قراءات نقدية

قراءات نقدية

في قصائد الشاعر حميد قاسم

يعتبر صديقي الشاعر حميد قاسم أحد الوجوه التي لمعت في الساحة الشعرية العراقية في الثمانينات، ولأن رهافة الحس كان لديه يتقد دوما منذ مجموعته الاولى (قداس الطفولة الهرمة – بغداد 1984، لذا فرض على مسيرته هذا التماهي مع التأزمات فانحازت قصائده إلى ما يشبه الهاجس اليومي والسيرذاتي معبّرة عن ذاته المتلازمة بقلقه وأوجاعه وأسئلته الملحّة لاسيّما على المستوى الوجودي الإنساني.. حيث تحضر الأنا الآخر  (الوطن / الحكومة) في قصائده بوصفها رمزاً وتحضر أنا الشاعر بوصفها إنعكاساً لتصرّفات ذلك الآخر عبر سيل من الصور الشعريّة الجميلة المتحرّكة والمشحونة بالشجن والألم الإنسانيّ.

في مجاميعه الشعرية (ألعب في الحديقة وأفكر - من اصدارات دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة – 2015 بغداد)،  (ليس ثمة هواء   – دائرة الثقافة والاعلام – الشارقة 2003، (وهذا صحيح ايضا - الصادر من دار الساقي 2008 )

زج الشاعر عدد هائل من الصور الشعرية الجميلة والمتتشظية ما بين لهيب الحلم وصقيعِ الاغتراب من اجل خلق مشهدية شعرية دراماتيكية تجعلك تشتاق وتنزلق الى حيث جدلية العلاقة بين الحلم الانوي والبحث عن مهد الطفولة لتحلق أنت الآخر في فضاءاتهِ المُحلقة في سماء الأنا الجمعية المتكاملة، كي تتواصل مع رحلته سائرا على حبله السري منطلقاً من سرته أو مهده  الى حيث متاهات الازقة في الداخل وكما في الخارج.

ففي قصيدته (يا ماخذلت الولف - من مجموعته وهذا صحيح ايضا) يستلهم الشاعر ارهاصاته وانثيالاته ليكشف من خلالهما الواقع المؤلم الذي عاشه كبقية ابناء شعبه ؛ ليخلق موازنة بين ما قدمه وطنه العراق بدءً من سقوط الملكية من قرابين في الماضي والحاضر، الى درجة أصبح وطنه كله قرباناً؛ يقدم على طبق من ذهب إلى الغرباء فيصف الشاعر حالة شعبه ووطنه وصفا جميلاَ متكئاً على التناص التأريخي (مقتل الملك) من أجل اكساب تجربته الشعرية دلالة تاريخية فجاء نصه هذا مشابهاً لنص الشاعر الامريكي ت س اليوت في قصيدته (الارض اليباب – دفن الموتى) الذي  وصف الجمهور المتدفق على جسر لندن سائرا الى حيث شارع الملك وليم...) ذلك الشعب الذي تدفق من شارع الملك القتيل في بغداد وهم يتدفقون كالقطيع ولا يعرفون ما يخبأه لهم المستقبل. يقول الشاعر حميد:

في هذه المدينة التي تشبه سيارة أجرة قديمة وعاطلة..

خرج الصبية من أبوابها مرة واحدة

واندفعوا في الازقة مغبّري الوجوه..

وميتين من التعب..!

يا لسخرية القدر الذي جمعني بك تحت سقف واحد،

وللسبب ذاته...!

....

لماذا الهروب من الاغاني الجارحة؟

بعد أن أقتيد (شعبي) الى المذبحة

فبقدر ما كانت قصائده الشعريّة مسكونة بالهاجس اليومي الناتج من تصرّفات الآخر تجاه الوطن والإنسان، جاءت مسايرته لمعاناة الغربة السبب في جعل الأنا الحالمة لديه تقفز الى السطح لتجسد لنا ظلم الآخر، فكانت القصيدة لديه بمثابة الوعاء الذي يستجمع فيه شظايا الألم والحنين، ويرسل عبر صوره المتباينة آهات الشجون وغصص الرزايا لذا ففي أحيان كثيرة جعلت من قلمه يترشح بنصوص مفعمة بالترنيمات الأليمة وكما يصفها في قصيدته (حياتي حتى ترتطم بالارض  -  من مجموعته ليس ثمة هواء ):

ان حياتي هي كمنجتي الوحيدة التي تبعث عويلا

طويلا، يفزع أبنائي النائمين على بعد الف كيلو متر...

فوق خارطة الوطن

وهكذا في قصيدته (كما لو) من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر:

لا أحد سواه

يستطيع أن يمسك أمسه الساحر

أمس الحروب والسجون والاغتصاب

أمس الجنون الذي أسس للكراهية

ومشاهدة المسرحيات على حافة النهر

واقفاً يتأرجح بين عكازين

يفكر بأغنية... ويشتم السلطة

ولعل هذه الانفعالية الواضحة، حملت الشاعر على اختيار مفرداته القادرة على استيعاب طاقاته الانفعالية، بما يثير المتلقي لما تحمله من شحنة توترية، يقوم اساسها على محورين: محور الذات الشاعرة، المتأثرة، ومحور الموضوع، والعلاقة القائمة بينهما.

وفي الأخرى يفوح منها رائحة الحنين الممزوج بعطر الطفولة وكما يقول في قصيدته (كلما اراك - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر):

كلما أراك

أدخل في الزقاق القديم

متواريا خلف البيوت المتهالكة

لأجدني في غرفة النوم..!

وأنت نائمة، تسدلين شعرك المبلل

فأمط شفتي... وأصفر

إن ما يحفز النسق الجمالي في نصوصه هو تحوير الواقع المرير الذي عاشه ليحكي على لسانه واقع تجربته الماضوية ؛ لخلق المفاعلة النصية ضمن النسق الشعري فكان النص لديه بمثابة الشريان الذي يتدفق من خلاله ما يخزنه من شظايا الألم والحنين والحب، ويرسل عبر خيوطه المتباينة والمتشابكة رؤياه بكلمات موحية يعلو وينخفض الإيقاع معها بحسب الحاجة السيكولوجية لكبت الذات وحجم العواطف فتنصهر الفكرة والخيال والكلمة محدثة أشبه ما يكون بسمفونية تترافد فيها آلات كثيرة، فتارة تكون محملة بالآهات والشجون وفي الاخرى برائحة الحلم الجميل.

مجاميعه هذه تحمل بين طياتها كماً هائلاً من الاحلام التي يداهمها الصقيع منذ خطوتها الاولى فمنها ما تعود الى مهدها وتتقمط منتهاها واخرى تتأرجح وتتمرد بقوة وصخب، لتحاكي رحلته وأبناء وطنه  والتي تشبه رحلة جدهم الاول كلكامش، ظانا انه سيجد ما يجعله خالداً في بلدان المهاجر إلا أنه يعود بخفة يديه فيبدأ توتره الانفعالي وهو في أوج التصاعد التراجيدي حين يرى حلمه بالخلود يتكسر فتمتد ايقاعاته لتبلغ ذروتها، كل هذا جعله يبحث دوما عن حلمه المفقود منذ الطفولة بسبب ما آل اليه وطنه جراء الحروب والتبعية لذا نراه يقول في قصيدته (الغريب - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر:

الغريب الذي مر بنا ذات يوم

ليتنا لم نره

ليتنا لم نصغ اليه، ولم نقع في بئر غوايته..!

ليتنا  لم نغادر خرائبنا التي أولعنا بجمالها الوحشي المريع

نصوصه هذه قادرة على التمدد والتّشظي كونها تستمد حيويتها ووجودها من خلال التّقاطع والتّوازى ما بين حلمه الانوي المفقود والبحث المستمر عن السعادة التي لا يجدها إلا في مهد الطفولة مما يؤهله الاتّصال مع الماضي والحنين إليه والتّشابك مع لحظاته.

ففي قصيدته (طبيعة حقيقية - من مجموعته ليس ثمة هواء) يقول:

كلما أغمضت عيني

رأيت حياتي..

تُعمد

فوق نار قديمة!

تكمن قيمة جمالية قصائد الشاعر حميد قاسم بمقدار انفساح الأفق التأملي وتحفيز إيقاعاتها الجمالية في انتقاء التشكيلات الصورية المثيرة والتحليق بها عبر فضائه الشعوري العميق المتخيل والذي يمثل قيمة عليا في الوظيفة الشعرية، حيث تتحول القصيدة في بنيتها الى طاقة خلاقة يتمثل فيها التراث الشعبي، والعقل الجمعي بصورة عضوية تؤطر موقف وقيم الإنسان تجاه الكون وتجاه تساؤلاته المتعددة.

ولأن العلاقة مع الآخر(إن كان شخصاً أو حكومة أو وطناً)، ناتجة عن رد فعل دفاعي تجاه سطوة واندفاع الآخر، لذا كان من الطبيعي أن تجده يقول في قصيدته (أغنية عزرائيل - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر):

لست مسؤولاً...

عن أي فِراش بارد لأرملة

لست مسؤولاً ايضا

عن أي مهد يتأرجح فارغاً

ولست مسؤولاً

عن أي شخص يتدلى من حبل في رقبته.

لست سوى أجير

يعمل ليسد رمقه

إن ما يدفع شاعرنا للكتابة هو ذلك الحلم المفقود بسبب ما يتعرض إليه الإنسان في وطنه من هزات مستمرة حفزته كي ينهض ليتمرد على الواقع المرير الذي يعيشه وأبناء وطنه ليقول الحقيقة من أجل الإصلاح ومواجهة الفوضى الناتجة من جراء سيطرة وتجذر الاضطراب والفوضوية على واقعه، فيقول في قصيدته (كمن ينزل جبلا الى داليا الرياض - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر):

.. أيها الوطن،

.. كلما بعثرتنا المفخخات

في الهواء...

وأمضي،

كمن ينزل جبلا

أقطع الحديقة العامة

محدقا في النساء اللواتي

يخلعن ثيابهن تحت وطأة الرطوبة الهائلة

انه بحاجة للبحث عن طريق يعود به إلى نفسه ليلازم أناه لرؤية الآخر (الوطن).

 ولأن العودة إلى الوراء صعبة التحقق ومحاولة كبت الأنا الداخلي هي فشل.. لذا راحت حيويته تبحث عن مخرج آخر يجعلها تفجر مكبوتاتها كحل لتحقيق اِنتصاراتها، وتفريغ دواخلها نحو العالم الخارجي فيقول في قصيدته (كآبة بغداد - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر):

أيتها المدينة...

أنا الآن أطل عليك من النافذة

أنا لا أفعل شيئا سوى أن أطل عليك من النافذة

وأنا نكايةً بالاصابع – سأضع جمرة سيجارتي

أدنى من سرتك، أعني بيت عنكبوتك الدؤوب

بيت أثامنا وعقوقنا الأبدي

القصيدة لدى الشاعر هي علاقة الشاعر بذاته وبالعالم من حوله، فهي مخاض رؤيته للماضي والحاضر واستشراف المستقبل من خلال ما يزخر به شعره من إمكانات تخييلية تمكنه من التنبؤ واستكشاف المستقبل.. أن الشعرية لديه عبارة عن كتلة فواعل تحفزية ؛ تبث ألقها الجمالي من خلال حساسية الرؤيا الشعرية في اختيار الصورة، وشاعرية الجملة، وإيقاعاتها المتناغمة إيحاءً، ورؤية، ودلالة؛ واستثارة جمالية خلاقة بمراجعها النصية، وانفساح الرؤية الجمالية كما في قصيدته (روائح - من مجموعته وهذا صحيح أيضا):

قبل أن أعبر الزقاق

متسائلا عن جدوى الانشغال بفكرة الوجود

.....

الرجولة...

أو الندم!

كل شئ مريض هنا

لذا سأضعه أمام الباب لتكنسه الريح

فكما أن النص الشعري المثير هو كتلة مؤثرات جمالية فإن ما يغني النص الشعري جمالياً ليس فقط الصور الشعرية المبتكرة، وإنما المخيلة الإبداعية المتوهجة، وحساسية الشاعر الجمالية في انتقاء التشكيلات المثيرة، وتحفيز إيقاعاتها الجمالية. ففي قصيدته (هذا سيمر ايضا- من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر) يقول:

رائحة المطر مفعمة بالتراب هذه المرة !..

هل كتبت على نفسي أن أحبسها في عمق الظلام

بعد أن بللت حياتي بالكحول

منصتاً لاصوات الرعد

ووقع المطر على النافذة؟

رغم هذا المطر كله

رائحة الهواء مفعمة بالتراب..!

الشاعر حميد في قصائده هذه تراه يبحث في مضمونه الروحي من خلال تصوير ذاتيته أي عالمه الداخلي فجاءت قصائده وكأنها مرآة الذات الفردية فمثلت أناه بوصفها فاعلا شعريا لتنوب عنه في ميدان (الأنا) ليأخذ من التمركز الأنوي وسيلة تفاعل وتواصل مع أنا الآخر الذي لا ينفصل على واقعية الحدث تشكيلات جمالية تسكن وميض العاطفة، وإشراقاتها التشكيلية فالمخيلة الإبداعية لديه تتوهج من شدة حساسيته الجمالية في انتقاء التشكيلات المثيرة، وتحفيز إيقاعاتها الجمالية لذا تراه بين حين وآخر يعيد الماضي ليسأله او لنقل ليحاكمه وكما في قصيدته (لماذا فعلت بنا هذا كله - من مجموعته ألعب في الحديقة وافكر):

أيعقل، أنك لم تحبنا؟

أو أن قلبك الذي عجناه من الغيم

أصبح أسود لفرط الدخان؟

أنت الذي غسلت رؤوسنا السود بالمطر

كيف أرتضيت لنا أن نسبح بالدم

كل نهار ومساء؟

نتلمّس في مجاميعه هذه ميله الى الاتّكاء على البنية السّرديّة في نصوصه الشّعريّة من خلال استخدامه للصّور ذات العلاقة الوطيدة بسيرته الذّاتيّة، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بالحضور المكانيّ للماضي والحاضر الذي لا يزال يلازمه بمفرداته وواقعه وكما في قصيدته (شجرة - من مجموعته ليس ثمة هواء):

طوال ست سنوات

الشجرة التي أجلس تحتها كل مساء

تصدر أنينا جارحاً..

وهي تتمايل بأغصانها الثقيلة

هذا الصباح

فلكون النص الشعري لدى الشاعر حميد قاسم هو كتلة مؤثرات جمالية تستمد قوتها من واقع الطفولة وكتل أخرى من مؤثرات الواقع المؤلم، فمن مزيجها تنسج مخيلته المتوهجة صوراً رقراقة تستفز احساسك حيالها بالألفة، والتناغم، والانسجام، ومن خلال فيضه الشعري يستنفر كل خزّاناته الذهنية والفكرية لتأويل منجزه الشعري وحيث لا يزال يعيش حلم الطفولة وازقته وتتنفس رئته الشعرية جمالها لتنتج لنا نصاً مفعم بالجمال وكما في قصيدته (ادغال - من مجموعته ليس ثمة هواء ):

لماذا يا إلهي

نشتري الغيوم

وندفنها في الحديقة..

فتمتلئ الحشائش بالدموع ؟

يعتمد الحراك التساؤلي ميداناً خصباً لتفعيل الحدث وتحفيزه للبحث والتأمل والاكتشاف لذا تترك قصيدته في ذهن المتلقي تساؤلاً مفتوحاً على تساؤلات لا متناهية، وإجابات لا نهائية. فالسؤال – عند الشاعر- يمثل بؤرة الحراك الشعري، ومكمن تفجير الدلالات؛ وحراكها وتوالدها المستمر والمحمل بشتى أشكال الهزائم والانكسارات والتصدعات الوجودية القلقة إزاء واقعنا المنهار لما تحدثه بنية التساؤل من إضاءات ومدلولات نصية.

لقد سعى الشاعر حميد قاسم إلى تشكيل رؤاه الخاصة، في ظل المستجدات والقضايا التي مر بها وطنه، بآليات فنية وتعبيرية وتساؤلات مشروعة تتناسب وإحساسه الشامل بحضوره في الحدث، كاشفا عن قلقه وصراعه العميق مع الذات والواقع المؤلم على ضوء العلائق الداخلة لبناء عالم جديد متجاوزا على الرؤية، فمن المحسوس يتكون النفسي والفكري، اللذان تنعكسان على الرؤية الحسية، فالعلاقة بينهما ارتباطية وانعكاسية على الإنسان، وعلى لغة الشعر وإيقاعه. لذا تراه يتساءل  في قصيدته (دم - من مجموعته ليس ثمة هواء ):

ماذا سأفعل بكل هذه الأسئلة وحدي؟

ماذا سأفعل بهذه الدماء التي تملأ السهل؟

ماذا سأفعل بهذه الدموع التي تملأ المناديل ؟

....

دائما...هناك دم..

وان لم يكن

فثمة رائحة تدل عليه

وفي الختام نتساءل:

ما الذي دعا الشاعر حميد قاسم ان يضخ كماً هائلاً من صور متشظية لتكون بمثابة مرايا عكست لنا شعريّة عميقة متأتية من المأساة، وهي تشير إلى مدى تعلّقها، باشتغالات إشكاليّة الصّراع اليوميّ حول الوجود الإنسانيّ فهي تحمل دلالة ما أو تضطلع بوظيفة من الوظائف فثمة موازنات سرديّة/ حكائيّة يقيمها الشّاعر داخل نصوصه كي تنفتح على العالم الخارجي فيجيب الشاعر ويقول في قصيدته (قيلولة الشتائم - من مجموعته ليس ثمة هواء):

الوحوش تتناسل وتتقافر في الغرف، نمور، أسود

ذئاب، ضباع، قطط، وخشية، زوجات بليدات

وحاقدات، سوقيون وكلاب سائبة

الضحية الأخيرة، الخطأ الأخير الذي يبدو

كأنه سيتكرر – تستيقظ من نومها،

تهذي بين النوم واليقظة:

كل هذا جعله في علاقة تنافر وخصام مع الآخر، مما جعل الشحنات النفسية التي يحملها، تستخدم في سياق المواجهة، فقد ارتأى أن يقبض بيد الجمال والاستلهام حتى يتساءل ويجيب ولو بسؤال عما يجوب بخاطره والقارئ العربي.

***

نزار حنا الديراني

(محاولة في استجلاء جانب من ملامح الكتابة في رواية الهادي الرقيق)

***

تصدير: (تعال نقيّد قيدنا) هادي الرقيق (أيام زمان ص18)

***

تمهيد: يمثّل تعدد أنماط الكتابة السّردية اليوم ظاهرة لافتة أبرز ما يُحمَد فيها هذا الثراء اللّامتناهي في تحويل التّجارب الحياتيّة الفرديّة والجماعيّة والمكوّنات الثّقافيّة والمعرفيّة إلى تجارب أدبيّة متعدّدة ومتنوّعة ممّا أدّى إلى تناسل أنماط سردية جديدة كلّ حين حتّى باتت أشكال تقاطع أنماط الكتابة في خطاب أدبيّ واحد إبداعات قد تفلت من قبضة الأجناسيّة الأدبية ونجد صعوبة في تصنيفها مثلما سُمّي بالسّرد التّعبيري في الشّعر والجُمل الشّعرية في الخاطرة والرّواية ومثله التقاطع بين الرواية والسّيرة الذي ولّد ما اصطلح على تسميته بالسّيرة الروائيّة وكذلك الرّواية السّيرذاتية التي نسب إليها المؤلّف هادي الرقيق مُنجَزَه " أيّام زمان" .. وحتى نستطيع النّفاذ نحو جانب على الاقل من سمات فنّ الكتابة السّردية في هذا المنجز نحاول تحديد أبرز مقوّمات الكتابة في هذا الصّنف الأدبي.. فإذا كانت السّيرة الذاتيّة حسب ما يستنتج من أديبات " شكري المبخوت " مثلا في " سيرة الغائب سيرة الآتي" تقوم على (سرد الشّخص الذي له قيمة اعتباريّة لوقائع حياته او لجزء منها على سبيل التّثمين والتّرميز أو ربّما على سبيل التّرشيد نمذجة للقدوة والمثل الأعلى..) فإنّ الرّواية هي بشكل عامّ واستنادا إلي ما يمكن استخلاصه من "مقدّمات توفيق بكّار والمساءلات النقديّة لبوراوي عجينة" (سرد لحياة بأسرها سردا فنّيّا يقوم على توظيف الوقائع والشخصيات قياسا إلى رؤيا معيّنة وخلفية ذهنية محورها جملة من الصّراعات والتناقضات متعدّدة الأبعاد تتشكّل حولها تلك الرّؤيا.. لذلك لا مجال في الرواية للوقوف عند نسخ التجربة الحياتية او محاكاتها..)

ومن هنا يجوز التساؤل عن مدى وجاهة هذا الإدغام الذي حصل حديثا بين ما هو روائي وما هو سيرذاتي؟ كما يجوز التساؤل عن ممكنات التّمييز بين السّيرة الرّوائية والرّواية السّيرذاتية؟

فكيف صاغ هادي الرقيق ممكنات التّعالق بين الروائي والسّيرذاتي في" أيّام زمان"؟

التعريف الأوّلي بالرّواية السيرذاتية وصاحبها:

هادي الرقيق: أديب وناقد في مجال السّرديات تونسي من صفاقس أستأذ تعليم ثانوي متحصل على الاستاذية في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب القيروان (1989) والكفاءة في البحث من نفس الكليّة (1991) ثمّ الماجستير من كلية الآداب بصفاقس (2007) وبعدها الدكتوراه حول تطوّر فنّ الأقصوصة في الأدب التونسي (2017).. كأديب يبدو مغرما بالأقصوصة في إبداعه ونقده إذ أصدر مجموعات قصصيّة منها: الوردة التي لا تذبل (2005) وأطبّاء أصحّاء (2011).. وأصدر في نقد الأقصوصة: الأقصوصة: هذا الفنّ المراوغ (2009) وكذلك: صلة الأقصوصة التونسية بالأقصوصة الأوروبية ومسألة النشأة (2019)

أمّا " أيام زمان " فقد أصدرها في 2020 عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع.. وهي (كما ذكر المؤلّف على واجهة الغلاف) عبارة عن (رواية سيرذاتيّة) بمعنى ذاك التقاطع بين محوريّة حضور الذات في مقوّمات السّرد داخل منظومة الأحداث مسيّجة بأطرها متداخلة في شبكة العلاقات مع شخصياتها وبين التّوظيف لكلّ ذلك وفق رؤيا فنّية جمالية وذهنيّة في ذات الآن..

حدّد لها المؤلّف منذ واجهة الغلاف وجهة هي التّذكّر عبر العودة إلى الماضي وهو ما أحال عليه العنوان الوارد مركبا إضافيّا يفيد تخصيص محتوى الكتابة بفترة زمنيّة انقضت عبر السّرد المعتمِد على تقنية الاسترجاع أو الاستحضار التي لا ترتّب الأحداث في الكتابة الرّوائيّة عادة ترتيبا تعاقبيّا وإنما تفاضليّا تبعا لرؤيا الكتابة وخلفيّتها.. كما حدّد لها أيضا أديما تونسيّ الجذور والأصالة في علاقة ببطل السيرة وحنينه إلى مرحلة راسخة في حياته هي مرحلة الشباب وبدايات المشوار مع مهنة الشّقاء اللذيذ في بعض القرى وفي علاقة بتونس الوطن وما شهدته القرى والمدن من أحداث ساخنة خاصة في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي ولعلّ مشهد سور القيروان التي زاول فيها المؤلّف مرحلة التعليم العالي وبعض أبوابه العتيقة يوحي بذلك فجاءت مكوّنات واجهة الغلاف في تناغم يتكامل مع محتوى الكتاب الذي صدّره صاحبه بمقدّمة موجزة وضّح خلالها دواعي التأليف (الكتابة نفيا للمسافات في ديار الغربة تصبح ضرورة ملحّة) في علاقة بخوضه تجربة التدريس بسلطنة عُمان في إطار التعاون الفنّي بينها وبين تونس.. وكذلك دواعي الإصدار بعد تردّده (قررت عدم نشره لاعتقادي أنّه تقليديّ رهن نفسه للقواعد الأجناسية الكلاسيكية) ثمّ قراره لاحقا النّشر بعد اقتناعه بكون نصّه يقوم على عودة الحكاية حاملة جوانب حديثة في توظيف أدوات الكتابة السرديّة فضلا عن كون (الشروط الموضوعية التي ألهمته المادّة الأوّليّة لمحتوى الرّواية مازالت نتائجها وتداعياتها قائمة).. وبعد التّصدير يمتدّ نصّ هذه الرّواية السّيرذاتية على عشرين فصلا محكومة بما يسمّيه الدكتور مصطفى الكيلاني بالسّرد الرّوائي الشذري الذي (يقوم على تعدّد مسارات حكاية تلتقي في مسار واحد) لذلك جاءت هذه الفصول غير معنونة وغير مسايرة للأحداث في تسلسلها الخطّي كل فصل منها يبدو وكأنّه مشهد حكائيّ مستقلّ بذاته لولا هذا الحضور الشامل لبطل السّيرة بأناه المتّماهية مع الرّاوي الأوّل والمباشر والعليم الذي هو المؤلّف في الأصل.. ولو لا محورية القرية الجنوبية إطارا مكانيا للأحداث بملامحه ورمزيّته فضلا عن ورودها بين عاصفتين: عاصفة في الفصل الأول مثّلت قادحا للأحداث وعاصفة انغلق عليها الفصل العشرون فاتحةً بذلك الاسترجاعَ على الاستشرافِ كذلك .. وبين العاصفتين سيرة الذّات في سياقها العام الثقافي والاجتماعي والسياسيّ الوطنيّ وحتى الحضاريّ .. فكيف صاغ المؤلّف فصول هذه السيرة كخطاب فنّيّ؟ وماذا حمّلها من محتوى وأبعاد ؟؟

أبرز سمات الخطاب:

خطاب سرديّ متنوّع متعدّد المشارب والمرجعيات يدلّ على سعة اطلاع صاحبه الذي أجاد توظيف التّقاطع بين الرّوائي والسّيرذاتي في منجَزه فجاء مستوعبا كما ينبغي لرؤياه الثقافية الإبداعية في تفاعلها مع رؤياه الوجودية الإجتماعية..

قوام هذا الخطاب أساسا لغة منتقاة بعناية كي تلائم بين طرائق السّرد ومحتوياته: فهي تقسو معجما وتراكيب وصورا في الإنشاء الفنّي للمشاهد العنيفة والدامية وتصوير تداعياتها المأساوية (...مجموعة اندسّت في عرش القتيل وهاجمت مقرّ الشرطة وعاثت في الأوراق تمزيقا وفي الزجاج تهشيما والكراسي والمكاتب تحطيما. وبعد أن استلّ رجال الإسعاف العونين من مقرّ الشرطة أغرقت أشلاء الأشياء بالبنزين وأشعلت النّار فتسلّلت ألسنة اللّهب من الأبواب والشّبابيك محتجّة على أنّ أكل الحطام في الوليمة يفتقد إلى دسامة اللّحم البشريّ _ الفصل 2 ص 13) فتكثيف معجم الموت والنّار والتّشظّي وما جاورهما هو الذي أثث المشهد بغلالة مكثفة من القسوة الضامنة لبلوغ بشاعة الأحداث إلى خلجات القارئ بما يلزم من الإثارة ولاستدراج تفاعله معها.. كما أنّ هذه اللغة راوحت بين الواقعية في نقل تفاصيل بعض الأقوال والأفعال والأحوال باللهجة العامّيّة المهذّبة غير المبتذلة (_ يا جماعة توحّشت الخدمة في الحانوت.. والله كأنّي فارقته لسنوات... _ أ ليس الأجدر أن تقول له انت ذلك في بيتكم _ نشوفك انت أكثر منّو... نهايتو.. السّلام _ الفصل 10 ص 70)

و بين الأدبية الفاخرة الممعنة في البلاغة الى حدّ الاكتساء بنزعة شاعرية رائقة تستلهم في كثير من الأحيان من مآثر موروثنا الأدبيّ: (أزورها خائفا وأودّعها خائفا رغم أنّ سواد اللّيل يشفع لي وضوء الصّبحِ لا يغري بي لأنّي أودّعها قبل الفجر _ الفصل 3 ص 21) وكذلك ما ورد في حوار وجوديّ بينه وبين شخصية المنصف: (اليوم خمر وغدا أمر.. لا يهم.. ستعرفني بمرور الأيّام _ الفصل 11 ص 90).. هذا التوظيف الرشيق لعبارات المتنبي وامرئ القيس ومحمود المسعدي أيضا (إنّي منها كالمقرور يلتمس نارا عليه أن يحافظ على مسافة مناسبة منها لأنّه إن اقترب أكثر احترق وإن ابتعد أكثر لا يلحقه لا يلحقه دفؤها ولا يشمله حدبها _ الفصل 16 ص 114) نجد اشباهه مبثوثة في مختلف فصول الرواية إلى جانب الاقتباس في أحيان أخرى من مَعين النّصّ القرآني وابجدياته (في هذه القرية اللّعينة يلبسون أمام النّاس لباس التّقوى على حسابنا ويريدون أن نصوم على كلّ شيء _ الفصل 10 ص 72..... فتخلّوا عن أفكارهم الهدّامة ليمنّ الله عليهم بالوفاق ويهديهم الى الصّراط المستقيم _ الفصل 11 ص 84)

بهذه السّمات ساهمت اللغة الفاخرة في صياغة كتابة روائيّة تحفظ للعربيّة الفصيحة هيبتها وتضيف إلى البعد الفنّي بعدا معرفيّا ثقافيا يثري زاد القارئ ويغنيه بالمعلومات والمفردات والاستعمالات الكثيرة لهذه اللغة التي أصبحت في عصرنا مستهدفة والبعض يشكّك حتى في قدرتها على مواكبة مُجرَيات ما يشهده من تقدّم حضاري وتكنولوجي وتحمّل تمظهرات الحداثة وهذا من قبيل اندغام الرّسالة الإبداعيّة بالرّسالة التّربويّة في تجربة الهادي الرقيق شأنه في ذلك شأن العديد من الأدباء العاملين في قطاع التّعليم وتحديدا في تدريس اللغة العربية وآدابها .. فالجانب السّيرذاتي في روايته يظهر في بُنَى الخطاب فضلا عن توظيف الأحداث وتكوين الشخصيات والعلاقات بينها وفق تنويعة يتكامل فيها العجائبيّ. مع الواقعيّ التّسجيليّ حتّ يتناسل منه في مواضع عديدة مشحونة بالأبعاد الرّمزيّة منها مثلا: (جسم طائر كأجسام البشر يفرقع بعيدا فوق رؤوسهم فرقعة متقطّعة متدرّجة في القوّة. تبدأ ضعيفة ثمّ تقوى الفرقعة إلى أن ينفجر الجسم من الجنبين.. مع كلّ فرقعة يُضاء الفضاء جزئيّا ويُظلم من جديد بين الفرقعة والفرقعة..... أبهج المشهد أهل القرية وانساهم الأحداث الأخيرة ومخلّفاتها.... سارعت تلك الدّول المتحضّرة جدّا إلى تغطية إعلامية ضخمة تليق بهذا الأسلوب النّبيل في الموت ووعدت بمكافأة القرية مكافأة سخيّة على هذا الاكتشاف.. قالت إنها ترجّح ان تنال قريتنا الجائزة.. - الفصل 14 ص 107) وذلك في إحاطة بوقائع حضور مساعدات منظّمات الإغاثة الدّولية للّاجئين الأفارقة المخيّمين على تخوم القرية التونسيّة في الجنوب وما يخبّئه ذلك من محاذير قادمة وعدم فهم سكانها لحقيقة ما يجري وانشغالهم عنه بالأضواء والفرقعات اللّيلية الآتية من الطائرات وهي تلقى بالمؤن والأغطية على اللّاجئين.. تلك الوقائع التي صاغها المؤلف في مشهد عجائبيّ للانتهاك الخارجي لسيادتنا الوطنيّة المغلّف بالإغاثة الدّوليّة فصوّره في السّماء مشتقّا من مشهد واقعي للقرية وأهلها في الأرض .. و تتكامل في هذه التّنويعة أيضا المعالجة الدّراميّة مع طابع السّخرية المرّة في الإحاطة بمشاكل الواقع وقضاياه من خلال معاناة أهل القرية المنفتحة على معاناة الوطن ..

و إذا أقررنا لـ"أيّام زمان" بمواصفات السيرة فإننا لا يمكن أن نجرّدها من مواصفات الرّواية ليس فقط من خلال ما تبيّنّا من مظاهر التقاطع الفنّي بينهما في مستوى البنية السّرديّة وتوظيف أدوات الكتابة الرّوائيّة إنّما أساسا في مستوى التقاطع بين حضور الذات / الأنا الطّاغي وبين انغماس هذه الذات في مشاكل الواقع وقضاياه حتى ذابت فيها من خلال ما عاشه بطل السيرة في سياق ذاته وواقعه المهني والاجتماعي ليس كنموذج مثاليّ وُظّفت المشاهد والوقائع والمواقف في تلميع صورته بتحيّز إنّما ككائن اجتماعي متحرّك في هذا الواقع متأثّر به سلبيّا وإيجابيّا يعيش نزوات الشباب شأن جيله بشكل مخالف للعرف الاجتماعي ويشرب الخمرة المهرّبة في الأماكن غير المرخّصة قانونيّا واضعا ذاته في غمرة مجتمعه يقاسمه ما استشرى من المظاهر السلبيّة الناجمة عن الجهل والفقر والحيف السياسي وهو ينقل الوقائع المجسّدة لذلك بطريقة السّخرية اللّاذعة في أغلب الأحيان مثل: (تفشّت بفضل ذلك هواية جديدة قديمة لا أحد ينكر أنّها تجمع بين المتعة والفائدة تسلّي وتنشّط الاقتصاد وهي شرب الخمرة في الحوانيت.. ولو سِرتَ في أنهُجِ القريةِ بعد العاشرة شتاء ومنتصف الليل صيفا للمست أنّ الحانوت الذي يبيع صاحبه ويشتري أو يصلح أو يصنع نهارا يستحيل إلى مبغى أو حانة او محلّ قمار ليلا وقد يجمع بين الوظائف الثلاث لتعدّد مواهب مديره وتفانيه في العمل غرضه الأسمى والحقِّ يُقال التّرويح عمّن كلّت نفوسهم .. الفصل 15 ص 111) وبطريقة الدراما المؤثّرة في بعض الأحيان حتى يتهيّأ للقارئ وهو يتابع اعتناء الرّاوي بما يحدث في الواقع المحيط ببطل السيرة أكثر من اعتنائه بشخصه وإنجازاته أنّه إزاء رواية واقعية خاصّة وقد ارتكزت طريقة المؤلّف في إنشاء الشخصيات والعلاقات بينها وبين بطل السّيرة على فتح المجال السّردي على مشاكل الواقع وقضاياه في البلاد التونسيّة لا على حركته في الواقع وفعله فيه ممّا اتاح للمؤلّف تسريب مواقفه تجاه واقعه وتقييمه بطريقة أدبيّة فنّية تستفزّ دون أن توجّه.. فعلاقته مثلا بكلّ من رجاء ونجاة كانت نافذة على واقع المرأة في تونس سواء في تحرّرها المُسقط والمنسوخ عن الغرب (رجاء) أو في وقوعها ضحيّة النظرة الدّونيّة للمرأة الناجمة عن سيطرة العقلية الذكورية في القرى والأرياف.. كما كانت علاقته بكلّ من العلويني والمنصف نافذة على المؤسّسة الأمنية وحقيقة علاقتها بالمواطن والسّجن وما فيهما من مشاكل وتجاوزات (بدأت الأحداث بحرق مركز الأمن في القرية إبّان العاصفة) .. فجاءت المشاهد والأحداث وأفعال الشخصيات وأقوالهم متداخلة مع تأمّلات المؤلف لمعايب واقعه وقضاياه بما فيها العداء بين المواطنين والسّلطة التي تجلّت خاصّة في الإحالات على تحرّكات الطّلّاب والنقابيين وتعامل السلطة معها (قبل تغيّر نظام الحكم بتونس في 2011) بل وكذلك تأملاته الوجوديّة: إذ كتب مثلا (هل الحبّ والرّعب غريمان يتعايشان أم يقوى الحبّ بالإيمان... أم هل القلب خؤون متقلّب لا يثبت على حال؟؟ الفصل 3 ص 22) وأيضا (العواصف لا تهاجم الأشجار والنّباتات في الحقول والغابات ولا تحرّك الكثبان في الصّحاري وحسب.. إنّما تترصّد البشر أيضا هناك في الأركان والمنعطفات تنتظر اللحظة الملائمة للانقضاض على سعادتهم).. وقد كان المؤلف / خلال كلّ ذلك حاضرا بذاته حضورا مباشرا كبطل سيرة ذاتيّة بامتياز على صعيد لغويّ أدّاه ضمير المتكلم المحرّك الأساسي لعمليّة السّرد وعلى صعيد بناء شخصيته في تماه مع الرّاوي (الاستاذ الذي تخرج من الكلية وانتُدِب ليباشر مهنة التّدريس في قرية بالجنوب التونسي) وكبطل روائيّ أيضا بامتياز فينفعل ويتفاعل مع جزء من الحياة في البلاد التونسية بدرجة من الوعي والثقافة سمحت له أن يكون من الناحية الفنّية بمثابة الشّخصية النافذة والنّاقدة المثيرة للاشكاليات دون أن يكون الشخصّية الفذّة التي تصلح ان تكون قدوة إيمانا منه بأنّ المرحلة التاريخيّة الرّاهنة تحتاج إلى مواطن يحسن قيادة نفسه دون الاقتداد أو الانقياد لغيره..

خلاصة القول:

هذه الرّواية السّيرذاتية رغم محوريّة حضور المتكلّم في جميع أطوارها وفي مقومات الخطاب السّردي.. فإنّ الهادي الرقيق لم ينتهج فيها نهج التّعاطف الكلّي ولا حتّى النّسبي مع الذّات كما فعل طه حسين في أيامه أو تمييزها كما فعل جبرا ابراهيم جبرا في شارع الأميرات ولا تبييضها كما فعلت بعض الشخصيات السياسيّة والثقافيّة في عصرنا ممّن بلغ إعجابهم بتجاربهم في الحياة إلى درجة اقتناعهم بضرورة تخليدها .. واكتفى بإبراز سمات ذاته كما هي على علّاتها.. لذلك هي تتقاطع كثيرا مع الرواية الحديثة في منحاها الذي يتشابك فيه التسجيلي مع الإشكالي.. ولعل هذه السّمات هي التي جعلت المؤلف ينسبها إلى الرّواية السيرذاتيّة (و لم ينسبها إلى السّيرة الرّوائيّة التي يمكن اعتبارها بإيجاز سيرة الفرد بفنّيّات الرّواية) بما هي سيرة جيل بأسره يشعر بالغربة عن زمانه لمّا تجاوزته وسائل النقل الحديثة وتكنولوجيات التّواصل مع تجاوزها لمعضلة المسافات المكانية مكرّسة لمعضلة أعمق هي المسافات الزمانية والحضاريّة خاصّة في عصر العولمة التي كتب فيها ذات حوار (_ عمّا تنوين القراءة ؟ _عن كل شيء ولنبدأ بالعولمة.. اريد أن أعرف المثالب والمحاسن من الإنجازات على حدّ سواء...

_ليس فيها غير المثالب.. إنها تحيا من لدغ الآخرين وتشيّد مجدها المزعوم على أنقاضهم.. _ الفصل ص 134)

و بما هي سيرة وطن أنهكه جحود أبنائه وعلى رأسهم المتداولون على المناصب والمسؤوليات مُمعنِين في تلويث أجواء الحياة فيه وتهميش أرجائه النّائية (خاصّة الجنوب)..

و هي سيرة جيل من المربّين تجشّم اوجاح الزلزلات الأولى التي أدّت الى انهيار منظومة التعليم العمومي في تونس بعد مرحلة تعتبر مثمرة من مكاسب المدرسة العموميّة العصريّة التي كانت تتسم بمستوى محترم من الجودة علميّا وبيداغوجيّا على مستوى العالم ..

هي أيضا سيرة المواقف أكثر من كونها سيرة الواقع والوقائع في مرحلة من حياة المؤلف ومن تاريخ تونس التي حضرت مُختزَلة في القرية بمن فيها من نسيج اجتماعي ومن مشاغل ومشاكل.. صاغها المؤلف روائيّا وهو يُوكل إلى نفسه الانخراط فيها ليكون شاهد عيان وجزءً من المشكل وركنًا من القضيّة لا يستثنى نفسه من المسؤوليّة مُحاوِلا المحافظة على موقعه الذي حدّده لنفسه كمؤلّف تونسي في مجال السّرد العربي خلال مرحلة التّجريب من أجل التّحديث متّزنا ومتوازنا ودون أن يرتمي تماما في حضن المدارس الغربية بحثا عن الفخامة او العالمية لذلك جاءت روايته متماهية مع تربتها متجذّرة في أصولها التاريخية والثقافيّة باحثة عن ممكن استباقيّ يستمدّ رؤاه من الماضي ويقيسها على الراهن وينقلها تجاه الآتي وتجاه الكتابة السّردية في علاقتها بالتجربة الحياتيّة وبما جاورها وما حاورها من اوساع الوجود وأنماط الإبداع..

