قراءات نقدية

قراءات نقدية

في ضرورة الوعي النقدي لصون القيمة الأدبية

ليس العمل الأدبي ـ مهما بلغ من الجمال والعمق ـ كياناً مكتفياً بذاته، يعيش في عزلة عن أعين القراءة وميزان التقييم؛ فالأدب، في جوهره، خطاب موجّه إلى الوعي الجمعي، ولا يتحقق اكتماله إلا عبر فعلٍ موازٍ يضيء معانيه ويختبر بنيته ويقيس قيمته. وهذا الفعل هو النقد؛ ذلك النشاط الفكري الذي يشكّل الضمير المعرفي للأدب، والمرآة التي يختبر فيها النص صورته الحقيقية بين الجمال والخلل، وبين الإبداع والافتعال.

إنّ الحركة النقدية ـ عربيةً كانت أم عالمية ـ ليست ترفاً ثقافياً أو حاشيةً زائدة على جسد الأدب، بل هي ضرورة حيوية لا يستقيم المشهد الإبداعي من دونها. فالنصّ الأدبي، في مراحله الأولى على وجه الخصوص، يحتاج إلى عينٍ خبيرة تقرأه قراءةً واعية، تفكّك عناصره، وتكشف مكنوناته، وتضعه في سياقه الجمالي والفكري. ومن دون هذا الوعي النقدي، يبقى الكاتب كالملاح الذي يمخر عباب البحر من غير بوصلة، قد يلامس الشاطئ صدفةً، لكنه غالباً ما يضلّ الطريق.

وليس النقد في جوهره عملية هدم أو مصادرة لحرية الإبداع، كما يتوهّم بعض الكتّاب، بل هو فعل تقويمٍ وتوجيهٍ يهدف إلى صقل التجربة وتطويرها. فالكاتب في بداياته، مهما أوتي من موهبة، يظلّ بحاجة إلى مرآة تعكس له حقيقة نصوصه: أين تتوهّج لغته؟ وأين يعتريها الوهن؟ أين تتكامل الصورة الفنية؟ وأين تنكسر تحت ثقل الإنشاء؟ وهنا تتجلى وظيفة النقد بوصفه علماً للتمييز بين مراتب القول، لا محكمةً للإدانة أو الإقصاء.

لقد أدرك النقاد العرب الأوائل هذه الحقيقة مبكراً؛ فكان النقد عندهم ميزاناً للبلاغة ومرجعاً للتمييز بين جيد الشعر ورديئه. فقد رأى الجاحظ أن الكلام لا يُعرف فضله إلا بالمقارنة والموازنة، بينما شدّد عبد القاهر الجرجاني على أن جمال النص لا يكمن في مفرداته منفردة، بل في نظامها وعلاقاتها الداخلية، أي في بنية المعنى التي يتكفل النقد بكشفها وتحليلها. وهكذا غدا النقد علماً قائماً بذاته، يرافق الإبداع كما ترافق الروح الجسد.

غير أن غياب الحركة النقدية الرصينة في بعض البيئات الثقافية يؤدي إلى اختلال خطير في ميزان القيمة الأدبية. فعندما تنعدم المعايير، تختلط النصوص الجادة بالكتابات السطحية، ويغدو المشهد الثقافي فضاءً فوضوياً لا يميّز فيه القارئ بين اللؤلؤ والحصى. وهنا يشعر الكاتب الحقيقي بالغبن؛ إذ يرى نصوصاً واهنة تتصدر المشهد، بينما تُهمّش أعمالٌ مبدعة لمجرد أنها لم تجد من يقرأها قراءة نقدية واعية.

إن المتلقي العادي، مهما كان شغفه بالأدب، لا يمتلك دائماً الأدوات المنهجية التي تمكّنه من فحص النصوص وتمييز درجاتها الجمالية والفكرية. لذلك يؤدي النقد دور الوسيط المعرفي بين النص والقارئ؛ فهو الذي يفتح مغاليق العمل الأدبي، ويكشف أبعاده الدلالية، ويرشد الذائقة العامة إلى معايير الجمال والعمق. ومن دون هذا الدور، تصبح الساحة الأدبية عرضة لهيمنة الضجيج الثقافي، حيث يرتفع صوت العادي ويخفت صوت المبدع.

ومن أخطر نتائج غياب النقد الحقيقي أنّ المواهب الفذّة قد تُصاب بالإحباط والتردد، فتثني عزيمتها عن مواصلة الطريق. فالمبدع، في لحظةٍ ما، يحتاج إلى اعترافٍ معرفي بجهده، وإلى قراءة جادة لنصه، لا إلى صمتٍ مطبق أو مديحٍ سطحي لا يضيف إلى تجربته شيئاً. وفي ظل هذا الفراغ النقدي، قد ينكفئ كثير من الموهوبين عن الكتابة، تاركين الساحة لمن لا يملك سوى الجرأة على النشر.

وهكذا يتحقق انقلاب في الهرم الثقافي: إذ يسود العادي ويختفي المتميّز، لا بسبب تفوق الأول، بل بسبب غياب المعايير التي تكشف تفوق الثاني. فالحدود النقدية ليست قيوداً تكبّل الإبداع، بل ضوابط تحفظ توازنه وتضمن عدالته. إنها أشبه بالقانون الذي ينظم حركة المجتمع، فبدونه تسود الفوضى ويختلط الحق بالادعاء.

إن النقد الحقيقي ليس مجرد تعليق عابر على النصوص، بل هو ممارسة معرفية عميقة تتطلب ثقافة واسعة، ومنهجاً علمياً، وذائقة جمالية رفيعة. وهو في الوقت نفسه فعل أخلاقي، لأن الناقد يتحمل مسؤولية ثقافية تجاه الكاتب والقارئ معاً؛ فهو لا يحاكم النص بسلطة الهوى، بل يزن قيمته بميزان المعرفة والعدل.

لذلك يمكن القول إن الأدب بلا نقد يشبه جسداً بلا وعي؛ يتحرك لكنه لا يدرك اتجاهه. والنقد بلا أدب يشبه وعياً بلا موضوع؛ يتأمل الفراغ ولا يصنع قيمة. ومن هنا تتأسس العلاقة الجدلية بين الإبداع والنقد: فالأول يبتكر المعنى، والثاني يكشفه ويمنحه شرعية البقاء في ذاكرة الثقافة.

إنّ بناء حركة نقدية عربية معاصرة، تستند إلى المعرفة العميقة بالتراث وتواكب مناهج النقد الحديثة، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية لحماية الإبداع وصون الذائقة. فالأدب الذي لا يجد من يقرأه قراءة نقدية حقيقية قد يعيش لحظةً من الشهرة العابرة، لكنه سرعان ما يذوب في ضجيج الزمن. أما النص الذي يمر عبر مصفاة النقد الواعي، فإنه يكتسب القدرة على البقاء، لأن قيمته قد اختُبرت في مختبر الفكر والجمال.

وهكذا يظل النقد، في جوهره، ميزان المعنى وحارس القيمة؛ به تُصان المواهب، وتتضح المعايير، ويستقيم المسار الثقافي بين فوضى الادعاء ونقاء الإبداع.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لأن في اسفار آشور امتزج الادب بالفلسفة بالتاريخ بالشعر فقراءة الرواية بمنهج بول ريكور يكشف عن عمقها الجمالي والمعرفي ويكشف عن حقيقة أن الزمن يصبح قضية سردية. نسأل كما سأل ريكور في كتابه المهم (الزمان والسرد الحبكة والسرد التاريخي ج/1) كيف نفهم الزمن الإنساني؟ وهل يستطيع السرد ان يكون الوسيط الذي يمنح الزمن معناه؟> ان الزمن كما يقول ريكور لا يدرك ادراكاً مباشراً، بل يفهم عبر الحكاية، فالسرد ليس مجرد تقنية أدبية، انما هو بنية وجودية تنظم خبراتنا بالزمن. يصبح الزمن عند ريكور انسانياً بقدر ما يروى، والسرد يصبح ذا معنا بقدر ما ينظم الزمن. والحبكة عند ريكور ليست مجرد ترتيب للأحداث، إنما هي اعادة صياغة الوقائع المتفرقة في كلٍ دلالي، ربط البداية بالنهاية عبر منطق داخلي، وخلق معنى من التشتت، الحبكة إذاً عملية تأويلية، إنها تجعل من (ما حدث) رواية او قصة يمكن فهمها .

كيف يصبح السرد فعلاً دائرياً؟

يتم ذلك عند ريكور عبر ثلاث محاكاة:

الأولى - العالم قبل أن يروى، عالم الافعال البشرية والرموز والقيم.

الثانية - مرحلة تشكيل الحبكة اذ يعاد تنظيم الزمن داخل النص.

الثالثة - لحظة التلقي حين يلتقي النص بالقارئ ويعيد تشكيل وعيه بالزمن، اذ الواقع ينتج نصا، والنص يعيد تشكيل الواقع في وعي القارئ.

ان الرواية كما يقول ريكور تكشف ابعاداً للزمن قد تعجز عنها الكتابة التاريخية لأنها تتفاعل مع الزمن المعاش لا مع الزمن الذي يرتب الاحداث تاريخياً.

لقد أعاد ريكور للسرد اعتباره الفلسفي، وتجاوز البنيوية الى التأويلية اسس لما يعرف اليوم (المنعطف السردي) في العلوم الإنسانية، الذي يعني انتقال العلوم الإنسانية من البحث عن القوانين الثابتة الى فهم التجربة الإنسانية بوصفها بناءً سرديا مفتوحاً.

لقد قدم الروائي احمد نجم اختباراً لهذا المنهج وهذه الرؤية لا سيما في علاقة الرواية بالتاريخ والذاكرة والهوية، فالتاريخ لم يكن وصفا لوقائع سياسية، إنما التاريخ كان تجربة وجودية كفاحية من خلال رموز اشور وسومر الخلاقة، اذ أصبح التاريخ قوة ثورية خلاقة.

الرواية الشعرية نص سردي تغمره روح الشعر وايقاعه وبناؤه الخلاق، فيها يلتقي السرد كونه حكاية وشخصيه وزمن، مع الشعر كونه دلالة مكثفة وايقاعاً ساحراً وصورة معبرة.

(الماء يُخبأ في الحرف

والظل يكتب اسمه في الطين

من نسيتَ اسمه لم ينسك)

في الرواية الشعرية السلطة للغة أكثر من الحدث، ويهم القارئ فيها جمال القول الذي تجسده الجملة وكذلك يكون للزمن في هذه الرواية حضور خلاق، وكذلك للوعي الذي تجسده الشخصية قيمة عليا.

يتركز جمال الرواية الشعرية في اللغة والشخصية والزمان والصمت المنساب بين السطور، يتجسد جمال اللغة في الصورة المكثفة وفي المجاز حين يمتلئ بالوعي وكذلك في البنية الإيقاعية للجملة.

(الظل يغلق الباب

والكلمة تطبق على الفم

ولكن الطين يشهد)

أما جمال الزمن فيتجسد في غلبه زمن الوعي والروح والعقل على واقعية الحدث.

(الكتب لا تكتب للأحياء فقط

أحيانا تكتب للذين سيأتون بعد ألف عام)

اما الشخصيات في الرواية فهي اصوات للتاريخ والحب والمعرفة، شخصيات تتفاعل تتأمل بتحولات الوجود والتاريخ حين يتحول الوجود والتاريخ الى بساتين وعي.

والصمت المنساب بين ايقاع الجمل، هو لغة جمالية اخرى كصمت الموسيقى.

وتتجلى في الرواية الشعرية ابعاد متعددة، وقد تستقل بعطائها او يمتزج فيها التصوف بالفلسفة بالرمز بالأسطورة، وفي ضوء هذا الفهم للرواية الشعرية يمكن ان نذكر اهم ميزاتها:

فهي انجاز يسكنه الشعر، والشخصيات هي مراكز التصور، انها جهاد جمالي لإنقاذ المعنى من جمود الواقعية... كل شيء في الرواية الشعرية ينطق بالجمال.

أسفار آشور رواية شعرية بامتياز، فهي كيان منتج للوجود، والرواية الشعرية نص سردي لا يعيد كتابة الحياة ولا التاريخ، وانما يعيد اكتشافهما، فالرواية التي تكتب الحياة كما هي لا قيمة لها انما القيمة للرواية التي تعتمد اكتشاف المضمون من المغمور من الحياة والمغمور من التاريخ تظافرت لغة النص وحواراته وموسيقاه بلغة شعرية تساهم في اضاءة الوجود، تنادي بصوت شعري: دافع عما سيحدث ان لم تفكر فيما سيحدث.

الادب بعامة والرواية بخاصة ان لم يكونا سحباً جمالية تمطر جمالا وتورق الارض جمالاً، فلا قيمه له.

تحقق الرواية تواصلاً شعرياً فاعلاً مع التاريخ ليكون مادة للنهضة، ومحور النهضة والايمان بعوامل الخلود هما الذاكرة والطين والحرف. الرواية نخلة الوصول الى ثمرتها بحاجة الى جهد وجودي جمالي خلاق، كل ما في النخلة حياة أو يعين على الحياة، وهكذا رواية أسفار آشور نخلة شعريه جذورها وجذعها التاريخ، وعروقها الذاكرة والطين، وثمارها الشعر، تتظافر هذه المكونات لتصنع النهضة والايمان بالنهضة.

(هناك أشياء في هذا الكون تتجاوز التفسير العلمي خصوصا حين تكون مرتبة بالذاكرة الحضارية، الرموز ليست مجرد لغة، إنها أبواب).

لقد هدمت أسفار آشور الجدار بين الشعر والنثر وجمعت بين الشفاهية والمكتوب ووحدت الحاضر بالتاريخ وهي تمتلك قدرة على خلق القيم الجمالية والمعرفية والإنسانية من خلال لغتها التي ادخرت لغة الشعر والتاريخ والحب والحكمة فحققت بذلك درجه عالية من متعة ادراك النص وفهمه.

ان التخييل الكامل في النص يضيف الى القراءة متعة التواصل التي تأخذ القارئ في رحلة جمالية بين الحاضر والتاريخ وبين الحاضر والمستقبل وبين التاريخ والمستقبل.

تظافرت لغة النص وحواراته وموسيقاه وقيمه لتحدد الغرض الاساس للرواية: التاريخ يصنع الحاضر ويصنع الثورة، والثورة تصنع المستقبل وفي كل هذه المراحل فإن الانسان هو سيد الحركة والتحولات.

من متحف الحياة الى متحف التاريخ وما بينهما من جدل خلاق انطلقت شخصيات الرواية تعيد اكتشاف التاريخ بلغة شعرية وحدت الزمان بأبعاده الثلاثة.

تألقت في الرواية عناصر الحياة الفاعلة، الشعر والتاريخ والزمن والحرف والكتابة، الرقيم والطين بلغة شعرية فائقة الجمال، تشعر بعظمة آشور بانيبال تتجسد امامك وعظمة عشتار التي علمت العالم الحب.

لم ينصت أحمد نجم الى التاريخ، بل جعل التاريخ ينطق ويتألق شعراً في صياغة الإرادة الإنسانية في مواجهة الظلم والظلام، كان الطين يشع نوراً وشعراً وهو يعيد صياغة التحدي بلغة الصمود الشعرية، إنه لم يصف التاريخ انما يعيد خلقه.

الرواية العظيمة هي التي تجعل الجمال طريقاً لإدراك الوجود من خلال الكيفية التي تجعلنا نرى فيها العالم، ومن خلال تحويل المألوف الى دهشة وتجعل للهامش مركزية مهمة في النص.

يكمن الجمال في أسوار آشور في موسيقاها الثاوية في لغتها الشعرية التي ابدع الروائي في صياغتها ليس على مستوى المضمون انما على مستوى الشكل، فقد اختار لحوار شخصياته شكل القصيدة الحديثة.

تمكن سرده من اخذ النفس الى شواطئ العمق والتأمل عبر ايقاع شعري هادئ تارة، وايقاعات متعددة الوقع في النفس والعقل تارة اخرى، فتارة تشعر بالقلق يسكنك وانت تتابع الشخصيات المنشغلة في درس الاثار وزيارات المتاحف المتعددة، وتارة ينقل الايقاع من ضيق الحاضر الى سعة التاريخ.

شخصيات الرواية البطل رامي ويوسف وسالم وإيلينا يعرفون ماذا يريدون، انهم مشغولون باكتشاف التاريخ، ومن خلاله اكتشاف الذات يعيشون التوتر بين الواقع والتاريخ، وبين الواقع والمستقبل.

الزمن في الرواية اعطاها بعداً جماليا متميزاً، فهو لم يمشِ في خط مستقيم، انما تجولت الرواية في الزمن بحثا عن القوة الكامنة في الواح الطين التي صنعت تاريخاً اعاد بناء العالم.

لقد احتوى جمال الرواية ذاكرة التاريخ ليضيء بها فاعلية الحاضر، وكان الخيال الرفيق الخلاق في هذه الرحلة، إن الخيال روح الرواية، وهو الباعث على التأمل والتفكير والاستنتاج والانغمار في الحدث كأنك فاعله.

اسفار اشور تفكر عنك في المصير والفعل والتمرد والثورة وتأخذك الى الانغمار فيما تفكر فيه.

كانت مسارات المرأة والجسد والحرية في الرواية مسارات الجمال.. إنها القوى التي ساهمت في صناعة المعنى وقدمته لنا شاعرية فذة آسرة. المرأة/ عشتار في الرواية رمز الارض والحرية هي الاخلاق في صدقها، وجسدها ليس لغرض الفضائح انما هو محور العالم، وحدة القوة والاخلاق والدين.

لقد تمكنت اسفار اشور من اعادة كتابة الزمن بلغة شعرية وروح شعرية وقانون شعري حين اعادت صياغة الذاكرة التاريخية لآشور وسومر، فالرواية الشعرية تعيد خلق التاريخ، وتنبش في الذاكرة لإحياء فاعلية الجمال في التاريخ.

واللغة الشعرية في الرواية التاريخية تعتني بالرموز وكثافتها من خلال الجمل القصيرة وايقاع يرتل الحدث في نشيد جمالي، لذلك بدت سومر وآشور والواحهما الخالدة قوى ابداعية في صناعة النهضة، في كلكامش سؤال الخلود، وانكيدو سؤال الحرية، والطوفان ذاكرة الكوارث، والرقيم الطيني الذاكرة الخالدة، ومقاومة النسيان. آشور القوة والإمبراطورية العالمة المثقفة.

لقد برع أحمد نجم في استنطاق هذه الرموز لتكون دليل حياة الانسان العراقي المعاصر في بناء نهضته الجديدة وثورته الخلاقة.

ولقد برع احمد نجم في مزج الاسطورة بالتاريخ بالشعر برموز الرافدين في حركات دائرية هي بعض جماليات السرد التاريخي الشعري. وصلت الرواية ذروة جمالها في مضمون اللوح الأخير: اللوح الذي جمع وصايا الجمال والصمود والنهضة والحب:

وصيتي الأولى:

اجعل الكتب تابوت عهدك

والمكتبة معبدك

والقلم نبيك)

(وكانت عشتار تبكي عند بوابة المعبد،

تبكي لا موت الحبيب،

بل نسيان التراتيل

قالت وهي ترنو الى النينوي الأخير:

احيوا المدن بالكلمات،

ولا تكتفوا بالبناء

فان الجدران بلا ذاكرة

تصير خرابا)

لقد قاوم أحمد نجم الخراب بطاقة شعرية استوعبت التاريخ والحاضر وتطلعت الى مستقبل أجمل يمحو الهزيمة واثارها وصانعيها.

***

د. جاسم الفارس

لَمْ تَعُدْ قضايا المَرْأةِ في الأدب موضوعًا هامشيًّا، أوْ صوتًا خافتًا يمرُّ في الهامشِ الثقافي، بَلْ تحوَّلت إلى مِحور عميق يكشف طبيعةَ المُجتمع، ويُعرِّي بُنيته الفِكرية والأخلاقية. فالأدبُ مُنذ نشأته كانَ مِرْآةَ الإنسانِ، لكنْ حِينَ تكتبُ المَرْأةُ عن ذاتها وتجربتها، تتحوَّل المِرْآةُ إلى عدسة أكثر حساسية ودِقَّة. وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان لامعان في الأدب العربي والعالمي: الكاتبة العِراقية لطفية الدليمي (1939 - 2026)، والكاتبة الكندية مارغريت أتوود (وُلدت 1939)، حيث قدَّمت كُلٌّ مِنهما رؤيتها الخاصَّة لقضايا المرأة، مُتَّكئة على سِياق ثقافي مُختلف، لكنَّها تلتقي في جَوهر واحد، هُوَ الدفاع عن إنسانية المَرأة، وحَقِّها في الحُرية والاختيار.

تنطلق لطفية الدليمي في كتاباتها من واقع عربي مُعقَّد، تتشابك فيه التقاليد الاجتماعية مع التحوُّلات السياسية والثقافية. فهي لا تُقَدِّم المَرأةَ بوصفها ضحية مُطْلقة، بَلْ ككائن واعٍ يُحاول فهمَ العالَم ومُقاومة قيوده. في رواياتها وقصصها تبدو المَرْأةُ شخصيةً مُفكِّرة، وقارئة، وعَالِمة أحيانًا، تبحث عن موقعها في عَالَم يَضِيق بأسئلتها.

أمَّا مارغريت أتوود فتتخذ مسارًا مُختلفًا، فهي غالبًا ما تلجأ إلى الخيال الكابوسي لتكشف المخاطرَ الكامنة في الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تسلب المرأةَ حُريتها، وتُصوِّر عَالَمًا مُستقبليًّا تُخْتَزَل فيه المَرأةُ إلى وظيفة بيولوجية، حيث تُستخدَم أجساد النِّساء كوسيلة للإنجاب في مُجتمع استبدادي مُغلَق، ورغم انتماء هذه الفِكرة إلى الخيال الأدبي، إلا أنَّها تَحمل تحذيرًا عميقًا مِن إمكانية تحوُّل الواقع إلى نُسخة قاسية في المُستقبل.

تؤمن لطفية الدليمي بأنَّ المعرفة هي الطريق الأهم لتحرُّر المرأة. لذلك تمتلئ نُصوصُها بإشارات إلى العِلْم والفلسفة والفِكر الإنساني. المَرأةُ في عَالَمها لَيستْ كائنًا عاطفيًّا فَحَسْب، بَلْ هِيَ عقلٌ يبحث عن الفهم. هذا الحُضور للمعرفة يخلق صُورةً مختلفة للمرأة العربية، فهي لَيستْ مَحصورةً في الدَّور التقليدي، بَلْ قادرة على المُشاركة في إنتاج المعرفة نَفْسِها.

في المُقابل، تُقَدِّم مارغريت أتوود رؤيةً أُخرى للمعرفة، حيث تُصبح السَّيطرة على المعرفة أداةً للهَيمنة، لأنَّ المعرفة تَمنح القُدرةَ على التفكير والاحتجاج، وهذا يدلُّ على العلاقة العميقة بين السُّلطة والمعرفة، فحين تُسلَب المرأة حق التعلُّم، يُصبح إخضاعها أكثر سُهولة، ويُصبح السَّيطرة عليها فلسفةً اجتماعية قائمة بذاتها.

مِن أبرز القضايا التي تَجمع بين الكاتبتَيْن، قضيةُ " الجسد الأُنثوي ". فالجسدُ في كثير مِن المُجتمعات يتحوَّل إلى ساحة صِراع بين الحُرية والسُّلطة.

عِند لطفية الدليمي يَظهر الجسدُ بوصفه جُزءًا مِنْ هُوية المرأة الإنسانية، لا مُجرَّد مَوضوع للرغبة، أو الرقابةِ الاجتماعية. هي تُحاول إعادةَ الاعتبار للجسد بوصفه كِيانًا طبيعيًّا لا يَنبغي أنْ يَكُون مَصدرَ قَمْعٍ أوْ خَوْفٍ. أمَّا عِند مارغريت أتوود، فإنَّ الجسد يتحوَّل إلى رمز سياسي واضح. في عَالَمها الكابوسي، يُستلَب الجسد، ويُعاد تعريفه وفق قوانين السُّلطة. وهُنا تكشف الكاتبةُ عن أخطر أشكال القمع: حين تتحوَّل المرأةُ إلى وظيفة بيولوجية لا أكثر.

اللغة عند الكاتبتَيْن لَيستْ وسيلةَ سَرْدٍ فقط، بَلْ أيضًا أداة مُقاوَمة. لطفية الدليمي تَستخدم لُغةً شاعرية هادئة، لكنَّها مُشبَعة بالتأمُّل الفلسفي، كأنَّها تفتح نافذةً صغيرة للحُرية داخل واقع مُضطرب. أمَّا مارغريت أتوود، فتكتب بِلُغة حادَّة أحيانًا، وساخرة أحيانًا أُخرى، لتكشفَ تناقضات السُّلطة وخطورتها.

إنَّ اختلاف الأُسلوب بَينهما يَعكس اختلافَ السِّياقِ الثقافي. لطفية الدليمي تَكتب مِن داخل مُجتمع تقليدي يُحاول التوازنَ بَين الحداثةِ والتُّراثِ، بَينما تَكتب مارغريت أتوود مِن داخل مُجتمع غَرْبي مُتقدِّم تقنيًّا، لكنَّه لَيس بِمَنأى عن احتمالاتِ التراجعِ والقمعِ والاستبدادِ.

وعلى الرغم مِن اختلاف البيئة والثقافة، تلتقي الكاتبتان في فِكرة جَوهرية: المرأة إنسان كامل، لها عقلها وحُريتها وحقها في تقرير مصيرها، لا تُختزَل في دَور اجتماعي ضَيِّق، ولا يُمكِن القَبول بِتحوُّلها إلى أداة في نظام سُلطوي.

إنَّ مُعالجة قضايا المرأة عند لطفية الدليمي ومارغريت أتوود تكشف عن تقاطعات واختلافات في آنٍ واحدٍ. إنَّهما تَنطلقان مِن وعي نقدي بِبُنى الهَيمنة الاجتماعية والثقافية التي تُحاصِر المَرأةَ، غَير أنَّ اختلاف السياقَيْن الثقافِيَّيْن ينعكس في طرائق التمثيل السردي، وطبيعةِ الأسئلة المطروحة.

تُقَدِّم لطفية الدليمي مُقاربة أقرب إلى التأمُّل الإنسانيِّ والهَمِّ الاجتماعي ضِمن فضاء عربي مُثْقَل بالتحوُّلات، بَينما تميل مارغريت أتوود إلى تَوظيف الخيال والبُعْدِ التحذيري لفضح آلِيَّات السُّلطة الاجتماعية القامعة للمرأة.

ومعَ ذلك، لا تَخلو التجربتان من حدود نقدية، إذْ قد ينزلق الخِطابُ أحيانًا إلى التَّعميم، أوْ إلى تكثيف رمزي يُضْعِف حُضورَ التجربة الفردية الواقعية. وقيمةُ هاتَيْن التجربتَيْن لا تَكْمُن في تقديم نموذج مُكتمل لمعالجة قضايا المرأة، بَلْ في فتح أُفُق للحِوار النقدي حول تمثيل المرأةِ في الأدبِ، وإبرازِ الحاجةِ إلى مُقاربات أكثر توازنًا تربط بَين الحِسِّ الجَمَالي والوعي الاجتماعي، دُون الوقوع في التَّمجيد أو الاختزال.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يشكّل الشعر، في جوهره العميق، أحد أبرز أشكال التعبير الإنساني القادر على استكشاف العلاقة المركّبة بين الذات والعالم، بين التجربة الفردية والهمّ الجمعي، وبين اللغة بوصفها أداةً للتوصيف واللغة بوصفها أفقاً للخلق الجمالي. ومن هذا المنطلق يغدو النصّ الشعري فضاءً تتداخل فيه الأبعاد اللغوية والبلاغية والجمالية والفكرية، بحيث تتجاوز الكلمة وظيفتها المباشرة لتتحول إلى علامة دلالية متعددة الطبقات، قادرة على حمل المعنى الظاهر والمضمر في آنٍ واحد.

وفي هذا السياق يندرج نص الشاعرة الفلسطينية نهى عمر الموسوم بـ «نار موقدة»، بوصفه نصاً شعرياً يقوم على بنية رمزية كثيفة تستثمر عناصر الطبيعة واللغة الثورية لتشييد خطاب شعري يزاوج بين الوعي الجمالي والهمّ الإنساني. فالنص لا يكتفي بتصوير حالة شعورية أو انفعال لحظي، بل يسعى إلى بناء رؤية فكرية تتخذ من النار والنور والجذر رموزاً مركزية تعبّر عن التحوّل، والانبعاث، ومقاومة الظلم، في إطار خطاب شعري يستبطن تجربة إنسانية تتقاطع مع السياق الثقافي والتاريخي الذي يتشكل فيه الوعي الفلسطيني المعاصر.

وتنبع أهمية هذا النص من قدرته على تشييد شبكة من الدلالات الرمزية التي تتكئ على الانزياح اللغوي، وتكثيف الصورة الشعرية، وتفعيل الإيقاع الداخلي، بما يمنح النص طاقة جمالية وتأويلية مفتوحة. كما يتجلى في بنيته حضور واضح لثنائية النور والظلام، والجذر والاجتثاث، والصمت والصخب، وهي ثنائيات تُشكّل محاور دلالية تسهم في بناء المعنى العميق للنص.

وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة نص «نار موقدة» مقاربة نقدية شاملة، تستند إلى مجموعة من الأسس المنهجية التي تشمل الجوانب اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إضافة إلى الأبعاد التاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية والسيميائية. وتسعى هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية الداخلية للنص، وتحليل معجمه الرمزي، واستجلاء آليات اشتغال اللغة الشعرية فيه، مع الوقوف عند طبيعة الرؤية التي يطرحها النص وعلاقته بالسياق الثقافي والإنساني الأوسع.

وبذلك تحاول هذه الدراسة أن تسهم في قراءة هذا النص قراءةً نقدية متأنية تكشف عن طاقاته الجمالية والدلالية، وتبرز موقعه ضمن أفق الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى المزاوجة بين البعد الإبداعي والالتزام الإنساني، وبين جماليات اللغة وقلق الأسئلة الوجودية.

يندرج نص "نار موقدة" ضمن الشعر الحر ذي النزعة الرمزية المقاومة، حيث تتشكل بنية النص من حركة دلالية تصاعدية تنطلق من الصمت وتنتهي إلى النور والثورة. ويقوم النص على معمار استعاري كثيف يزاوج بين عناصر الطبيعة (النار، التراب، الرياح، الأشجار) والبعد الإنساني الأخلاقي (الكرامة، التمرد، الثورة)، مما يمنحه طاقة رمزية تتجاوز المباشرة إلى فضاء التأويل.

النص في جوهره خطاب شعري يعيد تشكيل العلاقة بين الوعي والواقع، حيث تتحول الفكرة إلى شرارة، والشرارة إلى نار، والنار إلى فعل تاريخي يطهر العالم من الظلم والفساد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، إذ تعتمد الشاعرة لغة عربية فصيحة متينة مع تراكيب بسيطة لكنها ذات طاقة دلالية عالية.

ومن أبرز سمات الأسلوب:

الانزياح البلاغي

توظف الشاعرة انزياحات دلالية تخرق المألوف اللغوي مثل:

"صار صمتًا صاخبًا"

وهنا نلاحظ مفارقة بلاغية تجمع بين الضدين:

الصمت / الصخب، لتوليد توتر دلالي يعكس احتقان الوعي.

كذلك يظهر الانزياح في قولها:

"شرارتها تحيك نارًا تتوقد فكرةً"

حيث تتحول الفكرة إلى مادة قابلة للاشتعال، وهو تحويل مجازي يربط الفكر بالفعل.

التراكيب التصاعدية.

تستخدم الشاعرة بنية تراكمية:

بذرة - جذوة - شعلة - نار - ثورة

وهي بنية نمو دلالي تشبه دورة التحول في الطبيعة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة هنا تميل إلى الفصاحة الكلاسيكية مع انفتاحها على الحس الحداثي.

من الألفاظ الدالة:

النور – الجذوة – الشرارة – الأفئدة – البراكين – الكرامة.

هذه المفردات تمنح النص قوة أخلاقية وتتناسب مع موضوعه المقاوم.

كما يظهر التوازن بين اللفظ والمعنى في العبارات المركبة مثل:

"ينتحر الظلم على مشانق لظاها"

وهي صورة بلاغية مركبة تجمع بين الاستعارة والتشخيص.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص ينتمي إلى قصيدة التفعيلة أو النثر الإيقاعي، حيث لا يعتمد وزنًا تقليديًا ثابتًا، لكنه يعتمد:

الموسيقى الداخلية

تظهر في التكرار:

١- في الهواء

٢- في المياه

٣- في الغبار

٤- في الأشجار

وهذا التوازي الصوتي يخلق إيقاعاً دائرياً.

- الجرس الصوتي:

كثرة الأصوات الحلقية والصامتة الثقيلة:

(الخاء – القاف – الراء – الظاء)

تعزز طابع النص الاحتجاجي.

التكرار الإيقاعي

التكرار في:

١- النور

٢- النار

٣- الجذر

يخلق وحدة دلالية وصوتية للنص.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص.

يقوم النص على معمار تصاعدي يتكون من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى

الاحتقان الداخلي

"صار صمتًا صاخبًا"

المرحلة الثانية

التحول الثوري

"تتوقّد فكرةً

ثورةً"

المرحلة الثالثة

التحقق والتحرر

"يشرق النور

محمولًا على أكفٍّ تحمل الحجارة"

هذه البنية تمنح النص حركة درامية واضحة.

2. الرؤية الفنية:

تعكس القصيدة رؤية للعالم قائمة على:

١- مقاومة الظلم

٢- تحرير الإنسان

٣- استعادة الكرامة

العالم في النص منقسم إلى قطبين:

النور / الظلام

وهو تقسيم أخلاقي يعكس رؤية كونية للصراع.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تظهر القدرة الإبداعية في تحويل العناصر الطبيعية إلى طاقة رمزية:

النار - الوعي

الريح → الثورة

الجذر - الاستمرار التاريخي

وهذا ما يمنح النص طابعاً تأويلياً مفتوحاً.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يحمل موقفًا فكريًا واضحاً ضد:

١- الظلم

٢- الفساد

٣- الاستبداد

ويتجلى ذلك في قولها:

"لا للانسياق خلف القطيع"

وهو موقف أخلاقي وجودي يدعو إلى الحرية الفردية.

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع عدة مرجعيات:

الخطاب الثوري العربي

الشعر المقاوم الفلسطيني

الفكر الإنساني التحرري

كما يحيل ضمنياً إلى تجارب شعرية مثل شعر المقاومة.

3. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

يمكن قراءة الرموز الأساسية كالآتي:

١- النار = الوعي الثوري

٢- الجذر = الهوية

٣- النور = الحرية

وهذا يجعل النص متعدد الطبقات الدلالية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

يُقرأ النص في سياق التجربة الفلسطينية حيث يصبح الحجر والنار رمزين للمقاومة.

قولها:

"محمولًا على أكفٍّ تحمل الحجارة"

يحيل إلى رمزية الانتفاضة.

2. تطور النوع الأدبي:

النص ينتمي إلى الشعر الحر المعاصر الذي يجمع بين:

١- اللغة التراثية

٢- البنية الحداثية.

3. العلاقة بالتراث:

تحضر مفردات من المعجم العربي القديم:

١- الأفئدة

٢- الجذوة

٣- اللظى

مما يربط النص بالبلاغة العربية.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص يبدأ بمشاعر:

١- الاحتقان

٢- الغضب

٣- التوتر

ثم يتحول إلى:

١- الأمل

٢- الكرامة

٣- الانبعاث.

2. النبرة النفسية:

النبرة العامة للنص هي:

نبرة احتجاج وتمرد.

لكنها تنتهي بنبرة أمل.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالمجتمع

النص يعكس رفض:

١- الاستبداد

٢- الفساد

٣- التبعية.

2. الخطاب الاجتماعي

النص ينتقد ظاهرة:

الانسياق خلف القطيع

وهي إشارة إلى الوعي الجمعي غير النقدي.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية

النار - الثورة

النور - التحرر

الجذر - الهوية

الحجارة - المقاومة.

2. الثنائيات الدلالية:

١- النور / الظلام

٢- الحرية / القهر

٣- الجذر / الاجتثاث.

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد هذه القراءة على:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل الرمزي

٣- القراءة التأويلية.

مع التركيز على النص دون الانزلاق إلى الانطباعية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا.

النص يحتفي بقيم:

١- الحرية

٢- الكرامة

٣- التمرد الأخلاقي

كما يتميز بقدرته على توليد تأويلات متعددة، مما يمنحه بعداً إنسانياً يتجاوز السياق المحلي.

الخلاصة:

نص "نار موقدة" نص شعري رمزي يقوم على معمار لغوي متماسك وصور بلاغية كثيفة، ويعكس رؤية ثورية أخلاقية تنطلق من الوعي الفردي نحو الفعل الجماعي. وقد نجحت الشاعرة الفلسطينية نهى عمر في بناء شبكة رمزية مركزها النار بوصفها طاقة تطهير وانبعاث.

وعلى الرغم من وجود بعض اللمسات الخطابية المباشرة، فإن النص يحتفظ بقيمة جمالية وفكرية معتبرة، ويؤكد حضور صوت شعري يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الكلمة والحرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

نار موقدة

بقلم: نهى عمر

صارَ صمتاً صاخباً،

وفي العقلِ صوتٌ..

في الهواءِ.. في المياهِ

في الغبارِ.. في الأشجارِ،

وفي ترابِ الأرضِ هديرٌ..

تأوَّلَ بذرةً..

جذوةً.. شعلةً..

شرارتها تحيك ناراً

تتوقّد فكرةً

ثورةً

رياحُها تهبُّ تباعاً.. سراعاً

نارُها الموقَدةُ تطّلعُ على الأفئدةِ

أفئدةِ الظلامِ والنفاقِ

الفسادِ والسياطِ

تحرقها ومن خلفها

تجتثُّ جذور الوباءِ والذلّ

لا للانسياق خلف القطيع

تنفث بالأرض روح التمرّد

تصير براكين غضب لا تنطفئ

ينتحر الظلم على مشانق لظاها

والظلام والسياط والجلاد..

قسراً

يشرق النور

محمولاً على أكفٍّ تحمل الحجارة

والروح تتشبث بالشمس والأرض

والحياة في النور

تنهمر في النفوس غيوث الكرامة اعتزازاً

تنبذر بهم الأرض

ليبقى الجذر يتغلغل في العمق

متعملقاً

ممتداً

ينبت نوراً ونوّاراً

ونارًا لا تنطفئ

لا تنحني.

صدرت في دريسدن مجموعة قصص لسعاد الراعي بعنوان "من مذكرات أستاذة"، ومنذ البداية نلاحظ أن الأستاذة هي الكاتبة نفسها، ولذلك غلب على القصص جو الطليعة والنخبة وفي أسوأ الأحوال بيئة المتعلمين. فالأحداث كانت تدور في المدينة الجامعية - من قاعات التدريس إلى بيوت المحاضرين. ومع ذلك لم نسمع أي صوت مرتفع و ولا نبرة وعظ أو تبشير كما اعتدنا سابقا في الأدب الملتزم. وكما ذكر الدكتور عادل الحنظل في مقدمته الجميلة "غلفت القصص لمسات شعرية نقلت بصدق وبخبرة واضحة معاناة المرأة ووجدان المجتمع. وكل ذلك بما يلزم من الامتلاء النفسي والجرأة في طرح المشاكل" ص 3-4.

 ولأن الشخصيات مثقفة لم يرد على ألسنتها عبارات بالعامية، ولجأت لما سماه الدكتور الحنظل النثر المتأنق ص 4. وأضيف أنها راوحت بين بلاغة التألق الكلاسيكي والتأنق الرومنسي بتعبير الدكتور حسام الخطيب في معرض كلامه عن آخر أعمال شكيب الجابري. ومهما يكن الأمر دارت الأحداث إما في المهجر أو المدينة. ولم تصور لا الريف و لا الحقل. وهذا ديدن كاتب شبابي آخر هو إحسان عبدالقدوس. وقد كان رمزا من رموز الحرب الباردة على سياسة عبد الناصر. وإذا كان عبد القدوس مع ثورة وتمرد الشباب حتى لو وقعوا في وحل الخطيئة، فضلت الراعي أن ترافق صغار السن وأن تهتم بتنظيف أفكارهم، ولجأت في هذا السياق إلى لغة الحوار والإقناع، وليس للتوبيخ ولا التهديد. وكذلك لم تحض على الثورة، ولا استفزاز المجتمع النائم، وواجهت المشاكل الطارئة بابتسامة خفيفة وبدون سخرية أو مرارة (كما ورد في "قصة إن شاء الله يا أستاذة" ص8. أو بدفء القلب وندبة الحنان - قصة "ذاكرة في ظلال الغياب" ص18.

وهذا ما يؤهل القصص لتكون في دائرة الأعمال الإصلاحية والهادئة مثل مشروع السورية وداد سكاكيني والمصرية أمينة السعيد.

وتبقى لي عدة ملاحظات.

الأولى أن تمرد النساء في أدب الراعي لا يؤمن بحرق المراحل، ولكن بالتدريج والإصرار. وهو مختلف تماما عن أسلوب الستينات والذي اعتمد على سياسة الأظافر الطويلة (غادة السمان وليلى البعلبكي)، وبنفس الوقت اختلف جدا عن أسلوب هذه الألفية والذي يضرب رأسه بجدار واقع راكد ونصف ميت. وبمقدار ما يصدق ذلك على الأدب العربي (من حنان الشيخ وحتى علوية صبح، وبدرجة أقل من ذكرى لعيبي وحتى أمان السيد) يصدق أيضا على أدب شرق أوروبا (من كريستا فولف وحتى أولغا توكارشوك وجيني إيربينبيك). فالانقلاب السياسي في شرق أوروبا لم يهدم المعبد، ولكنه ساعدنا على رؤية الخراب. وما كانت تتستر عليه سياسة البروباغاندا والتزوير والنفاق كان في الحقيقة أمرا واقعا على مستوى البنية التحتية ومرادفاتها - من اقتصاد فاسد ووجدان مسلوب الإرادة (وأحسن صنع الله إبراهيم بالكشف عن هذه الأزمة في ثنائيته "برلين 69" و"الجليد"). بتعبير موجز اختصرت السيدة الراعي الطريق على نفسها، ولم توسع مسرح الأحداث، واكتفت بعلاقات بين اثنين لكل منهما صوته. فأول قصة تدور بين أكاديمية وأحد طلابها. وثاني قصة بين الراوية وماريا زوجة الأستاذ الراحل وهكذا. ولم تدعم رؤيتها للتجديد والإصلاح ببهلوانيات الحداثة أو الصوت الساخط والغاضب، واختارت سياسة الهمس والملاحظة والمشاهدة.

النقطة الثانية أنها لم تتردد ولم تتبع أسلوب النهايات المفتوحة للإعراب عن التردد أو الحيرة. وهذا دأب غادة السمان. ونلاحظ ذلك من عناوينها مثل "ليل الغرباء" و"لا بحر في بيروت". فهي كاتبة نفي للنفي، بمعنى أنها كانت مؤهلة لمنطق جهادي وانتحاري لا يهادن ولا يبني أيضا. كالبلدوزر يجرف كل شيء أمامه و يخلف في كل مكان الحطام والحرائق. لكن الراعي الراعي بالعكس تماما. فهي تحرص على حضانة مشاعرها الحزينة وعلى تأدية دورها الأساسي في التربية والتطوير.

آخر نقطة. أنها وضعت العالم والواقع في صف المرأة. وكأنها تريد إحياء شبكة العلاقات بين الإنسان والطبيعة. ومجرد التماهي بين الطرفين يجعل كل الأجواء رحمانية - بالتعبير الذي وضع أسسه إيمانويل سفيدونبرغ 1688- 1772 لا هي مذكر ولا مؤنث، ولكنه وجدان بشري وحامل. أو وجدان أمومي يرعى عدة احتمالات. وهذه خطوة متواضعة على أول طريق أنسنة العلاقات خارج التصنيفات البائدة.

***

د. صالح الرزوق

يشكّل الحديث عن التحوّلات النصيّة ومراوغة الخطاب الأدبي مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعة الكتابة الحديثة، تلك التي لم تعد تقف عند حدود البنية الكلاسيكية، ولا تكتفي بمرجعيات واضحة أو دلالات جاهزة، بل صارت تشتغل على الحافة؛ حافة اللغة، والمعنى، والهوية النصية. لقد تحوّل النص الأدبي اليوم إلى كيان حيّ، يتغيّر ويتشكّل باستمرار، وينزاح عن أنماطه المألوفة ليبتكر لغته الخاصة. في هذا السياق، تبدو التحوّلات النصية ممارسة واعية للعبور بين الأجناس، أو لتكسير حدود البنية، أو لإعادة توزيع الوظائف السردية والدلالية. كل تحوّل هو إعادة كتابة، وإعادة تفكير في علاقة النص بذاته وبقارئه، وفي طرائق إنتاج المعنى داخله. فالرواية التي تبدأ بضمير المتكلم قد تنقلب فجأة إلى راوٍ عليم، والزمن الذي يبدو خطياً سرعان ما يتشظّى إلى طبقات، واللغة التي تُفترض واضحة قد تنحرف إلى استعارات كثيفة تشكّل شبكة دلالية مغايرة.

وتتعزّز هذه الدينامية بوجود خاصية مراوغة الخطاب، تلك القدرة العجيبة للنص على أن يقول شيئاً ويخفي أشياء، أو أن يقدّم دلالات بقدر ما يموّهها. فالنص المراوغ لا يسعى إلى إرباك القارئ بقدر ما يدفعه إلى تأمل أعمق، إلى بحث متأنٍّ عن المعنى داخل المساحات البيضاء، وفي ما وراء الإحالات والتلميحات. هنا يصبح الغموض ليس نقصاً، بل فضيلة جمالية، ووسيلة للتكثيف، ولتعميق أثر النص. والكتابات الكبرى، شعراً وسرداً، أدركت منذ زمن أن وضوح المعنى قد يُفقد الأدب سحره، لذلك فهي تراهن على التعدد: تعدد الأصوات، ومنظورات الرواة، واللغات الداخلية، والإشارات العابرة التي تنفتح على نصوص أخرى.

وتبدو العلاقة بين التحوّل والمراوغة علاقة تبادلية؛ فكل تحوّل في البنية ينتج قدراً من الإرباك الجميل، وكل مراوغة في القول تفتح الباب أمام تحول جديد في تأويل النص. ولهذا بات القارئ المعاصر شريكاً في عملية البناء، إذ لم يعد يتلقى المعنى، بل يشارك في صناعته، عبر إعادة تركيب الشذرات، وربط العلامات، وتأويل مناطق الظلّ التي يتركها الكاتب عمداً. وقد أصبح هذا كله جزءاً من جمالية النص الحديث، الذي لم يعد يطمح إلى تقديم حقيقة نهائية، بل إلى خلق فضاء للتفكير، ولطرح الأسئلة، وتحفيز الحس النقدي.

ومع تطور السرد العربي والعالمي، تظهر هذه المزايا بوضوح في روايات تعتمد على تفكيك الزمن، وعلى التعدد الصوتي، وعلى المزج بين الذاتي والموضوعي، وبين الواقعي والغرائبي. كما تتجلى في الشعر الحديث الذي يراهن على الانزياح، وعلى الصورة المتفلتة من القياس التقليدي. وفي القصة القصيرة، يتحقق هذا النهج عبر النهايات المفتوحة، واللغة الكثيفة، والحدث المفارق الذي يقلب المعنى في لحظة.

إن التحوّلات النصية ومراوغة الخطاب الأدبي ، تمثل تعبيرا عن تحوّل أعمق في رؤية الكاتب للعالم. فالنص الراهن لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح احتمالاتها. ولا يسعى إلى تمثيل الواقع كما هو، بل إلى مساءلته، وإعادة تشكيله داخل بنى لغوية وجمالية جديدة. وهكذا يصبح الأدب مساحةً حرّة للتجريب، ولإعادة اكتشاف اللغة، ولابتكار طرق جديدة في الحكي والتعبير، تسمح للنص بأن يظلّ مفتوحاً على أفق لا ينتهي من القراءة.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

لا يقوم الفن في جوهره على مجرد المحاكاة أو التكرار، بل على تلك الطاقة الخلّاقة التي تمنح الوجود معنى جديداً، وتعيد صياغة العالم في صورة أكثر عمقاً وشفافية. وهذه الطاقة هي ما نسميه الإبداع؛ ذلك الفعل الروحي والفكري الذي يحوّل التجربة الإنسانية إلى عمل جمالي نابض بالحياة. ومن هنا يمكن القول إن الإبداع ليس مجرد صفة من صفات الفن، بل هو ماهيته وجوهر وجوده؛ إذ لا فنّ بلا إبداع، ولا إبداع بلا روح فنية قادرة على ابتكار المعنى وصياغته في شكل جمالي يفيض بالدلالة.

لقد ارتبط الفن، عبر العصور، بقدرة الإنسان على تجاوز المألوف واختراق حدود العادة، فالعمل الفني الحقيقي لا يكتفي بعكس الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله في ضوء رؤية جديدة تكشف عمّا هو كامن فيه من أسرار. ولذلك فإن الإبداع، في جوهره، هو فعل إعادة خلق؛ إذ يعيد الفنان بناء العالم من خلال اللغة أو اللون أو النغمة أو الكلمة، فيكشف في الأشياء أبعاداً لم تكن مرئية من قبل.

الإبداع والأصالة:

ترتبط الأصالة ارتباطاً وثيقاً بالإبداع، لأن الأصالة تعني قدرة المبدع على الانطلاق من جذوره الثقافية والروحية دون أن يكون أسيراً لها. فالأصالة ليست تكراراً لما قاله الأسلاف، بل هي استمرار حيّ للتجربة الحضارية في صيغة جديدة. ومن هنا فإن المبدع الأصيل هو الذي ينصت إلى صوت التراث، لكنه لا يذوب فيه؛ بل يعيد قراءته وتأويله في ضوء أسئلة عصره.

فالتراث، في حقيقته، ليس كتلة جامدة من الماضي، بل هو ذاكرة حضارية حيّة تمدّ الحاضر بعمقه التاريخي، وتمنحه القدرة على التواصل مع جذوره. وإذا كان المبدع ينطلق من هذا التراث، فإنه يفعل ذلك لا بوصفه مرجعاً مغلقاً، بل بوصفه فضاءً مفتوحاً للحوار والتجدد. ومن هنا تتجلّى الأصالة في قدرتها على الجمع بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل.

الحداثة بوصفها مرادفاً للإبداع

أما الحداثة، في معناها العميق، فلا تعني مجرد القطيعة مع الماضي أو الانبهار بالجديد، بل تعني حركة التجديد المستمرة في الفكر واللغة والرؤية. فالحداثة ليست شعاراً زمنياً يرتبط بعصر معين، بل هي موقف فكري وجمالي يقوم على تجاوز المألوف والسعي الدائم إلى اكتشاف آفاق جديدة للتعبير.

ولهذا يمكن القول إن الحداثة ليست سوى مرادف آخر للإبداع؛ لأن كليهما يقوم على روح الابتكار والقدرة على الخروج من دائرة التكرار. فحين يكون الفن مبدعاً يكون حديثاً بطبيعته، حتى وإن استلهم أشكالاً تراثية؛ لأن الحداثة الحقيقية لا تقاس بحداثة الشكل وحده، بل بحداثة الرؤية التي تكمن خلفه.

الانفجار الإبداعي في العصر الحديث

لقد شهد العصر الحديث تحولات كبرى في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعرفة، مما أدى إلى توسع غير مسبوق في آفاق الإبداع الإنساني. فقد تجاوز الإنسان في هذا العصر حدوداً كانت تبدو في الماضي أقرب إلى المستحيل، سواء في مجال السرعة أو الطاقة أو الاتصالات أو المعرفة العلمية.

وقد انعكس هذا التحول على الفكر والفن انعكاساً عميقاً، حيث أخذ مفهوم الإبداع شكلاً انفجارياً متسارعاً، نتيجة الانفتاح الهائل على المعارف والثقافات المختلفة. ولم يعد الإبداع محصوراً في نطاق ضيق من التجارب الفردية، بل أصبح جزءاً من حركة حضارية عالمية تتداخل فيها الأفكار والرؤى والتجارب.

غير أن هذا الانفتاح الواسع يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية الحفاظ على الهوية الثقافية في خضم هذا التدفق الحضاري المتسارع.

بين الحداثة والمعاصرة:

إن تحقيق الحداثة لا يعني بالضرورة تحقيق المعاصرة، لأن المعاصرة تعني العيش الواعي داخل الزمن الراهن وفهم تحولات العصر والتفاعل معها بوعي نقدي. أما الحداثة فهي القدرة على إنتاج أشكال جديدة من التفكير والتعبير.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الثقافة العربية يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الحداثة والمعاصرة؛ أي بين الانفتاح على روح العصر وبين الحفاظ على الخصوصية الحضارية. فالثقافة التي تنغلق على نفسها تفقد قدرتها على التطور، والثقافة التي تذوب في الآخر تفقد هويتها وفرادتها.

الهوية والإبداع:

إن الهوية الثقافية ليست جداراً يعزلنا عن العالم، بل هي المنبع الذي يغذي قدرتنا على الإبداع. فالمبدع الذي يعي جذوره الحضارية يستطيع أن ينفتح على العالم بثقة، لأنه يدرك أن هويته ليست عبئاً يقيّده، بل قوة تمنحه التميز والخصوصية.

ولهذا فإن التفاعل مع الثقافات الأخرى ينبغي أن يقوم على مبدأ الحوار الحضاري لا على مبدأ الذوبان أو الاستلاب. فالحضارات لا تتقدم بالانغلاق، لكنها أيضاً لا تزدهر بالتقليد الأعمى. وإنما تتطور حين تمتلك القدرة على الأخذ والعطاء في آن واحد.

الإبداع بوصفه مشروعاً حضارياً

إن الإبداع، في نهاية المطاف، ليس مجرد نشاط فردي يمارسه الفنان أو الكاتب، بل هو مشروع حضاري شامل يعكس حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج المعرفة والجمال. فالمجتمع الذي يقدّر الإبداع ويشجّعه هو مجتمع قادر على بناء مستقبله بثقة.

ومن هنا فإن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتها على إطلاق طاقات الإبداع الكامنة في أبنائها، وعلى توفير المناخ الفكري الذي يسمح للفنان والمفكر بأن يعبّر بحرية عن رؤاه وتجربته.

خاتمة:

يبقى الإبداع هو الروح التي تمنح الفن حياته ومعناه، وهو الجسر الذي يصل بين الماضي والمستقبل، وبين الأصالة والحداثة. فحين يلتقي التراث بروح الابتكار، وحين تنفتح الهوية على آفاق العالم دون أن تفقد جذورها، يولد الفن الحقيقي القادر على التعبير عن الإنسان في أعمق أبعاده.

ومن هنا فإن الطريق إلى الحداثة لا يمر عبر إنكار الذات أو تقليد الآخر، بل عبر الإبداع الخلاق الذي يستلهم تراثنا الحضاري ويعيد صياغته في ضوء أسئلة العصر، ليبقى الفن فضاءً حراً تتجدد فيه الروح الإنسانية وتشرق فيه قيم الجمال والحرية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الرمز بين أبي تمام وتي. إس. إليوت

مقدمة: لم يعد النص الأدبي الحديث – شعرًا كان أم سردًا – بنية مغلقة تفرض معناها على المتلقي فرضًا، بل غدا فضاءً دلاليًا مفتوحًا، لا يكتمل إلا بفعل القراءة والتأويل. وفي قلب هذا التحول تبرز الرمزية بوصفها أداة فنية وجمالية تُعيد توزيع الأدوار بين الكاتب والنص والقارئ، بحيث يصبح القارئ شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبي له.

وتُعد تجربتا أبي تمام في الشعر العباسي، وتي. إس. إليوت في الشعر الحداثي الغربي، من أبرز النماذج التي جسّدت هذا التحول مبكرًا، رغم التباعد الزمني والثقافي بينهما. فقد اعتمدا الرمز المركّب، والصورة الذهنية الكثيفة، واللغة الإيحائية، مما جعل نصوصهما تتطلب قارئًا واعيًا، قادرًا على فك الشفرات الدلالية، واستنطاق المسكوت عنه.

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن دور القارئ في إنتاج المعنى الرمزي عند أبي تمام وإليوت، وبيان الآليات الفنية التي دفعت النصين الشعريين إلى تجاوز المعنى المباشر، والانفتاح على تعدد التأويلات.

أولًا: الرمز وانفتاح الدلالة في شعر أبي تمام

يُعد أبو تمام (ت 231هـ) من أكثر شعراء العصر العباسي إثارة للجدل النقدي، بسبب غموض شعره وكثافة رموزه، حتى قيل في شعره: «إنه يُفهم بالعقل أكثر مما يُفهم بالطبع». وقد أدرك النقاد القدماء، مثل الجاحظ والآمدي، أن شعر أبي تمام لا يُستنفد بالقراءة السطحية، بل يتطلب قارئًا مثقفًا، قادرًا على الربط والاستنتاج.

1. الرمز بوصفه انزياحًا عن المباشرة

يبتعد أبو تمام عن الوصف الحسي المباشر، ويستعيض عنه بصور رمزية مركّبة، تتجاوز ظاهرها اللغوي. ففي قوله الشهير:

السيف أصدق أنباءً من الكتبِ

في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

لا يُوظَّف السيف مجرد أداة حرب، بل يتحول إلى رمز للحقيقة الفاعلة في مقابل الخطاب النظري أو الادعائي. وهنا لا يُقدَّم المعنى جاهزًا، بل يُترك للقارئ أن يستنتج المفارقة بين القول والفعل، وبين اللغة والواقع.

2. القارئ بوصفه مؤوّلًا للرمز

إن الرموز عند أبي تمام – الليل، النار، السيف، المطر – لا تمتلك دلالة واحدة ثابتة، بل تتعدد بحسب السياق. فالليل قد يرمز إلى الغموض، أو إلى المخاض، أو إلى الترقب، والنار قد تكون هدمًا أو تطهيرًا أو ولادة جديدة.

هذا التعدد الدلالي يفرض على القارئ أن:

يربط الرمز بسياقه اللغوي والتاريخي

يستحضر ثقافته الدينية والفلسفية

يشارك في بناء المعنى لا استهلاكه

وبذلك يتحقق ما يمكن تسميته بـ القارئ الشريك، الذي يُكمل النص عبر تأويله.

ثانيًا: القارئ والرمز متعدد الطبقات في شعر تي. إس. إليوت

يمثل تي. إس. إليوت (1888–1965) أحد أعمدة الحداثة الشعرية الغربية، وقد قامت تجربته على تفكيك المعنى الأحادي، واستبداله بنصوص قائمة على التداخل الزمني، والتناص الأسطوري، والرمز الديني والثقافي.

