذا لا يعني أن الخيال بلا قيمة: الخيال، فحين يكون صادقاً، يمكنه تعميق الواقع لا الهروب منه، وقول ما تعجز السيرة المباشرة عن قوله، وتحويل التجربة الفردية إلى رمز إنساني عام.

السجون أكثر من المدن

ليست مبالغة القول إن السجون والمعتقلات في العراق كانت، لفترات طويلة، أكثر حضوراً من الجامعات والمكتبات. يتحوّل أدب السيرة هنا إلى أدب كشف لما أُريد له أن يبقى في الظل ويُنسى. فأدب السجون العراقي، حين يُكتب بصدق ووعي، لا يكتفي بوصف العذاب، بل يفضح النظام الذي أنتجه، ويحلّل كيف يُكسر الإنسان، وكيف يقاوم في آنٍ معاً.

الحصار والجوع

لم تكن سنوات الحصار مجرد مرحلة اقتصادية صعبة، بل تجربة وجودية كاملة: الجوع، والخوف، وإذلال الإنسان في طوابير الغذاء، وانهيار القيم، وتغيّر العلاقات الاجتماعية. هذه التجربة لا يمكن اختزالها في أرقام أو تقارير أممية. وحدها السيرة قادرة على نقل الإحساس اليومي بالمهانة والصبر والاختناق. فالطفل الذي كبر قبل أوانه، والأم التي اخترعت وصفات من العدم، والمعلّم الذي واصل التدريس وهو جائع، كلّهم مادة تاريخية وإنسانية لا تقل قيمة عن أي حدث سياسي كبير.

الكتابة عن المنفى

ليست الكتابة عن المنفى ترفاً ثقافياً ولا نزوة حنين عابرة، بل هي فعل ضرورة، يشبه التنفس لمن أُجبر على مغادرة وطنه تحت وطأة الخوف أو القمع أو الحرب. حين ترك المنفي العراق، لم يكن ذلك خياراً شخصياً، بل كان اقتلاعاً قاسياً من أرضٍ تشكّل فيها وعيه وتكوّنت لغته وتعلّمَّ فيها معنى الانتماء. من هنا، تصبح الكتابة عن المنفى محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذات، وحفظ الذاكرة من التآكل، ومقاومة النسيان بوصفه شكلاً آخر من أشكال الموت.

المنفى ليس مكاناً جغرافياً فحسب، بل حالة وجودية ممتدة. هو أن تصل إلى بلد جديد وأنت تحمل داخلك بلداً كاملاً مكسوراً، بتاريخِه وأصواته وروائحه ومقابره. الكتابة هنا ليست سرداً للحكاية فقط، بل إعادة ترتيب للفوضى الداخلية، ومحاولة لفهم ما جرى: كيف ولماذا خرجنا؟ ومن نحن بعد الخروج؟ وما الذي تبقى منا في الطريق؟

لكن الطريق إلى بلدان اللجوء محفوف بالمخاطر، يبدأ من لحظة القرار القسري بالمغادرة، ويمتد عبر حدود مغلقة ووثائق ناقصة وخوف دائم من المجهول. كثيرون دفعوا أثماناً باهظة: أرواح ضاعت في البحار، وأجساد أنهكتها المعابر، ونفوس انكسرت تحت وطئة الأنتظار الطويل في مخيمات لا تشبه الحياة إلاَ بالاسم.

وعندما يصل أخيراً إلى ما يُسمّى "بلد الأمان"، يكتشف أن الرحلة لم تنتهِ، بل بدأت بشكل آخر. فالقبول ليس أمراً مضموناً؛ هناك نظرات الشك، وبيروقراطية القوانين، والصورة النمطية الجاهزة عن القادم من الشرق، من بلدٍ ارتبط اسمه في المخيلة الغربية بالحروب والعنف. على اللاجئ أن يبرر وجوده باستمرار، وكأن النجاة بحد ذاتها لا تكفي.

أما صعوبة التأقلم، فهي اختبار يومي صامت: اللغة التي لا تسعفك، والعادات التي تشعرك بأنك، وإيقاع الحياة المختلف، والبرد الذي لا يخص الطقس وحده. في المنفى، تعيش انقساماً دائماً: جسدك هنا، لكن روحك هناك، في شوارع بغداد، في بيتٍ لم يعد موجوداً، أو في وجوهٍ فرّقتها المنافي أو ابتلعتها الحروب.

وسط كل هذا، تصبح الكتابة مساحة أمان بديلة. نكتب لنقول إننا كنّا هنا، وإن لنا حكاية تتجاوز أرقام الملفات. نكتب كي لا يتحول المنفى إلى قدرٍ أخرس، وكي نستعيد صوتنا الذي حاولت الظروف مصادرته. الكتابة عن المنفى أيضاً مسؤولية أخلاقية: شهادة للتاريخ، وتحذير من تكرار المأساة.

