أقلام حرة

أقلام حرة

هناك واقع لا يمكن وصفه إلا بأنه العبودية الحديثة في أكثر صورها قسوة. عندما نسلط الضوء على مصير أولئك الذين يكدحون في صمت لقطف الفاكهة والخضار التي ستُعرض لاحقًا في رفوف المتاجر الأوروبية اللامعة، وكأنها وُلدت هناك بترفها ونظافتها، لا من عرق الأجساد المنهكة خلف البلاستيك.

في هذا الركن المنسي من العالم، في قلب الدفيئات الزراعية التي تختبئ تحت طبقات البلاستيك السميك، تتكاثف الشمس كما لم تفعل من قبل. الحرارة لا تتسلل، بل تقتحم. البلاستيك لا يعكس النور فحسب، بل يحتجزه حتى يصبح قاسيًا كاللهب. الهواء ذاته يصبح ثقيلاً، يدخل عبر الأنف فيحرق الحلق، كأنما يستبدل الأوكسجين بجمر. لهذا، نادرًا ما يتحدث العمال؛ يخشون أن تنبعث من أفواههم شرارات بدلاً من الكلمات. التنفس هنا يشبه فتح فرن مشتعل، تجاوز حرارة المئة درجة، ثم إدخال وجهك فيه.

الذين عاشوا في تلك البيوت البلاستيكية يعرفون تمامًا ما يحدث للجسد حين يسقطه الحر. الأجساد هناك لا تسقط فحسب، بل تتهاوى كأكياس الرمل، تُسمع لها أصوات مريعة، كأنها بساط يُنفض من شرفة. وبفعل التكرار والتجربة، تعلم هؤلاء التمييز بين جسد رجل وآخر لامرأة بمجرد سقوطه، إلا إذا كان صغيرًا... أو طفلًا... فهم موجودون أيضًا. لا عجب إذًا أن يكذب كثيرون بشأن أعمارهم. الفقر يُعمي، والجوع يدفع حتى الأطفال إلى حمل المعاول.

أحد أولئك الكادحين، قضى سنوات طويلة في أرض النور، مصغيًا إلى أنين الأجساد قبل لحظات من التمزق. لم يكن يوليو قد حل بعد، فقط يونيو بدرجات حرارته المعتدلة نسبيًا، ورغم ذلك، كان العمال ينهارون كما تتهاوى قطع الدومينو، بينما ترتطم رؤوسهم بالأرض كإيقاع موسيقي بشع: بوم، بام، بوم... لحنٌ حديث للعبودية، تُعزفه أجسادٌ جافة ومرهقة. ورغم اقتراب شبح الموت، يتواصل الحصاد تحت البلاستيك، لأن الرفوف هناك، في المتاجر البعيدة، يجب أن تبقى مليئة.

أول مرة عانق فيها أحدهم ضربة الشمس، شعر كأن روحه تُنتزع. صداع مفترس يمزق جمجمته، بشرته تشققت حتى بدت كجلد سحلية غينية ذات ألوان نارية. لم يفهم آنذاك سبب تذكّره لتلك السحالي التي كان يراقبها في طفولته، وهي تتسلق جدران البيت الأصفر، لكن بينما كان بين الغيبوبة والتشنجات، قرأ في رأسه أسماء أحبائه، وكأنه يودّعهم... أو ربما كان يستقبل أجداده الذين جاؤوا ليصطحبوه إلى عالمهم.

رفاقه، الذين لم يكن يعرف أسماءهم، حاولوا أن يُبقوه على قيد الحياة؛ بللوا جبهته، وسقوه رشفاتٍ صغيرة من الماء. هكذا تُروى الحياة في الدفيئات: بنقطة ماء، وبأمل واهن.

ومثلما أنقذوه، أنقذ هو غيره لاحقًا. في هذا الجحيم المغطى بالبلاستيك، تُمارس طقوس البعث كما تُمارس الطقوس اليومية. في كل مرة يُعيد فيها جسدًا إلى الحياة، يسأل نفسه: هل ما يملكونه هنا يُعدّ حياة أصلاً؟ ويتذكر، ذاك العامل الذي لم تُكتب له فرصة العودة.

كان المسكين ضيفًا جديدًا على أرض النور، لم يصمد كثيرًا. حين أغمي عليه ولم يتمكن هو من إنعاشه، اتُخذ القرار البارد: تركوه عند باب مركز صحي كما تُرمى القمامة، بصمت. لم يكن يملك أوراقًا رسمية، فخاف صاحب العمل من العقوبة، وآثر أن يفقد عاملاً على أن يدفع غرامة. لم يمت فقط؛ بل مُحي اسمه، صار مجرد رقم.

ربما كان محوه بهذا الشكل يخفف الألم عن الباقين، لأن الاحتفاظ بالاسم يعني الاعتراف بالإنسان، وتذكر الإنسان يعني الخوف من أن تكون التالي. لكن تذكره. تذكر كيف تبادلا الشكاوى في الطريق، وتحدثا عن أحلام معلقة. كان المسكين يحمل وطنه على كتفه، كأخ توأم صامت، يجعله يمشي محنيًا من ثقله.

اليوم، صار رمزًا، طيفًا لا يغيب. حين تهب نسمة باردة في عز الحر، حين تتحرك الأوراق رغم سكون الهواء، حين تظلم السماء دون سحابة، يعرف العمال أنه مرّ من هنا. أصبح أسطورة ترد على الأسئلة التي لا إجابة لها.

أما العامل الآخر، فقد مات أيضًا، ولم يعلم أحباؤه إلا بعد أيام. بعضهم يقول إنهم رأوا روحه تُغادر جسده، رغم أن أنفاسه الأخيرة كانت عند باب العيادة. الحقيقة الوحيدة أن حضوره ما زال محسوسًا، كأنه لم يرحل أبدًا.

البيوت البلاستيكية تقتل بلا سلاح. لا أحد يكترث للعطش الذي ينهش الأحشاء. أحيانًا لا يجدون حتى يورو لشراء زجاجة ماء، فيجمعون بقايا من نافورات عامة، يعيدون تعبئتها حتى تتشوه الزجاجات، وتفوح منها رائحة البلاستيك القديم. البعض يربطها إلى خصره، كأنها طوق نجاة وسط بحر من النار.

البلاستيك، عوضًا عن أن يكون حاجزًا واقيًا، تحول إلى مرآة مشوهة تعكس وجه العبودية. ورغم ذلك، ثمة مشاهد داخل تلك البيوت تباغتك بجمالها. اليوم مثلاً، يقطفون الفراولة. لم تعد تفاجئ العمال، لكنها ذات يوم فاجأتهم. أول مرة يشمون عبيرها شعروا وكأنهم فتحوا جرة مربى وسط الصحراء. رائحة قوية، شهية، تُغني عن المذاق. حينها أدركوا كم خسر الناس في الخارج، أولئك الذين يعيشون بلا حواس.

أرض النور... مضيئة نعم، لكنها عقيمة، قاحلة خارج أسوار الدفيئات، حيث لا شجرة تظلل، ولا نسمة تواسي. هي واحة إنتاج لا يعرف طعمها إلا من يزرع ولا يذوق، يبني ولا يسكن، يعيش ولا يُرى.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

جلسة محكمة غير اعتيادية في كندا تجسد الإنسانية بأسمى صورها، حيث وقفت قاضية أمام مجموعة من المهاجرين الذين وصلوا إلى هذا البلد بطرق غير نظامية، لتحكي لهم قصة جديدة عنوانها الأمل والعدالة.

 في أجواء محفوفة بالتأثر، نطقت القاضية بكلمات لم تُسمع مثلها من مسؤول عربي، لتتحول لحظة منح الجنسية إلى احتفال بالإنسانية والكرامة.

بدأت القاضية حديثها بصوت دافئ يحمل بين طياته الإقرار بتضحيات أولئك الأشخاص الذين تركوا وراءهم أوطانا مثقلة بالوجع بحثا عن حياة تستحق أن تُعاش. قالت لهم: أيها السيدات والسادة، نحن ندرك تمامًا الطريق الشاق الذي خضتموه والأوطان التي فارقتموها سعياً وراء مستقبل أفضل. وأضافت بفخر واضح: أنتم الآن جزء لا يتجزأ من هذا البلد الجميل. في هذه اللحظة التاريخية، تتحولون من مهاجرين إلى مواطنين مثلي تمامًا، لا فرق بيننا، فكلنا على قدم المساواة.

ثم ذهبت كلماتها أبعد من ذلك، لتفتح أمامهم أبواب الحرية والكرامة على مصراعيها. قالت لهم: في هذا البلد، أنتم آمنون، لكم حرية اعتناق ما تؤمنون وتطبيق ما يتماشى مع قناعاتكم دون خوف أو مضايقات. يمكنكم التنقل والعمل حيثما تحبون، والدخول والخروج من البلاد وقتما تشاءون. لكن نصيحتها الأهم كانت تعليم أبنائهم قول الحق والعمل به، ومواجهة العنصرية بكل أشكالها.

وفي لمسة إنسانية مؤثرة، اختتمت القاضية حديثها بعبارة بسيطة ولكن عميقة: قوموا الآن واجتمعوا حول بعضكم البعض لنحيي هذه اللحظة معًا. تلك العبارة حملت معها رسالة التسامح والتكاتف التي تغيب عن الكثير من بقاع العالم.

مع هذه الكلمات، غصّت القاعة بمزيج من البكاء والتأثر. دموعٌ عكست سنوات من الحزن والحرمان عاشها هؤلاء في بلدانهم الأصلية— بلدان تشهد على وجع القهر والتشرد.

وفي سؤال يثير التفكير العميق، يبقى الأمل قائماً: هل يمكن أن نشهد مثل هذه اللحظات الملهمة في وطننا العربي الكبير؟ أم أن تلك الأحلام لا تزال بعيدة المنال؟ تذكّرنا هذه القصة بما يمكن أن يكون عليه العالم إذا قررنا أن نترك وراءنا الخوف ونتشبث بالقيم التي تجعل الإنسان أولاً وأخيرًا.

***

شاكر عبد موسى/ كاتب وأعلامي

ميسان

 

اللهو: ما لعبتَ به وشغلك، الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، الإنشغال بأمور عبثية.

واللهو يصرف عن الجد والأمور المهمة، ويتعلق بالقلب والفكر وما يشغل الإنسان عن الواجب

أجيالنا وعلى مدى أكثر من قرن تم تغييبها، وطمرها في ظلمات الشعارات الخادعة المضللة، فتردّت أحلامها وتبددت تطلعاتها، وتوارت معها في قبورها، فما أكثر الأجداث التي تستعر فيها نيران الطموحات الخائبة.

اللهو عقيدة جاثمة على وجودنا ومصادرة لكينونتنا، ومدمرة لهويتنا، وذات مسميات وتوصيفات متنوعة، ومؤثرة في السلوك الجمعي، ومدمرة للوعي، ومحنطة للعقل، ولاغية لمعاني الحياة الحرة الكريمة، لأنها تردم الأجيال في خنادق التبعية والإمتهان، وتحقنهم بالمشاعر السلبية المؤدية إلى مزيد من النكبات.

واللهو سلبي وإيجابي، ومعظمنا ينغمس باللهو السلبي الذي يحيل بيننا وبين الأمور المهمة، فمن أولوياتنا حرق الوقت، وإغفال أنه كالسيف، ونتوهم بأنه قالب ثلج لا يذوب.

الحكومات تلهو بشعوبها وتضللها بالشعارات الفارغة، وتدفع بها إلى أتون الهيجاء، وترسم لها خارطة مصير مشؤوم، وتجعلها مقيدة برؤى وتصورات تحرمها من ممارسة دورها، وإغفالها لحقوقها الطبيعية، وتجردها من إرادة الشعور بوجود مستقبل زاهر سعيد.

الكل يتبضع، والبعض يتلهى بالبعض، وعليك أن تسمي البعض الآخر بما يسوّغ النيل منه، فامضي بتدميره على بركة الله فهو المسؤول، وما أنت إلا منفذ لقرارت قادرٍ حكيم.

لو تفحصنا الملهيات الفاعلات في مسيرتنا لتعجبنا من كثرتها، ومن قدرتها على سرقة وجودنا وتأمين حرماننا من أبسط الحقوق، وكيف أنها أطلقت أيادي الطامعين بثرواتنا لأخذها بحرية وقوة، وتبقى الشعوب مغفلة بالملهيات ومخدرة بالويلات، حتى لتستلطف الضيم، وتركع للجلادين، وتدين بالسمع والطاعة للطغاة والمستبدين الفاعلين بها وفقا لما يساهم في تأكيد مصالحهم وتقوية أنظمة حكمهم على البطش والإنتهاك للحرمات.

تلهى أنتَ مأسورٌ ضعيفٌ

وباركْ قوةً ألماً تضيفُ

تعايشتِ المواجعُ والخطايا

يُفاعلها التصارعُ والنزيفُ

نيامٌ في مواكبها حيارى

وإنَّ فسادها نهجٌ عَفيفُ

***

د. صادق السامرائي

كل ظاهرة تصل ذروتها وتنحدر إلى نهايتها، والحياة في الأرض ظاهرة كونية، ربما بلغت ذروتها أو على وشك أن تصلها، فأنها قاربت على الإنكماش والتحول إلى هباء منثور.

الأرض حاضنة كبيرة تتقلب تحت الشمس، وإن توقفت لبضعة دقائق تنتهي على ظهرها الحياة.

وما تعانيه الدنيا من أضرار الإنبعاث الحراري سيتسبب بتدمير الظروف البيئية في حاضنتنا الكونية التي توفر لنا الحياة.

أصبحنا نصنع ونزعزع المكونات البيئية، وأخذنا نستخرج ما في بطن الأرض للإجهاز عليها.

ومن المخاطر الفظيعة أن البشرية إمتلكت قدرات تدميرية ماحقة، ويمكنها أن تحيل مخلوقاتها إلى عصف مأكول.

والمشكلة الأخرى أن الأرض كائن حي وتدافع عن وجودها، ومن أسلحتها، الأعاصير بأنواعها والهزات الأرضية، والفيضانات، وإطلاق الأوبئة، فالكثير من الميكروبات كامنة لعدم توفر الظروف المناسبة لها، وبتغيير الظروف البيئية فأنها ربما ستتأهل للانطلاق ومداهمة البشر.

فالمتغيرات الحاصلة في كوكبنا، ستؤثر على الأمزجة وآليات التفكير، وستدفع إلى إندلاع العدوانية وتنامي الحروب والقسوة المطلقة على الغير، وباستخدام أشرس أدوات التدمير الماحق، إذ سيتحول البشر إلى أرقام.

ترى هل ستحصل حرب شاملة ومدمرة؟

الجواب أن الطبع البشري والتداعيات المناخية والتأريخ كلها تؤكد بأن الحرب قادمة لا محالة، وأن رقعة ما يجري من حروب سيتوسع وسينتشر كالنار في الهشيم، لأن الظروف بأنواعها متفاعلة لتحقيق هذا الغرض.

إن المتغيرات الفاعلة في الدنيا تؤهل العدوانية للإنطلاق من مكامنها والتعبير عن قدراتها التدميرية الفائقة، وتلك طامة كبرى تلوح في أفق الويلات المدلهمة.

بكوكبنا المواجع تستقيدُ

نكبناها بعاديةٍ تبيدُ

صنعنا ثمّ تهنا في دروبٍ

يُلاحقنا بها أمرٌ شديدُ

كأنّا في مَرابعنا الخطايا

يُدمرنا المغامرُ والعنيدُ

***

د. صادق السامرائي

19\3\2025

 

يُعّد الغزو الفكري أكثر وأعمق تأثيراً وخطورةً على المجتمعات لانه يستهدف سلوك وعقيدة الفرد وأفكاره وأخلاقه، في دس الأكاذيب والافتراءات لتشويه الثقافة الغير الغربية، وإقناع الشعوب على أنهم متخلّفون، وأنّ المنقذ لما يعانيه المسلمون من ضياع هو  اتباع “حضارت الغزو” الغربية بكل ما فيها من تفاصيل، والترويج له بما يضمن ترسيخها واستمرارها في أذهان الاجيال الجديدة وخاصة الشابة، وبالتالي ضياع تلك الأمم بأسرها نتيجة انتقالها اذا لم تكن هناك من مصدات او عوائق تقف امامهم وهو أخطر بكثير عن الغزو العسكري وهو السلاح الرائج بيد الاعداء والاسهل في التنفيذ وتلعب المادة الدور الأكبر في عملية غسل الادمغة لطلائع الشباب والأحداث والغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على شباب أمة أخرى أو التأثير عليهم حتى يتجهوا وجهة معينة أو تبني رأي ما.وهو مصلح خطير يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها أن الغزو الفكري الذي يقوم على مدى السنين بعملية غسل للأدمغة، وإعادة صياغة القيم في ثقافة المجتمع، هذا الغزو يكون قناعة لدى شريحة كبيرة من الناس تعارض الكثير من القيم الدينية التي تحافظ على استقرار المعتقد، بل قد تعارض تلك القناعة بعض الثوابت والمسلمات؛ كقضية الولاء والبراء، أو العلاقة مع الآخر. ان الانحرافات التي وصل إليها العديد من المجتمعات، 'حيث شملت المثقفين والأطفال والشباب والنساء في جملة ضحايا التطور التكنولوجي، والغزو الرقمي للثقافة والقيم، فقد استطاع العدو اختراق افكارها ومعتقداتها، فصارت الثقافة الغربية هي الثقافة الغالبة والمسيطرة؛ نظرًا لواقع التجهيل العام الذي نعيشه أمام الغرب في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسية والاقتصاد والعسكرة، ومن ثم نجد بعض المثقفين والنخبويين وبمساعدة الماكينة الإعلامية المحسوبة على العولمة الغربية يحاولون جاهدين إقناع المجتمع العربي بأنه متخلّف في جوهر فكره وتاريخه، بل أنه متخلف في صميم تكوينه، ومن ثَمَّ فلا بدَّ من الانسلاخ عن كل ما يربط المجتمع بماضيه، وإعادة تشكيل المجتمع على الطراز الغربي بحجة تصحيح الموروث الديني، وأن مجتمع الشرق الاوسط عبارة عن مذاهب وطوائف متناحرة' ومجتمعات بدوية.

الغزو الفكري كان وسيلة بالسابق عند الغزوات الاستعمارية والهيمنة السياسة على اي منطقة معينة قاصدة الشباب بالذات وإخضاع الشعوب والسيطرة عليهم؛ وتوسّعت فأصبحت تشمل الوسائل العسكرية وغير العسكرية التي تستخدمها الدول المستعمِرة في احتلال الدول الأخرى، ومن هذه الوسائل وسائل فكرية تُمهّد للغزو العسكري أو السياسي من خلال التمكّن من السيطرة على عقول الشعوب ويمكن أن يقتصر المستعمِر على الغزو الفكري كأسلوب من أساليب إبقاء الشعوب والدول تحت هيمنته الفكرية والثقافية. ورغم كونه أقل علنية الآن ولكنه أصبح أوسع انتشارًا مع ظاهرة العولمة، وأكثر الدراسات التي تظهر اليوم تشير إلى أن أهم وسيلة لتغيير أي فكرة هي عن طريق التعرف على أفكار أكثر حداثة وانتشرًا عن فئة أفضل من أخرى بعدة مجالات، ولكون ذلك غير شائعٍ سابقًا لقلة الاختلاط العالمي بين الناس فلم يكن له الأثر الكبير، بينما في الوقت الحاضر ومع التطور التقني وانتشار الإعلام بوسائله ومنصاته فهو أصبح من الأسهل تغيير أي ثقافة أو فكر لو وجهت بالطريقة المناسبة. المجتمع الواعي اليوم مطلوب منه دعوة الشباب لحظر استخدام الوسائل التي أصبح من العبث بمكان، التي من  البساطة تنحيتها عن الحياة جانباً، رغم انها أصبحت واقعاً مفروضاً لا يمكن الفكاك منه، وإنما أصبح من الواجب تطويرها وتوظيفها واستخدامها لغير الغرض الذي أنشئت من أجله، فلا مناص من حسن توظيفها، وذلك بأن تقوم الهيئات والمؤسسات الدولية بنشر مواقع تعنى بالتربية والتوجيه وبناء العقائد والرد على الشبهات بالحسنى والموعظة الحسنة ومواجهة الفكر بالفكر الصحيح حتى لا يجد الشباب نفسه منفرداً أمام حملات منظمة تحيط به ليل نهار ولا تيأس من استقطابه بكافة الوسائل

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

مركز الوعي الفكري للدراسات والابحاث

هل نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟

"نحن عراة في عالم من العواصف، لأننا لم نستعد لعالم اليوم" بهذه الكلمات الموجعة، وصف (مانفريد ويبر)، زعيم حزب الشعب الأوروبي، حال القارة العجوز، في تصوره لمواجهات محتملة مع روسيا أو حتى مع حليفها التقليدي الولايات المتحدة. هذا الإحساس المأساوي بالعري والضعف، الذي يخترق وجدان النخبة الأوروبية، هو ذاته ما كان يعيشه السياسيون الأوروبيون قبل عام 1914، حين كانت التحالفات المتشابكة والرغبة في تأكيد الذات، تدفع بأوروبا نحو الهاوية. اليوم، وبعد أكثر من قرن، تعود أشباح الماضي لتطرق أبوابنا من جديد؛ فالأجواء الحالية في أوروبا تذكرنا بأوقات ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث التوتر الخفي الذي يسبق العاصفة.