1. الرمز بوصفه بنية ثقافية

في قصيدته الشهيرة The Waste Land (الأرض الخراب)، يوظف إليوت رموزًا مثل:

الأرض الخراب

الماء

المدينة

الطقوس الدينية

الأساطير القديمة (الملك الصياد، الكأس المقدسة)

هذه الرموز لا تُفهم بذاتها، بل من خلال شبكة إحالات ثقافية وتاريخية، تجعل القارئ مطالبًا بإعادة تركيب النص.

يقول إليوت في إحدى مقاطع القصيدة (بالمعنى):

إن العطش لا يرويه الماء،

بل الوعي بما فُقد.

فالماء هنا لا يرمز للحياة، بل لتحقق الخلاص المؤجَّل، وهو ما يفتح النص على قراءة وجودية ونفسية.

2. القارئ بوصفه منتجًا للمعنى

يؤمن إليوت بأن الشعر الحديث لا يُقرأ قراءة واحدة، بل يُعاد إنتاجه مع كل قارئ. وقد أشار في مقاله النقدي “Tradition and the Individual Talent” إلى أن النص الأدبي يعيش داخل وعي المتلقي بقدر ما يعيش في اللغة.

وهكذا يصبح القارئ:

باحثًا عن المعنى

مشاركًا في بناء الرمز

طرفًا في الحوار مع النص

وهي رؤية تتقاطع – رغم اختلاف السياق – مع تجربة أبي تمام.

ثالثًا: التقاطع بين أبي تمام وإليوت في إشراك القارئ

رغم التباعد الحضاري، يلتقي أبو تمام وإليوت في عدد من المرتكزات الجمالية:

رفض المعنى الجاهز

كلاهما يقدّم نصًا لا يُفهم من القراءة الأولى.

تكثيف الرمز

الرمز ليس زينة بل أداة تفكير.

تعقيد الصورة الشعرية

الصورة لا تُرى فقط، بل تُفكَّر.

إشراك القارئ في إنتاج الدلالة

النص لا يكتمل إلا بالقارئ.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في مرجعية الرمز؛ فأبو تمام ينطلق من منظومة قيمية أخلاقية وثقافية عربية إسلامية، بينما ينطلق إليوت من أزمة الإنسان الحديث واغترابه الوجودي.

خاتمة

يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن الرمزية عند أبي تمام وتي. إس. إليوت ليست مجرد تقنية فنية، بل استراتيجية جمالية ومعرفية تهدف إلى إشراك القارئ في إنتاج المعنى. فالنص الرمزي لا يمنح دلالته كاملة، بل يقدّم مفاتيحها، ويترك للقارئ مهمة التأويل.

وبذلك يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى فاعل تأويلي، يساهم في إحياء النص، وإعادة تشكيله وفق أفقه الثقافي والمعرفي. ومن هنا تكتسب التجربتان قيمتهما الخالدة، بوصفهما نموذجين مبكرين لانفتاح النص على التعدد والتأويل.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

.......................

المصادر والمراجع

أبو تمام، ديوان أبي تمام، تحقيق: حنا الفاخوري، دار الجيل.

الآمدي، الموازنة بين أبي تمام والبحتري، دار المعرفة.

الجاحظ، البيان والتبيين، دار الفكر.

إليوت، تي. إس، The Waste Land.

Eliot, T. S., Tradition and the Individual Talent.

أدونيس، الثابت والمتحول، دار الساقي.

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.

صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي.

Umberto Eco, The Role of the Reader.

للأديبة الشاعرة السوريّة "أنيسة عبود"

"أنيسة عبود".. شاعرة وأديبة وروائيّة سورية (من مواليد 1957) عضو اتحاد الكتاب العرب، دكتورة مهندسة وباحثة في العلوم الزراعيّة.. عملت في الصحافة السوريّة والعربيّة منذ بداية طريقها الأدبي. وهي تكتب الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالات الصحفيّة في الصحف السورية والعربية

أعمالها

حائزة على جائزة الرواية العربيّة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر عن رواية (النعنع البري) التي أعيدت طباعتها مرات كثير وترجمت إلى ثمان لغات.

من الكتب الروائيّة (النعنع البري) (بابُ الحيرة) (ركام الزمن ركام امرأة) (حرير أسود) (قبل الابد برصاصة) (شك البنت - خرز الأيام)..في القصة منها (حريق في سنابل الذاكرة) (حين تنزع الأقنعة) (تفاصيل أخرى للعشق) (غسق الأكاسيا). في الشعر (مشكاة الكلام) (قميص الأسئلة).. نشرت آلاف المقالات في الصحف العربية والصحف السورية وخاصة زاوية معا على الطريق في جريدة الثورة وفي زاوية آفاق في جريدة تشرين.

شاركت في مؤتمرات عربيّة ودوليّة وترجمت بعض القصص والأشعار إلى لغات عديدة.

من أقوالها المشهورة "ما أكثرني.. مزدحمةٌ بنفسي.. ما أشدّ وحشتي.. ليس في عيني أحد "

البنية الحكائيّة او السرديّة للقصيدة (أقدارنا البهيّة):

"أنيسة عبود" أديبة حملت هم الوطن والمواطن والإنسان معا، فكان جلّ بوحها من أجل ذلك، وهذا ما منحها ذاك الحضور الفاقع ليس في الساحة الأدبيّة السوريّة فحسب، بل والعربيّة أيضا.

من بين الكثير من أشعارها اخترت لها هذه القصيدة " أقدارنا البهيّة"، كي أجري عليها هذه الدراسة التي أتمنى أن أجيد فيها ما يليق بهذه القامة الأدبيّة التي منحتها يوما صفة (سيدة الكلمة) وهي أهل لها.

شأن "أنيسة" كشأن الكثير من كتاب وكاتبات وأدباء وأديبات سوريا العلمانيين، الذين يعشقون الوطن والمواطنة، وينبذون بشدّة كل موقف فكري أو سلوكي يساهم في الحؤول دون تحقيق هذه المواطنة.. لقد شغلها في هذه الأيام ما يمر في وطننا سوريّة من محن راحت تمزق بنية الوطن ومكوناته الاجتماعيّة على أسس ومرجعيات تقليديّة مقيتة.. بل الأكثر قهراً أنها راحت تمزق البنية النفسيّة والفكريّة لكل من يعشق الوطن ومنهم "الأديبة الكبيرة " انيسة عبود". هذا التمزق الذي بدا واضحاً كل الوضوح في قصيدتها المشبعة بالغربة والألم وعذاب الروح.

لقد قُطع طريق الروح الهانئة عن مساره الذي كان مشبعاً بالحب والتفاؤل والأمل والاستقرار، من قبل قوى شبهتها الشاعرة (بشجر غريب)، لا تعرف من أين جاء، فكل شيء غريب فيه، الأمر الذي تركها في حيرة (لا تفهم لفتته ولا كيف تجيب).. فتدفعها تلك الحيرة لاقتباس بعض من تجارب التاريخ تعلل فيها النفس التي وشحها اليأس والحيرة (هي الأيام هكذا.. يوم تلبس قلبك.. ويوم على العمر حافية تسير..)..

نعم لم تعد "أنيسة عبود" التي شغل هم الوطن والمواطن حياتها تعوّل على شيء، فالحبق الذي سقته يوماً لم يعد له لون أو رائحة.. وهذا الزمان البهي الذي كانت تطمح حضوره واستمراره، راح يفر اليوم من كل مسامات حياتها وكأنه عابر سبيل... فبدأ اليأس يسيطر عليها حتى راحت تصرخ بمن حولها (لا تأمنن الوقت.. يفر من ثوبك كعابر غريب).. هذا هو البؤس قد حل بدل الفرح والأنس، حاول أن تواجهه ولا تتركه يتخلل وسائد نومك.. وإياك أن (تضع التعاويذ في ثياب الأبناء)...فهذه كلها سبل واهية.

ها هي السماء تتخلى عنك (وتمر بك الليالي كلمى... عابثة) وكأن الزمن قد توقف عند ما نحن فيه من قهر وعذاب وغربة للروح والجسد.. لقد (فات المعاد) كما تقول " أنيسة" وأصبحت مياه حبنا وإنسانيتنا ضحلة سكنها غرباء الحقيقة وهم طحالب الزمن المر.. العلقم. وها هي تنادي من نالهم القهر والظلم (لا تغسل تمتماتك - بهذه الحقيقة - أو تصير برية يسكنها الهباء).

رغم كل هذا القهر والعذاب والغربة، تظل "أنيسة عبود" مسكونة بالأمل كما يقول الراحل "سعد الله ونوس).. فهي تتنمى وتأمل أن (ننفض عنا هوانا... وعلى قدر الجفاء يسير بنا القدر.... ليتنا... (وفي اللية الظلماء يفتقد البدر).

"أنيسة عبود" وقصيدة النثر:

قصيدة النثر أو الشعر المنثور كما عرفناها في أكثر من دراسة، هي قطعة نثر، غير موزونة وتتوزع القافية إن وجدت في القصيدة على مناطق مختلفة من الابيات، وأحياناً تكون غير مقفاه، تحمل صورًا ومعانٍ شاعريّة، وأغلبها تكون ذات موضوع واحد.

ومع ذلك، تظل قصيدة النثر هي الأكثر قدرة على التعبير عن دواخلَ ومكنوناتٍ الشاعر الذي غالبا ما يطمح للتعبير عن واقع يعيشه، أو أحاسيس ومشاعر فياضة قلقة بحاجة للبوح بها، ولكون القصيدة التقليديّة التي تلزم الشاعر بالوزن والقافية، وحتى قصيدة التفعيلة التي تمنحه مساحة واسعة للتعبير عن أحاسيسه ومشاعر إلا أنهما تَحُولان دون قدرة الشاعر على البوح بكل ما يريد قوله أو التعبير عنه بحرية. فيلجأ هنا لقصيدة النثر التي تمنحه القدرة على الابحار في عالم الفكرة وعالم الأحاسيس والتخيل والواقع معا.

إن قصيدة الشاعرة "أنيسة عبود" (أقدارنا البهيّة)، تدخل في فضاءات قصيدة النثر، حيث استطاعت الشاعرة المبدعة أن تترك العنان لفكرها ومشاعرها وأحاسيسها وخيالها المبدع، أن تعبر عن قضية شغلت فكرها وفكر كل مواطن سوري عاش حالات العذاب والقهر والغربة الروحيّة والجسديّة ولم يزل. فبعمق ثقافة ورهافة حس الشاعرة، استطاعت أن تصور لنا عمق مأساة الشعب السوري ومعاناته التي طالت العديد من أبنائه وتركتهم أمام عواصف من الظلم تعددت مرجعياته منذ سنين طويلة، توزعت ما بين الفساد والاستبداد والانحلال القيمي، والأهم ظلم العشيرة والقبيلة والطائفة.

البنيّة السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

(أقدارنا البهية)..نحن أمام عنوان قصيدة يحمل دلالات معرفيّة لأديبة مثقفة، تدرك تماما ما يمر به الوطن من محن ظُللت بالقهر والدم والتشرد والقتل على الهويّة، ففي الوقت الذي تحيل به مأساة هذا الوطن وأهله إلى (الأقدار الغيبيّة)، إلا أنها تدرك تماما أن من يمثل هذه الأقدار هي قوى اجتماعيّة قد أغلقت عقولها الأيديولوجيا الصماء التي تقر بأن حملتها وحدهم من يمتلك الحقيقة، وغيرهم الخطأ ويجب إقصائهم. أما في المفردة الثانية للعنوان وهي (البهيّة)، تريد القول من باب السخريّة بآن البهاء - الفرح والأمل والسعادة والحب والألفة والعيش المشترك - تحول مع هذه الأقدار إلى مسخ نال كل شيء.

البنية الجماليّة والفنيّة للقصيدة:

الانزياحات في القصيدة أو ما يسمى بالعدول أو التغريب:

الانزياح هو التباعد وتغيير المسار. ومفهوم الانزياح له علاقة بمعرفة ما يَنقل الكلام من السمة الإخباريّة إلى السمة الإنشائيّة، أي هو وسيلة لتغيير الصياغة المألوفة للغة، أو العدول في مستوى اللغة الصوتي والدلالي. وهو في الوقت نفسه إضافةٌ جماليّة يمارِسها المُبدِع لنقل تجرِبته الشعوريّة للمتلقي والتأثير فيه. وبالتالي لا يُعَد أيُّ خروج عن المألوف وتجاوُزٍ للسائد وخرقٍ للنظام انزياحًا إلا إذا حقَّق قيمةً جماليّة وتعبيريّة... وهو الأكثر استخداما، ويتعلق الانزياح بأصل الوحدة اللغويّة أو بدلالتها مثل الاستعارة والمجاز والكناية والتشبيه، وقد أطلق عليه بعض النقاد (التلاعب باللغة)، أي تجاوز المعنى الحقيقي لمعانٍ عدّة مجازيّة. حيث نجد الانزياحات تتمثل، في إطلاق الصفات على الموصوفات الحيّة مثلًاً أو غير الحقيقيّة. هذا وهناك الانزياح التركيبي، وهو الذي يتعلق بتراكيب الجمل ككل وما فيها من حذف وتقديم وتأخير المبتدأ والخبر، والصفة والموصوف. والمبدع الحق هو من يمتلك القدرة على تشكيل اللفظة جماليًّا بما لا يتجاوز إطار المألوفات.

وهذا ما امتازت به الأديبة "أنيسة عبود" فالانزياح بكل أشكاله يشكل حرفة متقنة كل الاتقان عندها إن كان في التشبيه والتمثيل أو في التركيب. فالتشبيه والاستعارة والكناية جاءت بداية واضحة في عنوان القصيدة (الأقدار البهية) إن كان في المفردة أو التركيب. ثم تتالت الانزياح في قولها (هي الأيام هكذا..يوم تلبس قلبك.. ويوم على العمر حافية تسير..) أو في قولها: (ولا تأمنن الوقت.. يفر من ثوبك كعابر غريب.. لا تنشر بؤسك تحت الوسائد). أو في قولها: (ضحلة مياه المحبة.. قاعها طحلب

وطعمها علقم.. لا تغسل تمتماتك بها..قد يصيبك النسيان.. أو تصير برية يسكنها الهباء.).. إلى آخره من بقية الانزياحات الأخرى في القصيدة. فالبنية السرديّة للقصيدة كلها صيغة بجماليّة البيان الذي شكل تلك الانزياحات التي أضفت على القصيدة حالات جمالية تحقق الإدهاش عند المتلقي رغم عمق المأساة فيها.

لا شك أن الاكثار من الانزياحات والتشبيه والاستعارة والكناية وغيرها من مفردات علم البلاغة، يُحَوّل كل ذلك إلى حرفة عند الشاعرة في صياغة نصها، إلا أنها في الوقت ذاته جاءت عند "أنيسة" حالة جماليّة أضفت على النص رونقاً وموسيقى هادئة تحرك إحساس المتلقي وخلجات نفسه.

اللغة في القصيدة:

تظل لغة الشعر تحكمها التجربة الفنيّة والانفعال، ذلك أنها لغة تفجيريّة، تكسر منطق العلاقات وتنحرف عن المألوف في بحثها الدائم عن الخلود والتجدد، وهذا ما وجدنا في قصيدة الشاعرة " أنيسة عبود" (الأقدار البهيّة). ولأن اللغة هي ماء القصيدة وتربتها الخصبة، عملت الشاعرة على صياغة لغة جديدة بسيطة في نسيجها ونظام مفرداتها وصورها وحيويتها وعلاقتها بأحاسيس الشاعرة ومخيلتها وصورها ورؤاها.

الصورة في قصدية "الأقدار البهيّة":

لقد اندمجت في القصيدة الصورة الحسيّة البلاغيّة بالصورة التخيليّة، ومنه استطاعت الشاعرة " أنيسة" أن تخلق في صور نصها علاقات روحيّة متكاملة في أسلوب إبداعي.

أما الخيال عندها ليس مجرد تصور أشياء غائبة عن الحس أي محض مجردة، إنما الخيال وما يجسده من صور إبداعية جاء معبراً عن عوالم حسيّة تحيط بالشاعرة وتشغل عالمها الداخلي ورغباتها وأمانيها، حيث عملت على تجريدها لتجعل منها أقنعة تفرضها معطيات الواقع وعاداته وتقاليده ومخاوفه قائلة: (مقطوعة طريقي من شجر غريب.. لا أفهم لفتته ولا أعرف كيف أجيب.. هي الأيام هكذا يوم تلبس قلبك.. ويوم على العمر حافية تسير.). أو في قولها: (الوقت يفر من ثوبك كعابر غريب.. لا تنشر بؤسك تحت الوسائد.. ولا تضع التعاويذ في ثياب الأبناء).

هكذا نرى كيف استطاعت الشاعرة المبدعة "أنيسة عبود" أن تمزج وبحرفيّة عالية بين الصوة الحسية المباشرة والصورة التخيليّة، لتشكل منهما عالمها الإبداعي المشبع بأحاسيس وخلجات روحها التي أشقاها ألم الواقع وغربة الروح.

التجريد والرمز في القصيدة:

رغم أن الشاعرة استطاعت الربط بين الصورة الحيّة المعيشة والصورة التخيليّة، ألا أن التجريد في قصيدتها ظل قائما في القصيدة، فمأساة الواقع الذي تعيشه الشاعرة ووطنها ومكوناته الاجتماعيّة ومعرفتها الأسباب الحقيقيّة وراء مأساته، فرض عليها اللجوء إلى التجريد وتناول المأساة، أي التعبير عنها بالكثير من الصور التجريدية المشبعة في الدلالات.

نعم.. لقد تجسدت عبقرية الشاعرة "أنيسة عبود " من خلال قدرتها الأدبيّة والفنيّة وخبرتها العميقة والطويلة في الاعتماد على التجريد، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أي التعبير عما هو موجود وراءها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من (الرمز) أيضاً، وكأنّ الشاعرة المصوِّرة المبدِعة، راحت تصوِّر عبر رموز وإشارات ما تتمناه لكي تمحو "الصّورة" الحقيقية التي تريد البوح بها وإيصالها إلى المتلقي عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه تقول: (مقطوعة طريقي من شجر غريب.. لا أفهم لفتته.. ولا أعرف كيف أجيب.. هي الأيام هكذا

يوم تلبس قلبك.. ويوم على العمر حافية تسير). أو في قولها: (ليتنا ننفض عنا هوانا.. وعلى قدر الجفاء يسير بنا القدر..

ليتنا.. (وفي اللية الظلماء يفتقد البدر).

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، ومن ثمة صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة والرمز بوصفهما مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثله قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة "أقدارنا البهيّة" للشاعرة "أنيسة عبود". لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري، أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (لا أعرف كيف أجيب هي الأيام هكذا يوم تلبس قلبك ويوم على العمر حافية تسير). أو في قولها: (واهية كل السماء.. تمر بك الليالي كلمى عابثة كأنه الوقت انتهى.. أو أنه (فات المعاد).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الصور وجمالية وصدق وعمق دلالات البيان، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك عنده خوالج الروح والجسد معا. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد من سوريا

............................

أقدارنا البهيّة

بقلم: أنيسة عبود

مقطوعة طريقي

من شجر غريب

لا أفهم لفتته

ولا أعرف كيف أجيب

هي الأيام هكذا

يوم تلبس قلبك

ويوم

على العمر

حافية تسير

لا تعول على الحبق الذي

سقيته

ولا تأمنن

الوقت

بفر من ثوبك

كعابر غريب

لا تنشر بؤسك

تحت الوسائد

ولا تضع التعاويذ في

ثياب الأبناء

واهية كل السماء

تمر بك الليالي

كلمى

عابثة

كأنه الوقت انتهى

أو أنه (فات المعاد)

ضحلة مياه المحبة

قاعها

طحلب

وطعمها علقم

لا تغسل تمتماتك بها

قد يصيبك النسيان

أو تصير برية

يسكنها الهباء

.......

ليتنا

ننفض عنا هوانا

وعلى قدر الجفاء

يسير بنا القدر

ليتنا

(وفي اللية الظلماء يفتقد البدر).

 

الأسس العروضية والدلالات الجمالية

يمثّل الإيقاع في الشعر العربي أحد الأعمدة الجوهرية التي يقوم عليها البناء الجمالي للقصيدة، إذ لم يكن الوزن في التراث العربي مجرد قالبٍ صوتي، بل نظاماً موسيقياً تتداخل فيه الحركات والسكنات لتشكّل بنية إيقاعية تتآلف مع المعنى والصورة. ومن داخل هذا النظام نشأت ظواهر فنية عديدة أسهمت في إغناء التجربة الشعرية، ومن أبرزها ظاهرة التدوير التي تعدّ من التقنيات العروضية الدقيقة التي تكشف عن مرونة البنية الإيقاعية في الشعر العربي.

وقد عالج علماء العروض هذه الظاهرة منذ البدايات الأولى لتقعيد الشعر، حين وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي نظام العروض الذي أصبح المرجعية الأساسية لفهم موسيقى الشعر العربي. وفي إطار هذا النظام ظهرت ظاهرة التدوير بوصفها شكلاً من أشكال الامتداد الصوتي الذي يتجاوز الحدود الشكلية للشطر الشعري.

ولا يقتصر التدوير على كونه مسألة عروضية تقنية، بل يحمل أيضاً دلالات جمالية ودينامية تتصل بطبيعة الانسياب الإيقاعي وبالعلاقة بين المعنى والموسيقى في القصيدة.

أولاً: مفهوم التدوير في الشعر العربي

التدوير في الاصطلاح العروضي هو أن تنقسم الكلمة الواحدة بين شطري البيت الشعري، بحيث ينتهي الشطر الأول بجزء من الكلمة ويبدأ الشطر الثاني ببقيتها.

وبعبارة أخرى، يكون الحدّ العروضي للشطر مختلفاً عن الحدّ اللغوي للكلمة؛ فالشاعر لا يتوقف عند نهاية الكلمة، بل عند نهاية التفعيلة أو الجزء الإيقاعي الذي يفرضه الوزن.

وهذا يعني أن البيت الشعري يصبح وحدة إيقاعية متصلة لا تنفصل فيها الكلمات وفق حدود الشطرين.

مثال توضيحي تقريبي

قد يأتي البيت على صورة مثل:

تمشي القصيدة في دمي متوقداً

نبضُ المعاني حين يكتملُ الضيا

في حال التدوير يمكن أن تصبح الكلمة موزعة بين الشطرين:

تمشي القصيدة في دمي متوقداً

نبضُ المعاني حين يكتملُ الضـ

ـياءُ في لغتي

حيث انقسمت كلمة الضياء بين الشطرين.

ثانياً: الأساس العروضي لظاهرة التدوير

يرتبط التدوير ارتباطاً مباشراً بالبنية الإيقاعية التي قام عليها علم العروض، والذي أسسه

الخليل بن أحمد الفراهيدي

في القرن الثاني الهجري.

1. مبدأ التفعيلة

يقوم الوزن في الشعر العربي على وحدات صوتية تسمى التفعيلات، مثل:

متفاعلن

مفاعيلن

مستفعلن

فعولن

وعند حدوث التدوير، لا تتوقف الكلمة عند نهاية الشطر، بل تمتد لتستكمل التفعيلة في الشطر الثاني.

أي أن الاعتبار في العروض يكون للحركة الصوتية لا لحدود الكلمة.

2. العلاقة بين التدوير والوقف العروضي

الأصل في البيت العربي أن يكون فيه وقف موسيقي خفيف عند نهاية الشطر الأول، لكن التدوير يخفف من حدة هذا الوقف، فيجعل الانتقال بين الشطرين أكثر سلاسة.

وهذا ما يمنح البيت طابعاً إيقاعياً متدفقاً.

3. البحور التي يكثر فيها التدوير

يظهر التدوير غالباً في البحور ذات الإيقاع المرن، مثل:

الكامل

الوافر

البسيط

الطويل

وذلك لأن هذه البحور تسمح بتداخل التفعيلات بطريقة تجعل امتداد الكلمة عبر الشطرين أمراً طبيعياً من الناحية الموسيقية.

ثالثاً: التدوير في النقد العروضي القديم

تناول عدد من علماء العروض هذه الظاهرة في مؤلفاتهم، ومن أبرزهم:

الأخفش الأوسط

ابن جني

ابن رشيق القيرواني

وقد رأى هؤلاء أن التدوير ليس عيباً عروضياً، بل ظاهرة جائزة في الشعر العربي ما دام الوزن سليماً.

لكن بعض النقاد كانوا يفضّلون الاعتدال في استخدامه حتى لا يكثر القطع اللفظي للكلمات، لأن الإفراط فيه قد يربك التلقي.

رابعاً: الدلالة الجمالية للتدوير

لا تكمن أهمية التدوير في الجانب التقني فحسب، بل في أثره الجمالي داخل النص الشعري.

1. خلق الانسياب الإيقاعي

يُشعر التدوير القارئ بأن البيت الشعري نفس موسيقي واحد، لا ينفصل عند منتصفه.

وهذا ما يمنح القصيدة حركة إيقاعية متدفقة تشبه جريان النهر الصوتي.

2. تعزيز التوتر الدلالي

حين تنقسم الكلمة بين الشطرين، ينتظر المتلقي اكتمالها، مما يولد لحظة من التشويق الدلالي.

وهذا الأسلوب يخلق نوعاً من الترقّب الجمالي الذي يعمّق أثر المعنى.

3. كسر الرتابة الإيقاعية

يسهم التدوير في تحرير القصيدة من الإيقاع الرتيب الذي قد ينتج عن التوقف المنتظم عند نهاية الشطر.

ولهذا السبب يستخدمه الشعراء بوصفه أداة تنويع موسيقي داخل البناء الشعري.

خامساً: التدوير في الشعر الحديث

مع ظهور حركة الشعر الحديث، وخاصة شعر التفعيلة، أصبح التدوير أكثر حضوراً، لأن القصيدة لم تعد قائمة على بيت ذي شطرين ثابتين، بل على سلسلة من التفعيلات المتتابعة.

وقد استخدم هذه التقنية عدد من شعراء الحداثة مثل:

بدر شاكر السياب

نازك الملائكة

محمود درويش

حيث أصبح التدوير وسيلة لتحقيق الاسترسال الإيقاعي والتدفق الدلالي داخل القصيدة.

وفي شعر التفعيلة لم يعد التدوير مجرد تقسيم للكلمة بين شطرين، بل أصبح مبدأ بنيوياً يحرر اللغة الشعرية من القيود الشكلية الصارمة.

سادساً: التدوير بين الموسيقى والمعنى

إذا تأملنا هذه الظاهرة بعمق، نجد أنها تكشف عن حقيقة أساسية في الشعر العربي، وهي أن الموسيقى ليست عنصراً خارجياً يضاف إلى المعنى، بل بنية تتداخل معه في إنتاج الدلالة.

فالتدوير يعلن انتصار الإيقاع الداخلي للكلمة على الحدود الشكلية للبيت.

إن الكلمة حين تنقسم بين الشطرين لا تنكسر، بل تتمدّد داخل الزمن الإيقاعي للقصيدة، وكأنها تؤكد أن الشعر في جوهره حركة صوتية متواصلة لا تقف عند حدود السطر.

خاتمة

تعد ظاهرة التدوير من الظواهر العروضية الدقيقة التي تكشف عن مرونة الشعر العربي وقدرته على التوفيق بين النظام والحرية. فهي من جهة تحافظ على بنية الوزن الخليلي، ومن جهة أخرى تمنح القصيدة انسياباً موسيقياً يحررها من الجمود الإيقاعي.

وهكذا يظهر التدوير بوصفه تقنية تجمع بين الدقة العروضية والبعد الجمالي، حيث تتحول الكلمة إلى كيان موسيقي يتحرك داخل القصيدة، متجاوزاً الحدود الشكلية للشطر الشعري، ليصوغ تجربة شعرية أكثر تدفقاً وعمقاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الرومانسية الصوفية عند صلاح عبد الصبور

إضاءة: تُمثّل تجربة صلاح عبد الصبور الشعرية والنقدية أحد أبرز تجليات التحول الجمالي والروحي في مسار الحداثة الشعرية العربية، إذ تجتمع في تجربته عناصر الرؤيا الصوفية والرومانسية الفنية، لتنتج ما يمكن وصفه بـ "الرومانسية الصوفية"، وهي صفة مركّبة تدمج بين ذاتية الرومانسي وتجاوزها الصوفي، وتُعبّر عن عمق وعي الشاعر بذاته من جهة، وبالكون والوجود من جهة أخرى.

لقد خرج عبد الصبور فنيًا ونقديًا من عباءة المدرسة الرومانسية العربية، ولا سيّما من جبران خليل جبران الذي ظلّ يُعَدُّ في نظره "قائد الرحلة"، إلا أن هذا الانتماء الرومانسي لم يكن انتماءً ساكنًا أو مكرورًا، بل انقلب إلى مشروع روحي وفني متجدد، وجّه فيه عبد الصبور أدوات الرومانسية إلى عالم التصوف، فجعل من تجربته الشعرية تجربة وجدانية عليا، تزاوج بين "الذات الشاعرة" و"الذات العارفة"، وتتماهى أحيانًا مع تجارب المتصوفة في لوعة الكشف والاتحاد والذوبان.

وتتجلّى الرومانسية الصوفية عند عبد الصبور في رؤيته العميقة للإنسان بوصفه مركزًا للكون، وقطبًا للمعرفة، وفاعلاً في التاريخ والمجتمع والفن، فهو الكائن الذي يستطيع أن "يعقل ذاته"، ويجعل من ذاته ذاتًا وموضوعًا في آن واحد، ومن هذه الرؤية تتفرع فلسفته الشعرية، التي تقوم على "ثلاثيات" مترابطة: ثلاثية الإنسان" المجتمع، والتاريخ، والفن"، وثلاثية الوعي "الذات الناظرة، والذات المنظورة، والأشياء" وصولًا إلى ثلاثية إبداع القصيدة، التي تمثل قلب المشروع الفني لعبد الصبور، وتشير إلى مسارين متعاقبين في تكوين القصيدة: مرحلة لاواعية سابقة ومرحلة واعية لاحقة.

تُبنى المرحلة اللاواعية، في وعي عبد الصبور، على صورة صوفية خالصة، يتجلى فيها "الوارد الشعري" بوصفه ومضة أو فيضًا غامضًا يهبط من منبع متعالٍ عن البشر، يشبه الإلهام أو البزوغ المفاجئ للبرق، وتُقارَب هذه الحالة بما يشبه الاتحاد الصوفي، إذ لا يكون الشاعر إلا وسيطًا ينقل ما فاض عليه من غيبٍ داخلي أو خارجي. ويُعبّر عبد الصبور عن هذه الحالة بتوظيف معجم المتصوفة: "الباده، الوارد، الوهم"، ويُجري مقارنات دقيقة بين هذه المصطلحات وتجلياتها الشعرية، متكئًا في الآن نفسه على الحدس البرغسوني وعلى الإشراق الأفلاطوني، في صياغة تشبه رؤية أفلاطون للشعراء الغنائيين الذين لا يبدعون إلا في حال الوجد والخروج عن الصواب.

أما المرحلة الواعية، فهي ما يلي هذه اللحظة الصوفية من جهد ومراجعة، إذ يعود الشاعر من لحظة الانخطاف ليخوض رحلة مضنية من القلق والتنقيح، ويستحضر خلالها ما تلقاه في غيبوبته الأولى، محاولًا أن يمنح هذا الوارد شكلًا لغويًا متماسكًا، عبر "القصيدة كفعل"، التي تُعدّ استكمالًا لـ"القصيدة كوارد"، وفي هذه الرحلة، لا يلغي عبد الصبور قيمة العمل والجهد الشعري، بل يؤمن بضرورة اتّحاد الوجدان والإرادة، والوهج والتمكن، مستعينًا بأفكار ابن طباطبا العلوي وإليوت في فهم طبيعة تنقيح القصيدة وضبط إيقاعها الداخلي.

إن تجربة صلاح عبد الصبور، في هذا السياق، ليست مجرّد انفعال عاطفي أو استبطان وجداني، بل هي تجربة رؤيوية عميقة، تجعل من "الذات" بؤرة لكل معرفة وجمال، وتؤسس لتجربة شعرية فلسفية، يُعاد فيها تشكيل العالم من الداخل، ويُصبح فيها الإبداع ضربًا من التجلي، تشترك فيه الرؤية الصوفية، والوعي الرومانسي، والتشكيل اللغوي الراقي، ولذا فإنَّ "الرومانسية الصوفية" عند عبد الصبور ليست طيفًا شعريًا عابرًا، بل هي نظام فني وفلسفي متكامل، تنبني عليه ماهية القصيدة ومكوناتها، من الوجد والانخطاف، إلى البناء الواعي والتشكيل الفني.

***

تخرج صلاح عبد الصبور فنيًا ونقديًا من تحت عباءة المدرسة الرومانسية العربية وظل مخلصًا لكثير من مبادئها طيلة حياته في إبداعه الفني والنقدي على السواء، وطور جانبًا من تصوراتها نحو نـزعة صوفية تدفعنا إلى وصفها بالرومانسية الصوفية، إذ يبدو عبد الصبور متأثرًا بالمنجز الصوفي في كتاباته الإبداعية لمأساة الحلاج ـــ مثلًا ـــ وفي حديثه عن سيرته الفنية في كتابه " حياتي في الشعر "، إذ يؤكد ذلك في مواطن كثيرة في أثناء تحدثه عن المتصوفة واستخدامه مصطلحاتهم ورموزهم ومحاكاة عباراتهم، ويطبق ذلك بصورة تكاد تكون متماثلة بين الوجد الصوفي والإبداع الشعري، كما أنه تأثر برموز الرومانسية العربية، وخصوصًا جبران خليل جبران الذي يعده " قائد " رحلته، وتأثر أيضًا بخصائص الرومانسية الفنية متمثلة " بموسيقاها الرقيقة وقاموسها العفوي المنتقى، الذي تتناثر فيه الألفاظ ذوات الدلالة المجنحة والإيقاع الناعم "ولكنه تجاوز هذه الرؤية وتجاوز إبداع القصيدة الغنائية التي تنثال فيها " الخواطر والأحاسيس انثيالًا عفويًا تلقائيًا، بحيث لا يربط بينها إلا التداعي "الى تشكيل لغوي.

وإذا كانت الرومانسية تعلي من أهمية الذات بوصفها مركزًا أساسيًا للمعرفة والإبداع فإنَّ صاح عبد الصبور يؤكد عليها من جوانب متعددة، إذ يرى أن " معرفة النفس " تحولًا في مسار الإنسانية، ومن ثم فإنَّ الإنسان الفرد هو المعبر هذه الذات، ولذلك تحددت في ضوئها طبيعة المجتمع وحركة التاريخ، وماهية الفن، لأنه حين تتناغم آحاد الإنسان يتكون المجتمع وتتشكل حركة التاريخ من حراكه، ويتولد الفن من لحظات نشوته.2480 karim

ولم يكن الإنسان أساسًا لتحديد طبيعة المجتمع والتاريخ والفن فحسب، بل انه مركز الكون أيضا، لأنَّ الكون " قوة عمياء... والإنسان هو عقله ووعيه، وعظمة ذلك العقل انه يستطيع ان يعقل ذاته "، ويتميز الإنسان ــ هنا ــ بقدرته الفائقة على وعي ذاته ووعي العالم الذي يعيش فيه، أو على حد تعبير عبد الصبور " انه يجعل من نفسه ذاتًا وموضوعًا في نفس الآونة، ناظرًا ومنظورًا إليه، ومرآة ينقسم ويلتئم في لحظة واحدة ".

إن الإدراك لا يتحدد بانعكاس صور الأشياء في الذهن، أو تجادلهما معا، بمعنى أنه ليس تأملًا فيما يقع خارج الذات الإنسانية، بل على العكس من ذلك، إن الإدراك لديه ينشأ بالنظر إلى الذات ومنها يتحقق الوعي، ولذلك فإنَّ " نظر الإنسان في ذاته هو التحول الأكبر في الإدراك البشري لأنه يحيل هذا الإدراك من إدراك ساكن فاتر إلى إدراك متحرك متجاوز "، وليس الإدراك هنا مجرد انكباب على النفس وانطواء عليها، ولكن الذات تصبح مركز للكون ومحورًا لصوره وأشيائه، ويتحدد الإدراك في ضوء ثلاثية أخرى ولعلها تمثل الوجه الآخر لثلاثية الإنسان التي حددت حركة المجتمع والتاريخ والفن، وتنحصر هذه الثلاثية ــ هذه المرة ــ في ثلاثة أركان تمثل الذات ركنيها الأساسيين، وتمثل الأشياء الركن الثالث، فالمعرفة والوعي يتحددان عند عبد الصبور في نوع من الحوار الثلاثي بين ذاته الناظرة، وذاته المنظورة، والأشياء، بمعنى أنه يجعل من ذاته ذاتًا وموضوعًا في آن، ويتبادلان المواقع، إضافة إلى الموضوع المحدد في الأشياء الكائنة خارج الذات المدركة.

وينطلق صلاح عبد الصبور من العام إلى الخاص، أي أنه تحكمت فيه ثلاثية الإنسان" المجتمع و التاريخ وـ الفن "، وثلاثية الوعي "الذات الناظرة ـوالذات المنظورة والأشياء " لينتقل بعد ذلك إلى كيفية تخليق القصيدة التي تتحكم فيها هي الأخرى ثلاثية، تلتقي فيها أبعاد الرومانسية الصوفية، وكيفيات تخليق القصيدة الشعرية.

ويمر إبداع القصيدة لديه بمرحلتين: لا واعية سابقة، تشتمل على مكونين من مكونات ثلاثية تخليق القصيدة، وواعية لاحقة، وتتجلى في المرحلة اللاواعية ابرز مقومات النـزعة الرومانسية الصوفية بملامحها المثالية التي ترجع في بعض جذورها إلى التفكير الأفلاطوني، وترتد جذورها الأخرى إلى التصوف الإسلامي، وليس هناك من تعارض بين التصورين لدى عبد الصبور لأنَّ الذي يشغل تفكيره انهما ـــ المثالية الأفلاطونية والتصوف ـــ يعبران عن الداخل ويصدران عنه.

ويتحدد تخليق القصيدة في المرحلة اللاواعية عبر خطوتين، تمثل الخطوة الأولى ما أيطلق عليه " الوارد " الذي حدده مرة بخاطرة " هابطة من منبع متعال عن البشر " وكونها " تفد إلى الذهن " أو " تبزغ فجأة مثل لوامع البرق " وهي ــ في كل الأحوال ــ تأتي من غامض شأنها شأن الشيء الحزين الذي قال فيه صلاح عبد الصبور:

هناك شيء في نفوسنا حزين

قد يختفي ولا يبين

لكنه مكنون

شيء غريب.. غامض.. حنون

ويضفي عليها أحيانًا ـــ توصيفات طبيعية أو ذاتية، فهي " تهبط " كالإلهام، أو وحي من " منبع " متعال عن البشر، وفي كل الأحوال لا وجود للجهد الإنساني في تشكيل القصيدة، أو تخليقها، لأنها متأتية من مكان آخر إلهامي، وتنحدر في هبوطها من أعلى غامض إلى أدنى في الذات الإنسانية، أو انها متدفقة من منبع، وهو توصيف يذكرنا بالنبع الذي يتدفق من داخل الأرض، ويحمل كل سمات الداخل، ويستكمل عبد الصبور توصيفها بحدوثه فجأة، ويستخدم توصيفًا طبيعيًا وذلك لم بحدوثها فجأة، فالوارد ـــ هنا ـــ خاطرة تبزغ فجأة مثل لوامع البرق والبزوغ المفاجئ، وكونها لامعا يؤكد المعنى السابق في أن عملية الإبداع لا تتأتى بفعل الجهد الإنساني قدر ما هي هبة تقد من مكان آخر، وتلد فجأة ومضًا أو برقًا تأكيدًا لمثالية الإبداع ووجدانيته المطلقة.

ويضفي سمات معرفية على الوارد الإبداعي حين يتخلق لديه بوصفه فكرة «نابعة من الذات الإنسانية " وهنا يكرر توصيف النبع الذي يؤكد داخلية الإبداع لا خارجيته، بمعنى أن الإبداع لا يتخلق بسبب مثير خارجي يولد انفعالًا في الذات بل على العكس ينبع أو يتدفق من الذات الإنسانية، وان هذه العلمية تحقق للذات وعيها لنفسها، فكأن التدفق والبزوغ من الداخل إنما هو شكل من أشكال الفيض الإشرافي الذي يحقق للذات وعيها لنفسها، ثم القبض على العالم لإدراكه، ومن ثم فإنَّ وعي الذات ووعي الموضوع " العالم ــــ الأشياء " يتم بفيض ينبع من الداخل.

ويشبه عملية التخليق هذه في ضوء حركة مستقيمة، تمامًا كحركة الوقت الذي ينتقل بشكل أفقي، وتتالى فيه أحداثه، كذلك تخليق القصيدة ينتقل من السكون إلى الدوامة ثم إلى التشكيل:

سكون ←  دوامة     تشكيل

ويمثل السكون المرحلة السابقة للوارد، وتأتي الدوامة التي يتجلى فيها الوارد " خاطرة ـــ أو فكرة ـــ أو فيضًا " من النفس، وعليها وعلى الوجود.

ويتكئ صلاح عبد الصبور في تحديد ماهية الوارد على المعجم الصوفي الذي يتضمن " الباده والعارض والوهم " وغيرهما، ويتوقف للمقارنة بين مصطلحي الباده والوارد، إذ يمثل الأول " مقدمة للوارد حين يبده القلب ويفجؤه... ويفتح الطريق للوارد " أما الوارد فإنه «يستغرق القلب وأن يكون له فعل.

ويعقد عبد الصبور مقارنة بين الوارد الصوفي والحس البرغسوني، إذ يرى أن الحدس على الرغم من طبيعته المخالفة للتفكير العقلي فإنه يتكئ تمامًا على المقدمات العقلية، ويتأسس في ضوئها، فهو ينبثق في ضوء " المواد الألوية التي يرتبها العقل في وحدة وتناسق " ومن ثم فهو صالح لتفسير الوثبات الفكرية لأنه " قمة عقلية لنشاط عقلي " ويعجز من ثم في تفسير " الوثبات الوجدانية " التي يتمكن الوارد من التعبير عنها.

وفي ضوء هذا يبتعد الوارد كثيرًا عن العقل، ويقترب إلى حد كبير من التصورات الأفلاطونية، فهو يتشكل بوصفه وافدا، أو ومضة، أو فيضًا من النفس،، إنَّ إبداع الشعر عند أفلاطون وصلاح عبد الصبور لا يتم إلا تحت وطأة تأثير قوة غيبية، يفقد فيها الشاعر وعيه وصوابه، ولذلك يكشف أفلاطون عن تصوره في عقد المقارنة كهنة كوبيلا الذين لا يؤدون طقوسهم في الرقص إلا إذا فقدوا صوابهم، ويرى أن الشعراء ـــ الغنائيين خصوصًا ـــ " لا ينظمون أشعارهم وهم منتبهون، إذ حينما يبدأون اللحن والتوقيع يأخذهم هيام عنيف، وينـزل عليهم الوحي الإلهي ".

إذن هناك حالة لا وعي تمكن الشاعر من إبداع الشعر وان الإلهام قذف والقاء في روع الشاعر، وليس الشاعر سوى وسيط لنقل ما يلقى إليه، وان عمله يماثل حالة اللاوعي التي يمارسها كهنة الإلهة كوبيلا، والصورة نفسها لدى عبد الصبور، إذ تتخلق القصيدة ـــ أساسًا ـــ في حالة لا وعي يعيشها الشاعر، وان هناك واردا يفد إليه، وليس الشاعر سوى ناقل لهذا الوارد، وان هناك تماثلًا بين حالة إبداع الشعر ووجد الصوفي، وكلا العملين يتحقق بحالة الاتحاد بقوة غيبية تفيض على الذات وتؤثر فيها.

وتتشكل القصيدة بطريقتين، الأولى: يرفضها عبد الصبور لأنها توجد بعيدًا عن دور الوارد وتأثيره، والثانية: يتبناها، وهي " القصيدة ـــ الوارد " ويرى أنها تتكون " حين يرد إلى الذهن مطلع القصيدة، أو مقطع من مقاطعها بغير ترتيب بألفاظ مموسقة، لا يكاد الشارع يستبين معناها "، ولا يتحكم الشاعر في بدء تشكيل القصيدة ولا في زمان تدفقها، أو مكان تشكيلها، وأخطر من هذا أنه لا يتبين معانيها، أو الوعي بسماتها وخصائصها، إنه فعل يشبه فعل الوجدان الصوفي الذي يتلبس الصوفي.

وتمثل " القصيدة كوارد " الخطوة الأولى من مرحلة اللاوعي في تخليق القصيدة، وتمثل " القصيدة كفعل " الخطوة الثانية، وهاتان الخطوتان متتاليتان، وترتبط الثانية بالأولى ارتباط المعلول بعلته، إنَّ الشاعر في الخطوة الأولى في حالة تلق سلبي مطلق إزاء قوة غيبية خارجية، وهو في حالة لا وعي، ويستمر في حالته الواعية في الخطوة الثانية، ويرافقها تعب وجهد وقلق، أو على حد تعبيره ان الشاعر " يدفع بنفسه إلى رحلة مضنية في طريق قلق "، ويتأتى هذا كله لأنَّ الشاعر يحاول استحضار الوارد، بمعنى أنه يتصيده، ويحاول التعبير عنه بالكيفية نفسها التي عاشها وجدًا صوفيًا، ويتكئ الشاعر على عبارات وجدانية صوفية لتوصيف هذه الحالة التي يختلط فيها اتحاد الذات وانفصالها، واقترانها بالوعي " إن الشاعر يستطيع ان يتقدم خطوات محو هذا المنبع حتى يتصل به ".

ويحدثنا الشاعر عن العلاقة بين الشاعر والوارد، بحسب أصول تذكرنا بتقسيمات ابن قتيبة لضروب الشعر، فحين يتحدث عن إخفاق القصيد يرجع ذلك إلى:

- قوة العواطف واحتدامها مع ضعف الشاعر.

- قوة الشاعر وممانعته الذاتية فلم يستطع ان ينسلخ عن ذاته، إذ يدع القصيدة تسيطر عليه.

- ضعف إحساس الشاعر إزاء ما يرد عليه من خاطر.

أما المرحلة الواعية من إبداع القصيدة فهي عودة الشاعر إلى حالته العادية قبل ورود الوارد إليه " وحيًا وقصيدة "، وهنا يقوم الشاعر بتنقيح قصيدته، اذ يثبت كلمة، ويمحو أخرى، أو يقدم أو يؤخر، ويستبدل شطرًا بشطر آخر، ويبدو أن تنقيح القصيدة هو آخر عمليات الإبداع في القصيدة، وبذلك يكرر صلاح عبد الصبور بعض أفكار ابن طباطبا العلوي التراثية، وكذلك بعض أفكار إليوت.

ونخلص من هذا الى انَّ الرومانسية الصوفية تنطلق عند صلاح عبد الصبور من مركزية الذات بوصفها مصدر المعرفة والإبداع، وهي رؤية تتجاوز الحس الرومانسي التقليدي إلى بعدٍ معرفيّ وجوديّ، يتجلى في رؤيته للإنسان كقوة فاعلة في تشكيل المجتمع والتاريخ والفن، فالإنسان، كما يراه عبد الصبور، هو مركز الكون، لأنه يمتلك الوعي القادر على إدراك ذاته والعالم من حوله، فيتولد الإدراك من حوار ثلاثيّ بين الذات الناظرة، والذات المنظورة، والأشياء.

ومن هذه الرؤية تنبثق فلسفة عبد الصبور في إبداع القصيدة، إذ يُقسِّم عملية الإبداع إلى مرحلتين: مرحلة لا واعية تسبق الكتابة وتتمثل في "الوارد الشعري"، ومرحلة واعية تتعلق بالتشكيل اللغوي اللاحق، ويتجلى في المرحلة الأولى التأثير الصوفي بوضوح، إذ يشبّه عبد الصبور لحظة الإبداع بفيض داخلي أو ومضة مفاجئة تنبثق من الذات، ويقارن هذا "الوارد" بمفاهيم صوفية مثل "الباده" و"العارض"، ويقارنه أيضًًا بالحدس البرغسوني، ليؤكد أن الشعر لا ينبع من الجهد العقلي بل من تجربة وجدانية تتصل بالمطلق.

أما في المرحلة الواعية، فيخضع الشاعر نصه لعملية مراجعة وتنقيح، ينتقل فيها من التلقّي السلبي إلى الفعل الواعي، مستعينًا بأدواته اللغوية والفنية لتثبيت القصيدة وتشكيلها، وهكذا تتضافر في تجربة عبد الصبور ثلاثة أبعاد متكاملة: الرؤية الرومانسية، الحس الصوفي، والبناء الفني للقصيدة، في إطار يعكس فهمًا خاصًا للشعر بوصفه فعلًا معرفيًا وجماليًا نابعًا من الداخل.

***

الدكتور كريم الوائلي

 

قراءة سيميائية في قصيدة "شتاء ريتا الطويل" لـمحمود درويش.

منذ بدايات الشعر الإنساني ظلّ الحبُّ اللغة الأكثر قدرةً على مقاومة العنف في العالم؛ لغةً تنتمي إلى الحياة في مقابل الموت، وإلى الحميمية في مقابل الصراع. غير أنّ التجربة الشعرية لدى محمود درويش تقوّض هذا التصور التقليدي، إذ تكشف أنّ الحبّ في بعض السياقات التاريخية المأزومة لا يعود نقيضاً للحرب، إنما يتحول إلى مرآةٍ تعكسها وتفضح بنيتها العميقة.

فعندما يولد العشق في فضاءٍ تتنازعه الجغرافيا والذاكرة والسلطة يصبح مجالاً للصراع الرمزي، وتغدو اللغة العاطفية وسيلةً لإنتاج خطابٍ سياسي وثقافي مشفّر.

انطلاقاً من هذا المنظور لا يمكن التعامل مع قصيدة شتاء ريتا الطويل على أنها قصيدة غزلٍ بالمعنى التقليدي على الرغم من حضور مفردات العشق فيها. فالقصيدة في بنيتها العميقة تُعيد تشكيل العلاقة بين الحب والتاريخ، وتحوّل الحبيبة إلى علامةٍ سيميائية كثيفة تتقاطع فيها دلالات المرأة والوطن والآخر في آنٍ واحد.

ومن هنا يطرح النص إشكالية مركزية، فهل يكتب الشاعر تجربة حبٍ مستحيلة، أم أنّه يستخدم الحب قناعاً لغوياً للكشف عن مأساةٍ تاريخية أوسع؟

تنبع أهمية هذا السؤال من أنّ شعر محمود درويش لا يكتفي بوصف الواقع، فهو يعيد إنتاجه في نظامٍ رمزي معقد، إذْ تتحول الصورة الشعرية إلى فضاءٍ تتصارع فيه المعاني.

ومن ثمّ فإنّ قراءة "شتاء ريتا الطويل" قراءةً سيميائية تكشف أنّ الخطاب العاطفي فيها يخفي بنية دلالية أعمق تتجلى في مفارقةٍ أساسية، فالحب الذي يبدو في ظاهره وعداً بالحياة يتحول تدريجياً إلى نبوءة حربٍ كامنة في لغة القصيدة.

ومن هذا المنطلق يسعى هذا المقال إلى تفكيك البنية الرمزية للقصيدة، والكشف عن الكيفية التي يتحول فيها خطاب الحب إلى خطاب صراع، بحيث تصبح “ريتا” علامةً تتجاوز حضورها الفردي لتغدو استعارةً مكثفةً للتوتر التاريخي.

وبذلك تنتقل القصيدة من النص العاطفي إلى الشهادة الشعرية على لحظة تاريخية يتداخل فيها العشق مع العنف، والإنسان مع قدره السياسي.

فلا يمكن قراءة قصيدة "شتاء ريتا الطويل" قراءةً عاطفيةً محضة على الرغم من أن بنيتها السطحية توحي بذلك. فالقصيدة في مستوى الدلالة العميقة لا تكتب قصة حب بقدر ما تُشيّد خطاباً رمزياً مركباً يمكن قراءته على شكل تمثيل شعري للصراع التاريخي وللوعي الفلسطيني الذي يتشكل في قلبه.

ومن هذا المقام فإنّ العلاقة بين “الأنا” و“ريتا” تخرج عن علاقة بين عاشقين إلى بنية رمزية تحيل إلى توترٍ بنيوي بين الذات الفلسطينية وواقعها التاريخي، وهكذا يتحول الحب إلى خطابٍ استعاري يخفي في داخله بنية حربٍ كامنة.

ففي التحليل السيميائي تعمل الشخصيات الشعرية على شكل علامات ضمن نظام دلالي، وفي هذا السياق يمكن النظر إلى “ريتا” على أنها علامة متعددة المستويات.

فهي في المستوى السردي شخصية حبيبة، لكنها في المستوى الرمزي تمثل “الآخر” الذي يشارك الذات تاريخاً إنسانياً مشتركاً، بينما يفصل بينهما صراع سياسي وعسكري.

هذا التوتر بين القرب الإنساني والقطيعة التاريخية هو ما يمنح الشخصية طابعها الإشكالي.

فالحب هنا يكشف حدّة الصراع، والعلاقة بين العاشقين تعيد إنتاج العلاقة بين شعبين يتقاطعان في الجغرافيا والذاكرة، لكنهما يقفان في موقعين متضادين داخل التاريخ.

وتكمن بنية القلق الوجودي في الاستفهام الافتتاحي، فيبدأ المقطع بالسؤال: "أتأخذني معك؟".

وفي القراءة السيميائية يعمل الاستفهام كبنية لغوية تكشف هشاشة الذات. فالسؤال يشير إلى حالة عدم استقرار وجودي، ليصبح الانتماء موضوعاً للشك.

إنّ الذات المتكلمة تسأل عن مرافقة عاطفية كما تسأل عن إمكانية النجاة داخل عالمٍ يتشكل تحت ضغط العنف. ولهذا فإن السؤال يفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز العلاقة الفردية، ليحيل إلى قلق جماعي يتعلق بالمصير والهُوية.

وعن الاستعارة الجغرافية للجسد يقول الشاعر: "فأكون خاتم قلبك الحافي".

إذْ تظهر استعارة مركبة تُحوّل الجسد إلى فضاء جغرافي، فالقلب الذي نعرفه مركزا للحياة يصبح موضع العري والضعف.

أما الخاتم فهو علامة العهد والانتماء، لكنه أيضاً شكل دائري مغلق، وهذه الدائرة يمكن قراءتها رمزياً على أنها تمثيل للحصار أو للدورة التاريخية التي يعيد فيها الألم إنتاج نفسه من جديد.

فالجسد استعارة للأرض، وقلبٌ مكشوف يحتاج إلى حماية، بينما العاشق يتحول إلى علامة ولاء داخل هذا الفضاء الجريح.

وعن الولادة من أجل الفقد يقول الشاعر:

"فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك…لتصرعك".

تكشف هذه الصورة عن مفارقة مركزية في التجربة الفلسطينية، فالأرض التي تمنح الهُوية قد تتحول إلى مسرحٍ للفناء.

والبلاد باتت قوة قدرية تنتج الحياة والموت معاً، والثوب بات رمزاً للحماية التي تحاول أنْ تخفف من قسوة هذه المفارقة.

لكنه يظل حماية رمزية، لأنّ العنف التاريخي يتجاوز قدرة الرموز على ردعه. وهكذا تتحول الاستعارة إلى تعبير عن وعي مأساوي بالعلاقة بين الإنسان وأرضه.

وعن جمالية الموت الفلسطيني في قول درويش: "تابوت من النعناع".

إذْ تبلغ البنية الرمزية ذروتها في الصورة:

"وأكون تابوتاً من النعناع يحمل مصرعك".

في التحليل السيميائي تقوم هذه الصورة على جمع علامتين متناقضتين: التابوت كعلامة موت، والنعناع كعلامة حياة يومية مرتبطة بالبيت والذاكرة.

إنّ الجمع بينهما يخلق ما يمكن تسميته ب“جمالية الموت الفلسطيني”، ليصبح الفقد جزءاً من الحياة اليومية.

فالنعناع رمز ثقافي للبيت والضيافة والطمأنينة، وعندما يتحول إلى مادة للتابوت يصبح الموت مشبعاً بذاكرة المكان، وبهذه الطريقة يعيد النص تعريف الموت كاستمرار للعلاقة مع الأرض.

وعن انهيار البرهان في: "ضاع يا ريتا الدليل".

يشير قول الشاعر في : "ضاع يا ريتا الدليل" إلى لحظة انهيار في النظام المعرفي للنص.

فالدليل يمثل البرهان العقلي الذي يفسر العالم، لكن في سياق الحرب تفقد الأدلة قدرتها على الإقناع؛ إذ يصبح الواقع أكثر تعقيداً من أن يُفسَّر بمنطق بسيط.

إنّ ضياع الدليل يعني أنّ العاشق لم يعد قادراً على تبرير علاقته، لا لنفسه ولا للعالم.

وهكذا تتحول القصيدة إلى اعتراف بأنّ الحبّ لا يستطيع أنْ يقف في وجه التاريخ.

ويختتم درويش المقطع بالجملة الشهيرة: "والحب مثل الموت وعدٌ لا يُرد… ولا يزول".

وفي هذا التركيب البلاغي يقيم الشاعر علاقة تماثل بين مفهومين يبدو أنهما متناقضان: الحب والموت، غير أنّ النص يعاملهما ظاهرتين قدريتين.

فكلاهما يتجاوز إرادة الإنسان، وكلاهما يفرض حضوره على أنه حقيقة نهائية.

في السياق الفلسطيني يكتسب هذا التماثل بعداً تاريخياً، فالحب للوطن قدرٌ لا يمكن التخلي عنه، كما أنّ الموت في سبيله احتمال دائم.

هكذا يصبح العشق والموت جزءاً من معادلة وجودية واحدة.

وقد رأيت في القصيدة نبوءة، إذْ تكشف القراءة السيميائية لقصيدة "شتاء ريتا الطويل" أنّ النص لا يكتفي بالحديث عن تجربة حب معقدة، إنما يعيد إنتاج بنية الصراع التاريخي داخل اللغة الشعرية.

فكل صورة في القصيدة تحمل أثراً للحرب من القلب الحافي، فالبلاد التي تلد أبناءها للفقد، فالتابوت المعطر، إلى ضياع الدليل.

بهذا المعنى تتحول القصيدة إلى خطاب نبوئي يلمح إلى أنّ الحرب بنية كامنة في العلاقات الإنسانية حين تتقاطع مع التاريخ.

ومن هنا يمكن القول إنّ النص لا يروي قصة عشقٍ فاشلة، فهو يكشف مأساة أعمق، هي مأساة عالمٍ لا يستطيع أنْ يحتمل الحب الذي يولد في زمن الصراع.

في ضوء هذه القراءة يتبين أنّ قصيدة شتاء ريتا الطويل تأتي نصاً غزلياً يروي مأساة حبٍ مستحيل، وخطاباً شعرياً يكشف كيف يمكن للعاطفة أنْ تتحول إلى بنية معرفية لفهم التاريخ.

