عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

إنَّ شِعار «كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي شِعارٌ زائف في كثير من استعمالاته؛ من حيث إنَّه لا بُدَّ أن يوجد مسكوتٌ عنه ما في كلِّ مجتمعٍ طبيعي. بل إنَّ مجتمعًا بلا نِسبة مسكوت عنه ليس بمجتمعٍ إنسانيٍّ أصلًا، بل هو غابة، بلا نظامٍ اجتماعي، ولا قانونٍ معرفي، أو علاقات أخلاقيَّة. ولذا من المهمِّ، والحالة هذه، أن نحرِّر أُفهومنا حول «المسكوت عنه»، في ضوء الدِّين والقوانين والأعراف، ماذا نعني به؟ وأيُّ مسكوتٍ عنه؟ وهل كلُّ المسكوت عنه يقال؟ وما الغاية من وراء تحويل المسكوت إلى منطوق أو مكتوب؟ آلفضح أم الإصلاح؟ وهل نعتقد أننا نُصلِح بكشف تلك المسكوتات عنها؟ ثمَّ أيُّ الكفَّتَين سترجح: المصلحة أم المفسدة؟ هل نشر الرذائل، وإشاعة الفواحش، والأعمال الإجراميَّة، وساقط الأقوال والأفعال، ومنحطَّات الأخلاق والسلوكيَّات، في الأعمال الأدبية، ولاسيما الروائيَّة، هي من الأدب في شيء؟ أم أنَّ الهدف، المباشر أو غير المباشر، إنما هو تطبيع القرَّاء، من صغارٍ ومراهقين وكبار، على استساغة ما لا يُستساغ، وعدم الاشمئزاز منه، وتجميل أبطاله، وجعلهم نماذج يُتعاطف معها، ونجومًا يُهتدَى بها؟ وهل ذلك كلُّه تبرِّره لافتة «كشف المسكوت عنه في المجتمع»؟ أم هو يندرج في ما يمكن أن يُسمَّى (الجرائم الأدبيَّة)، التي ينبغي أن تشملها أنظمة مكافحة الفساد في المجتمعات المعاصرة؟

قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو مسترسلٌ في مساءلاته:

ـ ثُمَّ هل حقًّا ما تُبالغ في تصويره بعض الروايات هو (كشف مسكوتٍ عنه)؟ أم هو (نطق بغير موجود، لكي يكون موجودًا واعتياديًّا)؟!

ـ ما تطفح به بعض الأعمال هو حالات، نادرًا ما سمع بها أحدٌ منَّا في محيطه الاجتماعي. وأقلُّ ما يقال عنها- إنْ وُجِدتْ- إنها تقع في شريحة معيَّنة، لا يصحُّ تعميمها وإشاعة تصوير المجتمع قاطبة بها. ينطبق عليها الحديث: «إذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ!»

ـ وهذا يدلُّ على أنَّ المبالغات في تصوير الواقع تضرُّ أكثر ممَّا تنفع.

ـ على أنَّ الحديث المشار إليه يوظَّف عادة في واقعنا توظيفًا طريفًا حقّا، يدلُّ على أنَّ كلَّ طرفٍ يستغلُّ أيَّ حُجَّةٍ لتبرير موقفه. فالمحافظون يُدلون بالحديث في مواجهة ما تُصوِّره بعض الأعمال الروائيَّة والسينمائيَّة في المجتمع من تفسُّخ، على حين أنَّ المحافظين أنفسهم لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من ضلال وانحلال! والليبراليُّون- أو هكذا يُنعَتون- يوظِّفون الحديث في مواجهة تُهَم المحافظين لتبريء أنفسهم ممَّا يُوجَّه إليهم. على حين أنَّ الليبراليِّين لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من انحرافٍ أخلاقيٍّ من خلال أعمالهم السَّرديَّة، قائلين: إنَّ هذا هو المجتمع، وهو غير ملائكيٍّ ولا طهوري، ويجب كشف ما فيه!

ـ فأين الحقيقة الضائعة بينهما؟

ـ إنَّ السبب في ضياع الحقيقة لدَى الأطراف كافَّة أنَّ المكاييل غير عادلةٍ ولا موضوعيَّة، وإنَّما هي تعلو بحسب الميولات وصراع الأفكار وتهبط، وإلَّا فليس ثمَّة مجتمعٌ ملائكيٌّ ولا مجتمع شيطاني، بحالٍ من الأحوال، فالخير والشرُّ مترافقان منذ آدم وحوَّاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل إنَّ هذه الثنائية (الخير والشر) قد خلخلتها الآية: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قبل قرون من استيقاظ الوعي الفلسفي المسيحي الجديد في (أوربا)، المنتهي إلى وحدة الوجود، وإنكار الثنائيات المتضادَّة، من قبيل الخير والشَّر.(1)

تلك هي الأسئلة التي يجب أن نواجهها، بصرامةٍ ومسؤولية، لا ببلاهةٍ ببغائيَّة، ومحاكاةٍ اتباعيَّة، تُلغي العقل لحساب التماثل مع السائد في ثقافات أخرى. هذا إنْ كُنَّا نستشعر مسؤوليَّة الكلمة، قبل رفع عقيرة «كشف المسكوت عنه»، وترديدها، أو رفع لافتة «الجرأة في الأدب»، والتفاخر بها، ليكون ما يُدَّعَى من كشف الرواية للمسكوت عنه كشفًا للرواية نفسها والراوي، ويصبح فضحُ المستور الاجتماعي فضحًا للروائي ذاته وللرواية، وتعريةً للمستور النفسي والتربوي لدَى الكاتب.

ـ ماذا تعني؟

ـ أعني أنَّ شعار «كشف المسكوت عنه» يوظَّف في الأعمال الروائيَّة (السوسيوتجاريَّة) العَرَبيَّة في غير محلِّة، إمَّا لغفلةٍ عن مفهومه الحقيقي أو لتغافل ومغالطة مقصودة. ذلك أن «كشف المسكوت عنه» إنما يعني الاعتراف بوجود ظواهر سلبيَّة، ممَّا لا يُعترَف بها عادة، بهدف نقدها وتقويمها. ذلك هو الهدف الإنساني الأسمى، لا الفضح، والانفضاح، ونشر كلِّ مستقبَحٍ ومسترذَل، ذوقًا وعُرفًا ودينًا. أمَّا ما هو حادث الآن، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، فهو ضروبٌ من «الاعترافات» بما ستره الله على الصالحين من خلقه أو الطالحين، بل الإمعان في اختلاقاتٍ مكشوفةٍ ومبالغاتٍ ممجوجة، وكأنَّ المقصد هو: تطبيع المجتمع على المجاهرة بالخطيئة والتباهي بها، لنشرها بين الناس في أكبر شريحة ممكنة.

ـ بل الترويج لها وترسيخها في الجيل الصاعد/ النازل. حتى إنَّ هناك من المنظِّرين مَن تراهم ما زالوا يندبون حظَّنا المتردِّي في الوصول إلى الحوافِّ القصوَى في هذا الميدان، فهم غير راضين عن جرأة السيرة الذاتيَّة العَرَبيَّة، ولا الرواية العَرَبيَّة، ولا القناة الفضائية العَرَبيَّة، ولا الفيلم السينمائيِّ العَرَبي، على التعرِّي بالقدر الكافي، ووَفق المقاييس الغربيَّة العُليا!

ـ نعم، فالمطلوب ما زال أكثر وأكبر وأوسع، وإلَّا فنحن ما ننفكُّ مجتمعًا نفاقيًّا، ذُكوريًّا، بطرياركيًّا، ظلاميًّا، يعمل بمبدأ التقيَّة، ويدَّعي العِصمة، إلى آخر القائمة السوداء من النعوت التي لا تملُّ الأفواه ولا الأقلام من اجترارها في هذا السياق. وما لم يتحوَّل النصُّ إلى قائمة من الرذائل فليس بنصٍّ، حسب هؤلاء الجوقة من الأدباء والنقَّاد، بل ليس بأدب، ولا بجريءٍ في طرحه، ولا بتنويريٍّ بما يتماشَى مع الطموحات المنشودة! 

ـ لكن هذا يعني تحويل فن الرواية إلى سِيَر اعترافيَّة!

ـ لفنِّ (السِّيرة الاعترافيَّة) وجهان: وجهٌ سقيمٌ سخيف، إنَّما هدفه اجترار الرذائل، والالتذاذ بذلك الاجترار، لدناءة في النفس، واعوجاج في الطبع. وهو عملٌ مريضٌ لا قيمة له، لا أدبيًّا ولا نفسيًّا ولا اجتماعيًّا. ووجهٌ يُحلِّل سرديًّا أغوار النفس البَشريَّة، جاعلًا الكاتب من نفسه نموذج التحليل.  متَّخذًا إلى ذلك لغةً رفيعة، كما يليق بنصٍّ أدبيٍّ، لا بلغةٍ سُوقيَّة، بدعوَى الجرأة في كشف المستور. وهذا نادرٌ، إنْ وُجِدَ، في أدبنا العربي. وإنْ وُجِدَ، نال صاحبَه ما لا يُحبُّ من سفاهة النقد وسطحيَّة القراءة. نموذج هذا ما نال به (إبراهيمُ المازنيُّ، -1949) زميلَه (عبدَالرحمن شكري، -1953)، في كِتاب «الديوان النقدي»؛ لمَّا حاول شكري محاكاة هذا الضَّرب من الكتابة عند الأوربيِّين، في كِتاب أسماه «الاعترافات»، وذلك بعد عودته من (إنجلترا)، ولا سيما أنه كان، إلى ذلك التأثُّر بالغربي، مهتمًّا بالشأن الاجتماعي. فما كان من المازنيِّ إلَّا أن انتهز «الاعترافات» لينال من صديق الأمس، في شخصيَّته وعقله وأخلاقه، وكأنَّ ما كتبه اعترافاتٌ أمام محكمة، لا اعترافات أدبيَّة، لها فنُّها المعروف وأسلوبها المعهود.(2) ولربما أمعن الكاتب- وَفق هذا الضَّرب من الكتابة- في نمذجة الصُّورة لتكون بالغة الدلالة، وإنْ لم تكن بحذافيرها حكايةً واقعيَّةً عن تجربةٍ شخصيَّةٍ بالضرورة. لكن تظل مصيبة السارد العَرَبي مع متلقِّيه مصيبةً كبرَى، حتى وهو يكتب رواية؛ فإذا القراءات تُسقِطها عليه، على أنها سيرته الذاتيَّة! فكيف إنْ هو رَكِب مغامرة السِّيرة الذاتيَّة، أو المذكِّرات، أو فنَّ الاعترافات، في مجتمع من سلاسل العيوب، والمحرَّمات، والنفاق الاجتماعي، وادِّعاء الشياطين طهارةَ الملائكة؟! فلا يلومنَّ الكاتب عندئذٍ إلَّا قلمه وحماقة تقديراته الثقافيَّة! 

ـ على أنَّ من أنصار تلكم الدعوة الزائفة إلى كشف المسكوت عنه، في المقابل، مَن يرَى أنَّ النص إذا مال إلى تصوير وجه الحياة الآخَر، بما فيه من الخير والحقِّ والجمال، كان- لا جرم- أدبًا تقليديًّا باردًا، لن يروج تجاريًّا، ولن يُضاء إعلاميًّا، ولن يتحلَّق حوله النقَّاد المتاجرين بالنَّقد! 

ـ وهذا الامتثال المريض مردُّه، لا رؤية اجتماعيَّة لدَى هٰؤلاء- كما لم يكن لدَى أولٰئك- تجعلنا نترحَّم على (جان جاك روسو)، ولا رؤية نفسيَّة، تجعلنا نذكر (فرويد) بخير، ولا لهدفٍ إصلاحي، ولا حتى رغبة في التغيير. وإنَّما غاية ما هنالك هوسٌ بأمرين: لذة اجتماعيَّة في تذوُّق الممنوعات- ولاسيما في مجتمع مكبوت- وتربية أُغرِمت، منذ نعومة العقل والروح، بتتبُّع العورات، وفراغ النميمة، والقيل والقال. وهي خصائص نسقٍ اجتماعيٍّ عَرَبيٍّ عريق، تحوَّل مؤخَّرًا إلى الأدب، بعد أن تعلَّمت كوادرُه القراءة والكتابة. ولذلك فهو يتساقط علينا دون قِيَمٍ ولا رؤًى تتجاوز ما كان يدور على الشِّفاه بالأمس إلى ما صار يدور اليوم على الأقلام. والأمر الآخَر، هوسٌ بالتطابق مع النموذج الغربي في كلِّ شيء، لدَى مَوالي الغرب الجُدد. ذلك النموذج الذي أصبح يتحرَّك فينا بآليَّتين: آليَّة الفرض القسري، لدمغ العالم بأَسره به، وآليَّة العمالة والاستسلام الطوعي، من قِبَل الشعوب المغلوبة على عقولها وهويَّاتها، ليصبح ذلك النموذج أسوةً حسنةً لنا، حتى في عوراته وقبحيَّاته، ومن شذَّ شذَّ في النار! «وهذي، سيِّدي، كلُّ الحكاية!» ولهذا فإنَّ مَن يقرأ تلك النصوص التي تدَّعي الجرأة، لا يجدها تَنطلِق لا من نُضجٍ اجتماعي، ولا من فِكرٍ إنساني، ولا من غايات، لا إصلاحيَّة ولا حتى فنِّية. وقبل كلِّ شيءٍ فإنَّ بعضها لم يأت عن موهبةٍ أدبيَّةٍ بأيِّ معيار. وتظلُّ الاستثناءات في هٰذا، لندرتها، لا تكاد تُذكَر. ومن مفارقات الحفيِّين بما يُسمُّونه (المسكوت عنه) أنهم يُلغون دَور القارئ والناقد، بل يُلغون طبيعة النصِّ الأدبي؛ من حيث إنَّ النصَّ المباشر، الذي لا يتطلَّب استنطاقًا وتأويلًا لكشف ما يُسمَّى المسكوت عنه، ليس بنصٍّ أدبيٍّ أصلًا، وإنَّما هو أشبه بعريضة شكوَى، أو نشرة أنباء، تنفُض ما في جعبتها، حتى ما يبقى فيها زيادة لمستزيد، ولا مَعين لمسترفد. أي أنها من السطحيَّة في نسيجها، والمباشرة في أداء رسالتها، بما يتنافَى مع طبيعة الأدب أساسًا، فضلًا عن تنافيها مع وظيفته الفنيَّة والاجتماعيَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

......................

(1)   يُنظَر مثلًا: وهبة، مراد، (1995)، الأصوليَّة والعلمانيَّة، (القاهرة: دار الثقافة)، 51- 52.

(2)  يُنظَر: العقَّاد، عبَّاس محمود، إبراهيم عبدالقادر، المازني، (1997)، الدِّيوان: في الأدب والنقد، (القاهرة: دار الشعب)، 57- 73، 177- 190.

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين الفن الروائي وفضاء المدينة بوصفها علاقة تأسيسية أسهمت في تشكّل الكتابة السردية الحديثة، حيث لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تحولت إلى بنية دلالية وجمالية فاعلة تُسهم في بناء الشخصيات وتوجيه مسارات الحكي وتشكيل الرؤية الروائية للعالم. وتنطلق الدراسة من رصد حضور الفضاء المديني في الرواية العالمية، خاصة من خلال ارتباط مدينة باريس بأعلام الرواية الفرنسية مثل فيكتور هوغو وبلزاك وإميل زولا، قبل الانتقال إلى تمثلات المدينة في الرواية العربية، حيث ارتبطت القاهرة بعالم نجيب محفوظ، والإسكندرية بتجارب إدوارد الخراط وإبراهيم عبد المجيد، وصولاً إلى التجربة الروائية المغربية التي جعلت من مدينة الدار البيضاء فضاءً مركزياً للتخييل السردي.

وفي هذا السياق، تركز الدراسة على التجربة الروائية للكاتب المغربي نور الدين محقق، باعتبارها نموذجاً دالاً على تفاعل الرواية المغربية مع الفضاء المديني في بعديه المحلي والعالمي. فقد شكّلت مدينة الدار البيضاء محور مشروعه الروائي من خلال رباعية سردية تسعى إلى تفكيك التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المدينة، ورصد تشابك العلاقات الإنسانية في فضائها الحضري المتعدد. وفي المقابل، تحضر مدينة باريس في أعماله باعتبارها فضاءً ثقافياً وحضارياً يتيح مساءلة علاقة الشرق بالغرب، كما يتجلى في روايتي «إنها باريس يا عزيزتي» و*«أوراق كاتب في باريس»*، حيث تتداخل التجربة الذاتية بالتمثيل الثقافي للمدينة بوصفها مجالاً للمعرفة والحب والتفاعل الحضاري.

وتكشف الدراسة أن المدينة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى عنصر بنيوي يشارك في إنتاج المعنى، إذ تصبح حاملة للذاكرة الجماعية، ومرآة للتحولات الاجتماعية، وفضاءً لتجربة الذات في علاقتها بالآخر. كما تُبرز أن تجربة نور الدين محقق تمثل امتداداً واعياً لتقاليد الرواية العالمية التي جعلت من المدينة مركزاً للتخييل الروائي، مع خصوصية نابعة من المزج بين فضاءين ثقافيين مختلفين: الدار البيضاء بوصفها فضاء الانتماء، وباريس بوصفها فضاء الاكتشاف والحوار الحضاري.

مقدمة

ارتبط الفن الروائي بفضاء المدينة، بحيث قد حاول الروائيون القبض على هذا الفضاء وجعله مجالا لشخصياتهم وللأحداث الواقعة التي يتطرقون إليها في رواياتهم، ومن ثمة فقد سعى العديد من الروائيين لجعل هذا الفضاء المديني يدخل ضمن اهتماماتهم الفنية، ومن هنا فقد ارتبط فضاء مدينة باريس بمجموعة من الكتاب الفرنسيين نذكر من بينهم كل من الشاعر والروائي فكتور هوغو والكاتب والروائي هونوري دو بالزاك والكاتب والروائي إميل زولا،كما حضر فضاء مدينة باريس في روايات العديد من الكتاب العرب بصفة عامة والكتاب المغاربة بصفة خاصة نذكر من بينهم كل من سهيل إدريس وأحمد المديني ونور الدين محقق على سبيل التمثيل لا الحصر.  وخصوص اللكتاب والروائيين العرب في علاقاتهم بفضاء مدن بلدانهم، فقد ارتبط فضاء مدينة القاهرة بالكاتب والروائي نجيب محفوظ، كما ارتبط فضاء مدينة الاسكندرية بالكاتب والروائي إدوارد الخراط وبالكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد، وبالنسبة للكتاب والروائيين المغاربة فنجد الكثير منهم قد ارتبطت رواياته بفضاء مدينة الدار البيضاء، نذكر منهم كل من محمد زفزاف ومبارك ربيع وأحمد المديني ونور الدين محقق ومحمد صوف وغيرهم .وهو ما سيدفع بنا إلى الحديث عن الكاتب والروائي المغربي نور الدين محقق وارتباط رواياته بكل من فضاء مدينة الدار البيضاء من جهة وفضاء مدينة باريس في المقابل من جهة أخرى.

- نور الدين محقق ومدينة الدار البيضاء

سعى الكاتب والروائي نور الدين محقق منذ روايته الأولى إلى الكتابة عن فضاء مدينة الدار البيضاء وجعله مسرحا لشخصيات رواياته وللأحداث المرتبطة بها، وهو في كل ذلك، قد قدم لنا رباعية روائية كما سبق له أن أعلن عنها من قبل، وهي "بريد الدار البيضاء" و"ليالي الدار البيضاء" اللتان صدرتا منذ مدة، كل واحدة منهما في كتاب، و"زمن الدار البيضاء" التي نشرت في الصحافة الثقافية المغربية و"بنات الدار البيضاء" التي أعلن الكاتب عن عنوانها ولم تصدر بعد، وهي رباعية روائية قد سعى الكاتب من خلالها إلى الكتابة عن مدينة الدار البيضاء، كما فعل الكاتب البريطاني لورانس داريل بالنسبة لفضاء مدينة الإسكندرية، وهي مسألة غاية في الأهمية سواء بالنسبة للكتابة الروائية المغربية من جهة أو بالنسبة للكتابة الروائية المشرقية من جهة أخرى.

إن الكاتب الروائي نور الدين محقق، وهو يقدم لنا هذه الروايات التي ترتبط بفضاء مدينة الدار البيضاء، محاولا من خلالها القبض على أسرار هذه المدينة المغربية الموغلة في الجمال المديني وفي تشابك العلاقات الإنسانية الموجودة فيها يكون بعمله هذا يسير في رحاب الرواية العالمية بامتياز.

- نور الدين محقق ومدينة باريس

كما حضرت مدينة الدار البيضاء بقوة في روايات الكاتب الروائي نور الدين محقق، فقد حضرت أيضا في المقابل لها مدينة باريس. حيث نجد أنه قد كتب عنها في روايته الأولى التي حملت عنوان "إنها باريس يا عزيزتي" وهي رواية قد نشرت في المشرق العربي ونال حظها من الكتابات النقدية حولها سواء من لدن نقاد مغاربة أو من لدن نقاد مشارقة معروفين . وهي رواية ثقافية بامتياز تطرق الكاتب الروائي نور الدين محقق فيها إلى علاقة الشرق بالغرب عن طريق إبداع علاقة حب بين رجل في كامل رجولته وفتاة في مقتبل العمر . ومن خلال سيرورة الأحداث فيها قدم معظم الفضاءات الباريسية الفاتنة بحيث تطرق إلأى فضاءات المقاهي الباريسية الشهيرة مثل مقهى دو فلور، حيث كان يلتقي كل من الفيلسوف الفرنسي دون بول سارتر والكاتبة الفرنسية الكبيرة سيمون دو بوفوار، كما قدم لنا أيضا فضاءات المتاحف الفنية الذائعة الصيت وفي مقدمتها فضاء متحف اللوفر . كل ذلك بطريقة روائية شديدة التشويق وغاية في الجمالية الفنية القوية .

أما في روايته الثانية المتعلقة بفضاء مدينة باريس، وهي رواية "أوراق كاتب في باريس" والتي قد سبق له، على طريقة كل من الكاتب الفرنسي الشهير هونوري دو بالزاك والكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، أن نشرها متسلسلة في الصفحات الثقافية لجريدة "الأحداث المغربية" قبل أن تصدر مجتمعة في كتاب، فقد تتبع فيها مسار طالب جامعي مغربي، في علاقاته الإنسانية مع بنات باريس، وفي اهتماماته الثقافية المتنوعة وحبه الشديد لكل من الآداب والفنون .

هكذا نرى أن اهتمام الكاتب والروائي نور الدين محقق بمدينة باريس يعود بالتحديد إلى دراسته السابقة بفرنسا، وإلى زياراته المتعددة بعد ذلك إلى هذه المدينة كما يعود طبعا إلى قراءاته المختلفة والمتنوعة لكل ما كتب عن هذه المدينة الكونية لاسيما من لدن الكتاب العالميين الذين سبق لهم أن زاروها أو استقروا فيها وكتبوا عن تجاربهم في مختلف فضاءاتها الرائعة.

نتائج البحث

تؤكد الدراسة أن الفضاء المديني يشكّل أحد المرتكزات البنيوية الأساسية في الفن الروائي الحديث، حيث يسهم في بناء المعنى السردي وليس مجرد إطار مكاني للأحداث.

يتضح أن علاقة الروائي بالمدينة ترتبط غالباً بتجربته الحياتية المباشرة، سواء عبر الانتماء إليها أو الإقامة فيها أو الاحتكاك الثقافي بها.

أظهرت التجربة الروائية لنور الدين محقق مركزية مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاءً لتشخيص التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع المغربي المعاصر.

تمثل مدينة باريس في أعمال الكاتب فضاءً ثقافياً رمزياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الشرق بالغرب ضمن رؤية روائية إنسانية وجمالية.

تكشف المقارنة بين فضاءي الدار البيضاء وباريس عن حضور ثنائية المحلي/العالمي داخل الرواية المغربية الحديثة، بما يعكس انفتاحها على التجربة الكونية للرواية.

تؤكد الدراسة أن الرواية، من خلال اشتغالها على الفضاء والزمن معاً، تصبح أداة فنية لالتقاط تحولات المجتمع وتمثيل التجربة الإنسانية في بعدها الحضري.

التوصيات

ضرورة توسيع الدراسات النقدية العربية التي تتناول علاقة الرواية بالفضاء المديني، باعتبار المدينة عنصراً بنيوياً لا يقل أهمية عن الشخصية والزمن السردي.

تشجيع المقاربات المقارنة بين المدن الروائية العربية والعالمية للكشف عن أشكال التفاعل الثقافي والحضاري داخل النص الروائي.

الدعوة إلى دراسة الرواية المغربية الحديثة من منظور جغرا-سردي يركز على تمثلات المدن الكبرى وتحولاتها الاجتماعية.

الاهتمام بتحليل الفضاء المديني بوصفه حاملاً للذاكرة الجماعية ومعبّراً عن التحولات الثقافية والاقتصادية داخل المجتمع.

تعزيز البحث في ثنائية المحلي والعالمي داخل الرواية العربية المعاصرة لفهم آليات انفتاحها على الأدب الكوني.

تشجيع الروائيين والباحثين على توثيق التجارب المدينية أدبياً ونقدياً لما تمثله من أرشيف ثقافي وحضاري للأجيال اللاحقة.

خاتمة

يبدو لنا من خلال هذه الدراسة أن علاقة الروائيين سواء الروائيين الغربيين منهم بشكل عام أو الروائيين العرب بشكل خاص، بفضاء المدينة هي مسألة مرتبة بالتعبير عن تجاربهم الحياتية في فضاء المدن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها أو المدن التي زاروها وأعجبوا بها بشكل من الأشكال .

وهذا الأمر يدخل في إطار عملية تشكل الفن الروائي باعتباره فنا يقبض على بنية الفضاء كما يسعى للقبض على بنية الزمن المرتبط به أيضا ومن خلال عملية القبض هاته يقبض على الأحداث الواقعة في هذه الفضاءات وعلى الشخصيات الروائية الفاعلة فيها .

***

د٠ منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

يعتقد بعض النقّاد أنَّ القصة القصيرة جدًا هي فن غربي بامتياز وحجتهم في ذلك أنّ القاص والروائي الأمريكي أرنست همنغوي هو أول مَن كتب قصة قصيرة جدًا عام 1924م تتألف من ست كلمات يقول فيها: (للبيع.. حذاءُ طفل لم يُلبس قط) وأنَّ الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيرسو كتب قصة (الديناصور) التي انتظمت في ست كلمات أيضًا جاء فيها (حينما استفاق، كان الديناصور، ما يزال هناك)، وثمة قصة ثالثة تقول: (الانتقامُ هو: أن أعيْش، مِنْ دونكَ) لجويس كارول. وهناك منْ يعتقد أنَّ ناتالي ساروت هي أول منْ كتبت الـ ق ق جدًا. أمّا النقاد العرب  فيعتقدون أنَّ الـ ق ق جدًا موجودة في الطرفة والحكاية والخبر والحديث والنكتة والأحجية واللغز والمقامة وما سواها من الفنون القولية. وقبل الخوض في تفاصيل الـ ق ق جدًا وتعريفاتها لا بدّ من إحاطة القارئ الكريم عِلمًا بـ (القصة اللمحة) والـ (ق ق جدًا) وضرورة التفريق بينهما. فالقصة اللمحة لا تقل عن ست أو سبع كلمات كما في الأمثلة الثلاثة أعلاه ولا تتجاوز العشرين كلمة. أمّا القصة القصيرة جدًا فهي أطول من ذلك بكثير وقد تصل إلى صفحة واحدة أو صفحتين. والذي يكتبه القاص الجزائري زين الدين بو مرزوق مَدار بحثنا ينتمي إلى (القصة اللمحة) في أفضل الأحوال لأنّ قصصه مُركزة ومُكثفة جدًا وتراهن على التقشف والاختزال كثيرًا ويمكن اعتبار الكثير منها ومضات شعرية ذات نهايات تنويرية.

الريادة العراقية

لا شكّ في أنَّ العراق هو مهد القصة القصيرة جدًا ويحتل موقع الريادة كما احتل موقع الريادة في شعر التفعيلة الذي بدأه السياب ونازك الملائكة وربما تكفي الإشارة إلى أنَّ نوئيل رسّام هو أول كاتب عراقي جنّس ما كتبه عام 1930 بالـ ق ق جدًا في قصص (اليتيم) و(الاخوان) و(شهيد الحُب) وقد آزره في هذا الجانب القاص الرائد عبدالمجيد لطفي ثم تبعتهُ كوكبة من القصاصين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، وابراهيم أحمد، وخالد حبيب الراوي، وبثينة الناصري، وصلاح زنگنة، وتحسين گرمياني، وجمال نوري وكاتب هذه السطور المتواضعة وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

تجدر الإشارة إلى أنَّ المغرب قد أنجز منذ عام 1994 وحتى عام 2013 مائة وأربع (104) مجموعات قصصية قصيرة جدًا واحتل بذلك الوفرة العددية التي سوف تخلّف نوعًا جيدًا من قصص (اللمحة) و(القصص القصيرة جدًا) مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ كُتّابًا من طراز جبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وزكريا تامر، ومحمد عزالدين التازي ومحمد زفزاف قد كتبوا الـ ق ق جدًا. وقد رافق كتابة هذه القصص القصيرة جدًا دراسات نقدية معمقة يمكن أن نشير إلى بعضها مثل (القصة القصيرة بين النظرية والتطبيق) للناقد الفلسطيني د. يوسف حطّيني و(القصة القصيرة جدًا) للناقد السوري د. أحمد جاسم الحسين، و(القصة القصيرة جدًا في العراق) للكاتب العراقي هيثم بهنام بردى و(شعرية القصة القصيرة جدًا) للباحث العراقي أيضًا جاسم خلف إلياس، و(شعرية الواقع في القصة القصيرة جدًا) للباحث التونسي عبدالدايم السلامي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الـ ق ق جدًا قد وجدت طريقها في مصر والسودان والجزائر وسورية وفلسطين ولبنان والكويت والمملكة العربية السعودية.

القصة اللمحة

لم يُتح لي الإطلاع على مجموعتيه القصصيتين القصيرتين جدًا وهما (شُيِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا) لذلك طلبت من القاص بومرزوق أن يبعث لي عبر الواتسآب قرابة 20 ق ق جدًا لكي أتمثّلها جيدًا وأكتب عنها بما تجود به قريحتي. يقول في قصة (إنفلونزا) (تعودت على حضنه وحنانه، وحرارة جسمه، ما إن غادر حتى أصيبت بنزلة برد). تعتمد هذه القصة اللمحة على عنصر المفارقة وليّ عُنُق الخاتمة إلى نهاية تنويرية تعلق بذاكرة السامع أو المتلقي.

نقرأ قصة (الراية) التي يقول فيها: (بعد أن هدّموا البيوت على رؤوس العِباد، وأحرقوا المساجد والكنائس نظروا إلى بعضهم يتساءلون: أين نرفع رايات النصر؟) تعتمد هذه الـقصة اللمحة على الجُمل الفعلية (هدّموا، أحرقوا، نظروا . .) لأن الجمل الأسمية وصفية بينما تحتاج(اللمحة) إلى جمل فعلية مُشذبة ومقتضبة تذهب إلى الصميم مباشرة وهي أقرب إلى قصيدة النثر المركز منها إلى الـ ق ق جدًا التي تعتمد إلى حدٍ ما على السرد أو الروي إن شئتم. أمّا النهاية التنويرية فتكمن في السؤال الذي اختتم به (اللمحة) حينما تساءل: (أين نرفع رايات النصر؟).

يراهن بعض قصص زين الدين بومرزوق على الموازنة بين شطريّ (اللمحة الشعرية) كما في قصة (كَرَم) التي يقول فيها (فتَح باب بيته في رمضان فأغلقت الديون متجرَ جاره) لأنّ هذه (اللمحة) تقوم على المفارقة الدرامية Dramatic Irony ويبدو أن الكرم الحاتمي هو الذي أفضى إلى هذه النتيجة المُفجعة لأن كل ما كان يشتريه كان بالآجل (أي بالدَين) وليس بالعاجل!

لا تختلف قصة (وفاء) عن سابقتها فهي تقوم على ثنائية التوازي بما تنطوي عليه من سبب ونتيجة حيث يقول: (نَسي أن يُطعم كلبهُ في تلك الليلة رنّت أجراس خزائنه).

التقشّف اللغوي

تميل هذه (اللمحات) برمتها الاختصار والاختزال والتقشف لكنها تعرف كيف تضرب على الوتر الحساس حينما يصل إلى النهاية المُرهفة التي تأخذ بتلابيب القارئ أو السامع. ولو تأملنا قصة (صيّاد) التي يقول فيها: (أحرقوا غابتي الأطفال وأشاروا إلى الشجرة التي تغطيها). لا شكّ في أن المفارقة الدرامية حاضرة رغم الاقتصاد اللغوي الذي يجعل من (اللمحة) لقطة مَشهدية واحدة لكنها تقول أشياءَ كثيرة.

الأمر نفسه يتكرر في قصة (نصيحة) التي يقول فيها الراوي: (قال لها سأكتب اسمكِ على الماء ردّت: تعلّم العوم أولًا). يبلغ التقشف والتكثيف ذروته في قصة (جزاء) وهي من قصص اللمحة التي لم تجتز الثلاث كلمات لأن الباء حرف هنا وليس كلمة قائمة بذاتها حيث يقول: (أفتى بشُربها أدمنتهُ).

يمكن أن نختم بالـ ق ق جدًا التي تحمل عنوان (المانغا) التي يقول فيها: (دخل المزرعة ليأخذ بعض الفاكهة. انتبه له صاحبها سألهُ: حاجتك؟ لم يتكلّم. أشار بيد للفاكهة. ظنّ أنه يريد أن يأكل منها. أخبرهُ أنها لم تنضج. حرّك رأسهُ بأنه يُدرك ذلك ثم استرسل: ابني حدّثوه في المدرسة عن فاكهة المانغا أردتُ أن أُريه إيّاها ليعرفها. سأله: لماذا لم تأتِ به ليرى بأم عينيه. ردّ والدمع في عينيه: هو في قبره. أُريد أن أضعَ شاهدًا على عوزه). تندرج هذه القصة تحت باب الـ ق ق جدًا وهي أطول من اللمحة لكنها تقوم على النهاية المباغتة أو المفاجئة فالطفل الذي كان يريد رؤية فاكهة المانغا ظنناه حيًا ولكنه كان راقدًا في قبره غير أنَّ والده المفجوع أراد أن (يضع شاهدًا على عوزه) فحرّك فينا، نحن القرّاء، كل مواجع الألم والحسرة على هذا الطفل البريء الذي غادر الحياة من دون أن يعرف المانغا أو غيرها من الفواكه.

قوة الرمز وبراعة التلميح

يستعمل زين الدين بو مرزوق الرمز والتلميح والإيحاء لوصف حالات إنسانية واجتماعية مأزومة ولا يلجأ إلى التقريرية والوصف المباشر الذي يجثم على صدر (القصة اللمحة) أو (الومضة) أو (الـ ق ق جدًا) الأمر الذي يُضاعف من تقنية التشويق التي يتوخاها القاص الحاذق الذي يغادر المناطق المألوفة ويبحث عن الدروب البكر التي لم يمّر بها عابر.

لقد دققتُ كثيرًا في هذه (اللمحات) و(الوَمَضات) و(الـ ق ق جدًا) لزين الدين فوجدتها مطابقة للاشتراطات الفنية التي يتوخاها هذا النمط الفني الذي تماهت فيه وحدة الموضوع بالزمكان بلقطة طيفية واحدة لا تعتمد على الإسهاب الذي يأخذ وقتًا أطولَ مما تحتاج إليه هذه الأنماط الفنية الجديدة التي تُحاذي الشعر وتنبثق عنه في كثير من الأحيان.

ينجح زين الدين بومرزوق في اجتراح عناوين (لمحاته) و(ق ق جدًا) مثلما نجح في سرده المُقتضب وخواتيمه المتوهجة التي تعْلق في الذاكرة لزمن طويل وربما تكون قصة (قلب مختل عقليًا) هي خير نموذج لما نذهب إليه.

النَفَس البرقي

مَن يُدقق في هذه النماذج القصصية القصيرة جدًا سيجد أنها أقرب إلى النَفَس البرقي الذي يحتشد بالشذرات، والالتماعات، والانزياحات التي تخلخل التراكيب والمعاني وتعيد صياغتها من جديد على وفق الرؤية التي يقترحها القاص المبدع زين الدين بومرزوق. كما أنه يفتح أفقًا جديدًا للتلقّي ولعل (لمحاته) تذكرنا بالقاص الأمريكي غرامي جيمس الذي يقول: (ثلاثة ذهبوا إلى العراق. واحد منهم عاد!). يشترك زين الدين مع غرامي جيمس بفتح آفاق جديدة للتلقّي ويثير أسئلة ما كان لها أن تُثار لولا قوة الأفكار الجديدة ورهافتها التي تُدهم مخيلتنا دفعة واحدة وتفعل فينا فعل الصدمة والدهشة والإبهار.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ الجزائر تحتضن العشرات من كُتاب الـ ق ق جدًا وكُتاب (اللمحات) و(الومضات) نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر أمثال السعيد موفقي، وحسين فيلالي، وعبدالكريم ينينه، وعبدالرزاق بوكبة، وخالد ساحلي، وعبدالرزاق بادي، وبشير ونيسي، ومحمد الكامل بن زيد، ورقيّة هجريس، ومريم بغيبغ، فيما نسب الدكتور الناقد عبدالملك مرتاض الريادة القصصية القصيرة جدًا لمصلحة محمد السعيد الزاهري. وعلى صعيد الأبحاث والدراسات النقدية يمكننا الإشارة إلى كتاب (القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي - الجزائر أنموذجًا) للباحث رابح خوية.

بقي أن نقول بأنّ القاص زين الدين بومرزوق قد أصدر سبع مجموعات قصصية وهي (ليلة أرق عزيزة)، (الحجر المقدّس)، (تشكيل في ذاكرة العين)، (معذرة يا بحر)، (50 درجة تحت الظل)، (أخيرًا انهار جبل الثلج)، (سيلفي مع أبي)، إضافة إلى محموعتين قصصيتين قصيرتين جدًا وهما (شُبِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا). وفي النقد لديه (مقاربة نقدية في القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة) و(فتنة السرد وذوق الكتابة).

***

عدنان حسين احمد2614 adnan

* بالتعاون مع نادي حبر أبيض البريطاني الذي يرأسه د. جمال نصّاري وبدعوة من مركز لندن للإبداع العربي الذي تُديره الشاعرة دلال جويّد تم استضافة القاص الجزائري زين الدين بومرزوق في ندوة ثقافية استمرت زهاء الساعتين حيث قدّمتُ السيرة الذاتية والإبداعية للقاص زين الدين بو مرزوق، ثم أتحتُ الفرصة للناقد د. جمال نصاري ليدلو بدلوه ثم جاء دوري للحديث عن فن الـ ق ق جدًا، وطلبتُ من القاص بو مرزوق أن يقرأ لنا نماذج من قصص (اللمحة) أو (الوَمضة). ثم عقّبت الشاعرة دلال جويّد وتحدثت عن مفاهيم عديدة من بينها الانزياح، ثم تناوبت الصديقتان الفنانة التشكيلية بان الحلي وسندس القيسي بإثارة العديد من الأسئلة. كما استمعنا إلى الفنان التشكيلي هاشم الشطري الذي قرأ لنا قصيدة من (أوراق العشب) للشاعر الأمريكي والت وايتمان، فيما أخذت على عاتقها الأستاذة إيمان فزّاني عملية تصوير الندوة والتقاط بعض الصور الفوتوغرافية التي وثّقت للأمسية على مدار الساعتين الجميلتين المُحتشدتين بالدفء والحميمة والمحبة الغامرة التي أسقطت الحواجز في رمشة عين.

في تسميةٍ أرهقها القياسُ وأغفلها الحسّ

من عجيب ما استقرّ في النحو العربي أن أكثر مصطلحاته بداهةً في الاستعمال، وأشدّها حضوراُ في الكلام، هو أقلّها مباشرةً في التسمية؛ فالفعل الذي يعبّر عن الامتداد والحضور والتجدّد لا يُسمّى “الحاضر”، بل يُدعى “المضارع”. وهذه المفارقة اللفظية تفتح باباً واسعاً للتأمّل: ما الذي ضارَعَ ماذا؟ وأيّ وجهٍ من وجوه المشابهة استحقّ أن يُخلَّد في اسمٍ ظلّ اثني عشر قرناُ بلا مراجعة جذرية؟

أولًا: في الاشتقاق—ماذا يعني “ضارع”؟

“ضارع” في أصل العربية تفيد المشابهة والمقاربة؛ يقال: ضارَعَ الشيءَ إذا شاكله وقاربه. ومن هذا المعنى اشتُقّ “المضارع”، لا ليدلّ على الزمن ابتداءً، بل على علاقةٍ شكليةٍ ودلالية بينه وبين اسم الفاعل. هكذا قرّر أوائل النحاة، وفي طليعتهم سيبويه، ثم تتابع الشُرّاح على تثبيت هذا التعليل: الفعل المضارع يُشابه اسم الفاعل في البنية (عدد الحروف والحركات)، وفي الدلالة على الحدث المتجدّد غير المنقضي.

غير أنّ هذا التعليل—على دقّته القياسية—يشي بأن الاسم لم يُبنَ على جوهر الزمن، بل على قرابةٍ صرفية. فكأنّ النحاة، في لحظة تأسيس، انصرفوا إلى ما يُرى ويُقاس، وأرجأوا ما يُحَسّ ويُعاش.

ثانياً: مذهب البصريين - صرامة القياس واتساق النظام

انحاز مدرسة البصرة النحوية إلى تفسيرٍ يغلّب القياس، فجعلت “المضارعة” عِلّةً صريحةً في التسمية:

الفعل المضارع يُعرب كما يُعرب الاسم، بخلاف الماضي والأمر.

وهو يقبل العلامات (كالرفع والنصب والجزم) التي تُذكِّر بمرونة الأسماء.

ويدلّ - في كثير من استعمالاته—على استمرار الحدث، وهو ما يوازي دلالة اسم الفاعل.

بهذا، صار “المضارع” عند البصريين فعلاً-اسماً في آن: فعلٌ في دلالته الحدثية، واسمٌ في قابليته الإعرابية. ومن هنا بدت التسمية عندهم محكمة، لأنها تعكس موقعاُ وسطاُ في النظام، لا زمناً بعينه.

لكن هذه الدقّة نفسها هي موطن الإشكال: إذ تجعل التسمية تابعةً لبنيةٍ داخلية لا لخبرة المتكلّم بالزمن.

ثالثًا: مذهب الكوفيين - سعة الرواية ومرونة التأويل

أما مدرسة الكوفة النحوية، فقد اتّسمت بمرونةٍ أوسع في التعليل، واعتمادٍ أكبر على السماع. ولم تُعارض أصل التسمية، لكنها لم تُثقِلها بالتقعيد ذاته؛ إذ رأت في المضارع حقلًا دلالياً مفتوحاً يتراوح بين الحال والاستقبال، ويتلوّن بحسب القرائن.

وعند الكوفيين، يغدو المضارع أقلّ ارتهاناً للمشابهة الشكلية، وأكثر اتصالًا بوظائفه التداولية:

فهو يدلّ على الحال بقرينة السياق: “أكتبُ الآن”.

وعلى الاستقبال بدخول السين وسوف: “سأكتبُ”.

وعلى العادة: “أكتبُ كلَّ يوم”.

وهكذا، تتقدّم الوظيفة على الاشتقاق، دون أن تُلغيه.

رابعاً: بين “الماضي” و“الأمر” وغياب “الحاضر”

إذا نظرنا إلى شقيقَيْه في المنظومة—“الماضي” و“الأمر”—وجدنا تسميةً مباشرةً تكاد تُحاكي الإدراك الفطري:

“الماضي”: ما انقضى.

“الأمر”: طلب الفعل.

فأين “الحاضر”؟

لقد استُعيض عنه بصيغةٍ مركّبة: “المضارع”، ثم أُلحق بالاستقبال بأدوات (السين وسوف)، فكأنّ الزمن الحاضر لم يُمنَح اسمه الخاص، بل أُدرج في حقلٍ أوسع يتقاسمُه مع المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الذي أثارته الأجيال اللاحقة:

ألم يكن أولى أن تُسمّى هذه الصيغة باسمٍ يلتصق بزمنها كما التصق “الماضي” بماضيه؟

خامساً: قراءة نقدية - التسمية بين التاريخ والحاجة

إنّ تسمية “المضارع” تكشف عن طبيعة التفكير النحويّ عند المؤسّسين:

تفكيرٌ بنيويّ يرى اللغة شبكة علاقات داخلية، لا مجرّد أدواتٍ للتعبير عن الزمن. ومن ثمّ، لم يكن همُّه أن يطابق المصطلحُ الإحساسَ اليوميّ، بل أن ينسجم مع نظامٍ كليّ.

غير أنّ تطوّر اللسانيات الحديثة، وما رافقه من عنايةٍ بالاستعمال والمعنى، يدعونا إلى إعادة النظر:

هل نحتاج اليوم إلى مصطلحٍ يعبّر عن الزمن الحاضر بوضوح؟

أم نُبقي على “المضارع” بوصفه إرثاُ علميّاُ، ونُثري شرحه بدل تغييره؟

الراجح أن المصطلح - مهما بدا بعيداً - قد ترسّخ حتى صار جزءًا من الهوية العلمية للغة، وأن تغييره لن يكون أيسر من إعادة بناء المنظومة كلّها.

خاتمة:

الفعل المضارع ليس مجرّد صيغةٍ زمنية، بل هو منطقة التقاء بين الحدث والزمن، بين الثبات والتحوّل، بين القياس والسماع. وقد اختار له الأوائل اسمًا يُحيل إلى بنيته، لا إلى زمنه؛ فغدا الاسم شاهداً على عقلٍ نحويٍّ يُفضّل النظام على البداهة.

وبين البصريين الذين أحكموا القياس، والكوفيين الذين وسّعوا الدلالة، ظلّ “المضارع” حيًّا، يتجدّد في الاستعمال، ويقاوم الاختزال. ولعلّ سرّه في ذلك أنّه—على خلاف اسمه—ليس مجرّد “مشابه”، بل هو الفعل الأكثر حياةً في العربية؛ لأنّه الفعل الذي لم ينتهِ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية سيميائية في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي

ملخص الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية أكاديمية موسّعة في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي، باعتباره مشروعًا علميًا يسعى إلى إعادة الاعتبار لأحد الأشكال الشعرية التي ظلت على هامش الدرس النقدي العربي رغم حضورها داخل المدونة التراثية. وتنطلق الدراسة من مقاربة متعددة المستويات تجمع بين التحليل التراثي واللغوي والسيميائي والثقافي، بغية الكشف عن البنية الجمالية والدلالية للمعشّرات الشعرية بوصفها نظامًا شعريًا يتأسس على التفاعل بين الرمز الديني والتنظيم العددي والابتكار الفني.

كما توسّع الدراسة مجال التحليل ليشمل الغلاف بوصفه نصًا بصريًا موازيًا، يُسهم في توجيه أفق التلقي قبل الدخول إلى المتن، مما يجعل العمل وحدة دلالية تجمع بين الخطاب المكتوب والخطاب البصري. وتخلص الدراسة إلى أن مشروع الشرايبي يمثل محاولة نقدية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية الأشكال المنسية، وإعادة وصل النقد الحديث بالذاكرة الشعرية العربية عبر استثمار البنيات التراثية في إنتاج دلالات معاصرة.

إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من التساؤل المركزي الآتي: كيف يسهم كتاب فيصل الشرايبي في إعادة تأسيس المعشّرات الشعرية بوصفها بنية جمالية وثقافية تتجاوز بعدها الشكلي لتصبح نموذجًا دالًا على تطور الوعي بالشعر العربي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكالات الفرعية:

هل تمثل المعشّرات مجرد تقنية نظم أم نسقًا دلاليًا متكاملاً؟

ما علاقة التنظيم العددي بالمعنى الشعري داخل هذا الفن؟

كيف يتحول الغلاف إلى خطاب سيميائي موازٍ للنص؟

إلى أي حد يساهم الكتاب في مراجعة أطروحة «عصر الانحطاط» في الشعر العربي؟

فرضيات البحث

تنطلق الدراسة من الفرضيات التالية:

المعشّرات الشعرية بنية رمزية تتجاوز الوظيفة الشكلية نحو إنتاج معنى ثقافي وروحي.

التنظيم العددي داخل المعشّرات يمثل آلية دلالية لا مجرد نظام هندسي.

الغلاف يشكّل نصًا بصريًا يؤسس أفق القراءة قبل الولوج إلى المتن.

مشروع الشرايبي يعيد الاعتبار للأشكال الشعرية المهمّشة ويقترح قراءة جديدة لتاريخ الشعر العربي.

منهجية الدراسة

اعتمد البحث مقاربة منهجية مركّبة تجمع بين:

المنهج الوصفي التحليلي: لرصد خصائص المعشّرات وبنيتها.

المنهج التاريخي: لتتبع جذورها داخل التراث العربي الإسلامي.

المنهج السيميائي: لتحليل العلامات البصرية والرمزية في الغلاف والنص.

المقاربة النقدية الثقافية: لفهم موقع المعشّرات داخل النسق الحضاري العربي.

افتتاحية الدراسة: الشعر العربي والمعشّرات في السياق التراثي

منذ الجاهلية، شكّل الشعر العربي فضاء معرفيًا وجماليًا متكاملاً، حافظت من خلاله الثقافة العربية على ذاكرتها الرمزية، حيث لم يكن الشعر مجرد تعبير وجداني عن المشاعر، بل مؤسسة ثقافية تؤطر رؤية الإنسان للعالم و أداة لتشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي. وقد أنتج هذا الامتداد التاريخي أشكالًا شعرية متعددة، بعضها حظي بمركز الاهتمام النقدي، بينما بقيت أشكال مثل المعشّرات في مناطق الظل، رغم ما تحتويه من إمكانات جمالية ومعرفية كبيرة.

تمثل المعشّرات الشعرية تجربة فنية ومعرفية فريدة تقوم على تفاعل فريد بين العدد واللغة والروحانية، بوصفها شكلًا شعريًا يعتمد على العدد “10” كرمز ديني وعددي، هذا الرقم لا يقتصر على الوظيفة الشكلية، بل يحمل بعدًا روحيًا مستمدًا من الآية القرآنية:(وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) والتي تربط النص الشعري بالزمن الكوني والدلالات الروحية، مضيفة إلى البناء العددي بعدًا ثقافيًا ومعنويًا.

يأتي كتاب الدكتور فيصل الشرايبي ليعيد فتح هذا الملف النقدي، ليس من زاوية التوثيق فقط ، بل من منظور التأصيل النظري الذي يعيد إدماج هذا الفن داخل تاريخ الشعر العربي، كما يأتي الكتاب   كمشروع إبستمولوجي يحلل المعشّرات بوصفها نظامًا شعريًا متكاملًا، يجمع بين الشكل والمضمون، التراث والتجديد، ويقدم إسهامًا نوعيًا في إعادة النظر في تاريخ الشعر العربي من زاوية أشكال شعرية مهملة. هذه الدراسة تتناول المعشّرات من جميع جوانبها: التاريخية، الدينية، العددية، اللغوية، الأسلوبية، والسيميائية، مع إبراز إسهام الشرايبي في تأصيلها أكاديميًا ونقديًا.

إن أهمية هذا العمل لا تكمن في استعادة شكل شعري منسي فحسب، بل في مساءلة التصورات النقدية التي حصرت تطور الشعر العربي في نماذج محددة، متجاهلة أشكالا أخرى تعبر عن وعي شعري مغاير يقوم على تحويل القيد الشكلي إلى طاقة إبداعية.

 الجذور التاريخية والثقافية للمعشّرات

تعود المعشّرات الشعرية إلى العصر الإسلامي المبكر، حيث ارتبط الشعر بالطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية، واعتمد على الرقم 10 كأداة للترتيب والتذكير. الرقم العشري في المعشّرات يمثل رمزًا دينيًا وروحيًا، كما يظهر في الآية القرآنية: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ما يمنح النص بعدًا معنويًا وروحيًا يرتبط بالقيم الأخلاقية والزهدية.

كما تؤكد المعشّرات على التقليد الفني والنقل التراثي، فالناظمون مثل مالك بن المرحل وابن السيد البطليوسي لم يقتصروا على الإبداع الشعري، بل حاولوا دمج المعاني الروحية مع البنية الشكلية، فكان الشعر وسيلة تعليمية وترفيهية في الوقت نفسه. هذا التاريخ الطويل يجعل المعشّرات حافلة بالمعاني الرمزية والمرجعية الثقافية.

 المرجعية الدينية والرمزية العددية

تكشف المعشّرات عن ارتباط وثيق بالمرجعية الدينية، حيث يحضر الرقم «عشر» بوصفه رمزًا قرآنيًا ودلاليًا، ما يمنح البناء الشعري بعدًا روحانيًا. فالعدد هنا يتحول إلى عنصر بنيوي داخل التجربة الشعرية، يربط بين النظام الكوني والنظام اللغوي، إذ الرقم العشري في المعشّرات ليس مجرد ترتيب شكلي، بل يحمل دلالات روحانية ومعنوية، حيث يرتبط بالنظام الكوني والزمني. تعكس هذه البنية التزام الشعراء بالقيم الدينية، كما في انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد، ما يشير إلى تحول وجودي في وعي الشاعر.

الموضوعات الدينية والأخلاقية مثل الزهد، العبادة، والقيم الاجتماعية تجعل المعشّرات وسيلة تربوية ضمنية، حيث يقوم النص الشعري بتعليم القارئ التدبر والانتباه إلى المعاني العميقة.

وتؤكد طالعة المعشّرات النبوية لمالك بن المرحل هذا البعد، إذ يصرّح الناظم بالتزام «لزومية الطرفين»، في تجربة تجمع بين التعبد والصنعة الشعرية، بما يجعل النص فعلًا جمالياً ذا مقصد روحي.

 المعشّرات في التراث الإسلامي والتحول الأخلاقي للشعر

تكشف تجربة ابن السيد البطليوسي انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد عن تحول وجودي في وعي الشاعر، حيث تتحول الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تعيد بناء الذات. وهنا يغدو الشعر مجالًا للمراجعة الروحية لا مجرد إنتاج جمالي.

 البعد اللغوي والمعجمي

يعيد الشرايبي قراءة المصطلح عبر المعاجم العربية، كاشفًا تعدد دلالات الجذر «عشر»، المرتبط بالعاطفة والكسر والتجزئة. ومن ثمّ تصبح المعشّرات شكلاً يقوم على التكثيف واختزال الامتداد الشعري ضمن نظام عددي منتج للمعنى.

اللغة في المعشّرات تظهر ثراء المعجم العربي وعمق الاشتقاق والتجذير. يعكس هذا البعد قدرة النص على إنتاج مستويات متعددة من المعاني، وتقديم تجربة قراءة دقيقة تتيح القارئ فحص التفاصيل التعبيرية والاشتقاقية.

التحليل المعجمي يوضح كيف أن الشاعر يستطيع اختزال الامتداد الشعري ضمن بنية عددية ولغوية متكاملة، ما يثري القراءة النقدية ويبرز قدرة اللغة على الجمع بين الكثافة الجمالية والدلالة المعنوية.

البعد الأسلوبي والفني

المعشّرات تجمع بين تنوع الوزن والقافية والتكرار الفني، مع خلق انسجام بين الشكل والمضمون. يتيح هذا التوازن للشاعر الإبداع ضمن إطار محدد، ويمنح النص قدرة على التعبير عن مستويات متعددة من المعنى.

الشرايبي يبرز أن المعشّرات ليست مجرد قيود شكلية، بل نموذج للانسجام بين النظام الفني والابتكار الإبداعي، ما يعكس وعيًا نقديًا متقدمًا لدى الشعراء.

 البنية الشكلية والتنظيم الأبجدي

تقوم المعشّرات على نظام صارم يربط القصائد بعدد حروف الهجاء، في تزاوج بين النظام الصوتي والنظام الإيقاعي. ويبرز هنا وعي الشعراء بالبناء بوصفه عنصرًا إبداعيًا لا قيدًا تقنيًا.

 المعشّرات وإعادة النظر في مفهوم «عصر الانحطاط»

يرفض الشرايبي اعتبار هذه الأشكال دليلًا على انحطاط الشعر، بل يراها مرحلة من الوعي بالشكل الفني، حيث يصبح البناء ذاته موضوعًا للإبداع، وهو تصور ينسجم مع مراجعات نقدية حديثة لتاريخ الأدب العربي.

 المعشّرات كتجربة إنسانية

لا تلغي الصرامة الشكلية خصوصية التجربة الفردية، بل تمنحها إطارًا ينتج تنوعًا أسلوبيًا واسعًا، مما يجعل المعشّرات فضاءً يلتقي فيه الانضباط والحرية الإبداعية.

التحليل السيميائي لغلاف الكتاب

يمثل الغلاف خطابًا بصريًا موازياً للنص، تتجلى فيه عدة علامات:

الرقم 10 في المركز: علامة أيقونية تختزل موضوع الكتاب.

التدرج الرمادي: يحيل إلى الرصانة الأكاديمية.

الأحمر القاني في العنوان: دلالة الحيوية والإبداع.

الحروفية العربية التجريدية: جسر بين التراث والحداثة.

وبذلك يتحول الغلاف إلى عتبة تأويلية تؤسس علاقة بين الشكل البصري والبنية الشعرية العددية.

هذه العلامات السيميائية تساهم في تهيئة القارئ لتجربة معرفية متكاملة قبل قراءة النص، وهو ما يوضح اهتمام الشرايبي بالبعد البصري والتوازي بين النص الشعري والمرجع البصري.

النتائج

تكشف الدراسة أن: المعشّرات الشعرية تمثل نظامًا شعريًا دلاليا  متكاملًا يجمع بين الشكل،و الرمزية العددية، والمرجعية الدينية، والأسلوب الفني.

البناء العددي واللغوي يشكل آليات إنتاج معنى شعري وجمالي متقن.

الكتاب يبرز إسهام الشرايبي في إعادة الاعتبار للأشكال الشعرية المنسية ضمن الدراسات النقدية العربية حيث يسد فراغا في دراسة الأشكال التراثية .

الغلاف يُسهم في إنتاج دلالة سيميائية موازية للنص، حيث يشارك في إنتاج المعنى باعتباره نصا سيميائيا ما يعزز تجربة القراءة.