 ***  

كوثر بلعابي – أديبة وناقدة /  تونس

.......................

المراجع:

- الهادي الرقيق (أيام زمان)

- د. مصطفى الكيلاني (الأدب التونسي هذه الأعوام)

- أ. جاسم الموسوي (تحوّلات الرّواية العربيّة الحديثة: مجلّة الدراسات العربيّة)

 

صدرت عن دار "الرافدين" ببغداد رواية "زارع الرَيحان" للقاصة والروائية العراقية المٌقيمة بلندن هاجر القحطاني وهي باكورة أعمالها الروائية التي ستحفر اسمها جيدًا في ذاكرة المشهد الروائي العراقي الذي يتعزّز كل عام بأسماء إبداعية نسوية مهمة أمثال حوراء النداوي، شهد الراوي، غادة صدّيق رسول وغيرهنّ الكثير.. ومَنْ يقرأ هذه الرواية بإمعانٍ كبير وحسٍّ نقدي عالٍ سيكتشف من دون عناء أنه يقف في مواجهة نصٍ سردي متين من حيث هيكله المعماري، وبناء شخصياته، وعمق ثيماته الرئيسة والفرعية، بل وذهبت أبعد من ذلك حينما أتقنت الجملتين الاستهلالية والختامية وإن تأخرت الأولى قليلًا لكنها ظهرت في نهاية التمهيد الذي قدّمه الراوية صفاء حينما قال: "كتبتُ هذا فحسب لأنني لم أكن لأنجو إلّا بالكتابة".

تتمحور الثيمة الرئيسة لهذه الرواية على تجربة علمية يقوم بها الدكتور حمزة؛ وهو طبيب نفسي عراقي مُغترب في النمسا بدعم من ابنيّ عمه حامد وواثق اللذين يعيشان في العراق ويوفران له المال وإدارة المشروع.. "يحاول الدكتور حمزة بمساعدة فريق مصغّر من الأطباء والمختصين خلق بيئة قياسية لمعالجة آثار اضطراب ما بعد الصدمات العاطفية الحادة التي تسببها الحروب والعيش في ظل القهر المزمن".. وما أكثر هذه الحالات أو الأمراض القابلة للعلاج خاصة بعد الاحتلال الأنغلو- أمريكي للعراق في 2003 وحتى الوقت الحاضر.. وعلى الرغم من أنّ العدد الإجمالي للأشخاص الموجودين في هذا المنتجع يقارب الخمسين شخصًا إلّا أنّ عدد المرضى أو المشاركين هو 13 شخصًا؛ عشرة ذكور وثلاث إناث تتراوح حالاتهم بين الاكتئاب والقلق المزمن إلى الانفصام.714 hajar alkhahtani

تتألف رواية "زارع الرَيحان" من أربعة فصول مرّقمة عدديًا.. تدور أحداثها زمنيًا خلال ستة أشهر تقريبًا في أثناء الحرب على داعش إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنّ مدة التجربة العلمية ثلاثة أشهر لم يكملوا منها سوى خمسة أسابيع تنضاف إليها مدة العلاج ببغداد، والنقاهة في إسطنبول، وتليها العودة إلى العراق، واللقاء الأخير الذي دبّرته ضُحى بين الراوية صفاء وريحان التي يحبها وتوهّم أنها تبادله الحُب بحبٍ أعنف.. أمّا المكان فهو ينحصر بين محافظة واسط ومدينة الصويرة التي تحمل طابعًا ريفيًا فيما يتعلق بالعادات والتقاليد الاجتماعية في الأقل.. لا تقتصر الأبعاد المكانية على واسط وبغداد وإسطنبول وإنما تتعداها إلى النمسا التي قدِم منها الدكتور حمزة وترك ابنه وطليقته النمساوية هناك، وتصل إلى مصر أيضًا على اعتبار أنّ الدكتور محمد ماهر قد قَدِم من القاهرة وسبق له أن درّس في إحدى الجامعات العراقية ببغداد.

ثنائية الشرق والغرب من جديد

يتبنّى صفاء عملية السرد بضمير المتكلم ويلعب دور الشخصية الرئيسة منذ مستهل الرواية حتى نهايتها، كما يتناصف دور البطولة مع شخصية "ريحان" أو "هي" كما أطلقت عليها الروائية هاجر القحطاني، وسوف تُطلق تسمية "هو" على الدكتور حمزة، الطبيب النفسي المرموق القادم من النمسا لتضعنا من جديد أمام ثنائية الشرق والغرب حتى وإن كان هذا الطبيب عراقي الأصل لكنه أمضى 35 سنة في الغرب تشرّب فيها بالثقافة النمساوية وامتحّ فيها من عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية الشيء الكثير.

لا بدّ من الاعتراف أولًا بأنّ هاجر القحطاني قد نجحت في تشيّيد الهيكل المعماري للرواية، وبرعت في بناء الشخصيات الكثيرة التي قاربت الخمسين شخصية متنوعة تجمع بين الأطباء والمختصين والمرضى والموظفين والحرّاس والطباخين وما إلى ذلك.. وربما تكون شخصية الراوي صفاء هي الأكثر إغراءً لأنه لم يحضر لكي يخضع للتجربة العلمية وإنما ليدوّنها.. لعل من المفيد الإشارة إلى أنّ مدير المشروع حامد آل عايد هو الذي يستهل السرد في الصفحات الأولى من الرواية وحجتهُ في ذلك هو تعريف صفاء بمرافق المنتجع وأجنحته المتعددة التي يسعى طاقمها جميعًا لإنجاح هذه التجربة العلمية التي تبدو غريبة وغير مألوفًة في بلد مثل العراق خرج لتوّه من حربٍ كونية وما يزال يقاتل داعش على قسم كبير من جغرافية بلده.

نتعرّف في الفصل الأول على طبيعة المنتجع المُؤلَف من ثلاث طبقات تضم غرفًا متعددة للمقيمين والمقيمات.. وثمة جناح مخصص للدكتور حمزة ومساعديه الخمسة وهم على التوالي: الدكتور أحمد، المختص بالعلاج النفسي السريري، والدكتور رائد، طبيب نفسي عراقي من النمسا، واستيفان الموصلّي، زميله في الكلية، طبيب عام من بغداد قرّر أن يدرس العلاج الإدراكي السلوكي في ألمانيا، والدكتور محمد ماهر من مصر.. يعتقد الدكتور حمزة بأهمية هذه التجربة العلمية وضرورتها المُلحّة للبلد الذي عانى سنواتٍ طوالًا من العنف والخوف والاضطراب.. وبما أنّ الراوي هو الشخصية الرئيسة فلا غرابة أن نراه يدوّن دائمًا الملحوظات السريعة والكلمات المفتاحية في النهار لكي لا تفوته شاردة أو واردة.. فهو يحب المُراقبة الدقيقة عن بُعد ويهوى التفرّج على العالم وحياة الآخرين.. يمكن ملاحظة أولى أوهام الراوية حينما يتحدث عن "ريحان" ويقول: "ظننتُ أنها ابتسمت لي".. ثم يُضيف بأنه التقط كل إشارة ونأمة صدرت عنها.. وحينما اقترحت عليه أن يطلبا شايًا قرب حوض السباحة اعتبر هذا الطلب "تصريحًا كاملًا بالحُب" مع أنّ وثيقة عقد العمل فيها اشتراطات صعبة تمنع إقامة العلاقات الخاصة أو الحميمة وتحظر إفشاء الأسرار.. على الرغم من التصاريح والأذونات التي حصل عليها حامد من مجلس المحافظة ووزارة الداخلية إلّا أن شيوخ العشائر كانوا مستائين جدًا من هذا المنتجع الذي يبدو بالنسبة لهم مكانًا مشبوهًا لا علاقة له بالأبحاث والتجارب العلمية التي تُطبق على المرضى النفسيين الذين هرست الحروب والمخاوف أعصابهم.. الأمر الذي أحبط البعض منهم وجعلهم يشعرون باليأس لأننا لا نتغيّر ونصبح مثل بقية بلدان العالم المتحضرة.. لا يجد الراوية غضاضة في القول بأنه كان مُراقبًا فاشلًا لأنه سرعان ما صار يتوق لسرد قصته الشخصية بينما يتمحور جوهر عمله على رصد قصص الآخرين وتدوينها بدقة شديدة تقتضيها الأمانة العلمية.

التشبّث بالقوانين المدنية الحديثة

تبلغ الأحداث ذروتها في الفصل الثاني من الرواية، فالمقيمون الثلاثة عشر هم مرضى بشكل من الأشكال كما أشرنا سلفًا وأنّ انفلاتهم أمر متوقع في أية لحظة.. وهذا ما حدث مع عبّاس الذي عرفناه كرسّام ماهر طوّر علاقته العاطفية مع ضُحى التي تُعاني هي الأخرى من قلقٍ عصبيٍ مُزمن.. وبينما كان عبّاس متوترًا كانت الشرطية مها تمشي خلفه وتصرخ بهاتفها النقّال فطلب منها أن تبتعد عنه وتسلك طريقًا آخرَ غير أنها استمرت في الصراخ المُستفز فشتمها وغيّر طريقه لكنها ظلّت تمشي بمحاذاته وتتكلم بصوت حاد، وحينما ضايقتهُ ليفسح لها الطريق دفعها فسقطت على الصخرة ثم سالت الدماء من تحتها وحينما تأخرت سيارة الإسعاف أجهضت الشرطية جنينها ذا الشهور الأربعة.. وبما أنّ عبّاسًا لا عشيرة له فلا بدّ لأصحاب المشروع والقائمين عليه أن يتحملوا مسؤولية الحادث.. لم يقبل حامد بفكرة الفصل العشائري التي اقترحها الشيخ ثابت وأكّد له بأنهم يفضّلون الذهاب إلى المحكمة.. فمن غير المعقول أن يلجأ أصحاب المنتجع العلمي والقائمين عليه إلى الأعراف العشائرية وهم الذين يؤمنون بالعلم والمعرفة ويحملون الشهادات العليا من خيرة الجامعات الأوروبية أن يفكروا بـ "العطوة" أو "الدّكة العشائرية" ويبتعدوا عن القوانين المدنية الحديثة.. الأمر الذي سيعرّضهم إلى إطلاق النار من قِبل عشيرة الشرطية مها ويدفعهم إلى التفكير بإغلاق المنتجع ومغادرته خلال مدة قصيرة.

تتكشف العديد من الشخصيات في هذا الفصل حيث تسلّط الروائية هاجر القحطاني الضوء على شخصية الراوية صفاء الذي عرف خلفية والده الشيوعية، ومحنة خاله الذي سُجن لأسباب سياسية ثم أعدمه رفاقه عندما اشتدت قبضتهم على كرسي الحُكم فانشغلت أمه بعائلة شقيقها القتيل فوضعت أولاده الثلاثة في المتن وتركته في الهامش لا يلوي على شيء.. كما نتعرّف أيضًا على أسرة "ريحان" التي اختفى والدها في سنتها الأولى حيث سُجن لأسباب سياسية مع أمها التي سوف يُفرج عنها بينما يتوارى الأب في مدارج النسيان ولا يعرفون له أثرًا حيث تتطلّق أمها الحسناء غيابيًا وتتزوج من ضابط أمن ظل يلاحقها منذ خروجها من السجن لكن سوف يموت بعد عامين بسبب مرض غريب ألمّ به فتنتقل للعيش، هي وأختها الكبرى، مع جدتها بعد هجرة خالهما الوحيد.. وبعد مدة قصيرة تموت الأم منتحرة بالسُمّ لتترك لنا هذه الضحية مُدججة بالأمراض النفسية التي لا تتحملها صبية صغيرة لم تجتز عامها السادس.

التعالق مع السمفونيات والأغاني واللوحات الفنية

تتكثف المعلومات الطبية فتُطلعنا الروائية بواسطة الدكتور حمزة على "منهجية الخيط الأبيض" وعمل الدماغ البشري الذي يُشبه كأس سوائل ملونة تُحدّد الحالة المزاجية للشخص.. لا يترك الراوية أي إنسان له علاقة حتى وإن كانت عابرة مع "ريحان" فقد نقل هواجسه إلى الدكتور حمزة لأنه لاحظَ أنّ هذا الأخير يقضي وقتًا لافتًا في الحديقة مع ريحان.. ما يميز هذا الفصل أيضًا هو تعالق الروائية هاجر القحطاني مع بعض الأغاني العراقية والعربية مثل أغنية "يا لجمالك سومري ونظرات عينك بابلية" التي غناها فاضل عوّاد، وأغنية "القلب يعشق كل جميل" لأم كلثوم، وأكثر من ذلك فهي تتواشج مع لوحات فنية مشهورة مثل "الصرخة" لأدوارد مونغ التي تحفّز المرضى أو المشاركين على البوح أو الاعتراف ربما.. بينما لا يحتاج المدير حامد إلى أكثر من صوت المطرب العراقي سعدي الحلي لكي يبوح بكل شيء.

يقرّر حامد خروج الدكتور ماهر أولًا فـ "للأغراب الحق في أن يكونوا أول المُغادرين عند الخطر المُحدق".. حيث وصل إلى بغداد من دون أن تعترضه سيطرة رجال الشيخ ثابت.. تتفاقم أزمة عبّاس النفسية حيث أغلق الباب عليه ولم يفتحه حتى كسروه فوجدوه فاقد الوعي لكنه سمع أحدهم يقول بأنّ عباس مات فتكفل الدكتور حمزة بنقله وتشييعه ودفنه بعد إخبار عائلته بما حدث.. أمّا الدكتور ماهر فقد شرح للراوية بأنّ "الناس الذين يعانون من متلازمة القلق الناتج عن الصدمة يصعب عليهم الاندماج في علاقات قريبة".

تستمر الروائية هاجر القحطاني بتقنيتها الميتاسردية حيث تتعالق مع السمفونية الخامسة لغوستاف مالر، ثم تشتبك مع فيلم "موت في البندقية" للمخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي.. وضمن هذه التنقلات الميتاسردية سنعرف أن عبّاسًا قد نُقل إلى الطب العدلي الذي يُحيطنا علمًا بأن سبب الوفاة هي "جرعات زائدة من حبوب المنوّم مع كحول" علمًا بأنّ الحارس "طاهر" هو الذي أوصلَ له قنينة الشراب.. تتعمّق هواجس الراوية وتساؤلاته الغامضة التي لا يجد لها أجوبة مُقنعة بشأن تعلّق "ريحان" بالدكتور حمزة، ولم يفهم سرّ انشدادها له، وإعجابها الشديد به.. وهو يرى بأنّ "ريحان" قد وهبتهُ الحياة، وها هي تميتهُ مرة أخرى.. ويؤمن بأن العبث بالحياة والموت جريمة.. لا يصدّق العديد من زملائه في العمل بقصة الحُب التي توهمها وحتى الفلاح سعد وصف حالته بأنها "ليست حُبًا، أو هو حُب من النوع الضار " وطالبهُ أن يحمي نفسه منه لا أن يُغرقها فيه.. الغريب أنّ الراوية صفاء يطلب من الدكتور رائد الدخول إلى غرفة الاعتراف أو المشاركة وعلى صوت باخ المُهدّئ والمُحفِّز على الكلام يبوح بما يعتمل في داخله، فنفهم بأنه من مواليد سنة 1980، وكان والده سجينًا سياسيًا في ذلك الوقت.. ثم يُعرّج على ابنة خالته التي ظلت كما هي عليه قبل الزواج وبعده، ولعل هذه الزيجة توهجت لمدة شهر قبل أن تخبو نهائيًا فلاغرابة أن يبحث عن امرأة بديلة يحبها ويتعلّق بها على الدوام.. لقد أحبّ الراوية الدكتور رائد وأدخلهُ إلى أعماقه بسهولة ويسر..

تتفاقم مشكلة المنتجع أكثر حينما يلتقط الراوية خلافًا لمواثيق العمل صورًا للدكتور حمزة وريحان ويبعثها إلى الشيخ ثابت فيجن جنون هذا الأخير ويقرر مع حامد إخلاء المنتجع الذي أصبح مصدرًا للإشاعات والنزاع بين الأهالي بينما أرادوه واحة طمأنينة وشفاء.. أرادت ريحان أن تشتكي على الراوية لكن العم سعد سوف يخبره بأنها كانت تعامله كأخ أو كصديق ليس أكثر ولهذا السبب فهي لم تقدّم الشكوى وفاء للصداقة التي جمعتهما ذات يوم عندها هذا الرجل الطيب.. يبدو أن التجربة العلمية قد فشلت لكنها نجحت مع الراوية فقط لأنه أفاق من سبات طويل وأوهام كثيرة لا حدود لها.. ولمناسبة ختام المشروع قرر حامد أن يدعو زوجته وابنتيه لحفل الغداء الذي أعدّوه لهذه المناسبة.. وعلى الرغم من كل الصعوبات التي سببها الراوية لريحان إلّا أنّ هذه الأخيرة اعتذرت له بكل جوارحها إن كانت قد أوحت له بشيء لا أساس له وختمت اعتذارها بالقول: "نحن جميعًا متعبون ومرتبكون.. يجب ألّا نعوّل على ما فعلناه وقُلناه هنا".

جملة ختامية شديدة الدقة والتعبير

يمكن إيجاز أحداث الفصل الرابع والأخير من الرواية بحادث الاصطدام الذي تسببت فيه عدة سيارات حيث أُصيب صفاء بكسر في أعلى الذراع وعدد من أضلعه، بينما بُترت ساقيّ حسنين، وفقد حامد زوجته، ومات الدكتور حمزة.. يدخل صفاء إلى المستشفى ويخرج منه بعد عدة أسابيع، ويسافر إلى تركيا للعلاج والنقاهة.. وفي إسطنبول تكتشف زوجته أنه على علاقة بامرأة أخرى وأنه يريد الانفصال عنها لكنها تقاتل من أجل زوجها وبيتها ولا تريده أن يتهور من أجل نزوة عابرة.. وعلى الرغم من توتراته الأسرية ينكبّ على مدوناته لمدة عشر ساعات في اليوم وينجزها خلال مدة أسبوعين ويتهيأ لتسليمها إلى حامد الذي أعطاه رواتب سنة كاملة.. يعثر الراوية على صفحة فيسبوك ضحى ويتواصل معها حيث ترتب له لقاءً مع ريحان في مقهىً بالجادرية ويتبادلان أحاديثًا شتى فبعد أن مات غريمه الدكتور حمزة اعتقد أن طريقه قد بات سالكًا إلى قلب ريحان لكنها تفاجئه برغبتها في الزواج من حامد الذي فقد زوجته إلهام في الحادث، وأنها لم توهمه طوال مدة تعارفهما فقد كانا مجرد أصدقاء لا غير حتى أنّ العم سعد قد عرف بهذا الصداقة التي لم تتطور إلى الحُب والتعلّق العاطفي.. وأنّ مشاعره الملتهبة قد تأثرت بأجواء المنتجع.. تنهي الروائية هاجر القحطاني نصها السردي الناجح بجملة ختامية شديدة الدقة والتعبير تأتي على لسان صفاء الذي يريد أن ينام بعد جولة طويلة جدًا حيث يقول: "تسرّب خدرٌ موجع إلى روحي واشتهيت النوم إلى الأبد".

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هاجر القحطاني هي روائية متمكنة من فنها وقادرة على العطاء السردي المتقن في رواياتها القادمة طالما أنها تتوفر على لغة سردية ناصعة، وقدرة واضحة على اجتراح الثيمات الرئيسة والثانوية، وبناء الشخصيات التي تنتمي إلى خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة.. إنها روائية وساردة تعد بالكثير وأنّ نجاح هذه الرواية سيضعها في الصف الأول من خارطة الروائيين العراقيين الكبار الذين لن يغادروا ذاكرة القرّاء بسهولة..

يا زارع الريحان حول خيامنا

لا تـزرع الريحان لست مقيمُ

نظري الى وجه الحبيب نعيمُ

وفراق من اهـوى عليّ عظيمُ

ما كل من ذاق الهوى عرف الهوى

ولا كل من شرب المُدام نديمُ

ولا كل من طلب السعادة نالها

ولا كـل مـن قــرأ الكتاب فهيمُ

مالي لسان ان اقول ظلمتني

والله يشهد انـــك المـظـلـومُ

انا الذي ما كنت ارحم عاشقاً

حتى عشقت وها انا المرحومُ

***

ابو فراس الحمداني

.................................

بقلم: عدنان حسين أحمد (لندن)

 

ألترسيمات والإيقاعات البصرية للبياض والسواد في قصائد جواد الشلال

من غرائب الكتابة عن ظاهرتي البياض والسواد في شعر شاعر ما هو أن تتماهى مدونات سيرتيه الحياتية والإبداعية مع اللون الأول، بينما تتماهى مدونات منجزه الإبداعي مع اللون الثاني. وهذا التباين اللوني ما بين الأبيض المجهول، والأسود الكثيف والمعلوم يكاد أن يكون المظهر الغريب من سيرتي الشاعر جواد الشلال وكذلك من منجزه، فقد بحثت في ملفات الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الإجتماعي عن ومضة ولو خاطفة أو باهتة للتعريف به إنساناً أو شاعراً فلم أفلح، وكأن الشاعر قد تعمّد غمر السيرتين بطبقة كثيفة من بياض الإبهام. وفي المقابل فأن صفحات منجزه الإبداعي على فضاءات ومواقع التواصل الإجتماعي مغمورة بطبقات كثيفة من النصوص بما يسمح لي أن أستعير لها توصيف السواد.

وقريباً من تلك المقاربة اللونية الإستعارية بنصفيها السيري الخارجي، والإبداعي الداخلي فقد لفت انتباهي انغمار الشاعر بلعبة الإيقاعات البصرية للونين إنغماراً كفل له أن يجمع ما بين صفتي الشاعر والرسام، بالرغم من أنه على خلاف الرسامين يستعين على الصفتين بذات المواد، أي الكلمات، وبذات الأداة، أي الكتابة، مع انزياح جمالي طفيف تتحول لديه الكتابة والكلمات من نصوص إلى لوحات تشكيلية، وذلك بتطويعه اللعب على الورقة بالبياض، وهو الفراغ الكتابي أو الطباعي، وبالسواد الذي يرى البعض أنه الكتابة بحروف غامقة، ومنمازة عن سواها. بينما نراه هنا الإمتلاء الكتابي بسد الفراغات والفجوات بجمل طويلة، أو متصلة ببعضها تملأ فضاء الورقة.

وأن كان البعض قد ارتأى في البياض مقابلاً للصمت، ألا أننا نرى أن ثمة فارق ما بين المفهومين، فأن كان الصمت هو اللاشيء، أو العدم، فأن البياض هو الصمت الدال، أو هو الشيء الموجود، ولكنه محتجب وراء ستارة الفراغ التي تحول دون رؤيته، والدليل على وجوده هو في علاقات المجاورة بما قبله وما بعده والتي تُخفي في طياتها آثار ذلك البياض ودلالاته. وبذلك فأن الفراغ الكتابي هو وجود محتجب من دوال غير لسانية، وأن موقعه المختار بقصدية وعناية ضمن النص يضمن له القدرة على التأثير وإنتاج التأويلات، فهو إذن لم يعد مجرّد دال على الصمت بقدر ما أصبح لصمت البياض معنى تكتبه أبجدية الفراغ. وفي المقابل صار الإمتلاء الكتابي يفترض المعنى في تكدس الدوال وتعاقبها، وبذلك لم يعد السواد دالاً فقط على الضجيج الصامت، بقدر ما أصبح لسواد الضجيج معنى تكتبه أبجدية الإمتلاء. وبمعنى آخر أصبح البياض والسواد موجّهات إيحائية تشير إلى داخل النص للبحث فيه عن الحمولات المتوارية.

أن التواشج الهندسي للحروف الطباعية مع التشكيلات اللونية للبياض والسواد في مفهوم الحداثة الشعرية قد أخرج القصائد من سجنها التقليدي كونها مجرّد نصوص مكتوبة للعين فقط، لتصبح لوحات تشكيلية معدّة للتأمل أيضاً، كما أزال حاجز التعالي التاريخي ما بين الشاعر والقاريء عندما سمح للثاني بالمشاركة في كتابة القصائد من خلال تعديل اتجاهاتها القصدية وترك بصمة التأويل عليها. وليس من التندّر القول بأن كل تلك القفزات الجمالية الثورية لم تكن لتُنجز لولا انتقال الشعر من مرحلة الإلقاء إلى مرحلة الكتابة، ذلك الإنتقال الذي مهد للنص الشعري التحول من صيغته الأولى كونه مجرّد صوت يُتلى للأذن إلى صورة تُستقبل بالعين، وبالنتيجة ساهم هذا الإنتقال في تطويع النص ليكون قابلاً للعرض، كما هو معدّ أصلاً للقراءة. وما هذه القراءة إلا محاولة لاستنطاق جانب من ذلك التحول من خلال الانزياحات الفضائية للبياض والسواد ودلالاتها داخل بعض نصوص جواد الشلال على موقع التواصل الإجتماعي أل Facebook.

إحدى آليات رسم البياض الأثيرة لدى جواد الشلال هي آلية القطع، حيث يُفتت الجمل المتكاملة إلى نثار يخلّف فضاءات بيض، كما في المقطع التالي ألذي يتوفر على أربعة قطوعات خلفت خمسة فراغات بيض:

(ألقاكِ

يا ابنة الحب

الجليل

المتقد على نار

الحرب)

ألقطع الأول:

يعقب جملة الإستهلال الفعلية المتكاملة نحوياً، إلا أنها افتقرت إلى توصيف أكثر تفصيلاً لضمير المخاطب الأنثى. وبالرغم من اكتفاء الحاجة النحوية بالضميرين الفاعل والمفعول به، إلا أن مقاصد الشاعر التي لم تتضح عند هذا القطع تتعدى نحويتها إلى تفصيل يستجيب لمضمون الرسالة التي يريد إبلاغها لمحبوبته. وفي غياب ملامح المحبوبة يبقى البياض مهيئاً لاستقبال تأويلات مرجأة للسطر التالي.

ألقطع الثاني:

تمثل في فصل الموصوف (السطر الثاني) عن صفته (السطر الثالث) فأنتج هذا القطع بياضاً مؤقتاً، تأجّلَ ملؤه إلى السطر الثالث المكون من مفردة الصفة (الجليل) وهي الأولى، وستعقبها الصفة الأخرى في السطر التالي. كما أن تأجيل ملء البياض في مستوى هذا القطع لما بعده وضع القاريء أمام تساؤلات عن أسباب فصل الصفة عن موصوفها داخل الجملة الواحدة، وقد تبيّن أن القصد من ذلك هو التمهيد للصدمة الناجمة عن العلاقة القلقة ما بين المتباعدين (ألحب والحرب).

ألقطع الثالث:

أستُهلّت ألجملة التي أعقبت الصفة الأولى لمفردة الحب بالصفة الثانية لها، أي (المتّقد)، ولكن هذا الإستهلال لم يكد يتصل بشبه الجملة (على نار) حتى انقطع تاركاً فضاء بياض رابع من دون الإجابة عن طبيعة العلاقة بين ما رشح من دلالات الأسطر السابقة، تاركاً للقطع التالي وما يليه إضاءة الإحتمالات التأويلية الممكنة.

ألقطع الرابع:

هو القطع الفاصل ما بين القرينين (النار) و(الحرب) والذي يُفترض أن تُختم به سلسلة البياض، بيد أنه ترك بقعة بياض خامسة لا يمكن تأويل ملئِها إلا بما تُخلفه الحروب من قطع للتواصل ما بين ضمير المتكلم في فعل الإستهلال (ألقاكِ)، وما بين المخاطبة التي أوجب عليها قهر الحروب الصمتَ المطبق لتعقب هذا القطع في السطر الأخير مفردة الختام، وكل ختام (الحرب).

والآن:

- أليس من المعقول أن نبحث في البياض الذي خلفته مفردات (الحب + الجليل + نار + الحرب) عن علاقات التشابك والتفاصل ما بينها وأثر تلك العلاقات على العلاقة ما بين المتكلم والمخاطبة؟

- أليس الحب قرين النار؟

- أليس الحب نقيض الحرب؟

- أليس (جلال الحب) في عبارة (الحب الجليل) نقيض (همجية الحرب) التي تحيل إليها عبارة (المتقد على نار الحرب)؟

- أليس الفاصل ما بين جملة الإستهلال (ألقاكِ) وبين (أبنة الحب) أقرب، بما يوحي للإمكان، من الفاصل ما بين جملة الإستهلال (ألقاكِ) وبين مفردة (الحرب) بما يوحي للاستحالة؟

- أليست الفضاءات الأربعة التي سبقت مفردة الختام (الحرب) هي تمظهرات بصرية للدلالات النوعية التي يحفل بها قاموسي الحب والحرب.

- وأخيراً، وليس آخراً، ألم يُساهم هذا النمط من الإيقاع البصري في تحفيز العين على نقل صورة البياض إلى المخيلة لتترجمها إلى معان ودلالات محتملة؟

في مقابل تساؤلات البياض تلك يتولد التساؤل النقيض، تساؤل السواد الذي يدفع إليه ضمّ أشتات الصورة الواحدة في جملة واحدة طويلة، أو ضم الصور العديدة في أسطر متراصة من السواد التعبيري المكثف، والحالتان تدفعان القراءة للبحث عن مسوغات ذلك السواد، وواحدة من مسوغات ذلك السواد أو الإمتلاء الكتابي سنجدها في الإمتلاء الدلالي الذي تمثله السلسلة المتراصة من الجموع، كما في المقتطعات التالية:

(أنا الشعب الممتليء بالعطش وأخبار الملائكة الصالحين وتقنيات الطائرات صغيرة الحجم جداً)

أو:

(أزداد عدد منشدي المراثي، واختفت كؤوس النبيذ، تغيرت الأصوات وتشابكت الألحان، والموت متعدد الأطراف)

أو:

(نعم وأنت تطحنين وحدتك وتصبغين قلبك بالحناء، وتقرأين أناشيد على عظامك المسكونة بتحية الوجع..

لا بأس بكل هذا الحزن الرحيم وأنت تشرين ثيابك المملوءة ببقايا حزن الأمس)

هذا، وتدعم صيغ الجموع تلك ما تضفيه الجمل التالية من هيمنة صيغ الإمتلاء والكلية والعددية والتشابك على النصوص لتسدّ فراغاتها بسواد دلالي يتماهى مع سوادها الكتابي أو الطباعي:

- ألشعب الممتليء بالعطش: دلالة السواد = الإمتلاء

- أزدياد عدد منشدي المراثي: دلالة السواد = ألزيادة + العدد

- أشتباك اللحان: دلالة السواد = التشابك

- ألموت متعدد الأطراف: دلالة السواد = العدد

- كل هذا الحزن الرحيم: دلالة السواد = الكلية

- ألثياب المملوءة ببقايا حزن الأمس: دلالة السواد = الإمتلاء 

 وكما أوجد الشاعر مساحة البياض بتقطيع الجمل المكتملة، فقد عمد في قصيدة (ألملم بقايا الورد وأنتظر زخة مطر) لذات الآلية ليوسّع حجم البياض الذي أوشك أن يلتهم مقاطعها الثلاثة ممهداً لأسئلة بيض مفتوحة على إجابات بيض أيضاً، وتتمحور تلك الأسئلة في الغالب، والتي يُنهي بها القصيدة في مقطعها الثالث حول دلالة الإنتظار، وعدا ذلك فكل ما تراءى في المقطعين الأول والثاني على أنها تساؤلات فليست سوى وهم نحوي كما سنبين ذلك في:

ألمقطع الأول: يضع الشاعر معاناة الأطفال الجادون في انتظارهم للخبز والحرب معاً، في مقابلة مع تحسّر الكبار على ما آلت إليه مصائر الأطفال وما يقاسونه جراء انتظاراتهم، لأن مهمة الكبار كما يرى هي التحسّر، ولذلك يُراكم الشاعر عبء انتظارات الفريقين فيجده عبئاً ثقيلاً، أو بحسب الإنزياح التوصيفي الذي يرتأي الشاعر أنه أقرب إلى مخيلته المنفلته من المحددات التوصيفية المنطقية، فهو عبءٌ سميكٌ. أو بالأحرى أنه يرى (الإنتظار) سميكاً، واصفاً المجرّد بالملموس:

- كم سَميك كلّ هذا الإنتظار

وما بين الطبيعتين المفارقتين يظل الإخبار عن سمك الإنتظار غائباً، أو متسماً بالبياض، ولكنّ غيابه لا يعني انعدامه، ذلك لآن السطور الأولى من هذا المقطع ربما تعين في البحث عن مخرج للمعنى الغائب أو المتواري من خلال جدية مادتي الحياة والموت، وهما (الحليب والحرب):

(ألأطفال لا يعبثون

أنهم ينتظرون

الخبز

والحرب

لا أحد يسقيهم الحقيقة مع

الحليب)

ربما يُسوّغ المنطق السليم (ألمنطق اللاشعري) أو منطق الجمل السود المكتملة إنتظار الحياة عبر مادتها / الحليب، ولكن انتظار الحد المفارق / الموت يوجب اللجوء إلى منطق الجمل البيض المقطّعة، والتي يُلزم تقطيعها على القاريء تفعيل قدراته التأويلية من أجل إكمالها افتراضياً على الأقل.

ولكن البياض دلالياً لم يتأتَ فحسب من فحوى الإخبار الذي أوهم القاريء بأنه نمط من الإستفهام، ذلك لأننا لا نستطيع افتراض الإجابة عددياً عن (السُمك) في المقطع الأول (كم سميكٍ كلّ هذا الإنتظار)، ولا عن (الصعوبة) كما في المقطع الثاني (كم صعبٍ تكرار الإنتظار) هذا من حيث المنطق على الأقل والذي من حق الشاعر تغييبه أو إنكاره، فللشاعر منطقه الخاص، لكننا في كل الأحوال نفترض أن الإجابة بالأسم (كم) الإستفهامية توجب نصب الإسم بعدها، وهذا ما لم يتوفر في الجملتين. ولعل الشاعر أيضاً قد وقع تحت طائلة هذا الوهم عندما ختك الجملة الأولى، جملة (السُمك) بعلامة الإستفهام، بينما أدرك ذلك في الجملة الثانية، جملة (الصعوبة) فحذف علامة الإستفهام، واستعاض عنها بسلسلة ثلاثية من النقاط.

أقول أن دلالة البياض لم تاتِ من فحواه الإخباري فحسب، بل من النتائج الصفرية البيض لذلك الإخبار عن ثقل أو سُمك انتظار الحليب والموت معاً، ذلك الإنتظار الذي عانى الأطفال مرارته، تضاف إليه ثمة علامة بيضاء صفرية أخرى تمثلها الحقيقة الغائبة التي لا يبسطها أحد للإطفال عن مآل انتظارهم:

(لا أحد يسقيهم الحقيقة مع

الحليب)

أما الكبار فهم لا يبحثون عن حل لإنهاء حالة الإنتظار، أو بالأحرى أنهم لا يبحثون عن حل لهذا البياض الدلالي، لأنهم يكتفون بمعالجة وقع مرارته (أو سُمكه) عليهم بالحسرات والدموع:

(فمهمة الكبار

ألحسرات

وذرف الدموع)

ألمقطع الثاني: يحضر قلق الإنتظار مجدداً، ولكن بصيغتين، الأولى صيغة النفي:

(لا أجيد

الإنتظار)

لكن نفي الإجادة أو تبييض أثرها الدلالي يدفع الشاعر إلى توسيع أثر البياض في تركيب جملتها شكلياً أو تقطيعها، وفي المقابل تأتي حالة (عدم الإجادة) مقرونة بعكسها، أو بإثبات الإجادة في حفظ الأسرار، أو تسويد الأثر الدلالي لتلك الإجادة بتعمد الشاعر توسيع أثر السواد في تركيبها شكلياً، أو عدم تقطيعها (أجيد الأسرار حتى تتجمّد). ومع ذلك فالشاعر يبدو وكأنه يخترق أعماق المفردتين (الإنتظار) و(الأسرار) فيرى فيهما ما لا يراه القاموس عندما يضعهما معاً على مستوى واحد من المقايسة الضدية:

(أنا

عادة

أجيد الأسرار حتى تتجمّد

لا أجيد

الإنتظار)

أما الصيغة الثانية، فهي صيغة موافقة للصيفة السابقة في المقطع الأول، أي صيغة الإخبار:

(كم صعب

تكاثر الإنتظار)

ومن الملاحظ أن الإخبار هنا موافق للإخبار في المقطع الأول من حيث توصيف المجرّد بالمزيد من جهة، ومن جهة أخرى فأن الصيغتين تُكمل وتدعم بعضهما معنوياً، فلولا (السُمك) في الأولى لما (صعُب التكاثر) في الثانية.

ألمقطع الثالث: تكتمل في هذا المقطع هندسة الفراغات البيض مع حضور الدلالات المفرغة للأسئلة المفتوحة على البياض، وهي الأسئلة الموجهة إلى الآخر غير الواعي، ألأرضي (الأشجار)، والسماوي (المطر) بعد أن أضفى على الأول وعي الإنتظار:

(أسأل الأشجار

ماذا تنتظر؟)

وأضفى على الثاني وعي الإرادة:

(ألمطر

ماذا يريد؟)

وكذلك السؤال الموجه للذات الواعية المتكلمة (ألأنا)، وهو سؤال الإنتظار ذاته الذي سبق أن وجهه المتكلم لقرينه في الموقع (الأشجار) وكأن الإنتظار هو ضالة المخلوقات الأرضية:

(أنا ماذا

أنتظر؟)

ومع مراوحة الأسئلة الموجهة لكل طرف من الثلاثة ما بين الإنتظار والإرادة، تظل إجاباتهم عنها مقيدة في حدود الصمت الدال، أو البياض؟

وفي مقابل هذا البياض يهيمن سواد شبه مكثف على كثير من القصائد، ولنختر منها قصيدة (رأيت نبيذاً معتقاً يُشبه أصابعكِ)، حيث تتشكل المقاطع من حزمة من الصور، تتمثل كل حزمة في عتبة تُمهّد السابقة منها للاحقة، ثم تُختتم بالصورة الحسم التي تُغلق بها الحزمة الصورية، مع ملاحظة أن جُمل العتبات والجُمل الحسم هي جميعها من الجمل الفعلية، بغض النظر عن طبيعة الأفعال.

يستهل ضمير الغائب المؤنث ألسطر الأول من المقطع الأول من القصيدة، مكتفياً بأثره هذا (لم تكن تهذي)، إذ يغيب بعد هذا الإستهلال ولا يترك له أثراً ضمن هذا المقطع، والأثر الوحيد المهيمن بعد الإفتتاحية على هذا المقطع هو لضمير المتكلم، لكن ضمير الغائب المؤنث سرعان ما يستبدل موقعه النحوي فيتحول إلى ضمير المخاطب المؤنث تاركاً أثراً طفيفاً كما هو أثر الأنثى في المطع الأول، أثراً لا يتعدى جملة (لم أعترف لك)، والأثر الأوسع منه قليلاً في المقطع الرابع:

(لكني لم أعتد أن أقول لك:

أن وجهك نبيذ فرنسي وبعض من ثمار الجنة الطرية)

وعدا ذلك فهذا الضمير يحضر بكامل سلطته التأثيرية في ثريا العنونة ليضيء له أثراً مغيباً في كامل القصيدة، ويوحي بهيمنته عليها، وعلى ضمير المتكلم أيضاً.

وبتجاوز الإفتتاحية من المقطع الأول تتوالى الجمل العتبات، وكالتالي:

1 - كانت أصوات أزيز رصاصات غاضبة

2 - ورسائل مملوءة بالشتائم

3 - وحروقاً من الدرجة الثالثة للحروف

(مع ملاحظة أن الجملتين الإسميتين الثانية والثالثة معطوفتان على الأولى الفعلية مما يُخضعهما لتاثيراتها الفعلية)

4 – أضحك قليلاً لأعي نصف الحياة

5 – أسمع نصف أغنية

6 – وارمي نصف الكأس المملوءة

ولكن أين جملة الحسم ضمن هذا المقطع الذي شغلته بالكامل جمل العتبات الست والتي يُفترض أن تُختم بها سلسلة العتبات. أن افتراض الختام الموقعي لجملة الحسم قد اختل في هذا المقطع وازاح موقع جملة الحسم الفعلية من نهاية المقطع ليدغمها مع العتبة الرابعة مقرناً فعلها بلام التعليل، أي أنها جملة (لأعي نصف الحياة) التي أزيحت موقعياً فحسب، بينما بقى ثقلها الدلالي مؤثراً على كل العتبات الست.

مع المقطع الثاني تتوالى العتبات الفعلية كالتالي:

1 – اعتلي قمة السلم

2 – أتلو خطاباً مدججاً بالشتائم الخفيفة

3 – ألوّح بيدي لمن يُخالفني

أما الجملة الحسم فهي

- ألجمهور كان خفيف الظل (مع ملاحظة أن ابتداء الجملة بمفردة أسمية (الجمهور) يعقبها مباشرة الفعل الناسخ الناقص (كان) لا يلغي فعليتها إذ أنه من اليسير قراءة الجملة التالية المبدوءة بذات الفعل على أنها معطوفة عليها:

- كان يريد مني أن أبدأ بشتائم ثقيلة حتى يتسنى لهم الضحك بإفراط.