فالحب الذي يبدو في ظاهر النص وعداً بالحياة يتبدّى في عمقه الدلالي وعيدا مأساويا لحربٍ كامنة في الوجود، حربٍ لا تنفصل عن الجغرافيا ولا عن الذاكرة ولا عن الإنسان الذي يجد نفسه عالقاً بينهما.

لقد نجح محمود درويش في أن يُشيّد عبر لغة الحب نصاً يتجاوز حدود التجربة الفردية ليصبح استعارةً كبرى لقدرٍ تاريخي كامل.

فـ"ريتا" لم تعد امرأة في القصيدة، إنما تحولت إلى علامةٍ رمزية يتقاطع فيها القرب الإنساني مع الاستحالة السياسية، ويتجاور فيها العشق مع الفقد.

والمفارقة الكبرى تتمثّل في أنْ يولد الحب في المكان نفسه الذي تُصاغ فيه الحرب.

وعند هذه النقطة تحديداً يكتشف القارئ أنّ القصيدة لم تكن تحكي قصة حبٍ انتهت، فكانت منذ البداية تكتب نبوءة. وكل صورة فيها هي شذرات من وعيٍ شعري رأى ما وراء اللحظة، واستشرف مأساة العلاقة بين الإنسان وتاريخه.

وهكذا، إلى أنْ يصل القارئ إلى السطر الأخير ويصادف العبارة:

"والحب مثل الموت وعدٌ لا يُرد… ولا يزول" ليدرك فجأة أنّ القصيدة لم تكن تتحدث عن الحب وحده، ولا عن الموت وحده، فهي تتحدث عن ذلك القدر الغامض الذي يجعل الإنسان يعيش الاثنين معاً.

فالشاعر يكتب عن عالمٍ كاملٍ لم يتعلم بعد كيف ينجو من الحرب حتى عندما يتكلم لغة الحب.

***

د. غدير حميدان الزبون - فلسطين

للمبدع اللبناني أ. عبد الكريم بعلبكي.. قراءة سيميائية تأويلية في ضوء الدراسات النقدية الحديثة

إيه لبنان / عبد الكريم بعلبكي

أرضُ الجدود،

ذاكرةٌ عموديةٌ تخترقُ الغيم،

جذورٌ تكتبُ سيرتَها بملحِ الدمع،

فجرٌ مكسورٌ يتدلّى من خاصرةِ العتمة،

وعندَ وادي الكبرياء

مرآةٌ محطّمةٌ تعكسُ وجوهًا بلا ملامح،

ملحًا يذوبُ في شوارعِ الفجيعة.

لبنان…

نبضٌ متشظٍ في صدرِ الريح،

قلبٌ يفتّش عن اسمِه بين الركام.

بيروتُ الجنوب،

بيروتُ الضاحية،

بيروتُ البقاعِ والشمال،

بيروتُ الأرضِ والسماء.

آهِ، لبنان…

موجةٌ من زجاجٍ وصلاةٍ ودخان،

مدينةُ الضوء،

فانوسٌ أعمى يتعثّرُ بحجارته،

جرحٌ مفتوحٌ على اتساعِ البحر.

الجمالُ وجعٌ،

أثرُ فراشةٍ على جبينِ طائرٍ بلا جناح.

لبنان…

قصيدةُ نارٍ باردةٍ تتغذّى من صمتِها،

صوتٌ يتردّدُ في خشبِ المساء،

يمخرُ عبابَ الذاكرة.

طائرٌ مكسورُ المعنى

يحملُ جناحَه ظلًّا ويعبر.

شعبُه،

ملحُ الأرضِ حين ينهض،

أرزٌ يسندُ السماءَ بكتفينِ من صبر،

جرحٌ يتعلّمُ هندسةَ الشفاء،

زمنٌ يبدّلُ جلدَه،

ويتركُ ألمَه قميصًا على حبلِ الريح.

لبنانُ، وجعي…

طفولةٌ تمشي على ماءِ البركان،

ضحكةٌ تتسرّب من شقوقِ النار.

قلبٌ تتوحّدُ دقّاتُه،

يحتضنُ نشازَه،

ينبض… وينبض.

لبنان…

الضوءُ يخلعُ رمادَه،

والقيودُ

تسقطُ من معصمِ الفجر.

سماءٌ تُعيدُ ترتيبَ نجومِها،

والأرزُ

يرفعُ قامتَه في وجهِ الريح.

لبنانُ

ينهضُ من ظلِّه،

ويمشي.

***

المدخل المنهجي: الرؤية النقدية وأداة القراءة

تنطلق هذه القراءة من مقاربة نقدية حداثوية تتعامل مع القصيدة بتمثيلها بنية دلالية متكاملة أبعد عن الخطابية الوجدانية منفصلة المقاطع فالنص الشعري الحديث يتأسس على شبكة من العلامات التي تتولد دلالاتها من العلاقات الداخلية بين المفردات والصور ومن التوتر القائم بين التجربة التاريخية والوعي اللغوي الذي يعيد صياغتها

ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتقارب قصيدة / إيه لبنان/ من خلال منظور سيميائي تأويلي يستند إلى تحليل العلامة الشعرية مع الانتباه إلى حركة المعنى داخل النص وكيف تتحول المفردة إلى محور دلالي يستدعي الذاكرة الجمعية ويعيد تركيب صورة الوطن

إن هذه المقاربة لا تقف عند حدود الشرح لكنها تحاول الدخول في البنية الداخلية للنص عبر تتبع انتظام المفردات وتحوّل الصور وملاحظة الكيفية التي تنتقل بها اللغة من وصف الواقع إلى بناء رؤية شعرية تعيد إنتاج المعنى

فالشعر هنا لا يسجل الحدث بقدر ما يعيد تشكيله داخل اللغة بحيث يصبح الألم نفسه مادة لبناء خطاب قادر على تحويل التجربة التاريخية إلى بنية رمزية تتجاوز اللحظة العابرة

ولهذا تعتمد القراءة على ثلاثة محاور مترابطة:

الأول تحليل العلامة الشعرية بوصفها وحدة دلالية تتجاوز معناها المباشر

الثاني قراءة العلاقات التي تنشأ بين الصور داخل النص وتشكّل وحدته

الثالث تتبع التحول الذي ينتقل فيه الخطاب من تصوير الانكسار إلى بناء فكرة النهوض

وبذلك يصبح النص فضاء لغوياً تتحرك فيه العلامات لتشكّل رؤية تتجاوز الوصف وتدخل في بناء معنى الوطن باعتباره ذاكرة نشطة وتجربة إنسانية مستمرة

العنونة: في أفق الدراسات النقدية الحديثة

لم تعد العنونة في الدراسات النقدية الحديثة إجراء شكلياً يوضع في مستهل البحث إنما أصبحت عنصراً منهجياً يكشف زاوية النظر إلى النص ويحدد المجال الذي ستتحرك ضمنه القراءة

فالعنوان النقدي يمثل بوابة الدخول إلى الدراسة إذ يعلن طبيعة المقاربة ويكشف عن الأفق الدلالي الذي تسعى القراءة إلى استكشافه

ومن هذا المنطلق تأتي هذه العنونة لتجمع بين عنصرين أساسيين:

بنية العلامة الوطنية وتحولات الألم

فالنص يقدّم الوطن عبر سلسلة من العلامات المتكررة مثل الأرض والجذور والبحر والأرز والطائر والضوء

وهي مفردات لا تعمل هنا بإظهارها كعناصر تشخيصية لكن بتبيانها كرموز تنتج معنى الانتماء والاستمرار

وفي الوقت نفسه تتحول تجربة الألم في النص من حالة انكسار إلى طاقة دلالية تنتج معنى النهوض وهو ما يمنح القصيدة بنيتها الحركية التي تنتقل من الظل إلى الضوء

إن تحديد هذا الأفق في العنونة يسمح بفهم مسار الدراسة إذ تتجه القراءة إلى الكشف عن الكيفية التي تتشكل بها صورة الوطن داخل اللغة الشعرية لدى الناص وكيف تتكامل الصور والمفردات لتصنع بنية دلالية موحّدة تحافظ على تماسك النص

بنية الافتتاح:

الأرض بوصفها ذاكرة

عندما نغوص بالنص نرى أن الشاعر يفتتح بالقول:

(أرضُ الجدود،

ذاكرةٌ عموديةٌ تخترق الغيم)

إذ يؤسس هذا المطلع منذ لحظته الأولى لبنية دلالية تقوم على الربط بين الأرض والذاكرة

فالأرض لا تظهر كدلالة للمكان الجغرافي فقط لكنها تتمظهر كمستودع للتاريخ الإنساني وإن إضافة كلمة الجدود تمنح المفردة بعدها الزمني العميق بحيث تتحول الأرض إلى سجل حي لتجربة الأجيال

أما عن عبارة (ذاكرة عمودية تخترق الغيم) فتمثل صورة شعرية تنقل الذاكرة من بعدها الزمني إلى بعدها المكاني الصاعد فالعمودية تشير إلى الامتداد المستمر من الأرض إلى السماء وكأن التاريخ الإنساني يرتفع داخل الزمن ليصبح حضوراً متجدداً لا ينقطع

وهكذا تتحول الذاكرة إلى محور يربط الماضي بالحاضر ويمنح النص منذ بدايته حركة صاعدة تشير إلى استمرار الهوية

الجذور وملح الدمع:

كتابة الهوية بالألم

ويتابع النص:

(جذورٌ تكتب سيرتها بملح الدمع)

ففي هذه العبارة تتشكل صورة مركبة تقوم على تداخل عنصرين هما:

/الجذر والدمع/ فالجذور في البنية الرمزية للنص تشير إلى الاستقرار والانتماء

بينما يمثل الدمع أثر التجربة الإنسانية القاسية

وعندما يقول الشاعر العميق إن الجذور تكتب سيرتها بملح الدمع فإنه يوحي بأن تاريخ المكان لم يُكتب بالطمأنينة إنما بالتجربة المؤلمة التي مرت بها الجماعة الإنسانية

لذلك إن الملح هنا يؤدي وظيفة رمزية مزدوجة فهو من جهة علامة على الدموع ومن جهة أخرى عنصر يحفظ الأشياء من الفساد

ومن هذا التداخل تنشأ دلالة عميقة مفادها أن الألم نفسه يصبح وسيلة لحفظ الذاكرة واستمرارها

المرآة المحطمة:

وأزمة الصورة الجمعية

نرى في المقطع التالي قول الشاعر:

(وعند وادي الكبرياء

مرآة محطّمة تعكس وجوهًا بلا ملامح)

بالتمعن نجد بأن هناك دخول علامة جديدة إلى النص هي المرآة

والمرآة في البناء الرمزي عادة أداة تعكس صورة الذات لكنها في هذا السياق تظهر محطمة

إن تحطّم المرآة يعني تحطم القدرة على رؤية الصورة الكاملة للذات أي أن الهوية تصبح مجزأة مثل شظايا الزجاج

أما انعكاس وجوه بلا ملامح فيشير إلى لحظة فقدان التحديد بحيث تتلاشى الفروق وتصبح الوجوه بلا سمات واضحة

وهذه الصورة لا تصف حالة فردية بل حالة جماعية إذ تتحول المرآة المحطمة إلى علامة على اضطراب الصورة الوطنية في لحظة تاريخية مضطربة. وبيروت مركز العلامة الوطنية

إذ يقول الشاعر:

(بيروت الجنوب

بيروت الضاحية

بيروت البقاع والشمال

بيروت الأرض والسماء)

يعتمد هذا المقطع على تكرار اسم بيروت بتقديمه كمركز دلالي يجمع الجغرافيا اللبنانية في نقطة واحدة. إن هذا التكرار ليس تكراراً صوتياً فقط لكنه استراتيجية لغوية تهدف إلى إعادة بناء وحدة المكان عبر اللغة. فحين تتجاور مفردات /الجنوب والضاحية والبقاع والشمال/ فإن النص يعيد رسم الخريطة الوطنية داخل القصيدة وهكذا تتحول المدينة إلى رمز جامع يربط أطراف البلاد ببعضها في محاولة لإعادة تشكيل صورة الوطن عبر مركز رمزي واحد

مفارقة الجمال والألم

يقول النص:

(الجمال وجع

أثر فراشة على جبين طائر بلا جناح)

لوتجلينا في هذه العبارة فهي تتجسد كإحدى أكثر صور القصيدة كثافة فالشاعر يربط بين الجمال والوجع في صيغة تقريرية ثم يقدم صورة مركبة تجمع بين الفراشة والطائر

الفراشة رمز الرقة والخفة أما الطائر بلا جناح فهو رمز العجز عن الطيران

وإن وضع أثر الفراشة على جبين طائر عاجز يخلق مفارقة عميقة حيث يتحول الجمال إلى علامة على الفقد فالرقة لا تنقذ الطائر من عجزه إنما تصبح مجرد أثر عابر على جسد مثقل بالانكسار

أما عن الطائر المكسور ودلالة العبور

فيقول الشاعر:

(طائر مكسور المعنى

يحمل جناحه ظلاً ويعبر)

إن وصف الطائر بأنه مكسور المعنى يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز المعنى الظاهري للصورة فالطائر هنا ماكان حضوره ككائن طبيعي لكنه يتبدى كرمز للحلم أو للحرية وكسر المعنى يشير إلى اهتزاز الدلالة التي كانت تمنح هذا الرمز قوته

غير أن الفعل الأخير (يعبر) فهو يعيد توجيه الصورة نحو حركة الاستمرار فالعبور يعني أن الانكسار لا يمنع الحركة وأن التجربة القاسية يمكن أن تتحول إلى دافع للاستمرار

أما عن الشعب بتصويره بنية صبر

فيقول النص:

(شعبه

ملح الأرض حين ينهض

أرز يسند السماء بكتفين من صبر)

تتحول اللغة هنا إلى خطاب يحتفي بقدرة الإنسان على الصمود

إن تشبيه الشعب بملح الأرض يشير إلى قيمته الأساسية في حفظ الحياة واستمرارها

وعن صورة الأرز الذي يسند السماء فهي صورة رمزية تعكس قوة الثبات بحيث تتحول الشجرة إلى عمود يحمل السماء

إن هذه الصورة تعيد ربط الإنسان بالطبيعة إذ يصبح الصبر عنصراً بنيوياً في استمرار الحياة

ونلتفت إلى حركة النهوض بالخاتمة

فيشد انتباهنا وصول النص إلى ذروته في قوله:

(الضوء يخلع رماده

والقيود تسقط من معصم الفجر)

تقدّم هذه الصورة تحولاً واضحاً في حركة النص فالضوء الذي يخلع رماده يشير إلى لحظة تطهير من آثار الاحتراق

أما سقوط القيود من معصم الفجر فيمثل انتقال الزمن من القيد إلى الحرية

ويأتي الختام:

(لبنان

ينهض من ظله

ويمشي)

يبرز لنا اختيار فعل يمشي الذي يحمل دلالة عميقة فالمشي فعل بسيط لكنه يرمز إلى استعادة القدرة على الاستمرار وهكذا ينتهي النص بحركة هادئة لكنها حاسمة تشير إلى أن النهوض يبدأ بخطوة

إن هذه القراءة تكشف أن قصيدة (إيه لبنان) تقوم على بنية لغوية متماسكة تعتمد شبكة من العلامات الرمزية التي تتكرر وتتحول داخل النص لتصنع رؤية شعرية موحدة / فالأرض والجذور والمرآة والطائر والأرز والضوء/ لم تكن مفردات تصويرية فقط لكنها عناصر دلالية تسهم في بناء تصور متكامل للوطن بوصفه ذاكرة حية وتجربة إنسانية مستمرة

وقد استطاع الشاعر عبر لغته المكثفة أن يحافظ على وحدة النص رغم تنوع صوره إذ تتحرك المقاطع جميعها ضمن مسار دلالي واحد ينتقل من تصوير الألم إلى الإشارة إلى إمكانية النهوض

وتظهر قوة النص في قدرته على تحويل التجربة التاريخية إلى بنية شعرية تجمع بين الحس الإنساني والعمق الرمزي

إن اللغة في هذه القصيدة لغة موحية تمتلك طاقة تصويرية واضحة وقد نجحت في بناء مشهد شعري تتجاور فيه الظلال والأنوار دون أن تفقد القصيدة تماسكها الداخلي ولهذا يمكن القول إن النص يحقق وحدة فنية ودلالية تجعل من القصيدة خطاباً شعرياً قادراً على التعبير عن تجربة وطنية عميقة بلغة تحمل في طياتها قوة الإيحاء واتساع الدلالة

نص عميق ولغة أ. عبد الكريم في هذه القصيدة تظلّ مشعة بوضوح رؤياها وقوة إيحاءاتها شاهدة على قدرته الفائقة في نسج الألم والوطن في نسق شعري متكامل ومتوهج. مبدع ونيف

***

مرشدة جاويش

 

بين النحويين البصريين والكوفيين وعلاقة النحو بالشعر العربي

لم يكن النحو العربي علماً جامداً يُعنى بضبط أواخر الكلمات فحسب، بل كان في جوهره علماً بالحياة اللغوية العربية في أصفى تجلياتها، أي في القرآن الكريم والشعر العربي القديم. فالشعر، منذ العصر الجاهلي، كان الذاكرة الحية للعرب، والمختبر الذي تُقاس فيه سلامة اللغة وفصاحتها. ومن هنا نشأت العلاقة العضوية بين النحو والشعر، حيث اعتمد النحويون على الشعر بوصفه شاهداً لغوياً يثبت القاعدة أو يؤكدها.

وفي هذا السياق ظهرت مدرستان كبيرتان في تاريخ النحو العربي، هما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، وقد مثّلتا اتجاهين فكريين ومنهجيين مختلفين في النظر إلى اللغة، وإن كانتا تلتقيان في الهدف الأسمى، وهو تقعيد العربية وصونها من اللحن والتحريف.

أولاً: مدرسة البصرة ومنهج القياس الصارم

نشأت مدرسة البصرة في القرن الثاني الهجري، وكان من أبرز أعلامها سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي والأخفش الأوسط. وقد اتسم منهج هذه المدرسة بالصرامة العلمية والاعتماد الكبير على القياس اللغوي، أي تعميم القاعدة على ما يشبهها في البنية والتركيب.

كان النحويون البصريون شديدي الاحتياط في قبول الشواهد الشعرية؛ فلم يكونوا يقبلون من الشعر إلا ما ثبتت فصاحته ورواته، وغالباً ما اقتصروا على شعر الجاهليين وصدر الإسلام. ويرى سيبويه أن الشعر إنما يُحتج به إذا كان منسجماً مع القياس اللغوي العام، ولذلك كان يميل إلى رفض الشواهد الشاذة أو تأويلها.

ومن أمثلة اعتمادهم على القياس ما يتصل بباب رفع الفاعل ونصب المفعول. فقد قرروا أن الأصل في الفاعل الرفع، كما في قول الشاعر الجاهلي امرؤ القيس:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

فالفعل نبكِ فاعله ضمير مستتر تقديره نحن. ويرى البصريون أن هذا البناء هو الأصل المطرد في العربية، ولا يجوز الخروج عنه إلا نادراً.

كما كانوا يميلون إلى تأويل الظواهر الشعرية التي تخالف القاعدة، ويعدّونها من باب الضرورة الشعرية، أي ما يضطر إليه الشاعر حفاظاً على الوزن أو القافية.

ثانياً: مدرسة الكوفة ومنهج السماع الواسع

أما المدرسة الكوفية، فقد نشأت في بيئة مختلفة من حيث الاحتكاك اللغوي وتعدد اللهجات، وكان من أبرز أعلامها الكسائي والفراء والأحمر.

وقد اتسم منهج الكوفيين بمرونة أكبر، إذ اعتمدوا على السماع أكثر من القياس، أي على ما ورد في كلام العرب ولو كان قليلاً. فالشاهد عندهم حجة في ذاته، حتى وإن خالف القياس البصري.

ولهذا كانوا أكثر تساهلاً في قبول الشواهد الشعرية، بل كانوا يستشهدون بشعر القبائل المختلفة، ويعدّون اللهجات المتعددة جزءاً من ثراء العربية.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في بعض الأشعار من نصب الفاعل أو رفع المفعول في تراكيب معينة، وهو ما كان البصريون يعدونه شاذاً. ومن ذلك قول الشاعر:

زججن الحواجبَ والعيونا

فقد جاء المفعول الثاني العيونا مرفوعاً، وهو ما يفسره الكوفيون بوصفه استعمالاً لهجيّاً صحيحاً، بينما يميل البصريون إلى تأويله أو اعتباره ضرورة شعرية.

ثالثاً: الشعر العربي بوصفه مرجعاً نحوياً

كان الشعر العربي بالنسبة إلى النحويين بمثابة المختبر اللغوي الأكبر. فالشاعر العربي، قبل عصر التدوين، كان يستعمل اللغة في أقصى طاقاتها التعبيرية، ولذلك وجد النحويون في الشعر ثروة من التراكيب والدلالات.

وقد استشهد النحويون بكثرة بأشعار كبار الشعراء مثل عنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى وجرير. ومن الشواهد الشهيرة قول عنترة:

هل غادر الشعراء من متردَّمِ

أم هل عرفت الدار بعد توهُّمِ

يستشهد النحويون بهذا البيت في مسائل متعددة، منها حذف الفاعل أو تقديره، وكذلك في بنية الاستفهام.

أما الكوفيون فقد كانوا أكثر استعداداً لقبول التراكيب الشعرية النادرة، معتبرين أن الشعر يمثل لغة العرب في حالتها الحرة، حيث قد تتقدم الكلمات أو تتأخر وفق مقتضيات الإيقاع.

رابعاً: أوجه التوافق بين المدرستين

على الرغم من اختلاف المنهج، فإن المدرستين اتفقتا في عدد من المبادئ الأساسية، أهمها:

الاحتجاج بالقرآن الكريم بوصفه المصدر الأعلى للفصاحة.

الاستشهاد بالشعر الجاهلي بوصفه لغة العرب الصافية.

محاولة تقعيد اللغة ووضع نظام علمي يفسر الظواهر اللغوية.

الاعتراف بأن الشعر قد يفرض أحياناً تحولات تركيبية بسبب الوزن.

ومن هنا يمكن القول إن المدرستين، رغم اختلافهما، كانتا تعملان في إطار مشروع واحد هو بناء علم النحو العربي.

خامساً: أوجه الاختلاف المنهجي

تتجلى أهم الفروق بين المدرستين في ثلاثة محاور رئيسة:

1. القياس والسماع

البصريون يعتمدون القياس ويضيقون في قبول الشواهد، بينما الكوفيون يوسعون دائرة السماع.

2. الموقف من الضرورة الشعرية

البصريون يكثرون من تأويل الشواهد المخالفة ويعدونها ضرورات شعرية، أما الكوفيون فيرون كثيراً منها استعمالات لغوية مشروعة.

3. التعامل مع اللهجات

كان الكوفيون أكثر قبولاً للهجات العربية المختلفة، في حين حاول البصريون توحيد القاعدة وفق ما يرونه أفصح الاستعمالات.

خاتمة

إن الخلاف بين البصريين والكوفيين لم يكن مجرد جدل لغوي، بل كان في جوهره اختلافاً في فلسفة النظر إلى اللغة. فالبصريون نظروا إلى اللغة بوصفها نظاماً من القواعد يمكن ضبطه بالقياس، بينما رأى الكوفيون أنها كائن حي يتشكل عبر الاستعمال.

وقد أسهم هذا التفاعل بين المدرستين في إثراء النحو العربي وتوسيعه، حتى أصبح علماً بالغ الدقة والعمق. أما الشعر العربي فقد ظل، عبر العصور، الحقل الأرحب الذي اختبرت فيه هذه القواعد، والمجال الذي كشفت فيه اللغة عن طاقتها الإبداعية الهائلة.

وهكذا يمكن القول إن النحو والشعر في التراث العربي ليسا مجالين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة: النحو يضبط اللغة، والشعر يمنحها الحياة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

النص الابداعي للشاعر الدكتور عصام البرّام ذا التاثير الزماني او المكاني، حيث لا نعرف ظروف ولادة النص ولا الكيفية، حتما يكون خزين الشاعر وثروته اللغوية هو ما يضيف الجمالية للنص. كتبتُ مقدمة عند شروعي بالكتابة وجدت الاستاذ نايف عبوش كتب تحت عنوان: (النص الإبداعي.. بين عفوية الانثيال وطقسية الإنشاء) في خيمة المثقف الغراء كتب ماجال بخاطر قلمي، فأكتفيتُ بما قرأت وحذفت نصي المقارب له، سلم نابل قلمك استاذ نايف. وانا اتجول مستمتعة بالنصوص وجدت اكثر من نوع بين نصوص الشاعر الدكتور البرّام

النص الوصفي

النص الاخباري

والنص الحواري

العنوان (سِّفر السالكين في ليل الكشف) له عمق واسع (سفر السالكين) فيه من المعنى طبقات بدايةً صوفي عرفاني وهي الرحلة الروحية ومعراج النفس.

يا صاحبي…

‏أن يبدأ الشاعر بالنداء

(يا صاحبي) بين القرب والصدق،

يقول: جلال الدين الرومي الروح التي فيها شيء من روحك تعرف كيف تخاطبك بلا كلمات وقيل عن السالكين أيضا (أبناء الوقت) سماهم ابن عربي (وهو شاعر صوفيّ وفيلسوف اندلسي مسلم) .

النص الحواري

أتعرفُ ما قالهُ لي الظِّلُّ حينَ انفصلَ عنّي؟

قال: “لم أعد أطيقُ أن أسيرَ خلفَك…

إنّ نورَكَ أوسعُ من ظنوني.”

فعلمتُ حينها

أنّ الطريقَ الذي أبحثُ عنه

كانَ يمشي في داخلي

ولم أكن أُصغي*.

الظل هنا ليس صورة صمّاء على الارض بلا ملامح، قرأته تعب السنين، ربما الأنا، بين حروف الشاعر غصة انه لم يتّبع النداء الداخلي، واخره اعتراف لم يصغِ،هنا تمام العودة.

وحدَهم الذينَ احترقتْ

أصابعُهم بشهوةِ المعرفة

شهوة المعرفة: اروع تعبير،تعبير يصف الشغف العميق والفضول المعرفي الذي يحرك الإنسان نحو الاكتشاف وليس اي اكتشاف بل الولّاد المُنتج، وبالتالي يوسع المدارك ويثري العقل، وما القلم ببعيد عن المعرفة.

يدركونَ أنّ النارَ ليستْ عدوًّا

بل كلمةٌ حارّة

تقولُ للإنسان: اقتربْ…

ولكن لتتطهّر،

لا لتهلك.

النار أُ م ّخبزتنا وعشق التنور و بركة طعامنا فعلا لاعداء منها تطهّر كل سوء ؛إلا في الاخرة (نار الله الموقدة) الهمزة(٦) هذه تُـهلِك،لامجال لها ان تطهر فقط.

* النص الاخباري

يا هذا…

في كلّ جرحٍ ممرٌّ سرّيّ يُفضي إلى الله

وفي كلّ خسارةٍ

ولادةٌ لا يراها إلّا من فتحَ نافذةَ قلبِهِ

على ليلٍ تسبحُ فيهِ أسماءٌ

لا تتجلّى

إلّا لمن عرفوا

أنّ الأرواحَ

أوسعُ من الخرائط.

نداء للنفس ..

كل نفوسنا تعاني تلك الممرات غالبا مانصل اليها بعد نصف قرن؛ نفتح النوافذ للصلح مع النفس والذات وترميم مافات نسبّح الله باسمائـِه وصفاته ولاخسارة مادام أدرك،

الفقد لا يُـفقده شيء، تبقى الارواح واسعة والنقية منها لاتحدها حدود ولاتحتويها حدود خرائط.

* قلتُ للغيم:

لماذا تمطرُ على الأرض

ولا تمطرُ على القلوب؟

فقال: “لأنّ القلوبَ

لا تزالُ تخافُ من الطوفان

الذي يحملُها إلى ذاتِها

وعندها فهمتُ

أنّ الفيضَ ليس ماءً،

بل معنى ينزلُ

حينَ يتهيّأ الوعي للاستقبال.

حوار شاعرنا مع الغيم ليس سؤالا عن المطر

بل عن الاستعداد، الغيوم عنوانها المطر دائما، ولا يبتّل الا من خرج بلا مظلة او فتح للمطر النوافذ، الارض لاتعترض تستعد تتعطش فتستقبل بنهم لتخضرّ وتكون نوروزا، اما القلوب كرَد فعل تبني اسوارا وسدودا من خوفٍ تأهبًا للقادم.

وقول الغيم:

لأن القلوب

لاتزال تخاف من الطوفان

الذي يحملها الى ذاتها)

هذا عمق بالفكر؛ ذاته عمق الفكر، لا نخاف الغرق المعتاد في الخارج فالحماية منه بالحسبان يخيفنا الغوص في اغوار الداخل ودهاليزه وعوالم الغرق غير الماء كثيرة ان تغرق بـ همّ وبالشوق أو الاشتياق وان كان تعبيرًا مجازيًا.

والطوفان الذي هو انكشاف، وجهًا لوجه الحقيقة بلا قناع، الفيض ليس سيل ماء بل هو معنى يصاغ ويقطر قطرة قطرةقطرة

حتى يتهيأ الوعي لإستقبال الطوفان

ومن هنا يكون:

الفيض وعيٌّ ينضج ولن يكون منحة .

النص الاخباري

إنّ الذينَ يهاجرون في الأرض كثيرون،

لكنّ الذين يهاجرون في أرواحِهم قليلون…

وقليلون جدًا من يعودونَ منها سالمين.

الهجرة في الارض انتقال جسد، وهجرة الروح انتقال هوية وقيم، ان تترك ماألِِفْـتَ نفسك فيه وان تنتزع منك يقينا متجذرا لتواجه اسئلة لاجواب لها عندك هذا سفر بحد ذاته ولاخراىط له.

(وقليلون جدا من يعودون منها سالمين)

من يعود لايعود كما كان غضا ترفا لينًا مطواعًا اما ان يعود مكسورا،

او ان يعود صلدًا.

التنقل بين النصوص بدأ ياشاعرنا من ظل وتمشيت نحو نور واقتربت من نار وعبرت جرحا وفتحت ابوابًا وسألت غيمة وتسير عند هجرة الروح. أنه صوت روح تعرف السفر والترحال جيدا.

يا انت

يامن اسمع في انفاسك

وقع اسئلة لم تولد بعد

تخاطب الساعي لك بسؤال قبل ان يدخل صومعة السؤال، والمتردد قبل ان يعترف بِـلَوعة الحيرة، هو نداء الى الوعي والادراك وهو في طور التكوّن.

(الحقيقة لاتعطىٰ)

صدقت

الحقيقة لاتعطى بل يؤَهَل القلب لإستقبالِها بتوّد.

الحقيقة هجرة شخصية لاجزء من كعكة او سهم بميراث.

الطريق لاينتهي عند باب

بل يبدأ من ورائه

كم وكم من باب اوصدناه خلفنا ظنا منّـا انها الخاتمة،وكان التجرد.. لنفتح قصة من باب جديد.

النص الاخباري

كما يبدأ النهار

من قلب الظلمة

لامن حافة الشرق

تقف كلماتي عند الشرق والتحوّل والعتمة والحيرة. اراها سيرة تحوّل وبدء مسير جديد.

رأيتُ في المنام

ملَكًا

يكتب على جبين طفل نازح:

لن يضيع هذا الضوء

ولو ضاعت منازله

قدرة تصويرية عااالية من الشاعر الطفل رمز النقاء والاستمرار، الطفولة براءة تدان بها قسوة العالم.

رغم النزوح؛ رغم الضياع وإن إنهار العالم الخارجي يبقى الضوء حيا متسربلا الى النفوس ليبعث الامل.

وأمًّا تنفض الغبار عن صدرها

صورة مؤلمة تجسد صبر الكون كله كله

ولإنها الأُم فهي تعيد ترتيب ما افسده الطوفان حبةً حبة.

السلام ليس اتفاقٌ دوليًا،

السلام انسجام بين الارادات، السلام سكون الداخل قبل هدوء الخارج

بل نفَسُ امّ

اختصر الشاعر اللغة بواسعِها.

*

وأنّ الحبَّ ليس رغبةً

بل طريقُ الخلاص.

*

الحب ليس رغبة او نزوة، الحب ليس شعور متجول بين جنبات النفس الحب سر الوجود وفيض امتلاء.

يا ساكني الجهاتِ الأربع…

اعلموا أنّ الفتنَ

لا تُطفِئها الكتبُ

ولا الجيوشُ

ولا الخطب،

بل يُطفئها

قلبٌ واحدٌ

حين يُقرّر أن يتّسعَ للعالم

* كما يتّسعُ البحرُ

لملايين الدموع

دونَ أن يغرق

ماؤه والدمع سيّان البحر .

الفتن تتفشى كالنار في الهشيم وواقعنا اليوم من دوي  القصف والعمائم هانئة في نوم عميييق. عساه يلم الكون قلب واحد.

في النهاية…

ما السَّيرُ إلّا

أن تخلعَ ظلَّك الأخير

وتقفَ عاريًا

أمام الحقيقة

وما الحقيقة

إلّا أن تُدركَ

أنّك أنتَ

والآخر

والسماء

والماء

والجرح

والندى…

وجهٌ واحدٌ يتجلّى بلا أسماء

***

اقول: التجلي أراقِـبُ الصمت، أستجدي الحقيقة.

***

هناء عصام - بغداد

 

دراسة نقدية موسّعة ومفصّلة لقصيدة الشاعر الجزائري صالح بن داود بمطلعها: "إن الهدى في مدحه الإطراء"

تُعدّ قصيدة المدح النبوي من أكثر الأجناس الشعرية ثباتاً وعمقاً في الشعر العربي، لما تحمله من بعد ديني وروحي، ولما تمثّله من وسيلة للتعبير عن القيم الإنسانية العليا والهداية المعنوية. وفي هذا السياق، تأتي تجربة الشاعر الجزائري صالح بن داود في قصيدته التي مطلعها:

"إن الهدى في مدحه الإطراء"

لتجسّد امتزاجاً بين التراث الشعري العربي الأصيل والابتكار الفني الحديث، حيث يسعى الشاعر من خلال لغته الصافية وصوره الرمزية المتقنة إلى تقديم رؤية وجدانية وأخلاقية متجددة للقدوة النبوية.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل النص نقدياً من منظور شامل، يستند إلى أبعاد لغوية وبلاغية، وجمالية وفنية، وفكرية وفلسفية، ونفسية واجتماعية، مع التركيز على البنية الرمزية والدلالية للنص، وأثره في القارئ من جهة، وعلاقته بالتراث الأدبي والثقافي من جهة أخرى. ومن خلال هذا التحليل، يمكن الكشف عن مدى قدرة النص على الجمع بين الموروث الشعري والقيم الإنسانية، وتقديم نموذج متكامل للتعبير عن الإبداع الشعري في إطار من الانضباط الفني والحرية الوجدانية.

الدراسة النقدية الموسعة لقصيدة صالح بن داود

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية.

سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

اللغة في النص سليمة من الأخطاء النحوية والصرفية، وتتميز بالوضوح والدقة.

التراكيب الشعرية مترابطة، ويبرز استخدام أسلوب المدح التقليدي مع لمسة شاعرية حديثة.

هناك انزياح إبداعي في ترتيب الكلمات، كما في: "يا صاحبي مثل الضيا غنت له": تشبيه مبتكر يمزج بين الإحساس بالضوء والموسيقى.

الرمزية مركبة، حيث يمثل الضيا نور الهداية، وشهد الدنــا رمز الخبرة الإنسانية والجمال الكوني.

فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

النص متوازن بين اللفظ والمعنى: الكلمات المختارة دقيقة وتعكس الموضوع المركزي للقصيدة، وهو مدح النبي صل الله عليه وسلم.

اللغة مناسبة للموضوع الديني والوجداني، مع الحفاظ على وقع شعري رصين وراقي.

الإيقاع والمعمار الصوتي

الوزن موحّد ومتماسك، يعتمد على تنويعات طفيفة لإضفاء الحركة.

القافية متكررة في نهاية الأبيات لتعزيز الموسيقى الداخلية (إحيـــاء/حواء/الأهواء/الشمـــاء/يابهــــاء/النعماء).

التكرار الصوتي يخلق جرساً موسيقياً داخلياً يضفي على النص وقعًا متأنقاً ورناناً.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

البنية الفنية للنص:

القصيدة تعتمد على بنية تمثيلية، حيث يقدّم الشاعر صالح بن داود صوراً متتابعة للمدح مع الحفاظ على وحدة النص.

الزمن شعوري أكثر من كونه سردي، إذ يركّز على الحاضر الروحي للمدح، مع إشارات رمزية للماضي والخلود.

الرؤية الفنية:

منظور الشاعر للعالم هو رؤية تمجيدية للنور الإلهي والهداية، مع احترام الإطار التقليدي للمدح النبوي.

هناك انسجام بين الشكل والمضمون: الإيقاع واللغة يعززان مضمون التعظيم والمدح.

الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

النص ينتج دهشة عبر المزج بين الصور التقليدية والابتكارات في التعبير: مثل وصف الضيا يغني وشهد الدنــا.

تجاوز المألوف يظهر في استخدام استعارات غير مألوفة في شعر المدح التقليدي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

الموقف الفكري للنص:

النص يعكس أسئلة وجودية وأخلاقية: قيمة الهداية، أثر قدوة الرسول محمد صلّ الله عليه وسلم، وموقع الإنسان في هذا السياق.

هناك تقدير للقدوة الأخلاقية والروحية في حياة الإنسان.

الأفق المعرفي:

النص متصل بالمرجعيات الإسلامية والتراثية في مدح النبي محمد صلّ الله عليه وسلم مع لمسات حداثية في الصورة والأسلوب.

يظهر التوازن بين التراث والوعي الفني الحديث، ما يتيح قراءة متجددة للنص.

البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):

النص يحمل دلالات مضمرة: الهدى ليس مجرد نور بل يمثل معرفة روحية.

الطبقات المعنوية تتعدد: هداية الفرد، جمال الطبيعة، وحضور النبي كمصدر للأخلاق والبركة.

التأويل التأويلي: يمكن قراءة النص بوصفه دعوة للتأمل في القيم الإنسانية والإلهية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

سياق النص:

القصيدة تقع ضمن تقليد مدح النبي محمد صلّ الله عليه وسلّم في الشعر العربي الجزائري، حيث يجمع بين الوجدانية والتاريخ الديني.

البيئة الثقافية: نصوص دينية تقليدية مع تحديثات فنية من الشاعر الحديث.

تطور النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى شعر المدح التقليدي مع تطورات حداثية في اللغة والصور.

يجمع بين عناصر السرد الشعوري والنثر الموسيقي، ما يوسع نطاق تجربة المدح التقليدي.

ارتباط النص بالتراث

التفاعل واضح مع البلاغة العربية القديمة: استخدام الطباق، الجناس، الاستعارات.

هناك إحالة ضمنية للأساطير والرموز الروحية: الضوء، الشهد، الهداية.

خامساً: الأسس النفسية

تحليل البنية الشعورية

النص يشير إلى الانفعالات الوجدانية: التقديس، الحنين للهداية، الإعجاب بمثال النبي محمد صلّ الله عليه وسلم .

اللاوعي يظهر في الرمزية المكثفة للضوء والشهد كرموز للصفاء والنقاء.

تحليل الشخصية (سردياً)

الشخصيات: الراوي كمتأمل ومدح، والنبي محمد صلّ الله عليه وسلّم كرمز للقدوة والهداية.

دوافع الشخصيات: السعي نحو المعرفة الروحية والتأمل الأخلاقي.

النبرة النفسية للنص:

نبرة تقديسية ومليئة بالحب والاحترام.

يظهر القلق الروحي من فقدان الهداية، وارتباط الشاعر بالقدوة النبوية.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

علاقة النص بالواقع الاجتماعي.

النص يعكس قيم المجتمع الجزائري الإسلامي، ويعزّز فكرة القدوة والدور الأخلاقي للنبي محمد صل الله عليه وسلم .

هناك إحالة ضمنية لقضايا الهوية والانتماء الديني والثقافي.

الخطاب الاجتماعي داخل النص

النص يحث على الأخلاق، التقديس، السلوك الاجتماعي القويم، والتقوى.

السلطة الروحية للنبي تمثل نموذجاً قيادياً أعلى.

الكاتب بوصفه فاعلاً اجتماعياً

صالح بن داود يقوم بدور تثقيفي وإصلاح أخلاقي، مع تعزيز القيم الدينية والاجتماعية.

سابعاً: الأسس السيميائية

تحليل العلامات والرموز:

١- الضيا: نور الهداية، الوعي الروحي، الحياة.

٢- شهد الدنــا: الطهارة والجمال والوفرة الروحية.

٣- النعماء: الخير والبركة الكونية.

شبكات الدلالات

٤- الحضور/الغياب: النبي حاضر بالقدوة لكنه غائب جسدياً.

٥- الحياة/الموت: الهداية والنور مقابل الضلال والظلام.

٦- العلو/السفل: القيم الروحية العليا مقابل الدنيا الفانية.

النظام الرمزي العام للنص:

الألوان، الضوء، الفضاءات، والرموز الطبيعية تعزز المعنى الروحي والوجداني للنص.

ثامناً: الأسس المنهجية

الصرامة المنهجية

التحليل يعتمد على منهج نقدي متعدد الأبعاد: لغوي، جمالي، فلسفي، نفسي، اجتماعي، وسيميائي.

كل محور تم التعامل معه بصورة مستقلة ومنسقة ضمن الدراسة.

التوثيق العلمي

هنا يمكننا الرجوع إلى التراث البلاغي العربي (ابن منظور، الجاحظ)، ومراجع الحداثة الشعرية العربية لتحليل الأسلوب والصور.

الموضوعية النقدية

الدراسة تركّز على النص ذاته دون الانحياز لشخصية الشاعر.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بالقيم العليا: الهداية، الأخلاق، الجمال الروحي.

يعكس احترام الإنسان والقدوة الأخلاقية.

الانفتاح على التأويلات:

النص يولّد قراءات متعددة: دينية، وجدانية، فلسفية، وجمالية.

البعد الإنساني الشامل:

قدرة النص على لمس وجدان القارئ العام: الطهارة، النور، الهداية، والتقدير للقدوة الإنسانية.

الخلاصة:

قصيدة صالح بن داود تمثل نموذجاً متقناً للمدح النبوي الجزائري الحديث، فهي:

١- محافظة على الجذور البلاغية العربية.

٢- متجددة في الصور والإيقاع.

٣- غنية بالرموز والتأويلات.

٤- متماسكة بين البنية اللغوية والجمالية والفكرية والنفسية والاجتماعية.

إن النص يمزج بين التقليد والابتكار، ويحقق مستوى عالٍ من التعبير الفني والوجداني، مما يجعله قابلًا للقراءات النقدية العميقة والمتعددة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

إن الهدى في مدحه الإطراء

إن الهدى في مدحه الإطراء

مـا للورى من دونــه إحيـــاء

*

ياصاحبي مثل الضيا غنت له

شهد الدنــا وإسترسلت حواء

*

قل للذي قد هاله مدح النبي

لا تمتري في وصفه الأهواء

*

نور أتى في طلعه حمد وهـا

دانت لـه كـل الـــربا الشمـــاء

*

محــــــمد يا صفــوة من خلقه

يا أسوة يا روعــــــــة يابهــــاء

*

محـــمد يـاسيدي أشفع لنــــــا

في المندرين وزكـــــها النعماء

***

الشاعر الجزائري

صالح بن داود

إنَّ ريتا في شِعْر محمود درويش (1941- 2008) لَيْسَت اسمًا عابرًا في قصيدة حُب، بَلْ هِيَ جُرح مفتوح في ذاكرة الشاعر، واستعارةٌ مُعقَّدة تختلط فيها المَرأةُ بالوطن، والعاطفةُ بالتاريخِ، والابتسامةُ بالبُندقية.

ريتا لَيْسَتْ شخصيةً شِعرية عاديَّة، إنَّها واحدة من أكثرِ الرُّموز الشِّعْرية إثارةً للجدل. فَهِيَ حبيبة يهودية، أحبَّها الشاعرُ في شبابه داخل فِلَسْطين المُحتلة. وقدْ كُشِفَ لاحقًا أنَّ الشخصية الحقيقية التي تقفُ خلف الاسم هي امرأة إسرائيلية تُدعَى تمار بن عامي (1947 - 2026). نشأتْ في حَيفا، وَتَعَلَّمَت الرقصَ، وانضمَّتْ في عام 1962 إلى فِرْقة تَجمع بين راقصِين يهود وعَرَب، كما كانتْ عُضْوًا في حِزبِ الشبابِ الشيوعي. وَتَعَرَّفَتْ على مَحمود درويش في سِن السادسة عشرة، واستمرَّت العلاقةُ خمس سنوات حتى حرب 1967. وَقَدْ خَدَمَتْ في البحرية الإسرائيلية، ثُمَّ أصبحتْ مُصمِّمة رقصات ومُدَرِّسَة.

حرصَ محمود درويش على إبقاء ريتا في فضاءِ الشِّعْر، لا في أرشيفِ السِّيرة، فهو لَمْ يُرِدْ لها أنْ تُخْتَزَلَ في قِصَّة حُب عابرة، بَلْ أنْ تبقى رمزًا مُتحركًا يتجاوزُ الشخصَ إلى المَعنى.

العاشقان يَفصلُ بَينهما صِراع سِياسي وعسكري. لَيست المُشكلةُ في اختلافِ الدِّينِ أو الثقافةِ فَحَسْب، بَلْ أيضًا في واقعِ الاحتلالِ الذي يَجعل الحُبَّ فِعْلًا مُستحيلًا. ريتا هُنا تَنتمي إلى الجِهة المُحتلة التي تَحمل السِّلاحَ، وهُنا تَكمُن المُفارَقةُ المُؤلمة: كيف يُمكن للقلبِ أنْ يُحِبَّ مَنْ يقفُ على الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ الصِّراع؟.

إنَّها صُورة الحُب في زمنِ الانقسام، حيث لا يَكُون الصِّراعُ فِكرةً نظريةً مُجرَّدة، بَلْ يَكُون واقعًا يوميًّا يَخترقُ العاطفةَ ويُشوِّهها. ريتا تَتحوَّل مِن امرأةٍ إلى هُوِيَّة، وَمِنْ حبيبة إلى سُؤال أخلاقي وسِياسي.

كثيرٌ مِنَ النُّقَّادِ رَأَوْا في ريتا رمزًا لِفِلَسْطين نَفْسِها، فكما أحبَّ الشاعرُ ريتا حُبًّا جارفًا رَغْمَ استحالةِ اللقاءِ، أحبَّ وَطَنَه رَغْمَ الجِراحِ والمَنافي. لكنَّ هذا التأويلَ الرُّومانسي الحالم لا يُلْغي البُعْدَ الإنسانيَّ الواقعي.ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ مُجرَّد استعارة للوطن، إنَّها امرأة حقيقية مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، ثُمَّ هِيَ رَمْزٌ يَتَّسع بالتدريج.

والشاعرُ لَمْ يُحوِّل المرأةَ إلى شِعار سِياسي، بَلْ أبقاها حَيَّةً، ومُتناقضة، ودافئة، وقاسية، في آنٍ معًا. ريتا تضحكُ، وترقص، وتَبتعد، ورُبَّما تَخُون الذاكرةَ. إنَّها كائنٌ كاملٌ لا مُجرَّد فِكْرة. وريتا تُجسِّد صِراعَ الهُوِيَّةِ داخل الشاعرِ نَفْسِه، فَهُوَ الفِلَسْطيني الذي يعيشُ داخل وطنٍ مُحتل، ويُتقِن لُغَةَ الآخَر، ويقع في حُبِّ امرأةٍ تنتمي إلى الطرفِ المُحتل. هذا التداخلُ يكشفُ أنَّ الهُوِيَّة لَيْسَتْ جِدارًا صُلْبًا، بَلْ مساحة تَوَتُّرٍ دائمٍ.

أحبَّ محمود درويش ريتا بلغةٍ هي نَفْسُها لُغَةُ الصِّراعِ. كَتَبَ بالعربيةِ عَنْ حبيبة تَتكلَّم العِبْرِيَّة. كانت القصيدةُ جِسْرًا هَشًّا بَيْنَ لُغَتَيْن وتاريخَيْن. لكنَّ هذا الجِسْر لَمْ يَصمد طويلًا، لأنَّ السِّياسة أقوى مِن العاطفة.

معَ مُرور الزمن، تَحوَّلتْ ريتا إلى جُزء مِنَ الأُسطورةِ الدرويشية. لَمْ تَعُدْ مُجرَّد امرأة عَرَفَهَا في شبابه، بَلْ أصبحتْ أيقونةً للحُبِّ الضائع، ودليلًا على أنَّ الحُدود أقسى مِنَ الإنسان. وتجاوزتْ قِصَّةُ ريتا التَّجْرِبَةَ الشخصية، وأصبحتْ قِصَّةً رمزيةً للحُبِّ تحت ظِلالِ البَنادقِ.

ريتا في شِعْر محمود درويش لَيْسَتْ لُغْزًا يُحَل، بَلْ تَجْرِبة تُعاش. إنَّها الحبيبة التي هَزَمَهَا الواقعُ، والرَّمْزُ الذي لَمْ يَستطعْ أنْ يَمحو صُورةَ الإنسانِ. هِيَ امرأةٌ حقيقية، لها كِيَان وكَيْنونة، لكنَّها أيضًا استعارةٌ لِتَمَزُّقِ الرُّوحِ في زمنِ الاحتلال.

رُبَّما كانَ سِرُّ ريتا الحقيقي أنَّها لَمْ تَبْقَ في حَياةِ الشاعر، لكنَّها بَقِيَتْ في شِعْرِه. تَحَوَّلَتْ مِنْ قِصَّةٍ خاصَّة إلى ذاكرةٍ جَمَاعِيَّة، وَمِنْ حُبٍّ عابرٍ إلى كَلِمَات مُستمرة ودائمة. وهكذا كُلَّما ذُكِرَتْ ريتا، ذُكِرَ معها السُّؤال الأبدي : هَلْ يُمكِن للحُبِّ أن يَنتصر على البُندقية ؟.

تُمثِّل ريتا صُورةً شِعْرية مُركَّبة للحُبِّ المُستحيل في سِياق صِراع يَلتهمُ التفاصيلَ الإنسانية. إنَّها تتجاوزُ كَوْنَها حبيبة إلى رمزٍ للتَّوَتُّرِ بَيْنَ العاطفةِ والهُوِيَّةِ، وبَيْنَ الفرديِّ والوطنيِّ، حتى تَغْدو مساحةً يتقاطعُ فيها الخاصُّ بالتاريخي.

ومع ذلك، فإنَّ هذا التَّوظيف الرمزي الكثيف لا يَخْلو مِنْ إشكال، إذْ تَتحوَّل ريتا أحيانًا إلى أداةٍ خَطَابية، تُحمَّل مَا يَفُوق طاقتها الإنسانية، فتبهتْ ملامحُها كشخصٍ مُستقل، وَتَذُوب في سَرْدية الشاعرِ الكُبرى.

وتَجْرِبَةُ محمود درويش معَ ريتا تكشفُ قُدرته على الصِّناعةِ اللغويةِ والبِناءِ الشِّعْري، لكنَّها تَكشف أيضًا نَزعةً إلى تَضخيمِ الذاتِ الشاعرة، وجَعْلِها مَركَزًا للمَعنى، بحيث يَبدو الحُبُّ مَحكومًا بإطارٍ أيديولوجي يُقَيِّدُه بَدَلَ أنْ يُحرِّره. لذلك، فإنَّ فَهْمَ ريتا لا يَكتملُ بِتَمجيدِ التَّجْرِبَةِ، أوْ تَقْديسِ صاحبها، بَلْ بقراءتها قِراءةً نَقْدية ضِمْن السِّياقِ المَحكومِ بحدوده، والقابلِ للمُساءلةِ مِثْل أيِّ خِطابٍ شِعْري آخَر.

وَحُضُورُ ريتا الشِّعْري شَكَّلَ مُنْعَطَفًا نَفْسِيًّا عميقًا في مسيرةِ محمود درويش، وكَشَفَ عَنْ قُدرته على صِياغةِ الألَمِ بِصُورةٍ درامية تُغْري بِالتَّحَوُّلِ إلى أُسطورةٍ شِعْرية أكثر مِمَّا تَعكِس واقعًا إنسانيًّا بسيطًا. وَقَدْ مَنَحَتْهُ ريتا مادَّةً شِعرية رمزية، لكنَّه في المُقابلِ حَمَّلَها أعباءَ الرمزِ السِّياسي، فَجَعَلَهَا أداةً لِصِراعه الداخلي والخارجي، وهذا يَكشِف الهَشَاشةَ الإنسانيةَ والصِّراعَ النَّفْسي الذي لا يَخْلو مِن التناقضِ والمُبالغة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يشكّل الشعر، في لحظاته الصادقة، مرآةً مكبّرةً لارتعاشات الذات وهي تصطدم بعالمٍ تتآكله التصدّعات الأخلاقية والإنسانية. ومن هذا المنعطف الوجودي تنبثق قصيدة «أصل الوجع» للشاعرة الجزائرية عزيزة مكرود، بوصفها نصّاً يلامس تخوم الألم الفردي ليحيله إلى سؤالٍ جمعيّ يتجاوز حدود التجربة الشخصية نحو أفقٍ إنسانيّ أوسع. فالوجع في هذا النص ليس عارضاً نفسياً عابراً، بل بنيةً عميقةً متجذّرة في التاريخ والعلاقات والوعي، حتى ليغدو «الأزل» نفسه موطناً للجرح ومصدراً للخذلان.

تنهض القصيدة على توتّرٍ داخلي بين الرغبة في الانتماء والانسحاب، بين الإخاء واللاإخاء، بين السعي والخيبة، لتشيّد عالماً شعرياً مشبعاً بالأسئلة الوجودية والاحتجاج الأخلاقي. وهي، في بنيتها اللغوية والإيقاعية، تميل إلى الاقتصاد التعبيري المشحون بالدلالة، حيث تتضافر التكرارات والنداءات والانكسارات الصوتية لتشكّل نبرةً أنينيةً متواصلة تعكس قلق الذات وتيهها.

وإذا كان النص يستدعي في ذروته رمز «قابيل وهابيل» ليؤسّس لأصلٍ ميتافيزيقي للصراع، فإنه في الوقت ذاته يظلّ نصاً معاصراً يقرأ واقعاً عربياً وإنسانياً مأزوماً، تتنازعُه الانقسامات وتنهشه العداوات. ومن هنا تكتسب هذه الدراسة مشروعيتها؛ إذ تسعى إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تنفتح على المستويات اللغوية والجمالية والفكرية والنفسية والسوسيولوجية والسيميائية، في محاولة للكشف عن بنيتها العميقة، وعن الرؤية التي تحكم معمارها الشعري.

إنّ قراءة «أصل الوجع» ليست بحثاً في خطاب الحزن فحسب، بل هي مساءلة لأسس الألم في التجربة الإنسانية، واستجلاءٌ لحدود الشعر حين يتحوّل إلى فعل مقاومة رمزية ضدّ انهيار المعنى وتفكّك القيم.

تندرج قصيدة «أصل الوجع» ضمن الشعر الحرّ ذي النزعة الوجدانية التأملية، حيث تتكاثف الأسئلة الوجودية في بنية لغوية مقتضبة، تتوسّل التكرار والنداء والانكسار الصوتي لتشييد عالمٍ مثقل بالفقد والخذلان. النص لا يقدّم شكوى عابرة، بل يشيّد أطروحة شعرية حول منشأ الألم: هل هو في الخارج (الآخر/العدو/الوباء) أم في الداخل (العقل المختلّ، القلب المثقل، فلسفة الاقتتال)؟

سنعالج النص وفق المحاور النقدية المقترحة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

اللغة في النص سليمة في مجملها، تميل إلى البساطة المباشرة، مع حضور لافت للتراكيب الفعلية القصيرة:

رحلنا – ودّعنا – مللنا – جنيناه – ضحّينا – ابتعدنا – نفرنا – أوقفنا

هذا التتابع الفعلي يُنتج إيقاعاً حركياً، لكنه يكشف في الآن ذاته عن دائرة مغلقة من الأفعال التي لا تقود إلى نتيجة، بل إلى مزيد من الخيبة.

توظيف الاستفهام في المطلع:

«أيا جرح الأزل… لمَ استعجلت أجلي؟»

يفتح أفقاً ميتافيزيقياً؛ فالجرح ليس حادثاً طارئاً بل «أزلي»، ما يوسّع الدلالة من التجربة الشخصية إلى البعد الأنطولوجي.

أما الانزياح البلاغي فيتجلى في:

«حصادنا جنيناه وجعاً بالقلب»

«جمّد الدم في العروق»

«فلسفة قابيل وهابيل فرضت وجودها باللاإخاء»

هنا يتحول المجرد إلى محسوس، والفكرة إلى صورة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المعجم المعتمد:

(وجع – خسارة – إحباط – قحط – متاهات – قلق – فشل – قحط – وباء – بلاء…)

وهو معجم يتسم بالتجانس الدلالي، لكنه يقترب أحياناً من التقريرية المباشرة (فشل البحث، خسارة الحب).

ومع ذلك، فإن التوازن بين اللفظ والمعنى يتحقق في لحظات التكثيف مثل:

«فالوحـدة.. انتماء

والانطواء.. اكتفاء»

هنا تتحول المفارقة إلى أطروحة شعرية: الانسحاب ليس هزيمة بل خيار وجودي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص أقرب إلى قصيدة التفعيلة الحرة، دون التزام صارم ببحر محدد. الإيقاع يتأسس على:

التكرار: (آه – كم – لا… ولا – رحلنا)

الجناس الصوتي: (وباء – بلاء)

التقابل: (لا نقاء ولا صفاء / لا صدق ولا وفاء)

التكرار هنا ليس زخرفاً بل بنية توكيدية تعكس الإلحاح النفسي.

أما القافية فحرة، لكنها تميل إلى نهايات مدّية (ـاء، ـاه)، ما يضفي نبرة أنينية ممتدة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص لا يقدّم سرداً خطياً، بل يتقدّم عبر مقاطع وجدانية متتابعة. الزمن فيه دائري:

ماضٍ مثقل (عانينا – ضحينا)

حاضر مأزوم (اختلّ عقلنا)

مستقبل منغلق (رحلنا بلا وداع)

لا شخصيات محددة، بل «نحن» جماعية. وهذا الضمير الجمعي يحوّل التجربة الفردية إلى جماعية.

2. الرؤية الفنية

الرؤية قائمة على مفارقة كبرى:

السعي يؤدي إلى الفشل، الحب إلى الخسارة، التضحية إلى اللاجدوى.

إنها رؤية مأساوية للعالم، تُذكّر بالفلسفة التراجيدية حيث يصبح الألم جزءاً من بنية الوجود.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

ذروة الإبداع في استحضار:

«فلسفة قابيل وهابيل»

الإحالة هنا إلى أول جريمة أخوية في التاريخ الديني، ما يربط الألم المعاصر بجذر إنساني بدئي. هذا التناص مع قصة قابيل وهابيل يمنح النص بعداً كونيّاً.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري للنص

النص يتبنى موقفاً نقدياً من فلسفة الصراع الأخوي. إنه يحتجّ على عالم تحكمه «اللاإخاء».

