عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

في سبعينيات القرن الماضي كنت أكتب مقالات علمية في مجلة جامعة الموصل، وكانت هناك مكافأة ما بين (15 و 25) دينار للمقالة، وعندما أصبحت طبيبا كنت أنشر مقالات علمية في الصحف المحلية، وكان المحاسبون لا يعطوني المكافأة، ولا زلت أذكر قولهم عند مطالبتي بها: "شتسوي بيها دكتور"!!

وكان بعض المحررين والمسؤولين على الصفحات، يقتربون مني ويحثوني على إعطائهم مقالة لنشرها، وما كنت أعلم أنهم يفعلون ذلك من أجل غنيمة المكافأة، وأنا في غفلة عنها.

الكاتب في مجتمعات الدنيا يعيش في بحبوحة فكتاباته تدر عليه أكثر من حاجته.

فالكتابة صنعة وحرفة وما ينتجه الكاتب بضاعة، ولا توجد بضاعة بالمجان إلا في مجتمعاتنا، التي جرّدت الكلمة من قيمتها والكتابة من دورها ومعناها.

لا يوجد كاتب في الدنيا ينشر بالمجان إلا عندنا، وهذه ظاهرة مخالفة لبديهيات الأمور.

المطلوب من المواقع إعتماد الإعلانات كمصدر مالي، ودفع نسبة منها للكاتب حسب مقروئيته.

قد يتعجب البعض من هذه الفكرة، لكنها تعبّر عن واقع مواقعنا وصحافتنا، فهي لم تتطور وتعاصر منذ إنطلاقها في بداية القرن الحادي والعشرين .

ويجب أن يدرك أصحابها إنها نشاط ثقافي وإقتصادي معا، فالإقتصاد عماد الحياة، والدافع الأول لما يدور في الدنيا من أحداث وصراعات.

الكتابة تتطلب جهدا ووقتا، وبحثا وقراءات متنوعة، وتكلف الكاتب كثيرا، ومن الغريب أن يتواصل الكاتب في هدر وقته ونشر إنتاجه، وكأنه يطارد خيط دخان.

لابد من القول بأن الدوافع الوطنية والإنسانية والثقافية التنويرية هي التي تقود مسيرة الأقلام في ديارنا، ومعظم الكُتّاب يتواصلون في عطاءاتهم دون مقابل، وهذه ميزة أصيلة لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، ويبدو أن الغيرة والحمية ومنطلقات العز والكرامة، وما أنجزته الأمة في مسيراتها الغابرة لها فعلها في شحذ همم الأجيال لإستعادة جوهرها الوهاج المنير.

ويمكن الإتيان بتفسيرات أخرى، لكن ما يحصل عندنا لا يوجد كمثله في مجتمعات الدنيا.

فالكاتب كاتب ويجب أن يجني ربحا من كتاباته !!

كتاباتٌ نُبخّسها لجَهلِ

ونَمضي دونَ حاديةٍ لفِعْلِ

وكتّابٌ بلا أمَلٍ بكَسبٍ

وأكداسٌ مِنَ الأفكارِ تَغلي

أفاعيلٌ مُفعّلةٌ بقهرٍ

وعدوانٌ يُباركُها بعَضْلِ

***

د. صادق السامرائي

لماذا يقتل بعض الخطاب خطيباتهم بعد فسخ الخطوبة؟

في السنوات الأخيرة، شهدت بعض المجتمعات العربية جرائم مروعة راحت ضحيتها فتيات على يد خطابهن عند التقدم لهن للزواج أو بعد فسخ الخطوبة أو رفض إتمام الزواج، وربما بعد الزواج بفترة قد تطول أو تقصر. وهي جرائم تهز الضمير الإنساني والأخلاقي، وتفرض على المجتمع والمؤسسات التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية وقفة جادة لفهم أسبابها الحقيقية ودوافعها الكامنة والمخفية أو المعلنة، والعمل على تفاديها والحد والوقاية منه والتعامل معها بإيجابية ومرونة عقلية.

وبالرغم من أن البعض قد يفسر هذه الجرائم بأنها نتاج "حب شديد" أو تعلق سلبي مبالغ فيه، فإن الحقيقة العلمية والنفسية تؤكد أن الحب الحقيقي لا يقود إلى التهديد وأذية الطرف الآخر أو الشروع بقتله وإنهاء حياته، ولا يبرر التهديد أو الابتزاز أو الانتقام. فالحب يقوم على الاحترام، والحرية، والقبول بكل النتائج التي تتمخض عن علاقات عاطفية أو ارتباط خطوبة أو زواج، بينما تقوم هذه الجرائم على السلطوية والنرجسية وحب التملك والسيطرة السلبية والعنف ورفض الاعتراف بحق الآخر في اتخاذ قراره.

التملك وليس الحب

الشخص الذي يهدد خطيبته أو يبتزها أو يلاحقها أو يعتدي عليها بعد فسخ الخطوبة لا يعاني من زيادة في الحب أو التقرب واللطافة والملاينة لشريكه، بل من خلل في طريقة التفكير وإدارة المشاعر والتصرف في المواقف الانفعالية والتوترات العاصفة والمزمنة. فهو يرى الطرف الآخر ملكاً له، وكأننا في عصور خلت يعتبره ملك يمين تحت تصرفه وسيطرته، ويعتبر رفضه إهانة شخصية أو انتقاصاً من رؤيته لنفسه وتشويه صورته وحضوره الشخصي والتقليل من مكانته الاجتماعية، فيلجأ إلى الانتقام بدل العمل على حل خلافاته ومشاكله أو تقبل الواقع.  التي الآلت له المواقف والأحداث.

إن عدم القدرة على تقبل الرفض يمثل أحد أهم العوامل النفسية المرتبطة بهذه الجرائم، خاصة عندما يقترن بضعف السيطرة على الغضب والانفعالات، وانخفاض المرونة النفسية، والتفكير الاندفاعي، وغياب مهارات حل المشكلات.

عوامل نفسية واجتماعية متداخلة

لا يمكن تفسير هذه الجرائم بسبب واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، منها:

- تنشئة أسرية قائمة على العنف والتسلط وضعف الحوار.

- معتقدات اجتماعية خاطئة تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة.

- اعتبار فسخ الخطوبة فشلًا أو إهانة تمس الكرامة الشخصية أو العائلية.

- ضعف مهارات إدارة الضغوط والانفعالات.

- الغيرة المرضية والخوف المبالغ فيه من فقدان الشريك.

- الضغوط الاقتصادية والبطالة والأزمات الاجتماعية التي تزيد من مستويات الإحباط واليأس لدى بعض الشباب.

هذه العوامل لا تبرر الجريمة بأي حال من الأحوال، لكنها تساعد على فهم الظروف التي قد تزيد من احتمالية وقوعها، بما يسهم في تطوير برامج الوقاية والتوعية.

فسخ الخطوبة ليس نهاية الحياة

الخطوبة مرحلة للتعارف واكتشاف مدى التوافق، وليست التزامًا نهائيًا بالزواج. ومن الطبيعي أن يكتشف أحد الطرفين أو كلاهما عدم الانسجام، فيختار الانفصال باحترام. وهذا القرار لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل قد يجنبهما زواجًا غير ناجح ومستقبلًا مليئًا بالمشكلات.

إن تقبل مشاعر الحزن والغضب وخيبة الأمل أمر طبيعي، لكن الأهم هو كيفية التعامل معها. فالتعبير الصحي عن المشاعر، واللجوء إلى الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين، والانشغال بتطوير الذات والعمل وتحقيق الأهداف، كلها وسائل تساعد على تجاوز الأزمة بطريقة إيجابية.

الوقاية مسؤولية مجتمعية

الوقاية من هذه الجرائم لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال نشر ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الرفض، وإدارة الانفعالات، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية.

كما أن من الضروري إدراج برامج تأهيل المقبلين على الزواج، بحيث تتناول مهارات التواصل، وحل النزاعات، وإدارة الغضب، والذكاء العاطفي، والاختيار الواعي لشريك الحياة، بما يسهم في بناء علاقات صحية قائمة على التفاهم والاحترام.

لا تتجاهلوا إشارات الخطر

هناك مؤشرات تستدعي التعامل معها بجدية، مثل التهديد بالقتل، أو الملاحقة المستمرة، أو الابتزاز، أو تدمير الممتلكات، أو العنف اللفظي والجسدي، أو محاولات فرض السيطرة والعزل عن الأسرة والأصدقاء. وعند ظهور مثل هذه السلوكيات، ينبغي عدم التقليل من خطورتها، بل طلب المساعدة من الأسرة والجهات المختصة وأجهزة إنفاذ القانون والمتخصصين في الصحة النفسية، حفاظًا على السلامة ومنعًا لتصاعد العنف.

رسالة أخيرة

إن قوة الإنسان لا تظهر في الانتقام، بل في قدرته على تقبل الواقع، واحترام قرار الآخر، وتحويل التجارب المؤلمة إلى فرص للنضج والنمو. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالإكراه، ولا تُحفظ بالتهديد، ولا تستمر بالعنف، وإنما تقوم على الاحترام والثقة والاختيار الحر.

وكلما ترسخت هذه القيم في مجتمعاتنا، أصبح الاختلاف أو الانفصال تجربة إنسانية يمكن تجاوزها بكرامة، بدل أن تتحول إلى مأساة تدفع ثمنها الأسر والمجتمع بأكمله.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

7/8/2026

في عالمنا الرقمي اليوم، أصبحت الحقيقة الوحيدة الملموسة على أرض الواقع هي القيم والمبادئ، أما في ذاك العالم الافتراضي فالقيم تحكمها خوارزميات لا تعرف عنك شيئاً أو عن دينك وهويتك، غير أنها سجلت وقتك المستهلك في مشاهدة عابرة؛ فجعلت كل ما يشابهها من اهتماماتك وأولوياتك بدون وجه حق. هذا العالم مليء بالعلوم والمعارف، لكنه بخيل بعرض كل ما يحتاجه العقل ليفهم الإنسان نفسه وحياته ودنياه وآخرته.

فخ المعرفة السريعة: تجربة في التيه الرقمي

عندما فتحتُ حساباً لأول مرة على منصة "إنستغرام"، أغرتني المعلومات السهلة والجاهزة في البداية، فظننت أنني وجدت منصة علمية تشكل كنزاً بالنسبة لي، لأنها وفرت عليّ عناء البحث عن المقالات والمعلومات في الكتب، ولأنني أعشق البحث في علم النفس والعلوم الدينية وكل ما يثير الفضول المعرفي؛ فالإنسان بطبيعته يحب الطريق السهل والمختصر. قمت بمتابعة عشرات الصفحات وكلها ذات قيمة عالية، ثم اكتشفت أنني ضعت بين تلك الكمية الهائلة من المعلومات السريعة، وشعرت أن عقلي يتشوش وفكري لم يعد منتظماً.

بعد فترة لاحظت أن هذه المنصة تسرق وقتي ونصف نهاري، فقمت بحذف الحساب قبل أن يسرق مني أغلى لحظات عمري. ولحظت أن الخوارزميات تظلم المواهب وتظهر المحتوى التافه لمجرد توافقه مع آلياتها، وتتجاهل المحتوى الهادف. وربما ليس العيب في الخوارزميات وحدها بل فينا نحن؛ لأننا قبلنا أن نجعلها تحدد لنا ما يجب علينا متابعته واهتماماتنا لمجرد وقفة عابرة.

هذا العالم الرقمي يقوم بتخدير عقولنا ويعرض علينا كميات هائلة من المعلومات ونحن في حالة استهلاك عابر، لنخرج بعدها دون فهم راسخ. وهنا يتجلى دور "التزكية" بمفهومها القرآني العميق؛ فالخوارزميات الصماء لا تملك سلطاناً علينا إلا إذا غابت رقابتنا الذاتية. التحصين الحقيقي لا يبدأ بحظر التطبيقات فحسب، بل بيقظة القلب ورعاية الإيمان، وبمجاهدة النفس على التلقي الواعي، وإحياء مقام عبادة الإحسان في الخلوات ليصبح وجداننا عصياً على الاختراق الرقمي.

من الاستهلاك إلى الإنتاج: كيف نسترد إنسانيتنا؟

إن هذه التكنولوجيا تحاول جعل الفرد نسخة مقلدة تقايضه بأخذ تميزه واختلافه مقابل إعطائه مكانة وشهرة في عالمها الآلي، فتسلب منه إنسانيته ليصبح آلة تحاكي الخوارزميات وتقلد الترند الجديد. لماذا نسير مع القطيع ونتبعهم حتى في غبائهم لمجرد أن صورة ذاك الغباء أصبحت مُحسنة ومُطورة؟!

إذا رأيت الجاهلين يتفوقون في الانتشار على المثقفين والمتعلمين، فقد ينتابك الشك أيهما على حق، بعد أن أصبح التمسك بالمبادئ في نظر البعض رجعية، والتخلي عنها انفتاحاً وتطوراً. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].

ولأننا نرفض أن نكون من الهالكين في هذا البحر، فإن النجاة تبدأ باسترداد سيادتنا على عقولنا وألا نترك تلك الآليات الصماء تقود شغفنا. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].

خطوات عملية لحماية الهوية:

استعادة السيادة على العقول: بألا نترك الخوارزمية تختار لنا، بل نبحث نحن عما ينفعنا بوعي وقصد.

الهجرة نحو المنابع الجادة: بالعودة للكتاب المقروء والدرس المنظم، والابتعاد عن "سندوتشات المعرفة السريعة" التي تشوش الفكر.

صناعة الثغور: أن يدخل أصحاب المواهب والأقلام الواعية إلى هذا الفضاء لا بنية العيش فيه، بل بنية إصلاحه وتقديم البديل الطاهر النقي للجيل الحائر.

إن الحفاظ على هويتنا اليوم يتطلب منا وقفة حازمة ننتقل فيها من مقاعد المستهلكين المخدرين إلى ثغور المنتجين الواعين؛ لنصنع محتوى يحيي العقول ويزكي الأرواح، ونعيد للكتاب الجاد مكانته وللفكر الرصين هيبته. لا تكونوا مجرد أرقام عابرة في حسابات الآخرين، بل كونوا ذوي أثرٍ ممتد في صناعة الوعي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

بين يدي كتاب للمرحوم عباس محمود العقاد بهذا العنوان، ولا أدري كم مرة قرأته وتصفحته وتأملت ما فيه من رؤى وأدلة وبراهين، وآيات ذات صلة قوية بالحث على إعمال العقل وشحذ همة التفكير.

وكما يقول العقاد: "أن العقل الذي يخاطبه الإسلام، هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويتبصر ويتدبر"، " والعمل بالعقل أمر من أوامر الخالق"

والدعوة إلى التفكير تعني الإقبال على العلم والمعارف " إطلب العلم من المهد إلى اللحد"، و "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، فالتفكير وطلب العلم صنوان لا يفترقان.

والإسلام "لا ينها عن شيء يجمّل الحياة".

والتفكير يفرض الإجتهاد في مواجهة تحديات المكان والزمان وعلى المجتهد الإعتماد على "القياس، الإستحسان، والمصالح المرسلة"، فالإجتهاد فريضة التفكير السليم كما يرى الكاتب.

ويقول" أن المسلم أحق بالديمقراطية من أتباعها المحدثين والأقدمين، لأنه منذ أكثر من أربعة عشر قرنا يدين بالتبعة الفردية، والحكم بالشورى، والمساواة بين الحقوق، والمحاسبة بالقانون"

ومن مزايا القرآن "التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف"

والقرآن يذكر العقل "في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل والرجوع إليه"

تكررت كلمة يتفكرون بلفظها المباشر في القرآن الكريم (10) مرات، وبمعانيها (18) مرة.

وكلمة يعقلون تكررت (22) مرة، وبمشتقاتها (49) مرة.

وكلمة أولي الألباب (16) مرة ووهي تدعو للتفكر والتدبر والتقوى.

ومن الأمثلة:

"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون"

"...وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون"

"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"

"....كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون"

وغيرها العديد من الآيات التي تحث على التذكر والتدبر والتبصر، ويمكن الإتيان بأدلة وبراهين واضحة من الآيات المعبرة عن فريضة التفكير وإعمال العقل وتفاعل العقول، لتكون الحياة الدنيا أفضل، ويتمكن البشر من تحقيق إنسانيته والسمو إلى مرتقى كينونته الكونية.