النظام القديم وانهيار اليقين

قبل عام 1914، كانت خريطة أوروبا عبارة عن نسيج معقد من التحالفات والامبراطوريات والقوميات المتصارعة. كان قلب أوروبا ينبض من فيينا، عاصمة الإمبراطورية النمساوية المجرية، الدولة متعددة القوميات التي امتدت من سويسرا إلى رومانيا الحديثة، والتي كانت بمثابة "سجن للشعوب" في نظر قومياتها السلافية. كانت الخريطة السياسية تعج بدول تسعى لتعزيز نفوذها، من ألمانيا القيصرية الطامحة تحت حكم فيلهلم الثاني، إلى بريطانيا العظمى الحريصة على توازن القوى، وفرنسا التي تتطلع لاستعادة أمجادها. وكانت البلقان تشكل "برميل بارود" أوروبا، حيث تتصارع النزعات القومية مع إرث الإمبراطورية العثمانية المتهاوية.

في تلك الأيام، تشكل تحالفان رئيسيان: التحالف الثلاثي (ألمانيا، النمسا-المجر، إيطاليا) والوفاق الثلاثي (فرنسا، روسيا، بريطانيا). لكن هذه التحالفات لم تكن دفاعية بحتة، بل كانت تعكس مصالح اقتصادية واستراتيجية متشابكة، وتنافساً محموماً على المستعمرات والموارد خارج أوروبا. لقد كانت آلة الحرب الأوروبية تنتظر شرارة صغيرة لتنطلق، وجاءت تلك الشرارة من سراييفو.

وفي 28 يونيو 1914، أطلق غافر يلو برينسيب، الشاب الصربي القومي، رصاصتين أودتا بحياة الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث عرش النمسا-المجر، وزوجته. كانت تلك "اللحظة الفرانزفرديناندية" التي لا تزال تذكرنا بها كتب التاريخ. لكن الاغتيال بذاته لم يكن السبب، بل كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فخلال أسابيع، دفعت الآلية الدبلوماسية والعسكرية المعقدة أوروبا إلى حرب لم يكن أحد يتخيل حجم دمارها.

لقد أوقفت الحرب عام 1914 لحظة إبداع أوروبية مفعمة بالحيوية، كما يؤكد المؤرخ جاك بارزون، حيث حلت "دعاية الكراهية" محل النشاط الثقافي، وتم تدمير المواهب العبقرية في حرب القذائف والهجمات المشاة، وسحقت الإيمان والتقاليد المدنية تحت وطأة أربع سنوات من الحرب بأهداف أصبحت أقل فهماً. لقد حطمت تلك الحرب الحضارة المولودة من عصر النهضة والقائمة على فكرة الدولة القومية.

النظام العالمي الجديد.. هل نحن أقرب إلى حافة الهاوية؟

اليوم، وبعد أكثر من قرن، نعيش في عالم يبدو مختلفاً، لكن التوترات الهيكلية مشابهة بشكل مقلق. ففي استطلاع حديث أجراه YouGov، يعتقد 45% من الأمريكيين وما بين 41% و55% من الأوروبيين في خمس دول (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا) أن حرباً عالمية ثالثة "مرجحة جداً أو إلى حد ما" في غضون خمس إلى عشر سنوات. وترى أغلبية تتراوح بين 68% و76% أن أي صراع جديد سيتضمن أسلحة نووية.1989 faroqوترجع هذه النظرة السوداوية المتشائمة إلى عدة عوامل، يأتي في مقدمتها التمزق في العلاقات عبر الأطلسي. فالقادة الأوروبيون يعترفون بأن "أوروبا عاجزة عن مواجهة ترامب" بسبب تبعيتها العسكرية للولايات المتحدة. وقد استخدم ترامب هذه التبعية كورقة ضغط، حيث "أضعف القوة الاقتصادية لأوروبا من خلال استخدام البطاقة العسكرية" خلال مفاوضات اتفاقية التجارة الصيف الماضي. وفي الوقت نفسه، يخشى نصف أوروبا من التهديد الروسي، ويرى أن القوة العسكرية الأمريكية هي الحامي الوحيد. هذا الانقسام يذكرنا بالتحالفات المتشابكة والمتناقضة قبل الحرب العالمية الأولى.

وفي الشرق، تتصاعد التوترات مع روسيا، التي يراها 69% من الأمريكيين وما بين 72% و82% من الأوروبيين الغربيين السبب الأكثر احتمالاً لحرب عالمية أخرى. لكن المفارقة أن العديد من الأوروبيين يرون في الولايات المتحدة نفسها تهديداً، حيث تعتبر أكثر من نصف السكان في إسبانيا (58%) وألمانيا (55%) وفرنسا (53%) أن التوترات مع واشنطن تشكل تهديداً كبيراً أو معتدلاً للسلام في القارة. إنه انقسام يعكس غياب رؤية استراتيجية موحدة، وافتقاداً للقيادة الأوروبية الحكيمة.

البلقان الجديدة.. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا

إذا كانت البلقان "برميل بارود" أوروبا قبل قرن، فإن العالم اليوم يعج ببراميل بارود جديدة. ففي أوروبا الشرقية، تستمر المواجهة بين الغرب وروسيا في أوكرانيا، مع انتهاكات متكررة للمجال الجوي لدول الناتو، كما حدث في بولندا وإستونيا، فيما يشكل مرحلة جديدة من التصعيد. وفي الشرق الأوسط، لا تزال الحرب في غزة تمثل بؤرة توتر عالمية، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تحول جيلي في الرأي العام الغربي، خاصة بين الشباب، تجاه السياسات التقليدية لدعم الحلفاء.

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي كانت ذات يوم "إجماعاً ثنائي الحزب"، تواجه اختباراً وجودياً، حيث يرى 53% من الأمريكيين الآن صورة غير مواتية لإسرائيل، وتصل هذه النسبة إلى 71% بين الديمقراطيين تحت سن الخمسين. هذا التحول في الرأي العام، إلى جانب تصلب الموقف الإسرائيلي، حيث أصبح 58% من الإسرائيليين اليهود يعرفون أنفسهم كيمينيين في عام 2024 (مقارنة بـ 46% في 2019)، يخلق بيئة من القطيعة المحتملة.

هل هناك مخرج؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل يمكننا أن تعلم الدروس من التاريخ أم أننا محكومون بتكراره؟ تشير التحليلات إلى أننا نعيش بالفعل في لحظة "فرانز فرديناند" ممتدة، حيث يمكن لأي حادث غير متوقع - سواء في بحر الصين الجنوبي، أو في أوروبا الشرقية، أو في الشرق الأوسط - أن يشعل شرارة صراع أوسع. لكن الاختلاف الجوهري اليوم هو أن أي حرب بين القوى العظمى ستكون حرباً نووية، مع إدراك 57% إلى 73% من الجمهور في أوروبا والولايات المتحدة أنها ستؤدي إلى خسائر في الأرواح أكبر من تلك التي حدثت في 1939-1945.

لقد أدرك الأوروبيون مبكراً أن الوحدة هي السبيل الوحيد لتفادي مصير مأساوي، وهو ما دفعهم إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال 45% إلى 56% من الأوروبيين والأمريكيين يعتبرونه مساهماً مهماً في غياب الصراع. لكن هذه الوحدة تواجه اليوم اختبارات وجودية مع صعود القوميات داخل أوروبا، والضغوط الأمريكية، والتهديدات الخارجية.

إن ما تحتاجه أوروبا والعالم اليوم هو قيادة شجاعة وحكيمة، من طراز هيلموت كول وفرانسوا ميتران الذين استطاعا في الماضي تحويل الخصومات إلى شراكات. قيادة تستطيع أن تقدم رؤية جديدة للأمن الجماعي، تتجاوز منطق التحالفات العدائية والتبعية، وتعيد إحياء الدبلوماسية متعددة الأطراف. فالعالم أصبح صغيراً للغاية على حرب كبرى، والتاريخ يعلمنا أن الحضارات، بغض النظر عن مدي تقدمها، يمكن أن تتحطم عندما تختار الدول مسار الصراع بدلاً من التعاون.

السؤال الذي يطرح نفسه الأن هو: هل لدينا الحكمة الكافية لاختيار المسار المختلف عما اختاره أجدادنا قبل 110 أعوام؟

***

عبد السلام فاروق

الحضارة وجود حي لا يموت، فجوهرها خالد وشواهدها تتواصل وتتبدل وفقا لمقتضيات المكان والزمان، وتخضع لقوانين الانتخاب الطبيعي، وتكشف عن معدنها أمام التحديات والمنازلات الشرسة، وما يواجهها من تهديدات ومحاولات للنيل منها.

الحضارة تولد من رحم الأفكار المتفاعلة، وبما أن الأفكار لا تموت وتتوالد، فالحضارات كذلك تتواصل متجددة ومتوالدة من أرحام بعضها، فالحضارة تتحرك وتتنقل فوق التراب ولا تستقر في مكان واحد، بل تسير على أقدامها وتطير بأجنحتها، وتلد المخلوقات المعبرة عن رسالتها، وتطلعاتها الإبداعية الأصيلة.

ولهذا فأن مواكب العطاءات المتجددة لا تتوقف، وقطار المسيرة التطورية الإرتقائية يسير بأقصى ما يستطيعه من التسارع والتوثب والعزم والإصرار.

في هذا الكون كل موجود حي وله نشاطه المرئي والمستتر، ويؤثر في محيطه ويتأثر به، فالموجودات أمواج متدفقة في نهر الحياة، تحركها إرادة الدوران وطاقات التواصل مع الأكوان، وتنقلها إلى مدارات لا تعرف السكون والهوان، إنها طاقات متفجرة تنسكب في أوعية الرموز الكونية العاتية التواصلات.

فهل أدركنا دائرتنا الكلية وتحررنا من أكياس التحجر والتقوقع في كرات تتناطح لتبيد؟

وحضارتنا إنطلقت ومرت بمنعطفات وواجهت تحديات، وتحولت إلى رماد في فترة من الفترات، ثم إنبثقت وتجددت وتمسكت بمشاعل تألقها، وإستحضرت جذوة صيرورتها الكبرى، لتعبر عن حيويتها، وتؤكد وجودها، وإقتدارها الإبداعي الإنساني المتسرمد في أعماق الأكوان.

ووفقا لذلك فالأمة تتواصل في سعيها لإظهار جوهرها وتنمية قدراتها الذاتية، وتمثيل هويتها المتسمة بالعطاء الأصيل، والفكر الأثيل.

عاشت أمة توطنت عرش الزمان وأسست شواهد المكان، وحافظت على قيمها، وكلما تكيو تنجب أفذاذها الشجعان.

***

د. صادق السامرائي

 

ليس هناك فسادٌ حميدٌ وآخر خبيثٌ، لكن إذا تكاثرت أسراب الجراد، يُميز بين فساد وآخر، وقد دق النَّاقوس مجد الدِّين النَّشابيّ (ت: 657هج)، والمغول على بوابات بغداد: «إذا ترامت أمور النَّاس ليس لهم/ فيها دواءٌ ولا حزمٌ وأنجادٌ» (الحوادث)، وبفساد الطِّب لا حِيلة تُرجى.

استمعتُ لحديث دار بين أطباء، خسرَ أحدهم عمله، لأنّه اعترض على استغلال النَّاس مِن قِبل مستشفى خاص، بما يُخالف «عهد أبقراط». قد يهون الإكثار مِن الفحوصات والأدوية بلا حاجة، ولكن إجراء عمليةٍ، بلا سبب، لأجل المال ما ليس في الحِسبان، ولما اعترض الطَّبيب صارحته إدارة المستشفى، لهذا الإجراء ما يبرره، لزيادة العائد، ولا خطر على المريض! اِحتجّ صاحبنا بما قَسَم عند تخرجه، فتقرر تنحيته لعدم تعاونه.

ليس لدى المريض حيلة، عليه الثِّقة بالطَّبيب ثقةً عمياءَ، فلا يحسب حِساب خيانته بدواء زائد، وفحوصات زائدة مكلفة، لا يعلم أنه لا يحتاج إليها، فالطِّبيب هو «الخصم والحكم»، ناهيك عن بيع المرضى، والاتِّفاق التِّجاري بين أطباء وصّيادلة.

كان الطَّبيب سنان بن ثابت بن قرِّة (ت:332هج)، بمثابة وزير الصّحة ببغداد العباسيَّة، يقوم باختبار الأطباء المعينين، أشكل على أحدهم أنّ المنطقة الفلانيّة سكانها يهود، فماذا يفعل؟ فكتب إليه «رسم البيمارستان (المستشفى) أنْ يُعالج فيه المليّ والذِميّ»، ونظّم أطباء جوالين، يطوفون على قرى السّواد، كلّ منهم يحمل خزانة أدوية وأشربة، كان الصَّرف على المستشفى مِن سجاح أمّ المتوكل على الله (الطَّبيب ابن أبي أُصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

كان السّؤال والجواب عن علاج غير المسلمين قبل أحد عشر قرناً، غير أنَّ فضيحة العصر، أنَّه قبل سنوات وقعت بيدي مجلة، تصدر بالغرب، تنشر الاستفتاءات والرّدود عليها، وإذا بطبيبةٍ تسأل المفتي: هل يجوز نجدة الجار غير المسلم في وضع صحي طارئ؟ أجاز لها المفتي بشرط «الحِشمة»، أجاب المفتي بما يُملي عليه الفقه، لكن ماذا يُرجى مِن الطَّبيبة المستفتية، ماذا أبقت لعقلها، وقَسَمها الطِّبيّ؟

نزيد أكثر عن مخاطر فساد الطَب وفواجعه، أنّ أطباءَ، كانوا يعملون في دوائر الأمن، في الأنظمة العاتية بدكتاتوريتها، مهمتهم فحص المحبوس بعد كلّ فصلٍ مِن العذاب، هل يتحمل عذاباً إضافياً أم لا؟ وبعضهم استُخدموا في تركيب السّموم لقتل الخصوم، وهذا ما نبّه إليه الطِّبيب أبقراط في عهده الشّهير.

دأب الأطباء، عند التّخرج القسم بما صاغه أبقراط، فمهنة الطَّبيب يوزن بها الضّمير بأدق مِن ميزان الذَّهب، يردد المتخرج، ولكّل نظام طبي تصرفه بالكلمات: «إِنِّي أقسم بِاللَّه رب الْحَيَاة وَالْمَوْت وواهب الصِّحَّة وخالق الشِّفَاء وكل علاج... على أَنِّي أَفِي بِهَذِهِ الْيَمين وَهَذَا الشَّرْط».

يقسم الطَّبيب الجديد: «لَا أعطي إِذا طُلب مني دَوَاء قتَّالاً، وَلَا أُشير أَيْضاً بِمثل هَذِه المشورة، وَكَذَلِكَ أَيْضاً لَا أرى أَن أدني من النسْوَة فرزجة (آلة طبية) تسْقط الْجَنِين، وأحفظ نَفسِي فِي تدبيري، وصناعتي على الزَّكَاة وَالطَّهَارَة، وَلَا أشق أَيْضاً عَمَّن فِي مثانته حِجَارَة، وَلَكِن أترك ذَلِك إِلَى من كَانَت حرفته هَذَا الْعَمَل».

يختم أبو الطِّب أبقراط عهده بالكلمات الآتية: «فَمن أكمل هَذِه اليَمين، وَلم يفْسد شَيئاً، كَانَ لَهُ أَن يكمل تَدْبيره وصناعته، على أفضل الْأَحْوَال وأجملها، وَأَن يحمده جَمِيع النَّاس فِيمَا يَأْتِي من الزَّمَان دَائِما» (ابن أبي أصيبعة، المصدر نفسه).

إنَّ قصة الفساد في الطِّب ليست جديدة، فالشُّعراء فضحوا أطباء، عندما تعرضوا لمثل هذه المواقف، يتحول بها الطّبيب قبوريَّاً يسره موت النّاس. بهذا المعنى قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (300هج): «ما كنت أحسب أنَّ الدّهرَ يجعل/ أمراضَ الأعلّاءِ أعراس الأطبّاءِ/ حتَّى تبيّن في ذا الدّهر أنّ تجارات/ الأطبّاءِ أسقامُ الأعلّاءِ» (الثَّعالبيّ/ التَّمثيل والمحاضرة). أقول: إذا أصبح الطِّب مِن التِّجارات ويتصرف الطَّبيب وفق الدِّيانات والسِّياسات فاقرأ على الصِّحة السَّلام.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

الطباع ليست نزوة عابرة أو هوى يقود الإنسان في عشوائية اللحظة وفوضوية الموقف، بل هي انعكاس لفكر مترسخ في العقل وفهم عميق ينقاد إليه المرء في تصرفاته وسلوكه. فمنها ما يرفع صاحبه ويمنحه الإجلال، كاشفاً عن نبل طبعه ورقي خلقه، ومنها ما يضعه في مواضع لا تليق به، فيظهر مظهراً دخيلاً يندم المرء على ما أفرزته أفكاره السلبية من أفعال وانفعالات.

في مجالات العمل قد يظهر الطبع كعامل حاسم قد يبني مسيرة الإنسان بصورة متميزة كمسؤول أو موظف أو حتى شخص عادي، وقد يقوده في المقابل إلى طباع تتسم بالحدة والصلابة السلبية، فتفرز مشكلات وخصومات تؤدي في النهاية إلى ضعف الشخصية وهدم ما بني من علاقات وتواصل مع الآخرين. فالقائد أو الموظف المبدع الذي يواجه نقداً قاسياً من زميل له، يمكن أن يختار الانفعال الذي يجرح كرامته ويهز صورته فيفقد فكرته بريقها، ويجعل الآخرين يشكون في نضجه وتوازنه، أو يمكنه أن يبتسم بهدوء ويقول: "ربما لم أعرض فكرتي بوضوح، دعني أشرح الأمر أكثر حتى تتضح الصورة"، فيكسب تقدير الحضور واحترامهم، ويمنح فكرته فرصة أكبر للقبول والاستحسان.

المدير كذلك، قد يواجه استفزازاً من موظف في اجتماع علني، فإما أن يختار التوتر والانفعال لإثبات سلطته بالصوت العالي حتى يسكت منافسيه ومعارضيه، فيخسر صورته الذهنية أمام فريقه ومشاهديه، أو أن يرد بعقلانية فيحول الموقف المحرج إلى درس في القيادة وضبط النفس وحكمة الممارسة. وفي بيئات العمل يكون الفارق بين قائد ملهم ومدير متسلط هو الطباع الثابتة التي تحكم ردود الفعل في لحظات الضغط والتوتر؛ فإما حضور وهيبة وكاريزما، أو مواقف مهتزة وقرارات اندفاعية.

وما يصدق على العمل ينسحب أيضاً على الأسرة. فالأبوان لا يقيمان فقط بما يقدمانه من مال أو رعاية، بل بما يعكسانه من تربية وصقل للطباع المؤثرة والإيجابية في المواقف الحساسة التي تحتاج إلى ضبط وسعة خلق وتهذيب سلوك. الأم التي تستقبل خطأ ابنها بنبرة هادئة تقول له إنها حزينة لأنه خذل ثقتها وصورتها المشرقة عنه، تغرس في داخله شعوراً بالثقة ونبل التصور، وتزرع فيه عمق المسؤولية والندم الإيجابي الذي يقوده نحو التغيير. في المقابل، الأب الذي ينفجر غضباً ويهين ابنه أمام الآخرين يزرع جرحاً غائراً في نفوس لم تنضج بعد، وقد يبقى الموقف شاهداً حاضراً لسنوات طويلة، لا يزول ألمه حتى لو اعتقد الأب أنه يربيه بالحزم والقوة ليشبّ رجلاً يتحمل مسؤولياته.

وفي العلاقات الاجتماعية تتجلى الطباع بأبسط الصور وأعمقها أثراً. كم من صديق كشف عن نبل طبيعته حين وقف في صف صديقه في مجلس عام، فبقي الموقف شاهداً على إخلاص ووفاء لا ينسى. وكم من إنسان خسر مكانته بكلمة عابرة لم يزنها أو يتعقل أبعادها، فهدمت جسور ثقة بنيت في سنوات طويلة. الطبع هنا ليس مجرد رد فعل، بل اختيار يكشف عن حقيقة الإنسان في اللحظة التي يختبره فيها الآخرون.

أما في ميادين التعليم، فإن المعلم يختبر طباعه يومياً أمام عشرات العيون التي تترصده. الطالب الذي يخطئ أو يتجاوز الحدود قد يكون فرصة للمعلم كي يثبت أنه قدوة في الصبر والحكمة والانضباط، أو قد يتجاهل الموقف فيبقى أثره محدوداً دون دروس تذكر، أو قد يكشف عن طبع انفعالي يفقده مكانته مهما بلغ من العلم والخبرة. حين يواجه المعلم الإساءة بقول رصين يمنح الطالب فرصة لتصحيح كلامه وتعديل سلوكه، فإنه لا يعلمه درساً في الأدب فحسب، بل يزرع فيه قناعة بأن الطبع الحسن أقوى من أي عقاب، وأن الحكمة في الرد أبلغ من أي زجر مؤلم. وفي المقابل، فإن فقدان الأعصاب في موقف واحد قد يهدم سنوات من بناء الثقة والاحترام.

وهكذا نرى أن الطبع ليس أمراً ثانوياً أو مجرد سمة شخصية، بل هو مرآة العقل والقيم المتجذرة في النفوس. ففي العمل قد يصنع الفارق بين موظف عادي وقائد ملهم، وفي الأسرة قد يكون الحد الفاصل بين جيل واثق بنفسه وآخر مثقل بالجراح، وفي العلاقات الاجتماعية قد يرسّخ الصداقات أو يطيح بها، وفي التعليم قد يرفع المعلم إلى مقام القدوة أو يجرده من مكانته.

