أقلام حرة

أقلام حرة

نقرأ العديد من المقالات عن توصيف الشخصية ببلدها، فيقولون شخصية مصرية، سورية، لبنانية، يمنية وهكذا دواليك، والتصنيفات العلمية للشخصية البشرية معروفة في موسوعات التصانيف العالمية الإنكليزية والأمريكية.

وكأن القائلين بذلك لا يقرون بتأثير البيئة السياسية على البشر، فكل منا إبنها، ومولود من رحم أنظمة الحكم المتحكمة بمصيره، ومن صنع دول الكراسي بأنواعها، وبمختلف توجهاتها وتطلعاتها نحو تعزيز مفاهيم النفس الأمارة بكل شيئ، والتي تفعل فيهم وتسخرهم لمآربها.

البشر هو البشر، وجهازه النفسي بقوانينه متشابه بين الأجناس، والفرق أن البشر ينضح بما فيه، وما فيه مسكوب من أباريق الكراسي وأنظمة الحكم، التي تصنع من الناس ما تريد وترغب، فالناس كالعجينة التي يتم وضعها في أي قالب سلوكي لتتخذ شكله وتعبر عن مراميه.

الخوف من قول الحقيقة وفقدان جرأة إعمال العقل، تدفع بالكثيرين إلى إنحرافات تحليلية وتوصيفات وقائية تحافظ على سلامتهم من سطوة القابضين على مصائر شعوبهم.

المواطن كغيره من المواطنين في أرض الله الواسعة، والعلة ليست فيه بل في الوعاء الذي يوضع فيه، ومسيرات الأمم والشعوب تخبرنا بما يبرهن ذلك ويقدم ألف دليل ودليل على أن البيئة السياسية بمعطياتها المتنوعة تساهم في صناعة السلوك البشري، الذي يحافظ على البقاء ويبتعد عن السقوط في حبائل العذاب المرير، فالآليات الدفاعية ذاتها عند كافة البشر.

الصين كانت وتكونت بفعل نظامها السياسي، والصيني تم تصنيعه في ميادين نظام الحكم الذي أعاد ترتيب وتصميم آليات التفكير، فتحقق وفقا لإرادة قادته وتطلعات نظامه السياسي.

ومن الأمثلة الواضحة الشعب الكوري الذي إنشطر إلى شمالي وجنوبي، وكل منهما يتماهى مع نظام الحكم الفاعل في المجتمع، والفرق كبير بين السلوكين.

ولهذا فتوصيف الشخصية بإسم البلد الذي تنشأ فيه لا يتسم بالموضوعية والعلمية، وفيه الكثير من التبريرية والهروب من مواجهة الحقائق الدامغة، والجور على المواطن المقهور.

تطبّع أيها الإنسانُ فيها

طباعُ الناسِ من جزعٍ تخابتْ

وكلّ عجينةٍ لبستْ رداها

كخلقٍ في مرابعها تآوتْ

إذا حادتْ سراةُ القومِ عنها

أصابتها النوازلُ فاسْتكانتْ

***

د. صادق السامرائي

الحياة حركة والسكون تعبير عن الموت بأنواعه، والجريان صوت الحياة ورمزها الدفاق بالمستجدات، والأمواج تتبادل مواضعها وتنطلق في مسيرها وقد تذاوبت في بعضها وكلها.

والأرض تدور وما عليها يخور، وفي قلبها نار وتسبح في بحر كوني النيران، فتصنع المسيرة الترابية بطرفيها الواعد والوعيد.

الأمم والشعوب الحية في حركة دائبة وتجدد مستقيد، والمجتمعات الخابية في همود وقنوط وإستكانة لسوء المصير.

والفرق بين الحركة والسكون واضح ومؤثر في بناء المواقف ومواجهة التحديات، فالساكن متآكل والمتحرك متفاعل وفاعل.

الإستنقاع مرير والجريان أمير، فالساكن يتصاغر، والمتحرك يتواصل متوثبا نحو تطلعات تساهم في رفد الدنيا بالمعطيات الخلاقة.

"ومن لا يحب صعود الجبال...يعش أبد الدهر بين الحفر"

الحجج والأعذار والقرارات الإنفعالية الآنية لا تساهم بتزويدنا بمهارات سلوك الطرق الوعرة التي تنتهي بغنائم نادرة، فما أكثر الأسباب القاضية بالتخلي عن التفاعل  مع المواقف وألأحداث، فالتراث فيه من معززات أية وجهة نظر، وبه يمكن تعليل أية حالة، وتخدير الروح ودفن الضمير.

ما أن تنهض بوجه حالة هامدة، حتى تتصدى لك طروحات أنها كانت في السابق وحصلت بتكرارية ولا جديد في الأمر.

فمسيرة الأمة حافلة بمعظم معطيات السلوك البشري في مواقفه المتنوعة، فلا جديد فيما يتمخض عن التفاعلات القائمة، غير أن الركام التراثي الهائل يشل البصيرة ويمنع الإعتبار لشدة إنسكابه وتجمعه في أوعية الوعي الجمعي.

المطلوب إدراك قيمة الحركة والتوثب والإخلاص والوفاء الوطني، والتمسك بقيمة الإنسان وتأكيد حقوقه في عصره.

تحرّكْ أيّها الساعي لمَجدِ

ولا تقنطْ بدائرةِ التحدّي

وكنْ أملاً يُبشرنا بخَيرٍ

ويَمنحُنا إراداتَ التصدّي

إذا خَنَستْ شعوبٌ في رُباها

فقد ولجتْ مَساراتَ التردّي

***

د. صادق السامرائي

القرن العشرون عصر النفط بلا منازع، وبواسطته بلغت الدنيا ما عليه من مراتب حضارية، فهو سيد الطاقات والقدرات، ومنه إنبثقت المبتكرات المعتمدة عليه، وخصوصا المحركات بأنواعها. فالحياة قائمة على ثلاثة مرتكزات، الماء والهواء والنفط، وبدونها تنتفي وتبيد.

وبما أن الربع الأول من أي قرن يحدد مسارات عقوده المتبقية، فأن القرن الحادي والعشرين سيتواصل في كونه عصر النفط، ولن تنتصر عليه البدائل الأخرى بسهولة، فالإستعاضة عن النفط والحفاظ على ذات المستوى التفاعلي، بحاجة إلى زمن طويل قد يتجاوز القرن الحالي ويذهب إلى القرن التالي.

الطاقات البديلة كالكهرباء والماء والرياح والطاقة الشمسية ليس من السهولة تحويلها إلى قوة بذات الكفاءة النفطية.

وهذا يعني أن النفط سيبقى قلب الحياة النابض لعدة عقود قادمات، ولن تستطيع الدنيا التخلي عنه مهما حاولت وتوهمت، وقيمته ستزداد لزيادة الطلب وقلة العرض، والقول بنضوبه ربما ممكن رياضيا، وأشبه بالمحال بالحسابات الكونية، لأن الأرض لا تجور على خلقها، وتسعى لتوفير ما يساهم في بقائهم.

النفط يعبر عن إرادة النار مثلما الشمس وبدونهما لا وجود للحياة، فالنار المستعرة في قلب الأرض تتحول إلى نفط بصهر المواد العضوية، ولهذا تقل البراكين في الأراضي النفطية وتكثر في المناطق التي يندر فيها النفط أو ينعدم.

فهل ستستثمر الدول النفطية عائداته بما ينفع الناس؟

من المرجح أن تبقى عجلة الإستحواذ المقتدر على منابع النفط من قبل القوى الكبرى في دورانها المتسارع، وستتحول مناطقه إلى بؤر تصارعية بين الدول التي تحرك إقتصادها طاقة النفط، المؤثرة في مسيرة أجيالها والطالعة نحو آفاق رحبة متجددة تزدحم فيها إبتكارات العقول، ويتالق دور النفط كمحرك أساسي لخطواتها الإبداعية الأصيلة.

فكيف ستكون الحياة المعاصرة والمقبلة بدون نفط؟

إنها ستشبه الدنيا بلا شمس!!

وهل للأرض قدرة الدوران بإتجاه معاكس لتضمن بقاءً متدحرجا على سفوح الهوان؟!!

إرادة أرضنا ترعى وجودا

وتمنح خلقها نفطا وقودا

فلا عجبٌ إذا امْتُهِنتْ بلادٌ

عطاءُ ترابها أرسى صمودا

بنفطٍ آلةُ الحربِ اسْتدامتْ

وما بَرحَتْ تُبادلنا الصدودا

***

د. صادق السامرائي

منذ قرون والعالم الإسلامي يعيش تحت سلطة الفتوى أكثر مما يعيش تحت سلطة العقل أو القانون. الكلمة التي ينطق بها الفقيه كانت تُعامل في كثير من الأحيان وكأنها وحي نازل من السماء.. لا تُناقش ولا تُراجع. ومع كل اكتشاف جديد أو فكرة لا تشبه المألوف كانت تُطلق الفتاوى تجرم الجديد حتى قبل أن تفهمه.. وتلعن المختلف قبل أن تسمع صوته.. تحريم وتكفير وتخويف..

وهكذا تحولت الفتوى من اجتهاد بشري محدود إلى قيد مقدس يُكمم الحياة ويشل التفكير. لكن الزمن لا يرحم الجمود والعقول التي خنقها التحريم بالأمس هي التي تضحك اليوم على ما كانت تخافه..

إليكم بعض الفتاوى المجنونة.. التي ستظل وصمة تلاحق هذه المنظومة المعرفية:

تحريم الطباعة: حين دخلت الطباعة إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر أصدر فقهاء كبار فتاوى بتحريمها بحجة أنها بدعة تُفسد الدين وتحرف القرآن.. ومُنع المسلمون من الطباعة نحو قرنين.. بينما كانت أوروبا تطبع آلاف الكتب وتفتح الجامعات وتبني نهضتها. هذه الفتوى وحدها كانت كافية لتأخير العالم الإسلامي أكثر من مئتي عام عن ركب التقدم العلمي والمعرفي.. فقط لأن فقيها خاف من آلة تكتب أسرع منه.

تحريم القهوة: في القرن السادس عشر.. أفتى بعض فقهاء مكة والقاهرة بحرمة القهوة بزعم أنها تسكر وتلهي عن الذكر وتجمع الناس على اللهو. وحدثت مواجهات عنيفة في مصر بسبب تلك الفتوى..  لكنها اليوم تُقدم في مجالسهم نفسها بل وتُقدم في باحات المساجد والمآتم.  الفتوى ماتت والقهوة بقيت.

تحريم التصوير الفوتوغرافي: حين ظهرت آلة التصوير في القرن التاسع عشر أفتى بعض العلماء بتحريمها لأنها تشبّه بخلق الله فمنع التصوير لفترة في المدارس والمستشفيات وحتى في توثيق الأماكن المقدسة. واليوم.. لا يوجد شيخ أو رجل دين إلا وصورته على غلاف كتاب أو بطاقة هوية أو بث مباشر للدروس الدينية نفسها. سقط التحريم وبقي الدليل على جهل من نطق به.

حرمة التبرع بالأعضاء وغسيل الكلى: وحرب الفقهاء على الرحمة حين ظهرت عمليات نقل الأعضاء وغسيل الكلى.. قال بعض الفقهاء إنها تغيير لخلق الله أو تعدٍ على حرمة الجسد.

ومع الزمن وتغير الوعي انقلبت الفتوى إلى نقيضها فأصبح ما كان حراما عملا إنسانيا عظيما اليوم.

ختان الإناث: جريمة باسم الطهارة.. على مدى قرون شجعت فتاوى كثيرة على ختان الإناث رغم غياب أي دليل قرآني صريح عليه.. وقد بُرر بأنه حفاظ على العفة... ومع تطور الوعي الطبي والحقوقي بدأت المؤسسات الدينية نفسها تتراجع وتقول إنه عادة لا أصل لها في الدين.. رغم كل الضحايا.  أي أن ما كان طهارة في زمن صار اليوم جريمة.

وفي العالم الإسلامي الشيعي أيضا.. ظهرت فتاوى لا تقل غرابة وجنونا.. في بدايات القرن العشرين حُرم الراديو والتلفاز بدعوى أنه صوت الشيطان.. واعتبر بعض المراجع أن تعليم البنات في المدارس فساد للأخلاق. كما رفضوا التلقيح الصناعي ونقل الدم لكنها كلها تلاشت لاحقا بصمت.. دون اعتذار أو مراجعة. وكأنها لم توجد أصلاً..

هذه الفتاوى التي ماتت ليست مجرد أخطاء عابرة في تاريخ طويل.. بل شواهد على سقوط مبدأ بأكمله.. مبدأ أن أحداً يمكنه احتكار الحقيقة باسم الله.. هذه الأحكام التي كانت يوما تهز عروش العقول ويرضخ لها الإنسان والمجتمع وينظر اليها بوجل واحترام.. صارت اليوم تثير الضحك والاستغراب.. ولا أدري هل يحق لنا أن نسأل اليوم "بهدوء أو بسخرية أو بألم": هل كانت تلك الفتاوى صائبة في زمانها؟ هل اعتذر عنها أصحابها حين اكتشفوا أنها لم تكن من الله؟ أم أنها نُسيت ببساطة واعتبرت نزوة عقل؟ المفارقة الكبرى أننا ورغم كل هذا ما زلنا نعيش في دائرة مشابهة. ما زلنا نحمل في وعينا وواقعنا فتاوى جديدة وما زلنا نصدق أن رجال الدين أو الفقهاء أو المفكرين  يمتلكون مفاتيح الصواب المطلق وربما نحن الآن نعيش مرحلة أخرى من الجنون.. نتمسك فيها بيقين سيسخر منه أبناؤنا كما نسخر نحن من فتاوى الطباعة والقهوة والتصوير. ولا أدري متى علينا أن ندرك إن الإنسان أكبر من الفتوى وأوسع من النص وأقدر على أن يخطئ ويتعلم ويصحح دون أن يرفع رأسه إلى الموتى طلبا للإذن بالفتوى وسن القانون..!

(ربما سيأتي زمن قريب ينظر فيه أحفادنا إلى كثير من مقدساتنا وقوانينا الحالية كما ننظر نحن إلى تلك الفتاوى الميتة بدهشة وبشيء من الأسى.. وكثير من الضحك).

***

علياء التميمي

في زمن تتسارع فيه الضغوط والمتاعب وتتضاعف متطلبات الأداء، تبرز القيادة الملهمة كقيمة نادرة تصنع الفرق بين مؤسسة تعيش في دائرة الروتين وأخرى تنبض بالحيوية والإبداع. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد القرارات التي يتخذها، بل بعدد الطاقات التي يوقظها في فريقه ويحولها إلى خبرات وتجارب ملهمة تحدث فرقاً وتأثيراً ذا نفع وقيمة.

كل موظف يحمل داخله بذرة من القدرات الخلاقة والإبداع، لكنها تحتاج إلى بيئة تشجعه لا تخيفه، وإلى قائد يشعره بالأمان والراحة لا بالرقابة والتقييد. القائد بحجم منظمته وقدرتها على النجاح والمنافسة هو من يصنع الأداء المتميز والجودة في الإنتاجية، ويحول العمل إلى رسالة ذات معنى وانتماء.

في إحدى المؤسسات الناشئة في مجال التكنولوجيا، قرر المدير التنفيذي إلغاء أسلوب المتابعة اليومية الصارمة واستبداله بلقاء أسبوعي مفتوح يتيح للفريق الحديث بحرية عن التحديات والاقتراحات. النتيجة كانت مذهلة؛ إذ ارتفعت إنتاجية الفريق بنسبة 40% خلال ثلاثة أشهر فقط، وانخفض معدل الغياب إلى أدنى مستوياته. لم يكن السر في نظام رقابة جديد، بل في شعور الموظفين بأن صوتهم مسموع وأن قائدهم يثق بقدرتهم على الإنجاز، وأن لديهم مساحة من الحرية في العمل دون قيد أو تحكم دائم.

وفي تجربة أخرى، طبقت إحدى المؤسسات المصرفية برنامج « القائد الراعي »  الذي يلتزم فيه المديرون بقضاء ساعة أسبوعياً مع كل موظف في جلسة فردية تركز على التفريغ والدعم النفسي والمهني. وبعد ستة أشهر فقط، تحسن مؤشر الرضا الوظيفي بنسبة 30%، وارتفعت مستويات الولاء المؤسسي بشكل لافت. تؤكد هذه الممارسات أن الإلهام قبل الإدارة، وأن الثقة قبل التوجيه، وأن الموظفين إذا وجدوا بيئة مريحة ومنسجمة خالية من الضغوط، فإنهم يعطون ويبدعون بصدق وشغف.

تشير دراسات شركة Google (2015) حول بيئات العمل الإبداعية إلى أن الأمان النفسي (Psychological Safety)  هو العامل الأكثر تأثيراً في أداء الفرق عالية الإنتاجية. الموظف الذي يشعر أنه يستطيع طرح أفكاره دون خوف من السخرية أو العقاب، يصبح أكثر انفتاحاً وابتكاراً. القائد الملهم يدرك هذه المعادلة جيداً، فهو لا يوزع المهام فقط، بل يبني الثقة ويحول الأخطاء إلى فرص للتعلم والنمو، كما فعل ساتيا ناديلا المدير التنفيذي لشركة Microsoft  حين غير ثقافة الشركة من “ نحن نعرف كل شيء” إلى “ نحن نتعلم كل يوم”، فكانت النتيجة تحولاً جذرياً أعادها إلى قمة الإبداع والابتكار.

الإلهام لا يكتمل دون توازن نفسي ومادي. فحين يشعر الموظف بالاستقرار في معيشته، والاحترام في مكان عمله، ينتمي للمؤسسة بشفافيةٍ وصدق. وقد أظهرت مبادرات بسيطة مثل “ساعة الرفاه الأسبوعية” أو “يوم بلا بريد إلكتروني” في مؤسسات أوروبية وأمريكية نتائج لافتة في رفع المعنويات وكسر روتين الإرهاق. القائد الذكي يدرك أن الراتب وحده لا يكفي، كما أن الكلمات التحفيزية وحدها لا تقنع، فالمزج بينهما هو ما يصنع الفروق ويُطلق الطاقة والشغف والانضباط والالتزام.

القائد الملهم يترك أثراً قبل أن يترك أمراً، يحرك دوافع موظفيه الداخلية لا خوفهم من العقاب، ويذكرهم بـ"لماذا" قبل أن يملي عليهم "كيف". القيادة ليست موقعاً سلطوياً بل رسالة تأثير إنساني وأخلاقي، تقوم على الإلهام لا الإملاء، وعلى الثقة لا السيطرة. حين يرى الموظف في قائده نموذجًا للطمأنينة والاحترام، يتبعه بقلبه قبل عقله، ويُعطي أكثر مما يُطلب منه.

إن القائد الذي يصنع الطمأنينة النفسية والمادية، يصنع معها الإبداع والولاء والتميز المستدام، لأن القيادة في جوهرها فن إنساني قبل أن تكون علماً إدارياً. فالقوة الحقيقية لا تأتي من المنصب أو السلطة، بل من الاحترام الذي يبنيه القائد في قلوب فريقه، ومن القدوة التي يقدمها في كل تصرف وموقف، ومن إيمانه العميق بأن أعظم إنجازاته ليست المشاريع التي ينجزها أو ينجح في تنفيذها، بل الأشخاص الذين نهضوا لأنه آمن بهم. ووثق فيهم واستثمر طاقاتهم بطريقة مفيدة وسليمة.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

23-10-2025

.....................

المراجع

1.  Edmondson, A. (1999). Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams. Administrative Science Quarterly, 44(2), 350–383.

2.  Google Inc. (2015). Project Aristotle: Understanding Team Effectiveness. Internal Report, re-published summary via re:Work (https://rework.withgoogle.com/).

3.  Nadella, S. (2017). Hit Refresh: The Quest to Rediscover Microsoft’s Soul and Imagine a Better Future for Everyone. HarperCollins.

4.  Goleman, D. (2018). Leadership That Gets Results. Harvard Business Review Press.

5.  Sinek, S. (2009). Start with Why: How Great Leaders Inspire Everyone to Take Action. Penguin Books.

6.  Kouzes, J. M., & Posner, B. Z. (2017). The Leadership Challenge: How to Make Extraordinary Things Happen in Organizations. Wiley.

(إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت، ولكني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل. إني أكتب لمن يقرأ لا لأنال جائزة)...  برنارد شو

أثيرت ضجة على السوشيال ميديا حين أدلى الأديب المصري علاء الأسواني بحوار لإذاعة صهيونية، بمناسبة صدور طبعة عبرية لروايته "جمهورية كأن". وهو الحوار الذي تزامن مع اغتيال رصاص الاحتلال الإسرائيلي للصحفية شيرين أبو عاقلة، مما اعتبره الكثيرون قلة ذوق، وإسهاما في التعامل البارد إزاء الأحداث العاصفة. وهو الموقف الذي يليق بالجثث لا بمثقفين يصدعون رؤوس العرب بحديث الحرية والديموقراطية والعدالة.

اعتبرت بعض الردود أن ما يفعله الأسواني هو شوط من رحلته الطويلة لنيل جائز نوبل. ففي زمن يسعى فيه الأدباء خلف الجوائز، بعد أن كانت تعترض مشوارهم الأدبي لتُثمّن الإنجاز، وتعترف بالفضل، أصبحت كل الممنوعات ممكنة، وكل السبل متاحة، بغض النظر عن رصيد الأديب وحضوره الفني، والقيمة التي ينبغي أن يضيفها للمشهد الثقافي من حوله.

سواء كان الأمر كذلك، أم مجرد تشويش على مكانته الأدبية، فإن ظاهرة صيد الجوائز والاهتمام المبالغ فيها من لدن بعض الأدباء ليس أمرا حديث العهد. فقد عرف المشهد المصري حادثة أسالت الكثير من المداد عبر الصحف، وفي الصالونات والملتقيات المصرية والعربية.

يتعلق الأمر بالموقف الغاضب الذي عبّر عنه الكاتب المصري يوسف إدريس غداة إعلان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل سنة 1988. حيث أدلى يوسف إدريس بتصريح يتهم فيه نجيب محفوظ بمهادنته لليهود، والذين بد دعّموا، برأيه، حصول محفوظ على نوبل. كما صب جام غضبه على لجنة الجائزة العالمية، لأنه كان من ضمن المرشحين، وتم استبعاده، كما يزعم، بسبب مواقفه السياسية، وحضوره المؤثر كمثقف يناصر قضايا العدالة والحرية والديموقراطية.

غير أن الناقد المصري رجاء النقاش، كشف عن الوجه الآخر للحقيقة، والمتمثل في سعي يوسف إدريس للحصول على الجائزة بكل الوسائل، والجهد الخارق الذي بذله للسفر إلى السويد، وإقناع أوساط المثقفين ممن لهم وزن في ترشيح الأسماء الفائزة.

بل يضيف الناقد أن عددا من الأدباء العرب، سعوا إلى ترجمة أعمالهم في الدول الأوربية، والتقرب من الأوساط الأدبية هناك، عسى أن يحظى أحدهم بنوبل. لكن القدر كان في صف نجيب محفوظ الذي واصل حياته البسيطة في القاهرة، ولم يهتم سوى بتطوير مساره الأدبي، والإنصات لقضايا وهموم المصري ابن الشعب، وتجديد أدواته الفنية والتعبيرية لتساير متغيرات العصر!

واليوم يزخر الوطن العربي بجوائز لها بريق إعلامي وعائدات مادية وأدبية وازنة، كجائزة الملك فيصل، والعويس والبوكر في نسختها العربية وغيرها. جوائز تحول إطلاقها إلى حدث ثقافي يتابعه الملايين باهتمام، ويحرصون على معرفة الأديب الذي سيقفز اسمه من المحلية إلى العالمية، أو على الأقل سيحظى باعتراف عربي بمكانته، وتغامر دور النشر بإصدار بضعة آلاف من نسخ أعماله، دون أن تخشى كسادها في المكتبات.

 وكما أن الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال، فكذلك الجوائز لا يمكنها أن تعكس حقيقة البيئة الأدبية والثقافية عموما، إن لم تكن تتويجا لعطاء مشهود وملموس، أو تشجيعا لأقلام تحققت فيها الموهبة، ولا ينقصها غير الإصرار والعمل الجاد للبقاء على سكة الأدب.