المعشّرات توضح تعددية القراءة والتفسير في التراث العربي، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث النقدي.

التوصيات

ضرورة إدراج المعشّرات في الدراسات النقدية المعاصرة باعتبارها نموذجًا للبنية الشعرية المتكاملة.

استثمار البنية العددية والرمزية في الدراسات الأدبية لتوضيح العلاقة بين الشكل والمعنى.

توسيع البحث في البعد السيميائي للنصوص التراثية، بما يشمل الغلاف والعناصر البصرية المرافقة للنص.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الأشكال الشعرية التقليدية والمعاصرة لاستكشاف تطور الوعي الفني في الشعر العربي.

الخاتمة

يقدّم كتاب فيصل الشرايبي إسهامًا نوعيًا في إعادة توجيه الدرس النقدي العربي نحو المناطق المنسية من التراث الشعري، حيث تتحول المعشّرات من ظاهرة هامشية إلى نموذج كاشف عن قدرة الشعر العربي على التجدد داخل القيود الشكلية. وتبرز أهمية هذا المشروع في كونه يعيد وصل النقد الحديث بالذاكرة الثقافية العربية، مؤكدًا أن تطور الشعر لا يتحقق فقط عبر القطيعة، بل عبر إعادة قراءة التراث بوصفه مخزونًا مفتوحًا لإنتاج المعنى.

ومن هذا المنظور، لا يمثل الكتاب دراسة في شكل شعري فحسب، بل دعوة منهجية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية تعددية تعترف بتنوع التجارب والأساليب، وتعيد الاعتبار للأشكال التي أسهمت في تشكيل الحس الجمالي العربي عبر القرون.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

..................

المراجع

- الشرايبي، فيصل. (2025). المعشَّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها. تقديم إدريس الناقوري. المغرب: مطبعة أكاديمية.

 

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (البقر - 23).

نقول: إذا كانت السلفية في منظور أهل "السنة والجماعة" تعني الرجوع إلى القرآن والسنة والإجماع وما قاله أو مارسه السلف الصالح في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، من أجل فهم حياة سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالتالي فهي وفق هذا الفهم ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة، وإنما هي فهم للدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته والدعوة لتطبيقه. فالسلفيّة في المفهوم السوسيولوجي (علم الاجتماع)، هي مسألة فكريّة تعبر عن مضامين اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وأخلاقيّة وسيكولوجيّة، يسعى دعاتها دائماً إلى امتلاك الماضي وتمثله نزوعاً وجدانيّاً أقرب إلى الطبع. وللسلفيّة جذورها المعرفيّة والعمليّة التي تمتد إلى ما قبل الإسلام، (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). ومع قدوم الإسلام، ومع مسألة الخلافة تحديداً، عندما سأل " عبد الرحمن بن عوف" علي بن أبي طالب، يعد مقتل عمر بن الخطاب الذي حدد ستة رجالات من كبار الصحابة ومن لهم حضورهم الفاعل اجتماعيّاً وإسلاميّا لاختيار خليفة من بعده وهم: (علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف): (هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟. قال علي اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فالتفت إلى عثمان فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟. قال اللهم نعم). (1).

 ففي هذا النص نجد أول مرّة ما يعبر عنه بنص تاريخي أهميّة وجوب الأخذ بما أخذ به السلف مرجعاً مقدساً وهو (عمل أبي بكر وعمر) كعمل بشري لتثبيت حالة مستجدة آنذاك، وهي حالة تعيين أو اختيار خليفة للمسلمين، إضافة لاعتماد القرآن والسنة فيما بعد، حيث أصبح ملزماً ومصدراً للتشريع، وهذا الأمر ذاته وصل على يد الشافعي في نهاية القرن الثاني للهجرة إلى إلزام. وهو بذلك وضعنا في إشكاليّة لم تنته آثارها السلبية حتى اليوم، وهي المقابلة بين التاريخ والنص، من خلال تنصيص أو قوننة التاريخ عند الشافعي في اعتبار أقوال وأفعال السلف مصدراً للتشريع والحكم.

 إن هذه العقليّة تفهم اليوم كإشكاليّة بين عقليّة الماضي- الخبر، وعقليّة الاجتهاد – الحرية. أو بين مدرسة النقل ومدرسة العقل.

 نعم ...إن سطوة تاريخ ما قام به النبي والسلف الصالح اشتدّت حتى تحولت على يد الشافعي إلى مصدر إلزامي رسمي ومقنن (مقدس). حيث يقول الشافعي في الرسالة: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله). (2). فهنا يصبح الماضي عند الشافعي بصريح لفظه، جهة العلم الوحيدة في الإسلام، فلا يحل لجيل أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا أن يكون مستنداً إلى حكم فتوى أو فكر الأجيال السابقة عليه الذين حددوا بالقرون الثلاثة الأولى. أي أصبح الماضي هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تل.

 إنها سلطة الماضي إذن التي عاد الشافعي ليؤكدها بقوله في كتاب الأم: (لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتيّاً أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم). أي الماضي. أي (الإجماع والآثار والقياس). (3). فالماضي عند الشافعي هو جوهر الفكر السلفي، وما عداه هو محدثات من الأمور. يقول الشافعي: المحدثات من الأمور ضربان. أحدهما: ما ظهر من أمور تخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه هي البدعة الضلالة ). (4).

 هذا ويعتبر كل من (ابن حنبل المتوفى عام 248هـ، وأبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ، وأبو حامد الغزالي المتوفى 505،) بعد الشافعي المتوفى سنة 205هـ. هم من جذر الفكر السلفي الأصولي. فإذا كان "الشافعي" قد أسس المنهج الفقهي السلفي بوضعه الأصول الأربعة كمرجعيّة قانونيّة وشرعيّة للتشريع وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس. فإن "ابن حنبل"، مثل الأنموذج المثالي لمنهجية الخبر السلفيّة، و"أبو حسن الأشعري"، هو من أصل السلفيّة من حيث العقيدة. عندما حاول إقحام العقل بشكل خجول في التشريع وتفسير بعض قضايا العقيدة. أما "أبو حامد الغزالي" فهو من فتح الحدود ما بين الفلسفة والتصوف والمنهج السلفي بشكل تلفيقي عند تبنيه للتأويل والمعرفة أللدنية.

الصراع السياسي على السلطة ودوره في إنتاج وبلورة الفكر السلفي الجبري:

الجذر السياسي للجبر في العصر الأموي:

 لقد كان لمسألة الصراع الدائر على السلطة ما بين الأمويين بقيادة "معاوية، وبين علي بن أبي طالب، حيث حول الأمويون الخلافة الإسلاميّة إلى ملك عضوض، واعتبروها أمرأ مقدراً من قبل الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويأخذها ممن يشاء، وهم بهذا يكونوا قد خالفوا مسألة "الاختيار" لمنصب الخلافة من جهة، وواجهوا شيعة علي بن أبي طالب الذين قالوا إن الخلافة جاءت بالوصيّة بناءً على حديث (الغدير) من جهة ثانية. ولتمرير هذا التحول الأموي في مسألة الخلافة، اتكأ الخلفاء الأمويون على كل من وقف إلى جانبهم من الفقهاء ورجال الدين الذين برروا لهم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض، وراحوا يناصبون العداء لكل من وقف ضدهم. ولكون النص الديني (القرآن) كان هو المرجع الأساس لكل القضايا الإشكاليّة التي كانت تتعرض لها الأمّة آنذاك، فقد راح رجال الدين لكلا الطرفين الموالي للسطلة والمعارض لها، يبحث عن الأدلة الشرعيّة في النص المقدس من أجل تبرير موقف صاحبه. ومن هذا المنطلق بدأت تظهر على الساحة الدينيّة قضية الصراع ما بين تيارين فكريين هما: (التيار الجبري والتيار القدري). ففي الوقت الذي تجد في القرآن آيات تبرر الجبر. تجد أيضاً فيها ما يبرر القدر. وهذا ما جعل "على بن أبي طالب" يقول في صفين عندما رفعت المصاحف لتحكيم كتاب الله: (إن القرآن حمال أوجه).

 لقد طُرحت قضيّة الحريّة تحت مسمى القدر، على يد المعتزلة عموما، وعلي يد كل من "معبد الجهني المقتول سنة 80هـ." و"غيلان الدمشقي المقتول سنة 99هـ." و"الجعد بن درهم، المقتول سنة 120هـ." حيث انتصر هؤلاء الثلاثة لمبدأ الحريّة الإنسانيّة، ومواجهة السلطة الأمويّة التي كانت تقول بالجبر، فقالوا: (إن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية. وهو المجازى على فعله، والله تعالى هو من أقدره على ذلك). وبالتالي أرادوا من هذا الطرح كما قلنا مواجهة الأمويين الذين برروا استلامهم للسلطة وما ينتج عنها من مفاسد بأن استلامهم للخلافة هو أمر مقرر من عند الله ولا رادٍ لقدره.0 فدفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم هذا. (5).

 إذنُ لقد جاء هذا الطرح (القدري) رداً على السلطة الأمويّة التي كانت تطرح فكرة الجبر صريحة، لتبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة، فضلاً عن تبرير شرعيّة وجودها أصلاً باعتبار ذلك وكأنه قضاء وقدر من عند الله. فهذا هو "معاوية بن ابي سفيان" قد بدأ الجبر السياسي عنده مبكراً منذ صفين حيث خاطب جيشه في تلك المعركة قائلاً: (وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولقت بيننا وبين أهل العراق ونحن من الله بمنظر، وقد قال الله سبحانه وتعالى: " ولو شاء الله ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يشاء"). (6). وعند تولية "يزيد" الخلافة قال: (الحمد لله الذي شاء صنع. من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع). (7). وهذا "الوليد بن يزيد" يقول: (وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيها حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أصلاً ونهض مستقلاً بما حمل منها مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى خصه الله بها على خلقه). (8). أما "عبد "الملك بن مروان" فيقوم بقتل منافسه "عمرو بن سعيد" ويأمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلي القصر، ثم يهتف عليهم الهاتف ينادي: (إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ).(9).

 إن هذا الموقف الجبري السلفي، ظفر بموقف وموافقة الفقهاء من أهل الحديث في عهد الأمويين ضد من انتصر للعقل وقضية العدل وحرية الإرادة. حيث نجده عند (عبد الله بن عمر. وجابر بن عبد الله. وأبي هريرة. وابن عباس. وانس بن مالك. وعبد الله بن أبي أوفى. وعقبة بن عامر الجهني وأقرأنهم. وقد وصوا أخلافهم بأن لا يصلوا على القدريّة ولا يصلوا جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم) (10). كما نجد هذا الموقف السلفي الجبري وضرورة القول به عند كل من:

1- ابن عباس، كان يقول: (عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع)

2- الشعيبي، كان يقول: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زغرفوها لك بالقول، وما حدثوك به عن أصحاب رسول الله فخذه، وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحس).

3- الوازعي، كان يقول: (قف حيث وقف القوم واسلك سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريا.

...............................

1- الطبري تاريخ الأمم والملوك– الجزء الثالث –ص301.

2- السلطة في الإسلام- عبد الجواد ياسين – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- 1998- ص 68.

3- الأم – دار المعرفة بيروت- المجلد الرابع- ج7- ص299 .

4- ابن القيم – أعلام الموقعين- مكتبة الكليات الأزهري- ج1- ص333.ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم). (49).

5- الشهرستاني – الملل والنحل – مكتبة السلام العالمية- ج1- ص 54

6- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – المصدر السابق. ص132.

 7- المرجع نفسه ص 132.

8- المرجع نفسه. ص132.

9- المرجع نفسه. ص132.

10- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 133.

قراءة لغوية أدبية في ضوء رؤية الخليل بن أحمد الفراهيدي

ليس التقطيع العروضي مجرّد إجراء تقنيّ يُمارَس على جسد البيت الشعري، بل هو في جوهره فعلُ إنصاتٍ عميقٍ إلى النبض الخفيّ للغة، ومحاولةٌ لضبط ما يتفلّت من موسيقاها في قوالبَ تتيح لها أن تُدرَك وتُدرَّس وتُعاد صياغتها. ومن هنا نشأ علم العروض بوصفه علماً يقف على تخوم اللغة والموسيقى، يُقنِّن الإيقاع دون أن يقتله، ويؤطِّر الجمال دون أن يُحجِّره.

لقد أدرك الخليل بن أحمد الفراهيدي، في لحظة عبقرية فذّة، أن الشعر العربي—على امتداده الشفهيّ الطويل—لم يكن فوضى صوتية، بل كان خاضعاً لنظام دقيق من التكرارات الإيقاعية التي يمكن ردُّها إلى وحداتٍ أصغر، هي التفعيلات. ومن خلال هذه الرؤية، تحوّل السماع إلى قياس، والذوق إلى معيار، والانسياب إلى ميزان.

أولاً: التقطيع العروضي بوصفه تفكيكاً للزمن اللغوي

التقطيع في حقيقته ليس تقطيعاُ للحروف، بل تقطيعٌ للزمن؛ إذ تُقسَّم العبارة إلى مقاطع صوتية تمثّل وحدات زمنية متفاوتة الطول: متحركات وسواكن، قصاراً وطوالاً. فكلّ بيت شعري هو نسيج زمنيّ، تُحسَب فيه المدّة كما تُحسَب الدلالة.

ومن هنا، فإن قولنا إن التقطيع “أبطأ” أو “أسرع” ليس مجازاً محضاُ، بل هو توصيف دقيق لكيفية توزيع الزمن داخل السطر الشعري:

فحين تتكاثر المقاطع الطويلة (ـ)، يثقل الإيقاع، ويتحوّل إلى مشيٍ متأنٍّ أقرب إلى التأمّل.

وحين تتعاقب المقاطع القصيرة ()، يتسارع النبض، ويغدو الإيقاع راقصاً، مندفعاً، أقرب إلى الانسياب.

وهذا ما يفسّر الأثر الشعوري للبحور المختلفة؛ فليس البحر إلا تنظيماُ مخصوصاً للزمن الصوتي.

ثانياً: بين التقطيع العروضي والتقطيع البصري

إذا كان التقطيع العروضي خاضعاُ لصرامة القياس، فإن التقطيع البصري (كسر الأسطر في الشعر الحديث) ينتمي إلى مجال آخر: مجال الإيحاء والتنغيم الداخلي. غير أنّ العلاقة بينهما ليست قطيعة، بل تواشج خفيّ.

فالشاعر المعاصر—حتى وهو يكتب شعراً حرّاً—يظلّ خاضعاً، على نحوٍ لا واعٍ، لذاكرة العروض. إنه يُبطئ السطر أو يُسرّعه عبر:

توزيع الكلمات

مواضع الوقف

كثافة الأصوات

وكأنّ التقطيع البصري هو ظلٌّ حديث للتقطيع العروضي؛ أحدهما يُقاس، والآخر يُحسّ، لكن كليهما يشتغل على المادة نفسها: الزمن اللغوي.

ثالثاً: التفعيلة ميزاناُ لا قيداً

قد يُتوَهَّم أنّ التفعيلة قيدٌ يُكبِّل الشاعر، غير أنّها—في منظور الخليل—أداةُ تحرير؛ إذ تمنحه إطاراً يُحسِن من خلاله توزيع طاقته التعبيرية. فالتفعيلة ليست شكلاً جامداً، بل بنية مرنة تقبل التغيير عبر ما عُرف بالزحافات والعلل.

وهنا تتجلّى عبقرية النظام العروضي:

فهو نظامٌ مغلق في أصوله (عدد البحور محدود)

لكنه مفتوح في تطبيقاته (احتمالات الزحاف واسعة)

وبذلك يجمع بين الثبات والتحوّل، بين القانون والاحتمال.

رابعاً: الإيقاع بوصفه دلالة

لا ينفصل الوزن عن المعنى؛ فالإيقاع ليس وعاءً خارجياً، بل هو جزء من الدلالة نفسها. إن اختيار بحرٍ بطيءٍ ثقيلٍ لقولٍ حزينٍ ليس مصادفة، بل هو توافق بين البنية الصوتية والمحتوى الشعوري.

ولهذا يمكن القول:

إن البحر الطويل يشي بالامتداد والوقار

وإن الرجز يوحي بالحركة والاضطراب

وإن الرمل يحمل نبرةً وجدانية رخوة

فالتقطيع، إذن، ليس تحليلاُ لاحقاُ للنص، بل هو أحد مفاتيح بنائه من الأصل.

خامساً: رأي الخليل وإرثه

لم يترك الخليل بن أحمد الفراهيدي نصوصاً تنظيرية مطوّلة تشرح فلسفته، لكنّ عمله نفسه يكشف عن رؤية عميقة: لقد تعامل مع الشعر بوصفه نظاماً يمكن اكتشافه، لا اختراعه. فهو لم يفرض البحور على الشعر، بل استخرجها منه، كما يُستخرج القانون من الظاهرة.

وهذا ما يمنح علم العروض شرعيته:

فهو علمٌ وصفيّ في أصله (يصف ما هو موجود)

ثم صار معياريّاُ في استعماله (يُقاس عليه الجديد)

ومن هنا ينبع التوتر الخلّاق بين الإبداع والقانون: فالشاعر إمّا أن يلتزم الميزان، أو أن يكسِره عن وعي، لا عن عجز.

خاتمة:

التقطيع العروضي ليس تمريناً مدرسياً، بل هو مفتاحٌ لفهم البنية العميقة للشعر العربي؛ إنه الطريقة التي تتحوّل بها اللغة من وسيلة تواصل إلى كيانٍ إيقاعيّ نابض. وبين البطء والسرعة، والثقل والخفّة، يتشكّل المعنى لا في الكلمات وحدها، بل في الزمن الذي تستغرقه هذه الكلمات كي تُقال.

وهكذا يظلّ إرث الخليل حيّاً: لا بوصفه قانوناُ جامدًا، بل باعتباره أفقاً يُمكّن الشاعر من أن يسمع لغته على نحوٍ أدقّ، وأن يكتبها على نحوٍ أعمق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من بنية الانكسار إلى أفق المعنى الاحتمالي

في أزمنةٍ تتكاثر فيها الشظايا، ويغدو المعنى ذاته مهدّداً بالانكسار، ينهض النصّ الأدبي بوصفه محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فتات الدلالة، أو على الأقلّ لإعادة ترتيب الفوضى في هيئةٍ قابلةٍ للتأويل. ومن هذا الأفق، يتقدّم نصّ الشاعر خلدون رحمة «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» بوصفه خطاباً شعرياً مكثّفاً، لا يكتفي بتوصيف الخراب، بل يعيد إنتاجه لغوياً ورمزياً، حتى يغدو النصّ ذاته مرآةً مكسورةً لواقعٍ مأزوم.

تنبثق أهمية هذه الدراسة من كونها تقف عند تخوم تقاطعٍ معقّد بين اللغة والوجود، بين التجربة الفردية والجماعية، وبين الحلم وانكساراته. فالنص لا يُقرأ قراءةً أحاديةً تُفضي إلى معنى جاهز، بل يستدعي مقاربةً نقديةً مركّبة، تنفتح على تعدّد المناهج، وتستجيب لطبيعته بوصفه بنيةً دلاليةً متشظية، تتجاوز حدود البلاغة التقليدية إلى أفق التأويل المفتوح.

ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية الداخلية للنص عبر مستوياتٍ متداخلة: لغويةٍ وبلاغية، جماليةٍ وفنية، فكريةٍ وفلسفية، نفسيةٍ وسوسيولوجية، وصولاً إلى البنية السيميائية العميقة. كما تعتمد، في مقاربتها، على ما يُعرف بـ النقد الاحتمالي، الذي لا يبحث عن “المعنى الصحيح” بقدر ما يستكشف شبكة المعاني الممكنة، انطلاقاً من التفاعل الجدلي بين النص والقارئ والسياق.

إنّ هذه القراءة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية للنص، بل تنطلق من وعيٍ نقديّ يرى في الأدب مجالاً لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، وفي القصيدة فضاءً تتجاور فيه الدلالات وتتصارع، لتكشف في نهاية المطاف عن هشاشة اليقين الإنساني، وعن قدرة اللغة، رغم كلّ شيء، على أن تكون شاهدةً على الانكسار… ومقاومةً له في آنٍ معاً.

يندرج هذا النص ضمن الكتابة الشعرية الحديثة التي تمزج بين قصيدة النثر والتكثيف الرمزي، حيث لا يُقدَّم المعنى بوصفه يقيناً مغلقاً، بل بوصفه شبكةً من الإشارات والانزياحات. ومن هنا، سنعتمد مقاربة مركّبة تجمع بين:

١- التحليل الأسلوبي واللغوي

٢- القراءة السيميائية

٣- المنظور النفسي والفلسفي

٤- النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، لكنه لا يقف عند حدود الفصاحة التقليدية، بل يتجاوزها إلى الانزياح التركيبي والدلالي:

«الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ»

تركيب يقوم على انزياح استعارِي مزدوج:

المرآة - ماء (سيولة الهوية)

الماء - قابلية التهشيم (تفكيك الإدراك)

هنا تتحول اللغة من أداة وصف إلى أداة خلق واقع بديل.

كما نلاحظ:

التوازي التركيبي:

«تقعّر المحدّب وتحدّب المقعّر»

- قلب العلاقات المنطقية يساوي تفكيك النظام الإدراكي

الجمل تتراوح بين:

تقريرية: «رأيتُ دم أحلامي مُراقاً»

استفهامية وجودية: «أليس للأحلام دم؟»

هذا التنوّع يمنح النص دينامية إيقاعية ودلالية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة هنا مفخّمة لكنها غير متكلّفة، وتقوم على:

ألفاظ مشحونة دلالياً: (شظايا، شرارات، عتمات، تيه)

اقتصاد لغوي مع كثافة رمزية

التوازن بين اللفظ والمعنى يظهر في:

عدم فائض لغوي

كل مفردة تؤدي وظيفة إيحائية

مثال:

«الخيبات: فؤوس مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه»

هنا تتجلى بلاغة التحديد:

الجذر يساوي الغصن

- الخيبة تستهدف الأصل الوجودي لا المظاهر

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا يعتمد وزناً تقليدياً، لكنه يبني موسيقاه عبر:

التكرار:

«حلمتُ... حلمتُ»

«هنا والآن»

التوازي الصوتي:

«دم... دافق... دفنه»

جرس حرف الدال يساوي طرقات دموية

الإيقاع الداخلي:

قائم على التقطيع الدلالي لا العروضي

وهذا يخلق موسيقى نفسية أكثر منها عروضية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص يقوم على بنية تفككية متشظية:

لا سرد خطي

بل مشاهد متجاورة:

١- الحرب

٢-الحلم

٣- الخيبة

٤- الحب

الزمن:

غير خطي

يتنقل بين:

الماضي (رأيت)

الحلم

الحاضر («هنا والآن»)

- الزمن هنا نفسي لا كرونولوجي

2. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

العالم بوصفه مرآة مكسورة

الحرب يساوي تفكيك الإدراك

الحلم يساوي مقاومة رمزية

الواقع يساوي خيانة للحلم

انسجام الشكل والمضمون:

التشظي اللغوي يساوي تشظي الوجود

3. الطابع الإبداعي والانزياح

النص ينتج الدهشة عبر:

تحويل المجرد إلى محسوس:

«دم الأحلام»

تحويل القيم إلى أجساد:

الحرية كعنقاء

- هذا انزياح يُجسِّد المعنى بدل أن يصفه

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحلم ممكن في عالم محطم؟

هل العدالة وهم طبقي؟

الموقف: - نقدي، احتجاجي، وجودي

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

التراث الأسطوري (العنقاء)

الفكر الحداثي (تفكك المعنى)

التجربة التاريخية للحروب

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

المرآة تساوي الوعي

الماء يساوي الهوية السائلة

الدم يساوي ثمن الحلم

الشقّة تساوي عزلة الحداثة

- النص يشتغل كـ نص متعدد الطبقات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ينتمي إلى:

سياق ما بعد الحروب العربية

خيبة المشروع القومي

وهو امتداد لـ:

قصيدة النثر الحديثة

خطاب الهزيمة والتمزق

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- القلق

٢- الفقد

٣- الانكسار

2. النبرة النفسية

تتراوح بين:

احتجاج («رأيت الحرية في عيون المترفين»)

حزن حميم («شقّة بلا حبيبة»)

سادساً: الأسس الاجتماعية

النص يفضح:

التفاوت الطبقي

احتكار القيم (الحرية/العدالة)

- خطاب مضاد للسلطة الرمزية

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

المرآة - الوعي

الدم - التضحية

العنقاء - الأمل

الشقّة - العزلة الحديثة

2. الثنائيات

١- الحلم / الخيبة

٢- الحرية / الزيف

٣- الحب / الوحدة

- شبكة دلالية متقابلة

ثامناً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى في:

١- «حرب قُبلتين»

٢- «صخب قلبين»

الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً صرفاً

بل طاقة حياة في مواجهة الموت

- الحب يساوي مقاومة وجودية

تاسعاً: القراءة وفق النقد الاحتمالي

النص لا يمنح معنى واحداً، بل احتمالات:

1. قراءة سياسية

الحرب يساوي واقع تاريخي

الحرية يساوي خطاب زائف

2. قراءة نفسية

الحرب يساوي صراع داخلي

المرآة تساوي الذات المنكسرة

3. قراءة وجودية

الحلم يساوي عبث

الإنسان يساوي كائن مأزوم

4. قراءة جمالية

النص يساوي تجربة لغوية لتفكيك المعنى

- المعنى هنا نتاج تفاعل القارئ مع النص

عاشراً: قراءة لغوية صرفية ونحوية

«هشّمتْ»:

فعل ماضٍ مبني على السكون (للاتصال بالتاء)

دلالته: حدث مكتمل يساوي كارثية نهائية

«ماءَ المرآةِ»:

مضاف زائد مضاف إليه

تركيب انزياحي (إضافة غير مألوفة)

«أليس للأحلام دم؟»

استفهام إنكاري - تقريري

«الخيباتُ: فؤوسٌ»

مبتدأ وخبر بصيغة تشبيه ضمني

- البنية النحوية سليمة لكنها موظفة إبداعياً لا معيارياً

خاتمة:

يُعدّ نص «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» تجربة شعرية كثيفة، تتجاوز حدود التعبير إلى تفكيك بنية الواقع ذاته. إنه نصّ:

لغته منحرفة عن المألوف بوعي

ورؤيته مشبعة بالقلق الوجودي

ومعناه مفتوح على احتمالات لا تنتهي

وفي ضوء النقد الاحتمالي، لا يمكن القبض على “معناه النهائي”، لأن قوته تكمن تحديداً في استعصائه على الإغلاق، وفي قدرته على أن يُعاد توليده مع كل قراءة.

إنه نصّ لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُسكن القارئ، ويعيد تشكيل وعيه… مثل مرآةٍ مكسورة، تعكس الحقيقة في شظاياها لا في اكتمالها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

................................

الشاعر والناثر خلدون عماد رحمة:

الحربُ هشّمتْ ماء المرآةِ: تقَعّرَ المحدّبُ وتحدّبَ المُقعّرُ، انفصلت الظلال عن ملامحها والرؤوس عن أفكارها، واستحالَ الشكلُ إلى شظايا أشكالٍ من شراراتٍ وعتماتٍ وتيه.

*

رأيتُ دم أحلامي مُراقاً، دافقاً بين شقوق الخراب، يتفجّرُ كبروقٍ مدوّيةٍ في بطونِ السماء.

أليسَ للأحلامِ دمٌ؟

بلى..

أنا أسبح في دم أحلامي.

ليس للأحلام مُنتهىً فِيَّ: إنها تتفايضُ عنّي حَدّ افتضاض حدود إدراكها وتأويلها، لكنّ للخيباتِ، حين تدبّ بكامل عتادها، فعلُ النقيض الموازي لحجم الأحلام، الخيباتُ هنا: فؤوسٌ مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه.

*

وُلِدَ الحلمُ خارج ذاته منفيّاً، مطروداً، خارج مكانه وزمانه، كأن تحلم بتحريرِ سجينٍ من زنزانة ضيقة، فتصحو على نبأ دفنه في مقبرة واسعة، أو كأن تحلم بتحرير أرضكَ من كلّ أوساخ التاريخ البشريّ، فتجد نفسك مقذوفاً إلى أرضٍ مُحررةٍ لا تشبه أرضك.

*

حلمتُ برؤية الحريّة وهي تخرج من أنفاق الظُلْمِ كعنقاءِ الأساطيرِ شامخةً، ترفع تعبَ الناس تاجاً على جبينِ الشمس، تغسلُ عيونهم بدمعها الصافي وتربّي وردها الناريّ في أرض هواجسهم.

حلمتُ بالعدالة واقعاً، أن أراها وهي تدفنُ اللغة الفاسدة، أن أراها وهي ترتدي ثوباً منسوجاً من عرق الشهداء والمظلومين والفقراء..

هنا والآن: رأيتُ الحرية والعدالة، ولكن في عيون أصحابها المُترفين، لا في عيون أهلي المظلومين.

*

مرّةً، بكيتُ، لأنني لم أجد مكاناً صالحاً للحبّ، مكاناً هادئاً، يحتملُ صخبَ قلبينِ وصرخة لهفَتِين وحربَ قُبلتين.

لكَمْ بكِيِتْ هي أيضاً، لأنها لمَحَتْ شظايا حيرتي وهي تلهث في كلّ الجهات.

هنا والآن: حصلتُ على شقّةٍ، ولكن من دون قلبها ولهفتها وقُبلتها، شقّةٌ باردةٌ بلا حبيبةٍ

شقّةٌ لا تصلحُ إلا لوحدتي.

 

يمثل توظيف الرمز والأسطورة في الشعر العربي الحديث أحد أهم ملامح تحوله الجذري عن أنماطه الكلاسيكية، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير مباشر عن العاطفة أو تسجيل للحدث، بل أصبح فعلا معرفيا وجماليا يسعى إلى إعادة تأويل الوجود والذات والتاريخ. وفي هذا السياق يبرز اسما أدونيس وبدر شاكر السيّاب بوصفهما من أكثر الشعراء تأثيرا في ترسيخ البعد الرمزي والأسطوري في القصيدة العربية الحديثة، كل بطريقته ورؤيته وأسئلته الوجودية والفكرية.

لقد جاء هذا التحول في زمن عربي مأزوم سياسيا وثقافيا حيث بدت اللغة المباشرة عاجزة عن احتواء حجم الانكسار والأمل في آن واحد. فكان الرمز والأسطورة بمثابة لغة بديلة قادرة على تجاوز الرقابة الخارجية والداخلية وعلى فتح النص على طبقات متعددة من الدلالة. لم يعد الشاعر يتحدث بضمير فردي فقط بل صار يستعير أصوات الآلهة القديمة والأبطال الأسطوريين والشخصيات التاريخية ليعبر عن الإنسان العربي الحديث في قلقه واغترابه وتطلعه إلى الخلاص.

السيّاب كان من أوائل من أدخلوا الأسطورة إلى بنية القصيدة العربية إدخالا عضويا مرتبطا بالتجربة الحياتية والواقع الاجتماعي. في شعره تتجاور المعاناة الشخصية مع المأساة الجماعية وتتحول الأسطورة إلى مرآة للألم الإنساني. استلهم السيّاب أساطير الخصب والموت والبعث مثل أسطورة تموز وعشتار ليعبّر عن فكرة الانبعاث بعد الخراب وعن الحلم بولادة جديدة لوطن مثقل بالجراح. لم تكن الأسطورة لديه ترفا ثقافيا أو زينة لغوية بل ضرورة فنية وفكرية فرضها الواقع القاسي الذي عاشه العراق في تلك المرحلة.

في قصائد السيّاب يتحول المطر إلى رمز مركزي يحمل دلالات متناقضة فهو علامة الخصوبة والحياة وفي الوقت ذاته شاهد على الحزن والفقد. هذا التعدد الدلالي يعكس قدرة الرمز على احتضان التناقض الإنساني وهو ما منح شعره عمقا وتأثيرا واسعين. الأسطورة هنا لا تنفصل عن البيئة المحلية بل تتداخل مع النخيل والأنهار والقرى الجنوبية لتخلق عالما شعريا يمزج الكوني بالمحلي والإنساني بالميتافيزيقي.

أما أدونيس فقد اتخذ من الرمز والأسطورة مشروعا فكريا وجماليا متكاملا يهدف إلى إعادة بناء الشعر العربي من جذوره. الأسطورة عنده ليست فقط أداة تعبير بل بنية تفكير ورؤية للعالم. استدعى أدونيس الأساطير الشرقية والغربية والشخصيات التاريخية والدينية ليعيد تفكيكها وإعادة تركيبها ضمن سياق حداثي يتحدى السائد ويطرح أسئلة كبرى حول السلطة والمعرفة والهوية والزمن. في شعره تتحول الشخصيات الأسطورية إلى أقنعة يتكلم من خلالها الشاعر لا ليحكي الماضي بل ليحاكم الحاضر ويستشرف المستقبل.

أدونيس يوظف الرمز بوصفه أداة قطيعة مع اللغة المباشرة ومع البلاغة التقليدية. لغته كثيفة ومفتوحة على التأويل وتحتاج إلى قارئ فاعل يشارك في إنتاج المعنى. الأسطورة لديه لا تمنح الخلاص بقدر ما تكشف المأزق الوجودي وتعرّي البنى الفكرية الجامدة. ومن هنا تبدو قصيدته أكثر تجريدا وأقل ارتباطا بالحدث اليومي مقارنة بالسيّاب لكنها أكثر انغماسا في الأسئلة الفلسفية والكونية.

بين السيّاب وأدونيس تتجلى مدرستان مختلفتان في توظيف الرمز والأسطورة. السيّاب ينطلق من الألم الشخصي والجماعي ليصل إلى الأسطورة بوصفها عزاء وأملا بينما ينطلق أدونيس من الأسطورة ليهدم الواقع ويعيد مساءلته جذريا. ومع ذلك يشتركان في إدراك عميق لعجز اللغة التقليدية عن التعبير عن عصر مضطرب وفي السعي إلى خلق لغة شعرية جديدة تتجاوز الوصف إلى الرؤيا.

الرمز في شعرهما ليس غموضا مقصودا لذاته بل أفقا دلاليا مفتوحا يحرر القصيدة من الأحادية ويمنحها قابلية الاستمرار والتجدد. فالقصيدة الرمزية لا تُستهلك في قراءة واحدة بل تعيد إنتاج معناها مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يفسر بقاء شعر السيّاب وأدونيس حيا في الذاكرة النقدية والثقافية رغم تغير الأزمنة والسياقات.

أثر هذا التوظيف الرمزي والأسطوري لم يقتصر على تجربتهما الفردية بل امتد إلى أجيال لاحقة من الشعراء العرب الذين وجدوا في الأسطورة مجالا رحبا للتجريب وكسر القوالب الجاهزة. لقد أسهما في نقل الشعر من فضاء التعبير الانفعالي إلى فضاء الرؤية والتأويل ومن الصوت الفردي إلى الصوت الكوني.

من هنا، يمكن القول إن الرمز والأسطورة في شعر أدونيس والسيّاب ليسا مجرد تقنيتين بل تعبير عن وعي جديد بالشعر ووظيفته. شعر يرفض أن يكون مرآة سطحية للواقع ويسعى بدلا من ذلك إلى تعميقه وإعادة تخيله. وبين أسطورة الخصب عند السيّاب وأساطير الهدم والبناء عند أدونيس تتشكل ملامح الشعر العربي الحديث بوصفه مساحة للسؤال والاختلاف والبحث الدائم عن معنى الإنسان في عالم متغير.

ولتعميق قراءة الرمز والأسطورة في تجربة السيّاب وأدونيس لا بد من التوقف عند البعد التاريخي والفكري الذي جعل من العودة إلى الأسطورة فعلا حداثيا لا ارتدادا إلى الماضي. فالأسطورة في الشعر الحديث لم تُستدع بوصفها حكاية بدائية أو بقايا معتقدات غابرة بل بوصفها نصا إنسانيا مفتوحا يحمل أنماطا أولية من التجربة البشرية يمكن إعادة تأويلها في ضوء الحاضر. من هنا كان وعي الشاعرين بالأسطورة وعيا نقديا يعيد إنتاجها داخل بنية شعرية جديدة تتجاوز التكرار وتؤسس للاختلاف.

الأسطورة بين الوعي التاريخي والقلق الوجودي

عند السيّاب يتخذ الرمز والأسطورة بعدا تاريخيا مرتبطا بسؤال الانكسار العربي والحلم بالنهضة. فهو شاعر عاش التحولات السياسية الحادة والخيبات الكبرى وشهد التناقض بين الوعود الثورية والواقع القاسي. لذلك جاءت الأسطورة لديه محمّلة بطاقة خلاصية حتى في لحظات اليأس. فتموز الذي يموت ويبعث وعشتار التي تنزل إلى العالم السفلي ليستا مجرد رمزين جماليّين بل تعبير عن إيمان عميق بدورة الحياة وعن أمل لا ينطفئ رغم الألم. الأسطورة هنا تتماهى مع التجربة الإنسانية البسيطة وتمنحها بعدا كونيا دون أن تفقد حرارتها العاطفية.

كما أن البعد الديني والروحي في شعر السيّاب يتقاطع مع الأسطورة دون أن يذوب فيها. فهناك حس تراجيدي واضح يجعل من الرمز وسيلة لمساءلة العدالة والقدر والمعاناة البشرية. وهذا ما يمنح شعره قدرة على التأثير الوجداني المباشر رغم كثافة رموزه. القارئ لا يشعر بالاغتراب أمام النص بل يجد نفسه منخرطا في ألمه وأمله معا.

أما أدونيس فإن توظيفه للأسطورة ينطلق من قلق معرفي وفلسفي عميق. فهو شاعر ينظر إلى التاريخ بوصفه بنية قابلة للتفكيك لا مسارا مقدسا. لذلك يعيد قراءة الأساطير والرموز الدينية والتاريخية ليكشف ما فيها من سلطة وخطاب مهيمن. الأسطورة عنده ليست وعدا بالخلاص بل سؤالا مفتوحا حول معنى البداية والنهاية وحول إمكانية التجدد الحقيقي. ومن هنا تبدو قصيدته أحيانا صادمة أو عصية على الفهم السريع لأنها لا تمنح القارئ إجابات جاهزة بل تدفعه إلى الشك وإعادة التفكير.

اللغة الشعرية عند أدونيس تقوم بدور أسطوري بحد ذاتها إذ تتحول الكلمات إلى كيانات حية تتفكك وتُعاد صياغتها خارج السياق المألوف. الرمز هنا لا يحيل إلى معنى ثابت بل إلى شبكة من العلاقات والدلالات المتحركة. وهذا ما يجعل من شعره فضاء تأويليا مفتوحا يتجاوز الزمان والمكان.

اللافت أن كلا الشاعرين استخدم الأسطورة ليؤسس قطيعة مع الخطاب الشعري التقليدي لكن كل منهما اختار طريقا مختلفا. السيّاب أعاد وصل الشعر بالإنسان البسيط وبألمه اليومي عبر رمز شفاف قريب من الحس الإنساني العام بينما ذهب أدونيس إلى تعقيد التجربة الشعرية ليجعل منها مختبرا فكريا وجماليا. هذا الاختلاف لا يعني تناقضا بقدر ما يعكس تنوع إمكانات الرمز والأسطورة في التعبير عن التجربة العربية الحديثة.

إن توسعة النظر في أعمال السيّاب وأدونيس تكشف أن الرمز والأسطورة لم يكونا مجرد مرحلة عابرة في تطور الشعر العربي بل تحولا إلى أفق دائم للكتابة الحديثة. فقد أسهما في تحرير القصيدة من أسر المباشرة وفتحا أمامها فضاء كونيّا يسمح لها بالحوار مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها. ومن خلال هذا التوظيف العميق للأسطورة استطاع الشعر العربي الحديث أن يعبر عن أزمته وعن طموحه في آن واحد وأن يثبت أن الشعر ما زال قادرا على إنتاج المعنى في عالم مضطرب ومتغير.

***

د. عصام البرّام

 

يشكّل الشعر الحديث، في تحوّلاته الجمالية والفكرية، فضاءً مفتوحاً لإعادة مساءلة الإنسان في علاقته بذاته والعالم والتاريخ، حيث لم يعد النص الشعري مجرّد بناء لغوي جمالي، بل أضحى بنيةً دلالية مركّبة تتقاطع فيها أنظمة العلامات، وتتشابك داخلها الأبعاد النفسية والوجودية والسوسيولوجية. وفي هذا السياق، يبرز صوت الشاعر بلند الحيدري بوصفه أحد الأصوات الحداثية التي أسهمت في إعادة تشكيل القصيدة العربية، عبر تفكيك البنى التقليدية، والاتكاء على لغة إيحائية كثيفة، تنفتح على تعدّد التأويلات وتقاوم الانغلاق الدلالي.

تأتي قصيدة «بين مسافتين» لتجسّد هذا المنحى الحداثي، إذ تنبني على توتّر داخلي بين قطبي الوجود: الخوف والأمل، الحضور والغياب، العتمة والانبعاث، في صياغة شعرية تتجاوز المباشرة إلى الرمز، وتستعيض عن التقرير بالإيحاء. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي اعتماد منظور نقدي مركّب، يستحضر تعدّد المستويات التحليلية، بدءاً من البنية اللغوية والبلاغية، مروراً بالأسس الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية، والنفسية والسيميائية، ضمن أفق منهجي ينفتح على القراءة التأويلية.

كما تنطلق هذه الدراسة من ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا ينظر إلى النص بوصفه حاملاً لمعنى جاهز ونهائي، بل باعتباره بنيةً مفتوحة تُنتج دلالاتها عبر تفاعل القارئ مع نسيجها اللغوي والرمزي وسياقاتها المختلفة. وعليه، فإن هذه المقاربة لا تسعى إلى تثبيت "المعنى الصحيح"، بقدر ما تهدف إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يتيحها النص، والكشف عن طبقاته الدلالية العميقة.

من هنا، تأتي هذه الدراسة محاولةً لقراءة قصيدة «بين مسافتين» قراءةً تحليلية شاملة، تستنطق بنيتها اللغوية، وتفكّك نظامها الرمزي، وتستكشف أفقها الوجودي، بما يكشف عن غناها الجمالي وطاقتها التأويلية، ويضعها في سياقها الحداثي بوصفها نصاً مفتوحاً على احتمالات المعنى، ومرآةً لقلق الإنسان المعاصر وأسئلته الكبرى.

 وفق المحاور التي حدّدتها، مع الحفاظ على لغة تحليلية أكاديمية ذات نفس فلسفي وتأويلي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم اللغة في النص على اقتصادٍ تعبيري واضح، حيث يميل الشاعر بلند الحيدري إلى الجملة القصيرة ذات الشحنة الدلالية المكثّفة. نلحظ توظيفاً لافتاً للفعل المضارع (تخيفنا، تعوِل، تظل، أسأل، يمتد، أحلم)، وهو اختيار ليس اعتباطياً، بل يؤسس لحضور الزمن المفتوح، ويكسر انغلاق الحدث في الماضي.

من حيث التراكيب، تتسم الجمل بنوع من الانزياح التركيبي، مثل:

«الليل خلف بابنا المسكرة»

حيث يُسنَد الليل إلى فضاء مادي مغلق، في استعارة مكانية تخلق توتراً بين الخارج/الداخل.

أما على مستوى الدقة، فثمة تعمّد في ترك بعض التركيبات مفتوحة أو ناقصة دلالياً:

«حكاية لم تولد»

وهو حذفٌ دلالي يفتح أفق التأويل.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة تميل إلى البساطة الظاهرة، لكنها مشبعة بكثافة رمزية. المفردات (الريح، الليل، الدروب، العتمة، الصندل، المبخرة) تنتمي إلى معجم وجودي/صوفي.

التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق عبر:

عدم الزخرفة اللفظية الزائدة

توظيف المفردة في سياق إيحائي لا وصفي

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحرة، مع غياب القافية الموحدة، لكنها تعتمد على:

التكرار الصوتي: (ما دام لي / ولم أزل / أحلم)

الجرس الداخلي: تقارب الأصوات (م، ل، ر) يمنح النص ليونة موسيقية

التوازي التركيبي:

«مسافة تسألني… / وموعد يمتد…»

الإيقاع هنا نفسي/داخلي أكثر منه وزني، يعكس حالة التردد بين اليقين والتيه.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة لا تقوم على سرد، بل على تدفق تأملي. بنيتها قائمة على:

حركة من الخارج (الريح/الليل)

إلى الداخل (العروق/الحلم)

وهذا يعكس انتقالاً من العالم الموضوعي إلى الذات.

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعر قائمة على التوتر بين الأمل والعدم:

الريح لن تخيفنا - موقف تحدٍّ

حكاية لم تولد - وعي بالعجز

هذا التناقض هو جوهر الرؤية.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

يتجلّى الإبداع في صور مثل:

«أن أصير بعض صندل محترق ومبخرة»

تحوّل الذات إلى مادة طقسية (صندل/بخور) هو انزياح رمزي عميق.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود:

كيف نثبت أمام العدم؟

هل الحلم مقاومة أم وهم؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١ - النزعة الوجودية (القلق، العدم)

٢ - البعد الصوفي (الاحتراق، التطهّر)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص عبر طبقات:

١ - الريح: تهديد خارجي (تاريخ/سلطة)

٢ - الليل: اللاوعي/الخوف

٣ - الصندل المحترق: الفناء من أجل التحوّل

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

ينتمي إلى سياق الحداثة الشعرية العربية، حيث القلق الوجودي بعد التحولات السياسية.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص يقع ضمن موجة التحرر من العمود الشعري نحو التفعيلة واللغة الرمزية.

3. ارتباطه بالتراث:

١ - البخور/الصندل: رموز طقسية قديمة

٢ - العتمة/الضوء: ثنائية تراثية صوفية

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

١ - القلق

٢ - الترقّب

٣ - الرغبة في الخلاص

2. اللاوعي

يتجلّى في:

الحكاية التي لم تولد - كبت إبداعي/وجودي

الامتداد في "ألف غد" - هروب زمني

3. النبرة النفسية

نبرة مركّبة:

تحدٍّ ظاهري

هشاشة داخلية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

الريح قد ترمز إلى:

العنف

التحولات السياسية

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة رفض ضمني للانكسار:

«لن تخيفنا»

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهد ورافض، لا مهادن.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١ - الريح: الفوضى

٢ - الليل: الغموض/القهر

٣ - الصندل: الطهارة عبر الاحتراق

2. الثنائيات

١ - الخوف / المقاومة

٢ - العتمة / القمر

٣ - الحاضر / الغد

3. النظام الرمزي:

النص يتحرك ضمن نظام: احتراق - تطهّر - أمل مؤجّل

ثامناً: القراءة النحوية والصرفية

سيطرة الفعل المضارع: دلالة الاستمرارية

قلة الجمل الفعلية المكتملة: انفتاح المعنى

حذف الروابط أحياناً: تكثيف وإيحاء

مثال:

«حكاية لم تولد»

جملة ناقصة تُنتج فراغاً دلالياً خصباً.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي (الرمزي)

الإيروتيكية هنا ليست جسدية، بل تحويلية/صوفية:

الاحتراق يساوي ذروة التماهي

المبخرة تساوي تصاعد الروح

إنها إيروتيكية التطهّر لا الجسد.

عاشراً: النقد الاحتمالي (قراءة مفتوحة):

وفق هذا المنهج، النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

قراءة ١: وجودية

الإنسان في مواجهة العدم، يحلم ليقاوم.

قراءة ٢: سياسية

الريح تساوي سلطة قمعية

والحلم يساوي مقاومة داخلية

قراءة ٣: صوفية

الاحتراق شرط للوصول إلى النقاء.

قراءة ٤: نفسية

النص تعبير عن انقسام الذات بين الخوف والرغبة في الاستمرار.

الخاتمة:

قصيدة «بين مسافتين» نصٌّ حداثي كثيف، يقوم على:

اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة

بنية رمزية مفتوحة

توتر بين الأمل والعدم

وهو نصّ يقاوم التفسير الأحادي، وينتمي إلى الشعر الذي لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه مع كل قراءة، في فضاء احتمالي لا نهائي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

بين مسافتين

الريح لن تخيفنا

ان أعولت

أو ولولت مزمجره

والليل خلف بابنا المسكره

يظل أرضنا مقمره

ما دام لي عبر دروب أمسي المبعثره

مسافة تسألني عن موعد

وموعد يمتد في ألف غد

ما دام لي

في كل عرق في يدي المسمره

حكاية لم تولد

ولم أزل في عتمها المؤبد

أحلم ان أصير بعض صندل

محترق

ومبخره

 

في تخوم الشعر الذي يتجاوز حدود القول إلى مساءلة الوجود، تقف قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى بوصفها نصّاً كثيفاً ينهض على تقاطع اللغة بالتاريخ، والأسطورة بالفكر، والذات بالكون. ليست هذه القصيدة مجرّد استعادة لزمن سومري غابر، بل هي محاولة لإعادة كتابة الأصل: أصل الحرف، وأصل المعنى، وأصل الإنسان وهو يخطّ وجوده على "لوح" الذاكرة الكونية.

تنفتح هذه القصيدة على أفق تأويلي رحب، حيث تتجاور فيها طبقات دلالية متعددة، من الميثولوجي المستلهم من إرث ملحمة جلجامش إلى التأمل الفلسفي في ماهية الخلق والوعي، مروراً ببنية لغوية مشحونة بالانزياح والجمال التركيبي. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص لا يمكن أن تظل أسيرة منهج واحد، بل تقتضي انفتاحاً نقدياً مركّباً يستحضر التحليل اللغوي والبلاغي، والتفكيك السيميائي، والتأويل الهيرمينوطيقي، فضلاً عن استثمار آفاق النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة لا تستقر على معنى نهائي.

إن هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية العميقة لقصيدة "لوح سومري"، عبر تتبّع معمارها اللغوي والصوتي، واستكشاف أنساقها الرمزية، والكشف عن أبعادها الفكرية والنفسية، ضمن سياقها التاريخي والثقافي. كما تحاول الوقوف عند طاقتها الإبداعية في توليد الدهشة، وقدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان واللغة والكون، بوصفها علاقة جدلية تتجاوز التمثيل إلى الخلق.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تدّعي القبض على "المعنى الصحيح" للنص، بقدر ما تنخرط في استكشاف شبكة معانيه الممكنة، حيث يصبح النص فضاءً للتفاعل، لا موضوعاً للاستهلاك، وحيث يغدو القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة، لا متلقياً سلبياً لها. من هنا، تتأسس هذه الدراسة على وعي نقدي يرى في الشعر فعلاً مفتوحاً، وفي التأويل مساراً لا ينتهي.

لذا فإنّ قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى تمثّل نصّاً شعرياً كثيفاً، يتقاطع فيه الأسطوري بالتاريخي، واللغوي بالميتافيزيقي، ضمن معمار لغوي متين ورؤية تأويلية مفتوحة.

سنقارب النص وفق منهج مركّب: أسلوبي–بنيوي–هرمينوطيقي– سيميائي، مع توظيف النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً قرائياً يحرّر المعنى من أحاديته.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النصّ يقوم على لغة فصيحة رفيعة، ذات جذور تراثية عميقة، مع توظيف معجم سومري–أسطوري:

ألفاظ مثل: جلجامش، إنكيدو، الطوطم، الكاهن، اللوح.

تركيب نحوي محكم يعتمد الجمل الفعلية ذات الامتداد الدلالي

الانزياح اللغوي

يتجلّى في:

التركيب:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

- إسناد الفعل "انداح" إلى "عقل" مجازياً يخلق انفتاحاً دلالياً.

الاشتقاق الرمزي:

تحويل الحرف إلى كائن حضاري.

١- جمال الصياغة

٢- التكثيف دون إغلاق

٣- تراكب الصور دون تفكك

٤- توازن بين الإيحاء والتقرير

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

النص يحقق:

انسجاماً بين اللفظ والمعنى

لغة تناسب موضوعه الحضاري–الميتافيزيقي

مثال:

"تشطّرت الخيال: خيال خوف"

تقابل دلالي بين الخيال بوصفه خصباً والخوف بوصفه انكماشاً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

١- البحر: قريب من البسيط مع انزياحات

٢- القافية: متحرّكة، غير جامدة (ـيّا غالبًا)

الموسيقى الداخلية

التكرار:

"ومن أمم الحروف..." (بداية ونهاية) - بنية دائرية

الجناس: "وجود لا وجود له"

التدوير الصوتي: يمنح النص تدفقاً شبيهاً بالمياه (رمز الفرات)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية:

النص ليس سردياً خطياً، بل:

لوح فسيفسائي

مقاطع تتجاور زمنياً: (الأسطورة – الحاضر – الرؤيا)

المعمار الشعري

تصاعد من: الحرف - الأسطورة - الذات - الكون

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر:

الإنسان كائن أسطوري–لغوي

الحضارة تبدأ من الكتابة (اللوح)

- انسجام عميق بين الشكل (اللغة الكثيفة) والمضمون (التاريخ المكثف)

3. الطابع الإبداعي:

قدرة عالية على توليد الدهشة

مزج غير مألوف: (الميثولوجيا زائد الفلسفة زائد اللغة)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

من نحن؟

هل الحضارة كتابة أم وعي؟

هل الآلهة صناعة بشرية؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

١- ملحمة جلجامش

٢- الفكر الأسطوري

٣- التأمل الفلسفي الوجودي

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

النص متعدد الطبقات:

١- سطح: تاريخ سومر

٢- عمق: الإنسان الباحث عن المعنى

٣- أعمق: اللغة بوصفها أصل الوجود

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. السياق

استدعاء سومر:

ليس تاريخاً فقط

بل مرآة للحاضر

2. تطور النوع الأدبي

النص:

ينتمي إلى قصيدة الحداثة العربية

يتجاوز العمود إلى قصيدة الرؤيا

3. التفاعل مع التراث:

١- الأسطورة: جلجامش، إنكيدو

٢- الدين: النبي، الإله

٣- الطقس: الطوطم

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

النص مشبع بـ:

١- القلق الوجودي

٢- الحيرة

٣- البحث

2. تحليل الذات:

الشاعر:

ذات منقسمة بين:

١- العقل

٢- المخيلة

3. النبرة النفسية

تأرجح بين:

١- النشوة (الرؤيا)

٢- القلق (اللايقين)

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

نقد مبطن:

١- السلطة

٢- الدين المؤدلج

٣- الأسطورة كأداة هيمنة

2. الخطاب الاجتماعي

تفكيك:

١- الكاهن

٢- النبي

٣- الإله المصنوع

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

ليس راوياً فقط

بل ناقد حضاري

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- اللوح: الذاكرة

٢- الماء: الحياة/اللاوعي

٣- الحرف: الخلق

2. الثنائيات

١- الحياة / الموت

٢- الحضور / الغياب

٣- الحقيقة / الوهم

3. النظام الرمزي:

النص شبكة من العلامات:

كل عنصر يحيل إلى آخر - بنية دلالية مفتوحة

ثامناً: الأسس المنهجية

١- وضوح المنهج المركب

٢- تحليل قائم على النص

٣- تجنب الانطباعية

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١- تمجيد الإنسان

٢- الاحتفاء بالمعرفة

٣- انفتاح تأويلي واسع

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى بصورة رمزية لا مباشرة:

"وسومر قبل ذا كانت سريراً وأنثى"

الدلالة

الأرض تساوي أنثى

الحضارة تساوي فعل خصب

- الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً بل كوسمولوجي (كوني–خلقي).

الحادي عشر: النقد الاحتمالي (قراءة متعددة المعنى)

1. المعنى ليس ثابتاً

النص يتيح قراءات:

قراءة ١: حضارية

سومر تساوي بداية الإنسان

قراءة ٢: لغوية

الحرف يساوي أصل الوجود

قراءة ٣: نفسية

النص يساوي رحلة داخل الذات

قراءة ٤: صوفية

الاتحاد بالكون عبر اللغة

2. شبكة المعاني:

كل رمز:

يولّد احتمالات

لا ينغلق على تفسير

ثاني عشر: قراءة لغوية (صرفاً ونحواً)

1. الصرف

كثافة الاشتقاق:

(تسامى، تجلى، تفرد…) - ديناميكية الفعل

2. النحو

الجمل الفعلية: - حركة واستمرار

التقديم والتأخير: - إبراز دلالي

مثال:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

تقديم الجار والمجرور يساوي توسيع أفق المعنى

خاتمة:

"لوح سومري" نصّ:

يتجاوز كونه قصيدة

ليصبح مشروعاً أنطولوجيًا للغة والإنسان

إنه:

نص مفتوح

متعدد الطبقات

يعيد إنتاج نفسه مع كل قراءة

وبذلك يحقّق جوهر الشعر الحقيقي:

أن يكون سؤالاً لا جواباً،

وأفقاً لا حدًاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.................................

