أقلام حرة

أقلام حرة

أجدني في هذه الأيام، وأنا أتأمل حال نقاد الأدب، يتسرب إلى نفسي ذلك الشعور الغريب الذي يختلط فيه العجب بالحيرة والأسى. الناقد الذي كان يوماً ما أشبه بالكائنات النادرة، يحمل بين جنبيه سراً من أسرار الوجود، وميزاناً دقيقاً يميز بين الغث والسمين، يتحول أمامنا إلى كائنات أخرى متعددة، لا ندري أيها نحيي، ولا أيها نعيب.

الناقد الذي كان ينقب في النصوص، ويكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها، أصبح اليوم "مفكراً" يطرح الرؤى، و "فيلسوفاً" يجيب عن أسرار الوجود، و"كاتب رأي" يصول ويجول في الصحف كالفارس الذي لا يشق له غبار. والأعجب من ذلك، أنه أصبح "مقرظاً ومداحاً" لا يمل من ترديد أسماء المبدعين، وكأنه يوزع صكوك الغفران الأدبية، و "طبالاً وزماراً" يضرب على الدفوف وينفخ في المزامير كلما مر موكب من مواكب الأدب، و "راقصاً على إيقاع الشعر" حتى ليخيل إليك أن القصيدة لم تعد تقرأ بل ترقص.

ولا تتوقف المواهب النادرة عند هذا الحد، فالرجل - أو المرأة- بات أيضاً "مقدماً لبرامج ثقافية" يلمع على الشاشات بابتساماته المصقولة، وكلماته الموزونة، وكأن الثقافة أصبحت ضرباً من أضواء المسرح وأصوات الميكروفونات. وها هو يعرض للإعلانات التجارية، فينتقل من الحديث عن فلسفة نيتشه إلى الحديث عن مزايا نوع جديد من الصابون، في سلاسة عجيبة، وبراعة لا تنكر.

فيا لها من مواهب رائعة حقاً! مواهب لو جمعت في إنسان واحد لعد من العباقرة النادرين الذين لا يظهرون إلا كل قرن. ولكن، ترى أين ذهب ذلك الناقد الذي كنا نعرفه؟ ذلك الذي كان يمتلك شجاعة القول لا موهبة الإطراء، والذي كان همه الأول والأخير النص لا العلاقات، والفكرة لا الصفقة، والجمال الحقيقي لا الجمال المصنوع للمسارح والإعلانات.

أخشى ما أخشاه، بعد كل هذه المواهب المتشعبة، أن يصبح الناقد "موديلاً وعارضا للأزياء". فما الذي يمنع؟ إذا كان قد أتقن كل تلك الفنون، فما الذي يعوقه عن إتقان فن العروض والأزياء، والوقوف على منصات العرض بابتسامة عريضة، وجسد معصوب بقطع القماش التي قد تكون آخر ما تبقى من حياء في هذا المشهد الساخر؟

يذكرني هذا المشهد بما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي: "وقديمًا كان في الناس الحياء".. فكنا نستحي من أن نخلط بين الأدوار، ونحسب لكل مبدع ما يستحق. كان هناك حياء يمنع الناقد من أن يكون تاجراً، وحياء يمنع الفيلسوف من أن يكون مهرجاً، وحياء يمنع المثقف من أن يكون دلالاً للسلع والأفكار. كان الحياء هو ذلك البوصلة الخفية التي ترشدنا إلى الطريق، وتذكرنا بأن لكل منا رسالة، ووظيفة، وكرامة.

أما اليوم، فقد انقلبت الموازين. أصبحنا في زمن "الانسيابية" العجيبة، حيث تذوب الحدود بين المهن، بين القيم. وأصبح الناقد - في سعيه للحضور الدائم- يتحول إلى سائل يسيل في كل وعاء، لا يحتفظ بشكله ولا بكينونته. وهو في هذا، ربما، هذه حالة مجتمع بأكمله، يبحث عن شرعيته في كل مكان إلا مكانه الطبيعي.

فهل نلوم الناقد وحده؟ أم أننا يجب أن نلوم عالماً أصبح يكافئ الظهور على العمق، والضجيج على الصمت، والصورة على المضمون؟ عالمًا أصبحت فيه "القيمة" تقاس بعدد المرات التي تظهر فيها على الشاشة، لا بعدد الأفكار التي تثريها في العقول.

إنها معضلة العصر الذي نعيش فيه. عصر لم يعد فيه الحياء فضيلة، بل أصبحت "الوقاحة" – للأسف- هي مفتاح النجاح. وعسى أن يعود يوماً ذلك الحياء، ليس إلى النقاد وحدهم، بل إلى جميعنا، فنعرف لكل شيء قدره، ولكل إنسان حده.

وإذا تأملنا هذا التحول العجيب في وظيفة الناقد، لا نجد أنفسنا أمام ظاهرة ثقافية واجتماعية معقدة، تكشف عن تحولات أعمق في مفهوم "القيمة" ذاتها. فلم تعد قيمة العمل الأدبي تستمد من جودته الجوهرية أو عمقه الإنساني، لكن من "قيمة التداول" التي يخلقها حوله. وبالتالي يصبح الناقد هنا جزءًا من "آلة التسويق" الضخمة الذي يزيد من قيمتها السوقية، بغض النظر عن قيمتها الفعلية. أي أنه أصبح وسيطًا، أو "سمسار ثقافة"، يرفع السعر في سوق الأفكار الرخيصة .

هذا يدفعنا إلى التساؤل: من المسئول عن هذا التحول؟ أهو إغراء الشهرة السريعة والإمكانيات المادية التي تقدمها البرامج والإعلانات؟ أم هو الخوف من الغياب والنسيان في عصر يتسارع فيه إنتاج الثقافة ويتضخم الضجيج؟ أم أن النظام الثقافي برمته لم يعد قادرًا على استيعاب الناقد الحقيقي، ذلك الكائن المتأمل بطبيعته، البطيء في إصدار أحكامه، فاضطر الناقد إلى اختراع أدوار جديدة ليبقى موجودًا في الخريطة؟

الحقيقة أن اللوم لا يقع على عاتق الناقد وحده، فهو أيضًا ضحية لـ "عصر السوق". لقد تم اختطاف الحقل الثقافي برمته من قبل منطق السوق، حيث تحولت الثقافة إلى "صناعة" و"منتج" يحتاج إلى "ترويج" و"تسويق". والناقد، في هذه الحالة، هو من يوفر "شهادة الجودة" المزيفة، أو على الأقل، الضوضاء الإعلامية الكافية التي تجعل المنتج الثقافي مرئيًا وسط الزحام. لقد أصبحت مهمته هي "خلق الطلب" على سلعة قد لا تكون تستحق ذلك الطلب أساسًا.

المأساة الحقيقية هي أن النقد أصبح أداة في خدمة آلة أكبر تهدف للربح والاستهلاك. الناقد الذي كان يفترض أن يكون حارسًا للذوق العام، يصوب وينقح ويرتقي به، أصبح ملهِماً للذوق العام، يروج لأي شيء طالما أنه "مطلوب" و"مربح".

وفي خضم هذا، يفقد عنصر أساسي كان يشكل جوهر العملية النقدية: الثقة. ثقة القارئ في أن الناقد صادق معه، غير مخادع، لا يمدح إلا ما يستحق المدح حقًا، ولا يذم إلا ما يستحق الذم. عندما يتحول الناقد إلى "عارض إعلانات"، فإن هذه الثقة تنهار، ويصبح كل ما يقوله موضع شك وريبة. عندها، لا الخير يصل إلى مبدع حقيقي، ولا الشرور تكشف عن نصوص رديئة، ويدخل الجميع في دوامة من الضبابية والادعاء.

فأين المخرج؟

ربما يكمن في إحياء ذلك "الحياء" الذي أشار إليه أمير الشعراء، ولكن بوصفه قيمة مهنية وأخلاقية. حياء المرء الذي يمنعه من أن يخون مهنته، وحياء المثقف الذي يترفع أن يبيع قلمه، وحياء الإنسان الذي يعرف حدوده ويقدر رسالته. يحتاج الناقد إلى أن يعيد اكتشاف "تميزه" و"استقلاليته"، أن يدرك أن قوته تكمن في صوته المنفرد الناقد، وليس في صوته الجماعي المردد.

ربما علينا أن نعيد النظر في نظامنا الثقافي برمته، نظام الجوائز والإعلام والتمويل، الذي يكافئ الأداء المسرحي على حساب الجوهر، والكم على حساب الكيف. فالناقد، في النهاية، هو ابن بيئته، وإذا كانت البيئة فاسدة، فكيف نطلب منه أن يكون نقيًا؟

***

د. عبد السلام فاروق

نبدو وكأننا كالقاطنين في كهف ونحسب الحياة ما ينعكس على جدرانه، فتفاعلاتنا لا تمت بصلة لواقعنا، ولا تحمل أجوبة صائبة على التحديات التي تواجهنا.

كل واحد منا يغني على ليلاه القابعة في دياجير وعيه المتمترس في منطلقات وتصورات فانية.

الأجيال مرهونة بأوهامها، وهي أضاليل وتصورات منبعثة من ينابيع النفوس الأمارة بالسوء والبغضاء، فتأخذ الناس إلى مواطن سقر.

الوهم يستعبد الناس ويسوّغ لهم ما يتوارد لأذهانهم من عجائب التفاعلات السيئة، خصوصا عندما يرتبط بقوة كونية كبرى، فيصبح المتوهم أداة طيعة لتنفيذ إرادة الوهم الفاعل فيه.

وهم العقائد والأديان متجذر في الناس منذ أقدم الأزمان، ولا يمكن محاورة صاحب عقيدة أو دين لأن الوهم يتملكه ويمع عنه التفكير والنظر، فهو عبد مطيع لوهمه الطاغي على رؤاه وتصوراته، ومن المستحيل زحزحة الوهم وتحرير صاحبه منه , أو مساعدته على وضعه على طاولة النظر والتفاعل المتعقل معه.

الوهم سلطان مستبد عنيد، ولا حل أمامنا إلا القبول بالأوهام والتعايش معها، فلكل فرد ومجتمع أوهامه المهيمنة على وعيه والمسيرة لأيامه والرافعة لأركان حياته.

أوهامك مقدسة وأوهامي مقدسة، فدع المقدسات الوهمية في مكامنها ولا تضعها على طاولة التفاعلات اليومية، لأنها ستتقاتل وتسفك الدماء، فالأوهام تجرد عبيدها من المسؤولية.

بعضهم يريد لأوهامه أن تطغى على أوهام الآخرين، ولن يكون ذلك إلا بالإبادات المروعة والتطهير العرقي، مما يضع المجتمعات في أوعية الخسران والصراعات البينية الفتاكة.

توهّمْ كيفما تهوى، ولكنْ

على أوهامِ غيركَ لا تراهنْ

هي الأوهامُ قائدنا لحتفٍ

فصن وطناً وعشْ أبداً مواطنْ

بنا الدنيا بأوهامٍ تواصتْ

وفي وهمٍ على زمنٍ نداهنْ

***

د. صادق السامرائي

 

إرتبط الشعور بالعداء ضد السامية على طول العصور الوسطى في أماكن متعددة فيها أحداث وسلسلة من الاضطهاد للجاليات اليهودية، وكان في هذا العصر إصطلاح يهودي وهو مرادف لمرابي، عدو المسيح وعدو دينه.

توجد جذور لهذا الشعور المعادي للسامية ولإسباب متعددة منها إقتصادية ودينية ويتهم اليهود بالتعامل بالربا ومن جانب آخر بأنه شعب قاتل يعني قاتل الله يشخص المسيح. فضلا عن الاتهامات السابقة، كانت هناك أخطر منها: واحدة منها إرتكاب جرائم حسب طقوسهم الدينية فقد قيل أن اليهود إختطفوا طفلا مسيحيا يوم عيد الجمعة المقدسة ليذبحوه صلبا بعد إستخراج قلبه بهدف إحياء ذكرى عذاب المسيح، هذا هو إتهام توصلت إليه محاكم التفتيش الاسبانية قبل طرد اليهود، فضلا عن إتهامهم دائما الحرمات المقدسة مع إستخدام الرشوة وإكراه المسيحيين.

إزداد الكره تجاه اليهود في كل أراضي شبه جزيرة ايبيريا خلال القرن الرابع عشر ليصيح تيارا عاما تقوده الكنيسة وبشكل خاص الدومنيك والفرانسيسكوس تبعهم النبلاء وكل الشعب كذلك إستمر في القرن الخامس عشر وبشكل خاص النصف الثاني منه لأنه كان حقبة أزمة إقتصادية وإجتماعية كانت ملامحه أكثر وضوحا للحروب التي أتلفت المحاصيل والطاعون الاسود الذي أدى إلى زيادة الاسعار.

وعقد في سنة 1311 المجمع الكنسي في المدينة الفرنسية فيينا (التي كانت جزءا من الامبراطورية الفرنسية وهي اليوم عاصمة النمسا) وقد أتخذوا وسائل ضد اليهود أعتمدت بعد سنتين من قبل مجمع الاساقفة الاسبان في سرقسطة، وأمر المجمع الكنسي الفرنسي بعدم تعيين اليهود في المناصب العامة والسياسية ومنعوا من إستخدام الربا. كذلك طلب منهم بإن يحملوا إشارة متميزة فوق ملابسهم والسكن في بيوت منعزلة، إحترام احتفالات المسيحيين ودفع العشر من مواردهم الى الكنيسة.

كانت اولى الفتن والاضطهادات ضد اليهود هي التي حدثت في النصف الاول من القرن الرابع عشر في كل أراضي شبه جزيرة إيبيريا كذلك في كل أوروبا كانت هناك ثورات ضد الجالية اليهودية .في أشبيلية هاجموا الحي اليهودي لاول مرة قريبا من هذه التواريخ متهمين سكانه بإنتهاكهم المقدسات المسيحية، بعد عدة سنوات وفي سنة 1355 هاجم المسيحيون والمسلمون في طليطلة وقونكة الاحياء اليهودية من جديد خلال الحرب الاهلية بين بطرس الاول القاسي وأنريكه الثاني في قشتاله.

كانت تعامل محاكم التفتيش دائما في أراغون وكتالونيا ضد اليهود على الرغم من الحماية التي قدمت إليهم من ملوك هذه الاقاليم. وفي القرن الخامس عشر تم طرد كثير من اليهود إلى فرنسا وفيها إستقروا ونشروا في هذه الاراضي بيئة من العداء المرعب مع مضايقة البلد الجار. كانت أخطر الاضطرابات والمضايقات في سنة 1368 بخيرونة وفي سنة 1370 بمايوركا وبرشلونة. ولكن الاكثر مأساوية وبدون شك كان في كل القرن الرابع عشر لإضطهاد اليهود وبالذات في سنة 1391 كذلك في سنة 1378 عندما بدأ رئيس الشماسين فيرارد مارتينث بالوعظ ضد اليهود بإشبيلية الذي قام بغلق حيهم ومنع المسيحيين من التعامل معهم، وبعد سنتين أصبح رئيس الشماسين رئيس الاساقفة في إشبيلية إستمر بالوعظ ضد اليهود خصوصا في خطبة أيام الاحد والتي أضرمت نار الكره الشعبي حيث لم يبق بيت في الحي اليهودي إلا وتم هدمه بشكل كلي. ومن إشبيلية إنتشرت الاضطرابات إلى إقليم الاندلس وشرق إسبانيا حتى وصلت في النهاية إلى قشتالة.

نشر بين هذين التاريخين (1412-1415) في بلد الوليد وبناء على رغبة الرهب بيثنته فرير قانون بإقصاء اليهود بالقوة سمي بقانون بلد الوليد والذي أضر بشكل كبير بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية لليهود، لم يكن محتوى القانون جديدا بل أستخدم كثيرا من الوسائل السابقة إلا إن إسلوبه في تحقيق هدفه لم يتمكن من إبعاد اليهود من أراضي شبه جزيرة إيبريا.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

 

أولا علينا أن نبين معنى كلمة الذنب فقد وردت في عدة معاني منها (الإثم والمعصية والجُرم) التي يرتكبها الإنسان في حق الله تعالى تاركا واجبات التي كُلف بها من قبل الله تعالى أما في القرآن الكريم فقد دلت على الفعل الذي يخالف أوامر الله تعالى ويستحق عليه العقاب فقد وردت ب(11) مرة بصيغة المفرد الفعل والجمع حوالي (26)مرة (ومن يغفر الذنوب إلا الله) آل عمران 135 ومن معانيها (الجُرم) كما قال تعالى (فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين) الروم 47 وجاءت كذلك (الخطيئة) المقصودة المتعمدة أما التعريف القانوني في الحياة المدنية فهي الجريمة حيث ربط الله تعالى مغفرته للإنسان مخصوصة له بحسب علاقة العبد بربه وهو الوحيد الذي له الحق في معاقبته أو العفو عنه كما قال تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم) الزمر 53 وكذلك (ربنا أغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار)آل عمران 193 أن الذنوب محصورة بالشعائر التعبدية للواحد الأحد التي فرضها الله تعالى على الإنسان في حياته والتي تربطه بالله سبحانه منها الصوم والصلاة والزكاة والحج وجميع المحرمات التي حرمها تعالى على الإنسان .

أما السيئة فهي التقصير بحق العباد ومعاملة الناس بعضهم لبعض من خلال الجور والظلم والسرقة والقتل وتفضيل المال الحرام والتعدي على حرمات المجتمع والأعمال الخبيثة وفعل المنكر والغيبة التي يحذر الله تعالى الناس منها دوما لأنها تؤثر على العلاقات الإنسانية بين الناس وتلقي بظلالها على تفريق وزرع الكراهية وتشيع الفاحشة في المجتمع وتهدم بنائه وأن كل هذه الأعمال المنافية للإنسانية والأخلاق تقع في دائرة العمل السيئ والخطايا والمعاصي التي نهى الله تعالى عن ممارستها والعمل بسلوكياتها الاجتماعية التي تربط الإنسان مع بني جنسه ومجتمعه فأن كل الآثام وأعمال المنكر والمنافية لفطرة الإنسان وعقله السليم التي تسبب الابتعاد عن السعادة في الدنيا والوقوع في المحظورات والفواحش والفسوق والأجرام تؤثر بدورها في أبعاد الإنسان عن طاعة الله ,

أن الذين يتوبون عنها يستوجب عليهم الكفارة والمصالحة وإبراء الذمة من ظالميهم قبل فوات الأوان والرجوع إلى عمل الصالح والحسن في المجتمعات لتنظيم ضوابط  روابط المجتمع وتشذيب سلوكيات أفراده (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل أن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) هود 114 وكذلك (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) الأنعام 160 وكذلك(ما أصابك من سيئة فمن نفسك)النساء 79 فالكفارة هي تزكية النفوس البشرية المسيئة وطهارتها من عملها وفعلها المضر بالمجتمع في الدنيا و(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) .ومن هنا وجب على الإنسان المتدبر والمتفكر الذي يسعى الوصول إلى التكامل الأخلاقي في حياته ضمن مجتمعه الاعتذار من الله تعالى ويطلب منه الصفح والمغفرة من كل الخطايا والمعاصي والتقصير بحق الإنسانية والمجتمع والشعائر التعبدية والاعتراف بوحدانية الله تعالى لنيل رحمته التي وسعت كل شيء وعفوه سبق غضبه لعباده المخلصين التائبين (ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون) الجاثية 15 لتفعيل الرابط المتين بين العبد وربه الله تعالى.