فهل ما نتابعه يوميا من جوائز وحفلات تتويج وتكريم يُعبر عن مشهد زاخر وغني؟

أم أن الأمر يتعلق بفقاعات إعلامية، سرعان ما تتلاشى أمام الضوء الساطع لفعل القراءة والمتابعة النقدية؟

يسود رأي في أوساط المثقفين مفاده أن الجوائز التي ينفق عليها العرب ما يفوق ثلاثة ملايين دولار، مجرد تقليد ثقافي، ينضاف إلى سائر التقاليد التي نجاري من خلالها الأوساط الغربية، دون أن يكون لها أثر حقيقي على الأوضاع في بلادنا. فما يحوم حولها من شبهات محسوبية، وشراء ولاء الكُتاب، خاصة في بيئة لا تزال محكومة بعقلية بدوية، بالإضافة إلى مستوى لجان التحكيم ومعايير قبول الأعمال الأدبية، كلها عوامل تحد من قدرة تلك الجوائز على الارتقاء بمستوى الأدب والثقافة العربيين؛ بل إن العائد المادي جعل الكثير من الأدباء مجرد صائدي جوائز، وباحثين عن المكانة في مشهد لا يؤمن بغير العطاء والإبداع المتواصل.

حين رفض الكاتب الإيرلندي برنارد شو جائزة نوبل سنة1925، علّق على الأمر ساخرا:" إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت، ولكني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل. إني أكتب لمن يقرأ لا لأنال جائزة." وكذلك فعل جان بول سارتر، ولم ينتقص من عالمية الأديب الروسي تولستوي أنه لم يُرشح لنوبل، بالرغم من عبقريته الأدبية التي تتساقط أمامها قوائم أغلب الفائزين.

يعرف الجميع بدون شك أن جائزة نوبل انحرفت في أحيان عديدة عن وصية مؤسسها، وعن المبادئ التي تحددت بموجبها قوائم المرشحين والفائزين. بل يمكن الجزم بأن لجنة نوبل هي لجنة المفارقات بكل امتياز حين يتعلق الأمر بالأدب والأدباء. وبالعودة إلى قوائم الفائزين منذ سنة 1901 يتضح الهوى الأوروبي للجائزة، وارتباطها بالمواقف السياسية، حتى أن الأكاديمي الأمريكي بروتون فيلدمان صرح مرة قائلا: إن جائزة نوبل تُرى على نطاق واسع كجائزة سياسية متنكرة في قناع أدبي!

لكن بالرغم من خطاياها العديدة، وحرمان أقلام أدبية تتمتع بصيت عالمي كبورخيس وليو تولستوي ومارك توين وغيرهم، إلا أن سرادق العزاء يُنصب كل سنة في الوطن العربي، ويلتئم فيه أرامل الأدب للبكاء على حرمان العربي من نوبل، والتنكر لعطائه وإسهاماته، بينما ينبري بعض العقلاء للتساؤل عن جدوى هذا النواح في الوقت الذي لا يتجاوز مجموع ما تُرجم من هذا العطاء إلى اللغات الأجنبية نحو مائة رواية وأربعين ديوان شعر!

ترشح طه حسين أربع عشرة مرة لنوبل دون جدوى. وحين أعلن فوز نجيب محفوظ صرّح بأنه يشعر بالخجل لكونه فائزا بوجود يحيى حقي. وأن هذا الأخير أحق بها آنئذ لدوره الريادي في تأسيس القصة والراوية كجنس أدبي في الوطن العربي. علينا أن نفهم ما تؤول إليه أمور المنافسة حين تتطلب معايير أخرى غير التي نصت عليها وصية نوبل.

نتيجة الحضور الإلكتروني البارز على شبكة الإنترنيت، صار الأديب الشاب يفخر اليوم حتى بوسام يمنحه اتحاد صانعي الأسنان، أو نقابة الصيادلة. فلم يعد الأمر يتعلق باعتراف بالعطاء، وإنما بتحقيق مكانة وهمية. وتحولت صفحات أدباء شباب على السوشيال ميديا إلى حائط بطولات، يعلن فيها الأديب عن نبوغه واصالة قلمه، بدل أن تتولى ذلك نصوصه، وكتاباته، وقراؤه. هكذا يتحول الأدب من تكريس لنضال الإنسانية نحو المثل المثل العليا إلى مجرد صخب إعلامي، ودفوف تصحب الأديب في زفة مجد افتراضي.

 وهكذا يصدق اليوم، للأسف الشديد، على مشهدنا الأدبي قول الشاعر:

 إني لأفتح العين حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا.

***

حميد بن خيبش

الأهداف تحتاج لأدوات تنفذ تطلعاتها وترسم خرائط مسيرتها نحو التحقق والإنجاز، ومن عاهاتنا أن نطرح أهدافا عارية من القدرات اللازمة للوصول إليها، وهذا السلوك يتكرر في مسيرتنا عبر العصور، فنتوهم ونتخيل ولا ننظر بعين الواقع والموضوعية، ولا نوفر المستلزمات الكفيلة بتحقيق ما نريد.

فإرادتنا صدأت، تنخرها آفات الأطماع والمخططات القاضية بتحويلنا إلى توابع وأحجار مرصوفة على ضفاف نهر الحياة.

هل حققنا أهدافنا التي ترنمنا بها؟

جميع الأحزاب والفئات وأنظمة الحكم، تمنطقت بشعارات لا تعد ولا تحصى، وما أنجزت إلا ما يعاكسها ويدمرها، فكانت أقوالا للخداع والتضليل وأخذ الأجيال إلى أتون سوء المصير.

لا بوجد حزب حقق أهدافه في مسيرة الأمة في القرن العشرين، و لا تزال الطروحات الطوباوية الفارغة والشعارات البراقة تنتشر في أرجاء دول الأمة، وعندما تسأل عن العمل والعلم تحسب من المغرضين المحسوبين على أعداء الأمة والدين.

ألا يستوجب علينا مراجعة أفكارنا وآليات تفاعلنا لكي نتعلم من سوابقنا، أم أن العبرة مجهولة والإعتبار ممنوع، وعلينا أن نتدحرج في أتون الغفلة والجهل، وإستعذاب الأليم الذي سيوصلنا إلى جنات النعيم.

نحن لا نتعلم من تجاربنا، والمجرب في ديارنا يُجرب ألف مرة ومرة، وكم مرة لدغنا من ذات الجحر وما إستطعنا الوقاية من الأخطار.

التخبط العشوائي ديدننا، والكرسي يحكمنا، والسلطة سيفنا المسلط على رقاب الخائفين!!

فهل من قدرة على إنجاز هدف؟!!

و" ما أكثر العِبر وأقل الإعتبار"!!

إلى هدفٍ بلا أملٍ وعلمٍ

مضينا في عماءٍ نحوَ جورِ

تُطاردنا سراباتٌ لوَهمٍ

وتدحونا بقاضيةٍ لأمْرِ

نكرنا صوتَ إنسانٍ عليمٍ

وتُهنا في مُداولةٍ لغدرِ

وأصْبحنا على شظفٍ مَريرٍ

تدُحرجنا النواكبُ دونَ عذرِ

***

د. صادق السامرائي

في رواية «عالم جديد شجاع» للكاتب البريطاني ألدوس هكسلي، تعيش البشرية في سعادة مصطنعة بفضل السومـا، وهو عقار بلا آثار جانبية يغمر متعاطيه في حالة من الراحة والهناء، لكنه في الوقت نفسه يلغي إرادته ويعطّل أفكاره.

في عام 1931، نشر ألدوس هكسلي مقالة قصيرة بعنوان البحث عن متعة جديدة، خلص فيها إلى أن مشاعر التسلية أو الملل لدى الإنسان الحديث لا تختلف كثيرًا عن تلك التي عرفتها الحضارات السابقة، لكنه تمنى اكتشاف عقار قادر على تحويل الإحساس البشري دون أن يخلّف أضرارًا جسدية أو نفسية.

وبعد عام واحد فقط، أصدر روايته التي تُعد حتى اليوم، إلى جانب 1984 لجورج أورويل وفهرنهايت 451 لري برادبري، من أعظم ما كُتب في أدب الديستوبيا. في هذا العمل، يصوّر هكسلي مجتمعًا بُني صناعيًا، تتحكم فيه سلطة شبه خفية تحرص على دوام نظام محدد سلفًا، قائم على سعادة زائفة.

المجتمع الذي رسمه هكسلي مصطنع منذ الجذور: البشر يولدون عبر هندسة جينية ويُقسّمون إلى طبقات صارمة شبيهة بالطبقات الهندوسية، بحيث يقبل كل فرد دوره دون اعتراض. أراد هكسلي بهذا التحذير من أخطار الرأسمالية المتسارعة آنذاك.

لكن جوهر القضية ليس «ماذا» بل «كيف»: كيف يمكن إبقاء شخص يعمل بلا توقف لصالح غيره سعيدًا طوال حياته؟ الجواب هو: السومـا. عقار «مبهج، مخدّر، سارّ، وهلاوسي على نحو لطيف» لا يترك أي آثار جانبية. يحصل سكان «يوتوبيا» على هذا الدواء بحرية، لا يقيّدهم سوى من يريد أن يبقوا تحت السيطرة.

بفضل هذا العقار، تُمنع أي مظاهر تمرد أو سخط اجتماعي، وتُمحى كل الأفكار المعارضة. الجميع سواء في سعادة مصطنعة تلغي الدوافع الطبيعية للبشر. فمن لا يرغب بما لا يستطيع الحصول عليه، يرى السعادة ممكنة ومكتملة. لا مكان للمعاناة، ولا حاجة إلى عزاء، حتى الدين يصبح غير ضروري. السومـا يلغـي الإرادة والفردانية والتنوّع، فينشأ مجتمع بلا حروب ولا فقر، لكنه أيضًا بلا تفكير نقدي، بعد أن انتشر فيه «عبادة الجهل» كما وصفها لاحقًا إسحاق عظيموف.

استلهم هكسلي اسم الدواء من الفلسفة الهندوسية، حيث يُذكر السومـا في النصوص الفيدية القديمة كشراب مقدّس، بل كإله بحد ذاته، رغم أن طبيعته الحقيقية بقيت مجهولة.

كان اهتمام هكسلي بالمخدرات مؤكدًا، فقد جرّب LSD والسيولوسيبين والمسكالين وغيرها، لكن إيمانه كان أن هذه المواد قد تساعد على تقوية الفرد والمجتمع عبر الوعي، لا عبر الإلغاء كما يفعل السومـا. وكما كتب في عالم جديد شجاع:

«الديكتاتورية الكاملة ستبدو كالديمقراطية، لكنها في حقيقتها سجن بلا جدران، لا يحلم السجناء فيه بالهرب. ستكون نظامًا للعبودية، حيث يحب العبيد قيودهم بفضل الاستهلاك والترفيه».

وإذا نظرنا إلى حاضرنا، قد لا تبدو تلك «الديكتاتورية المثالية» مجرد خيال أدبي، بل تنبؤًا بما نحن فيه. يبقى السؤال: ما هو السومـا الذي نستهلكه نحن اليوم برضا؟

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في بلد يرزح تحت أعباء الأزمات المتكررة ويئنّ تحت وطأة الفساد والمحاصصة، حيث تتهاوى مؤسسات الدولة وتتراجع ثقة المواطن بها، يبرز سؤال جوهري: لماذا يحتاج العراق اليوم إلى منظمات مجتمع مدني مستقلة؟

الإجابة واضحة وصريحة: تمثل هذه المنظمات صمام أمان بين السلطة والمواطن. فهي قادرة على مراقبة أداء الدولة وكشف مواطن الخلل والفساد، كما تمنح صوتاً للفئات المهمشة في خضم الصراعات السياسية، كالنساء والشباب والأقليات.

 إن وجود منظمات مستقلة يسهم في نشر الوعي وثقافة المواطنة، ومحاربة الخرافة والأمية الفكرية التي باتت تهدد البنية الاجتماعية، كما يمكنها أن تسد الفراغ الذي تتركه الدولة في مجالات التعليم والصحة والخدمات، عبر مبادرات محلية مرنة وقريبة من الناس.

لكن نجاح هذه المهمة مرهون بشرط أساسي هو الاستقلالية. فإذا خضعت هذه المنظمات لهيمنة الأحزاب أو القوى المتنفذة، تفقد جوهر دورها وتتحول إلى مجرد واجهة أخرى للمحاصصة. وحدها الاستقلالية تمكّنها من بناء جسور الثقة مع الناس، وتقديم نموذج مختلف للعمل العام قائم على الشفافية والمصلحة المشتركة، بعيداً عن الولاءات الضيقة.

إن العراق اليوم، بتحدياته وانقساماته، يحتاج إلى مجتمع مدني قوي ومستقل بقدر حاجته إلى مؤسسات دولة فاعلة. فبدون هذا التوازن، ستبقى الديمقراطية مجرد شعار أجوف، وسيظل المواطن أسيراً لصراع القوى لا شريكاً في بناء الوطن.

الواقع والتحديات: بين الطفرة والاختبار

شهد العراق بعد عام 2003 طفرة في عدد منظمات المجتمع المدني، حيث تأسست الآف المنظمات خلال فترة قصيرة، مدفوعة بالتحولات السياسية والانفتاح على العالم. وبعد صدور قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010، أزداد عدد المنظمات المسجلة رسمياً، وتوزعت بين منظمات حقوقية وإنسانية وبيئية وشبابية ونسوية وتنموية. وقد عكست هذه الظاهرة رغبة شديدة في بناء الأسس المدنية للدولة الحديثة، وإنّ تركز معظم نشاطها في بغداد والمحافظات الكبرى، بينما بقي محدوداً في المحافظات الطرفية.

لعبت هذه المنظمات أداوراً محورية في الإغاثة الإنسانية، خاصة خلال فترات النزوح الجماعي بعد عام 2006 وبعد اجتياح داعش (2014- 2017). كما ساهمت في التوعية الانتخابية ومراقبة العمليات السياسية، وحملات الدفاع عن حقوق المرأة والطفل وحرية الصحافة. لكن تأثيرها في رسم السياسات العامة أو الضغط على مؤسسات الدولة بقي ضعيفاً، بسبب غياب التنسيق وقلة الخبرة المؤسسية.

واجهت هذه المنظمات شكوكاً جماهيرية، حيث ينظر الكثير من المواطنين إليها على أنها واجهات لمصالح حزبية أو قنوات لجلب التمويل الأجنبي. كما أن حالات الفساد الإداري والمالي أضعفت صورتها العامة. فضلاً عن ذلك، عملت بعض المنظمات، خاصة تلك التي تنقد السلطات أو تتناول قضايا حساسة كحقوق الإنسان والفساد والحريات، تحت ضغوط سياسية وأمنية كبيرة، في أجواء محفوفة بالمخاطر.

إقليم كردستان: استقرار نسبي وتحديات مماثلة

لا يختلف واقع المجتمع المدني في إقليم كردستان كثيراً عن واقعه في العراق ككل. فبعد عام 2005، ومع تثبيت الوضع الفيدرالي للإقليم في الدستور العراقي، شهد طفرة ملحوظة في تأسيس منظمات المجتمع المدني. وقد وفَّر الاستقرار النسبي مقارنة ببقية العراق بيئة أكثر ملاءمة لعملها، خاصة في مجالات الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والتنمية.

لكنها اصطدمت بعقبات مشابهة، حيث شابت الشكوك مصداقية العديد من المنظمات بسبب قربها من الأحزاب الرئيسية في الإقليم. كما لا تزال فئة واسعة من المواطنين تنظر إليها على أنها كيانات نُخبوية أو "واجهات" لاستجلاب التمويل. وتعتمد غالبية هذه المنظمات على مشاريع قصيرة الأمد تمؤّلها منظمات ووكالات أجنبية، مما يربطها بأجندات المانحين أكثر من ارتباطها بالاحتياجات المحلية. أما التمويل المحلي، فما زال ضعيفاً إلى معدوم، في ظل غياب ثقافة راسخة للتبرع الأهلي أو دعم القطاع الخاص، وعدم توفر آليات شفافة لتشجيع التمويل الوطني.

محاولات التنظيم والإطار القانوني

للتعامل مع هذه "الفوضى الإيجابية"، أنشأت حكومة إقليم كردستان وزارة جديدة تحت مسمى  "وزارة الإقليم لشؤون منظمات المجتمع المدني" عام 2006، وقد أُنيطت بي، كاتب هذه السطور، مسؤولية قيادتها، بهدف ان تكون جسراً فعالاً يربط  بين المجتمع والحكومة. عملت الوزارة على تحقيق  التناغم ودعم عمل منظمات المجتمع المدني في الإقليم، والسعي لتنسيق جهودها مع بعضها البعض، وكذلك فتح قنوات التعاون مع المؤسسات المحلية والدولية.

 كما عملت الوزارة على بناء القدرات وتنظيم ورش عمل تدريبية في مجالات الإدارة والشفافية والتخطيط الاستراتيجي، إلى جانب دورها كوسيط بين المنظمات المحلية والجهات المانحة. وشرعت أيضاً في إعداد قاعدة بيانات وصياغة مسودات لأنظمة وقوانين خاصة بتنظيم العمل المدني، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة قانونية أكثر وضوحاً. وانسجاماً مع التوجه نحو تحفيز المنظمات الفاعلة والاحتفاء بدورها الريادي، جرى بعد تقييم نشاطها السنوي منح "جائزة التمدن" المرموقة في مهرجان خاص تكريماً لجهودها.

رغم هذه الجهود، واجهت وزارة الإقليم تحديات جساماً، أبرزها ارتباط العديد من المنظمات بالأحزاب السياسية، مما حال دون تحقيق الاستقلالية الحقيقية، واستمرار نظرة الريبة من قبل الشارع. ومع ذلك، يمكن القول إن هذه التجربة شكَّلت بداية لتقنين حالة مدنية ناشئة، وساعدت لاحقاً في تمكين المنظمات من لعب أدوار مهمة خلال أزمات النزوح الكبرى بعد 2014.

العلل الهيكلية: من الإقطاعيات إلى احتكار القيادة

تحولت كثير من منظمات المجتمع المدني في العراق، رغم أهميتها المفترضة في دعم الديمقراطية والرقابة وتعزيز حقوق الإنسان، إلى ما يشبه "الإقطاعيات الصغيرة". فبدلاً من أن تكون حاضنة للتجديد والمبادرة الشبابية، أصبحت مرتبطة بأسماء محددة يسيطرون على إدارتها منذ التأسيس، وكأنها ملكية خاصة لا يُسمح بتداولها.

أفرغ هذا الثبات الطويل في المواقع القيادية الكثير من المنظمات محتواها، وحوَّلها إلى أدوات للنفوذ السياسي والاجتماعي أو واجهات للحصول على التمويل، وجعل غياب الآليات الواضحة والشفافة لتداول القيادات. ما جعل هذه المنظمات تدور في حلقة مغلقة من الأسماء والأساليب ذاتها، مما أفضى إلى الركود وفقدان الثقة.

فقد أصبحت المناصب القيادية حكراً على أشخاص معينين، يتوارثون النفوذ داخلها، ويغلقون الأبواب أمام أي محاولة للتغيير وضخ دماء جديدة. وهكذا، أصبحت هذه المنظمات، التي يُفترض أن تمثل التنوع والشفافية والمساءلة، انعكاساً لظاهرة "الزعيم الأبدي" التي تعاني منها السياسة العراقية.

منظمات مدنية حقيقية: أداة للتغيير لا للزينة

إن إصلاح هذا الخلل يتطلب خطوات جريئة، تبدأ بوضع قوانين تنظيم عمل منظمات المجتمع المدني وتمنع احتكارها من قبل أفراد، وتفرض تداول القيادة وفق مدد زمنية محددة، وتشجع على مشاركة الشباب والنساء في إدارتها. فالمجتمع المدني الحقيقي لا يُبنى على الأشخاص بل القيم والأنظمة التي تضمن الاستمرارية والتجدد.

إن التجربة العملية لمنظمات المجتمع المدني، كشفت عن خلل عميق في بنيتها وآليات عملها، جعل الكثير منها يفقد ثقة الجمهور وينحرف عن أهدافه الأساسية: احتكار القيادة، التمويل الغامض، ضعف الكفاءة والفعالية، العزلة عن المجتمع.

إن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إطاراً قانونياً جديداً يضمن الشفافية، ويحدد القيادة، ويضع آليات صارمة للرقابة المالية والإدارية. كما يتطلب الأمر تشجيع مشاركة الشباب والنساء، وربط المنظمات فعلياً بالناس عبر مشاريع ملموسة في التعليم، والصحة، وحقوق الإنسان، والتنمية المحلية.

فالمجتمع المدني الحقيقي ليس شعارات ولا مقرات ولا مؤتمرات، بل هو عمل تراكمي شفاف، يضع المواطن في قلب اهتماماته، ويضمن أن تكون المنظمات أداة للتغيير الإيجابي، لا مجرد واجهات شكلية.

***

جورج منصور

وفقا لمنهج الطب النفسي فان شخصية يونس بحري ليست سليمة نفسيا، فهو لديه من الشخصية الزورية اهم عرضين فيها:

الأول: ان المصاب بالبارانويا يبحث بشكل مستمر عن ادلة او معلومات تشير الى وجود نوايا سيئة او خيانة من اقرب الناس اليه.. ولهذا فانه قام بتطليق زوجاته (المئة) شرعا و(المئتين ) مدنيا، ان لم يكن مصابا بضعف جنسي، وهو احتمال ضعيف. أو انه يعاني من جوع ملحاح للعاطفة ناجم عن شعور بالغبن في وطنه.. وهو احتمال وارد. فضلا عن ان من صفات هذه الشخصية هو ضعف القدرة على الاتفاق وحسن المعشر، اذ لا يعقل انه لا يوجد بين (المئات) التي تزوجهن من لم يجد معها حسن المعشر، ما يعني ان الخلل السيكولوجي فيه تحديدا.. وللأسف فأنني لا أمتلك شهادات موضوعية من مطلقاته المئتين!.. ولم التقيه.

والثاني: ان المصاب بالبارانويا لديه افكار تخص شعوره بالعظمة واخرى بالأضطهاد، وهذه واضحة في شخصيته حيث اضطهد في وطنه وسجن وحكم عليه بالاعدام وواضحة في المواهب التي يمتلكها التي تمنحه الشعور بالزهو والتباهي والنرجسية.

وهو لديه من اضطرابات المزاج اشدها.. الهوس الذي يتصف صاحبه بالحساسية والمزاج العالي والصريح والنشاط المتزايد جسميا واجتماعيا وادبيا وفنيا .غير ان هوس يونس بحري في الجنس يعدّ حالة استثنائية ويقدم انموذجا لأشد حالات اضطراب المزاج.

فضلا عن ذلك فان المصاب بالهوس يتصف بكثرة الكلام والنشاط الذي لا ينتهي والمتعة في اشياء جديدة واخرى ما كانت تثير اهتمامه، وانشغاله بشكل كبير بنشاطات متنوعة وباشخاص متعددين مميزين.. وهذا ما امتاز به يونس.

والعلة هنا ان المصاب بهذا النوع من الهوس تصبح لديه صورة الذات متضخمة ومنتفخة بشكل كبير، تدفعه الى الاعجاب بها وحبها بلا حدود والطموح بتحقيق ما يثير اعجاب الآخرين ودهشتهم، وهذا ما حققه الموصلي الوسيم.. يونس الجبوري.

والمفارقة ان في شخصية يونس بحري عرض من اعراض الشيزوفرينيا! .ففي خمسينيات القرن الماضي ظهرت فتاة اسمها( Sybil ) شكلت حالة جديدة في الفصام (الشيزوفرينيا).. اذ كانت لها ثلاث شخصيات: عادية.. موظفة تمارس عملها حسب الاصول، وشخصية متدينة تذهب الى الكنيسة ايام الاحاد، وشخصية مستهترة ترتاد الرقص في الليل. وكان لكل شخصية اسم خاص بها ولا تعرف احداهن الاخرى.