لوح سومري

الشاعر: جمال مصطفى

وَمِـن اُمَـم ِ الـحـروفِ انـداح ِ عـقــلٌ

بـسُــلّــَـمُــهــا تَــصـاعَــدَ أبـجَــديّـا

*

وكـانَ كـتـابُـهـا طــيـنـاً طـريّـا

لـيـبـقـى الـلــوحُ لَــوْحــا ً سـومَــريّـا

*

فـجَــدّي قـال لـي: مـا نـحـن إلّا

مِـن الـسـفـن ِ الـتي هـبـطَــتْ عَــشـيّـا

*

وعـنـدَ الـصُـبْـح ِ صـارَ الـنـاسُ نـاسا ً

وأضـحـى الـوحـشُ فـيـهــمْ آدَمِـيّـا

*

ولــكــنَّ الـيـقـيـنَ وقــدْ أفــاقـتْ

عــقـولٌ تَـجْـتَــلـيـه ِ بَـدا عَـصِـيّـا

*

مُـحَــيِّــرة ٌ، أقــولُ وقـالَ جَــدّي

نُـخَــوِّضُ فـي الـتي بَـعْــدَ اللـتَـيّـا

*

وتـحـمـلـنـا الـبـسـيـطـةُ، أيّـُ بـيْـت ٍ

بِـبَـحْـرِ الـكـونِ يَـسـبَـحُ كــوْكــبِـيّـا

*

فـيَـسـعـى مِـن ذوي الألـبــابِ فـيـهـا

وتُــوعَــدَ بـالـسُـعـاة ِ غَـدا ً بَـهـيّـا

*

تَـعــالـى الـهـابـطـون إلـى سـمـاهُـمْ

ومـا عـادَ الـذي اعـلـولـى جـلِـيّـا

*

عـلـى عَـربـات ِ آلِـهَـة ٍ وضَـوْء ٍ

مـقـاديـرٌ مِـن الـقَـدَر ِ الـمُـهَـيّـا

*

تَـصَـدَّعَـتْ الـمَـرايـا، امـتَـدَّ بَـوْنٌ

مِـن الـمـا بَـيـن بَـيْـنـاً بَـرزخِـيّـا

*

وغَـامَـتْ قـامـةٌ لَـمّـا تَـوارَتْ

وكـانَـتْ بَـيـنَـنـا جَـسَـداً وزِيّـا

*

تُـحـاذيـهـا الـحـقـيـقـةُ وهْـيَ وَهْـمٌ

وتَـجْـمَـحُ بـالـرُؤى وعـداً سَـخِـيّـا

*

مُـبـجَّـلـة ٌ، تُـسـاقُ لـهـا الأضـاحـي

مُـكَـلَّـلَـة ٌ جَـلالاً سـرْمَـديّـا

*

إذا نُـحِـتَـتْ عـلـى حَـجَـر ٍ تَـسـامَـى

غـدا وثَـنـاً يُـقَـدَّسُ مَـعْـبَـدِيّـا

*

تَـشَـطَّـرَتْ الـخـيـالَ: خـيـالَ خَـوْف ٍ

وحـيـنـاً مـا خـيـالا ً مَـخْـمَـلِـيّـا

*

مَـضـى جِـلْـجـامِـشٌ في الـبَـحْـثِ عَـنـهـا

وظَـلَّ الـسِـرُّ فَـوّاحـاً، خَـفِـيّـا

*

بِـمَـشْـحـوفٍ تَـوَغَّـلَ في مِـيـاه ٍ

وغَـابَ الـسـومَـريّـُ سِـوى الـمُـحَـيّـا

*

صَـبـوحـاً، فـوق سَـطـحِ الـمـاءِ يَـبـدو

قـريـبـاً مَـرّةً ـ ـ ـ أُخـرى قَـصِـيّـا

*

تُـودِّعُـهُ شُـمـوعٌ قـد أضـاءتْ

غـريـقـاً، في مِـيـاهِ الـهَـوْر ِ، حَـيّـا

*

وكَـرَّتْ سُـبْـحَـةُ الإيـغـالِ سِـحْـراً

وتَـنـجـيـمـاً وطَـقـساً طـوطَـمِـيّـا

*

أآلِـهـةٌ ؟ إذنْ لا بُـدَّ مِـن أنْ

نُـغَـربِـلَـهـا لِـنَـعْـرِفَ أوَّلِـيّـا

*

فـقـدْ شَـبَّ الـضَـمـيـرُ عـلى مِـثـال ٍ

عَـلا حـتـى اسْـتَـوى رَبّـاً عَـلِـيّـا

*

تَـكَـهَّـنَ كـاهِـنـاً بَـعْـضٌ وبَـعْـضٌ

تَـفَـرَّدَ رائِـيـاً فَـغَـدا نَـبِـيّـا

*

أرانـي إذ أرى اللاشيءَ شَـيْـئـاً

ومَـوتَ الـشَـيءِ مَـوتـاً خُـلَّـبِـيّـا

*

كَـسـومَـرَ جَـذْوَتـي تَـغْـفـو وتَـصْـحـو

يُـهَـدهِـدُهـا الـتَـنـاوبُ مَـوسِـمِـيّـا

*

وإنَّ الأرضَ كـامِـلَـةً مَـجـالٌ

لـهـا مِـن تَـحْـتِـهـا جُـعِـلَـتْ سَـريّـا

*

يُـديـرُ شُـؤونَـهـا إنْـسٌ وجِـنٌّ

فَـتَـصْـفـو حِـكْـمَـةً وتَـشـوبُ غَـيّـا

*

وسـومَـرُ قَـبْـلَ ذا كـانَـتْ سَـريـراً

وأنـثـى: ضَـيْـفُـهـا ازْدَرَعَ الـمَـنِـيّـا

*

مُـلَـطَّـخَـةٌ شَـراشِـفُـهـا بِـحِـبْـر ٍ

مِـن الـمـاضـي، تَـسَـوَّفَ أُخْـرَوِيّـا

*

هِـيَ الآنَ الـهَـنـاكَ وأمـسِ كـانَـتْ

هُـنـا، لَـيْـسَـتْ حَـفـائِـرَ أو حُـلِـيّـا

*

ولـكـنْ مـا يُـشـاغِـفُـنـا سُـؤالاً

ويَـتـرُكُ صَـمْـتَـهُ فِـيـنـا دَوِيّـا

*

بِـأَكْـوانِ الـمُـخَـيِّـلَـةِ انْـفِـلاقـاً

بِـكـأسِ اللهِ مُـتـرَعَـةً حُـمَـيّـا

*

بِـمـا نَـفَـدَتْ، أَتَـنـفَـدُ؟ وهـو بـاق ٍ

فَـقِـيـراً رَهـنَ حَـيْـرَتِـهِ ثَـريّـا

*

تُـذَهِّـبُـهُ شُـمـوسٌ سـاهِـرَاتٌ

عـلـى تَـلـويـنِـهِ قَـدَراً ذَكِـيّـا

*

 لِـحِـفْـظِ الـلـوحِ يـا هـذا طُـقـوسٌ

وأقْـدَسُـهـا جُـنـوحُـكَ أَريَـحِـيّـا

*

إلـى تَـعـشـيـقِ مُـنْـعِـشَـةٍ بِـأُخْـرى

وألّا تَـنـبَـري ـ ـ ـ ـ إلّا حَـريّـا

*

فَـسـومَـرُ، سـارِقُ النِّـيـرانِ مِـنـهـا

إذنْ قـابِـسْ ولا تَـخـرُجْ خَـلِـيّـا

*

خُـذِ الـفَـلَـكَ الـمُـدَوَّنَ فـي رَقِـيـمٍ

خُـذِ الـفُـلْـكَ الـمُـطَـوَّفَ أَوْحَـدِيّـا

*

وخُـذْ مـاءَ الـقَـصـيـدَةِ مِـن فُـراتٍ

تَـفَـرْدَسَ ثُـمَّ شَـرَّقَ كَـوثَـريّـا

*

فَـمِـن ألِـفٍ تُـعَـبِّـدُهـا صِـراطـاً

إلـى يـاء ٍ تُـغَـرِّدُهـا رَوِيّـا

*

وسـومَـرُ لِـصُّـهـا أبَـداً إِلَـهٌ

يَـخِـرُّ أمـامَـهُ مَـلِـكٌ جِـثِـيّـا

*

بِـشـومَـركَ الـجَـديـدَةِ شـومَـريٌّ

وشـومَـرُ نَـسْـخُ سـومَـرَ مَـعْـدِنِـيّـا

*

وتِـلـكَ مَـثـانَـةُ الأرْبـابِ يـا مـا

طَـغـى طُـوفـانُـهُـمْ فِـيـهـا عَـتِـيّـا

*

وصُـفْـرَتُـهـا مِـن الـذَّهَـبِ اعـتِـلالاً

وداءُ الـروحِ أَفْـتَـكُ عَـسْـجَـدِيّـا

*

فَـكَـمْ إيـلٍ وإيـل ٍ، كُـلُّ إيـل ٍ

بِـسـومَـرَ قَـدْ أَتـى شَـيْـئـاً فَـريّـا

*

سِـوى (لائِـيـلَ) لَـمّـا ذابَ فِـيـهـا

وصـارَ بِـحُـبِّـهـا بَـشَـراً سَـوِيّـا

*

وثَـمَّـةَ مِـثْـلَ إنـكِـيـدو بُـزوغـاً

تُـغَـيِّـبُـهُ بَـراءَتُـهُ فَـتِـيّـا

*

أرى عَـرَبـاتِ آلِـهَـةٍ غُـبـاراً

يَـرِيـنُ عـلى الـمَـرايـا نَـرجِـسِـيّـا

*

تَـبَـلْـبَـلْـنـا بِـبـابِـلَ ـ ـ ـ بـاءَ سِـحْـرٌ

مِـن الـرُؤيـا ـ بِـلا أَمَـلٍ ـ شَـقِـيّـا

*

لَـغـا لَـغْـواً لِـسـانٌ سـارَ فِـيـهـا

فَـكَـمْ لُـغَـةٍ وقَـدْ كـانَـتْ لُـغَـيّـا

*

وَمِـن اُمَـم ِ الـحُـروفِ انْـداحَ عَـقْـلٌ

بِـسُـلَّـمِـهـا تَـصـاعَـدَ أبْـجَـدِيّـا

*

وقَـدْ شَـبَّ الَّـذي عَـن طَـوْقِ مَـن قَـدْ

تَـحَـكَّـمَ فـي مَـصـائِـرِهِ قَـوِيّـا

*

أنـا الآنَ الـمَـلِـيـكُ، ازرَقَّ بَـيْـتِـي

فَـأَرضِـيَ قَـريَـةٌ، لا بَـلْ قُـرَيّـا

*

أرى مِـن حَـوْلِـهـا كَـوْنـاً تَـأَبّـى

ومَـنْ غَـيْـري يُـلَـيِّـنُـهُ أَبِـيّـا

*

إلـى لَـمَـعـانِ مَـعـنـى كُـلِّ مَـعْـنـى

هَـفَـوتُ وقَـدْ تَـلَألَـأ فَـرقَـدِيّـا

*

تَـثـامَـلَ بـي شُـمـولٌ مِـن شَـمـولٍ

وراحُ الـراحِ يَـعْـبَـقُ عَـبْـقَـريّـا

*

رَأيـتُ كَـ(لا أرى) مَـسَـحَـتْ جَـبـيـنـي

غُـيَـيْـمَـةُ غَـفْـوَةٍ في حِـجْـرِ رَيّـا

*

وخَـلْـعِـيَ حُـلَّـةً بَـلِـيَـتْ وضـاقَـتْ

لِـأَسْـطَـعَ عـاريـاً، أَيْ جَـوهَـريّـا

*

وعَـنْ سِـرِّ الـخُـلـودِ كَـأَنَّ عُـشْـبـاً

تَـفـاوَحَ هـا هُـنـا فـاقطِـفْ شَـذِيّـا

*

تُـخَـبِّـئُ زهـرَةُ الـخَـشْـخـاشِ سِـرّاً

أَيُـفْـتَـرَعُ الـمُـخَـبَّـأُ قَـنَّـبِـيّـا ؟

*

كَـأَنَّ بِـهـا جَـوابـاً عَـن سُـؤالٍ

وكَـيْ لا تَـعْـبُـرَ الـدُّنْـيـا غَـبِـيّـا

*

مُـخَـيِّـلَـةٌ يُـجَـنِّـحُـهـا جُـنـونٌ

تَـرى قَـفَـصـاً لـهـا الـعـقـلَ الـنَّـقِـيّـا

*

عـلـى عُـشّـاقِـهـا وقْـفٌ إذا مـا الـ

مُـخَـيِّـلَـةُ اسْـتَـبَـاتَـكَ، فَـكُـنْ سَـبِـيّـا

*

وقُـلْ: فَـتْـحٌ عـلى الـرائِـي مُـبـيـنٌ

وسَـبِّـحْ بـاسْـمِ نِـعْـمَـتِـهـا تَـقِـيّـا:

*

سَـلاسِـلُ مِـن جِـبـالِ الـمـاسِ عِـنـدي

ويَـحْـسَـبُـنـي مُـغَـفَّـلُـهُـمْ دَعِـيّـا

*

وحَـوْلَ الـمـاسِ نـورٌ خَـلـفَ نـورٍ

وفـي الأنـوارِ يَـخـفِـقُ أنْـوَريّـا

*

وجُـودٌ لا وجُـودَ لَـهُ ولَـكِـنْ

تَـدَفَّـقَ فَـهـوَ يَـعْـرُجُ لَـوْلَـبِـيّـا

*

جِـيـادُ الـحَـدْسِ قَـبْـلَ الـضَّـوْءِ جـاءَتْ

صَـهِـيـلاً شَـقَّ يـاءَ اللـيْـلِ: هَـيّـا

*

إلى الأُمِّ (الـكَـبِـيـرَةِ) تِـهْـتُ عَـنـهـا

وهـا عـادَتْ مُـضَـيِّـعَـتِـي صَـبِـيّـا

*

كَـأَنَّ الـكَـوْنَ: حـالِـمَـةٌ وريـشٌ

مِـن الـرَّغَـبـاتِ يَـخْـدُمُـهـا وَفِـيّـا

*

لَـكَـمْ عَـصَـفَـتْ بـهـا الـحَـيْـرَاتُ تَـتـرى

وكَـمْ شُـغِـفَـتْ مُـحـالاً أَبْـعَـدِيّـا

*

تُـؤازِلُ آزِلَ الآزالِ نَـشْـراً

تُـؤابِـدُ آبِـدَ الآبـادِ طَـيّـا

*

وكُـلُّ الأرضِ سـومَـرُ، أَلـفُ جِـيـل ٍ

وجِـيـلٌ . يـا سُـؤالاً مَـلـحَـمِـيّـا

*

يَـدُقُّ عـلى الـصَّـوامِـتِ دامِـسـاتٍ

ويَـجْـتَـرِحُ الإجـابَـةَ أَلْـمَـعِـيّـا

*

بِـداءِ الـتَّـوْقِ مُـعْـتَـلّاً تَـداوى

مِـن الأشْـواقِ بِـالأشْـواقِ كَـيّـا

*

بِـعَـيْـنِ تَـعـاقُـبِ الأشـياءِ طُـرّاً

عـلـى الـرُّؤيـا انْـثِـيـالاً أُرحَـبِـيّـا

*

لِـتَـصـعَـدَ غَـيْـمَـةٌ مِـن لازَوَرْدٍ

إذا انْـفَـجَـرَتْ حُـدوسٌ رُؤيَـوِيّـا

الملخص الأكاديمي: تتناول هذه الدراسة ظاهرة المعلقات الشعرية باعتبارها ذروة الشعر الجاهلي وأحد أبرز أشكال التعبير الفني في الثقافة العربية القديمة. وتسعى الدراسة إلى إبراز أهمية الشعر الجاهلي كـ ديوان العرب الذي حفظ تجاربهم وقيمهم الاجتماعية والفكرية، مع التركيز على المعلقات بوصفها أرقى القصائد وأكثرها تأثيرًا وجاذبية.

وتستعرض الدراسة الأبعاد التاريخية والفنية للمعلقات، بدءًا من نشأتها في العصر الجاهلي، مرورًا بأسباب تسميتها وتعدد أسمائها، وصولًا إلى عدد شعرائها ومكانتها الأدبية. وتشير النتائج إلى أن المعلقات ليست مجرد قصائد عابرة، بل هي نموذج فريد للبلاغة والفصاحة والخيال الشعري، وحافظة للتراث العربي وذاكرته الثقافية. كما يبرز البحث كيف أن تعدد التسميات وتباين الروايات حول المعلقات يعكس المكانة المركزية لها في الذائقة العربية واهتمام العرب بحفظ هذه القصائد ونقلها للأجيال.

مقدمة: الشعر الجاهلي ودوره كديوان العرب

يشكل الشعر الجاهلي أحد أقدم الفنون الأدبية التي عبّرت عن الحياة الاجتماعية والفكرية للعرب قبل الإسلام، وكان أداة مركزية لتوثيق تجاربهم الفردية والجماعية. فهو ديوان العرب الذي حفظ قيمهم، وعاداتهم، ونظم حياتهم، من خلال قصائد تعكس فخرهم بالنسب، وشجاعتهم، وكرمهم، وتأملهم في الطبيعة والوجود.

تميز الشعر الجاهلي بلغة غنية بالصور البلاغية والخيال الواسع، وأوزان شعرية متقنة، وفصاحة عالية، مما جعله مرجعًا أساسيًا لفهم الثقافة العربية، ومصدرًا للغة العربية الفصيحة. ومن خلال الشعر، استطاع العرب توثيق ملاحمهم البطولية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ونظمهم القبلية، مما أكسب الشعر دورًا اجتماعيًا وسياسيًا محوريًا.

وفي قلب هذا التراث الشعري برزت ظاهرة المعلقات، وهي مجموعة من أرقى وأجود القصائد الجاهلية التي بلغت ذروة الإبداع الفني، واحتلت مكانة مركزية في الذائقة الأدبية العربية، لتصبح مرجعًا لا غنى عنه لدراسة الشعر القديم، وفهم الفكر والقيم العربية في العصر الجاهلي.

 تعريف المعلقات

 المفهوم اللغوي والأدبي

يرتبط لفظ المعلقات بكل ما يُعلَّق أو يُناط بشيء آخر، وقد استقر هذا الاسم ليشير إلى مجموعة من أصفى القصائد الجاهلية، لما اتسمت به من جودة في المعنى، واتساع في الخيال، ودقة في الوزن، وعمق في التصور الشعوري (لسان العرب، مادة علق).

وقد فسّر القدماء هذه التسمية بعدة دلالات؛ فذهب بعضهم إلى أن كلمة علَق تعني الشيء النفيس الثمين، أي أن هذه القصائد سُمّيت معلّقات لرفعة قدرها وقيمتها الفنية. بينما رأى آخرون أنها كُتبت بماء الذهب على القباطي المصرية وعُلّقت على أستار الكعبة تكريمًا لها وإعلانًا لتفوق أصحابها الشعري (ابن عبد ربه، العقد الفريد، ص:269).

 أهمية المعلقات

تمثل المعلقات ذروة الإبداع الشعري في العصر الجاهلي، إذ جسّدت تفاعل الفن مع الواقع الاجتماعي والثقافي للعرب. فهي لا تنقل مجرد أحداث الحياة، بل تعكس منظومة القيم، من فروسية وكرم واعتزاز بالقبيلة، إلى التأمل في الذات والطبيعة. ولذا، حظيت هذه القصائد باهتمام كبير لدى الرواة والنقاد، حتى صارت محورًا أساسًا في الدراسات الأدبية القديمة والحديثة.

 سبب التسمية وتاريخ التعليق

 التعليق على الكعبة

يرى فريق من القدماء أن القصائد سُمّيت بالمعلقات لأنها عُلّقت فعليًا على أستار الكعبة بعد كتابتها بماء الذهب، وكان ذلك نوعًا من الاعتراف بتفوقها الفني. وقد رُوي أن أول ما عُلّق شعر امرئ القيس، ثم تبعه شعراء آخرون، وأصبح تعليق الشعر مفخرة قبلية ودليلًا على المكانة الأدبية للشاعر وقومه (الرافعي، تاريخ العرب، ص:184).

التعليق المجازي والرمزي

ذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن التسمية كانت مجازية تعكس رفعة شأن هذه القصائد وعلو منزلتها في الذائقة العربية، أي أنها “معلّقة” في الذهن والوجدان لا على الجدران. وأشار ابن رشيق القيرواني وابن خلدون إلى أن شهرة هذه القصائد وارتباطها بالمباهاة القبلية والوجاهة الاجتماعية كانا عاملين أساسيين في ترسيخ هذه التسمية (ابن خلدون، المقدمة، ص:581).

تعدد التسميات للمعلقات

لم يكن اسم المعلقات هو الوحيد؛ فقد عُرفت بأسماء أخرى، تعكس تقدير العرب لها وإعجابهم بجودتها الفنية:

السبع الطوال: تشبيهًا بالسمط أو القلادة المنتظمة، في إشارة إلى طولها وانسجام أجزائها (جمهرة أشعار العرب، ص:45).

المشهورات: نسبة إلى شهرتها، وجمعها حماد الراوية لتحفيز الناس على حفظ الشعر الجيد (محمد البهيني، المعلقات، ص:83-84).

المذهبات: لأنها كُتبت بماء الذهب على القباطي، تعظيمًا لها وإجلالًا لشعرائها

(ابن عبد ربه، العقد الفريد، ص:269).

وقد وردت أيضًا تسميات أقل شهرة، مثل المنتقيات، السبعيات، والسبع الجاهليات، لكنها جميعًا تؤكد مكانة هذه القصائد وأهمية حفظها ونقلها للأجيال.

عدد المعلقات وشعراؤها

اختلف الرواة في تحديد عدد المعلقات وأسماء شعرائها، ويرجع ذلك إلى تعدد الروايات الشفوية واختلاف مدارس الرواية الشعرية:

السبع الأكثر شيوعًا: امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، النابغة الذبياني، الأعشى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد.

بعض الروايات أضافت الحارث بن حلزة وعبيد بن الأبرص لتصبح ثمانية أو عشرة، حسب الروايات المختلفة.

ويُعد حمّاد الراوية أول من جمع هذه القصائد في ديوان مستقل، مما أسهم في تثبيت صورتها ضمن التراث الأدبي العربي (رواة الإمام أحمد في مسنده، 4/107).

خاتمة

تمثل المعلقات نموذجًا متفردًا للشعر الجاهلي، إذ تجمع بين البلاغة والفصاحة والخيال الشعري، وتعكس منظومة القيم العربية قبل الإسلام. كما أن تعدد التسميات واختلاف الروايات حولها يعكس عمق حضورها في الذائقة العربية، واهتمام العرب بحفظ هذه القصائد ونقلها للأجيال، لتصبح مرجعًا أساسيًا في دراسة الأدب العربي القديم وفهم تطور الذائقة الشعرية.

***

د. منير  محقق

في نص "هكذا" للشاعر القدير فاضل عباس

(هكذا)

اليوم ستنتهي الحرب،

ويعود الحديد إلى برودته

كجبهة عاملٍ غسلها المساء من عرق المصانع.

*

ستتعب البنادق من رفع أصابعها في وجه الهواء،

وتتذكر فجأة

أنها كانت يوماً

معدناً بريئاً

يحلم أن يكون باباً لبيتٍ دافئ،

جسراً تعبره ضحكات الأطفال.

مسماراً يثبتُ نافذةً في جدار بيت،

أو مقعداً ينتظر عاشقين

يتحدثان عن المطر

*

اليوم ستنتهي الحرب،

فتسقط القذائف من ذاكرة السماء

كما تسقط أوراق الخريف

من شجرةٍ تعبت من العاصفة.

*

المدافع

ستخلع صوتها الخشن

مثل ممثلٍ انتهت مسرحيته،

والخوذات

ستعود أوعيةً صامتةً

تنتظر مطراً لا رصاصاً.

*

اليوم

ستتعلم الطرقات من جديد

كيف تمشي عليها الأقدام بلا خوف،

وكيف تُفتح النوافذ

دون أن ترتجف الستائر.

*

وسيكتشف الحديد

أن قسوته كانت استعارةً سيئة

لخوف البشر،

وأن البرودة

ليست موتاً

بل استراحةٌ طويلة

بعد حمى العالم

الولوج الكلي الممنهجك

ينبني المدخل المنهجي لهذا الإنغماس بتوغل​ في النص تتأسس من خلاله تلك الدراسة على مقترب (السيمنطيقا التوليدية) عند نعوم تشومسكيو (فلسفة التحول الأنطولوجي) للمادة من حيث أن الشاعر لم يتعامل مع اللغة باعتبارها وعاءً للنقل إنما من منطلق صيرورتها (معملاً تداولياً) يُعيد صياغة هوية الأشياء من جذورها الوجودية

إننا أمام نص يعبر (قوة التشيؤ) (كما صاغها جورج لوكاش) لينفذ إلى (جوهر البراءة) المفقود في صلب المعدن

فالمنهج هنا يتجاوز القراءة الوصفية لحدث (نهاية الحرب) ليفكك (بنية المعدن) ذاته مستنطقاً الذاكرة المكبوتة للمواد الصماء وهو ما نطلق عليه (نحوية الاسترجاع). أي إعادة صياغة الجملة الشعرية لتعمل كأداة (تطهير) (بالمفهوم الأرسطي) للوجود من أدناس العنف. فإن رؤيوية الشاعر هنا لم تقف عند رصد الدمار. لكنها تمارس (استشرافاً وجودياً) يقلب موازين القوى بحيث يصبح السلم هو (الأصل الجوهري)،والحرب هي (العرض الزائل) وهذا العبور المنهجي هو ما يمنح نص "هكذا" سمته العالمية كوثيقة لإدانة القبح وتمجيد الجوهر.

عتبة العنوان: (هكذا)  سيمياء الإشارة وحتمية التحقق

إن العنوان "هكذا" يأتي بموجب (اسم إشارة ظرفي كلي)

يختزل المشهدية في لحظة تنويرية واحدة. فمفردة "هكذا" لم تكن مجرد أداة إشارة لكنها (حكم قيمة ناجز) وإعلان عن حتمية القدر الجمالي. إنها تعمل (إجرائياً) كعتبة نصية تفرض حالة من الاسترخاء. وعلى مقاربة تتجاوز النحو التقعيدي إلى ما يمكن تسميته بـ(النحو الدلالي التفكيكي) بحيث لا تُفهم البنية اللغوية بكونها نظاماً صورياً مغلقاً

إنما لإعتبارها حقلاً إشارياً متحولاً تتشابك فيه العلاقات بين المفردة ومجالها التداولي وبين التركيب وأفق تلقيه وعليه فإن (الدلالة المصطلحية) لن تكون مجرد تسمية لمفهوم. لكنها بناءً تأويلياً يعيد توزيع الحضور والغياب في النص ويحول اللغة من أداة إخبار إلى فعل كشف أنطولوجي

إذاً إن العنوان "هكذا" يمثل في بعده التركيبي إشارة حالية (ديكتيكية) منفتحة على فراغ دلالي إذ يتشكل من أداة تشبيه وإشارة سوية مما يجعله معلقاً بلا مشبه صريح وهذا التعليق هو في حد ذاته استراتيجية إغواء قرائي تدفع المتلقي إلى ملء الفراغ وتوليد معناه الخاص فالعنوان هنا ماكان عتبة نصية فقط إنما هو بنية تأسيسية تعيد توجيه أفق التأويل وتؤسس لما يمكن تسميته بـ(اللاتحديد الدلالي المنتج)

هكذا) سيمياء الإشارة وحتمية التحقق

ومنهجياً يعمل العنوان

كـ (مفتاح تأويلي) (عند أمبرتو إيكو) يحدد المسار النفسي للقارئ فهو ينتقل من (الإبهام) إلى (التجلي) محولاً الظرفية المكانية إلى حالة شعورية مطلقة تتجاوز زمن الحرب الضيق

وعن الإحالة المصطلحية: نعزو (العتبة السيميائية - لجيرار جينيت)

الإشارة السياقية - لرومان ياكوبسون

وكذلك لو تمعنا في النص للولوج إلى تشريح قواعدي ودلالي:

فسنلحظ فلسفة (أنسنة المعدن)

وذلك لو دخلنا في بنية النص فإننا نلمس أن الجملة الافتتاحية

(اليوم ستنتهي الحرب) تنتظم في بنية فعلية مستقبلية (سـ + الفعل المضارع)

إذ استخدمت "السين" للمستقبل القريب المرتبط باليقين الوجودي

مما نقل الفعل من حيّز التمني إلى حيّز (الصيرورة) فالجملة الاسمية المستأنفة تمنح النص وقاراً تقريرياً يتصادم مع فداحة المأساة

ليخلق توازناً نفسياً للمتلقي

(​فالسين) هنا ليست زمناً نحوياً فقط

إنما هي (إرادة كونية)

فالنص يبدأ بنتيجة نهائية ليجعل ما يليها من صور مجرد استعادات لحق ضائع في ذاكرة الأشياء وهذا يحسب للناص المبدع

​في بنية تحمل في طياتها ما يمكن تسميته بـ(وعد الزمن) أو الانفتاح على أفق استشرافي

غير أن هذا الاستشراف ماتحقق كواقع لكنه تحقق كتخيّل مقاوم

وفي هذا السياق تتحول (الحرب) من كونها مفردة دالة على واقع

إلى بنية مجازية تتشابك فيها الذاكرة والخوف والزمن

أما لو توقفنا عند التركيب الآتيك

(ويعود الحديد إلى برودته) فنرى بأنه يكشف عن انزياح دلالي لافت

إذ يُسند الفعل (يعود) إلى (الحديد) في إسناد يخالف المنطق الواقعي

وهو ما يسمى في النقد الحداثوي بـ(تشخيص الجامد)

غير أن الأهم هنا هو تحويل (البرودة) من صفة فيزيائية إلى حالة أنطولوجية

تقابل الحمى البشرية التي أنتجت الحرب

فالبرودة هنا لم تكن نقيضاً للحياة لكنها استعادة للتوازن

وفي قوله أيضاًك

(كجبهة عامل غسلها المساء من عرق المصانع) نجد بنية تشبيهية مركبة تتداخل فيها الطبقات الدلالية

حين يصبح (المساء) فاعلاً وهو ما يشير إلى تفعيل ما يمكن تسميته بـ(نحو الطبيعة المؤنسنة)

فالزمن لم يعد إطاراً إنما أصبح فاعلاً دلالياً ينظف ويطهر

ونجد أن النص يتبدى

بأبستمولوجيا الزمنك (باشلار)

و​بإحالاتية انزياحية لوظيفة (نحوية الندم):

ففي مقطع: (ستتعب البنادق من رفع أصابعها)

نجد هنا ذروة (الأنسنة الفلسفية) فالبندقية هنا لم تكن كأداة لكنها (ذات مرغمة) فنحيل المصطلح هنا إلى (الاغتراب الوظيفي للمادة) حيث تعود البندقية إلى أصلها الجيولوجي (المعدن البريء)

وإن استخدام (كانت يوماً) يُفعل (الماضي الجوهري) في مقابل (الحاضر العرضي المشوه بالفعل الحربي

من خلال ذلك نجد تحويلاً دلالياً مزدوجاً فالبندقية تؤنسن

و(الأصابع) تُنقل من الإنسان إلى الأداة

وهو حينها ينتج ما يمكن تسميته بـ(تبادل الحقول الدلالية) بحيث تتحرك الدوال بين الحقول (الإنساني/المادي) لتعيد تشكيل الواقع

فالنص يمنح الجماد (وعياً شقياً)

(كما في فلسفة هيغل) بحيث يرفض المعدن وظيفة القتل

ويحنّ لوظيفته السلمية (الباب- الجسر- المسمار)

ويمكننا هنا تأويل رؤيتنا

بإحالة مصطلحية إلى

(الإحالة الكنائية - تزفيتان تودوروف)

 (باثوس المادة/معاناة المادة - جون روسكن)

ونتبين بالنص الحرفية في توصيف الجو العام لبنية النص مما نعزو ذلك لمعجم الاسترخاء وتفكيك الخشونة فيك

الحديد إذ يخرج من سياق (القوة الغاشمة) إلى سياق (البرودة الاستشفائية) (كجبهة عامل)

و​المدافع فهيك

تخلع صوتها (استعارة مسرحية) لتعرية زيف القوة وهشاشة العرض العسكري

أما ​عن الخوذات:

ترفض دورها (الوقائي) العنيف لتعود أوعية صامتة تستقبل غيث السماء

ف​الشرح المنهجي لهذه الأجواءك هو (التطهير الاستعاري)

فالناص يقوم بنزع السلاح لغوياً قبل نزعه مادياً عبر تحويل أدوات الصخب إلى (أيقونات صمت) تنتظر المطر

​ولو أحلنا ذلك مصطلحياً: فنأخذه إلى (إعادة التصنيف الحسي - غاستون باشلار) (شعريات المرئي - ميرلو بونتي)

ونشاهد بالنص تكرار الجملة

(اليوم ستنتهي الحرب) وهذا  يمثل ما يعرف بـ(البنية التكرارية الإيقاعية) وهي لم تكن مجرد تكرار صوتي إنما اعتبارها إعادة لتأسيس للمعنى

كأن النص يحاول أن يقنع ذاته بما يقوله

وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ(الذات الشاعرة المرتابة)

التي تتأرجح بين الأمل والشك

وفي قوله ايضاًك

(فتسقط القذائف من ذاكرة السماء) تتمظهر مواجهة لمفهوم مركب هو (ذاكرة السماء) وهو تركيب يكسر المألوف ويؤسس لما يمكن تسميته بـ(الميتافورا الكونية) بحيث تصبح السماء ذات ذاكرة وتصبح القذائف أثراً ذهنياً قابلاً للإزالة

أما في النهاية

( وأن البرودة ليست موتاً بل استراحة طويلة بعد حمى العالم) فنحن أمام بنية استدراكية (ليس... بل...)

إننا نلمح هنا إعادة تعريف المفهوم وتحول (البرودة) إلى قيمة إيجابية وهو ما يمكن تسميته بـ(إعادة تأهيل الدال) فالكلمة لا تبقى في معناها القاموسي لكن يعاد تشكيلها داخل النص وهذا يحسب أيضاً لحرفية الشاعر القدير

وعلى المستوى الكلي يتضح أن النص يعمل ضمن نسق نحوي مرن يتحرر من الصرامة التقعيدية ليفعل ما يمكن تسميته بـ(النحو الشعري) بحيث تتقدم الدلالة على الإعراب

ويصبح الإنزياح قاعدة وليس خروجاً

في أفق هذه القراءة يتبدى الشاعر فاضل عباس بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى أفق الحداثة التأويلية

فهو بعيداً عن الإكتفاء بقول العالم لأنه يعيد خلقه لغوياً ودلالياً

إنه شاعر يشتغل ضمن ما يمكن توصيفه بـ(قصيدة النثر ذات البعد الرؤيوي)

تلك التي لا تقوم على الإيقاع الخارجي بقدر ما تؤسس لإيقاع داخلي عميق نابع من توتر الدلالة وانكسار المعنى وإعادة تركيبه

إن انتماء الشاعر إلى هذا الأفق الأدبي يمنحه قدرة استثنائية على تطويع اللغة

بحكم أنها كينونة حية تتنفس داخل النص وتتحول معه

فهو لم يستخدم المفردة جاهزة لكنه يعيد إنتاجها

ولم يمر عبر الصورة إنما أعاد بناءها ضمن نسق دلالي مفتوح يجعل من كل عبارة احتمالاً تأويلياً لا نهائياً

كما أن شعوريته لا تنبني على الانفعال المباشر لكن هناك ترسيب وجداني عميق

يجعل النص يبدو وكأنه نتاج وعي يتأمل ذاته والعالم على حد سواء

وهذه السمة تمنح كتابته طابعاً فلسفياً شفيفاً

إذ تتجاور الحساسية الشعرية مع التأمل الوجودي دون أن تطغى إحداهما على الأخرى

إن قوة لغته تكمن في اقتصادها وكثافتها وفي قدرتها على الانزياح دون أن تفقد تماسها مع المتلقي

وفي هذا التوازن الدقيق تتجلى حرفيته العالية

فهو شاعر يمتلك وعياً لغوياً عميقاً يجعله قادراً على تفكيك البنية التقليدية للجملة وإعادة بنائها بما يخدم رؤيته

وفي هذا كله يمكن القول إن أ. فاضل عباس ينتمي إلى اللغة انتماء وجودياً وليس شكلياً حتى لتبدو قصيدته كأنها تعبير عن جوهر اللغة وهي تعيد اكتشاف نفسها بعد خراب العالم

لذلك نرى أن شعره هنا لم يكن كحلية وجمالية مجازية لكنه أصبح ضرورة ولم  يستخدم لغته بالنص كوسيلة إنما كخلاص

إنه شاعر يرسخ حضوره بوصفه أحد الأصوات التي تمنح قصيدة النثر العربية بعدها الإنساني العميق

وتدفع بها نحو أفق أكثر انفتاحاً حين تتقاطع الفلسفة مع الشعر ويتحول النص إلى مساحة تأمل كبرى في مصير الإنسان واللغة معاً

أ. فاضل عباس سلم قلمك

***

مرشدة جاويش

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي، يتنفَّس الذاكرةَ، ويتشكَّل بالزمن، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه.

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه (وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق (وُلد 1952)، تتحوَّل الأمكنةُ إلى ذاكرة نابضة، تُحمَل فَوقها تجارب الفقد والمنفى والانتماء، وتُصبح مَسرحًا تتقاطع فيه الذات الفردية مع التاريخ الجَمْعي.

والكاتبان يشتغلان على المكان لا بوصفه خَلْفية للأحداث، بَلْ باعتباره بطلًا خفيًّا، وأحيانًا ظاهرًا، يُوازي الإنسانَ في عُمق حُضوره وتأثيره. عِند إبراهيم نصر اللَّه، المكان هو الذاكرة الفِلَسْطينية التي ترفض المَحْوَ، لَيْسَ أرضًا فَحَسْب، بَلْ أيضًا هو حكاية ممتدة عبر الأجيال، تتجسَّد في البُيوت، والحُقولِ، وأسماءِ القُرى التي تظلُّ حَيَّةً رغم الاقتلاع. في مشروعه الروائي" المَلْهاة الفِلَسْطينية "، يتحوَّل المكان إلى سِجِل تاريخي بديل، يُعيد كتابةَ ما تمَّ تهميشه أو طَمْسه. المُخيَّم _ على سبيل المثال _ لَيس فقط مكانًا مُؤقَّتًا، بَلْ هو حالة وجودية، وانتظارٌ دائم، وذاكرةٌ مُعلَّقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون. المكانُ هُنا لا يُستعاد بوصفه حنينًا ساذَجًا، بَلْ بوصفه مُقاوَمة، وإصرارًا على تثبيت الهُوية في مُواجهة التلاشي.

لُغة نصر اللَّه في التعامل مع المكان مشحونة بالعاطفة، لكنَّها دقيقة في التفاصيل، كأنَّ كُلَّ حجر وكُلَّ شجرة تَحمل شهادةً. يَكتب المكانَ مِن الداخل، مِن ذاكرة مَنْ عاشه أوْ وَرِثَه، فيمنحه بُعْدًا إنسانيًّا يتجاوز الجُغرافيا. الأمكنةُ عِنده تُروَى كما تُروَى السِّيَر، لها طُفولة وشيخوخة، لها جِرَاح ونُدوب، ولها أيضًا قُدرة على البَعْث. ولهذا، فإنَّ القارئ لا يَرى المكانَ فقط، بَلْ يَشعر بِه، كأنَّه يستعيد ذاكرةً شخصية، حتى لَوْ لَمْ يَعِشْ تلك التجرِبة.

في المُقابل، يتعامل أُورهان باموق مع المكان بوصفه مِرْآةً للذات القَلِقة، وفضاءً للتأمُّلِ في التحوُّلات الثقافية والهُوية المُتشظية. إسطنبول مدينته الأثيرة لَيست مُجرَّد مَوقع للأحداث، بَلْ هي رُوح مُتغيِّرة، تتنازعها الحداثة والتقليد، الشرق والغرب، الماضي الإمبراطوري والحاضر المُرتبك. في أعماله، تتحوَّل المدينةُ إلى نَصٍّ مُوازٍ، يُقْرَأ كما تُقْرَأ الشخصيات.

باموق يشتغل على مفهوم " الحُزْنِ الجَمَاعي " المُرتبط بالمكان، ذلك الإحساس الغامض بالخسارة الذي يُخيِّم على المدينة. هذا الحُزْنُ لَيس فرديًّا، بَلْ هو ذاكرةٌ مُشترَكة، تتجسَّد في العِمَارة المُتداعية، والضَّباب، والأزقةِ التي تَحمل آثار مجدٍ غابر. المكانُ عِنده لَيس ثابتًا، بَلْ يَتغيَّر مع نظرةِ السارد، وَوَعْيِه بذاته، إنَّه فضاء للتساؤل أكثر مِنْه فضاء للإجابة.

أُسلوبُ باموق يَتَّسم بالتأمُّل والبُطء، حيث يَمنح المكانَ وقتًا كافيًا ليكشف عن طبقاته. التفاصيلُ عِنده لَيست فقط وَصْفية،بَلْ تحليلية، تُحاول فهمَ العلاقة المُعقَّدة بَين الإنسانِ ومُحيطه. ويُصبح المكانُ وسيلةً لفهمِ الهُوية، ولَيس خلفيةً لها فَقَط. والشخصياتُ تُعيد اكتشافَ نَفْسِها عَبر علاقتها بالمكان، سواءٌ بالانتماء إلَيْه، أو بالاغتراب عَنْه.

إذا كانَ نصر اللَّه يكتب المكانَ باعتباره ذاكرةَ مُقاوَمةٍ، فإنَّ باموق يكتبه باعتباره ذاكرةَ تأمُّلٍ. الأوَّلُ يَستحضر المكانَ لِيَحْمِيَه مِن النِّسيان، والثاني يَستحضره ليطرح أسئلةً حَول مَعناه.ومعَ ذلك، يلتقي الكاتبان في نقطة جَوهرية : المكان لا يُفْهَم إلا عَبْر الإنسان، والإنسانُ لا يُفْهَم إلا عَبْر المكان. كِلاهما يُدرِك أنَّ فِقْدان المكان لَيس مُجرَّد فِقْدان جُغرافي، بَلْ هو اهتزاز في الهُوية، لكنَّ رَدَّ الفِعْل يختلف. عِند نصر اللَّه، يتحوَّل هذا الفقدُ إلى فِعْل سَرْدي يُعيد بناءَ المكانِ في اللغة، بَينما عِند باموق، يُصبح الفقدُ مادَّةً للتأمُّل في معنى الانتماء ذَاتِه. الأوَّلُ يُقَاوم النِّسيانَ، والثاني يُفَكِّكه.

تُقَدِّم تَجرِبةُ إبراهيم نصر اللَّه وأُورهان باموق درسًا عميقًا في فهمِ الأدبِ بوصفه حافظةً للذاكرة. فالأمكنةُ في نُصوصهما لَيست مُجرَّد مَواقع، بَلْ هي كائنات تَحمل الزمنَ، وتَكشف عن الإنسان في أعمق حالاته. وَمِنْ خِلال هذا الاشتغال الدقيق على المكان، يتحوَّل الأدبُ إلى جسر بين الماضي والحاضر، وبَين الذاتِ والعَالَم، وبَين ما كان ومَا يُمكن أن يَكُون.

إنَّ ذاكرة المكان - كَما تتجلَّى عِند هَذَيْن الكاتبَيْن - لَيستْ مَوضوعًا أدبيًّا فَحَسْب، بَلْ هي فِعْل وجودي، يُعيد تعريفَ علاقةَ الإنسانِ بالعَالَم، والإنسانُ يُعيد اكتشافَ أمكنته، ويُسائل ذاكرته الخاصَّة، ويُدرِك أنَّ المكان في جَوهره، لَيْسَ مَا يَراه، بَلْ ما يَحْمله في داخله.

ويَظهر المكانُ ككائن حَي يَتنفَّس عَبْر السَّرْد، ولَيْسَ إطارًا جامدًا للأحداث. ويَحمل المكانُ طبقات مِن الذاكرة الفَرْدية والجَمْعية، ويَتجسَّد بوصفه مُقَاوَمَةً للنِّسيان، حَيث تَتحوَّل الجُغرافيا إلى هُوية، والبَيْتُ إلى سَرْديةِ وَطَنٍ، والحَنينُ إلى فِعْلِ بقاءٍ. ويَنفتح المكانُ على تأمُّلاتِ الذات، ويَتحوَّل إلى مِرْآةٍ للقلقِ الوجودي، حيث تتداخل المَدينةُ معَ الذاكرة، لِتُنْتِجَ شُعورًا مُرَكَّبًا بالانتماءِ والاغترابِ في آنٍ معًا. وفي هذا تأكيدٌ واضحٌ على أنَّ المكانَ لَيس مَسرحًا للأحداث فقط، بَلْ هُوَ شريكٌ في تشكيل الوَعْي واللغةِ والتاريخ. واستعادةُ المكان لَيستْ عودةً إلى الماضي فَحَسْب، بَلْ هي إعادة كتابة له، ومُساءلة دائمة لمعنى الحُضورِ والغِياب.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تنبثق القصيدة الشّعبيّة من قلب الخليج العربيّ؛ كنخلةٍ ضاربةٍ بجذورها في الأعماق، تستلهم من صمت الرّمال بَوْح الحكايا، وتخطّ على صفحات الماء أَثرَ حضورها؛ لتغدو في مدّها وجزرها امتدادا يستقرّ في تفاصيل الحداثة بروح الطّبيعة الأولى.

هذه القصيدة هي اللّسان النّاطق بأحوال المجتمع الخليجيّ، والوعاء الّذي يحفظ تراثه في زمن التّحوّلات الكبرى، تنساب كقطرة النّدى فوق أديم الصّحراء، حاملةً صدق العاطفة والمعنى، راسمةً صورة حيّة للإنسان الخليجيّ في حلِّه وترحاله، وفي اعتزازه بِقيَمه وكرامته.

نجد في أبياتها انعكاسا دقيقا لجماليّات البيئة، وإرثا يخاطب الوجدان؛ فمن سكون البادية إلى غمار الحياة، تمتزج الحكمة بالفطرة، فهي الوثيقة العاطفيّة الّتي لا تنطفئ، والعهد المكتوب بحروفٍ من وفاءٍ للأرض والإنسان، تحفظ حكايا الأوائل في صدور الأحفاد، وتمنح الموروث قدرةً على التّنفّس في فضاء العصر.

ديوان "في داخلي فوضى":

في الدّيوان الشّعريّ "في داخلي فوضى" للشّاعر صالح عبيد باظفاري، تتبدّى الصّورة وتمسي القصيدة مرافئ آمنة، تلتجئ إليها المشاعر من صخب الحياة وضجيجها.

يستحضر باظفاري في نصوصه تلك الرّابطة المقدّسة بين الحرف والأرض، صائغا من عفويّة اللّحظة وتفاصيل اليوم العابر فلسفة، تنطق بلسان العامّة وتسمو بذائقة الخاصّة، والمتأمّل في وهج هذا النّظم، يدرك أنّه لم يحصر تجربته في رصد الواقع فحسب، وإنما جعل من مشاعره ترتيبا جديدا للكون والذّات، يسكب فيها من روحه ما يجعل القارئ الخليجيّ يرى في كلّ بيت قبسا من سريرته، وظلّا وارفا يأوي إليه كلّما اشتدّ عليه ظمأ الحنين.

تتّضح هذه التّجربة في كونها انبعاثا فطريّا لروح الشّعر الشّعبيّ؛ حيث ينتمي باظفاري إلى تلك الزّمرة من المبدعين الّذين صاغوا وجدانهم من تفاصيل الحياة وذاكرة المجتمع. تكشف نصوصه عن ارتباطٍ وثيق بجذور القصيدة العامّيّة الحضرميّة، مع الحفاظ على بصمته الذّاتيّة، الّتي تحيك أنغاما شجيّة تسترسل على حناجر المبدعين، وتتردّد أصداؤها في فضاء الأغنية الخليجيّة والعربيّة على حدّ سواء؛ فهو يسكب الشّعر في قوالب شفويّة عفويّة، مستمدّا إلهامه من أبسط الأحداث اليوميّة الّتي يحوّلها إلى صور فنّيّة متوقّدة، ممّا يجعل شعره مرآة لوعيه الاجتماعيّ وأفقه الرّوحيّ.

يمثّل هذا الدّيوان حالة تعبيريّة تلقائيّة متداخلة الأجزاء، تشكّل لغة تتّسم بالحشمة والأدب، ممتثّلةً للقيم الأخلاقيّة الّتي تبلورت مضامينها؛ لتكشف عن وحدة موضوعيّة تتراوح بين الفخر بالهويّة، والنّزعة الحسّيّة الصّادقة، والوعظ الإنسانيّ.

كما يهيّمن على الدّيوان تباين دراميّ بين سكينة التّأمّل والفقد، حيث يرتسم هذا التّضاد في بنية القصائد الّتي تراوح بين الهدوء الصّوفيّ والقلق والتّوق الرّوحيّ.

على أرضيّة هذه الثّنائيّة، تتبدّى القدرة على تحويل التّفاصيل اليوميّة البسيطة إلى مكامن شعريّة تصويريّة، فاستحضار معاني الحنين والجفاء في مقابل الأمل والوفاء، يخلق إيقاعا نفسيّا متصاعدا، ويصوّر حيرة الإنسان وتوقه إلى الاستقرار وسط عالم يموج بالتّناقضات.

نجد في طيّات هذا العمل، صراعا خفيّا بين السّكون والضّجيج العاطفيّ، الّذي يتمّ التّعبير عنه بلهجة بيضاء، تجمع بين جزالة التّراث وسهولة العصر، ما يجعل من هذا العمل الشّعريّ آصرة شعوريّة وانفعاليّة، تؤكّد أنّ اللّغة الشّفّافة تظلّ هي الجسر الأقوى بين الماضي والحاضر، وبين الذّات والآخر.

بذلك.. تتحوّل قصيدة باظفاري من نظم شفويّ إلى فعل اجتماعيّ تشارَكيّ، فهي تطوّع اللّهجة المحكيّة المأنوسة؛ لتستحيل وعاء لعواطف إنسانيّة، تبتعد عن التّصريح الفاحش وتلوذ بالكناية والتّشبيه، محترِمةً التّقاليد الاجتماعيّة والوعي الجمعيّ.

عتبة العنوان ودلالاته في ديوان "في داخلي فوضى":

يمثّل عنوان "في داخلي فوضى" عتبة نصيّة فارقة، تلخّص الفلسفة الّتي يقوم عليها هذا العمل، فهو يظهر كإعلانٍ نقديّ وأدبيّ من خلال ثلاثة أبعاد متّصلة.

في البعد الأوّل، يقدّم العنوان مفارقةً تجمع بين السّكون الظّاهريّ والحيويّة الباطنيّة، وهو اعترافٌ ضمنيّ بأنّ ما يبدو للرّائي من هدوءٍ في سمات شخصيّة الشّاعر، والإنسان الخليجيّ بشكل عامّ، ينطوي على تدفقٍ شعوريٍّ غنيّ، إذ أنّ الفوضى هنا لا تبدو عبثيّة، فقد وجدت سبيلها إلى التّرتيب عبر بوّابة القصيدة.

أمّا في البعد الثّاني، فنلمس أنسنةً للفوضى وتصويرا لها عبر منحها ملامح مألوفة ورهافةً قلبيّة؛ الأمر الّذي يحيل العنوان من حالة عشوائيّة مبهمة إلى تجربةٍ قابلة للفهم والاحتواء، ولحظة صدقٍ مع الذّات. وبذلك تصبح القصيدة مساحةً لتنظيم تلك الانفعالات، وفصلا نقديّا ذكيّا يفرّق بين جوهر الذّات وعَرَض الحالة؛ لتصبح تلك الفوضى كيانا وحالةً معبّرةً عن ذاكرة ثريّة تأبى الرّحيل.

في البعد الثّالث، تستحيل هذه الفوضى من منظور نقديّ إلى المادّة الخامّ، والمنبع الأساسيّ للإلهام؛ حيث يرتفع النّص الشّعريّ بالفوضى لتغدو مرادفا للخصوبة العاطفيّة الّتي لا تنضب.

هكذا، يضعنا هذا العنوان أمام حالة صادقة، تحفّزنا على اكتشاف تلك العوالم والنّفوس المختلفة الّتي تختبئ في أعماقنا، متخفيّةً خلف ستارٍ رقيقٍ من الهدوء الّذي تفرضه نواميس الحياة.

البساطة الممتنعة في الشّعر الغنائيّ، ديوان "تغاريد القلوب" نموذجا:

يأتي ديوان "تغاريد القلوب" ليكون شاهدا على تلاحم القصيدة بالإيقاع، حيث استطاع باظفاري أن يمزج فيه رقّة المَحكيّ بروح النّغم، مقدّما صياغة فنّيّة تواكب تطوّر الأغنية الحضرميّة دون أن تفقد أصالتها.

استُهِلَّت صفحات الدّيوان بعتبات نصيّة مفعمة بالوفاء والعرفان، حيث رسم الشّاعر في استهلاله ملامح الامتنان لأسرته، مخصّا والدته الّتي غرست فيه بذور الإبداع، وأخته الّتي كانت مصدرا لاستلهام النّغمة الشّجيّة؛ لينتقل بعد ذلك إلى تقديم الشّكر لرموز كان لها الأثر في إخراج هذا العمل إلى النّور، وعلى رأسهم الشّيخ محمّد بن عبّود العمودي الّذي رعى هذا الإصدار، والفنّان د. عبد الرّب إدريس الّذي وضع بصمته الفنّيّة، وصولا إلى الجهد المتمثّل في تدوين النّوتة الموسيقيّة للأعمال الواردة في الدّيوان.

في سياق التّقديم الأدبيّ، رسمت شهادات المبدعين صورة ناصعة لشخصيّة باظفاري الإبداعيّة، حيث وصفه النّقاد بالشّاعر الحالم، وأكّدوا على صفة المصداقيّة العالية الّتي تصبغ قصائده، وإحساسه المرهف الّذي يجعل من مفرداته جسرا يعبر إلى ذائقة المستمع دون استئذان، فقد نُظِرَ إلى شعره كفيض فطريّ يتجاوب بعفويّة مع رنّات الأوتار، ويترجم لغة القلوب بأسلوب يجمع بين الرّقة والأصالة.

يصنّف هذا العمل تحت مظلّة الشّعر الغنائيّ، وهذا التّصنيف يفرض على القصائد سمات محدّدة، منها سلاسة المنطوق، والاعتماد على الإيقاعات الّتي تتناسب مع الأسلوب الحضرميّ والألحان العربيّة.

يعزّز هذا النّمط التّقارب الفنّيّ بين القصيدة والمتلقّي، محوّلا هذا البوح إلى نغمةٍ مألوفةٍ تسكن الذّاكرة؛ حيث يظهر اتّساق النَّظم؛ ليفي بمتطلّبات الأداء استنادا إلى رشاقة العبارة والابتعاد عن التّعقيد اللّغويّ، ممّا يضفي على النّصوص مسحة رومانسيّة فطريّة، نابعة من صدق المعايشة وعمق الارتباط بالهويّة المكانيّة.

هذا التّآزر الوثيق بين الكلمة والنّغم، المدعوم بالتّدوين الموسيقيّ المرفق، يؤكّد أنّه يكتب وفي مخيّلته الإيقاعات المرتبطة بالجذور، جاعلا من شعره مشروعا فنّيّا متكاملا، يعكس حالة من الإخلاص لنبضٍ يحاكي النّاس ويشبههم، ويستلهم حكاياتهم اليوميّة وعواطفهم.

من خلال هذا المنهج، يُبرِز قدرته على صياغة مفرداته بأسلوب يجمع بين البساطة الممتنعة والعمق، ووفائه لفنّه ومجتمعه.

العنوان "تغاريد القلوب":

هو عنوان غنيّ بالدّلالات السّيميائيّة، يجمع بين عالمَي التّغريد بما يحمله من إيحاءات صوتيّة مستمدّة من الطّبيعة، وعالم "القلوب"؛ كمستودع للعواطف والوجد.

يوحي هذا التّركيب الإضافيّ بأنّ القصائد الواردة في الدّيوان أصداء روحيّة، تنبعث من أعماق الذّات؛ لتشكّل لوحات غنائيّة بكلمات مكتوبة بالإحساس، تنقل المتلقّي من حيّز القراءة البصريّة إلى حيّز السّماع الشّعوريّ، جاعلةً من الأحاسيس القلبيّة تغاريد، تتخطّى صمت الحروف بإيقاعها.

يستشفّ القارئ من هذا العنوان جوهر الهويّة الفنّيّة للدّيوان، وهو ما تؤكّده الإهداءات والكلمات النّقديّة الملحقة الّتي تصف باظفاري بأنّه يعزف على أوتار القلوب بريشة الكلمة؛ فاختيار مفردة "تغاريد" تحديدا يشير إلى حالة من الانعتاق والحرّيّة في التّعبير، حيث تتدفّق الأفكار بسلاسة تشبه شدو الطّيور، وتضفي "القلوب" صبغة جماعيّة وذاتيّة في آن واحد، ممّا يجعل من العنوان اختزالا مكثّفا للتّجربة التأمّليَّة الّتي تمّ تقديمها.

بذلك، نجد أنّ هذا الدّيوان يجمع بين الوفاء للجذور، والانفتاح على الأفق العربيّ الواسع في القصيدة الغنائيّة الشّعبيّة الّتي تستحقّ الدّراسة والتّحليل.

من عفويّة اللّفظ إلى رشاقة الإيقاع في قصيدة "لمّا قلبي":

في أعمال أخرى للشّاعر، نجد في قصيدة "لمّا قلبي" حالة وجدانيّة أخرى، فقد جسّدت ملامح الأغنية الخليجيّة المعاصرة، واكتسبت أبعادا تعبيريّة حين شَدَت بها الفنّانة أحلام بصوتها، حيث أضفَت بنبرتها القويّة، طابعا من الشّجن عليها، ممّا جعلها في صدارة الأغنيات النّاجحة.

تتمحور هذه القصيدة حول صراع عاطفيّ كلاسيكيّ، تطرح ثنائيّة صبر المحبّ في مواجهة الغرور، فتظهر العاطفة المهيمنة هنا في صورة التّسامح المطلق والاستسلام الطّوعي لسلطان الحبّ.

كما تحتوي القصيدة على مفارقة تعزّز صورة العشق العذريّ؛ ففي الوقت الّذي ينكر فيه المحبوب مشاعره أمام الملأ ويطالب بإيجاد بديل لهذا الشّغف، نجده يجاهر بعشقه معتزّا بكون هذا المحبوب هو خليله الوحيد. هذه المقابلة الدّراميّة ترفع من شأن المحبّ الّذي يقتات على الحبّ، حتّى في أحلك لحظات الحزن.

هنا أيضا، اعتمد باظفاري على لغة سلسة بين الفصحى واللّهجة البيضاء، مستخدما مفردات بيئيّة أصيلة، الأمر الّذي منح القصيدة هويّة مكانيّة وتراثيّة واضحة.

أمّا الصّور الشّعريّة، فقد جاءت حسّيّة مباشرة، تبتعد عن التّعقيد السّرياليّ، محوّلة الكلمات من حالة الأنين والدّموع إلى حالة التّفاؤل واللّقاء؛ فقد شُيِّدَت على نظام اللّازمة الّتي تربط مقاطع القصيدة بعضها ببعض، وأسهم تنوّع القوافي الدّاخليّة ضمن الأشطر في خلق تدفّق موسيقيّ متناغم مع الألحان.

إذن.. تقدم هذه القصيدة نموذجا للمحبّ الّذي يرى في الوفاء قيمة مهمّة، فاجتماع الكلمة الرّقيقة مع اللّحن المتقن والأداء الصّوتيّ المتمكّن، جعل منها عملا متكاملا، يمزج بين الجمال وقوّة العاطفة، والمعايير الجماليّة الّتي تميّز الموروث الغنائيّ في الجزيرة العربيّة.

خلاصة القول..