ولكن ما الدلالة المعنوية لانحسار البياض نسبياً عن القصيدة وإحلال السواد بدله؟ ربما تكون الدلالة في حالات الإمتلاء المعبّر عنها بجموع المفردات (أصوات / رصاصات / حروق / شتائم / جمهور / سلالم / ألبيوت / ثمار). وهذا النمط الدلالي للسواد سبق أن أتينا على نظيره، لكن ما يميزه عنه في هذا النص هو في المحددات المتراوحة ما بين الزيادة والنقص دون أن تبلغ العدم:

- فالحروق ليست من الدرجات الطفيفة الأولى، بل هي من الثالثة (وحروقاً من الدرجة الثالثة للحروف)

- والضحك خضع للمقايسة فهو لم يُعدم تماماً، ولم يُكثر بإفراط، بل هو في حدود القلة (أضحك قليلاً)

- والأمر كذلك بالنسبة لوعي الحياة فهو لم يُعدم تماماً، كما أنه لم يكن في أقصى مستوياته، بل اقتُصر على النصف (لأعي نصف الحياة).

- والأمر كذلك لنصف الأغنية (أسمع نصف أغنية).

- وللكأس التي خضعت هي ذاتها لمقياس الإمتلاء، بينما أفرغت محتوياتها إلى النصف (أرمي نصف الكأس المملوءة).

- وللجمهور (ألجمهور كان خفيف الظل) فهو لم يجعله بليداً ثقيل الظل، كما أنه لم يحرمه من ظله تماماً كما فعل الروائي فتحي غانم مع أحد أبطال روايته (الرجل الذي فقد ظله)، بل جعله خفيفاً، والخفة منطقة تتوسط ما بين العدم والثقل.

- والأمر كذلك للشتائم المتراوحة ما بين الخفة والثقل، فهو حيناً يتلو (شتائم خفيفة) أما الجمهور فكان يريد منه (أن يبدأ بشتائم ثقيلة) كل ذلك من أجل (الضحك بإفراط).

- والشيب بدوره لم يتحرر من الحساب (بضع شيبات)

- وكذلك الأمر للحزن (حزنت كثيراً)

- واعتلاء السلم إلى قمتها (أعتلي قمة السلّم)

- والجمهور لم يتكلم كل واحد منهم بصوته منفرداً، بل (قالوا بصوت جماعي)

- أما وجه الحبيبة المفرد فقد جاء تشبيهه بصيغة الجمع، فهو (بعض من ثمار الجنة الطرية)

أن تفعيل هندسة اللونين في تشكيل الرسمة الخارجية للنص الشعري ليس مجرّد لعب شكلي عابث بقدر ما هو محاولة للتوفيق ما بين طرفي الصورة الشعرية الداخلي / الدلالة، والخارجي / الشكل، أو من أجل تمكين الدلالة من التوسع خارجياً، وفي الحالين تتحكم مخيلة جامحة في موازين التوفيق، مخيلة سريالية غير مستقرة تهشّم الواقع لتبني من حطامه عالماً أخر ليس له قرين إلا في مخططات الأحلام والكوابيس:

(كان لي حديث ممتع مع عصفور حكيم

قال: العمر زمن سريع)

أو:

(بعد مفاوضات طويلة نجحت باستدانة نهر، أدخلته غرفتي

كنت أرغب برفع الملوحة من أقدامي، لكني لم أجده عند الصباح

كتب لي رسالة وهرب:

سأعود عندما أجد من يسحب الملوحة من رأسي)

أو:

(حائر

لازلت أعاني من صعوبة فضّ النزاع

بين غيمتين)

***

ليث الصندوق – شاعر وناقد

 

العشق في عيون النار.. رحلة إلى الخلود عبر سراديب الصمت..

قراءة تحليلية فلسفية في قصيدة: ماهية العشق- للشاعرة: سمر الديك سورية / فرنسا.

***

قصيدة ماهية العشق للشاعرة سمر الديك تمثل رحلة فلسفية في أسرار العاطفة الإنسانية، حيث تتداخل مفاهيم الوجود، الزمان والمكان، والتحرر من القيود الاجتماعية والثقافية. الشاعرة لا تقدم العشق فقط كعاطفة أو تجربة إنسانية، بل كقوة مطلقة تتجاوز الحدود المعهودة، وتعبر عن هوية الكائن وتحرره. في هذه القراءة العميقة، سنغوص في طبقات القصيدة لنسبر أغوارها الفلسفية والجمالية.

العشق: بداية الخلق ووجوده المستمر

تبدأ القصيدة بتصوير العشق كقوة خالدة تُولد من /سراديب الصمت/، حيث تتلاقى الأرواح في /حجب/ الظلام. هذه الافتتاحية تصور العشق كنور يولد من عمق العتمة، وكأن الشاعرة تشير إلى العشق كعملية خلقية مستمرة. في هذا السياق، يشير /النور/ الذي /يخترق الحجب/ إلى الحياة الجديدة التي ينبعث منها العشاق، وهو تعبير عن طاقة تتفجر من الظلام والفراغ، تمامًا كما تُنبعث الحياة من الموت أو من الركود.

الشاعرة توظف أيضًا رمز الفينكس — الطائر الأسطوري الذي ينهض من رماده — لتعبر عن قدرة العشق على التجدد والبعث. إنها لا تكتفي بتصوير العشق كمجرد انفعال، بل كـ /طاقة خالدة/ تُعيد خلق نفسها من جديد في كل لحظة، وتُظهر كيف يمكن للعشاق أن ينهضوا مجددًا بعد أي عاصفة عاطفية أو صدمة. الفينكس، الذي ينهض من الرماد، يمثل الإيمان بالقوة التحويلية للعشق، إذ يعكس في جوهره فلسفة عميقة حول العواطف البشرية وقدرتها على الاستمرار والنهوض حتى بعد تدمير الذات أو الخيبة.

التجذر والعمق: العشق كهوية وجودية

تواصل الشاعرة تصوير العشق باعتباره قوة أساسية متجذرة في /أشجار مُتجذرة العمق/. إنها لا تقتصر على تصوير العشق كحالة عاطفية فحسب، بل تضفي عليه طابع الوجود المستمر والمتعمق، حيث يصبح العشق هو المصدر الذي يمد العشاق بالحياة. هذا التصوير يعيدنا إلى الفلسفات الشرقية والغربية التي ترى في الحب والعشق أساسًا للوجود. من خلال هذه الصورة، تُظهر الشاعرة كيف أن العشق ليس مجرد مشاعر، بل هو أداة وجود، غرس ينمو بعمق في الروح.

/أشجار/ العشاق، التي /تستمد غذاءها من نشوة عشقها/، تشير إلى ذلك التفاعل العميق بين الحب والوجود؛ فالعشق في هذا النص ليس شيئًا خارجيًا يُضاف إلى الشخص، بل هو جزء من جوهره، غذاء روحي وأخلاقي. إن العشق هنا ليس مظهرا عابرا، بل هو بنية وجودية تُؤثّر في كل جزء من الكائن العاشق.

العشق في علاقته بالزمن والمكان: تجاور الخلود والمحدودية

/عشقنا هو الوجود المطلق الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان/ — هذه العبارة تحمل أبعادًا فلسفية هامة. العشق في هذا السياق يُنظر إليه كحالة لا زمنيّة ولا مكانيّة، وتعدّ دعوة للتحرر من القيود المادية التي تفرضها الحواس والوجود اليومي. هنا نجد توجيهًا إلى الفلسفات الوجودية التي تعارض الفهم التقليدي للزمن والمكان كحقائق ثابتة. في هذا المعنى، العشق يصبح الوجود المطلق الذي لا يتأثر بالمقاييس الظرفية؛ هو عالم موازٍ، دائم وغير قابل للزوال، يحتوي في طياته على حقيقة تفوق التصور البشري.

هذه الرؤية تتلاقى مع أفكار مارتيـن هايدغر حول الوجود (Being) وجان بول سارتر الذي كان يؤكد على الوجود كفعل حر يتجاوز القيود المفروضة من البيئة والزمان. العشق في هذه القصيدة لا يعترف بالحدود المكانية أو الزمنية؛ بل هو نوع من الحقيقة المطلقة التي تعيش في لحظة الكشف.

العشق كنشوة وحالة من الحرية

تمتلئ القصيدة بالصور التي تشير إلى أن العشق ليس فقط تجربة تفاعل بين الأفراد، بل هو حالة نشوة معرفية وحسية معًا. حديث الشاعرة عن /أزهار الحلم/ التي تتفتح في /حدائق نفوسنا/ يعكس مفهوم العشق كطقس تجديدي، يعيد الحياة للجسد والعقل معًا. العشق هنا يقدم نفسه كعلاج للجروح الروحية والنفسية، فالعاشق يغسل /آثار العتمة/ و/خيباتنا/ في /ماء بحر العشق اللامتناهي/.

من هنا، يصبح العشق محررًا، يمنح العاشق القدرة على تطهير ذاته من أحزان الماضي وألم الفقدان. هذه التوصيفات تقودنا إلى التفسير الفلسفي للعشق كـ /نشوة/ أو /لحظة اكتمال/ حيث يتعالى الفرد عن نفسه المذعورة، ليمر عبر حالة من النور والتجدد. العشق في هذه الرؤية هو المنفذ الذي يكشف للمحبين إمكانياتهم غير المحدودة، ويمنحهم القوة للوجود بحرية تامة.

العشق كلغة غير قابلة للتفسير

تذكر الشاعرة أن /قصيدتي مكتوبة بالدماء الملتهبة/ وتشير إلى أن /قافيتها من نورٍ ونار/، مما يخلق تمازجًا بين التوترات العاطفية والفلسفية في سياق العشق. هذا التصوير يؤكد أن العشق ليس تجربة قابلة للفهم عبر العقل المجرد أو التفكير التقليدي. هو لغة معقدة وغير قابلة للترجمة الحرفية، لغة تتجاوز الحدود العقلية التي نستخدمها لتفسير تجاربنا.

هذه الفكرة تلتقي مع مذهب نيتشه في /اللغة المستعصية/ و/اللامعقول/ باعتبار أن الحقيقة العليا لا تُفسّر عبر المعايير المادية أو المنطقية. في قصيدتها، تصوّر الشاعرة العشق كـ /لغة لا تخضع لقوانين الكون/ مما يشير إلى استحالة فهم العشق في إطار المألوف. العشق هنا يتناغم مع الإيمان بأن هناك أبعادًا غير مرئية وغير قابلة للتفسير نعيشها فقط من خلال التجربة الذاتية.

تقرير وجودي: الحرية في العشق

في الخاتمة، نلمح أحد أعمق أبعاد القصيدة: الحرية في العشق. الشاعرة تدمج هذه الحرية في مفهوم الكينونة، حيث يُعبّر العشق عن قدرة الإنسان على أن يكون هو نفسه، في كامل حرية. في قولها /أبحثُ عن ذاتي فيكَ فأرتقي إلى عوالمَ النّور/، تُظهر العاشقة كيف أن العشق لا يقيد الفرد أو يحصره، بل يفتح أمامه آفاقًا جديدة للوجود.

خاتمة: العشق كوجود فلسفي خالٍ من القيود

قصيدة ماهية العشق هي أكثر من مجرد تعبير عن حب عاطفي؛ هي رحلة إلى جوهر الإنسان وطبيعة وجوده في العالم. من خلال رمزية غنية وصور فلسفية عميقة، تفتح الشاعرة أفقًا جديدًا لفهم العشق باعتباره قوة خالدة تتجاوز الحدود الزمنية والمكانية. في هذه القصيدة، العشق هو الفعل الذي يعيد تكوين الوجود ويمنح الإنسان القدرة على أن يتجاوز الواقع المادي والتفسيرات العقلية الجامدة، ليعيش تجربة كونية حرة ولامحدودة.

***

بقلم: كريم عبد الله – العراق

...........................

ماهية العشق

بقلم: سمر الديك

***

في سراديب الصّمتِ تتلاقى أرواحُ العشّاق يتولّدُ نورٌ يخترقُ الحجبَ على الرّغمِ من أنّ الرّياحَ تعصفُ بنا ننهضُ ونكمّلُ الطّريقَ كما ينهضُ "الفينكس "من رماده نحنُ العشّاق أشجار مُتجذرة العمق نستمدُ غذاءنا من نشوة عشقنا نرسمُ لوحاتِ الأمل على جدران الواقع تختبئ فيها سراديبُ الذكريات تروي حكايات عشقنا وتنسجُ خيوطَ اللقاء في كلّ ابتسامة.

أيّها العاشق اقتربْ أكثر لا تتردد لتشتعلَ النار المقدسة في معبدِ عشقنا وتُضيئ أرواحنا المتعطشة إلى النور تتفتحُ أزهارُ الحلم في حدائق نفوسنا نغسلُ آثارَ العتمة وخيباتنا بماء بحر العشق اللامتناهي الذي يغمرنا بأمواجه العاتية نغوصُ في أعماقه نرتوي بالعسل الممزوج بالحليب من ضرع الحياة نكتشفُ فيه ذواتنا المخفية.

يا أناي اقتربْ لا تخشى قصيدتي المكتوبة بالدماء الملتهبة قافيتها من نورٍ ونار اقترب منها كي تنبضَ بالحياة كل حرف لك يتغلغلُ في أعماقي وينسابُ نوراً يُضيئُ عتمة قلبي ويُبددُ أحزاني التي نسجتْ خيوطاً عنكبوتية على جدران قلبي أحاولُ تمشيطها بفرشاة العمر الحادة التي تزدادُ صلابةً في زمن النفاق فينبعثُ نوركَ قمراً وأتيتني نجماً أضاءَ دربي في سراديبِ الحياة الصامتة أسمعُ موسيقاكَ تعزفها ليلاً على مسامعي بصمتٍ تلامسُ أوتارَ روحي تغني للحياة تارةً وتارةً أخرى لا أستطيع تفسيرها إنّها لغةٌ مستعصيةٌ لا تخضعْ لقوانين الكون مُنبعثة من أعماق النفس عشقنا هو الوجود المطلق الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان هو الحقيقة الخالدة في قلب كلّ حبيب أبحثُ عن ذاتي فيكَ فأرتقي إلى عوالمَ النّور ما أحوجنا إلى الحرية إلى هذا العشق كما يراه "سارتر" إلى تلك النشوة التي تمنحنا القوة لنكون مانحنُ عليه ونشعر بالكينونة

***

سمر الديك سورية/فرنسا

 

للشاعر والروائي العراقي حسب الشيخ جعفر

القسم الرابع والأخير: الأبطال

تتميز رواية "نينا بتروفنا" لحسب الشيخ جعفر بِقِلّة عدد شخصياتها، وكلها روسية باستثناء البطل، معظمها من النساء. البطل الرئيس راوي السردية و"مدير" الحوارات والنقاشات والعلاقات، شاب عراقي يعاني من العشق والوجد والولع بالأدب، يعمل مترجماً في موسكو، لم يقدم الكاتب لا اسمه ولا أي وصف خارجي أو داخلي بمونولوجات كلاسيكية إلا قليلا.

فهل الراوي صورة الكاتب، أم شخصية مركبة يمثل مواطني الدول النامية القادمين للدراسة مجانا في الاتحاد السوفييتي، على عكس بطل "موسم الهجرة إلى الشمال" للكاتب السوداني الطيب صالح، حيث إنه يدرس في الدولة الاستعمارية بريطانيا، ولا يحب البقاء فيها مفضلا العودة إلى قريته السودانية، يأخذ ولا يعطي إذا ما استثنينا الجانب "العاطفي" يأخذ من "مستعمريه العلم والجنس" ويمارس العنف مع النساء. ممكن مقارنته من حيث العنف مع بطل "قلب الظلمات" لجوزيف كونراد، أو حتى "مرتفعات وذرنج" لإميلي برونتي.

أما بطل "نينا بتروفنا" فإنه إنسانٌ "مُأنسَنٌ" بالقيم الرفيعة، مسالمٌ يعطي ولا يأخذ غير الحنين والانتماء والطمأنينة، فالحب أو "الجنس" كان متاحا بدون هذه العطايا الكثيرة، إنه شخص شغوف ومليء، مثقف، مهتم بالتراث الإنساني العربي والأدب العالمي وملم به وبالذات الروسي، وله مواقف من الترجمة مهنته التي يكسب رزقه منها، وسخي بدون مقابل، قد يكون لدرجة السذاجة، هل هو بسبب شعوره برد الجميل، أم ضعف شخصيته وسطحيته أم إحباطه الضمني غير المعلن عنه دائما؟

"كنت أترجم وأترجم طرداً للسأم" ص 59، وهو غني بكل شيء بالنسبة إلى أهل البلد الأصليين، إضافة إلى ثقافته ومشاعره وعاطفته الشرقية يغدق عليهم بالهدايا باستمرار، "اخترت في السوق الحرة ما يليق بهن من هدايا...". ص 136

حتى إن ليوسا رفضت مرةً هداياه الغالية من السوق الحرة، التي تبيع سلعها بالعملة الصعبة، قائلةً ممازحةً "لا تزدني فضائح"ص141، وهو ما يعبر عنه الكاتب في مكان آخر من الرواية، "مذ دخلت ناديا ببدلتها الأجنبية الأنيقة، وفتيات المقهى ينظرن إليها وإليّ بين الحين والآخر وهي ترى. قربت وجهها من أذني هامسةً: إنهن يتشوقن إليّ". ص 228700 Nina Petrova

وهو لا يعاني من النفور وغير مرفوض من قبل أهل البلد، بل يبحث عن الاستقرار عندهم، ويريد الزواج من نسائهن بأي ثمن وبدون استعدادات أو مقدمات كما هو واضح في علاقته مع ليزا صديقة جارته ليوسا " ليزا.. هل يمكنني أن أتزوجك؟" ص 20، وناديا، التي "أجلت" زواجها منه ثلاثة او أربعة أعوام. بيد إنه يصر على الزواج منها خوفاً من ان تكون حاملا منه " لن تجهضي. سنتزوج غداً... غداً نتزوج". ص 286

 لكن علاقته بنينا بتروفنا أمر آخر، إنها أليغوريا العذرية وحنان الأم المفقود في طفولته القاسية، فهي التي تقترح عليه الزواج من ناديا، "لماذا لا تتزوج ناديا؟ ... إنها ربيبتي ليست بنتي" ص 82، وهو في النهاية تبرير غير مقنع اجتماعيا إن أردنا التدقيق في طبيعة بناء "الحدّوته" على الطريقة الكلاسيكية، لكنها رغبة الكاتب في تجسيد هذه الأليغوريا، إضافة إلى العودة إلى الجذور.

نقرأ في الرواية مونولوج غير تقليدي "أنت لا تحب إلاها. إلا نينا بتروفنا أيها الدونجواني الشقي. لماذا اللقاء بناديا وغير ناديا؟ أهو مرض؟ مرض فينوسي؟ أهي الرغبة بتعدد الزوجات؟ ...". ص 180

وتتابع ناديا " تقول جدتي: أنا حائرة بينكما وبينه لماذا لا يتزوج إحدى المرأتين فتستقر الرياح؟ يخيل لي إنه حائر بينكما ... وتقول نينا بتروفنا: إنه في مثل عمر ابني. حرضي ناديا لتتزوجه". ص 181

وأخيرا فإن الراوي يمعن في وصف قوة نينا بتروفنا وحمايتها له كأم " كانت نينا بتروفنا أثبت مني قدماً، ونحن مسرعان إلى المخزن، في مهب من الرياح والثلوج المتسارعة المتشابكة.. فهي عذراء الثلوج الروسية وزوابعها. ولم تترك ذراعي لحظة خوفاً عليّ من أن أقع أو أزلق..." ص207، وهو ما يفسر بقاء المذكرات / مخطوطة الرواية عندها بعد وفاته مع ناديا في حادث سيارة.

ولهذا فإن الراوي يبرر إلحاحه على الزواج من ناديا عندما تماحكه الأخيرة ساخرةً منه بأنه لا يحب نينا بتروفنا "كدتَ تنساها البارحة " ص291، فيبرر "كنتُ خائفا أن تؤذي نفسَكِ" ص291، وأنظر التبريرات الأخرى. ص292

يقول الراوي لصديقته المميزة نينا بتروفنا ومنذ ليلتهما الأولى مكتشفا عذريتها "اسمعي رجاءً.. وأنا جاد. صادق فيما أقول، هل يمكنني أن أتزوجك؟ من فضلك" فتجيبه "ما بك؟ أنت في عمر ابني... أنا زوجتك. ألم تتزوجني الليلة؟ ماذا ستقول أسرتي وصواحبي؟ ... سيقولون إني أوقعت بك اثرةً واحتيالاً" ص 27، فيعلق قائلاً " ما أنا إلا فتى أجنبي لا يملك غير راتبه، فأين الإيقاع هنا؟" ص 27، وكأنه لا يعلم أن الهبات أو "المنح" كما يسميها، التي يوزعها على النساء كانت تكفي كَرِشى لمسؤولين كبار لحل مشاكل كبيرة يواجهها الناس في حياتهم اليومية آنئذ. حتى إن صديقته ناديا بدأت "تستغله"، "شاكستُ رئيسة القسم...ووعدتها بزجاجة ويسكي وسآخذ الزجاجة منك، وسمحت لي بالخروج مبكرا" ص59، على عكس نينا بتروفنا، التي تنصحه بالاقتصاد والتوفير وعدم شراء الهدايا.

زميله الصحفي أندريه، غارق في الإدمان والعشيقات وحياة اللهو دون أن نقرأ سردا عن حياته لكن هذا هو استنتاجنا، نفس الشيء يقال عن زوج جارته ليوسا.

نساء الرواية عاطفيات حنونات ينشدن الاسترخاء والاستمتاع بالحياة كرد فعل لفترة ما بعد الحرب التي عاشتها امهاتهن: ناديا وليوسا وصديقتها ليزا والجارة الجديدة، والبنت المستعربة، والنادلات الشابات الكثيرات اللاتي لم نتعرف لا على أسمائهن ولا أوصافهن الخارجية.

بطلة الرواية نينا بتروفنا، كانت في ريعان شبابها أثناء الحرب الوطنية العظمى كما كانت تسمى في الاتحاد السوفييتي، لكنها لا هي ولا والدتها لم تتحدثا عن تلك الفترة القاسية، مما يدلل على رغبة الكاتب بذلك. وهذا يطرح تساؤلات عليها.

من هو الشخص الذي يقف خلف صاحب المخطوطة او المذكرات؟ إنه الراوي، ولكن من هذا؟ إنه صورة الكاتب وليس الكاتب بحد ذاته. هذا يحتاج الى نقاش معمق آخر قد نعود إليه في مناسبة أخرى.

يقول الراوي "أوقعت نفسي حقاً أو أوقعتني المقادير على منزلق خطير! فتباً وتباً لي... قد أخادع نفسي وأقنعها، أحيانا أنني (متزوج) من امرأتين، لكن أمن السهل عليّ مخادعة امرأة حسناء محبة ووفية لي؟ أأنا مخادع؟ هل أنا غشاش؟ ...ما الحل؟ وأين راحة البال؟ هل (لمست) نينا بتروفنا شيئا ما وغضت الطرف ...". ص70

وهو أمر لم تخفه عنه ناديا عندما قالت له " ستشم نينا بتروفنا رائحتي في فراشك". ص 45، وتعبر عن حالها بشكل أوضح قبل نهاية الرواية "...لماذا لا أنام الليل كله هنا؟ أأنا فتاة شارع؟ أأنا ممن يبعن أجسادهن بقبضة روبلات؟ ... من طوّحَ بي؟ من (عهرني)؟ أين مني خجلي وعفتي؟". ص 314

ويسخر من نفسه قائلاً "التقى الأجنبي الغر سيدةً، وغادةً غضة، فاحتار بينهما، سأل المحير بين العيد والعيد". ص82

وهل يمكن إخفاء مثل هذه الأمور في الحياة السوفييتية بخاصة إذا كان الرجل أجنبيا؟ فالبطل "زير نساء" لا يترك واحدة إلا واصاب منها ما يريد، علاقاته بهن مفتوحة وواضحة في المجتمع حيث الناس يتناقلونها، لا سيما أن حبيبته طبيبة جراحة معروفة، ولهذا تحذره ناديا مبررة ممانعتها تقبيله "قد يمر أحد الجيران، إنهم يعرفون أنك فتى نينا بتروفنا". ص68 وتقول له ايضا " أنا ربيبتها المدللة ... إنها تعرف. هي ذكية جداً ...". ص78

أجل، نينا بتروفنا تجسد أليغوريا السمو والأخلاق العالية والبهاء والجلال والذكاء والجمال والحنان، إنها حبيبته وخليلته وأمه وروحه، التي لا يمكن للراوي التخلي عنها أو الانفصال عنها، إنها تنتقل في مخيلته من شقته الموسكوفيه إلى قريته في جنوب العراق حيث "الديكة تتصايح، ... تصحو (نينا بتروفنا) لتخبز العجين" ص 289، وأنه بالتأكيد سينتحر إن لم يمت في حادث سيارة، إن أجبر على الزواج من ناديا! ------

***

الدكتور زهير ياسين شليبه

أستاذ جامعي عراقي مقيم في الدنمرك

......................

* حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014

* كُتبت هذه الدراسة عن رواية "نينا بتروفنا عام 2016 ونُشر جزء قصير منها عام 2018 في إيلاف.

يقال إن الرواية البوليسية هي الرواية التي تسعى إلى إجابة قارئها عمَّن فعل الحدث الجرمي؟ مثل القتل أو السرقة أو الانتحار والاغتصاب، وغيرها من أفعالٍ جرميةٍ، وكشف أسبابها، حيث تتسارع أحداث الرواية مع تدفّق الكشوفات المتتالية للتحقيق، الذي يتبناه ضابط بوليس، أي أن الرواية البوليسية تقوم على شقّين: الجريمة وملابساتها، والتحقيق وتفاصيله.

وما زالت الصحافة الثقافية العربية تتناول موضوعة عدم وجود أدب بوليسي عربي، أحدث هذه الكتابات مقالة الشاعر والناقد اللبناني عبده وازن الذي أشار في مقالته المنشورة، مؤخراً، إلى عدم وجود رواية بوليسية عربية، ضمن خريطة الأدب البوليسي العالمي، مرجعية كلامه هذا، تعود إلى صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية التي  نشرت مؤخرا عددا خاصا عن الأدب البوليسي، وكان عنوانه الطريف "جولة حول العالم عبر 80 رواية بوليسية"، حيث شمل العدد الأدب البوليسي في معظم القارات والبلدان؛ الولايات المتحدة الأميركية (شرق وغرب) وكندا وأميركا اللاتينية وآسيا والشرق الأدنى وأفريقيا، وبلدان أوروبا كافة الغربية والشرقية والجنوبية، وكان الاستثناء الوحيد كلّ دول العالم العربي قاطبةً. ومن التبريرات المُتداولة عن أسباب هذه الظاهرة، إن العالم الغربي تقدّم على الشرق بحدوث الثورة الصناعية فيه قبل قرنين من الزمان، وإنّ المجتمع الآلي الحديث جعل الإنسان الغربي يعيش الاغتراب عن ماضيه وحاضره.

تقاليد غربية بوليسية

تمكّن الغرب من ترسيخ النوع البوليسي في أدبهم خلال 150 عاماً، أي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا، ويُذكر بأنه بالرغم من هذه الحقبة الزمنية الطويلة، لم يتمّ البت بمعايير ومواصفاتٍ عالميةٍ للأدب البوليسي، وأيضاً هناك من النقاد، من ينزعون صفة الأدبية عن النوع البوليسي، من منطلق أنها انعكاس مقلوب للرواية الواقعية، بداية الحدث في الرواية البوليسية وقوع الجريمة، ونهايتها تتمّ بمعرفة المسبّب للجريمة.

اختطّ الأدب الغربي تقاليد بوليسيةً عريقة، لم يتأسّس نظيرها لدى العرب، مثلاً شخصية شرلوك هولمز، تلك الشخصية البوليسية الخياليّة التي ابتكرها الكاتب الإسكتلندي آرثر كونان دويل، ليساعد رجال الشرطة والمحققين عندما لا يجدون حلولًا للجرائم التي تواجههم، هولمز أفاد من التفكير المنطقي، وامتاز بقدرته على التنكر والتمويه، واستثمار معلوماته الطبية، بوصف أنّ مبتكرها كونان دويل طبيبٌ أيضاً، في حلّ ألغاز الجرائم. وبذا عُدَّ هولمز أشهر شخصيةٍ بوليسيةٍ في العالم على الإطلاق، استثمرها دويل في تأليف أربع روايات، وستة وخمسين قصة قصيرة، جميعها تنتمي إلى الأدب البوليسي.713 ajatha

وهناك أيضاً المحقق البوليسي الشهير هيركيول بوارو، تلك الشخصية التي ابتكرتها مؤلفة الكتب البوليسية أغاثا كريستي. واشتُهر عنه بأنّهُ يُحبّ الغموض والدراما، ولا يميل إلى مشاطرة المعلومات أو كشف الشرير إلا في آخر لحظةٍ ممكنة، وهذا ما جعل كبير المفتشين جاب وآرثر هستنغز، الذي يترافق ظهوره مع هيركيول في جميع بوليسيات كريستي، يتّهمه بتعمّد إخفاء المعلومات عن الآخرين ليبدو أذكى مما هو عليه حقيقة. كريستي جعلت محققها الشهير بوارو يبدو بمواصفات من يمتلك قدراً كبيراً من الذكاء، وهو جذّابٌ جداً بما يجعل الكثيرين يبوحون له بالمعلومات الشخصية، في الوقت الذي لا يبوحون بها إلى آخرين، مما جعل كريستي تتوّجه بطل أربع وثلاثين رواية وأكثر من خمسين قصة قصيرة من تأليفها، فبات محبوباً من قبل الملايين من المعجبين، من قرّاء روايات كريستي ومشاهدي أفلامها حول العالم، وبنشر موته في قصة "الستارة" عام 1975 عُدّ الشخصية الخيالية البوليسية الوحيدة في التاريخ التي نشرت النيويورك تايمز تأبيناً له على صدر صفحاتها.

وإذا كانت هاتان الشخصيتان برزتا في قمّة الأدب البوليسي العالمي خلال القرن العشرين، تضاف إليهما شخصية المفتش غاليمار المشتهر في قصص الجريمة الفرنسية، صحبة اللص المعروف آرسين لوبين، فإن كتّاب الرواية البوليسية الغربية في العقود الأخيرة حققوا شهرةً لا نظير لها، مثل الأميركي ستيفن كنغ الذي فاقت مبيعات كتبه جميع مبيعات أنواع الكتب الأدبية الأخرى، وعدد قرائه، لا يظفر أي روائي آخر بعددٍ قليلٍ منهم.

ويقول الروائي السوداني تاج أمير السر إن المُخيّلة الثرّة للكاتب البوليسي الغربي  مردّها أنّه "نشأ في مجتمعٍ مكتنزٍ بالأدوات الفاعلة، أو التي تنشّط تلك المخيّلة، هو يرى الجرائم المعقّدة التي تُرتكب، يشاهد المتحرين وهم ينشطون من حوله، وربّما يتغلغل في علب الليل وعوالم الجريمة المتعددة، الموجودة بكثرة، من أجل أن ينشط خياله ويكتب".

افتقار عربي

قد يعزى الافتقار العربي للأدب البوليسي إلى المحافظة على الجذور التي ما زالت نزعة سائدة في المجتمعات العربية الحديثة، بالرغم من التحولات الحاصلة في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، التي ربما لا تعين في ترسيخ نزعةٍ بوليسيةٍ في الرواية العربية، فالفرق يبقى شاسعاً بين الغرب والعرب.

ويمكن القول بأنّ رغبة الكتّاب العرب في كتابة الأدب البوليسي تصطدم بالافتقار إلى المحقق البوليسي، على غرار ما أشرنا إليه عالمياً، وتحليل ذلك، ربّما يعود إلى أن المحقّق الجنائي العربي، وفي غالبية بلدان العرب، ليس لديه الصبر والوقت الطويلين في إعمال عقله، وقيادة مسارات التحقيق بهدوءٍ وروية، حيث بوساطة تلك المسارات العميقة يمكن أن تُولد قصص تحقيقٍ شيقة، ربما توفّر السبيل لكتّاب راغبين في خوض غمار السرد البوليسي، أن ينسجوا روايات وقصصاً بوليسية، وبالتراكم الكمي والتميز النوعي، وعبر سنين طوال، ربّما ينبثق لدينا أدبٌ بوليسي. القصد من ذلك أنّ المحقق الجنائي العربي عامة، ينال ما يريده من اعترافاتٍ جرمية، بأقلّ الوقت، وأقصر الطرق، بوساطة اتّباع أساليب التعذيب والتهديد، ذلك ما يقوله الروائي السوري فواز حداد "السببُ في اختفاء الأدب البوليسي في بلادنا أنَّ الجرائم مهما تبدّلت وتنوّعت، فالحل المطروح واحد، ومعرفة المجرم مُيسّرة من دون تعقيدات، فما المثير فيها؟ بينما المحقّق الجنائي في روايات الغرب يجهد في التفكير، الكثير من التفكير، فمثلًا هولمز يصرف الكثير من الأفيون، ويستعين بوارو بالخلايا الرمادية، للتغلّب على ذكاء المجرم".

وإذا أردنا أن نبحث عن سقفٍ أكبر للافتقار العربي للأدب البوليسي، فإنّ عديد الكتّاب والدارسين يرون أنه بسبب غياب الديمقراطية، في غالبية بلدان العرب، ومن ثمّ يترتّب على ذلك غياب العدالة والقانون، وقد قالها الروائي فواز حداد "أمرٌ واحد: القانون. عندئذ تدخل مملكة الرواية" لكن الروائي تاج أمير السر يرى ألاّ غرابة في افتقار الأدب العربي إلى الرواية البوليسية، لماذا؟ "باعتبار أن اختلاف المجتمعات في بنائها وحركة شعوبها وعاداتهم وتراثهم بالضرورة يؤثر على الأدب كثيراً، ولطالما وُصف الأدب بأنّه مرآةٌ للشعوب، يعكسها بألوانها التي عليها". ربّما العلةُ واحدة، لكنّ أساليب صياغتها تعدّدت، فنحن في مجتمعاتٍ عربية، بالرغم من إشهارات منصات التواصل؛ نسرُّ أكثر مما نعلن، ونُكبت أكثر ممّا نفجّر.

***

باقر صاحب - أديب وناقد 

 

تختلف الكتابة التاريخية عن الكتابة الروائية بشكل كبير جدا، الأولي تعتمد على الأحداث والوثائق والمذكرات والشهادات، والثانية وإن كانت  تعتمد على حقائق كما نراه في الروايات البوليسية، لكن يغلب عليها الطابع الخيالي، فتستقطب القارئ إليها خاصة الشباب والفتيات منهم، من خلال إعطاء للرواية طابعا رومانسيا، وقد ربطت زكية علال روايتها الرومانية بصور تاريخية عن أحداث وقعت واسماء لشخصيات ذكرتها كمرجعية، وهذا ما يدعو إلى مراجعة الأحداث ومراجعة التاريخ، تقول الروائية زكية علال في لقاء بيع بالتوقيع عن روايتها "برج شهرزاد" عشت الانكسار في حياتي الإبداعية ولم أجد من يدعمني ولذا أعمل علي دعم الكتاب الشباب لكي لا يعيشوا ما عشته.

فرواية الأديبة والإعلامية الجزائرية زكية علال بعنوان: "برج شهرزان" التي صدرت في سنة 2003 وشاركت بها في معرض الدولي للكتاب (سيلا) هي من الروايات التي تنقل القارئ من حدث لأخر، مع تنوع الأمكنة بسبب الهجرة / العودة، والحنين إلى المكان الأصل والوقوف على الأطلال، وفي هذا تقول الروائية زكية علال التي استضافتها مكتبة الإحسان بباتنة شرق الجزائر بمنتداها التي اعتادت تنظيمه كل يوم سبت تقول أن تكتب عملا روايا له طابعا تاريخيا عملية ليست سهلة وهي تحتاج إلى مراجع لتوظيف المعلومة التاريخية، فالروائية ربطت قصة (شهرزاد وسعيد) بشخصية تاريخية كانت وراء أحداث عاشتها الجزائر أيام الثورة وأسالت كثير من الحبر كونها اتسمت بالاغتيالات والتصفيات الجسدية بسبب التموقع، فالروائية زكية علال ذكرت شخصية تاريخية معروفة في تاريخ الجزائر، ألا وهو عبد الحفيظ بوصوف رئيس وزارة التسليح والاتصالات العامة ministère de largement et des liaisons générales، "المالغ" (M.A.L.G)، طبعا لا أحد يمكنه التنكر لما قام به المالغ بقيادة عبد الحفيظ بوالصوف، رغم أنه حسب (الكتابات التاريخية ومذكرات بعض المجاهدين) له علاقة بمقتل الشهيد عبان رمضان بالمغرب، فيما عرف بقضية الباءات الثلاث وهم: (عبد الحفيظ بوصوف، كريم بلقاسم والأخضر بن طوبال) ولا يسع الحديث هنا عن هذه الأحداث طالما الموضوع يتعلق بعملٍ روائيٍّ في مستوي الإبداع، استطاعت الروائية لفت انتباه القارئ حيث جعلته أسيرا لروايتها التي تروي علاقة فتاة اسمها شهرزاد بسعيد صديق الطفولة، لكن السؤال يكون كالتالي: لماذا اختارت الروائية اسم عبد الحفيظ بوالصوف بالذات ومدينة ميلة أنجبت قادة تاريخيين أيضا وهي ابنة المدينة وتعرفهم جيدا، ونذكر على سبيل المثال بلا الحصر اسم المجاهد "محمد العربي بن رجم" ؟، ففي مداخلتها تقول الروائية زكية علال أن بوالصوف اعتمدته في روايتها كمرجعية تاريخية دفعت الثمن غاليا لما قدمه من أجل الوطن لدرجة أن المعني لم يستطع رؤية أمّه وهي تحتضر، حين قدم إلى مسقط رأسه متخفيا.

قصة عشق بطعم تاريخي

و بالرجوع إلى هذا العمل الروائي تعرض الروائية في روايتها السالفة الذكر (برج شهرزاد) قصة امرأة اسمها حورية وابنتها شهرزاد التي تعلق قلبها بصديق الطفولة سعيد وكيف يموت سعيد وتنتهي الرواية بمأساة، تبدأ الرواية بخروج حورية (الأم) من برج الطهر بمحافظة جيجل (شرق الجزائر)، وتحمل بين يديها رضيعة، كانت معرضة للخطر، فتخفيها حورية في حضنها، لتهرب بها إلى ميلة القديمة، حيث لا يعرفها أحد، وهناك تجد في السور البيزنطي حاميا لها، ويقوم سعيد أحد أبطال الرواية برعاية الطفلة شهرزاد وهي رضيعة، وكان كلما يري شهرزاد تكبر وتزداد جمالا ينبض قلبه تعلقا بها حتى تحول الإعجاب إلى حب ثم إلى عشق، تأثر بها سكان ميلة القديم وسمعت صداها تلك البنايات القديمة المسقفة بالقرميد وأضحت قصة عشق سعيد لشهرزاد حديث العام والخاص من شباب المدينة، تتردد على السنتهم كلما تواجدوا بعين "بلد" وكلما وقفوا على اثار المدينة والسور البيزنطي، فمدينة ميلة العتيقة شهدت أحداثا تاريخية وتعاقبت عليها عدة حضارات، جعلت من الروائية أن تمثلها كصوت يدوي للحقيقة لم يستطع سكانها كشفها، وقد حبكتها الروائية وأعطتها صورة تاريخية لما أقحمت عبد الحفيظ بو الصوف الملقب بـ: سي مبروك في الرواية رغم وجود قادة تاريخيين ينحدرون من هذه المدينة التي لا تزال جدرانها تحكي عن أحداث علقت بأعيان المدينة وتذكر شبابها بالأحداث، وربما قصة سعيد وشهرزاد أيقظت التاريخ، وأعادت الحياة لشخصيات تاريخية تم تغييبها، رغم أن شخصية عبد الحفيظ بوالصوف لم تغيب، ولم تكن يوما مغيبة، بل فرضت نفسها في الساحة كلها وليس في مدينة ميلة وحدها، لأن هذه الشخصية لعبت أدوارا عديدة واشتهرت بالباءات الثلاث،عكس بعض أسماء شخصيات تاريخية وعسكرية التي تنحدر من نفس المدينة وهي اليوم نسيا منسيا.

