عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

قراءة وجدانيّة في قصيدة شُعْلَةُ الْمِصْبَاحِ للشاعر عبد الناصر عليوي

إِنِّــي أُحِـبُّـكِ رَغْــمَ كُــلِّ جِـرَاحِي

رَغْـمَ الصَّعَائِبِ فِي طَرِيقِ كِفَاحِي

مَـا زِلْـتُ أَحْـمِلُ فِـي الْـفُؤَادِ مَـوَدَّةً

وَأُخَـبِّـئُ الْأَشْـوَاقَ تَـحْتَ جَـنَاحِي

*

أَخْـشَى عَـلَيْكِ مِـنَ الـضِّيَاءِ إِذَا دَنَا

وَمِـنَ الـنَّدَى عـن خَـدِّكِ الـتُّفَّاحِي

*

قَدْ كَانَ حُبُّكِ كَالرَّحِيقِ عَلَى فَمِي

كَـالْـقَهْوَةِ الـسَّمْرَاءِ عِـنْدَ صَـبَاحِي

*

إِنْ غِـبْـتِ، يَـكْـفِينِي دُعَـاءٌ خَـافِتٌ

يَــسْــرِي إِلَــيْــكِ كَـنَـفْـحَةِ الْأَرْوَاحِ

*

حُـبِّي لَـكِ الـطُّهْرُ الَّـذِي لَا يَـنْثَنِي

وَالْـعُـمْـرُ بَــعْـدَكِ قَــرْيَـةُ الْأَشْـبَـاحِ

*

سَـيَـظَلُّ حُـبُّـكِ مُـلْـهِمًا لِـقَصَائِدِي

زَيْـــتَ الْـحَـيَاةِ لِـشُـعْلَةِ الْـمِـصْبَاحِ

*

وَأَرَى مَــلَامِــحَـكِ الْـبَـرِيـئَـةَ آيَــــةً

تَـتْـلُو الْـيَقِينَ عَـلَى دُرُوبِ روَاحِـي

*

وَأَعُـــدُّ خُـطْـوَتَـكِ الْـقَـرِيبَةَ مَـوْعِـدًا

يُحْيِي الرُّجُوعَ إِلَى صَمِيمِ نَجَاحِي

*

لَا أَبْـتَـغِي مِـنْـكِ الْـحُضُورَ مُـجَاهَرًا

يَـكْفِي اخْـتِبَاءُ الـظِّلِّ فِي إِيضَاحِي

*

أَنْـتِ الـسُّكُونُ إِذَا تَـلَجْلَجَ خَـافِقِي

وَنَـشِيجُ صَمْتِي فِي ذُرَى أَفْرَاحِي

*

أَنْـــتِ الْـيَـقِـينُ إِذَا تَـكَـاثَفَ شَـكُّـنَا

وَالْـمَـاءُ إِنْ جَــفَّ الْـحَـنِينُ بِـرَاحِي

*

أَمْـشِـي إِلَـيْـكِ بِـكُـلِّ دَرْبٍ شَـائِكٍ

فَـالْـحُـبُّ حَــوَّلَ شَـوْكَـهُ لِأَقَـاحِـي

*

مَــا بَـيْـنَنَا عَـهْدٌ أَجَـلُّ مِـنَ الْـمُنَى

صِـــدْقٌ يُــجَـاوِزُ حِـسْـبَـةَ الْأَرْبَــاحِ

*

إِنْ قُـلْـتُ شِـعْـرًا فَـالْهَوَى أَسْـبَابُهُ

وَإِذَا سَـــكَــتُّ فَــقِـمَّـةُ الْإِفْــصَــاحِ

*

وَإِذَا دَعَـانِـي الْـيَـأْسُ أَغْـلَـقَ بَـابَـهُ

قَدْ بَاتَ يَخْشَى مِنْ مَدَى إلحاحي

وكأنّني في نور بإفصاح

أطلب القراءة بإلحاح

فما أجمل الشّعر من روح مرهفة ينسكب، كسحر يتناثر من سرّ مباح، أمتعتتني هذة البثّة العاطفية، المختفية في طياتها عواصف فكر عتيّة، فبورك البنان وبورك حرف عبق الأقاحي. بداية أقول مشاطرة الكاتب فيكتور هوغو بهذا الرأي على لسانه:

"L'amour est l'huile de la lampe de la vie, et sans lui, il n'y a que de la fumée et de la cendre."

"الحبّ هو الزيت الذي يغذّي مصباح الحياة، وبدونه لا يتبقّى سوى الدخان والرماد."

المقدمة: الزيت، الإشعال والحياة

"الزيت المصباح الإشعال والاشتعال" هم مكوّنات لوحة زيتية شعرية وجودية مشتعلة تصنع الحياة، وهم رمز شامل أو مجموعة رموزات للخلق والإبداع. يحملون أعمق تعبير وتصوير لعملية الخلق والتّحرّر الروحي في الأدب والوجود الإنساني، فالزيت السائل يصبح هو زبدة مخض المكابدة وعصرة أو ثمرة الصبر، بل طاقة ووقود الإشعال، لولاه لا اشتعال ولا حياة، والاشتعال منه هو مرحلة التجلّي النضوج والخلق، فهو طاقة تخرج من القوة إلى الفعل، ودون وعاء أو مصباح الاشتعال لما كان خلق. لو عدنا إلى الموروث الأدبي العربي، نرى كيف استلهم الشعراء صورة "المشكاة" والزيت الذي "يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار"، بوصفهما رموزاً للعطاء عامة ولمفاهيم مختلفة كالمحبّة، الحبّ الطاهر، والتضحية. فهو مادة تمتلك طاقة نورانية ذاتية. أما في الأدب العالمي، يبرز "العصر" كموتيف موضوعي يمثل الألم الإبداعي، فلا ضياء بلا احتراق، ولا زيت بلا ضغط. وكما يقول جبران خليل جبران: "المحبّة هي الزيت الذي يشتعل في مصباح الروح ليحول الظلمة إلى نهار". وهنا في قصيدة "شعلة المصباح"، نجد الشاعر الفذّ عبد الناصر عليوي العبيدي يجعل هذا المفهوم محور قصيدته البهيّة حيث جعل من طاقة الحبّ وقوداً وجوديّاً يخلق ويحرّك وجودنا المادي والروحي ويبدّد الأوهام في أذهاننا أو كما أسماهم الأشباح أو كابوس العدم، كابوس الحياة الخالية من المعنى.

قراءة في قصيدة: شعلة المصباح

"شعلة المصباح" هو العنوان، رمز العطاء، الهداية، العلم، الحبّ والشعر، ومن يشعلها يا ترى؟ إنّه زيت الحياة أي الحبّ كما صرّح به شاعرنا، وهو الذي يخلق الوجود من العدم، فالزيت يحترق ليعطي ضياءً، والحبّ يعتصر قلب الشاعر فيقطر شعراً.

إنّي أحبّك رغم كلّ جراحي ... رغم الصعائب في طريق كفاحي

بوحة بقافية يائية ممدودة تمنح القصيدة نَفَساً ممتدّاً، وهي تجربة ذاتية واضحة يقحم فيها الذات ليؤكّد أنّ الحبّ رغم قساوة الظروف يظلّ قمّة العطاء والتضحية فالحاء من الحبّ والحرقة والتعبير النابع من صميم الروح، إذاً، فالشاعر هنا يكتب عن طيف لا ينساه ويبدأ بمخاطبته مصرّحاً له ورغم كفاحه وما يلقاه من مشقّات في الحياة بأنّه لا زال يحبّه.

ما زلت أحمل في الفؤاد مودّة ... وأخبّئ الأشواق تحت جناحي

إذاً هي قصة قديمة تتّسم بالاستمرارية، يعبّر عنها بتشبيه تمثيلي بليغ، حيث جعل الأشواق كائناً عزيزاً يحميه، وجعل جناحه رمزاً لوفائه المؤكّد.

أخشى عليك من الضياء إذا دنا ... ومن الندى عن خدّك التفّاحي

هنا نلمس شدّة تعلّقه وتملّكه للحبيب، خشية مبالغ فيها ترينا مدى حرصه على المحبوب، فكم من ضرر، يا ترى، قد يلحق بالمرء من لمسة ضياء أو سقطة حبّات من ندى تهمي على الخد؟ لا ضرر ولا ضرار، فهي إذاً رقّة في الخطاب ورهافة في الأسلوب.

قد كان حبّك كالرحيق على فمي ... كالقهوة السمراء عند صباحي شاعرنا يتغنى بالحب، رومانسي بامتياز وأكثر ما يقربه من تعريف رومانسب ها هنا هو كونه (الذات الغنائية (Lyric Self):

هي "الأنا" الشعرية المتكلمة داخل النص، والتي لا تمثل الهوية الواقعية للشاعر بقدر ما تمثل صوته الوجداني المتجرد؛ فهي بؤرة الشعور التي ينصهر فيها العالم الخارجي ليعاد تشكيله كدفقة شعورية ذاتية، تحول التجربة الفردية إلى رؤية كونية تتجاوز حدود الزمن والواقع.(تعريف منقول).

في هذا البيت نحن في تشبيه راقٍ آخر في استطراده بالحديث عن حبّه القديم، فنكهة حبّه كنكهة الرحيق، أو كرشفة القهوة السمراء المرتشفة مع إشراقة الصباح.

إن غبت، يكفيني دعاء خافت ... يسري إليك كنفحة الأرواح

يتجلّى هنا تعلّق الأرواح ببعضها، فغياب المحبوبة لا يقطع حبل الوصل، بل يجعله يدعو بخفوت لسلامتها، فيسري هذا الدعاء كنفحة أثيرية روحانية تصوّر عمق التعلّق الروحي بالحبيب.

حبّي لك الطهر الذي لا ينثني ... والعمر بعدك قرية الأشباح

حبّ عفيف طاهر يهب الحياة معناها، فدونه يصبح العمر مسكناً للأشباح، وقفراً وقحلاً روحانيّاً، وحياة بلا جدوى ولا معنى.

سيظلّ حبّك ملهماً لقصائدي ... زيت الحياة لشعلة المصباح

لو عدنا إلى العنوان، نعلم الآن، في بيت الذروة المعنوية والتصويرية، من يشعل الشمعة إنّه زيت الحياة، إنّه الحبّ الذي يشعل قريحة الشاعر. هنا يظهر "الإشعال" كلحظة ميلاد وتحوّل للعاطفة من "فؤاد يخبّئ الأشواق" أي من طاقة كامنة إلى "قصيدة ملهمة" أي إلى طاقة فاعلة. إنّه التدفق النوراني الذي يحدث حين يشعل زيت الوفاء أو العشق قدحة الإلهام، محوّلاً الوجود كلّه إلى قصيد مضيء.

وأرى ملامحك البريئة آية ... تتلو اليقين على دروب رواحي

هو الإلهام المشرق ملامح المحبوب في عين الشاعر الذي يراه آية مقدّسة تمنحه اليقين، وهذا هو "نور المشكاة" الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، حبّ يمتلك طاقة نورانية ذاتية ينير دروب الرواح التي يمشيها ومنها يستهدي على اتجاهاته ويستلهم سلوكه.

وأعدّ خطوتك القريبة موعداً ... يحيي الرجوع إلى صميم نجاحي

كلّ ما سرده شاعرنا حتى الآن هو نظرته للحبيب، موقفه منه، وما يهبه له هذا التعلّق به. وإن مجرّد القرب منه هو الموعد الحقيقي الذي يورده طرق النجاح.

لا أبتغي منك الحضور مجاهراً ... يكفي اختباء الظلّ في إيضاحي

قناعة من الشاعر وتخفيض الطلبات والتوقّعات من الحبيب. وقد جاءت في تعبير مسبوك ببراعة، مستخدماً طباق "الظلّ والوضوح"، فالعاشق الموله يكفيه أنّه يعلم أو يشعر بوجود الحبيبة، فوجودها ظلّاً مختفياً بعلمه، هو إيضاح عند الشاعر.

أنت السكون إذا تلجلج خافقي ... ونشيج صمتي في ذرى أفراحي

وصف بديع لهذا الوجود، فهي منبع السكينة حين يرتجف القلب، بل وهي سبب نحيبه الخافت في لحظات فرحه وصف لحالة ملازمة للعشق.

أنت اليقين إذا تكاثف شكّنا ... والماء إن جفّ الحنين براحي

هي الملاذ واليقين في حبال الشكّ المقيدة للروح، وهي الماء الذي يروي الحنين، فالحبّ هنا هو "المبدأ" الذي يغذّي الموقف ويمنع جفاف الروح في لحظات الشدّة والاشتياق.

أمشي إليك بكلّ درب شائك ... فالحبّ حوّل شوكه لأقاحي

هي من زيّن دروبه بالورد، واستحوذ على فكره وإحساسه، لذا سيمشي إليها مهما كانت الدروب شائكة، بل سينسيه حبّها ألم الوخز. هذا هو التحوّل الدائم الذي يصنعه الحبّ، فالألم (من وخزات الشوك) تحوّل إلى جمال (أقاحي)، ففيه تجليّات لقوة الحبّ الصوفي وزوال الوعي بالوجع لصالح وعي آخر مخدّر.

ما بيننا عهد أجلّ من المنى ... صدق يجاوز حسبة الأرباح

يواصل شاعرنا بوحه عن رؤيته وعشقه للحبيب فيقول إنّ ما يربطهما هو رأسمال معنوي يلغي كلّ الحسابات ويحقّر الأمنيات، عهد وثيق لا يفكّ، وثروة باهظة قوامها الصدق والوفاء الذي لا ينضب ولا يخضع لمنطق التجارة. نحن في عالم الروح المجرّد من كلّ رغبة حسبة مادية.

إن قلت شعراً فالهوى أسبابه ... وإذا سكتّ فقمّة الإفصاح

بوحة باذخة السحر ناضحة بالحكمة، فيقول شاعرنا أنّه إن باح بالأشعار فمن أثر وقوة الحبّ، وإن صمت فمن شدّة الحبّ أيضاً، حيث عند تأجّج المشاعر يعجز اللسان عن الكلام، وفي بعض الصمت والعجز عن القول دليل على وجهة المشاعر، فيكون الصمت هنا هو قمّة الإفصاح.

وإذا دعاني اليأس أغلق بابه ... قد بات يخشى من مدى إلحاحي

نحن في ذروة التفاؤل، حيث لا يترك شاعرنا مكاناً لليأس، فهو يقول بأنّه لو دُفع للقنوط فاليأس سوف يغلق الباب في وجهه وينسحب خشية من إلحاح وإصرار الشاعر على التمسّك بالمحبوب ورفضه القاطع لأسباب خسارته.

تترامى أطراف مملكة المعاني والأبعاد الإبداعيّة القصيدية ها هنا فنجد شاعرنا يأخذنا إلى التأمّل:

أوّلاً: في الحبّ كمفهوم للخلق والفلسفة

تتجاوز قصيدة "شعلة المصباح" كونها بوحاً عاطفيّاً، لتصبح أطروحة فلسفية ترى في الحبّ قوة كونيّة خلّاقة، أو طاقة نفسيّة هائلة. وقد قولبها شاعرنا في صورة الزيت والمصباح، فالزيت هو الحبّ أو الإلهام والمصباح هو الحياة، أو القصيد. حيث يتحوّل فعله وتأثيره في النّفس إلى نور يضيء عتمة الروح.

ثانياً: في الحبّ كمحرّك للوجود (من أفلاطون إلى الصوفية)

لم يبتعد شاعرنا في تناصه الأدبي ونظرته لجدلية الزيت والقصيد عن فلسفات ونظرات عالمية سابقة ففي الفلسفة اليونانية، وتحديداً عند أفلاطون، يُعتبر إله الحبّ (إيروس) القوة التي تدفع الكائن نحو "الخلق في الجمال" صوب الخلود. وفي الفكر الصوفي، يُعدّ الحبّ أصل الخلق، فقد خُلق الكون لأنّ "الجمال أراد أن يتجلّى". وشاعرنا هنا يتبنّى هذا المفهوم حين يجعل محبوبته "آية تتلو اليقين"، فبوجودها يُخلق المعنى، وبغيابها يستحيل العمر إلى "قرية أشباح" خالية من الحياة.

ثالثاً: في أسطورة بروميثيوس وشعلة التضحية

ما من تحليل أدبي يتعرّض لصورة الشعلة والنور إلّا ويتبادر إلى ذاكرته سارق النار من الآلهة للإنسان "بروميثيوس" وهنا تتقاطع تجربة الشاعر مع أسطورة بروميثيوس، ذاك البطل الذي سرق النار ليمنح البشرية نور المعرفة وشعلة العلم، يمنحها فجر حضارتها. إن "كفاح" الشاعر و"جراحه" هي الثمن الذي يدفعه ليظلّ مصباحه متّقداً. وكما يقول بروميثيوس في اقتباسه الشهير: "إنّ النار التي سرقتها ليست للتدفئة فحسب، بل ليصير لكلّ عقل مصباحه، ولكلّ روح بصيرتها." هذه النار البروميثيوسية هي ذاتها "زيت الحياة" في القصيدة، فبروميثيوس أحبّ البشر وبسبب حبّه منحهم ما يشعل قرم وجودهم. من هنا نجد أنّ هذا الزيت الذي هو الحبّ، لا يقتصر على الحبّ العاطفي بين ذكر وأنثى بل هو العشق الأكبر، هو عشق لكلّ ما يصنع الحياة، عشق الأم لابنها، الفرد للوطن، الزيت للمصباح، العالم للعلم، الشاعر للقصيد، عشق الزهرة للمطر. كيف لا، وقصيدنا يتمحور حول موضوع انبثاق القصيد من شعلة المصباح، وانبثاق وجود الشاعر الروحي من وجود الحبيب.

رابعاً: ملتقى طاقة الحبّ الخلاقة

يلتقي الشاعر مع فلاسفة الوجود في فكرة أنّ العالم "مادة خام" لا قيمة لها حتى يسكب الحبّ فيها روحه. الحبّ عند الشاعر هو "رأسمال" يتجاوز "حسبة الأرباح" المادية، وهو "اليقين" الذي يهزم " الشكّ". وهنا يلتقي القصيد مع رؤية نيتشه الذي يرى في الحبّ قوة تتجاوز القوانين الرتيبة لتخلق قيمها الخاصة، ومع إريك فروم الذي يرى الحبّ "فعل عطاء خلّاق" يمنح المحبّ والمحبوب كياناً جديدا.وكم تتلاقي الرؤى بين شاعرنا وإريك فروم حيث الحبّ هو فعل خلق ، فتتجلى فلسفة إريك فروم في ثنايا القصيدة حين يتحوّل الحبّ من عاطفة إلى "فعل إيناس" يكسر وحدة الشاعر في عالم مادي موحش ويجمعه بالحبيب ولو في الظل ، فالظّل عند اللقاء ليس بإخفاء بل هو الإيضاح بعينه.يا لشدة رغبة الشاعر بصون اللقاء في بون الإفتراق، بل هو الأحتراق من أجل البقاء. فالعالم عند فروم يظلّ مادة خاماً باردة حتى يسكب الحبّ فيها روحه، وهو تماماً ما يفعله شاعرنا حين يرفض أن يترك عمره "قرية للأشباح"، فيبثّ فيه الروح عبر "زيت الحياة". هذا الانصهار الوجودي يظهر في أبهى صوره من خلال إصرار الشاعر على حفظ المحبوب، فخوفه عليه من "لمسة الضياء" أو "قطرات الندى" وتخبئته للأشواق "تحت الجناح" ليس مجرّد رقّة عاطفية، بل هو تجسيد لمبدأ "المسؤولية والرعاية" عند فروم. الشاعر هنا يحمي "الزيت" لكي يضمن استمرار "الإشعال"، إنّه يحمي المعنى الذي لولاه لارتدّ الوجود إلى فراغ رهيب إلى دخان ورماد. إنّ شاعرنا في تصميمه على التمسّك بحبيبه يكون مصمّماً على التمسّك بأسباب الوجود، شاعر متفائل يصبو لبناء الحياة من شعلات الحبّ. إنّ إصرار الشاعر على استحضار الحبيب، حتى في "اختباء الظلّ"، هو إعلان بأنّ الحبّ لديه قد تجاوز العلاقة الفردية ليصبح رسالة إنسانية وقيمة وجودية. إنّه "اليقين" الذي يهزم "ظلمة الشكّ"، والقوة الإيمانية التي تحوّل "أشواك" الدرب الشائك إلى "أقاحي" تفوح عبقاً، فالحبّ شعور راق حضاري، بل هو محبرة الشاعر التي تكتب القصيد وتمنح الوجود نوره وقيمته.

جاء هذا البوح العاطفي والسكب الوجداني متماهياً بانسياب ودقة مع مقولة فيكتور هوغو: "الحبّ هو الزيت الذي يغذّي مصباح الحياة، وبدونه لا يتبقّى سوى الدخان والرماد". ولقد نجح شاعرنا في اختيار هذه الصورة لما فيها من ترابط معنوي فلسفي عميق فحبّه هو ذاك "الزيت" المقدّس الذي لولاه لاستحال عمره إلى "قرية أشباح"، وهي ليست في جوهرها سوى "الدخان والرماد" الذي حذّر منه هوغو. ومن زاوية نفسية غائرة تتلاقى مع نظرة كارل يونغ، نرى أنّ هذا الحبّ يتجلّى كأرقى صور "تفرّد الذات"، فهو في جوهره حبّ الذات الراقية لنفسها حين تنعكس للخارج لترى جمالها في الآخر وفي الوجود. المصباح هنا هو "الوعي" الذي يشتعل ليطرد أشباح اللاوعي، وشاعرنا هنا ليس مجرّد محبّ، بل هو منصهر في الحبّ كقيمة وجودية وكرسالة إنسانية خالدة.

خارطة التحليل العامة:

لقد قدمت في قراءتي ما وجدته ملزما لفهم القصيد ورسالته من تفسير لغوي ومعنوي وفلسفي، بحيث انتهجت منهجاً تكاملياً مزجتُ فيه بين لذة التذوق الانطباعي وبين عمق التحليل الموضوعي العلمي والفلسفي. لقد حاولتُ جاهدةً ألا أرى القصيدة "ظاهرة وجودية" فحسب، بل أظهرت كيف تتعولم وتتشابك فيها السمات المشتركة لطبيعة البشر فجئت بأسطورة بروميثيوس منسجمة ورؤى إريك فروم، لتكشف لنا كيف يتحول "زيت الحب" إلى طاقة نورانية تبدد أشباح العدم.

أما عن هوية النص الشعرية التي لمستها بوجداني، فقد وجدتُني أستحضر عناصر المدرسة الرومانسية (الوجدانية)، تلك "المدرسة التي جعلت من "الأنا" محوراً للكون، ومن العاطفة ديناً، ومن الطبيعة مرآةً للروح." فقصيدة "شعلة المصباح" باحتضانها لعناصر الطبيعة، ونزعتها الذاتية الطاهرة (lyric self)، وصورها المستقاة من رهافة الندى وعبق الأقاحي والحقول، هي تجسيد صارخ لتلك المدرسة التي ترفض مادية العالم وتنتصر لجوهر الإنسان الروحي، فالحياة عندها هي انبثاق القصيد من نور الحب الذي يهزم عتمة المادة والتكنولوجيا حيث يعصى عليها أن تهبنا الحياة المثلى التي نصل بها للسعادة. وتسعى بنا إلى استثمار طاقة العلاقات العاطفية والأنسانية كالحب مثلا في إيجاد المعنى الحقيقي لوجودنا .

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أعتذر عن هذا الفيض من الاستشهادات التي أثقلتُ بها كاهل القراءة، لكنني لم أستطع كبح جماح قلمي، فقد وجدتُ في تلك الروابط الفلسفية والأدبية جزءاً لا يتجزأ من متعة الأدب الموسوعي والأدبي الراقي. فالحب الذي غنّاه شاعرنا كان مصيدة لفكر الناقد لا يخرج منها الا باستحضار قامات ادبية وفلسفية عالية، تضفي على النص صبغة الجودة والعمق الفكري. نعم إن موضوع الحبّ قد حيّر الفلاسفة وألهم المبدعين عبر العصور، وأما استشهاداتي فهي زيت على زيت في تأجيج لشعلة البيان وإطلاق الفكر إلى ما بعد العنان.

***

بقلمي الناقدة: نافلة مرزوق العامر

..........................

مصادر معتمدة:

فيكتور هوغو: مجموعة "أوراق الخريف" (أو السياق العام لمقولاته عن فلسفة الحب والحياة).

جبران خليل جبران: "الأعمال الكاملة" (تحديداً التأملات الوجدانية في الروح والمحبة).

إريك فروم: كتاب "فن الحب" (The Art of Loving) – استلهام مفاهيم الحب كفعل خلق ومسؤولية.

كارل يونغ"عالم الروح" (استحضار مفهوم تفرّد الذات والوعي الجمعي).

فريدريك نيتشه: "هكذا تكلم زرادشت" (تجلّيات القوة الروحية وتجاوز القيم المادية).

أفلاطون: "المأدبة" (Symposium) – في فلسفة "إيروس" كمحرك نحو الجمال والخلود.

الأسطورة اليونانية: أسطورة "بروميثيوس" (رمزية النار والتضحية من أجل التنوير).

الموروث الصوفي والشعري: استحضار رمزية "المشكاة" والزيت في الأدب العربي القديم.

المنهج النقدي: أدوات المنهج التكاملي والموضوعاتي في تحليل النصوص الشعرية.

البنية والتفكيك في المنجز الإبداعي لـ "المكتبة المعمدانية" للروائي جاسم عاصي

مدخل سياقي: المثقف الموسوعي ورهانات الجيل الستيني

يجسّد الروائي والناقد العراقي جاسم عاصي (المولود في مدينة الناصرية العام 1945) نموذجاً استثنائياً ومعرفياً للمثقف الموسوعي الذي أفلح باقتدار في ردم الفجوة القائمة بين الممارسة الإبداعية السردية وبين الوعي النقدي التنظيري. إن مسيرته الأدبية التي استهلت في منتصف الستينات، وتحديداً في العام 1965، تضعه في صلب "الجيل الستيني" العراقي؛ ذلك الجيل الإشكالي الذي اجترح مسارات حداثية مغايرة في بنية السرد العربي، مدفوعاً بالتحولات الوجودية والسياسية والاجتماعية الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية والعراق على وجه الخصوص.

إن عمل عاصي في سلك التعليم لأكثر من أربعة عقود (منذ العام 1964 وحتى 2008) لم يكن مجرد مسار وظيفي رتيب أو مهنة عابرة، بل كان بمثابة مختبر اجتماعي وأنثروبولوجي حيّ، أتاح له رصد التحولات العميقة في سيكولوجية الشخصية العراقية واستبطان الذاكرة الشعبية الجمعية، التي تحولت لديه لاحقاً إلى مادة خام لصياغة مخياله الروائي والقصصي. تتسم تجربته بثراء معرفي يتجاوز حدود السرد التقليدي نحو آفاق الميثولوجيا، والأنثروبولوجيا، والنقد الجمالي المقارن. وقد توجت هذه المسيرة الحافلة بجوائز إبداعية رفيعة، منها جائزة الإبداع الروائي لعام 2010 عن روايته «انزياح الحجاب ما بعد الغياب»، وجائزة الإبداع النقدي لعام 2014 عن كتابه «العصا والضوء»، مما يبرهن على أن أعماله الروائية ليست مجرد حكايات، بل هي تطبيقات جمالية واعية لذاتها، ومنظومة نقدية متكاملة ترفعه إلى مرتبة "المفكر الأدبي" الذي يقرأ العالم عبر عدسة السرد.

التفكيك الدلالي لـ "المكتبة المعمدانية" وعتبة "المجاورة"

يشكّل عنوان المجموعة القصصية «المكتبة المعمدانية: قصص المجاورة» (الصادرة عن دار توليب) عتبة نصية باذخة بالدلالات الرمزية والتاريخية العميقة. فالمكتبة في متخيل جاسم عاصي تتجاوز كونها مجرد مستودع فيزيائي للكتب، لتغدو فضاءً أنطولوجياً واسعاً للأرشفة، والتدوين، وصون الذاكرة من التآكل. أما صفة "المعمدانية" الملحقة بها، فهي تحيل مباشرة إلى إرث الصابئة المندائيين (أهل التعميد) الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من نسيج جنوب العراق، مما يشير بوضوح إلى مسعى الكاتب لتقديم نص يمارس فعل "التعميد المعرفي" للذاكرة العراقية المثقلة بأوزار الحروب، والخراب، والنسيان المتعمد.

في الأطر البنيوية العميقة لهذا العمل، يبرز مفهوم "المجاورة" كبراديغم فلسفي وسردي مركزي. المجاورة هنا لا تقف عند حدود المعنى المكاني السطحي، بل تتسع لتشمل المجاورة المعرفية والإنسانية الكونية؛ إنها تعني تداخل النصوص (Intertextuality)، وتجاور الأفكار المتناقضة وتقارب المسافات الجمالية بين الواقعي اليومي والأسطوري الغابر، وبين التاريخي الموثق والمتخيل المبتكر. المجاورة هي فعل "حوارية" (بالمفهوم الباختيني) مستمرة بين الأنا والآخر، وبين النص المرجعي الأصيل والنص المبتكر الحديث، مما يحول المكتبة من مجرد رفوف صامتة إلى كيان حيّ، نابض، يتنفس عبر التفاعل الخلاّق بين هذه المكونات المتعددة.

يبرز هنا تأصيل مصطلح "المجاورة" كمنهجية فلسفية وسردية ترفض الإقصاء؛ فهي ليست مجاورة مكانية فحسب، بل هي "مجاورة معرفية" وتناصّية كبرى. المجاورة عند عاصي تعني أن تتعايش النصوص في حيز واحد دون أن يلغي أحدها الآخر. تطرح «المكتبة المعمدانية» رؤية استثنائية للفعل السردي بوصفه عملية "جرد وترميم" شاملة. فالعملية التقنية الدقيقة الموصوفة داخل النص (من عزل الكتب، وتبخيرها، وتعقيمها، ثم تصنيفها وترميم غلافاتها) ما هي إلا استعارة كبرى لفعل نقدي وفكري يسعى عبره جاسم عاصي لتنقية الذاكرة الثقافية من "العوالق" الأيديولوجية و"الفطريات" الظلامية التي علقت بها جراء عقود من الإهمال، أو التزييف التاريخي، أو القمع الثقافي.

الأطر البنيوية: جدلية "المحسوب وغير المحسوب" والأثر الدوستويفسكي

في العمق البنيوي لـ «المكتبة المعمدانية»، يتجلى صراع وجودي ضارٍ بين ثنائية "المحسوب" و"غير المحسوب". يطرح السرد إشكالية التوغل في "غير المحسوب" بوصفه منطقة خطرة، ومظنة للهلاك والضياع في لظى التجريب، لكنه في الوقت ذاته يرى في "المحسوب" نوعاً من الامتثال للميول الذاتية الضيقة والنمطية، وهو خضوع ذليل يتنافى تماماً مع حرية الإبداع وجوهر "الانزياح" الفني.

هنا، يتردد صدى المناخات الدوستويفسكية بوضوح شديد في نسيج النص؛ فالمكتبة تتحول إلى ساحة كبرى لصراع الأرواح القلقة والمعذبة. نجد استحضاراً واعياً لنموذج "الأب زوسيما" كرمز للحكمة الروحية العميقة، والقدرة الفائقة على الغفران، والترميم الروحي للإنسان المحطم، وذلك في مواجهة نماذج القلق الوجودي والشر الدفين التي يمثلها "سميردياكوف". جاسم عاصي، عبر سارده العليم، يحرص على "الثبات" الأخلاقي والجمالي أثناء اجتياز وقع أقدام الذوات اللاهثة خلف السراب، في إشارة رمزية إلى الرغبة في التمايز عن السائد والمبتذل. إن تفكيك هذه الجدلية يكشف عن رؤية نقدية ثاقبة لسلطة "القرار الأبوي" الصارم الذي يصادر أحلام الابن ويقمع تطلعاته، وهو ما ينسحب بالضرورة على الأنظمة المعرفية والسياسية التي تحاول قولبة الخيال الروائي ضمن أطر "محسوبة" سلفاً، بينما يحاول الكاتب الانعتاق نحو "غير المحسوب" ليس بغرض التيه، بل لتحقيق "الخضوع" الإرادي لجماليات الفن الخالص.

المتخيل السردي: من ميثولوجيا كلكامش إلى أيقونة المسيح

يعتمد جاسم عاصي في تشكيل مخياله الروائي على "هاجس مركزي" وقلق وجودي يتمثل في ثنائية الحياة والموت. هذا التوجه هو وليد تجربة وجودية شخصية مبكرة، تطورت بمرور الزمن لتتشابك مع رموز التاريخ والميثولوجيا الكبرى. يستحضر عاصي في نصوصه رموزاً عليا مثل «كلكامش» في بحثه عن الخلود، و«أنكيدو» في صراعه مع الطبيعة، و«إله القمح» في دورة انبعاثه، وصولاً إلى شخصية «الإمام الحسين»، بوصفها صوراً تراجيدية عالية في التاريخ الإنساني تجسد مفاهيم المأساة، والتضحية، والبعث الرمزي.

تتعمق هذه البنية التفكيكية في "المكتبة المعمدانية" من خلال استحضار المناخات الروحية؛ فالصراع بين الحكمة الروحانية (زوسيما) والانسحاق الوجودي (سميردياكوف) يجعل من المكتبة فضاءً تُعقم فيه الكتب ليس من الفطريات الورقية فحسب، بل من أوزار التاريخ والشرور البشرية المتراكمة. كما تبرز في أجواء المكتبة (سواء في عمان أو غيرها) صور أيقونية مركزية، لعل أهمها صورة "رأس المسيح" التي تعبر عن الفداء، والألم النبيل، والقيامة. هذه الأيقونات في نص عاصي ليست مجرد زينة جدارية، بل هي "مفاتيح تأويلية" تمنح المكتبة طابعاً قدسياً ومعمدانياً.

ويتقاطع هذا التوجه مع تأثير ملحمة «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، حيث يبرز الصراع البطولي للإنسان ضد الفناء وضد قوى الطبيعة الغاشمة. هذه المجاورة النصية بين آلام المسيح وصمود الصياد العجوز (سانتياغو) تخلق بنية سردية مشدودة بين قطبي المعاناة الإنسانية والانتصار الرمزي، مما يمنح العمل صفة "الأنطولوجيا الكونية" التي تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان. إن توظيف الأسطورة والرمز الديني يعمل هنا كـ "قناع إبداعي ومعرفي" يتيح للكاتب تجاوز النسق السردي المألوف وربط سردياته بالمنظور العام لحركة التاريخ والفكر الإنساني.

السرد والتاريخ: جماليات المسكوت عنه والانزياح السردي

يميز جاسم عاصي بذكاء نقدي بين "المدوّن" التاريخي الرسمي وبين "الشفاهي" والمسكوت عنه في طيات الزمن. الرواية عنده هي الأداة الكفيلة بربط الواقعة التاريخية الجافة بالمنظور الذاتي والمخيال السردي الخصب، مما يشيّد "بنية متصورة للتاريخ" تستثمر الفجوات التي أغفلها أو تعمد المؤرخ الرسمي إغفالها. هذا المنهج يجعل من «المكتبة المعمدانية» نصاً يتجاوز التوصيف الجغرافي الصرف للأمكنة نحو "جمالية المبنى"، حيث يشتبك المتخيّل بالواقع لصياغة سردية بديلة. إن فعل جرد محتويات المكتبة هو في حقيقته "أرشفة مضادة" تسعى لصيانة ما لم يحفظه التاريخ، وهو فعل يجسد أقصى درجات الانزياح السردي عن الجامد نحو الحي والمتحرك.

التداخل بين النقد والتشكيل والسرد: القيم اللمسية للكلمة

لا يمكن قراءة هذا المنجز الإبداعي بمعزل عن اهتمامات جاسم عاصي العميقة بالفنون البصرية والتشكيلية؛ فدراساته المستفيضة في لوحات فنانين مثل بشير مهدي، وخالد خضير الصالحي، وكامل الموسوي، منحت سردَه وعياً بصرياً حاداً وقدرة على "تجسيد" المعنى. ينعكس ذلك بوضوح في وصفه الدقيق لمحتويات المكتبة؛ حيث تصبح الكتب عنده "كتلاً" فراغية ذات "قيم لمسية" وتشكيلية.

الروائي هنا يتصرف كـ "مرمم آثار" أو كفنان تشكيلي يعيد بناء اللوحة؛ فهو يبحث في التوقيعات المتروكة على هوامش الكتب عن أرواح أصحابها الغائبين، ويستنطق الشخصيات التي كانت تمتلك هذه المخطوطات. هذا البعد الآثاري والأنطولوجي يمنح العمل صبغة تبحث في كينونة الإنسان عبر ما تركه من أثر ورقي، محولاً فعل القراءة من مجرد تلقٍ سلبي إلى رحلة استكشافية في أعماق النفس البشرية بآلامها (المتمثلة في رأس المسيح) وصمودها الأسطوري (المتمثل في الشيخ والبحر).

"المكتبة المعمدانية" كأرشيف للمستقبل

إن المكتبة المعمدانية: "مجموعة قصص المجاورة" هي بمثابة بيان ختامي وإبداعي لجيل حاول بكل قوته المزاوجة بين الحداثة والتراث، وبين صرامة المنهج النقدي وحرية الخيال الإبداعي. يثبت جاسم عاصي من خلال هذا العمل أن الخيال الروائي هو القوة الرمزية الوحيدة القادرة على رتق ما مزقه التاريخ السياسي والاجتماعي، وأن "المكتبة" هي الملاذ الأخير الذي نتمكن فيه من تجاوز صخب "الذوات اللاهثة" دون السقوط في هاوية العدم أو النسيان.

إن تفكيك البنية السردية لهذا العمل يكشف عن كاتب يدرك تماماً خطورة الكلمة ومسؤوليتها التاريخية؛ فالتوغل في "غير المحسوب" يظل مقامرة كبرى في فضاء الإبداع، لكنها المقامرة الوحيدة التي تستحق العناء لبلوغ مثابات إبداعية تتناغم مع حركة الفكر والجمال الكوني. يظل جاسم عاصي "المفكر الأدبي" الذي يعيد صياغة العالم عبر مفاهيم "المجاورة" و"التعميد" بالكلمة، مستلهماً صمود "كلكامش"، وحكمة "زوسيما"، وقدسية "أيقونة المسيح"، في رحلة بحث وجودية لا تنتهي عن جوهر الإنسان وماهيته في هذا الوجود.

***

غالب المسعودي

يشكّل الشعر، في تجلياته العميقة، بنيةً رمزيةً مركّبة تتجاوز حدود القول المباشر إلى فضاءات الدلالة المفتوحة، حيث تتداخل اللغة بالذاكرة، ويتحوّل المكان إلى كيانٍ معنويٍّ نابضٍ بالهوية والتاريخ. وفي هذا السياق، يبرز شعر سيدي ولد الميداح بوصفه امتداداً حيّاً للتقليد الشعري الموريتاني الذي يمتح من معين الصحراء، ويعيد تشكيله في لغةٍ تجمع بين الجزالة التراثية والانزياح الجمالي المعاصر.

تنطلق هذه الدراسة من قصيدته «يا سائلاً عن رُبى شنقيط» لتقارب النصّ مقاربةً نقديةً شاملة، تستند إلى جملة من المناهج المتكاملة: الأسلوبية، والسيميائية، والهيرمينوطيقية، فضلًا عن توظيف ما يُعرف بـ«النقد الاحتمالي»، الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحة على تعدد المعاني، لا تُختزل في تفسيرٍ واحد، بل تُعاد قراءتها باستمرار وفق تفاعل القارئ والسياق والمعرفة.

وتسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية اللغوية للنص، من حيث سلامة التراكيب ودقة التعبير والانزياحات البلاغية، كما تعمل على استكشاف معماره الصوتي والإيقاعي، وتحليل بنيته الجمالية والفنية، وصولاً إلى الكشف عن طبقاته الدلالية العميقة، وما تنطوي عليه من رؤى فكرية وفلسفية، تتصل بالهوية، والانتماء، والذاكرة الثقافية.

كما تتجاوز هذه القراءة حدود التحليل الشكلي إلى استنطاق الأبعاد النفسية والاجتماعية والسيميائية للنص، في محاولةٍ لرصد شبكة العلامات والرموز التي تشكّل نسيجه الداخلي، والكشف عن العلاقات المتقابلة التي تنتظم دلالاته. ولا تغفل الدراسة، في الآن ذاته، عن مساءلة السياق التاريخي والثقافي الذي انبثق منه النص، بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل رؤيته ومحمولاته الرمزية.

وعليه، فإن هذه المقاربة لا تهدف إلى القبض على «المعنى الصحيح» للنص بقدر ما تسعى إلى استكشاف «إمكاناته التأويلية»، وفتح أفق القراءة على تعددية المعنى، حيث يغدو النص فضاءً حيًّا للتفاعل، ومجالاً لإعادة إنتاج الدلالة في ضوء أسئلة القارئ ومرجعياته. ومن هنا، تأتي هذه الدراسة بوصفها محاولةً لقراءة النص في عمقه الجمالي والفكري، واستجلاء طاقته الإبداعية بوصفه نصًّا ينتمي إلى أفق الشعر العربي في تداخله بين الأصالة والتجديد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النصّ يتمتع بسلامة لغوية عالية، حيث:

التراكيب فصيحة مستقيمة:

مثل: "يا سائلاً عن ربى شنقيط" (نداء زائد صفة زائد مضاف إليه)

الأفعال منسجمة زمنياً (غلبة الماضي والمضارع الدلالي)

ملاحظات نحوية دقيقة:

"كيف سرتْ في الروح"

فعل "سرت" مؤنث يعود على "ربى" -  تطابق صحيح

"حتى غدتْ للبوح أوطانًا"

استعارة زائد جمع "أوطان" منسجم مع تعددية التجربة.

الانزياح:

"الصحراء تتكلم" -  "في صمتها لغة"

هذا انزياح دلالي عميق (تحويل الصمت إلى خطاب)

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ جزلة بدوية الأصل: (الربى، القوافل، الرمل، الصحراء)

التوازن واضح بين:

اللفظ التراثي

والمعنى الحداثي (الهوية، الذاكرة، الانتماء)

مثال:

"فيك الكرامة تاريخ نردده"

جمع بين:

قيمة (الكرامة)، وزمن (التاريخ) ، وفعل (نردده)

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص قريب من البحر الكامل أو البسيط (بتحرر تفعيلي)

القافية: (ـانا) -  توحيد موسيقي (أوطانا – أزمانا – كتمانا…)

الموسيقى:

الجرس الصوتي قائم على:

حروف المد (الألف خصوصاً)

التكرار الصوتي: "الصحراء – الصمت – السر"

التكرار:

تكرار:

"في" -  يخلق إيقاعاً داخلياً

"يا" الندائية - خطاب حميمي

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية:

النص يقوم على:

بنية تصاعدية: سؤال (يا سائلاً)، وصف (الصحراء)، استحضار، تاريخي (القوافل)، تمجيد (شنقيط)

خلاصة أخلاقية (القيم)

لا توجد شخصيات، بل: -  الفضاء هو الشخصية (الصحراء/شنقيط)

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا:

صوفية–حضارية–هوياتية

شنقيط ليست مكاناً فقط، بل: -  كائن روحي  زائد رمز معرفي

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

تحويل:

الرمل -  موسيقى، الصمت - لغة، المكان - هوية

هذا انزياح جمالي ناجح يولّد الدهشة

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح: سؤال الهوية، سؤال الانتماء. سؤال الأخلاق.

مركز الفكرة:

الإنسان ابن المكان القيمي لا الجغرافي فقط

٢. الأفق المعرفي

يتكئ النص على:

التراث العربي الصحراوي

الثقافة الإسلامية (آيات، ترتيل)

الذاكرة الجماعية

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

طبقات المعنى:

ظاهر: وصف شنقيط

باطن: تمجيد الهوية

أعمق: مقاومة الذوبان الحضاري

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى بيئة:

صحراوية

علمية (شنقيط = مدينة العلماء)

٢. تطور النوع

النص:

يستند إلى القصيدة العمودية

لكنه يحمل رؤية حديثة

٣. العلاقة بالتراث

استدعاء:

القوافل (جاهلي)

الحكمة (إسلامي)

المكان (أندلسي/صحراوي)

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

الحنين، الاعتزاز، الصفاء الروحي

٢. النبرة النفسية:

نبرة: هادئة، تأملية، وجدانية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالمجتمع

يعكس:

مجتمعًا قيمياً (الأخلاق)

جماعة قائمة على المعرفة

٢. الخطاب الاجتماعي

دعوة ضمنية: - للثبات على القيم

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

الصحراء تساوي النقاء

الرمل تساوي الذاكرة

القوافل تساوي الاستمرارية

شنقيط تساوي الهوية

٢. الثنائيات

صمت / لغة

ماضٍ / حاضر

حركة / سكون

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج المستخدم هنا:

أسلوبي، سيميائي، هيرمينوطيقي، احتمالي

النص يسمح بقراءات متعددة

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بـ:

١- الكرامة

٢- الإيمان

٣- الانتماء

يحمل بعداً إنسانياً يتجاوز موريتانيا

عاشراً: البعد الإيروتيكي

البعد الإيروتيكي هنا:

غائب بشكل مباشر

لكنه يظهر بشكل رمزي:

في:

العلاقة الحميمة مع المكان

"في الروح" / "في عينيك"

-  إيروس روحاني (حب المكان) لا جسدي

الحادي عشر: النقد الاحتمالي

وفق المنهج الاحتمالي:

القراءة ١- :

شنقيط تساوي وطن حقيقي

القراءة ٢:

شنقيط تساوي رمز للهوية العربية

القراءة ٣:

شنقيط تساوي حالة روحية (الصفاء)

القراءة ٤ :

شنقيط = نص/لغة (الوطن = الكلام)

المعنى ليس ثابتاً

-  بل يتولد مع القارئ

قراءة لغوية صرفية نحوية دقيقة

كثافة:

الجمل الاسمية -  الثبات

الأفعال - الحركة

سيطرة:

المضاف والمضاف إليه (ربى شنقيط، ذرّة رمل)

- توكيد العلاقة العضوية

الأفعال:

"سرت – غدت – مرّت"

- انتقال دلالي زمني

الخلاصة:

النص:

١- متماسك لغوياً

٢- غني بلاغياً

٣- عميق دلالياً

٤- مفتوح تأويلياً

وهو نموذج لـ: الشعر الموريتاني الذي يمزج بين التراث والهوية والبعد الروحي

حكم نقدي نهائي

هذه القصيدة:

ليست مجرد مدح لمكان، بل بناء رمزي للهوية بوصفها تجربة روحية وتاريخية مفتوحة على التأويل

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

يا سائلاً عن رُبى شنقيطَ

يا سائلاً عن رُبى شنقيطَ كيف سرتْ

في الروحِ، حتى غدتْ للبوحِ أوطانا

تلك الصحارى التي في صمتها لغةٌ

أصفى من الماءِ، بل أسمى وأحيانا

في كلِّ ذرّةِ رملٍ ألفُ أسطورةٍ

تُروى، وتُكتبُ في الآفاقِ أزمانا

مرّتْ قوافلُنا، والليلُ يحتضنُ

خطوَ النجومِ، ويُصغي السرَّ كتمانا

وكان شيخُ الهوى يُملي قصائدَهُ

على الفضاءِ، فيُحيي الرملَ ألحانا

يا موطنَ العلمِ، يا سرًّا نُطاردهُ

حتى إذا جئتهُ، صِرنا لهُ شانا

فيك الكرامةُ تاريخٌ نُردّدهُ

وفيك مجدٌ بنيناهُ فتيانا

نمشي على العهدِ، لا نُبقي لهُ بدلاً

مهما تبدّل وجهُ الدهرِ ألوانا

ونستظلُّ بآياتٍ نُرتّلها

فترتوي النفسُ إيماناً وعرفانا

إنّا حملنا من الصحراءِ حكمتَها

أن لا نُساومَ في الأخلاقِ إن هانا

وأن نكونَ إذا ما الريحُ عاتيةٌ

جبالَ صبرٍ، وأغصاناً إذا لانا

يا شنقيطُ، وفي عينيكِ ملحمةٌ

تُبقي العروبةَ في أعماقنا دانا

***

سيدي ولد الميداح

رأي السلفيين في علم الكلام: يقول السلفيون بأن علم الكلام علم دخيل على الإسلام، استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس، كما يقول محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة)، وإن طريقة علماء الكلام، في الحديث عن الجواهر والعراض، والحادث والقديم، هي طريقة مبتدعة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح، لذا هم يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله، وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام، فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام، يقر بأن المنهج السلفي لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي:

1- رفض التأويل بغير دليل،

2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدي

3- هذا وأن هناك أقوالاً رواها الإمام "الشافعي" في موقفه من علم الكلام حيث ذكر "الذهبي" في ترجمته عن الإمام "الشافعي" جملة نصوص تدل بوضوح على موقفه من علم الكلام منها:

آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد،

ب - ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح،

ج - والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

د - وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً: لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

هـ - وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال: سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !، وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة،

ح - وقال: حُكْميَ في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

ك - وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني: كان الشافعي ينهى عن علم الكلام، وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

ل - وقال الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!

م - وقال: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!

ومن تتبع كلام الأئمة وجد لذلك نظائر كثيرة ولعل فيها عبرة لمن ينتسب إليهم في الفروع ثم يخالفهم في الأصول، (1)،

التأويل الكلامي عند السلفيّة:

التأويل بالمعنى الاصطلاحي كما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح، أي مفتوح الدلالات أو الاحتمالات، فمثل هذا التأويل عند السلفيين مرفوض، لأن ما هو ظاهر في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به، والمصير أو العودة إليه، وهم يقولون إن فتح باب التأويل يهدم الدين، بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد، وبالتالي يستنطقها بغير المراد منهما، والسلفيون يقولون إن الخوارج وغيرهم من أهل البدع عندما أولوا قول الله أولوه لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق، فقد فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر، وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي، (2)،

هذا ونستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام " أبو حامد الغزالي "، حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي:

الوصية الأولى:

أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع، وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا)، ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين، وليعلم العَلِمْ الذي يدعـي الاطلاع، وهو مراد النبي (صلعم) في جميع ذلك، فدعــواه لقصور عقله لا لوفوره،

الوصية الثانية:

أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يَكْذٌبَ، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع، وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة،

الوصية الثالثة:

أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مـراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله (ص) بالظن والتخمين خطــر، فإنما يُعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهـر فمن أين تعلم مراده؟ وبالتالي لا بد أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين،

ولكن وجود الاحتمالات في كلام العرب لما تحمله اللغة العربية من بديع ومجاز، يفسح في المجال لوجود طرق كثيرة للتوسع في دلالات مفرداتها، ولكي نحصر الاحتمال الأقرب للمراد يتطلب التوقف في التأويل أسلم، (3)،

المسلك الصوفي في التأويل:

أما المسلك الصوفي والنموذج السلفي في تحقيق التأويل، نجده بشكل واضح عند الغزالي الذي يقصـد مـن التأويـل شيئا أوسع غوصا، وأعمق في فهم النصوص، التي قد تعتبر في نظره ونظر بعض العلماء غيره من باب المتشابهـات، أو غيـر المقصودة على ظاهـرها، وذلك ليـس من باب ما تؤول إليهـا معانيهـا، ولكن مـن بـاب الكشـف على وجه العلاقة بين التمثيلات التي تشيـر إلى نـوع من الارتبـاط، أو التشابـه بين عالم الغيب وعالم الشهادة، (4)،

إذن فالمقصود الذي قصده أبو حامد الغزالي وأستاذه أبو الحسن الأشعري، ومن سار على دربهما، ليس هو مجرد التفسير اللغوي للنص، والتسليم العقلي للاقتناع به، وإنما هو عملية عقلية وروحية في آن واحد، ذلك أن العقل يؤول المتشابه إلى ما يعرض على العقل من دلالات، (أي كثرة الدلالات التي تتبدى للعقل في النص المتشابه) والتي تأخذ أصولها من المحكمات الشرعية، (أي الآيات المحكمات)، وهذا المنهج يستعمل في الحقيقة عند علماء الكلام، أما التأويل عن طريق الإدراك الروحي/ الذوقي، فهو عمل بعدُ علم، وعلم بعد عمل وعلم، بمعنى: أن الطريق الموصل إلى إدراك الحقيقة الواقعيّة للنصوص محل التأويل هو تصحيح التصور، أو المفاهيم العقليّة ابتداءً فيما يخص العقيدة أولاً، ثم العمل على تثبيت هذا الاعتقاد بعد ذلك ثانياً، حيث سيرتقى الحال إلى درجة مكاشفة، وهذا ما يُصطلح عليه بالمعرفة اللدنيّة، أو العرفان، لذلك فإن معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة لا يمكن أن يحصل من علم الكلام، بل يكاد يكون علم الكلام حجابا عليه، ومانعا عنه، وإنما تتحقق عمليّة الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه تعالى مقدمة للهداية حيث قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، (سورة العنكبوت – الآية -69) ،

وعند هذا البعد الذي يمثله التأويل كما كان عليه في عهد السلف الصالح، يتدخل الصوفي ليحدد مفهوم السلفيّة الحقة في قضايا العقيدة، فيقول: بأن التأويل لا يجوز التصريح به، وانه علم خاص يؤتيه الله من يشاء من عباده الصالحين، (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، (آل عمران – الآية – 7)،

وعلى هذا السبيل، نجد أغلب الصوفيّة يحذرون من التأويل، وينهون عنه، إذا كانت المسألة مجرد فكر ولغة، وذلك حتى لا يقع المؤول فيما لا تحمد عقابه، من تشبيه وتجسيم وهو لا يدري،

ومن هذا المنطلق في حرص "الغزالي" على الدين والخوف من الابتعاد عن الروح السلفيّة التي يؤمن بها، نراه يقول:

(أعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهــل البصائر ومذهب السلف، أي مذهب الصحابة والتابعين، وها أنــا أورد بيانه وأبين برهانه فأقـول: إن حقيقة مذهب السلف، هو الحق عندنا، وإن كـل من بلغه حديث من هـذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمـور: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجـز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة، والموقف الرئيسي الذي يهمنا من هـذه السبعة هو «الإمساك عن التصرف في النص) ،(5)،

مسألة الإيمان عند السلفيّة:

ينقسم السلفيّة في هذه المسألة إلى اتجاهين:

الأول: وهم الأشاعرة ومن يلتقي مع مدرستهم الفكريّة، حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب،

بينما الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الوهابي السلفي، فيقر بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ويزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقائصها، ولا يكتمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، أي بما يتفق بما جاء بالقرآن أو الحديث أو ما يقره أهل الجماعة، وهم متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع، وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله، ،،، لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية، إلا أن يزول أصل الإيمان، ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص، وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه، بل تجوز عليهم الذنوب، ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط، ويكذبون من يعطيها لغيرهم، ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه معذورون، أو مخطئون أو مصيبون، ويكفرون مَنْ يسئ لهم، وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء، (6).

***

د. عدنان عويد

.......................

1- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث،

2-- المرجع: مقال للدكتور أحمد رشوان – "السلفية قواعد واصول" عن موقع الإسلاميون،

3- يراجع في ذلك: التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش - مجلة دعوة الحق، العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-1992.

4- التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش - المرجع السابق،

5- التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش – المرجع السابق،

6- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية: كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية- عبد الرحمن عبد الخالق - موقع ندوة الإيمان ، ويراجع كذلك: مقال " " مسألة الإيمان" –محمد عمر سالم بازمول – موقع جامعة ام القرى، كما يراجع ايضاً كتاب – (العواصم من القواصم في تحقيق موقف الصحابة بعد وفاة النبي (ص)،) – لأبي بكر بن العربي- 543- 468 هـ

 

تندرج رواية القوس والفراشة للكاتب المغربي محمد الأشعري ضمن الأعمال السردية التي تنبني على مساءلة عميقة للواقع العربي المعاصر، حيث يتقاطع الذاتي بالموضوعي، ويتحول الخاص إلى مدخل لفهم العام. لا تقف هذه الرواية عند حدود الحكي التقليدي، بل تتجاوزه لتغدو فضاءً للتفكير في التحولات القيمية العنيفة التي مست الإنسان في زمننا الراهن، زمن فقدان اليقين وتصدع المرجعيات الكبرى.

منذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام كتابة لا تسير وفق خطية سردية مألوفة، بل تتأسس على التقطيع والتشظي، وكأن النص يعكس في بنيته الداخلية حالة الانكسار التي يعيشها بطله. الزمن في الرواية ليس خطًا مستقيمًا، بل هو شبكة من الاسترجاعات والانقطاعات، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، وتصبح الذاكرة أداة لإعادة تركيب واقع متصدع. هذه التقنية لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تعكس رؤية وجودية للعالم، قوامها أن الحقيقة لم تعد معطى جاهزًا، بل شظايا متناثرة يتعذر الإمساك بها في كليتها.

في قلب هذا البناء السردي المتوتر، تتشكل شخصية يوسف بوصفها نموذجًا للمثقف العربي الذي فقد توازنه أمام تحولات لم يعد قادرًا على فهمها أو التأثير فيها. يوسف ليس بطلاً تقليديًا، بل كائن مهزوم من الداخل، يعيش على إيقاع خيبة مزدوجة: خيبة الذات وخيبة العالم. تتجلى مأساة هذه الشخصية في علاقتها بابنها الذي ينخرط في مسار العنف، وهو ما يحول التجربة الفردية إلى مأزق وجودي وفكري في آن واحد. فالأب هنا لا يفقد ابنه فقط، بل يفقد أيضًا قدرته على الفهم، وعلى تفسير ما يحدث من حوله، وكأن العالم قد انفلت من كل منطق.