وحين يكتب المنفيّون عن خروجهم القسري، لا يفعلون ذلك طلباً للشفقة، بل دفاعاً عن المعنى. يكتبون لأن الوطن، مهما ابتعدوا عنه، لا يكفّ عن المطالبة بهم. يكتبون لأن المنفى، مهما طال، لا يصبح وطناً كاملاً. وبين هذا وذاك، تظل الكتابة الجسر الوحيد الذي يسمح لهم بأن يكونوا أنفسهم، بلا أوراق مؤقتة ولا حدود مغلقة.

هل الأدب الواقعي أفضل من الخيال؟

السؤال ليس جديداً، لكنه في العراق يأخذ طابعاً خاصاً. ليست المشكلة في الخيال بذاته، بل في الخيال المنفصل عن الواقع. حين يصبح هروباً من الأسئلة المؤلمة، أو لعبة لغوية لا تمسّ حياة الناس، فإنه يفقد قيمته. في المقابل، يملك الأدب الواقعي، وخاصة أدب السيرة، شرعية نابعة من التجربة. لكنه قد يسقط في فخ التسجيل البارد إن لم يتحوّل إلى وعي وتحليل. فالكتابة الجيدة، واقعية كانت أم تخييلية، هي تلك التي تُضيء الواقع بدل أن تكرّسه، وتُعمّق الفهم بدل أن تكرّر الألم بلا أفق.

الحاجة إلى مشروع كتابة الذاكرة

العراق بحاجة ماسّة إلى مشروع ثقافي غيرمعلن: كتابة الذاكرة الوطنية من أسفل، من حياة الأفراد لا من خطابات السلطة. يشكّل أدب السيرة العمود الفقري لهذا المشروع. من دونه، ستُكتب المرحلة بأقلام الآخرين، أو ستُختصر في عناوين سياسية جافة. إن الأمم التي لا تكتب آلامها، محكوم عليها بتكرارها. وأدب السيرة، حين يُكتب بصدق وشجاعة، لا يعيد فتح الجراح من أجل البكاء، بل من أجل الفهم والمساءلة، وربما الشفاء.

خاتمة

في بلدٍ مثقلٍ بالحروب والمقابر والحصار، لا يمكن مطالبة الكاتب بأن يغمض عينيه ويتخيّل حدائق بعيدة. من حقه أن يفعل ذلك إن شاء، لكن من حق الواقع عليه، وعلينا، أن يُكتب. أدب السيرة في العراق ليس نقيض الإبداع، بل أحد أشكاله المتينة. إنه الأدب الذي يقول: كنتُ هنا، عشتُ هذا، وهذا ماجرى. ومن دون هذه الجملة البسيطة، سيبقى تاريخنا ناقصاً، وأدبنا معلقاً في الفراغ.

***

جورج منصور

تشكّل القصيدة الحديثة فضاءً تأملياً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الأسئلة الوجودية والإنسانية الكبرى، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير جمالي عن العاطفة أو وصفٍ للحالات الشعورية العابرة، بل أصبح مجالاً للكشف عن التوترات العميقة التي تعيشها الذات في مواجهة العالم والواقع والتاريخ. وفي هذا السياق تبرز قصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد بوصفها نصاً شعرياً كثيف الدلالة، ينفتح على مستويات متعددة من القراءة، حيث تتداخل فيه البنية اللغوية مع الرؤية الفكرية والرمزية، ليشكّل مرآةً نقدية تعكس مأزق الإنسان في لحظة انكسار الوعي بين الوهم والحقيقة.

إن العنوان ذاته، "مرآة الخيبة"، يضع القارئ منذ البداية أمام فضاء تأويلي مركّب؛ فالمرآة في الخطاب الرمزي ليست مجرد أداة انعكاس بصري، بل هي أداة كشفٍ معرفيّ ونفسيّ، تُعيد للذات صورتها كما هي، لا كما تتخيّلها أو تتوهّمها. ومن هنا تتأسس القصيدة على حوارٍ داخليّ حادّ بين الذات وصورتها، بين الإنسان ووهمه، وبين الحقيقة التي تحاول أن تفرض حضورها وبين الخداع الذي يصنعه الإنسان لنفسه كي يهرب من مواجهة الواقع.

تتجلى أهمية هذا النص في بنيته الشعرية التي تعتمد على لغةٍ موحية، تتكثف فيها الصور الرمزية والانزياحات البلاغية، كما يتشكّل نسيجه الإيقاعي من موسيقى داخلية قائمة على التكرار والتنغيم الصوتي، مما يمنح القصيدة طاقة تعبيرية قادرة على نقل التوتر النفسي والفكري الذي يهيمن على النص. كذلك يقدّم الشاعر شخصية "رمدان" بوصفها قناعاً شعرياً تتجسد من خلاله أزمة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي قد يقع في فخ الوهم، ويغزل مجده من خيوط زائفة، قبل أن تصدمه مرآة الحقيقة.