تظهر القيمة الجوهريّة في نتاج باظفاري في قدرته على منح الجغرافيا روحا وإحساسا؛ إذ تغدو تضاريس الأرض في نصوصه كائنات تشاركه قلقه وفرحه، وفضاء يكتمل بوعي القارئ وإسقاطاته الذّاتيّة، فيتحوّل فعل القراءة إلى شراكة تعيد اكتشاف المسافات الفاصلة بين الحلم والواقع، متحرّرةً من الاستعارات المعقّدة لتمضي في سياقٍ يجري قوله بعيدا عن الغموض الّذي يجهد الفكر، فالمعنى يصل إلى قلب القارئ، وكذلك السّامع فور التقائه باللّحن؛ لأنّ الأغنية ابنة لحظتها، وهي رحلة خاطفة بين صورٍ ممتلئة بالحياة، تعتمد على نبرةٍ موسيقيّة واضحة، تمنح الملحّن والمغنّي سلاسةً في ضبط الإيقاع، وتترك في نفس المستمع أثرها، حين تحافظ على روح النّصّ وصدق عاطفته.

***

صباح بشير.. روائيّة وناقدة فلسطينيّة.

في أفق الشعر العربي المعاصر، لم تعد القصيدة مجرّد بناء لغوي منغلق على دلالته الواحدة، بل غدت كياناً مفتوحاً يتخلّق في منطقة التوتر بين اللغة والوجود، بين المرئي والمضمر، وبين ما يُقال وما يُؤجَّل قوله. ومن هذا المنظور، تندرج قصيدة "رؤى" للشاعر فارس مطر بوصفها نصاً رؤيوياً يتجاوز حدود التعبير المباشر، ليؤسس فضاءً شعرياً تتشابك فيه الحلمية مع الوعي، وتتجاور فيه الصور بوصفها إشارات دالة لا وقائع ثابتة.

إنّ هذه القصيدة لا تُقدَّم للقارئ باعتبارها رسالة مكتملة المعنى، بل بوصفها شبكة من العلامات والانزياحات، حيث تتكثف اللغة وتشفّ، وتتحول المفردة من وظيفة الإحالة إلى وظيفة الإيحاء، ومن التسمية إلى التوليد. ومن ثمّ، فإن مقاربتها النقدية لا يمكن أن تكتفي بالوصف الانطباعي أو القراءة الأحادية، بل تستدعي وعياً منهجياً مركّباً يستنطق مستوياتها اللغوية والبلاغية، ويكشف بنيتها الجمالية، ويغوص في أبعادها الفكرية والنفسية والسيميائية.

وتسعى هذه الدراسة إلى تفكيك بنية النص عبر جملة من المحاور النقدية التي تتقاطع فيها مناهج متعددة—من الأسلوبية إلى السيميائيات، ومن التحليل النفسي إلى التأويل الفلسفي—مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً إجرائياً ينظر إلى النص لا كحاملٍ لمعنى نهائي، بل كبنية ديناميكية مفتوحة على إمكانات تأويلية متعدّدة. فالمعنى هنا لا يُستخرج من النص بوصفه معطى جاهزاً، بل يتشكّل في تفاعل حيّ بين النص والقارئ والسياق.

وعليه، فإن هذه المقاربة لا تهدف إلى القبض على "المعنى الصحيح" للقصيدة، بقدر ما تسعى إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي تنبثق من تضافر بنياتها الصوتية والدلالية والرمزية، في أفق قراءة تُنصت إلى النص بقدر ما تُحاوره، وتؤوّله بقدر ما تُعيد إنتاجه.

تنفتح قصيدة "رؤى" على أفق تأويلي رحب، حيث تتداخل فيها بنية الحلم مع يقظة الوعي، وتتشابك مستويات الدلالة بين الحسي والمجرّد، في نصٍّ يتوسّل اللغة بوصفها كائناً حياً لا أداةً محايدة. وسنعتمد في هذه المقاربة على تداخل مناهج: الأسلوبي، والسيميائي، والنفسي، والتفكيكي، ضمن أفق النقد الاحتمالي الذي يرى النص بنيةً مفتوحة لا تُختزل في معنى واحد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم اللغة في النص بدرجة عالية من النقاء التركيبي، حيث الجمل تتوزع بين:

جمل فعلية قصيرة: "نمتُ عميقاً"

جمل اسمية ذات طابع تأملي: "الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ"

هذا التناوب يمنح النص دينامية إيقاعية داخلية، ويخلق توتراً بين الفعل (الحركة) والرؤية (الثبات).

أما الانزياح البلاغي، فيتجلّى في:

التجريد: "يتهيأ الفراغ للفراغ" (تفريغ المعنى من مرجعيته الواقعية)

التشخيص: "البراري السعيدة"، "الطرائد آمنة"

وهنا تتحول اللغة من توصيف إلى إعادة خلق العالم.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللفظ في النص مشدود إلى اقتصاد لغوي واضح:

لا حشو

لا ترهّل

كل مفردة تؤدي وظيفة دلالية.

كما أن التوازن بين اللفظ والمعنى يتجلى في:

بساطة السطح  زائد عمق البنية

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص نثري، لكنه مشحون بـ:

إيقاع داخلي قائم على التكرار:

"بوسع..."، "الخيول..."

توازي تركيبي:

"في الليل..." / "في النهار..."

جرس صوتي هادئ يعكس التأمل

الموسيقى هنا ليست وزناً، بل تدفق دلالي صوتي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية

النص لا يسير خطياً، بل وفق:

١- منطق الحلم

٢- تفكك زمني

٣- تجاور الصور

يمكن اعتباره:

"قصيدة رؤيوية" تتجاوز السرد إلى بناء مشهديات متوالدة.

2. الرؤية الفنية.

الرؤية قائمة على:

إعادة تأويل العزلة: "لست وحيداً في عزلتي"

المصالحة مع الطبيعة

الشك في اليقين: "النهار مبهم"

3. الطابع الإبداعي

النص يشتغل على:

تفكيك المألوف (الفراغ، الليل، النهار)

إعادة تشكيل العلاقات بين الأشياء

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح أسئلة:

١- ما الحقيقة؟

٢- هل الوضوح ممكن؟

٣- هل الذات واحدة أم مزدوجة؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

النزعة الصوفية (الاتحاد بالطبيعة)

الفلسفة الوجودية (القلق، الازدواج)

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

نص متعدد الطبقات:

١- سطح: مشاهد طبيعية

٢- عمق: قلق وجودي

٣- أعمق: بحث عن هوية الذات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية:

النص يتحرر من المباشرة التاريخية، لكنه يحمل:

أثر البيئة الريفية (البيت الطيني، الجداول)

ذاكرة جمعية عراقية (الخيول، البراري)

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

يسيطر:

١- القلق الهادئ

٢- الحنين

٣- التوتر بين الذات وذاتها

2. ازدواج الذات:

"شبحٌ بهيئتي"

تمثل:

انقسام الأنا

صراع الهوية

3. النبرة النفسية:

مزيج من:

١- السكون

٢- القلق

٣- التأمل

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يصرّح اجتماعياً، لكنه يوحي بـ:

رغبة في التحرر من القيود (الخيول بلا أسرجة)

نقد غير مباشر للبنى المغلقة (النوافذ المغلقة)

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- جالخيول: الحرية / الغريزة

٢- البيت الطيني: الأصالة

٣- القمر: الكشف

٤- الذئب/الشبح: الآخر الداخلي

2. الثنائيات

الليل / النهار

الوضوح / الإبهام

الداخل / الخارج

3. النظام الرمزي

النص يقوم على:

"كون شعري تتحول فيه الأشياء إلى علامات"

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا ليست جسدية، بل:

إيروتيكية كونية

رغبة في الاتحاد بالعالم

انجذاب نحو الطبيعة بوصفها أنثى رمزية

تاسعاً: النقد الاحتمالي

وفق هذا المنهج، النص يفتح على احتمالات:

 قراءة أولى:

النص تجربة حلمية ذاتية

 قراءة ثانية:

رحلة صوفية نحو الانكشاف

 قراءة ثالثة:

تفكك الذات في عالم مضطرب

 قراءة رابعة:

نقد للواقع عبر استعارة الطبيعة

عاشراً: القيم الإنسانية والجمالية

النص يحتفي بـ:

١- الحرية

٢- البساطة

٣- الانسجام مع الطبيعة

ويحقق:

انفتاحاً تأويليًا

أثرًا وجدانيًا عميقاً

خاتمة:

قصيدة "رؤى" ليست نصاً يُقرأ، بل نصٌّ يُعاد إنتاجه مع كل قراءة. إنها بنية دلالية مفتوحة، حيث:

لا يُعطى المعنى… بل يُولد

ولا يُكتشف… بل يُخلق

إنها قصيدة تسكن المنطقة الرمادية بين الحلم والوعي، وتُجسّد شعرية الانزياح، حيث اللغة لا تصف العالم، بل تعيد كتابته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

رؤى

نمتُ عميقاً ولم أحلم بك البارحة

‏في المدى الرحيب يتهيأ الفراغ للفراغ

‏طائر بجناحين،

ليس بالضرورة أن يكونا كبيرين

مطلٌ على ما أوتيَ من فضاء

واثقٌ بالهواء ومسرفٌ في الرؤى

ترفعه الموسيقى سُلماً سُلماً

أفقٌ من المساء الفسيح

لست وحيداً في عزلتي،

كل الكلمات معي

أُهَدِّئُ جفلة الحصان

فتحيط بي الخيول التي بلا أسرجة

الخيول التي انفصلت عن عرباتها 

أغبطُ اهتزازة وردة

فتتغمدني البراري السعيدة بأغنياتها المنفلتة 

أغفو تحت شجرة

فتأتي إليَّ الطرائد آمنةً مطمئنةً

‏لن أرى وضوحي من النوافذ العالية المغلقة

بقدمين حافيتين، ‏

أراه من أمام بيتي الطيني المفتوح للقمر

أنصتُ إلى حكمة الطير

لا تُصلِح سقف البيت الذي يسرب الضوء

إلى عينين ساكنتين في السماء العميقة الزرقاء

يباريني شيء لا أعرفه،

في الليل قد يكون ذئباً جليّاً

في النهار،

شبحٌ بهيئتي

الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ

أخّاذٌ يشعل فضولي

بوسع الجواد أن يفوز

بوسع الدم الدافئ أن يؤوي الذكريات

بوسع العالم أن يكون عالماً

تعود المياه إلى الجداول

وعلى ذؤابات شجر الدلب تحط الطيور المغردة

***

فارس مطر

قبل أيام قليلة رحل عن عالمنا الكاتب العراقي "سليمان البكري (1937 ــ 2026)" بعد عمر من العطاء والصمت، وقد أعادني هذا الحدث إلى ذكرى عمرها نصف قرن من الزمن، وتحديدًا إلى عام 1976 الذي تعرفت فيه على هذا الكاتب من خلال روايته (مدار الأشياء المرفوضة) الصادرة عن مطبعة الشعب ببغداد عام 1971. حيث عدت إلى أوراقي القديمة لأعيد ما دونته آنذاك بحق هذه الرواية .. قلت فيها :

كثيرة هي الأعمال الروائية التي ولجت عالم السياسة وتناولت موضوع حرية الإنسان وصراعه مع السلطة القاهرة، ولعل الأعمال الروائية العربية، على وجه التحديد، مثل (شرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف، و(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي، و(تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم، و(هؤلاء) لمجيد طوبيا، و(الأنهار) لعبد الرحمن مجيد الربيعي ــ  والقائمة تطول ــ كانت من أبرز الأعمال التي ساهمت في نقد الواقع السياسي وتسليط الضوء على الصراع القائم بين القوى العاملة في الساحة السياسية. وتأتي رواية (مدار الأشياء المرفوضة) لمؤلفها "سليمان البكري " لتصطف إلى جانب الأعمال السالفة الذكر، حيث تناولت فترة حرجة من تاريخنا السياسي، تلك التي سبقت ثورة الرابع عشر من تموز 1958.

حاولت الرواية، عبر فصولها الأربعة: المعتقل، المنفى، الحب، الثورة، إظهار هويتها السياسية. فمنذ استهلال فصلها الأول "المعتقل"، تعلن الرواية عن هويتها: (حلّ النهار في المعتقل، وبدأ بعض المعتقلين يسيرون في كآبة خلال الممر الطويل، ص 5). والمعتقل كما عهدناه هو المكان والقاسم المشترك الذي جمع معظم الأعمال السياسية، ثم ينقلنا المؤلف الى فضاء المعتقل، مسلطًا الضوء على طبيعة نزلائه السياسيين الذين يشكلون الشخصيات الرئيسية في الرواية، كاشفًا عن اهتزاز الرؤى لدى أبطالها، والمناكفات الدائرة بينهم نتيجة الضغوط النفسية التي وجدوا أنفسهم واقعين تحت تأثيرها.

فالرواية تقوم على عدد من الشخصيات المتباينة في الرؤية السياسية وطبيعة الاندفاع والايمان بقضيتها    فشخصية "علي" ــ احد ابطال الرواية ــ شخصية متشائمة تشكو لزميلها سامي متذمرة من أجواء المعتقل، وتكشف عن ضعف مقاومتها لظروف السجن، كما تظهر يائسة من صمودها امام الضغوط وذلك بقولها: (لقد انتهينا يا سامي). و"أسامة" الشاب الرومانسي الحالم (باللواتي يتنزهن في الشارع العام)، و"كمال" المتوتر الذي يحاول أن يوقع برفيقه متهمًا إياه بالخيانة. وحتى "سامي"، الذي أراد له المؤلف أن يكون النموذج المختلف والأكثر ثورية من بين تلك النماذج المهزوزة فان شخصيته لم تسلم من اضطراب فكري واضح والتزام شكلي بقضيته؛ فهو يقضي يومه في السجن يفكر بـ"لوليت"، زوجة أستاذه "آدم"، إذ يصف المؤلف انشغاله: (النوم يهرب من عينيه وهو يفكر بلوليت معه.. يحلم بها محلقًا في عوالم الحب السعيدة، ص 10). وهو أمر غير مقنع أن يعيش معتقل سياسي هذه الرومانسية والأريحية في سجن يواجه فيه صنوفًا من التعذيب والقهر والضغوط النفسية.

في الفصل الثاني، الذي أسماه "المنفى"، يشير المؤلف صراحة إلى زمن أحداث الرواية: (في صباح بارد من عام 1956، ص 20)، إذن هو عام انتفاضة الشعب العراقي ضد العدوان الثلاثي على مصر و(الاعتداء على بورسعيد بشكل مرير)، وكان من الممكن أن يستفيد المؤلف من هذا الحدث لتعميق البنية الفكرية للرواية والمضي بطابعها السياسي، لكنه يفاجئنا بأنه لم يعد مهتمًا بموضوع حرية الإنسان والنضال في سبيل تحقيقها، وإنما أدار ظهره لهذه المهمة، وبات تركيزه على مغامرات "المناضل" سامي، الذي خرج من السجن في ظروف غامضة وغير مقنعة، فالمؤلف، ومن أجل إسباغ الطابع السياسي على روايته، اكتفى بذكر موقف سامي الذي بقي (يوقع يوميًا ثلاث مرات في سجل الشرطة)، دون الالتفات إلى طبيعة نشاطه وعلاقته بقضيته، بل راح يسرد في صفحات طويلة مغامرات سامي وسهراته الماجنة مع "لوليت"، التي، بعد شوط طويل من الالتحامات الدافئة تغادر إلى بيروت، تاركة لسامي يومياتها الغرامية التي تصلح أن تكون رسائل غرام جاهزة للعشاق المراهقين. وبهذه الانعطافة التي احتلت معظم صفحات الفصل، أضاع المؤلف القضية المركزية التي أراد أن يبني عليها موضوع روايته.

في الفصل الأخير، يظل الشاغل الوحيد للمؤلف هو شخصية "سامي". فبسبب الإحباط الذي عاشه نتيجة هجرة "لوليت" له، يعود فيعاشر بغيًا ويتخذ منها رفيقة، ويعلمها مبادئ الثورية: (الثوري من ينضوي تحت تنظيم طليعي ويؤمن بنظرية علمية، ص 42). وبسيل من هذه الجمل الطنانة التي ظلت تتردد على ألسنة أبطاله، اعتقد المؤلف أنه قادر على خداع القارئ بهوية روايته.

وبقدرة قادر، تأتي ثورة الرابع عشر من تموز 1958، و"سامي" لحظتها يشارك بغيا سريرًا واحدًا، وبهذه الإشارة ألغى المؤلف دور الأحزاب الوطنية والمناضلين الحقيقيين ومساهمتهم الفاعلة في أحداث الثورة المذكورة.

رواية (مدار الأشياء المرفوضة) قدمت نموذجًا سيئًا للمناضل السياسي، وكأن مؤلفها أراد القول إن الجميع في مركب واحد هو مركب الانتهازية وادعاء الثورية، حيث لا نجد بين شخصيات الرواية نموذجًا إيجابيًا يعكس ثبات وصلابة المناضلين الأشداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل قضيتهم. فالرواية حاولت الانتماء إلى حقل الرواية السياسية لكنها لم تكن مقنعة ولم تنجح في سعيها كونها اتخذت من السطحية أسلوبا في محاكاة الواقع وتمسكت شكلا بالموضوع السياسي، وبالتالي أخفقت في أن تنال هذه الهوية، كما أخفقت في تقديم نموذج ثوري مقنع مثل الذي تعرفنا عليه في الروايات التي اسلفنا ذكرها .

***

ثامر الحاج أمين

1976

تجليات تفكيك العلاقة ما بين الذات الشاعرة وخطورة المكان

بين صدمة الحرب وشغف البقاء، ينبثق كتاب - دفتر حرب – يوميات فندق ابن الهيثم- للشاعر جواد الحطاب، كوثيقة إبداعية تختزل تحولات الإنسان العربي في زمن الأزمات، محولةً المكان إلى مسرح للسرد الذاتي والواقعي. تسعى هذه الورقة النقدية إلى استقراء القيمة الوجودية لهذا النص، مستلهمةً الرؤية التي قدمتها في دعوتي لـ "تبسيط النص النقدي"؛ وذلك لتقديم قراءة تفاعلية تتحلل من قيود المصطلحات المعقدة، وتنتصر للمحتوى الإنساني في أبهى صوره.

وقد سعيت جاهداً لأضع مجسات تفكيك العلاقة بين الذات الشاعرة وما يمثله المكان (خطورة المكان)، في أجواء ملتهبة يعلوها شبق الموت الذي يغطيها بأدوات عديدة ومتنوعة حسسب تنوع الظرف القاتل، تراه ساعة ب (شظية، أو طلقة مدفع، أو حتى صاروخ قد أرسل من طائرة أقتنصت اللحظة وفرت من سطوة رادار يترقب. في خضم هذا المشهد سعيت لتفكيك تلك العلاقة في كتابي (الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب 2024)، لكن لم يكن تفكيك تلك العلاقة ظاهراً أو تحتاجه نصوص أخرى أو دراسات لقصائد معينة بقدر ما يحتاجه "دفتر حرب" جواد الحطاب في يوميات فندق ابن الهيثم.

(اغلب الشهداء؛ الذين يسقطون جنوداً؛ هم من محبيّ الطيور؛ وهواة جمع الطوابع البريدية؛ وحراثة الأرض؛ أما نحن؛ الخبثاء المولعون بالفتيات والسفر والمشاكسة؛ الذين نرى في كل تكوّر نهد: رمانة يدوية؛ وفي كل مظروف قنبلة: ساق امرأة؛ فقد كتب علينا أن نجوب الأرض الحرام؛ تصحبنا سلالات متدرجة التواريخ؛ منذ بدء الخليقة وإلى الآن؛ بدوريات مماثلة لاكتشاف طريق "الصد ما ردّ"؛ وقتل الحوتة التي تأكل القمر والشهداء).. "يوميات فندق ابن الهيثم".

في مرآة "ابن الهيثم" .. "دفتر حرب وهوية المكان"

مؤكد أن الناقد يبذل جهداً مضنياً حتى تتكون عنده الرؤية أو أن تكون واضحة بعيدة عن "الضبابية" كي يطرحها للقارئ، ويَقصد منها تفسير وشرح وتوضيح ما يَشكَل على المتلقي، ويقدم له من خلال تفسيره أو دراسته صورة منطقية ناطقة عما أراد الشاعر أو الأديب أن يقوله في مضمون نصه. أي قراءة ما وراء الفكرة أو القصد الذي جاء به الأديب أو الشاعر. والمعضلة تكمن في حيز واسع من تفاصيل الكتابة النقدية وطرقها وسبل تيسرها للقراء، فإن كتب الناقد وفق أسلوب المدارس النقدية وتبعياتها وأسسها وأصولها، دفع القارئ للنفور من النص وتركه وعدم قراءته لما يتضمنه الموضوع من مفردات ودلالات صعبة على الفهم غير المتخصص، لذلك نرى أن الأسلوب الذي صيغ به مفهوم كتاب " الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب"، أستناداً لفكرة "التبسيط النقدي" (1)، والتي لا تعني السطحية، بل تجريد النص من التعقيدات التنظيرية الفائضة، للوصول إلى "جوهر الحبكة الإبداعية".

في يوميات فندق ابن الهيثم "دفتر حرب"، نرى أن الشاعر جواد الحطاب لم يكن يدون احداثاً زمنية بقدر ما كان يشكل "هوية مكانية" تحت القصف. "الحرب هنا ليست موضوعاً"، بل أراد لها الحطاب أن تكون "عدسة" يرى من خلالها العالم. التصور الذي جسدته الأحداث التي احتواها "دفتر الحطاب" ذهب باتجاه أن الحطاب حقق ما يسميه "التصالح مع الموت من أجل إنتاج الحياة" في يومياته، وهو مفهوم محوري في ما يطرح من نقد لأدب الحرب.

(حين نعود إلى ملاجئنا؛ حاملين في آذاننا صفير القنابل وأزيز الرصاص؛ تكون الحرب قد علمتنا حكمتها جيداً: في المعارك؛ ليس هناك ما هو أسهل من أن تموت أو تجرح؛ أما الصعوبة العظيمة؛ فهي كيف تبقى على قيد الحياة؛ بانتظار معركتك الأخيرة).. "يوميات فندق ابن الهيثم"

"الساعة 250 طيورك تقصف قلبي؛ ولا عاصم إلا الحب؛ ثم يمضي لاستكمال الموقف". "يوميات فندق ابن الهيثم".

أنسنة المكان ورمزية الفندق

لم يكتفِ الشاعر "جواد الحطاب" بتشييد جدران "فندق ابن الهيثم" في قصيدته، بل نفث فيه من روحه حتى استحالت الحجارة كائناً شعرياً ينبض بالقلق، ويتحسس قرصات الجوع، ويرتجف ببرد الخوف.

لقد طوّع الحطاب قسوة الأمكنة ليجعل من هذا الفندق في "دفتر حربه" حضناً وملاذاً؛ صدراً حانياً نلوذ به من شظايا البصرة الغادرة التي كانت تتطاير في الخارج كالموت الأعمى. لكنه لم يكن أماناً مطلقاً، بل كان أماناً هشاً، "مثقوباً بالخوف"، وكأن الجدران ذاتها كانت تملك مسامات تشعر بذعر الساكنين خلفها.

وببراعة الساحر الذي يغرس الأبدية في اللحظة، حوّل "الحطاب" تفاصيل الغرفة الضيقة من سريرٍ ونافذةٍ ودخان إلى رموزٍ كونية؛ فلم تعد تلك الأشياء مجرد أثاث، بل أصبحت صرخة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه "تطويع المادة الصلبة لتغدو سيولة شعرية"، حيث يذوب الفندق في القصيدة وتذوب القصيدة في الجدران، ليتلاشى الفاصل بين المكان والروح، ويصبح الوجع واحداً لا يتجزأ.

بذات الروح التي تغلغلت في جدران الفندق، والتي مثلها الحطاب برمزية "النافذة"، والتي لم تعد في عين الحطاب مجرد فتحة للضوء، بل استحقّت أن تكون "العين الرائية"؛ الشاهدة التي لا تغمض جفناً عن توثيق فجيعة الخراب.

إنها في هذا النص "برزخٌ" قلق، حدّ فاصل يرتجف بين موتين: موتُ الداخل حيث تنهش العزلةُ والانتظار الروح، وموتُ الخارج حيث تزرع القذائف الدمارَ في جسد المدينة. حتى ستائر الغرفة لم تعد جماداً، فقد أنسنها الحطاب وجعلها تشارك الساكنين فزعهم؛ "كانت ترتعش مع كل انفجار، لا بفعل الريح"، بل كأنها تجسيدٌ فيزيائي لارتجاف القلوب وهلعها الجماعي.

وفي الرؤية النقدية السابقة التي قدمتها، يقف الفندق كـ "محامٍ صامت"، يجمع في صمته شهادات البشاعة التي خلفتها الحرب، بينما يظل الشاعر هو اللسان الناطق بوجع هذا الشاهد، ليحول الصمت الرخامي إلى صرخة خالدة (2).

تتجلى في "دفتر حرب" الحطاب حسيةٌ مفرطة، لم يعد فيها الوجع كفكرةً مجردة، بل صار مادةً تُلمس وتُرى وتُسمع بوضوحٍ جارح. لقد استدعى الشاعر الحواس لتكون جسراً للترويع؛ فنحن لا نقرأ عن الحرب، بل نشمّ رائحة الدخان العالق في الستائر، ونسمع صليل القذائف في اهتزاز النوافذ، ونشعر ببرودة الجدران وهي تحتضن الأجساد المذعورة. هذه السيولة الشعرية التي تحدث عنها جعلت من الجماد "جسداً" يتألم؛ فالسرير ليس مكاناً للنوم، بل هو مرصدٌ للقلق، والنافذة ليست مصدراً للضوء، بل هي عينٌ دامعة ترقب الموت في الخارج. حوّل الحطاب "المادة الصلبة" للفندق إلى أنفاسٍ متلاحقة، ليصبح النص في نهاية المطاف جسداً حسياً نابضاً بالخوف، يرتجف كلما لامست ذكراه الروح.

"قد غدا الدخان في أروقة "فندق ابن الهيثم" أكثر من مجرد بقايا احتراق؛ إنه كفنٌ هائم ينسج خيوطه حول الأرواح المذعورة. لم يعد أثراً عابراً، بل صار رئةً ثالثة للقصيدة، تتنفس الرماد وتزفره وجعاً يسكن المسام والستائر والذاكرة.

في هذا الفضاء، تتصادم جدلية السكون والصخب بعنفٍ صامت؛ فبينما يصرخ الخارج بضجيج القذائف وهدير الموت، يلوذ الداخل بسكونٍ مطبق، لكنه ليس سكون الطمأنينة، بل هو "سكون الرعب" الذي يسبق العاصفة، حيث تتحول كل همسة داخل الغرفة إلى دويٍّ في رأس الشاعر المنهك "يوميات فندق ابن الهيثم".

إن الغرفة في رؤية الحطاب هي المختبر الحسي الذي تنصهر فيه الروح؛ فكلما ازداد صخب الخارج، تعمق صمت الداخل وتحول إلى صلاةٍ يائسة تبحث عن بصيص نجاة وسط ضباب الحرب" (3).

وقد لمستُ تحولا جوهرياً في كينونة أداء الشاعر جواد الحطاب داخل "دفتر حرب"؛ فجواد الحطاب لم يرتضِ لنفسه دور "الراوي" الذي يسرد مأساةً عابرة، بل ارتقى ليكون "محامياً كونياً". هذا المفهوم، الذي يتجذر في الرؤية التي قدمتها، تجعل من الشاعر صوتاً يتجاوز ضيق الجغرافيا العراقية المحاصرة، ليقف في محكمة الوجود رافعاً دعوى جمالية كبرى ضد "فكرة الموت" ذاتها. في زوايا فندق "ابن الهيثم"، لم يكن الحطاب يكتب قصائد، بل كان يجمع "قرائن الإدانة" ضد القبح والدمار، محولاً كل أنّةٍ وكل شظية إلى وثيقة إنسانية مدوية. لقد استطاع الحطاب أن ينتشل الضحية من صمتها المحلي، ليجعل من جرحها صرخة عالمية عابرة للحدود، محولاً اليوميات الدامية إلى مرافعة خالدة في وجه الفناء، وفق الرؤية التي ارتايتها في"الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب".

التشكيل الصوري

دائماً ما نلاحظ أن الحطاب يستخدم تقنية "الصورة الصادمة" كأداة ترافع قانونية. فعندما يصف الحطاب "النخيل الذي يحترق بوقار"، فإنه لا يكتب شعراً وصفياً، بل يقدم "شهادة عيان" على اغتيال الذاكرة. أن ميزة الحطاب تكمن في قدرته على جعل القارئ شريكاً في "هيئة المحلفين"؛ حيث يُبسط الصورة الشعرية لدرجة تجعل الألم ملموساً باليد، لكنه يرفعها رمزياً لدرجة تجعلها مرافعة كونية. إن "المحامي الكوني" الذي يطارد القتلة بـ "الكلمة المستفزة" التي لا تموت بموت قائلها، وهو ما يفسر العنوان السابق لدراسته الأخرى بـ "لا تواقيع للموت"(4).

وارى أن الحطاب في "فندق ابن الهيثم" نجح في "أتمتة الحزن" وتحويله إلى طاقة احتجاجية. فبدلاً من البكاء التقليدي، نجد في "دفتر حرب" صوراً سريالية تبسط الواقع لتعرّيه؛ مثل وصفه للقذائف بأنها "رسائل بريدية طائشة". هذا التشكيل الصوري بوصفه ذكاءً إبداعياً يرفض الاستسلام لمنطق القوة؛ فالشاعر هنا يمتلك قوة "الرؤيا" التي تهزم "الرؤية" المادية الضيقة. لذلك أرى إن الحطاب في غرفته الفندقية كان يعيد ترتيب العالم شعرياً، ممارساً دور "الادعاء العام" نيابة عن كل الأشياء الصامتة التي دمرتها الحرب (5).

إن مرافعة الحطاب (المحامي الكوني) في "دفتر حرب" لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تبدأ منها. وقد خلصت إلى أن هذا الكتاب هو "محضر ضبط" وجداني، وثق فيه الحطاب كيف يمكن لغرفة فندق أن تصبح قاعة محكمة دولية، يكون فيها النص هو القاضي والشاهد والجلاد في آن واحد. هذا المنهج في "التبسيط النقدي" الذي دعيت له، يكشف كيف تحول الحطاب من "ضحية للحرب" إلى "سيد على لغتها"، محققاً الانتصار المعنوي للثقافة على الهمجية.

جدلية البقاء

جواد الحطاب في "يوميات فندق ابن الهيثم" (دفتر حرب) اجترح استراتيجية نفسية وجمالية فريدة لمواجهة العدم، أطلقت عليها "سخرية المقاومة". ففي الوقت الذي كان فيه الموت يطرق أبواب الفندق بقوة القذائف، كان الحطاب يواجهه بـ "نكتة سوداء" أو صورة شعرية متهكمة. هذا المسلك بوصفه "تبسيطاً للمأساة" يعد هذا التوجه للسيطرة على المأساة؛ فالشاعر الذي يسخر من موته المحتمل يكون قد انتصر عليه سلفاً.

وفي الدراسة السابقة التي أشرت إليها "لا تواقيع للموت" أوضحت أن جدلية الموت والحياة عند الحطاب لا تقوم على الصراع التقليدي، بل على "التعايش الندي". فالحطاب يكتب عن الموت كأنه "نزيل ثقيل" في الغرفة المجاورة بفندق ابن الهيثم. هذا النوع من "الألفة الإجبارية" مع الخطر هو ما منحه القدرة على إنتاج نص "عابر للمحنة". وأن الحطاب في يومياته كان يمارس "لعبة الحيلة" مع الموت؛ فكلما اقترب القصف، أوغل الشاعر في تفاصيل الحياة (شرب الشاي، قراءة كتاب، تأمل الغبار)، محولاً هذه الأفعال اليومية البسيطة إلى طقوس مقدسة للرفض والوجود(6).

كما أن هناك بعداً آخراً أيضاً يتعلق بـ "الجمال القاسي"؛ استطاع الحطاب من خلاله في "دفتر حرب" أن يستنبت الورد من فوهات المدافع (مجازياً). عبر توظيفه "للتبسيط النقدي" الذي مثله حين جعل "الدخان" مادة للرسم، ومن "الأنقاض" مسرحاً للذاكرة. إنها "فلسفة البقاء" التي لمسناها باعتبارها المحرك الأساسي لنصوص الفندق؛ فالكتابة في لحظة الانهيار ليست ترفاً، بل هي "الفعل الوحيد" الذي يثبت أن الشاعر لم يتحول إلى "رقم" في سجلات الضحايا، بل ظل "اسماً" وتوقيعاً عصياً على المحو.

وجودية الدفتر.. "دفتر حرب"

في ختام هذه الدراسة، نخلص إلى أن "يوميات فندق ابن الهيثم" ليست مجرد تأريخ شعري لحرب عابرة، بل هي " إعلان إبداعي " للروح العراقية في أقصى تجلياتها. لقد استطاع جواد الحطاب، عبر "دفتر حرب"، أن يؤسس لمدرسة في الكتابة تجمع بين "يوميات الصحفي" و"الرؤيا الروحية" و"دقة الرسام" (7).

وأن أهمية هذا المنجز تكمن في قدرته على الصمود أمام الزمن؛ فاليوميات التي كُتبت تحت ضغط اللحظة التاريخية، تحولت بفعل "التشكيل الصوري" والرمزية العالية إلى "نص مفتوح" يقرأ في كل زمان ومكان يعاني من وطأة الظلم والدمار. إن "منهج تبسيط النص النقدي" الذي دعيت له وطبقته كشف لني أن جواد الحطاب لم يكتب "دفتر حرب" ليوثق موتنا، بل كتبه ليوثق "حياتنا التي لا تموت"، جاعلاً من فندق ابن الهيثم منارة رمزية تضيء في عتمة الحروب.

***

سعد الدغمان

......................

1- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، دار الصحيفة العربية، بغداد،ودار العراب،دمشق،2024،ص 45- 62.

2- سعد الدغمان، مقال نقدي: "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، صحيفة المثقف، 07 –ديسمبر- 2024.

3- جواد الحطاب، يوميات فندق ابن الهيثم (دفتر حرب)، منشورات وزارة الثقافة، بغداد، 2002.

4- سعد الدغمان،"دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

5- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.

6- سعد الدغمان، "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

7- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.

للشاعر يحيى مطوال

تعتمد هذه الدراسة على منهج تكاملي يجمع بين التحليل البنيوي والتأويل الفلسفي والقراءة الوجودية بهدف تفكيك البنية الدلالية للنص والكشف عن تمثلات القلق والعدم داخل الخطاب الشعري.

وتتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي:

كيف يتشكل "الفراغ " داخل النص بوصفه بنية دلالية منظمة تنتقل به من مستوى التجربة الشعورية إلى مستوى إعادة إنتاج الذات واللغة؟

تأطير النص: أفق القراءة وإشكالية النص

يندرج هذا النص ضمن أفق الكتابة الحداثية/ما بعد الحداثية التي تعيد بناء التجربة الوجودية داخل بنى لغوية متوترة حيث يتقاطع الذاتي بالكوني ويتحول "الفراغ " من حالة نفسية إلى بنية دلالية منظمة لإنتاج المعنى.

ويؤدي العنوان "حسرة الفراغ" وظيفة تأطيرية مركزية إذ يؤسس لتوتر دلالي بين:

الحسرة بوصفها كثافة وجدانية

الفراغ بوصفه تمثلاً للعدم

غير أن هذا التوتر لا يختزل في تعالق ثنائي، بل يتخذ شكل مفارقة وجودية تسهم في توجيه دينامية المعنى داخل النص من خلال إعادة توزيع العلاقة بين التجربة الشعورية وبنيتها اللغوية.

ويمكن في هذا السياق استحضار التصور التأويلي عند بول ريكور الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة تنتج معناها عبر تعدد مستويات القراءة، لا عبر الإحالة المباشرة على التجربة.

وانطلاقاً من هذا التأطير يغدو تحليل البنية الدلالية للنص مدخلاً إجرائياً للكشف عن الكيفية التي تعاد بها صياغة مفهومي الحسرة والفراغ داخل نسق لغوي متشظ...

البنية الدلالية: الحقول المعجمية والأنساق الرمزية

انطلاقاً من التأطير السابق الذي أبرز مركزية ثنائية الحسرة/الفراغ بوصفها نواة دلالية للنص يمكن الانتقال إلى تحليل البنية الدلالية التي تتأسس عليها هذه المفارقة من خلال تفكيك الحقول المعجمية والأنساق الرمزية المهيمنة.

يتأسس النص على شبكة متداخلة من الحقول الدلالية، أبرزها:

حقل الموت/العدم: (المقبرة، الآخرة، الجحيم، صمت الأموات، الخراب)

حقل الألم/الندم: (حسرة، دمع، الحزن، ملح الأحلام اليابسة)

حقل الكتابة/القول: (الشعر، البوح، زجاج الكلام، يكتب بمسماره الصدئ)

ولا تعمل هذه الحقول في استقلال، بل تتقاطع داخل بنية دلالية واحدة تنتج ما يمكن تسميته بـنسق التهشيم الوجودي ويقصد به إجرائياً تفكك العلاقات الدلالية التقليدية بما يعكس اختلال العلاقة بين الذات والعالم.

ضمن هذا النسق، لا تعود اللغة أداة تمثيل للواقع بل تتحول إلى آلية لتفكيكه وإعادة تشكيله. ويتجلى ذلك في عبارة "زجاج كلام متشظي" التي لا تحيل إلى صورة بلاغية فحسب بل تكشف عن انكسار البنية اللغوية ذاتها، بما يعكس اختلال العلاقة بين الدال والمدلول وفق تصور سيميائي يجعل اللغة فضاءً لإنتاج التوتر الدلالي لا لاستقراره...

الصورة الشعرية

وانطلاقاً من هذا المستوى الدلالي، يمكن الانتقال إلى تحليل الصورة الشعرية وآليات الانزياح والتكثيف.

تقوم الصورة الشعرية على انزياح حاد (Deviation) عن المألوف، وهو ما يقربها من الشعرية السريالية، يتجلى في بناء علاقات غير متوقعة بين العناصر، مثل:

"يمسح عن جفن المقبرة دمع العائدين"

"جسد من نار يصعد في السواد"

"يكتب بمسماره الصدأ الحزن على رخام الروح"

لا تفهم هذه الصور ضمن منطق مرجعي مباشر بل باعتبارها بنى دلالية مكثفة تنتج المعنى عبر الصدمة والانقطاع. وعليه، فالصورة ليست عنصراً زخرفياً بل جهازاً معرفياً يكشف عن عالم مفكك...

الذات الشعرية: تشظي الهوية وتفكك الكينونة

في ضوء المقاربة الوجودية المعتمدة، يمكن تحليل تمثلات الذات داخل النص بوصفها بنية غير مستقرة تتحدد عبر التشظي والانمحاء بدل التماسك. ويتجلى ذلك في مؤشرات نصية صريحة من قبيل: "لا يتذكر من هو" و"يستعيد ما تبقى من وجهه المدمر" حيث يتم تفكيك الهوية إلى شذرات لغوية تعكس فقدان المرجعية الذاتية.

ولا تفهم هذه الحالة بوصفها تعبيراً نفسياً مباشراً بل باعتبارها تمثيلاً دلالياً لانهيار وحدة الكينونة داخل الخطاب الشعري. وعليه، تتحول الذات إلى أثر لغوي، لا إلى مركز دلالي ثابت.

ويتقاطع هذا التمثل مع الأطروحة الوجودية عند جان بول سارتر، القائلة بأن "الوجود يسبق الماهية" بما يفيد أن الكائن لا يمتلك هوية جاهزة، بل يتحدد داخل وضعية وجودية مفتوحة ومأزومة. وضمن هذا الأفق، يعكس تشظي الذات في النص انخراطها في عالم يفتقر إلى المعنى المسبق، مما يفسر حضور مفردات التلاشي والبقايا بوصفها مؤشرات على تفكك الكينونة...

الزمن الشعري: تفكك البنية الزمنية

انطلاقاً من تحليل البنية النصية، يتضح أن الزمن في القصيدة لا يخضع لتنظيم خطي بل يتشكل وفق بنية مفككة تعكس اضطراب التجربة الوجودية. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط زمنية متداخلة:

زمن استرجاعي: (يتذكر بكثير من الحسرة)

زمن معلق: (يجلس خارج الفراغ)

زمن انهياري: (يعيد للاممكن قصفه المنسي)

لا تفهم هذه الأنماط بوصفها تعاقباً زمنياً بل كتمثلات دلالية لحالة اختلال الإحساس بالزمن حيث يفقد التسلسل الزمني وظيفته التنظيمية لصالح زمن داخلي متشظٍ.

وفي هذا السياق، يمكن ربط هذا التفكك الزمني بتمثلات الوعي المأزوم، حيث يتحول الزمن من إطار خارجي إلى تجربة ذاتية مضطربة تعكس انكسار العلاقة بين الذات والعالم. وعليه، يغدو الزمن في النص عنصراً بنيوياً يوازي تشظي الذات ويسهم في تعميق البعد الوجودي للخطاب الشعري...

اللغة والأسلوب: نحو شعرية التفكيك

في امتداد لتحليل البنيات الدلالية وتمثلات الذات والزمن تبرز اللغة الشعرية بوصفها مستوى إجرائياً حاسماً في إنتاج المعنى، حيث تتحدد عبر جملة من الخصائص الأسلوبية التي تعكس طبيعة التجربة المطروحة.

تتسم اللغة في النص بـ:

التكثيف الدلالي: من خلال اقتصاد لغوي مشحون يراكم المعنى داخل وحدات تركيبية مقتضبة.

التشظي التركيبي: عبر تفكيك البنية النحوية التقليدية، بما يخلخل انتظام الجملة.

الانزياح الدلالي: من خلال خرق العلاقات المألوفة بين الدوال

ولا تفهم هذه السمات بوصفها خصائص شكلية معزولة، بل باعتبارها آليات اشتغال تنتج ما يمكن تسميته بـبنية فوضوية منظمة ويقصد بها إجرائياً نظام لغوي يقوم على إعادة توزيع العلاقات الدلالية خارج منطق الاتساق التقليدي. وعليه، تتحول الفوضى من خلل بنيوي إلى مبدأ منظم يسهم في توليد الدلالة داخل النص.

ويمكن، في هذا السياق، تسجيل تقاطع أسلوبي مع بعض ملامح الكتابة الشعرية الحديثة كما عند أدونيس خاصة في ما يتعلق بشعرية الانزياح وتفكيك البنية اللغوية. غير أن هذا التقاطع يظل جزئياً، إذ يحتفظ النص بخصوصيته التعبيرية داخل أفقه الدلالي الخاص....

البعد الميتا شعري: الكتابة كفعل وجودي

وانطلاقاً من هذا الوعي بطبيعة اللغة، يتخذ النص بعداً ميتا شعرياً صريحاً يتجلى في التصريح: "لم يتبق سوى الشعر" حيث تحال الكتابة إلى موضوع للقول ذاته.

يشير هذا التمفصل إلى وعي نصي يجعل من الكتابة:

أداة لمقاومة العدم

وآلية لإعادة بناء الذات داخل اللغة

وفي هذا السياق، لا تفهم الكتابة بوصفها انعكاساً مرجعياً للواقع بل كممارسة إنتاجية للمعنى، تتأسس على إعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم عبر وسيط لغوي متشظٍ. وهو ما يتقاطع مع التصور الحديث للكتابة عند رولان بارت، الذي ينظر إلى النص باعتباره فضاءً تعاد داخله صياغة الهوية...

القراءة التأويلية: نحو فلسفة الفراغ

في ضوء المستويات السابقة، يمكن الانتقال إلى تركيب قراءة تأويلية تستهدف استجلاء الأفق الفلسفي الذي يؤطر النص. حيث يتبدى أن الخطاب الشعري يتأسس على حركة دلالية تتوزع بين ثلاثة أقطاب:

العدم (الفراغ) بوصفه أفقاً وجودياً.

الذاكرة (الحسرة) بوصفها بعداً استرجاعياً.

اللغة (الشعر) بوصفها وسيطاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم "الفراغ " في هذا السياق باعتباره غياباً صرفاً بل كفضاء دلالي يعاد من خلاله تشكيل الكينونة داخل اللغة. وعليه، يغدو النص ممارسة تأويلية لذاته حيث تتداخل التجربة الوجودية بالبنية اللغوية في إنتاج دلالة مفتوحة...

الإسناد النقدي

في ضوء ما سبق من تحليل، يمكن تأطير هذا التصور ضمن الأفق النقدي الحديث الذي ينظر إلى الكتابة بوصفها فضاءً لإعادة تشكيل الهوية. وفي هذا السياق، يتقاطع النص مع ما يذهب إليه رولان بارت في قوله:

"الكتابة هي ذلك المكان المحايد الذي تضيع فيه كل الهويات."

تسهم هذه المقولة في إضاءة الكيفية التي تتلاشى بها ذات المتكلم داخل بنية لغوية متشظية، حيث لا تعود الذات مركزاً ثابتاً للمعنى، بل تتحول إلى أثر نصي يعاد إنتاجه داخل اللغة. وعليه، تغدو الكتابة في النص بديلاً عن الهوية، لا تعبيراً عنها وهو ما ينسجم مع الطابع التفكيكي الذي يحكم بنيته الدلالية والأسلوبية....

القيمة الجمالية والمعرفية

استناداً إلى المستويات التحليلية السابقة، يتبين أن النص يحقق قيمة جمالية ومعرفية معتبرة، من خلال:

توظيف انزياحات لغوية تسهم في خلخلة البنية الدلالية التقليدية.

بناء تجربة وجودية تتأسس على تمثيل القلق والعدم.

وعي ميتا شعري يجعل من الكتابة فعلاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم ما قد يبدو من غموض أو تفكك بوصفه قصوراً تعبيرياً، بل باعتباره استراتيجية جمالية واعية تنبثق من طبيعة التجربة الحداثية التي تعيد النظر في علاقة اللغة بالواقع وفي حدود التمثيل الشعري ذاته...

يمكن في ضوء هذه القراءة، اعتبار "حسرة الفراغ" نصاً شعرياً يشتغل على تخوم اللغة والوجود، حيث تتداخل البنية الدلالية بالتجربة الوجودية في إنتاج خطاب يقوم على التفكيك وإعادة التركيب. فالكتابة لا تحيل هنا إلى العالم بوصفه معطى جاهزاً بل تسهم في إعادة بنائه داخل نسق لغوي متوتر يكشف عن وعي حاد بهشاشة الكينونة وتصدعها.

وعليه، يغدو النص ممارسة شعرية تعيد مساءلة مفاهيم الهوية والمعنى والوجود ضمن أفق تأويلي مفتوح يجعل من اللغة أفقاً لإعادة التفكير في الذات والعالم معاً...

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

..................

حسرة الفراغ

حزين هذا الصغير

وهو يمسح عن جفن المقبرة

دمع العائدين

من منافي الاخرة.

*

يجلس خارج الفراغ

جسد من نار،

يصعد في السواد

الى اعلى،

ينشد بلغة جديدة

زجاج كلام متشظي

خارج المألوف.

*

يتذكر بكثير من الحسرة

كيف كان يمضغ

ملح احلامه اليابسة،

بكثير من الحسرة

يحسب منحدرات الحجيم

وفي كفيه يحمل

توبة الهذيان.

*

لم يتبق سوى الشعر

يغير لون البوح

في صمت هذا الخراب،

وردة الروح

جديرة بالحياة الابدية.

*

وحيدا

جريئا

يقطف ماتبقى من الحلم

تفاصيل الضياع والحياة

يكتب بمسماره الصدء

الحزن

على رخام الروح.

*

لا يتذكر من هو

يقترب من صمت الاموات

يمحو بانفاسه

المرتجلة الهزيلة

عصف اللاشيء.

*

يعيد للاممكن قصفه المنسي

يعبر كطوفان

همس المحتجزين

في عتبات الصراخ،

تهرب منه الكلمات

يواخد وقته

الطاعن في الفوضى

يرتجل حسرة الفراغ

وهو

يستعيد ماتبقى من وجهه

المدمر فوق البياض.

*

كنت لتكون هاهنا

ملل كثيف

يتبخر في تفاصيل الكتابة،

كنت لتكون بين الاسطر

صداع

لمذبحة الكلمات.

*

حزين

مثل هواء حار

يحصد القهقات الذابلة،

مفعم بالتحدي

يقتل موته

بنذبة الحياة

خارج المعنى.

***

الشاعر: يحيى موطوال

دراسة في رواية (سمر قند) لأمين معلوف.. الفصل الرابع - المبحث (1)

توطئة: لقد أصبحت الشخصيات في روايات أمين معلوف المرجعية أعلى صوتا إذا ما قورنت بصوت السارد العليم، وذلك نتيجة لظهور مستوى معالجة آليات سايكلوجية تتم مقاربة توجهاتها الاسلوبية من حدود آفاق نفيسة - ذاتية، أدى ظهورها على وجهة نظر داخلية تتناول مقامات السرد عبر مفهومات (الفضاء - الزمان - المكان - الصيغة والصوت - التبئير والمسرود) بلوغا نحو مستويين من التركيز (المنظور الموضوعي - المنظور الذاتي) ومن خلال هذا المستوى قراءنا احداث رواية (سمر قند) بالطريقة التي تلازمها بعض من الأساليب المستحدثة مثل تعدد الأصوات والمونولوج الداخلي ورؤية المنظور الوصفي لتجليات وجهة نظر للخطاب خارجيا وداخليا.

- العتبات النصية وبنائية الشكل للحكي

بإختصار.. إن إدراكنا إلى حقيقة رواية (سمرقند) التي هي موضع بحثنا، هو إنها تنتمي - ابتداء - إلى صيغة الرواية التاريخية التي تم معالجة منظورها الديناميكي من خلال فاعلية العناصر الاسلوبية المؤثرة في الأوضاع السردية، لذا فهي وعبر تنصيصات عتباتها الواعية، تستوجب من قارئها ضرورة وضعها في مقامات السردية الأكثر غاية ودقة وملاءمة مع حيثيات طبيعتها الخاصة بمعالجة الأسباب والنتائج على نحو تدريجي بوضوح وموضوعية ملحوظة.

1- صيغة الخطاب من حاضرية فضاء المبأر:

لعل النقطة الحدودية التي تستهل بها تشكلات السرد الروائي - ابتداء - من (المتكلم / الفاعل السردي) وسيكون هذا التأطير متمثلا عبر آليات الفضاء الثابت الذي يقدم لنا من خلال المجال الأكثر إيغالا بصوت الفاعل السردي: (في أعماق المحيط الأطلسي كتاب. وقصته هي التي سأرويها. وربما كنتم تعرفون خاتمتها، فالصحف قد ذكرتها في حينه، وسجلتها بعض المؤلفات مذاك: (عندما غرقت الباخرة - تياتنك - في الليلة الرابعة عشرة من شهر نيسان (ابريل) 1912 في عرض مياه الأرض الجديدة كان أعظم الضحايا وأعجبها كتابا هو نسخة فريدة من رباعيات عمر الخيام. / ص9 العتبة) وفي إطار الحديث عن هذه العتبة السردية من مقدمات الرواية ورصد تمظهراتها لابد من التفريق بيت صوتين سرديين تناوبا في تشكيل البناء الحكائي لهذه الرواية: الأول هو المؤلف إذا استثنينا من ذلك الصوت للمحقق الخارجي بأعتبار أن دوره مقتصر على الأفضية التحقيقية ورصد الأحداث من الخارج: الثاني هو صوت السارد العليم، والملحوظ في هذه الرواية أن الغلبة في خطابها الروائي للصوت الأوحد (الفاعل السردي) الذي هو حينا يسرد وحينا يقوم بتنظيم الإجرائية الحوارية بين باقي الشخصيات. غير أن هذا التمازج بين السارد والمبئر (أي بين الذي يتكلم والذي يرى) كما هو الحال في هذه الوحدات: (يحدث أحيانا في مساء عبوس أن يتسكع بعض أهالي سمرقند في درب الحانتين. غير النافذة بالقرب من سوق الفلفل لا لكي يذقوا خمرة الصفد الممسكة، وإنما ليرقبوا ذهاب الناس وإيابهم أو ليخاصموا شاربا ثملا. / ص13 الرواية) وفي الكثير من الأحيان يقدم لنا (الفاعل الذاتي) ومن ورائه الكاتب رؤيته للثيمة الأساسية في الوحدات السردية الفصولية. وفي إطار الحديث عن الرؤية السردية فيمكننا تتبع حركة تنامي الحكي وفق ثلاثة مستويات:

- المستوى الأول: مستوى السرد الذي يقدم أغلبه عن طريق (الفاعل الذاتي / المتكلم) إذ سنلاحظ بطئا في حركة سير هذا المستوى، راجعا إلى المساحات الاسترجاعية والوصفية: (و لسوف يولد من قبل هذه الحادثة في صيف 1072 مخطوط الرباعيات. فعمر الخيام في الرابعة والعشرين. ولم يمض على وجوده في سمرقند كبير وقت.؟ ص13 الرواية).

- المستوى الثاني: ويتمثل في ترك حاضر السرد والخروج في مساحات استرجاعية مختلفة قربا وبعدا عن النقطة التي تمثل بداية الحكي: (إنه يتأمل وجوه الرجال المسلحين العشرة الذين جاءوا يوقفون عملية التضحية. / ص19 الرواية).

- المستوى الثالث: فهو الانصباب في دائرة التمثيل وترك واقع السرد والأحداث الخارجية / وجعل دخيلة الشخصية الروائية هي - المبئر - كما أن المبئر هو الشخصية الروائية نفسها: (ثم أنحنى ماطا شفتيه وكأنه يقبل جبين طفل نائم. / ص14 الرواية) ومن خلال هذه الأنماط السردية الثلاثة قدم الحطاب الأولي لرواية (سمر قند) حيث استطاع أمين معلوف في إطار هذا وذاك أن يسمح لنفسه بالتسلل إلى ذلك العالم المتخيل، ممارسا سلطته العليا كخالق لهذا الكيان المتخيل، طارحا أفكاره ورؤاه من خلال شخوصه، لاسيما شخصيته المحور عمر الخيام وعشيقته جيهان والقاضي أبا طاهر وذلك المتكلم الذي يتماهى معه إلى حد التوحد ليصبحا روحين في جسد واحد نصفه ورقي والنصف الآخر من ذات وموضوع. هذا القناع الشفاف (الناظم - المتكلم) الذي يختبىء خلفه الكاتب سيرا وراء أعراف وأصداء الكتابة الروائية المرجعية: (فهل كان ذاهبا إلى الحانة في ذلك المساء أم أن صفة التسكع هي التي حملته؟ إنها اللذة الندية بذرع مدينة مجهولة والعينان مفتوحتان على ألف لمسة من لمسات النهار الصارم. / ص13 الرواية) نعم لعل ذلك الصبي الصغير الذي يجري بقديمه الحافيتين فوق بلاطات شارع - حقل الرواند - وهو يضم إلى عنقه تفاحة قام بسرقتها من أحدى البسطات المخصصة لعروض الخضار والفواكه، حيث تجري في سوق البزازين لعبة نرد حامية الوطيس. وفي ممر الحبالين المقنطر توقف بغال وأحصنة قرب بركة وجعل الماء ينساب في جوف راحتيه المضمومتين: (و في ساحة تجار الزبل اقتربت من الخيام امرأة حامل. وإذ كانت قد رفعت نقابها فقد بدا إنها تكاد ان تكون في الخامسة عشر من العمر.. ومن غير أن تنبس بكلمة ولا أن ترتسم ابتسامة على شفتيها البريئتين اختلست من يديه بضع حبات من اللوز المحمص الذي كان قد اشتراه لتوه. ولم يدهش المتنزه، فهناك اعتقاد قديم في سمرقند: حين تصادف المرأة التي ستغدو أما إنسانا غريبا يروقها شكلة فإنه ينبغي عليها أن تتجرأ على مشاطرته طعامه. / ص14 الرواية) كما أن الروائي ذهب إلى أبعد حد في هذه الخروجات، عندما راح يتتبع أواصر شخوصه عبر علاقات نسبية في مساحات المشاهد السردية، مما خلق نوعا من التداخل بين الحكايات، أي ذلك النوع من الحكايا الفرعية التي حلت في حدود هامشية طورا غير إنها في الوقت نفسه راحت تصاغ في حالات ترهين تبئيري من خلال أفعال الشخصية المحورية طورا آخر.

- البينات المشكلة في تموقعات الأفعال

لعل البينات المشكلة في مقاصد تموقعات الأحداث الفعلية تواكب ما يسمى بالوصف الانتشاري، ذلك النوع من الوصف الذي يسمخ للشخصية بأن يؤسس لذاته محورا ودورا مهيمنا، إذ يخضع لمشيئته محور السرد، أي إنه ذلك الوصف الذي تتوارد فيه الأفعال تفصيلا منفلتا من اسبقية الدلالة القائمة ما بين التبئير والسرد: (تباطأ عمر وأخذ يمضغ اللوزات المتبقيات بفخار ناظرا إلى المرأة المجهولة وهي تبتعد. وترامي إليه صخب حفزه على الإسراع فإنه لم يلبث أن ألقى نفسه وسط جمهور هائج وعجوز طويل الأطراف هزيلها ملقى على الأرض. / ص14 الرواية) أن الوصف المسرود الذي نجده في هذه الوحدات، يراكب حالات الأشياء والأحداث الفعلية، ويرتبها وفق توارد تدرجي، يتأطر ضمن نظام محكم الدقة، إذ نكون إزاء مشاهد متراصفة بتماسك يجعلها تولد بشكل علاني كاشفة عن وقائع مذوبة لنص ظاهري. أيضا يصادفنا في هذا النموذج عددا كبيرا من بينات الأفعال المشكلة للمحفزات الأساسية بفقرات ووحدات السرد، وأولها المحفز الحكائي: (المرأة المجهولة ؟) ومن الواضح أن لهذه الحايثة الفعلية قدرا خاصا من الإمكان المتصل وهوية الأفعال القادمة: (لم يتمالك عمر وهو يرقب المشهد من التفكير: إذا أنا لم أحاذر صرت يوما خرقة كهذة. / ص15 الرواية) وتلعب الأشياء الأحداثية الفعلية وظائف أخرى، إذ تتحول أحيانا إلى معالجات تعويضية عن خروجات أشياء حقيقية، خصوصا بالنسبة إلى شخصية عمر الخيام في ثنايا النص، فهي وظيفة توجهها طموحات خاصة في مسار نمو أفعال الأحداث: (أستوى القائد قافزا وتقدم من الخيام مسددا اصبعه إلى لحيته وقال: أنت يا من يبدو أنك تعرفه جيدا، ترى من تكون ؟ إنك لست من سمر قند أولم يسبق لأحد أن رآك في هذه المدينة. / ص16 الرواية).

