قراءات نقدية

قراءات نقدية

تندرج هذه الدراسة ضمن مقاربة نقدية متعددة المناهج لقصيدة «آخـر.. أولُ الطقـس» للشاعر توفيق أحمد، بوصفها نصّاً شعرياً يتجاوز حدود الغنائية التقليدية ليؤسّس فضاءً دلالياً مركّباً، تتشابك فيه اللغة بالوجود، والذات بالطبيعة، والزمن بالتحوّل. فالقصيدة لا تُنتج معناها عبر السرد أو الوصف، بل عبر بناء طقسيّ يتأسس على المفارقة، حيث تغدو النهاية مبدأً، ويغدو البدء أثراً متأخراً لخبرة العبور. ومن هنا، لا ينهض النص بوظيفته الجمالية فحسب، بل يستدعي قراءة تأويلية تتعامل معه كحدث لغوي–وجودي، لا كتمثيل شعري لحالة وجدانية عابرة.

إن اختيار تعددية المناهج في مقاربة هذا النص ليس ترفاً إجرائياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة القصيدة ذاتها؛ إذ تتداخل فيها البنى الأسلوبية مع الشبكات الرمزية، وتتقاطع الديناميات النفسية مع الإيحاءات الاجتماعية والفلسفية. فاللغة هنا ليست أداة تعبير، بل مجال توتر دلالي، والإيقاع ليس انتظاماً وزنياً بقدر ما هو نبض داخلي يتولّد من المعنى، أما الصورة الشعرية فتغادر حدود التشبيه لتغدو رؤيا وجودية تكشف هشاشة الكينونة وتوقها إلى الامتلاء.

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك القصيدة عبر مناهج متكاملة: أسلوبية ترصد آليات البناء اللغوي والإيقاعي، ورمزية تستجلي شيفرات الطقس بوصفه استعارة كونية، ونفسية تضيء تمزقات الذات العاشقة، واجتماعية–فكرية تلمس أصداء الواقع الجمعي في خطاب الحب، وصولًا إلى أفق فلسفي يضع النص في تماس مع أسئلة الوجود، والعبور، والمعنى. وبهذا، تغدو «آخـر.. أولُ الطقـس» قصيدة تُقرأ لا باعتبارها نصاً منجزاً فحسب، بل بوصفها تجربة مفتوحة على التأويل، وطقساً لغوياً يُعاد فيه التفكير بالحب، والزمن، والإنسان.

أولاً: مدخل عام – القصيدة بوصفها طقسَ عبور:

قصيدة «آخـر.. أولُ الطقـس» للشاعر توفيق أحمد لا تُقرأ بوصفها نصًّا غنائيًّاً تقليديّاً، بل بوصفها طقسَ تحوّلٍ وجوديّ، تُعاد فيه كتابة العلاقة بين الزمن والذات، وبين العاطفة والطبيعة، وبين اللغة وما قبل اللغة. إنّ العنوان نفسه يعلن منذ البدء عن مفارقة تأسيسية: النهاية بوصفها بداية، والختام باعتباره شرط الانبثاق.

نحن إزاء نصٍّ يقوم على التدوير الوجودي لا على الخطّية الزمنية؛ فالقصيدة لا تبدأ من نقطة، بل من دوّامة: إعصار، برق، رعد، هطول، غيم، بحر… وهي عناصر لا تصف الطقس بقدر ما تصف الداخل الإنساني حين يفيض عن احتماله.

ثانياً: المنهج الأسلوبي – اللغة، الإيقاع، الصورة، والبنيان

1. اللغة: بين الكثافة والانسياب

لغة القصيدة مجازية عالية الكثافة، لكنها لا تقع في التزويق اللفظي. الشاعر يعتمد على لغة مشحونة بالدلالة، حيث الكلمة لا تُستعمل بوظيفتها الإخبارية، بل بوظيفتها الإيحائية والانفعالية.

«كان شكلُ الوقتِ إعصاراً

وبرقاً غامضاً

وجنونُ رعدِ الليلِ

يركضُ في ذهول»

نلاحظ:

تشخيص الزمن (الوقت إعصار)

تفجير المفهوم المجرّد عبر الصورة الحسية

انزياح دلالي يجعل الزمن حالة عصبية/هستيرية، لا إطاراً محايداً.

من حيث النحو والصرف:

الجمل الفعلية تُهيمن، ما يمنح النص ديناميكية وحركية.

الحذف النحوي (خصوصاً حذف الروابط التفسيرية) يُكسب اللغة توتّراً شعرياً.

كثرة الجمل الاسمية حين يتعلّق الأمر بالذات العاشقة، ما يوحي بالثبات مقابل اضطراب العالم.

2. الإيقاع: موسيقى داخلية لا عروضية.

القصيدة تنتمي بوضوح إلى قصيدة التفعيلة، لكنها لا تُراهن على انتظام صارم، بل على الإيقاع الداخلي:

التكرار: «من آخر الطقس ابتدأنا / من أول الطقس ابتدأنا»

التوازي التركيبي

المدّ الصوتي في الكلمات (الهطول – اللاوصول – المستحيل – الطويل)

هذا ما يمكن تسميته بالإيقاع الذي يتخلّق من المعنى لا من الوزن.

3. الصورة الفنية: من الوصف إلى الرؤيا:

الصورة هنا رؤيوية لا وصفية. إنها صورة تفكّر:

«وأنا المعلّقُ بين غيمِ الممكنِ الغافي

ورملِ المستحيل»

نحن أمام:

ثنائية الممكن/المستحيل

الغيم (الاحتمال) مقابل الرمل (اليقين القاسي)

صورة وجودية تلخّص مأزق الإنسان المعاصر

ثالثاً: المنهج الرمزي – الطقس بوصفه شيفرة

الطقس في القصيدة ليس حالة طبيعية، بل رمز شامل:

١- الرمز

٢- دلالته

٣- الإعصار

٤- اضطراب الوعي

٥- الهطول

٦- الخلاص / التطهير

٧- الغيم

٨- الحلم، الإمكان

٩- البحر

١٠- الذوبان، الفناء

١١- الصحراء

١٢- العطش الوجودي

١٣- المرأة

٢٤- المعنى / المطلق / الحياة

المرأة هنا ليست فرداً، بل كائن رمزي قريب مما يككن تسميته بـ الأنيمـا، أي صورة الحياة المكتملة داخل الوعي الذكوري.

رابعاً: المنهج النفسي – الذات المعلَّقة

القصيدة تُظهر ذاتاً:

ممزقة بين الرغبة والخوف

بين التوق إلى الامتلاء والوعي باستحالته

«اقتليني بالهوى

فأحبُّ عند العاشق الولهان

أن يبقى قتيل»

هذا المقطع يكشف:

نزعة مازوشية وجدانية

عشق يتغذّى من الفقد

ما يسميه علماء النفس بتلازم الإيروس والتاناتوس (الحب والموت)

العاشق لا يريد الامتلاك، بل الذوبان.

خامساً: المنهج الاجتماعي/الفكري – الطقس والواقع العربي

رغم الطابع الغنائي، يمكن قراءة القصيدة ضمن سياق جمعي:

١- الصحراء = العطش الحضاري

٢- الهطول = الأمل المؤجّل

٣- الرحلة = التيه القومي

«عليكَ توكَّلَتْ صحراؤنا

في رحلةِ الظمأ الجميل»

هنا يتحوّل الحب إلى مشروع خلاص، والذات الفردية إلى مرآة لوعي جمعي ينتظر المطر/النهضة.

سادساً: المنهج الفلسفي – أسئلة الوجود والامتلاء:

القصيدة تطرح أسئلة كبرى:

هل البداية ممكنة دون نهاية؟

هل الخلاص يتحقق بالوصول أم بالرغبة؟

هل الحب خلاص أم شكل آخر من الفناء؟

العبارة المفتاحية:

«رحيلٌ نحو نبعكِ

ليس يدركه الرحيل»

هذه جملة وجودية بامتياز، تلتقي مع فكرة الكينونة بوصفها سؤالًا لا جواباً، والعشق كقفزة في المجهول.

خاتمة: القصيدة كطقس كوني

«آخـر.. أولُ الطقـس» ليست قصيدة حب فحسب، بل نصّ عبورٍ أنطولوجي، حيث:

١- اللغة طقس

٢- الحب سؤال

٣- المرأة معنى

٤- الطقس مرآة للروح

إنها قصيدة تُقرأ لا لتُفهم فقط، بل لتُعاش.

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

................................

آخـر.. أولُ الطقـس

شعر: توفيق أحمد

من آخر الطقسِ ابتدأنا

كان شكلُ الوقتِ إعصاراً

وبرقاً غامضاً

وجنونُ رعدِ الليلِ

يركضُ في ذهولْ

*

من أول الطقس ابتدأنا

ربما لنحدِّدَ اللغةَ الجديدةَ للفصولْ.

*

ولكوخنا الخزفيِّ نستدعي العواصفَ

إنها اللحظاتُ تسرقُنا لتجمعَنا

متى تأتي أيا زمنَ الهطولْ.

*

من مغرب الجبلِ الجميلِ

ومن رذاذِ البحرِ

رحلتُنا وصولٌ ضائعٌ في اللاّوصولْ.

*

ماذا أقولْ

عيناكِ أشواقُ النخيل إلى النخيلْ

وأنا المعلّقُ بين غيمِ الممكنِ الغافي

ورملِ المستحيلْ.

*

كلُّ السحاب مَلَلْتُهُ

إلا سحاباً منك

يختصر الحقولْ

هو أَيُّنا جسدٌ

فراشاتٌ تدبُّ على سنا المصباحِ

أغراها الفتيلْ.

من آخر الطقس ابتدأنا

أيها الغيمُ المسافرُ في تجاعيد الغيابِ أضِئْ

عليكَ توكَّلَتْ صحراؤنا

في رحلةِ الظمأ الجميلْ.

هي خطوتي الأولى

رحيلٌ نحو نبعكِ

ليس يدركه الرحيلْ

ولأنَّكِ الوهَجُ المسافرُ في نسيجي/ رغمَ أسئلةِ

المسافاتِ

اقْتليني بالهوى

فأحَبُّ عند العاشقِ الولهانِ

أَنْ يبقى قتيلْ.

كوني شتاءً في دمي

كي أنحني شجراً أمام بهائكِ الأزليِّ

في الزمنِ البخيلْ.

أوَّاهُ يا امرأةَ النبيذِ

أنا انتظارُ هطولكِ الناريِّ

يُشعلُ في جليدي النارَ

والوجعَ النبيلْ

أنا بانتظارِ البحرِ في عينيكِ

يأخذني إلى الغرقِ الطويلْ

 

عادل مردان، واحد من الأصوات الشعرية العراقية التي اشتغلت على تحرير التجربة الشعرية من قوالبها الجاهزة، والبحث عن صيغ تعبيرية تستجيب لتحولات الواقع والذات معاً، في أعماله الشعرية مسار واضح منحاز بوعي إلى قصيدة النثر، بوصفها فضاءً أوسع للتجريب والتأمل، لغته مكثفة، مشحونة بالرمز والقلق، صور مفتوحة، ومقاطع سردية قصيرة، تقترب أحياناً من المشهد المسرحي، أو اللقطة السينمائية، بما يمنح قصيدته طابعاً بصرياً، يجعلها قابلة للحوار مع الفنون الأخرى، كما في هذا النص:

سيرك رافديني 2

القطيعُ سادرٌ بالتلاؤم

سادرٌ كي يُعَبّرَ

عن وجدهِ المُستفيض

أيّها المارّة البسطاء

حَذارِ

من متاهاتِ السّيرك

*

صحراؤنا تمتدُّ إلى التُّخوم

هم يتسلقونَ شجرةَ الرّائي

داميةٌ أغصانُها على الرّملِ

حالمينَ بأمجادٍ

وهو المستشرفُ

في مخيّلةٍ هائمة

تكفيه مفازاتُ الليل

تقوم قصيدة «سيرك رافديني 2» على بنية رمزية كثيفة، تستثمر المفارقة بوصفها أداة تفكيك للواقع الجمعي، وتشتغل على ثنائية القطيع -الرائي ،في ثنائية معرفية وأخلاقية قبل أن تكون توصيفًا اجتماعيًا. النص يبني مشهداً استعارياً مفتوحاً، تتحوّل فيه اللغة إلى فضاء تأويلي بنبرة تحذيرية:

"القطيعُ سادرٌ بالتلاؤم / سادرٌ كي يُعَبّرَ / عن وجدهِ المُستفيض"

هنا "التلاؤم" ليس انسجاماً إيجابياً، بل استغراقاً في فقدان الفردانية. "الوجد المستفيض" لا يحيل إلى تجربة روحية سامية، بل إلى نشوة جمعية مفرغة من الوعي، إذ يصبح التعبير ذاته فعلاً آلياً صادرًا عن قطيع لا عن ذوات مفكرة.

يتقدّم النداء:

"أيّها المارّة البسطاء / حذارِ / من متاهاتِ السّيرك" هنا منعطف أخلاقي فـ"المارّة البسطاء"ليسوا ضحايا سرديات جاهزة، و"متاهات السيرك" تحيل إلى التاريخ المؤدلج، أو الذي يتحوّل من ذاكرة إلى فخ. التحذير هنا لا يعلّم، بل يوقظ الشك، وهو من سمات الكتابة الشعرية المعاصرة التي تستبدل الوعظ بإثارة الريبة.

تتسع الرقعة الدلالية:

"صحراؤنا تمتدُّ إلى التُّخوم"

الصحراء ليست جغرافيا، بل حالة وجودية، فراغ ممتد، وانسداد أفق. الامتداد "إلى التخوم" يوحي بغياب المركز، و القحط لم يعد ظرفاً طارئاً بل مصيراً.

المفارقة الأشد كثافة تتجسد في:

"هم يتسلقونَ شجرةَ الرّائي / داميةٌ أغصانُها على الرّملِ"

"شجرة الرائي"استعارة للبصيرة، غير أن التسلق هنا فعل عنيف، انتهازي، يُفضي إلى نزف الشجرة ذاتها. المعرفة تُستنزف حين تتحول إلى وسيلة مجد، لا إلى سؤال. الدم على الرمل يوحّد الهشاشة (الرمل) مع العنف (الدم)، في صورة تفضح الثمن الذي يدفعه الرائي في مجتمعات تستهلك الرؤيا ولا تحمي أصحابها.

لا خلاص جماعيًا هنا، بل نجاة فردية مؤقتة. الرائي لا يقود القطيع ولا يواجهه، يكتفي بـ"مفازات الّليل"وهي صورة دالّة على العزلة، والتأمل. الّليل: ليس ظلامًا بل شرطًا للرؤية خارج الضجيج.

أسلوباً، اعتمدت القصيدة على اقتصاد لغوي محسوب، وجُمل قصيرة تُراكم توتراً دلالياً، هذا الاختزال يمنح النصّ طاقة إيحائية عالية تتمثل في:

محاكمة الواقع وإدانة القطيع ، وتضع القارئ داخل المتاهة.2347 hashim tayih

ضمن هذا السياق لا يأتي (الشكل المجسّم) للفنان هاشم تايه بوصفه شرحاً بصرياً لقصيدة "سيرك رافديني" ولا القصيدة نصاً تابعاً للتخطيط، بل يقف الاثنان عند تخوم مشتركة، حيث تتقاطع الرؤية مع اللغة، ويتحول الإيقاع الشعري إلى خطّ، والرمز التشكيلي إلى استعارة لغوية، هنا يُعاد إنتاج المعنى في فضاء ثالث - حقل دلالي مفتوح تتجاور فيه الذاكرة مع قسوة المشهد، يكون فيه "السيرك" استعارة لعالم مختلّ تتنازعه الفوضى والدهشة معاً.

من هنا يأتي عمل تايه الفني بوصفه تجسيداً مكثفاً لجوهر هذه التجربة. نحن لسنا أمام تمثال بالمعنى الأكاديمي، ولا لوحة مسطّحة، بل كيان هجين يقف عند تخوم الرسم والنحت، وعند تخوم اللعب والكابوس. الجسد مصنوع من ورق مطبوع بالنصوص، ملصق ومركّب بعناية متعمّدة تُظهر هشاشته.

دمية أو فزاعة برأس كبير وملامح مختزلة، عينان دائريتان تشبهان الأزرار، فمُ مفتوح في حالة دهشة أو صرخة صامتة. الأطراف مرفوعة بحركة مبالغ فيها، لا تُقرأ بوصفها حركة فرح، بل كإيماءة استغاثة أو احتجاج بلا صوت. سرعان ما ينقلب إلى توتر داخلي.

العينان الجامدتان توحيان بتحجّر النظرة من فرط ما رأت، والفم المفتوح يؤكد حالة العجز عن الكلام في عالم يفيض بالضجيج.

أما تشظي الخامة واختلاف أجزاء الجسد، فيحيل إلى تشظي الهوية واختلال التوازن الداخلي.

يجمع هذا العمل، كما تجربة هاشم تايه عموماً، بين السخرية السوداء والوجع الوجودي. لا يراهن الفنان على الإبهار التقني أو الجمال الزخرفي، بل على الصدمة الرمزية، وعلى تحويل البراءة الشكلية إلى أداة نقد.

الإنسان هنا كائن مصنوع من الورق والكلام، يرفع يديه، يفتح فمه، لكنه يبقى عاجزاً عن النطق، في صورة تختصر أزمة الإنسان في زمن القلق، التفكك، وفقدان المعنى.

تمثل تجربة هاشم تايه التشكيلية أحد المسارات الخاصة في التشكيل العراقي المعاصر، إذ تنشغل على نحوٍ عميق بـتفكيك صورة الإنسان بوصفه كائناً هشّاً، مركّباً، ومأزوماً. لا يسعى الفنان إلى إنتاج جماليات مستقرة أو صيغ شكلية مكتملة، بل يعمل على مساءلة الوجود الإنساني ذاته، في زمن تآكلت فيه المعاني وتكاثفت الضغوط النفسية والاجتماعية.

ينطلق تايه من حسّ قريب من الفن الفطري والتعبيرية الساخرة، غير أنه يوظّف هذه البراءة الظاهرية بوصفها قناعاً بصرياً يخفي خلفه نقداً اجتماعياً ونفسياً لاذعاً. شخوصه غالباً ما تأتي مشوّهة، دُمى-إنسانية، أو كائنات هجينة، بلا هوية فردية واضحة، كأنها نماذج عامة لإنسان معاصر فقدَ مركزه، وتحوّل إلى مادة للاستهلاك أو للعرض.

تعتمد تجربته على خامات بسيطة وهشّة (الورق، النصوص المطبوعة، اللصق، المواد الجاهزة)، وهي ليست اختياراً تقنياً محايداً، بل موقفاً جمالياً وفكرياً يؤكد هشاشة الكائن الإنساني نفسه. الجسد في أعماله متشظٍّ، غير متجانس، والرأس غالباً منفصل دلالياً عن الجسد، في إشارة إلى اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، وبين الفكر والواقع.

بهذا المعنى، يتموضع هاشم تايه خارج القوالب الأكاديمية الصارمة، وفي منطقة وسطى بين الرسم، المجسّم، والبيان البصري، مؤكداً أن الفن لديه ليس تمثيلاً للواقع، بل أداة لفضحه ومساءلته.

***

د. جمال العتابي

 

حين نشرت ماري شيلي رواية فرانكشتاين في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن تكتب حكاية رعب عابرة ولا تسلية قوطية تعتمد على الإثارة وحدها، بل كانت تضع لبنة تأسيسية في صرح الرواية العالمية الحديثة، لبنة ظل صداها يتردد عبر قرنين من التحولات الفكرية والجمالية، حتى غدت الرواية نصاً مفتوحاً قابلاً لإعادة القراءة والتأويل وفق أسئلة كل عصر. فرانكشتاين ليست رواية عن وحش بقدر ما هي رواية عن الإنسان، عن رغبته العمياء في المعرفة، وعن الخوف الذي يولده حين يتجاوز حدوده دون وعي أخلاقي أو مسؤولية وجودية.

الأثر الأدبي العالمي لفرانكشتاين يتجلى أولاً في كونها جمعت بين الخيال العلمي الناشئ آنذاك والبعد الفلسفي العميق، فوسعت من أفق الرواية وأخرجتها من إطار الحكاية الواقعية البحتة إلى فضاء الأسئلة الكبرى. لقد مهدت الطريق أمام أعمال لاحقة تناولت العلاقة بين العلم والأخلاق، وبين التقدم والتدمير الذاتي، وهي ثيمات ستصبح لاحقاً مركزية في الأدب العالمي، من روايات الديستوبيا إلى نصوص ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أعادت مساءلة فكرة العقلانية الغربية.

تأثير فرانكشتاين على الرواية العالمية لا يقتصر على موضوعها بل يمتد إلى بنيتها السردية، فاعتمادها على تعدد الأصوات وتداخل الرسائل والسرد الذاتي منحها بعداً حداثياً سابقاً لزمانه. هذه التقنية جعلت الحقيقة نسبية ومتكسرة، لا تُروى من زاوية واحدة، وهو ما سيصبح لاحقاً سمة أساسية في الرواية الحديثة. القارئ لا يتلقى حقيقة نهائية، بل يجد نفسه محاصراً بوجهات نظر متعارضة، فيضطر إلى بناء موقفه الخاص، وهذه المشاركة التأويلية هي جوهر الحداثة الأدبية.

أما البعد النفسي في الرواية فيُعد من أكثر جوانبها عمقاً وإثارة. شخصية فيكتور فرانكشتاين ليست مجرد عالم مجنون، بل نموذج للإنسان الحديث الذي يطارده هوس الإنجاز والسيطرة. قلقه، شعوره بالذنب، خوفه من نتائج فعله، كلها عناصر تكشف عن نفس ممزقة بين الطموح والخوف، بين الرغبة في الخلق والرعب من المخلوق. هذا الصراع الداخلي يجعل الشخصية قريبة من القارئ المعاصر الذي يعيش بدوره تناقضات مشابهة في عالم سريع التغير.

الوحش نفسه، الذي غالباً ما يُختزل في صورته المرعبة، يحمل عمقاً نفسياً ودلالياً لا يقل أهمية. إنه كائن وُلد بلا ذنب، ثم دُفع إلى العنف بسبب الرفض والإقصاء. هنا تتحول الرواية إلى تأمل في مسألة الآخر، في كيفية صناعة الشر اجتماعياً، وفي مسؤولية المجتمع عن تشويه الفرد. الوحش ليس نقيض الإنسان، بل انعكاس مظلم له، مرآة تكشف قسوته حين يعجز عن التعاطف. هذا البعد الإنساني العميق جعل من الشخصية رمزاً يتجاوز حدود النص ليصبح أيقونة ثقافية عالمية.

الدلالات الرمزية في فرانكشتاين متعددة الطبقات، فهي رواية عن الخلق بمعناه الميتافيزيقي، وعن التمرد على الطبيعة، وعن السؤال الأزلي المتعلق بحدود المعرفة. لكنها أيضاً نص يمكن قراءته بوصفه نقداً مبكراً للحداثة نفسها، تلك الحداثة التي بشرت بالتقدم والعقل لكنها تجاهلت الجانب الأخلاقي والروحي للإنسان. في هذا السياق تبدو الرواية وكأنها تنبؤ مبكر بأزمات العالم الحديث، من اغتراب الإنسان إلى فقدان المعنى.

علاقة فرانكشتاين بالحداثة تتجلى في تركيزها على الفرد، وعلى العقل العلمي، وعلى فكرة السيطرة على العالم عبر المعرفة. لكنها في الوقت نفسه تكشف الجانب المظلم لهذه الحداثة، حيث يتحول الإنسان إلى مشروع ناقص، وتتحول إنجازاته إلى مصادر قلق. هنا تلتقي الرواية مع أسئلة الفلاسفة اللاحقين الذين شككوا في مركزية العقل وفي وهم التقدم الخطي. ماري شيلي لم ترفض العلم، لكنها حذرت من علم بلا أخلاق، ومن معرفة منفصلة عن المسؤولية.

في سياق ما بعد الحداثة تكتسب فرانكشتاين حياة جديدة، إذ يمكن قراءتها كنص يشكك في السرديات الكبرى، سواء كانت سردية العلم أو سردية الخلاص عبر التقدم. الرواية تفضح هشاشة هذه السرديات عبر نهايتها المفتوحة وعبر المصائر المأساوية لشخصياتها. لا يوجد بطل منتصر، ولا حقيقة مطلقة، بل شبكة من الأخطاء والرغبات المتصادمة. هذا التفكيك يجعل النص قريباً من روح ما بعد الحداثة التي تحتفي بالتعدد والشك وتعيد النظر في المسلمات.

في المرحلة الراهنة، حيث يتسارع التطور التكنولوجي وتطرح أسئلة الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية، تبدو فرانكشتاين أكثر راهنية من أي وقت مضى. القارئ المعاصر يجد نفسه أمام نص يحاوره مباشرة، يسأله عن حدود الابتكار، وعن المسؤولية الأخلاقية للمبدع، وعن مصير الكائن الذي نصنعه ثم نتخلى عنه. الرواية هنا لا تُقرأ كأثر كلاسيكي جامد، بل كنص حي يتجدد مع كل قراءة.

العمق الدلالي للرواية يكمن في قدرتها على احتواء تناقضات الإنسان، فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح جراح الأسئلة. هذا ما يفسر استمرار حضورها في النقد الأدبي وفي الثقافة الشعبية وفي الفلسفة. فرانكشتاين ليست فقط نصاً مؤسساً، بل تجربة فكرية وجمالية تضع القارئ أمام ذاته، وتدعوه إلى تأمل علاقته بالعلم وبالآخر وبالمسؤولية.

من هنا، يمكن القول إن فرانكشتاين تجاوزت زمنها لتصبح نصاً عابراً للعصور، نصاً يقيم جسراً بين الرومانسية والحداثة وما بعدها، ويؤكد أن الأدب العظيم هو ذاك الذي يظل قادراً على مساءلتنا مهما تغيرت الأزمنة. إنها رواية عن الخلق، نعم، لكنها قبل كل شيء رواية عن الإنسان حين يواجه نتائج أفعاله، وحين يكتشف أن أعظم وحوشه قد تكون تلك التي صنعها بيديه.

إضافة إلى ما سبق يمكن تعميق قراءة الرواية عبر التوقف عند بعدها الأسلوبي والجمالي، إذ إن لغة ماري شيلي نفسها تشكل جزءاً من الأثر الأدبي العالمي لفرانكشتاين. فاللغة تجمع بين النفَس الرومانسي الذي يحتفي بالطبيعة والمشاعر، وبين نبرة تأملية قاتمة تعكس توتر العقل الحديث. الطبيعة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر دلالي أساسي، فهي الملاذ الذي يلجأ إليه فيكتور هرباً من شعوره بالذنب، وفي الوقت نفسه مرآة لعواصفه الداخلية. هذا التداخل بين الداخل النفسي والخارج الطبيعي يمنح النص بعداً شعرياً يرفع الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى التجربة الوجودية.

كما أن البعد الأخلاقي في فرانكشتاين يفتح المجال لقراءة اجتماعية وسياسية معاصرة. فالعلاقة بين الخالق والمخلوق يمكن إسقاطها على علاقات السلطة في العالم الحديث، حيث تُنتج الأنظمة كائناتها الهشة ثم تتنصل من مسؤوليتها تجاهها. في هذا المعنى يتحول الوحش إلى رمز للمهمشين والمنبوذين، أولئك الذين يُدفعون إلى العنف لا بفعل طبيعتهم بل بفعل الإقصاء. هذا التأويل يجعل الرواية وثيقة أدبية قابلة للحوار مع قضايا العدالة الاجتماعية والهوية والاختلاف في عالم اليوم.

ولا يمكن إغفال حضور سؤال الهوية في الرواية، وهو سؤال محوري في الأدب الحديث وما بعد الحداثي. الوحش يبحث عن تعريف لذاته، عن اسم، عن مكان في العالم، لكنه لا يجد سوى الرفض. هذا القلق الوجودي يتقاطع مع أزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم متشظي الهويات، عالم تتآكل فيه المرجعيات الثابتة. هنا تبرز فرانكشتاين كنص سابق لعصره، إذ تضع القارئ أمام معضلة الوجود دون انتماء، ودون اعتراف.

من زاوية نقدية أخرى يمكن النظر إلى الرواية بوصفها نصاً ميتاسردياً يتأمل فعل الكتابة نفسه. ففكرة الخلق لا تقتصر على الخلق العلمي، بل تمتد إلى الخلق الأدبي. ماري شيلي، بوصفها كاتبة شابة في عالم أدبي يهيمن عليه الرجال، تطرح سؤالاً ضمنياً عن سلطة الخالق وحدودها، وعن مسؤولية الكاتب تجاه شخصياته ونصه. هذا الوعي الذاتي بفعل الإبداع يربط الرواية بنقاشات الحداثة حول دور الفن ووظيفته.

في ضوء كل ذلك تبدو فرانكشتاين نصاً لا ينتمي إلى زمن واحد، بل يتحرك بين الأزمنة، يعيد تشكيل نفسه مع كل قراءة جديدة. توسعها الدلالي، وثراؤها النفسي، ومرونتها التأويلية، تجعلها واحدة من أكثر الروايات قدرة على الصمود في وجه النسيان. إنها ليست فقط علامة فارقة في تاريخ الرواية العالمية، بل نص مفتوح يواصل مساءلتنا حول معنى أن نكون بشراً في عالم نصنعه بأيدينا ثم نخاف من نتائجه.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

للشاعر العراقي: علاء سعود الدليمي

تندرج قصيدة «مراعٍ بلا شتاء» ضمن الشعر العربي المعاصر الذي يتخذ من التجربة الفردية نافذةً على الوجع الجمعي، ومن الصورة اليومية البسيطة أداةً لقول المأساة الوجودية والوطنية في آن. لا تتكئ القصيدة على خطاب مباشر أو شعاراتي، بل تُراكم دلالتها عبر لغة هادئة، مشحونة بالانكسار، تتوسل الرمز، وتستثمر الصمت والفراغ والانتظار بوصفها بنيات دلالية قائمة بذاتها.

النص لا يقدّم مأساة مكتملة، بل حالة استنزاف طويل، زمنًا بلا فصول، ومراعٍ بلا شتاء، أي بلا خلاص.

أولًا: المنهج الأسلوبي

1. اللغة والبناء:

تقوم لغة القصيدة على البساطة المشحونة، حيث تتجنب الزخرفة البلاغية لصالح جمل قصيرة، واضحة، لكنها مثقلة بالمعنى. يعتمد الشاعر على الجملة الاسمية والفعلية البسيطة، بما يعكس حالة الثبات والعجز:

«أقفُ قريباً من النهرِ،

لا ماءَ فيهِ يروي ظمئي»

الفعل هنا (أقف) لا يقود إلى حركة، بل إلى توقّف وجودي، وهو ما يتكرر في النص.

2. الإيقاع

الإيقاع داخلي، غير وزني صارم، يعتمد على:

١- التكرار الدلالي (الموت، الغياب، الانتظار)

٢- الوقفات السطرية

٣- الجمل القصيرة المتقطعة

هذا الإيقاع يحاكي التنفس المتعب، ويخدم الحالة النفسية للنص.

3. الصورة الشعرية:

الصورة قائمة على التحويل الدلالي:

النهر بلا ماء

الشعر الأبيض كزرعٍ حان حصاده

الأكفان كعباءة الأمس

وهي صور تقوم على مفارقة الأمل واليأس، وعلى تحويل عناصر الحياة إلى علامات فناء.

ثانيًا: المنهج الرمزي:

1. رمز النهر

النهر رمز الحياة والاستمرارية، لكنه هنا:

«لا ماءَ فيه»

أي أن مصدر الحياة ذاته صار خواءً، في إحالة واضحة إلى الوطن المستنزف أو الذات المجففة روحياً.

2. مراعٍ بلا شتاء

العنوان نفسه رمز مركزي:

المراعي: الخصوبة

الشتاء: التجدد

غياب الشتاء يعني تعليق دورة الحياة، وهو رمز لزمن عربي/عراقي متوقف عن التجدد.

3. الجنوب:

«ديارٍ لا تجيدُ عزاءَ الجنوب»

الجنوب هنا ليس مكانًا فقط، بل رمز للحرمان التاريخي، والتهميش، والجراح المتراكمة.

ثالثًا: المنهج النفسي:

القصيدة صوت ذات منهكة، تعيش:

الحداد المستمر

العجز عن التفريغ العاطفي

السؤال عن شرعية البكاء

«فكيفَ يندبُ الشاعرُ وجعَه؟»

هنا يظهر الصراع النفسي بين:

الرغبة في البوح

الخوف من الاستهلاك العاطفي

الشاعر لا يملك ترف البكاء، لأن وجعه أعمق من الدموع.

رابعاً: المنهج الاجتماعي / الفكري

تعكس القصيدة حالة الإنسان العراقي المعاصر:

١- موت متكرر

٢- ذاكرة مثقلة

٣- مستقبل معطّل

«بعدَ الموتِ

ألفُ موتٍ»

هذه العبارة تختزل واقعاً اجتماعياً سياسياً يقوم على تكرار الفقد، لا على تجاوزه.

كما تنتقد القصيدة ثقافة التعايش مع الألم، حيث يصبح الموت حدثاً اعتيادياً، بلا طقوس خلاص حقيقية.

خامساً: المنهج الفلسفي

1. الزمن

الزمن في القصيدة دائري، لا تقدّمي:

أمس يلفّ الحاضر

انتظار بلا أفق

2. الموت:

الموت ليس نهاية، بل حالة ممتدة:

«بعدَ الموتِ ألفُ موتٍ»

وهذا تصور وجودي قريب من العبثية (كامو)، حيث تتكرر المأساة دون معنى خلاص.

3. السؤال الوجودي:

القصيدة لا تقدم إجابات، بل تترك السؤال معلقاً:

هل يكفي الدمع؟

هل للانتظار جدوى؟

وهنا تتجلى القيمة الفلسفية للنص: الوعي دون عزاء.

خاتمة:

قصيدة «مراعٍ بلا شتاء» نص مكثف، هادئ، لكنه عميق الأثر، ينجح في تحويل التجربة الفردية إلى مرآة لوجع جمعي. قوته لا تكمن في الصراخ، بل في الاقتصاد اللغوي، والصدق الشعوري، والقدرة على جعل الصمت جزءاً من المعنى.

إنها قصيدة عن وطن بلا فصول، وعن ذاتٍ أنهكها الانتظار، لكنها ما زالت تطرح السؤال، والسؤال هنا هو آخر أشكال المقاومة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

مراعٍ بلا شتاء

علاء سعود الدليمي

أقفُ قريباً من النهرِ،

لا ماءَ فيهِ يروي ظمئي،

ولا غيمةَ تبعثُ فيَّ الأمل.

لقد أكلَ القحطُ عشبَ أيّامي،

وصارَ الشَّعرُ أبيضَ اللونِ

كزرعٍ حانَ حصادُهُ،

تهشّمهُ مناجلُ الفلّاحين.

فهل يعودُ السوادُ بعدَ البياض؟

بعدَ الموتِ

ألفُ موتٍ،

وأكفانٌ كثيرة

تلفُّني بعباءةِ الأمس.

ابتسامةٌ هنا،

وضحكةُ طفلٍ هناك،

ومخيّلةُ شاعرٍ

فقدَ ديونَهُ البِكرَ

في ديارٍ

لا تجيدُ عزاءَ الجنوب.

فأيُّ فاتحةٍ للعذاب

قد فتحَها الغياب؟

لا حرجَ في ندبِ الأمهات،

ينثرنَ أوجاعَهنّ

على أكتافِ المنيّة،

فكيفَ يندبُ الشاعرُ وجعَه؟

أيكتفي بالدّمع،

أم ينثرهُ

في غروبِ الانتظار؟

مراعٍ بلا شتاء،

وقد انحنى

ظهرُ الأمنيات.

 

قراءة نقدية وجودية – هيرمينوطيقية في قصيدة جهينة العبدلله  

تقدّم هذه القصيدة القصيرة للشاعرة جهينة العبد الله نموذجاً مكثفاً للشعر الوجودي الحديث، حيث تُبنى التجربة الشعرية على مفارقة حادّة بين امتلاك الوسائل وغياب الغاية، وبين وفرة الإمكان وهشاشة التحقق. على الرغم من قصر النص، إلا أنه ينفتح على أفق تأويلي واسع، ويشتغل بوصفه بنية رمزية مكتفية بذاتها، تستدعي قراءة تتجاوز المستوى الانطباعي إلى التحليل الدلالي والهيرمينوطيقي والأسلوبي.

أولًا: المفارقة الوجودية وبؤرة الدلالة

منذ السطر الأول تعلن الذات المتكلمة امتلاكها «كلّ المفاتيح»، غير أن هذا الامتلاك لا يقود إلى اكتمال، بل ينكشف فوراً عن فراغ صادم:

«ولا بيت…»

هنا تتشكّل البؤرة الدلالية للنص: وفرة الأدوات في مقابل غياب المعنى. البيت لا يُقدَّم بوصفه مكاناً مادياً، بل يتحول إلى استعارة للانتماء، وللاستقرار الداخلي، وللقرار الوجودي. إن تكرار النفي لا يحيل إلى فقر خارجي، بل يفضح اغترابًا داخليًا تعيشه الذات رغم اكتمال الإمكانات. المفاتيح، في هذا السياق، تفقد وظيفتها العملية لتتحول إلى علامة وعي: وعي بالانغلاق لا بالفتح.

ثانياً: النوافذ والذكرى – انفتاح يتحوّل إلى أسر

في مقابل غياب البيت، تظهر صورة «نوافذ الروح المشرّعة»، وهي صورة توحي بانفتاح كامل على الداخل الزمني للذات. غير أن هذا الانفتاح لا يمنح امتداداً، بل يتحول إلى شكل آخر من أشكال الأسر:

«تأسرني الذكرى / ولا امتداد لها»

الذكرى هنا ليست ملاذاً حميمياً، بل قيداً ناعماً؛ تمارس سلطتها عبر الجذب لا عبر العنف. الماضي لا يُقدَّم بوصفه زمناً منقضياً، بل كقوة فاعلة تعرقل الحركة إلى الأمام. وبهذا يتحول الانفتاح من قيمة إيجابية إلى مأزق وجودي، وتغدو الذاكرة عنصر تعطيل لا استمرارية.

ثالثاً: الطريق بوصفه سؤالاً أنطولوجيًا

يتحوّل السؤال: «إلى أين تمضي بنا الدروب؟» من استفهام جغرافي إلى قلق أنطولوجي عميق. الطريق، في هذا النص، ليس مساراً صامتاً، بل كياناً متكلماً، ومع ذلك لا يمنح يقيناً:

«يقول الطريق: ما دمتَ ترى أمامك سرًّا»

السر هنا لا يحمل وعد الكشف، بل اعترافاً بتأجيل المعنى. المعرفة ليست غاية قابلة للتحقق، بل حالة ترقّب دائمة. وحتى «الدروب الملتوية» لا تُدان أخلاقياً أو معرفياً، بل تُقارب «بحذر العارف»، في إشارة إلى أن الالتباس ليس عائقاً للفهم، بل شرطاً من شروطه. الحقيقة، في هذا التصور، لا تُنال في خط مستقيم، بل في مسار متشعب.

رابعاً: الدائرة التأويلية والنهاية المفتوحة

من منظور هيرمينوطيقي، يرفض النص تقديم معنى مغلق. العلامات الأساسية (البيت، المفاتيح، النوافذ، الطريق) تبقى مفتوحة على تعدد الدلالات، وتعمل داخل دائرة تأويلية مستمرة. كل مقطع يعيد تفسير ما سبقه ويعيد إضاءة ما يليه.

«إلى أين تريد الوصول:

إلى النهاية أم البداية؟

لا فرق

لا فرق»

لا تعبّر عن استسلام، بل عن لحظة وعي دائري. البداية والنهاية تتلاشيان داخل فعل السير ذاته. القيمة لا تكمن في الوصول، بل في التوتر المستمر بين السؤال والخطوة. النص لا يحتفي بالحل، بل بحركة البحث.

خامساً: البنية الرمزية المكانية

يقوم النص على ثلاثية مكانية كثيفة:

البيت: رمز الهوية المتخيَّلة والاستقرار المفقود.

النافذة: رمز الوعي، لكنها حين تُفتح على الذكرى فقط تتحول إلى أداة احتجاز زمني.

الطريق: رمز الزمن والمعنى المؤجَّل، كيان متحرك يتكلم دون أن يحسم.

هذه الثلاثية تشكّل خريطة وجودية مصغّرة للذات الإنسانية الحديثة، التائهة بين وهم الامتلاك وعجز التحقق.

سادساً: الاشتغال الأسلوبي والاقتصاد اللغوي

أسلوبياً، يعتمد النص على اقتصاد لغوي صارم. الجمل قصيرة، شبه تقريرية، لكن تحت هذه البساطة يعمل إيقاع داخلي قائم على التكرار والتقابل. تكرار «سرّاً» و«لا فرق» يخلق لازمة إيقاعية تتحول إلى نبض فلسفي. كما أن التقابلات (كثرة الأبواب/غياب البيت، انفتاح النوافذ/أسر الذكرى، رؤية الطريق/غياب الوصول) تولّد المعنى من احتكاك الأضداد. البلاغة هنا ليست زخرفاً لغوياً، بل بلاغة مفهوم، حيث الصورة هي الهيكل البنيوي للدلالة.

خاتمة:

على الرغم من قصر القصيدة، فإنها تشتغل كنص مرآوي يعيد القارئ إلى أسئلته الوجودية الخاصة: المعنى، والانتماء، وإمكان الوصول. إنها لا تقترح حلًاً، بل تجعل من الضياع شكلًاً من أشكال الوعي، ومن السؤال وطناً مؤقتاً للذات السائرة. بهذا المعنى، لا تُكتب القصيدة عن الطريق فحسب، بل تُكتب كطريق، يُطلب من القارئ أن يسير فيه لا أن يصل إلى نهايته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

لبيتي أبوابٌ كثيرة

كلُّ المفاتيح معي

ولا بيت...

لروحي نوافذُ مشرّعة

تأسرني الذكرى

ولا امتدادَ لها

إلى أين تمضي بنا الدروب؟

يقول الطريق:

ما دمتَ ترى أمامك سرًّا

وماذا عن الدروب الملتوية؟

سرًّا بحذر العارف

لكن هل من وصول؟

إلى أين تريد الوصول:

إلى النهاية أم البداية؟

لا فرق

لا فرق

 

في شَخصيَّاتِ (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحِيلَ)

تَقديـمٌ: حِينَ يتحوَّلُ القصُّ الحكائي إلى لُغة مكانٍ وزمانٍ ورموزٍ تاريخيِّة روحيَّة، وشخصيَّاتٍ شعبيَّة واجتماعيةٍ حقيقيةٍ وواقعية، ضاربةٍ جذورها العميقة بأرض الواقع الوجودي الكوني الذي ينتمي إليه الإنسان حياةً ومِماتاً، وليست حركةً عابرةً الوجود، فإنَّ لُغة الإبداع السردي تتفجَّر عيوناً محكيَّةً من أديم هذه السرديَّات، وتنبجسُ إشراقاتٍ توهُّجيَّةً عديدةً وامضةَ الأثر النَّفسي من خلال الصدى الحركي لتلك الشخصيَّات الفواعلية، وفعل حركتها المتنامية على أرض الواقع وفضائه المعيش.

الأمر المُثير الذي ينعكس أثره الفعلي الإيجابي على ذائقة المتلقِّي النصِّي، ويُلقي بظلاله الآسرة على نفسية القارئ الظمأى التي تبحث دائماً عن معاني الإشراق الصوري وجمال التكثيف اللُّغوي، وصفات التجديد الذي يُنشِّطُ ذاكرتها الفكريَّة، ويُحيي جفافَ رَواءَها الرُّوحي والإنساني عبر مجسَّات هذا التراسل الزمكاني الفعلي الذي يستشعره ألقَاً حيَّاً في شفرات رسائل الإبداع النصِّي.

من ثوابت النقديَّة المُنصِفة، أنَّ ليسَ كلُّ قديمٍ بَالٍ يُعدًّ نظريَّاً قديماً، ولا كلُّ جديدٍ مُستحدَثٍ يُعدُّ جديداً مواكباً لضرورات الحداثة وما بعدها، وإنَّما في الحقيقة، أنَّ مظاهر الجِدَّة والتخليق والابتكار والإبداع تكمن روافده الجديدة في منابت القديم ونتاجات الجديد، وفي مُوحيات التُراث والمعاصرة.

وهذا التمايز الفنِّي والجمالي هو ما تَشي به حكايات هذه المجموعة القصصيَّة البيئية القصيرة، وتنطق به أصداء موضوعاتها الإنسانية البحتة ووحداتها العضويَّة السَّريَّة التي يجمعُها رابط واحد يمثِّل مُعادِلاً مُوضوعيَّاً فنيَّاً وإنسانيَّاً جمعياً يتداخل فيه أثر الفعل السردي الواقعي بالتاريخي الديني الرمزي، والواقعي المَعيش بالغرائبي الفِنتازي أو العجائبي الفنِّي المُذهل الذي ترتبط جذوره الأساسية وأُسهُ الحدثي بالواقعية نفسها مصدر إلهام الكاتب ومُوئِل إبداعه الفكري الفلسفي الأصيل.

بِناءُ المُدوَّنةِ القصصيَّةِ وتَأثيثُها لُغويَّاً وفَنيَّاً:

 (مَشاحيفٌ تًأبى الرَّحيلَ)، هي المجموعة القصصيَّة القصيرة للأديب والكاتب السومري العراقي الجَنوبي السَّاخر مُحمَّد سيِّد كرم الموسوي، والصادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد، ومن القطع الكتابي المتوسِّط وبواقع كمِّيٍ بلغ نحو (95) صفحةً. تُمثِّل هذه المجموعة واحدةً من أبرز مجاميع الميتا سرد القِصصي الحديث الذي يعتمد فيه الكاتب شكلاً ومضموناً على لُغة الموروث الشعبي العراقي.تلك اللُّغة المَحكيَّة أوالشعبيَّة المَحَليَّة القُح لأهل الريف أو عرب الأهوار في الجنوب العراقي، والتي تمثِّل بالأصل (لُغة المِعدانِ) امتداداً للسُومريين.

وهذه اللُّغة المكانية لا يفهمُها الكثيرُ منَّا إلَّا مَنْ كان يَنتسب إليها أو عاش فيها، وفهم معانيها ومغزى دلالاتها القريبة والبعيدة الموغلة في قدِمِ المنطقة. ولا شكَّ أنَّ الكاتب محمَّد كَرَم الموسوي هو ترجمانها الناطق وابن منطقتها الذي تربَّى وسطَ ربوع بيئتها الأهواريَّة، وهو أدرى بِطُرق شِعابِها، وأعلمُ بثقافتها الشعبيَّة وعاداتها وتقاليدها وهمومها وأحزانها، وهو من أدرك تحوُّلاتها النسقية ونظمها الاجتماعيَّة والطبقيَّة؛ فضلاً عن كونِ نسبُهُ سَيِّداً من أشرافها، وأنَّ أباه وجيهاً منها. فلا ضيرَ أنْ يكون شاهداً حيَّاً على هُوِيَتِها المكانيَّة وثقافتها الزمانية العشائرية والإقطاعية السائدة.

كلُّ هذه المُدخَلات الأرضيَّة للطبيعة والحياة والناس، والمُخرجات الفكريَّة لعوالمها الإنسانية الوجودية جعلت من القاصِّ محمَّد كرم الموسوي في هذه المُدوَّنة أنْ يكون عَيناً بصريَّةً ونقديَّة ثقافيةً ثالثةً لها، وصارَ مَعيناً فكريَّاً ومعرفيَّاً إنتاجياً مُخَلَّقاً زاخراًومؤهَّلاً لمثل هذا اللُّون الشعبي من السرديَّات القصصيِّة المحلِّية الناطقة بأعباء الحياة وتجلِّياتها الضَاجَّة الحركة لسُكَّان تلك المنطقة الموغلة في الِقدَم زماناً، وتلك القرى والقصبات المجاورة لها في الأهوار والمِسَاحاتِ اليابسة منها.

كانت منطقة (الخُمُسِ) ذات الطبيعة الأهوارية البحتة، ونُهر (البُتيرة) في شمالي مدينة العمارة، هما نقطة الانطلاق المركزية لاشتغالات الكاتب، وخطّ مثابة التكثيف البؤري السردي التي بنى عليها الكاتب تصاميم هندسته المعمارية في تأثيث قصص هذه المجموعة المُذهِلة مُحتوىً وفكرةً ولغةً.

تسعةُ نُصوصٍ قصصيَّةٍ نسقيَّةٍ مُتراتبةِ الأثر يتبعها نصٌّ عاشر آخر لا ينتمي إليها؛ كونه نصَّاً فنيَّاً مُغايراً في صياغة الفكرة والهدف والمَغزى. وكلِّ نصٍّ من نصوصها التسعة يمثِّلُ قصَّةً تكامليةً متفرِّدةً في موضوع وحدتها وثيمتها العضوية الفكريَّة المُرتبطة بها. وأنَّ كلَّ قِصةٍ تُعدُّ مَشحوفاً سُومريَّاً من مشاحيف تلك المنطقة القابعة في حافَّات ووسط الأهوار التي تأبى مفارقتها والرحيل عنها وعن خريطة وجودها الانطلوجي المكاني.إنَّها تَمثُّلاتُ عشق الإنسان الأهواري وحبِّه لأرضه وطبيعتها الكونية المتحركة والثاتبة، وانتمائه العرقي لأصله وحياته الاجتماعية والمعيشية القَارَّة.

أُسلوبيةُ الكَاتبِ المُوسويّ القِصصيَّةُ:

إنَّ مَنْ يطَّلع بتؤدةٍ على إعمال ونتاجات الكاتب القاصِّ محمَّد سيَّد كرم الموسوي ويقراً مجاميعه القصصيَّة وسرديَّاته الأُخرى، سيخرجُ بنتيجةٍ فنيَّةٍ وموضوعيَّةٍ مَفادُها أن الكاتب الموسوي ينماز في مركزيَّة اشتغالاته بخاصِّيتينِ إبداعيتينِ مُختلفتين في فنيَّة التعبير السرديَّة. الخاصِّيةُ الأُولى، إنَّ الموسوي كاتب ساخر بامتيازٍ ومن النوع الحاذق والمثابر في رسم معالم السُّخرية النقديَّة اللَّاذعة في سهم الصميم السردي، ولا سيَّما في نتاجاته القِصصيَّةِ القصيرة جِدَّاً التي تمثِّل أدباً نثرياً إشكاليَّاً حديثاً، والَّتي يمتلك فيها عيناً نقديَّةً سرديَّة ثاقبةً ومؤثِّرةً في التقاطاته للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي الشعبي. وهذا ما هو موثَّقٌ جدَّاً في جُلِّ كتاباته السرديَّة القصيرة الأخرى.

أمَّا الخاصِّية الثانية التي تميَّزت بمغايرتها الفنيَّة عن أثر الأولى، هي كتاباته الألمعية وفتوحاته الإشراقية المُكثَّفة الجادَّة، وخاصَّةً في قِصصه القصيرة وكتاباته السرديَّة الأخرى، وفي تمثُّلات المقاربة والتماهي مع الواقع الحياتي المَعيش ومحاكاته بعين سرديَّةٍ مُبهرةٍ ترصد تجلياته الوجودية وتكويناته، وتتقفَّى بحفريَّاتها وتنقيباتِها السياقيَّة والنسقيَّة الثقافية آثار طبيعته التاريخية والحضارية التأصيلية الضاربة في العمق التاريخي. فهو يرصد بعدسته الواقع الحياتي المثير بكلِّ فئاته وطبقاته المختلفة0 ويكشف بصدق عن أبعاد حمولاته الفكرية والثقافية، ويُشخِّص هُوِيَتَه الإنسانية المتفرِّدة وطابعه التكويني الذي درجت عليه العادة أنْ يكون شاخصاً معروفاً بهُوِيَته الحضارية.

وهذه الخاصِّيَّة الأخيرةُ هي ما تكشف عنه بصدقٍ وحياديَّةٍ مُجانبةٍ لأثرِ الواقع الجمعي الحياتي موضوعاتُ وشخوصُ قصصِ هذه المجموعة (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ) التي نحنُ بصدد دراستها وتفكيكها، والكشف عن رؤى فلسفتها الفكرية ومصادر أنساقها الأدبية والثقافية الظاهرة والخفيَّة.

وأنَّ اللَّافت المُثير في قصص هذه المُدوَّنة وطبيعة استجاباتها السرديَّة الحكائية الفاعلة، ذلك هو أنَّ كُلَّ قصَّةٍ من قصصها التسع تحمل بصمةً موضوعيَّةً، وفنيَّةً جماليًّةً تفرُّديَّةً في جميع طيَّاتها الانثياليَّة الواثبة عن سجايا وطبائع وصفات وإيثار وعدل رمزٍ من رموز الأمة التاريخيَّة والدينية الإسلامية الخالدة، ذلك هو صوت العدالة الإنسانية، والبطل التاريخي الغالب، عليُّ بن أبي طالب، ليس تقديساً مَذهبيَّاً وإنَّما إيماناً وتعضيداُ لمقولة الرسول الكريم (ص) : "عليُّ معَ الحقِّ والحقُّ مَعهُ".

فعدلُ عليٍّ وإيثاره ومناقبه وشجاعته وإقدامه وبطولاته كانت بحقٍّ منارةً هذه القصص والبؤرة المركزية لاشتغالاتها الفكرية وثيمها الموضوعيَّة المُتعدِّدة النظر والمتوحِّدة الأثر. فَعليُّ بنُ أبي طالبٍ هو المعادل الموضوعي الكبير والميزان العادل للحقِّ في أنساق هذه القصص التي لم تُبَخَسْ شخصياتُها، ولم تُهزمْ في حياتها طالما هي متمسكةً بجدوى ذلك الأثرالمُشرق وتاريخه الطويل الذي لا ينكسر مَهما تطاولت عليه يَدُ الزمن وكَثُرتْ خيباته واشتدَّت به الرَّزايا وغربلته عاديات المحن .

تَمثُّلاتُ الكاتبِ لِشخصيَّاته القِصصيَّةِ:

لم تأتِ تمثُّلات الكاتب محمَّد سيِّد كرم ومقصدياته السرديَّة لشخصيَّة هذا الرمز التاريخي العادل بصورة تكلُّفيةٍ أو مصطنعةٍ، ولم يقحمها إقحاماً جبريَّاً؛ بل كانت غايته الموضوعية فنيَّةً وجماليَّةً لتكونَ شاهداً على تلك الشخصيَّة المِقدامة وتأثيراتها النفسيَّة والروحيَّة على شخصياته الفواعلية وحركتها الفعليَّة.وكان حضورها السردي ومجيؤها الحدثي عفويَّاً طبيعياً خالصاً لا تشعر معه بثقلٍ أو إملالٍ أو تَبرُّمٍ في قراءاته حيالَهُ، وإنَّما كان هو ملحُ هذه القصص ودواؤها الشافي لزيغ النفوس.

والأجدر في مسار ذلك الانطباع الفكري، وتلك السلاسة التعبيريَّة وهُدى سيره الانقيادي العذب في مضامين فنيَّة التعبير، هو تلك اللُّغة الفارقة المُغرقة بالمعاني والدلالات الشعبيَّة المحليَّة المُحبَّبة التي تجمع بين شخصيَّة الرمز الديني الوثوقيَّة المُبهرة الأثر، وفعل تلك الشخصيَّات القصصيَّة الاجتماعية المؤمنة بها إيماناً مُطلقاً. حيث لا يُمكن أن تشعر بوجود هوَّةٍ ساحقةٍ بينها وبين الرمزِ.

لقد عمد السيِّد محمَّد كرم في عنوانات سردياته القِصصيَّة التسع إلى إسقاط تأثيرات تلك الشخصيَّة الفعلية الرامزة وإبراز مُوحياتها الإنسانيَّة والدينيَّة على بساط واقعة الحدث الموضوعية، وعلى تجلِّيات الراهن المعيش. فهوَ لم يُسقطْ مُؤثِرات الواقع وتداعياته على ذات تلك الشخصية الرمزية؛ لينسجَ منها قِصصاً وحكاياتٍ موضوعيةً وإيثاريةً مُبهجةً مؤثرةً، بل عَكَسَ ذلكَ الموروث على المعاصرة في انعطافاته السرديَّة التي تَمُّتُ بصلةٍ كبيرةٍ إلى صميم واقعه الزمكاني المثير.

فمثل هذه المغايرة الأسلوبيَّة والتمايز الفني يُضفي على السرد القِصصي مَهابةً فنيَّةً رَائعةً وجمالاً إمتاعياً تنعكس مرآة رؤاه الفكرية وصوره الإنسانية المُدهشة على نفسيَّة القارئ وتمنح النصَّ جَلالاً وقدسيةً خالصةً. فما من قصَّةٍ من قصص خطابه السردي تخلو من مؤثِّرات ورفعة وسمو وجلال الخلودية لهذه الشخصيَّة التي يدين لها التاريخ العالمي بالتقدير والاحترام والامتنان العادل.

وعلى الرُّغم من أن شخصيَّات محمَّد كرم الموسوي القصصيّة تتراوح مكانتها الوجودية بين الشخصيَّات الشعبيَّة الفقيرة المُعدَمة في مثابات المجتمع الريفي والأهواري الجنوبي، وشخصيٍّات اجتماعيةٍ أخرى ذات المكانة والجاهِ الاقتصادي والثقافي والسياسي والرُّوحي الداخلي والخارجي لمدينة العمارة ذات الطابع الجنوبي المتمايز في خصوصيته المكانية المعروفة، فإنّ الكاتب استطاع أنْ يوازن بين واقع تلك الشخصيَّات المُختلفة ويُحْسِنُ توزيعها بشكلٍ عادلٍ ومتساوٍ في خريطة مضامين هذه القصص وتمثُّلات وقائعها الحدثية ومقارباتها الصوريَّة المتنامية.

وتمكن القاصُّ الموسوي أيضاً من خلال سعة ثقافته الفكريَّة واستعداده المَعرفي الابستمولوجي المُكتسب إنْ يجمع في سردياته بينَ مُختلف المَذاهب الدينية والإثنيِّات الِّتي تَدين بهاهذه الشخصيَّات القصصيَّة المُتنوُّعة، فضلاً عن ذلك قومياتها العربية والكُرديَّة العراقيَّة والعربيَّة الأُخرى المُتَّصلة بالحدث والتي يجمعها رابط المحبَّة القويِّ والعرفان والتبجيل والقداسة والإنصاف لشخصيَّة الإمام علي التاريخية العادلة التي لا تُفرِقُ بين انتماءات هذه الشخصيَّات وأصولها المذهبية والعِرقية، إلَّا لكونَّها تَدينُ بصفات الجامعة الإنسانية التي يستظلُّ بظلها الوارف أبناء المعمورة البشريَّة جمعاء.

عتباتُ النصِّ المُوازي:

يُعدُّ العُنوان الرئيس أُوْلَى عتباتِ النَّصِّ المُوازي، بل هو أهمُّ عتبةٍ عنوانيةٍ شاخصةٍ من عتبات النصِّ الموازي؛ كونه مفتاحاً لبوابة النصِّ الذي يُحيط به، والطريق المؤدِّي إلى ظلال شطآنه الوارفة. وهو الكاشف عن وقائع وتجلَّيات فضائه الرمزي والدلالي المعنوي؛ لأنَّ النصَّ الموازي هو في الحقيقة دراسةٌ مستفيضةٌ لتلك العتبات المُحيطة بأرجائه، بدءاً من العنوان الرئيس، رأس خيط أو (الوِشِيْعَةُ) التي يُمسك بها القارئ والمتلقِّي، ومروراً بخيوطه المتشابكة الأخرى أو عتباته الفرعية مثل، (التصدير والتمهيد والمدخل أو التقديم)، وحتَّى عتبة الإهداء، وانتهاءً بعتباتِ عُنواناته الداخلية القصيرة وخواتيمها، حتَّى لوحة التظهير الخارجيَّة الثانية الَّتي هي خلاصة قصديَّة الكاتب.

أمَّا (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحِيلَ) فَهيَ لوحةُ الكتاب العنوانية الأولى، وهي رايةُ وشاخصُ معماريَّة النصِّ الموازي المُهمَّة التي تَقرُّ مشروعيته الفنيَّة والموضوعية بشكلٍ خاصٍ، والتي تُزيلُ عنه كلَّ إشكالات الغموض والارتياب من خلال إستراتيجيته العنوانية الشعريَّة والسرديَّة الإعلانيَّة.

ونذهبُ في الاتجاه نفسه إلى فنيَّة (التصدير) أو التمهيد لهذا الكتاب الذي هو مجموعة قصصية لمدوَّنةٍ سرديَّةٍ، فقد ارتأى الكاتب الموسوي أن يكون التصدير المُمَهِّد لمجموعته هذه قولاً صريحاً عن رمزية الكتاب وإشارةً واضحةً بالاسم إلى شخصيَّة علٍي بنِ أبي طالبِ الإنسانية التي توحدن موضوعات هذه القصص وتغلِّفها بإطار رمزيٍّ وروحيٍّ لمناقب هذه الشخصيَّة وكثرةِ صفاتها الإنسانية الجميلة، مستشهداً الكاتب بمقولة رجلٍ كتابيٍّ مُحايدٍ ذلك، هو الكاتب العربي المَهجري جبران خليل جبران أحد رموز الشعر العربي الحديث الذي شغف بعليٍ، وفهم جيَّداً شخصيته: "ماذا أقولُ عَنْ (عَليٍ) ؛ الرَجلُ الَذي أقرَّ لَهُ أعداؤهُ وَخُصومُهَ بِالفضلِ، وَلَمْ يُمكِّنُهم مِنْ جَحدِ مَناقبِهِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 5) . وتكفي هذه الإشارة النصيَّة الواضحة التي استعارها الكاتب نصيَّاً عن علاقة عليِ بن ِأبي طالبٍ بسرديَّات نصِّه المُوازي القِصصية ومحتواه الفكري رمزيَّاً.

ولم يكتفِ القاصُّ الرائيُّ محمَّد الموسوي بالمدخل التصديري لمجموعته القصصية، بل ذهبَ إلى عتبة نصيَّةٍ أُخرى من عتبات النصِّ الموازي، تلك هي المقدِّمة التي نادراً أو قلَّما تأتي في بداية المُدوَّنات السرديَّة القِصصيِّة؛ ولكن الكاتب كَتبَ مُقدِّمةً قصيرةً لمجموعتهِ بدافع الضرورة التي تفرض نفسها، ولغرض تنبيه القارئ إلى أنَّ العنوان السابقَ الذي أعدَّه الكاتب لم يكن نفسه العنوان الحالي (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ)، وإنَّما كان غيره كما يذكُر بهذهِ المُقدِّمة، كان اسمه القارُّ الصريح، (عليٌّ والمِعدانُ)، وهو العُنوان الذي كان مُقرَّراً سلفاً لهذه المجموعة القصصيَّة، إذ يقول:

"مُنذُ عَامينِ أو أكثرَ، وَحتَّى قَبلَ إصدارِها بِأُسبوعينِ، أو لِنَقُلْ حَتَّى تَدخَّلَ بَعضُ الأُدباءِ مِمَّنْ اعتبرَهُم فِي مُقدِّمةِ الوَسط الثَّقافِي المَيسانِي، فَتناطحتِ الأسماءَ البَديلةَ، من بينهَا: شِغافُ القَصبِ، جُذورُ الوَلاءِ، قَصبُ الانِتماءِ، إلى أنْ استقرَّ الرأيُ عَلَى ذَاكرةِ الطينِ، الذَاكرةُ الِّتي لَمْ تَكنْ نَعلمْ أنَّها (قَويَّةٌّ) إلَى هَذَا الحَدِّ...يَبقَى عَليٌّ حَاضراً فِي المَتنِ وَفِي ضَمير المِعدانِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 7) .

وعلى الرُّغم من الاستقرار على العنوان الأخير (ذَاكرةُ الطِّينِ)، فقد كانت المفاجأة أنَّ العنوان كان مطروقاً في السابق بإصدارين لغيره؛ لذلك تمَّ العدول عنه إلى العنوان الحالي (مَشاحيفٌ تأبَى الرَّحيلَ) الذي أراد الكاتب فيه أن ينقل لنا بصمةَ هؤلاءِ المِعدان في جنوب العراق؛ لكي يكون عليٌّ كما يرى حاضراً في ضمير المعدان السومريين ووجدانهم، واللَّذين هُم أصلِ هذه الأرض الرَّحِبة.