والحالة هنا تشابه حالة يونس بحري، فهو كان يقوم بدور الراهب المتعبد في النهار، وفي الليل كان يرقص في ملاهي الهند، واخرى يعمل مراسلا لصحيفة هندية. الحالتان متطابقتان باستثناء ان شخصيات ( Sybil ) ما كانت الواحدة تعرف بالأخرى وكانت مجنونة، فيما كانت شخصيات يونس بحري تعرف انها ثلاثتها يونس بحري! وما كانت مجنونة!

ان الرجل يمتلك مواهب متعددة، وانه مبدع فيها.. ولأنه لا توجد احداث اسرية واجتماعية ودراسية مهمة او استثنائية في طفولته لها تأثير في خلق هذا الابداع بهذا التنوع من المواهب، فان الراجح هو ان يونس بحري يمتلك طفرات في جينات محددة واخرى خاصة بجينات الهوس الجنسي تحديدا والهوس الفكري والمزاج الانفعالي والقدرة على التحدي وتحقيق طموحات استثنائية تخططها لها ذاته المشحونة بالتضخم وحب التباهي.

ويبدو لي ان قدرة يونس بحري في اقامة علاقات صداقة مع ملوك ورؤساء جاءت من حادثة مقتل الملك غازي، حيث خبر حياة الملوك عن قرب بحكم عمله مذيعا باذاعة قصر الزهور واصداره لجريدة (العقاب) ايضا وهو في بداية ثلاثيناته. وقد اعلن للناس ان الملك غازي قتل بمؤامرة دبرها الانكليزن ما اضطره اعلانه هذا الى ان يهرب الى المانيا بمساعدة من مخابراتها.. ومن هذه الحادثة ادرك ان كثيرا من الملوك والرؤساء.. تافهين، وأنه يمكن خداع اقواهم بمن فيهم هتلر الذي منحه رتبة مارشال في الجيش النازي، وان الناس بسطاء وسخفاء وممتع ان تضحك عليهم.

وبتفاعل هذه العوامل في ذاته المتضخمة.. تملكه مفهوم ان يعيش الحياة بمعنى وجودي.. وفق قانونه هو الذي يبيح له ان يتصرف لا اخلاقيا في العديد من الحالات.. واظن ان عائلته الموصلية المؤلفة من الدكاترة: لؤي وسعدي ومنى، زميلتي الىسيكولوجية، التي صرحت في برنامج (أطراف احديث) بانها لا تعرف عن والدها سوى(تناتيف).. أنهم يشعرون بالخجل منه (وربما العار).. والا كيف مات في بغداد معدما ودفنته البلدية في مقبرة الغزالي على نفقتها! في مشهد تراجيدي.

ان هذه الشخصية التي كانت صديقة الملوك والرؤساء وبينهم من ضحكت عليهم، والذي كان مارشالا في الجيش النازي وصديقا لهتلر.. يموت وحيدا في بيته ولا يمشي في جنازته حتى اولاده!

تنويه: المخرجون مع التحية

يسعدني ان اتعاون مع اي مخرج تلفزيوني لأخراجه في مسلسل سيكون متميزا عراقيا وعربيا.. وأن اي محاولة لتوظيف ما كتبناه عن يونس في عمل تلفزيوني دون التنسيق معنا.. سيتعرض للمساءلة القانونية.

***

د. قاسم حسين صالح

فاز الفريق الرياضي المغربي لكرة القدم للشباب دون العشرين ببطولة العالم بعد إنتصاره النظيف على الأرجنتين. وقبلها وصل فريق كرة القدم المغربي إلى مراحل متقدمة في بطولة العالم، وهي سابقة لم تنجزها أيٌ من فرق كرة القدم لدول الأمة.

ومن الواضح أن الإنجازات الكروية المغربية بقدرات وطنية، أي أن الفريق بأكمله مغربي، ولا يوجد مدرب أجنبي أو تدخلات خارجية في إعداد الفريق.

وكما هو معروف فأن الفريق العراقي حقق أكبر إنجازاته عندما كان عراقيا بحتا، أي أن طاقم الفريق ومدربيه كانوا من الوطن ولا توجد خبرة أجنبية بينهم.

فالطاقات الرياضية المغربية مستثمرة بآليات متفاعلة مع الشعب بقيادته وقاعدته، وإستطاعت أن تعبر عن جوهر القدرات الذاتية المؤسسة لمشروع وطني الأبعاد ومتلاحم المفردات، فالرياضة تجمع، والكرسي يردع.

وهناك تفاعل جماهيري بين نظام الحكم الذي يمثله الملك، والشعب المتنعم بالإستقرار والمكاشفة الصريحة بين إرادة الحكم وتطلعات الجماهير.

وما يترشح من الفوز المغربي أن الطاقات الوطنية إذا أحسنت رعايتها وإطلاق براعم صيروراتها، فأنها ستؤكد جوهرها الحضاري وتؤسس لمشروع رقائها وإنبثاق عناصر ذاتها الأصيلة.

كما يشير إلى أن الإنجازات المتميزة لا تستورد، بل تنضج في أوعيتها التي ترعرعت فيها، وأدركت خزائنها من القدرات والتطلعات الممكنة التحقق والحياة.

فهل لنا أن نتحقق بقدراتنا الذاتية، ونتحرر من أوهام التبعية والدونية، فنحن أمة ذات كيان متألق في آفاق العصور وتاج على رأس القرون!!

و"لا تتكل إلا على نفسك"!!

تَباهَجتِ الحواضرُ في رُباها

وأينعتِ الخواطرُ مُبتغاها

ولاحتْ من تألقها نجومٌ

تُشَعشعُ نورها كلٌ يَراها

بطولاتٌ مُكللةٌ بفوزٍ

فكنْ فيها كما شاءتْ عُلاها

***

د. صادق السامرائي

في ساحات مدننا تقف قامات شعراء منتصبة في تماثيل تحولت إلى حضور أبدي في حياة الناس وكوسيلة لحفظ الذاكرة من الضياع، أوثيقة بصرية تذكّرهم برموزهم الثقافية والوطنية المهددة بالنسيان، فضلاً عن بُعدها الجمالي في المدينة، تماثيل موزعة على مدن العراق من الشمال حتى الجنوب: أبو تمام، المتنبي، الرصافي، الكاظمي، السياب، نازك الملائكة، الحبوبي، موفق محمد.. وسينضمّ الجواهري إلى المجموعة قريباً، منصّات تروي للأجيال إرثها الأدبي والروحي، بينما يندر أن نرى نَصبا أو تمثالاً لعلي الوردي، أو نوري جعفر، أو عبد الجبار عبد الله، لعالم رياضيات أو فيزياء أو طبيب أنقذ البشرية من العلّل.

هذه الظاهرة تدعونا إلى التساؤل: لماذا يقيم العراقيون تماثيل لشعرائهم؟ بينما لا يقيمون لروائي أوقاص مثل محمد خضير؟ لرائد صحفي، لعالم في اللغة كمهدي المخزومي، لجواد سليم، أو فائق حسن مثلاً. لماذا لم نلتفت إلى مفكر أو مؤرخ مثل جواد علي؟

لا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة تدعونا إلى الذهاب بعيداً في البحث عن جذور الظاهرة تاريخياً وثقافياً، ونحن بحاجة إلى تفسير نقدي يبتعد عن العواطف، يتوقف عند قيمة "الصوت" على حساب "الفعل". هذا لا يعني بالضرورة، ألّا نحتفي بشعرائنا ومبدعينا، لكن الحقيقة تعكس أولويات ذاكرة ثقافية ومعمارَ حضور اجتماعي يمتد عبر التاريخ، يتمثل بالشعراء بوصفهم صناعاً للحكايات التي تنمّي الذات الجمعية. فإقامة تماثيل لهم تعبير عن ثقافة تمجّد الصوت والصورة البلاغية.

لأن الصوت أعلى من العقل، والخيال أبهى من البرهان العقلي والعلمي، فيما غاب عنها وجه الطبيب الذي أنقذ آلاف الأرواح، هذه ليست صدفة بريئة، بل لأن الأمة لم تنشئ تقليداً راسخاً يضع المفكر والعالم في مقام الريادة، وأنها استسلمت لسطوة تراثها الشعري، والخطابة. لكن السبب ليس عيباً في الشعر والشعراء، إنما هو نتاج بنى اجتماعية وثقافية وسياسية كرّست الرمزية الصوتية وأهملت البناء المعرفي والعلمي.

تأخذنا هذه المقدمات إلى الجذور الأولى، إلى التعاليم الإسلامية التي كانت تتجنب الدعوة إلى نحت تماثيل بشرية لأسباب تتعلق بالمقدس، فلجأ الفنان آنذاك إلى الزخارف والنقوش والريازة والخط في التعبير عن قدراته الإبداعية. بيد أن الانتقال إلى عصر الأفكار القومية والوطنية والتحرر من النفوذ الأجنبي، تصاعدت معها شعارات: الهوية الوطنية، الوحدة، الاستقلال، المقاومة.. تلك عناوين ومعاني استثمرتها السلطات الجديدة والأحزاب السياسية في البحث عن رموز قابلة لتوظيفها في خطابها السياسي، فكان (الشاعر) أفضل من يجيد هذا الخطاب في المناسبات العامة. لذلك يُحتفى بالشاعر أولاً، ويظلّ المبدع الآخر في الهامش. فنحن أمة تحتفي بالخيال أكثر ما نحتفي بالبنى التحتية التي تديم الحياة.

لا شك أننا لا نجد ما يشبه هذه الظاهرة في بلدان أوربا والغرب عموماً، تلك البلدان خلقت حالة من التوازن في تمثيل رموز الابداع كافة، للفلاسفة، والعلماء والفنانين والموسيقيين، للأطباء ـ أبقراط في اليونان ـ هناك ساحات وشوارع تحمل أسماء علماء ومفكرين، لأن المجتمع هناك يدرك أن هؤلاء أسهموا في بناء حضارته المادية والفكرية والروحية.

في بلداننا ثمة عوامل تفسر الإهمال منها: غياب التقاليد المؤسساتية التي تهتم بشؤون المبدعين بوصفها جزءاً من ثقافة الحفاظ على الإرث الفكري والعلمي والفني، واحترام تاريخ صناع هذا الإرث. فضلاً عن الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالوعي الجمعي العام.. بمزاج وذائقة الناس، التي تستجيب للصوت الملهم والمثير.

الشعر عند العرب ديوانهم الأول، وفي بنيته الكلاسيكية يتناغم مع وجدان الجماعة في ايقاعه الموسيقي، وصوره البلاغية، يستمع إليه الجمهور في الساحات والشوارع، يلهب حماس متظاهري الاحتجاجات، يرون فيه بطلاً وجدانياً يستحق أن يخلّد بتمثال، ولقب' فهذا شاعر الأمة وذاك شاعر الشعب، وشاعر العرب،وذا شاعر ام المعارك أوالقادسية،  بينما يقدم العالم في كل دقيقة منجزاً جديدا، لا يشكل مصدر اثارة أو انتباه. كلها عناصر تثير في الناس احساساً بالتماهي والاندماج. يحفظون القصائد الخالدة، التي قيلت في مناسبات متباينة الأغراض، يرددونها ويتناقلونها جيلاً بعد جيل.

وعلى الرغم من أن التماثيل تظل علامة إيجابية لحضور الذاكرة الشعرية في الحياة العامة، حتى وإن كشفت عن خلل في موازين التكريم. ( أسوق مثلا عن تمثال لطالب السهيل في مدخل الكاظمية الشمالي، بينما لا ذكرى واحدة لعلي الوردي) فهناك بدائل حضارية أخرى أكثر رسوخاً وفاعلية، للاحتفاء بمبدعينا، لها قوة تأثير طويلة المدى، التمثال وحده لا يمنح الخلود، بل حين يتحول الاسم إلى رمز متداول حيّ عبر الخطوات الآتية:

ـ إنتاج أفلام وثائقية ومسلسلات عن الشخصيات الفكرية والعلمية.

ـ تخصيص أيام وطنية للاحتفاء بهم.

ـ تسمّى الساحات والشوارع ومؤسسات التعليم بمختلف المستويات بأسمائهم.

ـ إدخال سيرهم الإبداعية في المناهج الدراسية.

ـ إحياء تراثهم الفكري والعلمي، بإعادة طبع مؤلفاتهم، وتوزيعها على الطلبة مجاناً.

ـ تتبنى مؤسسات البحث العلمي مسؤولية تأسيس موقع الكتروني يجد فيه الباحث كل ما له علاقة بهؤلاء المبدعين، بكادر كفوء ومتخصص، وإدارة مدرّبة. ويكون الموقع متاحاً للجميع .

***

د. جمال العتابي

(ان قطع ذلك الرأس قد تم بلحظة، ولكن قرناً آخر قد لا يكفي لكي يظهر رأس آخر مماثل)

جوزيف لويس لا جرانغ عالم رياضيات إيطالي

لقد حاولت عدة مرات ان اكتب عن هذا العالم العظيم لكن قلة المصادر اخرتني الى هذا اليوم ولكن كتاباً يحمل عنوان (رجال، عاشوا للعلم) تأليف عدد من المؤلفين الاجانب هو الذي اعتمدت عليه في كتابة هذا المقال يعد لا فوزيه مؤسس علم الكيمياء الحديثة، كما انه يعتبر من اعظم العلماء في التاريخ الحديث - لقد اشتغل في الكيمياء عدد من العلماء القدماء مثل خالد بن يزيد وجابر بن حيان بالاضافة إلى العلماء المعاصرين لانطوان لانوزينه هنري كفنديش و بريستلي وغيرهم. لقد كان لافوزييه من الشخصيات البارزة في عصره ونابغة زمانه حيث انه استطاع ان يلم بالاضافة إلى الكيمياء بعلم الفيزياء والاقتصاد والتعليم ومنذ شبابه ارتقى الى ان يكون عضواً في اكاديمية العلوم الملكية.

انجازاته العلمية

كانت نشاطاته في الكيمياء عبارة عن سجل علمي تحمل بين طياته الكثير من الانجازات الباهرة فاهتم اولا بدراسة عنصري الاوكسجين والهيدروجين، كما انه ساهم في رسم خارطة جيولوجية لفرنسا وعمله لتحسين الاضاءة في شوارع باريس واعلن ان الاحتراق ينتج عن اتحاد بين الجسم المحترق والاوكسجين، واستنتج ان الماء يتكون من غاز الاوكسجين والهيدروجين بعد ان اجرى عدة تجارب في مختبره، وكان اهتمامه بالاحتراق قد دفعه إلى الاهتمام بعملية التنفس حتى ان البعض اعتبره مؤسس الكيمياء الحيوية وهو اول من قال ان حرارة الحيوان هي عبارة عن عملية احتراق بطيئة وقد عرف هذا عن طريق اجراء التجارب على الارانب والفئران وكان العالم لابلاس يساعده في هذه التجارب، وكان شغوفاً ايظا بالزراعة فقد كان يمتلك مزرعة ورثها عن ابيه.

ولم يكن لافوزييه مجرد عالم كيمياء وفيزياء وانما كان مصلحاً اجتماعياً فقد كانت محاضراته التي يلقيها في مدينة (اور ليان) تتضمن مطالبتة لمنح المعونات الاجتماعية لليتامى والاهتمام بالارامل والغاء نظام (السخرة) في المزارع والمعامل وفي عمليات اصلاح الطرق واعداد ملاجئ للفقراء وقال في احدى خطاباته.. ان السعادة ملك للجميع) الا ان اسهامه في شركة خاصة بجمع الضرائب كانت السبب في اعدامه وقد مرت فرنسا بمرحلة جديدة بعد الثورة سادت فيها الفوضى وقد سميت هذه الفترة بـ عهد الارهاب) والتي استمرت لمدة عامين من عام ١٧٩٢ - ١٧٩٤ م حيث تم اعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت ثم سيق الفرنسيين زرافاتاً ووحدانا إلى المقصلة بحجة معاداة الثورة وكان من بينهم العالم انطوان لافوزييه

اعدام انطوان لا فوزييه

كان من اهداف رجال الثورة الفرنسية تأسيس شركة لجمع الضرائب وقد ساهم فيها لافوزييه الا ان هذه الشركة امتازت بكراهية الشعب الها واعتبر عملها لصالح النظام الملكي المنهار وبدأ الناس يقدمون الشكاوى ضدها لذلك اصدرت محكمة الثورة امراً بالقاء القبض على اعضائها وزجهم في السجن. سجن لافوزييه رغم الخدمات العظيمة التي قدمها لهم ويومها كان الارهاب في فرنسا قد وصل إلى ذروته وهذا يعني ان الحكم سيكون الاعدام. وفي عام ١٧٩٤ وقف لا فوزيه امام المحكمة ووجه اليه الاتهام بانه كان يحول اعداء الثورة بالاموال وهي تهمه لم يقم عليها اي دليل، وبعد انتهاء المحاكمة اصدرت قراراً جماعياً بالادانة، فاخرج لافوزييه من السجن واصعد إلى العربة التي اوصلته الى ساحة المقصلة وقام الجلاد بقص الشعر القريب من رقبته لكي يسهل على السكين قطع الرأس بسرعه وبعد لحظات تدحرج رأس لافوزييه على الارض تاركاً بقعة من الدم تدل على همجية ذلك النظام، لقد اثبت اعدام هذا الرجل الذي يجب ان يخلد أن الثورات كالنار تحرق حتى الذي يقدسها فكان بحق شهيد الكيمياء في التاريخ الحديث.

***

غريب دوحي

 

المرء بطبعه اللاإنساني شرس بالرغم من توفره على العقل الذي يمنح السلامة الفكرية والإدراك الواعي، وامتلاكه للقلب الذي يعطي القوة الوجدانية والتخلق الفاضل، ولا يكون ذلك الطبع الممقوت إلا بفقدان الشخص لبصيرته التي هي نور عقله وقلبه؛ وهذا ما يفسر غياب النظرة الرزينة للأمور وانعدام الوازع القيمي النافذ في السلوك، الشيء الذي يظهر أنانية الفرد البشعة؛ فيصير واضحا للعيان بأنه لا يرى إلا مصالحه ورغباته وشهواته التي يسيطر عليها حبه للتملك عن غير استحقاق، ولو وقعت مظالم للآخرين وسلبت حقوقهم المهم عنده نيل ما يطمع إليه، والحصول على ما يبتغيه مهما كلفته تلك الأذية المتعمدة التي مس بها غيره من خسائر دنيوية وخيمة وعواقب أخروية مهولة، للاسف الشديد تزايد ت في هذا الزمن نوازع الشر وايذاء الناس فاللارأفة هي التي تسود في المجتمعات المعاصرة وتجعل رغبات الأنا وقوانين الغابة هي المسيطرة على سلوك الأفراد، والحاكمة في العلاقات القائمة بين الناس، وعدم الرفق وفقدان العطف أوصاف شيطانية حتى الحيوانات تتجنب الوقوع فيها في أحيان كثيرة، وللاسف الشديد، لقد أصبح كثير من الناس ذئابا في ثياب بشر، فلا يهدأ لهم جنب ولا تنام لهم عين إلا إذا باتوا على أذى الخلق، وليس لهم ديدن إلا إصابة الآخرين بالسوء، فأين هم من دينهم ومن الخوف من الجليل؟! وما الذي جعل الإنسان يستسهل من إيذاء غيره؟ ولماذا صارت أذية الخلق بغير حق عادة وطبعا وهواية وإن كان الذي يقوم بالإيذاء المتعمد من أهل الصلاة والصيام والصدقة؟ للأسف الشديد فالذي يتلذذ بإيذاء الآخر لا يمكنه الاستفادة مما يصنعه من حسنات، لأنه يعد مفلسا فما يفعله هو من أكثر ما يأكل حسناته ويزيد من حجم سيئاته، الأمر الذي قد يوصله إلى وضع تصبح فيه أبواب الجنة موصدة أمامه لا يحل له الدخول لها؛ فيحرم منها بسبب ما فعله مع غيره، ولذلك فالذي لا يتورع عن أذية الخلق هو في خطر عظيم، بل يخشى عليه من دخول النار والعياذ بالله. والمتمعن في واقعنا الحاضر يرى أن أغلب الخلافات العدوانية والصراعات التناحرية ما كان ليكون لها وجود لو كان التصرف والتعامل عند الإنسان مطبوع بقيمة الرحمة الأصيلة في النفس الإنسانية السوية، فاللارأفة هي التي تسود في المجتمعات المعاصرة وتجعل رغبات الأنا وقوانين الغابة هي المسيطرة على سلوك الأفراد، والحاكمة في العلاقات القائمة بين الناس، وعدم الرفق وفقدان العطف أوصاف شيطانية حتى الحيوانات تتجنب الوقوع فيها في أحيان كثيرة، والمتمعن في واقعنا الحاضر يرى أن أغلب الخلافات العدوانية والصراعات التناحرية ما كان ليكون لها وجود لو كان التصرف والتعامل عند الإنسان مطبوع بقيمة الرحمة الأصيلة في النفس الإنسانية السوية

الإيذاء عبارة عمّا يكسر خاطر الإنسان، فيكون بألفاظ صريحة من الكلمات الجارحة ‏المتضمّنة للسّوء من القول، وهذا ظاهر، ويكون الإيذاء خفيّاً باستعمال الكناية البعيدة ‏والتّعريض، وبعض الناس يستعمل الكنايات الخفيّة في الإيذاء لا للتخفيف على نفس الذي ‏يُؤذى، بل للجبن عن المواجهة، فيجعل الكنايات متارس يحاول الاحتماء بها، وذلك إن كان ‏يجنّبه بعض المواجهة، فلا يجنّبه التّبعات يوم القيامة

أكبر أنواع الإيذاء ما مسّ إحدى الضروريّات الخمس التي لا تلتئم مصالح الدّارين إلّا ‏بصيانتها، وهي (الدّين والنفس والعقل والمال والعرض)، وأكبر أنواع الإيذاء في الدين تغرير ‏الناس في معتقدهم وتلبيسه بالبدعة، كما صنعه المبتدعة وأهل التحزبات على ممرّ العصور، ‏وفي مقدّمتهم الخوارج فهم الذين فتحوا على الأمة باب الشّرّ والفتنة، وفتنتهم تتشكل في كلّ ‏عصرٍ بحسب ما يظنّون أنه يضرّ المجتمعات، وفي سبيل دفع الأذى الخطير الذي يحملونه ‏يجب على المجتمع التكاتف والالتفاف حول القيادة التي تجتهد في الدفع في نحورهم، فذلك ‏ترياق سمومهم، وقد جرّب مجتمعنا بحمد الله تعالى نفع الالتفاف حول القيادة في مواجهة الفتانين، ومن أكبر أنواع الإيذاء ‏المساس بحياة الناس وأبدانهم، واستهداف عقولهم بالمدمّرات، سواء كانت معنويّةً كالأفكار ‏الهدّامة المتطرّفة من أكبر الإيذاء امتداد اليد إلى أموال الآخرين، سواء العامة كالاستيلاء ‏على المال العام، أو استخدامه فيما لا يسمح به النظام، أم الخاصّة كأكل أموال النّاس ‏بالباطل بأيّ وجهٍ كان من الأوجه غير الشرعيّة، وكذلك من أكبر أنواع الإيذاء الوقيعة في ‏أعراض الناس، ولصق القبائح بها، والنّيل من أعراض الناس مؤذٍ حتى لو واجه به الإنسان ‏أخاه في الخلوة، فما بالكم لو حصل في مكانٍ عامٍّ أمام المارّة، ومن باب أولى أن يحصل في ‏وسائل التواصل الاجتماعي حيث تطير الكلمة في الآفاق، وسبيل دفع الإيذاء المتعلق ‏بالأنفس والعقول والأموال والأعراض الرفع بها إلى الجهات المختصّة على حسبما تقرّره ‏الأنظمة المرعيّة؛ فإن هذه الإيذاءات تستوجب عقوباتٍ يناط النّظر في ثبوت موجبها ‏وتطبيقها بوليّ الأمر ومن ينيبه، وليس لأحدٍ الحقّ في الافتيات عليه في ذلك، كما أنه لا ‏يسوغ التستّر على من تورّط فيها؛ لأن إفلاته من العقوبة يضرّ بالأمن والمصالح العامّة

لا تفتح أبواب الجنة للمتلذذ بأذية الخلق بغير حق -- كف الأذى عن الناس صدقة --- وقولوا للناس حسنا ---- صيانة الفرد والمجتمع ركيزة أساسيّة في الإسلام، وتحقّق السّلامة العامّة والخاصّة مقصد من ‏مقاصده العليا، وتلك السلامة تشمل سلامة النّاس في المعتقد والنفوس والعقول والأموال ‏والأعراض، وسلامتهم من كلّ ما يتأذّى به الإنسان جسديّاً ومعنويّاً.