- صوت السارد عن منظور المبئر

و من خلال بعض الأفعال المشهدية تنتقل صيغة الخطاب من حاضر المبأر إلى (الراوي - الناظم الخارجي) من منظور العصابة التي أحاطت وجود عمر الخيام، فيما أزاح عمر يد مخاطبه بتعال، ولكن من غير خشونة وتردد الخيام في الكشف عن نفسه، وأخذ يبحث عن خدعة، ورفع عينيه إلى السماء حيث كانت غيمة رقيقة قد حجبت الهلال. فيتجسد في هذا المحكي العلاقة بين صوت السارد عن منظور المبئر، كذلك فالعلاقة بين المبئر والمبأر في بعض حالات الوحدات السردية لا تقف عند حدود المشهد الخارجي بل يركز المبئر في تبئيره على دواخل المبأر فيقدمه لنا من الداخل الموقعي.

1- عمر الخيام وموصوف الرجل الكيميائي:

تؤشر الانساق السردية على وجود ذلك النوع من الدلالات التشاكلية والمتوازية بلوغا نحو مجموع العناصر التخييلية التي تستلهم جمالية الحكي محتملا محققا، لذا فمساحة الأفق الاشتغالي تحقق نمو الحوافز السردية على هيئة حياة الشخوص وأفعالها وطباعها النسقية. لذا نقول كيف يتشيد المحكي في متن رواية (سمر قند) حيث تتمظهر دلالات الروائي والمرجعي في حدود اشتغاله الى حيث توصلنا تجليات الخطاب في محكي تبئيري وسردي يمتاح في أفق جمالية فردية. يتبين أن الروائي والتاريخي في علاقة تخييلية مقصودة الارتباط والترابط والمعالجة، لذا فالتجسد لهما يتنقل في أعلى درجات التركيز والكثافة السردية المتلاحمة شكلا ودليلا. وعلى هذا النحو يتبين أن آليات الحكي في وحدات رواية (سمر قند) تزيح المرجعي في حدود علاقة معالجة لمفهوم التخييل دون المساس المباشر بشواهدية العنصر والمراد الميثولوجي، لذا فإننا نرى أن السرد في المتن الروائي يحيل على أزمنة وأمكنة تاريخية، ولكن أسلوب التخييل تخضع له العديد من التحولات والإشارات في المادة المرجعية. عموما يشكل المسار النوعي في رواية (سمر قند) ذلك التماثل والتلاحق بين مصدرية التواريخ ومعالجة التجربة الروائية في تمفصلات متشاركة بين سلطة المرجع النصي ومشروعية استبدالات الضرورة التخييلية. قلنا سلفا بأن شخصية عمر الخيام أصبحت أسيرة الرجال المسلحين بتهمة كونه الرجل الكيميائي الكافر: (لأن يكون المرء فيلسوفا فليس جريمة في نظر السلطات وأما تعاطي الكيميائي فجزاؤه الموت. / ص19 الرواية) بينما كان جابر الطويل الذي نسيه الجميع يزحف نحو أقرب حانة ويندس فيها، تمكن عمر الخيام من النهوض بلا مساعدة من أحد، ومشى مستقيما نحو مكان رئيس القضاة أبا طاهر: (إذ كان القاضي جالسا في طرف الحجرة الأخرة فإنه لم يلحظه، واستمر في تسوية إحدى القضايا مناقشا المتخاصمين. / ص21 الرواية) من هنا نعاين بأن السرد بدأ يطرح خطابه وفق آلية امتثالية معينة، لذا جعلت القابلية المكوناتية من التمثيل المتني كنقطة بداية راصدة في مجمل مجريات الأحداث، وصولا إلى انحدار الأحداث نحو نقطة الأنفراج: (و إذ صرف أبا طاهر كل أولئك الناس فقد أشار إلى رجال الميليشيا بالاقتراب.. وأبلغ هؤلاء تقريرهم وأجابوا عن بعض الأسئلة وجهدوا في شرح الأسباب التي دفعتهم إلى السماح بمثل هذا التجمهر في الشوارع. / ص22 الرواية) عندما وجد رئيس القضاة نفسه وجها لوجه مع عمر الخيام راح مهلهلا ومستبشرا: (إنه لشرف أن أستقبل في هذا المكان عمر الخيام النيسابوري الشهير. / ص22 الرواية) لم يكن القاضي متهكما أو ساخرا بل كان متحمسا، فما كانت هناك أدنى ظاهرة مبطنة بالسخط على عمر الخيام، إنما زاد في غموض الاستقبال أن عمر كان واقفا منذ ساعة ممزق الثياب وعرضه لجميع الأنظار. وقد أضاف أبا طاهر بعد لحظات: (لست نكرة في سمر قند يا عمر، فعلى الرغم من صغر سنك فإن علمك قد غدا مضرب الأمثال، ومآثرك تتناقل في المدارس. / ص23 الرواية).

- تعليق القراءة:

إن العوامل المتحكمة في وفرة وثراء رواية (سمر قند) لا تنفرد بها الفصول الأولى من مبحثنا الأولي هذا، بل إن ملامسة سياق الإنتاج في مسار معنى التحولات الكلية النوعية في مشروع النص الروائي إجمالا، توفر لنا الحصيلة القصوى من مقصديات العمل الروائي كصورة مغايرة تقع في مواجهات عنيفة بين عمر الخيام وعشيقته جيهان أو في مستوى التحولات الشخوصية في فواعل الأفعال السردية ذات التمظهرات الارتكازية في صوغ وصياغة المعنى الروائي المراد إنتاجا لأم عينات ومشخصات حيواة الحكي في رواية موضع بحثنا الأولي.. أن أمين معلوف يقدم لنا روايته من خلال تعدد استجلاء منظورات الأسباب المغايرة، بلوغا نحو تكوين حال لسان ذلك المؤلف الضمني نموذجا في روي ومروى المسرود ساردا. وكلما تعمقنا في مدار أحداث الرواية عبر مجال إجرائية مباحثنا اللاحقة سوف نبلغ مرحلية ترتيب المادة الروائية على النحو الذي يمنحها تجليا خطابيا بمقاصد معالجة سايكلوجية المنظور المرجعي - السياقي - في حدود مؤلفة من الخطاب المعروض والمسرود الافعالي الذاتي بلوغا مؤطرا نحو تواتر بناء الخطاب الروائي بمرسلات مزاوجة بين السرد والوصف والمشهد العلائقي المتواصل بين صيغ علاقات وعلامات العرض وتأطيرات الراوي عبر خطابه المسرود اليه ساردا.

***

حيدر عبد الرضا

ليست الدلالة في التراث العربي مجرّد علاقةٍ ميكانيكية بين لفظٍ ومعنى، بل هي شبكةٌ معقّدة من الإحالات، يتواشج فيها الحسّ بالعقل، واللغة بالوجود، والإشارة بالمعرفة. ومن هنا، فإنّ تعريفها كما صاغه الشريف الجرجاني - أحد كبار علماء الإسلام في القرن الثامن الهجري، واسمه الكامل: علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني، ويُكنّى بـ"السيد الشريف"، نسبةً إلى انتسابه لآل البيت.- بأنّها "كون الشيء بحاله يلزم مع العلم به العلم بشيء آخر"—لا يُفهم بوصفه تحديدًا اصطلاحيًا فحسب، بل بوصفه كشفًا عن طبيعة الفكر الإنساني ذاته، الذي لا يُدرك الأشياء إلا عبر وسائط، ولا يبلغ المعنى إلا عبر دوالّ تتجاوزه.

إنّ هذا التعريف يُحيلنا إلى بنيةٍ ثلاثية: دالٌّ، ومدلول، وعقلٌ يربط بينهما. فلا معنى دون دالّ، ولا دالّ دون إدراكٍ يُفعّله، ومن هنا كانت الدلالة فعلًا ذهنيًا قبل أن تكون علاقةً لغوية. ولعلّ هذا ما أدركه الأصوليون حين وسّعوا مفهوم الدلالة، فلم يحصروه في الألفاظ، بل جعلوا للكون كلّه قابليةً دلالية، حيث يصبح الصامت ناطقًا من جهة الإشارة، والعجماء مُعرِبةً من جهة البرهان.

فالخطّ، في هذا السياق، ليس مجرد رسمٍ يُحاكي الصوت، بل هو انتقالٌ من الحضور إلى الغياب، ومن اللفظ إلى الرمز، ومن الزمان إلى الامتداد. إنّه الذاكرة التي تحفظ اللغة من الفناء، والوسيط الذي يُحوّل الكلام إلى أثرٍ قابلٍ للتأمّل. ولذلك قيل: إنّ القلم أحد اللسانين، لأنّه لا يقلّ عن الصوت قدرةً على إنتاج المعنى، بل لعلّه أقدر، من حيث إنّه يُبقي الدلالة حيّةً خارج حدود اللحظة.

وإذا كانت الدلالة اللفظية تقوم على العلاقة بين الصوت والمعنى، فإنّ الدلالة غير اللفظية تكشف عن أفقٍ أوسع، حيث تُصبح الإشارة، والحركة، والنَّصبة، بل والوجود كلّه، نظامًا دلاليًا مفتوحًا. فالعالم، في التصوّر العربي، ليس صامتًا، بل هو كتابٌ مُشفَّر، تتوزّع معانيه في الموجودات، وتنتظر من يقرأها بعين البصيرة.

غير أنّ هذه الدلالة لا تُفهم إلا عبر الوعي بأنّ الألفاظ ليست مرآةً للأشياء، بل رموزٌ تُحرّك صورًا ذهنية كامنة. فعندما نقول "نهر"، لا نستحضر مجرّد صوتٍ أو حروف، بل نستدعي شبكةً من التجارب الحسيّة والخيالات المتراكمة. ومن هنا، فإنّ المعنى ليس شيئًا ثابتًا في اللفظ، بل هو حدثٌ يتكوّن في الذهن، نتيجة تفاعلٍ معقّد بين الذاكرة، والسياق، والتجربة.

وهذا ما يفسّر دقّة التقسيمات التي وضعها الأصوليون لدلالات الألفاظ. فدلالة المطابقة تعبّر عن اكتمال العلاقة بين الدالّ والمدلول، حيث يتطابق اللفظ مع معناه تطابقًا تامًا. أمّا دلالة التضمّن، فتُشير إلى انقسام المعنى إلى أجزائه، بحيث يُحيل اللفظ على بعض ما وُضع له. في حين تفتح دلالة الالتزام أفقًا أبعد، إذ ينزاح الذهن من المعنى المباشر إلى ما يلزمه من معانٍ أخرى، فيتحوّل الفهم إلى حركةٍ تأويلية لا تتوقّف عند حدود الظاهر.

وهكذا، لا تعود الدلالة مجرّد نقلٍ للمعنى، بل تصبح إنتاجًا له، عبر سلسلةٍ من الانتقالات الذهنية التي يُنشئها العقل في تفاعله مع اللغة. ومن هنا، فإنّ تسمية بعض هذه الدلالات بـ"العقلية" ليست اعتباطًا، بل تعبيرٌ عن وعيٍ عميق بأنّ المعنى لا يُستمدّ من اللفظ وحده، بل من حكم العقل الذي يربط بين الأشياء في شبكةٍ من اللزوم والتضمّن.

غير أنّ السؤال الأعمق الذي شغل الفكر العربي لم يكن في كيفية الدلالة فحسب، بل في أصلها: أهي توقيفٌ إلهي أم اصطلاحٌ بشري؟ وقد انقسمت الآراء بين من رأى في اللغة وحيًا مُنزّلًا، ومن جعلها نتاجًا للتواضع الاجتماعي، ومن حاول التوفيق بين الموقفين. غير أنّ القيمة الحقيقية لهذه الجدالات لا تكمن في ترجيح رأيٍ على آخر، بل في كونها كشفت عن وعيٍ مبكّر بأنّ اللغة ظاهرةٌ مركّبة، لا يمكن ردّها إلى أصلٍ واحد.

ولعلّ موقف ابن جني يُمثّل ذروة هذا الوعي، إذ لم يقف عند حدّ الاصطلاح، بل حاول أن يردّ بعض الظواهر اللغوية إلى مبدأ المحاكاة، حيث تتقارب الأصوات مع معانيها في بعض الحالات. غير أنّه، في الوقت ذاته، لم يُسقط عن اللغة طابعها الاعتباطي، بل أدرك أنّ هذه المحاكاة جزئية، وأنّ الأصل في العلامة اللغوية هو الانفصال بين الدالّ والمدلول.

وهنا، يلتقي التراث العربي مع اللسانيات الحديثة، التي أكّدت أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست طبيعية، بل وضعية، تقوم على العرف والاتفاق. غير أنّ العرب سبقوا إلى هذا الإدراك، حين بيّنوا أنّه لو تغيّرت الألفاظ وبقيت المعاني، لما اختلّ الفهم، لأنّ الرابط بينهما ليس ذاتيًا، بل اعتباريّ.

إنّ الدلالة، في هذا الأفق، ليست خاصيّةً للغة وحدها، بل هي خاصيّة للوجود كلّه. فالعالم، بما فيه من أصواتٍ وصورٍ وحركات، هو شبكةٌ من العلامات، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على فكّ شفراتها، وتحويلها إلى معانٍ. ومن هنا، فإنّ دراسة الدلالة ليست بحثًا في اللغة فحسب، بل هي بحثٌ في الإنسان، في وعيه، وفي طريقته في بناء العالم.

وهكذا، يتجلّى التفكير الدلالي العربي بوصفه مشروعًا معرفيًا عميقًا، يتجاوز حدود اللغة إلى آفاق الفلسفة والوجود. إنّه دعوةٌ إلى إعادة النظر في المعنى، لا بوصفه معطًى جاهزًا، بل بوصفه عمليةً مستمرّة من التأويل، تتجدّد بتجدّد التجربة الإنسانية، وتبقى مفتوحةً على إمكانياتٍ لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في قصيدته العميقة "طفولة في حضرة الله" يقدّم الشاعر طارق الحلفي نصًا شعريًا ينهض على حافة الألم الإنساني، حيث لا يكون الشعر مجرد تعبير وجداني أو غنائية ذاتية، بل يتحول إلى ضميرٍ يقظٍ يفتّش في العتمة عن الحقيقة. إننا أمام قصيدة تُحاور مأساة اجتماعية بجرأة أخلاقية وجمالية في آنٍ معًا؛ قصيدة تستدعي البراءة الجريحة من هوامش الصمت لتضعها في قلب السؤال الإنساني الكبير: كيف يمكن للعالم أن يواصل ادعاء الطهر فيما تُغتال طفولته بصمت؟

منذ العتبة الأولى للنص يختار الشاعر صورة افتتاحية مكثفة، تحمل في طياتها انكسار الوجود كله:

"تلمُّ طفولةً سوداء فوق سرير غربتها"

هذه الصورة ليست وصفًا لحالة عابرة، بل تأسيسٌ لفضاء رمزي كامل. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية فحسب، بل كينونة إنسانية خالصة، بينما يتحول “السواد” إلى استعارة للوجع التاريخي المتراكم. أما "السرير"، وهو في الوعي الجمعي رمز الطمأنينة والحماية، فينقلب في القصيدة إلى مسرحٍ للغربة والانكسار.

وفي هذا التحول الرمزي ينجح الشاعر في خلق مفارقة أخلاقية صادمة:

 حين يغدو موضع الرعاية فضاءً للانتهاك، فإن العالم يكون قد اختلّ في جذره العميق.

تمضي القصيدة بعد ذلك في نسج شبكة كثيفة من الصور الاستعارية التي تتعالق فيما بينها لتصنع مناخًا شعوريًا خانقًا، كأن اللغة نفسها تُحاصر الألم. ففي قوله:

"وشالاتٍ من الحزن تعتق فيه محنتها"

يتحوّل الحزن إلى نسيجٍ يلتف حول الجسد، بينما تتكاثف الدلالة في عبارة:

"فيا صمتًا يفزز صمت دمعتها"

حيث يصبح الصمت نفسه كائنًا مضاعفًا، يتكاثر كأصداءٍ في فراغ الروح.

 هنا لا يكتفي الشاعر بوصف البكاء، بل يجعل الدموع حالة كونية من الانقطاع بين الصوت والمعنى، بين الصرخة وإمكانية سماعها.

إنها بلاغة التراكم الشعوري، حيث تتوالد الصورة من أختها، حتى يبلغ النص درجة من الاختناق العاطفي تشبه حالة الضحية ذاتها.

غير أنّ قوة القصيدة لا تكمن في وصف الألم وحده، بل في كشف الآليات الاجتماعية التي تصنعه. ففي المقطع المفصلي الذي يقول فيه الشاعر:

"رذاذًا من غبار الفقه لفوه بشهوتهم

ورشوه على تيجان ميسمها

وقالوا إنه الشرع"

يبلغ النص ذروة التوتر الأخلاقي. هنا تتجلى واحدة من أكثر صور القصيدة قسوةً وجرأة؛ إذ يتحول الخطاب الديني، في يد المتلاعبين به، إلى قناعٍ يُخفى خلفه الاستغلال.

 ليست المسألة نقدًا للدين، بل فضحٌ للكيفية التي يُستعمل بها الدين حين ينفصل عن جوهره الأخلاقي.

 ومن هنا يكتسب النص بعدًا فكريًا يتجاوز الحكاية الفردية ليغدو نقدًا لبنية ثقافية تسمح بانتهاك البراءة تحت غطاء التأويل.

ولتعميق هذا البعد الرمزي يستدعي الشاعر حيواناتٍ دلالية ذات حضورٍ ثقافي كثيف، أبرزها الذئب والغراب. ففي قوله:

"لتُخفي من كساء الدين ذئبًا في عباءتها"

تتجسد صورة الذئب بوصفها استعارة مكثفة للنفاق الأخلاقي؛ فالذئب هنا ليس مجرد كائن مفترس، بل رمزٌ لمن يتخفّى خلف لباس القداسة ليضفي على شهوته مشروعية زائفة.

 إنها صورة قاسية، لكنها من تلك الصور التي تظل عالقة في ذاكرة القارئ، لأنها تكشف ما تحاول اللغة الاجتماعية إخفاءه.

أما الغراب، الذي يظهر في قوله:

"غرابٌ من رماد الموت رفرف فوق شرفتها"

فيحمل دلالة النذير المظلم في الاعتقاد الإنساني. لكنه في هذه القصيدة لا يرمز إلى موتٍ فجائي، بل إلى موتٍ بطيءٍ للبراءة. إن رفرفة الغراب فوق الشرفة ليست سوى ظلٍّ طويلٍ للكارثة الأخلاقية التي تحاصر الطفولة.

 وهكذا تتحول الطبيعة نفسها إلى مرآةٍ للخراب الروحي الذي يصيب العالم حين تتعرض البراءة للانتهاك.

على المستوى الأسلوبي تنتمي القصيدة بوضوح إلى فضاء الشعر الحداثي، حيث تتدفق الجملة الشعرية بلا قيود عروضية صارمة، لتخلق إيقاعًا داخليًا ينبع من توتر المعنى لا من انتظام الوزن وحده. إن هذا التدفق يشبه تيار وعيٍ شعريٍّ يلاحق الفكرة وهي تتشكل في قلب العاطفة.

في مقطع مثل:

"فيكسر روحها البلور أشلاءً

وأوجاعًا من القهر تبعثرها"

نلمس كيف تتشظى اللغة نفسها لتوازي تشظي الروح. فالجملة تتكسر كما تتكسر البراءة، وكأن البناء الأسلوبي يعيد تمثيل الانهيار الداخلي الذي تعيشه الشخصية الشعرية.

وإذا ما انتقلنا إلى القراءة الرمزية الأعمق، فإن الطفلة في القصيدة ليست شخصية فردية فحسب، بل صورة مكثفة للبراءة الإنسانية حين تقع تحت سلطة التأويل الخاطئ. إنها تمثيل لكل طفولة تُسلب حقها في النمو الطبيعي. ولهذا يكتسب السؤال الذي يطرحه الشاعر في خاتمة النص بعدًا وجوديًا بالغ العمق:

"أربٌّ سوف يحكمها

ولم تضلل ضلالًا هل يسامحها؟"

إنه سؤال يتجاوز الحكاية ليصل إلى تخوم الفلسفة الأخلاقية:

كيف تُحاسَب البراءة على جريمة لم ترتكبها؟ ومن الذي يحمل وزر هذا الخراب في ميزان العدالة الكونية؟

عند تأمل البنية الجمالية للقصيدة يمكن أن نلمح صدى تجارب شعرية كبرى في الشعر الحديث. فالتكثيف الرمزي والانحياز للإنسان الجريح يذكّران بتجربة محمود درويش الذي حوّل الألم الفردي إلى رمز إنساني شامل.

 كما أن جرأة النقد الاجتماعي في النص تستدعي روح التمرد الشعري التي نجدها عند سعدي يوسف في تفكيك البنى الثقافية الصلبة.

 أما من حيث الرؤية الكونية التي تمزج الشعر بالتأمل الحضاري في مصير الإنسان، فيمكن أن نجد أصداء بعيدة لتجارب شعراء عالميين مثل بابلو نيرودا   واليوت، حيث يتحول النص الشعري إلى مرآة لقلق العصر بأسره.

غير أن قصيدة طارق الحلفي تحتفظ مع ذلك بفرادتها الخاصة. فهي لا تستعير صوتًا جاهزًا، بل تنبع من جرحٍ واقعي شديد الخصوصية.

ولهذا تبدو اللغة فيها كأنها تمشي على حافة النار؛ لغة مشحونة بالاستعارة، لكنها في الوقت نفسه شفافة بما يكفي لتكشف الحقيقة دون مواربة.

إن الرسالة العميقة التي يحملها النص ليست شعارًا مباشرًا، بل ومضة أخلاقية تتسلل عبر نسيج الصور:

حين يصمت المجتمع أمام انتهاك البراءة، يصبح الصمت نفسه شريكًا في الجريمة.

 ومن هنا يغدو الشعر ضرورة وجودية، لا ترفًا ثقافيًا؛ لأنه الوسيلة القادرة على إعادة إيقاظ الحس الإنساني في زمن تتكاثر فيه الأقنعة.

لهذا يمكن القول إن "طفولة في حضرة الله" ليست مجرد قصيدة، بل وثيقة وجدانية تقف عند تخوم الشعر والفكر معًا. إنها نص يعيد إلى اللغة قدرتها على الاحتجاج، ويعيد إلى الشعر وظيفته القديمة بوصفه ضميرًا حيًا للعالم.

ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات العالية وتندر الحقيقة، يظل الشعر ـ حين يُكتب بهذا العمق ـ أحد آخر الأماكن التي يمكن للبراءة أن ترفع فيها صوتها.

وهكذا يخرج القارئ من هذه القصيدة وهو يشعر أن الطفولة التي تحدّث عنها الشاعر ليست طفولة بعيدة في نصٍ شعري، بل هي جزء من إنسانيتنا المهددة نفسها.

 ولعل أعظم ما يحققه النص أنه يذكّرنا بأن الدفاع عن البراءة ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل فعلٌ ثقافي وأخلاقي يعيد إلى الإنسان صورته الأولى:

كائنًا خُلق ليحرس النور لا ليطفئه.

***

سعاد الراعي

........................

طفولة في حضرة الله

بقلم: طارق الحلفي

تَلِمُّ طفولةً سوداء

فوقَ سريرِ غربتِها

وشالاتٍ من الحزنِ

تعتقُ فيه مِحنتَها

فيا صَمتا

يفَزِزُ صَمتَ دَمعتها

ويا صَوتا

يُؤرق نومَ لُعبتِها

فلا ضَوءٌ يبللها

ولا تَغريدَ أصحابٍ يُعابثها

تبيحُ لنفسِها عُذرا

وعذرا يُزني غَصّتها

فيجهِضها زِحامُ العَزلِ

شوكا فوق شَرشفِها

فيكسرُ روحَها البلورِ أشلاءً

واوجاعا من القهرِ تبعثرُها

ليبني من براءتها

زنازينا لهودَجِها

رذاذا من غُبار الفُقهِ

لفوهُ بشهوتهم

ورشوه على تيجان ميسمها

وقالوا انه الشرع

وأعشابا

سَنَكسو ارضَ ملعبِها

ونطلقُ من حَدائِقِها

عصافيرا خُرافيّة

تلونُ ليلَ ضَحكتِها

فَغَصبا إن دنى وَجَعٌ

وشَرعاً بَيْعُ عُذرَتَها

فلا الهَدِيُّ الذي تَهدى

ولا من يُهدي لوعتَها

لتُحكَمُ بالرَّتاجِ الألف

ابوابا لصَرختِها

غُرابٌ من رمادِ الموتِ

رفرَفَ فوق شرفتِها

فتنتعل المروءةِ خفها عهرا

بدعوى انها مُتَعٌ تواسيها

بهمس ناعم تدمي مباهِجِها

وعصفا من ملاعبِها تجردها

لِتُخفي مِن كِساءِ الدينِ ذئبا في عباءتها

تُحيِّرُها متاهتها

فمن ذا يا ترى يشقى لمحنتها

أربٌّ سوف يحكمها

ولم تضلل ضلالا هل يسامحها؟

إذا ما اورقت يوما بلوعتها

كظل بين حضرته وسنبلها

واثارٌ من الرعب ومَظـلَمَةٌ على يدها

أتدعوهُ

أتدعو ربَّها المَخبوءَ

في عينِ الذي صَلى بنرجِسِها

ليحملَ عن طفولتها

سرابا عاثَ في مجرى انوثتها

وانفاسا مسوَّمة بخيطٍ من جنازتها

واعواما من الاشجانِ تِنفخُ في قيامتِها

 

مقاربة بنيوية، سيميائية، نفسية في قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي

مقدّمة منهجية: تنطلق هذه القراءة من فرضية أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي لا تُقارب بوصفها نصًا مناسباتيًا بالمعنى الضيق، بل بوصفها نظامًا دلاليًا مركّبًا تُعاد داخله صياغة القيم السياسية والأخلاقية والجمعية عبر بنية شعرية كثيفة تقوم على الاستعارة والرمزية - بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، وتكثيف العلامة وبناء ذات جمعية تتقدّم على الذات الفردية.

وتعتمد الدراسة مقاربة مركّبة تجمع بين المنظور البنيوي والسيميائي والنفسي:

- بنيويًا: تُقرأ القصيدة شبكةً من العلاقات الداخلية المتفاعلة، لا مجرد أبيات متجاورة.

- سيميائيًا: تُفهم الصور والرموز بوصفها علامات تحمل دلالات متراكبة تتجاوز ظاهرها المباشر.

- نفسيًا: يُنظر إلى حضور الجماعة وغياب الأنا الفردية على أنه تعبير عن بنية نفسية–جمعية في سياق تاريخي مثقل بالقمع والانكسارات.

تُحلَّل القصيدة في ضوء هذه المقاربة عبر مستويات ثلاثة متداخلة: العتبات النصية، والبنية الاستعارية–الرمزية بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، ثم بناء النموذج الإنساني في تفاعله مع الزمن والتاريخ والجسد.

إحتفاء

" الى الأمرين بالعدالة والناهين عن

الإستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وأخوة سلام عادل وحسن سريع .."

بسطاء كثيابِ أبي ذرّ الغفاري ..

خِفافٌ كحصان عروةَ بن الورد ..

يكرهون الإستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حبَّ العشبِ للربيع ..

سيماؤهم في أيديهم من أثر البياض ..

وحيثما ساروا :

تنهض المحبةُ من سُباتِها !

عِطرُهم عَرقُ الجباه ...

ومثل تنّورٍ

يمنحُ خبزهُ للجائع مُكتفياً برماده

يقولون من تلقاءِ أنفسِهم : خذوا

ولا ثمة في قاموسِهم كلمة " أعطِني "

لهم من المطرقةِ :  الصّلابة ..

ومن المنجلِ: حِدَّته ..

ومن الحمامةِ هديلُ الدولاب  !

منذ  إحدى وتسعين  دورة شمس

وهم يُعبِّدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينةِ الإنسان !

مُيَمِّمين قلوبهم: نحو اللهِ ..

وعيونهم: نحو الوطن الحرِّ والشعب السعيد ..

منذ إحدى وتسعين  دورةِ شمس

وهم كالأنهار :

لا يلتفتون الى الوراء حين يسيرون !

وكالجبال:

لا  يُزحزحهم عن النورِ  ظلامُ الطواغيتِ

وسياطُ الجلادين !

***

أولًا: العتبات النصيّة وبناء أفق التلقّي

1. العنوان: "احتفاء" بوصفه نواة دلالية

يأتي العنوان بصيغة المصدر النَّكرة "احتفاء"، وهو اختيار دقيق يفتح النص على أفق تأويلي مفتوح. فالمصدر هنا لا يحيل إلى فعل منجز أو ظرف زماني محدَّد، بل إلى حالة مستمرة ومنفتحة؛ ما يجعل الاحتفاء بنيةً معنوية دائمة، لا طقسًا عابرًا.

سيميائيًا، يعمل العنوان بوصفه علامةً كلية تُكثِّف البنية العميقة للنص، وتؤجِّل في الوقت ذاته تحديد موضوع هذا الاحتفاء، بحيث لا يتبلور موضوعه (بمن يُحتفى؟ ولماذا؟ وكيف؟) إلا عبر تراكب الصور والاستعارات في المتن الشعري.

2. الإهداء: من التسمية إلى التأسيس الرمزي

"إلى الآمرين بالعدالة والناهين عن الاستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وإخوة سلام عادل وحسن سريع..."

لا ينهض الإهداء هنا بوظيفة شكلية أو توثيقية فحسب، بل يتخذ موقع العتبة النصية المؤسِّسة. فهو يحدّد منذ البداية الحقل القيمي الذي تتحرّك فيه القصيدة: ثنائية العدالة/الاستغلال. كما أن استحضار أسماء مثل فهد، سلام عادل، حسن سريع، يحوِّل هذه الشخصيات من مجرد إحالات تاريخية إلى علامات سيميائية مكثّفة تختزن ذاكرة نضالية وطبقية ووطنية.

بهذا المعنى، يصبح الإهداء آلية لربط الحاضر بالماضي، وإدراج النص ضمن أفق نضالي ممتد. نفسيًا، يؤسس الإهداء لهيمنة الذات الجمعية (أحفاد، إخوة) على حساب الذات الفردية، في انسجام مع البنية النفسية العامة للقصيدة التي تنشغل ببناء نموذج جمعي للمناضل.

ثانيًا: بناء الصورة الأخلاقية–الوجودية للمناضل

1. بساطة الزاهد وحركة الفارس

"بسطاء كثياب أبي ذر الغفاري

خفاف كحصان عروة بن الورد"

يبدأ الشاعر بتشييد صورة المناضل عبر تشبيهين مرجعيَّين كثيفَي الحمولة الأخلاقية والتاريخية. فالبساطة التي تُنسب إلى "ثياب أبي ذر الغفاري" تستدعي فورًا قيم الزهد، والصدق، والانحياز للفقراء. تتحوّل الثياب من عنصر مادي إلى علامة أخلاقية، فيغدو المظهر مرآةً لجوهر قوامه النزاهة والعدل.

وفي المقابل، يضفي تشبيههم ب"حصان عروة بن الورد" صفة الخفة والحركة والجاهزية الدائمة للفعل. هنا يتكامل البُعدان: الزهد/القيم من جهة، والحركة/الفعل من جهة أخرى، ما يرسّخ نموذجًا إنسانيًا لا ينغلق في مثالية سكونية، بل يبقى في حالة استعداد دائم للممارسة والتغيير.

2. الطبيعة بوصفها حقلًا للصراع القيمي

"يكرهون الاستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حب العشب للربيع"

تنقل القصيدة هنا القيم من حقل التجريد السياسي إلى حقل الطبيعة. فالعلاقة بين الشجرة والفأس ليست مجرد تقابل بين طرفَين، بل هي علاقة حياة/فناء. الكراهية لا تظهر موقفًا فكريًا تجاه "الاستغلال" بوصفه مفهومًا، بل غريزةَ دفاع عن الوجود نفسه، كما تدافع الشجرة عن ذاتها أمام الفأس.

وفي المقابل، يُطرَح حبّ العدالة على هيئة حبّ العشب للربيع؛ أي أن العدالة تتحول إلى شرط نموّ وازدهار. بهذا الانزياح الدلالي، يغدو الاستغلال تهديدًا للحياة ذاتها، وتتحول العدالة إلى ضرورة كينونية، فتخرج من ضيق القانون والسياسة إلى رحابة الوجود والكون.

ثالثًا: الجسد بوصفه نصًّا دلاليًا

1. اليد بدل الوجه: إعادة توزيع النقاء

"سيماهم في أيديهم من أثر البياض

وحيثما ساروا تنهض المحبة من سباتها"

يقوم الشاعر هنا بتناصٍّ واضح مع التصوير القرآني "سيماهم في وجوههم"، لكنه يعيد صياغته عبر انزياح دلالي لافت، ينقل علامة النقاء من موضع المظهر (الوجه) إلى موضع الفعل (اليد). سيميائيًا، تتحول اليد إلى موضع تُقرأ من خلاله الأخلاق؛ فالبياض هنا نتيجة عمل وكفاح، لا سمة شكلية أو مظهرية.

أما "نهضة المحبة من سباتها" حيثما ساروا، فتعطي للمناضلين طابعًا إحيائيًا: مجرد حضورهم في المجتمع يوقظ القيم المخدَّرة، ويعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها. نفسيًا، تكشف هذه الصورة حاجة الجماعة إلى نموذج يُنعش إيمانها بإمكان التغيير ويُرمِّم الثقة بالقيم.

2. قلب المعايير الجمالية

"عطرهم عرق الجباه"

في هذا البيت، تنقلب معايير الجمال السائدة؛ إذ يتحول العرق – الذي يُقرَن عادةً بالتعب والمشقّة – إلى عطر. الجمال هنا ليس نتاج الزينة والترف، بل ثمرة العمل المنتج، والكدح من أجل الآخرين. هذه الاستعارة تعيد تعريف الجمال بوصفه قيمةً أخلاقية مرتبطة بالعطاء، لا زينة حسّية منعزلة عن الفعل.

رابعًا: الاستعارة المركزية للعطاء والفداء

"ومثل تنورٍ

يمنح خبزه للجائع مكتفيًا برماده

يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا

ولا ثمة في قاموسهم كلمة أعطني"

تبلغ البنية الاستعارية في هذه الأبيات ذروتها. فالتنور هنا ليس أداة طبخ فقط، بل ذات تحترق لتمنح الآخرين خبزهم، وتكتفي بفضلة الاحتراق: الرماد. تتحول الاستعارة إلى فلسفة عميقة للعطاء: الفناء الذاتي شرط لإنقاذ الآخرين وإطعامهم.

ويوازي ذلك البعد اللغوي–الأخلاقي في "يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا" مقابل محو كلمة "أعطني" من قاموسهم. هذا الإلغاء ليس مجرد فعل لغوي، بل تفكيك لبنية الفردية القائمة على الطلب والامتلاك، وبناءُ معجم جمعي جديد قوامه العطاء التلقائي والمبادرة الكريمة.

هنا تتقاطع البنية البلاغية مع البنية النفسية–الأيديولوجية: الذات المناضلة لا تعرّف نفسها بما تأخذه، بل بما تعطيه، ولا ترى في العطاء تفضُّلًا، بل جوهر وجودها ومعناها.

خامسًا: الرموز الأيديولوجية وإعادة شحنها جماليًا

"لهم من المطرقة: الصلابة

ومن المنجل: حدته

ومن الحمامة: هديل الدولاب"

تستدعي القصيدة رموزًا ذات خلفية أيديولوجية واضحة (المطرقة، المنجل، الحمامة)، غير أن الشاعر يتجنّب تحويلها إلى شعارات مباشرة، ويعيد إدماجها في نسيج شعري حيّ:

- المطرقة: تتحوّل إلى علامة الصلابة والقوة في مواجهة الظلم.

- المنجل: يُستثمر بوصفه أداة إنتاج وحسم معًا، دالًّا على القدرة على القطع مع الاستغلال.

- الحمامة: رمز السلام، لكن ربطها ب"هديل الدولاب" يدمج السِّلم بالحركة والعمل اليومي؛ السلام هنا ليس سكونًا، بل نتاج حركة إنتاجية واجتماعية مستمرة.

سيميائيًا، توفّق هذه الأبيات بين الدلالة الأيديولوجية والتشكيل الجمالي، فتُنشئ نظامًا رمزيًا للعمل المنتج، والصمود، والسلام الفعّال.

سادسًا: الزمن والجسد واليوتوبيا الإنسانية

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينة الإنسان"

ينقل الشاعر الزمن من وحدته التقويمية (سنة/عام) إلى صورته الكونية "دورة شمس"، في انزياح يوسّع أفق النضال من لحظة تاريخية إلى حركة كونية مستمرة. هذا التأطير يضفي على التجربة النضالية بعدًا من الثبات والاستمرارية.

في "يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة"، يتحول الجسد إلى مادة تاريخية؛ الأضلاع – بما تحمله من هشاشة وحماية في آن – تغدو حجارة تُمهَّد بها الطريق. لا يعود الإنسان شاهدًا على التاريخ، بل عنصرًا بنيويًا في صناعته. وتغدو "القافلة" استعارة للجماعة البشرية السائرة نحو أفق "المدينة الإنسان"، هذه اليوتوبيا التي تمثّل ذروة تطلّع القصيدة إلى مجتمع عدالة وكرامة وحرية.

سابعًا: توازن البعد الروحي والوطني

"ميمّمين قلوبهم نحو الله

وعيونهم نحو الوطن الحر والشعب السعيد"

تكشف هذه الثنائية عن بنية دلالية مركّبة يمكن قراءتها ضمن إطار سيميائي–أنثروبولوجي للجسد، حيث لا يُستدعى الجسد بوصفه حضورًا فيزيائيًا محايدًا، بل بوصفه وسيطًا رمزيًا يُنظّم العلاقة بين القيمة والفعل. فالقلب، في المتخيّل الثقافي، لا يمثّل عضوًا بيولوجيًا فحسب، بل يُشفَّر بوصفه موضع النية والالتزام الأخلاقي، ومن ثمّ فإن توجّهه نحو المطلق/القدسي (الله) يحيل إلى تموضع قيمي داخلي يستبطن معيار الفعل قبل تحقّقه.

في المقابل، تؤدّي العين وظيفة سيميائية مغايرة، إذ ترتبط في الأنثروبولوجيا الرمزية بمجال الرؤية والمراقبة والتوجّه نحو العالم. وتشخيصها نحو "الوطن الحر والشعب السعيد "  يعبّر عن مجرّد رغبة أو تطلّع، بل عن إدراج الجسد في أفق الفعل التاريخي، حيث يصبح الواقع الاجتماعي مجال اختبار القيم لا نقيضها. وبهذا، يتشكّل توزيع دلالي للجسد يمنع الانقسام بين الداخل والخارج، ويؤسّس علاقة تكاملية بين البعد الروحي والبعد الوطني.

إن هذا التنظيم السيميائي لأعضاء الجسد يحوّل الإيمان من حالة وجدانية معزولة إلى بنية حركية موجِّهة للفعل، ويجعل الانحياز للوطن والشعب امتدادًا منطقيًا للتوجّه القيمي لا خروجًا عليه. فالجسد هنا لا ينقل المعنى فحسب، بل ينتجه، عبر ربط صفاء النية بمسؤولية الرؤية، والمطلق القيمي بأفق التحقّق التاريخي.

وعلى هذا الأساس، تؤسّس القصيدة نموذجًا أنثروبولوجيًا للمناضل بوصفه ذاتًا موحّدة، تتجسّد فيها القيم عبر الجسد ذاته، لا عبر خطاب مجرّد. فلا يعود الوطن حيّزًا جغرافيًا محايدًا، بل فضاءً أخلاقيًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المقدّس واليومي، بحيث يغدو الفعل التاريخي شكلًا من أشكال تجسيد القيمة العليا، لا انفصالًا عنها.

ثامنًا: الاستمرارية والثبات في مواجهة القمع

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم كالأنهار:

لا يلتفتون إلى الوراء حين يسيرون!

وكالجبال:

لا يزحزحهم عن النور ظلام الطواغيت

وسياط الجلادين!"

تُستكمل حركة الزمن (دورات الشمس) بصورتين كونيّتين:

- الأنهار: رمز الحركة المستمرة في اتجاه واحد نحو المصب، بلا التفات إلى الوراء. إنهم مناضلون لا يستغرقون في الحسرة على الماضي، بل يتجهون إلى المستقبل بإصرار.

- الجبال: رمز الثبات والرسوخ، لا تُزحزحها العواصف ولا الظلمات. "ظلام الطواغيت" و"سياط الجلادين" هنا لا تملك القدرة على اقتلاع هذا الثبات، فيتكرّس نموذج مناضل يجمع بين حركة النهر وثبات الجبل.

في هذا المقطع الختامي، يتجسد البعد السياسي–النفسي في أصفى صوره: التاريخ المثقل بالقمع لا يُفضي إلى الانكسار، بل إلى مزيد من الترسّخ في خيار العدالة والنضال.

تاسعًا: البعد البنيوي–السيميائي–النفسي العام

على المستوى البنيوي، تنتظم القصيدة في مسار تصاعدي يبدأ ببناء الصورة الأخلاقية للمناضل (البساطة، الزهد، الحركة)، ثم ينتقل إلى تجسيد قيمه عبر الطبيعة والجسد (الشجرة/الفأس، العشب/الربيع، اليد/البياض، عرق الجباه)، ثم يتوسّع إلى فضاء الرموز الأيديولوجية المعاد تشكيلها (المطرقة، المنجل، الحمامة)، لينتهي إلى تأطير تاريخي–كوني (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) يمنح هذا النضال معنى الاستمرارية والثبات.

سيميائيًا، تتحوّل الطبيعة والجسد والأدوات إلى شبكة علامات متفاعلة:

- الطبيعة (الشجرة، العشب، الربيع، الأنهار، الجبال) حقل صراع بين الحياة والفناء، العدالة والاستغلال.

- الجسد (الأيدي، الجباه، الأضلاع، القلوب، العيون) نصّ دلالي تُكتب عليه تجربة النضال وتُقرأ.

- الأدوات والرموز (التنور، المطرقة، المنجل، الحمامة، الدولاب) تعيد تعريف العمل والعطاء والسلام في أفق إنساني جمعي.

«نفسيًا، يلفت غياب "الأنا" الفردية لصالح "هم" و"أحفاد" و"إخوة"؛ ما يشي بتشكّل ذاتٍ جمعية تُقدَّم بوصفها حاملًا للتجربة التاريخية والقيمية. هذا البناء النفسي–اللغوي يمكن قراءته بوصفه استجابة رمزية لسياق من القمع والانكسارات، حيث تسعى القصيدة إلى ترميم المعنى عبر إعادة تشكيل صورة المناضل في أفق مثالي–تحفيزي، لا هروبي، يستشرف إمكانية استمرار الفعل وجدواه. ولا يتأسّس هذا النموذج الجمعي على خطاب أيديولوجي أو ديني مباشر، بل على منظومة قيمية تتجسّد في الزهد، والعطاء، والتضحية، والعمل المنتج؛ فالنقاء يُقاس بالفعل لا بالانتماء، والجمال يُعاد تعريفه عبر الجهد والمعاناة، بما يمنع الانقسام بين الأخلاق والسياسة، ويجعل الفعل النضالي امتدادًا طبيعيًا لمنظومة قيمية جمعية راسخة.

خاتمة

تكشف هذه المقاربة أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي تنهض بوصفها نصًّا شعريًا مركّبًا يعيد إنتاج القيم السياسية والأخلاقية ضمن بنية جمالية–دلالية راسخة. فالاحتفاء في القصيدة ليس ثناءً مناسباتيًا، بل فعل تأويلي يعيد تعريف الإنسان المناضل بوصفه مركز القيمة، حيث:

- تتحوّل العدالة من شعار سياسي إلى ضرورة كونية وشرط للحياة.

- يُعاد تعريف الجمال من خلال عرق الجباه واحتراق التنور وعطاء الجسد.

- تُفكَّك لغة الفردية لصالح معجم جماعي قوامه "خذوا" ونفي "أعطني".

- يتداخل البعد الروحي بالبعد الوطني، فلا انفصال بين التوجّه إلى الله والانحياز للوطن والشعب.

- يُدمَج التاريخ الشخصي والجمعي في حركة كونية (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) تمنح النضال بعدًا من الاستمرار والثبات.

وبذلك، تُغدو قصيدة "احتفاء" فضاءً لتجسيد يوتوبيا إنسانية تتقاطع فيها الاستعارة مع السياسة، والجسد مع التاريخ، والرمز مع الوعي الجمعي، في أفق مفتوح على إمكان دائم لتجدّد الحلم وإعادة كتابة المعنى الإنساني بلغة الشعر.

***

سهيل الزهاوي

نحو تفكيك الجملة بوصفها جهازاً تأويلياً بين الاقتصاد النحوي وانزياح الدلالة في نص الشاعر العراقي القدير فائز الحداد

 ***

إليكِ إلا قليلاً 

إذ تهبين الباب سرَّ المعنى ويضيع مفتاح  الكلام

وإذ أنتِ سيدة الجحود بنفاية الأمل .. ولا سبيل هناك !!

فأي شفرة تحملين في يدٍ تباغت السؤال ..

 لتذهب الحيّرة بأقاصي المعنى

لعليٍّ ..عاصٍ على ألهاتِ الرؤى

وربما أجاد الربُّ بك وإن خلق غيرك

وتشتركان في أرومة الفتحِ!!

هو الباب وأنتِ..

ظهران تتجلاهما الأعالي في سمو النظرة السائلة

وبسمة الريبة ..حين احتكمت لليدين الخفيتين

أممنوعٌ عليَّ أن أطرق سماءك معلناً ضراعتي ..؟!

فقلبي هزّني بعنفِ العشق وأضاعني بينك وبين إمامةِ قلبكِ

لم أعهدكِ ريحاً تزلزل رماة الحدق..

ونسيتُ قولَ أمّي:

" المرأة كالريح إن لم تقلعك بعنف .. تهزُك بجدوى"!!

المدخل والرؤية المنهجية:

​هذا النص يقارب ضمن أفق نقدي يتأسس على تراكب مستويين متلازمين:

المستوى النحوي القاعدي الذي يعيد ترتيب العلاقات داخل الجملة في سياق كونها بنية حاكمة للقول  والمستوى السيميائي التفكيكي الذي يعيد توزيع العلامة خارج استقرارها المرجعي بحيث تغدو الجملة ذاتها وحدة دلالية منتجة إلى جانب أنها حاوية. إن هذه المقاربة تنفذ إلى عمق البنية بحيث تتجاور الوظيفة الإعرابية مع الطاقة التأويلية ويتحول التركيب إلى مجال توتر دلالي تتكاثر فيه الإحالات وتتوالد منه المصطلحات

​وعليه فإن الجملة هنا تقرأ بوصفها "بؤرة مفهومية" قادرة على إنتاج معناها وتفكيكه بسوية واحدة.  وبشكل ينبثق منه كل تركيب نحوي أفق فلسفي يتجاوز حدوده اللغوية

العنونة وأهميتها في النقد الحديث:

"إليك إلا قليلا" كونها عتبة مراوغة:

​تتشكل العنونة من شبه جملة (إليك) متعلقة بمحذوف دلالي يتلوها تركيب استثناء (إلا قليلا) الذي يربك اكتمال الإسناد وهذا البناء ينتج توتره بين فعل الإهداء وحدوده بما يكفل تحوّل العنوان إلى اقتصاد لغوي يقوم على اقتطاع المعنى بدل اكتماله نحوياً

والاستثناء يفترض فيه إخراج جزء من كل بينما هنا يتقلص الكل ذاته داخل هذا "القليل" فتغدو العتبة جهازاً لإرجاء المعنى ومن هذا المنطلق تنبثق بنية يمكن وسمها بـ "اقتصاد الإهداء الناقص" مما يجعل الخطاب يقدم ضمن إطار كأنه وعدٌ دلالي مفتوح يتشكل عبر النقص ويتغذى من التوتر

الاشتباك الدلالي والتموضع النحوي:

​عن جدلية الرمز:

 (الباب- المفتاح- الكلام)

نلحظ بأن ​الجملة الفعلية "تهبين الباب سر المعنى" تستخدم لمنح "الباب" سلطة مطلقة

فمن الناحية الإشاراتية فالباب هو البرزخ بين المعلوم والمجهول

أما عن الارتكاز النحوي: فاستخدام الفعل المضارع "تهبين" و "يضيع" يضفي ديمومة على الحالة الشعورية ضياع "مفتاح الكلام" هو إعلان عن عجز اللغة التقليدية عن فك شفرة الكائن

وعنها ​تأويلياً:

 فنلمس هنا تصور العلاقة انطلاقاً من كونها تجربة اقتراب مشروط تفتح الأبواب ظاهرياً بينما يسحب الإمكان الحقيقي للدخول

​المفهوم إذاً في تلك الجملة هو:

"وهم الانفتاح"

التضاد الوجودي

 (سيدة الجحود / نفاية الأمل):

سنتعمق بهذه الجملة دون غيرها لتبيان التوظيف السياقي العام لدى الناص وتوجهه من خلالها لأن محورية النص تتمركز على تلك السيدة :

"وإذ أنتِ سيدة الجحود بنفاية الأمل"

إذا نظرنا إليها نحوياً فالجملة تتأسّس على مبتدأ ظاهر "أنت" وخبر مركب إضافي "سيدة الجحود" تعقبه بنية شبه جملة "بنفاية الأمل" تقيد هذا الخبر وتُحمّله كثافة دلالية وهذا التركيب يشيد مركزاً إسنادياً ثابتاً ظاهرياً بحيث تُمنح المخاطبة صفة السيادة. غير أن القراءة التأويلية وبحرفية عالية تُزحزح هذا الثبات إذ إنّ الشاعر حين يصوّر المرأة بوصفها "سيدة الجحود" فهو لا يمنحها تلك الصفة الأخلاقيّة فقط إنما يُقيمها في موقع السلطة على الانقطاع العاطفي  كأنها تتحكم في اقتصاد العاطفة عبر المنع وتدير حضورها من خلال الغياب. ثم تأتي عبارة "بنفاية الأمل" لتفتح أفقها الأعمق فما عاد يتعلق الأمر بجحود عابر إنما بجحود مؤسَّس على بقايا الأمل نفسه أي أنّ المرأة هنا لا تُنهي الأمل لكنها تُبقيه في حالته الأدنى في صورة "نفاية" وأثرٍ باق،  يكفي لإدامة التعلّق دون أن يسمح بالاكتمال. وبهذا المعنى تتشكّل صورة المرأة بوصفها: كياناً يُنتج التعلّق عبر الحرمان. وسلطة تُبقي الآخر معلقاً بين الرجاء والانطفاء. وهنا يمكننا إحالة هذه البنية إلى أفق تفكيكي بحيث يتحول المعنى إلى أثر مؤجل كما تتقاطع مع منظور وجودي تُصبح فيه العلاقة مجالاً للقلق والتوتر بدل الطمأنينة.

من هنا نقول ومن خلال ذلك السياق تظهر الحنكة الحداثية لدى الناص بحرفيتها في تركيب صور متنافرة  عبر عنها بـ "سيدة الجحود" المقترن بـ "نفاية الأمل" إذ يعيد هنا تعريف المطلقات فالجحود هنا لم يكن رذيلة أخلاقية لكنه ترفع وجودي عن المتاح والسهل. فاعتماد النص على الجملة الاسمية التي ابتدأت  "أنت" دعم تثبيت الصفة وجعلها جوهراً ثابتاً، إذ منحت المرأة سلطة عاطفية قائمة على التحكم في المنع فهي لا تنهي الأمل بل تبقيه في حده الأدنى لإبقاء العاشق معلقاً. فهي تُثبّت المخاطبة في موقع السيادة غير أن التراكم الإضافي (سيدة الجحود) يتجاور مع شبه الجملة (بنفاية الأمل) لينتج تضخيماً ينقلب إلى تفريغ فنحوياً التحديد هنا يقوم على الإضافة والتعلق. أما دلالياً فينتج ما يمكن تسميته بـ"التكثيف السلبي" عندما تتكاثر الصفات لتُحيل إلى العدم. إن "السيادة" لا تمارس على شيء حاضر إنما على بقايا الأمل ما يعيد تعريف المركز بوصفه فراغاً مهيمناً

وننتقل إلى جملة: "فأيُّ شفرةٍ تحملين في يدٍ تباغت السؤال"

لو تمعنا فيها نشاهد أن الاستفهام هنا لا يطلب تعييناً بل يُنتج تعليقاً للدلالة. ونحيلها نحوياً: "أيّ" مفعول به و”تحملين” فعل مضارع غيرَ أن الجملة التابعة “تباغت السؤال” تسند الفعل إلى “اليد” في انزياحٍ يحرّر الأداة من تبعيتها، فلذلك نرى بأنّ هذه البنية تُشيّد ما يمكن تسميته بـ"تشظي الفاعلية" حين يتوزّع الفعل بين الذات وأجزائها ويغدو السؤال ذاته  موضوع مباغتة أي ليس بأداة لمعرفة

أما عن الجملة: "لتذهب الحيرة بأقاصي المعنى" فهنا تتبدى اللام التعليلية التي توحي بغاية واضحة غير أن النتيجة تفضي إلى مزيد من الابتعاد ونردّها نحويّاً: "الحيرةُ" فاعل،  و"بأقاصي المعنى" متعلّق

 أما دلالياً فتتحوّل الحيرة إلى قوة دافعة مما يؤدي ذلك هنا إلى تشكل بنية يمكن وسمها بـ"انقلابِ الغاية" بحيث يفضي السعي إلى الفهم نحو مزيد من التيه فيتحول المعنى إلى أفق مؤجّل.

وفي جملة: "لعليٍّ عاصٍ على ألهاتِ الرؤى". إن "لعل" تعلّق الجملة على أفق الاحتمال بينما يُحدث التركيب " عاصٍ على ألهات الرؤى" انزياحه المرجعي حين تعاد صياغة المقدس ضمن أفق مجازي. ونحيله نحوياً: الخبرُ محذوف تقديره (أنا). غير أن هذا الحذف يُنتج فراغاً دلالياً يتيح تعدّد القراءات. إنها بنية "تعليقِ الهوية" حيث لا تستقر الذات في تعريف نهائي.

وحين نتماهى مع: "هو الباب وأنتِ" نرى أن الجملة هنا تقوم على تقابل إسنادي يتوقف عند حد الحذف بحيث يترك خبرُ "أنتِ" معلقاً. هذا الحذف يُنتج ما يمكن تسميته بـ"الفراغ الإسنادي" وهو فراغ لم يُضعف الجملة إنما كثفها إذ يُحوّل القارئ إلى مُشاركٍ في إنتاجِ المعنى وهذا نعزوه لقدرة الشاعر بالمراوغة البنائية ضمن السياقية.

ونلتفت أيضاً إلى: "أممنوعٌ عليّ أن أطرق سماءك"، إن الجملة تتمظهر كتركيبُ استفهامي يحوّل إلى صيغة احتجاج بحيث يتقدّم الخبر "ممنوعٌ" ليهيمن على الجملة. ونحوياً نجد المصدر المؤوّل (أن أطرق) في محل رفع مبتدأ مؤخر غير أنّ هذا الترتيب يُنتج انزياحاً تداولياً يُضخم الإحساس بالقيد. أما مفردة "سماءك" فتفتح المجال نحو بعد كوني فتتوسع حينها دلالة المنع.

وفي قول الشاعر: "ونسيتُ قولَ أمّي"، نتبين أن الجملة الاعتراضيّة تُدرج صوتاً ثقافياً داخل النص حيث تُستعاد الحكمة الشعبية بوصفها مرجعية مؤجّلة فالشاعر بزحمة الإنهماك يستعير صوت الأصالة إذ يستدعي الشاعرُ صوت الأم كمنطلق لمرجعية شفهية ليمنح النص سَنداً قيمياً يتجاوز سياقه المكتوب بتبيئة المقولة أي دمج المقولة في بيئة نصية جديدة لتكتسب دلالة مختلفة.

ف​استحضار المرجعية الأمومية هنا تعتبر دعماً للسياق وكخزان للحكمة الفطرية التي تمنح النص شرعية أو صدقاً واقعياً. ونحوياً نجدها جملة بسيطة غير أنها تؤدي وظيفة تأويلية مركزية إذ تعيد قراءة النصّ كله عبر استعارة "الريح" فتتحول المخاطبةُ إلى قوّة كونية مزدوجة قلع أو اهتزاز ​تعطيل الإدراك والتمرد ​شفرة تباغت السؤال:

فالمرأة هنا لا تكتفي بالغموض بل تربك فعل الفهم نفسه وكأنها تفشل كل محاولة تفسير قبل أن تتشكل. أما لو عدنا لتشكيل ​أرومة الفتح عن ذاك الباب فنرى أن النص يحيلنا هنا إلى المنهج الإشراقي. فثمة مماهاة بين "هو" (الباب) و"أنت" (الأنثى/القصيدة) مما يعيدنا إلى ثنائية الظاهر والباطن في الفكر الصوفي.

ونلمس في "​عاص على ألهات الرؤى": إعلان تمرد داخلي حتى في حضرة الجمال هناك مقاومة كامنة ورغبة في النجاة.

الامتدادُ التأويليّ العامّ: نحو نهج مصطلحي متجاوز إنّ تتبع الجمل يكشف عن نظام دلالي قائم على:

1 / تفكيكِ العلاقةِ الأداتيّة

2 /تشظّي الفاعليّة

3 / تعليقِ الهوية

4 / انقلابِ الغاية

5 / الفراغِ الإسناديّ

وهي مفاهيم لا تستورد جاهزة إنما تتولّد من داخل النص بما يحقق انتقالاً من "تطبيقِ المنهج" إلى "إنتاجِ المصطلح"

وإن اللغة هنا لا تحيل إلى معنى مستقر

 لكنها تمارسُ ما يمكن تسميته بـ"الانزياح البنيوي الشامل" حين تعاد صياغة كل علاقة داخل الجملة فتغدو الكتابة نفسها فعل تقويض للثبات.