الطبع في النهاية ليس ما نظهره عند الرضا، بل ما يكشف عنا عند الغضب والاختلاف وتباين الآراء. فمن ملك زمام طبعه ملك صورته أمام نفسه وأمام الآخرين، وحصل على الإجلال الذي لا يمنحه منصب ولا مال، بل تمنحه سجية أصيلة وخلق رفيع.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

30-9-2025

ليس هناك أكثر خداعاً للبصيرة من مشهد الخرائط السياسية وهي ترسم وتمحى، الدول تتهاوى وتقوم، والملايين من البشر يتحركون عليها كدمى يحركها خيط غير مرئي. إنه مشهد مهيب ومخيف في آن واحد.. مشهد "لعبة الأمم" التي تتساقط فيها الرؤوس وكأنها قطع شطرنج، لكن دماءها حقيقية، وآلامها ليست من خشب.

في غرفة عمليات السياسة الدولية، حيث تحسب التكاليف والمنافع بدقة محاسب بارع، تفقد كلمات مثل "الضمير" و"الإنسانية" قيمتها السوقية. يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلة، ومجرد وحدة في إحصائية. عشرات الآلاف من الضحايا؟ محزن بالتأكيد، لكنه "ثمن مقبول" إذا ما قورن بـ"المكاسب الاستراتيجية". خراب مدن بأكملها؟ "خسائر جانبية" في طريق تحقيق "مصلحة عليا". اللغة نفسها هنا تصبح جزءاً من اللعنة، فهي تجمل القبيح وتخدر الضمير العالمي.

ولهذا توارثت الحكمة الشعبية عبر الأزمنة تلك النصيحة البليغة: "عند صراع الأمم احفظ رأسك". إنها ليست دعوة للجبن، بل هي صيحة تحذير من دخول معركة أنت فيها مجرد وقود، وليس فارساً. هي ذروة الوعي بأنك أمام آلة طحن لا تميز بين بريء ومذنب، ولا تعرف سوى لغة القوة والمصلحة. إنه قانون البقاء للأكثر حذراً، لا للأكثر حماسة.

لكن المفارقة المؤلمة أننا نرى، في كل صراع، جحافل من "المغفلين" يندفعون بحماسة من يصطاد الفرصة الذهبية، ليقدموا رؤوسهم وأرواح أهلهم على طبق من فضة - أو على طبق من دمار - لمصلحة من لا يعرفهم ولا يهتم بمصيرهم. يظنون أنهم أبطال في ملحمة وطنية، وهم في الحقيقة مجرد دمى في مسرح عرائس كبير. يبيعون أوطانهم وأبناء جلدتهم بأبخس الأثمان، مقابل وعود كاذبة أو أوهام مجيدة.

هؤلاء.. ينبهرون ببريق الشعارات الرنانة، ويتعلقون بأوهام صنعها لهم سحرة السياسة والإعلام. يخوضون المعارك بدلاً عن أصحابها الحقيقيين، ثم يتركون بعد ذلك في العراء يواجهون مصيرهم المأساوي: الخيبة والخذلان، والخراب والدمار. يشربون كأس السم حتى الثمالة، ثم يكتشفون أنه كان مجرد شراب مغلف بعسل الأكاذيب.

الغريب في الأمر أن التاريخ لا يتوقف عن تكرار هذه المسرحية، بنفس الحبكة ونفس النهاية المأساوية، لكن مع ممثلين جدد. كأن هناك نسياناً متعمداً، أو رغبة انتحارية في خوض التجربة ذاتها.

فهل من مستفيد؟

بالطبع هناك مستفيد. هناك من يبيع السلاح، ومن يسيطر على الممرات المائية، ومن يعيد ترتيب الخرائط لصالحه. هناك من يحقق "التوازنات الاستراتيجية" على جماجم الأبرياء. هم قلة، لكنهم يملكون مفاتيح اللعبة.

أما الدرس الأهم، فهو أن على الأمم التي تريد أن تحفظ كرامتها وتصون وجودها، أن ترفع سقف وعيها. أن تعي أن العالم غابة، والقانون الدولي مجرد حبر على ورق حين تتعارض مصالح الكبار. وأن قوتك هي الضمان الوحيد لاحترامك. لا تكن أنت الوقود الذي تشعل به نيران الآخرين. لا تكن أنت الرقم الذي يضاف إلى إحصائية الضحايا.

النتيجة مؤلمة لكنها الحقيقة: في ساحة "لعبة الأمم"، إما أن تكون لاعباً، أو تكون حلبة اللعب. لا مكان للمشاهدين الأبرياء. فإما أن تتحكم بمصيرك، أو يتحكم بك الآخرون. والفرق بين الخيارين هو الفرق بين الكرامة والذل، بين البناء والخراب، بين الحياة.. وبين أن تصير مجرد إحصائية في نهاية النهار.

نعم.. هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها: العالم ليس جمعية خيرية، والسياسة الدولية ليست حلقة نقاش أخلاقية. إنها معادلة قوة صرفة، تحكمها مصالح متصارعة، وتتحكم فيها موازين القوى. والسذاجة الكبرى أن نتعامل مع هذا الواقع بمنطق الوعظ الأخلاقي أو المشاعر العاطفية.

الشرعية الدولية.. الوهم الجميل

كم هو مأساوي أن نرى من يعلق آماله على "الشرعية الدولية" و"منظمات الأمم" وكأنها محكمة عدل عليا. إنها في حقيقة الأمر مسرح للصراع نفسه، لكن بأقنعة دبلوماسية وبيانات مطولة. حق النقض (الفيتو) هو التعبير الأصدق عن هذه اللعبة: أنا القوي لدي الحق في إلغاء كل ما يهدد مصالحي، حتى لو كان تحت مسمى "الشرعية". فكيف نطلب من النمر أن يحكم في قضية الحمل؟!

والسؤال الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا قبل أن نوجهه للعالم: لماذا أصبحنا نحن "وقود" صراعات الآخرين؟ لماذا تستطيع قوى دولية أن تستخدم أرضنا ودماءنا كمسرح لتصفية حساباتها؟

الجواب يكمن في غياب المشروع الحضاري الحقيقي. الأمة التي لا تملك مشروعها التنموي والسياسي والعسكري المستقل، تصبح بالضرورة ساحة لصراعات الآخرين. الأمة الضعيفة والمفككة هي الجائزة التي يتنافس عليها الصيادون.

من يملك القوة يكتب التاريخ

انظر إلى صفحات التاريخ.. من ينتصر في ساحة المعركة هو من يكتب الرواية، هو من يحدد من "البطل" ومن "الإرهابي"، من "المقاوم" ومن "المحتل". الأخلاق تتبع القوة، وليست سابقة عليها في الميزان الجيوسياسي. وهذا لا يعني الدعوة إلى التخلي عن الأخلاق، بل يعني الفهم الواقعي: أن تكون أخلاقياً وقوياً، فهذه هي المعادلة الصعبة والنبيلة. أما أن تكون أخلاقياً وضعيفاً، فمصيرك أن تكون ضحية.

طريق النجاة ليس في الانكفاء على الذات أو تبني نظريات المؤامرة التي تبرئنا من المسئولية. الطريق يبدأ بالاعتراف بالمرض: مرض التخلف والتبعية. يمر عبر بناء الذات من الداخل: تعليم ينتج عقولاً مفكرة، لا حافظة. اقتصاد منتج، لا مستهلك. نظام سياسي يوطن السيادة ويبني مؤسسات الدولة، وجمهورية جديدة .

عندما تبني أمتك جيشاً قويا يحميها، واقتصاداً يغذيها، وفكراً يحركها.. عندها فقط، تتحول من كونك "قطعة في لعبة الآخرين" إلى "لاعب في حلبة الصراع". عندها فقط، يحترمك الخصم قبل الصديق.

الخطيئة الكبرى!

أكبر خطيئة ترتكبها النخب في العالم الضعيف هي انتظارها "صحوة ضمير" لدى الآخر القوي. إنها تعلق مصير شعوبها على فكرة أن الأمم القوية سترثي لحالها، أو أن المنظمات الدولية ستنصفها. هذه ليست سذاجة فحسب، بل هي انتحار سياسي. الضمير الدولي يظهر فقط عندما يتقاطع مع المصلحة الدولية. انظروا إلى سرعة التدخل في أزمات، وتلكؤه في أزمات أخرى. الفارق ليس في درجة المعاناة الإنسانية، بل في المكاسب الجيوسياسية للمتدخل.

نعم، هناك لحظات في التاريخ يبدو فيها أن "الضمير العالمي" تحرك. لكن المحلل الاستراتيجي لا ينخدع بالمظهر. حتى هذه اللعبة الأخلاقية هي جزء من حسابات القوة. عندما تتدخل قوة عظمى بدافع "إنساني"، اسأل دائماً: أين مصلحتها؟ هل هي السيطرة على موارد؟ هل هي تحجيم خصم؟ أم هي تحسين صورة ذهنية لتحقيق نفوذ أوسع؟ القاعدة الذهبية هنا: لا يوجد غداء مجاني في السياسة الدولية.

من يملك قرارك.. يملك حياتك

الخيط الفاصل بين الأمم التي تقرر مصيرها والأمم التي يقرر مصيرها غيرها هو "سيادة القرار". عندما تكون قراراتك الاقتصادية، وأمنك القومي، وسياساتك الخارجية، مرهونة بإرادة خارجية، فأنت لم تعد سيداً في دارك. أنت أصبحت مجرد حارس عن هذه الدار لصاحبها الحقيقي. والصراعات الدولية غالباً ما تكون أدوات لاختراق هذه السيادة المتبقية، أو لإعادة تأكيد التبعية.

لا أقترح هنا الانعزال أو المواجهة المباشرة الساذجة. الحكمة تقتضي فهم قواعد اللعبة الدولية، ولكن بلغة تخدم مصلحتك. الصين لم تواجه أمريكا مباشرة، لكنها بنت قوتها في صمت لعقود. سنغافورة تحولت من جزيرة فقيرة إلى قوة اقتصادية دون أن تخوض حروباً. المهمة ليست في رفض اللعبة، بل في إتقانها بحيث تحولها من تهديد إلى فرصة. استخدم التنافس بين الكبار لصالحك، كما فعلت مصر في السبعينيات عندما استخدمت التنافس الأمريكي السوفيتي لتحقيق انتصارات دبلوماسية وعسكرية.

الطريق الوحيد للخروج من هذا المتاهة، وهذا ما أدركته الدولة المصرية، هو الانتقال من وضعية "التابع" إلى وضعية "الشريك الصعب". عندما تملك ما يحتاجه الآخرون - سوقاً، موقعاً استراتيجياً، موارد، عقولاً - تتحول من حالة الدفاع إلى حالة المساومة. ولكن لتصبح شريكاً صعباً، يجب أن تبنى داخلياً ما يجعل شراكتك مطلوبة، وليس مجرد منة من الآخر.

الخلاصة التي لا خلاص بدونها

لا تطلبوا من العالم أن يرحمكم.. فلن يرحمكم. لا تنتظروا من أحد أن يقدم لكم الحرية على طبق من فضة.. فلن يفعل. التاريخ لا يسير بمنطق العواطف، بل بقانون القوة والضعف، البناء والانهيار.

الخيار الوحيد أمامنا هو أن نعود إلى أساسيات البقاء: نبنى قوتنا بأنفسنا، نوحد صفوفنا، نطور أدواتنا. نتعلم من أخطاء الماضي، لا أن نكررها كالأغبياء. فإما أن نكون.. أو لا نكون. هذه هي معادلة الوجود الوحيدة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

***

عبد السلام فاروق

لو تسنى لأحدنا زيارة مصنع والتجوال بين آلاته لما إستطاع أن يستوعب بأن الذي إبتكر هذه الآلات وجعلها تعمل بتناسق وتضامن مخلوق إسمه الإنسان، فالمصانع أقدر على الإنجاز من البشر، فالآلة إنتصرت عليه في معظم المجالات.

ففي الزراعة مثلا، عشرات الدونمات يكفيها بضعة أشخاص يديرون المكائن من وراء الشاشات، فالماكنة الواحدة متعددة الأغراض ولا يحتاج الفلاح إلى يديه للبذار والحصاد ورعاية مزروعاته، فالآلة تكفيه، وتجعله مرتاحا ومتيقنا بسلامة ووفرة محصوله.

وفي الدوائر الحكومية بالدول المتقدمة، ما عاد الموظف يعرف، بل يتصرف وفقا لإملاءات الشاشة المضيئة أمامه، فلا يجيبك عن أي سؤال إلا بالإستعانة بها.

وداهمتنا تطبيقات الذكاء الإصطناعي وحولت حياتنا إلى مسرح للأفكار والتفاعلات الآنية المتفوقة على أدمغتنا بسرعة إستجاباتها الدقيقة.

وفي عالمٍ تتحكم به الشاشات، وتتدبر أموره الحواسب ووسائل التواصل المتنوعة، والمخترعات المتدفقة والقوى التكنولوجية المتحكمة بمصير البشرية، هل أصبح للإنسان معنى؟!!

لا يوجد جواب واضح في أفق الوعي البشري المعاصر، وستأتينا الأيام والعقود القادمات بما لا يخطر على بال وحسبان.

إنها حكاية إنبثاق العقل من رماد الجهل ومن تحت سنابك التعطيل والإلغاء، ولا تزال بعض المجتمعات غاطسة في أوحال الغابرات ومتمترسة في مستنقعات الفراغ والإنقطاع عن مياه العصر الدفاقة.

فقل: " تنبهوا واستفيقوا أيها....."

وتساءلوا: كيف لا تغوص الرُكَبُ؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

لم تُركّز مناهجنا التعليميّة على آثارنا الحضاريّة في الأرض، ولم تُعطِ أيّ فكرةٍ عن التواصل مع الشعوب الأخرى، إحياء النهضة يتطلب إحياء للفكر والثقافة، التي سبق أن تعاقبت مظاهرها على العديد من الأمم في دورات تاريخية مختلفة. والعمل على كشف معنى النهضة الفكرية والتعرف على الاحتياجات والتحديات، التي تطرحها، وتجادل بأن مطالب التركيز على خلق صراعات في الفكر تميل إلى زعزعة الصور النمطية العلمية المتعلقة بالعلاقات الهرمية بين الظواهر والأساليب ومشاكل الوعي والطبيعة الاجتماعية، والتي تتطلب تفكيرًا خلاقًا في العلاقات بين الإنسان والمجتمع في الواقع الراهن، وما تبقى من القرن الحالي، المناهج هجرة التكلم عن الآثار الباقية الصحيحة عن الماضين، وعن الآثار الحضاريّة والثقافيّة والاقتصاديّة والتنمويّة والبُنَى التحتيّةِ فيما تركّزت أحاديث المناهجِ في أحسن أحوالها حولَ دخول الناس في الأحزاب والسياسات الفردية. مصطلح النهضة  يستخدم للتعبير عن المرحلة التاريخية منذ بدايةً القرن 19 فقط وهي المرحلة التي تميّزت ببروز اتجاهات فكرية في منطقة المشرق بأسئلتها المعرفية والسياسية واللغوية، وإن كنا نلاحظ غياب تواتر هذا المصطلح في أدبيات تلك الفترة وعدم تداوله واستخدامه من قبل المفكّرين والكتّاب في الوقت التي ترد تعبيرات أخرى لإصلاح ويقظة.

أما الصعوبة فتكمن إذا كانت التحديات التي تخوضها أيّة أمة تؤثّر إيجاباً في نهضتها بل إذا كانت تلك التحديات شرطاً أساسياً للحضارة عند بعض دارسي الحضارات، فان صناعة التحديات على الصعيد الشخصيّ آليّةً لصناعة رجل الحضارة، فكما أن جسم الإنسان يتدرب على الرياضة بالتمرين المستمر وبالتدريج وكلما كان قادرا على أداء التمارين الصعبة كان أكثر صحة وسلامة فكذلك عقله وروحه، فإذا رأيت كتابا صعبا، على صعيد المثال، يجب ان لا يترك  بل يستوجب البحث عمن يساعدك في فهمه. يقرأ مرات ويقرأ كتاباً آخر، أو الخوض في تحدياتٍ مع النفس واستعن في ذلك بقصص العلماء الأوائل المخلصين من الذين جعلوا عدمَ الخضوع النفس وتربيتها ديدناً.

مع الاسف ان  شعوب الأرض تعيش فترة عصيبة وفترات ظلم عظيم جدًّا، تنازعت البشريّة فيها قوى عظمى سيطرت على الناس بذريعة تطبيق ما تريده وأكلت حقوق الناس تحت شعار مختلفة، ومنعت الناس من التفكير بظلمها وحَرَمَتْهُم من الحريّاتِ مرورًا بأوهامِ الانتصاراتِ واهية لتشبكها مع تلك التحديات بدل الاهتمام بحضارتها،

نرى في واقعنا اليوم أنّ الأمم المسيطرة على العالم تبذل كلّ جهد ممكن لإنهاء وجود خصومها، والسيطرة على تفكيرهم، وزعزعة استقرارهم، وهذا ما يجعل همَّها الأكبر الاستخفافَ بالآخر لا الحرص عليه، ومحاولة استغلاله لا النهوض به، ولذلك فإنّها تظلم وتبرّر ظلمها بقضائها على إرهابٍ صنعته بأيديها وتنسيبها الى الاخرين وهي ليست مجرد صناعة يتم عرضها انما حسب الطلب وكلما دعت الحاجة لاستخدامها لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية.. وهي وليدة اخراج سيناريوهات موجودة بكل المجتمعات وبكل العصور والأزمان , الإرهاب صناعة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مهنة واحتراف،المجتمع الدولي يشارك بشكل حقيقي بصناعة الإرهاب الذي يدعون محاربته عبر وقوفه متفرجا وعدم اتخاذ أي فعل من شأنه وقف الجرائم، وحجب العدالة عن الضحايا وعدم إرسال أي رسالة حقيقية أن الجرائم المرتكبة التي سيتم المحاسبة عليها وأن المجرمين سينالهم العقاب من أي جهة كانوا ومهما كان وضعهم وأنه لا مجال للإفلات من العقاب، وعندما يتحرك المجتمع الدولي يتحرك جزئيا ويمارس عدالة انتقائية عرجاء عبر غض الطرف عن جرائم الدول التي تدعم الارهاب مثل إسرائيل وأمريكا والتركيز على جرائم أخرى.

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

مركز الوعي الفكري للدراسات والابحاث

 

كنت مولعا بزيارة معارض الكتاب، ومع الأيام خمد ولعي، ففي السابق كنت مسرورا ومستبشرا وأنا أتجول بين أكشاك الناشرين ووسط زحام الناس الذين يشترون الكتب ويحملون أكياسا فيها كتب، أما اليوم فينتابني الألم والحزن، لخلو معارض الكتاب من المتبضعين، وحتى ولو إزدحمت بالزائرين فأنهم يتفرجون وحسب.

ومن تفاعلي مع الناشرين أجدهم في خيبة أمل، وبعضهم يعود خالي الوقاض (جعبة جلدية لحمل السهام)، فلا يُعرف كيف سيتمكنون من مواصلة المشاركات لأن ذلك يكلف كثيرا من المبالغ، وهم لا يبيعون بضعة كتب في هذه المعارض، التي صارت لا تدر ربحا على العارضين.

لدي مجموعة من الكتب العلمية الغالية الثمن كنت أريد إعطاءها لزميل فاعتذر بقوله: كل شيئ في الإنترنيت، فما حاجتي للكتب.

الشاشة إنتصرت على الورق، وسايكلوجية الأجيال المعاصرة ضوئية لا ورقية، والنظر في الشاشة أمتع من النظر في الورق، فكل نشاط أضحى براقا على شاشات ذات أحجام متنوعة.

من الأقوال المتداولة عبر الأجيال: "كل علم لم يحوه القرطاس ضاع"، ويبدو أنه قد إستنفذ غايته، وعليه أن يتحول إلى " كل علم لم يجد له مكانا على شبكات الإنترنيت بلا قيمة"

الكتب تواجه مصيرا قاسيا، فصديقي حائر بمكتبته التي تضم آلافا من الكتب، يريد إهداءها لأي مؤسسة تعليمية وعلى مدى سنوات لم يجد مَن يتقبلها منه.

زميلي يرسل لي صورة مكتبة لشخص توفى فرميت كتبها في المزبلة، فلا أحد من الأبناء والأحفاد يقدر قيمتها، بل يحسبها عبئا وتشغل مكانا ولابد من التخلص منها، ولو برميها في النفايات.

في زمن الصبا كنت وصاحبي نتجشم الصعاب كل شهر لنقتني عشرات الكتب، فمكتبة المدينة ما عادت تفي بحاجاتنا للمعرفية، ولا ترضي جوعنا لما هو جديد في عالم الإبداع.

وبين اليوم والأمس، وجدتني أجالس الشاشة الصغيرة التي أصابت علاقتي بالكتاب بأزمة تفاعلية.

الأستاذ كوكل يقول: " شبيك لبيك أنا خادم بين إيديك"، والذكاء الإصطناعي حاضر للتلبية الفورية لطلباتك مهما كانت!!

فإلى أين ستأخذنا قافلة القرن الحادي والعشرين؟!!