السؤال المركزي: هل أصل الوجع هو الخيانة؟ أم الاقتتال؟ أم اختلال العقل الجمعي؟

2. الأفق المعرفي

يحاور النص المرجعية الدينية والأسطورية، لكنه يوظفها توظيفاً رمزياً لا وعظياً.

كما يمكن ربطه بفلسفة الاغتراب حيث يتحول الإنسان إلى غريب في محيطه، أو بفلسفة العبث، خاصة أن النص جزائري الهوية، و«كامو» ابن البيئة نفسها التي شهدت صراعات الهوية والعدالة.

3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا)

البنية العميقة تشير إلى أن:

الوجع ليس حادثة.

الفشل ليس عرضاً.

الصراع الأخوي أصل كل وباء.

الانطواء هنا ليس عزلة مرضية، بل آلية دفاع وجودية.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

في سياق عربي يعاني انقسامات سياسية وطائفية، يصبح «اللاإخاء» توصيفاً لواقع ثقافي.

القصيدة تعكس وعياً جماعياً مأزوماً.

2. تطور النوع الأدبي

النص ينتمي إلى تيار الشعر الحر الذي تأسس عربياً مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، حيث تحرر الوزن لصالح الإيقاع الداخلي.

3. الارتباط بالتراث

استدعاء قابيل وهابيل يرسّخ علاقة النص بالتراث الديني، لكن بتأويل حديث يحمّل القصة معنىً سياسياً واجتماعياً.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النبرة المسيطرة: الحزن المشوب بالاحتجاج.

يتجلى القلق في تكرار (آه – كم – لا).

2. التحليل النفسي:

اختلال العقل («عقلنا اختلّ وتاه») يعكس صدمة جماعية.

الانسحاب («الانطواء اكتفاء») دفاع نفسي ضد العدوى الرمزية.

3. النبرة النفسية:

مزيج من:

١- القلق

٢- الخيبة

٣- الإحباط

٤- الحنين إلى نقاء مفقود

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

النص احتجاج على انهيار القيم: (لا نقاء – لا صفاء – لا صدق – لا وفاء)

إنه نقد أخلاقي للواقع الاجتماعي.

2. الخطاب الاجتماعي

يتناول النص ثيمة السلطة غير المباشرة عبر:

١- مفهوم العدوى

٢- الجرم

٣- الوباء

كأن المجتمع ذاته حقل مرضي.

3. الشاعرة كفاعل اجتماعي

الشاعرة لا تمارس دور الضحية فقط، بل تمارس فعل الوعي؛ فهي تُسمّي المرض وتكشف جذره.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. العلامات والرموز

١- الجرح = التاريخ المؤلم

٢- القلب = مركز الشعور

٣- الدم المتجمد = موت الحياة الداخلية

٤- قابيل/هابيل = العنف الأخوي

2. الثنائيات

١- الحب / الخسارة

٢- السعي / الفشل

٣- الجماعة / الوحدة

٤- الأخوة / اللاإخاء

3. النظام الرمزي العام

النص مشبع بعلامات العقم: (قحط – متاهات – وباء)

مقابل غياب الماء والنقاء.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج النفسي

٣- المنهج السيميائي

٤- القراءة الهيرمينوطيقية

مع التركيز على النص ذاته لا على السيرة الشخصية للشاعرة.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. قيم الحرية والجمال

رغم سوداوية النص، إلا أن فيه احتفاءً ضمنياً بالصدق والنقاء بوصفهما قيماً مفقودة.

2. الانفتاح التأويلي

النص قابل لقراءات متعددة:

١- قراءة سياسية

٢- قراءة نفسية

٣- قراءة دينية رمزية

3. البعد الإنساني الشامل

«أصل الوجع» ليس وجع فرد، بل وجع إنسانية تكرر مأساة الأخ الأول.

خاتمة نقدية

قصيدة «أصل الوجع» نصّ وجداني احتجاجي، يقوم على لغة مباشرة مشحونة بالعاطفة، ويبلغ ذروته الجمالية في استدعاء الرمز الديني (قابيل وهابيل) لتأصيل الألم في بنية الصراع الأخوي.

قد يقترب أحياناً من التقريرية، لكنه يعوّض ذلك بصدق شعوري واضح وبنبرة إنسانية مأساوية.

إنه نصّ يطرح سؤالاً لا ينتهي:

هل يمكن للإنسان أن يتحرر من فلسفة اللاإخاء؟

أم أن أصل الوجع أقدم من كل محاولات الشفاء؟

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

أصـل الوجــع

أيـا جــرح الأزل ...

لمَ استعجلـت أجـلي؟

تحاشينـا الـولاء

لإخـوان لنـا أعــداء

رحـلنــا ودّعـنـا الأوهـام

مللنـا قـالــوا  وقـلنـا

فحصـادنـا جنينـاه ...

وجعًــا بالقـلــب

خسـارة للحــب

كم عـانيْنـا لمـا سعيْـنـا

و زوَّد الفشـل إحباطـاتـنـا

كـلّ مـا جنيْـنــا

قحـطهم باللاّاحتـواء

إيــه علينـا وآه

كـم صبـرنـا على هـمّ المحـن

فشَـل البحـث والمُحـاولات

متـاهـات  ومسافـات

لا نقـاء  ولا صفــاء

لا صـدق ولا وفـاء

آه يـا قـلـب ثـم آه

عـقـلُنــا إختـلّ  وتــاه

ضحيْـنـا  دون جـدوى

فهجرنـا تحاشيْنـا العـدوى

ابتعـدنـا.. نفـرنـا

كـي لا يُصيبنـا ...

جُـرم أو وبـاء  وبـلاء

فـلا شمـاشتـة .. ولا لـوم علينـا

إن تلاشينـا وتشبّـث العنـاء

فالـوحـدة .. انتمــاء

والانـطـواء .. اكتـفــاء

رحلنـا بـلا وداع

أوقفـنـا عجلـة الصّـراع

 وألـمُ الفـراق يا رفـاقــي...

جـمَّـد الـدم في العــروق

إذ فلسفـة قابيـل وهـابيـل

فرضـت وجـودهـا باللّاإخـاء

***

عـزيزة مكـرود - الجـزائــر

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الكتابة بوصفها استجابةً سريعة للواقع، يظلّ النص الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بأن يقول الألم، بل يعيد تشكيله جمالياً وفكرياً ليغدو تجربة إنسانية قابلة للتأويل والاستمرار. ومن هذا الأفق تنبثق قصيدة النثر «ثمنه.. أن تحترق» للشاعرة نجمة عمر علي كراتة، بوصفها نصّاً يتجاوز حدود الاعتراف العاطفي إلى فضاءٍ أوسع تتقاطع فيه الذات الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتداخل فيه الحب مع الوطن، والجسد مع الجغرافيا، والجرح مع السؤال الوجودي.

لا يقدّم النص سردية شعورية خطّية، بل يبني عالماً رمزياً متشظّياً تتحرك داخله الصور كما تتحرك الذاكرة تحت ضغط الفقد والحرب والحنين. فالاحتراق هنا ليس مجرد استعارة وجدانية، بل تجربة معرفية تتخذ من الألم طريقاً إلى الوعي، ومن الانكسار إمكانيةً لإعادة بناء المعنى. ومن خلال شبكة كثيفة من الرموز — القمر، القمح، الزيتون، الضوء، الفزاعة — تتشكّل لغة تستثمر الاقتصاد التعبيري والانزياح البلاغي لتصنع موسيقاها الداخلية الخاصة، بعيداً عن الوزن التقليدي، وقريبةً من نبض النفس المتوتر.

تأتي هذه الدراسة النقدية محاولةً لقراءة النص قراءةً شاملة متعددة المناهج، تنطلق من الأسس اللغوية والبلاغية، مروراً بالبنية الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية والنفسية والسوسيولوجية والسيميائية، مع مراعاة السياق الثقافي والتاريخي الذي يتخلّق داخله الخطاب الشعري. وهي قراءة تسعى إلى الإنصات للنص من داخله، لا إلى فرض أحكام مسبقة عليه، للكشف عن طبقاته الدلالية العميقة وقدرته على إنتاج المعنى والانفتاح على تأويلات متعددة، بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان نحو أفق إنساني أشمل.

النص بوصفه احتراقاً لغوياً ووجودياً

ينتمي نص «ثمنه.. أن تحترق» للشاعرة نجمة عمر علي كراتة إلى منطقة الكتابة التي تتجاوز حدود القصيدة النثرية التقليدية لتقترب من «السيرة الشعورية المفتوحة»، حيث يتحول الجسد إلى جغرافيا، والوطن إلى جرح، والحب إلى قدرٍ وجوديٍّ يدفع الذات إلى الاحتراق بوصفه شرطاً للمعرفة والانبعاث. إننا أمام نص لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يصنع من الألم جهازاً تأويلياً يعيد قراءة الإنسان والعالم والتاريخ.

يتداخل في النص خطاب الحب مع خطاب الوطن، ويتقاطع الوجداني مع السياسي، والأنثوي مع الجمعي، في بنية تتكئ على الاقتصاد اللغوي والانزياح البلاغي، مما يستدعي قراءة متعددة المناهج تجمع الأسلوبي والنفسي والسيميائي والهیرمينوطيقي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

يتميز النص بسلامة لغوية واضحة، إذ تعتمد الشاعرة على جملة عربية سليمة التركيب، بعيدة عن التعقيد المصطنع أو الزخرفة الثقيلة. الجملة الشعرية قصيرة غالباً، تعتمد القطع والتكثيف:

«ركضت نحوك والروح تنزف وجعاً...

قهراَ...

غصباً...»

هذا التفكيك التركيبي ليس ضعفاً بل استراتيجية دلالية؛ إذ تتحول الكلمات المفردة إلى جمل نفسية قائمة بذاتها. هنا يتحقق الانزياح الأسلوبي عبر تفتيت الجملة التقليدية لصالح نبض شعوري متقطع.

كما تتكئ الشاعرة نجمة عمر علي كراتة على الحذف البلاغي والإضمار، فتترك فراغات يملؤها القارئ:

«تعال لتبكي فوق كتفي...»

فلا نعرف من المخاطب تحديداً: الحبيب؟ الوطن؟ الشهيد؟ الذاكرة؟ وهذا الغموض المقصود يمنح النص كثافة تأويلية.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة في النص تميل إلى الفصاحة المعاصرة؛ فهي لا تستعير المعجم التراثي مباشرة، بل تعيد صياغته ضمن حساسية حديثة:

١- الصفصاف

٢- البنفسج

٣- القمح

٤- الزيتون

كلها مفردات ذات جذور عربية راسخة لكنها توظف داخل سياق حداثي.

التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ إذ لا توجد مفردات فائضة بلا وظيفة دلالية. حتى التكرار يخدم البناء الشعوري:

١- «الكل يهرب...

٢- الكل يجري...

٣- الكل يهذي...»

إنه تصعيد لغوي يعكس فوضى الواقع.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص لا يخضع لوزن تقليدي، لكنه يمتلك موسيقى داخلية قوية قائمة على:

أ ـ التكرار الصوتي

تكرار القاف والراء في:

القمر ـ القمح ـ القهر ـ القتل

يوحي بخشونة الواقع.

ب ـ التوازي التركيبي

«أين أنت؟

أين الوعد؟

أين العهد؟»

وهو إيقاع استجوابي يخلق توتراً درامياً.

ج ـ الجرس الداخلي

تكرار حرف المد يمنح النص بطئاً تأملياً:

«أنفاسي ثقيلة جدًا أغرقتني في ملحي».

إنه إيقاع الانهاك.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

النص يقوم على بنية شبه سردية تتطور عبر مراحل:

١- مرحلة الجرح الشخصي.

٢- مرحلة الحلم والبناء.

٣- مرحلة الغزو والانكسار.

٤- مرحلة البحث والخلاص.

وهو معمار قريب من «الرحلة البطولية» ولكن بصيغة أنثوية داخلية.

الشخصيات ليست أشخاصاً بل رموز:

١- الحبيب = المعنى أو الوطن.

٢- الغريب = المحتل أو العنف التاريخي.

٣- الفزاعة = الوعي المراقب أو الخوف الجمعي.

2 ـ الرؤية الفنية:

ترى الشاعرة العالم باعتباره مساحة صراع بين الضوء والاقتلاع.

«هشم زجاج الضوء.»

إنها صورة تعلن أن العنف لا يقتل الجسد فقط بل المعنى.

الشكل يخدم المضمون؛ إذ تتشظى الجمل كما تتشظى الذات.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

أبرز مظاهر الدهشة:

«أتوضأ بنوره وأسجد بجبيني المثقوب بالرصاص.»

دمج المقدس بالجرح السياسي يمنح الصورة قوة استثنائية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- ما ثمن الحب؟

٢- ما معنى الوطن؟

٣- هل النجاة ممكنة دون احتراق؟

الاحتراق هنا تجربة معرفة.

2 ـ الأفق المعرفي

يحاور النص:

التراث الصوفي (الاحتراق = الفناء).

الذاكرة العربية المعاصرة (بيروت ـ القدس ـ دمشق).

إنه نص عابر للجغرافيا العربية.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القمر رمز مركزي:

١- الحبيب.

٢- الأمل.

٣- الوطن.

أما القمح فهو رمز الاستمرار والحياة.

الحذف والغموض ينتجان طبقات متعددة من المعنى.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص

النص يكتب من داخل زمن الحروب العربية المعاصرة.

بيروت والقدس ودمشق ليست أسماء بل جراح تاريخية.

2 ـ تطور النوع الأدبي:

ينتمي النص إلى قصيدة النثر العربية الجديدة التي تجاوزت الغنائية الفردية نحو الوعي الجمعي.

3 ـ العلاقة بالتراث

استحضار:

١- الزيتون.

٢- القمح.

٣- صلاح الدين.

يعيد وصل النص بالذاكرة التاريخية.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

تتأرجح الذات بين:

١- الحب.

٢- الفقد.

٣- المقاومة.

اللاوعي يظهر في تكرار الجرح الجسدي.

2 ـ تحليل الشخصية:

الشخصية المركزية ليست ضحية فقط بل مقاومة:

«عزيزة النفس لا أهون.»

3 ـ النبرة النفسية

النص مزيج من:

١- الحنين.

٢- الاحتجاج.

٣- القلق.

٤- الأمل المؤجل.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص ينتقد الانهيار الجمعي:

«الكل يهرب من الحرب.»

ويكشف هشاشة الجماعة.

الكاتبة نجمة عمر علي كراتة هنا شاهدة اجتماعية لا عاشقة فقط.

سابعاً: الأسس السيميائية:

1 ـ الرموز

١- القمر = الأمل.

٢- الزيتون = الأرض.

٣- الفزاعة = الخوف.

2 ـ الثنائيات

١- الضوء / الظلام.

٢- الحب / الحرب.

٣- الوطن / المنفى.

3 ـ الفضاءات

الأرض = الجسد.

السماء = الرجاء.

ثامناً: الأسس المنهجية

هذه القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- النفسي.

٣- السيميائي.

٤- التأويلي.

مع التركيز على النص لا على سيرة الكاتبة.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا:

النص يحتفي بالإنسان رغم الخراب.

الاحتراق ليس موتاً بل عبوراً.

والقصيدة مفتوحة على قراءات متعددة: حب، وطن، مقاومة، أو سيرة نجاة.

خاتمة:

«ثمنه.. أن تحترق» نص ينجح في تحويل الألم الفردي إلى تجربة إنسانية عامة. لغته مشدودة بين الاقتصاد والتوهج، وصوره تتجاوز المألوف دون أن تفقد جذورها العربية. إنه نص يكتب بالجرح لكنه لا يستسلم له؛ بل يحوله إلى نورٍ يولد من رماد الاحتراق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

ثمنه.. أن تحترق..

ليس لأنني كنت لا أعي أين أضع قدمي النازفة،

بل لأنني ظننتك الضمادة التي لن تملَّ البقاء ملتحمةً بجلدي..

ما كان الثمن بخسًا، وكان الثمن احتراقي...

نظمت نثري ودسسته بين أبيات شعري..

في منطقةٍ قاسيةِ المناخ زرعتُ حبوبَ القمر..

قيل إنَّ القمر لا ينبت فوق تراب الأرض..

قبل مغيب الشمس كنتُ أجمع كلَّ الشعاع المبعثر..

أغسل الدفءَ بروحي، وأجفف خيوط الشمس..

وقبل بزوغ النجمات أجمع شعاع القمر المعطر بالصبر..

أتوضأ بنوره وأسجد بجبيني المثقوبِ بالرصاص..

من فرط تعبي أغمض طرف عيني، والقمر يحرسني..

فزاعة الحقل تراقب صمتي وتسمع آه الشوق المستتر..

أغصان الصفصاف خلعت رداء التوبة..

غرقت أوراقها في بركةٍ من دماء أبناء البلد..

بالحب قيل سيُبنى الوطن..

وثمن الحب أن تحترق...

شتاءٌ بيني وبينك يفصل بين الأنفاس..

جوارب الصوف تمزقت كما تتمزق الحدود..

خوذةٌ وصورةٌ وقصائدنا وعينانا والقمر...

تعال لتبكي فوق كتفي...

دثرني بكل السطور، غرامي..

ضمَّ رفات روحي وأوراقي..

أشعل الشموع تحت سمائي..

ولا تنتظرني، فالوقت يداهمني..

خذ ما تبقى مني لتحيا على ذاكرتي...

أنفاسي ثقيلةٌ جدًّا، أغرقتني في ملحي...

لا تترك سطوري تنجو... وضمني..

فقط لا تجعلها تنسى... وأحبني...

هناك، في أرضٍ مستويةٍ مع كثبان ملحي، بنيت بيتي..

وضعت حبوب القمر والشمس فوق الأرض وانتظرت..

خبأت مفتاح داري تحت وسادةٍ من طين..

اقترب الغمام رغم الهزال، وأمطر غيثًا يشبه دعائي لربي..

نمت الحبوب الشبيهة بالقمح وأزهرت..

فاح عطر البنفسج..

استوت قامتي شامخةً كسنبلة القمح..

نمت في الروح سنابلُ التبر ونجمات..

ما ذلّني بشرٌ، ولا إليه انحنى ظهري...

عزيزةُ النفس لا أهون...

سليلة الضوء، ابنة النور...

استوطن الغريب أرضي..

قلع خيوط القمر..

هشم زجاج الضوء..

حرّف سنابل القمح..

عصر زيتون بلدي..

سرق دفاتري..

شوّه مفرداتي...

سلخ جلدي الأسمر..

بكيت وحدي..

أين أنت؟

أين الوعد وأين العهد؟

سرق الغريب عمري...

قتل صدى الفزاعة حلمي..

خاف عصفور الزيتون مني..

صرت أشبع الفزاعة من خوفي..

دست فوق الشظايا بقدمي..

جرحت جلدي..

ركضت نحوك والروح تنزف وجعًا...

قهرًا...

غصبًا...

صرخت صرخة البكماء...

أفلت الوقت من يدي..

خذلتِ صوتي..

انتُزع مني قلبي..

شوارع بيروت سرقتك مني..

كحبوب الطلع حروف الأمل..

كفراشةٍ أحوم حول روحك، وحدي..

في حقول الغيم والقمر نبتت نجمةٌ من الأرض...

لكنه طحين الورق..

بلون التراب لون الوجه..

بلون الكحل رموش العين..

ردَّ قلبي لمكانه وارحل، ولا تسل عن طريق العودة...

وضعت قدمي فوق تراب القدس وحدي..

يتيمةٌ هي تلك الأرض..

كسيحةٌ هي أرجل المحاربين..

خائنةٌ هي دموع الحروف..

كل الجيوش خلف صلاح الدين تتأهب...

يتأهب الفؤاد للرحيل..

وأبقتني حقول القمح وحدي...

حبوب القمر انجرفت مع السيل...

في دمشق زرعت وردة الحب..

بتلات روحي أينعت وأضاءت دربي..

القول يباغت حقيقة الفعل..

الكل يهرب من الحرب..

الكل يجري...

الكل يهذي...

الكل يعاتب صبري...

وحده حبيبي يراقب خيوط القمر...

ينتظر أن تنمو حبات الشعاع..

ليقطف من السماء نجمة..

وحده حبيبي هناك تحت سماء الوطن.

ينتظر اصطفاف الأقمار ليقطف من القمر شعاعًا..

وحده هناك ينظر إلى السماء ويخبئني نجمةً في الدعاء..

كي يبزغ في الروح نورًا متجددًا...

لو أنك كنت تدري كم أهواك يا قمري!

ما كنت أدري أن عشق القمر ثمنه أن يحترق قلبي...

وها قد صرت أدري، وما ندمت...

لقد التقت عينانا فوق أرض الطهر، فكنت لي بردًا وسلامًا..

***

الكاتبة نجمة عمر علي كراتة تونس فلسطين

رداء الروح نجمة والقمر حبوب الطلع

إضاءة: ليس النص الأدبي مجرّد بناء لغوي من الكلمات والتراكيب، ولا هو محض مرآة تنعكس عليها التجربة الذاتية للكاتب أو الواقع الموضوعي من حوله؛ بل هو كيان مركّب، تتداخل فيه أبعاد اللغة والتجربة، الشكل والمضمون، والذات والموضوع، والشعور والوعي، والزمان والمكان، إنَّ هذا البحث يسعى إلى مقاربة هذا الكيان المعقد مقاربةً شمولية تستنطق النص من داخله، وتلاحق إشاراته من خارجه، في آن معًا، إذ تتوزع مباحثه على جملة من المحاور التي تقف عند جوهر النص وطبيعته، وعلاقته بالذات المبدعة والمتلقية، فضلاً عن التفاعل بين مكوناته الداخلية والعوامل الخارجية المؤثرة فيه.

ينطلق هذا من رؤية أنَّ الإنسان، بفطرته، مدفوعا نحو استكشاف الغامض والتفاعل مع العالم من خلال الرموز والصور والتجارب، وهو ما يمكّنه من تشكيل وعي مركب بذاته وبالآخرــ في هذا السياق ـــ يُنظر إلى الفن بوصفه مظهرًا من مظاهر هذا الوعي الإنساني، لأنه يمثل قدرة الإنسان على الإفصاح عن تجربته وتبادلها مع بني جنسه، ولعل الفن الأدبي، بما في ذلك الشعر والنثر، يُعدّ من أعمق هذه الفنون، لأنه يرتكز على اللغة، هذه الأداة التي هي أكثر أدوات التعبير شحنًا بالتراث والمعنى.

تتمايز الفنون على أساس مادتها: بين الفنون: المكانية كالنحت والرسم، والفنون الزمانية: كالموسيقى والشعر. وفي هذا التقسيم، يحظى النص الأدبي بموقع خاص، إذ يرتكز على اللغة التي تحمل طبيعة مزدوجة: فهي من جهةٍ أصوات ومفردات "مادية"، ومن جهة أخرى رموز ودلالات " ذهنية "، ولا يمكن اختزال النص الأدبي إلى مجرد لفظ منطوق أو شكل من أشكال الكلام، لأن الشعرية لا تتحقق في المفردات ذاتها، بل في طريقة تشكلها وانسجامها، في إيقاعها الداخلي والخارجي، وفي التوتر الذي ينشأ بين الإشارة والإيحاء، بين قول وقول اخر.

إنَّ النص الأدبي ليس نقلًا مباشرًا أو شفافًا للتجربة الشعورية، وإنما هو تشكيل خاص لهذه التجربة، قد يشوّهها أو يعمقها أو يحرفها، بحسب قوانين اللغة وحدودها وإمكاناتها. ولأنَّ اللغة ليست أداة محايدة، بل كيان مشبع بالتراث الجمعي، فإنها كثيرًا ما تفرض على الأديب قيودًا تُبعد النص عن التجربة الأصل، وتجعل النص ذاته كيانًا مستقلاً يستدعي قراءة مستقلة ومركبة.

ولا ريب أنَّ هناك فجوة بنيوية قائمة بين ما يشعر به الأديب في أعماقه، وما يُقدَّم على الورق في شكل نص، وبين ما يُقصد من المعاني وما يُتلقّى منها. وهذه الفجوة ذات بعدين: أحدهما داخل النص، بين قصدية الكاتب وتشكيله، والآخر خارجه، بين النص والمتلقي، إذ إنَّ القارئ لا يتلقى التجربة ذاتها التي مر بها الأديب، بل يتلقى تمثلاً لغويًا لها، وهو تمثل غير أمين، ويتلوه تمثل آخر خاص بالمتلقي نفسه، فتتعدد القراءات، ويصبح لكل قارئ نصه الخاص.

وفي الإطار ذاته، فإننا نناقش القراءات المتنوعة للنص الأدبي، ونقف على الفرضيات التي تصوره إما كمرآة للواقع أو كذات لغوية مغلقة على بنيتها، ويرفض كلا الاتجاهين بوصفهما قاصرين عن الإحاطة بماهية النص، فالنص، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي ولا تعبيرًا عن نفس فردية فحسب، بل هو "كائن ثالث" بين الاثنين، إنه كشفٌ يتجاوز الواقع والذات معًا، وله بنيته المستقلة التي يجب تحليلها من داخلها، مع عدم إغفال العلاقات الخارجية التي تربطه بالمؤلف والسياق التاريخي والقرائي.

وتتجلى ماهية النص كذلك من خلال بنيته التكوينية: علاقة المكونات بعضها ببعض، تأثير الموقع والتجاور، وظائف العناصر داخل السياق، والتغييرات التي تطرأ على المعنى والدلالة بحسب ترتيب الكلمات ونظامها، فالقصيدة ليست مجرد كلمات، بل نسق من العلاقات الجمالية التي تتولد بفعل التضام والسياق، كما أن الكلمة الشعرية – وإن كانت مأخوذة من المعجم – فإنها تتحول إلى دلالة جديدة تمامًا داخل النص، وقد تتغير وظيفتها الجمالية والإيحائية وفق موقعها فيه، وهي بذلك تتحول إلى كيان عضوي داخل منظومة شعرية لا تكتمل إلا بها.

ويحتل الجانب الإيقاعي حيّزًا مهمًا من هذا المشروع، ليس من جهة الوزن فحسب، بل من جهة الإيقاع الداخلي للكلمات، وانفعالاتها، وموسيقاها التي تنشأ عن تراصف الأصوات والتكرار والتوازي، وهذا ما يجعل النص الأدبي – وخصوصًا الشعر – كيانًا حيًا، يتفاعل فيه الصوت مع المعنى، ويتضافر فيه الحس بالزمن مع الحس بالدلالة.

ولا يغفل البحث حضور المتلقي ودوره في توليد المعنى، مؤكدًا أن كل قراءة هي خلق جديد للنص، وكل قارئ يضيف إلى النص ما لم يكن فيه أصلاً، لأن التفاعل مع النص هو تفاعل مع اللغة بما تحمله من تاريخ، وذاكرة، وإيحاءات، وطبقات من المعنى.

وإجمالًا، فإنَّ هذا لا يعني تقديم إجابة قاطعة ونهائية عن سؤال "ما النص الأدبي؟"، بقدر ما يسعى إلى فتح مسارات جديدة للتفكير فيه، وإعادة تأمل ما يبدو مألوفًا وبديهيًا، وكشف التوترات الكامنة في صلب العملية الإبداعية، إنه محاولة لتقديم رؤية نقدية وفلسفية تشتبك مع مفهوم النص بوصفه وجودًا ديناميًا يتغير بتغير الزوايا التي ننظر من خلالها إليه، ويتجدد مع كل قراءة، ان ماهية " النص الأدبي" لا يتناول النص كجسد لغوي فحسب، بل كنصٍّ حيٍّ نابضٍ بالتجربة، وبالتحوّلات، وبالدلالات المتفاعلة، وبالأسئلة التي لا تنتهي.

1

لا شك أنَّ الإنسان مهيأ بفطرته لاستكشاف الغامض والمجهول، مما يؤدي به إلى وعي ذاته والعالم من حوله، وعِبْرَ هذا السعي، فانه يلبي للإنسان حاجةً معينةً في نفسه، لتحقيق الكمال، ليصبح أفضل مما هو عليه، بمعنى آخر" يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلًا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا".[1]

ويبدو أنَّ هذا التكامل لا يتحقق عِبْرَ وعي التجارب الفردية التي يمر بها الإنسان فحسب، بل يمكن الوصول إلى "هذه الكلية إذا حصل على تجارب الآخرين، وهي التجارب التي يمكن أنْ تكون تجاربه في المستقبل... والفن يمثل قدرة الإنسان غير المحدودة على الالتقاء بالآخرين، وعلى تبادل الرأي والتجربة معهم ".[2]

يفرق المفكر الألماني إفرايم ليسينغ بين الفنون بناءً على الوسائط المستخدمة، إلى مجموعتين: الأولى: هي الفنون التشكيلية التي تعتمد المكان، مثل العمارة والنحت والتصوير، والثانية: هي الفنون الإيقاعية التي تعتمد الزمان، مثل الموسيقى والشعر[3]، وهذا يعني أنَّ الفنون المكانية تشغل حيزًا محددًا في المكان، مما يعكس الوجود الموضوعي للعمل الفني التشكيلي ــ على سبيل المثال ـــ يتجسد النحت عِبْرَ كتلة الحجر التي قام النحات بتشكيلها، محولًا إياها من مجرد كتلة حجرية صماء لا تحمل معنى، إلى عمل فني يحمل دلالاته المعرفية وقيمته الجمالية.[4]

تستند الفنون الإيقاعية في أحد مكوناتها إلى الجانب الحسي المتمثل في الزمن، إذ تمثل الأصوات المادة الأساسية التي تعتمدها هذه الفنون، ويتدخل الإنسان في توزيع هذه الأصوات بطريقة معينة، مما يحولها من مادة خام تفتقر إلى الأبعاد الفنية والجمالية إلى عمل فني متكامل، ومن ثم، تتكون الموسيقى من " تكرار ضربة او مجموعة الضربات بشكل منظم على نحو تتوقعه الاذن، كلما آن اوانها ".[5]

في هذا السياق، يتضمن الإيقاع عنصرين أساسيين هما: الحركة والتنظيم، إذ يميز ابن فارس بين صناعة الموسيقى وصناعة العروض، إذ تُقسّم صناعة الموسيقى الزمن بالنغم، بينما تُقسّم صناعة العروض الزمن بالحروف المسموعة[6]، وجدير بالإشارة أنّ فؤاد زكريا يحد الايقاع في الموسيقى بأنَّه " تنظيم لحركة اللحن بحيث يتناوب عبر هذه الحركة عنصر التأكيد المتوتر وعنصر اطلاق هذا التوتر وتحقيقه "[7]، ومن هنا، يتجلى الجانبان المادي والروحي؛ فالحركة تعبر عن الجانب المادي، بينما يعبر التنظيم عن الجانب الذهني والروحي.[8]

وإذا كانت الفنون تتميز بخصوصية المادة التي يستخدمها الفنان، فإنها تُستقبل من المتلقي عِبْرَ حاسة إنسانية معينة، وهي البصر في الفنون التشكيلية المكانية، فلا يمكن تذوق النحت والرسم إلا عِبْرَ العين التي تراقب الكتلة والفراغ في حالة النحت، أو تلاحظ الألوان وكيفية تشكيلها وتحديد أبعادها وظلالها في حالة الرسم، وبهذه الحالة، يمكن إدراك هذه الفنون في كليتها دفعة واحدة، إذ يمكن رؤية التمثال أو الصورة بشكل كامل في آن واحد، لأنَّ ذلك لا يتطلب وقتًا لإتمام عملية المشاهدة.

وإذا كانت حاسة البصر هي الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون المكانية، فإنَّ حاسة السمع تُعد الأداة التي تُستخدم لتذوق الفنون الزمانية، مثل الموسيقى والشعر، فالإيقاع يجمع بين الحركة والتنظيم، كما أشرنا سابقًا، إذ تتكون الموسيقى من أصوات متعاقبة بطريقة معينة وتحدث في زمن محدد، مما يجعلها فنًا زمنيًا يتطلب وقتًا للاستمتاع به، وتكون الأذن هي الحاسة التي يعتمد عليها البشر في تلقي هذه الفنون، كما أن اللغة بشكل عام والشعر بشكل خاص يتبعان حاسة السمع، إذ يُعرّف ابن جني اللغة بأنها " اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم "[9]، هذا التعريف المتقدم يسلط الضوء على الطبيعة الرمزية للغة، لأنها تعتمدها الأصوات التي تمثل جانبها المادي، وفي الوقت نفسه تعبر عن الدلالات والمعاني، ومن هنا، تختلف اللغة كأداة تعبيرية للأديب عن كتلة الحجر بوصفها مادة خامًا للنحات، إذ إنَّ اللغة تختلف عن الحجر، لأنها مشحونة بالتراث الثقافي،[10]ومن ثم فإنَّ كتلة الحجر أكثر مرونة وقابلية للتشكيل على وفق إرادة الفنان، على عكس اللغة التي تتسم بالثبات، فتحمل الكلمات دلالاتها لسنوات طويلة.

وتحمل اللغة طبيعتها المزدوجة بوصفها اداة للتواصل والتعبير في آن واحد، كما يصفها آرنست فيشر بأنها ادراك حسي للشيء وتجريدًا له[11]، وفي هذا السياق، يهيمن العقل عليها بشكل كبير، ولا يمكن الاستغناء عن التعبير في الشعر، لأنَّ الشاعر يعبر عن كل شيء على وفق معايير الجمال، مما يتطلب رؤية فنية خاصة.[12]

2

يسعى الأديب عِبْرَ إبداعه الشعري إلى تقديم تجربته الانفعالية، التي لا يمكن أن توجد بشكل موضوعي إلا بعد تجسيدها في صياغة لغوية، ومن ثم، يتم تذوق هذه التجربة وفحص عناصرها ومكوناتها عِبْرَ هذا الوسيط اللغوي الذي يتميز بخصائصه الأسلوبية، أما ما يدور في ذهن الأديب في أثناء عملية الإبداع أو قبلها، فهو أمر يصعب على الناقد تتبعه[13] ما لم يتشكل العمل الإبداعي لغويًا، وهذا الجانب له خصوصيته التي تهم غير النقاد.

بذل الأدباء جهودًا كبيرة ليكون النص الأدبي معبرًا عن التجربة الانفعالية وشاملاً لجوانبها المتعددة وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ هذا الأمر لا يتحقق دائمًا، إذ تتحول اللغة أحيانًا إلى عائق يمنع الأديب من التعبير عن تجربته الانفعالية بكل شموليتها وكليتها، لذا، نلاحظ شكاوى الأدباء التي تشير إلى وجود معيق يحول دون التعبير عما يريدون إيصاله، مما يجعل التجربة تبدو غير واضحة وغير مكتملة، وعندما يحاول الأديب التعبير، يتشتت الوضوح ويتبدد التكامل.[14]

إن تجربة الأديب الانفعالية ذات طبيعة كلية تامة قبل تشكيلها اللغوي، يحس بها الأديب ويعيها ويسيطر عليها، وحين يعمد إلى تقديمها عِبْرَ سياق " زماني/ لغوي " يضطر الى اخضاع تجربته الانفعالية الكلية الشاملة الى المحدد والجزئي، أي إخضاع الكلي " التجربة الانفعالية " إلى الزماني الجزئي " التشكيل اللغوي "، لأنَّ الاخير لا يتحقق وجوده إلا بترتيب الكلمات وانتظامها بكيفية معينة، فالتجربة الانفعالية خاضعة لقوانين اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ويحاول الأديب التحرك في إطار ما سبق خلقه، أي أنه يحاول تقديم تجربته التي تتسم بكونها مطلقة وكلية وفردية عِبْرَ جبرية اللغة، أي عِبْرَ جبرية مفردات وتراكيب لم يخلقها الأديب، وقوانين لم يسهم في تأسيسها أو توليدها، ولذلك يخضع الكلي والمطلق للمحدد والجزئي.[15]

وفي هذا السياق، يبقى التشكيل اللغوي غير قادر على نقل ما يسعى الشاعر إلى تقديمه، لكنه مضطر لقبوله، إذ لا توجد لديه وسيلة أخرى سوى التعبير عن هذه الصورة التي تعكس عالمه الخاص، ومن هنا، يشعر الأديب بوجود فجوة بين تجربته الانفعالية وما يقدمه في النص الأدبي كمعطى يعكس تلك التجربة، ويبقى النص كيانًا لا يعبر بدقة عن تجارب الأدباء.[16]

إنَّ الأديب في أثناء خلقه النص الأدبي يتفاعل مع المفردات بكيفيات خاصة، أقول مجازًا يتفاعل، ليس بوصفها أحجاراً، وإنما بوصفها مخلوقات، وكأنه يحاول إعادة خلقها من جديد، ومن ثم تتلون المفردات والتراكيب في ضوء: رؤيته، و تجربته، وإن المفردة تشع وتوحي بإيحاءات خاصة لدى الكاتب، ولا يمكن لهذه الإيحاءات أن تتماثل أبدًا مع إنسان آخر، بسبب المخزون النفسي ـــ وهو مخزون فردي خاص قطعًا ـــ ولما يتصل بهذا المخزون من رواسب فردية يتصل جزء كبير منها باللاشعور، إن حدثًا واحدًا أمام شخصين يترك آثارًا متفاوتة فيهما، بسبب كيفية تفاعلهما معه من ناحية، وبسبب تفاوت العالمين الداخليين لهما من ناحية أخرى، ويرجع ذلك إلى تلك الكوامن القارة في أعماق كل واحد منهما، وهي التي تتفاعل مع الحدث، ومن ثم تؤثر في التعبير عنه.[17]

إنَّ المتلقي يتفاعل مع التشكيل اللغوي، وليس مع تجربة الشاعر الانفعالية، وبما أن النص ليس أمينًا في نقل هذه التجربة يحدث أول سوء فهم لتجربة الشاعر بسبب النص، أي بسبب التشكيل اللغوي،[18] وإذا كان المبدع له خصوصيته في تجربته وكيفية إبداعه فإنَّ المتلقي هو الآخر له خصوصيته الفردية وله كوامنه الخاصة المستقرة في أعماقه، وحين يلتقي بالنص فإنه يتفاعل بكيفية خاصة معه، إنَّ أثر النص يتشكل ويتلون بحسب المثيرات اللغوية التي تترك إيحاءات خاصة لدى المتلقي[19]، ومن ثم تخلق تجربة انفعالية جديدة لديه، وهي قطعًا ليست التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ المتلقي لا يتفاعل مع تجربة الأديب الانفعالية وإنما يتفاعل مع وسيط لغوي غير الأمين في نقل تجربة الأديب، وأكثر من هذا أنَّ المفردات والتراكيب عند الأديب في هذا النص توحي بإيحاءات خاصة، ولذلك اختارها هو، ولكنها عند المتلقي توحي بإيحاءات أخرى خاصة به ،لا يمكنها أنْ تكون هي بأي حال من الأحوال، ولذلك فإنَّ تلقي التجربة الانفعالية الجديدة يبتعد مرتين عن أصل التجربة الانفعالية للأديب، إنَّ كل قراءة للنص هي فهم جديد له، ولذلك فنحن لسنا إزاء نص واحد إلا بوصفه موجودًا فيزيقيًا، ولكننا إزاء أعداد لا حصر لها من النصوص المقروءة، لأنَّ القراءة تحول الوجود الفيزيقي إلى نص آخر، ليس هو الوجود الفيزيقي ـــ قطعًا ـــ وليس هو تجربة الأديب الانفعالية، وإنما هي تجربة جديدة أثارها النص في المتلقي، ومن ثم تتفاوت طبيعة النص بتفاوت المتلقين، وبتعددهم وتكرارهم .

3

إنَّ هناك قراءات متعددة تتفاعل مع النص، وكل واحدة منها تحاول التركيز على جانب منه، غير إنَّ هذه القراءات يمكن تصنيفها إلى قسمين:قسم لا يرى في النص إلا وجوده اللغوي، وقسم: لا يرى فيه إلا كونه صورة لما يقع خارج النص، وكلتا القراءتين ليست سليمة ـــ كما يقول أدونيس ـــ إذ " لا تصح قراءة العمل الشعري بما هو خارج عنه، ولا بمجرد نصيته المحضة، فقراءته بعناصر من خارجه إلغاء له، وقراءته بعّده نصًا وحده إلغاء لتاريخيته أو لاجتماعيته، فليس العالم الشعري مجرد انعكاس نفسي ـــ ذاتي، كما أنه ليس مجرد انعكاس واقعي ـــ اجتماعي، إنه قبل كل شيء كشف، أعني أنه ليس وثيقة عن المعطى، وإنما هو اختراق وتجاوز"[20].

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ النص يتميز بسمات ثلاث: كليته، وعضويته، وتكامله، كما يشير إلى ذلك يوري لوتمان، وأن طبيعته لا تتحدد في مجرد" جمع إلى للعناصر التي تؤلفه، وإن تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله، فكل عنصر لا يتحقق له وجود إلا في علاقته ببقية العناصر، ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي "[21].

وعلى الرغم من صحة إمكان دراسة النص ودراسة بنيته وفقا لقوانينه الداخلية فإنه ليس مستقلًا أو منفصمًا عن بنى أخرى، تتوازى وإياه، أو تتقاطع معه، أو يتأثر فيها: نصوص، وواقع، وذوات، إن وجود النص تحكمه مقومات داخلية تُحدد زمانيته في إطار إبداعه وتلقيه على السواء، إذ لا يمكن إبداعه وتلقيه مرة واحدة بسبب زمانية اللغة، وانه لا وجود له إلا بها، وان الكشف عن بنيته، وهو مجرد افتراض تجريدي، لا يعني الكشف ـــ حقيقةً ـــ عن ماهيته.

ولو تصورنا أنَّ نصًا يتكون من مكونات جوهرية أساسية هي: أ، ب، ج، فإنَّ هذه العناصر لوحدها لا يمكنها أن تحدد ماهيته، لأنَّ تحديد ماهية النص وبنيته ليست مقتصرة على تحديد مكوناته الجوهرية التي لا يتم وجود النص إلا بها، فحسب، وإنما يتحدد في ضوء مواقع هذه المكونات من ناحية وعلاقاتها ببعضها من ناحية ثانية، وبالبناء الكلي من ناحية ثالثة، أي وظيفة كل كلمة في التركيب وأثرها في الكلمة الأخرى بالتركيب نفسه .

إنَّ هذه الأشكال الثلاثة ليست واحدة على الرغم من أنها مكونة من العناصر نفسها، غير إنَّ مواقع هذه العناصر مختلفة، كما أن العلاقات التي تصل بين هذه المكونات مختلفة، ومن ثم تغير من ماهية الشيء، ولا ريب في أن ترابطًا عضويًا بين هذه المكونات يحدد طبيعة النص، وان تغير أحد المكونات أو تغير موقعه، أو تغير علائقه يؤثر قطعًا في المكونات الأخرى، بمعنى أن ماهيته وبنيته تتأثران قطعًا في هذه التغيرات، إن طبيعة المكون ستختلف إن أخرجت من سياقها إلى سياق آخر، فلو تصورنا أننا أخذنا صورة رأس حصان من لوحة فنية وأخرجناها من سياقها في هذه اللوحة الفنية ووضعناها في سياق لوحة أخرى لإنسان ـــ مثلًا ـــ موقعًا وعلاقة، لا ريب في أن هناك تغيرًا جوهريًا سيحدثه هذا العنصر في تحديد ماهية اللوحة وماهية بنيتها، ولو غيرنا موقع هذا المكون وعلاقته فإنه سيترك أثرًا مختلفاً، ويكون له تأثير كلما كان الموقع الذي وضعناه فيه بالغ الأهمية، والعلاقة التي تؤديها مؤثرة. وهذا هو الذي أكده كلود ليفي شتراوس اذ قال " أن البنية ذات طابع عضوي، لأنَّ علاقة العناصر المكونة لها تقتضي أن يكون تغيير أي عنصر مفضيًا بذاته إلى تغيير بقية العناصر"[22] .

وقد نبه على ذلك عبد القاهر الجرجاني في قوله: " لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادًا ومجردة عن معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد أعمال فعل فيه وجعله فاعلًا له أو مفعولًا ... فقل في:

قفا نبك من ذكر حبيب ومنـزل

" من نبك قفا حبيب ذكر منـزل «ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها؟[23].

إن للنص خصوصيته واستقلاليته، غير إنَّ المادة التي يتشكل منها النص ـــ الكلام بالمنظور السوسيري ـــ[24] ليست مجرد مادة هامدة كالحجر أو اللون ـــ كما اشرنا ـــ ولكنها تتميز بأنها من صنع الإنسان ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي كما يرى رينيه ويليك[25]، وإذا كانت مواد الفنون الأخرى ـــ كالحجر واللون ـــ تظل خاملة من الناحية الاجتماعية حتى تقع في يد الفنان[26] فإنَّ اللغة " تتميز بفاعلية اجتماعية عالية "[27]، وفي هذا السياق ينبغي ألا ّ ينظر إلى النص الشعري بوصفه كيانًا يتماثل في خصائص جزئية مع الموسيقى والنحت، ليس بسبب التغاير في المواد المستخدمة فحسب، وإنما بسبب طبيعة التشكيل أيضاً، لأنَّ الكلمات ـــ وهي مادة الأدب ـــ على الرغم من أنها تشتمل على دلالات ومفاهيم معجمية، فإنها في أثناء التشكيل تتفجر دلالات جديدة ودلالات مصاحبة، وتولد أنماطًا من الشعور، ويسهم التناوب والتكرار والتوازي ـــ في الشعر بخاصة ـــ في توليد دلالات مصاحبة وينبئ عن مستويات تعبيرية وانفعالية .

إنَّ النص لا يتكون بدون كلمات، والكلمات تتميز أولاً باستقلالها الموضوعي لكونها تتألف من وحدات صوتية متضامة بكيفية معينة، وتشتمل على دلالة ما، مهما كان نوعها، في حدود وجودها المعجمي، أعني خارج أي سياق، وإذا كان القول بأنَّ استخدام هذه الكلمة في سياق جديد يعني إضافة إليها، بحيث تتلون دلالتها وفقًا لعلاقتها، بما قبلها وما بعدها أولاً، وبسياق النص ثانياً، أو على حد تعبير فيرث " إن كل كلمة حين تستخدم في سياق جديد تكون كلمة جديدة "[28] غير إنَّ هذا لا يلغي الثوابت الكائنة في الكلمة التي تبقى محافظة عليها، مهما استخدمت في سياقات مختلفة، وان التغاير الكائن فيها يمكن تسميته بالمتغيرات التي تنتاب هذه الكلمات، هذا فضلًا على القول بأن " الكلمات المستقلة في قصيدة ليست مجرد رموز ضمن أوضاع سياقية، بل هي نفسها أيضا سياقات كل منها للآخر، يعدل كل منها الآخر وينضم كل منها للآخر لتثير استجابة متصلة "[29]، إنَّ معنى قصيدة ليس حاصل مجموع دلالات الكلمات مستقلة، بل هناك دلالات يولدها السياق، ويولدها إيقاع الكلمات، سواء في خصائصها المنفردة، أم في أثناء تضامها مع بعضها، أم بهما معا .

ويمكن توضيح ذلك بنصين على سبيل المثال، الاول لأبي نؤاس، والثاني لجحظة البرمكي، أما النص الاول الذي ترد فيه كلمة " ايضًا " فانَّ هذه الكلمة في الاستعمال العادي لها دلالة ضامرة تفيد التوصيل ليس غير، كأن تطلب وأنت على مائدة الطعام: من فضلك اعطني قدحًا من الماء أيضا، إن هذه الكلمة " أيضًا " لا تدل على أكثر من أنك تطلب شيئًا آخر ولكنها عند أبي نؤاس[30] في قوله:

وَلَستُ بِقائِلٍ لِنَديمِ صِـدقٍ

وَقَد أَخَذَ النـعاسُ بِوجنتيه ِ

*

تَنـــــــاوَـلها وَإِلّا لَـــم أَذُقــها

فيشربها وقد ثَقُلَت عَلَيـهِ

*

وَلَكِنّي أُصـــدُّ الكَأسَ عَنهُ

وَأَصــــــــرِفُها بِغَمزَةِ حاجِبَيهِ

*

وَأَحبِسُها إِلى أَن يَشتَهيها

وَآخُـــــــذُها بِرِفقٍ مِن يَدَيــهِ

*

وإن مُدّ الوساد لنوم سكرٍ

مددت وسادتي أيضًا إليه

تحمل دلالة أخرى، لا يمكن أن تكون نفسها التي ألفيناها في السياق السابق " إنَّ عمل الكلمة في سياق فني ليس هو عملها نفسه في استخدامات الحياة اليومية "[31]، ولذلك فإنَّ كلمة أيضًا ليست كلمة رديئة أو حسنة، كما أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى ليست شعرية " ليس ثمة كلمات سيئة أو كلمات جيدة، هناك كلمات في مواضع رديئة أو مواضع جيدة "[32].

وإن للواو العاطفة دورًا دلاليًا وجماليًا في آن واحد، فهي تخلط المعطوف بالمعطوف عليه، بحيث لا يبقى قيمة لمتقدم على متأخر، فيشتركان في القيمة، كما أنّ واو العطف " يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية " يعذب " فيها الأداء ويحلو، لا سيما أنّ السياق ينبئ عن لون من الانبهار والإعجاب في المثل الذي استشهد به ابن جنّي لتعزيز رأيه في بيتي جحظة البرمكي[33]:

إذا ما ظَمِئتُ إِلى ريقـــِهِ

جَعَلتُ المُدامَةَ مِنهُ بَديـــــلا

*

وَأَينَ المُـــــدامَةُ مِن ريقِهِ

وَلكِن أُعَلِّلُ قَلبــــــاً غَليــــــــلا

يقول ابن جنّي: " ولو قال: " أين المدامة من ريقه " لم يكن له ماء الواو ولا رونقها"[34]."

إن التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات نفسها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت في ضوئه، لأنَّ للتقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقات، أو في إطار سياقات أخرى .

وإذا كان دي سوسير قد حدد الكلمة في إطار بنيتين متلاحمتين معًا هما: البنية الصوتية والبنية الدلالية، وهما متلاحمتان، ولا يمكن الفصل بينهما[35]، فإنَّ الإيقاع في حقيقته ليس وليد إحدى هاتين البنيتين، وإنما هو يتولد منهما معا، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ قيمة الكلمة الجمالية وطبيعة موسيقاها لا تحددهما هاتان البنيتان ـــ الصوتية والدلالية ـــ لنفسيهما، إذ يسهم السياق في تحديد جماليات الكلمة وإيقاعها، إذ يؤكد ويليك أن الكلمات ليس لها و هي منفردة " في ذاتها صفات أدبية خاصة، ولا توجد كلمة قبيحة أو جميلة أو قبيحة في ذاتها أو من طبيعتها أن تبعث على اللذة أو عدمها، ولكن لكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة طبقًا للظروف التي توجد فيها "[36]، كما أن اللفظ القبيح كما يرى إليوت " هو اللفظ الذي لا يلائم السياق الذي جاء فيه"[37] ويؤكد عبد المنعم تليمة أنه ليست هناك «كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وليست هناك لغة شعرية ـــ أو شاعرة ـــ وأخرى غير شعرية، وإنما يتعامل الشاعر مع كلمات اللغة العادية، لكنه لا يتعامل مع النظام العادي لهذه اللغة "[38]، إن جمال الكلمات أو قبحها ليس ذاتيًا وإنما هو وليد موقعها في السياق، كما أن إيقاع الكلمة يتحدد على ضوء علاقاتها بما قبلها وما بعدها، من ناحية، وبموقعها قي سياق النص من ناحية أخرى .

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك ألفاظًا ثرية أو فقيرة في دلالاتها وإيحاءاتها، ويبدو بعضها أكثر دورانًا وترددًا وبعضها أقل وروداً، بسبب إمكاناتها الصوتية، وبسبب بعض القوانين اللغوية التي تتحكم بها، ويشير ويليك إلى هذه الظاهرة في أثناء تحدثه عن " كلمات ملساء مشذبة وأخرى وعرة غير مشذبة " وهذا يعني " أن بعض الكلمات نتيجة لطول الاستعمال قد أصبح مجاله أضيق من مجال غيره "[39].

وفي ضوء هذا فإنَّ شعرية النص تتحكم فيه أبعاد متفاعلة، أعني: الخصائص الكامنة التي تشتمل عليها المكونات الصوتية والدلالية للكلمة، وموقعها في سياقها الدلالي والإيقاعي، بمعنى أن شعرية النص لا تنفرد بها خاصية واحدة: الكلمة منفردة، أو السياق وحده، أو الإيقاع بمفرده، وإنما تتفاعل هذه المكونات جميعا، إن السياق لا يؤثر في تحديد دلالة الكلمة فحسب، وإنما يؤثر في استحضار هالة من المترادفات التي يوحيها السياق، وتتفاوت هذه المترادفات بحسب طبيعة السياق، ويسهم الإيقاع في التأثير في تحديد شعرية النص، ويؤثر في تحديد دلالة النص، ولذلك «فالموسيقى الشعرية تعّد إحدى الوسائل المرهفة التي تملكها اللغة للتعبير عن ظلال المعاني وألوانها علاوة على دلالة الألفاظ والتراكيب اللغوية "[40]، كما أن الإيقاع الكلي للقصيدة يسهم هو الآخر في إضفاء دلالات مرافقة ومصاحبة للتشكيل اللغوي للنص .

ان التضام الخاص للكلمات في القصيدة يقدم نمطًا من الدلالة لا يمكن للكلمات ذاتها أن تؤديها إن أحدثنا تغيرًا في تضامها الذي أرسيت على ضوئه لأنَّ التقديم والتأخير والتجاور والمماثلة والمقابلة وغيرهما من شأنها أن تحدث آثارًا لم تكن موجودة في أصل الكلمات بعيدًا عن سياقاتها، أو في اطار سياقات أخرى.

ونخلص من هذا كله الى أنَّ ماهية النص الادبي لا تتحدد الا عبر خاصية التشكيل اللغوي التي توصف بأنها منظومة لا تختلف عن بقية المنظومات الأخرى، بعناصرها الجوهرية التي تتكون منها، وبمواقع هذه العناصر، وبالعلاقات بينها، وهذا يعني، أيضا، ان ماهية النص الادبي تتجلى عبر كلية النص الادبي ،وتكامله، وعضويته التي تؤكد تلاحم مكوناته، وكأنها كائن حي.

ان النص الادبي، والحالة هذه، له خصوصيته واستقلاله، على الرغم من ان المادة التي يتشكل منها معروفة ومحددة ،لأنه يتكون من كلمات تتميز باستقلالها الموضوعي، ولا تتجلى ــ في ذاتها ــ بخصائص أدبية، وانما تتخلق الخاصية الأدبية عبر تضامها بكيفية معينة، وهذه الكلمات بعد تضامها في سياق، ليست هامدة تمامًا وإنما هي مشحونة بالتراث الثقافي من ناحية، وتعبر عن الخصوصية الفردية للمبدع، ولذلك، فإنَّ لغة النص الادبي تتسم بفاعليتها الخاصة في اطاري التراث من ناحية، والخصائص الفردية من ناحية ثانية .

***

د. كريم الوائلي

........................

[1] كريم الوائلي، الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، نور للنشر، 2018م، ص 13 .

[2] فيشر (آرنست)، ضرورة الفن، ترجمة ميشال عاصي، دار الحقيقة، بيروت، د. ت. ص 15 .

[3] يُنظر: أميرة حلمي مطر، مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، دار المعارف، مصر، 1989 م، ص 87 ـــ 88 .

[4] يمكن أن ينطبق هذا على التشكيلات التي تخلقها الطبيعة نتيجة لعوامل التعرية، إذ يواجه المتلقي تشكيلات من الحجر والصخور التي تتمتع أيضًا بخصائص جمالية، ومع ذلك، هناك فرق جوهري بينهما، إذ إنَّ تشكيلات الطبيعة تحدث بشكل عفوي دون نية لإثارة الجمال، بمعنى أنَّ الطبيعة لا تخلق الجمال بوعي، على عكس ما يقوم به الإنسان الذي يسعى بإرادته ووعيه إلى التعبير بهدف التأثير في المتلقي. ويؤكد زكريا إبراهيم هذا المعنى، إذ يشير إلى أن" المادة الخام لا تكتسب صبغة فنية فتصبح مادة استطيقية إلا بعد إنَّ تكون يد الفنان قد امتدت لها فخلقت منها " محسوسا جماليا " نشعر حين نكون بإزائه انه قد اكتسب ليونة وطواعية بفعل المهارة الفنية " زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت. ص 38 .

[5] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، مكتبة مصر، القاهرة ،1956م، ص 20.

[6] ابن فارس (أحمد)، الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1977 م، ص 467 .

[7] فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 20، وينظر كتابنا: الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنية، ص 337 .

[8] نفسه، ص 61 .

[9] ابن جني (عثمان)، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1952 ــ 1956 م. 1/ 33. وأكد هذا المعنى القاضي الجرجاني في وساطته، حين يقول:" وإنما الكلام أصوات محلها من الاسماع محل النواظر من الابصار " الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1386 هـ ــ 1966 م، ص 412 .

[10]يُنظر: ويليك ( رينيه ) بالاشتراك مع ) اوستن وارين (: نظرية الأدب، ترجمة محي الدين  صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981م، ص 21.

[11] يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ص 41 .

[12]يُنظر: فيشر( آرنست )، ضرورة الفن، ، ص 4.

[13] يرى رتشاردز " أنَّ العناصر التي تتألف منها القصيدة تشمل الكثير من العناصر اللاشعورية، ولربما كانت هذه العناصر الشعورية اهم بكثير من غيرها " رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ترجمة د. مصطفى بدوي، ومراجعة د لويس عوض، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1963م، ص 69 .

[14]  يُنظر: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 240 .

[15] تشبه التجربة الشعرية إلى حد كبير الرؤيا التي يراها النائم في أثناء نومه، فالرؤيا تمثل شيئًا، بينما التعبير عنها لغويًا يمثل شيئًا آخر، بمعنى آخر، نحن أمام منظومتين تتشابهان من جهة وتختلفان من جهة أخرى. إذا نظرنا إلى رؤيا يوسف، على سبيل المثال، نجد أنَّ الرؤيا تُعتبر "تصويرًا مرئيًا" وليست تعبيرًا لغويًا ، لذا بدأ النبي حديثه بقوله: "يا أبت إني رأيت " إذ يروي بتعبير لغوي عن تجربة تخيلية، أي أنه يصف لغويًا ما أدركته مخيلته أثناء النوم، كما إنَّ الصورة المرئية التي رآها النبي تعبر عن تجربة شخصية، ويعكس معادلها اللغوي وصفًا لها، مما يجعلها تنتقل من الخصوصية إلى العمومية، أي أنها تتحول من كونها تجربة خاصة بالرائي إلى تجربة يمكن للمتلقين تخيلها عبر ما توحي به وتؤديه "اللغة/الكلام": بحثنا: الاخفاء والاظهار، تأملات في سورة يوسف، مجلة شؤون اسلامية، لندن، العدد 2، 2000م .

[16] يُنظر حديثا مفصلا: رتشاردز، مبادئ النقد الادبي، ص 232 .

[17] وهذا ما يؤكده رتشاردز بان" تأثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات الاخرى التي ترد هذه الكلمة بينها، فالكلمة التي يلتبس معناها وهي بمفردها يتحدد معناها حين ترد في سياق ملائم " مبادئ النقد الادبي، ص 236، وينظر: مكليش (ارشيبالد)، الذي يتحدث عن الكلمات والعلاقات فيما بينها بمعنى ،"ان القصيدة توجد كقصيدة في العلاقات بين الكلمات كأصوات " الشعر والتجربة، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، مراجعة توفيق صايغ، دار اليقظة العربية، بيروت،1963م.، ص 22 ـــ 25 .

[18] تختلف مادة الادب وهي اللغة عن مواد الفنون الاخرى، فالحجر والبرونز مادة النحت، والالوان مادة الرسم، والاصوات مادة الموسيقى ... فاللغة الادبية تكتظ بالالتباسات، ويليك( رينيه )، نظرية الادب، ص 21 ، ويقول ايضا: " إنَّ كل عمل ادبي هو مجرد انتقاء من لغة معينة" نفسه ص 179، وينظر ايضا، فؤاد زكريا، التعبير الموسيقي، ص 25

[19] يؤكد ويليك ( رينيه ) أنَّ الكلمة لا تحمل معناها المعجمي بل هالة من المترادفات، ينظر: نظرية الادب، ص 181 .

[20] أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب، بيروت، 1989م، ص 28.

[21] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ترجمة محمد ابي الفتوح، دار المعارف، مصر، 1995م، ص 27 .

[22] لوتمان ( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28 .

[23] الجرجاني( عبد القاهر )، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رضوان الداية، وفايز الداية، دار قتيبة، دمشق 1983م، ص 280 .

[24] يُنظر: دي سوسير، (فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ترجة عبد القادر قنيني،  ومراجعة أحمد حبيبي، افريقيا للشرق، د. م، 1987 م، ص 23 .

[25] ويليك ( رينيه )، نظرية الأدب، ص 21 .

[26] لوتمان( يوري )، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ص 28

[27] نفسه .

[28] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ترجمة عيسى العاكوب، وخليفة العزابي ،معهد الانماء العربي، بيروت، 1996م ص 35 .

[29] نوتني ( ونفرد ) لغة الشعراء، ص 47 ـ 48 .

[30] الأربلي ( الصاحب بهاء الدين) ،التذكرة الفخرية، تحقيق حاتم الضامن، دار البشائر، دمشق ،2004 م، ص 249 .

[31] نوتني ( ونفرد) لغة الشعراء، ص 50 .

[32] نفسه، ص 51 .

[33] الحموي ( ياقوت ) معجم الادباء، ارشاد الاريب الى معرفة الاديب، تحقيق: احسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993 م، 1/207 .

[34] ابن جنّي ( عثمان )، الفسر الكبير ) شرح ديوان المتنبي ) تحقيق صفاء خلوصي، دار الجمهورية، بغداد، 1389 هـ ــ 1969 م، ص 49 ويُنظر: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، ص 119 ـــ 120 .

[35] يُنظر: دي سوسير( فردناند) محاضرات في علم اللسان العام، ص 86 .

[36] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .

[37] محمد النويهي، قضية الشعر الجديد،، معهد الدراسات العربية، المطبعة العالمية، القاهرة 1964م ص 22

[38] عبد المنعم تليمة، مداخل إلى علم الجمال الأدبي، دار الثقافة، القاهرة ،1978 l، ص 113 .

[39] ويليك( رينيه )، نظرية الأدب، ص 190 .

[40] محمد مندور، الأدب وفنونه، معهد الدراسات العربية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1963م، ص 29 .

إنّ إدهاش القارئ الحقيقي لا يصدر عن براعة الإقناع المنطقي وحدها، ولا عن زخرفة الأسلوب أو هندسة العبارة فحسب، بل ينبثق قبل كل شيء من حرارة التجربة الداخلية التي يحملها الكاتب، ومن قدرته الواعية على تحويل انفعالاته النفسية إلى طاقة جمالية نابضة تنتقل إلى المتلقي دون وسيط. فالكاتب الذي يكتب بروحه لا بحبره فقط، يصبح شخوصه أو يكاد؛ يلبس وجوههم، ويتكلم بارتعاشاتهم، ويحمّلهم جزءاً من قلقه وأسئلته واحتراقاته. وهنا تحديداً تسطع الكتابة حين تتحول إلى فعل مشاركة وجدانية، قادرة على إشعال الآخر بأحاسيسنا وطموحاتنا وأوجاعنا المؤجلة.

في مجموعته القصصية «من أين وإلى أين» الصادرة عن وزارة الثقافة في دمشق عام 2002، يسعى الأديب الدكتور عبد الكريم عبد الصمد إلى انتشال القارئ من سطحية الوضوح ومن النبل التقليدي المفترض لسير الوقائع. فهو لا يقدّم أحداثاً مكتملة الطمأنينة بقدر ما يفتح أبواب الأسئلة على احتمالاتها القلقة، حيث تتوزع قصصه الست عشرة بين واقعٍ يبدو عادياً في ظاهره، وعواصف نفسية تضطرب في أعماقه. إنّها كتابة تشتغل على المسافة الدقيقة بين ما يحدث وما يُحسّ، بين الفعل الخارجي والانكسار الداخلي.

البعد النفسي وبنية الاغتراب

في القصة الأولى المعنونة «رصاصة في لحم الكتف» يدخل الكاتب مباشرة إلى مختبر النفس الإنسانية. بطل القصة طالب عربي يدرس في موسكو، المدينة التي تتحول إلى فضاء نفسي بارد يعكس شعور الغربة والاغتراب بوصفهما من سمات الإنسان المعاصر. الغربة هنا ليست جغرافية فقط، بل وجودية أيضاً؛ إذ يعيش البطل حالة انفصال عن ذاته وعن العالم من حوله.

تتداخل في النص حالات الهلوسة الناتجة عن الكحول مع كوابيس زميله الذي يحمل ذاكرة حرب دامية في براغ وإصابة جسدية لم تندمل. غير أنّ الرصاصة لا تبقى جرحاً جسدياً فحسب، بل تتحول إلى رمز نفسي دائم للحرب المقيمة داخل الإنسان. فالقصة تنفتح على علاقة مركّبة بين الوعي واللاوعي، بين الحلم واليقظة، حيث تتجاور الذكريات والصدمات في بنية سردية تستدعي التحليل النفسي بوضوح.

المفردات المختارة هنا تكشف عن حساسية نفسية عالية؛ إذ تتكرر مفردات مثل: الدم، الكتف، الكابوس، الصمت، الهلوسة، وكلها تنتمي إلى حقل دلالي يوحي بالصدمة والانكسار. وهي ليست مفردات عرضية، بل أدوات لخلق مناخ ذهني يجعل القارئ شريكاً في التجربة الشعورية لا مجرد متابع لها.

إنّ الكاتب يبرهن عبر هذه القصة على اطلاعه العميق على الدراسات النفسية الحديثة، إذ ينجح في جعل السرد مساحة عبور بين طبقات الوعي المختلفة، فتغدو اللغة أشبه بممرّات خفية نحو أعماق الإنسان.

اللغة الإيروسية والحنين العاطفي في «رذاذ الشمبانيا»

أما في قصة «رذاذ الشمبانيا» فإنّ شاعرية العنوان تمهّد لدخول عالم آخر، عالم الرغبة والحلم الأنثوي واللقاء الثقافي بين الشرق والغرب. المرأة الغربية هنا ليست شخصية عابرة، بل صورة رمزية لرغبة اللقاء مع المختلف.

يعتمد الكاتب لغة أدبية مشبعة بالعاطفة، مبللة بالحنين والتوق، وكأن المفردات نفسها تبحث عن خلاصها عبر الحب في زمن فقد فيه الحب معناه التضحيتي. فالألفاظ تنتمي إلى معجم الحسّ والجسد والدفء والأنفاس والاشتعال، وهو معجم يكشف توتراً نفسياً بين الرغبة والذنب، بين الانجذاب والمساءلة الأخلاقية.

المشهد الذي يصف فيه الكاتب لحظة الاقتراب الجسدي لا يُقرأ بوصفه إثارة حسية فحسب، بل باعتباره لحظة انكشاف نفسي؛ إذ تتحول اللمسة إلى لغة بديلة عن الكلام، وتصبح الأنفاس خطاباً داخلياً يعكس وحدة الإنسان في مواجهة ذاته.

إنّ تبسيط ردود الأفعال الحسية في هذه القصة ليس تبسيطاً فنياً، بل استراتيجية سردية تسمح للقارئ بالدخول إلى الحدث دون حواجز، حيث تتحول اللغة إلى وسيط وجداني مباشر.

«موعد»: الضمير بوصفه شخصية سردية

في قصة «موعد» يبتكر الكاتب حيلة سردية لافتة، إذ يجعل البطل يختلق موعداً مع نفسه هرباً من جلسة أنثوية. غير أنّ الموعد الحقيقي هو مع الضمير، مع ذلك الصوت الذي ينام ويستيقظ داخل الإنسان.

اللغة هنا تعتمد مفردات الزمن والانطفاء والشمعة والليل، وهي مفردات ذات بعد نفسي واضح تشير إلى التآكل الداخلي. فالشمعة التي تذوب حتى لا يبقى منها إلا خيط ضوء واهٍ ليست مجرد صورة شعرية، بل استعارة لحياة أخلاقية تتلاشى ببطء.

تكشف هذه القصص التي كُتبت في موسكو عن فجوة حضارية يعيشها الإنسان الشرقي بين انفتاح العلاقات الاجتماعية في الغرب وبين حالة الجفاف الروحي والعاطفي التي يعانيها في مجتمعه الأصلي. وهنا يصبح النص مساحة مقارنة صامتة بين نمطين من الوجود.

إنّ تجربة الكاتب في الولوج إلى الأعماق تنبع من إدراكه علاقة الذات بالموضوع، والجمال بالمعرفة، والحدس بالرغبة في تجاوز المحدود نحو المطلق. فالوعي بالماضي والحاضر يتداخل ليصنع وعياً جمالياً كونياً، قوامه الانفعال بالفضاء الواسع والرغبة في التحرر من قيود الواقع.

المفردة اللغوية بوصفها حاملة للمعنى النفسي

تتميز المجموعة بثروة لغوية تقوم على اقتصاد التعبير دون فقر دلالي. فالمفردة عند عبد الصمد لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل نفسية أيضاً. الكلمات تتنفس داخل النص، وتتحول إلى إشارات انفعالية.

نجد معجماً يتكرر عبر القصص: الخوف، الانتظار، الليل، المطر، الجسد، الصمت، الذاكرة، السفر. وهذه المفردات تنتمي إلى حقل الاغتراب والبحث والقلق الوجودي. كما أنّ الانتقال بين الأفعال الحركية والأفعال الذهنية يعكس انتقال الشخصية بين الخارج والداخل.

كذلك يكثر الكاتب من الاستفهام: أين؟ كيف؟ لماذا؟ وهو استفهام وجودي لا معلوماتي، يعبّر عن أزمة المعنى أكثر مما يبحث عن إجابة.

العناوين بوصفها مفاتيح تأويلية

احتوت المجموعة على عناوين موحية مثل: «كوابيس»، «من أين وإلى أين»، «حكاية»، «حدث في المستقبل»، «يفرجها الله»، «الكتابة الطبشورية أو بترول العرب للعرب»، «أغنية الثأر» وغيرها. وهذه العناوين تشكّل عتبات دلالية تمهّد للدخول إلى النص.

إنها تطرح سؤال الزمن والمصير والتاريخ الاجتماعي والسياسي، وتدفع القارئ إلى قراءة الحالة الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على السلوك الفردي وبنية الشخصية.

القصص المكتوبة في دمشق وحمص تكشف تحوّلاً في النبرة؛ إذ تصبح اللغة أكثر التصاقاً بالواقع المحلي، وأكثر احتكاكاً باليومي والمعيشي.

البنية السردية والتشكيل اللغوي

ينوء النص القصصي عند الكاتب بلغة سردية تتصل وتنقطع عبر حوارات ومنولوجات قصيرة وطويلة، بحيث يصعب أحياناً تحديد نقطة الفصل بين الوصف والسرد. فهو يدخل ويخرج من المشهد بخفة، مستبدلاً الزوايا ومبدلاً الإيقاع وفق مقتضى الحالة الشعورية.

حين يتسارع السرد يتدخل الوصف لتهدئة اندفاعه، وحين يطول الوصف يعاود السرد ضخّ الحركة من جديد. هذه الدينامية تمنح النص حرارة داخلية.

وقد استخدم الكاتب أنماطاً لغوية متعددة في الجملة الفعلية، مثل توظيف الفعل الناقص «كان» ماضياً ومضارعاً، والاستفهام بـ«هل» و«أين» و«كيف» و«لماذا»، واستخدام «لقد» للتوكيد، والفعل الماضي مع واو الجماعة، إضافة إلى كثافة حروف العطف التي تمنح الجملة امتداداً نفسياً يوحي بتراكم الأفكار.

أما في الجملة الاسمية فقد نوّع بين الضمير المنفصل مبتدأ وخبره المفرد أو الموصوف، وبين الخبر الجملة الفعلية، واستخدام أسماء الإشارة، والحروف المشبهة بالفعل، مما أتاح تنويعاً إيقاعياً ودلالياً واضحاً.

الأسلوب المباشر وتوتر التعبير

حرص الكاتب على الأسلوب المباشر القادر على إيصال المعنى دون تعقيد، مستخدماً أدوات الشرط والتعجب والقسم والنفي والتأكيد. وقد سار هذا الأسلوب في منحنيين: الجمع بين السرد والحوار، أو الاعتماد على السرد وحده.

الوصف في المجموعة يرفع من وتيرة النص عبر زخات انفعالية متتابعة، أشبه بزفرات حارقة مرصوفة بلغة أنيقة مشغولة بعناية. إنها لغة تمتلك حساسية جمالية ترتعش على حافة العاطفة، وتكشف معرفة دقيقة بعالم المرأة والنفس البشرية.

الذاكرة والزمن والانكسار العاطفي

تستدعي المجموعة التوقف عند مفاتنها الفنية لأنها تحيلنا إلى شرائح زمنية مقتطعة من الذاكرة الجزئية. إنها نصوص مشحونة بطاقة إدهاش عالية توازي حجم الاندحارات العاطفية التي تعيشها شخصياتها.

الزمن هنا ليس خطاً مستقيماً، بل ذاكرة تتكسر وتعود، وشعوراً دائماً بأن الإنسان يسير بين سؤالين مفتوحين: من أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟

وهكذا تنجح مجموعة «من أين وإلى أين» في خلق انسجام داخلي يدفع القارئ إلى التورط الوجداني في عوالمها دون مقاومة، لأنّها لا تقدّم حكايات فقط، بل تقدّم الإنسان وهو يواجه نفسه في مرآة اللغة، ويبحث عن خلاصه بين الواقع والحلم، بين الرغبة والضمير، وبين الذاكرة والمصير.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تمثّل رواية "ما تخيّله الحفيد" للشاعر والروائي العراقي مروان ياسين الدليمي تجربة سردية تتجاوز الإطار التقليدي للرواية العائلية، لتغدو مشروعاً رمزياً لاستعادة الذاكرة بوصفها فعل مقاومة، لا مجرد حنين إلى الماضي. فالرواية لا تنشغل بتتبّع سيرة عائلة عراقية بقدر ما تشتغل على تفكيك العلاقة بين الفرد والتاريخ، بين الصمت والكلام، وبين ما عُيش فعلاً وما أُجبر على الاختفاء.

تنهض الفكرة المحورية على أن السرد ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية؛ فالحفيد لا يروي ليحكي قصة، بل ليمنع اختفاءها. إنه يكتب من موقع القلق، من فجوة بين ذاكرة مثقوبة وواقع مشحون بالخوف. وهكذا يتحول السرد إلى أداة مواجهة لنظام قمعي لا يكتفي بالهيمنة على الجسد، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والذاكرة ذاتها.

الزمن في الرواية ليس خطياً، بل متكسّر، يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي. ويغدو يوم "الاثنين" رمزاً دائرياً للانتظار والإذلال، في إحالة إلى تجربة اجتماعية تتجاوز حدود الأسرة نحو مجتمع كامل عاش طقوس الخوف ذاتها. وهكذا يصبح الخاص مرآة للعام، والعائلة نموذجاً مصغراً لوطن مكسور.

تتمركز البنية الدلالية حول شخصية "أمينة" بوصفها بؤرة رمزية. فهي قليلة الحركة في مستوى الحدث، لكنها مركز الثقل في مستوى المعنى. صمتها ليس عجزاً، بل خطاباً مضاداً؛ إنها تمثل الذاكرة النسوية المقموعة، والبعد الأخلاقي الذي ظل خارج السرد الرسمي.

وتتعزّز هذه العلاقة بعلاقتها بالبيت؛ فالبيت ليس مكاناً فحسب، بل خزّاناً للزمن المؤجَّل، ووعاء للآلام المكبوتة. وجودها عند تقاطع البيت والغياب واللغة يجعلها أقرب إلى استعارة كبرى: استعارة الزمن المعلّق، والحنان المؤجل، والكرامة الصامتة.

قرارها بالمشي بعد زيارة ابنها المعتقل يكثف فلسفة الرواية: حين يصبح الخوف مادة يومية، يتحوّل أبسط فعل إلى مساحة تفكير ومقاومة داخلية. هنا ينتقل النص من توصيف تجربة فردية إلى تشريح حالة جماعية من الرعب الموروث.

أما العلاقة بين سليمان وآمال فتكشف بعداً آخر: الحب لا يُمنع بالقوة المباشرة، بل يُستبعَد بالخوف. الهروب من الحب هو امتداد لمنظومة القمع ذاتها. وهنا يبرز المعنى الأكثر قسوة: القمع لا يقتل الأجساد أو يملأ السجون فحسب، بل يعيد تشكيل العواطف، ويجعل النجاة مرادفة للتنازل.

لا تعد الرواية بخلاص نهائي، ولا تمنح بطلاً مركزياً. شخصياتها شظايا، لكنها شظايا حيّة. فالكتابة لا تنقذ أحداً، لكنها تمنحهم أثراً. وهذا هو جوهر فحواها: مقاومة النسيان، لا الانتصار على المأساة.

تكشف الرواية عن رؤية ترى في التخييل وسيلة لحماية ما تآكل من الحقيقة. إنها لا تكتب تاريخاً بديلاً، بل تصغي إلى ما سقط من التاريخ. ومن خلال الحفيد وأمينة وبقية الشخصيات، يتحول السرد إلى مساحة أخلاقية لإعادة الاعتبار لما هُمِّش، وتخليد ما كان مهدداً بالمحو.

هي رواية عن العراق بوصفه ذاكرة مجروحة، وعن العائلة بوصفها وطناً مصغراً، وعن الصمت بوصفه لغة لا تقل بلاغة عن الكلام.

تتجاوز الرواية حدود السرد العائلي لتغدو قراءة في سيرة مدينة ومرحلة تاريخية كاملة، تُستعاد فيها الموصل لا كجغرافيا فحسب، بل كطبقات زمنية متراكبة، تتجاور فيها الحِرف القديمة، والمقاهي، والعلاقات الحميمة، مع ظلال الخوف وأقبية السجون وتقلبات السياسة.

تنهض الرواية على عائلة تقليدية: الجدة أمينة القادمة من ماردين، وأبناؤها، وأحفادها. غير أن هذا الإطار يتخطى خصوصيته ليغدو مرآة لتاريخ العراق الحديث. فاعتقال شكيب بجريرة أخيه غالب المعارض، وسجن الجدة وتعذيبها، ثم إعدام غالب، كلّها حلقات في سلسلة عسف سلطوي يتكرر عبر الأجيال.

 العائلة هنا ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل بنية رمزية تختصر مصير المجتمع: خيارات شبه معدومة، ومصائر تُقرَّر خارج الإرادة الفردية. وهكذا تتحول المأساة الخاصة إلى استعارة عن وطن يعيش تحت وطأة سلطة تتدخل في أدق تفاصيل الحياة.

يعتمد العمل على مونولوجات الأب سليمان التي تبدو أحياناً غير مترابطة، لكنها تعبّر عن تشظي الذاكرة نفسها. فالذاكرة لا تستعاد وفق منطق كرونولوجي صارم، بل عبر تداعيات نفسية يتداخل فيها الخاص بالعام، والعاطفي بالسياسي.

هيمنة التحليل النفسي تمنح الرواية كثافة داخلية، لكنها تثير سؤالاً نقدياً حول تجانس الأصوات؛ إذ تأتي هواجس بعض الشخصيات، خصوصاً النسائية غير المتعلمة، محمّلة بوعي تحليلي يفوق مستواها المفترض، مما يوحي احياناً بتدخل الراوي بوصفه منظِّماً لوعي الجميع. عند هذه النقطة تتوحد مستويات البوح، ويغدو النص أقرب إلى تيار داخلي واحد، وإن تعددت الشخصيات.

تستحضر الرواية فترة ما قبل الحرب العراقية- الإيرانية، بما حفلت به من صراعات وملاحقات أمنية. غير أن السياسة لا تُقدَّم كخلفية تاريخية فحسب، بل كقوة غاشمة تعيد تشكيل المصائر: سجون، تعذيب، هجرة، إعدام، شلل جسدي ونفسي. حتى قصة الحب بين سليمان وآمال القادمة من السليمانية تظل مهددة بظلال الانقسام القومي والسياسي، بما يعكس هشاشة العلاقات الإنسانية أمام جبروت السلطة.

يتحوّل الأب المشلول إلى رمز: جسد معطّل يقابل وطناً معطّلاً، وذاكرة مثقلة تقابل حاضراً ملتبساً. أما الحفيد، المقيم في مالمو، فيمثل خيار الهجرة بوصفه خلاصاً فردياً، لكنه خلاص ناقص؛ إذ يبقى مشدوداً إلى تاريخ لم يُحسم.

عنوان الرواية "ما تخيله الحفيد"، يوحي بفعل تخييلي، غير أن الخيال هنا ليس بديلاً عن الواقع، بل وسيلة لإعادة ترتيبه وفهمه. فالمصائر المأساوية- جنون أمينة، إعدام غالب، شلل سليمان، اغتراب الحفيد- تؤكد أن الواقع أصلب من أن يُمحى بالسرد. ومع ذلك، تمنح الكتابة تلك الحيوات معنى، وتقاوم نسيانها.

تأتي هذه الرواية لتؤكد توجه مروان ياسين الفني نحو مساءلة الواقع، عبر تفكيكه وإعادة بنائه في منطقة التخييل السردي، بعد روايته "اكتشاف الحب".

تشتغل الرواية على ثلاث دوائر متداخلة: ذاكرة المدينة، وبنية العائلة، وسطوة السياسة. وهي، وإن بدت قصيرة نسبياً، تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في علاقة الفرد بالمكان، والذاكرة بالسلطة، والخيال بالواقع. إنها ليست مجرد حكاية عائلة موصلية، بل محاولة لإعادة كتابة تاريخ غير مدوَّن، من زاوية الحفيد الذي يستمع، ويعيد تخيّل ما لم يعشه، ليمنحه حياة أخرى في النص.

تدور أحداث الرواية المركزية في سبعينيات القرن الماضي داخل فضاء مدينة الموصل العراقية، حيث تنتمي الشخصيات إلى شريحة الطبقة الوسطى بكل تعقيداتها وحضورها الفاعل في صراعات المدينة السياسية والاجتماعية. غير أن الرحلة السردية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ تمتد ارتداداً في الزمن إلى خمسينيات القرن الماضي، وصولاً إلى السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ما يتيح للرواية مساءلة مراحل ملتبسة من تاريخ العراق المعاصر.

تقنياً، تعتمد الرواية بنية متعددة الأصوات، تتناوب فيها وجهات النظر على صياغة الحدث، منطلقة من زمن الحفيد لتعود بالقارئ إلى الماضي. كما توظّف تقنية "النص داخل النص"، حيث يمنح المؤلف مساحة لنسج لعبته الزمنية، في إبراز شغف الإنسان بالحرية رغم قسوة السلطات التي تمارس ضده شتى أساليب القمع والتغييب.

تشكل النساء العنصر المحوري في انتظام الحبكة، إذ تتوزع أدوارهن بين الجدة والزوجة والعشيقة، ويخضن صراعات متعددة الأبعاد: اجتماعية، وسياسية، وعاطفية، مما يضفي على الرواية عمقاً إنسانياً ودرامياً.

***

جورج منصور

 

يأتي النصّ الشعري الحديث بوصفه مساحةً تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، والذاكرة مع التاريخ، والذات مع جراح العالم، بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبيرٍ جماليٍّ عن العاطفة، بل يتحوّل إلى فعلِ مساءلةٍ عميقةٍ للإنسان في لحظة انكساره الكبرى. وفي هذا السياق تندرج قصيدة «جيوبٌ محشوةٌ بالصدى» للشاعر العراقي المعاصر مازن جميل المناف، بوصفها نصّاً ينتمي إلى شعرية ما بعد الصدمة، حيث تتداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتحوّل الصوت الشعري إلى شاهدٍ على الخراب أكثر منه راوياً للحكاية.

فالقصيدة لا تكتفي برصد آثار الحرب أو الفقد بوصفهما حدثين خارجيين، بل تنفذ إلى طبقاتهما النفسية والوجودية، كاشفةً عن الإنسان الذي يواصل العيش وهو يحمل داخله صدى ما حدث، لا الحدث ذاته. ومن هنا تتشكّل بنية النص على أساس التوتر بين الحضور والغياب، وبين النجاة الجسدية والانكسار الداخلي، لتصبح اللغة نفسها أداة مقاومة ضد النسيان، ومحاولة لإعادة ترتيب المعنى وسط عالمٍ فقد يقينه.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربةً نقديةً شاملة، تتجاوز القراءة الانطباعية إلى تحليلٍ منهجيٍّ متعدد المستويات، يشمل الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، إلى جانب الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية والتاريخية. كما تهدف إلى الكشف عن البنية العميقة للدلالة داخل القصيدة، واستجلاء آليات اشتغالها الجمالية والرمزية، وبيان موقعها ضمن تحولات الكتابة الشعرية العربية المعاصرة التي جعلت من الذات الجريحة مركزاً لرؤية العالم.

بهذا المعنى، لا تُقرأ القصيدة باعتبارها نصاً فردياً فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية مفتوحة على التأويل، تُحاور سؤال الإنسان أمام العنف والذاكرة والزمن، وتعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: كيف يمكن للكلمة أن تنقذ ما تبقّى من الإنسان حين يعجز الواقع عن ذلك؟

النص بوصفه كتابةً على حافة الوعي الجريح

تنتمي هذه القصيدة إلى فضاء الكتابة الحداثية التي تتكئ على الاقتصاد اللغوي والتكثيف الرمزي، حيث تتحول التجربة الفردية إلى مرآة لجماعةٍ مأزومة تاريخياً ونفسياً. إنها قصيدة تقوم على شعرية الندبة لا شعرية الحدث؛ فالزمن فيها ليس ما وقع، بل ما بقي عالقاً داخل الذات بعد وقوعه. ومنذ العنوان «جيوب محشوة بالصدى» يدخل القارئ إلى عالمٍ تتجاور فيه المفارقة والفراغ: الجيب ـ رمز الامتلاك ـ ممتلئ، لكنه ممتلئ بالعدم الصوتي.

النص إذن ليس سرداً للحرب بقدر ما هو أنطولوجيا للناجي الذي لم ينجُ داخلياً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب

لغة النص سليمة نحواً وصرفاً، لكنها لا تسعى إلى البلاغة التقليدية، بل إلى بلاغة الانكسار والانزياح.

نلاحظ تراكيب قصيرة متقطعة:

«لم أعد أحلم»

«أمشي…»

«الآن… السقف خالٍ»

هذه الوقفات ليست عجزاً لغوياً بل تقنية دلالية؛ إذ تتحول البياضات إلى امتداد للصمت النفسي.

كما يعتمد الشاعر على الانزياح التركيبي:

«النوم جثة أدارت وجهها»

النوم ـ وهو حالة راحة ـ يتحول إلى كيان ميت رافض، وهو انقلاب دلالي يمنح العبارة توتراً وجودياً.

أما صورة: «كانت أمي ترفو ثقوب الليل»

فهي استعارة مركبة عالية الحساسية، حيث يصبح الليل ثوباً ممزقاً، والدعاء خيطاً، والأم خيّاطة الوجود.

إنها لغة تُبنى على تحويل المجرد إلى محسوس.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

المفردات مختارة بدقة:

١- الرصاص

٢- الشظية

٣- صفارة الإنذار

٤- الدخان

كلها تنتمي إلى معجم الحرب، لكنها تدخل النص دون مباشرة خطابية.

المفارقة الكبرى:

«الحزن لم يعد عابراً

لقد صار كنيتي»

الكنية علامة اجتماعية للانتماء، وهنا يصبح الألم هو الهوية.

التوازن بين اللفظ والمعنى واضح؛ فلا زخرفة لفظية زائدة، بل اقتصاد يخدم الثقل النفسي.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تعتمد شعر التفعيلة الحرة أو قصيدة النثر الإيقاعية.

الإيقاع يتولد من:

أ ـ التكرار:

«لم أعد أحلم»

يتكرر بوصفه لازمة نفسية.

ب ـ الجرس الصوتي:

تجاور الحروف الصلبة:

(ص ـ ض ـ ق)

في كلمات:

الصدى ـ الرصاص ـ الصباح ـ صفارة.

هذا الجرس يخلق خشونة صوتية تناسب تجربة الحرب.

ج ـ الموسيقى الداخلية

نلاحظ تناغماً خفياً:

«ظلّي الذي يسبقني إلى المرآة»

التكرار الصوتي بين (ظ ـ ذ ـ ي) يمنح العبارة انسياباً حزيناً.

الإيقاع هنا نفسي أكثر منه وزني.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص

النص شبه سردي.

الشخصيات:

١- الأنا الشاعرة.

٢- الأم (ذاكرة الحماية).

٣- الحرب (شخصية غير مرئية).

الزمن:

ينقسم إلى:

١- ماضٍ دافئ (الأم).

٢- حاضر خالٍ (الصدى).

القصيدة تتحرك من الحماية إلى العراء.

2 ـ الرؤية الفنية :

الشاعر يرى العالم مكاناً فقد حراسه.

الأم كانت:

«تصلب فوق رأسي قمراً»

صورة دينية كونية؛ الحماية هنا شبه مقدسة.

لكن الحاضر:

«السقف خالٍ إلا من الصدى»

تحول من السماء الحارسة إلى الفراغ.

الشكل يخدم المضمون؛ فالتقطيع البصري يوازي التمزق الداخلي.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح

من أجمل الانزياحات:

«أنا الوريث الشرعي للرصاص»

إرث بلا نسب.

إنها مفارقة سوداء؛ فالميراث عادة مال أو اسم، بينما هنا ميراث الموت.

النص ينتج الدهشة دون غرابة مفتعلة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يسأل:

هل النجاة ممكنة بعد النجاة الجسدية؟

البيت الختامي:

«ولا أنا أستحق النجاة»

يكشف ذنب الناجي.

2 ـ الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١- فلسفة العبث.

٢- أدب الحروب الحديثة.

٣- الذاكرة الجمعية العربية.

الطفولة هنا ليست زمناً بل جرحاً مؤجلاً.

3 ـ البنية الهيرمينوطيقية

طبقات المعنى:

١- الصدى = ذاكرة لا تجد مخاطباً.

٢- الجيب = الداخل النفسي.

٣- صفارة الإنذار = اللاوعي.

٤- المرآة = مواجهة الذات.

النص يخبرنا أن الحرب لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل حين يصمت صداها داخل الإنسان.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ السياق:

النص ينتمي إلى أدب ما بعد الحروب العربية الحديثة حيث يصبح الفرد شاهداً على انهيار المعنى.

2 ـ تطور النوع الأدبي:

يقع ضمن تيار قصيدة النثر العربية التي انتقلت من الذات الرومانسية إلى الذات الجريحة.

3 ـ علاقة النص بالتراث

صورة الأم تذكّر بالتراث الصوفي حيث الدعاء حماية كونية.

لكن النص يفكك البلاغة القديمة ويستبدلها ببلاغة الخراب.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

المهيمن النفسي:

١- القلق.

٢- الفقد.

٣- الإنهاك الوجودي.

«أتدرب كل ليلة على اعتناق يقظة»

النوم نفسه صار تهديداً.

2 ـ تحليل الشخصية

الشخصية ناجٍ قسري.

تحمل:

١- ذاكرة حرب.

٢- فقد الأم.

٣- ذنب البقاء.

3 ـ النبرة النفسية:

النبرة احتجاج صامت لا صراخ فيه.

الحزن هنا بيروقراطي:

«يوقع عني محاضر الصباح».

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يفضح مجتمعاً اعتاد الحرب.

النوافذ:

«لا تنفث سوى الدخان»

مجتمع بلا أفق.

الشاعر فاعل اجتماعي عبر الشهادة لا الخطابة.

سابعاً: الأسس السيميائية

العلامات

١- القمر = الحماية.

٢- الصدى = الفراغ.

٣- الشظية = طفولة مشوهة.

الثنائيات

١- الحضور / الغياب.

٢- الأم / الحرب.

٣- النوم / اليقظة.

الفضاء

السقف والنوافذ والمرايا فضاءات مغلقة.

العالم داخلي.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة هنا تعتمد:

المنهج الأسلوبي.

النفسي.

التأويلي.

النص يسمح بقراءة موضوعية لأنه يقدّم أدلة داخلية لا خارجية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا:

النص يحتفي بالإنسان عبر كشف هشاشته.

إنه لا يمجد الموت بل يعريه.

كما أنه مفتوح التأويل:

١- حرب سياسية.

٢- حرب داخلية.

٣- أو فقد شخصي.

الخلاصة:

«جيوب محشوة بالصدى» نصٌّ عالي الكثافة، ينجح في تحويل الحرب من حدثٍ خارجي إلى بنية نفسية مقيمة داخل الإنسان. لغته مقتصدة لكنها عميقة، وصوره متماسكة، وإيقاعه ينبض من داخل الجرح لا من الوزن.

إنه نص عن الإنسان الذي خرج من الحرب حيّاً… لكنه لم يخرج منها تماماً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

جيوب محشوة بالصدى

​لم أعد أحلم ..

كأن النوم جثة

أدارت وجهها عن سريري

تساقطت حكايات أمي

تلك التي كانت ترفو ثقوب الليلِ

بخيط من دعاءٍ

وتصلب فوق رأسي قمراً

يحرس ذعري

​الآن ... السقف خالٍ إلا من الصدى

ولا يد ترمم هذا الارتجاف

الحزن لم يعد عابراً

لقد صار كنيتي

وظلي الذي يسبقني إلى المرآة

ويوقع عني

محاضر الصباح المر

​أنا الوريث الشرعي للرصاصِ

للنوافذ التي لا تنفث سوى الدخان

أمشى ...

وفي جيبي شظية طفولة مسنونةٌ

وفي حلقي

صدى صفارة إنذار لا تصمت

​لم أعد أحلم  ...

أنا فقط أتدرب كل ليلةٍ

على اعتناق يقظةٍ

أشد تنكيلاً .. من الموتِ

.

.

​فلا الحربُ تنتهي ...

ولا أنا أستحقُ النجاة

***

مازن جميل المناف

 

المدخل: تُعدّ الومضة الشعرية من أبرز الأشكال التعبيرية في الشعر العربي الحديث، لما تنطوي عليه من تكثيف لغوي وقدرة عالية على شحن المشهد البسيط بدلالات رمزية وإنسانية عميقة. فهي لا تكتفي بتقديم صورة خاطفة، بل تعمل على اختزال تجربة كاملة في لحظة لغوية مشحونة بالتوتر والانزياح، قادرة على فتح أفق تأويلي واسع رغم قصرها الشديد. وفي هذا الإطار، يبرز الشاعر العراقي يحيى السماوي بوصفه أحد الأصوات الشعرية التي نجحت في توظيف الومضة بوصفها أداة احتجاج جمالي وإنساني، حيث تتقاطع في نصوصه اليوميات البسيطة مع أسئلة القهر، والاقتلاع، والوجع الجمعي، عبر لغة موحية، وصور مكثفة، ونبرة هادئة تخفي توترًا داخليًا عميقًا.

تنطلق هذه الدراسة من قراءة إحدى ومضاته الشعرية، ساعية إلى تقديم تحليل أكاديمي متكامل يشتغل على مستويات متعددة، تشمل البنية، والدلالة، والسيمياء، والانزياح، والبعد النفسي والسياسي. وتركّز الدراسة على كيفية اشتغال الاستعارة و الانزياح الدلالي في بناء عالم شعري يبدو في ظاهره بسيطًا ومألوفًا، لكنه يحترق من الداخل، كاشفًا عن واقع إنساني مأزوم تُدان فيه الحياة اليومية عبر الصورة، لا عبر الخطاب المباشر.

نص الومضة:

هذا الصوتُ المنبعثُ من التنُّورِ

ليس حواراً بين المحراثِ والجمر ..

إنه: أنينُ الحطبِ المقطوعِ

من الشجرة !

*

وهذا المتصاعدُ نحو الأعلى:

ليس دخاناً ..

إنه: هديلُ الحمامةِ المفجوعةِ بعُشِّها ..

*

فلا عجبَ لو تفحَّمَ رغيفُ الخبز!

***

أولاً: القراءة الدلالية المباشرة

1. الصوت الذي ليس صوتاً

ظاهر الومضة يقدّم صوتاً يخرج من التنور، لكن الشاعر ينفي أن يكون هذا الصوت حواراً بين أدوات العمل والنار.

المعنى العميق:

ما نسمعه في الحياة اليومية ليس صوت عمل طبيعي، بل صوت ألمٍ خفيّ يختبئ خلف تفاصيل العيش.

2. أنين الحطب المقطوع

الصوت ليس احتراقاً، بل أنين الحطب المقطوع من الشجرة.

المعنى الرمزي:

الحطب هو الإنسان المقتلع من جذوره، من أرضه، من بيته، من حياته الطبيعية.

إنه صوت المقهورين، صوت الذين قُطعت صلتهم بأصلهم.

3. الدخان الذي ليس دخاناً

ما يتصاعد نحو الأعلى ليس دخاناً.

المعنى:

ما يعلو من بيوت الناس ليس مجرد أثر احتراق، بل شحنة روحية وإنسانية.

4. هديل الحمامة المفجوعة

الدخان يتحوّل إلى هديل حمامة فقدت عشّها.

المعنى الرمزي:

إنه نواح الأم، الوطن، الضحية التي فقدت بيتها وأمانها.

إنه بكاء الناس على خراب بيوتهم وأحلامهم.

5. الرغيف المتفحّم

ليس غريباً أن يحترق رغيف الخبز.

المعنى:

في واقع مملوء بالقهر والفقد والخراب، حتى أبسط مقومات الحياة – الخبز – تُشوَّه وتحترق.

الظلم يمتد حتى إلى لقمة العيش.

خلاصة القراءة المباشرة

السماوي يحوّل مشهد التنور والخبز والحطب والدخان إلى رموز للعراقي المقتلع من جذوره، وللوطن المكلوم.

الصوت اليومي يتحوّل إلى أنين جماعي، والدخان إلى نواح، والرغيف إلى ضحية.

البنية التحويلية في الومضة: النفي وإعادة التسمية

يقوم النص على بنية تحويلية واضحة تُدار عبر ثلاث مراحل متتابعة:

تعيين أولي → نفي → إعادة تسمية. هذه الآلية لا تعمل بوصفها حيلة أسلوبية فحسب، بل بوصفها محركاً دلالياً ينقل القارئ من اليومي المألوف إلى جوهر مأساوي كثيف.

التعيين الأولي يقدّم معطى حسياً محايداً:

«هذا الصوت المنبعث من التنور» / «وهذا المتصاعد نحو الأعلى».

- هنا يُستدعى المشهد اليومي كما هو، دون شحنة رمزية مباشرة.

النفي يفرّغ هذا المعطى من دلالته الاعتيادية:

«ليس حواراً بين المحراث والجمر» / «ليس دخاناً».

- وظيفة النفي ليست الإنكار، بل تعليق المعنى وفتح فراغ دلالي يُمهّد للتحويل.

إعادة التسمية تعيد كتابة الواقع بلغة وجدانية مأساوية:

«إنه أنين الحطب المقطوع من الشجرة» / «إنه هديل الحمامة المفجوعة بعشّها».

- هنا يحدث الانزياح الدلالي الكامل: يتحول الصوت إلى أنين، والدخان إلى هديل، أي من مظهر مادي إلى صوت حزن.

يتكرّر هذا المسار مرتين، ما يمنح النص تماسكاً بنيوياً ويؤسس لتوازي داخلي يخدم الفكرة المركزية: الاحتراق ليس مادياً فقط، بل إنساني ووجودي.

التوازي البنيوي ودوره الدلالي

يُبنى النص على شبكة مقابلات دقيقة تُعمّق المعنى عبر مستويات متعددة:

- الصوت ↔ الدخان — مظهران حسّيان لعملية الاحتراق.

- الأنين ↔ الهديل — انتقال من الطبيعي إلى الوجداني، من المادة إلى الصوت الإنساني.

- الحطب ↔ الحمامة — ضحيتان من مستويين مختلفين: مادة وكائن حي، بما يوسّع دائرة الألم.

- الشجرة ↔ العش — الأصل، الجذر، مكان الانتماء والملاذ.

هذا التوازي لا يزيّن النص، بل ينظّم دلالته: فالفقد يتدرّج من اقتلاع المادة (الحطب/الشجرة) إلى فجيعة الكائن الحي (الحمامة/العش)، وصولاً إلى النتيجة المنطقية في الخاتمة: تفحّم رغيف الخبز بوصفه ذروة الاحتراق اليومي للحياة نفسها.

بهذا، تتكامل البنية التحويلية مع التوازي البنيوي لتنتج نصاً محكماً، حيث يخدم الشكل المعنى، ويقود الانزياح الدلالي القارئ من المشهد العادي إلى مرثية إنسانية شاملة.

السيميائيات: الأشياء بوصفها علامات:

التنور

يُقرأ التنور بوصفه بيتًا ووطنًا ومصدرًا للدفء، غير أنّ توسيع دلالته ليغدو «موقد الحياة» ومركز صناعة القوت اليومي يمنح العلامة عمقًا إضافيًا. فالتنور يتحول هنا إلى نقطة التقاء بين العمل والاحتراق، بين الاستمرار والألم، ليغدو فضاءً تتكثف فيه دورة العيش بكل ما تحمله من جهد ومعاناة. وبهذا المعنى، ينسجم حضوره مع منطق النص الذي ينقل المشهد اليومي المألوف إلى أفق مأساوي أوسع، حيث تتداخل تفاصيل الحياة البسيطة مع وجعها العميق.

الحطب المقطوع

قراءته كإنسان مقتلع من جذوره دقيقة، وتوسيعها لتشمل الفلّاح والإنسان العراقي والشجر والبشر معًا يحوّل العلامة من فردية إلى جمعية. هذا التماهي بين مصير الطبيعة ومصير الإنسان يخدم الرؤية الكلية للومضة ويعزّز بعدها الإنساني‑السياسي.

الحمامة المفجوعة

تفسيرها كسلام مكسور موفّق، غير ان توسيع دلالتها بوصفها الأم الثكلى أو الروح الجماعية الجريحة لا تخرج عن السياق، بل تضيف بعدًا وجدانيًا أعمق. الحمامة هنا علامة مركّبة تجمع البراءة والسلام والأمومة والروح الجمعية، وتعدّدها الدلالي جزء من قوتها السيميائية.

العش

فهمه كوطن مهدّم دقيق، وتوسيعه ليشمل بيت العائلة أو الحلم الجماعي ينسجم مع التوازي البنيوي في النص. العش يتحول إلى فضاء أمان مفقود، سواء أكان وطنًا أو بيتًا أو حلمًا مشتركًا.

الرغيف المتفحّم

قراءته كرمز لحياة يومية غير صالحة للعيش قوية، و لمعاني فساد لقمة العيش وضياع ثمار الكدح تعزّز الذروة الدلالية. الرغيف هنا لا يرمز إلى الجوع فقط، بل إلى انكسار العلاقة بين العمل والنتيجة، بين الجهد والعيش الكريم.

الانزياح الدلالي التحويلي والاستعارة التشخيصية

يقوم الانزياح الدلالي في النص على تحويل تحويلي لا يكتفي بتغيير وظيفة الأشياء، بل يهدم هويتها الأولى ويعيد تأسيسها داخل أفق مأساوي جديد. فالصوت لا يعود مجرد أثر احتراق، بل يتحول إلى أنين، والدخان لا يبقى ظاهرة طبيعية، بل يغدو هديل فجيعة، فيما يتحول الرغيف من نتاج يومي للعمل إلى ضحية نهائية للاحتراق.

هذا التحويل ينسجم مع المسار البنيوي‑السيميائي الذي ينتقل فيه النص من التنور والحطب والدخان والحمامة والرغيف بوصفها عناصر يومية مألوفة، إلى الوطن والإنسان المقتلع والألم الجماعي والسلام المكسور والحياة غير الصالحة للعيش. وبهذا، لا يغيّر الشاعر دلالة الأشياء فحسب، بل يعيد كتابة العالم من داخل احتراقه، في إطار رؤية تقوم على القهر الجمعي والاحتراق الشامل.

وتتكامل هذه البنية مع الاستعارة والتشخيص، حيث يئنّ الحطب بوصفه إنسانًا أو شجرًا يتألم، ويهدل الدخان متحوّلًا من مادة إلى صوت حزن حيّ، ويحترق الرغيف لا بوصفه مادة غذائية فحسب، بل بوصفه رمزًا لانكسار لقمة العيش والحياة نفسها. وهكذا يتحول المشهد الريفي البسيط إلى مرثية وجودية تتجاوز حدود المكان لتعبّر عن خراب إنساني أوسع.

البعد النفسي: الوجع المكبوت وإسقاط الألم

يُكتب النص بنبرة وصفية هادئة تخلو من الصراخ والمباشرة، غير أنّ هذه السكينة الظاهرية تخفي توترًا داخليًا عميقًا. فالصور التي يستدعيها الشاعر – أنين الحطب، هديل الحمامة المفجوعة، والرغيف المتفحّم – مشحونة بطاقة عالية من الألم، ما يكشف عن آلية نفسية قائمة على الكبت، حيث يُحتوى الوجع بدل أن يُفجَّر لغويًا.

ويتجلّى هذا الكبت في اعتماد النص على إسقاط الألم على عناصر الطبيعة. فالحطب يئنّ، والدخان يتحوّل إلى هديل حزن، والرغيف يغدو ضحية، في عملية إسقاطية تنقل المعاناة من الذات إلى الأشياء المحيطة بها. هنا لا تتكلم الذات الجريحة عن نفسها مباشرة، بل تجعل الطبيعة وسيطًا نفسيًا للتعبير عن القهر، فتغدو الأشياء حاملةً لثقل الألم الإنساني.

ويتعزّز هذا البعد النفسي بما يمكن تسميته الوجع الصامت، حيث يغيب الصراخ المباشر ويحلّ محله تعبير موارب، يتوافق مع بنية النفي وإعادة التسمية التي يقوم عليها النص. فالألم لا يُقال صراحة، بل يُعاد تشكيله عبر الصور، كما أنّ حضور الضحية يقابله غياب شبه كامل للجلاد، ما يجعل المشهد يُروى من زاوية المعاناة وحدها. وبهذا، يتحول النص إلى شهادة نفسية على عجز الإنسان عن الصراخ في واقع خانق، فيكتفي بأن يجعل الأشياء تنطق بما يعجز هو عن قوله.

البعد السياسي: الإدانة عبر الصورة لا عبر الشعار

يحضر البعد السياسي في النص حضورًا غير مباشر، بعيدًا عن الخطاب الصريح أو التسمية المباشرة للسلطة أو الفاعل السياسي. فالشاعر لا يذكر حزبًا أو نظامًا أو جهة بعينها، لكنه يقدّم إدانة عميقة للواقع السياسي من خلال شعرية الصورة وتحويل اليومي إلى علامة على القهر.

يُقرأ قطع الشجرة بوصفه أكثر من فعل مادي، إذ يتحول إلى رمز لاقتلاع الإنسان من جذوره: من أرضه، وهويته، وذاكرته الجمعية. إنه تمثيل لسياسات القمع والحروب والتهجير التي لا تكتفي بإيذاء الجسد، بل تستهدف الأصل والانتماء، فتجعل الإنسان شبيهًا بالحطب المقطوع، صالحًا للاحتراق لا للحياة.

أما فجيعة الحمامة، فلا تقتصر دلالتها على تهجير شعب أو تدمير بيت، بل تمتد لتشمل تحطيم فكرة السلام ذاتها. فالحمامة، بوصفها رمزًا تقليديًا للسلام والاستقرار، تتحول هنا إلى كائن مفجوع، ما يعني أن السلام نفسه صار ضحية، وأن الاستقرار لم يعد ممكنًا في واقع تحكمه الفجيعة.

وتبلغ الإدانة السياسية ذروتها في صورة تفحّم رغيف الخبز، الذي لا يرمز فقط إلى الفقر أو الجوع، بل إلى فشل الدولة في أبسط وظائفها: حماية لقمة العيش وضمان حياة كريمة لمواطنيها. فاحتراق الرغيف يعني فساد العلاقة بين العمل ونتيجته، وبين الجهد والعيش، ويكشف عن واقع سياسي يعجز عن صون أبسط مقومات الحياة اليومية.

اللغة بوصفها حاملة للألم: قراءة صرفية‑دلالية

تُظهر الأفعال المختارة في النص وعيًا دقيقًا بوظيفة اللغة في إنتاج المعنى، إذ لا تأتي بوصفها أدوات سردية محايدة، بل بوصفها حوامل دلالية تكشف عن طبيعة الفعل الإنساني في واقع مأزوم. فالفعل «ينبعث» يوحي بحركة غير إرادية، لا تصدر عن اختيار أو قصد، ما يعكس حالة قهر تُفرض على الأشياء كما تُفرض على الإنسان. الصوت لا يُنتَج، بل يخرج قسرًا، كما يخرج الألم من داخله دون قدرة على كبحه.

ويأتي الفعلان «يئنّ» و«يهدل» ليؤكدا هذا البعد، فهما فعلان صوتيان داخليان، لا يحملان طابع الصراخ أو المواجهة، بل يشيران إلى ألم مكبوت وحزن خافت. الأنين والهديل هنا لا يعبّران عن احتجاج صريح، بل عن معاناة صامتة، ما ينسجم مع البعد النفسي للنص القائم على الكبت والوجع غير المعلن.

أما الفعل «تفحّم»، فيحمل دلالة الاكتمال والنتيجة النهائية، لا مجرد حدوث الاحتراق. فالرغيف لا يحترق عرضًا، بل يصل إلى حالة نهائية من التلف، ما يجعل الفعل علامة على انسداد الأفق وانهيار دورة الحياة اليومية. بهذا، تتحول الأفعال من توصيف لحركة مادية إلى مؤشرات على واقع مسلوب الفعل، حيث تسود الأفعال غير الإرادية، وتغيب القدرة على الفعل الحر.

وتتكامل هذه البنية الصرفية مع الصور البلاغية المركزية في النص، التي تقوم على نقل الفعل من مستواه الطبيعي إلى مستواه الوجداني. فالاحتراق لا يُقدَّم بوصفه عملية مادية فحسب، بل يُعاد تشكيله عبر الأنين والهديل والتفحّم، لتغدو اللغة نفسها مساحة يتجسّد فيها الألم. وبهذا، لا تكون الأفعال مجرد عناصر لغوية، بل أدوات تكشف عن عالم فقد توازنه، وصار الاحتراق فيه هو القاعدة، لا الاستثناء.

الخاتمة

تُظهر هذه الومضة الشعرية قدرة يحيى السماوي على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات كاشفة عن وجع جمعي عميق. فمن خلال بنية محكمة تقوم على الانزياح، والاستعارة، وإعادة التسمية، تتجاوز الأشياء وظيفتها المألوفة لتغدو حوامل دلالية لمعاناة إنسانية تتخفّى خلف مشهد هادئ في ظاهره، محتدم في جوهره.

لقد تضافرت المستويات البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية، إلى جانب التحليل الصرفي‑الدلالي للغة، لتشكّل نصًا «يحترق من الداخل»، حيث لا يُقال الألم مباشرة، بل يُسقَط على الطبيعة، فتغدو الشجرة، والحمامة، والرغيف، شهودًا صامتين على القهر والاقتلاع وانكسار دورة الحياة اليومية. وبهذا، لا تعود الومضة مجرد صورة شعرية خاطفة، بل تتحول إلى مرآة مكثفة لواقع إنساني مأزوم، تُدان فيه السلطة والخراب عبر الصورة لا عبر الشعار.

إنها ومضة صغيرة في حجمها، لكنها كثيفة في دلالتها، تختزل وطنًا كاملًا في لحظة احتراق، وتؤكد أن الشعر، حتى في أقصر أشكاله، قادر على حمل الذاكرة، وفضح القهر، وتحويل اليومي العابر إلى شهادة جمالية على الألم الجمعي.

***

بقلم: سهيل الزهاوي

حين تنفلت اللغة من حدودها التداولية وتتحول إلى كائن حيّ يلهث خلف ارتجاف المعنى، يصبح النص الشعري فضاءً للانكشاف الوجودي أكثر منه حاملاً للقول المباشر. في هذا الأفق يكتب الشاعر شاهر خضرة عتباته النصية بوصفها مناطق عبور بين الذات ومرآتها، بين الحضور والانمحاء، حيث تتسابق الكلمات مع قلق الكينونة، وتقطف من ربيع العمر أكاليل الحزن وثمار الهروب الدائري من الذات إلى ذاتها.

منذ العنوان الأول لمجموعته «غناء على مؤخرة الحياة» يضعنا الشاعر أمام مفارقة تأويلية؛ إذ لا تبدو «المؤخرة» نهاية زمنية بقدر ما هي نقطة انكشاف قصوى، لحظة مواجهة مع ما تبقى من الإنسان بعد أن تجرّده التجربة من أوهامه. هنا تتحول العتبة العنوانية إلى سؤال هيرمينوطيقي مفتوح: هل الغناء فعل احتفاء بالحياة أم مرثية متأخرة لها؟ وهل الوقوف عند المؤخرة هو اعتراف بالفناء أم محاولة لالتقاط المعنى الأخير قبل السقوط في صمت اللازمن؟

في قصيدة «الرياح» تتكثف هذه الأسئلة عبر بنية رمزية متحركة، إذ يجعل الشاعر من الريح شخصية أنثوية تتجاوز التشخيص البلاغي التقليدي لتغدو استعارة وجودية مركبة. فالريح ليست مجرد قوة طبيعية، بل طاقة اقتلاع وتحوّل، امرأة هاربة ومراوغة في آن، تحتضنها الذات الشاعرة كما لو كانت تحاول احتضان ما لا يمكن القبض عليه. يقول:

«الرياح امرأة أضمها بين ذراعيّ

أعشقها من نافذة علّيتي...»

إن «العلّية» هنا ليست مكاناً مادياً فحسب، بل موقع رؤية؛ إنها المسافة التي تفصل الشاعر عن العالم وتمنحه سلطة التأمل. ومن الناحية الأسلوبية يعتمد النص على نقل الواقعي اليومي ـ حبال الغسيل، النوافذ الخشبية، الأبواب المخرّشة بالقدم ـ إلى مستوى جمالي مشحون بالدلالة. فالواقعي لا يظهر بوصفه تسجيلاً بل بوصفه طاقة إيحائية تستدرج المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

بهذا المعنى لا يلجأ الشاعر إلى التغريب الصادم بقدر ما يمارس «إزاحة ناعمة» للواقع، حيث يصبح المألوف فجأة غريباً دون أن يفقد ملمسه الحسي. فاهتزاز النوافذ أو حركة الغسيل تتحول إلى إشارات جسدية خفية، وإلى لغة رغبة تتداخل فيها أنوثة العالم مع عطش الذات إلى التماس.

غير أن السؤال الذي يطرحه النص أعمق من العلاقة بين الرجل والمرأة؛ إنه سؤال العلاقة بين الجسد والروح. فالمرأة ـ في مستويات عديدة من القصيدة ـ ليست موضوع عشق مكتمل، بل كيان متصدّع يعكس ارتداد الشاعر نحو الداخل. لذلك تبدو العلاقة أقرب إلى التنافر منها إلى الاكتمال، وكأن البحث عن الآخر ليس سوى محاولة لفهم هشاشة الذات.

عندما يحاول الشاعر قراءة ما كُتب على الأوراق اللاصقة بالطين و«يفشله الارتعاش»، فإن الفشل نفسه يتحول إلى علامة تأويلية. فالارتعاش هنا ليس ضعفاً جسدياً، بل انكشافاً روحياً أمام سرّ لا يُقرأ بالحواس. إن المعرفة الحقيقية ـ كما يوحي النص ـ لا تُنال باللمس، بل بالحدس.

وتبلغ الرمزية ذروتها في صورة «القميص» العالق على غصن الحطب. فالقميص، بوصفه بقايا جسد غائب، يتحول إلى علامة على أنوثة مجروحة وعلى ذاكرة معلّقة بين المطر والريح. وحين تتسلل الريح إلى فتحاته لتراقص مزقه، يتشكل مشهد مزدوج: احتفال بالحركة من جهة، وانكشاف للفقد من جهة أخرى.

أسلوبياً يعتمد النص على تضادّات متلاحقة: البلل والجفاف، الاحتراق والماء، الانغلاق والانفتاح. هذه الثنائيات لا تؤسس صراعاً خارجياً بقدر ما تكشف انقسام الإيقاع الداخلي للذات الشاعرة. فالجسد يبدو طينياً هشاً، بينما تتجه الروح إلى التجلي الصوفي، وكأن القصيدة تحاول المصالحة بين عنصرين يستحيل اتحادهما الكامل.

في هذا السياق يصبح الماء والريح مفاتيح رمزية مركزية. الماء طقس تطهير ورغبة في الولادة الجديدة، والريح قوة اقتحام وكشف. وبينهما يقف الجسد بوصفه «تياراً» عابراً، لا يمتلك سوى المرور بين حالتين من الوجود. يقول:

«جسدي تيار بينهما…

كان ظهري مغلقاً تقحمه الرياح

وجهي مفتوحاً كأغصان عراها الشتاء.»

إن الانفتاح والإغلاق هنا ليسا وصفين فيزيائيين، بل موقفين وجوديين: الظهر المغلق ذاكرة مقاومة، والوجه المفتوح استعداد دائم للانكشاف.