***

ضياء محسن الاسدي

في اوائل السبعينات من القرن الماضي كنت اعمل محررا اول في جريدة الحزب الشيوعي العراقي "طريق الشعب"، كاحد مؤسسيها، واراس القسم الاكبر في الجريدة "حياة الشعب" من دون ان اكون عضوا في الحزب الشيوعي، ومن بين ماوجدته وقتها حريا بالبحث والتدقيق موضوع المياه في بلد  النهرين، واحتماليات تحوله الى "عراق مابعد النهرين"،  وكان وزير الري وقتها الاستاذ "مكرم الطالباني"  عضو اللجنه المركزية في الحزب الشيوعي، وكان مقر الوزارة في اول شارع الرشيد من جهه الباب الشرقي،  وقد قررت الذهاب اليه كي استطلعه  عن الموضوع المائي .

وكعادته فلقد استقبلني الرجل بكل ترحاب ومودة واستعداد للتعاون، وكان الموضوع  قضية المياة ومستقبل دجله والفرات،  واذا كانت ثمة، او يمكن ان توجد حلول لهذه الكارثة الوشيكه، وقد علمت منه ان الامر قابل للحل، وان المخزون الطبيعي من المياه الجوفيه العراقية المتوفرة  في المنطقة الشمالية شرق الموصل من شانها سد النقص في حال حصوله، وان هذا ليس كلاما مجردا، بل عمل حصل بالفعل وحضرت شركات عالمية قامت بالمسوحات اللازمه واكدت ماذكره،  وهو مالم يكن  قيد التنفيذ في حينه لعدم الحاجه الراهنه، فامر صدام حسين بايقاف العمل بالمشروع،  واعتباره مدخرا تم التاكد من انه يمثل جريان دجله والفرات لمدة تزيد على القرن، وان الموضع الذي جرت من خلاله عمليات الفحص والتحري اقفلت في موضع معين يمكن العثور عليه.

 وقد اطلعني الوزير على كتب صادرة عن الوزارة، ومراسلات مع الشركات المعنية، واوامر  وتقارير وغيرها، كانت موضوعه في دفتر من الحجم الكبير، باعتقادي انه مازال موجودا في ارشيف الوزارة، وهو ماقد عدت وكتبت عنه مقالا نشر في حينه في جريدة "طريق الشعب"، وليس لدي بالطبع  وبعد كل هذه السنين والغربة رقم العدد المشار اليه ولاتاريخه.

 في السياق اعتقد انه من المناسب ذكر واقعة حضر فيها الموضوع اعلاه بعد عام 2003 وضرب العراق، حين التقيت في اليابان رئيس الوزراء الياباني " كويزمي" بتدخل من مركز البحث التابع لرئاسة الوزراء الياباني، عندما كانت اليابان بصدد ارسال قوات عسكرية للعراق مدفوعة من الولايات  المتحده الامريكية بما يشبه الامر،  ما حدا بالقيادة اليابانيه للبحث عن افضل السبل الملائمه لللمصلحة اليابانية  وللمباديء المعتمده، قبل الاقدام على الخطوة المذكورة، ووقتها وانا في اليابان، وبعد اللقاء برئيس الوزراء  خطر لي ان اقترح تحاشيا لايه احتمالات تصادامية  كانت اليابان تخشاها خشية شديدة، ان تبادر اليابان بما لها من امكانات ومعروف عنها من تقدم تقني، الى القيام بعملة تحرير للعراق من وطاة الحاجة الى الاخرين مائيا، الامر الذي لن يكلف كثيرا، واستندت هنا الى المعلومه التي اخذتها في حينه من السيد الطالباني، فاقترحت  ان تبادر اليابان مع التغطية الاعلامية اللازمه، الى تفعيل المشروع المتوقف عنوة، مع مايتطلبه ويقتضيه من موجبات على الارض، وان تهيء اسباب  التدير المائي للمياه قبل دخولها شط العرب، اي اعادة احياء الاهوار  التي عمل صدام حسين على قتلها، مع مايمكن من عمل سياحي،  المنطقة هناك مهيأة له.

 وبهذا ومع اعادة تدوير المياه عن طريق انابيب تعيد الماء من جديد الى الشمال،  يكون العراق قد استقل استقلالا كليا عن تركيا وايران مائيا، لابل صار في حال وفرة تجعل من مجيء اليابان وقتها الى العراق، ليس هدفا للمقاومة  الجاري التحسب لها، بل تغدو اليابان اعز صديق  للعراق على مستوى المعمورة.

 قدمت المشروع المذكور مكتوبا، وانا واثق من انه مايزال في ارشيفات رئاسه الوزارة اليابانيه ومركز دراساتها، الامر الواجب الانتباه له  ولفت نظر الحثالة الريعية المتحكمة بشؤون العراق ورئيس وزرائها له، والاهم  لفت انتباه من يسعون اليوم الى التحرك على الصعيد الجماهيري  والاعلامي،  لان يركز هؤلاء جهدهم على تشكل "لجنه وطنيه عليا" مهمتها التاكد من المعلومات التي اوردتها، ومن ثم ضمان العمل على اقامة  مشروع  الاستقلال المائي العراقي مع اليابان، على سبيل المثال ومجددا لماتتمنتع به من قدرات وجديه، علما بان العراق يملك المقابل النفطي  القائم اليوم فقط تحت سطوة وسلطة الحثالة الريعيه المتحكمه بالبلاد واهلها، الغائبة عن اي شان يخص مصلحتها ومصلحه العراقيين العاجزين.

 وليس من الصعب ايجاد الخيوط التي تعيد فتح الموضوع في اليابان، فسفرتي لم تكن وقتها عابرة، او مرت بلا ضجه وتناول من قبل محطات التلفزيون اليابانيه، عدا الصحافه ومنها صحف اليمين الامريكي الذي  عمل على منع الموضوع بالتدخل الامريكي المباشر، وسيكون الان ايضا معنيا

 بمنعه بكل السبل، لقد قابلت وقتها قائد الجيش، ووزيرة البيئة التي تتكلم العربية، وهي اليوم  امينه العاصمة طوكيو، ووزير الدفاع في حينه، وكلهم كانوا مؤيدين لما اقترحت وليس من الصعب ايجاد من مازال منهم حاضرا وقادرا على اعادة احياء المشروع وانقاذ العراق.

العراق يمكن ان يستقل مائيا، والجماهير يجب ان تتحرك لتفرض ارادتها في اعز ماتملك، وماهي من دونه فانيه.

***

عبد الامير الركابي

........................

* اجلنا الحلقة الرابعه من " حرب الانهار والابار.." للضرورة.

 

كلما تساءلت لماذا " إقرأ" هي أول كلمة هبطت من السماء على نبي الرحمة، أقول: هل نقرأ؟

قد تكون هناك أسباب كثيرة يمكن للمفكر والباحث أن يأتي بها لتبرير أول خطاب ما بين السماء والأرض وبلسان عربي هو " إقرأ ...إقرأ...إقرأ"

فأمة العرب لم تكن أمة قراءة وكتابة بقدر ما كانت أمة رواية وقول، وكثر فيها الرواة والحفظة ولم يكثر فيها الكتّاب والقراء أو تزدهر صناعة وتجارة الكتاب.

وجاء القرآن يصدع بآياته ويهز كيان الوجود العربي بأفكاره ورؤاه، وكانت كلمة إقرأ مدوية وعنيفة الصدى في أرجاء الأمة، لأنها مفتاح الوجود وبوابة الولوج في عوالم المعرفة والإدراك والغوص في أعماق النفس والعقل والروح، ومن غير إقرأ لا يكون هناك عقل حكيم وفعل مؤثر في الصميم.

فالقراءة توسع المدارك وتستجلب الأفكار وتنقل الوعي البشري إلى حالة متقدمة عما قبل القراءة.

إقرأ... بمعنى أنك تكون وتتجدد وتعاصر وتتحقق في الحياة، وتبقى قويا مبدعا ومتمكنا من الدنيا برغم تغير أحوالها وسلوكها، وهي القوة التي ما بعدها قوة، والوجود الذي يتفوق على كل الوجود، والأسلوب الذي يصنع الحياة ويبني أسس الإرتقاء للأجيال عبر الزمان.

إقرأ...منهل الفكر والعلم ومنبع الثقافة والدراية والتحصيل المعرفي والخبرة، التي تساهم في صناعة ما لم يسبق صنعه فوق التراب من إبداعات متنوعة ذات قيمة حضارية وإنسانية.

إقرأ...صرخة السماء التي إهتزت لها الأركان وإرتعش البدن النبوي على أثرها لأيام، وقد إنطلق الإنسان الأكبر من أعماق الإنسان المتأمل الحيران في كنه الوجود ومنطلق الأيام والأحوال.

إرتعش رسول الرحمة لنداء إقرأ وأدرك الأسرار السفلية والعلوية يمكن ولوجها من خلال إقرأ، وتعلم كيف يقرأ تلك القراءة التي لا يجيدها إلا الأنبياء وأصحاب المقامات العلوية في عالم الخلق والأكوان.

لقد أوجد النبي الكريم (ص) أمةً تقرأ القرآن وتتدبر آياته وتتفكر في خلق السماوات والأرض، وتتعلم ما جاء فيه من الحِكم والأفكار الثمينة، فانطلقت طاقات العقول وأسست معالم حضارية سبّاقة في أسسها ومنطلقاتها ومنابع صيرورتها وإستمرارها.

وحقق ثورة عقلية وروحية ونفسية تمخضت عنها تفاعلات فكرية وإبداعات مرتبطة بالقراءة، فازدهرت الكتابة وصارت الجوامع مدارس حية للقراءة والكتابة وحفظ القرآن.

ومن ثورة القراءة وقوتها وصرختها إنطلقت العلوم وتطورت وأصبح للفكر مقامات وصولات، فأنجبت الأمة أعلاما رسخوا في قلب الزمن وغيّروا مسيرة الأجيال، وإنتقلوا بالإنسانية إلى عوالم فكرية وآفاق حضارية لم تعهدها من قبل.

ومنذ ذلك الوقت والأمة تهتم بالقراءة والكتابة وتتأكد في مسيرتها، من خلال تدوين وتوثيق نشاطاتها الإنسانية بلغتها وخصوصا الشعر الذي صار ديوانها.

وبرز فيها المؤرخون والنابغون في صنوف العلوم والمعارف والدراسات والأبحاث والنشاطات العلمية والفكرية المتنوعة، فتركت للأجيال تراثا عظيما متفوقا على تراث أمم الأرض.

هكذا فعلت كلمة اقرأ في أمةٍ ما كانت تقرأ، وبعد أن قرأت الأمة ما قرأت وألفت ما ألفت وصنفت ما صنفت، تراها اليوم تخاصم القراءة وتجهل فنونها وأصولها والكتاب فيها خاسر ولا قيمة أو دور له في حياتها، وتأتيك الإحصاءات والبيانات لتشير إلى أن أمة إقرأ لا تقرأ !!

بينما عندما ننظر إلى أمم الأرض نجد أنها أمم قارئة، وطباعة الكتاب فيها مزدهرة ومتطورة ومطابعها لا يمكنها أن تتوقف عن الإنتاج لوقت قصير.

ففي البلدان المتقدمة لا تخلو حقيبة الأشخاص من كتاب أو كتب للقراءة عندما يتوفر الوقت.

فترى الناس تقرأ في أماكن الانتظار وفي السيارة والقطار والباخرة والطيارة وعلى السواحل وفي أي مكان يخلو الإنسان فيه مع نفسه. ولا توجد دائرة أو مكان تنتظر فيه إلا ووفر لك فرصة لكي تقرا شيئا وتتعلم جديدا.

وأصبحت معظم وسائل الاتصال والتفاعل البشري مبنية على "اقرأ". والشخص في العالم المتقدم يقرأ العديد من الكتب سنويا، وفي العالم المتأخر لا يقرأ كتابا طول العمر. فما أن يغادر  المدرسة حتى يتحول إلى عدو لدود للكتاب، فيعلن الخصام عليه ولا يقترب منه في أي وقت من الأوقات وكأن القراءة في عرفه عيب أو نقيصة.

وهكذا فأن القراءة ومنهجها قد غاب عن حياتنا. وليتأمل أي منا كم من الجالسين في مقهى أو نادي يقرؤون، فأنه لن يجد أحدا، بينما لا يكون كذلك في الدول المتقدمة، فالناس تقرأ في كل مكان، لأن القراءة عادة فردية واجتماعية وقيمة حضارية عالية، والكتاب مبذول في الأسواق، فعندما يذهب الشخص لشراء طعامه وحاجاته الأخرى تراه قد اشترى مجلة أو كتابا لكي يقرأه، فهو يطعم بدنه وعقله في آن واحد، ويدرك أن المعرفة قوة وهي تتحقق بالقراءة. أما نحن فلا نطعم أبداننا ولا عقولنا بصورة صحيحة.

إن عادة عدم القراءة هي التي تسببت في الكثير من الويلات والتفاعلات السلبية في مجتمعنا، ولأننا لا نقرأ ولا نتفحص ونبحث ونتابع تجدنا نصغي لهذا وذاك. وهكذا فأننا لا نملك رأيا ولا نعرف كيف نتحاور، ولا نتقن مهارات اختلاف الآراء والتصورات.

ولكي نكون لا بد من العودة إلى نداء السماء والإذعان لإرادة الوحي وصرخته في غار حراء لكي نحقق وجودنا اللائق بأمة اقرأ.

فهل أن مصيبة الدنيا أن المتسلطين على مصيرها لا يقرأون؟!!

***

د. صادق السامرائي

بغض النظر عن الأطروحات الفلسفية وما يدور في فلكها من تفسيرات للقوانين المركزية في الكون والمعجزات.. والتي تظل مجرد وجهات نظر أصحابها صحت وأصابت، ام اخطأت التحليل..فانه لابد من القول بإن القوانين المركزية هي إرادة الله تعالى المحضة، التي اودعها في خلقه، على قاعدة (وَالشَّمسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) للتحكم في ظواهر الكون والطبيعة كما شاءت إرادته، لتكون معايير تضبط حركة تلك الظواهر، ولتكون من ثم، موضع تفكر ودراسة واهتمام واستطلاع من قبل الإنسان، لتحديد كيفية. الإنتفاع والإستفادة منها، في اطار قانون التسخير المركزي على قاعدة (الله الذي خلق السماوات والارض والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)..

في حين أن المعجزة هي خرق الهي مقصود لقوانين الكون المركزية، لتعزيز اليقين الإنساني، بما فيهم الأنبياء والأولياء، بقدرة الخالق المطلقة على تجاوز القوانين في اللحظة متى شاء، على قاعدة (فعال لما يريد)..

وبالتالي فلا إرادة، ولاقدرة، لبشر في صنع المعجزة بتاتا..حيث ينحصر دوره في حصولها على مجرد الدعاء إلى الله تعالى بوقوعها وحسب، طلبا للنصرة، مثل طلب موسى إغراق فرعون بكل جبروته بالبحر (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ • فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُون • وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ )..أو التذكير بها لتعميق الإيمان (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)..

وهكذا يظل الكون والظواهر الكونية، كحركة الشمس والقمر والرياح، وغيرها خاضعة لإرادة الله تعالى، ومسخرة بقدرته، لخدمة الإنسان، للإنتفاع مما سخره الله تعالى له منها من خيرات وموارد، واعمار الأرض، وعدم الفساد فيها، وإفساد بيئتها بالتلوث، على قاعدة (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)..

***

نايف عبوش

المذياع والتلفاز والصحف والمجلات ربما فقدت الكثير من قيمتها ودورها في الحياة المعاصرة، فالوسائل الحديثة المحمولة في الجيب والفاعلة على شاشة صغيرة، تستنزف الوقت وتستحوذ على الإنتباه والتركيز في كل مكان.

فاجأني شاب بمعرفته الفياضة عما يجري في الدنيا من أحداث وهو على أتم الوعي بالأخبار، وعندما سألته عن كيفية معرفته هذه، أشار إلى هاتفه النقال: إنه يحيطني بكل شيء!!

فهل نحن أمام عصر شديد؟

من أخطر ما تواجهه الشعوب هو الوعي المتواصل، ولهذا تعمد أنظمة الحكم على التجهيل وحجب المعلومات وإشاعة التشويش والتضليل، لتحكم قبضتها على مصير الملايين، وهذا سلوك عهدته البشرية منذ الأزل.

فالثورة المعلوماتية ألغت الأمية المعرفية، فصار الناس على إحاطة بمجريات الأمور في العالم، وربما أكثر خبرة من أي خبير.

فالمجتمعات أصبحت تعرف، فكيف تجري السفن والمراكب الإبداعية في أنهار وبحار ومحيطات المعارف الفياضة؟

غيوم الأمية انقشعت من فضاءات الأنام، وانهزمت الأوهام، وتنورت الأفهام، والأجيال تتطلع للأمام، وما عادت تتقهقر وتتأمل الحطام، ولا في فراش الغابرات تنام، إنه عصر التفاعل المقدام، والسعي نحو إسقاط الجبابرة الحكام.

فإلى أين ستأخذنا الأيام؟

قال قائلهم: إنه عصر التلاحي والإنتقام، فهل ستعرف الدنيا السلام؟

فكل عارفٍ إمام!!

***

د. صادق السامرائي

هل يختار الإنسان عقيدته فعلًا؟.. أم أنّه يولد في صندوقٍ مغلق، مكتوب على غلافه ما سيكونه قبل أن يفتح عينيه؟ الطفل الذي يخرج من رحم أمّه في قرية مسلمة، هل كان يمكن أن يكون يهوديًا أو بوذيًا لو وُلد في مكان آخر؟ وإن كان الأمر كذلك، فأين موقع الإرادة والاختيار؟

إنّ العقيدة في أصلها وراثة؛ لا يملك الإنسان منها سوى التلقي في سنواته الأولى، فيشبّ على دين قومه كما يشبّ على لغتهم. لكن هنا تبدأ المفارقة: ما كان يومًا مجرّد صدفة مكان وزمان، يتحوّل مع مرور الزمن إلى يقين مطلق، إلى "حقيقة أبدية" يراها الفرد جزءًا من ذاته. والسؤال الجوهري: أهي حقيقة في ذاتها، أم عادة تحوّلت إلى قداسة؟

العقل حين يتعطّل لا يتوقف عن العمل كليًا، بل يتحوّل إلى أداة تبرير. إنّه لا يسأل: "هل هذا الموروث صحيح؟" بل يسأل: "كيف أثبت أنّه صحيح؟"؛ أي أنّه يبدأ من النتيجة التي تسلّمها بالوراثة، ثم يبحث عن مقدمات يسندها إليها. وهكذا يُستعمل العقل كخادمٍ للأهواء الجمعية، لا كحاكمٍ على الأفكار.

أليس غريبًا أن يولد كل فرد في مجتمع ما وهو يعتقد أنّه وحده يملك الحقيقة المطلقة؟ ولو جمعنا أهل الأرض جميعًا، لكان عند كلّ أمة هذا الاعتقاد نفسه! أليس في هذا التعدد نفسه برهانٌ على أنّ ما نظنه يقينًا قد يكون مجرد موروث عابر؟

إشكالية الهوية

وراثة العقيدة تختلط بالهوية اختلاطًا شديدًا، حتى يصعب على المرء أن يميّز بين ما يؤمن به عقليًا، وما يلتزمه اجتماعيًا. كثيرون لا يدافعون عن الدين من حيث هو دين، بل من حيث هو راية القبيلة، أو شعار الجماعة. لو أنّ المرء غيّر دينه، لاعتُبر خائنًا قبل أن يُعتبر باحثًا عن الحقيقة. أليس هذا دليلاً على أنّ الدفاع عن العقيدة في كثير من الأحيان ليس دفاعًا عن فكرة، بل دفاعًا عن انتماء؟

قد يُقال: وما المانع أن يرث الإنسان عقيدته ثم يبقى عليها ما دام مقتنعًا بها؟ الجواب: لا مانع في ذلك، إذا كان الاقتناع وليد بحثٍ ومساءلة. لكن الخطر أن يظلّ العقل عاطلًا، راضيًا بما وجد عليه آباءه، لا يجرؤ على طرح السؤال الأول: "لماذا أؤمن بهذا؟"

إنّ الفرق بين الإيمان الحق والإيمان الموروث هو الفرق بين من يسير في طريق لأنه اختاره، ومن يسير فيه لأنه لم يعرف غيره. الأول قادر على الدفاع عن عقيدته بالحجة، والثاني لا يملك سوى الصراخ والاتهام.