في لقائنا بها بمكتبة الإحسان بباتنة تنتقد زكية علال الوضع الثقافي في الجزائر وهو من وجهة نظرها مزري جدا ومؤسفٌ، لأن الوساطات تلعب دورا كبيرا جدا، وأن حظ أدباء الداخل قليل جدا وصوتهم لا يصل بسرعة، لكنها كروائية تضيف زكية علال: أنا لا أستعجل، حتي لو طالت مدة كتاباتي ثلاثين سنة أو أكثر، فأنا أؤمن أن وصولي سوف يصل بعد رحيلي، لأن بعض الأفكار لا يستقبلها اجيال الآن لكن تستقبلها اجيال المستقبل، ولذا من الصعب أن تكتب من داخل الحرب، وهي تكتب تقول زكية علال أتمثل نفسي فاطمة داخل غزة، بين النار والحصار وانعدام المساعدات، ولا شك أن صورة فاطمة الغزاوية التصقت بها وقد عادت صورتها في 07 أكتوبر 2023، ويلاحظ أن كتابات زكية علال سواء في بعض قصصها أو في روايتها تأخذ بعدا إنسانيا، تقول: إن حب الوطن يسكننا حتي ونحن فاقدي العقل، فعندما تفقد العقل يبقي فيك الوطن، في ردها على سؤالنا عن سبب اختيارها شخصية عبد الحفيظ بوصوف بالذات بدلا من أسماء أخرى هي تعرفها، خاصة وأن كثير من الكتابات أكدت أن بالصوف هو من قتل عبان رمضان، لكنها وصفته بالإنسان، والإنسان الذي يملك الروح الإنسانية لا يمكنه أن يمارس العنف، بين بني جلدته، تقول زكية علال لو فتحنا الملفات سوف نصطدم كثيرا، وأنا أتفادي الحديث عن أمور مثل هذه، وقد أحالتنا هذه الروائية إلى مشهد من روايتها، أن سعيد بطل الرواية التقي ببوصوف وقد أوصاه هذا الأخير أمضي إلى الأمام، لأن بعض "الحماقات " ارْتُكِبَتْ قد لا يغفرها لنا التاريخ، لذا أوصيكَ بأن تمضي إلي الأمام ولا تلتفت إلي الخلف، هل هي محاولة لطي صفحة الماضي ونسيان ما حدث من أخطاء ؟ وغرس في أذهان الجيل الحالي والذي يأتي بعده ثقافة النسيان؟ الإجابة موجودة عند الروائية، حسبما جاء في الرواية، فإن سعيد كان يشبه إلى حد ما عبد الحفيظ بوصوف، وقد أدرك هذا صاحب محل اسمه عمي حمود (الصفحة 48) لما سأله سعيد من هو سي مبروك، ورد عليه عمي حمود بالقول: إنه صانع تاريخ الجزائر ومهندس ثورتها، وكان رد الطفل سعيد: كل كتبي المدرسية لم أقرأ فيها اسم عبد الحميد بوالصوف ليرد عمي عمود: يا ولدي مازلت صغيرا لتعرف من يصنع التاريخ ومن يكتبه (ص 51)، ومنذ ذلك الحين بدأ سعيد يقرأ عن سيرة بوالصوف وأصبح يقلده في لباسه وطريقة تسريحة شعره...الخ، أرادت الروائية أن ترسم لوحة للزعامة وكيف تظهر علاماتها ومن يستحقها، هذه الزعامة التي غالبا ما تنتهي بالتصفيات الجسدية مثلما حاول ابناء يعقوب قتل أخوهم يوسف (ص 53).

من وجهة نظر الروائية فهي - كما أضافت- تعالج القضية بغض النظر إلى الشخصيات، لأن الشخصيات تموت والقضية لا تموت، طبعا هذه وجهة نظر المتحدثة وقد تكون وجهات نظر مختلفة بين قارئ وأخر، لأن القضية إن ارتدت ثوب الجريمة (الاغتيال) وجب تحديد شخصية صاحبها هل هو إنساني؟ أم مجرد من الإنسانية؟، لأن الأمر يتعلق بالخيانة للرفاق، تستطرد زكية علال بالقول: كل ثورة لها أخطاؤها وأولوياتها، و الرواية هي حياة والكاتب يحتاج إلى أن يعيش حياة الأبطال، وكل شخصية روائية تحتاج إلى دراسة نفسية ومرافقة، وبما أن الكتابة في حد ذاتها قضية، لابد على الكاتب ان يناضل من أجلها، حتي يُخرج عمله الإبداعي في حلّة فنيّة وأن يستخدم أدوات الكتابة بطريقة ذكية يستقطب بها القارئ وبالتالي فكتابة الرواية ليست سهلة، ومن باب الإعتراف تقول زكية علام أن الروائي في الحقيقة لا يكتب التاريخ غير الباحث وغير الأكاديمي وغير المؤرخ، إلا أن الباحث والأكاديمي قد يغفل في كتابته الشخصية التاريخية وهنا يأتي دور الروائي، لأن الرواية عالم مدهش رهيب لا يمكن دخوله بدون سلاح، للإشارة فقط أن اللقاء أخد بعدا كبيرا من خلال تدخلات المشاركين فيه من مثقفين واستاذة جامعيين وأئمة الذي كان لهم تساؤلات وتدخلات مهمة بحضور مسؤول المكتبة الأستاذ محمد بن عبد الله فراح وهو صاحب دار نشر الإحسان بالجزائر، والروائية زكية علال معروفة في الوسط الإبداعي داخل وخارج الجزائر وهي كاتبة مخضرمة وإعلامية بإذاعة ميلة الجهوية، كتاباتها كما قال الدكتور عاشور ترقي إلى من يحمل همّ القضية وهي أيضا كاتبة قصص ولها رسائل، حيث عرجت بالحديث عن تقنيات كتابة الرواية العربية .

***

قراءة علجية عيش بتصرف

 

لا أدري كيف قفزت إلى ذهني رواية "طيران فوق عش الوقواق" لمؤلفها الكاتب الأمريكي كين كيسي، المولود في كولورادو العام 1935، وهي جزء من صيحة الستينيات التي رفعت موجة النقد ضدّ الحرب في الفيتنام، ناهيك عن كونها شهادة حيّة على حركة الرفض للحرب وعلى انطلاق حملة تضامن دولي غير مسبوق، وقد ترجم الرواية إلى العربية الكاتب السوري صبحي حديدي، وكنت قد شاهدتها فيلمًا في النصف الثاني من السبعينيات من إخراج المخرج التشيكي ميلوش فورمان، الذي كان يتحسّس أولى خطواته كلاجئ إلى الولايات المتحدة.

كانت استعادتي للفيلم حوار صحفي أجرته معي إعلامية لبنانية عن أن الكثير من الأبرياء يكونون خلف القضبان، في حين أن المرتكبين والمذنبين ما زالوا يسرحون ويمرحون، لعلّ تلك المقاربة قادتني إلى استحضار ما كان يجري في تلك المصحة العقلية التي جسّدها فيلم " طيران فوق عش الوقواق"، فربما هؤلاء الذين احتجزوا باعتبارهم مرضى عقليين قد يكونوا أكثر عقلًا ممن خارجها. حقًا يشعر القارئ والمشاهد بشكل خاص بالقلق والحيرة على المصير الإنساني، بل بالخوف أيضًا حين يشعر أن حياته تبقى معلقةً كجزء من هذا المجتمع مربوطة بخيط بمستشفى الأمراض العقلية في علاقة مرموزة ومتداخلة بين السلطة والناس، حيث تتحكّم الأولى بالثانية.

***

الفيلم يدور داخل مصحة للأمراض العقلية بالقرب من الحدود الكندية، تُدعى مستشفى أوريغون للأمراض النفسية، وقد اختار المؤلف المكان كجزء من العالم الداخلي الذي يعيش فيه هؤلاء المرضى النفسيين لوصف مأساة العالم الخارجي، والمقصود بذلك المجتمع الأمريكي، خصوصًا في فترة الحرب الأمريكية ضد الفيتنام، وتغوّل السلطة ضدّ مناهضي الحرب ورافضي التجنيد، وبالطبع فالمسألة لا تقتصر على المجتمع الأمريكي وحسب، بل تشمل عددًا من المجتمعات التي تعاني من الاستلاب والقهر.

وتزودنا الرواية بحبكة درامية بدراسة للسلوك السلطوي والعقل الإنساني، بما فيها نقد الطب النفسي، خصوصًا بعض تجريباته. وبقدر فرادة الرواية، ولاسيّما تصويرها لعالم القمع والمقاومة في آن، فإنها تنطلق من سؤال فلسفي هو: كيف تسيطر الحكومات على الشعوب وتصادر أحلامها وتسعى لتدجينها؟ ويتفرّع عنه سؤال آخر: كيف يمكن للشعوب مقاومة الطغيان ومحاولات الاستتباع والإذلال؟

وهكذا يبدأ الفيلم بالحيرة أو ضياع البوصلة ثم بالضجر لكي يعكس عبر الموسيقى طبيعة المجتمع الأمريكي، حيث الصراع بين الرغبة في التغيير وبين محاولة الكبح التي تقوم بها السلطات، وفي هذه اللحظة يمكن التعرّف على من يحاول الطيران فوق عش الوقواق.

***

أتوقّف عند حوار يدور في داخل المصحّة العقلية بين نزلائها، فيخاطب راندل ماكميرفي زملاءه داعيًا إياهم للتمرّد بقوله: إنكم لا تطيقون هذا المكان، لكنكم لا تمتلكون الجرأة للخروج منه، فماذا تحسبون أنفسكم مجانين أو ما شابه ذلك؟ تلك محاكاة لرفض الاستسلام والخنوع للأنظمة التي تحاول تطويع الناس وإخضاعهم بشتّى الأساليب لقبول نهجها.

ولعلّ دعوته إلى التمرّد دائمًا هي تحريض للناس على الاحتجاج والرفض وعدم الخضوع واليأس، علمًا بأن بعض من يقيم في المصحة العقلية مقتنع بذلك، بل أنه قابل بذلك بكامل رغبته لأنه يخشى لدرجة الرعب من الحياة خارجها. وعبر عملية منظمة تحاول السلطة ترويضه لقبول ما تقدمه له، في عملية أقرب إلى غسل الأدمغة تقوم بها لفترة طويلة وبالتراكم والتدرّج، وهذا ما شاهدناه من انقياد الناس في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية إلى حكامها.

وحسب قراءاتي المتواضعة ومعلوماتي الشحيحة عن الفن السابع، عرفت أن فيلم "طيران فوق عش الوقواق"، هو أحد أروع الأفلام عبر التاريخ، ويبدو أن العنوان مستوحى من أغنية شعبية للأطفال "أحدهم طار إلى اليسار.. أحدهم طار إلى اليمين.. أحدهم طار فوق عش الوقواق" حسب أيوب واوجا.

أما طير الوقواق فهو فصيل من 26 نوعًا من الطيور الوقواقية، وحسب المنجد أنه طائر غريب الأطوار انتهازي وعدواني، فهو يغزو أعشاش الطيور الأخرى ويُبعثر بيضها، كما يقتل فراخها عبر رميها من الأعشاش مع إيهامها بطريقة مخادعة أنه قريب منها، وهو ما يعكس تلك  العلاقة المركّبة والمعقدة والفوقية بين السلطة التي تحاول استلاب حقوق الناس وسرقة قوتهم، وفي الوقت نفسه تسعى إلى إيهامهم بأنها تعمل لمصلحتهم، ولذلك تدعوهم لدعمها، ويبدو أن بعض المغفلين، وهم كثرة كاثرة يقتنع بذلك عبر الشحن الأيديولوجي وأساليب الدعاية والحرب النفسية والعديد من وسائل القوة الناعمة فيصدق ذلك عن طيب خاطر، في حين تٌمعن السلطة في إذلالهم برضا كامل من طرفهم.

هكذا يدخلون حروبًا ليست في مصلحتهم ولا ناقة لهم فيها ولا جمل، ويتصارعون ويختصمون لحساب أمراء الطوائف وقادة الكتل السياسية، دون إرادتهم أحيانًا فيجدون أنفسهم حطبًا لتلك الصراعات.

وقد لعب جاك نيكلسون (راندل ماكميرفي)، الممثل القدير الذي حصل على 5 جوائز أوسكار وجائزة أفضل ممثّل، دور البطولة وجسّد شخصية المتمرّد المليء بالعقد والجنون والعزلة، حيث يبدأ الصراع بينه وبين الممرضة الأساسية راتشد (لويز فليتشر)، وهي التي تمثّل وجه السلطة القاسي وقلبها الغليظ الذي لا يعرف الرحمة أو الشفقة، وهي تتعامل مع نزلاء المصحّة بلا رأفة أو حلم.

ويضطر راندل (نيكلسون) الذي يعبّر عن تطلّعات الناس إلى إنزال الشتائم بها، كجزء من ردّ الفعل على سلوكها، ويحاول أن يتفلّت من أنظمة المستشفى ويعترض عليها في رمزية إلى التمرّد على السلطة، فضلًا عن محاولة الزوغان عن مساءلتها، وحتى حين يبدأ بكسر النافذة ويفشل في الهروب، يقول عبارته الأثيرة "على الأقل قد جرّبت.. أليس كذلك؟".

المصحّة تمثّل المجتمع الأمريكي بجميع فئاته من عرقيات وأجناس بما فيها الهنود الحُمر (السكان الأصليون) وأصحاب البشرة السمراء، وهم الأكثر اضطهادًا في المجتمع في إشارة إلى الصراع والأحقاد والكراهية بينهم وبين البيض من جهة، وفئات أخرى من جهة ثانية، ويبرز المؤلف أن سبب الكراهية يعود إلى السلطة التي تشيع روح الثأر والانتقام، فضلًا عن عدم إقرار الحقوق المدنية كاملة على الرغم من نجاح الحركة المدنية في إقرارها قانونيًا في العام 1964 بقيادة مارتن لوثر كينغ.

ويصوّر الفيلم شخصيات أخرى مثل الزعيم الهندي الأحمر قليل الكلام لدرجة الصمت، وثمة من هو غير قادر على النقد أو التعبير وما عليه سوى تنفيذ الأوامر التي تصدرها الممرضة ذات القلب القاسي، والتي تجسّد سلطة الاستبداد، وهكذا يتعالى مشهد الصراع والتمرّد من جهة، ومحاولة فرض التسيّد والهيمنة من جهة أخرى، حيث يُظهر المؤلف قدرة هائلة على رسم ملامحها بدقة على نحو حي يتجسّد بصورة دراماتيكية في الفيلم والمقصود بذلك إفقاد الناس القدرة على التعبير، وإجبارهم على الرضوخ، بل  واستسلامهم لما تريده السلطة، خصوصًا في ظل الأنظمة الشمولية التوتاليتارية التي عرفتها دولًا عديدة منها الدولة التي جاء مخرج الفيلم منها، فالصمت هو مقياس النجاة، وحتى حين تعبّر السلطة عن تطلّعات الناس أو تفرض عليهم ذلك دون وجه حق، فإنهم لا يستطيعون أن يحتجّوا عليها.

ويعرض الفيلم مشهدًا تقوم به الممرضة الغليظة في التعبير عن رأي النزلاء في لعبة كرة السلّة دون أن يستطيعوا أن ينبسوا ببنت شفة، فقد ظلوا صامتين وهي من يجيب عنهم، والقصد من ذلك أن السلطة دائمًا ما تسعى للإنابة عن الناس حتى في التعبير عن أنفسهم وتطلعاتهم، وذلك في محاولة لخلق مجتمع يقوم على الرضوخ والتبعية ونمط التفكير السطحي الخانع، خصوصًا وأنها تضع العقبات والتحدّيات أمام الناس، بل تُبالغ فيها لإلقاء اللوم عليهم وتحميلهم مسؤولية ما يحصل.

***

حاول المؤلف، ويبدو بشكل أوضح في الفيلم، كسر شوكة السلطة وذلك بالاحتجاج والتمرّد عليها ومخالفة أنظمتها، حيث أخذ النزلاء سرًا في جولة للبحيرة دون علم المسؤولين عن المصحة العقلية، وذلك كي يُظهر إمكانية تحقق ذلك، وهو ما كان يقوم به ماكميرفي.

وتنطلق الرواية من فكرة أساسها العقاب كملازم للسلطة وداعم لها للاستمرار والتسلّط. وهي ما تقوم به بعض الأنظمة التي تعاقب المذنب والبريء. تقول بعض تجارب العالم الثالث نعدم من هو متهّم، فمن كان بريئًا سيذهب إلى الجنة وإن كان مذنبًا فهو ينال جزاءه العادل، وذلك جزء من تسويغ له طابع ديني، وثمة من يقول نعدم عشرة حتى لو كان بعضهم أبرياء فسوف نخيف الناس انطلاقًا من الزعم بادّعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، وأن ذلك في مصلحة الثورة حتى وإن ذهب بعض الضحايا.

وهكذا يصبح العقاب غاية وليس وسيلة فحسب، والوسيلة هي التعبير الأكثر وضوحًا عن الغايات، فإذا كانت الغايات شريفة فلا بدّ من أن تكون الوسائل شريفة أيضًا، وتسعى السلطة دائمًا لدعم الاضطهاد السياسي والبوليسي بوسائل أيديولوجية بهدف السيطرة على العقول وعبر أساليب دعائية ونفسية، وحسب مفهوم السلطة، على الناس الانتظام في طوابير مثل مرضى المصحّات العقلية تعلّة أن أي خروج عن النظام يحتاج إلى تأديب وعقاب، مثله مثل التمرّد على السلطة أو الاحتجاج عليها فإنه يتطلّب علاجًا بما فيه القمع أو حتى زجّ هؤلاء بمستشفى الأمراض العقلية لإعادة التأهيل وللانتقام ولإظهار سطوة النظام، وبالتالي إشعار الجميع بالرعب، ذلك ما يعكسه جورج أرويل في روايته الإستشرافية 1984، التي كتبها في العام 1948.

***

ولمعاقبة المتمردين يعرض الفيلم عزل ماكميرفي في غرفة منفردة بعد إجرائه تداخل جراحي في المخ، لينتهي دوره ويُصبح بلا تأثير، وهو ما تسعى السلطة للقيام به دائمًا في علاقتها مع المعارضة، ومع قادة الرأي، ولاسيّما من النشطاء والمؤثرين. وحين يتحوّل المتمرّد إلى مجرّد جسم غير قابل للحركة يقرر زعيم المجموعة، الذي كان يعتبره ملهمًا، خنقه لأنه يعتقد أنه لا يريد أن يعيش مثل جثة هامدة بلا تأثير، وهو صاحب مشروع التغيير. وفي هذا الجو الدرامي المشحون بحبكات متداخلة ومعقّدة تتصاعد الموسيقى التي تتكرر من أول الفيلم إلى آخرة، فيهرب زعيم الهنود الحمر وهو أيضًا أحد المرضى "النفسيين"، ويتردد الكلام "طار فوق عش الوقواق".

الطريف أن مؤلّف الرواية لم يشاهد الفيلم الذي أنتج عنها، على الرغم من أن حلمه كان أن يرى الرواية التي كتبها للسينما في العام 1962 أن تصبح فيلمًا، ولكنه بعد عدّة أسابيع أقام دعوى ضدّ منتجي الفيلم، وبعد بضعة سنوات عثر على الفيلم في إحدى القنوات الفضائية فشاهده مستمتعًا به.

ويبقى فيلم "طيران فوق عش الوقواق" السبعيني من أكثر الأفلام التي تركت تأثيرها على المشاهد، وما يزال تأثيرها إلى اليوم.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

أليغوريا العذرية وحنان الأم المفقود في طفولة قاسية!

القسم الثالث: الأسلوب:

تنطبق مقولة "الأسلوب هو الرجل" على حسب الشيخ جعفر، فهو شخصية اصيلة ذات خصائص معينة تميزه عن الكتّاب الآخرين، مثل جذوره الريفية العميقة وانتقاله للدراسة في موسكو دراسة إبداعية وأكاديمية وانشغاله بالأدب وبالذات الشعر وتمعنه في اختيار المفردات، والابتعاد عن السياسة المباشرة.

يختلف هذا العمل عن الروايات العراقية السابقة من حيث التقنية والولع في تناول الفكر فهي "متحررة" من المونولوجات والتقريرية والأيديولوجيا، والبطل الإيجابي وحتى مفهوم الرواية باعتبارها "رحلة إلى العصر" مكرسة لكشف الواقع.

يقول الراوي عن مخطوطته الروائية" عندما تسأله حبيبته البطلة نينا بتروفنا "والناس؟ ألا تتحدث فيها عن الناس؟" فيجيبها "أحيانا أتحدث. ... وأحيانا لا. لا أريد لها نهاية". ص 308 

قد تكون قراءة الراوي لأعمال مثل "الصخب والعنف" لفوكنر و"أوليسيس" لجويس رغم أنه اعتبرها "أقل شأناً من (الحرب والسلم) " ص 294، ونتاجات سارتر وهمنغواي، الذي يوصي بدق الخشب خشية من الحسد وفقدان نعمة الراحة، دلالةً على رغبة الكاتب، وهو الخبير بأنواع الرواية لأوروبية، في خلق نتاجه السردي الخاص به بعيداً عن الأساليب الواقعية القديمة متجها نحو السلوك الوجودي للإنسان.

أعتقد أن الروائي حسب الشيخ جعفر "تأثر" بديالوجيا "المصروع" دوستوييفسكي وأهمل بوليفونيته، مبتعداً في لغته عن "الكونت" تولستوي كما يسميهما الراوي، إلا أنه متأثر بهما فكرياً، لكن لماذا لا تتعدد الأصوات هنا؟ هل لأنها تدور باللغة الروسية مع اناس محدودي العدد، "سوفييت" غير متنوعين في انتماءاتهم الاجتماعية، متعلمين يهتمون بالثقافة والأدب ويتواصلون بلغة روسية بلا لهجات مختلفة ومتنوعة، قد لا يتناسب مع نظيرتها العربية ذات المستويات المتعددة كالعامية والمحكية والفصيحة؟

"كان الحفل مكتملا... بدأ الرقص وكنت وأندريه في حوار (معمق) عن (السر الفني) في اختفاء الطبيعة الروسية الشيقة الحافلة من روايات دوستوييفسكي، بينما هي في المركز من اهتمام تولستوي.". ص 8

ويبدو أن حكمه هذا سيكون له أهمية في مسار الرواية ومغزاها.

يمكن ملاحظة ذلك في الحوارات الكثيرة التي تشكل أغلب صفحات الرواية، لكنها ليست ملاسنات ومناكفات بل ملاطفات ومطارحات و"مفاصحات" ومغازلات وأحاديث جميلة عن الأدب تفوق مستوى الأبطال في بعض المرات رغم تبريرات الراوي، بحيث تبدو وكأنها اصواته يوزعها عليهم على دفعات "بالأقساط".

يقول الراوي لجارته المهندسة ليوسا "لم أدر أنك متتبعة عالمة" بعد أن علقت قائلة عن الشاعر بايرون "لم يتعقل بايرون كما أعلم. بل مات بالحمى غريبا شريدا. ص147

وهو كما يبدو تبرير الكاتب لتناغم الأصوات وعدم تنافرها أو تنوعها وتعددها كما هو عند دوستويفسكي.

قد يبدو للقارئ أن أبطال الرواية لا همَّ لهم غير احتساء كوكتيل "البونش" الذي أعتبره أليغوريا خاصة من نوعها تعبر عن حالة التقاط الأنفاس والاسترخاء بعد الحرب وإعادة البناء والستالينة في الخمسينات والستينات. يقول الراوي "أوصينا على شمبانيا (ومثلجات) وهي أكلة روسية باذخة، قد لا تجد لها نظيرا في العالم كله ...". ص95

وأشير هنا إلى أن كوكتيل البونتشPunch هندي الأصل، خليط من الشمبانيا وعصير الفواكه بالمثلجات وبعض التوابل، انتشر في أوروبا عن طريق بريطانيا، التي اخذتها من مستعمرتها الهند في القرن السابع عشر.

ولا يعني أن البطل لا يعاني من الكاثارسيس Katharsis (تأنيب الضمير أو جلد الذات)، لكنها تأخذ أشكالاً مختلفةً غير شائعةٍ، وما ممارساته السلوكية الغريبة و"تضييع" وقته هنا وهناك وكأنه ينتقم من نفسه إلا تعبيرا عن حالة السأم التي يعاني منها كما أشرنا سابقا.

يعبّر هرونوتوب (زمكان) الرواية هنا عن الحالة الوجودية والنزوع نحو رغبات الإنسان كالتجوال في أماكن العاصمة: مثل سينما بروغريس قرب مترو الجامعة، فندق متروبول ص 164، شارع غوركي ص 174، مكتبة الآداب الأجنبية ص216، التي يقول عنها (ملجأي ومنزواي) ص89، مقهى البونش ص 216، وجنوب العراق نسبيا حيث ولد وترعرع وقرأ كتبه الأولى في المكتبة العامة والمدرسة وشارك في المظاهرات وتعرض للتوقيف.

أما وصف طبيعة العلاقات بين الأجنبي والروسيات في الستينات لها أيضا أهمية خاصة قد تفيد عند مقارنتها بفترة التسعينات وبعدها حيث تكونت صورة نمطية سلبية عن الشرقأوسطيين والمسلمين منهم بالذات. هل الأجنبي آنذاك مرغوب به في موسكو لأنه طالب علم وفكر وثقافة في بلد غير استعماري وليس لاجئا ولا عاملا مغتربا، أو لشكله الأسمر المغري أم بسبب إمكانياته المادية، وبالذات في هذه الحالة حيث يغدق الراوي عليهن بالهدايا الثمينة.

هل هي إدانة للنظام السوفييتي، الذي كان يعاني من ندرة السلع الكمالية؟ أم وصف لتقبل الأوروبيين الشرقيين والغربيين للأجانب في الستينات قبل أن تتكون الصورة النمطية السلبية عنهم؟

وتسلط الرواية أيضاً الضوء على أزمة شخصية الرجل الروسي في السبعينات، الغارق في الإدمان وتمزق العائلة الروسية، ناديا تطلق زوجها، ليوسا في طريقها الى ذلك، صديقتها تخون زوجها مع الراوي. أما البطلة الطبيبة الجميلة الخلوقة نينا بتروفنا فقد حافظت على عذريتها لتكون للراوي المترجم العراقي رغم أنه بعمر ربيبتها ناديا، مفضلة إياه على روسي سكّير!

هل نحن أمام أليغوريا تعبر عن مغزى الرواية؟ هل هو البحث عن رجولة البطل ونضجه، لا سيما وأنها لا تريد الزواج رسمياً منه بل تريده لربيبتها ناديا؟ لكن الرياح تجري بما لا تشتهي الطبيبة الحالمة نينا بتروفنا، فتفقد الاثنين الحبيب وابنتها الربيبة في حادث سير وبهذا تكون النهاية غير سعيدة، ليس كما تعودنا في روايات الحب التقليدية. وتبقى الطبيبة نينا بتروفنا تعيش لوحدها مع آلامها، لا شيء يدفّئ عظامها غير ذكرياتها الحلوة وحنينها إلى الماضي!

***

الدكتور زهير ياسين شليبه

في القصيدة المسافرة ومحاكاة واقعها لدى الشاعر اليمني القدير (محمد ثابت السميعي)

***

بَرْقِيَّـاتْ! 

مِنْ شاعرٍ

ألقى...وزُجَّ بأبعـــدِ:

لمْ أعتدي !

*

مِنْ طالبٍ

شَهِدَ الرصيفُ تَخَرُّجي وتَرَدُّدي:

ما بالْيَدِ !

*

مِنْ مُدَّعٍ

بعمامةٍ وبلحيةٍ وبمعْبَدي:

لا تقتدي !

*

مِنْ مُقْعَدٍ

- رِجْلاهُ تحْلُمُ بالغَدِ -

هاكمْ يدي !

*

مِنْ مُعْدَمٍ

ما نام دون تأَوُّهٍ وتَنَهُّدِ:

هاكُمْ غَدِي !

*

ما شِئْتُ هذا والذي

فَطَرَ النجومَ

لِنَهْتَدي !

***

 التمهيد والرؤية العامة للنص:

يؤسس الناص بإنفراج فكري بمفارقات تقاسيم من واقع مدان. إنها القدرة وقابلية الوعي على الإستيعاب العقلاني للأحداث والوقائع وتحديد موقفه منها.

فلا يكفي أن نعي الأشياء والأحداث المتسلسلة بالوجع زمانياً والمتموضعة مكانياً بل يترتب اتخاذ موقف ما، من ذلك الشيء أو الحدث اللذين وعيناهما ونراهما ونشعرهما بعيداً عن هيمنة المؤسسة السلطوية بكل أحكامها وايدلوجيتها الثقافية على موضوعة الفهم. والذي هو الأساس الأول لنشوء وتكوّن الوعي في عقلية الإنسان.

من هنا اعتمد شاعرنا على مبدأ (قدسية اللغة) الذي أدى إلى ترسيخ خطابه التخارجي الموجه والمحدد والمحكوم تعبيرياً وفق آلية (الدال والمدلول) وقاموسية المعاني في مصرع الحاجة التعبيرية لتواجد المؤثر والمحفز الواقعي المحزن وما تفرضه حتمية الموقف.

وما أضفى أيضاً تلك القدسية على اللغة النصية هو إرتباطها التلازمي مع (الدين) وقناعته من خلاله بحكم حالة التماس والتفاعل الإنساني ومشيئة التأثر القسري، لإخضاع الفعل الكتابي من خلال كل ذلك كما أبدعه الشاعر في نصه 24/9/2024

الإضاءة الكلية:

من منصة العنونة المتنية والتي هي الدلالة الكلية لمضمون النص ومرتكزه بالإنفتاح نمعن بمفردة العنونة

 //برقيات//

فالبرقية معجمياً هي آلية

 الإرسال الشيء من مكان لآخر أو بالأحرى إرسال رسالة مهما كان نوعها من مكان إلى آخر

ولكن الناص كان مهتماً بالإرسال مخاطِباً موجهاً حروفه من خلال البرقيات

لم يقتصد بالفكرة بمفردة برقية مثلاً

بل لجأ إلى صيغة الجمع (برقيات)

وذلك للتوزع الكلي لما رغبه من خلالها

ألا وهو الإنتشار / وتنوع الرسالة أو البرقية

وركز الشاعر على المؤشر الرمزي السيميولوجي

 أو السيميائي إشاراتياً بالنص كبنية كلية حدثية

// مِنْ شاعرٍ

ألقى...وزُجَّ بأبعـــدِ:

لمْ أعتدي !

فذاك الإعتداء الباطل

كان سبباً للزج

فالزج ترميز لتقييد حراك ذاك الشاعر

الذي أنفى التهمة عنه في زمن العفن

لقطة جمالية عالية الفنية

تعطي دلالة تقييد الفكر

فالعلامات السيميائية فعلية هنا دلالة الزج

فهو فعل ماضوي

لم اعتدي يعطي الزمانية الآنية الحاضروية مما يدعنا نرى امتداد الإعتداء بين ماض وحاضر أي استمراريته

فالعلامات السيميائية

ليست متباينة بل جميعها غايتها واحدة بالإرسال برقياً

ضمن كينونة النص

نجد (الناص) رتب اللقطات النصية بمعاني أبعد ماتكون عن الحشو فالقارئ الحصيف يتكيف مع الجمل ونتاج المعنى بعناية لأن عَرْض النص مقنع ومصور بوظيفية تلمح إلى المأساة العامة للخطاب

أي (الناص) رصد شعريته على مبدأ نقاء النوع الذي اعتمده وفرادته ضمن بنائية النص

بتوظيف الشعورية الأنوية إتجاه الآخر

// مِنْ طالبٍ

شَهِدَ الرصيفُ تَخَرُّجي وتَرَدُّدي:

ما بالْيَدِ ! //

على لسان ذلك الطالب يتكلم وهذا يدع المتلقي ينتابه فضول المتابعة الكلية

أشار إلى الحالة العامة تقريباً التي تحصل في مجتمعاتنا عن الطلبة المتخرجين

فالفعلية الماضوية: شهد

ووو

أخذتنا إلى زمكنية مؤكدة للصورة المرادة بهذا التعجب لما يحصل من خلال واقع مر

إذا لاحول ولاقوة أمام كل هذا الأمر

 ماباليد!

فالنص اتسم بالموضوعية وابتعد عن الذاتية المطلقة إلا من جانب الصوت اللفظي الموجه للآخر بثيمة وصفية تحيط الفقرات الشعرية

بالإحالة والانزياح بخروج معني واضح الاشارة والمعيار بإشتغالات تصويرية بكل فقرة

وبإستهجان ونهي على لسان

 مُدَّع

بعمامةٍ وبلحيةٍ وبمعْبَدي:

لا تقتدي !

دعوة لعدم الإقتداء

إعتمد الشاعر على المفردة الدينية للإثراء الحيوي للمعنى

فالمدعي عموماً: هو من يرفع دعوى للوصول إلى حقه قانوناً

 العمامة:

لباس عربي منذ القدم يحيط بالرأس

اللحية:

فرض لا يجوز تركه وأمر الرسول على وجوبه

فمن هنا كانت إشارة الناص لعدم هدم التراث الديني بهذا المد الديني المعكر

فالإفتاء هو صادر عن أهل العلم والفقه والخير وعن أهل المعرفة لا كما نراه حالياً وغالباً من أهل الفقه والمدعين في مستنقع الهدم للدين

الناص أكد على الجانب الصوتي غالباً بعلائق المفردة بكل التقاطة شعرية هذا الصوت خفي لكنه لاذع بالإرسال

 مِنْ مُقْعَدٍ

- رِجْلاهُ تحْلُمُ بالغَدِ -

هاكمْ يدي !

فهو الحلم المؤمل لذاك المقعد إلى قادم مضيء

وكان الإيثار مستفحل بالصورة المعطاءة

// هاكم يدي// التي صورت بكل فنية

فالمقعد:

هو المعاق والقاصر عن الحراك ويشار غالباً لمن فقد أطرافه السفلية

فالمُقعد يؤثر الأمل على ما تبقى لديه

حين يهب يديه إضافة الى إعاقته غاية انفراج قادم

فالمشهدية متمازجة بين ناسج الفكرة مع الآخر برؤيةٍ بل دعم وتبيان

 وهذا ما يسمى بالرسالة الموجهة المضمنة الخفية وهو جزء من أدب الرسائل القصيرة الموجهة والمحددة:

من شاعر... من طالب

من مدعّي...من مقعد

 ...من معدم

أي (من / وإلى)

هي التبادلية فالشاعر يتكلم بلسان الآخر

// مِنْ مُعْدَمٍ

ما نام دون تأَوُّهٍ وتَنَهُّدِ:

هاكُمْ غَدِي !//

إنه الغد المذبوح لذاك المعدم الذي أنهكته التأوهات والحسرة مع كل الألم

من ثم كان ختام النص المحسوم بيقين الناص وتأكيده

ما شئت هنا نفي للرغبة

أي الناص ما أحبّ ذلك

فهو يتخذ من نفسه

القيّم على الآخر ومابه

وكأنه هو المسؤول عن كل تنابذه وعن استنكاره وعن استهجانه وعن آماله

تلك المفارقات لم يكن الناص يرغبها لكنه أوصل ما يجب

 فيقسم "والذي فطر النجوم" بالله أنه لم يكن له يد فيها أي بذاك الخراب فهو يتنحى عن صفة الهدم لكنه أوصل رسالته

ومن بعد القسم يلجأ إلى العبرة والإرشاد إلى الصوابية

// فلنهتدي//

نجد رسالة لها طعم الاستنكار المحزن المبطون

 بالفعل الحاضروي ليعطي للفكرة متسعها الزمني الممتد وأيضاً لتأكيدية الحدثية الزمنية المستمرة

// ماشِئْتُ هذا والذي

فَطَرَ النجومَ

لِنَهْتَدي !//

فالوطنية لدى الشاعر هنا إلتزام اتجاه مايحدث هي مفهوم اخلاقي

ولم تنفصل الوطنية عن الحرية بالنسبة

 //جان جاك روسو// وجادل باستحالتها في مجتمع مستعبد

 فالناص كان التزامه أمام مايراه هو الإستنكار والاشارة

لأن الفرد له حق الحرية والحياة والحق الفردي كما أشار المفكر والفيلسوف الإنجليزي  // جان لوك//

البنية التركيبية استجرها الشاعر بكل مفاصلها إلى  الإلتزام إتجاه مايحدث  بمفهوم أخلاقي

  للمواقف فلقد سلم الشاعر برقياته إلى الآخر يدونها هو لتوسيع الفكرة العامة وللإستطراد بالفضول

فلغة  الناص:

الموجهة تُطلّ على منبر الروح كي نتغامى مع الكلمات 

أقول حَيّ على الجمال

ثم أتلو الصلاة بين تهجداته القيّمة وهذا الإنتماء الشعوري المتفاعل مع محيطه ومطباته بحرية الفكر والإشارة فلم يثنه توجس ابداً بل كان قلمه حراً غنياً ذكرني ناسج الفكرة بمقولة عن #جبران خليل جبران

// التجاهل انتقام راقٍ  وصدقة جارية على فقراء الأدب//

كانت اللغة المقتصدة بتعبيرية مقطعية منحازة لتكثيف الفكرة التي تنظم المفهوم الكلي لوحدته  العضوية

لتعطي إنطباعات اللحظة الشعورية لكل مقطع

لغة ذات صوان راسخ لم تغفل عن جفن الحقيقة لشاعر مبدع له اسقاطاته ومحموله الذي اعتمد بسياقاته على نشر الدالية الذاكراتية لدى الآخر أو المرسل من واقع قابع بالقهر

*

أ. محمد شاعر قدير ملتزم بمصداقية مؤثرة

كل التحية والود

***

إضاءة:

د. مرشدة جاويش - سوريا

 

** في البدء:

الشّاعر المبدع "عمر الغرسلّي" عرفناه إنسانا طيّبا نقيّ القلب كطفل.. هادئا كمتصوّف لا همّ له من الدّنيا غير حكمة المعرفة.. خجولا كشفق الغروب على مُحيّا قمّة الشعانبي.. وعرفناه خاصّة شاعرا متمرّدا هائجا مائجا في فجاج اللغة العربيّة كرياح الشتاء في ثنايا القصرين.. قصائده نابسة به وبزمانها في حداثة مُتشبّعة بمَعينها العريق رغم تنوّع التّجربة الشاملة للشعر العمودي والشعر الحرّ والقصيد النثري وحتى الشعر الغنائي ورغم أنّ الكثيرين دأبوا على خوض غمار الحداثة بواسطة استقدام مناهج الكتابة التي روّجت لها المدارس الغربية الجديدة وفلسفاتها.. إلا أن تجربة عمر الغرسلّي الثريّ رغم أنّه مقلّ تظلّ لصيقة بذاته المنفعلة بحدّة وهو يتفاعل مع ظروفه الخاصة حينا ومع ما يدور حوله في الواقع العام حينا آخر.. هي باختصار قصائد كتبها بأقصى ما في وسعه من حبّ للحياة ومن نقمة على قسوتها معه ومع وطنه وحضارته ..

** أمّا بعدُ:

حين نتأمّل ما ورد في مجموعته ما شعور الرّمح لو طالته أحزاني ؟ نلمس لغة متضرّسة حينا ومترقرقة آخر محكومة بالمفارقات والانزياحات الطّريفة منذ العنوان.. هذا الذي صاغه على هيأة إشكال مستفزّ في تركيب قلب منطق تراتبيّة الوحدات اللغويّة رأسا على عقب ... فلم يكتفي بأن يستفزّك بمعجم السّلاح الفتّاك (الرّمح) أو يستفزك السّؤالِ المثير للفضول (ما شعور...؟) إنما يذهب ليستفزك بهذا القلب لمنطق التّركيب (فالاصل ان يكون: ما شعور أحزاني / فؤادي لو طالها الرّمح؟) فتصبح الأحزان لعمقها وكثرتها أشدّ فتكا كن الرّمح.. ليحقق الانزياح بهذا الشكل التّجسيد المطلوب لهذا الإحساس الثقيل على القلب كما رمت إليه الصّورة الشعرية..

وتمتد

ونلمس أيضا كونا شعريّا قاتما مكفهرّا غارقا في عمق الوجدان تتنازعه شكوى ذاتٍ إنسانيةٍ مستاءة ورفضُ ذاتٍ أدبيّةٍ غاضبة.. وهذا لم يبيّنه العنوان فقط إنما يشفّ عنه ايضا الإهداء والتصدير (الإهداء: إلى أمّي التي أحسنت تربية الحبّ فيّ.. إلى الذين راقصوا الجرح تحت ظلّ الشّمسِ وتفنّنوا في مغازلة الموت كي تحيا القضيّة.. إلى أصدقاء المحنة في هزل الزّمنِ الصّعب.. إلى والدتي العربية..)