عقولُ الناسٍ إبْتدَعَتْ رؤانا

وإنّ العقلَ في خَلقٍ سِوانا

إذا ذهبتْ عقولٌ نحوَ شرٍّ

فلا تعْجَبْ إذا تاهتْ خُطانا

يقودُ وجيْعًنا عَقلٌ سَقيمٌ

يُخادِعُنا ويَسْحَقُنا أسانا

***

د. صادق السامرائي

ريادة الكلمة الحرة وأيقونة التنوير في مسيرة بناء الوطن

 يعد الاحتفاء بالعيد السنوي لجريدة "المدى" العراقية في الخامس من آب احتفاءً بنقطة تحول جوهرية في تاريخ الفكر والصحافة المستقلة. فلم تكن هذه الجريدة منذ انطلاقتها الأولى عام 2003 مجرد وسيلة لنقل الأخبار اليومية، بل ولدت كأطروحة تنويرية متكاملة قادها مؤسسها الأستاذ فخري كريم رئيس مجلس الإدارة، والكاتب الصحفي علي حسين رئيس التحرير التنفيذي، لبناء فضاء مدني ديمقراطي بديل للإعلام الشمولي

 شهد العراق عام 2003 زلزالاً سياسياً واجتماعياً كبيراً تمثل في انهيار النظام الديكتاتوري الشمولي الذي هيمن على مقدرات البلاد لعقود. في هذا المخاض العسير والبيئة المفعمة بالاضطراب الفكري والأمني معاً، وفي تاريخ 5 آب 2003، أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون العدد الأول من الصحيفة ليؤشر مرحلة جديدة]

لم يكن ظهور الصحيفة مجرد إضافة رقمية عابرة؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "الصحافة البديلة" والمستقلة لإنهاء عقود من إرث الصوت الواحد الموجه. ورغم خطورة المشهد الأمني في تلك الحقبة والانقسام الحاد في الشارع، تحولت "المدى" سريعاً إلى فضاء حر تنفس من خلاله المثقفون والمواطنون العراقيون على حد سواء. نجحت الجريدة في تقديم خط تحريري رصين يرفض التبعية السياسية، ممهدة الطريق لتأسيس مجتمع مدني يؤمن بالتعددية وحرية التعبير كحقوق أصيلة لا مكرمة من سلطة. [1]

 سرعان ما تجاوزت الصحيفة مرحلة إثبات الوجود لتبسط نفوذها الفكري وتحتل مكانة محورية مرموقة بالداخل العراقي والعالم العربي. وتأتت هذه الصدارة من تفرد الطرح وموضوعية المعالجة واستقطاب كبار الكتاب، حيث أصبحت مصدراً موثوقاً تقتبس منه كبريات الوكالات العالمية مثل "فرانس برس" وهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ومعهد بروكنغز الأميركي. [1, 2]

تنوعت الموضوعات التي تناولتها الجريدة لتغطي كافة مفاصل الحياة العراقية، ويمكن رصد أبرزها في المحاور التالية:

- فتح الملفات الساخنة والجرأة الاستثنائية: خاضت الصحيفة معارك إعلامية شرسة ضد الفساد المالي والإداري؛ وأبرزها العاصفة الدولية التي أثارتها في 25 كانون الثاني 2004 حين فجرت قضية وثائق "كوبونات النفط" ونشرت قوائم الجهات المستفيدة من هبات النظام السابق، كاشفة عن أطنان من الوثائق المحصنة التي أثبتت تورط شخصيات وأحزاب عربية ودولية. [1, 2, 3]

- محاربة التطرف الطائفي: وقفت الجريدة بحزم ضد خطابات الكراهية والانقسام المجتمعي، مستعيضة عنها بخطاب عقلاني وطني يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي.

- النهضة والريادة الثقافية: شكل العمل الثقافي العمود الفقري لهوية المؤسسة. تميزت الصحيفة بإطلاق ملاحق تخصصية رائدة شكلت ذاكرة الوطن، أبرزها ملحق "عراقيون"، ملحق "منارات"، وملحق "ذاكرة عراقية"، بالإضافة إلى جريدة "تاتو" الثقافية الشهرية التي توزع مجاناً. ولم يقتصر دورها على الورق، بل امتد لتأسيس "بيت المدى" وتنظيم معارض كتاب دولية (مثل معرض العراق الدولي للكتاب) نجحت في إعادة ربط المواطن بنوافذ الفكر الإنساني. 

- الدفاع عن الحريات المدنية: تشير استطلاعات الرأي المحايدة إلى أن "المدى" تقع في مقدمة الصحف المستقلة الأكثر انتشاراً ومبيعاً واهتماماً بالحريات، حيث أفردت مساحات واسعة لمناصرة قضايا المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير كركائز أساسية للديمقراطية. [1, 2]

ثالثاً: نداء المستقبل والدعوة لبناء العراق الجديد

إن القيمة الحقيقية لجريدة "المدى" لا تكمن فقط في رصدها الذكي للواقع وتفكيك أزماته، بل في دورها الاستشرافي كرافعة وطنية تدعو بلا كلل لبناء العراق الجديد. تتبنى الجريدة رؤية إنقاذية واضحة ترى أن الخروج من نفق الأزمات الحالية يمر عبر مسارات إستراتيجية محددة.

تأتي في مقدمة هذه المسارات الدعوة الراسخة لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث لا تميز الدولة بين مواطنيها على أساس عرق أو طائفة، بل يكون القانون المرجعية العليا والوحيدة. كما تؤكد "المدى" عبر طروحاتها على تلازم مساري الإعمار؛ فلا يمكن تحقيق إعمار مادي وتطوير البنى التحتية والاقتصاد الوطني دون العمل بالتوازي على إعادة إعمار الإنسان العراقي فكرياً وثقافياً، وتحصينه ضد الأفكار الظلامية والهدامة. وتظل الجريدة نداءً مستمراً لتعزيز السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي، كونهما الضمانة الأساسية لحفظ سيادة الوطن واستقراره.

 في العيد السنوي لجريدة "المدى"، وبعد مسيرة طويلة من العطاء، يتضح للمتابع المنصف أن هذه المؤسسة لم تكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل كانت وما زالت مشروعاً وطنياً تنويرياً، وصوتاً للعقل في زمن الصخب. ستبقى "المدى" علامة فارقة في سجل الصحافة الحرة، ومنارة تهتدي بها الأجيال نحو مستقبل عراقي ديمقراطي، ومزدهر، ومتصالح مع تاريخه الإبداعي والإنساني

***

د. فالح الحمراني

اولا: الرحيل

ينفصل البعض عن ذواتهم ويندمج البعض الآخر ولا يفترق، ليشكل من ثم الإنسان القائم على الثبات في الموقف وهو الموقف الراسخ الذي يرى كل أظلع الهرم حتى قاعدته.

وليس من الضرورة ان يكون الاندماج إختلاطا بينا، بين ما هو كائن في المحيط الخارجي، إنما قد يكون عن طريق الفكر والتقارب الذهني القائم على المشتركات.. والمصطلح، قد يعني إنشغالات ذاتية أو إهتمامات آنية تلتقي لتصب في بوتقة الفعل المادي والجمالي، حيث تذوب

الخصوصية بين أمواج المحيط التي تجعل منها متأرجحة مع النسائم والعواصف وحسب اضطرابات اليم ومزاجه المتقلب.. وان الاعتداد بالذات الخاصة، له مزايا تجعل هذا الكائن يتمتع بمكانة التأثير في المحيط الخارجي، كلما أمكن ذلك، فيما تظل الذات تراقب ساحة الفوضى التي تجتاح الخارج دون توقف.

 الذات القوية الواثقة ترى الخارج دائرة هائلة من الفوضى الصاخبة، وعن كثب تراقب تلك الحركة الغارقة في عدمية اللامعنى.. حركة الخارج تتسع ويزداد اللامعنى فيها كلما اتسعت ويمتزج المعنى في اللامعنى عندئذ يمسي الخارج طافحا بالغثيان.!!

ثانيا: النسيان

العالم مصاب بالنسيان.. فهو يحفل بالآمعنى ويراقب من ثقب الباب.. يتسلق جدران العتمة.. في زاوية الغرفة يرقب جسدا مسجيا فوق رخام الأرض بلا معنى.. ومن غير مبالآة يتسمر مذعورا يسمع قلبا ينبض في خارج ساحات الموتى الأحياء في الطرقات..

التصق في زاوية الغرفة الخاوية إلا من شباك وباب وأركان أربع لا يدخلها نور الشمس عدا ضوء خافت يتسلل عبر الاغصان لتمنع دفؤ الشمس وتسمح للضوء بالانسياح نحو فضاء اللآمعنى الطافح بالفوضى*.

***

د. جودت صالج

5 / حزيران- 2026

.....................

(*) من وحي فلسفة افلاطون وهيدجر وسبينوزا وديستويفسكي وسارتر وسيمون دي بوفوا وفرانز فانون وفرانز كافكا.

كانت المرّات التي جمعتني به في مجلس أو أمسية أدبية، او محفل ادبي تمّ مُصادفة، كانت قليلة جدا، غير انها كانت كافية لان يفهم كلٌّ منّا الآخر، وأن يقدّره تمام التقدير، هذا ما حصل خارجيا، أما داخليًا، فقد اختلف الامر، وهو ما شكل دافعًا لما ذكرته انفا، ممثلا في ان كلًا منا، على ما هو متوقع، قد قرأ للآخر بعضًا مما نشره في هذه الصحيفة او تلك المجلة، من قصص، ولمس ما حفلت به من اهتمامات فنية، وتقاربات حياتية وروحية.

ناجي فرح ابن مدينة شفاعمرو، التي تُصادف هذه الأيام ذكراه الرابعة، اسم ليس عابرا في حياتنا الأدبية والثقافية بصورة عامة، فقد عرفته هذه الحياة مثقفًا عصاميًا مجتهدًا، عمل طوال أيام حياته وسنواتها على تثقيف نفسه، وكان له ما أراد وأكثر،  في مجالات ثقافية محتفلة، فعلى الصعيد الاجتماعي كانت له محاولات تنظيمية سياسية واجتماعية ملموسة، وكان لها مشاركاتها الحقيقية في احداث ليست قليلة مثل الاحتفالات المتتالية بيوم الأرض الخالد بعد حدوثه الانفجاريّ الأول في الثلاثين من اذار عام 1976، وقد تواصلت مشاركاته التنظيمية هذه بعد مغادرته البلاد للإقامة في المنفى، شبه الاختياري، في كندا، وكان في كلّ ما يقوم به ويساهم فيه من اعمال وفعاليات، يهدف الى خدمة القضية الوطنية الفلسطينية، موشاة بفكر سياسي يساري مُحبّ لكلّ ما هو انساني جميل، ووضاح المحيا.

لم يكتب ناجي فرح الكثير من القصص، لكنه كتب ما يستحق أن يُقرأ وحتى أن يُدرّس للطلاب في بلادنا، وأذكر في هذا السياق، انه كتب ونشر ما يساوي مجموعةً قصصية كاملة متكاملة، وتم نشره انتاجه الجميل الثرّ الغنيّ هذا، في صحافة الحزب الشيوعي، ابتداء من مجلة "الغد" انتهاء بصحيفة "الاتحاد" الحيفاوية مرورا بمجلة "الجديد" العريقة وطيبة الذكر.

اتصف ما نشره كاتبنا الجميل من قصص قليلة بوعي سياسي عميق، وقد كان من شأن هذا ان يوقعه في دائرة، وربما متاهة، الأدب المؤدلج الذي يرسف في قيود الفكر المُحدّد المُربّع، غير أن ما تمتّع به ناجي فرح من ثقافة أدبية عصامية ضاربة في عمقها، عفاه من هذه الصفة القتّالة في جوهرها لكلّ ما هو فنّي وجميل في القصة وفي الادب عامة.

النزعة الاجتماعية الإنسانية أيضًا، بدت واضحةً فيما خلّفه هذا الكاتب الذي يبدو مجهولًا على الدراسات البحثية الاكاديمية وحتى الصحفية، فقد امتاز ما قرأناه له من قصص، بأجواء شفاعمروية حيّة تتدفق بالحياة وما تحتويه من دفء الحاضر مستمدًا دفقه من الماضي، ومتطلّعًا إلى المستقبل، بكلّ ما اختزنه على ما بدا من حلم بغدٍ جميل وأمل اصيل.

إلى هذا حفلَ المنشورُ من هذه القصص بنماذج من واقعنا اليومي المعيش، ولم يخلُ من إشارات، تنبيهات وحتى نقدات مبطّنة، تجاه هذه الشخصيات، بمعنى أن هذه القصص حَفلت بنماذج إنسانية حيّة، لها كينونتُها ووجودها، الفني بصورة خاصة، فهي ليست شخصيات أو نماذج مسطحة وفق تعبير الباحث الناقد المصري عبد المحسن طه بدر، صاحب الكتاب اللافت عن الرواية المصرية*، وانما هي شخصيات مستديرة تكشف عن لحظات ضعفها قبل ان تكشف عن لحظات قوتها وهذا ما يقرّبها بالطبع، من الشخصيات الفنّية، النابضة بالحياة، كما سلف.

صحيح أن كاتبنا كتب القصة القصيرة، ومعروف أن هذا النوع الادبي، لا يحتمل الوصف المتعمق للشخصية التي يدور الحدث عنها وحولها، كما يحدث في الرواية الطويلة الممتدة، المتشعبة الاحداث، غير أنه تمكّن من بعث الحياة في شخصيات قصصه تلك، الامر الذي جذب القراء/ انا مثلًا، لها ومكّنها من أن تعيش في الذاكرة/ ذاكرتي.. رغم ما مضى على نشر تلك القصص من سنوات بعيدة وعقود مديدة.

تُرى ماذا بإمكاننا أن نقول، في الذكرى الرابعة لرحيل هذا الكاتب المُقلّ، لكن الجميل؟.. هل ندعو ورثته، إلى جمع ما نشره متناثرًا في الصحف المذكورة، علما أنه نشر يعضًا من قِصصه في صحيفة "فصل المقال" أيضًا، وإصدارها في كتاب يضم مجموعة قصصية، تُضيف وتُثري ديواننا النثري القصصي؟.. وهل ندعو بعد هذا، دارسًا أكاديميا مجتهدًا، لإجراء دراسة أو بحث نقدي، يعيد إلى هذا الكاتب ما كاد يفتقده من اعتبار؟..أرجو ان يتحقق هذا وذاك.

***

ناجي ظاهر

........................

* المقصود كتاب "تطوّر الرواية العربية المصري بين عامي 1870 و1937"، للدكتور عبد المحسن طه بدر. أما فيما يتعلّق بالشخصيات المسطحة والمستديرة او النامية، فقد أبدع في الحديث عنها أيضًا، الكاتب الناقد الإنجليزي ا. م. فورستر في كتابه الدراسي التنظيري المشهور "اركان القصة".

* الكاتب ناجي سليم فرح من مواليد مدينة شفاعمرو بتاريخ 17/ 5/ 1933نشط سياسيًا واجتماعيًا منذ مطالع السبعينيات الأولى. هاجر البلاد الى كندا عام 1976 وذلك جراء ظروف قاهرة. اصدر عام 2010 كتاب سيري مذكراتي، وهو الكتاب الوحيد له، محمّلًا إياه عنوانًا دالًا هو "ذكريات مهاجر- زمن يتكسر"، سرد فيه بأسلوب ادبي رائق وجميل، العديد من القصص والحكايات الشخصية التي عاشها وأحب أن يرويها. توفى في مثل هذا التاريخ، في  4/8/ 2020، قبل أربعة أعوام في تورنتو- كندا.

"الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين"

تبدو مقولة كارل ماركس: "الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين" صادمة عند قراءتها لأول مرة، لأنها توحي بوجود تناقض بين ازدياد المنجزات المادية وتراجع قيمة الإنسان. لكن هذه العبارة لم تكن هجومًا على التقدم أو على الإنتاج بحد ذاته، وإنما كانت نقدًا لطريقة تنظيم المجتمع والاقتصاد، حيث قد يتحول الإنسان من غاية إلى مجرد وسيلة في عملية الإنتاج.

إذا نظرنا إلى عالم اليوم، نجد أن هذه المقولة لا تزال تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة، وإن كانت تحتاج إلى فهمها في سياقها. فقد شهد القرن الحادي والعشرون طفرة غير مسبوقة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة. أصبحت الآلات تؤدي أعمالًا كان يحتاج إنجازها إلى آلاف العمال، وأصبحت البرامج قادرة على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وتصميم الصور، وحتى المساعدة في اتخاذ القرارات. ولا شك أن هذه الإنجازات مفيدة للمجتمع، إذ رفعت الإنتاجية وخفضت التكاليف وسهّلت حياة الناس.

لكن الوجه الآخر لهذه الصورة يتمثل في أن بعض الوظائف أصبحت تختفي تدريجيًا، وأن عددًا من العاملين يجدون أنفسهم غير قادرين على منافسة الآلات أو مواكبة التطور التقني. وهنا يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أصبح "غير مفيد" اقتصاديًا، ليس لأنه فقد قدراته، بل لأن السوق لم تعد بحاجة إلى المهارات التي يمتلكها. ومن هنا تستعيد مقولة ماركس شيئًا من قوتها، إذ يبدو أن كثرة الإنتاج قد ترافقها زيادة في تهميش بعض الأفراد.