لو قُدّر لكل إنسان أن يولد في دين مختلف، لكان مقتنعًا به بالقدر نفسه الذي يقتنع الآن بعقيدته. فهل هذا يعني أنّ جميع العقائد صحيحة؟ أم أنّ الخطأ يتوزع بينها كما يتوزع الصواب؟ وهل الإيمان إذن نتاج الحقيقة أم نتاج البيئة؟ هذه أسئلة لا يريد "العقل العاطل" أن يواجهها، لأنها تهدد استقراره وراحته. لكنّ العقل الفاعل لا يخافها، بل يبدأ منها ليصل إلى يقينٍ أرسخ.

وراثة العقيدة قدر، لكنّ بقاء العقل عاطلاً اختيار. نحن لا نملك أن نختار أين وُلدنا ولا ماذا ورثنا، لكننا نملك أن نختار كيف نواجه ما ورثناه: هل نحمله كما هو كصندوق مغلق، أم نفتحه ونفحص محتوياته؟

الحقيقة لا تُهان بالبحث، إنما يُهان الإنسان حين يعطل عقله باسم الحقيقة.

***

بقلم: د. علي الطائي

القرن الحادي والعشرون قرن تشتت الإنتباه، وفقدان قدرات التركيز لأكثر من بضعة لحظات، والتفاعل الآني مع المستجدات وتدفق المعلومات عبر شبكات التواصل، التي إمتلكت البشر بأجهزتها المتسارعة التطورات والإبتكارات، فما عادت العلاقات كما كانت في القرن العشرين، وفقدت المشاعر الإنسانية حرارتها وطعمها.

إذا تكلمت لا يصغون وربما يلتقطون نسبة ضئيلة مما ذكرت، ويتمثلونه في طاحونة اللحظة الإدراكية، ويتوصلون إلى ما لا تعنيه، بل ما أيقظته فيهم من تصورات وتفاعلات.

أما إذا كتبت فأنهم لا يقرأون، فلا قدرة لديهم على متابعة السطور، والتفكر والتمعن والتأمل، إنها إرادة اللحظة الفاعلة في أرجاء وجودنا المندحر في شاشات صغيرة، والذي يعزلنا عن محيطنا ويدخلنا في عوالم إفتراضية، وسرابات متهادية في فضاءات خيالنا المشرئب نحو المجهول اللذيذ التوقعات.

الشاشة التلفازية إنحسر دورها وتأثيرها، ووسائل الإعلام تعرّت توجهاتها وما تسعى إليه من آليات صناعة الآراء، وما تبثه من أكاذيب وأضاليل، فوسائل التواصل المعاصرة أفرغت الوقائع من محتواها، ووضعتها أمام أنظار الصورة والحدث الموثق، والشواهد والبراهين الدامغة، التي حاصرت الأكاذيب والإدعاءات، وما عادت وسائل الإعلام تمتلك القدرات الخداعية اللازمة لتأكيد إرادتها وتحقيق أهدافها المرسومة، القاضية بتحويل البشر إلى قوة مضادة لوجوده وتقرر مصيره كما تريد.

ووفقا للمعطيات المعاصرة فأن أساليب التفاعل عبر الخطابة والكتابة عليها أن تتماشى مع مفردات الواقع المعاش، وأن تمتلك القدرة على الإختصار والتأثير، ولا بد من إستحداث مفردات متوافقة مع قدرات الأجيال المتوافدة إلى سوح التواصلات المتسارعة.

فالخطابات المسهبة لا تنفع، والكتابات الطويلة لا تؤثر بل تنفر، والمواقع المركزة على الصورة الشخصية ما عادت مرغوبة، فالمتلقي يريد الخلاصة أو الزبدة، ويهمه الوضوح والمباشرة، ولا يعنيه التفكر وقراءة ما بين السطور، فذلك زمن تولى، وأصبحنا في عصر الأنوار الساطعة، والأخبار القاصعة.

رحم الله القرن العشرين بقضه ونفيضه، وأهلا بمواكب القرن الحادي والعشرين، وعربات مسيرته المحملة بالمستجدات المتسابقة الظهور!!

فهل لنا أن نستوعب مقتضيات عصرنا؟

قرونٌ من أعاليها تداعتْ

مفتتةٌ لآخرها أصاخَتْ

مكدّسة خلاصتها بقرنٍ

إذا حقّت تسامى فاستكانتْ

عطاءُ كثيرها أثرى وجوداً

عقول الناس من فِكَرٍ أجادتْ

***

د. صادق السامرائي

منذ فجر التاريخ والانسان في سعي دائم للاستكشاف والغوص في أعماق الطبيعة لفهم قوانينها وخباياها ومعرفة اسرار ما يدور حوله من ظواهر كونية، حيث تشير الآثار العائدة لعصور ما قبل التاريخ ان الانسان ظل يبتكر ويخترع الادوات والوسائل التي تمكنه من الوصول الى غاياته وتحقيق رغباته، وقد تمكن بعد جهود مضنية وتجارب متعددة من اكتشاف العديد من الوسائل والأدوات التي ساهمت في رفاهية البشرية بدءا من اكتشاف الكهرباء والنفط ومصادر الطاقة وصولا الى شبكة الانترنيت، ومن بين الحاجات الاجتماعية التي شغلت الانسان وكانت مصدر فضوله واهتمامه هي معرفة نوع الجنين، حيث شكلت هوية المولود المرتقب هاجسا مقلقا للزوجين ولعموم الأسرة، فمنذ الاف السنين وقبل ظهور السونار ووجود المختبرات والتقنيات المتطورة كان الوسط الشعبي في العديد من المجتمعات ومن اجل الوصول الى هوية الجنين يستخدم طرق بدائية لا تعتمد على اسلوب علمي بحت او سند على صحتها ومن بينها حال المرأة اثناء فترة حملها فاذا كانت تشعر بثقل الحمل فالجنين ذكر وبعكسه فهو انثى، وايضا الاعتماد على شهية المرأة الحامل للطعام وتم التوصل أنه في حالة اشتهاء الحامل للحلويات والشكولاتة والفواكه يكون الجنين أنثى، أما اشتهاؤها للموالح والطعام اللاذع فيكون جنس الجنين ذكر. وكذلك الاستدلال من شكل البطن فيرون الانتفاخ الى الاعلى ذكر وتهدل البطن الى الاسفل انثى أو من خلال وزنها وحركتها فحسب اعتقادهم ان الحمل بالأنثى يزيد من وزن المرأة ويجعل حركتها ثقيلة، كما استخدم القدماء طرق بدائية عديدة للتوصل الى هوية الجنين حيث تشير  الرسومات الفرعونية الكثيرة التي تملأ المقابر والمعابد المصرية القديمة، ان الفراعنة القدماء استخدموا البندول لمعرفة جنس الجنين والتي كانت تتم عن طريق تمرير البندول فوق بطن الحامل، فإن دار مع عقارب الساعة كان الجنين ذكراً، وإن دار بعكس عقارب الساعة كانت أنثى، كما أن المرأة في مصر القديمة كانت تبلل حبات الشعير والقمح، بقليل من البول الخاص بها، فإذا نما الشعير يكون هذا دليل على أنها حامل في ولد، وإذا نما القمح يكون دليل على أنها حامل في بنت، وإن لم ينبت إحداهما يكون هذا دليل على أن هذا الحمل كاذب، او ان تضع المرأة الحامل عدة نقاط من حليبها على خيط من الحرير ثم ترميه على باب بيت نمل، فاذا جر النمل الخيط الى داخل البيت يكون الجنين ذكرا، واذا لم يقترب منه النمل فالجنين انثى، وكذلك بواسطة الملح عن طريق إضافة مقدار من الملح على البول الخاص بالمرأة الحامل بالتدريج، ويترك لمدة 5 دقائق، إذا تم ملاحظة وجود تعكر في البول فإن الجنين فتاة، أما إذا كان هناك ترسب للملح في البول فإن الجنين صبي. او عن طريق الخاتم وهى عبارة عن ربط خاتم بخيط ووضعه فوق البطن فإذا تحرك بشكل دائري يكون جنس الجنين هو أنثى، أما إذا تحرك بشكل مستقيم يمنا ويسارا يكون المولود ذكرً. وكل ما ورد من هذه الطرق يأتي من باب التكهنات التي ــ كما نوهنا ــ لا تستند الى اساس علمي موثوق به انما هي جزء من شغف الانسان بالتجريب في محاولة للوصول الى الحقيقة القطعية.

***

ثامر الحاج امين

قلة من الشعراء ألفوا كتبا في مناحي المعرفة، ومنهم أبو تمام، والرصافي وغيرهم، أما معظم الشعراء فأنهم يركزون على كتابة الشعر وإصدار الدواوين، وبعضهم كتب مذكراته أو سيرة حياته، وآخرون كتبوا مقالات جمعت في كتب.

أما تأليف كتاب عن الشعر ومفرداته وألفاظه وعباراته وأساليبه، فقلة من الشعراء حاولوا ذلك.

فتراثنا المعرفي فيه كتب عن مفردات الكتابة والخطابة، أما عن مفردات الشعر، فأنها نادرة أو لا وجود لها.

وهذه ظاهرة يصعب تفسيرها مهما أتينا من تبريرات وتسويغات، وهي من أسباب ميوعة صفة الشاعر.

فالكثير من الكلام يبدو كأنه شعر، لكنه في جوهره لا يعرف الشعر، والعديد من الشعراء، هم ليسوا كذلك، فالكلام الموزون لا يعني أنه شعر.

الشعر بحاجة إلى ألفاظ  قادرة على إستحضار المعنى وتجسيد الفكرة، وتأدية الغرض، والإنطلاق بأسلوب جذاب خلاب، يخطف القلوب والعقول والنفوس والأرواح.

وهناك العديد من المفردات التي لا يمكنها أن تكون في نص يسمى شعريا، لكن إقحامها لأسباب عروضية أو نحوية لا يعني أنها قد أدت وظيفة شعرية.

ومن أصعب الفنون أن نوضع الفكرة في كلمات  ذات معنى واضح وغرض ساطع، وقدرة على التأثير وإثارة العقل، وإلهام القارئ بما يعينه على بناء رؤية جديدة.

وتجدنا أمام كم هائل من النصوص المنشورة على أنها شعر، سواء كانت كلاسيكية أو حداثية، أو غيرها من الأشكال المستنسخة من بلاد الآخرين وماهي بشعر.

وفي الكثير منها يبدو إضطراب الأفكار جليا، وعدم قدرة كاتبها على الوصول إلى ما يريد قوله والإفصاح عنه، وكأنه لا يدري عمّاذا يكتب ولمن يكتب.

إنها حالة تخبطية أملتها إيقاعات القرن الحادي والعشرين، التي جعلت الكلمات تتطاير كالهباء المنثور.

وعندما نتحدث عن الطيف الشعري، تجدنا أمام ألف موشور وموشور، حتى لتحتار بما ترى من الألوان!!

***

د. صادق السامرائي

3\9\2021

في العراق لا توجد مكاتب نسوية للمراجع، ولا توجد جهة واضحة (بالنسبة لي على الأقل) تستقبل طلبات النساء ومشاكلهن التي هي من مختصات الحاكم الشرعي .

مكتب تديره وكيلة شرعية عن المرجع الأعلى أو أي مرجع آخر . الفقه الإمامي يقول إن المرجع له ولاية عامة في الأمور الحسبية، ومنها "ولاية من لا ولي له" (من النساء أو الأطفال).

لكن من الناحية الإدارية، لم يُنشأ جهاز نسوي موازٍ لمكاتب الرجال لمتابعة هذه القضايا، بل بقيت محصورة بالمكاتب الرجالية، وهو ما يخلق فجوة فعلًا بين النظرية والتطبيق.

أجد أن مشاكل النساء للآن لاتحمل على محمل الجد، ولايتم الأعتراف بها على نحو معلن، مع كل هذا الهدر اليومي والسنوي لحياة مئات النساء.

لا أعرف هل وصلت أحصائيات القتل اليومية لمكاتب الرجال لإيصالها الى المرجع أم لا ؟

هناك غموض في موقف المرجعية تجاه المعالجات التي يمكن أن تقدمها للنساء المظلومات ظلما لا يخفى على أحد .

أن الموجود هو وكيـلات نساء بشكل محدود، أو مدارس دينية نسائية تابعة للمرجعيات، لكنها ليست مؤسسات رسمية كالمكاتب العامة.

عمليًا، النساء يلجأن للمكاتب الرجالية أو عبر وسطاء، مع أن الفقه يقر للمرجع ولاية عليهن في بعض الحالات. وثبت هذا في المدونة الجعفرية التي أقرت أخيرا للأحوال الشخصية .

أعتقد أن للنساء الحق في أن يتم عمل مكاتب خاصة بهن لحل مشاكلهن التي أنيطت بالحاكم الشرعي دون غيره.

أين تجد النساء المرجع وكيف تصل اليه ؟

تجد الفتيات والنساء حيرة عظيمة في واقعهن دون أن يستطعن البوح بما مررن به من مآسٍ تمس كرامتهن وسلامهن الجسدي والنفسي .

لايمكن الأعتماد من قبل النساء على رجالهن في إيصال صوتهن للمكتب الرجالي، لأن الشكوى أصلا قد تكون ضد الرجل نفسه !.

أوضاع النساء تحتاج الى مكاتب أضعاف مكاتب الرجال. أرجو أن يفهم المتصدون الشرعيون فهم هذا الأمر الحساس والتعامل مع النساء، اللواتي هن نصف عدد المكلفين، لكنهن النصف الذي لايمنح الصلاحية لفعل شيء يمس حياته الشخصية بل أنها انيطت برجال ليس بالضرورة يحسنون صنعا في حياتهن، دون القدرة لهن على صدهم دون تدخل الحكام الشرعيين ليحرروهن من ظلم تسعى الواحدة منهن طويلا لأثباته للمكتب، فأنا أن تنجح بالوصول أو تخفق في سياق مجتمعي قامع كلية للمرأة !.

***

د بتول فاروق / النجف

٢/ ٩/ ٢٠٢٥

وفق التعريف فان المنافسة هي ظاهرة تنبع من جوهر النظام الاقتصادي السائد، الذي يدار من قبل النخبة الحاكمة، لتحقيق أقصى ربح لأفراد الطبقة الحاكمة في توزيع أموالهم بوسائل الإنتاج في السوق، ومن ثم التجار إلى العامل الكادح المُستغل والعاطلين عن العمل.

تقسم المنافسة إلى عدة أقسام نختصرها في قسمين هما: (التجارة والمجتمع).

 ⁃ المنافسة في التجارة:

تنشأ المنافسة بسبب تناقضات النظام الرأسمالي نفسه الذي تديره الطبقة الحاكمة، حيث يسعى كل رأسمالي إلى تعظيم أرباحه على حساب الآخرين، وتعد ضرورة مفروضة عليهم؛ فمن لا يندمج في السباق يفقد مكانته في التجارة ويستبعد.

تؤدي المنافسة بين الرأسماليين إلى الاحتكار وزيادة استغلال العمال (الموظف، طالب الجامعة، العاطل عن العمل، عمال القطاع الخاص)، حيث يتم خفض الأجور وزيادة ساعات العمل لخفض التكاليف وزيادة الربح. وبالتالي؛ إنشاء جيش احتياطي من العاطلين عن العمل، مما يضعف قدرة العمال على المطالبة بأجور أفضل وظروف عمل ملائمة.

 ⁃ المنافسة في المجتمع:

إن المنافسة الاجتماعية ليست مجرد سمة طبيعية أو نفسية للإنسان، بل هي بنية اجتماعية مخلوقة تُفرض من خلال النظام الاقتصادي السائد للنظام السياسي الحاكم، حيث يخلق هذا النظام الحاجة الدائمة للبشر (نقص في الوظائف الجيدة، السكن الجيد، التعليم الممتاز، الخ)، هذا يدفع الأفراد في المجتمع للتنافس على موارد محدودة بدلاً من التضامن ضد النظام الذي يخلق هذه الأزمة.

هنا يستغل النظام الحاكم هذا الصراع بتحويل الطبقات المتوسطة والمسحوقة ضد بعضهم البعض (المهاجر ضد المواطن، الموظف ضد موظف آخر على ترقية، الخ)، يتم إضعاف التضامن الطبقي وإبعادهم عن الإدارة الاقتصادية للنظام السياسي الحاكم، كما نراهُ واقعًا.

لذا تتحول العلاقات الاجتماعية بين البشر إلى علاقات بين الأشياء، ويصبح قيمة الفرد تُقاس بقيمته في السوق (راتبه، منصبه، ملكيته) وليس بإنسانيته أو تعاونه.

لذلك نرى إعلام السلطة الحاكمة يروج إلى الابتكار والى أن الناجح يستحق نجاحه بسبب كفاءته الفردية، والفاشل يستحق فشله. حيث يصبح الفرد في سباق شرس دائم مع جيرانه وزملائه لامتلاك أحدث السلع، كدليل على قيمته الاجتماعية. مع إلقاء اللوم على فشل الفرد نفسه وليس على النظام غير المتكافئ، مما يبرر استمرار هيمنة النخب الرأسمالية المرتبطة بالسلطة السياسية.

وتنعكس مباشرة على التعليم، حيث تتحول المدارس والجامعات إلى مصانع لإنتاج قوة عاملة، ويُدفع الطلاب للتنافس على الدرجات والفرص بدلاً من التعلم التعاوني من أجل المعرفة والتقدم المجتمعي. وفي العمل، حيث تخلق بيئات العمل الهرمية والتنافسية حالة من الخوف وعدم الاستقرار، حيث يتنافس الموظفون على البقاء والترقية، مما يمنعهم من المطالبة بحقوقهم والتعاون وانعدام حتى الصداقة بينهم، لذلك نرى الأحقاد والخيانة ونصب المكائد.

 إن الطريق إلى الإنسانية هو بالتضامن وليس المنافسة سواء (التجارة أو المجتمع)، وتوجه الأفراد نحو التعاون والإبداع الجماعي، لتحسين المجتمع بأكمله، حيث تصبح مصلحة الفرد حقيقية فقط عندما تتحقق مصلحة الجميع. لأن المنافسة ليست فضيلة بل مرض مدمر ينهي متعة الإنسان في الحياة، لذا الحل الجذري يبدأ من وعي الإنسان نفسه لربح حياته ومن ثم بتغيير النظام الاقتصادي للدولة الذي يولد هذه المنافسة.

***

حسام عبد الحسين

ليس كل ما لا يدركه العقل.. او مالا تحسه وتحيط به الحواس يجب ان ينكر.. فكثير من الموجودات غير منظورة، ولكنها موجودة فعلا .. لذلك يبقى حال الملحد.. كحال راعي إبل في صحراء الربع الخالي.. ينكر حقيقة وجود جبال الهملايا ويجحدها، لأنه لا يراها ماثلة أمامه عيانا، رغم أنها موجودة  حقيقة.. بل واكثر من ذلك نجد إن الهواء الذي نتنفسه في كل لحظة، ونحسه به جميعاً، هو الآخر شيء موجود على الحقيقة، ولكننا لا نراه..

وإذا ما انعدمت امامنا كل الحقائق من الذرة إلى المجرة... فلا شك ان حقيقة الموت اليقينية التي نواجهها يومياً في معيتنا.. والتي سنواجهها حق اليقين في ذواتنا يوماً ما مهما كابرنا.. هي أكبر برهان على تهافت الإلحاد أمام حقيقة الذات الإلهية التي خلقت الموت والحياة.. وجعلت الفناء قانونا حتميا مركزيا يطال الجميع على قاعدة (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ..

على أنه تجدر الإشارة إلى أنه حتى الآن لم يتقاطع العلم في أدق تفاصيله ومكتشفاته مع حقائق الدين.. بل ان تناغم العلم في مكتشفاته مع القرآن الكريم اذهل العلماء والفلاسفة.. حتى بدأ الكثير منهم يعلن إسلامه عن قناعة علمية تامة دون أن يطلب منه أحد ذلك..

ومن هنا فإن الدعوات إلى الإلحاد والكتابات الهدامة.. وازدراء الأديان.. ما هي إلا تعبير عن حالة ضياع فكري..  وجفاف روحي.. واستلاب معنوي .. تغذيها عوامل كثيرة.. لعل في مقدمتها توجهات ثقافة الكسب المادي.. وضجيج مغريات العصرنة الصاخب.. وغياب التربية الدينية الصحيحة.. وغيرها..

وهكذا يظل العقل الإنساني مهما كان موهوبا، ومهما تحصل عليه من العلم، قاصرا وعاجزا عن الإحاطة بالغيب وماوراء من حقائق، على قاعدة (وما اوتيتم من العلم إلا قليلا).

***

نايف عبوش

العالم المسجور

بالتبر البراق والنفط الدفاق والنار والدمار والربح والسلاح، وبالكذب والضلال والجور والنفاق والخديعة والرياء.

وبالرغبات الفتاكة والشرور المدوية في أركان الحياة المرتعشة من رعود التداعيات الكبيرة المتواصلة في ميادين الضياع المعاصرة.

العالم المسجور

بالكراهية والبغضاء وفعاليات الثبور، وبالجوع والفقر والإمتهان والإستعباد والإذلال والحرمان والعويل والصراخ الطويل.

وبالجهل والأمية والعماء المعرفي المتنامي، الذي يردي البشر كالجراد في وديان الهلاك الإنفعالي والتفاعل العاطفي السلبي المرير.

العالم المسجور

بالأمراض التي عجزت البشرية عن الإنتصار عليها، عالم يتسيد فيه التدرن الرئوي ونقص المناعة وتقتل بعوضة الملاريا الصغيرة الملايين من البشر كل عام، وتفتك الأمراض السارية والمعدية والأوبئة بالناس فتحصد الأرواح حصدا.

العالم المسجور

بالحروب والعنف وكل إبداعات الخراب والفتك بالآخر، ويحسب المآسي المتفاقمة نعمة وإنتصار.

العالم المسجور بالرصاص وشراهة شركات بيع الأسلحة وتصنيعها، والتي تحقق أعظم الأرباح على حساب قتل الملايين من أبناء حواء حيث أسواق بضاعتها الحروب.

العالم المسجور

بالحماقات والتعصب والإنفلات الأخلاقي الذي يدمر ذات الوجود، ويطحن قلب الأرض بخنجر الويلات العنيد.

وبالظلم والطغيان والتكبر والتعنت والتجبر والإنقضاض على الآخر الضعيف، وسلب كل ما يرتبط به من حال وأحوال ومصادرة إرادته ووجوده ومستقبله.

العالم المسجور

بالأكاذيب البراقة والأضاليل الساطعة والمهيمنة على أرجاء الوعي البشري، والمتمكنة من تحويل الحشود إلى دمية تتحرك عن بعد وفقا لإرادة مالكها.

وبالخداع ووسائل غسل الأدمغة وتطهيرها من المعاني والقيم والأعراف، وضخها بما يوفر أسباب تحقيق أهداف الراغبين بالوصول إلى نواياهم الذاتية الأنانية، التي لا يعنيها سوى أن تمتلك وتتلذذ وتمعن في إشباع حاجات الذات الشرهة الأمارة بالأسوأ من السوء.

العالم المسجور

في تنور الأوجاع الحضارية والمطبوخ فوق نيران الحروب المعاصرة ذات الشعارات الإنسانية الراقية، التي تريد تحرير البشر من نفسه ورميه في فم التراب الفاغر ليزدريه.

وبالوحشة والخوف والظنون السيئة والأماني المتوحشة والحيطة والحذر، وإعتبار البشر قنبلة قد تنفجر في أية لحظة بوجه البشر.

العالم المسجور

بالإذعان لسطوة الغباء والمعادي لنداء الذكاء، يزحف على بطنه ولا يرى بعيونه إلا ما يدور في أعماقه من أوهام وبهتان وضلالات امتهان وترويع.

وفي لهيب الذات المسعورة ودخانه يتصاعد إلى عنان السماء حتى تحول إلى سهم من الأوجاع، التي إخترقت ثياب الأرض ومزقت قشرتها الجميلة وإستدعت إليها آفات الفناء.

العالم المسجور

بآبار النفط والمقيد بالنفط والمدمن على النفط، وقد ظهرت أعرضه الإنسحابية الشديدة، وهاهو في نوبة صرع متواصلة لن تهدأ حتى تنقطع أنفاسه ويموت.

هذا العالم عليه أ يستيقظ ويخرج من نفق البهتان ومستنقعات الضلالة والثبور ليرى النور ويعرف الله.

وينظر بعين أخرى إلى أخيه الإنسان الذي أصابه بالآلام والقهر والأحزان.

وعليه أن يبحث عن علاج لويلاته النفسية وآفاته العقلية لكي تنجو الأرض من شره وبطشه، ولكي لا تنتقم السماء من جوره الذي أرعب التراب.

العالم المسجور

عليه أن يحي ضميره ويوقظه من غفوته وسباته وتجاهله وأنانيته، فيدرك هذا الضمير الذي إستيقظ أن الحياة عليها أن تكون غير ما هي عليه.

وأن تتحرر من عبودية أفكار الشر وشعارات الوهم والخداع والتضليل، التي تهتك الأعراض وتخطف الأرواح وتسفك الدماء، وهي تدعي بأن الذي تحقق من أجل الخير والمحبة والسلام والتقدم.

وقد كذبوا وخدعوا وما خدعوا إلا أنفسهم وما الله بغافل عما يعملون!!

***

د. صادق السامرائي

 

تبدأ رحلة الإنسان على هذه الأرض لا كخطٍّ مستقيمٍ مرسومٍ بصرامة العقل، بل كأمواجٍ متلاطمة بين مدٍّ وجزر، بين قمةٍ يتلألأ فيها الإنجاز، ووهدةٍ يتهشّم فيها القلب قبل الجسد. فالسقوط ليس دومًا مادّةً تُرى بالعين، بل قد يكون اصطدامًا عنيفًا للروح بذاتها، حين تواجه النفس حقيقتها عارية بلا أقنعة. هناك، حيث الألم لا ينزف جرحًا بل يقطر وعيًا، يتجلى الانكسار كبداية لا كخاتمة، ويتحوّل الوجع إلى بشارة تغيير، ونبوءة يقظة، وجرس دعوة إلى تأملٍ عميقٍ وتحولٍ داخلي.

في تلك اللحظة الفاصلة، يقف الإنسان أمام مرآةٍ خفية، يسائل ذاته لا عن زلاتها الظاهرة فقط، بل عن جذور دوافعها وظلالها الغامضة. يتأمل صراعه الداخلي كما لو كان ينظر في صميم روحه، حيث تتجلى التناقضات وتنكشف المكبوتات. ومن بين هذا الركام، تولد الإرادة من جديد: إرادة لا للنهوض بالجسد وحده، بل للقيام بالوعي ذاته، وعيٍ فلسفيٍّ يبحث عن المعنى خلف ستائر الوجود. وكما قال يونغ: "لا وعي بلا ألم"؛ فالألم هو المخاض الذي يولّد بصيرة، وهو البوابة التي نعبر منها إلى ذواتنا الأعمق، لنجد في ظلمة السؤال نور الفهم، وفي قسوة التجربة بذور الحكمة.

ويمضي الإنسان في دروبه، مترنحًا بين العواصف وضجيج العالم، لا بخطوات الواثق من الطريق، بل بعزيمة المستند إلى إيمانه بأن وراء كل محنة حكمة. تغيم الرؤية أحيانًا بغبار الحياة، وتثقلها أوهام المعرفة السطحية، وضغوط المجتمع، ومخاوف الوعي الجمعي. لكنّه رغم كل شيء، يحدّق في الضباب، يعثر ثم ينهض، يتأممل ثم يعيد التأمل، مدركًا أن الحقيقة ليست عطية تُسلَّم دفعة واحدة، بل هي جوهرة تستخلص ببطء، حبةً حبةً، من بين غشاوة الإدراك المحدود. إنها عملية بناء مستمر للمعنى، وليست اكتشافًا لسرٍّ مكتمل.

وحين يشيخ الجسد وتغدو النظرة مثقلة بسنينٍ عاصفة، يحدث التحوّل العظيم: ليس فقط في العين التي وهنت، بل في البصيرة التي أنضجتها التجارب. يرى الإنسان حينها الأشياء لا كما كانت تُرى في ربيع العمر، بل كما صاغتها السسنون وحرقتها التجارب. لم تعد الخبرات صورًا عابرة، بل صارت خرائط وجودية ترشده في إدراك العالم. يغدو مهندسًا لا لبيته المادي فحسب، بل لحلمه الوجودي، لمصيره، ولمعنى وجوده. وكما أشار أرسطو: الحكمة العملية فضيلة عقلية، تمكّن المرء من اتخاذ القرارات الصائبة. إنها حكمة تتجاوز حدود الفكر لتصبح فعلًا وجوديًا وأخلاقيًا.

تلك الحكمة لا تولد من قراءة الكتب وحدها، بل من احتراق الروح في أتون التجربة. هي عصارة جراحٍ صقلت العقل، وأفراحٍ وسّعت القلب، فالتأمت شظايا الوجود في لوحة واحدة، مليئة بالبصيرة. يمضي بها الإنسان واثق الخطى، لا مضطربًا يلهث خلف السراب؛ بطمأنينة من رأى ما وراء الأفق، وذائقة من قطف قبسًا من نور الحكمة يهتدي به ويهدي به الآخرين. عندها يبلغ ذروة الرحلة: حيث تتحد المعرفة بالحياة، ويصير الوعي حكمة مجسَّدة.

هذه هي حكاية الإنسان: حكاية سقوطٍ لا يُميت، بل يُعلِّم، وحكاية بحثٍ لا ينططفئ بل يسمو بالروح. إنها قصة كل عقلٍ عطش للمعنى، وكل روحٍ تطلب النور، حتى وإن لم تجده إلا ساعة تفلت اليد من حبال الدنيا. وكما قال فيكتور فرانكل: "لكل إنسان سعيٌ فريد نحو المعنى"؛ وهذا السعي هو ما يمنح الحياة قيمتها، ويرفعها من مجرد بقاءٍ بيولوجي إلى تجربة إنسانية سامية، مليئة بوهج الوعي ونور الحكمة.

***

حميد علي القحطاني

 

لاشك أن الثورة الصناعية أحدثت منعطفا هائلا في تاريخ الإنسانية، من حيث زيادة الإنتاج، وتوسيع دائرة الرخاء المادي، والتخفيف من الجهد العضلي الذي كان في السابق يستنزف حياة الإنسان وسعادته. إلا أنها في المقابل هدمت الكيان الأخلاقي، وهزت كثيرا من القيم المعنوية والمثل العليا، بعد أن صارت الأرباح الطائلة عنوانَ المرحلة، وجنيُ المال أولويةً يهون في سبيلها كل شيء.

اتجهت المثل والقيم بكليتها إلى تحسين المستوى المادي، وإشباع الرغبات الحية، حتى قال سليفيد جيزيل في كتابه(النظام الاقتصادي الطبيعي): " إذا تعارضت أعمال الرجل مع آرائه الدينية، فيجب أن يعاد النظر في هذه الأفكار." بمعنى أن يخضع الدين والأخلاق لمتطلبات الحياة الاقتصادية، أو فليبتعدا معا عن ساحة النضال المادي! لكن أمام تزايد مظاهر الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، ارتفعت الأصوات مطالبة بالمزيد من تخليق عالم المال والأعمال، وتحرير النشاط الاقتصادي مما يسميه جون غالبريث "الاحتيال البريء".

 للتخفيف من سلبية النظام التنافسي داخل الشركات ومواقع العمل، أصدر تشارلز دايغرت كتابه (النجاح جهد جماعي) للتأكيد بأن التخلص من الأداء الرتيب والخالي من التعاون والإبداع في فضاء العمل، يقتضي استبدال جيل "أنا" بجيل "نحن"، وتبديد مناخ السلطة المطلقة الذي يخنق الإنجاز الفاعل. ويقترح فلسفة ضمنية ينبغي أن تحكم- برأيه- الأداء المهني والسعي للنجاح، وتتمثل في التحرر من التنافسية القائمة على بذل الجهد الشخصي، في مقابل التعاون الخلاق القائم على احترام الذات، ومساندة الفريق لكل خطوة إبداعية تتطلب قدرا من المخاطرة.

 إن الأمر أشبه بالدرس الذي يقدمه مجتمع النحل حين يداهمه شتاء قارس، حيث تتكتل النحلات لتؤلف ما يشبه الكرة، مع حرص على تبادل المواقع بين مجموعة الوسط ومجموعة الحافة الخارجية. وبتوحيد الجهود تتمكن هذه الحشرة الفريدة من التغلب على المخاطر.

لا يُخفي المؤلف ضجره الواضح من التنافس التناحري، ونظام الأوامر الصارمة الذي ينتهي بالأطر العاملة إلى جهد يفتقر للحركة والمبادرة، لذا يختتم دليله متطلعا إلى أثر طيب على قارئه بالقول: اِعقد العزم على أن تصبح أحد أفراد فريق عمل جماعي، وسيدهشك حقا سرعة تحول العالم بين يديك!

في خضم السعي لتحقيق النجاح يندفع المرء أحيانا خلف طموحه وأهدافه إلى الحد الذي يؤثر سلبا على روابطه الاجتماعية. وتَدعم ظروف العيش في عالم متقلب أسباب تفكك الروابط، وتعزيز أنانية الفرد والاحتفاء بجهده الشخصي. لكن ريتشارد دين، رجل الأعمال والمحاضر الشهير في مجال التحفيز، يرى أن واحدة من مآسي العالم الحديث هي تحطم وحدة الأسرة، وأن النجاح الحقيقي يستمده المرء من كونه جزءا من عائلة، يحظى فيها بالأمان والدفء والعاطفة.

يظهر عنوان الكتاب للوهلة الأولى مثيرا للامتعاض، فعبارة "اِنجح من أجل نفسك" تبدو جافة وخالية من أي دفء إنساني، شأنها في ذلك شأن العديد من الإصدارات المتعلقة بالتحفيز الذاتي والثقافة المالية وتحقيق الثراء؛ حيث الحياة أشبه بحلبة مصارعة، وعلى المرء أن يرقص فوق الحطام ليثبت مقدرته!

على امتداد ستة عشر فصلا، يُبدي المؤلف انشغاله بتحرير قدراتك الكامنة لبلوغ النجاح، والعيش في حالة من السعادة. ويحدد الهدف من الكتاب بأنه سعي للوصول إلى فهم مبدأ الإنجاز الإنساني، من خلال القراءة والاستماع لأشخاص أكثر حكمة، حققوا قدرا كبيرا من الثراء. لكنه يستوقفك في الفصل السابع عشر ليتحدث عن الكلفة الاجتماعية للنجاح الفردي، وكيف أن السعي لتحقيقه حال دون التمتع بمزايا العائلة الكبيرة. يقول المؤلف: « بفعل حكمة الكبار كانت العديد من المشاكل يتم حلها، وكان يتم توجيه الأطفال وتهذيبهم، وحتى مع وجود عجز في الأموال كان المجتمع يتآزر ليتخطى المحنة. وكانت البنات بعد الزواج تقابلن أمهاتهن بانتظام، فكانت المخاوف والضغوط تتشارك وتقلّ، بالإضافة إلى الحصول على استشارة أو نصيحة حكيمة، وكان نادرا ما أن يشعر شخص بالوحدة».

إن التركيز الشديد على الأهداف المادية يمكن أن يخلف دمارا على المستوى الأسري، لذا فتحقيق السعادة والنجاح يستلزم بالضرورة تقدير الآخرين وكسب احترامهم. وفي هذا الصدد يسطر المؤلف جملة من التوجيهات التي يمكن اعتبارها "قانون النجاح"، من بينها:

- تناول الطعام معا بشكل منتظم !

- مشاركة الآراء.

- ضاعف فرص السعادة !

- كن حيثما يحتاج إليك الآخرون !

- أظهر مشاعرك !

- جامل أسرتك !

إلى غيرها من النصائح التي يؤمن ريتشارد دين بأنها كفيلة بتقوية الأسرة، وهو ما سيتحول برأيه إلى منصة إطلاق للنجاح المرتقب.

ولأن عالم الشركات لا يخلو من احتدام وتنافس يصل حد الضرب تحت الحزام، فإن تحقيق النجاح السريع وزيادة الأرباح يبدو خاضعا لمعايير غير أخلاقية، وفلسفة أعمال متحررة مما يحفل به عالم المُثل من قيم ومبادئ. غير أن تشارلز جي كوك في دليله (علم النجاح) يعرض لتجربة رائدة خاضتها شركة صناعات كوك، لتصبح واحدة من أهم الشركات الخاصة حول العالم. فمنذ عام 1961 تمكنت الشركة من مضاعفة قيمتها الدفترية ألفي مرة، باعتماد "الإدارة القائمة على السوق"، وهي فلسفة تعتمد خمسة مبادئ أساسية: الرؤية، والفضيلة، والموهبة، والعمليات المعرفية، ثم حقوق اتخاذ القرارات والحوافز.

يؤمن المؤلف بأن أي مؤسسة ناجحة لا يمكنها أن تصمد مع مرور الزمن وتتفوق على غيرها، إلا من خلال اهتمامها بالفضيلة إلى جانب الموهبة. وتقوم ثقافة الفضيلة داخل مؤسسة كوك على تبني قيم أساسية مدمجة في المبادئ التوجيهية للإدارة القائمة على السوق، وفي مدونة قواعد السلوك الخاصة بها. وأهم تلك القواعد تتمثل في الأمانة، واحترام الآخرين وممتلكاتهم، وتحمل المسؤولية، والأخذ بزمام المبادرة، والتصرف بنزاهة وفي إطار القانون.

وبما أن ثقافة الشركة تتحدد بسلوك أعضائها وليس بما يفرضه قادتها من قواعد فحسب، فإن مؤسسة كوك تحرص على أن توجه ثقافة الفضيلة سلوك موظفيها، وأن يشكل القادة نماذج إيجابية يُحتذى بها؛ فتبني الترقيات والرواتب على مدى كفاءة العاملين في تطبيق تلك المبادئ، كما تتخذ الإجراءات التأديبية حين لا يتصرف العامل بمقتضاها، ولو تمتع بالموهبة والكفاءة. فالفضيلة، يقول كوك، دون الموهبة المطلوبة لا تحقق قيمة. بيد أن الموهبة دون فضيلة خطيرةٌ، ويمكنها أن تُعرض الشركة والموظفين الآخرين للخطر؛ فالموظفون الذين لا يتمتعون بالفضيلة بالدرجة الكافية، ألحقوا أضرارا بالشركات أكثر بكثير من أولئك الذين لا يتمتعون بالموهبة الكافية.

إن أضمن طريقة لاحترام القانون هي أن تسن قانونا محترما، يقول الكاتب الفرنسي فردريك باستيا. ومكمن ريادة مؤسسة كوك يتجلى في تحقيق انسجام دائم بين تعظيم ربحية طويلة المدى للشركة مع الحفاظ على قواعد السلوك القويم.

تبدو أغلب الإصدارات المتعلقة بالنجاح والتحفيز الذاتي مفعمة بالرومانسية، وساذجة في بعض الأحيان حين تعد قوائم للمشاهير ورجال الأعمال الذين نجحوا، بغض النظر عن المقصود بالنجاح: هل هو كسب احترام وتقدير المجتمع، أم تحقيق الثراء ولو بمقاييس غير أخلاقية، يستوي فيها لاعب البيسبول مع مدير مصنع للأسلحة! وبالنظر إلى الضغوط النفسية التي يُولدها السعي للإنجاز وتحقيق الطموحات في عالم شديد التعقيد، فإن صناعة النجاح بحاجة إلى بوصلة أخلاقية تضبط حركة الفرد، وتستلهم من ثوابت دينه ومقومات مجتمعه ما يُشكل لبنات حاضره ومستقبله.     

 ***

حميد بن خيبش

تميز الكاتب المبدع، والأديب اللامع الاستاذ عبد الستار  الجوعاني بأسلوب كتابة ادبي رفيع، ذي طابع قصصي ممتع، في سرد مقالاته وخواطره الأدبية .

ولا ريب أن الكتابة هي موهبة فطربة ابتداءً، كما هو معروف، تصقلها التجربة والخبرة المتراكمة مع الزمن مهنيا وابداعيا.. مع أنها تظل حالة فطرية، وليست بالضرورة حالة اختصاصية محضة، يمكن اختزالها بالتحيصل الأكاديمي فقط، اذ إن صقلها وتعميقها بالممارسة المهنية، يرتقي بأداء الكاتب، وبوهجها، إلى آفاق ارحب من الرصانة المتكاملة، فنيا وادبيا، وهو ما دأب عليه الكاتب عبدالستار الجوعاني، وجسده في كتاباته السردية لنصوصه باسلوبه ذي الطابع القصي، حيث نجح في توظيف موهبته الإبداعية، في تحرير نصوص منشوراته ببلاغة، وتكثيف صورها بأسلوب سردي مرهف، يأسر المتلقي، ويشده للتفاعل معها بشغف.

ولا شك أن كاتبا بهذه المواصفات اللامعة، يشكل ظاهرة إبداعية، وطاقة واعدة جديرة بالتلميح، والإعجاب، بما تعكسه كتاباته من اقتدار لافت، وموهبة ذاتية، تمنحه فرصة الحضور الإبداعي الرصين في الساحة الأدبية والثقافية بجدارة.

 ولعل تفاعله مع الحاضنة الثقافية في ديرة النشأة، بما هي بيئة حركية، تتسم بثراء زاخر، من الطاقات الشبابية الإبداعية في الكتابة والنظم والقصيد في مدح الرسول، بجانب ما تزخر به من اختصاصات مهنية وعلمية وغيرها، إضافة إلى معايشته معطيات الحداثة، واحتكاكه باعلام الفكر والثقافة، ووسائل الإعلام فيها، ناهيك عن سعيه المتواصل في تحصيله العلمي والشخصي للمعرفة، كانت كلها بتفاعلاتها المتنوعة، عوامل تغذية، وتفجير لطاقته الكامنة، وموهبته المتوقدة..

وهكذا يظل الكاتب المبدع عبدالستار، موهبة إبداعية متوهحة حقا، وطاقة واعدة، ومتوقدة، تجلب الإنتباه، وتستحق الإشادة والثناء، والاطراء..

***

نايف عبوش

عجز الموازنة الحكومية يحصل عندما تكون ايرادات الموازنة اقل من المصروفات المقررة في تلك الموازنة وعندما يكون من الصعب إجراء اي تخفيضات في المصاريف.

والنقطة المهمة هي كيفية تمويل ذلك العجز. اذ قد يتم تمويله بمصادر حقيقية او قد يتم تمويله بمصادر غير حقيقية.

المصادر الحقيقية هي اما اصدار سندات تمويل الموازنة بآماد معينة وبفوائد معينة يمكن بيعها في الداخل او الخارج.

ومن يشتري تلك السندات في داخل البلد فأنه يتخلى عن ادخاراته ويحولها الى الحكومة لكي تقوم بانفاقها كانفاق عام على حساب الانفاق الفردي اذا كان من اشترى السندات ينوي انفاق مبالغ شراء السندات وقرر تأجيل انفاقه لقاء الحصول على الفائدة. واذا كان ينوي ايداع مدخراته في البنك

وقرر تغيير قراره والتحول لشراء سندات الدين الحكومي، فأنه يقلص الودائع المتوفرة لدى البنوك لغرض اقراضها للمستثمرين من القطاع الخاص.

لذلك فأن تمويل العجز بهذه الموارد الحقيقية يؤدي الى خفض الانفاق الاستهلاكي الخاص ولكنه يرفع الاستهلاك العام           (الحكومي) بنفس المقدار. كما انه يخفض من امكانيات تقديم البنوك للقروض للمستثمرين الافراد.

أما اذا قامت الدول الاجنبية بشراء تلك السندات (كما تستثمر الكثير من الدول فوائضها في سندات الخزانة الامريكية)، فأن ذلك يعني زيادة الانفاق الاستهلاكي الحكومي بدون تخفيض الانفاق الخاص، مما يؤدي الى ارتفاع الطلب الكلي بدون وجود زيادة فورية في الناتج المحلي الاجمالي.. وعند عدم وجود مرونة كافية في الجهاز الانتاجي تستجيب بسرعة لهذه الزيادة،فأنها تتحول الى ضغوط تضخمية. ان ذلك بمثابة استحواذ طوعي على فوائض الدول الاخرى لغرض استهلاكها في الولايات المتحدة مقابل دفع الفائدة.

وقد تقوم الحكومة ببيع بعض الاصول الحكومية لتمويل العجز. وهي مصدر تمويل حكومي حقيقي. وقد تقترض من دول او مؤسسات اجنبية لتمويل العجز.. ولكن التمويل غير الحقيقي يحصل عند طباعة العملة او الاصدار النقدي..

وحسب مافهمته من مقالة نشرتها سيدة مختصة في الاقتصاد قبل ايام، فأن وزارة المالية تخصم كمبيالات لدى البنك المركزي وهي طريقة تعني مايقابل طبع العملة او الاصدار النقدي..

الاقتصاد العراقي ليست لديه مرونة انتاجية وبالتالي لايستطيع التكيف لمواجهة الطلب الزائد .. كما ان الاستحواذ التام على الودائع لدى الجهاز المصرفي كاقتراض حكومي، سوف لن يترك للبنوك التجارية اية امكانية لتمويل المشاريع الاستثمارية.

هذا ضار للتنمية بالطبع..

***

د. صلاح حزام

منذ ايام وانا اشاهد احتراق واحتراقات صديقي المبدع شوقي كريم وكلما تعمقت بقراءة ماينتج من احتراقاته يحاصرني الخوف ويغلبني الوجع..

كيف لا وشوقي اخترق المسكوت عنه ورمى بقدسية الصمت عرض الجدار وبكى بغزير الدمع عند كل طلل من اطلال حياتنا الماضية وابكانا معه ووقف ووقفنا على اطلال طفولتنا المعذبة وقرب اطلال مشاكساتنا البريئة التي غالبا ماتنتهي (بسطره وشتيمه وامشي مناه) ووقف على الغراف كطلل.

وبين اروقة المدرسة الابتدائية كمثله وعمل مثل هذا مع الشاكرية والشط والكنيسة واطلال الكتب والمسرح والدراما وبكى اكثر وهو يستذكر فطيم وحنانها وحمايتها له وكذلك حسن كريم رغم قساوته معه وشعر بالوجع يشل خاصرته وهو يقف امام اطلال الزنازين وقرارات مصادرة الحرية وخالط الدم الدمع وهو يستذكر الراحلين بلا اياب

لكن لماذا كل هذا البكاء يا ابن فطيم؟

هل هو التخفف من ماتزاحم بين جنبيك؟

او انك شعرت بالخواء فاجتررت ماضي فيه الكثير من المرار والشحيح من الحلو؟

اول انك تريد اخبارنا ان من كان شقيا في طفولته لن يتعرض له الزهايمر في كهولته؟

لماذ تعيد الحسابات بدقة يأبن كريم؟

هل رايت بشعور خفي دنو الرحيل فاستعرت من الهنود طريقة حرق موتاهم ونثر رمادهم فوق الانهار والأشجار والفيافي فاحرقت ماجاش بصدرك من الام وامال ونثرته فوق رؤوس الجميع؟

شوقي..

مايخيفي هو السر الذي يقف خلف هذا الاحتراق

ومايؤلمني هو اقتراب الرحيل مع اني لا اخاف الموت لكني اكره الفقد

اعترف..

اني تتنازعني مشاعر شتى جراء ماكشفت لكني عاجز عن ترجمة تلك المشاعر.

***

راضي المترفي

 

الطائفية، والعنصرية والمذهبية والحزبية وما يتصل بها جميعا من تفرعات، هي تعبيرات جماعية مخادعة ومضللة عن العدوانية الكامنة في دنيا البشر.

والعدوانية سلوك يتسم بالعنف والعداء بأنواعهما، وتلعب العوامل البيئية والإعلامية والإعتقادية في مجتمعاتنا الدور الأكبر بإطلاقها من معاقلها.

الطوائف (مجاميع من الناس)، قد تسمى قبيلة، أو عشيرة، وأمثالها، تكيسات مندملة تتجمع فيها أقياح توحشيه تسعى للتعبير عن شراستها وتشوقها لسفك الدماء.

وتلك سكة المسيرة الآدمية فوق التراب، الذي يدعوها لسقيه بالدماء.

الصراع داينمو الحياة، ولابد من تأهيل عناصره وتفعيلها بعوامل مساعدة تؤجج التصادمات العنيفة، التي تسمى حروبا وصراعات بين المجاميع المتباينة الرؤى والتصورات والمعتقدات.

فهل وجدتم أحزابا أو طوائف ومعتقدات تتآلف؟

ويمكن للمجتمعات النجاة من عدوانبتها الكامنة فيها، بتصريف طاقتها بأساليب إيجابية وتجنب المؤججات، وهذان أهم عاملين في تهذيب السلوك العدواني وجعله لصالح البلاد والعباد.

فتصريف طاقة العدوان تكون بإطلاق المشاريع النافعة للناس، واستثمار وقتهم بالبناء والعمل الجاد الذي يحقق الحياة الطيبة لهم، ولابد من الابتعاد عما يغذي السلوك العدواني من خطابات وكلمات، وآليات في وسائل الإعلام الموجهة للاستفادة من التفاعلات السلبية بين الناس.

و"ألد أعداء الإنسان نفسه"!!

طوائفها لعدوانٍ خطاها...كتعبيرٍ عن الفحوى تراها

فما عرفت سلاما واتفاقا... ولا نظرت لعاقبةٍ نهاها

تلاحت من جهالتها لدنيا...وتاهت في مزاعمها خطاها

***

د. صادق السامرائي

 

في الأيام الماضية ظهرت مرشحة سياسية في ولاية تكساس، تُدعى فالنتينا غوميز، في فيديو وهي تحرق القرآن الكريم باستخدام قاذف لهب وتقول: "سأنهي الإسلام في تكساس فليساعدني الله."

هذه المرشحة ترشحت لمجلس النواب، وتظن أن الطريق للفوز وكسب الأصوات هو بإهانة دين أكثر من مليار ونصف إنسان، والتحريض ضد ملايين المسلمين الذين يعيشون في أمريكا بسلام ويشاركون في بنائها.

لكن أي فوز هذا الذي يقوم على إشعال نار الكراهية؟

إنها تستخف بالدستور الأمريكي الذي ينص بوضوح على حرية الدين ومنع التمييز على أساس العقيدة. أمريكا بلد التعددية، جاءها المهاجرون من كل الأديان والأعراق. نحن كمسلمين وعرب، سواء من العراق أو غيره، جئنا ضيوفاً نحترم القوانين ونساهم في المجتمع، فهل يكون جزاؤنا التحريض ضدنا وحرق كتابنا المقدس؟

الإنجيل الذي تستشهد به هذه المرشحة يرفض أفعالها:

"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم." (متى 5:44)

"من لا يحب لم يعرف الله، لأن الله محبة." (يوحنا الأولى 4:8)

فأين هي من هذه الوصايا؟ هل بهذه الطريقة يُنشر الإيمان؟

والقرآن نفسه يكرّم السيد المسيح (عيسى عليه السلام) ويذكره بالاسم مراراً، ويصفه بأنه كلمة الله وروح منه، ويبشّر بعودته في آخر الزمان لنشر السلام والعدل، لا الكراهية والقتل.

كيف يمكن لعاقل أن يدعو للقضاء على الإسلام بينما الإسلام يجلّ نبيّه؟

إن هذه الأفعال لا تهدد المسلمين وحدهم، بل تهدد المجتمع الأمريكي كله. كما قال المسيح:

"كل مملكة منقسمة على ذاتها تُخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت." (متى 12:25)

خطاب الكراهية ليس حرية تعبير، بل تحريض على العنف. والمفترض أن يُحاسَب كل من يحاول بناء حملته الانتخابية على تمزيق المجتمع وإشعال نيران الحقد بين أبنائه.

أمريكا التي نحبها هي أرض الحرية والعدل، وليست أرض التحريض والتمييز

فلنقف جميعاً ضد أي صوت سياسي يريد أن يفوز على حساب حقوق الآخرين وحرياتهم. الله محبة، والمسيح والإسلام معاً يبشران بالسلام، وهذا هو طريقنا جميعاً.

***

رائدة جرجيس

 

ما أرخص البشر، وأسهل قتله بالجملة وبالمفرد، وحرمانه من أبسط حقوق الحياة وأسباب العيش الرحيم.

فالملاحظ أن القتل أصبح أمرا عاديا واعتادت عليه المسامع في المجتمعات الحرة التي ترفع رايات حقوق الإنسان.

فما أوفر السلاح الشخصي والجماعي بمدافعه وقنابله وصواريخه ومسيراته ووسائله الإبادية المرعبة.

ويتوارد في وسائل الإعلام المتنوعة ذكر الأعداد، وكأن البشر أرقام وحسب، فيذكرون مات ألف أو عشرة آلاف، وطمرتهم بيوتهم ومحقت عوائل بكاملها في مساكنها، واعتادت المسامع على هذه الجرائم البشعة، وبالتكرار الممل صار الناس يسمعونها وكأنهم يسمعون خبرا لا قيمة له.

ومما نغفله، أن ما يحصل هو إعداد نفسي وتأهيل للرأي العام لتقبل المآسي التي ستأتي، فعندما ينتشر خبر مقتل مئات الآلاف بضربة هنا أو هناك، يتقبلها البشر الأحياء، ويتناسون بأنهم على طريق الإفناء.

وهذا يعني أن البشرية تسير نحو الهاوية، والحرب العالمية المروعة تقرع أجراسها.

الأرض تميز غضبا، فالمخلوقات أثقلت كاهلها، وتخشى أن يتعثر دورانها، وتستباح عناصر الحياة على ظهرها، وكأن الذي جاء منها يسعى للإنتقام من وجودها، ويرغب بتحويلها إلى هباء منثور، تتنعم به الأجرام الأخرى وتستعيد مسيرتها الحامية.

التنور الدوار يتم تحضيره للإنسجار، ولات ذات مندم إذا فار التنور، وتكاثف دخان الويلات، فتختنق الصدور، ويموت البشر المدحور.

الكثرة ستغيب والقلة ستصيب، فالحياة أعلنت الممات، والدنيا يمتلكها العتاة، ويقرر مصير خلقها الطغاة، والمجانين القساة، وما أسعد النوائب بالغفاة.

الحلم فات وانخذل، وسبق السيف العذل، فانتصر هُبل!!

تؤهّلنا النوائبُ للوجيعِ

وتعلمنا بمأثمةِ الفظيعِ

جموعُ الخلق من حقدٍ أبيدتْ

مغيبةً بأوعيةِ الفجيعِ

برايا من عناصرها تنامتْ

فعانتْ من عطاءاتِ البديعِ

***

د. صادق السامرائي

 

الدنيا المعاصرة تسير على سكة البحث العلمي، ووصلت إلى مستويات تفوق الخيال في معطياتها الإبداعية المتنوعة، ودول الأمة لا تعير إهتماما كبيرا للبحث العلمي، فهي لا تعرف آليات الإستثمار في البحث العلمي وما ينتجه من حالات ذات قيمة حضارية سبّاقة.

فميزانيات البحث العلمي تكاد تكون غائبة أو بنسب ضئيلة، ولا توجد مواد واضحة في دساتير دولنا تركز على البحث العلمي وميزانيته المتنامية مع الحاجات الوطنية.

البحث العلمي يدخل في النشاطات المعاصرة بأنواعها، فلا قرار دون توصيات بحثية، ومعظم دولنا نسبة ما تخصصه للبحث العلمي أقل من 1% من الإنتاج المحلي بعكس الدول الأخرى، ولهذا تأخرنا وتخبطنا في مشاكلنا، فلا نفهم أهمية البحث العلمي ولا نقدره وندرك معطياته الإستثمارية وقدرته على تأمين المصالح الوطنية.

التطور يصنعه البحث العلمي، وبدونه تستنقع الحياة وتتمحن في أوحال العجز والإنهزام.

في دولنا لا يوجد مناخ للبحث العلمي ولا باحثين متنورين ومعاصرين بأفكارهم، ولديهم عزيمة متوثبة للعطاء الأصيل.

البحث العلمي عملية منهجية تهدف إلى إكتشاف المعرفة الجديدة، أو تطوير المعرفة الحالية بإستخدام أساليب علمية دقيقة ومنظمة، لفهم الظواهر أو حل المشكلات وتطوير العلوم ، أو الوصول إلى حقائق وقوانين علمية جديدة يمكن إستخدامها.

ويتميز بالموضوعية والدقة والمنهجية والقابلية للتحقق والإبداع.

فهل لدينا وعي بأهمية العلم والبحوث العلمية في صناعة الحياة المعاصرة؟!!

بحوثُ علومها أعطت جديداً

بفعلِ عقولها سبقتْ عديداً

هي الدنيا ايتكارٌ لا يُضاهى

أصالتها بها وهبتْ فريداً

تنبّهْ أيها المخمورُ وهماً

إذا جنحتْ فكنْ فيها رشيداً

***

د. صادق السامرائي

هل سمع به المسؤولون العراقيون؟

فرنسا تسن قانونا يسهل إعادة الممتلكات الثقافية ومنها الآثار المنهوبة من دول العالم منذ القرن التاسع عشر فهل سمعت الجهات المعنية العراقية بهذا الخبر وتحركت كما تحركت مصر وغيرها لاستعادة أثمن وأندر الآثار العراقية ومنها مسلة قوانين حامورابي الأصلية من المتاحف الفرنسية؟

جاء في تقرير إخباري نشر اليوم في وسائل الإعلام الفرنسية والعربية "أن الحكومة الفرنسية أعلنت عن مشروع قانون جديد يهدف إلى تسريع استعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك من خلال تبسيط الإجراءات القانونية وإشراك خبراء من فرنسا ومن الدول المعنية. ويأتي هذا المشروع في إطار توجه رسمي لمعالجة ملف الموروث الثقافي المنهوب، إذ ينص القانون على تسهيل إعادة الأعمال الفنية والمقتنيات التاريخية إلى "الدول التي حُرمت منها نتيجة الاستيلاء غير المشروع" بين عامي 1815 و1972، كإطار زمني للمراجعة، حيث يمثل العام الأول بداية حركة أوروبية لإعادة الأعمال المنهوبة خلال الحروب النابليونية، في حين يشير العام الأخير إلى بدء تطبيق اتفاقية اليونسكو الدولية لحماية الممتلكات الثقافية من الاتجار غير المشروع". وورد في الأخبار أيضا أن عدد من الدول المهتمة باستعادة آثارها الوطنية وفي مقدمتها مصر شكلت لجانا خاصة لاسترجاع تلك الآثار التي سلبت أو استولت عليها السلطات الفرنسية بطرق غير مشروعة منذ الفترة النابليونية. ولدى استفساري من أكثر من صديق متخصص في هيئة الآثار العراقية وفي المتحف العراقي -الذي رفعت عنه صفة "الوطني" لسبب في نفس يعقوب "الأميركي"!- عن الموضوع وعن الاستعدادات والتحضيرات العراقية للقيام بالواجب المقتضى حيال تراثنا الثقافي القديم اتفق جميع من سألتهم على إنهم لم يسمعوا بهذا الخبر ولم يسجلوا أي حركة في هذا الاتجاه من قبل مؤسساتهم!

من الطبيعي أن أصدق ما قاله الأصدقاء فالمنظومة الحاكمة الفاسدة التي تبيع كل شيء في العراق حتى آثاره ومنافذه البحرية كخور عبد الله وتهمل كل شيء حتى مياه الرافدين العظيمين اللذين تحولا إلى قنوات ترابية جافة لن تهتم بموضوع استرجاع آثار العراق ولو تسنى لحكام بغداد لتنازلوا عن تلك الآثار لفرنسا مقابل عدة ملايين من الدولارات وتقاسموا المبلغ حسب المحاصصة الطائفية!

أما من يقول ويتمنى أن تبقى آثارنا في متاحف الدول الغربية بحجة أن ذلك آمن وأضمن لسلامتها بحجة ما فعله مجرمو داعش بأثارنا في محافظة نينوى وغيرها، فأقول: إن كارثة التمرد التكفيري لحظة في تأريخ العراق الطويل ولا ينبغي أن يحوله البعض إلى عقد سوداء هي كل تأريخنا وتراثنا وليس معنى حدوث هذا التمرد وتدمير التكفيريين لبعض آثارنا في محافظة نينوى وغيرها أن نسلم كل بلادنا للأجنبي ليحفظها لنا في متاحفه وقلاعه وقواعده العسكرية. هذا أولا، وثانيا فإن آثارنا وآثار الدول الأخرى المنهوبة لم تكن في أمان تام وقد تعرضت للحرائق والقصف الجوي خلال الحرب العالمية الثانية كما حدث لأكبر متاحف ألمانيا في مدينة دريسدن ومتحف برلين سنة 1945، ومتاحف أخرى مركزية وتم تدمير آلاف القطع الأثرية العالمية واختفت من الوجود كما تم إهمال آلاف الآثار في مخازن أحد المتاحف البريطانية قبل عقدين من السنوات ودمرت بالكامل. وآخر حريق حدث في متحف ألماني كان في 23 شباط 2023، أما في حريق متحف لندن في 27 آذار سنة 2013، فقد نشرت أنباء عن تدمير مئات الآثار المصرية وغيرها في مخازن هذا المتحف، إضافة إلى آلاف جرائم السرقات للآثار والأعمال الفنية في أوروبا والولايات المتحدة واتساع سوق بيع الآثار على الانترنيت وفي مزادات افتراضية في عصرنا يسفه فكرة التخلي عن آثارنا وتركها لدى الدول الغربية الاستعمارية.

ورغم الخشية القوية من فساد المسؤولين العراقيين في حكم المحاصصة العراقية ومن أن يقوم بعضهم بسرقة هذه الآثار المستعادة وبيعها مجددا فإن القانون الفرنسي الجديد مهم ومفيد ويمكن بواسطته استعادة آثارنا الثمينة من المتاحف والخزائن الفرنسية وغيرها ولكن تحت الإشراف الشفاف للرأي العام العراقي وممثلين عن القضاء وبشرط إعلان كل التفاصيل الدقيقة الصغيرة والكبيرة المتعلقة بهذا الموضوع.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ما الهدف من استغباء المقابل؟ أهو الظن بأننا أذكياء بما فيه الكفاية، أم الإصرار على إستفزاز الآخر، أم هي عدم الثقة اللامتناهية والتشكيك في نواياه وصدقه؟ وماذا نسمّي تكرار فعل غير صائب وغير مناسب، لا لنا ولا لمن نحب؟

في كل مرة كان تفسيري للمحبّة هو: المشاعر، والاهتمام، والاحترام بكل تفرعاته؛ الرأي، الرغبة، الشخصية، الخصوصية، والحرية، وعندما يغيب الاحترام، تغيب المحبّة أو تتلاشى مع الزمن، لأن أول خذلان يفتح فجوة، ومع تكرار الخذلان تتسع تلك الفجوة وتصبح أكثر عمقاً.

إن العلاقات لا تنكسر دائماً بسبب خطأ واضح أو حقيقة مُعلنة، بل أحياناً يذوّبها الشك بصمت، بكلمة عابرة، نظرة مفسَّرة، ملامح معبّرة، ابتسامة ساخرة، أو غياب متعمد، وقد يتحوّل الشك إلى جدار من الريبة، ومع كل سؤال يتضاعف الصمت، ومع كل صمت يتغذى الشك حتى يبتلع ما تبّقى من المحبة، فالشك لا يحتاج إلى دليل، يكفيه غياب اليقين فيجد مساحة ليبني أوهامه، وحين يغيب اليقين، تصبح النهاية أقرب مما يتخيّل الطرفان، تتآكل العلاقة تدريجياً بفعل إشارات صغيرة، تتراكم لتصنع جداراً من الريبة، فالشك يقطع ببطء نسيج العلاقة قبل أن يقطع حبل الود، وقيل: “أغلب شك المرأة حب، وأغلب شك الرجل قلة ثقة”.

***

ابتهال العربي

كيف يكون التقدم، ما هي أهم ركائزه، في عالمنا العربي، مصر مثلا، وعلى أي من القيم يمكن ان يقوم، ما هي المبادئ الرئيسية في انجازه، وما هو دورنا فيها. هل يمكننا أن نستقيد من تجارب أخرى تتشابه أوضاعها مع اوضاعنا في عالمنا العربي، او المشرق العربي؟.. هذه ومثلها كثير من الأسئلة التي يُثيرها الكاتب المثقف المصري طارق حجي في كتاباته عامة وفي كتابه " تأملات في العقل المصري" خاصة. بما أن بعضًا من هذه الركائز او التأملات تتشابه مع ما نعيشه نحن العرب في هذه البلاد، فإنني سأقوم بالتوقف عند ثلاث منها أراها غاية في الأهمية، ويُمكن أن تلفت النظر وتركّزه لإحراز أو التفكير على الأقل، في احراز شيء من التقدم الذي ينشده الكثير من الناس، دون ان يتحقّق على ارض الواقع.

طارق حجي (مواليد عام 1950)، كاتب ومُحاضر قدّم العديد من المحاضرات في العديد من الجامعات العريقة في دول مختلفة، كما عمل في إدارة شركة " شل"، العالمية، مُدة عقد من الزمن، وهو مفكر ليبرالي يؤمن بأن الديمقراطية هي المطلب الهام الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية والمجتمعات الشرقية في منطقتنا عامة. عايش طارق حجي العديد من الثقافات واطلع على العديد من المجتمعات، عاداتها وتقاليها، وهو ما أهله لتوسيع دائرة معارفه وبالتالي اداراك السبل الرئيسية للتقدم في منطقتنا.

يؤكد طارق حجي في أكثر من موضع من كتابه المذكور، وفي معظم مؤلفاته، علما ان أولها صدر عام 1987، أن النقد الذاتي هو واحدة من أهم الركائز للتقدم المجتمعي المنشود، ويستشهد على ما يقوله ويذهب إليه، بمقولة للفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط وهي:" ان النقد هو اهم أداة بناء طوّرها العقل الإنساني"، ويذكّر هذا القول بمقولة في أديباتنا الشرقية لعمر بن الخطاب هب:" رحم الله من أهدي الينا عيوبنا"، بمعنى أنه يطلب الجزاء الطيّب من الله لمن يفتح عيوننا على عيوبنا ووسيلة ذلك النقد.

من هذا المنطلق يُثير الكاتب العديد من النقاط والمعائب التي يرى اننا يفترض أن نبتعد عنها ونرفضها تمهيدًا لأي تقدم نريده وننشده، وفي مقدمة هذه النقاط: التعامل مع الوقت، الايمان بالعمل الجماعي والعمل بمبادئه، التي تعاملت بها شعوب أخرى، تتشابه أوضاعها مع اوضاعنا، وتمكّنت بإرادتها وبنيتها في انجاز ما أرادته، من التغلب على نقائصها وبالتالي على الانتقال إلى نقاط متقدمة في نمط حياتها، وإنجاز شيء من التقدم المجتمعي، فيما يلي أقدم قراءة لتلك النقاط او الركائز الثلاث.

*التعامل مع الوقت: يرى الكاتب أن الوقت هو الإطار الهام لأي انجاز نريد أن نحققه، وأن عدم احترامنا للوقت واستهتارنا به، هو إحدى المشاكل الكبيرة التي تتسبب في عدم تقدمنا، فالشخصيات الكبيرة في عالمنا مثلًا، عادة ما تأتي الى هذا المحفل او ذاك، متأخرة وكأنما هي تريد أن توحي إلينا أنها مشغولة، ولا تجد الوقت المناسب للمجيء في الوقت المحدّد، وهي في هذا عادة ما تحضر في الوقت أو قبله بقليل، إذا ما تعلّق الامر باللقاء بشخصية كبيرة، رئيس الدولة مثلًا. ويرى المؤلف أن احترام الوقت ما هو إلا احترام للذات والآخر، مشيرًا إلى أن الكثيرين منّا يمتدحون الآخر، الاجنبي، لالتزامه الشديد بالوقت، كما يتحدّث عن تجربته العملية في الادارة وكيف أمكنها أن تكون واحدة من أبرز ركائز عمله الإداري ذاك.

*الايمان بالعمل الجماعي: يرى المؤلف أن ثقافتنا منذ الاف السنين، عوّدتنا على العمل الفردي، وأننا تعوّدنا على مثل هكذا عمل، وأن الوقت حان لأن ننتفل إلى العمل الجماعي بمفهومه الناضج، ففي حين أن الكثيرين منا، والكاتب لا يُعمم بل يكره التعميم، يقول، لدينا يرفضون العمل الجماعي، فإن أبناء المجتمعات المُتقدمة، يؤمنون تمام الايمان بمثل هذا العمل، وفي حين أن الكلّ لدينا بصورة عامة، يريد أن يكون الإنجاز له وحده فقط، وهذا شبه مستحيل فإن مَن يؤمنون بالعمل الجماعي ينعمون بالنجاح ويرون أنه تمّ نتيجة عمل متضافر يكمل كلٌ من شخوصه الآخر.

*الايمان بالعمل الاداري: يوجّه الكاتب سهام نقده الشديد إلى شخصنة عمل المدير الذي يعمل طوال الوقت على إبقاء كل خيوط العمل بيده، لذا يرهق نفسه ولا يُنجز ما يُطلب منه تمام الإنجاز، ويُقارن بين هذا النوع من المديرين وبين نوع آخر، هو النوع المتقدّم منهم بالطبع، فيرى أن المُتقدم خلافًا للمشار إليه، يُنجز الكثير بإيكاله تنفيذ المطلوب من الاعمال للمناسبين من الموظفين، عملًا بالقول: الانسان المناسب في المكان المناسب، ويتحدّث عن إنجازاته الكبيرة في عمله الإداري المسؤول، وعن نجاحه فيه، كما يتحدث في المقابل عن الإنجاز المتواضع الذي يحققه المدير الشخصاني، الذي يريد اتباعًا لا موظفين.

تتردّد في الكتاب العديد من الأفكار المعروفة لمؤلفه طارق حجي، لعلّ أهمها إيمانه بأن التقدم "ظاهرة إنسانية" قبل أية صفة أخرى. *وأن "التعددية" هي أروع حقائق الحياة..*وأن التعصب الديني والقومي والوطني والعرقي والأيديولوجي كلها ظواهر "ضد التقدم" و"ضد الإنسانية". و" الغيرية" هي من أهم القيم الإنسانية في عصر "ما بعد الأيديولوجيات". *و"عالمية المعرفة" و"عالمية العلم"، هما مِن أهم معالم التطور المعاصر للإنسانية. *وأن الديموقراطية (وما يواكبها مِن حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات العامة)، هي من أهم منجزات القرنين الماضيين قبل (وأهم من) كل إنجازات العلوم التطبيقية.. أما الأهم في الكتاب فيما أرى، فهو أن المؤلف يُحمّلنا نحن أبناء الشرق العربي خاصة، جانبًا من المسؤولية عمّا يحيق بنا من نقائص، رغم معرفته بالنوايا السيئة للآخر.

***

ناجي ظاهر

هل تنسجم كلماتنا مع واقعنا؟

من حقنا أن نتساءل، ونبحث عن أسباب ضعف تأثير الكلمات في المجتمع، ولماذا فقدت الكلمة قيمتها ودورها في صناعة الحياة؟

هل نكتب للجماهير أم لأنفسنا، وللنحبة؟

إنها معضلة تفاعلية، وبمفردات خيالية، ذات قدرات تنفيريه،  وأضرار مستقبلية، لأنها بعيدة عن القضية، وفي غياهب البهتان مرمية.

قال لي: كنت أتجول على سفوح المواقع والصحف والمجلات، أبحث عما يساهم في صناعة الحياة، فحاوطتني كلمات الأموات، وداهمتني الآفات، فهربت من عالم مسلوب الإرادات، أبحث عن قادح أمنيات، لكنها عواصف التحديات، طمرتني بالويلات والنكبات، وتدحرجت جثة هامدة في وادي النكسات، فانهالت على وجودي اللكمات.

لماذا نخشى الواقع فنهرب إلى فضاءٍ دامع، ونجتهد ببناء الموانع، ونمقت ما هو نافع؟

نأنس بالإعتماد على غيرنا، ونكره بعضنا، ونستثمر في ضيمنا، ونقاتل عزّنا، لا نرعوي ونقتدي بغيّنا!!

فأين الكلمات المستنهضة لذاتنا، والمعبرة عن جوهرنا؟

كأننا أدوات لخفايا الغايات، وغريب التطلعات، فالعام أمواج حكايات، تتواكب في نهر الأمنيات.

فأين نامت الكلمات؟

كلماتنا كانت تخبر عن أفعالنا، فأضحت أفعالنا!!

المسافة بين الواقع والكلمات شاسعة!!

الكلمات كالصاعقة، تنذر بالواقعة، وتهلل للقارعة، في زمن قواه الكبرى متصارعة.

قد عميت الأبصار، وفازت الأقدار، وكل مَن عليها حار.

فتكلموا فأن الكلام انتصار، ولو أن صوت الحقيقة صداه الأخطار!!

***

د. صادق السامرائي

 

معظم المولعين بالشعر يتصورون بأنهم سيأتون بما لم يأت به الأولون، وكأن مسيرتنا لم تحفل برموز متميزة، وعندنا قمم شعرية بلغت ذروة الإبداع الفني بجميع عناصره وصوره، فهل من المعقول أن نتمكن من لوي أعناق القصائد الملحمية في مسيرة الشعر العربي، منذ أن قال العرب شعرا؟!!

علينا أن نعاصر بواقعية ولا نطارد سرابات ونغرق في أوهام وهذيانات، الشعر كان صوت إعلامي لمسيرة الحياة، والمشهور منه مجاور للكراسي، ومعظم المشاهير من المقربين إليها بأنواعها، وأغراض الشعر معروفة منذ أمدٍ بعيد.

الزمن الذي نعيشه سقطت فيه أبواق الإعلام الشعري الموجّه، وهيمنت على الوعي الجمعي وسائل التواصل المتنامية السرعة والكثافة المعلوماتية، وما عاد الناس يستسيغون سماع الشعر المدثر بالرموز والغموض، والمعاني الخفية والجمل المعقدة والمفردات الغريبة، والعبارات المضطربة.

فلا حياة لأبي تمام والبحتري وابن المعتز بيننا، إلا لبعض أبياتهم الخالدة، لأن مفرداتهم منسجمة مع زمانهم ومكانهم.

وهل للشعر الحديث مكانا في أيامنا برغم إجادة أصحابه بقدراتهم الإبداعية والفنية واللغوية؟

الواقع المعاصر بحاجة إلى فكرة واضحة بمفردات بسيطة ومباشرة، منظومة ذات إيقاع مؤثر، حتى وإن حسبها البعض ليست شعرا، فلا يمكن لموروث عمره عشرات القرون أن يُقتل بطعنة، لأنه منغرس في نويات خلايا الأجيال، وتلك حقيقة نتجاهلها، ونرى أن إستحضار ما عند الآخرين معاصرة ومواكبة وإبداع أصيل.

فهل أن سوق الشعر كسدت، ودوره وتأثيره في المجتمع إختفى، وما عادت الذائقة الجمعية تستسيغ ما تراه النخب شعرا؟!!

و" هل غادر الشعراء من متردمٍ...أم هل عرفت الدار بعد توهم"؟!!

وهل "أن أبهم الشعر أجمله"؟!!

بشعرنا كأننا ... بل أننا بشعرنا

يا أمةً تألّقت...وأغفلت ما عندنا

هل إنمحى أسلافنا ... وندّعي بغيرنا؟

***

د. صادق السامرائي

 

"ما لا نستعد له هو ما يحدث دائماً".. جملة تحمل في طياتها إدانة لكل المنظومات الأمنية التي تعتقد أن الماضي كفيل بحماية المستقبل. ديفيد أوماند، الرجل الذي عاش في دهاليز الاستخبارات البريطانية، يقدم في كتابه "حماية الدولة" تشريحاً دقيقاً لمعضلة العصر: كيف تحكم دولة في عالم لم تعد فيه الجيوش هي الفاعل الوحيد، بل صارت الفيروسات والبيانات والهويات المتفجرة أسلحة أكثر فتكاً؟ 

السؤال الذي يطرح نفسه على الطاولة العربية هو هل يمكن للدولة أن تكون "حامية" دون أن تتحول إلى "سجان"؟ وهل الأمن يصنع بالحديد والنار، أم بالعقول والثقة؟ 

 من "الدولة العميقة" إلى "الدولة الهشة"

في القرن العشرين، كانت الدولة العربية تقاس بقوة أجهزتها الأمنية، لكن القرن الحادي والعشرين كشف أن هذه الأجهزة – رغم بطشها – لم تستطع حماية الأنظمة من العواصف الداخلية. الربيع العربي كان صفعة تاريخية كشفت أن "الأمن القومي" الذي بني على مراقبة المواطن بدلاً من فهمه، يشبه قلعة من الرمال أمام موجات الغضب الشعبي. 

أوماند يذكرنا بأن "الحكومة السيئة هي التي تفقد التوازن بين الأمن والحرية". والعالم العربي شهد نماذج فاشلة في هذه المعادلة: أنظمة قمعت شعوبها باسم "مكافحة الإرهاب"، ثم اكتشفت أن القمع نفسه أصبح وقوداً للإرهاب. مصر وسوريا والعراق أمثلة على أن الأمن الذي يبنى على الخوف لا يدوم. 

التكنولوجيا غيرت قواعد اللعبة. اليوم، "الجاسوس" قد يكون خوارزمية تتنبأ بالجرائم قبل وقوعها، لكن أوماند يحذر: "امتلاك المعلومات لا يعني فهمها". الهجوم الإلكتروني على Aramco السعودية عام 2012 كان جرس إنذار: فالدول العربية – رغم إنفاقها المليارات على الأمن التقليدي – ظلت عاجزة أمام هجمات "هاكرز" في غرف نومهم. 

والأخطر من التهديدات الخارجية هو "العمى المؤسسي" الداخلي. أوماند يشير إلى أن حرب أكتوبر 1973 كانت فشلاً استخبارياً ليس لنقص المعلومات، بل لأن إسرائيل صدقت أن العرب غير قادرين على المفاجأة. والعرب أنفسهم وقعوا في الفخ: فقبل "الربيع العربي"، كانت أجهزة الأمن تعرف كل شيء عن المعارضين، لكنها لم تفهم شيئاً عن المجتمعات. 

 المواطن.. "ضحية" أم "شريك" ؟

الدرس الأهم من كتاب أوماند هو أن "الأمن لا يمنح، بل يشارك فيه". النموذج البريطاني في مواجهة "الجيش الجمهوري الأيرلندي" نجح لأنه جمع بين الضربات الأمنية والإصلاح السياسي. أما في العالم العربي، فما زال المواطن ينظر إليه كعدو محتمل، لا كشريك في صنع الأمن. 

لكن الثمن باهظ عندما تنهار الثقة بين الدولة والمواطن، يصبح الأمن مستحيلاً. ليبيا واليمن نموذجان لدول امتلكت أجهزة أمنية عملاقة، لكنها تحولت إلى غنائم للصراعات الداخلية حين فقدت شرعيتها. 

الاستنتاج الذي يصل إليه أوماند – وأؤكده هنا – هو أن "الأمن الحقيقي ليس جداراً يبنى حول الشعب، بل نسيجاً يحاك داخله". الدول العربية أمام خيارين: إما الاستمرار في نموذج "الدولة الحارسة" الذي يحول الأمن إلى سلعة نخبوية، وينتج مجتمعات مكبوتة تنتظر الفرصة للانفجار. أو الانتقال إلى نموذج "الدولة الحامية" التي توازن بين القوة والشرعية، بين الأمن والحرية، بين السرية والشفافية. 

التاريخ لا يرحم. الأنظمة التي تعتقد أنها قادرة على شراء الأمن بالخوف ستفاجأ – كما فوجئت من قبل – أن الخوف نفسه أصبح سلاحاً ضدها. والعالم العربي، الذي يعيش في قلب العاصفة، عليه أن يتعلم أن "حماية الدولة" لا تعني حماية السلطة، بل حماية المجتمع. 

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدبابات تحسم المعارك، بل "البيانات".. تلك هي المفارقة التي يسلط عليها ديفيد أوماند الضوء في كتابه. العالم العربي، الذي أنفق ملياراته على شراء أحدث الأسلحة، وجد نفسه عاجزاً أمام هجمات إلكترونية من مراهقين في أوروبا الشرقية! 

- عام 2017: هجوم "WannaCry" الشهير شل أجهزة المستشفيات والمطارات، وكشف أن "السيادة الرقمية" أصبحت جزءاً من الأمن القومي. 

- عام 2020: وثائق "الاستخبارات الإماراتية" المسربة كشفت كيف تحولت برامج التجسس إلى أدوات لقمع المعارضين تحت شعار "مكافحة الإرهاب". 

هنا يطرح أوماند سؤالاً وجودياً: هل يمكن بناء جدار إلكتروني يحمي الدولة دون أن يخنق المجتمع؟ الإجابة تكمن في معضلة "المربع المستحيل" الذي ذكره: الفعالية الأمنية مقابل الحريات الفردية. فالدول التي تختار القبضة الحديدية – كما حدث في مصر بعد 2013 – تكتشف لاحقاً أن "الأمن" الذي اشترته بثمن الحريات تحول إلى "سرطان" ينخر جسم الدولة من الداخل. 

استراتيجية "الخوف"!

أحد أكثر الفصول إثارة في كتاب أوماند هو ذلك الذي يحلل فيه سيكولوجية صناع القرار. في العالم العربي، نجد نمطاً متكرراً:  الخوف المرضي من التهديدات الذي يتحول إلى "بارانويا" مؤسسية، كما حدث مع نظام صدام حسين الذي ظن أن امتلاك أسلحة الدمار الشامل سيحميه، فإذا بها تصبح سبباً لغزوه! 

الغرور المعرفي حيث يصدق الحاكم أن أجهزته الأمنية قادرة على التنبؤ بكل شيء، كما ظن زين العابدين بن علي قبل ساعات من هروبه من تونس! 

أوماند يذكرنا بأن "أكبر الأخطاء الاستخبارية تحدث عندما نصدق أننا نعرف كل شيء". وهذا ينطبق على الأنظمة العربية التي تعاملت مع "الربيع العربي" كـ"مؤامرة خارجية" بدلاً من قراءة التحولات الجيوسيكولوجية في مجتمعاتها. 

الأمن المجتمعي..

النموذج الذي يطرحه أوماند لـ"المواطنة الأمنية" يضع العالم العربي أمام مرآة قاسية، ففي لبنان تحولت "الميليشيات" إلى أجهزة أمن موازية، ففقدت الدولة احتكارها للعنف.  أما في سوريا فقد أصبح "الأمن" سلعة تقدمها الميليشيات للأحياء الموالية، بينما تحولت المناطق المعارضة إلى ساحات عقاب جماعي. 

لكن هناك نموذجاً مختلفاً في المملكة المغربية، حيث نجحت "الاستخبارات الوقائية" في تفكيك خلايا إرهابية عبر التعاون مع المجتمع المحلي، دون التضحية بالحريات. هذا يثبت أن "الأمن الفعال هو ذلك الذي يجعل المواطن شريكاً لا ضحية". 

السؤال الآن هو: هل يمكن إنقاذ الدولة العربية من نفسها؟

الدرس الأعمق الذي يقدمه أوماند هو أن "الدولة التي تختزل الأمن في القمع تصنع سجناً كبيراً، لكنها لا تصنع وطناً". التاريخ يعلمنا أن الأمن القائم على الخوفينتج مجتمعات ميتة كتلك التي بنتها كوريا الشمالية. أما الأمن القائم على الثقةفيبني دولاً مرنة كالسويد التي تحولت من دولة عسكرية إلى نموذج للرفاهية. 

العالم العربي أمام مفترق طرق، إما أن يعيد تعريف الأمن كـ"عقد اجتماعي" جديد، أو سيصبح الأمن نفسه سبباً في انهياره. وكما قال أوماند: الثمن الذي ندفعه مقابل الأمن يجب أن يشتري لنا حياة تستحق العيش، لا مجرد بقاء يستحق الانقراض. 

***

د. عبد السلام فاروق

 

الموضوع تناولته العديد من الأقلام على مر العصور منذ سنة (37) هجرية، في معركة صفين نسبة إلى سهل صفين قرب الرقة في سوريا. ولن يُضاف شيئا للموروث المدون عن الخوارج إذا تناولنا الموضوع بذات السياق المتعارف عليه.

ولابد من إقتراب مغاير يعتمد على طبائع السلوك البشري، ومعادلات تفاعلاته وكيمياء النفوس التي تتبدل عناصرها وفقا للظروف.

فالخوارج من الخروج، أي ترك الحالة إلى حالة أخرى، فيقال خرج عن الركب أو الملة أو الجماعة وغير ذلك، والطبع البشري ميال للفرقة وعدم الإجتماع وكأنها سنة الله في خلقة لكي يتوطنوا أرجاء الأرض ويعمرونها.

وعندما نأتي للدين، فأن الخروج في الأديان منتشر ولا يوجد دين بلا خوارج، بأصنافهم ومسيماتهم ورؤاهم وتصوراتهم وتأويلاتهم.

وفي الإسلام تحقق الخروج حتى في زمن النبي، وتأكد بوضوح بعد وفاته مباشرة، فكان ما كان، وحصل ما حصل، وتطورت الأمور وبلغت ذروتها في السنوات الستة الأخيرة من خلافة عثمان والتي إنتهت بمقتله، وتواصل ناعور سفك الدماء بين المسلمين.

 االخوارج هم الأقوام الذين لا يتفقون مع المعدل العام للمجتمع، وفقا لمنحنى الإنتشار الطبيعي المتعارف عليه في جميع الظواهر القائمة في الوجود.

والمسلمون يتداولون مفهوم الخوارج ويحصرونه في الذين خرجوا على الإمام علي في معركة صفين بعد قبوله بالتحكيم ويرون أن لا حكم إلا لله، فإنسحبوا من الجيش وأعلنوا رفضهم لما آلت إليه نتائجها التي أصابت جيش علي بمقتل، إذ بعدها كان عليه أن يخوض معركة النهروان (8\7\658) ميلادية، ضد الذين خرجوا عليه.

والخوارج أنفسهم صاروا فرقا كثيرة ما بين المتشددة جدا والمعتدلة، ومنهم  الإباضية، الصفارية، العجاردة والنجدات وغيرها من الفرق والجماعات، التي لا تزال تتوالد وتتخذ لها أسماءً متعددة، لكن هدفها المشترك هو الهدم والتخريب وشن الحرب على المجتمع المسلم، فمن ألد أعدائهم  في مختلف مراحل التأريخ كان المسلمون أنفسهم، فهم يقتلون المسلم بذرائع عجيبة غريبة.

كان عبدالله بن وهب الراسبي أول خليفة إنتخبوه بعد إنشقاقهم عن جيش علي، وإشتد أمرهم في الزمن الأموي، وقاتلهم مصعب بن الزبير، شقيق عبدالله بن الزبير، ثم إنقض عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي وقضى عليهم وعلى عبدالله بن الزبير .  ولما قُتِل مصعب بن الزبير بايع قائده المهلب بن أبي صفرة عبدالملك بن مروان.

ومضت فكرة الخوارج سارية بين الأجيال ولا تزال ذات صخب وعنفوان، وإتخذت شكل التحزبات والفئويات والمذهبيات وغيرها من صنوف تأهيل المسلم لقتل المسلم بشتى الذرائع والمبررات.

ويبدو أننا نعيش في عصر حركات الخوارج ذات التأويلات المتطرفة والغلوائية الشرسة، التي تكفر وتزندق على هواها ووفقا للذين يشرعنون مآثمها وخطاياها.

***

د. صادق السامرائي

19\8\2025

كلما ارتفع صوت أم كلثوم من راديو جدتي الباكي، كنا نرتجف كأوراق الخريف أمام إعصار الجمال. كانت أصواتهم - من فريد إلى وردة، من عبد الوهاب إلى عدوية – أشبه بجغرافيا مقدسة. كنا نسير في تضاريس كلمات بيرم وألحان بلبل الشرق، فنخسر أنفاسنا ولا نطلبها مرة أخرى. كانت الأغنية وطناً، واللحن جواز سفر إلى أعماقنا. 

فماذا حدث؟ 

لم يسقط الفن من سماء القيمة إلى أرض الابتذال بين ليلة وضحاها. لقد سحب البساط من تحت أقدامنا ببطء. صرنا نعيش في زمن "المسخ الثقافي": (جيبة) أحمد سعد يصرخ في الصحراء بلا معنى، وحمو بيكا يرقص على أنقاض اللحن، وشاكوش يصنع إيقاعاً كالمطرقة على رأس الذائقة. السؤال ليس عنهم.. بل عنا: كيف قبلنا أن يصبح الفن مجرد ضجيج؟ 

نرفع أصابع الاتهام نحو "الرقمنة" كأنها شيطان أتى ليخطف أرواح الألحان. لكن الحقيقة أكثر مرارة: السوشيال ميديا لم تخلق الفراغ.. كشفت عنه. لقد حولنا الفن إلى "محتوى قابل للاستهلاك السريع". صار المغني ينتج كما تنتج ماكينة الكباب. والجمهور يبتلع دون مضغ. لم نعد نطلب رسالة.. نطلب فقط "الهزة": رقصة تيك توك، لازمة سخيفة، إثارة بصرية تختفي بعد ثانيتين. 

الخراب الجميل: كيف قتلنا الحنين بأيدينا؟ 

نحن جيل يعاني من انفصام تاريخي. نحمل في قلوبنا حنيناً لأغاني العظماء، وفي هواتفنا أحدث أغاني "عنبة"، ننتقد بلسان ما زال يعبق بعطر زمن مضى، ونشترك بأصابعنا في ترويج الفن الهابط، لقد سمحنا للرأسمالية المتوحشة أن تحول الفن إلى سلعة رخيصة: الإنتاج السريع، الانتشار الواسع، الربح الفوري. صار الفنان "ماركة تجارية" لا صاحب رسالة. 

 من المسئول عن تخريب الذائقة؟

هل تعلم أن إنتاج أغنية "حمو بيكا" لا يتجاوز تكلفتها سعر هاتفك الذكي؟ بينما كانت جلسة لحن لعبد الوهاب تستغرق شهوراً. المعادلة بسيطة: 

- فن العظماء = زمن + روح + مال 

- فن اليوم = كمبيوتر + أوتو-تين + دقائق 

لقد غيرت المنصات معادلة الربح، لم يعد العائد من الألبومات، بل من عدد المشاهدات. والمشاهدات لا تحتاج عمقاً.. تحتاج صدمة عابرة. 

 هل هناك مخرج؟ 

نعم.. لكنه ليس في لعن الظلام. 

المشكلة ليست في وجود "شاكوش"، بل في غياب البديل الجريء. نحتاج إلى: 

1. نخبة ثقافية تخلق فناً معاصراً يحترم العقل دون أن يخون الجمال. 

2. تغيير معادلة الربح من خلال دعم منصات تروج للأغنية العميقة حتى لو لم تحقق "تريند". 

3. تعليم الأطفال كلمات السياب قبل أغنيات "التيك توك". 

بالتأكيد الفن العظيم لم يمت.. بل صار منفيّاً في زوايا صغيرة. في استديوهاتمغمورة، على قنوات يوتيوب لم تكتشف بعد، في قلوب شباب يرفضون أن يكونوا "معلبي ثقافة". 

السؤال الخطير ..

هل نستحق أن نرث تراث العظماء ونحن ندفنهم كل يوم في مقابر الابتذال؟ 

الخراب الذي نراه ليس سقوطاً للفن.. بل سقوطنا نحن.  وليس هناك من خلاص إلا بمقاومة يومية أن نرفض أن نكون مجرد مشاهدين. أن نختار الجمال.. حتى لو كلفنا ذلك أن نكون وحيدين.

نحن لم نكن نستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد.. كنا نختطف. كان الصوت يأخذنا إلى مكان لا نملك فيه إلا أن نسلم روحنا للجمال. كنا نخرج من الأغنية كما يخرج المتعبد من محرابه: منهكين، ممتلئين، عارفين أننا لم نعد كما كنا. اليوم، نخرج من أغاني "التيك توك" كما نخرج من دورة مياه عامة: بسرعة، بلا أثر، وبعضنا يحمل عدوى.

اغتيال الزمن 

كانت الأغنية القديمة تبنى كما تبنى الكاتدرائيات: طبقة فوق طبقة، جهداً فوق جهد، روحاً فوق روح. اليوم، الأغنية تصنع كالوجبة السريعة: دقيقتان من الإيقاع، كلمة تعلق في الأذن، ثم يرمى المستمع كعلبة فارغة. الزمن نفسه صار عدواً للفن. لم نعد نتحمل أن تستغرق الأغنية أكثر من ثلاث دقائق، أو أن تحتوي أكثر من فكرة واحدة. صرنا نريد "الخلاصة" قبل النص، و"البوست" قبل الكتاب.         

موت المؤلف.. وولادة "المنتج" 

لم يعد الفنان هو ذلك الكائن الحالم الذي يسكب ألمه فوق أوتار العود، بل صار "مشروعاً استثمارياً". الـ"تراك" لم يعد عملاً فنياً، بل "سهم" في بورصة المشاهدات. حتى الكلمة فقدت قداستها. لم يعد هناك "شعراء أغان"، بل "صناع محتوى". الكلام لم يعد يكتب، ينسخ. اللحن لم يبتكر، يجمع. 

الجمهور الذي خان نفسه 

نحن لا نلام فقط لأننا قبلنا الرديء، بل لأننا صنعناه. الجمهور اليوم لا يطلب الفن، يطلب "الضجيج". لا يريد أن يشعر، يريد أن يهتز. لا يبحث عن معنى، بل عن "هاشتاج". والأخطر أننا صرنا نتعامل مع الفن كخلفية لحركاتنا، لا كصديق يحاور وجداننا. نسمع الأغاني كما نشرب القهوة: بلا تذوق، بلا تركيز، بلا أثر. 

هل الضياع حتمي؟   

في زوايا العالم، بعيداً عن الأضواء الصاخبة، ما زال هناك من يصنع الفن الحقيقي. 

شباب يكتبون الشعر على أوراقهم قبل أن يضعوه على "النت"، مغنون يرفضون أن يكونوا "براند"، ملحنون يعيدون اكتشاف النغمات المنسية..هم لا يظهرون في التريند، لكنهم يزرعون بذوراً قد نراها بعد سنوات.  

لو عاد بنا الزمن إلى أيام عبد الحليم، لوجدنا أن "الرديء" كان موجوداً أيضاً، لكنه لم يسيطر. لماذا؟ لأن هناك من دافع عن الجمال. اليوم، المعركة أصعب، لكنها ليست مستحيلة. كلما اختار أحدنا أن يستمع إلى أغنية عميقة بدلاً من الضجيج، كلما أعطى فرصة للفن الحقيقي أن يتنفس. 

السوشيال ميديا: سلاح ذو حدين 

نعم، هي التي نشرت الرديء، لكنها قد تكون منقذه. هناك منصات بدأت تكرم الفن الهادف، قنوات ترفض أن تكون مجرد "أرقام"، جمهور صغير لكنه مخلص يبحث عن الجمال في زمن القبح. 

الفن العظيم لم يمت.. هو فقط يختبئ في زمن لا يستحقه.  المشكلة ليست في وجود "حمو بيكا"، بل في اختفاء من يرفضون أن يكونوا مثله. السؤال ليس "لماذا صار الفن هكذا؟"، بل "هل ما زلنا نؤمن بأننا نستحق الأجمل؟". 

نحن أمام خيارين: 

إما أن نستسلم، فنصبح مجرد مشاهدين في سيرك الابتذال. أو نقاوم، ولو كنا القلة.. ولو كلفنا ذلك أن نغني في الظلام.  لأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى مليون مستمع.. يحتاج فقط إلى واحد يفهمه.

***

د. عبد السلام فاروق

ليس سهلًا أن يجد الإنسان نفسه أو أن يشعر بمعنى وحقيقة وجوده وسط هذا الركام الصاخب من الأحداث في العالم. فالتناقضات والنتائج المتغيرة والمتسارعة للموضوعات والمسائل المختلفة تفرض عليه تقييمات جديدة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

فالكاتب، مثلًا، حين يتناول حالة اجتماعية كالفقر، يكتشف سريعًا أن دائرة الفقر ليست معزولة، بل هي جزء من منظومة أشمل ترتبط بالطبيعة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها. فالفقر يرتبط بأنماط السلوك وطبيعة الحياة الأسرية. فالأب إذا أدمن الخمر وعاش علاقات مضطربة مع زوجته، انعكس ذلك على الأبناء الذين يسعون للبحث عن طريق آخر، وربما عن بيئة بديلة؛ قد تكون مستقرة أو غير مستقرة، لكنها تمثل محاولة للتعويض عن الشعور بالنقص والانحدار.

وعندما يحقق الباحث في مثل هذه الحالة، تتسع مجالات البحث أمامه؛ إذ يجد نفسه مضطرًا لمتابعة مستقبل الأسرة كله، لا مجرد ظاهرة الفقر وحدها. فالمعنى لا يمكن حصره داخل دائرة واحدة عند تناول أي حالة، بل يتطلب من الباحث أن يتتبع الزوايا المترابطة التابعة لتلك الدائرة. فموجة الماء لا تسلك مسارًا واحدًا، بل تتفرع في مسارات متعددة، كذلك هي الظواهر الإنسانية والاجتماعية.