***

د. صادق السامرائي

في عام 2017 وفي عهد وزارة الدكتور عبد الرزاق العيسى وباشرافه تم على يدي ادخال نظام مبني على اساس عملية بولونيا وبالاساس على نظام الوحدات الاوربي (ECTS) لكن لم يتم لي طرحه باسم نظام بولونيا (للعلم هو اسم المدينة الايطالية التي تم توقيع اعلان بولونيا في جامعتها ولا علاقة له بأسم دولة بولونيا) بناء على اقتراح من الوزارة ولكونه لا يمثل الا جزءا من نظام شامل متكامل للتعاون الاوربي، لذا اخترت استخدام اسم (المقررات المبنية على اساس الوحدات) لكونها كانت مالوفة. هذا الاسم الذي وافقت وزارة التعليم العالي عليه وقررت تطبيقه وتدريب العشرات من القيادات التعليمية، وحينها نشرت الوزارة لي كتيبا حوله، وشرعت بعض الجامعات حينئذ بتطبيقه الا انه في عهد الوزير اللاحق تم ايقاف العمل به.

في تلك الفترة، انشغلت بمحاولات نقل وتطبيع عملية بولونيا بما يتلاءم مع الجامعات العراقية. تمخض هذا العمل عن مشروع واسع اطلق عليه "نظام المقررات المبني على الوحدات". وبفضل جهود الدكتور عبد الرزاق وإيمانه بأهمية هذا المشروع تم اقراره من قبل هيئة الراي في الوزارة واقتراح تطبيقه كتجربة في اربعة جامعات. الغريب انني لم اطلق عليه تسمية نظام/ مسار بولونيا تخوفا من رفضه باعتباره نظاما غربيا لا يصلح للوضع الحالي في العراق. كم كنت مخطئا في ذلك، فبعد سنوات، اعيد فرضه تحت اسم "مسار بولونيا" من قبل الوزارة الحالية ومن دون اجراء تعديلات عدا نقله حرفيا من الصورة الاوربية بحيث افرغت النظام من جوانبه المهمة التي وضعتها لتكون ملائمة للبيئة العراقية.

قمت بكتابة كتيب وعدة مقالات تناولت النظام الجديد، وادرت ورش عمل متعددة لشرحه وتبسيطه للقيادات الاكاديمية. ومع ذلك، لم يحظ هذا النظام بفهم كاف من قبل الهيئات التدريسية او القيادات الادارية، حيث تنوعت الاراء بين مؤيد ومعارض. واستمر الصراع حول هذا النظام حتى بعد فرضه على الجامعات بصيغته الحالية من قبل ادارة للتعليم العالي الحالية، التي اضاعت فلسفته وجوهره الاساسيين.

بالطبع، كان من الضروري اتمام تجربة تقييم نظام "المقررات المبنية على الوحدات" ودراسة نتائجها بكل موضوعية، مع تسليط الضوء على الايجابيات والسلبيات، واخذ اراء الاساتذة والطلاب بشفافية وحرية، بدلا من فرض النظام دون استكمال التجارب السابقة.

تشير المؤشرات الراهنة الى ان فشل تطبيق "مسار بولونيا" لا يعود الى طبيعة او محتوى النظام نفسه (فهو نظام عصري يحسن جودة التعليم عبر تطبيق معايير عالمية وتصميم مناهج تركز على مخرجات تعلم مطلوبة لسوق العمل) بل يرجع الى حالة الفوضى التي تعاني منها الجامعات، وسوء الادارة الوزارية الحالية وجهلها بنظام بولونيا. وعدة اسباب اخرى من بينها كثرة العطل الرسمية والمحلية والدينية، وتأخر التحاق طلاب المرحلة الاولى لغاية الشهر الثاني عشر، واستمرار الاعتماد على التعامل الورقي التقليدي، وفقدان الادارة الذاتية، واهمال اهمية عوامل البيئة التعليمية، والتدخلات السياسية في قطاع التعليم، وعدم تطوير كفاءات الكوادر التعليمية والادارية، ووضع اهداف للنظام ليس من صلبه، وعدم تطبيقه بصورة صحيحة، وتدخل الوزارة في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، والغاء او تعديل اوامرها الادارية بشكل مفاجئ لا تتناسب مع جوهر ومتطلبات النظام، الى جانب عدد من المعوقات السياسية والاكاديمية والتربوية الاخرى.

***

ا. د. محمد الربيعي

 

الفكرة منطلق الإنجازات وطاقة الصيرورات ومبعث التعبير عن الإرادات، وبدونها ينتفي معنى الوجود وتغيب دلائل الحياة وملامح التفاعل الحي فوق التراب.

فالفكرة أصل الكينونات ومبتدأ المسيرات ومبعث كل حركة وعطاء جديد يساهم في التفاعلات القائمة بين المخلوقات، ما دامت الأفكار متوافدة فأن التواصل قائم، وفي اللحظة التي تتوقف فيها الأفكار عن التوالد والإبتكار، فكل ما هو قائم في آفاق الإدراك الحي سينتهي ويذوب في العدم.

والمجتمعات القوية حاضنات أفكار، وما إصرارها على إجتذاب العقول إلا لأنها تدرك حيوية وقوة الأفكار، وكلما تنوعت وتفاعلت فستقدم منتوجات حضارية متميزة.

ولهذا ترى المجتمع الأقوى من أكبر المجتمعات بقدراته على إنتاج الأفكار وتفديم المبتكرات والإبداعات، التي تجعل شعوب الدنيا تتفاعل معها وترتب نمط حياتها وحركتها على ضوئها.

أما المجتمعات المتأخرة فتجهل قيمة الفكرة ودورها في صناعة القوة والتواصل العزيز، وتميل إلى توفير الظروف والعوامل اللازمة لتقاتل الأفكار، وعدم تفاعلها الخلاق الذي يؤدي لولادات ذات أثر في تقرير إتجاه حركة الحياة الإنسانية.

وبما أن المجتمعات المتأخرة تقاتل الأفكار الطيبة فأنها ستبقى في مسيرة التأخر والتقهقر والإندحار في السلبيات والتفاعلات الضارة بالحياة، ومصدرا للعقول المفكرة التي تهجر أوطانها وترحل إلى مواطن رعاية الأفكار وتنميتها.

ولهذا فأن المجتمعات المتأخرة تتصف بدرجة عالية من هجرة العقول منها، فهي  تمتلك عقولا ذات قدرات عالية على إنتاج الأفكار، لكنها تحاصرها وتقاتلها فتهرب إلى مواطن أخرى.

وهكذا فأن المجتمعات المتقدمة ستتواصل في تقدمها لأنها قد وعت حقيقة الأهمية الكبيرة للأفكار، والمنأخرة لن تعيها، لأنها قد أسست أنظمة إجتماعية وسياسية وثقافية تجيد مهارات مقاتلة الأفكار وتشريدها، لكي يتم التعبير الأمثل عن الرغيات والإنفعالاات  والتفاعلات المرهونة بإرادة النفس الأمارة بالسوء.

إن المجتمعات المتأخرة لن تتقدم مهما حاولت إن تواصلت في قتلها للأفكار، وأميتها المتصلة بنكران أهمية الفكرة في الحياة، وقدرتها على الإنطلاق بالمجتمع إلى مصاف الآفاق الحضارية المتميزة.

فالمجتمعات المتأخرة لا تشجع على التفكير، وآليات فعلها تسعى إلى منع التفكير الإنساني وتأكيد الطاعة العمياء والخضوع.

وذلك يعني الضعف والإنقراض في دوامة الفناء الأكيد.

***

د. صادق السامرائي

 

تأملوا الأفكار والمواقف والأحداث التي تجري في عالم الأعمال على وجه الخصوص وفي حياتنا الاجتماعية عموماً، حيث ترفع المنظمات شعارات براقة عن حرية التعبير، وتتغنى بفتح أبوابها للأفكار والآراء، وتكثر الحديث عن الإيجابية والتفاؤل والأمل. ترسم صور جميلة على الجدران، وتقام ورش عمل وفعاليات تتحدث عن السلوكيات التي تبني الثقة والانسجام بين القادة والعاملين. كلمات براقة تزين التقارير والاجتماعات. لكن، هل كل ما يلمع ذهباً؟ وهل كل ما يقال نابع من قناعة راسخة ورؤية إيجابية مستدامة يحرص أصحاب القرار على غرسها لتوفير بيئة جاذبة تمنح الأمن والطمأنينة للعاملين؟

الحقيقة المؤلمة أن بعض هذه الإيجابية ليست سوى قشرة رقيقة تخفي هشاشة عميقة في الثقافة التنظيمية. فما إن تهب رياح الصعوبات والأزمات حتى تتساقط الأقنعة، وينكشف الجوهر الحقيقي والمعدن الأصيل. تنقلب الشعارات إلى صمت، والمجالس التي كانت ترحب بالنقاش تتحول إلى دوائر مغلقة يسيطر عليها الخوف والريبة وفقدان الثقة. تبدأ الاتهامات بالتقصير والإهمال، وتستخدم السلطة بأسلوب سلبي قائم على التهديد والوعيد بالعقاب والفصل، بل بمحاربة الموظفين في أرزاقهم وقوت يومهم وأسرهم.

تتبدد الحرية الموعودة، وتختفي الوعود بالدعم والراحة، ليبقى الموظف مجرد ترس في آلة لا يهمها سوى الإنتاج والربحية، حتى وإن سحق ذلك الترس روحه وجهده وطاقته. عندها يدرك المرء أن "الإيجابية" التي عرضت عليه لم تكن سوى عرض مسرحي وديكور في زمن الغلظة والتعنت والشدة، وأن الواقع أشد قسوة من كل الشعارات المرفوعة والكلمات المنمقة في الخطط والبرامج التي أنفقت عليها الأموال والجهود.

إن الإيجابية الحقيقية ليست كلمات تقال في المناسبات أو في أوقات الرخاء عندما تسهم جهود الموظفين في ربحية المؤسسة، بل هي ممارسة تختبر في جميع الظروف: في السلم والحرب، في الهدوء والأزمات، في الرخاء والشدة. هي ثقافة تبنى على احترام الإنسان وتقدير آدميته وجهده وعرق جبينه. الموظف الذي أفنى سنوات عمره في خدمة منظمته، لا يقاس فقط بما حققه من إنجازات، بل بما يحمله من قيمة إنسانية. وحماية حقوقه واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون التزاماً قانونياً. أما استنزاف طاقته وجهده، فلا ينبغي أن يمر بلا تقدير ولا احترام.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: هل منظمتك تحمل الإيجابية في جوهرها، أم ترتدي قناعها فقط؟

الأيام والسنون كفيلة بكشف حقيقة الممارسات: أهي أفعال ترتقي لاحترام إنسانية الموظف، أم مجرد أصباغ وديكورات لتزيين المكان دون النظر إلى جوهره وعمقه؟

***

د. أكرم عثمان

25-9-2025

لقد امتد النقاش عن الذكاء الاصطناعي إلى ميادين أكثر حساسية تتعلق بالمعنى والذاكرة والهوية. ومن أكثر هذه الميادين إثارة للجدل مسألة كتابة التاريخ: هل يمكن للآلة أن تحل محل المؤرخ، فتسرد الماضي وتفسره، بل وتتصور سيناريوهات بديلة لما كان يمكن أن يقع؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة خارقة وغير مسبوقة على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، فيقرأ ملايين الوثائق ويقارن بين الأحداث ويستخرج أنماطا دقيقة من بين التفاصيل المتناثرة. ومما لاشك فيه أن هذه القوة الحسابية تمنحه أفضلية في الوصول إلى الروابط الخفية التي قد تغيب عن عيون الباحثين، وتتيح له أن يقترح تصورات جديدة للكيفية التي جرت بها بعض الأحداث. بل إنه قادر على بناء محاكاة "تاريخ بديل"، وكأننا أمام مختبر تجريبي للماضي.

لكن التاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع الجامدة أو تواريخ محفوظة في الأرشيفات، بل هو أيضا حكاية كبرى تشتبك فيها الذاكرة الجماعية مع العاطفة الإنسانية، ويصوغها المؤرخ وفق منظومة قيمية وفلسفية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع الآلة أن تمنح هذه الحكاية المعنى الذي يليق بها؟

أخطر ما يواجه كتابة التاريخ بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي هو انحياز المصادر. فالآلة لا تبتكر مادة جديدة، بل تعتمد على ما تتغذّى به من وثائق وأرشيفات. وإذا كانت هذه المصادر تُمثل رؤية أحادية أو رواية المنتصرين، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج ذلك الانحياز وإقصاء أصوات الشعوب المهمشة.

إضافة إلى ذلك، يظل غياب الحس الإنساني عائقا جوهريا. فالتاريخ مليء بالآلام والخسارات والآمال، وهذه ليست مجرد بيانات، بل تجارب عاشتها البشرية كاملة. والآلة تستطيع أن تحصي عدد الضحايا في حرب ما، لكنها تعجز عن نقل وقع الصرخة الأخيرة لجندي قتيل في الميدان، أو دمعة أم فلسطينية على ابنها المفقود. وهنا المعنى الإنساني يتجاوز الحساب، وهو ما يجعل المؤرخ الإنسان في موقع لا يمكن تعويضه.

هناك أيضا هاجس التوظيف السياسي. فالتاريخ ظل دوما مجالا للصراع بين السرديات الرسمية والروايات المعارضة. وإذا ما استُخدم الذكاء الاصطناعي في يد سلطة معينة، فقد يتحول إلى أداة لإعادة كتابة الماضي بما يخدم أهدافها، فيُمحى ما لا ينسجم مع خطابها، ويُضخم ما يعزز مشروعها. وهنا تكمن خطورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد "بوق رقمي" للذاكرة الرسمية.

أمام هذه التحديات، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للمؤرخ، لا كبديل عنه. أيضا يمكن أن يكون مساعدا في التنقيب عن المصادر، أو في رصد الأنماط الزمنية، أو في اقتراح فرضيات جديدة، لكنه لا يستطيع أن يمنح التاريخ تلك الروح الإنسانية التي تتجاوز جمع المعطيات.

قد يكون المستقبل شاهدا على تعاون غير مسبوق بين المؤرخ والآلة، حيث يقوم الأول بدور المفسر والناقد والراوي، بينما يتولى الثاني مهمة التنقيب والتحليل والتصنيف. لكن الحكاية النهائية ستظل بيد الإنسان، لأنه وحده القادر على أن يمنح للتاريخ صوته ودمه ومعناه.

***

عبده حقي

 

في كل أمة لحظات فارقة تختزن في ذاكرتها الجمعية وتتحول إلى محاور كبرى في تاريخها. الأمم العاقلة وحدها هي التي تعرف كيف تصون تلك الذاكرة وتستثمرها في بناء الحاضر والمستقبل. أما نحن، فكثيرًا ما نتعامل مع تراثنا وكأنه عبء ثقيل أو سلعة مؤقتة للاستهلاك السياسي والأيدلوجيي، لا كنزًا معرفيًا وإنسانيًا يحتاج إلى رعاية وصيانة.

تأتي ذكرى الثورة العرابية لتضعنا وجهًا لوجه أمام هذا المأزق: كيف نتعامل مع رمز بحجم أحمد عرابي، الضابط الفلاح الذي قاد ثورة هزت عرش الاستبداد، ودوى صوته بشعار «الشرع أساس الملكية والحقوق الوطنية»، ثم انتهى به المطاف إلى أن يختزل في صورة بطولية مفرغة من مضمونها؟

إن مأساة مذكرات عرابي ليست مجرد قصة وثيقة ضائعة، بل هي صورة مكثفة لطريقة تعاملنا مع تاريخنا: نأخذ ما يخدمنا ونلقي بالباقي في هوامش النسيان. حولنا الرجل من إنسان متكامل بتناقضاته وآماله وأخطائه إلى أيقونة مسطحة صالحة للعرض في المناسبات. وهكذا ضاعت النصوص الأصلية وبقيت الصورة، سريعة الاستهلاك، سهلة الاستخدام، ولكنها عاجزة عن بناء وعي نقدي أو إنتاج ذاكرة حقيقية.

بين الاحتفاء والاستفهام

تمر هذه الأيام ذكرى اندلاع الثورة العرابية، لا كذكرى وطنية عابرة، بل كلحظة فارقة هزت عرش السلطة المطلقة، ورفعت شعار «الشرع أساس الملكية والحقوق الوطنية». ومع ذلك، فإن الكتابة عنها ليست للاحتفال بقدر ما هي دعوة للتساؤل: ما علاقتنا بتراثنا؟ وكيف نزعت الأمة أوصال ذاكرتها الجماعية بإرادتها أو بتفريطها أو بمزيج مأساوي من الجهل والحمق؟ إننا، شعوبًا ونخبًا، لا نحفظ تراثنا حتى حين يكون هو رأس مالنا الرمزي، وسند شرعيتنا التاريخية، وسر قوتنا الناعمة.

تمثل قصة مذكرات أحمد عرابي النموذج الأبرز لهذا البتر المتعمد للذاكرة. لم نهملها فحسب، بل حين استدعيناها، أتينا بها مشوهة، مهندسة لتخدم أهواءنا الراهنة. لقد تعاملنا مع تراث الرجل كما لو كان تمثالًا أثريًا عُثر عليه في حفرة: أخذنا ما راق لنا، صورة البطل الثائر الفلاح، ورمينا الباقي من تفاصيل معقدة، وتناقضات، وأخطاء، في غياهب النسيان. وهكذا تحول من إنسان عظيم إلى أيقونة مشوهة تخدم خطابًا سياسيًا عابرًا.

أتساءل مندهشاً: لماذا نخرب تراثنا؟ هل لأن الصورة أوضح وأسهل في الاستهلاك من النص؟! الصورة تمنحنا بطلًا صافيًا، وشعارًا حماسيًا، وعدوًا جاهزًا. أما النص الكامل بمذكراته ووثائقه، فيظهر واقعًا ملتبسًا يحتاج إلى جهد نقدي وعقلي لفهمه. السلطة لا تريد هذا التعقيد؛ هي تفضل "عرابي الشعار" لا "عرابي الإنسان"، "اللافتة" لا "الكتاب"!

استعادة الأوصال المقطوعة

جزء من الإهمال ليس مؤامرة، بل انعكاس لثقافة قصيرة النظر لا ترى في المعرفة إلا منفعة عاجلة. ناشر خمسيني لن يغامر بتمويل تحقيق علمي لمذكرات عرابي كاملة، والمجتمع آنذاك مشغول بالخبز والكساء أكثر من الوثائق. لقد كان الطلب على «أسطورة عرابي» أكبر من الطلب على «حقيقة عرابي». فاختار الناشر، بدافع تجاري بحت، أن يقدم الجزء الأول فقط، الأكثر إثارة ودراماتيكية، متخلياً عن الباقي لأنه «غير مجد تجارياً». إنه منطق السوق الأعمى، لا مؤامرة متعمدة.

حتى التراث الذي يخدمنا نهمله، تلك هي المفارقة المؤلمة؛ ثورة يوليو وجدت في عرابي سلفًا مثاليًا ورصيدًا رمزيًا ضخمًا، لكنها لم تستثمر في تحقيق مذكراته كاملة أو أرشفتها. اكتفت بالصورة، وتركت النصوص للضياع. وكأنها تقول: "هذا البطل لنا، لكن أفكاره وتعقيداته ليست لنا". إنها عقلية تستثمر في الرمزية السريعة لا في المعرفة العميقة.

في ذكرى الثورة العرابية، الدعوة ليست إلى بكاء على مذكرات ضائعة، لكن إلى الوعي بالنمط المتكرر في علاقتنا بتراثنا: الاستهلاك السطحي، الإهمال، والتشويه. الاحترام الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على مواجهة التراث بكامل تناقضاته، حين نحقق نصوصه كاملة، ونفتحها للباحثين والجمهور بلا خوف من الأسئلة المربكة.

صراع على الذاكرة

تمثل مذكرات أحمد عرابي (١٨٤١-١٩١١) إشكالية تاريخية متعددة المستويات، تتجاوز قيمتها الوثائقية المباشرة إلى كونها حقلًا لصراع الذاكرة الجمعية وتشكيل الوعي التاريخي في مصر. فالمذكرات - في نسخها المتعددة والمبتورة - ليست مجرد سرد شخصي لأحداث الثورة العرابية، إنها مرآة عاكسة لتحولات الخطاب السياسي والثقافي المصري على مدى قرن من الزمان.

من خلال المنهج التحليلي النقدي، يمكننا تقصي آليات تشكل الخطاب التاريخي حول عرابي، حيث تم توظيف سيرته ومذكراته لخدمة أغراض أيديولوجية متعاقبة. فبينما قدمته النخبة الليبرالية في عشرينيات القرن الماضي كبطل دستوري، حوله خطاب ما بعد ١٩٥٢ إلى رمز للثورة الشعبية والصراع الطبقي، مجتزئًا من سيرته ما يلائم كل مرحلة.

المذكرات الموسومة: (كشف الستار عن سر الأسرار، مذكرات الثورة العرابية)، تعاني إشكالية التعدد والتناقض؛  تحتوي على الجزء الأول فقط من مذكرات مزعومة، مما يشير إلى عملية قصدية لـ"تدجين الذاكرة" وتشكيلها وفقاً للحظة السياسية السائدة. هذا التبدل الغريب في علاقتنا بتاريخنا يجعل من مذكرات عرابي نموذجاً صارخاً لـ"اختطاف الذاكرة".

لقد كتب عرابي مذكراته في سنوات نفيه الأخيرة، بعيداً عن الأضواء، في ظروف لم تكن تحفل كثيراً بـ"ترميم الذاكرة". والمجتمع المصري آنذاك كان منقسماً بين من يراه بطلاً ومن يراه متهوراً. كما أن الظروف المعيشية الصعبة في ظل الاحتلال الإنجليزي جعلت الاهتمام بنشر المذكرات ترفاً فكرياً عندما تكون المعدة خاوية

التوظيف السياسي للمذكرات

لطالما نظرت النخبة المصرية إلى التاريخ كبضاعة قابلة للتغليف وإعادة التدوير وفقاً لمزاج السلطة وأهواء الأيديولوجيا. فالثورة التي قامت في 1952، وهي ثورة ضباط في الأساس، احتاجت إلى سلف ثوري تبرر به وجودها. ووجدت في عرابي الضابط الثائر الضحية المثالية. لكنها لم تريد عرابي بكامل تفاصيله، بل أرادت "عرابي المعدل".. نسخة مطابقة لمواصفات المرحلة!

المفارقة المأساوية تكمن في أن ثورة 1952 التي اتخذت من عرابي رمزاً لها، هي نفسها التي قدمت مذكراته في صورة مبتورة! أليس هذا أشبه بمن يقدس النبي ثم يحذف نصف أحاديثه؟

سؤال جدلي

نطرح هنا سؤالاً محوريا: هل كانت مذكرات عرابي "غير مكتملة" لأن الرجل مات قبل أن ينهيها، أم لأن المشروع الفكري والسياسي الذي مثله هو نفسه كان "غير مكتمل"؟

الجزء الأول من المذكرات يركز على "رد الاعتبار" و"كشف المؤامرة". إنه رد فعل على هزيمة مذلة، وليس تأملًا موضوعيًا في تجربة ثورية. هذا يشبه إلى حد كبير وعينا الجماعي المصري الذي غالبًا ما يعلق في مرحلة الدفاع عن الذات والحديث عن "المؤامرات" بدلاً من تشريح العيوب الذاتية والاستفادة من الدروس.

الأكثر إيلامًا أن صوت الضابط الفلاح صودر مرتين: أولًا على يد الاستعمار والنخبة التركية، ثم على يد أبناء وطنه الذين اختصروا مذكراته وشوهوها. الفلاح الذي نادى بـ"مصر للمصريين" حرم حتى من أن تسمع روايته كاملة.

مرآة الذاكرة المختطفة

حكاية مذكرات أحمد عرابي ليست مجرد وثيقة تاريخية ضاعت بعض أجزائها في زحام النسيان، لكنها مأساة كبرى تختصر كيف نصنع نحن مع تاريخنا، وكيف نصوغ وعينا الجماعي على مقاس السلطة والأهواء العابرة. فالمذكرات المبتورة ليست نقصًا في الورق فحسب، بل بترًا للذاكرة نفسها، ومصادرة لحق الأجيال في معرفة الماضي بكامل تعقيداته، لا في صورته الملساء التي أعدت للاستهلاك السريع.

إن السلطة، أي سلطة، لا تريد مواطنًا يقرأ تاريخًا شائكًا، متعرجًا، مليئًا بالتناقضات، بل تفضل "رعية" تكتفي بأساطير بطولية مبسطة، تنعش العاطفة وتدعم الشرعية دون أن تثير أسئلة. من هنا جاءت النسخة المختصرة من مذكرات عرابي، كوجبة سريعة للوعي: تشبع لحظة، لكنّها فقيرة في قيمتها المعرفية، عاجزة عن تغذية العقل النقدي أو صقل البصيرة التاريخية.

والدرس البليغ الذي يقدمه هذا المصير هو أن الاستقلال الحقيقي لا يقاس براية مرفوعة أو نشيد وطني، بل بقدرتنا على استعادة ذاكرتنا من سطوة الرواية الرسمية. استعادة الذاكرة تعني أن نفتح الأرشيف المغلق، أن نعيد الاعتبار للنصوص المبتورة، أن نبحث عن الأصوات التي جرى تهميشها عمدًا لأنها لا توافق خطاب المرحلة. وبهذا فقط نستطيع أن نخرج من الطفولة السياسية التي نحبس فيها كلما صدقنا صورة جاهزة للبطل أو رواية معدلة للتاريخ.

مذكرات عرابي، رغم ما أصابها من نقص وتشويه، تظل مرآة صافية لما هو أعمق من سيرة رجل واحد. إنها مرآة لرحلة مصر في لحظة تأسيسية، لحظة صعود الوطنية الحديثة في مواجهة الاستبداد والاحتلال، ولحظة احتدام الصراع بين الجيش والشعب والسلطة؛ صراع لم يحسم بعد، بل يواصل إنتاج صور متجددة من نفس العقدة التاريخية.

إنها تدعونا إلى أن نقرأ التاريخ لا كقصة مكتملة، ولا كحكاية بطولية منقوشة على جدار، بل كعملية مستمرة للبحث عن الحقيقة.  مثل هذه الحقيقة، كما تكشف لنا مذكرات عرابي، ليست خطًا مستقيمًا ولا حكمًا نهائيًا: فقد يكون البطل في جانب منها ضحية، وقد يكون الضحية في جانب آخر بطلًا، وقد تظل الحقيقة ذاتها سرًا من أسرار الزمن، لا ينكشف كاملًا أبدًا، لكن السعي إليه هو ما يمنح الذاكرة معناها، والتاريخ قيمته، والحاضر بصيرته.

***

د. عبد السلام فاروق

على مدى القرن العشرين، إستعملت مفردات العجز واليأس والإحباط والهزيمة ، والشعور بفقدان القيمة والدور والأهمية، وتواصل إستخدامها في اللغة.

فأصبحت المفردات الشائعة سلبية تسعى إلى رهن الإنسان في زنزانة الخسران.

كما تم الإمعان في إستحضار الماضي وإشغال الناس به والإنتماء الإنفعالي إليه، حتى غاب الحاضر والمستقبل، فتحولت الحياة إلى فراغ، ومضت الأجيال في غيبوبة وخدر لم يحصل في تأريخ الشعوب،

حيث تحركت الدنيا ومضى نهر الوجود الإنساني يتدفق، والناس لا تريد أن ترى وتسمع وتتساءل، وإنما هي سكرى بخمور الماضي وتداعيات اليأس والهموم والويلات.

خسائر تتواكب وهزائم تتفاقم، وطموحات تتآكل، وأحلام تتضاءل.

وعملت الأحزاب والأنظمة السياسية على تعزيز دور المفردات السلبية، بعد أن آزرتها بالفعل الدامي والخسائر الفظيعة.

وتحقق التعميم الإحباطي وإستشرى الشعور بالدونية والعوق الحضاري والضعف، وصارت إسطوانة الفقر والجهل والأمية والمرض تعزف ألحانها على مسامع الأجيال بلا إنقطاع.

ومضينا نؤمن بأننا شعوب جاهلة أمية  مريضة في عقولها ونفوسها وأرواحها، وهذه إفتراءات تم طحن الأجيال برحاها الثقيلة الساحقة، فتوهمنا بأننا أميون وجاهلون ومتخلفون.

ومَن يقارن بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأخرى المتقدمة، يجد أن مصر كانت من المجتمعات المتطورة في نهاية القرن التاسع عشر، وكذلك العراق في النصف الأول من القرن العشرين، بالقياس إلى أحوال المجتمعات آنذاك، فكانت مصر والعراق أكثر تقدما من الصين، لكن الذي حصل أن الصين شقت طريقها في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ومصر والعراق مضيتا في إبتكار المعوقات.

ومع دوامة البحث عن المصدات والموانع، توالت الإندحارات وأوجدت آلياتها ومهاراتها والمستثمرين فيها من الساسة والمفكرين والمثقفين، الذين أمعنوا بالترويج لفرية الأمية والجهل.

والواقع يؤكد أن الشعب يعرف أكثر مما يعرفه الفرد في الدول المتقدمة عن أحوال الدنيا وما يدور فيها، فهو يحدثك عن أحداث الأرض ومجتمعاتها بدراية، بينما لو سألت فردا من المجتمعات المتقدمة فستجده جاهلا بكل ما لا يرتبط بمصلحته.

وهذا  يشير إلى أن المشكلة ليست في الجهل والأمية، وإنما في عدم معرفة المصلحة الذاتية والجماعية والوطنية، لغياب النظام الوطني القادر على توجيه الطاقات والقدرات مثلما تحقق في الصين وغيرها من الدول، فالعيب ليس بالإنسان بل بالنظام العاجز على توجيهه وإستثمار طاقاته لتحقيق المصالح الوطنية.

فالدول المتقدمة فيها نسبة من الأمية والجهل والفقر، لكن الإنسان يعي مصلحته ومصلحة وطنه.

وعندنا نحن لا نعرف مصالحنا وتتغلب علينا الأنانية والإنفعالية، وغياب النظام الذي يوجه سلوكنا الوطني والإجتماعي.

وهذا معنى الجهل والأمية عندنا، فالإنسان يتعلم عن طريق وسائل الإعلام أكثر مما يتعلمه عن طريق القراءة.

وهذا يعني أن القراءة لم تعد عائقا كبيرا أمام المعرفة، لكن المأزق الحقيقي، هو سيادة الإنفعالية وفقدان وعي المصالح وغياب النظام.

فلو إهتم كل إنسان بمصلحته وإستثمر فيها لتحققت مصالح الوطن والأمة، ولو إمتلكنا النظام المناسب لإطلاق طاقاتنا لكنا أكثر تقدما ومعاصرة وقوة.

فهل سنسلط الأضواء على المفاهيم الإيجابية ونبتعد عن نمطيات التفكير السلبي وخطابات التداعي والخسران، التي عصفت في حياتنا على مدى القرن العشرين ولا زالت، ونحن في عالم الثورة المعرفية والإتصالية الباسلة؟

فالشعارات لا تعالج مشاكل الواقع المرير، والغيبيات لا تنتصر على العقل، وعلينا أن نفعّل عقولنا بجرأة الحاذقين الواعدين بغدٍ سعيد.

***

د. صادق السامرائي

هي ظاهرة قديمة جديدة، برزت في السنوات الأخيرة وأخذت تكبر وتتضخّم حتى باتت أشبه ما نكون بالتدرّن المَرضي، وبات السكوت عليها، أشبه ما يكون بالخيانة الأخلاقية للإبداع وتأثيره المنشود. إنها ظاهرة الاستكتاب، تلك الظاهرة التابعة لدى معظم الوجوه الأدبية الجديدة، اذا لم يكن لديها مُجتمعة، فما أن يُصدر أحدهم عامةً وإحداهن خاصة، كتابًا جديدًا حتى تنهال الكتابات المطلوبة عليه، وكأنما نحن أمام عمل غير عادي ويستوجب التوقّف عنده طويلًا ومديدًا، لكن إذا قيّض لك أن تقرأ هذا الكتاب فإنك غالبا ما تشعر بخيبة أمل، فأين ذلك الكتاب مما كُتب عنه.. بناءً على طلب من صاحبه؟.. وهل هو/الكتاب حقًا يستأهل كلّ ما كتب عنه وأثير حوله؟.. أنك سرعان ما تكتشف أنك إنما كنت ضحية لخديعة بإمكانك أن تُطلق عليها.. وتردفها بكلمة.. مٌكملة هي: خديعة من هذا الزمان.

يقينًا أننا كنّا نصمت عن هذه الظاهرة، وهي قديمة جديدة كما سلف، غير أن ما تُحدثه في الغالب الاعم، وتتركه مِن أثر سلبي على العملية الأدبية الكتابية ذاتها، وعلى القراء بصورة عامة إنما يستوجب التوقّف وإبداء الملاحظة والرأي، كون هذه الظاهرة تعتمد في كينونتها ووجودها على نوعٍ من التدليس حينًا والشللية حينًا آخر، الامر الذي يُدنيها مِن الفوضى، ويُبعدها عن الابداع الادبي المنشود، مهما طغت الفوضى وعمّت، كما هو الامر حاصل هذه الفترة.

هذه الظاهرة لمن يُريد أن يستزيد ويتبحّر فيها أكثر، لها علاقة وطيدة بالتسويق، ونحن لسنا ضد التسويق، لكننا مع عدم المبالغة فيه، مِن حقّ الكاتب.. أي كاتب، أن يقوم بتسويق ونشر ما ينتجه، هذا حقّ لا يمكننا الاعتراض عليه، غير أنه يحقّ لنا أن نعترض على المبالغة فيه، حدّ ان يتحوّل الإصدار إلى مُناسبة ترويجية مفتعلة لصاحبه، بدلًا مِن أن يسلّط الأضواء الكاشفة على العمل ذاته، وهو ما يحمل رسالته في ذاته/ ناهيك عن أنه هو من يُخاطب قراءه، وهو ما يبقى في مواجهة معهم. ونقول باختصار إنه من حقّ الكاتب، كما يقول الروائي الإيطالي المبدع البرتو مورافيا، أن يسوّق عشرة في المائة لكن عليه أو يُطلب منه أن يبدع تسعين بالمائة، أما أن تنقلب الآية، فنرى مَن يكتب ويُبدع بنسبة عشرة في المائة وأن يسوّق في النسبة المتبقية، فهذا ما نرفضه ونعترض عليه، ونكرّس له هذه الكلمات للتحذير منه والتنبيه إلى مخاطِره.

من مخاطر هذا التسويق الجارف، وأكاد أقول المجنون، أنه يترُك آثاره السلبية السيئة على الحياة الأدبية عامة وعلى صاحبه خاصة، أما فيما يتعلّق بالعامّ، فإنه يؤدي بمن يَطّلع عليه وعلى ما كُتب عنه، ويرى إلى الفجوة المموّهة الفاصلة بين الاثنين، إلى نوع من خيبة الامل، فما يقرأه استكتابًا عادة ما يدخل في نوع ما من المُجاملة الزائدة، لما يكتب عنه وحوله، الامر الذي قد يصرف، أو يساهم على الأقل في صرف القارئ عن القراءة، والاستزادة مِنها في حال اقتناعه بما كتب ومقارنته بما كُتب عنه. أما فيما يتعلّق بصاحب العمل، المُستكتِب، فإنه يدخله في الاغلب الاعم، في نوع مِن التضليل الذاتي، ويتجلى ذلك في أنه هو ذاته عادة ما يعرف القيمة المتدنية لما كتبه، أنتجه وأصدره، ومع هذا فإنه عندما يستكتب صديقًا أو مَن هو متأكد مِن أنه أبعد ما يكون عن الابداع الادبي، يُدرك تمام الادراك أنه إنما سيحظى بوجبة مديح وتبجيل في غير مكانها، الامر الذي يُمكّنه من مُناكفة مَن ينتقد كتابه، وتحويله بالتالي إلى ما كتبه فلان أو فلانة عن كتابه.

مثل هذا، ينطبق على تلك الامسيات الاشهارية، التي تقام بحق او يغير حق، فما أن يُصدر أحد الكتاب الجُدد تحديدًا كتابًا، حتى يسعى بكلّ ما لديه مِن علاقات وارتباطات شخصية، للتوسط له مِن أجل عقد أمسية إشهارية، في هذه المؤسسة ذات الاسم أو تلك، وهُنا سنلاحظ، أن مَن سيتحدّثون عن الكتاب محور الاشهار، هُم مِن المضمونين فيما سينهالون به من تبجيل وتمجيد، هكذا تنقلب الأمسية الاشهارية، إلى مناسبة اجتماعية يمتدح المتحدثون فيها، الكتاب موضوع الأمسية، وكثيرًا ما يُعرّجون على وجبة مديح لصاحبه، الذي عادة ما يكون مِن اصدقائهم اللزم، الامر الذي يُضخّم في تنفير المشارك او القارئ من الكِتاب وأهله من ناحية، وفي نفخ صاحبة أو صاحبته، حد أنه يُدخلها في حالة من النشوة، فترفض أي نقد يوجّهه ناقد صادق وغيّور على الحراك الادبي، ويحوله بالتالي إلى ما قيل عنه مُجاملةً واستنطاقا، ليُسكته وليواصل مسيرته المرفوضة وغير المقبولة، من ناجية وليحيط نفسه بجدار من الكبرياء وكلّ ما يُقصيه عن دخول حديقة الابداع الحقيقي والجدير.

إن الابداع الحقيقي أيها الناس لا يحتاج إلى مدّاحين ومُهرّجين، يتمّ استدراجُهم للكتابة بشتى الطرق ومختلف الاغراءات، وإنما هو ينمو، يترعرع ويزدهر في حديقة الابداع الساهرة والساحرة، تلك الحديقة التي يحتاج دخولها والمكوث فيها إلى القراءة والاطلاع والمزيد من هذين، إن الكاتب المبدع الحقيقي عادة ما يُفضَل أن يكون عمله/ كتابه، هو سفيرُه إلى العالم وليس أولئك المُستكتبين مِن الأصدقاء وأعضاء الشلّة.

***

ناجي ظاهر

اعرف ان بعض التسميات غريبة واخرى تدفع الى الريبة والشك في مدلولاتها والبعض الاخر يثير تساؤلات تستولد بدورها تساؤلات أخرى تشتبك في ساحات مكتظة بعلامات الاستفهام.. وليس في هذا أية إساءة، لا للتسميات ولا للموضوع ولا للشخوص، إنما صفحة تتيح المجال للفكر ان يقف على حقيقة المسميات فيما اذا كانت متطابقة ام منسجمة متوافقة ام متعايشة مع الخط العام للتسمية.

هل تنعدم تسمية المسلم بالمسلم مثلا؟ لماذا يؤطر الدين الاسلامي الحنيف بإطار سياسي؟ وهل الدين يحتاج الى اطار سياسي؟ من يقول ان الدين سياسة والسياسة دين؟ لماذا الاصرار على تأطير الدين بمنهج سياسي في واقع متعدد الديانات غير المؤطرة؟ لماذا يهمل الاصل القومي العروبي للمنطقة العربية؟ فإذا لم يكن المسلم مؤطراً بالسياسة فهل يسقط عنه الدين الاسلامي؟ وما الغاية من وضع الدين في بوتقة السياسة؟ لماذا لا يترك الانسان يتعبد من دون اطر سياسية؟ وهل نشر الدين يحتاج الى احزاب تؤطر بمناهج سياسية؟ لماذا لا تأخذ المؤسسات الدينية مساحتها في التوجيه والارشاد والموعظة الحسنةْ بدلا من التأطير السياسي للدين والمناهج، وهل يستطيع التأطير ان يتجنب إشكاليات السياسة ونتائجها التقسيمية الوخيمة؟، ولآن الدين ليس سياسة فهل هو بحاجة الى اطر..؟ ولا بأس في المؤسسات وليس الاحزاب، ان تتولى رعاية الدين مثل الجوامع والصوامع والمعابد والمأذن ودور العبادة ومنهجها في الارشاد والتوجيه والموعظة الحسنة.. فلماذا إذن الاطر السياسية لتقييد الدين بشبكات السياسة وإشتباكاتها واحزابها وسلطاتها التي تفرق ولا تجمع؟

الغرض، ليس التشهير ابدا او الانتقاص، إنما التحذير من مغبة إدخال الدين في السياسة وإدخال السياسة في الدين، لأن الخلط لا يجلب سوى التقسيم والتفتيت، ما دامت السياسة لها نزعات واحتكاكات ومنافسات وصراعات فضلا عن مدخلاتها ومخرجاتها الخاصة. فالدين هدفه العبادة أما السياسة فإن غرضها المصالح.. ووسائله الصراع والتنافس.. فإذا دخلت السياسة في الدين قسمته، وإذا دخل الدين في السياس أفسدته.. !!

فكيف نضع كل منهما في خانته؟ لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة؟ لأن الحصاد فساد وركود وتأخر ثم تهميش وتفكيك وتفتيت.. إإ

***

د. جودت صالح

21/أيلول 2025

الكتاب عالم يحتوينا بتفاصيله الصغيرة؛ فحروف كلماته تخلق في داخلنا صدى حين نلمسها. للكلمة صوت خاص ينبغي أن يُسمع، ولكل صفحة بصمتها المميزة. هذا السحر هو ما يجعل القرّاء ينتظرون معرض الكتاب بشغف، حيث تتاح لهم الفرصة ليكونوا جزءًا من عوالم فكرية وثقافية تعكس بُعدًا اجتماعيًا لسيمفونية معرفية.

لكن وسط هذا الإقبال الكبير، تُطرح تساؤلات: هل يعكس هذا الحضور وعيًا ثقافيًا حقيقيًا، أم أنه مجرد رغبة في اقتناء الكتب أو المشاركة في طقس اجتماعي؟ وهل يُعَدّ المعرض متنفسًا ثقافيًا وفرصة للتلاقح والحوار الفكري بين شرائح المجتمع المختلفة؟

لقد تنوّعت توجهات الزوّار للمعرض، بما يجسّد ما يسميه عالم الاجتماع "بورديو" بـ "رأس المال الثقافي". فمنهم القارئ الجاد الباحث عن كتب تُثري معرفته العلمية، ومنهم الأكاديميون الذين يبحثون عن مراجع لدراساتهم، ومنهم عشاق الرواية والقصص بمختلف أنواعها، وآخرون جاءوا للاستمتاع بالفضاء الثقافي أو لالتقاط الصور. هذا التنوّع يسلّط الضوء على مسألة جوهرية تتمثل في أهمية القراءة الورقية، خصوصًا في ظل تنامي ثقافة الكتاب الإلكتروني؛ فالكتاب الورقي يظل وسيلة للتنشئة الثقافية وأداة للارتباط بالمعرفة بطريقة حسّية وعلمية، فيمنح القارئ تجربة فكرية متفرّدة.

والعراق، بوصفه بلد الحضارات ومنارة للعلم، يمثل معرض الكتاب فيه حدثًا ذا أهمية ثقافية واجتماعية كبيرة. فهو فرصة لتعزيز الثقافة والارتباط بالتاريخ المعرفي للبلاد، إلى جانب الانفتاح على المجتمعات الأخرى من خلال دور النشر والأمسيات الثقافية المتنوعة التي تعكس وعيًا جماهيريًا متزايدًا في المجتمع العراقي.