وبشكل عام: فإن النص كوحدة عضوية وعند إعادة تجميع هذه الشظايا التركيبية في أفقها الكلي يتكشف النص باعتباره نسيجاً دلالياً لا يقوم على تعاقب الجمل إنما على توترها الداخلي فنجد بأنه تتحول كل جملة إلى بؤرة اشتغال فلسفي تحيل إلى منظومات مفاهيمية تتجاوز حدودها اللغوية فـ"تفكيكُ الوسيط" الذي انبثق من علاقة الباب بالمفتاح يجد صداه في أفق التفكيك عند (دريدا) حيث تنفصل العلامة عن مرجعها ويتأجل المعنى داخل سلسلة لا نهائية من الإرجاء.

كما أن "تشظّي الفاعليّة" في إسناد الفعل إلى اليد يلتقي مع تصور (ميشيل فوكو) للذات بوصفها منتجاً خطابياً أبعد عن كونها مركزاً ثابتاً بحيث تتوزع السلطة داخل البنية ولا تعود محصورة في ذات واحدة. وفي هذا الامتداد يغدو الفعل اللغوي نفسه ممارسة للسلطة إلى جانب التعبير عنها.

أما "تعليقُ الهوية" في بنية "لعلّ" فينفتح على أفق الوجودية عند (جان بول سارتر) إذ لا تُعطى الذات ماهيتها سلفاً لكنها تظل معلقة في مشروعها متأرجحة بين الاختيار والقلق وهو ما يتجلّى في هذا التردد البنيوي الذي لا يسمح للهوية بالاستقرار.

وفي موضع آخر فإن "انقلابَ الغاية" بحيثُ تقود الحيرة إلى أقاصي المعنى يحيل إلى منطق العبث عند (ألبير كامو) حين يتحول السعي إلى الفهم وإلى تجربة تيه وجودي تعرّي هشاشة العلاقة بين الإنسان والعالم. بل إن "الفراغ الإسناديّ" في الجملة الناقصة (هو الباب وأنتِ...) يمكن أن يُقرأ ضمن أفق (رولان بارت) عندما يعاد توزيع سلطة المعنى من الكاتب إلى القارئ.  فيغدو البياض نفسه عنصراً فاعلاً في إنتاج الدلالة وليس مجرّد نقص تركيبي. وبهذا التشكيل لا تعود الجملة وحدة لغوية فقط فهي تتحول إلى "مفهومٍ إجرائيّ" يعيد إنتاج ذاته عبر التفاعل مع منظومات فلسفية متعددة فيتشكل النص كحقل تداخل بين اللغة والفكر وبين البنية والتأويل.

وعلى مستوى الكلية إذاً يتبدى النص ككائن دلالي مراوغ تتجاور فيه النزعة التفكيكيّة (في إرجاءِ المعنى وتقويض المركز) مع الحس الوجودي (في قلق الذات وتعثرها). ضمن لغة تمارس الانزياح بوصفه شرطاً أنطولوجياً للقول.

وفي هذا الأفق تبرز لغة الشاعر كممارسة واعية لقلق الكتابة فهي لا تشيّد الجملة لتُطمئن إنما لتُربك ولا تدونها لتُحيل إلى ذاك المعنى الجاهز إنما لتفتح المعنى على احتمالاته القصوى.  إنّها لغة تمتلكُ جرأة تفكيك أدواتها وقدرة إعادة تركيبها بما يجعل النص فضاء متسعاً لا يُستنفد ولا يستقر على قراءة نهائيّة.

ومن هنا فإن الثناء على هذه التجربة لا ينصرف إلى جمال العبارة فقط إنما يأخذنا إلى ذلك الوعي العميق ببنية اللغة بحيث تتشكل الكتابة كفعل مساءلة مستمرة يُحاور الفلسفة من داخلِ الجملة ويُعيد إنتاجها في هيئة شعر مُحمّل بقلق المعنى وفتنته معاً و​بالمجمل يسبح النص في جو من "المهابة الوجدانية" بحيث تتداخل فيه لغة التضرع مع لغة التمرد والشك وتتموضع لغته ضمن المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) وهي لغة تدرس الظواهر كما تتبدى للوعي في لحظة الاندهاش لتقديس "الحيرة" بوصفها المحرك الأول للمعرفة.

تحية لروح هذا النص:

لقد أجاد الشاعر العميق صياغة نص عصي على التدجين مستخدماً لغة تتسم بالرصانة التراثية والتحرر الحداثي على حد سواء.  فلغته لم تكن وعاء للأفكار لكنها جسد الفكرة وروحها حيث تشع المفردات ببريق فلسفي يجعل من كل جملة نحوية مرتكزا لرؤية كونية شاملة. إذ يتشكل النص ضمن لغة تراوغ المعنى وتعيدُ إنتاجه باستمرار.

 إن الأفق الفلسفي الذي نحيل إليه هذه الكتابة يتقاطع مع النزعة التفكيكية في إرجاء الدلالة ومع الحس الوجودي في توتر الذات واغترابها. وفي هذا الامتداد تتجلّى لغة الشاعر كونها طاقة خلاقة تحسن بناء الجملة باعتمادها كياناً متوتراً قادراً على حمل المعنى ونقضه في آن واحد، بحيث يظل مفتوحاً على تأويل لا حد له ولا يستنفذ القول.

أ. فائز مبدع مغاير، تتجلّى قوة شعره في قدرته على تجديد البنية اللغوية خارج أطر ما بعد الحداثة حيث لا يكتفي بتفكيك المعنى فهو يُعيد توليده في حقل مفتوح من الانزياحات مشيداً كتابة تتجاوز الميتا حداثة نحو أفق يعيد تعريف العلاقة بين اللغة والوجود

***

مرشدة جاويش

 

مقدمة: تتجاوز القصيدة المقاومة في سياقها المعاصر حدود التوثيق الواقعي، لتُنشئ خطاباً مضاداً يواجه سرديات الهزيمة والتطبيع السياسي. وقصيدة "صرخة ضد التطبيع" لشلال عنوز نموذجٌ من هذا النوع من الكتابة، تستمد شرعيتها من تاريخ يتجذر في المكان والدم، وتُعيد تأسيس الذاكرة الجمعية على أرضية رمزية تنسج من الكلمات أسطورة مقاومة قوامها التضحية والفداء والبعث.

شيّدت القصيدة نسقاً دلالياً مركباً على ثنائية أساسية: المقاومة في مواجهة الخيانة، والوفاء الوجودي للمكان في مواجهة البيع السياسي. وكلما تطورت القصيدة، تعمّق هذا التقابل ليشمل مستويات متعددة من الدلالة: الأنطولوجية (الوجود/العدم)، والأخلاقية (الوفاء/الخيانة)، والجمالية (الجمال/القبح)، والزمنية (الأبدية/الفناء). هذا التعدد المستوياتي للدلالة يجعل من القصيدة بناءً سيميائياً متماسكاً.

العنوان:

جاء العنوان "صرخة ضد التطبيع" كعتبةٍ رئيسية تدخلنا إلى فضاءٍ مشبعٍ بدلائل احتجاجية، فتضع النص في سياق الفعل السياسي المقاوم. الصرخة هنا علامةٌ سيميائية مزدوجة: تحيل من جهة إلى الألم الممض والغضب الفادح، ومن جهة ثانية إلى الحياة بكل معانيها والرفض بحمولاته التحدّية.

في السياق الشعري المقاوم، تتجاوز الصرخة البعد الصوتي المباشر، لتصير فعلاً تأسيسياً يُعلن ميلاد الذات المقاومة، وعلامة حضورٍ تُثبت الوجود في مواجهة محاولات المحو، وبياناً سياسياً يُفصح عن الموقف دون مواربة. كعلامة صوتية، تتجاوز حدود اللغة المنطوقة لتصير لغةً جسديةً تعبّر عن ألمٍ وجودي لا تستطيع الكلمات المجردة احتواءه.

أما التطبيع فيُستدعى في العنوان بوصفه نقيضاً وجودياً للمقاومة. إنه في الخطاب المقاوم ليس مجرد علاقات دبلوماسية أو اتفاقيات سياسية، بل تطبيعٌ للذاكرة وتزييفٌ للتاريخ وإلغاءٌ للألم الجماعي، محاولةٌ لجعل اللامعقول معقولاً واللاطبيعي طبيعياً، أي تحويل الاحتلال والاقتلاع والاستيطان إلى حقيقةٍ واقعةٍ يُفترض التعايش معها.

بهذا، أسس العنوان لثنائيةٍ ضديةٍ مركزيةٍ تحكم البنية الكلية للنص، وتتغلغل في مستوياته الصوتية والإيقاعية والرمزية.

سيميائيات المكان المقدس:

تفتتح القصيدة بتحديدٍ مكانيٍ دقيق:

"على بُعد شَهقة / وتِلال وَجع / في القُدس"

القدس مركزٌ رمزيٌ، بما يتوافق مع تعبير ميرسيا إلياده عن "النقطة التي يلتقي فيها المقدس بالمدنس، السماوي بالأرضي". والمسافة المؤدية إليها لا تُقاس بالكيلومترات، بل بشهقةٍ وتلال وجع، أي بمقياس الألم الوجودي والمعاناة الجماعية.

هذا القياس الألمي للمسافة يُحوّل الجغرافيا من علمٍ موضوعي إلى تجربةٍ ذاتيةٍ عميقة. الشهقة لحظة انقطاع النفس، لحظة الاختناق والألم الشديد، وهي أيضاً لحظةٌ ما قبل الصرخة. وتلال الوجع تُحوّل الألم إلى تضاريس جغرافيةٍ وعرة، فيصير الوجع شعوراً متجسداً يمتلك الروح.

تظهر الأحياء السبعة علامةً مركزيةً تحمل دلالاتٍ بوصفها ذاكرةً حيةً لا مجرد مباني:

"كانت الأحياء / السبعة / تَنوءُ بأحجارِها / نازفةً"

تتحول الحجارة إلى جسدٍ حيٍّ يتألم: تنوء أي تتعب وتثقل، وتنزف أي تفقد دمها كما يفقد الشهيد دمه. هذا التماهي بين المكان والجسد يلغي الفاصل بين الإنسان والجغرافيا، فيصير المكان امتداداً للذات الجماعية.

والرقم سبعة يحمل دلالةً قدسيةً في التراث الديني والأسطوري: سبع سماوات، سبعة أيام الخلق، سبعة أشواط. في الحضارة الرافدينية، ارتبطت بالآلهة السبعة الكبار، وفي المصرية القديمة بآلهة الخلق. واستحضار هذا الرقم في سياق الاستشهاد يربط الحدث المعاصر بعمقٍ تاريخيٍّ يمتد لآلاف السنين، مُضفياً على المكان بعداً ميثولوجياً. السبعة رقمُ الاكتمال والدورة الكاملة، فتصير القدس حاضرةً كونيةً ومركزاً مرجعياً مقدساً يتكرر فيه الخلق والتجدد.

وتتحول الأحياء إلى رسّامة خريطة، بهدير الانتفاضة، بصرخات الأمهات، بلهاث صبية الحجارة، لا بحبر المطابع. هنا يتقاطع الصوتي بالمكاني، فالخريطة تُرسم بصراخ الشعب المنتفض وتضحياته. إنها خريطةٌ سيميائيةٌ بديلةٌ تُناقض الخرائط الاستعمارية الثابتة، تعتمد على خطوط الدم ومحاور الألم ونقاط الصمود، خريطةٌ حيةٌ تُجدد نفسها باستمرار.

الأصوات الثلاثة التي ترسم هذه الخريطة تُشكل أوركسترا مقاومة: هدير الانتفاضة (صوتٌ جماعيٌّ عميق)، صرخات الأمهات (صوتُ الألم الأموي)، لهاث صبية الحجارة (صوتُ الجهد الجسدي والمقاومة الفعلية).

الشهيد بوصفه علامة عبور:

يُستحضر أسامة الجدة، أول شهداء انتفاضة الأقصى عام 2000، إشارةً مركزيةً في بنية القصيدة، كشخصٍ تاريخيٍّ ورمزٍ للعبور من الموت إلى الخلود:

"كان أُسامة / يَحمل سِلال الأمل / في بَساتين الطور / حينما أطلقَ / حَماماتِهِ السَبع / في سَماوات القدس / مُتبرِّعاً بِدَمهِ / لِتُراب الأقصى"

تتشابك هنا عدة طبقات دلالية. "سلال الأمل" و"بساتين الطور" تُحيلان إلى الحياة العادية البسيطة قبل لحظة الاستشهاد. أسامة لم يكن مقاتلاً محترفاً، بل طفلاً يحمل الأمل كما يحمل الفلاح سلال الثمار. هذا التقابل بين البراءة والعنف يُعمّق المأساة. "بساتين الطور" تُحيل إلى المكان المقدس (جبل الطور)، تربط الحياة اليومية بالبعد الديني.

الحمامات السبع تُحيل إلى الروح الطاهرة التي تصعد إلى السماء، صورة "الشهيد-الطائر" الذي يتحرر من ثقل الأرض. وهي تناصٌ مع الحديث النبوي: "إن أرواح الشهداء في جوف طيرٍ خضرٍ تعلّق من ثمار الجنة" (رواه أحمد والترمذي).

لكن القصيدة تُضيف بُعداً رمزياً جديداً: "أطلق" يُشير إلى الإرادة والفعل الواعي، فالشهيد لم يمت بشكلٍ سلبي، بل أطلق روحه بوعي، تبرّع بدمه بإرادة. هذا التحول من الضحية السلبية إلى الفاعل الإرادي هو جوهر الخطاب المقاوم.

الحمام في التراث الرمزي يحمل دلالات السلام والنقاء والحب والبشارة، كلها دلالاتٌ إيجابيةٌ تتناقض مع صورة "الإرهابي" التي يحاول الخطاب الاستعماري إلصاقها بالمقاوم. الشهيد هنا مطلقُ حمامٍ وحاملُ أملٍ ومتبرعٌ بدم، في قمة النبل الإنساني.

ثم يأتي مفهوم الدم، قدّمٌ كقربانٍ متبرّعٍ به لصون تراب الأقصى. الدم هنا علامةٌ تأسيسيةٌ تُعيد شرعنة المكان وتجدد ملكيته الرمزية، وتناصٌ مع القرابين الدينية المقدسة. والتبرع بالدم يحمل دلالةً حديثةً إضافيةً بوصفه فعلاً إنسانياً نبيلاً يُنقذ الحياة. فالشهيد يتبرع بدمه تطوعاً لغايةٍ نبيلة، دمه لا يُهدر عبثاً بل يُقدّم للأرض التي تحتاجه كي تستمر حية. يصير فعل الاستشهاد نقل الموت من نهايةٍ لا معنى لها إلى بدايةٍ لحياةٍ متجددة.

جدلية الموت والولادة:

تتحرك القصيدة في مسارٍ تصاعديٍّ من الموت إلى الحياة، عبر سلسلةٍ من التحولات السيميائية:

"أرى نَعشَهُ / تَحملهُ يَدا الضَوء والعنفوان / تَزفُّهُ حَناجر الغَضب"

النعش لا يُحمل بالحزن، بل بالضوء والعنفوان. هذا قلبٌ للدلالة المعتادة: الموت يتحول إلى طقسٍ احتفالي. الفعل "تزفّهُ" المستخدم عادةً في سياق الأعراس لا الجنازات، يُحوّل الموت إلى عرس. وهو تناصٌ مع التقليد الشعبي الفلسطيني في جنازات الشهداء.

في الثقافة المقاومة، الموت الاستشهادي عبورٌ إلى مستوىً أعلى من الوجود. الشهيد لا يموت، هو يعبر، لا ينتهي بل يكتمل، لا يغيب بل يحضر بشكلٍ أقوى. "يدا الضوء والعنفوان" تجمع بين البعد الروحي والبعد المادي، فيجمع الموت الاستشهادي بين السماوي والأرضي.

"حناجر الغضب" التي "تزف" النعش تُحيل إلى الطاقة الثورية التي تتولد من الموت. الغضب هنا وقودُ المقاومة ومحركُ التغيير، صوتٌ شعبيٌّ عامٌ لا صرخةً فرديةً معزولة.

تبلغ الحركة ذروتها في النهاية:

"عِند مَساحات المَخاض / زغاريدُ الأمّهات / مُبشّرة / بِوِلادةِ الفَجر"

المخاض لحظةٌ ما قبل الولادة، لحظة الألم الأقصى التي تسبق الانبثاق. وزغاريد الأمهات تُعيد إنتاج الحياة من الموت. المرأة/الأم هي التي تُبشّر بولادة الفجر، أي بانبعاث زمنٍ جديدٍ من رحم المأساة.

صورة "مساحات المخاض" تُحوّل الزمن إلى مكان، والألم إلى جغرافيا. المخاض مساحاتٌ تُقطع وتُعبر بوجعٍ وتضحيات، يُطيل زمن الانتظار ويُكثّف الألم، لكنه يجعل الولادة أكيدةً وحتميةً.

"زغاريد الأمهات" علامةٌ صوتيةٌ مركزيةٌ في الثقافة العربية، تُطلق في اللحظات الفارقة: الأعراس، الولادات، الأفراح الكبرى. استخدامها في سياق الاستشهاد يُحوّل الموت إلى عرسٍ وولادةٍ وفرحٍ مركّب، يجمع بين الألم والأمل، بين الفقد والإيمان، بين الحاضر المرير والمستقبل الموعود.

"ولادة الفجر" صورةٌ شعريةٌ مكثّفةٌ تختزل فلسفة المقاومة: الفجر يولد من رحم الظلام، كما تولد المقاومة من رحم الاحتلال. والأمهات يُبشّرن بهذه الولادة، فتكون المرأة رحمَ التاريخ وولادةَ المستقبل.

هذا التحول من "النعش" إلى "الولادة" يُشكّل البنية الزمنية العميقة للنص: من الماضي (النكبة) إلى الحاضر (الانتفاضة) إلى المستقبل (الفجر).

التناص والذاكرة الجماعية:

تستدعي القصيدة عدة طبقات من التناص:

التناص التاريخي: استحضار أسامة الجدة، وأريئيل شارون، وانتفاضة الأقصى (2000)، والنكبة (1948). هذه الإحالات تُحوّل النص إلى وثيقةٍ شعريةٍ تؤرخ للصراع، لكن التوثيق الشعري يختلف عن التاريخي: هو يُعيد إنتاج الأحداث رمزياً، يمنحها معنى، يربطها بسياقٍ أوسع.

التناص الديني: الحمام (رمز الروح)، الأقصى (ثالث الحرمين)، الطور (الجبل المقدس). هذا البعد يُضفي على المقاومة شرعيةً روحيةً، ويعمّقها في الذاكرة الجماعية.

التناص الشعري: صورة الدم المتبرّع به للتراب تُحيل إلى تراثٍ شعريٍّ طويلٍ في الأدب المقاوم العربي (محمود درويش، سميح القاسم، معين بسيسو). لكن القصيدة تُطور هذا التراث: الدم يُتبرع به لا يُسفك، فتتغير الدلالة من الخسارة إلى العطاء.

التناص الأسطوري: رمزية الرقم سبعة، وفكرة الموت والانبعاث، وصورة الطائر الذي يحمل الروح. هذه العناصر تربط النص بأساطير الخلق والتجدد في الحضارات القديمة (تموز، أدونيس، أوزيريس)، مُضفيةً بعداً أبدياً على الصراع.

التناص الشعبي: الزغاريد، وجنازات الشهداء كأعراس، وفكرة الشهادة كعرس. هذه العناصر مستمدةٌ من الثقافة الشعبية الفلسطينية، تجعل القصيدة أقرب إلى الوجدان الجماعي.

سردية الخطاب المضاد والزمن البديل:

القصيدة لم تكتفِ برفض الخطاب الاستعماري، بل أنتجت سرديةً بديلةً:

السردية الاستعمارية // السردية المقاومة

الفلسطينيون إرهابيون // الفلسطينيون شهداء

المقاومة عنفاً // المقاومة حقاً

الموت عبثاً       // الموت ولادةً

التطبيع سلاماً // التطبيع خيانةً

لكن القصيدة لا تُبسّط إلى ثنائيات صارمة: "عنف العتمة" و"معاول التطبيع" و"تآمر الخونة" تظهر معاً، مما يُشير إلى أن المقاومة تتم في ظلّ تعدّد الأعداء (الاحتلال والتطبيع الداخلي).

والقصيدة تُقدّم نظاماً زمنياً بديلاً: زمناً دائرياً يؤدي الموت فيه إلى ولادةٍ تؤدي إلى حياةٍ جديدة. وزمنٌ تصاعديٌّ من الماضي إلى المستقبل عبر الحاضر، بطقسية المخاض والولادة والزغاريد. زمنٌ مقدسٌ بديلٌ للزمن الخطي، تصنع أحداثُه دماءَ الشهداء وأصواتَ المنتفضين وزغاريدَ الأمهات وحجارةَ الأطفال.

الخاتمة:

أفضت هذه القراءة السيميائية إلى أن قصيدة "صرخة ضد التطبيع" لم تقف عند حدود التعبير الشعري عن موقفٍ سياسي، بل أسّست لنظامٍ دلاليٍّ متكاملٍ أعاد إنتاج العالم وفق مرجعية المقاومة، بوصفها فعلاً وجودياً وأخلاقياً وجمالياً في آنٍ واحد. النص، عبر بنيته الرمزية المركّبة، لم يكتفِ بتفكيك خطاب التطبيع، بل نجح في بناء خطابٍ مضادٍّ يمتلك أدواته السيميائية الخاصة، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة والتاريخ.

كشفت القصيدة عن قدرةٍ لافتةٍ على تحويل العلامات: المكان يغدو جسداً حياً، والدم يتحول إلى لغةٍ تأسيسية، والموت يُعاد تأويله بوصفه لحظةَ عبورٍ نحو اكتمال الوجود لا نهايته. البنية العميقة للنص تقوم على قلب الدلالات السائدة وإعادة شحنها بطاقةٍ رمزيةٍ جديدة، تجعل من المقاومة أفقاً مفتوحاً للمعنى، لا مجرد رد فعلٍ ظرفيٍّ على واقعٍ سياسي.

استثمار التناص بمستوياته المتعددة أسهم في ترسيخ القصيدة داخل شبكة الذاكرة الجماعية، فغدت جزءاً من سرديةٍ كبرى تتجاوز اللحظة الراهنة، وتربط الفعل المقاوم بسياقٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ ممتد. وهو ما منح النص بعداً كونياً، دون أن يفقد خصوصيته المحلية المتجذرة في تفاصيل المكان الفلسطيني.

في جوهرها، تُعيد القصيدة تعريف الصراع بوصفه صراعاً على المعنى قبل أن يكون صراعاً على الأرض. وهنا تأتي أهمية هذا الخطاب الشعري المقاوم، الذي ينهض بوظيفةٍ تفكيكيةٍ وبنائيةٍ في آنٍ، فيُقاوم المحو بإعادة الكتابة، ويواجه التطبيع بإنتاج معنىً بديلٍ يُعيد للوجود توازنه الأخلاقي.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.............................

المراجع

1. أبو ديب، كمال. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر. بيروت: دار العلم للملايين، 1984.

2. بنيس، محمد. الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1989-2001، 4 أجزاء.

3. درويش، محمود. في حضرة الغياب. بيروت: دار الريّس للكتب والنشر، 2006.

4. السعافين، إبراهيم. شعرية الأنا والآخر: تحليل خطاب الهوية في الشعر الجاهلي. عمان: دار الكرمل للنشر والتوزيع، 1997.

5. السيد، غسان. شعر المقاومة الفلسطينية: دراسة فنية وموضوعية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.

6. العيد، يمنى. في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي. بيروت: دار الآداب، 1983.

7. فضل، صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النص. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، 1996.

8. القاسم، سميح. الدواوين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005.

9. مبارك، محمد. استقبال النص عند العرب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999.

10. الناصر، ياسين. إشكالية المكان في النص الأدبي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2008.

11. إلياده، ميرسيا. المقدس والمدنس. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، 1987.

12. بارت، رولان. درس السيميولوجيا. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986.

13. كريستيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1991.

14. لوتمان، يوري. مشكلة المكان الفني. ترجمة سيزا قاسم. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2001.

.....................

"صرخة ضد التطبيع"

على بُعد شَهقة

وتِلال وَجع

في القُدس..

كانت الأحياء

السبعة

تَنوءُ بأحجارِها

نازفةً

تَرسمُ خارطةَ

هَدير الانتفاضة

على شَفَةِ التاريخ

صارخةً...

تُلملمُ جُرح النَكبة

تُنادي القادِمين الراحلين

على بَوّابات

المَسجد الأقصى

على بُعدِ مَقصلةٍ

مِن نيران

جُند (أرئيل شارون)*

كان (أُسامة)*

يَحمل سِلال الأمل

في بَساتين (الطور)*

حينما أطلقَ

حَماماتِهِ السَبع

في سَماوات القدس

مُتبرِّعاً بِدَمهِ

لِتُراب الأقصى

وعلى الرغم

مِن عُنف العَتمة...

مَعاول التطبيع....

تَآمر الخَونة....

أرى نَعشَهُ

تَحملهُ يَدا الضَوء

والعنفوان

تَزفُّهُ حَناجر الغَضب...

صَلوات الصامدين...

تُطوّقُهُم...

عَزيمة الفَرح

المُنتظر

عِند مَساحات

المَخاض

زغاريدُ الأمّهات

مُبشّرة

بِوِلادةِ الفَجر

***

شلال عنوز

................

* أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اقتحم المسجد الأقصى بقواته عام 2000م، وعلى أثر ذلك حدثت انتفاضة الأقصى

* أسامة جدة أول شهيد في انتفاضة الأقصى

* الطور قرية قرب المسجد الأقصى التي استشهد فيها أسامة الجدة برصاص العدو حينما تسلل لها ليتبرع بالدم لجرحى الانتفاضة

النص تجربة شعورية مكثّفة تنتمي إلى شعرية الألم الصامت، حيث يتحوّل الإنسان القوي ظاهريًا إلى كائن هشّ داخليًا، يعيش تناقض الظهور والتواري في آنٍ واحد.

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية

العنوان ليس مجرد مدخل بل مفتاح تأويلي للنص؛ فـ"النجوم المحترقة" تحيل إلى الكائنات اللامعة التي يُفترض فيها البقاء في العلو، لكنها في الحقيقة تسير نحو الأفول. هنا تتأسس المفارقة: الضوء نفسه يحمل بذور انطفائه. وهذا ينسجم تمامًا مع ثيمة النص: أولئك الذين يُطلب منهم أن يكونوا أقوياء دائمًا، حتى وهم ينهارون.

ثانيًا: البنية الشعورية – إنسان على حافة ذاته

النص يتحرك ضمن حقل دلالي واحد: الضغط الداخلي.

عبارات مثل: "يمشون على حافة أنفسهم" و*"القوة قناع"* تكشف عن انشطار الذات بين ظاهر مفروض وباطن مقموع.

الشاعرة لا تصف السقوط، بل تؤجله وتخفيه، ليصبح أكثر قسوة حين يتحول إلى سقوط داخلي صامت.

ثالثًا: بلاغة الانزياح والتكثيف

النص غني بالصور المركبة التي تقوم على الانزياح الدلالي، ومنها:

"أسنان من صبر" → تحويل الصبر إلى مادة حسية حادة، توحي بالقسوة والضغط.

"إبر من صمت" → الصمت هنا ليس سكونًا بل أداة خياطة للألم.

"انطفاءات صغيرة في زوايا الروح" → صورة بديعة تستثمر حقل الضوء لتصوير الألم النفسي.

هذه الصور لا تُزخرف النص، بل تؤسس رؤيته: الألم لا يُعلن نفسه، بل يتسرّب في الخفاء.

رابعًا: تكرار البنية (أولئك…) كإيقاع نفسي

تكرار "أولئك…" يمنح النص طابعًا إنشاديًا، ويحوّل الفئة الموصوفة إلى جماعة إنسانية ممتدة، لا حالة فردية.

كما أن هذا التكرار يخلق نوعًا من التراكم العاطفي، وكأن الشاعرة تبني شهادة إنسانية ضد قسوة التوقعات الاجتماعية.

خامسًا: ثنائية الداخل/الخارج

النص يقوم على تضاد واضح:

الخارج: ابتسامة، صمود، أداء اجتماعي.

الداخل: سقوط، انطفاء، بكاء بلا دموع.

وهذه الثنائية تبلغ ذروتها في هذا المقطع:

"يسقطون عليها سرًّا، ثم ينهضون كأنّ شيئًا لم يكن"

وهي جملة تلخّص مأساة الإنسان المعاصر الذي يُجبر على تمثيل التماسك.

سادسًا: البعد الوجودي والروحي

ينتهي النص بانزياح دلالي عميق:

"البكاء… ليس ماءً ينزل من العين، بل ثقل يصعد من القلب… إلى الله"

هنا يتحول الألم من حالة نفسية إلى تجربة وجودية ذات بعد روحي، حيث يصبح الله هو الملاذ الأخير لما لا يُقال.

وهذا الختام يمنح النص أفقًا تأمليًا يتجاوز الشكوى إلى نوع من التسليم العميق.

خلاصة القراءة:

النص شهادة شعرية على معاناة "الأقوياء قسرًا"، أولئك الذين لا يُسمح لهم بالانهيار، فيتآكلون بصمت.

إنه نص يكتب الألم غير المرئي، ويمنح الصوت لمن اعتادوا أن يكونوا دعائم للآخرين، حتى فقدوا حقهم في أن يكونوا بشرًا.

نصٌّ يُقرأ لا بعين البلاغة فقط، بل بقلبٍ يعرف معنى أن ينهض الإنسان… بعد سقوطٍ لم يره أحد.

***

الأستاذ محمد مهنا

..........................

نجوم محترقة...في الطريق إلى الأفول...

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يمشون على حافّةِ أنفسهم

لان الأرضَ لا تمنح لهم فسحة طريق ...

لا أحدَ يراهم

حين تُثقلهم أكتافُهم،

حين تصيرُ الأسماءُ التي نادوهم بها

أغلالًا خفيّة،

وحين يكتشفون—متأخّرين—

أنّ القوّةَ قناعٌ

يخفي ملامحهم ، و حقهم في أن يكونوا على سجيتهم ...

أولئكَ…

الذين تعلّموا أن يبتسموا

بأسنانٍ من صبر،

وأن يُرمّموا انكساراتهم

بإبرٍ من صمت،

يُتقنون فنَّ الوقوف

حتّى وهم يسقطون داخليًّا كأبراجٍ،بلا صوت.

*

كيف يبكون؟

لا دموعَ تُعلنهم،

بل انطفاءاتٌ صغيرة

تحدثُ في زوايا الروح،

كأنّ نجومًا خفيّة

تُطفأ واحدةً واحدة

في سماءٍ ليست لهم ...

*

يبكون

حين يُغلقون أبوابَهم جيّدًا،

ويُقنعون الجدران

أن لا تُفشي سرَّ ارتجافهم،

حين يُنادون أسماءهم

فلا يُجيبهم أحدٌ

سوى صدىً يشبههم

ولا يُنقذهم.

*

يبكون

حين يُسمح لهم—لثانيةٍ يتيمة—

أن يكونوا بشرًا،

لا أعمدةً تُسندُ العالم،

ولا جسورًا

يمرُّ فوقها الآخرون

إلى ضفافهم.

*

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يخترعون لأنفسهم أرضًا

في داخلهم،

يسقطون عليها سرًّا،

ثم ينهضون

كأنّ شيئًا لم يكن.

لكنّ شيئًا كان -

دائمًا كان -

جرحٌ يتّسعُ

بمقدار ما يُخفونه،

وصمتٌ

ينمو كغابةٍ

في صدرِ الحشد

وحدهم يعرفون

أنّ البكاء

ليس ماءً ينزل من العين،

بل ثِقَلٌ

يصعد من القلب

ولا يجدُ طريقًا

إلّا إلى الله.

***

مجيدة محمدي

بين الجرح الوجودي وانفتاح الدلالة

يندرج نصّ الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة ضمن الكتابة المكثّفة التي تمزج بين الشعر والنثر، حيث تتقاطع الذات الفردية مع الجرح الجمعي، ويتحوّل الاغتراب من حالة نفسية إلى بنية كونية شاملة. والنصّ، على قصره، ينطوي على كثافة دلالية عالية، تتيح قراءة متعددة المستويات، تتراوح بين اللغوي والجمالي والفلسفي والسيميائي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتميّز النصّ بسلامة لغوية واضحة، حيث تنضبط التراكيب ضمن نسقٍ عربيّ فصيح، دون تكلّف أو تعقيد. ويقوم الأسلوب على جمل قصيرة مكثّفة، تُشبه الومضات الشعورية، مثل:

"أدقّ بابي / زائرًا روحي"

وهنا نلحظ انزياحاً دلالياً، إذ يتحوّل "الباب" من كيان مادي إلى عتبةٍ نفسية، ويتحوّل "الزائر" إلى الذات نفسها، بما يُنتج مفارقة داخلية بين الأنا وذاتها.

أما الصورة المركزية:

"لي حزنُ فينيقٍ تبعثر ريشه"

فهي صورة رمزية مركّبة، تستدعي أسطورة الفينيق (البعث من الرماد)، لكن الشاعر يعكسها: فبدل الانبعاث، نجد التبعثر، بما يوحي بانكسار الأمل أو تعذّر القيامة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

يتوازن اللفظ مع المعنى توازناً دقيقاً؛ فالألفاظ مختارة بعناية، دون حشو أو ترهّل.

كلمات مثل: "الاغتراب، الزنازين، العذاب" تحمل شحنة دلالية ثقيلة، تتناسب مع الموضوع الوجودي.

كما أنّ الخطاب المباشر:

"يا إلهي"

يمنح النص بعداً إنشائياً تعبيرياً، يُكثّف التوتر النفسي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

رغم أنّ النص نثري، إلا أنّه مشبع بإيقاع داخلي قائم على:

التكرار: (أدقّ / الباب / الباب)

التقابل: (الذهاب / الإياب)

التوازي التركيبي

كما يظهر الجرس الصوتي في توالي الأصوات الحزينة (الباء، الغين، الحاء)، ما يعزّز الجو الكئيب للنص.

القافية الداخلية في "الغياب / العذاب / الإياب" تُضفي وحدة صوتية خفيّة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النصّ يقوم على بنية درامية داخلية:

بداية: توصيف الحالة (حزن الفينيق)

وسط: فعل (طرق الباب)

ذروة: المفاجأة (مصافحة الاغتراب)

خاتمة: سؤال وجودي مفتوح

إنّه نصّ سردي-شعري، حيث الحدث نفسي لا خارجي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا وجودية مأزومة؛ العالم يضيق، والذات تتّسع في عذابها: "ضاق الكون واتّسعت زنازين العذاب"

وهي مفارقة فلسفية تُعبّر عن اختلال العلاقة بين الإنسان والعالم.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

الدهشة تتجلّى في:

أن يكون الزائر هو "الاغتراب"

أن يطرق الإنسان بابه ليجد نفسه غريباً عنه

وهذا انزياح جمالي عميق يُخرج النص من المألوف إلى أفق التأويل.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود: "أين أروح إذا ضاع الذهاب مع الإياب؟"

وهو سؤال عبثي قريب من الفلسفة الوجودية، حيث تنهار ثنائية البداية والنهاية.

2. الأفق المعرفي.

يتكئ النص على:

مرجعيات أسطورية (الفينيق)

أبعاد وجودية (العبث، الاغتراب)

إحالات دينية (يا إلهي)

3. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

الباب يساوي الذات

الزائر يساوي الوعي

الاغتراب يساوي الحقيقة النهائية

النص مفتوح على تأويلات متعددة، ولا يُغلق معناه.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي إلى سياق فلسطيني/عربي مثقل بالمنفى والاقتلاع، حيث يتحوّل الاغتراب إلى قدر جماعي.

2. تطوّر النوع الأدبي:

النص مثال على "الشعر النثري" الحديث، حيث تُكسر الحدود بين الأجناس.

3. علاقة النص بالتراث

يحاور:

الأسطورة (الفينيق)

البلاغة العربية (التشبيه، الاستعارة)

الخطاب الصوفي (الذات/الذات)

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

الحزن

القلق

الاغتراب

2. تحليل الذات.

الذات منقسمة:

١- ذات تبحث

٢- ذات تستقبل

٣- ذات تصطدم بحقيقتها

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من:

١- الحنين

٢- الاحتجاج

٣- الانكسار

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس أزمة الإنسان المعاصر في عالم مضطرب.

2. الخطاب الاجتماعي

يحمل نقداً ضمنيًا:

لانسداد الأفق

لضيق العالم رغم اتساعه

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهدٌ على انهيار المعنى، لا مصلح مباشر.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الفينيق يساوي الأمل/الانبعاث المكسور

٢- الباب = العتبة الوجودية

٣- الزنازين = القيد النفسي

2. الثنائيات

١- الحضور / الغياب

٢- الداخل / الخارج

٣- الحركة / العجز

3. النظام الرمزي:

العالم مغلق، والذات محاصرة داخلها.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- القراءة التأويلية

مع التركيز على النص ذاته.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم:

النص يحتفي بالإنسان في ضعفه، لا في قوته.

2. الانفتاح التأويلي

قابل لقراءات:

١- وجودية

٢- نفسية

٣- سياسية

3. البعد الإنساني:

يمسّ كل إنسان يشعر بالغربة.

عاشراً: البعد الإيروتيكي (بمعناه الفلسفي)

الإيروتيكي هنا ليس جسدياً، بل:

رغبة في الاتصال

توق إلى التماهي مع الذات لكن هذه الرغبة تُحبَط، فتتحوّل إلى اغتراب.

خاتمة:

إنّ نص خلدون رحمة ينهض بوصفه لحظةً شعرية مكثّفة، تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، والرمز مع التجربة، والذات مع العالم. إنّه نصّ يُعيد طرح السؤال الإنساني الأبدي: كيف نكون في عالمٍ لا يسعنا، ومع أنفسٍ لا تؤانسنا؟

وهكذا، لا يقدّم النص إجابة، بل يتركنا عند العتبة:

نطرق أبوابنا…

لنصافح غربتنا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

....................................

خلدون عماد رحمة

Khaldoun Rahmeh

طاعناً في غربتي

لي حزنُ فينيقٍ تبعثرَ ريشُهُ

بين الجريمةِ والغيابِ

*

أدقّ بابي

زائراً روحي

فتحتُ البابَ مُنتَظِراً

فصافَحَنِي اغترابي!

يا إلهي ، كيفَ ضاقَ الكونُ

واتّسَعَتْ زنازين العذابِ؟

سألتُ حينَ مشيتُ:

أين أروحُ يا دنيا

إذا ضاع الذهابُ مع الإيابِ؟

 

الفراغ الإبداعي وديناميكية المعنى (الجزء الأول والثاني)

التنصيص كبوابة لفهم النص: يبدأ النص بهذا الزخ الكثيف: (نص بلا خاتمة)، وهو إعلان فلسفي وشاعري متكامل، يرفض أي إحكام نهائي للمعنى. كلمة "نص" تشير إلى خطاب مكتوب، لكنها - هنا- تتحول إلى كائن لغوي حي، قادراً على التطور والتغير عبر التفاعل مع المتلقي . الكلمة الثانية (بلا) التي تعمل كإشارة نفي جذرية، تفكك أي توقع لنهاية محددة، فتُدخل المتلقي منذ الوهلة الاولى في فضاء الاحتمالات المفتوحة. أما كلمة (خاتمة)، التي - عادةً- ما تحمل معنى الإغلاق والتنظيم، فالنص ينفيها ليعلن رفض الانتهاء التقليدي للمعنى.

من منظور سيميائي بنيوي، يمكن قراءة النصيص وفق نظرية غريماس كشبكة من العلاقات: الفعل (يشاء) يتحكم في حركة النص، والموضوع (النص) يحمل العلامات الرمزية، ويشارك المتلقي في بناء المعنى. ليس النصيص -هنا- مجرد تسمية، بل خريطة توجيهية للفضاء السيميائي للنص.

الجملة الأولى: (ويشاءُ أنْ تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ، أن يولدَ المعنى أعزلَ من يقينِه)

تكسر هذه الجملة الافتتاحية توقع المتلقي التقليدي، فالنقطة، التي عادةً ما تمثل نهاية الجملة، تتحول هنا إلى رمز للبداية المفتوحة. العبارة (أن يولد المعنى أعزل من يقينه) تعكس اللايقين الوجودي والمعرفي، فيصبح المعنى كائنًا حيًا ينبع من الفراغ، وليس نتيجة لإحكام مسبق أو يقين مكتسب.

من منظور السيمياء البنيوية، النقطة تعمل كعلامة تحولية، والوجود الأعزل للمعنى يعني أن كل رمز في النص يحمل دلالات متعددة لا تتوقف عند تفسير واحد. اما من منظور التداولية النصية، فالمتلقي - هنا - يُجبر على التفاعل مع الفراغ، والمشاركة في تشكيل المعنى، وليس مجرد متلق سلبي. نفسيًا، يعكس هذا القلق الوجودي للذات الباحثة عن اليقين وسط الفوضى المحتملة للمعرفة.

اما الجملة الثانية: (ويمشي على حافّة السؤال كطفلٍ يتعلّمُ الظل من كسرِ الضوء)

فتضيف بعدًا نفسيًا ومعرفيًا للنص، فالطفل يمثل الذات الباحثة عن المعنى، وحافة السؤال هي موقع التوتر بين اليقين والشك. يرمز الظل المستمد من كسر الضوء إلى المعرفة الجزئية، فالذات تتعلم من الظلال وليس من الضوء الكامل، أي من الجزئيات والتجارب المحدودة، وليس من الحقيقة المطلقة.

سيميائيًا، كل عنصر هنا هو علامة متعددة المستويات: الطفل، الحافة، الظل، وكسر الضوء تتفاعل لتخلق شبكة معقدة من المعاني المحتملة. اما في البعد التداولي ،فان المتلقي يُدعى للتأمل في هذه الرموز، وإنتاج تفسير شخصي لما تمثله هذه الظلال في سياق حياته وتجربته. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع اللايقين والفراغ المعرفي، وإدراك أن المعرفة الكاملة غير متاحة، وأن التعلم يأتي من الجزئيات.

في الجملة الثالثة: (ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء، أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد، ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

تتحول الريح. إلى عامل تفكيكي وتحويلي للمعنى، فهي تعيد ترتيب العلامات والأسماء، وتجعل كل تجربة قابلة لتعدد التأويلات. الجرح، الذي عادةً يحمل معنى محددًا أو سردًا ثابتًا، يصبح هنا مفتوحًا على تفسيرات متعددة. النجاة أيضًا غير محددة، ما يخلق شعورًا بأن النص فضاء ديناميكي دائم الحركة، فالاحتمالات مفتوحة لكل حدث ورمز.

من منظور التداولية، يصبح المتلقي شريكًا في خلق المعنى، فهو الذي يقرر كيف سيقرأ الجرح أو النجاة، وكيف سيتفاعل مع ترتيب الريح للأسماء. اما سيميائيًا، فكل علامة مرتبطة بالآخرى، والحرية في إعادة ترتيب المعنى تعكس النص المفتوح وفق منطق البنيوية الحديثة.

الجملة الرابعة: (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء)

تلخص فلسفة النص ككل: كل تجربة، كل اختيار، كل رمز، يمثل مفتاحًا للخيارات الثنائية الممكنة: سقوط محتمل أو ارتقاء محتمل، فالنص يجعل المعنى مرنًا ويعتمد على التفاعل الذهني للمتلقي. من منظور نفسي، يعكس هذا التوتر بين الخوف والأمل، الفشل والنجاح، الموت والحياة.

سيميائيًا، الباب هنا علامة مركزية تحمل دلالات متعددة: الحدود، التحول، الانتقال بين الفضاءات، وكل قراءة لها احتمالاتها الخاصة. تداوليًا، يصبح المتلقي مسؤولًا عن توقع الاحتمال الأقرب له، ومن ثم يشارك النص في صناعة نهاياته الممكنة.

تحليل البنية النصية للجزء الأول:

يرفض الجزء الاول الخطاب التقليدي المنطقي المغلق. الانقطاعات النحوية، تكرار عبارة (ويشاء أن) , تعدد الرموز، كلها أدوات تجعل النص شبكة دلالية ديناميكية، فكل وحدة تتفاعل مع الأخرى بنحو مستمر، وتخلق إحساسًا بالحركة المستمرة للمعنى.

بهذا الجزء يقدم النص انموذجًا للشعر المفتوح الذي يحتفي بالاحتمالات والرموز المتحركة، ويجعل من المتلقي عنصرًا فعالًا في العملية المعرفية.

الجزء الثاني:

الرموز اليومية والفلسفية – الكرسي والساعة كنماذج للوعي والوجود:

المقدمة

النص بين اليومي والفلسفي:

ننتقل في هذا الجزء الى القراءة النقدية من الرموز الفلسفية المجردة في الجزء الأول، إلى الرموز اليومية التي تتحول إلى دلالات فلسفية ونفسية، مثل الكرسي والساعة. هذه الرموز تعكس قدرة النص على تحويل المألوف إلى أدوات للتأمل في الزمن والوجود، وتجسيد الصراع النفسي للذات مع العالم المادي واللامادي.

في الجملة: (ويشاءُ أنْ يُربَك النظام الصارم للأشياء، أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ قبل أن يُجلَسَ عليه)

هذه الجملة تحوّل الكرسي، الذي عادةً يمثل الثبات والمألوف، إلى كائن يمثل الفكرة، الاستبطان، والوعي المؤجل. الكرسي -هنا- لا يكتفي بدور وظيفي، بل يصبح عنصرًا نشطًا في عملية التفكير نفسها، فقبل أن يجلس عليه أحد، هو قادر على "التفكير"، أي أن الأشياء اليومية تحمل قدرة على إعادة صياغة التجربة الإنسانية.

من منظور سيميائي، الكرسي يصبح علامة مزدوجة: على المستوى الحرفي، كرسي يُجلس عليه، وعلى المستوى الرمزي، تمثيل للوعي المؤجل، للنظام المألوف الذي قد يُفكك ويُعاد ترتيبه. اما تداوليًا، فالنص يضع المتلقي أمام هذا الكرسي المتفكر، ويجعله يطرح أسئلة عن طبيعة الأشياء اليومية وكيف تتفاعل مع وعيه الخاص. اما من الجانب النفسيً فيظهر هذا الرمز صراع الذات مع المألوف، والرغبة في تفكيك الأنظمة الثابتة لفهم دورها الحقيقي في الحياة.

(وأن تسألَ الساعةُ عن جدوى الدوران إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد)

في الجملة آنفا تتحول الساعة إلى رمز فلسفي للزمن والوعي البشري. عادةً يُنظر إلى الساعة كأداة قياس صارمة للزمن، لكنها في النص تصبح عنصرًا متسائلًا، يبحث عن معنى الدوران نفسه . العبارة (إن كان الوقتُ لا يثبت عند أحد) تحرر الزمن من القيود التقليدية، وتؤكد على الذاتية المطلقة للزمن في التجربة الإنسانية.

سيميائيًا، الساعة هي علامة مزدوجة، تجمع بين المعنى اليومي الدقيق للوقت والمعنى الفلسفي للزمن كمتغير مستمر وغير مؤكد. التداوليًا، النص يضع المتلقي أمام هذا التساؤل، ويجعله يشارك النص في إعادة إنتاج المعنى وإعادة ترتيب العلاقة بين الزمن والوجود. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع انسياب الوقت والقلق الوجودي المرتبط بعدم القدرة على السيطرة عليه.

تحليل العلاقة بين الكرسي والساعة:

عند النظر إلى الكرسي والساعة معًا، نجد أن النص يخلق إنموذجًا للوعي المزدوج: الكرسي يمثل المادة المألوفة التي تتفاعل مع الفعل الإنساني، بينما الساعة تمثل الزمن المتغير الذي لا يمكن تثبيته. ان العلاقة بينهما تعكس فكرة أن الوجود لا يمكن فصله عن الزمن، وأن كل تجربة حياتية مرتبطة بسياقها الزمني والمكاني.

من منظور سيميائي، الكرسي والساعة هما علامتان مترابطتان، كل واحدة منهما تحمل معاني متعددة تتداخل مع الرموز الأخرى في النص، مثل الطفل، الظل، والريح، لتخلق شبكة معقدة من الدلالات. اما تداوليا، فيصبح المتلقي عنصرًا فعالًا في النص، فهو المستجيب للتحديات الرمزية، والمشارك في توليد الاحتمالات المختلفة لكل رمز. نفسيًا، تظهر الجمل تفاعلات اللاوعي مع اليومي، والرغبة في فهم الذات بواسطة الأشياء المألوفة والزمن المتغير.

تحليل البنية الإيقاعية والنحوية:

ان التكرار المستمر لعبارة (ويشاء أن) يربط الرموز اليومية بالفلسفية، ويخلق إيقاعًا متدرجًا يدفع المتلقي نحو الاستبطان. الانقطاعات النحوية تسمح للنص بالتنفس بين الصور المختلفة، وتفتح مساحة للتأمل في كل رمز على حدة. النص - هنا - يواصل استراتيجية النص المفتوح التي بدأت في الجزء الأول، لكنه يضيف طبقة من الواقعية الرمزية عبر أدوات الحياة اليومية، مثل الكرسي والساعة، ليصبح النص أكثر ثقلًا فلسفيًا ونفسيًا.

تحليل أفق الاحتمالات: بين هاوية السماء

ان جملة (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء) تتصل اتصالا مباشرًا بالكرسي والساعة، فهي تشير إلى تعدد الاحتمالات التي تواجه كل تجربة وقرار. الكرسي قد يمثل اختيارًا ثابتًا أو مرنًا، والساعة قد تشير إلى وقت محدد أو متغير، والنص هنا يعيد التوكيد على رفض اليقين النهائي. من المنظور النفسي، ترمز هذه الجملة إلى قلق الذات تجاه الخيارات والمسؤوليات، ومن المنظور التداولي، يتحول المتلقي إلى عامل متفاعل يحدد أي الاحتمالات سيعدها الأقرب للواقع.

خاتمة الجزء الثاني

يبرز الجزء الثاني من نص "نص بلا خاتمة" القدرة الرائعة على تحويل الرموز اليومية إلى أدوات فلسفية ونفسية. الكرسي والساعة ليسا مجرد عناصر ملموسة، بل علامات مفتوحة تتيح للمتلقي استكشاف الزمن والوجود والوعي. اما البنية الإيقاعية والنحوية المتحركة فتجعل من النص فضاء مفتوحًا للمعنى، إذ أن كل تجربة وكل رمز قابل للتأويل والتحريك. هذا الجزء يوضح أن النص ليس مجرد سرد، بل شبكة متكاملة من العلامات والدلالات التي تتفاعل مع وعي المتلقي لتخلق نصًا حيًا مستمر الحركة.

الجزء الثالث والاخير

الريح، الجرح، والنجاة – النص بين الفقد والحرية

يشكل الجزء الثالث من قصيدة "نص بلا خاتمة" محورًا مركزيًا لفهم دينامية النص المفتوح في الشعر المعاصر. هنا، تتجاوز الشاعرة مجيدة محمدي حدود السرد التقليدي لتبتكر فضاء شعريًا مفتوحًا على الاحتمالات التأويلية، إذ تتفاعل الرموز – الريح، الجرح، النجاة – على مستويات دلالية، نفسية، فلسفية، وتداولية متداخلة.

تستعمل الشاعرة الرموز لا كأدوات سردية فقط.، بل كعلامات متعددة الأبعاد تتيح للمتلقي الاشتراك في إنتاج المعنى، وفق ما نص عليه رولان بارت في مفهوم النص المفتوح، فيصبح المتلقي عنصرًا فاعلًا يشارك في صناعة المعنى بدل أن يكون متلقياً سلبيًا. هذا التوجه يعكس وعي الشاعرة بالفضاءات التأويلية المفتوحة التي تتجاوز الانغلاق على نهاية تقليدية، وهو ما يتسق مع النيص الصريح: "نص بلا خاتمة".

الريح – حركة الاحتمالات والتحرر من الثابت:

الجملة:

(ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء)

التحليل السيميائي

ليست الريح في النص مجرد عنصر طبيعي، بل عامل تنظيمي وفوضوي في آن واحد. وفق نظرية بارت، الريح تحرر العلامات من دلالتها الثابتة وتعيد إنتاجها في فضاء احتمالي مفتوح، بحيث يصبح كل اسم علامة قابلة للتحول. يمكن القول إن الريح في هذا السياق تخلق نصًا قائمًا على الاحتمالات المتغيرة، وليس على الترتيب المنطقي التقليدي.

التحليل التداولي

تحوّل الجملة المتلقي من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في صناعة المعنى. إذ يتيح النص للمتلقي أن يختبر إمكانيات ترتيب العلامات، ويصبح قراءة النص تجربة إنتاجية ديناميكية.

التحليل النفسي

ترمز الريح إلى حركة اللاوعي والرغبة في التحرر من القيود المسبقة، كما تعكس الفعل الإبداعي الذي يهدم الثابت ويعيد بناء المعنى. هذا يعبّر عن تجربة الذات في مواجهة الغموض وعدم اليقين.

الجرح – الألم والذاكرة الرمزية

الجملة: (ان لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد)

التحليل السيميائي

الجرح هنا ليس مجرد أثر ألم، بل رمز مركب متعدد الطبقات يمثل الألم الشخصي، الذاكرة الجمعية، والتحولات النفسية. رفض تفسير واحد يفتح النص على تعدد التأويلات الإنسانية والفردية، ويحرر النص من الانغلاق على معنى واحد.

التحليل التداولي

يُشرك النص المتلقي في إعادة صياغة تجربته مع الألم، مما يجعل القراءة تجربة معرفية شخصية. يتيح النص للمتلقي أن يربط الجرح الرمزي بتجارب حياته الخاصة، فيصبح مشاركًا في إنتاج المعنى.

التحليل النفسي

يمثل الجرح صراع الذات مع فقدان الاستقرار العاطفي والمعرفي، ويتيح للمتلقي استكشاف طبقات الألم الداخلية ضمن فضاء رمزي متحرك، بحيث يصبح الألم تجربة تأملية وتأويلية متواصلة.

النجاة – الاحتمالات المفتوحة للبقاء والتعافي

الجملة:

(ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

التحليل السيميائي

ليست النحاة حالة ثابتة، بل علامة مرتبطة بالاحتمالات المستمرة. تشمل النجاة في النص البقاء الجسدي، النفسي، الروحي والمعنوي، وتفتح أفقًا لتعدد التأويلات. هذا يتوافق مع رؤية بارت عن النص كفضاء احتمالي متعدد المعاني.

التحليل التداولي

يدعو النص المتلقي للمشاركة في إنتاج احتمالات النجاة، ليصبح النص تجربة تفاعلية وديناميكية. بذلك يتحول المعنى من مفهوم محدد إلى شبكة احتمالات مفتوحة.

التحليل النفسي

تعكس النجاة وعي الذات بعدم اليقين وتبني موقف من المرونة والتحمل أمام الفقد والتحدي. تصبح النجاة عملية مستمرة من إعادة التكيف والتفاعل النفسي والمعرفي.

التفاعل بين الريح والجرح والنجاة:

التحليل النفسي

تشكل الرموز الثلاثة شبكة معقدة من الاحتمالات المفتوحة، إذ يتحرك المتلقي والذات بين الفقد والتحرر، الألم والأمل، الثابت والمتغير. هذا التفاعل يولّد تجربة إدراكية مستمرة، تجعل النص فضاء للوعي والتأمل.

التحليل السيميائي

تتفاعل الرموز لإنتاج معنى مركب ومتعدد المستويات، وتحوّل النص إلى فضاء للنشوء المتعدد للمعنى. الريح تمثل الفوضى، الجرح يمثل الألم، والنجاة تمثل الاحتمالات المفتوحة للتعافي.

التحليل التداولي

لا يكتفي النص بتقديم الرموز، بل يشارك المتلقي في إعادة ترتيبها وصناعة تجربة معرفية شخصية، مما يجعل القراءة فعلًا ديناميكيًا تشاركيًا.

خامسًا: البنية النصية والإيقاعية

الانقطاعات النحوية: تعكس الحركة وعدم الاستقرار، وتؤكد طبيعة النص المفتوح.

تكرار عبارة "ويشاء أن": يخلق إيقاعًا احتماليًا مستمرًا، يعزز الفضاء التأويلي المفتوح.

تعدد الرموز اليومية والفلسفية والمجازية: يتيح للمتلقي قراءة النص على مستويات متعددة، فلسفية، نفسية، وسيميائية.

الإطار النظري الموسع

رولان بارت: النص مساحة لإنتاج المعنى، العلامة ليست ثابتة، والمتلقي فاعل رئيسي.

الخاتمة

يؤكد الجزء الثالث من "نص بلا خاتمة" على أن النص ليس مجرد شعر تقليدي، بل شبكة ديناميكية من الرموز المفتوحة على الاحتمالات. الريح، الجرح، والنجاة تصبح أدوات لتفكيك الواقع وإعادة بناء تجربة الذات، ويشارك المتلقي في إنتاج المعنى والتجربة التأويلية. يجمع النص بين اليومي والمجازي، النفساني والفلسفي، الثابت والمتغير، ليكون نصًا حيًا مستمر الحركة، بلا ختام تقليدي، بما يتوافق مع نصيصه.

***

رياض عبد الواحد

..........................

نص بلا خاتمة

ويشاءُ أنْ

تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،

أن يولدَ المعنى أعزلَ

من يقينِه،

ويمشي على حافّة السؤال

كطفلٍ يتعلّمُ الظل

من كسرِ الضوء .

*

ويشاءُ أنْ

يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،

أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،

ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،

فكلُّ بابٍ

هو احتمالُ هاوية

أو احتمالُ سماء.

*

ويشاءُ أنْ

يُربَك النظام الصارم للأشياء،

أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ

قبل أن يُجلَسَ عليه،

وأن تسألَ الساعةُ

عن جدوى الدوران

إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد.

***

مجيدة محمدي - تونس

 

بنية الصراع النفسي وتمثلات الاختيار الأخلاقي في قصة (الصفعة) للأديب محمد عاطف

وهو عنوان يجمع المفاهيم

تتأسس قصة (الصفعة) على بنية صراعية داخلية تتقدم فيها الدينامية النفسية على الحدث الخارجي، بحيث يغدو الفضاء (مستشفى الأمراض النفسية) بنية رمزية تمثل هشاشة الذات الحديثة وانقسامها بين اندفاع الرغبة وسلطة الرقيب الأخلاقي. ومن ثم يمكن تأطير القصة ضمن مقاربة مركبة تتكامل فيها القراءة النفسية التحليلية مع المنظور الحداثي في تقنياته السردية والأفق الوجودي في رؤيته للحرية والاختيار....