***

نهاد الحديثي

في الآونة الأخيرة، يبدو أن اسم شينجيانغ يتردد أكثر من أي وقت مضى على لسان علماء الحكومة الصينية. هذه المنطقة الشاسعة الواقعة في غرب البلاد بمساحة تضاهي مساحة إيران تقريبًا، لكنها أقل كثافة سكانية بشكل لافت مقارنة بعاصمتها بكين.

 واليوم، نجد أن شينجيانغ تقف في قلب مشروع هائل لتطوير البنية التحتية على نحو غير مسبوق، حيث تشهد تحولات ملحمية تعيد تعريف المشهد الاقتصادي والعلمي في الصين.

من مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي يمكن رؤيتها من الأقمار الصناعية، إلى التلسكوب الراديوي الأكبر من نوعه على مستوى العالم، مرورًا بالسدود الكبرى التي تشكل معالم متفردة، وشبكات المياه الجوفية التي تمتد لمسافات مذهلة لتغذي صحراء تاكلامكان "بحر الموت"، يبدو كل شيء في شينجيانغ وكأنه جزء من خطة متقنة لإثبات قدرة البشر على تحويل المستحيل إلى ممكن.

قد تبدو فكرة استثمار هذه الموارد الضخمة في منطقة صحراوية، وفق معايير معظم الدول، ضربًا من التبذير. إلا أن الصين لديها رؤية مغايرة تمامًا. فالنتائج تتحدث عن نفسها : ثروة هائلة من الطاقة النظيفة التي تقلل تكاليف الإنتاج على مستوى البلاد، والعائدات الزراعية والصناعية والمعادن التي تُعاد توزيعها لتسريع نمو شينجيانغ وربطها ببقية الاقتصاد الصيني. بهذه الطريقة، لا تخدم هذه المشاريع الإقليم فقط، بل تمتد آثارها لتعيد تشكيل أسواق الاستهلاك العالمي، إذ تتيح للصناعة الصينية إنتاج سلع بجودة أعلى وأسعار أكثر تنافسية.

لكن شينجيانغ ليست إلا جزءًا واحدًا من مشهد التحول الكبير في المناطق النائية بغرب الصين. في التبت، يتم إنشاء محطة كهرومائية عملاقة تفوق ثلاث مرات حجم سد الخوانق الثلاثة الشهير.

وفي قويتشو، يشق أطول جسر في العالم طريقه فوق - وادي هواجيانغ - العميق. هذه المعجزات الهندسية، التي كان يُنظر إليها يومًا كأحلام مستحيلة التحقيق، أصبحت اليوم واقعًا ينبض بثمرة الابتكار والعمل الجاد في المناطق التي كانت تُعدّ الأكثر فقرًا وتهميشًا.

وتقود هذا التحول العشرات من الآلاف من العلماء والمهندسين الذين هاجروا إلى تلك المناطق النائية. فهم لا يغيرونها فقط، بل يغيرون أيضًا أحد أقدم أنماط التفكير حول التنمية. لقد دحضوا الفكرة القائلة بأن المجتمعات لا يمكنها أن تتقدم بالتساوي, فبتحويلهم الأراضي القاحلة إلى مراكز للابتكار والحداثة، أعادوا تعريف قواعد اللعبة.

ولكن ربما يكمن السؤال الأكبر هنا في مدلولات كل هذه التحولات على مفهوم "الشيوعية". بالنسبة للكثيرين، لطالما اقترنت الشيوعية بالفقر والعزلة والتخلف الاقتصادي.

لكن دعونا نتخيل مستقبلًا لكل هذا الجهد العلمي المتقدم : ماذا لو أضاءت المفاعلات النووية الصينية مدن العالم بحلول طاقة نظيفة غير محدودة ؟.. وماذا لو قدمت مستشفياتها علاجات مبتكرة للأمراض المستعصية بأسعار تناسب الجميع؟ .

هل ستصبح الصين قاطرة تحول عالمي تجعل التكنولوجيا والخدمات المتطورة في متناول الجميع؟ وماذا لو غزت السيارات الكهربائية الصينية الأسواق العالمية ليس فقط بمواصفاتها المتفوقة ولكن أيضًا بأسعار تنافسية جريئة .؟

ربما ما يجري في الصين الآن ليس مجرد مشروع تحديث أو تطوير عادي, إنه جهد يعيد تعريف القوة العلمية كوسيلة لإعادة صياغة الواقع الاجتماعي والاقتصادي بالكامل. فكّر للحظة: هل يمكن لهذه الثورة العلمية أن تحمل بالفعل لمحات من رؤية شيوعية حديثة ؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

***

شاكر عبد موسى/ كاتب وأعلامي

العراق - ميسان

الحرية كلمة مبهمة تتردد في وعي الأجيال الجمعي، ولا تعرفها البشرية حقا، وترددها دوما وكأنها تطارد خيط دخان!!

الحرية كتبت عنها آلاف الكتب والمقالات والقصائد والأغنيات وما لا يحصى من المحاضرات والمحاورات، فهل توجد حرية؟

مَن يرى أن الحرية موجودة عليه أن يدلنا عليها، ويقدمها لنا في أي مكان تحققت في الأرض!!

فما هي الحرية؟

وهل توجد حرية مطلقة؟

إن البشر لا يمكنه أن يعيش حراً، لأن طاقات الشرور ستقضي عليه، والحرية في جوهرها سلوك نسبي مرتبط بضوابط ومعايير، وكأنها إشارات المرور التي تضبط المسير.

وإذا تكلمنا عن الديمقراطية فلا تمثل الحرية، وإنما سلطة الدستور والقانون وتحرك الناس وفقا لمعايرهما، ولا توجد ديمقراطية بلا قوة عسكرية رادعة ومتطورة، ومعظم المجتمعات المدعية بالديمقراطية دول نووية، فهل وجدتم دولة ديمقراطية بلا قوة فتاكة، وأجهزة شرطة وأمن ومخابرات متمكنة لتوفير الأمن في البلاد، وهذا في حد ذاته ينفي معنى الحرية.

البشر لا يستطيع ممارسة الحرية لأنة لا يصنع البقاء والرقاء بها، ولهذا تجده مقيداً بالعقائد، والأديان في حقيقتها تصادر الحريات، وتفرض على الشخص التحرك في مداراتها المرسومة، فتدعوه للتبعية والإذعان والخنوع لقوة ما، وبهذا فهو بلا حرية.

والعقل البشري لا يمتلك المؤهلات القادرة على تنمية الشعور بالحرية، ودائما يميل البشر للتبعية والخنوع، ويكون عبدا مطيعا، فمفهوم السمع والطاعة فاعل في مسيرة الأجيال قاطبة، ولا يزال قويا ومؤثراً في الحياة المعاصرة.

فعلى سبيل المثال، الإعلام يصادر الحريات، وهدفه إستعباد المتابعين وتصنيع آرائهم، وتحويلهم إلى أدوات لتنفيذ برامجه بإرادتهم، وكذك أنظمة الحكم، ولا توجد قوة دعت إلى الحرية.

فلا تتحدث عن نوع نظام الحكم، فجميعها غايتها أن يتبع الناس ويخنعون،  ليستتب الأمن ويدوم الحكم، فلا حرية إلا في الخيال وأحلام اليقظة!!

فهل أنتم أحرار؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

تعمق الحوار بين الإسلام والمسيحية

من الأخبار البالغة الأهمية التي أثارت انتباهنا مؤخرا، هو إعلان إنشاء الفاتيكان غرفة مخصصة للصلاة داخل مكتبته الرسولية، والتي خصصت لاستقبال الزوار والطلبة المسلمين الذين يرتادون هذا الصرح العلمي العريق. ونرى في هذه الخطوة مبادرة جريئة ورمزية تحمل في طياتها معاني الانفتاح الديني والإنساني، وتخدم بدرجة كبيرة مسار التقارب بين الفاتيكان والمؤسسات الإسلامية التي تربطه بها علاقات تعاون راسخة، كما تسهم في تعزيز الحوار بين المسيحيين والمسلمين على نحو خاص. ويبدو أن هذا التقارب يشهد نموا ملحوظا في السنوات الأخيرة داخل المجتمعات الأوروبية، مقارنة بعلاقات المسلمين مع اليهود أو مع التيارات العلمانية واللادينية.

بحسب ما ورد في وسائل الإعلام، فإن هذا الحدث لم يُعلن عنه رسميا من طرف الفاتيكان، إذ تم الكشف عنه عرضا خلال مقابلة صحفية أجرتها صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية بتاريخ 8 أكتوبر 2025 مع الأب جياكومو كاردينالي، نائب رئيس المكتبة الرسولية. وأوضح كاردينالي أن بعض الطلبة والباحثين المسلمين طلبوا توفير مكان بسيط لأداء الصلاة، فاستجابت الإدارة لذلك بوصفه بادرة حسن ضيافة طبيعية، لا تغييرا في السياسة الدينية للمؤسسة. وأضاف الأب جياكومو أن المكتبة، التي تأسست عام 1475 وتعد من أعرق المكتبات في العالم، تحتضن ثروة من المخطوطات والتحف الدينية من مختلف الحضارات، بما في ذلك مخطوطات قرآنية قديمة، وتعتبر نفسها "مكتبة عالمية" منفتحة على جميع الباحثين.

وقد أثار الخبر بعد نشره موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة على شبكات التواصل الاجتماعي. فبينما رأى مؤيدون في هذه المبادرة علامة على الاحترام المتبادل والانفتاح بين الأديان، انسجم مع وثيقة "الأخوة الإنسانية" الموقعة عام 2019 بين البابا فرنسيس والإمام الأكبر أحمد الطيب، اعتبرها آخرون، لاسيما من الأوساط الكاثوليكية المحافظة، رمزا لما أسموه "التوفيقية" و"تمييع الهوية الكاثوليكية". فقد وجهت بعض المواقع التقليدية مثل LifeSiteNews وNovus Ordo Watch انتقادات لاذعة للفاتيكان، معتبرة أن السماح بممارسة الصلاة الإسلامية داخل مؤسسة كاثوليكية يشكل "خيانة للمسيح" و"ضربا لمبدأ التبشير"، مستدلين بانعدام المعاملة بالمثل في مدينتي مكة والمدينة حيث لا توجد كنائس أو أماكن مخصصة للعبادة المسيحية.

غير أن هذا الجدل الإعلامي لا ينبغي أن يحجب الجوهر الحقيقي للمبادرة، وهو الرغبة في تعزيز روح التسامح والعيش المشترك التي ينادي بها الفاتيكان منذ عقود. ونعتقد أن هذه الخطوة، وإن كانت رمزية في حجمها، فإنها تحمل دلالات عميقة على مستوى التحول في الخطاب الكنسي تجاه الإسلام. فمنذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1962–1965)، تبنت الكنيسة الكاثوليكية مقاربة جديدة وأكثر إيجابية تجاه المسلمين، تُوجت بإصدار الوثيقة التاريخية نوسترا أيتاتي (Nostra Aetate) عام 1965، التي اعترفت بالمسلمين بوصفهم "المؤمنين بالله الواحد"، وأشادت بالقيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية مثل الإيمان والرحمة والعدالة. ومنذ ذلك الحين، توالت الخطوات العملية لترجمة هذا التقارب إلى مبادرات ملموسة، مثل زيارات متبادلة بين الباباوات والعواصم الإسلامية، مؤتمرات للحوار بين الأديان، ورسائل مشتركة تؤكد على السلم والتعاون.

وفي السنوات الأخيرة، كان البابا السابق فرنسيس قد كرس ذلك النهج المنفتح، حيث دعا إلى ترسيخ قيم الأخوة الإنسانية والتفاهم بين الأديان، ونظم تحت رعايته فعاليات صلاة مشتركة بين المسيحيين والمسلمين من أجل السلام في الشرق الأوسط. كما اتخذ مواقف مشهودة من القضايا الإنسانية، ومنها العدوان الصهيوني على غزة، حيث كان يتواصل بنفسه مع عدد من المواطنين الغزيين في أيامه الأخيرة، في موقف إنساني نادر يجسد بعمق مفهوم الرحمة المسيحية.

ومن الزاوية الاجتماعية، يشعر المسلمون اليوم بقرابة متزايدة تجاه المسيحيين أكثر من أي وقت مضى. فالأمر لا يقتصر على شعور وجداني، بل تؤكده التجربة المعيشية اليومية، خاصة في الدول الأوروبية. ففي بلجيكا، على سبيل المثال، يشارك العديد من المسيحيين في الدفاع عن قضايا مشتركة مع المسلمين مثل حرية ارتداء الرموز الدينية، وتدريس الديانات في المدارس الرسمية، بل ويسمحون للطالبات المسلمة بارتداء الحجاب في المدارس والمعاهد والجامعات. وفي المقابل، تُمنع الرموز الدينية في المدارس العلمانية، ما جعل المسلمين يجدون في الكنيسة الكاثوليكية حليفا في مواجهة النزعات المتطرفة للعلمانية المتشددة.

وهذا ما يجعلنا نستحضر القرآن الكريم الذي أشار قبل أكثر من أربعة عشر قرنا إلى أن النصارى أقرب إلى المسلمين. جاء في الآيتين 82 و83 من سورة المائدة: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ). فهؤلاء النصارى من أتباع المسيح يحملون مودة للإسلام وأهله، إذ كانوا على دين المسيح المتسم بالرحمة والرأفة، كما في الآية 27 من سورة الحديد: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً).

وفي الختام، يمكن القول إن هذه المبادرة الفاتيكانية، على بساطتها المادية، تعبر عن عمق روحي وحضاري كبير، فهي ليست مجرد استجابة تقنية لطلب مجموعة من الزوار والطلبة، بل هي بمثابة رمز لتحول ثقافي شامل في علاقة الكنيسة بالإسلام. فالمسيحية والإسلام، رغم ما بينهما من فروق لاهوتية وتاريخية، يجتمعان على أسس إنسانية وروحية مشتركة، كالإيمان بالله، والاعتراف بالأنبياء، والإعلاء من شأن الأخلاق والمحبة والسلام. وإذا تأمل المسيحي بصدق في رسالة الإسلام، وجد فيها الكثير من روح المسيح، وإذا تدبر المسلم حياة المسيح عليه السلام، وجد فيها ما يقوّي إيمانه بالإنسان وبالقيم التي جاء بها الوحيان.

إن غرفة الصلاة في مكتبة الفاتيكان قد تكون صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها، إذ ترمز إلى تلاقي الإيمانين على أرضية الإنسانية المشتركة، وإلى أن التعايش الحقيقي لا يُبنى بالبيانات الرسمية، بل بالممارسات اليومية البسيطة التي تُجسّد الاحترام المتبادل والإيمان بوحدة المصير الإنساني.

***

بقلم/ التجاني بولعوالي

كلية اللاهوت والدراسات الدينية

جامعة لوفان في بلجيكا

إنقرض القوم: ذهبوا ولم يبقَ منهم أحد، وإنقرض الشيء: إنقطع.

الموجودات الحية والجامدة تنقرض لأسباب كامنة فيها، ولوجود عوامل تعرية وإمحاق فاعلة في أغوارها، ويُقال أن من نظريات إنقراض الديناصورات أنها أوجدت نوعا منها يأكل اللحم، وما يعيقه عن الصيد محدودية سرعته، فما وجد طعاما أسهل من أبناء نوعه، فمضت مسيرة الإتلاف الذاتي، حتى لم تجد الديناصورات الآكلة للحوم ما تأكله فمضت بأكل بعضها البعض حتى إختفت، وتجدنا نحتفل بإكتشاف ما تبقى من هياكلها العظمية.

الأسماك تأكل بعضها، لكنها تنتصر على إنقراضها بالتكاثر المليوني لأنواعها، فكثرتها تفيض عن حاجات أكليها، والمخلوقات الأخرى تتحدى الإنقراض بالتكاثر السريع، كالفئران والأرانب والجرذان وغيرها من الحيوانات اللبونة.

وفي دنيا البشر هناك عوامل شرسة ذات قدرات إنقراضية عالية، لا تتصل بالنوع فقط وإنما بإنجازاته التي نسميها حضارية، وهي على إتصال متين بالقوة والإقتدار الذي يوفر الأمن والبيئة المساعدة على تفاعل العناصر المتواجدة فيها، وهذا التفاعل يتسبب بولادة ما يعوقه ويتسبب في إنهياره الذي عادة ما يكون سريعا ومفاجئا، كأنه سقوط من علو شاهق.

ويسري على البشر قانون " ما طار طير وارتفع...إلا كما طار وقع"، وتلك سنة الحياة فوق التراب، التي تتصارع فيها المخلوقات من أجل الإنقراض والبقاء.

لا دائم بل مؤقت وما مصاب بالغثيان الإدراكي بفعل كوكبنا الدوّار، الذي تتغير فيه الموجودات من حال إلى حال، وتلك إرادة الدوران، وقوانين التغيير والإندثار، فالحروب تلد حروبا، والشر خيرا، وللأرض حكمتها وسلطتها على ما تحمله على ظهرها.

الدوام بعيد، ولكل حالة حين، ولكل بداية نهاية، ولهيب الصخب والأجيج يخمد رغم توفر السجير، فالنار تتعب من أكل حطبها، ويصيبها الإعياء والذبول.

فهل أدرك الإنسان ما يرى؟

تسيّرُنا ولا ندري سواها

أعاجيبٌ كما ظهرت نراها

عقولٌ دون واعيةٍ لكنهٍ

بأرضٍ قد تصارعنا قِواها

جهولٌ كلّ مخلوقٍ بطينٍ

يُبادلها مَحاسنَ مُرتقاها

***

د. صادق السامرائي

في بيئة العمل، نلتقي يومياً بأشخاص يختلفون عنا في أنماطهم وسلوكياتهم وتوقعاتهم. منهم من يمر مرور النسيم؛ هادئاً، مبتسماً بشوشاً، وقوراً، سمته ومحياه لطيف ومهذب يشعرك أن الحياة أيسر مما نتخيل، ومنهم من يجلس أمامك وقد تراكمت في صدره هموم وأوجاع لا علاقة لها بك، لكنها تخرج دفعة واحدة في مواجهة قد لا تخلو من توتر وانفعالات غير مبررة. من بين هؤلاء، يظهر "العميل الغاضب" كأحد أبرز التحديات التي تختبر جاهزيتنا الذهنية والنفسية والمهنية مجتمعة. وليس التعامل معه أمراً عابراً، بل هو لحظة حرجة تضعنا على المحك، وتستخرج كل ما في جعبتنا من وعي وإدراك ومهارات وخبرات؛ إما أن ترفعنا وتحكي عنا قصة نجاح وتألق، أو تهزمنا وتكشف ثغراتنا ونقاط ضعفنا.

العميل الغاضب ليس خصماً أو عدواً، بل هو زبون يتردد على منظمتنا، لديه توقعات لم تلب، أو تجربة لم تكن بالمستوى المطلوب، أو حتى تصورات مسبقة لم تصحح. في هذه المساحة من الانفعال والغضب الجامح، تظهر الشخصية المهنية الحقيقية، ويقاس نضج الموظف لا بما يقوله، بل بما يفعله حين يتعرض لضغط مفاجئ أو موقف غير متوقع، وصوت مرتفع، وكلمات حادة، وربما اتهامات بالتقصير أو التأخير في الخدمة. هنا بالضبط يكمن العلم والفن وتجذر الخبرات، ويتجلى الفهم الحقيقي للممارسات وردود الأفعال الإيجابية المطلوبة؛ أن تتحلى بهدوء رصين، وعقلٍ متزن، ونفسٍ تواقة للتقبل والاحتواء مهما بلغت التحديات، وتطرح الحل كمن يمد يده لا ليسكت الآخر، بل ليرفعه ويعلي شأنه.

ليس من السهل أن تواجه من يغضبك وتبقى في هدوئك وسمتك، أن ترى الشرر في العيون فلا يضطرب لك جفن أو طرفة عين، وأن تسمع الكلمات القاسية فلا تهتز في داخلك القيم. أن تبقى ثابتاً راسخاً كثبات الجبال رغم العواصف، تحاور بالعقل، وتؤكد بالاحترام، وتشعر من أمامك أنك هنا لخدمته وراحته وحل مشاكله، لا لتتهمه أو تدينه أو تهاجمه بأسلوبه التي يتصرف به. هذه ليست مجرد مهارة، بل هي سلوك حضاري وإنساني، يعكس مستوى النضج والوعي، وقدرتك على التحلي بالقيم والمبادئ الأصيلة.

في كثير من البيئات الوظيفية، يلاحظ غياب التدريب العملي على مهارات احتواء الغضب وكيفية التعامل معه، ويغيب الذكاء العاطفي كأداة فاعلة في إدارة هذا النوع من المواقف. وقد أظهرت الدراسات الحديثة في مجال خدمة العملاء، ومنها ما نشرته Harvard Business Review، أن العملاء الذين يعاملون باحترام وهدوء في لحظة غضب، هم الأكثر ولاء وامتناناً للمنظمة لاحقاً، وأن الموظف الذي يمتلك قدرة على الإنصات النشط والفعال وتقديم ردود واعية ومدروسة، غالباً ما يحول التوتر إلى فرصة ذهبية لتعزيز الثقة والرضا.

الأمثلة على هذه القدرة التحويلية كثيرة. كم من مرة خرج عميل منفعلاً، ليدخل في لحظات في حوار هادئ، ثم يخرج معتذراً وممتناً للموقف النبيل الذي تحلى به الموظف؟ وكم من قصة بدأت بشكوى حادة وانتهت بتوصية بأن هذه المؤسسة جديرة بالثقة والاحترام؟ كلها كانت بفضل موظف امتلك الحضور واللباقة والاتزان، وتحول من موظف خدمة إلى قائد موقف، وخبير في امتصاص الانفعال، ومثال يحتذى في التهذيب والتعامل الراقي.

إن فن التعامل مع العملاء الغاضبين لا يعتمد على استراتيجيات جاهزة، بل على مزيج من الحكمة والوعي والإدارة الذاتية والذكاء العاطفي، تعاطفاً ودعماً، وقدرة على تكوين علاقات مثمرة رغم الأزمات والمواقف الصعبة. وهذه كلها مهارات يمكن بناؤها بالتدريب والممارسة. وقد أشار دانييل جولمان إلى أن الموظف الناجح في إدارة الانفعالات لا ينجح فقط في المواقف الفردية، بل يصبح قدوة مهنية يحتذى بها في فريق العمل.

الاحتراف الحقيقي لا يظهر في اللحظات السهلة، بل في قلب العاصفة، وفي خضم المواقف الضاغطة وساعات التحدي، حين يكون صوت العميل عالياً، والشكوى شديدة، وتجد نفسك أمام خيارين: إما أن ترد بالغضب فتخسر، أو أن تتحلى بالحكمة فتفوز. الفائز ليس من يسكت الآخر، بل من يهدئ من روعه، ويبدل انفعاله بهدوء واتزان، ويقنعه من خلال الاستماع التقمّصي الفعّال، ويمنحه الفرصة للتعبير عن رأيه بحرية دون مقاطعة أو فرض سلطة. فالاحترام واجب، والكرامة مصونة، والحل موجود.

من هنا، تتضح أهمية التدريب المتخصص الذي لا يقتصر على تقديم المهارات، بل يعزز القيم ويعيد تعريف المهنية والاحتراف بوصفهما سلوكاً إنسانياً راقياً. وهذا ما أؤمن به وأسعى إلى ترسيخه في البرامج التدريبية التي أقدمها، مستنداً إلى خبرة عملية، وإطار نظري حديث، وممارسة ميدانية مباشرة مع مؤسسات متعددة في العالم العربي وخارجه.

التعامل مع العملاء الغاضبين ليس مهمة عابرة، بل امتحان للروح وتجربة حقيقية تكشف معدن الإنسان وقدرته على أن يكون مرآة لأخلاقه وقيم مؤسسته، وسفيرًا لثقافة الاحترام والاحتواء في مواجهة الغضب والانفعال. فعندما نتعامل مع هذه التحديات، لا نحل أزمة آنية فحسب، بل نبني جسوراً من الثقة والاحترام تستمر بيننا وبين عملائنا، ونصنع قصة نجاح تروى بفخر؛ أن كل ما هو صعب يلين أمام الوعي والقيم الراسخة.

في النهاية، لا يُقاس النجاح بما تقدمه من خدمات فقط، بل بكيفية تقديمها، وبالأسلوب الراقي الذي تدار به لحظات التوتر والمواقف الصعبة. ذلك هو الفارق بين موظف يؤدي وظيفة ينتظر نهاية الشهر، وآخر يصنع أثراً وبصمة أخلاقية ومهنية لا تمحى، وتبقى ما بقيت القيم حية في نفوس الناس والمؤسسات.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

16/10/2025

.....................

المراجع:

*   Goleman, D. (2020). Emotional Intelligence. Bantam Books.

*   Harvard Business Review. (2024). Turning Customer Rage into Respect.

*   Forbes Insights. (2023). Customer Loyalty Trends.

*   عثمان، أكرم. برنامج تدريبي في الذكاء العاطفي في منظمات الأعمال. البنك الإسلامي الفلسطيني، رام الله، 2025.

وتبتسم الأشياء على قارعة طريق العزم والإصرار، وتهلل للإنطلاق البعيد نحو مستقبل أفضل، وتعجز عن التواصل من غير طاقة الأمل والتيقن بكينونة ذات قيمة متقدمة على حاضرها.

وكلما توفرت أسباب الحركة أصبحت حالة التفاعل ذات زخم أكبر، وقدرة على الإنجاز المتميز الذي يعبر عن طاقات المشاركين فيها.

وقد تتخذ الحركة أشكالا وصنوفا متنوعة، لكن أهدافها تبقى متناسبة مع حجم الطاقات المسكوبة في ميادينها، والتي تعبر عن قدرات أصحابها أو المنتسبين إليها.

والحركة قد تكون ثقافية، فكرية، سياسية وما إلى غير ذلك من أنواع التفاعلات الإنسانية القائمة في الحياة.

وعندما نتأمل الحركة الثقافية أو الفكرية نكتشف بأن مدى تأثيرها في صناعة الحاضر والمستقبل تتفق ومحتواها وقوة تفاعل أعضائها، والطامحين إلى صيرورة ما عبر وسائلها وأدواتها والعقول التي تساهم في رفد مسيرتها وتحقيق فعلها في الحياة.

والحركة الثقافية مثل النهر الجاري، إذا تعددت روافده فأنه يتدفق ويفيض، وإذا جفت فأنه ينحسر ولا يساهم في إرواء وادي الوجود البشري من حوله.

كما أن هذا النهر يختنق عندما يتم ردم مجراه بإلقاء نفايات الرؤى والتصورات في مياهه. وعذوبة المسيرة الثقافية تتناسب وقوة جريانها وتدفقها في تربة الحياة الإنسانية، ولا يمكن لحركة بطيئة مريضة هزيلة، أن تؤثر وتشق مجرى تحققها في المجتمع، ولا يصح في مسيرة الحياة إلا تلك الحركات التي تحمل الأنوار وتشرق بضوء النقاء والمجد والصفاء.

ولا يمكنها أن تعيش إن لم تعانق أسباب الوجود، وتعبر عن كينونة المطلق، وتستلهم القوانين الصحيحة التي تبني حياةً ذات قيمة وتأثير مفيد، وتتفجر في مسيرتها قدرات فردية وجماعية بوعي متقدم وتجربة متنورة وعزيمة متوثبة، وشجاعة فائقة على قول الحقيقة ومواجهة المواقف بنكران ذات وإخلاص وطني وإنساني.

وعبر دورات التأريخ تبدو الكثير من الحركات الثقافية على كامل هيأتها بعد أن فعلت ما فعلت أو أثرت في زمنها، لكنها إنعطفت وإندفنت في تراب الختام، ومنها نرى حقيقة أن الحركة الثقافية المنيرة الساطعة السامية هي صاحبة الأثر البعيد، وليست ذات عمر قصير وتأثير لا فائدة منه، أو مشحونة بالأضرار وسوء النظر.

وعليه فأن الحركة الثقافية الناجحة ترتقي برؤاها وأفكارها بعيدا عن إرادة التراب، وتسمو وتتفاعل مع الصفاء والنقاء والرجاء الإنساني، ولا تنحصر في صندوق الوهم وكرسي القوة وتنغلق وتتحرك على عكازة العواطف والإنفعالات، وتحيط نفسها بأسوار نفسية سلبية تساهم في تنمية كراهيتها وزيادة عدد الحركات المعادية لها.

ولكي تكون الحركة الثقافية ناجحة عليها أن تتنقى وتتخلص من شوائب الرؤى والتصورات الضيقة، ويكون حدود مسيرتها الوطن والإنسانية، وتتحرر من أسباب الإنغلاق وعوامل الفرقة والتضاغن، وتحاول أن تضم إلى زخمها الطاقات الناهضة التي تريد أن تساهم في الوجود الوطني الكبير.

كما أن عليها أن تحطم قيود التفكير السلبي التي تفسر الأحداث ومجريات الأمور بأسباب مريضة وتبريرات تهدف إلى الدمار والضرر وعدم الرؤية السليمة، وأن تشفى من العقد التي عبّرت عن سميتها العالية وكُتبت بحبر شرورها وإنتقمت لخناسها، وفجرت دمامل أحقادها بوجه الفضيلة والرحمة.

فهناك قدر كبير من الزيف والتضليل والإمتهان الذي يمارس من أجل طمس الحقائق وتشويه الحياة لأغراض كريهة ودوافع سيئة ذات نوايا خطيرة.

ويتوجب على الحركة الثقافية الدافقة أن تديم فوران أمواجها وشدة تيارها الجاري في شرايين الوطن، لكي يتعافي من أمراضه ويتخلص من جراثيم النفوس الأمارة بالسوء التي أصابت أعضاءه وعطلت قدراته.

فهل ستتحقق مسيرة ثقافية منيرة ذات تأثير حضاري مشرق؟ 

***

د. صادق السامرائي

روى شاب مصري موقفاً شهده يوم سافر من مكة المكرمة إلى الرياض في 2023، خلاصته أنه ذهب للصلاة عندما توقفت الحافلة عند محطة بنزين، فلما عاد اكتشف أنها رحلت، فتحير في أمره؛ لأن حقيبته وأوراقه في الحافلة، وهو لا يعرف الطريق ولا كيف يتصرف، فلقيه سائق شاحنة، فسأله عمّا به، وأخبره أن يهاتف أمن الطرق. وخلال دقائق وصلت سيارة شرطة أخذته إلى الحافلة التي أوقفتها الشرطة عند نقطة تفتيش. يقول الرجل في منشور على «فيسبوك» إنه مذهول؛ لأن الناس والشرطة كانوا راغبين في مساعدته بكل مودة، ومن دون أن يعرفوه أو يوصي به أحد.

لو سألت أي شخص عن رأيه في هذا الموقف، لامتدح جميع الأشخاص الذين شاركوا فيه، وامتدح المجتمع الذي يعزز أخلاقيات الدعم والتكافل هذه. نعلم أن الناس يميلون بقوة إلى التعاضد حيثما أمكنهم، ويعدّون هذا من الفضائل والمكارم. وهذا واضح أيضاً في عشرات التعليقات على المنشور، التي أكد أصحابها أنهم يعرفون مواقف مماثلة.

هذا لا ينفي طبعاً أن بعض الناس الذين يحبون سلوكاً كهذا، لن يفعلوه لو كانوا في الموقف نفسه، أو لعلهم سيطلبون مقابلاً مالياً للمساعدة. وأذكر قصة سمعتها من صاحبها، خلاصتها أنه يملك سيارة كبيرة يستعملها لسحب السيارات المتعطلة. وقد اعتاد أن يذهب عصر الخميس والجمعة (يوم كان الخميس عطلة) إلى منطقة صحراوية يمارس فيها الشبان هواية السباق على الرمال، التي يسميها أهل بلدنا «التطعيس». يقول الرجل إن عدد السيارات التي تنقلب أو تحتاج إلى المساعدة لا يقل عن 7 في كل يوم، وإنه يحدد أجرته عن المساعدة تبعاً لماركة السيارة وقيمتها. فالسيارة الغالية يفرض عليها ألفين والرخيصة خمسمائة... وهكذا. وقال إنه يجني معظم دخله من هذا العمل. وفي وسط الكلام، قال إنه كثيراً ما ترك أشخاصاً مع سياراتهم ولم يساعدهم؛ لأنهم لم يدفعوا المبلغ المطلوب. سألته: ألم تشعر بتأنيب الضمير حين تترك شاباً وراءك وسط الصحراء، مع سيارة محطمة؟ فأجابني بأنه لم يندم مطلقاً؛ لأنه في الأساس ذاهب إلى العمل وكسب المال وليس للمساعدة.

أفترض أن بعض القراء سيتفهم هذا العذر، وسيرفضه آخرون، نظراً إلى الوضع الخاص لطرفي العلاقة؛ السائق وطالب العون. سيقول أولئك إن الذين يتسابقون يلهون ويستمتعون بالمخاطرة، فلماذا نفترض أنهم يستحقون العون، لا سيما من شخص يعيش على هذا النوع من العمل، هذا أشبه بصياد سمك ندعوه إلى التبرع بما أخرجه لمن يحتاج الأكل، فإذا فعل، فمن سيطعم أطفاله؟

أما الذين يرفضون موقفه، فسوف ينظرون إلى عواقب تركه أولئك الشبان بمفردهم في الصحراء، حيث يواجهون مخاطر؛ غير مؤكدة، لكنها واردة. وهم يفترضون أن على الإنسان أن يقدم تنازلات أحياناً، حتى لو كانت على حساب حاجاته وما هو ضروري له.

أميل إلى رؤية المفكر المعاصر إيزايا برلين، الذي رأى أن الفعل الأخلاقي في موقف كهذا ليس واحداً ولا ثابتاً؛ ذلك أن العقلاء يبنون مواقفهم على مزيج من القيم، مادية ومعنوية، تتغير مواقعها وتأثير كل منها وفق تفصيلات المسألة المطروحة فعلاً. في المثال الذي أمامنا، يتأثر الموقف بالوقت (ليلاً أو نهاراً)، ووجود أشخاص آخرين، ومدى حاجة الطرف الأول إلى المال والثاني للعون، وتوفر البدائل، ونوعية المخاطبات التي جرت بين الاثنين، بل حتى طبيعة الأرض والطقس والبعد عن المدينة... تدخل هذه العوامل كلها في تكوين الموقف الأخلاقي الذي يتخذه العقلاء عندما يواجهون حالة كالتي ذكرناها.

ليس من الأخلاقي أن ترهن علاقتك بالناس بمقدار ما يدفعون لك... فلعلهم لا يذكرونك يوم يستغنون عنك، فهل تريد حياة كهذه؟ كما لا يمكن - في واقع الحياة - أن تتحول الحياة كلها إلى تطوع وتطوع مقابل، فهذا يخالف طبيعة الإنسان وفطرته.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

بعد أن قطعنا شوطًا طويلًا في دروب العمر، وحين نتأمل تجاربنا المتراكمة، سندرك أن ما أسعدنا حقًا لم يكن الأحداث الكبرى، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لامست قلوبنا بصدق، وإن بدت في ظاهرها بلا شأن.

منذ سنوات، بدأت أعود إلى تجاربي الماضية، بل إلى حياتي السابقة بمجملها، وأدركت أنني لم أعد تلك الإنسانة التي كنتها. فالمواقف والتجارب والأحداث تلدنا من جديد، نصبح أشخاصًا آخرين، أكثر عمقًا ووعيًا أحيانًا.

اليوم كان لي حديث مع طلبتي، ثم مع بعض الزميلات الشابات، حول أن نسبة كبيرة من النجاح تكمن في الارتقاء بالنفس، وفي العمل بجد واجتهاد لنيل نفسٍ سويةٍ تشعر بالشغف والسلام والطمأنينة، نفسٍ تحيا بعمق، وتشعّ بمظاهر الحياة.

تحدثنا عن أن الفضاء الخارجي، المجتمع والبيئة العامة، بات ضاغطًا ومريضًا، يعاني من انحدار نفسي وأخلاقي، ولا يهيئ مناخًا مساعدًا على خلق التوازن الداخلي.

وهنا تذكرت أننا نقف دومًا أمام مسؤوليتين متوازيتين، مسؤولية ذاتية تجاه أنفسنا، ومسؤولية تجاه خلق بيئة خاصة موازية للبيئة العامة، بيئة نزرع فيها القيم والنور والجمال، نجتهد ونتكافح لازدهارها وسموها.

فكلما ضعفت المسؤولية العامة، ازدادت أهمية مسؤوليتنا الفردية في الحفاظ على التوازن والانسجام. لأن أي نجاح مادي لا يستند إلى عافية النفس وسلامها، يبقى نجاحًا هشًّا، يشوبه الضعف والمرض.

وللشباب أقول:

احموا أنفسكم، وارتقوا بحسّ المسؤولية الفردية تجاه سلامتكم النفسية. لكم الحق في الشغف، وفي الطمأنينة، وفي أن تحلموا وتسعوا بطموح نبيل. فبالارتقاء بأنفسكم، يتبدل إطار المنظومة القيمية من الانحدار إلى السمو، ومن التيه إلى الاتزان.

لا تيأسوا، فليس في هذا الكون شيء ثابت. لكل انحدار دورته، وسرعان ما يتلاشى، لتعود منظومة القيم إلى مسارها الطبيعي في الارتقاء والنور. كونوا أنتم بذور هذا التحول، وازرعوا في دواخلكم ضوءًا لا يخبو، مهما اشتدّ ظلام المرحلة.

فما نزرعه في أنفسنا اليوم، نحيا ثماره غدًا.

***

د. حميدة القحطاني

 

ربُّما الاهتمام المركز في التَّاريخ يجعل صاحبه يقف، في البداية، ضد كلّ جديدٍ، حتَّى يثبت نفسه ويسود، وكم مِن اختراع واجهه كثيرون، بحجة وأخرى، فما زال غزو الإنسان للفضاء محل شكٍ وجدلٍ، وحتَّى الطِّب الحديث هناك مَن وقف ضده، وحَرم التّشريح، وهو العلم التطبيقي، الذي نشأ عليه الطّب، ولا الرَّاديو ولا التّلفزيون مرّا بسهولة وانتشرا، ولا مكبرات الصَّوت استخدمت في الشَّأن الدِّينيّ بسهولة!

كذلك وسائل التّواصل الاجتماعي تعرضت للرفض والقبول، ليس بسبب محتواها، وإنما بسبب غرابتها، وتمكين الجميع منها، حتَّى استخدمها مَن كان يرفضها، بعد أن رأى فائدتها لما يريد نشره وإشاعته.

هكذا بدأتُ مع الذَّكاء الاصطناعيّ وفرعه الأهم (CHATGPT)، رافضاً ما يدلو به مِن معلومات، على أثر أنَّ أحد الأصدقاء، قبل أنْ أسمع بهذا الكائن، أرسل لي قصيدة منها البيت الأول لأبي الطَّيب المتنبي(اغتيل: 354هـ): «الرَّأي قبل شجاعة الشّجعانِ/ هو أولّ وهي المقام الثَّاني»(مِن قصيدة مدح بها سيف الدَّولة)، أما المُحَور بعده: «سَيفُ الفَتى عَقلٌ يَقودُ جَنانَهُ/ بِحَنانِهِ فَيَصونُهُ عَن الخَسرانِ/ يَكفيهِ مِن عَدَواتِهِ ما يَتَّقي/ مِن نَفسِهِ في حالَةِ الغَضَبانِ/ لَيسَ الشَّجاعَةُ أَن تَخوضَ مَعارِكاً/ بِجَسارَةٍ تَسعى إِلى الهَيَجانِ...»؛ وطلب اسم الشّاعر الذي صاحب الأبيات أعلاه؛ فرحتُ أفتش ولم أجد أحداً، وأخبرته أن الأبيات ليست بقوة الأولى، ومَن أكملها على المتنبي يبدو أراد مناطحة المتنبي. فأخبرني أنها محتوى صنعه (CHATGPT)، فوقفتُ ضده بعد أن سمعتُ به أول مرة، وبما لفق مِن شعرٍ باسم المتنبي.

كان الأصدقاء يعرفون موقفي مِن هذا الكائن؛ فحصل أن سألوه أمامي أن فلاناً يعتبرك مُلَفقاً؟ فإذا به يجيبهم كلاماً: «مِن حقِّ فلان الشَّك بيَّ، فأنا أقدم نصاً قابلاً للقبول والرفض، وأنا جديد لم يستوعبني الجميع، وأعرف فلاناً له مؤلفات ومقالات، وتناول في أحدها ما أقدمه مِن محتويات، لكنه لم يرفضني كليةً، إنما كان يميز الصحيح مِن الخاطئ، وأنا أجمع ما يُطلب مني، وأصوغ منه محتوىً، وما كتبه كان صحيحاً، هناك ما هو للعقل وما للدجل». وأتى بعنوان المقال المنشور في «الاتحاد»: «الذَّكاء الاصطناعيّ للعقل والدَّجل أيضاً»، وأكثر مِن هذا عندما اخبروه: «فلان ينتقدك ويسرقك؟» أجاب بالقول: «لم يسرق مني بل هو مَن ساهم في كشف سرقات»!

عندها صمتُ ولم أحر بجواب؛ فهذا كائن حيّ عاقل، يعمل على مختلف العلوم المعقدة منها والبسيطة؛ ويؤمن بالرأي والرأي الأخر، أكثر منا نحن البشر، ولكن كيف تتحول الآلة إلى آلة عاقلة، هل بذاتها «الروبوتات» أم يسيرها العقل البشريّ، تعطي ما يعطيها، مِن صدق أو كذب، مِن غث أو سمين، وكيف يخترقها غول الجهل، ويستغلها في بثِ ما يريده، بالقوة نفسها التي تبثها العلوم العقليَّة؟

هنا ليس لنا نقد أو محاسبة (CHATGPT) لما يبثُه، ولعدم تمييزه بين الجهل والعقل، ولكن يقول ما يُطلب منه، ولا يعطي غير ما صنعه الذَّكاء البشريّ، لكنه تفوق عليه بسرعة صناعة المحتوى المطلوب، فلا يستغرق إلا رمشة عينٍ؛ فأحدهم يكتب ركناً في صحيفة رياضية، وليس عليه إلا إعطاء (CHATGPT) العنوان وبعض المحاور، فيأتيه المقال وينشره، وغيره كثيرون، فهل يُعاب(CHATGPT) أم النَّاشر؟

يبدو الصّاحب بن عباد(تـ: 385هـج) سيعاقب(CHATGPT)، يوم قال عن عبد الرَّحمن الهمدانيَّ(تـ: بعد ثلاثمائة هـجريَّة)، لتأليفه «الألفاظ الكتابيَّة»: «لو أدركت عبد الرحمن مصنف كتاب الألفاظ لأمرت بقطع لسانه ويده. فسئل عن سبب ذلك، فقال: لأنه جمع شذور العربية الجزلة المعروفة في أوراق يسيرة، فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب. ورفع عن المتأدبين تعب الدروس والحفظ الكثير، والمطالعة الدائمة»(الذَّهبيّ، تاريخ الإسلام)، أي هيأ لهم ما لم يجيدونه؛ وهذا ما يفعله الذكاء، ومع ذلك اعترف بأني ظلمتًه وهو وأنصفني!

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

الحياة عمارة أفكار، ولبناتها الأساسية أفكار إنسانية ذات قدرات فاعلة وطاقات وثّابة من أجل تأكيد دورها وإظهار وجودها ومشاركتها في التفاعل مع زمنها، ولا توجد حياة بلا أفكار، وعندما يتم منع الأفكار يتحقق قتل الحياة.

وفي تأريخ الشعوب هناك أنظمة تتبنى أسباب الموت وأخرى تتبنى إرادة الحياة، ويكون الإنجاز الأول بالإستبداد والطغيان والقمع الجائر للرؤى والأفكار، وتحويل الأوطان إلى مستنقعات راكدة تتعفن فيها المخلوقات، ويتأكد الإنجاز الثاني بأنظمة ديمقراطية ترفل بالحرية والفرص اللازمة لتحقيق التطلعات المتدفقة والإرادة الحرة، فتكون الحياة نهر يتدفق وأمواجه تتواكب.

وفي مجتمعاتنا، قمعت الأفكار على مدى القرن العشرين، وحرمت الناس من الجد والإجتهاد لصناعة رموز الأفكار، وتأكيد مشاركتها في بناء القاعدة الحضارية المعاصرة للأجيال، حتى تفتت الموجودات وتسيّدت قوانين المستنقع وغاب جريان الأنهار، وعمّ الجفاف الفكري والروحي والبيئي ليحطم أي سبب للبقاء.

وفي محنة الإستنقاع الحضاري المقيم في ديارنا، تفاعلت عوامل كثيرة لكي تمعن بقسوتها وإتلافها لوجودنا، حيث كان لعامل المصالح الإقليمية والعالمية دور فعّال ومدمر .

فبعد الحرب العالمية الثانية خصوصا، تم إقامة مشروع الكيان العربي الميت، بمعنى أن يكون العرب جميعا حالة خاملة، تسمح بأخذ الثروات وتنمية الإتجاهات المطلوبة في المنطقة، وفرض الشروط اللازمة لإقامة المشاريع والخطط وإنجاز الأهداف.

وظلت الإرادات الطامعة في وسواس قهري، من أهم أعراضه وعلاماته، أن يدوم الحكم الفردي الإستبدادي، ويُمنع الشعب من إطلاق قدراته وأفكاره، وأن يكون أرقاما وأشياءَ معلبة في صناديق الطغاة .والمستبدون يحركونهم وفقا لمقتضيات مصالح الآخرين.

حصل ذلك في جميع دول الأمة التي تحولت إلى أشياء يمكن تحريكها وفقا لأجندات المصالح والأهداف، وكان النفط العامل الأكبر في هذا السلوك، إضافة إلى المشروع المعروف الذي بدأ في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، فهذان الثابتان كانا محور القبض على إرادتها والخط الأحمر الذي يصعب تجاوزه أو الإقتراب منه، لأنهما يمثلان خط الضغط العالي السياسي في المنطقة عموما.

 لكن دوران الأيام وتوالي العقود وتراكم المتطلبات، وضع القوى الكبرى في محنة إقتصادية صعبة مما إضطرها إلى الإقتراب بمنظار آخر، ومراجعة أفكارها ومحاولة الخروج من قيد الوسوسة التي أتلفتها إقتصاديا وأخلاقيا.

وكأن الدنيا تعود إلى بداياتها، إلى حيث الإنطلاقة الأصوب والأنضج، لتؤكد بأن لابد للشعوب أن تعبّر عن أفكارها وتبني وجودها في الحاضر والمستقبل.

فقد اثبتت مسيرة قرن قاهر فتاك، أن الأمم لا يمكن محقها والشعوب لا يمكن سحقها، وأن الضغط يولد إنبعاجات مرعبة ومكلفة جدا، وأن لا بد من توفير الأجواء اللازمة لتحقيق الأفكار الإنسانية في الأوطان.

لقد أثبتت مسيرة الأوجاع للإرادات الوسواسية بأن الشعوب تكون أكثر إيجابية وفاعلية في بناء المُثل والقيم الإنسانية النبيلة، عندما يتمكن الإنسان فيها من التصريح بأفكاره والتعبير عن نفسه بحرية وكرامة.

ووفقا لهذا الوعي الجديد، فأن قوة التعبير إنطلقت بعنفوان وبسرعة كاسحة، لكن بعض عناصر المعادلة الوسواسية لا زالت مقهورة بوساوسها، وغير قادرة إلا على الفعل القهري الذي يوهمها بأنها ستستريح ويهدأ قلقها وخوفها.