ومن منظور هيرمينوطيقي، تتكاثر العتبات داخل النص لا بوصفها مقدمات بل بوصفها حالات عبور متتالية. كل صورة تفضي إلى أخرى، وكل رمز يفتح باباً لتأويل جديد، حتى يغدو النص نفسه عتبة كبرى بين الحياة والموت. فالموت لا يظهر نهاية، بل احتمالاً للمعرفة؛ برزخاً قد يسمح للجذور بأن تتجذر أخيراً إذا «ولجت رؤوسها في التراب».

هنا تتجلى لذة النص بوصفها لذة الانزلاق المستمر بين المعاني. القارئ لا يستهلك القصيدة بل يشارك في صنعها، لأن الشاعر يترك فراغات مقصودة تدعو إلى التأويل. وهكذا تتحول القراءة إلى تجربة وجودية موازية، حيث يعيش المتلقي ارتجاف الأسئلة ذاتها التي يعيشها الشاعر.

إن عالم شاهر خضرة الشعري، عبر هذه العتبات المتآلفة والمتخالفة، يقودنا إلى تخوم صوفية تارة وسريالية تارة أخرى، حيث يندفع الجسد ليتخفى خلف الروح، وتتوهج النفس في مواجهة عناصر الكون. الماء والريح ليسا مجرد صورتين بل لغتان: لغة الجسد حين يشتعل، ولغة الروح حين تبحث عن خلاصها الأخير.

بهذا المعنى لا تكون القصيدة نصاً مغلقاً، بل ممارسة دائمة للعبور نحو المطلق؛ محاولة لإعادة ترجمة الإنسان داخل هشاشته، حيث تتحول الكلمة إلى نافذة، والنافذة إلى ريح، والريح إلى سؤال لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

كان البلاط الياباني خلال فترة (هييآن) المزدهرة (794 – 1185 م) بمثابة الحاضنة الأدبية التي وفرت البيئة التأهيلية الداعمة للنساء النبيلات الموهوبات، وكان للعناية الفائقة والاهتمامات الكبيرة التي أولاها المجتمع الأرستقراطي ورجال البلاط بالفنون الراقية في تلك الفترة المردود الجلي والتأثير الكبير في ازدهار ونضج الحركة الأدبية النسوية، وتعزيز خصوصية الكتابة الأنثوية، بعيدا عن المثل العسكرية التي كانت غالبة وأساسية في الماضي، وبمنأى عن التأثير الصيني المباشر المهيمن سابقا. وشملت شعر الواكا / التانكا والرسم الملون (ياماتو – إي) والموسيقى والخط (الشودو – وايو) وفن تنسيق الزهور (الإيكيبانا) وحفلات الشاي والمهرجانات والفنون الزخرفية والطلاء بالورنيش، مع ظهور جماليات (ياماتو – إي) الوطنية المرتكزة على تصوير الحكايات الأدبية والمواضيع السردية والمشاهد المحلية والمناظر الطبيعية والمواسم الأربعة (شيكي – إي) والأماكن الشهيرة (ميشو – إي) والحياة اليومية باسلوب سردي، وبتوظيف لفائف يدوية طويلة (إيماكيمونو)، تروى من خلالها القصص الأدبية والتاريخية الشهيرة وغيرها كثيرة.

أما (ياماتو – إي) فهو أسلوب ياباني كلاسيكي بارز في الرسم، نشأ في أواخر فترة هييآن (القرن العاشر الميلادي) تقريبا، مستقلا عن التأثيرات الصينية (كارا – إي)، وباستخدام تقنيات فنية مبتكرة (هيكيمي كاجيانا، فوكينوكي ياتاي، تسوكيوري – إي). ازدهر خلال فترة كاماكورا ثم تراجع وتم إحياؤه عن طريق مدرسة (توسا) ومدرسة (رينيا). وأما الشودو (طريق الكتابة) فهو فن الخط الياباني التقليدي المعروف، المستمد أصلا من الخط الصيني (كارايو)، وقد تم تطويرة وتجويده في فترة هييآن مع انتشار حروف (الكانا) وبأسلوب (وايو) الذي يعتبر النقيض المباشر لأسلوب (كارايو). ويقوم (الشودو) على الليونة والجمالية والانسيابية، وأستخدم بادىء ذي بدء بين النبلاء و الكهنة والساموراي.

و قد اتسمت النتاجات الأدبية النسائية اليابانية في فترة هييآن المتكونة من تشكيلة مميزة من الشعر والنثر والسرد والغناء بالدقة والحساسية الفنية والعمق التحليلي والتفصيلية المتقنة الجلية، وهي صفات وخصائص ميزت أدب تلك الفترة بالدرجة الأساس، وصارت إحدى السمات الرئيسية للأسلوب الأدبي الكلاسيكي الياباني المعروف آنذاك.

و الذي ميز هذه النتاجات الأدبية أيضا كونها قد كتبت في أكثرها بنظام كتابة صوتي مقطعي ياباني هو ال (كانا) المنقسم إلى ال (الهيرغانا) وال (كاتاكانا)، بعكس الرجال الذين كانوا يكتبون بالمقام الأول بال (كانجي) الذي كثيرا ما أعتبر رمزا للذكورة، بعكس الهيراغانا الذي طالما ربط بالأنوثة.

و قد أحدث هؤلاء الشاعرات والكاتبات بذلك ثورة ناعمة وتحولا بينا وجليا في الأدب الياباني، وعززن ودعمن بقوة ما يعرف ب (أدب المرأة) في تلك البلاد، ولذلك أعتبرت فترة هييآن العصر الذهبي للكتابة النسائية، وعموم الأدب الكلاسيكي الياباني (1). فقد كتبن خلاله أبدع وأجود القصائد وأروع المذكرات وأول رواية نسائية في اليابان والعالم أجمع (2)، وأشتهرت بثراء وتطور كتابات النساء على نحو بين، وكان تأنيث أدبه الثري الغزير، وربطه بالأنوثة بمفهومها الواسع أمرا تاريخيا وحتميا ولازما لا مفر منه (3).

و هكذا أصبحت النساء في هذه الفترة رائدات الكتابة الإبداعية، ويعزى لهن الفضل الكبير لتحظى (الهيراغانا – أونا – دي – يد المرأة) بشعبية كبيرة، ولتغدو لغة التأليف والكتابة الرسمية في البلاط (4).

كما نشطت وفعلت إبان فترة هييآن صالونات البلاط، فشجعت ودعمت النساء الموهوبات الذكيات من وصيفات هذا البلاط، فكانت بمثابة المنازل التي توفر لهن كل مستلزمات الحياة من ملابس وطعام وشراب ومنام ورعاية صحية وغيرها، والملتقى الذي يتبادلن من خلاله الآراء والخبرات والمعلومات، مع الاستمتاع بالقراءة والكتابة في شتى المواضيع السائدة في ذلك الوقت (5).

و نقدم أدناه النبذ المختصرة عن بعض هؤلاء الشاعرات المبدعات الشهيرات من تلك الفترة التي بدأت فيها الهوية اليابانية المتميزة بالتبلور، مع استحداث وابتكار تقاليد أدبية وفنية ودينية فريدة دامت لقرون.. كما نقدم نماذج من قصائدهن (مترجمة عن اللغة الإنكليزية): -

1 - أوتو جيجو (السيدة ساغامي) (998 / 1000 –1061 / 1068 م ؟ تقريبا): شاعرة يابانية كبيرة من منتصف فترة هييآن. والدتها (يوشيكيو نو هوشو)، ولم يعرف الكثير عن نسبها الذي اختلفت حوله الآراء ولم يحسم أمره لحد الآن. عاشت في مقاطعة (ساغامي) مع زوجها (كينسوكي أوي) الذي تقلد فيها منصب الحاكم لفترة من الزمن، ومنها استمدت اسمها. وهي مقاطعة يابانية قديمة لقبت سابقا ب (سوشو)، وتقع في المنطقة التي تعرف الآن بمحافظة (ناكاغاوا) وتحدها (موساشي) و(إيزو) وغيرهما. عرفت الشاعرة (أوتو جيجو) الشاعر البارز (فوجيوارا نو سادايوري) (995 – 1045 م) الشخصية النبيلة من عشيرة فوجيوارا القوية وغيره من الشعراء في محيطها. ومن شعرها:

آه، أيها الفؤاد

فؤادي المفطور الذي تعاظم همه

ليصبح كم ثوبي مبللا بالدموع الأجاج

و لا يذكر اسمي الآن

إلا للاستهزاء والاستخفاف الشرير

و كان السائد في اليابان القديمة أن تقوم النساء من ذوات النسب الرفيع بمسح دموعهن بأكمامهن، وعليه فإن (الأكمام المبللة) استعارة شائعة للحزن وخيبة الأمل العاطفية. وقد أستخدمت هذه العبارة من قبل الشاعرات اليابانيات بشكل كبير لرغبتهن بعدم الافصاح عن حزنهن على نحو مباشر، فكانت موضوعا مكررا في شعر التانكا وعموم الأدب الياباني الكلاسيكي للتعبير عن الشجن والندم والمعاناة وغيرها.

لقد عصفت الريح

على حين غرة

و تفكك نسيج العنكبوت المديد

هل ينبغي أن تسير الأمور بيننا

على هذا النحو ؟

***

لا تغضبوا مني، بل سامحوني

إذا كانت دموعي لا تزال تنساب

لقد جفاني حبيبي

و أخشى أن تجرح بعده

سمعتي الحسنة التي أعتز بها كثيرا

(اشتركت الشاعرة بهذه القصيدة في مسابقة شعرية أقيمت عام 1051 ميلادية، وكانت نشطة في مثل هذه المسابقات وغيرها)

***

لا يكاد يجف كم ثوبي أبدا

بسبب الدموع السواجم

الناتجة عن الحزن المختلط بالمرارة

ما أندم عليه يقينا

هو اسمي الذي شانه الهوى

و نظرا لطبيعة مجتمع البلاط في ذلك الوقت وانغلاقه وخصوصيته، فقد كان موضوع هجرة الحبيب وما تدور حوله من شائعات وأقاويل كافيا لتشويه سمعة المرأة  وقد نظمت حوله الكثير من القصائد بأقلام نساء عانين من هجرة الأحباب والألم الشديد والحرقة العميقة في الفؤاد التي تنشأ عن غياب الحبيب أو البعد عنه.

2 - كوكامونين نو بيتو: شاعرة ذائعة الصيت من القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو توشيتاكا). كانت مرافقة إمبراطورة. ولها قصيدة مدرجة ضمن مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني الشهيرة المسماة (هياكونين إيشو - مائة شاعر، قصيدة واحدة لكل منهم ) التي تضم (100) قصيدة واكا كتبت خلال الفترة من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر. وقد أستخدمت في لعبة (كاروتا) المبتكرة في فترة (إيدو) (1603 – 1868)، لتتوطد شعبيتها في الثقافة اليابانية على نحو عميق وحتى الوقت الحاضر. تقول (كوكامونين نو بيتو) في إحدى قصائدها:

ليلة حميمية واحدة لا أكثر نقضيها معا

و لتكن قصيرة بقدر المسافات التي بين أعواد القصب

المحصودة في خليج نانيوا

لا غنى عنها من أجل هذا الحب الرقيق

هل أفدي بنفسي في سبيل ذلك ؟

أما خليج (نانيوا) فهو التسمية القديمة لخليج أوساكا الياباني، وترتبط بالأسم القديم لمدينة (أوساكا) التي كانت عاصمة إمبراطورية قديمة وموقعا لقصر الإمبراطور لفترات وجيزة في القرنين السابع والثامن، وكانت أيضا مركزا اقتصاديا وسياسيا هاما، وخصوصا في القرن السادس عشر أي فترة تويوتومي هيده – يوشي.

3 - تايكينمون في هوريكاوا: كانت سيدة نبيلة وشاعرة متميزة، عاشت في القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو أكناكا)، وكان الأخير مسؤولا كبير المستوى في شؤون (الشنتو) التي كانت تدار عبر نظام كهنوتي مترابط مع وجود مناصب إدارية. عرفت الشاعرة أيضا باسم (هوريكاوا)، لما كانت تخدم كراهبة في دير المجلس الإمبراطوري للمراسم.

خدمت أولا الأميرة الإمبراطورية (ريشي) ولقبت خلالها ب (روكوجو)، وكانت أيضا مرافقة للإمبراطورة (تايكن). لها قصيدة مدرجة في (هياكونين إيشو) الإمبراطورية وضمن مجموعة (الشاعرات ال 36 الخالدات) أيضا. اشتركت في مسابقات شعرية (أوتاواسي) خلال الفترة (1142 – 1143) تقريبا، وقد نافست فيها الكاهن البوذي والشاعر النحرير (سايغو – ساتو نوريكو) (1118 – 1190) الذي يعد من أكبر أساتذة شعر التانكا الياباني آنذاك.

و هي مسابقات أجريت بكثرة كأحداث طقسية في فترة (هييآن) المزدهرة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، والمستقرة أمنيا تقريبا حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة النبلاء الذين حرصوا على اقامتها ومنحوها اهتماما بالغا. وكان يتم فيها تقسيم الشعراء إلى فرق، ليقرضوا الشعر من خلال سلسلة من الجولات. وبحسب (هياكونين إيشو) فإن أطول مسابقة من هذا النوع في تلك الفترة قد أخذت (500) جولة، فتصور عدد الشاعرات والشعراء الذين اشتركوا فيها. ومن شعرها:

لا أعلم كم من الوقت ظل فؤادي يعاني

و لكن في أواخر الصباح

كان شعري الأسود المتشابك

في حالة فوضى

ثمة شيء آخر يشغل بالي الآن

***

لا أعرف هل ستثبت في قلبك

المشاعر التي تكنها تجاهي ؟

عندما نفترق هذا الصباح

فسيكون شعري في حالة فوضى

و سوف يختلج فؤادي

4 - يوشي نايشينو – كي نو كيي: كانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أواخر فترة هييآن، وعرفت بأسماء أخرى. كانت وصيفة للأميرة الإمبراطورية (يوشي) (1038 – 1105 م) ابنة الإمبراطور (غو سوزاكو) (1009 – 1045). لها مجموعة شعرية بعنوان (إيتشي – نو ميا نو كي شو). اشتركت في الكثير من المسابقات الشعرية المقامة في زمنها. وردت أعمالها في العديد من المجموعات الإمبراطورية وغيرها، مثل شينتشوكوسين واكاشو وشينسينزاي واكاشو وجيوكويو واكاشو وشوكوجوسين واكاشو وسينزاي واكاشو وشينغوشوي واكاشو والشاعرات ال 100 الخالدات.

5 - سو نو نايشي: كانت شاعرة متميزة، واسمها الحقيقي (تايرا نو تشوشي / ناكاكو). ابنة (تايرا نو مونيناكا) الذي كان حاكما لمقاطعة (سو) بمنطقة (بوشو) (محافظة ياماغوتشي حاليا)، ومن هنا جاء لقبها. خدمت كوصيفة في بلاط أربعة أباطرة (هوريكاوا، شيراكاوا، غو – سانجو، وغو ريزي الذي حكم خلال الفترة 1046 – 1068 م).

ترهبت (سو نو نايشي) في البوذية عام 1108 من جراء السقم، ووافاها الأجل سريعا حوالي عام 1110 ميلادية بعد معاناة شديدة مع المرض. وردت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ولها مجموعتها الشعرية الخاصة بها.

و لها قصيدة مشهورة تعود قصتها إلى موقف حدث للشاعرة عندما همست لوصيفة قريبة منها داخل البلاط، طالبة منها وسادة، وسمعها أحد النبلاء، فبادر مازحا إلى تقديم ذراعه لها من وراء الستارة الفاصلة بينهما لتستخدمها كوسادة. ولكنها أبت أن تفعل ذلك حفاظا على سمعتها.

سيكربني الغم

إن لحق العار بسمعتي الحسنة

لو توسدت ذراعه *

فقط للحظة عابرة

مثل حلم في ليلة ربيعية

و لم يقتصر استخدام تلك الستائر في البلاط الإمبراطوري الياباني على ضمان الخصوصية وتوفير الظل، بل تعدى ذلك لتكون من العناصر الفنية والرمزية الأساسية التي تحدد بموجبها المكانة والرتبة، ولتعكس أسلوب الحياة الراقي لأستقراطية هييآن. وكانت رقيقة وعالية الجودة، وتصنع في الغالب من القصب أو الخيزران أو الخشب (سوداري)، ومزينة بحواف جميلة من القماش، ومنسوجة بخيوط حريرية متينة وخفيفة الوزن. وقد جرت العادة أن تتستر سيدة البلاط خلف الستارة عند تبادلها الحديث مع شخص من خارج أسرتها، كان ينبغي له الوقوف على مسافة معينة منها، ودون أن يحق له الاقتراب منها أو النظر إليها إلا بموافقتها، وبخلاف ذلك فإن أي تصرفات لا مسوغ لها كانت تعتبر انتهاكا للأعراف وتهديدا لخصوصية تلك السيدة.

6 - سي شوناغون (966 – 1017 / 1025): كانت سيدة بلاط وكاتبة يوميات مبدعة متقنة للكلمات وشاعرة مرموقة، وواحدة من (السيدات الثلاث العظيمات) في زمنها إلى جانب (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو) وفقا للنقاد وكتاب التاريخ الأدبي. لا يعرف اسمها الحقيقي الذي اختلفت حوله الآراء، وقد يكون (كيوهارا نو ناجيكو) وفقا لبعض المصادر التي لم تؤكد صحته على نحو قاطع.

ولدت وترعرعت في كنف أسرة مثقفة وواعية ومستنيرة، ووالدها هو الشاعر المعروف (كيوهارا نو موتوسوكي) الذي كان حاكما متمكنا لمقاطعة يابانية مهمة، وجدها الأكبر الشاعر هو (كيوهارا نو فوكايابو). تزوجت من (تاتشيبانا نو نوريميتسو) وهي في السادسة عشرة من العمر، وأنجبت منه ولدا أسمته (نورينغا)، وربما تطلقت بعدها لتتزوج من حاكم ولاية (سيتسو) التي كانت تشمل قديما أجزاء واسعة من أوساكا وهيوغو، وأنجبت منه ابنة اسمها (كوما نو ميوبو).

خدمت الإمبراطورة (فوجيوارا نو تيشي – ساداكو) (977 – 1001) زوجة الإمبراطور (إيتشيجو)، الإمبراطور ال (66) لليابان. وفي زمن كان بلاط هييآن يهتم اهتماما بالغا للرقي والتميز الأدبي، وجرت العادة أن تحيط الإمبراطورات أنفسهن بوصيفات متميزات، ذوات ثقافة واسعة وراقية، ويجدن تأليف الشعر، ويتم اختيارهن ليس فقط للخدمة بل لامتلاك المعرفة والمهارات والتعليم في عدة مجالات مثل الأدب والفنون وآداب السلوك.

ألفت (سي شوناغون) (كتاب الوسادة – ماكورا نو سوشي) في تسعينيات القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وقد اكتمل في عام 1002، وكان ذلك أثناء خدمتها في البلاط، وباللغة اليابانية العامية مستخدمة حروف (الهيراغانا)، وقد أستنسخ الكتاب لعدة مرات في الأعوام 996 و1000 و1002 و1021، وطبع أخيرا في القرن السابع عشر، ونالت مؤلفته شهرة واسعة. والكتاب عبارة عن مذكرات شخصية متألفة من مجموعة نصوص قصيرة غير مترابطة في الغالب من قصائد وحكايات والمقاطع الوصفية عن حياة النبلاء في أوج عصر هييآن المثالي. تقول عنها (أيدان دويل): (كانت سي شوغانون حاذقة ومتقنة في فن التخاطب البليغ والتبادل الشعري، وكانت تبتهج بتسجيل أبهى اللحظات التي عاشتها، كما كانت تصف على الدوام درجة قلقها عند تأليف الشعر، ولا عجب في ذلك، بالنظر لأهمية الأمر). ومن قصائد (سي شوناغون) المشهورة:

لقد خدع الديك بصياحة

كل من سمعه

وسط الليل

باستثناء الحراس عند بوابة أوساكا

الذين لا يمكنه خداعهم على الإطلاق

تعاتب الشاعرة سي شوناغون هنا زوجها الذي كان يسهر ويعود للبيت دوما متأخرا في منتصف الليل. وتذكره بقصة صينية معروفة عن رجل مطلوب للعدالة، فقلد صوت الغراب ليتحايل على الحراس. ولكن لا يمكن أن تنطلي هذه الحيلة على حراس بوابة أوساكا إن حاول أن يجربها.

تتناثر ندف الثلج

الناعمة

بفعل النسيم

على نحو متقطع

إنها تثير الأسى

***

أسنت بي الأيام

مع انقضاء الزمن

و لكنني عندما أشاهد

هذه الزهرة الآسرة

أغفل عن العمر والوقت أيضا

7 - إيسي نو تايفو (نحو 990 – 1060): شاعرة وكاتبة أغاني بارعة وعازفة موسيقى موهوبة. ابنة النبيل (أوناكاتومي نو سوكيتشيكا) من عشيرة (أوناكاتومي) المعروفة باهتماماتها بالأدب والشعر، واسهاماتها البينة في الشعر عبر أجيال، وهي أيضا حفيدة الشاعر المعروف (أوناكاتومي نو يوشينوبو) (921 – 991 م). عرفت أيضا باسم (إيسي نو أوسوكي) و(إيسي نو تايو). عملت كوصيفة للإمبراطورة (فوجيوارا نو شوشي) (988 – 1074)، ونشطت في صالونها الأدبي. وكانت صديقة مقربة ل (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو)، واشتركت في العديد من المسابقات الشعرية.

لم يصلنا من قصائدها إلا القليل حيث وردت لها ثلاث قصائد ضمن (الشاعرات ال 36 الخالدات) (نيوبو سانجوروكاسين)، وقصيدة واحدة في (أوغورا هياكونين إيشو) ومختارات إمبراطورية أخرى، ويعزى ذلك إلى صعوبات وتحديات حفظ النصوص المكتوبة في تلك الفترة الزمنية، والعوامل الطبيعية وغير الطبيعية التي تؤثر فيزيائيا وكيميائيا على الورق والأحبار، مسببة التلف والتحلل وفقدان الكتابة، ومنها الرطوبة الزائدة والحرارة المرتفعة والقوارض والفطريات والحشرات وغيرها. ومن شعرها:

تتناثر أوراق الشجر المتساقطة

لتجرفها المياه المتدفقة أسفلها

في جدول منسي

لا يكاد يعرف

و لا يشاهد إلا نادرا

***

أمعن النظر في الظلمة شيئا فشيئا

و قد جفاني الكرى

وتثبت نظرتي الساهية على قطرات الندى

التي تغطي أوراق البرسيم الشجيري

بفعل النسيم في ليلة خريفية

أما البرسيم الشجيري (ليسبيديزا) فهو نبات عشبي معمر أو شجيرة صغيرة سريعة النمو من فصيلة البقوليات، له أوراق مركبة من ثلاث وريقات. له أزهار ناعمة بألوان عديدة تشبه البازلاء. يزرع في المناطق الدافئة والمناخات المعتدلة. يسمى في اليابان (هاجي)، ويرمز إلى الحب من طرف واحد وما يسببه من حزن.

8 - أكازومي إيمون (نحو 956 كيوتو – 1041): مؤرخة مقتدرة وشاعرة رائدة. ابنة (أكازومي نو توكيموتشي) الذي كان مسؤولا متوسط الرتبة في البلاط الإمبراطوري، واحتمال أن تكون ابنة الشاعر (تايرا نو كانيموري) وفقا لبعض النظريات حيث هناك عدة آراء حول نسبها. تزوجت من العالم والشاعر والحاكم (أوي نو ماساهيرا) الذي توفي عام 1012 ميلادية.

عملت الشاعرة كوصيفة لشخصات بارزة، وتلقت تعليما عاليا في النصوص الصينية الكلاسيكية والأدب الياباني والشعر على وجه الخصوص. انضمت إلى بلاط (فوجيوارا نو ميتشيناغا) الذي توفي عام 1027، وكان شخصية سياسية بارزة من عائلة معروفة، تمتعت بالنفوذ السياسي لعدة قرون. وقد كتبت (أكازومي) تاريخ هذه العائلة على نحو مسهب. وهي من (الشاعرات ال36 الخالدات)، ولها قرابة (93) قصيدة مدرجة في المختارات الإمبراطورية، مثل (شوي واكاشو – ثالث مجموعة مختارات شعرية إمبراطورية من شعر الواكا) وغيرها. ومن شعرها:

من الأجدر

أن يكون قد أوى إلى فراشه الآن

و دون تأخير

لقد احلولكت ظلمة الليل

و أنا أراقب القمر حتى أفل

9 - دايني نو سانمي (ربما 999 – بعد 1078 م): شاعرة فائقة الشهرة، عرفت باسم (إيتشيغو نو بنين) أيضا، واسمها الحقيقي (كلتاكو)، ابنة الشاعرة الكبيرة (موراساكي شيكيبو) (973 – 1025)، وزوجها (فوجيوارا نو نوبوتاكا). كانت وصيفة للإمبراطورة المتقاعدة (شوشي) منذ عام 1017. تزوجت من (فوجيوارا نو كانيتاكا) عام 1026. لها قصيدة في مختارات (أوغورا هياكونين إيشو) الشهيرة التي تعتبر من أهم مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني، وتضم (100) قصيدة من قرون مختلفة (من السابع إلى الثالث عشر). أما (أوغورا) فهو الجبل الذي كان يقع فيه قصر جامعها الشاعر (فوجيوارا نو تيكا). و(هياكو: مائة، نين: شخص أو شاعر، إيشو: قصيدة واحدة). ومن شعرها:

تهب الريح

و تنساب عبر أعواد القصب

المتمايلة والثابتة في في حقول (إينا)

بالقرب من سفح جبل أريما

سأثبت مثلها ولن أغفل عنك لحظة واحدة

أما جبل أريما أو جبل (روكو) فهو يطل على مدينة (كوبي)، ويزخر بينابيع المياه الساخنة النابعة من عدة مصادر والمعروفة منذ أكثر من ألف عام.

10 - تاكاشينا نو تاكاكو (؟ - 996 م) أو (تاكاشينا نو كيشي) أو (جيدو سانشي نو هاها): شاعرة واكا / تانكا فائقة الشهرة. اتقنت اللغة الصينية واطلعت على آدابها وقرضت الشعر الصيني أيضا، وشاركت في عدة مسابقات شعرية، وهو أمر نادر بالنسبة لفتاة في ذلك الزمن. زوجة المستشار (فوجيوارا نو ميتشيتاكا) وأم الإمبراطورة (تيشي) (ساداكو). لم يفضل من شعرها إلا خمس قصائد مدرجة في إحدى المختارات الإمبراطورية، وقد ترجمت لعدة لغات. نذرت نفسها للخدمة الدينية بعد وفاة زوجها عام 995، أي قبل وفاتها بعام. ومن شعرها:

لن أنسى أبدا العهد الصارم

الذي قطعته على نفسك

و لأنه لا يبدو شيئا يمكنني التعويل عليه

إلى الأبد

ليكن هذا اليوم هو الأخير في حياتي

11 - أوكون (936 – 966 م): سيدة بلاط وشاعرة مبدعة. كان والدها (فوجيوارا نو سويناوا) قائدا في الحرس الملكي، ومن عشيرة (فوجيوارة) المتنفذة. كانت وصيفة ل (فوجيوارا نو أونشي) زوجة الإمبراطور. لها قصيدة مشهورة نظمتها في عام 933 بمناسبة بلوغ الأميرة (كوشي) سن الرشد. شاركت في مسابقات شعرية أقيمت في البلاط الملكي خلال الفترة (960 – 962 م). ظهرت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ومن شعرها:

لا أكترث البتة

و إن كان قد جافاني

بعد أن عاهدني على حبه الأبدي

أمام السماء ذات يوم

يا له من بائس

12 - فوجيوارا نو ميتشيتسونا لا هاها (936 أو 937 - 995 ؟): كاتبة يوميات مبدعة وشاعرة كبيرة، لا يعرف اسمها الحقيقي، وقد استخدمت هذا الاسم المستعار في كتاباتها واشتهرت به. كانت فائقة الجمال ومعروفة بشدة الحسن والفتنة، وبارعة في كتابة الشعر. نشرت العديد من قصائدها في المختارات الإمبراطورية. ومن شعرها:

شخص مثلك

قد لا يعرف أبدا

كم يمكن أن يطول الليل

لمن تشتاق لحبيبها

ربما حتى طلوع الفجر

13 – كوداي نو كيمي: كانت سيدة بلاط وشاعرة كبيرة، اتسمت قصائدها بالعمق العاطفي واستخدام الرموز المستمدة من أساطير الشنتو كدلالات ثقافية ودينية تعكس معتقدات الشعب الياباني. لا يعرف تاريخ ميلادها أو وفاتها على وجه الدقة. درست الأدب الكلاسيكي الصيني والياباني وفنون الشعر والخط والموسيقى حال أقرانها في المجتمع الارستقراطي.

نشطت خلال الفترة (945 – 1010 م)، وشاركت في العديد من المسابقات الشعرية (أوتاواسي – مسابقات مطابقة الشعر). عرفت باسم (كو – أو غيمي) أيضا. عملت كوصيفة في بلاط الإمبراطور (إيتشيجو) وولي العهد (سانجو). وصلنا منها نحو (90) قصيدة، وأدرج بعضها في مختارات إمبراطورية، مما رسخ إرثها في الأدب الكلاسيكي الياباني. أعدت إحدى الشاعرات اليابانيات الخالدات ال (36). ظهرت في الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، مثل (سانجوروكاسين) و(إوكيو – إي). ومن شعرها:

بإمكاننا الافتتان بألوان

أشجار الكرز البري المزهرة

كما يروق لنا

في زمن تنعدم فيه الرياح الهوجاء

التي تنثر الأزهار

(الكرز البري: يعرف أيضا بالكرز الحلو والكرز الأخضر والمحلب وسان لوسي، شجرة تشتهر بأزهارها البيضاء الجميلة وثمارها الناعمة. لها عدة استخدامات).

و كما يلاحظ (فقد تميزت فترة هييآن بازدهار ثقافي ملحوظ بريادة النساء، وعندما يتعلق الأمر بالمساعي الثقافية، كانت النساء في البلاط ومن حوله يتفوقن على الرجال. وتتسم المذكرات والقصائد التي كتبتها النساء خلالها برابط مشترك، يتمثل في شعور يصعب التعبير عنه بالكلمات، أصبح يعرف اليوم باسم مونو نو أواري) (6) (7).

***

بنيامين يوخنا دانيال

...............................

(1) – يرى البعض أن ثقافة (هييآن) قد بلغت أوج تطورها وازدهارها في القرن الثاني عشر برعاية (فوجيوارا نو ميتشيناغا) (966 - 1028 م) كاتب يوميات (ميدوكانباكوكي) وأقوى رجل دولة ياباني في تلك الفترة بتزويج بناته لأربعة أباطرة، ومنهم الإمبراطور (إيتشيجيو). ويعرف عنه أيضا الاعتناء الكبير بالجوانب الثقافية مع ولادة أعظم النتاجات الأدبية خلال فترة حكمه، ومنها (حكاية غينجي) ل (موراساكي شيكيبو) و(كتاب الوسادة) ل (سي شوناغون).

(2) – د. كرم خليل سالم، تاريخ تطور الأدب النسائي الياباني الحديث والمعاصر، وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2024.

(3) – Tomiko Yoda، Gender and National Literature: HeianTexts in the Constructions of Japanese Modernity. Duke University Press 2004.

(4) – Arthur Reiji Morris، Japanese Writing: The Birth of Kana in the Heian Period. https: // unseen – japan. com

(5) –Ellis Khachidze، Women’s fan writing and transformative works in eleventh – century Japan.https: // journal. transformativeworks. org

(6) – د. المؤمن عبدالله، عندما يصبح الوداع جزءا من الجمال في الثقافة اليابانية !، اليابان اليوم، عدد يوم 21 / 3 / 2025.

(7) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Shongon’s The Pillow Book with Gender – Translation Theory. https: // course – journal. lib. sfu. ca

2 - Estee Crenshaw، The Rhetoricity of Poetic Dialogues (Zotoka) in Heian Japan. https: // scholarlypublishingcollective. org

3 - Faezah Kassim & Abd -. Wahid Jais، Status of Women in the Heian Period. https: // ejournal. um. edu. my

4 - H. E. Plutschow، Shinto – Buddhist Ritual and Medieval Japanese Poetry – Ritual in Early and Medieval Japanese Literature. Brill 1990.

5 - Harold Pinter & Others، 100 Poems by 100 Poets: An Anthology، Grove Press 1994.

6 - Ivan Morris (Tr & Ed)، The Pillow Book of Sei Shonagon، Harmondsworth 1955

7 - Kim Miller، Manipulations of Feminine Conventions in Heian Period Nikki. https: // kb، osu. edu

8 - Matthew Gerber، The Importance of Poetry in Japanese Heian – era Romantic Relationships. https: // kb. osu. edu

9 - Naoe Kukita Yoshikawa،Women’s Writing in the Japanese Heian Period: A Medieval Dialogue Between the East and West.

https: // www. degruyterbrill. com

10 - Peter McMillan، One Hundred Poets، One Hundred Each. Colombia University Press 2010.

11 -- Suzuki Hideo، Yamaguchi Shin’ichi، Yada Yasushi، Genshoku: Ogura Hyakunin Issue، Bun ‘eido 1997.

12 - Sanae Fukuto، Girl’s Education in the Aristocratic Society of the Heian Period. https: // shs. cairn. info

13 - Yue Zhao، A Study on the Word “ Sleeve “ in Japanese Waka. YTaking the Waka in “ The Tale of Genji “ as an Example. www. researchgate، net

14 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن: مقدمة قصيرة ونماذج، صحيفة المثقف، عدد يوم 5 شباط / فبراير 2026.

15 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة نارا، صحيفة المثقف، عدد يوم 20 شباط / فبراير 2026.

16 – بنيامين يوخنا دانيال، أبوتسوني: شاعرة تانكا يابانية بارزة من فترة كاماكورا، صحيفة المثقف، عدد يوم 17 كانون الثاني / يناير 2026.

التحليلُ النفسيّ والنقدُ الإيكولوجيّ بوصفهما فلسفةَ نجاةٍ معاصرة

لم يعد الإنسان المعاصر يقرأ النصوص كما كان يفعل في الأزمنة الكلاسيكية؛ إذ لم تعد اللغة سطحاً يشفّ عن معنى واحد، ولا الطبيعة خلفيةً صامتةً لحكاية البشر. لقد صار النصُّ كائناً نفسياً، وصارت الأرضُ ذاتاً أخلاقيةً، وأضحى النقد — في تحوّلاته الحديثة — محاولةً مزدوجةً لفهم جرح الإنسان في داخله، وجرحه الذي تركه خارج نفسه أيضاً. فمن لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض يمتدُّ خيطٌ خفيّ يعيد مساءلة معنى الوجود الإنساني ذاته.

أولاً: لاوعي النصّ — حين تتكلّم اللغة بما لا يقصده صاحبها

مع التحليل النفسي لم يعد المؤلف سيّد نصّه المطلق؛ فقد كشف سيغموند فرويد أن الإنسان نفسه لا يملك سيادة كاملة على ذاته، فكيف يمتلكها على لغته؟ إن الرغبات المكبوتة، والذكريات المنسيّة، والقلق الجمعي، تتسرّب إلى العبارة كما يتسرّب الحلم إلى نومٍ مضطرب.

النصّ إذن لا يقول ما يعلنه فقط، بل ما يخفيه أيضاً.

ومن هنا جاءت جهود الناقد الفرنسي جان بيلمان نويل الذي سعى إلى إقصاء مركزية المؤلِّف، والبحث عن «اللاوعي النصّي»، حيث تصبح الكلمات آثاراً نفسية لا مجرد أدوات بلاغية. فالجملة قد تكون اعترافاً مؤجلاً، والاستعارة عرضاً نفسياً، والصمت بين الكلمات منطقةً مملوءة بما لا يُقال.

إن اللغة — وفق هذا المنظور — ليست خطاباً فحسب، بل عرضٌ نفسيٌّ يتخفّى في هيئة جمال.

ثانياً: من السخرية إلى التفكيك — النصّ بوصفه حواراً مع غيابه

لاحقاً، وسّع الناقد الفرنسي بيير بيار هذا الأفق حين اقترح أن القراءة ليست بحثاً عن المعنى النهائي، بل عن احتمالاته الساخرة والمفارِقة. فالنصّ عنده لا يُقرأ فقط بما كُتب، بل بما لم يُكتب أيضاً.

وهكذا صار النقد النفسي أقرب إلى حوار مع الأشباح:

أشباح الرغبة،

وأشباح السلطة،

وأشباح الخوف الجمعي.

فالقارئ نفسه يدخل النصّ محمّلاً بلاوعيه، فتغدو القراءة لقاءً بين لاوعيين لا بين عقلين.

ثالثاً: النفس والطبيعة — من عقدة الإنسان إلى جرح الأرض

غير أن التحليل النفسي لم يتوقف عند الإنسان وحده. فمع الأزمات البيئية المتلاحقة ظهر سؤال جديد: هل تحمل الحضارة الحديثة أعراضاً نفسية انعكست على علاقتها بالطبيعة؟

لقد رأى بعض المفكرين أن استنزاف الأرض ليس أزمة تقنية فقط، بل عرضٌ نفسيٌّ عميق: رغبة السيطرة، والخوف من الفناء، والهروب من هشاشة الإنسان أمام الكون.

وهنا يلتقي التحليل النفسي بالنقد الإيكولوجي.

فالطبيعة في الأدب الإيكولوجي لم تعد مجرد مشهد، بل شخصية حيّة:

الغابة ذاكرة،

والنهر ضمير،

والصحراء اختبارٌ أخلاقي.

إن الإنسان الذي قطع صلته الرمزية بالأرض فقد جزءاً من توازنه النفسي.

رابعاً: البعد الاجتماعي — البيئة بوصفها مرآةً للعدالة

يكشف النقد الإيكولوجي أن الخراب البيئي ليس محايداً اجتماعياً. فالمناطق الأكثر فقراً غالباً ما تتحمل عبء التلوث والحروب المناخية والهجرة القسرية.

ومن هنا يصبح الأدب مساحة احتجاج أخلاقي.

الرواية الديستوبية، على سبيل المثال، لا تتنبأ بالمستقبل فقط، بل تكشف خوف المجتمع من ذاته. إنها حلمٌ جماعيٌّ مضطرب يشبه ما وصفه كارل يونغ باللاوعي الجمعي، حيث تتكرّر الرموز نفسها لأن المخاوف واحدة.

فالأرض المريضة انعكاسٌ لإنسانٍ قلق.

خامساً: الإيروسية والطبيعة — حين يعود الجسد إلى أصله

في الأدب الإيكولوجي تتخذ العلاقة بين الإنسان والطبيعة بعداً إيروسياً رمزياً؛ إذ يعود الجسد إلى إدراك جذوره الأولى.

الحب ليس فقط علاقة بين شخصين، بل مصالحة بين الكائن والعالم.

فالعشب، والمطر، والرائحة الأولى للتربة بعد المطر، تصبح استعارات لشفاء داخلي. إن الإيروس هنا ليس إثارة حسّية، بل توقٌ إلى وحدة مفقودة بين الإنسان وبيئته.

سادساً: اللغة بوصفها مسؤولية أخلاقية

إذا كان التحليل النفسي قد كشف أن الكلمات تخفي ما لا نعترف به، فإن النقد الإيكولوجي يذكّرنا بأن الكلمات تصنع العالم أيضاً.

فكل خطاب يمجّد الهيمنة والاستهلاك يشارك — ولو رمزياً — في تخريب الأرض.

والأدب الذي يعيد الإصغاء إلى الأشجار والأنهار يعيد تدريب الحساسية الإنسانية على التواضع.

إن اللغة ليست وصفاً للطبيعة فقط؛ إنها طريقة العيش فيها.

خاتمة: إعادة كتابة الإنسان

من لاوعي النصّ إلى ضمير الأرض تتكوّن رحلة واحدة: إعادة كتابة الإنسان نفسه.

فالتحليل النفسي يعلّمنا أن نواجه ظلالنا الداخلية، والنقد الإيكولوجي يطالبنا بأن نواجه آثارنا الخارجية.

وإذا كان النصّ مرآة النفس، فإن الأرض مرآة الضمير.

وحين يتعلّم الإنسان أن يقرأ الاثنين معاً — جرحه الخفي وجرح العالم — ربما يكتشف أخيراً أن النجاة ليست في السيطرة، بل في الإصغاء؛ لا إلى صوته وحده، بل إلى همس اللغة، وأنين الطبيعة، وما بينهما من معنى ينتظر أن يُولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قرأت ديوان "لا صلح مع السمّ" للشاعر اللبناني شوقي مسلماني  ووجدت إدهاشاً حقيقيّاً من حيث التجريب في المبنى والمعنى، إنّه لمن النادر جدّاً أن نجد شعراً يتناول الفكر الإقتصادي الإشتراكي،  ولو قلنا أن ديوان شوقي مسلماني حاشية على أفكار ماركس في كتاب رأس المال فذلك صحيح لولا أن الديوان أكثر من ذلك، فهو حاشية شعرية فكرية واقتصادية للحياة والناس والتاريخ والدين والسياسة والمرأة، لكنها لا تفسّر ما بتلك المتون بل تعرّيها وتشرّحها بمبضع جرّاح ماهر غير منتمٍ حتى للإشتراكية ولو زعم ذلك، ولكن للإنسان وحده ولا غيره، ثم ترتقي بعد كل ذلك لتصير متناً،

لننظر هنا: "الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على واحدٍ أم على الكلّ؟"،

وفي هذا القول جوهر الاشتراكيّة وبيت القصيد،

ولننظر هنا: "الكائنُ يصدرُ عن الفكرِ أم يصدرُ الفكرُ عن الكائن؟"،

وفي هذا القول تلخيص بليغ لموضوع هو محلّ جدل تاريخيّ بين فلاسفة الماديّة وفلاسفة المثاليّة، وقد ذكّرني بالإضافة إلى ما ورد عن الإمبرياليّة والتكنولوجيا التي تقرّب من محتوى مقال حول "فلسفة الوعي والوجود في فعّالية التكنولوجيا!؟" الذي أقول فيه:

يتّصف النظام المعرفي العالمي وأدواته بأنه نظام له قطبين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي؛ مثلا، يقول كارل ماركس عن الاشتراكيّة بأنّه يمكن اختصارها بجملة واحدة هي: "تحطيم الخصوصيّة"؛ ولعلّ هذا هو ما يمكن أن نراه بوضوح في فعاليّة السوشيال ميديا التي يعيشها العالم والتي تلغي خصوصيّة الأفراد بشكلٍ أو بآخر، كما يقول أيضا تعبيراً عن المسار نفسه الذي تقوم عليه نظريّة إقتصاد المعرفة: "الإنسان أثمن رأسمال في الوجود"،

أما الرأسماليّة فنراها بوضوح في السلطة المركزيّة المطلقة التي تتحكّم بفضاءات السوشيال ميديا ثم توزّعها على شكل مركزيّات صغرى في كلّ تفريعاتها، ومفاد القول أن النظام المعرفي العالمي يجمع بين نقيضين تشبه نظريّة هيجل وهما المركزيّة واللامركزيّة في آن، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع الواقع الافتراضي أن يحسم الجدل الفلسفي التاريخي حول الوعي والوجود؟ وأيّهما يحدد الآخر؟! أم هل ثمّة نظريّة فلسفيّة جديدة تؤسِّس لها فعاليّة التكنولوجيا بخصوص الوعي والوجود؟.

نعم هكذا: هل استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات ووسائل التكنولوجيا أن تقدم إضافة جديدة بما قد يفرض نظريّة جديدة فيما يخصّ وعي الإنسان ووجوده ـ بيئته، وأيهما يحدّد الآخر؟ والتي مثّلت على مرّ تاريخ الفلسفة جدلاً واسعاً بين الفلاسفة المادييّن والفلاسفة المثالييّن بما لا يمكن تجاوزه بسهولة أو عدم التفكير فيه؟،

لتوضيح ذلك نعود إلى أهم مقولات الفلاسفة حول الوعي والوجود، ولنبدأ بقول كارل ماركس: "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم"؛ وقال إنجلز معبّراً عن رأي ماركس وفلسفته الماديّة مع فارق توجّهه أكثر باتجاه الايديولوجيا: "إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أوفي كوخ". 

وبحسب فريدريك أنجلز فإن الايديولوجيا أو الأفكار الفلسفية تتمّ صياغتها وفقاً لمصالح الطبقة الحاكمة أو نمط الإنتاج، فكان أفلاطون وأرسطو مثلاً وضعا ضمن قوانين فلسفتهما العلاقة بين السيّد والعبد، ضمن سياق الأمر الواقع، وإضفاء صفة المعقوليّة والشرعيّة عليها!، وبالتالي عدم حقّ العبيد في أثينا أن يشاركوا في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة لأن ذلك قد يضعف من امتيازات الاحرار المالكين للعبيد والأراضي ووسائل الانتاج.!

ويقول ماركس: "لقد اقتصر الفلاسفة حتى الآن على تأويل ـ تصوُّر العالم بطرقٍ متنوعةٍ، لكن المهمّ هو تغيير هذا العالم".

ويقول هايدجر معلقًا على قول ماركس: "إن تغيير العالم يفترض تغيير تأويلنا ـ تصوُّرنا لهذا العالم، وامتلاك تأويل ـ تصوُّر صحيح له". ويستند ماركس إلى تأويل ـ تصوُّر خاص جدًّا للعالم ليقول إن المهم هو تغييره. 

ويقول ماركس في كتابه "رأس المال": "إن منهجي الديالكتيكي لا يختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة، فالبنسبة لهيجل: إن عمليّة تطوّر الفكر ونموّه، هذه العمليّة التي يشخّصها ويعتبرها مستقلّة ويطلق عليها اسم الفكرة هي في نظره خالقة الواقع، فما الواقع في نظره إلاّ المظهر الخارجي للفكر، أما بالنسبة لي فإن عالم الأفكار ليس إلاّ العالم المادّي منقولاً إلى الذهن البشريّ ومترجماً فيه."

ويقول كارل ماركس: "إنّ عدم تسليح الجماهير بالوعي الطبقي لإدراك مصالحها الحقيقيّة سيجعلها معادية لمصالح طبقتها"،

وفي الطرف الآخر الذي يعبّر عن الفلسفة المثاليّة كان هناك كانط وأيضا هيجل الذي يرى أن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقّفة والواقع المثالي وهذا هو شرط تحصيل الوعي لدى الأفراد،

وبرأيي أن التكنولوجيا وفّرت واقعاً إضافيّاً افتراضيّاً بديلاً، بما يسمح للأفراد أن يحظوا بفرصة إيجاد وجود اجتماعي، وهو ما يحقّق وعيهم المفقود، بخلاف واقعهم الحقيقي الذي يعيق امتلاكهم لوعي يمكن التعويل عليه، بمعنى أن هذا الواقع الافتراضي البديل يمثّل القصر على حد تعبير إنجلز، وهو رأي الفلاسفة الماديين عموماً، وأما الجانب الآخر الذي يتقاطع فيه الواقع الافتراضي البديل مع فلسفة المثاليين هو أن الواقع الافتراضي الذي توفّره وسائل التكنولوجيا يسمح بإمكانية خلق وعي مما يجعل إمكانية وجود بيئة أو واقع مثالي أمراً حقيقياً ممكناً.

مفاد القول إن التكنولوجيا تفرض نظريّة جديدة تتقاطع فيها الفلسفتان المادّية والمثاليّة؛ ويبقى الإشارة إلى مسألة مهمّة وهي مسألة الأخلاق، والتي لم يتطرّق إليها الماديّون ولا المثاليون في سياق جدليّة الواقع والوجود؛ حيث أن لها دوراً مهماً في الواقع الافتراضي وتحديد نوع العالم الذي يجد الأفراد أنفسهم فيه، أو بالأصح يصنعونه؛ فبالأخلاق وحدها يمكن إيجاد واقع مثالي ووعي حقيقي وبيئة بديلة وبدونها يصبح الأمر سيّان بالنسبة للأفراد في الواقع الحقيقي أو في الواقع الافتراضي.

شوقي هو هذا الشاعر المبدع والمثقّف المفكّر الذي يمتلك عدسة عين السمكة التي ترى فتحيط بكل شيء في المشهد الذي تراه، بل هو عقل الناقد حين يطلّ على العالم من فوق مميّزاً الخبيث من الطيّب في الأفكار وحوادث التاريخ وقضايا الأمّة.

***

د. هايل علي المذابي

تندرج قصيدة «بلدتي» للشاعر توفيق أحمد ضمن النصوص الشعرية التي تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر لتتحوّل إلى خطابٍ كينونيّ مركّب، تتشابك فيه الذات الفردية مع الجغرافيا والذاكرة والتاريخ. فالبلدة هنا ليست موضعاً جغرافياً فحسب، بل كياناً أنطولوجياً يتماهى مع الدم واللغة والوعي، ويغدو الوطن ــ عبر اللغة ــ بنيةً رمزية تتداخل فيها الأسطورة باليومي، والذاكرة بالوجود.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

تقوم القصيدة على لغة عربية رصينة ذات جذور فصيحة، تتكئ على المعجم التراثي دون الوقوع في الجمود. فالشاعر يستثمر ألفاظاً ذات كثافة إيحائية مثل:

«دمي المرابط خلف أضلاعي»

«السنديانات الذهولة»

«بيت الطين»

نلحظ هنا انزياحاً تركيبياً ودلالياً واضحاً؛ فالدم لا يكون «مرابطاً»، لكن إسناد فعل الرباط إليه يحوّله إلى جنديّ وجودي يحرس الهوية. وهذا انزياح ناجح لأنه لا يخلّ بالوضوح بل يوسّع الدلالة.

كما يعتمد الشاعر على الجملة الممتدّة المتدفقة، حيث تتراكم الصور دون انقطاع نحوي حاد، وهو ما يمنح النص صفة التدفّق الشعوري المتواصل.

ومن جهة الدقة اللغوية، يظهر إحكام في اختيار المفردة؛ إذ لا نجد ترادفاً زائداً، بل اقتصاداً تعبيرياً يوازن بين الشعرية والوضوح.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

ينجح النص في تحقيق توازن بين اللفظ والمعنى؛ فاللغة لا تتضخم على حساب الدلالة.

مثلاً:

«يغسلها براحتِهِ الصباح»

الصباح يتحول إلى كائن حميمي ذي يدٍ راعية، وهو انتقال بلاغي من الطبيعة إلى الإنسان (تشخيص)، يمنح البلدة بعداً أمومياً.

اللغة هنا ملائمة للموضوع؛ لأن الحديث عن القرية والذاكرة يستدعي لغة عضوية قريبة من الأرض لا لغة تجريدية باردة.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحر، حيث يعتمد الإيقاع على:

التكرار الصوتي.

الجمل الطويلة المتدفقة.

الوقفات الداخلية.

نلاحظ موسيقى داخلية عبر الأصوات الرخوة:

«قُبلاً قُبل»

التكرار يخلق جرساً حميماً يشبه الهمس.

كما تتكرر أصوات اللام والنون والميم، وهي أصوات رخوة توحي بالحنين والاحتواء.

الإيقاع لا يعتمد القافية الصارمة بل «القافية النفسية»، وهو اتجاه يذكّر بتجارب شعرية عربية حديثة سعت إلى تحرير الموسيقى دون فقدانها.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة دائرية بين:

١- الماضي (القرية).

٢- الحاضر (الذات الشاعرة).

٣- الزمن الحضاري.

فالبلدة تتحول إلى «شخصية مركزية».

«هي الحبيبة والحقيقة»

تتعدد وظائفها:

١- الأم.

٢- الحبيبة.

٣- الحضارة.

وهذا يمنح النص بنية درامية غير مباشرة.

2 ـ الرؤية الفنية:

العالم عند الشاعر ليس مفككاً؛ بل وحدة عضوية.

«هي جزء هذا الكل»

الجزء هنا يحمل الكل، وهي رؤية قريبة من التصورات الفلسفية الكلية التي ترى الإنسان جزءاً من نظام كوني.

الشكل يخدم المضمون؛ فالتدفّق اللغوي يعكس امتداد الذاكرة نفسها.

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

من أجمل الانزياحات:

«عصافيراً تطير بلا جوانح خلف أسيجة الوطن»

صورة مفارقية تجمع الحرية والمنع معاً.

الطيران بلا أجنحة - إرادة الحرية رغم القيد.

هنا يتحقق عنصر الدهشة الشعرية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

١- ما الوطن؟

٢- هل هو مكان أم ذاكرة؟

٣- هل الحضارة استمرار الأرض؟

٤- البلدة تصبح أصل الهوية.

2 ـ الأفق المعرفي

يظهر تفاعل مع:

١- التراث الزراعي.

٢- رمزية الشرق.

٣- مفهوم الحضارة.

«تنام على سرير الشرق واقفة»

صورة تجمع النهوض والسكون.

الشرق هنا ليس جغرافيا فقط بل رمز حضاري.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

القصيدة تحمل طبقات متعددة:

الطبقة الأولى:

وصف قرية.

الطبقة الثانية:

حنين شخصي.

الطبقة الثالثة:

نقد اغتراب الإنسان الحديث.

البلدة -  مركز المعنى.

ويمكن قراءة النص وفق تصور وجودي قريب من أسئلة الانتماء التي ناقشها فلاسفة مثل مارتن هايدغر حول «السكن في العالم».

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص

النص يتولد من بيئة الريف والذاكرة الجمعية في بلاد الشام، حيث القرية تمثل مركز الهوية في مواجهة التحولات الحديثة داخل سوريا.

2 ـ تطور النوع الأدبي

يقع النص ضمن تيار شعر التفعيلة بعد الحداثي:

صورة مركبة.

لغة رمزية.

غياب السرد المباشر.

وهو امتداد لتجارب الحداثة العربية.

3 ـ ارتباط النص بالتراث

يحضر التراث عبر:

بيت الطين.

الأشجار.

الخصوبة.

رمزية الخصوبة تعيدنا إلى الأساطير الزراعية القديمة حيث الأرض أمّ كونية.

خامساً: الأسس النفسية

1 ـ البنية الشعورية

النبرة الأساسية:

حنين.

خوف من الفقد.

دفاع عن الذاكرة.

الدم «مرابط» لأن الذات تخشى الانقطاع.

2 ـ تحليل الشخصية الشعرية

الشاعر:

١- عاشق.

٢- محارب.

٣- شاهد.

«وأنا المتيم والمحارب والبطل»

تعدد الأدوار يدل على صراع داخلي بين الحساسية والواجب.

3 ـ النبرة النفسية

يمتزج:

١- الاحتجاج.

٢- العشق.

٣- القلق الحضاري.

فالقصيدة مقاومة للنسيان.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1 ـ علاقة النص بالواقع

النص يدافع عن القرية بوصفها:

١- هوية اجتماعية.

٢- ذاكرة جماعية.

٣- في مواجهة التحول المدني والاقتلاع.

2 ـ الخطاب الاجتماعي

الأسيجة في:

«خلف أسيجة الوطن»

قد تُقرأ كرمز للحدود السياسية أو القيود الاجتماعية.

3 ـ الكاتب فاعلاً اجتماعياً

الشاعر هنا شاهد ثقافي يحاول إعادة الاعتبار للجذور.

سابعاً: الأسس السيميائية

1 ـ الرموز

السنديانة - الثبات.

الصباح - الولادة.

البابونج -  الشفاء.

2 ـ الشبكات الدلالية

النص قائم على تقابلات:

١- الحياة / الموت.

٢- الطيران / الأسوار.

٣- الوقوف / النوم.

3 ـ النظام الرمزي:

الفضاء الطبيعي يتحول إلى لغة:

الغيم - التاريخ.

المطر - الاستمرار.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة هنا تعتمد:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- التحليل الرمزي.

٣- التأويل الهيرمينوطيقي.

مع التركيز على النص لا على السيرة الشخصية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1 ـ قيم الحرية والجمال:

النص يحتفي بالإنسان من خلال الأرض.

الحرية ليست شعاراً بل تجربة دم.

2 ـ الانفتاح التأويلي

يمكن قراءته:

١- كنص حب.

٢- كنص مقاومة.

٣- كنص وجودي.

3 ـ البعد الإنساني:

البلدة هنا نموذج لكل أمكنة الإنسان الأولى.

ولهذا ينجح النص في تجاوز المحلي نحو الإنساني العام.

 خلاصة:

«بلدتي» نصّ يمتلك كثافة شعرية عالية، يجمع بين البلاغة التراثية والانزياح الحداثي، ويحوّل المكان إلى كائن حيّ يشارك الإنسان مصيره. قوته الكبرى تكمن في:

اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة.

موسيقى داخلية رفيعة.

شبكة رمزية متماسكة.

رؤية حضارية تتجاوز النوستالجيا السطحية.

إنه نصّ لا يصف القرية بقدر ما يستعيد الإنسان وهو يبحث عن بيته الأول داخل اللغة نفسها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

............................

بَلْدتي

شعر: توفيق أحمد

لو فَتَّشوا دميَ المُرابطَ خلفَ أضلاعي

وتلكَ السندياناتِ الذَّهولَةَ

تَزْدهي قُدَّامَ بيتِ الطينِ

يَغْسِلُها براحتِهِ الصَّباحْ

وأنا كآخِرِ شُرْفَةٍ يَرْمي عَلَيَّ

الورْدُ نَكْهَتَها ،

ويَشْرَبُ قَهْوةَ الأيّامِ منْ فنجانِها

الموتُ الُمتاحْ

هي جُزْءُ هذا الكُلّ

وجْهٌ في تضاريس الزَّمَنْ

هي شُعْلةٌ مِنْ بعضِ هذي النَّارِ

كنّا قَدْ رميناها .. ونَرْميها...

عصافيراً تَطيرُ بلا جوانحَ

خَلْفَ أَسْيِجَةِ الوطنْ

مَنْ ذا رآها

وهيَ تَلْبَسُ زَهْوةَ الأشجارِ

في عُرسِ الخُصوبةِ

تُنْجِبُ البابونجَ المَلَكيَّ

مِنْ وجَنَاتِهِ قَطَفَ الصًَباحُ نهارَهُ

قُبَلاً قُبَلْ

ظَلَّتْ تنامُ على سرير الشرقِ واقفةً

وتلكَ هي الحضارةُ

غيمُها يَروي الزمانَ إذا هَطَلْ

هيَ قريتي ...

ميدانُ معركةِ الطبيعةِ قريتي

وهي الحبيبةُ و الحقيقةُ

والحديقةُ والنّدى

هي سيفُ ملحمتي وتاجُ قَصيدتي

وأنا المُتَيَّمُ والمُحارِبُ والبَطَلْ

هي هذه الأفكارُ في جَسَد الكلامِ

تُريْدُ وَأْدَ قصيدةٍ برَمادِ أُخرى

ليس أكثرَ - يا تباريحَ الغمامِ- ولا أَقَلّْح

 

يُعد الأدب الصوفي واحدا من أكثر التجارب الأدبية والروحية عمقا في التراث العربي والإسلامي إذ لا يكتفي بتجميل اللغة أو استعراض البلاغة بل يسعى إلى تحويل الكلمة إلى جسر يصل بين الإنسان والمطلق وبين الظاهر والباطن وبين الجسد والروح. إنه أدب الرحلة الداخلية حيث يصبح النص سلوكا ويغدو المعنى تجربة معيشة لا فكرة مجردة. ومن هنا تنبع خصوصيته بوصفه أدبا يتجاوز حدود الزمان والمكان ليخاطب جوهر الإنسان في شوقه الدائم إلى الحقيقة والمحبة الإلهية.