انقسام الذات وبنية الصراع النفسي

يتجسد الصراع المركزي في وعي عبد الحق بخطر التشظي الداخلي فهو يدرك أن الاستجابة للإغواء ستفضي إلى انشطار وجودي لا يمكن احتماله. يتضح ذلك في قوله:

"لو يفترض.. لو.. سيمنح فلمة جسده فقط، أما قلبه وروحه وكل مشاعره فستظل لعائشة، وسيشهد هو انشطارا رهيبا سوف لن يحتمله…"

يشي هذا المقطع بوعي الذات بذاتها بوصفها وحدة مهددة بالانقسام  ويؤسس قراءة نفسية ترى في فلمة تمثيلاً لـ"اقتصاد الرغبة" المرتبط بالحاجة والنجاة مقابل عائشة التي تؤطر "المرجعية القيمية" المتعالية. إن التوتر هنا ليس عاطفياً فحسب، بل هو صراع حول إمكان الحفاظ على وحدة الكينونة...

الحداثة السردية وتيار الوعي

تعتمد القصة على المونولوج الداخلي وتداعي الصور والاستعارات مع تفكك الحبكة التقليدية لصالح حركة شعورية متصاعدة. الحدث الخارجي يتراجع لصالح الحدث النفسي والزمن يتحول إلى زمن ذاتي يتسع و ينكمش تبعاً لحدة التوتر. بذلك تنخرط القصة في أفق حداثي يجعل من الوعي مادة السرد الأساسية ويذيب الفعل في اللغة فتغدو الكتابة نفسها مساحة اختبار للذات....

الحب بين القيمة والمنفعة

تنتقل القصة من المستوى الفردي إلى مساءلة البعد الاجتماعي للعاطفة حين يطرح السؤال:

"الحب لقاء المساعدة أم المساعدة لقاء الحب؟"

هذا التساؤل يفكك البنية التبادلية للعلاقة ويكشف انزلاق الحب إلى منطق المنفعة. الرفض هنا ليس رفضاً لشخص، بل رفض لتحويل العاطفة إلى عقد ضمني للمقايضة. ومن ثم يتحول القرار الأخلاقي إلى موقف من تصور حداثي للعلاقات تحكمه براغماتية مفرطة...

الهوية والاغتراب

يتعزز التوتر عبر استدعاء ثنائية الوطن/الغربة والذات/الآخر، خاصة حين تصفه فلمة بـ" الأجنبي القذر ". غير أن القصة  لا تنزلق إلى خطاب دفاعي مباشر، بل توظف المفارقة:

" إذا كانت المرأة هناك تمشي خلف الرجل راضية أو كارهة، فكيف تفسر هي الآن مشيها خلفه على إيقاع الجنون..؟ "

تحول هذه المفارقة الاتهام إلى مساءلة وتكشف هشاشة الأحكام الثقافية الجاهزة، مما يمنح القصة بعداً نقدياً يتجاوز الإطار الفردي إلى تمفصل الهوية داخل سياق اغترابي....

 دلالة الصفعة بوصفها مركزاً دلالياً

تشكل الصفعة لحظة انتقال الصراع من المستوى الرمزي إلى الجسد. غير أن دلالتها تتجاوز أثرها الفيزيائي، كما يتجلى في قوله:

"إن الصفعة لا ترى الآن إنما تبعث الألم.."

تغدو الصفعة علامة على ألم غير مرئي وعلى غياب الاعتراف بمعاناة الذات. ومن ثم يصبح الرحيل فعلاً يحمي الكرامة الداخلية ويؤكد أولوية الانسجام القيمي على المكسب الظرفي...

 الأفق الوجودي والاختيار

تتأسس القصة على مركزية القرار الفردي وتحمل تبعاته وهو ما يضعها في تماس مع الرؤية الوجودية التي تجعل الحرية مسؤولية أخلاقية. في هذا السياق تحضر مقولة سارتر  Sartre: "الإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه."

فالذات لا تتحقق إلا عبر فعل الاختيار. كما يمكن استحضار رؤية يونغ  Jung: "من ينظر إلى الخارج يحلم ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ."

عبد الحق يستيقظ على ضرورة مواجهة انقسامه الداخلي ويختتم وعيه بهذه العبارة الدالة: " لن تشفي ضعف نفسك إلا قوة نفسك.."

إنها خلاصة تؤكد أن الشفاء لا يتحقق عبر الاتكاء على الخارج بل عبر إعادة بناء الذات من داخلها....

 وهكذا تشكل قصة (الصفعة) تمثيلاً سردياً لمفهوم الكرامة الداخلية في مواجهة الإغواء النفعي، كما تعكس توتراً هوياتياً يتولد داخل سياق اغترابي ضاغط. ويغدو الفعل البسيط (الصفعة) مركزاً دلالياً تتكثف فيه رهانات الاختيار الأخلاقي، بحيث يتحول الحدث الجزئي إلى علامة رمزية على صراع وجودي يتعلق بوحدة الذات وانسجامها القيمي.

وبهذا تتكامل الأبعاد النفسية والحداثية والوجودية في بنية تأويلية واحدة تمنح القصة كثافتها الدلالية وعمقها الفكري.

***

فاطمة عبد الله

تتميز قصص "48 ساعة في الجحيم" للقاصة والأديبة المغربية مجيدة الفلاحي بتنوع وتنويع في عناصرها وموضوعاتها السردية؛ من أسطورة، وخذلان، وحكي، وغرابة، وكتابة... ورغم اعتمادها ضوابط القصة القصيرة وثوابتها المعروفة كالحوار، والوصف، والشخوص... فإنها أغنت متنها القصصي بأساليب ورؤى منحتها غنى على مستوى الحكي، وعمقا على مستوى الأبعاد.

فقد اعتمدت الحوار الداخلي في أولى القصص " الدوبل في " حيث تقول: " وقفت أمام المرآة تحدق في بطنها المنتفخ... سيكون هذا مولودها الأول بعد أربع سنوات على زواجها... " ص1، في حوار داخلي عقدته سميرة مع نفسها. والخارجي كما في قصة " انتظرني... ": " - هل تحتاجين إلى مساعدة ؟ / - أين أجد مكتب شؤون الموظفين ؟ سألت بخجل. / الطابق الرابع. أجابها بابتسامة هادئة. " ص 11، والاسترجاع في مثل نص " زهرة ": " تذكرت زهرة الحوار الذي دار في ذلك اليوم بين والديها وشقيقها في المطبخ... " ص3، والشخصيات كسميرة في قصة " الدوبل في "، وزهرة بنت قدور في قصة " زهرة " ، وبّا سايكة والجدة في قصة " لغة الحب "، والدادة في " الرجال الذئاب ". وعنصر الوصف بطابعه الرومانسي: " كان ماء البحر أزرق صافيا. يحاكي زرقة السماء، ودفء الشمس وصوت أسراب طيور النورس، المحلقة هناك على المرفأ ترسم دائرة إلى أعلى وإلى أسفل/ والريح تهفهف على أديم الشطآن. " ص19، في وصف لمشهد البحر، وأيضا مشهد الطبيعة حيث نقرأ: " السماء زرقاء صافية، وشمس الخريف الحارقة تمد خيوطها الباهتة على الأفق، ولا هطول منتظرا سوى الضجر. " ص 27، أو وصف الهيئة والشكل واللباس كما حدث مع بّا سايكة في قصة " لغة الحب ": " كان بّا سايكة رجلا طويلا نحيلا في نهاية عقده الخامس، بملامح صارمة وتجاعيد وجه كثيرة، لحيته بيضاء مشوبة بالسواد، يلف رأسه ب " شدّادة " فقدت بياضها من غبار الطريق، ويرتدي جلبابا صوفيا بنيا... " ص31.

ومع غنى المجموعة بما تتناوله من موضوعات، وما تستشرفه من آفاق مختلفة في ما تستعمله من أدوات، وما تتوسل به من عناصر بحمولات رمزية ودلالية، فإن تيمة المعاناة تعد الأبرز داخل سياقات الحكي، وأنساقه التعبيرية ارتباطا بالنساء، وما يتعرضن له من خذلان وظلم في شتى أشكاله وأنواعه، كما يتجلى ذلك في قصة " زهرة ": " وقفت زهرة بنت قدور بانكسار، خفيضة الصوت والجناح تنتظر دورها، إلى جانبها أمها العجوز، وطفلها الذي لم يتجاوز السنتين، وبين ذراعيها رضيعها ذو الثلاثة أشهر... " ص3، في تصوير لحالة زهرة وهي تصطف في طابور أمام المحكمة، مع نساء تجمعهن مشاكل التفكك الأسري، وما ينجم عنه من تبعات يذهبن ضحيتها وصغارهن الذين يزج بهم في نفق اليأس والضياع: " وقفت زهرة صامتة، تستمع إلى أحاديث النساء حولها... كل واحدة تحكي عن معاناتها مع الشقاق والطلاق والنفقة. " ص3، وتعتبر زهرة نموذج لما تتعرض له المرأة من ظلم يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية فيه قرارات الأسرة، وموقف المجتمع، بحيث يفرض عليها الزواج دون مراعاة السن، ووضعية الزوج: " تتذكر زهرة ذاك اليوم الذي تقرر فيه مصيرها، كمصير باقي فتيات القرية...بزواج مبكر، حمل، ووضع، وإرضاع وكنس وطبخ وغسيل... واجهت زوجا سكير مستهترا، وانتهى بها الحال إلى الطلاق والعودة إلى نقطة الصفر، مع طفلين في حضنها وخيبات كثيرة في قلبها. " ص 4، هذه المعاناة التي تأخذ الكثير من الأشكال، فتنتقل من الواقع إلى الحلم كما في قصة " يدك أمي "، وما عاشته الفتاة من معاناة خلال كابوس مزعج لم تتوقف أشواطه المرعبة إلا مع الأم التي اقتربت منها لتوقظها بحركات تنم عن حب وحنان كما تصور ذلك: " فجأة أفقت، اكتشفت أنني كنت نائمة، كانت أمي تقف عند رأسي و تمسد على خدي وجبيني بلطف كعادتها كلما جاءت لتوقظني. فتحت عيني مرعوبة من حلمي، وجدتني أتنفس بصعوبة، ودقات قلبي تتسارع، وكل جسمي يتصبب عرقا من الفزع... "ص7، لتبتعد هذه الأم التي غيبها الموت مخلفة فراغا كبيرا في حياتها، وشروخا تستعصي على الالتئام: " آه يا أمي، أيتها البعيدة الآن، أين صوتك المطمئن اللطيف ؟... أينك يا أمي لتنقذيني من سراب اليقظة، ومن ريح الواقع الهوجاء التي تشتت أحلامي ؟ " ص7، وإلى شوق غامر، وحنين عارم لأم غادرت وغابت. وإلى صورة أخرى لمعاناة من تبعات ومخلفات الحروب التي تترك آلاما عميقة في نفوس ضحاياها: " أشعلت التلفاز لتتابع أخبار العالم... مشاهد القتل والدمار... آلاف الأطفال والنساء يهربون من النار ومن الحطام إلى المجهول... صمت مريب يحيط بالمشهد. الإنسانية تصرخ وتستغيث أرواح تساق كالقطعان، والآمال تدفن تحت الأنقاض. " ص23، صور لمظاهر حرب تعج بأشكال العنف، والتدمير، والتقتيل تعكس وتختزل نوعا وتجليا آخر من المعاناة. وتتضمن المجموعة العديد من الموضوعات والتي نذكر منها موضوع الخذلان، وما يحيط به من جحود وخيانة ينكث مواثيق الوفاء والإخلاص، ويتنكر لعهودها كما نقرأ في قصة " دوبل في " على لسان سميرة: " تمنت لو كان هذا الذي ينمو في أحشائها من صلب حبيبها السابق، بل حبيبها المزعوم الذي خذلها في بداية الطريق، ومضى ليبني حياته بعيدا عن أحلامها الوردية... " ص1، وفي قصة " سأتزوج... " حيث تحول حب الزوجة لزوجها إلى ذكرى تآكلت بفعل الجفاء، لا تحرك فيها أي إحساس، ولا تثير أي اهتمام لما اكتشفت خيانته: " هل أصبح أمره لا يهمها إلى هذا الحد ؟ ليس اليوم فقط... منذ سنوات، منذ تلك اللحظة التي خانها فيها تغير كل شيء. كان حبها هو محور حياتها، لكن تبدلت الأمور. " ص22، فلم تعبأ بخبر زواجه، ولم تعره أي اهتمام لأنه كزوج ولج دائرة التشييئ لديها: " الآن هو مجرد رجل في البيت، أو مجرد شيء كنافذة أو كباب... لا شيء أكثر... والآن خبر زواجه الجديد لم يحرك فيها شيئا. " ص22، وعنصر التناقض،الذي ورد، في تقاطع مع موضوع الخيانة، بحيث يكشف العلاقة المبنية على الخداع والمكر كما تصور ذلك قصة " الدوبل في" في تصريح سميرة بخصوص سلوك شخص ربطته بها علاقة سرعان ما تنكر لها لتنكشف صورته الأصلية ناسفة ما كان يبديه من صفات مبدئية ما فتئت تتبخر وتتلاشى: " كان يبدو مناضلا شرسا، دائم الدفاع عن حقوق الإنسان ومؤيدا لحرية المرأة. وعدها بأنها ستكون المرأة الوحيدة في حياته. لكن هاهو اليوم يظهر على حقيقته، ذئب مفترس، نهش لحمها ولوث مشا عرها، وغادر بلا ندم، كأي ذئب حقير... " ص1، حين اختار استبدالها بفتاة أخرى قرر الارتباط بها متنكرا لما جمعهما من علاقة تنبني على حب ينتهي بالزواج، وهو ما يظهر التناقض في شخصية طالب جامعي يدعي النضال، والإيمان بمبادئه وأهدافه إلا أن الحقيقة التي يخفيها تثبت العكس. وعنصر الغرابة الذي تختزله قصة " انتظرني... "، حيث ظلت الزوجة وفية لزوجها المتوفى، تعيش على إيقاع ذكرياتها معه، فقد هيأت نفسها، وتجملت مرتدية أفضل ملابسها خصوصا التي كان يستحسنها، فاتجهت نحو المقبرة لزيارته وفاء وإحياء لذكريات الزمن الجميل الذي جمعهما، بل لتواصل وجداني عاطفي معه وهو داخل القبر، مما أثار استغراب ودهشة سائق سيارة الأجرة الذي طلبت منه إيصالها إلى المقبرة وهي في أبهى حلة، وأفضل مظهر من حيث الشكل والملبس: " وعندما سألها السائق عن وجهتها، أجابت بصوت خافت: - إلى مقبرة الشهداء./ نظر إليها السائق باستغراب، ثم قال: - حاضر !/ كان يتطلع إليها من خلال المرآة، ربما استغرب كيف تكون بكامل أناقتها، وعطرها يملأ السيارة، وهي في طريقها إلى المقبرة. " ص12، وهو ما يتكرر في قصة " الورقة البيضاء " من أنسنة للورقة من خلال ما جال في ذهن الكاتبة من تصورات وتخيلات في ما صدر عن الورقة من كلام إزاءها: " تحدق فيها أكثر، وتتخيلها تتكلم بصوت خافت: " ها أنا أمامك، بيضاء كالثلج، منذ أيام وشهور وأنت تراقبينني بخوف وتردد. اقتربي... استبيحي بياضي، اكتبي ما تشائين... " ص28، في تصوير لما ألم بها من استعصاء على الكتابة التي تمنعت عن مطاوعتها والاستجابة لها، بدءا من الورقة إلى القلم الذي يخاطبها هو أيضا: " لقد أرهقني صمتك. تخنقينني بين أناملك، حبري يكاد يتجمد... أكاد أختنق. " ص28، مما ساقها إلى الظن أن الورقة والقلم اتفقا على التآمر عليها كما عبرت عن ذلك: " ثم تصرخ في الورقة والقلم معا: مؤامرة ! نعم، مؤامرة تحاك ضدي، لتصوير عجزي... ما ضركما إن طال هذا العدم قليلا؟ " ص28. وموضوع الاهتمام بالكتابة والقراءة، وما يلفه من ضغوطات ومعوقات خصوصا لدى المرأة، التي تتحمل عبء الكثير من المهام تتوزع بين العمل، وتربية الأطفال، وأشغال البيت، وهو ما تصوره قصة " يوم عادي... جدا " الذي تنخرط فيه في برنامج يومي مكثف ينطلق منذ الصباح الباكر: " في تمام الساعة السادسة صباحا رن منبه الهاتف، فسارعت إلى كتم صوته، لكي ينعم زوجها بنومته الهادئة. " ص5، مما يظهر حرصها على توفير الراحة لزوجها، ورعاية طفليها بتحضير كل مستلزماتهما قبل التوجه إلى المدرسة في تسابق مع ضغط الوقت وضيقه: " تشعر وكأنها تسابق الزمن، عيناها تنتقلان بين الساعة الحائطية وبين باب غرفة الطفلين... عليها أن تحضر نفسها للذهاب إلى العمل وإيصال طفليها في طريقها إلى مدرستهم... الساعة الثامنة، كانت تقف أمام باب المدرسة... عند الخامسة مساء كانت تقف من جديد أمام باب المدرسة لتأخذ طفليها... " ص5، ضغط يضاعف من حدته أيضا ما تعرفه شوارع المدينة من زحمة واكتظاظ في ساعات الذروة: " تابعت طريقها إلى العمل، وسط الزحام، حيث كانت أصوات المنبهات تصم الآذان... " ص5، والعودة إلى البيت في حالة تعب وإرهاق: " أخيرا وجدت نفسها ترتمي منهكة على أريكتها المفضلة، قرب المدفأة، أخذت نفسا عميقا وأغمضت عينيها للحظات قصيرة." ص6، فأمن زحمة يومي مثقل بالإلزامات العملية والأسرية تستل وقتا للقراءة: " وأخذت رواية " قواعد العشق الأربعون "، وذهبت إلى الغرفة المجاورة، لتقرأ بعض صفحات قبل أن يزورها سلطان النوم... " ص6، دون أن ينسيها ثقل واجب العمل وشؤون البيت التفكير في كتابة قصتها: " ربما يأتي وقت لتكتب قصتها قبل أن يدركها الصباح. "ص6، تأكيدا للعلاقة الجدلية والتفاعلية التي تجمع بين القراءة والكتابة بشكل تكاملي تنشد من خلاله اختراق، وتكسير إيقاع زمن يدور في عجلة الرتابة والتكرار كما نقرأ في قصة " مطبخ الكتابة " حيث اضطرت الكاتبة إلى توزيع وقتها بين أشغال البيت والقراءة والكتابة: " هذه المرة وخلافا للسنوات السابقة، حيث كنت أخصص زوال اليوم لأشغال المطبخ، وما بعد الإفطار للكتابة والقراءة... هذه المرة قررت أن أجمع بين العالمين في الوقت نفسه، فهيأت لنفسي جلسة في ركن من الصالون على بعد خطوات قليلة من المطبخ... " ص13، مع تحديد ماهية الكتابة والهدف منها، والذي يتجاوز ما هو ذاتي المتمثل في إرضاء نزعة ورغبة داخلية إلى كتابة ما يرضي فضول القراء المعرفي، وتوقهم الوجداني والجمالي كما تصرح بذلك: " فكذلك لا أكتب لنفسي فقط، بل أكتب من أجل الآخرين أيضا، أكتب أجمل ما أعرفه وأحس به من أجل القراء... " ص14، فهي تسخر للكتابة كل طاقاتها الفكرية، ومقدراتها الحسية: " إنها في صراع مع الكتابة التي تأخذ منها أكثر مما تعطيها كأنها تهرب بها منها..." ص15، فالكتابة قدرها المحتوم، الذي يتعقبها، يطاردها، يحاصرها أينما حلت وارتحلت. وبرز موضوع الحكي في سياق مختلف تكلفت به شخصيات،خارج ما هو نمطي مألوف، من قِبَل " الدادة " في قصة " الرجال الذئاب " التي تبحر بعقول وأفئدة الصغار في عوالم تعج ج بالإثارة والتشويق: " كنا صغارا أنا وبنات عمي... وكانت سعادتنا بلا حدود كلما تحلقنا حول " الدادة "، وهي تفتح لنا أبواب القصص والحكايات بصوتها الفريد... كانت تتحدث في كل شيء: عن الماضي والمستقبل، عن الطفولة، عن الشباب، وعن النساء والرجال. تحدثنا عن الله، عن الحلال والحرام، عن الجن والعفاريت والشيطان، وعن مّي الغولة وعيشة قنديشة وميرة وميمونة، وعن حمو شارب دمو، وعن بركات الشرفاء والأولياء، وعن مولاي بوسلهام الذي شق البحر نصفين... وعن لالة ميمونة التي كانت تعبده بكلمة واحدة... " ص37، حكايات بطابع أسطوري خارق ومدهش في حضور قوي ومؤثر لشخصية " الدادة "، وما يميزها من أداء مبهر ومثير وآسر على مستوى الحكي. موازاة مع حكاية المعلم عن عيد الأضحى، ومدى تأثير فصول وتفاصيل سرديته في نفوس، وأذهان التلاميذ الصغار كما جاء في قصة "العيد الكبير": " كان معلما مهابا، يملأ الفصل بحضوره الطاغي، وبنبرة صوته التي تخترق الأسماع. " ص40، موضحا الحكمة الإلهية من استبدال ابن النبي إبراهيم بكبش للنحر، وما ترتب عنه من درء حدث مؤلم ومفجع مرتبط بعيد الأضحى لدى المسلمين: " احمدوا الله... لولا أن رحمته نزلت، لكنتم أنتم مكان الخروف... تخيلوا أخاكم أو أختكم هناك... تخيلوا أنكم ستأكلون لحمهم ! " ص39، كما كانت هناك إشارة وتلميح إلى أسطورة سيزيف، وما يغلفها من عبث ولا جدوى، في قصة " يوم عادي... جدا " في إشارة إلى قصة الصخرة: " سترفع صخرتها على ظهرها وتقضي نهارها ترزح تحت ثقلها دون أن تئن أو تتوجع... " ص6، مع اختلاف للهدف المنشود، فهدف سيزيف عبثي غير محدد، أما هدف الأم هو بلوغ أفق أفضل لطفليها؛ فهي تكد وتتعب وتضحي من أجل ذلك. والإشارة، الضمنية، كذلك إلى شهرزاد في قصص" ألف ليلة وليلة " التي تتقاطع مع قصة الأم في مهمة حكي يتوقف مع بزوغ نور الصباح وانبلاج شعاعه حين تقول: " ربما يأتي وقت لتكتب قصتها قبل أن يدركها الصباح. " ص6. ولم تخل قصص المجموعة من الجانب الأسطوري، مثل ما ورد على لسان " دادة " في قصة " الرجال الذئاب " حيث ورد ذكر العفاريت والجن والشيطان من عالم الغيب، وأسماء شائعة في تراث الحكايات الشعبية كالغولة، وعيشة قنديشة، وميرة وميمونة، وحمو شارب دمو ومانسج حولها من قصص أسطورية خارقة مثل مولاي بوسلهام الذي شق البحر نصفين؛ وهو ما أغنى نسيج القص بحكايات ذات طابع عجائبي. وما أضفى كذلك على مكونات قصص المجموعة صبغة مختلفة تجلت في اعتماد كائنات من قِبَل القطط والعصافير مثلا في تأثيث بعض مشاهده، ومجريات سياقه القصصي حيث تقول: " في الزاوية، كانت قطتها " ميرة " تموء خلف الباب، فنهرتها بقسوة لم تفهمها... في الخارج، على حافة النافدة، عصفوران يتبادلان النغم، ينتظران تشاركهما الغناء كل صباح... " ص24. ولابد كذلك من الوقوف عند اللغة التي تميزت بتنوع أضفى على سياقات السرد عمقا دلاليا، وسعة وتنويعا تعبيريا باستعمال الدارجة في: " يجب أن تكون " بنت دارهم "... و" الله يجيب ليك حتى انتي ولد الناس للي يسترك " ص1، والفرنسية: " أغلقت هاتفها أيضا، وأدخلته في " Mode avion ". " قطعت اتصال ال wi-fi..." ص24.

فقصص " ساعة في الجحيم " منجز سردي بضوابط وثوابت قصصية ساهمت في تشكيل نصوص قصصية، تندرج ضمن القصة القصيرة، تحمل سمات وميزات التنوع والتعدد في العناصر والأدوات المستعملة مما أكسبها فرادة إبداعية على مستوى الشكل والمحتوى والأبعاد.

***

عبد النبي بزاز

.....................

48 ساعة في الجحيم (قصص)، مجيدة الفلاحي، طار طيوف للنشر - مصر2026.

 

قراءة نقدية متعددة المناهج في نص فارس مطر

ينفتح نص الشاعر العراقي فارس مطر على منطقة حساسة في التجربة الإنسانية، حيث يتقاطع الجسد مع المعنى، واللذة مع القلق الوجودي، والرغبة مع البحث عن الجوهر. وهو نص قصير من حيث البنية السطحية، لكنه كثيف من حيث الطاقة الدلالية، بما يتيح قراءة متعددة المستويات: لغوية، جمالية، فلسفية، نفسية، وسيميائية.

إنه نص يُخاتل قارئه: يبدأ بإيروتيكية مباشرة، ثم ينقلب فجأة إلى استعارة وجودية، حيث يتحول الجسد من موضوع للرغبة إلى معبر نحو "القلب" بوصفه مركز المعنى والكينونة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

أولاً- سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النص من حيث البنية اللغوية يقوم على جمل قصيرة، مباشرة، تكاد تميل إلى النثرية المكثفة:

"حسنًا أيها الجسد،

لقد وصلت يدي إلى النهد الأيسر

ماذا بعد الحلمة؟"

نلحظ:

سلامة تركيبية واضحة تخلو من التعقيد النحوي.

اقتصاد لغوي شديد، حيث تُحذف الزوائد لصالح الدلالة المكثفة.

الانزياح الدلالي يتمثل في الانتقال من لغة حسية مباشرة (النهد، الحلمة) إلى سؤال وجودي ("ماذا بعد؟").

الجملة الأخيرة:

"كنتُ أريدُ الأبعد، أردتُ القلب"

تمثل قفزة انزياحية من الحسي إلى المجرد، وهو انزياح بلاغي جوهري يخلق صدمة دلالية.

ثانياً - فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

رغم الجرأة المعجمية، لا يقع النص في الابتذال، بل يحافظ على:

اقتصاد تعبيري رفيع

توازن بين المباشرة والإيحاء

فاللفظ الجسدي هنا ليس غاية، بل وسيلة:

"النهد" ليس موضوعاً إيروتيكياً صرفاً، بل عتبة دلالية.

"الحلمة" تتحول إلى حدّ معرفي: نقطة توقف للسؤال.

ثالثاً- الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا ينتمي إلى وزن خليلي، لكنه يحقق:

إيقاعاً داخلياً قائماً على التقطيع النفسي

تكرار صوتي خافت (أردتُ / الأبعد / القلب)

نلاحظ:

التدرج الصوتي من الامتداد ("الأبعد") إلى الانغلاق ("القلب")

- وكأن الإيقاع نفسه يحاكي حركة الاختراق نحو الداخل.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية تصاعدية:

النداء: "أيها الجسد"

الفعل الحسي: "وصلت يدي"

السؤال: "ماذا بعد؟"

التحول: "أردت القلب"

هذه البنية تشبه:

رحلة اختراق من السطح إلى العمق

أو دراما داخلية مكثفة في بضعة أسطر

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا تقوم على فكرة محورية:

الجسد ليس نهاية، بل بداية للبحث عن المعنى

النص لا يحتفي بالجسد لذاته، بل:

يكشف محدوديته

ويجعله وسيطاً نحو الجوهر (القلب)

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تكمن قوة النص في:

المفاجأة الدلالية: من الإيروتيكي إلى الوجودي

تفكيك التوقع: القارئ يتوقع استمراراً حسياً، لكنه يُفاجأ بانعطاف فلسفي

هذا ما يُسمّى:

الانزياح الجمالي القاطع

رابعاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح سؤالًا ضمنياً:

هل الجسد طريق إلى الحقيقة أم عائق عنها؟

الإجابة الضمنية:

الجسد مرحلة

لكن الحقيقة في "القلب" - أي في الجوهر، الشعور، أو الوعي

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

التصوف (الانتقال من الظاهر إلى الباطن)

الفلسفة الوجودية (البحث عن المعنى خلف التجربة)

التحليل النفسي (الجسد كمدخل للاوعي)

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

يمكن تأويل "القلب" بوصفه:

مركز العاطفة

أو جوهر الكينونة

أو حتى "الحقيقة الداخلية"

النص إذًا:

ليس عن الجسد، بل عن خيبة الاكتفاء بالجسد

خامساً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي النص إلى:

الحداثة الشعرية العربية

حيث يتم كسر التابوهات (الجسد، الرغبة)

2. تطوّر النوع الأدبي

يمثل النص:

انتقال الشعر من الوصف إلى التجربة الداخلية المكثفة

ومن البلاغة التقليدية إلى اللغة الصادمة

3. ارتباطه بالتراث

رغم حداثته، يستبطن:

ثنائية ظاهر/باطن (صوفية)

مركزية القلب (في التراث الإسلامي والفلسفي)

سادساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

رغبة - تبدأ حسية

قلق - يظهر في السؤال

نقص - يدفع نحو "الأبعد"

2. التحليل النفسي:

يمكن قراءة النص وفق فرويد ولاكان:

"النهد" = موضوع الرغبة الأولي

"الحلمة" = نقطة الاكتفاء المستحيل

"القلب" = الآخر المفقود أو المعنى الغائب

3. النبرة النفسية

النبرة:

ليست شهوانية

بل قلقة، باحثة، ناقصة

سابعاً: الأسس السوسيولوجية

النص يتحدى:

الأعراف التي تفصل بين الجسد والفكر

ويعيد طرح الجسد كـ خطاب معرفي

الشاعر هنا:

فاعل نقدي يزعزع التابوه، لا لمجرد الصدمة، بل للكشف.

ثامناً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الجسد يساوي السطح

النهد = يساوي الرغبة

الحلمة تساوي الحدّ

القلب يساوي الجوهر

2. الثنائيات

ظاهر / باطن

لذة / معنى

جسد / روح

3. النظام الرمزي.

النص يبني شبكة تقول:

كل ما هو محسوس يقود إلى ما هو غائب

تاسعاً: الأسس المنهجية

هذه القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- النفسي

٣- السيميائي

٤- والتأويلي

مع التركيز على النص بوصفه بنية مستقلة.

عاشراً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم النص

النص يحتفي بـ:

البحث

القلق المعرفي

رفض الاكتفاء بالسطح

2. الانفتاح التأويلي

النص مفتوح على قراءات متعددة:

١- إيروتيكية

٢- صوفية

٣- نفسية

٤- فلسفية

3. البعد الإنساني:

يمس تجربة إنسانية عامة:

الرغبة في تجاوز الظاهر نحو المعنى

حادي عاشر: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية في النص:

ليست غاية بل استراتيجية

تبدأ بالجسد، لكنها لا تنتهي فيه

إنها:

إيروتيكية معرفية، لا جسدية فقط

حيث يتحول الجسد إلى:

لغة

علامة

طريق نحو "القلب"

خاتمة:

يقدم فارس مطر نصاً بالغ التكثيف، يشتغل على الحد الفاصل بين الإيروتيكي والوجودي، ويحوّل الجسد من موضوع للمتعة إلى أداة للسؤال.

إنه نص يكشف أن:

أقصى ما في الجسد هو عجزه عن أن يكون كافياً،

وأن "القلب" — بما هو رمز للعمق — هو الأفق الذي لا يُطال.

***

عماد خالد رحمة – برلين

..................................

نص القصيدة

حسناً أيها الجسد،

لقد وصلت يدي إلى النهد الأيسر

ماذا بعد الحلمة؟

كنتُ أريدُ الأبعد،

أردتُ القلب..

القلب"

***

فارس مطر

(صريع الهوى) بوصفها بنية دلالية حداثية داخل النسق العمودي

صريع الهوىٰ

شعر خالد الحامد

أشاءُ وأنَّىٰ شئتُ شاءَ ليَ الدَّهرُ

وشطَّ بما شَطَّتْ مَواجِعُهُ البِكرُ

وَهَبْ هذهِ الأوجاعَ محضَ خرافةٍ

فعمَّ بنا قهرٌ وعاثَ بنا القهرُ

وما زلتُ أجني من عذابيْ سنابلاً

فقربي لها دينٌ وبعدي لها كفرُ

متىٰ جُنَّ إنسانٌ بغيرِ مشقةٍ

يُحدِّثْ بأوهامٍ كفيلٌ بها الفَجْرُ

فزد في جنوني في الغرامِ وخلني

مَهيضَ جناحٍ لا يُرامُ لهُ جبرُ

مِنَ العقلِ ما لا تستقيهِ مواجعي

لتبقىٰ بِلُبِّ القلبِ ما مسها الضُّرُّ

فأدركتُ قتلي بالمحبةِ طالما

شربتُ بها كأْسَاً يَخِرُّ لها العمرُ

مِزَاجٌ بها ظنَّ العذولُ حلاوةً

ولو ذاقَ منها الكأسَ لاسْتُشْعِرَ الجمرُ

لَئِنْ أدركَ العُذَّالُ مُهجةَ عاشقٍ

لَآلوا مآلاً من مراتبهِ الصفرُ

فيا ليلُ في ليلىٰ أَقَمْتَ قيامتي

شَطَطْتَ وطارَ القلبُ واستفحلَ الأمرُ

فلا والذي قلبي عليهِ مثابرٌ

لكمْ في أنينِ الرُّوحِ يا مُنْيَتي الصبرُ

أموتُ وآهاتي تُوارىٰ بحرقتي

عجبتُ أمِنْ دفنٍ وليس لها قبرُ

فقد حُرمتْ ليلىٰ مِرارةَ مدفنٍ

فلاقتْ مَراراً ليتَ غادرها المرُّ

فيا عينُ مهلاً قد ذرفتِ فضائحي

فهلا اسْتترتِ اليومَ إنَّ اللِّقَا سِترُ

لِئَلَّا يَضرَّ الجفنَ داءُ غشاوةٍ

وهل بقذاءِ العينِ يستبصرُ الصَّدرُ

وكيفَ أكُفَّ الدَّمعَ عن جريانهِ

لقاءٌ بلا دمعٍ محالٌ لهُ ذُخرُ

فكم بُثَّ لي في الشِّعْرِ سِفرُ صبابةٍ

بَكَتْهُ الأماني والبكاءُ بها شِعرُ

أيا ليلُ كم هدَّ الغرامُ سلامتي

بهِ المدُّ قتلي واقْتتالي بهِ الجزرُ

أرىٰ دورةَ الأيامِ تطلبُ ثأرَها

ففي كلِّ صبحٍ يستفيقُ لها ثأرُ

تَكِرُّ علىٰ قلبي الوَلُوعِ بغارةٍ

فأمضي ولولا الحبُّ لَاقْتادني الكرُّ

علىٰ قدرِ ما تلقىٰ الحياةَ صبابتي

فإنْ متُّ أو أحيا فليسَ لها خُسْرُ

وإنْ سَرَّ روحي الموتُ ذاك لِأَنَّهُ

يراني كسرٍّ والفناءُ بهِ سرُّ

وما عابِرٌ مسَّ الفؤادَ حُشاشَةً

صريعُ الهوىٰ ويلاهُ في حُبِّهِ الحشرُ

فمنْ غيرُ كَفِّ الموتِ أزرىٰ بعاشقٍ

وهل مثْلُهُ كَفٌّ وهل مثلُهُ غيرُ

وما العشقُ إلَّا سكرةُ الموتِ نفسهِ

كشاربِ موتٍ ملءُ اكوابهِ النَّحرُ

ملاحظة:

ألامس هنا وللمرة الأولى تخوم قراءة نص عمودي بمنظور نقدي متأن مستشعرة حاجة هذا النمط الشعري إلى إمعان مختلف في المقاربة وإلى تمعن يليق بما يختزنه من بنى عميقة تتجاوز ظاهر انتظامه

مدخل رؤيوي:

بدواً نجد أن هذا النص يقارب تخوم التجربة العشقية باعتبارها حدثاً وجودياً يتجاوز محمولاته العاطفية إلى فضاء أنطولوجي تتخلخل فيه ثنائيات الكينونة: العقل/الجنون- الحياة/الموت- الحضور/الغياب-

 إن القصيدة على انضباطها العروضي تنفتح على أفق حداثي عميق بحيث تتحول اللغة إلى جهاز إشاري كثيف يعيد تشكيل التجربة الإنسانية ضمن بنية رمزية متشظية

من هنا تتأسس القراءة على منهج سيميائي تأويلي يستند إلى اشتغال العلامة

 وإلى تفكيك العلاقات الدلالية في ضوء تصورات فلسفية قريبة من أطروحات (رولان بارت) و(جاك دريدا) مع استحضار البعد الوجودي الذي يتجاوب مع رؤى (مارتن هايدغر) مع إمكان استدعاء أفق تأويلي يتقاطع مع البنية القصدية عند (إدموند هوسرل) حيث تتحول التجربة إلى وعي بالمعاناة وليس مجرد وقوعها

وقفة منهجية:

(الأفق الأنطولوجي) يتجلى هنا مفهوم (الوجود- في-العالم) عند (مارتن هايدغر). فالنص لا يصف حالة وجدانية عابرة بل يؤسس لـ(كينونة) تعرّف نفسها من خلال المعاناة.  فالبنية المنهجية هنا تنتقل من (اللغة كأداة وصف) إلى (اللغة كمسكن للوجود)، بحيث يصبح القهر والجنون هما الحقيقة الوحيدة التي تمنح الذات حضورها الأنطولوجي في مواجهة العدم

أولاً: عتبة العنوان وإحالات (الميتا-نص)

​يعد العنوان (صريع الهوى) تقديماً لـ /التراجيديا الوجودية/

ف(الصريع) هنا ليس مقتولاً في معركة مادية لكنه سياق من (إيروس) الذي يتحول إلى (ثاناتوس) أي غريزة الحياة التي تطلب حتفها لتكتمل سيميائياً

العنوان يمارس سلطة (التوجيه القبلي) للمتلقي، أي أن النص (يقود) قارئه قبل أن يكتمل الفعل التأويلي واضعاً إياه في مواجهة مع (بطل ضدي) يفتخر بهزيمته الوجدانية، إذ يتحول السرد من تمجيد الفعل إلى مساءلة الفعل.

وتتبدى أهمية العنونة (صريع الهوى) كمفهوم عتبة دلالية كبرى إذ تنشئ منذ البدء علاقة مأساوية بين الذات والعشق حين يتحول الهوى إلى قوة قاهرة وتغدو الذات موضوعاً للسقوط

 أبعد ما تكون عن فاعلاً حر الإرادة

 إن (الصريع) هنا علامة على انكسار الكينونة أمام مطلق العاطفة بما يشي بانزياح من الغنائي إلى التراجيدي وتسند هذه الدلالة نحوياً إلى تركيب إضافي (مضاف + مضاف إليه) يحكم الإغلاق الدلالي حيث يعمل (الهوى) بكونه محدداً دلالياً يقيد (الصريع) فينتفي أي احتمال لكون الصرع عارضاً ويترسخ  كماهية

وقفة منهجية:

(سيمياء العتبات) وفقاً لطروحات (جيرار جينيت) و(رولان بارت) يعمل العنوان كـ /نظام إشاري مبكر/ يمارس عملية (التنصيص الصغير) بنيوياً

 فالعنوان هنا لم يكن مجرد ملخص إنما هو (بؤرة دلالية) تختزل الصراع بين (الإيروس) و (الثاناتوس)

إنه يضع القارئ أمام حتمية الموت قبل الولوج إلى جسد النص مما يجعل القراءة اللاحقة مجرد (تفكيك) لعملية السقوط المعلنة مسبقاً

في البنية الدلالية:

يتأسس النص على شبكة من التوترات الدلالية إذ تتجاور مفردات:

القهر- العذاب- الجنون- الموت-

في مقابل إشارات خافتة إلى اللذة أو الخلاص كما:

(أشاء وأنى شئت شاء لي الدهر)

فالناص القدير يفتتح النص بجملة فعلية تتضمن فعلين (أشاء / شاء) في بنية انعكاسية بحيث يتحول الفاعل إلى مفعول ضمني ويلاحظ نحوياً أن (أنى شئت) جاءت ظرفاً شرطياً دالاً على الإطلاق غير أن جوابها (شاء لي الدهر)

يكسر هذا الإطلاق فينتج مفارقة إرادية حرية ظاهرية تقابلها حتمية زمنية وفي:

(وشط بما شطت مواجعه البكر)

فال(المواجع البكر) تنتج تركيباً دلالياً يزاوج بين الألم والنقاء ويلاحظ صرفياً أن (البكر) صفة مشبهة تدل على الثبات ما يمنح الألم صفة الديمومة الأولى

 كما أن تقديم شبه الجملة (بما شطت) يمنح الفعل امتداداً دلالياً قبل انكشاف الفاعل فتتقدم الحركة على الذات

وهنا: (فعم بنا قهر وعاث بنا القهر)

تتحول مفردة (قهر) من نكرة إلى معرفة وهذه النقلة التعريفية تنتج تثبيتاً دلالياً ويلاحظ أن الفعل (عاث) يحمل دلالة الفساد والانتشار ما يجعل القهر كياناً اجتياحياً وتكرار (بنا) يرسخ الإحاطة الجمعية

ونلمس أيضاً:

(وما زلت أجني من عذابي سنابلا)

انه هنا استعارة زراعية ويلاحظ نحوياً أن (ما زلت) تفيد الاستمرار و(أجني) فعل مضارع يدل على التجدد بينما (سنابل) مفعول به جمع يوحي بالكثرة

 مما يجعل العذاب مورداً إنتاجياً وليس استهلاكياً

وهنا تلعب دورها حرفية الشاعر البارعة

ونلحظ أيضاً في:

(فقربي لها دين وبعدي لها كفر)

يبنى هنا التركيب على مقابلة حدية حيث يتجاور مبتدآن وخبران في تواز نحوي صارم مع حذف الرابط بين الجملتين مما يسرع الإيقاع ويكثف القطع الدلالي في الجملة ليعطي للنص جماليته

أما في البنية التركيبية والنحوية أيضاً نجد:

(متى جن إنسان بغير مشقة يحدث بأوهام...)

ف (متى) هنا ظرف شرط جازم و(جن) فعل ماض مبني للمجهول ما يلغي الفاعل ويعمم الحالة فيتحول الجنون إلى ظاهرة وجودية غير منسوبة

أما عن جواب الشرط (يحدث) فجاء مجزوماً بما يعمق العلاقة السببية بين الجنون والوهم وهذا يحسب للشاعر المتمكن على مستوى البنية والإيقاع والقواعدية

وفي الجملة الآتية:

(فزد في جنوني في الغرام وخلني مهيض جناح)

تتجاور الأفعال الأمرية ويلاحظ أن (مهيض) جاءت حالاً منصوبة وهي اسم مفعول يحمل دلالة الكسر ما يحول الذات إلى موضوع واقع عليه الفعل وليست منتجاً له

وفي (من العقل ما لا تستقيه مواجعي)

فإن (ما) هنا موصولة و(تستقيه) فعل مضارع والضمير يعود على (ما)

مما ينتج بنية إحالية مغلقة ويلاحظ أن تقديم الجار والمجرور (من العقل) يفيد التخصيص كأن العقل مورد منفصل عن الألم

وفي (فأدركت قتلي بالمحبة)

نرى أن الفعل (أدرك) يفيد الوصول المعرفي وليس الحسي مما يجعل (القتل) إدراكاً ذهنياً وتأتي الباء في (بالمحبة) للسببية فتتحول المحبة إلى أداة قتل

ولو تمعنا في البنية التصويرية نرى:

(شربت بها كأسا يخر لها العمر)

نجد (يخر) فعل مضارع يدل على السقوط المفاجئ وإسناده إلى (العمر) يشخص الزمن ويلاحظ أن (كأساً) جاءت نكرة للتكثير

 أو التهويل

أما في:

(ولو ذاق منها الكأس لاستشعر الجمر)

(لو) هي شرط امتناع و(لاستشعر) مبني للمجهول ما يجعل الإحساس بالجمر نتيجة حتمية غير مرتبطة بفاعل معين

وهنا في البيت الآتي:

(فيا ليل في ليلى أقمت قيامتي)

إن النداء هنا استدعاء و(أقمت) فعل ماض يفيد التحقيق

و(قيامتي) مفعول به يحمل حمولة دينية ويلاحظ التداخل الصوتي بين (ليل/ليلى) باعتباره تجانساً صوتياً دلالياً

وحين نمعن في البنية الإيقاعية:

فنشاهد أن الإيقاع لا يقتصر على البحر لكنه يتشكل عبر التوازي التركيبي والتكرار الصوتي خاصة حرف الراء في القوافي (الدهر / القهر / الكفر / الجبر)

 وهو حرف مجهور مكرور يحدث رجعاً صوتياً يشبه الارتطام بما ينسجم مع دلالة الانكسار

أما عن البعد الفلسفي ففي:

(يراني كسر والفناء به سر) نجد إن تقديم (كسر) خبراً يخلق غموضاً مقصوداً ويلاحظ التوازي بين (سر/سر) إذ يتحول هنا الفناء إلى معرفة مغلقة على ذاتها

في بنية قريبة من التفكيك عند (جاك دريدا) حيث الدال يحيل إلى دال

وفي (وما العشق إلا سكرة الموت نفسه)

أسلوب قصر ويغلق الدلالة داخل تعريف واحد

وأما (سكرة) فهو مصدر يدل على حالة مؤقتة بينما (الموت) هو مطلق

 فينتج توتر زمني بين اللحظة والأبد

وقفة منهجية:

الموت والذاتية:

تظهر هنا إشكالية (الإرادة والضرورة) منهجياً يمكن مقاربة هذا التوتر من خلال رؤية (نيتشه) حول (المصير) فالبنية هنا تفكك وهم الحرية والذات التي تظن أنها (تشاء) تكتشف أنها مجرد تجلٍ لمشيئة (الدهر)

هذا الانزياح يمثل (موت المؤلف/الذات) داخل النص لصالح سلطة النسق الزمني

ونجد ​(وشط بما شطت مواجعه البكر) تنتج (المواجع البكر) تركيباً دلالياً يزاوج بين الألم والنقاء

وقفة منهجية - الثنائيات الضدية: 

يعتمد التحليل البنيوي هنا على (الثنائيات المركزية) (المواجع/البكر) هو جمع بين النقيضين فالألم عادة ما يكون (مستهلكاً) لكن وصفه بـ(البكر) يعيد إنتاجه كحالة توليدية دائمة

 هذا ما يسميه (جاك دريدا) بالـ (الاختلاف/الإرجاء) بحيث لا يستقر المعنى عند الألم فقط بل يرجئه نحو القداسة والنقاء

وفي ​(فعم بنا قهر وعاث بنا القهر) نرى بأن مفردة (قهر) تتحول من نكرة إلى معرفة

وقفة منهجية - تشيؤ الكائنات الدلالية: 

المنهج البنيوي يرى في هذا (التعريف) عملية (تشيؤ) (Reification) للمفهوم المجرد

فالقهر هنا يتوقف عن كونه شعوراً ليصبح (كياناً) مستقلاً يمتلك القدرة على الفعل (العيث) نحن أمام (بنية مهيمنة) تحول الإنسان من فاعل إلى مكان (بنا)

 يقع فيه الحدث

وعن ​(وما زلت أجني من عذابي سنابلا) فهو متمظهر كاستعارة زراعية (فقربي لها دين وبعدي لها كفر) يبنى التركيب هنا على مقابلة حدية

وقفة منهجية -

المفارقة الوجودية:

 تتحول التجربة عند الشاعر إلى (نسق قيمي بديل)

فالدين والكفر هنا لا يحيلان إلى مرجعية لاهوتية إنما يؤولان إلى مرجعية (عشقية)

 لذلك نبصر أن النص بنيوياً  يعيد بناء العالم من خلال (الذات العشقية) التي تمنح الأشياء قيمتها وهو ما يتسق مع (الفينومينولوجيا) (الظاهراتية) عند (هوسرل) حيث العالم هو (ما يظهر للوعي) المتألم

و (متى جن إنسان بغير مشقة يحدث بأوهام...)

(فزد في جنوني في الغرام وخلني مهيض جناح)

 (من العقل ما لا تستقيه مواجعي)

وقفة منهجية -

جنون العقل:  يتقاطع هذا الطرح مع رؤية (ميشيل فوكو) في (تاريخ الجنون) فالجنون هنا ماهو بغياب للعقل لكنه (معرفة متجاوزة) لا تستطيع الأدوات العقلية التقليدية استيعابها ومن هنا حين نلتفت للبنية المنهجية للنص نشهدها تؤسس

لـ (عقلانية الوجع)

في مقابل (لا عقلانية الوجود المادي)

​(فأدركت قتلي بالمحبة) (شربت بها كأسا يخر لها العمر)

(ولو ذاق منها الكأس لاستشعر الجمر)

وقفة منهجية -

رمزية الكأس والاحتراق: 

فالكأس هنا علامة سيميائية مزدوجة (اللذة/الاحتراق) منهجياً نحن أمام (تفكيك للمركزية الجمالية) للعشق فالعاشق يدرك أن (الحقيقة) تكمن في (الجمر) وليس في (الحلاوة) الظاهرة

ويجدر بنا الثناء على لغة الشاعر لهذا الوعي الذي يمثل قمة (التجربة الذاتية) التي لا تنقل وصفاً للحالة إنما المعاناة المباشرة

و ​(فيا ليل في ليلى أقمت قيامتي)

 (يراني كسر والفناء به سر) (وما العشق إلا سكرة الموت نفسه)

وقفة منهجية -

 الموت كاكتمال: 

ونصل هنا إلى ذروة الرؤية الوجودية حيث (الموت ليس نهاية لكنه نمط من أنماط الوجود) كما يرى (هايدغر) تحويل العشق إلى (سكرة موت) يدمج بين الوجود والعدم في بنية واحدة (السر) هنا هو الدال الذي لم يشر إلى مدلول نهائي إنما يظل منفتحاً على احتمالات الفناء بوصفه تجلياً أخيراً للحقيقة

إن قصيدة (صريع الهوى) لأستاذ خالد تشكل تجربة شعرية فريدة

 تزاوج بين صرامة الشكل العمودي وانفلات الدلالة الحداثية مع إحكام نحوي دقيق يتبدى في توزع الوظائف الإعرابية وتوازن الجمل وتكثيف الروابط المحذوفة التي تسهم في تسريع الإيقاع وإغناء المعنى

إن لغة الشاعر تنبني على اقتصاد تعبيري كثيف

إذ تتآزر البنية الصرفية (صيغ المبالغة أسماء المفعول- الجموع) مع البنية النحوية (التقديم- الحذف- التوازي) لتنتج خطاباً شعرياً عالي التماسك غني الإحالة متعدد الطبقات التأويلية

فهي لغة تمتلك قدرة نادرة على تحويل الألم إلى نظام دلالي منتج وعلى إعادة تشكيل التجربة العاطفية ضمن أفق فلسفي عميق يجعل من القصيدة نصاً مفتوحاً قابلاً لإعادة القراءة ومؤهلاً للإندراج ضمن التجارب التي تؤكد أن العمود الشعري قادر على استيعاب الحداثة بل وإعادة تعريفها من الداخل عبر وعي لغوي وجمالي شديد النضج والاقتدار

بوركت أ. خالد

***

مرشدة جاويش

 

التشاكل بوصفه آلية لإنتاج المعنى وانسجام النص

على سبيل الافتتاح: في سياق التحولات العميقة التي شهدها الدرس النقدي العربي خلال العقود الأخيرة، برزت الحاجة إلى إعادة مساءلة المفاهيم المؤسسة للفعل التأويلي، لا بوصفها أدوات إجرائية جاهزة، بل باعتبارها أنساقًا معرفية تُنتج داخل شروط تاريخية وثقافية مخصوصة. ومن هذا الأفق المعرفي، يتبدّى المشروع النقدي للباحث المغربي محمد مفتاح بوصفه أحد أبرز المشاريع التي سعت إلى إعادة بناء العلاقة بين النص، والمنهج، والمفهوم، عبر انفتاح واعٍ على المنجز اللساني والسيميائي والتداولي المعاصر.

لم يكن اشتغال محمد مفتاح مجرد استثمارٍ لمناهج غربية في قراءة الخطاب الشعري العربي، بل كان محاولةً لتأسيس وعي نقدي قادر على تفكيك آليات إنتاج المعنى داخل النص، وإعادة تركيبها ضمن رؤية تكاملية تتجاوز الفصل التقليدي بين البلاغة والتراث من جهة، والمقاربات اللسانية الحديثة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم التشاكل مكانة مركزية داخل تصوره النظري، باعتباره أفقًا تحليليًا يعيد توجيه فعل القراءة من البحث عن المعنى الجاهز إلى الكشف عن آليات تشكّله داخل بنية الخطاب.

مقدمة

عرف النقد العربي المعاصر تحولات إبستمولوجية عميقة تمثلت في انتقاله من القراءة الانطباعية للنصوص إلى بناء مقاربات مفهومية تستند إلى أدوات تحليلية دقيقة. وقد ارتبط هذا التحول بتنامي الوعي بأهمية المفهوم النقدي بوصفه أداة تنظّم المعرفة وتمنحها صرامتها العلمية. وفي قلب هذه التحولات يبرز المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره أحد أبرز المشاريع التي أسهمت في إعادة تأسيس الدرس النقدي العربي على قاعدة المفهوم والمنهج، حيث سعت أعماله إلى إعادة بناء العلاقة بين النص والمنهج والمفهوم عبر انفتاح واعٍ على المنجزات اللسانية والسيميائية الحديثة.

لقد أدرك مفتاح مبكرًا أن أزمة النقد العربي لا تكمن في غياب النصوص أو المناهج بقدر ما تكمن في اضطراب الجهاز المفاهيمي الذي يُنتج المعرفة النقدية، لذلك جعل من الاشتغال بالمفاهيم مدخلًا رئيسًا لفهم الخطاب الأدبي وتحليله (مفتاح، 1999). ومن هنا تحوّل التحليل النقدي عنده من ممارسة وصفية إلى مشروع معرفي يسعى إلى بناء أدوات إجرائية دقيقة قادرة على تفسير آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية.

وإذا كان التحول الذي شهده النقد العربي المعاصر قد أفضى إلى إعادة الاعتبار للمفهوم بوصفه أداةً لإنتاج المعرفة لا مجرد وسيلة وصف، فإن المشروع النقدي لمحمد مفتاح يقدّم نموذجًا دالًا على هذا الانتقال المنهجي، حيث يصبح الاشتغال المفاهيمي شرطًا لفهم الخطاب الأدبي في بنيته العميقة. ومن داخل هذا الأفق تتحدد أهمية مفهوم التشاكل باعتباره مبدأً تنظيميًا يكشف عن الكيفية التي تنتظم بها العلاقات الدلالية داخل النص الشعري، بما يجعل انسجامه نتيجة شبكة من التكرارات والتحولات الدلالية المتفاعلة.

أولاً: المفهوم بوصفه أساس المعرفة النقدية

ينطلق محمد مفتاح من تصور معرفي يرى أن المفاهيم ليست مجرد أدوات وصفية، بل آليات تنظّم الإدراك الإنساني وتؤطر إنتاج المعرفة. فالمفهوم يسمح بإقامة العلاقات بين الظواهر، ويمنح الخطاب العلمي دقته وصرامته المنهجية، ويجعل التحليل النقدي انتقالًا من الانطباع إلى الفهم المنظم.

ولهذا أولى عناية خاصة بالمصطلح النقدي، معتبرًا أن أي تحليل للنصوص الأدبية يظل ناقصًا ما لم يستند إلى ضبط اصطلاحي صارم، لأن المفاهيم تمثل الوسيط بين اللغة الطبيعية واللغة العلمية (مفتاح، 2009). ومن ثمّ فإن الاشتغال بالمفهوم عنده لا يقتصر على التعريف، بل يشمل تتبع تحولات المصطلح داخل الحقول المعرفية المختلفة وإعادة توظيفه بما يلائم خصوصية النص العربي.

ويكشف هذا التوجه عن وعي إبستمولوجي يجعل المفهوم أداة تفكير قبل أن يكون أداة تطبيق، إذ لا يمكن للنقد أن يبلغ مستوى العلمية إلا حين يمتلك جهازًا مفاهيميًا قادرًا على تفسير الظواهر الأدبية ضمن شبكة من العلاقات المنظمة.

ثانيًا: الخطاب الشعري بين البنية والتداول

لا يتعامل مفتاح مع النص الشعري باعتباره بنية لغوية مغلقة، بل يدرسه ضمن مفهوم الخطاب الذي يتجاوز حدود الجملة إلى شروط التلفظ والسياق التداولي. فالخطاب، في تصوره، فعل تواصلي مركب يجمع بين البنية اللغوية والوظيفة الحجاجية والتأثير التداولي.

وقد تأثر في هذا التصور بالتحولات اللسانية والسيميائية الحديثة التي نقلت الاهتمام من دراسة الجملة إلى تحليل الخطاب، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل عناصر متعددة تشمل الصوت والتركيب والدلالة والسياق (الحميري، 2008). وبذلك يتحول النص الشعري إلى نظام دينامي للعلاقات لا يمكن فهمه عبر تفكيك عناصره منفردة، بل عبر الكشف عن الروابط التي تحقق وحدته الداخلية.

ومن هذا المنظور يغدو الشعر فضاءً تواصليًا تتقاطع داخله مستويات متعددة من العلامات، الأمر الذي يجعل التحليل الخطابي ضرورة منهجية لفهم كيفية تشكّل المعنى داخل النص.

ثالثًا: التشاكل مركز التحليل الخطابي

يعد مفهوم التشاكل من أهم المفاهيم التي بلورها محمد مفتاح في مشروعه النقدي. وقد استمد المصطلح جذوره من السيميائيات البنيوية، خاصة عند غريماس، حيث يشير إلى تكرار السمات الدلالية التي تضمن انسجام النص (Greimas, 1966).

غير أن مفتاح لم يكتف باستعارة المفهوم، بل أعاد صياغته داخل أفق نقدي عربي، فوسّع دلالته ليشمل مختلف مستويات الخطاب، معتبرًا التشاكل عملية تنمية لنواة معنوية عبر تراكم عناصر صوتية وتركيبية ودلالية وتداولية داخل النص، بما يحقق انسجام الرسالة الشعرية (مفتاح، 2009).

وهكذا لم يعد التشاكل مجرد تكرار معنوي، بل أصبح آلية إنتاج للمعنى تكشف كيفية تشكل الدلالة عبر شبكة من العلاقات الداخلية التي تربط أجزاء النص بعضها ببعض.

رابعًا: مستويات التشاكل ووظائفه النصية

يميّز مفتاح بين عدة مستويات يتجلى عبرها التشاكل داخل الخطاب الشعري، من أهمها:

1. التشاكل الصوتي: المرتبط بالإيقاع والنبر والتكرار الصوتي، حيث يسهم انتظام الأصوات في بناء الانسجام الإيقاعي للنص.

2. التشاكل التركيبي: الناتج عن انتظام البنيات النحوية وتكرار الصيغ التركيبية التي تمنح الخطاب توازنه البنائي.

3. التشاكل الدلالي: القائم على تكرار الحقول المعجمية والسمات الدلالية التي تشكّل النواة المعنوية للنص.

4. التشاكل التداولي: المتصل بسياق الخطاب ومقاصده التواصلية، حيث يتحدد المعنى عبر العلاقة بين النص والمتلقي وظروف التلفظ.

وتكمن أهمية هذا التصور في كونه ينقل التحليل النقدي من البحث عن المعنى المفرد إلى دراسة آليات إنتاج المعنى، حيث يصبح الانسجام نتيجة تفاعل مستويات متعددة داخل النص (مفتاح، 1992).

خامسًا: التوازي بوصفه استراتيجية بنائية للخطاب الشعري

يربط مفتاح بين التشاكل والتوازي باعتبارهما آليتين متكاملتين في بناء الخطاب الشعري. فالتوازي لا يمثل مجرد تكرار شكلي، بل إعادة تنظيم للعلاقات اللغوية بما ينتج اختلافًا دلاليًا داخل التشابه البنيوي.

ومن خلال التوازي تتحقق وظائف جمالية وحجاجية في آن واحد، إذ يمنح النص إيقاعه الداخلي ويعزز قدرته التأثيرية، مما يجعل الشعر فضاءً تتحقق فيه الدلالة عبر الحركة المستمرة بين التماثل والاختلاف. وهكذا يصبح التوازي امتدادًا ديناميًا للتشاكل، يرسّخ انسجام النص ويعمّق بنيته الدلالية.

خاتمة

يظهر المشروع النقدي لمحمد مفتاح بوصفه محاولة معرفية عميقة لإعادة بناء النقد العربي على أساس مفهومي صارم يجمع بين التراث البلاغي العربي والمنجز اللساني والسيميائي الحديث. وقد أسهم مفهوم التشاكل، كما أعاد صياغته، في نقل تحليل الخطاب الشعري من مستوى الوصف البلاغي إلى مستوى الكشف عن البنيات العميقة المنتجة للمعنى.

وبذلك يمكن اعتبار إسهام مفتاح لحظة مفصلية في تطور النقد العربي المعاصر، حيث أصبح المفهوم أداة للفهم لا مجرد مصطلح، وأضحى النص مجالًا لعلاقات دينامية تُبنى داخله الدلالة عبر الانسجام البنيوي والتداولي. ومن خلال هذا التصور تتأكد أهمية المشروع النقدي لمحمد مفتاح باعتباره تجربة فكرية أسهمت في إعادة تشكيل الحساسية المنهجية للنقد العربي الحديث وفتحت إمكانات جديدة لفهم النص الأدبي ضمن أفق معرفي منفتح ومتجدد.

***

بقلم: د. منير محقق كاتب وناقد وباحث مغربي

...................

المراجع والمصادر

الحميري، عبد السلام. (2008). تحليل الخطاب: المفاهيم والإجراءات. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق.

مفتاح، محمد. (1992). تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (1999). مفاهيم موسعة لنظرية شعرية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مفتاح، محمد. (2009). دينامية النص: تنظير وإنجاز. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Greimas, A. J. (1966). Sémantique structurale. Paris: Larousse.

منذ العنوان، تنفتح القصيدة على أفق تأويلي متشظٍ، إذ لا يقدّم "خيانة بيضاء" عبارة مكتملة الدلالة بقدر ما يطرح إشكالًا دلاليًا مركّبًا. فالخيانة، بما تحمله من حمولة أخلاقية سلبية، تتجاور مع البياض بوصفه رمزًا للنقاء والبدء والاحتمال. هذا التنافر الظاهري لا يلبث أن يتحوّل إلى توتر منتج، يعيد تعريف الخيانة من كونها فعل سقوط إلى كونها فعل تحرّر. إننا إزاء خيانة لا تُرتكب ضد الآخر، بل ضد الذاكرة بوصفها مستودع الألم، وضد الذات القديمة بوصفها عبئًا يعوق الانبعاث. هكذا يغدو "البياض" ليس تبرئة للفعل، بل أفقًا لإعادة الكتابة، ومساحةً لمحوٍ خلاق، يُفضي إلى ولادة جديدة خارج إرث الجرح.

في متن القصيدة، تتخذ هذه الفكرة مسارها التصاعدي عبر بنية اعترافية تبدأ بالفعل الحاسم:

"أنا اليوم / قررتُ أن أخونَ ذاكرتي"

إنها جملة إعلان، تحمل في طياتها فعل القطيعة الواعية، حيث يُستبدل التذكر بالفعل الإرادي للنسيان. ولا تأتي هذه القطيعة اعتباطًا، بل تتأسس على تراكم من الألم والإنهاك، كما في قولها:

"أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز، / تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش"

الصورة هنا كثيفة الدلالة؛ فالحنين يتحوّل إلى جلد خانق، لا إلى دفء، والأفعى – رمز التجدد عبر الانسلاخ – تأتي عجوزًا، ما يوحي بأن فعل التجدد ذاته صار متعبًا، وأن الذاكرة لم تعد تمنح إمكان الحياة بل تستنزفها.

تتعمّق هذه الرؤية حين تتجسّد الذاكرة في صور مادية قابلة للإيداع والتخلّي:

"أودعتُ مفاتيحي القديمة / في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ"

المفاتيح هنا رمزية للولوج إلى الماضي، وإيداعها فعل إغلاق نهائي، وكأن الذات تقرر أن تحجب نفسها عن أرشيفها الخاص. غير أن اللافت هو وصف الصندوق بـ*"تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح"*، حيث يتحوّل النسيان إلى كيان حسيّ له رائحة، لكنها "مملّحة"، بما تحمله من إيحاء بالحفظ من جهة، وبالمرارة من جهة أخرى. النسيان إذًا ليس خلاصًا نقيًا، بل خلاص ممزوج بأثر الألم.

وفي تحول لافت، تنتقل الذات من موقع الانسحاب إلى موقع الانخراط في فعل جديد:

"ألتحقُ بسِربِ الغزاة، / أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل"

الغزاة هنا ليسوا قوة خارجية، بل استعارة عن إرادة الفعل الجريء، عن أولئك الذين يقتحمون المعنى ولا يكتفون بالحنين إليه. إنها مفارقة أخرى: الذات التي كانت ضحية للذاكرة، تختار أن تنتمي إلى "الغزو"، أي إلى الفعل الذي يعيد تشكيل العالم. وهذا التحول يعمّق دلالة الخيانة بوصفها انتقالًا من السكون إلى الحركة، ومن الاستلاب إلى المبادرة.

غير أن هذا الانتقال لا يتم دون ثمن وجودي، يتجلّى في القطيعة مع الوظائف الحيوية للذاكرة:

"لم أعد أرغبُ / أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي، / أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة"

الذاكرة هنا كائن طفيلي، يتغذى على الجسد والرؤى، لكنه لم يعد منتجًا، بل "يابس". إن رفض إطعامها هو إعلان عن استعادة الجسد لسيادته، وعن رفض استنزاف الحياة في خدمة ماضٍ عقيم.

وتبلغ القصيدة ذروتها الرمزية في صورة الغصن:

"كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى، / لا يحنُّ للجذور، / ولا يطمئنُّ إلى الغصون"

إنها حالة وجودية معلّقة، لا انتماء فيها للماضي (الجذور)، ولا اندماج كامل في الحاضر (الغصون). الغصن هنا كيان بينيّ، يعبّر عن ذات خرجت من تاريخها، لكنها لم تستقر بعد في أفق جديد. وهذه الصورة تكثّف مأساة التحوّل: التحرر لا يعني الطمأنينة، بل غالبًا ما يفتح على قلق جديد.

وفي مشهد موازٍ، تتجلى "الغزاة" بوصفهم قوة احتفالية بالعنف الرمزي:

"يرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم"

هنا يتحوّل الحلم إلى جثة، أي إلى شيء فقد حياته، بينما يتحوّل الرقص إلى طقس انتصار على هذا الماضي. إن القصيدة لا تكتفي بإعلان القطيعة، بل تحتفي – بشكل ما – بموت الحلم القديم، باعتباره شرطًا لولادة أفق آخر.

وتنتهي القصيدة بحالة من التجرّد الكلي:

"وأنا، / بلا ذاكرةٍ، / بلا بكاءٍ، / بلا قصيدةٍ تذكرني"

إنها ذروة "الخيانة البيضاء": تخلٍّ حتى عن اللغة بوصفها حافظة للذات. غير أن هذا الفراغ لا يُقدَّم بوصفه عدمًا، بل بوصفه شرطًا للبحث:

"لأبحث عن نافذةٍ / لا تطلُّ على جرحٍ / ولا تُغلقُ على قيد"

النافذة هنا أفق بديل، رؤية بلا ألم، وحرية بلا حصار. إنها استعارة لمستقبل لا يُبنى على أنقاض الذاكرة، بل على تجاوزها.

في المحصلة، لا تكتفي القصيدة بأن تقدّم تجربة ذاتية في التخفف من عبء الذاكرة، بل ترتقي إلى مستوى الرؤية الوجودية التي تعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وماضيه بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يحسمه الحنين ولا يلغيه النسيان. إن "الخيانة البيضاء" هنا ليست موقفًا عابرًا، بل فعل وعي يتأسس على إدراك عميق بأن الاستمرار في استهلاك الذاكرة قد يتحوّل إلى شكل من أشكال التآكل البطيء، وأن النجاة تقتضي أحيانًا شجاعة القطيعة، حتى وإن بدت هذه القطيعة خيانة في ظاهرها.

ولعل ما يمنح هذه الخيانة طابعها "الأبيض" هو أنها لا تنبع من رغبة في الإنكار أو المحو العدمي، بل من حاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الذات، إلى تحرير الحاضر من سطوة الماضي دون الوقوع في فراغ عبثي. فالقصيدة لا تدعو إلى نسيان ساذج، بل إلى نسيان واعٍ، انتقائي، يختار أن يطوي ما لم يعد قابلًا للحياة، ويترك المجال لولادة معنى جديد. ومن هنا، فإن البياض لا يُفهم بوصفه فراغًا، بل بوصفه إمكانية، فضاءً مفتوحًا للكتابة من جديد، خارج الإملاءات القديمة.

غير أن هذا الأفق لا يخلو من قلق؛ فالتخلّي عن الذاكرة يعني أيضًا التخلّي عن أحد أهم مكوّنات الهوية. لذلك تبدو الذات في نهاية النص معلّقة بين فقدٍ لم يعد يُستعاد، ومستقبل لم يتشكّل بعد، كأنها تعبر منطقة برزخية بين ما كان وما يمكن أن يكون. وهذه الحالة لا تُقدَّم بوصفها ضعفًا، بل بوصفها شرطًا ضروريًا لأي تحوّل حقيقي؛ إذ لا ولادة دون فقد، ولا تشكّل دون تفكك سابق.

بهذا المعنى، تكتب مجيدة محمدي قصيدة تنحاز إلى الإنسان في لحظة هشاشته القصوى، حين يضطر إلى خيانة ما أحبّ كي ينقذ ما تبقى من ذاته.

***

بقلم: سمير اليوسف

............................

"خيانة بيضاء"

مجيدة محمدي

أنا اليوم

قررتُ أن أخونَ ذاكرتي،

أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز،

تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش،

ومن نُدوبِ الوقتِ على جسدِ الغيمة، الهاربة .

*

أنا اليوم،

أودعتُ مفاتيحي القديمة

في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ

تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح،

وقلتُ، كفى!

*

ألتحقُ بسِربِ الغزاة،

أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل،

يَسِنّونَ رغبتهم كالسيوف،

يُطلّون من شقوقِ المعنى

ويزرعون في العواصفِ نشيد الماء،

*

لم أعد أرغبُ

أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي،

أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة،

أن أُربّتَ على كتفِ الأمس

كلّما انطفأ الحاضرُ من حولي.

*

أنا اليوم،

كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى،

لا يحنُّ للجذور،

ولا يطمئنُّ إلى الغصون.

*

تركتُ حكاياتي تمشي حافيةً

فوقَ شوكِ التأويل،

وانحنيتُ للريح،

كي أُخفي ملامحي عن القصائد

التي ما عادت تعرفني.

*

الغزاةُ،

هنا،

عند تخومِ الإرادة،

يرفعونَ الراياتٍ

ينشدونَ صوتا له شفاهُ البرق،

ويرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم.

*

وأنا،

بلا ذاكرةٍ،

بلا بكاءٍ،

بلا قصيدةٍ تذكرني،

خنتُ ذاكرتي...

لأبحث عن نافذةٍ

لا تطلُّ على جرحٍ

ولا تُغلقُ على قيد.

 

البنية الحلمية وتمثلات السلطة الرمزية لقصة (مجرد منام) للقاص محمد عاطف

يندرج النص ضمن سرد حداثي يقوم على بنية حلمية مركبة تتقاطع فيها المستويات الواقعية والرمزية والسياسية واللاشعورية. لا يستعمل الحلم هنا كآلية هروب، بل كجهاز كشف: فهو يفكك مركزية الواقع ويعري بنياته القمعية من الداخل....

تقوم هذه الدراسة على مقاربة بنيوية مدعومة بإضاءة نفسية تحليلية...

 البنية الحلمية: من الهروب إلى المقاومة

يتأسس النص على تكرار الجملة: "إنه مجرد منام.."

ليست العبارة تطميناً، بل آلية دفاعية تكشف هشاشة الوعي. فبينما يرى فرويد الحلم (تحقيقاً لرغبة مكبوتة) يتحول هنا إلى تفجر للكوابيس الجمعية. يتشظى الحلم إلى:

حلم داخل حلم/ نوم داخل نوم/ شلل داخل شلل

"ما أصعب أن تنام وأنت نائم أصلا.."

هذا التضاعف البنيوي يعكس اغتراباً وجودياً، فالذات عاجزة عن الاستيقاظ لأنها لم تعش يقظة مكتملة أصلاً . الزمن دائري والوعي معلق والواقع منزوع اليقين...

على المستوى السردي يمكن قراءة القصة في ضوء تصنيف جيرار جينيت للزمن الحكائي إذ يتأسس على تفكيك الترتيب الخطي عبر تداخل الاسترجاع والاستباق وعلى إبطاء سردي يضخم اللحظات الرمزية (كالصفعة) بما يجعل الزمن النفسي يتغلب على الزمن الكرونولوجي. كما أن الفوكاليزاسيون الداخلية الكلية(التبئير) تحصر الرؤية في وعي البطل فتغدو السلطة بنية مدركة لا موضوعاً خارجياً فقط...

"القائم على مصلحة الضوء": احتكار الرمز وبنية السلطة

يتبدى "القائم على مصلحة الضوء" ككيان منزوع الفردية كما يرد في النص:

"كان مطموس الملامح.."

طمس الوجه لا يحيل إلى نقص في الوصف، بل إلى إلغاء الهوية بوصفها خصوصية إنسانية وتحويل الكائن إلى وظيفة رمزية خالصة. إنه لا يقدم كشخصية ذات ملامح نفسية متمايزة بل كبنية سلطة متجسدة. من هذا المنظور يقترب من مفهوم "الآخر الكبير" عند جاك لاكان، أي تلك السلطة الرمزية التي لا تختزل في فرد بعينه، بل تستقر في نظام الخطاب وتعيد إنتاج نفسها عبره.

تتأكد هذه الدلالة في قوله: "الضوء حق في الظلام…"

فالضوء هنا لا يفهم بوصفه عنصراً فيزيائياً، بل بوصفه امتيازاً معرفياً وشرعيةً للرؤية. احتكاره للضوء يعني احتكار المعنى ذاته، أي التحكم في شروط الإدراك وتحديد ما يجوز أن يُرى ويقال. بذلك يتحول إلى سلطة تضبط الأفق الرمزي للمدينة وللذات معاً.

ويتعزز هذا البعد البنيوي من خلال تكرار صفته ككيان: بلا ملامح / مطموس الوجه/إلى جانب الاعتراف المتبادل:

"عرفته وعرفني…"

هذه العلاقة لا تشير إلى معرفة عابرة، بل إلى تواطؤ سابق أو أصل مشترك، بما يجعل السلطة جزءًا من تاريخ الذات لا قوة خارجية فحسب. وهنا يتخذ الصراع بعداً مزدوجاً: فهو سياسي في ظاهره، لكنه نفسي في عمقه. انه صراع بين الذات وصورتها المنقلبة في القامع، أو بين الفرد والبنية الرمزية التي تشكل وعيه وتعيد إنتاج خضوعه.

بهذا المعنى، لا يمثل "القائم على مصلحة الضوء" طاغية شخصياً، بل جهازاً رمزياً يحتكر الرؤية ويعيد تعريف الواقع، ما يجعل مقاومته مواجهةً مع النظام الذي تتكون داخله الذات نفسها....

الجسد المصفوع: العنف الرمزي

"خدي المصفوع بدأ يسيخ…"

الصفعة تتجاوز الحدث الواقعي لتغدو وصمة وجودية. انصهار الخد إلى "سائل ملون" يرمز إلى تآكل الهوية تحت وطأة الإهانة.

إنها علامة على: الإقصاء الاجتماعي/القمع العاطفي/انهيار صورة الذات.

ورفض الشكوى يشي بأزمة كرامة: مقاومة بلا أدوات، وصمت يفاقم الجرح.....

 غالية: الإيروس في مواجهة العتمة

"إذا كان الخطأ هو الذي جعلني أجري فيك دما… فما أجمله من خطأ.."

غالية ليست عنصراً عاطفياً عابراً، بل طاقة حياة مضادة للموت الرمزي. العلاقة الجسدية تمثل محاولة لاستعادة الكلية ضد الانشطار، غير أن خوف "الفضيحة" يكشف استمرار هيمنة البنية الاجتماعية على الحميمي. الحب هنا فعل مقاومة، لكنه مقاومة محاصرة....

 المدينة: جسد متفسخ

تتحول المدينة إلى كيان مريض: مستوصف يكره المرضى/

إدارة بلا وظيفة/ كهرباء غائبة.

"نحن ولدنا حقا وسنموت حقا، لكننا لم نذق طعم الحياة بعد.."

إنها صورة لـ " الوجود المعلق " حياة بيولوجية بلا تحقق إنساني. المكان يعكس اختلال النظام الرمزي برمته....

الذاكرة والنسيان: صراع السرديات

"أخانتني ذاكرتي لدرجة التفاقم ..؟"

فقدان الذاكرة يتجاوز الفرد إلى الجماعة. وكما يقول ميلان كونديرا:

"صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان."

النص يجسد هذا الصراع عبر تشويش الهوية وتآكل السردية الشخصية....

السخرية السوداء وتفكيك الخطاب السلطوي

" اسحب كل الترخيصات من باعة الغاز والفتائل وأعواد الكبريت…"

تتحول السلطة إلى كاريكاتور استبدادي يجرم حتى أدوات الاشتعال الصغيرة. تجريم الضوء وتأثيم الكلام ومصادرة الأمل تكشف بنية تحكم شمولية تعيش على المنع أكثر مما تعيش على البناء....

اللغة: شعرية الهذيان

اللغة متدفقة وهجائية ومشحونة بالتوتر. الهذيان ليس ضعفاً بل استراتيجية جمالية تعكس تفتت العالم الداخلي. المونولوج الطويل يذيب المسافة بين الراوي والوعي، ويجعل القارئ داخل التجربة لا خارجها....

تكشف الدراسة أن القصة" مجرد منام" يؤسس بنية سردية حلمية تفكك الخطية الزمنية وتعيد تشكيل الواقع داخل وعي مأزوم، بحيث يتحول الحلم إلى جهاز بنيوي لكشف اختلال النظام الرمزي. ومن خلال الفوكاليزاسيون الداخلية (التبئير )وتكثيف الإبطاء السردي، ينتج النص إدراكاً متشظياً يعكس انقسام الذات تحت ضغط السلطة.

كما يتضح أن "القائم على مصلحة الضوء" لا يمثل سلطة خارجية فحسب، بل بنية رمزية تتحكم في شروط الرؤية والمعنى، مما يجعل الصراع ذا طبيعة نفسيةرمزية بقدر ما هو سياسي. وتتقاطع في هذا الإطار ثيمات القمع والذاكرة والخيانة والحب ضمن شبكة دلالية واحدة تكشف هشاشة الهوية في سياق سلطوي.

وعليه تندرج القصة ضمن السرد الحداثي ذي المنحى الكابوسي، حيث تتكامل البنية التفكيكية مع التحليل النفسي في صيغة جمالية واعية بأدواتها، تجعل الكتابة فعل كشف بنيوي لا مجرد تمثيل موضوعاتي.....

***

فاطمة عبد الله

 

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ (وُلدت 1945) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية، أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة. لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع، تتراوح بين الفضول الغربي نحو " المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة "، وبين المَيل نحو المواضيع المثيرة للجدل، ولا سِيَّما تلك المرتبطة بالجسد والجنس، وما يَراه الغربُ تمرُّدًا على الأعراف التقليدية.

إنَّ ترجمة روايات حنان الشيخ ليست مُجرَّد جُهد أدبي لنقل لُغة أو أُسلوب، بل هي انعكاس لرغبة غربية في استكشاف الحميمية الجنسية والثقافية في المجتمعات العربية، كما لو أنَّ الروايات تُقَدِّم نافذة مفتوحة على الكلام المُحرَّم في الثقافة العربية التقليدية. وهذا الحِرص الغربي _ رغم ما فيه من إيجابيات في نشر الأدب العربي عالميًّا _ يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول معايير الاختيار. هل تُتَرْجَم الرواية لأنَّ لغتها وأحداثها مُتْقَنَة ومُؤثِّرة، أَمْ لأنَّها تُلبِّي فُضولَ الغرب نحو " جسد المرأةِ العربية المكبوتة جنسيًّا " ؟.

مِن الناحية الفنية، تعاني روايات حنان الشيخ من التكرار والسرد المُبالغ فيه، والاعتماد على وصف الجسد والتفاصيل الجنسية بشكل يَفُوق الحاجة الدرامية أو البُنية الروائية. هذا التركيز على الجسدِ والبحث عن الإثارة الجنسية يُغَطِّي على بناء الشخصيات بشكل متكامل، ويُقَلِّل مِن العُمق النَّفْسي والاجتماعي للروايات. وفي أعمالها، يبدو أنَّ الصراع الرئيسي لا يتجاوز حدودَ العلاقة الجنسية أو التجربة الجسدية، مَا يَجعل الرواية سطحية في تعاطيها مع القضايا المُجتمعية الكُبرى.

علاوة على ذلك، يُمكن القول إنَّ حنان الشيخ تُقَدِّم صورةً نمطية للمرأة العربية، تَصِفُها كمكبوتة جنسيًّا، أوْ مُضْطَهَدَة بشكل دائم، مِمَّا يُغَذِّي تصوُّرات الغرب عن " المرأة العربية المقهورة "، ويُسهِم في ترسيخ هذا التصوُّر بدل تقديم صورة أكثر تنوُّعًا وواقعية للمرأة في المُجتمعات العربية. هذه الرؤية أُحادية الجانب تُفْقِد القارئَ فُرصة فهم أوسع للهُوِيَّة الأُنثوية المُتعددة الأبعاد.

وتركيزُ حنان الشيخ على الجسد والجنس، مع تصوير دائم لقمع المرأة واضطهادها، يترك انطباعًا مُبَالَغًا فيه عن الواقع الاجتماعي. رواياتُها تميل إلى تصوير المرأة العربية ككائن جِنسي خاضع لمجتمع ذكوري ظالم، وهو تصوير يُقَلِّل من الرؤية المُعقَّدة لواقع المرأة العربية، ويختزلها في قالب من الألم والاضطهاد الجنسي.

حِرْصُ الغرب على ترجمة روايات حنان الشيخ ليس اعترافًا بالأدبِ العربي، وإنَّما هو جُزء مِن مادَّة إعلامية وثقافية تُلبِّي تصوُّرات مُسْبَقَة عن العربِ والمرأةِ العربية، وهو ما يَجعل هذه الترجمات أقرب إلى " أدب الفُضول " مِنْه إلى أدب عالمي مُتوازن.

مِن المُهم التمييز بين قيمة اللغة والأُسلوب، وبين مضمون الرواية وأثرها الاجتماعي والثقافي. يمتاز أُسلوب حنان الشيخ بالسَّلاسة والقُدرة على جذب القارئ، لكنَّ المبالغة في تصوير الجسد، والتركيز على القمع والاضطهاد، يَجعل الروايةَ ضعيفةً في مُعالجة القضايا الإنسانية.

وترجمةُ أعمالها تعكس اهتمامات خارج إطار الأدب، مُتعلقة بالفُضول الثقافي والسياسي، والنظرةِ الاستشراقية المُتطرفة إلى الأُمَّة العربية باعتبارها جماعات بدوية بِدائية مُتخلفة في عَالَمِ الصَّحَاري والخِيَام والجِمَال، لَيْسَ لها تاريخٌ ولا مدنية ولا حضارة ولا إنجازات أدبية ولا عِلْمية.

قراءة روايات حنان الشيخ تتطلَّب نقدًا واعيًا، لا يكتفي بالشُّهرة أو الترجمات الغربية. وينبغي النظر إلى أبعاد الروايات أدبيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، مع ضرورة التمييز بين الصُّوَرِ المثيرة للفُضولِ، والصُّوَرِ المُعبِّرة عن واقع الحياة المُتَنَوِّع والمُعقَّد في العالَم العربي.

رغم المكانة الأدبية المرموقة التي تحتلها حنان الشيخ في المشهد الروائي العربي، إلا أنَّ قراءة رواياتها بِتَمَعُّن تكشف عن مجموعة من نقاط الضعف التي تظلُّ عالقةً في أُفُقِ النُّصوص، وتُضْعِف حُضورَها الروائي.

النُّقْطة الأُولَى : الإفراط في التفاصيل، حيث تُصبح المَشَاهِدُ طويلةً ومُعقَّدة، مِمَّا يُثْقِل النَّصَّ، ويُشتِّت الانتباهَ عَن مِحْوَر الحبكة الرئيسية، تاركة القارئ في حالة مِن الضياع بين التفاصيل الدقيقة والهدف العام للرواية.

النقطةُ الثانية: أُسلوب حنان الشيخ يتَّسم بالعاطفة الجَيَّاشة، والانغماسِ في النَّفْس البشرية، لكنَّه يتحوَّل إلى انحياز لمشاعر الشخصيات، بحيث تغيب الحيادية الفنية، ويَشعر القارئُ بأنَّ الأحداث تتماشى مع العاطفة أكثر مِن منطق السرد، وهذا يُضْعِف الإقناعَ الروائي، ويُقَلِّل مِن التوتُّر الدرامي المطلوب في اللحظات الحرجة.

النقطة الثالثة: التَّكرار في الموضوعات والأفكار، خُصوصًا مَا يَتعلَّق بجسد المرأة وحُريتها، والصراع بين المرأة والمجتمع، أو الانكسارات العاطفية، مِمَّا يُقَلِّل مِن عُنصر المُفاجأة لدى القارئ. وهُناك تقارُب خطي بين رواياتها، وكأنَّها تدور في دائرة مُغْلَقَة مِن الأفكارِ نَفْسِها، دُون تقديم رؤية جديدة، أو عوالم مختلفة.

النقطة الرابعة: الطرح الفكري المُباشر على حساب تعميق البناء الفني أو تطوُّر الشخصيات. وهذا قَدْ يُقْنِع العقلَ مؤقَّتًا، لكنَّه لا يَترك أثرًا حَيًّا في الوِجْدان.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة نقدية شاملة في نص توفيق أحمد

في لحظةٍ يختلّ فيها توازن العالم، وتفقد اللغة يقينها الأول بوصفها أداةً للقول والبيان، ينبثق النص الشعري لا بوصفه ترفاً جمالياً، بل ضرورةً وجودية تفرضها قسوة السؤال وعتمة المعنى. ومن هذا الأفق القلق تتشكّل قصيدة "حنين الحبر" للشاعر توفيق أحمد، بوصفها خطاباً شعرياً يتجاوز حدود التعبير إلى تخوم التأمل، حيث يتحوّل الحبر من مادّةٍ صامتة إلى ذاتٍ حيةٍ تنبض بالحنين، وتئنّ تحت وطأة العجز عن القبض على المعنى في عالمٍ متشظٍ.

إنّ هذه القصيدة لا تقف عند حدود البوح الذاتي، بل تنفتح على أفقٍ جمعيٍّ يعكس مأزق الإنسان في زمنٍ تتفكك فيه الروابط، وتضيع فيه البوصلة بين الحلم والانكسار، بين الممكن والمستحيل. فهي نصٌّ يشتبك مع اللغة في مستواها العميق، لا بوصفها وسيلة تواصل فحسب، بل ككيانٍ إشكالي يعاني التصدّع ذاته الذي يعانيه الواقع، فتغدو الكتابة فعل مقاومة ضد الصمت، ومحاولة دؤوبة لإعادة ترميم المعنى.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية موسّعة لهذا النص، عبر مقاربة متعددة المستويات، تستند إلى جملة من الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلًا عن الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. كما تحاول هذه القراءة استكشاف البنية العميقة للنص، والكشف عن طبقاته الدلالية المضمرة، ضمن أفق تأويلي يوازن بين صرامة المنهج وثراء الانفتاح التأويلي.

إنّ الغاية من هذه الدراسة ليست إصدار حكمٍ تقويمي بقدر ما هي سعيٌ إلى الإنصات للنص في تعدديته، واستنطاقه في عمقه، بوصفه كياناً حياً يتجاوز كاتبه، ويعيد إنتاج ذاته في كل قراءة. ومن هنا، فإنّ "حنين الحبر" تُقرأ لا كنصٍّ مكتمل، بل كأفقٍ مفتوحٍ على أسئلة لا تنتهي، حيث يظلّ الحبر حنيناً، ويظلّ المعنى وعداً مؤجّلاً.

ينفتح نص "حنين الحبر" على توترٍ دلاليّ عميق، يتأرجح بين رغبةٍ في القبض على المعنى، وعجزٍ وجودي عن تثبيته. إنّه نصٌّ تتقاطع فيه اللغة بوصفها أداة تعبير، مع اللغة بوصفها مأزقاً أنطولوجياً، حيث يتحوّل "الحبر" من وسيطٍ كتابي إلى كيانٍ حالمٍ يحنّ، ويقلق، ويبحث عن أفقٍ جديد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتسم النص بسلامة لغوية عالية، حيث يلتزم الشاعر بنحوٍ متين، وتراكيب فصيحة، دون تعقيدٍ مصطنع. نلاحظ:

١- تركيب نحوي متوازن:

"إلى المعنى الجديد يحن حبري"

جملة فعلية ذات نسق انسيابي، يتقدم فيها الجار والمجرور لإبراز الغاية (المعنى الجديد)، وهو انزياح دلالي مقصود.

٢- الانزياح البلاغي:

يتحوّل الحبر إلى كائن حيّ: يحنّ، ويصير الزمن ذئباً، والممكن غباراً.

هذا الانزياح يحرّر اللغة من مرجعيتها الواقعية إلى فضاء رمزي.

اقتصاد لغوي مكثّف:

لا ترهّل في العبارة، بل كل جملة مشحونة بدلالة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

يتجلّى التوازن بين اللفظ والمعنى في اختيار مفردات ذات طاقة إيحائية:

السراب، الغليل، الأفق، الغصن، الفارس، القنديل...

ألفاظ تراثية مشحونة بدلالات حضارية.

اللغة ملائمة لموضوع القلق الوجودي والانكسار الجمعي، فلا نجد مفردات مبتذلة أو نافرة.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص يقوم على انسياب إيقاعي واضح.

القافية الموحّدة (ـله / ـلة) تمنح النص وحدة نغمية، لكنها في الوقت نفسه:

تعكس حالة من الانغلاق الدائري (العودة إلى نفس النهاية الصوتية).

الموسيقى الداخلية:

التكرار: أحاول كم أحاول

الجناس: الممكن / المستحيل

الجرس الصوتي يميل إلى النبرة الحزينة الرخيمة، بما يتناسب مع الحنين.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النص ليس سردياً، لكنه يملك معماراً شعرياً تصاعدياً:

بداية ذاتية: قلق الحبر والذات.

تحوّل جماعي: الحروب، القبيلة، التمزق.

ذروة وجودية: ضياع المعنى والهوية.

انفراج نسبي: الحلم بالحرية والحب والوطن.

هذا البناء يمنح النص دينامية داخلية.

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر تقوم على:

العالم - فوضى، حرب، انقسام.

اللغة - وسيلة نجاة لكنها مريضة.

الحب/الوطن - أفق خلاص.

هناك انسجام بين الشكل (لغة حزينة، قافية مغلقة) والمضمون (اختناق وجودي).

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.

صور مبتكرة:

"صار الممكن الآتي غباراً يدب على عصاه المستحيل"

صورة مركبة ذات طاقة تخييلية عالية.

النص يتجاوز المألوف عبر:

تشخيص المجردات

قلب العلاقات المنطقية

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل العالم قابل للفهم؟

هل اللغة قادرة على إنقاذ الإنسان؟

هل الهوية ممكنة في زمن التفكك؟

هو نص وجودي النزعة، قريب من قلق العبث.

2. الأفق المعرفي.

يحاور:

التراث العربي (الفارس، القبيلة، الغصن)

الحداثة (تفكك المعنى، أزمة اللغة)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

نستخرج ثنائيات:

الحبر / الصمت

الممكن / المستحيل

القبيلة / الوطن

الحلم / الانكسار

المعنى العميق:

الإنسان العربي يعيش اغتراباً لغوياً ووجودياً، حيث لم تعد اللغة توحّده، بل تعكس تمزّقه.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

يحيل إلى:

واقع عربي ممزق بالحروب

أزمة هوية ولغة

2. تطوّر النوع الأدبي

النص ينتمي إلى:

الشعر العمودي المجدّد (محافظة على الوزن مع تحديث الرؤية)

3. ارتباطه بالتراث

استحضار:

الفارس (رمز البطولة)

القبيلة (رمز الانقسام)

لكن مع تفكيك هذه الرموز (الفارس أضاع خيوله)

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

١- القلق

٢- الحنين

٣- الإحباط

٤- التوق للخلاص

2. اللاوعي الشعري

الحبر - الذات المبدعة

القنديل - الوعي

الذئب - الزمن القاسي

3. النبرة النفسية:

نبرة:

١- شجنية

٢- احتجاجية

٣- وجودية مأزومة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

نقد:

١- الحروب

٢- القبلية

٣- التفكك الاجتماعي

2. الخطاب الاجتماعي

تفكيك سلطة:

١- النسب

٢- اللغة

٣- الجماعة

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا:

ناقد

شاهد على الانهيار

حالم بإصلاح رمزي (عبر اللغة)

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الحبر - الإبداع/الوعي

القنديل - الهداية

الغصن - الانتظار

الذئب - الزمن المفترس

2. شبكات الدلالات

الضوء / الظلام

الطيران / السقوط

الجذر / الاقتلاع

3. النظام الرمزي

النص يبني كوناً رمزياً مأزوماً حيث كل علامة تشير إلى فقدان الأصل.

ثامناً: الأسس المنهجية

1. الصرامة المنهجية

اعتمدنا:

١- المنهج الأسلوبي

٢- النفسي

٣- السيميائي

٤- الهيرمينوطيقي

2. الموضوعية:

التحليل ركّز على النص لا على الشاعر.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

الدعوة إلى:

١- الحرية

٢- الحب

٣- الوطن

2. الانفتاح التأويلي:

النص غني وقابل لقراءات متعددة:

١- سياسية

٢- نفسية

٣- وجودية

3. البعد الإنساني.

يتجاوز المحلي ليطرح:

سؤال الإنسان في عالم متصدّع

خاتمة:

"حنين الحبر" ليس مجرد نص شعري، بل هو مرثية للمعنى في زمن الانكسار، حيث تتحوّل اللغة من أداة تعبير إلى ساحة صراع. ينجح توفيق أحمد في بناء نصٍّ متماسكٍ لغوياً، غنيٍّ رمزياً، عميقٍ فلسفياً، يعكس مأساة الذات العربية وهي تبحث عن معنى في عالمٍ فقد بوصلته.

إنه نصٌّ يكتب بالحبر القلِق لا بالحبر المطمئن، ولذلك يظل مفتوحاً على التأويل، مثل جرحٍ لم يندمل بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

....................

حنين الحبر

شعر: توفيق أحمد

إلى المعنى الجديدِ يَحِنُّ حِبري

وبي قَلَقٌ أُحاولُ أنْ أقولَهْ

هي الدنيا سَرابٌ مَنْ يَجِئْها

على ظمأٍ فلن تَروي غليلَهْ

وأحلامي تكاد تَضيقُ ذَرْعاً

بأُفْقٍ كم أُحاولُ أن أَطولَهْ

تُودِّعُ بعضَها الأطيارُ بعضاً

ويَبْقى الغصنُ منتظراً رحيلَهْ

وذا زمنٌ خلا الميدانُ فيهِ

غَداةَ أَضاعَ فارسُه خُيولَهْ

وليس كَمَنْ تَعَلَّقَ بالأماني

كَمن خاض المنايا بالبطولَةْ

تَجَمَّعْنا لتقسِمَنا حروبٌ

وكلُّ قبيلةٍ تغزو قبيلةْ

نَبَتْنَا في تُرابٍ من غبارٍ

فلا عَمٌ يُفيدُ ولا خؤولَهْ

ولا لغةٌ تكون لنا رباطاً

ولا نَسَبٌ يُعيدُ لنا أُصولَهْ

تشابكتِ الأمورُ على عَماها

وما عادت لدينا أيُّ حيلَةْ

وصار الحامِلُ القنديلَ فينا

كمن يمشي ولا يدري سبيلَهْ

وصار المُمْكنُ الآتي غباراً

يَدُبُّ على عصاهُ المستحيلَهْ

أيا زمناً عَصِيَّاً مستبِدَّاً

أُحاولُ كم أُحاولُ أن أُزيلَهْ

كذئبٍ قد رَقَصْتَ على جراحي

ولم تَرْأَفْ بأجنحتي النحيلةْ

ألا جرِّدْ رياحَكَ من لظاها

وخُذْ قلبي على فرسٍ أصيلَهْ

ودَرِّبْني على صَيْد المعاني

لأُصبحَ فارسَ اللغةِ العليلهْ

لكَ الضوءُ المُوشَّى بالأغاني

يطوف على الورودِ ، ولِيْ الخميلَهْ

إذا خَذَلَتْكَ أجنحةُ الأماني

بِها طِرْ نحو آفاقٍ بديلَهْ

إلى الحريةِ الخضراءِ خُذْني

وسَلّمْنِي إلى امرأةٍ جميلَهْ

أنا المقطوفُ من شجرِ الليالي

سوى عشقِ الهوى مالي وسيلَهْ

بحضنِ الياسمينِ زَرَعْتُ قلبي

هنا وطني ولن أَرضى بديلَهْ

 

قراءة نقدية لقصيدة عبد الناصر عليوي العبيدي احكام الاساس

في المقاطع اللاحقة تتبلور بنية رمزية أخرى تقوم على مشهد الحراسة والرعاية: «ولم يحمِ القطيع نباح كلبٍ / إذا ما عنهم نام الرعاة».

تعمل هذه الصورة بوصفها علامة دلالية على خلل القيادة أو غيابها؛ فالنباح – أي الضجيج – لا يملك قوة الحماية ما لم يكن وراءه راعٍ يقظ. إنها إشارة إلى أن الصخب الخطابي وحده لا يكفي لصون القيم، بل يحتاج إلى فعلٍ حقيقي ينهض به أصحاب المسؤولية. وهنا تبلغ القصيدة ذروة توازنها بين الرمز الشعري والمقصد الوعظي.

البعد الإنساني في خاتمة النص

يبلغ الخطاب ذروته الإنسانية حين يستحضر صورة الأطفال الجياع:

«أينسى الجوع أطفالٌ جياعٌ / إذا طبخت على نارٍ حصاة؟».

هذه الصورة، المستوحاة من الذاكرة التاريخية، تمنح النص عمقًا وجدانيًا يتجاوز التنظير العقائدي إلى فضاء المعاناة الإنسانية. إنها لحظة يتحول فيها الشعر من خطاب توجيهي إلى شهادة وجدانية على الألم الاجتماعي، فيتلاقى البعد الديني مع الحس الإنساني.

وارتكازا على ما سبق نرى أن: قصيدة «إحكام الأساس» تكشف عن تجربة شعرية تمزج بين الوعي الديني والوظيفة الأخلاقية للشعر. فالنص لا يكتفي بإنتاج صورة جمالية، بل يسعى إلى بناء خطاب قيمي يذكّر القارئ بضرورة إحكام الأساس العقائدي قبل تشييد صرح العمل. وفي هذا المزج بين الشعر والخطابة تتجلّى قدرة الشاعر على تحويل الفكرة الوعظية إلى مشهد رمزي حيّ، حيث تتجاور صورة البناء، والقطيع، والذئاب، لتشكّل شبكة دلالية واحدة تؤكد أن خلل الأساس لا يهدد البناء وحده، بل يهدد الوعي الجمعي بأسره.

وهكذا يغدو النص مثالًا على الشعر الذي لا يكتفي بالغناء، بل يسعى إلى إيقاظ الضمير، حيث تتآلف البلاغة مع الحكمة، وتتحول اللغة إلى جسرٍ بين الجمال والمعنى، وبين الوجدان والإيمان.

شكرا جزيلا للشاعر الأديب الراسخ عبد الناصر عليوي العبيدي على هذا النص الماتع والإبداع الحقيقي الهادف

***

د. سيد فاروق

..........................

إحكام الأساس

إِذَا لَــــمْ يُــحْـكِـمِ الأُسَّ الْـبُـنَـاةُ

وَشَـجَّـعَـهُمْ عَــلَـى ذَاكَ الْـهُـوَاةُ

*

سَـيَـنْـهَارُ الْـبِـنَـاءُ بِــصَـوْتِ رَعْــدٍ

وَتَــطْـمُـرُهُ الــرِّيَــاحُ الـسَّـافِـيَاتُ

*

كَــذَاكَ الـدِّيـنُ إِنْ فَـسَدَ اعْـتِقَادٌ

وَصَـارَ الـشِّرْكُ تُـرْجَى بِـهِ النَّجَاةُ

*

فَــلَا يُـرْجَـى مِــنَ الأَعْـمَالِ نَـفْعٌ

وَإِنْ كَــثُــرَ الــصِّـيَـامُ أَوِ الــصَّـلَاةُ

*

وَجَـــاءَ الْـمُـرْجِفُونَ بِـبَـعْضِ زَيْــغٍ

فَــزَيَّــنَــهُ بِــلَـحْـنِـهِـمُ الْـــغُــوَاةُ

*

فَـشَـتَّـانَ الَّـــذِي يُــرْضِـي إِلَـهًـا

وَمَنْ يَسْعَى لِكَيْ يَرْضَى الطُّغَاةُ

*

فَــعُـودُوا لِـلْـيَـقِينِ قُـبَـيْـلَ يَـــوْمٍ

تَــحُـوفُ الْــمَـرْءَ فِـيـهِ الـنَّـازِعَاتُ

*

فَــوَيْــلٌ لِــلَّـذِي حَــابَـى نِـفَـاقًـا

وَكَـــــانَ لِـــكُــلِّ مُــنْـحَـرِفٍ أَدَاةُ

*

فَلَا يَحْمِي الْحُدُودَ صَدَى خُطُوبٍ

إِذَا فَــسَــدَ الْـجُـنُـودُ أَوِ الْـكُـمَـاةُ

*

وَلَــمْ يَـحْـمِ الْـقَـطِيعَ نُـبَاحُ كَـلْبٍ

إِذَا مَــــا عَــنْـهُـمُ نَـــامَ الــرُّعَـاةُ

*

فَــمَـا رَدَعَ الــذِّئَـابَ ثُـغَـاءُ شَــاةٍ

وَلَـكِـنْ فِــي يَــدِ الـرَّاعِي عَـصَاةُ

*

إِلَى قَاضِيِ السَّمَاءِ نَبْثُ شَكْوَى

وَقَـدْ حَـادَتْ عَـنْ الـعَدْلِ الـقُضَاةُ

*

أيَـنـسى الـجـوعَ أطـفـالٌ جـياعٌ

إِذَا طُـبِـخَتْ عَـلَـى نَــارٍ حَـصَاةُ؟

*

فَـطُـوبَـى لِــلَّـذِي أَبْـــدَى ثَـبَـاتًـا

وَمُــلْـتَـزِمٌ بِــمَــا نَــقَـلَ الـثِّـقَـاتُ

*

فَـــإِنَّ الــلَّـهَ يَـغْـفِـرُ كُـــلَّ ذَنْـــبٍ

إِذَا مَــا تَـــابَ وَارْتَـجَعَ الْـعُـصَـاةُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

المقدّمة: تندرج رباعيات يحيى السماوي ضمن كتابة شعرية مكثّفة تُنتج معناها عبر اقتصاد لغوي وتوتر دلالي عالٍ، فلا تُقرأ بوصفها بوحًا ذاتيًا محضًا، ولا خطابًا مباشرًا عن الواقع، بل ممارسة شعرية تُعيد تنظيم التجربة المعاشة في صيغ رمزية قابلة للتأويل. ففي هذه الرباعيات، يتقاطع الذاتي بالجمعي، ويتحوّل الاعتراف الفردي إلى أفق دلالي أوسع يلامس الوعي الجمعي، من دون أن يفقد النص طابعه الجمالي أو ينزلق إلى المباشرة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن رباعيات السماوي تتحرّك ضمن جدلٍ واضح بين وعيٍ ذاتيٍّ مراجِعٍ للماضي، ووعيٍ جمعيٍّ يلتقط أثر البنى الاجتماعية والسياسية في الجسد والذاكرة واللغة. ولا يُقدَّم الماضي في هذه النصوص بوصفه ملاذًا تعويضيًا، بل يُعاد تفكيكه نقديًا، فيما يُستدعى الحاضر بوصفه مجالًا للإنهاك والاختبار الأخلاقي، لا مجرد لحظة زمنية عابرة.

وتعتمد الدراسة قراءةً نقديةً أدبيةً ذات طابع جدلي–تأويلي، مدعومة بأدوات التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي، مع تركيز خاص على آليتي الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية بوصفهما آليتين مركزيتين في إنتاج المعنى. وانطلاقًا من طبيعة الرباعية بوصفها بنية شعرية مكثّفة، تعتمد القراءة منهجًا بؤريًا يقوم على تحليل أبيات مختارة تمثّل نواة دلالية قادرة على كشف البنية العميقة للنص، دون الوقوع في التعميم أو الاستطراد.

 عرض الرباعيتين

(1)

عـتـبْـتُ عـلـيَّ لا خـمـري وكـأسـي

لـِخـذلانـي غـدي  بـفـتـون ِ أمــسي

أنـبـتُ عـن الـبـصيـرة ِ فـي شــبابي

دُجـى بَـصـري فـكـنتُ عـدوَّ نـفـسي

وأوْهَـمَـنـي الـصِّـبـا  أنَّ  الأمـانـي

رهـيـنـة ُ رغـبـتي ويـدي وغـرسي

فـحـمـدا ً لـلـيـقـيـن ِ أضـاءَ  روحـي

وطـهَّـرَ روضـتي من وحْـلِ رجـس ِ

(2)

عـيـنـايَ مـائدتـان ِ ... والـجُـلاسُ

قـلـمٌ عـصـيُّ الشّـدو ِ والـقـرطـاسُ

إنْ أظلمـتْ مُـقـلي وحاصَـرَ جـفـنهـا

وسَــنٌ  وأوشــكَ أنْ يـكـرُّ  نـعـاسُ

حَـشَّـمْـتُ ماضي الـذكرياتِ يـزورني

طـيـفـا ً فـيـنـدى بالـحـبـور يَـبـاسُ

ما قـوَّسَـتْ ظهـري السـنـون وإنـما

مـا يـشـتـكـيـهِ في الـعـراق ِ الـنـاسُ

تحليل الأبيات (على المستوى الدلالي والفكري)

1. صورة العتاب الذاتي: إزاحة اللوم من الخارج إلى الداخل

في قوله:

"عتبتُ عليّ لا خمري وكأسي / لخذلاني غدي بفتون أمسي" 

تتشكّل صورة العتاب بوصفها لحظة وعي نقدي، حيث تُنجز إزاحة دلالية تنقل مركز اللوم من الموضوع الخارجي (الخمر والكأس) إلى الذات. فالخمر لا تُقرأ هنا بوصفها مادة حسية، بل بوصفها رمزًا للإغواء، فيما يُعاد تعريف (الأمس) بوصفه قوة فاعلة في تعطيل المستقبل. وبهذا، يتحوّل العتاب من تبرير سلوكي إلى مساءلة أخلاقية، ويغدو الماضي مجالًا لإنتاج الوهم لا زمنًا بريئًا.

2. صورة العمى والبصيرة: من الإدراك الحسي إلى الوعي المعرفي

في قوله:

"أنبتُ عن البصيرة في شبابي / دجى بصري فكنتُ عدوّ نفسي" 

تقوم الصورة على استعارة مفهومية تُقابل بين النور والظلمة، حيث لا يُقدَّم العمى بوصفه نقصًا حسيًا، بل بوصفه غيابًا للبصيرة بوصفها قيمة معرفية–أخلاقية. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل العمى من مستواه الفيزيائي إلى مستوى الوعي، فيتحوّل الظلام إلى أثر لالتباس الرؤية الداخلية. وهنا تتشكّل الذات بوصفها خصمًا لنفسها، لا بفعل قهر خارجي، بل نتيجة تورّطها في صناعة وهمها والانخداع به.

3. صورة الصبا والأماني: تفكيك وهم الإرادة الفردية

في قوله:

"وأوهمني الصِّبا أن الأماني / رهينة رغبتي ويدي وغرسي" 

تُبنى الصورة على تفكيك وهم السيطرة الفردية المطلقة. فالصبا يُعاد تعريفه بوصفه حالة وعي ناقص تُغفل تعقيد البنى الاجتماعية والسياسية، فيما تتحوّل (اليد) و(الغرس) إلى رمزين لاعتقاد زائف بالتحكّم في المصير. وتعمل الإزاحة هنا على نقل المسؤولية من الخارج إلى بنية الوعي نفسها، كاشفةً عن محدودية الإرادة الفردية أمام شروط الواقع.

4. صورة التطهير واليقين: الاستعارة المعرفية للتحوّل الداخلي

في قوله:

"فحمداً لليقين أضاء روحي / وطهّر روضتي من وحل رجس" 

تتشكّل صورة تطهيرية تقوم على استعارة مفهومية ترى أن التحوّل يبدأ من الداخل. فـ«الروح» تُضاء، و"الروضة" تُطهَّر، في معادلة معرفية تجعل الوعي شرطًا لأي أفق تغييري. ولا يُقدَّم اليقين بوصفه حالة إيمانية مجردة، بل بوصفه وعيًا نقديًا يُعيد تنظيم العلاقة بين الذات وواقعها.

5. صورة العين والمائدة: الشعر بوصفه شهادة أخلاقية

في الرباعية الثانية، يقول:

"عيناي مائدتان… والجلاس / قلمٌ عصيّ الشدو والقرطاس" 

تُبنى هنا استعارة ممتدّة تُحوّل العين إلى موضع شهادة، والمائدة إلى فضاء استقبال للواقع، فيما يُقدَّم القلم بوصفه ذاتًا أخلاقية مقاومة للتزييف. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل الشعر من كونه أداة تعبير جمالي إلى ممارسة نقدية تُواجه الواقع بدل تجميله.

6. صورة تحطيم الذاكرة: فشل الحنين الاستعادي

في قوله:

"حشّمتُ ماضي الذكريات يزورني / طيفًا فيندى بالحبور يباس" 

تتشكّل صورة عنف رمزي موجّه ضد الذاكرة، حيث يتحوّل الماضي إلى طيف عاجز عن الإحياء. وتعمل الاستعارة هنا على كشف فشل النوستالجيا بوصفها آلية تعويضية، إذ لا تعود الذاكرة قادرة على إنتاج المواساة، بل تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك.

7. صورة الجسد المنحني: الإزاحة من البيولوجي إلى السياسي

في قوله:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

تُنجز الصورة إزاحة دلالية حاسمة تنقل سبب الانحناء من الزمن البيولوجي إلى الواقع الاجتماعي–السياسي. فيتحوّل الجسد الفردي إلى علامة على ثقل المعاناة الجمعية، ويغدو الظهر المنحني نصًا دلاليًا يختزن تاريخًا من الخيبات.

خلاصة تحليل الصور

تكشف هذه الصور، مجتمعة، أن الشاعر لا يقدّم الألم بوصفه تجربة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الذات. فكل صورة تُسهم في توسيع أفق الاعتراف الذاتي ليغدو مساءلة جماعية، حيث يتقاطع الذاتي بالجماعي، ويتحوّل الألم إلى علامة على وعي مثقل بتاريخ من الخيبات، ممّا يمهّد للانتقال إلى الخاتمة التي تستكمل هذا المسار التأويلي.

التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي

المستوى البنيوي 

تنتظم الرباعيتان ضمن مسار جدلي ينتقل من الاعتراف الفردي إلى الوعي الجمعي، ومن تفكيك الوهم إلى اكتساب بصيرة نقدية. وتمنح هذه الحركة النص طابع "السيرة الجمعية"، حيث تتجاوز التجربة حدود الذات لتغدو تمثيلًا لمعاناة أوسع، لا تُختزل في البعد الشخصي.

المستوى السيميائي 

يؤسّس النص شبكة من العلامات التي تُعاد شحنها دلاليًا عبر الإزاحة، فتتحوّل عناصر مألوفة إلى أدوات في بناء رؤية نقدية للعالم. وتؤدي الاستعارة المفهومية دورًا مركزيًا في هذا السياق، إذ تُنقل المعاناة السياسية والاجتماعية من مستوى التصريح المباشر إلى مستوى العلامة الشعرية، بما يتيح للنص توسيع أفقه التأويلي.

المستوى النفسي 

يتشكّل الخطاب الشعري بوصفه ممارسة اعترافية واعية، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تسعى إلى تفكيك آلياته الداخلية. فاللوم الذاتي لا يُقرأ بوصفه جلدًا للذات، بل بوصفه لحظة اكتساب بصيرة تُدرك فيها الأنا دورها في إنتاج الوهم أو التواطؤ معه. وتعمل الإزاحة هنا كآلية دفاع نفسي تسمح بنقل الانفعال من موضوعه المباشر إلى صور رمزية، فتغدو الاستعارة وسيلة لحماية الذات وهي تُسمّي الحقيقة دون انكسار. وفي هذا الإطار، لا يظهر العمى بوصفه حالة وجودية، بل بوصفه خللًا في الممارسة العملية، حيث يؤدّي غياب النقد الذاتي إلى إعادة إنتاج الخراب على المستويين الفردي والجماعي. كما يكشف فشل الحنين الاستعادي عن عجز الذاكرة عن أداء وظيفة تعويضية، إذ تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك بدل التخفيف منه، مما يفتح الوعي النفسي على أفق جمعي يتقاطع فيه الذاتي بالجماعي.

ملخّص

وهكذا يتّضح أن مستويات القراءة الثلاثة—البنيوي والسيميائي والنفسي—لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتشابك لتشكّل رؤية متكاملة لطبيعة الوعي في الرباعيات. فالبنية الجدلية التي تنتقل من الفردي إلى الجمعي، وشبكة العلامات التي تُعاد شحنتها عبر الإزاحة والاستعارة، والوعي النفسي الذي يكشف آليات الألم والدفاع والتواطؤ، كلها تتضافر لتجعل التجربة الشعرية أكثر من مجرد تعبير ذاتي. إنها بنية معرفية تُعيد مساءلة الواقع، وتحوّل التجربة الفردية إلى مدخل لفهم أعمق للشرط الإنساني والاجتماعي، ممّا يجعل الانتقال إلى الخاتمة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار.

الخاتمة

  تكشف قراءة رباعيات يحيى السماوي، في ضوء المقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، عن نصّ يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس رؤية نقدية تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات وواقعها السياسي والاجتماعي. فالألم لا يُقدَّم بوصفه تجربة شخصية معزولة، بل بوصفه أثرًا جمعيًا يتجسّد في الجسد المنحني، الذي يتحوّل إلى علامة على ثقل التاريخ ووطأة الخيبات المتراكمة. وهكذا يغدو الجسد نصًا موازيًا، يفضح ما لا تقوله اللغة صراحة، ويكشف عن عمق التصدّع الذي يعيشه الفرد بوصفه امتدادًا لخرابٍ أوسع.

وفي هذا الإطار، لا يعمل الشعر كخطاب وجداني فحسب، بل بوصفه ممارسة معرفية تُعيد تنظيم العلاقة بين الذات والعالم عبر الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية. فقول الشاعر:

"ما قوّستْ ظهري السنون وإنما / ما يشتكيهِ في العراق الناس" 

يمثّل لحظة انزياح حاسمة، تنتقل فيها العلّة من الزمن إلى الواقع، ومن الشيخوخة إلى المعاناة الجمعية، ليغدو انحناء الجسد علامة على انهيار البنية الاجتماعية والسياسية التي تُثقل كاهل الإنسان.

ومن هذا المنظور، تقدّم الرباعيات نموذجًا لشعرية واعية بدورها النقدي؛ شعرية لا تكتفي بفضح الوهم، بل تكشف أيضًا تورّط الذات في إعادة إنتاجه، وتعرّي البنى التي رسّخته. إنها شعرية تُحوّل الخذلان السياسي والاجتماعي إلى وعي أخلاقي حادّ، يدعو إلى مراجعة جذرية للوعي، وإلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والسياسة، وبين الذاكرة والمستقبل.

***

سهيل الزهاوي