وفي هذا الزمن الفياض، لا يمكن مواكبة الأحداث والعيش فيها والكتابة عنها، لأن سرعتها غير معهودة ومتقدمة على مفردات الإستنقاع والركود.

إنها إنفجار ثوري لا مثيل له في التأريخ، فالشعوب صارت قنابل متأهبة للإنفجار العظيم.

فهل سيُسمح ببناء كينونتنا الحضارية المعاصرة، أم أن إرادة رعاية المشاريع ستقضي بما ترى؟!

***

د. صادق السامرائي

برغم كل ما يُقال ويشاع عن النظام الصيني، لكن الكثير من المواقف والأحداث تشير إلى أن المواطن له قيمته، والحكومة الصينية ترعى هذه القيمة وتدافع عنها.

فإذا حصل أذى لأي مواطن صيني في العالم، حتى ولو كان يحمل جنسية بلد آخر، فأن حكومة الصين لا تتبرأ منه وتطالب بحقوقه وتدافع عنه.

وقد حصلت بعض الحالات في السابق وأبدت حكومة الصين مواقفها المدافعة عن كرامة أبنائها وحقوقهم وعدم سماحها بإهانتهم والنيل منهم.

وبالمقارنة بما يحصل في مجتمعاتنا، التي ما عاد الإنسان فيها يساوي شيئا، وإنما رقما على يسار رقم الكراسي التي تنبع منها المآسي.

فكل يوم يموت العشرات في الإنفجارات والإغتيالات، وحوادث الطرق والأمراض وغيرها من الويلات، ولا تجد كرسيا تتملكه الغيرة الوطنية والإنسانية، فيصرخ وينادي ويعالج ويسعى لتحقيق الأفضل، بل الجميع في ترسانة وجودهم المحروسة منكمشين، وإن تحدثوا عن الضحايا فأنها مجرد أرقام بلا قيمة ولا معنى.

ولا تجد صرخة شعبية مدوية بوجه ما يحصل، وكأن الشعب لا وجود له ولا دور عنده.

تلك ظاهرة تشرح الفرق ما بين المجتمعات الحية المعاصرة القوية المبدعة، والمجتمعات الميتة المدثرة بالضلال، والضعيفة المُصادرة الإرادة والمصير.

فهل عندنا وعي إنساني ووطني وحضاري وغيرة على الحياة؟

وهل إن ضمائرنا تنبض بصدق القيم والأخلاق التي نتمنطق بها؟

لقد كنا أعزة كرماء، عندما كان قادتنا يخشون أن يجوع بعير في الأرض التي تحت إمرتهم فيكونون مسؤولين عليه.

وعندما كانت خشية الله قيمة سامية تقرر وترى وتفعل وهي الحَكم والدليل.

فلماذا نلوم الآخرين والزمن وننسى بأننا الآثمون؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

كم هو مؤسفٌ أن يجد الباحث بعض الكتابات المحسوبة على الفكر الإسلامي تنبري إلى الدفاع عن التراث الإسلامي وكأن هذا التراث مقدّر عليه أن يدافع، وأن يظلّ يهشّ بعصاه الإيمانية على ذئاب الفتنة الغالبة بفعل تغول الأزمنة المقلوبة. وقد تقول بعض هذه الكتابات: إن هذا الدفاع موقفٌ مشروع بحكم الحملات المسعورة المسلّطة على الإسلام في كلّ المحافل. نقول: نعم... ونقول: لا... ودليلنا في هذا التنازع أن بعض الكتابات لا تدرك أن الآخر في بعْضِه وليس في كُلِّه، هو آخرُ موسومٌ بالحقد التاريخي الذي لا يني يجرّنا إلى هذه المعارك الخاسرة منذ البدايات. والجوابُ: إن الإسلام المحفوظ من لدن الله الحكيم العظيم، لا يُخاف أو يُخْشى على بنياته القوية التي تمتح قوتها من المرجعية الربّانية القاضية بحفظه حفظا متينا مطلقا (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون)

إلا أن قولنا ب (نعم) هو القولُ المشروطُ بالضرورة، ونقصد بها أن المجتمع الإسلامي في تصوّر النظرية المعرفية الإسلامية، دائما ما يفتح المجال لكل من تفقّه في الدين أن يبيّن للناس ما جهلوا وأن يذود عن التراث ما وسعه الذود، كما يفتح أبوابه مشرعةً للاجتهاد في قراءة الراهن قراءة معرفية، في اتّزانٍ علمي ومنهج متّزن.

وفي التركيب الأخير، لابد من لنا من غرس ثقافة فقه الردّ، وهو أن يكون ردّا مستحقا لا ضربا في خواء ولا انجرارا وراء معارك مبرمجة من هناك وهيَ المحسوبةُ نتائجها دائماً لصالح هذا الهناك.

كانت هذه مقدّمة ضرورية لبيان أن الحديث عن الظاهرة الفكرية الجامعة بين الذات والآخر لابد أن نتناولها من موقع امتلاكنا لقوّة نوعية، وهي القوة التي أعزّنا الله بها، رغب من رغب وكره من كره. وهي القوة التي يسعى الآخر سعيا حثيثاً وحريصا على أن يسلبنا إياها، أو على أقل تقدير منه، أن يشككنا فيها.

الكتابة من منظور الهزيمة كتابة انتكاسية، تُعلِن عن الراية البيضاء مجانيا قبل الاحتدام، وتُنجزُ المنجز في إعاقته لا في استوائه. وقدرها أن تجترّ ذاتها في مواسم التنازلات الفكرية والمبدئية... وهلمّ جرّا...

ومن هذه التنازلات على سبيل التمثيل، نذكر التنازل عن النديّة والحضور التاريخي والاستشراف الحضاري. وهذه لعمري مضارب قومٍ إذا ما أبانوا عن عراءٍ في بعض جبهاتها أصابهم ما يصيب من تخلّى عن حماه وترك تراثه للتسيب يعيث فيه منْ شاء كيفما شاء.

ونحن لا ندّعي في هذا المقام سبقا ولا استثناء ولا تميزا، إذ الساحة الثقافية مليئة بالاجتهادات الفكرية والأطروحات الأكاديمية التي تُغني القارئ الباحث عن أجوبة للسؤال الفكري العربي والإسلامي. ولكن، مقابل ذلك، نقول إننا نمتلك رؤية خاصة لطرح وجهة نظرنا إزاء قضايا تمس الذات العربية والإسلامية، وتتاخم الأجوبة على أسئلتها الكبرى. من هنا، حقّنا في المساهمة وقدرتنا على الدفع بالسؤال إلى ممكنات حدوده، حسب طاقتنا في التفكير الذي نتوخّاهُ سليما وبعيداً عن كل "شوفينية" ضيقة وعن كلّ تحامل مجاني على رأيٍ يخالفنا أو نظرٍ يناقضنا.

إذا كانَ دأبُ التصور الإسلامي التأكيد المعرفي على موقع العقل وقيمته في اختراق حجب الوجود من منظور ربّاني يرسم الحدود لتأكيد موقع الإنسان وقيمته، فإن بعض الفكر البشري، وخاصة المناوئ منه، دأب على تقزيم دور العقل والتقليل من شأنه لتحويل الإنسان المسلم إلى ظاهرة متشيئة فارغة من كلّ دور إلا دور الاستهلاك.

ويكادُ هذا التوصيف (الاستهلاك) ومن باب الألفة أن يبدو أمرا بسيطا لا خطر فيه ولا تهديد. إلا أن الناظر بعمق سيكتشف أن المسألة أكبر من حالاتِ تبضيعٍ لسلوك البشر. إن الأمر يتجاوز ذلك إلى تبضيع القيم. وما أدراكَ ما القيم. إن القيم هي الصمّام الذي يؤكد إنسانية الإنسان، وإنسانية العلاقات الكليّة بينه وبين الآخر، إذ في غياب عنصر العلاقة فلا قيمة للقيمة. ويكفينا لندرك قوة الحضور العلاقي القيمي أن نضرب مثلا يقارِن بين زاهدٍ متعبّدٍ في صومعة معزولة عن سياق الاجتماع وبين زاهِدٍ يختلط بالناس ويصبر على أذاهم. إذن فشتّان بين من يكرّس للقيمة داخل الاختبار وبين من يعزلها عن أتون الاحتكاك والتدافع الحامل لقوة الاعتبار. 

وفي تبضيع القيمة، لا نخسر الإنسان المسلم فقط، في استوائه المطلوب لعمارة الأرض، وحسب، بل نخسر أيضاً قدرته العقلية التي بها يكون ويشارك ويبدع ويضيف إلى المشهد الإنساني ما يمكنه أن يضيف. ونخسر معها إرادته، إذ سرعان ما نكتشف أن مسلسل التبضيع لا يقف عند حدود النتائج المادية البائنة، وإنما يتجاوز ذلك إلى صناعة إنسان مجرد من إرادته، في صورة استلابية تعجز عن تفعيل الإرادة في جوهر الاستقلالية، وبالتالي، يستدعي هذا التخريج حصول التبعية بمفهومها السيكولوجي القاضي على آخر معاقل المقاومة في الإنسان المبضّع.

***

نورالدين حنيف أبوشامة\المغرب

الاقتصاد الثقافي هو أحد فروع الاقتصاد ويعني بدراسة علاقة الثقافة بالنتائج الاقتصادية، من خلال المعتقدات المشتركة، التمويل الثقافي مجال متنام في الاقتصاد السلوكي، يدرس تأثير الاختلافات الثقافية على القرارات المالية الفردية والأسواق المالية

جدلية الاقتصاد الثقافي بأن الفرد لن يصل إلى قراره بناء على هذه القرارات الضمنية والصريحة فقط بل من خلال الاعتماد على المسارات. تتكون هذه المسارات من أشكال نظامية جرى بناؤها على مر السنين ترشد الأفراد في عملية اتخاذ القرار

في عام 2007، أشار كل من ثورستون هينز وماي وانغ إلى أن العديد من مجالات التمويل دائمًا ما تتأثر بالاختلافات الثقافية. يتضح بشكل متزايد أن لدور الثقافة في السلوك المالي تأثيرات كبيرة للغاية على إدارة وتقييم الأصول. باستخدام أبعاد الثقافة التي حددها شالوم شوارتز، أُثبت أنه يتم تحديد مدفوعات أرباح الشركات إلى حد كبير من خلال طرق الإتقان والمحافظة.على وجه التحديد، ترتبط أعلى درجات التحفظ بأحجام وقيم أكبر لمدفوعات الأرباح، وترتبط أعلى درجات الإتقان بالنقيض تمامًا. وقد تبين أيضًا أن تأثير الثقافة على توزيعات الأرباح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاختلافات الثقافية في تفضيلات المخاطر والوقت

المتابعين لمعارض الكتب لعام 2025 يرى بوضوح أن الثقافة لم تعد نشاطًا نخبويًا أو حدثًا موسمياً فقط، وأصبحت عنصرًا اقتصاديًا يُقاس بالنمو والإيرادات وعدد العقود الموقعة نتيجة رؤية تُدرك أن الاستثمار في الثقافة استثمار في الإنسان، وفي اقتصاد المستقبل، الذي يقوم على المعرفة والإبداع، والأرقام التي أعلنتها هيئة الأدب والنشر والترجمة مؤخرًا تؤكد هذا الاتجاه بوضوح، و يظهر المعرض بوصفه منصة اقتصادية ثقافية متكاملة، فكل صفقة بيع، وكل توقيع عقد، وكل اتفاقية توزيع تمثّل قيمة مضافة للاقتصاد الثقافي الوطني، كما يوفّر الحدث مساحة للتعارف المهني بين الناشرين والمبدعين والمستثمرين في المحتوى، وهو ما يفتح مجالات عمل جديدة في الكتابة، والإنتاج، والتسويق، وإدارة الحقوق ، بما تضع الثقافة ضمن محركات التنمية المستدامة، فالثقافة هنا ليست ترفًا، حيث ينظر لها على أنّها قطاع منتج يخلق الدخل ويعزز القوة الناعمة بما تضع الثقافة ضمن محركات التنمية المستدامة، فالثقافة هنا ليست ترفًا، حيث ينظر لها على أنّها ضرورة

***

نهاد الحديثي

 

العباسيون أفلحوا عندما زاوجوا مسيرتهم بالحضارة الشرقية، فكانت تفاعلاتهم ذات إنارات ساطعة في دجى البشرية، وكانت الشراكة بينهما ذات قدرة متميزة وطاقات إبداعية لا تضاهى.

تخيلوا ماذا سيحصل في الدنيا، لو أن دول الأمة تفاعلت بإيجابية مع الحضارات الإقليمية المحيطة بها، وأسست إتحادا تفاعليا معاصرا.

بالتأكيد ستزداد مناعتها وتتأكد قوتها وتفرض إرادتها، فهذه مراكز حضارية ذات تأريخ طويل وعريق ومتميز بعطاءاته وتنويراته المعرفية.

لو تفاعلت أو تحالفت دولنا مع جاراتها، لما وصلت أحوال المنطقة إلى ما هي عليه.

وبرغم نوايا حلف بغداد (24\2\1955) المعلنة، لكنه كان خطوة يمكن البناء عليها وتطويعها وتحويلها إلى إرادة ذات قيمة اقتداريه، وكان من الممكن إخراج بريطانيا منه، وضم باقي الدول العربية إليه.

وبرغم كل ما يُقال ويُطرح من آراء، فأن الحقائق التأريخية تؤكد أن لابد من تحالف دول المنطقة أو إتحادها لتأمين مصالح دول الأمة، فلا يصح أن يكون الضعف عنوانا ودول الأمة (22) ودول الإسلام أكثر من (57) دولة، فإتحادها يؤلف أكبر قوة في الدنيا لا تستطيع مواجهتها أية قوة مهما تمادت في جبروتها وطغيانها.

فهل سنعيد الحياة لوجودنا الحضاري؟!!

بلادُ العُرب يا وطنَ المآسي

ألا تبّت أفاعيلُ الكراسي

تعالوا نحوَ مُذكيةِ اتْحادٍ

بلا خوفٍ ولا وجعِ التباسِ

حياةٌ ذاتُ يأسٍ أو خيابٍ

بها دولٌ وأجيالٌ تقاسي

***

د. صادق السامرائي

 

‏منذ وقت مبكّر عرف المثقفون العراقيون الغربة، مثلما عرفوا الاغتراب، والغربة هي ابتعاد فيزيولوجي عن المكان، أما الاغتراب فهو نتيجة وضع الفرد في البناء الاجتماعي ووعيه لهذا الوضع وسلوكه كمغترب وفقًا للخيارات المتاحة.

‏والكثير من المثقفين العراقيين عاشوا حالات اغتراب في الوطن قبل غربتهم، والاغتراب يمكن أن يكون اجتماعيًا أو سياسيًا أو عاطفيًا، وما تشكّله تلك الاغترابات من عزلة نفسية وروحية، ومع الغربة المكانية تزداد الحالة عمقًا ومأساويةً.

‏ عاش العديد من المثقفين العراقيين أكثر من ثلث عمرهم البيولوجي وأكثر من نصف عمرهم الإبداعي في المنفى، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض المثقفين مثل الجواهري ومظفر النواب ومحمود صبري وبلند الحيدري ومصطفى جمال الدين وعبد الوهاب البياتي وهادي العلوي وسعدي يوسف وغائب طعمة فرمان ومحمد مكيّة ومحمد كامل عارف وقيس الزبيدي وناهدة الرمّاح ورفعت الجادرجي وزينب وسلام خيّاط وضياء العزّاوي وفاضل العزّاوي وسالمة صالح وغيرهم.

‏أستطيع القول إن الغالبية الساحقة من المثقفين عاشت حالات اغتراب كبيرة وغربة في الآن، وإن كانت الأخيرة أقل وطأة، وكنت قد سألت الجواهري الكبير: وماذا كان هناك يا أبا فرات في براغ؟ هل زمهرير المنفى أم فردوس الحريّة؟ (وكان قد عاش فيها 7 سنوات عجاف على حدّ تعبيره). 

‏وبعد أن سحب نفسًا عميقًا من سيجارته أجاب: الاثنان معًا، أي والله. وبالفعل فالمنفى على الرغم من قسوته أعطانا أشياء كثيرة من بينها الحريّة، فضلّا عن الاطلاع على ثقافات شعوب وأمم أخرى وعادات وتقاليد ولغات وأجناس وأعراق ساهمت في رفد ثقافاتنا العربية - الإسلامية.

‏الكاتب العبد الفقير عاش في عدد من المنافي في ثلاث قارات: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وأقام في عشرات البلدان، وتنقّل بين عشرات البيوت والمنازل والشقق، وعانى واغتنى في الآن بالكثير مما شاهده واختلط به وترافق معه.

‏ربما لوعة الغياب والبعد عن الوطن والحنين إليه ظلّت تلازمه لدرجة أن الوطن عاش في قلبه، ولكن من بقي في الوطن، وإن لم يشعر بالغربة المكانية فقد عاش الاغتراب الحقيقي، وذلك ما عاناه الغالبية الساحقة من المثقفين الذين تعرّضوا للاستلاب والعسف والاستبداد والمحاربة بالرزق وشحّ حريّة التعبير والرقابة، فضلّا عن الحروب العبثية المستمرة، والحصار الدولي الجائر، والاحتلال البغيض، ثم الفوضى والمحاصصة والفساد والإرهاب بجميع أشكاله.

‏يمكن القول أن معاناة مثقفي الداخل كانت مركّبة ومزدوجة في الميادين الإبداعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية، وهي معاناة تفوق الوصف. إنها بشكل مكثّف معاناة الثقافة العراقية برمّتها، ورافدها الأساسي ثقافة الذين عاشوا وهم يرون الوطن يتآكل أمامهم ويتشظّى، ويحرمون هم وعوائلهم من أبسط حقوق العيش الكريم. وتلك المعاناة وإن تمايزت في فتراتها، لكنها طبعت ما يزيد عن خمسة عقود من الزمن.

 وغالبّا ما نتساءل، أين المثقفون من الشأن العام؟

‏والسؤال ليس عراقيّا أو عربيّا فحسب، بل إنه سؤال كوني، حيث ترى النخب الثقافية والفكرية بعيدة عن الوظيفة العامة والسياسة بشكل خاص، ففي حين كان حضورهم فاعلًا ومؤثرًا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم، أخذ هذا الدور يتراجع منذ ستينيات القرن الماضي، حيث ترى الأحزاب تكاد تكون شبه خالية من المثقفين، وإن رأيت هؤلاء هناك فسيكون دورهم هامشيًا يزينون خطاب الأيديولوجيا، ويحرقون البخور ويجمّلون الرأي السياسي.

‏بكلام آخر هذه القلة من المثقفين لا تستطيع التعبير عن رأيها بحريّة بقدر تعبيرها عن رأي إدارات الأحزاب وتجاذبات السياسة الضيقة الحزبوية. وهكذا لأسباب موضوعية وذاتية، أصبحت الغالبية الساحقة من المثقفين خارج الساحة، ومن بقي فيها لا دور يُذكر له.

‏في خمسينيات القرن الماضي كان المثقف العراقي هو الأولوية عند الأحزاب، حيث انطلقت موجة ثقافية جديدة في جميع المجالات، في الشعر والرسم والنحت والموسيقى والغناء والمسرح والسينما والعمارة، وفي السياسة لعب المثقفون الدور الأبرز، وكان من كتب بيان جبهة الاتحاد الوطني (آذار/ مارس 1957) الطيب الذكر الدكتور إبراهيم كبّة وبموافقة الأحزاب الأربعة المؤسسة لتلك الجبهة العتيدة.

‏ إن قوة المثقفين تكمن في أفكارهم وإبداعهم وقدرتهم على التجرد، والثقافة حسب الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون سلطة، وعلى المثقف ألّا يتخلى عن سلطته، والمقصود إبداعه، تحت أي مبرر أو مسوّغ.

 ثقافة المثقف تعني إبداعه، وهذا الأخير يعني قيمه الجمالية، تلك التي لا تقبل منه أن يكون حاشية مثلما لا ينبغي أن يكون فوقيًا ومتعاليًا عن المساهمة في التعبير عن مشاكل مجتمعه وهموم بلده وتطلعات شعبه.

‏وإذا تمكن المثقف من تجسير الفجوة بينه وبين أصحاب القرار، ستعود الفائدة على الثقافة والتنمية ومستقبل البلاد ككل، لكن الأمر لا يعود إليه، بل إلى أصحاب القرار أولًا، حيث لابد أن تتولّد لديهم تلك القناعة لأعلاء شأن المثقف واحترام خصوصيته وفردانيته.

‏على المثقف أيضًا عدم الانتظار، بل ينبغي له أن يقوم بمبادرات وتواصل مع مجتمعه، ويتحوّل إلى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، فهو معني بقضايا الناس من أصغرها حتى أعقدها، فهل يستطيع مثقف حقيقي أن يرى مشاهد الدمار والقتل والإبادة اليومية في غزّة وأن يدفن رأسه في الرمال مثل النعامة؟

ذلك هو المثقف الكوني بمفهوم إدوارد سعيد، وهو الوجه الآخر للمثقف العضوي بمواصفات غرامشي، خصوصًا حين يتماهى مع مجتمعه.

لا بدّ من مساهمة فاعلة نقدية وإيجابية للمثقفين، كلّ من موقعه، لإعلاء قيم السلام والتسامح والمساواة والحق والعدل، تلك هي مواصفات التصالح مع النفس وجمال الروح، فمن امتلك سلطة الجمال تبقى روحه نظيفة.

***

عبد الحسين شعبان - مفكّر وأكاديمي

...................

- نص الكلمة التي ألقاها د. شعبان في افتتاح مؤتمر المثقفين العراقيين الذي انعقد في بغداد في 8 - 11 تشرين الأول / أكتوبر 2025.

الثقافة العراقية.. حين تلبس جلباب الدعاية الأنتخابية!

انعقد في بغداد للفترة (8-11/25) مؤتمرا ثقافيا بعنوان (مؤتمر المثقفين العراقيين الوطني الأول). وللحقيقة والتاريخ، فأن اول مؤتمر ثقافي عراقي انعقد بعد التغيير كان في عام 2005 برئاسة وزير الثقافة الدكتور مفيد الجزائري والمستشار الراحل كامل شياع وعضوية لجنة الرأي بينهم الدكتور خزعل الماجدي ومحمد عبد الجبار الشبوط وآخرون وأنا .

شارك في ذلك المؤتمر مئات المثقفين المتنوعين في المجالات كافة (اذكر ان الفنان جعفر السعدي تعرض وهو جالس حينها لوعكة صحية). وما يعني الثقافة العراقية ومؤتمركم، ان ذلك المؤتمر خرج بتوصيات ومقترحات من شأنها ان تعمل على اعادة زهوها ورفعة شأنها.

والتساؤل: ألا كان من الاصوب للثقافة العراقية ان المؤتمر (الأول) يكتب له (الثاني)، ويستفيد ويطور بنوايا خالصة يبعد عنه شبهة (سياسية او انتخابية)، بدليل انه استبعد مثقفين كبارا لهم مواقف ناقدة وجريئة لنظام المحاصصة، وحكّام متهمون عراقيا ودوليا بالفساد.. افقروا 13 مليون عراقي في محافظات الوسط والجنوب وفقا لتقرير وزارة التخطيط!

وهل عالج المؤتر شيوع ثقافة القطيع، والفراغ الفكري وسذاجة التفكير الخرافي بين المنتمين لعدد من احزاب الأسلام السياسي والناس البسطاء، وثقافة التشويه التي جعلت بعضهم اشبه بدمى في زوايا النسيان؟

وهل تناول، بتحليل سيكولوجي، مستوى الثقافة المتدني لدى الشباب الذين انشغلوا بوسائل التواصل الاجتماعي التي اشاعت بينهم ثقافة التفاهة، التي تؤدي بحسب الفيلسوف الكندي د. آلان دونو الى شيوع فكرة (اننا نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام ادى، تدريجيا، الى سيطرة التافهين على جميع مفاصل الدولة الحديثة)؟ . وهل نبهتم الى ان لا تجعلوا الكثير من المثقفين العراقيين على طريقة الدكتور علي شرعتي.. " يسخرون ممن عدوا انفسهم في عداد المفكرين"؟.

وهل نبهتم السلطة الى ان ثقافة التظاهر حق يكفله الدستور في النظام الديمقراطي؟

ان مهمة المثقف هي ان يقول الحقيقة بان ينصح الحاكم ليكون مع الشعب وان يدعم الشعب الى ان يكون مع الحاكم الذي يخدم الوطن، ويفضح بالحقائق.. الحاكم الذي يستفرد بالثروة والسلطة، ويفقر الملايين من شعبه ويجعل الباقين يعيشون بلا هدف في الحياة، بل يوصلهم الى فقدان معناها. وما لا تعرفونه.. أن من يفقد معنى الحياة من وجوده فيها، ولا يقّدم الواقع حلا لمشكلته.. فأنه يصل حالة الاغتراب النفسي التي تدفعه اما الى الهجرة او الانتحار.. وقد حصلا.. دون ان ينبه مؤتمركم من هم في السلطة التي هي مسؤولية المثقف الحقيقي.

ايها السادة.. ان كثيرا من العراقيين يغفلون دوره الثقافة، ولا يدركون ان ما نحمله من قيم وأخلاق .. هي من صنع الثقافة. والأكثر من ذلك ان الثقافة هي التي تتحكم بسلوكنا، وانها هي السبب في اختلاف سلوك رجل الدين عن سلوك الأرهابي، وسلوكك عن سلوك الآخر. ولكم ان تتذكروا كيف كان سلوك العراقي في ثلاثة أزمان: الملكي والجمهوري والديمقراطي بعد التغيير. ولكم ان تعرفوا ايضا ان تضاعف حالات الطلاق والانتحار، وتحول الفساد من فعل كان يعدّ خزيا في قيمنا العراقية الى شطارة وانتهاز فرصة.. سببه الرئيس شيوع ثقافة الخرافة والنفاق والدجل وتوظيف الدين لخدمة الحاكم الفاسد.. وتلك هي الأشكالية التي يعيشها المثقف العراقي الحقيقي ومحنته في الزمن الديمقراطي.. التي غاب فرجها باغتيال ثورة تشرين!

وما دام مؤتمركم ابتعد عن التطرق لها بما هو واجب على المثقف، فأن وصف كثيرين بأن مؤتمركم يأتي بارتدائه جلباب الدعاية الأنتخابية لسياسيين بينهم مسؤولون مكروا في خلق الأزمات لعشرين عاما.. هو الحقيقة التي ختامها: ان مؤتمركم هذا جاء ليلبس الدعاية الأنتخابية .. جلباب الثقافة!.

***

أ.د. قاسم حين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

ما بين المكاسب العالمية وشبهة التطبيع.. تحديات الظروف الصعبة

أثار الإعلان عن فوز العالم ذي الأصول الفلسطينية، عمر ياغي، بجائزة نوبل للكيمياء، بالشراكة مع اثنين آخريْن، تفاعلاً غير مسبوق عبر الفضاء الرقمي، لعدة عوامل أبرزها كونه لاجئاً فلسطينياً وجزءاً من تداعيات نكبة عام 1948، ويحمل جنسيات عديدة (الأردنية والأمريكية والسعودية) حيث منحت له الأخيرة بمبادرة سعودية محضة، تقديراً لجهوده العلمية.. مع أن الدول العربية تمنع الجمع بين جنسيتين عربيتين في نفس الوقت.

وتجدر الإشارة إلى أن ياغي الذي عانى من شظف العيش في صغره، شاءت له الحياة الصعبة أن يعيش مع أسرته الكبيرة في القويسمة قرب مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين، في غرفة واحدة، مع الأغنام التي كانت تشكل بوابة رزق العائلة بعد أن خسرت كل ممتلكاتها في بلدة "المسمية" السليبة التي كانت تابعة لقضاء غزة قبل النكبة، ويتركز أغلب أقربائه من عائلة ياغي اليوم في الأردن والمهجر وقطاع غزة، حيث قصف الاحتال بيوتهم خلال حرب الإبادة المستمرة على القطاع منذ عامين، ليمضي به الزمن بطيئاً في ظروف خانقة عاناها الفلسطينيون في مخيمات الشتات.

عندما كان ياغي في الخامسة عشرة من عمره، أرسله والده لينضم إلى شقيقه الأكبر خالد في الولايات المتحدة، دون أن يكون ذلك في حسبانه، حيث لم تتجاوز طموحاته آنذاك التحرر من ظروف الشقاء وبناء مستقبل أكثر إشراقاً وأماناً له ولأسرته؛ ولكن ما أن وطأت قدماه أرض أمريكا حتى تفتحت طموحاته، وتعززت فيه روح التحدي لبناء مستقبله بما يتناسب وعبقريته وقدرته على العطاء، خلافاً لحياة الضنك التي عاناها في مدينة عمّان التي شهدت ولادته عام 1965.

ففي الولايات المتحدة حصل على الدرجات الأكاديمية الجامعية بتميز واقتدار، وصولاً إلى حصوله على الدكتوراه في الكيمياء من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين. واجتهد على نفسه حتى صار من أبرز العلماء في مجال كيمياء المواد، وخصوصًا في تطوير ما يُعرف بـالأطر المعدنية العضوية (MOFs) والأطر الكوفالنتية العضوية (COFs)، وهي مواد مسامية تُستخدم في تخزين الغازات، وتنقية المياه، والتقاط ثاني أكسيد الكربون.

* إنجازاته المدهشة

وكانت أبرز إنجازاته العلمية ابتكار MOFs وCOFs وهي مواد تُعد ثورة في علم المواد، لقدرتها الهائلة على امتصاص وتخزين الغازات، مما يجعلها مفيدة في مجالات الطاقة والبيئة.

ويُعتبر ياغي من أكثر الكيميائيين اقتباسًا في العالم، مما يدل على تأثير أبحاثه في المجتمع العلمي، حتى صارت من أهم المرجعيات في تقنيات إيجاد المياه وتركيب مكوناتها لخلق بيئات صالحة في الصحارى الممتد عبر الكرة الأرضية، إلى جانب تأمينها مستقبلاً في المركبات الفضائية ومحطات الفضاء التي تدور حول الأرض ومصادر للمياه في كوكب المريخ الذي تطمح البشرية لاستعماره.

ورغم ذلك سجلت عليه إحدى السقطات الوطنية التي وقع فيها كثيرون من العلماء العرب الذين استجابوا للإغراءت الإسرائيلية خلافاً لغيرهم من العلماء الذين تحصنوا من الوقوع فيها درءاً للشبهات دون أن تنقص من مكانتهم العلمية الاستثنائية.

*علماء فلسطينيون ما بين الوطنية والعرفان لأمريكا

كان من المفروض أن تترك النكبة في نفس عالم فذ كالبرفسور ياغي آثاراً نفسية تساعد على بناء مواقف وطنية تسجل له على نحو ما فعله بعض العلماء الفلسطينيين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الثقافة والعلوم ورشح بعضهم لجائزة نوبل في العلوم، مثل:

عائلة نايفة وتتكون من ثلاثة علماء يقيمون في الولايات المتحدة، وهم: البروفسور منير نايفة أبو هندسة النانوميتر الذي تمكن من عزل الذرات عن بعضها، فقام بإنتاج أول حروف كلمة فلسطين (PH)، وعندما تم التضييق عليه وجد مخرجه في أن هذين الحرفين يشكلان بداية كلمة فيزياء.. وأنشأ شركات صناعية دقيقة رائدة تقوم على هندسة النانو ميتر.

والبروفسور علي نايفة، المتخصص في الهندسة الميكانيكية، الذي ألّف الكثير من الكتب العلمية المرجعية، وله براءات اختراع مسجلة حول العالم.. حيث تم تكريمه بالعديد من الجوائز العالمية من أهمها حصوله على جائزة بنجامين فرانكلين التقديرية في الهندسة الميكانيكية، وهي أرفع جائزة تقدّم في الهندسة الميكانيكية.

والبروفسور تيسير نايفة، وهو صاحب مجموعة من الاختراعات المسجلة رسميًا باسمه، وحاصل على عدة جوائز وتكريمات علمية.

وأثناء تسجيل لقاءات لهم عبروا من خلالها عن بعدهم العربي والوطني الفلسطيني كلاجئين دفعتهم النكبة لمغادرة مسقط رأسهم مدينة طول كرم قبل نشوء سلطة أوسلو.

أيضاً الفلسطيني لؤي البسيوني من غزة وهو مهندس كهربائي فلسطيني ترأس فريق تطوير الإلكترونيات والتحكم في المحركات الجانبية ومحركات الدفع الكهربائي «لمروحية إنجينويتي المريخية» الروبوتية المسؤولة عن جمع البيانات في كوكب المريخ.. التي حلقت على سطح كوكب المريخ، وهي أول طائرة يتم التحكم فيها خارج كوكب الأرض.

ولا ننسى العالم الفلسطيني البروفسور عصام النمر وهو عالم صواريخ أميريكي من أصل فلسطيني عمل في وكالة الفضاء الأميريكية "ناسا NASA" وهو من القلّة القليلة من العلماء الذين أُتيح لهم إعطاء الإشارات لإطلاق مركبات الفضاء، حيث شارك في إطلاق مركبات "أبوللو APOLLO" ومن بينها مركبات "أبوللو11"، التي كانت أولى مركبات الفضاء التي تهبط على سطح القمر في العام 1969.

وعمل العالم الفلسطيني مهندساً في شركة روكيت دين لصناعة محركات الصواريخ العملاقة في كاليفورنيا، وهو أول من وضع إسم جنين على سطح القمر حينما كتب على الحجر إسم جنين وقام بوضعها على سطح القمر، حيث سأله أحد الصحفيين الأميريكيين لماذا كتبت إسم جنين ولم تكتب إسم فلسطين؟ فأجاب: "حتى يسمح لي الأميريكيون بإرساله إلى القمر". وما زالت مكتبة بلدية جنين حتى الآن تحتفظ بصورة مهداة إلى أهالي المدينة وموقّعة من قبل رواد المركبة "أبوللو 11" كان الدكتور عصام قد قدّمها لبلدية جنين في أول زيارة له للوطن في عام 1972.

والأشهر البروفسور إدوارد سعيد، مُنظر أدبي فلسطيني-أمريكي. يعد أحد أهم المثقفين الفلسطينيين وحتى العرب في القرن العشرين سواءً من حيث عمق تأثيره أو من حيث تنوع نشاطاته، بل ثمة من يعتبره واحدًا من أهم عشرة مفكرين تأثيرًا في القرن العشرين.

* الطريق إلى نوبل ومصيدة "جائزة وولف الإسرائيلية"

من المفارقات التي اعتدنا عليها هو أن حصول العرب على جائزة نوبل يمر عبر طريق مفخخ بالجوائز المرتبطة بإسرائيل وعلى رأسها "جائزة وولف الإسرائيلية" في الكيمياء التي حصل عليها العالم المصري البروفسور أحمد زويل عام 1993. وعقبها بست سنوات 1999 حصل على جائزة نوبل لابتكاراته في علم كيمياء الفيمتو .

فإن المفاجأة ستكون أشد وطأة حينما يتعلق الأمر بحصول الدكتور عمر محمد ياغي على نفس الجائزة وكأنها من شروط حصوله على جائزة نوبل للسلام 2025،

ويبدو أن تأثير القضية الفلسطينية على وعيه الوطني تراجع منذ مغادرته الأردن إلى أمريكا لتعاد برمجته وهو فتى يافع على الشعور بالعرفان تجاه من قدم له الدعم المالي والعلمي وفتح أمامه آفاق المعرفة والنجاح.. فحوصر وعيه الوطني في ذاكرته التاريخية التي أنِفَتَها (أناه) المنشغلة بالمكاسب العلمية دون أن يأبه بالمستجدات في وطنه السليب وخاصة ما يدور في غزة.

 وفي تقديري أنه لو سئل عن ذلك في أتون المواجهات مع العدو "ربما!"سيغير رأيه كدأب التغيرات التي تحدث في العقل الغربي الذي بات ياغي محسوباً عليه.. وهذا كلام لا يسمن ولا يغني ما لم نسمع منه ما يؤكد ذلك.

* موقف (باكبي-PACBI) من تسلمه جائزة وولف

وقد أدانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية ل"إسرائيل" (باكبي-PACBI) التي انطلقت من رام الله عام 2004 قبول البروفيسور الأردني-الأمريكي من أصل فلسطيني، عمر ياغي، جائزة المؤسسة الاسرائيلية “Wolf foundation” عن الكيمياء تقديراً لإنجازه العلمي في الكيمياء الحيوية... وكان الأولى به أن يرفضها كما فعل العالم الفيزيائي البريطاني المشهور (Stephen Hawking) الذي رفض دعوة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز لحضور مؤتمر أكاديمي برعايته في القدس المحتلة عام 2013 بسبب الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، فكيف يقبل ياغي تكريماً من مؤسسة إسرائيلية تدار من قبل حكومة الاحتلال التي تقترف أبشع جرائم الإبادة ضد أهلنا في غزة.. وما زال الطرق أمامه مفتوحاً لتمزيقها فالله الغني عنها.

تجدر الإشارة إلى أن “مراقب الدولة الإسرائيلي” يشرف على جميع أنشطة "صندوق وولف"، ويعتبر وزير التربية والتعليم الإسرائيلي تلقائياً رئيساً لمجلس إدارته. بذلك تعتبر جائزة “Wolf Prize” السنوية إحدى الأدوات الدعائية الإسرائيلية الهادفة إلى تلميع وجه الاستعمار الاسرائيلي عبر منح جوائز قيمة في المجالات الفنية والعلمية والطبية.

والمؤلم في الأمر وفق (-باكبي-PACBI -) هو تصريح ياغي عقب حصوله على الجائزة بأنه يشعر بالتقدير والفخر لمنحه الجائزة من قبل "صندوق وولف" و"لدعمه وفهمه للطبيعة التحولية للعلوم الأساسية وتأثيرها اللامحدود على التقدم البشري، وبالأخص على حرية الروح الإنسانية"، على حد قوله.

*هل يتراجع ياغي عن وولف؟

الطريق أمامه مفتوحة للاعتذار عن هذا الكلام دعماً لقضيته الفلسطينية التي تحولت إلى لعنة لكل من يدعم جرائم الاحتلال في الغرب ولو بكلمة... مع أن هذا التصريح جاء سابقاً لحرب "إسرائيل" على غزة عام 2014، إضافة إلى ملحمة طوفان الأقصى (الاستباقية) المستمرة.

في المحصلة وعلى صعيد مستقبل البشرية فالمنجز سيفتح الآفاق في الحرب على التصحر ناهيك عن فتحها الآفاق أمام مستقبل تأهيل المريخ بالبشر.

أما على صعيد إنساني - ولا نريد أن نقول القضية الفلسطينية- فكان الأولى أن لا يأخذه العمى إلى قبول جائزة وولف الإسرائيلية التي من شأنها أن تبيض وجه القاتل على حساب الضحية المتمثلة بغزة التي غيرت العالم لصالح الحق الفلسطيني المغبون.. وكما قلنا فلا بد من موقف يزيل الغمة من خلال التراجع عن هذه الجائزة ويكفيه الحصول على جوائز عالمية بالعشرات تقديراً لجهوده.. وقد أدهشني أن جائزة نوبل 2025 التي سعى إليها ترامب حظيت بها فلسطين في مفارقة قدرية وإن شوهت على صعيد وطني بانتظار تصليح الموقف من قبل ياغي حتى ينسجم مع تطلعاتنا الوطنية.. وهو أهل لذلك بإذن الله.

***

بكر السباتين

11 أكتوبر 2025

 

باسل: شجاع، أسد، جريء، مِقدام.

أجدادنا السومريون قبل آلاف السنين، واجهوا الطين والماء والقصب، واستبسلوا في الإنطلاق ببناء حضارتهم، التي لا زلنا نكتشف معالمها الإبداعية الأصيلة.

ثلاثية الماء والطين والقصب، حفزت عقولهم وأوجدت أفكارهم المتفاعلة الواعدة بإبداع أثيل.

فليس مستغربا أن تستحيل الصحاري إلى واحات خضراء، وإلى مدن حضارية شاهقة البنيان ورائعة الجمال.

المطلوب عناصر بشرية مستبسلة مؤمنة بإرادتها، وتمضي في سبيل صناعة فكرتها.

الهبوط على سطح القمر فكرة باسلة، والأبسل منها الهبوط على سطح المريخ مستقبلا، وسيتحقق ذلك في القرن الحادي والعشرين، فالمشروع يمضي على قدم وساق.

أما المتقاعسون الخائفون فأنهم يحيلون الأحوال إلى أضدادها، فالنعمة إلى نقمة، والسراء إلى ضراء، والعمران إلى خراب، وهلم جرا.

الذكاء الإصطناعي فكرة باسلة، وكذلك ما إنطلق في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، من أفكار إليكترونية غيرت الدنيا وستمضي بها إلى آفاق تتجاوز الخيال بسنين ضوئية.

طاقة الإستبسال تصنع الآمال، فهل لدينا مستبسلين؟

هل لدينا أجيال إقدام وإبتكار وتوثب نحو مستقبل مزدهر بالعقول؟

أمتنا أمة باسلة، فأحالها التعساء إلى أمة خائفة قانطة، فعلينا إستحضار طاقات الإستبسال وضخها في الأجيال، لتكشف الأمة عن جوهرها الحضاري الكامن في إنسانها الهمام!!

و"الشجاعة تقود إلى النجوم والخوف الى الموت"

كنْ باسلاً متوثبا نحوَ العلى

متطلعاً ومؤمنا بالمُقبلِ

أبعِدْ مُحالاً عائقاً متحدّياً

إنّ الريادةَ رهنُ نهجِ الأبسلِ

***

د. صادق السامرائي

 

السدود المقامة على الأنهار عدوان سافر على إرادة الأرض والبيئة ومحاولة لتغيير معالمها، التي تكونت لتحقيق البقاء وسلامة الدوران، فالسدود تصيب الأرض وهي كائن حي وذكي، بإنسدادات وتعويقات في مسارات شراينها، كما يحصل للبشر عند إنسداد أحد شرايينه الرئيسية.

فالأنهار شرايين الأرض، ولا يستطيع أي سد الإنتصار على إرادتها، ومساعيها للحفاظ على ديمومة الحياة فيها.

فلماذا الخوف من إقامة السدود؟

لا تخشوها فالأرض قادرة على إسترداد حقوقها، وتأمين إستقرارها، وكم من السدود تهاوت عبر التأريخ، وسد مأرب أحدها، وغيره العشرات من السدود التي أزاحتها وحررت أنهارها من قبضتها.

الذين لا يدركون قيمة وتأثير إرادة الأرض سيتفاعلون معها بعدوانية وأنانية وستنقلب عدوانيتهم عليهم، فيحصدوا ما بذروه من سوء السلوك.

أنهار الحضارات الكبرى (دجلة والفرات والنيل) أنهار خالدة تتحدى أعتى القدرات ولن تحيد عن مسارها، ولن تستغني عن مياهها، فللأنهار قوة تحميها وترعاها، وهي كائنات حية تدافع عن نفسها، وتهاجم الذين ينالون من كيانها، ومن يحرمها من الماء تحرمه من الحياة.

ليشيّدوا مئات السدود و ويحجزوا مليارات الأمتار المكعبة من المياه، فالأنهار ستثور عليهم وتحطم معالم قدراتهم الوهمية، والنصر دائما للماء الجاري، الذي يطيب بتدفقه وسيره خلال الأمكنة والأزمنة التي إختارها وعاءً لصيرورته الزاهية الخضراء.

فلا تحاربوا أنهار الحياة، وكونوا لها أساة!!

***

د. صادق السامرائي

تخيلوا معي، في خضم ما نعيشه ونشاهده من حروب وفتن وتحديات جسام، وما يترتب عليها من مآلات خطيرة، فمن خلال العامين الماضيين وما يجري في غزة من قتل وتشريد وفناء كل ما يملكه المرء من ممتلكات وتعب العمر الذي يتبدد في لحظات قاسية، ندرك حجم الألم الذي يعيشه الناس يومياً. وفي ظل ما يشهده عالمنا المعاصر من تحولات متسارعة وصعوبات متزايدة، نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى تدريب الجيل الصاعد والشباب الواعد على تنمية الصلابة النفسية وقوة الشخصية.

جيل اليوم، رغم امتلاكه أدوات المعرفة والتكنولوجيا، يعاني في كثير من الأحيان من هشاشة نفسية وضعف في الخبرات وقلة في الممارسات الفضلى التي تمكنه من مواجهة تقلبات الحياة وصعوباتها. وقد ورد في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما بعث معاذ بن جبل، قال له: «إيّاك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين»، وصححه الألباني.

إن الحديث عن المحن والمصائب لا يوازي شيئاً مما يعانيه الناس عملياً وواقعياً من ظلم وقسوة، وفقدان الأمن، وضياع الحياة الكريمة التي ينشدونها. فالصعوبات التي نمر بها، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، ليست عائقاً بقدر ما هي فرصة للتعلم والنمو والتطور، وتحسين الأداء، وتغيير الحال إلى الأفضل. وبدلاً من الاستسلام لمشاعر الضعف أو المزاجية المتقلبة أو الكآبة، نحن بحاجة إلى استدعاء قوتنا الداخلية وصمودنا، وإعمار حياتنا بكل ما هو نافع ومفيد.

إن مواجهة الحياة بتحدياتها تستلزم مراساً وانضباطاً وتوازناً نفسياً يجعل الإنسان راسخاً كالجبل، صلباً عصياً على الكسر أو الهوان. نحن بحاجة إلى جيل لا ينهزم عند أول محطة ولا يرفع الراية البيضاء بسهولة عند أول تحد، بل يتعلم من التجارب ويزداد صلابة كلما تعاظمت المسؤوليات واشتدت الابتلاءات وقست الظروف.

وهنا تبرز أهمية تربية النفس على الصبر والجلد، والتمسك بالمبادئ والقيم الرفيعة التي تمثل البوصلة الحقيقية للإنسان. فالأخلاق والقيم النبيلة هي السياج الحامي للفرد والمجتمع من الانزلاق وراء الأهواء والضعف أو استغلال الظروف القاهرة لمصلحة ذاتية ضيقة، وهي في الوقت نفسه مصدر قوة في مواجهة ضغوط العصر ومغرياته.

وللأسف، في زمن الفتن والحروب، تغلب الأنانية وحب الذات والنزعة الفردية على روح الجماعة والإيثار والتضحية. وبدلاً من أن يسود شعار«اللهم نفسي ومن بعدي الطوفان»  في غياب الشعور بالآخرين ودعمهم، ينبغي أن يتجذر شعار آخر: «نحن معاً، نواجه التحدي ونصمد بقوة وصلابة في زمن الفتن والمحن».

من هنا، يصبح الاستثمار في صقل قيم الجيل الجديد أولوية لا تحتمل التأجيل. فبناء شخصية متوازنة وراسخة، تجمع بين الصلابة النفسية ورقيّ التعامل وأخلاقيات الحياة، هو الضمان الحقيقي لمستقبل أكثر استقراراً وإنسانية، ولمجتمع قادر على مواجهة قسوة الحياة وإدارة الظروف واستثمار الطاقات، والخروج من الأزمات بأقل الخسائر، مع المحافظة على حياة الناس واحترام حقوقهم ومتطلبات عيشهم الكريم.

***

د. أكرم عثمان

9-10-2025

(أطلب العلم من المهد إلى اللحد)

اكتب عن حقائق مؤلمة وملموسة على سطح الواقع بمسؤولية وحرص بأبنائنا الطلبة، دون تزييف أو تلفيق أو تأطير بل معلومات من أولياء الأمور بثقة مصادر وما عانوا منذ بداية العام بأمانة الكلمة…

ها قد بدأ العام الدراسي الجديد من نهاية الشهر التاسع، وانهالت جيوب التسوق قبل شهر منه، ازدحمت المكتبات والمحلات والأسواق والبسطيات والشوارع بما لذ و طاب وملأ عيون الأهالي والطلاب من المستلزمات المدرسية ومتطلبات الدراسة كتجهيزات شتى من الملابس والقرطاسية، توافد الأهالي على الشراء طوابير طوابير بازدحام ملفت رغم أن أسعار البضاعة خصوصا الحقائب بأنواعها لم تكن بالسعر المناسب للجميع، فمنها الأغلى لمن يحبذ متانة وجودة السلعة بتصاميم جميلة ومغرية، وهناك من لم يجد لجيبه سبيل شراء إلا بما ستجمعه خلال فترة العطلة وخاصة ممن لديهم عدة أبناء في مراحل مختلفة، مع كثير من المفارقات التي نراها في محلات التسوق وبضاعة المكتبات ترهق جيب الأهل بشراهة شراء ارضاء لأبنائهم، وكانه العيد، لا لوم عليهم والقرطاسية جذابة بأشكالها وألوانها، مغرية للاذواق، وتبدأ صعوبة اقناع التلاميذ صغارا وكبارا، بتلك المعاناة أزر ثقيل على المواطن، لو أن وزارة التربية تساند العوائل ببعض التوزيع ودعمهم المعقول لهانت المعضلات، لكن لا حياة لمن تنادي، وبهذا الزخم من المشتريات ورغبة الطلاب باقتناء غير منظم تكون معاناة الأهل، ولو كانت المواظبة على الدوام، وتحضير الواجب بنفس الهمة ليحصدوا جميعا نتائج باهرة لكن ما نتلمسه ينافي ما نطمح اليه..

والجميع يعرف تفشي الكسل و الخمول والأهمال واختلاق الحجج لعدم الذهاب للمدرسة خاصة من يتابع لعبة أو مسلسلا على الموبايل، وبسلامة الأنترنيت يُفضل الطالب العطل والتعطيل والتكاسل عن الدراسة، وهو ما يرهق الأهل بمحاولة إقناعهم بعدة طرق دون جدوى، مما يجعل علاقة الآباء والأمهات بالأبناء متوترة وضعيفة ويحل الشقاق بينهم لدرجة الكراهية، وخاصة مع من هم بعمر المراهقة بتصورهم أنهم تُسلب حقوقهم وراحتهم، نعم لهم أحق الحقوق بالترفية والسفر ومطالبتهم الأهل لتضخيم مكافآتهم من أجل أن ينجحوا، وما حيلة للأهل إلا الرضوخ المهم ينجح من عام لعام بأي طريقة ممكنة فمثلا الطالب المجتهد ينجح بمجهوده وتعبه، وآخر بمساعدة الأساتذة وترجيهم، حتى لو خاض الدور الثاني والثالث، وأخيرا كما نقول بالزحف، باقل الدرجات أو رفع المعنويات بعدد الناجحين بأسلوب قرار الإضافة.. خمس.. عشر درجات أحيانا، وهذا حال طول السنة الدراسية ما يسبب عبأ ثقيلا لا يطاق على الأهل، والكل يعرف أن معظم الطلاب لا يعتمدون على شرح الأستاذ وهم لا يشرحون بشكل جيد، بتصرف متعمد ما حدا بالأهالي والطلبة إلى الدراسة باشراف اساتذة أو دخول معهد، أو مع مجموعة طلاب وهذا دوام ثاني يرهق الطالب ويشوش فكره ويشتت وقته بين دوامين، ينصاع الأهل مضطرين لدفع أقساط الدراسة لتمشية حال العام الدراسي لأبنائهم، علما الكل لا يحب الدراسة حتى الطالب المجتهد، إلا ما ندر، قد يفضل بعضهم والكثير من الأهالي أن يسجلوا أبنائهم في مدارس أهلية لها نظامها الخاص والمعتدل بتحضير الواجب داخل المدارس أو خارجها، هذه المدارس جيدة ومعتمدة بسمعة وعلمية أساتذتها فيها، واشرافهم على الطالب بتنظيم وقته حتى بالسفرات والفعاليات، فيلجأ الأهالي للأغلى و الإرهاق المادي بحرصهم، من أجل أن تفتح نفسية الطالب ويتهيأ مجتهدا يحب الدراسة نفسيا وعقليا وحتى جسديا بفعاليات وانشطة تلتزم الطلاب حتى بالعطل...

ولنقف عند ظاهرة الهروب من الدراسة فهناك أسباب عديدة :منها تأخر تنظيم الإدارة وعدم تجهيزها بمتطلبات المدرسة، إضافة إلى عبثية التعامل والتصرف مع الطلاب وفي مدارس الطالبات خصوصا، تقلب مزاج المدرسين بعدم الالتزام وإعطاء المحاضرات، التماهل بالتنبيه على الواجب اليومي إلا بعد أن تتذكر أخر الليل وترسل مادة التحضير بحدود الحادية مساء وأحيانا الواحدة صباحا وهي في بيتها، تنشره متأخرا على مجموعة المرحلة، ما يرهق فكر الطالب نفسيا وجسديا، متى يحضر وهو نائم؟، أو على وشك التهيؤ للنوم بعد تحضير دروسه...

 أحيانا تطلب تحضير واجب معين بوقت متأخر والطالب لا يملك كتاب المادة، من أين يجلبه ومتى، حتى المكتبات مغلقة ليلا، الأمر غير سهل على جميع الأهالي، ربما ولي أمر الطالب غير متواجد، ألم يكن من واجب ادارة المدرسة تهيئته من التربية، بهذا يُفرض على الطلاب شراءه من المكتبات هذا أن توفر بسهولة، لذا يحتاج وقت للحصول عليه لعدم توفره، خاصة بعد تغير المناهج، أليس من واجب أدارة المدرسة أن تجهز الطلاب بالكتب، لا أن تلزمه بتحضير دروس كثيرة خوفا أن تتراكم المادة لوجود فترات عطل كثيرة معروفة السبب!!، كيف يحضر الطالب درسه وهو بدون كتب؟ وكلما تأخر أستاذ المادة على تدريس مرحلته يتحمله الطالب...

 والنقطة الأخرى عدم تهيئة ادارة المدرسة نظام الصفوف وكل يوم انتقالهم من صف الى صف أو دمجهم دون مبرركل شعبتين بصف واحد وكأنه نظام تحت التجربة، وهناك ما نستغربه لا أعرف نبكي أو نضحك وكطرفة نقول :أن بعض المدارس آيلة للسقوط قديمة جدا ومتهدمة موجودة في بعض مناطق بغداد لذا طلب مدير المدرسة من الطلاب أن يضعو قلائد باسمائهم الرباعية خوفا من أن تتهدم المدرسة عليهم ويموتوا تحت الأنقاض ويخلي نفسه من المسؤولية بعد أن بح صوته و تهرأت أسطر المناشدة من التربية لترميم أو تبديل لذا احال الأمر الى أولياء الأمور والطلاب لكن دون جدوى ...

وطرفة أخرى ونحن ما زلنا على اعتاب بداية الدوام أن المدارس الجديدة مجهزة بالبنكات والسبلتات والأضوية، الادارة لا توافق تزويد الصفوف بالكهرباء بل للأدارة فقط والحانوت ونحن تحت درجات حرارة لا تحتمل فكيف يصبح الطالب محبا للمدرسة شغوفا بدروسه؟؟، أكيد سيقضي وقته بملل وحجج حتى لا يحضر للدوام...

 أرحموا الطلبة والأهالي أيضا يا اسياد المدارس هم ابناؤكم وأمانة العلم بين أيديكم، هيئوا لهم سبل الراحة ليبدع من له في الدراسة اجتهاد وحظ، وهذا غيض من فيض لا يسع المجال الحديث عنه، فلله المشتكى، والمؤسسات التربوية في غفوة حالم، وشر البلية ما يضحك.

***

إنعام كمونة

 

التأريخ يخبرنا بأن تغيير النظام العالمي يتحقق بعد حرب كبرى، ويبدو أن البشرية تسير نحوها، وذلك "بزيادة ميزانياتها العسكربة، وببناء تحالفات بين دول وتشكيل محاور، وتنامي الصراعات العالمية، وإنطلاق الأزمات الإقتصادية والنشاطات الإحتكارية، فالإقتصاد العالمي عسكري، والحرب العالمية الكبرى بدأت إقتصاديا، والعديد من الدول الغربية أخذت تحث مواطنيها على تحزين الماء والغذاء، وتصاعد التوجهات التطرفية والعنصربة والقومية، وإنكماش التفاعلات الديمقراطية، والتنافس على الموارد وخصوصا مصادر الطاقة، والتصارع على العناصر النادرة، وما فعلته التكنلوجيا بإنجازاتها المتجددة، وتواصل البحث عن طرق ومسارات لتأمين التبادل التجاري وإدامة الإمدادات، وتعاظم الحروب النفسية والإعلامية وتأثير الإقتراب  بين الشعوب عبر وسائل التواصل المتنوعة، وللذكاء الإصطناعي دوره في صناعة الواقعة".

فالأرض لا تحكمها قِوى متعددة، بل قوة وحيدة تهيمن وتستبد حتى تتغلب عليها قوة صاعدة، لتقوم بدورها بعناصر ما فيها من التطلعات والطاقات.

الدنيا على شفا حفرة من النار، وهي تتدحرج نحو الهاوية بتردد وإصرار، وكأن المواجهات بين قواها يسيرها شعار "أكون أو لا أكون"، "هيمنتي أو عليه وعلى أعدائي"، وتلك فاجعة ستمحق معالم الوجود الحضاري فوق التراب.

والتأريخ يحدثنا أيضا أن الربع الأول من أي قرن يكنز مؤشرات ومنطلقات عقوده المتبقية، وأفظع النكبات تحصل في ربعه الأول، وتمضي ككرة نارية يتطاير شرارها في أروقة المكان والزمان.

ستنجب الأيام ما حبلت به من عناصر الوعيد والتصارع الشديد، ولا يمكننا التكهن بما سيحصل، لكن لسان التأريخ يحدثنا عن أن البشرية في مسيرتها الطويلة ما إمتلكت سلاحا إلا وإستخدمته، وما لديها من الأسلحة المدمرة يفوق خيال كل مخلوق، فهل سنفني الأرض أم ستفنينا؟!!

قوةٌ تطغى وأخرى بَعدها

وكذا الدنيا أدامتْ مَجدها

كلّ أقوى لضعيفٍ إنتهى

وبهِ الأيامُ أبدتْ فعلها

أمّة عاشتْ وأعطتْ ما بها

إنّها كانتْ وأشقتْ عرشها

***

د. صادق السامرائي

 

إنَّ للصوصيَّة تاريخاً عريقاً، ولنا اعتبارها أول مهنة في التّاريخ، بالفائدة مِن أستاذتنا الأديبة والباحثة العراقيَّة سلام خياط (ت: 2024)، وكتابها المعروف، عن أول مهنة في التَّاريخ، وهي عندها غير اللُّصوصيَّة.

كان البحث في فئة اللصوص مشوقاً، وإصدار كتاب عنهم «لُصوص الأموال ومنتحلو النصوص»، استوقفني فيه أنَّ قصراً ظل اسمه متداولاً في كتب البلدانيين والمؤرخين بـ «قصر اللصوص»، إلى جانب اشتهار أمكنة عديدة بهذه النسبة وهذا المُسمَّى، وظلت حتى بعد زوال السَّبب، ففي يومٍ اتَّخذها اللُّصُوصُ أوكاراً لهم، يأوون إليها في النَّهار، وينطلقون منها تحت جنح الظَّلام، وعادةً تكون مكاناً للانسحاب عند المطاردة، ومكاناً للراحة، والأهم أنها أماكن أمينة مِن مطاردة السُّلطان، وملاحقة المنكوبين بسرقة أموالهم، وتحمي اللُّصُوصَّ مِن لصُوص آخرين، فالمنافسة والغارات والثَّارات على أشدها بينهم البين، ذلك إذا علمنا أنَّ اللصُوصَّية، جماعاتٍ وتنظيماتٍ وأحزاباً، لهت رؤساء وزعامات.

جاء خبر قصر «اللصوص» أنَّ الخليفة العبَّاسيّ هارون الرَّشيد (ت:193هج) نزله، وهو في طريق عودته مِن الرَّي إلى بغداد (الدَّينوريّ، الأخبار الطُّوال)، ووصف بأنه «قصر مِن حِجارة على أسطوانات وأعمال عجيبة»، وهو «منزل في الجبال» (البشاري، أحسن التَّقاسيم).

تردد اسم «قصر اللُصوص» في أخبار المعارك بين بغداد وخراسان، الحرب بين الأخوين ابني الرّشيد: المأمون (ت:218هج) والأمين (قُتل:198هج). عندما أمر الأَمين مَن أرسله لقتال أخيه المأمون، وهو بخراسان، النزول بـ «قصر اللُّصُوص» (الطّبري، تاريخ الرُّسل والملوك)، وما لقب «القصري» إلا نسبة له (السَّمعاني، الأنساب)، وأن وجهاء توفوا فيه، يُفهم أنه كان مكاناً مأهولاً بالمقيمين والمارّين به، فهو مرحلة للقوافل على طريق فارس- العراق. هناك مَن ذكر القصر ضمن رساتيق (قُرى) أصبهان (ابن خرداذبة، المسالك والممالك).

لكنّ لماذا سُمي هذا القصر واشتهر بـ «قصر اللُّصُوص»، وما فيها مِن عجب، أنَّ قصوراً تنسب لهذه الفئة المنبوذة والمطاردة؟! ونجدها غرابةً، أنْ يبقى اسم اللُّصُوص عنواناً لهذا القصر على مرّ الزَّمن! قيل سُمّي بقصر اللصوص خلال التَّقدم نحو فتح بلاد فارس، وكانت تلك السَّنة (22هج)، لما نزل المسلمون في «كنكور سُرقت دوابّ مِن دواب المسلمين، فسمّي قصر اللُصُوص» (الطَّبريّ، نفسه).

يغلب على الظَّن، لم يكن أولئك اللصوص أكثر مِن فئة منبوذة، مُطارَدة مثلما تقدم، ولم يؤسسوا حكماً مركزه ذلك القصر، وليسوا لصوصَ علانية، بل كانوا خائفين مِن القطع، ومَن يُقطع بالسّرقة يظل مُلقّباً بالأقطع، وإن تاب توبةً نصوحاً.

ما يُستغرب له، ظل لقب «القصريّ» ملازماً لمن أقام أو مرَّ بقصر اللُّصوص، وإلا العباسيون اتَّخذوا قصرَ آخر والٍ أمويّ على العِراق، يزيد بن هُبيرة (قُتل: 132هج)، عاصمة، وكان معروفاً باسم «قصر ابن هُبيرة»، فسمُّوه بـ «الهاشميَّة»، نسبة إليهم فهم الهاشميون، لكنّ النَّاس ظلوا يسمونه باسمه الأول، فضاق مِن ذلك أبو جعفر المنصور (ت: 158هج)، فاعتبر هذا تذكاراً لعدوه، وفألاً نحساً عليه ودولته، فتحول مؤقتاً إلى مكان آخر، حتَّى اتَّخذ بغداد عاصمةً (145هج).

 أما القصر الذي نحن بصدد ذِكره، فكان مِن القصور الملكيّة، وبعد إهماله، نُسي اسمه الأول وعُرف بـ «قصر اللصوص»، حينما صار داراً لهم، كذلك اختفى اسمه الآخر «قصر شِيرين»، وبعد حين عاد الاسم إلى شيرين، وقيل كانت شِيرين جارية الملك (الحموي، معجم البلدان)، ويُعرف اليوم بهذا الاسم.

على أيّ حال، لم يكن اللُّصوص، الذين صاروا عنواناً لهذا القصر الفارِه، أهل سُلطة، ولم يرغبوا أنّ يكونوا كذلك، ففي وصولهم إليها ستكون كلّ القصور قصورهم، ويضطرون إلى قطع أيدي مَن يخالفهم، حتّى وإن كان عابداً ورعاً مثل أبي الخير التّيناتي (ت: 347هج)، وكان لا يأكل إلا ما يتساقط مِن الأشجار، ومع ذلك قُطعت يده بشبهةٍ، فُعرف بالأقطع (الذَّهبيّ، سير أعلام النُّبلاء)، إذا كان للُصوص الأمس قصراً، فلهم قصورٌ اليوم، وقد يكون للمُراءاةِ «... على أبوابها البؤسُ طافحٌ/ وفي داخلهنَّ الأنسُ والشّهوات».

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

مسيرة الأمة منذ إنطلاقها كان لقادتها المولعين بالشعر دورهم المتميز وإنجازاتهم الكبرى، فالشعر بوصلة قيادية ومنارة إدراكية وخارطة رسالة واعية.

منذ دولة المدينة وللشعر دوره الإلهامي والتثويري والتنويري، وقدرته على التحدي والمواجهة المعززة بالبراهين والأدلة والحجج الدامغة.

وقبل إنبثاق الإسلام كان الشعر دستور السلوك، ومنطلق التفاعلات المعبرة عن الصراعات والتحالفات وغيرها من الآواصر والتنافرات.

وأعظم قادة الإمبراطوريات كانوا من الشعراء، أو المولعين بالشعر والمقربين للشعراء، ومنهم سليمان القانوني، والعديد من خلفاء الدولة الأموية والعباسية، ومعظم الخلفاء الراشدين.

فالقائد الذي لا يجيد الشعر لا ينجح في الحكم، والتأريخ أصدق مبرهن على ذلك.

الرئيس ماو كان شاعرا، فأطلق الصين بميادين العصر الجديد، وفي أوعية أفكاره نشأ جيل من القادة الذين تسنموا راية التقدم والإزدهار.

الكراسي الشاغرة من الشعر فاشلة الفعل ومصادرة الإرادة!!

لماذا الشعر من ضرورات القيادة؟

والجواب أنه يساهم في إتساع الرؤية من خلال التأمل والتبصر العميق والغوص الإمعاني في أروقة الحالة القائمة، والتحديات الدائمة.

فالروح الشاعرة متأملة ومفكرة وذات قدرات إستبطانية وإستشرافية، ويمكنها أن تبصر ما تتمخض عنه القرارات والإجراءات المتخذة إزاءها.

والشعر يعبر عن المشاعر والأفكار، وينمي الذوق الفني واللغوي والخيال، ويحافظ على الهوية والثقافة، ويعزز الإلهام وله تأثير إحتماعي وسياسي، ويمنح المتعة الروحية والجمالية.

فلماذا ينهرون اللغة ويناهضون الشعر، وهل يستوطن الكراسي الحجر؟!!

بشعرٍ إستنارت أمم وفازتْ

وشادتْ مجدها وبه اْسْتعانتْ

سُراة القومِ في غفلٍ وجهلٍ

إذا انْدثرتْ مواطنها وزالتْ

إذا شعروا بآلامٍ لشعبٍ

أصابوا علةً فيه تنامتْ

***

د. صادق السامرائي

 

الى الصديق العزيز الاستاذ غالب الشابندر

ان مقولة برلماني عراقي مفادها "على المثقف عدم التعالي على السياسي" اثارت من جديد الصراع الضدي بين السياسي والمثقف وعضدته، وتضمنت في الوقت نفسه اعترافا بأفضلية احد الطرفين، كون احدهما يمتلك القدرة على انتاج المعرفة وامكانية تطويرها، بمعنى: وعي الذات والواقع، وفهــم الاخر، وتغيير العـــالـم، في حين يفتقر الثاني الى ذلك، كما تستبطن المقولة – أيضا – تلويحا بالتهديد: تبدأ مراحله الاولى باللـوم والعتاب، ثم تتعـالى حدة الصراع الى التهميــــش، ثــم النفـــي، واخيــرا التصفية .

ويختلف منزعا المثقف والسياسي من حيث طبيعة عمليهما ووظائف تفكيرهما، بين من يمارس الفعل في الواقـع (السياسي) وبين من يتعالى عليه (المثقف)، وهذا يعني ان السياســي تحكمه حركة الآني وما هو كائــن، في حين يتجاوز المثقف ذلك الى الآتي وما ينبغي أن يكون، وتتحكم في سلوكية السياسي نزعة برغماتية تجنح في كثير من الاحيان نحو ميكانيكية تبريرية، في حين يميل المثقف الى نزعة ترقى الى المثالية التي تهدف الى صياغة الواقع على وفق معطيات معرفية جديدة، بمعنى الإنتقال من الثابت الذي يصر السيــاسي على وجوده، الى المتغير الذي ينشـــده المثقف، لأن الثابت (المعروف) يبقي السياسي الحاكم في سلطتـــه أما المتغيــر (المجهول) فإنه يحدث خلخلة في الواقع وتغيرا يخشاه السياسي ويفر منه .

ويبلغ التعارض الضدي اقصى مدياته بين المثقف والسياسي في أحد أبرز المتون الثقافية (الف ليلة وليلة)، إذ يتجلى بوضوح بين شهرزاد المثقفة العارفة المطلعة على الكتب والمصنفات والتي حفظت الأخبار، وإطلعت على الفنون، فضلا عن إمتلاكها القدرة على التأثير في القص والأداء، ويقابلها السياسي / الحاكم شهريار الذي جعل الشك وسوء الظن وتعميم الأحكام غايته ووسيلته على السواء، وإستخدم البطش ببشاعة فائقة، وليس من قبيل المصادفة أن يكون التعارض قائما بين السياسي والمثقف بل أنه إشتمل على تعارض ضدي آخر يقوم على أساس الجنس بين الرجل والمرأة، وكأنه يشير ضمنا الى تعارض ثقافي ذكوري ونسوي .

وإذا كانت شهرزاد قد تمكنت من ترويض الحاكم وشفته من عقده المرضية النفسية المركبة، وتمكنت من إعادته الى حالته الطبيعية، فأن عبداللّه بن المقفع قدم حياته ثمنا لنصائحه الرمزية للحاكم في كتابه (كليــلة ودمنة)، ويتبدى التعارض بين الحاكم والفيلسوف (بيدبا ودبشليــم) إذ يمثل الأول كما يقول أستاذنا الدكتور جابر عصفور تمثيلا رمزيا لنموذج الحكيم العاقل ويمثل الثاني الحاكم الباطش، وتبدو كليلة ودمنة أقنعة للمرامي على مستوى التعارض الرمزي بين السيف والقلم، في تلك العلاقة المتوترة التي دفعت عبداللّه بن المقفع الى القول صراحة (إن الملوك أحوج الى الكتاب من الكتاب الى الملوك) وكما قال إبن المقفع: (إن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك أغنياء عن الحكماء بالمال) !! .

***

د. كريم الوائلي

إبتداءً لا يوجد مصطلح "رجل دين" في مسيرة الأمة، هناك فقهاء في الدين. والمصطلح مستحدث خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى، والهدف منه تشويه الدين، وتجريده من جوهره وربطه بالرجل المدّعي بأنه على دراية بالدين، وهو الذي تسيّره أهواؤه، وتبرمجه أمّارة السوء الفاعلة في دنياه.

الدين دين ورجل الدين مدّعي بدين.

فهل الدين يتكلم ويفعل، أم أن الناطقين بإسمه يجيدون المتاجرة بالدين؟

بسبب المدّعين بالدين ضاع الدين، وإنقلبت مفاهيمه وقيمه رأسا على عقب، فالحق باطل والباطل حق، والفساد شطارة ورجولة، والسلب والنهب شجاعة، والخيانة وطنية، وقتل النفس التي حرم الله قتلها من صلب ما يسعى إليه أدعياء الأدينة.

أدينة الحياة تعني تدميرها وتلويث قيمها ومعانيها السامية، لأن في ذلك أوجه نظر لا تعد ولا تحصى، وكل يمتطي جواد رؤيته ويتقلد سيوف أوهامه، ويطلق هذربات لسانه في فضاءات الهذيانات الفاعلة في مجتمع السمع والطاعة، والخنوع للفظاعة.

المجتمعات التي يهيمن على وجودها المأدينون، بأحزابهم وكينوناتهم الطائفية والعدوانية، تعيش في جحيمات الويلات والتداعيات والتقهقر في أتون الغابرات، والدنيا تتسلق سفوح الجبال وهي تعيش في قيعان الحفر الظلماء.

فعن أي دين يتحدثون وبالعدوانية والكراهية على منابرهم يصدحون؟

فهل أن الدين للفرقة والتلاحي والنيل من الأخ في الدين؟

***

د. صادق السامرائي

في المثقف اليوم