نشأ الأدب الصوفي في سياق ديني وروحي اتسم بالزهد والبحث عن الصفاء الداخلي كرد فعل على مظاهر الترف والسلطة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا الزهد لم يكن انقطاعا عن العالم بقدر ما كان سعيا إلى إعادة ترتيب العلاقة معه عبر تطهير القلب وتحرير الروح من أثقال الأنا. ومع تطور التجربة الصوفية تحولت هذه الرؤية الروحية إلى خطاب أدبي ثري استخدم الشعر والنثر والرمز والحكاية للتعبير عن حالات وجدانية لا تستوعبها اللغة المباشرة.

المحبة الإلهية تشكل المحور المركزي في الأدب الصوفي فهي البداية والنهاية والغاية القصوى لكل سلوك روحي. الصوفي لا يعبد الله خوفا أو طمعا بل حبا وشوقا ولذلك جاءت لغته مشبعة بعاطفة عارمة تتخذ من مفردات العشق والهيام والسكر والفناء أدوات للتعبير. هذا التحول في اللغة من العبادة إلى العشق منح النص الصوفي طاقة شعرية عالية وجعل القارئ يعيش التجربة لا يكتفي بتلقيها. فحين يتحدث رابعة العدوية عن حب لا يشوبه رجاء ولا خوف فإنها تؤسس لثورة روحية عميقة تجعل العلاقة مع الإله علاقة قرب لا مسافة.

الرحلة الصوفية كما يصورها الأدب ليست مسارا سهلا أو خطيا بل دروب متعرجة مليئة بالمجاهدة والشك والاختبار. يبدأ السالك باليقظة ثم التوبة ثم المجاهدة لينتقل بين مقامات وأحوال تختلف من شخص إلى آخر. هذا المسار الروحي انعكس في النصوص الصوفية التي جاءت في كثير من الأحيان على شكل مناجاة أو اعتراف أو حوار داخلي. فاللغة هنا ليست وصفا للعالم الخارجي بل أداة لاكتشاف الداخل وكشف طبقاته الخفية.

الرمز يحتل مكانة جوهرية في الأدب الصوفي لأنه الوسيلة الوحيدة للتعبير عن تجارب تتجاوز العقل والمنطق. فالخمر ترمز إلى المعرفة الإلهية والسكر إلى الفناء في المحبوب والمرأة إلى الحقيقة المطلقة والسفر إلى السلوك الروحي. هذه الرموز ليست زخرفا بل ضرورة لأن التجربة الصوفية بطبيعتها عصية على القول المباشر. ومن هنا جاء الأدب الصوفي مفتوحا على التأويل متعدد الدلالات لا يُختزل في معنى واحد.

ويبرز الشعر بوصفه الشكل الأقدر على احتضان هذه التجربة لما يتمتع به من كثافة وإيقاع وقدرة على الإيحاء. في أشعار الحلاج وابن الفارض وجلال الدين الرومي تتجسد المحبة الإلهية في أبهى صورها حيث تختلط الذات بالمطلق ويذوب العاشق في المعشوق. هذه النصوص لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب القلب وتدعوه إلى المشاركة الوجدانية في التجربة. ولذلك ظل الشعر الصوفي حيا عبر القرون يتجاوز حدود الثقافة والدين ليصل إلى الإنسان بوصفه إنسانا.

أما النثر الصوفي فقد اتخذ أشكالا متعددة من الحكم والأقوال إلى الرسائل والسير الروحية. في كتب مثل إحياء علوم الدين للغزالي أو فتوحات ابن عربي نجد لغة تجمع بين العمق الفكري والإشراق الروحي. النثر الصوفي يسعى إلى تهذيب النفس وبناء الوعي الأخلاقي لكنه لا ينفصل عن البعد الجمالي إذ تتخلله صور واستعارات تجعل النص أقرب إلى التأمل الأدبي منه إلى الوعظ المباشر.

ما يميز الأدب الصوفي أيضا أنه أدب تجربة فردية لكنها ذات أفق كوني. فالصوفي ينطلق من ذاته ليصل إلى الإنسان المطلق ولذلك نجد في هذا الأدب انفتاحا على قيم التسامح والمحبة والسلام. المحبة الإلهية في التصوف لا تنفصل عن محبة الخلق لأن الجميع مظاهر للحقيقة الواحدة. هذه الرؤية الإنسانية جعلت الأدب الصوفي قادرا على الحوار مع ثقافات أخرى وأكسبته حضورا عالميا يتجلى في الاهتمام الواسع بأعمال الرومي وابن عربي وغيرهما.

في العصر الحديث أعيد اكتشاف الأدب الصوفي بوصفه ملاذا روحيا في عالم مضطرب تحكمه المادية والسرعة. كثير من الشعراء والكتاب المعاصرين استلهموا رموزه ورؤاه للتعبير عن قلق الإنسان الحديث واغترابه. فالتصوف لم يعد مجرد تجربة دينية خاصة بل أفقا إنسانيا يبحث عن المعنى في زمن فقدت فيه القيم الروحية حضورها المركزي.

إن الأدب الصوفي في جوهره دعوة إلى الرحلة نحو الداخل وإلى إعادة اكتشاف الإنسان في أنقى حالاته. إنه أدب لا يفرض إجابات جاهزة بل يفتح أبواب السؤال ويحث على السير. وفي زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب يعيد التوازن بين المادة والروح يظل الأدب الصوفي واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على ملامسة القلب وإضاءة دروب المحبة الإلهية بوصفها أسمى تجليات الوجود الإنساني.

ولتعميق النظر في الأدب الصوفي بوصفه رحلة روحية وجمالية لا بد من التوقف عند العلاقة المعقدة بين التجربة الصوفية واللغة. فالصوفي يدرك منذ البداية أن اللغة قاصرة عن احتواء ما يعيشه من حالات وجد وفناء واتحاد ولذلك يتعامل معها بوصفها أداة إشارة لا أداة تعريف. الكلمات في النص الصوفي لا تدل بقدر ما تلمّح ولا تشرح بقدر ما تفتح أفقا للذوق والمشاهدة. من هنا جاءت العبارات الصوفية محمّلة بالإيحاءات والانزياحات الدلالية التي تجعل القراءة فعلا مشاركا في التجربة لا مجرد تلقي سلبي.

هذا الوعي بحدود اللغة دفع كثيراً من المتصوفة إلى استخدام المفارقة والتناقض الظاهري مثل الجمع بين السكر والصحو أو الغياب والحضور أو الموت والحياة. هذه الثنائيات لا تعبّر عن ارتباك فكري بل عن عمق التجربة التي تتجاوز منطق العقل الثنائي. في الأدب الصوفي يصبح التناقض وسيلة لإيصال حقيقة لا يمكن القبض عليها بشكل مباشر. ولذلك كثيرا ما وُصفت نصوص الصوفية بالغموض في حين أن هذا الغموض هو انعكاس لطبيعة الموضوع لا لقصور في التعبير.

كما أن العلاقة بين الصوفي والزمن في الأدب الصوفي علاقة مختلفة عن التصور المألوف. فالزمن الخطي الذي يقوم على الماضي والحاضر والمستقبل يذوب في لحظة الكشف أو الحال حيث يتوقف الزمن وتتحقق المعاينة. هذا الإحساس بالزمن الروحي انعكس في النصوص التي جاءت غير خاضعة للتسلسل السردي التقليدي بل قائمة على الومضات واللحظات المكثفة. وكأن النص الصوفي يسعى إلى محاكاة التجربة نفسها في بنيته وشكله.

ولا يمكن إغفال البعد التربوي في الأدب الصوفي إذ لم يكن موجها للنخبة فقط بل لعب دورا في تهذيب العامة وتوجيههم نحو قيم أخلاقية وروحية سامية. الحكايات الرمزية والأمثال التي استخدمها المتصوفة مثل قصص الطير والسفر والبحث عن الكنز كانت وسيلة لتبسيط المعاني العميقة وجعلها قريبة من وجدان القارئ. وهنا تتجلى قدرة الأدب الصوفي على الجمع بين العمق والبساطة وبين الحكمة والجمال.

الأدب الصوفي أسهم أيضا في تشكيل الذائقة الجمالية العربية عبر تأثيره في الشعر والموسيقى والفنون البصرية. الإيقاع الداخلي للنصوص الصوفية واللغة المشحونة بالعاطفة أثّرا في الإنشاد والموسيقى الروحية كما ألهمت رموزه الفنون التشكيلية والزخرفية. هذا التداخل بين الأدب والفنون يعكس شمولية التجربة الصوفية التي لا تفصل بين الجمال والروح بل ترى فيهما وجهين لحقيقة واحدة.

وفي ضوء هذا كله يمكن النظر إلى الأدب الصوفي بوصفه ذاكرة روحية للأمة ومخزونا رمزيا لا ينضب. إنه أدب يذكّر الإنسان بعمقه المفقود وبقدرته على تجاوز السطح والضجيج نحو السكينة والمعنى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتزداد فيه القطيعة مع الذات يظل الأدب الصوفي دعوة مفتوحة إلى الإصغاء للصوت الداخلي وإلى السير في دروب المحبة الإلهية لا بوصفها هروبا من العالم بل عودة أعمق إليه.

***

د. عصام البرّام

دراسة نقديّة موسّعة في البنية اللغوية والجمالية والفكرية لنصّ الشاعرة فوزية شاهين

ينتمي نصّ «خارجُ نطاقِ الطِّين» إلى ذلك النمط من الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى تجاوز الإنشاد الوطني المباشر نحو بناء رؤية حضارية ـ وجودية تتخذ من الوطن فكرةً كونية لا جغرافيا فحسب. فالشاعرة لا تكتب مصر بوصفها أرضاً من طين، بل باعتبارها وعياً تاريخياً وروحاً رساليةً تتشابك فيها الأسطورة بالدين، والتاريخ بالهوية، والإنسان بالمعنى. ومن هنا يغدو النص مشروعاً تأويلياً مفتوحاً تتداخل فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحسّ الحداثي، ويتحوّل الشعر إلى خطاب معرفي يزاوج بين الجمالي والفلسفي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

يتميّز النص بسلامة لغوية واضحة تستند إلى معجم عربي فصيح مشبع بالإيحاءات التراثية، إذ تعتمد الشاعرة على تراكيب عربية أصيلة تقوم على الجملة الفعلية المتحركة والجملة الاسمية ذات النفس الإنشادي.

مثل قولها:

«نهرٌ من المعنى يشقّ ذهولنا»

الجملة هنا قائمة على استعارة حركية تجعل المعنى كياناً مادياً قادراً على الشقّ والغسل، وهو انزياح بلاغي يخرج اللغة من حدودها المعجمية إلى طاقتها التصويرية.

كما يظهر الإحكام التركيبي في انتظام العلاقات النحوية دون تعقيد أو غموض صناعي، فالقصيدة تعتمد اقتصاداً لغوياً دقيقاً؛ إذ لا نجد حشواً لفظياً بل كثافة دلالية.

الانزياح اللغوي حاضر بقوة عبر تحويل المجرد إلى محسوس:

الوعي يصبح وجهاً.

الزمن يرتدي.

الحجر يبوح.

وهذا ما يمنح النص طاقة تخييلية عالية.

2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

تحقّق الشاعرة فوزية شاهين توازناً واضحاً بين اللفظ والمعنى؛ فلا تقع في زخرفية البلاغة التقليدية رغم حضور القافية الموحدة.

نلاحظ مثلاً:

«ليس التراب هو المقدّس إنما

وعيٌ يحيل الأرض وجه نضارة»

هنا تنتقل اللغة من المادي إلى المفهومي، فتقلب مفهوم القداسة من الأرض إلى الإنسان الواعي. التعبير موجز لكنه مشحون بحمولة فلسفية.

كما أن اختيار المفردات ينسجم مع موضوع النص:

١- الطور.

٢- طوى.

٣- النبوءة.

٤- الخلود.

وهي ألفاظ ذات أفق ديني وحضاري يعزز الرؤية المركزية للنص.

3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تعتمد نظام الشطرين مع قافية موحّدة (ـاره)، وهو اختيار صعب؛ لأن القافية الواحدة قد تتحول إلى عبء إن لم تُحسن إدارتها.

غير أن الشاعرة نجحت في:

تنويع البنية الصوتية داخل القافية.

تفادي الرتابة عبر اختلاف البناء التركيبي.

الموسيقى الداخلية تظهر في:

١- التكرار الدلالي (مصر ـ النيل ـ الضوء ـ الفجر).

٢- الجناس الصوتي (نضارة / حضارة / منارة).

كما أن الجرس الصوتي قائم على الحروف المجهورة ذات الامتداد (الراء والهاء والألف)، مما يمنح النص نبرة احتفالية قريبة من الإنشاد.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1 ـ البنية الفنية للنص:

القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة تصاعدية تبدأ من الطين وتنتهي بالروح.

البنية تقوم على ثلاث مراحل:

١- نفي الطين بوصفه الأصل.

٢- استحضار التاريخ الديني.

٣- تثبيت الهوية الحضارية.

الشخصية المركزية ليست إنساناً بل «مصر» بوصفها كائناً حيّاً:

«لبس الزمان رداءها»

إنها أنسنة للوطن تجعل الزمن تابعاً له.

2 ـ الرؤية الفنية:

الرؤية هنا حضارية توحيدية؛ إذ تتعامل الشاعرة مع مصر باعتبارها ملتقى الرسالات.

فهي تستحضر:

١- تجربة موسى عند الطور.

٢- قصة يوسف الاقتصادية والسياسية.

٣- الضيافة الإبراهيمية عبر إبراهيم وسارة.

هذه الاستدعاءات لا تأتي بوصفها حكايات دينية بل باعتبارها طبقات رمزية تؤسس لفكرة «الأرض المختارة للمعنى».

3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

الدهشة في النص لا تقوم على الغموض بل على إعادة تعريف المألوف.

فالقول:

«كل اللغات تموت في أعتابها»

ليس مبالغة وطنية بقدر ما هو إعلان رمزي عن مركزية اللغة العربية بوصفها حاملة الذاكرة.

الانزياح الأكبر يتمثل في تحويل الوطن إلى فكرة ميتافيزيقية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1 ـ الموقف الفكري.

النص يطرح سؤالاً مركزياً:

هل القداسة في الأرض أم في الإنسان؟

وتجيب الشاعرة:

«وعي يحيل الأرض وجه نضارة».

إنها رؤية إنسانية أخلاقية تجعل البطولة مرتبطة بالفعل لا بالنسب.

2 ـ الأفق المعرفي

يتداخل في النص:

١- المرجع القرآني.

٢- التاريخ المصري.

٣- المخزون البلاغي العربي.

فذكر يوسف يربط مصر بفكرة العدالة الاقتصادية، وذكر الطور يحيل إلى الوحي.

3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

العلاقات الثنائية واضحة:

١- الطين / الروح.

٢- الحجر / النبوءة.

٣- الزمن / الخلود.

الطين هنا رمز للمادة الأولى، بينما «الخارج» هو الوعي.

إذن العنوان نفسه تأويل فلسفي:

الخروج ليس جغرافياً بل معرفياً.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1 ـ سياق النص:

النص ينتمي إلى لحظة عربية تبحث عن هوية وسط التحولات السياسية والثقافية؛ لذلك يأتي استدعاء التاريخ بوصفه طاقة مقاومة للانكسار.

2 ـ تطوّر النوع الأدبي:

القصيدة تستثمر العمود الخليلي لكنها تكتب بروح حديثة؛ فهي أقرب إلى «القصيدة الفكرية» التي تجمع بين خطاب محمود درويش والإنشاد الكلاسيكي.

3 ـ ارتباط النص بالتراث

النص يستعيد:

١- القصيدة المدحية.

٢- الشعر الرسالي الإسلامي.

لكنه يحررها من البلاط السياسي إلى المجال الحضاري.

خامساً: الأسس النفسية:

1 ـ البنية الشعورية

النبرة العامة تجمع بين:

١- الاعتزاز.

٢- القلق الحضاري.

٣- الحنين.

الشاعرة تتحدث من موقع الابنة لا المؤرخة.

2 ـ تحليل الذات المتكلمة.

الذات هنا ذائبة في الجماعة:

«أنا من شربت النيل حتى صرته».

إنه اتحاد نفسي كامل بالوطن.

3 ـ النبرة النفسية.

تتراوح بين:

١- الاحتجاج على الطغاة.

٢- الطمأنينة الروحية.

وهو ما يمنح النص توازناً عاطفياً.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:

النص خطاب مقاومة ثقافية ضد محاولات تفريغ الهوية.

فالقول:

«الأرض محض حجارة صمّاء إن لم يرو حرّ بالدماء دياره»

يحوّل الوطن إلى مسؤولية أخلاقية جماعية.

الشاعرة هنا فاعل اجتماعي لا مجرد مغنٍّ للذاكرة.

سابعاً: الأسس السيميائية:

الرموز الأساسية

١- النيل = الاستمرارية.

٢- الطور = الوحي.

٣- الفجر = التجدد.

الفضاء العمودي (السماء ـ الفجر ـ الضوء) يقابل الفضاء الأرضي (الطين ـ الحجر).

والصعود دائماً هو الحركة الغالبة.

ثامناً: الأسس المنهجية:

يمكن قراءة النص عبر:

١- المنهج الأسلوبي (البنية الصوتية).

٢- المنهج الرمزي.

٣- المنهج الهيرمينوطيقي.

والنص يسمح بهذه التعددية دون أن ينهار.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بثلاث قيم:

١- الإنسان الواعي.

٢- الحرية المرتبطة بالتضحية.

٣- الجمال بوصفه ذاكرة حضارية.

وهو نص مفتوح على التأويل؛ فمصر قد تكون:

١- وطناً.

٢- أو فكرة.

٣- أو روحاً إنسانية كبرى.

خلاصة نقدية:

«خارج نطاق الطين» ليست قصيدة وطنية بالمعنى التقليدي، بل بيان شعري حضاري يعيد تعريف الوطن بوصفه وعياً أخلاقياً وتاريخاً رسالياً. نجحت الشاعرة في الجمع بين اللغة الكلاسيكية المحكمة والرؤية الحداثية التأويلية، فخرج النص من حدود المديح إلى أفق الفلسفة الشعرية، حيث يصبح التاريخ مادة للمعنى، والإنسان شرطاً للقداسة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

خارجُ نطاقِ الطٍّين

هِيَ لم تَكُنْ طِينًا وكفَّ عِمَارهْ

بَلْ هَمْسَةٌ باحت بها القِيثَارَهْ

*

نهرٌ مِنَ المَعنى يَشُقُّ ذُهولَنا

عِبَرًا ، لِيَغسِلَ عن يديه غُبَارَهْ

*

يَبْنِي مِنَ الضَّوْءِ القَدِيمِ جِلَالَها

وَيَصُبُّ فِي كَأسِ الخُلُودِ نُضَارَهْ

*

كَانَت مَدَارًا لِلسَّمَاءِ، وَمَن نَأَى

عَن طُورِهَا، زادَ الطَّرِيقُ عِثَارَهْ

*

(مِصرُ) التي لَبِسَ الزمانُ رداءَها

فَغدَتْ لِكُلِّ العابرين منارَهْ

*

عبروا، وظَلَّ النيلُ يَكتُبُ سِرَّهُ

فوقَ السحابِ لمن سَلا أسرارَهْ

*

وعلى القِبَابِ صَلاةُ ضوءٍ لم تَزَلْ

تَبني على سقفِ الزمانِ حَضارَهْ

*

ليسَ التُّرابُ هو المُقَدَّسُ إنَّما

وَعـيٌ يُحيلُ الأرضَ وجهَ نَضارَهْ

*

ما قِيمةُ الوعيِ الذي لا يَنتَمِي

 لِيَدٍ تَرُدُّ عَنِ الحِمَى أَخْطَارَهْ؟

*

فَالأرضُ مَحْضُ حِجَارةٍ صَمَّاءَ إنْ

لم يَروِ حُرٌّ بِالدِّمَاء ديارَهْ

*

حجرٌ يَبوحُ، ولحظةٌ مَسكونةٌ

بِسؤالِ مَنْ جعلَ الخُلودَ شِعارَهْ

*

ما كانَ سِرُّكِ في الحِجارةِ وحدَهـا

بلْ في نبيٍّ أرضُه مُختارهْ

*

هِيَ فِكرةٌ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلصالِ كَيْ

تُهدي (لموسى) في الوجودِ قَرارَهْ

*

وَالطُّورُ يَشْهَدُ كَيْفَ كَلَّمَ رَبَّهُ

جهرًا ، وَأَوْدَعَ فِي (طوى) أذكارَه

*

(وَلِيُوسُفَ) الصِّدِّيقِ بَعْضُ حِكايَةٍ

في مصرَ.. حِينَ اسْتَنْطَقَتْ أَقْدَارَهْ

*

قَرَأَتْ خَزائِنُها نُبُوءَةَ قَلْبِهِ

فَأَزَاحَ عَنْ أُفُقِ المَدَى.. أَكْدَارَهْ

*

عَبَرَ السَّنَابِلَ جُوعُ كُلِّ مَدِينَةٍ

إِلَّا حِمَاها.. أَطْعَمَتْ زُوَّارَهْ

*

لا تَسألي التَّارِيخَ عَنْ أحداثِهِ

مِصرُ التي صَنَعَتْ له مِعيارَهْ

*

تَتَقادمُ الدُّنيا.. وأنتِ صَبِيَّةٌ

تُهدين (إبراهيمَ) نفحةَ (سارَه)

*

وَبِـ (مَارِيَا) نَسَبٌ تَعَالَى شَأْنُهُ

أَوْصَى النَّبِيُّ.. لتُكرِموا أصْهَارَهْ

*

فِي كُلِّ مِئذَنَةٍ نِداءٌ سامِقٌ

 اللهُ أكبرُ : يا حبيبُ أمارَهْ

*

وعلى بياضِ الفجرِ طلعٌ بَاسِقٌ

يَبني لِمَدِّ الرُّوحِ.. بَحْرَ طَهَارَهْ

*

لَمْ تستَلِفْ ضَوءًا، فَمِن أحشائِها

 وُلِدَ الـيَقينُ.. وشَكَّلَتْ أنوارَهْ

*

بحرٌ منَ الآمالِ يَجري خَلفَها

نيلٌ ويَنشُدُ عِندَها استِقرارَهْ

*

مِصرُ امتِدادُ الذَّاتِ في مِرآتِنا

وَجهٌ يُعِيدُ إلى الضَّميرِ وقارَهْ

*

لَوْ بَاعَ كُلُّ النَّاسِ نَبْضَ قُلُوبِهِمْ

مَا بَاعَ طِفْلٌ فِي حِمَاكِ جوارَهْ

*

أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالقَوَافِي رُحَّلٌ

فَرأيتُ نَبْضِيَ فِي ثَرَاكِ مدارَهْ

*

مَاذَا أَقُولُ وَفِي حُرُوفِيَ لَجَّةٌ

وَعَلَى الشِّفَاهِ المِلْحُ خَطَّ "مَسَارَهْ ؟؟

*

أَنَا مَنْ شَرِبْتُ النِّيلَ حَتَّى صِرْتُهُ

وَنَسَجْتُ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ عبارَهْ

*

قَد حارَتِ الأفكارُ في مكنونِها

سِرٌّ.. وَلَم ينلِ الطُّغَاةُ حِصَارَهْ

*

بَلَدٌ إذا انكَسَرَ الزمانُ رَأيتَهُ

يَبني مِنَ الرَّحمِ العَظيمِ فَخَارَهْ

*

مِلحُ الحَوادثِ لم يُجَفِّفْ ماءها

باقٍ هو الطُّوفانُ.. يُوقدُ نَارَهْ

*

هِيَ جودَةُ المَعنى، ومرفأُ غُربَةٍ

لِمُسافِرٍ جعلَ المدى أسفارَهْ

*

فاقرأْ بها لغةَ السُّكونِ، فإنَّها

نَطَقَتْ، وليسَ لِمَا تقولُ إشارَهْ

*

يا مِصرُ، والتَّأويلُ طِفلٌ عابِثٌ

يَلهو، ويَجعلُ سِرَّكِ استِبصارَهْ

*

يَا مِصْرُ، تَتْعَبُ فِي مَدَاكِ عيوننا

وَالقلبُ يُلْقِي عِنْدَكِ اسْتِغْفَارَهْ

*

هِيَ بَرزخُ الأرواحِ.. كُـلُّ قَصيدةٍ

عَطشى، تَرومُ مِنَ المجازِ غِمارَهْ

*

كلُّ اللُّغاتِ تَموتُ في أعتابِها

وِيَظَلُّ همسُ الضادِ فيك مزارهْ

*

يا مِصرُ.. لو جَفَّ الكلامُ بِرِيـقِنـا

لبقيتِ في ثَغرِ البشير بشارَهْ

*

الفجرُ يطلعُ مِنْ مَسَامِ ترابِها

لا يَستعيرُ مِنَ السَّما أنوارَهْ

*

يا مِصرُ.. والتَّارِيخُ يقرأُ سِفْرَهُ

تبقين في وجه العدوٍّ شرارَهْ

*

فالنِّيـلُ يَمشي في العُروقِ كأنَّهُ

نبضٌ.. يُعيدُ لِمَنْ يموتُ نَهارَهْ

*

إنْ كانَ لِلأمجادِ في الدُّنيا فَمٌ

كانتْ حُروفُكِ صَوتَهُ وشِعارَهْ

*

كَمْ مُعتِمٍ مَرَّتْ خُيُولُ جُنُودِهِ

فَانْهَارَ، وَانْتَصَرَتْ " عيالُ الحَارَهْ"

***

فوزية شاهين

 

يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي. وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي.

الروائي السوداني الطيب صالح (1929 - 2009)، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 - 2014)، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري، والصِّدام بين القديم والحديث، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص، ومَنظوره المُتميز.

عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم، وعمله في الخارج. هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية.

مِنْ جِهة أُخرى، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية. استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع.

في أعمال الطيب صالح، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ.

أمَّا ماركيز، فَيُقَدِّم الصِّراعَ الحضاري كقضية تاريخية ومُجتمعية، وليس قصية شخصية فَحَسْب. ويَظهر الصراعُ في العُزلة التقليدية للمجتمع، وتتَّضح الضغوطُ الحديثة التي تَفْرضها التحوُّلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهو يَستخدم السِّحْرَ والخيالَ لإظهار كيف أنَّ الصِّدام بين القديم والحديث لَيْسَ مُجرَّد صِراع فِكري، بَلْ هُوَ صِراع وجودي يُهدِّد استمراريةَ الثقافةِ نَفْسِها.

يَعتمد الطيب صالح على الواقعية النَّفْسية، والتحليلِ العميق للشخصيات، معَ لُغةٍ دقيقة وَسَلِسَة، تَحْمِل رَمزيةً ثقافية قوية، فَهُوَ يُعالج الصِّراعَ الحضاري مِنْ خِلال العلاقات الشخصية والوِجْدانية، مُستعينًا برمزية المكان ( مِثْل نهر النيل ) والزمانِ، ليعكس الانقسامَ الداخلي بين المَوْروث الثقافي والانفتاح على الآخَر.

بَينما يَستخدم ماركيز الواقعيةَ السِّحْرية، حيث تختلط الأحداثُ الواقعية بالخيال، ليعكس الصراعَ الحضاري على مُستوى المُجتمع بأكمله. وقوةُ ماركيز تكمن في تصويره للتحوُّلاتِ الكُبرى عبر الزمن، حيث تُصبح الشخصياتُ والأساطير جُزءًا من التاريخ الجَمَاعي، ولَيْسَ فقط تَجْرِبة فردية. هُنا يَكُون الصِّراعُ الحضاري شاملًا ومَلْحَمِيًّا، وليس شخصيًّا فقط.

يَتمحور صِراعُ الطيب صالح حول الهُوية والانتماء، حيث يُظهِر كيف أنَّ الإنسان في مُواجهة الحضارة الغربية الحديثة يعيش حالةً مِن الاغترابِ النَّفْسي والاجتماعي، مِمَّا يَجعله يُعيد النظرَ في جُذوره وقِيَمِه. وهذه الرُّؤية تَحْمِل نَقْدًا ضِمْنِيًّا للاستعمارِ الثقافي، معَ تسليط الضوء على أهمية الحِوار بين الثقافات دُون الانصهار الكامل.

أمَّا ماركيز، فَيتطرَّق إلى الحُرية الفردية والجَمَاعية والتاريخ والذاكرة، ويُظهِر كيف أنَّ الصِّراع الحضاري يُشكِّل جُزءًا مِن مصير المُجتمعات. السِّحْرُ في أعماله ليس هُروبًا من الواقع، بَلْ وسيلة لتكثيف الصراع الحضاري، وجَعْلِ القُرَّاء يُدرِكون تعقيدَ التغيُّرات الاجتماعية والسياسية، وتأثيرها على الفردِ والمُجتمع على حَد سَواء.

رَغْمَ أنَّ الكاتبَيْن يُعالجان الصِّراعَ الحضاري، إلا أنَّ هُناك فُروقات واضحة بينهما :

1_ الطيب صالح يُركِّز على الفردِ وانكساره أمام التحوُّلات الثقافية، معَ اهتمام بالبُعْدِ النَّفْسي والاجتماعي العميق.

2_ ماركيز يُركِّز على المُجتمعِ والتاريخ، ويَجعل الصراعَ الحضاري جُزءًا مِن النسيج الأُسطوري والتاريخي لأمريكا اللاتينية.

3_ أُسلوب الطيب صالح واقعي دقيق، بَينما أُسلوب ماركيز يَجمع بين الواقع والخَيالِ في تَكوين أدبي ساحر ومَلْحمي.

إنَّ دراسة الصِّراع الحضاري بين أعمال الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز تكشف عن أبعاد مُختلفة لتفاعل الإنسانِ مع التحوُّلاتِ التاريخية والثقافية. الطيب صالح يُقَدِّم الصراعَ كأزمة هُوِيَّة فردية ومُجتمعية في قلبِ العَالَمِ العربي والأفريقي، بَينما يُقَدِّم ماركيز الصراعَ كَمَلْحمة تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية، حيث تتشابك الأُسطورة والتاريخ والواقع.

في كِلا الحالتَيْن، يظلُّ الأدبُ مِرْآةً صادقة لِمُعاناةِ الإنسانِ أمام التغيُّرات والتحوُّلات، مُسَاهِمًا في تَعزيزِ فهم العلاقة المُعقَّدة بين الفردِ والمُجتمع، وبين التقليدِ والحداثة، وبين الشرقِ والغرب، وبين الحُلْمِ والواقع.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

من بلاغة الانزياح إلى أنفاس المعنى الخفي

ليس الشعرُ قولاً يُلقى على السمع، بل أثرٌ يتسرّب إلى الوعي من منافذ لا تُرى. إنّه اللغة حين تخرج من وظيفتها الإخبارية لتصبح حدثاً وجودياً، وحين تكفّ الكلمات عن أن تكون أوعيةً للمعنى لتغدو هي المعنى ذاته. ومن هنا يبدأ النقد الحقيقي للشعر؛ لا عند حدود الوزن والقافية، ولا عند زخرفة العبارة، بل عند اللحظة التي يحدث فيها الانزياح: تلك الحركة الدقيقة التي تبتعد بها اللغة عن مألوفها كي ترى العالم من زاوية أخرى.

فالبلاغة العربية القديمة، وإن لم تستعمل لفظ «الرمزية» بالمعنى الاصطلاحي الحديث، قد عرفت جوهرها مبكّراً. فحين تحدّث النقاد عن الاستعارة والمجاز والكناية، لم يكونوا يصفون مجرد محسناتٍ لفظية، بل كانوا يؤسّسون لوعيٍ بأنّ اللغة تمتلك طبقاتٍ خفيّة تتجاوز ظاهر القول. إنّ الاستعارة، في حقيقتها، ليست نقل كلمة من معناها إلى معنى آخر فحسب، بل هي انتقال الرؤية نفسها؛ إذ يصبح الشيء مرآةً لغيره، ويغدو العالم شبكة إحالاتٍ لا تنتهي.

لقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم أنّ جمال الشعر لا يقوم في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها. وهذا الإدراك يكاد يكون النواة الأولى لما سيسمّيه النقد الحديث لاحقاً بالبنية الدلالية. فالمعنى عنده لا يُعطى مباشرة، بل يُستنبط من ترتيب الكلام، أي من المسافة بين الكلمات لا من الكلمات نفسها. وهذه المسافة هي عين الانزياح.

ومن هنا نستطيع القول إنّ البلاغة التراثية لم تكن بريئة من الرمز، بل كانت تمارسه تحت أسماء أخرى. فالكناية تفتح باب الاحتمال، والاستعارة تخلخل الهوية الصلبة للأشياء، والمجاز يحرّر اللغة من سجن المطابقة. إنّها جميعاً أدوات تجعل النص الشعري مجالاً للغموض المنتج، لا للالتباس العقيم.

غير أنّ الرمز، بوصفه مشروعاً جمالياً كاملاً، بلغ ذروته في الشعر الأوروبي الحديث، خاصة لدى شعراء فرنسا الذين تمرّدوا على الواقعية العقلانية، ورفضوا أن تكون القصيدة تقريراً عن العالم. فقد رأى شارل بودلير أنّ الكون غابة من الرموز، وأنّ الأشياء تتخاطب عبر إشاراتٍ سرية لا يسمعها إلا الحسّ الشاعري. وهكذا لم تعد القصيدة وصفاً للطبيعة، بل ترجمةً للذبذبات الخفية التي تربط الإنسان بالمطلق.

ثم جاء ستيفان مالارميه ليذهب أبعد من ذلك، إذ لم يعد الرمز عنده طريقاً إلى المعنى، بل بديلاً عنه. فالكلمة لا تشير إلى الشيء، بل تستبدله. والقصيدة ليست نافذة على الواقع، بل عالماً مستقلاً يخلق قوانينه الخاصة. هنا يصبح الغموض ضرورة جمالية؛ لأنّ الوضوح الكامل موتٌ للشعر، إذ لا يبقى للقارئ دورٌ سوى التلقي السلبي.

وفي التجربة السوريالية، بلغ الانزياح حدّ القطيعة مع العقل المراقب. فالصورة الشعرية لم تعد وليدة التأمل الواعي، بل انفجاراً لاشعورياً يندفع من الأعماق مثل حممٍ بركانية. لقد سعى أندريه بريتون إلى تحرير اللغة من رقابة المنطق، لأنّ الحقيقة — في نظره — تقيم في الحلم أكثر مما تقيم في اليقظة. وهكذا صار النصّ الشعري جسداً يتنفس من خاصرته، لا من رئتيه؛ أي من مناطقه الهامشية والمسكوت عنها.

غير أنّ هذا المسار الحديث لا ينفي جذوره العربية، بل يعيد اكتشافها. فالشاعر العربي القديم، حين شبّه الأطلال بالكائن الحي أو جعل الليل كائناً ذا إرادة، كان يمارس ضرباً من الرمز الوجودي دون أن يسمّيه. إنّ الغموض الذي نجده في بعض نصوص المتصوّفة، مثلاً، لا يقلّ كثافةً عن الرمزية الأوروبية؛ لأنّه يسعى إلى التعبير عمّا لا يمكن قوله مباشرة.

إنّ نقد الشعر، في ضوء ذلك، لا ينبغي أن يكتفي بتفكيك الصور أو تعداد الأساليب، بل أن يسأل: كيف يولد المعنى من الانحراف المقصود عن اللغة اليومية؟ وكيف يتحوّل الغموض إلى طاقة كشفٍ لا إلى حجاب؟ فالشعر العظيم لا يقدّم رسالةً جاهزة، بل يخلق مجالاً للتأويل. وكل قراءةٍ حقيقية هي إعادة كتابة للنص داخل وعي القارئ.

إنّ التلامح الرمزي ليس زينةً تُضاف إلى القصيدة، بل هو طريقة وجودها. فالرمز يسمح للمعنى بأن يعيش أكثر من حياة، وأن يظلّ مفتوحاً على الأزمنة القادمة. لذلك فإنّ النصّ الشعري لا يُستهلك؛ لأنّه لا يقول شيئاً واحداً. إنّه يشبه نبعاً تتغيّر مياهه باستمرار، بينما يظلّ اسمه ثابتاً.

ولعلّ أعظم ما يفعله الرمز أنّه يعيد إلى اللغة براءتها الأولى. فحين يسمّي الشاعر الأشياء من جديد، لا يصفها كما هي، بل كما يمكن أن تكون. عندئذٍ يصبح الشعر فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعلٌ جمالي؛ لأنّه يحرّر الإنسان من أسر المألوف، ويفتح له أبواب الاحتمال.

وهكذا، فإنّ الانزياح ليس خروجاً عن اللغة، بل عودةٌ إلى جوهرها. والرمزية ليست غموضاً متعالياً، بل محاولة لإنقاذ المعنى من الابتذال. فالشعر — في نهاية المطاف — لا يتنفس من رئتَي البلاغة وحدهما، بل من خاصرة السرّ التي تجعل الكلمة أكثر حياةً من الواقع نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بين اللسانيات الحديثة وحكمة فقهاءِ العربية

إذا كانت اللسانيات الحديثة قد جعلت من العلاقة بين الصوت والمعنى موضوعاً للتحليل البنيويّ والعقليّ، فإنّ فقهاء اللغة العربية وأئمّة البيان سبقوا إلى إدراك هذا السرّ إدراكاً حدسياً عميقاً، حين تعاملوا مع الحرف لا بوصفه وعاءً شكلياً، بل كائناً دلالياً نابضاً. فاللغة عندهم لم تكن أصواتاً تُنطق فحسب، بل تجربةً شعوريةً تُسمَع قبل أن تُفهم.

لقد لمح الخليل بن أحمد الفراهيدي هذه العلاقة حين أسّس معجمه الصوتيّ على مخارج الحروف، مبتدئاً بحرف العين لأنّه الأعمق خروجاً من الحلق. لم يكن ذلك ترتيباً اعتباطياً، بل رؤية ترى أنّ الصوت أصلُ البناء، وأنّ معرفة موضعه في الجسد مفتاحُ فهم حركته في المعنى. فاللغة تبدأ من الجسد قبل أن تستقرّ في الذهن.

ثم جاء سيبويه فحوّل الصوت إلى نظامٍ علميّ دقيق، حين درس صفات الحروف وتقارُبها وتباعدها، وأدرك أنّ المخارج المتجاورة تُنتج ظواهر الإبدال والإدغام؛ أي أنّ اللغة نفسها تميل إلى الاقتصاد الصوتيّ، فتقرّب بين ما تقاربت طبيعته. وهذا الميل الصوتيّ ليس آلياً، بل يعكس نزوع العقل إلى الانسجام والسهولة، وهو ما يجعل القرب الصوتيّ جسراً إلى القرب الدلالي.

أما ابن جني فقد بلغ بهذه الفكرة ذروتها حين تحدّث عن «إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، وهي عبارة تكاد تختصر علم الرمزية الصوتية كلّه قبل قرون من نشوء المصطلح الحديث. فقد لاحظ أنّ العرب تميل إلى الأصوات الشديدة في التعبير عن القسوة والاصطدام، وإلى الأصوات اللينة في التعبير عن الرقة والانسياب. فالفرق بين «قضم» و«خضم» عنده ليس صوتياً فقط، بل حسّيٌّ أيضاً؛ إذ جعلوا القاف لما هو صلب، والخاء لما هو رخو. هنا يصبح الصوت صورةً مصغّرةً للتجربة الإنسانية.

ولم يكن البلاغيون بعيدين عن هذا الوعي؛ إذ رأى عبد القاهر الجرجاني أنّ المعنى لا يقيم في المفردة وحدها، بل في النظم؛ أي في العلاقة بين الكلمات كما تتآلف الأصوات في اللحن. فالتقديم والتأخير، واختيار الحرف دون غيره، ليسا زينةً أسلوبية بل هندسة دلالية. الكلمة عنده تشبه نغمةً موسيقية، فإذا تغيّر موضعها تغيّر الأثر النفسيّ كله.

ولعلّ ابن فارس قد اقترب من الفكرة البنيوية حين ردّ المفردات إلى أصولٍ معنوية مشتركة، فلاحظ أنّ تقارب الأبنية الصوتية يقود غالباً إلى اشتراكٍ دلاليّ. فالجذر عنده ليس مجرد اشتقاقٍ صرفيّ، بل نواة معنى تتشعّب عنها الكلمات كما تتشعّب الأغصان من أصلٍ واحد.

وإذا انتقلنا إلى الأدباء والفلاسفة، وجدنا أنّ الحسّ اللغويّ لديهم لم يكن أقلّ عمقاً. فقد رأى الجاحظ أنّ البيان هو مطابقة اللفظ للمعنى، وأنّ اللفظ القلق يفسد المعنى ولو كان صحيحاً. فالكلمة التي تثقل على اللسان تثقل على النفس أيضاً، لأنّ الإيقاع جزءٌ من الفهم.

وفي الفلسفة، يلتقي هذا التصوّر مع رؤية أبو حيان التوحيدي الذي جعل اللغة مرآة العقل، معتبراً أنّ فساد العبارة دليل اضطراب الفكرة. فالتباعد بين الحروف ليس خللاً صوتياً فحسب، بل علامة انفصال بين الفكر وتجربته الإنسانية.

أما الشعراء فقد مارسوا هذا العلم دون أن يسمّوه. فالقصيدة العربية الكبرى تقوم على اختيار الحروف قبل اختيار الأفكار. وليس غريباً أن نجد الأصوات المهموسة في لحظات الحزن، والأصوات المجهورة في مواطن الفخر والحماسة؛ لأنّ الشاعر يدرك intuitively أن الأذن باب القلب.

إنّ اجتماع اللسانيات الحديثة مع فقه اللغة العربية يكشف حقيقةً واحدة: الصوت ليس تابعاً للمعنى، بل شريكٌ في تكوينه. فحين نقرّب بين الأصوات نقرّب بين التجارب الإنسانية ذاتها، وحين نباعد بينها نخلق مسافاتٍ جديدة في الإدراك. اللغة إذن ليست نظاماً محايداً، بل ذاكرة حسّية وفكرية، تتحوّل فيها الحروف إلى جسورٍ بين العقل والعالم.

وهكذا يبدو أنّ علماء الغرب حين صاغوا نظرياتهم العلمية إنما أعادوا اكتشاف حدسٍ قديمٍ عرفته العربية مبكّراً: أن الحرف ليس صوتاً فقط، بل أثرُ معنى يمشي في الهواء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لذة وقلق: وأنا أقرأ قصائد الديوان الشعري «النوم على سرير الله»، بدا لي أن السرير؛ «سرير الله» هو علامة سيميائية كبرى تتقابل والعلامة السيميائية الصغرى «سرير الناس»، في الاختلاف التناظري يتوالد المعنى وفق مسارات القصائد، هل هي أمكنة السماء تتقابل وأمكنة الأرض من منظور الذات الشاعرة لتؤسس لدينامية حوارية شعرية جديدة تخدش المعنى وتُقشِّره قصيدة قصيدة.

إنتاجية شعرية: تكتيك طفل مُحبّ

صدر مؤخرا عن دار الدّراويش للنشر والترجمة بجمهورية بلغاريا الديوان الشعري «النوم على سرير الله» في طبعته الأولى، 2026، للشاعر المغربي «المصطفى حناني»*  المقيم ببلجيكا، وجاءت هذه الإنتاجية الإبداعية الشعرية في ثمان وثلاثين قصيدةً رامت تمثيل فنّ المخاطبة الشعرية المعاصرة للظرفية الاجتماعية العالمية الآنية وأيضا الظرفية المحلية المغربية، باعتبار أن الشّذرة الشعرية عند الشاعر أفضت إلى إنطاق الذات الشاعرة والناقدة في الوقت ذاته، هذه الذات التي أخذتنا في جولة داخل بعض المدن المغربية من خلال ضمير القصيدة وهو ضمير نقد النقد السوسيو-ثقافي، باعتبار أن المدينة «نصّاً مُركبا» (رولان بارث)، ليستضيح لنا الشاعر عن فضاءات كل من (مازاغان، آسفي، مراكش وموغادور)؛ في قصيدة «هنا المازاغان»، يقول:

«حيث نحت البرتغاليون القدامى أيامنا القادمة

الوقت الحاتل داخل جيوب الفقراء..» (ص، 26).

في قصيدة «آسفي»، يقول:

«في آسفي آسف قديم

يحمله قطار الفوسوفور الشاحب

(...) تحيا مواجع الحياة..» (ص، 27-28).

أيضا، في قصيدة «في الموغادور»، يُقاوِم الشاعر طفولته ليستحضر الذاكرة العادية، ويُقلّب في تحوّلات رمزية المدينة:

«في الموغادور تذكرتني نوارس الله

(...) ومن الجدران القديمة فقر واقف» (ص، 29).

حبّ الأمكنة عطر يستذكره الشاعر كلّما أحسّ بالعطش وحضرته الرغبة في الارتواء من حبّ الوطن، إنها محاورة الظمأ وشدّة الحنين الطفولي المشبع بالماء الأمومي للوطن، هل فقدنا ماء وطننا؟ أم هي كتابة تقابل الفراغ بالعطش لتعيد شيئا إلى المعنىالشعري، يقول في أول قصيدة:

"لم يسألني الفراغ

ولا غيره

لماذا تعود إلي...؟" (ص، 5).

في البدء يكشف لنا الشاعر عن حيرة عودته إلى حقل الكتابة الشعرية بعد إصداره للديوان الأوّل الموسوم ب: «آخر رقصات الطين» عن دار النشر سليكي أخوين، طنجة، 2021. وهي عودة تحمل قلق السؤال والتجديد في القصيدة الشعرية الحديثة ارتباطا بالحداثة لا بالزمنية التاريخية الآنية أي أنها تستمد قوتها من ماضي التجديد الشعري المنبثق من المشرق العربي وخصوصا العراق مع كل من الملائكة نازك وبدر شاكر السياب مرورا بالتطور والتبلور الحداثي مع أمل دنقل ومحمود درويش وأدونيس وأحمد المجاطي وشعراء من أقطار مختلفة، إذن هي الحداثة الشعرية أعتقد أنها قول تحديث في حقل سياسات المجتمعات التي أفقدتها الهزائم والحركات الاستعمارية قوتها وتوهجها، والقصيدة هنا هي محكي ظلال الله في مقابل ظلال الشيطان، وعليه الصراع داخل القصائد يتخذ شكل الحقيقة الورقية.

القصيدة الشعرية والحق في الحياة

مَسرَح الشاعر قصائده في علاقة بالبحث عن مُقوّم الماء، وهو بحث عن الحياة، في قصيدة «ذاكرة الظمإ» حيث تتمثل القصيدة عند الشاعر صوت المدينة المغربية الجريح صيفها/ شدّة حرّها مجازيا، وهي القصيدة التي تنظر وتصف وتصنّف الفضاء المديني صيفا، حيث تحضر كل مدينة باعتبارها علامات دالّة على شكل حياة تحوّل من الحسن إلى الأسوأ، وأن :«الصيف أسد الفصول/ والمطر معجزة يرتلها الغياب» (ص، 38). ومن منظور الشاعر، إن الظمأ هو اللا-حياة إنه شكل موت آخر، حيث إن الماء في القصيدة يغيب ليحضر «العطش السياسي» وهو شكل ظمأ أفسد الفضاءات الحميمية التي ذكرها الشاعر، وخصوصا فضاء «قصر الشوق» بواحاته التي تقاوم الموت بكبرياء النخل وصمود الراعي الذي شرّده شح المرعى/ شح تدبير الفضاء وسمّ السياسة المجالية التي أفضت إلى عقم شجرة الطلح، فهل هو إذن عقم «سرير الناس» الذي قطع مع استمرارية الحياة داخل المدينة المغربية في اختلاف جغرافيتها وهُوياتها، هي خمسة  فضاءات مغربية أفضت إلى تمثيل حيوات متشابهة تشكو الحرمان والفقر وبهذا تموت المدينة على سرير الناس وتستعيد ذاكرتها وتاريخها على سرير الله، فالشاعر يُصوّر الأمكنة بسخرية قاتمة وكأنها ركاما عمرانيا إسمنتيا فقدت روحها وكذلك فقدت القيم الإنسانية التي كانت تتشبع بها، هذه الأمكنة هي: (مراكش وسلا والرباط وفاس وقصر السوق (الرشيدية)، وتحضر مدينة الرباط من خلال رمزية «أسوار شالة» و «باب الحد» باعتبارها فضاءً للاحتجاج وصوت من ظلمتهم السياسة الفاسدة و«مكر قطط الخريف» وكأن الشاعر يؤسس القصيدة على قانون المقارنة الواقعية بين المدينة المغربية والمدينة الغربية المضمرة داخل القصيدة حيث أبقى الشاعر على تمثيل المدينة المغربية وحدها بشكليها العريق والحديث أي المدينة التي أنتجتها سياقات الاستعمار الفرنسي والغزو البرتغالي، وأن العلامة «القطط» تؤشر على التشرّد خارج مركزية الأمكنة، بمعنى اللا-نظام داخل النسق المديني والنسق القروي وخصوصا فضاء الواحات.

شعرية السرير: طفلٌ شاعِرٌ، شاعِرٌ طِفلٌ

بدءا من عتبة العنوان «النوم على سرير الله» يتبادر إلى الذهن شكل الاستعارات الجديدة التي تنفصل عن الاستعارات القديمة وعن الخرافة والفانتستيك والشعرية المُحبطة التي تستسلم إلى أطلال الذات، وجراحات اللا-قيمة الحياتية؛ في المقام الأوّل يتخذ العنوان التحاما قويا بالقصيدة الموسومة بنفس العنوان، حيث تنصهر جميع العلامات المادية في علامة واحدة وهي: "استحضار غياب روح البلد" وكأننا أمام غياب "الطفل"، يستبين الشاعر هذه الروح الغائبة وهي ظلال تُلهِم القصائد صدقية القول حين تحضر الأم والأب نكون أمام شفافية الاستعارات، يقول:

«أتعرفين يا أمّي!

حين كبرنا

كبر الليل معنا

وغابت شمس الصباحات

(..) يطرد الحلم من عيوننا». (ص، 13-14).

وفي قصيدة «مات أبي» (ص، 49)، يقول:

«مات أبي

ولم يعرف أحد منّا أين دُفن عشقه للوطن؟»

يصوّر الشاعر روايتين لموت الأب، الرواية الأولى يقول إنها رصاصة أصابت صدره في صباح خريفي، والرواية الثانية تقول، إنه مات شهيدا يدافع عن تراب وطنه، إذن هل هي قطط الخريف من أطلقت الرصاصة أم أن العدو كان متفوقا وهنا تقول الحكاية التاريخية أن العدوّ كان ضعيفا وأن أحصنة المغاربة كانت تعشق عطر البارود وتُحبّ نسائم أعلى قمم الجبال، تتناسل الرواية لتفضي إلى قول الشاعر: «مات أبي ولم يدر أنه مات» (ص،49). هل علامات الموت انقلبت إلى نوم في حضن سماء الله بعيدا عن سرير الناس؟ أم هي القصيدة اختزلت القضية العربية في صورة الأب، حيث إن الشاعر استحضر في بعض قصائده القضية الفلسطينية.

 في روح الأب/ روح الأرض:

النوم هنا هو نوم طويل استحضره الشاعر ليوقظ لدى القارئ الذاكرة المثقلة بالإحباطات والجهل وتمظهرات الحياة المزيّفة ومكر السياسة الجاهلة بقوانين التدبير والتسيير الجيد، أيضا القصائد تتوالد بفعل قوّة الذاكرة الحسيّة مرة ومرات أخرى من خلال ذاكرة الفضاءات التي وقف عليها الشاعر وهي فضاءات مُدمجة ضمن فضاء شامل وهو المغرب حيث تحضر الفضاءات الغربية الأوروبية لتمنح للقصيدة قوة المقارنة، باعتبار أن الذات تقيم بهذه الفضاءات أكثر من ربع قرن من الزمن، وهي إقامة دفعت بالاستعارات الجديدة أن تتخذ شكل حرية نسبية وقول خطاب مَحبّة مُوّجه للقارئ باعتبار أن القصيدة هي نقدا لواقع مثقل بالأحزان، في المقام الثاني بعدما تتزيّن بالجمالية الحداثية وهي «شعرية موت الرومانسية وانبعاث شعرية الموت»، البوح المقلق والمُزعج الذي يدفع باللغة إلى استيضاح الأخطاء وترهين الخوف بسبب محو الأمنيات والأحلام وملاحقات الذئاب. إن الخوف هو خوف طفولة، الشاعر استدعى زمنية الطفل الذي كان، وهنا يحضر ضمير الديوان أو ضمير «السرير» كعلامة دالّة على الفتوحات الاستعارية الحديثة للقصائد في مُجملها، كلّ سرير فهو ذلك الضمير الحيّ للأسرار التي نلتقيها نهارا بعدما كان ليل الشاعر منصهرا في الحياة الداخلية والخارجية واحتراق اللغة داخل اللغة وأيضا احتراق الجسد داخل الجسد واحتراق الطفولة داخل القصيدة لينبعث شاعر جديدٌ ويولد وعي تاريخي جديد.

المنفعة الشعرية الحديثة:

المنفعة هي مواضيع-قيمة طرحها الشاعر ضمن كونية مُصغرة تستضيح العلاقات العدوانية ارتكازا على الملفوظات الجيهية (شمال/ شرق/ جنوب/ غرب) حيث تتناسل القصائد وفق سخرية سياسية واقعية، لكن تحملها لغة راقية لتكشف لنا عن لغة ماكِرة وهي لعبة الخبث السياسي. وقد لعبت السخرية الشعرية دروا وظيفيا في ترهين حالات الفضاءات الممزقة مثل: هنا المزاغان/ آسفي/ مراكش/ موغادور/ فاس.. وفلسطين، يقول في قصيدته «أغنيتان للظلال الحمراء»:

«... لا تموت العزة

هنا غزة تتدوّر جوعا ولا تأكل من ثدييها

أبدا

يا أولاد القحبة أين منكم البشر؟» (ص، 34).

أيضا المنفعة طرحها الديوان وفق قصائد تكشف حالات الظلال باعتبار أن الظل معنى يحمل التأويل للذات الصانعة للظل/ الطفل، هنا يحضر ضوء الصدمة السريرية وكأن متخيل السرير يصنع وميضا أو برقا يتجه من الأعلى نحو الأسفل، فالشاعر العالِم بأسرار من وُلِدوا ومن ماتوا ومن دفنوا ومن لم يُدفنوا.. ومن هاجروا ومن رحلوا ومن كذبوا شعرا ومن صدقوا شعرهم، هي الظلال تتكرر أمامنا لتمثيل مشاهد جريئة في رحلة حياة القصيدة الورقية، وهنا الجرأة هي جرأة لغة تتسلل في هدوء فكري لتكشف حيوات ظلال في علاقة بتاريخ المجتمع المغربي.

الظلال جليد ورقي يشترط مغامرة نقدية علنية جريئة لتلج بقوّة عوالم الذوات والفضاءات الممزقة داخل هذا التاريخ، إنه احتراق الكاتب والقارئ معا ليتشكل الجليد لغة واضحة صافية.

كبرياء السرير:

نقول أرض الله، دنيا الناس، أرض الناس، سرير الله، سرير الناس؛ تتغير العلامات فتتغير الدلالات، الشاعر هنا أسلم الكتابة للضمير الحيّ ليُفَصِّلَ تَفصيلاً في الأحاسيس والانفعالات وفق حالات التوّتر والشدة والامتداد في الزمن والذاكرة، إن الضمير الحيّ يبتعد عن سرير الناس بمعنى هو ابتعاد عن كلام الناس ولو أنه كلام مقفى موزون له إيقاع موسيقي لكن لا يرقى لدرجة كلام الضمير الحيّ الذي هو كلام سرير الله، والنوم هنا ما إن تنتهي كل قصيدة من قصائد الديوان يحضر الاستقاظ ولو للحظة، وهي حالة الصحو والعودة العادية المؤقتة، ثم تعود حالة النوم وهي أحلام القصيدة الواقعية ذات الفكر المنفعي. سرير لا يصنع الحياة الجيّدة فهو سرير مُزوّر ومزيّف وعاهر بالمعنى التام للأخلاقية الإنتاجية الإبداعية، السرير الجيّد هو أمكنة الغزوات والحروب العادِلة إنه مجاز أمكنة أبطال اللغة الواضحة، أو كما يقول المثل المغربي: تولدنا فوق الخيل نموتو فوق الخيل، أي تولدنا  فوق سرير الله نموتو فوق سرير الله. القصيدة سرير الخيل الجامحة، القصيدة سرير العقل والقلب، القصيدة في ديوان النوم على سرير الله هي سرّ ضمير الشاعر المصطفى حناني.

إجمالا، رام الشاعر تجديد حبّه للهوية والأرض والإنسان المغربي والأمكنة بأسلوب مقلوب حيث النوم هو صحو واستفاقة طفل، طفل الله، أيضا القصائد هي يقظة لغة تمنح للروح الطفولية فسحة تمثيل أثر حقيقة، ومن منظور الظلال المتماسكة داخل القصائد فالشاعر يُمسرِح أشكال حيوات تتقاسم الفضاء المغربي في علاقة بحياة الآخر الغربي وكأن القصيدة إيديولوجية بريئة تحاور العقلين معاً العقل المغربي والآخر الأوروربي، وهذا ما يستدعي آلية التأويل للإمساك ببعض من المعنى الذي يشترط استحضار التاريخي في المقام الأوّل، إن النوم على سرير الله هي مطالبة بإعادة قراءة تاريخنا وتسريع طرائق إصلاح مواضيع-قيمة على هذه الأرض المغربية وعليه فالبدايات هي منح الإصلاح للطفل أولا وحفظ حياته من ملاحاقات الذئاب، يقول الشاعر في اقتباس متناغم مع الموروث الشعبي المغربي ليستضيح حالات خيانات الأرض وكيف أن مأساة موت الطفل هي مأساة جميع أطفال البسطاء الفقراء المحبّين بإخلاص أرضهم التي خذلتهم من خلال نسج علاقات سرية لا-عادلة اقتصاديا وسياسيا وتعليميا، أيضا خذلهم الشّعر المزيّف، يقول اقتباسا:

«ميلودة فينْ كُنتي قولِ لي فينْ دَرتِ لوليد

لحبيبة كِسْرا لِك كيفْ دَرْتِ حتى نْسيتي سعيد...؟»

وكأننا أمام نداء استعاري يستحضر الأرض –الحبيبة- وكيف لهذا الوطن أن ينسى أبناءه/ أطفاله الذين قال فيهم الشاعر: «فقراء هذا الوطن، أيتام عراة حفاة... شرّدتهم شعارات الزيف في نواميس الساسة» (ص، 50). ميلودة هي الأرض هي القصيدة التي تقول الحقيقة وتبحث عن ماء كتابة الحياة الجيّدة.