وانطلاقاً من ذلك، تهدف هذه الدراسة النقدية إلى قراءة قصيدة "مرآة الخيبة" قراءة تحليلية موسعة تستند إلى مجموعة من الأسس النقدية المتكاملة، تبدأ بالتحليل اللغوي والبلاغي الذي يكشف عن جماليات الصياغة وبنية الأسلوب والانزياحات الدلالية، مروراً بالأسس الجمالية والفنية التي تتناول المعمار الشعري والرؤية الفنية للنص، وصولاً إلى الأسس الفكرية والفلسفية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى. كما تسعى الدراسة إلى استجلاء الأبعاد النفسية والاجتماعية والسيميائية للنص، وربطها بسياقها الثقافي والتاريخي، من أجل الوصول إلى فهمٍ أعمق للرسالة الجمالية والإنسانية التي يحملها هذا العمل الشعري.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تقف عند حدود الوصف أو الانطباع، بل تحاول أن تفتح النص على أفقٍ تأويلي أوسع، يكشف عن طبقاته الدلالية المتعددة، ويبرز قدرة الشاعر توفيق أحمد على توظيف اللغة والصورة والرمز في بناء نصٍّ شعريّ يزاوج بين الجمال الفني والعمق الفكري، ليصبح النص في النهاية مرآةً لا تعكس خيبة فردٍ بعينه فحسب، بل خيبة إنسانية أوسع تتعلق بصراع الإنسان الدائم مع ذاته وأوهامه وحدود وعيه.

ينتمي نص "مرآة الخيبة" إلى فضاء الشعر العربي المعاصر الذي يمزج بين البنية الرمزية واللغة التأملية، ويشتغل على تفكيك الذات في مرآة الوعي النقدي. فالشاعر لا يقدّم خطاباً غنائياً تقليدياً بقدر ما يطرح مواجهة وجودية بين الذات وصورتها المتكسرة.

النص أشبه بمحاكمة شعرية لذاتٍ تُدعى "رمدان"، وهو اسم يتحول في النص إلى قناع رمزي يمكن أن يشير إلى فردٍ أو نموذجٍ إنساني أوسع يمثل الإنسان المأزوم بين الوهم والحقيقة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، إذ يعتمد الشاعر على اللغة العربية الفصيحة ذات البنية الشعرية المحكمة.

وتتجلى بنية الأسلوب في ثلاثة مستويات:

أ ـ التراكيب:

التراكيب في النص تتسم بالكثافة والانزياح الدلالي، مثل:

"تطويكَ الغابةُ في وحشتها"

هنا تتحول الغابة إلى فاعل شعوري قادر على الاحتواء والابتلاع، وهو انزياح بلاغي يمنح الطبيعة طابعاً إنسانياً.

وكذلك:

"يركض عكس الريح سفينك"

الصورة هنا تجمع بين الركض والسفينة، وهما مجالان دلاليان مختلفان، ما يخلق انزياحاً تركيبياً يعكس حالة التناقض الوجودي.

ب ـ الدقة اللغوية:

النص يقوم على اختيار دقيق للألفاظ، مثل:

١- الغابة

٢- الريح

٣- المرآة

٤- الصحراء

٥- النخيل

وهذه المفردات ليست عفوية بل تشكل حقلاً دلالياً للصراع بين الوهم والحقيقة.

ج ـ الانزياح البلاغي:

من أبرز الانزياحات:

مرآة الخيبة تفضح خيبتها

هنا يحدث تشخيص للخيبة، إذ تتحول إلى كيان قادر على الفضح.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتسم لغة النص بالفصاحة دون تكلف، حيث يتوازن اللفظ والمعنى في صياغة تتناسب مع موضوع النص القائم على النقد الذاتي.

مثال:

"تغزل ألقابك من خيط الرغوة"

الصورة هنا تجمع بين:

الزيف (الرغوة)

المجد الزائف (الألقاب)

مما يجعل التعبير مكثفاً وموحياً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

الوزن

النص يعتمد إيقاع الشعر الحر المرتبط غالباً بتفعيلة المتدارك أو المتقارب، مع مرونة واضحة.

القافية

لا يعتمد النص قافية موحدة، لكنه يستخدم قوافي داخلية مثل:

١- القهوة

٢- النخوة

٣- الرغوة

وهو ما يمنح النص تماسكاً صوتياً خفياً.

الموسيقى الداخلية

تظهر عبر:

١- التكرار

٢- الجناس

٣- الإيقاع الدلالي

مثل:

"كنا... كنا... إخوة"

هذا التكرار يخلق إيقاعاً عاطفياً حزيناً.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية خطابية حوارية بين الشاعر و"رمدان".