(التّصدير: لا تسقني كأس الحياة بذلّة

بل فاسقتي بالعزّ كأس الحنظل

كأس الحياة بذلّة كجهنّم

وجهنّم بالعزّ أطيب منزل عنترة)

الذيْن أعلنا عن تجربة ابداعيّة تتشكّل الذات فيها مُكابِدة: من جهة أولى لأزمة قدريّة مع الظّروف القاهرة التي أجبرته على مغادرة مقاعد الدراسة بموطنه والسّفر للبحث عن فرصة أخرى تتيح له إكمال تعليمه في العراق ثم العودة ثانية إلى تونس في ظروف حرب الخليج وبين الذهاب والإياب خيبات مريرة ومطبّات عسيرة وضياع حبيبة العمر بين صفحات الأمكنة والأيام.. فكان القصيد ملاذا ومتنفّسا.. كتب في ص 69:

(عندما يأتي المساء

يكبر الحزن فأُظهِر

أوراق الآلامِ شِعرًا

حتّى لا أبكي فأُقهَر)

ومُكابِدة من جهة ثانية لأزمة حضاريّة ضربت الامّة العربية في مقتل بضرب العراق بلد مشروع البعث الحضاري وبلد الشّعر ودور النشر وشارع المتنبّي والبحث العلمي والجامعات التي فتحت أبوابها للشّباب العربي قاطبة من طلّاب العلم .. وهذا له حضور مُلحّ واقعًا ورمزا في قصائد شاعرنا الذي كتب ""عراق الأمّة "" في أزمة العراق وقد ألقت بظلالها على سائر المنطقة العربية المستهدَفة بالخيانات داخليّا وبالاعتداءات خارجيّا.. كتب مخاطبا العراق في ص 56:

(قليل من الشوق ما عاد يكفي

لإرواء ظمأى بِحوش هوايا

في سجنك القلب يبقى أسيرا

وحبّك في البال أنقى القضايا...)

وكتب أيضا في ص 75:

(لم يعد لي ما يُجيد الصّدّ

والعمر قد مرّ موجوع الفصول

لم يعد لي ما يزول

بعد أن فرّ الأمان من بلاد العُرب

في هذا الزّمان وانتهى الحلم الجميل..)

لذلك كثيرا ما تداخل في قصائده عشق الحبيبة الضائعة بعشق العراق المغدور ليبدو الشاعر بينهما بمثابة (شهيد بغزوة حبّ)

وتمثّل قصيدة: "" ما شعور الرمح لو طالته أحزاني"" (وهي القصيدة الثانية والعشرون من بين أربع وثلاثين قصيدة) مَعين التّيمات وهي التي وهبت للمجموعة عنوانها كقصيدة جامعة تقاطعت فيها مختلف مقوّمات الكون الشعرى الممتدّ على سائر محتويات القصائد.. تمثّل الشّاهد الأوفى والأجلى على ذلك إذ ورد فيها خاصّة ص 86:

(أيها الحبّ الفريد

هذا وجهي يتغذّى القهر منه

بعدما ضيّعتُ ظلّي

وغزا الظّلمُ ديارا

صار فيها الخوف ربّي...

أيها الحبّ الكبير

لا تلمني.. لا تلم شبلا غريبا

مَوسق الحزنُ خطاه

فسرى كالرّعد مجروح الجمال

يقتفي للمجد آثارا أُبيدت

ربما يحيا قليلا كي يرى

في العُرب يوما تلتقي فيه الجبال...)

وقد أقام شاعرنا هذا الكون الشّعريّ المعبّر عن غربته العميقة بمختلف مستوياتها على خطاب شعري يضجّ بالسؤال المحيّر

والمستفز في عناوين القصائد (كقصيدة: مَن علّم الدّمع سجر العيون؟ ص 23 وقصيدة: متى تأتي؟ ص 114..) كما في متونها كقوله في قصيدة: عندما يصبح الموت امتيازا ص 38 التي بُنِيت بكاملها على تواشج طريف بين السؤال الوجوديّ

والسؤال الحضاري:

(أ في كلّ حين نموت؟؟

ونشعر أنّا انتهَينا

بوجه جديد نعود

ونشعر أنّا اختفينا

لظى الشّوق فينا يزيد؟ ..

أ نمضي..؟

نزوّق وجه الزّمان

برمي الورود..

وقتل الجحود

ورفض السجود؟)

كما تميّز هذا الخطاب الشّعريّ بتنوّع مستويات التّجريب اللّغوي _سواء في مهارة المجاورة بين المعاجم المتباعدة كقوله مثلا في ص 91 ضمن تنويعة من معاجم الرّحيل والهندسة والقيم والجغرافيا والوجدان.. عبّرت أحسن تعبير عن تنوّع مظاهر غربة الذات:

(تعبت من السفر الدّائري

ومن زمن التّيه والجبناء

وصارت لديّ حدود وصارت لديّ قيود..

بعد عينيك.. وصار لديّ قفاء..)

- أو في مستوى توليد المجازات.. ومثل ذلك ما نجده في ص 112 من فنّيّة تحويل مشهد الوصال ليلا إلى وليمة لذيذة لها طعم ورائحة:

(تعالَيْ.. فطعم الليالي بقربك أشهى

وللحبّ رائحة تتهشّم

فوق رصيف البلاد

وتشتاق نوما على شرفات الأصيل..)

أو في مستوى قلب موازين التّركيب وبطرق متنوّعة كما ذكرت سابقا منه ما بدا في العنوان او في القصائد / المتن.. كتب في قصيدة: كي نعود لنا ص 94

(لغة تتجمّل صمتا .. تربك ذاكرتي

تأتي لا ترحم لي صفة.. كي تعبث بي.. كي تبعثرَني

تأتي متجمّرة.. كي تسبح نيرانها في دمي

كي يسهر عند كلينا الهوى....

لغة تتجمهر صمتا

تأتي ممرّضة

تتأمّل أوجاعا لم يقلها الهوى

كي تنهل من تيهي...)

** وفي الأخير:

هذا نزر ممّا استَوقَفني من تجربة شعريّة مميزة تضيف أثرا ذا قيمة وجَودة إلى مدوّنة الشعر التونسي في مرحلة التّحديث اختار صاحبها ان يواكب زمانه برصانة دون مكوث عند مآثر الأصيل ودون احتذاء ببهرج الدّخيل فكتب مكابدته وألمه (ليس بسيف عنترة إنّما بوهجه السّاطع.. وليس بقلب جميل إنّما برقّته وعِفّته.. وليس بقرطاس المتنبّي إنما بعنفوانه وهيبته) فواكب مسيرة كوكبة من جيله الذين لم تناسبهم مخرجات مؤتمر الحمامات الأدبي فكتبوا جراح الذات والوطن بمرارة إحساسهم بسطوة الحياة عليهم وبسطوة غيلان العالم على وطنهم أمثال محمد الهادي الجزيري والمرحوم رضا الجلالي وآخرين. ...

***

كوثر بلعابي - تونس

"نينا بتروفنا كوكب درّي لا يُلمس بل تلتهب الأصابع قبل أن تلمسه.." ص 389

القسم الثاني: اللغة:٢-٤

حسب الشيخ جعفر شاعر عَلَم معروف ومترجم قبل أن يكون روائياً، يتميز بأسلوبه الخاص وطريقته في التعامل مع اللغة واختيار المفردات بحذر مما أثر كثيرا على أسلوب روايته "نينا بتروفنا" التي نحن بصددها في هذا المقال.

واللغة هنا عامل شد مهم بالنسبة للقارئ، لأنها رصينة وغنية بالأفكار ومتقنة ومحكمة وبعيدة عن الإنشاء، والصنعة المفتعلة والانطباعات السطحية، والتقريرية، وهنا شغلتني بمحاولة ترجمة حواراتها الى اللغة الروسية لأنها بالأصل دارت مع مواطنين روس، وتحولت القراءة إلى نوع من التفاعل بيني وبين الراوي.

لغة فيها مفردات مترجمة بشكل حرفي ودقيق من الروسية قد لا تتناسب مع الحوارات العربية المتداولة بين الناس العاديين، مثل "لنمتطِ المركبة" ص 123، "لا تتساخَ يا صاح" ص 128، "لا اتصال ولا انفصال" ص 129، اعتقد بالروسية (ني أتفيتا ني بريفيتا) لا جواب ولا تحية، او لا جواب ولا خطاب، "لا تتفاصح" ص147  "لا تتفكّه" ص 155، " أنا وحيدة... متشوقة وشائقة" ص 121، "تنتظر أضيافاً" ص 223، "منحة سخية" ص 164، "قل متعالمة" ص 183، "أباق بالشذى" ص 218 ، "عكاز عزوبته" ص 188، "لا أريد منك وشلاً" ص323، "اصطراع" ص 96، "جثوم الليل" ص101، "المخدع" ص 113، "لا تكن متخاشناً" ص 123، وأمثلة أخرى كثيرة تعكس رغبة الكاتب في التجريب والبحث عن الدقة وحث القارئ على التفكير بها. ليست اللغة هنا أمراً مفتعلاً أو متكلفاً، بل لها علاقة بموقف البطل من الحياة، وتأكيد على أليغوريته في البحث والتأني.700 Nina Petrova

بل إن الراوي يشير في حواره مع نينا بتروفنا، إلى مشكلة الترجمة من الروسية الى اللغات الأخرى "روسياً أنتم لا تقولون: شيطان يأخذك. كما يترجم عنكم العالم أجمع بل تقولون حرفيا: شيطان خذ أنت..." فتنصحه "فترجمها أنت كما تقولها"، يرد عليها "سأتَّهم بالخراقة اللغوية". ص 181 أو: لتأخذ الشيطان، أو ليأخذك الشيطان، لكنها قد تعني: أيها الشيطان، خذه!

وهذا ما يؤكد اهتمام الروائي باختيار المفردة في مشغله الأدبي بشكل خاص، لاسيما وأنه درس أساليب الكتابة الإبداعية في معهد غوركي، التي يمكن ملاحظتها بسهولة في هذه الرواية. أسوق هنا كمثال على ذلك عدم وجود Taoutology اي تكرار المفردة في الجملة الواحدة إلا ما ندر، والتي تعاني منها الكثير من الروايات العربية. قد يكون هذا بسبب طبيعة اللغة العربية والفرق الشاسع بين المحكية والفصيحة.

وييدو حرصه اللغوي واضحًا في ترجمته لمفردة "سكن عام"، فيستخدم الكاتب عدة مصطلحات مثل "المنزل الطلابي الجماعي" ص 17 أو المنزل الجماعي الطلابي" ص 193، والقسم الداخلي، لكنه ينتهي باستخدام المفردة الروسية كما هي في الأصل "أوبشيجيت". ص279

أما كلمة "داتجا" تُلفظ بالتشيم العراقية (جنينة، بيت ريفي، خارج المدينة، صيفي، ز. ش) فإنه يفضل أن يستخدمها كما هي بالروسية، و"يتحايل سردياً" كي يشرح معناها في حواره مع صديقته نينا بتروفنا. ص 367، ويقول "البريوزكا" ص 173 وهي اسم محلات السوق الحرة المعروفة في الاتحاد السوفييتي السابق، ومعناها شجرة الباتولا.

يبحث البطل هنا عن تحديات لإشباع رغباته الثقافية من خلال الدايالوجيا/ الحوارية عن الأدب الإنساني، لهذا فإن الكاتب يبين أن صديقة الراوي الشابة المهندسة ناديا تتقن الإنجليزية "فقد علمتها نينا بتروفنا هذه اللغة منذ صغرها. وهي تجيدها إجادة تامةً". ص 239

وتقرأ ناديا النتاجات العربية، التي يحب الراوي أن يناقشها معها، مترجَمَةً إلى الإنجليزية إذا لم تكن متوفرة بالروسية. "سأعيرك روايته عودة الروح" تسأله: "مترجمة الى الإنجليزية؟" فيجيبها "لدي ترجمتها الروسية". ص 77 

ثم يقترح عليها قراءة (البخلاء) ص 239، بل إنها تناقشه فيما بعد في أمور أصعب "اسمع. صاحبنا.. صاحب (البخلاء) ما اسمه؟ دعني اتذكر. هو الجاحظ فيما أظن. ما الذي أقعده عن كتابة الرواية أو القصة القصيرة مثلاً؟ لماذا اكتفاؤهم بالحكاية الصغيرة المليحة أو الخبر السار... حكايات إيسوب...ليست قصصا قصيرة...". ص 293

وفي مكان آخر من الرواية فوجئ البطل بأنَ إيرينا صديقةَ لووسا (ليوسا)، التي يتعرف إليها، مُستعربةٌ، بل يمكنها أن تُعينَه في الترجمة من الروسية إلى العربية! ص 382

هل هو تعبير عن الشوق والحنين الثقافي والرغبة في التزود به، لكن ليس مع "رهطه" كما عبرت "أمّه" وخليلته نينا بتروفنا بل مع الآخر!

وقد يتعين على القارئ في بعض الأحيان، أن يبذل المزيد من التركيز لفهم الحوارات بسبب انتقالات الأحداث السريعة، يقول الراوي لجارته لووسا: "وداعا لراحة الكرى كما يقول المغربي"، فترد عليه " بل قال، فيما أظن، وداعاً للألوية والأشرعة. وكما قلتَ أنتَ: أشرعتي، الليلة مرتفعة حتى الضحى". ص 148 ويقول في مكان آخر من الرواية "– قبل أن يستيقظ (المغاربة) ... لا تعكسي الحقائق. أنت (المغربية) البليغة. ص 239 وهي اقتباسات من شكسبير. والأمر نفسه في "اسخَ بمنحة على لحية المشجب البيضاء النحيلة الآن" ص 265، و"... لامتلأت الشقة دخان شك!". ص 136

ولا أعتقد أني ابالغ إذا ما قلت إن رواية " نينا بتروفنا" من الروايات العراقية الأكثر جدية وأهمية من حيث إدارة الحوارات وحماسة أو ما يسمى (Pathos باثَس) السرد المتواصل والديناميكي المكرس لفكرة معينة أراد أن يقدمها لنا الكاتب ليس بأسلوب الروايات الواقعية كما قلت سابقاً، بل على طريقة المزج بين (دايالوجيا) حوارية دوستويفسكي وأساليب فوكنر. ولهذا فإن النقاد المولعين بالطرق البنيوية وتحليل الخطاب الروائي إلى أنواع قد يجدون ضالتهم في البحث هنا عن تداخل نصوص متنوعة أو "تناصات" وميتاسرديات. وتصبح اللغة هجيناً من الرومانسية لتعكس حالة الوجد والهيام والإحباط والانتقالات السريعة تعبيرا عن الكاثارسيس (جلد الذات) ونهاية حالات التشرد، بالذات في الصفحات الأخيرة. " لا اريد أن أتزوج إلا نينا بتروفنا. ولا أحب إلا نينا بتروفنا. ومن المعتوه، كما قلت أنا مراراً، الذي يتخلى عن امرأة مثل نينا بتروفنا؟". ص 387 "...

إلا أن نينا بتروفنا كوكب درّي لا يلمس بل تلتهب الأصابع قبل أن تلمسه..". ص 389

***

د. زهير ياسين شليبه

 

تكمن مهمة الهايكو في إقصاء المعنى عند تشكيل خطاب مقروء (تناقض غير مقبول في الفن الغربي الذي يثابر من أجل ترسيخ المعنى من خلال تقديم خطاب يعتريه اللبس والغموض). لا يشبه الهايكو شيئًا على الإطلاق: هو نص بسيطً، واضح، مفعم بالبهجة والرقة - وفي كلمة واحدة، "شاعري"، إنه يطرح مجموعة متكاملة من الأشكال الجمالية التي لا تحمل معنى، إنه يشاكسنا حين يتخلى عن تلك الميزات التي منحناها له، ويعمد إلى تعطيل المعنى؛ الشيء الذي نعتبره غاية في الغرابة، وبذلك يجعل الهايكو تفسير النص - كممارسة طبيعية للغة - أمرا مستحيلا. لنتأمل النصوص التالية:

(1)

نسيم الربيع:

يمضغ الملاح ساق عشبه.

(2)

اكتمال القمر

على الحصير

ظل شجرة الصنوبر.

(3)

في منزل الصياد

رائحة السمك المجفف

والنار.

وأخيرا (وليس آخرا، فالأمثلة لا حصر لها):

تهب رياح الشتاء،

عينا قط

تومضان

مثل هذه الآشكال (تلك الكلمة الموسومة بالهايكو هي كجرح طفيف محفور على وجه الزمن) تحدد ما يمكننا تسميته بـ "الرؤية من دون تعليق". هذه الرؤية (الكلمة لا تزال غربية خالصة) في الحقيقة غاية في الخصوصية. لا يخدم الهايكو أيًا من الأغراض (فلا طائل مطلقا من ورائه) التي يصبو إليها الأدب، وأهمها (اقتناص المعنى)، فكيف له أن يقوم ببعض المهام كالإرشاد والتصريح والانزياح؟ على هذا النسق، تتصور بعض مدارس الزن التأمل في وضعية الجلوس كتدريب غايته ممارسة الطقوس البوذية، لكن البعض لا يقبل بهذه الرأي (الذي يبدو جوهريا): فغاية المرء من البقاء جالسًا هو " مجرد البقاء جالسا." "أليس الهدف من كتابة الهايكو (مثل كل الإشارات التي لا حصر لها والتي تميز الحياة الاجتماعية الحديثة في اليابان) هو " الكتابة " ذاتها؟

يخلو نص الهايكو من مهمتين أساسيتين في كتابتنا الكلاسيكية (البائدة): أولهما الوصف (ليس هناك وصف لسيقان عشب المراكبي وظل شجرة الصنوبر ورائحة السمك ورياح الشتاء، وقد خلت النصوص أعلاه من الدلالات والمعاني الأخلاقية التي تكشف عن حقيقة أو عاطفة ما : فالواقع لا يقبل المعنى؛ حتى الواقع لم يعد يتطلب معنى له)؛ وثانيا، لا يتحول التصريح إلى تلميح فحسب، عندما يكون مجرد إشارة، بل أيضًا إلى نوع من المظاهر الغريبة وغير الجوهرية للأشياء، كما تصفه إحدى حكايات الزن بطريقة لطيفة، حين يعرض السيد جائزة لمن يستطيع الإجابة على السؤال التالي: (ما المروحة ؟)، بالطبع ليس الفائز من يقوم بشرح إيمائي صامت وواضح لوظيفتها الأساسية (التلويح)، ولكن من يقوم بعديد من الإجراءات غير المألوفة ( كأن يغلق المرء المروحة ويحك بها عنقه، ثم يعيد فتحها، ويضع عليها كعكة صغيرة ويقدمها إلى السيد. ليس الوصف أو الشرح مهمة الهايكو (كما سأقوم، في نهاية المطاف، بتسمية أية صورة غير مترابطة وأي حدث من أحداث الحياة اليابانية بالشكل الذي يقدم نفسه لقراءتي)، يتضاءل الهايكو إلى أن يصبح لا شيء غير مسماه المحض الفريد. "هو ذاك، هو هكذا، هو كذلك، أو هو أفضل من : هكذا،" يقول الهايكو كل ذلك بشكل فوري ومختزل، (دون تردد أو تكرار). ليس المعنى سوى وميض أو شعاع من النور؛ كما يقول شكسبير: "عندما يخبو ضوء المعنى، يتجلى " النور الخاطف الذي يكشف العالم الخفي"؛ بينما يشع وميض الهايكو، لكن دون أن يكشف عن شيء؛ إنه وميض صورة فوتوغرافية يلتقطها المرء بعناية شديدة (بالطريقة اليابانية) دون أدنى اهتمام بتحميل الفيلم داخل الكاميرا. أو مرة أخرى: يعيد الهايكو استنساخ إشارة الطفل باتجاه شيء ما (لا يبدي الهايكو تحيزًا لموضوع)، وهو يقول: ذا! بحركة سريعة ولافتة (مجردة، إلى حد كبير، من أي وساطة: للمعرفة أو البحث عن مسمى للأشياء أو رغبة في تملكها)، إذن لا جدوى في الهايكو من تصنيف الموضوع: "لا شيء يتسم بالخصوصية،" هنا يتفق الهايكو مع روح الزن حين يمضي قائلا: لا يمكن تسمية الحدث وفقًا لأي تصنيف، فبدوائره الصغيرة المائزة: التي تشبه حلقة مزينة، يلتف الهايكو على نفسه، فالعلامة التي يتم رسمها، تُمحى: المحصلةُ لا شيء، يُلقى بحجر الكلمة لا لشيء: لا لإحداث موجات أو تدفقات للمعنى.

***

حسني التهامي - شاعر وناقد

............................

- ملحوظة: نشر المقال في مجلة البيان الكويتية.

للشاعر والروائي العراقي حسب الشيخ جعفر

أسمعُ بيانات ثورة الرابع عشر من تموز... بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية

حسب الشيخ جعفر علم من أعلام العراق، درس الأدب ومناهجه في معهد غوركي الروسي، تميز بالتواضع والهدوء بعيدا عن الأضواء والأصوات العالية. من حسن حظه أنه لم ينشغل بالسياسة كثيراً ولم ينقطع عن التعامل مع الكلمة في الأدب شعراً ونثراً والترجمة والصحافة واتجه في السنوات الأخيرة نحو الرواية فبرزت قدرته اللغوية وعرف كيف يتعامل مع المفردة بعناية وتأن.

عرف بديوانه البِكر "نخلة الله" الذي انتظر تسعة أعوام قبل أن يصدره عام 1969، ودواوينه الأخرى مثل: الطائر الخشبي 1972 - زيارة السيدة السومرية وغيرها وترجم الشعر الروسي الى العربيه. وأصدر "رماد الدرويش" وروايته الرائعة "نينا بتروفنا" التي نحن بصددها في مقالنا الحالي.

هذه السردية واقعية لكنها غير تقليدية، تركز بالذات على سلوك الإنسان الخاص غير العادي في حياته اليومية ووجوده، إنه بطل العصر والزمان مغرم ولهان، لكن بدون معاناة "ليرمانتوفية"، يقارن نفسَه بالشاعر بايرون، "ماذا يتبقى من (ساعات فراغ) بايرون لنينا بتروفنا"حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014، ص 249

القسم الأول: شغف الرواية

كانت بالنسبة لي متعة شخصية بالذات أن اقرأ رواية "نينا بتروفنا" للشاعر والروائي حسب الشيخ جعفر، (394 صفحة) المكرسة ظاهريا للعلاقات "الغرامية" بين روسيات و"ذكر" عراقي قادم من أعماق الجنوب يعمل مترجماً في موسكو، لكنها تطرح تساؤلات مصيرية كثيرة، وسيكون لها أهمية خاصة في السرد العراقي.

تركز هذه السردية بالذات على سلوك الإنسان الخاص غير العادي في حياته اليومية ووجوده وأزمته العميقة ومشاعره الداخلية في البحث عن الأنا والهوية، إنه بطل العصر والزمان مغرم ولهان، لكن بدون معاناة "ليرمانتوفية" ظاهرة كثيرا في تجلياته، يقارن نفسَه بالشاعر بايرون، "ماذا يتبقى من (ساعات فراغ) بايرون لنينا بتروفنا". حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014، ص 249

إنها رواية مفعمة بالشغف   Passionبمتع الحياة العاطفية والثقافية والحماسة Pathos الشديدة لها، فالبطل عاشق لنينا بتروفنا وربيبتها وغيرهما من النساء الجميلات، لكنه منتم ٍللثقافة والتراث الإنسانيين شغوف بهما، ينهل منهما يوميا مستشهداً بالمفكرين الغربيين والشرقيين. ويبرر الكاتب حجم هذه الرواية، "لماذا أكتب هذا، لماذا الإطالة؟ أليس التلخيص هو الأجدى؟ ... سألتْ سيدةٌ الكونتَ تولستوي: ألم يكن بمقدورك تلخيص روايتك؟ إنها طويلة، فلم يمكنني أن أقرأها. قال الكونت: صدقيني يا سيدتي.. هذا أقل تلخيص استطعت التوصل إليه". ص 251

من المعلوم أن ليو تولستوي أعاد صياغة روايته "الحرب والسلام" إحدى عشرة مرة وفي روايات أخرى ست عشرة مرة. 

تدور أحداث رواية "نينا بتروفنا" في عاصمة مهمة، درس فيها آلاف الشباب من كل العالم، بينهم العديد من العراقيين، إلا انهم ليسوا بالضرورة تجولوا فيها وجابوا شوارعها مفتونين بها وبفتياتها كثيرا كما هو الحال عند الراوي، الذي تنقّل في أغلب أماكن موسكو وارتادَ مطاعمها ومقاهيها الشهيرة منذ الستينات. إنها حالة من التشرد والتجوال وحركة دائبة ومتواصلة ومستمرة تكاد أن تكون يومية في مدينة هائلة مثل موسكو، تحتاج الى الوقت والطاقة والإمكانية المادية، فهي إذن ذات أبعاد ودلالات رمزية وأليغوريا Aligori البحث عن شيء مفقود.

لكن عمَّ يبحث البطل في تنقلاته المكوكية الزمكانية المستمرة مكوناً "هرونوتوبات" Chronotope خاصة به؟ هل يبحث عن شغفه وحريته او عالمه الخاص به؟ هل هي تعويض عن ناستولجيا الحضارة السومرية وجنوب العراق الذي قدم أو "هربَ" منه؟ أم هي البحث عن الذات والأصالة ومقاومة شعور التهميش، الآفة التي تفترس المبدعين في الغربة، "لا بد من أنني (أجنبي) عاثر الطالع...في هذه المدينة الهائلة". ص155

وعندما تقول له نينا بتروفنا في نهاية الرواية "إن لك عالمين: الريف والمدينة" يصحح لها مؤكدا "بل القرية وموسكو" ص 367، ويردد "أعيتنا المواعيد، أنا الغريب، وأوكاري المناطيد..." ص 215، أو أنه هروب أو "تهرب" من علاقة متأزمة مع ماض ٍقاس ٍ اجتماعياً وسياسياً. تسأله صديقته الروسية فيما إذا كان هناك سيارات في قريتهم فيجيبها "لا وجود لها في أريافنا الجنوبية، ص 157.. أبي رجل دين.." ص 158، أم أنه مجرد إشباع الغرائز وتعويض عن الحرمان، كما حدثته فيما بعد، صديقتُه الشابةُ ناديا عن أول لقاء لها بالطلبة الأجانب قبل أن تتعرف إليه، "ما أحلى الجلوس معك في المقهى.. بين الأنظار المستغربة!... ملأى بالمتوحدين ... المقهى الصغير في الطابق الأرضي من فندق موسكو.. ما أكثر الطلبة الأجانب الوحيدين هناك! ... أخذوا يفترسوننا بنظراتهم الكاسرة، الجائعة افتراساً. من غير أن يجرؤ أحد منهم على الدنو منا. فانهزمنا لا خوفا منهم بل سخرية. يلوح لي أنني رأيتك جالساً بينهم". ص96  ونقرأ في الرواية" في ريفنا... كنت أرى اللقالق ... أما الطيور المهاجرة الأخرى القادمة من سيبيريا ... لم أرها إلا جثثا مقطوعة الأعناق تباع ..." ص 365، ويقول " كنت أذهب صباحا مرتجفا برداً، في ثوبي الهزيل إلى مدرسة القرية...كتبي ممزقة ...ويوقفني المعلم ...كأول تلميذ فاشل.." ص 166...وفصلت من الثانوية بعد (تزعمي) تظاهرة طلابية ثورية ... لم يبق من أحد يقود التظاهرة غيري وطالب كردي منفي من السليمانية إلى العمارة .... فإذا بي أسمع بيانات ثورة الرابع عشر من تموز... بدأ العنف الدموي الذي لم ينته إلى اليوم بين القوى النيرة والقوى الظلامية". ص 168

قد يكون هذا هو سبب "قطيعته" مع "مواطنيه ورموز" الوطن كما لاحظتْ صديقتُه نينا بتروفنا، التي "تقرعه" كما تقوم الأم بذلك مع طفلها " لماذا أنت (متعال) على (رهطك) و (متناء) عنهم؟" فيجيبها "لا صاحب لي بينهم.. إلا واحد أو اثنين" ص303، لكنه يحب "النخيل والبتولا" قبل الأشجار الأخرى. ص 182، وتعترف نينا بتروفنا في مكان آخر من الرواية بأنه مشرد فتقول له " أنت أصبتني بعدوى التشرد والسكر ...". ص 328

حتى عمله كمترجم ليس بلا متاعب نفسية وإحباطات " و(طفقتُ) أترجمُ. هي رواية من (القصص الروتيني) تصطنع من الإنجازات الصناعية ملهما لها. وما عليّ، أنا أترجم وأنا أعمل كأي (مستأجر).." ص 179 ويتحدث ايضا عن رفض عرض مسرحيات سارتر في موسكو لمجرد أنه انتقد النظام السوفييتي. ص 202

أم إن كل هذه الأسباب نتيجة حتمية لهذا الإحباط والتشرد وكأنه صرخة من أجل طلب المساعدة بحثا عن الانتماء في هذا الزحام!

ورغم إن هناك موقفاً أخلاقياً سلبياً من هؤلاء الأجانب المنشغلين دوما بالعلاقات المتعددة مع النساء، ومع ذلك أعتقد أن القارئ يقرأها بشغف كونها ليست إيروتيكية مبتذلة، ولقدرة الكاتب الكبيرة على إدارة الحوارات وقوة اللغة والأسلوب وتنوّع الشخصيات من خلال وصفها من الداخل كما سنرى في الأقسام الأخرى من مقالنا المكرّس لها. 

أنا بالذات قرأتها مستمتعا محاولا تذكر هذه المدينة العريقة التي عشت فيها مكانا تلو الآخر.

***

الدكتور زهير ياسين شليبه

(فَقَدَ الموت طرافته..

مذ صار خلوا من التواقيع)!!

استهلال مفزع جاء به الحطاب وصورة شعرية بمقاربة غير واقعية جسدها جواد ليقف والقارئ على مقربة من حقيقة شاخصة تتمثل بالموت، ورغم ما يحمله هذا القادم من شؤوم إلا أنه بحاجة فعلية للكثير من التواقيع ليتم تجسيده واقعا في الحياة، ومن غير تلك التواقيع تتغير المعادلة ويكون الموت جريمة وليس الحق المعتاد والمقسوم في الغيبيات على البشر دون راد لتلك القدرة التي يمثلها الموت، الذي إن وقع كان تجسيدا لحالة مفروضة. لكنها بلا تواقيع جريمة.

في الصباح ذاته..

في الساعة ذاتها..

يروح لساحة النصر

.. يجمع أطرافه التعويضية

ويؤدّي التحيّة – بإنفعال - للتمثال

منصتا، بشكل دؤوب

لخطاب جنراله المنتحر..

(.. يراقبه الشحاذون بإرتياب

ويفكّر صبّاغ الأحذية الصغير

: ما شكل الفردة الأخرى ؟!!

.. ولنفسه، يتمتمُ المسرحي:

يصلح – هذا الكاركتر- لتسلية الأطفال..)

صورة تعويضية بتوصيف دقيق، ذهب إليها الحطاب للإشارة إلى أولئك الذين شاركوا وعايشوا الموت ومشوا في دروبه وخبروا طرقاته، لكنهم نجو بتواقيع أخرجتهم من دائرة الحطاب الموصوفة بالموت بلا تواقيع، أفادتهم اصاباتهم وابتعادهم عن تلك الدائرة القاتمة الموحشة التي رسمها جواد لينبذ من خلالها (هيبة الموت) ويوزعه مجاناً بلا تواقيع، وهذه كارثة تنبه الحطاب وأفرد لها خطابا وجدانيا دون رتوش، والقصيدة إشارة ومغزى فهل تفهم من خلالها شفيرة الموت التي أرسلها جواد.

أطراف تعويضية أخرجته من دائرة الموت ولازال مصراً أن يتبع جنراله (المنتحر) وذلك توصيف بدلالة الفعل أراد منه الحطاب الإشارة إلى سلوك القطيع، فعلى الرغم من خروجه من تلك الدائرة المرعبة لازال يتقمص دوره السابق ليتبع، وتلك أيضا إشارة في اللاشعور، وقيل أن العقيدة بكل توصيفاتها هي لا شعور سواء كانت في (الدين، السلاح، العرق، الطائفة، المجتمع).

الصورة التي جاء بها الحطاب تعويضية أيضا مثل أطراف ذلك المقاتل التابع للجنرال المنتحر، وفي التعويض أيضا أكمل الحطاب مشهد الصورة الشعرية بحضور الجنرال على هيئة تمثال، لكنه في اللاشعور حاضر يقينا، هي عملية استدراج القارئ من خلال محاور الصورة التي تعددت عند جواد الحطاب وكانت لاتضيق على دائرته رغم أن المشهد الذي جاء به ليس بالجديد، لكنه أجزم أن يحمله مزيداً من التهويل في المماثلة والتوصيف فقربنا من خلاله إلى مشاهد نعرفها ولمسنا منها الكثير وعايشنا تجارب أصحابها فهي واقعية بالنسبة لنا، لذلك كان تناول الحطاب لها حقيقيا حين جسدها بواقعية رمزية دلالية.

2-

في الليلة ذاتها..

في الفراش ذاته..

يرزم أحلامه، تحت رأسه، بأكياس معتمة

وينام على الجرائد أسفل الجسر

..

يتذكّر بإنكسار

كيف أخفت حبيبته بين سوتيانها

وسامه الحربي، الذي لم يعجب تاجر الانتيكات.

وفي الثانية جاء الحطاب باللاجدوى كتأويل مقرون بالوصف لتبيان الخيبات المتراكمة التي يوصف بها القطيع لكنها مستترة في النص مقارنة بواقع مآل الأمور فلا الأوسمة تقبل ولا تقلبات الحياة مقبولة نظير ما قدموا (كيف أخفت حبيبته وسامه الحربي بين سوتيانها)، (وينام على الجرائد أسفل الجسر).

هناك في اللاشعور خيبات عدة ومفردات تعبر عن إنكسارات يغطيها المكنى بأحلام وصفها الحطاب بالمعتمة حين أخفاها بالأكياس وهي كناية عن عدم الأفصاح عن الحقيقة التي يعرفها صاحب الأطراف لكنه يخفيها بتأويل (تحت رأسه) لأنها أحلام.

ثم يأتي الحطاب بتأويل أخر يجسد الفقد في حياة ذو الأطراف فيقول (وينام على الجرائد أسفل الجسر)، أشارة لشريحة قدمت ثم عانت وبات أصحابها يعانقون الفشل والفقد والحرمان (مشردون)، واقعية مأساوية نقل خلالها الحطاب واقع مزري لكنها صرخة تدوي بصداها في أرجاء الإنسانية التي فقدت حياديتها وما عادت تجسد واقع مسماها، تصوير مدهش لواقع مرير، وتلك الميزة التي يوصف بها جواد الحطاب فهو يكتب بألم وتجسيد لمعاناة واقعية وليس بتوصيف خيالي أو تزويق يشوش على الصورة أو أن ينقلها بغير ما هي عليه.

الموت هو الحقيقة الوحيدة الشاخصة وبإصرار، وحين يكون بلا تواقيع يفقد هيبة طقوسه وقداسته الشكلية، ومنها ذهب الحطاب ليبني نصه المهول في دائرة اللاشعور وداخل السخرية فيه ليخفف من وطأة أو حدة فكرة الموت التي تعبر عن حقيقة متفردة في مشهد الحياة التي أن خلت ساعتها من التفاصيل سيفرغ الحدث من محتواه، وتكرس تفاصيله ماثلة بالأداء الذي لايخلوا من اجراءات وروتين وتواقيع كي يكون شاخصا ملموساً بما فيه من توجس.

كتب الحطاب نصه قاصدا اللاشعور ليعكس من خلاله الحقيقة التي يمثلها (الموت)، لكنه داخل الحقيقة بما يخفف وطأتها حين حول المشهد الجنائزي للموت ب(كاركتر) يضحك منه الأطفال.

لا أدري ربما يتذكر من يقرأ نص الحطاب هذا (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) التي جسد فيها ماركيز عزلة الجنرال وانتظاره، وهنا جاء الحطاب ليجسد انتظار البطل في النص خطاب جنراله المنتحر، والذي اعتاد الوقوف أمام تمثاله مؤديا التحية متخيلا استمرار خطاباته.

عناصر عدة عمل عليها الحطاب في نصه (تداخل، تشبيه، تأويل، تكرار الصورة، دقة التوصيف، المكان، الزمان، الشخوص، الصفات) وغيرها جسدها جواد الحطاب بدقة ليمنح القارئ صورة رائعة مقترنة بالتأويل الحسي واللفظي يوضح من خلالها أن اللاشعور يخلق أجواءً تضفي من الرمزية الكثير على حياة الأشخاص، وأن الحقيقة قد تتماثل أو تتغير إن لم تكن وفق نمط الاعتياد، أي أن خاصية التعود تأخذ بالإنسان ليكون من ضمن القطيع بتصرفه وذلك ما يعكسه سلوكه وتصرفه.

لذلك عمد الحطاب لتبيان أن الليل (العتمة) تنقل إيقاعات تختلف والتصور الحسي والمنطقي المعتاد عند الإنسان، لكنها الفكرة والتعود واللاشعور ما تجعل الأنماط تختلف.

قصيدة هائلة مهولة بنيت تفاصيلها بواقعية منطقية، نقل من خلالها جواد الحطاب التناقض مابين الواقع والحلم، والأصرار والاعتياد الذي يخلق حالة التعود وفق سلوك القطيع، لكنه فاجئنا كقراء أو دارسين للنصوص بفكرة تحول الموت (وهي حقيقة) إلى جريمة حين يخلوا من التواقيع.

3-

في البلدان، التي تشبه ساحاتها، ساحة نصره

ربما محاربون مثله،

جنرالات منتحرون مثل تمثاله

.....

يتسلّلون من دون موتوسيكلات حراسة

ومن الخراطيش الفارغة..

من أزقّة السبطانات

يتوالدون بذاتهم

ويندلقون، طبولا، نحو سنتر المدينة

فيمتلئ الليل بإيقاعات أطرافهم الخشبية

في هذا الزمن المتخلف عن الإنسان..

***

سعد الدغمان

 

كتب الكاتب الرِّوائي (جيلالي خلاص) على ظهر غلافها: (كتب بوجدرة بالفرنسية فأبدع، حتى اعتبره الكثير من النُّقاد من أكبر المجددين في الأدب الجزائري المعاصر (المكتوب بالفرنسية)، بيد أن جمهرة من النُّقاد ظَلُّوا واثقين أن قوة بوجدرة الإبداعية تكمن في إطّلاعه الواسع على التُّراث العربي ودرايته المتينة بأساليب اللغة العربية. ولا ريب أنهم لم يخطئوا. هذه روايته (التّفكك) الأولى التي يكتبها بالعربية مباشرة، فذّة، جريئة. ثورة في الأسلوب، قوة في الطّرح، وتفجيرٍ لواقعٍ طالما أرهب طَرّقه الكثيرين من مبدعينا. رواية (التّفكك) كاسرةَ جليدٍ أسطورية تشق كتلاً من الصّخر الأصم في بحر الصّحراء القاحلة التي تحاصر واقعنا المرير.)

(التفكك) هي أول رواية لرشيد بوجدرة كتبها باللغة العربية، النُّسخة التي بين يدي هي الطّبعة الثّانية الصّادرة عن الشّركة الوطنية للنشر والتّوزيع بالجزائر عام 1982. جاءت الرِّواية في حجم متوسط في مائتين وتسع وسبعين (279) صفحة موزعة على إحدى عشر (11) فصلاً دون عناوين فرعية ولا ترقيم، وقد اعتمدت في الفصلِ بينها على البياض الذي يفصل بين كُلّ فصل وآخر كالأتي: (ف 1 ص 05، ف 2 ص 21، ف 3 ص 47، ف 4 ص 71، ف 5 ص 97، ف 6 ص 125، ف 7 ص 151، ف 8 ص 177، ف 9 ص 203، ف 10 ص 229، ف 11 ص 257.).

(التّفكك) رواية تُقرأ (تحت تأثير خميرة الكلمات المتحطِّمة المفسوخة المشطّبة المتفكِّكة المتميّعة بحيث تبقى معانيها غامضة) ص 56. (فتختلط الأمور - بصفة تناوبية - والأماكن والأزمنة والإيماءات والحركات والعمليات والعهود..) (التّفكك) ص 57.

في سردية (التّفكك) (المرآة تتقشر وتفقد قصديرها أما الأيام فيغطيها قلح التّاريخ المتعشب.) ص 58.

حال قارئ (التّفكك) كحال مَن (استدرك ودخل في وجومه العادي، متربعاً لا يتحرك وكأنه الوتد المغروس في الأرض الثابتة.) ص 58.

الفضاء السّردي في (التّفكك) هو (عبارة عن متاهات ضخمة مُكتظّة بالرُّموز والإشارات والعلامات والتّخمات والشّواخص بتعرجاتها ومنعرجاتها وطياتها وشريحاتها وكأنها تنفلت وتتراكض من خلال شبكة دقيقة تشكلها الخطوط المتقاطعة والكسور المتصلة والفلق المتتابعة والسِّهام المتبرجة والرُّسوم المتكسرة، وكُلها أخذت طريقها الخاصة وكأنها مستغنية عن الأخرى، مستقلة تمام الاستقلال، رغم وجودها داخل بوتقة عامة من الرُّموز، إلى أن ينتهي به الأمر أخيراً إلى وضع اسم لها): (التّفكك)  ص 92.

في (التّفكك)، (يمكن البدء بالحكاية انطلاقاً من الوسط أو من النِّهاية، ثم الانتهاء منها انطلاقاً من أولها وهكذا كُلّ الطُّرُق تؤدي إلى عُمقِ الواقع والكتابة.) ص 109.