***

عقيل العبود

الكتاب المسموع وفر فرصا ثمينة للإطلاع على الكتب في أوقات لا يمكن فيها القراء، كقيادة السيارة، وهي تقدم وسيلة لإكتساب المعارف وعدم تبديد الوقت باللاجدوى.

ومع الوقت صار الميل للكتب المسموعة أكثر من قراءتها، وهذا ما توفره التكنولوجيا المعاصرة بوسائلها التواصلية، مما جعل إغتنام الفائدة القصوى من الوقت ممكنة ويسيرة، فما عاد للكتاب الورقي دور كما في الأزمان السابقة، التي كان فيها للكتاب الورقي أثره وأهميته التثقيفية والتنويرية.

وأصبحت المكتبات الشخصية عبئا على أصحابها، وما أكثر الذين أعرفهم وهم يعانون من الكتب التي جمعوها، وكانوا يجالسونها وينهلون من معارفها، لكنهم اليوم يميلون إلى الإستماع ومعاينة الشاشة الصغيرة، التي تستحضر لهم أية معلومة يبحثون عنها.

زميلي يريدني أن أأخذ مكتبته وأنا أنوء من الكتب التي تشتكي منها مكتبتي، والعجيب في الأمر أنه يريد التبرع بها ولا مَن يقبلها كهدية !!

ترى هل سينتصر الكتاب الإليكتروني والمسموع على الكتاب الورقي؟

الجواب عند المستقبل القريب!!

ما يدور في أروقة الأيام، أن دور النشر قد غيرت مناهجها وما عادت تهتم برسالتها، وتركز على الربحية وحسب، ولهذا أغلقت العديد منها أبوابها، وصارت طباعة الكتب محدودة وبأعداد قليلة، وأصبحت الطباعة عند الطلب هي الرائجة، أي أن تشتري الكتاب ليتم طباعته لك، أو يأتيك عبر الإنترنيت ككتاب إليكتروني.

والسؤال الصعب هو كيف سيكون مصير معارض الكتاب؟

هل ستتواصل أم ستندثر وتغيب؟

زيارة معارض الكتب في القرن العشرين كانت إحتفالية رائعة تزدهر بالزائرين المتبضعين، فلا تجد مَن لا يحمل كتبا قد إشتراها، أما زيارتها في القرن الحادي والعشرين فتبعث على الخيبة والألم، وفي زيارتي لأحدها وجدته يكاد يكون مقفرا من الزائرين، وأصحاب المعارض في صمتهم وسكونهم خانسين، وما شاهدت مَن يحمل كتبا!!

تغيّرتِ العصورُ بما اعْتراها

فأهملتِ الكتابَ ومُحتواها

على شاشاتنا صرنا نَدامى

ترافقنا ولا نرضى سواها

قراطيسٌ بها الأفكار دامتْ

تنوّرُ نخبةً في مُبتغاها

فهلْ رقميةُ الأيامِ أبْقى

وهلْ جلبتْ لنا ذخراً عَلاها؟

***

د. صادق السامرائي

قبل ايام شاهدت مقطع فيديو يتحدث فيه أحد السادة السياسيين المحترمين. كان الرجل يشرح نظرية حديثة  او مستحدثة من قبله لادارة العلاقات النقدية مع العالم الخارجي وتمويل التجارة الخارجية..

قال ان العراق يستطيع طباعة عملة موازية للدينار نستطيع التعامل بها بدون وساطة الدولار!!

حقيقة ان المرء ليَحار من طريقة تفكير هؤلاء الاشخاص ومدى معرفتهم ببديهيات الحياة الاقتصادية والسياسية وقوانينها...

وكيف يتم اختيارهم للعب ادوار في الحياة العامة والظهور على وسائل الاعلام والحديث بمواضيع خطيرة؟؟

كنت اتمنى ان اسأل ذلك الرجل عن كيفية استيراد نظاراته الجميلة وبدلته الانيقة

والساعة الفاخرة وربطة العنق والحذاء والتلفون غالي الثمن؟

هل تم استيرادها باستخدام عملته الموازية؟

من سوف يقبل بعملة مطبوعة محلياً؟ حتى باعة الخضر والفواكه يعرفون اهمية الدولار وكونه وسيلة الاستيراد الوحيدة اضافة لباقي العملات الصعبة كاليورو والباون ..

دعونا نتصور موقف هذا الشخص الذي خرج للتو من كهفه الذي كان نائماً فيه منذ زمن مع اصحاب الكهف الذين قالوا :

 (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)..

ويقال انه عندما ذهب الى السوق اكتشف ان عملتهم كانت قديمة وأثرية ولايتداولها أحد..

وصاحبنا يتحدث بنفس المنطق البائد..

كيف سيكون موقف الرجل عندما تناقش قضايا مهمة مثل الارتباط بالدولار وغيره؟؟ ماذا سوف يقترح هذا العبقري؟ واي مستشار كفوء

وضع هذه الفكرة المضحكة في رأسه؟؟

هذا الرجل لايعرف ان ايرادات النفط بالدولار واحتياطي العراق النقدي بالدولار ومحفوظ في الاحتياطي الفدرالي واستيراداتنا بالدولار..

بصراحة شديدة ظهور هؤلاء المتكرر بأفكار هزلية مثل هذه سيكون مصدر احراج وعيب للعراق..

***

د. صلاح حزام

أراد المصري صنع الله إبراهيم الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، أن يقدّم شهادته عن عالم لجان التحقيق العبثي، فاختار أن يكتب روايته المثيرة وضع لها عنوان "اللجنة" يرسم لنا فيها صورة قاتمة لعالم تكون فيه اللجان العبثية نموذجاً يحدد مصائر الناس، وحالة الانتهازية والكذب والخديعة التي يصرّ المسؤول على أن يفرضها على الناس.

دائما ما اتذكر رواية المرحوم صنع الله ابراهيم، عندما يتعلق الامر باللجان التي تشكل في بلاد الرافدين، فمن يتذكر تقرير لجنة ضحايا تشرين، فلا تزال الرواية الرسمية التي تقول ان كائنات فضائية قتلت اكثر من 700 متظاهر هي السائدة، اما اللجان التي شُكلت فقد ادخلت اهالي الضحايا في متاهات ودهاليز. والامر ايضا تكرر في لجان اخرى كان ابرزها اللجنة التي ارادت ان تعرف كيف تمكن "الصبي" نور زهير سرقة ثلاثة مليار دولار في وضح النهار.

في رواية "اللجنة" يحاول بطل صنع الله إبراهيم أن يُعلّم أهل المدينة أن حقوق الإنسان مسألة تستحق أن يُقاتَل من أجلها، وأن القوانين ليست منزَّلة من السماء، يحاول أن يفتح أعينهم على أنّ "الشعوب من دون حريّة لا يعود لها وجود.. ولهذا تحاول المؤسسات الفاشلة أن تنوع المحظورات وتتنافس في سنّ قوانين خاصة بها.

في كلّ يوم نسير عكس اتجاه العالم، لكننا في الصباح نشكو المؤامرة التي أخبرنا البعض من البرلمانيين أن الإمبريالية اللعينة لا تريد لنا ان نستفيد من خبرة البروفيسورة "عتاب الدوري" العسكرية، وتقف بالضد من نظرية ابراهيم الجعفري في الالسنيات، ولم تسمح لعبقري مثل مثنى السامرائي أن يطور مناهج التربية والتعليم، كل ما نحن فيه مؤامرة تحتاج إلى لجنة من الخبراء لا يعرف المواطن المسكين لونهم وطعمهم ورائحتهم..

في بلدان آسيا خرج الرجل الأسطوري لي كوان من الحكم، بعد أن حوّل سنغافورة من مستنقع تزدهر فيه الأمراض والخوف إلى نموذج صعب التقليد في الرخاء والتنمية والازدهار، وكان شعاره لا مكان للجان التي تستهلك مستقبل حاضر الناس ومستقبلهم.

عندما يقرر البعض أن يبيح لنفسه اللعب على الحبال، فأيّة لجان يحدثون الناس عنها؟ لذلك تتحوّل قرارات اللجان إلى نوع من أنواع السخرية من الناس.. وأتمنى ألّا يسخر مني البعض ويقول يا عزيزي صدّعت رؤوسنا بالحديث عن لي كوان، بينما المواطن محتار هل يصدق تقرير اللجنة الذي تقول ان الدكتورة بان زياد انتحرت لانها تعاني من الاكتئاب؟ أم نصدق شهادات زملائها الذين اكدوا جميعم انها كانت طموحة وتحلم بمشروع طبي كبير.. الجواب حتما سنجده عند بطل رواية اللجنة الذي قرر في النهاية ان "آكل نفسي" هرباً من اللجان.

***

علي حسين

وفق قاعدة "اخلاق المجتمع انعكاس لاخلاق السلطة" نجد في مجتمعنا العراقي وفي بعض مجتمعاتنا في العالم العربي، حيث التواضع فضيلة مقدسة، أصبحت الثقة بالنفس تُقابل بتهمة "التكبر" و"الغرور". هذا الخلط الخطير يحوّل إنجازات الفرد إلى عُقدة ذنب، ويجعل تميّزه الشخصي أو اكتفائه بنفسه جريمة في حق الجماعة. فهل كل من يُقدر كفاءته متكبر؟ 

إن هذه المشكلة تنطلق من جهل مركب بين سلبية التدخل بشخصية الغير وبين الجهل بتفسير سلوك التكبر وسلوك الثقة بالنفس، وهذا الجهل المركب تؤسسه النخب الرأسمالية الحاكمة داخل المجتمع بثلاثة طرق:

 1. تزييف الوعي: بإقناع البسطاء بأن تقدير الذات خطيئة ضد الجماعة، وتحويل انتباههم عن استغلال النظام الاقتصادي عبر تشويه فضائلهم النفسية.

 2. إنتاج التبعية الثقافية: تكريس فكرة أن تواضع البسطاء فضيلة، وثقة الاثرياء او من في السلطة حقٌّ طبيعي. كمثال: الموظف الذي يطالب بحقوقه يُوصف بـ"المتكبر"، بينما صاحب العمل "واثق بنفسه".

 3. تحويل الثقة إلى رأس مال رمزي ثقافي تمنحه المدرسة، الجامعة، الاسرة لخلق ما يسمى المستوى الاعلى. مثل: طالب يُمنح ثقة مفرطة لأن أباه مسؤول كبير، بينما يُوصم ابن العامل بأنه "متكبر" إذا تجرأ على الحلم بالمنافسة. 

هذه النقاط الثلاث تجهد السلطة نفسها وتخصص الموازنات المالية في الاعلام والفن والدراسات الاكاديمية لتحقيقها. كمثال: تمجيد تواضع الفقراء ك"قدوة"، وتقديس الخنوع باسم "الرضا".

لكن لماذا تخاف النخب الرأسمالية الحاكمة من الثقة بالنفس لطبقة المجتمع الطبيعية؟

لأنهم يدركون أن الثقة وعي (غرامشي) وتمرد على الطبقة التي تعتقد زورًا انها "اعلى"، وحين يدرك الانسان أن مهاراته تخلق فائض القيمة عن جهده، يستلب هذا الفائض لصالح البرجوازية الحاكمة، فلا يبقى له إلا فتات الأجر. عندها سيسأل بحق: لمَ ينهب جهدي؟

ومن ناحية اجتماعية عملية نجد أن تهمة التكبر تطلق على الثقة بالنفس ناتجة عن:

 1. ثقافة الخواء/ مثلا عبارة "لا تظهر ما عندك" هذه العبارة تُربي اجيال على إخفاء تميزهم خوفًا من "العين" أو "الحسد"، فتصبح الثقة انحرافًا.

 2. الخلط بين التواضع والتذلل: حيث التواضع الحقيقي هو احترام الآخرين دون انتقاص الذات. لكن البعض يريدك أن "تنكر إنجازاتك" كدليل على ادبك وتواضعك!.

 3. عقدة النقص الجماعي: عندما يشعر المحيطون بنقص في أنفسهم، تصبح الثقة اختلاف وتهديدًا لهم، فيُحوّلون إحساسهم إلى هجوم بصيغة التكبر. 

لذا الثقة بالنفس أن تعرف قدراتك الحقيقية وتتصرف بناءً عليها، أن تكون مكتفيًا بذاتك دون احتقار الآخرين، بينما التكبر أن تتعامل مع الآخرين وكأنك أفضل منهم دون سبب موضوعي، بل مجرد أوهام بانك الافضل، تزرعها بالنفس السلطة والاسرة والمدرسة والاعلام وجزء من الفن.

الأخلاق السائدة مثل تمجيد تواضع الفقراء ليست قيمًا مجردة، بل بنية فوقية خلقتها البرجوازية لتبرير التفاوت الطبقي. وإن تحرير الوعي ضرورة، لكنه غير كافٍ دون مصادرة وسائل الإنتاج من البرجوازية.

إن تغيير هذا النمط بحاجة الى نظام سياسي حاكم يرعى الانسان أولا وهنا يبدأ بتغيير النمط، كما ذكرنا في المقدمة (اخلاق السلطة انعكاس لاخلاق المجتمع)، ثم الاسرة والمجتمع المدني والتعليم في بناء الثقة الصحية والتواضع الانساني وطرد "التواضع المتذلل" "ومرض التكبر المتخلف" من بيئة حياة المجتمع والانسان ذاته، لكن هل يكفي تغيير السلطة؟ المجتمع نفسه بحاجة لثورة ضد "التواضع المزيف" الذي يكرّسه الأفراد عبر قول: "اسكت ولا تطالب بحقك".

ولدينا تجارب في العالم العربي ناجحة مثل مبادرة "أنا أشارك" في تونس حيث تحويل المدارس إلى حاضنات للثقة بالنفس لا تنتج عُقدة التفوق، بل وعيًا بالذات وبالاخر. أما في لبنان، فحملة "شو مهارتك؟" الإعلامية، التي فككت عن طريق قصص الناجحين الوهم القائل: "إظهار تميزك تكبر". لكن هذه التجارب تطلق شرارة الوعي، لكنها لا تقوض النظام الرأسمالي الذي ينتج الهيمنة. فتحرير التعليم والاعلام يجب أن يقترن بتدمير علاقات الإنتاج الاستغلالية.

وهنا يظهر أن النظام السياسي الحاكم بيده ادوات الهيمنة القادرة على صناعة تخلف المجتمع أو دفعه الى الأمام.

السؤال: متى ندركُ أن تشويه الثقة بالنفس ليس تراثًا نحميه، بل سلاحًا فتاكًا صممته الأنظمة الحاكمة لتحويل طاقاتنا إلى رماد؟.

التغيير يبدأ بوعي فردي يرفض وصمة "التكبّر" حين تطالب بحقّك، وجماعيًا برفض "ثقافة الخواء". التجارب التونسية واللبنانية أثبتت: تحرير الوعي ممكنٌ إذا حوّلنا التعليم والإعلام من أدوات هيمنة إلى جسور نحو الذات.

والحل ليس في مفاصلة بين الفرد والسلطة، بل الحل لا يكمن في الاصلاح الفردي بل في دفع المجتمع الى حركات تغيير ثورية تُزيل هيمنة البرجوازية ثقافيًا وماديًا، وتعيد تملك فائض القيمة.

فهل ننتظر نظامًا سياسيًا يغيّرنا، أم نكون نحنُ من يخلق نظامًا جديدًا تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه ثقته بنفسه؟.

***

حسام عبد الحسين

الأمة تحت صولات الحروب النفسية المتنوعة الغاشمة، وخلاصتها دفع المجتمع للتمركز في زوايا حادة أو حفر ظلماء، يتكاتف مَن فيها ويكون متحفزا ضد أي إقتراب من كينونته المتلاحمة في الحفرة.

ضعف الدولة وتميع الوطن وتناثر محتوياته وتبعثر مكوناته، وتحولها إلى كرات زئبقية أو بليارد جاهزة للتصادم والإحتكاك المرير.

مسيرة القوقعة السميكة تجري على قدم وساق في مجتمعات تناست أوطانها وحطمت أوعية وجودها، وستنتهي إلى موجودات متصارعة ورؤى وتصورات متنافرة، فيعم التلاحي وإستنزاف طاقاتها وتدمير كيانها الجماعي المشترك، فبتحول الوطن إلى صفيح ساخن، والمواطنون إلى أعداء يستحقون الفناء والدمار الشامل لما يشير إليهم.

ويبدو واضحا أن سياسة (الكوكمة) من الكوم، قد سرت في الواقع الإجتماعي، متمثلة بالقبلية والعشائرية والطائفية، وترسيخ نشاطات الدواوين والمحافل التفريقية اللازمة لإذكاء فتيل التصارعات البينية، وفقا لشعار "سعيد مَن إكتفى بغيره"!!

وعندها ينطلق المجتمع بأكل نفسه، وينخر جوهره، لتتداعى أركان الوطن، وتعم الفوضى ويتناسى الناس حقوقهم وبلادهم، ليتولى أمرها الطامعون فيها، ويجعلون الشعب يتمايل بين الموت والحمى، وأكثرهم يذعن للحمى بعد أن شاهد الموت المباح يفتك بالآخرين من حوله.

تلك عاهة متكررة في مجتمعات الأمة، ولا مَن يرعوي ويتعظ، ويرى بعيون وطنية وإشراقات إدراكية لمآلات التفاعلات الخسرانية المُحفَّزة بإرادات أعداء الأمة، والساعين لإستغلال ثرواتها وما فيها من الخيرات، وحرمان أهلها من حقوقهم الطبيعية.

والخلاصة أن العقد الإجتماعي يتفسخ، وينظر إليه بإستصغار وإهمال ونكران، فلا جامع في مجتمعات يُراد لها أن تبيد وتتناثر في أرض الله الواسعة.

ولهذا فالموت للدستور والغياب للقانون، وللفوضى عيون !!

وطنٌ يَبلى وشعبٌ يُستضامُ

كلُّ مقسومٍ أتاهُ إنقسامُ

هذه الدنيا حروفٌ فوق ماءٍ

يتولاها قديرٌ لا ينامُ

وحدة الروح تهاوتْ في غديرٍ

وتشظتْ لا يُجافيها الحطامُ

***

د. صادق السامرائي

 

الحيتان ليست موظفين في السيرك ولا شركاء وفاء في عروض سياحية، بل كائنات مفترسة بطبيعتها، تأكل وتهاجم كما كُتب لها في جيناتها منذ ملايين السنين، و مع ذلك، رأينا تحوّل حادث افتراس مدربة حوت الأوركا جيسيكا إلى ملحمة عاطفية تصدَّرت الشاشات، وكأن الكائن خان "الثقة" أو كسر عهد "الصداقة"!.

هذه النتيجة كانت حتمية، ومن السذاجة أن نُحمّل حيواناً بريّاً قيَماً بشرية، أو نطالبه بالإلتزام بقوانين مسرحنا الإجتماعي والإعلامي.. لكن ما يثير الدهشة ليس الحوت، بل الترند الوهمي الذي ضخَّ القصة بجرعات تعاطف هائلة.

هكذا يُدار المسرح العاطفي: حادثة رغم قساوتها إلا إنها مجرد كذبة تقنية، ترند لحصد آلاف المشاهدات، وتظهر الحقيقة فيما بعد: "الحوت لم يلتهم مدربته، بل عالم السوشال ميديا إلتهم عقولنا، الأوركا لم يهاجم أحداً لكن المنصات هاجمت وعينا جميعاً"، فالقصة لم تتكلم عن حوت قاتل بل وحش آخر يعيش بيننا، التضليل الرقمي الذي يتغذّى على سرعة النشر وتحريك المشاعر بأدوات الذكاء، فمقطع صغير مصمّم بإتقان يغزو ملايين العقول من دون تحقّق، وتنتشر الأكاذيب كحقائق ! .

***

ابتهال العربي

 

في المثقف اليوم