البنية تتكون من ثلاث مراحل:

مرحلة الكشف

١- الغابة

٢- الريح

٣- الغربة

مرحلة المحاكمة:

١- كشف الوهم

٢- نقد الذات

٣- مرحلة الحكم

٤- العزلة

٥- السرو رمز الكرامة.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية الفنية في النص تقوم على تفكيك الوهم الذاتي.

الشاعر يرى أن:

الإنسان قد يصنع مجده الوهمي

لكنه يصطدم في النهاية بمرآة الحقيقة.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

النص غني بالدهشة الشعرية، مثل:

"تحملك الكرة الوهمية"

الصورة توحي بأن الإنسان أسير لعبة الوهم.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص:

النص يطرح أسئلة وجودية مثل:

١- من نحن؟

٢- هل نعيش الحقيقة أم الوهم؟

٣- هل يمكن للإنسان أن يخدع نفسه؟

2. الأفق المعرفي:

النص يتقاطع مع أفكار فلسفية حول الوعي الزائف عند مفكرين مثل:

فريدريك نيتشه، جان بول سارتر.

حيث يتم تفكيك صورة الذات المتوهمة.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

الرموز الأساسية في النص:

١- الرمز

٢- الدلالة

٣- الغابة

٤- الضياع الوجودي

٥- الريح

٦- التغير والفوضى

٧- المرآة

٨- الوعي بالحقيقة

٩- الصحراء

١٠- الفراغ الروحي

١١- السرو

١٢- الكرامة والثبات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

يمكن قراءة النص في سياق الأزمات السياسية والثقافية العربية، حيث يشير إلى:

١- خيبة الأمل

٢- انهيار القيم.

2. تطور النوع الأدبي

ينتمي النص إلى الشعر العربي الحديث الذي يعتمد:

الرمزية

التفكيك

الحوار الداخلي.

3. ارتباط النص بالتراث

يتقاطع النص مع تقاليد:

الحكمة الشعرية

شعر النقد الاجتماعي.

خامساً: الأسس النفسية

1. تحليل البنية الشعورية

النص مشبع بمشاعر:

١- الخيبة

٢- القلق

٣- الاحتجاج.

2. تحليل الشخصية

شخصية رمدان تمثل:

الإنسان الذي خدعته صورته.

3. النبرة النفسية:

النبرة تتراوح بين:

١- السخرية

٢- العتاب

٣- الحزن.

سادساً: الأسس الاجتماعية

النص ينتقد:

١- الزيف الاجتماعي

٢- صناعة المجد الوهمي.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات الأساسية:

المرآة = الحقيقة

الرغوة = الزيف

النخيل = المجد الحقيقي.

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد هذه القراءة على:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج السيميائي

٣- المنهج التأويلي.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بقيم:

١- الصدق

٢- الكرامة

٣- الشجاعة الأخلاقية.

خلاصة

قصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد نص شعري كثيف الدلالة، يقوم على تفكيك الوهم الذاتي عبر مرآة الحقيقة.

وتتجلى قوته في:

لغته الرمزية المكثفة

بنائه الإيقاعي المرن

عمقه الفلسفي والنفسي.

إنه نص يضع الإنسان أمام سؤال أخلاقي حاد:

هل نملك الشجاعة للنظر في مرآة الحقيقة؟

في ضوء هذه القراءة النقدية المتعددة المستويات لقصيدة "مرآة الخيبة" للشاعر توفيق أحمد، يتبيّن أن النص يتجاوز كونه خطاباً شعرياً مباشراً إلى فضاءٍ رمزيّ وفلسفيّ مركّب، تنصهر فيه اللغة الشعرية مع الرؤية الفكرية في بنية جمالية متماسكة. فقد استطاع الشاعر أن يشيّد نصاً قائماً على كثافة الدلالة والانزياح البلاغي، حيث تتآزر الصورة الشعرية مع الإيقاع الداخلي لتشكّل معماراً فنياً يعكس حالة التوتر الوجودي بين الوهم والحقيقة، وبين صورة الذات المتخيَّلة وصورتها المنكشفة في مرآة الوعي.

وقد كشفت الدراسة، من خلال تحليلها اللغوي والبلاغي، عن قدرة النص على توظيف مفردات الطبيعة والفضاء الرمزي ـ مثل الغابة والريح والمرآة والصحراء والسرو ـ بوصفها علاماتٍ دلالية تتجاوز معناها المباشر لتصبح أدواتٍ تأويلية تكشف عن مأزق الإنسان في مواجهة ذاته. كما أظهر التحليل الإيقاعي أن الشاعر يعتمد موسيقى داخلية متولدة من التكرار والتنغيم الصوتي وتوازن الجمل الشعرية، مما يمنح النص حيويةً إيقاعية تعزز أثره النفسي والجمالي.

أما على المستوى الفكري والفلسفي، فإن القصيدة تنطوي على رؤية نقدية للوعي الزائف، حيث يضع الشاعر الإنسان أمام سؤال أخلاقي وجودي يتعلق بقدرته على الاعتراف بأخطائه ومواجهة صورته الحقيقية بعيداً عن أوهام المجد الزائف. وهنا تتحول شخصية "رمدان" إلى قناعٍ رمزيّ يعكس نموذج الإنسان الذي ينسج حول ذاته شبكةً من التصورات الوهمية قبل أن تصدمه مرآة الحقيقة.

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، يلامس النص حالات شعورية عميقة مثل القلق والخيبة والحنين والاحتجاج، وهو ما يمنحه بعداً إنسانياً يتجاوز الإطار الفردي ليصبح تعبيراً عن خيبات أوسع يعيشها الإنسان في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة وتضيع فيه الحدود بين الحقيقة والزيف. كما ينجح النص في توظيف منظومة رمزية ذات طابع سيميائي غني، حيث تتشابك العلامات والدلالات في شبكةٍ من العلاقات المتقابلة بين الحضور والغياب، والصدق والزيف، والكرامة والانكسار.

وبذلك يمكن القول إن قصيدة "مرآة الخيبة" تمثل نموذجاً للشعر الذي يجمع بين العمق الفكري والثراء الجمالي، إذ لا تكتفي بإنتاج المتعة الفنية، بل تدفع القارئ إلى تأمل ذاته ومساءلة يقيناته. فالنص، في جوهره، ليس مجرد سردٍ لخيبةٍ فردية، بل هو محاولة شعرية لكشف اللحظة التي يضطر فيها الإنسان إلى النظر في مرآة الحقيقة، تلك اللحظة التي يصبح فيها الاعتراف بالخطأ بدايةً ممكنةً لاستعادة الكرامة والوعي.

ومن هنا تظل قيمة هذا النص كامنة في قدرته على الانفتاح على قراءات وتأويلات متعددة، إذ يظل المعنى فيه متجدداً بقدر ما يظل الإنسان في حاجةٍ دائمة إلى مواجهة ذاته وإعادة اكتشافها. فالشعر، في نهاية المطاف، ليس مرآةً تعكس الخيبة فحسب، بل هو أيضاً أفقٌ جماليّ يفتح الطريق نحو الوعي، ويمنح الإنسان فرصةً أخرى للبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الأوهام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

مـرآة الخيبة

شعر: توفيق أحمد

تطويكَ الغابةُ في وحشتها

يركضُ عكسَ الريحِ سفينُكَ (يا رمدانُ)

جنوحُكَ يُمسكُ ثوب جنوحِكْ

تَدخُلُكَ الريحُ وتَدْخُلُها

لاتُقنعْ ريحَكَ أنكَ داخلَها

أنتَ غريبٌ في بيتٍ

ليس له بيتٌ

علّكَ في الستين كبرتَ قليلا

ما زال رصيفُك يبحثُ عن خطواتٍ

لا يعرفُ آخرَها أولُها

تحملكَ الكرةُ الوهميةْ

فترى نفسَك في مرآةٍ تجهلُها

أصحيحٌ رمدانُ هو الرمدانْ

لا توهمْ نفسَك أنكَ كنت جميلا

مرآةُ الخيبةِ تفضحُ خيبتَها

ولأنك أَرْمَدُ

توهمُ نفسكَ أنكَ تحملُ قنديلا

وتضجُّ بك الصحراءُ

فلن تزرعَ في الوهم نخيلا

كم سيظلُّ عجيباً أمرُكَ

تغزلُ ألقابك من خيط الرغوهْ

وتطرزها برماح القوهْ

*

تجديفُكَ في اللاجدوى

غَرَقٌ في طين خرافاتٍ رخوهْ

أخطاؤُك عصيان الوردِ على البستانْ

هل تفهم يا رمدانْ؟

ما أصعب أن يرمي إنسانٌ ثوبَ النخوهْ

كّنا... كّنا... إخوهْ

هل يأتي يومٌ

نجرحُ فيه أكفَّ محبَّتنا

ونُدوِّنُ بالحبر القاني

أبياتَ قصائدَ نشربُها

كالهيل مع القهوهْ؟

أخطأْتَ وأحلفُ أنَّكَ أَخْطَأتْ

هل يُعقلُ تسمية الأخطاء الكبرى نزوهْ

 *

كم قدَّامَكَ يُشبهُ خَلْفَكْ

خذ بيديكَ إليكَ

سيبقى سروُ العزلة حولَكْ

السروةُ أمُّكَ يا رمدانُ

فلا تخنِ السَّروهْ

 

يعد الشاعر العراقي عبد الرزاق ناصر الجمعة واحداً من الأصوات الشعرية التي ارتبطت تجربتها الأدبية بالهمّ الوطني العراقي وبقضايا الإنسان في لحظات التحول والأزمات. لقد برز حضوره في المشهد الثقافي من خلال قصائده التي تجمع بين الحسّ الوطني واللغة الشعرية المتدفقة، مستلهماً من الواقع العراقي أحداثه الكبرى وتطلعات أبنائه إلى الحرية والكرامة.

ينتمي الجمعة إلى جيل من الشعراء الذين جعلوا من الشعر وسيلة للتعبير عن الوجدان الجمعي، حيث تتقاطع في قصائده التجربة الفردية مع التجربة الوطنية. أصدر عدداً من الأعمال الشعرية التي تعكس اهتمامه بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق، من أبرزها: (ليالي البحار، أناشيد تشرين، الأنفاس الملتهبة، الطارق، أخيراً تراويح مهجّر) الذي يضم مجموعة من القصائد، بحوالي 103قصيدة تعكس مشاعر العراقيين ومعاناتهم عبر مراحل مختلفة من تاريخهم المعاصر.

تتميز لغته بالجمع بين الصور الشعرية المكثفة والنبرة العاطفية الصادقة، حيث تتجلى في قصائده ملامح الألم والأمل معا. فهو شاعر ينحاز إلى الإنسان البسيط، يعبر عن قلقه إزاء ما يمر به العراق من أزمات سياسية واجتماعية،

كما أن شعره يتسم بحضور واضح للرموز الوطنية والإنسانية، حيث تتكرر في نصوصه مفردات الوطن والحرية والكرامة، في محاولة لإبراز العلاقة العميقة بين الشاعر وواقعه الاجتماعي. من هنا يمكن النظر إلى تجربته بوصفها جزءاً من القصيدة العراقية المعاصرة التي تمزج بين الحس الإنساني والالتزام بالقضايا الوطنية.

لقد استطاع عبر قصائده، أن يقدم نموذجاً للشاعر الذي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، بل يجعل من الشعر شهادةً على العصر وصوتاً يعكس تطلعات الناس وآلامهم. بذلك يظل حضوره في المشهد الثقافي العراقي شاهداً على قدرة الشعر على مواكبة التحولات التاريخية والتعبير عن نبض المجتمع.

التحليل نقدي لأسلوبه الشعري وديوان تراويح مهجّر، أذ يعد ديوان الأخير (تراويح مهجّر) تجربة شعرية تعبّر عن وجع المنفى الداخلي والخارجي، تكشف عن علاقة الشاعر المضطربة مع الواقع السياسي والاجتماعي. فالنصوص الواردة في الديوان لا تنفصل عن سياقها التاريخي، بل تأتي بوصفها شهادة شعرية على زمنٍ مضطرب عاشه العراق، حيث تتداخل في القصائد مشاعر الحزن والاحتجاج .

يضم الديوان عدداً كبيراً من القصائد التي تتنوع عناوينها بين الموضوع السياسي والاجتماعي والإنساني، مثل: المرافعة، الاعتراف، المزايدة، المصلوب، الأرض الجرداء، الخيبة، الرحمة، النداء. وهذه العناوين تعكس بوضوح طبيعة الخطاب الشعري الذي يتبناه الشاعر، إذ يميل إلى تصوير الإنسان في حالة مواجهة مع الظلم أو الاغتراب.

كما تكشف بعض العناوين عن بعد رمزي أو استعاري، مثل طائر في قفص الهجرة أو موقد جدي، حيث يستدعي الشاعر مفردات من الذاكرة والبيئة المحلية ليعبر من خلالها عن شعور الفقد والحنين.

لغة عبد الرزاق ناصر الجمعة تتسم بالوضوح والاقتراب من اللغة اليومية، لكنها لا تخلو من الصور البلاغية والرمزية. فهو يستخدم مفردات مألوفة لدى القارئ، إلا أنه يوظفها في سياق شعري يمنحها أبعادًا دلالية أعمق.

تظهر هذه السمة في مقطع من قصيدة (الإشارة)، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة للكشف عن الإحساس بالمرارة والانتظار:

إنها غصّة شهري

ملأت قلبي مرارة

فهنا يستخدم الشاعر صورة الغصة ليجسد حالة الألم المتراكم، في حين تمثل الإشارة رمزاً للأمل المؤجل أو التغيير المنتظر.

ثتتسم قصائد الديوان بحضور واضح للبعد السياسي، لكن الشاعر لا يقدمه بشكل مباشر دائماً، بل يلجأ إلى الرمز والتلميح. فالحديث عن (الراتب) أو (الصندوق) أو (الزيارة) في بعض المقاطع يمكن أن يُفهم في سياق نقد الواقع الإداري أو السياسي، حيث يصور المواطن بوصفه ضحية للبيروقراطية أو للفساد.

كما أن استخدام مفردات مثل المصلوب، المأساة، الأرض الجرداء يشير إلى حالة من الاغتراب الوجودي والسياسي، إذ يصبح الإنسان في القصيدة كائناً معلقاً بين الأمل واليأس.

يُعد موضوع الهجرة والاقتلاع من المكان أحد المحاور الأساسية في الديوان، ويتجلى ذلك بوضوح في قصائد مثل طائر في قفص الهجرة. فالشاعر يصور الهجرة لا بوصفها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفها انكساراً نفسيًا ووجدانيًا.

في مقابل هذا الشعور بالاغتراب، يستدعي الشاعر الذاكرة العائلية والمكانية، كما في قصيدة موقد جدي، حيث يتحول الموقد إلى رمز للدفء المفقود والبيت الأول.

أما أسلوب الشاعر يتسم بعدة خصائص أساسية، منها الواقعية الشعرية؛ إذ تنطلق القصيدة من الواقع الاجتماعي والسياسي.

اللغة المباشرة الممزوجة بالرمزية، ما يجعل النص قريباً من القارئ دون أن يفقد بعده الشعري. اما التكثيف الدلالي حيث تحمل الكلمات القليلة معاني متعددة. فضلا عن الانحياز للإنسان البسيط إذ يظهر الإنسان العادي في القصيدة بوصفه بطلاً مأزوما.

يمكن القول إن ديوان (تراويح مهجّر) يمثل تجربة شعرية تنتمي إلى الشعر العراقي المعاصر الذي يمزج بين البعد الإنساني والهمّ السياسي. فقد استطاع الشاعر أن يجعل من قصيدته مساحة للتعبير عن الألم الجماعي، أن يحول معاناة الفرد إلى خطاب شعري يعكس تحولات المجتمع العراقي. بذلك يغدو شعره أقرب إلى وثيقة شعرية تسجل نبض زمنٍ مليء بالتحديات، تؤكد في الوقت ذاته قدرة الشعر على تحويل المعاناة إلى جمال لغوي ورؤية إنسانية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

للأديبة والناقدة سعاد الراعي

تمثل المجموعة القصصية الجديدة "من مذكرات أستاذة" للقاصة سعاد الراعي إضافة نوعية إلى السرد النسوي العربي المعاصر، بما تحمله من جرأة فكرية، وعمق إنساني، ورؤية نقدية تنفذ إلى المسكوت عنه في بنية المجتمع وعلاقاته المتشابكة.

صدرت المجموعة في طبعتها الأولى عام 2026، وتضم تسع قصص قصيرة تتكئ على فضاء أكاديمي وإنساني رحب، تتقاطع فيه أسئلة الدين والحرية، الهوية والانتماء، الحب والخذلان، الشيخوخة والاغتراب.

العتبة النصية ودلالات العنوان

يشي العنوان "من مذكرات أستاذة" منذ الوهلة الأولى بطابع اعترافي وتأملي، إذ يستدعي شكل "المذكرات" بما تحمله من حمولة ذاتية وصدق وجداني، غير أن النصوص لا تقف عند حدود السيرة الفردية، بل تنفتح على الهمّ الجمعي، لتغدو المذكرات مرآة لأسئلة مجتمع كامل. فالأستاذة هنا ليست شخصية معزولة، بل تمثيل رمزي للعقل النقدي الذي يشتبك مع الواقع، ويحاول مساءلته من داخل مؤسساته التربوية والاجتماعية. {وهذا ما يمكن ملاحظته في القصص "ان شاء الله يا استاذه" " عندما يكون الفطر ثالثهم" " في حضرة الاستاذة" "الدرس الأخير"}

البنية السردية والاشتغال الفني

تعتمد الكاتبة أسلوب السرد المشهدي القائم على الحوار المكثف، ولا سيما في القصص التي تدور في فضاء القاعة الدراسية، حيث يتحول الحوار إلى ساحة صراع فكري بين منطقين: منطق النقل الجامد، ومنطق العقل المؤوِّل ويتبدّى ذلك جلياً في القصة التي تناقش إشكالية الاختلاط والحديث النبوي، حيث لا تكتفي الكاتبة بعرض وجهتي النظر، بل تبني تصاعداً درامياً قائماً على تفكيك المسلمات، وإعادة طرح الأسئلة في سياق عقلاني هادئ. " ان شاء الله يا أساتذة".

توظّف الراعي تقنية "السرد الداخلي" بمهارة، فتمزج بين الحدث الخارجي والحركة النفسية للشخصيات، مما يضفي على النصوص بعداً سيكولوجياً واضحاً. وتكاد بعض القصص، مثل قصة الأستاذة ميرا في دار العجزة، تلامس تخوم القصة الطويلة من حيث الامتداد التأملي، وكثافة الوصف، والانشغال بثيمة الذاكرة والزمن والفقد." قصة ذاكرة في ظلال الغياب"

الثيمات المركزية

يمكن الوقوف عند عدد من الثيمات الكبرى التي تنتظم المجموعة:

1. الجدل بين العقل والنص:

تنشغل الكاتبة بإعادة فتح ملف العلاقة بين التدين الشكلي وروح الدين، وتطرح إشكالية التأويل، وحدود الحرية الفكرية داخل المؤسسات التعليمية. غير أن الطرح لا يأتي في صيغة خطابية مباشرة، بل عبر حوار درامي متوازن يمنح الشخصيات حقها في التعبير.

2. المرأة بين الصورة والجوهر:

تحضر المرأة في المجموعة بوصفها ذاتاً مفكرة لا موضوعاً للحكم الأخلاقي. فالكاتبة تقارب قضايا الحجاب، والعقم، والعلاقات المختلة، والشيخوخة، من زاوية إنسانية، متجنبة التبسيط أو الشعاراتية.

3. الشيخوخة واغتراب الكرامة:

تُعد قصة ميرا من أبرز نصوص المجموعة، حيث تطرح قضية إهمال كبار السن، وتحوّلهم إلى أرقام في مؤسسات الرعاية. هنا تبلغ اللغة ذروتها الشعرية، ويتحول السرد إلى مرثية هادئة لذاكرة تتآكل، ولحياة علمية وإنسانية تُختزل في غرفة باردة.

4. الرجولة المكسورة والصورة الاجتماعية:

في قصة العقم، تتناول الكاتبة إشكالية الذكورة الجريحة، وضغط المجتمع على الرجل والمرأة معاً، في طرح متوازن يكشف هشاشة الصورة النمطية للطرفين." قصة حلم لم يولد"

اللغة والأسلوب

تمتاز لغة المجموعة بما يمكن تسميته "النثر المتأنق"{كما ورد في المقدمة}، حيث تتجاور الجملة السردية الرصينة مع نفحات شعرية شفيفة دون أن تسقط في الغموض أو الزخرف المجاني. الجمل طويلة نسبياً، لكنها مشدودة الإيقاع، وتخدم الحالة النفسية للشخصيات. كما تتسم الحوارات بواقعية مقنعة، تعكس وعي الكاتبة بطبيعة الخطاب الديني والاجتماعي السائد.

وفي غير موضع، تستثمر الكاتبة التناص القرآني والحديث النبوي، "في ان شاء الله يا أستاذة"، لا بوصفه زينة لغوية، بل كجزء من بنية الحجاج السردي، مما يمنح النص بعدًا ثقافيًا ويعمّق جدليته.

الرؤية الفكرية والجمالية

لا يمكن قراءة «من مذكرات أستاذة» بمعزل عن سياقها الثقافي؛ فهي تنتمي إلى سرد يطمح إلى مساءلة البنى التقليدية، دون قطيعة كاملة مع المرجعية الدينية أو الاجتماعية. إنها كتابة إصلاحية في جوهرها، تسعى إلى إعادة الاعتبار للعقل والحوار، وتنتصر لكرامة الإنسان ـ امرأة كان أم رجلاً ـ في مواجهة الوصاية والاختزال.

وعلى المستوى الجمالي، تنجح الكاتبة في تحقيق توازن بين الفكرة والفن، فلا تطغى الأطروحة على البناء السردي، ولا يتحول النص إلى مقالة فكرية مموّهة. بل تظل الشخصيات نابضة، مترددة، متألمة، مما يحفظ للنص طابعه الإبداعي.

تأتي «من مذكرات أستاذة» بوصفها عملاً سردياً ناضجاً، يكشف عن تجربة حياتية وثقافية ثرية، ويؤكد حضور سعاد الراعي كصوت قصصي واعٍ بأسئلة عصره. إنها مجموعة تصلح للقراءة النقدية المتأنية، كما تلامس القارئ العام بما تحمله من صدق إنساني وقضايا تمسّ الواقع المعاش.

بهذا الإصدار، تضع الكاتبة قدمها بثبات في فضاء القصة القصيرة العربية المعاصرة، مقدّمة نصوصاً تحاور العقل، وتستفز الوجدان، وتفتح الباب أمام أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات في مجتمعاتنا.

* تقع المجموعة في 128 صفحة من القطع المتوسط؛

* تحتوي على تسع قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛

* قدم لها الشاعر الدكتور عادل الحنظل؛

* صمم الغلاف ونسقه واخرجه طارق الحلفي؛

* الطبعة الأولى 2026/ تمت طباعتها في مطبعة نحن نطبع " باكنانغ "/ المانيا.

***

طارق الحلفي