بين جملة البداية: (لم يكن ليحمل بطاقة تعريف ولا أي شيءٍ آخر يُعرِّف إلى هويته فكان يشعر بنوع من الخفة تصعد من جيوبه الخاوية متناسياً تلك الصُّورة الشّمسية التي كانت في جيبه. لا يحسب لها بالاً ولا حساباً وفجأةً..) ص 05، وجملة النِّهاية: (كان يقصر حديثه عن أصدقائه في الكفاح ورفقائه في الحزب وإخوانه في الثّورة ويبذل ما في استطاعته لإعطاء فكرة موضوعية عن التّاريخ وبلورتها..أما عن طفولته وعن حياته الخاصة فلم ينبس يوماً ببنت شفة، بل كان يكتب ويكتب.. وصريف القلم.) ص 279. يتمدد متن (التّفكك) في سرد لولبي دوراني للزمان والمكان والشخصيات.

* ملخص الرواية:

تدور أحداث الرِّواية حول شخصيتين مركزيتين هما (سالمة) من جهة و(الطّاهر الغمري) من جهة أخرى، (سالمة) فتاة في عمر الخامسة والعشرين تتذكر طفولتها وعلاقتها الحميمية مع أخيها الأكبر الذي خطفته المنية وترك في نفسها فراغاً رهيباً. ويحدث أن تدخل حياة (الطّاهر الغمري) كهل خاض العمل المسلح في الثّورة التّحريرية الجزائرية، ينتمي إلى الحزب الشّيوعي الجزائري، نشأ في بيئة ريفية، كان مُعلماً للقرآن ثم انخرط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قبل أن يتركها وينخرط في الحزب الشّيوعي الجزائري. فَقَدَ أفراد عائلته في مجازر الثامن ماي 1945 التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي في الجزائر. شارك في الثّورة التّحريرية رُفقة رفاقه الذين يشاركونه صورة فوتوغرافية هي كُلّ ما بقى له من الماضي الذي تقوقع فيه دون تطلع للمستقبل. مثل تقوقعه في بيته القصديري الذي ركنه في أعالي العاصمة اختباءً وهروباً من رفاق الحرب من الاتجاه الأخر الذين قَتَلوا رفاقه في تلك الصُّورة الواحد تلو الأخر ذبحاً وإعداماً ولم ينجو منهم إلاّ هو فاقداً لأي وثيقة تثبت هويته الشخصية. عاش على هامش المدينة مابين بيته القصديري وميناء المدينة وزيارات ضريح سيدي عبد الرّحمان الثّعالبي كل جُمُعة للتّزود بالشُّموع التي تُضيء ليلياته وروحه لكتابة تاريخ هذا الوطن خِلاف الشّكل الرّسمي الذي أخفى الكثير من الأخطاء والمذابح والانتقامات بين ثوار الأمس أثرياء اليوم. تدخل (سالمة) مع (الطّاهر الغمري) في جدل فلسفي تاريخي واعي حول ماهية التّاريخ، وماهية صناعته، وكتابته كتابةً صادقة دون تزييف للحقائق يُذهِبُ البريق، أو تكليف لما لا يُطيق فينكشف ويتصدّع الإناء وإن تعاقب الزّمن و(لا يستقيم الظِّلّ والعود أعوج).

وبالعودة إلى بدايات الرِّواية (التّفكك) نجدها تنفتح على شخص لا يحمل شيئاً في جيوبه الخاوية إلّا صورة شمسية شكلت الذّاكرة في هذه الرِّواية، فَتَذَكُر الحوادث الماضية كان باستنطاق هذه الصُّورة والوقوف على من هم مُصَوَرون فيها. (يحدق فيها برهة. أهو هو؟ أم لا. وهذا الذي بجانبه؟ وذاك الذي على يساره؟ فمن هما يا ترى؟ وأولئك من ورائه وكأن المُصَوِّر اِلتقطهم وقد أصابتهم نوبة من الضّحك لا يمكن كبتها فقطَّبُوا لها جَبَهَاتهم أمام الآلة فظهروا وكأنَّهُم مبهورون مشدوهون مذهولون ومعتوهون معاً وفي آنٍ واحد ثم يُعيدها بِسرعة إلى الجيب الأيسر من سترته الرّثّة فتُخلِّف في قلبه بصمة ذات الخطوط الملتوية ويشعر بخفة ووداعة لا مثيل لهما). (التّفكك) ص 6 ، ص 7. هذا الشّخص هو بطل الرِّواية (الطّاهر الغمري)، (وهو يجوب المدينة طولاً وعرضاً عاملاً على محو ماضيه خائفاً من حاضره، ضارباً مستقبله بتأشيرة اللامبالاة). ص 06. ويتجلى في التّداعي اعتزال (الطّاهر الغمري) العالم بما فيه ويقبع في بيته المنفرد المعزول والمشرف على المدينة وعلى الميناء، فكان القفز على الذِّكريات سبيله، قبل أن تدخل (سالمة) حياته فجأة وتحاول إخراجه من هذا العالم الدَّاخلي (ولا يعتم أن يرجع صاحبنا إلى بيته المنفرد المعزول والمشرف على المدينة وعلى الميناء وعلى السّيلان البشري المتدفق على قوافل السّيارات المنسابة على اختلاف أنواعها وطرازها..) ص 08. ومن ثم ينطلق (الطّاهر الغمري) كل مرة مسترسلاً من تلقاء نفسه في ماضيه الذي يريد إخفاءه عن الجميع وحتى على (سالمة) التي كثيراً ما كانت وراء استفزاز هذه الذِّكريات التي لا تتوقف. (أراد أيضاً ترك الذِّكريات المؤلمة جانباً ومذبحة ماي 1945 وبقر عائلته بكاملها بما فيها زوجته وابنتيه، فيتخلص أيضاً من شحابة الماضي ومن الهواجس الرّثّة والأحقاد البالية ومن غيرها من الأمور التي تعوّد على وتيرتها كالصُّورة التي أصبحت عبارة عن عقدة تربط أحشائه وتسيطر على تصوراته للتاريخ وعلى تصرفاته الفطرية أراد أن ينطلق نحو ميادين أفسح وأوسع وآفاق تنضج حياة وحيوية ومستقبلات مرصوصة بالغيب..) ص 243.

(أما سالمة فتشرف وهي في الخامسة والعشرين على تسيير المكتبة الوطنية وتدخن علبتين من السّجائر في اليوم وتُطالع العديد من الكتب والمجلات وتحمل في حقيبتها اليدوية صفيحة من أقراص منع الحمل وتعشق ثم تندم وتقطع العلاقة كلما شعرت بأن صاحبها بدأ يتعلق بها فتشمئز وتتركه لتوه من دون إنذار أو إرسال كلمة قصيرة لتبرير موقفها. ومنذ أن تعرفت على الطّاهر الغمري قطعت كل علاقاتها، وفقدت الصّديقات القليلات اللائي تعتز بهن، حُرّة طليقة، لا تعرف ماذا تفعل بحريتها، ترجع إلى البيت في ساعة متأخرة، لا تبالي بالصّعاليك الذين يجوبون الطُّرق..) ص 118. (سالمة تعيش بين مكتبتها في الخزانة العامة التي تشرف عليها بإحكام وضمير مهني نادر وبين دار الطّاهر الغمري القصديري ومنزل أبويها.) ص 168. (وتقضي أيامها بين العمل والعلاقتين اللتين كونتهما مع الطّاهر الغمري من جهة ومع أخيها لطيف من جهة أخرى تكتشفه وكأنه بعث عليه لتعويض تلك الرّزية التي لم يبرأ جرحها ولم تلتئم لحمتها وهي تعاني منها بصمود وسرية وكتمان منذ سنتها التّاسعة، أي منذ وفاة أخيها البكر..) ص 208.

وكان أن موت الأخ الأكبر لـ (سالمة) الذي كان يُحِبُّها ويحميها يجعلها تتذكر سن التّاسعة من عمرها إذ يوافق حدث وفاته فتسترسل في سرد الأحداث التي أحاطت بجنازته (لم أنس يوم الجنازة وإن كُنتُ لم أر شيئاً، مضغة من الانطباعات الموسيقية فقط، بين عويل وترتيل وجذام الباب الحديدي الذي لا ينقطع عن الصّرير على فردتيه وكأنه يئنُ تحت ضغط الألم، وتختلط الرّنات والتّرنيمات والموسيقى والصّدى في ذهني والمأتم مفتوح لِكُلِّ النّاس كباب الدّار، واخترق عتبته القضّ والقضيض ومن لا يُحِبُّهم أخي، لم أر أحداً أو حاجةً ولا يبقى من تلك الأيام سوى وتريات حزينة، وقد اُحتُجِزنا نحن الصِّغار في قعر البُستان. مهدي يتسلق شجرة التُّوت ويُحاول أن ينظر إلى داخل الدّار، لكنه لا يرى ما فيها.. تضحك سعيدة. تنظر إليّ لاستفزازي. تُريد أن أضحك معها ولكنها لا تُحرك ساكناً وأتجاهلها لا أعرف معنى الموت. ولكني أعلم أني فقدته نهائياً..) ص 41. وهكذا تسترسل في أحداث الجنازة وكيف عُزِلت في الحديقة مع سعيدة ومهدي إخوتها الصِّغار وقد أدركت يومها أنها فقدته دون عودة.

وبالعودة إلى جنازة أخيها في مكان أخر، نجدها (تترك المدرسة والجوائز والغوغاء والضجيج وتهرع إلى المنزل فتفتح على البق وتفرز الميت من الحي، وتبكي !.. وتتذكر يوم جنازة أخيها الأكبر.. فتعوي كالحيوان المجروح الباحث عن جيفة يستأصل منها استيهاماته.) ص 60.

أما بطل (التّفكك) (الطّاهر الغمري) فكان (يُدرِّس القُرآن ثم يُفلِّح الأرض البور، ثم ينخرط في جمعية العلماء، ثم يتركها ويدخل في الحزب، فيُرسله ليعمل بين الفلاحين الفقراء أمثاله ولبثِّ الدّعوة والقيام بالعمل السِّياسي.) ص 57. وتسأله (سالمة): (كيف لمدرس القرآن أن ينخرط في الحزب؟) ص 58. ويجيبها (الطّاهر الغمري): (أرفض أن أُتاجر بلغة القرآن.. يأتون بالدّجاج والسّمن والشّعير. قبلت في أول الأمر ثم شعرت بأعينهم تحن إلى عطياتهم. يموتون شرّاً ويُغدقون عليّ كُلّ ما لديهم. هذا هو الاستغلال بعينه! رفضتُ.. تركتُ القرية! انخرطت في جمعية العلماء والقرآن يسيل من مسام بشرتي مع العرق، تنضح الآيات من لحمي وأشكو من حالة الفلاحين الفقراء. يرفعون أيديهم سخطاً ثم الفاتحة.. وعسى أن.. أكره الاستغلال ولكن لا أفهم كيف يمكن التّخلص منه. قالوا. هذا كفر يا راجل.. تعقّل.. استغفر.. مسحتُ عن قلبي دموعي وبقيتُ حزيناً بينهم. الخطب والهتافات والتّراويح والتّسبيح وغلق.. لنبلاء القوم وبعض المشائخ ويبقى الشّعب أمام الباب يسترق السّمع للهاث.. وعويل الثيران يحرثونهن.. أركض.. أطوف البلاد.. أحوم في المدن.. أتعلم أسلوب الطّرق (الزّوافرية).. أُلقح بصمات إبهامي وأطبعها على رئتاي.. لا أنام. لا أجف. ألعن الشّيطان. لا أنام.) ص 65، ص 66. (وتعود سالمة إلى وشائجها: نابزني أبي بعد موت أخي: الطائشة!.. أستيقظ: أي حزب، يعني؟ لماذا لا يقول صراحةً؟ بقي يختفي وراء الأثير، وراء خيط الهاتف. ثم يقص الصِّلة..) ص 66. ثم وفي تداخل نصي، تنتقل سالمة للحديث عن علاقتها بأخيها الأكبر (كنتُ لا أفتح له الباب إلاّ بعد رناتٍ عديدة للجرس يلدغ بصداه جوَّ الدّار، ثم أختفي وراء الباب ويدق قلبي طبلاً وأنا كالنّجمة وراء الغيم داخل أزمنة التّفكير الخاسر، أخاف أن يُدخل ذراعه من خلال القضبان هو من خلف الباب وأنا من ورائه وبيننا سياج العشب والحديد المتقشِّر تحت وطأة الصّدأ والقلح.. ثم أفتح ويدخل، هزيع، برق، صقر. ينقضُ عليّ، يحملني على كتفيه. ثم كبرنا هو في شبابه، تاركاً من ورائه سنّ المراهقة، وأنا في بداية المراهقة تاركة أعوام الطُّفولة الصَّغيرة.) ص 66.

ثم تصف (سالمة) بدقة متناهية الغرفة القصديرية التي يعيش فيها (الطّاهر الغمري)، الغرفة التي استحوذت على النِّسبة الأغلب للنّص الرِّوائي، واستوعبت المجال المكاني في سردية (التّفكك)، (كانت نواة الغرفة القصديرية تحوي سريراً صغيراً، ومنضدة من الخشب القديم يُقضقض طوال الليل، وضع عليها كأس من الماء لا يجف أبداً، ووردة صفراء مزروعة زرعاً في حفرة صغيرة تتوسط المائدة المرقوشة ببق الأعوام وبموسٍ حافية نحتت جملة لا تخلو من الغرابة، لِيَضُمنِي ظِلَّهُمْ ! كما وضِعت عليها كراسات ومقلمة وعلبة من المعدن تحتوي على صمغ بين الوردي والصّدأ وكتب قديمة وصفراء، ثم موقد نسي حتى لونه يحمل غلاية مبعجة بأورام الأصفار والتِّرحال ومسخمة بطلاء بلاد السُّودان الأبدي، ثم لوحة قرآنية مزخرفة ومكتوبة {تبّت يدا أبي لهب..} عُلِّقتْ على أحد الجدران المشبوة بمسمار ناتئ وكأنه مصمم على الدّوام طيلة قرون عديدة، ثم أيقنة من الأواني الأشياء تزحف شتاتاً وسط الحجرة الصّغيرة حيث يبعثرها ويتركها بدون موضوعية، فتتشرب كُلّ يوم مزيداً من القلح والدّردى والسّحالة، تزحف كالبزاق تاركة ورائها آثاراً مشكوكاً فيها يُلطِّخها زنجار الأعوام المالحة وهي تُكركر من ورائها الثّواني شَذرة شَذرة، فتترك صاحب المكان يشتط في كتابته على أوراق المصائب والأزرار فلا ينبس بكلمة ولا ينبض بحركة، وباستثناء صريف القلم على الورق يجري حثيثاً فإنه يحوم على الحُجرة صمت رهيب صمت ما بعد التّاريخ.) ص 71. ثم نتابع بعض ما يشغل (الطّاهر الغمري) في غرفته تلك (يكتب الرّجُل ليلياته ويندم على استعمال الورق، ومن حين إلى آخر ينظر إلى اللّوحة المعلقة على الحائط المطلية بغضار الماضي، فتتصاعد إلى منخريه رائحة المستنقعات المُعشوشبة المحاطة بسياج من القصب، إذ يذكر أنه اعتاد وهو يُدرِّس القُرآن، الذّهاب مرة في الأسبوع إلى بُحيرة ملحية ليقص أحسن القصب ويبحث عن عشبة خاصة تُعطي للصّمغ كثافته ولزقته، ويكتب ويده كالكمّاشة العظيمة تضغط على قلم القصب ولا ينقطع عن الكتابة إلاّ لتنجيره بموسٍ صغيرة وكأنه بستاني يزبر الأشجار بجدّيةٍ وحماس ودِقّة وإتقان.. لا يُبالي ويزاول كتاباته، يُطوِّقُ إطار الكراس بخطه القرآني، يغترف التّاريخ اغترافاً يكتب حول المشاكل التي عاشها والمشاكل التي يعيشها، يمزج بين الأمس واليوم، في بعض الحالات، يعبر بلا جسرٍ نحو المستقبل..) ص 72. (يُكرِّس وقته في تدّبيج هذه اللّيلات مِن خلال جولاته عبر البِلاد نَاجَ نفسه بعد أن اغتيل الآخرون وتدّبيجها مِن خلال تجواله عبر المدينة والميناء المكتظّ بالسِّلع والبضائع والبقر المستورد.) ص 73. (ويحدث أن تدخل سالمة بيته القصديري ذات مساء وهو نائم بعد أن غيل صبرها ويأكلها حُبّ الإطلاع وقد جاهدت عبثاً في تملك على شعورها الذي كان يرميها رمياً نحو علبة القصدير الموضوعة هكذا على الرّبوة الخالية، لا حركة فيها ولا حسّ، فيستيقظ ويجدها جالسة وراء المنضدة على كرسيه الأعرج وكأنها لم تفارقه أبداً، يخالها إحدى ابنتيه حليمة أو جميلة (يامنة / ياسمينة) ثم يهرع نحو ثيابه يلبسها وهو يرتعد من فرط الخوف وتأثير المفاجأة. أما هي فتنظر إليه بكل براءة. وبعد أن ينتهي من ارتداء ملابسه، يقبع أمامها لا يدري ما يفعل ويشعر بأنه لا زال عاري العورة وهو حليق الجمجمة فيحاول تغطيتها بشاش قديم لم يعد يعتمر به منذ زمن طويل، منذ أن هرب وهم يترصدون أسماله كداء الحفر الذي ينقط معدته ببراغي الآلام والضغينة. لكنه لا يكره أحدا. يكتب إذن (يا لك من مدرس غريب؟ علّمت القرآن واستعملت الفلقة وضربت ضرباً مبرحاً على مثل دأب معلمي القرآن الآخرين.. ثم تترك الكُتّاب وتنخرط في جمعية العلماء!) ويكتب دون مسودة ودون أدنى تشطيب، وغمره وهو على هذه الحال نوع من الغبطة، حتى تدخل عليه سالمة وفي يدها دجاجة مربوءة شمطاء، تُطلق سراحها قبل أن تجلس على الكرسي الفريد وهو جالس على فراشه والمنضدة أمامه حيث الكُرّاس مفتوحٌ كقلبٍ مشرّح إلى شطرين  والوردة مزروعة في سُرّتِها العادية لا تفتقر إلى الماء والكتب مبعثرة على السّرير وتحت المائدة. يُغلقُ كُرّاسه بسرعة، وتعربد الدّجاجة على السّاحة. لا يفهم وسالمة تضحك وتقول: (كُلّ الدّواجن حلال إلّا الخنزير!) ويبقى باهتاً خامداً ومبهوراً، وسالمة ترقبه في رجاء بريء وعفوي فتحسّ بشيء من الشّفقة عليه وهي تراه من وراء منضدته يمضغ أحلام التِّرحال والعبور والتّنقل يوم كان لا يعرف للاستقرار معنى وقد كان يذهب من مشتةٍ إلى مشتة ومن دوارٍ إلى دوار ومن قريةٍ إلى قرية، وعلايته على ظهره تتأرجح وقد ربطها بخيط اللامبالاة..) ص 73. ص 74. (وسالمة تضحك.. والدّجاجة تهدُّ الأرض وتمخرها جيئةً وذهاباً، طولاً وعرضاً، فتسود سريرة الطّاهر الغمري وهو يُعاني من صخب الدّجاجة ومن ضحك الفتاة معاً، لا يعرف كيف يفعل وماذا يفعل فيغلق دفتره، يتأبطه وينهض خارجاً نحو الباب بينما تبقى هي جالسة والدّجاجة من حولها مقرقأة النقنقة هي الأخرى. ينحدر نحو المدينة ونحو الميناء في وجه النّهار وكُرّاسه تحت إبطه كأنه سبيكة ذهبية لا سعر لها ولا معيار.. وفهم أن هروبه هذا كلما جاءت سالمة بشطحة جنونية، إنما يرمي إلى تحاشيها، وهو في الواقع يود لو يبقى قريباً من هذه البشرة الزّنبقية ومن هاتين العينين الخضراوين، ومن رنة صوتها قد غمرته بلة وبحة وعذوبة وموج وسمك ونرد وشبق قد خلى جسمه منذ زمن طويل، رغم عشيات يوم الجمعة التي قضاها في زاوية سيدي عبد الرّحمان حيث تَعَوَدَ الذّهاب لشمِّ رائحة الأُنوثة وسرقة الشّمع الذي لا يصلح لأي شيء إلى أن يذوب من فرط الحرارة في الصّيف، على الضّريح، وعلى الضّريح تتراكم القرابين والشُّموع والنُّقود والأقمشة والزّرابي، لا يعرف ما هو مصيرها ولمن تُعطى.) ص 74. (يريد الرُّجوع إلى البيت، يخاف قوقآت الدّجاجة ويخاف من العطر المنبثق من بشرتها. هي سالمة. بنيتي! لا يمكن.. يسمعها ترد عليه: عم الطّاهر. لكنه يحلم. (أضرب خمسة!) لم يعد له مكانٌ يستقر فيه ولا مأوى يركن إليه ما عدا الزّريبة التي بناها للبقر..) ص 75. يصف الطّاهر الغمري جمال وتمرد سالمة (إنها جميلة. بل أكثر، إنها آية في الجمال. بشرتها زنبقية وعيناها خضراوان ورائحتها عنبرية ولكن فضيلتها الأساسية كامنة في قوة طاقاتها المتمردية. تعمل في الخزانة الوطنية. تعيش بين الكتب.. تهزأ بي لكنها تُحِبُّني.. (عم الطّاهر) تقولها وفي صوتها نبرة استهزاء..) ص77. يُحاور نفسه وكراسه تحت إبطه. (مدرس قرآن بسيط. بطاقة هويتي عبارة عن صورة. فقط. أحملها كدرعٍ يصونني أو حرزٍ يقيني من شرِّ النّاس ومن السّاسة.) ص 78. وتستطرد سالمة (أخاف الانفجار وهو آتٍ عما قريب. عيل صبري. أنا أُحِبُّه وهو لا يُحِبُّني. إنه يشتم رائحة الأنوثة وكفى.لا يحمد الله فهو مُلحد. لا يُثرثر في هذا الموضوع. كيف أنتَ مُلحد؟ لقد علّمتَ القُرآن. وبعد؟ يغضب عليّ يثور. يهيج.. ويقول كفى بنيتي..) ص 79. (انخرط الطّاهر الغمري في جمعية العلماء سنة 1945 ولم يبق فيها إلّا مدة عامين. ثُم انسحب ولم يعد يطيق سماع قهقهة المشايخ عندما يقول أن الفلاحين الفقراء يفتقرون إلى الأرض الخصبة. تعبت أيديهم وتعبت شفرة المحراث البالي بين أذرعهم. أخذ الشّك يدب في جفنيه وهو يسعل ويسعل. اتقِ الله يا رجُل! ارتبك، خشخش ويسعل مرةً أخرى. لم يقُل الفحشاء ولم يدمن على أي مكروه، بل هو يُرتل القُرآن ويؤذن بباب المسجد. لا منارة له ولا صومعة ولا مضخمات الصّوت، كبلال. بين الرّبِّ وبين السّماء. يرفض كُلّ وساطة. وتفاقم سُلّه وعسف الاستعمار. واحتشد الفلاحون فنظّمهم هو وابتعد عن المدن. قفل راجعاً يبثُّ الدّعوة فيهم. أتاه الحزب. قال أُصلي. قالوا ولو لا؟. انخرط في الحزب سنة 1947.. هذا ليس ديانة، إنما حزب.. دخل المعمعة بسلاح آخر ولم يقهقه أحد يوم راح يُطالب بأرضٍ خصبة لِكُلِّ فلاح. استقر في القرية هناك على رأس الجبل. وأصبح الجبل عرينه ومأواه وملجأه ومكان عمله.. وهو في تجوال مستمر لا انقطاع له. تعرف عليه الفلاحون وأخذوا يسترقون السّمع إلى سُعاله. يعرفون من بعيد أنه آتٍ وسُعاله يموج الأثير فيقولون: سي الطّاهر جاء يزورنا اليوم.. فيحضر عند دشرة وكأنه شيخ تفسخ جلده وأخاديد الجوع رسمت بصماتها على وجهه. ترك الكُتّاب وجمعية العلماء وجاء إلى الحزب.. يشرح ولا يترك الضّباب يتراكم في جماجمهم رغم السُّلّ الذي يسمه بميسمه ويُثقل عليه وزره وقد تقرمط وتزنج وراح يقرأ كتب التّاريخ وكتب النّظريات الفلسفية فلا يسفسف عليه أحد.. وأخذ يلتهم الكُتُب ليعرف ما حدث في العهود البعيدة أيضاً ما في وراء الجُدران من أسرار تتعاقب داخل عقلية الفلاحين الذين يموتون فاقةً ووباءً وتعذيباً وكدّاً.) ص 80. ص 81.

سالمة (تتذكر الصُّورة والرّجُل الذي يتوسطها. تقول: المسكين، لم يبق إلاّ هو. ماتوا كُلّهم وكُلّ واحد على طريقته الخاصة، إلاّ هو نجا من الموت أو أفلت منهم وهو على شعر شفرة منها، يهرب ويأخذ في عبور البلاد واكتساحها شرقاً وغرباً بحراً وصحراء، يختفي عند الفلاحين الفقراء أمثاله وينظم العمليات معهم وينصب الكمائن ويعود مكراراً، من عرينٍ إلى عرين ومن رأس جبل إلى رأس جبل... وقد تعلم كُلّ المنعطفات وكُلّ المنعرجات وسلك كُلّ الطُّرُق المختصرة والدروس الوعرة، ماحياً كُلّ سفسة، ضارباً سهمه في صميم الموضوع فيقاوم ويقاتل ريثما.) ص 83. (بعدما اعتصم في الجبل بسلاحه رفقة سيدي أحمد وأبو علي والألماني والحكيم والآخرين. المقهقهين على الصُّورة الذين يفتعلون الضّحك أمام عدسة المُصوِّر.) ص 90.

(لم يكن يحمل معه بطاقة تعريف ولا شيئاً آخر فيشعر بنوعٍ من الخِفة تصعد من جيوبه الخاوية وهو يتناسى تلك الصُّورة الشّمسية ولا يحسب لها حساباً وفجأةً تسقط أمامه حمامة سمينة تسترق حركة بطيئة فينسى الصُّورة التي لا يحمل سواها ويتساءل عن الصُّورة؟ ماتوا كُلّهم حتى آخرهم، مَن قال أن الألماني مات في فراشه؟ إنها أسطورة! لقد مات مذبوحاً! مات ويا لها من ميتة! والآن وقد أخذت تشك في أقواله ومزاعمه، آثر الصّمت! ويتركها تتلو الأحداث السِّياسية كأنما الأمر يتعلق بقراءة أدبيات حزبية أو روايات تاريخية شُوِّهَتْ كُلّ أحداثها عن قصد.. ) ص 97. (وكلما ازدادت سالمة تمسكاً بتلك الفترة التي عاشها هو وصوَّرها بشخوص لا يفتأ يتحدث عنها: 1945، 1954، 1962، 1965، 1978، كلما انزلقت من عصر إلى آخر وحاولت تحديد وجهة الزمن والفضاء،.. فتضيع وتتيه وتدوخ وتشحذ نفسها في آنٍ واحد، لكنه سرعان ما يعود فيتحدث عن الصُّورة بعد أن رفض حتى ذكرها مدة طويلة من الزّمن، ويتحدث عن الأشخاص الماثلين فيها،.. وهو عاجزٌ كُلّ العجز عن التّخلص من ذكرياته،.. وقد قُدر له أن ينجو من الموت هو لوحده، فيتوغل في عزلةٍ مقيتة تزيدها سالمة حدةً ومرارة، فتأتي عليه وتقتحم أيامه تلك التي كان نظمها تنظيماً وسطرها تسطيراً،.. يتقوقع ويضم الصُّورة بين ذراعيه ويبقى على هذه الحالة أياماً كاملة شاخصاً بعينيه إلى سقف الكوخ..) ص 98. (وهو تحت الكابوس مثلوماً للتاريخ أو اقتصاراً عليه وعلى ما فيه من مجازر وحروب وإبادات على أنواعها، فيتذكر السّنة الملعونة، 1945، يوم دخل الجنود إلى كوخه في غيابه وقتلوا كُلّ أفراد عائلته بما فيهم زوجته وابنتيه الصّغيرتين..) ص 99.

تجادله سالمة وتفكك هويته التي لم يبق منها إلاّ تلك الصُّورة التي يحملها معه ولا يكاد يتخلى عنها فهي شخصيته وذاكرته: (أراك تتجول في الطُّرُقات لا تحمل بطاقة هوية ولا أية ورقة مطبوعة بخاتم الحاكم ولا تحمل إلاّ صورة رثّة قرضها العثّ ولا تحمل إلاّ خفقان قلبك.. لماذا تحملهم هؤلاء في الصُّورة وقد ماتوا كُلّهم، فكأنك بحملك إياهم تقتلهم ثانية وثالثة، فسيد أحمد أُحرِق حيّاً بدون أن ينبس بحرفٍ واحد يفرج به كربه، لقد مقتهم واحتقرهم.. لقد مات اللّحام أيضاً، بوعلي بوطالب مات باهتاً والضوء الأزرق يتلوع في صنع قنبلة زمنية في ورشته ولكن وجوده على الصُّورة فما معناه؟ كان يأتي إلى الجبل من حينٍ لآخر لتصليح آلات الإرسال والاستقبال، أما الحكيم فقد مات، هو أيضاً، مات مذبوحاً بسكينٍ حافية، والألماني؟ ماذا عنه؟ ما هي قصته؟ هل مات في فراشه أم مات مقاتلاً وماذا عن وجوده في الصُّورة؟ لم يكن ألمانياً بل لقب هكذا لكونه أشقر الشَّعر، أبيض البشرة، أزرق العينين، طويل القامة وقد أُسِر في ألمانيا أثناء الحرب لعالمية الثانية وقد كان يُحارب في صفوف الجيش الفرنسي، أرغموه على التّجنيد في الجيش الفرنسي فتعلم الألمانية وقرأ كُتُباً كثيرة. لا لم يمت في فراشه! لقد مات مذبوحاً بموسٍ حادة قاطعة.) ص 108، ص 109.

تأخذ الصُّورة، صورة المقاتلين الخمسة حيّزاً زمانياً ومكانياً من (التّفكك)، تسرد سالمة: (فهمت كُلّ شيء عن الأشخاص الموجودين على الصُّورة وعرفت عنهم الكثير. كان عملي يُساعدني على جمع الوثائق والبيانات والبراهين والمعلومات. دونت حياة كُلّ واحد منهم، فتحت ملفات أربعة وملأتها بالأوراق والملاحظات والوثائق: أولاً: بوعلي طالب. ثانياً: أحمد اينال الملقب بسيد أحمد. ثالثاً: الدكتور كنيون الملقب بالحكيم. رابعاً: محمد بودربالة الملقب بالألماني. يبقى ملفه هو فارغاً. ملف الخامس: الطّاهر الغمري. كانوا كُلهم أعضاء اللجنة المركزية. كانت اهتماماتي تدور حول الثُّلاثي المتكون من بوعلي بوطالب (عامل) وأحمد اينال (مثقف) والطّاهر الغمري (فلاح فقير). مثل رائع لتحالف الطبقات التي فهمت أن الثّورة شيء حتمي وطبيعي لا يكون إلاّ لصالحها.) ص 172.

يسكت ثم يسكت الطّاهر الغمري، ثم يأخذ في الحديث ثانيةً ويستطرق: (يبقى أننا كافحنا وتمردنا وأخذنا السِّلاح، قاتلنا، صنعنا القنابل، نظمنا شبكات المقاومة المسلحة في المدن، كان من بيننا المسلمون المسيحيون اليهود الملحدون.. لنا أبطال أُعدم البعض منهم رمياً بالرصاص وأنزلوا المقصلة على رؤوس البعض.. أتينا بكميات هائلة من السِّلاح.. نصبنا الكمائن.. دفعنا ضريبية الدّم.. صحيح ترك البعض صفوفنا، خانوا والخونة في كُلِّ مكان وفي كُلِّ الثّورات.. في الأول كنا نخاف وشاية الفلاحين الفقراء أكثر من قوة الجيش الفرنسي وبطشه..ذبحنا الكلاب وبعض الأئمة.. أعدمنا بعض الفلاحين الفقراء هذه هي الثّورة.. يُزنى فيها.. يُخان فيها، يُذبح فيها..كان لنا نقائص.. لا أنكر هذا.. لكن المُهم: دفعنا جزية الدّم وضريبة الالتزام. لا يمكن تجاهل الظُّروف التّاريخية..) ص 148. ثم يُضيف: (ننطلق فجأةً نلهث في ظِلِّ المقابر حيث ندفن من سقط منا وبين أيدينا ونُطلق الرّصاص ونرش العدو رشاً ونترك جروحنا الحيّة المتفتحة تُغطيها النّدبات العميقة ولا يبقى لنا إلاّ شق ضيق نملأه احتضارا ونحشوه نزعاً ونعمره كرباً وكرزاً، فتتحول آنذاك كل الثّلمات الدّقيقة إلى هاويات لا قعر لها جنونية المنطلق والمنطق تبرق داخل أذهاننا بوميض مستميت، لا هدنة فيه ولا هوادة.) ص 154. (مات العديد من المقاتلين ليس برصاص العدو، بل بسكاكين الثُّوار أنفسهم، هم أنفسهم وحتى في بعض الأحيان بأيديهم.. منهم من مات مذبوحاً ومنهم من مات مخنوقاً ومنهم من مات رمياً بالرّصاص وكلها تصفيات حسابات.) ص 160. وكان قد (فقد كُلّ الأوراق الرّسمية ولم يحتفظ إلاّ بتلك الصُّورة التي لا تفارقه منذ أن هرب وهو مسجل في قائمة الاغتيالات السّوداء.) ص 193.

ويُجادلها محاولاً إقناعها (أين أنتِ والتّاريخ وما ذُقنا من عذابات التّعاسة والتّشريد والمشي على الأقدام أشهراً وأعواماً! قلتُ لكِ التّاريخ لا يصنعه أحد كالعشب ينبت ولا تراه ينبت ولا كيف ينمو.. قالوا لا بطل غير الشّعب.. كُلّ ذلك استفزاز! دعاية! تصفية حسابات وخوف من الموتى.. الشّعب بلا طليعة لا شيء هذه هي الحقيقة..) ص 178. (في أماكن أخرى كان التّاريخ يفتقد إلى الوضوح وازدهرت المدن السُّفلى وتكاثرت، متجاهلة الدّم وموقع المسالخ. كذلك الأمر في هذا الوطن وفي هذه المدينة بالذّات حيث رمم الطّاهر الغمري عرينه على ربوة تشرف على الميناء وأخذ يكتب التّاريخ بكُلِّ نزاهةٍ وشجاعة، يُعطي للذّاتية قيمتها وللموضوعية نصيبها وينتهي به الأمر إلى التّفجر وهو يُعاني من سلِّ الرئتين واختفاء االرِّفاق وقلّة المصادر وتحذر الشُّهود، فيكفر ويجلجل ويقول أن التّاريخ لا يصنعه أحد لأننا لا نراه ينسج خيوطه إنه كالشّرنق يتكوم تدريجياً وهو كالعشب لا نراه ينبت. لكن الرّجُل مُصر على كتابة التّاريخ، يريد أن يترك شهادة عن موقف فئة من الشّعب وعن أعمال رِفاقه الذين ماتوا وطُوِّقُوا بكتانِ النّسيان. في كُلِّ مكانٍ يفتقر التّاريخ إلى الوضوح والظِّلُّ لا يكفي ليحفظ الأحياء من تُجار الموت وطحلب العتمة والظُّلمات.) ص 182. وأما سالمة (هي الأخرى لقد فكرت أكثر من مرة في معنى التّاريخ واتفقت أكثر من مرة على أنه مصيدة ومصفاة وأنه قرح لا يكف أبداً عن التّعفن.) ص 185.

جدلية التّاريخ تؤسس علاقة الشخصيتين المحوريتين في سردية (التّفكك) سالمة والطّاهر الغمري إذ (كانت العلاقة تتمتن بينهما حتى ذلك العهد الذي جاء فيه يفاجئها أن التّاريخ لا يصنعه أحد وكالعشب لا يزرعه أحد. فتدهش في أول الأمر وتظن أنه يمزح، لكن الرّجُل يُصرُّ ويعيد الكرّة ويغضب، فتقاطعه وهي على يقين من أن التّاريخ تصنعه البشرية من شعوب وأُمم وأفراد وهو كذلك عبارة عن تطاحن مستميت بين المغلوب والغالب وبين المقهور والقاهر وبين المُستَغَل والمُستَغِل..) ص 185. (وهكذا وصل إلى هذه النتيجة أن التّاريخ لا يصنعه الرِّجال كما قيل له وكما قرأه في الكتب، وإنما هو أيضاً نتيجة ردود الأفعال والإستثارات.) ص 193.

وفي صورة أخرى ينتقد الرَّاوي على لسان الطّاهر الغمري الثُّوار الانتهازيين بعد الاستقلال الذين نسوا وتناسوا المبادئ الثّورية التي قامت عليها الثّورة التّحريرية وانغمسوا في وحل الماديات الباذخة على حساب الشّعب البائس (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة وأصبح أبو نواس مجرد علامة بيرة رديئة.) ص 190.

(أصبح الطّاهر الغمري يُعاني من عواقب معركة مميتة تدور رحاها بين طيات جسمه الهزيل وتتلخص في تواجد نزعتين متناقضتين: الأولى تحمل حُبّاً لا حدود له والثّانية جُبناً لا يستطيع التّفوق عليه وهو الذي اشتهر سابقاً بشجاعته وبطشه وانتهى به الأمر إلى أن انتصر على خوفٍ غير معقول، كان مصدره سالمة ثُمّ سالمة. فكانت الزّوبعة التي أنهكت قواه وتركته على شاطئ الأوراق البيضاء، محكوماً عليه بأن يملأها قبل أن يملأ القيح رئتيه، فيموت من غير أن يفهم مسيرته الشّخصية، وبداخله الشّك فيدمدم ويبصق ويصفر كالأفعى ويهيج ويغضب ويكتب، يكتب، لا يأكل ولا يشرب ولا يغتسل ولا يُغير ثوبه.. وهو أن لحيته طالت إلى حد غير معقول ورائحته أصبحت كريهة لا تُطاق وعيناه ضعفت قوتهما فيشعر أنه يتدلج في الظُّلمات حتى أنه أصبح لا يلم إلماماً كاملاً باختراعه الجديد حول التّاريخ..) ص 193.

(وأخيراً تأتي سالمة. تُزيح الغُبار وبيوت العنكبوت وتوبخه وتأمره بالذّهاب إلى الحَمَّام وإلى الحلاق وتُعِيره مالاً لشراء ثيابٍ جديدة من السُّوق السوداء.. بينما هو منصرف إلى المدينة تَفتح الباب على مصراعيه وتُخرِج كُلّ الأثاث وتُنظف أرضية الحجرة.. ثُم تُرتب البيت من جديد.. وما أسرع ما شعرت بالنّدم يغمرها تجاه الرّجُل المسكين الذي تركته لحاله وهذيانه وعماه لمجرد جملة قالها حول التّاريخ ما كانت لتقتنع وتتناقض ربما وما تعلمته في المدرسة السِّياسية اليومية ومِن خلال الكُتُب..) ص 195. (يرجع عم الطّاهر بعد ساعات. فيلمع وجهه الأملس مِن فرط الحكِّ والدّلك، استبدل ثيابه القذرة بأخرى تكاد تكون أنيقة، سرح شعره بطريقة جديدة. لقد تغير تماماً. لقد صغر وشبّ وربح هكذا عشر سنوات. يترك ابتسامة خجولة تموت على فمه.) ص 199. ص 200. وتقترح عليه سالمة برغبة (أنتزوج عم الطّاهر؟ يلتفت نحوي.. يضحك.. يُقهقه.. بنيتي.. لا تمزحي.. وأنا متزوج.. أعني.. أرمل. يضحك وتمر عليه سحابة الحزن والكآبة وكأنه تركها في الحمّام مع الأوساخ والقذارة تتزحلق نحو البالوعات تحملها ‘إلى البحر ومِن هناك إلى السّماء مِن حيثُ تُمطر مطراً فاتراً.. عينا الكآبة مِن جديد.) ص 200.

(تغير الطّاهر الغمري. لم يعد نفس الرّجُل. أصبح منزله نظيفاً وقد ألصق الصُّورة التي ما كانت لِتُفارق جيب سترته الأيسر ولا يحمل سواها، على الجِدار المقابل، بعد أن طلى الحُجرة بالجير الأبيض وغير موضع الأثاث والأشياء، بين عشية وضحاها.. حتّى إذا ما عادت قطنته على هواها. وأخذ، وكأنه ألمّتْ به حُمّى سالمة المُعدية وحركتها العصبية وضوضاؤها المعتادة أخذ يرصف الكُتُب ويُصفصف الأواني ويحك الغلاية المبعجة ويُزيل عنها سناج الأعوام السّوداء وسخام البلبلة الذّهنية.. ويُنظم الفضاء الشّحيح بكُلِّ مهارة ودقة ويوزع المكان بلا حرج ولا مبالاة غير مبالٍ بحدود المساحة، ويفتح نافذة في الحائط حيث كان الرّسم الوهمي الذي سقطتْ في شبوهته سالمة لأول وهلة، فاتسعت الحجرة وتبلور جوها وتشفف مناخها وكأن جدرانها قد أُزيحت مِن مكانها العادي وَوُضِعتْ بِضعة أمتار أبعد مما كانت عليه، لتوسيعها وتجميلها وتفخيمها. وكأن الطّاهر الغمري قام بهذه التّغيرات الجذرية وأشرف عليها رغبة منه في أن يكون له مكان مناسب لاستقلال سالمة وقد أفزعه غيابها، فقرر أن يُرتب البيت بطريقة محكمة فَيُبَوِّب ذِهنه بكيفية دقيقة ويتجنب إذاك بينه وبينها كُلّ الحزازات وسوء التّفاهم، تأهباً منه للتّراجع تدريجياً وبِكُلِّ أناة في ما صدمها به في تحديد التّاريخ.. وعاد إلى كتاباته بعد أن فرغ مِن قلب الأوضاع وتغيير المجاري العادية للأمور.. وهو ينظر مِن حين إلى آخر إلى الصُّورة المُعلقة على الحائط نظرة تعبِّر عن عرفان بالجميل نهائي وغير مشروط وأبدي وكأنه يُطالب رفاقه الذين ماتوا كُلّهُم أن يغفروا له زلّته وهو يعترف الآن وقد عاد إلى حاله الطبيعي وبدأ يمحو الذِّكريات المحمومة، أن الكلام تجاوز مفهومه للتّاريخ (التّاريخ لا يصنعه أحد، إنه كالعُشُب لا نراه ينبت ساعة ينبت..) بل وإعادة النّظر أيضاً في أجزاء حياته وتفاصيل معاشه وكيفية عزلته. وهو يعلم أن عليه الآن ترميم الأحداث مِن جديد وأن يُشكلها بطريقة أخرى وأن يتصورها ببرودة دمّ وأن ينفض عنه غبار الموت والانتحار والزّولان والخوف وأن يستخلص مِن كوابيس الدّم والأمعاء والمجاري المسدودة بروث التّاريخ وأزبال البشرية وجنون الإنسانية. فهم حتمية مراجعة كُلّ النّتائج التي توصل إليها واستعمال تلك القُدرة الخارقة التي يمتلكها الإنسان على النّسيان وقد تعنّت منذ هروبه عبر الجبال والأودية والفيافي والقُرى وحتّى المُدن وقد علم أنه حُكِم عليه بالموتِ ذبحاً لأنه يعتزّ بعقيدته فالّتزم النّزاهة مع نفسه، فاعتزم على الرّفض والحقد والتّمرد ليس فقط على مَن خانوا ثقته والعشرة والمصير المشترك بل وعلى شقاء الإنسان عامة وعلى تلك الحتمية الكريهة التي تَفرِض عليه أن يُمارس الشّرّ فينتقم ويحقد.) ص 216. ص 217. ص 218. (قرر أن يترك على الهامش مشكل تحديد التّاريخ، حتى يُناقشها في الأمر بتعقلٍ وسكينة، ثُم يتخذ قراراً نهائياً بالنِّسبة لهذه المسألة التي أصبحت رُمانة الشِّقاق بينه وبينها ويحدث أن كُلّ ما في الأمر أنه مجرد سوء تفاهم وكيفية طرح المشاكل وإشكال لِساني لا أكثر ولا أقل.. ويتساءل وهو يكتب عن الأسباب التي تضغط على المرء فتجبره على الكتابة وعلى سرد الأحداث وعلى التّكلم لنفسه وللنّاس عن مسائل تكاد تكون تافهة خاصة وأنها لا تهم في الحقيقة أحداً، ولكنها ضرورية يفتقر إليها كُلّ مجتمع بحيث أنه ما لم تتوفر له فَقَدَ شخصيته وجذوره معها.. يتساءل ويُحاول تركيب الأحداث مِن جديد (كُلّ الأحداث التي عاشها منذ شهر ماي 1945) ويحاول العثور على معادلات لفظية تواكبها وتعبِّر عنها بوضوح ورزانة وأوزار، وهو لا يرضى أن يترك ما فعله مدة خمسة وثلاثين عاماً ولو أثراً بسيطاً ويموت هكذا كما ينفذ الحلم في النّوم ويهترئ في اليقظة، ينساه المرء ولا يتذكر منه متى يذكر إلاّ القليل القليل..) ص 219. (لكنه.. لم يتراجع بِصفة نهائية عن فكرته حول التّاريخ، إنما يترك الباب مفتوحاً للنِّقاش والإمكانيات حُبلى بالافتراضات والمفاهيم محشوة بالتّفاصيل. ) ص 220. (هل يستقيم العود والظِّلُّ أعوج؟ لا. طبعاً لا.. لكن التّاريخ يصنعه الرِّجال بعملهم وكدِّهم ونضالهم ودمائهم وأعمالهم وأيديهم.. وإلاّ فاستقامة الظِّلِّ تُصبح قهرية وحتمية ويستقيم العود إذاك ويُصبح الخطُّ باستقامته واضحاً. فأين الوضوح ونحن نرى الشُّعوب المقهورة تمشي وتتحسس طريقها بعصيها البيضاء، على غير هُدى، فلا تعرف أين الخطّ الواصل وأين وضوحه؟) ص 229.

وها هي سالمة (تعود في يومٍ مِن الأيام إلى الطّاهر الغمري فتجدهُ ميتاً ومضرجاً بدمه الذي تقيأه مِن فمه وقد تهرأت رئتاه نهائياً. لقد كان يعلم هو بذلك وأبى أن يُعالجه أحد بعد أن عالجه الحكيم فلا يريد طبيباً غيره يُعالجه.. ولكن ما الحيلة وقد مات الحكيم منذ زمنٍ طويل كما مات بوعلي طالب وسيد أحمد ومليون شخص آخر..) ص 265. (تأتي – سالمة - فتجده سابحاً في دمه.. ((مات عم الطّاهر)).. مات وترك لها يومياته وليلياته.. وها هي الآن مكبة عليها تقرأها وتعيد قرأتها. وترك لها.. وترك لها.. وترك لها ذكرياته التي تَمُت كُلّها إلى الصِّراع القائم بين الفقراء والأغنياء، بين المُستَغِلين والمُستَغَلين..) ص 267. (وقَبِلَ بالتوصل معها إلى حلٍّ وسط حول تحديد التّاريخ وكثيراً ما كان قد صدمها بتصريحاته الاستفزازية يوم كان يذهب إلى أن التّاريخ لا يُصنع بل أنه كالطُّحلب لا ينبته أحد.. وقد كان يغضب مِن رفضها ومِن عدم موافقتها أقواله فكان يعتمد المُغالاة في الرّأي فيذهب إلى أن التّاريخ مخرأة..) ص 268. (ويموت عم الطّاهر ويترك لها يومياته ولا يوصيها بشيء ولا يترك لها أية وصية..) ص 268. (لقد عاش وكأن حياته كُلّها ما كانت سوى هذه الأوراق المتراكمة التي قضى في كتابتها الليالي تلو الأخرى، محاولاً حشو فجوة التّاريخ الهائلة وذلك ليس بقطن الصّمت وسبيخ النّسيان وصوف الخفية وكتان الكذب والتّزوير، بل بفيض من الجرأة ومن تفاصيل الأمواج المتعاقبة فتكون أنهاراً وبحاراً وطوفاناً ويتّضح هكذا التّاريخ على ما فيه مِن شحنة الرُّموز والألغاز المتراكمة بين طياتها، وتبقى الأسئلة مطروحة ونقاط الاستفهام قائمة تجرح الورق وتحرقه.) ص 269. (ألم يلعب هذا الرّجُل في حياتها دور الأب والعشيق والرّائد والثّوري ذاك الذي أبى أن يخون قضية وأن يجحد بصديق، فترك نفسه يتآكله سرطان السُّلّ وفاءً منه للحكيم الذي عالجه في أيامه وينال منه الموت وقد كان وفياً للأفكار التي كان يحملها في صدره فلم يرض التّراجع عنها.) ص 273. تلك كانت النِّهاية وهكذا كان الأمر.

* نقاط على هامش قراءة رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة:

- تشير الرِّواية إلى صراع الأجيال، يتجسد ذلك في الاختلاف الجذري في مفهوم التّاريخ بين سالمة التي تمثل جيل الاستقلال والطّاهر الغمري الذي يمثل جيل الثّورة وما قبل الثّورة في الجزائر. الطّاهر الغمري الذي يؤمن بنظرية الصُّدفة في التّاريخ، وبأن التّاريخ يصنع نفسه بنفسه دون تدخل يد الإنسان فيه. بينما سالمة تؤمن بأن الإنسان هو الذي يصنع تاريخه.

- تمتاز رواية (التّفكك) بأنّها رواية إيديولوجية بامتياز، إذ تظهر فيها إيديولوجية الكاتب رشيد بوجدرة التي تتجذر في جسد النّص تطغى على المتن. فالفكر الأيديولوجي للكاتب يتضح عبر (التّفكك) كصراع واضح بين الرّأسمالية والبرجوازية من جهة والشُّيوعية من جهة أخرى فالطّاهر الغمري يحتاط من سالمة ويظن (أنها من البرجوازية الصّغيرة، الصّغيرة، الصّغيرة، لكن أعلم أنها قصرية الرّأسمالية.) ص 116. بل وتتعمق هذه النّظرة الإيديولوجية بشكل لافت تجاه الدِّين من خلال صورة الطّاهر الغمري حين كان معلماً للقرآن. فكثيراً ما ترددت الآيات القرآنية بشكل أو بآخر لكن بما يوحي بالاستهزاء وخاصة سورة المسد. فالرِّواية تكشف عن نظرة غير موضوعية للدِّين، فتكتفي بطرح الشّخصية الدِّينية كنموذج متواطئ، ولا تقدم صورة مقابلة تطرح بديلاً إيجابياً يمكن تقبله أو الرِّضى عنه. والواضح كذلك أن الكاتب له موقف سلبي تجاه الأصولية (الشّعب بلا طليعة لا شيء والطّليعة بلا شعب صفر مثقوب.) ص 189. (هل هذا رمز الأصولية؟ الشّعب بلا طليعة.. الأصولية ضربت أطنابها وتوغلت فينا وحتى الفقراء يظنُّون أن لهم قسمة ونصيباً فيها.) ص 190.

إن الوظيفة الإيديولوجية هي السِّمة التي تطغى على عمل الرَّاوي في (التّفكك) خاصة فيما له علاقة بالمعتقد من خلال توظيف بعض الرُّموز الدِّينية بشكل يقترب من التّهكم (أين الطّليعة وأين الشّعب؟ لا جسر بينهما بل هناك هاوية. الإقطاع العربي الإسلامي كان خلاقاً مبدعاً، مغامراً، متاجراً، أما الآن فأصبح حذراً، لا يوظف أمواله إلاّ فيما لا يُغني، ويترك للدولة الأوزار الأخرى. قتلتنا المقاولة والمقاولون والدّجالة والدّجالون.. أين الشّعب وأين الطّليعة؟ الحزب ليس في المستوى والمرحلة دقيقة. هرع النّاس إلى المساجد وسئموا الوقوف أمام دكاكين التّهريب وحوانيت السّلب وأروقة الزُّور والغِشّ. الطّليعة ليست في المستوى.) ص 191. وفي مقطع واضح يحمل دلالة إيديولوجية تجاه الدِّين بتهكم: (غصّت المساجد بالتّائهين في القرن العشرين. وأُمورنا تُدبر بعيداً عنا ونحن هزلى وصدورنا ضيّقة ومسلولة. أصواتنا بحة رهيفة لا يسمعها أحد ولم تفلح إلاّ في تشييد المآذن على شكل صواريخ تفتقر للطّاقة النّووية لتقلع نحو القمر والنّجوم والكواكب.) ص 191.

- رواية (التّفكك) تقوم على وجود شخصيتين بطلتين هما الطّاهر الغمري وسالمة، فكلاهما كشف عن حقيقته، وكلاهما جرى الكلام عنه ورويت قصته. لقد كانت شخصية الطّاهر الغمري وسالمة الصّوتان المسموعان في رواية (التّفكك) وتكشفت لنا تدريجياً بمرور الحوادث والأحداث أما باقي الشّخصيات المذكورة في الرِّواية فكانت ثابتة لم تقدم الكثير للرواية. لقد استخدم رشيد بوجدرة الأسلوب الحُرّ المباشر في روايته التّفكك ليمنح شخصياته حرّية التّعبير والإفصاح عما في داخلها.

- جاء إختيار رشيد بوجدرة لأسماء بطلي روايته (التّفكك) (الطّاهر الغمري وسالمة) يحمل رمزية ودلالة تأويلية، فـ (الطّاهر) رمز لطُهر الرّجُل الذي قاتل الاستعمار الفرنسي، وعدم انغماسه في مكاسب ما بعد الثّورة كثمنٍ لنضاله وكفاحه لتحرير الجزائر مثلما قد فعل الكثير من المجاهدين الذين حازوا امتيازات مادية ومالية ونفعية ميّزتهم عن بقية المواطنين البُسطاء. و(الغُمري) في الجزائر هو اسم ذكر الحَمَام الذي يعيش في أعالي الأشجار قرب الماء - كحال بطل الرِّواية الذي يعيش في أعالي العاصمة قرب الميناء - والذي يُحلِّق عالياً مرتحلاً في الأجواء - كما كان الحال مع البطل - ليستقطب أُنثاه المميزة دون غيرها من الحَمَائِم. وكأن الكاتب يريد أن يرسل بمعنى يخص بطله ويُمكن إسقاطه على من هم أمثاله في الجزائر المستقلة، وهو أنه لن تكون طاهراً إلاّ إذا حلقت عالياً فالقاع قد طمّ. أما اسم الفتاة (سالمة) ففيه دلالة ورمزية على السِّلم والمُسَالِمَة التي يمكنها التّعايش والمعايشة مع أفراد عائلتها ومحيطها رغم اختلاف طباعهم ومشاربهم وأفكارهم وحيواتهم. كما أن اسم (سالمة) فيه إشارة رمزية إلى الجزائر المُستقلة الرّاغبة في التّعايش مع محيطها الإقليمي والدُّولي في سِلم وسلام.

- تقوم رواية (التّفكك) على المونولوج الدّاخلي في غياب حوار صريح وواضح بين شّخصياتها. حيث يتقمص الكاتب وعي الشّخصيات بأسلوب المونولوج المروي، ويعرضه بضمير الغائب دون أن يقطع الخيط السّردي، وفيه يتوارى زمن القصة وزمن الكتابة وهو يقترب من أسلوب المونولوج الدَّاخلي، حيث تقدم الشّخصية وعيها بنفسها لحظة بلحظة بحيث لا يشعر القارئ بالرَّاوي.

- سلك رشيد بوجدرة مسلكاً مختلفاً في الإبداع السّردي إشارته الأولى الكتابة دون حدود خارج سلطة الرّقابة  الفنية والسِّياسية والدِّينية. فهو يحاور في جرأة كبيرة كل المحرمات والمقدسات التي كرستها الكتابة المنحنية. فرواية (التّفكك)غارقة في اللامسموح به في) الجنس والدِّين والسِّياسة(.

- الكتابة السّردية عند رشيد بوجدرة تتميز بأنها كتابة عقوق وانحراف عن الطُّرق المعهودة، فهي كتابة تمرد على تاريخ الكتابة العربية إنها كتابة السُّفلي (الجسد) لكشف العلوي (الفكر). إن التّعامل مع كتابات رشيد بوجدرة مخاطرة لأنه يقدم أساليب قد لا تتلاءم مع ذائقة القارئ العربي الذي ظلّ إلى وقت قريب سجين نمط كتابي معين.

- تتكون رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة من الحكايات الدّائرية اللّولبية التي تخلق عند القارئ في تطورها ودورانها الذّاتي انطباعاً بكابوسية الانزلاق والانغماس والغرق في خثارة البطل وشقائه.

- من أهم ما ركزت عليه رواية (التّفكك) في جل فصولها هو عنصر تكسير خطية السّرد، إن قارئ هذه الرِّواية يحسّ بالخلط والتِّكرار واللّف والدّوران في نقطة واحدة أو العودة فجأة إلى نقطة انطلاق سبق الإشارة إليها. يقول الرَّاوي على لسان سالمة: (اسمع، يمكن البدء بالحكاية انطلاقاً من الوسط أو من النهاية ثم الانتهاء، منها انطلاقاً من أولها وهكذا كل الطُّرق تؤدي إلى عمق الواقع والكتابة.) ص 109.

- يعتمد البناء الزّمني في رواية (التفكك) على الدّيمومة باعتبارها زمناً نفسياً وتياراً متدفقاً يكشف عن أعماق الشّخصية من الدّاخل. كما أن اعتمادها على الذّاكرة يجعل الماضي فيها يظهر غير منتظم وغير مرتب. وهذا ما يعرف بالبناء المتشظي للزمن، حيث يفقد المتلقي القدرة على جمع خيوط النّص أثناء القراءة، وربما يحتاج إلى قراءة ثانية تجعله قادراً على استجماع هذه الخيوط ونسجها. تقول سالمة: (جاءتني تلك الأيام والأسابيع التي إذا قستها بالثّواني والدّقائق وتعاقبها المطرد، كانت تومض لي بهشاشة العالم ولوعته، فبدأت أشعر أن الأيام السّابقة التهمت نصف حياتي وأضافت ألف عام على قدر عمري إلى حياتي، لقد أصبح كل موقف تحدياً وكل ساعة محنة، كل يوم أصبح قرحاً.) ص 177.

- يبدو أن الكاتب رشيد بوجدرة في رواية (التّفكك) يريد الكشف عن بعض الأمور التي جرت أثناء الثّورة التّحريرية خاصة التّصفيات الجسدية التي لاحقت حتى  بعض من صعد الجبال لأجل تحرير البلاد، يخاطب الطّاهر الغمري سالمة (دعيني وخرافاتك وموت أخيك وهلوسة عمتك فاطمة ودروشة أبيك وزواج أخواتك وورشة الخياطة وموقف حميد بالنسبة للإشاعات التي يتناقلها الحي حول حياتك الشّخصية وموسيقى ماهلر وأغاني المواخير.. دعيني.. أقول أنهم ذبحوا الكثير منا وخططوا لاغتيال.. فهربت.. لا أُصدق.. إلى يومنا هذا لا أُريد أن أثق في أحد.. ) ص 186. كما ينتقد الظّواهر الجديدة التي طفت على سطح البلاد بعد الاستقلال من أثرياء الثّورة (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة.) ص 190.

- تواتر تكراري للعبارة اللازمة (هل يستقيم الظِلّ والعود أعوج) في العديد من صفحات رواية (التّفكك) يعطيها بُعداً رمزياً يتجه تأويله إلى كُلِّ ما يتعلق بالثّورة وما بعد الثّورة.

- في (التّفكك) نجد رشيد بوجدرة يعتني باللّفظة التي تؤدي وظيفتها في السِّياق الرِّوائي داخل الفضاء الزّماني والمكاني، وهذا ما يُعطي لخطابه السَّردي متانة فنّية. فهو يمتاز بثروة أسلوبية ولغوية في كتاباته، حيث نجد الجمل تمتاز بمعجمها الفصيح. كما أن رشيد بوجدرة لا يكتب للقارئ العادي بل يكتب للنُّخبة والقارئ الذي يبذل جهداً في عملية القراءة لهذا فهو يستعين بلغة حوشية مليئة بالألفاظ الغريبة القليلة التّداول في الأدب الحديث.

- ما لم يعجبني في رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة، هو استعماله لبعض الألفاظ القبيحة الفاحشة التي يتعفف القارئ عن سماعها أو قرأتها. أنا شخصياً أضطر إلى استعمال القلم الأسود لمحوي كلمات الفُحش في الرواية.

* اقتباسات من رواية (التّفكك) لرشيد بوجدرة:

- (سوقي كسدت منذ زمن طويل وأنا لا أعلم أن العالم تغير. لم أتغير. أنا الوتد الثّابت.. العالم تغير وامتلأ بضوضاء العظام البشرية تتبعه أينما ذهب وأينما صد.) ص 75.

- (دهاليز التّاريخ وأروقته الحالكة دهاليز لا حدّ لها ولا منطق والتّاريخ يدور ولم ينته بعد من الدّوران يدور حول معطياته نفسها التي لا تتغير.) ص 88.

-  (التّاريخ ليس مادة آلية ركبت على مبادئ عالية رسامية فقط بل هو يهتم أيضاً بالأشياء التي تظهر تافهة.. هذا هو التّاريخ.. بلا زخرفة ولا تأمثل ولا تجميل.) ص 94.

- (لقد جرفت البلاد تلك الغزوة التي كانت قد تمت ذات صباح 1830 فتجعل من البلاد منفىً رهيباً سوف يحفل بالجرائم والمجازر والتّخريبات والحرائق والتّجويع والتّقتيل والتّمسيخ على أنواعها فيسجل فيه أصحاب تلك الغزوة جميع الأسباب التّاريخية والقوانين العلمية التي كان لا بُد منها لتغيير وجه البلاد ومحو ذاكرتها وخصي شخصيتها.) ص 101.

- (هل التّاريخ عبارة عن خرقة تستخدم لتشرب هدر حيض الإنسانية وهذيانها؟ أليس التّاريخ شيئاً آخر لا يمكن تحديده بدقة وانضباط وصرامة.) ص 103.

- (الكِتابة عبارة عن آنية مستطرفة.. كُلّ جزءٍ يصب في الآخر حتى يملأ العَالَمَ بِضجةٍ لا مثيل لها، الكِتابة تفتح كُلّ الأبواب لذا تكتب.) ص 109.

- (يا لرهبة الصّمت ويا لصريف القلم وهو يخدش الورق فيخيل إليه وكأنه يكتب بريشة حديدية، صريف القلم هو أحمل موسيقى يعرفها، والكِتابة سياج مطاطي يلولب العزلة ويقولبها حسب حسب الوتيرة التي يختارها.) ص 136.

- (العَلَم ليس بخُرقة وإنما رمز يُمكن فكّه وحله والبحث عما وراءه.) ص 159.

- (والآن. تضخمت المدن وكادت تموت تحت شحمتها وسمنتها والأرض المخضبة بالدِّماء لا تستغل كما يجب وتنبت المساجد كالفطور ويزنى في الدِّين وتكتظ الشّوارع بالانتهازيين وتكثر الرّشوة..) ص 160.

- (التّاريخ قاطرة خارقة للزمن والفضاء، التّاريخ يُصنع بالدّم والوحل.. لكنه يُصنع، الإنسان يصنعه والمجموعات والأمم والشُّعوب تُصنفه.) ص 165.

- (قالوا لا بطل غير الشّعب.. كل ذلك استفزاز. دعاية. تصفية حسابات وخوف من الموتى. الشّعب بلا طليعة لا شيء هذه هي الحقيقة..) ص 178.

- (والتّاريخ يشهد أننا رجعنا إلى الوراء حضرياً. تقهقرنا ولم نتبع لا الكتب القديمة ولا الكلمات الرّثّة ولا الأفكار المسبقة ولا حتى أحذيتنا المثقوبة. لم يبق لنا إلاّ العنتريات وحتى الرّباب مات، قتلته الطّقطوقة الشّرقية والغربية. لا بد من نكش التّاريخ من جذوره..) ص 180.

- (غابت الشّمس منذ أيام وألعق أنا شعور الوحدة وما زال أخي الميت واقفاً على أجفاني وكأنه على عتبة الدّار وشعره أسيل وقد صقله المطر وفي عينيه مياه الموت الرّاكدة تعوم والصُّداع لا يُفارقني..) ص 181.

- (في كُلِّ مكانٍ يفتقر التّاريخ إلى الوضوح والظِّلُّ لا يكفي ليحفظ الأحياء من تُجار الموت وطحلب العتمة والظُّلمات.) ص 182.

- (الشّعب بلا طليعة لا شيء والطّليعة بلا شعب صفر مثقوب.) ص 189.

- (لقد راح أثرياء الثّورة يُخزنون ثرواتهم داخل صوف المطارح التي ينامون عليها ويحتالون ويتضخمون. جُعنا طويلاً والآن قتلتنا التُّخمة والسُّكر والمذلّة.) ص 190.

- (لا الشّعب بطل ولا الطّليعة بطلة ولا رجُل واحد يقدر وحده على قلب الأوضاع واقتحام الواقع. هذا الجيل يفقد صبره بسرعة والتّاريخ لا يُعد بالأعوام ولا بالقرون. الإنسانية كُلّها مازالت تحبو، فما بالك بِنا؟ تنقصنا الجرأة وينقصنا الذّكاء وينقصنا الخيال وتنقصنا النّزاهة.) ص 191.

- (السِّياسة نوع من المخدر لا يمكن لمن يمارسها عن نزاهة وإخلاص من تركها هكذا.. يمكنه التّخلي عنها مدة زمنية بسبب أزمة شخصية أو استيلاء ذاتي أو حتى معطيات موضوعية أخرى..) ص 196.

- (اللغة اقتصاد وسياسة. كلّ طبقة تصنف اللغات حسب مصالحها.) ص 197.

- (العنجهية يُمكن تحديدها في إصرار المرء على متابعة وحي الموهبة وغموضها مهما كلفه ذلك من عناء ومشقة.) ص 203.

- (كأن أمه كانت بالمرصاد وراء الباب، تتجسس أنفاسه وشخيره، وفور توقفها، هرعت إليه حاملة طبق الفطور مرصعاً بفنجان القهوة تُضيف إليها حباتٌ قليلة من القرنفل وصحناً فيه فطائر تسبح في عسل الأمومة والحنان، وكأن رائحة القرنفل تزيد بهجة الصّباح عُمقاً وشفافية فيحتسي وهو يشرب القهوة بها الكون كله ورونقه وسطوعه وسناه، فيقبِّل أُمه تقبيلاً شيقاً ويُداعبها ويمازحها ويمرر يده تحت ذقنها حيث البشرة رخوة وطرية وقطيفية النسيج) ص 205.

- (رفضاً من الجنين أن يقطع صِلة الرّحم فيُلفظ هكذا في الفضاء البشري فيتيه على وجه الأرض ويكبر ويشيخ ويموت فيما تروح المشاكل الحياتية والعائلية والاقتصادية تلاحقه حتى فراش الموت، وأوقات القلق والسَّأم والغثيان، تُطارده حتّى سرير الاحتضار والغيبوبة العضوية، وقد علم - قبل خروجه من دهليز أمه الدَّافئ الفاتر الطّري الهشّ - أن حياته سوف تكون لا محالة ومَهما فعل وما قام به من أعمال جدِّية وثرية ومبدعة وبطولية، فشلاً ذريعاً، كَكُلِّ حياة وكُلِّ ممات.) ص 206.

- (عندها نزعة تيمية بالورق وبكُلِّ ما هو مصنوع منه.) ص 207.

- (الشّاعر – والقُرآن يشهد على ذلك – هو الشّخص الذي لا يملك البراءة فقط بل ويُمارسها تلقائياً وفي حياته اليومية، فهو رجُلُ التّجلي، لأنه قادرٌ على استعمال وعيِّه ووضوحه وتعبئة كُلّ طاقاه الإبداعية في ملاحقة القضاء والقدر وحتمية التّاريخ عبر فيافي المخيلة، وهو يشعر بأنه قادرٌ على الخلق لأنه يعلم علم الحدس واليقين أنه غير قادر على ترويض وتليين حوافي العالم وحواشي الكون وتخوم الأشياء.) ص 211.

- (يتساءل عن معنى الكتابة ومغزاها وعن أهدافها وواعزها وسببيتها ومبرراتها فيقول في قرارة نفسه: لعلّ الأحداث والوقائع والحوادث تأخذ في الوجود بطريقة ذاتية ومستقلّة عمّن يعيشونها وما أن تُصنف في قالب الكلمات وتبوب في إطار الجمل وتصاغ في لحمة الأسلوب والاستطراد والبنية الكلامية والهيكلة اللسانية.. حتى تسلك طريقها بنفسها فلا تحتاج وقد رصفت كلمة كلمة، وسطراً سطراً، ودونتْ كُتُباً كُتُباً، إلى شهادة شاهد عامة ولا إلى شهادته.. فتستغني هكذا عن كُلِّ مساندة بشرية ودعامة إنسانية وكُلّ المشاحب مهما كانت نوعيتها ومهما كان مصدرها..) ص 220.

- (للتاريخ مجرى وتياراً جارفاً، يهزُّ الطّبقات كُلّها عند الإعصار ويُحطم الحواجز كُلّها عند الحاجة وعند الضّرورة.) ص 220.

- (الكتابة بإمكانها تصريف الخوف البشري وتفريغ الأفكار الثّابتة المتراكمة في جُبِّ كُلِّ إنسان.) ص 221.

- (هل يستقيم الظِّل والعود أعوج؟ لا، طبعاً لا.. لكن التّاريخ يصنعه الرِّجال بعملهم وكدهم ونضالهم ودمائهم وأعمالهم وأيديهم.. وإلاّ فاستقامة الظِّل تصبح قهرية وحتمية ويستقيم العود إذاك ويُصبح الخط باستقامته واضحاً، فأين الوضوح ونحن نرى الشُّعوب المقهورة تمشي وتتحسس طريقها بعصيها البيضاء على غير هدى، فلا تعرف أين الخط الواصل وأين وضوحه؟.) ص 229.

- (هل الأشخاص يصنعون التّاريخ بأيديهم أم هو التّاريخ يصنع الأشخاص بحذافيرهم؟ فالمسألة لا تتعلق بإشكالية فلسفية بل الأمر منوط بالمصير الحياتي..) ص 230.

- (الفقير يُصوت بفخرٍ واعتزاز يوم الانتخابات، اعتقاداً منه أنه أن له دوراً يلعبه ولو مرة.. ولا يتركه يفلت من يديه وهو يعلم علم اليقين أن الانتخابات في وطنه لا تتجاوز الشّكليات وهي مجرد تمظهر بالدِّيمقراطية.. هنا نجد التّاريخ.. وكل الشُّعوب في هذا الميدان سواسية.. إن التّاريخ لا يُصنع وكالحزاز لا نراه ينمو.. التّاريخ مبني على تناقض أساسي. لا نفهمه إلاّ بعد مروره.. ولا يمكن استيعابه على الفور..) ص 232.

- (ماذا يفعل المعذبون؟ إنهم بأمس الحاجة إلى الطّليعة. وهيهات أن تعرف الطّليعة الفقر أو الجوع.. في الأمر أيضاً تناقص فادح. ما العمل؟ وماذا يمكن للطليعة أن تعمل؟ هي بأمس الحاجة إلى من يحركها ويدعمها ويشهر السِّلاح بأيديها.. الكادحون لا يفقهون من السياسة شيئاً وإن فهموا فعن حدس مستتر في تلافيف أجسامهم الهزيلة، فيهومون على وجوههم سكارى في فجاج الأرض يسبحون في الأجواء بقوة خيالهم وفكاهتهم النّاضجة وعبقريتهم الفذّة ويأتي الزِّلزال..) ص 233.

- (التّاريخ مزيج من الصّدفة والإرادة البشرية.) ص 234.

- (ولا أحد يعرف أين المفتاح وحتى لا يعرف أين الباب.. كلنا مسؤول عن هذه الحالة وحتى الأموات مسؤولون.. هل من محاسبة تجري للأموات يوماً؟ لنفتح ملف التّاريخ والتّواريخ كُلّها متشابهة بطبيعة الحال. مسكين المثقف في بلادنا ومسكين الواعي.. يتلوع ويعجز هو أيضاً بدوره. أين البوصلة؟ أين الخرائط البحرية؟ أين المناخاتّ؟ أين الرُّزنامات؟ هل نحن محكوم علينا بالضّيق مدى الأزمان..) ص 241.

- (التّاريخ هو عبارة عن سيل جارف متواصل لا يتوقف عن الدوران ولا يكف عن السَّير واللّف بل يمضي في سيلانه فيمر في أروقة العَالَم وفي دهاليز الأشخاص وتعرجاتها الدّاخلية حيث يمطر في القلوب مطراً فاتراً رزازاً.) ص 270.

- (تأتي التّجاعيد الرّخوة فتغطي وجوه أولئك الذين يدّعون بأنهم يصنعون التّاريخ فيما التّاريخ صانعهم، التّاريخ بما فيه من أحداث وحوادث وصدفة وحتميات، ناهيك عمّا في الحُكم من متاهات وما تحمل السُّلطة من إغراءات فيتعلمون مذاق العُزّلة المُرّة ووحشة الوحدة وانطواءها على نفسها مما يُغذي عنجهيتهم وما فيهم من جموح إلى العظمة والفخفخة والغطّرسة المشحونة بالجنون، وما أن يَرمِي بهم الـتّاريخ في مزابل النّسيان حتى يتسارع النّاس إليهم ولا يتورع الأعداء والأصدقاء على السّواء عن الانتقام منهم مظهرين ما كانوا عليه من علّات وعيوب وآفات ونقائص وقد كانوا في الأمس ينزلون أحكامهم تنزيلاً فتهبط كالصّاعقة من السّماء ذاهبة بكُلّ خلق ووجود.) ص 270.

- (لقد حسبوا أنفسهم - صانعوا التّاريخ أولئك – خالدين ملهمين أو مبعوثين  لبثِّ رسالة ما والمناداة بها ويذهب بهم الأمر إلى النِّهاية فيعتبرون أنفسهم من جبلة الرُّسُل وما بُعثُوا إلاّ لإنقاذ الإنسانية جمعاء فيتباهون وينتفخون ولا يجعلون لغرورهم حداً فيما يمضي التّاريخ ويقف لهم بالمرصاد يترقبهم على أرصفة المستقبل ويحطمهم شر تحطيم ويغطيهم مأموروهم بغطاء الفناء وبطبقات كثيفة من دخان النّسيان الأزرق فتكون عاقبتهم عاقبة مَن ظنُّوا أنفسهم خالدين لا أثر لموت فيهم  ولا للمرض أو الخطأ وهم عن ذلك واقون وإذا بالتّاريخ يترصدهم فيغرقهم في أوحال بولهم وغائطهم في دمهم ودموعهم. يا لها من سقطة رهيبة.. إنها سقطة من حسبوا أنفسهم على كُلِّ شيءٍ قادرين  وعلى استقامة الظِّلِّ على هواهم وكما يشاؤون عازمين يقررون وهم في الحقيقة معوجون يقررون تكييف معدن التّاريخ على هويتهم وهم إلى تحديد هويتهم مفتقرون..) ص 271.

- (قاطرة التّاريخ تخرق فيافي العقائد وتفتت الآراء وتبعثر الاعتقادات.) ص 273.

- (يرصد ما يقع تحت أنظاره من ظاهرات اجتماعية تَمُت إلى النِّساء بِصِلة، لكي يفهم من خلال ما يلاحظه في وضعية المرأة اليومية ما هي وضعية البلاد وكأن تصرفات المرأة إنما تعكس المآسي التي يعيشها الوطن على اختلاف أنواعها.) ص 279.

***

أ. السعيد بوشلالق

..............

* رشيد بوجدرة: روائي جزائري ذو توجه يساري ماركسي، يكتب باللغتين الفرنسية والعربية، ولد في عين البيضاء في 05 سبتمبر 1941. له العديد من الرِّويات، منها: ألف عام وعام من الحنين. التطليق. الإنكار. الحلزون العنيد. المرث. الرعن. معركة الزُّقاق. ضربة جزاء. تيميمون. التفكك..

 

محمد المحسن"القصيدة تكتب شاعرها" (موريس بلانشو)

“طقطقة كعب “إبحار في سراديب الذات، ومصباح في زجاجة من الأرق والألم، والقلق، والسؤال، إنّه ايغال في -الغرام النبيل-لا يملأه إلا الفضاء، وهو أيضا بحث عن دفء الرغبة في ظل سكون، وصمت، رهيبين يقلان صخب الرعشة والحلم..

تطلّ علينا هذه النفس المتشظية والهادرة من عتبة هذه القصيدة، وعتبتها عنوانها، وعنوانها يؤجج الإحساس فينا- بشوق صاخب لأب رحيم- يهجع خلف الشغاف..

إنّ صيغة عنوان هذه القراءة النقدية لقصيدة هادية آمنة مستوحاة في جوهرها ممّا تتأسّس علي تلك النصوص الشعرية من مرجعيات كتابة وأسئلة متن ومستويات كلام تُسهم مجتمعة في تشكيل الكون الشعري وتحديد المفيد من سماته الفكرية وخصائصه الجمالية.. فالذاكرة حاضرة بكثافة في تشكيل مُجمل نصوص الشاعرة التونسية هادية آمنة.. نصوص تستعيد الذاكرة أفق خلاص من حرائق الراهن، ترتحل عبرها إلى زمن ماض يبدو أرحم وأرحب.. هي ذاكرة فرد: الذات الشاعر، وهي ذاكرة جمع: مجتمعة، وهي ذاكرة الإنسان: الإنسانية فالشعر خطاب يتجاوز حدود الذات الضيّقة، ليعبّر عن هموم الجماعة قبل أن يصوغ أوجاع الإنسان في المطلق.. ويبقى الشعر رسما بالحروف والكلمات.. ينفتح على الرسم التشكيلي فيستعير بعض ألوانه وأشكاله ورؤاه الجمالية تشكيلا بصريا للكتابة الشعرية على بياض ورقة الكتابة.. بعد أن تداعت الحدود بين الفنون فتداخلت التخوم..

تتثاءب الحروف.. وتتململ الكلمات كي تتشكّل ابداعا شعريا يلامس نرجس القلب، وذلك في شكل فضاءات دالة على ما يشكل هذا العمل الشعري من عوالم إبداع.. يتقاطع فيها وَجِدُ العشق بوجَع الحصار…

تتعدد المداخل إلى النص الشعري المعاصر وتتنوع، بحكم أنّه يبقى قابلا لأكثر من صورة تأويل، ومنفتحا على أكثر من شكل احتمال للمُمكن والتوقع للكامن.. فمدار الإبداع عامة والشعر منه خاصة، بحث يسكنه الإرتحال إلى المجهول من الآفاق، والقصي من جماليات الكتابة ودلالات الفكر.. توقا لتحقيق المغايرة للسائد الشعري..

وتبدو ملامسة تخوم الكون الشعري الذي تنحته نصوص الشاعرة التونسية هادية آمنة مدعاة للتأمّل عبر عناوينها: طقطقة كعب”، بإعتبار أنّ مثل هذا العنوان قد يختزل مُجمل العلامات الدالة على أسئلة متنه الشعري وجماليات صياغتها.. فالعنوان، رغم ما يشي به-بعده المجازي-، إلاّ أنّه يُضمر كتابة دلالية تجعل منه أحد المفاتيح الأساس لفتح مغالق النّص الشعري، والكشف عمّا تبطنه من دلائل لا تخلو من علامات غموض وتعتيم، وتتوسّل به من أدوات كتابة سحرية، تبقى دوما متغيرة، ومتحوّلة من تجربة إلى أخرى، وحتى من نص إلى آخر داخل التجربة الشعرية الواحدة.. فجوهر الإبداع تجاوز ينبغي دوما أن يدرك المدى الذي لا يُدرك، للكائن من الأشكال، والراهن من أسئلة الشعر..

أما المتن الشعري الذي ترسم معالمه نصوص هذا العمل الإبداعي وتحدّد المفيد من سماته الفكرية والجمالية في آن، فإنّه يقوم على تيمتين أساسيتين تشكّلان محوري القول الشعري، وهما الوفاء للأب الراحل وعطر الأنوثة، محوران يتنوّع حضورهما داخل القصيدة، إذ تأخذ علاقتهما أشكال التوازي أو التحاور أو التقاطع.. وقد وزّعت الشاعرة-ببراعة واقتدار-قصيدتها المدهشة بينهما..

للشاعرة التونسية هادية آمنة قدرة على استبطان اللغة وتشكيلها بحيث تعطي أقصى طاقتها في الدلالة على ما تريده وكأنما قد ألينت لها العربية .. واللغة ليست صماء بكماء إلا حال استخدامها من قبل أصم أبكم أعمى فساعتها تجدها جامدة ..

وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم ..

ولنرى معا مدى توفيق الشاعرة وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها :  قول الشاعرة :  بكعبها العالي جاءته تُطقطق

بمساحيق الغواية وجهها يغرق

بالعطور الباريسية أعطافها تعبق

براءة المكر من عيونها تُدهق

قبلات الورود على خدودها تُشرق

فاتنة في حبّها الكثير يغرق

على نخبها طهر السلسبيل يُهرق

بيادر الرياحين من مجالها تعبق

حروف الأبجديّة بالكاد تنطق

حرف الراء بلكنة عسل

غاء تُطلق

ينظر إليها الزيتونيّ و يضحك

شهد فيها ضياء سناها

وهام أبوها بطلق هواها

ظرف القطط في رسم خطاها

هويدتي

أخاف عليك مجون السنون

وعبث الدنيا فأنتِ فُتون

طوّقتِ العيون وأنتِ صغيرة

فكيف الحال إن صرتِ كبيرة ؟

سكبتُ فيك من روحي شِعري

منهل للحرف في لحظة التجلّي

علقتِ خواطري أمانة

احكيها

ترانيم شوق على أهداب قصيدة

غّنيها

من الجدير –في هذه القراءة المتعجلة-أن نتبيّن معالم البنية الصوتية للتشكيل اللغوي في هذه القصيدة في محاولة لربط هذه المعالم بما لها من دور في إنجاز التجربة، وفي تحقيق قدرتها التأثيرية، فالملامح الصوتية التي تحدّد الشعر قادرة على بناء طبقة جمالية مستقلة (1)، والبنية الصوتية للشعر ليست بنية تزينية، تضيف بعضا من الإيقاع، أو الوزن إلى الخطاب النثري ليتشكّل من هذا الخليط قصيدة من الشعر، بل هي بنية مضادة لمفهوم البناء الصوتي في الخطاب النثري، تنفر منه، وتبتعد عنه بمقدار تباعد غايات كل منهما، وهذا يعني أنّ إرتباط الشعر بالموسيقى إرتباط تلاحمي عضوي موظّف، فبالأصوات يستطيع الشاعر أن يبدع جوّا موسيقيا خاصا يشيع دلالة معينة، واللافت أنّ هذه الآلية الصوتية غدت في نظر النقاد مرتكزا من مرتكزات الخطاب في الشعر العربي الحديث، وهذا المرتكز يقوم على معنى القصيدة الذي غالبا ما يثيره بناء الكلمات كأصوات أكثر ما يثيره بناء الكلمات كمعان(2)..

وإذا كان الأمر كذلك فليس بوسع الدارس أن يتجاهل ظاهرة أسلوبية لافتة ساهمت في إنجاز جمالية التجربة عند الشاعرة هادية آمنة كما ساهمت في تحديد معالم رؤاها وهذه الظاهرة هي تعويلها على المدود أو الصوائت الطوال، وهو ما يلمسه المرء في الخطاب الشعري على مستوى المفردة، وعلى مستوى التركيب، إذ تتجلى هذه الظاهرة الصوتية في هيمنة مفردات حافلات بالمدود الطوال على هذا الخطاب، وذلك من قبيل: هواها-خطاها-سناها-.. إلخ

ومن هنا، يبدو واضحا أنّ التعويل على الصوائت الطوال ظاهرة أسلوبية صبغت الخطاب الشعري عند هادية آمنة التي حمّلت هذه الصوائت عميق أحاسيسها وانفعالاتها مما يجعل خطابها في كثير من الأحيان قائما على ما يسميه جان كوهن بالكلمة الصرخة، ويذكر أنّ العلاقة وثيقة بين الصُّراخ والشعر، فالصراخ حالة هيولية من حالات الشعر، وفي ذلك يقول جان كوهن: ”الشعر يتميّز عن الصّراخ، لأنّ الصراخ يستخدم جسدنا على النحو الذي أعطتنا إيّاه الطبيعة، أما القصيدة فتستخدم اللغة، إنّ الشعر يستخدم المسند الذي تستخدمه اللغة غير الشعرية، إنّه يقول كما تقول: إنّ الأشياء كبيرة أو صغيرة…حارة أو باردة لكنّه يصنع من كلّ واحد من هذه الألفاظ الكلمة الصرخة، إنّ الشعر ذو جوهر تعجبي”(3)

على سبيل الخاتمة:

قد لا أبالغ إذا قلت أنّي لست من الذين يتناولون القصائد الشعرية بأنامل الرّحمة ويفتحون أقلامهم أبواقا لمناصرة كلّ من ادّعى كتابة الشعر، إلاّ أنّي وجدت نفسي في تناغم خلاّق مع هذه القصيدة التي فيها كثير من التعبيرية وقليل من المباشرة والتجريد تغري متلقيها بجسور التواصل معها، مما يشجع على المزيد من التفاعل، ومعاودة القراءة والقول، فكان ما كان في هذه الصفحات من مقاربة سعت إلى الكشف عن بعض جماليات هذه القصيدة مربوطة بالبنية اللغوية التي عبّرت عنها..

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

هل لامست كلمات الشاعرة شيئا ما في دواخلنا وحركت بحور شوق لأبائنا ساكن فينا ؟ وهل هزت وتراً ما من مشاعرنا وألهبت حماسنا لأخذ زمام المبادرة لصياغة قصيدة تهدى لأب حنون كان بالأمس وسادة ريش لنا حين يداهمنا السقوط.. ؟

ويظل الجواب.. عاريا.. حافيا.. ينخر شفيف الروح..

 

محمد المحس- ناقد تونسي

.............................

الهوامش:

1-اللغة العليا ص: 116جون كوبن.. ترجمة أحمد درويش.. ط2 القاهرة 2000

2-البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ص: 38-ط-الإسكندرية 19903-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74

3-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74..

 

قصي الشيخ عسكرتمهيد: الدكتور علي القاسمي لغويّ وباحث متمرس وأديب يتعامل مع الكلمة بإحساس مرهف وخيال عميق أضف إلى ذلك كونه يجيد عدة لغات حيث اطلع من خلال الدراسة الأكاديمية على الأدبين الإنكليزي والفرنسي، واستوعب عبر المطالعة والبحث النظريات والتيارات الأوروبية الأجبية والفلسفيّة ممّا ترك ذلك أثرا إيحابيا على ماكتبه من بحوث وماصجر عنه من إبداع أدبيّ.

وكان من حسن حظّي أن أطّلع على كتابه الأخير الذي يختوي عدة قصص منها قصة <الآنسة جميلة> التي نشرها في إحدى الصحف الألترونيّة فلفتت نظري فكتبت عنها ثلاث مقالات نشرتها في الصحيفة نفسها.

والحق إنّي أدركت بعد قراءتي لقصة <الآنسة جميلة> والقصص المنشورة معها في هذا الكتاب أنّ الدكتور القاسميّ أبدع فنّا جديدا يمكن أن نطلق عليه <قصص السيرة> إلّا إني في هذا البحث لم أعالج حميع موضوعات قصص الكتاب بل تناولت جانبا منها ألا وهو موضوع الاغتراب آمل أن يدرس مجالاتها الجمالية والفكرية النقاد والأدباء ويوفوها جقها من البجث والتحليل.

تعريف الاغتراب:

الاغتراب: alienation، في اللغة الإنكليزية مشتقّ من اللغة اللاتينيّة وهو نفسه اعتمدته الفرنسية، ويعني تجريد الفرد من ممتلكاته وبيئته [i] والمعنى ذاته نجده في قاموس الهجين الدنماركي[ii] أمّا في اللغة العربيّة فالاغتراب مشتقّ من الفعل أو المصدر <غرب> ومعناه غاب وبعد[iii] أو غاب وبعد واسودّ وجهه وغمض وخفي[iv] وإذا انتقلنا من المعنى اللغوي إلى المصطلح نجد أنّ الغربة تعني اصطلاحا العجز والاستسلام والهراء وفقدان المعنى [v].

وعلى الرغم من المعنى السلبيّ الذي تتضمنه كلمة اغتراب وغربة في اللغة العربيّة إلّا أنّ هناك معنى إيجابيا ورثناه عن تراثنا الشرقي القديم بصفة عامة والعربي الإسلامي على الأخصّ، ففي الفكر الشرقيّ الروحيّ نطالع قول النبيّ يعقوب <ايّام سني غربتي مائة وثلاثون سنة قليلة وردية كانت أيام سني حياتي ولم تبلغ إلى أيام سني حياة آبائي في أيام غربتهم>[vi] إنه يحد حياة اغتراب آبائه الطويلة مدى إيجابيا لأنّ الاغتراب بنظره يحمل الإنسان بعيدا عن كدر الدنيا فيجعل حياته قريبة من الصفو والتأمّل، ولنا عبرة أيضا في التراث الإسلاميّ حيث الحديث النبوي الذي يؤكد المعنى الإيجابيّ للاغتراب <بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا طوبى للغرباء>[vii]

على وفق المفهومين السلبي والإيجابي المذكورين آنفا سندرس في الصفحات التالية مفهوم الاغتراب وفلسفته في قصص السيرة عند الأديب الدكتور علي القاسمي حسب العنوانات التالية:

1 - السرد الوصفي

2- شخصيات الاغتراب

3- الحيوانات والطيور

4 - أدوات الاغتراب

السرد

يستند السرد الاغترابي عند القاسمي إما إلى الاستناد للتاريخ بتفصيلات مهمة تنقل القارئ من لحظة الحاضر إلى الماضي فيضعنا في اللحظة التاريخية كما لو كنا نحن الذين نعيشها عبر معايشتنا لأهل ذلك الزمان في قصة الآنسة حميلة نقرأ النص الآتي الذي اقتطعناه من قصة الآنسة حميلة:مدينة شفشاون التي تُلقَّب بـ &quot;الجوهرة الزرقاء لروعة طبيعتها الجبلية الخلابة، تأسَّست سنة 1472 لإيواء مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان، فحملوا شيئاً من ثقافتهم الأندلسية معهم إلى البلدان المغاربية التي لجأوا إليها. ولم يكُن أولئك اللاجئون من أصول مغاربية إسلامية فحسب، بل تعود أصول معظمهم كذلك إلى جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية النصرانية القديمة. وقد أسلموا إبّان الحكم الإسلامي المتسامح لإسبانيا الذي دام ما يقرب من ثمانية قرون. وعندما أمشي في أزقة شفشاون، أرى الأطفال بعيونٍ خضرٍ وزرق وشهلٍ وسودٍ وبنيةٍ وعسليةٍ، وبشعرهم الأسود والبني والبني الدافئ والأشقر والأشقر الذهبي وغيرها من الألوان. وقد تحوّلت هذه المدينة إلى قلعة لمقاومة الاستعمار الأوربي في القرن السادس عشر وما بعده. ويمتزج جمالُ أهلِها بشموخِ التحدي والإباء.

فالقاص بهذا الوصف جعلنا نعيش أجواء الماضي كأننا ضمن المجموعة التي طردها الأسبان وهو وصف دقيق استند إلى ثقافتين واسعتين ثقافة أدبية وتاريخيّة.

وهناك أيضا وصف الطبيعة الساكنة والمتحركة الذي يزيد قصص السيرة حيوية ويبعدها عن الرتابة والملل.قصة الصديقة الفرنسية:

وأخيراً وصلنا جبل سان ميشيل وهو جزيرة صغيرة تبعد حوالي كيلومتر واحد عن ساحل منطقة النورماندي في الشمال الغربي من باريس. وترتفع هذه الجزيرة التي على شكل جبل من صخور الغرانيت حوالي 80 متراً عن سطح البحر. وخلال القرون الوسطى بُني عليها ديرٌ وحديقة يعدان من روائع العمارة القروسطية. ونشأت حول الدير قرية سياحية تكثر فيها الفنادق والمطاعم.

أو أن يستند الوصف الاغترابي عنده إلى وصف المكان الحالي الذي نجده غامضا بنظرنا ولا نعرف كيف نتعامل معه وربما نتردد في التعامل معه حتى نكتشف سرّه .نقرأ في قصة ذكرى:

تردَّدتُ وهلةً قبل أَنْ أجتاز عَتبةَ الدار بِوَجَلٍ، لأُلفي نفسي في جُنينةٍ واسعة لم تُشذّب نباتاتُها منذ مدَّةٍ طويلة، فَنَمَتْ أعشابُها وتشابكتْ شجيراتُها مكوِّنةً عدَّة أجمات، فاستحال العثور على كُرتي. وأخذتُ أفتِّش عنها بين الأعشاب وخلف جذوع الأشجار بإحدى عينَيَّ، في حين ظلَّتْ عيني الأخرى ملتصقةً بالمرأة تراقبها وتُحصي حركاتها.

وفي طرفِ الجُنينة القريب من باب الدار الداخلي أُقيمتْ طاولةٌ مغطّاةٌ بغطاءٍ حريريٍّ مزخرفٍ تحيط بها أربعة كراسٍ، وعليها إبريق شاي وعددٌ من الفناجين وقالب حلوى كبير.

وجلستِ السيدة إلى المائدة، وقد صبّتْ لنفسها فنجانَ شاي، ولكنَّها لا ترتشفه، وأمامها قطعة حلوى في صحن صغير، ولكنَّها لم تأكل منها.

الوصف آنفا لحديقة امرأة تعيش وحدها في عزلة عن الناس ولم تكن هي التي اختارت العلة أو الغربة تلك بل المجتمع الذي ظنها جنية وتحاشاها لنجد فيما بعد أن الرعب الذي عشناه هو في الحقيقة وهم زرعناه في نفوسنا لأسباب متباينة منها نفسية واجتماعية وسواهما من التأويلات الأخرى.

إنّ الوصف الاغترابي في قصص السيرة عند القاسمي قد يهاجر في الزمان فيتداخل بالحاضر أو أن يتناول المكان والمكان يمكن أن يتوزّع بالشكل التالي:

1- المكان المحلي مكان ولادة الشاعر على وفق ماوصفه في إحدى قصصه لمدرسته ومعلميه وورفاقه الصغار ونهر بلدته والناس المحيطين به.

2- المكان العربي وهو العراق ولبنان وبعض الدول الىآسيوية وأوروبا وأمريكا وأفريقيا بخاصة المغرب والحق إن القاسمي سافر إلى كثير من البلدان فالتقطت عينه المتأملة الخبيرة كثيرا من المشاهد فهو رسام بالوصف نقل لنا في قصصه مشاهد عالمية كثيرة لطبيعة تلك البلدان مثل نهر السين في فرنسا وغابة بولونيا والقلاع والحصون الأثرية والمعالم الحديثة وأناس تلك البلدان وعاداتهم وتقاليدهم وطرق تعاملهم.

إنّ وصف الشاعر في قصصه يتعزز للاستناد إلى موضوع الاغتراب باختيارات دينيّة وأدبية وفلسفية منها:

أولا: الاستشهاد بالقرآن الكريم ومافيه من قصص يعززبها الكاتب أسلوبه ونفسية شخوصه:

وفي اللحظة نفسها، تمثَّلَ لي أبي وهو يفسِّر لي سورة يوسف في القرآن. يعقوب يحبّ كثيراً أصغر أولاده، يوسف. إخوة يوسف يغارون منه، لأنهّ يحرمهم من حبّ أبيهم، أو هكذا يتوهّمون. يتآمرون على يوسف. يأخذونه معهم إلى البادية للَّعب، على الرغم من اعتراض أبيهم. يذهبون به بعيداً عن القرية. يلقونه في بئرٍ للتخلُّص منه.

إذن سيتأكَّد لأبي أنَّني أغرقتُ أخي حسن عمداً. قد لا يفعل شيئاً، تماماً مثل يعقوب. ولكنَّ قلبه سيظلُّ حزيناً مكلوماً، ولا مكان لي فيه.

ثانيا: الاستناد إلى الشعر العربي القديم والحديث:

قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا

وهو في هذا الموضع يبين منزلة المعلم عند التلاميذ والمحتمع في ذلك الزمان.

ثالثا: الاقتباس من النصوص الإنكليزية أو الفرنسية ليجعلنا نعيش أجواءها من خلال ترجمته القصة رقم 8 أستاذتي الدكتورة سيرين ديلي:

في مجرى الذكريات، وقفَ أخي ينتظرني، ويداهُ مملوءتانِ بالتوت:

أختاه! هذه حبّاتُ جسدي، خُذيها وكُليها!"

رابعا: الهوامش التي يستعين بها الكاتب لتوضيح فكرة أو استطراد أو استدراك وهو أسلوب تستخدمه القصة والرواية الحديثة واستخدمته في روايتي التوثيقية قصة عائلة فنحن نحتاح الهوامش حين ناحدث عن وقائع وتواريخ مما يضفي على القصص أو الرواية بعدا فنيا وجماليا مؤثرين.

خامسا: إيراد بعض المصطلحات والعبارات الأحنبية كما هي في لغتها الأصلية وبالحرف اللاتيني إما لانتفاء معادل عربي لها أو قصد أن يحعلنا الكاتب نعيش أجواء قصصه وعوالمها.

سادسا: الحكمة والأمثال مثل المثل المشهور : لِكلِّ فتاةٍ خاطبٌ، ولِكلِ مرعى طالبٌ".[viii]

وكلّ ذلك جاء بإطار عبرت عنه الألوان فاكتمل بها، ولو تتبعنا قضية السرد المذكورة آنفا لوجدنا أنها اتخذت بعدا فلسفيا في الاغتراب بشقيه السلبي والإيجابي لأن الالوان تحمل مدلولات عالمية وفق ثقافات الشعوب وأديانها فقد أصبحت الالوان شعارا للأجناس وفق رأي دارون[ix] حسب الألوان:

الأبيض: رمز السلام باقة ورد من الطلاب بيضاء للأستاذة المهاحرة إلى لبنان قصة رقم 8 أستاذتي الدكتورة.

الأبيض للنقاء والزينة بنت الحيران التي كانت ترتدي فستانا أبيض قصة وفاء، وقصة غزال يستجير بفلاح رقم 5 مرتجيا ثوبه الأبيض.

العنف: السلاح الأبيض قصة الجرس الأول.

السواج: الحزن والكآبة:

اصطدم بصري بحسم متلفع بالسواد قصة الذكرى رقم3

الشؤم: سرب من البط البري تتقدمه بطة كبيرة قاتمة اللون كالبجعة السوداء[x]

الازرق: قصة رقم 8

باقة ورد من عصافير الجنة الزرقاء التي ترمز إلى الفرح.

الأصفر: الخوف

قصة السباح أصبح وجهي أكثر اصفرارا.

ولا نفغل أيضا ورود الألوان في وصف الطبيعة وحمال الآثار التي حفلت بها قصصه وحاءت ضمن الوصف في السرد في مواضع كثيرة.

الشخصية المغتربة

تعبّر عن شخصية البطل في قصص السيرة عند القاسميّ الضمائر التالية:

ضمير المتكلم: الأنا

الغائب: هو هي

التداخل بين ضمير المتكلم والغائب.

أن تكون أنت القاص عن نفسك سواء في قصص السيرة أم غيرها يعني أن عينك تراقب وتدور وأنك تصبح حرا من قيود الصنعة والمباشر إن القص بضمير الأنا يعطيك مساحة أكبر في التعبير عن نفسك ومساحة أوسع في الوصف والشمولية، وابطال قصص القاسمي في ضمير الأنا ينضوون على وفق القائمة الآتية:

أبطال أطفال صغار أو صبيان

أبطال كبار مثل البطل الحامعي أو الموظف.

في الأبطال الصغار نجد المؤلف يتحدث في بعض القصص عن طفولته فيرسم صورة ناصعة لبطل مغترب إيحابي صغير بطل يتغلب على الخوف الذي اختلقه المحتمع وعاش فيه فلم يجرؤ أحد من الكبار على اقتحامه أما البطل الصغير <الأنا> فيصبح مكتشفا ينهي عقدة المحتمع تلك كأنه يقول لنا نحن حيل المستقبل نحن أصحاب العلم والمعرفة ونحن المكتشفون.إنّ الطفل البطل في القصة هو تجديد لحياة المجتمع وتصجيج لمعتقداته فقد فكّ حلقة العزلة عن امرأة ظلمها المجتمع الذي يظنها ساجرة أو حنية بينما تعيش هي على ذكريات الماضي وصور تختفظ بها لأحبة فقدتهز.إنها تعيش اغترابا سلبيا واقتحام الطفل لبيتها بصورة جريئة على وفق القانون كونه طرق الباب بصبر بعد أن نفد صبره ولم يحاول أن يقفز أو يتسلل إلى البيت فقد دخل عالما جديدا بحياة اغترابية إيجابية حصل منها على معرفة جديدة.البطل بضمير الأنا يصف ما اكتشفه في قصة الذكرى:

ووضعتْ يدَها على رأسي برفق، وقبّلتْ وجنتي بحنان، وأَوصدتْ الباب خلفي في تُؤدة.

وفي الزقاق، شاهدني أَحدُ الرفاق من الأطفال، وأنا أخرج من دارها، فقال لي بدهشة:

ـ هل رأيت الجِنِّيّة؟!

أجبتهُ باقتضاب:

ـ إنَّها على غير ما كنّا نظنّ.

ومضيتُ إلى منزلي بصمت.

فلماذا لا يكون دخول البيت الغامض لنا هو قراءة تاريخنا الذي فهمناه خطأ وما الطفل إلا رمز للجيل الجديد الذي عليه أن يبر أغوار الماضي ليعرف الحقيقة ويدرك نفسه جيدا؟

أما البطل الطفل الثاني فتجسده قصة <السباح> البطل يتحجث بضمير الأنا وشخصية الغائب هو موازية له من حيث الأهميّة البطل عمره أثنا عشر عاما وأخوه ستة أعوام الكبير سباح ماهر يروم أن يعلّم أخاه الصغير السباحة فيغتنم فرصة سفر الاب في شغل ليقنع أمه أن تسمح له باصطحاب أخيه إلى النهر، وهنا يبدو لنا زمن مستقطع هو زمن السفر الاغترابي للأب الذي يستغله البطل من أجل فعل يظنه منفعة أو خيرا يذهب مع أخيه إلى النهر ومن المدهش أنه يمارس تمرين أخيه فيغفل عنه دقائق ولم يعد يراه أما الأخ ذو الأعوام الستة قيغط غطة طويلة.هنا لدينا زمن اغترابي قصير يستغله الشخص الثاني في القصة يريد أن يصادق الماء فيبقى داخله أطول فترة ممكنة إلى درجة أنّه يظنّ نفسه غرق.وهنا نصل إلى ذروة الاغتراب الإيجابي الصغير البرئ يتطهر يمنحه أخوه درهما شرط الا يقول للأمّ أنّه غرق لكن من خلال الحوار الآتي نجد أن الطفل يرفض أي عرض مقابل أن ينكر الحقيقة:

ولكي أبرهن له على صدق وعدي. أخرجتُ آخر درهم لدي ودسَستُه في يده، قائلاً له وأنا أفتح باب المنزل:

ـ على شرط أن لا تُخبِر أُمّك ولا أختك بتلك الغطسة.

ما إنْ دخلنا المنزل، واستقبلتنا أُمنا باسِمةً فرِحةً بعودتنا، حتّى صرخ حسن بأعلى صوته قائلاً:

ـ ماما، أنا غرقتُ في النهر. أتعرفين؟ أنا غرقتُ.

عند ذلك أمسى وجهي أكثرَ اصفراراً، وقلتُ لأُمّي بعينيْن مُنكسرتَيْن وبنبرةِ اعتذار:

ـ صدّقيني، يا أُمّي، أنَّني قرَّرتُ إذا غرق حسن، فإنَّني سأُغرِق نفسي معه، ولن أعود إليك.

قالت أمّي:

ـ يا لِخيبتي! يا لِلذَّكاء! لكي تنكبني بولدَيَّ كليهما، بدلاً من ولدٍ واحد.

إن ّ صبيّا بعمر 12 سنة يفكر بالإقدام على الموت فيما لو حدث مكروه لأخيه بسببه وهو تفكير بمسألة عظيمة لأنّ الموت لا يخص البشر وحدهم بل ايشمل المخلوقات كلها[xi] وقد ورد التفكير في سره ومعناه منذ ملحمة جلجامش مرورا بالعهد القديم أو كما يقول النصّ الدنماركي إن حهود الأطباء تنحصر فقط في تأجيله لكنّ بطل القصة يختصره في لحظات فلو مات أخوه لانتحر غرقا هو موقف اغترابي سلبي أمّا الزمن القصير جدا الذي مارسه الصغير تحت الماء فهو بالتأكيد أقلّ من دقيقة، وهو زمن الاغتراب الإيجابي حين اختفى الصغير في النهر تلك اللحظات التي تداخلت بطفولته فانطبعت بسلوكه وتقدمت به خطوة أخرى نحو الرجولة.أي مايشبه غيبة النبي يوسف في الجب التي توافقت مع نبؤته فتغلبت على اغتراب إخوته السلبيّ وتجدر الإشارة إلى أن التبي يوسف الذي مارس العلاقة مع الماء في الخب هو الشخصيّة الأولى في القصة أما الصغير الذي مارس الغوص في الماء فهو الشخصية الثانية.

إنّ فلسفة الموت في قصص الأخوة تتخذ في أغلب الأحيان وحهة اغترابية سلبيّة سواء أكانوا أكثر من أخ أم أخوين فمنذ قتل ثابيل أخاه هابيل احهت بنا القصص نحو التناقض، فيما بعج ظهر أخوة يوسف، وفي الآداب الأوروبية نقرأ الكتب ونسمع الموسيقى عن أخوة الدم وهي قصة عن أخوين يولدان في عائلة فقيرة تتبنى أحدهما عائلة غنية والآخر يبقى مع أمه يعيش فقيرا فيتحرف وأخيرا يتنافسان على حب افتاة فيقتل الأخ أخاه[xii] وقد اسنوعبت السينما العربية الفكرة ذاتها فقدمتها في أكثر من شريط، أما القاسمي الذي استوعب درس الأخوين فإنه نآى بهما عن العنف وجعلهما ينسجمان باغتراب آخر إيحابي لايتحكّم فيه الموت بل خاطر الموت البعيد فيما لو أخفق الأخ الصغير في تحربته الجديدة ولم يخفق لكنه انتقل إلى حالة أخرى من الوعي والتطهير.

وتتمثل شخصية الأنا والهو أي المتكلم والغائب في قصة < لقد سقاني القهوة> في انسجام تام فتبدو الشخصيتان على اختلاف من الناحية الفكرية.الابن واقعي لايؤمن بالأحلام ونتائحها كونه متعلما ذا ثقافة والأب يؤمن الأحلام والغيبيات إنه ليس شخصية سلبية تمارس الاغتراب وتتخذه نهحا سلبيا فتنحو به منحى التشاؤم بل الهو شخصية تتخذ من الحلم وهو اغتراب زمني داخلي منهحا للتفاؤل

" لا تخَفْ، يا ولدي، فقد رأيتُ حُلُماً الليلةَ البارحة. رأيتُ نفسي واقفاً أمام لوحة الإعلانات في مدرستكَ، وقد علّقوا عليها قائمةً بأسماء الناجحين، واسمكَ الأوََّل في القائمة."

تهلّلَ وجهُ أُمّي بالفرح، وارتفعتْ أصوات أخوتي بالتهنئة، إذ كانت لهم ثقةٌ مطلقةٌ بأقوال والدي وأفعاله. أمّا أنا فقد أخذتُ قوله على سبيل الشفقة عليَّ، والتسكين والطمأنة لي، لئلا تسوء صحّتي بسبب القلق والتوجُّس.

وقد تطالعنا شخصية الغائبة مع الأنا في منهج اغترابي يتحول من السلب إلى الإيجاب مثل شخصية جميلة التي تخطئ عن عمد لكنها تصحح خطأها فتتعايش مع الموسيقى الأندلسية والموسيقى الأندلسية موضوع اغترابي قوّمت به البطلة مسارها فاندمجت بعالمه، وهناك البطلة في قصة< > التي حملت في فترة الخطبة ونخلى عنها خطيبها كونها فقيرة في القصة انتقل البطل من اغتراب إيجابي إذ كان يحاول العمل والسعي في المجتمع الجديد وعندما تحقق له ماأراد تخلى عن خطيبته الفقيرة ولم يشفع لها أنها حامل منه فبدت خلال كفاحها المسنمر أنها تعايش في محتمعها اغترابا إيجابيا على الرغم مما مرت به من مأساة.

وقد نحج في قصة من قصصه شخصيّة موازية في موقفها الإيجابي من شخصية تاريخية مثل قصة <غزال يستجير بفلاح> وتعنى القصة بغزال طارده إبان احتلال الإنكليز للعراق ضابط إنكليزي فلجأ إلى خيمة بدوي فمنع الضابط الإنكليزي من أن يقتل الغزال وحدثت مشادة بينهما فقتل البدوي الضابط وتذكّرنا هذه القصة الحقيقة التي عايشها أشخاص معاصرون للسارد بشخصيّة مجير الجراد الذي ضرب المثل به <أحمى من مجير الجراد> وهو مدلج بن سويد الطائي الذي طارد قوم سرب جراد فحط على خيمته وحين جاء الصيادون ليلتقطوه قال لهم لقد استجار بي وستتحول الشمس ‘لى ناحيته بعد ساعة فإذا طار وابتعد عن خيمتي لكم الحق في صيده[xiii] وللموازنة بين القديم والحديث نقول إنّ الشخصية الجاهليّة لم تعش حالة الاغتراب لكن الشخصية المعاصرة وعت العادة القديمة في حماية الحار ومارست الجفاع عن النفس ثم قُدِّمت إلى المحاكمة وعاشت اغترابا حقيقيا بعد المحاكمة لتواحه بعج سنوات الاغتراب الحكم بالموت من جديد.

علينا أن ندرك إذن أن هانك شخصية رئيسية بضمير الأنا الذي إما يكون بطلا أو مراقبا ساردا للحدث وشخصية الهو التي تكون إما سلبية أو شخصية شريرة مثل الضابط الإنكليزي أو شخصية سلبية مثل شخصية مزيد العلوان في قصة <حسناء وأختاها> القصة رقم 12 حيث يمارس كريم وهو شخصية ثانوية اغترابا إيجابيا في بداية قدومه إلى المغرب ثم يتخلى عن كل ذلك ويوغل في اغتراب سلبي بعد أن يصبح ذال مال، ومن الشخصيات السلبية الرئيسية مثل شخصية جانيت الباريسية التي يكتشف البطل أنها رغبت في عرضه الصداقة للانتقام من حبيبها والحبيب السابق نفسه يمارس اغترابا سلبيا حين يتخلى عنها ويصادق عربية لبنانية وينتبه البطل في النهاية لكل ذلك فيرفض أن تذهب معه إلى شقته<القصة رقم 13> الخيانة والانتقام.

في قصة الشخصيّات تبقى إشارة مهمة إلا وهي إن بعض الشخصيات التي تحدث عنها السارد بضمير الغائب المؤنّث<هي>قج لا تكون تمارس اغترابا إيحابيا أو سلبيا بل هي شخصيات مهاجرة تركت أوروبا للعمل في الشرق مثل السيدة سيرليان دولي ومادموزيل كوليت حيث تعمل الأولى أستاذة للغة الإنكليزية في الجامعة الأمريكية ببيروت والأخرى لها في العاصمة اللبنانية محل وكلتلهما مهاحرتان وللثانية تاريخ عريق في الأدب والفكر ورثته من حدها الكاتب المشهور وقد عادت بعد هجرتها إلى باريس وتوفيت هناك.

الأدوات

هناك رموز للطبيعة المتحركة مثل الطيور والحيوانات والطبيعة الحية الساكنة كالنبات استخدمها الكاتب لتعزيز قصص السيرة ومنحها افقا فلسفيا واغترابيا من هذه الأدوات:

البط:

أعطى الكاتب الشخصيّة الثانية في قصة<وفاء> الرقم 2 فهي توازي بطل القصة الطفل الذي يتعلق ببطة اشتراها له أبوه فأصبحت صديقة التي تودعه حين يذهب إلى المدرسة وتنتظره حين يعودـأ أود الإشارة إلى أن البط على وفق التصوّر العالمي يرمز إذا ما ظهر في الحلم إلى التفاؤل ابطة التي تمشي أو تطير فإن خبرا يصل إليك بالبريد والبط الذي يسبج يشير إلى حالة صحية حيدة وعلامة على أنك تتغلب على مناوئيك[xiv] والبط في قصة السيرة وفاء يحقق لللبطل سعادته على حساب اغترابه هو ذلك الاغتراب الذي لا نحس به إلا في النهاية فالبط يسبح ويطير ويتعايش مع البطل الطفل لكنه في الأخير يطير مبتعدا حين يرى سربا من طيور البطل مهاحرة في السماء فيلتحق بها عندئذ نشعر أنه كان يعاني من اغتراب نفسي بل هو اغتراب إيجابيّ كونه أضفى على البطل الصغير سعادة غير متناهية.قصة البط تذكرني بشريط سينمائي شاهدته في كوبنهاغن عام 1989 يحكي قصة شاب يربي حيوانا يسمى ثعلب الماء

Otter

لا أتذكر اسم الشريط ولا تفاصيل القصة غير أن مابقي منها في ملامحي أن ثعلب الماء يترك البطل الشاب حالما يرى ثالب الماء في النهر فينضمّ إليها وقد تلخص ما نحن بصدده القصة القديمة الطبع غلب التطبّع.

الغزال

تأخذنا قصة غزال يستجير بفلاح إلى قدسية الغزال في فكرنا العربي القديم لارتباط الغزال بمسألة العبادة فقد كانت الشمس تسمى عند العرب بالغزالة، والغزالة كانت موحودة على ظهر الكعبة، ويقال إنّ الحارث بن عمرو جد الشاعر امرئ الفيس طارد غزالة فصادها وأكل منها فمات.وحدث أن هلكت أمة من الامم لأنها لأنها طاردت غزالة لحأت إلى الكعبة فرمتها بسهم[xv]

إن الحيوان نفسه حين يمارس الهرب إلى مكان مقدس يمارس اغترابا إيحابيا لحماية نفسه فالكعبة تؤوي الحيوان وخيمة الفلاح أو البدوي تؤوي الطائر إن المادة أو الأداة هي بنظر البنيويين واحدة وإن تغيرت المسميات.

القهوة

بالرجوع إلى تراثنا العربي حقبة ما قبل الإسلام التي أطلقنا عليها العصر الجاهليّ نحج أن كلمة قهوة تعني الخمر ورد في المعاجم اللغويّة :قهوة من قهو وهو فعل يجل على الخصب ورجل قاه كثير الخصب وسميت الخمرة بالقهوة لأنها تغني شاربها عن الطعام والخمرة ما أسكر من عصير العنب [xvi] يقول الأعشى في معلقته الشهيرة

وفتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى ةينتعل

نازعتهم قضب الريحان متكئا وقهوة مزة راووقها خضل[xvii]

ويمكن أيضا في عصر متأخ مراحعة ديواني أبي نواس وابن المعتز في التغزل بالقهوة الخمرة، ويبدو أن القهوة بمفهومها المعاصر تتخذ موضعين في قصصه الأول ذكرها بصفتها عادة يتناولها المرء في المقهى أو عند الصباح وفي أوقات معينة أو تقديمها للضيوف، بصفتها علامة ترحيب ولكونها تدل على الراحة وحبة لها نحده يترحم لنا قصيدة في القهوة لشاعر فرنسي قصة الصجيقة الفرنسية رقم14

صبَّ القهوة

في الفنجان،

وصبَّ الحليبَ

في فنجان القهوة،

ووضع السكر

في القهوة بالحليب،

وبالملعقة الصغيرة

خلطها..

شربَ القهوة بالحليب،

وحط الفنجان

والموضع الآخر علاقة القهوة بالأصالة والمستقبل فقد أصبحت القهوة مرادفة لكلمة عربي نقول القهوة العربية أو القومية التركية كما يصفها الغرب بكلمة قهوة تركية على الرغم من أنها قدمت إلى البلاد العربية من أثيوبيا في القرن 16 وجخلت إنكلترة في القرن 17 عبر الرحالة الذين كانوا يصفون ذلك الشراب الذي يتناوله المسلمون في مقاهيهم[xviii]، وقد خصص الكاتب عنوانا لقصة من قصص السيرة هي قصة لقد سقاني القهوة فحاءت تعبر عن الأصالة العربية والمستقبل معا.لقد قلنا إن معنى القهوة القلب من السلب إلى الإيحاب فالكلمة التي كانت تدل على معنى سلبيا يجعلنا نغترب معنه الإسلام فحاءت مادة أخرى غير الخمرة حعلناها تحمل معنى الخمرة[xix] فدلت على الخير في القصة البطل الشاب ينهي دراسته الثانوية لكنه شارك في مظاهرات تشحب بعض سلبيات الحكومة وخشي ألا تمنحه الدائرة الأمنية نصريحا بالدخول إلى الجامعة فيصحب أباه معه إلى تلك الدائرة وفي بابها يلتقيهما رجل يسقي القهوة ويختفي وعندما يدخلان يسألان عنه فينكر الموظفون أن هناك شخصا بهذه المواصفات يعمل معهم ويحصلان على التصريح.لقد قرأت القهوة مستقبل ذلك الشاب الذي أصبح فيما بعد

يحتل مركزا مهما ورحلا مشهورا.والعحيب أن القهوة الغريبة عنا المنبهة أساسا مسحا فعل القهوة الخمر فأصبجت تدل على أصالتنا ومستقبلنا.

على وفق هذا المنظور كان من المفروض أن تسير الحياة برمزها الإنساني القهوة نحو الممارسة للاغتراب الإيجابي لكن هناك بعض المظاهر التي تشذّ عن القاعدة فقج كان السارد يتناول القهوة في مقهى فيصل مع الشاعر اللبناني المرموق خليل حاوي الذي انتحر فيما بعد بسبب غزو إسرائيل للبنان وأثر هذا التغرب والاغتراب السلبي في نفس القاص قصة رقم 8 أستاذني الدكتورة سيرلين ديلي.

النهر

النهر يمثل الطبيعة الحيوية المتحركة وفي فلسفة اليونان ورد أنك لا تدخل النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري من حولك أبدا[xx] بإمكاننا أن نبدل كلمة النهر فنضع مكانها البحيرة أو البئر على وفق رأي البنيويين الذي يرون أن الكلمة المرادف يمكن أن تحل بصفتها بديلا يؤدي المعنى نفسه[xxi] واللافت للنظر أن الكاتب في قصص السيرة تحدث عن نهر بلدته في قصتين من قصصه هما الدرس الأول وقصة وفاء بصفة النهر تطهيرا ووسيلة معرفة لاغتراب إيحابي جديد، إن النهر أو الماء بلا شك وسيلة تطهير في كل الثقافات والأديان[xxii]، في التطهير يمثل النهر غرق الأخ ورحوعه إلى الحياة وهو اغتراب إيجابي.قصة السباح.

المعرفة: الأب يصطاد السمك من النهر ويعيده إليه والسمك يرتبط بالمعرفة قصة وفاء، وفي قصة الصديقة الفرنسية نجد الكتب حنب النهر:

 

وبعد درس يوم الأربعاء، اختارت جولييت أن نسير إلى الضفة اليسرى لنهر السين التي لا تبعد كثيراً عن السوربون، وذلك لنعبر إلى الضفة اليمنى ونجلس في أحد المقاهي في ساحة كاتدرائية نوتردام دي باريس. وفيما كنا نسير مستمتعين بمنظر النهر الذي كانت تمخر فيه أنواع مختلفة من القوراب والسفن، توقفتْ عند أحد أكشاك بيع الكتب القديمة المنتشرة على الضفة اليسرى من النهر، وسألت صاحب الكشك عن الطبعة الأولى لديوان " كلمات " للشاعر جاك بريفير، فأخرج الرجل الكتاب واقتنته جولييت.

الكرة:

وردت الكرة في قصة ذكرى وهي الأداة الوحيدة التي سقطت في منزل المرأة المعتزلة التي يظنها الأطفال جنية ونظن أن الكرة ترمز هنا إلى اغتراب العالم وحهلنا بالآخرين الذين يمارسون غربة إيجابية مقابل اغترابنا السلبي عنهم.

 

د. قصي الشيخ عسكر

..............................

[i] Etymology on line dictionary(alienation)

[ii] Fremmed ord I danske

[iii] ابن منظور لسان العرب، مادة غرب

[iv] الفيروزآبادي، المثلث المختلف المعنى، منشورات جامعة سبها، 1988، مادة غرب ص 287

[v] الفلاحي، الدكتور علي إبراهيم، الاغتراب في الشعر العربيّ في القرن السادس الهجريّ، ط 1، 2013 عمان الأردن، ص15.

[vi] تكوين 47\9

[vii] صحيح مسلم، رقم الحديث، 2145، ابن ماجة 3986، بحار الأنوار 52\191.

[viii] لسان العرب مادة رعي

[ix] Faber Birren، the symbolism of color، Citadel press1988 p7.

[x] يراجع كتاب الدكتور حسين سرمك، رسالة وجودنا الخطيرة، 2020 ص 34، كذلك قصي الشيخ عسكر رواية رسالة.

[xi]Bent A.Koch، Den sidste Fjende، København، 1969.p14، 59

[xii]Blood brothers، Willy Russel، Samuel French، London، 1985

[xiii] راجع بصدد القصّة : الميداني، مجمع الأمثال، المثل أحمى من مجير الجراد

[xiv] Edwin Raphael، The complete book of dreams، foulsham، Great Britain p120

[xv] راحع كتابنا معجم الاساطير والحكايات الخرافية الجاهلية نشر دار الوراق عمان الأردن، 2014، مادة غزال، غزال الكعبة

إضافة إلى كتب التراث مثل الأغاني معحم مقاييس اللغة مادة عفر، جيوان حسان بن ثابت ص26 – 30.

[xvi] لسان العرب مادتي قهوة وخمرة

[xvii] الشنقيطي، شرح المعلقات العشر، حققه محمد عبد القادر الفاضلي، بيروت المكتبة العصرية، 1426 للهحرة 2095 م، ص207-208

[xviii]Phil Withington، Puplic and Private Pleasures، history today، vol70، Issue6June2020، p16-17

[xix] المنقلب والمتحول من الكلمات مخطوط مادة قهوة

[xx] د جعفر آال ياسين، فلاسفة يونانيون، طبيروت، 1972 ص18

[xxi] D.W Fokkema، theores of literature in the tweneeth century، 197926.

[xxii] فيليب سيرنج، الرموز، ترحمة عبد الهادي عباس، دار أمل، جمشق، 1992، ص353

 

 

في المثقف اليوم