ولا يقتصر الأمر على سوق العمل. فثقافة الاستهلاك الحديثة تدفع الإنسان إلى قياس قيمته بما ينتجه أو يملكه. فإذا فقد وظيفته أو انخفض دخله، قد يشعر بأنه فقد قيمته أيضًا، مع أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل في إنتاجيته الاقتصادية. وهكذا يصبح الإنسان نفسه سلعة تخضع لمعايير العرض والطلب، وهو ما كان ماركس يحذر منه في نقده للرأسمالية الصناعية.

مع ذلك، فإن الواقع المعاصر يقدم جانبًا آخر لا تؤيده المقولة بشكل كامل. فالتكنولوجيا نفسها خلقت مجالات جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل تطوير البرمجيات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والهندسة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أتاحت فرصًا للتعلم والعمل عن بعد والوصول إلى أسواق عالمية. وهذا يعني أن الإنتاج المتزايد لا يؤدي حتمًا إلى وجود أشخاص "غير مفيدين"، بل قد يفتح أبوابًا جديدة لمن يستطيع التكيف واكتساب مهارات جديدة.

لهذا يمكن القول إن المشكلة ليست في كثرة إنتاج الأشياء المفيدة، وإنما في كيفية توزيع ثمار هذا الإنتاج، وفي قدرة المجتمع على تأهيل أفراده لمواكبة التحولات. فإذا استُثمر التقدم العلمي في تحسين التعليم، وإعادة تدريب العاملين، وتوفير فرص عادلة، فإن التكنولوجيا تصبح وسيلة لرفع قيمة الإنسان لا لتقليلها. أما إذا اقتصر الاهتمام على زيادة الأرباح والإنتاج دون مراعاة الآثار الاجتماعية، فإن عددًا متزايدًا من الناس قد يشعرون بأنهم مهمشون أو غير ذوي قيمة.

إن ما يجعل مقولة ماركس حية حتى اليوم ليس أنها تصف واقعًا ثابتًا، بل لأنها تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يزال قائمًا: هل يُقاس نجاح المجتمع بحجم ما ينتجه، أم بقدرته على صون كرامة الإنسان وإشراكه في ثمار هذا الإنتاج؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت كثرة الأشياء المفيدة ستقود إلى مجتمع أكثر إنسانية، أم إلى مجتمع تزداد فيه الفجوة بين التقدم التقني والقيمة الإنسانية.

وفي النهاية، يمكن القول إن المقولة ليست قانونًا حتميًا، بل تحذير من مسار محتمل. فالتقدم العلمي والتقني ليس عدوًا للإنسان، وإنما يعتمد أثره على الطريقة التي يدير بها المجتمع هذا التقدم. وإذا بقي الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، فإن كثرة الإنتاج ستزيد من رفاهيته. أما إذا أصبح مجرد رقم في معادلة اقتصادية، فقد تبدو مقولة ماركس أقرب إلى وصف دقيق لبعض جوانب عالمنا المعاصر.

***

حيدر كرار عدنان

 

بدأت رحلة الانسان مع الفلسفة بالتساؤل منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء متسائلًا عن سر الوجود، وبذلك كانت الفلسفة في نشأتها، دهشة أولى، وحوارا مفتوحا، مع الكون والإنسان والحياة ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)، وبذلك اتسمت الفلسفة بانها تبدأ بالسؤال، حيث أن السؤال هو الشرارة التي تشعل وهج العقل، وتدفعه إلى البحث عن الحقيقة.

وهكذا ظل الفلاسفة عبر العصور، يطرحون أسئلة كبرى، حول الوجود، والمعرفة، والأخلاق، والحرية، والعدالة، والمصير، إلا أن الإجابات بصددها، لم تكن نهائية، بل كانت كل إجابة تفتح بابا واسعا، لأسئلة جديدة، حتى أصبحت الفلسفة، فضاء مفتوحا للحوار، أكثر منها، مستودعا مغلقا للحقائق المطلقة.

ومن هنا ارتبطت الفلسفة بالحيرة، والشك، لأن العقل كلما اتسعت دائرة آفاقه، أدرك أن المجهول، أكبر من المعلوم، وأن غير المنظور، أكبر من المنظور، وبالتالي فان الحقيقة لا تُستوعب بالظنون، بل بالبحث الجاد، والتأمل العميق، والنقد الموضوعي.

وتجدر الاشارة إلى أن الحيرة الفلسفية، قد تتحول أحيانًا إلى قلق وجودي، إذا ما فقد الإنسان بوصلته القيمية، وأصبح الشك عنده غاية في حد ذاته، لاوسيلة للمعرفة. فالعقل الذي لا يهتدي بمرجعية أخلاقية، أو روحية، قد يبقى أسير الحيرة، والشك، والتساؤلات، متنقلا بين الاحتمالات الوهمية، دون أن يبلغ الطمأنينة.

ولذلك فإن المعرفة الإسلامية لم ترفض التفكير العقلي، بل دعت إليه، وجعلت التفكر والتدبر، من أهم وسائل معرفة الخالق، وإعمار الأرض على قاعدة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191). إذ يمكن الاشارة في هذا المجال، إلى جهود ابن رشد، والغزالي، في توكيد العلاقة العضوية، بين العقل والإيمان.

ولابد من الاشارة في هذا المجال، إلى أن القرآن الكريم لا يدعو إلى الإيمان القائم على التقليد الأعمى، بل يحث على التفكر، والتدبر، والنظر، واستخدام العقل في اكتشاف عظمة الخالق، والتأمل في خلق الإنسان والسماوات والأرض، وإدراك السنن والقوانين الدقيقة، التي تحكم الكون، وصولًا إلى اليقين بعظمة الله ووحدانيته ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...﴾ (الرعد: 2).

على أن المعرفة الإسلامية فرقت بين التفكير الذي يقود إلى اليقين، والجدل العقيم الذي يستهلك العقل، في دوائر لا تنتهي من الشكوك. فالإسلام يدعو إلى تغعيل العقل، لكنه يربطه في الوقت نفسه بالوحي، ليظل العقل نورا يهدي إلى الرشد، لا متاهة تقود إلى التضليل.

وفي تاريخ الفكر الإسلامي نماذج مشرقة، استطاعت أن توائم بين العقل والإيمان، وأن تجعل الفلسفة وسيلة لفهم الكون ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6)، لا سبيلًا لمخاصمة الدين. كما أن كثيرًا من العلماء المسلمين جمعوا بين الفلسفة، والعلوم الطبيعية، والطب، والرياضيات، مؤكدين أن المعرفة وحدة متكاملة، وأن (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها).

وفي عصرنا الحاضر، حيث تتسارع الاكتشافات العلمية، ويتنامى الذكاء الاصطناعي، وتتعدد الرؤى الفكرية، فإن الحاجة إلى التفكير الفلسفي، تبدو اليوم، أكثر إلحاحا، من أي وقت مضى، لا لإغراق الإنسان في الشك، بل لتنمية قدرته على التحليل، ونقد المعلومات، والتمييز الواعي، بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة والجهل.

وهكذا يتضح ان الفلسفة ليست دعوة إلى القلق، وإنما هي تدريب للعقل على التفكير المنهجي، والبحث عن الحكمة، وصولا إلى اليقين، ما دامتاا تنفصل عن القيم، وتتحول إلى جدل عقيم، حيث تفقد رسالتها، وتصبح عند ذاك، أسئلة مجردة بلا أفق، وحيرة دائمة بلا نهاية.

وهكذا يتبين أن الفلسفة ليست نقيضًا للإيمان، وإنما تصبح أداة لبناء الإنسان، طالما التزمت بضوابط العقل، والقيم، وجعلت من البحث عن الحقيقة، غايتها الكبرى.

ويبقى الإنسان بحاجة إلى عقل يفكر، وقلب يؤمن، وروح تطمئن بالعقل يكتشف سنن الكون، والقوانين التي تحكمه، وبالإيمان يهتدي إلى غاية الوجود، وبهما معا، تتحقق الحكمة التي تنقل الإنسان، من قلق السؤال، إلى سكينة المعرفة، ومن حيرة الطريق، إلى وضوح المقصد، ويقين الايمان ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

***

نايف عبوش

الكثرة البشرية بحر هادر يغرق ما فوق التراب، فما عاد في الدنيا بارز وفريد، بل الجميع غرقى في هذا البحر، والغرقى يشتركون بالإختناق بالماء، ولا تنجيهم من سطوته ألواح المصير الطافية.

وفي زمن الذكاء الإصطناعي تهاوت الحواجز، وأزيلت الفروقات بين البشر، وأصبحت المجتمعات كالآواني المستطرقة، يتساوى مستوى ما فيها من السوائل.

ما أكثر الشعراء والكتاب والمفكرين والعلماء والفقهاء، وحملة الشهادات العليا والمتخصصين في شتى المجالات.

وبفضل الذكاء الإصطناعي صار الكل يعرف ويدري، ولا يريد أن يسمع أو يقرأ، لأن هاتفه الجوال يستحضر له ما يريد بوقت لحظي، بفضل شبكات التواصل والمواقع المتنوعة التطبيقات والتي تجيبك عن أي سؤال.

فالعلاقة بين البشر والشاشة صار إدمانيا، وتحول الهاتف الجوال إلى جزء مهم من الذات الفردية، وكأن الشخص لا يمكنه مفارقته ولو لدقائق معدودات.

يسألني لماذا فلان وهو أفضل من الذي كان بارزا قبل عقود لا يبرز كإسم لامع في مجال إختصاصه؟

 ويبدو أن للكثرة دورها في إغراق مَن هم أقدر من السابقين بمرات عديدة، فالسابقون بارزون وخالدون بسبب القلة البشرية، واليوم الجميع مغمورون في بحر الكثرة.

المعاصرون يعرفون مئات المرات أحسن من السابقين الذين نتغنى بمنطلقاتهم، ونحسبهم نجوما لامعة لا يذوي بريقها، لكنهم برزوا، والمعاصرون يندثرون أو يتدثرون بالكثرة البشرية الطافحة.

إن معالم الوجود ومعاييره تبدلت في القرن الحادي والعشرين، واُديمت الحياة وتعززت بما يمنع غوائل الأخطار، التي كانت تفتك بالبشر كالأوبئة والأمراض السارية والمعدية، ونسبة وفيات الأطفال بلغت أدنى مستوياتها في التأريخ، وإمتدت الأعمار وكثر الذين في العقد الثامن من العمر، بينما في السابق المحظوظ من البشر مَن يتجاوز العقد السادس وهم ندرة.

ولو نظرنا إلى قادة المجتمعات بمختلف مسمياتهم وقدراتهم لوجدنا معظمهم يغادر الدنيا في العقد الخامس أو السادس، وأكثرهم دون ذلك بعقود، على إفتراض أنهم يتمتعون بمعيشة متميزة وراقية.

وفي هذا الخضم الإغراقي يبرز نداء " وقل إعملوا..."، فالعمل هو المقياس، ودع الأفكار تتجول في فضاءات العقول، وتتفاعل مع الأدمغة المؤهلة لإستقبالها، ولا تفكر بالظهور والشهرة أو التميز وغير ذلك من منطلقات ما مضى من القرون.

فالذات السائدة جمعية وليست فردية!!

تذوبُ جموعُها في بحرِ أدْري

وتأتيها مَعارفُها كنَهْرِ

كأنَّ وجودَنا أضْحى سَراباً

نُطاردهُ كخافِقةٍ بصَدْرِ

مَعالمُ إنَّنا سادتْ وجازَتْ

توافينا بمَلحَمَةٍ وفَجْرِ

***

د. صادق السامرائي

لا شك إن الموروث الشعبي ليس مجرد حكايات تروى، أو عادات وتقاليد، ورثها المجتمع عن الآباء والأجداد، بل هو ذاكرة المجتمع الحية، ومستودع قيمه، ومرآة هويته الثقافية، التي تشكلت عبر عقود طويلة من التجارب الإنسانية والاجتماعية الزاخرة. وبالتالي فأنه كلما حافظ المجتمع على تراثه، ترسخت اصالة هوية حاضره، وتعمقت ثقته بمستقبله.

وتجدر الاشارة إلى أن ثقافة التراث الشعبي، باتت اليوم تواجه انحسارا واضحا، بعد تلاشي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية، التي كانت تمنح المجتمع تماسكه، ودفئه الإنساني، وغياب مجالس السمر في الدواوين التي كانت مدارس شعبية مفتوحة، يتناقل فيها الناس الروايات، والأمثال، والأشعار، والسير، وأخبار القبائل والأسر، جيلاً بعد جيل على قاعدة (المجالس مدارس).

كما رحل كثير من المخضرمين الذين حملوا هذا الإرث في صدورهم، حيث كانوا خزائن حية للذاكرة الشعبية، باثرائهم الحياة الاجتماعية، بما امتلكوه من معرفة واسعة بتاريخ موروث ديرتهم، وأنسابها ومروياتها، فكانوا جسورا تربط الحاضر بالماضي.

وفي المقابل، فرضت العصرنة تداعيات إيقاعها السريع على الناس، فأصبحت الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي، جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، باعتبارها أدوات لم يعد بالإمكان تجاهلها، أو الوقوف في وجهها، وبالتالي فإنه لابد من الاستفادة من إيجابياتها، بعد أن باتت سمة العصر، ووسيلة تواصل أوسع انتشارًا.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا ذاتها، وإنما يكمن في الخشية من أن تؤدي هيمنتها، إلى قطيعة تدريجية مع الذاكرة الشعبية، فينشأ عند ذاك جيل مستلب، يجهل تاريخ ديرته، وأمثالها، وحكاياتها، ومناسباتها، وعاداتها التي صنعت شخصيتها الثقافية عبر الزمن.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حس جماعي واعٍ، لإحياء الموروث الشعبي، يقوم على توثيق الموروث، وجمع الروايات الشفوية، والأمثال، والأهازيج، والأشعار، والعادات والتقاليد، وتصوير الأدوات القديمة، وحفظ الوثائق والصور، وتشجيع كبار السن على نقل ما يحملونه من ذاكرة الموروث الشعبي لديرتهم إلى الأجيال الجديدة، قبل أن يطوي الزمن صفحاتها إلى غير رجعة.

كما ينبغي الاستفادة في الوقت نفسه من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لتكون منصات فعالة لنشر التراث والتعريف به، من خلال البرامج الرقمية، والأفلام الوثائقية، والمواقع الإلكترونية، والنشاطات الثقافية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية الموروث، لا أداة لتقويضه، واندثاره.

ولابد من التذكير بأن الاهتمام بالموروث الشعبي والحفاظ عليه، لا يعني النكوص والعودة إلى الماضي، أو القطيعة التامة مع معطيات العصر، وانما يعني اعتماد حاضر أكثر انفتاحا، يستمد قوته من جذوره، وينفتح في الوقت نفسه على ٱفاق المستقبل.

ولاشك إن مسؤولية صيانة هذا الموروث، هي مسؤولية جماعية، فهي في نفس الوقت، مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، باعتبار أن ذاكرة الأجداد ليست ملكا لجيل مضى، وإنما هي رسالة ينبغي الحرص على أن تصل إلى الأجيال القادمة، لتظل هوية الموروث نابضة بالحياة في وجدانهم، وعصية على الاندثار.

***

نايف عبوش

التأريخ يكنز خليط أحداث متنوعة، ويمكن لللاحقين إنتقاء ما يرونه مناسبا لرؤيتهم منه، ولهذا يمكن تعزيز أية وجهة نظر من الموروثات التأريخية، التي فيها العجائب والغرائب وفقا لمناهج مدونيها ودوافعهم ومواقفهم ومكاسبهم.

التأريخ فيه ما يضر وما ينفع، والأمم القوية عملت على محو ما يضرها وأظهرت ما ينفعها، وأقرب مثال الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازلت أذكر ذلك الرجل الفرنسي الطاعن في السن (كان يعمل في الجيش السري المقاوم للألمان) والذي قال لي أن إبني متزوج من ألمانية، فنحن لا نكره الألمان بل صار الحب جسرا بيننا!!

وفي واقع مجتمعاتنا نمحق ما ينفعنا ونستحضر من التأريخ ما يضرنا ونمعن في إظهاره وتطويره والإستثمار فيه، حتى يتحول إلى مشروع تجاري للقادرين على رهن الأجيال فيه.

وهذا يعني أن التأريخ لا عيب فيه، فتأريخ البشر لا يختلف كثيرا عن بعضه، لكن التوظيفية لأحداثه تحقق ربحية ما لبعض المستثمرين مما يتسبب بتداعيات خطيرة، وتفاعلات مريرة بين أبناء المجتمع الواحد.

ألا تساءلنا كيف لمجتمعات دخلت في حروب مروّعة أبادت الملايين من أبنائها تتحول إلى كيان متكامل، وتؤسس لكينونة إتحادية ذات صوت متوافق ومؤثر في حياة شعوبها، وبموجب رؤاها تمازجت وأنجزت سبيكتها الإنسانية القادرة على صناعة المستقبل الأفضل.