***

فؤاد بنبشينة

دكتوراه في الأدب، جامعة محمد الخامس بالرباط- المغرب.

..........................

* المصطفى حناني، شاعر مغربي من مواليد 1969، حاصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب عربي حديث، من جامعة المولى إسماعيل بمكناس سنة 1992، مقيم حاليا ببلجيكا في إطار البعثة التعليمية المغربية بالمهجر.

تنهض قصيدة: (أسير الشعر) للشاعر د. وليد العرفي (الفائزة بجائزة القوافي الذهبية باختيار حاكم الشارقة سمو الأمير: د. سلطان بن محمد القاسمي)، على تجربة وجدانية عميقة تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع اللغة، والذاكرة، والجرح الإنساني، لتصوغ نصاً يراوح بين التأمل الفلسفي والبوح الشعري، ويستند إلى نبرة ذاتية عالية تفيض بالأسى والحنين والوعي بوطأة التجربة. ومن خلال قراءة نقدية تتكئ على تحليل البنية الدلالية والصورية والإيقاعية، يمكن الوقوف عند أبرز السمات الفنية التي شكّلت ملامح النص، وجعلته أقرب إلى سيرة شعرية تتحدث بلسان شاعر يرى في الشعر قدراً لا مهرب منه.

تبدأ القصيدة بسؤال استنكاري مشحون بالدهشة:

"هل تسأل الريح عمّا موج البحرا؟

وتسأل النار عمّا أوقد الجمرا؟"

وهذا الاستهلال يشي منذ اللحظة الأولى بطبيعة النص القائم على المفارقة البلاغية، إذ يُحيل الشاعر إلى أشياء لا تُسأل عن أفعالها، لأنها جزء من طبيعتها. فالريح لا تُسأل عن هيجان البحر، والنار لا تُسأل عن اشتعال الجمر. وبهذا التقديم الرمزي، يُمهّد الشاعر للحديث عن الشعر بوصفه قوة فطرية داخله، لا يستطيع الانفصال عنها، كما لا تستطيع الريح أن تتوقف عن الحركة. إن هذا المدخل البلاغي يفتح الباب أمام رؤية فلسفية مفادها أن الشعر ليس اختياراً، بل هي قدر محتوم.

تتجلى الذات الشاعرة في البيت التالي بوصفها معذّبة بإيقاعها الداخلي

"يا حادي الشعر في إيقاع قافيتي

تبكي التفاعيل في ميزانها عسرا"

وهنا تظهر معاناة الخلق الشعري، إذ تتحول القافية إلى كائن حيّ، وتصبح التفاعيل كأنها تبكي، في إشارة إلى صعوبة الإمساك بالإيقاع وترويض اللغة. إن الشاعر لا يقدم صورة رومانسية سهلة عن الكتابة، بل يكشف عن توترها الداخلي، وعن الألم الملازم لعملية التشكيل الفني. وهذه النظرة تجعل من الشعر معركة يومية بين الشاعر واللغة، لا مجرد لحظة إلهام عابرة. وفي قوله:

"كأنني لم أكن رسّام لوحتها

ولم ألوّن حروفي من رؤى حبراً"

يبرز الإحساس بالاغتراب عن الذات، إذ يشعر الشاعر، وكأنه لم يشارك في صنع تجربته، الشاعر كأن الحروف تُكتب من تلقاء نفسها. وهذه الصورة تُعمّق فكرة (الأسر) حيث يبدو فيبدو الشاعر أسيراً لما يكتب، لا مالكاً له.

إن العلاقة بين الشاعر ونصه هنا علاقة مزدوجة؛ فهو صانع اللوحة، لكنه في الوقت ذاته يشعر بأنه مجرد أداة في يد قوة أكبر.

تتكرر في النص صور الانكسار والسقوط والتعب، كما في قوله:

"فكم هززتُ بجذع الحزن نخْلتها

فاسَّاقط الحرف من أغصانها شعرا"

فالحزن هنا يتحول إلى نخلة، والحروف إلى ثمر يتساقط. وهذه الصورة المركبة تنتمي إلى الحقل الرمزي الذي يجعل من الألم مصدر إنتاج شعري. فالشاعر لا يكتب إلا عندما يهزّ جذع الحزن، ولا يسقط الحرف إلا عندما يشتد الألم. إن هذه الاستعارة تكشف عن رؤية ترى في المعاناة الشرط الأساس للكتابة، وتربط بين الألم والإبداع برباط عضوي.

النص في رسم مسار ذاتي طويل مليء بالتعب والتجربة:يتابع

"وكم صعدتُ على درجاتها ولداً

وكم هبطتُ وليداً في الهوى عشرا"

إن هذا التناوب بين الصعود والهبوط يعكس حركة الحياة ذاتها، حيث لا استقرار ولا ثبات. فالشاعر يصعد طفلاً ويهبط وليداً، في صورة توحي بتجدّد التجربة رغم قسوتها. وكأن الشاعر يولد في كل مرة من جديد، لكنه يحمل معه إرثاً من الخيبات.

ومن أبرز ملامح القصيدة حضور المكان بوصفه ذاكرة وجرحاً في آن، كما في قوله:

لتنتشي كلماتي في مواضعها

تختال واحدةً إذ تزدهى أخرى:

فهنا تتحول الكلمات إلى كائنات تتحرك وتتنفّس وتختال، وكأن اللغة نفسها تمتلك حياة مستقلة. وهذه الصورة تدل على عمق العلاقة بين الشاعر وكلماته، فهي ليست مجرد أدوات، بل كائنات تشاركه تجربته وتعبّر عنه.

ويصل النص إلى ذروة وجدانية حين يقول:

"وما خطوتُ على آثار من سبقوا

إلا عبور طواف ذلك المسرى"

في هذا البيت يتجلّى الإحساس بالانتماء إلى سلسلة إنسانية ممتدة، فالشاعر لا يسير وحده، بل يتبع آثار من سبقوه، لكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة. وهذا البعد التأملي يجعل من القصيدة نوعاً من الاعتراف بأن التجربة الشعرية جزء من تاريخ إنساني طويل.

ويتعمّق النص أكثر في البعد الفلسفي حين يقول:

"وما عرفتُ سوى الآلام فلسفةً

وكيف من جرّحه في الروح أن يبرأ؟"

هنا تتحول الآلام إلى فلسفة، ويصبح الجرح شرطاً للوعي. فالشاعر لا يرى في الألم مجرد حالة عابرة، بل يراه مصدراً للفهم والتأمل. وهذا الموقف يعكس رؤية وجودية ترى أن المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من المعاناة.

ويستمر الخطاب في رصد العلاقة بين الحلم والواقع، إذ يقول:

"أرتّق الحلم بالآمال بارقةً   علّ التفرّق بين الناس لا يُدرى"

إن الحلم هنا هو الملاذ الأخير، وهو الضوء الذي يحاول الشاعر أن يتمسك به في مواجهة قسوة الحياة. وهذه النزعة التفاؤلية الخافتة تمنح النص توازناً بين الألم والأمل.

وفي القسم الأخير من القصيدة، تتصاعد نبرة الاعتراف، ويبدو الشاعر كمن يراجع مسيرته:

"فما الكلام بمجدٍ في علا نية

ولا الضمير يراضٍ سرّا"

إن هذه النظرة النقدية للغة نفسها تشير إلى وعي الشاعر بحدود القول، فالكلمات مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تشفي الجرح كاملاً. وهذه المفارقة تعمّق فكرة الأسر، فالشاعر محكوم بالكلام، لكنه يدرك عجزه.

وتختتم القصيدة بنبرة حميمية تقول:

"يا شعر ما زلت رغم الألم تسكنني

ومن عجيبي أني أعشق الأسرا"

وهنا تتكثف فكرة النص كلها في هذا الاعتراف النهائي. فالشاعر يدرك أنه أسير الشعر، لكنه يحب هذا الأسر. إنها علاقة متناقضة تجمع بين الألم واللذة، بين القيد والحرية. فالشعر هو سجنه وملاذه في آن واحد.

ومن الناحية الفنية، تتسم القصيدة بوحدة شعورية واضحة، إذ تدور حول محور واحد هو تجربة الشاعر مع الكتابة والحياة. كما تعتمد على لغة شفافة تميل إلى الرمز دون أن تغرق في الغموض، وتستند إلى صور مركبة تنبع من الطبيعة والذاكرة والوجدان. أما الإيقاع، فيتسم بالتماسك والانسجام مع الحالة النفسية، حيث تتناغم الموسيقى الداخلية مع المعاني المتوترة.

كما أن تكرار أدوات الاستفهام والنداء يمنح النص طابعاً حوارياً، وكأن الشاعر يخاطب ذاته أو الشعر نفسه، في محاولة لفهم سرّ هذه العلاقة المعقدة. وهذا الأسلوب يعزز البعد التأملي للنص، ويجعله أقرب إلى مناجاة داخلية ممتدة.

في المجمل، تكشف قصيدة "أسير الشعر" عن تجربة إنسانية ناضجة، تتداخل فيها الذات الفردية مع همّ وجودي أوسع. وهي قصيدة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحوّله إلى مادة فنية، وتعيد صياغته في صور موحية تجعل القارئ شريكاً في التجربة. إنها نص يقوم على صدق العاطفة، وعمق التأمل، وقدرة اللغة على احتضان الوجع وتحويله إلى جمال. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر نجح في تقديم نص يعبّر عن مأزق الشاعر المعاصر، الذي يجد نفسه أسيراً للكلمة، لكنه لا يملك إلا أن يحب هذا الأسر ويواصل الكتابة.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

جدليّةُ «المعنى» و«معنى المعنى» في عبقريّة العربية

ليست اللغة العربية مخزناً للألفاظ بقدر ما هي هندسةٌ للوعي، ولا تُقاس قيمتها بعدد مفرداتها فحسب، بل بقدرتها العجيبة على أن تجعل اللفظة الواحدة باباً إلى عوالم متعددة. ومن هنا نشأ التمييز الدقيق بين المعنى بوصفه الدلالة المباشرة التي تدركها الحواس، ومعنى المعنى بوصفه الأفق التأويلي الذي يتولد من المجاز والاستعارة والتصوير البلاغي، حيث يغدو الكلام أكثر مما يقول، ويصير الصمت نفسه جزءاً من البيان.

لقد أدرك فقهاء اللغة والنحو والبلاغة منذ وقت مبكر أنّ الكلمة لا تُستنفد عند حدودها المعجمية، وأنّ النص الحقيقي يبدأ حين تتجاوز العبارة ظاهرها إلى إشعاعها الدلالي.

أولاً: المعنى بين الإشارة والعبارة

المعنى في صورته الأولى هو ما يدلّ عليه اللفظ مباشرة؛ فإذا قيل: طلع القمر، فالدلالة الحرفية واضحة لا التباس فيها. غير أنّ العربية لا تكتفي بهذا المستوى، لأنّ العقل العربي — شعراً ونثراً وقرآناً — كان يبحث دائماً عن الطبقة الثانية من الإدراك.

فحين يقول الشاعر:

طلع القمر في وجهها.

لم يعد القمر جرماً سماوياً، بل صار رمزاً للجمال والاكتمال والنور الداخلي. هنا يولد «معنى المعنى». إنه انتقال من الواقع إلى التخيل، ومن التقرير إلى الإيحاء.

ثانياً: عبد القاهر الجرجاني واكتشاف العمق الدلالي

بلغ هذا المفهوم ذروته النظرية عند الإمام البلاغي الكبير عبد القاهر الجرجاني الذي جعل البلاغة قائمة على النظم لا على المفردة المفردة. فقد رأى أنّ المعنى الأول لا قيمة له إذا لم ينتظم في علاقة تُنتج دلالة ثانية.

فالقول:

"رأيت أسداً."

قد يكون خبراً عادياً.

أما:

"رأيت أسداً يخطب في الناس."

فإن الذهن ينتقل فوراً إلى الشجاعة والفصاحة والهيبة.

الأسد هنا ليس الحيوان، بل ما وراء الحيوان.

وهذا هو «معنى المعنى»؛ أي أن يصل المتلقي إلى مقصد المتكلم عبر طريق غير مباشر.

ثالثاً: النحاة وبناء المعنى قبل البلاغيين

ولم يكن البلاغيون وحدهم من وعى هذه الحقيقة؛ فالنحاة أنفسهم أسّسوا لها دون أن يسمّوها بهذا الاسم.

فالإمام سيبويه حين جعل السماع أصلاً والقياس تابعاً له، إنما أقرّ بأنّ الاستعمال البشري أوسع من القاعدة، وأنّ العرب قد تختار تركيباً لأنه أبلغ في الإيحاء لا لأنه الأيسر قياساً.

وكذلك فعل اللغوي العبقري ابن جني حين رأى أنّ اللغة فعلٌ عقليّ قبل أن تكون أصواتاً، وأنّ العدول عن القياس أحياناً حكمةٌ دلالية لا خطأ.

فالانحراف المقصود عن الأصل قد يكون الطريق الأقصر إلى المعنى الأعمق.

رابعاً: المجاز بوصفه اقتصاداً في الفكر

المجاز ليس ترفاً بلاغياً، بل اقتصادٌ معرفي.

فاللغة تختصر تجربة كاملة في صورة واحدة.

حين يقول العربي:

"اشتعل الرأس شيباً."

فهو لا يصف لون الشعر فقط، بل يستدعي الزمن والقلق والتجربة والانتظار.

جملة قصيرة تحمل عمراً كاملاً.

ولهذا كان البيان العربي يميل إلى التصوير؛ لأن الصورة تسمح بتعدد القراءة.

وهو ما فهمه الأديب الموسوعي الجاحظ حين جعل البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لا مجرد زخرفة لفظية. فالكلمة عنده تنجح حين تصيب النفس قبل الأذن.

خامساً: علماء الصرف ودلالة البنية

حتى الصرف — الذي يبدو علماً تقنياً — شارك في صناعة «معنى المعنى».

فالفارق بين:

قاتل.

قتّال.

مقتول.

ليس صرفياً فحسب، بل نفسياً أيضاً.

فزيادة الحرف زيادة في المعنى.

والوزن الصرفي يلمّح أحياناً إلى الكثرة أو المبالغة أو الاستمرار، فتتحول البنية إلى موقفٍ شعوري.

ولهذا قال علماء العربية إن الأبنية قوالب للمعاني، لأن الصوت نفسه يحمل دلالة.

سادساً: القارئ شريك في إنتاج المعنى

لا يولد «معنى المعنى» من الكاتب وحده، بل من القارئ أيضاً.

فقراء اللغة — من الأدباء والمتذوقين — هم الذين يوسّعون النص بقراءاتهم.

إن القارئ الذي يقف عند ظاهر العبارة يرى خبراً.

أما القارئ الذي يمتلك حساسية التأويل فيرى عالماً.

ولهذا تختلف قراءة النص الواحد باختلاف الثقافات والخبرات.

فالمعنى ثابت نسبياً، أما «معنى المعنى» فحيّ متجدّد.

سابعاً: العربية لغة الاحتمال الجميل

إن أعظم ما منح العربية قدرتها على البقاء هو هذا التوازن بين الضبط والانفتاح.

النحو يحرس المعنى من الفوضى.

والبلاغة تحرسه من الجمود.

فلو اقتصرت اللغة على المعنى المباشر لصارت تقارير.

ولو غرقت في الإيحاء وحده لصارت غموضاً.

بين الاثنين تولد العبقرية.

خاتمة: اللغة حين تصبح رؤيةً للعالم

إن «معنى المعنى» ليس مجرد مصطلح بلاغي، بل هو إعلان أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بتأويلها. فالكلمة العربية تشبه مرآةً ذات طبقتين: ترى فيها الشيء كما هو، ثم تراه كما يمكن أن يكون.

وهكذا ظلّت العربية — عبر فقهائها ونحاتها وبلاغييها وقرّائها — لغةً لا تكتفي بأن تُسمّي العالم، بل تعيد خلقه؛ لأنّ المعنى فيها بداية الطريق، أمّا «معنى المعنى» فهو أفقه المفتوح على احتمالات الروح والعقل معاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

صدرت رواية قواعد العشق الأربعون عام 2009 للكاتبة التركية البريطانية إليف شافاق باللغة الإنجليزية بعنوان The Forty Rules of Love، ثم تُرجمت إلى العربية، فكان لها في الفضاء الثقافي العربي وقعٌ خاص، إذ لامست وترًا روحيًا ظل طويلًا مهملًا في زحام السرديات المادية المعاصرة.

تعتبر هذه الرواية مشروعًا سرديًّا متكاملًا يستدعي التراث الصوفي ليعيد صياغته في أفقٍ إنسانيٍّ كوني، جامعًا بين التاريخي والآني، وبين التجربة الروحية والقلق الوجودي للإنسان الحديث.

تنهض الرواية على بنيةٍ مزدوجةٍ محكّمَة، تقوم على تقنية "الرواية داخل الرواية"، حيث يتجاور خطّان سرديّان يتبادلان الضوء والظلال.

 في الخط المعاصر، نتابع حياة إيلا روبنشتاين، ربّة المنزل الأمريكية التي استهلكها الروتين الأسري، وأفرغتها سنوات الزواج البارد من شغفها الأول بالحياة. تبدو كصورةً للإنسان المعاصر وقد انطفأت جذوته الداخلية، يعيش في انتظامٍ ظاهريٍّ يخفي خواءً روحيًا عميقًا. لكن حين تُكلَّف بقراءة مخطوطًا روائيًّا بعنوان «الكفر الحلو» لكاتب يُدعى عزيز زاهارا، تكون هذه القراءة شرارة التحوّل في مسار حياتها.

أما الخط الثاني فيعود بنا إلى القرن الثالث عشر، إلى قونية، حيث تتشكّل واحدة من أكثر العلاقات الروحية أثرًا في تاريخ التصوف الإسلامي:

العلاقة بين الشاعر والفقيه جلال الدين الرومي، ورفيقه العارف المتوهّج شمس التبريزي.

لا تقدّم شافاق هذه العلاقة بوصفها واقعة تاريخية جامدة، بل باعتبارها لحظة انفجار روحي أعادت تشكيل الرومي، فنقلته من مقام العالم المدرّس إلى أفق العاشق المتبتّل في حضرة المطلق.

بهذا التوازي السردي، لا تكون الرواية حكايتين منفصلتين، بل نسيجًا واحدًا تتعالق خيوطه في العمق. فالمخطوط الذي تقرؤه إيلا يتحوّل إلى مرآةٍ ترى فيها تشقّقات روحها، كما كان شمس مرآةً للرومي كشف له ما كان كامناً فيه من شوقٍ إلهيٍّ مكبوت. القراءة هنا ليست فعلًا معرفيًا فحسب، بل تجربة وجودية؛ إذ تغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الذات نحو ذاتها الأعمق.

تمنح تقنية "الرواية داخل الرواية" النصَّ بعدًا تأويليًا ثريًا؛ فالقارئ لا يكتفي بتتبّع الأحداث، بل يُستدرج إلى مساءلة نفسه. التاريخ، في هذا السياق، ليس زمنًا منقضيًا، بل طاقةً روحية قابلة للاستدعاء، كأن الماضي يسكن الحاضر في طبقاتٍ خفية، ينتظر لحظة انكشاف. وبهذا تكرّس شافاق مفهوم "الرواية المزدوجة" بوصفها فضاءً فنيًا يسمح بتداخل الأزمنة دون افتعال، ويجعل من الحوار بين القرون حوارًا بين حالتين إنسانيتين متشابهتين في جوهر القلق والبحث.

المحور الفلسفي للرواية هو "العشق" في معناه الصوفي؛ ذلك العشق الذي لا يقتصر على علاقةٍ بشرية، بل يتجاوزها إلى أفقٍ كونيٍّ رحب.

"القواعد الأربعون" التي يبثّها شمس ليست وصايا وعظية بقدر ما هي شذرات تجربة، نُسجت من معاناةٍ واحتراقٍ داخلي. العشق، في هذا المنظور، ليس انفعالًا عابرًا، بل طريق معرفة؛ هو الوسيلة التي يذوب بها الإنسان في المطلق، متحرّرًا من أثقال الأنا، ومن قيود الصورة الاجتماعية.

تستلهم شافاق روح التصوف الإسلامي في جوهره القائم على المحبة والتسامح والانفتاح. فشمس لا يدعو إلى هدم الشريعة، بل إلى إحياء القلب.. لا يسعى إلى تقويض الدين، بل إلى تحريره من قسوته الشكلية حين ينفصل عن جوهره الرحماني. العشق عنده فعلُ تحوّلٍ جذري، يهدم التصورات الجامدة ليعيد بناء الذات على أسسٍ من الصفاء والصدق. ومن هنا تغدو الرواية مساءلةً عميقةً للتدين الشكلي، ودعوةً إلى استعادة البعد الإنساني في العلاقة مع الله والناس.

في ضوء هذه الفلسفة، تلامس الرواية قضايا معاصرة بجرأةٍ هادئة:

التعصب، الخوف من المختلف، أزمة الهوية، اغتراب الإنسان في عالمٍ يقدّس المادة وينسى الروح. إيلا، التي تنتمي إلى سياقٍ ثقافيٍّ مختلف، تجد في تعاليم شمس ما يوقظها من سباتها. والرومي، الذي كان أسير مكانته العلمية والاجتماعية، يجد في صحبة شمس انعتاقًا من قوالب المعرفة الجامدة. كلاهما يختبر اهتزازًا وجوديًا يفضي إلى ميلادٍ جديد.

هذا التوازي لا يقوم على تشابهٍ سطحيّ، بل على وحدة التجربة الإنسانية: البحث عن المعنى.

إن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الجغرافيا، يظل كائنًا قلقًا، تتنازعه الرغبة في الطمأنينة والخوف من التغيير.

وهنا تتجلّى براعة شافاق في جعل الرواية التاريخية مرآةً للراهن، وفي إضفاء طابعٍ كونيٍّ على تجربةٍ صوفيةٍ محلية المنشأ.

يمكن ان نحيل انتماء الرواية، إلى فضاء الرواية التاريخية الروحية، وتتقاطع مع الرواية الفلسفية، بل وتستعير من تقنيات "الميتاسرد" حين تعي ذاتها بوصفها نصًا داخل نص.

 تعدد الأصوات السردية، وتناوب الشخصيات على رواية الأحداث، يمنح النص طابعًا بوليفونيًا/ متعدد الأصوات مما يثري الرؤية، ويكسر أحادية المنظور.

كل شخصية تروي جزءًا من الحقيقة، وكأن الحقيقة الكاملة لا تُدرك إلا من خلال تضافر الأصوات.

ومن أبرز ما تطرحه الرواية إعادة قراءة العلاقة بين الرومي وشمس بوصفها علاقة تحوّلٍ روحي عميق، لا مجرد صداقةٍ عابرة. كما تكشف الصراع بين الروحانية الحية والمؤسسة الدينية الجامدة، وتؤكد أن الحب يتجاوز الهويات الضيقة والانتماءات الجامدة. التغيير، كما توحي الرواية، لا يبدأ من الخارج، بل من ثورةٍ صامتةٍ في الداخل.. من لحظة صدقٍ يعترف فيها الإنسان بظمئه.

أما مصير شمس المأساوي، فيجسّد ثمن الاختلاف في مجتمعٍ يخشى كل ما يهدّد استقراره الظاهري. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، يعادي من يوقظه من سباته، ويقاوم من يكشف له زيف طمأنينته. وهنا تبرز الرواية بوصفها دفاعًا عن المختلف، وعن حرية الروح في أن تبحث عن طريقها الخاص.

تكمن قوة العمل أيضًا في قدرته على تحويل التصوف " الذي قد يبدو فلسفةً عصيّةً على التلقي " إلى تجربة إنسانية ملموسة. إيلا تمثل "الموت النفسي" تحت وطأة الواجبات والتوقعات الاجتماعية، وشمس يمثل الشرارة التي تحرق القوالب لتفسح المجال للحياة. دخوله حياة الرومي، ثم حضوره غير المباشر في حياة إيلا، يكرّس مبدأ عظيم الدلالة، الا وهو، أن التحوّل لا يأتي دون ألم، وأن الولادة الجديدة تقتضي احتراقًا.

لم تنجح «القواعد الأربعون» لأنها قدّمت نصائح دينية، بل لأنها صاغت دستورًا روحيًا يتجاوز الأديان والمذاهب. من بين أفكارها المركزية:

أن الآخرين مرايا نرى فيها ما يختبئ في أعماقنا، وأن التسليم ليس خنوعًا بل ثقةٌ عميقة في حكمة الوجود، وأن اللحظة الحاضرة هي المجال الوحيد الممكن للحياة. هذه الأفكار، على بساطتها الظاهرية، تمسّ حاجةً إنسانيةً أصيلة إلى السكينة والمعنى.

تتقاطع شافاق بإسلوبها السردي مع التراث الصوفي في لغته الرمزية، ومع تقاليد الرواية الغربية الحديثة في تقنياتها السردية. انها تجمع بين بساطة العبارة وشفافيتها، وبين كثافة الرمز ودلالته. كما انها توظّف العناصر الأربعة " الماء، النار، الريح، الأرض " بوصفها استعارات لمراحل التحوّل الروحي، في انسجامٍ بنائي يشي بوعيٍ فنيٍّ متماسك.

صحيح أن بعض النقاد رأوا في الطابع الوعظي لبعض "القواعد" مسحةً تقريرية قد تخفف من كثافة الفن، غير أن هذا الوضوح نفسه كان أحد أسرار انتشار الرواية، إذ جعلها قريبةً من القارئ العادي دون أن تفقد عمقها الدلالي.

 لقد استطاعت شافاق أن توازن " إلى حدٍّ بعيد " بين الرسالة الجمالية والرسالة الإنسانية.

في زمنٍ تتفاقم فيه الاستقطابات الثقافية والدينية، وتتعالى فيه أصوات الإقصاء، تكتسب مثل هذه الأعمال قيمةً مضاعفة. فهي تذكّر بأن الدين، في جوهره، محبة، وأن الاختلاف لا ينفي القاسم الإنساني المشترك. وفي عالمٍ يركض بلا هوادة، تعيد الرواية الاعتبار إلى التأني الروحي، وإلى الإصغاء للصوت الداخلي.

ليست "قواعد العشق الأربعون" حكايةً عن صوفيين مضوا، بل هي دعوةٌ مفتوحةٌ إلى أن يفتّش كل إنسانٍ عن "شمسه" الخاصة.. تلك اللحظة أو العلاقة أو التجربة التي توقظه من غفلته، وتعيده إلى ذاته. ومن هنا تتجاوز الرواية حدود المتعة الجمالية لتغدو فعل وعيٍ ومحرّك تحوّل، ورسالة عشقٍ في عالمٍ يتعطّش إلى معنى أعمق للحياة.

بهذا النفس الإنساني المتدفق، وبالرؤية المنفتحة على التراث والحداثة معًا، تثبت إليف شافاق أن الرواية قادرةٌ على أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، بين العقل والقلب.. وأن الأدب، حين يتصل بجذوة التجربة الصادقة، يغدو طاقةً روحيةً تُنير عتمة الإنسان وتدلّه على طريقه.

**

سعاد الراعي

اللاجئ الشرقي وصدمته في الغرب

ما الذي سيكون عليه موقف طالب اللجوء في الغرب ليثبت مصداقيته في التواصل مع من يختلف عنه دينيا وثقافيا، طالما أمسى الشك بمصداقيته من قبل الآخر مسبقا، وليس من السهل زحزحته أو تغييره؟ تفرض هذه التجربة أسئلة صادمة لروافد ثقافته التي تعوَّد على أن لا يضعها تحت المساءلة، باعتبارها شأنا طبيعيا، مثل الهواء والماء والشمس.

رواية «+15» للكاتب العراقي المغترب في فنلندا ياسين غالب، تتصدى في بنية خطابها الفني لمسألة اغتراب اللاجئ المسلم، وما يواجهه من تحديات تضع كينونته الإنسانية على المحك، خاصة أن ثقافته بكل سطوتها، تشكلت في بيئة تتقاطع معطياتها، في كثير من المواضع القيمية، أخلاقيا واجتماعيا عن بيئة اللجوء.

مشهدية سينمائية

يتقدم السرد في رواية «+ 15 «مستعينا بلغة ليِّنة تملك قوتها الإيحائية في استبطان دواخل الشخصيات، ما يجعلها تمسك بالصورة والصوت معا، كما لو أننا نتابع تفاصيل مشهد سينمائي واقعي، التقطته عدسة كاميرا بالغة الحساسية:» اقتربتُ من النافذة، وأخرجت يدي للخارج، لمستُ أولى قطرات المطر المتساقطة، أفركُها بإصبعي، كصبي يكتشف مَنيَّهُ.. الماءُ هو الماء.. شاهدت الباص يمر في الشارع العام رسَم قوسين مائيين جانبيين في الهواء، عندما مرَّ ببركةِ ماءٍ صغيرة كوَّنتها قطرات المطر، كانت قد تجمعت من الليلة الماضية، مع صوت تشششش فعلت بعض السيارات».

سياق الزمن

يتوزع المتن الحكائي على ستة فصول، يتحرر فيها سياق الزمن السردي من مساره الأفقي إلى حركة دائرية، لينتج شكلا جماليا فضفاضا، مكَّن المؤلف من تقطيع الزمن إلى فصول، بما أتاح له تتبع قصص عدد من طالبي اللجوء، الذين عبروا من تركيا إلى اليونان ومن ثم إلى النمسا وألمانيا والنرويج وفنلندا عام 2015. فقد حاول سرمد اللاجئ العراقي الذي عمل صحافيا في بلده قبل أن يهرب منه، الحفاظ على شغفه بالكتابة أثناء وجوده في»الكمب» فما كان منه إلاّ أن يصغي لقصص اللاجئين، لتكون مادة روايته المقبلة، مبتدأ بزملائه العراقيين الثلاثة الذين يشاطرونه الغرفة رقم»155» سعد، لطيف، مروان، إضافة إلى خامسهم اللاجئ الأفغاني أمير.

ما بعد القص

بنية النص قائمة على تقنيات سرد ما بعد القص»الميتافكشن»حيث تتشكل الرواية من نصٍ أوَّل يضم في داخله نصَّا ثانيا، وهذا يعني أننا أمام مؤلفَين، الأول: غالب ياسين المؤلف الحقيقي للرواية، والثاني: سرمد الطاهر المؤلف الافتراضي للنص الثاني داخل النص الأول، بهذه الحبكة سنقف عند بنية سردية مركبة من طبقات يتناوب فيها على سرد الأحداث إلى جانب المؤلف الحقيقي والافتراضي، الشخصيات الرئيسية «لطيف، مروان، سعد، ليلى، أمير». ويشكل سرمد لوحده شخصية ثنائية من حيث الدور السردي الذي يلعبه، فبالإضافة إلى كونه المؤلف الضمني/السارد للأحداث في نَّص الرواية الثاني، فهو يمثل شخصية محورية في نَص الرواية الأول.

محنة الاغتراب

ابتداء من أول سطور الصفحة الأولى في الفصل الأول سنقف أمام شخصية لطيف الذي كان في المرحلة الأخيرة من دراسته للطب، قبل أن يغادر العراق، ليعبِّر عمَّا يدور في داخله، كاشفا عن إشكالية علاقته الاغترابية مع الزمكانية، بينما يكون جالسا في المترو صباحا، قاصدا الوصول إلى مكان عمله في العاصمة الفنلندية هلسنكي. فبدت حالته النفسية على درجة عالية من التوتر، تعكس حالة غضب شديد تسيطر عليه، إزاء ما يصدر من ردود أفعال لامبالاية من قبل ركاب المترو المنطلق بسرعة كبيرة، كما لو أنها إيحاء بسرعة جريان الزمن الخارجي، ومعادل موضوعي لبطء حركته داخل شخصية سرمد:» لِمَ تتباعدون عنّي؟ أنا لست خطرا، أنا أضعف من أن أؤذي فراشة، أنا هولوغرام «.

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية

فانتازيا سردية

بناء السرد قائم على تعددية الأصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم، اعتمادا على الشخصيات الست الرئيسية «لطيف، سعد، أمير الأفغاني، مروان، ليلى، سرمد»وكل فصل من الفصول الستة تنفرد فيه إحداها، لتسرد من وجهة نظرها أحداثا مرت بها في سفر رحلة اللجوء، والفصل السادس والأخير يتولى سرمد المؤلف الضمني، سرد حكايته، باعتبارها حكاية الآخرين وعنهم في آن، بذلك تكتمل دائرة السرد.كما أن هناك مساحة سردية لشخصيات ثانوية، مثل فيصل الكويتي، هانو الرجل الفنلدني العجوز وحِصَانيه «تيو وورها».

وبنقلة فانتازية يعمد المؤلف الضمني إلى أن يشارك الحصانين في لعبة السرد نيابة عن صاحبهما العجوز من بعد أن يموت في دار المسنين، وكان لطيف يتولى رعايته متطوعا، ليسرد الحصانان ماشهده العجوز مع عائلته من احداث اثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان طفلا، وعلى لسانهما تتعرى جرائم مخيفة ارتكبها الجيش السوفييتي في فنلندا بحق المدنيين، حتى أنهم أوشكوا على طبخ العجوز هانو عندما كان طفلا لسد جوعهم.

هذه النقلة السردية الفانتازية في بنية النص الضمني تستمد منطقية حضورها من تعاطي لطيف للحشيش السويدي، فتنفلت ذاكرته من أسرها، لتنطلق خيالاته حرّة من قيود المنطق، فتختلط الوقائع بما هو متخيل، ولنقف أمام مقاربة فنية تفضح وحشية الحرب، سواء في فنلندا تحت سلطة الجيش الأحمر السوفييتي، أو في مدينة الفلوجة العراقية التي جاء منها لطيف هاربا بعد أن سيطر عليها تنظيم «داعش».

دائرية الزمن السردي

يتحرك الزمن السردي متنقلا بين مستويات زمنية متراكبة ومتداخلة أحيانا، فينسل منها الحاضر إلى الماضي، ومن ثم يعود بنا السرد إلى الزمن الحاضر في حركة متوالية سريعة لا تتوقف، كما لو أننا نتابع تقطيعا مونتاجيا سينمائيا، يتدفق بسرعة وحيوية، فالسرد يأتي ضمن مسار دائري، قوامه مجموعة أصوات تتناوب على نسجه، وتتسع هذه الدائرة لتشمل حتى الحصانين تيو وورها، وعلى ذلك فإن المؤلف قد وسّع من فضاء السرد ليجنح إلى بنية فانتازية، ليكون لهذه البنية التخييلية بكل جنوحها دور في صياغة المبنى الدلالي للسرد.

أزمة الشخصيات

تعيش الشخصية المسلمة اللاجئة في أوروبا أزمة حقيقية مع ذاتها، تضعها أمام مفترق طرق، إما أن تختار القطيعة مع الآخر والانزواء إلى الداخل، أو أن تطَوي الماضي بمحمولاته وقداسته وتنخراط بحاضر يتقاطع مع الماضي، وقد شكلت هذه الفكرة متن خطاب الرواية، وتم التعبير عنها بشكل صارخ في شخصية»مروان»الذي لم يتردد في أن يبيع جسده لنساء مسنات ومثليين، ما أن وطأت قدماه مدينة هلسنكي، فالمهم بالنسبة له أن لا يعود إلى بغداد، وأن يقدم قصة قوية يقنع بها اللجنة بمصداقية خوفه على حياته من خطر الاستهداف بالقتل، إذا ما تم رفض طلب لجوئه وأُعيدَ إلى بلده، ومثله أيضا «ليلى»المتزوجة من»أكثم»إذ لا تتردد في أن تقيم علاقة عاطفية مع الباحث الاجتماعي الفنلندي»فيلبي»لأجل أن تحصل على الإقامة، مع انها تزوجت عن حب، رغم فارق المستوى التعليمي بينهما، فهي تحمل شهادة بكالوريوس من كلية الآداب وتكتب القصة والشعر، بينما زوجها لا يحمل شهادة جامعية، فتتعرض علاقتها في مجتمع اللجوء إلى هزات قوية، ولأسباب تافهة، وتكتشف عبر علاقتها مع فيلبي معنى الحب ومعنى أن ترتبط برجل مدى الحياة، فتستيقظ الأنثى المسحوقة بفحولة وشهوانية الرجل في داخلها، وتدرك أنها ليست أكثر من موضوع جنسي للزوج ساعة يكون سعيدا أو تعيسا، ولانَّ الغرب يدعم المرأة في حقوقها، تبدأ تمرينها على التمرد.

نهايات بائسة

العديد من اللاجئين يفشل في العثورعلى وسائل مشروعة تدعم بقاءه في بلد اللجوء، فينتهي إلى نهايات بائسة مثلا «شياو»الكردي يتحول إلى بائع مخدرات، ومهاجر أفغاني يحرق نفسه داخل غرفته في»الكمب»ويكون الانتحار أيضا خيار العراقي»لطيف»، ولم يكن مصير»سرمد» أفضل حالا من بقية الشخصيات رغم أنه أكبرهم سنا وأكثرهم ثقافة ولكن مقتل شقيقه الأصغر برصاص القوات الأمنية العراقية أثناء مشاركته في التظاهرات، يدفعه إلى اتخاذ قرار سريع بالعودة إلى العراق، خاصة بعد أن طاله اليأس من الحصول على الإقامة، ورغم أن بطاقة الإقامة تصله بعد قرار الرجوع، إلا أن نهاية الرواية تبقى مفتوحة، فلا نعرف إن كان سيعود أم سيبقى؟

الجسد هنا والروح هناك

أزمة الشخصيات الرئيسة تكمن في أن أجسادهم فقط تعيش في بلد اللجوء، بينما أرواحهم تقيم هناك، في الصحارى التي جاؤوا منها، العراق وأفغانستان والكويت(فيصل كويتي من شريحة البدون)ورغم أن أوطانهم ضاقت بهم، وحاصرتهم بالخوف والموت وانعدام الأمل، إلاَّ أنها مازالت تفرض سطوتها على مشاعرهم وأفكارهم وأنماط عيشهم.ولا تنتهي رحلة شقاء الشخصيات حتى بعد أن يصل بها المطاف إلى الملاذ الآمن، بل تتضاعف مشاعر ارتباطهم العاطفي بالمكان الذي هربوا منه، وتنمو في الروح لتصبح هاجسا يلازمهم، كلما هربوا منها، حتى روائح الأشياء من ثياب وتراب وحقول وأزهار تبقى عالقة في الذاكرة، فرائحة الحشيشة التي يتعاطاها أمير تذكره برائحة عظام أجداده في أفغانستان. ويبقى مشتتا بين إحساسه بضياع كرامته ورجولته عند عجوز فنلندية، تستغل حاجته للمال والأمان والدفء فتغتصبه، فما بين بحثه عن أخبار تطمئنه على شقيقه الأصغر بعد أن اعتقلته عناصر طالبان، وخشيته من أن يبيعونه لأحد زعماء القبائل ليستمتع به، لا نجد فرقا بين مصيره ومصير شقيقه لأن كلاهما مغتصب. والغربة هنا مثلما هي هناك، وإذا ما كانت في الأوطان أشد قسوة، فالاندماج أيضا ليس هيِّناً، ولن يتحقق بمجرد أن يقرر اللاجئ، إنما يحتاج إلى مكاشفةِ ذاته لذاته لتنهار الحواجز التي تعزلها عن نفسه وعن الآخر، وهذا ما بدت عليه شخصية «لطيف»عندما انخرط في العمل التطوعي في دار رعاية المسنين لمدة عام كامل، ومع ذلك كان يشعر باغتراب حاد ناجم عن انزواء الآخرين في عوالمهم الذاتية، وما كان يلمحه من مشاعر الارتياب على وجوه السكان الأصليين تجاه المهاجرين خاصة القادمين من الشرق، ليكتشف أن الكثير من الغربيين لا فرق بينهم وبين الشرقيين، فهم أيضا لديهم قناعات متوارثة يغلب عليها اللامنطق، تجعلهم يدورون في مكان واحد مثل الشرقيين.

يأتي عنوان الرواية»+15 «بمثابة تحذير لمن هم دون هذا السن بان يتجنبوا قراءتها، لانها اقتربت كثيرا من عوالم المثليين، ولامست في لغتها جوانب من أسرار حياتهم الجنسية.

***

كتب: مروان الدليمي

اليهودي شايلوك أنموذجاً

يعد تاريخ الأدب العالمي مجساً مهماً في كشف التحولات التي تطرأ في السياسة وغيرها من المجالات التي تستخدمها السلطة في تحقيق مآربها على المستوى التاريخي؛ كون أنّ الأدب يعد من صور الكشف الحقيقية للمتغيرات العالمية، كونه يرصدها ويبين متغيراتها على مر التاريخ. لذا، فإن في حقيقة تحول أي ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، وخاصة التي لها جذور تاريخية بعيدة راكزة في الوعي الجمعي السلبي، والتي تتحول فيما بعد إلى ظاهرة أخرى لها تأثير في العالم ونظامه، تثير هذه التحولات علامات استفهام حول هذه التغيرات التي حصلت مع أي ظاهرة على مر التاريخ.

ومن خلال دراسة بعض الصور التي وثّقها الأدب المسرحي بصورة خاصة، والمنظومات الأخرى من علم الاجتماع وعلم النفس وحتى الأخلاق في القرون السابقة، يتم الكشف عن طبيعة المنظومات الإنسانية المختلفة وما لها من دلالات تبيّن طبيعة السلوكيات في السابق، والتغيرات التي حصلت على مستوى الأنظمة في العالم بصورة عامة، وفي الجزئيات المطبقة في أنظمة الشرق الأوسط بصورة خاصة في الوقت الحاضر.

إنَّ من بين هذه الصور التي تمت فيها عملية التحول هي شخصية المنبوذ المهمش في كثير من القرون والعقود، وما ساقته لنا هذه الدلالات التاريخية من تصورات لواقعه فيما سبق، وبين ما هو عليه الآن، ومنها الشخصية اليهودية المؤثرة اليوم في صناعة الحدث من خلال تشكيل النظام العالمي الجديد، وما يخفيه هذا التحول من سيطرة في تكوين الوعي على مستوى الأنظمة السياسية، وخاصة عند بعض من سار في أفق هذه الشخصية وسياساتها المختلفة.

ومما لا شك فيه أن ما قُدّم من خلال الأدب والفن في القرون الماضية خير شاهد على أن هذه الشخصية كانت تعيش في تهميش عالمي وفي حالة من العزلة على المستويين الأوروبي والعالمي، مما جعلها تظهر بشكل علني في أهم مسرحية تناولت مثل هكذا شخصية، وهي مسرحية (تاجر البندقية) التي ألّفها الكاتب المسرحي الشهير (وليم شكسبير)، معطية دلالة واضحة لطبيعة هذه الشخصية التي مثلت المجتمع اليهودي آنذاك، كونه مجتمعاً يقبع في درجات متأخرة في السلم البشري في النظام العالمي القديم.

في هذا الجزء سنناقش هذا التحول الذي يعد من أولويات التغير في النظام العالمي الجديد، وخاصة بعد انحسار الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وظهور دول عظمى حاولت أن ترسم شكل النظام العالمي الجديد. وهذه الشخصية هي من أساسيات الظهور في هذا النظام الجديد بمظهر مختلف عما سبق لها، وهي التي تصنع الحدث الجديد بشكل معكوس لصورتها السابقة. ولكن لماذا أصبح التحول في هذه الشخصية واضحاً بعدما كانت متراجعة فكرياً وإنسانياً؟ وكيف استطاع هذا التغيير أن يمحو الصورة السابقة كما هي في مسرحية (شكسبير) التي ستكون جزءاً مهماً في حديثنا عن هذه الشخصية؟

يرى (شكسبير) في هذه المسرحية أن (شايلوك) -الشخصية اليهودية التي تسكن مدينة البندقية- هي شخصية تعمل على مبدأ السيطرة على التجار المسيحيين من خلال إقراض التجار في هذه المدينة بمال الربا وبشكل جشع، كما تصور المسرحية الحدث، مما يجعل قلوب تجار البندقية وأهلها في غضب وازدراء دائم لهذه الشخصية، وخاصة الشاب الذي يدعى (أنطونيو). وهذه العداوة والبغضاء تزداد بين الطرفين (شايلوك وأنطونيو) عندما يلتقيان في السوق وتصدر من الشاب كلمات فيها تأنيب لـ(شايلوك) اليهودي ومنها: "كافر، وكلب، وسفاح". وهذه الكلمات يعيدها اليهودي عندما يريد الشاب أن يقترض المال منه بعد ظروف يمر بها (أنطونيو). وتدور الأحداث في المسرحية وتتضح صورة اليهودي (شايلوك) بكل طباعها كما يصورها (شكسبير)، وتنتهي الأحداث بانتصار الشاب الذي تحكم له المحكمة بعدم قطع رطل من لحمه، كون ذلك يتعارض مع ما كُتب في الصك الخاص بالاقتراض دون أن تراق قطرة دم واحدة؛ إذ إن إراقة الدم تعرض (شايلوك) إلى مصادرة ماله وممتلكاته بحكم قانون مدينة البندقية (1). هذه الأحداث تبيّن حقيقة الشخصية اليهودية في أوروبا في القرون الماضية، ونحن نحاول في هذا الفصل أن نتحقق من طبيعة هذه الشخصية ومدى مصداقيتها على الشخصيات اليهودية في السابق.

إنَّ هذه الشخصية في مسرحية (تاجر البندقية) التي قُدمت مرات عديدة في المسارح الغربية، وخاصة في أوروبا وبالأخص في بريطانيا العظمى أيام (شكسبير)، كانت صورة طبيعية لهذه الشخصية وواقعها المصور. ثم إن هذه الشخصية وما تعانيه في السابق من انعزال وشراسة في التعامل مع كل من يحاول الاقتراب منها والمحافظة على كيانها، هي في الأصل تعاني من كونها منبوذة في المجتمعات بسبب ما تضمره تجاه الآخرين من أفعال توحي بطبيعتها. وما وصلت إليه الحالة النفسية لهذه الشخصية تتبين طبيعته من خلال تعاملها مع الوسط المحيط بها في دول أوروبا، التي تتمتع بأنها صاحبة الامتياز في النظرة الثقافية وما حملته فيما بعد من تطور علمي غزت من خلاله العالم وسيطرت على دول كثيرة.

لكن هذه الشخصية بقيت على حالها، بل زادت في عزلتها بسبب العزل الذي مارسته على نفسها عن المحيط الاجتماعي من غير أبناء جلدتها. وعلى الرغم من أن عدد اليهود كان قليلاً مقارنة بعدد سكان أوروبا، لكن هذا العدد القليل كان له الأثر الاجتماعي الذي جعل أشهر كتاب أوروبا والعالم يتناولهم ويجعل من طباعهم وتعاملهم حدثه الرئيس في المسرحية؛ كون (شكسبير) وغيره من المتمعنين في هذه الشخصيات، رغم قلتها، وجدوا لها أثراً واضحاً في التأثير على كشف حقيقة وطباع الأفراد والجماعات، ونقل الطريقة التي يفكرون بها، وبيان مجالهم العاطفي الذي يميزهم من خلال السلوك الواضح والمعبر عن غيرهم. هذه الأفكار العاطفية لها الأثر في تكوين شخصياتهم، وكذلك الطباع والسلوكيات التي تميزهم على الرغم من أنّها "تكون هذه النسبة المئوية من عدد السكان، الصغيرة نسبياً، أكبر من أن يعوض خطرها سائر السكان المحسوبين أسوياء. فحالتهم العقلية هي الجماعة الهائجة جميعاً، تحكمهم أفكار عاطفية وشوارد رغبية (Wish fantasies) في حالة من (الاستحواذ الجمعي) (Collective Possession)" (2). وهذه الصفات التي تشير إلى شواردهم الرغبية ساعدتهم في استخدام طرق ووسائل وأساليب للحصول على امتيازات معينة في المجتمعات التي يسكنون بها حتى وإن كانت بطرق غير سليمة، وهذا ما يدلل على التحولات التي حصلت لديهم، وكانت هذه الوسائل التي كشفها الأدب الشكسبيري مقدمات لما سيكون عليه مستقبلاً سلوك هذه الشخصية في تحولها نحو السيطرة الاقتصادية ومن ثم السياسية.

إنَّ طبيعة المدن اليهودية التي كانت مركزاً لتجمع اليهود في أوروبا، كانت تتصف بمواصفات تدل على إشكالية هذه الشخصية وصيغتها النفسية التي كانت تحاول أن تبين عكسه. ففي مسرحية (تاجر البندقية)، كانت شخصية (شايلوك) تبين أنها في ظاهرها غنية تلعب على وتر المال والربا، ولكنها كانت في داخلها شخصية مرابية وفيها الكثير من الانتهازية، وهي أيضاً شخصية تعاني داخلياً من هذه النظرة التي أوجدتها هي كنوع من الدفاع. وفي الوقت نفسه، كانت المدينة اليهودية التي يجتمع فيها اليهود تعاني أيضاً من القضية ذاتها، أي من الخراب الداخلي، ولكنها كانت تحاط بأسوار وتنعزل عن الآخرين رغم بؤسها من الداخل.

وهذه الأحوال الداخلية للمدينة اليهودية في أوروبا يقدمها لنا الأديب اليهودي (شالوم عليخم) من خلال هذا التصور، إذ يعطينا مثالاً عن إحدى المدن اليهودية، وهي مدينة (كاسر يلفسكي)، التي يصورها بالآتي: "المدينة في حد ذاتها خليط من البيوت الخشبية التي تضاربت حول مكان السوق عند سفح التل... وكاسر يلفسكي مكتظة كاكتظاظ الأحياء القذرة، وهي في الحقيقة حي قذر.. شوارعه ملتوية كمناقشات التلمود، ملتوية على شكل علامة استفهام، وتخرج منها حوارٍ وأزقّة وزرائب خلفية. وأغنى اليهود فيها يمكن أن يكون في إحدى صور أربع: غني أو فقير أو بائع متجول أو صانع، والشتتل (*) عادة ما يكون مستقلاً أو منفصلاً حضارياً وعرفياً عن البيئة المحيطة به" (3). هذه الصفات تبين طبيعة هذه الشخصية حتى وهي في الداخل، وأهم ما يميزها هو الانفصال الحضاري عن المحيط الذي يعيش فيه اليهود في أوروبا وغيرها من المناطق.

لقد تميزت الشخصية اليهودية في أوروبا سابقاً بصفات ثابتة تدلل على أن النظرة إليها هي نظرة حقيقية وليست نظرة متخيلة، أو فيها جانب من التجني. فالأدب الشكسبيري في نص مسرحية (تاجر البندقية) اختار هذه الصفات للدلالة على حقيقتها وتطابقها مع الشخصية اليهودية؛ فهي شخصية تأتي في الدرجات الدنيا في أوروبا لأسباب جعلتها تقع في هذا المجال التصنيفي في البعد السوسيولوجي والتاريخي في هذه المنطقة التي كانت حاضرة العالم، والتي لا يسمح لغير الأوروبي أن يتصدر المشهد الحضاري، وخاصة فيما يتميز به هذا الأوروبي دينياً عن الشخصية اليهودية. ورغم قدم المجتمعات اليهودية في أوروبا، إلا أنها تتميز بالمجالات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الآخرين؛ لذا كان من السهولة أن يتميز الشخص اليهودي عن الأوروبي، وخاصة المسيحي، في القارة العجوز.

قدم (شكسبير) صفات عديدة توضح طبيعة هذه الشخصية، فعمل على صياغة بعض من هذه الملامح من خلال المشاهد التي تبرز كل صفة، بين الجشع والحقد والحسد ومحاولة استخدام الدين لتبرير أعماله في الحصول على المال والسيطرة على الآخرين ووضع شروط مذلّة عليهم. يسوق (شكسبير) صفة الحسد والحرص الشديد على المال في المنظر الثالث من خلال حوار (شايلوك) مع (بسانيو)، ويصور الحوار هذه الصفات على لسان (شايلوك) نفسه:

"شايلوك: لا، لا، لا، لا، ما عنيته بقولي إنه كفيل جيد، هو أن أُفهمك أنه موثوق به، ولكن أمواله موضع الحدس والتخمين. فله سفينة تيمم شطر (طرابلس)، وأخرى صوب (الهند)، وفضلاً عن ذلك علمت في (الريالتو) أن له سفينة ثالثة في مياه (المكسيك)، ورابعة تتجه صوب (إنجلترا) كما سمعت عن سفن أخرى له متفرقة في البحار" (4).

ويتناول (شكسبير) صفة الحرص الشديد على الأموال على لسان (شايلوك) الذي يصف أموال الكفيل بالطائلة وأن سفنه تملأ البحار، لكنه لا يعتقد بأنها تضمن له أمواله التي يريد أن يعطيها؛ لأن الحرص الشديد لديه يقدم أحداثاً يعتقد بأنها تقضي على أموال الكفيل في البحار، ويوضحها من خلال الحوار الآتي:

"شايلوك: ... بيد أن السفن ليست إلا خشباً، وما الملاحون إلا بشراً، وثمة جرذان في البر وجرذان في البحر، ولصوص البر ولصوص البحر، وأعني بهؤلاء القراصنة" (5).

ويعتقد (شايلوك) أن هذه الأحداث قد تطيح بأموال الكفيل، وهذا ما يوضح حرصه الشديد على الأموال. كما يتناول (شكسبير) صفات أخرى تعبر عن طبيعة تلك الفترة، ومنها صفة انعدام المشاعر والحقد والكراهية الدينية التي يتبناها اليهودي ضد الديانة الأخرى في أوروبا وعدم احترامه لخصوصية الآخر الدينية، ويسوق هذه الصفة أيضاً في الحوار الآتي:

"شايلوك: نعم، لأشم رائحة الخنزير، ولأطعم من اللحم الذي جعله نبيكم الناصري للشيطان سكناً؟ لا.. إني أشتري منكم وأبيع لكم وأتحدث معكم، وأسير معكم، بيد أني لن آكل معكم أو أشرب أو أصلي معكم" (6).

هذه الصفة تجعل من الشخصية اليهودية قليلة الاحترام للآخرين في تعاملها معهم. ينتقل بعدها لصفة مرتبطة باستخدام الدين من أجل الحصول على المال من خلال التعامل بالربا، وفي الحوار الذي يدور بين (شايلوك) و(أنطونيو) يحاول الأخير تبيان تزوير (شايلوك) لكلام الأنبياء من أجل الوصول إلى مآربه، وكما يوضحه (أنطونيو) في حواره:

"أنطونيو: لقد كانت هذه يا سيدي صفقة عقدها (يعقوب) نظير خدمته، وإنها لشيء فوق قواه هو، هيأتها له العناية الإلهية. أو هل ضربت هذا المثال لكي تقول إن الربا حق؟ (...) استمع إلى هذا القول يا (بسانيو): إن في وسع هذا الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدس تأييداً لمآربه. وإنَّ نفساً شريرة تسرد الشواهد المقدسة شبيهة بشرير ذي وجه مبتسم، أو كأنها تفاحة جميلة المنظر ولكن متعفنة في الصميم. ألا ما أجمل الطلاء الخارجي للزور والبهتان!" (7).

هذه النفس اليهودية الشريرة التي تستخدم كل شيء للوصول إلى مآربها، حتى التزوير وتغيير المعاني الدينية لجعل الربا حلالاً، تجعل صاحبها يتصف بالقبح الداخلي والأناقة الزائفة والكلام المعسول الذي يغلف الباطل بكلمات الحق. وهذه الصفات تجعل من الشخصية قاسية وفاقدة للرحمة، وهو ما يسوقه (شكسبير) في حوار (أنطونيو):

"أنطونيو: أرجوك أن تتذكر أنك تناقش اليهودي. إنه لأسهل عليك أن تتوجه إلى الشاطئ لتأمر ماء المحيط أن يخفض من ارتفاعه، أو في وسعك أن تسأل الذئب لمَ أبكى النعجة بافتراس صغيرها، بل وفي مقدورك أيضاً أن تمنع أشجار الصنوبر الجبلية من تحريك أغصانها العالية... إذا كان في وسعك أن تفعل كل شيء مهما صعب، فإن في وسعك تليين قلب اليهودي الذي لا نظير له في قسوته" (8).

ونلاحظ أن (شكسبير) على لسان (أنطونيو) لم يقل "شايلوك" بل جعل الصفة عامة لكل يهودي من خلال تكرار الكلمة. كما يسوق صفة انعدام الرحمة، وفي الحوار الآتي يحاول (بورشيا) طلبها من (شايلوك):

"بورشيا: إذن فمن واجب اليهودي أن يكون رحيماً. شايلوك: وما الذي يلزمني بذلك؟ قل لي. بورشيا: إن الرحمة لا يلزم بها الناس إلزاماً وإنما هي كالمطر الرقيق يهطل من السماء على ما تحته... شايلوك: لتقع تبعة أعمالي على أم رأسي! إنني متمسك بالقانون ومصر على توقيع العقوبة..." (9).

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الشخصية اليهودية التقليدية تتصف بصفات سلبية نابعة من ذاتها وتعاني في ذهنيتها من تصورات داخلية متمظهرة في سلوكها الخارجي، ومنها:

- عقدة التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد.

- عقدة الانعزال عن البشر المتولدة من النظرتين معاً: الاستعلاء من جهة، والدونية في نظر الآخرين من جهة أخرى.

- تضخم الأنا من خلال التصورات المشتقة من بعض النصوص التي اعتبرت اليهود شعب الله المختار، والتي تعمقت فيما بعد من خلال ما تشكل في (التلمود) (*) اليهودي (10).

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

........................

الهوامش:

1.  ينظر: المقدمة النثرية، وليم شكسبير: (تاجر البندقية)، تعريب: دائرة التعريب بالمركز الدولي للصحافة، جونيه: المركز الدولي للصحافة والنشر والتوزيع، ب.ت، ص 5، ص 16.

2.  كارل غوستاف يونغ: (التنقيب في أغوار النفس)، ترجمة: نهاد خياط، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1996، ص 11.

3.  الشتتل: كلمة ييديشية تعني (المدينة الصغيرة)، وهو تجمع سكاني يهودي تتراوح أعداده بين ألف وعشرين ألفاً، وكانت الحياة تتمحور فيه حول المعبد والسوق. المصدر: د. رشاد عبدالله الشامي: (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية)، الكويت: عالم المعرفة، 1986، ص 12-13.

4.  د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 13.

5.  وليم شكسبير: المصدر نفسه، ص 37-38.

6.  المصدر نفسه، ص 38.

7.  المصدر نفسه، ص 38.

8.  المصدر نفسه، ص 40.

9.  المصدر نفسه، ص 102.

10. المصدر نفسه، ص 106-107.

11. التلمود: التراث الشفهي اليهودي الذي يضم اجتهادات الحاخامات في تفسير الدين. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر السابق، ص 20-21.

12. ينظر: د. رشاد عبدالله الشامي: المصدر نفسه، ص 26-30.

في المثقف اليوم