إنَّ اختيار الكاتب العنوان الأخير كان هادفاً وفي مَحلِّه، فمفردة (المَشاحيفُ) التي هي جمع لكلمة (مشحوف)، القارب أو الزورق الصغير من بين المفردات المحليَّة التُّراثية المتوارثة التي كان السومريون يتداولونها حياتياً في مستنقعاتهم الأهوارية لغرض التنقل بواسطتها، فضلاً على ذلك أنَّها تَمُّتُ بصلةٍ كبيرة لسكَّان الأرض (المِعدان) الأصليين. وهي أيضاً ذاتها الكلمة التي يشمئزُ منها الكثير من الناس الذين لا يعرفون أصل معناها الحقيقي وجذورها السومريَّة العريقة فَيرونَها تَخَلَّفاً.

هذا يعني أنَّ لكلِّ مَشحوفٍ قصَّةً من قصص هذه المدوَّنة السومريَّة التي لا يُريدُ الكاتب أنْ تندرسُ آثارها وتُمحى معالمها التاريخيَّة عن وجه الأرض خاصَّةً وأن المِعدانَ المُتأخِّرين من سُكَّانها ينظرون بمحبَّةِ تقديسٍ وإيمانٍ كبيرين إلى عليٍّ بن أبي طالبٍ الذي هو عدو الفقر والفاقة، ونصير الفقراء والمساكين وسادنهم الرُّوحي والاجتماعي الذي يرون فيه صور حياتهم ومماتهم فكيف لا؟!

عَتباتُ المُدوَّنةِ السَّرديَّةِ وتَمثُّلَاتُها الدَاخليةُ:

قَطعاً لا يمكن أنْ نُحيط بعتبات النصِّ الداخلية لهذه لمدوُّنة ونستطيع أن نستجلي أغوارها الدلالية والموضوعية بعمقٍ ما لم نقرأ كُلَّ قِصّةٍ من قصص هذه المجموعة منفردةً ونُفكِّك عُقَدَ شفراتها اللُّغوية والدلاليَّة، ونُدرك حكايات أنساقها الثقافيَّة ومضمراتها الدلالية الظاهرة والخفيَّة، ونقف على عمق العلاقة الروحيَّة الوثيقة بين شخصيَّاتها البطوليَّة المتنوُّعة، وبين شاخص الرمزية التاريخية الدينية التي تغوَّرت بينَ طيَّاتها شاهداًإنسانياً على العصروارتباطه برموزه وقادته المائزين الأفذاذ.

1- قِصَّةُ (ذَاكرةُ الطِّينِ)

يفتتحُ الكاتب والقاصُّ مُحمَّد سيِّد كرم أُولى قصص هذه المجموعة بحكاية قصَّة (ذاكرةُ الطِّينِ) التي يطوف فيها بذاكرة المكان السومري جنوباً مشحوناً بتمنيِّات الرجل المُسنِّ الثَّمانيني عبدالسَّادة ذلك القابع في مغتربه بهولندا مع ولده الشَّاب حسن السُّومري الذي يُمازح أباه ويسأله، ماذا يتمنَّى في ليلة عيد رأس السنه الميلادية التي يحتفل بها الناس من العرب والأجانب في أوربا. فما كان من عبد السادة إلَّا أنْ طلبَ منه مُتمنيَاً بكلِّ بساطةٍ وتواضعٍ وحنينٍ وبلهجته الجنوبية المَحليَّة المكانية:

"مَفرشَ كَصَبٍ، وَمِدخنةً والبَرشَةَ هَيج مِنْك تِلبِكُ بِذِيْلهَا". (مَشاحيفُ تَأبَى الرَّحيلَ، ص9) .ومثلُ هذا الطلب يعدُّ كثيراً على عبد السادة الذي يشعر بغربته حاملاً ذكرياته عن ذلك الطين الذي كان همَّهُ.

لكنَّ حلم الأب الحقيقي ليس هذه الأشياء المادية التي تُعيده إلى ذاكرة الطين المكاني الأول للوطن والحياة الفائتة، بل كان ذلك مزحةً؛ وإنَّما التمنيِّات الحقيقية التي يَتُوقُ إليها الأبُّ عبد السَّادة ويسعى لتحقيقها هي التواجد بحضرة أميرالمؤمنين عليٍّ حبيبِ القلوبِ وأن يحظى بفرصة زيارته:

"أَمزحُ مَعَكَ ياَ وَلَدِي، فَمَا أتمنَّاهُ فِعلاً فِي هَذهِ اللَّحظةِ هُوَ أنْ أنعَمَ بِإغفاءَةٍ عَلى المَرمَرِ البَاردِ في حَضرةِ أبي الحَسنينِ وَأشمُّ بِنَهمٍ عِطرِ شُبَّاكهِ الطَّاهرِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص10) .أيُّ حُبٍّ هذا لِعَلي!

ويستطرد الكاتب في عرض شوق عبد السَّادة وحنينه الطفولي إلى الأهل والمكان والزمان الذي غادره دون رجعةٍ، فيَستذكر بلهجته الدارجة والمحليَّة الكثير من الأسماء والمسمَّيات الخاصَّة بالمأكل والمشرب، من مظاهر طيورٍ وأبقارٍ وفاكهةٍ وحليبٍ ومشتقاته المحليَّة الكثيرة. فضلاً عن ذلك تتعدَّى تمنياته الذوقيَّة والجسديَّة ذلك الشوق والرغبة إلى تحقيق حُلُمه الأخير في أن يكون رُقَاده النهائي في المثابة التي يتوق لها تلك أرضُ (الغْرَيْريَّة) بالقرب من مرقد سيِّده عليٍّ في الغري.

هذا الرجل القرشي والرمز البطولي الذي ارتبط اسمه بالفقراء من سواد الناس في بلاد سومر من الذين يتصدَّق عليهم ويغدق بالمساعدة والعطايا والهَبات الإنسانية التي تَسدُّ رمقهم. هؤلاءِ الناسُ المُسلون المتعبون هم من أقاصي مدينة العمارة.حتّى نظراؤهم في الحياة من الإخوة الصابئة المندائيين ممن يعيشون في الأهوار واليابسة، وكانوا يلهجون دائماً بذكرعليٍّ وحبَّه ويَقسمُونَ باسمه الصريح في أوقات سرَّائِهم وضَرَّائِهم. تُرُى مَا سرُّ هذا الترابط الروحي الوشيج بين عليٍّ وهؤلاءِ الناس البسطاء من فقراء عامة الشعب؟!إنَّه حقَّاً الحبُّ والعشق الإنساني لشخص عليِ أثير النفوس.

ويرسم لنا الكاتب في خواتيم قصَّته (ذَاكرةُ الطينِ) الأولى حُلُماً فنتازياً لأُمنية الرجل الجنوبي: "يَحلمُ عَبدُ السَّادةِ بِحَيدرةَ وَقَدْ أتاهُ عَلَى حِصانهِ، يَحملُهُ مَعَهُ وَيَغيرُ بِهِ إلى أرضِ الأنبياءِ والأوليَاءِ، يَدخُلُ حَسنُ لِيَطمئنَ عَلَى أبيهِ، يُشاهدهُ مُبتسمَاً؛ يَقتربُ مِنهُ وَيبتسِمُ هُوَ الآخرُ بَعدَ أنْ تَأكَّدَ مِنْ أنَّه نَائِمٌ، يُطفِئ ضَوءَ الغُرفةِ وَيُغلِقُ البابَ، يَتركُهُ مُسافرَاً مَعَ حَاضرِ الشِّدَّاتِ[عليٍّ]، يَجوبُ بِهِ أَروقةِ الحُلُم"ِ. (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ، ص 14) . وتنتهي قصَّة عبد السادة المغرم بسيرة وحياة عليٍّ بانتهاء حُلُم الأخير، لكن الرابط الإنساني به أقوى من كل الأحلام والتمنيات الشخصية نفسها.

2-  قصَّةُ (رصيفُ الوجعِ)

هي القصَّةُ الثانية المُغايرة من قصص هذه المُدونة الحكائية، والتي اختار لها الكاتب الموسوي عنواناً فنيَّاً مُشبعاً بالألم والمعاناة والفقر، العنوان الذي هو في واقع الأمر يعدُّ كنايةً عن ذلك الوجع المرير الذي أصاب صاحبه الرجل المكافح المدعو جمعة بائع النايات وعازفها في قارعة الطريق. وقد عُرِفَ عن جمعة معاقرته الدائمة للخمر وحبِّه الأثير للغناء السَّبعيني العراقي الأصيل وترديده:

"كَانَ جُمعةُ يَحتسِي الخَمرَ وَيُدخنُ السَّجائِرَ مَعاً حَتَّى أكمَلَ الزُّجاجَةَ؛ أَخرجَ نَايهُ وَصارَ يَعزفُ أُغنيةَ البَنفسجِ لِشاعرِهَا مُظَفَّرِ النَّوابِ، إلى أنْ تَبادرَ إلى ذِهنهِ جُملةُ: (وَعَلَى المَامِشِ عَودتنِي وألمِتنِي) ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص16) .

هذه بعض من صفات شخصية جمعة الظاهرة وسنعرف الخفيَّة الغامضة منها خلال هذه القراءة النصيَّة لحكايته. وتدور بين جمعة ونايِهِ حُواراتٌ حميمةٌ ومؤلمةٌ، يبدي فيها الرجل عتبه وتذكيره لنايه، أنَّ سبب وجوده وتداوله بين الناس هو أصابعهم التي لا تصنع ألحاناً عذبةً ومختلفةً، فمن خلالها تأتي مآرب كثيرةٌ شتَّى، فلولا هذه الأصابع لما صمدَ النَّايُ في البقاء والتواصل، فلهذه الأصابع سحر كبير في صنع الأشياء وأنسنتها. فَيُذَكُّره ما لهذه الأصابع من فعلٍ حياتي مؤثِّر إذ يقول عنها بحسٍ شاعريٍّ وقلبٍ مملوء بالأمل رغم الألم الوجع والجراحات التي تغلِّف روحه:

" (الأصابعُ حُروفُ شَاعرٍ...)، و (الأصابعُ نَشيدُ نَايٍّ...)، و (الأصابعُ سُعالُ المَحاكمِ فِي صَالاتِ الاتّهامِ...)، و (الأصابعُ مَصانعٌ لِتعليبِ الخِزيِّ والعَارِ...)، و (الأصابعُ حَسَّابةٌ تَتَلَذَّذُ بِانزلاقِ العُملةِ الخَضراءِ[الدُولارِ]...)، و (الأصابعُ مَخالبٌ تُوجعُ وُجهُ التُّرابِ...)، و (الأصابعُ سبَّاباتُ أربابٍ (قَادةٌ) ...) و (الأصابعُ فَاعلاتُ خَيرٍ...) ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلِ، ص 16- 19) .هكذا يصف الكاتب مهارةَ الأصابع.

هذا الوجع الكبير الذي يستشعره قلب جمعة من خلال بيعه للناي، وما خلَّفته آثاره من نكوص نفسي دفعه إلى ترك تلك الحرفة البسيطة، واتخاذه وسيلةً أخرى له بدلاً منها، تلك هي قيامه ببيع صور الأئمة والآيات القرآنيَّة التي اقترحتها عليه بائعة الدولمة في (المُيدَان) الذي يعمل فيه ببغداد.

وإذا كان شعوره الأول مع الناي ومحاورته الدائمة له، صار الآن يتحدَّث مع صورة الرمز عليٍ بن أبي طالب في محاورة يستحضر فيها شخصية الإمام ويوجِّه له سؤالاً فكريَّاً وكأنَّه صديقه:

"لِماذَا لَمْ تَعِشِ حَتَّى يُومنِا هَذَا؟ يَا أبَا الأيتامِ، أمَا تَعلَمُ أنَّني يَتيمٌ وبِحاجتِكَ؟ أمَا تَعلمُ أنَّ الفُقرَ فِي أيامنَا هَذهِ صَارَ رَجُلاً؟ رَجُلاً يَمشِي عَلَى قَامتهِ مُتطاولاً دُونَ أنْ يَخافَ؟ مِنْ سَيقتلُهُ وخَوارجُ هذَا الزَّمان ِتَهتفُ لِلصِّ (عِلِي وِيَاْك عِلي) "! (مَشاحيفٌ تأبَى الرحيلَ، ص22) . كان عليُّ بن أبي طالب المُحارب التأصيلي الأول لفعل الفقر والفاقة بعد الرسول، والفقر عند عليٍّ غربةٌ للروح ما بعدها غربةٌ، (الفُقرُ في الوطنِ غُربةٌ)، ولا يُلقَّاهَا إلَّا من عاشها وذاق مصيرها الإنساني وأذاها العدواني.

والسؤال الذي يخالج أذهاننا في هذا الحوار الذي جرى بين رجلٍ وضيع وآخر رفيعٍ، بين جمعة الرجل المخمور المعدم البائس الفقير، وعليٍ الرمز البطولي الصادق الأثير. أليس ما صَرَّح به عليٌّ عن الفقر الذي يسلب الناس حياتهم؟ أليس عليٌّ هو الفاعل القائل: (لَوْ كَانَ الفقرُ رَجُلاً لِقتلتَهُ) ؟ فهذا لشعور الضافي الذي يؤمن به جمعة الرجل الفقير هو من حَملَهُ إلى كتابة وصيته الأخيرة حين يحين الحينُ ويُلقي ربَّه بوجه أبيض فيه من الولاءِ والمحبَّة و الأخلاق لرمز الإمة الإسلاميَّة:

"إلَى مَنْ يَضعنِي بِالقبرِ اِتركْ لِي عَلَى شَاهدةٍ صُورةً لِعَلِي وَنَايَاً، ثُمَّ اِحتضنْ الصُورةَ وَنَامَ إلَّى الأبدِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرّحيلَ، ص22) .صورة عّلٍي كَشاهدةٍ عَلَى قَبرِ جًمعة هي أشبه بقصيدة رثاءٍ تُوثِّقُ لجمعة الحِرَفِي المَيِّت وعليٍّ الإنساني الفذِّ المؤمن.والجمع بين أخلاق الفضيلة والرذيلة عنوان مهمٌ.

3- قِصَّةُ (رُجوعٌ بَيدَ أنَّهُ اِنطلَاقٍ)

على الرغم من كونه رجوعاً بالمعنى اللُّغوي والدلالي لهذا المصدر التوصيفي العنواني، بيد أنَّه نقطة شروعٍ جديدةٍ مهمةٍ تُشكِّل بدايةَ البداية نحو حياةٍ عقائديةٍ مُغايرةٍ، وفَحوَى هذا الكتابة التأمُّلية تتحدَّث عن شخصيَّة الرجل (ضُرغام)، ذلك الشَاب الوسيم الذي عاشَ في كَنَفٍ أُمِّه في منطقة زيُّونة التي تقع وسط بغداد بعد أن عاد من انكلترا واستقرَّ به المَقامُ بهذا الحيِّ. وأنَّ تسميته باسم ضرغام لم تأتِ جُزافاً عابراً على سبيل المصادفة أو لغرضٍ جَماليٍ، وإنَّما كانت تسميتهُ قصديةً لغايةٍ مَذهبيةٍ وعًقائديةٍ تيمُّناً بأسماء وصفات عليٍ، وقد أقرَّت بها أُمُّه واعترفت له بهذه التسمية المعروفة:

"وَأسميتُكَ ضُرغامَاً تَيمناً بِواحدةٍ مِنْ كُنَى أميرِي عَليٍّ (عليهِ السَّلامُ)، أفْضلُ البَشرِ بَعدَ النَّبِي (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلهِ وَسَلَمَ)، وَنَجحتُ بِكُلِّ شَيءٍ إلَّا أنْ أجعلَكَ مُتديناً تُصلِّي وَتَصومُ، وَأقولُ رَبِّي سَيهدِيَك يَومَاً، فَهوَ يَهدِي مَنْ يَشاءُ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 24) .

وتسميةُ ابنها باسم ضُرغامٍ أوَّل علامة من علامات التأثُّر بشخصيَّة الإمام عليٍّ الفريدة، خاصَّةً وأنَّ ضُرغاماً قد عاش مع أبيه الأجنبي الانكَليزي في بلدٍ مثل انكلترا، ومعَ ذلك تمضي الأقدار مع ضرغامٍ على العادة التي دَرجَ عليها في بريطانيا والثقافة التي طبعت هُوِيَته الغربية. فهل يَا تُرَى يبقى ضرغامٌ على هذه الشَّاكلة التي اكتسبهاأم أنه يحدث تراجع في شخصيته وثقافة الغربية؟ هذا ما تتحدَّث عنه صُلب القِصَة بمفاجأةٍ سوف تغيَّر حياته إلى نحوٍ جديدٍ أفضل، والذي سيكتشفه هو بنفسه في مُجتمعٍ عربيٍّ إسلاميٍّ شيعيٍّ تأثراً بما يراه واقعاً ويلمسه عن أثر عليٍّ في النفوس.

تمضي الأيام والسنون سريعاً مع الشَّاب اليافع الطَّموح ضرغام فيذهب يوماً ما معَ جماعةِ حقوقِ الإنسان بزيارة خاصَّةٍ إلى مدينة النجف الأشرف، والِّتي من خلالها يفتح له السفر المفاجئ إليها أبواب النجاة وعلامات الانبهار وآفاقاً رَحبة لِمَا رآهُ من صور ومشاهد روحيَّة وإيمانيَّة ونفسيَّةٍ عميقةٍ لضريح الإمام عليٍ، وسلوك زائريه وحُجَّاجِهِ من الناس مختلفي الأجناس والهُوِيَّات.

ويرى ضُرغام خلال زيارته امرأةً كبيرةً في السِّنِّ تنوحُ وتبكي نواح الثكلى بلحنٍ سومريٍّ جنوبيٍّ شجيِّ يأخذُ النفوس الحزينة ويُقَطِّع نياطَ القلب وعلائقها الداخلية بالألم؛ كونها تَرثي فقيدَاً لها وأحباباً أعزةً. فتتدفَّق مشاعره الإنسانية حيالها، ويبادرها دون تردِّدٍ بسؤال بريءٍ، لماذا أنتِ تندبيهم وتخاطبي عليَّاً (عليهِ السَّلامُ) وجهاً لوجهٍ؟ وهي المرَّة الأولى التي يذكر فيها (عليهٍ السلامُ) . فما كان من تلك المرأة أنْ تُجيبه عن سؤاله قائلةً له بكلٍّ عفويةٍ وصراحةٍ جنوبيةٍ خالصةٍ محببةٍ:

" (إحنَا اليَتَامى وهوَ أبونَا)، فَتصفعهُ هَذهِ الجُملةُ، وَيَرمِي رَأسَهُ بِأحضانِ المَرأةِ ويَنفجرُ بِالبكاءِ، تَمسَحُ عَلَى رَأسِهِ، تُداخِلُ أصابعَهَا بِشعرِهِ وَكأنَّهَا تُمشطُهُ بِكَفِّهَا، يَتغشَّاهَا فَجأةً شُعورُ الأُمومةِ؛ تَعودُ مُستأنفةً نًعيًهًا وًرأسُ ضُرغامٍ فِي حِجْرِهَا". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 29، 30) .

هذه المشاهد الطبيعة الإجرائية لهذه المرأة الجنوبية الثكلى أثَّرتْ جدَّاً في نفسيَّة ضرغام تأثيراً روحيَّاً شديداً، وهزّتُ مشاعره الإنسانية والإيمانية وجعلته منبهراً من سجايا عليٍّ وتأثيره السحري في نفوس شيعته وأتباعه الخُلَّصِ ومُعتقديهِ. بَيدَ أنَّها لم تقف عند هذا الحدِّ من التأثر الشكلي، وإنما كانت سبباً ودافعاً مباشراً لقيامه بأداء فريضة الصلاة على المسلم الحقيقي، والتي لم تكن يوما ما في جدول حسابته الفكرية وأولويَّات معتقداته الدينيَّة والآيدلوجية الغربية التي تربَّى عليها:

"وفِي صَباحِ اليَومِ التَّالي، كَانتْ أُمُّ ضُرغامٍ تَعدُّ طَاولةَ الإفطارِ، وَتُنادي وَلدَهَا، كَي يُشاركُها الطَّعامَ، وَبَعدَ تكرارٍ لَمْ يَرِدْ [عِليهَا]، فَقصدتْ غُرفتَهُ قَلقةً وَخائفَةً، وَهيَ تَفتحُ البَابَ بِتوجِّسٍ، شَاهدتهُ عِندَ الزَّاويةِ، سَاجداً للهِ يُصلَّي". (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ، ص31) . فهذ الختام هو مفارقة التأثُّر بعليٍّ وبمعتقدي مذهبه يعدُّ بحدِّ ذاته رجوعاً بعد انطلاقٍ مغايرٍ لهُويَّة الإنسانِ العقائدية وسلوكياته.

4- قصَّةُ (حُكومةُ المَجانينِ)

هذه القصَّة على الرُّغم من كونها قصةَ حكومةِ مجانينٍ، بَيدَ أنَّها حكومةٌ تجمع بين دفتيها بين فلسفة الحكم السياسي، والفلسفة الغُنوصيَّة الفكريَّة ولُغة الاقتصاد. وهذه هي المحاور الرئيسة لحكومة المجانين التي نَحنُ بصددِ قراءتها لمعرفة واقعتها الحدثية وفعل حكايتها السرديَّة. وقُطبَا هذه القصة الغرائبية شخصيتانِ فكريتانِ مرموقتانِ، لهما أثرهما الكبير في قيادة حكومةٍ ودولةِ التَّغيُّرات من تحت مِظلَّةِ الجسرِ الحديدي العتيق. فقد قرَّرالاثنان أنْ يُديرا هذه الحكومة عن بعدٍ من مرأى الناس.

الشخصية الأولى التي عَرَّفت عن نفسها الأنويَّة، هي شخصيَّة الرجل الصابئي المندائي التي يُطلَقُ عليه (عبدُ الشَّطِ)، الذي هو بالحقيقة أستاذ التاريخ والدراسات الذي اتَّخذ من الفلسفة الغُنوصَّية التي تعود إلى المعرفة سبباً مُهمَّاً في عزلته الحياتية. وهو الرجل المؤمن جدَّاً بما قاله النبيُّ بحقِّ عليٍّ، (عليٌّ معَ الحَقَّ، والحَقُّ مَعَ عَليٍّ)، والتي آمن بها من خلال قراءته لمجموعة كبيرة من الكتب التي بحوزته.والغريب أنَّ قرينه كان ينظر إليه بَأنَّه رجلٌ مجنونٌ، وهو ليس كذلك وإنَّما كان اِدِّعاءً:

"الجُنونُ هُوَ أنْ جَعلتُ نَفسِي مَجنونَاً لِأتوارَى عَنْ هَذَا العَالمِ، حَتَّى أُمارسَ طُقوسِي مَعَ النَّهرِ بِأريحيةٍ، دُونَ اِعتراضِ فُلانٍ وَعلَّانٍ. ألِهذَا السَّببِ يَدعوكَ السُّكَّانُ بِعبدِ الشَّطِ؟ - نَعم وَأنَا سَعيدٌ بِهذهِ التَّسميةِ. أتؤمِنُ بِعبوديةِ الرَّبِّ؟ - نَعَم. وَهَلْ تَعتبرُ النَّهرَ رَبَّك؟- هُوَ الطُّهرُ والنَّقاءُ الَّذِي يَجعلنِي مُتَّصلاً بِالرَبِّ. مَا قِيمةُ حَياتِكَ وَأنتَ فِي هَذهِ العُزلةِ؟". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 34، 35) .

أمَّا الشخصية الثانية لهذه الحكاية القصصيَّة، فهي شخصيَّة (مُجاهدُ) الخبير الاقتصادي والرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه في التخطيط، والذي أفنى ثُلثِي عمره بالدراسة العلميَّة. وقد كان على صلةٍ كبيرةٍ بأحد المُقرَّبينَ له من الأحزاب الكبيرة المُتنفذه التي تقود البلاد، والِّتي أوصلته هذه العلاقة إلى سُدَّة الحكم رئيساً للوزراء يوماً ما. وبسبب مساومتهم الوقحة له في تحقيق مآربهم لما يرمون إليه ويأمرون به أو قوله بخلاف ذلك الشَّرط، فكان الهروب وترك الحُكم هو نتيجة ذلك.

إنَّ أول شآبيب صلة التقارب والـتأثُّر الفكري بين الرجلين (الصَّابئي والمُسلم) هو طريفة الحوار الفكري الجادِّ الذي دار بينهما حول الغُنوصيَّة الِّتي وجدها الصابئي في شخصيَّة عليٍّ بن أبي طالبٍ على حَدِّ قوله: (كُلُ الَّذي عَرفتهُ عن الغنوصية وجدتهُ فِي عليٍّ!)، وجوابهُ هذا كان سبباً في أنْ يُلقيَ عليه نظيره المُسلمٌ سؤالاً مباشراً وعميقاً، (هل تعتقد بأنَّ الإمام علياً كان صابِئيَّاً؟)، ويأتيه الجواب الشافي الكافي عن علاقته بهذا الرمز الذي خلَّد التاريخ صحائف عمله للإنسانية:

"بَلْ كَانَ كُّلُّ مَا فَكَّرَ بِهِ البَشرُ بِشَأنِ الرُّبوبيةِ وَاللَّاهوتِ، وَنقاءِ الرُّوحِ وَعُمقِ السَّريرةِ وَالارتقاءِ بِالنفسَ بِالزُهدِ وَالوَرَعِ، وَفَلسفةِ الذَّاتِ؛ أَلمْ يَقُلْ لَهَا: (غُرِّي غَيرِي)؟ وَلَهُم قَالَ: إنَّ حُكمَكُم هَذَا عِندِي كَعفطةِ عَنزِ". (مشَاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص ص35، 36) . هكذا كانت نظرة الصابئي لرجاحة عليٍّ.

فهذا الاعتقاد الكبير بمكانة عليٍّ في الإنسانيَّة وعدالته في الحكم جعلتا الرجلين أن يحكما البلاد والعباد دون ضجيجٍ من حولِهم، ومن مثابة مكانٍ آمنٍ تحت الجسر العتيق. وذلك من خلال إسهام الصابئي بفكره السياسي الثاقب والمُسلم بفكره الاقتصادي الواعد، والأهمًّ في كلِّ ذلك عدالة أمير المؤمنين عليٍّ الذي يرى الحكمَ (عفطةَ عَنزٍ) كما وصفه، وكان الاتَّفاق بينهما ميزاناً وميثاقَاً للعهد:

"اِنتَهىَ الخِطابُ وأُطفِئَتِ الشَّاشاتِ، عَادَ مُجاهدُ لِبيتِهِ، بَقِيَ عَبدُ الَّشطِ يُمارسُ عُزلَتَهُ مَعَ النَّهرِ، وَبَدَأ بَرنامجَ الحُكمِ عَلَى طَريقةِ المَجنُونَيْنِ وَعَدالةِ أبي تُرابٍ بِالعَملِ فَورَا". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص43) .

بهذه الطريقة التي لا تخطر على بال وفكر سياسيٍّ أخر تَمكَّنا الاثنانِ الحاذقانِ أنْ يُقدما أُنموذجاً جديداً خالياً مِنَ التَّهويل المُؤسساتي لأجهزة الدولة الجديدة التي تقود مصائر الشعب إلى الفشل الذريع الذي يَعقُبه فشل آخر دون حنكةٍ ودرايةٍ تُصلح زمام الأمور غيرَ عَدالةِ عليٍّ وفكرهِ النّيِّرِ.

5-  قِصَّةُ (عِشقٌ فِي أَروِقَةِ الخَطَايَا)

العشقُ الذي يكتنف مضامين هذه القصَّة وأروقتها المكانية والزمانية متعدِّد الأوجه والأبعاد، ذلك هو عشق الصداقة والمحبَّة والإيمان والحكم العادل الذي لا يَضيعُ أملُ رجائه مهما استبدَّ الظُّلم وانتشرت فوضى الفساد. لا عجبَ هذه المرَّة أنْ تكون شخصيَّات هذه الحكاية مظاهر الأُلفة التعدديَّة التي جمعت ثلاثة أطراف تكامليةٍ مهمةٍ. الأوَّل بين السيِّد عبَّاس الجنوبي الشِّيعي المذهب والعربي القومية، والثاني قيس الشمالي السُّني والكُري الأصل، زَمِيلِي الدِّراسةِ الأوليَّةِ اللَّذينِ كانا يدرسان معاً بإحدى كليَّات جامعة البصرة، والطرف الثالث أصحاب البخت والحظ من شيوخ العشائر العربية في جنوب العراق مع إيمانهم بعدالة الرمز عليٍّ الذي ملأ عدله نفوس كُلِّ النَّاس.

اتَّفق الصديقانِ السيِّد عبَّاس وقيس بالذهاب إلى كليتهما بجامعة البصرة في سيارة قيس الخاصَّة لاستحصال صورةٍ من وثيقة التَّخرُّج الجامعية لقيس، وعند عودتهما بعد الانتهاء من الحصول عليها تعرَّضا إلى عملية تسليبٍ منظمٍ من قِبَلِ قُطَّاعِ الطرقِ في المنطقة الواقعة بين مدينتي البصرة والعمارة، وفَقَدَا على إثرها سيارة قيس التي اُنتزِعَتْ منه غَصبَاً، وكان ذلك إبَّانَ نظام الحكم السابق.

ومن حُسن المُصادفة قد تعرَّفَ عليهما سائقُ سيَّارة أجرةٍ يعمل في خطِّ الطريق نفسه الذي زودهما بمعلوماتٍ خاصَّةٍ عن الأشخاص الذين سرقوا السيَّارة وتواروا بها إلى جهة خفيةٍ مجهولةٍ. وقد طلب منهما السائق الاتِّصال بشيخ عشيرتهم العام والمسؤول عنهم عشائريَّاً، والذي عرف عنه بأنه رجل وقورٌ عادلٌ لا يبخسُ الناسَ أشياءَهم أو يُفَرِّطُ بحقوقهم المفقودة عند كلِّ ظالمٍ من أفراد عشيرته السُّرَّاق الذين أجبرتهم ظروف حياتهم الاجتماعية القاهرة وضائقة العيش والفاقة والعوز الاجتماعي في ممارسة هكذا أعمالٍ إجراميةٍ تنتهك حقوق الآخرين وتسلبهم ممتلكاتهم الشخصيَّة.

فهؤلاء الأفراد على لرُّغم من ممارستهم اليومية القميئة لهذه التصرُّفات، بَيدَ أنَّهم يؤمنون بعدالة وحبِّ عليٍّ ولا يقسمون به كَذِبَاً من أجل سرقة سيارةٍ؛ لكن خصاصة الحاجة كانت سبيلاً أقوى من الإحجام عن الفعل السيَّئ ومقاومته. وكانوا ينكرون القيام بمثل هكذا أعمال إجراميَّةٍ دنيئةٍ، وكانوا يتحجَّجون بأقاويل وأعذارٍ غير مشروعةٍ، لكنَّهم يمتنعون عن أداء القسم باسم عليٍ بن أبي طالبٍ. فلنقرأ كيفَ طلبَ شيخُهم العام من أحدهم أن يبدأ القسم ويَحلفُ بعليٍّ، فأطرقَ برأسَهُ وامتنع عن ذك.

"إنْ كُنتَ صَادقَاً مُدَّ يَدَكَ إلَى صُورةِ أميرِ المُؤمنينَ وَأقسمْ بِهَا ثَلاثٍ مرَّاتٍ. أطرقَ الرَّجلُ بِرأسِهِ إلَى الأرضِ وَرَفضَ التَّنفيذُ. (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 49) . إنَّ هذا الرفض كان مدعاةً لاعتذار شيخهم.

فما كان من ردَّة فعلِ شيخهم العام الذي كان حاصلاً على شهادة الدكتوراه من ألمانيا الذي أقسم مرتينِ بالله وبحقِّ أمير المؤمنين عليٍّ قد أمهل اللُّصوص بعد إدانتهم مدة ثلاثةِ أيامٍ كأقصى حَدٍّ لاسترجاع السيَّارة المفقودة وإلَّا سوف يفصلهم بكتاب عشائريٍّ ويُبلغُ السُّلطات الحكوميَّةعن فعلتهم .ولولا وقع هذا الأمر الفاعل لشيخهم وصرامة حكمه عليهم، وتأثُّر هؤلاء قُطَّاع الطُّرق بعدالة عليٍ والإيمان بحبِّه، وعدمِ مخالفتهم لحكمه العادل لكان ما قاموا به من أفعالٍ دونِ جدوى تَجبرُهم عليه:

" يَقومُ السَّيِّد وَيَحتضنُ الشَّيخَ مُعجبَاً بِحنكتِهِ وَدَماثةِ خُلُقهِ وَثقافتِهِ، وَيَخرجُ مِرتَاحاً، وَبِنفسٍ الوَقتِ مُتألِّماً عًلًى مًصيرِ هَؤلاءِ مِمَّنْ تَعلَّقَتْ قُلُوبُهُم بِحبِّ آلِ البَيتِ، لكنَّ الزَمنَ لَمْ يَرحمْهُم مُنذُ أنْ جَارَ عَلَى أهلِّ البَيتِ أنفسِهم وإِلَى يَومِنا هذا". (مشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 52) .

6-  قِصَّةُ (نحيبُ النهرِ)

أنسنةُ العُنصرِ الطبيعيِّ النهر بصفتي البكاء والنحيب، ما أجملَها من استعارةٍ بلاغيةٍ مؤثِّرة! وما أحسنه من توصيف فنِّي مُبهرٍ لذلك النهر الباكي كالإنسان النائح الذي فقد ماءه وصار أرضاً جفافاً ومنبتا لظهور الحشائش وأحراش اليابسة، إنه الرَّواء الرُّوحي الذي لم يَعُدْ بعد أبداً للحياة الواقعية.

قِصَّةُ (نَحيبُ النَّهرِ)، قِصَّةٌ واقعيةٌ وسردٌ زمكاني بامتياز، حكايةً قِصَّةٍ تتحدَّث عن أكثر من تنوُّع في قرية (الخُمُسُ) التي هي امتداد طولي لنهر البُتيرة المُتفرِّع من دجله الذي فقد ظله؛ بسبب إجراءات النظام البعثي السياسي الحاكم في محاربة المعارضين له والخارجين عن طاعته العمياء.

بطل ِّقصةُ (نَحيبُ النَّهِر) هو معلِّم مدرسة الاعتماد الابتدائية في منطقة (الخُمُسِ) لنائية عن مدينتي المَجر الكبير والعَدل، وهو المٌثقف الشيوعي والشَّاعر الشَّعبي الأثير المائز عبد الرِّضا الحاج غالي مهاوي (أبو حكيم) الذي عاش ردحاً طويلاً من الزمن في هذه القرية النائية من أهوار العمارة، والتي وصفها الأستاذ والشاعر العتيد عبد الرضا في قصيدة شعبيَّةٍ له أواخر أيام حياته في المدينة.

ومن المفارقات التي حصلت لشخصيَّة عبد الرضا أثناء حواره مع أحد أنصار البعث ومُريديه، كونه كان مُحبَّاً للزعيم عبد الكريم قاسم نصير الشيوعيين ومنصف الفلاحين الكادحين. وأهم من ذلك كلِّهِ عَلاقةُ عبد الرضا الرُّوحيَّة والإنسانيَّة بأبي الاشتراكية العادلة عليٍ بن أبي طالب. فهذه القصَّة تكاد تكون أرخنةً وتوثيقاً ذاتياً وإنسانيَّاً واجتماعيَّاً وسياسيَّاً حيَّاً لشخصيَّة الأُستاذ عبد الرضا المُعلِّم الثائر والشاعر والإنسان الاجتماعي ابن البيئة الريفية والأهواري الأصيل الذي ينتمي إليها شكلاً ومضموناً، بل هو وليدها روحاً وجسداً وحياة ومماتاً. فكيف يضمر ولاءه وإخلاصه لغيرها.

وعلى الرُّغم من كون عبد الرِّضا كان رجلاً شيوعياً ومثقَّفاً خالصاً فإنَّه كان مُحبَّاً لعليٍّ ولِوَلدهِ الحسُين شهيد واقعة الطف بكربلاء، لا لكونه عليَّاً الحاكم فحسب، وإنَّما لكونه إنسانياً عادلاً بامتيازٍ لا يبخس مِيزان عدله وصدق إنسانيته المأثورة فنقرأ ماذا قال في وصفه لعليٍّ وولده الحسين:

هَذَا عَلِيٌّ إِمامُ الكَونِ أَجمعِهِ  وَذَا حُسينٌ عَلَى الأرجَاسِ يَنتَصِرُ

إذن عَلاقة عبد الرضا بأبي الحسنين عليٍ عَلاقة إنسانية كبيرة لا علاقةَ لها بعقيدةِ الإيمان والكفر، فهو يُنادي بأفكارِ ومعتقداتِ ماركس، ويُمُجِّد في الوقت نفسه بإنسانية عليٍّ، ويُرثِي ولدهُ الحُسين قتيل العبرات في مواسم شهر عاشوراء ومُحرَّم الحرام، ويسأله مناؤوه، كيف جمعت في أفكارك وعقائدك الشخصيَّة بين ماركس الشيوعي والحسين الشِّيعي الثائر ضد الظلم ونصرة الحقِّ فيجيب:

"الحُسينُ الثَّائرُ هُوَ ابنُ البَطلِ عَليٍ بِنِ أبي طَالبٍ، وَعَليٌّ عَليهُ السَّلامُ اشترَاكِي أكثرُ مِنْ مَاركسَ، ويَأخذُ بِيدِ الطَّبقةِ العَاملةِ أكثرَ مِنْ مَاركسَ، وَأنَا لَا أحبُّ عَليَّاً لِأنَّني مُتدينٌ، بَلْ أحبُّهُ لِأنَّني شِيوعيٌّ". (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ، ص 58) . هذا هو سبب حُبِّ الشيوعي لعليٍّ؛ كونه أهلاً لهذه المنزلة. فعبد الرّضا الإنسان يؤمن إيماناً كاملاً بأنَّ عليّاً هو الأُنموذج الفذ الكبير والراقي للإنسانية جميعاً:

"المَوضوعُ لَهُ عَلاقةٌ بِالعدلِ وَالظُّلمِ، وَعَليٌّ هُوَ رَمزُ العَدالةِ، الَموضوعُ لَهُ عَلاقةٌ بِالشَّجاعةِ والجُبْنِ، وَعَليٌ هُوَ رَمزُ الرُّجولةِ والشَجاعةِ والشَّهامةِ والإيثَارِ، المَوضوعُ لَهُ عَلاقةُ بِالكرامةِ والإذلالِ، وَعَليٌّ هُوَ المَثلُ الأعلَى لِقيمةِ الإنسانِ الحُرِّ الكَريمِ الأبِيِّ، المَوضوعُ لَا عَلاقةِ لُهُ بِالدينِ والتَّدينِ بِقدرِ مَا هُوَ مُتعلِّقٌ بِالطُّهرِ والنَقاءِ وَسُموِ النَّفسِ البَشريةِ وَالزُّهدِ وَالتَّضحيةِ وَنُكرانِ الذَّاتِ وَكُلِ ذَلكِ عُلِيٌّ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص58) . إذن عَلاقة عبد الرِّضا بعليٍّ كعلاقةِ حقٍّ بباطلٍ؟

وكم من مرَّةٍ اُتِّهمَ أُستاذ عبد الرضا من قبل خُصومه الموالين للبعث بأنَّه ملحدٌ وكافر بالرَّب ويُزايدهم على حبِّ عليِّ؛ فالعَلاقة بينه وبين عليٍّ بن أبي طالبٍ أكبر من أنْ تكون علاقةً وصفيةً عابرةً، بل هي أبيَّةٌ مُتجذِّرةٌ في النفس ولا يمكن اجتثاثها من روحه الأسيرة في حبٍّ عليٍّ رمز العدالة الكونية الَّذي يشهد له أغلب خصومه قبل مُناصريه كُلّ هذه المناقب والصفات التي رسمت شخصيته الخلوديَّة في التاريخ العربي الإسلامي. وقد تَجسَّدَت معاني هذا الحبِّ لعليٍّ أبي الحسن والحسين وانبجستْ عُيونهُ المُتدفقة في ثنايا هذه المقطوعة الشعريَّة الشعبيَّة التي تفيض به سبيلاً:

"اِنجرحْ رَاس الكُون/وَيْ رَاس أبو حْسين/حِزنُ اليَتامَى اليوم وَيَّا المَساكين". (مَشاحيفٌ تَأبى..، ص61) .

فكيف لا يكون عبد الرضا غالي مُحبَّاً لعليٍّ وولده الحسين، حتَّى وإنْ كَلَّفهُ هذا الحبُّ فُقدانَ مُعتقدهِ الآيدلوجي أمام عظمة هذا الرمز الإنساني الخالد الذي لا مُماراة أو نفاقٌ أمامَ فعلهِ البُطولي الغالب.

7- قصِّةُ (الكُنيةُ الَّتي تَوسَّمَتْ اِسمَاً)

لعل َّأقربَ تَوضيحٍ، وأوجزَ تعريفٍ لهذه العتبة العنوانية كلمة أو مُفردة (السَّيِّدُ)، والتي صارت لقباً تكريمياً بدلاً عن الذات الاسمية أو هُوِيّتَه الشَّخصيَّة، وليست كنيةً كما يفهمها الكاتب أو القارئ. فهي إمَّا صفةُ تخاطبٍ توقيريَّةٍ للآخر مضافةً إلى اسمه الحقيقي، أو قد تكون صفةً أو رُتبةً دينيةً أو سياسيةً عند اتباعِ أهل البيت من الشيِّعة. وباختصار شديدٍ أنَّ (السيِّدَ) عندهم مَنْ يتَّصلُ نسبه بالسُّلالة الهاشمية لآل النَّبي محمَّدِ، وتنحدر أصوله أو ينتسب بنسلٍ أو ذريَّة فاطمة الزهراء زوج عليٍّ بن أبي طالبٍ (عليهِ السَّلامُ)، الذي هو جدُّ كُلِّ سيِّدٍ اليوم كما هو مُتعارفٌ عليه بإرثِ الشَّعبيَّات.

إذن السيِّد هو لقب يُطلقُ على هذه الذرية اختصاراً عن الاسمية الخاصَّة بِكلِّ شخصٍ، وليست كنيةً لها. وعلى وفق هذا الإطلاق الوصفي بَطلُ حكاية هذه القصَّة والتي تنطبق مقارباتها تماماً في تماهيها وتماثلها النظري والإجرائي على اسم ورسم كاتبها المبدع الموسوي، ذلك هو سيِّد محمَّد الذي عُرِفَ بهذا التعريف الشخصي واُشتُهِرَ وتميَّزَ.وهوَ الطالب الجامعي الذي انفرد بهذه التسمية.

وتشاء مصادفات الدراسةِ الجامعية الأوليَّة للسيِّد أنْ يتعرَّف عليه طالبُ زمالة دراسية من تونس يُدْعَى (المُنصِف بُوزيد) الذي سأل السيِّد عن اسمه الحقيقي، فكشف له غطاء وحقيقة حسبه ونسبه. فما كان من زميله التونسي إلَّا أْنْ انبهر بهذه التسمية التي عُرِفَ بها السيِّد، وأن نسبه يرجع إلى آل بيت النبي محمَّدٍ وعليٍّ. وأوضح له سيِّد محمَّد أنَّ مُدخلاتِ الاسمية الرمزية، وحمولاتها الإيجابية ومخرجاتها السلبية، فإنًّ حَسُنَتْ سيرتُهُ الفعليَّة قِيْلَ هذا الأثر الخَيِّر لفُلانٍ بن فلانٍ، وإنْ ساءتْ سيرتُهُ الشخصيَّة فعلتها قِيلَ، فَعلَها السيِّد الذي يتَّصل بنسب آل محمَّدٍ عليه أفضل الصلاة والتسليم.

وعلى إثر ما دار بينهما من حوار طلبَ الرجل التُّونسي من سيِّد محمَّد بيان رأيه الخاص بما يحمل لقبُ السيِّد من تَضاداتٍ فعليةٍ في مسألة إشكاليَّة السلوكيات المنسوبة إليه فعلاً وقولاً، فيكشف له: "أقولُ مَا قَالَهُ سَيِّدُ البَشرِ (عَليهِ وَعَلَى آلهِ أفضلُ الصَّلاة وَالسَّلامِ) : أنَا وَعَليٌّ أبَوَا هَذهِ الأُمَّةِ؛ فَمنْ سَارَ علَى نَهجِهَا، فَهوَ سَيَّدٌ، وَمَنْ لَمْ يَسِرْ، فَهوَ لَيسَ بِسَيِّدٍ وَإنْ اِنتسبَ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 64) .

فإنَّ إجابة السيِّد قد أبهرت التونسي ونالت استحسانه النفسي والعقائدي بما تحمل من حِيادٍ وعدلٍ وموضوعية وإيثار وخصوصيَّةٍ تفرُّديةٍ انماز بها عليٌّ بن أبي طالبٍ على غيره. وَعُدَّ سلوكه بهذا النهج امتداداً قويماً لنهج النبي الأكرم وآل بيته الأطهار. ثم يدفع السؤال الطالب التونسي لمعرفة طموح وحُلُمِ سيِّد محمَّد العراقي الشَّيعي الذي يتوقُ لسماعه منه مباشرةً فيردُّ عليه قائلاً بما يضمر في نفسه من اعتقاد مذهبي توارثه بطل هذ القصّة سَيّدمحمَّد وكاتبها سَيِّد محمَّد سيِّد كَرم المُوسوي:

"وَحُلُمِي بِاختصارٍ هُوَ أنْ أدركَ دَولةَ العهدِ الإلهِي المُتمِّثِّلةَ بِحُكمِ عَليٍّ (عَليهِ السَّلامُ) بِواسطةِ حَفيدهِ آخرَ الأئمةِ المَهدِي المَنتظَر (عَجَّلَ اللهُ ظُهورَه وَسهَّلَ مَخرجَهُ) ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 65) .

ويطمح الطالب التونسي الذي ينتمي إلى مذهب إسلاميٍ مغاير غير مذهب السيٍّد محمَّد الشيعي إلى فهم ماذا يعني السيِّد محمَّد بكلامه الأخير هذا من خلال إجابته الصريحة المباشرة التي استقرَّ رأيه الخاص عليها دون غطاءٍ حاجب لمعناها؟ راجياً في الوقت ذاته التوضيح لما يرمي به من قولٍ فما كان من السيِّد قد أرجأ الحديثَ عن رأيهِ لوقتٍ مناسبٍ آخر ربَّما أراد أن يُشركَ مُتلقِّيه به.

8-  قصَّة (صَلَاةُ نَهايةِ المَطافِ)

إنَّها الصَّلاة الحقَّة التي ستحصلُ لاحقاً بعد انتهاء زيارةٍ لمطافٍ مشوبٍ بالحذرِ والقلق والخوف والتردِّد لأمر هذه الزيارة. إنَّها الصَّلاة التي ستكشف وجه الحقيقة الناصع الذي دون رياءٍ أو نفاقٍ أو زيغٍ مفتعلٍ لا أساس له في الوجود المكاني المرتقب. وهي الصلاة الإيمانية التي سَتُوئِدُ التضليل وتنصر رايةَ الحقِّ البيضاء على ادِّعاءات الباطل الذي يروُّج له المُتعصِّبُون من أصحاب التطرُّف المذهبي والإثني من الذين لا يريدون لوحدة الإسلام أنْ تتكشف بها الحقيقة المُضَلَّلة وتموت النظرة التطرفية المتوارثة جهلاً، والتي تلقَّفَها الأبناءُ عن الآباء والأجداد ممن يأخذون بأقاويل المغرضينَ والمُتفيقهين، وأولئك الذين يقبعون تحت عباءة الدين والمذهب دون أن يكلِّفوا أنفسهم بتحرِّي الآخر.

تحكي مُدوَنة (صلاةُ نهايةِ المطافِ) قصَّة صديقين جمعهما الفنُّ الإبداعي الجمالي في بلدين عربيين مُسلمين، ضاربة جذورهما التاريخية في أعماق الحضارتين العراقية والمصرية، حضارة وادي الرافدين، سومر وأكد وبابل وشور، وحضارة وادي النيل الفرعونية العريقة بكل تفرُّعاتها الخالدة.

تبدأ هذه القصَّة نسج خيوطها السرديَّة المتشاكلة بدعوةٍ كريمةٍ من الدكتور العراقي عادل، الأُستاذ الجامعي والشاعر لصديقه العربي المصري الدكتور عبدة، النَّحاةُ الكبيرُ والأُستاذ بجامعة كَفر الشِّيخ بمصر لتلبية المجيء إلى العراق وبالذَّات لزيارة النجف الأشرف مدينة الإمام عليٍّ، التي هي مدينة العلم والعلماء والدين والتاريخ والمجد الإسلامي الكبير. وقد جاءت هذه الدعوة بناء على إثر دعوة قام بها دكتور عماد لصديقه المصري دكتور عبدة الذي ضيَّفه في بيته الخاصِّ مع عائلته وأهله. فكانت من باب ردِّ الجميل أولاً، وثانياً لكشف حقيقة النسق المذهبي الخفي المجهول الذي سيستشعره الدكتور عبده ويتلمَّسَهُ بنفسه وجهاً لوجهٍ دون وسيط آخر أو من خلال كتاب يُفسِّره.

تبدأ بواكير هذه القصَّة بحُوارٍ تَساؤليٍّ إخباري تواصلي بين الصديقين المبدعين عماد العراقي وعبدة المصري من أجُّل تنامي الودِّ والمحبَّة بينهما لتقريب المسافات المذهبيَّة والفكريَّة لكليهما:

"هَلْ زُرتَ العِراقَ؟ - أُمنيتِي أنْ أزورَهُ، وَمَا المَانعُ؟ - لَا مَانعَ حَقيقيَ غَيرُ أنَّي لَمْ أضعْ أُمنيتِي قَيدَ التَّنفيذ.-  ضَعهَا فِي طَريقِ التَّطبيقِ الآنَ، وَأنَا سَأضمنُ لَكَ رِحْلَةً مُمتعةً، رُبَّما لَمْ تَشهدْ مِثلَهَا بِكُلِّ البُلدانِ الّتي زُرتَهَا مِنَ قَبلَ، سَأكونُ بِانتظارِكَم فِي المَطارِ أنتَ وَعَائلتكَ وَسَتكونونَ بِضيافتِي طِيلةَ فَترةِ الرِّحْلَةِ، أتنقَّلُ بِكُم بِسيَّارتِي الخَاصَّةِ، وَأسْكُنكُم بَيتِي كَمَا أنتُم الآن َتسكنوننِي بَيتَكُم، هَلْ أنتَ مُوافقٌ؟... سَأفكِرُ يا صَديقِي، لَكنْ اِعلمْ أنَّ اِحتمالَ المُوافقةِ كَبيرٌ جداً". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص69) .

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر من قُبَيْلَ الانتظار والتأمُّل والترقُّب والتمحيص في اتِّخاذ القرار الحاسم تأتي الموافقة بالزيارة المُرتقبة من قبل عبدة المصري لصديقه عماد العراقي، فيهبط عبدة بمعية عائلته أرض النجف الأشرف وبضيافة أُسرة صديقه العراقي الذي سُرَّ بهذه الزيارة الميمونة لمدينة الإمام عليٍ بن أبي طالبٍ، والتي ستكون مفاجأةً مُدهشةً ما بعدها مفاجأة كبرى لها خاصيتها:

"فِي أروقةِ مَرقدِ أميرِ المُؤمنين َعَليٍ، هُمْ يَتنقَّلُونَ فِي أروقةِ الحَرمِ العَلويِّ الشّريفِ، حَيثُ يَعجُّ الَمكانُ بِالزائرينَ عَلَى مُختلفِ هَيئاتهِم وَأشكالهِم وكَأنَّهُم فِي عرَضٍ لِمختلفِ دُولِ العَالمِ، وَالصَّمتُ والخُشوعُ سيِّدَا المَوقفِ، بَينَمَا يَختار بَعضُهُم كُتُباً وَكَراريسَ مِنْ تِلكَ المُتاحةِ مَجانَا لِلزائرينَ، وَدُونَ مُقدِّمَاتٍ يَتناولُ الدُّكتورُ عَبدهُ كُرَّاسَاً مِنْها كُتُبَ عَلَى جِلادِه زِيارةُ أميرِ المُؤمنينَ (عَليهِ السَّلامُ)، وصَار يَقرأُ[خِلالِ ذَلكَ الطَّوافِ فِقراتِ الدُّعاءِ فِي الكِتَاب بِتؤدةٍ]" (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص70)

بعد أن أنهى الدكتور عبدة مراسم الزيارة مرتين في كتيب زيارة أمير المؤمنين انبهر ما في هذا الدعاء من كشفٍ وتوضيحٍ للحقائق الِّتي يتوجَّه بها الشيعي إلى ألله أولاً من خلال التوسُّل بأهل البيت لتحقيق أمنيةٍ خاصَّة على الخلاف من نظيره الآخر في الدين والذي يشككُّ بأثر هذه الدعوة الخالصة ويظنُّها إشراكاً بالله ولوحدانيته التي لا تتجزأ أبداً مهما كانت شُقة الخلاف المذهبي بينهما:

"ماَذَا يَا دُكتورُ؟ أبَداً يا صَديقِي إنَّما هِيَ نَفحاتٌ مِنَ التَّقاربِ الرُّوحيِ تَغبطنِي الآنَ وَهوَ يُحِّدثُ نَفسَهُ (تَباً لِمَنْ يَدُسَّ البَغضاءَ بَبيننَا وَنَحُن مُسلمونَ، نَعبدُ اللهَ ذَاتَ العِبادةِ، اللهُ وَحدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، تَباً لأَنَّني رَأيتُ بأِمِّ عَينِي، كَيفَ شُوِّهَتْ صُورةُ هَؤلاءِ، هُمْ بِالحقيقةِ يَتَخذونَ الأولياءَ مَثَلَاً أعلَى، وَوَسيلةً يُجمِّلُونَ بِهَا مناسِكَهُم، وَهوَ مِنَ المُستحَبَّات وَليسَ فِيهِ تَعدٍّ عَلَى الوَاجباتِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَحيلَ، ص 71) .

لم يكتفِ الدكتور عبدة بقراءة كُرَّاس الدُّعاء والنظر فيه بتشككٍ، والذي من خلاله كشف به الضوء الأول لحقيقة ما يفعله الشيعة في طقوس زيارتهم لأضرحة الأئمة والأولياء الصالحين، بل راح يبحث في المَصاحف القرآنيَّة الشريفة المُتاحةِ في أروقة مكتبة صحن ضريح الإمام عليٍ، فلم يجدْ أيَّ مصاحفٍ أخرى طباعتُها عراقيةً أو غيرُ عربيَّةٍ مشكوكٍ بأمرها المريب. فهي جميعها لدور نشرٍ عربيةٍ معروفةٍ وموثوقٍ بها عربيَّاً ودَولِّيّاً. ولم يجد شيئاً اسمهُ (مُصحفُ فاطمةَ)، وهو بؤرة الشكِّ ومصدر الضلال الذي يبحث عنها والذي روَّج له بعض الطائفيين المتطرفين في الدين:

"هَا دُكتورُ هَلْ وَجَدتَ مُصحفَ فَاطمةَ؟-  وَاللهِ حَاولتُ أنْ أقولَهَا لَكَ؛ لَكنْ خَجَلِي مِنكَ وَبِسببِ مَا تَأكَّدتُ مِنهُ الآنَ بِعدمِ صِحةِ ذَلكَ مَنعنِي مِنَ القَولِ، أتَعرفُ يَا صَديقِي.-  نَعم، عُمرِي الآنَ تَجاوزَ السَّبعينَ، وَأنَا نَادمٌ علَى كُلِّ يَومٍ فَاتَ مِنهُ قَبلَ أنْ أكونَ هُنَا فِي حَضرةِ هَذَا المَكانِ الشَّريفِ، أنَا لا أُلقِي اللَّومَ عَليكَ وَلَا عَلينَا، إنَّما هِيَ الأنظمةُ الَّتي كَرَّستِ الطَّائفيةَ، وَمَنعتنَا مِنَ التَّواصِلِ وَرُؤيةِ الحَقائقِ كَمَا هِيَ، أعترفُ أنَّك صَديقي وحَبيبِي مُنذُ أنْ جَمعنَا فَضاءُ الفَنِّ والأدبِ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 72) . وتكون هذه الحقيقة الماثلة مدعاةً لعناق أخوي صادق بين الصديقين الفاتحين لها.

ويأتي النسق الخفي الثالث في كشف أضواء هذه الحقيقة التي حققتها صلاة نهاية المطاف، ذلك هو أداء الصلاة في وقت الزيارة التي كان مُتحرِّجاً منها الدكتور عبدة، وكيف أيؤدِّيها بطريقة مذهبة أم بطريقة الأخر له أمام زائري الإمام عليٍّ من مختلف بقاع الأرض؟! وحين أراد الدكتور عبدة القيام بها وأَذِنَ من صديقه العراقي عماد، فقد آثر الدكتورعماد أن يلزم الصمت لِيتعرَّف عبدة بنفسه كما هو يرى الزوُّارَ الآخرين َمن مختلف العالم شيعةً وسُنَّةً كُلَّاً حسب مذهبه وطريقته دون إحراج للآخر أو شعور بالرهبة والتفرقة، إنَّها الكيفية التي لا بُدَّ منها مهما اختلف الاثنان عليها:

"لَمْ يُجِبْهُ عِمادُ وَاكتَفَى بِالإشارةِ إلَى مَجموعةٍ مَنَ الزُّوارِ تَبدو مِنْ هَيْأَتِهُم بَأنَّهُم آسيويونَ، وَكَانَ يَئِمهُم شَخصٌ مِنهُم، هُمْ يُصلِّونَ عَلَى طَريقةِ مَذهبِ الدُّكتورِ عَبدةَ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 72) .

إنَّ امتناع عماد عن الإجابة لصديقه الدكتور عبدة حين سأله أنَّه يُريد القيام بالصلاة ِوفقاً لما يراه مذهبه، إنَّما أراد من ذلك النسق الظاهر لمعرفة الخفي منه الذي يضع حدَّاً لتلك الطائفية المقيتة بين مذاهب الإسلام الأخرى في احترام عقائد الناس وأصولها التي درجتِ العادة، وَجُبِلَتْ عليها بحياتها.

9- قِصَّةُ (عَهدُ الشَّواربِ)

 (عَهدُ الشُّواربِ) تعتمد مِعماريَّةُ هذه القِصَّة في بنائها التركيبي الحكائي ومضمون محتواها الدلالي المعنوي؛ بكونها عتبةً عنوانيةً موازيةً للنصِّ الذي يشكِّل متنَ القصَّة وبنيتها الداخلية على جملةٍ من المورثات الشعبية المكانية لُغةً وبناءً وعاداتٍ وتقاليدَ اجتماعيةٍ وعشائريةٍ تَوارثتْ مع الإنسان منذ أقدم السنين وتغلغلتْ في نفوس الناس الذين يسكنون أقاصي أهوار الجنوب العراقي من عرب المستنقعات والأرياف، وخاصَّةً المعدانُ أبناءُ هذ الأرض السومريَّة، ومُعمِّرُوها الأصلاء.

ومن رَحِمِ هذهِ الأرض تأتي مفردةُ (الشَّواربُ) التي ارتبطتْ بِالقَسَمِ كمعادلٍ موضوعيٍّ ولُغويٍّ ودلاليٍّ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصيَّة وأخلاق أهل الهور من السُّومريينَ خَاصَّةً والعراقيين عامَّةً. وكيف تكون اسماً مقدَّساً وبصمَةً متفرِّدةً لها اعتباراتها الاجتماعيَّة والدينيةَّ والزمانيَّة المُتعارَف عليها عند هؤلاء الناس من الذين درجت العادة أن يكون الشارب رمزاً شخصيَّاً للرجولة ولمعاني الشرف والعهد والميثاق الشَّخصي الذي يُميِّز صاحبهُ عن غيره الرديء والرذيل من صنف البشر.

والفرد الذكوري من عرب الأهوار حين يُمسكُ بشاربهِ ويُقْسِمُ به مرَّةً أو ثلاثاً قسماً غليظاً يكون قد أوفى بتنفيذ هذا القسم مهما كانت نتائجه الإيجابية أو السلبية. فالشَّارب هو اليمين بعينهِ والقسمُ الذي لا يمكن أن يحنث به أبداً. ومن رَحِمِ هذا المنطلق النَّسقي الشعبوي المتوارث عُرْفَاً وتأصيلاً استمدَّت عتبة (عَهدُ الشَّواربِ) ثيمتها الفكريَّة الرئيسة وجسَّدتَ تنامي مُحتواها الحكائي فنِّيَّاً وَنصيًّاً.

ركَّزت هذه القصَّة على من مجموعةٍ من الشخصَّيات والفواعل الحركيَّة الذكوريَّة والأنثويَّة، وهم أربع شخصيَّاتٍ متوازنةِ العددِ والعُدَّةِ، وأُولى هذه الشخصيَّات الرمزيَّة الأنثوية (وَبْرِيَّةُ) الزوجةُ والأمُّ العجوزُ التي استمدَّتْ اشتقاق اسمها من عباءة الوَبَرِ، وهي المرأة الكبيرة الآمرة والناهية في بيتها:

"كَانَّ كَفُّ وَبرَّيةَ الأسمرُ، وَالمُكافحُ، المُخشوشِنُ، وَالمُطرَّزُ بِالوشمِ الأزرقِ دَائمَ الدُّعاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَمَا مِنْ مَرَّةٍ تَبسطُهُ لِلدُعاءِ إلَّا وَوَضعتْ عَليَّاً عَليهِ السَّلامُ وَاسطةً بَينَهَا وَبينَ رَبِّها. حَتَّى جَاموستُهَا الدَاكنةُ السَّوداءُ الَّتي تَحبُّها أَكثرَ مِنْ قَريناتِهَا، كَانتْ تَعقدُ عَلَى قَرنِهَا خِرْقَةً خَضراءَ كَتميمةٍ؛ لِأنَّها جَلبتهَا مَعهَا مِنْ مَرقدهِ عليهِ السَّلامُ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 77) .هذا هو إيمان وبريَّة الفُطري وحبُّها الأخلاقي والإنساني لعليٍّ حبَّاً استدعائياً لا مزايدة عليه في النفوس الحُرَّة الأبيَّة.

أما الشخصيَّة النسوية الإشكاليَّة الثانية فهي ضُرَّتُها أو شريكتها في الزواج تلك شخصية (نوعةُ) المرأة (الفُصليَّة) التي سِيقتْ معَ الديَّةِ سَداداً للزواج من زوج وبريَّة، وهو الرجل الذي يكبرها بأربعين عاماً نتيجة مقتل ولده صكَر الذي هو ابن ضُرتِها وبْريَّة، وبسلاح أخيها لازم الذي قتلهُ عمداً. والاسم نوعة أخذَ معناه من النوع أو الجودة وربَّما من التنوُّع أي النظر أو الرؤية البصرية،

في حينَ يُقابل المرأتين في الطرف الآخر الرجولي شخصيَّة (وْحَيِّد) الشاب ابن (الفُصليَّة) نوعة، وشخصيَّة خالهِ أخي نوعة الرجل القاتل (لازم)، وما سيحصل لهاتينِ الشخصيتين من تطور درامي خطير في حياتهما الشخصية القلقة في نهاية القصَّة التي تَتسارع فيها الأحداث من واقع اجتماعي شعبي إلى واقعة حدثٍ وطنيٍ ودينيٍ كبيرٍ ذلك هو نداء المرجعية العليا في تلبية نداءالجهادالكفائي.

القتل والثأر وأخذ الدِّيَّة والمرأة الفصليَّة في العرف العشائري العراقي المُباد، هي موضوعات القصة التي ارتبطت بعهد الشارب.وقد بدأت هذه القصَّة حركتها الفعلية الحدثية التي خاض الكاتب بشغفٍ الحديثَ عن هذه الموضوعات الاجتماعية التي تُؤرِّق همومَ النَّاس من أبناء الريف ذات التركيب القَبَلي والعشائري وقيِّد حريتهم، ولاسيَّما المجتمع الأهواري المنغلق على نفسه وتقاليده:

"نُوْعَةُ الِّتي عَانتْ مًا عًانتْ، مُنذُ أنْ أُخذتْ (فُصْلِيَّةً) لِرجلٍ يَكبرُها بَأربعينَ عَاماً، سِداداً لولدِهِ المَقتولِ بِسلاحِ أخيهَا لَازمٍ". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 78) .ومسرحُ الأحداث على ضفاف نهر الأكَرح.