فالمطلوب تشذيب تأريخنا مما يضرنا، والتركيز على ما ينفعنا ويعزنا ويصون كرامتنا وقيمة مواطنينا، وتأمين حقوقهم في دول الأمة المجتهدة بمسلسلات التناحرات البينية، والقانعة بسلوك الضحية، والتعبير عن دورها الدميوي (من الدمى) على رقعة التجاذبات الدولية.

فلننفض غبار التأريخ السلبي ونرى بوضوح وأمل ما هو إيجابي لكي نستيقظ ونكون!!

بتأريخٍ يُدمّرنا لأنّا

ندومُ بنقطةٍ فيها سُجِنّا

هو التأريخُ مَدرسةُ انْطلاقٍ

إلى أفقٍ بهُ الأمجادُ مِنّا

ومبعثُ حالةٍ سَمَقتْ بعلمٍ

يؤازرُنا ومِنْ نورٍ شَرِبْنا

***

د. صادق السامرائي

 

(حول ما اثير في الاعلام)

ان مهنة الاكاديمي لم تكن يوما مجرد وظيفة تقليدية تقاس بعدد ساعات الحضور، بل هي رسالة سامية تعد بحق من اشرف المهن في العالم اجمع، وتنظر إليها المجتمعات المتقدمة بوصفها نخبة النخبة او ما يعرف بـ (la creme de la creme)، لانها المصنع الحقيقي للوعي ونهضة الامم.

ولكن الحق يقال، وانصافا للواقع العلمي، فأن هذه المهنة الرفيعة كغيرها من المهن الجليلة اساء إليها كثير من المتقاعسين ومن يريدون التسلق الوظيفي اضافة إلى بعض الانتهازيين والفاسدين ومن لم يحصلوا على شهادة حقيقية تؤهلهم لشرف هذا المنصب الرفيع. غير ان وجود هؤلاء لا يمكن اطلاقا ان يضر بجوهر الاستاذية او يقلل من قيمتها، فهم كالدنبلة في الجسد الصحيح، مجرد عارض طارئ يعالج وتزول اذاه ويبقى الجسد سليما معافى.

وان قراءة هذا المشهد بأنصاف وواقعية تؤكد ان تشويه سمعة اهل العلم ليس حرية رأي بل زرع للجهل في وعي المجتمع. ان ادعاءات الاكتفاء بدوام يمتد ليومين وتقاضي رواتب خيالية هي محض افتراء يتغافل عن الجهد الخفي المتمثل في الإشراف والمناقشات والبحوث واللجان والتصحيح، وهي مهام تمتد لساعات طويلة حتى منتصف الليل داخل المنازل.

كما ان الاختلاف لا يعطي الحق في القذف والسب والقاء التهم جزافا، حيث يظل القانون والقضاء هما الفيصل في حماية الاعتبار والسمعة. وتبرز المقارنة المنطقية بين ما يتقاضاه الاستاذ الجامعي وما يحظى به نظيره في الدول المتقدمة حجم التضحية التي يقدمها الاكاديمي، اذ تنظر الدول الرشيدة الى الجامعة بوصفها مصنعا للعقول لا عبئا ماليا.

وتتضح الرسالة الجوهرية في ان الاصلاح ينبغي ان يبدأ بأنصاف وعدم التعميم، فالتعميم ظلم فادح لا يصنع وعيا. ويظل الرد الأشمل على كل من يطعن في الاستاذ الجامعي هو تذكيره بان كل طبيب ومهندس وقاض ومعلم انما تخرجوا جميعا من تحت ايدي الاكاديميين، وعليه سيبقى الاستاذ الجامعي الحقيقي واقفا بثبات على منبر العلم، مترفعا عن ضجيج التعليقات، ومدركا ان رسالته اسمى وابقى من أي حملة تشويه عابرة.

***

محمد الربيعي

الماركسية ورسالة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين

تمهيد: الثابت والمتحول في التحليل المادي الجدلي

لم تكن الماركسية يوماً عقيدة جافة أو مجموعة من النصوص المقدسة المغلقة، بل هي منهج تحليل مادي جدلي يفهم العالم من خلال تناقضاته وحركته المستمرة. إن جوهر الفكر الشيوعي يكمن في قدرته الدائمة على تشريح وسائل الإنتاج في كل عصر، وتحديد كيف تتشكل علاقات القوى الطبقية بناءً على تلك الوسائل.

إذا كان القرن التاسع عشر هو عصر المصنع والفحم والبخار، والقرن العشرون هو عصر خطوط التجميع والنفط والشركات العابرة للقارات، فإن القرن الحادي والعشرين هو عصر الأتمتة الفائقة، والذكاء الاصطناعي، واحتكار البيانات. وهنا يطرح السؤال الاشتراكي الأساسي نفسه: كيف يُمارَس الاستغلال الطبقي اليوم، وكيف يسترد البروليتاريا زمام المبادرة التاريخية؟

أولاً: من الماكينة إلى الخوارزمية.. تحولات "فائض القيمة"

في المجلد الأول من كتاب رأس المال، أوضح كارل ماركس كيف تستخدم الطبقة البرجوازية التكنولوجيا (الآلات) لتقليل وقت العمل الضروري وزيادة "فائض العمل" الذي يتحول إلى أرباح حصرية للمالكين. لم تكن المشكلة في الآلة بذاتها، بل في علاقات الملكية التي تحكمها.

اليوم، نشهد الامتداد الأكثر عمقاً لهذه الديناميكية:

البيانات كعنصر إنتاج: إن كل تفاعل رقمي، وكل كلمة تُكتب، وكل سلوك يُسجل على الشبكات الحديثة يُشكل "المادة الخام" التي تعتمد عليها الشركات الاحتكارية لتطوير أنظمتها. إن الجماهير تنتج القيمة والمعرفة يومياً دون أن تملك وسيلة الإنتاج (السيرفرات والأنظمة والخوارزميات).

الاغتراب الرقمي: كما ينفصل عامل المصنع عن السلعة التي ينتجها، ينفصل الإنسان المعاصر عن بياناته ووعيه، حيث تُعاد صياغة هذه البيانات وتوظيفها للتحكم في سلوكه الاستهلاكي، والسياسي، والثقافي.

تكثيف الاستغلال بالأتمتة: تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لا لتقليل ساعات عمل البشر وتوفير الراحة لهم، بل لزيادة حدة التنافس على الوظائف، وتهديد الشغيلة بالبطالة، وخفض الأجور، ومراكمة الثروة في أيدي فئة لا تتجاوز 1% من سكان الكوكب.

ثانياً: وهم "حياد التكنولوجيا" وصراع السيطرة الطبقية

تُروج الأيديولوجيا الرأسمالية الفكرة القائلة إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات "محايدة" تُطور نفسها بنفسها لمنفعة الجميع. لكن التحليل الشيوعي يكشف كذب هذا الادعاء؛ فالتقنية دائماً تحمل طابع الطبقة التي تمولها وتسيطر عليها:

حين تُصمم الخوارزميات تحت سلطة رأس المال، يكون هدفها الأول والأخير تعظيم الربح حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البيئة، أو تغذية النزاعات، أو قمع حرية التعبير.

لكن حين تُحرر هذه التكنولوجيا من قيد الملكية الفردية، فإنها تتحول إلى أداة تحررية جبارة.

إن الشيوعية لا تدعو إلى التراجع عن التقدم العلمي أو محاربته، بل تدعو إلى انتزاعه من يد الاحتكارات؛ فالأتمتة الكاملة والذكاء الاصطناعي في ظل نظام اشتراكي تشاركي كفيلان بتقليل ساعات العمل الأسبوعية إلى أدنى حد، وتوفير التخطيط الاقتصادي الدقيق لتلبية احتياجات البشر الفعلية من غذاء، وسكن، ورعاية صحية، وتعليم، بدلاً من الفوضى القائمة على مضاربات السوق.

ثالثاً: المهمة التاريخية للطبقة العاملة المعاصرة

إن مفهوم "البروليتاريا" في الفكر الشيوعي لم يقتصر يوماً على العمال العضليين فقط، بل يشمل كل من لا يملك وسائل الإنتاج ويضطر لبيع قوته الذهنية أو الجسدية للعيش. اليوم، تضم الطبقة العاملة عمال المصانع، والمزارعين، والمهندسين، والمبرمجين، والمعلمين، وشغيلة الخدمات، والطبقات المسحوقة في جميع أنحاء العالم.

إن نجاح المشروع الشيوعي في عصرنا الراهن يتطلب تحقيق خطوات عملية حاسمة:

1. نضال من أجل البرمجيات والمصادر المفتوحة (Communal Digital Assets):

العمل على تحويل البنى التحتية الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات إلى ملكية عامة مشاعية تُدار ديمقراطياً وتخضع للرقابة المجتمعية.

2. تنظيم شغيلات وشغيلة الفكر واليد:

كسر العزلة الفردية التي تفرضها الرأسمالية الرقمية عبر توحيد أشكال التنظيم والنضال؛ بحيث يلتقي نضال المبرمج الذي يُستغل عقله مع نضال العامل الذي يُستغل جسده.

3. التخطيط الاقتصادي العلمي:

استغلال القدرات الحسابية الهائلة للذكاء الاصطناعي لإثبات أن "الإدارة والمفهوم الاشتراكي المخطط" أكثر كفاءة وعدالة بكثير من أزمات الاقتصاد الحر القائم على الفوضى والديون والحروب.

ختاماً

المستقبل بين خيارين

إن البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم توقعته الماركسية منذ عقود: إما الاستمرار في مظاهر التوحش الرأسمالي المعزز بتقنيات المراقبة والاستغلال الذكي، وإما الانتقال الثوري نحو المجتمع الاشتراكي الذي يضع العلم والتكنولوجيا والتطور الإنساني في خدمة الإنسان نفسه.

إن الشيوعية ليست حنيناً إلى الماضي، بل هي ضرورة المستقبل؛ إنها العلم الذي يعيد امتلاك التكنولوجيا ليجعل من التقدم التقني جسراً لنهاية الاستغلال، وتحقيق مجتمع الحرية والعدالة والكفاية للجميع.

***

حيدر كرار عدنان

 

كانت كلماتنا تخبر عن فعل قمنا به، أو أنها تمثل دليلا على إنجاز عمل ما، وبعد أن دارت القرون وتبعثرت الرؤى وطغت التصورات والأساطير والخرافات، أصبح القول أقصى ما يمكن فعله.

فهل بقي للكلمة قيمة ومعنى وتأثير في سلوك الناس؟

يبدو أن أي كلام صار "مجرد كلام"، وتلك مصيبة أمة في آليات تفكيرها، وظلمات مساراتها، وغفلتها التي أعمتها وأخرجتها من فضاءات النور والتنوير وحشرتها في زوايا العسير والمرير.

نتصور أن هناك قدرة على تغيير ما ترسخ في رؤوس الناس من المعتقدات والإدراكات، التي لا يمكنها أن تسمح للفرد بالخروج من عباءة ذاته وموضوعه، فمهما بلغ من العلم وإختلط بمجتمعات الأمم المنوّرة فأنه يبقى جاثما في قوقعته الإعتقادية، ويرى الدنيا من خلال ما أسسته في وعيه من زوايا نظر.

الكلام لا يؤثر، والفكر لا يطوّر ولا يغيّر، ما دام البش متخندق فيما يستولي عليه من رؤى ذات منطلقات غيبية، ومنابر قادرة على تغذية الأكاذيب بالأكاذيب، وتأجيج الحالة الإنفعالية اللازمة لزرع ما تريده في دنياه وهو يعمه في غفلةٍ وكأنه في غيبوبة مطلقة.

مَن يتصور أن للفكر تأثير في مجتمعاتنا فهو من الواهمين، والعقائديين المنتمين لرؤيتهم ويحسبونها الحق المطلق، والحقيقة الأصدق والأرجح.

ذلك أن الأمة فيها العديد من المفكرين ومنذ القرن التاسع عشر، وما إستطاعت أن تجسد رؤية من رؤاهم، وأبسط مثال ما قدمه عبد الرحمن الكواكبي من طروحات، ولا أظن أن أحدا من قادة الأمة يعرف إسم كتابه أو تصفحه وتدبر ما فيه.

وغيره الكثير من العلماء والمنوِّرين، كمحمد عبده، وعلي عبد الرازق وطه حسين وآخرين، نامت طروحاتهم التثويرية التنويرية في ظلمات الرفوف وحوتها كتب يكتنفها الإهمال.

ولا ننسى أن الأمة لديها تراث سياسي خصب، ما إستفادت منه الأجيال منذ تأسيس دولها.

مَصيرُ كلامِنا ماءٌ برملِ

وغايةُ فِعْلِنا رَجْمٌ بقولِ

عَقائدُنا أبَتْ حُكماً رشيداً

بأوْهامٍ تُخاطبُنا وتُمْلي

إذا أممٌ أهانَتْ مُرْتقاها

تَولّتْها سُراةٌ بِنْتُ جَهلِ

***

د. صادق السامرائي

ينظر إلى الانطباع الأول على أنه أحد العوامل الأكثر تأثيراً في قرارات التوظيف وقبول الموظفين والإقتناع بهم، إلا أنه في الوقت ذاته قد يكون من أكثرها تضليلاً وخداعاً إذا لم يدعم بمعايير علمية وموضوعية قادرة على التعرف على قدراتهم ومهارتهم وتوجهاتهم الإيجابية وخبراتهم العلمية والعملية التطبيقية. فكثير من المديرين قد يتأثرون بالصورة الأولى التي يقدمها المرشح، سواء من خلال أسلوب حديثه، أو ثقته بنفسه، أو حضوره الشخصي وتأثيره في المقابلات الشخصية، أو قدرته على عرض خبراته بطريقة جذابة ولافته للاهتمام والانتباه، فيتكون لديهم انطباع إيجابي يدفعهم إلى ترجيح كفته قبل التحقق من كفاءته الفعلية وقدراته.

وفي المقابل، هناك مرشحون يمتلكون مهارات عالية في التسويق لأنفسهم، ويجيدون إبراز نقاط قوتهم وإخفاء جوانب ضعفهم، مما يجعلهم أكثر قدرة على التأثير في لجنة المقابلة، رغم أن أداءهم الحقيقي في بيئة العمل قد لا يعكس تلك الصورة اللامعة التي رسموها لأنفسهم وقدموها للمسؤولين والمعنيين بتوظيفهم.

ولا يقتصر الأمر على المرشح، بل قد يكون المدير نفسه طرفاً في هذه المعادلة؛ إذ قد يتأثر بعواطفه، أو بخبراته السابقة، أو بتحيزاته الشخصية والثقافية والفكرية، أو يتسرع في إصدار الأحكام واتخاذ القرارات المتعجلة، فيمنح الانطباع الأول وزناً أكبر مما يستحق. وهنا تصبح قرارات التعيين عرضة للأخطاء والإنزلاقات، وقد لا تحقق مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

إن الإدارة الحديثة تؤكد أن المقابلة الشخصية، مهما بلغت جودتها وقيمتها، ليست سوى أداة واحدة من أدوات التقييم واختيار الموظفين، ولا ينبغي أن تكون الأساس الوحيد لاتخاذ القرار. فالتوظيف الفاعل يتطلب منظومة متكاملة تشمل معايير واضحة، ومقابلات سلوكية منظمة، واختبارات للكفايات الشخصية والمهنية، والتحقق من الخبرات، وقياس المهارات الفنية والسلوكية، بما يضمن عدالة الاختيار ودقته.

لقد أثبتت العديد من الدراسات في علم النفس التنظيمي أن الانطباعات الأولى قد تتأثر بما يعرف بـ"تأثير الهالة" (Halo Effect)، حيث تؤدي صفة إيجابية واحدة إلى تكوين صورة إيجابية نمطية عامة عن الشخص، بغض النظر عن بقية جوانب أدائه والمهارات أو الخبرات اليت يمتلكها. وهذا من أكثر التحيزات شيوعاً في المقابلات الوظيفية، وقد يؤدي إلى إغفال مرشحين أكثر كفاءة وأقدر على تحقيق أهداف المنظمة ورسالتها.

إن نجاح المنظمات لا يبدأ باختيار الأشخاص الأكثر إقناعاً في المقابلة، بل باختيار الأكثر كفاءة وقدرة على تحقيق النتائج والانسجام مع ثقافة المنظمة وقيمها وسياساتها. ولذلك، فإن القائد الناجح هو من يوازن بين حدسه المهني والبيانات الموضوعية، ويجعل قراراته قائمة على الأدلة لا على الانطباعات المتهورة والمندفعة.

فالانطباع الأول قد يفتح باب الفرصة، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده من يحسم قرار التعيين والتوظيف؛ لأن المؤسسات تبنى بالكفاءات الحقيقية، لا بالصور الذهنية المؤقتة، والقيادة الرشيدة تدرك أن العدالة في الاختيار هي الخطوة الأولى نحو بناء فرق عمل قوية ومستدامة تعمل لبناء الحاضر وتشييد المستقبل بإيجابية.