العنف في الرواية لا يُقدَّم كحادثة معزولة، بل كبنية عميقة تتغلغل في النسيج الاجتماعي والنفسي. إنه عنف متعدد المستويات، يبدأ من الداخل كتمزق روحي، ثم يمتد ليشمل الواقع في تجلياته الأكثر قسوة. لا تسعى الرواية إلى تفسير هذا العنف تفسيرًا مباشرًا، بل تكتفي بكشف شروطه وإبراز السياقات التي جعلته ممكنًا، وهو ما يمنح النص بعدًا تأمليًا يتجاوز التبسيط أو الإدانة السطحية. فالعنف هنا هو نتيجة لانهيار المعنى، وتفكك الروابط التي كانت تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء.

يحمل العنوان ذاته دلالة رمزية كثيفة، حيث يتجاور "القوس" و"الفراشة" في علاقة توتر دلالي لافت. القوس يحيل إلى الشدّ والاستعداد وربما العنف الكامن، بينما ترمز الفراشة إلى الهشاشة والجمال العابر والتحول. هذا التنافر الرمزي يعكس جوهر الرواية، التي تقوم على مفارقة أساسية: كيف يمكن للكائن الإنساني أن يحتفظ بحساسيته وجماله في عالم مشدود إلى أقصى درجات القسوة؟ إن العنوان لا يختزل مضمون النص، بل يفتحه على أفق تأويلي رحب، يجعل من القراءة تجربة بحث مستمر عن المعنى.

أما اللغة، فتأتي محمّلة بكثافة شعرية واضحة، حيث يميل السرد إلى التأمل أكثر من ميله إلى الحدث، وتتحول الجملة إلى مساحة للتفكير لا مجرد وسيلة لنقل الوقائع. هذه اللغة لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تسعى إلى تعميق الإحساس بالهشاشة، وإلى التقاط التفاصيل الدقيقة التي تكشف عن تشقق العالم من الداخل. كما أن الحضور المحدود للحوار يعزز من طابع الانغلاق الذي يطبع الشخصيات، ويجعلها غارقة في ذواتها، عاجزة عن التواصل الحقيقي مع الآخر.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا حول معنى الوجود في عالم فقد انسجامه. إنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تدفع القارئ إلى مواجهة قلقه الخاص، وإلى إعادة التفكير في مفاهيم مثل الهوية، والانتماء، والمعنى. فالأب الذي يعجز عن فهم ابنه، والمثقف الذي يفقد صوته، والعالم الذي ينزلق نحو العنف، كلها عناصر تتقاطع لتشكل صورة قاتمة، لكنها صادقة، عن واقع مأزوم.

هكذا تتجاوز القوس والفراشة حدود الحكاية لتغدو نصًا عن انهيار المعنى، وعن الإنسان وهو يواجه عريه الوجودي في زمن مضطرب. إنها رواية تكتب القلق بدل أن تشرحه، وتبني أسئلتها من داخل الجرح، لا من خارجه، وهو ما يمنحها قوتها وفرادتها داخل المشهد الروائي المغربي والعربي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

قراءة نقدية احتمالية في قصيدة “أنا وأنت” للشاعر عبد الله البردوني

في زمنٍ تتآكل فيه اليقينيات، وتتصدّع البنى الرمزية التي طالما شكّلت وعي الإنسان بذاته وبالعالم، يغدو النصّ الأدبي فضاءً كاشفاً لا للواقع فحسب، بل لطبقات الوعي المضمرة التي تتخفّى خلف اللغة، وتتشكل عبرها في آنٍ واحد. ومن هذا المنظور، ينهض شعر عبد الله البردوني بوصفه خطاباً نقدياً عميقاً، لا يكتفي بتوصيف العطب الاجتماعي، بل يتوغّل في تفكيك آلياته الذهنية والرمزية، كاشفاً عن شبكة معقّدة من التواطؤات بين اللغة والواقع، بين الذات والجماعة، بين ما يُقال وما يُخفى.

تندرج قصيدة "أنا وأنت" ضمن هذا الأفق التفكيكي، حيث تتحول الثنائية الظاهرية (أنا/أنت) إلى بنية انعكاسية، تنقلب فيها المسافة بين الذات والآخر إلى نوع من التطابق المأزوم، وكأنّ الشاعر لا يخاطب غير ذاته الجمعية، تلك التي فقدت قدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين القيم وأقنعتها. وهنا، لا تعود اللغة أداة شفافة للتعبير، بل تصبح موضوعاً للنقد ذاته، بوصفها جهازاً يُعيد إنتاج الخلل عبر التسمية والتأويل.

إنّ هذه الدراسة تسعى إلى مقاربة النص مقاربة نقدية موسّعة، تنفتح على جملة من الحقول المعرفية، بدءاً من التحليل اللغوي والبلاغي، مروراً بالبنية الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية والسوسيولوجية والنفسية والسيميائية. كما تعتمد الدراسة منهج النقد الاحتمالي، الذي لا ينظر إلى النص بوصفه حاملاً لمعنى واحد مكتمل، بل ككيان مفتوح على تعددية الدلالات، حيث يتولّد المعنى من تفاعل النص مع القارئ والسياق، لا من بنية مغلقة أو قصدية ثابتة.

ومن ثمّ، فإنّ الغاية من هذه القراءة ليست القبض على "المعنى الصحيح"، بل استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يتيحها النص، والكشف عن طاقاته التأويلية التي تتجاوز حدوده الظاهرة. فالنص، في هذا الإطار، ليس جواباً بقدر ما هو سؤالٌ مفتوح، وليس بنية مكتفية بذاتها، بل أفقٌ يتجدّد مع كل قراءة، ويعيد إنتاج ذاته في ضوء اختلاف القرّاء وتحوّل السياقات.

وعليه، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنّ قصيدة "أنا وأنت" ليست مجرد خطاب شعري، بل هي بنية نقدية عميقة، تُفكّك الوعي الجمعي، وتعيد مساءلة الإنسان العربي في لحظة تاريخية مأزومة، حيث تتقاطع فيها أزمة اللغة مع أزمة القيم، وأزمة الهوية مع أزمة الوجود ذاته. ومن هنا، تأتي أهمية هذه القراءة بوصفها محاولة للنفاذ إلى العمق الدلالي للنص، واستنطاق طبقاته المتعددة، في أفقٍ نقديّ يزاوج بين الدقة المنهجية والانفتاح التأويلي.

تتأسس هذه الدراسة على مقاربة نقدية مركّبة، تستند إلى تداخل المناهج: الأسلوبي، البنيوي، السيميائي، النفسي، والسوسيولوجي، مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً، يرى النص شبكةً من المعاني الممكنة لا بنيةً مغلقة. وعليه، لا نسعى إلى تثبيت معنى نهائي، بل إلى تفجير طاقات النص الدلالية، واستكشاف احتمالاته الكامنة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم لغة البردوني هنا بسلامة نحوية واضحة، قائمة على الجمل الفعلية والاسمية ذات التوازي التركيبي:

"أنا وأنت سواء": جملة اسمية تقريرية تؤسس لبنية التماثل.

"نسمّي... ونقول... ونرى...": تكرار الأفعال المضارعة يخلق إيقاعاً تداولياً يعكس استمرارية الخلل.

الانزياحات:

"شعورنا لم يزل طفلاً في خريف الكهولة": انزياح دلالي مركب (طفولة/كهولة) يكشف مفارقة الزمن النفسي.

"سوق النفاق": استعارة بنيوية تحوّل القيم إلى سلع.

جمال الصياغة:

تقوم على اقتصاد لغوي مشحون، حيث تختزن العبارة القصيرة كثافة نقدية عالية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة فصيحة، لكنها غير متعالية؛ بل تنحاز إلى الوضوح الصادم.

التوازن بين اللفظ والمعنى يتجلى في:

بساطة اللفظ مقابل عمق الإدانة.

اختيار مفردات ذات حمولة اجتماعية: (النفاق، الجهل، البضاعة، الأكذوبة).

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

الوزن: يميل إلى الإيقاع الخليلي الحر (قريب من المتدارك).

القافية: موحدة على (ـوله / ـوله)، ما يعزز الإلحاح الدلالي.

التكرار:

"نسمّي" / "نقول" / "نرى": تكرار يشي ببنية ذهنية جمعية مأزومة.

الموسيقى الداخلية:

الجناس: (الجهل / الجهولة)

التقابل الصوتي: (الوحش / الأناس)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص يقوم على حوار ضمني بين "أنا" و"أنت"، لكنه في الحقيقة:

مونولوج جمعي يكشف تواطؤ الذات مع ذاتها.

لا وجود لشخصيات بالمعنى السردي، بل:

شخصية جماعية (نحن المنهزمة).

٢. الرؤية الفنية

رؤية تشاؤمية نقدية:

العالم مقلوب القيم.

اللغة ذاتها متواطئة في تزوير الحقيقة.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

الدهشة تنبع من:

قلب المفاهيم (الجبن = أنثى، الشر = رجولة).

فضح آليات التسمية بوصفها سلطة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الإنسان كائن عاقل أم منتج للوهم؟

هل اللغة أداة كشف أم تضليل؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

نقد الأيديولوجيا

تفكيك الخطاب الاجتماعي

إرهاصات قريبة من تفكير ميشيل فوكو حول سلطة الخطاب.

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقياً)

النص يخفي:

نقداً للوعي الجمعي

إدانة للثقافة التي تعيد إنتاج الزيف

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى واقع عربي:

مأزوم سياسياً وثقافياً

مشبع بالازدواجية الأخلاقية

٢. تطور النوع

النص يمثل:

انتقالاً من الغنائية إلى الشعر النقدي الاجتماعي

٣. علاقته بالتراث

توظيف مفاهيم النسب (عامر / سعد)

نقد العصبية القبلية

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

يسيطر:

الشعور بالمرارة

الاحتقار الذاتي

٢. تحليل الشخصية

"أنا = أنت"

أي:

لا وجود لآخر بريء، بل تواطؤ شامل.

٣. النبرة النفسية

احتجاج زائد سخرية سوداء زائد يأس

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالواقع

النص مرآة:

لمجتمع يشرعن الزيف

ويعيد إنتاج القيم المقلوبة

٢. الخطاب الاجتماعي

تفكيك السلطة الرمزية

نقد الأعراف

٣. الشاعر كفاعل اجتماعي

البردوني:

شاهد

وناقد

وضمير جمعي مأزوم

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

السوق يساوي الفساد

الطفولة تساوي السذاجة

الكهولة تساوي العجز

٢. الثنائيات

طفولة / كهولة

حقيقة / زيف

إنسان / وحش

٣. النظام الرمزي

النص يبني:

عالماً مقلوباً حيث العلامات فقدت مرجعياتها.

ثامناً: الأسس المنهجية

١. الصرامة

تم اعتماد:

التحليل الأسلوبي

السيميائي

النفسي

الاحتمالي

٢. الموضوعية

التركيز على النص، لا على سيرة الشاعر.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١. القيم

النص:

لا يحتفي بالإنسان

بل يفضح سقوطه

٢. الانفتاح التأويلي

النص مفتوح على:

قراءات أخلاقية

سياسية

نفسية

٣. البعد الإنساني

رغم سوداويته:

يمس جوهر الإنسان في كل زمان.

عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا مضمر ومشوّه:

يظهر في:

تأنيث الجبن

ربط الرجولة بالعنف

أي:

الجسد مُسيَّس، ومشوَّه رمزياً.

الحادي عشر: القراءة الاحتمالية

وفق النقد الاحتمالي:

احتمالات المعنى:

نص في نقد المجتمع

نص في نقد اللغة ذاتها

نص في تفكيك الهوية

نص وجودي عن سقوط الإنسان

النتيجة الاحتمالية:

المعنى ليس واحداً، بل:

شبكة من الدلالات تتولد مع كل قراءة.

الثاني عشر: قراءة صرفية نحوية

١. الصرف

كثرة الأفعال المضارعة - الاستمرارية

أسماء الجمع - تعميم الأزمة

٢. النحو

الجمل الاسمية -

-  تثبيت الأحكام

العطف المتكرر - تراكم الإدانة

خاتمة:

قصيدة “أنا وأنت” ليست مجرد نص شعري، بل:

مرآة مكسورة يرى فيها الإنسان وجهه مضاعفاً ومشوهاً.

إنها كتابة تقف على تخوم:

الفلسفة

والسوسيولوجيا

والتحليل النفسي

وفي ضوء النقد الاحتمالي، تظل القصيدة:

نصاً مفتوحاً، لا يقول ما يعنيه فقط، بل يعني ما لا يقوله أيضاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

أنا وأنت

يا ابن أمّي أنا وأنت سواء وكلانا غباوة وفسوله

أنت مثلي مغفّل نتلقّى كلّ أكذوبة بكلّ سهولة

ونسمّي بخل الرجال اقتصادا والبراءات غفلة وطفوله

ونسمّي شراسة الوحش طغيانا ووحشيّة الأناس بطوله

ونقول الجبان في الشرّ أنثى ووفير الشرور وافى الرجوله

ونرى أصل "عامر" تربة الأر ض و"سعدا" نرى النجوم أصوله

فننادي هذا هجين وهذا فرقديّ الجدود الخؤولة

نزعم الإنتقام حزما وعزما وشروب النجيع الفحولة

يا ابن أمّي شعورنا لم يزل طفلا وها نحن في خريف الكهولة

كم شغلنا سوق النفاق فبعنا واشترينا بضاعة مرذوله

لا تلمني ولم ألمك لماذا؟ يحسّ الجهل في البلاد الجهوله.

***

الشاعر العربي الكبير عبد الله البردوني

من ديوان العرب إلى المعشّرات الشعرية بوصفها أفقًا للثبات في زمن الحداثة السائلة

ملخص الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة وضع الشعر العربي في ظل التحولات الحضارية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، حيث لم يعد الإبداع الأدبي منفصلًا عن التحولات التكنولوجية والرقمية التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالزمن والمعنى واللغة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الشعر العربي، رغم ما يبدو من تراجع حضوره في المجال التداولي السريع، لم يفقد وظيفته الثقافية والمعرفية، بل أعاد تعريف ذاته بوصفه ممارسة رمزية مقاومة لسيولة العصر.

وتسعى هذه القراءة إلى تتبع المسار التاريخي للشعر العربي منذ نشأته في العصر الجاهلي باعتباره "ديوان العرب" وحافظ ذاكرتهم الجمعية، مرورًا بدوره في صدر الإسلام، ثم انتقالًا إلى تقاليد المختارات الشعرية التي أسست الذائقة النقدية العربية، وصولًا إلى قراءة المعشّرات الشعرية عند الدكتور فيصل الشرايبي باعتبارها شكلًا جماليًا يعيد إنتاج النظام داخل زمن التفكك الثقافي. وتخلص الدراسة إلى أن الشعر، بدل أن ينقرض في العصر الرقمي، أصبح أكثر ارتباطًا بوظيفة المقاومة الرمزية وإعادة بناء المعنى.

على سبيل التقديم:

 الشعر بوصفه ذاكرة الحضارة العربية

يُعرَّف الشعر الجاهلي تقليديًا بأنه كلام موزون ومقفّى و يدل على معنى، غير أن هذا التعريف العروضي يظل مدخلًا شكليًا فقط لفهم ظاهرة أعمق بكثير. فالشعر في الثقافة العربية القديمة لم يكن مجرد فن لغوي، بل نظامًا معرفيًا شاملًا مثّل وسيلة العرب لفهم العالم وتسجيل خبرتهم التاريخية والاجتماعية والوجدانية. ولذلك وصفه النقاد القدماء بأنه "ديوان العرب"، أي الأرشيف الرمزي الذي حفظ أنسابهم وحروبهم وقيمهم الأخلاقية وصور حياتهم اليومية (طه حسين، 1926).

وقد ارتبط الشعر بالذاكرة الشفوية في مجتمع لم يعتمد التدوين المبكر، فكان البيت الشعري يؤدي وظيفة الوثيقة التاريخية، بينما تحوّل الشاعر إلى مؤرخ ومفكر ومتحدث رسمي باسم الجماعة. ومن هنا نفهم لماذا احتلت القصيدة مكانة تتجاوز الترف الجمالي لتصبح أداة إنتاج للهوية الثقافية الجماعية.

أولًا: مكانة الشاعر بوصفه لسان القبيلة

احتل الشاعر داخل القبيلة العربية منزلة استثنائية جعلته أقرب إلى سلطة رمزية تتجاوز سلطة المحارب أحيانًا. فقد كان الشاعر يُسمّى "لسان القبيلة" لأنه المدافع عن شرفها والناطق باسم مجدها، وكانت قصيدته قادرة على رفع شأن القبيلة أو إلحاق العار بها عبر الهجاء. وتشير المصادر التراثية إلى أن القبائل كانت تحتفل بظهور شاعر جديد كما يُحتفل بميلاد بطل أو قائد، لأن امتلاك شاعر يعني امتلاك قوة خطابية قادرة على حماية السمعة القبلية (ابن سلام الجمحي، د.ت).

إن هذه المكانة تكشف عن وعي مبكر بقوة اللغة بوصفها سلطة اجتماعية، حيث لم يكن الصراع دائمًا بالسيف بل بالكلمة أيضًا. ولذلك أصبح الشعر مجالًا للصراع الرمزي بين القبائل، مما رسّخ مركزية البلاغة والبيان في الثقافة العربية.

ثانيًا: الصحراء وصدق التجربة الشعرية

نشأ الشعر الجاهلي داخل فضاء صحراوي مفتوح، وهو فضاء لا يمنح الإنسان سوى التجربة المباشرة مع الطبيعة، حيث القسوة والاتساع والصمت الطويل. وقد انعكس هذا الواقع البيئي على اللغة الشعرية التي اتسمت بالوضوح الحسي والارتباط بالمشاهدة المباشرة. فالشاعر الجاهلي لم يكن يصف الطبيعة من بعيد، بل يعيش داخلها ويتماهى معها، لذلك جاءت صوره الشعرية قائمة على الحركة والملموس والمحسوس.

ويتجلى ذلك في كثافة حضور عناصر مثل الليل والمطر والريح والناقة والفرس، وهي عناصر لا تؤدي وظيفة زخرفية بل تعبّر عن تجربة وجودية يعيشها الشاعر يوميًا. ويظهر هذا الاندماج في وصف امرئ القيس لفرسه:

(مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا........كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ)

حيث تتحول الصورة إلى مشهد سينمائي متحرك يعكس القوة والسرعة والانفجار الحركي، وهو ما يدل على أن الصدق الشعوري في الشعر الجاهلي كان نابعًا من التجربة المعاشة لا من التصنع البلاغي.

ثالثًا: بناء القصيدة الجاهلية ورحلة المعنى

تميزت القصيدة الجاهلية ببنية فنية شبه مستقرة تعكس رؤية العربي للعالم باعتباره رحلة دائمة. فالمقدمة الطللية لم تكن مجرد بكاء على الأطلال، بل وقفة تأملية أمام الزمن والغياب وتحول المكان من حضور إلى أثر. أما المقدمة الغزلية فكانت تمثل استدعاءً للذاكرة العاطفية قبل الانتقال إلى موضوعات الفخر أو الوصف أو الحرب.

ويكشف هذا البناء عن وعي زمني عميق يقوم على الانتقال من الذات إلى الجماعة، ومن الحنين إلى الفعل. كما يمكن ربط هذه الحركة الشعرية بثقافة الترحال والتجارة الموسمية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف»، حيث يصبح السفر جزءًا من البنية الذهنية التي تشكلت داخلها القصيدة العربية.

رابعًا: الشعر في صدر الإسلام ووظيفة الكلمة

مع ظهور الإسلام لم يتم إقصاء الشعر، بل أعيد توجيهه أخلاقيًا ووظيفيًا. فقد أصبح الشعر وسيلة للدفاع الرمزي عن الجماعة الجديدة، وبرز شعراء مثل حسان بن ثابت الذين استخدموا القصيدة سلاحًا معنويًا في مواجهة الخصوم. وهنا يتجلى تحول الشعر من التعبير القبلي إلى التعبير الحضاري المرتبط بالقيم الدينية.

وتجسد قصة كعب بن زهير، حين أنشد قصيدته "بانت سعاد" طالبًا العفو من الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي؛ إذ إن إهداء النبي بردته للشاعر لم يكن مجرد فعل شخصي، بل اعتراف رمزي بقيمة الشعر حين يتجه نحو الصدق والتسامح والجمال (ابن هشام، د.ت).

خامسًا: المختارات الشعرية وتشكيل التلقي الشعري والذوق الأدبي

أسهمت المختارات الشعرية في نقل الشعر من التداول الشفوي إلى الوعي النقدي المنظم. فقد قامت هذه المصنفات بعملية انتقاء واعٍ للنصوص وفق معايير الجودة الفنية والبلاغية، مما أسس لما يمكن اعتباره بداية النقد الأدبي العربي. وكانت المعلقات والمفضليات وجمهرة أشعار العرب وباب الحماسة لأبي تمام نماذج مبكرة لتشكيل الذوق الأدبي.

وقد تكرست هذه العملية النقدية في كتب مثل طبقات فحول الشعراء لابن سلام والعقد الفريد لابن عبد ربه، حيث لم يعد الشعر مجرد إنشاد بل موضوعًا للتحليل والتصنيف والمقارنة. وقد مثّلت دراسة هذه النصوص في الجامعة، خصوصًا ضمن دروس النقد القديم مع الدكتور فيصل الشرايبي، تجربة معرفية أعادت ربط الطلبة بالتراث بوصفه مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل.

سادسًا: الحداثة السائلة والثقافة الرقمية

يطرح زيغمونت باومان مفهوم الحداثة السائلة لوصف عالم فقد ثباته المؤسساتي وأصبح قائمًا على التحول المستمر والهويات المتغيرة (Bauman, 2000). وفي هذا السياق لم تعد الثقافة إنتاجًا طويل الأمد، بل أصبحت تدفقًا سريعًا للمحتوى الرقمي الذي يختفي بالسرعة نفسها التي يظهر بها.

وتتجلى سيولة الثقافة في هيمنة الصورة، وتسارع الاستهلاك المعرفي، وتراجع القراءة العميقة لصالح التصفح السريع. وهذا التحول لم يؤثر فقط في أنماط التواصل، بل أعاد تشكيل علاقة الإنسان باللغة نفسها، حيث أصبحت الكلمات قصيرة العمر داخل اقتصاد الانتباه الرقمي.

سابعًا: وضع الشعر في عصر التكنولوجيا

رغم هذا التحول الجذري، لم يختف الشعر، بل تغيرت وظيفته الثقافية. ففي زمن السرعة، أصبح الشعر مساحة للبطء التأملي، وفي عالم الاستهلاك اللحظي صار النص الشعري تجربة مقاومة للزوال السريع. وهكذا لم يعد الشعر مركز الثقافة الجماهيرية كما كان، لكنه احتفظ بوظيفته العميقة باعتباره مجالًا لإعادة بناء المعنى الشخصي والوجودي.

إن القراءة الشعرية تتطلب زمنًا مختلفًا، زمنًا يعيد للإنسان علاقته بالتأمل، ولذلك يمكن اعتبار استمرار الشعر دليلًا على حاجة الإنسان الدائمة إلى العمق الرمزي مهما تسارعت الوسائط التقنية.

ثامنًا: المعشّرات الشعرية كاستراتيجية جمالية ضد السيولة

تكشف المعشّرات الشعرية، كما حللها فيصل الشرايبي (2025)، عن وعي جمالي يسعى إلى إعادة النظام داخل النص عبر بنية عددية وإيقاعية دقيقة. ولا يمكن فهم هذا الشكل بوصفه مجرد تجربة تقنية، بل باعتباره ردًا جماليًا على فوضى العصر.

فالتنظيم العددي والإيقاعي في المعشّرات يعيد الانتباه إلى البناء، ويجعل القارئ يعيش تجربة قراءة منظمة في مواجهة التدفق الفوضوي للمحتوى الرقمي. وهكذا تتحول المعشّرات إلى نموذج شعري يوازن بين التراث والإبداع، بين الثبات والتجدد، وبين الذاكرة الثقافية والوعي المعاصر.

الخاتمة: الشعر كقوة توازن حضاري

تبيّن هذه الدراسة أن الشعر العربي لم يكن ظاهرة جمالية معزولة، بل ممارسة حضارية رافقت تشكل الوعي العربي منذ الجاهلية حتى العصر الرقمي. وإذا كانت الحداثة السائلة قد جعلت العالم أكثر هشاشة وتسارعًا، فإن الشعر يظل أحد آخر الفضاءات التي يستطيع الإنسان داخلها إعادة بناء علاقته بالمعنى والزمن.

ومن امرئ القيس إلى المعشّرات الشعرية المعاصرة، يستمر الشعر في أداء وظيفته الأساسية والتي تتمثل في  تثبيت التجربة الإنسانية داخل لغة قادرة على مقاومة النسيان. وكلما ازداد العالم سيولة، ازداد الشعر ضرورة، لأنه يمنح الإنسان إمكانية الإقامة الرمزية داخل اللغة بدل الذوبان في تدفقها.

نتائج الدراسة

الشعر الجاهلي أسس الذاكرة الثقافية العربية بوصفه ديوان العرب.

الشاعر أدى وظيفة اجتماعية وسياسية باعتباره لسان القبيلة.

لمختارات الشعرية شكلت أساس الوعي النقدي العربي.

الثقافة السائلة أعادت تشكيل علاقة الإنسان باللغة.

المعشّرات الشعرية تمثل مقاومة جمالية ضد التفكك الثقافي.

***

د. منير محقق

......................

المراجع والمصادر (APA)

ابن سلام الجمحي. (د.ت). طبقات فحول الشعراء. القاهرة: دار المعارف.

ابن عبد ربه الأندلسي. (د.ت). العقد الفريد. بيروت: دار الكتب العلمية.

ابن هشام. (د.ت). السيرة النبوية. القاهرة: دار الحديث.

الشرايبي، فيصل. (2025). المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها. دار بصمة للنشر والتوزيع.

طه حسين. (1926). في الأدب الجاهلي. القاهرة: دار المعارف.

Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

Abu Tammam. (1981). Diwan al-Hamasa. Beirut: Dar Sadir.

 

دراسة مقارنة في ضوء المدرستين البصرية والكوفيّة

يحتلّ الزمخشري مكانةً فريدة في التراث اللغوي العربي؛ إذ لم يكن نحويّاً صرفاً، ولا مفسّراً تقليدياً، بل كان مشروعاً معرفياً متكاملاً جمع بين صرامة النحو، وشفافية البلاغة، وجرأة التأويل العقلي. ومن هنا تبرز ضرورة مقاربته في ضوء المدرستين: البصرية والكوفيّة، لفهم موقعه بينهما، بل وتجاوزه لهما.

أولاً: الزمخشري وامتداد الروح البصرية

ترتكز المدرسة البصرية على القياس، والتقعيد الصارم، والبحث عن العلل النحوية، وقد تأثر بها أعلام مثل سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي.

وقد انعكس هذا المنحى في فكر الزمخشري عبر:

١. تعظيم القياس اللغوي.

كان يميل إلى ردّ الظواهر اللغوية إلى أصولها القياسية، رافضاً الشذوذ إلا لضرورة، وهو ما يظهر جلياً في تحليلاته في المفصل في صنعة الإعراب.

٢. البحث عن العلة:

لم يكتفِ بالإعراب، بل سعى إلى تعليل الظواهر، رابطاً بين الشكل النحوي والمعنى الدلالي، وهو منهج بصري أصيل.

٣. مركزية الفصحى النموذجية

تبنّى اللغة المعيارية القائمة على القرآن والشعر الفصيح، رافضاً التوسّع في اللهجات.

ثانياً: الزمخشري وانفتاحه على الروح الكوفية

أما المدرسة الكوفية، التي يمثلها الكسائي والفراء، فقد اتسمت بالمرونة، وقبول الشواهد المتعددة، والانفتاح على اللهجات.

وقد اقترب الزمخشري منها في:

١. الاعتداد بالسماع

لم يهمل الشواهد الخارجة عن القياس إذا ثبتت بالسماع، خصوصاً في تفسير القرآن.

٢. التوسع في التوجيه

كان يقبل أوجهاً إعرابية متعددة للنص الواحد، ما دامت تؤدي معنى سائغاً.

٣. العناية بالمعنى قبل الشكل

وهي سمة كوفية واضحة، إذ كان يقدّم الدلالة على الصياغة الجامدة.

ثالثاً: الزمخشري بوصفه مشروعاً تركيبياً

هنا تتجلّى عبقرية الزمخشري:

فهو لم يكن تابعاً لمدرسة، بل مؤسساً لرؤية تركيبية تمزج بين:

صرامة البصريين في التقعيد

مرونة الكوفيين في التوجيه

عمق البلاغيين في الكشف الدلالي

ويتجلى هذا المزج بوضوح في كتابه الكشاف، حيث تتحول الآية من بنية نحوية إلى فضاء بلاغي حيّ.

رابعاً: البلاغة عند الزمخشري – من الصناعة إلى الرؤية

لم يتعامل الزمخشري مع البلاغة بوصفها زينة لفظية، بل باعتبارها جوهر المعنى. وقد تأثر في ذلك بتراث عبد القاهر الجرجاني، خاصة في نظرية النظم.

أبرز معالم رؤيته:

النظم أساس المعنى: ترتيب الكلمات ليس اعتباطياً، بل هو سر الدلالة.

السياق هو الحاكم: لا معنى خارج مقتضى الحال.

التأويل البلاغي: كشف المعاني العميقة عبر التحليل البياني.

خامساً: أثر الزمخشري في الفكر اللغوي

ترك الزمخشري أثراً بالغاً فيمن جاء بعده، مثل:

ابن يعيش في شروح المفصل

السكاكي في تطوير علم البلاغة

البيضاوي في التفسير

حيث أصبح منهجه نموذجاً يُحتذى في الجمع بين التحليل اللغوي والتأويل البلاغي.

خاتمة

إنّ الزمخشري لم يكن مجرد نحويٍّ يشرح القواعد، ولا مفسّرٍ يكرر الأقوال، بل كان مفكّراً لغوياً يؤمن بأن اللغة كائن حيّ، وأن المعنى لا يُولد من القاموس، بل من التوتر الخلّاق بين اللفظ والسياق والعقل.

لقد تجاوز ثنائية البصرة والكوفة، ليؤسس أفقاً ثالثاً يمكن تسميته بـ:

"النحو البلاغي التأويلي"

حيث تتحول اللغة من نظامٍ مغلق إلى كونٍ مفتوحٍ على المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في نصه "جنوبي أنا" ركز عادل السرحان في عنوانه على تأكيد متفرد، حدد من خلاله هويته دون مواربة أو تنكر، وهو ما يعد تجسيداً لصفة جعلها ملاصقة له، تحدد هويته بشكل معلن، أراد لها أن تكون ثابتة عبر التكرار (جنوبي أنا)، وهو أسلوب قوي تعمده الشاعر لتثبيت الانتماء وإبرازه على ما سواه. وبمفهوم مبسط أكثر، أراد السرحان أن يؤكد هويته مهما كانت الظروف أو الأحوال. أي أن تكرار العبارة في الشعر الحديث يُستخدم لتأكيد الهوية وبناء المعنى.

وظف السرحان في نصه لغة مبسطة نابعة من التجربة الحياتية ومن المتداول اليومي مثل «حبوبي، العيب والفشلة»، وهي مفردات متداولة في الكلام اليومي باللهجة الجنوبية الدارجة التي يعرفها الناس ويتفاهمون بها، كأن عادل السرحان عمد لأن يكون النص في سياق »التبسيط« الذي نعمل عليه كمنهج دَعونا له في النقد، واستنبطنا له قواعد نصية دالة أسميناه »المُفَرغة«، يعمل على تقديم القراءات النقدية بصورة مبسطة خالية من التعقيد في التوصيف والتقديم والاستعارة، مما يجعله قريباً من القراء اولاً، ويسهل على الفهم من جهة أخرى. فما بالك والنص الذي قدمه عادل السرحان بتوظيف اسلوب التبسيط أصلاً. "أن استخدام اللغة اليومية في الشعر يعزز الصدق ويقرب النص من المتلقي" ( ويليام وردزورث)*.

ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّة

من صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)

تشرق شمسي من سعف النخيل

وتغرب خلف خطوط الكهرباء

في الأفق الخجول

تعلّمتُ البكاء قبل الولادة

وحين خرجت من بطن أمي

أدخلوني مدرسة الأحزان

تعلّمتُ (العيب والفشلة)

ولتقريب الصورة ذهب السرحان لتوظيف صور من الطبيعة الجنوبية في العراق، ليشكل منها "عنصراً أساسياً" في نصه، أراد من خلالها اظهار مدى تأثره الشخصي بتلك الطبيعة التي عاش في ثناياها، فجاء على ذكر (النخيل، النهر، البساتين)، أي ذهب ليقول أن الطبيعة التي ضَمَن النص توصيفها هي التي شكلت شخصيته، ذلك "أن المكان الطبيعي يساهم في تشكيل نفسية الإنسان وخياله" ( ويليام وردزورث)*.

لذلك خرجت من بطن أمي بولادة قيصرية

جنوبي أنا قريته الدنيا

وعالمه مدينة يصل إليها بباص خشبي مرة كل عام

جاور الشط والبحر

فصار قلبه مرسى لكل الوجوه

جنوبي أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيباً مثل (حمرية)

وتحت ظل نخلة

استطاع السرحان أن يجسد صورته الشعرية في هذا المقطع بأسلوبوصفي أعتمد السرد للدلالة على حجم المعاناة التي مثلها بجمل تحمل صوراً شعرية مقارنة مثلت أفقاً مفتوحاً، دخل إليها من حدود ضيقة أشار إليها بالمكان (جنوبي أنا) ليظهر منها إلى آفاق بعيدة مفتوحة لاحدود لها حين قال ( قريته الدنيا)، وهو اسلوب يوظف الشاعر من خلاله تحديد الصورة التي جاءت بصيغة مبالغة تحمل في طياتها التحديد والانتشار، لذلك عمد السرحان لتكرار التوصيف والدلالة في النص، حين قال: (فصار قلبه مرسى لكل الوجوه)، والمعروف أن المرسى يستقبل كل ما هو قادم ويودع من رحل، و(كل الوجوه) تعبير لامتناهي ليس فيه استثناء أو احتكار على فئة دون سواها، وهي صيغة مبالغة أيضاً تضفي مزيد من التشويق والغرابة على بنية النص وشكله النهائي، يؤتى بها لاستكمال التشكيل الشعري وعدم القصور في الجملة الشعرية، فما بدأ بأفق مفتوح لايستكمل بالحصر والتحديد، وإلا سيكون هناك قصور في تحديد الصورة وضبابية في ملامحها الجمالية وايقاعها الداخلي، الذي ضمنه السرحان التكرار كعنصر تأكيد على المعاناة والتفرد بالهوية وجغرافية المكان.

فيما كان توظيف كلمة "المرسى" الذي أشار إليه من جهة ثانية للتعبير عن الانتماء للناس، أي توظيف البعد الاجتماعي في النص كي لايكون في معزل عن القارئ، فيما جاء السرحان برموز أخرى مثلها ب (الماء، والنخلة، النهر، حمرية)، وهي "نوع من السمك النهري محبب لدى أقرانه في البصرة" ، ليؤكد على الصفاء والحياة اللذان يمثلهما الماء، والنخلة وتلك السمكة الوديعة، وهذه كلها تمثل رموزاً للاستقرار والأمان، وهي من العناصر التي تعبر عن الروابط العاطفية والثقافية المرتبطة بالمكان.

أراد السرحان أن يميز نصه بخصوصية لا تشابه النصوص الأخرى، فركز على الهوية الجنوبية كتمثيل لجغرافية قد تمتاز بها "البصرة" جنوب العراق على غيرها من المناطق الأخرى، فأتى على ذكر النهر والبحر، وهي رموز محددة بمدينة البصرة مما يمنح النص شعوراً بالخصوصية الثقافية المتفردة. كما سعى لان يجعل من التنوع في الزمن بين الماضي (خرجت من بطن أمي)، والحاضر (أكتب تحت ظل نخلة) كسياق متصل للحياة يرتبط بالذاكرة والمكان.

بكل دقة استطاع السرحان أن يشكل صيغة الربط بين الإنسان والطبيعة كدالة في النص تجسد صورة أن الإنسان جزء من المكان، والذي بدوره يتأثر بما في ذلك المكان من عناصر الحياة ك (الماء والكائنات الأخرى)، تجسيداً لمقولة (أن الإنسان ابن بيئته). وفي التعبير عن الحزن أورد السرحان عبارة تحمل من قوة التأثير ما يهز كيان القارئ، قصد منها تبيان أن ذلك "الحزن قديم ومتجذر في حياته، وهي صورة وجدانية هائلة تأتي على غرار ما جاء به "زامل سعيد فتاح"** حين قال عام 1979

"عد وأنا عد ونشوف

ياهو أكثر هموم

من عمري سبع سنين

وقليبي مهموم"

لذلك ذهب السرحان ليؤكد شعوره بأن المعاناة بدأت معه منذ البداية.وهنا يشير "سيغموند فرويد" في نظرياته إلى أن التجارب المبكرة (حتى الرمزية منها) تؤثر في تكوين الإنسان النفسي. حيث عمد عادل السرحان للعب على وتر الحالة النفسية للقارئ، لا لغرض استعطافه؛ بل لإجباره على مواصلة القراءة والتفاعل مع النص، بل ربما أبعد من ذلك "لتقبله" نفسياً قبل التفاعل مع جماليته وموسيقاه وبرورز صوره وتأثيراتها عليه (أي القارئ)، رغم اكتمال عناصر بناءه السردية والوصفية، ودقة معانيه وصوره الجمالية والتي منحته بعداً إنسانياً رائعاً حين جسدها السرحان بالتزامن مع العوامل النفسية والصبغة الوجدانية التي أراد لها أن تطغى بشكل عام على النص.

الانطباع العام الذي خرجنا به أن النص يعكس حنيناً للأصل والجذور، وارتباطاً بالأرض والمكان، وظف فيه عادل السرحان "اللغة التصويرية" لتقريب القارئ من تجربة الشاعر الشخصية، مع إيحاءات رمزية عميقة مثل الطيبة والانفتاح على الآخرين. النص عبارة عنأبيات (تجمع بين السرد والرمزية)، ركز فيها الشاعر على الهوية الجنوبية والانتماء للأرض والماء والبشر، بأسلوب قريب من القلب جسده بصور حسية قوية.

ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّة

من صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)

تشرق شمسي من سعف النخيل

وتغرب خلف خطوط الكهرباء

في الأفق الخجول

تعلّمتُ البكاء قبل الولادة

وحين خرجت من بطن أمي

أدخلوني مدرسة الأحزان

تعلّمتُ (العيب والفشلة)

لذلك خرجت من بطن أمي بولادة قيصرية

جنوبي أنا قريته الدنيا

وعالمه مدينة يصل إليها بباص خشبي مرة كل عام

جاور الشط والبحر

فصار قلبه مرسى لكل الوجوه

جنوبي أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيباً مثل (حمرية)

وتحت ظل نخلة

عرفتُ الشموخ

وعلمتني بقرةٌ كيف أكون متسامحاً

جنوبي أنا ينسى كفّيه في كفي من يودعهم

وعينيه في عيونهم

وينام وشهقة البكاء توقظه

أناشيده التي تغنيها البساتين

والطيور والضفاف الوادعة

تولد مثل البراعم والفراشات والندى كل صباح

***

سعد الدغمان

العربية ككائنٍ حيّ لا كقالبٍ جامد

ليس يسيراً أن نُقيم حدّاً فاصلاً بين “اللغة” و“اللهجة” و“الحرف” في العربية، لأنّ هذه الألفاظ - على ما يبدو من تمايزها الاصطلاحي - إنما تتقاطع في نسيجٍ حيٍّ واحد، هو نسيج اللسان العربي في تشكّله التاريخي. فالعربية لم تنشأ بوصفها نسقاً مقعَّداً جاهزاً، بل تخلّقت في فضاء قبليّ متشعّب، حيث تتجاور الأصوات كما تتجاور البيئات، وتتغاير الألسن كما تتغاير الطبائع.

ومن هنا، فإنّ ما اصطلح عليه القدماء بـ“لغات العرب” لم يكن دليلاً على انقسام، بل شاهداً على ثراء داخليّ، جعل العربية أشبه بكائنٍ يتنفس عبر رئات متعددة، دون أن يفقد وحدة قلبه.

أولاً: في تحديد المفاهيم بين القدماء والمحدثين

لم يضع علماء العربية الأوائل تعريفات حدّية صارمة كالتي عرفها اللسانيون المحدثون، غير أنّ استقراء نصوصهم يكشف عن تمييزٍ دقيق بين ثلاث طبقات:

1- اللغة:

هي الإطار الكلّي الجامع، أو ما عبّر عنه بعضهم بـ“لسان العرب”، وهو النسق الذي تنتظم فيه القواعد النحوية والصيغ الصرفية والدلالات المعجمية. وقد أشار سيبويه في “الكتاب” إلى هذا المعنى حين جعل الاحتجاج منصبّاً على كلام العرب الفصحاء، لا على قبيلة دون أخرى.

2- اللهجة:

وهي صورة من صور الأداء اللغوي داخل قبيلة أو إقليم، تتميّز بخصائص صوتية أو تركيبية أو معجمية، لكنها لا تخرج عن البنية العميقة للغة. وقد عبّر ابن جني عن ذلك بقوله إنّ “اختلاف اللغات كلّه حجة”، ما دام منسوباً إلى عربٍ فصحاء.

3- الحرف (بالمفهوم التراثي):

ليس هو الحرف الهجائي فحسب، بل هو - عند كثير من النحاة - سمة صوتية جزئية، كالإبدال والإدغام والتخفيف، أي ما نسمّيه اليوم “الظاهرة الفونولوجية اللهجية”. ولذلك قيل: “فيه كشكشة ربيعة” و“طمطمانية حمير”، فجُعل الحرف علامةً جزئية داخل نسقٍ أوسع.

ثانياً: الظواهر الصوتية بين الوصف والتقعيد

لقد سجّل علماء العربية ظواهر صوتية دقيقة تُظهر مدى حسّهم الفونولوجي المبكّر، ومن ذلك:

الكشكشة (عليش بدل عليك)

الكسكسة (عليكس)

الشنشنة

العنعنة (عنّك بدل أنّك)

الفحفحة

العجعجة (قلب الياء جيماً)

اليأيأة

الطمطمانية (أمبيت بدل البيت)

التلتلة (تِعلم بدل تَعلم)

الاستنطاء (أنطى بدل أعطى)

وقد نظر إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي بوصفها تنويعات طبيعية، لا انحرافات، إذ إنّ اللغة - في نظره - طاقة اشتقاقية وصوتية تتّسع لأكثر من وجه.

أما المبرد، فكان أميل إلى الانتقاء، فعدّ بعض هذه الظواهر قليلاً لا يُقاس عليه، وإن لم ينفِ فصاحته في موضعه.

ثالثاً: مدارس النحو ومناهج النظر إلى اللهجات

1- المدرسة البصرية (المنهج التقعيدي):

مالت إلى بناء نموذج معياري للعربية، فاختارت من لهجات القبائل ما وافق القياس وكثرة الاستعمال، وأعرضت عمّا رأت فيه ندرة. وقد مثّل هذا الاتجاه سيبويه والمبرد.

2- المدرسة الكوفية (المنهج التوسّعي):

كانت أكثر تسامحاً، وأوسع قبولاً للشواهد، حتى لو كانت قليلة، ما دامت عربية الأصل. ويُعدّ الكسائي من أبرز ممثلي هذا الاتجاه.

3- فقهاء اللغة (المنهج التأصيلي):

نظروا إلى الظواهر اللهجية بوصفها فروعاً لأصلٍ واحد. وقد أكّد ابن فارس في “الصاحبي” أنّ العربية ترجع إلى أصول محدودة تتفرّع عنها الاستعمالات، وهو ما يشبه - بلغة معاصرة - فكرة “البنية العميقة”.

رابعاً: لهجات اليمن والجنوب العربي في ضوء التراث

تمثّل لهجات اليمن القديمة (كلهجات حمير وكندة وحضرموت) مخزوناً صوتياً فريداً، وقد حفظت لنا المصادر إشارات مهمّة عنها:

الطمطمانية الحميرية: إبدال “أل” بـ“أم”، وهو أثرٌ واضح في نقوش جنوب الجزيرة.

القلب الصوتي لبعض الحروف: كما في ظواهر قريبة من الاستنطاء والعنعنة.

بقايا لغات الجنوب العربي (السبئية والمعينية والقتبانية): وهي وإن كانت لغات سامية شقيقة، فقد أثّرت في العربية الجنوبية من حيث المعجم والبنية الصوتية.

كما تظهر آثار هذه اللهجات في امتداد جغرافي نحو عُمان وجنوب الجزيرة، بل وفي بعض لهجات القرن الإفريقي نتيجة الاحتكاك التاريخي.

خامساً: هل اللهجات لغات؟ قراءة في البنية العميقة

إنّ السؤال: “هل اللهجات لغات؟” سؤال حديث في صيغته، قديم في مضمونه.

والجواب، في ضوء التراث العربي، يتلخّص في الآتي:

اللهجات ليست لغات مستقلة من حيث:

النظام النحوي،

البنية الصرفية،

الجذر الاشتقاقي.

لكنها أنظمة فرعية حيّة تعبّر عن:

تحوّلات صوتية،

تطوّرات دلالية،

سياقات تاريخية واجتماعية.

وقد حفظت العربية وحدتها بفضل عناصر ثلاثة:

نظام الاشتقاق الجذري

البنية النحوية المستقرة

المرجعية القرآنية التي شكّلت معياراً أعلى للفصاحة

سادساً: من لهجات القبائل إلى لهجات العصر

إذا كانت الكشكشة والعنعنة والطمطمانية تمثّل تعدّداً قبلياً قديماً، فإنّ اللهجات المعاصرة تمثّل تعدّداً مركّباً نشأ عن:

اتساع الدولة الإسلامية

التفاعل مع لغات كالفارسية واليونانية والقبطية والأمازيغية

التحوّلات الاجتماعية والسياسية

ومع ذلك، فإنّ كثيراً من الظواهر القديمة ما زال حيّاً في لهجات اليوم، مما يدلّ على استمرارية السلسلة الصوتية عبر الزمن، وكأنّ اللسان العربي يحتفظ بذاكرته العميقة رغم تغيّر سطوحه.

سابعاً: الوعي اللغوي بين الحفظ والتجديد

إنّ الجهل بتاريخ الظاهرة اللغوية يُفضي إلى أحكامٍ متعجّلة، فيُظنّ التنوّع فساداً، ويُحسب الاختلاف انحرافاً. غير أنّ الوعي الرشيد يقتضي:

صيانة الفصحى بوصفها وعاءً حضارياً جامعاً

فهم اللهجات بوصفها امتداداً تاريخياً لا خصماً بنيوياً

فاللغة التي لا تتجدّد تموت، والتي تفقد معيارها تتفكّك.

خاتمة: وحدة تتجلّى في التعدّد

ليست العربية نهراً واحداً ساكناً، بل منظومة أنهارٍ تلتقي في مصبٍّ واحد.

الكشكشة أثرُ قبيلة، والطمطمانية شاهدُ تاريخ، والعنعنة وجهٌ من وجوه التلوين الصوتي.

وهكذا تظلّ العربية:

ليست واحدةً بالجمود، ولا متعدّدةً بالانفصال،

بل هي وحدةٌ حيّة تتجلّى في تعدّدها، وتعدّدٌ منسجم يحيا في وحدتها؛

وذلك سرّ بقائها، وعنوان خلودها في الزمن اللغوي

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

 

إنَّ شِعار «كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي شِعارٌ زائف في كثير من استعمالاته؛ من حيث إنَّه لا بُدَّ أن يوجد مسكوتٌ عنه ما في كلِّ مجتمعٍ طبيعي. بل إنَّ مجتمعًا بلا نِسبة مسكوت عنه ليس بمجتمعٍ إنسانيٍّ أصلًا، بل هو غابة، بلا نظامٍ اجتماعي، ولا قانونٍ معرفي، أو علاقات أخلاقيَّة. ولذا من المهمِّ، والحالة هذه، أن نحرِّر أُفهومنا حول «المسكوت عنه»، في ضوء الدِّين والقوانين والأعراف، ماذا نعني به؟ وأيُّ مسكوتٍ عنه؟ وهل كلُّ المسكوت عنه يقال؟ وما الغاية من وراء تحويل المسكوت إلى منطوق أو مكتوب؟ آلفضح أم الإصلاح؟ وهل نعتقد أننا نُصلِح بكشف تلك المسكوتات عنها؟ ثمَّ أيُّ الكفَّتَين سترجح: المصلحة أم المفسدة؟ هل نشر الرذائل، وإشاعة الفواحش، والأعمال الإجراميَّة، وساقط الأقوال والأفعال، ومنحطَّات الأخلاق والسلوكيَّات، في الأعمال الأدبية، ولاسيما الروائيَّة، هي من الأدب في شيء؟ أم أنَّ الهدف، المباشر أو غير المباشر، إنما هو تطبيع القرَّاء، من صغارٍ ومراهقين وكبار، على استساغة ما لا يُستساغ، وعدم الاشمئزاز منه، وتجميل أبطاله، وجعلهم نماذج يُتعاطف معها، ونجومًا يُهتدَى بها؟ وهل ذلك كلُّه تبرِّره لافتة «كشف المسكوت عنه في المجتمع»؟ أم هو يندرج في ما يمكن أن يُسمَّى (الجرائم الأدبيَّة)، التي ينبغي أن تشملها أنظمة مكافحة الفساد في المجتمعات المعاصرة؟

قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو مسترسلٌ في مساءلاته:

ـ ثُمَّ هل حقًّا ما تُبالغ في تصويره بعض الروايات هو (كشف مسكوتٍ عنه)؟ أم هو (نطق بغير موجود، لكي يكون موجودًا واعتياديًّا)؟!

ـ ما تطفح به بعض الأعمال هو حالات، نادرًا ما سمع بها أحدٌ منَّا في محيطه الاجتماعي. وأقلُّ ما يقال عنها- إنْ وُجِدتْ- إنها تقع في شريحة معيَّنة، لا يصحُّ تعميمها وإشاعة تصوير المجتمع قاطبة بها. ينطبق عليها الحديث: «إذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ!»

ـ وهذا يدلُّ على أنَّ المبالغات في تصوير الواقع تضرُّ أكثر ممَّا تنفع.

ـ على أنَّ الحديث المشار إليه يوظَّف عادة في واقعنا توظيفًا طريفًا حقّا، يدلُّ على أنَّ كلَّ طرفٍ يستغلُّ أيَّ حُجَّةٍ لتبرير موقفه. فالمحافظون يُدلون بالحديث في مواجهة ما تُصوِّره بعض الأعمال الروائيَّة والسينمائيَّة في المجتمع من تفسُّخ، على حين أنَّ المحافظين أنفسهم لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من ضلال وانحلال! والليبراليُّون- أو هكذا يُنعَتون- يوظِّفون الحديث في مواجهة تُهَم المحافظين لتبريء أنفسهم ممَّا يُوجَّه إليهم. على حين أنَّ الليبراليِّين لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من انحرافٍ أخلاقيٍّ من خلال أعمالهم السَّرديَّة، قائلين: إنَّ هذا هو المجتمع، وهو غير ملائكيٍّ ولا طهوري، ويجب كشف ما فيه!

ـ فأين الحقيقة الضائعة بينهما؟

ـ إنَّ السبب في ضياع الحقيقة لدَى الأطراف كافَّة أنَّ المكاييل غير عادلةٍ ولا موضوعيَّة، وإنَّما هي تعلو بحسب الميولات وصراع الأفكار وتهبط، وإلَّا فليس ثمَّة مجتمعٌ ملائكيٌّ ولا مجتمع شيطاني، بحالٍ من الأحوال، فالخير والشرُّ مترافقان منذ آدم وحوَّاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل إنَّ هذه الثنائية (الخير والشر) قد خلخلتها الآية: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قبل قرون من استيقاظ الوعي الفلسفي المسيحي الجديد في (أوربا)، المنتهي إلى وحدة الوجود، وإنكار الثنائيات المتضادَّة، من قبيل الخير والشَّر.(1)

تلك هي الأسئلة التي يجب أن نواجهها، بصرامةٍ ومسؤولية، لا ببلاهةٍ ببغائيَّة، ومحاكاةٍ اتباعيَّة، تُلغي العقل لحساب التماثل مع السائد في ثقافات أخرى. هذا إنْ كُنَّا نستشعر مسؤوليَّة الكلمة، قبل رفع عقيرة «كشف المسكوت عنه»، وترديدها، أو رفع لافتة «الجرأة في الأدب»، والتفاخر بها، ليكون ما يُدَّعَى من كشف الرواية للمسكوت عنه كشفًا للرواية نفسها والراوي، ويصبح فضحُ المستور الاجتماعي فضحًا للروائي ذاته وللرواية، وتعريةً للمستور النفسي والتربوي لدَى الكاتب.

ـ ماذا تعني؟

ـ أعني أنَّ شعار «كشف المسكوت عنه» يوظَّف في الأعمال الروائيَّة (السوسيوتجاريَّة) العَرَبيَّة في غير محلِّة، إمَّا لغفلةٍ عن مفهومه الحقيقي أو لتغافل ومغالطة مقصودة. ذلك أن «كشف المسكوت عنه» إنما يعني الاعتراف بوجود ظواهر سلبيَّة، ممَّا لا يُعترَف بها عادة، بهدف نقدها وتقويمها. ذلك هو الهدف الإنساني الأسمى، لا الفضح، والانفضاح، ونشر كلِّ مستقبَحٍ ومسترذَل، ذوقًا وعُرفًا ودينًا. أمَّا ما هو حادث الآن، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، فهو ضروبٌ من «الاعترافات» بما ستره الله على الصالحين من خلقه أو الطالحين، بل الإمعان في اختلاقاتٍ مكشوفةٍ ومبالغاتٍ ممجوجة، وكأنَّ المقصد هو: تطبيع المجتمع على المجاهرة بالخطيئة والتباهي بها، لنشرها بين الناس في أكبر شريحة ممكنة.

ـ بل الترويج لها وترسيخها في الجيل الصاعد/ النازل. حتى إنَّ هناك من المنظِّرين مَن تراهم ما زالوا يندبون حظَّنا المتردِّي في الوصول إلى الحوافِّ القصوَى في هذا الميدان، فهم غير راضين عن جرأة السيرة الذاتيَّة العَرَبيَّة، ولا الرواية العَرَبيَّة، ولا القناة الفضائية العَرَبيَّة، ولا الفيلم السينمائيِّ العَرَبي، على التعرِّي بالقدر الكافي، ووَفق المقاييس الغربيَّة العُليا!

ـ نعم، فالمطلوب ما زال أكثر وأكبر وأوسع، وإلَّا فنحن ما ننفكُّ مجتمعًا نفاقيًّا، ذُكوريًّا، بطرياركيًّا، ظلاميًّا، يعمل بمبدأ التقيَّة، ويدَّعي العِصمة، إلى آخر القائمة السوداء من النعوت التي لا تملُّ الأفواه ولا الأقلام من اجترارها في هذا السياق. وما لم يتحوَّل النصُّ إلى قائمة من الرذائل فليس بنصٍّ، حسب هؤلاء الجوقة من الأدباء والنقَّاد، بل ليس بأدب، ولا بجريءٍ في طرحه، ولا بتنويريٍّ بما يتماشَى مع الطموحات المنشودة! 

ـ لكن هذا يعني تحويل فن الرواية إلى سِيَر اعترافيَّة!

ـ لفنِّ (السِّيرة الاعترافيَّة) وجهان: وجهٌ سقيمٌ سخيف، إنَّما هدفه اجترار الرذائل، والالتذاذ بذلك الاجترار، لدناءة في النفس، واعوجاج في الطبع. وهو عملٌ مريضٌ لا قيمة له، لا أدبيًّا ولا نفسيًّا ولا اجتماعيًّا. ووجهٌ يُحلِّل سرديًّا أغوار النفس البَشريَّة، جاعلًا الكاتب من نفسه نموذج التحليل.  متَّخذًا إلى ذلك لغةً رفيعة، كما يليق بنصٍّ أدبيٍّ، لا بلغةٍ سُوقيَّة، بدعوَى الجرأة في كشف المستور. وهذا نادرٌ، إنْ وُجِدَ، في أدبنا العربي. وإنْ وُجِدَ، نال صاحبَه ما لا يُحبُّ من سفاهة النقد وسطحيَّة القراءة. نموذج هذا ما نال به (إبراهيمُ المازنيُّ، -1949) زميلَه (عبدَالرحمن شكري، -1953)، في كِتاب «الديوان النقدي»؛ لمَّا حاول شكري محاكاة هذا الضَّرب من الكتابة عند الأوربيِّين، في كِتاب أسماه «الاعترافات»، وذلك بعد عودته من (إنجلترا)، ولا سيما أنه كان، إلى ذلك التأثُّر بالغربي، مهتمًّا بالشأن الاجتماعي. فما كان من المازنيِّ إلَّا أن انتهز «الاعترافات» لينال من صديق الأمس، في شخصيَّته وعقله وأخلاقه، وكأنَّ ما كتبه اعترافاتٌ أمام محكمة، لا اعترافات أدبيَّة، لها فنُّها المعروف وأسلوبها المعهود.(2) ولربما أمعن الكاتب- وَفق هذا الضَّرب من الكتابة- في نمذجة الصُّورة لتكون بالغة الدلالة، وإنْ لم تكن بحذافيرها حكايةً واقعيَّةً عن تجربةٍ شخصيَّةٍ بالضرورة. لكن تظل مصيبة السارد العَرَبي مع متلقِّيه مصيبةً كبرَى، حتى وهو يكتب رواية؛ فإذا القراءات تُسقِطها عليه، على أنها سيرته الذاتيَّة! فكيف إنْ هو رَكِب مغامرة السِّيرة الذاتيَّة، أو المذكِّرات، أو فنَّ الاعترافات، في مجتمع من سلاسل العيوب، والمحرَّمات، والنفاق الاجتماعي، وادِّعاء الشياطين طهارةَ الملائكة؟! فلا يلومنَّ الكاتب عندئذٍ إلَّا قلمه وحماقة تقديراته الثقافيَّة! 

ـ على أنَّ من أنصار تلكم الدعوة الزائفة إلى كشف المسكوت عنه، في المقابل، مَن يرَى أنَّ النص إذا مال إلى تصوير وجه الحياة الآخَر، بما فيه من الخير والحقِّ والجمال، كان- لا جرم- أدبًا تقليديًّا باردًا، لن يروج تجاريًّا، ولن يُضاء إعلاميًّا، ولن يتحلَّق حوله النقَّاد المتاجرين بالنَّقد! 

ـ وهذا الامتثال المريض مردُّه، لا رؤية اجتماعيَّة لدَى هٰؤلاء- كما لم يكن لدَى أولٰئك- تجعلنا نترحَّم على (جان جاك روسو)، ولا رؤية نفسيَّة، تجعلنا نذكر (فرويد) بخير، ولا لهدفٍ إصلاحي، ولا حتى رغبة في التغيير. وإنَّما غاية ما هنالك هوسٌ بأمرين: لذة اجتماعيَّة في تذوُّق الممنوعات- ولاسيما في مجتمع مكبوت- وتربية أُغرِمت، منذ نعومة العقل والروح، بتتبُّع العورات، وفراغ النميمة، والقيل والقال. وهي خصائص نسقٍ اجتماعيٍّ عَرَبيٍّ عريق، تحوَّل مؤخَّرًا إلى الأدب، بعد أن تعلَّمت كوادرُه القراءة والكتابة. ولذلك فهو يتساقط علينا دون قِيَمٍ ولا رؤًى تتجاوز ما كان يدور على الشِّفاه بالأمس إلى ما صار يدور اليوم على الأقلام. والأمر الآخَر، هوسٌ بالتطابق مع النموذج الغربي في كلِّ شيء، لدَى مَوالي الغرب الجُدد. ذلك النموذج الذي أصبح يتحرَّك فينا بآليَّتين: آليَّة الفرض القسري، لدمغ العالم بأَسره به، وآليَّة العمالة والاستسلام الطوعي، من قِبَل الشعوب المغلوبة على عقولها وهويَّاتها، ليصبح ذلك النموذج أسوةً حسنةً لنا، حتى في عوراته وقبحيَّاته، ومن شذَّ شذَّ في النار! «وهذي، سيِّدي، كلُّ الحكاية!» ولهذا فإنَّ مَن يقرأ تلك النصوص التي تدَّعي الجرأة، لا يجدها تَنطلِق لا من نُضجٍ اجتماعي، ولا من فِكرٍ إنساني، ولا من غايات، لا إصلاحيَّة ولا حتى فنِّية. وقبل كلِّ شيءٍ فإنَّ بعضها لم يأت عن موهبةٍ أدبيَّةٍ بأيِّ معيار. وتظلُّ الاستثناءات في هٰذا، لندرتها، لا تكاد تُذكَر. ومن مفارقات الحفيِّين بما يُسمُّونه (المسكوت عنه) أنهم يُلغون دَور القارئ والناقد، بل يُلغون طبيعة النصِّ الأدبي؛ من حيث إنَّ النصَّ المباشر، الذي لا يتطلَّب استنطاقًا وتأويلًا لكشف ما يُسمَّى المسكوت عنه، ليس بنصٍّ أدبيٍّ أصلًا، وإنَّما هو أشبه بعريضة شكوَى، أو نشرة أنباء، تنفُض ما في جعبتها، حتى ما يبقى فيها زيادة لمستزيد، ولا مَعين لمسترفد. أي أنها من السطحيَّة في نسيجها، والمباشرة في أداء رسالتها، بما يتنافَى مع طبيعة الأدب أساسًا، فضلًا عن تنافيها مع وظيفته الفنيَّة والاجتماعيَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

......................

(1)   يُنظَر مثلًا: وهبة، مراد، (1995)، الأصوليَّة والعلمانيَّة، (القاهرة: دار الثقافة)، 51- 52.

(2)  يُنظَر: العقَّاد، عبَّاس محمود، إبراهيم عبدالقادر، المازني، (1997)، الدِّيوان: في الأدب والنقد، (القاهرة: دار الشعب)، 57- 73، 177- 190.

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين الفن الروائي وفضاء المدينة بوصفها علاقة تأسيسية أسهمت في تشكّل الكتابة السردية الحديثة، حيث لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تحولت إلى بنية دلالية وجمالية فاعلة تُسهم في بناء الشخصيات وتوجيه مسارات الحكي وتشكيل الرؤية الروائية للعالم. وتنطلق الدراسة من رصد حضور الفضاء المديني في الرواية العالمية، خاصة من خلال ارتباط مدينة باريس بأعلام الرواية الفرنسية مثل فيكتور هوغو وبلزاك وإميل زولا، قبل الانتقال إلى تمثلات المدينة في الرواية العربية، حيث ارتبطت القاهرة بعالم نجيب محفوظ، والإسكندرية بتجارب إدوارد الخراط وإبراهيم عبد المجيد، وصولاً إلى التجربة الروائية المغربية التي جعلت من مدينة الدار البيضاء فضاءً مركزياً للتخييل السردي.

وفي هذا السياق، تركز الدراسة على التجربة الروائية للكاتب المغربي نور الدين محقق، باعتبارها نموذجاً دالاً على تفاعل الرواية المغربية مع الفضاء المديني في بعديه المحلي والعالمي. فقد شكّلت مدينة الدار البيضاء محور مشروعه الروائي من خلال رباعية سردية تسعى إلى تفكيك التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المدينة، ورصد تشابك العلاقات الإنسانية في فضائها الحضري المتعدد. وفي المقابل، تحضر مدينة باريس في أعماله باعتبارها فضاءً ثقافياً وحضارياً يتيح مساءلة علاقة الشرق بالغرب، كما يتجلى في روايتي «إنها باريس يا عزيزتي» و*«أوراق كاتب في باريس»*، حيث تتداخل التجربة الذاتية بالتمثيل الثقافي للمدينة بوصفها مجالاً للمعرفة والحب والتفاعل الحضاري.

وتكشف الدراسة أن المدينة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى عنصر بنيوي يشارك في إنتاج المعنى، إذ تصبح حاملة للذاكرة الجماعية، ومرآة للتحولات الاجتماعية، وفضاءً لتجربة الذات في علاقتها بالآخر. كما تُبرز أن تجربة نور الدين محقق تمثل امتداداً واعياً لتقاليد الرواية العالمية التي جعلت من المدينة مركزاً للتخييل الروائي، مع خصوصية نابعة من المزج بين فضاءين ثقافيين مختلفين: الدار البيضاء بوصفها فضاء الانتماء، وباريس بوصفها فضاء الاكتشاف والحوار الحضاري.

مقدمة

ارتبط الفن الروائي بفضاء المدينة، بحيث قد حاول الروائيون القبض على هذا الفضاء وجعله مجالا لشخصياتهم وللأحداث الواقعة التي يتطرقون إليها في رواياتهم، ومن ثمة فقد سعى العديد من الروائيين لجعل هذا الفضاء المديني يدخل ضمن اهتماماتهم الفنية، ومن هنا فقد ارتبط فضاء مدينة باريس بمجموعة من الكتاب الفرنسيين نذكر من بينهم كل من الشاعر والروائي فكتور هوغو والكاتب والروائي هونوري دو بالزاك والكاتب والروائي إميل زولا،كما حضر فضاء مدينة باريس في روايات العديد من الكتاب العرب بصفة عامة والكتاب المغاربة بصفة خاصة نذكر من بينهم كل من سهيل إدريس وأحمد المديني ونور الدين محقق على سبيل التمثيل لا الحصر.  وخصوص اللكتاب والروائيين العرب في علاقاتهم بفضاء مدن بلدانهم، فقد ارتبط فضاء مدينة القاهرة بالكاتب والروائي نجيب محفوظ، كما ارتبط فضاء مدينة الاسكندرية بالكاتب والروائي إدوارد الخراط وبالكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد، وبالنسبة للكتاب والروائيين المغاربة فنجد الكثير منهم قد ارتبطت رواياته بفضاء مدينة الدار البيضاء، نذكر منهم كل من محمد زفزاف ومبارك ربيع وأحمد المديني ونور الدين محقق ومحمد صوف وغيرهم .وهو ما سيدفع بنا إلى الحديث عن الكاتب والروائي المغربي نور الدين محقق وارتباط رواياته بكل من فضاء مدينة الدار البيضاء من جهة وفضاء مدينة باريس في المقابل من جهة أخرى.

- نور الدين محقق ومدينة الدار البيضاء

سعى الكاتب والروائي نور الدين محقق منذ روايته الأولى إلى الكتابة عن فضاء مدينة الدار البيضاء وجعله مسرحا لشخصيات رواياته وللأحداث المرتبطة بها، وهو في كل ذلك، قد قدم لنا رباعية روائية كما سبق له أن أعلن عنها من قبل، وهي "بريد الدار البيضاء" و"ليالي الدار البيضاء" اللتان صدرتا منذ مدة، كل واحدة منهما في كتاب، و"زمن الدار البيضاء" التي نشرت في الصحافة الثقافية المغربية و"بنات الدار البيضاء" التي أعلن الكاتب عن عنوانها ولم تصدر بعد، وهي رباعية روائية قد سعى الكاتب من خلالها إلى الكتابة عن مدينة الدار البيضاء، كما فعل الكاتب البريطاني لورانس داريل بالنسبة لفضاء مدينة الإسكندرية، وهي مسألة غاية في الأهمية سواء بالنسبة للكتابة الروائية المغربية من جهة أو بالنسبة للكتابة الروائية المشرقية من جهة أخرى.

إن الكاتب الروائي نور الدين محقق، وهو يقدم لنا هذه الروايات التي ترتبط بفضاء مدينة الدار البيضاء، محاولا من خلالها القبض على أسرار هذه المدينة المغربية الموغلة في الجمال المديني وفي تشابك العلاقات الإنسانية الموجودة فيها يكون بعمله هذا يسير في رحاب الرواية العالمية بامتياز.

- نور الدين محقق ومدينة باريس

كما حضرت مدينة الدار البيضاء بقوة في روايات الكاتب الروائي نور الدين محقق، فقد حضرت أيضا في المقابل لها مدينة باريس. حيث نجد أنه قد كتب عنها في روايته الأولى التي حملت عنوان "إنها باريس يا عزيزتي" وهي رواية قد نشرت في المشرق العربي ونال حظها من الكتابات النقدية حولها سواء من لدن نقاد مغاربة أو من لدن نقاد مشارقة معروفين . وهي رواية ثقافية بامتياز تطرق الكاتب الروائي نور الدين محقق فيها إلى علاقة الشرق بالغرب عن طريق إبداع علاقة حب بين رجل في كامل رجولته وفتاة في مقتبل العمر . ومن خلال سيرورة الأحداث فيها قدم معظم الفضاءات الباريسية الفاتنة بحيث تطرق إلأى فضاءات المقاهي الباريسية الشهيرة مثل مقهى دو فلور، حيث كان يلتقي كل من الفيلسوف الفرنسي دون بول سارتر والكاتبة الفرنسية الكبيرة سيمون دو بوفوار، كما قدم لنا أيضا فضاءات المتاحف الفنية الذائعة الصيت وفي مقدمتها فضاء متحف اللوفر . كل ذلك بطريقة روائية شديدة التشويق وغاية في الجمالية الفنية القوية .

أما في روايته الثانية المتعلقة بفضاء مدينة باريس، وهي رواية "أوراق كاتب في باريس" والتي قد سبق له، على طريقة كل من الكاتب الفرنسي الشهير هونوري دو بالزاك والكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، أن نشرها متسلسلة في الصفحات الثقافية لجريدة "الأحداث المغربية" قبل أن تصدر مجتمعة في كتاب، فقد تتبع فيها مسار طالب جامعي مغربي، في علاقاته الإنسانية مع بنات باريس، وفي اهتماماته الثقافية المتنوعة وحبه الشديد لكل من الآداب والفنون .

هكذا نرى أن اهتمام الكاتب والروائي نور الدين محقق بمدينة باريس يعود بالتحديد إلى دراسته السابقة بفرنسا، وإلى زياراته المتعددة بعد ذلك إلى هذه المدينة كما يعود طبعا إلى قراءاته المختلفة والمتنوعة لكل ما كتب عن هذه المدينة الكونية لاسيما من لدن الكتاب العالميين الذين سبق لهم أن زاروها أو استقروا فيها وكتبوا عن تجاربهم في مختلف فضاءاتها الرائعة.

نتائج البحث

تؤكد الدراسة أن الفضاء المديني يشكّل أحد المرتكزات البنيوية الأساسية في الفن الروائي الحديث، حيث يسهم في بناء المعنى السردي وليس مجرد إطار مكاني للأحداث.

يتضح أن علاقة الروائي بالمدينة ترتبط غالباً بتجربته الحياتية المباشرة، سواء عبر الانتماء إليها أو الإقامة فيها أو الاحتكاك الثقافي بها.

أظهرت التجربة الروائية لنور الدين محقق مركزية مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاءً لتشخيص التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع المغربي المعاصر.

تمثل مدينة باريس في أعمال الكاتب فضاءً ثقافياً رمزياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الشرق بالغرب ضمن رؤية روائية إنسانية وجمالية.

تكشف المقارنة بين فضاءي الدار البيضاء وباريس عن حضور ثنائية المحلي/العالمي داخل الرواية المغربية الحديثة، بما يعكس انفتاحها على التجربة الكونية للرواية.

تؤكد الدراسة أن الرواية، من خلال اشتغالها على الفضاء والزمن معاً، تصبح أداة فنية لالتقاط تحولات المجتمع وتمثيل التجربة الإنسانية في بعدها الحضري.

التوصيات

ضرورة توسيع الدراسات النقدية العربية التي تتناول علاقة الرواية بالفضاء المديني، باعتبار المدينة عنصراً بنيوياً لا يقل أهمية عن الشخصية والزمن السردي.

تشجيع المقاربات المقارنة بين المدن الروائية العربية والعالمية للكشف عن أشكال التفاعل الثقافي والحضاري داخل النص الروائي.

الدعوة إلى دراسة الرواية المغربية الحديثة من منظور جغرا-سردي يركز على تمثلات المدن الكبرى وتحولاتها الاجتماعية.

الاهتمام بتحليل الفضاء المديني بوصفه حاملاً للذاكرة الجماعية ومعبّراً عن التحولات الثقافية والاقتصادية داخل المجتمع.

تعزيز البحث في ثنائية المحلي والعالمي داخل الرواية العربية المعاصرة لفهم آليات انفتاحها على الأدب الكوني.

تشجيع الروائيين والباحثين على توثيق التجارب المدينية أدبياً ونقدياً لما تمثله من أرشيف ثقافي وحضاري للأجيال اللاحقة.

خاتمة

يبدو لنا من خلال هذه الدراسة أن علاقة الروائيين سواء الروائيين الغربيين منهم بشكل عام أو الروائيين العرب بشكل خاص، بفضاء المدينة هي مسألة مرتبة بالتعبير عن تجاربهم الحياتية في فضاء المدن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها أو المدن التي زاروها وأعجبوا بها بشكل من الأشكال .

وهذا الأمر يدخل في إطار عملية تشكل الفن الروائي باعتباره فنا يقبض على بنية الفضاء كما يسعى للقبض على بنية الزمن المرتبط به أيضا ومن خلال عملية القبض هاته يقبض على الأحداث الواقعة في هذه الفضاءات وعلى الشخصيات الروائية الفاعلة فيها .

***

د٠ منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

يعتقد بعض النقّاد أنَّ القصة القصيرة جدًا هي فن غربي بامتياز وحجتهم في ذلك أنّ القاص والروائي الأمريكي أرنست همنغوي هو أول مَن كتب قصة قصيرة جدًا عام 1924م تتألف من ست كلمات يقول فيها: (للبيع.. حذاءُ طفل لم يُلبس قط) وأنَّ الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيرسو كتب قصة (الديناصور) التي انتظمت في ست كلمات أيضًا جاء فيها (حينما استفاق، كان الديناصور، ما يزال هناك)، وثمة قصة ثالثة تقول: (الانتقامُ هو: أن أعيْش، مِنْ دونكَ) لجويس كارول. وهناك منْ يعتقد أنَّ ناتالي ساروت هي أول منْ كتبت الـ ق ق جدًا. أمّا النقاد العرب  فيعتقدون أنَّ الـ ق ق جدًا موجودة في الطرفة والحكاية والخبر والحديث والنكتة والأحجية واللغز والمقامة وما سواها من الفنون القولية. وقبل الخوض في تفاصيل الـ ق ق جدًا وتعريفاتها لا بدّ من إحاطة القارئ الكريم عِلمًا بـ (القصة اللمحة) والـ (ق ق جدًا) وضرورة التفريق بينهما. فالقصة اللمحة لا تقل عن ست أو سبع كلمات كما في الأمثلة الثلاثة أعلاه ولا تتجاوز العشرين كلمة. أمّا القصة القصيرة جدًا فهي أطول من ذلك بكثير وقد تصل إلى صفحة واحدة أو صفحتين. والذي يكتبه القاص الجزائري زين الدين بو مرزوق مَدار بحثنا ينتمي إلى (القصة اللمحة) في أفضل الأحوال لأنّ قصصه مُركزة ومُكثفة جدًا وتراهن على التقشف والاختزال كثيرًا ويمكن اعتبار الكثير منها ومضات شعرية ذات نهايات تنويرية.

الريادة العراقية

لا شكّ في أنَّ العراق هو مهد القصة القصيرة جدًا ويحتل موقع الريادة كما احتل موقع الريادة في شعر التفعيلة الذي بدأه السياب ونازك الملائكة وربما تكفي الإشارة إلى أنَّ نوئيل رسّام هو أول كاتب عراقي جنّس ما كتبه عام 1930 بالـ ق ق جدًا في قصص (اليتيم) و(الاخوان) و(شهيد الحُب) وقد آزره في هذا الجانب القاص الرائد عبدالمجيد لطفي ثم تبعتهُ كوكبة من القصاصين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، وابراهيم أحمد، وخالد حبيب الراوي، وبثينة الناصري، وصلاح زنگنة، وتحسين گرمياني، وجمال نوري وكاتب هذه السطور المتواضعة وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

تجدر الإشارة إلى أنَّ المغرب قد أنجز منذ عام 1994 وحتى عام 2013 مائة وأربع (104) مجموعات قصصية قصيرة جدًا واحتل بذلك الوفرة العددية التي سوف تخلّف نوعًا جيدًا من قصص (اللمحة) و(القصص القصيرة جدًا) مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ كُتّابًا من طراز جبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وزكريا تامر، ومحمد عزالدين التازي ومحمد زفزاف قد كتبوا الـ ق ق جدًا. وقد رافق كتابة هذه القصص القصيرة جدًا دراسات نقدية معمقة يمكن أن نشير إلى بعضها مثل (القصة القصيرة بين النظرية والتطبيق) للناقد الفلسطيني د. يوسف حطّيني و(القصة القصيرة جدًا) للناقد السوري د. أحمد جاسم الحسين، و(القصة القصيرة جدًا في العراق) للكاتب العراقي هيثم بهنام بردى و(شعرية القصة القصيرة جدًا) للباحث العراقي أيضًا جاسم خلف إلياس، و(شعرية الواقع في القصة القصيرة جدًا) للباحث التونسي عبدالدايم السلامي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الـ ق ق جدًا قد وجدت طريقها في مصر والسودان والجزائر وسورية وفلسطين ولبنان والكويت والمملكة العربية السعودية.

القصة اللمحة

لم يُتح لي الإطلاع على مجموعتيه القصصيتين القصيرتين جدًا وهما (شُيِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا) لذلك طلبت من القاص بومرزوق أن يبعث لي عبر الواتسآب قرابة 20 ق ق جدًا لكي أتمثّلها جيدًا وأكتب عنها بما تجود به قريحتي. يقول في قصة (إنفلونزا) (تعودت على حضنه وحنانه، وحرارة جسمه، ما إن غادر حتى أصيبت بنزلة برد). تعتمد هذه القصة اللمحة على عنصر المفارقة وليّ عُنُق الخاتمة إلى نهاية تنويرية تعلق بذاكرة السامع أو المتلقي.

نقرأ قصة (الراية) التي يقول فيها: (بعد أن هدّموا البيوت على رؤوس العِباد، وأحرقوا المساجد والكنائس نظروا إلى بعضهم يتساءلون: أين نرفع رايات النصر؟) تعتمد هذه الـقصة اللمحة على الجُمل الفعلية (هدّموا، أحرقوا، نظروا . .) لأن الجمل الأسمية وصفية بينما تحتاج(اللمحة) إلى جمل فعلية مُشذبة ومقتضبة تذهب إلى الصميم مباشرة وهي أقرب إلى قصيدة النثر المركز منها إلى الـ ق ق جدًا التي تعتمد إلى حدٍ ما على السرد أو الروي إن شئتم. أمّا النهاية التنويرية فتكمن في السؤال الذي اختتم به (اللمحة) حينما تساءل: (أين نرفع رايات النصر؟).

يراهن بعض قصص زين الدين بومرزوق على الموازنة بين شطريّ (اللمحة الشعرية) كما في قصة (كَرَم) التي يقول فيها (فتَح باب بيته في رمضان فأغلقت الديون متجرَ جاره) لأنّ هذه (اللمحة) تقوم على المفارقة الدرامية Dramatic Irony ويبدو أن الكرم الحاتمي هو الذي أفضى إلى هذه النتيجة المُفجعة لأن كل ما كان يشتريه كان بالآجل (أي بالدَين) وليس بالعاجل!

لا تختلف قصة (وفاء) عن سابقتها فهي تقوم على ثنائية التوازي بما تنطوي عليه من سبب ونتيجة حيث يقول: (نَسي أن يُطعم كلبهُ في تلك الليلة رنّت أجراس خزائنه).

التقشّف اللغوي

تميل هذه (اللمحات) برمتها الاختصار والاختزال والتقشف لكنها تعرف كيف تضرب على الوتر الحساس حينما يصل إلى النهاية المُرهفة التي تأخذ بتلابيب القارئ أو السامع. ولو تأملنا قصة (صيّاد) التي يقول فيها: (أحرقوا غابتي الأطفال وأشاروا إلى الشجرة التي تغطيها). لا شكّ في أن المفارقة الدرامية حاضرة رغم الاقتصاد اللغوي الذي يجعل من (اللمحة) لقطة مَشهدية واحدة لكنها تقول أشياءَ كثيرة.

الأمر نفسه يتكرر في قصة (نصيحة) التي يقول فيها الراوي: (قال لها سأكتب اسمكِ على الماء ردّت: تعلّم العوم أولًا). يبلغ التقشف والتكثيف ذروته في قصة (جزاء) وهي من قصص اللمحة التي لم تجتز الثلاث كلمات لأن الباء حرف هنا وليس كلمة قائمة بذاتها حيث يقول: (أفتى بشُربها أدمنتهُ).

يمكن أن نختم بالـ ق ق جدًا التي تحمل عنوان (المانغا) التي يقول فيها: (دخل المزرعة ليأخذ بعض الفاكهة. انتبه له صاحبها سألهُ: حاجتك؟ لم يتكلّم. أشار بيد للفاكهة. ظنّ أنه يريد أن يأكل منها. أخبرهُ أنها لم تنضج. حرّك رأسهُ بأنه يُدرك ذلك ثم استرسل: ابني حدّثوه في المدرسة عن فاكهة المانغا أردتُ أن أُريه إيّاها ليعرفها. سأله: لماذا لم تأتِ به ليرى بأم عينيه. ردّ والدمع في عينيه: هو في قبره. أُريد أن أضعَ شاهدًا على عوزه). تندرج هذه القصة تحت باب الـ ق ق جدًا وهي أطول من اللمحة لكنها تقوم على النهاية المباغتة أو المفاجئة فالطفل الذي كان يريد رؤية فاكهة المانغا ظنناه حيًا ولكنه كان راقدًا في قبره غير أنَّ والده المفجوع أراد أن (يضع شاهدًا على عوزه) فحرّك فينا، نحن القرّاء، كل مواجع الألم والحسرة على هذا الطفل البريء الذي غادر الحياة من دون أن يعرف المانغا أو غيرها من الفواكه.

قوة الرمز وبراعة التلميح

يستعمل زين الدين بو مرزوق الرمز والتلميح والإيحاء لوصف حالات إنسانية واجتماعية مأزومة ولا يلجأ إلى التقريرية والوصف المباشر الذي يجثم على صدر (القصة اللمحة) أو (الومضة) أو (الـ ق ق جدًا) الأمر الذي يُضاعف من تقنية التشويق التي يتوخاها القاص الحاذق الذي يغادر المناطق المألوفة ويبحث عن الدروب البكر التي لم يمّر بها عابر.

لقد دققتُ كثيرًا في هذه (اللمحات) و(الوَمَضات) و(الـ ق ق جدًا) لزين الدين فوجدتها مطابقة للاشتراطات الفنية التي يتوخاها هذا النمط الفني الذي تماهت فيه وحدة الموضوع بالزمكان بلقطة طيفية واحدة لا تعتمد على الإسهاب الذي يأخذ وقتًا أطولَ مما تحتاج إليه هذه الأنماط الفنية الجديدة التي تُحاذي الشعر وتنبثق عنه في كثير من الأحيان.

ينجح زين الدين بومرزوق في اجتراح عناوين (لمحاته) و(ق ق جدًا) مثلما نجح في سرده المُقتضب وخواتيمه المتوهجة التي تعْلق في الذاكرة لزمن طويل وربما تكون قصة (قلب مختل عقليًا) هي خير نموذج لما نذهب إليه.

النَفَس البرقي

مَن يُدقق في هذه النماذج القصصية القصيرة جدًا سيجد أنها أقرب إلى النَفَس البرقي الذي يحتشد بالشذرات، والالتماعات، والانزياحات التي تخلخل التراكيب والمعاني وتعيد صياغتها من جديد على وفق الرؤية التي يقترحها القاص المبدع زين الدين بومرزوق. كما أنه يفتح أفقًا جديدًا للتلقّي ولعل (لمحاته) تذكرنا بالقاص الأمريكي غرامي جيمس الذي يقول: (ثلاثة ذهبوا إلى العراق. واحد منهم عاد!). يشترك زين الدين مع غرامي جيمس بفتح آفاق جديدة للتلقّي ويثير أسئلة ما كان لها أن تُثار لولا قوة الأفكار الجديدة ورهافتها التي تُدهم مخيلتنا دفعة واحدة وتفعل فينا فعل الصدمة والدهشة والإبهار.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ الجزائر تحتضن العشرات من كُتاب الـ ق ق جدًا وكُتاب (اللمحات) و(الومضات) نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر أمثال السعيد موفقي، وحسين فيلالي، وعبدالكريم ينينه، وعبدالرزاق بوكبة، وخالد ساحلي، وعبدالرزاق بادي، وبشير ونيسي، ومحمد الكامل بن زيد، ورقيّة هجريس، ومريم بغيبغ، فيما نسب الدكتور الناقد عبدالملك مرتاض الريادة القصصية القصيرة جدًا لمصلحة محمد السعيد الزاهري. وعلى صعيد الأبحاث والدراسات النقدية يمكننا الإشارة إلى كتاب (القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي - الجزائر أنموذجًا) للباحث رابح خوية.

بقي أن نقول بأنّ القاص زين الدين بومرزوق قد أصدر سبع مجموعات قصصية وهي (ليلة أرق عزيزة)، (الحجر المقدّس)، (تشكيل في ذاكرة العين)، (معذرة يا بحر)، (50 درجة تحت الظل)، (أخيرًا انهار جبل الثلج)، (سيلفي مع أبي)، إضافة إلى محموعتين قصصيتين قصيرتين جدًا وهما (شُبِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا). وفي النقد لديه (مقاربة نقدية في القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة) و(فتنة السرد وذوق الكتابة).

***

عدنان حسين احمد2614 adnan

* بالتعاون مع نادي حبر أبيض البريطاني الذي يرأسه د. جمال نصّاري وبدعوة من مركز لندن للإبداع العربي الذي تُديره الشاعرة دلال جويّد تم استضافة القاص الجزائري زين الدين بومرزوق في ندوة ثقافية استمرت زهاء الساعتين حيث قدّمتُ السيرة الذاتية والإبداعية للقاص زين الدين بو مرزوق، ثم أتحتُ الفرصة للناقد د. جمال نصاري ليدلو بدلوه ثم جاء دوري للحديث عن فن الـ ق ق جدًا، وطلبتُ من القاص بو مرزوق أن يقرأ لنا نماذج من قصص (اللمحة) أو (الوَمضة). ثم عقّبت الشاعرة دلال جويّد وتحدثت عن مفاهيم عديدة من بينها الانزياح، ثم تناوبت الصديقتان الفنانة التشكيلية بان الحلي وسندس القيسي بإثارة العديد من الأسئلة. كما استمعنا إلى الفنان التشكيلي هاشم الشطري الذي قرأ لنا قصيدة من (أوراق العشب) للشاعر الأمريكي والت وايتمان، فيما أخذت على عاتقها الأستاذة إيمان فزّاني عملية تصوير الندوة والتقاط بعض الصور الفوتوغرافية التي وثّقت للأمسية على مدار الساعتين الجميلتين المُحتشدتين بالدفء والحميمة والمحبة الغامرة التي أسقطت الحواجز في رمشة عين.

في تسميةٍ أرهقها القياسُ وأغفلها الحسّ

من عجيب ما استقرّ في النحو العربي أن أكثر مصطلحاته بداهةً في الاستعمال، وأشدّها حضوراُ في الكلام، هو أقلّها مباشرةً في التسمية؛ فالفعل الذي يعبّر عن الامتداد والحضور والتجدّد لا يُسمّى “الحاضر”، بل يُدعى “المضارع”. وهذه المفارقة اللفظية تفتح باباً واسعاً للتأمّل: ما الذي ضارَعَ ماذا؟ وأيّ وجهٍ من وجوه المشابهة استحقّ أن يُخلَّد في اسمٍ ظلّ اثني عشر قرناُ بلا مراجعة جذرية؟

أولًا: في الاشتقاق—ماذا يعني “ضارع”؟

“ضارع” في أصل العربية تفيد المشابهة والمقاربة؛ يقال: ضارَعَ الشيءَ إذا شاكله وقاربه. ومن هذا المعنى اشتُقّ “المضارع”، لا ليدلّ على الزمن ابتداءً، بل على علاقةٍ شكليةٍ ودلالية بينه وبين اسم الفاعل. هكذا قرّر أوائل النحاة، وفي طليعتهم سيبويه، ثم تتابع الشُرّاح على تثبيت هذا التعليل: الفعل المضارع يُشابه اسم الفاعل في البنية (عدد الحروف والحركات)، وفي الدلالة على الحدث المتجدّد غير المنقضي.

غير أنّ هذا التعليل—على دقّته القياسية—يشي بأن الاسم لم يُبنَ على جوهر الزمن، بل على قرابةٍ صرفية. فكأنّ النحاة، في لحظة تأسيس، انصرفوا إلى ما يُرى ويُقاس، وأرجأوا ما يُحَسّ ويُعاش.

ثانياً: مذهب البصريين - صرامة القياس واتساق النظام

انحاز مدرسة البصرة النحوية إلى تفسيرٍ يغلّب القياس، فجعلت “المضارعة” عِلّةً صريحةً في التسمية:

الفعل المضارع يُعرب كما يُعرب الاسم، بخلاف الماضي والأمر.

وهو يقبل العلامات (كالرفع والنصب والجزم) التي تُذكِّر بمرونة الأسماء.

ويدلّ - في كثير من استعمالاته—على استمرار الحدث، وهو ما يوازي دلالة اسم الفاعل.

بهذا، صار “المضارع” عند البصريين فعلاً-اسماً في آن: فعلٌ في دلالته الحدثية، واسمٌ في قابليته الإعرابية. ومن هنا بدت التسمية عندهم محكمة، لأنها تعكس موقعاُ وسطاُ في النظام، لا زمناً بعينه.

لكن هذه الدقّة نفسها هي موطن الإشكال: إذ تجعل التسمية تابعةً لبنيةٍ داخلية لا لخبرة المتكلّم بالزمن.

ثالثًا: مذهب الكوفيين - سعة الرواية ومرونة التأويل

أما مدرسة الكوفة النحوية، فقد اتّسمت بمرونةٍ أوسع في التعليل، واعتمادٍ أكبر على السماع. ولم تُعارض أصل التسمية، لكنها لم تُثقِلها بالتقعيد ذاته؛ إذ رأت في المضارع حقلًا دلالياً مفتوحاً يتراوح بين الحال والاستقبال، ويتلوّن بحسب القرائن.

وعند الكوفيين، يغدو المضارع أقلّ ارتهاناً للمشابهة الشكلية، وأكثر اتصالًا بوظائفه التداولية:

فهو يدلّ على الحال بقرينة السياق: “أكتبُ الآن”.

وعلى الاستقبال بدخول السين وسوف: “سأكتبُ”.

وعلى العادة: “أكتبُ كلَّ يوم”.

وهكذا، تتقدّم الوظيفة على الاشتقاق، دون أن تُلغيه.

رابعاً: بين “الماضي” و“الأمر” وغياب “الحاضر”

إذا نظرنا إلى شقيقَيْه في المنظومة—“الماضي” و“الأمر”—وجدنا تسميةً مباشرةً تكاد تُحاكي الإدراك الفطري:

“الماضي”: ما انقضى.

“الأمر”: طلب الفعل.

فأين “الحاضر”؟

لقد استُعيض عنه بصيغةٍ مركّبة: “المضارع”، ثم أُلحق بالاستقبال بأدوات (السين وسوف)، فكأنّ الزمن الحاضر لم يُمنَح اسمه الخاص، بل أُدرج في حقلٍ أوسع يتقاسمُه مع المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الذي أثارته الأجيال اللاحقة:

ألم يكن أولى أن تُسمّى هذه الصيغة باسمٍ يلتصق بزمنها كما التصق “الماضي” بماضيه؟

خامساً: قراءة نقدية - التسمية بين التاريخ والحاجة

إنّ تسمية “المضارع” تكشف عن طبيعة التفكير النحويّ عند المؤسّسين:

تفكيرٌ بنيويّ يرى اللغة شبكة علاقات داخلية، لا مجرّد أدواتٍ للتعبير عن الزمن. ومن ثمّ، لم يكن همُّه أن يطابق المصطلحُ الإحساسَ اليوميّ، بل أن ينسجم مع نظامٍ كليّ.

غير أنّ تطوّر اللسانيات الحديثة، وما رافقه من عنايةٍ بالاستعمال والمعنى، يدعونا إلى إعادة النظر:

هل نحتاج اليوم إلى مصطلحٍ يعبّر عن الزمن الحاضر بوضوح؟

أم نُبقي على “المضارع” بوصفه إرثاُ علميّاُ، ونُثري شرحه بدل تغييره؟

الراجح أن المصطلح - مهما بدا بعيداً - قد ترسّخ حتى صار جزءًا من الهوية العلمية للغة، وأن تغييره لن يكون أيسر من إعادة بناء المنظومة كلّها.

خاتمة:

الفعل المضارع ليس مجرّد صيغةٍ زمنية، بل هو منطقة التقاء بين الحدث والزمن، بين الثبات والتحوّل، بين القياس والسماع. وقد اختار له الأوائل اسمًا يُحيل إلى بنيته، لا إلى زمنه؛ فغدا الاسم شاهداً على عقلٍ نحويٍّ يُفضّل النظام على البداهة.

وبين البصريين الذين أحكموا القياس، والكوفيين الذين وسّعوا الدلالة، ظلّ “المضارع” حيًّا، يتجدّد في الاستعمال، ويقاوم الاختزال. ولعلّ سرّه في ذلك أنّه—على خلاف اسمه—ليس مجرّد “مشابه”، بل هو الفعل الأكثر حياةً في العربية؛ لأنّه الفعل الذي لم ينتهِ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية سيميائية في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي

ملخص الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية أكاديمية موسّعة في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي، باعتباره مشروعًا علميًا يسعى إلى إعادة الاعتبار لأحد الأشكال الشعرية التي ظلت على هامش الدرس النقدي العربي رغم حضورها داخل المدونة التراثية. وتنطلق الدراسة من مقاربة متعددة المستويات تجمع بين التحليل التراثي واللغوي والسيميائي والثقافي، بغية الكشف عن البنية الجمالية والدلالية للمعشّرات الشعرية بوصفها نظامًا شعريًا يتأسس على التفاعل بين الرمز الديني والتنظيم العددي والابتكار الفني.

كما توسّع الدراسة مجال التحليل ليشمل الغلاف بوصفه نصًا بصريًا موازيًا، يُسهم في توجيه أفق التلقي قبل الدخول إلى المتن، مما يجعل العمل وحدة دلالية تجمع بين الخطاب المكتوب والخطاب البصري. وتخلص الدراسة إلى أن مشروع الشرايبي يمثل محاولة نقدية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية الأشكال المنسية، وإعادة وصل النقد الحديث بالذاكرة الشعرية العربية عبر استثمار البنيات التراثية في إنتاج دلالات معاصرة.

إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من التساؤل المركزي الآتي: كيف يسهم كتاب فيصل الشرايبي في إعادة تأسيس المعشّرات الشعرية بوصفها بنية جمالية وثقافية تتجاوز بعدها الشكلي لتصبح نموذجًا دالًا على تطور الوعي بالشعر العربي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكالات الفرعية:

هل تمثل المعشّرات مجرد تقنية نظم أم نسقًا دلاليًا متكاملاً؟

ما علاقة التنظيم العددي بالمعنى الشعري داخل هذا الفن؟

كيف يتحول الغلاف إلى خطاب سيميائي موازٍ للنص؟

إلى أي حد يساهم الكتاب في مراجعة أطروحة «عصر الانحطاط» في الشعر العربي؟

فرضيات البحث

تنطلق الدراسة من الفرضيات التالية:

المعشّرات الشعرية بنية رمزية تتجاوز الوظيفة الشكلية نحو إنتاج معنى ثقافي وروحي.

التنظيم العددي داخل المعشّرات يمثل آلية دلالية لا مجرد نظام هندسي.

الغلاف يشكّل نصًا بصريًا يؤسس أفق القراءة قبل الولوج إلى المتن.

مشروع الشرايبي يعيد الاعتبار للأشكال الشعرية المهمّشة ويقترح قراءة جديدة لتاريخ الشعر العربي.

منهجية الدراسة

اعتمد البحث مقاربة منهجية مركّبة تجمع بين:

المنهج الوصفي التحليلي: لرصد خصائص المعشّرات وبنيتها.

المنهج التاريخي: لتتبع جذورها داخل التراث العربي الإسلامي.

المنهج السيميائي: لتحليل العلامات البصرية والرمزية في الغلاف والنص.

المقاربة النقدية الثقافية: لفهم موقع المعشّرات داخل النسق الحضاري العربي.

افتتاحية الدراسة: الشعر العربي والمعشّرات في السياق التراثي

منذ الجاهلية، شكّل الشعر العربي فضاء معرفيًا وجماليًا متكاملاً، حافظت من خلاله الثقافة العربية على ذاكرتها الرمزية، حيث لم يكن الشعر مجرد تعبير وجداني عن المشاعر، بل مؤسسة ثقافية تؤطر رؤية الإنسان للعالم و أداة لتشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي. وقد أنتج هذا الامتداد التاريخي أشكالًا شعرية متعددة، بعضها حظي بمركز الاهتمام النقدي، بينما بقيت أشكال مثل المعشّرات في مناطق الظل، رغم ما تحتويه من إمكانات جمالية ومعرفية كبيرة.

تمثل المعشّرات الشعرية تجربة فنية ومعرفية فريدة تقوم على تفاعل فريد بين العدد واللغة والروحانية، بوصفها شكلًا شعريًا يعتمد على العدد “10” كرمز ديني وعددي، هذا الرقم لا يقتصر على الوظيفة الشكلية، بل يحمل بعدًا روحيًا مستمدًا من الآية القرآنية:(وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) والتي تربط النص الشعري بالزمن الكوني والدلالات الروحية، مضيفة إلى البناء العددي بعدًا ثقافيًا ومعنويًا.

يأتي كتاب الدكتور فيصل الشرايبي ليعيد فتح هذا الملف النقدي، ليس من زاوية التوثيق فقط ، بل من منظور التأصيل النظري الذي يعيد إدماج هذا الفن داخل تاريخ الشعر العربي، كما يأتي الكتاب   كمشروع إبستمولوجي يحلل المعشّرات بوصفها نظامًا شعريًا متكاملًا، يجمع بين الشكل والمضمون، التراث والتجديد، ويقدم إسهامًا نوعيًا في إعادة النظر في تاريخ الشعر العربي من زاوية أشكال شعرية مهملة. هذه الدراسة تتناول المعشّرات من جميع جوانبها: التاريخية، الدينية، العددية، اللغوية، الأسلوبية، والسيميائية، مع إبراز إسهام الشرايبي في تأصيلها أكاديميًا ونقديًا.

إن أهمية هذا العمل لا تكمن في استعادة شكل شعري منسي فحسب، بل في مساءلة التصورات النقدية التي حصرت تطور الشعر العربي في نماذج محددة، متجاهلة أشكالا أخرى تعبر عن وعي شعري مغاير يقوم على تحويل القيد الشكلي إلى طاقة إبداعية.

 الجذور التاريخية والثقافية للمعشّرات

تعود المعشّرات الشعرية إلى العصر الإسلامي المبكر، حيث ارتبط الشعر بالطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية، واعتمد على الرقم 10 كأداة للترتيب والتذكير. الرقم العشري في المعشّرات يمثل رمزًا دينيًا وروحيًا، كما يظهر في الآية القرآنية: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ما يمنح النص بعدًا معنويًا وروحيًا يرتبط بالقيم الأخلاقية والزهدية.

كما تؤكد المعشّرات على التقليد الفني والنقل التراثي، فالناظمون مثل مالك بن المرحل وابن السيد البطليوسي لم يقتصروا على الإبداع الشعري، بل حاولوا دمج المعاني الروحية مع البنية الشكلية، فكان الشعر وسيلة تعليمية وترفيهية في الوقت نفسه. هذا التاريخ الطويل يجعل المعشّرات حافلة بالمعاني الرمزية والمرجعية الثقافية.

 المرجعية الدينية والرمزية العددية

تكشف المعشّرات عن ارتباط وثيق بالمرجعية الدينية، حيث يحضر الرقم «عشر» بوصفه رمزًا قرآنيًا ودلاليًا، ما يمنح البناء الشعري بعدًا روحانيًا. فالعدد هنا يتحول إلى عنصر بنيوي داخل التجربة الشعرية، يربط بين النظام الكوني والنظام اللغوي، إذ الرقم العشري في المعشّرات ليس مجرد ترتيب شكلي، بل يحمل دلالات روحانية ومعنوية، حيث يرتبط بالنظام الكوني والزمني. تعكس هذه البنية التزام الشعراء بالقيم الدينية، كما في انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد، ما يشير إلى تحول وجودي في وعي الشاعر.

الموضوعات الدينية والأخلاقية مثل الزهد، العبادة، والقيم الاجتماعية تجعل المعشّرات وسيلة تربوية ضمنية، حيث يقوم النص الشعري بتعليم القارئ التدبر والانتباه إلى المعاني العميقة.

وتؤكد طالعة المعشّرات النبوية لمالك بن المرحل هذا البعد، إذ يصرّح الناظم بالتزام «لزومية الطرفين»، في تجربة تجمع بين التعبد والصنعة الشعرية، بما يجعل النص فعلًا جمالياً ذا مقصد روحي.

 المعشّرات في التراث الإسلامي والتحول الأخلاقي للشعر

تكشف تجربة ابن السيد البطليوسي انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد عن تحول وجودي في وعي الشاعر، حيث تتحول الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تعيد بناء الذات. وهنا يغدو الشعر مجالًا للمراجعة الروحية لا مجرد إنتاج جمالي.

 البعد اللغوي والمعجمي

يعيد الشرايبي قراءة المصطلح عبر المعاجم العربية، كاشفًا تعدد دلالات الجذر «عشر»، المرتبط بالعاطفة والكسر والتجزئة. ومن ثمّ تصبح المعشّرات شكلاً يقوم على التكثيف واختزال الامتداد الشعري ضمن نظام عددي منتج للمعنى.

اللغة في المعشّرات تظهر ثراء المعجم العربي وعمق الاشتقاق والتجذير. يعكس هذا البعد قدرة النص على إنتاج مستويات متعددة من المعاني، وتقديم تجربة قراءة دقيقة تتيح القارئ فحص التفاصيل التعبيرية والاشتقاقية.

التحليل المعجمي يوضح كيف أن الشاعر يستطيع اختزال الامتداد الشعري ضمن بنية عددية ولغوية متكاملة، ما يثري القراءة النقدية ويبرز قدرة اللغة على الجمع بين الكثافة الجمالية والدلالة المعنوية.

البعد الأسلوبي والفني

المعشّرات تجمع بين تنوع الوزن والقافية والتكرار الفني، مع خلق انسجام بين الشكل والمضمون. يتيح هذا التوازن للشاعر الإبداع ضمن إطار محدد، ويمنح النص قدرة على التعبير عن مستويات متعددة من المعنى.

الشرايبي يبرز أن المعشّرات ليست مجرد قيود شكلية، بل نموذج للانسجام بين النظام الفني والابتكار الإبداعي، ما يعكس وعيًا نقديًا متقدمًا لدى الشعراء.

 البنية الشكلية والتنظيم الأبجدي

تقوم المعشّرات على نظام صارم يربط القصائد بعدد حروف الهجاء، في تزاوج بين النظام الصوتي والنظام الإيقاعي. ويبرز هنا وعي الشعراء بالبناء بوصفه عنصرًا إبداعيًا لا قيدًا تقنيًا.

 المعشّرات وإعادة النظر في مفهوم «عصر الانحطاط»

يرفض الشرايبي اعتبار هذه الأشكال دليلًا على انحطاط الشعر، بل يراها مرحلة من الوعي بالشكل الفني، حيث يصبح البناء ذاته موضوعًا للإبداع، وهو تصور ينسجم مع مراجعات نقدية حديثة لتاريخ الأدب العربي.

 المعشّرات كتجربة إنسانية

لا تلغي الصرامة الشكلية خصوصية التجربة الفردية، بل تمنحها إطارًا ينتج تنوعًا أسلوبيًا واسعًا، مما يجعل المعشّرات فضاءً يلتقي فيه الانضباط والحرية الإبداعية.

التحليل السيميائي لغلاف الكتاب

يمثل الغلاف خطابًا بصريًا موازياً للنص، تتجلى فيه عدة علامات:

الرقم 10 في المركز: علامة أيقونية تختزل موضوع الكتاب.

التدرج الرمادي: يحيل إلى الرصانة الأكاديمية.

الأحمر القاني في العنوان: دلالة الحيوية والإبداع.

الحروفية العربية التجريدية: جسر بين التراث والحداثة.

وبذلك يتحول الغلاف إلى عتبة تأويلية تؤسس علاقة بين الشكل البصري والبنية الشعرية العددية.

هذه العلامات السيميائية تساهم في تهيئة القارئ لتجربة معرفية متكاملة قبل قراءة النص، وهو ما يوضح اهتمام الشرايبي بالبعد البصري والتوازي بين النص الشعري والمرجع البصري.

النتائج

تكشف الدراسة أن: المعشّرات الشعرية تمثل نظامًا شعريًا دلاليا  متكاملًا يجمع بين الشكل،و الرمزية العددية، والمرجعية الدينية، والأسلوب الفني.

البناء العددي واللغوي يشكل آليات إنتاج معنى شعري وجمالي متقن.

الكتاب يبرز إسهام الشرايبي في إعادة الاعتبار للأشكال الشعرية المنسية ضمن الدراسات النقدية العربية حيث يسد فراغا في دراسة الأشكال التراثية .

الغلاف يُسهم في إنتاج دلالة سيميائية موازية للنص، حيث يشارك في إنتاج المعنى باعتباره نصا سيميائيا ما يعزز تجربة القراءة.

المعشّرات توضح تعددية القراءة والتفسير في التراث العربي، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث النقدي.

التوصيات

ضرورة إدراج المعشّرات في الدراسات النقدية المعاصرة باعتبارها نموذجًا للبنية الشعرية المتكاملة.

استثمار البنية العددية والرمزية في الدراسات الأدبية لتوضيح العلاقة بين الشكل والمعنى.

توسيع البحث في البعد السيميائي للنصوص التراثية، بما يشمل الغلاف والعناصر البصرية المرافقة للنص.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الأشكال الشعرية التقليدية والمعاصرة لاستكشاف تطور الوعي الفني في الشعر العربي.

الخاتمة

يقدّم كتاب فيصل الشرايبي إسهامًا نوعيًا في إعادة توجيه الدرس النقدي العربي نحو المناطق المنسية من التراث الشعري، حيث تتحول المعشّرات من ظاهرة هامشية إلى نموذج كاشف عن قدرة الشعر العربي على التجدد داخل القيود الشكلية. وتبرز أهمية هذا المشروع في كونه يعيد وصل النقد الحديث بالذاكرة الثقافية العربية، مؤكدًا أن تطور الشعر لا يتحقق فقط عبر القطيعة، بل عبر إعادة قراءة التراث بوصفه مخزونًا مفتوحًا لإنتاج المعنى.

ومن هذا المنظور، لا يمثل الكتاب دراسة في شكل شعري فحسب، بل دعوة منهجية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية تعددية تعترف بتنوع التجارب والأساليب، وتعيد الاعتبار للأشكال التي أسهمت في تشكيل الحس الجمالي العربي عبر القرون.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

..................

المراجع

- الشرايبي، فيصل. (2025). المعشَّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها. تقديم إدريس الناقوري. المغرب: مطبعة أكاديمية.

 

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (البقر - 23).

نقول: إذا كانت السلفية في منظور أهل "السنة والجماعة" تعني الرجوع إلى القرآن والسنة والإجماع وما قاله أو مارسه السلف الصالح في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، من أجل فهم حياة سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالتالي فهي وفق هذا الفهم ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة، وإنما هي فهم للدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته والدعوة لتطبيقه. فالسلفيّة في المفهوم السوسيولوجي (علم الاجتماع)، هي مسألة فكريّة تعبر عن مضامين اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وأخلاقيّة وسيكولوجيّة، يسعى دعاتها دائماً إلى امتلاك الماضي وتمثله نزوعاً وجدانيّاً أقرب إلى الطبع. وللسلفيّة جذورها المعرفيّة والعمليّة التي تمتد إلى ما قبل الإسلام، (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). ومع قدوم الإسلام، ومع مسألة الخلافة تحديداً، عندما سأل " عبد الرحمن بن عوف" علي بن أبي طالب، يعد مقتل عمر بن الخطاب الذي حدد ستة رجالات من كبار الصحابة ومن لهم حضورهم الفاعل اجتماعيّاً وإسلاميّا لاختيار خليفة من بعده وهم: (علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف): (هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟. قال علي اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فالتفت إلى عثمان فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟. قال اللهم نعم). (1).

 ففي هذا النص نجد أول مرّة ما يعبر عنه بنص تاريخي أهميّة وجوب الأخذ بما أخذ به السلف مرجعاً مقدساً وهو (عمل أبي بكر وعمر) كعمل بشري لتثبيت حالة مستجدة آنذاك، وهي حالة تعيين أو اختيار خليفة للمسلمين، إضافة لاعتماد القرآن والسنة فيما بعد، حيث أصبح ملزماً ومصدراً للتشريع، وهذا الأمر ذاته وصل على يد الشافعي في نهاية القرن الثاني للهجرة إلى إلزام. وهو بذلك وضعنا في إشكاليّة لم تنته آثارها السلبية حتى اليوم، وهي المقابلة بين التاريخ والنص، من خلال تنصيص أو قوننة التاريخ عند الشافعي في اعتبار أقوال وأفعال السلف مصدراً للتشريع والحكم.

 إن هذه العقليّة تفهم اليوم كإشكاليّة بين عقليّة الماضي- الخبر، وعقليّة الاجتهاد – الحرية. أو بين مدرسة النقل ومدرسة العقل.

 نعم ...إن سطوة تاريخ ما قام به النبي والسلف الصالح اشتدّت حتى تحولت على يد الشافعي إلى مصدر إلزامي رسمي ومقنن (مقدس). حيث يقول الشافعي في الرسالة: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله). (2). فهنا يصبح الماضي عند الشافعي بصريح لفظه، جهة العلم الوحيدة في الإسلام، فلا يحل لجيل أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا أن يكون مستنداً إلى حكم فتوى أو فكر الأجيال السابقة عليه الذين حددوا بالقرون الثلاثة الأولى. أي أصبح الماضي هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تل.

 إنها سلطة الماضي إذن التي عاد الشافعي ليؤكدها بقوله في كتاب الأم: (لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتيّاً أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم). أي الماضي. أي (الإجماع والآثار والقياس). (3). فالماضي عند الشافعي هو جوهر الفكر السلفي، وما عداه هو محدثات من الأمور. يقول الشافعي: المحدثات من الأمور ضربان. أحدهما: ما ظهر من أمور تخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه هي البدعة الضلالة ). (4).

 هذا ويعتبر كل من (ابن حنبل المتوفى عام 248هـ، وأبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ، وأبو حامد الغزالي المتوفى 505،) بعد الشافعي المتوفى سنة 205هـ. هم من جذر الفكر السلفي الأصولي. فإذا كان "الشافعي" قد أسس المنهج الفقهي السلفي بوضعه الأصول الأربعة كمرجعيّة قانونيّة وشرعيّة للتشريع وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس. فإن "ابن حنبل"، مثل الأنموذج المثالي لمنهجية الخبر السلفيّة، و"أبو حسن الأشعري"، هو من أصل السلفيّة من حيث العقيدة. عندما حاول إقحام العقل بشكل خجول في التشريع وتفسير بعض قضايا العقيدة. أما "أبو حامد الغزالي" فهو من فتح الحدود ما بين الفلسفة والتصوف والمنهج السلفي بشكل تلفيقي عند تبنيه للتأويل والمعرفة أللدنية.

الصراع السياسي على السلطة ودوره في إنتاج وبلورة الفكر السلفي الجبري:

الجذر السياسي للجبر في العصر الأموي:

 لقد كان لمسألة الصراع الدائر على السلطة ما بين الأمويين بقيادة "معاوية، وبين علي بن أبي طالب، حيث حول الأمويون الخلافة الإسلاميّة إلى ملك عضوض، واعتبروها أمرأ مقدراً من قبل الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويأخذها ممن يشاء، وهم بهذا يكونوا قد خالفوا مسألة "الاختيار" لمنصب الخلافة من جهة، وواجهوا شيعة علي بن أبي طالب الذين قالوا إن الخلافة جاءت بالوصيّة بناءً على حديث (الغدير) من جهة ثانية. ولتمرير هذا التحول الأموي في مسألة الخلافة، اتكأ الخلفاء الأمويون على كل من وقف إلى جانبهم من الفقهاء ورجال الدين الذين برروا لهم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض، وراحوا يناصبون العداء لكل من وقف ضدهم. ولكون النص الديني (القرآن) كان هو المرجع الأساس لكل القضايا الإشكاليّة التي كانت تتعرض لها الأمّة آنذاك، فقد راح رجال الدين لكلا الطرفين الموالي للسطلة والمعارض لها، يبحث عن الأدلة الشرعيّة في النص المقدس من أجل تبرير موقف صاحبه. ومن هذا المنطلق بدأت تظهر على الساحة الدينيّة قضية الصراع ما بين تيارين فكريين هما: (التيار الجبري والتيار القدري). ففي الوقت الذي تجد في القرآن آيات تبرر الجبر. تجد أيضاً فيها ما يبرر القدر. وهذا ما جعل "على بن أبي طالب" يقول في صفين عندما رفعت المصاحف لتحكيم كتاب الله: (إن القرآن حمال أوجه).

 لقد طُرحت قضيّة الحريّة تحت مسمى القدر، على يد المعتزلة عموما، وعلي يد كل من "معبد الجهني المقتول سنة 80هـ." و"غيلان الدمشقي المقتول سنة 99هـ." و"الجعد بن درهم، المقتول سنة 120هـ." حيث انتصر هؤلاء الثلاثة لمبدأ الحريّة الإنسانيّة، ومواجهة السلطة الأمويّة التي كانت تقول بالجبر، فقالوا: (إن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية. وهو المجازى على فعله، والله تعالى هو من أقدره على ذلك). وبالتالي أرادوا من هذا الطرح كما قلنا مواجهة الأمويين الذين برروا استلامهم للسلطة وما ينتج عنها من مفاسد بأن استلامهم للخلافة هو أمر مقرر من عند الله ولا رادٍ لقدره.0 فدفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم هذا. (5).

 إذنُ لقد جاء هذا الطرح (القدري) رداً على السلطة الأمويّة التي كانت تطرح فكرة الجبر صريحة، لتبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة، فضلاً عن تبرير شرعيّة وجودها أصلاً باعتبار ذلك وكأنه قضاء وقدر من عند الله. فهذا هو "معاوية بن ابي سفيان" قد بدأ الجبر السياسي عنده مبكراً منذ صفين حيث خاطب جيشه في تلك المعركة قائلاً: (وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولقت بيننا وبين أهل العراق ونحن من الله بمنظر، وقد قال الله سبحانه وتعالى: " ولو شاء الله ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يشاء"). (6). وعند تولية "يزيد" الخلافة قال: (الحمد لله الذي شاء صنع. من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع). (7). وهذا "الوليد بن يزيد" يقول: (وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيها حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أصلاً ونهض مستقلاً بما حمل منها مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى خصه الله بها على خلقه). (8). أما "عبد "الملك بن مروان" فيقوم بقتل منافسه "عمرو بن سعيد" ويأمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلي القصر، ثم يهتف عليهم الهاتف ينادي: (إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ).(9).

 إن هذا الموقف الجبري السلفي، ظفر بموقف وموافقة الفقهاء من أهل الحديث في عهد الأمويين ضد من انتصر للعقل وقضية العدل وحرية الإرادة. حيث نجده عند (عبد الله بن عمر. وجابر بن عبد الله. وأبي هريرة. وابن عباس. وانس بن مالك. وعبد الله بن أبي أوفى. وعقبة بن عامر الجهني وأقرأنهم. وقد وصوا أخلافهم بأن لا يصلوا على القدريّة ولا يصلوا جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم) (10). كما نجد هذا الموقف السلفي الجبري وضرورة القول به عند كل من:

1- ابن عباس، كان يقول: (عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع)

2- الشعيبي، كان يقول: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زغرفوها لك بالقول، وما حدثوك به عن أصحاب رسول الله فخذه، وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحس).

3- الوازعي، كان يقول: (قف حيث وقف القوم واسلك سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريا.

...............................

1- الطبري تاريخ الأمم والملوك– الجزء الثالث –ص301.

2- السلطة في الإسلام- عبد الجواد ياسين – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- 1998- ص 68.

3- الأم – دار المعرفة بيروت- المجلد الرابع- ج7- ص299 .

4- ابن القيم – أعلام الموقعين- مكتبة الكليات الأزهري- ج1- ص333.ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم). (49).

5- الشهرستاني – الملل والنحل – مكتبة السلام العالمية- ج1- ص 54

6- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – المصدر السابق. ص132.

 7- المرجع نفسه ص 132.

8- المرجع نفسه. ص132.

9- المرجع نفسه. ص132.

10- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 133.

قراءة لغوية أدبية في ضوء رؤية الخليل بن أحمد الفراهيدي

ليس التقطيع العروضي مجرّد إجراء تقنيّ يُمارَس على جسد البيت الشعري، بل هو في جوهره فعلُ إنصاتٍ عميقٍ إلى النبض الخفيّ للغة، ومحاولةٌ لضبط ما يتفلّت من موسيقاها في قوالبَ تتيح لها أن تُدرَك وتُدرَّس وتُعاد صياغتها. ومن هنا نشأ علم العروض بوصفه علماً يقف على تخوم اللغة والموسيقى، يُقنِّن الإيقاع دون أن يقتله، ويؤطِّر الجمال دون أن يُحجِّره.

لقد أدرك الخليل بن أحمد الفراهيدي، في لحظة عبقرية فذّة، أن الشعر العربي—على امتداده الشفهيّ الطويل—لم يكن فوضى صوتية، بل كان خاضعاً لنظام دقيق من التكرارات الإيقاعية التي يمكن ردُّها إلى وحداتٍ أصغر، هي التفعيلات. ومن خلال هذه الرؤية، تحوّل السماع إلى قياس، والذوق إلى معيار، والانسياب إلى ميزان.

أولاً: التقطيع العروضي بوصفه تفكيكاً للزمن اللغوي

التقطيع في حقيقته ليس تقطيعاُ للحروف، بل تقطيعٌ للزمن؛ إذ تُقسَّم العبارة إلى مقاطع صوتية تمثّل وحدات زمنية متفاوتة الطول: متحركات وسواكن، قصاراً وطوالاً. فكلّ بيت شعري هو نسيج زمنيّ، تُحسَب فيه المدّة كما تُحسَب الدلالة.

ومن هنا، فإن قولنا إن التقطيع “أبطأ” أو “أسرع” ليس مجازاً محضاُ، بل هو توصيف دقيق لكيفية توزيع الزمن داخل السطر الشعري:

فحين تتكاثر المقاطع الطويلة (ـ)، يثقل الإيقاع، ويتحوّل إلى مشيٍ متأنٍّ أقرب إلى التأمّل.

وحين تتعاقب المقاطع القصيرة ()، يتسارع النبض، ويغدو الإيقاع راقصاً، مندفعاً، أقرب إلى الانسياب.

وهذا ما يفسّر الأثر الشعوري للبحور المختلفة؛ فليس البحر إلا تنظيماُ مخصوصاً للزمن الصوتي.

ثانياً: بين التقطيع العروضي والتقطيع البصري

إذا كان التقطيع العروضي خاضعاُ لصرامة القياس، فإن التقطيع البصري (كسر الأسطر في الشعر الحديث) ينتمي إلى مجال آخر: مجال الإيحاء والتنغيم الداخلي. غير أنّ العلاقة بينهما ليست قطيعة، بل تواشج خفيّ.

فالشاعر المعاصر—حتى وهو يكتب شعراً حرّاً—يظلّ خاضعاً، على نحوٍ لا واعٍ، لذاكرة العروض. إنه يُبطئ السطر أو يُسرّعه عبر:

توزيع الكلمات

مواضع الوقف

كثافة الأصوات

وكأنّ التقطيع البصري هو ظلٌّ حديث للتقطيع العروضي؛ أحدهما يُقاس، والآخر يُحسّ، لكن كليهما يشتغل على المادة نفسها: الزمن اللغوي.

ثالثاً: التفعيلة ميزاناُ لا قيداً

قد يُتوَهَّم أنّ التفعيلة قيدٌ يُكبِّل الشاعر، غير أنّها—في منظور الخليل—أداةُ تحرير؛ إذ تمنحه إطاراً يُحسِن من خلاله توزيع طاقته التعبيرية. فالتفعيلة ليست شكلاً جامداً، بل بنية مرنة تقبل التغيير عبر ما عُرف بالزحافات والعلل.

وهنا تتجلّى عبقرية النظام العروضي:

فهو نظامٌ مغلق في أصوله (عدد البحور محدود)

لكنه مفتوح في تطبيقاته (احتمالات الزحاف واسعة)

وبذلك يجمع بين الثبات والتحوّل، بين القانون والاحتمال.

رابعاً: الإيقاع بوصفه دلالة

لا ينفصل الوزن عن المعنى؛ فالإيقاع ليس وعاءً خارجياً، بل هو جزء من الدلالة نفسها. إن اختيار بحرٍ بطيءٍ ثقيلٍ لقولٍ حزينٍ ليس مصادفة، بل هو توافق بين البنية الصوتية والمحتوى الشعوري.

ولهذا يمكن القول:

إن البحر الطويل يشي بالامتداد والوقار

وإن الرجز يوحي بالحركة والاضطراب

وإن الرمل يحمل نبرةً وجدانية رخوة

فالتقطيع، إذن، ليس تحليلاُ لاحقاُ للنص، بل هو أحد مفاتيح بنائه من الأصل.

خامساً: رأي الخليل وإرثه

لم يترك الخليل بن أحمد الفراهيدي نصوصاً تنظيرية مطوّلة تشرح فلسفته، لكنّ عمله نفسه يكشف عن رؤية عميقة: لقد تعامل مع الشعر بوصفه نظاماً يمكن اكتشافه، لا اختراعه. فهو لم يفرض البحور على الشعر، بل استخرجها منه، كما يُستخرج القانون من الظاهرة.

وهذا ما يمنح علم العروض شرعيته:

فهو علمٌ وصفيّ في أصله (يصف ما هو موجود)

ثم صار معياريّاُ في استعماله (يُقاس عليه الجديد)

ومن هنا ينبع التوتر الخلّاق بين الإبداع والقانون: فالشاعر إمّا أن يلتزم الميزان، أو أن يكسِره عن وعي، لا عن عجز.

خاتمة:

التقطيع العروضي ليس تمريناً مدرسياً، بل هو مفتاحٌ لفهم البنية العميقة للشعر العربي؛ إنه الطريقة التي تتحوّل بها اللغة من وسيلة تواصل إلى كيانٍ إيقاعيّ نابض. وبين البطء والسرعة، والثقل والخفّة، يتشكّل المعنى لا في الكلمات وحدها، بل في الزمن الذي تستغرقه هذه الكلمات كي تُقال.

وهكذا يظلّ إرث الخليل حيّاً: لا بوصفه قانوناُ جامدًا، بل باعتباره أفقاً يُمكّن الشاعر من أن يسمع لغته على نحوٍ أدقّ، وأن يكتبها على نحوٍ أعمق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من بنية الانكسار إلى أفق المعنى الاحتمالي

في أزمنةٍ تتكاثر فيها الشظايا، ويغدو المعنى ذاته مهدّداً بالانكسار، ينهض النصّ الأدبي بوصفه محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فتات الدلالة، أو على الأقلّ لإعادة ترتيب الفوضى في هيئةٍ قابلةٍ للتأويل. ومن هذا الأفق، يتقدّم نصّ الشاعر خلدون رحمة «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» بوصفه خطاباً شعرياً مكثّفاً، لا يكتفي بتوصيف الخراب، بل يعيد إنتاجه لغوياً ورمزياً، حتى يغدو النصّ ذاته مرآةً مكسورةً لواقعٍ مأزوم.

تنبثق أهمية هذه الدراسة من كونها تقف عند تخوم تقاطعٍ معقّد بين اللغة والوجود، بين التجربة الفردية والجماعية، وبين الحلم وانكساراته. فالنص لا يُقرأ قراءةً أحاديةً تُفضي إلى معنى جاهز، بل يستدعي مقاربةً نقديةً مركّبة، تنفتح على تعدّد المناهج، وتستجيب لطبيعته بوصفه بنيةً دلاليةً متشظية، تتجاوز حدود البلاغة التقليدية إلى أفق التأويل المفتوح.

ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية الداخلية للنص عبر مستوياتٍ متداخلة: لغويةٍ وبلاغية، جماليةٍ وفنية، فكريةٍ وفلسفية، نفسيةٍ وسوسيولوجية، وصولاً إلى البنية السيميائية العميقة. كما تعتمد، في مقاربتها، على ما يُعرف بـ النقد الاحتمالي، الذي لا يبحث عن “المعنى الصحيح” بقدر ما يستكشف شبكة المعاني الممكنة، انطلاقاً من التفاعل الجدلي بين النص والقارئ والسياق.

إنّ هذه القراءة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية للنص، بل تنطلق من وعيٍ نقديّ يرى في الأدب مجالاً لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، وفي القصيدة فضاءً تتجاور فيه الدلالات وتتصارع، لتكشف في نهاية المطاف عن هشاشة اليقين الإنساني، وعن قدرة اللغة، رغم كلّ شيء، على أن تكون شاهدةً على الانكسار… ومقاومةً له في آنٍ معاً.

يندرج هذا النص ضمن الكتابة الشعرية الحديثة التي تمزج بين قصيدة النثر والتكثيف الرمزي، حيث لا يُقدَّم المعنى بوصفه يقيناً مغلقاً، بل بوصفه شبكةً من الإشارات والانزياحات. ومن هنا، سنعتمد مقاربة مركّبة تجمع بين:

١- التحليل الأسلوبي واللغوي

٢- القراءة السيميائية

٣- المنظور النفسي والفلسفي

٤- النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، لكنه لا يقف عند حدود الفصاحة التقليدية، بل يتجاوزها إلى الانزياح التركيبي والدلالي:

«الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ»

تركيب يقوم على انزياح استعارِي مزدوج:

المرآة - ماء (سيولة الهوية)

الماء - قابلية التهشيم (تفكيك الإدراك)

هنا تتحول اللغة من أداة وصف إلى أداة خلق واقع بديل.

كما نلاحظ:

التوازي التركيبي:

«تقعّر المحدّب وتحدّب المقعّر»

- قلب العلاقات المنطقية يساوي تفكيك النظام الإدراكي

الجمل تتراوح بين:

تقريرية: «رأيتُ دم أحلامي مُراقاً»

استفهامية وجودية: «أليس للأحلام دم؟»

هذا التنوّع يمنح النص دينامية إيقاعية ودلالية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة هنا مفخّمة لكنها غير متكلّفة، وتقوم على:

ألفاظ مشحونة دلالياً: (شظايا، شرارات، عتمات، تيه)

اقتصاد لغوي مع كثافة رمزية

التوازن بين اللفظ والمعنى يظهر في:

عدم فائض لغوي

كل مفردة تؤدي وظيفة إيحائية

مثال:

«الخيبات: فؤوس مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه»

هنا تتجلى بلاغة التحديد:

الجذر يساوي الغصن

- الخيبة تستهدف الأصل الوجودي لا المظاهر

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا يعتمد وزناً تقليدياً، لكنه يبني موسيقاه عبر:

التكرار:

«حلمتُ... حلمتُ»

«هنا والآن»

التوازي الصوتي:

«دم... دافق... دفنه»

جرس حرف الدال يساوي طرقات دموية

الإيقاع الداخلي:

قائم على التقطيع الدلالي لا العروضي

وهذا يخلق موسيقى نفسية أكثر منها عروضية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص يقوم على بنية تفككية متشظية:

لا سرد خطي

بل مشاهد متجاورة:

١- الحرب

٢-الحلم

٣- الخيبة

٤- الحب

الزمن:

غير خطي

يتنقل بين:

الماضي (رأيت)

الحلم

الحاضر («هنا والآن»)

- الزمن هنا نفسي لا كرونولوجي

2. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

العالم بوصفه مرآة مكسورة

الحرب يساوي تفكيك الإدراك

الحلم يساوي مقاومة رمزية

الواقع يساوي خيانة للحلم

انسجام الشكل والمضمون:

التشظي اللغوي يساوي تشظي الوجود

3. الطابع الإبداعي والانزياح

النص ينتج الدهشة عبر:

تحويل المجرد إلى محسوس:

«دم الأحلام»

تحويل القيم إلى أجساد:

الحرية كعنقاء

- هذا انزياح يُجسِّد المعنى بدل أن يصفه

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحلم ممكن في عالم محطم؟

هل العدالة وهم طبقي؟

الموقف: - نقدي، احتجاجي، وجودي

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

التراث الأسطوري (العنقاء)

الفكر الحداثي (تفكك المعنى)

التجربة التاريخية للحروب

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

المرآة تساوي الوعي

الماء يساوي الهوية السائلة

الدم يساوي ثمن الحلم

الشقّة تساوي عزلة الحداثة

- النص يشتغل كـ نص متعدد الطبقات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ينتمي إلى:

سياق ما بعد الحروب العربية

خيبة المشروع القومي

وهو امتداد لـ:

قصيدة النثر الحديثة

خطاب الهزيمة والتمزق

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- القلق

٢- الفقد

٣- الانكسار

2. النبرة النفسية

تتراوح بين:

احتجاج («رأيت الحرية في عيون المترفين»)

حزن حميم («شقّة بلا حبيبة»)

سادساً: الأسس الاجتماعية

النص يفضح:

التفاوت الطبقي

احتكار القيم (الحرية/العدالة)

- خطاب مضاد للسلطة الرمزية

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

المرآة - الوعي

الدم - التضحية

العنقاء - الأمل

الشقّة - العزلة الحديثة

2. الثنائيات

١- الحلم / الخيبة

٢- الحرية / الزيف

٣- الحب / الوحدة

- شبكة دلالية متقابلة

ثامناً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى في:

١- «حرب قُبلتين»

٢- «صخب قلبين»

الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً صرفاً

بل طاقة حياة في مواجهة الموت

- الحب يساوي مقاومة وجودية

تاسعاً: القراءة وفق النقد الاحتمالي

النص لا يمنح معنى واحداً، بل احتمالات:

1. قراءة سياسية

الحرب يساوي واقع تاريخي

الحرية يساوي خطاب زائف

2. قراءة نفسية

الحرب يساوي صراع داخلي

المرآة تساوي الذات المنكسرة

3. قراءة وجودية

الحلم يساوي عبث

الإنسان يساوي كائن مأزوم

4. قراءة جمالية

النص يساوي تجربة لغوية لتفكيك المعنى

- المعنى هنا نتاج تفاعل القارئ مع النص

عاشراً: قراءة لغوية صرفية ونحوية

«هشّمتْ»:

فعل ماضٍ مبني على السكون (للاتصال بالتاء)

دلالته: حدث مكتمل يساوي كارثية نهائية

«ماءَ المرآةِ»:

مضاف زائد مضاف إليه

تركيب انزياحي (إضافة غير مألوفة)

«أليس للأحلام دم؟»

استفهام إنكاري - تقريري

«الخيباتُ: فؤوسٌ»

مبتدأ وخبر بصيغة تشبيه ضمني

- البنية النحوية سليمة لكنها موظفة إبداعياً لا معيارياً

خاتمة:

يُعدّ نص «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» تجربة شعرية كثيفة، تتجاوز حدود التعبير إلى تفكيك بنية الواقع ذاته. إنه نصّ:

لغته منحرفة عن المألوف بوعي

ورؤيته مشبعة بالقلق الوجودي

ومعناه مفتوح على احتمالات لا تنتهي

وفي ضوء النقد الاحتمالي، لا يمكن القبض على “معناه النهائي”، لأن قوته تكمن تحديداً في استعصائه على الإغلاق، وفي قدرته على أن يُعاد توليده مع كل قراءة.

إنه نصّ لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُسكن القارئ، ويعيد تشكيل وعيه… مثل مرآةٍ مكسورة، تعكس الحقيقة في شظاياها لا في اكتمالها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

................................

الشاعر والناثر خلدون عماد رحمة:

الحربُ هشّمتْ ماء المرآةِ: تقَعّرَ المحدّبُ وتحدّبَ المُقعّرُ، انفصلت الظلال عن ملامحها والرؤوس عن أفكارها، واستحالَ الشكلُ إلى شظايا أشكالٍ من شراراتٍ وعتماتٍ وتيه.

*

رأيتُ دم أحلامي مُراقاً، دافقاً بين شقوق الخراب، يتفجّرُ كبروقٍ مدوّيةٍ في بطونِ السماء.

أليسَ للأحلامِ دمٌ؟

بلى..

أنا أسبح في دم أحلامي.

ليس للأحلام مُنتهىً فِيَّ: إنها تتفايضُ عنّي حَدّ افتضاض حدود إدراكها وتأويلها، لكنّ للخيباتِ، حين تدبّ بكامل عتادها، فعلُ النقيض الموازي لحجم الأحلام، الخيباتُ هنا: فؤوسٌ مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه.

*

وُلِدَ الحلمُ خارج ذاته منفيّاً، مطروداً، خارج مكانه وزمانه، كأن تحلم بتحريرِ سجينٍ من زنزانة ضيقة، فتصحو على نبأ دفنه في مقبرة واسعة، أو كأن تحلم بتحرير أرضكَ من كلّ أوساخ التاريخ البشريّ، فتجد نفسك مقذوفاً إلى أرضٍ مُحررةٍ لا تشبه أرضك.

*

حلمتُ برؤية الحريّة وهي تخرج من أنفاق الظُلْمِ كعنقاءِ الأساطيرِ شامخةً، ترفع تعبَ الناس تاجاً على جبينِ الشمس، تغسلُ عيونهم بدمعها الصافي وتربّي وردها الناريّ في أرض هواجسهم.

حلمتُ بالعدالة واقعاً، أن أراها وهي تدفنُ اللغة الفاسدة، أن أراها وهي ترتدي ثوباً منسوجاً من عرق الشهداء والمظلومين والفقراء..

هنا والآن: رأيتُ الحرية والعدالة، ولكن في عيون أصحابها المُترفين، لا في عيون أهلي المظلومين.

*

مرّةً، بكيتُ، لأنني لم أجد مكاناً صالحاً للحبّ، مكاناً هادئاً، يحتملُ صخبَ قلبينِ وصرخة لهفَتِين وحربَ قُبلتين.

لكَمْ بكِيِتْ هي أيضاً، لأنها لمَحَتْ شظايا حيرتي وهي تلهث في كلّ الجهات.

هنا والآن: حصلتُ على شقّةٍ، ولكن من دون قلبها ولهفتها وقُبلتها، شقّةٌ باردةٌ بلا حبيبةٍ

شقّةٌ لا تصلحُ إلا لوحدتي.

 

يمثل توظيف الرمز والأسطورة في الشعر العربي الحديث أحد أهم ملامح تحوله الجذري عن أنماطه الكلاسيكية، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير مباشر عن العاطفة أو تسجيل للحدث، بل أصبح فعلا معرفيا وجماليا يسعى إلى إعادة تأويل الوجود والذات والتاريخ. وفي هذا السياق يبرز اسما أدونيس وبدر شاكر السيّاب بوصفهما من أكثر الشعراء تأثيرا في ترسيخ البعد الرمزي والأسطوري في القصيدة العربية الحديثة، كل بطريقته ورؤيته وأسئلته الوجودية والفكرية.

لقد جاء هذا التحول في زمن عربي مأزوم سياسيا وثقافيا حيث بدت اللغة المباشرة عاجزة عن احتواء حجم الانكسار والأمل في آن واحد. فكان الرمز والأسطورة بمثابة لغة بديلة قادرة على تجاوز الرقابة الخارجية والداخلية وعلى فتح النص على طبقات متعددة من الدلالة. لم يعد الشاعر يتحدث بضمير فردي فقط بل صار يستعير أصوات الآلهة القديمة والأبطال الأسطوريين والشخصيات التاريخية ليعبر عن الإنسان العربي الحديث في قلقه واغترابه وتطلعه إلى الخلاص.

السيّاب كان من أوائل من أدخلوا الأسطورة إلى بنية القصيدة العربية إدخالا عضويا مرتبطا بالتجربة الحياتية والواقع الاجتماعي. في شعره تتجاور المعاناة الشخصية مع المأساة الجماعية وتتحول الأسطورة إلى مرآة للألم الإنساني. استلهم السيّاب أساطير الخصب والموت والبعث مثل أسطورة تموز وعشتار ليعبّر عن فكرة الانبعاث بعد الخراب وعن الحلم بولادة جديدة لوطن مثقل بالجراح. لم تكن الأسطورة لديه ترفا ثقافيا أو زينة لغوية بل ضرورة فنية وفكرية فرضها الواقع القاسي الذي عاشه العراق في تلك المرحلة.

في قصائد السيّاب يتحول المطر إلى رمز مركزي يحمل دلالات متناقضة فهو علامة الخصوبة والحياة وفي الوقت ذاته شاهد على الحزن والفقد. هذا التعدد الدلالي يعكس قدرة الرمز على احتضان التناقض الإنساني وهو ما منح شعره عمقا وتأثيرا واسعين. الأسطورة هنا لا تنفصل عن البيئة المحلية بل تتداخل مع النخيل والأنهار والقرى الجنوبية لتخلق عالما شعريا يمزج الكوني بالمحلي والإنساني بالميتافيزيقي.

أما أدونيس فقد اتخذ من الرمز والأسطورة مشروعا فكريا وجماليا متكاملا يهدف إلى إعادة بناء الشعر العربي من جذوره. الأسطورة عنده ليست فقط أداة تعبير بل بنية تفكير ورؤية للعالم. استدعى أدونيس الأساطير الشرقية والغربية والشخصيات التاريخية والدينية ليعيد تفكيكها وإعادة تركيبها ضمن سياق حداثي يتحدى السائد ويطرح أسئلة كبرى حول السلطة والمعرفة والهوية والزمن. في شعره تتحول الشخصيات الأسطورية إلى أقنعة يتكلم من خلالها الشاعر لا ليحكي الماضي بل ليحاكم الحاضر ويستشرف المستقبل.

أدونيس يوظف الرمز بوصفه أداة قطيعة مع اللغة المباشرة ومع البلاغة التقليدية. لغته كثيفة ومفتوحة على التأويل وتحتاج إلى قارئ فاعل يشارك في إنتاج المعنى. الأسطورة لديه لا تمنح الخلاص بقدر ما تكشف المأزق الوجودي وتعرّي البنى الفكرية الجامدة. ومن هنا تبدو قصيدته أكثر تجريدا وأقل ارتباطا بالحدث اليومي مقارنة بالسيّاب لكنها أكثر انغماسا في الأسئلة الفلسفية والكونية.

بين السيّاب وأدونيس تتجلى مدرستان مختلفتان في توظيف الرمز والأسطورة. السيّاب ينطلق من الألم الشخصي والجماعي ليصل إلى الأسطورة بوصفها عزاء وأملا بينما ينطلق أدونيس من الأسطورة ليهدم الواقع ويعيد مساءلته جذريا. ومع ذلك يشتركان في إدراك عميق لعجز اللغة التقليدية عن التعبير عن عصر مضطرب وفي السعي إلى خلق لغة شعرية جديدة تتجاوز الوصف إلى الرؤيا.

الرمز في شعرهما ليس غموضا مقصودا لذاته بل أفقا دلاليا مفتوحا يحرر القصيدة من الأحادية ويمنحها قابلية الاستمرار والتجدد. فالقصيدة الرمزية لا تُستهلك في قراءة واحدة بل تعيد إنتاج معناها مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يفسر بقاء شعر السيّاب وأدونيس حيا في الذاكرة النقدية والثقافية رغم تغير الأزمنة والسياقات.

أثر هذا التوظيف الرمزي والأسطوري لم يقتصر على تجربتهما الفردية بل امتد إلى أجيال لاحقة من الشعراء العرب الذين وجدوا في الأسطورة مجالا رحبا للتجريب وكسر القوالب الجاهزة. لقد أسهما في نقل الشعر من فضاء التعبير الانفعالي إلى فضاء الرؤية والتأويل ومن الصوت الفردي إلى الصوت الكوني.

من هنا، يمكن القول إن الرمز والأسطورة في شعر أدونيس والسيّاب ليسا مجرد تقنيتين بل تعبير عن وعي جديد بالشعر ووظيفته. شعر يرفض أن يكون مرآة سطحية للواقع ويسعى بدلا من ذلك إلى تعميقه وإعادة تخيله. وبين أسطورة الخصب عند السيّاب وأساطير الهدم والبناء عند أدونيس تتشكل ملامح الشعر العربي الحديث بوصفه مساحة للسؤال والاختلاف والبحث الدائم عن معنى الإنسان في عالم متغير.

ولتعميق قراءة الرمز والأسطورة في تجربة السيّاب وأدونيس لا بد من التوقف عند البعد التاريخي والفكري الذي جعل من العودة إلى الأسطورة فعلا حداثيا لا ارتدادا إلى الماضي. فالأسطورة في الشعر الحديث لم تُستدع بوصفها حكاية بدائية أو بقايا معتقدات غابرة بل بوصفها نصا إنسانيا مفتوحا يحمل أنماطا أولية من التجربة البشرية يمكن إعادة تأويلها في ضوء الحاضر. من هنا كان وعي الشاعرين بالأسطورة وعيا نقديا يعيد إنتاجها داخل بنية شعرية جديدة تتجاوز التكرار وتؤسس للاختلاف.

الأسطورة بين الوعي التاريخي والقلق الوجودي

عند السيّاب يتخذ الرمز والأسطورة بعدا تاريخيا مرتبطا بسؤال الانكسار العربي والحلم بالنهضة. فهو شاعر عاش التحولات السياسية الحادة والخيبات الكبرى وشهد التناقض بين الوعود الثورية والواقع القاسي. لذلك جاءت الأسطورة لديه محمّلة بطاقة خلاصية حتى في لحظات اليأس. فتموز الذي يموت ويبعث وعشتار التي تنزل إلى العالم السفلي ليستا مجرد رمزين جماليّين بل تعبير عن إيمان عميق بدورة الحياة وعن أمل لا ينطفئ رغم الألم. الأسطورة هنا تتماهى مع التجربة الإنسانية البسيطة وتمنحها بعدا كونيا دون أن تفقد حرارتها العاطفية.

كما أن البعد الديني والروحي في شعر السيّاب يتقاطع مع الأسطورة دون أن يذوب فيها. فهناك حس تراجيدي واضح يجعل من الرمز وسيلة لمساءلة العدالة والقدر والمعاناة البشرية. وهذا ما يمنح شعره قدرة على التأثير الوجداني المباشر رغم كثافة رموزه. القارئ لا يشعر بالاغتراب أمام النص بل يجد نفسه منخرطا في ألمه وأمله معا.

أما أدونيس فإن توظيفه للأسطورة ينطلق من قلق معرفي وفلسفي عميق. فهو شاعر ينظر إلى التاريخ بوصفه بنية قابلة للتفكيك لا مسارا مقدسا. لذلك يعيد قراءة الأساطير والرموز الدينية والتاريخية ليكشف ما فيها من سلطة وخطاب مهيمن. الأسطورة عنده ليست وعدا بالخلاص بل سؤالا مفتوحا حول معنى البداية والنهاية وحول إمكانية التجدد الحقيقي. ومن هنا تبدو قصيدته أحيانا صادمة أو عصية على الفهم السريع لأنها لا تمنح القارئ إجابات جاهزة بل تدفعه إلى الشك وإعادة التفكير.

اللغة الشعرية عند أدونيس تقوم بدور أسطوري بحد ذاتها إذ تتحول الكلمات إلى كيانات حية تتفكك وتُعاد صياغتها خارج السياق المألوف. الرمز هنا لا يحيل إلى معنى ثابت بل إلى شبكة من العلاقات والدلالات المتحركة. وهذا ما يجعل من شعره فضاء تأويليا مفتوحا يتجاوز الزمان والمكان.

اللافت أن كلا الشاعرين استخدم الأسطورة ليؤسس قطيعة مع الخطاب الشعري التقليدي لكن كل منهما اختار طريقا مختلفا. السيّاب أعاد وصل الشعر بالإنسان البسيط وبألمه اليومي عبر رمز شفاف قريب من الحس الإنساني العام بينما ذهب أدونيس إلى تعقيد التجربة الشعرية ليجعل منها مختبرا فكريا وجماليا. هذا الاختلاف لا يعني تناقضا بقدر ما يعكس تنوع إمكانات الرمز والأسطورة في التعبير عن التجربة العربية الحديثة.

إن توسعة النظر في أعمال السيّاب وأدونيس تكشف أن الرمز والأسطورة لم يكونا مجرد مرحلة عابرة في تطور الشعر العربي بل تحولا إلى أفق دائم للكتابة الحديثة. فقد أسهما في تحرير القصيدة من أسر المباشرة وفتحا أمامها فضاء كونيّا يسمح لها بالحوار مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها. ومن خلال هذا التوظيف العميق للأسطورة استطاع الشعر العربي الحديث أن يعبر عن أزمته وعن طموحه في آن واحد وأن يثبت أن الشعر ما زال قادرا على إنتاج المعنى في عالم مضطرب ومتغير.

***

د. عصام البرّام

 

يشكّل الشعر الحديث، في تحوّلاته الجمالية والفكرية، فضاءً مفتوحاً لإعادة مساءلة الإنسان في علاقته بذاته والعالم والتاريخ، حيث لم يعد النص الشعري مجرّد بناء لغوي جمالي، بل أضحى بنيةً دلالية مركّبة تتقاطع فيها أنظمة العلامات، وتتشابك داخلها الأبعاد النفسية والوجودية والسوسيولوجية. وفي هذا السياق، يبرز صوت الشاعر بلند الحيدري بوصفه أحد الأصوات الحداثية التي أسهمت في إعادة تشكيل القصيدة العربية، عبر تفكيك البنى التقليدية، والاتكاء على لغة إيحائية كثيفة، تنفتح على تعدّد التأويلات وتقاوم الانغلاق الدلالي.

تأتي قصيدة «بين مسافتين» لتجسّد هذا المنحى الحداثي، إذ تنبني على توتّر داخلي بين قطبي الوجود: الخوف والأمل، الحضور والغياب، العتمة والانبعاث، في صياغة شعرية تتجاوز المباشرة إلى الرمز، وتستعيض عن التقرير بالإيحاء. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي اعتماد منظور نقدي مركّب، يستحضر تعدّد المستويات التحليلية، بدءاً من البنية اللغوية والبلاغية، مروراً بالأسس الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية، والنفسية والسيميائية، ضمن أفق منهجي ينفتح على القراءة التأويلية.

كما تنطلق هذه الدراسة من ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا ينظر إلى النص بوصفه حاملاً لمعنى جاهز ونهائي، بل باعتباره بنيةً مفتوحة تُنتج دلالاتها عبر تفاعل القارئ مع نسيجها اللغوي والرمزي وسياقاتها المختلفة. وعليه، فإن هذه المقاربة لا تسعى إلى تثبيت "المعنى الصحيح"، بقدر ما تهدف إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يتيحها النص، والكشف عن طبقاته الدلالية العميقة.

من هنا، تأتي هذه الدراسة محاولةً لقراءة قصيدة «بين مسافتين» قراءةً تحليلية شاملة، تستنطق بنيتها اللغوية، وتفكّك نظامها الرمزي، وتستكشف أفقها الوجودي، بما يكشف عن غناها الجمالي وطاقتها التأويلية، ويضعها في سياقها الحداثي بوصفها نصاً مفتوحاً على احتمالات المعنى، ومرآةً لقلق الإنسان المعاصر وأسئلته الكبرى.

 وفق المحاور التي حدّدتها، مع الحفاظ على لغة تحليلية أكاديمية ذات نفس فلسفي وتأويلي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم اللغة في النص على اقتصادٍ تعبيري واضح، حيث يميل الشاعر بلند الحيدري إلى الجملة القصيرة ذات الشحنة الدلالية المكثّفة. نلحظ توظيفاً لافتاً للفعل المضارع (تخيفنا، تعوِل، تظل، أسأل، يمتد، أحلم)، وهو اختيار ليس اعتباطياً، بل يؤسس لحضور الزمن المفتوح، ويكسر انغلاق الحدث في الماضي.

من حيث التراكيب، تتسم الجمل بنوع من الانزياح التركيبي، مثل:

«الليل خلف بابنا المسكرة»

حيث يُسنَد الليل إلى فضاء مادي مغلق، في استعارة مكانية تخلق توتراً بين الخارج/الداخل.

أما على مستوى الدقة، فثمة تعمّد في ترك بعض التركيبات مفتوحة أو ناقصة دلالياً:

«حكاية لم تولد»

وهو حذفٌ دلالي يفتح أفق التأويل.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة تميل إلى البساطة الظاهرة، لكنها مشبعة بكثافة رمزية. المفردات (الريح، الليل، الدروب، العتمة، الصندل، المبخرة) تنتمي إلى معجم وجودي/صوفي.

التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق عبر:

عدم الزخرفة اللفظية الزائدة

توظيف المفردة في سياق إيحائي لا وصفي

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحرة، مع غياب القافية الموحدة، لكنها تعتمد على:

التكرار الصوتي: (ما دام لي / ولم أزل / أحلم)

الجرس الداخلي: تقارب الأصوات (م، ل، ر) يمنح النص ليونة موسيقية

التوازي التركيبي:

«مسافة تسألني… / وموعد يمتد…»

الإيقاع هنا نفسي/داخلي أكثر منه وزني، يعكس حالة التردد بين اليقين والتيه.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة لا تقوم على سرد، بل على تدفق تأملي. بنيتها قائمة على:

حركة من الخارج (الريح/الليل)

إلى الداخل (العروق/الحلم)

وهذا يعكس انتقالاً من العالم الموضوعي إلى الذات.

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعر قائمة على التوتر بين الأمل والعدم:

الريح لن تخيفنا - موقف تحدٍّ

حكاية لم تولد - وعي بالعجز

هذا التناقض هو جوهر الرؤية.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

يتجلّى الإبداع في صور مثل:

«أن أصير بعض صندل محترق ومبخرة»

تحوّل الذات إلى مادة طقسية (صندل/بخور) هو انزياح رمزي عميق.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود:

كيف نثبت أمام العدم؟

هل الحلم مقاومة أم وهم؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١ - النزعة الوجودية (القلق، العدم)

٢ - البعد الصوفي (الاحتراق، التطهّر)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص عبر طبقات:

١ - الريح: تهديد خارجي (تاريخ/سلطة)

٢ - الليل: اللاوعي/الخوف

٣ - الصندل المحترق: الفناء من أجل التحوّل

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

ينتمي إلى سياق الحداثة الشعرية العربية، حيث القلق الوجودي بعد التحولات السياسية.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص يقع ضمن موجة التحرر من العمود الشعري نحو التفعيلة واللغة الرمزية.

3. ارتباطه بالتراث:

١ - البخور/الصندل: رموز طقسية قديمة

٢ - العتمة/الضوء: ثنائية تراثية صوفية

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

١ - القلق

٢ - الترقّب

٣ - الرغبة في الخلاص

2. اللاوعي

يتجلّى في:

الحكاية التي لم تولد - كبت إبداعي/وجودي

الامتداد في "ألف غد" - هروب زمني

3. النبرة النفسية

نبرة مركّبة:

تحدٍّ ظاهري

هشاشة داخلية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

الريح قد ترمز إلى:

العنف

التحولات السياسية

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة رفض ضمني للانكسار:

«لن تخيفنا»

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهد ورافض، لا مهادن.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١ - الريح: الفوضى

٢ - الليل: الغموض/القهر

٣ - الصندل: الطهارة عبر الاحتراق

2. الثنائيات

١ - الخوف / المقاومة

٢ - العتمة / القمر

٣ - الحاضر / الغد

3. النظام الرمزي:

النص يتحرك ضمن نظام: احتراق - تطهّر - أمل مؤجّل

ثامناً: القراءة النحوية والصرفية

سيطرة الفعل المضارع: دلالة الاستمرارية

قلة الجمل الفعلية المكتملة: انفتاح المعنى

حذف الروابط أحياناً: تكثيف وإيحاء

مثال:

«حكاية لم تولد»

جملة ناقصة تُنتج فراغاً دلالياً خصباً.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي (الرمزي)

الإيروتيكية هنا ليست جسدية، بل تحويلية/صوفية:

الاحتراق يساوي ذروة التماهي

المبخرة تساوي تصاعد الروح

إنها إيروتيكية التطهّر لا الجسد.

عاشراً: النقد الاحتمالي (قراءة مفتوحة):

وفق هذا المنهج، النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

قراءة ١: وجودية

الإنسان في مواجهة العدم، يحلم ليقاوم.

قراءة ٢: سياسية

الريح تساوي سلطة قمعية

والحلم يساوي مقاومة داخلية

قراءة ٣: صوفية

الاحتراق شرط للوصول إلى النقاء.

قراءة ٤: نفسية

النص تعبير عن انقسام الذات بين الخوف والرغبة في الاستمرار.

الخاتمة:

قصيدة «بين مسافتين» نصٌّ حداثي كثيف، يقوم على:

اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة

بنية رمزية مفتوحة

توتر بين الأمل والعدم

وهو نصّ يقاوم التفسير الأحادي، وينتمي إلى الشعر الذي لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه مع كل قراءة، في فضاء احتمالي لا نهائي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

بين مسافتين

الريح لن تخيفنا

ان أعولت

أو ولولت مزمجره

والليل خلف بابنا المسكره

يظل أرضنا مقمره

ما دام لي عبر دروب أمسي المبعثره

مسافة تسألني عن موعد

وموعد يمتد في ألف غد

ما دام لي

في كل عرق في يدي المسمره

حكاية لم تولد

ولم أزل في عتمها المؤبد

أحلم ان أصير بعض صندل

محترق

ومبخره

 

في تخوم الشعر الذي يتجاوز حدود القول إلى مساءلة الوجود، تقف قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى بوصفها نصّاً كثيفاً ينهض على تقاطع اللغة بالتاريخ، والأسطورة بالفكر، والذات بالكون. ليست هذه القصيدة مجرّد استعادة لزمن سومري غابر، بل هي محاولة لإعادة كتابة الأصل: أصل الحرف، وأصل المعنى، وأصل الإنسان وهو يخطّ وجوده على "لوح" الذاكرة الكونية.

تنفتح هذه القصيدة على أفق تأويلي رحب، حيث تتجاور فيها طبقات دلالية متعددة، من الميثولوجي المستلهم من إرث ملحمة جلجامش إلى التأمل الفلسفي في ماهية الخلق والوعي، مروراً ببنية لغوية مشحونة بالانزياح والجمال التركيبي. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص لا يمكن أن تظل أسيرة منهج واحد، بل تقتضي انفتاحاً نقدياً مركّباً يستحضر التحليل اللغوي والبلاغي، والتفكيك السيميائي، والتأويل الهيرمينوطيقي، فضلاً عن استثمار آفاق النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة لا تستقر على معنى نهائي.

إن هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية العميقة لقصيدة "لوح سومري"، عبر تتبّع معمارها اللغوي والصوتي، واستكشاف أنساقها الرمزية، والكشف عن أبعادها الفكرية والنفسية، ضمن سياقها التاريخي والثقافي. كما تحاول الوقوف عند طاقتها الإبداعية في توليد الدهشة، وقدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان واللغة والكون، بوصفها علاقة جدلية تتجاوز التمثيل إلى الخلق.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تدّعي القبض على "المعنى الصحيح" للنص، بقدر ما تنخرط في استكشاف شبكة معانيه الممكنة، حيث يصبح النص فضاءً للتفاعل، لا موضوعاً للاستهلاك، وحيث يغدو القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة، لا متلقياً سلبياً لها. من هنا، تتأسس هذه الدراسة على وعي نقدي يرى في الشعر فعلاً مفتوحاً، وفي التأويل مساراً لا ينتهي.

لذا فإنّ قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى تمثّل نصّاً شعرياً كثيفاً، يتقاطع فيه الأسطوري بالتاريخي، واللغوي بالميتافيزيقي، ضمن معمار لغوي متين ورؤية تأويلية مفتوحة.

سنقارب النص وفق منهج مركّب: أسلوبي–بنيوي–هرمينوطيقي– سيميائي، مع توظيف النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً قرائياً يحرّر المعنى من أحاديته.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النصّ يقوم على لغة فصيحة رفيعة، ذات جذور تراثية عميقة، مع توظيف معجم سومري–أسطوري:

ألفاظ مثل: جلجامش، إنكيدو، الطوطم، الكاهن، اللوح.

تركيب نحوي محكم يعتمد الجمل الفعلية ذات الامتداد الدلالي

الانزياح اللغوي

يتجلّى في:

التركيب:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

- إسناد الفعل "انداح" إلى "عقل" مجازياً يخلق انفتاحاً دلالياً.

الاشتقاق الرمزي:

تحويل الحرف إلى كائن حضاري.

١- جمال الصياغة

٢- التكثيف دون إغلاق

٣- تراكب الصور دون تفكك

٤- توازن بين الإيحاء والتقرير

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

النص يحقق:

انسجاماً بين اللفظ والمعنى

لغة تناسب موضوعه الحضاري–الميتافيزيقي

مثال:

"تشطّرت الخيال: خيال خوف"

تقابل دلالي بين الخيال بوصفه خصباً والخوف بوصفه انكماشاً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

١- البحر: قريب من البسيط مع انزياحات

٢- القافية: متحرّكة، غير جامدة (ـيّا غالبًا)

الموسيقى الداخلية

التكرار:

"ومن أمم الحروف..." (بداية ونهاية) - بنية دائرية

الجناس: "وجود لا وجود له"

التدوير الصوتي: يمنح النص تدفقاً شبيهاً بالمياه (رمز الفرات)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية:

النص ليس سردياً خطياً، بل:

لوح فسيفسائي

مقاطع تتجاور زمنياً: (الأسطورة – الحاضر – الرؤيا)

المعمار الشعري

تصاعد من: الحرف - الأسطورة - الذات - الكون

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر:

الإنسان كائن أسطوري–لغوي

الحضارة تبدأ من الكتابة (اللوح)

- انسجام عميق بين الشكل (اللغة الكثيفة) والمضمون (التاريخ المكثف)

3. الطابع الإبداعي:

قدرة عالية على توليد الدهشة

مزج غير مألوف: (الميثولوجيا زائد الفلسفة زائد اللغة)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

من نحن؟

هل الحضارة كتابة أم وعي؟

هل الآلهة صناعة بشرية؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

١- ملحمة جلجامش

٢- الفكر الأسطوري

٣- التأمل الفلسفي الوجودي

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

النص متعدد الطبقات:

١- سطح: تاريخ سومر

٢- عمق: الإنسان الباحث عن المعنى

٣- أعمق: اللغة بوصفها أصل الوجود

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. السياق

استدعاء سومر:

ليس تاريخاً فقط

بل مرآة للحاضر

2. تطور النوع الأدبي

النص:

ينتمي إلى قصيدة الحداثة العربية

يتجاوز العمود إلى قصيدة الرؤيا

3. التفاعل مع التراث:

١- الأسطورة: جلجامش، إنكيدو

٢- الدين: النبي، الإله

٣- الطقس: الطوطم

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

النص مشبع بـ:

١- القلق الوجودي

٢- الحيرة

٣- البحث

2. تحليل الذات:

الشاعر:

ذات منقسمة بين:

١- العقل

٢- المخيلة

3. النبرة النفسية

تأرجح بين:

١- النشوة (الرؤيا)

٢- القلق (اللايقين)

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

نقد مبطن:

١- السلطة

٢- الدين المؤدلج

٣- الأسطورة كأداة هيمنة

2. الخطاب الاجتماعي

تفكيك:

١- الكاهن

٢- النبي

٣- الإله المصنوع

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

ليس راوياً فقط

بل ناقد حضاري

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- اللوح: الذاكرة

٢- الماء: الحياة/اللاوعي

٣- الحرف: الخلق

2. الثنائيات

١- الحياة / الموت

٢- الحضور / الغياب

٣- الحقيقة / الوهم

3. النظام الرمزي:

النص شبكة من العلامات:

كل عنصر يحيل إلى آخر - بنية دلالية مفتوحة

ثامناً: الأسس المنهجية

١- وضوح المنهج المركب

٢- تحليل قائم على النص

٣- تجنب الانطباعية

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١- تمجيد الإنسان

٢- الاحتفاء بالمعرفة

٣- انفتاح تأويلي واسع

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى بصورة رمزية لا مباشرة:

"وسومر قبل ذا كانت سريراً وأنثى"

الدلالة

الأرض تساوي أنثى

الحضارة تساوي فعل خصب

- الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً بل كوسمولوجي (كوني–خلقي).

الحادي عشر: النقد الاحتمالي (قراءة متعددة المعنى)

1. المعنى ليس ثابتاً

النص يتيح قراءات:

قراءة ١: حضارية

سومر تساوي بداية الإنسان

قراءة ٢: لغوية

الحرف يساوي أصل الوجود

قراءة ٣: نفسية

النص يساوي رحلة داخل الذات

قراءة ٤: صوفية

الاتحاد بالكون عبر اللغة

2. شبكة المعاني:

كل رمز:

يولّد احتمالات

لا ينغلق على تفسير

ثاني عشر: قراءة لغوية (صرفاً ونحواً)

1. الصرف

كثافة الاشتقاق:

(تسامى، تجلى، تفرد…) - ديناميكية الفعل

2. النحو

الجمل الفعلية: - حركة واستمرار

التقديم والتأخير: - إبراز دلالي

مثال:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

تقديم الجار والمجرور يساوي توسيع أفق المعنى

خاتمة:

"لوح سومري" نصّ:

يتجاوز كونه قصيدة

ليصبح مشروعاً أنطولوجيًا للغة والإنسان

إنه:

نص مفتوح

متعدد الطبقات

يعيد إنتاج نفسه مع كل قراءة

وبذلك يحقّق جوهر الشعر الحقيقي:

أن يكون سؤالاً لا جواباً،

وأفقاً لا حدًاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.................................

لوح سومري

الشاعر: جمال مصطفى

وَمِـن اُمَـم ِ الـحـروفِ انـداح ِ عـقــلٌ

بـسُــلّــَـمُــهــا تَــصـاعَــدَ أبـجَــديّـا

*

وكـانَ كـتـابُـهـا طــيـنـاً طـريّـا

لـيـبـقـى الـلــوحُ لَــوْحــا ً سـومَــريّـا

*

فـجَــدّي قـال لـي: مـا نـحـن إلّا

مِـن الـسـفـن ِ الـتي هـبـطَــتْ عَــشـيّـا

*

وعـنـدَ الـصُـبْـح ِ صـارَ الـنـاسُ نـاسا ً

وأضـحـى الـوحـشُ فـيـهــمْ آدَمِـيّـا

*

ولــكــنَّ الـيـقـيـنَ وقــدْ أفــاقـتْ

عــقـولٌ تَـجْـتَــلـيـه ِ بَـدا عَـصِـيّـا

*

مُـحَــيِّــرة ٌ، أقــولُ وقـالَ جَــدّي

نُـخَــوِّضُ فـي الـتي بَـعْــدَ اللـتَـيّـا

*

وتـحـمـلـنـا الـبـسـيـطـةُ، أيّـُ بـيْـت ٍ

بِـبَـحْـرِ الـكـونِ يَـسـبَـحُ كــوْكــبِـيّـا

*

فـيَـسـعـى مِـن ذوي الألـبــابِ فـيـهـا

وتُــوعَــدَ بـالـسُـعـاة ِ غَـدا ً بَـهـيّـا

*

تَـعــالـى الـهـابـطـون إلـى سـمـاهُـمْ

ومـا عـادَ الـذي اعـلـولـى جـلِـيّـا

*

عـلـى عَـربـات ِ آلِـهَـة ٍ وضَـوْء ٍ

مـقـاديـرٌ مِـن الـقَـدَر ِ الـمُـهَـيّـا

*

تَـصَـدَّعَـتْ الـمَـرايـا، امـتَـدَّ بَـوْنٌ

مِـن الـمـا بَـيـن بَـيْـنـاً بَـرزخِـيّـا

*

وغَـامَـتْ قـامـةٌ لَـمّـا تَـوارَتْ

وكـانَـتْ بَـيـنَـنـا جَـسَـداً وزِيّـا

*

تُـحـاذيـهـا الـحـقـيـقـةُ وهْـيَ وَهْـمٌ

وتَـجْـمَـحُ بـالـرُؤى وعـداً سَـخِـيّـا

*

مُـبـجَّـلـة ٌ، تُـسـاقُ لـهـا الأضـاحـي

مُـكَـلَّـلَـة ٌ جَـلالاً سـرْمَـديّـا

*

إذا نُـحِـتَـتْ عـلـى حَـجَـر ٍ تَـسـامَـى

غـدا وثَـنـاً يُـقَـدَّسُ مَـعْـبَـدِيّـا

*

تَـشَـطَّـرَتْ الـخـيـالَ: خـيـالَ خَـوْف ٍ

وحـيـنـاً مـا خـيـالا ً مَـخْـمَـلِـيّـا

*

مَـضـى جِـلْـجـامِـشٌ في الـبَـحْـثِ عَـنـهـا

وظَـلَّ الـسِـرُّ فَـوّاحـاً، خَـفِـيّـا

*

بِـمَـشْـحـوفٍ تَـوَغَّـلَ في مِـيـاه ٍ

وغَـابَ الـسـومَـريّـُ سِـوى الـمُـحَـيّـا

*

صَـبـوحـاً، فـوق سَـطـحِ الـمـاءِ يَـبـدو

قـريـبـاً مَـرّةً ـ ـ ـ أُخـرى قَـصِـيّـا

*

تُـودِّعُـهُ شُـمـوعٌ قـد أضـاءتْ

غـريـقـاً، في مِـيـاهِ الـهَـوْر ِ، حَـيّـا

*

وكَـرَّتْ سُـبْـحَـةُ الإيـغـالِ سِـحْـراً

وتَـنـجـيـمـاً وطَـقـساً طـوطَـمِـيّـا

*

أآلِـهـةٌ ؟ إذنْ لا بُـدَّ مِـن أنْ

نُـغَـربِـلَـهـا لِـنَـعْـرِفَ أوَّلِـيّـا

*

فـقـدْ شَـبَّ الـضَـمـيـرُ عـلى مِـثـال ٍ

عَـلا حـتـى اسْـتَـوى رَبّـاً عَـلِـيّـا

*

تَـكَـهَّـنَ كـاهِـنـاً بَـعْـضٌ وبَـعْـضٌ

تَـفَـرَّدَ رائِـيـاً فَـغَـدا نَـبِـيّـا

*

أرانـي إذ أرى اللاشيءَ شَـيْـئـاً

ومَـوتَ الـشَـيءِ مَـوتـاً خُـلَّـبِـيّـا

*

كَـسـومَـرَ جَـذْوَتـي تَـغْـفـو وتَـصْـحـو

يُـهَـدهِـدُهـا الـتَـنـاوبُ مَـوسِـمِـيّـا

*

وإنَّ الأرضَ كـامِـلَـةً مَـجـالٌ

لـهـا مِـن تَـحْـتِـهـا جُـعِـلَـتْ سَـريّـا

*

يُـديـرُ شُـؤونَـهـا إنْـسٌ وجِـنٌّ

فَـتَـصْـفـو حِـكْـمَـةً وتَـشـوبُ غَـيّـا

*

وسـومَـرُ قَـبْـلَ ذا كـانَـتْ سَـريـراً

وأنـثـى: ضَـيْـفُـهـا ازْدَرَعَ الـمَـنِـيّـا

*

مُـلَـطَّـخَـةٌ شَـراشِـفُـهـا بِـحِـبْـر ٍ

مِـن الـمـاضـي، تَـسَـوَّفَ أُخْـرَوِيّـا

*

هِـيَ الآنَ الـهَـنـاكَ وأمـسِ كـانَـتْ

هُـنـا، لَـيْـسَـتْ حَـفـائِـرَ أو حُـلِـيّـا

*

ولـكـنْ مـا يُـشـاغِـفُـنـا سُـؤالاً

ويَـتـرُكُ صَـمْـتَـهُ فِـيـنـا دَوِيّـا

*

بِـأَكْـوانِ الـمُـخَـيِّـلَـةِ انْـفِـلاقـاً

بِـكـأسِ اللهِ مُـتـرَعَـةً حُـمَـيّـا

*

بِـمـا نَـفَـدَتْ، أَتَـنـفَـدُ؟ وهـو بـاق ٍ

فَـقِـيـراً رَهـنَ حَـيْـرَتِـهِ ثَـريّـا

*

تُـذَهِّـبُـهُ شُـمـوسٌ سـاهِـرَاتٌ

عـلـى تَـلـويـنِـهِ قَـدَراً ذَكِـيّـا

*

 لِـحِـفْـظِ الـلـوحِ يـا هـذا طُـقـوسٌ

وأقْـدَسُـهـا جُـنـوحُـكَ أَريَـحِـيّـا

*

إلـى تَـعـشـيـقِ مُـنْـعِـشَـةٍ بِـأُخْـرى

وألّا تَـنـبَـري ـ ـ ـ ـ إلّا حَـريّـا

*

فَـسـومَـرُ، سـارِقُ النِّـيـرانِ مِـنـهـا

إذنْ قـابِـسْ ولا تَـخـرُجْ خَـلِـيّـا

*

خُـذِ الـفَـلَـكَ الـمُـدَوَّنَ فـي رَقِـيـمٍ

خُـذِ الـفُـلْـكَ الـمُـطَـوَّفَ أَوْحَـدِيّـا

*

وخُـذْ مـاءَ الـقَـصـيـدَةِ مِـن فُـراتٍ

تَـفَـرْدَسَ ثُـمَّ شَـرَّقَ كَـوثَـريّـا

*

فَـمِـن ألِـفٍ تُـعَـبِّـدُهـا صِـراطـاً

إلـى يـاء ٍ تُـغَـرِّدُهـا رَوِيّـا

*

وسـومَـرُ لِـصُّـهـا أبَـداً إِلَـهٌ

يَـخِـرُّ أمـامَـهُ مَـلِـكٌ جِـثِـيّـا

*

بِـشـومَـركَ الـجَـديـدَةِ شـومَـريٌّ

وشـومَـرُ نَـسْـخُ سـومَـرَ مَـعْـدِنِـيّـا

*

وتِـلـكَ مَـثـانَـةُ الأرْبـابِ يـا مـا

طَـغـى طُـوفـانُـهُـمْ فِـيـهـا عَـتِـيّـا

*

وصُـفْـرَتُـهـا مِـن الـذَّهَـبِ اعـتِـلالاً

وداءُ الـروحِ أَفْـتَـكُ عَـسْـجَـدِيّـا

*

فَـكَـمْ إيـلٍ وإيـل ٍ، كُـلُّ إيـل ٍ

بِـسـومَـرَ قَـدْ أَتـى شَـيْـئـاً فَـريّـا

*

سِـوى (لائِـيـلَ) لَـمّـا ذابَ فِـيـهـا

وصـارَ بِـحُـبِّـهـا بَـشَـراً سَـوِيّـا

*

وثَـمَّـةَ مِـثْـلَ إنـكِـيـدو بُـزوغـاً

تُـغَـيِّـبُـهُ بَـراءَتُـهُ فَـتِـيّـا

*

أرى عَـرَبـاتِ آلِـهَـةٍ غُـبـاراً

يَـرِيـنُ عـلى الـمَـرايـا نَـرجِـسِـيّـا

*

تَـبَـلْـبَـلْـنـا بِـبـابِـلَ ـ ـ ـ بـاءَ سِـحْـرٌ

مِـن الـرُؤيـا ـ بِـلا أَمَـلٍ ـ شَـقِـيّـا

*

لَـغـا لَـغْـواً لِـسـانٌ سـارَ فِـيـهـا

فَـكَـمْ لُـغَـةٍ وقَـدْ كـانَـتْ لُـغَـيّـا

*

وَمِـن اُمَـم ِ الـحُـروفِ انْـداحَ عَـقْـلٌ

بِـسُـلَّـمِـهـا تَـصـاعَـدَ أبْـجَـدِيّـا

*

وقَـدْ شَـبَّ الَّـذي عَـن طَـوْقِ مَـن قَـدْ

تَـحَـكَّـمَ فـي مَـصـائِـرِهِ قَـوِيّـا

*

أنـا الآنَ الـمَـلِـيـكُ، ازرَقَّ بَـيْـتِـي

فَـأَرضِـيَ قَـريَـةٌ، لا بَـلْ قُـرَيّـا

*

أرى مِـن حَـوْلِـهـا كَـوْنـاً تَـأَبّـى

ومَـنْ غَـيْـري يُـلَـيِّـنُـهُ أَبِـيّـا

*

إلـى لَـمَـعـانِ مَـعـنـى كُـلِّ مَـعْـنـى

هَـفَـوتُ وقَـدْ تَـلَألَـأ فَـرقَـدِيّـا

*

تَـثـامَـلَ بـي شُـمـولٌ مِـن شَـمـولٍ

وراحُ الـراحِ يَـعْـبَـقُ عَـبْـقَـريّـا

*

رَأيـتُ كَـ(لا أرى) مَـسَـحَـتْ جَـبـيـنـي

غُـيَـيْـمَـةُ غَـفْـوَةٍ في حِـجْـرِ رَيّـا

*

وخَـلْـعِـيَ حُـلَّـةً بَـلِـيَـتْ وضـاقَـتْ

لِـأَسْـطَـعَ عـاريـاً، أَيْ جَـوهَـريّـا

*

وعَـنْ سِـرِّ الـخُـلـودِ كَـأَنَّ عُـشْـبـاً

تَـفـاوَحَ هـا هُـنـا فـاقطِـفْ شَـذِيّـا

*

تُـخَـبِّـئُ زهـرَةُ الـخَـشْـخـاشِ سِـرّاً

أَيُـفْـتَـرَعُ الـمُـخَـبَّـأُ قَـنَّـبِـيّـا ؟

*

كَـأَنَّ بِـهـا جَـوابـاً عَـن سُـؤالٍ

وكَـيْ لا تَـعْـبُـرَ الـدُّنْـيـا غَـبِـيّـا

*

مُـخَـيِّـلَـةٌ يُـجَـنِّـحُـهـا جُـنـونٌ

تَـرى قَـفَـصـاً لـهـا الـعـقـلَ الـنَّـقِـيّـا

*

عـلـى عُـشّـاقِـهـا وقْـفٌ إذا مـا الـ

مُـخَـيِّـلَـةُ اسْـتَـبَـاتَـكَ، فَـكُـنْ سَـبِـيّـا

*

وقُـلْ: فَـتْـحٌ عـلى الـرائِـي مُـبـيـنٌ

وسَـبِّـحْ بـاسْـمِ نِـعْـمَـتِـهـا تَـقِـيّـا:

*

سَـلاسِـلُ مِـن جِـبـالِ الـمـاسِ عِـنـدي

ويَـحْـسَـبُـنـي مُـغَـفَّـلُـهُـمْ دَعِـيّـا

*

وحَـوْلَ الـمـاسِ نـورٌ خَـلـفَ نـورٍ

وفـي الأنـوارِ يَـخـفِـقُ أنْـوَريّـا

*

وجُـودٌ لا وجُـودَ لَـهُ ولَـكِـنْ

تَـدَفَّـقَ فَـهـوَ يَـعْـرُجُ لَـوْلَـبِـيّـا

*

جِـيـادُ الـحَـدْسِ قَـبْـلَ الـضَّـوْءِ جـاءَتْ

صَـهِـيـلاً شَـقَّ يـاءَ اللـيْـلِ: هَـيّـا

*

إلى الأُمِّ (الـكَـبِـيـرَةِ) تِـهْـتُ عَـنـهـا

وهـا عـادَتْ مُـضَـيِّـعَـتِـي صَـبِـيّـا

*

كَـأَنَّ الـكَـوْنَ: حـالِـمَـةٌ وريـشٌ

مِـن الـرَّغَـبـاتِ يَـخْـدُمُـهـا وَفِـيّـا

*

لَـكَـمْ عَـصَـفَـتْ بـهـا الـحَـيْـرَاتُ تَـتـرى

وكَـمْ شُـغِـفَـتْ مُـحـالاً أَبْـعَـدِيّـا

*

تُـؤازِلُ آزِلَ الآزالِ نَـشْـراً

تُـؤابِـدُ آبِـدَ الآبـادِ طَـيّـا

*

وكُـلُّ الأرضِ سـومَـرُ، أَلـفُ جِـيـل ٍ

وجِـيـلٌ . يـا سُـؤالاً مَـلـحَـمِـيّـا

*

يَـدُقُّ عـلى الـصَّـوامِـتِ دامِـسـاتٍ

ويَـجْـتَـرِحُ الإجـابَـةَ أَلْـمَـعِـيّـا

*

بِـداءِ الـتَّـوْقِ مُـعْـتَـلّاً تَـداوى

مِـن الأشْـواقِ بِـالأشْـواقِ كَـيّـا

*

بِـعَـيْـنِ تَـعـاقُـبِ الأشـياءِ طُـرّاً

عـلـى الـرُّؤيـا انْـثِـيـالاً أُرحَـبِـيّـا

*

لِـتَـصـعَـدَ غَـيْـمَـةٌ مِـن لازَوَرْدٍ

إذا انْـفَـجَـرَتْ حُـدوسٌ رُؤيَـوِيّـا

الملخص الأكاديمي: تتناول هذه الدراسة ظاهرة المعلقات الشعرية باعتبارها ذروة الشعر الجاهلي وأحد أبرز أشكال التعبير الفني في الثقافة العربية القديمة. وتسعى الدراسة إلى إبراز أهمية الشعر الجاهلي كـ ديوان العرب الذي حفظ تجاربهم وقيمهم الاجتماعية والفكرية، مع التركيز على المعلقات بوصفها أرقى القصائد وأكثرها تأثيرًا وجاذبية.

وتستعرض الدراسة الأبعاد التاريخية والفنية للمعلقات، بدءًا من نشأتها في العصر الجاهلي، مرورًا بأسباب تسميتها وتعدد أسمائها، وصولًا إلى عدد شعرائها ومكانتها الأدبية. وتشير النتائج إلى أن المعلقات ليست مجرد قصائد عابرة، بل هي نموذج فريد للبلاغة والفصاحة والخيال الشعري، وحافظة للتراث العربي وذاكرته الثقافية. كما يبرز البحث كيف أن تعدد التسميات وتباين الروايات حول المعلقات يعكس المكانة المركزية لها في الذائقة العربية واهتمام العرب بحفظ هذه القصائد ونقلها للأجيال.

مقدمة: الشعر الجاهلي ودوره كديوان العرب

يشكل الشعر الجاهلي أحد أقدم الفنون الأدبية التي عبّرت عن الحياة الاجتماعية والفكرية للعرب قبل الإسلام، وكان أداة مركزية لتوثيق تجاربهم الفردية والجماعية. فهو ديوان العرب الذي حفظ قيمهم، وعاداتهم، ونظم حياتهم، من خلال قصائد تعكس فخرهم بالنسب، وشجاعتهم، وكرمهم، وتأملهم في الطبيعة والوجود.

تميز الشعر الجاهلي بلغة غنية بالصور البلاغية والخيال الواسع، وأوزان شعرية متقنة، وفصاحة عالية، مما جعله مرجعًا أساسيًا لفهم الثقافة العربية، ومصدرًا للغة العربية الفصيحة. ومن خلال الشعر، استطاع العرب توثيق ملاحمهم البطولية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ونظمهم القبلية، مما أكسب الشعر دورًا اجتماعيًا وسياسيًا محوريًا.

وفي قلب هذا التراث الشعري برزت ظاهرة المعلقات، وهي مجموعة من أرقى وأجود القصائد الجاهلية التي بلغت ذروة الإبداع الفني، واحتلت مكانة مركزية في الذائقة الأدبية العربية، لتصبح مرجعًا لا غنى عنه لدراسة الشعر القديم، وفهم الفكر والقيم العربية في العصر الجاهلي.

 تعريف المعلقات

 المفهوم اللغوي والأدبي

يرتبط لفظ المعلقات بكل ما يُعلَّق أو يُناط بشيء آخر، وقد استقر هذا الاسم ليشير إلى مجموعة من أصفى القصائد الجاهلية، لما اتسمت به من جودة في المعنى، واتساع في الخيال، ودقة في الوزن، وعمق في التصور الشعوري (لسان العرب، مادة علق).

وقد فسّر القدماء هذه التسمية بعدة دلالات؛ فذهب بعضهم إلى أن كلمة علَق تعني الشيء النفيس الثمين، أي أن هذه القصائد سُمّيت معلّقات لرفعة قدرها وقيمتها الفنية. بينما رأى آخرون أنها كُتبت بماء الذهب على القباطي المصرية وعُلّقت على أستار الكعبة تكريمًا لها وإعلانًا لتفوق أصحابها الشعري (ابن عبد ربه، العقد الفريد، ص:269).

 أهمية المعلقات

تمثل المعلقات ذروة الإبداع الشعري في العصر الجاهلي، إذ جسّدت تفاعل الفن مع الواقع الاجتماعي والثقافي للعرب. فهي لا تنقل مجرد أحداث الحياة، بل تعكس منظومة القيم، من فروسية وكرم واعتزاز بالقبيلة، إلى التأمل في الذات والطبيعة. ولذا، حظيت هذه القصائد باهتمام كبير لدى الرواة والنقاد، حتى صارت محورًا أساسًا في الدراسات الأدبية القديمة والحديثة.

 سبب التسمية وتاريخ التعليق

 التعليق على الكعبة

يرى فريق من القدماء أن القصائد سُمّيت بالمعلقات لأنها عُلّقت فعليًا على أستار الكعبة بعد كتابتها بماء الذهب، وكان ذلك نوعًا من الاعتراف بتفوقها الفني. وقد رُوي أن أول ما عُلّق شعر امرئ القيس، ثم تبعه شعراء آخرون، وأصبح تعليق الشعر مفخرة قبلية ودليلًا على المكانة الأدبية للشاعر وقومه (الرافعي، تاريخ العرب، ص:184).

التعليق المجازي والرمزي

ذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن التسمية كانت مجازية تعكس رفعة شأن هذه القصائد وعلو منزلتها في الذائقة العربية، أي أنها “معلّقة” في الذهن والوجدان لا على الجدران. وأشار ابن رشيق القيرواني وابن خلدون إلى أن شهرة هذه القصائد وارتباطها بالمباهاة القبلية والوجاهة الاجتماعية كانا عاملين أساسيين في ترسيخ هذه التسمية (ابن خلدون، المقدمة، ص:581).

تعدد التسميات للمعلقات

لم يكن اسم المعلقات هو الوحيد؛ فقد عُرفت بأسماء أخرى، تعكس تقدير العرب لها وإعجابهم بجودتها الفنية:

السبع الطوال: تشبيهًا بالسمط أو القلادة المنتظمة، في إشارة إلى طولها وانسجام أجزائها (جمهرة أشعار العرب، ص:45).

المشهورات: نسبة إلى شهرتها، وجمعها حماد الراوية لتحفيز الناس على حفظ الشعر الجيد (محمد البهيني، المعلقات، ص:83-84).

المذهبات: لأنها كُتبت بماء الذهب على القباطي، تعظيمًا لها وإجلالًا لشعرائها

(ابن عبد ربه، العقد الفريد، ص:269).

وقد وردت أيضًا تسميات أقل شهرة، مثل المنتقيات، السبعيات، والسبع الجاهليات، لكنها جميعًا تؤكد مكانة هذه القصائد وأهمية حفظها ونقلها للأجيال.

عدد المعلقات وشعراؤها

اختلف الرواة في تحديد عدد المعلقات وأسماء شعرائها، ويرجع ذلك إلى تعدد الروايات الشفوية واختلاف مدارس الرواية الشعرية:

السبع الأكثر شيوعًا: امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، النابغة الذبياني، الأعشى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد.

بعض الروايات أضافت الحارث بن حلزة وعبيد بن الأبرص لتصبح ثمانية أو عشرة، حسب الروايات المختلفة.

ويُعد حمّاد الراوية أول من جمع هذه القصائد في ديوان مستقل، مما أسهم في تثبيت صورتها ضمن التراث الأدبي العربي (رواة الإمام أحمد في مسنده، 4/107).

خاتمة

تمثل المعلقات نموذجًا متفردًا للشعر الجاهلي، إذ تجمع بين البلاغة والفصاحة والخيال الشعري، وتعكس منظومة القيم العربية قبل الإسلام. كما أن تعدد التسميات واختلاف الروايات حولها يعكس عمق حضورها في الذائقة العربية، واهتمام العرب بحفظ هذه القصائد ونقلها للأجيال، لتصبح مرجعًا أساسيًا في دراسة الأدب العربي القديم وفهم تطور الذائقة الشعرية.

***

د. منير  محقق

في نص "هكذا" للشاعر القدير فاضل عباس

(هكذا)

اليوم ستنتهي الحرب،

ويعود الحديد إلى برودته

كجبهة عاملٍ غسلها المساء من عرق المصانع.

*

ستتعب البنادق من رفع أصابعها في وجه الهواء،

وتتذكر فجأة

أنها كانت يوماً

معدناً بريئاً

يحلم أن يكون باباً لبيتٍ دافئ،

جسراً تعبره ضحكات الأطفال.

مسماراً يثبتُ نافذةً في جدار بيت،

أو مقعداً ينتظر عاشقين

يتحدثان عن المطر

*

اليوم ستنتهي الحرب،

فتسقط القذائف من ذاكرة السماء

كما تسقط أوراق الخريف

من شجرةٍ تعبت من العاصفة.

*

المدافع

ستخلع صوتها الخشن

مثل ممثلٍ انتهت مسرحيته،

والخوذات

ستعود أوعيةً صامتةً

تنتظر مطراً لا رصاصاً.

*

اليوم

ستتعلم الطرقات من جديد

كيف تمشي عليها الأقدام بلا خوف،

وكيف تُفتح النوافذ

دون أن ترتجف الستائر.

*

وسيكتشف الحديد

أن قسوته كانت استعارةً سيئة

لخوف البشر،

وأن البرودة

ليست موتاً

بل استراحةٌ طويلة

بعد حمى العالم

الولوج الكلي الممنهجك

ينبني المدخل المنهجي لهذا الإنغماس بتوغل​ في النص تتأسس من خلاله تلك الدراسة على مقترب (السيمنطيقا التوليدية) عند نعوم تشومسكيو (فلسفة التحول الأنطولوجي) للمادة من حيث أن الشاعر لم يتعامل مع اللغة باعتبارها وعاءً للنقل إنما من منطلق صيرورتها (معملاً تداولياً) يُعيد صياغة هوية الأشياء من جذورها الوجودية

إننا أمام نص يعبر (قوة التشيؤ) (كما صاغها جورج لوكاش) لينفذ إلى (جوهر البراءة) المفقود في صلب المعدن

فالمنهج هنا يتجاوز القراءة الوصفية لحدث (نهاية الحرب) ليفكك (بنية المعدن) ذاته مستنطقاً الذاكرة المكبوتة للمواد الصماء وهو ما نطلق عليه (نحوية الاسترجاع). أي إعادة صياغة الجملة الشعرية لتعمل كأداة (تطهير) (بالمفهوم الأرسطي) للوجود من أدناس العنف. فإن رؤيوية الشاعر هنا لم تقف عند رصد الدمار. لكنها تمارس (استشرافاً وجودياً) يقلب موازين القوى بحيث يصبح السلم هو (الأصل الجوهري)،والحرب هي (العرض الزائل) وهذا العبور المنهجي هو ما يمنح نص "هكذا" سمته العالمية كوثيقة لإدانة القبح وتمجيد الجوهر.

عتبة العنوان: (هكذا)  سيمياء الإشارة وحتمية التحقق

إن العنوان "هكذا" يأتي بموجب (اسم إشارة ظرفي كلي)

يختزل المشهدية في لحظة تنويرية واحدة. فمفردة "هكذا" لم تكن مجرد أداة إشارة لكنها (حكم قيمة ناجز) وإعلان عن حتمية القدر الجمالي. إنها تعمل (إجرائياً) كعتبة نصية تفرض حالة من الاسترخاء. وعلى مقاربة تتجاوز النحو التقعيدي إلى ما يمكن تسميته بـ(النحو الدلالي التفكيكي) بحيث لا تُفهم البنية اللغوية بكونها نظاماً صورياً مغلقاً

إنما لإعتبارها حقلاً إشارياً متحولاً تتشابك فيه العلاقات بين المفردة ومجالها التداولي وبين التركيب وأفق تلقيه وعليه فإن (الدلالة المصطلحية) لن تكون مجرد تسمية لمفهوم. لكنها بناءً تأويلياً يعيد توزيع الحضور والغياب في النص ويحول اللغة من أداة إخبار إلى فعل كشف أنطولوجي

إذاً إن العنوان "هكذا" يمثل في بعده التركيبي إشارة حالية (ديكتيكية) منفتحة على فراغ دلالي إذ يتشكل من أداة تشبيه وإشارة سوية مما يجعله معلقاً بلا مشبه صريح وهذا التعليق هو في حد ذاته استراتيجية إغواء قرائي تدفع المتلقي إلى ملء الفراغ وتوليد معناه الخاص فالعنوان هنا ماكان عتبة نصية فقط إنما هو بنية تأسيسية تعيد توجيه أفق التأويل وتؤسس لما يمكن تسميته بـ(اللاتحديد الدلالي المنتج)

هكذا) سيمياء الإشارة وحتمية التحقق

ومنهجياً يعمل العنوان

كـ (مفتاح تأويلي) (عند أمبرتو إيكو) يحدد المسار النفسي للقارئ فهو ينتقل من (الإبهام) إلى (التجلي) محولاً الظرفية المكانية إلى حالة شعورية مطلقة تتجاوز زمن الحرب الضيق

وعن الإحالة المصطلحية: نعزو (العتبة السيميائية - لجيرار جينيت)

الإشارة السياقية - لرومان ياكوبسون

وكذلك لو تمعنا في النص للولوج إلى تشريح قواعدي ودلالي:

فسنلحظ فلسفة (أنسنة المعدن)

وذلك لو دخلنا في بنية النص فإننا نلمس أن الجملة الافتتاحية

(اليوم ستنتهي الحرب) تنتظم في بنية فعلية مستقبلية (سـ + الفعل المضارع)

إذ استخدمت "السين" للمستقبل القريب المرتبط باليقين الوجودي

مما نقل الفعل من حيّز التمني إلى حيّز (الصيرورة) فالجملة الاسمية المستأنفة تمنح النص وقاراً تقريرياً يتصادم مع فداحة المأساة

ليخلق توازناً نفسياً للمتلقي

(​فالسين) هنا ليست زمناً نحوياً فقط

إنما هي (إرادة كونية)

فالنص يبدأ بنتيجة نهائية ليجعل ما يليها من صور مجرد استعادات لحق ضائع في ذاكرة الأشياء وهذا يحسب للناص المبدع

​في بنية تحمل في طياتها ما يمكن تسميته بـ(وعد الزمن) أو الانفتاح على أفق استشرافي

غير أن هذا الاستشراف ماتحقق كواقع لكنه تحقق كتخيّل مقاوم

وفي هذا السياق تتحول (الحرب) من كونها مفردة دالة على واقع

إلى بنية مجازية تتشابك فيها الذاكرة والخوف والزمن

أما لو توقفنا عند التركيب الآتيك

(ويعود الحديد إلى برودته) فنرى بأنه يكشف عن انزياح دلالي لافت

إذ يُسند الفعل (يعود) إلى (الحديد) في إسناد يخالف المنطق الواقعي

وهو ما يسمى في النقد الحداثوي بـ(تشخيص الجامد)

غير أن الأهم هنا هو تحويل (البرودة) من صفة فيزيائية إلى حالة أنطولوجية

تقابل الحمى البشرية التي أنتجت الحرب

فالبرودة هنا لم تكن نقيضاً للحياة لكنها استعادة للتوازن

وفي قوله أيضاًك

(كجبهة عامل غسلها المساء من عرق المصانع) نجد بنية تشبيهية مركبة تتداخل فيها الطبقات الدلالية

حين يصبح (المساء) فاعلاً وهو ما يشير إلى تفعيل ما يمكن تسميته بـ(نحو الطبيعة المؤنسنة)

فالزمن لم يعد إطاراً إنما أصبح فاعلاً دلالياً ينظف ويطهر

ونجد أن النص يتبدى

بأبستمولوجيا الزمنك (باشلار)

و​بإحالاتية انزياحية لوظيفة (نحوية الندم):

ففي مقطع: (ستتعب البنادق من رفع أصابعها)

نجد هنا ذروة (الأنسنة الفلسفية) فالبندقية هنا لم تكن كأداة لكنها (ذات مرغمة) فنحيل المصطلح هنا إلى (الاغتراب الوظيفي للمادة) حيث تعود البندقية إلى أصلها الجيولوجي (المعدن البريء)

وإن استخدام (كانت يوماً) يُفعل (الماضي الجوهري) في مقابل (الحاضر العرضي المشوه بالفعل الحربي

من خلال ذلك نجد تحويلاً دلالياً مزدوجاً فالبندقية تؤنسن

و(الأصابع) تُنقل من الإنسان إلى الأداة

وهو حينها ينتج ما يمكن تسميته بـ(تبادل الحقول الدلالية) بحيث تتحرك الدوال بين الحقول (الإنساني/المادي) لتعيد تشكيل الواقع

فالنص يمنح الجماد (وعياً شقياً)

(كما في فلسفة هيغل) بحيث يرفض المعدن وظيفة القتل

ويحنّ لوظيفته السلمية (الباب- الجسر- المسمار)

ويمكننا هنا تأويل رؤيتنا

بإحالة مصطلحية إلى

(الإحالة الكنائية - تزفيتان تودوروف)

 (باثوس المادة/معاناة المادة - جون روسكن)

ونتبين بالنص الحرفية في توصيف الجو العام لبنية النص مما نعزو ذلك لمعجم الاسترخاء وتفكيك الخشونة فيك

الحديد إذ يخرج من سياق (القوة الغاشمة) إلى سياق (البرودة الاستشفائية) (كجبهة عامل)

و​المدافع فهيك

تخلع صوتها (استعارة مسرحية) لتعرية زيف القوة وهشاشة العرض العسكري

أما ​عن الخوذات:

ترفض دورها (الوقائي) العنيف لتعود أوعية صامتة تستقبل غيث السماء

ف​الشرح المنهجي لهذه الأجواءك هو (التطهير الاستعاري)

فالناص يقوم بنزع السلاح لغوياً قبل نزعه مادياً عبر تحويل أدوات الصخب إلى (أيقونات صمت) تنتظر المطر

​ولو أحلنا ذلك مصطلحياً: فنأخذه إلى (إعادة التصنيف الحسي - غاستون باشلار) (شعريات المرئي - ميرلو بونتي)

ونشاهد بالنص تكرار الجملة

(اليوم ستنتهي الحرب) وهذا  يمثل ما يعرف بـ(البنية التكرارية الإيقاعية) وهي لم تكن مجرد تكرار صوتي إنما اعتبارها إعادة لتأسيس للمعنى

كأن النص يحاول أن يقنع ذاته بما يقوله

وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ(الذات الشاعرة المرتابة)

التي تتأرجح بين الأمل والشك

وفي قوله ايضاًك

(فتسقط القذائف من ذاكرة السماء) تتمظهر مواجهة لمفهوم مركب هو (ذاكرة السماء) وهو تركيب يكسر المألوف ويؤسس لما يمكن تسميته بـ(الميتافورا الكونية) بحيث تصبح السماء ذات ذاكرة وتصبح القذائف أثراً ذهنياً قابلاً للإزالة

أما في النهاية

( وأن البرودة ليست موتاً بل استراحة طويلة بعد حمى العالم) فنحن أمام بنية استدراكية (ليس... بل...)

إننا نلمح هنا إعادة تعريف المفهوم وتحول (البرودة) إلى قيمة إيجابية وهو ما يمكن تسميته بـ(إعادة تأهيل الدال) فالكلمة لا تبقى في معناها القاموسي لكن يعاد تشكيلها داخل النص وهذا يحسب أيضاً لحرفية الشاعر القدير

وعلى المستوى الكلي يتضح أن النص يعمل ضمن نسق نحوي مرن يتحرر من الصرامة التقعيدية ليفعل ما يمكن تسميته بـ(النحو الشعري) بحيث تتقدم الدلالة على الإعراب

ويصبح الإنزياح قاعدة وليس خروجاً

في أفق هذه القراءة يتبدى الشاعر فاضل عباس بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى أفق الحداثة التأويلية

فهو بعيداً عن الإكتفاء بقول العالم لأنه يعيد خلقه لغوياً ودلالياً

إنه شاعر يشتغل ضمن ما يمكن توصيفه بـ(قصيدة النثر ذات البعد الرؤيوي)

تلك التي لا تقوم على الإيقاع الخارجي بقدر ما تؤسس لإيقاع داخلي عميق نابع من توتر الدلالة وانكسار المعنى وإعادة تركيبه

إن انتماء الشاعر إلى هذا الأفق الأدبي يمنحه قدرة استثنائية على تطويع اللغة

بحكم أنها كينونة حية تتنفس داخل النص وتتحول معه

فهو لم يستخدم المفردة جاهزة لكنه يعيد إنتاجها

ولم يمر عبر الصورة إنما أعاد بناءها ضمن نسق دلالي مفتوح يجعل من كل عبارة احتمالاً تأويلياً لا نهائياً

كما أن شعوريته لا تنبني على الانفعال المباشر لكن هناك ترسيب وجداني عميق

يجعل النص يبدو وكأنه نتاج وعي يتأمل ذاته والعالم على حد سواء

وهذه السمة تمنح كتابته طابعاً فلسفياً شفيفاً

إذ تتجاور الحساسية الشعرية مع التأمل الوجودي دون أن تطغى إحداهما على الأخرى

إن قوة لغته تكمن في اقتصادها وكثافتها وفي قدرتها على الانزياح دون أن تفقد تماسها مع المتلقي

وفي هذا التوازن الدقيق تتجلى حرفيته العالية

فهو شاعر يمتلك وعياً لغوياً عميقاً يجعله قادراً على تفكيك البنية التقليدية للجملة وإعادة بنائها بما يخدم رؤيته

وفي هذا كله يمكن القول إن أ. فاضل عباس ينتمي إلى اللغة انتماء وجودياً وليس شكلياً حتى لتبدو قصيدته كأنها تعبير عن جوهر اللغة وهي تعيد اكتشاف نفسها بعد خراب العالم

لذلك نرى أن شعره هنا لم يكن كحلية وجمالية مجازية لكنه أصبح ضرورة ولم  يستخدم لغته بالنص كوسيلة إنما كخلاص

إنه شاعر يرسخ حضوره بوصفه أحد الأصوات التي تمنح قصيدة النثر العربية بعدها الإنساني العميق

وتدفع بها نحو أفق أكثر انفتاحاً حين تتقاطع الفلسفة مع الشعر ويتحول النص إلى مساحة تأمل كبرى في مصير الإنسان واللغة معاً

أ. فاضل عباس سلم قلمك

***

مرشدة جاويش

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي، يتنفَّس الذاكرةَ، ويتشكَّل بالزمن، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه.

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه (وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق (وُلد 1952)، تتحوَّل الأمكنةُ إلى ذاكرة نابضة، تُحمَل فَوقها تجارب الفقد والمنفى والانتماء، وتُصبح مَسرحًا تتقاطع فيه الذات الفردية مع التاريخ الجَمْعي.

والكاتبان يشتغلان على المكان لا بوصفه خَلْفية للأحداث، بَلْ باعتباره بطلًا خفيًّا، وأحيانًا ظاهرًا، يُوازي الإنسانَ في عُمق حُضوره وتأثيره. عِند إبراهيم نصر اللَّه، المكان هو الذاكرة الفِلَسْطينية التي ترفض المَحْوَ، لَيْسَ أرضًا فَحَسْب، بَلْ أيضًا هو حكاية ممتدة عبر الأجيال، تتجسَّد في البُيوت، والحُقولِ، وأسماءِ القُرى التي تظلُّ حَيَّةً رغم الاقتلاع. في مشروعه الروائي" المَلْهاة الفِلَسْطينية "، يتحوَّل المكان إلى سِجِل تاريخي بديل، يُعيد كتابةَ ما تمَّ تهميشه أو طَمْسه. المُخيَّم _ على سبيل المثال _ لَيس فقط مكانًا مُؤقَّتًا، بَلْ هو حالة وجودية، وانتظارٌ دائم، وذاكرةٌ مُعلَّقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون. المكانُ هُنا لا يُستعاد بوصفه حنينًا ساذَجًا، بَلْ بوصفه مُقاوَمة، وإصرارًا على تثبيت الهُوية في مُواجهة التلاشي.

لُغة نصر اللَّه في التعامل مع المكان مشحونة بالعاطفة، لكنَّها دقيقة في التفاصيل، كأنَّ كُلَّ حجر وكُلَّ شجرة تَحمل شهادةً. يَكتب المكانَ مِن الداخل، مِن ذاكرة مَنْ عاشه أوْ وَرِثَه، فيمنحه بُعْدًا إنسانيًّا يتجاوز الجُغرافيا. الأمكنةُ عِنده تُروَى كما تُروَى السِّيَر، لها طُفولة وشيخوخة، لها جِرَاح ونُدوب، ولها أيضًا قُدرة على البَعْث. ولهذا، فإنَّ القارئ لا يَرى المكانَ فقط، بَلْ يَشعر بِه، كأنَّه يستعيد ذاكرةً شخصية، حتى لَوْ لَمْ يَعِشْ تلك التجرِبة.

في المُقابل، يتعامل أُورهان باموق مع المكان بوصفه مِرْآةً للذات القَلِقة، وفضاءً للتأمُّلِ في التحوُّلات الثقافية والهُوية المُتشظية. إسطنبول مدينته الأثيرة لَيست مُجرَّد مَوقع للأحداث، بَلْ هي رُوح مُتغيِّرة، تتنازعها الحداثة والتقليد، الشرق والغرب، الماضي الإمبراطوري والحاضر المُرتبك. في أعماله، تتحوَّل المدينةُ إلى نَصٍّ مُوازٍ، يُقْرَأ كما تُقْرَأ الشخصيات.

باموق يشتغل على مفهوم " الحُزْنِ الجَمَاعي " المُرتبط بالمكان، ذلك الإحساس الغامض بالخسارة الذي يُخيِّم على المدينة. هذا الحُزْنُ لَيس فرديًّا، بَلْ هو ذاكرةٌ مُشترَكة، تتجسَّد في العِمَارة المُتداعية، والضَّباب، والأزقةِ التي تَحمل آثار مجدٍ غابر. المكانُ عِنده لَيس ثابتًا، بَلْ يَتغيَّر مع نظرةِ السارد، وَوَعْيِه بذاته، إنَّه فضاء للتساؤل أكثر مِنْه فضاء للإجابة.

أُسلوبُ باموق يَتَّسم بالتأمُّل والبُطء، حيث يَمنح المكانَ وقتًا كافيًا ليكشف عن طبقاته. التفاصيلُ عِنده لَيست فقط وَصْفية،بَلْ تحليلية، تُحاول فهمَ العلاقة المُعقَّدة بَين الإنسانِ ومُحيطه. ويُصبح المكانُ وسيلةً لفهمِ الهُوية، ولَيس خلفيةً لها فَقَط. والشخصياتُ تُعيد اكتشافَ نَفْسِها عَبر علاقتها بالمكان، سواءٌ بالانتماء إلَيْه، أو بالاغتراب عَنْه.

إذا كانَ نصر اللَّه يكتب المكانَ باعتباره ذاكرةَ مُقاوَمةٍ، فإنَّ باموق يكتبه باعتباره ذاكرةَ تأمُّلٍ. الأوَّلُ يَستحضر المكانَ لِيَحْمِيَه مِن النِّسيان، والثاني يَستحضره ليطرح أسئلةً حَول مَعناه.ومعَ ذلك، يلتقي الكاتبان في نقطة جَوهرية : المكان لا يُفْهَم إلا عَبْر الإنسان، والإنسانُ لا يُفْهَم إلا عَبْر المكان. كِلاهما يُدرِك أنَّ فِقْدان المكان لَيس مُجرَّد فِقْدان جُغرافي، بَلْ هو اهتزاز في الهُوية، لكنَّ رَدَّ الفِعْل يختلف. عِند نصر اللَّه، يتحوَّل هذا الفقدُ إلى فِعْل سَرْدي يُعيد بناءَ المكانِ في اللغة، بَينما عِند باموق، يُصبح الفقدُ مادَّةً للتأمُّل في معنى الانتماء ذَاتِه. الأوَّلُ يُقَاوم النِّسيانَ، والثاني يُفَكِّكه.

تُقَدِّم تَجرِبةُ إبراهيم نصر اللَّه وأُورهان باموق درسًا عميقًا في فهمِ الأدبِ بوصفه حافظةً للذاكرة. فالأمكنةُ في نُصوصهما لَيست مُجرَّد مَواقع، بَلْ هي كائنات تَحمل الزمنَ، وتَكشف عن الإنسان في أعمق حالاته. وَمِنْ خِلال هذا الاشتغال الدقيق على المكان، يتحوَّل الأدبُ إلى جسر بين الماضي والحاضر، وبَين الذاتِ والعَالَم، وبَين ما كان ومَا يُمكن أن يَكُون.

إنَّ ذاكرة المكان - كَما تتجلَّى عِند هَذَيْن الكاتبَيْن - لَيستْ مَوضوعًا أدبيًّا فَحَسْب، بَلْ هي فِعْل وجودي، يُعيد تعريفَ علاقةَ الإنسانِ بالعَالَم، والإنسانُ يُعيد اكتشافَ أمكنته، ويُسائل ذاكرته الخاصَّة، ويُدرِك أنَّ المكان في جَوهره، لَيْسَ مَا يَراه، بَلْ ما يَحْمله في داخله.

ويَظهر المكانُ ككائن حَي يَتنفَّس عَبْر السَّرْد، ولَيْسَ إطارًا جامدًا للأحداث. ويَحمل المكانُ طبقات مِن الذاكرة الفَرْدية والجَمْعية، ويَتجسَّد بوصفه مُقَاوَمَةً للنِّسيان، حَيث تَتحوَّل الجُغرافيا إلى هُوية، والبَيْتُ إلى سَرْديةِ وَطَنٍ، والحَنينُ إلى فِعْلِ بقاءٍ. ويَنفتح المكانُ على تأمُّلاتِ الذات، ويَتحوَّل إلى مِرْآةٍ للقلقِ الوجودي، حيث تتداخل المَدينةُ معَ الذاكرة، لِتُنْتِجَ شُعورًا مُرَكَّبًا بالانتماءِ والاغترابِ في آنٍ معًا. وفي هذا تأكيدٌ واضحٌ على أنَّ المكانَ لَيس مَسرحًا للأحداث فقط، بَلْ هُوَ شريكٌ في تشكيل الوَعْي واللغةِ والتاريخ. واستعادةُ المكان لَيستْ عودةً إلى الماضي فَحَسْب، بَلْ هي إعادة كتابة له، ومُساءلة دائمة لمعنى الحُضورِ والغِياب.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تنبثق القصيدة الشّعبيّة من قلب الخليج العربيّ؛ كنخلةٍ ضاربةٍ بجذورها في الأعماق، تستلهم من صمت الرّمال بَوْح الحكايا، وتخطّ على صفحات الماء أَثرَ حضورها؛ لتغدو في مدّها وجزرها امتدادا يستقرّ في تفاصيل الحداثة بروح الطّبيعة الأولى.

هذه القصيدة هي اللّسان النّاطق بأحوال المجتمع الخليجيّ، والوعاء الّذي يحفظ تراثه في زمن التّحوّلات الكبرى، تنساب كقطرة النّدى فوق أديم الصّحراء، حاملةً صدق العاطفة والمعنى، راسمةً صورة حيّة للإنسان الخليجيّ في حلِّه وترحاله، وفي اعتزازه بِقيَمه وكرامته.

نجد في أبياتها انعكاسا دقيقا لجماليّات البيئة، وإرثا يخاطب الوجدان؛ فمن سكون البادية إلى غمار الحياة، تمتزج الحكمة بالفطرة، فهي الوثيقة العاطفيّة الّتي لا تنطفئ، والعهد المكتوب بحروفٍ من وفاءٍ للأرض والإنسان، تحفظ حكايا الأوائل في صدور الأحفاد، وتمنح الموروث قدرةً على التّنفّس في فضاء العصر.

ديوان "في داخلي فوضى":

في الدّيوان الشّعريّ "في داخلي فوضى" للشّاعر صالح عبيد باظفاري، تتبدّى الصّورة وتمسي القصيدة مرافئ آمنة، تلتجئ إليها المشاعر من صخب الحياة وضجيجها.

يستحضر باظفاري في نصوصه تلك الرّابطة المقدّسة بين الحرف والأرض، صائغا من عفويّة اللّحظة وتفاصيل اليوم العابر فلسفة، تنطق بلسان العامّة وتسمو بذائقة الخاصّة، والمتأمّل في وهج هذا النّظم، يدرك أنّه لم يحصر تجربته في رصد الواقع فحسب، وإنما جعل من مشاعره ترتيبا جديدا للكون والذّات، يسكب فيها من روحه ما يجعل القارئ الخليجيّ يرى في كلّ بيت قبسا من سريرته، وظلّا وارفا يأوي إليه كلّما اشتدّ عليه ظمأ الحنين.

تتّضح هذه التّجربة في كونها انبعاثا فطريّا لروح الشّعر الشّعبيّ؛ حيث ينتمي باظفاري إلى تلك الزّمرة من المبدعين الّذين صاغوا وجدانهم من تفاصيل الحياة وذاكرة المجتمع. تكشف نصوصه عن ارتباطٍ وثيق بجذور القصيدة العامّيّة الحضرميّة، مع الحفاظ على بصمته الذّاتيّة، الّتي تحيك أنغاما شجيّة تسترسل على حناجر المبدعين، وتتردّد أصداؤها في فضاء الأغنية الخليجيّة والعربيّة على حدّ سواء؛ فهو يسكب الشّعر في قوالب شفويّة عفويّة، مستمدّا إلهامه من أبسط الأحداث اليوميّة الّتي يحوّلها إلى صور فنّيّة متوقّدة، ممّا يجعل شعره مرآة لوعيه الاجتماعيّ وأفقه الرّوحيّ.

يمثّل هذا الدّيوان حالة تعبيريّة تلقائيّة متداخلة الأجزاء، تشكّل لغة تتّسم بالحشمة والأدب، ممتثّلةً للقيم الأخلاقيّة الّتي تبلورت مضامينها؛ لتكشف عن وحدة موضوعيّة تتراوح بين الفخر بالهويّة، والنّزعة الحسّيّة الصّادقة، والوعظ الإنسانيّ.

كما يهيّمن على الدّيوان تباين دراميّ بين سكينة التّأمّل والفقد، حيث يرتسم هذا التّضاد في بنية القصائد الّتي تراوح بين الهدوء الصّوفيّ والقلق والتّوق الرّوحيّ.

على أرضيّة هذه الثّنائيّة، تتبدّى القدرة على تحويل التّفاصيل اليوميّة البسيطة إلى مكامن شعريّة تصويريّة، فاستحضار معاني الحنين والجفاء في مقابل الأمل والوفاء، يخلق إيقاعا نفسيّا متصاعدا، ويصوّر حيرة الإنسان وتوقه إلى الاستقرار وسط عالم يموج بالتّناقضات.

نجد في طيّات هذا العمل، صراعا خفيّا بين السّكون والضّجيج العاطفيّ، الّذي يتمّ التّعبير عنه بلهجة بيضاء، تجمع بين جزالة التّراث وسهولة العصر، ما يجعل من هذا العمل الشّعريّ آصرة شعوريّة وانفعاليّة، تؤكّد أنّ اللّغة الشّفّافة تظلّ هي الجسر الأقوى بين الماضي والحاضر، وبين الذّات والآخر.

بذلك.. تتحوّل قصيدة باظفاري من نظم شفويّ إلى فعل اجتماعيّ تشارَكيّ، فهي تطوّع اللّهجة المحكيّة المأنوسة؛ لتستحيل وعاء لعواطف إنسانيّة، تبتعد عن التّصريح الفاحش وتلوذ بالكناية والتّشبيه، محترِمةً التّقاليد الاجتماعيّة والوعي الجمعيّ.

عتبة العنوان ودلالاته في ديوان "في داخلي فوضى":

يمثّل عنوان "في داخلي فوضى" عتبة نصيّة فارقة، تلخّص الفلسفة الّتي يقوم عليها هذا العمل، فهو يظهر كإعلانٍ نقديّ وأدبيّ من خلال ثلاثة أبعاد متّصلة.

في البعد الأوّل، يقدّم العنوان مفارقةً تجمع بين السّكون الظّاهريّ والحيويّة الباطنيّة، وهو اعترافٌ ضمنيّ بأنّ ما يبدو للرّائي من هدوءٍ في سمات شخصيّة الشّاعر، والإنسان الخليجيّ بشكل عامّ، ينطوي على تدفقٍ شعوريٍّ غنيّ، إذ أنّ الفوضى هنا لا تبدو عبثيّة، فقد وجدت سبيلها إلى التّرتيب عبر بوّابة القصيدة.

أمّا في البعد الثّاني، فنلمس أنسنةً للفوضى وتصويرا لها عبر منحها ملامح مألوفة ورهافةً قلبيّة؛ الأمر الّذي يحيل العنوان من حالة عشوائيّة مبهمة إلى تجربةٍ قابلة للفهم والاحتواء، ولحظة صدقٍ مع الذّات. وبذلك تصبح القصيدة مساحةً لتنظيم تلك الانفعالات، وفصلا نقديّا ذكيّا يفرّق بين جوهر الذّات وعَرَض الحالة؛ لتصبح تلك الفوضى كيانا وحالةً معبّرةً عن ذاكرة ثريّة تأبى الرّحيل.

في البعد الثّالث، تستحيل هذه الفوضى من منظور نقديّ إلى المادّة الخامّ، والمنبع الأساسيّ للإلهام؛ حيث يرتفع النّص الشّعريّ بالفوضى لتغدو مرادفا للخصوبة العاطفيّة الّتي لا تنضب.

هكذا، يضعنا هذا العنوان أمام حالة صادقة، تحفّزنا على اكتشاف تلك العوالم والنّفوس المختلفة الّتي تختبئ في أعماقنا، متخفيّةً خلف ستارٍ رقيقٍ من الهدوء الّذي تفرضه نواميس الحياة.

البساطة الممتنعة في الشّعر الغنائيّ، ديوان "تغاريد القلوب" نموذجا:

يأتي ديوان "تغاريد القلوب" ليكون شاهدا على تلاحم القصيدة بالإيقاع، حيث استطاع باظفاري أن يمزج فيه رقّة المَحكيّ بروح النّغم، مقدّما صياغة فنّيّة تواكب تطوّر الأغنية الحضرميّة دون أن تفقد أصالتها.

استُهِلَّت صفحات الدّيوان بعتبات نصيّة مفعمة بالوفاء والعرفان، حيث رسم الشّاعر في استهلاله ملامح الامتنان لأسرته، مخصّا والدته الّتي غرست فيه بذور الإبداع، وأخته الّتي كانت مصدرا لاستلهام النّغمة الشّجيّة؛ لينتقل بعد ذلك إلى تقديم الشّكر لرموز كان لها الأثر في إخراج هذا العمل إلى النّور، وعلى رأسهم الشّيخ محمّد بن عبّود العمودي الّذي رعى هذا الإصدار، والفنّان د. عبد الرّب إدريس الّذي وضع بصمته الفنّيّة، وصولا إلى الجهد المتمثّل في تدوين النّوتة الموسيقيّة للأعمال الواردة في الدّيوان.

في سياق التّقديم الأدبيّ، رسمت شهادات المبدعين صورة ناصعة لشخصيّة باظفاري الإبداعيّة، حيث وصفه النّقاد بالشّاعر الحالم، وأكّدوا على صفة المصداقيّة العالية الّتي تصبغ قصائده، وإحساسه المرهف الّذي يجعل من مفرداته جسرا يعبر إلى ذائقة المستمع دون استئذان، فقد نُظِرَ إلى شعره كفيض فطريّ يتجاوب بعفويّة مع رنّات الأوتار، ويترجم لغة القلوب بأسلوب يجمع بين الرّقة والأصالة.

يصنّف هذا العمل تحت مظلّة الشّعر الغنائيّ، وهذا التّصنيف يفرض على القصائد سمات محدّدة، منها سلاسة المنطوق، والاعتماد على الإيقاعات الّتي تتناسب مع الأسلوب الحضرميّ والألحان العربيّة.

يعزّز هذا النّمط التّقارب الفنّيّ بين القصيدة والمتلقّي، محوّلا هذا البوح إلى نغمةٍ مألوفةٍ تسكن الذّاكرة؛ حيث يظهر اتّساق النَّظم؛ ليفي بمتطلّبات الأداء استنادا إلى رشاقة العبارة والابتعاد عن التّعقيد اللّغويّ، ممّا يضفي على النّصوص مسحة رومانسيّة فطريّة، نابعة من صدق المعايشة وعمق الارتباط بالهويّة المكانيّة.

هذا التّآزر الوثيق بين الكلمة والنّغم، المدعوم بالتّدوين الموسيقيّ المرفق، يؤكّد أنّه يكتب وفي مخيّلته الإيقاعات المرتبطة بالجذور، جاعلا من شعره مشروعا فنّيّا متكاملا، يعكس حالة من الإخلاص لنبضٍ يحاكي النّاس ويشبههم، ويستلهم حكاياتهم اليوميّة وعواطفهم.

من خلال هذا المنهج، يُبرِز قدرته على صياغة مفرداته بأسلوب يجمع بين البساطة الممتنعة والعمق، ووفائه لفنّه ومجتمعه.

العنوان "تغاريد القلوب":

هو عنوان غنيّ بالدّلالات السّيميائيّة، يجمع بين عالمَي التّغريد بما يحمله من إيحاءات صوتيّة مستمدّة من الطّبيعة، وعالم "القلوب"؛ كمستودع للعواطف والوجد.

يوحي هذا التّركيب الإضافيّ بأنّ القصائد الواردة في الدّيوان أصداء روحيّة، تنبعث من أعماق الذّات؛ لتشكّل لوحات غنائيّة بكلمات مكتوبة بالإحساس، تنقل المتلقّي من حيّز القراءة البصريّة إلى حيّز السّماع الشّعوريّ، جاعلةً من الأحاسيس القلبيّة تغاريد، تتخطّى صمت الحروف بإيقاعها.

يستشفّ القارئ من هذا العنوان جوهر الهويّة الفنّيّة للدّيوان، وهو ما تؤكّده الإهداءات والكلمات النّقديّة الملحقة الّتي تصف باظفاري بأنّه يعزف على أوتار القلوب بريشة الكلمة؛ فاختيار مفردة "تغاريد" تحديدا يشير إلى حالة من الانعتاق والحرّيّة في التّعبير، حيث تتدفّق الأفكار بسلاسة تشبه شدو الطّيور، وتضفي "القلوب" صبغة جماعيّة وذاتيّة في آن واحد، ممّا يجعل من العنوان اختزالا مكثّفا للتّجربة التأمّليَّة الّتي تمّ تقديمها.

بذلك، نجد أنّ هذا الدّيوان يجمع بين الوفاء للجذور، والانفتاح على الأفق العربيّ الواسع في القصيدة الغنائيّة الشّعبيّة الّتي تستحقّ الدّراسة والتّحليل.

من عفويّة اللّفظ إلى رشاقة الإيقاع في قصيدة "لمّا قلبي":

في أعمال أخرى للشّاعر، نجد في قصيدة "لمّا قلبي" حالة وجدانيّة أخرى، فقد جسّدت ملامح الأغنية الخليجيّة المعاصرة، واكتسبت أبعادا تعبيريّة حين شَدَت بها الفنّانة أحلام بصوتها، حيث أضفَت بنبرتها القويّة، طابعا من الشّجن عليها، ممّا جعلها في صدارة الأغنيات النّاجحة.

تتمحور هذه القصيدة حول صراع عاطفيّ كلاسيكيّ، تطرح ثنائيّة صبر المحبّ في مواجهة الغرور، فتظهر العاطفة المهيمنة هنا في صورة التّسامح المطلق والاستسلام الطّوعي لسلطان الحبّ.

كما تحتوي القصيدة على مفارقة تعزّز صورة العشق العذريّ؛ ففي الوقت الّذي ينكر فيه المحبوب مشاعره أمام الملأ ويطالب بإيجاد بديل لهذا الشّغف، نجده يجاهر بعشقه معتزّا بكون هذا المحبوب هو خليله الوحيد. هذه المقابلة الدّراميّة ترفع من شأن المحبّ الّذي يقتات على الحبّ، حتّى في أحلك لحظات الحزن.

هنا أيضا، اعتمد باظفاري على لغة سلسة بين الفصحى واللّهجة البيضاء، مستخدما مفردات بيئيّة أصيلة، الأمر الّذي منح القصيدة هويّة مكانيّة وتراثيّة واضحة.

أمّا الصّور الشّعريّة، فقد جاءت حسّيّة مباشرة، تبتعد عن التّعقيد السّرياليّ، محوّلة الكلمات من حالة الأنين والدّموع إلى حالة التّفاؤل واللّقاء؛ فقد شُيِّدَت على نظام اللّازمة الّتي تربط مقاطع القصيدة بعضها ببعض، وأسهم تنوّع القوافي الدّاخليّة ضمن الأشطر في خلق تدفّق موسيقيّ متناغم مع الألحان.

إذن.. تقدم هذه القصيدة نموذجا للمحبّ الّذي يرى في الوفاء قيمة مهمّة، فاجتماع الكلمة الرّقيقة مع اللّحن المتقن والأداء الصّوتيّ المتمكّن، جعل منها عملا متكاملا، يمزج بين الجمال وقوّة العاطفة، والمعايير الجماليّة الّتي تميّز الموروث الغنائيّ في الجزيرة العربيّة.

خلاصة القول..

تظهر القيمة الجوهريّة في نتاج باظفاري في قدرته على منح الجغرافيا روحا وإحساسا؛ إذ تغدو تضاريس الأرض في نصوصه كائنات تشاركه قلقه وفرحه، وفضاء يكتمل بوعي القارئ وإسقاطاته الذّاتيّة، فيتحوّل فعل القراءة إلى شراكة تعيد اكتشاف المسافات الفاصلة بين الحلم والواقع، متحرّرةً من الاستعارات المعقّدة لتمضي في سياقٍ يجري قوله بعيدا عن الغموض الّذي يجهد الفكر، فالمعنى يصل إلى قلب القارئ، وكذلك السّامع فور التقائه باللّحن؛ لأنّ الأغنية ابنة لحظتها، وهي رحلة خاطفة بين صورٍ ممتلئة بالحياة، تعتمد على نبرةٍ موسيقيّة واضحة، تمنح الملحّن والمغنّي سلاسةً في ضبط الإيقاع، وتترك في نفس المستمع أثرها، حين تحافظ على روح النّصّ وصدق عاطفته.

***

صباح بشير.. روائيّة وناقدة فلسطينيّة.

في أفق الشعر العربي المعاصر، لم تعد القصيدة مجرّد بناء لغوي منغلق على دلالته الواحدة، بل غدت كياناً مفتوحاً يتخلّق في منطقة التوتر بين اللغة والوجود، بين المرئي والمضمر، وبين ما يُقال وما يُؤجَّل قوله. ومن هذا المنظور، تندرج قصيدة "رؤى" للشاعر فارس مطر بوصفها نصاً رؤيوياً يتجاوز حدود التعبير المباشر، ليؤسس فضاءً شعرياً تتشابك فيه الحلمية مع الوعي، وتتجاور فيه الصور بوصفها إشارات دالة لا وقائع ثابتة.

إنّ هذه القصيدة لا تُقدَّم للقارئ باعتبارها رسالة مكتملة المعنى، بل بوصفها شبكة من العلامات والانزياحات، حيث تتكثف اللغة وتشفّ، وتتحول المفردة من وظيفة الإحالة إلى وظيفة الإيحاء، ومن التسمية إلى التوليد. ومن ثمّ، فإن مقاربتها النقدية لا يمكن أن تكتفي بالوصف الانطباعي أو القراءة الأحادية، بل تستدعي وعياً منهجياً مركّباً يستنطق مستوياتها اللغوية والبلاغية، ويكشف بنيتها الجمالية، ويغوص في أبعادها الفكرية والنفسية والسيميائية.

وتسعى هذه الدراسة إلى تفكيك بنية النص عبر جملة من المحاور النقدية التي تتقاطع فيها مناهج متعددة—من الأسلوبية إلى السيميائيات، ومن التحليل النفسي إلى التأويل الفلسفي—مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً إجرائياً ينظر إلى النص لا كحاملٍ لمعنى نهائي، بل كبنية ديناميكية مفتوحة على إمكانات تأويلية متعدّدة. فالمعنى هنا لا يُستخرج من النص بوصفه معطى جاهزاً، بل يتشكّل في تفاعل حيّ بين النص والقارئ والسياق.

وعليه، فإن هذه المقاربة لا تهدف إلى القبض على "المعنى الصحيح" للقصيدة، بقدر ما تسعى إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي تنبثق من تضافر بنياتها الصوتية والدلالية والرمزية، في أفق قراءة تُنصت إلى النص بقدر ما تُحاوره، وتؤوّله بقدر ما تُعيد إنتاجه.

تنفتح قصيدة "رؤى" على أفق تأويلي رحب، حيث تتداخل فيها بنية الحلم مع يقظة الوعي، وتتشابك مستويات الدلالة بين الحسي والمجرّد، في نصٍّ يتوسّل اللغة بوصفها كائناً حياً لا أداةً محايدة. وسنعتمد في هذه المقاربة على تداخل مناهج: الأسلوبي، والسيميائي، والنفسي، والتفكيكي، ضمن أفق النقد الاحتمالي الذي يرى النص بنيةً مفتوحة لا تُختزل في معنى واحد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم اللغة في النص بدرجة عالية من النقاء التركيبي، حيث الجمل تتوزع بين:

جمل فعلية قصيرة: "نمتُ عميقاً"

جمل اسمية ذات طابع تأملي: "الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ"

هذا التناوب يمنح النص دينامية إيقاعية داخلية، ويخلق توتراً بين الفعل (الحركة) والرؤية (الثبات).

أما الانزياح البلاغي، فيتجلّى في:

التجريد: "يتهيأ الفراغ للفراغ" (تفريغ المعنى من مرجعيته الواقعية)

التشخيص: "البراري السعيدة"، "الطرائد آمنة"

وهنا تتحول اللغة من توصيف إلى إعادة خلق العالم.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللفظ في النص مشدود إلى اقتصاد لغوي واضح:

لا حشو

لا ترهّل

كل مفردة تؤدي وظيفة دلالية.

كما أن التوازن بين اللفظ والمعنى يتجلى في:

بساطة السطح  زائد عمق البنية

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص نثري، لكنه مشحون بـ:

إيقاع داخلي قائم على التكرار:

"بوسع..."، "الخيول..."

توازي تركيبي:

"في الليل..." / "في النهار..."

جرس صوتي هادئ يعكس التأمل

الموسيقى هنا ليست وزناً، بل تدفق دلالي صوتي.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية

النص لا يسير خطياً، بل وفق:

١- منطق الحلم

٢- تفكك زمني

٣- تجاور الصور

يمكن اعتباره:

"قصيدة رؤيوية" تتجاوز السرد إلى بناء مشهديات متوالدة.

2. الرؤية الفنية.

الرؤية قائمة على:

إعادة تأويل العزلة: "لست وحيداً في عزلتي"

المصالحة مع الطبيعة

الشك في اليقين: "النهار مبهم"

3. الطابع الإبداعي

النص يشتغل على:

تفكيك المألوف (الفراغ، الليل، النهار)

إعادة تشكيل العلاقات بين الأشياء

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح أسئلة:

١- ما الحقيقة؟

٢- هل الوضوح ممكن؟

٣- هل الذات واحدة أم مزدوجة؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

النزعة الصوفية (الاتحاد بالطبيعة)

الفلسفة الوجودية (القلق، الازدواج)

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

نص متعدد الطبقات:

١- سطح: مشاهد طبيعية

٢- عمق: قلق وجودي

٣- أعمق: بحث عن هوية الذات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية:

النص يتحرر من المباشرة التاريخية، لكنه يحمل:

أثر البيئة الريفية (البيت الطيني، الجداول)

ذاكرة جمعية عراقية (الخيول، البراري)

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

يسيطر:

١- القلق الهادئ

٢- الحنين

٣- التوتر بين الذات وذاتها

2. ازدواج الذات:

"شبحٌ بهيئتي"

تمثل:

انقسام الأنا

صراع الهوية

3. النبرة النفسية:

مزيج من:

١- السكون

٢- القلق

٣- التأمل

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يصرّح اجتماعياً، لكنه يوحي بـ:

رغبة في التحرر من القيود (الخيول بلا أسرجة)

نقد غير مباشر للبنى المغلقة (النوافذ المغلقة)

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- جالخيول: الحرية / الغريزة

٢- البيت الطيني: الأصالة

٣- القمر: الكشف

٤- الذئب/الشبح: الآخر الداخلي

2. الثنائيات

الليل / النهار

الوضوح / الإبهام

الداخل / الخارج

3. النظام الرمزي

النص يقوم على:

"كون شعري تتحول فيه الأشياء إلى علامات"

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا ليست جسدية، بل:

إيروتيكية كونية

رغبة في الاتحاد بالعالم

انجذاب نحو الطبيعة بوصفها أنثى رمزية

تاسعاً: النقد الاحتمالي

وفق هذا المنهج، النص يفتح على احتمالات:

 قراءة أولى:

النص تجربة حلمية ذاتية

 قراءة ثانية:

رحلة صوفية نحو الانكشاف

 قراءة ثالثة:

تفكك الذات في عالم مضطرب

 قراءة رابعة:

نقد للواقع عبر استعارة الطبيعة

عاشراً: القيم الإنسانية والجمالية

النص يحتفي بـ:

١- الحرية

٢- البساطة

٣- الانسجام مع الطبيعة

ويحقق:

انفتاحاً تأويليًا

أثرًا وجدانيًا عميقاً

خاتمة:

قصيدة "رؤى" ليست نصاً يُقرأ، بل نصٌّ يُعاد إنتاجه مع كل قراءة. إنها بنية دلالية مفتوحة، حيث:

لا يُعطى المعنى… بل يُولد

ولا يُكتشف… بل يُخلق

إنها قصيدة تسكن المنطقة الرمادية بين الحلم والوعي، وتُجسّد شعرية الانزياح، حيث اللغة لا تصف العالم، بل تعيد كتابته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

رؤى

نمتُ عميقاً ولم أحلم بك البارحة

‏في المدى الرحيب يتهيأ الفراغ للفراغ

‏طائر بجناحين،

ليس بالضرورة أن يكونا كبيرين

مطلٌ على ما أوتيَ من فضاء

واثقٌ بالهواء ومسرفٌ في الرؤى

ترفعه الموسيقى سُلماً سُلماً

أفقٌ من المساء الفسيح

لست وحيداً في عزلتي،

كل الكلمات معي

أُهَدِّئُ جفلة الحصان

فتحيط بي الخيول التي بلا أسرجة

الخيول التي انفصلت عن عرباتها 

أغبطُ اهتزازة وردة

فتتغمدني البراري السعيدة بأغنياتها المنفلتة 

أغفو تحت شجرة

فتأتي إليَّ الطرائد آمنةً مطمئنةً

‏لن أرى وضوحي من النوافذ العالية المغلقة

بقدمين حافيتين، ‏

أراه من أمام بيتي الطيني المفتوح للقمر

أنصتُ إلى حكمة الطير

لا تُصلِح سقف البيت الذي يسرب الضوء

إلى عينين ساكنتين في السماء العميقة الزرقاء

يباريني شيء لا أعرفه،

في الليل قد يكون ذئباً جليّاً

في النهار،

شبحٌ بهيئتي

الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ

أخّاذٌ يشعل فضولي

بوسع الجواد أن يفوز

بوسع الدم الدافئ أن يؤوي الذكريات

بوسع العالم أن يكون عالماً

تعود المياه إلى الجداول

وعلى ذؤابات شجر الدلب تحط الطيور المغردة

***

فارس مطر

قبل أيام قليلة رحل عن عالمنا الكاتب العراقي "سليمان البكري (1937 ــ 2026)" بعد عمر من العطاء والصمت، وقد أعادني هذا الحدث إلى ذكرى عمرها نصف قرن من الزمن، وتحديدًا إلى عام 1976 الذي تعرفت فيه على هذا الكاتب من خلال روايته (مدار الأشياء المرفوضة) الصادرة عن مطبعة الشعب ببغداد عام 1971. حيث عدت إلى أوراقي القديمة لأعيد ما دونته آنذاك بحق هذه الرواية .. قلت فيها :

كثيرة هي الأعمال الروائية التي ولجت عالم السياسة وتناولت موضوع حرية الإنسان وصراعه مع السلطة القاهرة، ولعل الأعمال الروائية العربية، على وجه التحديد، مثل (شرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف، و(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي، و(تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم، و(هؤلاء) لمجيد طوبيا، و(الأنهار) لعبد الرحمن مجيد الربيعي ــ  والقائمة تطول ــ كانت من أبرز الأعمال التي ساهمت في نقد الواقع السياسي وتسليط الضوء على الصراع القائم بين القوى العاملة في الساحة السياسية. وتأتي رواية (مدار الأشياء المرفوضة) لمؤلفها "سليمان البكري " لتصطف إلى جانب الأعمال السالفة الذكر، حيث تناولت فترة حرجة من تاريخنا السياسي، تلك التي سبقت ثورة الرابع عشر من تموز 1958.

حاولت الرواية، عبر فصولها الأربعة: المعتقل، المنفى، الحب، الثورة، إظهار هويتها السياسية. فمنذ استهلال فصلها الأول "المعتقل"، تعلن الرواية عن هويتها: (حلّ النهار في المعتقل، وبدأ بعض المعتقلين يسيرون في كآبة خلال الممر الطويل، ص 5). والمعتقل كما عهدناه هو المكان والقاسم المشترك الذي جمع معظم الأعمال السياسية، ثم ينقلنا المؤلف الى فضاء المعتقل، مسلطًا الضوء على طبيعة نزلائه السياسيين الذين يشكلون الشخصيات الرئيسية في الرواية، كاشفًا عن اهتزاز الرؤى لدى أبطالها، والمناكفات الدائرة بينهم نتيجة الضغوط النفسية التي وجدوا أنفسهم واقعين تحت تأثيرها.

فالرواية تقوم على عدد من الشخصيات المتباينة في الرؤية السياسية وطبيعة الاندفاع والايمان بقضيتها    فشخصية "علي" ــ احد ابطال الرواية ــ شخصية متشائمة تشكو لزميلها سامي متذمرة من أجواء المعتقل، وتكشف عن ضعف مقاومتها لظروف السجن، كما تظهر يائسة من صمودها امام الضغوط وذلك بقولها: (لقد انتهينا يا سامي). و"أسامة" الشاب الرومانسي الحالم (باللواتي يتنزهن في الشارع العام)، و"كمال" المتوتر الذي يحاول أن يوقع برفيقه متهمًا إياه بالخيانة. وحتى "سامي"، الذي أراد له المؤلف أن يكون النموذج المختلف والأكثر ثورية من بين تلك النماذج المهزوزة فان شخصيته لم تسلم من اضطراب فكري واضح والتزام شكلي بقضيته؛ فهو يقضي يومه في السجن يفكر بـ"لوليت"، زوجة أستاذه "آدم"، إذ يصف المؤلف انشغاله: (النوم يهرب من عينيه وهو يفكر بلوليت معه.. يحلم بها محلقًا في عوالم الحب السعيدة، ص 10). وهو أمر غير مقنع أن يعيش معتقل سياسي هذه الرومانسية والأريحية في سجن يواجه فيه صنوفًا من التعذيب والقهر والضغوط النفسية.

في الفصل الثاني، الذي أسماه "المنفى"، يشير المؤلف صراحة إلى زمن أحداث الرواية: (في صباح بارد من عام 1956، ص 20)، إذن هو عام انتفاضة الشعب العراقي ضد العدوان الثلاثي على مصر و(الاعتداء على بورسعيد بشكل مرير)، وكان من الممكن أن يستفيد المؤلف من هذا الحدث لتعميق البنية الفكرية للرواية والمضي بطابعها السياسي، لكنه يفاجئنا بأنه لم يعد مهتمًا بموضوع حرية الإنسان والنضال في سبيل تحقيقها، وإنما أدار ظهره لهذه المهمة، وبات تركيزه على مغامرات "المناضل" سامي، الذي خرج من السجن في ظروف غامضة وغير مقنعة، فالمؤلف، ومن أجل إسباغ الطابع السياسي على روايته، اكتفى بذكر موقف سامي الذي بقي (يوقع يوميًا ثلاث مرات في سجل الشرطة)، دون الالتفات إلى طبيعة نشاطه وعلاقته بقضيته، بل راح يسرد في صفحات طويلة مغامرات سامي وسهراته الماجنة مع "لوليت"، التي، بعد شوط طويل من الالتحامات الدافئة تغادر إلى بيروت، تاركة لسامي يومياتها الغرامية التي تصلح أن تكون رسائل غرام جاهزة للعشاق المراهقين. وبهذه الانعطافة التي احتلت معظم صفحات الفصل، أضاع المؤلف القضية المركزية التي أراد أن يبني عليها موضوع روايته.

في الفصل الأخير، يظل الشاغل الوحيد للمؤلف هو شخصية "سامي". فبسبب الإحباط الذي عاشه نتيجة هجرة "لوليت" له، يعود فيعاشر بغيًا ويتخذ منها رفيقة، ويعلمها مبادئ الثورية: (الثوري من ينضوي تحت تنظيم طليعي ويؤمن بنظرية علمية، ص 42). وبسيل من هذه الجمل الطنانة التي ظلت تتردد على ألسنة أبطاله، اعتقد المؤلف أنه قادر على خداع القارئ بهوية روايته.

وبقدرة قادر، تأتي ثورة الرابع عشر من تموز 1958، و"سامي" لحظتها يشارك بغيا سريرًا واحدًا، وبهذه الإشارة ألغى المؤلف دور الأحزاب الوطنية والمناضلين الحقيقيين ومساهمتهم الفاعلة في أحداث الثورة المذكورة.

رواية (مدار الأشياء المرفوضة) قدمت نموذجًا سيئًا للمناضل السياسي، وكأن مؤلفها أراد القول إن الجميع في مركب واحد هو مركب الانتهازية وادعاء الثورية، حيث لا نجد بين شخصيات الرواية نموذجًا إيجابيًا يعكس ثبات وصلابة المناضلين الأشداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل قضيتهم. فالرواية حاولت الانتماء إلى حقل الرواية السياسية لكنها لم تكن مقنعة ولم تنجح في سعيها كونها اتخذت من السطحية أسلوبا في محاكاة الواقع وتمسكت شكلا بالموضوع السياسي، وبالتالي أخفقت في أن تنال هذه الهوية، كما أخفقت في تقديم نموذج ثوري مقنع مثل الذي تعرفنا عليه في الروايات التي اسلفنا ذكرها .

***

ثامر الحاج أمين

1976

تجليات تفكيك العلاقة ما بين الذات الشاعرة وخطورة المكان

بين صدمة الحرب وشغف البقاء، ينبثق كتاب - دفتر حرب – يوميات فندق ابن الهيثم- للشاعر جواد الحطاب، كوثيقة إبداعية تختزل تحولات الإنسان العربي في زمن الأزمات، محولةً المكان إلى مسرح للسرد الذاتي والواقعي. تسعى هذه الورقة النقدية إلى استقراء القيمة الوجودية لهذا النص، مستلهمةً الرؤية التي قدمتها في دعوتي لـ "تبسيط النص النقدي"؛ وذلك لتقديم قراءة تفاعلية تتحلل من قيود المصطلحات المعقدة، وتنتصر للمحتوى الإنساني في أبهى صوره.

وقد سعيت جاهداً لأضع مجسات تفكيك العلاقة بين الذات الشاعرة وما يمثله المكان (خطورة المكان)، في أجواء ملتهبة يعلوها شبق الموت الذي يغطيها بأدوات عديدة ومتنوعة حسسب تنوع الظرف القاتل، تراه ساعة ب (شظية، أو طلقة مدفع، أو حتى صاروخ قد أرسل من طائرة أقتنصت اللحظة وفرت من سطوة رادار يترقب. في خضم هذا المشهد سعيت لتفكيك تلك العلاقة في كتابي (الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب 2024)، لكن لم يكن تفكيك تلك العلاقة ظاهراً أو تحتاجه نصوص أخرى أو دراسات لقصائد معينة بقدر ما يحتاجه "دفتر حرب" جواد الحطاب في يوميات فندق ابن الهيثم.

(اغلب الشهداء؛ الذين يسقطون جنوداً؛ هم من محبيّ الطيور؛ وهواة جمع الطوابع البريدية؛ وحراثة الأرض؛ أما نحن؛ الخبثاء المولعون بالفتيات والسفر والمشاكسة؛ الذين نرى في كل تكوّر نهد: رمانة يدوية؛ وفي كل مظروف قنبلة: ساق امرأة؛ فقد كتب علينا أن نجوب الأرض الحرام؛ تصحبنا سلالات متدرجة التواريخ؛ منذ بدء الخليقة وإلى الآن؛ بدوريات مماثلة لاكتشاف طريق "الصد ما ردّ"؛ وقتل الحوتة التي تأكل القمر والشهداء).. "يوميات فندق ابن الهيثم".

في مرآة "ابن الهيثم" .. "دفتر حرب وهوية المكان"

مؤكد أن الناقد يبذل جهداً مضنياً حتى تتكون عنده الرؤية أو أن تكون واضحة بعيدة عن "الضبابية" كي يطرحها للقارئ، ويَقصد منها تفسير وشرح وتوضيح ما يَشكَل على المتلقي، ويقدم له من خلال تفسيره أو دراسته صورة منطقية ناطقة عما أراد الشاعر أو الأديب أن يقوله في مضمون نصه. أي قراءة ما وراء الفكرة أو القصد الذي جاء به الأديب أو الشاعر. والمعضلة تكمن في حيز واسع من تفاصيل الكتابة النقدية وطرقها وسبل تيسرها للقراء، فإن كتب الناقد وفق أسلوب المدارس النقدية وتبعياتها وأسسها وأصولها، دفع القارئ للنفور من النص وتركه وعدم قراءته لما يتضمنه الموضوع من مفردات ودلالات صعبة على الفهم غير المتخصص، لذلك نرى أن الأسلوب الذي صيغ به مفهوم كتاب " الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب"، أستناداً لفكرة "التبسيط النقدي" (1)، والتي لا تعني السطحية، بل تجريد النص من التعقيدات التنظيرية الفائضة، للوصول إلى "جوهر الحبكة الإبداعية".

في يوميات فندق ابن الهيثم "دفتر حرب"، نرى أن الشاعر جواد الحطاب لم يكن يدون احداثاً زمنية بقدر ما كان يشكل "هوية مكانية" تحت القصف. "الحرب هنا ليست موضوعاً"، بل أراد لها الحطاب أن تكون "عدسة" يرى من خلالها العالم. التصور الذي جسدته الأحداث التي احتواها "دفتر الحطاب" ذهب باتجاه أن الحطاب حقق ما يسميه "التصالح مع الموت من أجل إنتاج الحياة" في يومياته، وهو مفهوم محوري في ما يطرح من نقد لأدب الحرب.

(حين نعود إلى ملاجئنا؛ حاملين في آذاننا صفير القنابل وأزيز الرصاص؛ تكون الحرب قد علمتنا حكمتها جيداً: في المعارك؛ ليس هناك ما هو أسهل من أن تموت أو تجرح؛ أما الصعوبة العظيمة؛ فهي كيف تبقى على قيد الحياة؛ بانتظار معركتك الأخيرة).. "يوميات فندق ابن الهيثم"

"الساعة 250 طيورك تقصف قلبي؛ ولا عاصم إلا الحب؛ ثم يمضي لاستكمال الموقف". "يوميات فندق ابن الهيثم".

أنسنة المكان ورمزية الفندق

لم يكتفِ الشاعر "جواد الحطاب" بتشييد جدران "فندق ابن الهيثم" في قصيدته، بل نفث فيه من روحه حتى استحالت الحجارة كائناً شعرياً ينبض بالقلق، ويتحسس قرصات الجوع، ويرتجف ببرد الخوف.

لقد طوّع الحطاب قسوة الأمكنة ليجعل من هذا الفندق في "دفتر حربه" حضناً وملاذاً؛ صدراً حانياً نلوذ به من شظايا البصرة الغادرة التي كانت تتطاير في الخارج كالموت الأعمى. لكنه لم يكن أماناً مطلقاً، بل كان أماناً هشاً، "مثقوباً بالخوف"، وكأن الجدران ذاتها كانت تملك مسامات تشعر بذعر الساكنين خلفها.

وببراعة الساحر الذي يغرس الأبدية في اللحظة، حوّل "الحطاب" تفاصيل الغرفة الضيقة من سريرٍ ونافذةٍ ودخان إلى رموزٍ كونية؛ فلم تعد تلك الأشياء مجرد أثاث، بل أصبحت صرخة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه "تطويع المادة الصلبة لتغدو سيولة شعرية"، حيث يذوب الفندق في القصيدة وتذوب القصيدة في الجدران، ليتلاشى الفاصل بين المكان والروح، ويصبح الوجع واحداً لا يتجزأ.

بذات الروح التي تغلغلت في جدران الفندق، والتي مثلها الحطاب برمزية "النافذة"، والتي لم تعد في عين الحطاب مجرد فتحة للضوء، بل استحقّت أن تكون "العين الرائية"؛ الشاهدة التي لا تغمض جفناً عن توثيق فجيعة الخراب.

إنها في هذا النص "برزخٌ" قلق، حدّ فاصل يرتجف بين موتين: موتُ الداخل حيث تنهش العزلةُ والانتظار الروح، وموتُ الخارج حيث تزرع القذائف الدمارَ في جسد المدينة. حتى ستائر الغرفة لم تعد جماداً، فقد أنسنها الحطاب وجعلها تشارك الساكنين فزعهم؛ "كانت ترتعش مع كل انفجار، لا بفعل الريح"، بل كأنها تجسيدٌ فيزيائي لارتجاف القلوب وهلعها الجماعي.

وفي الرؤية النقدية السابقة التي قدمتها، يقف الفندق كـ "محامٍ صامت"، يجمع في صمته شهادات البشاعة التي خلفتها الحرب، بينما يظل الشاعر هو اللسان الناطق بوجع هذا الشاهد، ليحول الصمت الرخامي إلى صرخة خالدة (2).

تتجلى في "دفتر حرب" الحطاب حسيةٌ مفرطة، لم يعد فيها الوجع كفكرةً مجردة، بل صار مادةً تُلمس وتُرى وتُسمع بوضوحٍ جارح. لقد استدعى الشاعر الحواس لتكون جسراً للترويع؛ فنحن لا نقرأ عن الحرب، بل نشمّ رائحة الدخان العالق في الستائر، ونسمع صليل القذائف في اهتزاز النوافذ، ونشعر ببرودة الجدران وهي تحتضن الأجساد المذعورة. هذه السيولة الشعرية التي تحدث عنها جعلت من الجماد "جسداً" يتألم؛ فالسرير ليس مكاناً للنوم، بل هو مرصدٌ للقلق، والنافذة ليست مصدراً للضوء، بل هي عينٌ دامعة ترقب الموت في الخارج. حوّل الحطاب "المادة الصلبة" للفندق إلى أنفاسٍ متلاحقة، ليصبح النص في نهاية المطاف جسداً حسياً نابضاً بالخوف، يرتجف كلما لامست ذكراه الروح.

"قد غدا الدخان في أروقة "فندق ابن الهيثم" أكثر من مجرد بقايا احتراق؛ إنه كفنٌ هائم ينسج خيوطه حول الأرواح المذعورة. لم يعد أثراً عابراً، بل صار رئةً ثالثة للقصيدة، تتنفس الرماد وتزفره وجعاً يسكن المسام والستائر والذاكرة.

في هذا الفضاء، تتصادم جدلية السكون والصخب بعنفٍ صامت؛ فبينما يصرخ الخارج بضجيج القذائف وهدير الموت، يلوذ الداخل بسكونٍ مطبق، لكنه ليس سكون الطمأنينة، بل هو "سكون الرعب" الذي يسبق العاصفة، حيث تتحول كل همسة داخل الغرفة إلى دويٍّ في رأس الشاعر المنهك "يوميات فندق ابن الهيثم".

إن الغرفة في رؤية الحطاب هي المختبر الحسي الذي تنصهر فيه الروح؛ فكلما ازداد صخب الخارج، تعمق صمت الداخل وتحول إلى صلاةٍ يائسة تبحث عن بصيص نجاة وسط ضباب الحرب" (3).

وقد لمستُ تحولا جوهرياً في كينونة أداء الشاعر جواد الحطاب داخل "دفتر حرب"؛ فجواد الحطاب لم يرتضِ لنفسه دور "الراوي" الذي يسرد مأساةً عابرة، بل ارتقى ليكون "محامياً كونياً". هذا المفهوم، الذي يتجذر في الرؤية التي قدمتها، تجعل من الشاعر صوتاً يتجاوز ضيق الجغرافيا العراقية المحاصرة، ليقف في محكمة الوجود رافعاً دعوى جمالية كبرى ضد "فكرة الموت" ذاتها. في زوايا فندق "ابن الهيثم"، لم يكن الحطاب يكتب قصائد، بل كان يجمع "قرائن الإدانة" ضد القبح والدمار، محولاً كل أنّةٍ وكل شظية إلى وثيقة إنسانية مدوية. لقد استطاع الحطاب أن ينتشل الضحية من صمتها المحلي، ليجعل من جرحها صرخة عالمية عابرة للحدود، محولاً اليوميات الدامية إلى مرافعة خالدة في وجه الفناء، وفق الرؤية التي ارتايتها في"الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب".

التشكيل الصوري

دائماً ما نلاحظ أن الحطاب يستخدم تقنية "الصورة الصادمة" كأداة ترافع قانونية. فعندما يصف الحطاب "النخيل الذي يحترق بوقار"، فإنه لا يكتب شعراً وصفياً، بل يقدم "شهادة عيان" على اغتيال الذاكرة. أن ميزة الحطاب تكمن في قدرته على جعل القارئ شريكاً في "هيئة المحلفين"؛ حيث يُبسط الصورة الشعرية لدرجة تجعل الألم ملموساً باليد، لكنه يرفعها رمزياً لدرجة تجعلها مرافعة كونية. إن "المحامي الكوني" الذي يطارد القتلة بـ "الكلمة المستفزة" التي لا تموت بموت قائلها، وهو ما يفسر العنوان السابق لدراسته الأخرى بـ "لا تواقيع للموت"(4).

وارى أن الحطاب في "فندق ابن الهيثم" نجح في "أتمتة الحزن" وتحويله إلى طاقة احتجاجية. فبدلاً من البكاء التقليدي، نجد في "دفتر حرب" صوراً سريالية تبسط الواقع لتعرّيه؛ مثل وصفه للقذائف بأنها "رسائل بريدية طائشة". هذا التشكيل الصوري بوصفه ذكاءً إبداعياً يرفض الاستسلام لمنطق القوة؛ فالشاعر هنا يمتلك قوة "الرؤيا" التي تهزم "الرؤية" المادية الضيقة. لذلك أرى إن الحطاب في غرفته الفندقية كان يعيد ترتيب العالم شعرياً، ممارساً دور "الادعاء العام" نيابة عن كل الأشياء الصامتة التي دمرتها الحرب (5).

إن مرافعة الحطاب (المحامي الكوني) في "دفتر حرب" لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تبدأ منها. وقد خلصت إلى أن هذا الكتاب هو "محضر ضبط" وجداني، وثق فيه الحطاب كيف يمكن لغرفة فندق أن تصبح قاعة محكمة دولية، يكون فيها النص هو القاضي والشاهد والجلاد في آن واحد. هذا المنهج في "التبسيط النقدي" الذي دعيت له، يكشف كيف تحول الحطاب من "ضحية للحرب" إلى "سيد على لغتها"، محققاً الانتصار المعنوي للثقافة على الهمجية.

جدلية البقاء

جواد الحطاب في "يوميات فندق ابن الهيثم" (دفتر حرب) اجترح استراتيجية نفسية وجمالية فريدة لمواجهة العدم، أطلقت عليها "سخرية المقاومة". ففي الوقت الذي كان فيه الموت يطرق أبواب الفندق بقوة القذائف، كان الحطاب يواجهه بـ "نكتة سوداء" أو صورة شعرية متهكمة. هذا المسلك بوصفه "تبسيطاً للمأساة" يعد هذا التوجه للسيطرة على المأساة؛ فالشاعر الذي يسخر من موته المحتمل يكون قد انتصر عليه سلفاً.

وفي الدراسة السابقة التي أشرت إليها "لا تواقيع للموت" أوضحت أن جدلية الموت والحياة عند الحطاب لا تقوم على الصراع التقليدي، بل على "التعايش الندي". فالحطاب يكتب عن الموت كأنه "نزيل ثقيل" في الغرفة المجاورة بفندق ابن الهيثم. هذا النوع من "الألفة الإجبارية" مع الخطر هو ما منحه القدرة على إنتاج نص "عابر للمحنة". وأن الحطاب في يومياته كان يمارس "لعبة الحيلة" مع الموت؛ فكلما اقترب القصف، أوغل الشاعر في تفاصيل الحياة (شرب الشاي، قراءة كتاب، تأمل الغبار)، محولاً هذه الأفعال اليومية البسيطة إلى طقوس مقدسة للرفض والوجود(6).

كما أن هناك بعداً آخراً أيضاً يتعلق بـ "الجمال القاسي"؛ استطاع الحطاب من خلاله في "دفتر حرب" أن يستنبت الورد من فوهات المدافع (مجازياً). عبر توظيفه "للتبسيط النقدي" الذي مثله حين جعل "الدخان" مادة للرسم، ومن "الأنقاض" مسرحاً للذاكرة. إنها "فلسفة البقاء" التي لمسناها باعتبارها المحرك الأساسي لنصوص الفندق؛ فالكتابة في لحظة الانهيار ليست ترفاً، بل هي "الفعل الوحيد" الذي يثبت أن الشاعر لم يتحول إلى "رقم" في سجلات الضحايا، بل ظل "اسماً" وتوقيعاً عصياً على المحو.

وجودية الدفتر.. "دفتر حرب"

في ختام هذه الدراسة، نخلص إلى أن "يوميات فندق ابن الهيثم" ليست مجرد تأريخ شعري لحرب عابرة، بل هي " إعلان إبداعي " للروح العراقية في أقصى تجلياتها. لقد استطاع جواد الحطاب، عبر "دفتر حرب"، أن يؤسس لمدرسة في الكتابة تجمع بين "يوميات الصحفي" و"الرؤيا الروحية" و"دقة الرسام" (7).

وأن أهمية هذا المنجز تكمن في قدرته على الصمود أمام الزمن؛ فاليوميات التي كُتبت تحت ضغط اللحظة التاريخية، تحولت بفعل "التشكيل الصوري" والرمزية العالية إلى "نص مفتوح" يقرأ في كل زمان ومكان يعاني من وطأة الظلم والدمار. إن "منهج تبسيط النص النقدي" الذي دعيت له وطبقته كشف لني أن جواد الحطاب لم يكتب "دفتر حرب" ليوثق موتنا، بل كتبه ليوثق "حياتنا التي لا تموت"، جاعلاً من فندق ابن الهيثم منارة رمزية تضيء في عتمة الحروب.

***

سعد الدغمان

......................

1- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، دار الصحيفة العربية، بغداد،ودار العراب،دمشق،2024،ص 45- 62.

2- سعد الدغمان، مقال نقدي: "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، صحيفة المثقف، 07 –ديسمبر- 2024.

3- جواد الحطاب، يوميات فندق ابن الهيثم (دفتر حرب)، منشورات وزارة الثقافة، بغداد، 2002.

4- سعد الدغمان،"دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

5- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.

6- سعد الدغمان، "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

7- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.

للشاعر يحيى مطوال

تعتمد هذه الدراسة على منهج تكاملي يجمع بين التحليل البنيوي والتأويل الفلسفي والقراءة الوجودية بهدف تفكيك البنية الدلالية للنص والكشف عن تمثلات القلق والعدم داخل الخطاب الشعري.

وتتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي:

كيف يتشكل "الفراغ " داخل النص بوصفه بنية دلالية منظمة تنتقل به من مستوى التجربة الشعورية إلى مستوى إعادة إنتاج الذات واللغة؟

تأطير النص: أفق القراءة وإشكالية النص

يندرج هذا النص ضمن أفق الكتابة الحداثية/ما بعد الحداثية التي تعيد بناء التجربة الوجودية داخل بنى لغوية متوترة حيث يتقاطع الذاتي بالكوني ويتحول "الفراغ " من حالة نفسية إلى بنية دلالية منظمة لإنتاج المعنى.

ويؤدي العنوان "حسرة الفراغ" وظيفة تأطيرية مركزية إذ يؤسس لتوتر دلالي بين:

الحسرة بوصفها كثافة وجدانية

الفراغ بوصفه تمثلاً للعدم

غير أن هذا التوتر لا يختزل في تعالق ثنائي، بل يتخذ شكل مفارقة وجودية تسهم في توجيه دينامية المعنى داخل النص من خلال إعادة توزيع العلاقة بين التجربة الشعورية وبنيتها اللغوية.

ويمكن في هذا السياق استحضار التصور التأويلي عند بول ريكور الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة تنتج معناها عبر تعدد مستويات القراءة، لا عبر الإحالة المباشرة على التجربة.

وانطلاقاً من هذا التأطير يغدو تحليل البنية الدلالية للنص مدخلاً إجرائياً للكشف عن الكيفية التي تعاد بها صياغة مفهومي الحسرة والفراغ داخل نسق لغوي متشظ...

البنية الدلالية: الحقول المعجمية والأنساق الرمزية

انطلاقاً من التأطير السابق الذي أبرز مركزية ثنائية الحسرة/الفراغ بوصفها نواة دلالية للنص يمكن الانتقال إلى تحليل البنية الدلالية التي تتأسس عليها هذه المفارقة من خلال تفكيك الحقول المعجمية والأنساق الرمزية المهيمنة.

يتأسس النص على شبكة متداخلة من الحقول الدلالية، أبرزها:

حقل الموت/العدم: (المقبرة، الآخرة، الجحيم، صمت الأموات، الخراب)

حقل الألم/الندم: (حسرة، دمع، الحزن، ملح الأحلام اليابسة)

حقل الكتابة/القول: (الشعر، البوح، زجاج الكلام، يكتب بمسماره الصدئ)

ولا تعمل هذه الحقول في استقلال، بل تتقاطع داخل بنية دلالية واحدة تنتج ما يمكن تسميته بـنسق التهشيم الوجودي ويقصد به إجرائياً تفكك العلاقات الدلالية التقليدية بما يعكس اختلال العلاقة بين الذات والعالم.

ضمن هذا النسق، لا تعود اللغة أداة تمثيل للواقع بل تتحول إلى آلية لتفكيكه وإعادة تشكيله. ويتجلى ذلك في عبارة "زجاج كلام متشظي" التي لا تحيل إلى صورة بلاغية فحسب بل تكشف عن انكسار البنية اللغوية ذاتها، بما يعكس اختلال العلاقة بين الدال والمدلول وفق تصور سيميائي يجعل اللغة فضاءً لإنتاج التوتر الدلالي لا لاستقراره...

الصورة الشعرية

وانطلاقاً من هذا المستوى الدلالي، يمكن الانتقال إلى تحليل الصورة الشعرية وآليات الانزياح والتكثيف.

تقوم الصورة الشعرية على انزياح حاد (Deviation) عن المألوف، وهو ما يقربها من الشعرية السريالية، يتجلى في بناء علاقات غير متوقعة بين العناصر، مثل:

"يمسح عن جفن المقبرة دمع العائدين"

"جسد من نار يصعد في السواد"

"يكتب بمسماره الصدأ الحزن على رخام الروح"

لا تفهم هذه الصور ضمن منطق مرجعي مباشر بل باعتبارها بنى دلالية مكثفة تنتج المعنى عبر الصدمة والانقطاع. وعليه، فالصورة ليست عنصراً زخرفياً بل جهازاً معرفياً يكشف عن عالم مفكك...

الذات الشعرية: تشظي الهوية وتفكك الكينونة

في ضوء المقاربة الوجودية المعتمدة، يمكن تحليل تمثلات الذات داخل النص بوصفها بنية غير مستقرة تتحدد عبر التشظي والانمحاء بدل التماسك. ويتجلى ذلك في مؤشرات نصية صريحة من قبيل: "لا يتذكر من هو" و"يستعيد ما تبقى من وجهه المدمر" حيث يتم تفكيك الهوية إلى شذرات لغوية تعكس فقدان المرجعية الذاتية.

ولا تفهم هذه الحالة بوصفها تعبيراً نفسياً مباشراً بل باعتبارها تمثيلاً دلالياً لانهيار وحدة الكينونة داخل الخطاب الشعري. وعليه، تتحول الذات إلى أثر لغوي، لا إلى مركز دلالي ثابت.

ويتقاطع هذا التمثل مع الأطروحة الوجودية عند جان بول سارتر، القائلة بأن "الوجود يسبق الماهية" بما يفيد أن الكائن لا يمتلك هوية جاهزة، بل يتحدد داخل وضعية وجودية مفتوحة ومأزومة. وضمن هذا الأفق، يعكس تشظي الذات في النص انخراطها في عالم يفتقر إلى المعنى المسبق، مما يفسر حضور مفردات التلاشي والبقايا بوصفها مؤشرات على تفكك الكينونة...

الزمن الشعري: تفكك البنية الزمنية

انطلاقاً من تحليل البنية النصية، يتضح أن الزمن في القصيدة لا يخضع لتنظيم خطي بل يتشكل وفق بنية مفككة تعكس اضطراب التجربة الوجودية. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط زمنية متداخلة:

زمن استرجاعي: (يتذكر بكثير من الحسرة)

زمن معلق: (يجلس خارج الفراغ)

زمن انهياري: (يعيد للاممكن قصفه المنسي)

لا تفهم هذه الأنماط بوصفها تعاقباً زمنياً بل كتمثلات دلالية لحالة اختلال الإحساس بالزمن حيث يفقد التسلسل الزمني وظيفته التنظيمية لصالح زمن داخلي متشظٍ.

وفي هذا السياق، يمكن ربط هذا التفكك الزمني بتمثلات الوعي المأزوم، حيث يتحول الزمن من إطار خارجي إلى تجربة ذاتية مضطربة تعكس انكسار العلاقة بين الذات والعالم. وعليه، يغدو الزمن في النص عنصراً بنيوياً يوازي تشظي الذات ويسهم في تعميق البعد الوجودي للخطاب الشعري...

اللغة والأسلوب: نحو شعرية التفكيك

في امتداد لتحليل البنيات الدلالية وتمثلات الذات والزمن تبرز اللغة الشعرية بوصفها مستوى إجرائياً حاسماً في إنتاج المعنى، حيث تتحدد عبر جملة من الخصائص الأسلوبية التي تعكس طبيعة التجربة المطروحة.

تتسم اللغة في النص بـ:

التكثيف الدلالي: من خلال اقتصاد لغوي مشحون يراكم المعنى داخل وحدات تركيبية مقتضبة.

التشظي التركيبي: عبر تفكيك البنية النحوية التقليدية، بما يخلخل انتظام الجملة.

الانزياح الدلالي: من خلال خرق العلاقات المألوفة بين الدوال

ولا تفهم هذه السمات بوصفها خصائص شكلية معزولة، بل باعتبارها آليات اشتغال تنتج ما يمكن تسميته بـبنية فوضوية منظمة ويقصد بها إجرائياً نظام لغوي يقوم على إعادة توزيع العلاقات الدلالية خارج منطق الاتساق التقليدي. وعليه، تتحول الفوضى من خلل بنيوي إلى مبدأ منظم يسهم في توليد الدلالة داخل النص.

ويمكن، في هذا السياق، تسجيل تقاطع أسلوبي مع بعض ملامح الكتابة الشعرية الحديثة كما عند أدونيس خاصة في ما يتعلق بشعرية الانزياح وتفكيك البنية اللغوية. غير أن هذا التقاطع يظل جزئياً، إذ يحتفظ النص بخصوصيته التعبيرية داخل أفقه الدلالي الخاص....

البعد الميتا شعري: الكتابة كفعل وجودي

وانطلاقاً من هذا الوعي بطبيعة اللغة، يتخذ النص بعداً ميتا شعرياً صريحاً يتجلى في التصريح: "لم يتبق سوى الشعر" حيث تحال الكتابة إلى موضوع للقول ذاته.

يشير هذا التمفصل إلى وعي نصي يجعل من الكتابة:

أداة لمقاومة العدم

وآلية لإعادة بناء الذات داخل اللغة

وفي هذا السياق، لا تفهم الكتابة بوصفها انعكاساً مرجعياً للواقع بل كممارسة إنتاجية للمعنى، تتأسس على إعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم عبر وسيط لغوي متشظٍ. وهو ما يتقاطع مع التصور الحديث للكتابة عند رولان بارت، الذي ينظر إلى النص باعتباره فضاءً تعاد داخله صياغة الهوية...

القراءة التأويلية: نحو فلسفة الفراغ

في ضوء المستويات السابقة، يمكن الانتقال إلى تركيب قراءة تأويلية تستهدف استجلاء الأفق الفلسفي الذي يؤطر النص. حيث يتبدى أن الخطاب الشعري يتأسس على حركة دلالية تتوزع بين ثلاثة أقطاب:

العدم (الفراغ) بوصفه أفقاً وجودياً.

الذاكرة (الحسرة) بوصفها بعداً استرجاعياً.

اللغة (الشعر) بوصفها وسيطاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم "الفراغ " في هذا السياق باعتباره غياباً صرفاً بل كفضاء دلالي يعاد من خلاله تشكيل الكينونة داخل اللغة. وعليه، يغدو النص ممارسة تأويلية لذاته حيث تتداخل التجربة الوجودية بالبنية اللغوية في إنتاج دلالة مفتوحة...

الإسناد النقدي

في ضوء ما سبق من تحليل، يمكن تأطير هذا التصور ضمن الأفق النقدي الحديث الذي ينظر إلى الكتابة بوصفها فضاءً لإعادة تشكيل الهوية. وفي هذا السياق، يتقاطع النص مع ما يذهب إليه رولان بارت في قوله:

"الكتابة هي ذلك المكان المحايد الذي تضيع فيه كل الهويات."

تسهم هذه المقولة في إضاءة الكيفية التي تتلاشى بها ذات المتكلم داخل بنية لغوية متشظية، حيث لا تعود الذات مركزاً ثابتاً للمعنى، بل تتحول إلى أثر نصي يعاد إنتاجه داخل اللغة. وعليه، تغدو الكتابة في النص بديلاً عن الهوية، لا تعبيراً عنها وهو ما ينسجم مع الطابع التفكيكي الذي يحكم بنيته الدلالية والأسلوبية....

القيمة الجمالية والمعرفية

استناداً إلى المستويات التحليلية السابقة، يتبين أن النص يحقق قيمة جمالية ومعرفية معتبرة، من خلال:

توظيف انزياحات لغوية تسهم في خلخلة البنية الدلالية التقليدية.

بناء تجربة وجودية تتأسس على تمثيل القلق والعدم.

وعي ميتا شعري يجعل من الكتابة فعلاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم ما قد يبدو من غموض أو تفكك بوصفه قصوراً تعبيرياً، بل باعتباره استراتيجية جمالية واعية تنبثق من طبيعة التجربة الحداثية التي تعيد النظر في علاقة اللغة بالواقع وفي حدود التمثيل الشعري ذاته...

يمكن في ضوء هذه القراءة، اعتبار "حسرة الفراغ" نصاً شعرياً يشتغل على تخوم اللغة والوجود، حيث تتداخل البنية الدلالية بالتجربة الوجودية في إنتاج خطاب يقوم على التفكيك وإعادة التركيب. فالكتابة لا تحيل هنا إلى العالم بوصفه معطى جاهزاً بل تسهم في إعادة بنائه داخل نسق لغوي متوتر يكشف عن وعي حاد بهشاشة الكينونة وتصدعها.

وعليه، يغدو النص ممارسة شعرية تعيد مساءلة مفاهيم الهوية والمعنى والوجود ضمن أفق تأويلي مفتوح يجعل من اللغة أفقاً لإعادة التفكير في الذات والعالم معاً...

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

..................

حسرة الفراغ

حزين هذا الصغير

وهو يمسح عن جفن المقبرة

دمع العائدين

من منافي الاخرة.

*

يجلس خارج الفراغ

جسد من نار،

يصعد في السواد

الى اعلى،

ينشد بلغة جديدة

زجاج كلام متشظي

خارج المألوف.

*

يتذكر بكثير من الحسرة

كيف كان يمضغ

ملح احلامه اليابسة،

بكثير من الحسرة

يحسب منحدرات الحجيم

وفي كفيه يحمل

توبة الهذيان.

*

لم يتبق سوى الشعر

يغير لون البوح

في صمت هذا الخراب،

وردة الروح

جديرة بالحياة الابدية.

*

وحيدا

جريئا

يقطف ماتبقى من الحلم

تفاصيل الضياع والحياة

يكتب بمسماره الصدء

الحزن

على رخام الروح.

*

لا يتذكر من هو

يقترب من صمت الاموات

يمحو بانفاسه

المرتجلة الهزيلة

عصف اللاشيء.

*

يعيد للاممكن قصفه المنسي

يعبر كطوفان

همس المحتجزين

في عتبات الصراخ،

تهرب منه الكلمات

يواخد وقته

الطاعن في الفوضى

يرتجل حسرة الفراغ

وهو

يستعيد ماتبقى من وجهه

المدمر فوق البياض.

*

كنت لتكون هاهنا

ملل كثيف

يتبخر في تفاصيل الكتابة،

كنت لتكون بين الاسطر

صداع

لمذبحة الكلمات.

*

حزين

مثل هواء حار

يحصد القهقات الذابلة،

مفعم بالتحدي

يقتل موته

بنذبة الحياة

خارج المعنى.

***

الشاعر: يحيى موطوال

دراسة في رواية (سمر قند) لأمين معلوف.. الفصل الرابع - المبحث (1)

توطئة: لقد أصبحت الشخصيات في روايات أمين معلوف المرجعية أعلى صوتا إذا ما قورنت بصوت السارد العليم، وذلك نتيجة لظهور مستوى معالجة آليات سايكلوجية تتم مقاربة توجهاتها الاسلوبية من حدود آفاق نفيسة - ذاتية، أدى ظهورها على وجهة نظر داخلية تتناول مقامات السرد عبر مفهومات (الفضاء - الزمان - المكان - الصيغة والصوت - التبئير والمسرود) بلوغا نحو مستويين من التركيز (المنظور الموضوعي - المنظور الذاتي) ومن خلال هذا المستوى قراءنا احداث رواية (سمر قند) بالطريقة التي تلازمها بعض من الأساليب المستحدثة مثل تعدد الأصوات والمونولوج الداخلي ورؤية المنظور الوصفي لتجليات وجهة نظر للخطاب خارجيا وداخليا.

- العتبات النصية وبنائية الشكل للحكي

بإختصار.. إن إدراكنا إلى حقيقة رواية (سمرقند) التي هي موضع بحثنا، هو إنها تنتمي - ابتداء - إلى صيغة الرواية التاريخية التي تم معالجة منظورها الديناميكي من خلال فاعلية العناصر الاسلوبية المؤثرة في الأوضاع السردية، لذا فهي وعبر تنصيصات عتباتها الواعية، تستوجب من قارئها ضرورة وضعها في مقامات السردية الأكثر غاية ودقة وملاءمة مع حيثيات طبيعتها الخاصة بمعالجة الأسباب والنتائج على نحو تدريجي بوضوح وموضوعية ملحوظة.

1- صيغة الخطاب من حاضرية فضاء المبأر:

لعل النقطة الحدودية التي تستهل بها تشكلات السرد الروائي - ابتداء - من (المتكلم / الفاعل السردي) وسيكون هذا التأطير متمثلا عبر آليات الفضاء الثابت الذي يقدم لنا من خلال المجال الأكثر إيغالا بصوت الفاعل السردي: (في أعماق المحيط الأطلسي كتاب. وقصته هي التي سأرويها. وربما كنتم تعرفون خاتمتها، فالصحف قد ذكرتها في حينه، وسجلتها بعض المؤلفات مذاك: (عندما غرقت الباخرة - تياتنك - في الليلة الرابعة عشرة من شهر نيسان (ابريل) 1912 في عرض مياه الأرض الجديدة كان أعظم الضحايا وأعجبها كتابا هو نسخة فريدة من رباعيات عمر الخيام. / ص9 العتبة) وفي إطار الحديث عن هذه العتبة السردية من مقدمات الرواية ورصد تمظهراتها لابد من التفريق بيت صوتين سرديين تناوبا في تشكيل البناء الحكائي لهذه الرواية: الأول هو المؤلف إذا استثنينا من ذلك الصوت للمحقق الخارجي بأعتبار أن دوره مقتصر على الأفضية التحقيقية ورصد الأحداث من الخارج: الثاني هو صوت السارد العليم، والملحوظ في هذه الرواية أن الغلبة في خطابها الروائي للصوت الأوحد (الفاعل السردي) الذي هو حينا يسرد وحينا يقوم بتنظيم الإجرائية الحوارية بين باقي الشخصيات. غير أن هذا التمازج بين السارد والمبئر (أي بين الذي يتكلم والذي يرى) كما هو الحال في هذه الوحدات: (يحدث أحيانا في مساء عبوس أن يتسكع بعض أهالي سمرقند في درب الحانتين. غير النافذة بالقرب من سوق الفلفل لا لكي يذقوا خمرة الصفد الممسكة، وإنما ليرقبوا ذهاب الناس وإيابهم أو ليخاصموا شاربا ثملا. / ص13 الرواية) وفي الكثير من الأحيان يقدم لنا (الفاعل الذاتي) ومن ورائه الكاتب رؤيته للثيمة الأساسية في الوحدات السردية الفصولية. وفي إطار الحديث عن الرؤية السردية فيمكننا تتبع حركة تنامي الحكي وفق ثلاثة مستويات:

- المستوى الأول: مستوى السرد الذي يقدم أغلبه عن طريق (الفاعل الذاتي / المتكلم) إذ سنلاحظ بطئا في حركة سير هذا المستوى، راجعا إلى المساحات الاسترجاعية والوصفية: (و لسوف يولد من قبل هذه الحادثة في صيف 1072 مخطوط الرباعيات. فعمر الخيام في الرابعة والعشرين. ولم يمض على وجوده في سمرقند كبير وقت.؟ ص13 الرواية).

- المستوى الثاني: ويتمثل في ترك حاضر السرد والخروج في مساحات استرجاعية مختلفة قربا وبعدا عن النقطة التي تمثل بداية الحكي: (إنه يتأمل وجوه الرجال المسلحين العشرة الذين جاءوا يوقفون عملية التضحية. / ص19 الرواية).

- المستوى الثالث: فهو الانصباب في دائرة التمثيل وترك واقع السرد والأحداث الخارجية / وجعل دخيلة الشخصية الروائية هي - المبئر - كما أن المبئر هو الشخصية الروائية نفسها: (ثم أنحنى ماطا شفتيه وكأنه يقبل جبين طفل نائم. / ص14 الرواية) ومن خلال هذه الأنماط السردية الثلاثة قدم الحطاب الأولي لرواية (سمر قند) حيث استطاع أمين معلوف في إطار هذا وذاك أن يسمح لنفسه بالتسلل إلى ذلك العالم المتخيل، ممارسا سلطته العليا كخالق لهذا الكيان المتخيل، طارحا أفكاره ورؤاه من خلال شخوصه، لاسيما شخصيته المحور عمر الخيام وعشيقته جيهان والقاضي أبا طاهر وذلك المتكلم الذي يتماهى معه إلى حد التوحد ليصبحا روحين في جسد واحد نصفه ورقي والنصف الآخر من ذات وموضوع. هذا القناع الشفاف (الناظم - المتكلم) الذي يختبىء خلفه الكاتب سيرا وراء أعراف وأصداء الكتابة الروائية المرجعية: (فهل كان ذاهبا إلى الحانة في ذلك المساء أم أن صفة التسكع هي التي حملته؟ إنها اللذة الندية بذرع مدينة مجهولة والعينان مفتوحتان على ألف لمسة من لمسات النهار الصارم. / ص13 الرواية) نعم لعل ذلك الصبي الصغير الذي يجري بقديمه الحافيتين فوق بلاطات شارع - حقل الرواند - وهو يضم إلى عنقه تفاحة قام بسرقتها من أحدى البسطات المخصصة لعروض الخضار والفواكه، حيث تجري في سوق البزازين لعبة نرد حامية الوطيس. وفي ممر الحبالين المقنطر توقف بغال وأحصنة قرب بركة وجعل الماء ينساب في جوف راحتيه المضمومتين: (و في ساحة تجار الزبل اقتربت من الخيام امرأة حامل. وإذ كانت قد رفعت نقابها فقد بدا إنها تكاد ان تكون في الخامسة عشر من العمر.. ومن غير أن تنبس بكلمة ولا أن ترتسم ابتسامة على شفتيها البريئتين اختلست من يديه بضع حبات من اللوز المحمص الذي كان قد اشتراه لتوه. ولم يدهش المتنزه، فهناك اعتقاد قديم في سمرقند: حين تصادف المرأة التي ستغدو أما إنسانا غريبا يروقها شكلة فإنه ينبغي عليها أن تتجرأ على مشاطرته طعامه. / ص14 الرواية) كما أن الروائي ذهب إلى أبعد حد في هذه الخروجات، عندما راح يتتبع أواصر شخوصه عبر علاقات نسبية في مساحات المشاهد السردية، مما خلق نوعا من التداخل بين الحكايات، أي ذلك النوع من الحكايا الفرعية التي حلت في حدود هامشية طورا غير إنها في الوقت نفسه راحت تصاغ في حالات ترهين تبئيري من خلال أفعال الشخصية المحورية طورا آخر.

- البينات المشكلة في تموقعات الأفعال

لعل البينات المشكلة في مقاصد تموقعات الأحداث الفعلية تواكب ما يسمى بالوصف الانتشاري، ذلك النوع من الوصف الذي يسمخ للشخصية بأن يؤسس لذاته محورا ودورا مهيمنا، إذ يخضع لمشيئته محور السرد، أي إنه ذلك الوصف الذي تتوارد فيه الأفعال تفصيلا منفلتا من اسبقية الدلالة القائمة ما بين التبئير والسرد: (تباطأ عمر وأخذ يمضغ اللوزات المتبقيات بفخار ناظرا إلى المرأة المجهولة وهي تبتعد. وترامي إليه صخب حفزه على الإسراع فإنه لم يلبث أن ألقى نفسه وسط جمهور هائج وعجوز طويل الأطراف هزيلها ملقى على الأرض. / ص14 الرواية) أن الوصف المسرود الذي نجده في هذه الوحدات، يراكب حالات الأشياء والأحداث الفعلية، ويرتبها وفق توارد تدرجي، يتأطر ضمن نظام محكم الدقة، إذ نكون إزاء مشاهد متراصفة بتماسك يجعلها تولد بشكل علاني كاشفة عن وقائع مذوبة لنص ظاهري. أيضا يصادفنا في هذا النموذج عددا كبيرا من بينات الأفعال المشكلة للمحفزات الأساسية بفقرات ووحدات السرد، وأولها المحفز الحكائي: (المرأة المجهولة ؟) ومن الواضح أن لهذه الحايثة الفعلية قدرا خاصا من الإمكان المتصل وهوية الأفعال القادمة: (لم يتمالك عمر وهو يرقب المشهد من التفكير: إذا أنا لم أحاذر صرت يوما خرقة كهذة. / ص15 الرواية) وتلعب الأشياء الأحداثية الفعلية وظائف أخرى، إذ تتحول أحيانا إلى معالجات تعويضية عن خروجات أشياء حقيقية، خصوصا بالنسبة إلى شخصية عمر الخيام في ثنايا النص، فهي وظيفة توجهها طموحات خاصة في مسار نمو أفعال الأحداث: (أستوى القائد قافزا وتقدم من الخيام مسددا اصبعه إلى لحيته وقال: أنت يا من يبدو أنك تعرفه جيدا، ترى من تكون ؟ إنك لست من سمر قند أولم يسبق لأحد أن رآك في هذه المدينة. / ص16 الرواية).

- صوت السارد عن منظور المبئر

و من خلال بعض الأفعال المشهدية تنتقل صيغة الخطاب من حاضر المبأر إلى (الراوي - الناظم الخارجي) من منظور العصابة التي أحاطت وجود عمر الخيام، فيما أزاح عمر يد مخاطبه بتعال، ولكن من غير خشونة وتردد الخيام في الكشف عن نفسه، وأخذ يبحث عن خدعة، ورفع عينيه إلى السماء حيث كانت غيمة رقيقة قد حجبت الهلال. فيتجسد في هذا المحكي العلاقة بين صوت السارد عن منظور المبئر، كذلك فالعلاقة بين المبئر والمبأر في بعض حالات الوحدات السردية لا تقف عند حدود المشهد الخارجي بل يركز المبئر في تبئيره على دواخل المبأر فيقدمه لنا من الداخل الموقعي.

1- عمر الخيام وموصوف الرجل الكيميائي:

تؤشر الانساق السردية على وجود ذلك النوع من الدلالات التشاكلية والمتوازية بلوغا نحو مجموع العناصر التخييلية التي تستلهم جمالية الحكي محتملا محققا، لذا فمساحة الأفق الاشتغالي تحقق نمو الحوافز السردية على هيئة حياة الشخوص وأفعالها وطباعها النسقية. لذا نقول كيف يتشيد المحكي في متن رواية (سمر قند) حيث تتمظهر دلالات الروائي والمرجعي في حدود اشتغاله الى حيث توصلنا تجليات الخطاب في محكي تبئيري وسردي يمتاح في أفق جمالية فردية. يتبين أن الروائي والتاريخي في علاقة تخييلية مقصودة الارتباط والترابط والمعالجة، لذا فالتجسد لهما يتنقل في أعلى درجات التركيز والكثافة السردية المتلاحمة شكلا ودليلا. وعلى هذا النحو يتبين أن آليات الحكي في وحدات رواية (سمر قند) تزيح المرجعي في حدود علاقة معالجة لمفهوم التخييل دون المساس المباشر بشواهدية العنصر والمراد الميثولوجي، لذا فإننا نرى أن السرد في المتن الروائي يحيل على أزمنة وأمكنة تاريخية، ولكن أسلوب التخييل تخضع له العديد من التحولات والإشارات في المادة المرجعية. عموما يشكل المسار النوعي في رواية (سمر قند) ذلك التماثل والتلاحق بين مصدرية التواريخ ومعالجة التجربة الروائية في تمفصلات متشاركة بين سلطة المرجع النصي ومشروعية استبدالات الضرورة التخييلية. قلنا سلفا بأن شخصية عمر الخيام أصبحت أسيرة الرجال المسلحين بتهمة كونه الرجل الكيميائي الكافر: (لأن يكون المرء فيلسوفا فليس جريمة في نظر السلطات وأما تعاطي الكيميائي فجزاؤه الموت. / ص19 الرواية) بينما كان جابر الطويل الذي نسيه الجميع يزحف نحو أقرب حانة ويندس فيها، تمكن عمر الخيام من النهوض بلا مساعدة من أحد، ومشى مستقيما نحو مكان رئيس القضاة أبا طاهر: (إذ كان القاضي جالسا في طرف الحجرة الأخرة فإنه لم يلحظه، واستمر في تسوية إحدى القضايا مناقشا المتخاصمين. / ص21 الرواية) من هنا نعاين بأن السرد بدأ يطرح خطابه وفق آلية امتثالية معينة، لذا جعلت القابلية المكوناتية من التمثيل المتني كنقطة بداية راصدة في مجمل مجريات الأحداث، وصولا إلى انحدار الأحداث نحو نقطة الأنفراج: (و إذ صرف أبا طاهر كل أولئك الناس فقد أشار إلى رجال الميليشيا بالاقتراب.. وأبلغ هؤلاء تقريرهم وأجابوا عن بعض الأسئلة وجهدوا في شرح الأسباب التي دفعتهم إلى السماح بمثل هذا التجمهر في الشوارع. / ص22 الرواية) عندما وجد رئيس القضاة نفسه وجها لوجه مع عمر الخيام راح مهلهلا ومستبشرا: (إنه لشرف أن أستقبل في هذا المكان عمر الخيام النيسابوري الشهير. / ص22 الرواية) لم يكن القاضي متهكما أو ساخرا بل كان متحمسا، فما كانت هناك أدنى ظاهرة مبطنة بالسخط على عمر الخيام، إنما زاد في غموض الاستقبال أن عمر كان واقفا منذ ساعة ممزق الثياب وعرضه لجميع الأنظار. وقد أضاف أبا طاهر بعد لحظات: (لست نكرة في سمر قند يا عمر، فعلى الرغم من صغر سنك فإن علمك قد غدا مضرب الأمثال، ومآثرك تتناقل في المدارس. / ص23 الرواية).

- تعليق القراءة:

إن العوامل المتحكمة في وفرة وثراء رواية (سمر قند) لا تنفرد بها الفصول الأولى من مبحثنا الأولي هذا، بل إن ملامسة سياق الإنتاج في مسار معنى التحولات الكلية النوعية في مشروع النص الروائي إجمالا، توفر لنا الحصيلة القصوى من مقصديات العمل الروائي كصورة مغايرة تقع في مواجهات عنيفة بين عمر الخيام وعشيقته جيهان أو في مستوى التحولات الشخوصية في فواعل الأفعال السردية ذات التمظهرات الارتكازية في صوغ وصياغة المعنى الروائي المراد إنتاجا لأم عينات ومشخصات حيواة الحكي في رواية موضع بحثنا الأولي.. أن أمين معلوف يقدم لنا روايته من خلال تعدد استجلاء منظورات الأسباب المغايرة، بلوغا نحو تكوين حال لسان ذلك المؤلف الضمني نموذجا في روي ومروى المسرود ساردا. وكلما تعمقنا في مدار أحداث الرواية عبر مجال إجرائية مباحثنا اللاحقة سوف نبلغ مرحلية ترتيب المادة الروائية على النحو الذي يمنحها تجليا خطابيا بمقاصد معالجة سايكلوجية المنظور المرجعي - السياقي - في حدود مؤلفة من الخطاب المعروض والمسرود الافعالي الذاتي بلوغا مؤطرا نحو تواتر بناء الخطاب الروائي بمرسلات مزاوجة بين السرد والوصف والمشهد العلائقي المتواصل بين صيغ علاقات وعلامات العرض وتأطيرات الراوي عبر خطابه المسرود اليه ساردا.

***

حيدر عبد الرضا

ليست الدلالة في التراث العربي مجرّد علاقةٍ ميكانيكية بين لفظٍ ومعنى، بل هي شبكةٌ معقّدة من الإحالات، يتواشج فيها الحسّ بالعقل، واللغة بالوجود، والإشارة بالمعرفة. ومن هنا، فإنّ تعريفها كما صاغه الشريف الجرجاني - أحد كبار علماء الإسلام في القرن الثامن الهجري، واسمه الكامل: علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني، ويُكنّى بـ"السيد الشريف"، نسبةً إلى انتسابه لآل البيت.- بأنّها "كون الشيء بحاله يلزم مع العلم به العلم بشيء آخر"—لا يُفهم بوصفه تحديدًا اصطلاحيًا فحسب، بل بوصفه كشفًا عن طبيعة الفكر الإنساني ذاته، الذي لا يُدرك الأشياء إلا عبر وسائط، ولا يبلغ المعنى إلا عبر دوالّ تتجاوزه.

إنّ هذا التعريف يُحيلنا إلى بنيةٍ ثلاثية: دالٌّ، ومدلول، وعقلٌ يربط بينهما. فلا معنى دون دالّ، ولا دالّ دون إدراكٍ يُفعّله، ومن هنا كانت الدلالة فعلًا ذهنيًا قبل أن تكون علاقةً لغوية. ولعلّ هذا ما أدركه الأصوليون حين وسّعوا مفهوم الدلالة، فلم يحصروه في الألفاظ، بل جعلوا للكون كلّه قابليةً دلالية، حيث يصبح الصامت ناطقًا من جهة الإشارة، والعجماء مُعرِبةً من جهة البرهان.

فالخطّ، في هذا السياق، ليس مجرد رسمٍ يُحاكي الصوت، بل هو انتقالٌ من الحضور إلى الغياب، ومن اللفظ إلى الرمز، ومن الزمان إلى الامتداد. إنّه الذاكرة التي تحفظ اللغة من الفناء، والوسيط الذي يُحوّل الكلام إلى أثرٍ قابلٍ للتأمّل. ولذلك قيل: إنّ القلم أحد اللسانين، لأنّه لا يقلّ عن الصوت قدرةً على إنتاج المعنى، بل لعلّه أقدر، من حيث إنّه يُبقي الدلالة حيّةً خارج حدود اللحظة.

وإذا كانت الدلالة اللفظية تقوم على العلاقة بين الصوت والمعنى، فإنّ الدلالة غير اللفظية تكشف عن أفقٍ أوسع، حيث تُصبح الإشارة، والحركة، والنَّصبة، بل والوجود كلّه، نظامًا دلاليًا مفتوحًا. فالعالم، في التصوّر العربي، ليس صامتًا، بل هو كتابٌ مُشفَّر، تتوزّع معانيه في الموجودات، وتنتظر من يقرأها بعين البصيرة.

غير أنّ هذه الدلالة لا تُفهم إلا عبر الوعي بأنّ الألفاظ ليست مرآةً للأشياء، بل رموزٌ تُحرّك صورًا ذهنية كامنة. فعندما نقول "نهر"، لا نستحضر مجرّد صوتٍ أو حروف، بل نستدعي شبكةً من التجارب الحسيّة والخيالات المتراكمة. ومن هنا، فإنّ المعنى ليس شيئًا ثابتًا في اللفظ، بل هو حدثٌ يتكوّن في الذهن، نتيجة تفاعلٍ معقّد بين الذاكرة، والسياق، والتجربة.

وهذا ما يفسّر دقّة التقسيمات التي وضعها الأصوليون لدلالات الألفاظ. فدلالة المطابقة تعبّر عن اكتمال العلاقة بين الدالّ والمدلول، حيث يتطابق اللفظ مع معناه تطابقًا تامًا. أمّا دلالة التضمّن، فتُشير إلى انقسام المعنى إلى أجزائه، بحيث يُحيل اللفظ على بعض ما وُضع له. في حين تفتح دلالة الالتزام أفقًا أبعد، إذ ينزاح الذهن من المعنى المباشر إلى ما يلزمه من معانٍ أخرى، فيتحوّل الفهم إلى حركةٍ تأويلية لا تتوقّف عند حدود الظاهر.

وهكذا، لا تعود الدلالة مجرّد نقلٍ للمعنى، بل تصبح إنتاجًا له، عبر سلسلةٍ من الانتقالات الذهنية التي يُنشئها العقل في تفاعله مع اللغة. ومن هنا، فإنّ تسمية بعض هذه الدلالات بـ"العقلية" ليست اعتباطًا، بل تعبيرٌ عن وعيٍ عميق بأنّ المعنى لا يُستمدّ من اللفظ وحده، بل من حكم العقل الذي يربط بين الأشياء في شبكةٍ من اللزوم والتضمّن.

غير أنّ السؤال الأعمق الذي شغل الفكر العربي لم يكن في كيفية الدلالة فحسب، بل في أصلها: أهي توقيفٌ إلهي أم اصطلاحٌ بشري؟ وقد انقسمت الآراء بين من رأى في اللغة وحيًا مُنزّلًا، ومن جعلها نتاجًا للتواضع الاجتماعي، ومن حاول التوفيق بين الموقفين. غير أنّ القيمة الحقيقية لهذه الجدالات لا تكمن في ترجيح رأيٍ على آخر، بل في كونها كشفت عن وعيٍ مبكّر بأنّ اللغة ظاهرةٌ مركّبة، لا يمكن ردّها إلى أصلٍ واحد.

ولعلّ موقف ابن جني يُمثّل ذروة هذا الوعي، إذ لم يقف عند حدّ الاصطلاح، بل حاول أن يردّ بعض الظواهر اللغوية إلى مبدأ المحاكاة، حيث تتقارب الأصوات مع معانيها في بعض الحالات. غير أنّه، في الوقت ذاته، لم يُسقط عن اللغة طابعها الاعتباطي، بل أدرك أنّ هذه المحاكاة جزئية، وأنّ الأصل في العلامة اللغوية هو الانفصال بين الدالّ والمدلول.

وهنا، يلتقي التراث العربي مع اللسانيات الحديثة، التي أكّدت أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست طبيعية، بل وضعية، تقوم على العرف والاتفاق. غير أنّ العرب سبقوا إلى هذا الإدراك، حين بيّنوا أنّه لو تغيّرت الألفاظ وبقيت المعاني، لما اختلّ الفهم، لأنّ الرابط بينهما ليس ذاتيًا، بل اعتباريّ.

إنّ الدلالة، في هذا الأفق، ليست خاصيّةً للغة وحدها، بل هي خاصيّة للوجود كلّه. فالعالم، بما فيه من أصواتٍ وصورٍ وحركات، هو شبكةٌ من العلامات، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على فكّ شفراتها، وتحويلها إلى معانٍ. ومن هنا، فإنّ دراسة الدلالة ليست بحثًا في اللغة فحسب، بل هي بحثٌ في الإنسان، في وعيه، وفي طريقته في بناء العالم.

وهكذا، يتجلّى التفكير الدلالي العربي بوصفه مشروعًا معرفيًا عميقًا، يتجاوز حدود اللغة إلى آفاق الفلسفة والوجود. إنّه دعوةٌ إلى إعادة النظر في المعنى، لا بوصفه معطًى جاهزًا، بل بوصفه عمليةً مستمرّة من التأويل، تتجدّد بتجدّد التجربة الإنسانية، وتبقى مفتوحةً على إمكانياتٍ لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في قصيدته العميقة "طفولة في حضرة الله" يقدّم الشاعر طارق الحلفي نصًا شعريًا ينهض على حافة الألم الإنساني، حيث لا يكون الشعر مجرد تعبير وجداني أو غنائية ذاتية، بل يتحول إلى ضميرٍ يقظٍ يفتّش في العتمة عن الحقيقة. إننا أمام قصيدة تُحاور مأساة اجتماعية بجرأة أخلاقية وجمالية في آنٍ معًا؛ قصيدة تستدعي البراءة الجريحة من هوامش الصمت لتضعها في قلب السؤال الإنساني الكبير: كيف يمكن للعالم أن يواصل ادعاء الطهر فيما تُغتال طفولته بصمت؟

منذ العتبة الأولى للنص يختار الشاعر صورة افتتاحية مكثفة، تحمل في طياتها انكسار الوجود كله:

"تلمُّ طفولةً سوداء فوق سرير غربتها"

هذه الصورة ليست وصفًا لحالة عابرة، بل تأسيسٌ لفضاء رمزي كامل. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية فحسب، بل كينونة إنسانية خالصة، بينما يتحول “السواد” إلى استعارة للوجع التاريخي المتراكم. أما "السرير"، وهو في الوعي الجمعي رمز الطمأنينة والحماية، فينقلب في القصيدة إلى مسرحٍ للغربة والانكسار.

وفي هذا التحول الرمزي ينجح الشاعر في خلق مفارقة أخلاقية صادمة:

 حين يغدو موضع الرعاية فضاءً للانتهاك، فإن العالم يكون قد اختلّ في جذره العميق.

تمضي القصيدة بعد ذلك في نسج شبكة كثيفة من الصور الاستعارية التي تتعالق فيما بينها لتصنع مناخًا شعوريًا خانقًا، كأن اللغة نفسها تُحاصر الألم. ففي قوله:

"وشالاتٍ من الحزن تعتق فيه محنتها"

يتحوّل الحزن إلى نسيجٍ يلتف حول الجسد، بينما تتكاثف الدلالة في عبارة:

"فيا صمتًا يفزز صمت دمعتها"

حيث يصبح الصمت نفسه كائنًا مضاعفًا، يتكاثر كأصداءٍ في فراغ الروح.

 هنا لا يكتفي الشاعر بوصف البكاء، بل يجعل الدموع حالة كونية من الانقطاع بين الصوت والمعنى، بين الصرخة وإمكانية سماعها.

إنها بلاغة التراكم الشعوري، حيث تتوالد الصورة من أختها، حتى يبلغ النص درجة من الاختناق العاطفي تشبه حالة الضحية ذاتها.

غير أنّ قوة القصيدة لا تكمن في وصف الألم وحده، بل في كشف الآليات الاجتماعية التي تصنعه. ففي المقطع المفصلي الذي يقول فيه الشاعر:

"رذاذًا من غبار الفقه لفوه بشهوتهم

ورشوه على تيجان ميسمها

وقالوا إنه الشرع"

يبلغ النص ذروة التوتر الأخلاقي. هنا تتجلى واحدة من أكثر صور القصيدة قسوةً وجرأة؛ إذ يتحول الخطاب الديني، في يد المتلاعبين به، إلى قناعٍ يُخفى خلفه الاستغلال.

 ليست المسألة نقدًا للدين، بل فضحٌ للكيفية التي يُستعمل بها الدين حين ينفصل عن جوهره الأخلاقي.

 ومن هنا يكتسب النص بعدًا فكريًا يتجاوز الحكاية الفردية ليغدو نقدًا لبنية ثقافية تسمح بانتهاك البراءة تحت غطاء التأويل.

ولتعميق هذا البعد الرمزي يستدعي الشاعر حيواناتٍ دلالية ذات حضورٍ ثقافي كثيف، أبرزها الذئب والغراب. ففي قوله:

"لتُخفي من كساء الدين ذئبًا في عباءتها"

تتجسد صورة الذئب بوصفها استعارة مكثفة للنفاق الأخلاقي؛ فالذئب هنا ليس مجرد كائن مفترس، بل رمزٌ لمن يتخفّى خلف لباس القداسة ليضفي على شهوته مشروعية زائفة.

 إنها صورة قاسية، لكنها من تلك الصور التي تظل عالقة في ذاكرة القارئ، لأنها تكشف ما تحاول اللغة الاجتماعية إخفاءه.

أما الغراب، الذي يظهر في قوله:

"غرابٌ من رماد الموت رفرف فوق شرفتها"

فيحمل دلالة النذير المظلم في الاعتقاد الإنساني. لكنه في هذه القصيدة لا يرمز إلى موتٍ فجائي، بل إلى موتٍ بطيءٍ للبراءة. إن رفرفة الغراب فوق الشرفة ليست سوى ظلٍّ طويلٍ للكارثة الأخلاقية التي تحاصر الطفولة.

 وهكذا تتحول الطبيعة نفسها إلى مرآةٍ للخراب الروحي الذي يصيب العالم حين تتعرض البراءة للانتهاك.

على المستوى الأسلوبي تنتمي القصيدة بوضوح إلى فضاء الشعر الحداثي، حيث تتدفق الجملة الشعرية بلا قيود عروضية صارمة، لتخلق إيقاعًا داخليًا ينبع من توتر المعنى لا من انتظام الوزن وحده. إن هذا التدفق يشبه تيار وعيٍ شعريٍّ يلاحق الفكرة وهي تتشكل في قلب العاطفة.

في مقطع مثل:

"فيكسر روحها البلور أشلاءً

وأوجاعًا من القهر تبعثرها"

نلمس كيف تتشظى اللغة نفسها لتوازي تشظي الروح. فالجملة تتكسر كما تتكسر البراءة، وكأن البناء الأسلوبي يعيد تمثيل الانهيار الداخلي الذي تعيشه الشخصية الشعرية.

وإذا ما انتقلنا إلى القراءة الرمزية الأعمق، فإن الطفلة في القصيدة ليست شخصية فردية فحسب، بل صورة مكثفة للبراءة الإنسانية حين تقع تحت سلطة التأويل الخاطئ. إنها تمثيل لكل طفولة تُسلب حقها في النمو الطبيعي. ولهذا يكتسب السؤال الذي يطرحه الشاعر في خاتمة النص بعدًا وجوديًا بالغ العمق:

"أربٌّ سوف يحكمها

ولم تضلل ضلالًا هل يسامحها؟"

إنه سؤال يتجاوز الحكاية ليصل إلى تخوم الفلسفة الأخلاقية:

كيف تُحاسَب البراءة على جريمة لم ترتكبها؟ ومن الذي يحمل وزر هذا الخراب في ميزان العدالة الكونية؟

عند تأمل البنية الجمالية للقصيدة يمكن أن نلمح صدى تجارب شعرية كبرى في الشعر الحديث. فالتكثيف الرمزي والانحياز للإنسان الجريح يذكّران بتجربة محمود درويش الذي حوّل الألم الفردي إلى رمز إنساني شامل.

 كما أن جرأة النقد الاجتماعي في النص تستدعي روح التمرد الشعري التي نجدها عند سعدي يوسف في تفكيك البنى الثقافية الصلبة.

 أما من حيث الرؤية الكونية التي تمزج الشعر بالتأمل الحضاري في مصير الإنسان، فيمكن أن نجد أصداء بعيدة لتجارب شعراء عالميين مثل بابلو نيرودا   واليوت، حيث يتحول النص الشعري إلى مرآة لقلق العصر بأسره.

غير أن قصيدة طارق الحلفي تحتفظ مع ذلك بفرادتها الخاصة. فهي لا تستعير صوتًا جاهزًا، بل تنبع من جرحٍ واقعي شديد الخصوصية.

ولهذا تبدو اللغة فيها كأنها تمشي على حافة النار؛ لغة مشحونة بالاستعارة، لكنها في الوقت نفسه شفافة بما يكفي لتكشف الحقيقة دون مواربة.

إن الرسالة العميقة التي يحملها النص ليست شعارًا مباشرًا، بل ومضة أخلاقية تتسلل عبر نسيج الصور:

حين يصمت المجتمع أمام انتهاك البراءة، يصبح الصمت نفسه شريكًا في الجريمة.

 ومن هنا يغدو الشعر ضرورة وجودية، لا ترفًا ثقافيًا؛ لأنه الوسيلة القادرة على إعادة إيقاظ الحس الإنساني في زمن تتكاثر فيه الأقنعة.

لهذا يمكن القول إن "طفولة في حضرة الله" ليست مجرد قصيدة، بل وثيقة وجدانية تقف عند تخوم الشعر والفكر معًا. إنها نص يعيد إلى اللغة قدرتها على الاحتجاج، ويعيد إلى الشعر وظيفته القديمة بوصفه ضميرًا حيًا للعالم.

ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات العالية وتندر الحقيقة، يظل الشعر ـ حين يُكتب بهذا العمق ـ أحد آخر الأماكن التي يمكن للبراءة أن ترفع فيها صوتها.

وهكذا يخرج القارئ من هذه القصيدة وهو يشعر أن الطفولة التي تحدّث عنها الشاعر ليست طفولة بعيدة في نصٍ شعري، بل هي جزء من إنسانيتنا المهددة نفسها.

 ولعل أعظم ما يحققه النص أنه يذكّرنا بأن الدفاع عن البراءة ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل فعلٌ ثقافي وأخلاقي يعيد إلى الإنسان صورته الأولى:

كائنًا خُلق ليحرس النور لا ليطفئه.

***

سعاد الراعي

........................

طفولة في حضرة الله

بقلم: طارق الحلفي

تَلِمُّ طفولةً سوداء

فوقَ سريرِ غربتِها

وشالاتٍ من الحزنِ

تعتقُ فيه مِحنتَها

فيا صَمتا

يفَزِزُ صَمتَ دَمعتها

ويا صَوتا

يُؤرق نومَ لُعبتِها

فلا ضَوءٌ يبللها

ولا تَغريدَ أصحابٍ يُعابثها

تبيحُ لنفسِها عُذرا

وعذرا يُزني غَصّتها

فيجهِضها زِحامُ العَزلِ

شوكا فوق شَرشفِها

فيكسرُ روحَها البلورِ أشلاءً

واوجاعا من القهرِ تبعثرُها

ليبني من براءتها

زنازينا لهودَجِها

رذاذا من غُبار الفُقهِ

لفوهُ بشهوتهم

ورشوه على تيجان ميسمها

وقالوا انه الشرع

وأعشابا

سَنَكسو ارضَ ملعبِها

ونطلقُ من حَدائِقِها

عصافيرا خُرافيّة

تلونُ ليلَ ضَحكتِها

فَغَصبا إن دنى وَجَعٌ

وشَرعاً بَيْعُ عُذرَتَها

فلا الهَدِيُّ الذي تَهدى

ولا من يُهدي لوعتَها

لتُحكَمُ بالرَّتاجِ الألف

ابوابا لصَرختِها

غُرابٌ من رمادِ الموتِ

رفرَفَ فوق شرفتِها

فتنتعل المروءةِ خفها عهرا

بدعوى انها مُتَعٌ تواسيها

بهمس ناعم تدمي مباهِجِها

وعصفا من ملاعبِها تجردها

لِتُخفي مِن كِساءِ الدينِ ذئبا في عباءتها

تُحيِّرُها متاهتها

فمن ذا يا ترى يشقى لمحنتها

أربٌّ سوف يحكمها

ولم تضلل ضلالا هل يسامحها؟

إذا ما اورقت يوما بلوعتها

كظل بين حضرته وسنبلها

واثارٌ من الرعب ومَظـلَمَةٌ على يدها

أتدعوهُ

أتدعو ربَّها المَخبوءَ

في عينِ الذي صَلى بنرجِسِها

ليحملَ عن طفولتها

سرابا عاثَ في مجرى انوثتها

وانفاسا مسوَّمة بخيطٍ من جنازتها

واعواما من الاشجانِ تِنفخُ في قيامتِها

 

مقاربة بنيوية، سيميائية، نفسية في قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي

مقدّمة منهجية: تنطلق هذه القراءة من فرضية أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي لا تُقارب بوصفها نصًا مناسباتيًا بالمعنى الضيق، بل بوصفها نظامًا دلاليًا مركّبًا تُعاد داخله صياغة القيم السياسية والأخلاقية والجمعية عبر بنية شعرية كثيفة تقوم على الاستعارة والرمزية - بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، وتكثيف العلامة وبناء ذات جمعية تتقدّم على الذات الفردية.

وتعتمد الدراسة مقاربة مركّبة تجمع بين المنظور البنيوي والسيميائي والنفسي:

- بنيويًا: تُقرأ القصيدة شبكةً من العلاقات الداخلية المتفاعلة، لا مجرد أبيات متجاورة.

- سيميائيًا: تُفهم الصور والرموز بوصفها علامات تحمل دلالات متراكبة تتجاوز ظاهرها المباشر.

- نفسيًا: يُنظر إلى حضور الجماعة وغياب الأنا الفردية على أنه تعبير عن بنية نفسية–جمعية في سياق تاريخي مثقل بالقمع والانكسارات.

تُحلَّل القصيدة في ضوء هذه المقاربة عبر مستويات ثلاثة متداخلة: العتبات النصية، والبنية الاستعارية–الرمزية بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، ثم بناء النموذج الإنساني في تفاعله مع الزمن والتاريخ والجسد.

إحتفاء

" الى الأمرين بالعدالة والناهين عن

الإستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وأخوة سلام عادل وحسن سريع .."

بسطاء كثيابِ أبي ذرّ الغفاري ..

خِفافٌ كحصان عروةَ بن الورد ..

يكرهون الإستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حبَّ العشبِ للربيع ..

سيماؤهم في أيديهم من أثر البياض ..

وحيثما ساروا :

تنهض المحبةُ من سُباتِها !

عِطرُهم عَرقُ الجباه ...

ومثل تنّورٍ

يمنحُ خبزهُ للجائع مُكتفياً برماده

يقولون من تلقاءِ أنفسِهم : خذوا

ولا ثمة في قاموسِهم كلمة " أعطِني "

لهم من المطرقةِ :  الصّلابة ..

ومن المنجلِ: حِدَّته ..

ومن الحمامةِ هديلُ الدولاب  !

منذ  إحدى وتسعين  دورة شمس

وهم يُعبِّدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينةِ الإنسان !

مُيَمِّمين قلوبهم: نحو اللهِ ..

وعيونهم: نحو الوطن الحرِّ والشعب السعيد ..

منذ إحدى وتسعين  دورةِ شمس

وهم كالأنهار :

لا يلتفتون الى الوراء حين يسيرون !

وكالجبال:

لا  يُزحزحهم عن النورِ  ظلامُ الطواغيتِ

وسياطُ الجلادين !

***

أولًا: العتبات النصيّة وبناء أفق التلقّي

1. العنوان: "احتفاء" بوصفه نواة دلالية

يأتي العنوان بصيغة المصدر النَّكرة "احتفاء"، وهو اختيار دقيق يفتح النص على أفق تأويلي مفتوح. فالمصدر هنا لا يحيل إلى فعل منجز أو ظرف زماني محدَّد، بل إلى حالة مستمرة ومنفتحة؛ ما يجعل الاحتفاء بنيةً معنوية دائمة، لا طقسًا عابرًا.

سيميائيًا، يعمل العنوان بوصفه علامةً كلية تُكثِّف البنية العميقة للنص، وتؤجِّل في الوقت ذاته تحديد موضوع هذا الاحتفاء، بحيث لا يتبلور موضوعه (بمن يُحتفى؟ ولماذا؟ وكيف؟) إلا عبر تراكب الصور والاستعارات في المتن الشعري.

2. الإهداء: من التسمية إلى التأسيس الرمزي

"إلى الآمرين بالعدالة والناهين عن الاستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وإخوة سلام عادل وحسن سريع..."

لا ينهض الإهداء هنا بوظيفة شكلية أو توثيقية فحسب، بل يتخذ موقع العتبة النصية المؤسِّسة. فهو يحدّد منذ البداية الحقل القيمي الذي تتحرّك فيه القصيدة: ثنائية العدالة/الاستغلال. كما أن استحضار أسماء مثل فهد، سلام عادل، حسن سريع، يحوِّل هذه الشخصيات من مجرد إحالات تاريخية إلى علامات سيميائية مكثّفة تختزن ذاكرة نضالية وطبقية ووطنية.

بهذا المعنى، يصبح الإهداء آلية لربط الحاضر بالماضي، وإدراج النص ضمن أفق نضالي ممتد. نفسيًا، يؤسس الإهداء لهيمنة الذات الجمعية (أحفاد، إخوة) على حساب الذات الفردية، في انسجام مع البنية النفسية العامة للقصيدة التي تنشغل ببناء نموذج جمعي للمناضل.

ثانيًا: بناء الصورة الأخلاقية–الوجودية للمناضل

1. بساطة الزاهد وحركة الفارس

"بسطاء كثياب أبي ذر الغفاري

خفاف كحصان عروة بن الورد"

يبدأ الشاعر بتشييد صورة المناضل عبر تشبيهين مرجعيَّين كثيفَي الحمولة الأخلاقية والتاريخية. فالبساطة التي تُنسب إلى "ثياب أبي ذر الغفاري" تستدعي فورًا قيم الزهد، والصدق، والانحياز للفقراء. تتحوّل الثياب من عنصر مادي إلى علامة أخلاقية، فيغدو المظهر مرآةً لجوهر قوامه النزاهة والعدل.

وفي المقابل، يضفي تشبيههم ب"حصان عروة بن الورد" صفة الخفة والحركة والجاهزية الدائمة للفعل. هنا يتكامل البُعدان: الزهد/القيم من جهة، والحركة/الفعل من جهة أخرى، ما يرسّخ نموذجًا إنسانيًا لا ينغلق في مثالية سكونية، بل يبقى في حالة استعداد دائم للممارسة والتغيير.

2. الطبيعة بوصفها حقلًا للصراع القيمي

"يكرهون الاستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حب العشب للربيع"

تنقل القصيدة هنا القيم من حقل التجريد السياسي إلى حقل الطبيعة. فالعلاقة بين الشجرة والفأس ليست مجرد تقابل بين طرفَين، بل هي علاقة حياة/فناء. الكراهية لا تظهر موقفًا فكريًا تجاه "الاستغلال" بوصفه مفهومًا، بل غريزةَ دفاع عن الوجود نفسه، كما تدافع الشجرة عن ذاتها أمام الفأس.

وفي المقابل، يُطرَح حبّ العدالة على هيئة حبّ العشب للربيع؛ أي أن العدالة تتحول إلى شرط نموّ وازدهار. بهذا الانزياح الدلالي، يغدو الاستغلال تهديدًا للحياة ذاتها، وتتحول العدالة إلى ضرورة كينونية، فتخرج من ضيق القانون والسياسة إلى رحابة الوجود والكون.

ثالثًا: الجسد بوصفه نصًّا دلاليًا

1. اليد بدل الوجه: إعادة توزيع النقاء

"سيماهم في أيديهم من أثر البياض

وحيثما ساروا تنهض المحبة من سباتها"

يقوم الشاعر هنا بتناصٍّ واضح مع التصوير القرآني "سيماهم في وجوههم"، لكنه يعيد صياغته عبر انزياح دلالي لافت، ينقل علامة النقاء من موضع المظهر (الوجه) إلى موضع الفعل (اليد). سيميائيًا، تتحول اليد إلى موضع تُقرأ من خلاله الأخلاق؛ فالبياض هنا نتيجة عمل وكفاح، لا سمة شكلية أو مظهرية.

أما "نهضة المحبة من سباتها" حيثما ساروا، فتعطي للمناضلين طابعًا إحيائيًا: مجرد حضورهم في المجتمع يوقظ القيم المخدَّرة، ويعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها. نفسيًا، تكشف هذه الصورة حاجة الجماعة إلى نموذج يُنعش إيمانها بإمكان التغيير ويُرمِّم الثقة بالقيم.

2. قلب المعايير الجمالية

"عطرهم عرق الجباه"

في هذا البيت، تنقلب معايير الجمال السائدة؛ إذ يتحول العرق – الذي يُقرَن عادةً بالتعب والمشقّة – إلى عطر. الجمال هنا ليس نتاج الزينة والترف، بل ثمرة العمل المنتج، والكدح من أجل الآخرين. هذه الاستعارة تعيد تعريف الجمال بوصفه قيمةً أخلاقية مرتبطة بالعطاء، لا زينة حسّية منعزلة عن الفعل.

رابعًا: الاستعارة المركزية للعطاء والفداء

"ومثل تنورٍ

يمنح خبزه للجائع مكتفيًا برماده

يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا

ولا ثمة في قاموسهم كلمة أعطني"

تبلغ البنية الاستعارية في هذه الأبيات ذروتها. فالتنور هنا ليس أداة طبخ فقط، بل ذات تحترق لتمنح الآخرين خبزهم، وتكتفي بفضلة الاحتراق: الرماد. تتحول الاستعارة إلى فلسفة عميقة للعطاء: الفناء الذاتي شرط لإنقاذ الآخرين وإطعامهم.

ويوازي ذلك البعد اللغوي–الأخلاقي في "يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا" مقابل محو كلمة "أعطني" من قاموسهم. هذا الإلغاء ليس مجرد فعل لغوي، بل تفكيك لبنية الفردية القائمة على الطلب والامتلاك، وبناءُ معجم جمعي جديد قوامه العطاء التلقائي والمبادرة الكريمة.

هنا تتقاطع البنية البلاغية مع البنية النفسية–الأيديولوجية: الذات المناضلة لا تعرّف نفسها بما تأخذه، بل بما تعطيه، ولا ترى في العطاء تفضُّلًا، بل جوهر وجودها ومعناها.

خامسًا: الرموز الأيديولوجية وإعادة شحنها جماليًا

"لهم من المطرقة: الصلابة

ومن المنجل: حدته

ومن الحمامة: هديل الدولاب"

تستدعي القصيدة رموزًا ذات خلفية أيديولوجية واضحة (المطرقة، المنجل، الحمامة)، غير أن الشاعر يتجنّب تحويلها إلى شعارات مباشرة، ويعيد إدماجها في نسيج شعري حيّ:

- المطرقة: تتحوّل إلى علامة الصلابة والقوة في مواجهة الظلم.

- المنجل: يُستثمر بوصفه أداة إنتاج وحسم معًا، دالًّا على القدرة على القطع مع الاستغلال.

- الحمامة: رمز السلام، لكن ربطها ب"هديل الدولاب" يدمج السِّلم بالحركة والعمل اليومي؛ السلام هنا ليس سكونًا، بل نتاج حركة إنتاجية واجتماعية مستمرة.

سيميائيًا، توفّق هذه الأبيات بين الدلالة الأيديولوجية والتشكيل الجمالي، فتُنشئ نظامًا رمزيًا للعمل المنتج، والصمود، والسلام الفعّال.

سادسًا: الزمن والجسد واليوتوبيا الإنسانية

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينة الإنسان"

ينقل الشاعر الزمن من وحدته التقويمية (سنة/عام) إلى صورته الكونية "دورة شمس"، في انزياح يوسّع أفق النضال من لحظة تاريخية إلى حركة كونية مستمرة. هذا التأطير يضفي على التجربة النضالية بعدًا من الثبات والاستمرارية.

في "يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة"، يتحول الجسد إلى مادة تاريخية؛ الأضلاع – بما تحمله من هشاشة وحماية في آن – تغدو حجارة تُمهَّد بها الطريق. لا يعود الإنسان شاهدًا على التاريخ، بل عنصرًا بنيويًا في صناعته. وتغدو "القافلة" استعارة للجماعة البشرية السائرة نحو أفق "المدينة الإنسان"، هذه اليوتوبيا التي تمثّل ذروة تطلّع القصيدة إلى مجتمع عدالة وكرامة وحرية.

سابعًا: توازن البعد الروحي والوطني

"ميمّمين قلوبهم نحو الله

وعيونهم نحو الوطن الحر والشعب السعيد"

تكشف هذه الثنائية عن بنية دلالية مركّبة يمكن قراءتها ضمن إطار سيميائي–أنثروبولوجي للجسد، حيث لا يُستدعى الجسد بوصفه حضورًا فيزيائيًا محايدًا، بل بوصفه وسيطًا رمزيًا يُنظّم العلاقة بين القيمة والفعل. فالقلب، في المتخيّل الثقافي، لا يمثّل عضوًا بيولوجيًا فحسب، بل يُشفَّر بوصفه موضع النية والالتزام الأخلاقي، ومن ثمّ فإن توجّهه نحو المطلق/القدسي (الله) يحيل إلى تموضع قيمي داخلي يستبطن معيار الفعل قبل تحقّقه.

في المقابل، تؤدّي العين وظيفة سيميائية مغايرة، إذ ترتبط في الأنثروبولوجيا الرمزية بمجال الرؤية والمراقبة والتوجّه نحو العالم. وتشخيصها نحو "الوطن الحر والشعب السعيد "  يعبّر عن مجرّد رغبة أو تطلّع، بل عن إدراج الجسد في أفق الفعل التاريخي، حيث يصبح الواقع الاجتماعي مجال اختبار القيم لا نقيضها. وبهذا، يتشكّل توزيع دلالي للجسد يمنع الانقسام بين الداخل والخارج، ويؤسّس علاقة تكاملية بين البعد الروحي والبعد الوطني.

إن هذا التنظيم السيميائي لأعضاء الجسد يحوّل الإيمان من حالة وجدانية معزولة إلى بنية حركية موجِّهة للفعل، ويجعل الانحياز للوطن والشعب امتدادًا منطقيًا للتوجّه القيمي لا خروجًا عليه. فالجسد هنا لا ينقل المعنى فحسب، بل ينتجه، عبر ربط صفاء النية بمسؤولية الرؤية، والمطلق القيمي بأفق التحقّق التاريخي.

وعلى هذا الأساس، تؤسّس القصيدة نموذجًا أنثروبولوجيًا للمناضل بوصفه ذاتًا موحّدة، تتجسّد فيها القيم عبر الجسد ذاته، لا عبر خطاب مجرّد. فلا يعود الوطن حيّزًا جغرافيًا محايدًا، بل فضاءً أخلاقيًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المقدّس واليومي، بحيث يغدو الفعل التاريخي شكلًا من أشكال تجسيد القيمة العليا، لا انفصالًا عنها.

ثامنًا: الاستمرارية والثبات في مواجهة القمع

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم كالأنهار:

لا يلتفتون إلى الوراء حين يسيرون!

وكالجبال:

لا يزحزحهم عن النور ظلام الطواغيت

وسياط الجلادين!"

تُستكمل حركة الزمن (دورات الشمس) بصورتين كونيّتين:

- الأنهار: رمز الحركة المستمرة في اتجاه واحد نحو المصب، بلا التفات إلى الوراء. إنهم مناضلون لا يستغرقون في الحسرة على الماضي، بل يتجهون إلى المستقبل بإصرار.

- الجبال: رمز الثبات والرسوخ، لا تُزحزحها العواصف ولا الظلمات. "ظلام الطواغيت" و"سياط الجلادين" هنا لا تملك القدرة على اقتلاع هذا الثبات، فيتكرّس نموذج مناضل يجمع بين حركة النهر وثبات الجبل.

في هذا المقطع الختامي، يتجسد البعد السياسي–النفسي في أصفى صوره: التاريخ المثقل بالقمع لا يُفضي إلى الانكسار، بل إلى مزيد من الترسّخ في خيار العدالة والنضال.

تاسعًا: البعد البنيوي–السيميائي–النفسي العام

على المستوى البنيوي، تنتظم القصيدة في مسار تصاعدي يبدأ ببناء الصورة الأخلاقية للمناضل (البساطة، الزهد، الحركة)، ثم ينتقل إلى تجسيد قيمه عبر الطبيعة والجسد (الشجرة/الفأس، العشب/الربيع، اليد/البياض، عرق الجباه)، ثم يتوسّع إلى فضاء الرموز الأيديولوجية المعاد تشكيلها (المطرقة، المنجل، الحمامة)، لينتهي إلى تأطير تاريخي–كوني (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) يمنح هذا النضال معنى الاستمرارية والثبات.

سيميائيًا، تتحوّل الطبيعة والجسد والأدوات إلى شبكة علامات متفاعلة:

- الطبيعة (الشجرة، العشب، الربيع، الأنهار، الجبال) حقل صراع بين الحياة والفناء، العدالة والاستغلال.

- الجسد (الأيدي، الجباه، الأضلاع، القلوب، العيون) نصّ دلالي تُكتب عليه تجربة النضال وتُقرأ.

- الأدوات والرموز (التنور، المطرقة، المنجل، الحمامة، الدولاب) تعيد تعريف العمل والعطاء والسلام في أفق إنساني جمعي.

«نفسيًا، يلفت غياب "الأنا" الفردية لصالح "هم" و"أحفاد" و"إخوة"؛ ما يشي بتشكّل ذاتٍ جمعية تُقدَّم بوصفها حاملًا للتجربة التاريخية والقيمية. هذا البناء النفسي–اللغوي يمكن قراءته بوصفه استجابة رمزية لسياق من القمع والانكسارات، حيث تسعى القصيدة إلى ترميم المعنى عبر إعادة تشكيل صورة المناضل في أفق مثالي–تحفيزي، لا هروبي، يستشرف إمكانية استمرار الفعل وجدواه. ولا يتأسّس هذا النموذج الجمعي على خطاب أيديولوجي أو ديني مباشر، بل على منظومة قيمية تتجسّد في الزهد، والعطاء، والتضحية، والعمل المنتج؛ فالنقاء يُقاس بالفعل لا بالانتماء، والجمال يُعاد تعريفه عبر الجهد والمعاناة، بما يمنع الانقسام بين الأخلاق والسياسة، ويجعل الفعل النضالي امتدادًا طبيعيًا لمنظومة قيمية جمعية راسخة.

خاتمة

تكشف هذه المقاربة أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي تنهض بوصفها نصًّا شعريًا مركّبًا يعيد إنتاج القيم السياسية والأخلاقية ضمن بنية جمالية–دلالية راسخة. فالاحتفاء في القصيدة ليس ثناءً مناسباتيًا، بل فعل تأويلي يعيد تعريف الإنسان المناضل بوصفه مركز القيمة، حيث:

- تتحوّل العدالة من شعار سياسي إلى ضرورة كونية وشرط للحياة.

- يُعاد تعريف الجمال من خلال عرق الجباه واحتراق التنور وعطاء الجسد.

- تُفكَّك لغة الفردية لصالح معجم جماعي قوامه "خذوا" ونفي "أعطني".

- يتداخل البعد الروحي بالبعد الوطني، فلا انفصال بين التوجّه إلى الله والانحياز للوطن والشعب.

- يُدمَج التاريخ الشخصي والجمعي في حركة كونية (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) تمنح النضال بعدًا من الاستمرار والثبات.

وبذلك، تُغدو قصيدة "احتفاء" فضاءً لتجسيد يوتوبيا إنسانية تتقاطع فيها الاستعارة مع السياسة، والجسد مع التاريخ، والرمز مع الوعي الجمعي، في أفق مفتوح على إمكان دائم لتجدّد الحلم وإعادة كتابة المعنى الإنساني بلغة الشعر.

***

سهيل الزهاوي

نحو تفكيك الجملة بوصفها جهازاً تأويلياً بين الاقتصاد النحوي وانزياح الدلالة في نص الشاعر العراقي القدير فائز الحداد

 ***

إليكِ إلا قليلاً 

إذ تهبين الباب سرَّ المعنى ويضيع مفتاح  الكلام

وإذ أنتِ سيدة الجحود بنفاية الأمل .. ولا سبيل هناك !!

فأي شفرة تحملين في يدٍ تباغت السؤال ..

 لتذهب الحيّرة بأقاصي المعنى

لعليٍّ ..عاصٍ على ألهاتِ الرؤى

وربما أجاد الربُّ بك وإن خلق غيرك

وتشتركان في أرومة الفتحِ!!

هو الباب وأنتِ..

ظهران تتجلاهما الأعالي في سمو النظرة السائلة

وبسمة الريبة ..حين احتكمت لليدين الخفيتين

أممنوعٌ عليَّ أن أطرق سماءك معلناً ضراعتي ..؟!

فقلبي هزّني بعنفِ العشق وأضاعني بينك وبين إمامةِ قلبكِ

لم أعهدكِ ريحاً تزلزل رماة الحدق..

ونسيتُ قولَ أمّي:

" المرأة كالريح إن لم تقلعك بعنف .. تهزُك بجدوى"!!

المدخل والرؤية المنهجية:

​هذا النص يقارب ضمن أفق نقدي يتأسس على تراكب مستويين متلازمين:

المستوى النحوي القاعدي الذي يعيد ترتيب العلاقات داخل الجملة في سياق كونها بنية حاكمة للقول  والمستوى السيميائي التفكيكي الذي يعيد توزيع العلامة خارج استقرارها المرجعي بحيث تغدو الجملة ذاتها وحدة دلالية منتجة إلى جانب أنها حاوية. إن هذه المقاربة تنفذ إلى عمق البنية بحيث تتجاور الوظيفة الإعرابية مع الطاقة التأويلية ويتحول التركيب إلى مجال توتر دلالي تتكاثر فيه الإحالات وتتوالد منه المصطلحات

​وعليه فإن الجملة هنا تقرأ بوصفها "بؤرة مفهومية" قادرة على إنتاج معناها وتفكيكه بسوية واحدة.  وبشكل ينبثق منه كل تركيب نحوي أفق فلسفي يتجاوز حدوده اللغوية

العنونة وأهميتها في النقد الحديث:

"إليك إلا قليلا" كونها عتبة مراوغة:

​تتشكل العنونة من شبه جملة (إليك) متعلقة بمحذوف دلالي يتلوها تركيب استثناء (إلا قليلا) الذي يربك اكتمال الإسناد وهذا البناء ينتج توتره بين فعل الإهداء وحدوده بما يكفل تحوّل العنوان إلى اقتصاد لغوي يقوم على اقتطاع المعنى بدل اكتماله نحوياً

والاستثناء يفترض فيه إخراج جزء من كل بينما هنا يتقلص الكل ذاته داخل هذا "القليل" فتغدو العتبة جهازاً لإرجاء المعنى ومن هذا المنطلق تنبثق بنية يمكن وسمها بـ "اقتصاد الإهداء الناقص" مما يجعل الخطاب يقدم ضمن إطار كأنه وعدٌ دلالي مفتوح يتشكل عبر النقص ويتغذى من التوتر

الاشتباك الدلالي والتموضع النحوي:

​عن جدلية الرمز:

 (الباب- المفتاح- الكلام)

نلحظ بأن ​الجملة الفعلية "تهبين الباب سر المعنى" تستخدم لمنح "الباب" سلطة مطلقة

فمن الناحية الإشاراتية فالباب هو البرزخ بين المعلوم والمجهول

أما عن الارتكاز النحوي: فاستخدام الفعل المضارع "تهبين" و "يضيع" يضفي ديمومة على الحالة الشعورية ضياع "مفتاح الكلام" هو إعلان عن عجز اللغة التقليدية عن فك شفرة الكائن

وعنها ​تأويلياً:

 فنلمس هنا تصور العلاقة انطلاقاً من كونها تجربة اقتراب مشروط تفتح الأبواب ظاهرياً بينما يسحب الإمكان الحقيقي للدخول

​المفهوم إذاً في تلك الجملة هو:

"وهم الانفتاح"

التضاد الوجودي

 (سيدة الجحود / نفاية الأمل):

سنتعمق بهذه الجملة دون غيرها لتبيان التوظيف السياقي العام لدى الناص وتوجهه من خلالها لأن محورية النص تتمركز على تلك السيدة :

"وإذ أنتِ سيدة الجحود بنفاية الأمل"

إذا نظرنا إليها نحوياً فالجملة تتأسّس على مبتدأ ظاهر "أنت" وخبر مركب إضافي "سيدة الجحود" تعقبه بنية شبه جملة "بنفاية الأمل" تقيد هذا الخبر وتُحمّله كثافة دلالية وهذا التركيب يشيد مركزاً إسنادياً ثابتاً ظاهرياً بحيث تُمنح المخاطبة صفة السيادة. غير أن القراءة التأويلية وبحرفية عالية تُزحزح هذا الثبات إذ إنّ الشاعر حين يصوّر المرأة بوصفها "سيدة الجحود" فهو لا يمنحها تلك الصفة الأخلاقيّة فقط إنما يُقيمها في موقع السلطة على الانقطاع العاطفي  كأنها تتحكم في اقتصاد العاطفة عبر المنع وتدير حضورها من خلال الغياب. ثم تأتي عبارة "بنفاية الأمل" لتفتح أفقها الأعمق فما عاد يتعلق الأمر بجحود عابر إنما بجحود مؤسَّس على بقايا الأمل نفسه أي أنّ المرأة هنا لا تُنهي الأمل لكنها تُبقيه في حالته الأدنى في صورة "نفاية" وأثرٍ باق،  يكفي لإدامة التعلّق دون أن يسمح بالاكتمال. وبهذا المعنى تتشكّل صورة المرأة بوصفها: كياناً يُنتج التعلّق عبر الحرمان. وسلطة تُبقي الآخر معلقاً بين الرجاء والانطفاء. وهنا يمكننا إحالة هذه البنية إلى أفق تفكيكي بحيث يتحول المعنى إلى أثر مؤجل كما تتقاطع مع منظور وجودي تُصبح فيه العلاقة مجالاً للقلق والتوتر بدل الطمأنينة.

من هنا نقول ومن خلال ذلك السياق تظهر الحنكة الحداثية لدى الناص بحرفيتها في تركيب صور متنافرة  عبر عنها بـ "سيدة الجحود" المقترن بـ "نفاية الأمل" إذ يعيد هنا تعريف المطلقات فالجحود هنا لم يكن رذيلة أخلاقية لكنه ترفع وجودي عن المتاح والسهل. فاعتماد النص على الجملة الاسمية التي ابتدأت  "أنت" دعم تثبيت الصفة وجعلها جوهراً ثابتاً، إذ منحت المرأة سلطة عاطفية قائمة على التحكم في المنع فهي لا تنهي الأمل بل تبقيه في حده الأدنى لإبقاء العاشق معلقاً. فهي تُثبّت المخاطبة في موقع السيادة غير أن التراكم الإضافي (سيدة الجحود) يتجاور مع شبه الجملة (بنفاية الأمل) لينتج تضخيماً ينقلب إلى تفريغ فنحوياً التحديد هنا يقوم على الإضافة والتعلق. أما دلالياً فينتج ما يمكن تسميته بـ"التكثيف السلبي" عندما تتكاثر الصفات لتُحيل إلى العدم. إن "السيادة" لا تمارس على شيء حاضر إنما على بقايا الأمل ما يعيد تعريف المركز بوصفه فراغاً مهيمناً

وننتقل إلى جملة: "فأيُّ شفرةٍ تحملين في يدٍ تباغت السؤال"

لو تمعنا فيها نشاهد أن الاستفهام هنا لا يطلب تعييناً بل يُنتج تعليقاً للدلالة. ونحيلها نحوياً: "أيّ" مفعول به و”تحملين” فعل مضارع غيرَ أن الجملة التابعة “تباغت السؤال” تسند الفعل إلى “اليد” في انزياحٍ يحرّر الأداة من تبعيتها، فلذلك نرى بأنّ هذه البنية تُشيّد ما يمكن تسميته بـ"تشظي الفاعلية" حين يتوزّع الفعل بين الذات وأجزائها ويغدو السؤال ذاته  موضوع مباغتة أي ليس بأداة لمعرفة

أما عن الجملة: "لتذهب الحيرة بأقاصي المعنى" فهنا تتبدى اللام التعليلية التي توحي بغاية واضحة غير أن النتيجة تفضي إلى مزيد من الابتعاد ونردّها نحويّاً: "الحيرةُ" فاعل،  و"بأقاصي المعنى" متعلّق

 أما دلالياً فتتحوّل الحيرة إلى قوة دافعة مما يؤدي ذلك هنا إلى تشكل بنية يمكن وسمها بـ"انقلابِ الغاية" بحيث يفضي السعي إلى الفهم نحو مزيد من التيه فيتحول المعنى إلى أفق مؤجّل.

وفي جملة: "لعليٍّ عاصٍ على ألهاتِ الرؤى". إن "لعل" تعلّق الجملة على أفق الاحتمال بينما يُحدث التركيب " عاصٍ على ألهات الرؤى" انزياحه المرجعي حين تعاد صياغة المقدس ضمن أفق مجازي. ونحيله نحوياً: الخبرُ محذوف تقديره (أنا). غير أن هذا الحذف يُنتج فراغاً دلالياً يتيح تعدّد القراءات. إنها بنية "تعليقِ الهوية" حيث لا تستقر الذات في تعريف نهائي.

وحين نتماهى مع: "هو الباب وأنتِ" نرى أن الجملة هنا تقوم على تقابل إسنادي يتوقف عند حد الحذف بحيث يترك خبرُ "أنتِ" معلقاً. هذا الحذف يُنتج ما يمكن تسميته بـ"الفراغ الإسنادي" وهو فراغ لم يُضعف الجملة إنما كثفها إذ يُحوّل القارئ إلى مُشاركٍ في إنتاجِ المعنى وهذا نعزوه لقدرة الشاعر بالمراوغة البنائية ضمن السياقية.

ونلتفت أيضاً إلى: "أممنوعٌ عليّ أن أطرق سماءك"، إن الجملة تتمظهر كتركيبُ استفهامي يحوّل إلى صيغة احتجاج بحيث يتقدّم الخبر "ممنوعٌ" ليهيمن على الجملة. ونحوياً نجد المصدر المؤوّل (أن أطرق) في محل رفع مبتدأ مؤخر غير أنّ هذا الترتيب يُنتج انزياحاً تداولياً يُضخم الإحساس بالقيد. أما مفردة "سماءك" فتفتح المجال نحو بعد كوني فتتوسع حينها دلالة المنع.

وفي قول الشاعر: "ونسيتُ قولَ أمّي"، نتبين أن الجملة الاعتراضيّة تُدرج صوتاً ثقافياً داخل النص حيث تُستعاد الحكمة الشعبية بوصفها مرجعية مؤجّلة فالشاعر بزحمة الإنهماك يستعير صوت الأصالة إذ يستدعي الشاعرُ صوت الأم كمنطلق لمرجعية شفهية ليمنح النص سَنداً قيمياً يتجاوز سياقه المكتوب بتبيئة المقولة أي دمج المقولة في بيئة نصية جديدة لتكتسب دلالة مختلفة.

ف​استحضار المرجعية الأمومية هنا تعتبر دعماً للسياق وكخزان للحكمة الفطرية التي تمنح النص شرعية أو صدقاً واقعياً. ونحوياً نجدها جملة بسيطة غير أنها تؤدي وظيفة تأويلية مركزية إذ تعيد قراءة النصّ كله عبر استعارة "الريح" فتتحول المخاطبةُ إلى قوّة كونية مزدوجة قلع أو اهتزاز ​تعطيل الإدراك والتمرد ​شفرة تباغت السؤال:

فالمرأة هنا لا تكتفي بالغموض بل تربك فعل الفهم نفسه وكأنها تفشل كل محاولة تفسير قبل أن تتشكل. أما لو عدنا لتشكيل ​أرومة الفتح عن ذاك الباب فنرى أن النص يحيلنا هنا إلى المنهج الإشراقي. فثمة مماهاة بين "هو" (الباب) و"أنت" (الأنثى/القصيدة) مما يعيدنا إلى ثنائية الظاهر والباطن في الفكر الصوفي.

ونلمس في "​عاص على ألهات الرؤى": إعلان تمرد داخلي حتى في حضرة الجمال هناك مقاومة كامنة ورغبة في النجاة.

الامتدادُ التأويليّ العامّ: نحو نهج مصطلحي متجاوز إنّ تتبع الجمل يكشف عن نظام دلالي قائم على:

1 / تفكيكِ العلاقةِ الأداتيّة

2 /تشظّي الفاعليّة

3 / تعليقِ الهوية

4 / انقلابِ الغاية

5 / الفراغِ الإسناديّ

وهي مفاهيم لا تستورد جاهزة إنما تتولّد من داخل النص بما يحقق انتقالاً من "تطبيقِ المنهج" إلى "إنتاجِ المصطلح"

وإن اللغة هنا لا تحيل إلى معنى مستقر

 لكنها تمارسُ ما يمكن تسميته بـ"الانزياح البنيوي الشامل" حين تعاد صياغة كل علاقة داخل الجملة فتغدو الكتابة نفسها فعل تقويض للثبات.

وبشكل عام: فإن النص كوحدة عضوية وعند إعادة تجميع هذه الشظايا التركيبية في أفقها الكلي يتكشف النص باعتباره نسيجاً دلالياً لا يقوم على تعاقب الجمل إنما على توترها الداخلي فنجد بأنه تتحول كل جملة إلى بؤرة اشتغال فلسفي تحيل إلى منظومات مفاهيمية تتجاوز حدودها اللغوية فـ"تفكيكُ الوسيط" الذي انبثق من علاقة الباب بالمفتاح يجد صداه في أفق التفكيك عند (دريدا) حيث تنفصل العلامة عن مرجعها ويتأجل المعنى داخل سلسلة لا نهائية من الإرجاء.

كما أن "تشظّي الفاعليّة" في إسناد الفعل إلى اليد يلتقي مع تصور (ميشيل فوكو) للذات بوصفها منتجاً خطابياً أبعد عن كونها مركزاً ثابتاً بحيث تتوزع السلطة داخل البنية ولا تعود محصورة في ذات واحدة. وفي هذا الامتداد يغدو الفعل اللغوي نفسه ممارسة للسلطة إلى جانب التعبير عنها.

أما "تعليقُ الهوية" في بنية "لعلّ" فينفتح على أفق الوجودية عند (جان بول سارتر) إذ لا تُعطى الذات ماهيتها سلفاً لكنها تظل معلقة في مشروعها متأرجحة بين الاختيار والقلق وهو ما يتجلّى في هذا التردد البنيوي الذي لا يسمح للهوية بالاستقرار.

وفي موضع آخر فإن "انقلابَ الغاية" بحيثُ تقود الحيرة إلى أقاصي المعنى يحيل إلى منطق العبث عند (ألبير كامو) حين يتحول السعي إلى الفهم وإلى تجربة تيه وجودي تعرّي هشاشة العلاقة بين الإنسان والعالم. بل إن "الفراغ الإسناديّ" في الجملة الناقصة (هو الباب وأنتِ...) يمكن أن يُقرأ ضمن أفق (رولان بارت) عندما يعاد توزيع سلطة المعنى من الكاتب إلى القارئ.  فيغدو البياض نفسه عنصراً فاعلاً في إنتاج الدلالة وليس مجرّد نقص تركيبي. وبهذا التشكيل لا تعود الجملة وحدة لغوية فقط فهي تتحول إلى "مفهومٍ إجرائيّ" يعيد إنتاج ذاته عبر التفاعل مع منظومات فلسفية متعددة فيتشكل النص كحقل تداخل بين اللغة والفكر وبين البنية والتأويل.

وعلى مستوى الكلية إذاً يتبدى النص ككائن دلالي مراوغ تتجاور فيه النزعة التفكيكيّة (في إرجاءِ المعنى وتقويض المركز) مع الحس الوجودي (في قلق الذات وتعثرها). ضمن لغة تمارس الانزياح بوصفه شرطاً أنطولوجياً للقول.

وفي هذا الأفق تبرز لغة الشاعر كممارسة واعية لقلق الكتابة فهي لا تشيّد الجملة لتُطمئن إنما لتُربك ولا تدونها لتُحيل إلى ذاك المعنى الجاهز إنما لتفتح المعنى على احتمالاته القصوى.  إنّها لغة تمتلكُ جرأة تفكيك أدواتها وقدرة إعادة تركيبها بما يجعل النص فضاء متسعاً لا يُستنفد ولا يستقر على قراءة نهائيّة.

ومن هنا فإن الثناء على هذه التجربة لا ينصرف إلى جمال العبارة فقط إنما يأخذنا إلى ذلك الوعي العميق ببنية اللغة بحيث تتشكل الكتابة كفعل مساءلة مستمرة يُحاور الفلسفة من داخلِ الجملة ويُعيد إنتاجها في هيئة شعر مُحمّل بقلق المعنى وفتنته معاً و​بالمجمل يسبح النص في جو من "المهابة الوجدانية" بحيث تتداخل فيه لغة التضرع مع لغة التمرد والشك وتتموضع لغته ضمن المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) وهي لغة تدرس الظواهر كما تتبدى للوعي في لحظة الاندهاش لتقديس "الحيرة" بوصفها المحرك الأول للمعرفة.

تحية لروح هذا النص:

لقد أجاد الشاعر العميق صياغة نص عصي على التدجين مستخدماً لغة تتسم بالرصانة التراثية والتحرر الحداثي على حد سواء.  فلغته لم تكن وعاء للأفكار لكنها جسد الفكرة وروحها حيث تشع المفردات ببريق فلسفي يجعل من كل جملة نحوية مرتكزا لرؤية كونية شاملة. إذ يتشكل النص ضمن لغة تراوغ المعنى وتعيدُ إنتاجه باستمرار.

 إن الأفق الفلسفي الذي نحيل إليه هذه الكتابة يتقاطع مع النزعة التفكيكية في إرجاء الدلالة ومع الحس الوجودي في توتر الذات واغترابها. وفي هذا الامتداد تتجلّى لغة الشاعر كونها طاقة خلاقة تحسن بناء الجملة باعتمادها كياناً متوتراً قادراً على حمل المعنى ونقضه في آن واحد، بحيث يظل مفتوحاً على تأويل لا حد له ولا يستنفذ القول.

أ. فائز مبدع مغاير، تتجلّى قوة شعره في قدرته على تجديد البنية اللغوية خارج أطر ما بعد الحداثة حيث لا يكتفي بتفكيك المعنى فهو يُعيد توليده في حقل مفتوح من الانزياحات مشيداً كتابة تتجاوز الميتا حداثة نحو أفق يعيد تعريف العلاقة بين اللغة والوجود

***

مرشدة جاويش

 

مقدمة: تتجاوز القصيدة المقاومة في سياقها المعاصر حدود التوثيق الواقعي، لتُنشئ خطاباً مضاداً يواجه سرديات الهزيمة والتطبيع السياسي. وقصيدة "صرخة ضد التطبيع" لشلال عنوز نموذجٌ من هذا النوع من الكتابة، تستمد شرعيتها من تاريخ يتجذر في المكان والدم، وتُعيد تأسيس الذاكرة الجمعية على أرضية رمزية تنسج من الكلمات أسطورة مقاومة قوامها التضحية والفداء والبعث.

شيّدت القصيدة نسقاً دلالياً مركباً على ثنائية أساسية: المقاومة في مواجهة الخيانة، والوفاء الوجودي للمكان في مواجهة البيع السياسي. وكلما تطورت القصيدة، تعمّق هذا التقابل ليشمل مستويات متعددة من الدلالة: الأنطولوجية (الوجود/العدم)، والأخلاقية (الوفاء/الخيانة)، والجمالية (الجمال/القبح)، والزمنية (الأبدية/الفناء). هذا التعدد المستوياتي للدلالة يجعل من القصيدة بناءً سيميائياً متماسكاً.

العنوان:

جاء العنوان "صرخة ضد التطبيع" كعتبةٍ رئيسية تدخلنا إلى فضاءٍ مشبعٍ بدلائل احتجاجية، فتضع النص في سياق الفعل السياسي المقاوم. الصرخة هنا علامةٌ سيميائية مزدوجة: تحيل من جهة إلى الألم الممض والغضب الفادح، ومن جهة ثانية إلى الحياة بكل معانيها والرفض بحمولاته التحدّية.

في السياق الشعري المقاوم، تتجاوز الصرخة البعد الصوتي المباشر، لتصير فعلاً تأسيسياً يُعلن ميلاد الذات المقاومة، وعلامة حضورٍ تُثبت الوجود في مواجهة محاولات المحو، وبياناً سياسياً يُفصح عن الموقف دون مواربة. كعلامة صوتية، تتجاوز حدود اللغة المنطوقة لتصير لغةً جسديةً تعبّر عن ألمٍ وجودي لا تستطيع الكلمات المجردة احتواءه.

أما التطبيع فيُستدعى في العنوان بوصفه نقيضاً وجودياً للمقاومة. إنه في الخطاب المقاوم ليس مجرد علاقات دبلوماسية أو اتفاقيات سياسية، بل تطبيعٌ للذاكرة وتزييفٌ للتاريخ وإلغاءٌ للألم الجماعي، محاولةٌ لجعل اللامعقول معقولاً واللاطبيعي طبيعياً، أي تحويل الاحتلال والاقتلاع والاستيطان إلى حقيقةٍ واقعةٍ يُفترض التعايش معها.

بهذا، أسس العنوان لثنائيةٍ ضديةٍ مركزيةٍ تحكم البنية الكلية للنص، وتتغلغل في مستوياته الصوتية والإيقاعية والرمزية.

سيميائيات المكان المقدس:

تفتتح القصيدة بتحديدٍ مكانيٍ دقيق:

"على بُعد شَهقة / وتِلال وَجع / في القُدس"

القدس مركزٌ رمزيٌ، بما يتوافق مع تعبير ميرسيا إلياده عن "النقطة التي يلتقي فيها المقدس بالمدنس، السماوي بالأرضي". والمسافة المؤدية إليها لا تُقاس بالكيلومترات، بل بشهقةٍ وتلال وجع، أي بمقياس الألم الوجودي والمعاناة الجماعية.

هذا القياس الألمي للمسافة يُحوّل الجغرافيا من علمٍ موضوعي إلى تجربةٍ ذاتيةٍ عميقة. الشهقة لحظة انقطاع النفس، لحظة الاختناق والألم الشديد، وهي أيضاً لحظةٌ ما قبل الصرخة. وتلال الوجع تُحوّل الألم إلى تضاريس جغرافيةٍ وعرة، فيصير الوجع شعوراً متجسداً يمتلك الروح.

تظهر الأحياء السبعة علامةً مركزيةً تحمل دلالاتٍ بوصفها ذاكرةً حيةً لا مجرد مباني:

"كانت الأحياء / السبعة / تَنوءُ بأحجارِها / نازفةً"

تتحول الحجارة إلى جسدٍ حيٍّ يتألم: تنوء أي تتعب وتثقل، وتنزف أي تفقد دمها كما يفقد الشهيد دمه. هذا التماهي بين المكان والجسد يلغي الفاصل بين الإنسان والجغرافيا، فيصير المكان امتداداً للذات الجماعية.

والرقم سبعة يحمل دلالةً قدسيةً في التراث الديني والأسطوري: سبع سماوات، سبعة أيام الخلق، سبعة أشواط. في الحضارة الرافدينية، ارتبطت بالآلهة السبعة الكبار، وفي المصرية القديمة بآلهة الخلق. واستحضار هذا الرقم في سياق الاستشهاد يربط الحدث المعاصر بعمقٍ تاريخيٍّ يمتد لآلاف السنين، مُضفياً على المكان بعداً ميثولوجياً. السبعة رقمُ الاكتمال والدورة الكاملة، فتصير القدس حاضرةً كونيةً ومركزاً مرجعياً مقدساً يتكرر فيه الخلق والتجدد.

وتتحول الأحياء إلى رسّامة خريطة، بهدير الانتفاضة، بصرخات الأمهات، بلهاث صبية الحجارة، لا بحبر المطابع. هنا يتقاطع الصوتي بالمكاني، فالخريطة تُرسم بصراخ الشعب المنتفض وتضحياته. إنها خريطةٌ سيميائيةٌ بديلةٌ تُناقض الخرائط الاستعمارية الثابتة، تعتمد على خطوط الدم ومحاور الألم ونقاط الصمود، خريطةٌ حيةٌ تُجدد نفسها باستمرار.

الأصوات الثلاثة التي ترسم هذه الخريطة تُشكل أوركسترا مقاومة: هدير الانتفاضة (صوتٌ جماعيٌّ عميق)، صرخات الأمهات (صوتُ الألم الأموي)، لهاث صبية الحجارة (صوتُ الجهد الجسدي والمقاومة الفعلية).

الشهيد بوصفه علامة عبور:

يُستحضر أسامة الجدة، أول شهداء انتفاضة الأقصى عام 2000، إشارةً مركزيةً في بنية القصيدة، كشخصٍ تاريخيٍّ ورمزٍ للعبور من الموت إلى الخلود:

"كان أُسامة / يَحمل سِلال الأمل / في بَساتين الطور / حينما أطلقَ / حَماماتِهِ السَبع / في سَماوات القدس / مُتبرِّعاً بِدَمهِ / لِتُراب الأقصى"

تتشابك هنا عدة طبقات دلالية. "سلال الأمل" و"بساتين الطور" تُحيلان إلى الحياة العادية البسيطة قبل لحظة الاستشهاد. أسامة لم يكن مقاتلاً محترفاً، بل طفلاً يحمل الأمل كما يحمل الفلاح سلال الثمار. هذا التقابل بين البراءة والعنف يُعمّق المأساة. "بساتين الطور" تُحيل إلى المكان المقدس (جبل الطور)، تربط الحياة اليومية بالبعد الديني.

الحمامات السبع تُحيل إلى الروح الطاهرة التي تصعد إلى السماء، صورة "الشهيد-الطائر" الذي يتحرر من ثقل الأرض. وهي تناصٌ مع الحديث النبوي: "إن أرواح الشهداء في جوف طيرٍ خضرٍ تعلّق من ثمار الجنة" (رواه أحمد والترمذي).

لكن القصيدة تُضيف بُعداً رمزياً جديداً: "أطلق" يُشير إلى الإرادة والفعل الواعي، فالشهيد لم يمت بشكلٍ سلبي، بل أطلق روحه بوعي، تبرّع بدمه بإرادة. هذا التحول من الضحية السلبية إلى الفاعل الإرادي هو جوهر الخطاب المقاوم.

الحمام في التراث الرمزي يحمل دلالات السلام والنقاء والحب والبشارة، كلها دلالاتٌ إيجابيةٌ تتناقض مع صورة "الإرهابي" التي يحاول الخطاب الاستعماري إلصاقها بالمقاوم. الشهيد هنا مطلقُ حمامٍ وحاملُ أملٍ ومتبرعٌ بدم، في قمة النبل الإنساني.

ثم يأتي مفهوم الدم، قدّمٌ كقربانٍ متبرّعٍ به لصون تراب الأقصى. الدم هنا علامةٌ تأسيسيةٌ تُعيد شرعنة المكان وتجدد ملكيته الرمزية، وتناصٌ مع القرابين الدينية المقدسة. والتبرع بالدم يحمل دلالةً حديثةً إضافيةً بوصفه فعلاً إنسانياً نبيلاً يُنقذ الحياة. فالشهيد يتبرع بدمه تطوعاً لغايةٍ نبيلة، دمه لا يُهدر عبثاً بل يُقدّم للأرض التي تحتاجه كي تستمر حية. يصير فعل الاستشهاد نقل الموت من نهايةٍ لا معنى لها إلى بدايةٍ لحياةٍ متجددة.

جدلية الموت والولادة:

تتحرك القصيدة في مسارٍ تصاعديٍّ من الموت إلى الحياة، عبر سلسلةٍ من التحولات السيميائية:

"أرى نَعشَهُ / تَحملهُ يَدا الضَوء والعنفوان / تَزفُّهُ حَناجر الغَضب"

النعش لا يُحمل بالحزن، بل بالضوء والعنفوان. هذا قلبٌ للدلالة المعتادة: الموت يتحول إلى طقسٍ احتفالي. الفعل "تزفّهُ" المستخدم عادةً في سياق الأعراس لا الجنازات، يُحوّل الموت إلى عرس. وهو تناصٌ مع التقليد الشعبي الفلسطيني في جنازات الشهداء.

في الثقافة المقاومة، الموت الاستشهادي عبورٌ إلى مستوىً أعلى من الوجود. الشهيد لا يموت، هو يعبر، لا ينتهي بل يكتمل، لا يغيب بل يحضر بشكلٍ أقوى. "يدا الضوء والعنفوان" تجمع بين البعد الروحي والبعد المادي، فيجمع الموت الاستشهادي بين السماوي والأرضي.

"حناجر الغضب" التي "تزف" النعش تُحيل إلى الطاقة الثورية التي تتولد من الموت. الغضب هنا وقودُ المقاومة ومحركُ التغيير، صوتٌ شعبيٌّ عامٌ لا صرخةً فرديةً معزولة.

تبلغ الحركة ذروتها في النهاية:

"عِند مَساحات المَخاض / زغاريدُ الأمّهات / مُبشّرة / بِوِلادةِ الفَجر"

المخاض لحظةٌ ما قبل الولادة، لحظة الألم الأقصى التي تسبق الانبثاق. وزغاريد الأمهات تُعيد إنتاج الحياة من الموت. المرأة/الأم هي التي تُبشّر بولادة الفجر، أي بانبعاث زمنٍ جديدٍ من رحم المأساة.

صورة "مساحات المخاض" تُحوّل الزمن إلى مكان، والألم إلى جغرافيا. المخاض مساحاتٌ تُقطع وتُعبر بوجعٍ وتضحيات، يُطيل زمن الانتظار ويُكثّف الألم، لكنه يجعل الولادة أكيدةً وحتميةً.

"زغاريد الأمهات" علامةٌ صوتيةٌ مركزيةٌ في الثقافة العربية، تُطلق في اللحظات الفارقة: الأعراس، الولادات، الأفراح الكبرى. استخدامها في سياق الاستشهاد يُحوّل الموت إلى عرسٍ وولادةٍ وفرحٍ مركّب، يجمع بين الألم والأمل، بين الفقد والإيمان، بين الحاضر المرير والمستقبل الموعود.

"ولادة الفجر" صورةٌ شعريةٌ مكثّفةٌ تختزل فلسفة المقاومة: الفجر يولد من رحم الظلام، كما تولد المقاومة من رحم الاحتلال. والأمهات يُبشّرن بهذه الولادة، فتكون المرأة رحمَ التاريخ وولادةَ المستقبل.

هذا التحول من "النعش" إلى "الولادة" يُشكّل البنية الزمنية العميقة للنص: من الماضي (النكبة) إلى الحاضر (الانتفاضة) إلى المستقبل (الفجر).

التناص والذاكرة الجماعية:

تستدعي القصيدة عدة طبقات من التناص:

التناص التاريخي: استحضار أسامة الجدة، وأريئيل شارون، وانتفاضة الأقصى (2000)، والنكبة (1948). هذه الإحالات تُحوّل النص إلى وثيقةٍ شعريةٍ تؤرخ للصراع، لكن التوثيق الشعري يختلف عن التاريخي: هو يُعيد إنتاج الأحداث رمزياً، يمنحها معنى، يربطها بسياقٍ أوسع.

التناص الديني: الحمام (رمز الروح)، الأقصى (ثالث الحرمين)، الطور (الجبل المقدس). هذا البعد يُضفي على المقاومة شرعيةً روحيةً، ويعمّقها في الذاكرة الجماعية.

التناص الشعري: صورة الدم المتبرّع به للتراب تُحيل إلى تراثٍ شعريٍّ طويلٍ في الأدب المقاوم العربي (محمود درويش، سميح القاسم، معين بسيسو). لكن القصيدة تُطور هذا التراث: الدم يُتبرع به لا يُسفك، فتتغير الدلالة من الخسارة إلى العطاء.

التناص الأسطوري: رمزية الرقم سبعة، وفكرة الموت والانبعاث، وصورة الطائر الذي يحمل الروح. هذه العناصر تربط النص بأساطير الخلق والتجدد في الحضارات القديمة (تموز، أدونيس، أوزيريس)، مُضفيةً بعداً أبدياً على الصراع.

التناص الشعبي: الزغاريد، وجنازات الشهداء كأعراس، وفكرة الشهادة كعرس. هذه العناصر مستمدةٌ من الثقافة الشعبية الفلسطينية، تجعل القصيدة أقرب إلى الوجدان الجماعي.

سردية الخطاب المضاد والزمن البديل:

القصيدة لم تكتفِ برفض الخطاب الاستعماري، بل أنتجت سرديةً بديلةً:

السردية الاستعمارية // السردية المقاومة

الفلسطينيون إرهابيون // الفلسطينيون شهداء

المقاومة عنفاً // المقاومة حقاً

الموت عبثاً       // الموت ولادةً

التطبيع سلاماً // التطبيع خيانةً

لكن القصيدة لا تُبسّط إلى ثنائيات صارمة: "عنف العتمة" و"معاول التطبيع" و"تآمر الخونة" تظهر معاً، مما يُشير إلى أن المقاومة تتم في ظلّ تعدّد الأعداء (الاحتلال والتطبيع الداخلي).

والقصيدة تُقدّم نظاماً زمنياً بديلاً: زمناً دائرياً يؤدي الموت فيه إلى ولادةٍ تؤدي إلى حياةٍ جديدة. وزمنٌ تصاعديٌّ من الماضي إلى المستقبل عبر الحاضر، بطقسية المخاض والولادة والزغاريد. زمنٌ مقدسٌ بديلٌ للزمن الخطي، تصنع أحداثُه دماءَ الشهداء وأصواتَ المنتفضين وزغاريدَ الأمهات وحجارةَ الأطفال.

الخاتمة:

أفضت هذه القراءة السيميائية إلى أن قصيدة "صرخة ضد التطبيع" لم تقف عند حدود التعبير الشعري عن موقفٍ سياسي، بل أسّست لنظامٍ دلاليٍّ متكاملٍ أعاد إنتاج العالم وفق مرجعية المقاومة، بوصفها فعلاً وجودياً وأخلاقياً وجمالياً في آنٍ واحد. النص، عبر بنيته الرمزية المركّبة، لم يكتفِ بتفكيك خطاب التطبيع، بل نجح في بناء خطابٍ مضادٍّ يمتلك أدواته السيميائية الخاصة، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة والتاريخ.

كشفت القصيدة عن قدرةٍ لافتةٍ على تحويل العلامات: المكان يغدو جسداً حياً، والدم يتحول إلى لغةٍ تأسيسية، والموت يُعاد تأويله بوصفه لحظةَ عبورٍ نحو اكتمال الوجود لا نهايته. البنية العميقة للنص تقوم على قلب الدلالات السائدة وإعادة شحنها بطاقةٍ رمزيةٍ جديدة، تجعل من المقاومة أفقاً مفتوحاً للمعنى، لا مجرد رد فعلٍ ظرفيٍّ على واقعٍ سياسي.

استثمار التناص بمستوياته المتعددة أسهم في ترسيخ القصيدة داخل شبكة الذاكرة الجماعية، فغدت جزءاً من سرديةٍ كبرى تتجاوز اللحظة الراهنة، وتربط الفعل المقاوم بسياقٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ ممتد. وهو ما منح النص بعداً كونياً، دون أن يفقد خصوصيته المحلية المتجذرة في تفاصيل المكان الفلسطيني.

في جوهرها، تُعيد القصيدة تعريف الصراع بوصفه صراعاً على المعنى قبل أن يكون صراعاً على الأرض. وهنا تأتي أهمية هذا الخطاب الشعري المقاوم، الذي ينهض بوظيفةٍ تفكيكيةٍ وبنائيةٍ في آنٍ، فيُقاوم المحو بإعادة الكتابة، ويواجه التطبيع بإنتاج معنىً بديلٍ يُعيد للوجود توازنه الأخلاقي.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.............................

المراجع

1. أبو ديب، كمال. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر. بيروت: دار العلم للملايين، 1984.

2. بنيس، محمد. الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1989-2001، 4 أجزاء.

3. درويش، محمود. في حضرة الغياب. بيروت: دار الريّس للكتب والنشر، 2006.

4. السعافين، إبراهيم. شعرية الأنا والآخر: تحليل خطاب الهوية في الشعر الجاهلي. عمان: دار الكرمل للنشر والتوزيع، 1997.

5. السيد، غسان. شعر المقاومة الفلسطينية: دراسة فنية وموضوعية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.

6. العيد، يمنى. في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي. بيروت: دار الآداب، 1983.

7. فضل، صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النص. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، 1996.

8. القاسم، سميح. الدواوين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005.

9. مبارك، محمد. استقبال النص عند العرب. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999.

10. الناصر، ياسين. إشكالية المكان في النص الأدبي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2008.

11. إلياده، ميرسيا. المقدس والمدنس. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، 1987.

12. بارت، رولان. درس السيميولوجيا. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986.

13. كريستيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1991.

14. لوتمان، يوري. مشكلة المكان الفني. ترجمة سيزا قاسم. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2001.

.....................

"صرخة ضد التطبيع"

على بُعد شَهقة

وتِلال وَجع

في القُدس..

كانت الأحياء

السبعة

تَنوءُ بأحجارِها

نازفةً

تَرسمُ خارطةَ

هَدير الانتفاضة

على شَفَةِ التاريخ

صارخةً...

تُلملمُ جُرح النَكبة

تُنادي القادِمين الراحلين

على بَوّابات

المَسجد الأقصى

على بُعدِ مَقصلةٍ

مِن نيران

جُند (أرئيل شارون)*

كان (أُسامة)*

يَحمل سِلال الأمل

في بَساتين (الطور)*

حينما أطلقَ

حَماماتِهِ السَبع

في سَماوات القدس

مُتبرِّعاً بِدَمهِ

لِتُراب الأقصى

وعلى الرغم

مِن عُنف العَتمة...

مَعاول التطبيع....

تَآمر الخَونة....

أرى نَعشَهُ

تَحملهُ يَدا الضَوء

والعنفوان

تَزفُّهُ حَناجر الغَضب...

صَلوات الصامدين...

تُطوّقُهُم...

عَزيمة الفَرح

المُنتظر

عِند مَساحات

المَخاض

زغاريدُ الأمّهات

مُبشّرة

بِوِلادةِ الفَجر

***

شلال عنوز

................

* أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اقتحم المسجد الأقصى بقواته عام 2000م، وعلى أثر ذلك حدثت انتفاضة الأقصى

* أسامة جدة أول شهيد في انتفاضة الأقصى

* الطور قرية قرب المسجد الأقصى التي استشهد فيها أسامة الجدة برصاص العدو حينما تسلل لها ليتبرع بالدم لجرحى الانتفاضة

النص تجربة شعورية مكثّفة تنتمي إلى شعرية الألم الصامت، حيث يتحوّل الإنسان القوي ظاهريًا إلى كائن هشّ داخليًا، يعيش تناقض الظهور والتواري في آنٍ واحد.

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية

العنوان ليس مجرد مدخل بل مفتاح تأويلي للنص؛ فـ"النجوم المحترقة" تحيل إلى الكائنات اللامعة التي يُفترض فيها البقاء في العلو، لكنها في الحقيقة تسير نحو الأفول. هنا تتأسس المفارقة: الضوء نفسه يحمل بذور انطفائه. وهذا ينسجم تمامًا مع ثيمة النص: أولئك الذين يُطلب منهم أن يكونوا أقوياء دائمًا، حتى وهم ينهارون.

ثانيًا: البنية الشعورية – إنسان على حافة ذاته

النص يتحرك ضمن حقل دلالي واحد: الضغط الداخلي.

عبارات مثل: "يمشون على حافة أنفسهم" و*"القوة قناع"* تكشف عن انشطار الذات بين ظاهر مفروض وباطن مقموع.

الشاعرة لا تصف السقوط، بل تؤجله وتخفيه، ليصبح أكثر قسوة حين يتحول إلى سقوط داخلي صامت.

ثالثًا: بلاغة الانزياح والتكثيف

النص غني بالصور المركبة التي تقوم على الانزياح الدلالي، ومنها:

"أسنان من صبر" → تحويل الصبر إلى مادة حسية حادة، توحي بالقسوة والضغط.

"إبر من صمت" → الصمت هنا ليس سكونًا بل أداة خياطة للألم.

"انطفاءات صغيرة في زوايا الروح" → صورة بديعة تستثمر حقل الضوء لتصوير الألم النفسي.

هذه الصور لا تُزخرف النص، بل تؤسس رؤيته: الألم لا يُعلن نفسه، بل يتسرّب في الخفاء.

رابعًا: تكرار البنية (أولئك…) كإيقاع نفسي

تكرار "أولئك…" يمنح النص طابعًا إنشاديًا، ويحوّل الفئة الموصوفة إلى جماعة إنسانية ممتدة، لا حالة فردية.

كما أن هذا التكرار يخلق نوعًا من التراكم العاطفي، وكأن الشاعرة تبني شهادة إنسانية ضد قسوة التوقعات الاجتماعية.

خامسًا: ثنائية الداخل/الخارج

النص يقوم على تضاد واضح:

الخارج: ابتسامة، صمود، أداء اجتماعي.

الداخل: سقوط، انطفاء، بكاء بلا دموع.

وهذه الثنائية تبلغ ذروتها في هذا المقطع:

"يسقطون عليها سرًّا، ثم ينهضون كأنّ شيئًا لم يكن"

وهي جملة تلخّص مأساة الإنسان المعاصر الذي يُجبر على تمثيل التماسك.

سادسًا: البعد الوجودي والروحي

ينتهي النص بانزياح دلالي عميق:

"البكاء… ليس ماءً ينزل من العين، بل ثقل يصعد من القلب… إلى الله"

هنا يتحول الألم من حالة نفسية إلى تجربة وجودية ذات بعد روحي، حيث يصبح الله هو الملاذ الأخير لما لا يُقال.

وهذا الختام يمنح النص أفقًا تأمليًا يتجاوز الشكوى إلى نوع من التسليم العميق.

خلاصة القراءة:

النص شهادة شعرية على معاناة "الأقوياء قسرًا"، أولئك الذين لا يُسمح لهم بالانهيار، فيتآكلون بصمت.

إنه نص يكتب الألم غير المرئي، ويمنح الصوت لمن اعتادوا أن يكونوا دعائم للآخرين، حتى فقدوا حقهم في أن يكونوا بشرًا.

نصٌّ يُقرأ لا بعين البلاغة فقط، بل بقلبٍ يعرف معنى أن ينهض الإنسان… بعد سقوطٍ لم يره أحد.

***

الأستاذ محمد مهنا

..........................

نجوم محترقة...في الطريق إلى الأفول...

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يمشون على حافّةِ أنفسهم

لان الأرضَ لا تمنح لهم فسحة طريق ...

لا أحدَ يراهم

حين تُثقلهم أكتافُهم،

حين تصيرُ الأسماءُ التي نادوهم بها

أغلالًا خفيّة،

وحين يكتشفون—متأخّرين—

أنّ القوّةَ قناعٌ

يخفي ملامحهم ، و حقهم في أن يكونوا على سجيتهم ...

أولئكَ…

الذين تعلّموا أن يبتسموا

بأسنانٍ من صبر،

وأن يُرمّموا انكساراتهم

بإبرٍ من صمت،

يُتقنون فنَّ الوقوف

حتّى وهم يسقطون داخليًّا كأبراجٍ،بلا صوت.

*

كيف يبكون؟

لا دموعَ تُعلنهم،

بل انطفاءاتٌ صغيرة

تحدثُ في زوايا الروح،

كأنّ نجومًا خفيّة

تُطفأ واحدةً واحدة

في سماءٍ ليست لهم ...

*

يبكون

حين يُغلقون أبوابَهم جيّدًا،

ويُقنعون الجدران

أن لا تُفشي سرَّ ارتجافهم،

حين يُنادون أسماءهم

فلا يُجيبهم أحدٌ

سوى صدىً يشبههم

ولا يُنقذهم.

*

يبكون

حين يُسمح لهم—لثانيةٍ يتيمة—

أن يكونوا بشرًا،

لا أعمدةً تُسندُ العالم،

ولا جسورًا

يمرُّ فوقها الآخرون

إلى ضفافهم.

*

أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط…

يخترعون لأنفسهم أرضًا

في داخلهم،

يسقطون عليها سرًّا،

ثم ينهضون

كأنّ شيئًا لم يكن.

لكنّ شيئًا كان -

دائمًا كان -

جرحٌ يتّسعُ

بمقدار ما يُخفونه،

وصمتٌ

ينمو كغابةٍ

في صدرِ الحشد

وحدهم يعرفون

أنّ البكاء

ليس ماءً ينزل من العين،

بل ثِقَلٌ

يصعد من القلب

ولا يجدُ طريقًا

إلّا إلى الله.

***

مجيدة محمدي

بين الجرح الوجودي وانفتاح الدلالة

يندرج نصّ الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة ضمن الكتابة المكثّفة التي تمزج بين الشعر والنثر، حيث تتقاطع الذات الفردية مع الجرح الجمعي، ويتحوّل الاغتراب من حالة نفسية إلى بنية كونية شاملة. والنصّ، على قصره، ينطوي على كثافة دلالية عالية، تتيح قراءة متعددة المستويات، تتراوح بين اللغوي والجمالي والفلسفي والسيميائي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتميّز النصّ بسلامة لغوية واضحة، حيث تنضبط التراكيب ضمن نسقٍ عربيّ فصيح، دون تكلّف أو تعقيد. ويقوم الأسلوب على جمل قصيرة مكثّفة، تُشبه الومضات الشعورية، مثل:

"أدقّ بابي / زائرًا روحي"

وهنا نلحظ انزياحاً دلالياً، إذ يتحوّل "الباب" من كيان مادي إلى عتبةٍ نفسية، ويتحوّل "الزائر" إلى الذات نفسها، بما يُنتج مفارقة داخلية بين الأنا وذاتها.

أما الصورة المركزية:

"لي حزنُ فينيقٍ تبعثر ريشه"

فهي صورة رمزية مركّبة، تستدعي أسطورة الفينيق (البعث من الرماد)، لكن الشاعر يعكسها: فبدل الانبعاث، نجد التبعثر، بما يوحي بانكسار الأمل أو تعذّر القيامة.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

يتوازن اللفظ مع المعنى توازناً دقيقاً؛ فالألفاظ مختارة بعناية، دون حشو أو ترهّل.

كلمات مثل: "الاغتراب، الزنازين، العذاب" تحمل شحنة دلالية ثقيلة، تتناسب مع الموضوع الوجودي.

كما أنّ الخطاب المباشر:

"يا إلهي"

يمنح النص بعداً إنشائياً تعبيرياً، يُكثّف التوتر النفسي.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

رغم أنّ النص نثري، إلا أنّه مشبع بإيقاع داخلي قائم على:

التكرار: (أدقّ / الباب / الباب)

التقابل: (الذهاب / الإياب)

التوازي التركيبي

كما يظهر الجرس الصوتي في توالي الأصوات الحزينة (الباء، الغين، الحاء)، ما يعزّز الجو الكئيب للنص.

القافية الداخلية في "الغياب / العذاب / الإياب" تُضفي وحدة صوتية خفيّة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

النصّ يقوم على بنية درامية داخلية:

بداية: توصيف الحالة (حزن الفينيق)

وسط: فعل (طرق الباب)

ذروة: المفاجأة (مصافحة الاغتراب)

خاتمة: سؤال وجودي مفتوح

إنّه نصّ سردي-شعري، حيث الحدث نفسي لا خارجي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية هنا وجودية مأزومة؛ العالم يضيق، والذات تتّسع في عذابها: "ضاق الكون واتّسعت زنازين العذاب"

وهي مفارقة فلسفية تُعبّر عن اختلال العلاقة بين الإنسان والعالم.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

الدهشة تتجلّى في:

أن يكون الزائر هو "الاغتراب"

أن يطرق الإنسان بابه ليجد نفسه غريباً عنه

وهذا انزياح جمالي عميق يُخرج النص من المألوف إلى أفق التأويل.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود: "أين أروح إذا ضاع الذهاب مع الإياب؟"

وهو سؤال عبثي قريب من الفلسفة الوجودية، حيث تنهار ثنائية البداية والنهاية.

2. الأفق المعرفي.

يتكئ النص على:

مرجعيات أسطورية (الفينيق)

أبعاد وجودية (العبث، الاغتراب)

إحالات دينية (يا إلهي)

3. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

الباب يساوي الذات

الزائر يساوي الوعي

الاغتراب يساوي الحقيقة النهائية

النص مفتوح على تأويلات متعددة، ولا يُغلق معناه.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص

ينتمي إلى سياق فلسطيني/عربي مثقل بالمنفى والاقتلاع، حيث يتحوّل الاغتراب إلى قدر جماعي.

2. تطوّر النوع الأدبي:

النص مثال على "الشعر النثري" الحديث، حيث تُكسر الحدود بين الأجناس.

3. علاقة النص بالتراث

يحاور:

الأسطورة (الفينيق)

البلاغة العربية (التشبيه، الاستعارة)

الخطاب الصوفي (الذات/الذات)

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

الحزن

القلق

الاغتراب

2. تحليل الذات.

الذات منقسمة:

١- ذات تبحث

٢- ذات تستقبل

٣- ذات تصطدم بحقيقتها

3. النبرة النفسية

النبرة مزيج من:

١- الحنين

٢- الاحتجاج

٣- الانكسار

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

يعكس أزمة الإنسان المعاصر في عالم مضطرب.

2. الخطاب الاجتماعي

يحمل نقداً ضمنيًا:

لانسداد الأفق

لضيق العالم رغم اتساعه

3. الكاتب كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهدٌ على انهيار المعنى، لا مصلح مباشر.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- الفينيق يساوي الأمل/الانبعاث المكسور

٢- الباب = العتبة الوجودية

٣- الزنازين = القيد النفسي

2. الثنائيات

١- الحضور / الغياب

٢- الداخل / الخارج

٣- الحركة / العجز

3. النظام الرمزي:

العالم مغلق، والذات محاصرة داخلها.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي

٢- التحليل النفسي

٣- القراءة التأويلية

مع التركيز على النص ذاته.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

1. القيم:

النص يحتفي بالإنسان في ضعفه، لا في قوته.

2. الانفتاح التأويلي

قابل لقراءات:

١- وجودية

٢- نفسية

٣- سياسية

3. البعد الإنساني:

يمسّ كل إنسان يشعر بالغربة.

عاشراً: البعد الإيروتيكي (بمعناه الفلسفي)

الإيروتيكي هنا ليس جسدياً، بل:

رغبة في الاتصال

توق إلى التماهي مع الذات لكن هذه الرغبة تُحبَط، فتتحوّل إلى اغتراب.

خاتمة:

إنّ نص خلدون رحمة ينهض بوصفه لحظةً شعرية مكثّفة، تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، والرمز مع التجربة، والذات مع العالم. إنّه نصّ يُعيد طرح السؤال الإنساني الأبدي: كيف نكون في عالمٍ لا يسعنا، ومع أنفسٍ لا تؤانسنا؟

وهكذا، لا يقدّم النص إجابة، بل يتركنا عند العتبة:

نطرق أبوابنا…

لنصافح غربتنا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

....................................

خلدون عماد رحمة

Khaldoun Rahmeh

طاعناً في غربتي

لي حزنُ فينيقٍ تبعثرَ ريشُهُ

بين الجريمةِ والغيابِ

*

أدقّ بابي

زائراً روحي

فتحتُ البابَ مُنتَظِراً

فصافَحَنِي اغترابي!

يا إلهي ، كيفَ ضاقَ الكونُ

واتّسَعَتْ زنازين العذابِ؟

سألتُ حينَ مشيتُ:

أين أروحُ يا دنيا

إذا ضاع الذهابُ مع الإيابِ؟

 

الفراغ الإبداعي وديناميكية المعنى (الجزء الأول والثاني)

التنصيص كبوابة لفهم النص: يبدأ النص بهذا الزخ الكثيف: (نص بلا خاتمة)، وهو إعلان فلسفي وشاعري متكامل، يرفض أي إحكام نهائي للمعنى. كلمة "نص" تشير إلى خطاب مكتوب، لكنها - هنا- تتحول إلى كائن لغوي حي، قادراً على التطور والتغير عبر التفاعل مع المتلقي . الكلمة الثانية (بلا) التي تعمل كإشارة نفي جذرية، تفكك أي توقع لنهاية محددة، فتُدخل المتلقي منذ الوهلة الاولى في فضاء الاحتمالات المفتوحة. أما كلمة (خاتمة)، التي - عادةً- ما تحمل معنى الإغلاق والتنظيم، فالنص ينفيها ليعلن رفض الانتهاء التقليدي للمعنى.

من منظور سيميائي بنيوي، يمكن قراءة النصيص وفق نظرية غريماس كشبكة من العلاقات: الفعل (يشاء) يتحكم في حركة النص، والموضوع (النص) يحمل العلامات الرمزية، ويشارك المتلقي في بناء المعنى. ليس النصيص -هنا- مجرد تسمية، بل خريطة توجيهية للفضاء السيميائي للنص.

الجملة الأولى: (ويشاءُ أنْ تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ، أن يولدَ المعنى أعزلَ من يقينِه)

تكسر هذه الجملة الافتتاحية توقع المتلقي التقليدي، فالنقطة، التي عادةً ما تمثل نهاية الجملة، تتحول هنا إلى رمز للبداية المفتوحة. العبارة (أن يولد المعنى أعزل من يقينه) تعكس اللايقين الوجودي والمعرفي، فيصبح المعنى كائنًا حيًا ينبع من الفراغ، وليس نتيجة لإحكام مسبق أو يقين مكتسب.

من منظور السيمياء البنيوية، النقطة تعمل كعلامة تحولية، والوجود الأعزل للمعنى يعني أن كل رمز في النص يحمل دلالات متعددة لا تتوقف عند تفسير واحد. اما من منظور التداولية النصية، فالمتلقي - هنا - يُجبر على التفاعل مع الفراغ، والمشاركة في تشكيل المعنى، وليس مجرد متلق سلبي. نفسيًا، يعكس هذا القلق الوجودي للذات الباحثة عن اليقين وسط الفوضى المحتملة للمعرفة.

اما الجملة الثانية: (ويمشي على حافّة السؤال كطفلٍ يتعلّمُ الظل من كسرِ الضوء)

فتضيف بعدًا نفسيًا ومعرفيًا للنص، فالطفل يمثل الذات الباحثة عن المعنى، وحافة السؤال هي موقع التوتر بين اليقين والشك. يرمز الظل المستمد من كسر الضوء إلى المعرفة الجزئية، فالذات تتعلم من الظلال وليس من الضوء الكامل، أي من الجزئيات والتجارب المحدودة، وليس من الحقيقة المطلقة.

سيميائيًا، كل عنصر هنا هو علامة متعددة المستويات: الطفل، الحافة، الظل، وكسر الضوء تتفاعل لتخلق شبكة معقدة من المعاني المحتملة. اما في البعد التداولي ،فان المتلقي يُدعى للتأمل في هذه الرموز، وإنتاج تفسير شخصي لما تمثله هذه الظلال في سياق حياته وتجربته. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع اللايقين والفراغ المعرفي، وإدراك أن المعرفة الكاملة غير متاحة، وأن التعلم يأتي من الجزئيات.

في الجملة الثالثة: (ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء، أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد، ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

تتحول الريح. إلى عامل تفكيكي وتحويلي للمعنى، فهي تعيد ترتيب العلامات والأسماء، وتجعل كل تجربة قابلة لتعدد التأويلات. الجرح، الذي عادةً يحمل معنى محددًا أو سردًا ثابتًا، يصبح هنا مفتوحًا على تفسيرات متعددة. النجاة أيضًا غير محددة، ما يخلق شعورًا بأن النص فضاء ديناميكي دائم الحركة، فالاحتمالات مفتوحة لكل حدث ورمز.

من منظور التداولية، يصبح المتلقي شريكًا في خلق المعنى، فهو الذي يقرر كيف سيقرأ الجرح أو النجاة، وكيف سيتفاعل مع ترتيب الريح للأسماء. اما سيميائيًا، فكل علامة مرتبطة بالآخرى، والحرية في إعادة ترتيب المعنى تعكس النص المفتوح وفق منطق البنيوية الحديثة.

الجملة الرابعة: (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء)

تلخص فلسفة النص ككل: كل تجربة، كل اختيار، كل رمز، يمثل مفتاحًا للخيارات الثنائية الممكنة: سقوط محتمل أو ارتقاء محتمل، فالنص يجعل المعنى مرنًا ويعتمد على التفاعل الذهني للمتلقي. من منظور نفسي، يعكس هذا التوتر بين الخوف والأمل، الفشل والنجاح، الموت والحياة.

سيميائيًا، الباب هنا علامة مركزية تحمل دلالات متعددة: الحدود، التحول، الانتقال بين الفضاءات، وكل قراءة لها احتمالاتها الخاصة. تداوليًا، يصبح المتلقي مسؤولًا عن توقع الاحتمال الأقرب له، ومن ثم يشارك النص في صناعة نهاياته الممكنة.

تحليل البنية النصية للجزء الأول:

يرفض الجزء الاول الخطاب التقليدي المنطقي المغلق. الانقطاعات النحوية، تكرار عبارة (ويشاء أن) , تعدد الرموز، كلها أدوات تجعل النص شبكة دلالية ديناميكية، فكل وحدة تتفاعل مع الأخرى بنحو مستمر، وتخلق إحساسًا بالحركة المستمرة للمعنى.

بهذا الجزء يقدم النص انموذجًا للشعر المفتوح الذي يحتفي بالاحتمالات والرموز المتحركة، ويجعل من المتلقي عنصرًا فعالًا في العملية المعرفية.

الجزء الثاني:

الرموز اليومية والفلسفية – الكرسي والساعة كنماذج للوعي والوجود:

المقدمة

النص بين اليومي والفلسفي:

ننتقل في هذا الجزء الى القراءة النقدية من الرموز الفلسفية المجردة في الجزء الأول، إلى الرموز اليومية التي تتحول إلى دلالات فلسفية ونفسية، مثل الكرسي والساعة. هذه الرموز تعكس قدرة النص على تحويل المألوف إلى أدوات للتأمل في الزمن والوجود، وتجسيد الصراع النفسي للذات مع العالم المادي واللامادي.

في الجملة: (ويشاءُ أنْ يُربَك النظام الصارم للأشياء، أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ قبل أن يُجلَسَ عليه)

هذه الجملة تحوّل الكرسي، الذي عادةً يمثل الثبات والمألوف، إلى كائن يمثل الفكرة، الاستبطان، والوعي المؤجل. الكرسي -هنا- لا يكتفي بدور وظيفي، بل يصبح عنصرًا نشطًا في عملية التفكير نفسها، فقبل أن يجلس عليه أحد، هو قادر على "التفكير"، أي أن الأشياء اليومية تحمل قدرة على إعادة صياغة التجربة الإنسانية.

من منظور سيميائي، الكرسي يصبح علامة مزدوجة: على المستوى الحرفي، كرسي يُجلس عليه، وعلى المستوى الرمزي، تمثيل للوعي المؤجل، للنظام المألوف الذي قد يُفكك ويُعاد ترتيبه. اما تداوليًا، فالنص يضع المتلقي أمام هذا الكرسي المتفكر، ويجعله يطرح أسئلة عن طبيعة الأشياء اليومية وكيف تتفاعل مع وعيه الخاص. اما من الجانب النفسيً فيظهر هذا الرمز صراع الذات مع المألوف، والرغبة في تفكيك الأنظمة الثابتة لفهم دورها الحقيقي في الحياة.

(وأن تسألَ الساعةُ عن جدوى الدوران إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد)

في الجملة آنفا تتحول الساعة إلى رمز فلسفي للزمن والوعي البشري. عادةً يُنظر إلى الساعة كأداة قياس صارمة للزمن، لكنها في النص تصبح عنصرًا متسائلًا، يبحث عن معنى الدوران نفسه . العبارة (إن كان الوقتُ لا يثبت عند أحد) تحرر الزمن من القيود التقليدية، وتؤكد على الذاتية المطلقة للزمن في التجربة الإنسانية.

سيميائيًا، الساعة هي علامة مزدوجة، تجمع بين المعنى اليومي الدقيق للوقت والمعنى الفلسفي للزمن كمتغير مستمر وغير مؤكد. التداوليًا، النص يضع المتلقي أمام هذا التساؤل، ويجعله يشارك النص في إعادة إنتاج المعنى وإعادة ترتيب العلاقة بين الزمن والوجود. نفسيًا، تعكس الجملة صراع الذات مع انسياب الوقت والقلق الوجودي المرتبط بعدم القدرة على السيطرة عليه.

تحليل العلاقة بين الكرسي والساعة:

عند النظر إلى الكرسي والساعة معًا، نجد أن النص يخلق إنموذجًا للوعي المزدوج: الكرسي يمثل المادة المألوفة التي تتفاعل مع الفعل الإنساني، بينما الساعة تمثل الزمن المتغير الذي لا يمكن تثبيته. ان العلاقة بينهما تعكس فكرة أن الوجود لا يمكن فصله عن الزمن، وأن كل تجربة حياتية مرتبطة بسياقها الزمني والمكاني.

من منظور سيميائي، الكرسي والساعة هما علامتان مترابطتان، كل واحدة منهما تحمل معاني متعددة تتداخل مع الرموز الأخرى في النص، مثل الطفل، الظل، والريح، لتخلق شبكة معقدة من الدلالات. اما تداوليا، فيصبح المتلقي عنصرًا فعالًا في النص، فهو المستجيب للتحديات الرمزية، والمشارك في توليد الاحتمالات المختلفة لكل رمز. نفسيًا، تظهر الجمل تفاعلات اللاوعي مع اليومي، والرغبة في فهم الذات بواسطة الأشياء المألوفة والزمن المتغير.

تحليل البنية الإيقاعية والنحوية:

ان التكرار المستمر لعبارة (ويشاء أن) يربط الرموز اليومية بالفلسفية، ويخلق إيقاعًا متدرجًا يدفع المتلقي نحو الاستبطان. الانقطاعات النحوية تسمح للنص بالتنفس بين الصور المختلفة، وتفتح مساحة للتأمل في كل رمز على حدة. النص - هنا - يواصل استراتيجية النص المفتوح التي بدأت في الجزء الأول، لكنه يضيف طبقة من الواقعية الرمزية عبر أدوات الحياة اليومية، مثل الكرسي والساعة، ليصبح النص أكثر ثقلًا فلسفيًا ونفسيًا.

تحليل أفق الاحتمالات: بين هاوية السماء

ان جملة (فكلُّ بابٍ هو احتمالُ هاوية أو احتمالُ سماء) تتصل اتصالا مباشرًا بالكرسي والساعة، فهي تشير إلى تعدد الاحتمالات التي تواجه كل تجربة وقرار. الكرسي قد يمثل اختيارًا ثابتًا أو مرنًا، والساعة قد تشير إلى وقت محدد أو متغير، والنص هنا يعيد التوكيد على رفض اليقين النهائي. من المنظور النفسي، ترمز هذه الجملة إلى قلق الذات تجاه الخيارات والمسؤوليات، ومن المنظور التداولي، يتحول المتلقي إلى عامل متفاعل يحدد أي الاحتمالات سيعدها الأقرب للواقع.

خاتمة الجزء الثاني

يبرز الجزء الثاني من نص "نص بلا خاتمة" القدرة الرائعة على تحويل الرموز اليومية إلى أدوات فلسفية ونفسية. الكرسي والساعة ليسا مجرد عناصر ملموسة، بل علامات مفتوحة تتيح للمتلقي استكشاف الزمن والوجود والوعي. اما البنية الإيقاعية والنحوية المتحركة فتجعل من النص فضاء مفتوحًا للمعنى، إذ أن كل تجربة وكل رمز قابل للتأويل والتحريك. هذا الجزء يوضح أن النص ليس مجرد سرد، بل شبكة متكاملة من العلامات والدلالات التي تتفاعل مع وعي المتلقي لتخلق نصًا حيًا مستمر الحركة.

الجزء الثالث والاخير

الريح، الجرح، والنجاة – النص بين الفقد والحرية

يشكل الجزء الثالث من قصيدة "نص بلا خاتمة" محورًا مركزيًا لفهم دينامية النص المفتوح في الشعر المعاصر. هنا، تتجاوز الشاعرة مجيدة محمدي حدود السرد التقليدي لتبتكر فضاء شعريًا مفتوحًا على الاحتمالات التأويلية، إذ تتفاعل الرموز – الريح، الجرح، النجاة – على مستويات دلالية، نفسية، فلسفية، وتداولية متداخلة.

تستعمل الشاعرة الرموز لا كأدوات سردية فقط.، بل كعلامات متعددة الأبعاد تتيح للمتلقي الاشتراك في إنتاج المعنى، وفق ما نص عليه رولان بارت في مفهوم النص المفتوح، فيصبح المتلقي عنصرًا فاعلًا يشارك في صناعة المعنى بدل أن يكون متلقياً سلبيًا. هذا التوجه يعكس وعي الشاعرة بالفضاءات التأويلية المفتوحة التي تتجاوز الانغلاق على نهاية تقليدية، وهو ما يتسق مع النيص الصريح: "نص بلا خاتمة".

الريح – حركة الاحتمالات والتحرر من الثابت:

الجملة:

(ويشاءُ أنْ يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء)

التحليل السيميائي

ليست الريح في النص مجرد عنصر طبيعي، بل عامل تنظيمي وفوضوي في آن واحد. وفق نظرية بارت، الريح تحرر العلامات من دلالتها الثابتة وتعيد إنتاجها في فضاء احتمالي مفتوح، بحيث يصبح كل اسم علامة قابلة للتحول. يمكن القول إن الريح في هذا السياق تخلق نصًا قائمًا على الاحتمالات المتغيرة، وليس على الترتيب المنطقي التقليدي.

التحليل التداولي

تحوّل الجملة المتلقي من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في صناعة المعنى. إذ يتيح النص للمتلقي أن يختبر إمكانيات ترتيب العلامات، ويصبح قراءة النص تجربة إنتاجية ديناميكية.

التحليل النفسي

ترمز الريح إلى حركة اللاوعي والرغبة في التحرر من القيود المسبقة، كما تعكس الفعل الإبداعي الذي يهدم الثابت ويعيد بناء المعنى. هذا يعبّر عن تجربة الذات في مواجهة الغموض وعدم اليقين.

الجرح – الألم والذاكرة الرمزية

الجملة: (ان لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد)

التحليل السيميائي

الجرح هنا ليس مجرد أثر ألم، بل رمز مركب متعدد الطبقات يمثل الألم الشخصي، الذاكرة الجمعية، والتحولات النفسية. رفض تفسير واحد يفتح النص على تعدد التأويلات الإنسانية والفردية، ويحرر النص من الانغلاق على معنى واحد.

التحليل التداولي

يُشرك النص المتلقي في إعادة صياغة تجربته مع الألم، مما يجعل القراءة تجربة معرفية شخصية. يتيح النص للمتلقي أن يربط الجرح الرمزي بتجارب حياته الخاصة، فيصبح مشاركًا في إنتاج المعنى.

التحليل النفسي

يمثل الجرح صراع الذات مع فقدان الاستقرار العاطفي والمعرفي، ويتيح للمتلقي استكشاف طبقات الألم الداخلية ضمن فضاء رمزي متحرك، بحيث يصبح الألم تجربة تأملية وتأويلية متواصلة.

النجاة – الاحتمالات المفتوحة للبقاء والتعافي

الجملة:

(ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ)

التحليل السيميائي

ليست النحاة حالة ثابتة، بل علامة مرتبطة بالاحتمالات المستمرة. تشمل النجاة في النص البقاء الجسدي، النفسي، الروحي والمعنوي، وتفتح أفقًا لتعدد التأويلات. هذا يتوافق مع رؤية بارت عن النص كفضاء احتمالي متعدد المعاني.

التحليل التداولي

يدعو النص المتلقي للمشاركة في إنتاج احتمالات النجاة، ليصبح النص تجربة تفاعلية وديناميكية. بذلك يتحول المعنى من مفهوم محدد إلى شبكة احتمالات مفتوحة.

التحليل النفسي

تعكس النجاة وعي الذات بعدم اليقين وتبني موقف من المرونة والتحمل أمام الفقد والتحدي. تصبح النجاة عملية مستمرة من إعادة التكيف والتفاعل النفسي والمعرفي.

التفاعل بين الريح والجرح والنجاة:

التحليل النفسي

تشكل الرموز الثلاثة شبكة معقدة من الاحتمالات المفتوحة، إذ يتحرك المتلقي والذات بين الفقد والتحرر، الألم والأمل، الثابت والمتغير. هذا التفاعل يولّد تجربة إدراكية مستمرة، تجعل النص فضاء للوعي والتأمل.

التحليل السيميائي

تتفاعل الرموز لإنتاج معنى مركب ومتعدد المستويات، وتحوّل النص إلى فضاء للنشوء المتعدد للمعنى. الريح تمثل الفوضى، الجرح يمثل الألم، والنجاة تمثل الاحتمالات المفتوحة للتعافي.

التحليل التداولي

لا يكتفي النص بتقديم الرموز، بل يشارك المتلقي في إعادة ترتيبها وصناعة تجربة معرفية شخصية، مما يجعل القراءة فعلًا ديناميكيًا تشاركيًا.

خامسًا: البنية النصية والإيقاعية

الانقطاعات النحوية: تعكس الحركة وعدم الاستقرار، وتؤكد طبيعة النص المفتوح.

تكرار عبارة "ويشاء أن": يخلق إيقاعًا احتماليًا مستمرًا، يعزز الفضاء التأويلي المفتوح.

تعدد الرموز اليومية والفلسفية والمجازية: يتيح للمتلقي قراءة النص على مستويات متعددة، فلسفية، نفسية، وسيميائية.

الإطار النظري الموسع

رولان بارت: النص مساحة لإنتاج المعنى، العلامة ليست ثابتة، والمتلقي فاعل رئيسي.

الخاتمة

يؤكد الجزء الثالث من "نص بلا خاتمة" على أن النص ليس مجرد شعر تقليدي، بل شبكة ديناميكية من الرموز المفتوحة على الاحتمالات. الريح، الجرح، والنجاة تصبح أدوات لتفكيك الواقع وإعادة بناء تجربة الذات، ويشارك المتلقي في إنتاج المعنى والتجربة التأويلية. يجمع النص بين اليومي والمجازي، النفساني والفلسفي، الثابت والمتغير، ليكون نصًا حيًا مستمر الحركة، بلا ختام تقليدي، بما يتوافق مع نصيصه.

***

رياض عبد الواحد

..........................

نص بلا خاتمة

ويشاءُ أنْ

تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،

أن يولدَ المعنى أعزلَ

من يقينِه،

ويمشي على حافّة السؤال

كطفلٍ يتعلّمُ الظل

من كسرِ الضوء .

*

ويشاءُ أنْ

يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،

أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،

ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،

فكلُّ بابٍ

هو احتمالُ هاوية

أو احتمالُ سماء.

*

ويشاءُ أنْ

يُربَك النظام الصارم للأشياء،

أن يجعلَ الكرسيَّ يفكّرُ

قبل أن يُجلَسَ عليه،

وأن تسألَ الساعةُ

عن جدوى الدوران

إن كان الوقتُ لا يَثبت عند أحد.

***

مجيدة محمدي - تونس

 

بنية الصراع النفسي وتمثلات الاختيار الأخلاقي في قصة (الصفعة) للأديب محمد عاطف

وهو عنوان يجمع المفاهيم

تتأسس قصة (الصفعة) على بنية صراعية داخلية تتقدم فيها الدينامية النفسية على الحدث الخارجي، بحيث يغدو الفضاء (مستشفى الأمراض النفسية) بنية رمزية تمثل هشاشة الذات الحديثة وانقسامها بين اندفاع الرغبة وسلطة الرقيب الأخلاقي. ومن ثم يمكن تأطير القصة ضمن مقاربة مركبة تتكامل فيها القراءة النفسية التحليلية مع المنظور الحداثي في تقنياته السردية والأفق الوجودي في رؤيته للحرية والاختيار....

انقسام الذات وبنية الصراع النفسي

يتجسد الصراع المركزي في وعي عبد الحق بخطر التشظي الداخلي فهو يدرك أن الاستجابة للإغواء ستفضي إلى انشطار وجودي لا يمكن احتماله. يتضح ذلك في قوله:

"لو يفترض.. لو.. سيمنح فلمة جسده فقط، أما قلبه وروحه وكل مشاعره فستظل لعائشة، وسيشهد هو انشطارا رهيبا سوف لن يحتمله…"

يشي هذا المقطع بوعي الذات بذاتها بوصفها وحدة مهددة بالانقسام  ويؤسس قراءة نفسية ترى في فلمة تمثيلاً لـ"اقتصاد الرغبة" المرتبط بالحاجة والنجاة مقابل عائشة التي تؤطر "المرجعية القيمية" المتعالية. إن التوتر هنا ليس عاطفياً فحسب، بل هو صراع حول إمكان الحفاظ على وحدة الكينونة...

الحداثة السردية وتيار الوعي

تعتمد القصة على المونولوج الداخلي وتداعي الصور والاستعارات مع تفكك الحبكة التقليدية لصالح حركة شعورية متصاعدة. الحدث الخارجي يتراجع لصالح الحدث النفسي والزمن يتحول إلى زمن ذاتي يتسع و ينكمش تبعاً لحدة التوتر. بذلك تنخرط القصة في أفق حداثي يجعل من الوعي مادة السرد الأساسية ويذيب الفعل في اللغة فتغدو الكتابة نفسها مساحة اختبار للذات....

الحب بين القيمة والمنفعة

تنتقل القصة من المستوى الفردي إلى مساءلة البعد الاجتماعي للعاطفة حين يطرح السؤال:

"الحب لقاء المساعدة أم المساعدة لقاء الحب؟"

هذا التساؤل يفكك البنية التبادلية للعلاقة ويكشف انزلاق الحب إلى منطق المنفعة. الرفض هنا ليس رفضاً لشخص، بل رفض لتحويل العاطفة إلى عقد ضمني للمقايضة. ومن ثم يتحول القرار الأخلاقي إلى موقف من تصور حداثي للعلاقات تحكمه براغماتية مفرطة...

الهوية والاغتراب

يتعزز التوتر عبر استدعاء ثنائية الوطن/الغربة والذات/الآخر، خاصة حين تصفه فلمة بـ" الأجنبي القذر ". غير أن القصة  لا تنزلق إلى خطاب دفاعي مباشر، بل توظف المفارقة:

" إذا كانت المرأة هناك تمشي خلف الرجل راضية أو كارهة، فكيف تفسر هي الآن مشيها خلفه على إيقاع الجنون..؟ "

تحول هذه المفارقة الاتهام إلى مساءلة وتكشف هشاشة الأحكام الثقافية الجاهزة، مما يمنح القصة بعداً نقدياً يتجاوز الإطار الفردي إلى تمفصل الهوية داخل سياق اغترابي....

 دلالة الصفعة بوصفها مركزاً دلالياً

تشكل الصفعة لحظة انتقال الصراع من المستوى الرمزي إلى الجسد. غير أن دلالتها تتجاوز أثرها الفيزيائي، كما يتجلى في قوله:

"إن الصفعة لا ترى الآن إنما تبعث الألم.."

تغدو الصفعة علامة على ألم غير مرئي وعلى غياب الاعتراف بمعاناة الذات. ومن ثم يصبح الرحيل فعلاً يحمي الكرامة الداخلية ويؤكد أولوية الانسجام القيمي على المكسب الظرفي...

 الأفق الوجودي والاختيار

تتأسس القصة على مركزية القرار الفردي وتحمل تبعاته وهو ما يضعها في تماس مع الرؤية الوجودية التي تجعل الحرية مسؤولية أخلاقية. في هذا السياق تحضر مقولة سارتر  Sartre: "الإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه."

فالذات لا تتحقق إلا عبر فعل الاختيار. كما يمكن استحضار رؤية يونغ  Jung: "من ينظر إلى الخارج يحلم ومن ينظر إلى الداخل يستيقظ."

عبد الحق يستيقظ على ضرورة مواجهة انقسامه الداخلي ويختتم وعيه بهذه العبارة الدالة: " لن تشفي ضعف نفسك إلا قوة نفسك.."

إنها خلاصة تؤكد أن الشفاء لا يتحقق عبر الاتكاء على الخارج بل عبر إعادة بناء الذات من داخلها....

 وهكذا تشكل قصة (الصفعة) تمثيلاً سردياً لمفهوم الكرامة الداخلية في مواجهة الإغواء النفعي، كما تعكس توتراً هوياتياً يتولد داخل سياق اغترابي ضاغط. ويغدو الفعل البسيط (الصفعة) مركزاً دلالياً تتكثف فيه رهانات الاختيار الأخلاقي، بحيث يتحول الحدث الجزئي إلى علامة رمزية على صراع وجودي يتعلق بوحدة الذات وانسجامها القيمي.

وبهذا تتكامل الأبعاد النفسية والحداثية والوجودية في بنية تأويلية واحدة تمنح القصة كثافتها الدلالية وعمقها الفكري.

***

فاطمة عبد الله