وعلى الرغم من تكريس هذه الموضوعات العشائرية المتوارثة والمغروسة نَبتَاً في نفوسهم منذَ أمدٍ بعيدٍ، فإنَّ النسق الثقافي يأخذ طابعاً وطنياً آخر غير الاجتماعي العشائري التقليدي. وهنا تبرز أهمية فكرة (عَهدُ الشَّواربِ) التي يلزم بها أشخاصها أنفسهم قطْعَاً للعهد، فما هذا العهد الذي قطعه وحيِّد الابن على نفسه وأمسك به شواربه؟ الأمر غير الطبيعي المُهمّ الذي أقلق خاله لازم وسيطر على فكره، والِّذي يرغب بمعرفته من قبل ابن أخته وْحيَّد صاحب القسم بالشوارب فيأتيه الجواب:

"هَذَا العَهدُ لَا يُقلقُ يَا خَالُ. لَقْد قَطَعتُ عَهداً عَلَى أنْ أُلبِي فَتوى المَرجعِ الأعَلَى بِمقاتلِة داعشٍ. عَلَى الفُورِ، يَنهضُ لَازمُ، وَيُمسكُ بِشواربِهِ، وَهذهِ المَرَّةُ يَقولُ: لَبيكَ أيُّها المرجعُ، لَبيكَ يا مُولَاي، حَيَّ عَلَى الجِهادِ". (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ، ص 81) .

وقد أخذ الاثنان على نفسيهما عهداً بأن يجمعا بين عهد الشوارب وفتوى المرجعية الشريفة، واللَّذان التزما بهما، وهذا ما دفع خاله لازماً إلى التفاعل مع الحدث والاستعداد له وقد ارتجزاً قائلاً:

"هَا تثور بِصدرك داعش، ها تثور بصدرك داعش/ عِدْنا اِتفَاك تَجيس الخيط، تْثُور بِصدركَ دَاعش. مِا هي إلا أيامٌ ..حتَّى جَهزَ وَحيِّد نَفسَهُ للرَّحيلِ: (مَشاحيفُ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 82) .

وسارع وحيَّد لوداع أُمِّه، وأخواته والعجوز وبريَّة، الوداع الأخير الذي لا يعرف وراءه عودة أم لا. وقد شغل الأمر وبريَّة وقطَّعَ نياطها بالبكاء والنحيب والنعي وامتلأت بالدموع حزناً وخوفاً عليه:

"يُمهْ كَوطَر ضَعنهُم، أنَا جْويعدَه وَكَوطَر ضَعنهُم./ يُمهْ مُوشْ مِنهُم، جنِّي غِريبهْ ومُوشْ مِنهُم يَا وَحيِّد يَا يُمّهْ./ خَايبة لَاحكَتهُم شِمالِك يَا رُوحِي لَا حكتهُم؟/وِلجْ نِيام كلهُم، أهلج كضوا نِيام كِلهُم". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلِ، ص 82، 83) . بهذا النحيب رَاحَ صوت وبريَّة يَرنُّ بأُذن وْحيِّد كسمفونيةِ الوجود.

وجد لازم وابن أخته وحيِّد نفسيهما يقاتلان داعشَاً ببسالةٍ وشجاعةٍ مُنقطعةِ النظير، وموقفهما هذا شجعهما على الرغبة في هذا العمل للتخلُّص من كاهل العُرف وعُقدة الذنب العشائرية التي اقترفها خاله لازم في حياته حين أقدم على قتل صكَر الرجل الذي يسكن في قريتهما، فهي في نظره فرصة مؤاتية لتطهير النفس من الثأر العشائري البغيض الذي ألزمه بارتكاب جريمةِ القتل العمد.

لقد كان إيمان الرجل لازم والشاب وْحِّيد قد دفعهما إلى البسالة والإقدام في مواجهة خطر داعش الذي بسببه نالا فضيلة الشهادة؛ استجابةً لنداءِ الوَطنِ والمرجعيَّة العليا. وليس هذا هو الشعور الضافي وحدهُ على نفسيهما، فقد كان حُبُّ عليٍ حاضراً بين القلوب المستهامة به. فها هو وْحيِّد يطلب من خاله لازم ما أوصته به وبريَّة حينَ تُلقي رَبَّها بقلبٍ أبيضَ ناصعٍ سليمٍ قائلاً وصيتها:

"أُمِّي وبريَّة مْذممهْ عَليهْ، عُود مِنْ تْمُوت، أطوفُ بِيهَا عَلى ضَريحِ أميرِ المُؤمنينٍ عَليهِ السَّلامُ. –بْإيدي، وَعَلَى هَذَا الكَتفِ أشيلهَا، وَأطوفْ بِيهَا.-  بَعَدْ، يَا خَالي أوصيْك بْنوعَة وبَناتها. -  احطْهِنْ بِعيونِي.-  لَا هَاي مَا تَكفَّي يَا خَال أريدكْ تْكِظ شَاربَكَ وَتُوعِدْنِي". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 87) .

وفي مثل هذ الموقف النبيل لحكاية| (عَهدُ الشَّواربِ) العشائرية والوطنية تختلط كلُّ الأعراف الاجتماعية التقليدية والشعبية المتوارثة- جهلاً لا حُكماً-  لنداء الوطن وفتوى المرجعية لبيك يا وطن. وفوق كلِّ هذا الحدث الكبير يتغلَّب على مشاعر وبْريَّة ونُوعة ولازم ووْحيَّد، الأربعة جميعاً استحضار أثرِ الرمز البطولي الخالد عليٍ ومكانته المحفوظة بين قلوبهم وإيمانهم الفطري البعيد.

10-  قِصَّة (حَمَّادُ والنَّهرُ)

هذه القصَّة العاشرة من قصص هذه المجموعة، والتي لا تمتُّ في سردها بأيِّ صلةٍ مباشرةٍ إليها وبالنسق الإجرائي الذي اتَّبعه الكاتب في تأثيث الوحدة العضوية لـحكاياتِ (مَشاحيفٌ تَأبى الرَّحيلَ) . وأعني بذلك لا جامع بينها وبين عتبات النصِّ الموازي لهذه المدوَّنة التي احتوت مضامينها الفكريَّة على تمثُّلات الرَّمز التاريخي والديني البطولي الغالب عليٍّ بنِ أبي طالبٍ وأثره في شخصياتها.

وكان الأجدر بالكاتب محمَّد سيِّد كرم الموسوي أن يستحضر مزايا هذا الرمز الديني الإنسانية ويستدعي صفاته وشجاعته الشخصية وعدالته الوجوديَّة التي حيَّرت خصومه قبل مؤيِّديه وأتباعه الخُلَّص في بنية هذا النصِّ الطفولي. أليس عليٌّ كالنهر الدافق عطاءً وكرمَاً ومحبًّة وصدقَاً ووفَاءً.

فكان من المفترض بكاتب قصَّة (حمَّاد والنهرُ) بعد فوزها بجائزة القصَّة القصيرة أنْ يجري عليها تعديلاً مُضافاً طفيفاً يُضيء به تمثُّلات الرمز، وأنْ يصفَ أنسنةَ النَّهر في ثرائه وخيرهِ الوفير كما يصف عليَّاً بأبي اليتامى والفقراء والمساكين من عامة أبناء الشعب الذين يَغدقُ عليهم الأرزاقَ والطعامَ والهباتِ الاجتماعية والإنسانية في أضيق الحالات الحرجة. فَعليٌّ كريمٌ كالنهرِ عفيفٌ كثيرُ الخيرِ والسِّعةِ على الآخرين، وشحيح على نفسهِ وعياله وأثيرٌ مِعطاءٌ لغيرهِ من ألطاف الله ونعمه.

على الرُّغم من كون قصًّة (حمَّادُ والنهرُ) أُعُدَّتْ أصلاً لأدب الطفولة أقترحُ على مؤلِّفها محمّد سيِّد كرم الموسوي أن يجري عليها تغييراً بسيطاً مُضافاً لواقعتها، ويُحدثُ فيها تضميناً واستحضاراً أدبيَّاً سيريَّاً لارتحالات الإمام علي وتعامله مع مصادر الطبيعة الكونية المُتحرِّكة والثابتة التي تُناسب عقل الطفولة وتغذِّي خيالَ روحِها الجامح بهذا النهج القويم الذي زخرتْ به مناقبه الفكرية والإنسانية العادلة وصارت مناراً للعلم والمعرفة عبر هذا التاريخ الطويل لِسفْرِهِ الشَّخصي الكبير. وإلَّا فإنَّ وجود هذه القصَّة بهذه المجموعة سيجعلها يتيمةً لا أُخت لها مع قصص المُدوَّنة التسع الأخرى على الرغم من كونها قصَّةً بيئيَّةً تشترك معها في رصد تجلِّيات الواقع الريفي بثوبٍ جديدٍ.

 (حُمَّادُ والنَّهرُ)، هي النصُّ القصصي الفائز بجائزة القصّة القصيرة بدورتها الأولى لاتَّحاد أدباء وكتَّاب والبصرة عام 2024م، والتي كُتِبَتْ خصيصَاً لأدب الأطفال، وبطل هذه القصَّة حماد الطفل والنَّهرُ وكلبُه الصَّغير. فهؤلاء الثلاثة هم الفواعل الحركية لهذه القصَّة الغرائبية التي تجمع ما بين الواقعية السحرية وقنتازيا الواقع الغرائبي والأسطوري المخيالي بلغةٍ شفيفةٍ مُحبَّبةٍ ماتعة لا تستهوي الفتيان الصغار من الأطفال فحسب، وإنّما واقعتها الحَدَثيَّة المُؤنسنة تحوز على اهتمام قدرٍ كبير من المتلقِّين الكُبار لجمالياتها التعبيرية الفنيَّة وصياغتها البنيوية الهادفة في صنع الخيال.

تقوم بواكير هذا النصِّ السردي على بنية الحوار التساؤلي بين الابن وأبيه حينما يبدأ الطفل حمَّاد بسؤال مُحُّير لأبيه حول النهر الصغير في قريتهما عندما اصطحبه أبوه لغرض تسجيله بالمدرسة لأوِّل مرَّةٍ، وقد مَرَّا بهذا النهر الذي أثار تفكير حَمَّاد وشغل نفستيه التي فاقت فرحته بالمدرسة:

"أبِي -  نَعَم يَا وَلَدَي/ لِماذَا يَمشِي النَهرُ سَريعَاً؟-  لأنَّ فيهَ ماءً وفَيرَاً يَا حَمَّادُ/ إلَى أينَ يَذهبُ؟-  إلَى المَكانِ البَعيدِ، البَعيدِ جدَّاً./ مَاذَا يَفعلُ هُناكَ فِي البَعيدِ؟ - هُوَ يُعطِي للنَّاسِ والحَيواناتِ والطُّيورِ، النَهرُ يَا وَلَدِي مِعطاءٌ يُعطِي كَثيراً./ وَمَاذَا يُعطِي؟ -  يُعطيهُم الخُبزَ والنُّقودَ وأشياءَ أُخرى كَثيرةً/ هَلْ يُعطِي مِثلَ الرَّئيسِ؟-  بَلْ أكثرُ./ هَلْ تُريدُ أنْ أقولِ لِكَ سِرَّاً؟-  مَاذَا يَا أبِي؟- النَّهرٌ هُوَ الِّذي يُعطِي الرَّئيسَ، وَيَقولُ لَهُ وَزِّعَها عَلى النَّاسِ./ يَا إلَهِي، كَمْ هُوَ كَريمٌ إذَاً؟ لَكنْ يِا أبِي هَلْ لَهُ يَدٌ سَيُعطِي بِها؟-  لَهُ أذرعُ كَثيرةٌ وَطويلةٌ يُعطي بِهَا، ألَمْ أَقُلْ لَكَ أنَّه مِعطاءٌ؟". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 90، 91) .

بهذا الأُسلوب التعبيري الفنِّي المخيالي والجمالي للكاتب، ولُغة التكثيف اللِّساني الواقعي التي يُخاطب فيها الاب ابنه، لكي يوصل له الإجابات القريبة من الحقيقة التي يستوعبها تفكيره وتخزنها ذاكرته على أنها أمرٌ حقيقيٌّ. حتَّى غدا النهر الصغير في نظر حَمَّادٍ إنساناً كريماً مِعطاءً له أفرع أخرى كثيرة توِّزع خيراته كأذرع الإنسان؛لذلك شَبَّهَ الأبُ لابنهِ النَّهرَ بالرئيس القادر على العطاء.

أنسنة النهر رمز العطاء الوفير بالإنسان الكريم فكرة شغلت حَمَّادَاً الصغيرَ واستولت على عقله، فراح يبحث عن هذا النَّهر البعيد الذي ظنَّه إنساناً حقيقياً حينما قرَّر رِحلةَ البحث عنه عندما ركب زورقه واصطحب كلبَهُ الصغيرَ مُبتعداً عن مكان القرية، حتى تسوقه أقدار سير البحث عنه إلى متاهةٍ بعيدةٍ جدَّاً من أجل لقائه ومعرفته، فيلتقي في هذه المصادفة السرديَّة التي صنعها تخليق الكاتب برجلٍ وَحيدٍ في المكان القصيِّ فيخبره بأنه هو النهر عينه الذي يبحث عنه لتحقيق مراده:

"مَاذا تَفعلُ يَا وَلَدِي فِي هَذَا المَكانِ البَعيدِ؟-  جِئتُ لِالتقيَ بِالنهرِ وأتحدَّثُ إليهِ، هَل تَعرفُ أينَ أجدهُ؟-  وَصَلتَ يَا وَلَدِي، أنَا هُوَ النَّهرُ، أهلَاً وَسَهلاً بِكَ، يَا مَرحباً، يَا مَرحبَاً. أنتَ؟-  وِاللهِ هُوَ أنَا. - آهٍ لَوْ تَعلمُ كَمَ أنَا سَعيدٌ يَا جَنابَ النَّهرِ.-  صَدقنِي أنَّ فَرحتِي الآنَ لَا تُوصفُ. يَقولونَ أنَّك كَثيرُ العَطاءِ. -  تُعطي الخُبزَ والنُّقودَ، وَأينَ هِيَ أذرعُكَ الطَّويلةُ الكَثيرةٌ؟". (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ، ص92) .

فمثل هذا الحوار المُجْدِي بينَ الرجل المجهول الكريم وحماد يُفضي لقضيةٍ أُخرى أكثر اهتماماً بمصير الطفل وحياته القادمة، ذلك هو المستقبل الواعد الذي ينتظره والذي استطاع الرجل أن يجعله عطيةً للطفل حينما بَادرَ إلى افتعال حَدثٍ سحريٍ ينطلي عليه عندما وضع يده على رأسهِ، وراحَ يُتمتمُ بكلماتٍ وكلامٍ غريبٍ غيرِ مَفهومٍ كأنَّه من الغيبيات التي لا يعرفها فتخصَّ مَصيرهُ:

"مَاذَا قُلتَ أيُّهَا النَّهرُ، وَمَاذَا أعطيتَنِي؟ لَقدْ شَعرتَ بِشيءٍ عَجيبٍ يَستقرُّ فِي رَأسِي، شَيءٍ عظيمٍ وكبيرٍ، مَا هَذَا؟ أخبِرنِي أيُّهَا النَّهرُ.-  إنَّهُ المُستقبلُ يَا وَلَدِي، لَقدْ أعطيتُكَ المُستقبلَ، وَأدخلتُهُ فشي رَأسِكَ، فَاحتفظْ بِهِ، وَإيَّاكَ أنْ تُفرِّطَ بِهِ [...]أريدُكَ أنْ تَتذكرنِي كُلَّما عَملتَ شَيئَاً مِنْ أجلِ مُستقبلِكَ، تَتذكَّرُ النَهرَ العَظيمَ الِّذي تَعيشُ أنتَ وَكُلُ أهْلكَ عَلى جَانبِهِ...". (مَشاحيفُ تَأبَى الرَّحيلَ، ص 93) .

النَّهرُ الذي يُشكِّلُ عنصراً مُهمَّاً من عناصر الطبيعة الكونية في الوجود، والمستقبل الذي يُمثِّلُ مَصدراً مُهمَّاً من مصادر حياة الإنسان الانطلوجيَّة في التفاعل مع الحياة والطبيعة، هُمَا مركزا اشتغالات الكاتب الموسوي في هذا النصِّ المِيتا سردي الإبداعي الغرائبي الذي يشحذُ مَخيلةَ لطفل بكلِّ ماهو جديدُ يَغُذُّهُ لعوالم السمو والارتقاء الروحي والجمالي المُوصِلِ إلى شُطْآن الأمنِ والسَّلامِ:

"فَلمَّا وَصلُوا قَفزَ الكَلبُ إلَى الشاطئِ، صَارَ النَهرُ يُوشوشُ فِي أُذنِ حَمَّادٍ وَهوَ يُكلِّمَ النَهرَ بِصوت خَافتٍ، كَي لَا يَسمعُهُ أحدٌ.وَأنتَ أيُّها النَهرُ أينَ سَتذهبُ؟- سَأعودُ يَا وَلَدِي، فَهُناكَ الكَثيرونَ يَنتظرونَ عَطائِي، لَا تَنسَ المسُتقبلَ يَاحَمَّادَ...يَنامُ نَوماًهَائناً وَالمُستقبلُ فِي رَأسِهِ". (مَشاحيفٌ تًأبَى الرَّحيلَ، ص 94) .

تُعدُّ قصَّةُ (حَمَّادُ والنَّهرُ) من النصوص القِصصيَة المُذهلة التي تستمدُّ نسغ روحها واشتغالاتها الفنيَّة والموضوعيَّة الجماليَّة من السرد الحداثي وما بعد الحداثي الذي يؤكِّد في بنائه المعرفي على تقنياتِ الجِّدة والتأصيل التواصلي مع ثقافة المجتمع وعصرنته الزمكانية التي تَهُمُّ بناء مستقبل الإنسان؛ لذلك أتمنَّى على القائمين في زوارة التربيَّة أنْ يلتفتوا لمثل هكذا نصوصٍ راقيةِ السَّبكِ والحّبكِ وأصيلة الجوهر والمظهر فيضعوها في مناهج الأدب السردي الذي يُنمِّي قدرات التلاميذ.

تنقلنا نصوص محمَّد سيِّد كرم العشرة في مدوُّنته السرديَّة (مَشاحيفٌ تَأبَى الرَّحيلَ)، إلى ذاكرة الطِّين الأوليَّة ورائحة الهور والطبيعة الريفيَّة الشائقة المظهر والصادقة الجوهر بكلِّ تفاصيلها الاجتماعية البيئية والاقتصادية والثقافية والسياسية والتاريخية حينما تستدعي بنيتها السردية رموزاً روحيَّة وإنسانيَّة عُليا لا فلسفتها الغنوصيَّة الرُّوحيَّة والدينيَّة فحسبَ، وإنَّما لكلِّ ما لهُ عَلاقةٌ بمصير الإنسان وتطلُّعاته الحياتية في تأثيث مستقبل معيشي آمنٍ وعادلٍ له يُحقِّقُ حُرِّيته الفرديَّة ويُعطي له حقوق يوتوبيا الخير بعيداً عن أشكال ديستوبيا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان الآخر. في هذه الرحلة المشحوفيَّة العابقة بنسمات هواءالجَنوب ومِلْحِهَا السُّومري الَّتي (طَرَّنَا) فيها الكاتب بأهوار العمارة.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ -  ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

«رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي» لحافظ إبراهيم

تُعدّ قصيدة حافظ إبراهيم «رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي» واحدة من أهم النصوص الشعرية في النهضة العربية الحديثة، لأنها لا تتعامل مع اللغة بوصفها أداة تعبير فحسب، بل بوصفها كائناً حياً مهدداً بالموت. هنا تتحوّل العربية إلى ذاتٍ متكلمة، تشكو، تحتج، تتألم، وتدافع عن حقها في الوجود. إننا أمام نصّ يجمع بين الشعر والبيان، بين الغنائية والخطاب الحضاري، وبين الحنين والإنذار.

القصيدة ليست مرثية للغة بقدر ما هي محاكمة حضارية للذات العربية. وهي تنتمي إلى لحظة تاريخية حساسة شهدت صراع الهوية بين التقليد والحداثة، بين الاستعمار الثقافي والنهضة اللغوية.

أولًا: المنهج الأسلوبي:

(اللغة – التركيب – الإيقاع – البلاغة)

أسلوب حافظ إبراهيم في هذه القصيدة يتكئ على الفخامة الكلاسيكية، ويستعيد نَفَس القصيدة العربية الكبرى. اللغة جزلة، قاموسها فصيح، قائم على الأفعال القوية: رجعتُ – ناديتُ – وسعتُ – أخافُ. هذه الأفعال تُنشئ حركة داخلية تعكس صراعاً حياً.

1. الإيقاع:

القصيدة مكتوبة على البحر الكامل، وهو بحر يتسم بالامتلاء والقوة:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

اختيار الكامل ليس اعتباطياً؛ إنه بحر الخطاب العالي، بحر الاحتجاج. الإيقاع هنا يخدم المعنى: اللغة تتكلم بنبرة مهيبة، كأنها تخطب في محكمة التاريخ.

2. البنية البلاغية:

تقوم القصيدة على الاستعارة الكبرى:

اللغة = أمّ / امرأة / كائن حي

"ولدتُ… وأدتُ بناتي"

هنا تتحول المفردات إلى بنات، واللغة إلى أمّ تئد أبناءها بسبب عجز المجتمع. هذه استعارة مأساوية تُذكّر بما يسميه عبد القاهر الجرجاني «نقل المعنى من صورته العقلية إلى صورته المحسوسة» (دلائل الإعجاز).

3. التوازي التركيبي:

يتكرر البناء الثنائي:

إمّا حياة… وإمّا ممات

هذا التوازي يخلق بنية جدلية تشبه البيان الخطابي، ويعكس طبيعة الأزمة: لا حلول وسط.

ثانياً: المنهج الرمزي:

(تحليل الرموز والمعاني الخفية)

القصيدة قائمة على نظام رمزي متكامل:

١- الرمز

٢- الدلالة

٣- البحر

ثراء اللغة وعمقها الحضاري:

١- البنات

٢- المفردات / الإبداع اللغوي

٣- وأد البنات

٤- قتل التجديد

٥- الغواص

٦- المفكر / العالم

٧- الغرب

٨- الحداثة العلمية

٩- الطير الناعب

١٠- دعاة التغريب

"أنا البحر في أحشائه الدر كامن"

هذه الصورة تجعل اللغة مخزوناً حضارياً لم يُستخرج بعد. وهي قريبة من تصور الجاحظ للغة بوصفها «خزانة المعاني».

الرمز المركزي هو: اللغة بوصفها حضارة كاملة.

ثالثاً: المنهج النفسي:

(البنية النفسية للشخصية المتكلمة)

القصيدة مونولوج نفسي عميق. المتكلم — اللغة — تعيش حالة:

١- قلق وجودي

٢- شعور بالهجر

٣- خوف من الموت

٤- رغبة في الاعتراف

يمكن قراءة النص في ضوء علم النفس الثقافي: اللغة تعاني من صدمة حضارية. إنها تشبه كائنًا يعاني من «قلق الفقد».

التكرار:

لا تكلوني للزمان

يكشف عن خوف الأمّ من التخلي. اللغة هنا ليست أداة؛ إنها هوية مهددة بالانقراض.

رابعاُ: المنهج الاجتماعي والفكري

القصيدة وثيقة من وثائق النهضة. كتبها حافظ إبراهيم في زمن:

١- الاحتلال البريطاني

٢- صعود الصحافة

٣- دخول اللغات الأجنبية

٤- أزمة التعليم

"أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة

وكم عز أقوام بعز لغات"

هذا بيت مفتاحي: اللغة = قوة سياسية. هنا يلتقي النص مع أفكار:

الطهطاوي: اللغة أساس التقدم

الكواكبي: الاستبداد يقتل الفكر

محمد عبده: إصلاح اللغة إصلاح الأمة

القصيدة احتجاج على الاستلاب الثقافي.

خامساً: المنهج الفلسفي:

(الأسئلة الوجودية والقيم)

النص يطرح سؤالًا فلسفياً جوهرياً:

هل تموت اللغة تموت الأمة؟

اللغة هنا ليست وسيلة تواصل، بل شرط وجود. وهذا قريب من فكرة هايدغر:

"اللغة بيت الوجود"

كما يطرح النص ثنائية:

١- الحياة / الموت

٢- النهضة / الانقراض

٣- الذاكرة / النسيان

الخاتمة:

إمّا حياة… وإمّا ممات

هي صيغة وجودية حاسمة: لا حياد في مصير اللغة.

قصيدة حافظ إبراهيم ليست مجرد دفاع عن العربية؛ إنها بيان حضاري يرى في اللغة روح الأمة. النص يجمع بين الجمالية البلاغية والرؤية الفكرية، ويقدّم نموذجاً للشعر بوصفه فعلاً ثقافياً مقاوماً.

إنها قصيدة عن اللغة، لكنها في العمق قصيدة عن الهوية والكرامة والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي

وَنادَيتُ قَومي فَاِحتَسَبتُ حَياتي

رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني

عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي

وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي

رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي

وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً

وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ

وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني

وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي

فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني

أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي

أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً

وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ

أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً

فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ

أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ

يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

وَلَو تَزجُرونَ الطَيرَ يَوماً عَلِمتُمُ

بِما تَحتَهُ مِن عَثرَةٍ وَشَتاتِ

سَقى اللَهُ في بَطنِ الجَزيرَةِ أَعظُماً

يَعِزُّ عَلَيها أَن تَلينَ قَناتي

حَفِظنَ وِدادي في البِلى وَحَفِظتُهُ

لَهُنَّ بِقَلبٍ دائِمِ الحَسَراتِ

وَفاخَرتُ أَهلَ الغَربِ وَالشَرقُ مُطرِقٌ

حَياءً بِتِلكَ الأَعظُمِ النَخِراتِ

أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً

مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ

وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةً

فَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي

أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ

إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ

سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى

لُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ

فَجاءَت كَثَوبٍ ضَمَّ سَبعينَ رُقعَةً

مُشَكَّلَةَ الأَلوانِ مُختَلِفاتِ

إِلى مَعشَرِ الكُتّابِ وَالجَمعُ حافِلٌ

بَسَطتُ رَجائي بَعدَ بَسطِ شَكاتي

فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيتَ في البِلى

وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي

وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ

مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ

 

في مداوروش أرض الأمازيغ كُتب القلق الإنساني بريشة من ذهب

"الحمار الذهبي". كيف أُعيد تدوير القلق الإنساني؟

حنين هو لا تعصّب... تعالوا نقرأ التاريخ بعين أمازيغية جزائرية، عين عارفة باحثة تدرك أن هذه الأرض لم تكن صامتة في يوم من الأيام، بل ناطقة بالفلسفة، والجدل، والسؤال. فمن هذه الربوع خرج أبوليوس المداوري، الأمازيغي الجزائري، ليكتب أول رواية فلسفية في تاريخ الإنسانية، قبل أن يُعاد توزيع المجد على غير أهله. إن قراءة التاريخ بعين أمازيغية جزائرية ليست دعوة لإقصاء أحد، بل محاولة لاستعادة موقعنا الطبيعي في مسار الفكر الإنساني، بعد قرون من التهميش والاختزال .

قد لا يعرف كثيرون أن سؤال الهوية والاغتراب، لم يولد في أثينا ولا في روما، بل تَشكّل باكرا في أرض الشاوية الأمازيغ، في مادور، مداوروش الحالية، بسوق أهراس، حيث كتب أبوليوس وأوغسطين قلق الإنسان الأول.

تُعد رواية "الحمار الذهبي" لأبوليوس واحدة من أكثر النصوص إغراء وإرباكا في تاريخ الأدب القديم، فهي أوّل رواية مكتملة وصلت إلينا، لكنها ليست نصّا بريئا ولا حكاية وعظية بسيطة، بل بناء سردي مركّب تتجاور فيه المغامرة مع السخرية، والأسطورة مع الفلسفة، والخلاص الروحي مع ظلال كثيفة من العنف والخوف والشك. وفي هذا التوتر العميق تكمن عظمتها الحقيقية.

تدور الرواية حول لوكيوس، الشاب المفتون بالسحر والمعرفة المحرّمة، الذي يدفعه فضوله إلى تجربة تعويذة تحولٍ تنقلب عليه فيتحول إلى حمار، محتفظًا بعقله الإنساني داخل جسد حيواني. غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن المكان الرمزي الذي خرج منه المؤلف نفسه، أي مادور، أو مداوروش، المدينة الأمازيغية العريقة التي كانت إحدى أمهات الفكر في شمال إفريقيا الرومانية، حيث لم تكن المعرفة ترفا بل قلقا، ولم يكن السؤال الفلسفي زينة ثقافية بل ضرورة وجودية. منذ هذه اللحظة تبدأ رحلة طويلة من الإذلال والتنقل القسري بين طبقات المجتمع الدنيا، حيث يُستعمل جسده بلا رحمة، ويُجلد ويُجوّع ويُستغل، فيغدو شاهدا صامتا على انحطاط البشر وقسوتهم ونفاقهم. الحمار هنا ليس قناعا هزليا فحسب، بل موضعا للعقاب، وكأنّ الجسد حين يخرج عن النظام الاجتماعي يُجرّد من كرامته ويُسلَّم للعنف بلا حدود.

خلال هذه الرحلة القاسية تتخلّل الرواية حكايات فرعية كثيرة، أهمّها وأجملها قصة "حب ونفس"  أو قصة كيوبيد وبسيخه، التي تشكّل قلبا رمزيا نابضا داخل العمل. بسيخه فتاة بشرية بلغ جمالها حدّا أغضب فينوس إلهة الجمال، فأمرت ابنها كيوبيد أن يعاقبها، لكنه خلافا لأمر أمه، يقع في حبّ بسيخة ويتزوجها سرّا، مشترطا عليها ألاّ تحاول رؤيته. تعيش بسيخه في نعيم حتى يخونها الفضول فتضيء وجه حبيبها النائم، فيغادرها، وتسقط في درب من الألم والاختبارات القاسية التي تفرضها عليها فينوس. لا تنجو بسيخه إلا بعد أن تتألّم، وتخضع، وتقترب من الموت نفسه، قبل أن يمنحها زيوس الخلود فتتحد بالحب اتحادا أبديا.

هذه القصة التي تُقرأ غالبا بوصفها ترنيمة للحب، تكشف في عمقها عن منطق الرواية كله، لا اكتمال دون ألم، ولا استحقاق دون امتحان قاس، ولا خلاص دون خضوع. فبسيخه، مثل لوكيوس، لا تُكافأ إلا بعد أن تُكسَر وتُختَبَر حتى النهاية، وكأنّ المعرفة والحب لا يُمنحان إلا لمن يمر عبر العذاب.

عند العودة إلى المسار العام للرواية، نلاحظ أن العنف ليس مجرد أداة نقد اجتماعي، بل عنصر بنيوي في السرد . أبوليوس لا يكتفي بالإشارة إلى القسوة، بل يُطيل الوقوف عندها، ويصف الإذلال بتفاصيل حسية تجعل القارئ شريكا صامتا في التلقي. السخرية التي تغلف كثيرا من هذه المشاهد لا تُخفِّف الألم، بل تُطَبّعه، وتجعل القسوة مألوفة، وكأنّ الضحك يُستخدم هنا قناعا لإسكات الحس الأخلاقي.

كما أن الرواية تؤسس لنظرة قلقة إلى الجسد، إذ يُقدَّم الجسد الحيواني بوصفه موضعا للإثم والعقوبة، بينما لا يتحقق الخلاص إلا بالتخلّص منه والعودة إلى الجسد الإنساني المنضبط. هذه الثنائية بين الجسد والروح تعكس خوفا عميقا من الغريزة واللذّة، وتمهّد لفكرة أن الألم تطهير، وأن الكرامة لا تُستعاد إلا عبر المعاناة.

أما صورة المرأة في الرواية، فرغم إشراق قصة بسيخه، فإنّها في مجملها صورة ملتبسة ومظلمة. النساء غالبا سبب السقوط أو الفتنة أو الخيانة، حتى فينوس نفسها تُصوَّر إلهة غيورة سادية. وكأن النص يعكس تمييزا جندريا وقلقا ذكوريا من المرأة بوصفها قوة لا يمكن ضبطها إلا عبر الألم والخضوع، فلا تُقبل أنوثتها إلا حين تُفرغ من تهديدها.

في خاتمة الرواية، يجد لوكيوس خلاصه عبر عبادة إيزيس، فتُعاد له إنسانيته في طقس ديني صارم، يُبنى على الطاعة والانضباط والانتماء إلى نظام مغلق. هنا يبدو الخلاص الروحي ملتبسا، إذ لا يتحقق بالحرية أو المعرفة العقلية، بل بالاستسلام الكامل. وكأنّ الرواية تستبدل عبودية الجسد بعبودية مقدّسة، أكثر نعومة لكنها لا تقل صرامة.

نخلص للقول أن "الحمار الذهبي" ليست رحلة خلاص صاف، بل اعترافا أدبيا عميقا بخوف الإنسان القديم من ذاته، من جسده، ومن حريته، ومن المرأة، ومن العقل حين ينفلت من الضبط. إنّها رواية عظيمة لأنها لا تُطمئن القارئ، بل تضعه أمام سؤال قاس، هل الإنسان لا يتعلم إلا إذا كُسر؟ وهل الخلاص ممكن دون أن يمر عبر الظل؟ في هذا السؤال المفتوح، لا في الإجابة، يكمن خلود هذه الرواية.

وإذا أُعيدت الرواية إلى سياقها المنسي، فإن هذا العمق القاتم يكتسب معنى إضافيا. فأبوليوس ليس كاتبا لاتينيا خالصا كما درجت الدراسات الكلاسيكية على تقديمه، بل هو أفولاي الأمازيغي، ابن مادور، المدينة التي تُعرف اليوم بمداوروش في ولاية سوق أهراس الجزائرية. تلك المدينة لم تكن هامشا ثقافيا، بل مركزا تعليميا وفكريا مهمّا في شمال إفريقيا الرومانية، وهي نفسها الفضاء الذي تشكّل فيه وعي القديس أوغسطين، المولود في تاغست المجاورة، والذي درس في مادور قبل أن يشقّ طريقه اللاهوتي.

هذا المعطى ليس تفصيلا تاريخيا، بل مفتاح قراءة. فأبوليوس يكتب من موقع ذات أمازيغية تعيش التوتر بين ثقافتها المحلية والهيمنة الرومانية، بين الجسد المنتمي إلى الأرض والروح المشدودة إلى أنظمة الخلاص الوافدة. ظلمة الرواية، هوسها بالعقاب، خوفها من الجسد، وارتيابها من الحرية، يمكن قراءتها بوصفها تعبيرا عن قلق هوية تعيش تحت سلطة ثقافية كبرى، فتبحث عن الخلاص لا بالتمرّد، بل بالانخراط المشروط في منظومات روحية قاهرة.

وإذا كان أوغسطين قد عبّر لاحقا عن القلق نفسه بلغة الخطيئة والنعمة، فإن أبوليوس عبّر عنه بلغة السخرية والتحوّل والإذلال. الاثنان ينتميان إلى تربة واحدة، لكنّهما سلكا طريقين مختلفين للإجابة عن السؤال ذاته، كيف ينجو الإنسان من نفسه؟ هكذا تصبح رواية "الحمار الذهبي" نصا أمازيغيّ الجذر، عالميّ الأفق، يكتب الهشاشة الإنسانية من أرضٍ عرفت التعدد والاحتكاك والاغتراب قبل أن يُسمّى ذلك فلسفة.

***

ليلى تبّاني  - الجزائر

شكلت الحياة اليوم بتطورها المتنوع بين العلوم الطبيعية والانسانية وكل المجالات الأخرى، انعطافاً قاد بتأثيره الواضح على مفردات الحياة بكل تفاصيلها، ومنها على الادباء والكتّاب وبالتالي على الأدب والكتابة بعدة عوامل، تقف على مقدمة هذه العوامل، بما في ذلك التطورات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، فإذا كانت الحياة تتسارع وتتغير بسرعة، قد يكون هناك اتجاه نحو تقديم النصوص الأدبية بشكل أكثر تكثيفًا أو تخصيصًا للوقت، وعلى سبيل المثال، القصة الومضة قد تصبح شكلًا أكثر شيوعًا في المرحلة القادمة، لأنها تسمح بتقديم قصص مكثفة وقوية في وقت قصير، كذلك الحال بالنسبة للرواية القصيرة.

ومع تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا واتساع منصات التواصل الاجتماعي بكل انواعها، يمكن أن يكون لهذا تأثير على طريقة تقديم القصص الومضة والروايات القصيرة، وحتى قصيدة الومضة والهايكو العربي، وقد يكون هناك اهتمام أكبر بالنصوص القصيرة والمختصرة التي يمكن قراءتها بسرعة عبر وسائل الإعلام الرقمية، أو وانت في رحلة نقل الى مدينة اخرى.

مع ذلك، يجب ملاحظة أن هناك مكانًا لكل من الرواية القصيرة والقصة الومضة والأشكال الأدبية الأخرى لتي اشرنا اليها، حيث يعتمد اختيار الكتّاب والأدباء على أسلوبهم الفني والرؤية التي يرغبون في التعبير عنها، وقد يكون هناك اتجاه نحو التنوع واستخدام مختلف الأشكال الأدبية، لإستيعاب متنوع من الجمهور والتعبير عن تجارب متعددة في الكتابة.

وعلى العموم، فان الاتجاه الأدبي السائد يعكس تفاعلًا بين مختلف العوامل الاجتماعية والثقافية والتقنية، وقد يكون متغيرًا مع مرور الزمن بحكم تطور وسرعة ايقاع الحياة.

لا يمكن القول بوضوح مطلق إنه الآن هو عصر الرواية أو القصة القصيرة، حيث يمكن أن يكون هذا مرتبطًا بالاتجاهات الأدبية الحالية، وتفضيلات القرّاء والكتّاب في فترة زمنية معينة، وقد يشهد الوقت تفضيلًا للروايات القصيرة أو القصص الومضة او نص قصيدة الومضة أو الهايكو العربي المكثف بناءً على مجموعة متنوعة من العوامل، مثل الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية.

لذا فأن اتجاه البعض نحو تقليل أو تكثيف النصوص الروائية والقصصية والشعرية الطويلة والتحول الى الرواية القصيرة والقصة الومضة ناجمًا عن عدة عوامل

الفرضية الاولى والسؤال الاول/ لماذا يتجه القاريء الى النصوص القصيرة .. رواية قصيرة قصة قصيرة الومضة أو شعر الومضة

1/ تطور وتسرّع الحياة: مع تقدم التكنولوجيا وزيادة الاكتشافات ووسائل الاتصال مع وفرت المعلومات، أصبحت الحياة أسرع وأكثر اندفاعًا، قد يجد القرّاء صعوبة في الالتزام بأعمال طويلة، وبالتالي قد يتجهون نحو الأعمال الأقصر والأكثر تركيزًا أو تكثيفاً.

ففي عصرنا الحالي، يعيش الناس حياة سريعة ومليئة بالمعلومات والتحولات التكنولوجية السريعة. هذا قد يؤثر في انخراطهم في القراءة، حيث قد يكون لديهم وقت أقل للاستمتاع بنصوص طويلة. لذا، يمكن أن يكون هناك توجه نحو النصوص الأقصر والأكثر ملاءمة لأسلوب حياتهم.

2/ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي: يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرت على طريقة تفاعل الناس مع النصوص الطويلة، لذا تجدهم يتجهون نحو القصص الاكثر قصيراً أوالنصوص المختصرة، فقد تكون أكثر تناسبًا مع تلك الوسائل التي تحدّ من طول الانتباه.

سرعة التوصل إلى القصة: قد يجذب شغف القراء المعاصرين نحو الروايات القصيرة التي تقدم قصصًا مليئة بالتشويق والإثارة في فترة زمنية أقصر، وهذا يناسب أسلوب الحياة السريع الذي يعيشه الكثيرون في عالمنا اليوم.

3/ التغيرات في العادات القرائية: مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، قد يزداد انتشار الرواية القصيرة والقصص الومضة التي يمكن قراءتها بسرعة ومشاركتها بسهولة عبر الإنترنت.

4/ قصر الانتباه: في ظل تزايد التشتت والانشغال بالمهام اليومية وتعقيداتها، قد يكون من الصعب على البعض الالتزام بقراءة رواية طويلة، فالرواية القصيرة قد تكون خيارًا جيدًا لمن يبحثون عن تجربة قراءة ممتعة ومكملة في وقت قصير، كذلك الذين لا يهون الجلوس للقراءة لفترة طويلة. .

5/اختصاراً للوقت: وقد يكون لدى القرّاء والمستهلكين وقت محدود للاستمتاع بالقراءة، مما يجعل النصوص القصيرة أكثر جاذبية لهم.

الفرضية الثانية والسؤال الثاني / حول لماذا يحاول الأدباء والكتاب تقليل أو تكثيف النصوص الروائية والقصصية والشعرية، هناك عدة عوامل قد تلعب دورًا في ذلك:

1/ تطور الأسلوب الأدبي: مع تطور الأساليب الأدبية، قد يكون هناك اهتمام أكبر بالتجريب والتجديد في الكتابة، فقد يحاول الكتّاب تقديم قصص مفعمة بالمعاني والمشاعر في نصوص أقصر، تتوزع بين الرواية القصيرة أو القصة القصيرة والومضة وغيرها من اساليب ابداعية جديدة. وقد يتجه البعض نحو القصص القصيرة أو النصوص المختصرة لأنها تمكّنهم من التعبير عن أفكارهم بشكل سريع ومباشر، وتسمح لهم بالتفاعل مع الأحداث والقضايا الحالية.

2/ التجديد والتنوع: يمكن للرواية القصيرة تقديم تجارب قراءة متنوعة ومبتكرة بشكل أسرع من الرواية الطويلة، حيث يمكن للكتّاب التعبير عن أفكارهم وقصصهم بأساليب متعددة دون الالتزام بتطوير قصة لفترة طويلة.

3/ الأذواق الثقافية والتطورات الاجتماعية: قد تؤثر التغيرات في الأذواق الثقافية والقيم الاجتماعية على انتشار نوع معين من الكتابة. على سبيل المثال، في بعض الأحيان، يمكن أن تلامس الرواية القصيرة مواضيع اجتماعية حالية وراهنة ومثيرة للاهتمام بشكل أسرع وأكثر فعالية.

4/ التجديد والإبداع: بعض الكتّاب يسعون إلى تقديم شكل جديد من الأدب أو إلى التجديد في الاساليب والأشكال القائمة، وقد يكون ذلك عبر تقليل النص أو تكثيفه.

5/ التحدي الفني: قد يشعر الكتّاب برغبة في تحدي أنفسهم من خلال تقديم أفكارهم بشكل مبتكر ومختصر، وهذا يمكن أن يؤدي إلى استخدام الأشكال الأدبية القصيرة. ليس من السهل كتابة نص جيد وقصير في آن واحد. قد يرغب الكتّاب والأدباء في تحدي أنفسهم عن طريق تقديم رسالة أو قصة مؤثرة في نص قصير، وهذا يتطلب مهارات فنية عالية.

6/ تغيير اهتمامات القرّاء: قد تتغير اهتمامات القرّاء مع مرور الزمن، مما يؤدي إلى بحث الاديب والكاتب عن نصوص تتناسب مع انشغالات القراء واهتماماتهم في الزمن والمرحلة التي يعيشونها.

7/ الانتقالية وسهولة الوصول: مع انتشار منصات النشر عبر الإنترنت، أصبح من الممكن نشر نصوص قصيرة بشكل أسرع وأسهل، مما قد يشجع على الكتابة في الأشكال الأدبية القصيرة

أن هذه الأسباب قد تكون جزءًا من الصورة، ولا يمكن التعميم بشكل كامل على الحالة الأدبية في كلّ مكان. فالأدب هو مجال ديناميكي يتأثر بالعديد من العوامل، ولذلك قد يظل توازنًا ما بين الأعمال الطويلة والقصيرة حسب الظروف والتطورات المستقبلية.

إذ لا يمكن تحديد فترة زمنية محددة لعصر الرواية القصيرة أو القصة القصيرة بشكل مطلق، حيث يمر الأدب بمراحل وتطورات مختلفة على مر العصور. عادةً ما يتأثر الأدب بالتغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

قد يبدو أنه في بعض الفترات يكون هناك اهتمام أكبر بالرواية، في حين يمكن أن تكون القصة القصيرة هي المشهد الرئيسي في فترات أخرى. يعتمد ذلك على عدة عوامل مثل

1/ تفضيلات الجمهور 2 / الاتجاهات الأدبية 3/ والتطورات الثقافية.

بشكل عام، يمكن اعتبار تقليل أو تكثيف النصوص ردًّا على التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية التي نمر بها في العصر الحالي، مما يجعل الأدباء يبحثون عن وسائل جديدة للتواصل مع القراء ولفت انتباههم

لا يمكن التنبؤ بدقة مطلقة بتطورات عالم الكتابة والأدب وسوق القراءة، يمكن أن يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر، على الرغم من ذلك، هناك بعض العوامل التي يمكن أن تؤثر على شعبية الرواية القصيرة مقارنة بالرواية الطويلة

 بشكل عام، قد يكون للرواية القصيرة دور متزايد في عالم الكتابة والأدب، وقد يكون لديها جمهور مختلف ومتنوع. ومع ذلك، لا يزال من المهم أن نلاحظ أن الرواية الطويلة لها قيمتها الخاصة ولها جمهورها الذي يقدر عمق السرد وتطور الشخصيات على مدى فترة زمنية أطول.

***

د. عصام البرّام

دراسة نقدية متعددة المناهج لقصيدة: «خجلتُ من معطفي حين باغت الصقيعُ الروح»، للشاعرة التونسية نجمة عمر علي كراتة

تمثّل قصيدة الشاعرة التونسية نجمة عمر علي كراتة «خجلتُ من معطفي حين باغت الصقيعُ الروح» نصاً شعرياً يتجاوز البوح الذاتي ليؤسّس خطاباً جمالياً وأخلاقياً ناقداً للواقع العربي المعاصر، حيث تتحوّل الصورة الحسية إلى استعارة وجودية تعبّر عن انكسار القيم، وتعب الهوية، واغتراب الشعور في زمن الحروب والخذلان. فالصقيع لا يحيل إلى البرد الطبيعي بقدر ما يرمز إلى جمود الضمير الجمعي، فيما يغدو المعطف، والنار، والحطب، والفأس علامات دالّة على عنفٍ بنيويٍّ يتولّد من داخل الجسد العربي ذاته.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة عبر منهج نقديٍّ تكاملي، يجمع بين التحليل الأسلوبي للبنية اللغوية والإيقاعية والصورية، والتفكيك الرمزي للعلامات الدلالية، والقراءة النفسية لتمثّلات الذات الشاعرة، وربط النص بسياقه الاجتماعي والفكري، وصولًا إلى مساءلة الأسئلة الفلسفية والأخلاقية التي يطرحها حول الانتماء، والمسؤولية، وجدوى الشعور. وتسعى الدراسة، من خلال هذا الأفق المنهجي، إلى إبراز القيمة الفنية والفكرية للنص بوصفه شهادة شعرية على مأزق الإنسان العربي المعاصر.

 هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها تعبيراً ذاتياً محضاً، بل بوصفها وثيقة شعورية – أخلاقية تنتمي إلى شعر الشهادة والاحتجاج، حيث تتحوّل الذات الشاعرة إلى ضمير جمعي، ويغدو البرد استعارة كبرى لانطفاء القيم، وانكسار التضامن، وتآكل المعنى العربي في زمن الحروب والانقسام.

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحرة، لكنها تتجاوز البنية الإيقاعية إلى إيقاع نفسي–دلالي، حيث تتوالد الصور من مناخ وجداني كثيف، وتتشابك اللغة الحسية بالهمّ القومي، والرمز بالواقعة.

أولًا: المنهج الأسلوبي:

١-  اللغة والبنيان اللغوي (نحواً وصرفاً وبلاغة).

أ- لغوياً، تعتمد الشاعرةنجمة عمر علي كراتة لغة مباشرة شفيفة لكنها غير تقريرية، قائمة على الاقتصاد اللفظي، مع توظيف أفعال حسية ذات حمولة نفسية:

«باغت الصقيعُ الروح»:

إسناد الفعل إلى الصقيع إسناد مجازي، يخرج الظاهرة الطبيعية من حيادها إلى فاعلية عدوانية.

تركيب سليم نحوياً ودلالياً، وفيه استعارة مكنية، إذ شُخّص الصقيع بوصفه كائناً مباغتاً.

«فركضت الحروف الدافئة»:

تشخيص اللغة ذاتها، ما يضع الكتابة في موضع الفعل المقاوم.

الفعل «ركضت» يشي بالعجلة والهلع، ويؤسس لإيقاع داخلي متسارع.

ب- صرفياً ونحوياً، النص متماسك، لا تشوبه اختلالات إعرابية أو تركيبية، ويُحسن استعمال الجمل الفعلية لإبراز الحدث والتوتر، مقابل الجمل الاسمية التي تحضر حين تتكثف الدلالة الوجودية:

«شتاءُ العربِ فيه الدفءُ مسروق»

ج- بلاغياً، تهيمن:

الاستعارة الممتدة (البرد – النار – الحطب – الفأس).

المقابلة: شتاء/دفء، صيف/عطش، نار/دخان.

التكرار الوظيفي: ماذا يوقف البرد؟ وماذا يوقف النزيف؟، وهو تكرار استنكاري لا زخرفي.

٢- الإيقاع والموسيقى:

الإيقاع هنا داخلي نفسي، لا يعتمد على التفعيلة وحدها، بل على:

تقطيع الجمل

الوقفات

علامات الحذف (…)

المفردات الثقيلة صوتياً: الصقيع، النزيف، يتكسّر، شظايا

وهو ما ينسجم مع ما يمكن تسميته بـ «الإيقاع الدلالي الذي ينبع من توتر المعنى لا من الوزن وحده».

ثانياً: المنهج الرمزي:

تفكيك الشبكة الرمزية.

المعطف

رمز الحماية الخارجية، لكنه يفشل أمام صقيع الروح  - فشل الحلول الشكلية أمام الانكسار الوجودي.

الصقيع

ليس برداً طبيعياً، بل:

صقيع القيم

صقيع الضمير العربي

صقيع الموقف

الحطب – الفأس – النار ثلاثية رمزية بالغة القوة:

الحطب: الضحية

الفأس: الأداة

مقبض الفأس من ذات الشجرة -  العنف يولد من الجسد نفسه

وهنا يتقاطع النص مع مفهوم العنف البنيوي، حيث يتحول المجتمع إلى منتج لأدوات تدميره.

الدموع المتجمدة العاطفة التي لم تعد قادرة حتى على البكاء، فتتحول إلى شظايا جارحة: الألم حين يُقمع يصبح أذى مضاعفاً.

ثالثاً: المنهج النفسي:

البنية النفسية للذات الشاعرة

الذات هنا:

١- واعية

٢- مثقلة بالذنب

٣- ممزقة بين الانتماء والخذلان

قولها:

«متعبةٌ من عروبتي»

لا يُقرأ كتنصل، بل كـ إرهاق أخلاقي، وهو ما يشبه ما يمكم تسميته بـ «الإرهاق القيمي في المجتمعات المأزومة».

الصمت في:

«وأصمت في حضرة الحرب»

ليس جبناً، بل صدمة نفسية جمعية، حيث يفقد الكلام جدواه.

رابعاً: المنهج الاجتماعي/الفكري:

القصيدة والسياق العربي المعاصر

القصيدة مشبعة بإحالات إلى:

١- الحروب العربية.

٢- فلسطين بوصفها الجرح المركزي.

٣- العجز الجماعي.

«جئتُ أعشق الوطن بحذر»

الحذر هنا نتيجة تاريخ من الخيبات، ويعيد إلى الأذهان المقولات العديدة حول الوعي المأزوم الذي يخشى الفكرة بقدر ما يحتاجها.

أما:

«في عشق فلسطين، حتى صرتُ وحدي»

فهي ذروة المأساة: أن يتحول الموقف الأخلاقي إلى عزلة.

خامساً: المنهج الفلسفي:

الأسئلة الوجودية والأخلاقية:

القصيدة تطرح أسئلة من عيار ثقيل:

ما قيمة الانتماء إن لم يقترن بالفعل؟

هل التعب من الهوية خيانة أم صرخة وعي؟

هل الشعور ما زال ممكناً في زمن الاعتياد على الألم؟

سؤال:

«أيعقل ألّا أحد ما زال يشعر؟»

هو سؤال وجودي بامتياز، يذكّر بقلق  عدد كبير من علماء النفس والاجتماع حول الاعتياد على العبث، وبالأحاديث المطوّلة عن تفاهة اللامبالاة.

خاتمة:

قصيدة «خجلتُ من معطفي…» للشاعرة التونسيةنجمة عمر علي كراتة ليست نصاً عاطفياً عابراً، بل بناء شعري–فكري محكم، ينجح في:

١- تحويل التجربة الذاتية إلى قضية جماعية

٢- توظيف الرمز دون تعمية

٣- تحقيق توازن بين الشعر والالتزام.

إنها قصيدة تعبّر عن الإنسان العربي المتعب أخلاقياً، لا المهزوم إنسانياً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

خجلتُ من معطفي

حين باغت الصقيعُ الروح،

فركضت الحروفُ الدافئة

تخيط ما يليق بها

كي لا تتعب…

لكنّ التعبَ،

لأننا عرب…

نخشى على عروبتنا من الهلاك،

وفي الوطن المقابل لشرقِ الكرة

وطنٌ عربيّ

يتجمّد فيه الهواء،

وتتشقق الأنفاس،

وتعلو الأعناق نحو سماءٍ

صارت فيها النار

حائطًا كثيفًا من الدخان…

نسيتُ ذكرى الحطب،

ذلك المقتطع من أغصانٍ يتيمة

وجذوعٍ متينة.

أمّا الفأسُ

فمقبضُها من ذات الشجرة المبتورة،

والنارُ

من ذات الأغصان المكسورة…

يمدّ الأطفالُ أيديهم للتدفئة،

فتنحدر دموعٌ متجمّدة

تتكسّر

وتصير شظايا جارحة.

ماذا يوقف البرد؟

وماذا يوقف النزيف؟

أنا، يا صديقي،

متعبةٌ من عروبتي،

ينهشني الجحود،

وأصمت في حضرة الحرب…

آه…

هل الآه

ذلك النَّفَسُ الأنيقُ الطويل

الذي يخرج من عمق الروح حين تشعر؟

فأين باقي الآهات؟

أيعقل

ألّا أحدَ ما زال يشعر؟

شتاءُ العربِ فيه الدفءُ مسروق،

وصيفُ العربِ فيه العطشُ مرحلةٌ مؤجَّلة.

وحروفي لم ترَ الأمور كما ينبغي،

أو هكذا يتهيّأ للبعض…

جئتُ أعشق الوطن بحذر،

فغرقتُ

في عشق فلسطين،

حتى صرتُ وحدي…

 

ليست رواية «الموتشو» لحسن أوريد عملًا سرديًا بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب إلى مرآة نقدية حادّة تعكس أعطاب الواقع العربي في مرحلة ما بعد الربيع العربي. فمن خلال حكاية متخيلة وشخصيات مثقلة بالأسئلة والهويات المتشابكة، يضع أوريد القارئ أمام تجربة وجودية قاسية، عنوانها الإخفاق، وموضوعها الإنسان العربي العالق بين حلم التغيير وواقع الانسداد.

في «الموتشو»، لا تحضر الرواية كوسيلة للترفيه، بل كفضاء للمساءلة، حيث يتحول السرد إلى فعل تفكير، وتغدو الشخصيات أدوات رمزية لفهم ما آل إليه مشروع النهضة العربية، ولماذا أخلف الموعد مرة أخرى.

تندرج رواية «الموتشو» لحسن أوريد ضمن الأعمال السردية التي تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الواقع العربي في أكثر تجلياته تعقيدًا. فهي رواية «كذب صادق» بتعبير صاحبها، إذ تستثمر التخييل لا للهرب من الواقع، بل لكشف تناقضاته العميقة، واستنطاق مسكوتاته السياسية والثقافية والهوياتية.

يلفت عنوان الرواية الانتباه منذ الوهلة الأولى، لأنه لا يحيل مباشرة إلى مضمونها، بل يشتغل بوصفه عتبة رمزية مضلِّلة/كاشفة في آن واحد. فـ«الموتشو» ليس مجرد لقب، بل بنية دلالية كثيفة تختزن معنى الاختلاف، والتفرّد، والالتباس، وهي صفات تنسحب على الشخصية المحورية كما على العالم العربي الذي ترمز إليه.

فالموتشو، واسمه الحقيقي أمين الكوهن، شخصية مشبعة بالتناقض: يهودي الأصل، عربي الانتماء، يساري التوجه، قومي الوجدان، ومناضل في حركة 20 فبراير. هذا التركيب الهوياتي المعقّد يجعل منه مرآة لتمزق الذات العربية المعاصرة، العالقة بين التاريخ، والواقع، والحلم المؤجل.

لا تخفي الرواية انشغالها العميق بإخفاق الربيع العربي، وتحديدًا تجربة حركة 20 فبراير، التي شكّلت أفقًا للتغيير قبل أن تنتهي إلى الإحباط. فالموتشو هو ابن هذه اللحظة، تشكّل وعيه داخلها، واكتوى بانكساراتها، ليصبح نموذجًا لجيلٍ راهن على التحول الديمقراطي، فوجد نفسه أمام انسداد تاريخي جديد.

من الناحية البنيوية، اعتمد حسن أوريد بناءً سرديًا متعدّد الأصوات، تتقاطع فيه الشخصيات دون أن تذوب في صوتٍ واحد. فالرواية لا تقدّم حقيقة مطلقة، بل تتيح لكل شخصية أن تترافع عن تصورها للعالم، مما يكرّس الطابع الحواري للنص، بالمعنى الذي قصده ميخائيل باختين.

تكتسب شخصية بنيس أهمية رمزية خاصة، رغم غيابها الفعلي عن مسار الأحداث. فالرجل الراقد في غيبوبة إثر حادث سير يمثل جيلًا من المثقفين العرب الذين أدركوا عمق الأزمة، لكنهم انتهوا إلى العجز واليأس. الغيبوبة هنا ليست حالة طبية فقط، بل استعارة كبرى لشلل الوعي العربي.

في مقابل هذا السكون، تتحرك شخصية الموتشو في فضاء الرواية بوصفها قوة دينامية، تحاول الفعل والتأثير، لكنها تصطدم باستمرار بجدران الواقع. هذا التوتر بين الحركة والسكون يعكس الصراع بين جيلين: جيل انهكته الخيبات، وجيل ما زال يراهن — ولو بوهم — على التغيير.

تبرز شخصية نعيمة بلحاج، الطبيبة المعالجة لبنيس، بوصفها عنصرًا إنسانيًا وأخلاقيًا في النص. فهي تمثل صوت العقل والرحمة، وتحيل رمزيًا إلى إمكانية الشفاء، وإن كان مشروطًا. علاقتها بأمين لا تخلو من التوتر، لكنها تكشف عن حاجة الذات المنكسرة إلى سند إنساني وسط الخراب.

في المقابل، تجسّد شخصية إستير كوهن البعد الصهيوني في الرواية، ليس بوصفه خطابًا سياسيًا فقط، بل باعتباره بنية ذهنية وثقافية. فاستدعاء الهولوكوست، والدفاع عن «أحقية» إسرائيل في الأرض، يضع القارئ أمام صراع سردي حاد بين الذاكرة والحق، بين المأساة والتبرير.

أما شخصية محند امزيان، المثقف الأمازيغي، فتمثل بعدًا آخر من أزمة الهوية، قوامه «جرح الاعتراف» والتهميش الثقافي. غير أن أوريد لا يقدمه في صورة انعزالية، بل كمثقف منفتح على المشترك الإنساني، وهو ما يجنّب الرواية السقوط في خطاب الهويات المغلقة.

زمن الرواية محكوم بإطار تاريخي دقيق (2018–2019)، وهو زمن التحولات الكبرى والانكسارات الرمزية، من اغتيال خاشقجي إلى انسداد الأفق السياسي العربي. هذا التحديد الزمني يمنح النص طابعًا توثيقيًا، دون أن يفقده بعده التخييلي.

أما المكان، وعلى رأسه مدينة الدار البيضاء، فيؤدي وظيفة سيميائية واضحة، بوصفه فضاءً للتناقضات الاجتماعية والفكرية. فالمستشفى، والجريدة، والمقهى، ليست مجرد أمكنة محايدة، بل بؤر للصراع وإنتاج المعنى داخل السرد.

لغويًا، يزاوج أوريد بين العربية الفصحى والدارجة المغربية، بما يخدم واقعية الحوار، ويعكس تنوّع الخلفيات الثقافية للشخصيات. هذا التعدد اللغوي ينسجم مع الرؤية العامة للرواية، التي تقوم على الاختلاف لا على التوحيد القسري.

تعتمد الرواية على شبكة من الاستعارات المركزية، أبرزها استعارة الغيبوبة، والرحلة، والتشظي الهوياتي. وهي استعارات تمنح النص عمقًا فلسفيًا، وتفتح أفق التأويل أمام القارئ، وفق منظور هيرمينوطيقي يجعل المعنى في ترحال دائم.

لا تخفي الرواية نزعتها النقدية الحادة تجاه النخب العربية، والجامعة، والإعلام، وما سماه أوريد بـ«الضحالة الفكرية». غير أن هذا النقد لا ينزلق إلى التبسيط أو الإدانة الأخلاقية، بل يُصاغ ضمن رؤية معرفية تحفر في الجذور لا في الأعراض.

في الختام، يمكن القول إن رواية «الموتشو» تشكّل إضافة نوعية للمشهد الروائي العربي، لأنها لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تجعل من الرواية فضاءً للتفكير في المصير العربي، وفي أسئلة الهوية، والحرية، والتغيير. إنها رواية تُزعج القارئ أكثر مما تُرضيه، وتلك إحدى علامات الأدب العميق.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية

 

قراءة أسلوبية، رمزية، نفسية، فكرية، فلسفية في قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» لأبي القاسم الشابي

تندرج قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» ضمن النصوص الغنائية التي تشكّل لبنة مركزية في المشروع الشعري لأبي القاسم الشابي، حيث يتجاوز الحبّ فيها بعده العاطفي المباشر ليغدو قيمة وجودية وطاقة كونية قادرة على إعادة خلق الذات والعالم. فـ«الأنتِ» في القصيدة ليست حضوراً حسياً فحسب، بل هي مبدأ خلاصي، ورمز للبعث، ونقطة مقاومة ضد ثقل الوجود وعبء الذكريات والانكسارات.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة عبر مناهج متكاملة: الأسلوبي، الرمزي، النفسي، الاجتماعي/الفكري، والفلسفي، للكشف عن عمقها الدلالي وبنيتها الجمالية، وربطها بالسياق الثقافي والوجودي الذي تشكّلت فيه تجربة الشابي.

أولًا: المنهج الأسلوبي (اللغة، الإيقاع، الصورة، والبنيان اللغوي)

١ -  اللغة والأسلوب؛

تعتمد القصيدة لغة شفيفة، مباشرة، لكنها مشحونة بطاقة إيحائية عالية. يهيمن الفعل المضارع:

أراكِ – تحلو – يملأ – تنمو – تفتنني – يغمر – ترقص…

وهو اختيار دلالي مقصود، إذ يرسّخ استمرارية الأثر، ويجعل الحبّ حدثاً دائماً لا لحظة عابرة. فالمضارع هنا أداة تحرير زمني من ماضٍ مثقل، لا مجرد اختيار نحوي.

لغوياً، يخلو النص من التعقيد الصرفي، ويعتمد الجملة الفعلية البسيطة، ما يعزّز الغنائية والتدفّق العاطفي، ويقرّب الخطاب من النفس الإنسانية دون افتعال.

٢- الإيقاع والموسيقى:

تنتظم القصيدة على بحر الكامل (متفاعلن)، وهو بحر يتّسم بالقدرة على حمل الانفعال العالي والنبض العاطفي. الإيقاع الداخلي يتكثف عبر:

التكرار: أراكِ… أراكِ…

الجناس الخفيف: الحياة / صباح / الأمل

المدود الصوتية التي توحي بالانفتاح والامتلاء.

الإيقاع هنا ليس زخرفًا موسيقيًا، بل حامل دلالي يعكس ارتعاش الذات وتحرّرها.

٣- الصورة الشعرية:

تقوم الصورة على التراسل الحسي:

الحياة = صباح

الحب = ورود، أغاني، نشوة

الوجود = عناق

وهي صور تنتمي إلى الحقل الحيوي (النماء، الضوء، الربيع)، في مقابل الحقول المعتمة الغائبة تقريباً، إلا عند استحضار الماضي بوصفه عبئاً.