***

د. أكرم عثمان

1-8-2026

اذا حكمً الدكتاتورُ لزمنٍ طويلٍ جداً قد يتبلدُ الشعب

اذا حكمَ الدكتاتورُ لزمنٍ طويلٍ جداً يفقدُ الشعبُ شيئاً مِن شجاعته

واذا فقدَ شيئاً مِن شجاعتِهِ فقدَ شيئاً من هيبته

واذا فقدَ شيئاً مِن هيبتِهِ فقد شيئاً من كرامته

واذا فقد شيئاً مِن كرامتِهِ وافقَ على أن يسودَ عليهِ الحاكمُ الغريب

واذا كان الحاكمُ الغريبُ جائراً وسارقاً وعدوانياً سيصاب الشعبُ بالاحباطِ واليأسِ وقد يقبلُ في كلِّ وضعٍ منحرفٍ جديدٍ ويصفِّقُ لهُ على انَّهُ الخلاص!!

مع هذا هناكَ دائماً استثناء ..

الخلاصُ الحقيقي يحققُهُ وجودُ الاستثناء ..

والاستثناء هُمْ أهلُ العقولِ التي لم تتبلدْ

و أهلُ الضمائرِ التي تمانعُ كي لا يفقدَ الانسانُ شجاعتَه وهيبتَه وكرامته ..

مهجُ هؤلاء شموسٌ للأملِ وقناديلُ للحريَّة ..

***

كريم الأسدي - العراق

22/7/2026

 

وفقدان الحس المرهف والمشاعر الجياشة

أصبحت التكنولوجيا في عالم اليوم شريكا دائما في تفاصيل حياتنا، بعد أن أصبح الهاتف الذكي ذاكرة متنقلة، وباتت الخوارزميات تقترح علينا ما نقرأ، وما نشاهد، وتساوقا مع هذا التحول الكبير يبرز السؤال، هل ستقودنا رقمنة الحياة تدريجيا إلى رقمنة الدماغ، وبالتالي اضعاف قدرتنا على الإحساس، وتقليص دفء المشاعر الإنسانية؟

ولاريب أن الإنسان قد خُلِق ليعيش بتوازن بين العقل والقلب، وبين المنطق والعاطفة، وبين التفكير والإحساس انطلاقا من قوله تعالى﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[ التين: 4]، إلا أن هيمنة العالم الرقمي في عالمنا المعاصر، والاعتماد المفرط، على السرعة والاختصار، والإستجابة الفورية، جعل العلاقات الإنسانية نفسها تُدار عبر الشاشات، بعد أن تحولت الكلمات الدافئة، إلى رموز تعبيرية، واللقاءات الحية، إلى مكالمات، وصور، ورسائل عابرة.

ومع أن التكنولوجيا لم تلغ المشاعر، إلا أنها مع ذلك غيّرت أساليب التعبير عنها، فالطفل الذي كان يقضي ساعات من وقته في اللعب مع أقرانه، أصبح يقضيها أمام شاشة، والأسرة التي كانت تتحاور حول مائدة الطعام، اصبح كل فرد فيها منشغلا بجهازه، ومنغمسا في عالمه الرقمي، حتى طغى الصمت الرقمي، والعزلة الرقمية، على دفء الحوار العائلي.

ولاشك أن اعتماد التطبيقات الذكية قد يمنح العقل سرعة في الوصول إلى المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يمنح القلب دفء العاطفة، ولا يعلّم الإنسان الحنان. فهذه القيم لا تُحمَّل من الإنترنت، ولا تُكتسب بضغطة زر، وإنما تنمو بالمخالطة الإنسانية، والتفاعل الوجداني، وتتعمق بالتجارب التي تصنع الشخصية.

ولعل التحدي الحقيقي للتداعيات السلبية للرقمنة، يكمن في تخلي الإنسان عن وظائفه الإنسانية لصالح الآلة، فإذا ما أصبحت الخوارزميات تحدد اختياراتنا، وتوجه اهتماماتنا، وتحدد علاقاتنا، فإننا قد نصل إلى مرحلة، يصبح فيها العقل أكثر كفاءة، في حين يصبح القلب أقل حضورًا.

ولاريب أن هيمنة الثورة الرقمية في عصرنا الراهن، تقتضي أن نحافظ على إنسانيتنا، فالآلة تستطيع أن تحسب، وتستطيع أن تحلل، وأن تتعلم، لكنها لا تستطيع أن تحب، ولا أن تواسي، ولا أن تشعر بوجع إنسان آخر.

وهكذا فإن رقمنة الدماغ ينبغي أن تبقى وسيلة لتوسيع آفاق المعرفة، وليس وسيلة لتجميد المشاعر، وتبليد الحس، وبالتالي فانه كلما ازداد التقدم التقني، تعاظمت حاجتنا إلى التمسك بما يميز الانسان عن الآلة، من قلب حي، وضمير يقظ، وحس مرهف، يمنح الحياة معناها الحقيقي.

***

نايف عبوش

يُقال إن الموسيقى والأغاني أقدم من الأديان، على الأقل كما نفهمها اليوم، والعلوم والحضارات الإنسانية؛ قد تكون الحاجة العميقة للغناء لم تُدرس بعد من النواحي النفسيّة والانثروبولوجيّة والسوسيولوجيّة بالشكل الكافي، إذ -وكما يبدو- لا توجد ثقافة في العالم، لا تغني وتسمع الموسيقى وتتشرّب الأغاني بكل أشكالها المتنوعة الحديثة، وفي كل المناسبات تقريبًا، فهي لغة العالم، يفهمها اليافع قبل الراشد، والأجنبي قبل الناطق الأصلي، فهي تُغطي جميع قصص التاريخ والثقافة والروح، و الكثير من تناقضاتنا الراسخة، كوننا نجهل ما نريد في أحياناً كثيرة.

كنت دائماً أشعر -حدسياً وفطريًا إن شئتم- الأغنية الجيدة، من الأخرى السيئة الرديئة، أو حتى الأغنية العاديّة المملة الرتيبة، المعتادة والمكررة، يمكننا تسميتها «الأغنية النسخة» لأسباب ستتضح بين طيّات مقالنا. 

إن ما يجعل الأغنية جيدة، جميلة ومحببة، ليست الموسيقى -وهي عامل مهم- ولا حتى الكلمات- وهي عامل هام أيضًا- ولا حتى الاداء - أداء المغني، وكذلك السبب لا يعود إلى مزج الإغنية سوياً، أو ما يسميه أهل الإختصاص Mixing وهذه مرحلة حاسمة أيضًا؛ مع ذلك، كل هذه - من وجهة نظري - إذا لم تتوّج بهذا العنصر الذي سأتطرق له الآن، لن تكون أغنية جيدة، أو محببة عند الجماهير، لا سيما إذا أٌريد لها أن تكون كلاسيكيّة باقيّة في قلوب الناس، ولها بُعد أصيل يشبهنا.

الذي يجعل الأغنية جيدة هو ما يسمى بالإنجليزيّة Melody وهو ما يطلق عليه غالبًا "الجملة اللّحنيّة"، وهو مفهوم يعرفه الفنانين، خاصةً الملحنين، والمطربين المبدعين أمثال كاظم الساهر أو عمرو دياب، وغيرهم؛ أما الأكثريّة العظمى من الناس، لا تُدرك معرفيًا وبشكل مباشر لماذا نحب أغنيّة، ما الذي يجعلها ممتعة إلى حد لا نمل منها أبدًا، وأخرى نشعر أنه ينقصها شيء ما، ليست مكتملة الأطراف فنياً، حتى لو بدت التفاصيل الظاهرة من لحن وكلمات ودمج بطريقة أكثر من جيدة، تبقى ميزة الجملة اللّحنيّة العامل المؤثر على «نص الأغنيّة»، وأدل بالنص هنا على المخرج الكامل للعمل الفني، لا للدلالة المتعلقة بالكتابة.

قيمة الجملة اللّحنيّة تكمن في أبعاد، أشك أن كثير من فناني العالم يعرفوها، يعيها بعض عمالقة الفن أمثال مايكل جاكسون، وغيره من القلائل الذين أتقنوا البُعد الأعمق منها. لكن قبل أن نعرج عليها بالتفصيل والتوضيح، دعونا نعرف معنى الجملة اللّحنيّة أولًا، كما يتداوله أهل الاختصاص، و المهتمين بهذا المجال.

الجملة اللّحنيّة -كما أفهمها، وبالقدر المقتصد في التعبير- هي اللحن المُغنى فيه؛ وهو يختلف تماماً عن اللحن في الأدوات الموسيقيّة؛ فاللحن يتماشى مع الجملة اللّحنيّة، لا العكس، في أغلب الأغاني العظيمة. فالجملة اللّحنيّة هي أسلوب التجويد للنص المكتوب (كلمات الأغنيّة)، وهذه نقطة قد تبدو غامضة، أو فيها نوع من المبالغة، لكنها أعمق النقاط لفهم قوة الجملة اللّحنيّة، والسبب يكمن جزئيًا في أن هناك عدد لا يحصى من الاحتمالات لقراءة نص، وكلمات؛ احتمالات، أقصد بها تحديداً بالمعنى الرياضي الفلسفي الواسع، أي أن هناك بالفعل، وبدون أدنى مبالغة، آلاف الإحتمالات لقراءة وتجويد أي جملة.

فالجملة اللّحنيّة هي أقرب إلى الوجدان الإنساني، والتّجربة المعاشة، وشعورنا العميق بحياتنا وتجاربها، ليست فقط قراءة كلمات ذكية تحرك المشاعر. بل الحاصل هو العكس: الشعور يكتب بالطريقة الأنسب للتجويد، وهناك أمثلة لا تحصى، وربما توظيف مثل شهير قد يكون مواتيًا لهذا المقام، وهي الجملة اللّحنيّة لأغنيّة عمرو دياب الشهيرة "تملي معاك". هذا العمل، على بساطة الكلمات عند قراءته بدون لحن (أي جملة لحنية، لأن اللحن امتداد للجملة اللّحنيّة، والوجدان)- إلا أن الجملة توّجتها كعمل كلاسيكي عربي منذ صدورها في عام 2000 حتى الساعة، وستظل على هذا الحال إلى عقود آتية فيما يبدو. وهي ليست أفضل مثال، لكنها على الأقل ترسم الصورة بوضوح، لأننا إذا قرأناها ككلام عام، لن تحمل ذات الحمولة الوجدانيّة.

ولهذا السبب تحديداً، الأغاني الرتيبة، هي المفتقرة إلى جملة لحنيّة بنيويّة، نابعة من تجربة تكتب بدمها، لا لبيع تذاكر حفلات، أو تكملة ألبوم، وغيرها من الأسباب التي -مرة أخرى- نعرفها جميعاً على مستوى معين، فنقول أمورًا من قبيل: "الأغنية تفتقر للروح"، أو "الأغنيّة ميّتة".

ما يجعل الجملة اللّحنيّة -وبالتالي الأغنيّة- عظيمة، أو ممتازة على الأقل، فيما أحسب، هو كونها أقرب إلى أعمق المشاعر الإنسانيّة، المنسيّة منها والمدفونة، العميقة الخالدة في تجربتنا الوجوديّة، فالجملة اللّحنيّة الأعمق هي قول الشعور الأعمق، والوجدان الإنساني طيف واسع وهوة سحيقة، فجميعنا نعيش مشاعر الحزن والطمأنينة، التيه والشغف، التعاسة والسعادة، الاحتضار البطيء والتسامي وغيرها من المشاعر الإنسانيّة المتجذّرة. والفنان البصير، مثل مايكل، عرف هذا، وكتب أغاني روحانية بجدارة، مثل "Earth song" أغنية الأرض؛ هذه الجملة، لاسيما الشطر الثاني منها؛ ندرك حينها أنها ليست الكلمات، ولا الألحان، إنما حين تتوسل الأغاني بجملة لحنيّة خالدة، متأصلة في صميم الوجود الإنساني، تنبعث فيها أعمق وأقدم ما فينا، الفن، والأدب بمعناه الأقصى، والأصالة الإنسانيّة المهدورة.

***

 خالد اليماني

 

ليست الدول كائنات "مقدسًة ومطلقة"!، ولا هي غايات نهائية، بل هي وسائل وأدوات للحق والخير أو للباطل والشر وفق مبدأ أو معيار أصلية الحق والخير وحياد الأشياء "التي منها الدول".

وقيمة الدول، الحقيقية لا تُقاس بمجرد قوتها أو اتساع نفوذها أو غلبتها، ولا بكونها ذئابا مقابل قوى أقوى منها ونعاجا مقابل قوى أضعف منها، وإنما بمدى التزامها بالحق والخير وإقامة العدل، حفظ الحقوق، وصيانة الواقع والحياة من الظلم والفساد والفوضى.

فكل قوة بشرية، مهما بلغت، تبقى ضعيفة ومحدودة لأنها تتحرك داخل واقع نسبي متغير لا تملك السيطرة الكاملة على قوانينه.

ومن أكبر أوهام السياسة والسلطة السياسية أن القوة تمنح صاحبها القدرة على صناعة الحقيقة والحق والحقوق.

فالدول قد ترفع شعارات كبرى، وتعلن مواقف تبدو نهائية، ثم تجد نفسها أمام واقع يجبرها على إعادة الحسابات ومراجعة الشعارات وتغييرها.

ذلك لأن إرادة البشر، أفرادًا كانوا أو جماعات، لا تعمل في فراغ، بل تصطدم دائمًا بسنن كونية تتجاوز رغباتهم. ومن يظن أنه يملك الواقع أو التاريخ، يكتشف عاجلا أو آجلا أن الواقع أو التاريخ أكبر من إرادته. والواقع والتاريخ هما مجرد مظهر من مظاهر إرادة الله تعالى.

إن تغير المواقف السياسية يكشف حقيقة عميقة هي أن ما يصنعه الإنسان من تحالفات وعداوات ومشاريع يبقى خاضعًا للتغير والتغيير، لأن الإنسان نفسه متغير والنفوس تتغير، ولأن المصالح والقوى والظروف لا تثبت على حال. ولهذا فإن الدول قد ترفض أمرًا في زمن، ثم تقبله في زمن آخر، وقد تجعل من خصم الأمس شريك اليوم، ليس دائمًا بسبب تحول في المبادئ، بل بسبب تغير في حسابات الواقع.

لكن المشكلة لا تكمن في تغير الموقف بحد ذاته، فالمراجعة قد تكون علامة على العقل والحكمة، وإنما تكمن في أن يتحول التغير إلى إنكار للحقيقة، أو أن يصبح المبدأ مجرد لباس يُرتدى عندما يخدم المصلحة ويُخلع عندما يصبح عبئًا. فالإنسان قد يبرر لنفسه ما يوافق هواه، والدول قد تفعل الشيء نفسه حين تجعل القوة أو السلطة معيارًا وحيدًا للحكم.

إن التاريخ يبين أن الأمم لا تسقط فقط بسبب ضعفها المادي، بل بسبب فقدان الميزان الحقيقي الذي يميز بين ما هو حق وخير وما يخدم ولو مؤقتا شهوة القوة والغلبة. فالقوة إذا انفصلت وانقطعت عن الحق والخير تصير قوة باطلة وطاغية وضالة، والمصلحة إذا انفصلت وانقطعت عن قيم الحق والير تتحول إلى مفسدة وشر وضرر. وقد ينجح الظلم في وقت أو مكان، لكنه لا يستطيع الإستمرار التام؛ لأن الكون لا يقوم على الطغيان والفوضى والعبث، بل على الحق والخير وقوانين وسنن تتجاوز الحسابات القصيرة الجاهلة. والحياة الدنيا الفانية مجرد ممر إلى الحياة الآخرة الخالدة.

الدولة الرشيدة ليست التي لا تغير مواقفها أبدًا، فهذا مستحيل في عالم متحرك، وإنما التي تجعل تغيرها خاضعًا لمعيار أعلى من مجرد الربح والخسارة. فهي قد تتراجع عن قرار، أو تعيد بناء علاقة، أو تغير وسيلة، لكنها لا تجعل الحق تابعًا لشهوات الحكام، ولا تجعل الحق والحقوق مجرد أرقام في حسابات القوة والغلبة.

إن أخطر ما يحدث عندما تفقد السلطة قدرتها على رؤية نفسها من الخارج وفق منظار صحيح؛ فتصبح كل أفعالها مبررة، وكل تناقضاتها حكمة، وكل انكساراتها انتصارات. عندها لا تعود المشكلة في فساد السياسة فقط، بل في فساد الميزان الذي تُقاس به السياسة وغيرها.

 تكشف حركة الدول حقيقة كبيرة هي أن كل ما في هذا العالم متغير وزائل، وأن الثبات الحقيقي ليس في المواقف البشرية المتحركة، بل في القيم التي تتجاوز الزمن. فالقوى تتغير، والتحالفات تتغير، والأنظمة تعلو وتسقط، لكن "الحق والخير" يبقى معيارًا يكشف قيمة الأفعال والأشخاص مهما تغيرت الظروف.

والدولة التي تريد البقاء لا يكفيها أن تمتلك القوة، بل تحتاج إلى الحكمة؛ ولا يكفيها أن تعرف كيف تنتصر، بل أن تعرف لماذا تنتصر. فسجل الحق والخير لا يحفظ من امتلكوا القوة والغلبة، بل من استطاعوا أن يجعلوا القوة والغلبة خادمًا للحق والخير، لا بديلًا عنه.

أخيرا، أنوه إلى أن هذه المقالة أو موضوعها مثال آخر لنظرية " كون الحق والخير هو النظام الأعلى والمعيار الأعلى الأصيل إزاء حياد الاشياء والمفاهيم . وهو المعيار الضائع أو الأكثر ضياعا في جميع الأمم والملل حتى المسلمين، مع الأسف. والمشكلة الكبيرة أن هذا المعيار رغم بساطته ووضوحه وبديهيته عند الجميع تقريبا، فهو ضائع مهمل عند الجميع تقريبا، في تناقض عجيب واضح.

***

جميل شيخو- الموصل - العراق

الجمعة 31 / 7 / 2026

بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الفرد

تكاد بطالة خريجي الجامعات تكون اليوم واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المجتمع العراقي. وقد تتباين الإحصاءات في تقدير أعداد العاطلين عن العمل، إلا أن حجم المشكلة أصبح أكبر من أن يحتاج إلى أرقام لإثباته، فهي حاضرة في كل بيت تقريباً، وفي أحاديث الأسر، وفي طوابير انتظار التعيين، وفي شعور آلاف الشباب الذين أمضوا سنوات طويلة في الدراسة ثم وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام أبواب موصده.

ولعل المفارقة المؤلمة أن أعداد العاطلين من حملة الشهادات الجامعية أصبحت تفوق أعداد العاطلين من ذوي المؤهلات الأدنى، في الوقت الذي وجد فيه مزوِّرو الشهادات طريقهم إلى الوظائف والمناصب التي لا يستحقونها، في مشهد يبعث على الإحباط واليأس في نفوس الشباب، ويقوّض الثقة بقيمة الجهد العلمي الحقيقي، ويهز الإيمان بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة.

ويزداد هذا المشهد قتامةً حين نلاحظ أن النسبة الأكبر من العاطلين عن العمل هم من خريجي التخصصات الأكثر جذبًا والأعلى تنافسية، والتي تتطلب معدلات دراسية مرتفعة وجهودًا استثنائية للالتحاق بها. وهكذا تتفاقم المشكلة عندما نخسر الطلبة الأكثر كفاءةً وقدرةً، والذين بذلوا جهدًا أكبر في مسيرتهم التعليمية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف خارج الحياة المهنية. وبهذا أصبح الحصول على فرصة عمل مناسبة يتناسب عكسياً مع القدرات والجهود المبذولة إذ كلما ازداد الجهد المبذول وارتفعت الكفاءة، تقلصت فرص التعيين بدل أن تزداد.

ولا خلاف على أن من واجب الدولة أن تعمل على توفير فرص العمل لجميع مواطنيها، كلٌّ بحسب مؤهلاته وقدراته، سواء أكان من حملة الشهادات الجامعية أم من أصحاب التعليم المحدود. غير أن من الواقعية أيضاً الاعتراف بأن الدولة وحدها لا تستطيع استيعاب مئات الآلاف من الداخلين إلى سوق العمل كل عام، ولا سيما في ظل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع العام، وضعف القطاع الخاص، الذي لا يزال محدوداً في قدرته على خلق فرص عمل حقيقية، أو يفضل أحياناً الخبرة والمهارة على مجرد الشهادة الجامعية. وهذا ما نلمسه في مختلف بلدان العالم وفي شتى التخصصات. ولطالما رددت أن المهارة بلا شهادة خيرٌ من الشهادة بلا مهارة؛ فالشهادة تفتح الباب، أما المهارة فهي التي تثبت الكفاءة وتضمن الاستمرار والنجاح.

وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فكثير من الطلبة لم يدركوا إلا بعد التخرج أن اختيارهم للتخصص لم يكن موفقاً، أو أن سنوات الدراسة لم تمنحهم المهارات العملية التي يبحث عنها أصحاب العمل. فأصبحت الوثيقة الجامعية، على أهميتها، غير كافية وحدها للحصول على وظيفة.

وأود أن أوضح أن هذا الحديث لا يشمل جميع خريجي الجامعات العراقية، الحكومية منها أو الأهلية، فلدينا آلاف الخريجين الذين أثبتوا كفاءتهم داخل العراق وخارجه، وبعضهم ينافس خريجي أرقى الجامعات العالمية، وهذا مصدر فخر لنا جميعاً. إنما المقصود شريحة من الخريجين الذين حصلوا على الشهادة، لكنهم لم يكتسبوا المهارات التي تؤهلهم للمنافسة في سوق العمل.

ومن هنا أود أن أوضح أن هدفي ليس توجيه اللوم إلى الشباب، انما مخاطبتهم بلغة الأمل. فالشاب العراقي أثبت، داخل العراق وخارجه، أنه يمتلك الذكاء والقدرة على التعلم وسرعة التأقلم، وأنه عندما تتوافر له البيئة المناسبة يحقق نجاحات لافتة. ولذلك فإن البطالة لا ينبغي أن تُفهم على أنها حكم بالفشل، وإنما هي تحدٍّ يتطلب إعادة النظر في المسار المهني.

لقد تغير عالم اليوم بسرعة كبيرة، وأصبحت المهارات تتغير أسرع من الشهادات. فالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يعيدان تشكيل سوق العمل، وتختفي وظائف لتظهر أخرى جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة. ومن يكتفي بما تعلمه قبل سنوات قد يجد نفسه خارج المنافسة، بينما يستطيع من يواصل التعلم أن يفتح لنفسه أبواباً جديدة لم تكن موجودة من قبل.

ولهذا فإنني أدعو كل خريج عاطل عن العمل، بل وكل شاب، إلى النظر إلى شهادته على أنها بداية الطريق لا نهايته. فما زالت أمامه فرصة لاكتساب مهارات جديدة من خلال الدورات التدريبية القصيرة، سواء في البرمجة، أو تحليل البيانات، أو الذكاء الاصطناعي، أو اللغات، أو الإدارة، أو التسويق الرقمي، أو الصيانة والتقنيات الحديثة، أو غيرها من التخصصات التي يحتاجها سوق العمل. واليوم أصبحت هذه المهارات متاحة عبر الجامعات، ومراكز التدريب، والمنصات الإلكترونية العالمية، وغالباً بكلفة بسيطة أو مجاناً.

إن إعادة التأهيل المهني في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة وليست ترفا ً. والشهادة الجامعية تمنح صاحبها قاعدة معرفية تساعده على اكتساب مهارات جديدة بسرعة أكبر، حتى وإن كانت بعيدة نسبياً عن تخصصه الأصلي.

ولا أعني بذلك إعفاء الدولة من مسؤولياتها، فهي مطالبة بإصلاح منظومة التعليم، وربط مخرجات الجامعات باحتياجات الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوفير بيئة حقيقية لنمو القطاع الخاص، ومحاربة الفساد والتزوير، ودعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال. فهذه مسؤوليات لا يمكن أن يتحملها الفرد وحده. لكن في المقابل، لا ينبغي للخريج أن يجعل مستقبله رهينة انتظار وظيفة قد تأتي أو لا تأتي. فالعالم لم يعد يكتفي بالشهادات الجامعية وحدها، لان سوق العمل يبحث عمن يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التعلم المستمر، أكثر مما يبحث عن الشهادة وحدها.

من المهم ان نعلم ان المستقبل سيكون من نصيب من يطور نفسه باستمرار، ولا يكتفي بتعليق شهادته على الجدار وانتظار فرصة قد لا تصل أبداً. فالشهادة هي بداية الطريق إلى المستقبل، وقيمتها الحقيقية تتجلى فيما يضيفه صاحبها من معرفة ومهارة وخبرة وقدرة على التكيف مع متغيرات العصر. وبينما تبقى الدولة مطالبة بأداء مسؤولياتها في توفير بيئة اقتصادية وتعليمية سليمة، يبقى على الخريج أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد منتظر له. فالأمم لا تنهض بالانتظار، وإنما تنهض بالعمل والإبداع والمبادرة، ومن يجعل التعلم أسلوب حياة سيجد دائماً طريقاً إلى النجاح، حتى وإن تأخر وصول الفرصة. فالفرص لا تُمنح دائماً، بل كثيراً ما تُصنع، ومن يصنع نفسه اليوم، يصنع مستقبله غداً.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

 

"الجريمة لا تسقط بالتقادم" مبدأٌ قانوني يحفظ حقوق الضحايا مهما طالت المدة الزمنية على ارتكاب الجريمة بحقهم. وهو مبدأ معمولٌ به في العديد من القوانين العالمية، وإن كان على نطاقٍ ضيق، إذ يقتصر غالبًا على الجرائم الكبرى والخطيرة، مثل جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، وقد أُقرَّ دوليًا بموجب اتفاقية عام 1968.

إلا أن بعض الدول وسّعت نطاق تطبيقه ليشمل جرائم التعذيب، ومن بينها تشيلي، التي ألقت مؤخرًا القبض على عقيدٍ متقاعد كان هاربًا من العدالة، ومتهمًا بتعذيب المغني والملحن الشيوعي التشيلي، وأحد أبرز رموز الأغنية التشيلية الجديدة، فيكتور جارا، الذي تعرض لتعذيب وحشي قبل إعدامه في 16 أيلول/سبتمبر 1973، عقب الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه.

كما عاد القضاء التشيلي إلى فتح التحقيق في قضية وفاة شاعر البلاد بابلو نيرودا، بعد أن أعلن اثنان من أعضاء لجنة الخبراء المكلفة بالتحقيق في وفاته الغامضة عام 1973 أنهما لم يتمكنا من الجزم بما إذا كانت الوفاة ناجمة عن التسمم أم لا.

لقد مضى على هذه الجرائم أكثر من نصف قرن، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة الأحرار، كما بقيت محفوظة في ضمير القضاء التشيلي، الذي يؤكد اليوم، بالفعل لا بالقول، أن الجريمة لا تسقط بالتقادم .

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ .

***

ثامر الحاج أمين

ما إن يسترجع الإنسان فيض الذكريات التي تراكمت في أعماق وجدانه مع تعاقب السنين، حتى يكتشف أن الزمن، على الرغم من قسوته، لم ينتزع منه كل شيء، فلقد مضى الزمن بالأعوام، والأشخاص، والأماكن، لكنه ترك في القلب أرشيفًا حيًّا، تزدحم صفحاته بالوجوه، والأصوات، والمواقف، والتفاصيل الصغيرة التي لا تزال تنبض بالحياة كلما مرَّ طيفها في الخاطر.

ولعل السؤال الذي يتردد في أذهان الكثيرين هو لماذا تسكننا الذكريات، فنعيش معها أكثر مما نعيش حاضرنا، حتى لو كان هذا الحاضر أكثر دفئًا وجمالًا؟

ولعل الجواب يكمن في أن الماضي هو الصفحة الوحيدة التي عجز الزمن عن تغيير كلماتها. فقد رحل أناس أحببناهم، وغابت بيوت كانت تعج بالحياة، وتبدلت الأزقة، وتغيرت الملامح، غير أن الذاكرة احتفظت بكل شيء كما كان يومًا ما، فلم تسمح للغياب أن يمحو ملامحه، ولا للسنين أن تطفئ وهجه. ولذلك نجد أنفسنا نعود إلى تلك الذكريات، كلما أثقلتنا هموم الحاضر، وكأنها الملاذ الذي نستعيد فيه شيئًا من الطمأنينة التي افتقدناها.

والذكريات ليست مجرد أحداث انقضت، بل هي جزء أصيل من تكويننا الإنساني، وصدى العمر، الذي يرافقنا كلما امتدت بنا الرحلة. ففيها ضحكات الطفولة الصافية، وخطوات الشباب الواثقة، ورفقة الأصدقاء الذين فرقتهم الطرق، وأيام البساطة التي كانت السعادة فيها تنبع من أصغر التفاصيل. فكلما تقدم بنا العمر، ازدادت قيمة تلك اللحظات، لا لأنها كانت أعظم مما نعيشه اليوم، بل لأنها أصبحت بعيدة المنال، ولا سبيل إلى استعادتها إلا عبر الذاكرة.

وحين يخلو الإنسان إلى نفسه، يتفاجأ أن أول الزائرين له هو الأمس، وليس الحاضر، حيث تمر أمامه وجوه الأحبة في هدوء، وتتردد في أذنيه كلمات ظن أنها ذابت في صمت السنين، فيشعر وكأن الزمن توقف لحظة، ليمنحه لقاء خاطفا مع كل من أحب، ومع كل مكان ترك فيه قطعة من قلبه. إنها لحظات لن تعيد الماضي، لكنها تمنح الوجدان وهجا جميلاً، وتخفف شيئًا من وطأة الغياب.

***

نايف عبوش

من الظواهر التي انتشرت في مجتمعاتنا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تحسن الأحوال المادية لبعض الأسر، سواء كان ذلك من رزق حلال أو حرام، الاعتماد المتزايد على طلب الطعام الجاهز من المطاعم وخدمات التوصيل. وأصبح من المألوف أن تُطرق أبواب البيوت أكثر مما تُشعل مواقد المطابخ، حتى كاد إعداد الطعام في المنزل يتحول، عند بعض الأسر، إلى مناسبة احتفالية تُنشر صورها في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كان جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.

انا لست ممن يعادون المطاعم، فأنا من محبي تناول الطعام فيها بين حين وآخر، فالتغيير مطلوب، وبعض المطاعم تقدم أطعمة شهية ومتقنة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويصبح الطعام الجاهز بديلاً دائمًا لطعام البيت.

لا أعتقد أن هناك طعامًا يضاهي في لذته ونظافته ودفئه طعام البيت الذي تعده أم حنون أو زوجة محبة. فإلى جانب جودة مكوناته، فإنه يحتوي على عنصر لا يُباع في الأسواق ولا يُضاف إلى الوصفات، وهو المحبة. فاليد التي تطبخ لعائلتها تضيف إليه اهتمامها، وحرصها، ودعاءها، وإحساسها بالمسؤولية. وليس هناك ما يعادل شعور الأم أو الزوجة وهي ترى أفراد أسرتها يستمتعون بما أعدته لهم، ويكافئون تعبها بكلمة بسيطة تحمل من الامتنان ما لا يقدَّر بثمن: “عاشت إيدك.”

ولعل أجمل تشبيه لذلك هو حليب الأم؛ فهو غذاء كامل ممزوج بالعاطفة والحنان ومطعم بالمناعة، يعزز الارتباط النفسي بين الأم وطفلها. وكذلك طعام البيت، فهو يغذي الروح قبل الجسد، ويمنح الأسرة شعورًا بالأمان والانتماء لا تستطيع أي وجبة جاهزة أن تمنحه.

وقد أثبتت الدراسات أن الطعام المنزلي غالبًا ما يكون أكثر توازنًا من الناحية الغذائية، لأنه يحتوي على كميات أقل من الدهون المشبعة، والسكريات، والأملاح، والمواد الحافظة التي تعتمد عليها كثير من الوجبات السريعة. ولهذا يرتبط الإفراط في تناول الطعام الجاهز بزيادة معدلات السمنة، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب، وهي أمراض أصبحت تشكل عبئًا صحيًا متزايدًا في معظم دول العالم.

كما تؤثر خدمات التوصيل في نمط الحياة بصورة غير مباشرة؛ فالسهولة المفرطة في الحصول على الطعام تُضعف الدافع إلى إعداد الوجبات المنزلية، وتكرس ثقافة الراحة الفورية، حتى أصبح بعض الناس يطلبون وجبة من مطعم لا يبعد عن منزلهم سوى دقائق معدودة سيرًا على الأقدام. ومع مرور الزمن تترسخ أنماط من الكسل وقلة الحركة، وهما من أبرز العوامل التي تسهم في السمنة وتراجع اللياقة البدنية.

ومن الناحية الاقتصادية، قد تبدو قيمة الطلب الواحد بسيطة، لكنها تتحول مع التكرار إلى استنزاف شهري كبير لميزانية الأسرة، في حين يمكن بالمبلغ نفسه إعداد وجبات منزلية أكثر جودة وفائدة، تكفي جميع أفراد الأسرة.

أما الخسارة الأكبر فهي أثرها في الحياة الاجتماعية للأسرة. فبعد أن كان إعداد الطعام مناسبة يشارك فيها أفراد العائلة، وتجتمع بعدها الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويطمئن بعضهم على بعض، وتُروى أحداث اليوم، وتُحل كثير من المشكلات بكلمة هادئة أو ابتسامة صادقة، أصبح الطعام اليوم يصل في أكياس منفصلة، ويأكل كل فرد في غرفته، أو أمام شاشة هاتفه، فيغيب الحوار، وتضعف الألفة، ويحل الصمت محل دفء الأسرة.

ويؤكد علماء النفس أن الوجبات العائلية المنتظمة من أهم وسائل تعزيز الاستقرار النفسي والشعور بالأمان، ولا سيما لدى الأطفال. وتشير دراسات عديدة إلى أن الأسر التي تجتمع بانتظام حول مائدة الطعام تتمتع بعلاقات أكثر قوة، ويكون أبناؤها أقل عرضة للقلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وأكثر قدرة على التواصل مع والديهم.

أما علماء الاجتماع، فينظرون إلى مائدة الطعام على أنها مؤسسة اجتماعية مصغرة، تُنقل من خلالها القيم والعادات، وآداب الحوار، والاحترام، والتعاون. ولذلك فإن اختفاء هذه المائدة تدريجيًا يعني خسارة واحدة من أهم وسائل التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة.

ومن الجوانب التي قلّما يُلتفت إليها أن مائدة الطعام في البيت هي أيضًا مدرسة يومية لتعليم الأبناء آداب المائدة. فعندما تجتمع الأسرة حول طاولة الطعام، يتعلم الأطفال تلقائيًا كيفية الجلوس، واستخدام أدوات الطعام بصورة صحيحة، واحترام الآخرين، وانتظار الجميع قبل البدء بالأكل، وآداب الحديث أثناء تناول الطعام، وشكر من أعد الوجبة. أما معظم الوجبات السريعة وطلبات التوصيل، فتؤكل غالبًا بصورة عفوية، من العلبة مباشرة، أو على الأريكة، أو أمام شاشة التلفاز أو الهاتف، وأحيانًا باليد حتى عندما يكون استعمال أدوات الطعام هو الأنسب.

ومع مرور الزمن، يفقد كثير من الأبناء هذه المهارات الاجتماعية، فيشعرون بالارتباك عندما يحضرون مأدبة رسمية، أو مناسبة اجتماعية تتطلب معرفة قواعد المائدة وآدابها. إن تعلم آداب المائدة يبدأ في البيت، حيث تتشكل العادات الراقية بصورة تلقائية، وتصبح جزءًا من شخصية الإنسان وثقته بنفسه. ولا يقتصر الأمر على طريقة استخدام أدوات الطعام، بل يمتد إلى فن الإصغاء، واحترام الآخرين، وآداب الحديث، وهي قيم تُكتسب حول مائدة الأسرة بقدر ما تُكتسب في المدرسة أو الجامعة. لذلك فإن إتقان آداب المائدة لا يقل أهمية عن إتقان آداب الحديث، فكثير من اللقاءات العائلية، ودعوات الأصدقاء، بل وحتى المناسبات الرسمية، تدور حول موائد الطعام، ويكون السلوك الراقي جزءًا من الصورة التي يمثل بها الإنسان نفسه وأسرته.

إنني لا أدعو إلى مقاطعة المطاعم، ولا إلى الاستغناء عن خدمات التوصيل، فهي خدمات مفيدة عند الحاجة، وفي السفر، والمرض، وضيق الوقت، والمناسبات. لكنني أدعو إلى الاعتدال، وإلى أن يبقى طعام البيت هو الأصل، وأن تبقى رائحة الطبخ المنبعثة من المطبخ علامة على بيت تنبض فيه الحياة.

فالطعام وطريقة تناول الطعام هو ثقافة، وتربية، وذكريات، وعلاقات، ومحبة. وربما تكون أعظم وجبة هي تلك التي تجتمع حولها الأسرة، مهما كانت بسيطة، فتحل البركة في البيت، وتجتمع القلوب حول مائدة واحدة.

"نعم، لقد أوصلت خدمات التوصيل الطعام إلى أبواب البيوت… لكنها أبعدت أفراد الأسرة عن المائدة الواحدة"

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

"مَنْ أنا؟".. سؤالٌ يشغل عقولنا بالتفكير، ويهرُبُ بنا من الإجابات التقليدية والمكررة التي فُرِضت علينا. الحقيقةُ الصادمة أنه لا توجد مساحة جغرافية محددة تعبر عن حقيقتنا، وحتى أنفسنا لا تعبّر عنا بشكل كامل؛ هناك شيءٌ عميقٌ جداً يختبئ خلف المظاهر المادية. نحن محاطون بالكثير من الأشياء والأماكن التي نظن أنها تمنحنا الهوية، لكن لكل إنسان سياق خاص وهامش يختلف من مكان لآخر. مَنْ يملك الوعي الكافي ليعرف الحقيقة؟ إن المشكلة الكبرى لا تكمن في تكرار الإجابات الجاهزة، بل في البحث عن حقيقة أنفسنا التي سنُسأل عنها يوماً ما.

نعم، يتفاخر الكثيرون بالقول المأثور: "تلك أرضي.. وذلك وطني". هذا القول يملؤنا بالشوق الشديد، ويحرقنا الحنين في الغربة، فنعلن حبنا الجارف للوطن ونشتاق إليه بصدق. لكن، هل نحن نشتاق للوطن بمعناه المادي الملموس فقط؟ الوطن بكل أشكاله وتضاريسه؟ هل يعقل أن يشتاق الإنسان لأرض جافة ومجردة من التراب والأعشاب؟

في الحقيقة، نحن لا نشتاق للتراب كجماد لا يتحرك، بل قد لا نفهم النفسية العميقة وراء ربط مشاعرنا القوية بعطر الأرض وجغرافيتها. الحقيقة هنا أن هناك مواقف، وأحداثاً، وعلاقات إنسانية مرت فوق هذه الأرض، فصنع عقلنا خيوطاً عاطفية ربطت قلوبنا بها. تبدو هذه المشاعر حقيقية وواضحة جداً، لكن جوهر الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.

والسؤال الأكثر عمقاً في وعينا: هل تستحق تلك المواقف العابرة أن نربط بها حياتنا ووجودنا بالكامل؟ وماذا يحدث لو انقطعت هذه الروابط العاطفية فجأة.. ووجدنا أنفسنا نواجه الحقيقة وجهاً لوجه بلا أوهام جغرافية؟

***

إيمان عبد الحكيم خريسات

 

تخيل أن الوجود مسرحٌ أزلي. وتذكرتك هي لحظة مجيئك إلى الحياة، ليكون العرض هو رحلتك الممتدة بين البداية والنهاية. الزمن هنا ليس مجرد عداد للثواني، بل هو النهر الذي يجرف بين يديه لحظات الاختيار ومفترقات الطريق بين الإبداع والعدم. لقد دخلت المقعد الأول لتشاهد مسرحية عمرك، حيث تمتزج الضحكات بالعبرات، والغفلة بالعثرات. 

لكنك بدلاً من كتابة نصك الخاص من جديد، اخترت أن تكون متفرجاً بارداً يراقب الأحداث. تمر كالأطياف غافلاً عن مغزى الأعماق للوجود.

الحقيقة لا تكمن في مراقبة العرض، بل في الصعود إلى الخشبة وترك بصمة أبدية قبل أن تنطفئ الأنوار فجأة وتنتهي رحلة المشهد. 

لتدرك أن الاختيار كان دائماً متاحاً، بين أن تكون صانعاً للحياة أو مستهلكاً لها.

***

الكاتبة: زينب طارق

تبدأ علاقة الطفل بالقصة والحكاية مستمعا ثم قارئا؛ لكن المسرح بإمكاناته الهائلة ينقله إلى عالم جديد قوامه التمثيل والفرجة، والمزج بين التعبيرات المتعددة على الخشبة. وهو انتقال يتطلب بالأساس اهتماما بالسمات النفسية التي تُمهّد لعلاقته بالمسرح؛ حيث إن الطفل يولد فنانا، يقول بابلو بيكاسو، لكن المشكل هي كيف نحتفظ بهذا الفنان بينما يكبر.

غير خفي إذن أن مسرح الطفل تتحكم في إنتاجه اعتبارات تربوية وفنية، متسقة بطبيعة الحال مع النمو النفسي والإدراكي والمعرفي للطفل. وهذا يعني أن إعداد عمل مسرحي ينطلق من استيعاب للخصائص السيكولوجية للطفل والمراهق؛ لأن عدم الاهتمام يؤدي في النهاية إلى تقديم عروض مسرحية ضعيفة أو مربكة لقدراته الذهنية. وبالنظر إلى عدد السنوات التي يقضيها الطفل في حضن المدرسة الابتدائية، يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين:

- مرحلة الخيال الحر والمطلق، حيث يتطلع الطفل في الفترة ما بين 6 إلى 9 سنوات إلى عوالم خيالية، تستوعب رغبته في المتعة والانطلاق خارج حدود واقعه اليومي. لذا يُظهر ميلا شديدا لقصص الحوريات والعمالقة والأقزام، وللحكايات المستلهمة من التراث الشعبي.

- مرحلة البطولة والمغامرة والخيال الواقعي، وهي الممتدة إلى سن 12 سنة، حيث يبدأ تحرر الطفل تدريجيا من عالم الخيال، ليصير تفكيره أكثر نضجا واستعدادا لإظهار الشجاعة والمسؤولية. وخلال هذه المرحلة تستهويه قصص المغامرة التي تعتمد التفكير والتوقع، وتجعل من شخصية البطل قالبا ملائما لتمرير القيم والمواقف، وتأكيد ارتباطه بالقضايا الاجتماعية والإنسانية المختلفة.

تحدد تلك الخصائص وجهة المدرس أو المنشط في اختيار النص المسرحي الذي يتناسب مع إدراك الطفل واحتياجاته. نص ينبغي أن يتحقق فيه قدر من التبسيط، ووضوح العلاقات بين شخصياته، وبناء درامي تتنامى داخله الأحداث بشكل تسلسلي لا يعتمد القفزات المفاجئة.

بالنظر إلى الصعوبات التي تكتنف الكتابة المسرحية للطفل في العالم العربي، فإن المدرس أو المنشط يجد نفسه أمام خيارين: إما إيجاد نص ملائم، أو بذل جهد إضافي يتمثل في مسرحة نص أدبي " قصة، حكاية، شعر..." مع متطلبات البناء المسرحي. وفي كلتا الحالتين لابد من مراعاة بعض القواعد التي تجعل النص ملائما لنفسية الطفل وقدراته.

يتألف النص المسرحي عموما من أربعة عناصر أساسية: الفكرة، والحبكة، والشخصيات، والحوار. لذا فإن بناء عرض مسرحي ينسجم مع شخصية الطفل ووعيه، ويحقق الإدهاش والمتعة المطلوبين، يستلزم نصا متوافقا مع تطلعاته والزمن الذي يعيش فيه.

إن الفكرة على سبيل المثال، وهي أساس بناء المشهد المسرحي، ينبغي أن تكون واضحة وقصيرة وغير متشعبة، تلفت انتباه الطفل لأنها تتناسب مع مستواه الفكري وبيئته، وتتجمع حولها المواقف والأحداث في بساطة ووضوح. وهذا يقتضي الابتعاد عن المثالية الزائدة والأسلوب الخطابي في تمرير الأفكار.

وأما عنصر الحبكة فهي مربط الفرس، لأن تسلسل الأحداث وتناميها بشكل مثير منذ بداية النص هو معيار تفضيل الطفل لهذا العرض أو ذاك. فليس المطلوب أن نحكي للطفل الحكاية من أولها، وإنما نبدأ المسرحية من حيث يبدأ الموقف في التعقيد، لذا تبدو كثير من الأعمال غير مسرحية لأنها لا تبدأ فنيا، أي أنها لا تنطلق من الموقف الذي يؤدي إلى حدوث أمر ما.

تتطلب الحبكة في مسرحية موجهة للطفل وجود حركة، وصراع يُحدث لدى الطفل فضولا وتشويقا لمعرفة ما سيحدث وكيف سيحدث. وسواء كان النص كوميديا أو تراجيديا فلابد أن يقدم للطفل إجابة عن بعض مخاوفه، وعن الفراغات التي تدور في ذهنه، والأسئلة التي لم تقدم الأسرة أو المدرسة إجابات عنها بعد.

وفيما يتعلق بالشخصيات فإن مسرح الطفل بحاجة اليوم إلى ممثل صادق، لا إلى مهرج أو بهلوان يسخر منه. يقول المخرج المسرحي جيمس باري، مثيرا مسألة الصدق في التمثيل: " إن جميع الشخوص، سواء كانوا كبارا أم صغارا، ينبغي أن ينظروا للحياة نظرة الأطفال، فإن لم يسعهم إلا أن يكونوا مضحكين فعليهم أن يتركونا بسلام. وخير شعار لكل ممثل هو: البساطة في التمثيل تحقق الكثير!"

وليست البساطة هنا مرادفة لسهولة الأداء، وإنما تعني الإبداع في الأداء الحركي والصوتي، والتقمص الجيد للشخصية من خلال استدعاء المشاعر المناسبة للمشهد. وهو الأمر الذي لا يمكن إن يتحقق إلا من خلال تدريب مكثف يعزز لياقته الحركية والفنية على المسرح.

ويشكل الحوار عنصرا أساسيا لنجاح العرض المسرحي، من خلال تحقيقه للترابط بين الأحداث والشخصيات؛ فهو الأداة الفنية التي تتكشف من خلالها معالم الشخصية المسرحية، ويتكامل الصراع الذي يحقق للفرجة معنى وهدفا لدى الطفل. وقد يكون حوارا بين الشخصيات في العرض، أو بين الممثل والجمهور، أو حوارا داخليا يحرك عاطفة أو يثير موقفا وقضية. ويشترط فيه أن يكون بسيطا يراعي مدارك الطفل، ويلائم مرحلته العمرية، وذلك باعتماده لغة واضحة متحررة من الرمزية والغموض.

بعد إجراء الترتيبات اللازمة على النص المسرحي ليتلاءم مع إيقاعات الطفولة فنيا وتربويا، تبدأ مرحلة إكسابه بُعدا فُرجويا من خلال التداريب التي يُباشرها المدرس أو المنشط باعتباره مُخرجا. وتكون قراءات النص، بصيغة الجمع، خطوة ثانية بمعية الممثلين لفهم النص، وتقييم أحداثه وشخصياته.

يستهدف كل مُخرج بعث الحياة في النص، من خلال توظيف درامي لكل عنصر من عناصره. لذا فالتعامل مع النص يتجاوز القراءة العادية التي تكتفي بفهم الموضوع والأحداث، إلى قراءات تحدد الخطوط العامة لمجمل التغيرات الصوتية والحركية داخله، وهي:

- قراءة من النص للتعرف على الحوار والشخصيات والأحداث، ويمكن اعتبارها قراءة عادية، لا تختلف عما تعوده الطفل في تفاعله مع القصص والحكايات.

- قراءة تجريبية على الفقرات الحوارية، بحيث يتحسس الطفل مناطق الوقف، والنقلات التي تُظهر مشاعر الشخصيات وانفعالاتها. وعادة ما يعتمد المخرجون ما يسمى بالقراءة الإيطالية، حيث يجتمع الممثلون حول طاولة لقراءة النص، والاستئناس بمعرفة متى تتحدث كل شخصية، بالإضافة إلى ضبط الأداء الصوتي.

- قراءة تعبيرية جمالية، يحرص من خلالها الطفل على إبراز التعبير الملائم لكل نقلة شعورية يؤديها في دوره مع اعتماد الحركة.

بالتزامن مع القراءة تساعد التمارين المسرحية على تعزيز أداء الطفل ومشاركته، بحيث يتم تخصيص فترة زمنية قبل وأثناء التداريب للقيام بها. ومن النماذج على سبيل الذكر لا الحصر:

- لغة الجسد:

والهدف من التمرين هو التركيز وتقمص الحالات والشخصيات، حيث يتحرك الأطفال داخل القاعة بانتظار تعليمات من قبيل: أنت تحمل إبريقا من الماء على رأسك وتقفز على قدم واحدة.. أنت تحاول المشي لكنك قدماك عالقتان في الطين.. أنت تمشي فوق رمل ساخن في الصحراء.. أنت تغوص في الماء..

- إمعان النظر:

ويهدف التمرين إلى تطوير حس الملاحظة والانتباه للتفاصيل الصغيرة، حيث يُطلب من الطفل أن يتأمل أصدقاءه لفترة وجيزة، ثم يدير ظهره ويبدأ بسرد قطع الملابس وألوانها، أو يتأمل مشهدا معينا ثم يُعدّد مكوناته.

- الكرسي الانفعالي:

والهدف هو التدرب على التعبير الانفعالي، حيث يوضع كرسي وسط القاعة وعليه ورقة فارغة تتضمن خارطة، أو نتيجة فحص طبي، أو مخالفة سير... إلخ، وعلى المشارك أن يعبر بانفعالات وجهه وجسده عن المضمون في وقت لا يتجاوز نصف دقيقة.

- الدائرة الكهربائية:

 والهدف منها تدريب الطفل على مساير إيقاع موحد، حيث يقف الأطفال في دائرة وقد تشابكوا بالأيادي، وتبدأ اللعبة بأن يضغط المشارك الأول بخفة على يد اللاعب عن يمينه، والذي يضغط بدوره على يد زميله المجاور. ويجب أن تتنقل الضغطة بين اللاعبين بإيقاع موحد ومتسارع إلى أن تبدو في النهاية كتيار كهربائي يسري بين الجميع.

تقول وينفرد وارد، أستاذة الفنون الدرامية بجامعة نورث ويسترن الأمريكية: " إن المخرج الذي يستطيع أن يرى العالم من خلال نظرة الطفل، هو وحده الذي ينبغي أن يُخرج مسرحيات للأطفال". ويبدو أن وينفرد تحيل على تلك الطبيعة الاندماجية التي يحققها المسرح، حيث يوحّد بين رغبة الطفل في أن يشاهد نفسه على خشبة المسرح، وبين تأكيد استعداده لاقتحام عالم الكبار. هذا إلى جانب التوازن الخلاّق بين الواقع والخيال، والذي يساعد الطفل في فهم التغلب على أية مشكلة تواجهه.

حين ينظر المخرج للعالم بعيني طفل يتحرر الأداء من التقليد الأعمى ليصير تمثيلا صادقا، تديره شخصيات مُقنعة، ويتجاوب معه صغار يحاكون ما يحمله العرض المسرحي من مشاعر ومواقف، وقيم تؤطر حركتهم داخل المجتمع.

إن مسرح الطفل معلم أخلاقي كبير!  

***

حميد بن خيبش

 

طُرحت مؤخرا فكرة علمية تعتبر نقلة وثورة علمية كبيرة جدا على الصعيد العلمي المتقدم الذي يخص حياة الإنسان وأن ابعادها كبيرة على الإنسان وهي محاولة ابتكار صغير جدا وهي شريحة مدمجة كشريحة ذاكرة تلفون النقال الحالي تسمى الرام تًزرع في الرأس تستخدم في خزن المعلومات الخاصة لشخصية الإنسان وتعتبر ذاكرة خاصة مدى الحياة تُجمع فيها كل حياته حتى مماته وهذا الأنجاز العلمي أذا تحقق يقودنا إلى فتح أبواب علمية تضمنه القرآن الكريم ويكشف هذا الأنجاز مدى عظمة الخالق لهذا الكائن هو الإنسان والأبداع في خلقه ولو ربطنا هذه الفكرة التي قيد الدراسة ببعض الآيات القرانية بعد ترتيلها ودراستها وتحليلها بتعمق وتجرد علمي بحت محاولة منا تفكيك شفرة كلمة مهمة وردت في النص القرآني هي كلمة (طائر) أو (طير) ونبدأ دراستها من جذرها اللغوي . فأن كلمة (طائر) جذرها هو كلمة طير وأحرفها (ط – ي – ر) وأذا جمعنا هذه الأحرف بجعلها كلمة طير ومنها جاءت كلمة طائر ومشتقاتها فأنها تدل على

1- تدل عمل وفعل للإنسان في حياته من خير وشر.

2- تدل على الحركة جراء الخوف أو الهلاك.

3- تدل على قلة التهذيب للذكر (طائر) أو الأنثى (طائرة) كما جاء في لسان العرب.

4- تدل على معنى الدماغ كما جاء في الشعر الجاهلي منه البيت

هم أنشبوا القنا في نحورهم... وبيض تقبض البيض من حيث طائر

كما ذُكرت كلمة طائر في القران الكريم منها (والطير محشورة) سورة ص 19 أي المعلومات لدى الإنسان من أعمال الخير والشر وأفعاله مستودعة داخل نظام دقيق مضغوط ومرتبة ومصفوفة بانتظام وبعناية إلهية تحفظ للإنسان معلومات حياته الدنيوية وكذلك (الطير صافات) النور 41 يفسرها علماء الأحياء ب(الكرموسومات) في داخل كل خلية حية التي تحمل الصفات الجينية والبايولوجية للكائنات الحية وكذلك قال سبحانه وتعالى (يا حُشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير) النمل 17 أي حشر لسليمان جنودا من المقاتلين الغير معروفين لدى عامة الناس وأعينهم والمخبرين السريين كما نسميهم اليوم بالمخابرات السرية عبر عنها القرأن ب (الجن) يجمعون المعلومات السرية عن الأعداء في الحروب والمهمات الخاصة لسليمان عليه السلام .فأن المعاني التي تدل على كلمة الطير هي مجموعة أفعال وأعمال يقوم بها الإنسان خلال مراحل حياته على الأرض محفوظة في جسمه تُخزن في حافظة بايولوجية في موقع معين يحدده العلماء خلف الأذن على شكل غدة صنوبرية صغيرة حيث قال سبحانه وتعالى (كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) الإسراء 13 . وبعد هذا الطرح الموجز ووفق الفهم الصحيح لهذه الآيات أستطاع علماء الغرب أن يلتقطوا ما هو مفيد ويشبع رغباتهم العلمية والفكرية البحثية لتطوير الحياة البشرية فقد عملوا عليها برامج علمية وفكوا رموزها ومرادها من خلال فهمها العلمي الدقيق والأهتمام بها على عكس أمة القرآن وحاملة رسالته السماوية وكتابها الذي فيه تبيان لكل شيء في سبيل الأرتقاء بالإنسان والسمو فيه إذا تدبر بعقله وفكره بمنهجية علمية بعيدة عن الأقصاء ومحدودية الفهم والتعصب وعن الفرقة والأختلاف.

***

ضياء محسن الاسدي

 

من المفترض أن تكون المحاضرة فضاءً لطرح المعرفة وبناء الفهم، لا سلسلةً متلاحقة من الأسئلة التي تُلقى على ذهن الطالب. فالمعرفة حين تُقدَّم في سياقٍ مترابط، وتُشرح بتفصيلٍ ودقة؛ تضع الذهن في حالةٍ من الإنصات والتأمل وشيء من التأني وتمنحه الوقت الكافي لكي يفهم، ويحلّل، ويفكّك، ثم يعيد تركيب ما تلقّاه في صورةٍ جديدة من الوعي والمساءلة.

إن استرسال الموضوع بصورةٍ واضحة ومتدرجة لا يُثقل ذهن المتلقي، بل يهيّئه للتفكير التحليلي، ويجعله قادرًا على اكتشاف الروابط بين المعلومات، والتمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، ثم صياغة أسئلته الخاصة بما ينسجم مع المعرفة التي تلقّاها. عندئذٍ لا يتحرك الطالب بين معلوماتٍ متفرقة أو متناقضة سببها الاسئلة الكثيرة بل يتحرك داخل منظومة علمية متكاملة، تضيء بعضها بعضًا.

أما حين تُفرض الأسئلة على ذهن المتلقي بصورةٍ متواصلة، فإنها قد تدفعه إلى بذل جهدٍ ذهني استثنائي من أجل الوصول إلى إجابةٍ سريعة. وهو بهذا الجهد قد ينجح في إنتاج جوابٍ مناسب، غير أن هذا النجاح قد يكون مؤقتًا؛ لأن انشغال الذهن بالإجابة العاجلة قد يأتي على حساب استيعاب بقية المعلومات والتفاصيل ثم نسيانها. وهنا يصبح التفكير رهين السؤال، وتغدو المعرفة العلمية وسيلةً عابرة للوصول إلى جواب، بدل أن تكون أفقًا للفهم والتأمل.

السؤال الذي يفرض على الطالب يستدعي إجابة مؤقته، أما المعرفة العلمية العميقة فتُنتج سؤالًا.

حين تتحول المحاضرة إلى مجموعةٍ من الأسئلة المتتابعة، يصبح الأستاذ هو المنتج للأسئلة، ويُختزل دور الطالب في البحث عن الإجابات. لكن حين تكون المحاضرة بناءً معرفيًا متدرجًا، واسترسالًا واعيًا في عرض المعلومات الدقيقة والقيمة، يصبح الطالب شريكًا في إنتاج المعرفة، ويغدو هو نفسه منتجًا للسؤال.

وهذا هو الأثر الأعمق والأهم في عملية التعلّم؛ لأن السؤال الذي يولد من فهم الانسان لا يشبه السؤال الذي يُفرض عليه من الخارج. فالسؤال الذي يصوغه الإنسان ينبثق من رحم افكار الانسان وينبثق من تأملاته العملية والمعرفية. لذلك يكون أكثر التصاقًا بوعيه، وأشد حضورًا في ذاكرته؛ فيصبح من المستحيل نسيانه.  إذ إن الإنسان لا يتذكر السؤال بوصفه معلومةً تلقّاها، بل بوصفه أثرًا او نتاجا من تفكيره وفهمه البنّاء.

إن إنتاج السؤال يعني أن الطالب لم يعد متلقيًا للمعرفة، بل أصبح فاعلًا في بنائها وأشرف على تكوينها ومساءلتها؛ فهو عندما يبادر إلى صياغة السؤال، يمنحه معنى بداخله، ويحتفظ به في ذاكرته قبل أن يطرحه في الواقع. وهكذا يمتزج السؤال بتكوين الإنسان المعرفي والعلمي، ويغدو تعبيرًا عن حاجته إلى الفهم وتعطّشه إلى المعلومه، لا استجابةً لإكراهٍ خارجي.

لذلك لا تكمن قيمة المحاضرة في كثرة الأسئلة التي يطرحها الأستاذ، بل في قدرتها على بناء معرفةٍ حيّة تُوقظ في الطالب فضولًا حقيقيًا، وتفتح أمامه أفقًا للتأمل، وتجعله قادرًا على إنتاج أسئلته بنفسه. فالتعليم الذي يمنح الطالب الإجابة قد يملأ ذاكرته، أما التعليم الذي يمنحه القدرة على إنتاج السؤال، فإنه يحرّر عقله، ويجعله شريكًا في المعرفة، لا مجرد مستودعٍ لها.

***

بهاء سوادي

 

الحكمة في طرح السؤال تكمن في كونه قدرة على تحريك العقل، في حين الجواب المغلق ينهي حركة التفكير، اما الجواب العلمي الرصين فيولد اسئلة جديدة. والسؤال هو جوهر الفلسفة، وأن تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ الاسئلة اكثر من الاجوبة المغلقة. عندما سأل الانسان اسئلة بسيطة مثل؛ لماذا تسقط الاجسام؟ وما سبب الامراض؟ وهل تدور الارض حول نفسها؟ لم تكن لديه اجابات، لكن اسئلته هي التي أسست الفيزياء والطب والفلك. ولو فرضنا في ذلك الوقت قد اكتفى الانسان باجابات موروثة لما تطورت العلوم، لأن الحضارات بدأت بالأسئلة، لكنها لم تتطور الا عندما حولت هذه الاجابات الى معرفة قابلة للتطوير.

السؤال هو من يحرر العقل لأنه يفتح باب النقد والمراجعة، اما الاجابة النهائية قد ترسخ عقيدة جامدة اذا لم تراجع بدقة، لذلك كانت بداية الفلسفة، وخصوصا عن سقراط ليست تعليم الافراد الاجابة، بل تعليمهم كيف يسألون. ومن خلال القراءة الفلسفية للحديث المشهور للامام علي (عليه السلام) "علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم، يفتح من كل باب ألف باب"، تنكشف لنا رؤية معرفية فريدة من نوعها – هي أن المعرفة الحقيقية ليست مجموعة اجابات، بل هي منظومة تولد معارف جديدة بأستمرار.

ويمكن ان تقرأ كلمة "باب" في الحديث باعتبارها مدخلا معرفيا لا مجرد وحدة معلومات، لان لو كان المقصود بها هو حفظ المعلومات، لاكتفى بقول "علمني الف معلومة"، لكنه قال "ألف باب". والباب في اللغة والفلسفة يعني مدخل لا نهاية، والمدخل يقود الى فضاءات اخرى. وهذا يعني، أن كل معرفة علمية تصبح مفتاحا لمعارف اخرى، وتكمن الفكرة العظيمة في هذا القول، أن المعرفة العلمية تعمل على شكل مستقيم لا نهاية له (المعرفة – سؤال صحيح – معرفة اعمق – أسئلة اكثر واوسع). وبالتالي، أن كل اكتشاف يوسع افاق بحثية جديدة بدلا من ان يغلقه في اجابات نهائية، وهذا يتماشى تماما مع فكرة أن محرك الحضارة السؤال، والجواب هو محطة مؤقتة.

وبما أن السؤال محرك الحضارة، فلابد من ان يكون مفهوم التوليد هو الاساس الصحيح لا التكديس، لأن المعرفة التراكمية تعني مجرد جمع معلومات، اما المعرفة التوليدية فتشير الى أن كل فكرة تنتج افكارا جديدة اخرى، وهذا ما يجسده الحديث بصورة بليغة وذات معنى عميق (كل باب من المعرفة يفتح الف سؤال جديد).

ويعد السؤال الجيد مفتاح كل ابداع، وأن كل اختراع بدأ بسؤال، اما الاجابة فجاءت في وقت لاحق، لذا كانت الشرارة الاولى في حياة كل البشرية هي السؤال مثل: ماذا لو استطعنا من الطيران؟ ماذا لو تتكلم الالات؟ ماذا لو تمكنا من علاج هذا المرض؟. فالاسئلة مستمرة ومحركة للعقل، اما الإجابات مؤقتة وقد تغلق التفكير، فنجد كل اجابة علمية تفتح عشرات الاسئلة الجديدة، وعلى سبيل المثال، اكتشف نيوتن الجاذبية، ثم سال اينشتاين: هل الجاذبية قوة اصلا؟ ثم بعدها سال علماء الفيزياء: هل يمكن توحيد الجاذبية مع ميكانيكا الكم؟.

هذه الاسئلة تحول الفرد من المتلقي الى المنتج، فالذي يحفظ الاجابة يكون ناقلا للمعرفة، اما الذي يصوغ الاسئلة فيكون منتجا للمعرفة، وبناء على ذلك، تركز الجامعات العالمية العريقة على رؤى بحثية كبرى لتعليم الطلبة حول: كيفية تحديد المشكلة، وكيفية صياغة السؤال البحثي اكثر من التركيز على نقل وتدوير المعلومات. فالتعليم المعاصر يبدأ بالمشكلة او السؤال، ثم يقود الطالب نحو البحث والاستكشاف والتجريب حتى يصل للاجابة بنفسه.

فالسؤال الجيد اكثر قيمة من الجواب، لان الأجابة تعالج مشكلة واحدة، في حين السؤال قد يفتح افاقا لحل مئات المشكلات، والتعليم الذي يبدأ بتعلم الاجابة يصنع حافظا للمعرفة، اما التعليم الذي يعلم صياغة السؤال فيصنع انسانا منتجا للمعرفة. ففلسفة الامام علي تقدم نموذجا للعقل المولد للمعرفة، لانها تتميز بعمق التحليل والاستنباط، وأن العلم لم يكن عنده حفظا، بل هو القدرة على استخراج معان جديدة من الاصول.

ان فهم هذا الحديث بوصفه تعبيرا عن التوليد المعرفي يعد انسجاما كاملا لفلسفة الامام علي في المعرفة والعقل. فهو يجعل العقل اساس كرامة الانسان، فقال "لا غنى كالعقل" وعد التفكير منهجا الى البصيرة بقوله "لا عبادة كالتفكير"، كما رفض التقليد الاعمى ودعا الى النظر والاستبصار، بعنى لا قيمة لعلم لا يقوم على فهم وادراك. وايضا ربط العمل باكتساب المعرفة، فقال "العلم يهتف بالعمل، فان اجابه والا ارتحل". وكما ان اغلب حكمه تركز على الاستنباط واستخراج المعاني.

فالسؤال عن سقراط كان نقطة البداية في الفلسفة، والشك المنهجي وسيلة للوصول الى اليقين عن ديكارت، وحل المشكلات اساس التعلم عن جون ديوي، فان الامام علي يلتقي مع هؤلاء الفلاسفة في جعل العقل مركز المعرفة، لكنه يختلف عنهم في أن السؤال عنده ليس غاية مستقلة، بل وسيلة تقود الانسان الى التفكر والتعقل والتدبر والبصيرة لتنتهي بالحكمة والعمل الصالح، وأن المعرفة التي لا تتحول الى عمل صالح لا تحقق اهدافها، والعقل الذي لا ينتج حكمة لا يكتمل دوره.

وختاما، يقدم هذا الحديث رؤية فلسفية حديثة مفادها "عليا نموذجا للتوليد المعرفي" بمعنى أن قيمة المعرفة العلمية الرصينة هي القدرة على توليد معرفة جديدة، وهذه المعرفة هي ما تمكن من خلق اسئلة جديدة، لان كل باب يفتح وراءه ابوابا كثيرة. وعليه، أن الامم تتقدم وتزدهر عندما تجعل كل معرفة بداية لمعرفة اخرى، وان كل اجابة هي بداية لسؤال جديد، وهذا هو جوهر العقل البشري الذي اراد الامام علي ان يبنيه.   

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم