عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حين تبدي شريحة واسعة من المواطنين عزوفها عن المشاركة السياسية، فهي لا تكف عن ممارسة السياسة من خلال منافذ أخرى، لعل أهمها إبداع أشكال جديدة للسخرية من سلوك النخبة السياسية. سخرية تغذيها رحابة الأنترنيت في توفير برامج وأدوات، لتصميم وإبداع ردود أفعال تمزج بين الطرافة والمرارة! وضع كهذا يفرض طبعا بذل جهد كثيف لاستعادة ثقة المواطن، والتصدي لمجمل الاختلالات التي تعيق إشراكه في تطوير الأداء السياسي.

 يأتي الالتباس القيمي الذي يطبع مواقف النخبة السياسية وتصريحاتها في مقدمة هذه الاختلالات.  فالسماح للأكاذيب بالتسلل إلى ثنايا القول السياسي، أنتج خطابا مشوشا وساذجا، وحوّل المشهد السياسي إلى فضاء للغو وتبادل الاتهامات، ودعوات للإقصاء والتخوين ورمي الآخر في البحر!

لماذا يكذب السياسي؟

إن الكذب في الحياة اليومية انحراف عن النسق الأخلاقي، لكنه في السياسة جريمة. هذا ما عبر عنه خبير الشفافية الدولي الأمريكي مايكل هيرشمان في معرض رده عن سؤال حول كيفية محاسبة المسؤول الفاسد. إن الكذب من قبل السياسي أخطر من جريمة الفساد التي يحاسب عليها القانون، إذ أن السياسي عندما يكذب يحاول تحقيق مصالح خاصة بطرق غير مشروعة.

يكذب السياسي حين تتعارض الحقائق والوقائع مع قائمة الوعود التي وزعها، حتى يتمكن من الإنابة عن المواطنين في تدبير شؤون حياتهم. وما تكشفه المواقف المتضاربة بشأن تحليل علمي وموضوعي للحالة الاقتصادية والاجتماعية على سبيل المثال، يكفي لأن يثير لدى المواطن العادي شعورا بالتقزز من سياسيين يغيرون مواقفهم كما يغيرون معاطفهم، فقط ليثبتوا أنهم دائما إلى جانب الصواب.

 لذا لم يعد مستغربا أن يوزع السياسي مدائحه على نفس الهيئة أو المنظمة التي كال لها الشتائم والتهم منذ زمن يسير، معتمدا على براعته في التلون القيمي، وعلى تدني مستوى التفكير والتحليل لدى الشريحة التي اختارته.

  ويكذب السياسي حين يزعم أن ميله للعنف الخطابي، واعتماده لغة الشارع دليل على انحيازه للبسطاء، وانبعاث خطابه من أغوار الفقر والجهل والآلام الإنسانية. فالسياسة ظاهرة ثقافية في جوهرها، بل إنها مستحيلة بغير ثقافة، مادامت القوة السياسية ترتكز إلى حد كبير على التوقعات والاتصالات، والقيم المشتركة. بينما الحقيقة أن هذا النزوع يأتي كتعبير عن ضعف الموقف السياسي، ومستوى التكوين المعرفي. بل إن دحرجة القول السياسي إلى أسوأ مراتبه، تمنح صاحبه مشتلا لبذر الأحكام الانطباعية المغلوطة، والاتكاء على أسانيد واهية لشرعنة الفوضى.

ويكذب السياسي حين يغذي الكسل الداخلي للمواطنين بأجندة تبيح خلودهم إلى الراحة، في الوقت الذي يتولى هو إدارة معارك الديموقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية. فليس مطلوبا، برأيه، من المواطن سوى أن يمنح ولاءه السياسي وصوته الانتخابي، ثم يعود إلى فراشه الوثير مترقبا موعد هبوب الخيرات وجمع الغلال.

ولعل ما يحمل الناس على التصديق، اعتقادهم أن الفرق بين السياسي والمواطن العادي من حيث القوة والدهاء والمناورة غير قابل للمناقشة؛ في حين أن هذه الفروق هامشية جدا، ولا توجد إلا بسبب التصورات المشتركة حول القدرات العجيبة للسلطة. إذ أن الطابع المراوغ للسياسة ناشئ عن المفهوم المتعلق بالسلطة، وقدرته على تحريض الخيال البشري، فمنذ التنشئة الاجتماعية للطفل، تتشكل خيالات متعلقة بالأفعال السحرية للسلطة. 

ويكذب السياسي حين يُنشئ روابط غير واقعية بين تحسين الدخل الفردي والوضع الاجتماعي، وبين مطامح الأمن والسكينة والتوازن الروحي. بل إنه لا يُضمن خطابه السياسي أسانيد وأطروحات يُمكن أن يُعتد بها، لتأكيد أو نفي المزاعم بشأن قدرة السياسة، إلى جانب الاقتصاد، على تجسيد يوتوبيا حالمة لم تغادر بعد رفوف المكتبات.

في تشريح حاد ومؤلم لأعطاب المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين، يعزو دون إيبرلي معظم المشاكل الأمريكية إلى فشل الرهان على السياسي في مواجهة ظواهر تتطلب القوة الروحية، واستعادة دور المجال الثقافي والأخلاقي. لا بد من وضع إطار عمل جديد، يقول إيبرلي، لحل المشاكل يسقط الصبغة السياسية عنها. إن أمريكا بحاجة إلى حوار مدني جديد، واستعداد لتجنب المناقشات العقيمة بين اليمين واليسار حيث أمكن، وإقامة بيئة ثقافية جديدة، وإحياء عادات المجتمع الإنساني المتمدن.

ويكذب السياسي حين يعمد إلى إثارة المخاوف لمواجهة غريمه، وإقصائه من معترك حيازة الثقة؛ فالخوف كما يؤكد عالم الاجتماع فرانك فوريدي، أصبح قوة مهمة في التأثير على الخيال العام في العالم. وإذا انضاف إليه الاستئثار المنظم بالمعلومات والحقائق من لدن السلطة الحاكمة، تبين لنا حجم الضرر الذي تلحقه الشائعة السياسية، وما يترتب عن بث الذعر بين المواطنين من اضطراب وبلبلة، وفي أحيان كثيرة قيام صراعات اجتماعية. هنا لا يُعتبر الكذب ذريعة لغرض نبيل، كما يزعم حواريوه في المجال السياسي، بقدر ما يكون له مفعول العبوة الناسفة.

وأخيرا يكذب السياسي حين تداهمه متغيرات ومنعطفات كبرى، يشعر معها بتداعي شرعيته السياسية، وبأن أوراق اللعب كلها تتناثر من بين أصابعه؛ فلا يجد من وسيلة لإثبات حضوره واستمراريته سوى العودة إلى العصبية الضيقة، وتغذية الميول العنصرية والطائفية والمذهبية.

يعقد يوسف أسعد في كتابه الممتع (الكذب وأثره في الإنسان) فصلا طريفا عن الكذب والحضارة، يكشف من خلاله أثر التطورات الحضارية المتسارعة على كافة جوانب الحياة الإنسانية. ومما استنتجه المؤلف، بعد معالجة سيكولوجية للكذب في مختلف مراحل النمو الإنساني، أن هذه التغيرات الشديدة والمتلاحقة، عززت تغلب القيم النسبية على القيم المطلقة؛ إذ لم يعد هناك صدق مطلق في كل ومكان وزمان، بل هناك كلام يُصاغ في ضوء المتطلبات الملحة، ولخدمة المصالح وجلب المنافع. بمعنى أن الحنكة السياسية مرتبطة بمدى ما يترتب عن الخطاب من نتائج مصلحية، بغض النظر عن صدقه أو كذبه!

إنهما روحان تسريان في ثنايا القول السياسي، وتزينان له تقويض أركان الثقة التي بدونها لا يقوم لأي نظام ديموقراطي قائمة: روح ميكيافللي الذي همس بخبث في أذن أميره، سليل أسرة آل ميدتشي قائلا:

 "إذا نظرنا للأمور نظرة صحيحة لوجدنا أن بعض ما يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبقناه، والبعض الآخر الذي يبدو من الرذائل، قد يسبب سلامة الإنسان وسعادته".

 والأخرى روح جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر النازية، ومبدع الكذب المبرمج والرمادي، وصاحب المقولة الأكثر شيطنة في عالم السياسة "اكذب واكذب واكذب حتى يصدقك الناس ". روحان تغذيان هيمنة المنفعة على النبل الإنساني، وتدفعان بالعمل السياسي إلى الحضيض.

هل يجب على السياسي أن يتحرك داخل حدود المفاهيم الأخلاقية؟ سؤال يصنفه غلين تيندر ضمن الأسئلة الأبدية للفكر السياسي؛ فالسياسة هي أظلم منطقة في وجودنا الجماعي والتاريخي. والقيادة السياسية لاهم لها سوى تشكيل العقول، والتأثير على السلوك لتحقيق أفكار متصورة سابقا.

 قد يكون للسياسي ذرائعه في تحطيم البناء القيمي باسم المصلحة تارة، وتحديث الممارسة السياسية تارة أخرى؛ لكن ما نخشاه حقا هو أن يؤدي انهيار الثقة إلى انبعاث جيل من رحم اللاسياسة؛ جيل يتأرجح بين اللامبالاة والتقويض المجنون لدعائم المجتمع الإنساني.

فهل يكف السياسي عن الكذب؟

***

حميد بن خيبش

معكوس: مقلوب

نعيش في عالم المعكوسات، أي إنقلاب الحالات، فالظالم مظلوم، والفاسد نزيه، والحق باطل، والصدق كذب، المتأسد مُستضعف، وهلم جرا...!!

العدوانية مظلومية، القتل طقس عقائدي يقرّب إلى الرب زلفى، تغييب الأبرياء شطارة وشجاعة، والخطف فعل يُثاب عليه الفاعل، فلا حدود ولا تقاليد ولا قيم ولا أخلاق، فشريعة الغاب تبرمجنا وتساهم في تحفيز شرورنا.

هذه المعكوسات تمثل الصراع الأزلي بين الخير والشر، ويبدو أن للشر صولة في زمننا المكبل بالمساوئ الدهماء.

أجواء تفاعلية تعبر عن إختلاط الحابل بالنابل، وضياع قيمة كل شيئ، وما عاد للأدب والأخلاق والقيم معنى ودور، فلا بد من أنياب مكشرة تفترس ما حولها وتملأ سلال رغباتها بما تشتهيه من حقوق الآخرين، فالأنانية المدرعة بالتوحش والإنقضاض على فرائسها لا حدود لها، ولا قدرة على ردع نواياها ولجم حصان أهوائها.

الأحداث تخبرنا بأن الأقوياء يأكلون الضعفاء، والناطق بالحق مذنب، والصادح بالباطل ذو شأن وسلطان، وكل مَن عليها مُدان، وشتان بين أدعياء الأديان وحماة الأوطان، والذين يصونون كرامة الإنسان، ويحافظون على حقوقه من الأباطيل والبهتان.

الأرض تدور في عالم حيران، ودنيا ذات أحزان، وضياع وإمتهان، والقائد الشيطان، يحث على العدوان، ويرسم خرائط تمزيق الشعوب وهدم العمران.

التكنولوجيا تدمرنا، وما أتى به العلم يسحقنا، فإبداعات الشرور تعني القوة وبسطوتها تحاصرنا، وتصادر مصيرنا، وتبعدنا عن أوطاننا، وتستفيد من طاقاتنا وتستثمر قدراتنا، وتستحوذ على ثرواتنا، وتمنحنا التباغض والتلاحي لتمحقنا.

وكأننا نمشي على رؤوسِنا، ونصفق بأقدامنا، وعيوننا تحجبها الرمال، وتعميها سرابات غفلتنا، فهل إستيقظ رشدنا، وما عدنا نرى الدنيا مقلوبة في صندوق أوهامنا الأسود؟!!

تآزرتِ الحوادثُ واسْتدامَتْ

ومِنْ وَجَعٍ إلى وَجَعٍ تَوالتْ

تُعللنا النوازلُ بانْفراجٍ

وحالكةٍ بدنيانا تواصَتْ

لماذا رأسُنا فقدَتْ حَجاها

ومِنْ غفلٍ وتجْهيلٍ تعامَتْ

***

د. صادق السامرائي

صوتُ المثقف العراقي في داخل العراق وخارجه ضعف ثم تآكل ثم ضاع باستثناء أصوات فردية نادرة هنا وهناك قاوم أصحابها بكل ما يمتلكون من قوّة حتى يستمر وهجُ قناديلِ أرواحِهم وسط غابة من الظلام فتعرضوا الى كل أنواع المظالم والاِنكار والتهميش والتسفيه داخل العراق وخارجه ومايزالون، ولم يكن مسيرُهم ضد التيّار الجارف مشاكسةً أو رغبةً في الظهور وانما حباً لوطنهم، وصدقَ انتماءٍ له، وتعزيزاً لصوت الضمير الانساني ..

ما عدا هؤلاء تاه المثقف العراقي وضاع بين وكالات الخارج ودكاكين الداخل رغم ان الهامش المُتاح له كبير اِنْ كانت ارادته كبيرة ..

تمرُّ الأحداثُ المؤلمة والمثقفون العراقيون على الأعم الأغلب غائبون، غائبون على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجمعي ..

قسمٌ منهم قبل بالرشاوى الصغيرة، الصغيرة مهما كبرت: دعوة الى مهرجان شعري أو أدبي أو ثقافي أو أكاديمي، اقامة على مدى اسبوع في فندق خمس نجوم مع الطعام والشراب، اشراك في انطولوجيا شعرية أو أدبية تصدر بالعربية أو مترجمة الى لغة أجنبية، مقابلة تلفزيونية في فضائية من فضائيات الخداع والانبطاح والتملق والتهريج والتزوير، أو مكافأة مالية من صحيفة أو مجلة تصدر من بلد ثري بالمال.

انَّه أمرٌ مؤسف ان يبتعد المثقف العراقي عن روحه ومهجته وضميره، ويركن الأمر الى الآخر الذي لا يدري متى سيأتي ..

***

كريم الأسدي - العراق

نشرتُ قبل سنوات مقالة مطولة نسبياً عن الفساد واقتصاديات الفساد وحسابات الفاسدين الاقتصادية.. ونظراً لحمى محاربة الفساد السائدة في الوقت الحاضر، وجدت ان من المناسب اعادة نشرها.

الاقتصاد السياسي للفساد:

تعتبر مشكلة الفساد واحدة من اكبر المشاكل التي تواجه التنمية والتقدم في مختلف دول العالم.

والفساد. كما يعرفه معجم أوكسفورد الإنكليزي: انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة.

وتختلف اساليب مواجهة هذه الظاهرة الاجرامية بين الدول من حيث الطبيعة والشدة. ولايكاد يخلو بلد من بلدان العالم من نوع معين من الفساد. وكذلك تختلف البلدان في درجة انتشار الفساد في جسد الدولة.

بطبيعة الحال، فان موضوع الفساد . بموجب قراءاتي حول الموضوع. يحتوي على الكثير من النقاط التي تستحق الاشارة اليها ولكن المقام لايتحمل الكثير من الشرح والاطالة . لذلك سوف اكون انتقائيا في استعراض بعض النقاط التي اعتقدت بانها تستحق العرض.

الاساليب الوعظية والتوجيهية في مكافحة الفساد:

يتم التعويل في التعامل مع الفساد في بعض الاحيان من خلال الوعظ والتوسل الى الفاسدين بالكف عن فسادهم رحمة ببلدانهم وابناء شعوبهم الفقراء وتذكيرهم بالعذاب في الآخرة او بالقيم الاخلاقية والاجتماعية. وهم يتناسون ان الفاسدين هم مجرمين بلا ضمائر وفي كثير من الاحيان يكون هؤلاء اعضاء في منظمات تستعمل كل الاساليب لحماية مصالحها.

ولم يثبت في التاريخ الحديث ان دولة نجحت في مكافحة الفساد عن طريق هذه الاساليب.

الاساليب العلمية التحليلية في مكافحة الفساد:

في اوائل التسعينيات من القرن الماضي عثرت في مكتبة وزارة التخطيط العراقية على كتاب للاستاذة: روز ايكرمان، عنوانه: الفساد: دراسة في الاقتصاد السياسي (باللغة الانجليزية).

Corruption: a study in political economy (By Rose-Ackerman)

الكتاب ناقش مظاهر مختلفة للفساد لعل اكثرها اهمية وملائمة لاوضاع العراق الحالية، هي تلك الفصول التي تناقش الفساد في الاقتصاد السياسي*(سوف يأتي شرح لمعناه في حاشية هذه المقالة) والتفشي الوظيفي للرشوة.( ويكون تفشي الفساد وظيفيا functional عندما يرسي لنفسه فعاليات خاصة واهداف ومهام خاصة ترتبط كلها بطريقة تنفيذ عمليات الفساد في نشاط مؤسسي الى حد كبير.)

كذلك تناقش العلاقة الاساسية بين المصوّتين والمشرّعين وجماعات المصالح اضافة الى دور البيروقراطية الحكومية في تشكيل الخيارات التشريعية.

وهنالك فساد في القطاع الخاص ايضا ولكن مهمة مكافحته اساسا تقع على اصحاب الاعمال ومن خلال تفعيل حوكمة الشركات. اضافة الى المساندة التي تقدمها التشريعات العامة التي تعاقب وتردع الفاسدين حتى في القطاع الخاص.

الفساد كنشاط اقتصادي:

كما ذكرنا فيما تقدم. ينبغي الفصل الواضح بين الفساد كسلوك اقتصادي وبين الروادع الاخلاقية والدينية وضرورة التعامل معه كسلوك اقتصادي ينظر القائمون به الى اعتبارات الربح والخسارة كأي مشروع آخر. بمعنى ان معالجته يجب ان لاتكون عن طريق الوعظ والإرشاد (مع انها قد تكون مفيدة في بعض الاحيان) بل عن طريق جعل الإقدام على ممارسة الفساد عملية غير مجدية وتسبب خسارة كبيرة لمن يرتكبها.

ولإيضاح طبيعة الفساد من وجهة نظر اقتصادية صرفة:

تعتبر بعض الممارسات اقتصادية تماما طالما كان من يقوم بها عاقلا رشيدا حتى لو كانت ممارسة مثل القمار وفقدان الراتب الشهري في جلسة قمار واحدة. السبب هو ان الشخص العاقل الذي لعب القمار وخسر راتبه في جلسة واحدة لابد وانه كان يتوقع منفعة (لذة) تستحق ان يفقد راتبه من اجلها وبذلك فهو لم يخسر بل حقق واشبع رغبة.

نفس المنطق اعلاه يطبقه الباحثون في موضوع الفساد على الفاسدين وقراراتهم بالاقدام على عملية فساد او الاشتراك فيها ودراسة النتائج المحتملة لتلك العملية سلبا وايجاباً.

فالفاسد يقارن بين العوائد التي يحصل عليها من العملية وبين الخسائر المحتملة في حالة فضحه وتعرضه للمحاسبة.

الاستاذة ايكرمان تستخدم معادلات رياضية للحساب، مثلا:

اذا كان العائد من العملية مليون دولار ولكن العقوبة عند القبض عليه ثلاث سنوات، فانه يقارن مجموع رواتبه لثلاث سنوات مع العائد وكذلك يأخذ في الاعتبار اذا ما كان بامكانه العودة لمزاولة عمله او اي عمل آخر او لا بعد خروجه من السجن.

وكانت تستخدم الرسوم البيانية والبيانات الاحصائية والمعادلات الرياضية في شرح وجهات نظرها بعيدا عن الانشاء الوعظي الفارغ.

فترات السجن الطويلة تضيع على الفاسد فرصة التمتع باموال الفساد وتجعله يتردد عندما يعرف انه قد يسجن مدى الحياة.

كذلك فهو ينظر فيما اذا تعتبر جريمة الفساد مدمرة للسمعة والشرف ام هنالك تساهل نسبي في النظر الى الفاسد اجتماعيا وقانونياً؟

وهنا يصبح تغليظ العقوبات واحدة من الادوات التي تجعل الفاسد يتردد في القيام بعملية فاسدة.

الجدية في استرداد المبالغ التي حصل عليها الفاسد وايقاع غرامات كبيرة وسد كل الثغرات وملاحقة كل المستفيدين بشكل مباشر وغير مباشر وتطوير التشريعات بما يتلائم مع تطور آليات الفساد واشكاله مهمة جدا في هذا الصدد.

ان مستوى رواتب موظفي الحكومة يجب ان يكون حاضرا عند تحديد عقوبات وغرامات الفاسدين لان فترات السجن البسيطة والفصل من الوظيفة قد لاتردع الفاسدين لان رواتبهم متواضعة وعوائد الفساد تعوضهم عن عمل سنين.

بعض الدول المتقدمة يسود فيها نوع خطير من الفساد وهو العلاقات بين جماعات المصالح والشركات وبين المشرعين الذي يصدرون او يعيقون صدور تشريعات بما يتلائم مع مصالح تلك الجماعات لقاء منافع يحصلون عليها.

وهنالك ارتباط بين الفساد وبين هيكل مؤسسات الدولة وطبيعة الترابط فيما بينها وطبيعة الصلاحيات والتفويض وآليات اتخاذ القرارات.

وقد لوحظ تفشي الفساد في البلدان التي انتقلت من النظام الاقتصادي الاشتراكي الى نظام السوق الحرة (البلدان التي تمر في مرحلة الانتقال) نتيجة سقوط الهياكل القديمة ونشوء هياكل جديدة لم تكن واضحة ومعروفة سابقا ولم تكن العلاقات واضحة ومتقنة بين مختلف المستويات وكذلك غموض وعدم شفافية تفويض السلطات واتخاذ القرارات.

عدم قبول الثقافة السائدة لفكرة ان الفساد نشاط اقتصادي:

من خلال تجربتي في تدريس كوادر الدولة المتقدمة في الثمانينيات والتسعينيات (مدراء عموم ومحافظين ووكلاء وزارات) في مركز التخطيط والتطوير الاداري في وزارة التخطيط، كنت اواجه اعتراضات من قبل بعض المشاركين في تلك البرامج التدريبية على الفصل بين الروادع الاخلاقية والوعظية وبين التشريعات والعقوبات وسد الثغرات امام الفاسدين.

كما كانوا يعترضون على اعتبار الفساد ممارسة اقتصادية تحكمها قواعد ويمكن الحد منها عن طريق استخدام تلك القواعد.

يعتقدون ان تصنيفها كممارسة اقتصادية يعد بمثابة مدح او شرعنة لها، في حين انها هي كذلك شئنا ام ابينا. كما يعتقد البعض ان المقاربة الدينية هي الافضل من حيث أثرها الردعي مع ان الكثير من الناس لا يكترثون بالوعظ الديني وقد يكونون

ملحدين او من ديانات مختلفة. فاي شريعة سوف تستخدم لردعهم واخافتهم؟؟ بطبيعة الحال فان القانون المدني هو الكفيل بذلك لانه لديه قوة ردع  لكن الدين ليس فيه اكراه بل وعظ.

ليس من السهل اقناع هؤلاء الناس بمفهوم التجريد في البحث العلمي وفصل المؤثرات عن بعضها افتراضيا ليسهل التعامل معها بشكل سليم وواقعي.

العقل الاختزالي المتخلف يرفض القبول بوجود علم اقتصاد وعلم سياسة وعلم فقه وشريعة وعلم قانون وتشريع. ويرغب في تناول هذه القضايا الخطيرة بخطاب انشائي شامل ليست له قيمة تطبيقية.

***

د. صلاح حزام

......................

- يعتبر انتونيودي مونت كريتين اول من اخترع تعبير الاقتصاد السياسي في عام 1615 عندما وضع كتابه المعنون: مقالة في الاقتصاد السياسي. ويعتقد آخرون ان مصطلح الاقتصاد السياسي قد استخدم في وقت سابق من قبل لويس دي ميرنيه عام 1611 وكان يناقش العلاقة بين علم الاقتصاد والدولة.كما انه استخدم المصطلح عندما كان يبحث واجبات السلطة السيادية تجاه مواطني الدولة. وكانت الضرائب هي القضية الاساسية التي حاول هؤلاء المفكرون تنظيم اسس تحديدها وفرضها وجبايتها وبيان مخاطر سوء استخدامها كحق سيادي للدولة على الرعايا. ومن هنا تأتي العلاقة بين الاقتصاد والسياسة . فالسياسة تأتي من الكلمة اليونانية(polis) التي تعني المدينة واصبحت دلالة رمزية للدولة او الحكم خاصة وان اليونان القديمة كانت تحكم من قبل عدد من مما يسمى (الدولة - المدينة) City-state

 

المسؤول الفاسد لا يخون المبادئ الحسينية فقط التي تلبّس بها للوصول إلى السلطة، إنما يخون الإسلام برمته، وقيم المواطنة الحقة.... وسينال لعنة الله والشعب والأولين والآخرين بتاريخ أسود ملوث بخيانة الأمانة وعار أبدي.

سؤالٌ إلى الفاسد:

ألم تسأل نفسك يوماً: كيف فضّلتَ منافعك الشخصية، ومصالح أسرتك، ودائرتك المقربة والمشبوهة، على مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الثورة الحسينية التي طالما ادعيت الانتماء إليها؟

الا تستحي، مع مَن تعبث حين ترهن أمانة أمّة وأجيال كاملة من أجل مكاسب زائلة، وتظن أن التاريخ أو الشعب أو الحقّ الإلهي سيغفر لك هذه الخيانة؟

كيف نردع الخائن؟

لا شك ان الوعي الشعبي هو الخط الدفاعي الأول والأهم في مواجهة استغلال المبادئ، والضمانة الحقيقية لتحويل الشعارات إلى مسار عملي من المساءلة والتغيير.

فعندما ينضج وعي المجتمع، يتغير الفهم العام للعمل السياسي والخدمي من الانبهار بالخطابات إلى تقييم الأفعال والنتائج.

يتشكل الوعي الشعبي الفاعل عبر عدة محاور رئيسية:

معيار النتائج لا الخطابات: التحول من نقد الأشخاص إلى نقد الأداء والمخرجات.

الوعي الحقيقي يجعل المواطن يسأل عن مدى نزاهة إدارة الأمانة العامة، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، بدلاً من التأثر بالإدعاءات المزيفة المغلفة بالعبارات البلاغية.

التمييز بين المبدأ ومُدعيه:

من حسن الوعي إدراك أن السلوكيات الفردية للمسؤولين، مهما تغطت بشعارات سامية، لا تعبر عن المبادئ ذاتها، بل تعبر عن نزاهة الفرد أو عدمها.

ان مثل هذا الفصل يحمي القيم من التشويه، ويسقط الشرعية الأخلاقية عمن يتخذها ستاراً لمصالح ذاتية.

الرقابة المجتمعية المستمرة:

من حسن المواطنة ينبغي عدم اختزال المشاركة في المواسم الانتخابية فقط، بل متابعة القرارات العامة، والدفاع عن شفافية المؤسسات، ودعم الصحافة والإعلام المستقل، والحرص على تقصي الحقائق والمعلومات الموثوقة.

بناء ثقافة المساءلة القانونية:

من حسن الالتزام بالقانون إدراك أن الحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد يمثلان نصاً دستورياً وواجباً قانونياً وأخلاقياً، وأن حماية أمانة الدولة تبدأ من تفعيل أجهزة الرقابة والالتزام بسيادة القانون فوق الجميع.

حسن الديمومة: الوعي الشعبي ليس مجرد غضب مؤقت أو انفعال مع الأحداث، بل هو سلوك مدني وبناء مستدام يفرض على المشهد السياسي معايير عالية من النزاهة والمسؤولية.

كيف ينشأ الوعي الشعبي؟

تؤدي المؤسسات التعليمية والإعلامية أدواراً متكاملة في بناء النزاهة وتشكيل الوعي الجمعي؛ فالتعليم يؤسس للمفاهيم والقيم الأخلاقية في مراحل التنشئة الأولى، بينما يقود الإعلام الرأي العام ويُمارس الدور الرقابي على الواقع اليومي.

أولاً: دور المؤسسات التعليمية (التأسيس التربوي والفكري)

تحويل النزاهة من مفهوم نظري مجرد إلى سلوك يومي وممارسة واعية يتطلب العمل عبر أربعة محاور أساسية:

تطوير المناهج الدراسية:

تضمين مفاهيم المواطنة، وأهمية حماية المال العام، وأبعاد خيانة الأمانة في مناهج التربية الوطنية والأخلاقية، مع تدريس فلسفة القانون وسيادة أحكامه لبيان أن المؤسسات هي الحامي للحقوق وليست الأهواء الفردية.

اعتماد أسلوب التفكير النقدي:

انتقال التعليم من التلقين والحفظ إلى التحليل والنقد؛ لتمكين الطالب من تفكيك الخطابات، وتمييز الشعارات البلاغية عن الحقائق الرقمية والنتائج الملموسة، وتدريب الطلبة على تقييم الأفكار بناءً على منطقيتها وأدلتها.

البيئة المدرسية والمجاميع الطلابية:

تطبيق قيم الشفافية والعدالة داخل البيئة التعليمية نفسها (في الامتحانات، والأنشطة، والانتخابات الطلابية)، وممارسة تجارب الديمقراطية المصغرة والمساءلة الإيجابية داخل الفصل لترسيخ شعور المسؤولية الفردية تجاه المصلحة العامة.

ربط التاريخ بالقيم الإنسانية:

تقديم الشخصيات التاريخية والرموز الوطنية من خلال أفعالهم وإنجازاتهم وسلوكهم الأخلاقي، لترسيخ نموذج القدوة الذي يربط القول بالعمل.

ثانياً: دور الإعلام التنويري والرقابي

يمثل الإعلام الشريك المكمل للمؤسسة التعليمية من خلال نقل الحقائق بشفافية، وكشف مغالطات الخطاب السياسي، والتوعية بالحقوق الدستورية وآليات الحفاظ على المال العام، وممارسة الصحافة الاستقصائية التي تقيّم السياسات والخدمات بعيداً عن الإثارة والتسييس.

إن بناء جيل قادر على حماية أمانة الدولة ومكافحة الفساد يتطلب إيجاد بيئة تتكامل فيها المدرسة التي تزرع العقل النقدي، مع الإعلام الذي يوفر المعلومة الشفافة والرقابة المستمرة؛ وبذلك تتحول "المساءلة" من مجرد شعار إلى ثقافة مجتمعية راسخة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

2026/8/7

يقول ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد): "بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك المعنى حتى يرجع إلى موضعه، ثم أجتني لك أحسنَها.

***

شهد العصر الأموي، كما هو معلوم، اتساع الفتوحات، وتفرق الولاة والعمال في أنحاء الدولة الإسلامية. فتزايدت الحاجة إلى التدوين وتبليغ الأمور الإدارية والسياسية، لذا أنشأ الخلفاء ديوان الرسائل، واعتمدوا بشكل متزايد على الكُتاب في تصريف شؤون الدولة.

وسرعان ما ازدهرت حركة الخط والكتابة، واكتست أهمية لدى مختلف فئات المجتمع، فاحتلت الرسائل مكانة الصدارة، باعتبارها أهم أشكال الخطاب الأدبي. وتنوعت موضوعاتها لتشمل بالإضافة إلى أمور الإدارة والسياسة، قضايا مجتمعية، واقتصادية، وحصيلة التداول اليومي في شؤون الحياة الخاصة والعامة.

كانت لغة الرسائل بسيطة وصريحة، تحقق مجرد الإفهام فحسب. كما كانت خاضعة لنظام الإملاء، فالخليفة يُملي والكاتب يَنسخ. غير أن انفتاح الدولة الأموية على شعوب غير عربية، تختلف عنها في المزاج والتفكير، عزّز الحاجة إلى التفاهم والتواصل، وتطوير أسلوب الكتابة بما يتناسب مع الوضع الجديد. فظهر على الساحة كُتاب أسهموا في توجيه مضامين الكتابة وأساليبها، وعلى رأسهم عبد الحميد بن يحيى .

يقول الدكتور عمر فروخ" ولا شك في أن عبد الحميد أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات، في فصول الكتب. وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا. وهو الذي سهّل البلاغة في الترسل، وجعل الكتابة صناعة كسائر الصناعات."

مثّلت الرسائل التي ألفها عبد الحميد الكاتب أوائل القرن الثاني الهجري، نموذجا حيا لتطور الكتابة العربية من خلال فن الترسل. وهي تبرز جهوده في التحرر من التقاليد الأدبية القديمة، واستقلال شخصية الكاتب، حيث إنه:

- جدّد مواضيع الرسالة، فبعد أن كانت مجرد خواطر سياسية ووعظية تفتقر إلى التحليل، أصبحت تشمل مواضيع الشكر، والنصيحة، والتهديد، والعتاب.

- تفنّن في التعبير على مستوى الفكرة والجملة والتركيب، فحرّر أسلوب الكتابة من بداوة اللغة، ولهجة الخطابة والإيجاز.

- هذّب اللغة وجمّلها لترتقي إلى صنف الكتابة الفنية، إضافة إلى مزجه بين الأسلوب العربي وروافد الثقافتين الفارسية واليونانية.

اتخذت الكتابة مع عبد الحميد الكاتب صفة النص الأدبي المتكامل شكلا ومضمونا. فكان لرسائله بناء داخلي يستوعب القضية أو الرأي، ثم يوزعها على فقرات مستقلة، لكل فقرة وحدتها المعنوية التي تخدم الفكرة، مع استخدامه تنبيهات لفظية تعين على التمييز وتجديد الاهتمام.

يقول في رسالته إلى الكُتاب:" إن الكاتبَ يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحِلم، فقيها في موضع الحكم، مِقداما في موضع الإِقدام، مِحجاما في موضع الإحجام، ليّنا في موضع اللّين، شديدا في موضع الشّدة، مُؤْثِرا للعفاف والعدل والإنصاف، كَتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد.. قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكَمَه، وإن لم يُحكِمه شدا منه شدوا يكتفي به".

امتازت صنعة الكتابة لدى عبد الحميد باستغلال الإمكانات المختلفة للغة العربية، لتغيير الصورة الذهنية السائدة حول كاتب الديوان. وتكشف رسائله عن شعور عميق بضرورة التخلص من القيود المهنية للكتابة، لبلوغ التحرر الذي يسمح له بالإبداع. من هنا كان حرصه على تبني أسلوب يجمع بين النثر في هيكلة النص وبناء الفقرات، وبين الشعر في اعتماد الصور الفنية، والمحاكاة، والنغم، والإيقاع.

تُظهر لنا رسائل عبد الحميد خصائص جديدة تميزت بها صنعة الكتابة عنده، وهيأت السبيل أمام تقاليد فنية يتبناها جيل الكتابة بعده، وفي مقدمتها:

- تسلسل الأفكار وترابطها في فقرات منفصلة، مما يكشف عن عقل منطقي ومنتظم. يقول الدكتور طه حسين:" إن قارئه يستطيع أن يقرأ الفقرة، ثم يقف ويستريح عند آخرها. بل يستطيع ان يطوي الكتاب يوما أو أكثر، ثم يعود إلى القراءة دون أن يشعر بانقطاع المعنى".

- الدقة في اختيار الألفاظ والعبارات لتوضيح ما يقصد من معان، فكان يُكثر من استعمال صيغ التفضيل والحال، والطباق والمقابلة لتقريب الفكرة وإيضاحها.

- الموازنة والسجع، حيث اقتبس عبد الحميد من القرآن الكريم أسلوب الكلمات المتقابلة على صيغ متشابهة، كقوله" اعلم أن الظَّفر ظفران، أحدهما أعمُّ منفعة، وأبلغُ في حسن الذكر قالةً، وأحوطُ سلامةً، وأتمّه عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما.." 

 - الإسهاب في التعبير، فكان يُعبر عن المعنى الواحد بتراكيب مختلفة، لزيادة التوضيح، أو لمقتضى البلاغة، فيقول مثلا: "واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خُدع إبليس، وحبائل مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها."

- غلبة الجمل الإنشائية، بحيث لا تخلو مكاتباته من الأمر والنهي، والدعوة إلى الاتصاف بأخلاق وسلوكيات معينة. ولعل السبب في ذلك هو الطبيعية التعليمية لأسلوبه، بحكم موقعه في ديوان الخلافة.

أصبحت الكتابة عملا معقدا يتطلب ثقافة واسعة، واطلاعا على الأدب بتنوع روافده. فالنهضة التي أحدثها عبد الحميد في عالم الكتابة آنذاك، ألزمت من يأتي بعده من الكُتاب بخصائص جديدة للصنعة، يتوجب فيها على الكاتب أن يمتلك اللغة، ليتصرف في المعاني كما يشاء، وينظم أسلوبه تنظيما موسيقيا دقيقا، حتى تروقَ الكتابة العين والأذن، كما تروق العقل والقلب، يقول الدكتور شوقي ضيف.

في رسالته للكُتاب يُسطر عبد الحميد ما يمكن أن نسميه بدستور الكتابة. فطبقة الكُتاب التي أصبحت جماعة بارزة في مفاصل الدولة، تدين بشرف الصنعة لمجموعة مبادئ من ضمنها قوله: " فنافسوا معشرَ الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حِلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيَرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهِممكم.."

***

حميد بن خيبش

................

- عمر فروخ: الرسائل والمقامات

- حسين نصار: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي

- محمد كرد علي: رسائل البلغاء.

الحياة لا تتسع لكل شيء

الحياة مليئة بالمغريات والخيارات والأشياء التي يرغب الإنسان في امتلاكها أو تجربتها أو الاستمتاع بها، لكن من غير المعقول أن نستطيع الحصول على كل شيء في الوقت نفسه. ومن هنا تأتي أهمية أن يتعلم أبناؤنا منذ الصغر فن ترتيب الأولويات؛ أن يعرفوا ما الذي يجب أن يأتي أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي ينبغي الاستغناء عنه كلياً. فالإنسان الناجح هو الذي يعرف ماذا يفعل أولًا، ومتى يفعله، وكيف ينظم حياته من حوله.

تختلف الأولويات باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها الإنسان؛ فما يكون أولوية للطفل قد لا يكون كذلك للشاب، وما يناسب الطالب قد يختلف عن احتياجات الموظف أو رب الأسرة. لكن هناك مبادئ أساسية ينبغي أن ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته، وفي مقدمتها احترام الوقت، والجدية في العمل، والنظام، وتحمل المسؤولية.

ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الأسر أنها تمنح الخادمات دورًا كبيرًا في تحمل مسؤوليات الأبناء اليومية؛ فتقوم الخادمة بترتيب غرفهم، وتجهيز ملابسهم، وتنظيم حاجياتهم، بل وأحيانًا إنجاز أمور يستطيع الأبناء القيام بها بأنفسهم. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الآخرين إلى عادة، ويصبح الابن عاجزًا عن إدارة أبسط شؤون حياته. وقد لا ندرك حجم هذه المشكلة إلا عندما تغيب الخادمة أو تمرض؛ فعندها قد يتحول البيت إلى فوضى، ويفقد الأبناء بوصلتهم، ولا يعرفون ما الذي ينبغي عليهم فعله، لأنهم لم يتعلموا أصلًا القيام بهذه المسؤوليات بأنفسهم. لا تتركوا الخادمات يحددن لأبنائكم أولوياتهم، ولا تحرموهم من فرصة أن يتعلموا بأنفسهم كيف يرتبون غرفهم، ويحافظون على ممتلكاتهم، وينظمون أوقاتهم، ويتحملون مسؤولياتهم. فالمساعدة ينبغي أن تكون عونًا للإنسان، لا بديلًا عن قدرته على الاعتماد على نفسه. نريد لأبنائنا أن يكبروا ليكونوا رجالًا ونساءً ناجحين في دراستهم وعملهم، كما في حياتهم الأسرية؛ أن يكونوا أزواجًا وزوجات ناجحين، وآباء وأمهات قادرين على تحمل مسؤولياتهم، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء بيوتهم، لا أشخاصًا ينتظرون من يقوم عنهم بكل شيء.

إن تعليم الطفل ترتيب غرفته، وجمع حاجياته، والمشاركة في أعمال المنزل، وتنظيم وقته، والاعتناء بنفسه وبمن حوله، ليس تكليفًا زائدًا عليه، بل هو جزء أساسي من تربيته. وعلينا أن نعلّمه أن مسؤولياته الشخصية لا ينبغي أن يحملها عنه الآخرون. كذلك، علينا أن ندرّبه على الاستقلالية؛ فمن الخطأ أن ننتظر حتى يغادر أبناؤنا منزل والديهم لنعلّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم ويديرون شؤون حياتهم. فالاستقلالية تبدأ منذ الصغر، ومنذ اللحظة التي نمنحهم فيها الفرصة للقيام بما يستطيعون القيام به بأنفسهم.

علّموهم احترام الوقت، فالوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن استعادته. ومن يتعلم منذ صغره أن للوقت قيمة، وأن لكل عمل موعدًا، ولكل مهمة وقتًا محددًا، سيكون أكثر قدرة على إدارة حياته عندما يكبر. للدراسة وقت، وللعمل له وقت، وللراحة والترفيه وقت أيضًا، وليس من الحكمة أن يطغى جانب على آخر.

علّموهم أن العمل الجاد ليس مرتبطًا بالوظيفة فقط. فالدراسة بالنسبة للطالب عمل ومسؤولية، وترتيب الغرفة عمل، ومساعدة الأسرة عمل، ثم يأتي العمل المهني والإنتاجي في مراحل لاحقة. المهم أن يتعلم الابن أن ما يُوكَل إليه من مسؤوليات ينبغي أن يؤديه بجدية وإتقان، لا أن ينتظر دائمًا من يراقبه أو يذكّره بما عليه أن يفعل.

ثم يأتي النظام والترتيب، النظام يبدأ من الأشياء الصغيرة وهو درس يبدأ من أبسط الأشياء. فالطفل الذي يتعلم أن يرتب سريره، ويعيد كتبه وألعابه إلى أماكنها، ويحافظ على نظافة غرفته، ويتعامل مع ممتلكاته بعناية، يتعلم في الحقيقة مهارة أعمق من مجرد الترتيب؛ إنه يتعلم احترام المكان، وتحمل المسؤولية، والانضباط. ومن الغرفة ينتقل النظام إلى البيت، ثم إلى المدرسة، فالجامعة، فالمكتب ومكان العمل. وليس المقصود بالنظام أن يعيش الإنسان في بيئة جامدة تخلو من العفوية وتملؤها الرتابة والملل، وإنما أن يعرف أين يضع الأشياء، وكيف ينظم أعماله، وكيف يصل إلى ما يحتاج إليه دون إضاعة الوقت والجهد. فالنظام هو وسيلة لجعل الحياة أكثر سهولة ووضوحًا وانسيابية وليس تقييدًا لها.

والأهم من ذلك كله أن نعلّم أبناءنا تحديد أولوياتهم بأنفسهم. لا ينبغي أن نبقى نقرر عنهم طوال حياتهم: متى يدرسون، ومتى ينامون، ومتى يعملون، ومتى يتركون هواتفهم. دورنا أن نعلمهم كيف يقررون، ثم نمنحهم تدريجيًا مساحة لتحمل نتائج قراراتهم. فالابن الذي يتعلم أن يقول: «هذا واجبي أولًا، وبعد أن أنجزه أستطيع أن أستمتع بوقتي»، يكون قد قطع خطوة مهمة نحو الاستقلالية والنضج.

الترفيه والراحة جزء طبيعي وأساسي من الحياة، حين يكون في مكانه الصحيح ويجب ألا يتحول إلى أولوية على حساب الدراسة، أو العمل، أو الأسرة، أو حتى النوم. فالهاتف، والألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخروج مع الأصدقاء، كلها يمكن أن تكون جزءًا جميلًا من الحياة إذا وُضعت في مكانها الصحيح، لكنها تصبح مشكلة عندما تستولي على الوقت كله.

التربية الحقيقية لا تعني أن نملأ يوم أبنائنا بالأوامر والتعليمات، نمليها عليهم ليل نهار؛ فهذا غير منطقي وغير صحيح. وإنما أن نساعدهم على بناء وعي ذاتي بالمسؤولية يجعلهم يعرفون ما ينبغي فعله حتى عندما لا يكون أحد إلى جانبهم. فالنجاح يبدأ من أشياء تبدو صغيرة: غرفة مرتبة، مكتب منظم، موعد لا يتأخر عنه، مهمة ينجزها في وقتها، كتاب يقرأه، ووقت يخصصه للراحة دون أن يسمح للراحة بأن تبتلع واجباته.

وفي النهاية، علّموا أبناءكم الأولويات قبل أن تعلموهم المنافسة، وعلّموهم النظام قبل أن تطلبوا منهم النجاح. فالشخص الذي يستطيع أن ينظم غرفته، وبيته، ووقته، وواجباته، وعمله وترفيهه، يكون قد تعلم واحدة من أهم مهارات الحياة: أن يدير نفسه بنفسه. ومن يُحسن إدارة نفسه، يكون أكثر قدرة على إدارة مستقبله، وهذا هو النجاح.

لا بد من كلمة أخيرة. أنا لا أدّعي، لا سامح الله، أنني بلغت من الكمال ما يؤهلني لأن أكون مصلحًا اجتماعيًا، أو أن أقدّم نفسي نموذجًا يُحتذى به. فما أكتبه هنا ليس سوى خلاصة تجربة طويلة في الحياة، حملت من الإيجابيات ما حملت، ولعل سلبياتها وأخطاءها كانت أكثر من إيجابياتها، لكنها علّمتني الكثير، وأكدت لي أن الإنسان كثيرًا ما تكون أخطاؤه وعثراته هي معلمه الأكبر.

ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أشارك أحبتي وأبنائي وأصدقائي بعض ما تعلمته من هذه الرحلة الطويلة، لا على سبيل الوعظ، ولا تقديم النصائح من موقع من بلغ الكمال، وإنما أملًا في أن يجد أحدهم في تجربة عاشها غيره ما قد يجنّبه خطأً، أو يرشده إلى طريق أفضل، أو ينفعه في تربية أبنائه وبناء حياته.

فإن أصابت هذه الكلمات شيئًا من الصواب، وانتفع بها أحد، فذلك هو المقصود والغاية، والله من وراء القصد.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

أن يعبر أهل الدار بألوان الطرب عن حال البهجة والسرور التي تصحب حفل زفاف أو عقيقة، فتلك عادة سائرة، سواء روعيت فيها توجيهات الإسلام أو ضجّت بالمخالفات الشرعية. لكن أن يتحول الصيف العربي برمته إلى ملحمة من الأهازيج والطرب المتواصل، برغم ما نعاينه ونعيشه من مآس وأزمات، فذلك وضع لا يحتمله عاقل، وشرود يلهي عن المخاطر الواردة والمحتملة.

تتناسل مهرجانات الطرب والرقص كالفطر في شتى أنحاء الوطن العربي، حتى صار كل شبر أرضا للبهجة، والفنانون جزءا من العائلة. ويتم تسويق الأمر تحت مسمى الحدث الثقافي، وتعزيز الانفتاح، وتأكيد سلمية شعوب تحمل وصمة الإرهاب، إلى غير ذلك من التبريرات. وإذا كانت الفكرة الأساسية هي الترويح وملء ساعات من الفراغ، والابتعاد عن الهموم التي تولدها القضايا الجادة للعالم، فإن الحقيقة غير ذلك، يصرح إيريك بارنو مؤرخ التلفزيون الأمريكي، إذ أن هناك إيديولوجيا مضمرة لتشكيل آراء الناس، والترويج للوضع الراهن فضلا عن الإفلاس القيمي .

عاش المجتمع العباسي خلال منتصف القرن الثاني الهجري وضعا مماثلا نتيجة الخلطة الإثنية التي أعقبت الفتوحات الإسلامية، والتمركز الشديد لمختلف الأجناس في حواضر الإمبراطورية خاصة بغداد. بالإضافة إلى حالة اليسر التي عرفتها الطبقة الحاكمة ومختلف الفئات المرتبطة بها، مما عزز الإقبال على الملذات الحسية، وتشكُّل ظواهر اجتماعية غير مألوفة بتلك الحدة لدى العنصر العربي. وكانت مجالس الغناء والرقص من بين الظواهر المميزة التي عكست المزاج النفسي والثقافي العام، واكتست بعدا إيديولوجيا يُسهم عبر جملة من السلوكيات والتعبيرات في تثبيت الوضع الراهن، وإلهاء الشعوب عما يجري حولها من اضطراب وتقلبات.

هيمنت طقوس الغناء على كل فئات المجتمع فبرز اهتمام ملحوظ بالصنعة الغنائية. ونشطت سوق الجواري المغنيات فانكمشت الآداب العامة مقابل تطبيع شعبي مع المجون ،ومفردات اللهو وتحريك الغرائز، حيث صار من قواعد الصنعة ألا تكتفي القينة- الجارية المغنية- بالصوت الحسن، بل عليها أن تنكب على دراسة مكملات الغناء من مطارحة ومراودة. وفي كتاب (القيان) أسهب الجاحظ في وصف ألاعيبهن وطرق غوايتهن، ليختم بالقول:" وكيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تُكتسب الأهواء وتُتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي تنشأ من لدن مولدها إلى وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث، وصنوف اللعب و الأخانيث، وبين الخُلعاء والمُجّان، ومن لا يُسمَع منه كلمة جد ولا يُرجع منه إلى ثقة ولادين ولا صيانة مروءة".

  ما يود الجاحظ قوله بلغة عصرنا أن الحالة الإبداعية التي سايرت الركب الحضاري آنذاك لم تعتمد فقط على الموهبة والتمكن، بل احتاجت إلى التحلل من قيد الأخلاق حتى تصل رسالة الفن كاملة ! وهي الصورة التي نعاينها اليوم لدى جل أهل الطرب والفن الذين باتت أجسادهم وأقوالهم وأفعالهم رسائل تصدم الحس العام، بدفاعها عن العري والشذوذ والاستهزاء بتعاليم الدين.

سايرت الحالة الغنائية ركب بني العباس إلى أن طار سهم من جيوش التتار المحاصرة لبغداد، فأصاب جارية ترقص بين يدي الخليفة المستعصم. حينها أغلقت دار العرس أبوابها إلى أجل مسمى، مفسحة المجال لنكبة جرت خلالها الدماء في الأزقة والجوامع، وأعادت ترتيب أوراق الأمة من جديد.

ليس العيب في الفن تحديدا وإنما في حالة الإسهال الفني التي تتجاوز مطلب الترويح إلى تغليب منطق الكم، وتبديد الوقت والمال بإغراق الفضاء العام بعدد هائل من الفعاليات الطربية، والأمسيات الغنائية. وإذا كانت وظيفة الفن هي تقديم التنوع وغير المتوقع لجذب الانتباه والحفاظ عليه، فإن للتنوع ضوابطه التي لا تخرج به عن نطاق الذوق السليم، ولا تلحق الضرر بعقل المسلم ووجدانه. أما ما يجري التسويق له اليوم في أغلب التظاهرات الفنية فلا يحيد عن دائرة الإسفاف، والهبوط المشين بالذوق العام، والتأسيس لبعد شهواني يقرن الفن بالرذيلة وتعاطي الممنوعات، وإشباع المتع على حساب مستقبل غير منظور.

إن الطرب والغناء شأنهما اليوم شأن أية سلعة أخرى في المجتمع المعاصر، وبالتالي ينجم عن استهلاكهما المفرط  فقدان القدرة على الإحساس بالمتعة، وربما تضخم مشاعر السخط والحرمان، خاصة حين يغفل الواقفون خلف الكواليس عن تبعات قانون غريشام الشهير: العملة الرديئة تطرد نظيرتها الجيدة من السوق.

يُؤثر عن الشيخ حسن العطار، أحد أعلام الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري، أنه كان مولعا بالسماع، واشتهر قوله في أحد مصنفاته: "من لم يتأثر برقيق الأشعار، تُتلى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، في ظلال الأشجار، فذلك جلف الطبع حمار." وأغلب الظن أن الإمام لم يعاين رداءة الحناجر في زماننا، والصخب الذي تلوث به أغلب المهرجانات أسماع الخلق، ولو فَعل لكان له رأي آخر في الحمار الذي يثير الغبار، ويهدم بالكلام النابي رقيق الأشعار، فلا يَسعُ سليمَ الذوق إلا الفرار!

***

حميد بن خيبش

................

* دار العرس: كناية مغربية عن الموضع الذي لا يكف أهله عن الطرب والغناء صباحَ مساء.

بين دقة العلم وأوهام التشكيك

منذ تلك اللحظة التاريخية في العشرين من يوليو عام 1969، حين وضع نيل آرمسترونغ قدمه على أديم القمر معلناً قفزة عملاقة للبشرية، لم يتوقف الجدل. أين النجوم في الخلفية؟، لماذا يرفرف العلم ولا هواء هناك؟، هل هي مجرد مسرحية أخرجتها هوليوود لتهزم بها أميركا السوفييت في الحرب الباردة؟. إننا أمام أكثر من خمسين عاماً من التشكيك، لكن حين نغوص في أعماق العملية العلمية والبيانات التاريخية، نكتشف أن القضية لا تتعلق بقدرة البشر على الوصول للقمر بقدر ما تتعلق بمدى فهمنا للطريقة التي يعمل بها العلم والتكنولوجيا.

 العلم: دقة تفوق الخيال

لفهم كيف وصلنا إلى القمر، يجب أن ندرك أولاً حاجز الدقة الذي بلغه العلم في الستينيات. يعتقد البعض أن المهمة كانت معقدة لدرجة الاستحالة، لكن الحقيقة أن العلم في تلك الفترة كان قد حقق إنجازات مذهلة؛ ففي عام 1965، استطاع ريتشارد فاينمان عبر "الإلكتروديناميكا الكمية" حساب العزم المغناطيسي للإلكترون بدقة تصل إلى واحد في التريليون! وإذا كان العلم قادراً على كشف التركيب الكيميائي للحمض النووي (DNA) في خلايانا، وتحديد أماكن البروتونات داخل الذرة، فإن حساب مدار القمر وتوجيه مركبة فضائية إليه يُعد -نسبياً- أمراً قابلاً للتنفيذ بدقة رياضية شديدة.

إن المشكلة في وعينا البديهي هي أننا نرى النتائج النهائية (الهبوط) ونظن أنها حدثت في خطوة واحدة. الواقع أن برنامج (أبولو) لم يكن وليد الصدفة، بل كان تتويجاً لجهود مضنية تكلفت بمعايير اليوم نحو 200 مليار دولار. لقد سبقت (أبولو 11) عشرات المهمات التجريبية: برنامج (ميركوري) لاختبار رجل واحد في الفضاء، ثم (جيمناي) لاختبار التحام المركبات، ثم برامج (لونار أوربيتار) و(سورفيور) التي قامت بمسح فوتوغرافي شامل لسطح القمر وهبطت بمركبات غير مأهولة للتأكد من صلابة التربة. كل برغي في مركبة القمر كان نتيجة آلاف الساعات من الاختبار والفشل والتعلم.

الرد على ادعاءات التزييف

يتمسك المشككون بتفاصيل بصرية يظنون أنها أخطاء إخراجية، لكن العلم لديه ردود قاطعة عليها:

-  رفرفة العلم: العلم لم يرفرف بسبب الرياح (فلا غلاف جوي للقمر)، بل بسبب اهتزاز السارية المعدنية عند غرسها، وبما أنه لا يوجد هواء ليخمد هذا الاهتزاز، استمر القماش في التحرك لفترة بفعل القصور الذاتي.

-  غياب النجوم: التقط الرواد صورهم في نهار القمر؛ حيث تكون الشمس ساطعة جداً وسطح القمر عاكساً للضوء. لضبط الكاميرا على الأجسام الساطعة (الرواد والمركبة)، كان من المستحيل تقنياً أن تظهر نقاط الضوء الخافتة (النجوم) في الخلفية.

-  تعدد اتجاهات الظلال: يزعم البعض أن هذا دليل على وجود إضاءة استوديو، لكن الحقيقة أن تضاريس القمر المتعرجة، من مرتفعات ومنخفضات، هي التي تجعل الظلال تبدو مشوهة أو بأطوال وزوايا مختلفة، تماماً كما يحدث حين تسير في منطقة جبلية وقت الغروب.

-  حزام "فان ألين" الإشعاعي: قيل إن الإشعاع كان سيقتل الرواد، لكن ناسا صممت مسار الرحلة ليمر الرواد عبر المناطق الأقل كثافة إشعاعية وبسرعة كبيرة، فضلاً عن حماية غلاف الألومنيوم للكبسولة، مما جعل جرعة الإشعاع ضمن الحدود الآمنة.

 سيكولوجيا المؤامرة: البحث عن عدو

لماذا يصر البعض على التكذيب رغم كل الأدلة؟ يرى الفلاسفة وعلماء النفس أن نظرية المؤامرة تعطي الإنسان شعوراً زائفاً بالمعرفة والسيطرة. في عالم معقد ومحبط أحياناً، يسهل تصديق أن هناك كياناً شريراً (ناسا أو الحكومة) يخدع الجميع، بدلاً من الاعتراف بأننا ربما لا نفهم تعقيدات الفيزياء. إن المشككين يقعون في تناقض عجيب: يصفون المتآمر بأنه عبقري لدرجة خداع العالم بأسره، ثم يصفونه بالغباء لأنه نسي إخفاء أخطاء بدائية في الصور!

علاوة على ذلك، فإن أقوى دليل تاريخي على صدق الهبوط هو صمت الاتحاد السوفييتي. في عز الحرب الباردة، كان السوفييت يراقبون كل إشارة راديو صادرة من أبولو. لو كانت هناك ذرة شك واحدة في أن الرحلة مفبركة، لكان الروس أول من فضحوها أمام العالم ليهدموا الهيبة الأميركية، لكنهم لم يفعلوا، لأنهم ببساطة كانوا يعرفون يقيناً أن الأميركان وصلوا هناك.

 الدليل المادي الملموس

بعيداً عن الصور والنقاشات، ترك الرواد خلفهم أدلة مادية لا تزال موجودة حتى اليوم:

-   عاكسات الليزر: وضع الرواد مرايا خاصة على سطح القمر، واليوم يقوم العلماء من مختلف دول العالم بتوجيه نبضات ليزر إليها لترتد للأرض، مما يسمح بحساب المسافة بيننا وبين القمر بدقة السنتيمترات.

-   صخور القمر: عاد الرواد بـ 382 كيلوغراماً من الصخور القمرية. هذه الصخور تختلف كيميائياً وفيزيائياً عن أي صخور أرضية، فهي تحمل آثار ارتطامات نيزكية مجهرية وتفتقر تماماً للماء والأكسجين الحر، وهي متاحة للعلماء حول العالم للدراسة.

-   صور مسبار(LRO): في السنوات الأخيرة، قام مسبار (مستكشف القمر المداري) بالتقاط صور عالية الدقة لمواقع هبوط أبولو، حيث لا تزال منصات الهبوط، وعربة القمر، وحتى آثار أقدام الرواد واضحة للعيان في بيئة لا تعرف الرياح التي تمحو الأثر.

ختاماً، إن الهبوط على القمر لم يكن مجرد انتصار سياسي لأمة، بل كان شهادة على عظمة العقل البشري وقدرته على تجاوز المستحيل بالمنهج العلمي. التشكيك في هذا الإنجاز هو تشكيك في آلاف العلماء والمهندسين الذين أفنوا حياتهم في الحسابات والتجارب. لقد وصل الإنسان إلى القمر، ليس بالصدفة، بل بخطوات واثقة بُنيت فوق أكتاف عمالقة العلم، وما زالت آثار أقدامهم هناك شاهدة على أن حدودنا هي السماء.. وما وراءها.

***

رمزي ميركاني

 

العقائد رافقت البشرية منذ الأزل، ولا ضير فيها، والعيب الفادح في الإقتراب التطرفي، الذي يطوّعها لرؤيته النابعة من رغبات النفس الأمّارة بالسوء.

التطرف: المغالاة والتشدد في الرأي والفكر

 والتطرف يعني، تبني أفكار أو معتقدات أو مواقف تتسم بالمبالغة والتشدد، مع رفض الآراء الأخرى وعدم قبول الحوار أو التعددية، ويدفع إلى تبرير العنف أو الإقصاء لتحقيق أهدافه.

ويكون دينيا، سياسيا، فكريا أو قوميا وإجتماعيا، ومن أسباببه، الجهل وضعف الوعي، والفقر والبطالة والتهميش، والظلم والشعور بالإقصاء، وسوء فهم النصوص بأنواعها، وتأثير الجماعات المتشددة والدعاية، والأزمات النفسية والإجتماعية.

ويؤدي إلى نشر العنف والإرهاب، وزعزعة الأمن والإستقرار، وتمزيق النسيج الإجتماعي وإثارة الكراهية، وتعطيل التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتشويه صورة الدين والفكر.

وللوقاية منه لابد من تعزيز التعليم والتفكير النقدي، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، وترسيخ قيم المواطنة وإحترام التنوع، ومعالجة المشاكل الإقتصادية والإجتماعية، ونشر الإعتدال.

وفي مجتمعات تتربع في مراكز التسلط عليها، شخوص ممعنة بالتطرف وغارقة في المغالاة والعدوانية على الذات والموضوع، وتغطي سلوكياتها المنافية لبديهيات الأمور، بشعارات دينية وتفاعلات مخادعة، لتمرير رغباتها المسعورة، تتنامى التداعيات ويعم الفساد والإفساد، وتغيب الفضيلة وتتسيد الرذيلة.

إن المجتمعات الساعية لصناعة الحياة لا تسمح بالتطرف وتحسبه جريمة ضد القيم الإنسانية، وأداة لتخريب المجتمع وتدمير الوطن، ولهذا نرى العديد من المجتمعات لا تسمح بالميول المتطرفة الفردية والجماعية، والأحزاب المتطرفة ذات تأثيرات دامية كما جرى في النصف الأول من القرن العشرين، عندما هيمن التطرف على السلوك بين الدول فتحاربت وأدت إلى موت الملايين.

والعجيب في أمر مجتمعاتنا أن الإسلام ضد التطرف وهو دين رحمة وأخوة إنسانية منذ بداياته، لكن التأويلات المتطرفة جعلته أشتاتا، وصار قتل المسلم للمسلم من طقوس الدين، لأن المتطرفين يكفرون الآخرين ويقررون محقهم وإقتلاع جذورهم، فالذي لا يوافقهم الرأي عدوهم اللدود، وعليه يقع قصاص الموت.

إن إقحام أي دين في كرسي السلطة يدفعه إلى التطرف والإمعان بالنيل من الآخرين، وبهذا يقضي على نفسه ويشوّه الدين الذي يدّعيه، والأمثلة الغابرة والمعاصرة تقدم الأدلة الدامغة على معطيات الدين في الكرسي، والحقيقة لا توجد دولة دينية بل دولة ذات نظام مبرقع بدين.

قهل سنتمكن من التحرر من مقصلة التطرف ومشنقة الغلو والإقصاء؟!!

طفحَ الكيلُ وحانَ الفشلُ

وتَوارى في ثَراها الأمَلُ

أمّةُ الرحمان تاهتْ وانْطوَتْ

وتَولاها خَشيلٌ عَضِلُ

لغلوٍّ مُسْتهانٍ نهْجُهمْ

وبها ربٌّ عَظيمٌ جَهلوا

***

د. صادق السامرائي

 

لماذا لا نحلم، ولو مرة واحدة، بحزبٍ تصنعه الثقافة قبل أن تصنعه الحسابات الانتخابية؟ حزبٍ يولد من رحم الفكرة، لا من رحم التوازنات؛ من أسئلة الإنسان، لا من خرائط النفوذ؛ من أخلاق المسؤولية، لا من هندسة المصالح.

قد يبدو ذلك حلماً، بل ضرباً من المثالية في زمنٍ صارت فيه السياسة تُقاس بعدد المقاعد لا بعمق الأفكار. نعم، هو حلم، لكنه من الأحلام القليلة التي تستحق أن تُدافع عنها. وهو، في تقديري، ليس أمنية فردية، بل توق دفين لدى كثير من أبناء هذا الوطن الذين أنهكتهم الرداءة، وأرهقهم مشهد سياسي استهلك اللغة حتى أفقدها معناها، واستنزف الثقة حتى لم يعد الناس يصدقون حتى الوعود الصادقة.

لقد تحول المثقف، في الحياة الحزبية المغربية، إلى كائن فائض عن الحاجة. يُستدعى أحياناً لتزيين الندوات، أو لتجميل الخطاب، لكنه يُستبعد كلما تعلق الأمر بصناعة القرار أو رسم الاختيارات الكبرى. والإعلامي المستقل، والباحث، والفنان، والمفكر، جميعهم يقفون خارج أسوار السياسة، لا لأنهم اختاروا العزلة دائماً، بل لأن السياسة، في كثير من تجلياتها، هي التي أعلنت استغناءها عن الفكر.

يكفي أن نتأمل لوائح المرشحين، أو أن نقرأ البرامج الانتخابية المتعاقبة، لنكتشف أن الأفكار أصبحت آخر ما تحتاج إليه الأحزاب. تتكرر الشعارات، وتتناسخ الوعود، وتتبدل الوجوه، بينما تغيب الرؤية. كأن السياسة لم تعد إنتاجاً للمعنى، بل إدارةً للمصالح، ولم يعد الحزب فضاءً لتكوين الوعي، بل آلةً انتخابية تتحرك كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى صمتها الطويل.

وهنا تكمن المأساة. فالأمم لا تنهض عندما تكثر الأحزاب، وإنما عندما تستعيد السياسة علاقتها بالأخلاق، وبالمعرفة، وبالخيال الخلاق. فالثقافة ليست قطاعاً من قطاعات الدولة، بل هي البنية العميقة التي تمنح المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المصلحة العامة والغنيمة، وبين رجل الدولة وتاجر الانتخابات.

ربما لهذا السبب يبدو الحديث عن "حزب ثقافي شعبي" أقل ارتباطاً بتأسيس تنظيم سياسي جديد، وأكثر اتصالاً بتأسيس وعي جديد. وعي يجعل الثقافة سلطة أخلاقية تراقب السياسة، لا تابعاً يطلب رضاها. وعي يعيد الاعتبار للمفكر باعتباره منتجاً للأفق، لا مجرد شاهد على انهياره. وعي يؤمن بأن تغيير المجتمع يبدأ بتغيير اللغة التي يفكر بها، والقيم التي يحتكم إليها، قبل أن يبدأ بتغيير الحكومات.

إن أخطر ما أصاب الحياة العامة ليس الفساد وحده، ولا الريع وحده، ولا ضعف النخب وحده؛ بل ذلك الانفصال العميق بين السياسة والثقافة. فمنذ أن فقدت السياسة ضميرها الثقافي، أصبحت أكثر قابلية لأن تتحول إلى إدارة للقوة بدل أن تكون بحثاً عن العدالة، وإلى سباق على المواقع بدل أن تكون مشروعاً لبناء الإنسان.

فما الذي يمنع إذن من أن نحلم؟ ليس بحزب ينافس الأحزاب، بل بثقافة تنافس الرداءة، وبضمير جماعي يعيد الاعتبار للفكرة، ويحرر المواطن من وهم المنقذ الفرد، ويزرع فيه يقيناً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن المجتمعات لا تنقذها كثرة السياسيين، وإنما تنقذها كثرة العقول الحرة.  ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا لم يعد: أي حزب سنختار؟ بل: أي ثقافة قادرة على أن تلد سياسة لا تخجل منها الأجيال القادمة؟

***

د مصطفـــى غَلْمـــان

حين تستعيد الدولة بوصلتها الوطنية

تُبنى الأوطان بأبنائها وبقدرتها على بناء شعور وطني جامع، يجعل المواطن يرى في وطنه مرجعيته الأولى، وفي دولته الإطار الذي يحمي حقوقه، ويصون كرامته ومستقبله. ويعزز ذلك ما تمتلكه الدولة من موارد طبيعية، وثروة بشرية، ومؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية قادرة على أداء مسؤولياتها.

وقد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في جوهره بالغ الأهمية: من هو وطنك الأول؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن مفهوم الإنسان للمواطنة، وعن موقع الوطن في منظومة قيمه وولاءاته. إن صلابة المجتمعات واستقرار الدول يرتبطان بترسيخ مفهوم المواطنة بوصفها المظلة الجامعة التي تتسع لجميع أبنائها، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية، أو المذهبية، أو القومية، أو السياسية. فهذه الانتماءات قد تكون جزءًا من هوية الإنسان وخصوصيته، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الانتماء الوطني، ولا ينبغي أن يتقدم أي ولاء على الولاء للوطن وسيادته.

فالوطن ليس قطعة أرض ذات حدود مرسومة على الخريطة نعيش عليها؛ إنه ذاكرة مشتركة، وتاريخ، ومصالح، ومستقبل، ومسؤولية يتقاسمها أبناؤه. ومن هنا تصبح المواطنة الحقيقية وعيًا وسلوكًا وشعورًا بالمسؤولية تجاه الدولة والمجتمع.

والدولة، في المقابل، هي الإطار الذي تتجسد فيه إرادة المجتمع، وتُحمى فيه الحقوق والحريات، وتُصان فيه السيادة، ويُطبَّق فيه القانون على الجميع دون تمييز. وكلما كانت الدولة عادلة وقوية بمؤسساتها، ازدادت قدرة المجتمع على الالتفاف حولها والثقة بها.

وحين يتراجع الشعور بالمواطنة، أو تتقدم الولاءات الفرعية والعابرة للحدود على الولاء الوطني، فإن المشكلة تصبح مؤشرًا على خلل أعمق في مفهوم الدولة وفي قدرتها على ترسيخ الهوية الجامعة. ولا يعني الانتماء الوطني إلغاء الانتماءات الأخرى أو مصادرتها؛ فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء للمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام، والانتماء إلى تعصب، والولاء إلى تبعية، بحيث يصبح الوطن في مرتبة لاحقة أمام مرجعيات أو مصالح أخرى.

كلنا يعلم أن الدولة تضعف عندما تواجه أخطارًا خارجية، لكن الخطر قد لا يكون خارجيًا دائمًا؛ فقد يكون الخطر الأكبر في الداخل، عندما تتشظى الهوية الجامعة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويصبح المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها طرفًا في الصراع، بدل أن تكون الإطار الذي يجمع الجميع.

ومن هنا، فإن استعادة البوصلة الوطنية تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتقديم الكفاءة والنزاهة على الولاءات الضيقة، وتربية الأجيال على أن اختلافها لا ينتقص من وحدتها، وأن التنوع لا يتعارض مع المواطنة.

وفي وطننا العراق، حيث تتداخل الانتماءات الاجتماعية، والدينية، والقومية، والسياسية، وتتعدد مصادر التأثير، تصبح الحاجة إلى ترسيخ المواطنة أكثر إلحاحًا. فالعراق وطن يتسع للجميع، ولا يمكن أن يستعيد عافيته إلا عندما يشعر كل مواطن بأن انتماءه الوطني هو المساحة المشتركة التي تجمعه بالآخر، وأن الدولة هي دولة الجميع، وليست ملكًا لفئة أو جماعة أو اتجاه.

إن جعل العراق أولًا يعني، ببساطة، أن تكون مصلحة العراق وسيادته وكرامة مواطنيه هي المرجعية الأولى عند اتخاذ المواقف والقرارات. وهذا لا يعني الانغلاق عن العالم، أو رفض العلاقات والمصالح الدولية. وليس من الضروري أن يكون الإنسان متشابهًا مع الآخرين في وطنه؛ فمن الطبيعي أن يكون الجميع مختلفين، ولكن، رغم الاختلاف، يجب أن يبقوا في إطار وطني واحد.

وعندما تصبح المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والقانون فوق الأشخاص، والدولة فوق المصالح الفئوية، والسيادة فوق التجاذبات، عندها فقط نستعيد البوصلة الوطنية، ونبدأ ببناء دولة قوية، لا بقوة السلطة، وإنما بقوة المؤسسات وثقة المواطن. العراق أولًا… مسؤولية ووعي وانتماء.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

لاريب ان الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، أو نافذة للمعرفة، بل تحول في حياة الكثيرين من الناس المتلقين، إلى واقع موازٍ لواقعهم الحقيقي، حيث بات يستهلك معظم وقتهم، ويستحوذ على جل اهتماماتهم، ويعيد تشكيل أنماط تفكيرهم، وسلوكهم، وعلاقاتهم الاجتماعية.

فلقد أصبح الإنسان اليوم، ومع تسارع التطور التقني، واتساع حضور الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي في الاستخدام، ، يعيش حالة من الانغماس شبه الدائم بالشاشة الزرقاء، حتى غدا الانفصال عنها، ولو لساعات قليلة، أمرا يكاد يكون عصيا على البعض.

ومع أن الفضاء الرقمي قدم خدمات جليلة في ميادين المعرفة، والتعليم، والعمل، والتواصل، إلا أن إفراط البعض في استخدامه، أفرز آثارا جانبية سلبية، لم تعد خافية على أحد. فالساعات الطويلة التي يقضيها المتلقي أمام الشاشة، أصبحت تختزل رصيد لقاء الأسرة المباشر، والصداقة، والقراءة، والنشاط البدني، والتأمل الوجداني.

ولعل من بين ما افرزه الانغماس المفرط في الفضاء الرقمي من تداعيات سلبية، هو حالة الاستلاب، حيث بدأ المتلقي يفقد سيطرته تدريجيا على وقته، واهتماماته، بعد أن اصبح أسيرًا للتنبيهات، وملاحقة سيل لا يكاد ينتهي من الأخبار، والمقاطع، والمنشورات، لتغدو أولوياته من الحضور في الفضاء المعلوماتي، مرهونة بما تفرضه الخوارزميات، لا بما تمليه حاجاته الحقيقية.

وهكذا افضت وسائل التواصل الرقمي إلى اتساع فجوة العزلة بين الناس، مع ان من المفترض، انها صممت لتقريب المسافات بينهم.ففي الوقت الذي نجد فيه أفراد الأسرة يتواجدون في مكان واحد، لكننا نلاحظ أن كل واحد منهم، يعيش في عالمه الرقمي الخاص، حيث تتراجع لغة الحوار المباشر ببنهم، ويغيب التفاعل الوجداني الحي، وتفقد المجالس شيئًا من دفئها، الذي طالما كان ركيزة العلاقات الإنسانية.

كما تجدر الاشارة إلى أن التدفق الهائل للمعلومات، دون تمحيص أو تحقق، قد يسهم في تشكيل آراء سطحية، وثقافة مشوشة، ويضعف القدرة على التفكير النقدي، الأمر الذي يجعل المتلقي أكثر عرضة للتأثر بالشائعات، والانجرار وراء المحتوى الهابط، على حساب المحتوى النافع، بعد أن دخل الفضاء الرقمي كل بيت، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

ولذلك فإن الأمر بات يتطلب إعادة تعميق الحوار الأسري الحي، والزيارة، والتأمل، وممارسة الهوايات، بهدف استعادة التوازن الذي بات يحتاجه الإنسان، في زمن تتزاحم فيه المؤثرات الرقمية على عقله، ووقته.

ولذلك فان السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا هو: هل نحن الآن، من يستخدم التكنولوجيا الرقمية، أم أنها أصبحت هي التي تستخدمنا، بعد هذا الانغماس المفرط، والعزلة المتفاقمة، التي تعكس حالة الضياع والاستلاب، التي بات يعيشها أغلب مستخدمي الفضاء الرقمي، والذين لم يعودوا يجدون أنفسهم، إلا في واقعه الافتراضي.

***

نايف عبوش

في سبعينيات القرن الماضي كنت أكتب مقالات علمية في مجلة جامعة الموصل، وكانت هناك مكافأة ما بين (15 و 25) دينار للمقالة، وعندما أصبحت طبيبا كنت أنشر مقالات علمية في الصحف المحلية، وكان المحاسبون لا يعطوني المكافأة، ولا زلت أذكر قولهم عند مطالبتي بها: "شتسوي بيها دكتور"!!

وكان بعض المحررين والمسؤولين على الصفحات، يقتربون مني ويحثوني على إعطائهم مقالة لنشرها، وما كنت أعلم أنهم يفعلون ذلك من أجل غنيمة المكافأة، وأنا في غفلة عنها.

الكاتب في مجتمعات الدنيا يعيش في بحبوحة فكتاباته تدر عليه أكثر من حاجته.

فالكتابة صنعة وحرفة وما ينتجه الكاتب بضاعة، ولا توجد بضاعة بالمجان إلا في مجتمعاتنا، التي جرّدت الكلمة من قيمتها والكتابة من دورها ومعناها.

لا يوجد كاتب في الدنيا ينشر بالمجان إلا عندنا، وهذه ظاهرة مخالفة لبديهيات الأمور.

المطلوب من المواقع إعتماد الإعلانات كمصدر مالي، ودفع نسبة منها للكاتب حسب مقروئيته.

قد يتعجب البعض من هذه الفكرة، لكنها تعبّر عن واقع مواقعنا وصحافتنا، فهي لم تتطور وتعاصر منذ إنطلاقها في بداية القرن الحادي والعشرين .

ويجب أن يدرك أصحابها إنها نشاط ثقافي وإقتصادي معا، فالإقتصاد عماد الحياة، والدافع الأول لما يدور في الدنيا من أحداث وصراعات.

الكتابة تتطلب جهدا ووقتا، وبحثا وقراءات متنوعة، وتكلف الكاتب كثيرا، ومن الغريب أن يتواصل الكاتب في هدر وقته ونشر إنتاجه، وكأنه يطارد خيط دخان.

لابد من القول بأن الدوافع الوطنية والإنسانية والثقافية التنويرية هي التي تقود مسيرة الأقلام في ديارنا، ومعظم الكُتّاب يتواصلون في عطاءاتهم دون مقابل، وهذه ميزة أصيلة لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، ويبدو أن الغيرة والحمية ومنطلقات العز والكرامة، وما أنجزته الأمة في مسيراتها الغابرة لها فعلها في شحذ همم الأجيال لإستعادة جوهرها الوهاج المنير.

ويمكن الإتيان بتفسيرات أخرى، لكن ما يحصل عندنا لا يوجد كمثله في مجتمعات الدنيا.

فالكاتب كاتب ويجب أن يجني ربحا من كتاباته !!

كتاباتٌ نُبخّسها لجَهلِ

ونَمضي دونَ حاديةٍ لفِعْلِ

وكتّابٌ بلا أمَلٍ بكَسبٍ

وأكداسٌ مِنَ الأفكارِ تَغلي

أفاعيلٌ مُفعّلةٌ بقهرٍ

وعدوانٌ يُباركُها بعَضْلِ

***

د. صادق السامرائي

لماذا يقتل بعض الخطاب خطيباتهم بعد فسخ الخطوبة؟

في السنوات الأخيرة، شهدت بعض المجتمعات العربية جرائم مروعة راحت ضحيتها فتيات على يد خطابهن عند التقدم لهن للزواج أو بعد فسخ الخطوبة أو رفض إتمام الزواج، وربما بعد الزواج بفترة قد تطول أو تقصر. وهي جرائم تهز الضمير الإنساني والأخلاقي، وتفرض على المجتمع والمؤسسات التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية وقفة جادة لفهم أسبابها الحقيقية ودوافعها الكامنة والمخفية أو المعلنة، والعمل على تفاديها والحد والوقاية منه والتعامل معها بإيجابية ومرونة عقلية.

وبالرغم من أن البعض قد يفسر هذه الجرائم بأنها نتاج "حب شديد" أو تعلق سلبي مبالغ فيه، فإن الحقيقة العلمية والنفسية تؤكد أن الحب الحقيقي لا يقود إلى التهديد وأذية الطرف الآخر أو الشروع بقتله وإنهاء حياته، ولا يبرر التهديد أو الابتزاز أو الانتقام. فالحب يقوم على الاحترام، والحرية، والقبول بكل النتائج التي تتمخض عن علاقات عاطفية أو ارتباط خطوبة أو زواج، بينما تقوم هذه الجرائم على السلطوية والنرجسية وحب التملك والسيطرة السلبية والعنف ورفض الاعتراف بحق الآخر في اتخاذ قراره.

التملك وليس الحب

الشخص الذي يهدد خطيبته أو يبتزها أو يلاحقها أو يعتدي عليها بعد فسخ الخطوبة لا يعاني من زيادة في الحب أو التقرب واللطافة والملاينة لشريكه، بل من خلل في طريقة التفكير وإدارة المشاعر والتصرف في المواقف الانفعالية والتوترات العاصفة والمزمنة. فهو يرى الطرف الآخر ملكاً له، وكأننا في عصور خلت يعتبره ملك يمين تحت تصرفه وسيطرته، ويعتبر رفضه إهانة شخصية أو انتقاصاً من رؤيته لنفسه وتشويه صورته وحضوره الشخصي والتقليل من مكانته الاجتماعية، فيلجأ إلى الانتقام بدل العمل على حل خلافاته ومشاكله أو تقبل الواقع.  التي الآلت له المواقف والأحداث.

إن عدم القدرة على تقبل الرفض يمثل أحد أهم العوامل النفسية المرتبطة بهذه الجرائم، خاصة عندما يقترن بضعف السيطرة على الغضب والانفعالات، وانخفاض المرونة النفسية، والتفكير الاندفاعي، وغياب مهارات حل المشكلات.

عوامل نفسية واجتماعية متداخلة

لا يمكن تفسير هذه الجرائم بسبب واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، منها:

- تنشئة أسرية قائمة على العنف والتسلط وضعف الحوار.

- معتقدات اجتماعية خاطئة تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة.

- اعتبار فسخ الخطوبة فشلًا أو إهانة تمس الكرامة الشخصية أو العائلية.

- ضعف مهارات إدارة الضغوط والانفعالات.

- الغيرة المرضية والخوف المبالغ فيه من فقدان الشريك.

- الضغوط الاقتصادية والبطالة والأزمات الاجتماعية التي تزيد من مستويات الإحباط واليأس لدى بعض الشباب.

هذه العوامل لا تبرر الجريمة بأي حال من الأحوال، لكنها تساعد على فهم الظروف التي قد تزيد من احتمالية وقوعها، بما يسهم في تطوير برامج الوقاية والتوعية.

فسخ الخطوبة ليس نهاية الحياة

الخطوبة مرحلة للتعارف واكتشاف مدى التوافق، وليست التزامًا نهائيًا بالزواج. ومن الطبيعي أن يكتشف أحد الطرفين أو كلاهما عدم الانسجام، فيختار الانفصال باحترام. وهذا القرار لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل قد يجنبهما زواجًا غير ناجح ومستقبلًا مليئًا بالمشكلات.

إن تقبل مشاعر الحزن والغضب وخيبة الأمل أمر طبيعي، لكن الأهم هو كيفية التعامل معها. فالتعبير الصحي عن المشاعر، واللجوء إلى الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين، والانشغال بتطوير الذات والعمل وتحقيق الأهداف، كلها وسائل تساعد على تجاوز الأزمة بطريقة إيجابية.

الوقاية مسؤولية مجتمعية

الوقاية من هذه الجرائم لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال نشر ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الرفض، وإدارة الانفعالات، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية.

كما أن من الضروري إدراج برامج تأهيل المقبلين على الزواج، بحيث تتناول مهارات التواصل، وحل النزاعات، وإدارة الغضب، والذكاء العاطفي، والاختيار الواعي لشريك الحياة، بما يسهم في بناء علاقات صحية قائمة على التفاهم والاحترام.

لا تتجاهلوا إشارات الخطر

هناك مؤشرات تستدعي التعامل معها بجدية، مثل التهديد بالقتل، أو الملاحقة المستمرة، أو الابتزاز، أو تدمير الممتلكات، أو العنف اللفظي والجسدي، أو محاولات فرض السيطرة والعزل عن الأسرة والأصدقاء. وعند ظهور مثل هذه السلوكيات، ينبغي عدم التقليل من خطورتها، بل طلب المساعدة من الأسرة والجهات المختصة وأجهزة إنفاذ القانون والمتخصصين في الصحة النفسية، حفاظًا على السلامة ومنعًا لتصاعد العنف.

رسالة أخيرة

إن قوة الإنسان لا تظهر في الانتقام، بل في قدرته على تقبل الواقع، واحترام قرار الآخر، وتحويل التجارب المؤلمة إلى فرص للنضج والنمو. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالإكراه، ولا تُحفظ بالتهديد، ولا تستمر بالعنف، وإنما تقوم على الاحترام والثقة والاختيار الحر.

وكلما ترسخت هذه القيم في مجتمعاتنا، أصبح الاختلاف أو الانفصال تجربة إنسانية يمكن تجاوزها بكرامة، بدل أن تتحول إلى مأساة تدفع ثمنها الأسر والمجتمع بأكمله.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

7/8/2026

في عالمنا الرقمي اليوم، أصبحت الحقيقة الوحيدة الملموسة على أرض الواقع هي القيم والمبادئ، أما في ذاك العالم الافتراضي فالقيم تحكمها خوارزميات لا تعرف عنك شيئاً أو عن دينك وهويتك، غير أنها سجلت وقتك المستهلك في مشاهدة عابرة؛ فجعلت كل ما يشابهها من اهتماماتك وأولوياتك بدون وجه حق. هذا العالم مليء بالعلوم والمعارف، لكنه بخيل بعرض كل ما يحتاجه العقل ليفهم الإنسان نفسه وحياته ودنياه وآخرته.

فخ المعرفة السريعة: تجربة في التيه الرقمي

عندما فتحتُ حساباً لأول مرة على منصة "إنستغرام"، أغرتني المعلومات السهلة والجاهزة في البداية، فظننت أنني وجدت منصة علمية تشكل كنزاً بالنسبة لي، لأنها وفرت عليّ عناء البحث عن المقالات والمعلومات في الكتب، ولأنني أعشق البحث في علم النفس والعلوم الدينية وكل ما يثير الفضول المعرفي؛ فالإنسان بطبيعته يحب الطريق السهل والمختصر. قمت بمتابعة عشرات الصفحات وكلها ذات قيمة عالية، ثم اكتشفت أنني ضعت بين تلك الكمية الهائلة من المعلومات السريعة، وشعرت أن عقلي يتشوش وفكري لم يعد منتظماً.

بعد فترة لاحظت أن هذه المنصة تسرق وقتي ونصف نهاري، فقمت بحذف الحساب قبل أن يسرق مني أغلى لحظات عمري. ولحظت أن الخوارزميات تظلم المواهب وتظهر المحتوى التافه لمجرد توافقه مع آلياتها، وتتجاهل المحتوى الهادف. وربما ليس العيب في الخوارزميات وحدها بل فينا نحن؛ لأننا قبلنا أن نجعلها تحدد لنا ما يجب علينا متابعته واهتماماتنا لمجرد وقفة عابرة.

هذا العالم الرقمي يقوم بتخدير عقولنا ويعرض علينا كميات هائلة من المعلومات ونحن في حالة استهلاك عابر، لنخرج بعدها دون فهم راسخ. وهنا يتجلى دور "التزكية" بمفهومها القرآني العميق؛ فالخوارزميات الصماء لا تملك سلطاناً علينا إلا إذا غابت رقابتنا الذاتية. التحصين الحقيقي لا يبدأ بحظر التطبيقات فحسب، بل بيقظة القلب ورعاية الإيمان، وبمجاهدة النفس على التلقي الواعي، وإحياء مقام عبادة الإحسان في الخلوات ليصبح وجداننا عصياً على الاختراق الرقمي.

من الاستهلاك إلى الإنتاج: كيف نسترد إنسانيتنا؟

إن هذه التكنولوجيا تحاول جعل الفرد نسخة مقلدة تقايضه بأخذ تميزه واختلافه مقابل إعطائه مكانة وشهرة في عالمها الآلي، فتسلب منه إنسانيته ليصبح آلة تحاكي الخوارزميات وتقلد الترند الجديد. لماذا نسير مع القطيع ونتبعهم حتى في غبائهم لمجرد أن صورة ذاك الغباء أصبحت مُحسنة ومُطورة؟!

إذا رأيت الجاهلين يتفوقون في الانتشار على المثقفين والمتعلمين، فقد ينتابك الشك أيهما على حق، بعد أن أصبح التمسك بالمبادئ في نظر البعض رجعية، والتخلي عنها انفتاحاً وتطوراً. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].

ولأننا نرفض أن نكون من الهالكين في هذا البحر، فإن النجاة تبدأ باسترداد سيادتنا على عقولنا وألا نترك تلك الآليات الصماء تقود شغفنا. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].

خطوات عملية لحماية الهوية:

استعادة السيادة على العقول: بألا نترك الخوارزمية تختار لنا، بل نبحث نحن عما ينفعنا بوعي وقصد.

الهجرة نحو المنابع الجادة: بالعودة للكتاب المقروء والدرس المنظم، والابتعاد عن "سندوتشات المعرفة السريعة" التي تشوش الفكر.

صناعة الثغور: أن يدخل أصحاب المواهب والأقلام الواعية إلى هذا الفضاء لا بنية العيش فيه، بل بنية إصلاحه وتقديم البديل الطاهر النقي للجيل الحائر.

إن الحفاظ على هويتنا اليوم يتطلب منا وقفة حازمة ننتقل فيها من مقاعد المستهلكين المخدرين إلى ثغور المنتجين الواعين؛ لنصنع محتوى يحيي العقول ويزكي الأرواح، ونعيد للكتاب الجاد مكانته وللفكر الرصين هيبته. لا تكونوا مجرد أرقام عابرة في حسابات الآخرين، بل كونوا ذوي أثرٍ ممتد في صناعة الوعي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

بين يدي كتاب للمرحوم عباس محمود العقاد بهذا العنوان، ولا أدري كم مرة قرأته وتصفحته وتأملت ما فيه من رؤى وأدلة وبراهين، وآيات ذات صلة قوية بالحث على إعمال العقل وشحذ همة التفكير.

وكما يقول العقاد: "أن العقل الذي يخاطبه الإسلام، هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويتبصر ويتدبر"، " والعمل بالعقل أمر من أوامر الخالق"

والدعوة إلى التفكير تعني الإقبال على العلم والمعارف " إطلب العلم من المهد إلى اللحد"، و "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، فالتفكير وطلب العلم صنوان لا يفترقان.

والإسلام "لا ينها عن شيء يجمّل الحياة".

والتفكير يفرض الإجتهاد في مواجهة تحديات المكان والزمان وعلى المجتهد الإعتماد على "القياس، الإستحسان، والمصالح المرسلة"، فالإجتهاد فريضة التفكير السليم كما يرى الكاتب.

ويقول" أن المسلم أحق بالديمقراطية من أتباعها المحدثين والأقدمين، لأنه منذ أكثر من أربعة عشر قرنا يدين بالتبعة الفردية، والحكم بالشورى، والمساواة بين الحقوق، والمحاسبة بالقانون"

ومن مزايا القرآن "التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف"

والقرآن يذكر العقل "في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل والرجوع إليه"

تكررت كلمة يتفكرون بلفظها المباشر في القرآن الكريم (10) مرات، وبمعانيها (18) مرة.

وكلمة يعقلون تكررت (22) مرة، وبمشتقاتها (49) مرة.

وكلمة أولي الألباب (16) مرة ووهي تدعو للتفكر والتدبر والتقوى.

ومن الأمثلة:

"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون"

"...وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون"

"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"

"....كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون"

وغيرها العديد من الآيات التي تحث على التذكر والتدبر والتبصر، ويمكن الإتيان بأدلة وبراهين واضحة من الآيات المعبرة عن فريضة التفكير وإعمال العقل وتفاعل العقول، لتكون الحياة الدنيا أفضل، ويتمكن البشر من تحقيق إنسانيته والسمو إلى مرتقى كينونته الكونية.

عقولُ الناسٍ إبْتدَعَتْ رؤانا

وإنّ العقلَ في خَلقٍ سِوانا

إذا ذهبتْ عقولٌ نحوَ شرٍّ

فلا تعْجَبْ إذا تاهتْ خُطانا

يقودُ وجيْعًنا عَقلٌ سَقيمٌ

يُخادِعُنا ويَسْحَقُنا أسانا

***

د. صادق السامرائي

ريادة الكلمة الحرة وأيقونة التنوير في مسيرة بناء الوطن

 يعد الاحتفاء بالعيد السنوي لجريدة "المدى" العراقية في الخامس من آب احتفاءً بنقطة تحول جوهرية في تاريخ الفكر والصحافة المستقلة. فلم تكن هذه الجريدة منذ انطلاقتها الأولى عام 2003 مجرد وسيلة لنقل الأخبار اليومية، بل ولدت كأطروحة تنويرية متكاملة قادها مؤسسها الأستاذ فخري كريم رئيس مجلس الإدارة، والكاتب الصحفي علي حسين رئيس التحرير التنفيذي، لبناء فضاء مدني ديمقراطي بديل للإعلام الشمولي

 شهد العراق عام 2003 زلزالاً سياسياً واجتماعياً كبيراً تمثل في انهيار النظام الديكتاتوري الشمولي الذي هيمن على مقدرات البلاد لعقود. في هذا المخاض العسير والبيئة المفعمة بالاضطراب الفكري والأمني معاً، وفي تاريخ 5 آب 2003، أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون العدد الأول من الصحيفة ليؤشر مرحلة جديدة]

لم يكن ظهور الصحيفة مجرد إضافة رقمية عابرة؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "الصحافة البديلة" والمستقلة لإنهاء عقود من إرث الصوت الواحد الموجه. ورغم خطورة المشهد الأمني في تلك الحقبة والانقسام الحاد في الشارع، تحولت "المدى" سريعاً إلى فضاء حر تنفس من خلاله المثقفون والمواطنون العراقيون على حد سواء. نجحت الجريدة في تقديم خط تحريري رصين يرفض التبعية السياسية، ممهدة الطريق لتأسيس مجتمع مدني يؤمن بالتعددية وحرية التعبير كحقوق أصيلة لا مكرمة من سلطة. [1]

 سرعان ما تجاوزت الصحيفة مرحلة إثبات الوجود لتبسط نفوذها الفكري وتحتل مكانة محورية مرموقة بالداخل العراقي والعالم العربي. وتأتت هذه الصدارة من تفرد الطرح وموضوعية المعالجة واستقطاب كبار الكتاب، حيث أصبحت مصدراً موثوقاً تقتبس منه كبريات الوكالات العالمية مثل "فرانس برس" وهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ومعهد بروكنغز الأميركي. [1, 2]

تنوعت الموضوعات التي تناولتها الجريدة لتغطي كافة مفاصل الحياة العراقية، ويمكن رصد أبرزها في المحاور التالية:

- فتح الملفات الساخنة والجرأة الاستثنائية: خاضت الصحيفة معارك إعلامية شرسة ضد الفساد المالي والإداري؛ وأبرزها العاصفة الدولية التي أثارتها في 25 كانون الثاني 2004 حين فجرت قضية وثائق "كوبونات النفط" ونشرت قوائم الجهات المستفيدة من هبات النظام السابق، كاشفة عن أطنان من الوثائق المحصنة التي أثبتت تورط شخصيات وأحزاب عربية ودولية. [1, 2, 3]

- محاربة التطرف الطائفي: وقفت الجريدة بحزم ضد خطابات الكراهية والانقسام المجتمعي، مستعيضة عنها بخطاب عقلاني وطني يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي.

- النهضة والريادة الثقافية: شكل العمل الثقافي العمود الفقري لهوية المؤسسة. تميزت الصحيفة بإطلاق ملاحق تخصصية رائدة شكلت ذاكرة الوطن، أبرزها ملحق "عراقيون"، ملحق "منارات"، وملحق "ذاكرة عراقية"، بالإضافة إلى جريدة "تاتو" الثقافية الشهرية التي توزع مجاناً. ولم يقتصر دورها على الورق، بل امتد لتأسيس "بيت المدى" وتنظيم معارض كتاب دولية (مثل معرض العراق الدولي للكتاب) نجحت في إعادة ربط المواطن بنوافذ الفكر الإنساني. 

- الدفاع عن الحريات المدنية: تشير استطلاعات الرأي المحايدة إلى أن "المدى" تقع في مقدمة الصحف المستقلة الأكثر انتشاراً ومبيعاً واهتماماً بالحريات، حيث أفردت مساحات واسعة لمناصرة قضايا المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير كركائز أساسية للديمقراطية. [1, 2]

ثالثاً: نداء المستقبل والدعوة لبناء العراق الجديد

إن القيمة الحقيقية لجريدة "المدى" لا تكمن فقط في رصدها الذكي للواقع وتفكيك أزماته، بل في دورها الاستشرافي كرافعة وطنية تدعو بلا كلل لبناء العراق الجديد. تتبنى الجريدة رؤية إنقاذية واضحة ترى أن الخروج من نفق الأزمات الحالية يمر عبر مسارات إستراتيجية محددة.

تأتي في مقدمة هذه المسارات الدعوة الراسخة لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث لا تميز الدولة بين مواطنيها على أساس عرق أو طائفة، بل يكون القانون المرجعية العليا والوحيدة. كما تؤكد "المدى" عبر طروحاتها على تلازم مساري الإعمار؛ فلا يمكن تحقيق إعمار مادي وتطوير البنى التحتية والاقتصاد الوطني دون العمل بالتوازي على إعادة إعمار الإنسان العراقي فكرياً وثقافياً، وتحصينه ضد الأفكار الظلامية والهدامة. وتظل الجريدة نداءً مستمراً لتعزيز السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي، كونهما الضمانة الأساسية لحفظ سيادة الوطن واستقراره.

 في العيد السنوي لجريدة "المدى"، وبعد مسيرة طويلة من العطاء، يتضح للمتابع المنصف أن هذه المؤسسة لم تكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل كانت وما زالت مشروعاً وطنياً تنويرياً، وصوتاً للعقل في زمن الصخب. ستبقى "المدى" علامة فارقة في سجل الصحافة الحرة، ومنارة تهتدي بها الأجيال نحو مستقبل عراقي ديمقراطي، ومزدهر، ومتصالح مع تاريخه الإبداعي والإنساني

***

د. فالح الحمراني

اولا: الرحيل

ينفصل البعض عن ذواتهم ويندمج البعض الآخر ولا يفترق، ليشكل من ثم الإنسان القائم على الثبات في الموقف وهو الموقف الراسخ الذي يرى كل أظلع الهرم حتى قاعدته.

وليس من الضرورة ان يكون الاندماج إختلاطا بينا، بين ما هو كائن في المحيط الخارجي، إنما قد يكون عن طريق الفكر والتقارب الذهني القائم على المشتركات.. والمصطلح، قد يعني إنشغالات ذاتية أو إهتمامات آنية تلتقي لتصب في بوتقة الفعل المادي والجمالي، حيث تذوب

الخصوصية بين أمواج المحيط التي تجعل منها متأرجحة مع النسائم والعواصف وحسب اضطرابات اليم ومزاجه المتقلب.. وان الاعتداد بالذات الخاصة، له مزايا تجعل هذا الكائن يتمتع بمكانة التأثير في المحيط الخارجي، كلما أمكن ذلك، فيما تظل الذات تراقب ساحة الفوضى التي تجتاح الخارج دون توقف.

 الذات القوية الواثقة ترى الخارج دائرة هائلة من الفوضى الصاخبة، وعن كثب تراقب تلك الحركة الغارقة في عدمية اللامعنى.. حركة الخارج تتسع ويزداد اللامعنى فيها كلما اتسعت ويمتزج المعنى في اللامعنى عندئذ يمسي الخارج طافحا بالغثيان.!!

ثانيا: النسيان

العالم مصاب بالنسيان.. فهو يحفل بالآمعنى ويراقب من ثقب الباب.. يتسلق جدران العتمة.. في زاوية الغرفة يرقب جسدا مسجيا فوق رخام الأرض بلا معنى.. ومن غير مبالآة يتسمر مذعورا يسمع قلبا ينبض في خارج ساحات الموتى الأحياء في الطرقات..

التصق في زاوية الغرفة الخاوية إلا من شباك وباب وأركان أربع لا يدخلها نور الشمس عدا ضوء خافت يتسلل عبر الاغصان لتمنع دفؤ الشمس وتسمح للضوء بالانسياح نحو فضاء اللآمعنى الطافح بالفوضى*.

***

د. جودت صالج

5 / حزيران- 2026

.....................

(*) من وحي فلسفة افلاطون وهيدجر وسبينوزا وديستويفسكي وسارتر وسيمون دي بوفوا وفرانز فانون وفرانز كافكا.

كانت المرّات التي جمعتني به في مجلس أو أمسية أدبية، او محفل ادبي تمّ مُصادفة، كانت قليلة جدا، غير انها كانت كافية لان يفهم كلٌّ منّا الآخر، وأن يقدّره تمام التقدير، هذا ما حصل خارجيا، أما داخليًا، فقد اختلف الامر، وهو ما شكل دافعًا لما ذكرته انفا، ممثلا في ان كلًا منا، على ما هو متوقع، قد قرأ للآخر بعضًا مما نشره في هذه الصحيفة او تلك المجلة، من قصص، ولمس ما حفلت به من اهتمامات فنية، وتقاربات حياتية وروحية.

ناجي فرح ابن مدينة شفاعمرو، التي تُصادف هذه الأيام ذكراه الرابعة، اسم ليس عابرا في حياتنا الأدبية والثقافية بصورة عامة، فقد عرفته هذه الحياة مثقفًا عصاميًا مجتهدًا، عمل طوال أيام حياته وسنواتها على تثقيف نفسه، وكان له ما أراد وأكثر،  في مجالات ثقافية محتفلة، فعلى الصعيد الاجتماعي كانت له محاولات تنظيمية سياسية واجتماعية ملموسة، وكان لها مشاركاتها الحقيقية في احداث ليست قليلة مثل الاحتفالات المتتالية بيوم الأرض الخالد بعد حدوثه الانفجاريّ الأول في الثلاثين من اذار عام 1976، وقد تواصلت مشاركاته التنظيمية هذه بعد مغادرته البلاد للإقامة في المنفى، شبه الاختياري، في كندا، وكان في كلّ ما يقوم به ويساهم فيه من اعمال وفعاليات، يهدف الى خدمة القضية الوطنية الفلسطينية، موشاة بفكر سياسي يساري مُحبّ لكلّ ما هو انساني جميل، ووضاح المحيا.

لم يكتب ناجي فرح الكثير من القصص، لكنه كتب ما يستحق أن يُقرأ وحتى أن يُدرّس للطلاب في بلادنا، وأذكر في هذا السياق، انه كتب ونشر ما يساوي مجموعةً قصصية كاملة متكاملة، وتم نشره انتاجه الجميل الثرّ الغنيّ هذا، في صحافة الحزب الشيوعي، ابتداء من مجلة "الغد" انتهاء بصحيفة "الاتحاد" الحيفاوية مرورا بمجلة "الجديد" العريقة وطيبة الذكر.

اتصف ما نشره كاتبنا الجميل من قصص قليلة بوعي سياسي عميق، وقد كان من شأن هذا ان يوقعه في دائرة، وربما متاهة، الأدب المؤدلج الذي يرسف في قيود الفكر المُحدّد المُربّع، غير أن ما تمتّع به ناجي فرح من ثقافة أدبية عصامية ضاربة في عمقها، عفاه من هذه الصفة القتّالة في جوهرها لكلّ ما هو فنّي وجميل في القصة وفي الادب عامة.

النزعة الاجتماعية الإنسانية أيضًا، بدت واضحةً فيما خلّفه هذا الكاتب الذي يبدو مجهولًا على الدراسات البحثية الاكاديمية وحتى الصحفية، فقد امتاز ما قرأناه له من قصص، بأجواء شفاعمروية حيّة تتدفق بالحياة وما تحتويه من دفء الحاضر مستمدًا دفقه من الماضي، ومتطلّعًا إلى المستقبل، بكلّ ما اختزنه على ما بدا من حلم بغدٍ جميل وأمل اصيل.

إلى هذا حفلَ المنشورُ من هذه القصص بنماذج من واقعنا اليومي المعيش، ولم يخلُ من إشارات، تنبيهات وحتى نقدات مبطّنة، تجاه هذه الشخصيات، بمعنى أن هذه القصص حَفلت بنماذج إنسانية حيّة، لها كينونتُها ووجودها، الفني بصورة خاصة، فهي ليست شخصيات أو نماذج مسطحة وفق تعبير الباحث الناقد المصري عبد المحسن طه بدر، صاحب الكتاب اللافت عن الرواية المصرية*، وانما هي شخصيات مستديرة تكشف عن لحظات ضعفها قبل ان تكشف عن لحظات قوتها وهذا ما يقرّبها بالطبع، من الشخصيات الفنّية، النابضة بالحياة، كما سلف.

صحيح أن كاتبنا كتب القصة القصيرة، ومعروف أن هذا النوع الادبي، لا يحتمل الوصف المتعمق للشخصية التي يدور الحدث عنها وحولها، كما يحدث في الرواية الطويلة الممتدة، المتشعبة الاحداث، غير أنه تمكّن من بعث الحياة في شخصيات قصصه تلك، الامر الذي جذب القراء/ انا مثلًا، لها ومكّنها من أن تعيش في الذاكرة/ ذاكرتي.. رغم ما مضى على نشر تلك القصص من سنوات بعيدة وعقود مديدة.

تُرى ماذا بإمكاننا أن نقول، في الذكرى الرابعة لرحيل هذا الكاتب المُقلّ، لكن الجميل؟.. هل ندعو ورثته، إلى جمع ما نشره متناثرًا في الصحف المذكورة، علما أنه نشر يعضًا من قِصصه في صحيفة "فصل المقال" أيضًا، وإصدارها في كتاب يضم مجموعة قصصية، تُضيف وتُثري ديواننا النثري القصصي؟.. وهل ندعو بعد هذا، دارسًا أكاديميا مجتهدًا، لإجراء دراسة أو بحث نقدي، يعيد إلى هذا الكاتب ما كاد يفتقده من اعتبار؟..أرجو ان يتحقق هذا وذاك.

***

ناجي ظاهر

........................

* المقصود كتاب "تطوّر الرواية العربية المصري بين عامي 1870 و1937"، للدكتور عبد المحسن طه بدر. أما فيما يتعلّق بالشخصيات المسطحة والمستديرة او النامية، فقد أبدع في الحديث عنها أيضًا، الكاتب الناقد الإنجليزي ا. م. فورستر في كتابه الدراسي التنظيري المشهور "اركان القصة".

* الكاتب ناجي سليم فرح من مواليد مدينة شفاعمرو بتاريخ 17/ 5/ 1933نشط سياسيًا واجتماعيًا منذ مطالع السبعينيات الأولى. هاجر البلاد الى كندا عام 1976 وذلك جراء ظروف قاهرة. اصدر عام 2010 كتاب سيري مذكراتي، وهو الكتاب الوحيد له، محمّلًا إياه عنوانًا دالًا هو "ذكريات مهاجر- زمن يتكسر"، سرد فيه بأسلوب ادبي رائق وجميل، العديد من القصص والحكايات الشخصية التي عاشها وأحب أن يرويها. توفى في مثل هذا التاريخ، في  4/8/ 2020، قبل أربعة أعوام في تورنتو- كندا.

"الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين"

تبدو مقولة كارل ماركس: "الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين" صادمة عند قراءتها لأول مرة، لأنها توحي بوجود تناقض بين ازدياد المنجزات المادية وتراجع قيمة الإنسان. لكن هذه العبارة لم تكن هجومًا على التقدم أو على الإنتاج بحد ذاته، وإنما كانت نقدًا لطريقة تنظيم المجتمع والاقتصاد، حيث قد يتحول الإنسان من غاية إلى مجرد وسيلة في عملية الإنتاج.

إذا نظرنا إلى عالم اليوم، نجد أن هذه المقولة لا تزال تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة، وإن كانت تحتاج إلى فهمها في سياقها. فقد شهد القرن الحادي والعشرون طفرة غير مسبوقة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة. أصبحت الآلات تؤدي أعمالًا كان يحتاج إنجازها إلى آلاف العمال، وأصبحت البرامج قادرة على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وتصميم الصور، وحتى المساعدة في اتخاذ القرارات. ولا شك أن هذه الإنجازات مفيدة للمجتمع، إذ رفعت الإنتاجية وخفضت التكاليف وسهّلت حياة الناس.

لكن الوجه الآخر لهذه الصورة يتمثل في أن بعض الوظائف أصبحت تختفي تدريجيًا، وأن عددًا من العاملين يجدون أنفسهم غير قادرين على منافسة الآلات أو مواكبة التطور التقني. وهنا يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أصبح "غير مفيد" اقتصاديًا، ليس لأنه فقد قدراته، بل لأن السوق لم تعد بحاجة إلى المهارات التي يمتلكها. ومن هنا تستعيد مقولة ماركس شيئًا من قوتها، إذ يبدو أن كثرة الإنتاج قد ترافقها زيادة في تهميش بعض الأفراد.

ولا يقتصر الأمر على سوق العمل. فثقافة الاستهلاك الحديثة تدفع الإنسان إلى قياس قيمته بما ينتجه أو يملكه. فإذا فقد وظيفته أو انخفض دخله، قد يشعر بأنه فقد قيمته أيضًا، مع أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل في إنتاجيته الاقتصادية. وهكذا يصبح الإنسان نفسه سلعة تخضع لمعايير العرض والطلب، وهو ما كان ماركس يحذر منه في نقده للرأسمالية الصناعية.

مع ذلك، فإن الواقع المعاصر يقدم جانبًا آخر لا تؤيده المقولة بشكل كامل. فالتكنولوجيا نفسها خلقت مجالات جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل تطوير البرمجيات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والهندسة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أتاحت فرصًا للتعلم والعمل عن بعد والوصول إلى أسواق عالمية. وهذا يعني أن الإنتاج المتزايد لا يؤدي حتمًا إلى وجود أشخاص "غير مفيدين"، بل قد يفتح أبوابًا جديدة لمن يستطيع التكيف واكتساب مهارات جديدة.

لهذا يمكن القول إن المشكلة ليست في كثرة إنتاج الأشياء المفيدة، وإنما في كيفية توزيع ثمار هذا الإنتاج، وفي قدرة المجتمع على تأهيل أفراده لمواكبة التحولات. فإذا استُثمر التقدم العلمي في تحسين التعليم، وإعادة تدريب العاملين، وتوفير فرص عادلة، فإن التكنولوجيا تصبح وسيلة لرفع قيمة الإنسان لا لتقليلها. أما إذا اقتصر الاهتمام على زيادة الأرباح والإنتاج دون مراعاة الآثار الاجتماعية، فإن عددًا متزايدًا من الناس قد يشعرون بأنهم مهمشون أو غير ذوي قيمة.

إن ما يجعل مقولة ماركس حية حتى اليوم ليس أنها تصف واقعًا ثابتًا، بل لأنها تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يزال قائمًا: هل يُقاس نجاح المجتمع بحجم ما ينتجه، أم بقدرته على صون كرامة الإنسان وإشراكه في ثمار هذا الإنتاج؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت كثرة الأشياء المفيدة ستقود إلى مجتمع أكثر إنسانية، أم إلى مجتمع تزداد فيه الفجوة بين التقدم التقني والقيمة الإنسانية.

وفي النهاية، يمكن القول إن المقولة ليست قانونًا حتميًا، بل تحذير من مسار محتمل. فالتقدم العلمي والتقني ليس عدوًا للإنسان، وإنما يعتمد أثره على الطريقة التي يدير بها المجتمع هذا التقدم. وإذا بقي الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، فإن كثرة الإنتاج ستزيد من رفاهيته. أما إذا أصبح مجرد رقم في معادلة اقتصادية، فقد تبدو مقولة ماركس أقرب إلى وصف دقيق لبعض جوانب عالمنا المعاصر.

***

حيدر كرار عدنان

 

بدأت رحلة الانسان مع الفلسفة بالتساؤل منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء متسائلًا عن سر الوجود، وبذلك كانت الفلسفة في نشأتها، دهشة أولى، وحوارا مفتوحا، مع الكون والإنسان والحياة ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)، وبذلك اتسمت الفلسفة بانها تبدأ بالسؤال، حيث أن السؤال هو الشرارة التي تشعل وهج العقل، وتدفعه إلى البحث عن الحقيقة.

وهكذا ظل الفلاسفة عبر العصور، يطرحون أسئلة كبرى، حول الوجود، والمعرفة، والأخلاق، والحرية، والعدالة، والمصير، إلا أن الإجابات بصددها، لم تكن نهائية، بل كانت كل إجابة تفتح بابا واسعا، لأسئلة جديدة، حتى أصبحت الفلسفة، فضاء مفتوحا للحوار، أكثر منها، مستودعا مغلقا للحقائق المطلقة.

ومن هنا ارتبطت الفلسفة بالحيرة، والشك، لأن العقل كلما اتسعت دائرة آفاقه، أدرك أن المجهول، أكبر من المعلوم، وأن غير المنظور، أكبر من المنظور، وبالتالي فان الحقيقة لا تُستوعب بالظنون، بل بالبحث الجاد، والتأمل العميق، والنقد الموضوعي.

وتجدر الاشارة إلى أن الحيرة الفلسفية، قد تتحول أحيانًا إلى قلق وجودي، إذا ما فقد الإنسان بوصلته القيمية، وأصبح الشك عنده غاية في حد ذاته، لاوسيلة للمعرفة. فالعقل الذي لا يهتدي بمرجعية أخلاقية، أو روحية، قد يبقى أسير الحيرة، والشك، والتساؤلات، متنقلا بين الاحتمالات الوهمية، دون أن يبلغ الطمأنينة.

ولذلك فإن المعرفة الإسلامية لم ترفض التفكير العقلي، بل دعت إليه، وجعلت التفكر والتدبر، من أهم وسائل معرفة الخالق، وإعمار الأرض على قاعدة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191). إذ يمكن الاشارة في هذا المجال، إلى جهود ابن رشد، والغزالي، في توكيد العلاقة العضوية، بين العقل والإيمان.

ولابد من الاشارة في هذا المجال، إلى أن القرآن الكريم لا يدعو إلى الإيمان القائم على التقليد الأعمى، بل يحث على التفكر، والتدبر، والنظر، واستخدام العقل في اكتشاف عظمة الخالق، والتأمل في خلق الإنسان والسماوات والأرض، وإدراك السنن والقوانين الدقيقة، التي تحكم الكون، وصولًا إلى اليقين بعظمة الله ووحدانيته ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...﴾ (الرعد: 2).

على أن المعرفة الإسلامية فرقت بين التفكير الذي يقود إلى اليقين، والجدل العقيم الذي يستهلك العقل، في دوائر لا تنتهي من الشكوك. فالإسلام يدعو إلى تغعيل العقل، لكنه يربطه في الوقت نفسه بالوحي، ليظل العقل نورا يهدي إلى الرشد، لا متاهة تقود إلى التضليل.

وفي تاريخ الفكر الإسلامي نماذج مشرقة، استطاعت أن توائم بين العقل والإيمان، وأن تجعل الفلسفة وسيلة لفهم الكون ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6)، لا سبيلًا لمخاصمة الدين. كما أن كثيرًا من العلماء المسلمين جمعوا بين الفلسفة، والعلوم الطبيعية، والطب، والرياضيات، مؤكدين أن المعرفة وحدة متكاملة، وأن (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها).

وفي عصرنا الحاضر، حيث تتسارع الاكتشافات العلمية، ويتنامى الذكاء الاصطناعي، وتتعدد الرؤى الفكرية، فإن الحاجة إلى التفكير الفلسفي، تبدو اليوم، أكثر إلحاحا، من أي وقت مضى، لا لإغراق الإنسان في الشك، بل لتنمية قدرته على التحليل، ونقد المعلومات، والتمييز الواعي، بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة والجهل.

وهكذا يتضح ان الفلسفة ليست دعوة إلى القلق، وإنما هي تدريب للعقل على التفكير المنهجي، والبحث عن الحكمة، وصولا إلى اليقين، ما دامتاا تنفصل عن القيم، وتتحول إلى جدل عقيم، حيث تفقد رسالتها، وتصبح عند ذاك، أسئلة مجردة بلا أفق، وحيرة دائمة بلا نهاية.

وهكذا يتبين أن الفلسفة ليست نقيضًا للإيمان، وإنما تصبح أداة لبناء الإنسان، طالما التزمت بضوابط العقل، والقيم، وجعلت من البحث عن الحقيقة، غايتها الكبرى.

ويبقى الإنسان بحاجة إلى عقل يفكر، وقلب يؤمن، وروح تطمئن بالعقل يكتشف سنن الكون، والقوانين التي تحكمه، وبالإيمان يهتدي إلى غاية الوجود، وبهما معا، تتحقق الحكمة التي تنقل الإنسان، من قلق السؤال، إلى سكينة المعرفة، ومن حيرة الطريق، إلى وضوح المقصد، ويقين الايمان ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5).

***

نايف عبوش

الكثرة البشرية بحر هادر يغرق ما فوق التراب، فما عاد في الدنيا بارز وفريد، بل الجميع غرقى في هذا البحر، والغرقى يشتركون بالإختناق بالماء، ولا تنجيهم من سطوته ألواح المصير الطافية.

وفي زمن الذكاء الإصطناعي تهاوت الحواجز، وأزيلت الفروقات بين البشر، وأصبحت المجتمعات كالآواني المستطرقة، يتساوى مستوى ما فيها من السوائل.

ما أكثر الشعراء والكتاب والمفكرين والعلماء والفقهاء، وحملة الشهادات العليا والمتخصصين في شتى المجالات.

وبفضل الذكاء الإصطناعي صار الكل يعرف ويدري، ولا يريد أن يسمع أو يقرأ، لأن هاتفه الجوال يستحضر له ما يريد بوقت لحظي، بفضل شبكات التواصل والمواقع المتنوعة التطبيقات والتي تجيبك عن أي سؤال.

فالعلاقة بين البشر والشاشة صار إدمانيا، وتحول الهاتف الجوال إلى جزء مهم من الذات الفردية، وكأن الشخص لا يمكنه مفارقته ولو لدقائق معدودات.

يسألني لماذا فلان وهو أفضل من الذي كان بارزا قبل عقود لا يبرز كإسم لامع في مجال إختصاصه؟

 ويبدو أن للكثرة دورها في إغراق مَن هم أقدر من السابقين بمرات عديدة، فالسابقون بارزون وخالدون بسبب القلة البشرية، واليوم الجميع مغمورون في بحر الكثرة.

المعاصرون يعرفون مئات المرات أحسن من السابقين الذين نتغنى بمنطلقاتهم، ونحسبهم نجوما لامعة لا يذوي بريقها، لكنهم برزوا، والمعاصرون يندثرون أو يتدثرون بالكثرة البشرية الطافحة.

إن معالم الوجود ومعاييره تبدلت في القرن الحادي والعشرين، واُديمت الحياة وتعززت بما يمنع غوائل الأخطار، التي كانت تفتك بالبشر كالأوبئة والأمراض السارية والمعدية، ونسبة وفيات الأطفال بلغت أدنى مستوياتها في التأريخ، وإمتدت الأعمار وكثر الذين في العقد الثامن من العمر، بينما في السابق المحظوظ من البشر مَن يتجاوز العقد السادس وهم ندرة.

ولو نظرنا إلى قادة المجتمعات بمختلف مسمياتهم وقدراتهم لوجدنا معظمهم يغادر الدنيا في العقد الخامس أو السادس، وأكثرهم دون ذلك بعقود، على إفتراض أنهم يتمتعون بمعيشة متميزة وراقية.

وفي هذا الخضم الإغراقي يبرز نداء " وقل إعملوا..."، فالعمل هو المقياس، ودع الأفكار تتجول في فضاءات العقول، وتتفاعل مع الأدمغة المؤهلة لإستقبالها، ولا تفكر بالظهور والشهرة أو التميز وغير ذلك من منطلقات ما مضى من القرون.

فالذات السائدة جمعية وليست فردية!!

تذوبُ جموعُها في بحرِ أدْري

وتأتيها مَعارفُها كنَهْرِ

كأنَّ وجودَنا أضْحى سَراباً

نُطاردهُ كخافِقةٍ بصَدْرِ

مَعالمُ إنَّنا سادتْ وجازَتْ

توافينا بمَلحَمَةٍ وفَجْرِ

***

د. صادق السامرائي

لا شك إن الموروث الشعبي ليس مجرد حكايات تروى، أو عادات وتقاليد، ورثها المجتمع عن الآباء والأجداد، بل هو ذاكرة المجتمع الحية، ومستودع قيمه، ومرآة هويته الثقافية، التي تشكلت عبر عقود طويلة من التجارب الإنسانية والاجتماعية الزاخرة. وبالتالي فأنه كلما حافظ المجتمع على تراثه، ترسخت اصالة هوية حاضره، وتعمقت ثقته بمستقبله.

وتجدر الاشارة إلى أن ثقافة التراث الشعبي، باتت اليوم تواجه انحسارا واضحا، بعد تلاشي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية، التي كانت تمنح المجتمع تماسكه، ودفئه الإنساني، وغياب مجالس السمر في الدواوين التي كانت مدارس شعبية مفتوحة، يتناقل فيها الناس الروايات، والأمثال، والأشعار، والسير، وأخبار القبائل والأسر، جيلاً بعد جيل على قاعدة (المجالس مدارس).

كما رحل كثير من المخضرمين الذين حملوا هذا الإرث في صدورهم، حيث كانوا خزائن حية للذاكرة الشعبية، باثرائهم الحياة الاجتماعية، بما امتلكوه من معرفة واسعة بتاريخ موروث ديرتهم، وأنسابها ومروياتها، فكانوا جسورا تربط الحاضر بالماضي.

وفي المقابل، فرضت العصرنة تداعيات إيقاعها السريع على الناس، فأصبحت الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي، جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، باعتبارها أدوات لم يعد بالإمكان تجاهلها، أو الوقوف في وجهها، وبالتالي فإنه لابد من الاستفادة من إيجابياتها، بعد أن باتت سمة العصر، ووسيلة تواصل أوسع انتشارًا.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا ذاتها، وإنما يكمن في الخشية من أن تؤدي هيمنتها، إلى قطيعة تدريجية مع الذاكرة الشعبية، فينشأ عند ذاك جيل مستلب، يجهل تاريخ ديرته، وأمثالها، وحكاياتها، ومناسباتها، وعاداتها التي صنعت شخصيتها الثقافية عبر الزمن.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حس جماعي واعٍ، لإحياء الموروث الشعبي، يقوم على توثيق الموروث، وجمع الروايات الشفوية، والأمثال، والأهازيج، والأشعار، والعادات والتقاليد، وتصوير الأدوات القديمة، وحفظ الوثائق والصور، وتشجيع كبار السن على نقل ما يحملونه من ذاكرة الموروث الشعبي لديرتهم إلى الأجيال الجديدة، قبل أن يطوي الزمن صفحاتها إلى غير رجعة.

كما ينبغي الاستفادة في الوقت نفسه من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لتكون منصات فعالة لنشر التراث والتعريف به، من خلال البرامج الرقمية، والأفلام الوثائقية، والمواقع الإلكترونية، والنشاطات الثقافية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية الموروث، لا أداة لتقويضه، واندثاره.

ولابد من التذكير بأن الاهتمام بالموروث الشعبي والحفاظ عليه، لا يعني النكوص والعودة إلى الماضي، أو القطيعة التامة مع معطيات العصر، وانما يعني اعتماد حاضر أكثر انفتاحا، يستمد قوته من جذوره، وينفتح في الوقت نفسه على ٱفاق المستقبل.

ولاشك إن مسؤولية صيانة هذا الموروث، هي مسؤولية جماعية، فهي في نفس الوقت، مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، باعتبار أن ذاكرة الأجداد ليست ملكا لجيل مضى، وإنما هي رسالة ينبغي الحرص على أن تصل إلى الأجيال القادمة، لتظل هوية الموروث نابضة بالحياة في وجدانهم، وعصية على الاندثار.

***

نايف عبوش

التأريخ يكنز خليط أحداث متنوعة، ويمكن لللاحقين إنتقاء ما يرونه مناسبا لرؤيتهم منه، ولهذا يمكن تعزيز أية وجهة نظر من الموروثات التأريخية، التي فيها العجائب والغرائب وفقا لمناهج مدونيها ودوافعهم ومواقفهم ومكاسبهم.

التأريخ فيه ما يضر وما ينفع، والأمم القوية عملت على محو ما يضرها وأظهرت ما ينفعها، وأقرب مثال الدول الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولازلت أذكر ذلك الرجل الفرنسي الطاعن في السن (كان يعمل في الجيش السري المقاوم للألمان) والذي قال لي أن إبني متزوج من ألمانية، فنحن لا نكره الألمان بل صار الحب جسرا بيننا!!

وفي واقع مجتمعاتنا نمحق ما ينفعنا ونستحضر من التأريخ ما يضرنا ونمعن في إظهاره وتطويره والإستثمار فيه، حتى يتحول إلى مشروع تجاري للقادرين على رهن الأجيال فيه.

وهذا يعني أن التأريخ لا عيب فيه، فتأريخ البشر لا يختلف كثيرا عن بعضه، لكن التوظيفية لأحداثه تحقق ربحية ما لبعض المستثمرين مما يتسبب بتداعيات خطيرة، وتفاعلات مريرة بين أبناء المجتمع الواحد.

ألا تساءلنا كيف لمجتمعات دخلت في حروب مروّعة أبادت الملايين من أبنائها تتحول إلى كيان متكامل، وتؤسس لكينونة إتحادية ذات صوت متوافق ومؤثر في حياة شعوبها، وبموجب رؤاها تمازجت وأنجزت سبيكتها الإنسانية القادرة على صناعة المستقبل الأفضل.

فالمطلوب تشذيب تأريخنا مما يضرنا، والتركيز على ما ينفعنا ويعزنا ويصون كرامتنا وقيمة مواطنينا، وتأمين حقوقهم في دول الأمة المجتهدة بمسلسلات التناحرات البينية، والقانعة بسلوك الضحية، والتعبير عن دورها الدميوي (من الدمى) على رقعة التجاذبات الدولية.

فلننفض غبار التأريخ السلبي ونرى بوضوح وأمل ما هو إيجابي لكي نستيقظ ونكون!!

بتأريخٍ يُدمّرنا لأنّا

ندومُ بنقطةٍ فيها سُجِنّا

هو التأريخُ مَدرسةُ انْطلاقٍ

إلى أفقٍ بهُ الأمجادُ مِنّا

ومبعثُ حالةٍ سَمَقتْ بعلمٍ

يؤازرُنا ومِنْ نورٍ شَرِبْنا

***

د. صادق السامرائي

 

(حول ما اثير في الاعلام)

ان مهنة الاكاديمي لم تكن يوما مجرد وظيفة تقليدية تقاس بعدد ساعات الحضور، بل هي رسالة سامية تعد بحق من اشرف المهن في العالم اجمع، وتنظر إليها المجتمعات المتقدمة بوصفها نخبة النخبة او ما يعرف بـ (la creme de la creme)، لانها المصنع الحقيقي للوعي ونهضة الامم.

ولكن الحق يقال، وانصافا للواقع العلمي، فأن هذه المهنة الرفيعة كغيرها من المهن الجليلة اساء إليها كثير من المتقاعسين ومن يريدون التسلق الوظيفي اضافة إلى بعض الانتهازيين والفاسدين ومن لم يحصلوا على شهادة حقيقية تؤهلهم لشرف هذا المنصب الرفيع. غير ان وجود هؤلاء لا يمكن اطلاقا ان يضر بجوهر الاستاذية او يقلل من قيمتها، فهم كالدنبلة في الجسد الصحيح، مجرد عارض طارئ يعالج وتزول اذاه ويبقى الجسد سليما معافى.

وان قراءة هذا المشهد بأنصاف وواقعية تؤكد ان تشويه سمعة اهل العلم ليس حرية رأي بل زرع للجهل في وعي المجتمع. ان ادعاءات الاكتفاء بدوام يمتد ليومين وتقاضي رواتب خيالية هي محض افتراء يتغافل عن الجهد الخفي المتمثل في الإشراف والمناقشات والبحوث واللجان والتصحيح، وهي مهام تمتد لساعات طويلة حتى منتصف الليل داخل المنازل.

كما ان الاختلاف لا يعطي الحق في القذف والسب والقاء التهم جزافا، حيث يظل القانون والقضاء هما الفيصل في حماية الاعتبار والسمعة. وتبرز المقارنة المنطقية بين ما يتقاضاه الاستاذ الجامعي وما يحظى به نظيره في الدول المتقدمة حجم التضحية التي يقدمها الاكاديمي، اذ تنظر الدول الرشيدة الى الجامعة بوصفها مصنعا للعقول لا عبئا ماليا.

وتتضح الرسالة الجوهرية في ان الاصلاح ينبغي ان يبدأ بأنصاف وعدم التعميم، فالتعميم ظلم فادح لا يصنع وعيا. ويظل الرد الأشمل على كل من يطعن في الاستاذ الجامعي هو تذكيره بان كل طبيب ومهندس وقاض ومعلم انما تخرجوا جميعا من تحت ايدي الاكاديميين، وعليه سيبقى الاستاذ الجامعي الحقيقي واقفا بثبات على منبر العلم، مترفعا عن ضجيج التعليقات، ومدركا ان رسالته اسمى وابقى من أي حملة تشويه عابرة.

***

محمد الربيعي

الماركسية ورسالة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين

تمهيد: الثابت والمتحول في التحليل المادي الجدلي

لم تكن الماركسية يوماً عقيدة جافة أو مجموعة من النصوص المقدسة المغلقة، بل هي منهج تحليل مادي جدلي يفهم العالم من خلال تناقضاته وحركته المستمرة. إن جوهر الفكر الشيوعي يكمن في قدرته الدائمة على تشريح وسائل الإنتاج في كل عصر، وتحديد كيف تتشكل علاقات القوى الطبقية بناءً على تلك الوسائل.

إذا كان القرن التاسع عشر هو عصر المصنع والفحم والبخار، والقرن العشرون هو عصر خطوط التجميع والنفط والشركات العابرة للقارات، فإن القرن الحادي والعشرين هو عصر الأتمتة الفائقة، والذكاء الاصطناعي، واحتكار البيانات. وهنا يطرح السؤال الاشتراكي الأساسي نفسه: كيف يُمارَس الاستغلال الطبقي اليوم، وكيف يسترد البروليتاريا زمام المبادرة التاريخية؟

أولاً: من الماكينة إلى الخوارزمية.. تحولات "فائض القيمة"

في المجلد الأول من كتاب رأس المال، أوضح كارل ماركس كيف تستخدم الطبقة البرجوازية التكنولوجيا (الآلات) لتقليل وقت العمل الضروري وزيادة "فائض العمل" الذي يتحول إلى أرباح حصرية للمالكين. لم تكن المشكلة في الآلة بذاتها، بل في علاقات الملكية التي تحكمها.

اليوم، نشهد الامتداد الأكثر عمقاً لهذه الديناميكية:

البيانات كعنصر إنتاج: إن كل تفاعل رقمي، وكل كلمة تُكتب، وكل سلوك يُسجل على الشبكات الحديثة يُشكل "المادة الخام" التي تعتمد عليها الشركات الاحتكارية لتطوير أنظمتها. إن الجماهير تنتج القيمة والمعرفة يومياً دون أن تملك وسيلة الإنتاج (السيرفرات والأنظمة والخوارزميات).

الاغتراب الرقمي: كما ينفصل عامل المصنع عن السلعة التي ينتجها، ينفصل الإنسان المعاصر عن بياناته ووعيه، حيث تُعاد صياغة هذه البيانات وتوظيفها للتحكم في سلوكه الاستهلاكي، والسياسي، والثقافي.

تكثيف الاستغلال بالأتمتة: تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لا لتقليل ساعات عمل البشر وتوفير الراحة لهم، بل لزيادة حدة التنافس على الوظائف، وتهديد الشغيلة بالبطالة، وخفض الأجور، ومراكمة الثروة في أيدي فئة لا تتجاوز 1% من سكان الكوكب.

ثانياً: وهم "حياد التكنولوجيا" وصراع السيطرة الطبقية

تُروج الأيديولوجيا الرأسمالية الفكرة القائلة إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات "محايدة" تُطور نفسها بنفسها لمنفعة الجميع. لكن التحليل الشيوعي يكشف كذب هذا الادعاء؛ فالتقنية دائماً تحمل طابع الطبقة التي تمولها وتسيطر عليها:

حين تُصمم الخوارزميات تحت سلطة رأس المال، يكون هدفها الأول والأخير تعظيم الربح حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البيئة، أو تغذية النزاعات، أو قمع حرية التعبير.

لكن حين تُحرر هذه التكنولوجيا من قيد الملكية الفردية، فإنها تتحول إلى أداة تحررية جبارة.

إن الشيوعية لا تدعو إلى التراجع عن التقدم العلمي أو محاربته، بل تدعو إلى انتزاعه من يد الاحتكارات؛ فالأتمتة الكاملة والذكاء الاصطناعي في ظل نظام اشتراكي تشاركي كفيلان بتقليل ساعات العمل الأسبوعية إلى أدنى حد، وتوفير التخطيط الاقتصادي الدقيق لتلبية احتياجات البشر الفعلية من غذاء، وسكن، ورعاية صحية، وتعليم، بدلاً من الفوضى القائمة على مضاربات السوق.

ثالثاً: المهمة التاريخية للطبقة العاملة المعاصرة

إن مفهوم "البروليتاريا" في الفكر الشيوعي لم يقتصر يوماً على العمال العضليين فقط، بل يشمل كل من لا يملك وسائل الإنتاج ويضطر لبيع قوته الذهنية أو الجسدية للعيش. اليوم، تضم الطبقة العاملة عمال المصانع، والمزارعين، والمهندسين، والمبرمجين، والمعلمين، وشغيلة الخدمات، والطبقات المسحوقة في جميع أنحاء العالم.

إن نجاح المشروع الشيوعي في عصرنا الراهن يتطلب تحقيق خطوات عملية حاسمة:

1. نضال من أجل البرمجيات والمصادر المفتوحة (Communal Digital Assets):

العمل على تحويل البنى التحتية الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات إلى ملكية عامة مشاعية تُدار ديمقراطياً وتخضع للرقابة المجتمعية.

2. تنظيم شغيلات وشغيلة الفكر واليد:

كسر العزلة الفردية التي تفرضها الرأسمالية الرقمية عبر توحيد أشكال التنظيم والنضال؛ بحيث يلتقي نضال المبرمج الذي يُستغل عقله مع نضال العامل الذي يُستغل جسده.

3. التخطيط الاقتصادي العلمي:

استغلال القدرات الحسابية الهائلة للذكاء الاصطناعي لإثبات أن "الإدارة والمفهوم الاشتراكي المخطط" أكثر كفاءة وعدالة بكثير من أزمات الاقتصاد الحر القائم على الفوضى والديون والحروب.

ختاماً

المستقبل بين خيارين

إن البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم توقعته الماركسية منذ عقود: إما الاستمرار في مظاهر التوحش الرأسمالي المعزز بتقنيات المراقبة والاستغلال الذكي، وإما الانتقال الثوري نحو المجتمع الاشتراكي الذي يضع العلم والتكنولوجيا والتطور الإنساني في خدمة الإنسان نفسه.

إن الشيوعية ليست حنيناً إلى الماضي، بل هي ضرورة المستقبل؛ إنها العلم الذي يعيد امتلاك التكنولوجيا ليجعل من التقدم التقني جسراً لنهاية الاستغلال، وتحقيق مجتمع الحرية والعدالة والكفاية للجميع.

***

حيدر كرار عدنان

 

كانت كلماتنا تخبر عن فعل قمنا به، أو أنها تمثل دليلا على إنجاز عمل ما، وبعد أن دارت القرون وتبعثرت الرؤى وطغت التصورات والأساطير والخرافات، أصبح القول أقصى ما يمكن فعله.

فهل بقي للكلمة قيمة ومعنى وتأثير في سلوك الناس؟

يبدو أن أي كلام صار "مجرد كلام"، وتلك مصيبة أمة في آليات تفكيرها، وظلمات مساراتها، وغفلتها التي أعمتها وأخرجتها من فضاءات النور والتنوير وحشرتها في زوايا العسير والمرير.

نتصور أن هناك قدرة على تغيير ما ترسخ في رؤوس الناس من المعتقدات والإدراكات، التي لا يمكنها أن تسمح للفرد بالخروج من عباءة ذاته وموضوعه، فمهما بلغ من العلم وإختلط بمجتمعات الأمم المنوّرة فأنه يبقى جاثما في قوقعته الإعتقادية، ويرى الدنيا من خلال ما أسسته في وعيه من زوايا نظر.

الكلام لا يؤثر، والفكر لا يطوّر ولا يغيّر، ما دام البش متخندق فيما يستولي عليه من رؤى ذات منطلقات غيبية، ومنابر قادرة على تغذية الأكاذيب بالأكاذيب، وتأجيج الحالة الإنفعالية اللازمة لزرع ما تريده في دنياه وهو يعمه في غفلةٍ وكأنه في غيبوبة مطلقة.

مَن يتصور أن للفكر تأثير في مجتمعاتنا فهو من الواهمين، والعقائديين المنتمين لرؤيتهم ويحسبونها الحق المطلق، والحقيقة الأصدق والأرجح.

ذلك أن الأمة فيها العديد من المفكرين ومنذ القرن التاسع عشر، وما إستطاعت أن تجسد رؤية من رؤاهم، وأبسط مثال ما قدمه عبد الرحمن الكواكبي من طروحات، ولا أظن أن أحدا من قادة الأمة يعرف إسم كتابه أو تصفحه وتدبر ما فيه.

وغيره الكثير من العلماء والمنوِّرين، كمحمد عبده، وعلي عبد الرازق وطه حسين وآخرين، نامت طروحاتهم التثويرية التنويرية في ظلمات الرفوف وحوتها كتب يكتنفها الإهمال.

ولا ننسى أن الأمة لديها تراث سياسي خصب، ما إستفادت منه الأجيال منذ تأسيس دولها.

مَصيرُ كلامِنا ماءٌ برملِ

وغايةُ فِعْلِنا رَجْمٌ بقولِ

عَقائدُنا أبَتْ حُكماً رشيداً

بأوْهامٍ تُخاطبُنا وتُمْلي

إذا أممٌ أهانَتْ مُرْتقاها

تَولّتْها سُراةٌ بِنْتُ جَهلِ

***

د. صادق السامرائي

ينظر إلى الانطباع الأول على أنه أحد العوامل الأكثر تأثيراً في قرارات التوظيف وقبول الموظفين والإقتناع بهم، إلا أنه في الوقت ذاته قد يكون من أكثرها تضليلاً وخداعاً إذا لم يدعم بمعايير علمية وموضوعية قادرة على التعرف على قدراتهم ومهارتهم وتوجهاتهم الإيجابية وخبراتهم العلمية والعملية التطبيقية. فكثير من المديرين قد يتأثرون بالصورة الأولى التي يقدمها المرشح، سواء من خلال أسلوب حديثه، أو ثقته بنفسه، أو حضوره الشخصي وتأثيره في المقابلات الشخصية، أو قدرته على عرض خبراته بطريقة جذابة ولافته للاهتمام والانتباه، فيتكون لديهم انطباع إيجابي يدفعهم إلى ترجيح كفته قبل التحقق من كفاءته الفعلية وقدراته.

وفي المقابل، هناك مرشحون يمتلكون مهارات عالية في التسويق لأنفسهم، ويجيدون إبراز نقاط قوتهم وإخفاء جوانب ضعفهم، مما يجعلهم أكثر قدرة على التأثير في لجنة المقابلة، رغم أن أداءهم الحقيقي في بيئة العمل قد لا يعكس تلك الصورة اللامعة التي رسموها لأنفسهم وقدموها للمسؤولين والمعنيين بتوظيفهم.

ولا يقتصر الأمر على المرشح، بل قد يكون المدير نفسه طرفاً في هذه المعادلة؛ إذ قد يتأثر بعواطفه، أو بخبراته السابقة، أو بتحيزاته الشخصية والثقافية والفكرية، أو يتسرع في إصدار الأحكام واتخاذ القرارات المتعجلة، فيمنح الانطباع الأول وزناً أكبر مما يستحق. وهنا تصبح قرارات التعيين عرضة للأخطاء والإنزلاقات، وقد لا تحقق مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

إن الإدارة الحديثة تؤكد أن المقابلة الشخصية، مهما بلغت جودتها وقيمتها، ليست سوى أداة واحدة من أدوات التقييم واختيار الموظفين، ولا ينبغي أن تكون الأساس الوحيد لاتخاذ القرار. فالتوظيف الفاعل يتطلب منظومة متكاملة تشمل معايير واضحة، ومقابلات سلوكية منظمة، واختبارات للكفايات الشخصية والمهنية، والتحقق من الخبرات، وقياس المهارات الفنية والسلوكية، بما يضمن عدالة الاختيار ودقته.

لقد أثبتت العديد من الدراسات في علم النفس التنظيمي أن الانطباعات الأولى قد تتأثر بما يعرف بـ"تأثير الهالة" (Halo Effect)، حيث تؤدي صفة إيجابية واحدة إلى تكوين صورة إيجابية نمطية عامة عن الشخص، بغض النظر عن بقية جوانب أدائه والمهارات أو الخبرات اليت يمتلكها. وهذا من أكثر التحيزات شيوعاً في المقابلات الوظيفية، وقد يؤدي إلى إغفال مرشحين أكثر كفاءة وأقدر على تحقيق أهداف المنظمة ورسالتها.

إن نجاح المنظمات لا يبدأ باختيار الأشخاص الأكثر إقناعاً في المقابلة، بل باختيار الأكثر كفاءة وقدرة على تحقيق النتائج والانسجام مع ثقافة المنظمة وقيمها وسياساتها. ولذلك، فإن القائد الناجح هو من يوازن بين حدسه المهني والبيانات الموضوعية، ويجعل قراراته قائمة على الأدلة لا على الانطباعات المتهورة والمندفعة.

فالانطباع الأول قد يفتح باب الفرصة، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده من يحسم قرار التعيين والتوظيف؛ لأن المؤسسات تبنى بالكفاءات الحقيقية، لا بالصور الذهنية المؤقتة، والقيادة الرشيدة تدرك أن العدالة في الاختيار هي الخطوة الأولى نحو بناء فرق عمل قوية ومستدامة تعمل لبناء الحاضر وتشييد المستقبل بإيجابية.

***

د. أكرم عثمان

1-8-2026

اذا حكمً الدكتاتورُ لزمنٍ طويلٍ جداً قد يتبلدُ الشعب

اذا حكمَ الدكتاتورُ لزمنٍ طويلٍ جداً يفقدُ الشعبُ شيئاً مِن شجاعته

واذا فقدَ شيئاً مِن شجاعتِهِ فقدَ شيئاً من هيبته

واذا فقدَ شيئاً مِن هيبتِهِ فقد شيئاً من كرامته

واذا فقد شيئاً مِن كرامتِهِ وافقَ على أن يسودَ عليهِ الحاكمُ الغريب

واذا كان الحاكمُ الغريبُ جائراً وسارقاً وعدوانياً سيصاب الشعبُ بالاحباطِ واليأسِ وقد يقبلُ في كلِّ وضعٍ منحرفٍ جديدٍ ويصفِّقُ لهُ على انَّهُ الخلاص!!

مع هذا هناكَ دائماً استثناء ..

الخلاصُ الحقيقي يحققُهُ وجودُ الاستثناء ..

والاستثناء هُمْ أهلُ العقولِ التي لم تتبلدْ

و أهلُ الضمائرِ التي تمانعُ كي لا يفقدَ الانسانُ شجاعتَه وهيبتَه وكرامته ..

مهجُ هؤلاء شموسٌ للأملِ وقناديلُ للحريَّة ..

***

كريم الأسدي - العراق

22/7/2026

 

في المثقف اليوم