ثانياً: المنهج الرمزي (تفكيك الرموز والمعاني المخفية)

1. رمزية "الأنتِ"

الأنثى في القصيدة تتجاوز كونها معشوقة فردية، لتغدو:

رمزًا للحياة

صورة للحرية

استعارة للوطن الحلم

أو تمثيلًا للمطلق الجمالي

وهذا ما ينسجم مع الرومانسية العربية الحديثة، حيث تتحول المرأة إلى كائن ميتافيزيقي (راجع: إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر).

2. رمزية الطبيعة:

الورود، الثلوج، المروج، الفجر، القمر…

كلها رموز للتطهّر والتجدّد، وتؤكّد أن الحبّ ليس هروبًا من العالم، بل إعادة صياغته جمالياً.

3. رمزية الخلق الجديد

أراكِ فأُخلق خلقًا جديدًا

تحيل العبارة إلى فعل الخلق الأنطولوجي، حيث يصبح الحب قوة تأسيس، لا مجرّد إحساس، وهو ما يضع القصيدة في تماس مع الرؤية الفلسفية للوجود بوصفه مشروعًا متجدّدًا.

ثالثًا: المنهج النفسي (البنية النفسية والدوافع الداخلية)

تكشف القصيدة عن ذاتٍ مثقلة:

عبئًا ثقيلًا من الذكريات التي لا تبيد

وهذا يشير إلى:

ذاكرة جرح

تراكم خيبات

قلق وجودي سابق للحب

الحب هنا يؤدي وظيفة الشفاء النفسي، ويعيد للذات توازنها. وفق مقاربة فرويدية-يونغية، يمكن اعتبار "الأنتِ" صورة من الأنيمـا، أي المبدأ الأنثوي المنقذ داخل اللاوعي.

رابعًا: المنهج الاجتماعي والفكري (السياق الثقافي والوطني)

لا يمكن فصل النص عن سياقه:

الشابي كتب في زمن الاستعمار والقهر

الحب يصبح فعل مقاومة ناعمة

الجمال يتحول إلى بديل أخلاقي عن القبح السياسي

فالقصيدة، وإن بدت ذاتية، تحمل نزوعًا إنسانيًا عامًا، حيث تتحوّل الذات إلى مرآة لجماعة مسحوقة تبحث عن خلاص رمزي.

خامسًا: المنهج الفلسفي (القيم والأسئلة الوجودية)

1. الحب كقيمة وجودية:

الحب في القصيدة:

يخفف عبء الوجود

يعيد المعنى للحياة

يسمح بعناق الكينونة كلها

وهو ما يلتقي مع تصورات كيركغارد عن الحب كقفزة إيمانية، وبرغسون عن الحياة كدفق خلاق.

2. الوجود بوصفه نشوة:

كأني أصبحت فوق البشر

ليست نشوة غرور، بل نشوة مصالحة مع الوجود، حيث تزول الاغترابية، ويتحقق الانسجام بين الذات والعالم.

خاتمة:

تقدّم قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» نموذجًا مكثفًا للشعر الرومانسي العربي في أعلى تجلياته، حيث يتماهى الحب مع الوجود، والجمال مع الخلاص، واللغة مع الروح. إنها قصيدة تؤكد أن الشعر، في لحظاته النادرة، لا يصف الحياة… بل يعيد خلقها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ

أبو القاسم الشابي

"أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ

ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ

*

وتنمو بصدري وُرُودٌ عِذابٌ

وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ

*

ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ

وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ

*

ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ

ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ

*

فأَعبُدُ فيكِ جمالَ السَّماءِ

ورقَّةَ وردِ الرَّبيعِ الخضِلْ

*

وطُهْرَ الثُّلوجِ وسِحْرَ المروج

مُوَشَّحَةً بشُعاعِ الطَّفَلْ

*

أَراكِ فأُخْلَقُ خلْقاً جديداً

كأنِّيَ لمْ أَبْلُ حربَ الوُجُودْ

*

ولم أَحتمل فيه عِبئاً ثقيلاً

من الذِّكْرَياتِ التي لا تَبيدْ

*

وأَضغاثِ أَيَّاميَ الغابراتِ

وفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ

*

ويغْمُرُ روحِي ضِياءٌ رَفيقٌ

تُكلِّلهُ رائعاتُ الورودْ

*

وتُسْمِعُني هاتِهِ الكائِناتُ

رقيقَ الأَغاني وحُلْوَ النَّشيدْ

*

وتَرْقُصُ حَولي أَمانٍ طِرابٌ

وأَفراحُ عُمْرٍ خَلِيٍّ سَعيدْ

*

أَراكِ فتخفُقُ أَعصابُ قلبي

وتهتزُّ مِثْلَ اهتزازِ الوَتَرْ

*

ويُجري عليها الهَوَى في حُنُوٍّ

أَناملَ لُدْناً كرَطْبِ الزَّهَرْ

*

فتخطو أَناشيدُ قلبيَ سَكْرى

تغرِّدُ تَحْتَ ظِلالِ القَمَرْ

*

وتملأُني نشوةٌ لا تُحَدُّ

كأَنِّيَ أَصبحتُ فوقَ البَشَرْ

*

أَودُّ بروحي عِناقَ الوُجُودِ

بما فيهِ مِنْ أَنْفُسٍ أَو شَجَرْ

*

وليلٍ يفرُّ وفجرٍ يكرُّ

وغَيْمٍ يوَشِّي رداءَ السِّحَرْ"

*

لم تعد القصيدة الحديثة مجرّد مساحة للتعبير الوجداني أو تسجيل الانفعال العاطفي، بل غدت حقلًا معرفياً مفتوحاً على أسئلة اللغة والذات والوجود، وساحةً تتقاطع فيها الجمالية مع النقد، والبوح مع التفكيك. وفي هذا الأفق، تندرج قصيدة «مثلَ زيرِ نساء» للشاعرة المغربية حفيظة الفايز بوصفها نصاً شعرياً مركّباً، يتجاوز السرد الغزلي التقليدي ليخوض في مساءلة العلاقة الملتبسة بين الكاتب واللغة، وبين الإغواء والخذلان، وبين الوعد الشعري وانكساره.

تنهض القصيدة على بنية رمزية كثيفة، تستثمر المجاز لا لتزيين المعنى، بل لكشف طبقاته الخفية، حيث يتحوّل الشاعر/الكاتب إلى كيان مراوغ، وتغدو اللغة ذاتاً أنثوية واعية، قادرة على احتضان الجرح دون الارتهان للشكوى، وعلى تحويل الألم إلى وعيٍ بالحياة لا إلى استعراضٍ للوجع. ومن خلال هذا التوتر بين «هو» و«هي»، يتشكّل النص كفضاء جدلي تتقاطع فيه البنية النفسية مع الخلفية الثقافية، والأسئلة الوجودية مع النقد الأخلاقي الضمني.

وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تستند إلى تعدّد المناهج، انطلاقًا من المنهج الأسلوبي في تحليل اللغة والإيقاع والصورة، مروراً بالمنهج الرمزي في تفكيك العلامات والدلالات المضمرة، ثم المنهج النفسي في استجلاء البنية الداخلية للشخصيات ودوافعها، وصولاً إلى المنهجين الاجتماعي والفلسفي، بوصفهما أفقين لفهم علاقة النص بسياقه الثقافي وأسئلته القيمية والوجودية. والغاية من ذلك ليست فرض قراءة واحدة مغلقة، بل فتح النص على إمكانيات تأويلية متعددة، تكشف عمقه الدلالي وتؤكد انخراطه في أسئلة الشعر المعاصر وهمومه الفكرية والإنسانية.

من هنا فإنّ قصيدة «مثلَ زيرِ نساء» للشاعرة المغربية حفيظة الفايز تندرج  ضمن الشعر العربي الحديث الذي لم يعد يكتفي بتوصيف العاطفة أو تمثيل العلاقة الثنائية بين الرجل والمرأة، بل يسعى إلى تفكيك فعل الكتابة ذاته، وتحويله إلى موضوع شعري قائم بذاته. فالقصيدة لا تحكي حكاية حب بقدر ما تفضح سلطة اللغة، وخيانة الخطاب، وازدواجية المعنى، حيث تصبح الشاعرة كائناً مراوغاً، واللغة أنثى تُغوى وتُهجر، والقصيدة ساحة صراع بين الحضور والغياب.

أولاً: المنهج الأسلوبي (اللغة – الإيقاع – الصورة)

1. اللغة:

تعتمد الشاعرة حفيظة الفائز لغةً كثيفة، إيحائية، محمّلة بطبقات دلالية، قائمة على:

الأفعال المضارعة: يغازل، يطرق، ينسج، يدب، يكتب

-  ما يمنح النص حركة دائمة ويُبقي المعنى في حالة تشكّل.

التناوب بين ضمير الغائب (هو) وضمير المؤنث (هي):

-  انقسام سردي يُنتج توترًا دلاليًا بين الفاعل والمتلقي، بين الكاتب واللغة، بين الرجل والأنثى.

اللغة هنا ليست أداة تعبير، بل كائن حي، كما عند رولان بارت حين اعتبر اللغة «نظامًا من الرغبة لا من الإخبار».

2. الإيقاع:

الإيقاع داخلي غير وزني، يعتمد:

التقطيع الدلالي

الجُمل القصيرة

التكرار (مثلَ زيرِ نساء – كلما – لا – و لأن)

هذا الإيقاع يُحاكي التقطّع النفسي، ويخلق ما يسميه أدونيس بـ«إيقاع الفكرة لا البحر».

3. الصورة الشعرية

الصور مركّبة ومجازية:

يغازل إناث المفردات

يدبّ مداد حرفه سكينةً للنفس

يسكن قميص الجليد

وهي صور ذهنيّة–وجودية، لا حسّية فقط، تشتغل على تجسيد المعنى لا على زخرفته.

ثانياً: المنهج الرمزي (تفكيك الدلالات الخفية)

1. رمز “زير النساء”:

ليس توصيفاً أخلاقياً سطحياً، بل:

رمز للكاتب المراوغ

للغة التي تُغري ثم تنسحب

للخطاب الذكوري المتعالِ الذي يستهلك المعنى دون التزام

هنا تلتقي الشاعرة مع تصور العديد من علماء الاجتماع وعلماء النفس عن الذكورة بوصفها مركزاً رمزياً للهيمنة لا مجرد جنس.

2. اللغة بوصفها أنثى:

القصيدة تعكس تقليداً قديماً (اللغة/الأنثى)، لكنها تقلبه:

الأنثى هنا واعية

تحتضن جراحها

ترفض بهرجة الألم

-  إنها ذات فاعلة، لا موضوع إغواء فقط.

3. الجوع والصيام

رمز مزدوج:

الجوع = الحرمان العاطفي

الصيام = التطهير الوجودي

وهو ما يحيل إلى الرؤية الصوفية كما جاء عند ابو حامد الغزالي، وكحيي الدين ابن عربي حيث الحرمان شرط للامتلاء.

ثالثاً: المنهج النفسي (البنية الداخلية والدوافع)

1. الشخصية الذكورية (هو)

مراوغ

يتقن الخروج من النص

بلا أثر عاطفي

يمثل ما يسميه علماء النفس وتحديداً علماء النفس الجمعي بـ«الظل»؛ الجانب غير الأخلاقي في الذات المبدعة.

2. الشخصية الأنثوية (هي)

١- تحتضن الجراح

٢- لا تشكو

٣- ترى الألم يقيناً بالحياة

إنها ذات ناضجة نفسياً، تمارس ما يمكن تسميته :ب“إعطاء المعنى للمعاناة بدل الهروب منها”.

3. العلاقة:

ليست علاقة حب، بل علاقة إسقاط نفسي:

هو يسقط نقصه على اللغة

هي تتحمّل الفقد دون إنكار

رابعاً: المنهج الاجتماعي/الفكري

1. نقد الثقافة الذكورية

القصيدة تُفكك صورة:

١- الشاعر الفاتن

٢- المثقف المستهلك للعاطفة

٣- الذكورة التي تهرب من الالتزام

وهو نقد يتقاطع مع أطروحات العديد من المتخصصين حول العنف الرمزي.

2. السياق المغربي/العربي

النص ينتمي إلى:

تحوّل في صوت المرأة العربية

انتقال من البوح إلى التفكيك

من الشكوى إلى الوعي

خامساً: المنهج الفلسفي (الوجود – القيم – الأخلاق)

1. الحياة ليست استعارة

١- يتبدّى الوجود حقيقةً

٢- ليس استعارات مجاز

إعلان فلسفي صريح:

١- ضد تزييف الواقع

٢- ضد الجمالية الكاذبة

يتقاطع مع عدد من الفلاسفة الذين يؤكدون على انّ: “الوجود يسبق المعنى”.

2. السؤال الوجودي:

لماذا همس البداية

ينتهي إعصارا؟

سؤال عن:

١- فشل الوعد

٢- هشاشة البدء

٣- عنف التحول

3. الزمن والديمومة:

١- الغروب لا يموت

٢- الشفق يعود

٣- الحنين يمطر

رؤية قريبة من اصحاب فكرة الزمن كتدفّق لا كنقطة نهاية.

خاتمة:

قصيدة «مثلَ زيرِ نساء» ليست نصاً عاطفياً، بل نصاً نقدياً مقنّعاً، يشتغل على:

١- تفكيك سلطة الكاتب.

٢- مساءلة اللغة.

٣- إعادة تعريف الألم.

٤- كشف هشاشة العلاقات الحديثة.

إنها قصيدة وعي لا افتتان، وكتابة تقف في المسافة الفاصلة بين الجمال والحقيقة، بين اللغة وأخلاقها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

مثلَ زيرِ نساء

يُغازِلُ إناثَ المفردات

مثلَ زيرِ نساء

يطرقُ بابًا

على مِصراعَيِ الاحتمال

ينسجُ دهشةَ العبارات

حريرًا مميَّزًا

ليس كباقي الأثواب

يدِبُّ مِدادُ حرفِه

سكينةً للنفس

ثم كَمِينَةٍ عاجلةٍ

لا تأبهُ لِحُرقةِ المُحبّ

يتقنُ الخروجَ من النصِّ

بلهجةِ الصُّمِّ البُكم

كما تخرجُ الروحُ

من حيث لا نحتسب

هي تحتضنُ جراحَها

ككلِّ مرّةٍ

لا لبَهْرَجةِ الألم

ولكن لأنَّ نزيفَها

يقينٌ بالحياة

ولأنّ الشكوى

تفتحُ بابًا آخرَ إلى الربّ

تُلهبُ شرارةَ القواميس

كي تتناثرَ الحروفُ ساخنةً

تُدفِئُ المعنى

من بردِ الجفاء

وقسوةِ السغب

هو يكتبُ

على حوافِّ نوافذٍ مشرعةٍ

على هالاتٍ وسُحُب

يختنقُ الهواءُ بينهما

يتسلّلُ إلى منعطفاتٍ

تكسرُ الضوءَ إلى شطرين

يأوي كلٌّ منهما إلى كوكب

وعلى المنحدر

تسقطُ الصورةُ المرسومةُ في الذهن

شظايا منثورةً

يتبدّى الوجودُ حقيقةً

ليست استعاراتِ مجازٍ

ولا زخرف

تقول:

هكذا هي الحياة

يُطهّرنا الصيام

كلّما جُعنا

لِما نُحبّ

يُحيّرها السؤال

لماذا همسُ البدايةِ بينهما

ينتهي إعصارًا

كرياحِ الغضب

وبما أنّه هو

يسكنُ قميصَ الجليد

لا تنالُ منه الريح

وإن لامسه الإشراقُ

يسيلُ واديًا إلى المحيط

بلا تعب

وها نحن نشبهُ أماسينا

نحملُ غروبًا شاحبًا

نرصدُ شفقًا

يحتضرُ كلَّ يوم

لكنّه لا يموت

بل يعود

في جُنحِ الغمام

يمطرُ

أنغامَ الحنين

وأشجانَ الطرب

***

حفيظة الفائز

27 | 1 | 2026

الجديدة | المغرب

 

قراءة في رواية "مستر ولا شيء" للروائي الجزائري "واسيني لعرج"

ما أبأسه! من إنسان أنيق المظهر، مكسور المعنى، يجلس على حافة العدم، يبحث عن هوية في عالم لا يمنح يقينا ولا نهاية.

أخطر أشكال الإقصاء، ألاّ تُهزم عَلَنًا، بل تُتر في منطقة رمادية

هكذا تأتي رواية "مِستر ولا شيء" بعنوانها الفرعي " المأدبة الأخيرة لنوبل " لواسيني الأعرج ــــ الصادرة سنة 2026، في طبعتها الواقعة في حدود201 صفحة عن دار دوّن للنشر والتوزيع ـــ كنص روائي يُكتب على تخوم السرد والفلسفة والسخرية الهادئة، ليحكي حكاية ارتقاء وسقوط، ويفضح آلية ثقافية كاملة تُدار باسم التباهي والسمعة الطيبة. فمنذ العنوان، يضعنا النص أمام مفارقة وجودية متناقضة، تتجلّى بدءا ب "المِستر " بما يحمله من إيحاء بالقبول العالمي، لا يفضي إلاّ إلى "لا شيء نهائي"، وكأنّ الاعتراف ذاته حالة معلّقة، لا ذروة لها ولا خاتمة.

هذا المعنى لا ينتظر القارئ داخل المتن، بل يتجسّد بصريا في الغلاف، الذي يشتغل بوصفه نصّا موازيا. اللّون البرتقالي الناري لا يحيل إلى الدفء، بل إلى احتراق مُدار، احتراق لا يدمّر الجسد بل يلتهم الحلم. في قلب هذا السديم، يجلس جسد أنيق بلا وجه، مرتديا بدلة وربطة عنق، متقنا طقوس العبور إلى المركز، لكنّه جالس فوق فراغ مفتوح. لا سقوط هنا، ولا طرد، بل تعليق وجودي كثيف، هذه هي المنطقة الرمادية التي لا تُدان، لكنّها تُقصي بفعالية قصوى. حتى الميدالية الذهبية، بجناحيها الأبيضين، لا تستقر على الصدر، تحلّق فوقه، قريبة حدّ الوعد، بعيدة حدّ الحرمان، وكأنّ الطهارة تُمنح للجائزة لا للكاتب، فتتبخّر وتطير منه معلنة البراءة، كأنّها تقول: "أنا براء من تحايل البشر".

داخل هذا الإطار، تتقدّم شخصية نوفل آل فريد بوصفها القلب الأخلاقي للرواية. فالاسم هنا ليس محايدا، بل قدر لغوي. "نوفل" يحيل إلى العطاء والفيض، في انسجام مع شخصية تعطي أكثر مما تأخذ، وتؤمن بالكلمة بوصفها قيمة لا وسيلة. أما "آل فَريد" فيحمل مفارقة مزدوجة، التفرّد من جهة، وصدى ألفريد نوبل من جهة أخرى. هكذا يصبح نوفل قريبا اسميا من الجائزة، بعيدا وجوديا عنها، ظلّا للاعتراف لا حامله. الاسم ذاته يضعه في منطقة رمادية بين الوعد والحرمان.2327 waseni

ولا يقتصر ذكاء واسيني على اسم بطله، بل يمتد إلى كامل منظومة التسمية، حيث تتحوّل الأسماء إلى أدوات نقد ساخرة. سراب ليست مجرد شخصية عابرة، بل تجسيد لغوي للوعد الذي لا يتحقق، لمعان من بعيد، واختفاء عند الاقتراب. كلّ ما يُقدَّم لنوفل من علاقات وفرص واعترافات يمرّ عبر هذا المنطق السرابي، ليس كذبا صريحا، بقدر ماهو خديعة ناعمة.

أما الجعبوق، فاسمه الكاريكاتوري يشي منذ البداية بوظيفة ساخرة، شخصية تعرف اللّعبة، تضحك منها، وتتكيّف معها دون أوهام. السخرية هنا ليست خفة، بل وعي مرّ بأن الجدية المفرطة داخل هذا النظام ليست إلا شكلا آخر من أشكال الخسارة.وتأتي زها بوصفها أحد أكثر الاختيارات الاسمية دلالة، إحالة واضحة إلى زها حديد، رمز النجاح العربي في الغرب. غير أن الشخصية لا تحلم بأن تكون ذاتها، بل بأن تكون نسخة تضاهيها.

في مقابل هذه الأسماء المشحونة بالسخرية، تظهر شميسة بوصفها الاستثناء الإنساني. اسمها مشتق من الشمس، لكنّه مصغّر، هش، محدود. وهي كذلك في الرواية: ضوء دافئ، ملاذ ولو مؤقت من برودة الخيبات والخذلان، أو ربّما خلاص نهائي، كما شاءه المؤلف. فحتّى هنا، لا يخون الاسم وظيفته.

تتحرك الرواية عبر سبعة فصول ببنية حلزونية، تبدأ من سؤال الاسم والهوية، بطل الرواية، اسم يبدو صدفة لغوية"نوفل آل فريد"، إذ يتقاطع مع "نوبل ألفريد". نوفل كاتب جزائري، قادم من عمق الذاكرة واللغة والهوامش، لا يكتب طلبا للجوائز (وأنا لا أكتب للجوائز، ولكني أكتب لنفسي. للعصر الذي أعيشه. كل الجوائز التي تحصلت عليها ركضت نحوي ولم أطلبها أبدا..) منذ اللحظة الأولى، يُدعى إلى عالم لا يشبهه، عالم الأضواء والملفات والوساطات، حيث يصبح الاسم جواز عبور، فيدخل نوفل مؤسسة "بيتنا"، تستقبله السيدة سراب بابتسامة ناعمة ووعد كبير. هنا تبدأ لعبة الثقافة بوصفها استثمارا، يخضع نوفل لدروس الإتيكيت، للماكياج، للكاميرا، ولطريقة الجلوس والابتسام. يتعلّم كيف يكون "مِستر"، لا كيف يكون نفسه. يدفع المال ليكتسب هيئة الكاتب العالمي، فيما تتآكل ملامحه الداخلية. هنا يبدأ الاغتراب الحقيقي، أن ترى نفسك تُعاد صياغتك لتناسب ذائقة لا تشبهك. في الفصل الرابع ووسط ذاك العالم البارد، تظهر شميسة، كملجأ إنساني. معها يستعيد نوفل جسده، بدفء علاقة غير مشروطة. لكنها علاقة لا تستطيع إنقاذه من المصير الذي يُطبخ له، بل تمنحه فقط قدرة مؤقتة على الاحتمال يقترب بطلنا من جائزة نوبل في الفصل الخامس، تتسارع الأحداث، تُفتح الأبواب، وتأتي البشرى، نوفل ضمن القائمة النهائية، والفوز شبه مؤكد. يعيش لحظة الذروة النفسية، حيث يصدّق أن الحلم صار حقيقة. تُستكمل الترتيبات، ويُطلب منه القبول ببعض الشروط المالية والأخلاقية باسم "المشروع". تقيم زها مأدبة (Banquet ) على شرف فوزه، تشبه تلك التي تقام هناك في ستوكهولم، احتفال، وجوه أنيقة، كلمات كبيرة، ووعود لامعة. لكنّها وليمة بلا روح. يشعر نوفل بثقل غريب، كأن شيئا ما ينفلت من بين يديه. هنا يدرك، دون أن يُقال له صراحة، أن اللعبة لا تُدار بالاستحقاق، بل بالمطابقة التامة مع النموذج المطلوب. في اللحظة الأخيرة، يُسحب الفوز. بلا تفسير مقنع. بلا فضيحة. بلا اعتذار. ويُترك نوفل وحده أمام الحقيقة القاسية. لتنتهي الرواية بلا انتصار وبلا انهيار درامي. نوفل لا يصرخ، لا يفضح، لا ينتقم. يعود إلى نفسه، إلى عمقه، وقد خسر اللقب وربح وعيا مريرا الاعتراف العالمي ليس حقا، بل صفقة، ومن لا يقبل شروط الصفقة يُستبعد بأناقة.

في نظرة تأملية تحليلية للنص، يبدو ومن خلال هندسة الكاتب العبقرية للأسماء بأنّ وظيفيتها تحوّل الاسم من علامة تعريف إلى عبء ثقافي، ومن خلال استغلال المؤسسات الاحتيالية بترخيص من الهيآت الرسمية، تتجلّى لحظة انكشاف وهم العدالة الثقافية، وانكشاف بنية سلطة تمارس الإقصاء دون عنف، في انسجام صارخ مع تصورات فوكو، تكشف ثقافة الروائي الواسعة، وقناعته حول فوكوية السلطة الناعمة. حتى استعارة تهجين الأبقار الهولندية بالعجول المحلية لم تأت اعتباطا، بل بوصفها صورة لمسخ الأصالة باسم التطوير، تماما كما يُطلب من الكاتب أن يُهذّب لغته وملامحه ليُقبل.

تتجلّى رواية "مِستر ولا شيء " لواسيني الأعرج بوصفها تمثيلا أدبيا عميقا لمنطق السلطة الحديثة كما حلّله فوكو، ولمفهوم الهيمنة الثقافية كما صاغه غرامشي. فالسلطة في الرواية لا تمارس قهرها عبر العنف المباشر فحسب، بل من خلال آليات التدجين والتطبيع، حيث يُعاد تشكيل الإنسان نفسيا وثقافيا ليغدو كائنا مطيعا، منتجا، وقابلا للضبط. ويأتي تهجين اسم الشخصية (نوفل ألفريد) رمزا واضحا لتهجين الهوية ذاتها، بما يحوّل الإنسان إلى ذات هجينة فاقدة للجذور، سهلة التوجيه، ومفرغة من إمكان المقاومة. ووفق تصور فوكوي، تعمل السلطة الحديثة على إنتاج أجساد طيّعة بعقول هشّة، عبر المراقبة والتصنيف وصناعة الزيف، . وهذا ما تكشفه الرواية حين تصوّر أفرادا مسجونين من الداخل، خاضعين لمنظومة جعلت القمع غير مرئي، ومارست العنف باسم الحماية والاستقرار.

ومن منظور غرامشي، فإنّ الهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بإقناع المحكومين بقبول وضعهم، عبر الثقافة والخطاب والإعلام. وفي الرواية، يُهمَّش المفكر ويُستخفّ بالمبدع، لأنّ الوعي يهدّد استقرار الهيمنة، بينما يُكافَأ الفساد ويُشرعن التضليل، فتغدو القيم الزائفة "وعيا جمعيا" مقبولا. كأنّنا أمام سلطة تُدجِّن الأجساد وتُهيمن على العقول، تُهجِّن الهوية، وتُفرغ الإنسان من معناه، ليجلس كما مِستر، أنيق المظهر، مكسور الذات، فوق هاوية صنعتها السلطة، ثم أقنعته أنّها قدره الطبيعي.

أؤكد في النهاية على أنّ نصّ " مستر ولا شيء" رواية ساخرة بنفس كوميدي، تستجلي عدمية القيم في زمن التشيّء، وحكاية عبثية عن ذات ضائعة، تبحث عن المعنى في زمن ضياع المعنى، وممّا لا شكّ فيه، أنّ النصّ قراءة كاشفة لواقعٍ إنسانيّ وسياسيّ مأزوم، وإدانة صريحة لمنظومة سلطة نجحت في أخطر انتصاراتها بجعل القهر غير مرئي، وجعل الخضوع يبدو اختيارا. ففي عالم تُدجَّن فيه الأجساد باسم النظام، وتُهيمن فيه على العقول باسم الاستقرار، يُكسَر الإنسان دون أن يُسفك دمه، وتُغتال الهوية دون ضجيج. وهكذا لا يسقط "مِستر" في الهاوية لأنّه ضعيف أو مغفّل، بل لأنّه أدرك متأخرا أنّ الهاوية لم تكن تحته، بل كانت هي العالم نفسه. فيستكين إلى قناعة أنّ المجد هش، والجوائز عابرة، وأنّ الكاتب قد يُمحى وجهه لكنّه إن بقي وفيّا لروحه لن يُهزم. فمهما بلغت خساراته ذروتها، فسيخرج من معترك الحياة بكرامة كاملة.

***

ليلى تبّاني ـــ الجزائر

 

من القواعد التحويلية عند تودوروف إلى المفارقات السردية و الزمنية عند جيرار جنيت

ملخص البحث: يهدف هذا البحث إلى تحليل الاتجاه البنيوي في دراسة السرد من خلال الوقوف عند تصورين أساسيين هما تصور تزفيتان تودوروف وجيرار جينيت. وينطلق البحث من الأساس اللساني والسيميائي الذي أسسه دوسوسير وهيلمسليف، ومن الإرث الشكلاني الروسي، ليبين كيف ساهمت هذه الخلفيات النظرية في بلورة أدوات دقيقة لفهم البنية السردية.

يبرز البحث أن تودوروف قد حدد العلاقة بين الحكاية والخطاب، وميز بين أزمنة ثلاثة هي زمن الحكاية وزمن الخطاب وزمن القراءة، مقترحًا قواعد لتحليل البنية الزمنية للسرد عبر مفاهيم التسلسل والتضمين والتناوب. وفي المقابل، طور جيرار جينيت هذه التصورات من خلال ما سماه بـ"المفارقات السردية"، حيث درس التوترات بين زمن القصة وزمن الخطاب، وأدخل أدوات تحليلية جديدة مثل الاسترجاع، الاستباق، والتكرار، إضافة إلى مفهومي التبئير الداخلي والخارجي.

وتخلص الدراسة إلى أن تصور تودوروف وجينيت معًا قد رسما ملامح نظرية بنيوية للسرد تقوم على اعتبار النص بنية لغوية ودلالية معقدة، يتداخل فيها زمن الحكاية مع زمن الخطاب عبر عمليات إعادة تنظيم وتحيين. كما أن الجمع بين التصورين يتيح إمكانية بناء مقاربة شمولية لدراسة السرد تكشف البنية العميقة للنص وتبرز آليات تنظيمه وتوجيهه لرؤية القارئ

.

الكلمات المفتاحية :

مفهوم البنية – السرد – الزمن – الحبكة – الخطاب – الحكاية - التناوب- الاسترجاع

على سبيل التقديم

تقوم الدراسات السردية الحديثة على البحث في البنى الداخلية للنصوص بعيدًا عن مقاربات المؤلف والتاريخ والسياق الاجتماعي. وقد شكل الاتجاه البنيوي أحد أهم التحولات في النقد الأدبي المعاصر، حيث انطلق من المقولة اللسانية الشهيرة "لا وجود للمعنى إلا بالاختلاف وفي الاختلاف"، وهو ما يجعل النصوص كيانات لغوية ودلالية مغلقة على ذاتها، تستدعي تحليلاً لمستوياتها الداخلية

لقد استفاد الاتجاه البنيوي من التراث اللساني والسيميائي ومن الإرث الشكلاني الروسي، فتبنى مفاهيم مثل الحكاية والخطاب، المبنى الحكائي والمتن الحكائي، الدال والمدلول، العلاقات والمستويات

كما أسهمت أعمال رولان بارت وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت في تأسيس منهجية صارمة لتحليل النصوص السردية، من خلال ضبط العلاقة بين الأحداث وزمنها، ورصد أشكال التوتر بين القصة والخطاب، ودراسة وظيفة الراوي وموقعه في تنظيم الحكي.

وانطلاقًا من هذه الأرضية النظرية، يسعى هذا البحث إلى الوقوف عند تصورين مركزيين في النقد البنيوي للسرد: تصور تودوروف الذي ركز على دراسة الأزمنة السردية وقواعد تنظيمها، وتصور جيرار جينيت الذي طور هذه الرؤية ووسعها عبر أدوات تحليلية أكثر شمولًا ودقة

الاتجاه البنيوي في دراسة السرد: إجرائية المفاهيم

ليس للمعنى من وجود إلا بالاختلاف وفي الاختلاف. هذه القولة مبدأ أقره كل من "ف. دوسويير" و "ل. هيالمسليف" وكانت أساس تنامي الدراسات البنيوية. إن إدراك معنى الأقوال والنصوص، يفترض وجود نظام مبنين من العلاقات، وهذا بدوره يؤدي بنا إلى تسليم أن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة العلاقات القائمة بينها. ولذا فإننا لا نعتبر مفيدا من العناصر إلا ما كان منها داخلا في نظام الاختلاف تقييما وبناء. وهو ما نسميه شكل المضمون، أي تحليلا بنيويا لأنه لا يهدف إلى وصف المعنى نفسه، وإنما شكله وبنائه.

فليس المقصود إذن الوصول إلى "المعنى" الحقيقي الذي يكشف عنه النص، ولا إلى معنى له جديد غير مسبوق إليه، بحيث ينعدم كل معنى آخر خارجه. كذلك ليس المقصود الرجوع بالنص إلى تاريخه وإلى أسباب تكوينه. ذلك أن مؤلفه وزمن كتابته وما يليه من الحاجات أشياء لا تهم السيميائي بشكل مباشر. بل إن العملية تتم كما لو أن الأسئلة المطروحة يأخذ بعضها مكان بعض، ويعدل بعضها البعض الآخر:

فليس المراد البحث "عما قاله هذا النص"؟

وليس المراد معرفة "من قال هذا النص" ؟

ولكن أن يعرف " كيف قال هذا النص ما قاله"؟(1)

والاتجاه البنيوي هو اتجاه تحليلي استفاد من الدراسات اللسانية ومن الإرث الشكلاني الروسي؛ فقد استثمر مفاهيم مثل: الشكل والمحتوى والدال والمدلول والعلاقات والمستويات، كما استثمر المفاهيم الشكلانية مثل: المتن الحكائي والمبنى الحكائي والوظائف وغيرها، كما أنه عمم مفهوم السرد يقول رولان بارت: "يمكن أن يؤدي الحكي بواسطة اللغة المستعملة شفهية كانت أم كتابة وبواسطة الصورة تابثة أم متحركة، وبالحركة وبواسطة المزج المنظم لكل هذه المواد". ورغم أن هذا التصور ينسب إلى بارت السيميائي فإنه يعبر عن جزء أساسي في التصور البنيوي. ذلك أن البنيوية الفرنسية التي تعرفت على الإرث الشكلاني بفضل ترجمة نصوصهم (الشكلانيين) خلال الستينيات من القرن الماضي استطاعت أن تستوعب مفاهيمهم وأن تطورها وهو ما ندرسه من خلال نموذجين هما: تودوروف وجرار جينيت.

تصور تودوروف: كان له الفضل في نقل نصوص الشكلانيين بحكم خلفيته الثقافية لكنه أضاف اجتهادات مهمة. فقد استثمر تصورات توماشوفسكي في دراسته للزمن السردي. وهي الدراسة التي تعتبر أن المتن الحكائي مجموعة الأحداث المتصلة فيما بينها والتي يقع إخبارنا بها من خلال النص، أي أنه يشكل موضوعات خطية وسببية، أما المبنى الحكائي فهو الطريقة والنظام الذي تقدم به هذه الأحداث في العمل مع ما يتبعها من معلومات وإشارات بعينها " (2). وهو بذلك يتعارض مع المتن، إذ إنه يتكون من الأحداث نفسها، لكن يراعي طبيعة نظامها في العمل " (3).

يخلص توماشفسكي بعد تحديده للعلاقة بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، إلى تمييز زمنهما، فالأول "يفترض أن الأحداث المعروضة وقعت فيه، أما زمن الحكي، فهو الوقت الضروري لقراءة عمل (مدة عرض)"(4).

ولقد ميز تودوروف بين مستويين هما مستوى الحكاية ومستوى الخطاب:

وفي هذا الصدد يقول تودوروف: "السرد حكاية من حيث إنه يذكر بحقيقة ما لأحداث يفترض أنها وقعت فعلا ولشخصيات تتماثل مع شخصيات الحياة الحقيقية. لكن هذا العمل هو خطاب كذلك حيث يوجد راو يحكي الحكاية يقابله قارئ يتلقاها"

هناك إذن حسب تودوروف ثلاثة أزمنة وهي: زمن الحكاية وزمن الخطاب وزمن القراءة.

فما العلاقة بين هذه الأزمنة الثلاثة؟

يرتبط الزمن بالأحداث، والعلاقة بين هذه الأزمنة الثلاثة هي علاقة تقوم على التعارض والمفارقات؛ لأن زمن الخطاب زمن انزياحي وتحويري ولأن زمن الخطاب لا يمكن أبدا أن يكون موازيا تماما لزمن الحكاية وعليه فإن زمن الحكاية المتعدد الأبعاد يخضع لنظام مغاير عندما ينقل إلى الخطاب وقد حدد تودوروف هذه القواعد من خلال: تقديمه مجموعة قواعد لدراسة التنظيم الزمني للخطاب السردي، وهذه القواعد تهدف إلى ضبط العلاقة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب، حيث سيقترح تودوروف ثلاثة مصطلحات(5)، وهي التسلسل enchainement و التضمين enchaissementو التناوب alternance حيث تختلف هذه القواعد في:

1 ـ التسلسل والذي يقصد به تنظيم الخطاب وفق طريقة تعتمد التجاور بين حكايات مختلفة، فقد تقدم حكايات متعددة. لكنها تلتقي في هدف معين قد يكون الرحلة أو المرض أو غيرها من المواضيع، فمصطلح التسلسل إذا هو إلحاق قصة بقصة، يتم تقديم الثانية بعد الانتهاء من الأولى.

2 ـ التضمين والمقصود به الإدماج الذي يتم بين حكايات مختلفة، لكن ما يوجه هذه الحكايات هو" الحكاية الإطار" مثل ذلك: حكايات "كليلة ودمنة" حيث إن الحكايات تتناسل وقد يكون هذا التناسل مختلفا، ولكن الحكاية الإطار هي التي تضمن وحدة بنية الحكاية. وهو بذلك يعني إدخال قصة في قصة، كما هو الحال في حكايات ألف ليلة وليلة، حيث تتضمن القصة الواحدة مجموعة من القصص.

3 ـ التناوب ويقصد به تقديم حكايتين أو أكثر في الوقت نفسه، حيث يتم إيقاف الأولى لتقدم الثانية ثم العودة إلى الأولى وبعدها العودة إلى الثانية وهكذا. وبذلك يتم تحريك أحداث قصة، ثم إيقافها لاستئناف قصة أخرى (6)، وهكذا دواليك.

هكذا، إذا فإذا كان الشكلانيون قد قدموا آليات إجرائية لدراسة الخطاب السردي، فإن تودوروف عمل على منحها قدرة إجرائية أكبر من خلال التفصيل في مكوناتها. لكن الاتجاه البنيوي سيعرف تطورا مهما في مجال السرديات.

تصور جيرار جينيت

انتهينا إلى اعتبار الخطاب تحيينا(تجديدا) سرديا للحكاية بوسائل تنظيمية حددها تودوروف في التعارض والتسلسل والتناوب، لكن جيرار جينيت سيقدم مفاهيم أخرى واقتراحات لدراسة النظام الزمني في العمل السردي حيث سيطلق مصطلحا جامعا هو المفارقات (7) السردية والزمنيةanachronies narratives ومصطلح المفارقات يعني أوجه الاختلاف بين النمطين" الحكاية والخطاب"، حيث يقصد بها جينيت قياس مختلف أشكال التنافر، بين ترتيب القصة وترتيب الخطاب (المحكي) الذي يسلم بوجود درجة الصفر يتوافق فيه زمن القصة، مع زمن الخطاب (8).

فإذا كانت المفارقات الزمنية طابع الخطاب (المحكي) على تلون تحققاته السردية، فإن أسلوب التعامل معها يختلف من روائي لآخر. تبعا لما يرتضيه كل واحد. ولعل ذلك ما جعل المسافة التي تفصل بين مقام الحاضر للقصة، وبين ما يستدعيه الخطاب، من استرجاعات واستباقات، تتفاوت في الطول والقصر، ويسمي جينيت المسافة الزمنية التي تشغلها المفارقة حين تتوقف القصة لتفتح لها مجال التجسيد بالمدى Portée ويسمي حجم تلك المفارقة التي قد تطول لتشغل المساحة نفسها التي تشغلها القصة بالسعة (9) amplitudeأما عن التقنيات المعتمدة في سبيل إحداث المفارقة الزمنية، فيخص جينيت بالتفصيل تقنيتي الاسترجاع والاستباق. ولا ينظر إليهما إلا في تأثيرهما في الترتيب الزمني، دون الاهتمام بتوجيههما لسرعة السرد وتواتره. وهو ما نختزله في:

أولا: نظام الخطاب السردي (النظام)

يقصد به الطريقة التي تنظم بها البنيات السردية، فموقع هذا الخطاب قد تنظم بواحدة من الصيغتين الآتيتين:

أ-الاسترجاعanalepses (10): يقصد به ذكر حدث سابق عند نقطة التمركز السردي، فإذا افترضنا أن التمركز يتم في نقطة معينة. فإن الحكي يتوقف في هذه النقطة لينتقل إلى استحضار واسترجاع حدث سابق شارح أو مفسر...حيث يمكن لتلوينات الزمن أن تعمل على توليد الحكايات، فإذا كان للخطاب (المحكي) المركزي زمنه الخاص، فإن الزمن المسترجع داخل الخطاب الواحد يمكن أن ينتج محكيا اخر، قد يتقاطع معه من حيث الوظيفة، ولكنه يتباين معه زمنيا. بل إن المفارقة الزمنية الواحدة، يمكن أن تنتج خطابات (محكيات) لا حدود لها، فضمن المفارقة يمكن أن تحدث مفارقات. وتلك طريقة لتناسل الخطابات لا تقل أهمية عن تناسلها من خلال ما يسمى الحكاية الإطار(11). ومن ثم يصح نعت الخطاب بأنه فن قائم على الاسترجاع أصلا، إذ السرد لاحق على القصة غالبا، فبمجرد إعلان الكتابة يكون السرد قد شرع في فعل الاسترجاع.

ب-الاستباق(12)prolepses : يقصد به ذكر مسبق لحدث لاحق عند نقطة التمركز السردي، أي أن السارد يوقف نقطة التمركز السردي ليحكي عن حدث قادم، قبل أن يعود إلى نقطة التمركز.

ويرى جنيت أن الاستباقات أقل ورودا، مقارنة بالاسترجاعات في التقاليد السردية الغربية الحديثة. بل إن ذلك يشمل التقاليد السردية على تعدد لغاتها، ولا يستحضر بكثافة إلا في بعض الروايات العجائبية، وفي بعض الخطابات الكلاسيكية التي تعرض أحداثها مجملة، مما يوحي بنوع من الاستشراف، تحمله التفاصيل المتوقعة (13).

ثانيا: الاطـــــراد

حيث سيعتبر جيرار جنيت أن زمن الخطاب الكتابي أو الورقي يخضع لنوع آخر من التنظيم يسميه اطرادا أو تكرارا، وقد فرع أنواعه وفحصها في أربعة هي:

ما وقع مرة واحدة (في الحكاية) ويحكى مرة واحدة: أي إن زمن الحكاية يكاد يطابق زمن الخطاب وهو نوع من السرد البسيط.

حكاية ما وقع أكثر من مرة واحدة وتتحكم في هذا النوع آلية تسمى الإضمار ومعناه أن الملفوظات السردية تجعل جزء من الحكاية مضمرا وغير مروي.

ج-ما وقع مرة يحكى مرات عديدة: لكن بوجهات نظر مختلفة، وقد جرب هذه الآلية محمد برادة في روايته لعبة النسيان حيث قدمت من زوايا نظر مختلفة (أي تغير الراوي).

د-ما وقع أكثر من مرة يحكى مرة واحدة، بمعنى أن ملفوظا سرديا واحدا (جملة) يتضمن أحداثا عديدة. ويستعمل هذا الإجراء آلية الاعتزال أو الاجمال، بمعنى أن السارد يجمل ما حدث عدة مرات مرة واحدة. (نحو: بعد مرور أيام: هذه الأيام وقعت فيها أحداث اختزلها في حدث واحد)

ثالثا: المدة (14) أو الإيقاع الزمني La durée

ويقصد به الاختلاف المؤكد بين الزمن الحكائي وزمن الخطاب. فالأول يقاس بالمدة المحددة في السنوات والأشهر والأيام والساعات، أما الثاني فيقاس بالأسطر والصفحات وبالتالي فإنه يرتبط بالزمن التخييلي المماثل لزمن الكتابة.

فمن خلال المدة تتجسد الصعوبات الكبرى في قياس زمن الخطاب وزمن القصة. بل إن المشاق التي تواجه استكشاف الزمن في المتخيل السردي، مرتبطة أساسا بصعوبة تحديد المدة(15). ذلك أنها قائمة على حساب زمن القراءة ومقارنتها بزمن الأحداث. إذا كانت القراءة فعلا فرديا، تتظافر عوامل كثيرة في رسم مسارها وحدودها، فإن قياس زمنها نسبي تتجاذبه الميولات والرغبات والسرعة والبطء. فليس كل القراء في مستوى واحد، فمنهم من يكتفي بساعة واحدة لقراءة مائة صفحة، ومنه من يحتاج لثلاث ساعات أو أكثر.

-إذا كان البنيويون قد حددوا المفارقات السردية اعتمادا على مفهومين "زمن الحكاية وزمن الخطاب " فإن ثنائيات أخرى ستطرح أمامها من قبيل العلاقة بين الوصف والسرد أو العلاقة بين السارد والكاتب والسرد. فكيف تم التنظير لهذا الجانب؟

أ-الوصف والسرد: يرتبط السرد بالحدث. لكن الحدث يحتاج بدوره إلى مقومات وجود أخرى. مثل: المحيط الزماني والمكاني أو الكائنات التي تنجزه. وهذا ما يعني أن هناك حاجة للغة وصفية تختلف عن اللغة السردية.

ينصب السرد على ما هو حركي داخل الزمن، في حين يكون الوصف ميتا، أو لنقول إنه توقف في مجرى الزمن ومساره، وبذلك يساهم في تمديد فضاء السرد وتمطيطه.

يربط بعض البنيويين الوصف بالسرد. لكنهم يرجحون كفة الثاني، فجيرار جينيت يرى أن الوصف عبد يحتاجه السرد، بل إن القارئ يميل أكثر إلى السرد من الوصف، وإجمالا يمكن القول إن الوصف مكون يخترق البناء السردي بوسائل مختلفة. فهو وصف بسيط قد يقع داخل جملة سردية "ولجنا بيتا جميلا" كما يكون هذا الوصف مركبا أو متشعبا يقاس بالفقرات والصفحات. ولذلك فإن دراسته تجعله أكثر ارتباطا بالتأمل "تأمل الأشخاص والهيئات والفضاءات...

ب-علاقة السارد بالسرد وبالكاتب: طرح البنيويون عدة أسئلة منهجية من قبيل: من يقدم الحكاية؟ من يسردها؟ ما علاقة الكاتب بالسارد؟ أيعد الكاتب هو نفسه السارد؟

وقد واجه البنيويون هذا الإشكال باعتباره إشكالا منهجيا، فالأخذ بمبدأ الكاتب السارد يقود بالضرورة إلى استحضار معطيات غير المحايثة للخطاب، أي إن التحليل سيضطر إلى استحضار معطيات لا توجد في الخطاب ذاته مثل: المجتمع والبنية والواقع، وبما أن البنيوية خطاب يهتم بالمنتج وبهمل المنتج. وعليه فقد بحثت البنيوية عن مخرج نظري فكيف تم ذلك؟

ستأخذ البنيوية بمفهوم الكائنات الورقية، ومعنى ذلك: أن اللغة الحكائية اقتضت ابتكار شخصيات من ضمنها "السارد"، فمثلما يبتكر مؤلف السرد الشخصيات فإنه يبتكر السارد كذلك. ولعل ما يؤكد هذا الأمر هو أن هذا السارد يجهر بآراء ومواقف وأحكام ويتبنى تصورات قد لا تكون هي نفسها آراء الكاتب، مما يعني أنه "السارد" ذات غيرية.

وإذا كان البنيويون قد تبنوا مفاهيم الشكلانيين الروس الأساسية مثل المتن الحكائي والمبنى الحكائي فإنهم تبنوا مفاهيم إجرائية أخرى ذات صلة بالسارد وأدواره خاصة التمييز الذي قدمه توماشوفسكي بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي. حيث عني بالأول معرفة السارد بكل شيء بما في ذلك الأفكار الباطنية للشخصية. أما الثاني فيعني أن السارد يجعلنا نتتبع مسار الحكي من خلال مقدمه.

هذا التصور العام للشكلانيين سيتم استثماره من طرف البنيويين اعتمادا على صياغة مفاهيمية مغايرة نمثل لها بثلاثة مفاهيم هي: مفهوم الرؤية ومفهوم وجهة النظر ومفهوم التبئير. فما الفرق بينها؟ الفرق بين هذه المفاهيم يرجع إلى واضعيها فقد اعتمد جيرار جينيت مفهوم التبئير واعتمد تودوروف مفهوم الرؤية السردية ومفهوم وجهة النظر والمقصود بذلك تحديد الأسس الإجرائية التي تسمح بدراسة وضع السارد في علاقته بالشخصيات. وهكذا تم تحديد ثلاثة مستويات هي:

المستوى الأول وهو مستوى يكون فيه السارد أعلى معرفة من الشخصيات، وهي تقنية حكائية تسود في معظم الحكايات التقليدية حيث السارد يتحكم في المسار العام للحكي، إذ يلج أعماق الشخصيات ويعرف ماضيها وأسرارها ومستقبلها لذلك. سميت هذه الرؤية "الرؤية من خلف" وهو اصطلاح استعاره تودوروف من جان بويون. في حين استعمل جيرار جينيت مفهوم "التبئير الصفر".

المستوى الثاني وفيه يكون السارد إحدى شخصيات الحكاية، أي أنه يكون مشاركا في الأحداث، وقد أطلق جيرار جينيت مصطلح التبئير الداخلي على هذا النوع الذي لا يتحكم من خلاله السارد في اللعبة الحكائية، بل إن معرفته تكون مساوية لمعرفة الشخصيات. فالمعطيات النفسية والأسرار والمستقبل والتاريخ الشخصي كلها عناصر تقدمها الشخصية عوض السارد. ومعنى ذلك أن السارد يلعب دور الشاهد وليس دور المتحكم.

المستوى الثالث وفيه يكون السارد أقل معرفة من الشخصية وسميت هذه الرؤية بالرؤية من خارج وأسماها جيرار جينيت "التبئير الخارجي" حيث إن الشخصية تتحكم في العمل الحكائي وبالتالي فإن معرفتها بالمعطيات تفوق معرفة السارد، ورغم أن هذا النوع من الرؤى نادر إلا أنه يصلح لدراسة الخطاب المسرحي حيث تقدم الحكاية بلسان أصحابها.

وهكذا واعتمادا على ما سبق تكون وظيفة السارد ممثلة في:

- سرد الحكاية؛

- تنظيم الخطاب؛

- توجيه الرؤية وتوزيع الأصوات.

ملاحظات واستنتاجات

إن الاتجاه البنيوي ا متعدد المدارس والباحثين وقد ركزنا على "تودوروف" و"جيرار جينيت"؛ لكن آخرين قدموا اجتهادات ضمن هذا التصور مثلما هو الحال مع "رولان بارت" الذي يرى أن السرد أنواع متعددة فهو موجود في اللغة والأسطورة والملحمة والتاريخ وفي اللوحة والسينما. كما أنه يتمظهر في أشكال لانهائية ولا يمكن ضبطها أو حصرها. وهو كوني أي موجود عند جميع الشعوب ومنغرس في الحياة. وقد استفاد رولان بارت من الإشكالات المنهجية التي اعتمدتها الدراسات اللسانية في بدايتها. كما أنه استفاد من دراسات الشكلانيين الروس واختزل التصورات السابقة إلى نوعين:

النوع الأول: يرى أن السرد عملية استرجاعية لأحداث لا تحلل إلا بالرجوع لمقدمها وعبقريته.

النوع الثاني: يعتبر أن السرد عنصر بنائي داخل نظام محدد، وبما أنه بناء فإن دراسته لا يمكن أن تتم إلا من خلال تناول المعطيات المحايثة المتمثلة في اللغة.

يميز بارت خمس مستويات لوصف النص السردي وفق الأنموذج البنيوي، ثلاثة مستعارة من ثلاث محاولات لقراءة الخطاب (المحكي) السردي. يسمي الأول الوظائف(16) fonctionsبالمعنى الذي اقترحه فلاديمير بروب V. Propp والثاني يسميه العوامل actants (17)بالصورة التي قدمها جريماسA.J.Greimas فيما أطلق على المستوى الثالث اسم السرد. Narration (18) وفي السرد يعلن بارت حاجته للسانيات، إذ هي وحدها القادرة على التمييز بين الضمير الشخصي "أنا،أنت" واللاشخصي "هو" في مختلف أحوالها(19).

وبناء على ذلك فقد اعتبر بارت أن الاختيارات اللسانية مفيدة في درس السرد لكنه قدم تمييزا بين لسانيات الجملة ولسانيات الخطاب. فإن كانت الأولى تقف عند الجملة باعتبارها الوحدة العليا

لدارسها. فإن السرد يتميز بكونه متوالي جمل وهذا يعني أن هناك حاجة إلى لسانيات للخطاب، غير أنه وجد مخرجا نظريا فاعتبر أن السرد جملة كبرى، بل إن كل جملة تحمل داخلها مشروعا سرديا صغيرا. إذ تتضمن حدثا وزمنا وشخصيات أو وصفا.

هكذا يكون هذا التحليل قد أفاد الدراسات السردية بتبنيه التصورات النظرية اللسانية البنيوية، ويتجلى ذلك في استعارته لمفاهيم مثل: المستويات والعلاقات وانتقاده للربط بين السارد والشخصيات باعتبارها كائنات واقعية، فبارت يرى أننا أمام كائنات ورقية بل إنه يسمي ذلك الرأي الذي يربط الشخصيات والسارد بالواقع بأنه "أسطورة أدبية" وفي مقابل ذلك سيعتبر أن دراسة السرد لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال دراسة العلامات الماثلة في الخطاب والتي تعتمد على اللغة.

على سبيل الختم

خلص هذا البحث إلى أن الاتجاه البنيوي في دراسة السرد قد وفر للباحثين أدوات دقيقة لفهم النصوص بوصفها بنيات معقدة من العلاقات الزمنية والدلالية. فقد قدم تودوروف تصورًا يميز بين أزمنة السرد الثلاثة ويقترح قواعد لضبط علاقتها، بينما أضاف جيرار جينيت مفاهيم تحليلية أكثر عمقًا مثل المفارقات السردية، الاسترجاع، الاستباق، التكرار، والتبئير، مما أتاح فهماً أشمل للتنظيم الداخلي للنصوص

وتبين من خلال المقارنة أن الجمع بين تصور تودوروف وجينيت يتيح إمكانات واسعة لدراسة السرد، حيث يساعد على الكشف عن البنية العميقة للنصوص، ورصد آليات تحويل الحكاية إلى خطاب سردي موجّه. وهكذا يظل الاتجاه البنيوي أحد الركائز الأساسية في النقد السردي المعاصر، ليس فقط لأنه أسس لنظرية رصينة، بل لأنه قدم كذلك أدوات إجرائية لا تزال قادرة على استيعاب النصوص الأدبية وتفكيك أنساقها الداخلية

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد و باحث أكاديمي مغربي

....................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

- جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

- كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

- غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية

- كيليطو، الأدب والغرابة.

- بروب، مورفولوجيا الخرافة.

- جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

- هامون، سيميولوجية الشخصية.

- لوكاش جورج، دراسات في الواقعية، ترجمة د فايق يلوز، وزارة الثقافة، دمشق.

- إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

- الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت"، فاس، 2014.

- أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

- مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر-دجنبر 1999.

- محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

- محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

- محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169-177.

- إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113-129

-حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

- صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

- عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح"، ط.1، دار العودة، بيروت، 1980، ص.153-183.

- عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370-376.

- عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

- مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992-1993

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983-1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الزمخشري، أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.ط.3. ج 1910.

- شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

- واقع الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، الثقافة والمثقف في الوطن العربي.

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

- أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

- مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360-366.

- عبد القادر زمامة، الأمثال المغربية، دراسات ونصوص، إعداد وتقديم السعيد بنفرحي، 2010، الطبعة الأولى، المطبعة، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.

- عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

- نخبة من الأساتذة، معجم العلوم الاجتماعية، القاهرة 1975.

-بدير حلمي، شعر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، القاهرة، ط1986،1.

- رفعت سلام، بحثا عن التراث العربي دار القلم، القاهرة، ط1989/1.

- حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية، بيروت 1986.

- فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

- محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

- إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

- نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

- عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب.

- عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

- عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

- عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

- صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983-1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

- لينكيتا إيليسيف، كتاب: رحلة ليلة وليلة بين الشرق والغرب.

- محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق

(د. ط)، 2009 م، ص20.

- فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

- مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

- الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.

- د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.

- ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

- أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.

- المراجع والمصادر بغير العربية

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Todorov, T. (1969). Grammaire du récit. Paris: Seuil.

Genette, G. (1980). Narrative Discourse: An Essay in Method. Ithaca: Cornell University Press.

Saussure, F. de. (1916). Cours de linguistique générale. Paris: Payot.

Hjelmslev, L. (1961). Prolegomena to a Theory of Language. Madison: University of Wisconsin Press.

Barthes, R. (1966). Elements of Semiology. London: Jonathan Cape.

Propp, V. (1928). Morphology of the Folktale. Austin: University of Texas Press.

Jakobson, R. (1960). Linguistics and Poetics. In T.A. Sebeok (Ed.), Style in Language (pp. 350–377). Cambridge, MA: MIT Press.

Chomsky, N. (1965). Aspects of the Theory of Syntax. Cambridge, MA: MIT Press.

Cortines, J. (1982). Structures of Narrative Meaning. Paris: PUF.

Levi-Strauss, C. (1958). Structural Anthropology. New York: Basic Books.

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

الهوامش

(1) ـ التحليل السيميوتيقي للنصوص، جماعة أنتروفيرن، تعريب. د. محمد السرغيني، ص.25

(2) ) ـ إبراهيم الخطيب، نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، الشركة المغربية للناشرين،1982،ص.80.

(3) ) - Voir B. Tomachevsky، Thématique، in Théorie de la littérature textes des formalistes russes، tr , T. Todorov, Paris, éd. Seuil, 1996, p.p.276.268

(4) ) ـ ينظر توماشفسكي، نظرية الأغراض، ضمن نصوص الشكلانيين الروس، ص. 186 – 187.

(5) ) ـ منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.156.

(6) ) - Tzevetan Todorov, Les catégories du récit littératures, p.146.

(7) ) ـ أصل مصطلح المفارقات بلاغي، ويتخذ ثلاث دلالات أ-خطأ وضع شيء، ذات، موضوع، حدث.. في زمن لا وجود له بعد. ب-خطأ وضع شيء، ذات، موضوع، حدث .. في زمن لم يعد موجودا، أو أن استعماله صار ملغى، ج-وسيلة مثلى لقول شيء وقصد شيء آخر. أما في التأثيل الإغريقي فتعني، العودة إلى الوراء. ينظر:

Henri Morier, dictionnaire de poétique et de rhétorique, Paris, Presses Universitaire de France, 5 édition,

p.102

(8) ) - Discours du récit, p.79.

)(9) ( - Discours du récit, p.89.

(10) ) ـ يقود البحث عن ظاهرة توليد المصطلحات عند جيرار جينيت إلى اعتبار analepses مرتكزة على السابقة préfixe ana الدالة إما على ما قبل، وإما ما هو أعلى، ويحمل المصطلح بعض تلك الدلالة، ومهما يكن فمعظم المصطلحات المتصدرة ب ana توحي بمعنى التكرار،anagramme التجنيس (استحداث كلمة من خلال الاخلال بترتيب كلمة أخرى). Anaphore التصدير (تكرار كلمة أو تركيب في بداية أبيات شعرية أو جملة أو فقرة). ينظر:

Michèle Aquien et Georges Molinié, dictionnaire de rhétorique et de poétique, p.p.454.455

(11) ) ـ يقصد بالحكاية الإطار contre-cadre الحكاية التي تنسل عنها باقي الحكايات كما هو حال ألف ليلة وليلة، حيث تعد حكاية شهريار مع أخيه شاه زمانه حين أدرك أن لا حيلة مع خداع النساء الحكاية الإطار، منها بدأت الليالي فتكلفت شهرزاد بمواجهة شعار "احك (ي) و إلا قتلتك"، لكن شهرزاد ظلت، حكاية بعد حكاية، مستمرة في الحياة، وبما أن الملك صار قليل الحضور، فإنه لم يعد يفكر إلا في الاستماع للمغامرة، دون الانشغال برهانه" جمال الدين بن الشيخ، ألف ليلة وليلة أو القول الأسير، تر، محمد برادة، عثماني الميلود، يوسف الانطاكي، مصر، المجلس الأعلى للثقافة، 1998، ص.15.

(12) ) ـ تعود جذور هذا المصطلح إلى البلاغة و النحو، فهو يعني في الحقلين، محسنا نحويا يوظف مع النعت (صفة مدح او هجاء) للدلالة على حالة سابقة أو لاحقة، وقد تمنح prolepses لذلك النعت قيمة ماض انقضى. أما عن جهة تأثيلية étymologies الكلمة، فترتبط بفعل الأخذ مسبقا. ينظر:

Henri Morier, dictionnaire de poétique et de rhétorique, Paris, Presses Universitaire de France, 5 édition, p.p.954.955

والمصطلح ذاته قد يشكل جزء ا خطابيا يقدم رأي الاخر/المنافس/المحاور أو أي مصدر اخر مختلف عمن يتكلم. وعادة ما بدأ ذلك الجزء

ب تقولون إن ... ندعم طبعا...

(13) ) ـ منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت في النقد العربي الحديث، رؤية، ص. 178.

(14) ) ـ يقترح جينيت تسمية المدة في الخطاب الجديد للحكاية بالسرعة vitesse مادام القصد هنا هو قياس مدة القصة و طول النص و مقارنة طول النص بطول القراءة. ينظر، Gérard Genette, Nouveau discours du récit, p.23

(3) – منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.184

(1) – ارتبط مصطلح الوظيفة باللسانيات، ويقصد بها الدور الذي يؤديه عنصر لساني (فونيم، مورفيم، كلمة، تركيب) ضمن البنية النحوية للملفوظ، ففي ملفوظ، زيد يقرأ كتابا، فلكلمة كتاب وظيفة المفعول. أما في الجلوسيماتيكية Glossématiques فدلالات المصطلح قريبة من المعنى الموظف في الرياضيات ويقصد به كل علاقة بين مصطلحين، يكون الأول ثابتا و الثاني متغيرا، أو كلاهما ثابت أو كلاهما متغير، فيما يرتبط في النحو التوليدي بالعلاقات التي تقام بين العناصر داخل البنية الواحدة. ينظر Jean Dubois et all , Linguistique et sciences du langage ,Paris ,éd,Larousse 2007,p.p.204.205 ثم انتقل المصطلح إلى البنيوية ومنه إلى السيميائيات بعد أن عده بروب في مورفولجيا الخرافة الشعبية عنصرا ثابتا في الخطاب (المحكي)، لا يتعدى عدده إحدى وثلاثين وظيفة، وقد أعيد صياغة المصطلح وأقحمت معه مفاهيم جديدة، إلى أن أصبح في إحدى تلك التعديلات يعني الملفوظات السردية. ينظر:

A.J Greimes et J. Courtes , Sémiotique dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris ,éd, Hachette, 1979.9.152

(2) – يشير العامل actant إلى القائم بالفعل، وهو مستعار من تنيير Tesnière الذي يربطه بكل الأشخاص و الأشياء المشاركة في حدث بأي صورة كانت ومن ثم فالعامل وحدة تركيبية بخاصية شكلية. ويستعاض به في السيميائيات عن الشخصيات، إذ لا يرتبط بها فحسب بل قد يكون حيوانا أو شيئا أو مفهوما، فيما الإبقاء على الشخصية يثير التباسا واضحا لارتباطه بالممثل. ينظر، Ibid,p.3

(3) – Voir , Roland Barthes , Analyse structurale du récit, p.10

(19) – Ibid, p. 12.

 

قفازات بين العري والحماية

المقدمة: يشكّل الشعر العربي المعاصر فضاءً خصبًا لاستكشاف التجربة الإنسانية بابعادها كافة، بدءًا من العلاقة بين الفرد والآخر، مرورًا بالوعي الأخلاقي والسياسي، وصولاً إلى التصورات النفسية والوجودية. في هذا السياق، تبرز نصوص مجيدة محمدي كأنموذج للنثر الشعري المعاصر الذي يجمع بين العمق الرمزي والتجريب اللغوي.

نص "قفازات" ينطلق من صورة ملموسة: القفاز، الذي يبدو في الظاهر أداة حماية جسدية، يتحوّل في النص إلى رمز متعدد الدلالات يمتد من الجسد إلى الفكر والضمير والذاكرة، ومن الفرد إلى المجتمع والوطن. القفاز -هنا- ليس مجرد أداة، بل رمز أخلاقي وجمالي وفلسفي، يعكس الصراع بين الانكشاف والحماية، بين العري الكامل والقفاز الكامل، وبين الفعل والضمير.

البنية الرمزية للقفاز:

١. القفاز كعلامة متعددة الدلالات:

يبدأ النص بتقديم القفاز كأداة حماية، لكن هذه الأداة تتجاوز وظيفتها المادية لتصبح علامة وفق مفهوم رولان بارت، إذ تحتوي العلامة على عدة مدلولات: السلامة، الحماية، العجز، وأحيانًا الغطاء الرمزي للأخطاء الإنسانية. تقول الشاعرة:

(إمنحونا قفازات قبل أن تلمس أيدينا هذا العالم العاري. قفازات لكلّ الاستعمالات، للطبيب كي لا تنتقل رجفة الموت من جسدٍ إلى جسد، للمهندس كي لا تلتصق الخرائط بجلده وتخونه الزوايا، لعامل النظافة كي لا يفضحه القمامة أمام مرآة الصباح).

نلاحظ هنا أن كل مهنة لها وظيفة حماية محددة: الطبيب يحمي من الموت، المهندس يحمي من الخطأ، وعامل النظافة يحمي من الفضائح اليومية. من منظور سيميائي، يمكن ان نعد هذا التوزيع شبكة دلالية تربط الفرد بالواقع عبر الرموز اليومية، وهو ما يعكس إدراك الشاعرة الاجتماعي للنظام البشري والصراع اليومي الذي يواجهه كل فرد في المجتمع.

٢. القفاز والبعد النفسي:

يتجاوز النص القفاز المادي ليصل إلى البعد النفسي: حماية الروح من الألم والفضيحة والخيبة. القفاز هنا يصبح رمزًا للرحمة الذاتية والضبط النفسي، إذ يحمي الإنسان من الانكشاف المباشر للعالم الخارجي. كما أن النص يربط القفاز بالضمير والذاكرة، في إشارة إلى أن الفعل الأخلاقي يتطلب حماية وترويضًا داخليًا قبل التعامل مع الآخرين.

القفازات كأداة اجتماعية:

 يعرض النص فئات اجتماعية متعددة، بدءًا من الطبقات العاملة وصولًا إلى النخبة، ويحدد لكل فئة نوع الحماية الذي تحتاجه:

(وقفازات أخرى لامعة، ناعمة، لعارضات الأزياء يخفين بها تشققات الروح تحت الأضواء، وللأميرات كي لا تتّسخ التيجان بعرق الرعيّة ولا تجرحهنّ الحقيقة).

 يتحول القفاز - هنا- إلى رمز للحماية الاجتماعية والنفسية، فهو يحجب الألم والفضيحة والوعي بالواقع. من منظور التحليل البنيوي لغريماس، يمكن النظر إلى القفاز كعنصر في وظيفة الحماية أو العائق الرمزي الذي يوازن بين الفرد والمجتمع، إذ يظهر أن الطبقات الراقية تحمي نفسها بالرموز، بينما الإنسان العادي (ملموس) أمام صعوبات العالم.

اللمس والفعل الأخلاقي:

يؤكد النص على فعل اللمس كرمز مركزي للأخلاق والمسؤولية:

(نحن أناس بلا قفازات، لمسنا كل شيء مباشرةً فنزفنا. لمسنا الفكرة فصرخنا، لمسنا الجسد فانكسر المعنى، لمستنا الوطن فعلق الطين في أظافرنا واتُّهمنا بالخيانة).

يمكن ان نعد فعل اللمس -هنا- إشارة إلى التفاعل المباشر مع الواقع، وما يترتب على ذلك من أذى أو خطأ. يعكس النص بواسطة هذه الفقرة التوتر بين الشعور والوعي الأخلاقي، فيظهر أن الإنسان يتعرض للجرح لأنّه يتفاعل مع العالم بلا أدوات حماية، وهو ما يربط بين البعد النفسي والفلسفي للأفعال اليومية.

 اللغة والأسلوب الشعري:

اولا: النسق النثري والإيقاع

تعتمد الشاعرة على النسق النثري الحر، ما يتيح تدفق الوعي والتجربة الشعورية:

(نحن مذنبون، نرتكب أخطاءً بيدين عاريتين، نصافح الكراهية ثم نتعجّب من سخونة الدم).

 يعزز التكرار - هنا- الإيقاع النفسي ويجعل المتلقي يعيش شعور القلق والخوف من الفعل، كما يخلق صدى داخليًا يربط النص بالوعي الأخلاقي.

ثانيا: المقابلة الثنائية

توظف الشاعرة أسلوب المقابلة الثنائية بين العري والقفاز، بين الحقيقة والنفاق، بين الانكشاف والحماية. هذا الأسلوب يعكس فلسفة وجودية، ويجعل النص مساحة للتأمل في التوتر الدائم بين الحرية الشخصية وقيود المجتمع.

القفازات والأحلام والذاكرة:

تتوسع دلالات القفاز لتشمل الذاكرة والرؤى والأحلام:

(إمنحونا قفازات من مطاط الرحمة لذاكرتنا، قفازات من صوف الصمت لهذه الرؤى المشتعلة، قفازات شفافة للضمير كي يرى دمه ولا ينكره).

 يربط النص -هنا- بين الفعل اليومي والفعل النفسي، موضحًا أن الحماية لا تقتصر على الجسد بل تمتد إلى الروح والضمير. من منظور كريستيفا، هذا يعكس العلاقة بين الجسد واللغة، فيمتد أثر الفعل الجسدي إلى مستوى رمزي ومعنوي، ويكشف عن هشاشة الإنسان أمام الواقع.

 التوتر بين العري والقفاز:

يختتم النص بالثنائية الجوهرية:

(بين العري الكامل والقفاز الكامل تضيع إنسانيتنا. فاعذرونا إن طلبنا قفازًا مثقوبًا قليلًا، يحمينا ولا يعزلنا، فقط يخفف الألم).

هنا يتحقق التوازن الرمزي: القفاز المثقوب يعكس الحاجة إلى حماية متوازنة، تحمي الإنسان من الألم دون أن تنفي إنسانيته. ويذلك يعكس النص توتر الإنسان بين الانكشاف والحماية، بين الفعل والضمير، بين الحرية والقيود، وهو ما يعكس فلسفة وجودية أخلاقية عميقة.

القفاز كمرآة للواقع الاجتماعي والثقافي:

 لا يعكس النص الصراع النفسي للفرد فقط، بل يتناول الواقع الاجتماعي والثقافي للشعر العربي المعاصر، مبواسطة توظيف الشخصيات والفئات المختلفة. الطبقات العاملة، النخبة، وحتى الحلم والرؤى كلها تصبح أداة لقراءة المجتمع، حتى يظهر أن الإنسان يفتقد الحماية الرمزية في كل لحظة.

الخاتمة:

يمكن القول إن نص "قفازات" لمجيدة محمدي يقدم تجربة شعرية متكاملة بين السيميائية البنيوية، النقد الاجتماعي، والفلسفة الوجودية. القفاز هنا ليس مجرد أداة حماية جسدية، بل رمز للحماية النفسية، الأخلاقية، والاجتماعية. وبواسطة التكرار، المقابلات الثنائية، وتوظيف الشخصيات المختلفة، تكشف الشاعرة هشاشة الإنسان في مواجهة العالم، وضرورة حماية الفكرة والكلمة والحب والذاكرة.

كما ويعكس النص تجربة شعرية تتجاوز الجماليات الشكلية لتصل إلى العمق النفسي والاجتماعي والأخلاقي للفرد والمجتمع، ويضع المتلقي أمام توتر الإنسان الدائم بين الكشف والحماية، بين الفعل والضمير، بين العري والقفاز، ما يجعله نصًا متكاملًا من الناحية النقدية والسيميائية والفلسفية.

 ***

رياض عبدالواحد

.........................

قفازات

إمنحونا قفازات

قبل أن تلمس أيدينا هذا العالم العاري.

قفازات لكلّ الاستعمالات،

*

للطبيب

كي لا تنتقل رجفة الموت

من جسدٍ إلى جسد،

*

للمهندس

كي لا تلتصق الخرائط بجلده

وتخونه الزوايا،

*

لعامل النظافة

كي لا تفضحه القمامة

أمام مرآة الصباح.

*

وقفازات أخرى

لامعة، ناعمة،

لعارضات الأزياء

يخفين بها تشققات الروح

تحت الأضواء،

*

وللأميرات

كي لا تتّسخ التيجان

بعرق الرعيّة

ولا تجرحهنّ الحقيقة.

*

نحن أناس بلا قفازات،

لمسنا كل شيء مباشرةً

فنزفنا .

لمسنا الفكرة

فصرخنا،

لمسنا الجسد

فانكسر المعنى،

لمسنا الوطن

فعلق الطين في أظافرنا

واتُّهمنا بالخيانة.

نحن مذنبون،

نرتكب أخطاءً بيدين عاريتين،

نصافح الكراهية

ثم نتعجّب

من سخونة الدم.

نقتل يوميًا أشياء صغيرة

دون قصد ...

طمأنينةً كانت تنمو قرب القلب،

سؤالًا بريئًا

كان يلهو في الفم،

حلماً نسي أن يرتدي قفاز النجاة.

*

علّمونا كيف تُلبس القفازات للأفكار قبل أن تتحوّل إلى سكاكين.

للكلمات قبل أن تصبح محاكم علنية .

للحب قبل أن يتحوّل إلى حيازة.

*

نحن متوحشون لأننا نلمس،

ونرتكب الجرائم

لأننا نشعر أكثر مما يجب .

*

إمنحونا قفازات من مطاط الرحمة

لذاكرتنا

قفازات من صوف الصمت

لهذه الرؤى المشتعلة،

قفازات شفافة

للضمير

كي يرى دمه

ولا ينكره.

*

فنحن نخاف من أيدينا

حين تفيض بالحقيقة،

ونخاف أكثر

حين نرتدي قفاز النفاق

ونصافح العالم

ببرود مهذّب.

*

بين العري الكامل

والقفاز الكامل

تضيع إنسانيتنا.

فاعذرونا

إن طلبنا قفازًا مثقوبًا قليلًا،

يحمينا

ولا يعزلنا،

فقط، يخفف الألم

***

رياض عبد الواحد

منظورية الموت والاستجابة البنائية لعلاقات الدلالة

توطئة: ان ما جرى اعتباره رمزا في قصيدة (الموت حده) للشاعر بابلو نيرودا، ليس اشباعا لجملة رغبات شعرية متشابهة بل يتعداها الأمر إلى ماهية الاقتراح الدلالي الذي ينتهي إليه التفكير التصوري في مضمون هذا التوطين للرمز. كما ولا أرتأي أن تكون محمولات القصيدة كلها عن جملة إشارات تتطور لحالة ما يمكن أن يعنيه الرمز بمعاييره الجديدة وإمكاناته الحسية التي تعطى بعدا للتعديل والتدليل والاستنتاج، كحالات انبثاق الرمز تصورا وحيدا في تكوين التماثلات المركبة ل (الموت) أو (الاستجابة البنائية) التي تتمظهر بملامح ومواقف حركية علاقات الدلالات الخصوصية بماهية رؤية الموت الدوالي.

ــ توالدات النص وشعرية مقصدية الدال التوصيفي.

يتضح من خلال العتبة الاستهلالية للنص إن عملية تطويع الوصف بالموصوف هي حالة من حالات (علاقة اتصال ــ علاقة انفصال) بلوغا نحو جملة تفاعلية قد تتحقق من خلالها الأواصر المحولة أو إنها تحقق فعلية الحوار بين الشاعر ومقصدياته العواملية الخاصة في مباعث الخطاب:

هناك مقابر مستوحدة،

قبور ملأى بالعظام، دون صوت،

و القلب يسرب من خلل نفق صغير

مظلم، مظلم، مظلم.

قد تكون تجربة الموت من الفضاءات التي تملأ صور النص ب (مقابرــ ملأى بالعظام ــ مظلم) كما أن للموت بعدا أكثر عمقا من أن يتحول إلى مجرد أداة للجمال واللغة والحلم، قد يتمثل ذلك البعد في أن للموت مرجعية شاقة من الاستيهامات والفراغات والزوايا في مواطن التخييل ذات المستوى الأكثر توالدا في حركية التصورات والإمكانيات التي تعمل على تسخير حقيقة الموت إلى جملة اقتراحات ذهنية مضمرة. فيبدو موصوف الموت وحالاته النفسانية أكثر تشكلا في مادية ارتباط الصور والأحداث المنعكسة في الرؤية ومعطى التخييل. فمثالا تمثل لنا وحدة الجملة العنوانية (الموت وحده) نتيجة دلالية تتشخص من خلالها في الذهن ثمة أوجه مقابلات ظهورية دالة كما الحال في الجمل الشعرية الواردة: (هناك مقابر مستوحدة ــ قبور ملأى بالعظام ــ دون صوت) إذن الواقع التحديدي للموصوف لا يتعدى حضورية هذه المؤثثات، ولكن ورود جملة (دون صوت) تمنحنا تأكيدا بالمفترض الآتي الذي يتميز في كون هذه التركيبة من الجملة هي في المقابل الذهني لحالات ظاهرة مؤشرة سلفا بالموت كليا: إذن ما هو ذلك المقابل الحسي المتفاعل ذهنيا؟ لعله (القلب؟) المماثل لحياة معيارية العلاقة بين الذات كجزئية محكومة بعاملي (الشاعر ــ الزمن) إلا إننا في الآن نفسه سوف لا نستدل بأن القلب ذروة تأثير العالم الخارجي عن مساحة الموت، إلا إننا نؤكد بأن (والقلب يسرب من خلل نفق صغير) هي الموقعية قي مسار الأنا الواصفة حيث تحقق مواطن الأبعاد الظلامية من الرؤية ذاتها للموت (مظلم، مظلم، مظلم) وعلى هذا النحو يبدو الألمام بالتصور المقابل الذي يقاسم إجرائية فعل علائقي مكون من (الذات ــ المفترض ــ المعطى) وبطريقة ما تتناول هذه القطبية الثلاثية من صفة الذات المتكلمة بالمعرفة الأخرى بموصوف الموت هذه الجمل الواردة (كما لو كانت سفينة تغرق.. من الداخل نموت.. ونحن نغرق في القلب) لا شك أن الذات الراوية تقوم بوصف حالات الموت ضمن حدود الوعي بالموصوف أو تشغيل حواس الأنا بموجب حالة إنشائية قصوى من التصور اللاشعوري، لذا يبقى المتكلم هنا ضميرا لتفعيل الذاتية عبر آليات الاستعادة والوصف بحال لسان زمن وأمكنة وحوادثية سيرة الموت.

1ــ المرموز وإحالات الذات المضمنة:

و بوسعنا الاستعانة في هذا الإطار بمسار القادم من المتن النصي، حيث تواجهنا أفعال المشهد وتحولاته وانعكاساته وأحلامه وموته الملون بروح الحدوث القسري:

هناك جثث

هناك أقدام من الطين البارد اللزج،

هناك موت داخل العظام ـ

كالصوت، محض صوت،

كنباح دون كلاب ـ.

و تظل صورة الموت بحاجة إلى صياغة زمنية ومكانية، دون اشتغال صوت الراوي الشعري في القصيدة أداة وإدراكا. نقول تحاكي حالات الجمل الشعرية في هذا الصدد من السياق المتني، كما لو إن حالات الموت عبارة عن (المرئي ــ المتصور) في أشد لحظات تجلي الإحساس القرائي وصعوبة التصور الإجرائي. فهناك علاقات تجسدها الأصوات الدوالية كـ (هناك جثث ــ هناك أقدام من الطين البارد اللزج) وتنمو مثل هذه الأوصاف الزمنية عبر المعطيات اللحظوية إذ تتكاثف لأجل فتح حالة من الضيق وديمومة الوصف الدقيق: (هناك موت داخل العظام ــ كالصوت ــ محض صوت) وتختلط إحالات الذات الواصفة إلى مواطن تشخيصية مركزة وغريبة في محل موصوفها، إنها آليات الحواس الشعرية المكثفة والمرتكزة إذ تعيد إنتاج آفاق المصاغ الوصفي في مسارات تتوزع في مشاهد حركية استفهامية مضمرة في النحو والفعل المتني المبطن.

ــ القصيدة وكأنها جملة واحدة لا تنتهي.

لعل القارىء يلاحظ في صدد إرجاء القصيدة، إن هناك عالم الأشياء المؤاتية حيث تتجسد في كيان شخصاني ل(الذات ــ الشاعر) في حالات خاضعة إلى انفجارات الموت والظلام والسارد المسكون بوحشة المفرق والمروى ورياح طوفان الموتى.. لعلها حالات من الصور الهواجسية والذاكراتية والتناصية وبعض الظنون المتخيلة:

و أرى، في وحدتى، بعض الأحايين

نعوشا ناشرات القلوع

تقل موتى شاحبين: نسوة مسبلات الجدائل،

وصبايا مكمدات، زوجات كتاب عدول ــ

نعوشا في نهر الموت العمودي مصعدات،

في النهر الأرجوان

مصعدات، بأشرعة يملؤها صوت الموت

يملؤها صوت الموت الصموت.

يتجلى (سؤال الموت) في كيفية تحديد مسوغات إشكالية الوجهة وإلتباسها: فما وراء هذا الموت وما جهته من السارد تحديدا ؟ أهي محض هواجس ذاكراتية ؟ أم أنها شعرية الإشكالية الطوفانية مجددا ؟. وتكشف لنا متاهة الذات الراوية (و أرى، في وحدتي، بعض الأحايين) يفتتح السارد صفحة احتمالية مديدة من مشاهدات شبه فعلية (نعوشا ناشرات القلوع ــ تقل موتى شاحبين: نسوة مسبلات الجدائل ــ وصبايا مكمدات ــ زوجات كتاب عدول) وتظل الضور الدوالية متشكلة في منظومة إنتاج دلالات الحدوث الصورية وكأنها الأفعال الأزلية المركبة التي تحاصر الذات الشعرية وتقودها إلى إحصاء موجات صورها الاستحواذية التي لا تنتهي، ويكشف ضمير الوجع المؤسطر عن حكاية شعرية تنقض ثبات الذات وتلوذ بمشاهد ملحمة الطوفان النهرية.

ــ الوقائع التشكيلية بين الذات والدلالة الخارجية.

إن جزءا مهما أوضحته بعض النصوص الشعرية والذي يتعلق بقدرة الواقعة النصية على الارتقاء إلى سياقات موغلة بالحسية التشكيلية العلائقية المتجانسة بين الذات الداخلية ودلالة العالم الخارجي:

و الموت يصل إلى الشاطئ المشؤوم،

كحذاء دون قدم

كرداء دون لابس يرتديه

يصل يضرب بخاتم لا فص له ولا أصبع فيه.

يصل ليصرخ دون فم، دون لسان، دون حنجرة.

يأخذ شكل الموت دالا تشكيليا في المتن النصي تجليا حسيا على مستوى تخوم وأفياء العنونة المركزية (الموت وحده) تتابعا في الأوضاع الشعرية المرتبطة بذاته وملحقاته، التي تنتهي إلى جملة علاقات دلالية ذات صلات فعلية مفترضة وموغلة في الضياع: (الموت يصل إلى الشاطئ المشؤوم) حتى يبلغ مساحة منقوصة (كحذاء دون قدم) والاستعارة هنا محمولة بالتواصل مع حساسية تشكيلية تستكمل ردودها الإقراري من تماثلية جملة (كرداء دون لابس يرتديه) وتشير اللقطات المحاذية إلى كمونية ما في حالة الموصوف بلوغا لتشكيل الدينامية المحورية في سرانية الواصف والموصوف (يصل يضرب بخاتم لا فص له ولأصبع فيه) ويتسع التصور التشكيلي نحو حالات فقدية من دليل الموت ذاته وإلى درجة وصول الدال الموتي إلى أن يكون سلطة مرتقبة لا يتطلب نفوذها وجود (يصل ليصرخ دون فم، دون لسان،دون حنجرة) إن إرهاصات المشهد الدوالي هنا حل في حدود سياقية خاصة من التدليل التشكيلي حضوريا، لتنحو دلالة الموت نفسه نحو فلسفة إنتاج الأشياء ضمن متعلقاتها الموقفية الفاقدة لأصولها من وراء ظواهرية حضور الموت ذاته وبذاته:

ما زالت خطاه يتجاوب صداها

وثيابه يتجاوب صداها، خرسا، كأنها شجرة.

لست أدري، وما أفهم إلا قليلا

و أوشك إلا أرى..

بيد أني أخال لأغنيته أزهار البنفسج الرطبة،

لون أزهار من البنفسج قد ألفن التربة.

تحديدا في هذه المقاطع يتدخل صوت السارد الشعري توكيدا واستعلاما بين التعليق والإثارة ليتسلم قيادة القول سردا ويواصل مسيرة حكاية الموت (و ما زالت خطاه يتجاوب صداها، خرسا، كأنها شجرة) إن الفروق الفعلية التي يمكننا أن نلمسها في تجربة قصيدة الشاعر نيرودا تكمن في تمجيدها لحقيقة افتراضات حالات الموت ــ انتزاعا وجوديا ــ لتجلياته التي حلت في حدود هواجس حسية مستمالة اتجاه حالة الموت، لذا تبقى خصوصية الموت تنويها نحو وقائعية تفاصيلية ما يحياها الزمن والقلب ذوقيا وتحصيليا.

الموت في السرر الصغيرة،

في الوسائد البيضاء، في الأغطية السود.

إنه يقبع متربصا...

و لكنه سرعان ما يعصف ويثور،

يعصف بصوت منفر تنتفخ منه أغطية الفراش

و تنطلق الأسرة مقلمات صوب الميناء

ينتظر الموت على رصيفه، في بزة أمير البحر.

تعليق القراءة:

تنتهي اللقطات (الشعرحكائية) بإخفاق الفاعل الشعري في الوصول إلى خاتمة ترسم سياقا مضادا للموت، إلا أن الدال الموتى يتصاعد في طوفانه عبر مشروعه في الوجود من الأشياء (الموت في السرر الصغيرة) وصولا إلى مشهد دائب الحركة المؤاتية (إنه يقبع متربصا) غير إنه سرعان ما يعاود طوفانه ليحطم التوقع ويزرع جنوحه في (و تنطلق الأسرة مقلمات صوب الميناء) بهذا يستكمل الموت فضاءه المندفع عبر حكاية شعرية تلخص على نحو ما فحوى دلالات القصيدة وتكشف دلالتها في مشاهد صورية دائبة بحسية منظور الموت والاستجابة البنائية في علاقات الدلالات الخارجية والداخلية في النص الشعري.

***

حيدر عبد الرضا

 

تعتبر كتابة محمد شكري مثالاً بارزاً في الأدب المغربي الحديث، حيث يمزج بين السرد الواقعي المكثف واللغة الحية الصادمة التي تتناول أقسى تجارب الطفولة في بيئات الفقر والعنف الأسري والاجتماعي. تقدم القصة المختارة نموذجاً صارخاً لصراع الإنسان مع الظروف القاسية، العنف الأسري، والفقر المدقع، وتكشف في الوقت ذاته عن أبعاد نفسية واجتماعية وفلسفية عميقة.

تتميز القصة بأسلوب شكري الواقعي المكثف الذي يمزج الأسلوب السردي المباشر بالصور القوية واللغة الحسية، ما يجعلها مادة خصبة للتحليل النقدي بأساليب متعددة.

أولاً - المنهج الأسلوبي: الأسلوب واللغة والإيقاع والصور الفنية

تستخدم القصة لغة واقعية حادة تنقل قسوة الحياة اليومية للطفل في ظل العنف والفقر. بعض السمات الأسلوبية البارزة:

التكرار: كلمات مثل "أسكت!!" و"يبكي" و"وحش" تخلق إيقاعاً درامياً متسارعاً يعكس رعب الطفولة وشدة الصراع.

الوصف الحسي المكثف: رؤية جثث المواشي، الروائح الكريهة، والدماء، تنقل القارئ مباشرة إلى البيئة القاسية للطفل. هذا الأسلوب يقترب من ما يعرف بـ الواقعية الصادمة.

اللغة المباشرة والحوار المكثف: الحوار الداخلي والخارجي يعكس التوتر النفسي والصراع الأسري. الجمل القصيرة المتقطعة تُبرز الخوف والذعر والاضطراب النفسي.

الصور الفنية والاستعارات: "يداه أخطبوط" استعارية تنقل شعور الطفل بالعجز أمام العنف الأسري، في حين أن "مصابيح الله شاهدة على جريمة أبي" تضيف بعداً شعورياً ودرامياً.

يشبه هذا الأسلوب ما أشارت إليه الناقدة المغربية فاطمة المرنيسي حول قدرة الأدب على تصوير قسوة الطفولة في المجتمعات المهمشة، حيث تصبح اللغة وسيلة لإعادة بناء الواقع المظلم شعورياً وجمالياً.

ثانياً - المنهج الرمزي: الرموز والمعاني المخفية

القصة تزخر بالرموز التي تحمل دلالات اجتماعية ونفسية وفلسفية:

الخبز: رمز أساسي للجوع والحرمان، ولكنه أيضاً يمثل الأمل والوجود البشري الأساسي. البكاء على الخبز يعكس حالة الطفولة المنهكة بالعوز والعنف.

الوحش/الأب: ليس مجرد شخصية، بل رمز للقوة المدمرة، الطغيان الأسري، والصراع النفسي الداخلي للطفل.

المدينة والمزابل: ترمز إلى التحولات الاجتماعية القاسية في المدينة الكبرى، والفقر المدقع كجزء من الواقع الحضري المعاصر.

الدماء والموت: تشير إلى حتمية العنف في المجتمع القاسي، وتمثل أيضاً التحول النفسي للأطفال من البراءة إلى الصراع للبقاء.

يمكن ربط هذه الرموز بما جاء عند المفكر الفرنسي رولان بارت في مفهومه "النص المفتوح"، حيث يصبح الرمز أداة لفتح آفاق متعددة للتفسير النفسي والاجتماعي.

ثالثاً - المنهج النفسي: تحليل الشخصيات ودوافعها

الشخصيات في القصة محورية لتعكس التحولات النفسية العميقة نتيجة العنف والفقر:

الطفل/الراوي: يظهر الصراع بين الخوف، الحزن، والاعتماد على الذات. يتحول من الضحية الساكنة إلى مراقب للحياة والموت، مشهد يعكس تأثير الصدمة النفسية المبكرة.

الأب: رمز للعنف الأسري المركب من الهيمنة، الجنون، والعاطفة المضطربة، ما يعكس صراع الشخصية بين القوة والضعف النفسي.

الأم: شخصية مهددة، لكنها تمثل المرونة والصمود النسبي في مواجهة العنف، وتبرز دور الأم كموازنة نفسية للطفل.

الأخ: يمثل براءة الطفولة التي تتأثر بالمعاناة والعنف المباشر، ويعمل كمرآة لتأثير الصدمات على النفسية المشتركة للعائلة.

من منظور علم النفس التحليلي ليونغ، يمكن اعتبار الأب ظلاً مظلماً يفرض على الطفل مواجهة الجانب المظلم من الإنسانية، بينما الطفل يمثل الأنماط الذاتية البرئية التي تتطور عبر مواجهة هذه الظلال.

رابعاً - المنهج الاجتماعي/الفكري: السياق الاجتماعي والسياسي

القصة تعكس الواقع الاجتماعي المغربي في منتصف القرن العشرين، حيث الفقر المدقع، الهجرة الداخلية، وعدم الاستقرار الأسري:

الهجرة المشيّة على الأقدام: رمز للمعاناة الاقتصادية والاجتماعية، ويكشف سوء الأحوال المعيشية والتحولات الاجتماعية.

المدينة وحيّ المزابل: تصوير التفاوت الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، وانتشار الجريمة والحرمان، يعكس انتقاداً اجتماعياً واقعياً حاداً.

العنف الأسري: يعكس آثار الفقر والبطالة والضغط الاجتماعي على بنية الأسرة التقليدية.

من منظور أحمد عباس، باحث في الأدب المغربي المعاصر، أعمال شكري تقدم مرآة اجتماعية صادقة تعكس تأثير البنى الاقتصادية والاجتماعية على النفوس البشرية والطفولة.

خامساً - المنهج الفلسفي: القيم والأسئلة الوجودية

القصة تحمل أسئلة فلسفية عميقة حول الإنسان، الحرية، والمعاناة:

وجود الطفل في عالم قاسٍ: يطرح سؤالًا فلسفياً عن حقيقة الإنسان في مواجهة الظروف القاسية، وعلاقته بالحرية والاختيار.

الخير والشر: يظهر التناقض في الشخصيات (الأب كشر، الطفل كبراءة)، ما يثير بحثاً فلسفياً عن طبيعة الشر في الحياة اليومية.

الموت والحياة: تصوير الجثث والموت حول المخيمات يشير إلى حقيقة هشاشة الإنسان أمام الطبيعة والمجتمع، وتأملات وجودية حول البقاء والمعاناة.

يتوافق هذا مع أفكار جان بول سارتر وفلاديمير يانكوفسكي حول الوجود والعبثية، حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن خلق معنى حياته في عالم بلا رحمة.

الخاتمة:

تقدم القصة نموذجاً قوياً ومكثفاً للأدب الواقعي المغربي المعاصر، حيث تتشابك مستويات متعددة للتحليل: أسلوبية، رمزية، نفسية، اجتماعية، وفلسفية. عبر لغة حية وصور صادمة وحوارات مكثفة، يعكس محمد شكري معاناة الطفولة والفقر والعنف الأسري، ويطرح أسئلة وجودية عميقة حول الإنسان والمجتمع والمعاناة.

يمكن اعتبار هذه القصة نموذجاً للأدب الواقعي المتجاوز للمجردة السردية إلى نص مفتوح يستدعي القارئ للتفكير العميق في النفس والمجتمع والوجود.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بقلم: جوناثان مايرسون

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

لم يكن لدى سايروس شمس الكثير من النجاحات. فهو مدمن كحول وقيد التعافي، كما أنه شاعر أمريكي من أصل إيراني، ولم يحالفه الحظ بالنشر على نطاق واسع،  وكان يكسب قوت يومه بشق النفس في إنديانا وذلك بالتمثيل في دور أشخاص معلولين بلغوا مرحلتهم النهائية، ولم يتسن لهم غير أطباء قيد التمرين. وسبق أن ماتت والدته بنيران البحرية الأمريكية، في حادث عرضي.  كما أن اسمه لا يخلو من السخرية. ولذلك، ليس من المستغرب أن يهتم بالتخطيط لكتاب يتكلم عن موضوع الشهادة، حتى يصبح له أهمية في حياته.

وكانت أمه في عداد الـ 290 راكباً على متن رحلة الخطوط الجوية الإيرانية رقم 655 التي أطلقت المدمرة الأمريكية "يو إس إس فينسنيس" النار عليها متوهمين أنها طائرة حربية. وكان سايروس يريد أن يعزو لموت والدته أي معنى،  وأن لا تكون مجرد جثة تحمل رقما.  فتصور أنها شهيدة، وجعله ذلك يسعي لمصير مشابه أيضاً - وبذلك يوفر لنفسه فرصة تسكت "آلة الموت... التي تنبض في بلعومه".

ولذلك حينما وجد أصدقاؤه المخلصون إعلانا عن معرض "حديث الموت"، وهو آخر احتفاليات أعمال متحف بروكلين، فكّروا: "إن كانت هناك إشارة ذات معنى، هذه هي".

وكانت أوركيده، الفنانة الأمريكية ذات الجذر الإيراني تعاني من سرطان بلغ مراحله الأخيرة، وتوجب عليها أن تقضي أيامها الأخيرة في هذا المعرض لتتكلم مع طابور الزائرين. واعتبروا أن هذا بحث عن معنى للموت، وإن لم يكن كذلك، فماذا هو؟. ولم يصعب عليهم إقناع سايروس بإنفاق باقي مدخراته لقاء بطاقة طيارة. 

كان سايروس معجبا ببوبي ساندز، وجان دارك، ورجل الدبابة الذي ظهر في ساحة تيانامين، لكن غيرت المرأة التي شاهدها في معرض بروكلين رؤيته للعالم. وأصبح متلهفا لرؤيتها كل يوم، واكتشف أنها تبادله هذا الشعور. لكنه وهو يجهز قائمةً من الأسئلة الهامة ليطرحها على ملهمته نسي أنها في المراحل الأخيرة من مرض السرطان.

ثم بالإضافة لذلك  يرسم أكبر صورةً متعددة الوجوه والجوانب لكل ما دفع هذا الراغب بالشهادة ليصل إلى هذه النقطة. فنشاهد والدته، رؤيا وهي في ظل زواج تعيس، غير أنها تجد شيئا أفضل مع زوجة صديق زوجها؛ أما والده فيثور من الغضب،  وينهار لموت زوجته العبثي ("كان غضب عليّ عميقا، يتجاوز الحد الطبيعي، كما لو أنه كلب ميت يقضم عظامه بسبب الجوع")، فيهاجر مع ابنه الرضيع إلى إنديانا. هناك عمه الذي يلتحق بالحرب الإيرانية ضد العراق "المحروم من التعليم، و المهارات خاصة، ولذلك ليس لديه مسؤوليات خارج بلادي".  ويسند له حصان لينتطيه في الميدان الحربي ليلًا، وهو بزي ملاك في عباءة سوداء، ليمد العون لرفاقه الذين يموتون ببطء. ولكنه لا يستطيع أن يقدم لهم سوى السلوان الديني، حتى أنه يمنع من تقديم الماء الذي يتعطشون الذي له. وكانت رؤيا في طريقها لزيارته في مصحة علاج اضطرابات الصدمة في دبي عندما احترقت طائرتها.

ثم يُعاني سايروس من الأرق، فيدخل بحوارلت تشبه الهلوسة مع شخصياتٍ حقيقية وأخرى خيالية. وفي هذه المشاهد التي تشبه الأحلام، تتكلم رؤيا مع ليزا سيمبسون، ويتحادث ترامب مع أوركيده (التي كانت تتسوق النسخة الأصلية من لوحة "منظر طبيعي وسقوط إيكاروس" لبروغيل).

من المؤكد الآن أن هذه الرواية تأتي من كل الاتجاهات، بعضها لا ينقصه المرح، وبعضها غريب الأطوار، وبعضها الآخر كئيب وعميق. ولأن أكبر شاعر مرموق، ومؤلف لثلاث مجموعات شعرية كسبت الجوائز، ولأنه يعد في الولايات المتحدة "أكبر داعم للشعر"، من غير المستغرب أن يضيف لروايته بعض المنتخبات الشعرية. إلى جانب مونولوجات بلسان عشيقة سايروس ومنظمة معرض أوركيده، بل أيضا نبذة تاريخية عن الفردوسي، الشاعر الملحمي الإيراني.

يصنع هذا الأسلوب غير المترابط الشبيه بالموزاييك طاقة تمردية. ولكنه لا يكون بالمجان

بسبب ما يقول عنه سايروس "الحزن الباثولوجي العميق"، والذي لا يجد مهربا منه، يبدأ بالظهور من زوايا غير ذات أهمية، ومحرومة من الحياة والطاقة. حتى أن صديقه المقرب يقول له: "أنت دائم الحركة والكآبة،  ولا تكتب، وتنتابك الشفقة على نفسك". وعندما يكتشف الحقيقة الأخيرة - وهي مفاجأة حقيقية وصادمة - لا يتأثر بها عاطفيا كما يفترض.  ليست المشكلة أننا لم  نقدر سخط سايروس وألمه، لكن أكبر يجعل من الصعب علينا أن نهتم به حقًا.

***

.................................

* صدرت رواية "شهيد" للكاتب قاوة أكبر عن دار بيكادور (بسعر 16.99 £).

* جوناثان مايرسون Jonathan Myerson: مسرحي وروائي بريطاني.

* المقالة مترجمة عن الغارديان عدد 25 شباط 2025

 

للشاعرة السورية: سمر الديك

تُقدّم الشاعرة سمر الديك في قصيدتها "حين تتشابك الرموز يولد وطن" رؤيةً حداثيةً لمفهوم الهوية، متجاوزةً التوصيفات التقليدية للوطن كجغرافيا صلبة، لتجعله كائناً حياً يتشكل عبر "التشابك" الإنساني والروحي.

1. البنية التصاعدية:

تتبع القصيدة هندسة لغوية دقيقة تنتقل بذكاء من الجزئي إلى الكلي. تبدأ الشاعرة برسم ملامح الوطن من خلال تفاصيل صغيرة وحميمية، لتؤكد أن الأوطان تُبنى من تآلف البسيط لا من ضجيج الشعارات، فتقول: "خصلةٍ لاتُقطع" وتنتقل من أثر الطين إلى أفق الأمة:

"يحمل ألواح الطين.. ويقول للقرون: ما زلتُ هنا".

"الوطن يبدأ من خصلةٍ لا تُقطع" وتنتقل من أثر الطين إلى أفق الأمة:

"يحمل ألواح الطين.. ويقول للقرون: ما زلتُ هنا".

2. تجسيد المجرد:

استخدمت الشاعرة اللغة البصرية لتحويل المكونات المجتمعية من أفكار مجردة إلى صور ملموسة، مما نزع عن الاختلافات صبغتها السياسية الجامدة.

فالحكمة تجسدت في: "حجرٍ صغيرٍ احتفظ الدُّرزيُّ به في جيبه.. ليذكّره أن الطريق الطويل يحتاج إلى قلبٍ ثابتٍ"

والإيمان تحول من عقيدة صامتة إلى فعل اجتماعي: "الإيمان ليس جداراً، بل نافذةٌ تُفتح على الجار".

 3. الثنائيات الضدية

يقوم النص على صراعٍٍ صامتٍ بين عالم الانغلاق وعالم الانفتاح. ترفض الشاعرة "وطن البنادق" وتنشد "وطن الكلمات"، حيث تقول بوضوح: "نحن لسنا أسماءً، ولا طوائفَ، ولا خرائطَ تُرسم بالشك"

وتدعو لمواجهة الكراهية بالوعي: "من عرف عمقه، لم يغرق في الكراهية".

4. الخاتمة: فلسفة التحرّر والولادة

تصل القصيدة إلى ذروتها في المعادلة الوجودية الختامية التي تربط بين تحرر الرموز وولادة الوطن. فالوطن هو الجسر الذي يكتمل بتعانق الأرواح: "الحرف حين يتشابك مع الحرف يولد وطن، وأن القلب حين يتشابك مع القلب تولد أمة".

وتختم الشاعرة دعوتها بالعودة إلى الأصل الجوهري:

"تعال نعيدك إلى اسمك الأول: سلام".

القصيدة: حين تتشابك الرموز يولد وطن

***

بقلم: منذر فالح الغزالي

......................

يا وطني…

يا جسداً يتنفّس من شقوق الجبال،

يا اسماً يلمع في الذاكرة

كأن الذاكرة نفسها

تبحث عن يدٍ تمسك بها.

فيك…

 تتدلّى جديلةُ الضوء

كحبلٍ من نورٍ يشدُّ الجبلَ إلى صدره،

وتتدلّى معها ذاكرةُ امرأةٍ

كانت تسرّح شعر ابنتها

وتقول:

“الوطن يبدأ من خصلةٍ لا تُقطع”.

وفيك…

يرتفع موجٌ بلا بحر،

موجٌ يشبه الروح حين تتذكّر أصلها،

كان العلويُّ يراه في داخله

قبل أن يراه في الماء،

موجٌ يكتب على الهواء:

“من عرف عمقه

لم يغرق في الكراهية”.

وفيك

تلمع حكمةٌ بلا شكل،كحجرٍ صغيرٍ

احتفظ الدُّرزيُّ به في جيبه

لا ليحميه،بل ليذكّره

أن الطريق الطويل

يحتاج إلى قلبٍ ثابتٍ لا إلى سلاح.

وفيك…

تعلو مئذنةُ السُّنّي

كأصبعٍ يشير إلى السماء

ويقول للريح:

“ارفقي بالبيوت… ففيها أطفالٌ

يحفظون أسماء الله

أكثر مما يحفظون أسماء البنادق”.

وفيك…

يدقُّ جرسٌ بلا كنيسة،

جرسٌ يشبه نبضاً

يذكّر المسيحيَّ

أن الإيمان ليس جداراً

بل نافذةٌ تُفتح على الجار.

وفيك…

يفتح الآشوريُّ جناحيه

كطائرٍ خرج من سفرٍ قديم،

يحمل ألواح الطين

ويقول للقرون:

“ما زلتُ هنا…وما زال الحرفُ أقوى من السيف”.

وفيك…

تُقام خيمةٌ بلا وترٍ ولا عمود،

ظلٌّ بدويٌّ يُقام أينما حلّ القلب،

ظلٌّ يقول للغريب:

“الطريقُ لا يكتمل إلا بمن يشاركه”.

يا وطني…

يا من علّمتنا أن الرموز

ليست جدراناً،

بل نوافذَ نطلُّ منها على بعضنا.

يا وطني…

يا من جعلتَ من اختلافنا

حديقةً تتفتح فيها اللغات،

وتتجاور فيها الحكايات

كما تتجاور القرى على كتف النهر.

يا وطني…

نحن لسنا أسماءً،ولا طوائفَ

ولا خرائطَ تُرسم بالشك.

نحنُ أنفاسٌ تتجاور،

وأصواتٌ تتعانق،

وخيوطٌ إذا تشابكت

صار اسمها: وطن.

ياوطني…

تعال نعيدك إلى اسمك الأول:سلام.

تعال نكتبك من جديد

بحبرٍ لا يعرف الكراهية،

ونرفعك على كتف القصيدة

لا على كتف البندقية.

تعال…

نعلّم العالم

أن الحرف

حين يتشابك مع الحرف

يولد وطن،

وأن القلب

حين يتشابك مع القلب

تولد أمة.

و أن الرمز حين يتحرّر من شكله

يصير لغة،

وأن اللغة حين تتحرّر من خوفها

تصير جسراً،

وأن الجسر حين يكتمل

يولد وطن.

***

26.01.2026

 

دراسة مقارنة في ضوء الرواية العربية والعالمية

تُقرأ روايات الأستاذ قويدر ميموني، في سياق المقارنة مع الرواية العربية والعالمية، بوصفها جزءا من مشروع سردي يتجاوز الانشغال بالموضوع المحلي أو الحدث التاريخي المباشر، لينخرط في أسئلة إنسانية كبرى شغلت الأدب منذ تشكّل الرواية الحديثة: سؤال المعنى في عالم متصدّع، سؤال الذاكرة بوصفها عبئا لا خلاصا، وسؤال الأخلاق حين تفقد يقينها وتتحول إلى منطقة رمادية لا تُحسم فيها الأحكام. إنّ ما يمنح هذه الروايات قابليتها للمقارنة ليس التشابه الشكلي مع نصوص أخرى، إنما اشتراكها معها، في حدود معينة، في قلق وجودي عام، مع اختلاف في الزاوية والحدة والرهان الجمالي.

ويكتسب هذا المشروع السردي عمقا إضافيا من خلال تداخل مستويات السرد المختلفة، حيث يجمع بين السرد الفردي والتحليل النفسي للشخصيات، وبين البنية الزمنية المعقدة والسياق الاجتماعي والسياسي، ما يجعل الرواية فضاء تأويليا متعدد الطبقات، وهو ما يسمح بإدراجها ضمن دراسات الأدب المقارن دون الوقوع في فخ التشابه السطحي.

في رواية "إل كامينو دي لا مويرتي"، يظهر هذا القلق في أقصى درجاته. فالنص يستدعي، على مستوى الأسئلة الفلسفية، تقاليد الرواية الوجودية كما تجلّت عند ألبير كامو ودوستويفسكي، غير أنه لا يعيد إنتاجها، إنما يعيد مساءلتها نقديا من الداخل. إذا كان كامو، في "الغريب" و"أسطورة سيزيف"، يرى في العبث حقيقة كونية يمكن مواجهتها بالوعي والتمرد، فإن قويدر ميموني يدفع هذا العبث إلى نهايته المنطقية القاسية، حيث يفقد التمرد ذاته قدرته على إنتاج معنى. لا يقف بطل "إل كامينو دي لا مويرتي" في مواجهة العالم ليعلن موقفا فلسفيا، إنما ينغمس فيه حتى يتلاشى الفرق بين الفعل والعدم، وبين الاختيار والسقوط. وهنا يتجاوز النص الوجودية الكلاسيكية نحو أفق أكثر قتامة، أقرب إلى تصورات إيميل سيوران، حيث لا يُنقذ الوعي الإنسان، إنما يضاعف عذابه.

ومن زاوية مقارنة جزئية، يمكن وضع الرواية في حوار غير مباشر مع بعض نماذج الرواية العربية التي اشتغلت على العبث الوجودي دون تبنّي خطاب فلسفي صريح، مثل بعض نصوص صنع الله إبراهيم، حيث يظهر الفرد محاصرا ببنية عبثية لا يملك حيالها سوى الوعي السلبي، مع فارق أن ميموني يدفع هذا الوعي إلى أقصى درجات الانكسار الداخلي.

أما المقارنة مع دوستويفسكي، فتتبدّى في اشتغال الرواية على الجريمة والشر، مع اختلاف جذري في الأفق الأخلاقي. جريمة قتل الأخ التوأم تستحضر، على نحو بعيد، جريمة راسكولنيكوف في "الجريمة والعقاب"، غير أن المسارين السرديين يفترقان جذريا. دوستويفسكي يجعل الجريمة بداية رحلة عذاب تقود، عبر الألم، إلى إمكانية الخلاص وإعادة الاندماج في العالم الأخلاقي. أما عند ميموني، فالجريمة ليست مدخلا للتطهير، إنما لحظة قطيعة نهائية مع أي أفق خلاص. لا يعمل الضمير هنا كقوة إنقاذ، إنما كوعي مأزوم يفضح هشاشة الذات دون أن ينقذها. وبهذا يقترب النص من تصورات جورج باتاي حول الشر باعتباره تجربة حدّية، لا تُفضي إلى تطهّر، إنما إلى كشف فادح لحدود الإنسان.

ويمكن، بحذر منهجي، مقارنة هذا التصور ببعض الروايات العربية التي تعاملت مع الجريمة دون وعد أخلاقي واضح، مثل "اللجنة" لصنع الله إبراهيم، حيث لا تؤدي المواجهة مع السلطة أو الذات إلى خلاص، إنما تعمّق الإحساس بالعبث وانسداد الأفق.

لا يتخفف هذا الأفق المظلم في النهاية بالانتحار، إنما يزداد كثافة. فالانتحار في "إل كامينو دي لا مويرتي" لا يُقدَّم كحلّ تراجيدي أو كذروة درامية، إنما كموقف فلسفي رافض لأي منظومة تمنح التمرد قيمة خلاصية جاهزة. هنا تدخل الرواية في حوار نقدي مع كامو: ماذا لو كان التمرد ذاته وهما؟ ماذا لو كان الوعي بالعبث لا يقود إلا إلى مزيد من العراء؟ بهذا المعنى، تُقدّم الرواية سردا وجوديا إنما بلا عزاء، يضع القارئ أمام تجربة قصوى لا تمنحه حماية فكرية أو أخلاقية.

ويمكن هنا الإشارة إلى تقاطع جزئي مع روايات عالمية لاحقة على الوجودية الكلاسيكية، مثل بعض أعمال صموئيل بيكيت السردية، حيث يتحول الوعي إلى عبء ثقيل، دون الادعاء بتماثل فني أو فلسفي كامل.

في "رسائل إلى تافيت"، ينتقل مشروع قويدر ميموني من مواجهة العبث إلى تفكيك الذاكرة، وهو انتقال يفتح أفق المقارنة مع عدد من التجارب الروائية التي جعلت من التذكر فعلا إشكاليا. في الرواية العربية، يمكن استحضار أعمال عبد الرحمن منيف، من زاوية اشتغال بعض نصوصه على الذاكرة بوصفها أداة لفهم التحولات. غير أن ميموني لا يستخدم الذاكرة لاستعادة ما ضاع، إنما يعمّق الإحساس بالفقد واللااكتمال. لا ترمم الرسائل الماضي، إنما تكشف هشاشته وتفضح عجز اللغة عن احتوائه.

كما يمكن إجراء مقارنة جزئية مع رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي من حيث اشتغال السرد على الذاكرة والحنين والكتابة بوصفها فعل استعادة ذاتية، دون القول بحضور الرسائل كبنية سردية مباشرة في الرواية. فالذاكرة عند مستغانمي تميل إلى الجمالية والاستعادة العاطفية، بينما تتحول عند ميموني إلى عبء أخلاقي ووجودي يثقل الذات بدل أن يعزّيها.

وعلى المستوى البنيوي للزمن، تبدو المقارنة مع ميلان كونديرا ممكنة في حدود معالجة الزمن غير الخطي. فالزمن في "رسائل إلى تافيت" ليس خطيا، إنما متشظٍ ودائري، كما في "خفة الكائن التي لا تحتمل" و"كتاب الضحك والنسيان". غير أن كونديرا يتعامل مع هذا التشظي بوصفه مساحة للتأمل والسخرية الفلسفية، بينما يثقل ميموني الزمن بالحنين والذنب والتردد الأخلاقي. ليست الذاكرة عنده لعبة فكرية، إنما عبء وجودي يضغط على الحاضر ويمنعه من الاكتمال.

ومن زاوية عالمية أخرى، يمكن مقارنة هذا التشظي الزمني بما نجده عند وليام فوكنر، خاصة في روايته "الصخب والعنف"، حيث يتفكك الزمن تحت ضغط الوعي المأزوم، مع التأكيد على اختلاف السياق الثقافي والرهان الجمالي.

تافيت، بوصفها مخاطَب الرسائل، تذكّر ببعض الشخصيات النسائية في الأدب العالمي بوصفها مرآة وجودية لا موضوع حب فقط، كما نجد عند بروست أو عند رولان بارت في "شذرات من خطاب في العشق". غير أن ميموني لا يمنح الذاكرة طابع الخلاص الجمالي كما يفعل بروست في "البحث عن الزمن الضائع"، إنما يسلك اتجاها معاكسا: استعادة الماضي هنا لا تنقذ، إنما تجرح. إن الزمن المستعاد لا يمنح المعنى، إنما يضاعف الإحساس بثقل ما لا يمكن استرجاعه دون كلفة نفسية وأخلاقية.

ويمكن هنا إجراء مقارنة جزئية مع روايات عربية اشتغلت على المرأة بوصفها مركزا للذاكرة والغياب، مثل بعض نصوص الطاهر بن جلّون، دون ادّعاء تطابق في الرؤية أو الأسلوب.

في هذا السياق، تلتقي "رسائل إلى تافيت" مع روايات الاعتراف الحديثة التي ترى في الكتابة محاولة للفهم لا للتبرير. المسامحة، الذنب، الندم، كلها تُطرح بوصفها أسئلة مفتوحة لا أحكاما مغلقة، ما يضع الرواية في حوار غير مباشر مع تصورات بول ريكور حول الذاكرة والهوية السردية، حيث لا يكون الإنسان كيانا ثابتا، إنما حكاية يُعاد سردها باستمرار، مع ما يرافق ذلك من تشويه وحذف وانتقاء.

أما "ما لا يخفيه الظلام"، فتفتح مشروع ميموني على الرواية التاريخية، لكن من زاوية تفكيكية تجعلها أقرب إلى الرواية التاريخية الجديدة منها إلى النماذج الكلاسيكية. فالتاريخ هنا لا يُستعاد بوصفه سردية وطنية مطمئنة، إنما فضاء أخلاقيا مأزوما. في الرواية العربية، يمكن مقارنتها بأعمال واسيني الأعرج وجمال الغيطاني، في حدود توظيف التاريخ للكشف عن السلطة والعنف، لا بوصفه سردية بطولية مكتملة.

وعالميا، يمكن وضع الرواية في مقارنة منهجية مع نماذج من "الرواية التاريخية الجديدة" كما تتجلى عند أمبرتو إيكو، حيث لا يُقدَّم التاريخ بوصفه حقيقة مغلقة، إنما خطابا قابلا للتأويل والشك، مع التأكيد على اختلاف المرجعية الثقافية والموضوعية.

غير أن ميموني يذهب أبعد من ذلك، مقتربا من تصورات بول ريكور حول "الذاكرة الجريحة"، حيث يصبح الماضي ساحة صراع بين سرديات متنافسة. لا تتحرك شخصيات الرواية داخل يقين ثوري مطلق، إنما داخل شبكة معقدة من التناقضات الأخلاقية: مقاومة تتداخل مع الخيانة، حب يولد في قلب العنف، وشرف يتآكل تحت ضغط البقاء. ومن ثم تُفهم الرواية في إطار مساءلة التاريخ بوصفه عبئا أخلاقيا.

لا يظهر الحب في "ما لا يخفيه الظلام" بوصفه خلاصا رومانسيا، إنما تجربة حدّية تُختبر داخل سياق عنيف. تستدعي علاقة لوط وليزا نماذج حب مستحيل في الأدب، دون ادعاء تطابق مع تجارب عالمية محددة، لكنها تتفرّد بكونها تُكتب داخل فضاء استعماري يجعل من الحب ذاته فعل مقاومة غير معلن، وجرحا أخلاقيا في آن واحد.

ما يجمع روايات قويدر ميموني بهذه التجارب العربية والعالمية هو انتماؤها إلى ما يمكن تسميته سرديات الشك. غير أن ما يميز ميموني داخل هذا الأفق المقارن هو رفضه لأي مصالحة سهلة مع العالم. فلا العبث يتحول إلى بطولة، ولا الذاكرة إلى خلاص، ولا التاريخ إلى عزاء.

أسلوبيا، تنتمي لغة ميموني إلى تقليد روائي يزاوج بين الحسّ الشعري والتوتر الفلسفي. ليست الجملة عنده وسيلة للسرد فقط، إنما أداة حفر في الوعي.

في ضوء هذه المراجعة، يمكن القول إن روايات قويدر ميموني تشكّل إضافة نوعية إلى الرواية العربية المعاصرة، لا لأنها تستعير من الرواية العالمية، بل لأنها تحاورها من موقع نقدي واعٍ، انطلاقا من تجربة جزائرية مشبعة بالتاريخ والذاكرة والقلق الوجودي. إنها روايات تؤكد أن الأدب لا يعود ملكا لجغرافيا بعينها، إنما مساحة إنسانية مشتركة يُعاد فيها طرح السؤال الجوهري: ماذا يعني أن نكون بشرا في عالم دون ضمانات؟

***

وليد الأسطل

 

وملحمة الوعي حين يحتفل بالعمر

الإنسان بوصفه مركز الكون النّصيّ: في بداية يناير، احتفلت الأديبة صباح بشير بعيد ميلادها؛ غير أنّ هذا الحدث، في سياق تجربتها، لا يمكن اختزاله في مناسبة شخصيّة أو تاريخ عابر، إنّه احتفال رمزيّ بتراكم الوعي، وبزمنٍ لم يمرّ عبثا، بل تحوّل إلى معرفة، وإلى كتابةٍ أكثر رسوخا، وإلى رؤيةٍ أشد صفاءً وجرأة، فعند صباح بشير، لا يقاس العمر بعدد السنوات، بل بمدى ما أضافه إلى المعنى، وبما تركه من أثرٍ في النّصّ والإنسان معا، هو عيد كاتبة جعلت من الزّمن شريكا للإبداع، لا شاهدا عليه، ففي خضمّ المشهد الأدبيّ العربيّ، المزدحم بالأصوات والمتسارع بالإنتاج، تتقدّم صباح بشير بوصفها تجربة مختلفة في جوهرها، لا في مظهرها فحسب.

هي أديبة لا تكتب لتُرى، بل لتُقرأ بعمق؛ ولا تسعى إلى الحضور العابر، بل إلى البقاء الهادئ المتين، كتابتها ليست ردّ فعلٍ آني، ولا صدى لموجةٍ طارئة، بل مشروعٌ فكريّ وأدبيّ يتشكّل بوعي ويتقدّم بثبات، ويعرف طريقه دون ضجيج.

الإنسان بوصفه مركز الكون النّصيّ:

ينبني عالم صباح بشير الكتابّي على رؤية إنسانيّة عميقة، تجعل الإنسان محور النّصّ وغايته القصوى. الإنسان في هشاشته وقوته، في قلقه وأسئلته، في صراعه مع ذاته ومع العالم. لا تنظر إليه من علٍّ، ولا تتعامل معه بوصفه فكرة مجرّدة، بل ككائن حيّ، نابض بالتّناقضات، محاصر بالأسئلة الوجوديّة، ومشدود إلى البحث عن معنى وسط عالم مضطرب.

من هنا، تأتي نصوصها مشبعة بالبعد التّأمّلي، لا تقدّم حلولا جاهزة، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تفتح مساحات للتّفكير، وتجعل القارئ شريكا في إعادة طرح الأسئلة الكبرى: الهويّة، الوعي، الذّاكرة، الاغتراب، والوجود.

اللّغة: سلطة المعنى وجمال الاقتصاد:

لغة صباح بشير ليست أداة تزيين، بل سلطة معرفيّة وجماليّة في آنٍ واحد، هي لغة مشذّبة، دقيقة، واعية بحدودها وإمكاناتها، لا تعرف الإسراف ولا الفقر، بل تقوم على اقتصادٍ لغويّ ذكي، يُحمّل الجملة أكثر ممّا تبدو عليه.

تتجنّب الزّخرفة المجانيّة، لكنّها لا تتخلّى عن الشّعريّة؛ تبتعد عن الغموض المتكلّف، لكنّها لا تسقط في المباشرة السّطحيّة، في نصوصها، يصبح الصّمت جزءا من المعنى، وتغدو الإشارة أبلغ من التّصريح، ويكتسب الإيقاع الهادئ قدرة عالية على النّفاذ إلى وعي القارئ.

نضج التّجربة وبناء النّصّ:

ما يميّز تجربة صباح بشير على المستويين الفنّيّ والأدبيّ، هو ذلك النّضج الواضح في بناء النّصّ، فالنّص لديها كيان حيّ، له بداية واعية، ومسار مدروس، وخاتمة تترك أثرا فكريّا أو وجدانيّا طويل الأمد.

 لا تكتب بدافع التّفريغ الشّعوريّ، ولا تترك النّصّ رهينة الفوضى، بل تمارس كتابة مسؤولة، تحسن إدارة الفكرة، وتتقن ضبط الإيقاع، وتعرف متى تتقدّم ومتى تتراجع.

هذا التّوازن بين الحرّيّة والانضباط يعكس خبرة تراكميّة، ووعيا عميقا بأدوات الكتابة، وإدراكا صريحا بأنّ النّصّ ليس ملكا للكاتب وحده، بل عهدة أخلاقيّة أمام القارئ.

الأدب بوصفه موقفا لا ترفا:

في جوهر تجربتها، تؤمن صباح بشير بأنّ الأدب موقف فكريّ وأخلاقيّ قبل أن يكون متعة جماليّة، لذلك.. لا تنساق وراء السّهولة، ولا تُهادن الفراغ، ولا تُجامل الذّائقة الكسولة.

كتابتها منحازة إلى العمق، وإلى القارئ الواعي، وإلى النّصّ الّذي يُقلق بدل أن يُطمئن، ويُوقظ بدل أن يُخدّر.

إنّها كتابة لا تصرخ، لكنّها لا تساوم؛ لا تستعرض، لكنّها لا تتنازل، من هنا تنبع قوتها الحقيقيّة: من الصّدق، والاتّزان، والوفاء لقيمة الكلمة.

حضورٌ نوعيّ وأثرٌ متراكم:

تمثّل صباح بشير نموذج الأديبّة الّتي تبني حضورها بالاستمراريّة، لا بالضّجيج، وبالنّوع لا بالكمّ، حضورها في المشهد الثّقافيّ حضور نوعيّ، يُضيف ولا يكرّر، ويُعمّق ولا يُسطّح.

هي من الأصوات الّتي تذكّرنا بأنّ الأدب ليس سِباقا نحو الشّهرة، بل مسارا طويلا نحو المعنى، وأنّ القيمة الحقيقيّة للنّصّ تقاس بقدرته على البقاء في الذّاكرة، لا بسرعة انتشاره.

خاتمة: حين يصبح العيد احتفالًا بالكلمة:

إنّ الاحتفال بعيد ميلاد صباح بشير هو في حقيقته، احتفال بتجربة أدبيّة تتقدّم بثقة وهدوء، وبكاتبة جعلت من العمر حليفا للفكر، ومن الزّمن رافعة للوعي، ومن الكتابة فعلا إنسانيّا نبيلا. وفي زمنٍ تتآكل فيه المعاني، وتُستهلَك فيه الكلمات بسرعة، تظلّ صباح بشير من الأصوات النّادرة الّتي تُعيد للكلمة وزنها، وللنّصّ هيبته، وللأدب دوره بوصفه ملحمة وعيٍ لا تنتهي.

***

طلال عبد الحليم السّكّر- الأردن

لقصيدة الشاعرة: ثورية الكور

تندرج قصيدة «نحن الذاكرة» للشاعرة ثورية الكور ضمن المتن الشعري الحداثي الذي يعيد الاعتبار للغة بوصفها حاملاً للخبرة الوجودية، لا مجرد أداة تعبير. فالقصيدة لا تكتفي بتمثيل التجربة النسوية، بل تعيد صوغها عبر لغة عالية التوتر، متوازنة بين الفصاحة والدلالة، حيث يتكافأ اللفظ والمعنى، ويتحوّل الإيقاع إلى بُعد نفسي وجمالي فاعل.

تعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي–الأسلوبي، مع الاستنارة بالمنظور النفسي–النسوي، مركّزةً على:

١- فصاحة اللفظ ووجاهة التركيب.

٢- المعمار الصوتي والإيقاعي.

٣- البنية الفنية والدلالية.

علاقة الذات النسوية بالعالم

أولاً: فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تتسم لغة القصيدة بصفاء معجمي وانضباط نحوي، يخلو من التعقيد المتكلَّف، ويعتمد المباشرة المشحونة بالدلالة. فالجملة الافتتاحية:

«نحن الذاكرة»

جملة اسمية قصيرة، لكنها ذات كثافة دلالية عالية؛ إذ جاء المبتدأ «نحن» معرفاً بالحضور الجمعي، وجاء الخبر «الذاكرة» معرفةً أيضاً، مما أفاد القصر والتطابق بين الذات والوظيفة الوجودية. فالفصاحة هنا لا تقوم على الزخرف، بل على الاقتصاد التعبيري الذي يحمّل اللفظ أقصى طاقته الدلالية.

ويستمر هذا التوازن في قولها:

«أحنّ من الماء حين يشتد العطش»

جملة قائمة على تشبيه بليغ، يراعي الملاءمة بين اللفظ والمعنى؛ فالماء أصل الرحمة، والعطش ذروة الحاجة، فكان اللفظ منسجماً مع الموضوع دون افتعال.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي

1. الوزن والجرس:

القصيدة تنتمي إلى الشعر الحر، غير أنها لا تهمل الإيقاع، بل تؤسسه على:

١- الجرس الصوتي

٢- تكرار المقاطع

٣- التوازي التركيبي

مثل:

«بكت

بكت الشجرة

بكينا»

هذا التدرّج الصوتي من المفرد إلى الجمع يولّد تصاعداً إيقاعياً نفسياً، يحاكي انتقال الألم من الفردي إلى الجماعي.

2. الموسيقى الداخلية:

تتجلّى الموسيقى الداخلية في:

١- تكرار الأصوات الرخوة (الميم، النون)

٢- الوقفات الصامتة (…)

٣- الجمل القصيرة المتقطعة

وهو إيقاع يُحاكي البكاء المكتوم، حيث يصبح الصمت عنصراً موسيقياً لا يقل أثراً عن الصوت.

ثالثاً: البنية الفنية والمعمار الشعري

1. البناء العام:

لا تعتمد القصيدة السرد الخطي، بل تقوم على بنية مشهدية تتجاور فيها الصور دون تسلسل زمني صارم، وهو ما ينسجم مع طبيعة الذاكرة الجريحة، التي تستعيد الألم على شكل شذرات.

2. الشخصيات الرمزية:

١- الحطّابة: تمثّل المرأة في دور مزدوج (الفاعلة/الضحية)

٢- الشجرة: الجسد والذاكرة والأنوثة

٣- الطفلة: الذات الأولى قبل الصدمة

هذا المعمار الرمزي يمنح النص عمقاً نفسياً دون الإخلال بالوضوح التعبيري.

رابعاً: الصورة الشعرية بين الجمال والجرح

تقوم الصورة الشعرية على الاقتصاد والدهشة، كما في:

«لكن الفأس في الرأس

والشجرة… هي التي تبكي»

جملة قائمة على قلب العلاقة السببية، حيث يتحوّل العنف من فعل خارجي إلى جرح داخلي، وهو تعبير بالغ الوجاهة عن الاستبطان القهري للقمع.

كما تتجلى الصورة المركّبة في:

«كأكواب سقطت دون ضجيج»

تشبيه حسّي بسيط، لكنه بالغ الدقة في تصوير الانكسار الصامت.

خامساً: البنية الدلالية ونقد خطاب الإنكار

تشتغل القصيدة ضد خطاب اجتماعي يُنكر الألم النسوي، كما في:

«لكن الدمع لا يُدرج في تقارير الحزن»

هنا تتقاطع اللغة الشعرية مع اللغة الإدارية، في مفارقة تكشف برودة الخطاب المؤسسي إزاء الألم الإنساني. الدلالة لا تُفرض، بل تتولّد من اصطدام الحقلين اللغويين.

سادساً: البعد النفسي–النسوي وعلاقة الذات بالعالم

القصيدة لا تطلب الخلاص، بل الاعتراف:

«لا نبحث عن خلاص

نبحث فقط عن مرايا»

المرآة رمز للهوية والاعتراف بالذات كما هي، لا كما يُراد لها. نفسياً، تمثّل محاولة لترميم الذات بعد التشظي، ونسوياً هي مطالبة بالاعتراف لا بالشفقة.

العالم في النص كيان مشكّك:

«فقط لأن العالم لا يصدقنا»

وفي مقابل هذا الإنكار، تتخذ الذات من الكتابة فعل مقاومة، ومن الجرح مادة للمعنى.

سابعاً: كما تم إجراء نماذج إعرابية تطبيقية من النص تبين قوة السبك اللغوي.

خاتمة:

تقدّم قصيدة «نحن الذاكرة» نصاً شعرياً متماسكاً، يقوم على فصاحة اللفظ، ووجاهة التعبير، وانسجام الشكل مع المضمون. استطاعت الشاعرة ثورية الكور أن تحوّل الألم النسوي من تجربة هامشية إلى خطاب جمالي معرفي، يوازن بين الإيقاع والدلالة، ويجعل من اللغة فضاءً للاعتراف والمقاومة.

النتائج

تحقق القصيدة توازناً دقيقاً بين اللفظ والمعنى دون افتعال بلاغي.

الإيقاع الداخلي قائم على الجرس والتكرار والصمت الدلالي.

الصورة الشعرية أداة كشف نفسي لا زخرفة لغوية.

البنية الفنية تعتمد المشهد والرمز لا السرد المباشر.

النص يواجه خطاب الإنكار عبر لغة اعترافية جمالية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

.............................

نحن الذاكرة

نحن الذاكرة،

ونحن النساء، أحنّ من الماء حين يشتد العطش

حين بكت الحطابة

بكت الشجرة أيضا

بكينا

لكن الدمع لا يدرج في تقارير الحزن

لا لشيء… فقط لأن العالم لا يصدقنا

أيقظنا الألم في أعماقنا

كي تنهض طفلة من سكون الليل

سقطت منها دميتها ذات مساء، فبكت

مرت الحياة أمامها

كالحطابة

لكن الفأس في الرأس

والشجرة... هي التي تبكي

يقولون ..النساء يبالغن في البكاء !

لكن،

من علمنا أن الانكسار يحتاج صوتا ؟

نحن انكسرنا في صمت

كأكواب سقطت دون ضجيج

ولا يرى شروخها

إلا من غمرها بماء دافئ

لا نبحث عن خلاص،

نبحث فقط عن مرايا

تشبهنا حين ننظر فيها،

بعيون منسية على عتبات الخوف

وقلوب مثقلة بحكايات،

جدّلتها الأمهات في ضفائرنا

قبل أن نخرج للعالم

مسحنا على وجوهنا ذاكرة من التراب،

وحفرنا بأظافرنا موطن الروح،

لنزهر مع كل انكسار،

ونذبل كل مساء،

ونخبئ الدمع في أكياس ضحك

*

في كل حكاية انكسار،

وفي كل خانة تعدّد،

نصير رقما… وغصّة

*

لسنا الخطيئة،

لكنهم جعلونا أرضا توقّع عليها الخسارة

بأصابع من صمت

*

فسلام علينا، نحن النساء،

يوم عشنا الألم وكتبناه على المناديل،

وجعلنا من الرقص على الجراح،

طريقا إلى النجاة

***

ثورية الكور

 

من الملفت في كتاب " خطوات من ريش " للشاعرة اللبنانية ندى الحاج كثرة الصور الشعرية ووفرتها، والتي لا يكاد يخلو منها أي نص من نصوصه، وما تزخر به هذه الصور من ميزات جمالية وبلاغية تطغى وتهيمن على متنه الشعري مقارنة مع باقي العناصر والموضوعات . بدءا من النصوص الأولى حيث نقرأ في النص الثالث الموسوم ب" لغز": " حاولت أن أمسح الدمعة عن الليل / وأغمض جفن الغموض/ وأطلق سراح الأيام ... " ص 12، ما يدفع للتساؤل عن دموع الليل، وعن طبيعتها، وأبعادها، ونوع الغموض الذي يمتلك جفنا يغمض، وتسريح الأيام، كوعاء زمني غير محدد ومحدود، وفكها من الاعتقال . والنص الرابع " بين بحرين " الذي تتمعن فيه الشاعرة الفراغ فتراه ممتلئا، من خلال رؤية مغايرة يبدو فيها الفراغ مختلفا عما يعمه من خواء: " تمعنت في الفراغ / فوجدته ممتلئا " ص 14، لتتوالى الصور بتعابيرها المنفتحة، المنزاحة: " الحياة هذه التي تخلقني من أثيرها كل يوم / تكتبني لأسير، وأكتبها لأطير . " ص16، فالحياة كمصدر ومنبع للأثير ترسم عبر الكتابة مسار الشاعرة، التي تبادلها فعل كتابة تتحول إلى أداة للطيران والتحليق، وهي صور تروم التنويع من خلال ما تخلقه من أشكال حبلى بحمولات مجازية، وزخم جمالي: " ربما أكون في منعطف أسرق النار / أو قرب نهر، أعتمر الشمس " ص17، في تحديد مكان تواجد الشاعرة ( منعطف، أو قرب نهر ) لاجتراح فعل سرقة النار، أو اعتمار الشمس، وهو تصوير ينضح خيالا وغرابة وانزياحا عن المواضعات التعبيرية في النهج والصياغة، صور تتجدد حُلَلها، وتتنوع أبعادها في اطراد وتوالٍ في مثل: " أنسج الوهم بِصِنارة الغيم / وأقسم العالم نصفين " ص 106، في نسج الوهم بصِنارة الغيم، وتجزيء العالم لقسمين ؛ وهي صورة منفتحة على عدة رؤى للقراءة والتأويل، وكيف ُيْنِبت الحُبّ غابة تزهر رؤى: " حُبّ أنبت غابة / وغابة أزهرت رؤى " ص 135، وبالموازاة مع غزارة الصور وتواليها وردت عناصر بلاغية من جناس مثل: " وينكشف لك السير العذب / حرفا حرفا على لوح الكون " ص 27، وفي: " يحضنها يعصرها ويذيبها / سبحة سبحة، حبة حبة " ص 42، وطباق كما نقرأ في: " من شاطئ قريب أو بعيد " ص 11، في مقابلة القرب للبعد، والوقت للاوقت: " حاولت سرقة الوقت من اللاوقت " ص12، والحضور للغياب: " وبحضور لا يأبه للغياب " ص70، وعنصر التشبيه: " كنهر يجرف الصلاة .../ كفجر الصدق / كبوح صديق لصديق " ص 22، الذي تكرر في العديد من المقاطع من مثل: " وجه رسمته ... / غمرني كموجة كهداية " ص103، في متتاليات تغني معاني المدونة الشعرية، وتوسع دائرة معانيها بما تخلعه عليها من مسوحات بلاغية . كما انبنت نصوص المجموعة على إيقاع منحها نبرة داخلية تشكلت من توالي وتتابع حروف كالسين،والتاء، والراء في قولها: " وسترت ما سترت / سلكت في سر النور / وأدمنت طقوسه / أسدلت الستائر، ملأت الجرار " ص10، وخارجية اختتمت مقاطعها بالتاء كما في: " لم أعد أخشى الغوص في العتمات / ولا الدوار في المرتفعات / والتيه في المنعطفات " ص16، كما تم استخدام عناصر من المحيط الخارجي للكون، مثل العصافير، والسحاب: " لأفهم لغة العصافير/ وحركة السحاب في الغيب " ص9، والغزلان: " لم تعد الغزلان ترتجف ... " ص117، والأزهار والأنهار: " وتتقاسم الرجاء مع الأزهار / وترقص على حافات الأنهار" ص 123، فضلا عن الموضوعات الكثيرة التي ضمتها نصوص الكتاب ؛ من حلم: " جئت لأرى / وألمس الحلم " ص 9، تتعاظم وتتنامى الرغبة لرؤيته، ومداعبته، وربما القبض عليه، والاعتقاد بوقوفه في حالة انتظار قصد التعرف عليه بإدراك حقيقته، وطبيعة جوهره وما تنم عليه من غواية وجاذبية: " ينتظرني بشغف كبير، حلم لا أعرفه / وأنتظره، بلهفة طفل ورؤيا نبي. " ص73، وحُبّ لا ينكشف ولا يعاين: " حين يكسوك الحب دون أن يُرَى / ويحتل كيانك كالأثير " ص 26، ولا يتوانى هذا الحب في الكشف عن حقيقته والجهر بها: " قال الحب كلمته / وما زال يدور ويقرع الأجراس " ص 109. كما عمدت الشاعرة إلى الاستيحاء المدثر برداء ديني ذي مرجعية قرآنية: " لم يبتلعني الحوت ولم أخف " ص 15، كما ورد في القرآن الكريم عن قصة ابتلاع الحوت للنبي يونس، ومكوثه في بطنه لفترة في سورة " الصافات "، وسورة " الأنبياء "، وسورة " القلم "، و" الخَضِر " كمشبه به في قولها: " حينها جاءني الحب كالخَضِر ... " ص 13، وآدم، ومريم العذراء: " مند عُلِّم آدم الأسرار / حتى صمت العذراء المهيب " ص58، في تحوير ل "الأسماء" ب " الأسرار " كما جاء في سورة " البقرة ": " وعلم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة "، وقصة مريم التي نفخ فيها الله من روحه . ولم تخل نصوص المجموعة من عناصر أخرى ك " الأنسنة " التي تجلت في قولها: " سَلَّمْتُ على المقعد المنتظِر ... / فلم يتذكر صوتي / توقفت بالغصن المنحني فلم يأبه للطفي " ص84، وبخلع التذكر على مقعد الذي وجه إليه السلام، والتعامل بلطف مع غصن تجاهل ذلك، وكلها أفعال تتغيا أنسنة ما هو خارج عن جنس البشر من (جماد، شجر) . وكان للموضوع الصوفي حضور في متن المجموعة كما في نص " كوني أنتِ " حيث تحل فراشة في امرأة ويندغمان في نفس الذات: " حيث تحوم فراشة حولكِ / وتصيُر أنتِ . " ص 122، وحلول الذات الإلهية في أعماق فؤاد المتكلم في نص " كلمة واحدة ": " أيها الإله الساكن قلبي اسمعني ! " ص 140، ملتمسا منه الإصغاء إليه، في توظيف لموضوع الحلول الذي ورد لدى الكثير من أعلام المذهب الصوفي ؛ ومنها الحلول بالذات الإلهية عبر مجاهدات ومكابدات معروفة ومتبعة لدى شيوخ التصوف ومريديه . واستعمال السؤال: " أيختفي وقد خرق الحجاب؟ / وهل يبقى السر سرا في جبة الأولياء؟ / كيف للسماء أن تنطوي وللنور أن ينجلي؟ " ص120، الذي يبقى معلقا،ومفتوحا على شتى الاحتمالات والافتراضات مع ما يتضمنه من إيحاءات دلالية ورمزية، والحوار مثل ما نقرأ في نص " بيت ": " كم مرة أحببت؟ / ـ في كل مرة حلمت . / ما زلت تحلم؟ / ـ نعم / وتحب؟ / في حالة حلم دائمة ... " ص104، عن الحب ومدى تقاطعه بالحلم، وما يجمعهما من تواشج وتكامل عبر أسئلة وأجوبة تروم سبر أغوار مشاعر، وخوض غمار امتدادات تنشد استشراف المجهول عبر عدة من رؤى متحررة، ورغبات جانحة.

فكتاب " خطوات من ريش " الشعري غني بحمولاته الدلالية، وعناصره البلاغية، والجمالية، والإيقاعية . وموضوعاته المختلفة يشكل لونا تعبيريا نهل من مرجعيات تراثية، وتاريخية، وعقدية ... اعتمادا على أدوات وأشكال إبداعية منحته ميزات رفيعة القيمة والمقام .

***

عبد النبي بزاز ـ المغرب

......................

ــ خطوات من ريش ( شعر) ندى الحاج .

ــ منشورات المتوسط ـ ميلانو إيطاليا 2023.

يشكّل الشعر الوجداني الحديث أحد أبرز الحقول التي تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الرؤية الوجودية، حيث لم يعد الحب مجرّد انفعال عاطفي أو غنائية مباشرة، بل تحوّل إلى بنية رمزية معقّدة تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات والعالم واللغة. وفي هذا السياق، تغدو القصيدة فضاءً دلالياً مفتوحاً، تُختبر فيه حدود القول الشعري، وتتداخل فيه الأبعاد النفسية والفلسفية ضمن تشكيل جمالي متوتر ومكثف.

وتأتي قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» للشاعر توفيق أحمد بوصفها نموذجاً دالاً على هذا التحوّل، إذ تنهض على خطاب عشقي يتجاوز الثنائي التقليدي للأنا والآخر، ليؤسس رؤية وجودية ترى في الحب فعلاً كينونياً، وفي الاندماج خلاصاً مؤقتاً من العزلة والوجع. فالقصيدة لا تصف تجربة حب بقدر ما تُعيد إنتاجها لغوياً ورمزياً، مستثمرة طاقة الصورة الشعرية، وإيقاع التكرار، وتوتّر النداء، لتحويل العاطفة إلى مشهد كوني تتداخل فيه الطبيعة، والجسد، واللغة.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية مركّبة، تعتمد المنهج النفسي والرمزي والأسلوبي، بهدف تفكيك البنية الجمالية والدلالية للقصيدة، والكشف عن آليات اشتغال الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، وعلاقة الذات بالعالم، وما تنطوي عليه من أبعاد نفسية وفلسفية. كما تهدف إلى إبراز الكيفية التي ينجح بها الشاعر في بناء وحدة عضوية بين الشكل والرؤيا، تجعل من النص تجربة شعرية مفتوحة على التأويل، وقابلة لقراءات متعددة ضمن أفق الشعر العربي الحديث.

تنتمي قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» للشاعر توفيق أحمد إلى الشعر الوجداني الحديث الذي يتجاوز التعبير الغنائي المباشر، ليؤسس فضاءً رمزياً تتداخل فيه التجربة العاطفية مع الرؤية الوجودية. فالقصيدة لا تُبنى على ثنائية الأنا/الآخر فحسب، بل على تحوّل الحب إلى أفق كينوني يعيد تعريف الذات والعالم معاً.

وانطلاقاً من ذلك، تعتمد هذه الدراسة مقاربةً مركّبة تجمع بين:

المنهج النفسي: لتحليل بنية التوق، القلق، والاندماج.

المنهج الرمزي: لفك شفرات الصور الطبيعية والكونية.

المنهج الأسلوبي: لتفكيك الإيقاع، التكرار، والإنشاء الندائي. وذلك ضمن قراءة دلالية ترى القصيدة وحدة عضوية يتواشج فيها الشكل والرؤيا.

أولاً: الصورة الشعرية – من التشخيص إلى الكَوننة

تنهض الصورة الشعرية في النص على تحويل العاطفة إلى مشهد كوني، حيث لا يعود الحب حالة نفسية داخلية، بل فعلاً يطال الطبيعة والزمان والعناصر.

صورة الورد والفراشات في المطلع:

«وما زاد عن وردِنا من عبيرٍ

نصيبُ الفراشاتِ منه كبيرٌ… وأكبر»

تنهض على مبدأ فيض المعنى؛ فالحب ليس امتلاكاً، بل طاقة فائضة تتوزع على الكائنات، ما يشي بنزعة إنسانية/صوفية ترى في العشق قوة كونية.

الورد هنا رمز الذات المكتملة، والفراشات رمز الأرواح أو الرغبات الحرة التي تتغذى على هذا الاكتمال.

صورة القمر والبحر والعينين:

«فهل يختفي قمرٌ

يقطفُ الضوء من بحر عينيكِ

إلا ليظهر»

هي صورة دائرية تقوم على الاختفاء بوصفه شرط الظهور، وتستحضر تصوراً وجودياً يرى الغياب طوراً من أطوار الحضور، لا نقيضاً له.

صورة الغيوم، الرمل، البرق، المطر: تمثل تحوّل الجسد والوجدان إلى عناصر طبيعية متحركة، بما يعبّر عن ذوبان الحدود بين الإنسان والعالم، وهو ما يمنح النص بعده الكوني.

ثانياً: الإيقاع الداخلي – تكرار العشق وترديد اليقين

لا يقوم إيقاع القصيدة على الوزن وحده، بل على إيقاع نفسي داخلي يتولّد من:

التكرار البنائي لعبارة:

«حبيبان نحن وأكثر»

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة تأكيدية فقط، بل يعمل كـ لازمة شعورية تعيد القارئ في كل مرة إلى مركز التجربة: الحب بوصفه زيادة على الممكن، وفائضاً على اللغة.

الجمل الندائية والأمرية:

«تعالَ… تعالَ… نمْ في عيوني…»

تخلق إيقاعاً تصاعدياً يعكس توتّر الرغبة وقلق الانتظار، ويحوّل الخطاب من وصف إلى استدعاء وجودي.

التقطيع والتنويع في طول الأسطر: يمنح النص إيقاعاً متموّجاً يشبه حركة المدّ والجزر التي تتكرر رمزياً في القصيدة، فيحاكي الإيقاعُ المعنى.

ثالثاً: البنية الدلالية – الحب بوصفه فضاءً كينونياً دلالياً، تتجاوز القصيدة مفهوم الحب الرومانسي لتؤسس ميتافيزيقا عشقية، حيث:

الوصول هو الضياع:

«وُصُولي إليكَ ضياعي فيكَ

ضلالُكَ فيَّ يقيني»

هنا تتجلى مفارقة فلسفية قريبة من التصوف الوجودي، حيث يتحقق اليقين عبر فقدان الحدود، ويغدو الضلال شكلاً من أشكال الهداية.

الحب كتحرر من الزمن الخطي:

«فخذني إلى حيث لا بعد بعدي»

وهي دلالة على الرغبة في كسر التسلسل الزمني والدخول في أبدية لحظوية، حيث الحضور مطلق.

الجسد بوصفه لغة:

«حديثُ يديكَ

بلاغةُ عينيكَ

إيماءةُ الورد في شفتيكَ»

يتحوّل الجسد إلى نص دلالي، وتغدو الحواس وسائط معرفة، لا أدوات لذة فحسب.

رابعاً: البعد النفسي والفلسفي – من الانقسام إلى الاندماج

نفسيّاً، تنبني القصيدة على مسار واضح:

العزلة والوجع:

«اتكأتِ على عزلتي… وجعي طاعنٌ»

النداء والاستغاثة:

«قلْ لعينِي ولو كلمةً كاذبة»

الاندماج والطمأنينة:

«تعالَ ونَمْ في عيوني»

هذا المسار يعكس تحوّل الذات من حالة نقص وقلق إلى حالة اكتمال عبر الآخر، في تصور يقترب من الرؤية الوجودية التي ترى في الحب خلاصاً مؤقتاً من عبث العالم.

فلسفياً، يمكن قراءة النص بوصفه مصالحة بين المتناهي واللامتناهي؛ فالحبيب يُقدَّم بوصفه:

«سيّد الضوء… فارسيَ المجتبى»

وهي صفات تنقل العلاقة من مستوى الإنساني المحض إلى أفق شبه أسطوري، حيث يصبح الحب فعلاً كاشفاً للمعنى.

خاتمة:

تقدّم قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» نموذجاً ناضجاً للشعر الوجداني الحديث، حيث تتضافر الصورة، والإيقاع، والدلالة، لتشكّل نصاً ذا عمق نفسي ورؤيوي. إنّ الشاعر توفيق أحمد لا يكتب الحب بوصفه موضوعاً، بل بوصفه بنية وجودية تعيد صياغة الذات والعالم، وتحوّل اللغة إلى فضاء احتواء وكشف في آن.

فالنتائج هنا تعتمد القصيدة صورة شعرية كونية تُحوّل العاطفة إلى مشهد وجودي شامل.

يقوم الإيقاع الداخلي على التكرار والنداء، معبّراً عن توتر الرغبة واليقين.

تنبني الدلالة على مفارقات فلسفية (الضياع/الوصول، الغياب/الحضور).

يعكس النص مساراً نفسياً من العزلة إلى الاندماج عبر الحب.

ينجح الشاعر في توحيد الجمالي والوجودي، مانحاً القصيدة طابعها التأملي العميق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...........................

حبيبانِ نحن ُوأَكثَر

الشاعر توفيق أحمد

حبيبانِ نحنُ ... وأكثَرْ

وما زاد عن وَردنا من عبيرٍ

نَصيبُ الفراشاتِ منْه ُكبيرٌ... وأكبَرْ

أمامَ الفراشاتِ يا وَردُ فاشْهَدْ

حبيبانِ نحن و أكثرْ

ولا نستحي أنْ نُواري

مصابيحَنا البيّناتِ وراء الضبابِ

فهل يختفي قمرٌ

يَقطفُ الضوءَ من بحر عينيكِ

إلاّ ليَظهَرْ:

حبيبانِ نحنْ وأكثرْ

وهذي العصافيرُ إذْ تتنهَّدُ

خلف زجاج الهواءِ

تُنادي على شجرٍ أيْنعَ الصيفُ فيه وأثْمَرْ

وماذا إذَنْ لو تَجيئينَ !!

وها قد أتيتِ ...

ومِنْ غامِضِ الغيبِ حينَ اتَّكأْتِ

على عزْلتي

كنتُ شهقةَ غيمٍ على شفَة الليلِ

حين احتَككْتِ برمل خياليَ أزهَرْ

وأذكُرُ حين هَتفتِ لقلبي :

تعالَ..تَخَطَّ حدوداً بوجهكَ أوصدْتُها

أَفَلا تتذكَّرْ !!

تعالَ.. لعلِّي اسْتَفَقْتُ على وجعي

وجعي طاعنٌ في مدى الأملِ المُشتهَى

قلْ لعينِي ولو كِلْمةً كاذبهْ

وقدِّمْ الى رمل روحي

ولو غيمةً هاربهْ

وقُلْ لي: بعينيَّ غيبي هنا

كي أراكِ

وقلْ لي : إذا فمُكَ العذبُ لامس وَردي

فغيرُك من ذا يَفُكُّ ارتباكي

تعالَ ونَمْ في عيوني

ورمِّمْ بسيف هواكَ جنوني

ضلالُكَ هذا الرحيمُ

الى اللا وصول يقودُ سفيني

وُصُولي اليكَ ضَياعيَ فيكَ

ضلالُكَ فيَّ يقيني

فخذني الى حيث لا بَعْدَ بَعْدي

وطوِّقْ  بجمرِ يديكَ أعاصيرَ بَرْدي

الى أين تمضي : وكيف ستَفلِتُ من

جزْر موجي ومَدِّي:

لأنكَ يا سيِّدَ الضوءِ عندي

حبيبي و فارسيَ المُجْتبى

كلُّ ما فيكَ يُغْري:

حديثُ يديكَ

بلاغةُ عينيكَ

إيماءَةُ الورد في شفتيكَ

حبيبانِ نحنُ وأكثرْ

تعال لنشربَ قهوتَنا في الصباح المُعطَّرْ

**

ومن منجم المستحيلِ اخْرُجي الآنَ لؤلؤةً

مَسَّها ضوءُ روحي فسال دمُ البرق من

جرحها وتكسَّرْ

أنا الآن بحرٌ من الشوق يمشي

على جُرحِه ِحافياً

بانتظار هبوبِ يديكِ

تَرُدّانِ فوق يباسي لحافَ المطرْ

جسمُكِ الآن يَختلجُ الآنَ بين يديَّ

على موج خوخٍ وعنبرْ

حبيبانِ نحن وأكثرْ

وهل يختفي قمرٌ

قَطفَ البحرَ من بحر عينيكِ

إلّا لِيَظهَرْ؟؟!

ليست "الوعود اليتيمة" Les promesses orphelines لجيل مارشان مجرد رواية، إنما فضاء متعدد الطبقات حيث يلتقي الحلم بالواقع، وتتحول الذكريات إلى مرايا للحياة، متسائلة عن سبب عيشنا لها. تفتتح الرواية عند نهاية حياة جينو، المولود عام 1946، ابن مهاجر إيطالي يشارك في تشييد تلفريك "إيغوي دو ميدي". تجسد هذه القمة، بما تحمله من رهبة وسمو، تلك الفكرة الفلسفية التي ترى أن العظمة الإنسانية لا تتجلى في الراحة، إنما في سعي الإنسان الدائم إلى تخطي حدوده. غير أن القمة ليست مجرد رمز مجرد؛ فهي مكان عمل الأب، قلب الابتكار التقني في فترة الثلاثين المجيدة (Les Trente Glorieuses، 1945–1975)، وموضع افتتان جينو بوالده الذي يعيش في صميم اختراعات القرن. في المقابل، يذهب جينو الطفل للعيش في الريف، بعيدا عن باريس الحديثة، فيشعر بأنه يفوّت قطار الحداثة، وهو إحساس يجعل من التلفريك الصاعد نحو القمة صورة مضادة لحياته الثابتة على الأرض، فيما تحمل ذاكرته ووعود طفولته نبضات المدينة التي غادرها.

من تلك اللحظة، يصبح الماضي حاضرا مستمرا، والحاضر يغذي الذاكرة، تماما كما اعتبر فلاديمير سولوفيوف في تأملاته حول الزمن والوعي، أنّ إدراك الإنسان للزمان هو إدراك مستمر للذات وعلاقتها بما مضى وما سيأتي. كل لحظة طفولة، كل وعد صغير، وكل فشل أو حلم يصبح حجر أساس في بناء الذات، وكأن الذاكرة نفسها آلة تحافظ على الأحلام كمواد خام للتجربة الإنسانية.

ليست "الوعود اليتيمة" رواية عن الطفولة أو الحب أو التقنية فحسب، إنما دراسة فلسفية عن كيفية تشكل الذات بين الذاكرة والحلم والعمل، وكيف يتحول السرد إلى شكل من أشكال البقاء.

يقف جينو الذي نشأ في الريف بعيدا عن حداثة باريس، على مفترق طرق بين إرث والده وحياته البسيطة، وكأنه يريد أن يطرح سؤالا فلسفيا: هل الإنسان يختار واقعه أم أن الواقع يختاره؟ وهل الحلم فعل هروب أم فعل خلق؟ في هذا الصراع النفسي، يمكن استحضار فرويد الذي كتب في تحليل الأحلام: "الحلم هو طريق الملكية الخاصة للذات نحو الحقيقة الخفية"، هنا تصبح أحلام جينو ليست فقط وسيلة للنجاة النفسية، إنما أيضا أداة فلسفية لاختبار حدود الإنسان بين الفعل والمأمول.

يتفاعل الطفل الداخلي والذات البالغة في آن، مثل الأمير الصغير لسانت إكسوبيري، الذي يسافر بين الكواكب بحثا عن الحب والفهم، حيث كل لقاء وكل حدث يصبح رمزا لمحاولة الإنسان فهم دوره في الوجود، وتجربة لإدراك معنى القرب والبعد، الحب والفقد.

ومع ذلك، يمكن التساؤل إن كانت الرواية أحيانا تُفرط في تلميع الحلم، متجاهلة قسوة الواقع الاجتماعي الذي يعيشه أبناء المهاجرين، وهل تضخّم فكرة "الحلم" على حساب ثقل الحياة اليومية، أو تحوّل الماضي إلى صورة رومانسية إلى حد قد يحجب آلامه الحقيقية.

ليست الكرة الثلجية التي يشتريها جينو من مهرجان صغير مجرد لعبة؛ إنها استعارة للزمن والمشاعر، مساحة لتجميد اللحظة، واستحضار الذاكرة، واستكشاف الرغبة في الإمساك بالحب والفقد والحنين. تتجسد داخل هذه الكرة "الوعود اليتيمة" التي يحملها الإنسان منذ الطفولة، تماما كما يصف هايدغر في الوجود والزمن العلاقة بين وعي الإنسان بذاته وإدراكه للزمان، حيث يصبح إدراكنا للذات مرتبطا بما نتذكره وما نأمله. الكرة الثلجية، بهذا المعنى، تعمل كنافذة نحو الذات، تتيح للإنسان استشراف أعماق نفسه ذاته عبر الماضي والحلم معا.

كل رجوع إليها يشبه رحلة نحو الداخل، بحثا عن ما تبقى من الحلم، عن الأنا الطفلة التي لم تفقد الأمل، وعن الرغبة في الإمساك بالوقت قبل أن يمر، وهو ما يشبه ما كتبه تولستوي في الحرب والسلام: "كل لحظة عابرة تحمل في طياتها الكون بأسره".

روكسان، الفتاة التي التقى بها جينو في تلك القرية الصغيرة، ليست مجرد حب أول، إنما إطار نفسي يعبّر عن كل الانتظارات، الخيبات، والشغف المكبوت في أعماقه. يمكن اعتبارها امتدادا لمشروع الذات، المرآة التي تعكس الحنين للماضي، والوعي بالزمن الضائع، والرغبة في الاستمرارية.

كل لقاء معها، كل تذكر لها، هو اختبار للحياة، محاولة لفهم معنى الحب والعاطفة في إطار الزمن البشري. وهنا تتلاقى الرغبة بالحياة مع الحلم بالإبداع، كما لو أن الكرة الثلجية وروكسان يشكلان معا جهاز قياس عاطفي يحدد الترددات الدقيقة للشغف الإنساني، تماما كما كتب نيقولاي غوميليوف عن الحب والشغف: "الحب ليس لحظة، إنما قوة تدفعنا عبر الزمن". ليس الحب، في الرواية، مجرد شعور، إنما فعل وجودي، تجربة فلسفية تجمع بين الوعي واللاوعي، بين الفقد والاكتشاف، بين الذاكرة والخيال.

عند التحاقه بالمدرسة، يكتشف جينو أن الحكاية قوة، وأن السرد ليس مجرد تسلية، إنما وسيلة للبقاء في ذاكرة الآخرين، لفهم الذات، وممارسة الحرية الداخلية. تصبح العمة العجوز، التي تزوره أحيانا، رمزا للحكمة وتجربة العيش المعرفي، تعلمه أن كل فشل وكل حلم صغير أو كبير هو حجر في بناء الهوية الإنسانية. وهكذا تتحول أحلام جينو، حتى تلك التي تبدو مستحيلة كأن يصبح مهندسا رغم درجاته الضعيفة، إلى تمارين على الصبر، على قبول الذات، وعلى الفهم العميق بأن العمل الحقيقي يقاس بالشغف لا بالمناصب. تتقاطع هذه العلاقة بين الحلم والعمل مع فكرة جان بول سارتر في الوجود والعدم: "ليست الحرية امتلاكا للخيارات فحسب، إنما مسؤولية مستمرة عن اختيار الذات".

حين يكتشف جينو قوة الحكاية، يدرك أن الإنسان الحقيقي لا يكتفي بأن يعيش فحسب، بل يسعى لفهم حياته كما لو كانت قصة تُروى، وأن من يتحكم في سرد هذه القصة يمتلك جزءا من مصير صاحبها.

حين يقف أمام مشروع "أيروترين"، القطار الهوائي الذي سيقطع المدن بسرعة تفوق 400 كم/س، ندرك أن الرواية تتحول إلى تأمل فلسفي حول العلاقة بين الإنسان والآلة، بين المستقبل والحلم. ليس القطار هنا مجرد ابتكار تقني، إنما سؤال وجودي: كيف يمكن للإنسان تحويل المستحيل إلى ممكن؟ كيف يمكن للخيال أن يصبح واقعا؟ وما معنى أن تسافر فكرة أسرع من الزمن نفسه؟ يصبح الحلم أداة لفهم الواقع، والسعي خلفه فعلا أخلاقيا، كما لو أن المستقبل نفسه يحتاج إلى الجرأة والشغف لإثبات وجوده، وهذا يتماشى مع فلسفة مارشال ماكلوهان حول الوسائل التقنية، التي ترى أن الأدوات التي نبتكرها تؤثر فينا وتعيد تشكيل وعينا وطريقتنا في إدراك العالم.

لا يرمز الأيروترين فقط للتقدم، إنما يكشف توترا داخليا لدى جينو: رغبته في الهروب بسرعة من الماضي، وفي الوقت نفسه العودة إليه؛ كما أنه يحمل بعدا اجتماعيا يتعلق بحلم الطبقة العاملة بالتجاوز، وبعدا نفسيا يكشف انجذابه إلى السرعة كتعويض عن ما شعرت به طفولته من هشاشة أو محدودية، وبُعدا رمزيا يجعل القطار صورة للزمن نفسه وهو يندفع بلا توقف.

الرواية بأكملها كسيمفونية، حيث تتداخل الأصوات: ذكريات، سير الشخصيات، صور إخبارية، شعارات إعلانية، كلها تتجاوب لتخلق فضاء أدبيا متعدد الطبقات.

يتحرك المشهد بين الماضي والحاضر والحلم، بين الواقع والرمز، تماما كما في أعمال بورخيس، حيث يصبح الزمن والذاكرة لعبة معقدة، والحكاية أداة للتأمل في وجود الإنسان. كل رمز، من الكرة الثلجية إلى القطار الهوائي، وحتى المهرجان الصغير، يتحول إلى مرجع نفسي وفلسفي؛ يصبح المكان ذاكرة، وتصبح الأشياء حاملة للأفكار، وتحل القصص محل الزمن نفسه.

في هذا المعنى، يمكن قراءة الرواية جنبا إلى جنب مع أعمال فلاديمير سولوفيوف في تأملاته عن الزمن والوعي، ومع الأمير الصغير في احتفائها بالبراءة والمعنى، ومع أعمال باتريك موديانو في انشغالها بالأطياف والآثار والوجوه التي تختفي ثم تعود.

يمثل جينو، الحالم الصغير، الإنسان الذي يمزج بين الحلم والعمل، بين العطاء والذات، بين الانتظار والفعل. تنقله عمته العجوز، بحكمتها ونصائحها، من عالم الطفل إلى عالم الفهم، وتعلمه أن الحب والكرم والإبداع أهم من أي إنجاز مادي. تعلمه أن ينقذ الآخرين قبل أن ينقذ نفسه، أن يزرع الحماس، وأن الإنسانية لا تُقاس بالنجاحات الظاهرية، إنما بالقدرة على الحب والعطاء والاستمرار في الحلم.

في قلب الرواية، يبدو كل شيء سؤالا مستمرا: هل نحن مجرد شهود على الحياة، أم صناع لها؟ هل السعادة قابلة للقياس، أم هي لحظة تتفتح في قلب كل تجربة، وكل حكاية، وكل حلم؟ وما معنى أن نستعيد الماضي لنفهم الحاضر ونخطط للمستقبل؟ جينو وجيل مارشان يقدمان لنا إجابة واحدة: أن الحياة رواية مستمرة، وأن كل وعد وكل حلم وكل قصة دليل على أننا أحياء، وأن الحلم والكتابة والعمل -معا- هم السبيل إلى فهم الذات.

لا تعطينا هذه الرواية إجابات جاهزة، إنما تعلّمنا كيف نعيش مع الأسئلة، كيف نحتفظ بطفولتنا دون أن نعلّق حياتنا بها، وكيف نحلم دون أن نهرب من الواقع.

وأخيرا، كأني أسمع هذا النص يهمس بالتالي: مهما أثقلنا الفقد، فلن يبلغ حدّ الخسارة ما دامت فينا القدرة على الحلم، والكتابة، والحب. كل نجمة ساقطة، كل وعد صغير، هو بداية رحلة لا تنتهي، وكل قصة تُروى تخلق وجودا جديدا. ليست القراءة هنا مجرد متابعة للحبكة، إنما تجربة فكرية، نفسية، وفلسفية: رحلة في أعماق الإنسان، حيث يصبح كل شيء، حتى أصغر التفاصيل، علامة على الإمكان والاحتمال والحرية. إنها دعوة لنرفع أعيننا نحو السماء، لنطلق أحلامنا، ونؤمن بأن كل حلم أو أمل، مهما كان صغيرا، يمكن أن يحوّل حياتنا إلى قصة جديرة بالعيش.

***

وليد الاسطل

 

وتمثاله الحجري في رواية «الفاجرة والعذراء» للروائي ضاري الغضبا.. قراءة نقدية"

مسالك النقد الأدبي المعاصر متعددة الحضور في استجلاء المعنى، كما أن أدواته متشظية بين منهج وآخر، فيما الأنساق المضمرة في النص الروائي مقاومة للانكشاف الكلي، وفارضة على القارئ أن يعيد إنتاج دلالاتها بما يمتلك من وعي تأويلي.

رواية «الفاجرة والعذراء» للروائي المتميز ضاري الغضبان نصٌ مفتوح يأبى الاستسلام للأحادية التفسيرية، ويستدعي قراءات متعددة تتناسل من رحم اللغة ذاتها. لقد شكّلت هذه الرواية نموذجًا فريدًا للسرد العربي المعاصر، إذ تجاوزت حدود الكتابة التقليدية، واقتحمت مناطق المسكوت عنه في المجتمع بجرأة لافتة.

فقد تموضع النص الروائي عند تقاطعات حساسة، حيث تتداخل الأنساق الثقافية والاجتماعية والسياسية في نسيج سردي مركب ومعقد. ثمة محاولة جريئة هنا للكشف عن التناقضات العميقة في البنية الاجتماعية، فالرواية تجاوزت السرد الواصف نحو التفكيك النقدي للمفاهيم السائدة، مستنطقة ما استقر في الوعي الجمعي من ثنائيات مطلقة.

نهضت الرواية بوصفها مشروعًا نقديًا متكاملًا يفكك المسلمات الاجتماعية، إذ تحول الجسد من مجرد كيان بيولوجي إلى فضاء مشحون بالصراع الثقافي والمعرفي. السارد ذاتٌ مثقفة مأزومة، تأرجحت بين رغبة الكشف ومخاوف المجتمع، وبين حلم الكتابة وقسوة الواقع المحتشد بالمحرمات.

النص النقدي الكامن في تفاصيل الرواية، إذا أُخذ بوصفه اشتغالاً على خطاب لا على حكاية فحسب، نراه قد تجلى منذ العنوان عن تواجد جهاز مفاهيمي يُنتج الدلالة بقدر ما يفضح شروط إنتاجها.

فتركيب العنوان «الفاجرة العذراء» لا يعمل كمفارقة بلاغية سطحية، بل كبنيةٍ توليدية تُفكّك منطق التصنيف الأخلاقي الثنائي الذي تُدار به أجساد النساء في المخيال الاجتماعي.

فالجمع بين الفاجرة والعذراء بدون واو العطف يشي بأن الصفتين لا تتجاوران بل تتراكبان في «اسمٍ» واحد، أي في هويةٍ مصنوعة لغوياً قبل أن تكون واقعاً، وبذلك يغدو العنوان ممارسةً لما يمكن تسميته ـبتعبير تفكيكي "إرجاءً للمعنى" الذي معناه كل محاولة لحسم الدلالة تعود فتتكسر على التباسٍ مقصود يفضح هشاشة معيار العفة/الفجور بوصفه معياراً خطابياً لضبط الجسد لا توصيفاً موضوعياً له.

اشتغل السرد منذ بداياته على تعرية آليات الحكي عبر الوعي بالكتابة، حيث استُدعيت الميتاسردية لتقويض «وهم الشفافية» الذي افترضته الرواية الواقعية تجاوز التجميل. الراوي ذاتٌ تشكلت داخل شبكة من الطلبات والإملاءات: جمهور طلب «النص الإيروتيكي» وسلطة لوّحت بالعقاب والمداهمة وأغرت السارد بالمرافقة والمشاركة، وفضاء رقمي فتح باب التلصص باسم المعرفة.

هنا تبدّى سؤال أخلاقي/إبستمولوجي حاسم: هل الأدب جهاز كشفٍ أم جهاز تشهير؟ وهل «حرية التعبير» وقفت عند حدّ انتهاك الخصوصية وتحويل الآخر إلى مادة؟ إن ما بدا سعيَ الراوي إلى «الحقيقة» تبين تدريجياً بوصفه رغبةً في امتلاك السرد عن الآخرين، أي امتلاك أجسادهم وحكاياتهم معاً، وهو شكلٌ من أشكال السلطة الرمزية بالمعنى الذي أشار إلى قدرة تحديد القيم الاجتماعية والرمزية: سلطة تسمية الأشياء وتحديد قيمتها في المجال الاجتماعي.

في هذا الإطار غدا الفضاء الافتراضي بنيةً خطابية أعادت تشكيل الواقعي وشوّهته في آن، تجاوز كونه مجرد وسيط تواصلي. فصفحة «الفاجرة العذراء» على الفايسبوك عملت كقناعٍ سيميائي: علامةٌ بلا مُحالٍ ثابت، أغرت بالتتبع ثم أُغلقت، وخلطت بين الهوية والشائعة والصورة.

لذلك نجد أن قابلية الفيسبوك لإنتاج «حقيقة قابلة للتداول» تضع الراوي داخل اقتصاد نظري قريب من التصور الذي يرى في المحاكاة استبدال الواقع بنسخه المتضخمة والمصطنعة: ما يُتعقَّب ليس الواقع بل نسخه المتضخمة، والبحث عن «بيت المومس» يتحول إلى بحث عن مركزٍ للدلالة يتراجع كلما اقتربنا منه.

حتى العلامات الصغيرة (سمكة بُنّي، ساعة مهشمة، زورق، صورة) لا تؤدي وظيفة الزينة، بل تنسج شبكة إحالات يتقدم عبرها السرد بوصفه تحقيقاً سيميائياً: القارئ والراوي معاً يفكّكان الشفرة دون ضمانة للوصول إلى «أصل» نهائي.

وتبلغ جدلية الجسد/الكتابة ذروتها حين ينتقل النص من تنظير الإيروتيكا إلى ممارستها، لكن المثير هنا أن العلاقة الحميمة تُقدَّم بوصفها قراءةً متبادلة أكثر من كونها فعلاً جسدياً: الجسد يتحول إلى نص، والنص يتحول إلى جسد.

غير أن هذه الحركة ليست تحرراً صافياً؛ إذ سرعان ما ينكشف أن «الكتابة الإيروتيكية» قد تُستعمل كآلية تشييء ناعمة: الراوي يذهب إلى النساء بصفته كاتباً، أي بصفته من يمتلك حق السرد عنهن، بينما يكشفن هن ـ في نماذجهن الثلاثة ـ حدود هذه السلطة.

هنا يُعاد ترتيب الأخلاق بعيداً عن ثنائية محافظ/متحرر إلى ما يشبه أنماطاً للفاعلية الأخلاقية: ماس تمثل أخلاقاً جسدية تُؤسِّس الشرف على «علامة» البكارة، أفنان تمثل أخلاق الالتزام الشخصي (العهد/الوفاء) خارج رقابة الجماعة، وطُهور تقلب المعادلة حين تجعل الجسد أداةً تربوية تُعرّي عين الراوي الذكورية وتردّها عليه. وبهذا لا يعود السؤال: «من تقبل ومن ترفض؟» بل: «من يملك تعريف القبول والرفض ولمصلحة أي خطاب؟».

يظهر مفهوم النظرة هنا بوصفه جهازاً سلطوياً (بالمعنى الذي يجمع بين الرؤية كعملية نفسية تجعل الآخر موضوعاً للمراقبة والتحكم، وكذلك كأداة لممارسة السلطة عبر النظر والانضباط): الراوي يبتدئ من افتراض أن النساء «متاحات» داخل فضاء «دار التوابل»، لكن الصدمات المتلاحقة تكشف أن افتراض الإتاحة ليس نتاج الحرية بل نتاج عينٍ ذكورية تُحوّل الاستقلال إلى قابلية للاستهلاك.

لذلك يأخذ التمثال الخشبي في غرفة طُهور وظيفةً تتجاوز الرمز الأخلاقي المباشر: إنه مؤشرٌ لثقل المعنى الذي يحاول الراوي التملص منه، ثقلٌ يعود ككوابيس لأن الجسد ـ بوصفه حاملاً للخبرة يرفض الاختزال الذي يريده العقل السردي.

الكابوس هنا ليس زائدة نفسية، بل آلية نصية لتسجيل انهيار «اطمئنان» الراوي إلى ذاته بوصفه فاعلاً، وتحوله إلى موضوع للمساءلة.

الانتقال إلى الأهوار يعيد توزيع المكان بوصفه معرفةً لا بوصفه جغرافيا (بالمعنى الذي يرى في الفضاءات رمزية نفسية وثقافية تجسد الأحلام والذاكرة): المدينة ليست «حضارة» والأهوار ليست «طبيعة» فحسب، بل هما نظامان للقول والفعل.

بشروش، بوصفه شخصية حدودية، يعمل كوسيط تأويلي يربط بين المجالين، ويحوّل السرد إلى لعبة «إشارة/استجابة»: يطلب قصة، يحدد علامة (الساعة)، يضع موعداً (السابعة)، ثم يجعل النص نفسه مفتاحاً للولوج إلى واقعٍ آخر.

هنا تتأكد الميتاسردية بوصفها بنية تحكم الرواية: النص لا يصف الواقع فقط بل يتدخل في تشكيله، وتتحول الكتابة إلى فعلٍ ذي أثر اجتماعي، بما يستدعي سؤال المسؤولية: إذا كانت القصة قادرة على فتح الأبواب المغلقة، فهي بالقدر نفسه قادرة على تفكيك مصائر أصحابها.

وعند العودة إلى المدينة يتكثف تفكك «الفحولة» عبر علامة الفياجرا: ليست الحبة مجرد تفصيل، بل سيمياء لعصر تُستبدل فيه الخبرة بالأداة، والرغبة بالمنشّط، والذات بالأداء.

الفشل الجسدي والتقيؤ في تجربة «شراء الجنس» لا يُقرأ أخلاقياً فقط، بل يُقرأ كنقطة انهيار لمعادلة السوق: حين يُختزل الجسد إلى سلعة يتدخل الجسد نفسه ليفضح الكذب الذي يفرضه الخطاب على اللحم. وفي المقابل تأتي رائدة لتقدم نموذجاً للمقاومة لا عبر خطاب وعظي بل عبر قلب موازين الفضاء: تستدعي أبناءها، تُخرج الراوي من فانتازيا «الأرملة المتاحة» إلى حقيقة «الأم/الفاعل الأخلاقي»، وتحوّل المشهد إلى محاكمة رمزية لامتياز الذكر الذي يظن أنه يملك حق الاقتراب لمجرد أن السرد يسمح له بذلك.

يصل النص إلى ذروة «كسر أفق التوقع» حين يدخل الراوي بيت «الفاجرة العذراء» فلا يجد مركز الشهوة بل مركز الخطاب: قبو، نفق، سرية، ومعرفة مسبقة به وبقصته.

المفارقة أن البيت الذي كان يُتخيَّل مكان ابتذال يتحول إلى مسرح نقد اجتماعي؛ فالمرأتان لا تُقدَّمان كضحيتين ولا كمنحرفتين، بل كذاتين تمتلكان لغة تفسير العالم، وتضعان المجتمع أمام ازدواجيته: تدين علناً وتستهلك سراً.

هنا تُستعاد ثيمة القبو أو السرداب بوصفها طوبوغرافيا للباطن الاجتماعي الذي يحمل السر واللاوعي الجماعي، ويغدو السجن الختامي استعارة مزدوجة: سجن داخل البيت وسجن داخل النص؛ الكاتب يُحبس داخل ما أراد امتلاكه، ويُجبر على مواجهة حقيقة أن «الموضوع» الذي يطارده ليس موضوعاً بل ذواتاً لها حق تعريف نفسها.

في الفصل الأخير يُستبدل سؤال «من هي الفاجرة؟» بسؤال «كيف صارت فاجرة في كلام الناس؟»؛ أي انتقال من الأنطولوجيا إلى الإبستمولوجيا، ومن الأخلاق الفردية إلى آليات الوصم الاجتماعي (بالمعنى الذي يفسر كيف يتم لصق الوصمات الاجتماعية كوسيلة للانحراف عن المعايير). انكشاف «العذرية» لا يعمل كحيلة صادمة فحسب، بل كإجراء تفكيكي ينسف معيار الحكم من أساسه: ليست العذرية حقيقة بيولوجية فقط، بل علامة تُستخدم في صراع السلطة على المعنى، وكذلك الفجور.

عندها تُلقى الكرة في ملعب الراوي/المثقف: هل يكتب ليكرّس السوق (فضيحة/إثارة/استغلال) أم يكتب ليقاوم خطاب الوصم ويعيد الاعتبار لمن سُلبت منه الحكاية؟ إن الرواية، في محصلتها، لا «تنهي» ثنائيات المقدس/المدنس بقدر ما تكشف أنها ثنائيات إجرائية لإدارة المجتمع، وأن مهمة القراءة الأكاديمية ليست تثبيت معنى نهائي، بل تتبع كيف تُنتج المعاني وتُفرض، وكيف يمكن للنص ـ حين يعي ذاته ـ أن يحوّل الفضيحة من مادة للمتعة إلى مادة للمساءلة.

تلعب اللغة دوراً محورياً في الفصل الأخير، إذ تتحول من أداة لوصف الواقع إلى أداة لصناعة واقع جديد. فالسارد الذي كان يستخدم مصطلحات مثل «المومس» و«القحبة» و«الفاجرة»، يضطر لمراجعة لغته حين تتكشف له الحقائق.

كما أن اللغة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي أداة لممارسة السلطة في السياقات الاجتماعية والثقافية. وهذا ما تكشفه الرواية، إذ تبين كيف تمت ممارسة السلطة الاجتماعية على عائلة عبد الودود من خلال لغة الوصم والتشويه.

تصل الرواية إلى ذروتها الصادمة حين يكتشف السارد أن «الفاجرة» هي في الواقع «عذراء»: «لكنَّ صدمتي كانتْ لا تُوصف؛ عندما اِكتشفتُ أنها عذراء! بائعة الهوى الصغيرة باكر!». هذه المفارقة تفكك ثنائية العذرية/الفجور التي تحكم التصورات الاجتماعية حول المرأة.

كما أن الهويات الجنسية ليست حقائق طبيعية، بل هي بناءات اجتماعية وثقافية تتشكل من خلال خطابات السلطة في السياقات النسوية. وهذا ما تكشفه الرواية، إذ تبين كيف تم بناء هوية «الفاجرة» اجتماعياً لفتاة بريئة، لمجرد أنها تنتمي لعائلة مختلفة فكرياً عن المجتمع المحيط.

تضع الرواية السارد/الكاتب في موقف اختبار أخلاقي: هل سيستمر في اتهام الآخرين دون دليل؟ هل سينساق وراء الشائعات أم سيبحث عن الحقيقة؟ هل سيستغل الآخرين لأغراض أدبية أم سيكون صوتاً للمظلومين؟

يقول الأستاذ عبد الودود للسارد في نهاية الرواية: «أنت بمواجهة كل أبناء المدينة، واحدٌ قد عرفَ حقيقة شرف العائلة» وبالتالي هذه الدعوة هي التي وضعت الكاتب أمام مسؤوليته الأخلاقية تجاه الحقيقة والعدالة وربما هو التحدي الذي حاول الكاتب من خلاله أن يؤكد قناعاته المجتمعية مع أمل وجودي بململة أوراق الحقيقة وبناء مجتمع ناهض بمسارات سوية تحترم الآخر  وأفكاره ووجوده.

كما أن مهمة المثقف هي تحدي الخطاب السائد والكشف عن الحقائق المسكوت عنها في السياقات الثقافية والاجتماعية. وهذه هي المهمة التي تُلقى على عاتق السارد في نهاية الرواية.

تنتهي الرواية بمفارقة صادمة تعيد الدائرة إلى نقطة البداية: السارد الذي كان يبحث عن مادة جنسية لروايته، ينتهي به المطاف أباً لجنين في أحشاء عبق، ابنة الأستاذ صباح. هذه النهاية تمثل «العود الأبدي» الذي يعبر عن الدورة المتكررة للوجود والتحول في الفلسفة، إذ يعود السارد إلى نقطة البداية، لكن بوعي جديد ومسؤولية جديدة.

هذه المفارقة النهائية تحمل رسالة أخلاقية عميقة: الكاتب الذي كان يستغل تجارب الآخرين ويختزلهم في صور نمطية، ينتهي به المطاف مسؤولاً عن حياة جديدة، مما يجبره على تجاوز النظرة الاختزالية للآخر.

تنجح رواية «الفاجرة العذراء» في فصلها الأخير في تفكيك الثنائيات التقليدية التي حكمت الرواية: العذراء/الفاجرة، الحقيقة/الشائعة، الظاهر/الباطن، القبو/السطح. هذا التفكيك يدعو القارئ إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وافتراضاته حول الآخر والمجتمع. كما أن المعنى لا يتشكل من خلال الثنائيات المتضادة، بل من خلال اللعب الحر للدوال في النظرية التفكيكية.

وهذا ما حققته الرواية في نهايتها، إذ كشفت عن التداخل المعقد بين المفاهيم المتضادة ظاهرياً، ودعت إلى قراءة أكثر تعقيداً وإنسانية للواقع الاجتماعي.

***

بقلم: كاظم أبو جويدة

(رحماك ربي…)

تنتمي قصيدة ريم أكرم الراوي إلى الشعر الروحي الذي يجعل من التجربة الإيمانية مجالاً جمالياً للتعبير عن قلق الإنسان المعاصر وتوقه إلى الخلاص، حيث تتداخل الذاكرة الدينية مع الإحساس الوجودي بالهشاشة والضياع. ولا يقف النص عند حدود التمجيد أو الدعاء، بل يحوّل القصص المقدّس إلى رموز حيّة تعبّر عن حاجة الذات إلى المعنى والأمان في عالم مضطرب. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة بمنهج نفسي–رمزي–أسلوبي، للكشف عن بنية الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، والدلالة، وعلاقة الذات بالعالم، وصولًا إلى إبراز أبعادها النفسية والفلسفية العميقة.

 من هنا أرى أنّ هذه القصيدة تنتمي إلى الشعر الوجداني الروحي الذي يجعل من التجربة الإيمانية منبعاً للتعبير الشعري، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع القلق الإنساني، ويتحوّل الدعاء إلى بنية جمالية تحمل أبعاداً نفسية ورمزية وفلسفية.

فالنص لا يكتفي باستدعاء القصص القرآني بوصفه مرجعاً سردياً، بل يعيد تشكيله بوصفه مرآة لأزمة الذات المعاصرة، الباحثة عن خلاص في عالم مضطرب.

وسنقارب النص بمنهج مركّب: نفسي، رمزي، أسلوبي، لتحليل الصورة، والإيقاع الداخلي، والبنية الدلالية، وعلاقة الذات بالعالم.

أولًا: البنية العامة للنص:

النص مبني على ثلاث حركات دلالية كبرى:

١- تمجيد القدرة الإلهية الكلية.

٢- استدعاء نماذج النجاة في التاريخ المقدس.

٣- إسقاط التجربة الدينية على قلق الذات الحاضرة.

فهو ينتقل من الكوني إلى التاريخي، ثم إلى الوجودي.

ثانيًا: الصورة الشعرية:

١- . الصورة بوصفها تجسيداً للإيمان

يا من يسبّح ما في الكون أجمعه

له، ويعبده بالروح والجسدِ

الصورة هنا كلية شمولية:

الكون كله كائن عابد، متحرك في مدار التسبيح.

هذه الصورة لا تهدف إلى الوصف، بل إلى بناء شعور بالاحتواء الإلهي، حيث لا يوجد فراغ خارج دائرة القداسة.

الصورة تعكس نفسية تطلب الطمأنينة عبر فكرة الشمول:

ما دام كل شيء في حضرة الله، فلا ضياع مطلق.

٢- الصورة التاريخية بوصفها رمزاً نفسياً.

ومن بقدرته نجّى الخليل فلم

تمسسه نار، لظاها جدّ متّقدِ

النار هنا ليست مجرد حادثة تاريخية، بل رمز للابتلاء والاحتراق الداخلي.

فالخليل ليس شخصية غائبة، بل نموذج نفسي: الإنسان حين يُلقى في أتون الخوف.

والنجاة هنا ليست مادية فقط، بل معنوية:

أن تمرّ النار ولا تمسّ الروح.

٣- . الصورة الحركية

وأقحم البحر موسى وهو مضطرب

كأنه عابر، يمشي على جمدِ

الصورة تجمع بين:

الاضطراب (الخوف الإنساني)

والمشي على الجمد (الثبات الإلهي)

الذات ترى في موسى صورتها:

إنسان يسير فوق المجهول، مدفوعاً بالثقة لا باليقين الحسي.

٤- الصورة الحامية:

ومن بنى من خيوط العنكبوت على

غار النبي دروعاً، لسن من زردِ

الصورة قائمة على المفارقة:

خيط ضعيف يصير درعاً

هشاشة تتحول إلى حماية

وهذه صورة رمزية للمعنى الوجودي:

القوة لا تأتي من المادة، بل من المعنى.

ثالثًا: الإيقاع الداخلي

القصيدة موزونة ذات قافية موحدة، لكن الأهم هو الإيقاع النفسي:

كثافة حروف الجهر (ر، م، ن، د) تعطي نبرة دعائية قوية.

المدود في: (أجمعه – متّقد – مضطرب – جمد – زرد – سند)

تصنع امتداداً صوتياً يشبه التضرّع.

الإيقاع يتناوب بين:

إيقاع جلالي في مقاطع القدرة الإلهية

وإيقاع خافت متوسل في الخاتمة

فيتحول الوزن إلى نفسٍ تعبّدي، لا مجرد موسيقى.

رابعاً: البنية الدلالية

١- من الكلي إلى الجزئي

النص يبدأ:

ما في الكون أجمعه

وينتهي:

غرقى لا نجاة لهم.

أي من المطلق إلى الإنسان الضعيف.

وهذا الانتقال يعبّر عن بنية دلالية واضحة:

الله كامل، الإنسان هش.

٢- مفهوم النجاة

النجاة تتكرر بأشكال مختلفة:

نجاة الخليل من النار

نجاة موسى في البحر

نجاة النبي في الغار

ثم نجاة "الغرقى" المعاصرين

وهنا يتحول التاريخ الديني إلى خزان رمزي لحاجة الإنسان الحديثة للخلاص.

خامساً: البعد النفسي

النص يعكس ذاتاً:

مثقلة بالخوف

تشعر بالتهديد

تبحث عن مأوى معنوي

عبارة:

رحماك ربي بغرقى لا نجاة لهم

إن لم تحطهم بعون منك أو سندِ

تكشف عن نفس قلقة ترى البشر "غرقى"، حتى وهم على اليابسة.

الغرق هنا نفسي ووجودي، لا مائي.

إنها ذات تشعر أن العالم يغرق في:

١- الضياع

٢- القسوة

٣- التيه

فتلوذ بالله لا هروباً، بل بحثاً عن معنى.

سادساً: البعد الفلسفي.

فلسفياً، القصيدة تطرح:

١- الإنسان ككائن هش.

٢- والوجود كساحة اختبار.

٣- والله كمعنى أعلى يمنع العبث.

- القصيدة لا تناقش الإيمان جدليًا، بل تعيشه وجودياً:

الإيمان هنا ليس فكرة، بل ملجأ أنطولوجي.

فالذات لا تقول: الله موجود،

بل تقول: بدونه لا يمكن أن ننجو.

وهذا يجعل الإيمان شرطاً للمعنى، لا مجرد عقيدة.

سابعاً: علاقة الذات بالعالم.

الذات ترى العالم:

١- غارقاً

٢- مضطربًا

٣- مهددًا

ولا تواجهه بالقوة، بل بالتوسل المعنوي.

إنها علاقة وجودية:

الإنسان ضعيف أمام العالم، لكنه قوي بمعناه.

خاتمة:

قصيدة الشاعرة العراقية ريم أكرم الراوي نص روحي ذو بنية جمالية عالية، يجعل من الذاكرة الدينية أفقاً رمزياً لتجربة إنسانية معاصرة.

الصورة فيه ليست زخرفة، بل ترجمة نفسية للقلق، والإيقاع ليس موسيقى فحسب، بل نبض دعائي، والدلالة ليست سرداً تاريخياً، بل إسقاطاً وجودياً.

النص يؤكد أن الإيمان في الشعر ليس وعظاً، بل تجربة داخلية تتحول إلى جمال.

النتائج:

١- الصورة الشعرية في النص رمزية–نفسية، لا سردية تاريخية فقط.

٢- الإيقاع الداخلي يخدم الحالة الدعائية والانفعالية.

٣- البنية الدلالية تنتقل من المطلق إلى الإنسان الهش.

٤- البعد النفسي يعكس ذاتًا قلقة تبحث عن مأوى معنوي.

٥- البعد الفلسفي يجعل الإيمان شرطًا للمعنى لا مجرد عقيدة.

علاقة الذات بالعالم علاقة خوف يُعالَج بالثقة لا بالقوة.

وبذلك تكون القصيدة وثيقة شعرية عن الإنسان حين يواجه العالَم لا بعضلاته، بل بمعناه.

تبيّن من خلال هذه القراءة أن قصيدة ريم أكرم الراوي ليست مجرّد خطاب دعائي أو استدعاءٍ تراثي لوقائع مقدّسة، بل هي بناء شعري يحوّل الإيمان إلى تجربة وجودية، ويجعل من الذاكرة الدينية مرآة لقلق الإنسان المعاصر وحاجته إلى الخلاص. فقد جاءت الصورة الشعرية محمّلة بدلالات رمزية تعكس هشاشة الذات أمام عالم مضطرب، بينما أسهم الإيقاع الداخلي في تكثيف النبرة الدعائية والانفعالية، فصار الوزن نبضًا نفسيًا لا زخرفًا موسيقيًا. كما كشفت البنية الدلالية عن حركة من المطلق الإلهي إلى الإنسان الغارق في الخوف، بما يؤكد أن الإيمان في هذا النص ليس فكرة ذهنية، بل شرطًا للمعنى والطمأنينة. وبهذا تغدو القصيدة شهادة شعرية على أن الإنسان، مهما اشتدّ اضطرابه، لا يجد خلاصه إلا حين يستعيد صلته بما يمنح الوجود قيمته ومعناه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.............................

رحماك ربي

الشاعرة ريم أكرم الراوي

‏يا مَن يسبح ما في الكون أجمَعُه

له، ويعبده بالروح والجسدِ

*

ومَن بقدرته نجّى الخليلَ فلم

تمسَسه نارٌ، لظاها جِدُّ متّقِدِ

*

وأقحم البحرَ موسى وهو مضطربٌ

كأنه عابرٌ، يمشي على جمدِ

*

‏ومَن بنى من خيوط العنكبوت على

غارِ النبي دروعًا، لَسْنَ من زَرَدِ

*

رحماك ربي بغَرقَى لا نجاةَ لهم

إن لم تُحِطْهم بعونٍ منك أو سندِ

للكاتبة سنية عبد عون رشو

النصوص القصصية هي من رحم مسرح الحياة الواقعية بكل تفاصيلها اليومية، سواء في التجربة أوالمعايشة الفعلية، تسلط الضوء الكاشف على الشرائح واقعة في قعر بالظلم والحرمان والانتهاك في الواقع المر، والانسانية تفقد قيمتها وكرامتها وكيانها، وتكون في مجهر الاختبار والتجربة والامتحان، من شظايا الحياة المتقشفة والجافة، التي لا تنتج سوى الوجع والحزن والخيبة، والانكسار النفسي والروحي، في تعامل مع الذات وكذلك مع الآخرين، فلا تجد سوى الحيبة والانهزام في عصب الحياة اليومية، تشعر بالانكسار والتهشيم في وجودها الانساني، حتى تعاني من الاحباط حتى في حالة الحب، هذه النصوص القصصية تمثل لوحات حياتية واقعية بكل تفاصيلها، في صراعها القائم مع الحياة والزمن، هي حكايات الحزن العراقي للشرائح الشعبية، وخاصة على عاتق المرأة، التي تقع عليها كامل الأثقال على ظهرها، هي حكايات ذلك الزمن البغيض وما بعده، نجد الإنسان يرقع في دائرة المصير المجهول، في المغيب أو الموت، سواء في الحروب، أو في السجون الارهابية، في رغبة السلطة الحاكمة، في جعل الإنسان ببغاء، يردد ما يطلب منه، وإلا يقع في المحظور في العواقب الوخيمة، وما عليه إلا ان يؤدي فروض الطاعة العمياء، انها لوحات نصوصية رسمت بالتراجيديا السوداء، بالقهر والمعاناة، كتبت باللغة الشفافة، رغم انفجار الشعور الداخلي، لذا فأنها تحمل في طياتها مغزى ورمزية بليغة، في الشأن الاجتماعي والسياسي، في واقع جاف لايحمل الشفقة والرحمة تجاه الانسان، يجعله يرقص رقصة الجريح الاخيرة، كأنه يؤدي رقصة زوربا، في الوجع والالم المر، في واقع شرس، يطلق غربانه المتوحشة لنهش وتهميش العصافير الوديعة، لذا فان الحدث السردي يحمل خاصيتين، واقعية حكايات الحدث السردي، وكذلك اهمية الكلمة، المشحونة بصدق الشعور الداخلي، كأنها جاءت نتيجة الانفجار الذات، في الاحساس الصادق بأهمية الكلمة، التي تحمل معنى ورؤية فكرية ناضجة وهادفة، في معرفة بواعث الظلم والانتهاك والحرمان، حين ترزخ القيمة الانسانية تحت رحمة قوى لا ترحم، أو في قسوة الزمن الذي لا يرحم حتى الحب، نجد ابطال النصوص القصصية، يسيرون في طريق مليء بالاشواك ووعر، تعاني الخذلان والاحباط.2305 εικόνα

لنتحرى المنطلقات الفكرية والرمزية الدالة، في إيجاز بعض نصوص القصص القصيرة:

1 - الرقصة الاخيرة: وهي تحمل عنوان المجموعة القصصية. نبوءة المرأة الغجرية، ما زالت تطاردها حتى في منامها ويقظتها، فقد اخبرتها بأنها ستظل تقضم اظافرها وحتى اصابعها حتى آخر لحظة من حياتها. كانت طفلة مثل عصفور وديع مليء بالأحلام والاماني، لكنها انكسرت وتهشمت، في احدى الايام السوداء، حين سمعت قرعاً عنيفاً على باب دارهم في مطلع الفجر، رأت رجل ضخم اهيئة عبوس والشرر يتطاير منه، حين أمسك ابيها بعنف ووحشية، وأبيها كأنه استسلم لقدره المروع، رغم التوسلات والصرخات المريرة، لكن دون جدوى، والأب يحاول ان يهدأ فزعهم وخوفهم بترديد لازمة (سأعود قريباً.. سأعود قريباً) لكنه ذهب ولم يعود، رغم مرور ثلاثة عقود، كل جريرته، حين مر موكب الملك المفدى، فلم يعر اهمية له، والناس في صخب الاستقبال والحفاوة، رغم معرفتهم بأن المئات من العصافير الوديعة والجميلة والوديعة، قتلوا بدم بارد بأمر الملك المفدى، مثل ذلك الصبي المتمرد أبن الخامسة عشرة، الذي وقع في قبضة احد المعتوهين من رجال الملك المفدى وما اكثرهم، نتف ريشه، حتى جعله يسكر برقصة الموت الاخيرة، بكل وحشية وشراسة، كما تركوها تعاني رقصة الموت الاخيرة بغياب الاب، الذي ضاعت اخباره.

2 - صبي القمامة: صبي يافع يخرج في الصباح الباكر، وهو يحمل كيس القمامة، يرتدي ملابس أو بالاحرى خرق بالية، لكي يوفر لقمة الخبز الى جدته المريضة، إذ توفى ابيه في حرب ثماني أعوام، وترك طفله لمصير مجهول، بعد اجبار امه بالزواج اكراهاً، وترك طفلها في رعاية جدته وهو لم يبلغ سنته الاولى، لذلك أطلقت عليه جدته أسم (مظلوم)، لأنه مظلوماً من الأرض والسماء، في احد الايام وهو يفتش عن عمل في الأحياء الراقية، بهره قصراً عملاقاً من الرخام، وطرق الباب، سمع صوتاً نسانياً يسأله: من أنت ؟؟. يرد مظلوم: أنا مظلوم. لتقول له: ماذا تريد ؟؟ تلعثم مظلوم حين خرجت سيدة الدار وهالها صغر سنه. بأنه هو الفلاح المطلوب لحديقة القصر، فقال مظلوم: نعم نعم، لترد عليه (طيب نجرب يافتى، ولكنك لن تتقاضى اجراً ان كان عملك رديئاً) ليردد مظلوم: موافق..... موافق، وثاني يوم استلم عمله في حديقة الدار، اشتغل بكل همة ونشاط، حتى سيدة الدار ابهرها عمله ونشاطه المثابر في تنسيق وترتيب وتنظيف الحديقة، وعند الغذاء بعثت مع ولدها الصغير أنواع من الطعام وأصنافه، وتمنى ان يأخذه الى جدته المريضة، وطلب الإذن من سيدة الدار، أن يأخذ الطعام الى جدته وسوف يعود سريعاً، ان يستأجر دراجة هوائية، نظرت اليه سيدة الدار، بعين العاطفة والشفقة في الشعور بالامومة وحنانها. وقالت له يمكن ان يأخذ دراجة ابنها الصغير، وذهب سريعاً الى جدته المريضة،، لكن جمدته هول الصدمة وسقط الطعام على الأرض.، فقد وجدها جثة هامدة.

3 - قصة الانكسار: جلست هي خلف مكتبها المتواضع في الدائرة، وهي تراقبه طوال الدوام، الذي يبدأ في الابتسامة والتحية وليس غير ذلك، احبته بصمت، وقلبها يخفق بالشوق اليه بكل خطوة يخطوها، حاولت بكل وسيلة ان ينتبه اليها أو ينجذب الى مساعدتها الدائمة إليه، في المساعدة في الملفات المتكدسة فوق مكتبه، بحكم انها اقدم منه في الدائرة، وباءت كل محاولاتها بالفشل، لم يعر اهمية الى اهتمامها إليه، مرت سنتان من الحب من طرف واحد، وذات صباح سمعت خبر في الدائرة هز كيانها بالصدمة، سمعت أنه خطب أمرأة من خارج الدائرة، ويتلقى التهاني والتبريكات من زملائه في الدائرة، وتوزيع الحلوى، لكنها احست ان قلبها تهشم وانكسر.

4 - قصة حلم لن يتكرر: اختارت (سارة) باقات من الزهور لحفلة عقد قرانها، وملامحها تشع فرحاً وبهجة، بأن حبها تكلل بالنجاح في عقد قران الزواج المرتقب، وهي تنتظر خطيبها لكي تذهب معه لتسويق لملابس الزفاف وحفلة الزفاف، والعائلة تتلقى التهاني والتبريكات بالزواج ابنتهم سارة، تأخر خطيبها في المجيء الى البيت، لكنه في النهاية حضر مكفر جامد الملامح في ارتباك وقلق، والغرابة جاء في الزي العسكري وليس المدني، اصابها الذهول والحيرة من هذا التصرف الغريب، لكنه قال في حرج كبير (لا اتمنى ان انقل لكِ خبراً سيئاً لكنه حصل للاسف) لقد القي القبض على اخيها الصغير مع مجموعة من التلاميذ، بعد خروجهم من المدرسة، بحوزتهم كتب ممنوعة، واتهموا بأنهم معادون للسلطة الحاكمة، قالت بتذمر بأنه قاصر وصغير السن، فانقلب الفرح الى حزن، وبعد مرور عام انقطعت اخبار ابنهم الصغير، وأصاب المرض والحزن والديها لم يتحملوا الصدمة المفاجأة في الغياب ابنهم الصغير، فقد لفهم الحزن بصمت رهيب، وبعد ذلك سمعت سارة من خطيبها سبب إلغاء الزواج (لا يحق لها الزواج من أخت مغيب من ضابط في الجيش).

5 - قصة أصغر سيدة: في زمن المآتم وقرع طبول الحرب، وضائقة الحصار الجاثم على صدور الناس في ارهاق وانتهاك، في شحة الحياة الجافة، ضمن هذه الظروف الصعبة والقاسية، اضطر والديها بزواج طفلتهم الصغيرة القاصر، من رجل عجوز طاعن في السن، لانه يحمل مالاً كثيراً وثري، وسط ذهول الطفلة التي لم تخرج من أحلام الطفولة، لم تفهم ما يدور حولها، في تجمع النسوة في الرقص والدبكة، وحاولت احداهن جرها الى دبكة الفرح، لكنها رفضت بقولها في الصباح الباكر عندها امتحان في المدرسة، ضحكن بسخرية، بأن الحفلة هي لعقد زواجها من رجل عجوز طاعن في السن، وتم عقد القران رغم توسلاتها وبكائها، وبعد أيام عادت الى المدرسة مطرقة الرأس في مهانة واحباط وخذلان، وانها حملت لقب في مدرسة التلاميذ (أصغر سيدة).

***

جمعة عبد الله

 

في "متاهة العميان" للدكتور برهان شاوي لا نجد عالَمًا روائيا يمكن القبض عليه بسهولة، ولا سردا يطمئن إلى يقين واحد، إنما نجد كتابة تتحرّك على حافة الفلسفة والشهادة والهلوسة والأسطورة، كتابةً تجعل القارئ شريكا في التيه بدل أن تمنحه خريطة جاهزة. ليست هذه الرواية بناء متماسكا بالمعنى الكلاسيكي، ولا حكاية يمكن تلخيصها في سطرين على طريقة الرواية الواقعية عند بلزاك أو تولستوي، إنما هي أقرب إلى ما كان يطمح إليه كافكا في المحاكمة أو بورخيس في متاهاته النصّية: عالمٌ ينكشف كلما ازددنا ضياعا فيه. منذ السطور الأولى، يشعر القارئ أنه لا يسير في طريق مستقيم، لكنّه يتحرّك في فضاء دائريّ يذكّرنا بمتاهات أخيرون، أو بسلالم إسشر التي تصعد وتهبط في آن واحد. ليست المتاهة فضاء جغرافيا يُحدَّد بالخرائط أو بالجدران، إنما بنية للوعي وشبكة غير مرئية من العتمات التي تحكم حركة الإنسان داخل التاريخ والسياسة والجسد واللغة. أمّا "العميان" فليسوا مجرد شخصيات محرومة من الرؤية، لكن كائنات محكومة بعماءٍ مركّب يشبه ما حلّله غي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة، حيث يعيش البشر داخل عالم من الصور والتمثيلات التي تحلّ محل الواقع وتُنتِج طاعةً غير مباشرة، مع فارقٍ جوهريّ: في رواية شاوي، هذا “العالم الفرَجوي” ليس فقط ثقافيا، وإنما سياسيا وجنسيا ولاهوتيا. كما أن الرواية تؤسس لاقتصاد رمزيّ كامل للضوء والظلام: ليس كل من يملك عيونا مُبصرا، وليس كل من يعيش في العتمة أعمى. ليس الضوء هنا حقيقة محايدة، إنما امتياز تُديره السلطة، تمامًا كما بيّن فوكو أن المعرفة مرتبطة دائما بعلاقات القوة. يمكن قراءة المتاهة بوصفها فضاءً تتحكّم فيه “هندسة الإضاءة”: من يُسمح له بالرؤية، ومن يُجبَر على العمى، ومن يُقدَّم كمرشد كاذب، ومن يُدفَع إلى الظلّ بوصفه خطِرًا أو مُدنَّسًا. بهذا المعنى، العمى ليس نقصا بيولوجيا إنما تقنية حكم.

حين تعود الرواية إلى أسماء التأسيس -آدم، حواء، هابيل- فإنها لا تفعل ذلك بوصفه استدعاءً دينيا تقليديا، ولا بوصفه تكرارا لما قاله الكتاب المقدس، وإنما بوصفه تفكيكا لأسطورة الأصل على طريقة نيتشه في جينيالوجيا الأخلاق. لا تُفهم الخطيئة هنا كحادث أخلاقي فردي، وإنما كآلية تاريخية لتبرير السلطة والعنف والتراتبية، تماما كما بيّن نيتشه أن الأخلاق ليست جوهرا أزليا وإنما نتاج صراعات القوة. ليس آدم الأب الأول بقدر ما هو صورة للإنسان الذي يبرّر امتلاكه للعالم، وليست حواء "سبب السقوط" بقدر ما هي جسدٌ تمّت شيطنته عبر قرون من الخطاب الذكوري، من أوغسطين إلى فقهاء العصور الوسطى، ثم إلى الحداثة الأبوية التي حلّلها فوكو في تاريخ الجنسانية. لا يذكّرنا هابيل، الطفل الغائب/الحاضر، بقصة القتل الأولى فقط، وإنما بضحايا التاريخ الذين لا يُسمَع صوتهم، أولئك الذين تحدّث عنهم والتر بنيامين حين قال إن التاريخ الرسمي يُكتب دائما بدم المنتصرين.2302 borhanتتحرّك الشخصيات في الرواية كما لو أنها تعيش داخل حلمٍ ثقيل قريب من عوالم هيرمان هِسّه في ذئب البراري ودميان: تحمل كلّ شخصية سؤالا أخلاقيا لا يمكن حسمه. ليست حواء مجرد امرأة محاصرة، لكن مرآة لسؤال أقدم من الرواية نفسها: هل الجسد ملكٌ للذات أم ملكٌ للنظام؟ هل يمكن أن تكون الرغبة فعل حرية أم أنها دائما مُراقَبة ومُؤطَّرة؟ هنا تقترب الرواية من التحليلات النسوية التي ترى أن الأنوثة نتاج تشكيل اجتماعي وتاريخي، كما نجدها عند جوديث بتلر في نقدها لفكرة "الطبيعي" في الجندر، لكنها تتجاوز ذلك حين تُظهر أن هذا "الصنع" لا يتم فقط عبر المجتمع، وإنما عبر الدين والسياسة واللغة والأسطورة معًا.

ليست اللغة في متاهة العميان وسيلة شفافة لنقل المعنى، إنما طبقة إضافية من المتاهة. تتكسر الجمل أحيانا، تتراكم الصور، تتداخل الأصوات، كما لو أننا داخل تيار وعي قريب من فرجينيا وولف أو وليم فوكنر، لكن مع ثقلٍ وجودي أقرب إلى مسرح العبث عند أوجين يونسكو. هل الكلمات هنا تكشف أم تُضلّل؟ هل يمكن للغة أن تقول الحقيقة أم أنها محكوم عليها دائما بأن تخونها؟ هذا سؤال هايدغري بامتياز: ليست اللغة أداة الإنسان، إنما بيت الوجود، لكن أي وجود؟ وجودٌ مُراقَب، مُشوَّه، مُتلاعبٌ به من السلطة كما بيّن فوكو في تحليله لعلاقة المعرفة بالقوة. إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البُعد الميتاسردي في الرواية: الراوي نفسه يبدو ككائن يتلمّس طريقه في العتمة، لا يمتلك رؤية بانورامية للأحداث، لكنّه شاهدٌ قلق، يتقدّم بتردّد، يتراجع، يشكّ، ويعيد النظر. بهذا المعنى، لا نقرأ متاهة فحسب، وإنما نصبح داخل سردٍ متاهويّ يتقاطع مع ما اقترحه بول ريكور حول "الهوية السردية"، حيث الذات لا تُروى بوصفها جوهرا ثابتا، وإنما بوصفها مسارا متشظّيا. ليس الراوي هنا سلطة معرفية، وإنما شاهدٌ قلق، أقرب إلى راوٍ بورخيسيّ يدرك أن كل حكاية تُنتج متاهتها الخاصة.

لا يجري الزمن في الرواية إلى الأمام كما في الرواية التقليدية، لكن يدور حول نفسه، يعود، يتشظّى، يتراكب. ليس الماضي خلفنا، إنما يسكننا كما في فلسفة بيرغسون عن الذاكرة، حيث لا تختفي اللحظة وإنما تتكدّس في طبقات الوعي. تبدو الشخصيات أحيانا كما لو أنها تعيش داخل "زمن معطّل" يشبه ما وصفه بنديكت أندرسون حين تحدّث عن الزمن القومي المتخيّل، لكن هنا الزمن ليس قوميًّا وإنما متاهويًّا: زمنٌ بلا وعدٍ بالخلاص، بلا أفقٍ واضح، بلا "نهاية للتاريخ" على طريقة فوكوياما، وإنما زمنٌ دائريّ أقرب إلى رؤية نيتشه عن العود الأبدي.

فكرة الغيبة -غياب هابيل- تجعل الرواية تتقاطع مع تقاليد لاهوتية وفلسفية عميقة. يذكّرنا الغائب بالمسيح الغائب في اللاهوت المسيحي، وبالإمام الغائب في الفكر الشيعي، وبشخصية "المنتظَر" في مسرح العبث عموما. لكن الرواية تسأل بلا رحمة: ماذا لو كان انتظار الغائب نفسه جزءا من المتاهة؟ ماذا لو كان الوعد بالخلاص مجرد تقنية سلطة لإدامة الخضوع؟ هنا تتقاطع الرواية مع ماركس حين رأى الدين عزاءً للألم، ومع نيتشه حين أعلن "موت الإله"، ومع ليفيناس حين جعل من مسؤولية الإنسان تجاه الآخر أساسا للأخلاق بدل انتظار الخلاص السماوي.

سياسيًا، ليست المتاهة خلفية محايدة للأحداث، إنما هي شكل العالم نفسه في زمن العنف. الدولة، الأجهزة، الخطاب الديني المُسيّس، العائلة الأبوية، كلها تتضافر لتشكّل ما سمّاه ألتوسير "أجهزة الدولة الأيديولوجية". لا تُقمَع الشخصيات بالقوة المادية فقط، وإنما تُشكَّل عبر التعليم والخطاب والدين والعرف، كما حلّل فوكو في المراقبة والعقاب. ليس السجن هنا فقط مكانا، وإنما منطقا اجتماعيا، تماما كما عند ألدوس هكسلي في "عالم جديد شجاع"، حيث يصبح التحكم بالوعي أهم من التحكم بالجسد عبر التكييف لا عبر العنف المباشر.

الجسد في الرواية هو ساحة الصراع الأكبر، كما لو أننا داخل أطروحة معاصرة لميشيل فوكو ممزوجة بحساسية أدبية قريبة من مارغريت أتوود في حكاية الخادمة. الجسد الأنثوي مراقَب، مُقنَّن، مُؤوَّل، مُحمَّل بالعار والشرف والقداسة، لكنه أيضا موقع مقاومة صامتة. هل يمكن للجسد أن يتكلم حين تُصادَر اللغة؟ هل يمكن للرغبة أن تكون سياسية؟ هل يمكن للمتعة أن تكون فعل تمرّد؟ أسئلة تتردّد في الخلفية كما في أعمال باتاي أو لاكان، حيث الجسد ليس مجرد بيولوجيا وإنما عقدة من الرغبات والقوانين والرموز. غير أن ما يجعل تمثيل الجسد أكثر تعقيدا هو اقترانه بالصمت. لا يتكلّم الجسد في "متاهة العميان" عبر الرغبة أو الألم فقط، وإنما عبر ما لا يُقال.

ليس الصمت هنا فراغا، إنما خطابا بديلا، كما قال فيتغنشتاين: «ينبغي التزام الصمت عما لا يمكن الكلام عنه». لكن الرواية تعيد تأويل هذه العبارة وتقلب منطقها. يتكلّم الجسد بطرق مختلفة عما يُمنَع الكلام عنه: الندوب، الارتجاف، الانسحاب، التصلّب، كلها أشكال سردية صامتة تُذكّرنا بنقد سوزان سونتاغ لتحويل الألم إلى استعارة لغوية.

تجعلنا الأقنعة في الرواية نفكّر في جورج باتاي وفكره في ما يتجاوز الحدود الاجتماعية والأنساق المألوفة للحياة: الإنسان محكوم بأن يلعب أدوارا اجتماعية، لكنه يجد في مواجهاتٍ قصوى ما يكسر هذه الأدوار ويتجاوزها. ترتدي الشخصيات أقنعة الأخلاق، الدين، الطاعة، الرجولة، العفّة، لكنها ترتجف تحتها. هل القناع مجرد حاجز زائف يخفي ما في الداخل، أم أنه يحدد حدود الذات في العالم الاجتماعي؟ هل الحقيقة عريٌ أم خطرٌ مميت؟ الرواية لا تجيب، لكنها تضعنا في مواجهة هذا التوتر الذي يذكّرنا بأفكار باتاي حول تناقض الذات بين المألوف وما هو خارج حدودها الاجتماعية والتجريبية، حيث تتكشف القوة الحقيقية للوجود عندما تتجاوز الذات قواعدها المفروضة وتواجه ما هو غير متوقع.

حتى العنوان -متاهة العميان- يعمل بوصفه أطروحة فلسفية مكثّفة: تفترض المتاهة عادة وجود من يحاول الخروج منها، لكن ماذا يعني أن تكون المتاهة مأهولة أساسا بالعميان؟ هل تصبح المتاهة بلا مركز، بلا مخرج، بلا خريطة ممكنة؟ يوحي العنوان بأننا لسنا أمام فضاءٍ يمكن تجاوزه، وإنما أمام شرط وجودي للإنسان الحديث؛ فنحن لا نضيع لأن المتاهة معقّدة، وإنما لأننا ندخلها أصلا بلا رؤية.

كلّما توغّلنا في النص، ندرك أن المتاهة ليست فقط داخل الرواية، وإنما تمتدّ إلى القارئ نفسه. نحن أيضا نصبح عميانا لحظة القراءة: نبحث عن معنى نهائي فلا نجده، نطلب يقينا فيُفلت منا، نريد مخرجا فنكتشف أننا جزء من المتاهة. أكثر من ذلك، يتحوّل القارئ من باحث عن معنى إلى شاهد أخلاقي. لا يكفي أن نفهم المتاهة؛ نحن مدعوون لتحمّل مسؤولية ما نراه فيها، أو ما نعجز عن رؤيته. بهذا المعنى، تقترب القراءة هنا من أخلاقيات ليفيناس: مواجهة وجه الآخر (حتى وإن كان وجها أعمى) تفرض علينا التزاما لا يمكن الهروب منه. لا يسمح النص لنا بأن نكون محايدين؛ إمّا أن نشارك في المتاهة بوعي، أو نكون جزءا من عماها.

وأخيرا، لا توفر متاهة العميان خروجا واضحا من التيه ولا تطمئننا بنهاية كاثارسيّة على طريقة التراجيديا الأرسطية. تبقى المتاهة مفتوحة، لكنها ليست فقط قدرا قاتما؛ إنها أيضا دعوة للتفكير، للمساءلة، لرفض المسلّمات، وللتحديق في الظلام بدل الهروب منه. لا تريد الرواية قارئا مستريحا، وإنما قارئا قلقا على طريقة هانس جورج غادامر في التأويل الفلسفي: إن كان العالم مليئا بالغموض، فوعينا بهذا الغموض هو شكل من أشكال الحرية والمعرفة. هكذا تتحوّل القراءة إلى تجربة أخلاقية وفكرية وسياسية في آن واحد، مواجهة لا مع النص وحده، وإنما مع تاريخ من العتمات التي صنعناها وما زلنا نتحرّك داخلها، متاهةً بعد متاهة، وعمى بعد عمى، وسؤالًا بعد سؤال.

***

وليد الأسطل

محاولة لتثبيت المتحرك.. خارطة الريح بوصفها مشروعاً مستحيلاً

حين يختار شاعر عراقي معاصر أن يُسمّي ديوانه "خارطة الريح"، فإنه يضعنا منذ العتبة الأولى أمام مفارقة تأسيسية: كيف تُرسم خارطة لما يتحرك دوماً؟ كيف يُثبَّت ما طبيعته الانفلات؟ هذا السؤال يحمل في طياته جوهر التجربة الشعرية عند عصام كاظم جري، تجربة تتأرجح بين الرغبة في الإمساك بالمعنى واستحالة تثبيته، بين الحنين إلى المكان وتشظّيه في الذاكرة، بين صوت الذات الفردية وهدير التاريخ الجمعي. الديوان يشتغل على طبقات متعددة من الدلالة، ويستدعي قراءة تتجاوز السطح اللغوي لتحفر في البنى العميقة التي تُشكّل النص وتمنحه كثافته، ومن هنا تأتي ضرورة المقاربة التفكيكية التي تُفكك المركزيات وتكشف عن التوترات الداخلية في النص، وتُصغي إلى ما يقوله النص وما يُسكت عنه في آن.

يُؤسس عصام كاظم جري لأنطولوجيا شعرية قوامها الزعزعة والتقويض، حيث تتحول الريح من عنصر طبيعي إلى استعارة وجودية كبرى تختزل حالة الإنسان المعاصر في عالم فقد يقينياته. في قصيدة "عندما نتبوأ خارطة الريح" يُصرّح الشاعر: "هؤلاء الأصدقاء / سدنة الأحزان / يجلسون على أريكة الريح / ويسمونها المنفى"، والجلوس على الريح فعل مستحيل فيزيائياً، لكنه يصف بدقة حالة المنفي الذي يسكن اللامكان، ذلك الذي فقد أرضه الصلبة وصار معلقاً في فراغ الاغتراب. هذا التوظيف يستدعي مفهوم "الرمي في العالم" عند هايدغر، ذلك المفهوم الذي يصف حالة الإنسان الملقى في وجود لم يختره، المُطالَب بصنع معنى من عبثية موقعه.

الريح في الديوان تتخذ تجليات متعددة: هي المصير حين يقول "صارت الريح أكثر احمراراً من المصير"، وهي الخارطة التي يتبوأها المنفيون، وهي الأريكة التي يجلس عليها الأصدقاء الحزانى، وهذا التعدد في التجليات يكشف عن بنية رمزية مُركّبة، حيث الريح تصير علامة سيميائية مفتوحة على تأويلات متعددة، كلها تدور في فلك الضياع والتشظي والبحث عن موطئ قدم في عالم منفلت.

في قصيدة "الليل موسم خامس" يُعمّق الشاعر هذا البعد الأنطولوجي حين يكتب: "على حين غرة / أخذتنا الريح ونحن نلهو / دون يقين / دون قوس الأرض"، وغياب اليقين هنا يتجاوز المعنى المعرفي ليصل إلى المستوى الوجودي، فالذات المتكلمة تجد نفسها مأخوذة، مسلوبة الإرادة، تائهة في فضاء أُفقد فيه "قوس الأرض" - ذلك القوس الذي يمنح الإنسان إحساساً بالانتماء والتجذر. هذا الفقدان للأرض يُحيل إلى ما سماه إدوارد سعيد "الوعي الطباقي" - وعي المنفي الذي يعيش في مكانين وزمانين، حاضر جسدياً في منفاه وغائب روحياً في وطنه المفقود.

يتخذ الديوان موقفاً شكياً معرفياً من إمكانية الوصول إلى حقيقة ثابتة، وهو شك يتجاوز الشك الديكارتي المنهجي ليصل إلى ما يمكن تسميته "شك وجودي" يطال أسس المعرفة والقيم والهويات.

في قصيدة "الإفلاس أحسن أحوال الملوك" يُصرّح: "الوصايا تريد الحكمة / والفضيلة والثواب / لذا لم تترك لنا فسحة للأزياء"، وهذا النقد يستهدف الخطابات الكبرى التي تحتكر الحقيقة وتُصادر حق الفرد في التجربة الذاتية. الوصايا - سواء كانت دينية أو أخلاقية أو سياسية - تفرض قوالب جاهزة تُلغي الاختلاف والتعدد، والشاعر يستخدم استعارة "الأزياء" للدلالة على الحرية الفردية في اختيار الهوية وتشكيلها، تلك الحرية التي تُصادرها المنظومات الشمولية. هذا الموقف يتقاطع مع نقد ليوتار للسرديات الكبرى في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي"، حيث يرى أن عصرنا يتميز بانهيار تلك السرديات التي كانت تمنح الحياة معناها الموحد - سردية التقدم، سردية التحرر، سردية الخلاص.

الشاعر يُجسّد هذا الانهيار شعرياً حين يكتب في قصيدة "نهايات": "ماذا أتحدث / عن الموج الذي لا يثور؟ / عن النفايات التي تُشير بسبابة من رصاص؟"، والسؤال البلاغي هنا يكشف عن أزمة الخطاب ذاته، عن عجز اللغة عن مقاربة واقع صار يتجاوز قدرة الكلمات على وصفه، فالموج الذي لا يثور والنفايات التي تُشير برصاص صور تُجسّد عالماً انقلبت فيه الطبائع وتبدلت فيه الوظائف، عالماً يحتاج لغة جديدة لفهمه.

ينشغل الديوان بتشريح بنى السلطة وآليات الهيمنة بأشكالها المتعددة، مُوظفاً ما يمكن تسميته "الحفر الأركيولوجي" بتعبير فوكو - ذلك الحفر الذي يكشف عن الطبقات المتراكمة من القمع والإخضاع.

وفي قصيدة "أمام نصب الحرية" يكتب: "العبيد / غارسو الأمل وبائعو النحيب / قادمون بأحزمة تحفر الأوطان / وتؤجل الذباب / علقوا أوزارهم بعد أن خانتهم البيانات / وناموا ملء أجسادهم / أمام نصب الحرية"، والمفارقة صارخة: العبيد ينامون أمام نصب الحرية، ذلك النصب الذي صنعه جواد سليم ليُخلّد انتفاضة الشعب العراقي، صار شاهداً على نوم العبيد واستسلامهم. هذا التوظيف للرمز الوطني يُفكك الخطاب القومي ويكشف عن الفجوة بين الرمز ومدلوله، بين الشعار والواقع.

الشاعر عصام كاظم يتتبع سلسلة القمع عبر التاريخ حين يكتب: "الإفلاس أجيال / من الأغاوات / والباشوات / والملوك"، وهذا التتابع الزمني يكشف عن بنية القمع المتوارثة، تلك البنية التي تُعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال مع تبدل الأسماء والأقنعة، فالأغاوات والباشوات والملوك يمثلون حلقات في سلسلة واحدة، ووراثة الإفلاس تُشير إلى استمرارية الفشل التاريخي في تحقيق العدالة والحرية. هذا التحليل يتقاطع مع مفهوم "العنف الرمزي" عند بورديو، ذلك العنف الناعم الذي يُمارَس بموافقة الضحايا أنفسهم، حين يتبنون منظومة القيم التي تُبرر إخضاعهم.

الشاعر يكشف عن هذا العنف حين يكتب في قصيدة "غواية": "يرمون العلب الفارغة / كبقايا من البشر"، وتشيئ الإنسان وتحويله إلى "بقايا" و"علب فارغة" يُجسّد أقصى درجات العنف الرمزي، حين يفقد الإنسان إنسانيته ويتحول إلى مجرد نفاية يمكن التخلص منها.

المنفى في الديوان يتجاوز بُعده الجغرافي ليصير حالة وجودية شاملة، ما يمكن تسميته "المنفى الأنطولوجي" - ذلك الشعور بالغربة حتى في الوطن، بالضياع حتى في المكان المألوف.

في قصيدة "نهايات" يكتب: "وحدي / على بابك المسافر / أهيم مع مصابيح المدن الباردة / أيها المسافر / في ضوء الغفلة / دعني أبتهل / دعني أجمع الغربة / في بريد أوطاننا"، والغربة هنا تُجمع في "بريد الأوطان"، استعارة تُشير إلى تحول الوطن من مكان للإقامة إلى مجرد رسائل ومراسلات، علاقة عن بُعد، حنين مؤجل، ذاكرة تتآكل مع الزمن.

الشاعر "يبتهل" - فعل ديني يكشف عن تحول المنفى إلى حالة روحية تستدعي طقوساً خاصة للتعامل معها. هذا التوظيف يستدعي ما كتبته جوليا كريستيفا عن "الغريب في ذواتنا"، ذلك الإحساس بالغربة الذي يسكن أعماق كل منا، المنفي الداخلي الذي يحمله الإنسان أينما ذهب.

الشاعر يُجسّد هذا البعد حين يكتب في قصيدة "لعبة": "هذا اسمي / أنا الضمير الغائب / اترك واشطب / لغة أخرى"، والذات تتحول إلى "ضمير غائب"، تتموضع في موقع الغياب اللغوي، تنسحب من حضورها لتصير أثراً ومرجعاً، وهذا الانسحاب يُجسّد ما سماه بلانشو "الكتابة كاختفاء"، حيث الكاتب يغيب في نصه ويتحول إلى صوت مجهول يتكلم من مكان اللامكان.

تُفتتح قصيدة "غواية" بضمير الغائب الجمعي "أولئك"، مُؤسسةً منذ البداية لمسافة بين الذات المتكلمة والآخرين: "أولئك / - أصحاب الأصوات العالية - / يلعنون بأصابعهم خرس العزلة"، والتقابل بين "الأصوات العالية" و"خرس العزلة" يكشف عن صراع مركزي في القصيدة: صراع بين الصخب والصمت، بين السلطة التي تفرض حضورها بالضجيج والذات التي تختار الانسحاب إلى العزلة. اللعن بالأصابع - وليس بالكلمات - يُشير إلى عنف جسدي مباشر يُمارس ضد الصامتين، إلى سلطة تُجرّم الصمت وتعتبره تهديداً.

الشاعر يُعلن موقفه بوضوح: "لن أمارس الغواية مع الأدغال / آثمون"، ورفض "الغواية مع الأدغال" يُشير إلى رفض الانخراط في لعبة السلطة والتنافس على مواقعها، فالأدغال هنا استعارة للفضاء البري الذي تسود فيه شريعة الغاب، حيث البقاء للأقوى، والشاعر يُفضّل الإثم - بمعناه الاجتماعي، أي الخروج عن المألوف والمقبول - على المشاركة في هذه اللعبة. هذا الموقف يستدعي مفهوم "الرفض الكبير" عند هربرت ماركوز، ذلك الرفض الجذري للمشاركة في منظومة القمع حتى لو كان ثمن ذلك التهميش والإقصاء، فالشاعر يختار الهامش بوصفه موقعاً للمقاومة، ويُحوّل العزلة من عقوبة إلى اختيار وجودي.

القصيدة مشحونة بصور كثيفة تُجسّد حالة الفساد والانحطاط: "يشخرون في بروج من المصابيح الذهبية / ويشربون لمعان الدم"، والشخير في البروج الذهبية يُشير إلى السلطة النائمة، المترهلة، التي تسكن قصورها المُذهّبة بينما الدماء تسيل في الخارج، و"شرب لمعان الدم" استعارة مُركّبة تجمع بين الجمالي واللمعان والمأساوي والدم، وتكشف عن سلطة تتغذى على معاناة الآخرين وتستمد بريقها من آلامهم.

قصيدة "غواية" في جوهرها قصيدة رفض وجودي تُؤسس لموقف أخلاقي قائم على الانسحاب الواعي من دوائر السلطة والصخب، والشاعر يختار "حدائق المجهولين" و"أعمدة الرماد" بوصفها فضاءات بديلة للوجود، فضاءات هامشية تُتيح للذات أن تحتفظ بنقائها بعيداً عن تلوث السلطة.

أما قصيدة "عندما نتبوأ خارطة الريح" فعنوانها يجمع بين الفعل الإرادي "نتبوأ" - بما يحمله من دلالات التسلّم واتخاذ الموقع - والمستحيل الدلالي "خارطة الريح"، وهذا التناقض يُؤسس لشعرية قائمة على السعي نحو المستحيل، على محاولة الإمساك بما يفلت بطبيعته.

القصيدة تتضمن مشهداً افتتاحياً بالغ الكثافة: "جرح هذا الجندي المجهول الذي فر إلى شرفة من يُحب / وعلّق خوذته كزينة وبكى / في ظلمة الجدران"، والجندي المجهول - ذلك الرمز العالمي للتضحية المنسية - يتحول هنا إلى شخصية درامية حية، وفراره "إلى شرفة من يُحب" يكشف عن الصراع بين الواجب والرغبة، بين متطلبات الحرب ونداء الحب، وتعليق الخوذة "كزينة" فعل رمزي يُشير إلى تحويل أداة الحرب إلى مجرد ديكور، إلى إعلان نهاية القتال واختيار الحب، والبكاء "في ظلمة الجدران" يكشف عن خصوصية الألم، عن دموع لا تُرى، عن حداد صامت.

القصيدة تُقدم موقفاً جذرياً من ثنائية النصر والهزيمة: "حلفت ألا أكون أميراً لزمن ما / وحلفت ألا أشرب كأس الفوز / فالهزيمة سمة أبوية"، ورفض الإمارة ورفض كأس الفوز يُشيران إلى تقويض أيديولوجيا النصر السائدة في الخطاب القومي العربي، والشاعر يكشف أن "الهزيمة سمة أبوية" - أي موروث بنيوي يتجاوز الأفراد ويُعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. هذا الاعتراف بالهزيمة كقدر موروث يُحيل إلى ما سماه عبد الله العروي "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، تلك الأيديولوجيا التي تُراوح بين أحلام النهضة وكوابيس الانكسار.

القصيدة مُحمّلة بتناصات تُفعّل الذاكرة الثقافية العراقية: "تذكرت الشعراء الذين شربوا أيامهم في مقهى الزهاوي / فبكيتُ لأجل جندي من الشطرنج / وآخر وزير / بكيتُ على أرضة الرشيد التي أكلتها العصا"، ومقهى الزهاوي - ذلك الفضاء الثقافي البغدادي الذي شهد ولادة الحداثة الشعرية العراقية - يتحول إلى موضوع للحنين والرثاء، والشعراء الذين "شربوا أيامهم" استعارة تُشير إلى استهلاك الزمن، إلى حياة أُنفقت في الإبداع والسهر والحوار، أما "أرضة الرشيد" فتُحيل إلى شارع الرشيد، الشريان الثقافي لبغداد، الذي "أكلته العصا" - استعارة للتدمير والإهمال والعنف الذي طال المدينة وذاكرتها. رغم كل هذا الألم، تنتهي القصيدة بدعوة إلى فعل: "علينا أن نشرب العاصفة / ونتبوأ خارطة الريح / دعنا ننزف صمت هديرنا / ونملأ الأشواط التي تغوص في الأدغال / عطراً جديداً"، و"شرب العاصفة" فعل يجمع بين الاستيعاب والمواجهة، تحويل الكارثة إلى طاقة داخلية، و"تتويج الرغبة بنافورة الدمع" يُشير إلى تحويل الألم إلى جمال، إلى كيمياء شعرية تُحوّل الدموع إلى نافورة - أي إلى شكل فني منظم وجميل.

يُوظف الشاعر تقنيات الانزياح اللغوي بكثافة لافتة، مُحققاً ما سماه شكلوفسكي "التغريب" - جعل المألوف غريباً لإثارة الوعي وكسر الآلية الإدراكية.

الانزياح التركيبي يتجلى في قوله "صارت الريح أكثر احمراراً من المصير"، فإسناد اللون الأحمر للريح، وجعلها أكثر احمراراً من المصير، يخلق صورة غير مسبوقة تُجبر القارئ على التوقف والتأمل.

والانزياح الدلالي يظهر في "يشربون لمعان الدم"، حيث الجمع بين فعل الشرب واللمعان يخلق تركيباً غرائبياً يكشف عن علاقة السلطة بالعنف. والانزياح الإسنادي يبرز في "طاولتي تنتحر"، فإسناد فعل إنساني كالانتحار إلى جماد كالطاولة يُجسّد حالة اليأس الشامل التي تطال حتى الأشياء.

الشاعر يتخلى عن الوزن الخليلي التقليدي ليُؤسس لإيقاع داخلي قائم على توزيع الأسطر وفق منطق بصري يُعادل التجربة الشعورية، فالقصائد تتشكل على الصفحة كأنها لوحات، حيث الفراغات وتأجيل المعنى والتقطيعات تحمل دلالاتها الخاصة.

ويستخدم الشاعر التكرار كأداة لبناء الإيقاع والدلالة معاً: "بكيتُ لأجل جندي من الشطرنج / وآخر وزير / بكيتُ على أرضة الرشيد... / بكيتُ يوم نالت من جيوبنا رسائل الحبيبة"، والتكرار هنا يُراكم الألم ويُعمّقه، يُحوّل البكاء من فعل عابر إلى طقس متواصل، إلى حالة وجودية مستمرة.

يتخذ الشاعر موقفاً مُركّباً من اللغة، يراها قيداً وانعتاقاً في آن، ففي قوله "وتحت السياط / التي تلغي الكلمات" تُشير السياط التي تُلغي الكلمات إلى سلطة تُصادر حق الكلام، إلى قمع يطال اللغة ذاتها، وفي هذا السياق، الكتابة الشعرية تصير فعل مقاومة، محاولة لاستعادة الكلمات المُصادرة.

لكن الشاعر يُدرك أيضاً أن اللغة ذاتها قد تكون أداة للقمع، ولذلك يكتب: "هذا اسمي / أنا الضمير الغائب / اترك واشطب / لغة أخرى"، والرغبة في "لغة أخرى" تكشف عن وعي بقصور اللغة المتاحة، عن حاجة إلى أدوات تعبيرية جديدة تتجاوز القوالب المُستهلكة.

يحتفي الديوان بالصمت بوصفه خطاباً بديلاً: "دعنا ننزف صمت هديرنا"، والصمت هنا يهدر، أي يحمل طاقة الثورة والفيضان، إنه صمت مُحتقن، مشحون، ينتظر لحظة الانفجار، وهذا التوظيف يستدعي ما كتبه سوزان سونتاغ عن "جماليات الصمت" - الصمت بوصفه موقفاً فنياً ووجودياً، اختياراً واعياً في مواجهة ثرثرة العالم.

"خارطة الريح" ديوان يُقاوم الاختزال والتصنيف، يتملّص من كل محاولة للإمساك به في تأويل نهائي، وهذا التملّص هو جزء من استراتيجيته الجمالية، فالنص يُصرّ على انفتاحه، على تعدد مداخله ومخارجه، على كونه "خارطة ريح" بالفعل - خارطة تتبدل مع كل قراءة، وتمنح كل قارئ مساراً مختلفاً. الشاعر يُقدّم نموذجاً للشاعر-المفكر الذي يتجاوز التعبير عن تجربته الذاتية ليُحوّلها إلى أداة معرفية لفهم العالم ونقده، يمارس ما سماه أدورنو "الفن الملتزم" - ذلك الفن الذي يُقاوم بجمالياته لا بشعاراته.

الديوان في نهايته كما في بدايته يظل في مهب الريح، باحثاً عن خارطة للمستحيل، مُصرّاً على الأمل رغم كل شيء، يختم بقوله: "ليس ثمة شيء آخر / هذا الطيف / آخر الحكايات"، وهكذا ينتهي الديوان كما بدأ - سؤالاً مفتوحاً على الريح، وخارطةً لا تكتمل أبداً.

***

كاظم أبو جويدة

 

مقاربة نفسية – رمزية – أسلوبية في الصورة والإيقاع والدلالة والبعد الفلسفي

تنتمي قصيدة «عودة المرجفين» لأحمد المجاطي إلى شعر التفعيلة ذي النفس الرؤيوي، حيث يتداخل التاريخي بالأسطوري، والذاتي بالجماعي، في بنية شعرية تقوم على التوتر بين الأمل والانكسار، بين الثورة والانطفاء، بين الحلم والخذلان.

القصيدة ليست سردًا حدثيًا بل بناء رمزي كثيف، تتحول فيه الشخصيات (المرجفون، العائدون، الشاعر) إلى علامات نفسية وتاريخية، ويغدو الفضاء الشعري مسرحًا لصراع الوعي مع الخيبة.

المحور الأول: الصورة الشعرية

1. طبيعة الصورة

تعتمد القصيدة على صورة مركبة، لا وصفية، بل دلالية–رؤيوية، مثل:

«تشردُ الأحلامُ في خطواتهم

تتعذّب الأوتارُ في لحنٍ يكفّن صولة الماضي»

هنا تتحول الأحلام إلى كائنات شاردة، والموسيقى إلى كفن، أي أن الجمال نفسه صار أداة دفن. هذه صورة نفسية قبل أن تكون حسية، تعكس وعيًا منكسرًا يرى الماضي حيًّا في هيئة جثة.

2. الصورة والرمز

كثير من الصور تؤدي وظيفة رمزية:

الجبل: رمز الثبات والبطولة الغائبة

الليل: رمز الخيبة والضياع

الزيتون: رمز الشهادة والبعث

الضباب: رمز الالتباس الأخلاقي والسياسي

«صاروا كالضباب الجون

قيل أبيض كالقُطن

قيل أسود كالموت»

الصورة هنا تفكك اليقين: لا حقيقة ثابتة، كل شيء قابل للتأويل، وهو جوهر الأزمة النفسية والسياسية.

3. الصورة والانفعال

الصورة لا تُنتج للزينة، بل تنبع من انفعال داخلي عميق، لذلك تسود:

الصور الجارحة: الدم، الجراح، العيون، الصدر

الصور الليلية: العتمة، الظل، الصمت

الصور النبوئية: البعث، الرؤيا، القيامة

وهذا يؤكد أن الخيال هنا هو خيال مأزوم، لا احتفالي.

المحور الثاني: الإيقاع الداخلي

1. تفعيلة وانكسار

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكن الإيقاع ليس منتظمًا، بل متوتر، متقطع، يعكس اضطراب التجربة:

تكرار الجمل القصيرة:

«كانوا هناك

كانوا إذا ماتوا…

أنا بالثورة عانقت السماء»

هذا التكرار يمنح نغمة تراتبية تشبه التراتيل أو المراثي.

2. الإيقاع والدلالة النفسية

الإيقاع هنا ليس موسيقيًا فقط، بل نفسي:

بطء في المقاطع الحزينة

تسارع في مقاطع الثورة

انكسار في لحظات الخيبة

الإيقاع يتحول إلى تمثيل صوتي للوجدان.

3. التكرار كوظيفة نفسية

كثرة التكرار (كانوا – أنا – عادوا) ليست أسلوبًا فقط، بل سلوكًا نفسيًا:

الذات المصدومة تعيد الجملة كأنها تحاول استيعاب الصدمة.

المحور الثالث: البنية الدلالية

1. الحقول الدلالية

تتوزع الدلالة بين أربعة حقول:

حقل الموت: الدم، الجراح، القبور، الصدر

حقل النور: الفجر، الشمس، الزيتون

حقل الخديعة: الضباب، الحرباء، الرؤيا الكاذبة

حقل الثورة: السماء، الريح، التفجير، الانتصار

وهذه الحقول في صراع دائم.

2. الدلالة والتحول

القصيدة تقوم على مسار:

أمل → ثورة → خيانة → خيبة → نبوءة سوداء

«كذبتِ يا رؤيا

طريق الصمت لا تفضي لغير المقبرة»

هنا تتحول الرؤيا من وعد إلى كذبة، ومن خلاص إلى قبر.

3. اللغة كوعي مأزوم

اللغة نفسها متوترة:

كثرة الأفعال

غلبة الحركة

ندرة الجمل الاسمية الهادئة

كأن اللغة تلهث خلف معنى يفرّ منها.

المحور الرابع: البعد النفسي

1. الذات الجريحة

الشاعر لا يتكلم من موقع الراصد بل من موقع المصاب:

«أنا بالثورة عانقت السماء

أنا لم أضحك…»

الذات هنا ذات مجروحة بالخيبة، تعاني ما يمكن تسميته:

"صدمة الحلم المكسور".

2. الجماعة بوصفها جرحًا

المرجفون والعائدون ليسوا أشخاصًا فقط، بل صور للخذلان الجمعي:

من خرجوا باسم الثورة

من عادوا بلا ملامح

من خانوا الحلم أو شوهوه

وهذا يولد شعورًا نفسيًا بالاغتراب داخل الجماعة نفسها.

3. القلق الوجودي

القصيدة مشبعة بقلق:

من المصير

من المعنى

من الزمن

من التاريخ

الذات هنا لا تثق لا بالماضي ولا بالمستقبل.

المحور الخامس: البعد الفلسفي

1. سؤال الحقيقة

حين يقول:

«قيل أبيض كالقُطن

قيل أسود كالموت»

فهو يعلن أزمة الحقيقة، وهي أزمة فلسفية قبل أن تكون سياسية.

2. الرؤيا والعدم

الرؤيا التي تكذب تعني أن الوعي نفسه مهدد:

«كذبتِ يا رؤيا»

أي أن الخلاص المتخيَّل لم يكن إلا خدعة.

3. الإنسان والخيبة التاريخية

القصيدة تنتمي إلى فلسفة المأساة التاريخية:

الإنسان يصنع الحلم

التاريخ يخونه

الوعي يبقى معلّقًا بين الذنب والأمل

خاتمة تركيبية

تشكل «عودة المرجفين» نصًا مركزيًا في شعر أحمد المجاطي، حيث تندمج:

الصورة الرؤيوية

الإيقاع النفسي

الدلالة المأزومة

القلق الوجودي

في بنية شعرية تعكس أزمة الإنسان العربي بين حلم الثورة وصدمة الانكسار.

القصيدة ليست مجرد نص سياسي، بل وثيقة نفسية–فلسفية عن إنسان حلم بالسماء، ثم أفاق في المقبرة.

النتائج

الصورة في القصيدة صورة نفسية–رمزية لا وصفية.

الإيقاع يعكس اضطراب الوعي لا انتظام الموسيقى.

الدلالة تقوم على صراع الحلم والخذلان.

البعد النفسي يتمحور حول صدمة الحلم المكسور.

البعد الفلسفي يتمثل في أزمة الحقيقة والمعنى والتاريخ.

القصيدة تمثل نموذجًا للشعر العربي الرؤيوي المأزوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

عودة المرجفين

في اللَّيلِ

لا جبلٌ يصولُ إذا مَشَوْا

لا غيمةٌ تَدنو

لِتَنفُثَ رعبَها الثَّلجِيَّ

عبرَ المُرتَقَى

كانوا هُنالِكَ

تشردُ الأحلامُ في خُطُواتِهِمْ

تَتَعذَّبُ الأوتارُ

في لَحنٍ يكفٍّنُ صولةَ الْماضي

يفتِّحُ لاصطخابِ المَوْجِ

أقبِية السكينَه

كانتْ عناقيدُ الَّهيبِ

إذا ارتمتْ فوقَ الجْبالِ

أَلُمُّها في الحيِّ

أمسحُ جبهَتي منْها

أحسُّ تمرُّدَ الأمواتِ فيها

نكهةَ البعثِ

التئامَ الجرحِ

في الغُصَصِ الدفينهْ

كانوا إذا ناءَتْ جِرَاحُهمُ

تحلِّقُ كاسراتُ الطّير

فوقَ وُجُهِهِمْ

لا تغمسُ المِنقَارَ في عينٍ

ولا تسعَى بِمِخلَبِ كاسرٍ

يَمْتَصُّ مْن شفَقِ

تجمَّد في شقوقِ الصّدرِ

كانتْ ربما مَسَحتْ بجانِحِها

بقايا الحُلْمِ في نَظراتِهِمْ

أَوْ لَوَّنتْ مْمَّا يَحوكُ الفجرُ

حزنَ دُموعِهِمْ

كانوا إذا ماتوا

تَشِعُّ مَواقِدُ الزَّيتونِ

في القِمَمِ الحصينهْ

2

أنا بالثَّورةِ عانَقْتُ السّماءْ

أنا نَبعُ اللهِ

في قَلْبِي ارْتوَى

ذَوَّبتُ نهرَ الدَّمِ

في قطرةِ ماءْ

أنا لَمْ أضحكْ

ولكنَّ الذي استَغْوى أساريري

انتِصاراتي علَى الْموتِ

امْتِدادي في مهَبِّ الرِّيحِ

تَفْجيري الأسَى

في سَطوةِ الدّهرِ الَّعينَهْ

أنا من أسلَمَ للخًلْدِ يَقينهْ

3

حِينَ عادوا كَحَّل الصَّمتُ جفونَهْ

مَدَّ للفجر يداً

أَرخَى جُنونَ الضَّوءِ

في لَيلْ المَدينهْ

وأفاق الغَجَرُ المصلوبُ

والخمرُ اسْتباحتْ خُلوةَ الصَّفصافِ بالشَّمسِ

ارتَمتْ نهراً عقيقيّاً

وباتَتْ دارُنا تكبرُ

وامتدتْ مِنَ الفرحةِ غاباتٌ

وسالَ النَّجمُ في الرملِ

فلَو فَجّرتَ أحزانَ اليتامَى

في جناحِ اللَّيلِ لاخْضلتْ يَنابيعُ

وفاضَ اللَّحنُ في الكأسِ الحزينهْ

4

كذبتِ يا رُؤِيا

طريقُ الصَّمتِ لا تُفضِي

لِغيرِ المَقبرهْ

رأيتُهم مَرُّوا بلا عمائِمٍ

تَفَرّقوا عبرَ الدُّروبِ

أطفأُوا سُيوفَهُمْ

تَفَرّدوا على ظُهورِ الخَيلِ

صاروا كالضَّبابِ الجُونِ

قيلَ أبيضٌ كالقُطنِ

قيل أسودٌ كالْموتِ

قيلَ أفْرختْ حرباءُ

في وُجوهِهِمْ

وقيلَ باضتْ

قُبَّرهْ

5

عتمة الأدغالِ في الغاباتِ

تَدري أيُّهُمْ عادَ

وتَدْري

كيفَ فاضَ الماءُ في التَّنُّورِ

حتَّى نغلتْ بالدُّودِ

عينُ الشَّمسِ

حتَّى أورقَ الانجيلُ

في عينِ الخطيئَهْ

عادَ مِنهم جسدٌ لا يَرْوتَوي،

حماءةُ طينٍ،

شبقٌ،

عادوا

وفي ألسنِهِمْ من ذَنبِ الضََّبِّ

حبالٌ

أبداً ما نَفَذت عيني

لِما خلف البُطونِ الصفْرِ

ما خلف الأساريرِ

القَميئَهْ

أبداً بيني وبينَ الشَّمعِ

في نَشْوتِهِمْ

عُمقُ البِحارِ السُّودِ،

يا قلباً رَمَى المِرساةَ

لِلرِّيحِ الجَريئَهْ

قِفْ على مَوتاكَ

وادفِنْ سَوْرةَ الثّلجِ

بعينَيكَ،

حُطامٌ حُلمكَ المُشْعلُ

من رُؤيا

بَريئَهْ

نبذة عن القصيدة

قصائد عامه

التفعيله

 الصفحة السابقة

كبوة الريح

***

أحمد المجاطي - المغرب

 

تُقارب هذه الدراسة قصيدة توفيق أحمد “القصيدة” عبر المنهج النفسي والرمزي، بوصف النص فضاءً تتجلّى فيه علاقة الشاعر بذاته، وباللغة، وبالعالم، حيث تتحوّل “القصيدة” من موضوع للكتابة إلى ذات كبرى تحتضن الشاعر وتصارعه وتعيد تشكيله.

وسيتمّ تحليل النص عبر محاور: الفكرة والرؤية، البنية الدلالية، الرموز المركزية، الصراع الداخلي، صورة الذات والآخر، البنية الأسلوبية، الصورة الشعرية، الإيقاع، الزمن والمكان، والأبعاد النفسية والفلسفية.

أولًا: الفكرة والرؤية:

القصيدة ليست نصّاً عن الشعر بقدر ما هي نصّ عن الوجود عبر الشعر. فالشاعر لا يعرّف القصيدة تعريفاً تقنياً، بل يحمّلها وظيفة أنطولوجية:

“هي الحياة بما أعطت وما أخذتْ

فكلُّ روحٍ لها من خلقها جسدُ”

القصيدة هنا ليست انعكاساً للحياة، بل هي الحياة نفسها، أو صورتها المكثفة. الرؤية المركزية تقوم على أن الشعر ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية، وأن الشاعر لا يعيش خارج القصيدة بل داخلها.

ثانيًا: البنية الدلالية

الدلالة في النص تقوم على حركة دائرية بين ثلاثة أزمنة:

“هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ”

القصيدة تُختزل فيها الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل، في وحدة زمنية متوهّجة. هذا يشي بأن التجربة الشعرية عند توفيق أحمد تجربة كلية، لا تخضع للتجزئة الزمنية، بل تصنع زمنها الخاص.

كما أن الدلالة تتحرّك بين الامتلاء والفراغ، القرب والبعد، العطاء والحرمان:

“بحرٌ لا ضفاف له

وكلما اقتربت في الظن تبتعدُ”

وهو ما يؤسس لتوتّر دلالي دائم، يجعل القصيدة كيانًا مراوغًا لا يُمتلك بالكامل.

ثالثًا: الرموز المركزية

1. القصيدة بوصفها أنثى/أم/مخلّصة

تُؤنَّث القصيدة باستمرار:

“تلمّني يدها وهماً وأسئلةً”

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

القصيدة هنا ذات حاضنة، أمّ رمزية، أو معشوقة وجودية، تمنح الشاعر ولادة متكررة.

2. البحر

“هي القصيدة بحرٌ لا ضفاف له”

البحر رمز للاتساع، اللانهاية، الغموض، واللاحدّ. القصيدة فضاء مفتوح لا يُحدّ بتعريف.

3. الجراح والعطش

“تروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ”

المفارقة الرمزية: القصيدة تشفي وهي مجروحة، تروي وهي عطشى، ما يجعلها رمزًا للتضحية الوجودية.

رابعًا: الصراع الداخلي

يتجلّى الصراع بين الشاعر وذاته عبر علاقته المتناقضة بالقصيدة:

“تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصر فحواها فتجتهدُ”

الشاعر يعاني من مقاومة المعنى للقبض عليه، فينشأ صراع بين الرغبة في التعبير وعناد اللغة.

وفي قوله:

“أنا أكفّر أحلامي وأرجعها”

نلمح توتّرًا بين الإيمان بالحلم والتشكيك فيه، بين الحاجة إليه والخوف من خيبته.

خامسًا: صورة الذات والآخر

صورة الذات

الذات تُقدَّم ككائن ناقص، مجروح، باحث عن خلاص:

“تستعيد جراحي النازفات يدُ”

“حين الوهن ينزف بي”

الذات لا تكتمل إلا داخل القصيدة، فهي المجال الوحيد الذي تستعيد فيه توازنها.

صورة الآخر

الآخر هنا ليس شخصًا، بل هو العالم، والحسد، والقصيدة ذاتها:

“محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ”

العالم يغار من القصيدة، لأنها تمتلك ما لا يملكه: القدرة على الخلق من الألم.

سادساً: البنية اللغوية والأسلوبية

اللغة فخمة، تقريرية شعرية، تعتمد الجملة الاسمية لتكريس الثبات:

“هي القصيدةُ…” تتكرّر بوصفها لازمة بنائية.

هذا التكرار يرسّخ مركزية القصيدة ويحوّلها إلى محور كوني.

الأسلوب يقوم على:

المفارقة: تروي وهي ظامئة.

التضاد: تقترب/تبتعد.

التوكيد عبر التكرار.

سابعاً: الصورة الشعرية والرمز

الصور تقوم على المزج بين المجرد والمحسوس:

“لحظةٌ تسكن الأيام في يدها”

الزمن يُمسك باليد، وهي صورة رمزية تدمج الزمن بالجسد.

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

صورة ولادية، تجعل الشاعر نتاجًا للقصيدة لا العكس.

ثامناً: الإيقاع والموسيقى

القصيدة مكتوبة على البحر السيط، بما يحمله من طاقة موسيقية عالية تناسب خطاباً احتفالياً وجودياً.

التكرار الصوتي في “هي القصيدة” يمنح النص لازمة إيقاعية، تقارب الترتيل، وتمنح القصيدة نَفَساً إنشادياً يتلاءم مع قداسة الموضوع.

تاسعًا: الزمن والمكان

الزمن غير تاريخي، بل وجودي: أمس/غد/حاضر في وحدة واحدة.

المكان رمزي: بحر، ضفاف، يد، شفة، دم… كلها أماكن نفسية لا جغرافية.

عاشرًا: الأبعاد النفسية والفلسفية

من منظور نفسي، القصيدة تقوم بوظيفة علاجية:

تضمّد الجراح.

تمنح هوية.

تعوّض نقص الوجود.

من منظور فلسفي، القصيدة تُقدَّم كبديل عن المطلق، وكوسيط بين الإنسان والعدم، وكطريقة لقول “أنا موجود” عبر اللغة.

“هي القصيدة تستثني سواي وفي

دمي تفيضُ.. ومن إلاّي؟ لا أحدُ”

هنا تتجلّى نزعة وجودية واضحة: الوجود يتحقّق بالكتابة، والذات لا تتعيّن إلا داخل النص.

خاتمة:

قصيدة توفيق أحمد ليست قصيدة عن الشعر فقط، بل قصيدة عن الإنسان حين لا يجد معنى إلا في القول، ولا خلاصًا إلا في اللغة.

القصيدة تتحوّل إلى أمّ، وطن، جسد، خلاص، جرح، ومرآة.

وبالمنهج النفسي والرمزي، يظهر النص بوصفه سيرة ذاتية روحية، تتصارع فيها الذات مع الفقد، وتنتصر عبر الخلق، وتقول في النهاية:

الشعر ليس ما نكتبه، بل ما يُنقذنا حين ننكسر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

القصيـدة

شعر: توفيق أحمد

هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ

*

ولحظةٌ تسكنُ الأيامُ في يدها

حتى تَضيقَ بحَمْلِ الأمنياتِ يدُ

*

هي القصيدةُ بحرٌ لا ضفَافَ له

وكلما اقتربتْ في الظن تبتعدُ

*

أشجارُها تلدُ الرؤيا مبعثَرةً

مع الغمام وتلظى حين لا تلدُ

*

موجودةٌ يتشهّى الدفَء واجدُها

محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ

*

هي القصيدة واسألْ والضفافُ على

مدارها أهْو درٌّ ذاك أم زبدُ

*

تَروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ

وتشتهي وِرْدها النجوى ولا تردُ

*

تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصرُ فحواها فتجتهدُ

*

هي الحياة بما أعْطتْ وما أَخَذَتْ

فكلُّ روحٍ لها من خَلْقها جَسَدُ

*

تلمّني يدها وهماً وأسئلةً

وتستعيدُ جراحي النازفاتِ يدُ

*

أنا على شفتيها برعُمٌ خضلٌ

وطائرٌ في كتابِ المشتهى غردُ

*

هي القصيدةُ تستثني سوايَ وفي

دمي تفيضُ .. ومن إلاّي؟ لا أحدُ

*

أنا أُكَفِّرُ أحلامي وأُرجعُها

وما غريبٌ له من حُزْنه بلدُ

*

هي القصيدةُ حين الوهْنُ ينزفُ بي

على تمرُّدها المجنون أعتمدُ

 

قراءة في الذات المبدعة، الجرح والرغبة

قصيدة «هنا الغياب» ليست نصّاً عن الفقد فحسب، بل هي وثيقة نفسية، وسيرة شعورية، وجسد لغوي يعيد تمثيل الصدمة عبر المجاز، ويحوّل الألم إلى بنية جمالية. إننا أمام نصّ يكتب الغياب لا بوصفه حدثاً خارجياً، بل بوصفه حالة نفسية مقيمة في الجسد واللغة والذاكرة.

القراءة النفسية هنا لا تبحث عن سيرة الشاعرة الواقعية، بل عن السيرة النفسية للنص، أي الكيفية التي يتجلّى بها اللاوعي، والجرح، والرغبة، في النسيج الشعري.

أولًا: الذات المبدعة والسيرة النفسية للنص:

الذات في هذا النص ليست ذاتاً سردية فقط، بل ذاتاً مجروحة، محكومة بصدمة الرحيل:

«بعد رحيلكَ، لم أفعل شيئاً تقريباً

أطفأتُ جميع الأحلام»

هنا يتجلّى أول مظهر من مظاهر السيرة النفسية للنص:

الرحيل ليس حادثة زمنية، بل لحظة تأسيس نفسي، أي ما يمكن تسميته بـ الجرح المؤسِّس.

منذ هذه اللحظة، كل الصور التالية ليست إلا تفريعات لهذا الجرح.

القصيدة تُكتب من داخل الصدمة، لا بعدها. الذات لا تتذكّر الفقد، بل تعيشه لحظة بلحظة، وكأن الزمن توقّف عند تلك النقطة.

ثانياً: اللاوعي الإبداعي والدافع النفسي للكتابة:

الكتابة هنا ليست فعلاً واعياً مخططاً، بل تفجّراً من طبقات اللاوعي.

الصور الكبرى في النص (الغابة، الرماد، الأنفاس المحترقة، الرأس المتدلّي، التمثال الرخامي) ليست اختياراً زخرفياً، بل إسقاطات لاواعية لحالة نفسية مأزومة.

الدافع النفسي للكتابة هو:

تفريغ الألم.

إعادة تمثيل الصدمة.

محاولة ترميم الذات عبر اللغة.

الكتابة هنا ضرورة نفسية لا اختيار جمالي:

«نبتت غابة من حزن

أشجارها رماد

وسمادها أنفاسي المحترقة»

اللاوعي يختار مفردات الاحتراق، الرماد، التحلّل، لأن النفس تشعر أنها تحترق من الداخل. اللغة تصبح ترجمة جسدية للألم.

ثالثاً: التعويض الرمزي والإسقاط النفسي:

1. التعويض الرمزي:

حين تعجز الذات عن استعادة الغائب واقعياً، تعوّضه رمزياً عبر:

القميص

تمائم الحب

أحاديث المساء

الأبواب

«عيناي مثبّتتان

على قميصك البنيّ المعلّق فوق السرير

على تمائم الحب المبثوثة فيهما»

القميص هنا ليس لباساً، بل جسد بديل.

الذات تمارس تعويضاً رمزياً: تتعلّق بما يحمل أثر الجسد الغائب.

2. الإسقاط النفسي:

كل العالم يتحوّل إلى مرآة للحزن:

الغابة = النفس

الرماد = المشاعر

الأبواب = الصدر المختنق

الضباب = التشوّش الداخلي

«أبحث عن رأسي وسط الضباب»

الرأس الضائع هو العقل المعطوب بالصدمة.

العالم الخارجي ليس موضوعاً مستقلاً، بل إسقاطاً للحالة النفسية.

رابعاً: الصراع الداخلي وآليات الدفاع النفسي.

1. الصراع الداخلي:

هناك صراع بين:

رغبة اللقاء

وواقع الغياب

«لا بدّ من طريق يقودني إليك

حتى لا أقف هنا...»

الذات عالقة بين:

أمل مستحيل

وواقع خانق

هذا يولّد قلقاً داخلياً دائماً.

2. آليات الدفاع النفسي:

الذات تستخدم عدة آليات:

أ- الإنكار الجزئي:

«لم أفعل شيئاً تقريباً»

تقليل من حجم الانهيار كآلية حماية.

ب- التجميد النفسي:

«مثل تمثال رخامي»

التحوّل إلى حجر لتجنّب الإحساس.

ج- التماهي مع الألم:

الذات لا تحاول الهروب من الحزن، بل تسكنه وتبنيه كغابة داخلها.

خامساً: البنية النفسية للشخصية

الشخصية الشعرية هنا ذات:

حساسية عالية

قابلية للانكسار

ارتباط حسي شديد

اعتماد وجداني على الآخر

هي شخصية:

تُعرّف نفسها عبر الآخر

تفقد رأسها بفقده

يتدلّى وعيها حين يغيب

«بلا عينين

ورأس يتدلّى أسفل السرير»

فقدان الرأس = فقدان السيطرة العقلية.

فقدان العينين = فقدان المعنى.

سادساً: الأنا، الهو، والأنا الأعلى

الهو: يظهر في الرغبة الحسية الخفيّة، في التعلّق بالقميص، بالتمائم، بآثار الجسد.

الأنا: تحاول أن تصيغ الألم شعرياً، أن تنظّمه في صور.

الأنا الأعلى: يكاد يغيب؛ لا وجود للمنع أو الكبح، بل ترك كامل للانهيار.

اللغة هنا انتصار للهو عبر الشعر، لكن بوساطة الأنا الفنية.

سابعاً: القلق الوجودي والإحباط

القصيدة ليست فقط عن فراق عاطفي، بل عن:

انهيار المعنى

فقدان الاتجاه

غياب الطريق

«لا بدّ من طريق يقودني إليك

حتى لا أقف هنا»

الوقوف هنا هو:

توقّف الزمن

شلل الوجود

العيش بلا أفق

هذا قلق وجودي لا نفسي فقط.

ثامناً: العقد النفسية

يمكن رصد:

عقدة الفقد

عقدة التعلّق المرضي

عقدة الذوبان في الآخر

الذات لا ترى نفسها إلا عبره:

«أبحث عن رأسي وسط الضباب»

أي أن الهوية نفسها مرتبطة بالآخر الغائب.

تاسعاً: الحالة الحسية في النص هنا ليس فاضحاً، بل حزيناً، متخفّيًا في الأشياء:

القميص = جلد بديل

السرير = مسرح الغياب

التمائم = بقايا علاقة جسدية وروحية

الصدر = موضع سقوط الرأس

«وتركت رأسي يسقط خلفك على مهل

هنا على صدري»

الصورة تحمل:

خضوعًا

حميمية

انكساراً حسياً

الرأس الساقط على الصدر هو حركة جسدية ذات دلالة عاطفية وجنسية ضمنية.

الحس الجسدي هنا:

لا يبحث عن لذة

بل عن استعادة حضور

عن دفء مفقود

إنه إحساس جسدي مجروح، يتحوّل إلى حزن جسدي.

عاشراً: الكتابة بوصفها تطهيراً.

القصيدة نفسها هي فعل تطهيري.

الشاعرة لا تكتب لتخبر، بل لتشفى.

اللغة هنا:

نزيف

تنفّس

حريق مطفأ بالكلمات

كل صورة هي محاولة لإفراغ وجع:

«وسمادها أنفاسي المحترقة»

الأنفاس تحترق لتغذّي الغابة:

أي أن الألم نفسه يصبح مادة للكتابة.

خاتمة:

«هنا الغياب» ليست قصيدة فراق فقط، بل:

نص عن انكسار الهوية

عن الحس الجسدي حين يتحوّل إلى حزن

عن اللاوعي وهو يكتب نفسه

عن الجرح الذي يصير لغة

إنها قصيدة تكشف أن: الكتابة ليست ترفاً جمالياً،

بل ضرورة نفسية،

وأن الشعر، في لحظات الصدمة،

يصبح شكلًا من أشكال النجاة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

هنا الغياب

بعد رحيلكَ، لم أفعلْ شيئًا تقريبًا

 أطفأتُ جميعَ الأحلامِ

وتركتُ رأسي يسقط خلفكَ على مهلٍ

هنا على صدري

نبتت غابةٌ من حُزنٍ

أشجارُها رماد

وسمادُها أنفاسي المحترقة    

لا أحد يسمع أنينَها

غير الشّوقِ الّذي يأكُلني يوما بعد يوم

ها أنا جالسة على أطرافِها                    

أبحثُ عن رأسي وسَط الضباب    

  *

كقطعة من رخامٍ

 عيناي مثبَّتتان         

على قميصك البنيّ المعلّقِ فوق السرير    

 على تمائم الحبّ المبثوثة فيهما

على أحاديثِ المساء

على الشّوقِ

 على الألمِ

على سعال الأبواب عند الصباح

*

لا بدّ، لابدّ من طريق يقودني إليك

حتّى لا أقف هنا ...

مثل تمثال رخاميٍّ يطلُّ على العالم

بلا عينينِ

ورأسٍ يتدلّى أسفل السّرير

****

أميرة كرم

"النّهر يسري في قلبها"

 

رقصة "عذرا" الطارقية

تندرج قصة «رقصة عذرا الطارقية» لربيعة جلطي ضمن السرد القصير الذي يزاوج بين الشعرية والحكائية، ويستثمر الجسد والرقص والفضاء الصحراوي لبناء دلالة مركّبة عن السلطة، والرغبة، والانتقام الرمزي. فالنص لا يكتفي بحكاية امرأة ترقص لتغوي رجلاً ثرياً، بل يحوّل الرقص إلى خطاب، والجسد إلى علامة، والفضاء إلى مسرح دلالي تتقاطع فيه الرغبة بالهيمنة، والأنوثة بالمقاومة الناعمة.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة بالمنهجين الأسلوبي والسيميائي، للكشف عن آليات بناء الخطاب السردي، وعن شبكة الرموز التي تشكّل معناها العميق.

الإطار النظري

1. المنهج الأسلوبي

يهتمّ المنهج الأسلوبي بدراسة الخصائص اللغوية والتعبيرية التي تمنح النص فرادته: الإيقاع، الصورة، التكرار، الانزياح، وتشكيل الجملة. وهو ينطلق من أنّ الأسلوب ليس زخرفاً بل هو رؤية للعالم تتجسّد في اللغة.

2. المنهج السيميائي

يركّز المنهج السيميائي على العلامات والرموز داخل النص، وعلى العلاقات التي تنشأ بينها لإنتاج الدلالة. فالجسد، اللباس، اللون، الحركة، المكان، وحتى الصمت، تتحوّل إلى علامات قابلة للتأويل.

التحليل التطبيقي

أولاً: البنية السردية

يعتمد النص بنية تصاعدية تبدأ بفكرة الانتقام الرمزي:

«إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، فذنبهم على جنبهم.»

تتأسس العقدة على قلب الأدوار: الصياد يصبح فريسة. ثم ينتقل السرد إلى لحظة الذروة: لحظة الرقص، حيث يتحوّل الجسد إلى أداة سيطرة. وتنتهي القصة بخاتمة هادئة شكلياً، حاسمة دلالياً:

«بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة.»

الخاتمة تؤكّد أن الغاية لم تكن المال، بل كسر وهم التفوّق الذكوري–الطبقي.

ثانياً: الأسلوب واللغة

لغة جلطي شعرية كثيفة، تعتمد الصورة الحسية:

«كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها.»

يتجلّى الانزياح في تشخيص التراب، وتحويله إلى كائن راغب، ما يوسّع دائرة الإيروسية لتشمل الطبيعة كلها. كما يكثر التكرار الإيقاعي: «لم تلمسه.. اقتربت… لم تلمسه..» وهو تكرار يولّد توتراً حسّياً، ويؤكّد سلطة الإغواء غير المكتمل.

ثالثاً: الجسد كعلامة

الجسد هنا ليس موضوعاً للنظر فقط، بل أداة خطاب:

«كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها.»

الجسد يتحوّل إلى لغة، وكل حركة فيه علامة: الشعر، الحاجبان، الأصابع، أخمص القدم. الامتناع عن اللمس علامة أقوى من اللمس، لأنّه يؤسس لهيمنة رمزية قائمة على الحرمان.

رابعاً: الرموز والدلالات

اللون الأزرق:

«يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه.»

الأزرق رمز للصفاء والعلو، لكنه هنا يغدو أداة فتنة وسيطرة.

العطر والبخور والحناء:

تمثّل علامات ثقافية وهووية، وفي الوقت نفسه أدوات تخدير حسي:

«كانت روائح الحُليّ… تملأ عينيه وفمه وخياشيمه.»

الصيد:

الاستعارة المركزية في النص. الرجل جاء ليصطاد، لكنها تصطاده رمزياً:

«ضيّقتُ أهداب العين… مثل قوس على سهم، ورميتُه فأصبته!»

الصيد هنا ليس جسدياً بل نفسياً: الاستيلاء على اللبّ، على مركز الإرادة.

خامساً: الدلالة الفكرية

القصة تعيد توزيع السلطة: المرأة، القادمة من الهامش الصحراوي، تهزم الرجل الثري القادم من المركز. لكنها لا تفعل ذلك بالعنف، بل بالجمال والرقص، أي بأدوات تُحسب تقليدياً على الضعف. هكذا يتحوّل “الأنثوي” إلى قوّة ناعمة قادرة على كسر هيمنة المال والنسب والذكورة.

النتائج

البنية السردية تقوم على قلب الأدوار بين الصياد والفريسة.

الأسلوب الشعري الكثيف يحوّل السرد إلى تجربة حسّية لا إلى حكاية فقط.

الجسد علامة مركزية، والرقص لغة بديلة عن الكلام.

الرموز (اللون، العطر، الصيد) تبني شبكة دلالية عن السلطة والرغبة.

القصة تحمل رؤية فكرية عن إمكانية مقاومة الهيمنة عبر الجمال والذكاء الرمزي.

خاتمة

ليست «رقصة عذرا الطارقية» مجرّد قصة عن الإغواء، بل نصّ عن السلطة حين تتبدّل أقنعتها. الرقص فيها خطاب، والجسد بيان، والأنوثة استراتيجية مقاومة. وبالتحليل الأسلوبي والسيميائي يتبيّن أنّ جلطي تكتب نصاً يحتفي بالهوية، ويقوّض من الداخل أسطورة المركز والقوة، عبر لغة مشبعة بالإيقاع، وعلاماتٍ تنفتح على تأويل لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

رقصة “عذرا” الطارقية!

ربيعة جلطي:

{.. تقول عذرا، وهي رافعة حاجبيها، تدحرج عينيها يمنة ويسرة، وعلى وجهها ابتسامة ساهِمة:

إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، "فذنبهم على جنبهم". بدورها سترمي بشباكها، وليذهب إلى الجحيم مضيفُهم، وهم ما هم عليه من الثراء والبذخ الذي ما انفكّوا يُظهرونه، وكأن به ستستسلم لهم الرمال وغزالات الصحراء بكل أنواعها.

– تعالوا، سأُريكم!

*

كان الغناء يصل عنان السماء المفتوحة على الغيب والغياب، والرقص في أوج جنونه، ورائحة البخور والحنّاء تتسرّب إلى أبعد خلية في أجسام الحاضرين.

*

– حَطِّيتْ عيني على واحدٍ منهم. كان أجملهم وجهًا وجسدًا. عيني العارفة عرَّتْه في طرفة رمش. علمتُ فيما بعد أن أباه تزوّج أمه من بلاد تُدعى السويد.. الحق يُقال: كان آسِرًا؛ تتداخل سُمرته النحاسية بما يشبه حليب النوق الرائب. شفتاه تلمعان من بعيد مثل تمرة براقة وسط عِرجونٍ معلّق في أعالي نخلة.

*

.. بحسّاسيتها الطارقية العليمة، اختارت “عذرا” الوقت المناسب واللحظة القاتلة بعد أن سخن الحفل.

في ذروة لحظاته النارية، ترجلت من جلستها الملوكية، فارتفعت الزغاريد.. وكيف لا؟ أليست هي عروس الحفل؟!

*

توسّطت الجميلة عذرا، المحتفى بها، الحضور، فوسّعوا لها ساحة الرقص، وباعدوا بينهم حتى فرغت الحلبة لها وحدها. وانطلقت في رقصة يمامةٍ برّية زرقاء، يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه. أسقطت منديلها الأسود الفاحم عن شعرها المُحنّى، واشتدّت الموسيقى سرعةً، فازداد توحّشها الجميل..

*

كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها: من شعرها المُحنّى، إلى حاجبيها، إلى أخمص قدميها. تدوس الأرض بالكاد، حتى إنّ التراب كأنه استفاق تحت خطواتها؛ كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها، متسرّبًا من بين الحُصُر والزّرابي الحمراء المبسوطة.

*

كانت ترفرف بأطراف أصابعها في رقصتها الطارقية المدهشة، وكأنها تسبّح بحمد خالقها..

ثم اقتربت من صيدها.. اقتربت منه كثيرًا.. لم تلمسه، بل أرسلت حرارة جسدها المتعرّق حوله. كانت روائح الحُليّ من الأحجار العطرية، والعطور القوية الملتصقة بالجسد، تتحلّل إلى ذرّات تحت حرارة الطقس وطقس الرقص، تملأ عينيه وفمه وخياشيمه ورئتيه وبطنه وكيانه، لتبلغ حتى أعمق جزءٍ فيه..

لم تلمسه.. اقتربت منه أكثر، ورفعت ذراعيها قريبًا جدًا منه دون أن تنظر إليه، ثم أرسلت من بين أهدابها برقًا حادًّا قاصمًا.

– ضيّقتُ أهداب العين منّي هكذا.. مثل قوسٍ على سهم، ورميتُه فأصبته!

*

دارت حوله مثل زوبعة، وكأنها تطوّقه بنارها.. كاد أن يُغمى عليه.. لم تلامسه أبدًا.. اقتربت، حتى خُيّل له أنهما يتداخلان.. كأنها تسمع تنهّده وأنينه.. لم يعد الحاضرون الكُثر حاضرين.. غيابٌ هم جميعهم.. لم يعد يرى أحدًا غير هذه الطارقية ترقص بحفلة طلاقها.

*

بدا الغريب الثريّ القادم من شبه الجزيرة أو الخليج متشنّجًا؛ كلّ ما فيه أضحى مشدودًا على آخره. مدّ يده المرتجفة دون إرادةٍ منه.. إلا أنها ابتعدت راقصة، ثم جلست بهدوء في مكانها العالي وسط الزغاريد، وقد تأكّدت أن المهمة انتهت، وأنها أخذت لُبَّه ووضعته تحت الوسادة.. هكذا! ثم ألقت إليه نظرةً تؤكّد انتصارها عليه.

*

كان الوسيم يقف مشدوها، مهزومًا، وحيدًا، مُفردًا. ذراعاه منسدلَتان، وحبّات عرق تتمرّغ على السُمرة النحاسية لجبينه وصدغيه.. شفتاه، اللتان تشبهان تمرةً يانعة على شفا السقوط، اشتدّ بريقهما، وكان على وجهه تعبيرُ من أضاع للتوّ شيئًا ثمينًا كان ملكه قبل لحظات، مخبوءًا بين جوانحه.

*

وفي الغد.. وكما كانت تنتظر، بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة}

***

........................

* ربيعة جلطي (نادي الصنوبر)، الطبعة البيروتية الأولى 2012  ثم طبعات أخرى.

 

في مقدّمتها لكتابها «أيّام معه» كتبت كوليت سهيل خوري: "سأهبُ حياتي للحرف.. سأجعل منه إلهي ورفيقي وعبدي ساجدة.. وأعبده سيّدة.. وأشكو إليه همومي كانسان حبيب".

كان ذلك عام ١٩٥٩، حين ثارت العاصفة الهوجاء حول كوليت وكتابها، لكن الكاتبة الشابة المؤمنة برسالتها لم تهتم لهذه الفرقعات المُعتادة، وواصلت طريقها لتكتب لنا قصة "ليلة واحدة" ومجموعة قصص قصيرة جمعتها في كتاب أسمته "أنا والمَدى".

ومع صدور كل كتاب، كان اسم كوليت يعود ليحتل العناوين الأولى في الصفحات الأدبية، وتعود الأقلام، الأصيلة منها، والمشبوهة لتكتب عن كوليت، وأدب كوليت.

لكن الشيء الغريب هو، أن كتابا جديدا صدر لكوليت، بعد الصمت الطويل الذي أحاط بالأديبة المُتفتّحة، ولم نسمع أيّ تعليق عليه. وقد اختارت الكاتبة اسم "كيان" لكتابها الجديد الذي صدر في أيلول عام ٠١٩٦٨

وكوليت التي تزيد مرغمة كلمة "أسطورة" على عنوان قصّتها تُهدي كتابها إلى ابنتها الغالية «ناره، وإلى جيلها، أطفالنا العرب في كل مكان».

ومُلخّص قصة "كيان":

كيان فتاة في العشرين من العمر، فقدت أبويها بعد ولادتها مباشرة، تحمل قلبا مريضا، وتعيش في قرية غير قريتها. قرية سكانها لا يعرفون الكلام، يقضون أوقاتهم في مضغ البَقلة، فمنذ آلاف السنين صمَت أهالي القرية، تكلّموا في البدء، تكلّموا جميعهم في آن واحد، تكلموا كثيرا، فما سمعهم أحد ولا سمع بعضهم بعضا، وسخطوا. وعندما اهتدوا إلى البَقلة تحوّلت طاقاتُ ألسنتهم إلى التلذّذ بالطّعم المألوف، ونسوا النُطق.

وكيان الغريبة عن القرية، والتي نُسجَت حولها الأساطير العديدة، كانت المريضة الوحيدة بين أهالي القرية، ووحدها بين أهالي القرية كانت لها أمنية غريبة: أن تُنبت النغماتُ الصافية أشجار محبّة على الكوى، وفوق الهضبة، وفي النسمات، وحنايا النفوس. ولهذا فكانت تغني، وترنم:

بالحبّ وحدَه يحيا الإنسان، بالحب وحده.

وتتوطّد الصداقة بين «كيان»، وفتى في السابعة من عمره يُدعى «ميلاد»، يرفض هو أيضا مَضْغ البَقلة ويُفضّل عليها الياسمين، ويعشق صوت كيان الملائكي، وينفر من الأصوات الناشزة.

وفي القرية تعيش فتاة جميلة باسم (ريا) تمضغ البَقلة كباقي أهل القرية وتحلم بمجيء القمر مثلهم، لكنها تحب وبعنف شابا لا يُعيرها اهتمامَه باسم «يزَن» ويزَن هذا يقضي وقته في الرسم، هرَبا من الواقع الذي لا يستطيع أنْ يُؤثّر فيه.

وتلاحظ كيان أمرا غريبا، أنَّ سكان القرية يكرهون سكان الهضبة، وتحاول جاهدة أن تعرف شيئا عن سكان الهضبة، ولكن دون فائدة. فالجميع يرفضون أن يُكلّموها عن أهل الهضبة، حتى ريا وميلاد الصغير.

وتشاء الصدف أن تحبّ كيان واحدا من أهل الهضبة، لكنها تَتَنبّه إلى شيء غريب لم تجد له تفسيرا، هو أنَّ حبيبها لا يُجيبها على أسئلتها الكثيرة التي تُوجّهها إليه، لكنها تعرف الحقيقة في يوم عيد القمر. ففي هذا اليوم يجتمع سكان القرية، ويأتي سكان الهضبة كلهم وعددهم أربعة عشر رجلا، وتراه بينهم، وتشعر بالسعادة لكنها سرعان ما تُصاب بالدّهشة عندما تراه كرفقائه يُصفّق لصوت الفرقة النشاز التي شكلت، وتسأل يزَن عن ذلك، فيقول لها:

- إنّهم لا يسمعون.

وتُدرك كيان أنَّ أهل الهضبة وحبيبها بينهم لا يسمعون، وتلتقي بحبيبها، وتحاول جاهدة أن تجبره على سماع صوتها، لكنه يعتذر عن عدم مقدرته، وتُصاب كيان بالصدمة، وتنهار قواها وتصمت عن الغناء.

وتُفاجا في الصباح بصوت الذئاب المُجاورة، وتتساءل عن سبب ذلك، وتعلم أن النهر الوحيد الذي يُعطي الحياة للقرية وسكانها قد جفّ، لكنّ احدا لا يريد أن يُخبرها لماذا جفَّ النهر؟!

وتقف كيان قلقة حيرى وتصيح:

- النّهر وريدُ السهل، سيموت السهل وستدخل الذئاب إلى قريتنا،  وسيضطر السكان إلى الرّحيل.

وتثور كيان عندما يرفض أيّ منهم جوابَها، وتتّجه إلى يزن الذي تثق بأنه سيُجيبُها وتسأله، ويُخبرها بأن سكان الهضبة حجزوا المطر وأنّ لا فائدة من الكلام معهم، وتتعالى في تلك اللحظة أصوات الجوقة التي شكّلها سكان الهضبة:

- سنقتل الذئاب، ستتخلص القرية من الذئاب، سنمحو وجود الذئاب.

ويعود السكان القلقون إلى بيوتهم ليمضغوا البقلة، وتنام كيان في سريرها لتستيقظ في الصباح على جلبة الأطفال الذين أتوا ليخبروها بأن ميلاد مريض. وتركض إليه، وإذ تصل إليه تعلم أنَّ فقدان الياسمين سبب مرضه. وتتركه لتحضر له الياسمين، لكن الياسمين غير مُتوفِّر، فقد مات بعد أن جفّ النهر، وتركض إلى الهضبة وقد علمت بأنه متوفر هناك وبكثرة، وخلفها تركض ريّا دون وعي، ويستغرب سكان الهضبة وبينهم حبيب كيان إذ يرون الفتاتين منهمكتين في قطف الياسمين.

وتعود كيان وبرفقتها ريا لتجدا يزن بالقرب من ميلاد، وتعود الحياة لتدبّ من جديد في جسم ميلاد، ويجلس بالقرب من كيان التي تفرح بتجدّد صحته فرحا شديدا وتروي له كعادتها قصة.

ويرهف الصبي الصغير أذنيه، وكيان تروي له قصة الشجرة التي زرعها الرجل الذي أرادها أن تكون المُوَفِّرةَ الأولى لسعادة أولاده، وكيف أن هذه الشجرة قد ذوت، ومعها ذوَت سعادة الأبناء. وحزن الرجل، ولم يجد له حيلة في إعادة الحياة إلى الشجرة.

وأخيرا، ولحبّه الشديد لأولاده اقترب من الشجرة، وبإيمان قوي فتح لها صدرَه ورواها من مهجته، وظل يرويها حتى آخر قطرة من دمه. وإذ رأى الضياء يعود إلى عيون أطفاله، عندئذ فقط، ابتسم راضيا وأغمض عينيه.

وإذ تلاحظ كيان أن هذه النهاية المُحزنة لم تعجب ميلاد تقول له:

- يا حبيبي، الأطفال هم المستقبل. ما قيمة حياة الكبير حين يكون مستقبله مطفأ؟ موت الكبير يحلو إذا كان سيضيئ بسمة على ثغر مُبرعم.

وينزعج ميلاد إذ يرى صديقته الكبيرة تَترنّح ساقطة.

ويبتعد عنها بعد أن اطمأن عليها وقد وُضِعت في سريرها، وريا ويزَن بالقرب منها، ليدعو حبيبها ساكن الهضبة، ويحضر الحبيب وهو يحمل ميلاد بين يديه، ويدخل عليها ليُخبرها أنه يسمعها، وأنه استعاد حاسة السمع، وأنه لن يرد لها طلبا بعد الآن. لكن كيان التي ترنو إليه بحب كبير، والثقة بكلامه بادية في عينيها، تنتفض إذ تسمع صوتا شجيّا يعلو من البعيد، وتصيح:

- إنه صوت ميلاد، ميلاد يغني، إذا لن يموت الياسمين بعد الآن.

ولن يجف النهر، ولن تدخل الذئاب إلى القرية.

وتسلم أنفاسها الأخيرة، وهي سعيدة قريرة العين، بأن المستقبل مضمون، وكلماتها تتردد في أرجاء القرية:

- لا لن أموت يا حبيبي، لن أموت، ميلاد يغني، وسيظل للقرية كيان.

**

هذه هي قصة كيان، القصة التي أرادت بها كوليت خوري أن تُصوّر لنا عالمنا العربي قبل وبعد نكسة حزيران، فكيان التي روت قصتها ليست إلّا أبناء شعبنا الذين ذاقوا ذلّ عام ١٩٤٨، وما جرّته عليهم الأيام فيما بعد. وميلاد ليس إلّا أطفالنا، الذين يثقون بالمستقبل، ويرفضون مضغ البقلة التي اعتادها أهلُهم، وأهل الهضبة الذين ابتعدوا عن أهل القرية تَرفُعاً، ليسوا إلا قادتنا ورؤساءنا الذين نسوا شعوبهم عندما استقروا في مقاعدهم.

تظهر الكاتبة في قصتها أنّها  فاقدة الثقة بأبناء الجيل الذين يُحركون الأحداث الآن، فهي تقول على لسان كيان مخاطبة ميلاد:

- ربما كان عليّ أن أروي هذه القصة للكبار، لكن الكبار يا حبيبي لا يحبّون القصص، وفوق هذا لا يسمعون، وإذا سمعوا يتجاهلون.

لكن كوليت التي تفقد ثقتها برجال اليوم، لا تُصاب باليأس نتيجة النّكسة وإنما تعتبرها تجربة لا بُدّ من التغلّب عليها لبلوغ الهدف، فهي تقول على لسان كيان، رافضة البكاء ومُصرّة على الغناء المشرق:

- ومتى كان الدّمعُ إلا مُخدّرا للعذاب الخَلاق ؟ فالعذاب يا صغيري يُبدع الحلول، وإذا كان لا بُدّ من الموت فليمت وهو يغني بدلا من أن يموت باكيا.

والكاتبة لا تتّهم كلّ المسؤولين، إذ أن هناك مَن ضُلْلوا عن غير قصد، وبالإمكان الصفح عنهم بعد اعترافهم بخطئهم كصَدّام حبيب كيان الذي عاد مُستغفرا، مُؤكداً إصراره على تصليح أخطائه. والرجل المُسن الذي نظر إلى كيان التي تقطف الياسمين

وقال بحزن عميق مُظهرا طينته الطاهرة:

- غريبة هذه الفتاة، غريبة مشعة كالكيان. جريئة كالحرية، تُذكرني، تُذكرني بالإنسان.

ثم قال وهو يُرافقها بنظره في أثناء ركضها عائدة إلى السهل:

- هذه الشقراء غريبة، غريبة، مُشرقة كالشمس وطيّبة كالأرض، تذكرني، تذكرني بقريتنا.

والكاتبة ناقمة على الأوضاع التي تسود عالمها، فهي تصرخ على لسان كيان:

- ما قيمة الحياة حين تكون مجرّد انتظار للموت؟ ما قيمة الحياة حين يحياها الإنسان على الهامش، على الهامش.

وهي ترفع صوتها، ليسمعها كل مَن يستطيع فهمها مُتحدّية، متهمة، ومتفائلة إلى أقصى حدود التفاؤل:

- أنتم أيضا ستموتون. بل أنتم ميّتون، لكنّ ميلاد لن يموت لن يموت.

كما أنّ الكاتبة لا تتّهم المسؤولين «سكان الهضبة» فقط، وإنّما تُلقي بالمسؤولية على عامة الناس أيضا. فهي تسأل وبخبث على لسان كيان:

- هل يحب سكان السهل بعضُهم بعضا ؟

وفي مكان آخر تقول على لسان كيان أيضا التي تُجيب صدّام على سؤاله لها إذا كان سكان السهل يحبّونها قائلة:

- لست أدري، أنا لا أشبههم، فأنا أغني.

إذن، فالمشكلة عند الكاتبة ليست مشكلة زعماء، وقادة فاشلين، وإنما مشكلة شعب، شعب بحاجة إلى صقل، وإلى وعي.

فهي تُريد أن تقول لنا:

- إننا طالما بقينا لا نضمر الخير لبعضنا، فلن ننجح.

فهي تُؤمن أنّ الشعب الواعي هو الذي يخلق القادة الواعين، والذي يُجبر القادة على العمل، هي تريد أن تخلق جيلا متفائلا، مُجِداً، لا جيلا مُتواكلا، يمضغ البقلة، فهي تصرخ على لسان كيان التي تُخاطب ريا:

- امضغي البقلة وكوني سعيدة، أما أنا، فالموت بالنسبة لي أفضل من الحياة على الهامش.

وبعد كل هذا نستطيع أن نفهم لماذا كانت الكاتبة المُتمرّدة مُرغمة على زيادة كلمة «أسطورة» على عنوان قصتها. فهي كغيرها من كتّابنا، تعرف الواقع، لكنّها لا تجرؤ على التكلّم عنه بصراحة. لأنّ الذئاب لها ولغيرها بالمرصاد، كما أننا نستطيع أن ندرك لماذا لم يُثر كتاب كوليت الأخير التفات الصحف المُدارة.

وحتى تظلّ لنا "كيان" في الحياة، وحتى لا تُوَعْوِع الذئاب خلف التلال. ولا يُهاجم المرضُ ميلاد مرة ثانية، وحتى لا تُضطر كاتبتنا وغيرها من مفكرينا وشعرائنا إلى الاحتماء بكلمة «أسطورة» ساعة كتابتهم لائحة اتهاماتهم.. تعالوا معي لنُلقى بالبَقلة من أفواهنا.. ولنُغنّي مع كيان وأمّ كيان:

«بالحبّ.. بالحب يحيا الإنسان».

***

د. نبيه القاسم

قراءة أسلوبية – سيميائية في بنية الانتظار ورمزية اللقاء المؤجَّل

للقاص: عبد العزيز غرمول

تندرج قصة «محطة دوستويفسكي الصغيرة» لعبد العزيز غرمول ضمن سرديات العادي واليومي، لكنها تُحمَّل بدلالات وجدانية وفكرية عميقة عبر تقنية التكرار البنيوي، والاشتغال على لحظة الانتظار بوصفها زمناً وجودياً لا زمنياً فحسب. فالمحطة ليست مجرد فضاء عبور، بل مسرح رمزي للقاءات المؤجلة، وللهشاشة الإنسانية في مواجهة الوحدة، والرغبة، والخجل.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة من خلال المنهج الأسلوبي والسيميائي، مع التركيز على البنية السردية، والرموز المركزية، والدلالة الفكرية للنص، اعتماداً على شواهد نصية دقيقة.

الإطار النظري:

أولاً: المنهج الأسلوبي:

يقوم المنهج الأسلوبي على دراسة كيفية تشكُّل المعنى من خلال اللغة: الجملة، الإيقاع، التكرار، التوازي، وتوزيع الضمائر، والزمن السردي. وهو لا يكتفي بما يُقال، بل بكيفية قوله.

ثانياً: المنهج السيميائي:

السيميائيات تدرس العلامات داخل النص: المكان، الأشياء، الألوان، الأفعال المتكررة، وتحولها من عناصر مادية إلى رموز دلالية. فالمطرية، الكتاب، المترو، المحطة، كلها علامات تتجاوز ماديتها إلى معنى ثقافي ونفسي ووجودي.

التحليل التطبيقي:

أولاً: البنية السردية – سرد الانتظار المتكرر

تبنى القصة على بنية دورانية تقوم على جملة مفصلية تتكرر بصيغ متقاربة:

«كان يمكن لهذه القصة العادية التي تحدث آلاف المرات يوميا، أن تنتهي هنا.»

«كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»

«وكان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»

هذا التكرار ليس حشواً، بل استراتيجية بنيوية تؤكد أن القصة لا تقوم على الحدث، بل على تعليقه وتأجيله. فكل مقطع ينتهي بإمكانية الانتهاء، لكن السرد يواصل، لأن جوهر القصة ليس اللقاء بل اقترابه المستحيل.

السرد يتوزع إلى مقاطع مرقمة، ما يضفي طابعاً شبه موسيقي قائم على التكرار والاختلاف: نفس المشهد (المحطة)، نفس الشخصين، نفس الحركات (النظر، الخجل، الكتاب، المترو)، لكن مع تعميق نفسي تدريجي.

ثانياً: الأسلوب – لغة البساطة المشحونة

لغة القصة تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بدلالات شعورية:

«كانت سماء الجزائر ذات النزوات المتقلبة تجعلك مترددا في اختيار ملابس مناسبة»

الطقس هنا ليس وصفاً طبيعياً، بل مرآة لتردد الشخصيات الداخلية.

التقابل الأسلوبي واضح بين الجمل الهادئة والجمل القاطعة:

«رحل هو. ورحلت هي.»

جمل قصيرة، حاسمة، كأنها ضربات إيقاعية تؤكد الفقد دون شرح.

كما يعتمد السرد على التوازي:

«خرج الرجل من بيته أبكر قليلا.»

«خرجت الفتاة من بيتها أبكر قليلا.»

هذا التوازي الأسلوبي يعكس توازي المصير دون تلاقيه.

ثالثاً: سيميائية المكان – المحطة كرمز وجودي:

المحطة ليست مكاناً عابراً فقط:

«لم تكن المحطة متميزة في الحقيقة، كانت أشبه بسقيفة فارغة، ليس فيها ما يرى.»

الفراغ المكاني يعكس فراغ العلاقات. وهي مكان “بين-بين”: لا هو بيت ولا هو سفر، تماماً مثل حالة الشخصيتين المعلّقة بين الوحدة والأمل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(كمصلوب على خاصرة دمشق أنزف أحلامي)

القراءةُ الأوليةُ لنصّ الشاعر خلدون رحمة تدفعك إلى البحث عن الماهية والصيرورة والسيرورة التي كُتب فيها النص، من أجل إدراك وتمثُّل عميق لشروط إنجاز عمله الأدبي، الذي يفضي بالضرورة إلى استشعار إحساس دفين يثقل المعاناة والجهد المعرفي؛ لأنه فتكة بكر، وفتح نادر، وارتياد ما بعد حداثي لآفاق اللحظة المؤلمة الموشّاة بالحزن العميم، والتأثّر بفلسفات ونظريات الوجود والعدم، والخلق الواهي للحقوق الإنسانية. حيث يقول: هي «لعبة الحظ بين وجود مشبوه وموت محقّق».

نصٌّ فيه امتساخات مبتذلة تدفعك إلى التشظّي من جديد: (صلب، نزف، رائحة الدم، شظايا، احتراق، بكاء، موت، عويل، غموض…).

ما يعيشه الشاعر الفلسطيني خلدون رحمة جرّاء ما يحدث في سورية من ألم وقهر وموت ولا حياة، يجعله يبني مورفولوجيا حكائية النص على اختزال وتجاهل أحيانًا الأبعاد الاجتماعية والتاريخية الشارطة للنص، إلى اللّازمن، حيث يدفعك بقوة نحو استجلاب الدلالات والمقاصد بمحتوياتها اللانهائية، من أجل بعثها من جديد، ومن ثم إعادة قراءة النص لتمنحه قوة مستبصرة وتعيد تأسيسه وتفعيله على أسس جديدة.

حيث يبدأ التأويل الثاوي في ثنايا النص، متجهًا نحو فلسفة التجديد عمومًا والهيرمينوطيقا تحديدًا، إلى القدرة على الإحاطة بالظواهر القهرية، والتشظّي والتفتيت، وعدم التماسك النفسي الذي رامه الشاعر منذ البداية، ساحبًا إيّانا إلى مرتبة الاستقلالية الأبستمولوجية لمرجعية النص الواقعي، حيث أدخلنا عنوة في نطاق التقصّي الفلسفي الوجودي، حيث تبدو الأشياء عارية مجرّدة من الإنسانية.

فالصلب له مدلول الفداء، وهيرمينوطيقا التأويل المنبعث من «رائحة الدم» التي «يدرّب الأشجار» عليها، بعد أن «ضمّد الروح». من منّا قرأ أو سمع عن «تضميد الروح»؟ هذه الجملة تروم الخروج من مجال البحث عن المطابقة والمماثلة التامة إلى نطاق الاختلاف والمغايرة الكلية؛ أي الانتقال من ضيق مجال معرفي أبستمولوجي قديم مؤسَّس على مركزية المعنى، إلى أفق جديد عبر قطيعة معرفية أبستمولوجية، هو مجال لا مركزية الفهم.

فهو «كمصلوب على خاصرة دمشق» يؤكّد من خلالها حالة من الاغتراب والمباعدة. بمعنى أن الهرمينوطيقا رامت منذ البداية أن تنفذ إلى عمق الوجود، لذا لم يتورّط الشاعر خلدون في مفهوم الشكل أو البناء اللغوي المنغلق على ذاته أثناء عملية «الصلب». وهنا يتجلّى امتلاكه قدرة عالية على استقصاء دلالات الفعل، راجعًا إلى فلسفة لاهوتية منبتها ديني، كانت روح الفداء متجلّية دون أدنى ريب. لكنه أعادنا إلى لحظة البدء الأولى، لحظة العماء الأولي حيث لم يكن في السماء نجوم ولا أقمار. يقول: «تبدو السماء قاحلة عارية من النجوم»، كما يقول: «يندلق الليل الموحش من إبريق العدم»، وكأنه يضع يده على خزائن المُلك الإلهي.

نبوءة الطفولة بقدرة المستقرئ لخفايا الكون على اكتشاف حقيقة الوجود المتخفّي بين طيّات الثورة على الذات خارج دائرة الجسد، والحائم فوق مآذن الروح الصارخة المتسلّلة إلى فراغ الفراغ، والباحث عن بؤر النور في العتمة. تلك هي دليل الحائر، والبرزخ السرمدي بين الوجود والعدم، وسرّ المعنى، وعقدة البداية وأقباس النهاية.

من هنا فإن الشاعر خلدون رحمة قد نفذ إلى صميم دواخلنا والجوانية، وأنهض ما فيها من لُبس وغموض، وافتضح ما بطن من مآسٍ وقهر عميم ينزف من رحم كل من تعرّى في هذه الأزمة الموحلة. يقول: «أصوات غامضة المصدر، مجبولة بتأوّه وندب وعويل ونشيج طويل». هذا المبهم الغامض شديد الوضوح، هذا الألم المجبول بالحياة، يتركنا نتمزّق من جديد، نتفتّت، نتفكّك من عُرانا الإنسانية، باحثين من جديد عن هويتنا وماهيتنا الوجودية، وعن لحظة البدء الأولى وإمكانية العودة إلى اللامكان في اللازمان.

لحظة قهرية نابعة من عدمية الفعل المضني الذي استشفّه الشاعر لحظة بلحظة، وكأنه يعيد بناء أرواحنا من جديد، أو يدفعنا لأن نتجلّى على الكون كأن كل واحد منا إله قادر على إعادة الخلق. آهٍ كم كان الظلام الموحش بما يملك من ارتجاف وخوف، حيث كان يتسلّل إلى عروقنا الغائرة، فأفقدنا القدرة على تفكيك الأصوات. يقول: «لا أستطيع تفكيك الأصوات، لا هي بكاء طفلي، ولا هي غمّ نساء ثكالى، ولا هي صفير قذائف». إذًا توضّحت هنا أسباب العويل والبكاء: إنها أصوات القذائف التي جرحت أرواحنا التي بدأ الشاعر خلدون «بتضميدها»، متسائلًا بعد الموت: «هل يبكي الموتى حين يهبط الليل ثقيلًا على أجداثهم؟».

هنا لا فرق بين نصّ العقلانية ونصّ اللغو عند الشاعر، حيث من الممكن أن نرى صدق مواقفه حين يدّعي أن النص العقلاني الحاوي على الحقائق والمعاني الحقّة يقع ضمن أقنوم أدب مميّز لم يستنسخه أي كاتب أو شاعر من قبل. لقد نحا الشاعر باتجاه البناء الكلي للنص، خارجًا من تفكيكية جاك دريدا الداعي إلى بلورة الحدث بعد روي تفاصيله القريبة والنائية. وهو بذلك منكفئ باتجاه اليقينيات وحسب.

لذا نجده يتساءل بمرارة وشكّ من دون مواربة حول الجندي الساهر تحت شباكه الذي يفكّر بقتله، يقول: «هل يفكّر الجندي الساهر تحت شباكي بقتلي؟ لا أعرف لماذا يغنّي، صوته المبحوح يدخل جمجمتي كأفعى». هنا، حين تحاور النفسُ النفسَ، يختلي الفراغ بالوجود، ويملأ أتونه أسئلة حائرة، وتتجلّى الحقيقة عارية من كل زيف، خالية من كل تشوّه. حينها يأخذنا الشاعر خلدون بذاته إلى النائيات في ذواتنا، لأنه تسكنه الشهوة للاستقرار بعد الفوضى، كآدم الملقى به من مكان الاستقرار الأولي إلى مكان الفوضى المطلق.

هل الفوضى مطلقة في رأي الشاعر خلدون؟ نعم، إنها فوضى غير متماثلة استطاع الشاعر خلدون رحمة بحنكته المعتادة تصوير بنية الصراع والفوضى المتأجّجة في سورية من خلال تصويره: «الجندي الساهر تحت النافذة الذي يغنّي»، والصورة الثانية: «صورة الرجال الذين يجرجرون جسدي نحو مقبرة كانوا يحملون سيوفًا لذبحي وربما تقطيعي إربًا». هذه الصورة من أكثر الصور رعبًا وغرابة، لا تقل عنها رعبًا صورة: «المرأة التي لها ذقن رجل تضحك كعاهرة».

لقد استطاع الشاعر خلدون أن يلخّص أيقونة النفس وعلاقتها بالحوار الذاتي، حيث تلمس مدى تحسّسه لوجع الكلمة وحزن إيقاعها ونرجسية حلم الفلتان من كل تلك الكوابيس. فهو يلامس في نهضته ومناهضته لتلك الكوابيس ماء الروح في خجل فيروزي، وجلًا من الإقرار بأحقيته في تسيير نواميس الوجود ورفض بعضها، خاصة إذا كانت إحالة مباشرة.

يقول: «أحاول التناسي، ولكن سرعان ما تتقافز في رأسي غزلان الذاكرة: مقعد تحت شجرة زنزلخت في حديقة ضيّقة، قبلة تضيء الروح كنت قد سرقتها تحت درج بيتنا المهدوم، أغنية كنت أدندنها بين نهديّ حبيبتي». فكان الانفلات رمزًا لعتمة الغربة وشروخ الوجدان، وتلك انفلاتات متتالية لا حصر لها هبّت في زمن خيانة الذات لذاتها.

لقد أكّد الشاعر خلدون على فلسطينيته المتساوقة مع اللجوء حين قال: «وأنا المؤقّت الآن، زماني ومكاني مؤقّتان، فالاستقرار لا يليق بلاجئ مثلي». هنا تكمن قدرة الشاعر على فهم الحالة الصعبة، والقدرة الفائقة على فهم المكان والزمان للاجئ. فما أروع أن تنكشف النفس على النفس كانعكاس الماء على الماء، ولكن الأروع القدرة على التجاوز وخلق الخلق واقتناص المستحيل من دائرة الانغلاق على الذات، حتى يكون الوجود ملاذ النفس المتيمة بعشق الوطن الأم فلسطين.

ليس تجلّيًا لمعاني النرجسية المشروعة، ولكن القدرة الواعية لولوج مدينة التجلّي من أوسع أبوابها، والسير في شوارع الحقيقة الضيّقة، والرفض المترع على الزيف والخديعة. فتعانق النفس الجسد وحفر الأمل تمهيدًا للرحلة الجديدة من اللجوء والسير في أخاديد مجهولة.

هو الذي يدفعه إلى «محاولة النوم مجددًا» فاقدًا لكل عوامل الطمأنينة والاستقرار، لذا يندفع إلى حضن أمه الذي هدّه السعال، محاولًا التنهّد على «صدرها مثل طفل ضاع منه الكون». هنا البحث المضني عن الانصهار المتوهّج مع الذات، مع النفس في متاهة الوجود.

نجده غريبًا، تيبّست عروقه، وتجمدت دماء ثورته، فعانق الآخر في تجربة حريرية المبعث والمبحث، شبقية التواصل، انفصامية الغموض في الذوبان مع الآخر، ذلك المختلف المتمرّد على الروح، المستبعد لكل جسد مرمري. لحظة توحّد مفلتة من غربة الزمن إلى شهوة اللازمن ووجع العراء.

عند استقراء حب دمشق العنيد وتناسي الروح الملتهبة بلذة المخاتلة ومحاربة الانشطار، يقول في خاتمة النص: «يا إلهي، ألهذا الحد صار الوجود فكاهة؟». دهشة الغصن الرقيق عند هبوب العاصفة الهوجاء، وهي صرخة الطفولة عند صمت الجنون، لندى الشاعر وهو يحاور ذاته لذاته، ويتنفّس نفس النفس، ويعيد الروح حتى الاحتراق.

نص الشاعر خلدون رحمة تليق به كل معاني التقدير، فهو الذي قام من خلال حروفه بتعرية كل أشكال القهر الإنساني ووجعه المطلق. لقد كشف سرّ الوجع، وبانت تباريح القلق، وانسابت لغة البوح وهي تجرّد غموض الوجود من رداءة الرداءة. إنه نص قادر على الولوج إلى العقل والوجدان، وبسط الخيبات والأمل على أرض تنتظر من يزرعها من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.............................

كمصلوب على خاصرة دمشق أنزف أحلامي

أضمّد الروح قرب نهر يدرّب الأشجار على رائحة الدم. الصرخة عبثٌ هنا، حيث لعبة الحظّ بين وجودٍ مشبوهٍ وموت محققْ.

أنا المعلّق بين شظايا الشمال واحتراق الجنوب. تبدو السماء قاحلة عارية من النجوم وأما القلب في اضطرابٍ والنفسُ في ارتعاشٍ والعقل في هذيانٍ داخل زنزانة من لحمٍ هزيل. يندلقُ الليل الموحش من إبريق العدم، تتوغّل العتمة في عروق الكائنات.

كأني أسمع أصواتاً تنبع من كل جهات الأرض، أصواتٌ غامضة المصدر مجبولة بتأوّه وندب وعويل ونشيج طويل، لا أستطيع تفكيك الأصوات: لا هي بكاءٌ طفليٌّ ولا هي غمُّ نساء ثكالى ولا هي صفير قذائف.

ترى هل أنا صدى؟

أهمس لنفسي: هل يبكي الموتى حين يهبط الليل ثقيلاً على أجداثهم؟

هل يزورن بعضهم بعضاً؟

أحسّ بخدر يمزق خلاياي، لا أستطيع النوم أبداً فالمشهد مسكون بالأسئلة حدّ الجنون، هل يفكّر الجندي الساهر تحت شباكي بقتلي؟ لا أعرف لماذا يغني، صوته المبحوح يدخل جمجمتي كأفعى.

أحاول نوماً، أغمض عينيّ على قلقٍ، تجتاحني لعنة الكوابيس: رأيت رجالاً يجرجرون جسدي نحو مقبرة، كانو يحملون سيوفا لذبحي وربما تقطيعيَ إرباً، كانت تصاحبهم إمرأة لها ذقن رجلٍ تضحك كعاهرة. أنهض مرتعد الأركان، البرد يجلد عظامي، لا كهرباء لا ماء لا مدفأة لا شيء سوى عتمةٍ تطحنني، أحاول التناسي ولكن سرعان ما تتقافز في رأسي غزلان الذاكرة: مقعد تحت شجرة زنزلخت في حديقة ضيقة، قبلة تضيء الروح كنت قد سرقتها تحت درج بيتنا المهدوم، أغنية كنت أدندنها بين نهديّ حبيبتي.

وأنا المؤقت الآن، زماني ومكاني مؤقتان فالإستقرار لا يليق بلاجئٍ مثلي. أحاول النوم مجدداً، سعال أمي يناديني أحضنها، أتنهّد على صدرها مثل طفلٍ ضاع منه الكون، تربّت على كتفي وتسألني: ما حالك يا ولدي؟ ماذا أقول لها؟..

أعود إلى السرير أهبط في نوم محفوف بالهذيان وتحت وسادتي مليون شهقة أنين.

هنا على خاصرة دمشق، في هذه البلاد لا شيء يضحك سوى الموت.

يا إلهي ألهذا الحدّ صار الوجود فكاهة؟

 

يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات. وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام (188 ه - 231 ه / 803 م - 845 م)، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت (1888 م - 1965 م). وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة، والأفكارِ المُعقَّدة، والعواطفِ المُكثَّفة.

أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها. وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ، والتجديدِ في الصُّوَرِ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية.

اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية، مِثْلَ: الليل، والقَمَر، والرِّيح، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة. الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة. كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط.

وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد، مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة. هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي.

على الجانبِ الآخَرِ مِنَ التاريخِ والجُغرافيا، يَبْرُزُ تي إس إليوت شاعر الحَداثةِ في القرنِ العِشرين، الذي شَكَّلَ رمَزيةً شِعريةً مُعقَّدة، تَنْبُعُ مِنْ صِراعِ الإنسانِ الحديثِ معَ زَمَنِه، واغترابِ الرُّوحِ عَنْ عَالَمٍ مُتَغَيِّرٍ بِسُرعة. في أعمالِه نَجِدُ رَمزيةً مُتعددةَ الطَّبَقَاتِ، حَيْثُ تتشابكُ الأساطيرُ القديمةُ معَ الواقعِ الحديثِ، وتَختلِط اللغةُ اليَوميةُ بالشِّعْريةِ الكلاسيكية، ويُولَد المَعْنى مِنْ تَصَادُمِ الأزمنةِ، وتُصْبحُ الأمكنةُ جُسورًا للذكرياتِ والحِكايات، ويتشابكُ الماضي مع الحاضرِ في هَمْسٍ صامت.

اعتمدَ إليوت على الرُّموزِ لِيَعْكِسَ أزْمَةَ الإنسانِ الحديث، مُستخدمًا صُوَرًا مألوفةً ومُعَاصِرَةً: المَدينة، والخَرَاب، والمَاء، والرُّمُوز الدِّينية والأُسطورية. ومِنْ خِلال هذا التداخلِ بَيْنَ الرَّمزيِّ والواقعيِّ، صَنَعَ إليوت شُعورًا بالاغترابِ والحَنينِ، وأتاحَ للقارئِ مَساحاتٍ واسعة للتأويلِ والتَّفْسيرِ، وهَذا جَعَلَ النَّصَّ الشِّعْرِيَّ غنيًّا ومُتَعَدِّدَ الأبعادِ.

وعَلى غِرَارِ أبي تَمَّام، لَمْ يَكُنْ إليوت مُقَيَّدًا بالأُسلوبِ التقليدي، بَل ابتكرَ أشكالًا جَديدةً مِنَ القَصيدةِ المَقْطعية، وَدَمَجَ بَيْنَ الشِّعْرِ النَّثْرِيِّ والمُوسيقى الداخليَّةِ للكَلِمات، مِمَّا أتاحَ له تَوظيف الرُّموزِ بشكلٍ أكثر تعقيدًا وحَداثة، لِتُصبح تَجْرِبة القِراءةِ مُغَامَرَةً فِكْرِيَّة وجَمَالِيَّة.

رَغْمَ الفارقِ الزمنيِّ والثقافيِّ بين أبي تَمَّام وإليوت، إلا أنَّ هُناك نِقاطًا مُشترَكة في رُؤيتهما للشِّعْرِ الرَّمزيِّ:

1- التركيز على الرُّموزِ المُعقَّدة: كِلا الشاعرَيْن يَستخدمُ الرُّموزَ لَيْسَ فَقَط للزِّينةِ أو الوَصْفِ، بَلْ لِتَوصيلِ طَبَقَاتٍ مِنَ المَعْنى العَميقِ، سواءٌ كانَ ذلك أخلاقيًّا وفلسفيًّا عِندَ أبي تَمَّام، أوْ نَفْسِيًّا واجتماعيًّا عِندَ إليوت.

2- التَّجديد الأُسلوبي: أبو تَمَّام وَسَّعَ حُدودَ القصيدةِ العربيةِ التقليدية، وإليوت كَسَرَ نَمَطَ القصيدةِ التقليديةِ الأُوروبية، وابتكرَ تِقنيات الحداثة.

3- التفاعل مع القارئ: الرَّمزية عِندهما لَيْسَتْ أُحاديةَ البُعْدِ، بَلْ تَتطلَّب مِنَ القارئِ المُشاركة الفِكرية والعاطفية لفهمِ المَعاني المَخْفِيَّة.

أمَّا الفارقُ الأبرز، فَهُوَ في طبيعةِ الرَّمزيةِ نَفْسِها. يَمِيلُ أبو تَمَّام إلى الرَّمزيةِ الجَمَالِيَّةِ والفِكريةِ المُرتبطةِ بالقِيَمِ العَرَبيةِ والإسلاميةِ، بَيْنَما يَتَّجِه إليوت نَحْوَ الرَّمزيةِ التي تَعكِس أزمةَ الإنسانِ الحديثِ وتناقضاته، مُستفيدًا مِنَ التاريخِ والأُسطورةِ والثقافة الغَرْبية.

إنَّ التَّجديدَ الشِّعْري الرَّمْزي لَيْسَ تِقنيةً فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا فِعْلٌ وُجودي، وَسَعْيٌ لإعادةِ تَشكيلِ اللغةِ كَيْ تَعْكِسَ أبعادَ الوَعْيِ البَشَرِيِّ. أبو تَمَّام يَستخدمُ الرَّمْزَ لِتَوسيعِ فَضَاءَاتِ الجَمَالِ والتأمُّلِ، وإليوت يَسْتخدمُ الرَّمْزَ لِتَحليلِ الذاتِ والوُجودِ. وَالقاسمُ المُشترَكُ بَيْنَهما هُوَ القُوَّةُ التَّحْويلية للكَلِمَة التي تَتجاوزُ الصَّوْتَ والمَعْنى المُباشر، لِتَصيرَ وسيلةً لاستكشافِ الإنسانِ والزمانِ والمَكانِ. والتَّجْرِبةُ الشِّعْريةُ لِكُلٍّ مِنهما تُمثِّل حالةً فريدةً مِنَ التَّجديد، حَيْثُ استطاعا بفضلِ الرمزيةِ أنْ يُضِيفا عُمْقًا وثَرَاءً للنَّصِّ الشِّعْرِيِّ، ويَفْتَحَا آفاقًا جديدةً أمامَ القارئِ للتفكيرِ والتأمُّل. وَسَوْفَ يَظَلُّ الشِّعْرُ الرَّمزيُّ جِسْرًا بَيْنَ الثقافات، وَوَسيلةً خالدةً للتَّعبيرِ عَن الرُّوحِ الإنسانيَّةِ بِكُلِّ تَعْقيداتِها وجَمَالياتها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

«صرخة الرفض» لمختار سعيدي

تندرج رواية «صرخة الرفض» للكاتب الجزائري مختار سعيدي ضمن المتن السردي العربي الذي جعل من التجربة الإنسانية المأزومة محورًا بنيويًا وجماليًا، حيث لا تُقرأ الرواية بوصفها حكايةً عن فردٍ معزول فحسب، بل بوصفها تشريحًا دقيقًا لآليات الرفض التي ينتجها المجتمع ويعيد ضخّها في وعي الفرد حتى تتحوّل إلى بنية نفسية مقيمة. إن هذا النص الروائي، ينهض بوظيفة فكرية وإنسانية كثيفة، ويقترح قراءة وجودية للذات المهمَّشة داخل فضاء اجتماعي يشتغل بمنطق الإقصاء الصامت أكثر مما يشتغل بمنطق العنف المباشر.

تنطلق الرواية من بنية سردية تقوم على التكثيف لا على الامتداد، وعلى الحفر في الداخل النفسي للشخصية أكثر من تتبّع الحدث الخارجي. فالزمن في «صرخة الرفض» ليس زمنًا تاريخيًا مضبوطًا، بل زمن نفسي متشظٍّ، يتداخل فيه الماضي بالحاضر، وتعود فيه الطفولة بوصفها جذرًا أوليًا لكلّ ما سيأتي لاحقًا من انكسارات. ومنذ الصفحات الأولى، يتّضح أن الكاتب لا يسعى إلى بناء حبكة تقليدية تقوم على تعاقب الأحداث، وإنما يشتغل على بناء حالة شعورية، تتحوّل فيها الرواية إلى فضاء اعتراف داخلي طويل، وإلى ما يشبه المونولوج الوجودي الذي يكشف طبقات الوعي المتصدّع.

الشخصية المحورية في الرواية – وهي شخصية بلا اسم واضح أو ملامح فردية دقيقة – تمثّل اختيارًا واعيًا من الكاتب لتجريد الشخصية من خصوصيتها الفردية وتحويلها إلى نموذج إنساني عام. هذا الغياب الاسمي ليس نقصًا سرديًا، بل هو آلية فنية تهدف إلى تعميم التجربة، بحيث يصبح البطل مرآةً لكلّ ذاتٍ تعرّضت للإقصاء أو النبذ أو التهميش. إن هذه الشخصية لا تُقدَّم بوصفها ضحيةً ساذجة، بل بوصفها كائنًا واعيًا بتشظّيه، مدركًا أن الرفض الذي يمارَس عليه ليس حادثًا عابرًا، بل منظومة متكاملة تتغلغل في الأسرة، وفي المدرسة، وفي اللغة اليومية، وفي النظرة الاجتماعية إلى الاختلاف.

يبرز الرفض في الرواية بوصفه قوّة غير مرئية، لا تصرخ ولا تضرب، لكنها تفعل ما هو أخطر: تُقصي، وتتجاهل، وتسحب الاعتراف. فالذات في «صرخة الرفض» لا تُقمع عبر عنف فجّ، بل تُقمع عبر اللامبالاة، عبر الشعور المستمر بعدم الجدوى، وبعدم الاستحقاق، وبعدم الانتماء. وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الفكرية التي تطرحها الرواية، وهي أن العنف الرمزي قد يكون أشدّ فتكًا من العنف المادي، لأنه يزرع الشك في صميم الوعي، ويحوّل الإنسان إلى خصمٍ لنفسه.

تتشكّل الشخصية الرئيسية عبر مسار نفسي تصاعدي، يبدأ من الإحساس الغامض بالاختلاف، ثم يتطوّر إلى وعي مؤلم بالرفض الاجتماعي، ثم ينتهي إلى لحظة الانفجار الرمزي التي تتمثّل في «الصرخة». هذه الصرخة لا تُفهم بوصفها ردّ فعل انفعاليًا فقط، بل بوصفها لحظة وعي قصوى، لحظة يلتقي فيها الألم بالإدراك، ويتحوّل الصمت الطويل إلى خطاب احتجاجي. الصرخة هنا ليست موجّهة إلى فردٍ بعينه، بل إلى المجتمع بوصفه كيانًا ضاغطًا، وإلى الذات بوصفها شريكًا في القبول الطويل بالمهانة.

أما الشخصيات الثانوية في الرواية، سواء أكانت أسرية أم اجتماعية، فإنها لا تؤدّي دورًا سرديًا مستقلًا، بل تُقدَّم بوصفها تمثيلات لوظائف اجتماعية محددة. الأب، الأم، المحيط القريب، جميعهم يتحوّلون إلى عناصر ضمن شبكة ضغط، يساهم كلّ واحدٍ منهم، بوعي أو بغير وعي، في إعادة إنتاج الرفض. الأسرة في الرواية لا تظهر كملاذٍ حميمي، بل كامتداد للمجتمع، وكحاضنة أولى لزرع الإقصاء. وبهذا المعنى، تكشف الرواية عن فشل البنى التقليدية في أداء وظائفها الإنسانية، وتُظهر كيف يمكن للمؤسسات الصغيرة أن تكون مختبرًا مبكرًا للقهر.

على المستوى الفكري، تشتبك الرواية مع أسئلة الهوية والانتماء والاعتراف. فالذات الساردة لا تبحث فقط عن مكان لها في المجتمع، بل تبحث عن معنى لوجودها ذاته. وهذا ما يجعل «صرخة الرفض» نصًا قريبًا من الأدب الوجودي، حيث يتقاطع السؤال الاجتماعي مع السؤال الفلسفي: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في عالم لا يعترف بك؟ وكيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها في مواجهة التفكك المستمر؟ إن الرواية لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تترك الأسئلة مفتوحة، وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

كما تطرح الرواية قضية الصمت بوصفه شكلًا من أشكال التواطؤ. فالصمت الجماعي إزاء الإقصاء، وتطبيع التهميش، يحوّلان الرفض إلى بنية ثقافية مستقرة. ومن هنا، تصبح الصرخة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا نفسيًا، لأنها تفضح هذا الصمت وتكسره. غير أن الرواية، في ذكاءٍ فنيّ لافت، لا تمنح الصرخة خاتمة خلاصية، بل تتركها معلّقة، مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يعكس وعي الكاتب بأن الوعي وحده لا يكفي، وأن طريق التحرّر أكثر تعقيدًا من لحظة تمرّد واحدة.

إن «صرخة الرفض» رواية تُراهن على القارئ الواعي، وتستفزّ حساسيته الفكرية والإنسانية، لأنها لا تسرد مأساة جاهزة، بل تكشف عن آليات إنتاجها. وهي بذلك تندرج ضمن الأدب الذي لا يكتفي بتمثيل الألم، بل يسعى إلى تفكيكه وتحليله، وإلى مساءلة المجتمع من داخله. ومن هنا، يمكن القول إن مختار سعيدي قدّم في هذا العمل نصًا سرديًا مكثفًا، شديد الوعي بوظيفته النقدية، وقادرًا على مساءلة القارئ بقدر ما يُحرّك تعاطفه.

في المحصلة، تمثّل «صرخة الرفض» كتابةً ضدّ المحو، وضدّ التطبيع مع الإقصاء، وضدّ تحويل الإنسان إلى هامش. إنها رواية عن الإنسان حين يُدفع إلى الزاوية، وعن اللغة حين تتحوّل إلى آخر حصون الدفاع عن الذات. وهي، قبل كلّ شيء، نصٌّ يذكّر بأن الصمت ليس حيادًا، وأن الرفض حين لا يُواجَه يتحوّل إلى قدرٍ جماعي.

***

مجيدة محمدي – تونس

................................

المراجع المعتمدة (للتوثيق الأكاديمي):

- مختار سعيدي، صرخة الرفض، الجزائر، دار النشر (حسب الطبعة المعتمدة).

- هويدة عبد العزيز، «السمات الروائية في رواية صرخة الرفض»، الملتقى العربي للأدباء، 2021.

 -عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي.

 - بيير بورديو، الهيمنة الذكورية (في مفهوم العنف الرمزي)، ترجمة عربية.

في المثقف اليوم