في الختام، يظل الكتاب الورقي رمزًا ومعنى في آن واحد. إن ارتباط الناس به يشير إلى أن القراءة ليست مجرد نشاط عابر، بل هي جزء من الهوية الثقافية، وفرصة لبناء وعي مستدام. وهكذا يصبح حضور معرض الكتاب أكثر من مجرد طقس سنوي؛ إنه مناسبة حقيقية لتعزيز الثقافة، ونشر الوعي القرائي، وتحفيز المجتمع على التواصل مع المعرفة بعمق وإدراك.

***

د. نور خالد

 

من يدبن عمل ما يعين صاحبه على تكراره، لأنه وفر له الحوافز اللازمة لإعادة فعلته.

أدان: قبّحَ

والإدانة هي الحكم على فعل بأنه غير مقبول وخاطئ، وفي السياسة تستخدم للتعبير عن الرفض والشجب لتصرفات دولة أو جهة ما، وهي حكم سلبي على فعل أو شخص قانونيا أو أخلاقيا أو سياسيا.

الرد بالكلمات لاينفع عندما تكون خالية من الفعل، فالأيادي تتكلم بلغة القوة والعزة والكرامة وتنتصر على لغة اللسان، وخطابات الأوهام والهذيانات.

القوي صائب والضعيف خائب، والإدانة تعبير عن الضعف، والقنوط وإستمراء الذل والهوان، والتفاعل الإيجابي مع الفاعلين، أو المعتدين.

الإدانات لا توقف العدوان السافر، ولا تمنع إراقة الدماء، والإمعان بالقهر والإمتهان، ولا تنفع مع أصحاب العقائد والغلو المطلق فيما يرونه الحق والحقيقة التي يقبضون عليها.

الدول الضعيفة أقصى ما تستطيعه هو الإدانة، وبها تبرهن على تمام ضعفها، وخنوعها وإستسلامها وعجزها على المجابهة والتحدي والإقدام.

فالقوي في سلام والضعيف مستضام!!

قوة قالت وفعلٌ عزّها

وكلامٌ عن فعالٍ قولها

دولٌ هانتْ وشعبٌ صيدها

إن أدانتْ قد أبانتْ ضعفها

سلطة دامت وقهرٌ قائدٌ

وبلادٌ كم أضاعت رشدها

***

د. صادق السامرائي

هل تريد أن تكون قائداً أو موظفاً أفضل؟ يكمن السر في العقلية المتفتحة والمرنة للقائد أو الموظف المتفتح لا يكتفي بالخبرة السابقة، بل يسعى للتعلم المستمر ويتفاعل مع زملائه وفريقه بحس من الانتباه والاحترام والوعي بمتطلبات العمل المتغيرة، فالخبرة وحدها لا تكفي للتميز والتفوق، وأن البيئة المهنية تتغير بسرعة والتقنيات والمعرفة تتسع باستمرار ومن يعتقد أنه وصل إلى الحد الأقصى من المعرفة يخدع نفسه فالمهارات والعلوم تتطور كل يوم، وأن العقلية المتفتحة تتيح للفرد التكيف مع التغيرات وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والنجاح المستدام.

إن الشخص المتفتح ذهنياً يقظ وواع يستجيب لاحتياجات زملائه وفريقه ويتجنب السماح للمخاوف أو الصراعات أن تهدد بيئة العمل، وأن القرارات الأحادية أو إغفال رأي الآخرين يؤدي إلى توتر العلاقات ويقلل من الإنتاجية، فالمرونة تعني الاستماع بوعي وفهم الاحتياجات وتحمل المسؤولية المشتركة عن النتائج بدل إلقاء اللوم على الآخرين وإتهامهم بما لايليق لطبيعة العلاقة المهنية والزمالة في العمل.

توضح إحدى التجارب هذا الأمر بوضوح؛ إذ لاحظ قائد فريق انخفاض مستوى الأداء بسبب ضعف التواصل، فقرر عقد اجتماعات أسبوعية مفتوحة يشارك فيها الجميع أفكارهم ويستمع لمقترحاتهم. وكانت النتيجة زيادة التفاعل، وتحسن الإنتاجية، وارتفاع شعور الفريق بالمسؤولية. وفي تجربة أخرى، كان أحد الموظفين معتاداً على أساليب تقليدية في إنجاز مهامه، وعندما تم تقديم نظام رقمي جديد في بيئة العمل، اختار تعلم استخدامه بدلاً من رفضه. وبعد فترة قصيرة، أصبح من أكثر الأشخاص تميزاً في استخدام هذه التقنيات، مما ساعد في تسهيل العمل وتحقيق نتائج أفضل.

كما أن الاستفادة من الأخطاء جزء لا يتجزأ من العقلية المتفتحة فقد ارتكبت قائدة فريق خدمة العملاء خطأ في التعامل مع أحد العملاء المهمين لكنها قامت بجمع الفريق لتحليل الخطأ وتحديد الدروس المستفادة وكانت النتيجة تطوير إجراءات جديدة أكثر فعالية وتحسين جودة الخدمة وتعزيز ثقة الفريق بنفسه وحتى في مواقف اتخاذ القرار فإن المرونة تصنع الفرق كما حدث مع مدير الإنتاج الذي واجه تحدياً غير متوقع في أحد خطوط الإنتاج فبدلاً من فرض قرارات أحادية عقد اجتماعاً مع فريقه لاستعراض الخيارات ووضع خطة بديلة وكان الحل المشترك أكثر فعالية من أي قرار فردي وعزز روح التعاون بين أعضاء الفريق

تطبيق العقلية المتفتحة يومياً يعني الاستماع للآخرين قبل اتخاذ القرار وتقبل التغيير وتبني أساليب وأدوات جديدة واعتبار الأخطاء فرصاً للتطوير والتحسين والتواصل بمرونة وتعاطف مع الزملاء والسعي الدائم لتطوير الذات ومواكبة كل ما هو جديد العقلية المتفتحة ليست مجرد صفة شخصية بل استراتيجية نجاح لكل قائد وموظف يسعى للتأثير الإيجابي في بيئة العمل بالمرونة والانفتاح على التعلم يمكن بناء فريق متماسك وتعزيز العلاقات المهنية وتحقيق أداء مستدام ونتائج متميزة.

تذكر دائماً أن العلم يتطور والفرد المتفتح ذهنياً ينمو معه

***

بقلم د. أكرم عثمان

-9-202520

ذات مرة قال أستاذي: " الدول تصنع رموزها في ميادين المعرفة، ونحن نطمر رموزنا أو نقتلهم"!!

هذه ظاهرة تميزنا عن مجتمعات الأمم الأخرى، فمعظم المبدعين المتميزين ماتوا بعيدا عن وطنهم، وما ذاقوا طعم الإحتفاء بهم وتقديرهم أثناء حياتهم.

فلا رأي إلا رأي الكرسي وما يشير إليه ويمثله من الأشخاص.

فالقوة تقرر، والإبداع يحرر، ومَن لا يكون مع الكرسي فهو عدوه اللدود، وعليه أن يموت أو يغادر البلاد.

الأسماء المطمورة كثيرة، ولهذا تأسنت المسيرة، ونأى التقدم وغاب التطور، وإنغمس الناس في أوحال الأضاليل والأوهام، وهدرت طاقاتهم في مناكفات بينية وصراعات تؤججها القوى الطامعة بالبلاد والعباد، بتوفير السلاح الطائش المنفلت ونشر التصورات والأفكار الداعية للفرقة والتناحر والإقتتال.

المجتمعات تتقدم بقدواتها وأعلامها في شتى المجالات، وعندما يتم تفريغها من أنوارها المعرفية، وأفكارها العصرية، تتحول إلى عصف مأكول، وتداهمها آفات الإقتدار من كل حدب وصوب، وتتعلم إستلطاف الإفتراس والتبعية والهوان، وتتلذذ بنكدها وقهرها، وتبث شكواها لبعضها بأشعارها وخطاباتها، وبعض كتاباتها.

لماذا ننهرعقولنا ونتنكر لدورها ونحسبها عالة علينا وعاهات تدمرنا؟

السؤال صعب والجواب أصعب، والعلة في تكويننا النفسي، وتفاعلاتنا الأنانية القاسية، فكل منا يرى أنه فحل التوت في بساتين الوجيع الأليمة السقيمة.

السمع والطاعة دستورنا، وإعمال العقل بجرأة وحرية من الخطايا الجسام في عرفنا الجمعي، وعلينا أن ننحشر في ميادين التبعية والتفاني وراء أطماع المبتزين لوجودنا، والمقررين لمصيرنا، والذين يرموننا كأحطاب في سجيرات الويلات، والتصارعات المتوجة بشعارات تضليلية، وخداعات مدروسة لسحقنا وحرماننا، ليفوزوا بما يغنمون.

عقولٌ من مظالمنا تناءتْ

وفي بلدٍ يُقدّرها تنامتْ

عداءٌ نحوهم منّا تفشّى

فنطردهم بأيامٍ تغابتْ

هي الدنيا بعقلٍ مستنيرٍ

يثوّرها ويقدحها فدامتْ

***

د. صادق السامرائي

العلاقة وثيقة بين العلم والأدب، ويمكن لرحم العلم أن ينجب أدبا أصيلا ومتميزا، ولا يستطيع الأدب أن يولد من رحم ذاته، وكينونة جوهره.

والأدب الخالي من النفحات العلمية لا يتجاوز مرحلة الترويح النفسي الذاتي، ويميل إلى إستحضار المفردات السلبية والإمعان باليأس والقنوطية، ويخشى إيقاد مشاعل الأمل ومصابيح التفاؤل.

الإبداع العلمي يتميز بالمنهجية وإكتشاف القوانين ويعتمد الدقة والمنطق والموضوعية وعلى الدليل والبرهان.

أما الإبداع الأدبي فيقوم على الخيال والوجدان ويعبر عن المشاعر والأفكار ويتميز بالعاطفة والجمالية والرمزية وتنوع الأساليب والصور.

الإبداع العلمي رافد متدفق في فضاءات الخيال مما يساهم في صياغة الإبداع الأدبي المتوافق مع ما توصل إليه من حقائق وأوجده من براهين، ويزودنا بمفردات جديدة وعبارات فريدة، متواكبة مع المبتكرات والمخترعات والنظريات المنبثقة من النشاط العلمي البديع.

الأدب الرفيع الأصيل يولد من رحم العلم ولادة طبيعية، لا تعرف التبعية والنقل الإنبهاري لما عند الآخرين، والتوهم بالعطاء الأدبي القويم.

إن ما نسطره ربما لا يتعدى كونه صدى مضطرب لأصوات الآخرين، المنطلقين من أرضية معرفية علمية ذات شواهد مادية تدعو للفخر والإعتزاز بالحياة والوطن.

فالأتباع لا يضاهون الأسياد، مهما حاولوا التقمص والتشبّه، وكلها خطوات تشويه وتعويق.

فأيهما أنفع للأمة، العلم أم الأدب؟

***

د. صادق السامرائي

عالمنا المعاصر المتدفق المعلومات والتواصلات، أخذت فيه الصورة دورها وتأثيرها، وما عاد للكلمة كبير قيمة ومعنى، وتجدنا أمام حشد من الصور المتنوعة الحية والجامدة.

ويبدو أن الصورة قد طغت وحجبت الكلمة وجردتها من فعاليتها وتحاورها مع الألباب.

الصورة أخذت ترسم معالم السلوك وتضع اللبنات الأساسية لمنطلقات الحياة الجديدة.

عالم ما قبل الصورة لا يقارن بعصر ما بعدها، فالذهنية البشرية أصيبت بطفرات تواصلية أدت إلى نشوء دوائر عُصيبية غير مسبوقة في الأدمغة المتفاعلة مع مطرقة الصورة الدائمة التكرار، والتي تحفر مساراتها في أروقة الرؤوس.

فأدمغة الأجيال الحاضرة تختلف عن أدمغة ما سبقها، وسلطة الإستجابات السريعة هيمنت على الواقع المعرفي، وأزالت الحواجز وأسقطت الجدران فما عاد للعزلة مكان فوق التراب.

في عصر الصورة خمدت أنفاس الكلمات، وتعفنت في مهدها العبارات، وفقدت تأثيراتها الأشعار والخطابات، فالصورة مبعث الطاقات، وداينمو التفاعلات، وحادية التجمعات والثورات، فما فات مات، والقادمات تكمم أفواه الويلات.

عندما إنتشر المذياع في القرن العشرين إنحسر الإهتمام بالكتاب قليلا، وبحضور التلفاز تزايد الإنحسار، وفي الربع الأول من القرن الحدي والعشرين، أصيب الكتاب الورقي بالضربة القاضية، وتحول إلى عصف مأكول، وتنامت الكراهية للكتاب.

قراء الكتب قليلون، ومن النادر أن يشتروا كتابا، فما عادت القراءة في كتاب تجلب المتعة، إذ أدمن الناس على الشاشة، وتملكتهم الصورة والفيديوهات القصيرة والمثيرة التي تحضر أمامهم بسرعة البرق.

في أي مكان تكون فيه، تجد الحاضرين يحدقون في الشاشات الصغيرة، ومن النادر أن تشاهد مَن يقرأ في كتاب، وإن رأيت متصفحا لكتاب فهو من أبناء منتصف القرن العشرين، وربما قبل ذلك.

الأجيال الجديدة ستتناسى الكتاب، وما يشدها ويسحرها الذي يتوارد إلى شاشات الهواتف وأخواتها.

كتابٌ في متاهاتِ البعيدِ

تمزّقهُ مراداتُ الجديدِ

تناءتْ نفسنا ومضت لضوءٍ

يُداعبها بإحضارِ الفريدِ

معارفنا مكدّسة بجيبٍ

وتغمرنا بأفياضِ المزيدِ!!

***

د. صادق السامرائي

الكتابة وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار والمعارف بإستخدام رموز وحروف، تُسبك في كلمات وجمل لتكوين نصوص مفهومة، وهي من أهم أدوات التفاعل الإنساني عبر العصور، ولولاها لما عرفنا عن الأمم السابقة.

ووظيفتها التعبير والتوثيق والتواصل، وقد تكون أدبية، علمية، إبداعية، ووظيفية.

الكتابة عمل فكري شاق، يستوجب إستحضار طاقات الوعي والمعرفة ومشاعل الإدراك والمنطق،  والقوة على جمع الأفكار في بودقة العبارة، وجوهر المفردات، لتصنع صورة واضحة عن الموضوع المطروح أمام أضواء العقل الواسع الإمعان.

الكتابة ليست نقرا على مفاتيح الكي بورد، وكأن الأصابع تكتب مبتورتا عن الرأس.

الكتابة جهد وجهاد، فهي عمل نضالي ربما يستحضر الأخطار، ويمرغ القلم في الأوحال، ويصيب صاحبه بأعاصير أهوال.

الكتابة مواجهة وتحدي وإصرار على تشريح واقع مأزوم ووضع حلول ذات عيون وعلوم.

الهدف السامي للكتابة، إضاءة شمعة في ديجور الأيام، ومخاطبة البرايا النيام، وبث اليقظة في ربوع وجودهم لكي يخطو نحو الأمام.

مَن لا يحمل رسالة ويدافع عن قضية عليه أن لا يكتب، فالكيبورديون بأصابعهم يكتبون، ولا يدركون ما يسطرون.

أقلامنا سلاحنا في زمنٍ ينهرنا، وأمة تنكرنا، فصورة تشدها، وشاشة تأسرها، وأسطرٌ تمقتها، وكتابات على الأوراق لا تقرؤها، فعالمنا بجديده يملكها، وكل ما في القرطاس ضاع، والناس تحب الإستماع، فصراط المعارف شاع، وفي لحظة نستحضر ما لم يكن بالمستطاع.

فهل خلا لك الجو يا عصافير السطور، وغمركِ الحبور، فدمتي في سرور؟

وهل فقدت الكتابة قيمتها في مجتمعاتنا؟!!

"ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار مَن لم تزودِ"

***

د. صادق السامرائي

لطالما شغلني مسألة التغير في موازين القوى العالمية، وكيف أن الأمم تسير في دورات تاريخية لا تختلف كثيرًا عن دورة الحياة الطبيعية، تولد ثم تنمو فتكتمل ثم تبدأ في الأفول. هذه الفكرة ليست جديدة، بل أكدها العديد من المفكرين من أمثال شبنجلر في كتابه "تدهور الحضارة الغربية"، حيث رأى أن الحضارات تمر بمراحل الربيع والصيف والخريف والشتاء، تمامًا كما يمر الكائن الحي. واليوم، يبدو أن الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة يدخلان مرحلة الشتاء هذه، بينما تشهد القوى الشرقية صعودًا جديدًا.

لم تكن قمة شنغهاي الأخيرة مجرد تجمع دبلوماسي عابر، بل كانت إعلانًا صريحًا عن ولادة عالم جديد يتشكل بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على القرن العشرين. فقد جمعت القمة قادة الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية، وما رافقها من استعراض عسكري صيني مبهر، كشف عن حقيقة لم يعد بالإمكان إنكارها: ميزان القوى الدولي آخذ في التحول جذريًا.

لقد أصبحت الصين، بقوتها الاقتصادية التي تجاوزت في بعض المؤشرات نظيرتها الأمريكية، وبترسانة عسكرية متطورة، تقدم نفسها كقطب قادر على منافسة واشنطن بل وتجاوزها. وهذا ما أكده البيان الختامي للقمة، الذي دعا إلى نظام عالمي أكثر عدالة وتعددية، وانتقد السياسات الأحادية للغرب.

منذ الحرب العالمية الثانية، كان الاقتصاد الأمريكي المحرك الأساسي للقوة الناعمة والصلبة في آن واحد. الدولار صار العملة العالمية، وول ستريت باتت بوصلة الأسواق، وصناعات التكنولوجيا والفضاء غذت أسطورة "الحلم الأمريكي". لكن هذه الصورة الذهبية لم تعد تعكس الواقع.

فالصين صعدت كقوة صناعية وتكنولوجية هائلة، وأصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا لأكثر من 120 دولة حول العالم، بينما تحولت الولايات المتحدة إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج. تقارير دولية تشير إلى أن الدين القومي الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار في 2025، وهو رقم يهدد استقرار اقتصاد أمريكا الآن وغدًا.

إلى جانب ذلك، تتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري للنظام الأمريكي. ملايين الوظائف في قطاع التصنيع هاجرت إلى آسيا وأمريكا اللاتينية حيث العمالة الأرخص. أما الداخل الأمريكي، فيرزح تحت تضخم أسعار السكن والرعاية الصحية والتعليم. هذا الوضع يخلق إحباطًا جماعيًا، ويجعل من "الحلم الأمريكي" وعدًا كاذبًا أكثر منه حقيقة ملموسة.

من الهيمنة إلى التصدع

قوة أمريكا لم تكن يومًا في اقتصادها فقط، بل في شبكة تحالفاتها التي صاغت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. حلف الناتو، العلاقات الخاصة مع أوروبا، القيادة في المؤسسات الدولية، كلها كانت أدوات واشنطن للحفاظ على هيمنتها. لكن هذه الشبكة بدأت تتصدع.

فالحلف الأطلسي يشهد اليوم أزمات ثقة متتالية. بعض دول أوروبا الشرقية تشكك في جدية التزام واشنطن بالدفاع عنها إذا تعرضت لتهديد مباشر، فيما تسعى فرنسا وألمانيا لتعزيز استقلاليتهما الدفاعية عبر مشاريع أوروبية خالصة. في آسيا، باتت اليابان وكوريا الجنوبية تتجه أكثر نحو الحوار مع الصين وروسيا لتأمين مصالحها، بدلاً من الاتكال الأعمى على واشنطن.

حتى الشرق الأوسط، الذي كان تقليديًا ساحة نفوذ أمريكية، يشهد تحولات جذرية؛ فالسعودية وإيران جلستا سابقًا إلى طاولة واحدة برعاية صينية، والإمارات بدأت تتوسع في شراكات مع روسيا والهند، فيما لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد الذي يملي قواعد اللعبة. إن تراجع الثقة بالحليف الأمريكي ليس أمرًا طارئًا مرتبطًا بترامب، بل تغير عميق ناتج عن إدراك دولي أن الولايات المتحدة لم تعد تملك القدرة للقيام بدور الشرطي العالمي كما كان في السابق.

مجتمع منقسم على نفسه

ربما يكون ما يحدث في الداخل الأمريكي أخطر من كل التحديات الخارجية. فالمجتمع الذي طالما افتخر بكونه بوتقة تنصهر فيها الأعراق والثقافات، يعيش اليوم حالة استقطاب غير مسبوقة. الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين لم يعد مجرد خلاف حزبي، بل صار شرخًا أيديولوجيًا يمس هوية الدولة نفسها.

اليمين الشعبوي، ممثلًا في تيارات ترامب، يرى أن "أمريكا الحقيقية" يتم انتزاعها لصالح نخب ليبرالية وعالمية. في المقابل، يرى اليسار التقدمي أن خصومه يسعون لإعادة البلاد إلى ماض عنصري وقمعي. هذا الانقسام يظهر في كل تفاصيل الحياة: من النقاش حول التعليم والجندر، إلى قضية الهجرة والسلاح.

الأمر لا يقف عند حدود السياسة، بل يتغلغل في المجتمع والإعلام. الأمريكيون اليوم يعيشون في فقاعات إعلامية متناقضة: قناة فوكس نيوز تصنع واقعًا مغايرًا تمامًا لما تبثه CNN أو نيويورك تايمز. هكذا لم يعد هناك "رأي عام" واحد، بل مجتمعات متجاورة لا تتحدث اللغة نفسها.

فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على تقديم نفسها كنموذج جذاب للعالم، خاصة في ظل تناقضاتها الداخلية وانهيار أسطورة "الحلم الأمريكي". كما أن صعود التيارات الشعبوية والعنصرية في الداخل الأمريكي أضر بصورة الولايات المتحدة كدولة تدعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن للولايات المتحدة أن تعكس هذا التراجع؟ الإجابة ليست بسيطة، فكما يذكرنا التاريخ، فإن دورات صعود وهبوط الإمبراطوريات تخضع لعوامل كثيرة، بعضها داخلي وبعضها خارجي. لكن ما يمكن قوله هو أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات وجودية قد تعجل بأفولها كقوة عظمى وحيدة.

فمن الناحية الداخلية، فإن الانقسام السياسي والاجتماعي العميق، بالإضافة إلي الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، يجعلان من الصعب على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسات طويلة المدى قادرة على إعادة بناء هيمنتها. ومن الناحية الخارجية، فإن صعود القوى الجديدة مثل الصين وروسيا، وتشكيل تحالفات جديدة خارج الإطار الغربي، يعني أن العالم أصبح متعدد الأقطاب بدرجة لا تسمح بعودة الهيمنة الأمريكية الأحادية.

***

د. عبد السلام فاروق

 

شك في الأمر: إرتاب فيه، تردد ولم يصل فيه إلى يقين، إلتبس عليه، والشك حالة نفسية يتردد معها الذهن بين الإثبات والنفي ويتوقف عن الحكم، وهو نقيض اليقين.

ظن: شك، علم بغير يقين " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"

ديدننا الشك ببعضنا وتصديق الطامع فينا، فعلاقاتنا المسماة سياسية مبنية على الشك، وحتى أعضاء الكتلة الواحدة حزبية أو فئوية يشكون ببعضهم، ويتوجسون خيفة من أي إقتراب من مواقعهم، فالشك سلطان يبيدنا ويمزق كينونتنا المتلاحمة.

وهناك العديد من ينابيع تغذية الشك وتفعيل طاقاته التدميرية لتأمين المصالح وتحقيق المطامع.

الشك من أهم أسباب أكل الثورات لرجالها، وعامل مدمر للأحزاب والحركات والتجمعات وإنشقاقها وتفرقها، فلا يوجد حزب بلا إنشقاقات بسببه، ومعظم العقائد تشظت بفعله، ففي كل تجمع بشري هناك مشاعل شك ملتهبة، تتبادل اللعنات والنكبات، والكل خاسر، لأن الشك نار تحرق أخضرها ويابسها.

الشك أو الظن بالسوء من المعضلات السلوكية المدمرة للوجود البشري، والمذكية للحروب والصراعات والتفاعلات السلبية بين أبناء كل شيئ واحد.

الشك عدو الإطمئنان، والأمان، ومبعث القلق والإمتهان.

الشك المقصود هنا ليس المنهجي والإيجابي وإنما المرضي والسلبي.

فالشك الإيجابي ينمي التفكير النقدي والوصول إلى الحقائق، ويحفز الحذر والوعي والإبداع ، والشك السلبي يؤدي إلى القلق والتوتر، وضعف العلاقات والتردد وإضطراب الحالة النفسية.

والسائد في المجتمعات المتأخرة الجانب السلبي من الشك، ويتعذر قبول الوجه الإيجابي منه، الذي يساهم في إطلاق القدرات الإبداعية، والتفاعلات الخلاقة التي صنعت التطورات والمبتكرات المتجددة، بما أوجدته من أفكار ذات أجنحة تعينها على التحليق عاليا في فضاءات الوعي المعرفي الجمعي.

فمعظم الأشعار والخطابات والرؤى والتصورات في المجتمعات المتأخرة تنبع من إعتبار الشك سلوكا عدوانيا وإرتيابا مرضيا، يدفع إلى إجراءات تدميرية ونكبات مأساوية.

و"إن بعض الظن إثم"

و"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"

ويقول أحمد شوقي:

"ساءت ظنون الناس حتى أحدثوا

للشك في النور المبين مجالا"

شكوكٌ أولعتْ فينا ارْتيابا

ومِن حذرٍ نُطاردها سرابا

تُمزقنا وتُهلكنا لأنّا

إذا انْطلقتْ رأيناها ضَبابا

تفاعلنا بلا أملٍ بخيرٍ

فسوءُ الظنّ أوْردنا انْتكابا

***

د. صادق السامرائي

لستُ محللاً سياسياً ولا أتعامل مع المعطيات السياسية كعلم من العلوم الحديثة؛ إنما أتلقي السياسة كمواطنٍ تؤثر فيه وتؤثر على حياته اليومية من جميع الجوانب. قرأت خبراً —ليس جديداً بالمرة— عن النية في إنشاء جيش أو قوة عربية لمواجهة «التهديدات الوجودية» للأمة العربية. أود أن أعبر عن رأي شخصي في هذه الفكرة القديمة الجديدة.

الفكرة النظرية الافتراضية جيدة ومفيدة، ولكن:

من أي دولة ستستوردون السلاح؟ الدول التي ستصدر لكم السلاح هي في الغالب أعداؤكم؛ ومن ليس عدواً صريحاً فهو متواطئٌ أو مستفيدٌ من تحت الطاولة. من أين ستستوردون هواتفكم المحمولة وأجهزة الاتصالات؟ عدوكم هو من يصنِّعها، وإن لم يصنعها فهو قادر على التجسُّس عليها. من هم حلفاؤكم المضمونون؟ فالحروب تتحقق بتحالفات وتنسيق ومصالح. كيف تأمنون من خيانات بعضكم لبعض، وهناك الكثير من عملاء عدوكم بين ظهرانينا الآن؟ كيف تأمنون شعوبكم وأنتم لم تَأتُوا إلى كراسيكم بانتخابات نزيهة—بل تَفترضونهم بالقوة—ولو سنحت للشعوب الفرصة لطردتكم؟

هل شعوبكم موحَّدة ومتحضِّرة، أم أن الحرب قائمة بينهم: سنة وشيعة ودروز وخوارج وبهائية وعلويون...؟ هل ستقولون في النهاية إنكم انتصرتم لأن عدوكم أراد إسقاط حكمكم فتصدَّيتم له، وبالتالي حافظتم على دولكم وكراسيكم ونظام حكمكم؟ كيف سيصدر إعلامكم البائس وجهة نظركم إلى العالم؟ هل سيكتب أن الفُرس مجوس، أو أن الباكستانيين إرهابيون، وأن تركيا جماعةٌ إسلامية؟ هل سيقول الإعلام إن غير المسلمين كفرة يجب قتالهم؟

كيف سيقتنع العالم بأنكم متحضّرون بينما قسماً منكم يريد استعادة الخلافة وتطبيق شريعة تجرُّ النساء للعبودية والبيع؟ كيف سيقتنع العالم بعدالة قضيتكم بينما بعضكم أقام نصباً لصدام—أعتى دكتاتور وطاغية في العصر الحديث؟ تقاتلون عدوكم بجيش نصفه من الأميين والطائفيين—كيف سيتعاملون مع الذكاء الاصطناعي مثلاً؟

ألستم قد مررتُم بتجاربٍ فاشلة كثيرة فلماذا لا تتعظون؟ أليست هناك جامعة عربية؟ ومجلس دفاع عربي مشترك؟ ومجلس تعاون (سوريا والعراق والأردن ومصر واليمن) الذي انتهى باحتلال بلد عربي لآخر؟ أليس هناك مجلس تعاون خليجي؟ هل نجحتم في أيٍّ منها مثلاً؟

هل لا زلتم تعتقدون أن الله ناصركم وخاذل عدوكم، بينما يقول تعالى: «وأعدوا لهم...» أي أن الغلبة لمن يُعِدّ؛ فماذا أعددتم؟ لماذا لا تتصالحون أولاً بينكم؟ فالجزائر عدوة المغرب؟ وليبيا لها حكومتان متحاربتان؟ والسودان حكومتان متحاربتان؟ واليمن دولتان متحاربتان؟ ومصر تكره سوريا، والسعودية تكره قطر، والكويت تكره الأردن، ولبنان جريح، ومصر تكافح من أجل الخبز والغاز، وسلاح دول الخليج لا يستعمل ضد عدوها الحقيقي...

فبأيِّ آلاء ربكما تكذِّبان؟

نصيحتي لكم: تأجيل جميع مشاريعكم التحررية الآن لمدة عشرين عاماً تعملون خلالها على دخول فضاءات الحضارة والتنوير والحداثة—ثم لكل حادثٍ حديث.

***

د. عبد الله الجنابي

الكتابات السائدة تجيد لعن الظلام، فما أكثر لعنة الظلام، بالمقالة والشعر وفنون الأدب الأخرى، وحتى في الأغنية ومشارب الفن المتنوعة، ولن تجد بينها من يفكر بإيقاد شمعة، والعمل بجد وإجتهاد للوصول إلى الطريق الواضح المنير.

المفكرون، الكتاب، الفلاسفة، الشعراء، الأدباء وغيرهم، فطاحل في لعن الظلام والتشكي منه والتظلم من ويلاته، وما نهض واحد منهم وحمل شمعة موقدة، وأنار درب الأجيال.

ولا مَن فكر بمصباح ديجون، ليس لكشف الحقيقة، ولكن لطرد ظلام الضلال والبهتان، والتطوح في ميادين التداعي والخسران.

يبدو ان لعن الظلام أسهل من إيقاد شمعة، لأنه لا يحتاج إلى جهد، بينما إضاءة العقول والدروب بحاجة إلى جد وإجتهاد، وتفاعل عقول وقدرات وتكاتف وإنصهار في أوعية المصالح المشتركة، والوطنية الجامعة المانعة من الجور والعدواان.

أكثرنا يجيد مهارات لعن الظلام، ويمعن في إبداعه الإلعاني، ويتوهم بأنه بقدم شيئا نافعا للأجيال، وهو كالتي تولول على القبور، فالإبداع الإلعاني كنعيق الغراب، أو نحيب البوم، لا جدوى منه إلا إثارة الأحزان، وتنمية الأشجان.

الشعوب المقتدرة، نخبها تحمل مشاعل الإشراق والوضوح المستقيلي المفعل لقدرات الأجيال المعاصرة، وتضخهم بالأمل والإصرار على تنمية القوة والعزة والكرامة، والشعور بالمسؤولية والإستعداد للقيادة وتعبيد طرق المستقبل نحو آفاق جديدة، ذات إبداعات أصيلة.

لا توجد في كتاباتها لطميات وذرف دموع، بل تحدي ومنازلة لا تعرف الهوادة.

"قف دون رأيك في الحياة مجاهدا...إن الحياة عقيدة وجهاد"

نخبنا مطالبة بصياغة الكلمة الطيبة، وضخ عناصر ومفردات الأمل والتفاؤل مهما تراكمت الخيبات، وعسعس ليل وجودنا في زمن الغاب البراق الألوان، والمزين بالشعارات المضللة، والتفاعلات المخادعة، والتحديات المتنامية.

الحق رائدنا والصدق مذهبنا، واليراع سلاحنا، وعزمنا شراعنا، وفكرنا ينيرنا، ووعينا يرشدنا، فاكتب بمداد الحق، وجرأة تفعيل العقل، فأن الباطل زاهق ومرتعه وخيم، فما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءً، وتلك معادلة كونية للديمومة والبقاء.

***

د. صادق السامرائي

يلقى العراقيون الراغبون بالسفر إلى الجمهورية الجزائرية الشقيقة عنتا وتعقيدا وعسفا لا يتناسب مع موقف العراق من الجزائر منذ خمسينات القرن الماضي، فالعراق ومثلما هو معروف للجميع كان داعماً مهما للثورة الجزائرية، ولاسيما بعد الإطاحة بالنظام الملكي في العراق عام 1958، حيث بدأت الحكومة العراقية بدعم قوي للقضية الجزائرية، وقد شمل الدعم تبرعات مادية (مالية وطبية وغذائية)، كما قدّمت الحكومة العراقية مبالغ طائلة لدعم الجزائر، منها 250 مليون فرنك سنويا لعدة سنوات، ودفعت الحكومة العراقية 250 ألف جنيه إسترليني لجامعة الدول العربية لدعم الثورة الجزائرية. وسمح العراق للطلبة الجزائريين بالالتحاق بالكليات العسكرية العراقية، فالتحق حوالي أربعين ضابطا، فضلا عن طيارين من كلية الطيران. وتأكيدا لهذا الدعم المفتوح قامت الحكومة العراقية أيضا بمقاطعة النشاط الاقتصادي الفرنسي داخل العراق بعد 1958، وهذا مثل دعما عمليا واقتصاديا للثورة الجزائرية. ثم امتد الدعم إلى الجانب الثقافي، فالدور الثقافي العراقي الداعم للجزائر كان بارزا، وقد كتب شعراء عراقيون أكثر من 250 قصيدة مدحا ودعما للثورة الجزائرية. وللوقوف بوجه الفرنكوفونية هب المثقفون العراقيون لمد يد العون للشعب العربي الجزائري البطل، فتطوع آلاف من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات وأسهموا في إعادة تعريب الجزائر.

وردا لجميل لهذا الدعم، قام السيد فرحات عباس في 21 أبريل/ بيسان من عام 1959 مع وفد من الحكومة المؤقتة الجزائرية بزيارة للعراق، وقد استقبل الوفد استقبالا رسميا وشعبيا حافلا، عكس دعما شعبيا ورسميا قويا للقضية الجزائرية.

وفي عام 1962 زارت المناضلة البطلة جميلة بوحيرد بغداد، ورافقتها في الزيارة مناضلة جزائرية أخرى اسمها زهرة بوظريف. وقد استُقبلتا استقبالا حارا من الشعب العراقي وقابلتهما قيادة البلاد آنذاك بالترحاب بما في ذلك استقبال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم (رحمه الله) لهما، وهناك عدة تقارير ومقالات عراقية وعربية تشير إلى أن الزيارة حدثت بعد توقف القتال مباشرة، وأن جميلة وزميلتها قامتا بجولة في بغداد حيث حملهما العراقيون على الأكتاف وكرّموهنّ بما يليق بهن وبالجزائر العزيزة.

وقد أدلت المجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد بتصريح لوكالة الأنباء العراقية في المطار أعربت فيه عن سرورها الشديد بزيارة الجمهورية العراقية وقالت إنني بهذه المناسبة أحيي الشعب العراقي الكريم. أما المجاهدة السيدة زهرة ظريف عقيلة نائب رئيس وزراء الجزائر فقد صرحت لوكالة الأنباء العراقية قائلة: إنني مسرورة كثيراً لهذه الزيارة وإنني باسم الجزائر الثائرة وباسم شعبها أحيي شعب الجمهورية العراقية وسيادة رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم.

ثم ألقت إحدى عضوات جمعية حقوق الإنسان العراقية كلمة حيت فيها المجاهدتين الثائرتين باسم الهيئات الشعبية العراقية وأشادت بكفاح شعب الجزائر البطل، كما ألقى سكرتير الاتحاد العام لنقابات العمال في الجمهورية العراقية كلمة رحب فيها بالضيفتين الجزائريتين.

وهناك عدة تأكيدات محلية ومواد تراثية تثبت أن تسمية حيّ "جميلة" بجانب الرصافة من بغداد رُبطت بتلك الزيارة المباركة وحفاوة الاستقبال.

واليوم لا زال شعب العراق يكن للجزائر وأهلها حبا عميقا راسخا، بل هو اليوم أعظم مما كان عليه من قبل، نظرا لمواقف الجزائر المبدئية من القضايا العربية، ويحز في قلوبنا كثيرا، ويؤلمنا أكثر ألا نجد تجاوبا شعبيا ورسميا جزائريا مع هذا التعاطف الصادق الكبير، في وقت هناك العديد من البلدان التي لم يقدم لها العراق شيئا يذكر قياسا بما قدمه للجزائر، أجازت للعراقيين دخول أراضيها دون تأشيرات دخول مثل: تونس وسلطنة عمان ومصر، وقد أدهش سلوك العراقيين المنضبط الحضاري أبناء تلك الشعوب وحكوماتها فبدأوا يقدمون تسهيلات لتشجيع العراقيين على السفر إليها.

إن العراقيين يا سادتي شعب نبيل طيب محب مسامح منفتح، وفيه من يسعى بجد ليعقد صداقات حقيقية على أرض الواقع مع الجزائريين، والتبرك بتراب جزائر النضال والعروبة، ولا أجد عذرا ولا مبررا لمن يضع العراقيل بوجه هذه العاطفة العربية الجياشة، لذا آمل أن أسمع قريبا أن الحكومة الجزائرية سوف تفتح الباب أمام العراقيين لزيارة أهلهم، وربما تعفيهم من الحصول على تأشيرة، ويحز في نفسي أن يبقى هذا الحلم مجرد حلم عصي على أن يتحقق.

***

الدكتور صالح الطائي

دليل الوزارة للمعجزات

عجيب امر الافكار الغيبية التي تتحول فجاة الى حقائق لا تقبل النقاش! حسب تصريحات وزير التعليم العالي الاخيرة، كليتا التميز والذكاء الاصطناعي في جامعة بغداد، اللتان استحدثتا حديثا، ستتحول بطريقة عجيبة وسحرية - ودون تخطيط او موارد تذكر - الى جامعة كاملة.

هل حقا نحن في زمن تحول فيه الكليات الى جامعات عبر لمسة زر؟ واذا كنا على هذا القدر من السحر، لماذا تفصل هاتان الكليتان عن الجامعة الام بمشروع مستقبلي ولم تبتدا فيها الدراسة بعد؟ يا لها من عبقرية ادارية تدرس في كتب التاريخ… او على الاقل في قصص الدراما المأساوية!

هذه ليست الا امثلة صارخة على التخبط الذي يعصف بالوزارة، حيث تختصر كل الانجازات في حفلات اعلامية رخيصة واحاديث ميكروفونية لا تكلّف الوزارة شيئا سوى بعض الكلمات الفضفاضة التي لا تترتب عليها اي مسؤولية او حساب.

لماذا لا ننتقل من هذا التمويه الاعلامي الى الحديث الجاد عن انشاء جامعة حقيقة؟ جامعة ببناياتها ومختبراتها واجهزتها واساتذتها، وليس مجرد تلاعب بالاسماء واللافتات. لان الحقيقة المؤلمة هي ان هذه الكليات ولدت من رحم الفراغ، من دون اي تخطيط حقيقي او دراسة سوق عمل او بنايات جديدة. القرار؟ مجرد مزاج عابر ورغبة ضبابية تريد ان تخلق جامعة عبر اقتلاعها من جامعة بغداد، وكان الامر لا يتعدى لعبة تجميع قطع في حديقة اطفال!

والاسئلة تتوالى: اين البنايات الجديدة التي تليق بهذا "التوسع الرائع"؟ اين المختبرات المتطورة؟ ما هي اختصاصات هذه الكلية؟ ام ان كل هذه "الانجازات" جاءت على حساب ما هو موجود، باقتطاع اجزاء من مبان قديمة وترحيل اثاث مهترئ في مسرحية ترقيع لا تجد لها نظيرا الا في قصص الفشل الاداري؟

اين المبررات الاكاديمية والعلمية التي تبرر لهذا الصرح المصطنع اسمه "التميز" ان يتفوق على بقية الكليات؟ ام ان الامر كله مجرد استعراض لأسماء واسلاك تربط اساتذة من اقسام اخرى، ثم تغليف الفكرة بشعار براق على لافتة توحي بالعظمة، في حين ان الواقع ما هو الا فراغ تعليمي معاد تدويره؟

هل يعقل ان تتحول كلية مصطنعة الى جامعة من الهواء؟ جامعة لا سند لها سوى اسم "التميز" الغريب الذي يراد به ان يبعث رسالة ضمنية لكل طلبة الطب والهندسة وغيرهم: انكم ببساطة اقل تميزا، وربما اغبياء لاختياركم التخصصات "العادية"، بينما هنا في "التميز" تخلق العبقرية! يا للمهزلة الكبرى.

***

محمد الربيعي

كانت قصة «حقِّك أبو حقّي» معروفة بين البغداديين، وملخصُها أنَّ مجنوناً يقطع شارع الرَّشيد (ثلاثة كيلومترات) ذهاباً وإياباً، بين باب المعظم شمالاً والباب الشّرقيّ جنوباً، صباحَ مساءَ، منادياً: «حقّي حقّي»، لذا عُرف بـ«أبي حقِّي»، والسَّامع يردُّ: «حقُّك أبو حقِّي». كان يشتم الزَّعامات، بدءاً بنوري باشا (قُتل 1958)، دون ذكر اسم الملك فيصل (قُتل 1958).

وبعد كلِّ انقلاب يحفظ الاسمَ الأول ويبدأ بشتمه، وقد تناول عبد الكريم قاسم (قُتل 1963)، ثم عبد السّلام عارف (قُتل 1966)، فعبد الرَّحمن عارف (ت 2007)، ولم يُمنع أبو حقّي مِن هوايته، بل إنّ مسؤولين تداولوا خبرَه نكتةً. بعد أسبوع مِن استلام «البعث» السُّلطةَ (17/7/1968)، غاب أبو حقّي غيابَه الأخير، فشعر أهل «الرَّشيد» بأهميته، وقد فرغ شريان بغداد منه، وكان يتخذ مِن رصيفه مأوىً، ألِفه لعقدين مِن الزَّمن، ينام ويأكل ويشرب مما يُجادُ به عليه. غاب ولا يُعلم هل زُج به في مستشفى المجانين، المعروف في بغداد باسم «الشّماعيَّة»، أم قُتل ورُمي في مكان ما؟ ويومها بدأت الأجواء تدلهم، والسُّؤال عن أبي حقِّي فيه مخاطرة، فالجدُ قد جدَّ، لا يُفرق بين مجنون وعاقل. بعد إعلان اسم الرَّئيس الجديد (1968)، وما أنْ حفظه أبو حقّي ونطق بشتمه، كي يمارس هوايته، حتى اختفى، ولم يعد لخياله وجود، إلا في ذاكرة تُجار «الرّشيد»، الذين سمعنا مِن بعضهم سيرتَه. لم يُطالب أبو حقِّي بشيءِ، ولم يعرف له فعل سياسيّ، وما كان يحتجّ لمظلوميّة وقعت عليه، بل كان فقط يشتم الرُّؤساءَ، مع لازمته «حقّي حقّي».

دونت قصص مجانين كثيرين، ففي كلّ زمانٍ ومكانٍ يكون للمجانين حضورهم في مدنهم وقراهم، لكن لم نصادف مَن تذكَّر «أبا حقِّي»، أما ما عُرض مِن كوميديا بعنوان «أبو حقّي» في بعض الفضائيات، فليس مقصودنا. لا أعرف إذا كان «أبو حقّي» شكلَ خطراً قوميَّاً، فما جرى في 14 يوليو 1958 ليس بسبب شتيمة أبي حقّي للباشا، كذلك ما حصل في 8 فبراير 1963، لم يكن له دورٌ ولا فعلٌ فيه. وعلى الرّغم مِن قسوة شتائمه، لم يلتفت المسؤولون لظاهرة أبي حقّي، وكذا الحال مع عهد الأخوين العارفيّ، لم يهتما بشتائمه، حتَّى جاء العهد الذي لا يمزح، مع العقلاء والمجانين على حدٍّ سواء، وهذا بحدِّ ذاته كان برهاناً على أنّ أبا حقّي مشخصٌ مجنوناً، فلو كان عاقلاً لهجر «الرّشيد»، حال سماعه البيان الأول.

تغييب أبي حقِّي لا علاقة له بفرض هيبة السُّلطة، مثلما فكر به البعثيون في عهدهم الثَّاني، ففي عالم السّياسة، وما أدركه الباشا، وكان يمرّ ويسمع شتائم أبي حقّي، تكون الحاجة لهذه الظّاهرة، منها للرفاهية والتَّخفيف عن كواهل المارة، وفيها أيضاً دعاية بوجود حريات، وخصوصاً ببلدٍ مثل العِراق، ما إنْ يقوم انقلاب، إلا وخُطط لانقلاب «أنكس» منه. لو عاش أبو حقّي في زمن عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، أو في زمن أبي الفرج عبد الرّحمن بن الجوزي (ت 597 ه) لضمَّنا حكايتَه صفحات ما كتبا عن الجنون والتَّماجن. أقول: لو كُتب لأبي حقِّي الحياة إلى يومنا هذا، ما استطاع حفظ اسم مسؤول واحد، حتَّى لو كان يشاركه التسكع على حافات «الرَّشيد» حينها، وكم يحفظ؟ وأي خرابٍ يشتم؟ والكلُّ صاروا مشتومين، إلا الخطوط الحُمر مِن المقدسين، فشاتمهم عليه حساب الخطف، والاغتيال، والقنص.

كان الشّيخ عليّ الشّرقيّ (ت 1964) يعني ما قاله: «أيَّها البلبلُ في السِّجنِ/ سلامٌ كم يوسفٍ في السُّجونِ/ إنني قد غدوتُ أنعمُ في الشَّكِ/ لأنّي منغصٌ باليقينِ/ لم أجد في العراقِ ليلى ولكْن/ كل آنٍ أمرُّ في مجنونِ» (الدِّيوان، دار الرّشيد 1986). يا أبا حقِّي، غبت، وظهر مَن يُهدد بتغييب الشّارع كاملاً، لأنَّ اسمه «الرّشيد»، فاطمئن، فقد كنتَ عاقلاً، قياساً بما أتى بعدك مِن مجانين.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

الهرولة وراء عطاء الآخرين الذين لا قيمة ولا ذكر ولا دور لهم في مجتمعاتهم، يشير إلى مأساة حضارية معاصرة مروعة في واقعنا الثقافي.

فنأتي بالنكرات وذوي الأصوات الخافتة من الذين أصدروا كتابا هنا أو هناك، وما أسهل إصدار الكتب، لأنها تجارة وما يهمها الربحية وحسب، والعديد من دور النشر تعلن وتتوسل بمن لديه نية تأليف كتاب، ومستعدة لطبعه ونشره، شريطة أن يدفع الثمن مقدما ويؤمِّن ربحيتها.

كتب وكتابات يتم نقلها للعربية، وتقديم مؤلفيها على أنهم من المبدعين الكبار والمفكرين الأفذاذ، وهذا ليس واقعيا ولا يمتلك مصداقية، وإنما يتماشى مع أوهام ورغبات وتصورات الناقل لهم.

وبموجب ما يشعر به الناقل، وما يتراكم في دنياه من المشاعر السلبية تجاه ذاته وموضوعه، فأنه يتجه نحو الآخر، ويحسبه يأتي بما يشافيه من علله النفسية وإضطراباته السلوكية، التي يريد عكسها على المجتمع.

فإختيار نص أو كتاب، وبذل الجهد لنقله إلى العربية، ينم عن دوافع ونوازع كامنة في أعماق الناقل، وإلا لماذا إختار ذلك دون غيره.

ومن الواضح أن المشاعر الإنكسارية فائقة، وتجعلنا نحسب ما نقدم عليه من دراسات وبحوث، مهما كانت ضعيفة، لا تكتسب المصداقية إن لم تستند على مصادر أجنبية، أما إذا إستندت على مصادر عربية بحتة، فأن قيمتها ستكون قليلة في أعين الباحثين والقراء.

وعلى هذا المنوال يتواصى البعض بما هو أجنبي ويضعه في مقامات عالية، وهو لا يساوي شيئا في مجتمعاته، ويُنظر إليه على أنه من هوامش الإبداع، أو الهراءات اللازمة للبوح الذاتي لصاحبه، لكن من بيننا تبرز حالات محكومة بعللها فتتلقف ما هو عليل وتنقله إلينا، على أنه حالة فريدة تستحق أن نذوب فيها ونعبر عن منطوياتها المتآلفة مع مجتمعاتها أو متعاطفة معها.

وما عليك إلا أن ترفع رايات الحداثة وتأتي بما هو غثيث!!

صداهم كيفما قالوا نطقنا

تركنا أصلنا وبهمْ عَجِبنا

ولا ندري لماذا لا نَراها

موائلنا وما شَحَتْ علينا

إذا الأقوامُ من غُدُرٍ تساقتْ

ستنكرُ رافداً يجري الهوينا

***

د. صادق السامرائي

 

من عجائب مفكرينا وفلاسفتنا أن لكل منهم مشروعه الخاص، والذي يرى أنه منقذ الأمة مما هي فيه، فيفني وقته في البحث والتدوين، وتأليف ما يستطيعه من الكتب، التي تنام على الرفوف، وتدوسها سنايك النسيان والإهمال!!

ومعظمهم يتداولون أفكارا يمنطقونها ويقدمونها على أنها مقنعة وتصمد أمام الحجة والتحليل والتقييم، لكنها لا تتصل بالواقع اليومي للناس الساعية فوق التراب، وأكثرها مستنزلة من فضاءات الخيال البعيد، ومقحمة لنظريات الآخرين في واقع ينكرها.

وتزداد عجبا من كثرة المفكرين والفلاسفة، وإمعان الأمة في تدحرجها إلى خنادق الوراء، وتمسكها بالغابرات التي إكتسبت أهوال التقديس والتبجيل.

وعندما تسألهم، تنهال عليك التبريرات والتعليلات والتفسيرات التي لا تطعم من جوع ولا تحمي من برد، فما كل منطقي بصحيح، ولا كل تبرير سليم، وما يقنع لا يعني أنه يشبع.

وياتي في مقدمة التبريرات الدين، الذي تنتهي إليه مقاماتهم ودراساتهم وأبحاثهم، وخلاصتها، إنها أمة مقتولة بدينها!!

فكيف تحي القتيل؟!

لا توجد أمة لم تقتل بدينها، لكنها تعافت من طاعون الدين، وأوجدت العلاجات واللقاحات اللازمة لحمايتها من الأوبئة الدينية الفتاكة.

وأقسى مَن عانى من أوبئة الدين هي المجتمعات الأوربية ولعدة قرون، وبعد أن إستيقظت ونفضت دثار الدين وإكتشفت طريق العلم، وضرورة تفعيل العقول، إنبثق ماء جوهرها الإبداعي الإنساني، ومضت تخفق بأجنحتها في فضاءات الأنوار العلمية الوهاجة.

وتبدو نتاجات مفكرينا وفلاسفتنا وكأنها صومعية، أي مقطوعة عن مياه الحياة وبعيدة عن الواقع الذي تريد مواجهته، فهي لا تنطلق منه بل تهبط عليه!!

ولهذا بقيت الأجيال تراوح في ذات البقعة الزمنية، لفقدان الرؤية والدليل والبوصلة الفكرية الآخذة بها إلى موانئ الصيرورات الإنسانية المعاصرة.

فالأجيال تنكفئ إلى فترات زمنية متخيلة ومدبجة بالتصورات الهذيانية المقدسة، مما يساهم في تعطيل عقولها، وتجميد جهودها وتحويلها إلى روبوتات مذعنة للآوامر والإملاءات الفاعلة في واقعها المسكون بالخيبات.

فهل من تفاعل منير مع واقع غاطس في مستنقعات الأنين؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

المهتدي بالله الخليفة العباسي الرابع عشر، تولى الخلافة لأقل من سنة (255 - 256) هجرية، وهو إبن الواثق تاسع الخلفاء العباسيين، وولد في زمن المعتصم ومن الأرجح بعد سنة (218) هجرية، في منطقة القاطول بسامراء.

وجيئ به من بغداد التي نفاه إليها إبن عمه المعتز بالله، وكان المعتز بالله تحت أشد أنواع التعذيب المتوحش من قبل القادة الأتراك، وجلس المهتدي أمامه وهو في أسوأ حال، وتنازل له عن الخلافة بعد إعترافه بعدم أهليته لها، وأول ما نطق به للجلادين العتاة : "لا يجتمع سيفان في غمد واحد"، وهو أمر غير مباشر لقتل إبن عمه المعتز بالله، وكان بوسعه أن ينقذه من طائلة الموت الشنيع، والتعذيب المرير ويحمي أمه وولده من قسوة المتسلطين عليهم.

قتلوا المعتز بالله، وأصبح خليفة، وصاروا يصفونه بالزاهد والخليفة الصالح الذي يريد أن يحي سيرة عمر بن عبد العزيز، وما كان يقوم به يخصه، أما تفاعلاته مع ما حوله وحاشيته، فكانت تنم عن جهل في السياسة، وتعبير عن سلوكيات إنتقامية وأحقاد دفينة، وكأنه كان يرى بأنه أحق بالخلافة من عمه المتوكل، لأن أباه الواثق لم يعين ولي عهد، وتم إختيار المتوكل من قبل القوى المتنفذة آنذاك.

من زاوية نفسية سلوكية، لم يكن مستوعبا لدوره وفاقدا لقدرات القيادة الرشيدة، ومتوهما بأن الصيام والزهد يعبران عن حسن السيرة، ورجاحة القرار وتدبير الأمور، والخلافة بحاجة إلى قوة وحزم وحلم، وعقل مستوعب لآليات التفاعل مع الأحداث والتطورات.

وعندما جاء موسى بن بغا لقتل صالح بن وصيف ثأرا لقتله المعتز بالله ومصادرة ممتلكات والدته، يبدو أن المهتدي كان متعاطفا مع صالح بن وصيف، وأراد الإنتقام من موسى بن بغا لأنه تمكن من قطع رأس صالح بن وصيف، الذي كان يشك بأن الخليفة يدرى بمكان إختبائه.

"ثم رحل موسى بن بغا ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بكيال أن أقتل موسى....."

وبرهن الخليفة على تعاطفه مع صالح بن وصيف بهذه الرسالة ، التي يريد بها قتل موسى بن بغا وكان معه بكيال فاأطلعه عليها فعاد إليه وقرر خلعه ومن ثم قتله.

وفي هذا السلوك برهان على سذاجة سياسية، وأمية قيادية، فكانت نهايته بشعة وحكم لأقل من سنة، إذ عصرت خصيتاه حتى مات.

و"تلك الموازين والرحمان أنزلها...رب البرية بين الناس مقياسا"

***

د. صادق السامرائي

ليس واضحا طبيعة علاقة القبيلتين قبل إجراء المسابقة بين الفرسين أو الحصانين، وتم التركيز وبتكرارية متواصلة على أن سبب الحرب التي إستمرت لأربعة عقود، هو ما جرى أثناء المراهنة التسابقية بين رمزين لحالتين مبهمتين.

لا يمكن مهما توهمنا أن تكون الحادثة المذكورة السبب الرئيسي للحرب الطويلة، وإنما على الأكثر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

لقد إنغرست الفكرة في أذهان الأجيال بإقترابات إستصغاريه وأحيانا إستهزائيه، وإيهاميه بأن العرب هكذا طبيعتهم، ونشرت العديد من الدراسات والمقالات المؤكدة لما أريد له أن يترسخ في وعينا الجمعي، وهو منافٍ للطبيعة السلوكية البشرية وعناصر تأججها ومركباتها التفاعلية.

من منظار نفسي بحت يصعب تصديق الرواية، ولا بد من النظر إليها بعيون أخرى وتبصر أعمق، فليس كل مدون يعبّر عن الحقيقة.

نعم الحرب إستمرت أربعة عقود، وحرب كهذه لا يبررها سباق خيول، بل أنها ناجمة عن تراكمات متعادية بلغت ذروتها فكانت تحتاج لقدحة ما، وكانت القدحة بهذه الحادثة المعروفة.

زهير بن أبي سلمى وصفها بمعلقته، لكنه لم يتوسع بأسبابها الحقيقية، ولا توجد مدونات ذات إحاطة شاملة ببواعثها ومعززات تواصلها لعقود.

من أهم أسباب معاناتنا ونوائبنا، إننا نصدق بسهولة ونميل للتبعية، فهيمنت علينا الخرافات والأضاليل والأساطير، وأضحت العديد من الأكاذيب مسلمات مقدسة، لا يجوز التفاعل معها بغير ما يؤكدها ويمنحها صفة الثبات والنزاهة.

فهل أن ما عرفناه عن هذه الحرب الطويلة بصادق؟

وهل سببها من فبركة مستشرق مغرض؟!!

"تداركتما عبسا وذبيان بعدما...تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم"

"فلا تكتمن الله ما في نفوسكم...ليخفى ومهما يكتم الله يعلم"

"رأيت المنايا خطب عشواء مَن تصب...تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم"

أكاذيبٌ بها الأسماع تشقى

مكررةٌ مواصلة الخداع

فأزهقنا بها الأرواح ظلما

وأمسينا بدائرة الضياع

بداحسةٍ وغبراءٍ عُرفنا

فأُسْقِطنا بدائرةِ التداعي

***

د. صادق السامرائي

 

إنها ليست أكثر من معادلات رياضية باردة، بلا قلب ولا ضمير، ومع ذلك تسلّلت إلى كل دقيقة في حياتنا حتى صارت أشبه بحماتنا الرقمية: تعرف متى نصحو، وماذا نأكل، ومتى نمرض، وأحياناً – للأسف – كيف نفكر. الخوارزميات، تلك الكائنات الصماء التي نمنحها من وقتنا أكثر مما نمنحه لأمهاتنا، يمكنها أن تُنقذ حياتنا أو تدمّرها بنفس خفة نقر إصبع على الشاشة.

7:30 صباحاً. جرس المنبّه يصرخ. نصف نائم، يمدّ المرء يده إلى الهاتف. أوّل ما يراه: توقعات الطقس. بعدها، حساب البنك، ثم رحلة البحث عن الحافلة التعيسة عبر تطبيق يَعِدُ بالوقت الدقيق، وكأنه "عرّاف" في هيئة برنامج. ثم يبدأ الطواف المقدّس بين تويتر وواتساب، مروراً بفنجان قهوة مُرٍّ يتكفل به أيضاً تطبيق يذكرك أنك تستهلك الكافيين فوق الحد الطبيعي.

ثم دوّامة يومية متكررة: تطبيق لقياس ضربات القلب وكأننا جهاز تجارب، تقويم يخبرك بالمناسبات بدقة سويسرية، خريطة توجهك كأعمى وسط الزحام، وتطبيق نوم يحلل شخيرك وكأنه لجنة تحكيم. هذا الروتين ليس لشخص واحد فقط؛ إنه روتين الجميع، بغض النظر عن جنسيتهم أو راتبهم أو لون حذائهم. القاسم المشترك؟ الخوارزمية.

والأرقام تتكلم: في هذه اللحظة، هناك أكثر من خمسة آلاف مليون مستخدم يجلدون جوجل بستة آلاف مليون عملية بحث، ويرسلون 180 ألف مليون بريد إلكتروني، ويغردون حتى تصاب العصافير بالغيرة. كل هذا تحت عين ساهرة: خوارزمية.

تشرح الخبيرة التقنية لوسيا فيلاسكو بلا مواربة: "أي تطبيق تتفاعل معه هو في جوهره خوارزمية". إنها مثل العدّاد الخفي الذي يسجل كل لحظة ضعفك: كم ساعة أهدرت في إنستغرام؟ في أي وقت من السنة تبكي أكثر؟ شركات التكنولوجيا تعرف وتستخدم، ونحن نصفّق.

الخوارزميات قديمة، وُلدت قبل ألف عام تقريباً على يد عالم فارسي اسمه الخوارزمي، وكان قصده أن يحل مسائل الرياضيات لا أن يحلّ محلّ ضمائرنا. في معناها البسيط، وصفة طبخ هي خوارزمية. قرار الانفصال عن الحبيب هو خوارزمية. لكن عندما تزاوجت مع التكنولوجيا أنجبت لنا "الذكاء الاصطناعي"؛ طفل عبقري، لكنه متوحش أحياناً.

اليوم، حتى الشركات الناشئة في بلدان نامية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي في التسويق وخدمة العملاء. يبدو أن العالم يركض خلفه كما يركض وراء آخر موضة في الأحذية. الاستثمار فيه يتضاعف، والوعود لا تنتهي. لكن، كما تقول فيلاسكو، "عندما يتعلق الأمر بالناس، علينا أن نفكر مرتين". فخوارزمية التوظيف قد ترفضك لأن اسمك "غريب"، وخوارزمية التعرف على الوجه قد تخلط بينك وبين مجرم هارب، أما خوارزمية الأخبار فهي كاذبة محترفة.

تاريخها مليء بالفضائح: الجنيه الإسترليني انهار في ثوانٍ عام 2016 بفضل خوارزميات تداول العملات. "تاي"، روبوت تويتر من مايكروسوفت، تحول إلى عنصري فجّ بعد 24 ساعة فقط. وفيسبوك اضطر لإلغاء خوارزمية كانت عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والهراء. أداة بلا ضمير تساوي كارثة بلا حدود.

لكن، للإنصاف، هي أيضاً بطلة خفية: تشغّل مكابح سيارتك قبل أن تموت، تحمي حسابك البنكي من الاحتيال، تساعد الأطباء في تشخيص الأمراض مبكراً، بل وتدير توربينات الطائرات. كما يقول الخبير إنريكي دانز: "الخوارزمية بلا إرادة، هي تتغذى بالبيانات فقط". تماماً كطفل مدلل.

المصيبة تبدأ عندما تُغرقها بالبيانات حتى تصبح كائناً غامضاً لا يفهمه حتى من صنعه. أوروبا حاولت ضبطها عبر "قانون الذكاء الاصطناعي" سنة 2021، فقسمت التطبيقات إلى آمنة وخطيرة ومحرّمة. لكن، كالعادة، شركات التكنولوجيا صرخت: "ستموت الاستثمارات!" وكأن أرباحها أهم من حقوق الإنسان.

مارك براكل يردّ: "بل العكس. إذا كان منتجك آمناً، فسيربح السوق". لكنه يضيف تحذيراً لاذعاً: "لا أحد يريد أن يعيش في سجن رقمي مُحكم فقط بحجة الأمن".

المفارقة أننا نشتم الخوارزميات طوال الوقت بينما هي في الحقيقة انعكاس دقيق لأدمغتنا. كما تقول لورينا جاومي-بالاسي: "النظام لا يفرض شيئاً، نحن من برمجناه هكذا". إن أردنا خوارزمية عنصرية أو متحيزة، سنحصل عليها. وإن أردنا واحدة تنقذ الغابات من الحرائق كما فعل السكان الأصليون في أستراليا حين دمجوا طقوسهم القديمة مع الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة، فسنحصل أيضاً على معجزة بيئية تقلل الكوارث بنسبة 75%. المسألة ليست "ماذا تستطيع الخوارزمية أن تفعل"، بل "ماذا نريد نحن أن تفعل".

الخلاصة؟ لسنا ضحايا أبرياء. نحن شركاء في الجريمة. الخوارزميات مجرد مرآة، قاسية أحياناً، تعكس طريقة تفكيرنا نفسها. مشكلتنا أننا نحبّ أن نلومها، لأنها لا تحتج ولا ترد.

23:00. ينام صاحب الهاتف مطمئناً. لا داعي لضبط المنبه، فخوارزميته تعرف تماماً متى يفتح عينيه، ومتى يصمت، ومتى يحلم. حتى نومه أصبح مسجلاً بدقة بيروقراطية.

الخبر الجميل؟ لا داعي للقلق. الخوارزمية رتبت كل شيء.

الخبر السيء؟ الخوارزمية رتبت كل شيء.

***

محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم