عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

من تأمل في لوح الأزل بعين الروح تجلت لعين قلبه آيات الله منقوشة على كل ذرة، ومزركشة في جوهر كل خلية من كياننا البشري. ان من يقرأ ما يكتب عن علم الخلايا، يجد نفسه مشدوها أمام عظمة الخالق سبحانه وما خطته يد القدرة على لوح أدق تفاصيل الحياة، واي متأمل مشبع بالتأملات العرفانية والعوارف النورانية، لا يمكن الا ان يرى في هذه التفاصيل البيولوجية الصرفة تجليات أسماء الله الحسنى، خاصة اسمي الكريم والوهاب.

 إنها رحلة تتجاوز حدود المجهر الطبي لتلامس أبعاد الروح، وتكشف عن حقيقة عميقة تتجسد في قوله تعالى: وما أَنفقتم مِن شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقِين.

إن جسم الإنسان، هذا الكيان الآية، خير مثال، حي ودائم، على مبدأ الإنفاق والخلف. ففي كل لحظة، ينفق الإنسان من ذاته هو نفسه، ليس فقط بالجهد أو العطاء المادي، بل على المستوى البيولوجي العميق.

إن خلايانا، تلك الوحدات الحيوية التي تشكل نسيج وجودنا، هي دوما في حالة إنفاق وتجدد مستمر. حيث يقدر أن جسم الإنسان يستبدل حوالي 330 مليار خلية يوميا، وهو ما يعادل تقريبا واحد في المائة من إجمالي خلايا الجسم. هذا يعني أننا، في غضون ثمانين إلى مائة يوم ، نكون قد جددنا ما يقارب ملايير الخلايا.

تختلف معدلات تجدد الخلايا باختلاف أنواعها أماكنها، فخلايا الأمعاء تتجدد كل بضعة أيام، وخلايا الجلد كل بضعة أسابيع، بينما خلايا الدم الحمراء تتجدد خلال أشهر.

هذه العملية المستمرة من موت الخلايا المبرمج يتبعها على الفور انقسام خلوي لإنتاج خلايا جديدة، في دورة حياة وموت لا تتوقف.

هذا الإنفاق الخلوي الدائم، يتبعه خلف إلهي مباشر، يحافظ على حيوية الجسم وسلامته. إنه تشخيص معنوي ملموس لقوله تعالى "فهو يخلفه"، حيث لا يترك الله سبحانه وتعالى هذا الإنفاق الخلوي يذهب سدى، بل يعوضه ويخلفه بما هو خير وأجدى.

إذا كان هذا هو حال الخلايا، فكيف لا يكون هذا هو حال صاحب هذه الخلايا ونقصد به الانسان؟ إن مفهوم الخلف الإلهي يتجاوز الجانب البيولوجي ليشمل كل جزئيات وجود الإنسان.

إن الإنسان ينفق من أفكاره، فيخلفها الله عليه إلهاما وعلما. وينفق من أعماله، فيخلفها الله عليه بركة وتوفيقا. وينفق من وقته وجهده، فيخلفها الله عليه إنجازا ونفعا. حتى في عقبه وذريته، يتجلى الخلف الإلهي في صلاحهم وبرهم. إن كل ما ينفقه الإنسان في حياته، سواء كان ماديا أو معنويا، يجد له خلفا من الله، قد يكون في الدنيا عاجلا، أو في عقبه، أو مدخرا له في الآخرة.

هذا الفهم الشامل للإنفاق والخلف يعلم الإنسان درسا عظيما في العطاء. فالبخل، في جوهره، هو معاكسة للإرادة الإلهية والسنن الكونية.

إن الكون كله قائم على العطاء والتجديد، فالشمس تعطي نورها، والأرض تعطي خيراتها، والأشجار تعطي ثمارها. فمن يبخل، فإنما يبخل عن نفسه، ويحرمها من فيض العطاء الإلهي الذي لا ينقطع.

في تاريخنا الاسلامي، نجد نماذج مضيئة تجسد هذا الفهم العميق للكرم والإنفاق. ومن أبرز هذه النماذج العارف بالله بلعباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، الذي اشتهر بمذهبه القائم على أن الوجود ينفعل بالجود. لقد كان السبتي يدعو إلى الإنفاق والعطاء بلا حدود، معتبرا أن الإنفاق هو الدليل الحقيقي على تخلص المنفق من الشرك الخفي المتمثل في حب المال.

لقد أضحت العباسية سنة حميدة في الثقافة المغربية، حيث يحرص أصحاب المشاريع والتجار على تخصيص جزء من أول ربح أو إنتاج للصدقة، تيمنا بمنهج بلعباس السبتي في الكرم.

 ان هذا التدريب النفسي على العطاء، الذي يرى فيه السبتي طريقا للتحرر من قيود النفس، هو دعوة للإنسان ليتماهى مع أمواج الكرم الإلهي الذي يغمر الوجود.

إن التأمل العميق في تجدد خلايانا يفتح لنا نافذة على حقيقة كونية وروحية عميقة وهي أن العطاء هو جوهر الحياة، وأن الإنفاق هو مفتاح الخلف والبركة. فكما أن خلايانا تنفق من ذاتها لتتجدد وتستمر، كذلك ينبغي لنا أن ننفق من كل ما وهبنا الله، لنرى خلفه وبركته في كل جوانب حياتنا.

إن الكرم ليس بما فضيلة أخلاقية، فهو ايضا تدريب نفسي عميق، ومحاذاة للفطرة الإلهية التي أودعها الله فينا وفي الكون من حولنا. فلنكن من المنفقين، لنكون من المخلوفين، ولنعيش على إيقاع يسكننا وهو ان الوجود ينفعل بالجود.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

استمر الرفيق الراحل عامر عبد الله في توثيق ما شاهده او شارك فيه شخصيا من وقائع العلاقات العراقية السوفييتية، حيث كان متواصلا مع رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ويرسل له اراءه ومجريات ما يحصل في رسائل ومذكرات. فكتب: وبهذا الصدد اذكر له موقفا: فلدى التقائي يوما ما بالسفير السوفييتي (ليغاشوف) {في بغداد} واثر قيام العراق بتاميم النفط، وبالارتباط خاصة مع قرار (انور السادات) {رئيس جمهورية مصر} باقصاء الخبراء السوفييت عن مصر، وقد تضمنت الرسالة التي وجهتها الى (البكر) بعد انتهاء الزيارة، ما يلي:

الى جانب مقابلة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، ومحاولات لاحقة مع بعض المسؤولين في القسم الدولي، نظمت لي محادثات في مقر لجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية شملت قضايا اقتصادية هامة، وخصوصا فيما يتعلق بتسويق النفط العراقي، والمشاريع النفطية القائمة، او المقترح انشاؤها وتطويرها بمساعدة الاتحاد السوفييتي. تضمن القسم الاقتصادي من التقرير عددا من المسائل من بينها:

اولا- مشكلات استيراد النفط العراقي، حيث عرض الجانب السوفييتي بالتفصيل هذه المشكلات، وخلاصتها:

- ان موانيء البحر الاسود مصممة لتصدير النفط السوفييتي وليس لاستلامه، اي ان الضخ يجري باتجاه البحر وليس العكس، فضلا عن محدودية طاقة الخزن في هذه الموانيء.

- عدم توفر ناقلات كافية، حيث ان مجموع الناقلات التي يمتلكها الاتحاد السوفييتي هو (247) ناقلة بحمولة (4,5) مليون طن، فضلا عن مضيق البسفور لا يتسع لناقلة تزيد حمولتها على (150) الف طن.

ثانيا- بحثت هذه الصعوبات في اجتماع (سيف) {مجلس التعاضد الاقتصادي}الاخير، وبالارتباط مع تاميم شركة نفط العراق، وضرورة دعم العراق.. تقرر ما يلي:

- شراء اكبر كمية ممكنة من النفط العراقي.

- يعقد اجتماع آخر قريب لمجلس (سيف) في آب- ايلول من هذه السنة ، لتقديم مقترحات ملموسة من جانب كل دولة اشتراكية، حول كميات النفط التي ستشتريها من العراق.

- وضع الحلول الكفيلة بحل مشاكل نقل واستلام النفط العراقي ولك من خلال:

  - بناء ناقلات جديدة، حيث سيقوم الاتحاد السوفييتي وحده ببناء (150) ناقلة خلال سنتين.

  - رفع قدرة الموانيء على استلام وخزن النفط المستورد من العراق.

  - انجاز بناء خط انابيب الادرياتيك المار من يوغسلافيا الى هنغاريا وجيكوسلوفاكيا.

- عند حل بعض مشاكل النقل والتصدير، تستطيع البلدان الاشتراكية، شراء (12) مليون طن سنويا من نفط العراق، بنسبة (7) ملايين الاتحاد السوفييتي، و(5) ملايين بقية البلدان الاشتراكية، وخصوصا البلدان المشاطئة التي تستطيع استلام النفط العراقي في موانئها (بلغاريا، بولنده، المانيا الديمقراطية).

اما الاتحاد السوفييتي فرغم انه بلد منتج ومصدر للنفط فتستطيع منذ الان ان تشتري 3,7 مليون طن وبنسبة 2,7 مليون طن عبر موانيء المتوسط ومليون طن من البصرة. كما ستزداد هذه الكمية الى 7 ملايين طن لكل من الاعوام 1973، 1974، 1975 وبنسبة 5 ملايين من المتوسط و2 مليون من البصرة.

 (وهنا جرى التوقف لدى فكرة مد خط انابيب مباشر بين العراق والاتحاد السوفييتي، وهو ما تطرقت له، اذ لو كان هناك خط مباشر، لحلت كثير من الصعوبات، على حد قولهم).

عبروا عن استعداد الاتحاد السوفييتي للمساهمة في:

 - دمج مرحلتي استخراج النفط من الرميلة ليصل الانتاج الى 40 مليون طن سنويا، بالاستناد الى الانتاج الحالي.

 - تعميق ميناء الفاو وبفضل توسيع ميناء (خور العمية) { خور العَمْيَة هو ميناء نفطي عراقي لتحميل الناقلات النفطية في منطقة خور العمية البحرية قرب مدخل شط العرب إلى الفاو في أقصى شمال الخليج العربي في جنوب محافظة البصرة بجنوب العراق}الذي كان يجري فيه تصدير نفط (شركة نفط البصرة).

 - المباشرة بانشاء الشركة العراقية- السوفيتية لتشغيل وتاجير الناقلات.

 - بناء مصفى الموصل، واية مشاريع اخرى.

- تناولت مذكرة وزير النفط الموجهة الي، اعتراضات عرضت كلها على الجانب السوفييتي، وفيها ما يتعلق بطريقة تعامل المؤسسات السوفييتية مع العراق، من حيث تقديم عروض مرتفعة ثم المساومة عليها، وبالتالي قبول التعاقد على اسعار اقل.. وقد اوردت مذكرة وزير النفط امثلة على ذلك، كالمرحلة الاولى من استثمار حقل الرميلة، ومصفى الموصل، وانبوب نقل المنتجات بين البصرة وبغداد، والاسعار المرتبطة بدراسة الجدولة الاقتصادية لمشروع الفوسفات. كما تضمنت المذكرة، اعتراضا على تفوت نسب توزيع الكلف بين الجانبين العراقي والسوفييتي فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من مشروع الرميلة، وشرحا للمحادثات حول تكوين شركة الناقلات المشتركة بين البلدين.

- قدم الجانب السوفييتي ردودا مقنعة وتصحيحا للارقام والاعتراضات الواردة في مذكرة وزير النفط، واضافوا..

- يعلم العراقيون اننا لا نربح ولا كوبيك واحد من عرضنا المقدم حول استكمال المرحلة الثانية من مشروع الرميلة.

- ان عدة مواعيد قد حددت مع المسؤولين العراقيين لزيارة موسكو والتباحث حول هذه الامور، ولكنها لم تتحقق.

- انهم مستعدون للاتفاق وتنفيذ المشاريع المقترحة، فورا، وذلك من مصلحة العراق.

- اذا كانت الممارسات الاعتيادية تقوم على (المساومة) فاننا نتناول علاقاتنا مع العراق بروح الصداقة والتعاون.

- ومع ذلك فسنوعز الى مؤسساتنا الاقتصادية ان تقدم السعر الحقيقي لكل مشروع.

خلافا لمذكرة وزير النفط حول شركة الناقلات التي ورد فيها:

"ان الجانب السوفييتي لا يوافق على وضع رأسمال في الشركة، ولا على وضع ناقلات في الشركة المشتركة، (وهو ما يقترحه الجانب العراقي) بل يريد تكوين مكتب لتأجير الناقلات من الغير، واعطاء الناقلات السوفييتية الافضلية في التاجير. كما لا يسمح لشركة الناقلات العراقية بحرية التأجير من الغير بواسطة هذا المكتب الذي ياخذ عمولة لقاء اعماله وارباحه توزع بين الجانبين…الخ.

الجانب السوفييتي (الذي زودني بنسخة من البروتوكول المقترح بالانجليزية- مرفق طيا) يؤكد على:

- استعداده للمساهمة ب 49%‎ من راس المال.

- وضع ناقلات سوفييتية في الشركة فور توقيع العقد وبناء 7 ناقلات اخرى للعراق وستحمل الناقلات العلم العراقي.

- انشاء شركة مشتركة (Joint Venture) وليس مكتبا.

- لابد من احتكار النقل، اذ لا يجوز ان تدخل الناقلات العراقية والسوفييتية في سوق الشحن الدولي متنافسة، ولا سبيل غير ذلك لكسر طوق المقاطعة للناقلات العراقية ومقاومة الضغوط الخارجية.

- لا يمكن نقل كل النفط المؤمم بالناقلات السوفييتية، ومن هنا فكرة الاستئجار من الغير.

- الافضلية عند التاجير للناقلات العراقية ومن ثم السوفييتية، وهذا امر طبيعي .

- الجانب السوفييتي موافق على ان يكون مدير الشركة عراقيا،. نائبه سوفييتيا، ومع تكوين مجلس شركة من 4 عراقيين و3 سوفييت، وعلى ان تكون جنسية الشركة عراقية وخاضعة لاحكام قانون التجارة العراقي.

- الموظفون التكنولوجيون يختارهم المجلس من العراقيين او السوفييت او غيرهم.

- تبقى العمولة والارباح في العراق بدلا من ان تخرج بعملات اجنبية في حالة استئجار العراق لناقلات اجنبية من طرف ثالث. وتقسم العمولة بنسبة المشاركة براس المال.

وبالتالي فان لدى الجانب السوفييتي تجربة 40 سنة وهو يريد ان يضعها في خدمة اصدقائه. فنحن، على حد قولهم، لسنا منافسين ولا تجارا، لا نفتش عن افضلية ولا عن ارباح.

 ولدى الانتقال الى مسائل اخرى، اكد الجانب السوفييتي على ضرورة اهتمام العراق ب:

- البدء منذ الان بالعمل لاستكمال مشروع نفط الرميلة بكلفة (12.5) مليون روبل، خصوصا وان المعدات السوفييتية موجودة ومعطلة وكذلك (140) من الخبراء والمهندسين، وسينجز المشروع قبل عام 1977.

- ان انجاز المشروع ورفع الانتاج الى (40) مليون طن يتطلب بالضرورة تعميق ميناء الفاو او توسيع ميناء خور العمية، ومن خط انابيب الى البحر المتوسط، لان طاقة المنشئات الحالية في الميناء غير قادرة على تصدير هذه الكمية الاضافية الكبيرة.

- في حالة الاتفاق على بناء خط انابيب البصرة - البحر المتوسط، وبالنظر لعدم توفر الانابيب لدى الاتحاد السوفييتي بسبب بناء خط الصداقة الجديد،. خط سيبريا، فيمكن الاتفاق مع العراق لشراء الانابيب من طرف ثالث بعملة اجنبية يدفعها العراق، وفي حالة عدم توفرها يدفعها الاتحاد السوفييتي لقاء النفط العراقي الخام.

- يعتقد الجانب السوفييتي بان مصفى الموصل هام جدا، خلافا للفكرة السائدة في بعض الاوساط العراقية بان هذا المصفى غير ضروري، بسبب وجود الشاحنات الامريكية المتنقلة. ويؤكد السوفييت انهم مستعدون للمباشرة بالعمل فورا، وان العرض الذي قدموه هو (2.5) مليون روبل لا كما ورد في مذكرة وزير النفط.

- ارسل السوفييت الى العراق مسودة الاتفاق حول (النقل البحري التجاري) على اساس انشاء شركة مشتركة بين البلدين، ويعتقدون ان اخراج هذه الشركة الى حيز الوجود هو في مصلحة العراق، وسيساعد ذلك على تعزيز مكانة الاسطول التجاري العراقي من خلال المكانة الدولية لاسطول التجارة السوفييتي.

- تم الاتفاق مع السوفييت على تصريف كميات النفط التي ستشتريها جيكوسلوفاكيا من العراق (حسب الاتفاق الاخير معهم) وقام الاتحاد السوفييتي بضخ ما يعادلها الى جيكوسلوفاكيا.

- ان عرض العراق دمج مرحلتي الرميلة، يتطلب اعادة النظر في المباجثات السابقة، ومن الممكن تسوية الجدولة حول نسب كلفة الانشاء الى مجموع قيمة مواد المشروع، والمهم هو البدء بالعمل، اذ لا مصلحة للعراق في اضاعة الوقت في الجدل حول مسائل صغيرة.. ويؤكدون هنا، انهم رغم تلكؤ الجانب العراقي ، لم يتوقفوا عن تجهيز المعدات الى الرميلة، مع ان الاتفاق مع العراق لم يتم حتى الان، وانهم يفعلون ذلك باسم الصداقة بين البلدين، وثقة منهم بان العناصر التقدمية في الدولة ستتفهمهم وتفهم مصلحة العراق.

- اشار السوفييت الى بعض التقصيرات من جانبهم، سواء فيما يتعلق بالمدد واحيانا فيما يتعلق بالشروط والتفاصيل، او اقتراح الاسعار، وانهم ينتقدون هذه التقصيرات ويعالجونها، غير انهم يطالبون في الوقت نفسه بتقييم موضوعي لعملهم ولسياستهم القائمة على مباديء التضامن الاممي، وعلى اسس الصداقةروالتعاون التي تربط البلدين، ويشيرون بهذا الصدد وعلى سبيل المثال الى:

انهم اثر تاميم النفط، ابلغوا من الجانب العراقي بضرورة ارسال ناقلات الى ميناء (بانياس) السوري لشحن النفط المؤمم، فتم الايعاز الى ناقلة سوفييتية في البحر الاسود ان تبحر فورا الى بانياس. ورغم جواب الناقلة انها مكلفة بمهمة شحن نفط سوفييتي، فقد جرى التاكيد على ضرورة التوجه فورا الى بانياس، كما جرى اتباعها بناقلة ثانية، ومن ثم استئجار ناقلتين من شركة اجنبية، وقد قامت الناقلتان السوفييتيتان بشحن النفط العراقي، وكانت تستلم التعليمات وهي مبحرة، وقد تم كل ذلك دون اتفاق مع العراق  على اية شروط لشراء النفط، فقد كان الغرض هو افهام شركات النفط الاجنبية واعداء العراق ان له اصدقاء يساعدونه. في تسويق النفط.

وبعد ان تشير هذه المذكرة المقدمة الى رئيس الجمهورية الى تقدير السوفييت لخطوة العراق في تأميم ثروته النفطية، والى منطلقات السوفييت في دعمهم ومساعدتهم للعراق في تجاوز صعوباته وتطوير اقتصاده الوطني، تقول فعلا عن لسان المسؤولين السوفيت.

- ان الاتحاد السوفييتي، ادراكا منه لمصاعب العراق الناشئة عن التاميم، وقد تخلى عن شرط التعامل بالعملات الاجنبية مع العراق، وطلب ذلك من البلدان الاشتراكية الحليفة رغم ما هو معروف عن حاجتها الماسة الى العملات الاجنبية.

- يستطيع العراق ان يتقدم بطلب الى الاتحاد السوفييتي لتغطية القروض السوفييتية بنسبة 100%‎ من النفط الخام.

- اخذ الرفيق (بريجنيف) على عاتقه عرض الوسائل والتدابير الكفيلة بمساعدة العراق على تسويق نفطه، وذلك في اجتماع (سيف) الاخير، وعلى اساس ذلك تحددت مشتريات الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الاخرى من نفط العراق.

- وتتمتع باهمية خاصة مسالة تنفيذ مقترح العراق في المشاركة كعضو مراقب في (سيف) وحضوره في الاجتماع المقبل للمجلس.

- بحثت ولا تزال تبحث وسائل مساندة العراق على انجاح خطوة التاميم، في المكتب السياسي ومجلس الوزراء ولجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية ، فضلا عن اجتماعات (سيف).

- يبدي الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية الاستعداد الضروري، ومن منطلق التضامن مع العراق، لزيادة صادراتها من المعدات والمكائن والتعاقد على اقامة المنشآت، مقابل زيادة المشتريات من النفط العراقي الخام.

- يلاحظون ان ثمة مقاومة لبضائعهم في العراق، ووجود صعوبات امام مساعيهم لمساعدة العراق على اقامة المؤسسات والمشاريع الانتاجية، ويعتقدون ان بالامكان تسوية هذه المشاكل عن طريق اللقاءات المتكررة، والتصرف بروح الصداقة والتعاون.

وبهذا الصدد، يعلقون اهمية كبرى على الزيارة التي سيقوم بها رئيس الجمهورية العراقية، مؤكدين على انهم قد اخذوا بعين الاعتبار رغبات الحكومة العراقية فيما يتعلق بهذه الزيارة، وانهم سيستقبلون الرئيس العراقي بالحفاوة اللائقة، كرئيس لدولة صديقة. كما يقترحون تسهيلا للتعاون بين البلدين، ان يتم التعاقد مباشرة، وباسعار ومواصفات عالمية تقريبية مع تجاوز التعقيدات والاجال الطويلة التي تستغرقها المناقصات، خصوصا وانهم يؤكدون على انهم لا يسعون وراء الارباح، لانهم على حد تعبيرهم، "ليسوا تجارا وانما اصدقاء".

وتورد المذكرة تعليقا على ذلك بقولها:

"…والواقع ان شروط القروض من البلدان الاشتراكية، ونسبة الفوائد الواطئة، بالقياس الى القروض من الدول الراسمالية، واستعداد هذه البلدان لتغطية فروقها بالنفط الخام، تتطلب قدرا من الافضلية في التعاقد، .. على اقامة المنشآت الانتاجية وتشغيلها، خصوصا وان الاسعار العالمية هي في تصاعد دائم بنسبة 10%‎ تقريبا كل عام، والمهم، هو المباشرة بتصنيع البلاد، وبناء المشاريع الانتاجية باسرع وقت ممكن، ولو على حساب بعض التفاوت الضئيل في الكلف والاسعار".

توقفت عامدا، وبإفاضة نسبية عند هذه القضايا الاقتصادية، بهدف القاء ضوء على موقف الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى، من معاركنا التحررية، وبضمنها معركة تأميم النفط، التي هي بالجوهر معركة سياسية، ولأشير ايضا، رغم النواقص والتقصيرات المعترف بها، في التعامل الاقتصادي والتجاري مع الدول الاشتراكية، الى العقبات والعراقيل والاهواء السياسية اتي كانت توضع قصدا، في طريق تطوير التعاون الاقتصادي مع الدول الاشتراكية.

وما اوردته آنفا، وهو مجرد مثال او نموذج من الاعباء الكثيرة، التي اخذتها على عاتقي، بالنسبة للدول الاشتراكية جميعا ودون استثناء بما فيها كوبا في الغرب وفيتنام في الشرق وفضلا عن المساجلات المرهقة والمتكررة في مجلس التخطيط، في مسالة التعامل مع السوق الراسمالي والسوق الاشتراكي، وقد سبقت الاشارة الى جانب منها، وبقي الجانب الاخر المدون بعضه في مذكرات او مقالات، والاغلب منه، بعيد في نصوصه ومضامينه عن متناول يدي او ذاكرتي.

لقد اعرضت قصدا، عن ميادين ومهمات اقتصادية ومالية داخلية، واستنفذت فيها جهدا كبيرا، ووقتا طويلا، لعلمي ان الحديث عنها قد يكون مضجرا للقاريء، ومنها على سبيل المثال: اعداد دراسة مركزة عن الاوضاع المالية والمؤسسات المصرفية والميزانية والمؤسسات المصرفية وانظمة الحسابات وغيرها، التي جرى الاخذ بها واقرت بقوانين، فضلا عن المساهمة في اعداد نموذج افضل لميزانية الدولة، والمناقشات الضافية للمناهج الاستثمارية وخطط الانماء الاقتصادي الى جانب العديد من القوانين والانظمة الاقتصادية والمساهمة في تعديل قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق وغيره.

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

الأمر المحيّر أن نخب الأمة بأنواعها وعلى مدى أكثر من ربع قرن عجزت عن تكوين التيار الثقافي القادر على إحداث نهضة إدراكية ويقظة معرفية ذات قيمة حضارية.

وكم تساءل الكثيرون عن أسباب الفشل الذي أصاب النخب المتنوّرة في مجتمعاتنا، وبدد مساعيها وأخرجها من دائرة التفاعل الإيجابي مع الواقع المرهون بالقوى الظلامية والضلال والبهتان المقيم.

ومعظم الذين تناولوا الموضوع سقطوا في حفرة "لماذا" التي توفر لهم أسباب التعبير السهل والتبريري لواقع لا يستطيعون مواجهته بشجاعة وحزم، وإصرار على التاثير الإيجابي لصالح المجتمع وبنائه وفقا لمعطيات العصر.

ويبدو أن فيضان الكلمات العارم على الشاشات، وإنطلاق عفاريت التجهيل والترقيد والهروب إلى الغابرات، قد أفقد الأفكار قيمتها ودورها في صناعة الحياة الحرة الكريمة، وحوّلت البشر إلى عجينة يمكن وضعها في أي قالب تضليلي مقتدر.

إن القوة هي العامل الأساسي في صناعة واقع أي محتمع، ومَن يمسك بزمام القوة تكون له اليد العليا، ويتمكن من وضع الرؤوس في خنادق ما يريد، ويؤلبها ضد ما لا يريد.

والقوة كالنواة التي تدور حولها الجسيمات، وفي هذه الحالة، افراد الحاشية الذين يريدون تأمين مكاسبهم وتعزيز سطوتهم إلى حين.

لا يوجد جواب شافي للتساؤل العنوان، لأنه بحاجة لتفاعل عقول، وما أصعب ذلك في مجتمعاتنا، ومن الإثم التبرير والإسقاط ومحاولات تمرير حالات عليها أن لا تعيش، وتصيب الناس بالوجيع، وهم يستلطفون الأليم ويحسبونه من عناصر الوعيد القادم إليهم من بعيد.

و"مَن رام وصل الشمس حاك خيوطها... سببا إلى آماله وتعلقا"

و" إذا الشعب يوما أراد الحياة ...فلا بد أن يستجيب القدر"

فأين العيب، وأين يكمن الخطر؟!!

ثقافتُنا بها سَقمٌ عَضيلُ

فِداكَ بأرْضنا ذُبحَ الأصيلُ

أضاليلٌ بها الأجيالُ تُغوى

وتُبهرُها أباطيلٌ تَهيلُ

فهلْ بتجاربٍ شيئاً ثَقِفنا

وأوهامٌ لمُجتمعٍ تَعيلُ

كلامٌ لا يداوينا وفينا

توابعُ ذلةٍ عنّا تميلُ

***

د. صادق السامرائي

تعني (ثقافة القطيع).. القيام بسلوك او فعل غير منطقي وغير مبرر يقوم به الفرد حين يرى من حوله يفعلون ذلك، ما يعني سيكولوجيا أن تأثير الجماعة على الفرد تضطره او تجعله يتخلي عن استقلاليته والتصرف بنفس سلوكها دون تفكير.

وكان عالم النفس الاجتماعي (مازلو) قد رتب حاجات الفرد بهرم ان لم يشبعها يصاب بالاحباط، بينها حاجة الانسان الى الانتماء الى جماعة تربطه بها علاقات عاطفية واجتماعية تضطره الى مسايرتها، فيما قام عالم بيلوجي بنشر مقالة بعنوان (هندسة القطيع الاناني) مفادها ان كل عضو في مجموعة ما - كما هو الحال في قطيع الحيوانات - يخدم مصلحته اولا بالانتماء الى مجموعة وممارسة نفس سلوكها وتبني نفس افكارها والدفاع عنها.

تدجين العراقيين على سلوك القطيع

تعود ثقافة القطيع في العراق الى زمن النظام الدكتاتوري، فهو انتج اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة) التي هي مادة (القطيع المطيع).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني (مصطفى حجازي) يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاءا لشرّه او طمعا في رضاه .. ويتذكر العراقيون جموع (القطيع) التي كانت تهتف (للقائد الضرورة) .

والمفارقة ان (سلوك القطيع) يتغير الى نقيضه ب(سلوك قطيع) جديد، فما أن اطيح بـ( صدام) الذي كان قائد (القطيع) حتى تخلوا عنه، تحكمهم نفس الحاجة السيكولوجية في البحث عن (قائد) جديد وجدوه في (2006) في ( نوري المالكي) ومنحوه لقب (مختار العصر).. وكانت ثقافة القطيع، المتجسدة بذوي الأصابع البنفسجية في الانتخابات هي السبب الرئيس في بؤس العراقيين وما اصابهم من شقاء وفقر وتوالي خيبات وخوف دائم من المجهول.

اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية

ثلاثة عوامل سيكولوجية – اجتماعية كان لها الدور الفاعل في اشاعة ثقافة القطيع بين العراقيين بعد 2003، هي:اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية.

فمن خصائص اللاوعي الجمعي انه يغلّب العقل الانفعالي على العقل المنطقي في سلوك الفرد والجماعة، ويعطّل العقل المنطقي في اوقات الازمات، وأنه في جوهره.. مخدّر وخالق أوهام.. .وهذا ما تجسد في( ثقافة القطعان) العراقية بعد 2006 .

ولقد اوصلتنا متابعتنا العلمية لما حدث ويحدث في العراق الى ابتكار مصطلح جديد ادخلناه في عالم النفس العربي ويشكل اضافة عراقية لعلم النفس العالمي هو (الحول العقلي).. ويعني ان المصاب به يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها، ويرى في الجماعة الاخرى السلبيات ويضخمها ويغمض عينيه عن ايجابياتها، ويخرج بحكم خاطئ ان جماعته هي الافضل في كل شيء.

ومن هذا الحول العقلي تحديدا نشأت (سيكولوجيا الضحية) . فبعد سقوط النظام في 2003 تضخمت (سيكولوجيا الضحية) في جماهير الشيعة والكورد، واشاع قادة الشيعة بشكل اوضح انهم كانوا مظلومين من الف سنة، فعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع.. التعصبية والمتخلفة و.. السخيفة. ففي لقائي بعدد من شيوخ وفلاحي الناصرية سألتهم لماذا تعيدون انتخاب سياسيين فاسدين، اجابوا(ندري بيهم فاسدين بس ما نريد الحكم يروح من الشيعه!).

بالمقابل، ان ثقافة القطيع تتراجع بين المسحوقين الواعين حين تتوفر لهم فرصة الخلاص من الطغاة. ففي انتفاضة(ثورة ) تشرين/ اكتوبر 2019، دعتني خيمة جواد سليم لصاحبها (دار سطور) لالقاء محاضرة على المتظاهرين في ساحة التحرير، وأوصتني ان لا ادعوهم الى توحيد تنسيقياتهم، ما يدل على انهم كانوا الضد لثقافة القطيع. ولأن توحيد قياداتهم كان يشكل العامل الرئيس لتحقيق هدفهم في (استعادة وطن ) فانني تجاهلت النصيحة ودعوتهم بطريقتي السيكولوجية الى توحيد صفوفهم.. فكان التصفيق.

ويبقى التساؤل: ومتى ستتراجع ثقافة القطيع في العراق؟

الجواب يتوقف على دور القوى التقدمية والوطنية في اشاعة ثقافة الوعي التي تنمي ثقة الانسان بنفسه، وتعيد الشعور بالأنتماء للوطن وليس الانتماء الى (سيد او شيخ عشيرة) تضطره ان يمشي مع (القطيع) حتى لو كان يعرف انه.. هالك!

***

أ.د. قاسم حسين صالح

بعيدا عن صخب التبريرات في واقعنا الحالي، لا تظهر الاشكالية الحالية ازمة شخوص، بل هي ازمة قياس ومسطرة تختار من يناسبها وتستبعد من ينفعها. وأن صناعة القادة لم ولن تكن وليدة الصدفة، بل هي بالغالب نتيجة انتقائية تعيد انتاج الخلل وتكرسه. فالسؤال لم يعد: لماذا لم ينجح بعض اصحاب القرار؟ بل أصبح: كيف وصلوا إلى دفة القيادة؟

هنا تنكشف ثنائية جوهرية في فهم التركيبة الاجتماعية او المزاجية الشعبية: سلطة الرشد امام سلطة الاهواء، وهذه ليست مجرد مقولات فلسفية تنظيرية او تصورات ذهنية، بل هي مجسات تحليلية تفسر واحدة من أكثر الافات او الازمات في اجهزة السلطة: وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب.

في دولة الموسسات والقانون، لا يُنظر إلى مركز القرار او الكرسي باعتباره مغنما او امتيازا وظيفيا، بل كونه وظيفة أخلاقية ومعرفية، ودفة القيادة هنا تسند إلى من يستحقها، لا إلى من يطلبها أو يقترب منها، وهذه الفكرة تمتد جذورها إلى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط ومونتسكيو وجون لوك وغيرهم من الذين يرون أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد ما هو مؤهل له، وكانط الذي جعل من العقل او الرشد الاخلاقي معيارًا أعلى للحكم والسلوك، والدولة هي تجسيد لذلك العقل المحض، لا للاهواء والمصالح.

وفق هذه الامثلة التفسيرية، تعمل الاجهزة الرقابية ودوائر القرار وكأنها مصدات وقائية تحمي نفسها من القصور الوظيفي؛ فالمواصفات او المقاييس واضحة، والرقابة والمراجعة قائمة، والخطأ قابل للتعديل او التصحيح. وبناء على هذا، إن تنصيب او تكليف شخص غير مؤهل في مكان مهم وحساس، فذلك خطأ عابر وفورا يصحح، لأن الرشد المهني يرفضه.

أما في دولة المزاجية، فالصورة تنقلب تمامًا، هنا لا يُسأل: من الأقدر؟ بل: من الأقرب؟ ولا تُقاس الكفاءة والمهنية بمقياس المعرفة والخبرة، بل بمعيار الارتباط والانتماء، وهنا تحول كرسي القرار من مسؤولية إلى غنيمة، ومن أداة خدمة إلى وسيلة نفوذ.

هذا التحول ليس جديدا، بل هو ما أشار إليه ابن خلدون في افكاره عن "العصبية" حين تصبح الروابط الضيقة هي الحاكم الحقيقي في توزيع السلطة، متجاوزة كل اعتبار عقلي أو مهني، ففي ظل هذا الاسلوب ينكشف التناقض المؤلم: المكان الصحيح لكن الانسان خطأ. وهنا يبدأ ما يمكن ان نسميه بمفهوم "الاغتراب الوظيفي" عندما تنفصل المسؤولية الحقيقية عن صاحبها، وتفقد الوظيفة معناها، ويتحول العمل الى مجرد اداء شكلي لا يعكس جوهر المسؤولية. 

والأهم من هذا كله، أن الاعتلال لا يبقى اداريا، بل يتحول مع مرور الوقت الى ثقافة سائدة، ويسير المجتمع على فكرة غير المؤهل في موقع السلطة، وتتراجع حساسيتهم تجاه المهنية والكفاءة، ويغدو الاستثناء معيار والمعيار استثناء، وهنا يصبح ما اهو اخطر من الفشل " تزييف الوعي الجمعي" .

أن الشعوب او النظم الاجتماعية لا تتحطم بسبب قلة الموار الطبيعية او البشرية، بل قد تنهار رغم وفرتها في حال غياب الرشد والعقل كمرجعية حاكمة، والازمة ليست قلة كفاءات، بل في انعدام الهيكل او الأساس الذي يكتشفها ويضعها في موقعها الصحيح.

وختاما، في دولة العقل يبحث الكرسي الى الشخص الكفء، اما في دولة الهوى يبحث الشخص الى الكرسي باي ثمن، وضمن هذين النموذجين، يرسم مستقبل الشعوب، اما أن تكون الدولة تجسيدا عن وعيها، او أن تتحول الى انعكاس لاهوائها.

***

علاء جواد كاظم

تلتقي خلال مسيرتك الأدبية المديدة، بالعديد من الناس. تتوقف عند هذا أو ذاك منهم، حينا برهة وحينا اكثر، ويبرز من بين هؤلاء كتاب وشعراء، ما أن التقيت بهم، طال الزمان أو قصر، حتى غابوا، مخلفين وراءهم اطيب الأثر و.. الاثار، منهم من يوصيك بالاهتمام بما خلفه من أعمال ادبية، كان قد شاركك في وضعه لها، مطلعا اياك عليها اولا فأول، ومنهم من وثق بك فآتى اليك حيث تعمل محررا صحفيا ادبيا، حاملا مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، طالبا منك أن تهتم بها بعد رحيله، ومنهم أيضا، من ترافقت معه فترة قصيرة من الزمن، لكن مديدة في أثرها الوحودي النفسي. يمضى الوقت ويذهب كل من هؤلاء موغلا في رحلته الأبدية الاخيرة، تاركا لك أمانة أو شبه امانة، آليت على نفسك أن تنفذها.. وعدا أو وفاء وخلاصا.

الحاضر الغائب

ربطتني بالصديق الراحل العزيز المحامي توفيق معمر ابن مدينتي الناصرة، علاقة أدبية تواصلت عراها نحو العقدين الكاملين من الزمن. ابتدأت في أواخر الستينيات، بعد أن اطلعت على كتاباته الأدبية خاصة "مذكرات لاجئ - أو حيفا في المعركة"، واذكر أنني سعيت إليه في مكتبه القائم في بيته الفخم، القائم على إحدى حواف ساحة المطران، وجرى اللقاء بيننا وكان كلا منا يعرف الاخر، رويدا رويدا فترة بعد فترة.. توطدت العلاقة فيما بيننا، وكان عادة ما يعبر عن رأيه في هذه الكتابة المنشورة لي أو تلك، في حين أنني كنت.. من ناحيتي، أتابعه وهو يبذل الجهد تلو الجهد لإكمال كتابه عن الزعيم الوطني "ظاهر العمر الزيداني"، وكان ذلك الكتاب الذي اعتمد في تأليفه له على جمع الرواية الشفوية، يكتمل ببطء شديد، لأساعده فيما بعد بالاشتراك مع الصديق الشاعر الراحل عدون ماجد في إعداده للطباعة، بعد العشرات من السنين، وليصدر اخيرا في اواخر السبعينيات. بعدها اقترحت عليه أن يصدر مجددا روايته المذكورة عن حيفا، ففعل بعد أن وافق على قلب العنوان ليضحي "حيفا في المعركة- او مذكرات لاجئ". وفي تلك الاثناء، كان يعمل على رواية من الادب الساخر اطلق عليها عنوان" الغائب الحاضر"، كونها تتحدث عن ذلك القانون الجائر بحق اخوانه الفلسطينيين الباقين في الوطن بعد نكبة ٤٨، ذلك القانون الذي عادة ما تصادر بمقتضاه أملاك الغائبين ظلما وبهتانا. وأذكر أنه وجه ذات جلسة جمعتني به، حديثه الي.. قائلا بنوع من مزاح الرجال.. أنني اطلب منك، اذا لم اتمكن من اصدار هذه الرواية في حياتي، أن تقوم بإصدارها بعد رحيلي. ورحل توفيق قبل سبعة وثلاثين عاما، فما كان مني، إلا أن توجهت إلى ورثته ممن علمت أن مخطوطة تلك الرواية قد باتت بحوزته، ورويت له ما اوصاني به صاحبها، ليخبرني أنه هو من سيقوم بإصدارها. وها هي السنوات قد مضت دون أن يقوم بتنفيذ طباعتها وإصدارها في كتاب. وقد حاولت قبل أيام مع أقارب له.. ولم أخرج، مرة اخرى، للأسف بأي طائل.. وها أنا أكتب لعل امر اصدار هذه الرواية في كتاب .. يحرز تقدما ما، أو يؤدي إلى نشرها لتنضم إلى اخواتها.. مؤلفات الصديق الراحل توفيق معمر وتراثه العامر.

قمح وزؤان

ربطتني بالشخصية الوطنية الشيوعية الشاعر منعم جرجورة. ابو مبدأ، ابن مدينتي الناصرة ايضا، علاقة صداقة من نوع فريد، وقد ابتدأت هذا العلاقة بلقاء، تم بترتيب من صديق آخر راحل، هو حازم وديع زعبي، تعطرت ذكراه، وقد جاء ذلك اللقاء بعد قراءتي مقالة كتبها الراحل المبجل الشاعر الصديق توفيق زياد، ونشرها آنذاك في مجلة "الجديد"، الهامة جدا في تراثنا الثقافي، الصحفي الادبي، محملا إياها عنوانا ظريفا ولطيفا، ما زلت اذكره رغم بعد الشقة ما بين تلك الفترة وهذه، هو "وهو أيضا شاعر واسمه منعم جرجورة". وقد تلا ذلك اللقاء عدد غير قليل من اللقاءات، في هذا الشارع أو تلك الساحة، وكان أنه تردد على مكاتب صحيفة "اليوم السابع" التي أسسها تولى إصدارها الصديق سهيل كرام، صاحب راديو الشمس حاليا، وكان الصديق منعم يتردد على مكاتب الصحيفة ليجلس الي، والى رئيس تحرير الصحيفة الكاتب الشاعر سالم جبران، طابت ذكراه، ويبدو أنه انس الي أكثر فاكثر، ليدخل الي ذات يوم وبيده مخطوطة مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، وليضعها على الطاولة امامي، قائلا لي.. هذه مجموعتي الشعرية الوحيدة. أنها تحمل عنوان "قمح وزؤان". عنوانها يقول لك مختصر رسالتها، غير أن التفاصيل تحمل الكثير كما ستلاحظ. بعد فترة رحل الصديق منعم، تاركا إمانته تلك في عنقي، ولا اخفي أنني كنت افكر في الطريقة التي أصدرها عبرها في كتاب لائق بذكرى صديق عزيز، الأمر الذي أوجد لدي شيئا من الارباك، واعترف هنا أنني قصرت في الاتصال بورثته، غير أن هؤلاء لم يقصروا بحق شاعرهم، فبادروا، لا اعرف كيف حتى اليوم، الى إصدار تلك المجموعة، لافاجا إيجابيا ولارتاح من حمل اثقل كاهلي فترة من الزمن، وكاد يلح علي لاصدر كتابه أو مجموعته الشعرية تلك.. مهما كلف الأمر وغلا الثمن. رحم الله ابا مبدا. وارجو ان يكون قد ارتاح في عالمه الآخر، لصدور مجموعته السعرية قمح وزؤان..وليقر عينا.

صاحب الجبل.. و.. نادية

كما كتبت وكررت في أكثر من لقاء وكتابة، كان آخرها "عبقرية الأيام الأخيرة"، ربطتني علاقة أدبية شعرية اولا، وأدبية شخصية ثانيا، بالشاعر المغفور له حسين فاعور- الساعدي، ابن قرية الحسينية الوفي المخلص. وأذكر أن هذه العلاقة بدأت بمتابعتي الحثيثة لما كان ينشره من قصائد لافتة في صحيفة" الاتحاد" الحيفاوية، وابنتها الرائعة مجلة "الجديد" المذكورة آنفا، في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، ليختفي هذا الشاعر الوطني الساخر اللطيف، على مدى حوالي العقدين من الزمن، وللحقيقة بقيت اتذكره كلما قرأت ما يشبه كتابته، إلى ما قبل اكثر من عقد الزمني ابتداء من العام الجاري، عندما قرأت شيئا مما سجله ونشره في صفحات الفيسبوك، من ذكرياته. ما ان قرأت كتابته تلك، حتى قمت بمكاتبته على جناح السرعة، لنلتقي بعدها، ولنبادر معا إلى تأسيس دار للنشر، أطلقنا عليها اسما ذا ايقاع قوي بالنسبة إلينا نحن الاثنين، هو منشورات المل، وذلك املا بالصلابة والاستمرار، والعمر المديد، وكل هذه الصفات تتوفر كما هو معروف، في شجر المل الصلب المعمر، علما أن هناك شجرة مل، تقوم بالقرب من بيته في الحسينية. وقد تمكنا خلال فترة قصيرة من اصدار عدد من مؤلفاتنا في الشعر والقصة والرواية، وبإمكان من يريد التوسع في الاطلاع على تلك المنشورات، التوجه إلى شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية "غوغل"، لتوافيه بما يطلب ويرغب في الاطلاع عليه. لقد تواصلت علاقتنا تلك سنة تتلوها سنة ونشاطا يأتي بعده نشاط .. بانتظام يليق بالآداب وعوالمها الرحيبة، إلى ان جاءني حسين ذات يوم حزين مدلهم الغيوم، ليخبرني أنه سيجري عملية خطيرة في" الوتين"، وليودعني على اعتبار أن ذلك اللقاء بيننا، قد يكون الأخير. وتشاء الأقدار أن تنجح تلك العملية الجراحية، فيدب الحماس مجددا في أوصال الصديق حسين، فيكتب الرواية تلو الرواية، القصيدة تلو القصيدة والمقالة بعد المقالة، وأذكر أنه فأجاني وفاجأ محبيه ومريدي كتابته، برواية "صاحب الجبل"، التي قام بنشر فصول منها في أحد المواقع الإلكترونية، أذكر أنه موقع" صحيفة المثقف"، وليأتي الي ليخبرني أنه كتب أيضا، رواية حملها عنوان "نادية"، وليبتسم وهو يقول لي انه كتب ما يعجبني ويسرني، ويتحدث عن الجبل، الحب والقطط الصديقة الموالية التي تهاجم الأبقار مقتحمة الجبل. بعد حديثه ذاك عن انتاجه الادبي الروائي الجديد.. افاجأ بتدهور صحته، يليها خبر وفاته، فاهرع إلى ورثته طالبا منهم أن أقوم بمهمة الوفاء لصديق مخلص وفي.. فهمت من نظراته الاسية الأخيرة.. أنه يضع الامل في، رجاء أن ترى أعماله الأدبية الأخيرة النور. الحقيقة أقول إن ورثته، استجابوا لي، فقمنا معا بإصدار مجموعته الشعرية الاخيرة "قصائد السخرية والغضب". بعدها حاولت طباعة روايتيه المبهرتين المخطوطتين، (اقراء مقالتي عنه وعنهما تحت عنوان "عبقرية الأيام الاخيرة") فأرسلتهما إلى صديق ناشر، إلا أنه لم يقم بنشرهما حتى الآن، رغم مضي أكثر من سنتين من الوعود، وها أنا أتوجه اليه، دون ذكر اسمه، ولي في هذا اسبابي الخاصة، طالبا منه أن يساهم في طباعة روايتين اعتبرتهما، منذ قراءتي الاولى لهما، درتين في تاج النثر الادبي الروائي في بلادنا. فهل يفعل؟.. من ناحيتي أؤكد له أنه سيربح الكثير.  وأنه إذا ما فعل سيكون، في كل الاحوال.. من ألفائزين. الفالحين.

***

ناجي ظاهر

يحتفل العالم في ٢٢(نيسان) من كل عام بـ(يوم الأرض العالمي). ويتطلب أن يكون هذا اليوم يوم عمل للتصدي لوباء كورونا، وتغيُّر المناخ، والاحتباس الحراري، وتغيير السلوك البشري الملوث لبيئة كوكبنا الأرضي، وإحداث تغييرات إيجابية للحفاظ على البيئة، ومواجهة ظاهرة التلوث، والانبعاثات الكربوني، والعوادم الصناعية السامة، وغيرها من التهديدات العالمية المستقبلية الخطرة.

شعار يوم الأرض لسنة 2021 هو (استعادة أرضنا)، الذي يركّز على الإجراءات والأساليب الطبيعية والتقنيات الخضراء الناشئة والأفكار المبتكرة التي يمكنها المساعدة على تعزيز نظم الحفاظ على البيئة على هذا الكوكب. حيث جسد البوستر الرسمي ليوم الأرض لعام ٢٠٢١ للرسام البرازيلي الشعبي المعروف (سبيتو) التعبير عن الأمل بمستقبل أخضر، يصنعه الجيل الجديد، إذ الغزال يرمز إلى السلام، والشمس ترمز إلى الحرية والطاقة.

ولابد من الإشارة إلى أن استعادة الكوكب، والحفاظ على بيئته الطبيعية، مسؤولية الجميع، حكومات وأفراد، لأننا جميعا نعيش فيه، ونحتاج إلى أرض صحية لتأمين سبل العيش، والصحة والسعادة، وفرص البقاء.. فالكوكب السليم ضرورة وجود، وليس مجرد خيار . ويتطلب الأمر لتحقيق ذلك، مجموعة من حملات التشجير، وإنتاج الغذاء بأساليب طبيعية مستدامة، وتنظيف الأماكن العامة، والعمل إدارة التلوث، والنفايات السامة بكفاءة، ورفع الوعي المناخي، والتربية البيئية المجتمعية.

***

نايف عبوش

وفّر لي التقاعد فسحةً من الوقت، تلك النعمة التي طالما افتقدتها في سنوات العمل، ومنحني فرصة الالتفات إلى أمورٍ كثيرة كانت مؤجلة. كنت أشتري الكتب بشغف، وأكدّسها على الرفوف دون أن أجد الوقت الكافي لقراءتها، وها أنا اليوم أعود إليها؛ أفتح صفحاتها بهدوء، فأستمتع ببعضها، وأكتشف أن بعضها الآخر لم يكن يستحق ذلك الاهتمام، لكنه كان انعكاسًا لذائقتي وتفكيري في تلك المرحلة من العمر.

ومن بين أحبّ الهوايات إلى نفسي توثيق نشاطاتي، ولا سيما الاجتماعية منها، في صورٍ أحتفظ بها بعناية ضمن ملفاتٍ مرتبة على حاسوبي الشخصي. كنت أسعى إلى تحويل بعض هذه الصور إلى أفلامٍ قصيرة لكل مناسبة، أُطعّمها بالموسيقى المناسبة، بحيث أستطيع الرجوع إليها بسهولة، فأستعيد لحظاتٍ جميلة وأعيشها من جديد. لديّ رصيدٌ كبير من الصور التي لا تزال تنتظر إعادة ترتيبها وتجميعها في أفلام، ومعظمها يوثّق مراحل سابقة من حياة الأبناء والأحفاد. كما أحرص على مشاركتها مع من عاصروا تلك المناسبات وشاركوني فيها، سواء كانت مفرحة أم محزنة، استذكارًا لتلك اللحظات؛ ولعل في الذكرى ما يُبهج أو ينفع.

حين أقف أمام تلك الصور، أرى فيها عمرًا كاملًا يمضي أمامي. أرى نفسي كيف كنت، ثم كيف أصبحت اليوم جدًّا أخطو بهدوء نحو الثمانين، مثقلًا بذكرياتٍ تختلط فيها أفراح الأيام بأحزانها، وبعضها كان بالغ القسوة. ولطالما تمنّيت أن تُمحى من الذاكرة تلك اللحظات المؤلمة، وأن تبقى وحدها الصور المضيئة.

أستعيد وجوه أبنائي ووجوه أحفادي وهم صغار ببراءتهم الأولى، ثم أراهم كيف كبروا، وكيف تغيّرت ملامحهم، حتى صار بعضهم اليوم أربابَ أُسر، يحملون مسؤولياتهم، ويربّون أبناءً أصبحوا بدورهم طلبةً في كلياتٍ مرموقة.

وفي خضمّ هذا الاسترجاع، تتوارد إلى ذهني تساؤلاتٌ صادقة: هل أثمر ما بذلته من جهدٍ ومال؟ وهل كنت موفقًا في تربيتهم؟ غير أن قلبي يطمئن حين أرى ما صاروا إليه؛ فأحمد الله الذي حباني أبناءً نجباء أوفياء، أبرارًا بي، متراحمين فيما بينهم، وتلك نعمةٌ عظيمة تستحق الشكر.

قد يتبادر إلى الذهن أن النجاح يُقاس بالشهادات والمناصب والمكانة الاجتماعية التي بلغوها بفضل الله، لكنني وجدت نفسي أتأمل في أمورٍ أعمق من ذلك. فكّرت في المنظومة القيمية والأخلاقية التي اكتسبوها من البيئة التي نشأوا فيها: قيم الصدق، والأمانة، والشرف، والاحترام. ومن أجمل ما أعتزّ به أننا لم نتداول بيننا إلا الكلام الطيب، وكان الاحترام المتبادل بيننا سلوكًا يوميًا انعكس بدوره على تصرفاتهم وحسن سلوكهم في البيت والمجتمع. كما أن هناك قيمًا أخرى لا تقل أهمية، مثل القناعة، والثقة بالنفس، والنظافة، والذوق العام في الملبس والمأكل والمشرب، وغيرها من تفاصيل الحياة التي تُشكّل الإنسان؛ إذ اجتمعت فيهم قيم الحداثة مع قيمنا وتقاليدنا الاجتماعية.

لقد وجدت في ترتيب الصور والذكريات متعةً خاصة، حتى أصبحت أقضي جزءًا كبيرًا من وقتي اليومي في هذا العمل، مؤمنًا بأنها ستكون يومًا ما مصدر سعادة وحنين للأبناء والأحفاد، كما هي اليوم مصدر سعادتي.

لقد حاولت مرارًا أن أكتب بعض مذكراتي، لا بقصد نشرها، بل لنقل تجارب حياتي وأفكاري. غير أنني كثيرًا ما شعرت أن هذه التجارب قد لا تنسجم مع روح العصر الحالي، وأن الأبناء والأحفاد قد لا يجدون فيها ما ينفعهم. ومع ذلك، كنت أحرص على أن أصوّر لهم البيئة التي نشأت فيها، والفروق الكبيرة بينها وبين بيئتهم اليوم، من حيث أسلوب الحياة والتقاليد التي تمسّكنا بها، وما زلنا نراها الأقرب إلى الصواب.

ورغم أنني قطعت شوطًا لا بأس به في الكتابة، فإن بعض الذكريات كانت تعيد إليّ شعورًا بالإحباط، خاصة حين أتذكر بعض التصرفات التي أندم عليها؛ ولعل من أبرزها عادة التدخين التي أنهكت صحتي وتركت أثرها عليّ. فكلما نظرت إلى صوري القديمة، أجد السيجارة لا تفارقني. وقد بدأت هذه العادة في سنٍ مبكرة، في وقتٍ كنا نعتقد فيه – خطأً – أن التدخين مظهرٌ من مظاهر الرجولة، ناهيك عن عاداتٍ أخرى لا مجال لذكرها الآن.

وهكذا، أرى أن مرحلة التقاعد ليست نهاية طريق، إنما بداية وعيٍ مختلف بالحياة؛ وعيٌ يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها التي غابت طويلًا في زحام الأيام. أدركتُ أن الزمن يُقاس بما نملأه به من معنى، وأن الذكريات مرآة نرى فيها حقيقتنا. وحين نتأملها، قد نتمنى لو نعود لنُصلح بعض المسارات، غير أن ما مضى لا يُستعاد، فلا يبقى لنا إلا أن نتصالح معه ونمضي بسلام.

لقد أقنعتُ نفسي، لأتخفّف من وطأة الندم وأستعيد راحتي، بأن تِركة الإنسان الحقيقية هي ما يغرسه في القلوب من محبة، وما يزرعه في النفوس من قيم. هناك، في دفء العلاقات الأسرية والمجتمعية، يتجلّى الأثر الصادق للحياة. ومع كل صورة أستعيدها، أرى نفسي كما كنت؛ أفهمها أكثر، وأسامحها أكثر. عندها فقط أدرك أن العمر، بكل ما حمله من أفراحٍ وتعب، لم يمضِ سدى… بل كان رحلةً جديرة بأن تُعاش، وتُروى، ويُطمأن إليها.

***

سعد عبد المجيد إبراهيم

حين يطل علينا الربيع، لا يأتي مجرد فصل سنوي عابر في حياتنا، بل يحضر كوهج، تتالق في تفاصيله الأرض بحلتها الجديدة، ويتوهج الوجدان، حيث تتبدّل الألوان، وتزهو الطبيعة بألق مدهش، كأنها تخلع عنها اعباء ثقل عتمة الشتاء، وترتدي ثوبا من الضوء الساطع، والتطلع المتوقد.

ففي هذا الفصل، تتوهّج الحياة، ويغدو كل شيءٍ قابلا للبدء من جديد. فالربيع ليس مجرد اخضرار دوري للنبات، وتفتح تلقائي للزهور، بل هو ومضة توهج داخلي في وجدان الإنسان، حيث يتسع الحس عندئذ للأحلام، وينفتح الوجدان للتطلعات، وتنهض الأمنيات من سباتها، كما تنهض البراعم من بين أغصان ذابلة، لتتناغم في حضرته، النفس مع ذاتها، وتعيد ترتيب أولوياتها من جديد، وكأن الطبيعة تهمس في ذات الإنسان، بانه ما زال في الوجدان، متسع كافي للحلم، والتطلع.

والأجمل في الربيع، انه يتسلل برفق، وينساب بسلاسة إلى الوجدان، كما تفعل الأحلام الرقيقة حين تعانق الوجدان، ومن ثم فهو فصل حكايات جديدة لم تبدأ بعد، وذكريات لم تكتب.

إنه الربيع المتوهج، لا في ألوانه فحسب، بل في أثره العميق الذي يستوطن دواخل الذات، ليعانق أحلام الوجدان برفق، ويوقظ بنسائمه اللطيفة الحس المرهف٫ ويستحضر الذكريات الحالمة، استعدادا للتجدد، والازدهار من جديد.

***

نايف عبوش

حين يصير القلب لله وحده

في محراب العاشقين، حيث تتجلى حقائق وأسرار وتجليات بتسامى الأرواح في مدارج القرب، تتردد كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله". هذه الكلمة ليست مجرد إقرار بالوحدانية، بل هي إعلان عن حقيقة المحبة المطلقة، وتجريد للقلب من كل محبوب سوى المحبوب الأكبر، الحق سبحانه وتعالى. إنها دعوة إلى الفناء عن كل ما سوى الله، والبقاء به، في رحلة صوفية عميقة  يختبر فيها السالك معنى أن لا محبوب في أعلى صفات المحبة إلا هو، وأن العبادة الحقيقية هي ذروة هذه المحبة.

عندما تتجلى "لا إله إلا الله" في أفق الروح، فإنها لا تعني في الحقيقة إلا أنه "لا معبود بحق إلا الله"، ومعنى ذلك في نظرنا ليس فقط لا توجه لنا في إتيان الشرائع إلا لله بل إن ذلك يتجاوز الأمر إلى معنى أعمق وأشمل وهو أن: "لا محبوب إلا الله". فالمحبة هي جوهر العبادة وروحها، ولا يمكن أن تستقر المحبة الحقيقية المطلقة إلا في ذات كاملة جامعة لكل صفات الجمال والجلال والكمال. فكل محبوب سواه، مهما علا شأنه في عالم الخلق، هو محبوب عارض، زائل، ناقص، لا يستحق أن يكون غاية المحبة ومنتهاها. إن القلب السليم، الذي فطر على حب الكمال، لا يجد راحته وسكينته إلا في المحبوب الأوحد الذي لا يعتريه نقص ولا يلحقه زوال.

إن العبادة في جوهرها ليست مجرد أداء لفرائض وطقوس، بل هي تعبير صادق عن هذه المحبة المتجذرة في أعماق القلب. هي أن تطيع المحبوب في تسليم ورضا مطلق، لا عن خوف من عقاب أو طمع في ثواب فحسب، بل لأن القلب قد امتلأ بحبه، فأصبح لا يرى إلا أمره، ولا يرضى إلا بما يرضيه. هذه الطاعة النابعة من المحبة هي أسمى مراتب العبادة، حيث تتلاشى إرادة العبد في إرادة الإله أي المحبوب، ويصبح كل فعل وحركة وسكون ترجمة صادقة لفيض المحبة الإلهية في القلب.

في هذا السياق، تتجلى حكمة الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله، الذي غاص في أعماق النفس البشرية وكشف عن طبائعها. يقول الإمام:

«النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، أو حذرا من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارها من ذلك المَخوف إيثار لضدِه المحبوب لها، فما تركت محبوبا إلا لِما هو أحب إليها منه؛ فإن من قدم إليه طعام يضره ويوجب له السقم، فإنَما يتركه محبة للعافية التي هي أحبُ إليه من ذلك الطعام»

هذه الحكمة النورانية تكشف لنا سر التحول في المحبة. فالنفس البشرية، بطبيعتها، لا تتخلى عن محبوب إلا إذا وجدت بديلا عنه، محبوبا آخر يفوقه في قيمته ومكانته في القلب. أو تدفعها خشية من ضرر أعظم يدفعها لترك ما تحب. وفي كلتا الحالتين، يكون الدافع هو إيثار ما هو أحبّ وأصلح لها. فكيف إذا كان هذا المحبوب هو الله هاته الكلمة المقدسة التي لا تعني في نظرنا إلا " المحبوب الأقدس"، الذي لا يضاهيه محبوب، ولا يوازيه كمال؟ هنا تبلغ المحبة ذروتها، وتصبح الطاعة تسليما مطلقا، لأن المحبوب الأوحد قد استولى على القلب، فلم يعد فيه متسع لغيره.

إن السالك إلى الله، العارف بالله، يدرك هذه الحقيقة بعمق. يبدأ رحلته القلبية بالتعلق بالمحبوبات الدنيوية، ثم يكتشف، شيئا فشيئا، أنها لا تروي ظمأ روحه ولا تشبع فطرته. ومع كل خطوة في طريق المعرفة، يرتفع حجاب عن قلبه، فيرى أن كل محبوب سواه هو ظل زائل، وأن المحبوب الحقيقي هو الله وحده. هنا تبدأ النفس في ترك محبوباتها الأدنى لمحبوب هو أحب إليها منها، وهو الحق سبحانه وتعالى.

هذه هي حقيقة الفناء عن النفس وبقاء القلب بالله. فناء ليس عدما، بل هو ذوبان للأنا في بحر الأحدية، وتلاش لكل إرادة ورغبة سوى إرادة المحبوب. وعندما تفنى النفس عن نفسها، وتتخلص من قيود الأغيار، يبقى القلب متصلا بالمحبوب الأكبر، متجليا فيه، مستمدا منه كل وجوده. في هذه المرتبة، لا يرى العارف إلا الله، ولا يسمع إلا منه، ولا ينطق إلا به، ولا يتحرك إلا بأمره. يصبح بالله، لا بنفسه، لأن المحبوب الأكبر قد استولى على كل ذرة في كيانه، وأصبح التسليم والرضا المطلق هما حاله الدائم، فعبادته كلها محبة، ومحبته كلها عبادة.

إن "لا إله إلا الله" هي إذن ليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل هي حال يعيشها القلب، ومرتبة تبلغها الروح. هي إدراك عميق بأن المحبوب الأكبر هو الله، وأن كل ما سواه هو وسيلة إليه، أو تجل من تجلياته. فإذا استقر هذا المعنى في القلب، تحررت النفس من عبودية المخلوقات، وارتقت إلى أفق الحرية الحقيقية، حيث لا سلطان إلا للمحبوب الأوحد، ولا غاية إلا رضاه، ولا نعيم إلا قربه. وتصبح العبادة، بكل أشكالها، تعبيرا عن هذا العشق الأزلي، وتسليما كاملا لإرادة المحبوب، ورضا تاماً بكل ما يقضيه ويقدره. ففي هذا التسليم والرضا يجد السالك كمال العبادة وذروة المحبة.

فيا أيها السالك المحب لوجهه الكربم، ويا أيها الطالب للحق سبحانه، اجعل "لا إله إلا الله" نبراس دربك، ودليل قلبك، ومفتاح فنائك وبقائك. ففيها تكمن حقيقة المحبة، وفيها يتجلى المحبوب الأكبر، الذي لا محبوب سواه، ولا عبادة إلا له، ولا تسليم إلا لأمره، ولا رضا إلا بقضائه.

***

د. محمد غاني

تحولات الوجه في عصر التجميل المفرط

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة مرآة أولى للوجود، لم يعد الجسد مجرد كيان بيولوجي، بل تحول إلى مشروع قابل للتعديل، وإلى نص مفتوح على تأويلاتٍ لا تنتهي. ومع اتساع حضور وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تصاعدت موجة عمليات التجميل بوصفها محاولة لإعادة كتابة هذا النص، أو تصحيح ما يُظن أنه خللٌ في ملامحه. غير أن هذه الظاهرة، على ما تبدو عليه من سعي نحو الكمال، تحمل في طياتها مفارقة عميقة: إذ قد تقود، في بعض تجلياتها، إلى نوعٍ جديد من التشوه، لا جسدي فحسب، بل بصري وذوقي وثقافي.

لقد كانت الجراحة التجميلية، في بداياتها، فعلاً إنسانياً نبيلاً، يستهدف ترميم ما أفسدته الحروب أو الحوادث أو التشوهات الخلقية. كانت تعيد للإنسان شيئاً من توازنه النفسي، وتمنحه فرصة للاندماج في المجتمع دون شعور بالوصم أو النقص. غير أن هذا الهدف النبيل أخذ ينحرف تدريجياً مع تحول الجمال إلى سلعة، ومعاييره إلى قوالب جاهزة تُستنسخ بلا روح. لم يعد التجميل علاجاً، بل أصبح نزوعاً استهلاكياً، يخضع لذوقٍ جمعي مُصنع، يُملى من شاشاتٍ لامعة وصور مُفلترة.

في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ"التشوه البصري"؛ وهو تشوه لا يكمن في عيب عضوي، بل في اختلال المعايير التي نقيس بها الجمال. حين تتشابه الوجوه إلى حد التطابق، وتفقد الملامح خصوصيتها، يصبح الجمال ذاته مهدداً بالاندثار. الأنف نفسه، الشفاه نفسها، تقاطيع الوجه ذاتها، وكأننا أمام نسخٍ متكررة من نموذجٍ واحد، أُفرغ من اختلافاته الإنسانية. هنا، لا يعود التجميل تعزيزاً للذات، بل محواً لها.

إن التشوه البصري لا يصيب الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل الوعي الجمعي. فمع تكرار هذه الصور، يتكون لدى المتلقي إدراك مشوه لماهية الجمال الطبيعي، ويغدو غير القابل للتحقيق هو المعيار، بينما يُهمش العادي والبسيط. وهكذا، يدخل الإنسان في دائرة من القلق الدائم، يسعى فيها إلى مطابقة صورة وهمية، لا وجود لها خارج الفلاتر والعيادات.

ولعل الأخطر من ذلك، أن هذا السعي المحموم نحو الكمال الشكلي، يُخفي فراغاً داخلياً، ويعكس أزمةً في تقبل الذات. فالجسد، في نهاية المطاف، ليس عدواً ينبغي إصلاحه باستمرار، بل هو حكايةً نعيشها، بكل ما فيها من نقص واكتمال. حين نفقد القدرة على رؤية الجمال في اختلافنا، نصبح أسرى لمرآةٍ لا تعكسنا كما نحن، بل كما يُراد لنا أن نكون.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال عمليات التجميل في بعدها السلبي فقط؛ فهي، في بعض الحالات، ضرورة إنسانية ونفسية. لكن الإشكال يكمن في الدافع: هل هو حاجة حقيقية، أم استجابة لضغطٍ خارجي؟ هل هو رغبة في الترميم، أم في التحول إلى نسخةٍ أخرى؟ هنا يتحدد الفارق بين التجميل بوصفه فعلاً واعياً، والتجميل بوصفه انقياداً أعمى.

إن مواجهة ظاهرة التشوه البصري لا تكون برفض التجميل، بل بإعادة تعريف الجمال نفسه. الجمال ليس تماثلاً، بل تنوع؛ ليس كمالاً جامداً، بل حيوية تنبض في الاختلاف. وحين نعيد الاعتبار للملامح الطبيعية، وللتجاعيد بوصفها ذاكرةً لا عيباً، يمكننا أن نستعيد توازننا البصري، ونحرر ذائقتنا من سطوة النماذج المصطنعة.

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نُجمل وجوهنا، أم نُجمل نظرتنا إليها؟ فربما كان الخلل الحقيقي لا في الملامح، بل في العين التي تنظر، وفي المعايير التي تُقوم. وحين نصحح هذه العين، قد نكتشف أن الجمال كان حاضراً دوماً، لكننا لم نكن نراه.

***

أسمهان عبد القدوس

حين يكون الخبز عنوان السيادة

ليس الغذاء مسألة خبز يُوضع على الموائد ولا هو مجرد شأن اقتصادي يُدرَج في حسابات الإنتاج والاستيراد، بل هو في جوهره العميق مسألة سيادة تُرسم بها حدود الارادة الوطنية ويُقاس بها مقدار ما تملكه الأمة من حرية القرار.

فالأمم لا تُستَعبَد بالسلاح وحده، بل قد تُستَعبَد بالرغيف، لأن اليد التي تمتد لتأخذ قوتَها من غيرها لا تلبث أن تمتد مكرهةً لتأخذ قرارها من غيرها. ومن هنا كان الأمن الغذائي في حقيقته ليس أمنًا للبطون، بل أمنًا للإرادة، وليس ضمانًا للحياة البيولوجية، بل ضمانًا لكرامة الحياة الإنسانية.

إن الحضارة لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من القدرة على تحويل هذه الموارد إلى استقلال. وقد تملك الأمة الأرض الخصبة والمياه والثروات، لكنها تظل فقيرة في ميزان السيادة ما دامت عاجزة عن إنتاج قوتها. فالثروة التي لا تتحول إلى قدرة، تتحول إلى وهم، والسيادة التي لا تُترجَم إلى اكتفاء تصبح شعارًا بلا مضمون.

إن اخطر أشكال التبعية ليست تلك التي تُفرَض على الحدود، بل تلك التي تتسلل إلى الحاجات الأساسية للناس، لأن الأمة التي تعتمد في غذائها على الخارج تعيش في ظاهرها مستقلة، لكنها في حقيقتها معلقة بخيط خفي في يد الآخر. وحين يصبح الرغيف مستوردًا، يصبح القرار قابلًا للاستيراد أيضًا.

لهذا لم يكن الأمن الغذائي يومًا قضية زراعية فحسب، بل كان دائما قضية حضارية، لأنه يتصل مباشرة بمعنى الاستقلال. فالأمة التي تعجز عن إطعام نفسها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك مصيرها إذ لا معنى لسيادة سياسية فوق أرض عاجزة عن توفير أبسط شروط البقاء الكريم.

إن الجوع ليس نقصًا في الطعام فقط، بل نقص في العدالة ونقص في الحرية ونقص في الكرامة. فحين يفقد الإنسان أمنه الغذائي يفقد معه جزءًا من إنسانيته لأن الحاجة حين تضغط على الجسد تُضعف الروح وحين يتهدد الخبز حياة الناس تتراجع القيم أمام الضرورات. ولهذا فإن ضمان الغذاء ليس عملاً اقتصاديا فحسب، بل هو فعل اخلاقي يحفظ للانسان مكانته بوصفه غاية لا وسيلة.

ومن هنا، فإن الأمة التي تجعل غذاءها رهينة للأسواق العالمية إنما تجعل كرامتها رهينةً لتقلبات المصالح الدولية. لقد كشفت الأزمات الكبرى أن العالم الذي بشرت به العولمة ليس فضاءً للتكافل، بل ميدان للمصالح، وحين تضيق الموارد ينكفئ كل طرف إلى ذاته ولا يبقى في النهاية إلا من كان قد أعدَّ لنفسه أسباب البقاء.

ولذلك فان الدول التي فهمت معنى السيادة لم تنظر إلى الزراعة بوصفها قطاعًا اقتصاديا خاضعا لمنطق الربح والخسارة، بل نظرت إليها بوصفها ضمانة استراتيجية لحماية القرار الوطني. فربحُ الاستيراد السريع قد يبدو مغريا لكنه يُنتج هشاشة كامنة، بينما الاستثمار في الأرض مهما بدا مكلفًا هو استثمار في الحرية الوطنية.

واذا نظرنا للعراق تتجلى المأساة في أوضح صورها، فالعراق الذي كان يومًا مهد الزراعة ورمز الوفرة يقف اليوم أمام سؤال السيادة الغذائية وهو يملك من عناصر القوة ما يكفي ليكون في مصاف الدول المنتجة. وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية.

لقد أُنهكت الأرض حين أُهمل الفلاح وتراجعت الزراعة حين أصبح النفط بديلًا عن التراب حتى نشأ وهم خطير مفاده أن من يملك المال يستطيع أن يشتري امنه الغذائي متى شاء. غير أن التجارب أثبتت ان الغذاء ليس سلعةً مضمونة في اوقات الأزمات وأن السوق العالمية لا تمنح الطمأنينة لمن أهمل أرضه وارتهن لغيره.

إن العراق لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاجه الزراعي، بل يحتاج قبل ذلك إلى استعادة وعيه بأن الغذاء قضية سيادة. فالمسألة ليست في كمية القمح وحدها، بل في معنى أن يكون القمح قرارًا وطنيا لا منحة خارجية. ذلك أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من القدرة على تأمين الحاجات الأساسية، وما لم يتحقق ذلك فإن مظاهر السيادة تبقى ناقصة.

إن النهضة الزراعية ليست مشروعًا اقتصاديا محدودا، بل هي جزء من مشروع نهضوي شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الدولة والموارد، بين السياسة والكرامة. فحين تستعيد الأرض قيمتها يستعيد الإنسان كرامته وتستعيد الدولة جزءًا من حريتها.

إن الطريق إلى السيادة لا يبدأ من البيانات السياسية، بل يبدأ من الحقول. لأن الحقل الذي يُنتج الغذاء يُنتج معه ارادة حرة، والدولة التي تملك قوت شعبها تملك أن تقول ”لا“ حين يجب أن تُقال. أما التي تعيش على موائد غيرها، فمهما رفعت من شعارات الاستقلال تبقى سيادتها معلقة على ارادة الآخرين.

وهكذا، فإن الأمن الغذائي ليس مسألة اقتصاد، بل مسألة حضارة، لأنه يجيب عن سؤال جوهري: هل تملك الأمة شروط بقائها بإرادتها أم بفضل غيرها؟ فإذا كانت تملك خبزها فهي تملك قرارها وإذا فقدت الأول فلن تملك الثاني.

فالرغيف في معناه العميق ليس طعامًا فقط، بل هو صورة من صور الحرية، ومن لا يملك حريته الغذائية لا يملك حريته السياسية. وتلك هي الحقيقة التي لا يجوز لأمة تطلب السيادة أن تغفل عنها.

***

حميد علي القحطاني

وأثارها الاقتصادية على المستوى المحلي والدولي

شهدت أسواق النفط العالمية تأثيرًا كبيرًا نتيجة لصراع إقليمي بين أمريكا وإسرائيل من جهة وايران من الجهة الأخرى، هذا الصراع تسبب في خسائر فادحة بلغت أكثر من 50 مليار دولار جراء توقف إنتاج النفط الخام لمدة خمسين يومًا.

هذه التطورات أحدثت اضطرابات واسعة في قطاع الطاقة، ما أثار قلق الخبراء الذين يتوقعون استمرار تداعيات الأزمة لفترة طويلة قد تمتد لأشهر أو سنوات. يُعد هذا الصراع، الذي بدأ في نهاية شهر فبراير، شباط الفائت واحدًا من أضخم حالات الانقطاع في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، حيث تم استبعاد أكثر من 500 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات من السوق الدولية.

الآثار الاقتصادية لهذه الأزمة باتت جلية للغاية، فقد أوضح المحللون أن خسارة هذا الحجم الهائل من النفط تعادل وقف الطلب العالمي على السفر الجوي لمدة عشر أسابيع، أو تعليق جميع حركة النقل البري لمدة أحد عشر يومًا.

علاوة على ذلك، تكفي هذه الكمية لتلبية احتياجات الاقتصاد العالمي من النفط لمدة خمسة أيام فقط، ما يبرز حجم وتأثير هذه الفجوة. إقليمياً، يمكن أن تكفي هذه الكمية لتلبية طلب الولايات المتحدة لشهر كامل أو لتلبية احتياجات أوروبا خلال أكثر من شهر.

وعلى الصعيد العسكري، مقارنةً باستهلاك الجيش الأمريكي في السنة المالية 2021، يمثل هذا الفاقد النفط ما يكفيهم من الوقود لست سنوات، كما أنه يمكن أن يغطي احتياجات قطاع الشحن الدولي لمدة أربعة أشهر تقريبًا.

الدول المنتجة الرئيسة في منطقة الخليج العربي تحملت العبء الأكبر من هذا التأثير. خلال شهر مارس، أذار انخفض إنتاج هذه الدول مجتمعين بحوالي 8 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعادل إنتاج اليوم الواحد لشركتين من أكبر شركات النفط العالمية.

ولم يقتصر التأثير على النفط الخام فقط، بل امتد ليشمل المنتجات المكررة، فقد شهدت صادرات وقود الطائرات من دول مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان تراجعًا كبيرًا. ففي شهري مارس وأبريل مجتمعين، بلغت الصادرات نحو 4.1 مليون برميل فقط، مقارنةً بـ 19.6 مليون برميل في فبراير، شباط ما يظهر الفجوة الهائلة. وكان هذا النقص في وقود الطائرات كافيًا لإيقاف حوالي 20 ألف رحلة ذهاب وعودة بين وجهات دولية رئيسية مثل نيويورك ولندن.

مع استقرار أسعار النفط عند متوسط 100 دولار للبرميل منذ بداية الأزمة، فإن الإنتاج المفقود يعادل خسارة حوالي 50 مليار دولار من الإيرادات. هذا الرقم يعكس مدى جسامة التأثير الاقتصادي، إذ يعادل خفضًا بنسبة 1٪ في الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدولة أوروبية كبيرة، أو الناتج الكامل لدول أصغر. وقد طالت التداعيات الميزانيات الحكومية والشركات وتأثيرات على تكاليف المستهلكين عالميًا.

ورغم بوادر إيجابية تشير إلى بقاء الممرات البحرية الرئيسية مفتوحة بموجب اتفاق وقف لإطلاق النار، فإن الطريق إلى استعادة الإنتاج النفطي وتدفقه الطبيعي يبدو طويلًا وشاقًا. ففي أبريل، نيسان وحده، انخفضت المخزونات العالمية البرية للنفط الخام بنحو 45 مليون برميل مع تسجيل انقطاعات في الإنتاج وصلت إلى حوالي 12 مليون برميل يوميًا منذ أواخر مارس.

وتشير التقديرات إلى أن بعض حقول النفط الثقيلة في الكويت والعراق قد تحتاج ما بين أربعة إلى خمسة أشهر لاستعادة مستويات التشغيل المعتادة.

ضافة إلى ذلك، فإن الأضرار الكبيرة التي لحقت بقدرات التكرير ومرافق الغاز الطبيعي المسال في قطر تُظهر أن إعادة بناء البنية التحتية الإقليمية للطاقة يمكن أن تستغرق سنوات طويلة، ما يُبقي أسواق الطاقة العالمية تحت وطأة تقلبات طويلة الأمد مرتبطة بالإمدادات.

***

شاكر عبد موسى- العراق

كاتب وباحث

شهدت الثقافة الاجتماعية في العراق تحولات عميقة ومتراكبة، لم تكن مجرد انتقالات فكرية عابرة، بل انعكاساً مباشراً لتبدلات سياسية كبرى، وأزمات تاريخية متلاحقة، وصراعات على هوية الدولة والمجتمع. ويمكن قراءة هذا المسار بوصفه سلسلة من (التحولات الثقافية) التي أعادت تشكيل وعي الإنسان العراقي من مرحلة إلى أخرى، دون أن تلغي بالكامل ما سبقها، بل تترك طبقات متراكمة من الأفكار والقيم المتداخلة.

في العهد الملكي، تشكلت ملامح ما يمكن تسميته بـ(ثقافة الأفندي)، وهي ثقافة طبقة وسطى مدينية نشأت في بغداد والمدن الكبرى، وتغذت على التعليم الحديث والإدارة الناشئة والوظائف الحكومية. كان (الأفندي) رمزاً للموظف المتعلم الذي يتقن اللغة الرسمية، وينتمي إلى منظومة الدولة الحديثة الناشئة، مع احتفاظه بقدر من القيم التقليدية.

تميز هذا المجتمع بقدر من التوازن بين الحداثة والتقاليد؛ فالتعليم كان مفتاح الصعود الاجتماعي، والوظيفة العامة هي الحلم الأكبر، بينما بقيت البنى الاجتماعية التقليدية-العشيرة والدين والعائلة- حاضرة بقوة. ومع ذلك، بدأت بذور الوعي السياسي الحديث بالظهور، خاصة في أوساط الطلبة والمثقفين.

مع منتصف القرن العشرين، وبفعل التحولات العالمية وصعود الحركات التحررية، برز في العراق تيار يساري قوي، تجسد في انتشار الفكر الشيوعي داخل المدن والجامعات والنقابات. وقد جذب هذا التيار شريحة واسعة من الشباب والطبقة المثقفة، لما حمله من شعارات العدالة الاجتماعية ومناهضة الإقطاع والاستعمار.

في هذه المرحلة، لم يعد (الأفندي) وحده هو النموذج الثقافي، بل ظهر (المثقف المناضل) و(الطالب السياسي) كفاعل اجتماعي جديد. وشهد المجتمع العراقي حراكاً فكرياً واسعاً، تداخل فيه الأدب بالسياسة، والشعر بالنضال، والفكر بالاحتجاج.

مع صعود الأنظمة القومية، ولا سيما بعد عام 1968م، دخل العراق مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث برز خطاب قومي عربي قوي، ركز على الهوية العربية والوحدة، مقابل تراجع التيارات الفكرية الأخرى أو احتوائها ضمن إطار الدولة.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م)، تعززت عسكرة المجتمع بشكل غير مسبوق، إذ أصبحت الدولة جهازاً تعبوياً شاملاً، يوجه الإعلام والتعليم والثقافة نحو دعم المجهود الحربي. في هذه المرحلة، تحول المواطن إلى جزء من آلة الدولة، وتراجعت المساحات المدنية لصالح خطاب المواجهة والصمود والانضباط.

أدى سقوط النظام عام 2003م إلى انهيار البنية السياسية المركزية، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل المجتمع العراقي على أسس جديدة. غير أن هذا التحول لم يكن سلساً، بل رافقته حالة من الفراغ السياسي والأمني، سمحت بظهور هويات فرعية متنافسة.

برز في هذه المرحلة انقسام واضح بين اتجاهين رئيسيين: المجتمع الطائفي الذي أعاد إنتاج الهويات الدينية والمذهبية كمرجعيات سياسية واجتماعية. والمجتمع المدني الذي حاول بناء فضاء وطني قائم على المواطنة والقانون وحقوق الإنسان. وقد أدى هذا التناقض إلى حالة من الاستقطاب، حيث تداخلت السياسة بالهوية، وتراجعت الثقافة الجامعة لصالح الانتماءات الجزئية، رغم استمرار محاولات بناء وعي مدني عابر للطوائف.

أخيراً إن تاريخ الثقافة الاجتماعية في العراق هو في جوهره تاريخ صراع بين مشروع الدولة الحديثة ومشاريع الهويات المتعددة. من (الأفندي) إلى (المناضل)، ومن (القومي) إلى (المقاتل)، ومن (المواطن المدني) إلى (المنقسم طائفياً)، ظل المجتمع العراقي يتشكل تحت ضغط التحولات الكبرى.

ومع ذلك، يبقى في هذا التاريخ خيط مشترك هو قدرة العراقيين على التكيف وإعادة إنتاج ذواتهم رغم الأزمات، مما يجعل الثقافة العراقية مجالاً مفتوحاً للتجدد، لا مجرد سجل للماضي، بل مشروعاً مستمراً لإعادة تعريف الهوية والمعنى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثرثرة: كثرة الكلام في مبالغة من دون جدوى، كثر الكلام في تخليط وترديد بسرعة وبلا فائدة.

في المدرسة الإبتدائية وفي أحدى مراحلها الأولية كانت في كتاب القراءة قصة "الحلاق الثرثار"، وهي قصة ممتعة لحلاق يرسم خارطة العالم على رأس زبونه، ويشرح بعضا من حوادث التأريخ.

هنا كذا وهنا كذا، وهنا إنتصرت القوة الفلانية وهنا إنهزمت الدولة الفلانية، ويمضي في ثرثرته ومقصه يعبث برأس الزبون، الذي إحتار كيف يتحرر من قبضته، وينجوَ ببعض شعره.

والحلاق المزعج هو الذي يكلم زبونه أثناء حلاقته لرأسه، والحلاق الثرثار مزعج لأنه يقبض على أنفاس الزبون، ويحصره تحت رحمة مقصه ولسانه المهذار.

وأقلامنا ثرثارة، لا تتوقف عن الكلام الخطيل، وأصحابها منابر معارف ودرايات إدراكية فائقة، فهم العلماء الأفذاذ ولا يقترب منهم ذو علم وعقل، لأن قولهم الفصل ورأيهم سلاف رأي.

كلام أخيلة مضطربة، وإستمطار سراب، وهرولة وراء خيوط دخان، في عالمٍ لا يستكين للهوان، ويسعى نحو رائدة الزمان، ويقتل المستحيل بالإمكان.

قالوا وما أكثر ما قالوا، وعندما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، صمتوا وفي كهوف رؤاهم إندسوا وزالوا.

يتباحثون بما يظهر من جبل الجليد العائم في بحر التفاعلات العاتية الجريان، وما فوق الطاولة يحسبونه فصل الختام، وعما تحتها هم في عماء واعتصام، لايدركون ما يقولون، ويحسبون كل شيئ كما يتصورونه، ويرغبونه، و"ما كل ما يتمنى المرء يدركه...".

أوهام مدونة، وأكاذيب معنونة، وبراهين مزيفة، بالضلال معرفة، وكلٌ يغني على ليلاه، وموطنها مدفون، في زمنٍ مأفون، بالغنائم مفتون، والفائز الملعون، والأجيال بلا عيون، وعقلها مرهون، وصوتها مسجون، ومن الخوف لا يتسألون.

أباطيلٌ مشرعنة، مبرهنة بعنعنة، وبأكاذيب ملقنة، والخرافات مهيمنة، والطوابير محيّنة، تخيفها البيّنة، الإبصار ممنوع، والخداع مشروع، والهدف الخنوع، لطامع يجوع، لأمة تستلطف الخضوع، وتنكر زمانها وتدّعي الرجوع، لغابر مقموع، وجهدها الدموع.

وتلك ثرثرة مؤزرة السطوع!!

نُثرثرُ من مَواجعِنا كَلاما

وما بَلغتْ مَساعينا مَراما

نَسينا فِعلنا فطغى قنوطٌ

يُكبّلنا ويُطعِمُنا خِصاما

بثرثرةً أصابَتْ مُرتقانا

تُبلّدنا فأنْستنا الحُساما

***

د. صادق السامرائي

"أنا لا أعير الكتب أبدا. الكتب المعارة لا تُعاد. الكتب الوحيدة في مكتبتي هي كتب أعيرت لي واحتفظت بها!" 

قارئ شغوف من القرن التاسع عشر

في مسرحية هاملت لشكسبير، يوصي بولونيوس ابنه: "لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!". والأفدح لأي شغوف بالكتب أن يتحمل مخاطرة إعارة كتاب، إذ يتعين عليه قبول احتمال وجوده في مكان آخر، دون أن يتمكن من رؤيته مجددا.

يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه. ثم لا يلبث أن "يفقع" مرَارَتك قبل أن يعيده، طبعا هذا إن كان من أهل الحرص والفضل، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيحكم عليك بأوقات حزن، تتجدد كلما احتجت له أو لاحَ عنوانه بخاطرك!

هذه الظاهرة العالمية التي امتدت عبر قرون، لا تزال حتى اليوم تؤثر على شريحة واسعة من القراء، ويتجدد معها كل مرة سؤال مؤرق: كيف نشارك متعة القراءة مع الآخرين، دون تحمل مرارة ضياع الكتب وفقدانها؟

تتيح إعارة الكتب واستعارتها فرصة متجددة لاكتشاف عناوين وإصدارات دون ضغط شرائها. وهي كذلك مناسبة لتقوية الروابط وتعميق الصداقات. إننا حين نعير كتابا، لا نشارك الآخرين شيئا ماديا فحسب، بل ننقل شعورا وتجربة، أي جزءا حقيقيا من أنفسنا. إننا نساهم دون شك في نشر الثقافة والسعادة، لكن الأمر يتطلب قدرا من الحكمة قبل أن تؤدي الأريحية الزائدة إلى رفض قاطع!

تحقق الإعارة بيئة من التفاعل الحيوي بين المعير والمستعير، إذ يصبح لكل كتاب ذاكرة لا تشمل فقط انطباعاتك كقارئ، وإنما تمتد أيضا لتحتضن الأماكن التي قرأتها فيه، والأشخاص الذين أعرتهم إياه، والحوارات التي دارت حوله. إلا أنها قد تصبح مجازفة حين تتحول إلى تعلق خفي، يُصطلح عليه في علم النفس المعرفي ب "تأثير التملك". يقرأ المستعير الكتاب ثم يتعلق به، لينسى تدريجيا أنه ليس نسخته الخاصة.

يُمكنك بالتأكيد العثور على نسخة أخرى في أقرب مكتبة، إلا إذا كان على صفحات كتابك إهداء يوثق ذكرى صداقة أو حب فتلك فجيعة أخرى، لأننا اليوم في زمن الطباعة، ودُور النشر تقذف بآلاف النسخ لتوزعها على امتداد رقعة واسعة.

لكن، هل لك أن تُقدر حجم الخسارة في زمن النَسْخ والورَّاقين؟ وما يعنيه ضياعُ نسخة فريدة بخط المؤلف نفسه؟

وجد أسلافنا أنفسهم أمام معضلة دينية وأخلاقية، مما توجب عليهم البحث لها عن حل توفيقي. من جهة يُحذرهم النص الديني من كتمان العلم، ويعتبر البخل بمصادر المعرفة أشد لؤما من البخل بالمال؛ لكن من جهة أخرى لا يكتفي بعض طلبة العلم باستعارة الكتب لأجل التعلم والتفقه، وإنما تُزين لهم أنفسهم الاستحواذ عليها وعدم ردها لأصحابها.

ما العمل إذن؟

توزعت الآراء والمواقف بين أربع اتجاهات أساسية، تعكس الأهمية الفائقة للكتاب، ومركزيته في الحياة الثقافية آنذاك. وهي الآراء التي يعرضها محمد خير رمضان يوسف بتفصيل في كُتيب طريف بعنوان " آداب إعارة الكتب في التراث الإسلامي".

يميل الاتجاه الأول إلى إعارة الكتب دون قيد أو شرط، من باب الكرم والسماحة، والإسهام في نشر المعرفة. لذا لم يكن أنصاره يهتمون باسترجاع الكتب المُعارة، ويعتبرون الأمر من بركات العلم.

من طريف ما يُحكى في هذا الباب عن أحد أشهر جامعي الكتب في عصرنا، واسمه أحمد تيمور، أنه أعار مخطوطين نادرين لأحد أصدقائه، ولما رفض هذا الأخير إرجاعها، كان تيمور يزوره في بيته ليطلع على أحد المخطوطين كلما احتاج لذلك!

بينما يقرر الاتجاه الثاني إعارة الكتب خوفا من إثم كتمان العلم. وهنا نقرأ تحذيرا لسفيان الثوري مفاده أن من بخل بعلمه فإنه يُبتلىَ إما بنسيانه، أو عدم الانتفاع به قبل موته، أو ضياع كتبه. وكانت الوسيلة لضمان إرجاع الكتب هي التودد لمن استعارها، ومراسلته بين الفينة والأخرى بكلمات رقيقة، وأبيات شعر مهذبة، تُذكره بشيمة الوفاء ورد الأمانات إلى أصحابها.

في حين يضع الاتجاه الثالث شروطا للإعارة، يضمن من خلالها ألا تقع كتبه في أيد غير أمينة. ومن بينها ألا يعير الكتاب إلا بعد إلحاح شديد من الطالب، وأن يلتزم هذا الأخير بقراءته، لأن الإعارة للكسالى فيها ضياع للعلم، وأن يتعهد بالمحافظة عليه. فكان بعضهم يزور بيت الطالب ويُلقي نظرة على كتبه، فإن وجدها محفوظة بعناية فإنه يعيره ما أراد.

وفي عصرنا تميز الشيخ علي الطنطاوي بنباهة خاصة ويقظة مع من يرغبون في استعارة كُتبه، فكان رحمه الله، لا يسمح بخروج الكتاب من داره إلا بإذن رسمي، ومع تحديد المدة. ثم يُذَكر الطالب كلما لقيه بالكتاب، حتى يَملَّ هذا الأخير فيعيده إلى صاحبه.

ويذهب الاتجاه الرابع أبعدَ من ذلك، حين وجد للإعارة قيدا شرعيا هو الرهن. بإمكانك أن تستعير الكتاب مقابل مال أو شيء آخر نفيس، تتركه رهنا عند صاحبه. وبعضهم يشترط زيادة على الرهن، أن تحلف بالأيمان المغلظة أنك ستصون الأمانة، وتكون موضِع ثقة. وفي ذلك أنشد محمد بن خليف قائلا:

أعِرِ الدفتر للصـــــا      حِب بالرهن الوثيق

إنه ليس قبيــــــحــا     أخذُ رهنٍ من صديق!

وهو التعامل الذي اعتمدته المكتبات في عصرنا هذا، بأن تشترط مبلغا من المال أو بطاقة التعريف كضمانة مقابل إعارة الكتب. لكنه يظل إجراء إداريا يختلف من حيث الجوهر عن النقاش الذي أثاره أسلافنا، حيث شكلت المكتبات في زمنهم واجهة المعرفة المنظمة قبل ظهور المدارس، وتجليا لثلاث حقائق:

الأولى هي أن هناك كتبا تستحق أن تُجمع في مكان واحد.

والثانية تدني نسبة الأمية التي تعيق الانغماس في عوالم الحرف المكتوب.

والثالثة هي الشغف بالقراءة وجمع الكتب، وإنشاء مكتبات ضمت عشرات الآلاف من المؤلفات، رغم ما يتطلبه النسخ من جهد بصري وظروف اشتغال قاسية. وبعض قصص هذا الشغف مثيرة، وتدعو للحسرة، حين نقارنها اليوم بواقع الإنسان العربي المعاصر في علاقته بالكتب والمكتبات؛ منها خبر جامع كتب يُدعى شافع بن علي العسقلاني الذي ترك بعد موته عشرين خزانة ملأى بالمخطوطات النفيسة. ورغم فقدِ بصره قبل موته إلا أنه كان يعرف عنوان الكتاب بمجرد لمسِه، ويذكر تاريخ ومكان اقتنائه.

بينما على الضفة الأخرى قررت حكومة الثورة الفرنسية، بعد مصادرتها لكتب النبلاء ورجال الدين، إلقاءها في مستودعات ضخمة بباريس وليون، ثم بيعها بأثمان بخسة بعد أن تلاشت بفعل الرطوبة والأوساخ!

بقي اتجاه خامس يتمسك أصحابه بعدم الإعارة مطلقا، عملا بالمثل الإيطالي:" كتاب مُعار، كتاب مفقود". ولعل ذلك بسبب كثرة ضياع المخطوطات والمسودات النفيسة، وإهدار جهد معرفي وفكري تحتاجه الأمة. لكن يظل برأيي مجرد انفعال لا يلبث أصحابه أن يتخلوا عنه، تقديرا منهم لدور المعرفة في نهضة الأمة. لذا لم ينفذ الحافظ السخاوي وعده بإلقاء كتبه الجليلة في البحر قُبَيل موته!

وختاما، فإن الإعارة التي تنطوي على خلق معرفي، وتعزز قيم المشاركة في عالم ينحو صوب الأنانية البغيضة، تتطلب توجيهات وقائية من قبيل:

- لا تجازف بالإعارة لشخص أعلن مرارا أنه لا يحب القراءة، كي لا ترى كتابك محتجزا لفترة طويلة.

- الإعارة لشخص مهمل تعني احتمال عودة كتابك في حالة سيئة، وتقبل صفحات مهترئة، أو غلاف عليه بقع زيت أو ما شابه.

- ضع اسمك على كتبك، حتى لا يتمكن المستعير من ادعاء ملكيتها.

- تتبع إعارتك عبر بطاقة فهرسة، خاصة إن لم تكن ممن يتمتعون بذاكرة جيدة!

***

حميد بن خيبش

 

تفاجئني السماء بالمطر الندي، ولكني كنت أحلم بندف من الثلج الرقيق، واللهو في بياضه في فناء بيت جدي (رحمه الله) مثل الأطفال. أهرول هربا خيفة من ابتلال ذاكرتي المتعرية، وذلك لأني أحمل ذاكرة من ورق أبيض شفاف، ولن يصمد أمام قطرات مياه السماء الهاطلة بالامتداد. فقد كان خوفي المتفرغ من آهاتي الملتوية في هذه الصبحية المطيرة، لن يصمد قوة أمام قدوم سيولة طوفان وادي النسيان. إنها قسط من هشاشة ذاكرتي التي تمنح النسيان سلطة السلطان الحاكم بالاستبداد والتحكم، ولا تمتلك حلول الحرية في الاختيارات والمسارات وتسجيل التاريخ المسكوت عنه.

حين أقلع مطر السماء، رأيت الحذر يتبدد عند المارة، وباتوا يسرعون الهرولة والهروب من الأمكنة الآمنة من زمن ماء الممطر. وجدت أن ذاكرتي اقتلعت ورقة مبللة وتالفة الكتابة، ثم رمت بها في سلة مهملات النسيان الراسبة. رأيت أن العابرين أمامي قد توقفوا عند حاجز ستار الماضي الذي يضيء لهم المستقبل من الخلف، وهم في نشوة من أمرهم الجدي.

كنت أحاول معاودة تأويل قضايا العالم الممكنة بما يليق مع رقة رحمة سماء المطر، لكني سقطت في المزيد من التشتت الذهني، والانقسام في أفكاري، وحتى كسلا في استدعاء ذاكرتي الرزينة. كنت عقلانيا حين آمنت بتشظي ذاكرتي بعد أن أضاع المطر صفحة غلاف ذاكرتي الواقية لي من سلطة النسيان والتناسي، وشؤم هشاشة أفكاري داخل تفكير علبة الصندوق.

 أحسست أني دخلت مساحة لا تزال باردة وبلا مكيفات هوائية حديثة، وكنت أرى أن باب المستقبل يفتح بالمهل والتأني من الخلف المظلم، هنا تيقنت أن ذاكرتي لن تقدر على ضبط الاختلاف في الرأي وتعيش منطق الشتات، وتنأى بعدا عن منطق التجميع والمصادقة على استعراضات أحداث المستقبل التي تستنير ضوء من خلفية الماضي والصورة المعلقة عندنا في الأذهان اليقظة.

قد يبقى حلمي شامخا حتى في هشاشة ذاكرتي بالنسيان، لأني أداوم فعل إشعال نجمتي الزهرية البرية. فيا لهول المفارقة العجيبة بين مطر السماء والناس في هرولة من أمرهم للاختباء!!! وبين الذهاب مشيا لصلاة الاستسقاء، وطلب الرحمة من السماء. من فرط نكسي أن ذاكرتي الهشة يغيب عنها الاعتدال في مواقفنا التجميعية، لأن النسيان يفضح مستويات ذاكرتي في الخمول، وهذه مهزلة قد تصيبنا بالتشظي وبلعنة السماء.

نكذب على ذواتنا، ونعامل الوهم بمساحيق التجميل البسيطة، والحلم بمساواة الماضي بالمستقبل، لكني افتراضا كنت أعمل على تأجيل الحقيقة قليلا من الصدمة القاتلة. من مشكلاتنا أننا نقتات من الوهم نهما، ونمارس مرونة سياسة الكذب والمراوغة، وبه نمارس حياتنا بكل أُبهة، لحظتها قد نفقد الثقة فيما تبقى من ذاكرتنا الماضية، ونتخلى عن حلم المستقبل.

سادتي الكرام: من المعادلة الخاوية الوفاض سؤال: ماذا تريد سماعة الآن؟ فقد يكون الجواب المنطقي: لو كنت أعلم، لما تخلصت ذاكرتي من تلك الورقة المبللة بالمطر، وأصبحت أعيش أجزاء متقطعة من هشاشة ذاكرة النسيان في الماضي والحاضر!!!

***

محسن الأكرمين

في تلك السنوات الثقيلة من الحرب العراقية الإيرانية، كنتُ أعيش في طهران كما يعيش الظل على هامش الضوء؛ بلا أوراق تثبتني، وبلا اسمٍ يعترف بي أحد. كنتُ أمشي في شوارع المدينة كأنني فكرة عابرة، أستقل سيارات الأجرة، أراقب الوجوه، وأتعلّم كيف يكون الإنسان موجوداً.. دون أن يكون.

راودتني فكرة صغيرة، لكنها بدت لي يومها بحجم خلاصٍ كامل: بطاقة مكتبة. مجرد بطاقة من اتحاد الشبيبة الآشوري، لا قيمة لها إلا استعارة الكتب. لكنني كنت أبحث فيها عن شيء آخر، عن أثرٍ مادي يقول إنني هنا، إن لي اسماً وصورة، حتى وإن كان اسماً مستعاراً.

حملتُ صورتي الشخصية، ومضيتُ إلى هناك. كان المكان مألوفاً، وقد اعتدتُ ارتياده مع خطيبتي (زوجتي الحالية)، التي كانت واحدة من أولئك الذين يمنحون المكان حياةً لا تُرى. المناسبات، الضحكات، الأحاديث.. كلها كانت تمنحني وهماً بالانتماء.

تقدّمتُ نحو طوني، مسؤول المكتبة، الرجل الذي يعرفني جيداً، أو هكذا ظننت. مددتُ له الصورة وقلتُ ببساطة.

- أريد بطاقة مكتبة.

نظر إليّ، لا كمن يسمع طلباً عادياً، بل كمن يواجه سؤالاً لا يجوز طرحه. فجأة تغيّر وجهه، وارتفع صوته كأنني طلبتُ المستحيل:

!. - لا يمكن! أنت لست إيرانياً.. أنت عراقي

تكسّرت كلماته في داخلي، لا لأنها قاسية، بل لأنها كانت صادقة أكثر مما ينبغي. حاولتُ أن أشرح، أن ألتفّ على الحقيقة، أن أجد ثغرة صغيرة في جدار القوانين.. لكنه كان جداراً بلا شقوق. خرجتُ من هناك، لا بلا بطاقة فحسب، بل بلا وهمٍ أيضاً.

***

في يومٍ آخر، وأنا عائد من درسٍ خاص، كنتُ أعلّم فتاة إيرانية اللغة العربية، تستعد لامتحانات "الكونكور"، أي البكالوريا في العراق.

كان المساء يهبط ببطء، وكنتُ أفكر في مفرداتٍ لم تفهمها، حين صادفتُ سامي.

كان واحداً من أولئك الذين تعرفهم الحياة صدفة، ثم تضعهم في طريقك مراراً دون سبب. شاب من عائلة كردية فيلية، كنتُ أزورهم أحياناً، ونجلس في أحاديث لا تبدأ من مكان محدد ولا تنتهي عند معنى واضح.

بعد التحية، قال لي وكأنه يلقي خبراً عادياً:

- زين شفتك.. باجر مسافر إلى الجزائر.

توقفتُ لحظة، ثم سألت:

 - ليش؟

 - أختي هناك.. شافت لي شغل.

 - خيرشنو الشغل؟

 - أستاذ جامعة.

انفجرتُ ضاحكاً. ضحكٌ طويل، صادق، حتى كدتُ أنسى أنني أنا من يضحك. لكنه لم يضحك. ظلّ ينظر إليّ بثباتٍ غريب، حتى أدركتُ أن الأمر ليس نكتة.

 - جديات، قالها بهدوء.

توقفتُ عن الضحك، لكن الدهشة لم تتوقف.

 - شنو راح تدرّس؟

 - قانون.. بكلية الحقوق.

شعرتُ أن العالم انقلب فجأة إلى مسرح عبثي.

 - مو أنت كنت شرطي بالعراق؟

 - إي، صحيح.

 - زين.. شلون صرت دكتور قانون؟

ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها شيء من الفخر وشيء من السر:

"كوجه مروي". - أخذت شهادة دكتوراه من

سكتُّ لحظة. الاسم وحده كان كافياً ليفتح أبواب الشك كلها. مكان تُصنع فيه الهويات والوثائق والجوازات كما تُصنع الأحذية.. حسب المقاس.

- شلون راح تدرّس؟

 عادي.. قالها ببساطة مدهشة. أعرف شوية قوانين من أيام الشرطة.. والباقي أقراه قبل الدرس.

لم يكن يمزح. لم يكن قلقاً. كان يتحدث عن الأمر كما لو أنه رحلة عادية، لا قفزة في المجهول.

راقبته وهو يتحدث، وفكرتُ: أنا الذي عجزتُ عن الحصول على بطاقة مكتبة.. وهو ذاهب ليصبح أستاذاً جامعياً بشهادة مزورة.

في تلك اللحظة، بدا العالم غير عادلٍ على نحوٍ ساخر. أو ربما.. كان عادلاً بطريقته الخاصة، حيث لا تُقاس الأشياء بما هي عليه، بل بما تستطيع أن تدّعيه.

سافر سامي في اليوم التالي، إلى الجزائر، كما قال. وانقطعت أخباره، كما تنقطع الحكايات التي لا تجد نهايةً تليق بها.

أما أنا، فبقيتُ في طهران، بلا بطاقة.. لكن بوعيٍ أثقل، يعرف أن الهوية ليست دائماً ما نحمله، بل ما يُسمح لنا أن نكونه.

***

جورج منصور

أدركتُ أننا تائهون في عالمٍ من الخداع، وتعلّمتُ أن الثقة لا تُهدى، وأن الصراحة جرح، وأن المجاملة فنّ لا يُتقنه إلا من يعرف كيف يتعامل بها.

تبقى الحياة رحلةً مليئةً بالتحديات والتقلّبات، لكن جمالها الحقيقي يكمن في قدرتنا على مواجهة صعوباتها، وفي ذلك النبض الذي يعيد للحياة معناها حين تبهت الألوان وتشتدّ ظلمة الأيام.

منذ صغري، وأنا أعاني من ردّات فعلٍ لا أفهمها؛

أبكي في قمة السعادة خوفًا من انقضائها، وكأنني سأدفع ضريبتها حتمًا بالكثير من الحزن.

وأبتعد عن أمي في لحظة حاجتي لحضنها، رغم أنني أتمنى أن أتكور بين ذراعيها كجنينٍ من جديد.

وأنزوي وحيدةً في ساحة المدرسة حين تجد صديقتي المقرّبة صديقةً أخرى، بدلًا من أن أملأ مكاني وأبقى إلى جوارها حتى لا يتّسع لغيري.

هذه أنا… منذ الطفولة وحتى الشباب.

لا أعرف كيف تُقال كلمة “لا”، ولا أستطيع التوسّل في الحب، لأنني أؤمن أن الحب لا يُستجدى ولا يُؤخذ كرهًا، ولا يُمنح مجاملةً لرفع العتب.

وها أنا أعود لأشعر بمشاعر الطفولة ذاتها…

أحبّك، فأختار الابتعاد، خوفًا من أن يكبر حبك في قلبي أكثر.

أعلم أن لكل شيء ذروة، إذا بلغناها لا يمكننا أن نعود كما كنّا بعدها.

وأعلم أنني استهلكتُ كل شموع قلبي لأُشعل حبك، ولم يتبقَّ لديّ إلا شمعةٌ واحدة، أخشى أن تحترق معها روحي التي لم تعد تقوى على فراقك.

حدث ما كنت أخشاه…

لم يعد الفراق أمرًا أستطيع احتماله، ولم يعد بوسعي أن أدعو الله أن يهبني خيرًا لا تكون فيه.

ومع ذلك، يبقى الأمل…

ذلك الشعور الداخلي بأن هناك دائمًا من يرعاني ويأخذ بيدي،

ذلك الصوت الهادئ الذي أسمعه في داخلي حين ترفض روحي الإنصات لكل ما هو زائف في هذا العالم.

في داخلي صوتٌ لا يغادرني…

ليس ضجيجًا ولا كلماتٍ كثيرة، بل طمأنينة عميقة.

هو صوت الأمل بالله وحده.

يهمس في قلبي كلما ضاقت الطرق:

أن لا شيء يضيع مع الله، ولا دعاء يُرفع إليه يذهب سُدى،

وأن ما كُتب لي سيأتيني، ولو تأخر، لأنه عند الله لا يُنسى.

***

ذكرى البياتي

ما أقساها!

ترى ما الذي دهاها، لـِمَ تنتقدني بحدة كلما قرأت لي نصا جديدا؟! أتساءل لماذا تعاملني وقلمي بتلك الفضاضة؟!

هي أسئلة وأخرى تثيرها لديّ تلك الناقدة القاسية، التي تسترسل دوما في نقدها اللاذع لي، فتارة تكون هيكلية الأسلوب، وأخرى انطباعية، نفسية، أو نمطية، وغير ذلك، لكن كثيرا ما تكون تلك الأصناف مجتمعة!

كم تبدو حانقة من قلمي! فحين تعمد إلى نصوصي بالنقد، تصب علي جامّ غضبها، وكأنها تنتقم مني لكوني أتمتع بشخصية قوية وجريئة، لا أحد يكسر شوكتها، أو يشل عزيمتها، فلا يهز ثقتها نقد ناقد، ولا هي تأبه لمكر حاقد.

لم يحدث أن قرأَتْ لي نصا بعين الإعجاب والإقرار بمُكنتي، لقد استسلمتُ لفكرة استحالة حصول قلمي على اعترافها، مهما أبدع وتألق، بَيْد أني لا أكترث لها ولا لرأيها، فنقدها الدائم لا يثني من عزمي شيئا، بل يشكل رهانا وتحدّيا بالنسبة لي.

 لطالما أربكَتْ حروفي في العتمة، قبل خروجها منهكة للنور، وكأنما بيدها مشرط جراح بارع، تتفنن في تشريح بنية نصوصي والغوص في معانيها، وتفكيك رموزها، تهتم بفهم الدوافع، وترنو دوما لاستنباط التوجه الفكري للكاتبة، وتحليل ذهنيتها، وحالاتها الشعورية، سيما تلك التي تلبّستها أثناء الكتابة!  

كل مرة تُخضع فيها قلمي للتقييم، تضعه تحت المجهر، فلا يخلو الأمر من انتقاد لاذع، لابد وأن تشير إلى زلة أو هفوة، وتمطرني بوابل من ملحوظاتها المزعجة.

غريب فعلا أمرها! لقد سئمت منها حقا، ألا تدرك تلك الناقدة المتعالية والمغرورة، أن الكتابة رحلة استكشافية للذات، يبحر فيها الكاتب مع القارىء على حد سواء، ويسعى خلالها لترويض وتطويع قلمه، بما يتناسب مع ميوله الفكرية وسماته الشخصية.

ككاتبة لا تميل للبوح الذاتي، بل تملك رؤية وبصمة خاصة، أستهدف دوما ما وراء النص، لذا يروقني كثيرا تناول كتاباتي من هذا المنطلق، من قِبل ذوي الاختصاص من أدباء ونقّاد أكاديميين، بمنتهى التجرد والموضوعية بعيدا عن شخصنتها.

رغم معاناتي الدائمة مع تلك الناقدة القاسية، إلا أنني أحبذ جدا فكرة حضورها الطاغي بعالمي، كحارس أمين لقلمي، أخال طيفها لا يفارقني لحظة، حد الشعور بهالتها الساحرة، تفرض عليّ سطوتها في هاته الأثناء وأنا أخط هذه الأسطر عنها، حاضرة وبقوة تنتقد نقدي لها! أمر مثير للسخرية فعلا، ذاك هو ديدنها، ناقدتي الاستثنائية ترعى نبضي في المخاض، وبعد الميلاد، فلا يبصر النور إلا بين يديها! ترهقني أحيانا، فيستوحش قلمي من بياض الدفتر، ويحدث أن تلتهمه خانة اللاشيء طويلا، غير أن تلك الناقدة تتمادى وتتحداني في حضوري كما الغياب، فأهزمها بالعودة أنضج وأكثر تمرسا.

فلأعترف قلمي دونها طفل صغير تائه، وبالمقابل هي لا يمكنها إلا أن تلازمه لتمارس عليه سلطتها الوالِدية، صدقا لا يمكنني الفكاك منها أبدا.

بالرغم من أنني أعاني من تداعيات ثنائية الإبداع والنقد الذاتي، كونها تقودني لا محالة لفخ متلازمة الإتقان المرهقة، إلا أنني لا أقرّ بوجود تعارض بين الذات المبدعة والذات الناقدة، فالعلاقة بينهما ليست صدامية أو نِدّية، شريطة استيعاب المبدع ماهيتهما، والدور المنوط بكليهما، ومِن ثَمّ محاولة الحفاظ على التوازن بينهما، ليظهر جليا أثر ذلك في نتاجاته النوعية، من خلال ديمومة التناغم بين العاطفة الاندفاعية للمبدع، وعفوية طرحه وأسلوبه من جهة، والمنطق الأكاديمي الجاف للناقد الذي يسكنه، ويتولى مهمة الرقابة والتوجيه من جهة أخرى.

برأيي الناقد الداخلي للمبدع هو بمثابة الأنا العليا الأدبية، التي تتقمص دور الدليل والمرشد لذاته المبدعة، والعلاقة بينهما تكاملية بامتياز ومثمرة، ذلك ما يجني المبدع نتائجه الملموسة، على المدى القريب والبعيد.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

الأساطير: الأباطيل والأحاديث العجيبة. والأسطورة حكاية تقليدية غالبا ما تتناول الآلهة أو الكائنات الخارقة، أو أبطالا ذوي قدرات غير عادية، وتُستخدَم لتفسير ظواهر الطبيعة أو أصل الكون أو العادات والتقاليد، وتمزج بين الحقيقة والخيال، وتعكس ثقافة المجتمع ومعتقداته، وتتناقلها الأجيال، وتحمل رموزا ومعاني عميقة، وتفسر ما هو غامض، وترسّخ القيم والعادات، وتعطي معنى للوجود الإنساني.

لا يُعرف كيف تواصلت المفاهيم الأسطورية في مسيرة أجيالنا، لكنها قد تكون على علاقة بما أفرزته الحضارات القديمة وأكدته الأساطير اليونانية، التي تواردت إلينا بالترجمات منذ زمن المأمون (198 - 218) هجرية.

والعجيب في أمرنا، أننا في بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولا زلنا ضحايا الأساطير، وقرابين الخرافات (حكايات خيالية بسيطة غالبا للوعظ).

أسطورة تلو أخرى، وأكثرها ذات أغلفة خرافية لمّاعة تجذب الناظرين إليها، وتخلبهم فتتيه أبصارهم وتتعطل ألبابهم، ويتدحرجون مع طوابير الويلات والتداعيات اللذيذة، فكل أليم مُستطاب، ما دامت الأسطورة تمنحه معنى مغاير لجوهره النكيد.

فواقعنا المكلوم تكتم أنفاسه أساطير الذين وجدوا المتاجرة بالساميات تدر أرباحا، ولا تحتاج لرأس مالٍ أكثر من الأكاذيب والأضاليل المغلفة بما يسمى دين.

أساطيرٌ تقيّدنا رؤاها

فتُقْنطنا فنجهلُ ما سِواها

بقوْقعةٍ من الأوهامِ دُمنا

نؤوّلُ ما بدى خُدَعاً مَتاها

ألا فُتنتْ نواهيُنا بقولٍ

يُخدّرنا ويُسقينا أساها

***

د. صادق السامرائي

أصبحت الاستشارات الأسرية ضرورة ملحة في وقتنا الحالي، خاصةً وأن المشكلات الزواجية أصبحت أكبر عددا وأكثر تعقيدا وتنوعا مما كانت عليه طوال العقود السابقة، فأصبحنا نرى مشكلات لم نكن نراها تحدث في السابق:

- زوج يقارن زوجته بمؤثرة اجتماعية يراها ترقص كل يوم في تيك توك، وزوجة تقارن زوجها بلاعب كمال أجسام يستعرض كتلته العضلية يوميا في انستغرام.

- زوجة مدمنة على نصائح نسوية متطرفة، وزوج مدمن على نصائح ذكوري متطرف.

- زوجة تشاهد مؤثرا يأخذ زوجته كل يوم إلى مطعم فاره، وزوج يرى امرأة تطبخ لزوجها أشهى الأطباق. وغير ذلك الكثير.

وفي ظل تزايد هذه التأثيرات السلبية ظهر الكثير من المرشدين والموجهين الأسريين الذين يزعمون أنهم قادرون على حل المشكلات التي تعصف بالأزواج، لكنهم في الحقيقة غالبا ما يزيدون الطين بلة، لأن أغلبهم ينتمي لتيارات فكرية معينة، أو يؤمن بأيديولجيات محددة، لها نظرة ضيقة للزواج.

حيث لا ينظرون إلى الزوجين باعتبارهما كيانات إنسانية فريدة، كل منهما له تجاربه الشخصية، وعقده النفسية، وبيئته التي نشأ فيها... بل يرونهما قطعا يجب أن تطابق القالب (الفكر أو الأيديولوجية) الذي يؤمنون به.

المستشار المؤدلج يعطي أحكاما أخلاقية قاطعة غير مرنة: هذا حرام وذلك حلال، هذا عيب وذلك حرية مطلقة، هذا ظلم وذلك رحمة...الخ). فلو افترضنا أن امرأة اشتكت من سوء تعامل زوجها لمستشارة أسرية تؤمن بالفكر النسوي المتطرف، ستجيبها مباشرةً بأنه ذكر فاشل ويجب أن تجبره على تغيير سلوكه أو تقلل من قيمته ليشعر بوجودها، أو تنفصل عنه، ومن هذا القبيل.

ولو افترضنا أن رجلا اشتكى من اهمال زوجته إلى مستشار أسري يؤمن بالفكر الاسلامي المتشدد أو الفكر الذكوري المتطرف، فغالبا سيقول له: إن زوجتك ناشز ويجب أن تعاقبها بشتى الطرق الممكنة وإن لم يتحسن سلوكها فيمكنك تطليقها أو الزواج من امرأة ثانية. وقس على ذلك كل المشكلات الأخرى التي قد تعصف بأي زوجين في عالمنا العربي أو في غيره.

اللجوء لهذا النوع من المستشارين هو أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الإنسان، لأن هؤلاء لا يؤدون إلا إلى خراب البيوت بشكل عاجل أو آجل. لكن لا بد من الإشارة إلى أن اللجوء إليهم قد يكون لا شعوريا في كثير من الأحيان، لأن الإنسان بطبيعته يحب شعور الانتصار، فتجد الزوجة تتابع في السوشيال ميديا مستشارات ومستشارين يؤيدونها ويدعمون آراءها وتوجهاتها، وكذلك الزوج، ويشعر كل منهما بأن الذين يتابعهم يقولون الحقيقة والمنطق، وبالتالي عندما تواجههما مشكلة ما سيلجأ كل منهما إلى المستشار الذي يعطيه شعور الانتصار ويقف بجانبه ضد الطرف الآخر.

الأصح دائما هو اللجوء إلى المستشارين المحايدين المنطقيين، الذين لا يملكون قوالب جاهزة، ولا نظرة مسبقة لأحد الجنسين، وينظرون إلى الزواج باعتباره رابطة إنسانية مقدسة بين جنسين لهما سمات شخصية مختلفة نشأت بفعل اختلاف الجنس والتربية وعوامل أخرى كثيرة، ويرى أن حل كل مشكلة زواجية لا يتم إلا بمناقشتها مناقشة تفصيلية لمعرفة أسبابها ومحفزاتها ووضع الحلول المناسبة لها.

فلو اشتكت له امرأة من سوء تعامل زوجها مثلا، سيحاول أن يطرح أسئلة كثيرة، ليفهم عدة أمور:

- هل هو فعلا يعاملها بسوء؟ أم أن لديها عقدة نفسية تجعلها تفسر كل كلمة اعتيادية على أنها سيئة؟

- إذا كان تعامله سيئا فعلا، فما أسباب هذا التعامل؟ هل تعامله رد فعل وهي السبب؟ أم هو لديه فكرة موروثة معينة عن المرأة تحتاج إلى تصحيح؟ أم أنه لا يملك المهارات الاجتماعية المناسبة للتعامل مع الزوجة؟

- هل المشكلة ظهرت بتأثير من أحد؟ أم لا؟ وما محاولات الزوجة السابقة لتغيير تعامل زوجها، ولماذا لم تنجح؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

وسيبقى التعامل نفسه من قبل المستشار مع المشكلات التي قد يطرحها الزوج شاكيا من زوجته.

أخيرا:

لا بد أن يلتفت الجميع إلى أن اختيار المستشار الأسري المناسب، ليست رفاهية، بل ضرورة قصوى، واعتقد بأن الحكومات يجب أن تعمل بجدية على مراقبة الخدمات المتعلقة بالاستشارات الاسرية ومنع المستشارين المؤدلجين من تقديم استشارات، فالاستشارات الأسرية في النهاية تخضع لأسس علمية وليست أيديولوجيات نظرية متطرفة ضد أحد الجنسين.

***

وعد عباس

 

يمثل عزيز السيد جاسم حالة دالة على تعقيدات المثقف العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تداخلت القناعات الفكرية مع ضغوط الواقع السياسي، فكانت مسيرته انعكاساً حياً لصراع داخلي بين الإيمان النظري ومتطلبات البقاء في بيئة مضطربة.

تمثل تجربته واحدةً من أكثر التجارب إشكالية في مسار المثقف العراقي، إذ تكشف عن تعقيدات العلاقة بين الفكر والسلطة في سياق سياسي شديد الاضطراب. في بداياته، انفتح عزيز السيد جاسم على الماركسية بوصفها أفقاً نقدياً يفسر الواقع الاجتماعي ويطمح إلى تغييره. وقد انعكس هذا التوجّه على كتاباته التي سعت إلى تحليل البنى الثقافية والسياسية من منظور يربط بين الفكر والعدالة الاجتماعية. كانت الماركسية بالنسبة له أداة لفهم العالم، وموقفاً فكرياً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي الضيق.

غير أن التحولات السياسية القاسية، وما رافقها من تضييق على التيارات اليسارية، دفعت به إلى إعادة التموضع، فاقترب من خطاب السلطة وانخرط في فضاء حزب البعث. لكن هذا الانتقال لم يكن تعبيراً عن استقرار فكري بقدر ما كان محاولة للتكيف مع واقع لا يترك للمثقف خيارات آمنة.

ومع ذلك، ظل هذا التكيف هشاً. فقد شكل صدور كتابه (علي سلطة الحق) لحظة مفصلية في مسيرته، إذ قدّم فيه طرحاً فكرياً يتقاطع مع حساسية السلطة تجاه الرموز الدينية والتاريخية، في وقت كانت فيه الدولة شديدة الحذر من أي خطاب قد يفهم خارج إطارها الأيديولوجي. هذا العمل، إلى جانب تاريخه الفكري المتقلب، جعله عرضة للشك وعدم الثقة.

في ظل هذه الأجواء، لم يعد قربه من السلطة كافياً لحمايته، فانتهت مسيرته بشكل مأساوي حين تعرض للتغييب في سجون الدولة، في مصير يعكس طبيعة الأنظمة الشمولية التي قد تنقلب حتى على من اقترب منها، حين تتبدل حساباتها.

إن سيرة عزيز السيد جاسم لا تختزل في تحوّلاته الفكرية فحسب، بل تكشف عن مأزق المثقف حين يجد نفسه محاصراً بين قناعاته وضغوط الواقع. وهي تذكير قاس بأن الكلمة، في بعض الأزمنة، قد تتحول من أداة تعبير إلى سبب للمساءلة، بل وللفناء.

بهذا المعنى، لا تقرأ سيرة عزيز السيد جاسم بوصفها مساراً فردياً فحسب، بل بوصفها مرآةً لمرحلة كاملة من تاريخ العراق، حيث كان الفكر محاصراً، وكان المثقف يدفع ثمن موقعه بين السلطة والحقيقة.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً حاسماً في أوقات الحرب والأزمات، إذ تتحول هذه المنظمات من كيانات تعني بالتنمية المستدامة إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة حين تضعف أو تتراجع أو تنهار. وفي خضم الفوضى والاضطراب، تغدو هذه المنظمات أحد أهم أدوات حماية المجتمع وتعزيز صموده.

في المقام الأول، تضطلع منظمات المجتمع المدني بدور الإغاثة الإنسانية العاجلة، حيث تعمل على توفير الغذاء والماء والمأوى للنازحين والمتضررين، وتسهم في تقديم الخدمات الصحية الأساسية، لا سيما في المناطق التي تعرضت بنيتها التحتية للتدمير. وغالباً ما تمتاز هذه المنظمات بمرونة عالية وسرعة في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مقارنة بالمؤسسات الحكومية، بفضل عملها الميداني وشبكاتها المحلية.

إلى جانب ذلك، تؤدي هذه المنظمات دوراً محورياً في حماية الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. فهي تقدم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعمل على الحد من الانتهاكات التي قد يتعرض لها هؤلاء في ظل النزاعات، كالعنف والاستغلال والتشرد. كما تسعى إلى توثيق هذه الانتهاكات ورفعها إلى الجهات المعنية، بما يعزز فرص المساءلة ويكرّس مبادئ العدالة.

ومن المهام الجوهرية أيضاً تعزيز التماسك الاجتماعي ومنع تفكك النسيج المجتمعي. ففي أوقات الحروب، تتفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية، وهنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني في بناء جسور الحوار، ونشر ثقافة التسامح، والعمل على المصالحة المجتمعية. وكثيراً ما تؤدي دور الوسيط بين الأطراف المختلفة، محاولةً تخفيف حدة التوتر وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع.

كما تسهم هذه المنظمات في نشر الوعي وتوفير المعلومات الدقيقة، خصوصاً في ظل تصاعد الشائعات والحرب الإعلامية. فهي تعمل على توعية المواطنين بحقوقهم وسبل حمايتهم، وتقدم إرشادات تتعلق بالسلامة العامة، وتدعم الوصول إلى مصادر موثوقة للمعلومات، مما يسهم في الحد من الذعر وتقليص الفوضى.

ولا يقتصر دورها على الاستجابة الفورية، بل يمتد إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. حيث تشارك في إعادة تأهيل المجتمعات، ودعم سبل العيش، وتمكين الأفراد اقتصادياً واجتماعياً. كما تسهم في تدريب الكوادر المحلية وبناء القدرات، لضمان استدامة التعافي وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

ورغم هذه الأدوار الحيوية، تواجه منظمات المجتمع المدني تحديات كبيرة، منها نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين فيها. كما قد تتعرض لضغوط سياسية وقيود قانونية تحدّ من قدرتها على العمل بحرية وفعالية.

في الختام، يمكن القول إن منظمات المجتمع المدني تمثل ركيزة أساسية في إدارة الأزمات والحروب، فهي ليست مجرد جهة مساندة، بل شريك فعلي في حماية الإنسان والحفاظ على كرامته. وكلما تم دعم هذه المنظمات وتعزيز استقلاليتها، زادت قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي، حتى في أحلك الظروف.

في السياق العراقي، برزت منظمات المجتمع المدني بوصفها فاعلاً أساسياً في التعامل مع الأزمات المتلاحقة، حيث لعبت دوراً حيوياً ومتعدد الأوجه في سدّ الفجوات الإنسانية والقانونية والاجتماعية التي تعجز الدولة أحياناً عن معالجتها بمفردها.

لقد عانى العراق من عقود طويلة من الصراعات، ما خلق بيئة معقدة تعمل ضمنها هذه المنظمات لتعزيز الاستقرار ودعم المتضررين. وقدّمت العديد من هذه المنظمات مساعدات إنسانية وإغاثية مباشرة، شملت الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، خاصة للنازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة.

أين غابت منظمات المجتمع المدني عن أزمات العراق والمنطقة؟

ليس السؤال اليوم عن أهمية منظمات المجتمع المدني، فهذه مسألة حُسمت نظرياً منذ عقود، بل السؤال الأكثر إلحاحًا: أين هي هذه المنظمات الآن، في لحظة تبدو فيها المنطقة، والعراق تحديداً، وكأنها تعيش حالة استنزاف دائم للأزمات؟

في الأدبيات، تُقدَّم منظمات المجتمع المدني بوصفها الضمير الحي للمجتمع، والوسيط بين الدولة والمواطن، والقوة المرنة التي تتحرك حين تتصلب المؤسسات الرسمية أو تنكفئ. لكن الواقع، في كثير من الأحيان، يطرح صورة أكثر تعقيداً، بل وربما أكثر إرباكاً.

خلال الحروب والأزمات، يفترض أن تتحول هذه المنظمات إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه الدولة حين تضعف أو تعجز. وهذا ما حدث بالفعل في العراق خلال مراحل عديدة، حيث اندفعت منظمات محلية ودولية لتقديم الإغاثة، وإيواء النازحين، وتوفير الخدمات الأساسية في مناطق أنهكها العنف والتدمير. كانت تلك اللحظة بمثابة اختبار حقيقي لدور المجتمع المدني، وقد نجح، إلى حد بعيد، في اجتيازه.

لكن المشكلة لا تكمن في الماضي، بل في الحاضر.

اليوم، لم تنحسر المعارك الكبرى، ولم تختفِ الأزمات، بل تغيّرت أشكالها. لم يعد التهديد مقتصراً على العنف المسلح، بل تمدد ليشمل هشاشة الدولة، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع، واستمرار الانقسامات العميقة. وهنا تحديداً، يصبح دور منظمات المجتمع المدني أكثر حساسية وتعقيداً، لكنه في الوقت ذاته يبدو أقل حضوراً وتأثيراً مما ينبغي.

جزء من هذا الغياب يمكن تفسيره بطبيعة التحول في أولويات العمل الدولي. فمع تراجع الاهتمام العالمي بالعراق مقارنة بسنوات الحرب ضد تنظيم داعش، انخفضت مستويات التمويل، وتقلصت البرامج الإنسانية، مما انعكس مباشرة على قدرة المنظمات المحلية على الاستمرار. فالكثير من هذه المنظمات، للأسف، لم تُبنَ على أسس مستدامة، بل نشأت في ظل اقتصاد المساعدات، ما جعلها شديدة الارتباط بإيقاع التمويل الخارجي.

لكن التمويل ليس التفسير الوحيد.

ثمة أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والبيئة السياسية التي تعمل فيها. ففي كثير من الأحيان، تجد هذه المنظمات نفسها محاصرة بين ضغوط السلطة، وتعقيدات الواقع الأمني، وحساسيات المجتمع. العمل في قضايا مثل العدالة الانتقالية، أو حقوق النساء، أو مساءلة الانتهاكات، لا يزال محفوفًاً بالمخاطر، ليس فقط على مستوى السلامة الجسدية، بل أيضاً على مستوى الشرعية الاجتماعية.

في هذا السياق، تميل بعض المنظمات إلى الانكفاء نحو العمل الأقل حساسية، أو إلى تبني خطاب تقني محايد يبتعد عن جوهر المشكلات. وهنا تفقد جزءاً من دورها النقدي، وتتحول تدريجياً من فاعل مجتمعي إلى منفذ مشاريع.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن منظمات المجتمع المدني في العراق لا تزال تؤدي أدواراً مهمة، وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً. ففي مناطق مثل نينوى وكركوك وأربيل وديالى، تواصل مبادرات محلية العمل على إعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحرب. تُعقد جلسات حوار، وتُنشأ لجان مجتمعية، وتُبذل جهود صامتة لإعادة ترميم ما لا يمكن للإعمار المادي أن يصلحه.

كما تستمر بعض المنظمات في العمل على إزالة الألغام، وتقديم الدعم النفسي للناجين، وتوثيق الانتهاكات، وهي أعمال بطيئة، لكنها عميقة الأثر. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى مجزأة، وغالباً غير قادرة على إحداث تحول واسع دون إطار وطني جامع يدعمها.

المفارقة أن الحاجة إلى منظمات المجتمع المدني اليوم ربما أكبر من أي وقت مضى. فالأزمات لم تعد طارئة، بل بنيوية، تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي، ومستقبل التعايش بين مكونات المجتمع. وهذه قضايا لا يمكن للحكومات وحدها أن تعالجها، حتى لو توفرت الإرادة.

السؤال إذن ليس فقط: أين هي منظمات المجتمع المدني؟

بل أيضاً: أي دور نريده لها؟ وأي بيئة نوفّرها لتؤدي هذا الدور؟

إذا استمرت هذه المنظمات في العمل ضمن هامش ضيق، وبتمويل مشروط، وتحت ضغوط سياسية واجتماعية، فمن الصعب أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية. أما إذا أُعيد التفكير في دورها، وتم تمكينها، وإشراكها فعلياً في صياغة السياسات، فقد تصبح أحد المفاتيح الأساسية للخروج من دوامة الأزمات.

في النهاية، لا يمكن بناء سلام مستدام أو استقرار حقيقي دون مجتمع مدني حي وفاعل. فالدول لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها الرسمية، بل أيضاً بحيوية مجتمعاتها وقدرتها على التنظيم والمبادرة والمساءلة.

وفي العراق، كما في كثير من دول المنطقة، لا يزال هذا الرهان مفتوحاً.

***

جورج منصور

(ان الانسان يؤمن بالكائن الخالد لانه يرفض الموت)... فيورباخ

تشترك الحضارات القديمة في الاعتقاد بوجود حياة أخرى بعد الموت كحضارة وادي الرافدين ووادي النيل بما اسموه بـ(العالم الأسفل)... لقد تصور انسان ذلك الزمان ان الموت هو على غرار النوم ولاحظ ان الانسان بعد النوم يستيقظ بعد ساعات قليلة ليمارس اعماله فتصور بان الموت كذلك غير انه العلم لم يثبت وجود حياه أخرى بعد الموت واعتبر هذا مجرد خيال اوجده الانسان على هيئه اساطير جاءت بها الحضارات القديمة ثم الأديان نتيجة خوف الانسان من الموت وسعيه للخلود في الحياة رافضاً فكرة الموت وبمرور الزمن تحولت هذه الاساطير الى عقائد دينيه ولا تزال فاعلة حتى أيامنا هذه.

العالم الأسفل عند السومريين والبابليين

اعتقد العراقيون بحتمية الموت واطلق العراقيون على العالم السفلي أسماء عده مثل: ارض اللا عوده – ارض الظلمة – بيت الاسر. وتصوروه بانه عالم مظلم ياكل الموتى فيه الطين ولا يرون النور ويرتدون الريش كالطيور وعند وصول الميت الى باب العالم الأسفل يسمح له احد الالهة بالدخول لمواجهة القضاة الذين يتولون محاكمته، ويحكم العالم السفلي الاله (نركال) وهو بهيئة رجل جالس على عرش وبيده صولجان والى جانبه يقف الهاً آخر يعتبر شفيعاً للموتى . وهناك قواعد تطبق وهي ان المتوفي في الحرب (الشهيد) يعطى بيتاً من الطابوق ويقدم له الخبز والماء، وكان السومريون يقدمون مختلف الاطعمة لارواح موتاهم مع رش العطور والبخور على قبورهم، اعتقد السومريون ان الصالحين في العالم الاسفل يجلسون على الارائك ويأكلون انواع الثمار ويشربون السوائل العذبة .

وكان الاعتقاد السائد لدى الكثير من المؤرخين العرب والأجانب ان العراقيين اقل اهتماماً من المصريين فيما يتعلق بالحياة بعد الموت حتى تم اكتشاف مقبرة اور الملكية عام ١٩٢٢ والتي تحتوي على الكثير من التحف الفنية كقيثارة اور الذهبية وعثر كذلك في مقبرة الموت الكبرى على  (٧٤) هيكلاً عظياً بشرياً ويبدو انهم من الحرس الملكي والخدم والعربات الذين دفنوا مع الملك السومري لخدمته في العالم الاسفل وكان اكتشاف هذه المقبرة يضاهي اكتشاف مقبرة الفرعون المصري توت - عنخ - آمون من حيث الأهمية التاريخية والفنية .

اما البابليين فقد تصوروا العالم الاسفل بانه عالم مظلم مغلق الابواب تطير فيه الخفافيش ويأكل اصحابه التراب والغبار كما انهم كانوا يزورون القبور ويرشون فوقها ماي الورد ويقرأون التراتيل الدينية أثناء المناسبات والاعياد كما نفعل نحن اليوم .

العالم الاسفل في مصر القديمة

أمن المصريون بوجود حياة ثانية بعد الموت وجاء اعتقادهم هذا من ملاحظتهم للطبيعة فكما يعود النبات للحياة بعد الموت فان الانسان ايضاً يعود للحياة بعد موته لذلك عرفوا فن التحنيط ووضعوا المأكولات والاسلحة والاواني مع الميت وقاموا بفتح فم الميت کی يتكلم في العالم الاسفل فليس هناك من هو اكثر اهتماماً من المصريين في الحياة الاخرى حيث شغلت هذه العقيدة افكار المصريين الاحياء وهذا السبب جعل المصريين يبنون القبور العالية التي سميت (الأهرام) وحنطوا جثث الملوك لانهم اعتقدوا ان اول حاجات النفس هو حفظ الجسد وكانوا يعتقدون أن النفس تحتاج إلى الطعام والشراب لذلك فان الكثير من المؤرخين اعتبروا حضارة الفراعنة بانها (حضارة موتى)

محكمة اوزيرس

سبق ان ذكرت أن المصري القديم قد تعامل مع الموت على انه الحقيقة الثابتة غير القابلة للتغيير لذلك وضع دستوراً خاصاً للعالم الآخر وأهم مصادر هذا الدستور نصوص الاهرامات والبرديات وکتاب الموتى وهو عبارة عن مجموعة تعاويذ سحرية وطقوس كتبت على ورق البردي لكي توضع في المقابر لارشاد روح المتوفي في رحلته إلى العالم الآخر، وتنعطف الميثولوجيا المصرية انعطافاً حاداً فيما يسمى بمحكمة اوزيرس وهو الاله المسؤول عن العالم الاسفل في مصر حيث يرأس المحكمة المؤلفة من (٤٢) الها على هيئة قضاة وعندما يدخل المتوفي الى قاعة المحكمة يتم استجوابه من قبلهم وبامكانه ان يدافع عن نفسه وينفي التهم الموجهة اليه وهناك ميزان امام القضاة يوضع فى احدى كفتيه اعماله وفي الكفة الاخرى قلبه اذ ترى العقيدة المصرية القديمة أن القلب هو مركز الوعي الحقيقي الذي لا يكذب وهو المسؤول عن اعمال الخير او الشر فهو الشاهد الوحيد ويقرر مصيره اما إلى الجنة او الجحيم لماذا كانت اعماله صالحة فيرسل إلى الجنة التي هي عبارة عن بستان كبير فيه الاشجار والثمار والانهار والنساء، واذا كانت اعماله غير صالحه فيؤخذ الى النار ويكون طعامه من التراب والشوك. لقد توارثت الاديان بإشكالها المتعددة هذه الاساطير واخرجتها اخراجاً لاهوتياً بعد ان جعلتها تتلائم مع قلق الأنسان وخوفه من المجهول وهكذا تحولت هذه الرؤى الى عقائد دينية راسخة .

***

غريب دوحي

كتاب الله تذكرة سفر الروح إلى عالمها الأصلي

في غياهب عالمنا المادي، حيث تتلاطم أمواج الحياة وتتعدد شواغلها، يكمن في أعماق كل روح بشرية حنين خفي، وشوق عميق إلى موطنها الأصلي، إلى ذلك الموطن الروحاني الذي انبثقت منه عند النفخة الربانية القدسية.

 إنها نوستالجيا الروح، تلك اللوعة الفطرية الخفية التي تدفع الإنسان نحو البحث عن معنى أعمق لوجوده، وتذكره بأصله السماوي الذي فارقه. هذا الحنين ليس مجرد شعور عابر، بل هو المحرك الأساسي للرحلة القلبية، رحلة عودة الروح إلى الذات الإلهية مصدر النفخة القدسية "يقول عز من قائل "ونفخت فيه من روحي" الحجر 29.

يأتي القرآن الكريم، كتاب الله المعجز، ليكون بمثابة تذكرة العبور من عالم المادة إلى عالم الروح فهو سفينة النجاة ودليلها في هذا السفر الوجودي. إنه ليس مجرد مجموعة من الشرائع، بل هو رسالة محبة إلهية قدسية،

إنه نداء من الموطن الأصلي يتردد صداه في جنبات الروح. كل آية من آياته تحمل في طياتها نورا يكشف الحجب، وذكرا يوقظ القلب من غفلته. وفي هذا السياق، تتجلى عظمة قوله تعالى: "كلا إِنها تذْكرة" المدثر: 54. هذه الآية الكريمة تحمل في طياتها أبعادا صوفية عميقة، فهي تؤكد أن القرآن بذاته هو تذكير للروح بما فطرها الله عليه من قيم مغروسة في الذاكرة الأصلية للانسان، وبعهدها الأول معه. إنها تذكرة بأن الروح ليست غريبة عن الحق، بل هي جزء منه، وأن كل ما في هذا العالم من آيات كونية وشرعية إنما هي إشارات ودلائل بمثابة تذكرة عبور تعيد الروح إلى أصلها. فالتذكرة هنا ليست مجرد استحضار لمعلومة منسية، بل هي إيقاظ للفطرة الكامنة، ونفخ للروح في جسد الغفلة، و تذكرة عبور  من ظلمة الغفلة لتعود إلى نور اليقظة ثم الحضور فالغيبة عما سوى المذكور.

وكما قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: "فذكر إِنمَا أَنتَ مُذكر" الغاشية: 21، فالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده ورثته من العارفين، يذكرون الأرواح بما نسيته في غمرة الانغماس في عالم الماديات هذا المجال ذي نعيشه، ويعيدونها إلى فطرتها الأولى التي أقرت بالوحدانية في عالم الذر: "وَإِذ أَخذ ربك مِن بنِي آدم من ظهورهم ذرياتهم وَأَشهدهم عَلى أَنفسهم أَلست بِربكم ۖ قالوا بلى ۛ شهِدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" الأعراف: 172، أنها حقا رحلة القلب: من الغفلة إلى اليقظة فالحضور ثم إلى الغيبة عما سوى المذكور.

***

د. محمد غاني

هناك أماكن لا تُشبه الأمكنة، لا لأنها أجمل فحسب، بل لأنها تُخفي في تضاريسها طبقات من الحكايات، كأن كل صخرة فيها تحفظ سراً، وكل شجرة تعرف ما لا يُقال. كانت بشتئاشان واحدة من تلك الأمكنة؛ لا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بشيء أعمق، بشيء يُشبه الحنين أو الخوف أو كليهما معاً.

هناك، خلف الطواحين التي لم نرها يوماً، وخلف الطرق التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من التيه، يبدأ عالم آخر. عالم يتخفف من صخب المدن، ويكتفي بأنفاس الجبال. الطريق إلى بشتئاشان لم يكن طريقاً بالمعنى المألوف، بل اختباراً خفياً: كل منعطف يسألك إن كنت حقاً تريد الوصول، وكل صعودٍ يختبر صبرك، وكل صمتٍ يضعك وجهاً لوجه أمام نفسك.

كانت الجبال تحيط بالوادي كأنها حراسٌ قدماء، لا ينامون. في الشتاء، تتدثر بالثلج، فتبدو ككائناتٍ أسطورية تراقب من علٍ. وفي الربيع، تنبض بالحياة، تنفتح فيها الينابيع، وتتفجر المياه من بين الصخور كأنها ذاكرة الأرض تستعيد صوتها. أما الضباب، فكان سيد المشهد؛ لا يحجب الأشياء، بل يمنحها غموضاً خفيفاً، يجعل كل شيء يبدو وكأنه على وشك أن يظهر أو يختفي.

بشتئاشان التي أُستخدمت كمواقع للأحزاب الكردية، وأتخذها الحزب الشيوعي العراقي، في مطلع الثمانينيات، مقراً لقياداته، بسبب طبيعتها الوعرة وتضاريسها الصعبة وقربها من الحدود، ما جعل منها منطقة ذات حساسية أمنية أحياناً.

في بشتئاشان لم يكن الزمن يُقاس بالدقائق، بل بتحول الضوء. عند الغروب، كانت الشمس تنسحب فجأة، كأنها تخشى البقاء، فتغرق الجبال في ظلال كثيفة، وتشتعل السماء بنجومٍ لا تعرفها المدن. هناك، في ذلك الصمت العميق، كنت تسمع كل شيء: وقع خطواتك، حفيف الأشجار، وربما… دقات قلبك نفسها، كأنها صوت غريب جاء من مكان بعيد.

لكن بشتئاشان لم تكن طبيعةً فقط؛ كانت أيضاً مسرحاً لحياة أخرى، حياة مشدودة بين الفكرة والبندقية، بين الحلم والواقع. في ذلك الوادي المختبئ، تشكلت عوالم صغيرة من البشر الذين قرروا أن يعيشوا خارج الإطار، أن يصنعوا لأنفسهم معنى وسط العزلة والخطر.

كانت القاعات الطينية تضج بالحكايات، والمطبعة المتواضعة تئن تحت وطأة الكلمات، كأن الحبر فيها يُقاوم النسيان. كنا نكتب لأننا نؤمن أن الكلمة، حتى في أقسى الظروف، تستطيع أن تكون شكلاً من أشكال البقاء. وربما كانت الكتابة، في تلك اللحظات، نوعاً من العناد الهادئ، أو محاولة لتثبيت العالم قبل أن يتبدد.

في مطلع ربيع عام 1983، وبعد أن تخرجت الوجبة الأولى من مدرسة الكوادر الحزبية، وبعد أن أنتهيت من تدريس مادة الفلسفة فيها، عدتُ للعمل في الإعلام المركزي، حيث الصحيفة المركزية "طريق الشعب" و"إذاعة الشعب العراقي" و"نهج الأنصار- ريبازى بيشمركة"، والمطبعة الصغيرة التي طبعت لي كتاباً صغيراً تحت عنوان "راية وبندقية.. وفجر آتٍ".

فكنتُ أتنقل بين المهام، بين التعليم والعمل الإعلامي، بين الفلسفة والواقع الذي لا يترك للفلسفة مجالاً واسعاً للتأمل. ومع ذلك، كنا نحاول أن نُبقي شعلة الفكر متقدة، ولو في زاوية صغيرة من ذلك الوادي الكبير.

كانت النشرة الجدارية الأسبوعية، التي كانت تصدر عن فصيل الأنصار الشيوعيين، حدثاً صغيراً، لكنه يحمل معنى كبيراً. لوحة تُعلّق على جدار طيني، لكنها تُقرأ بشغف، كأنها نافذة على عالم أوسع. وكان المسؤول عنها حارساً صارماً، لا يسمح بمرور الكلمات إلا إذا اجتازت امتحانه الصامت.

كنت أقدم نصوصي بانتظام، قصيرة ومكثفة، وأنتظر أن أراها معلقة بين غيرها من النصوص. لكن الانتظار كان ينتهي دائماً بالفراغ. لا أثر لكلماتي، ولا تفسير سوى جملة مقتضبة: "غير صالحة للنشر".

لم يكن في العبارة ما يُفسر، لكنها كانت كافية لتثير شيئاً في داخلي، شيئاً بين الدهشة والاحتجاج. كيف يمكن للكلمة أن تكون غير صالحة؟ وبأي معيار تُقاس صلاحيتها؟ وهل للنص حياة مستقلة، أم أنه رهين مزاج من يقرأه؟

في ذلك العالم المعزول، كانت السلطة تتخذ أشكالاً غريبة، حتى في أبسط الأمور. قد لا تكون سلطة صاخبة، لكنها حاضرة، دقيقة، تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى ما يُنشر وما يُحجب، إلى ما يُقال وما يُترك في الظل.

وفي لحظةٍ ما، قررت أن أختبر هذا المعيار الغامض. لم أكتب نصاً جديداً، بل استحضرت صوتاً بعيداً، صوت شاعرٍ لا يحتاج إلى تعريف، شاعرٍ عبر الزمن واللغات ليصل إلينا. ترجمت قصيدة عن الروسية، ونسبتها إلى نفسي، وقدمتها كما أقدم أي نص آخر.

كان الأمر أشبه بتجربة صامتة، أو ربما بمفارقة صغيرة أردت أن أرى كيف ستنتهي.

وجاءت النتيجة كما توقعت… أو ربما كما لم أتوقع.

لم تُنشر القصيدة.

اقتربتُ وسألت، بنفس الهدوء الذي يخفي فضولاً حاداً:

لماذا لم تُنشر؟

وجاء الجواب، جاهزاً، قاطعاً، بلا تردد:

""غير صالحة للنشر

في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن أضحك. لم تكن ضحكة سخرية بقدر ما كانت دهشة مكثفة، دهشة من المفارقة التي تكشفت فجأة.

قلت له، بهدوءٍ هذه المرة:

هل تعرف أن القصيدة للشاعر الروسي بوشكين؟

تغير وجهه، كأن كلمة واحدة أعادت ترتيب كل شيء. لم يعد النص مجرد كلمات عابرة، بل أصبح اسماً، وتاريخاً، ومكانة لا يمكن تجاهلها.

في تلك اللحظة القصيرة، انكشف شيء أعمق من مجرد خطأ في التقدير. انكشف كيف يمكن للاسم أن يمنح النص شرعيته، وكيف يمكن أن تُرفض الكلمات ذاتها إذا جاءت بلا توقيعٍ معروف.

بشتئاشان، بكل ما فيها من جمالٍ وصمت، لم تكن معزولة عن هذه المفارقات الإنسانية. بل ربما كانت تُظهرها بوضوح أكبر، لأنها تضع الإنسان في مواجهة ذاته، بلا ضجيج يُخفي تناقضاته.

هناك، حيث الجبال شاهدة، والضباب يمر كحلمٍ خفيف، تعلمتُ أن الحقيقة لا تكون دائماً في الكلمات، بل في الطريقة التي نراها بها. وأن النص، مهما كان عظيماً، قد يصبح "غير صالح للنشر" إذا لم يجد من يتعرف عليه.

وربما، في نهاية الأمر، لم تكن الحكاية عن قصيدةٍ رفضت، بل عن عالمٍ كامل يبحث عن يقينه.. حتى لو اضطر إلى رفض بوشكين نفسه.

***

جورج منصور

 

كان الراحل عامر عبد الله بحكم موقعه القيادي في الحزب الشيوعي وتمثيله له في الحكومة بمنصب وزير دولة، على اطلاع او مشاركة بدور ما في العلاقات السوفيتية العراقية، ومنها ما اورده في هذه الاوراق، حيث كتب: قد اتوقف لدى بعض هذه المشكلات والوقائع عن هذه المحادثات، (التي كانت جارية حول مشاريع وعقود) في الموضع المناسب من هذه الاستذكارات، ولكنني ابادر الان الى رواية لقاء معين مع الرفاق السوفييت، تركز حول علاقات الصداقة، والعلاقات الثقافية، ففيه ما يرمز الى شوائب اشرت لها آنفا، والى المنطلق الايديولوجي لحزب البعث الحاكم في العراق في التعامل مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية.

اثر عودتي الى العراق، وجهت رسالتين الى رئيس الجمهورية عن محادثاتي في موسكو وذلك بتاريخ 10 تشرين الثاني 1973، وكانت احدى هاتين الرسالتين مقتصرة على العلاقات العراقية السوفيتية، وقد جاء فيها:

"اثناء وجودي في موسكو جرى تنظيم لقاء لي في دار الصداقة، دار فيه حديث مشوب بالمرارة، وقد حضر من الجانب السوفييتي ثلاثة اشخاص، وفي ظني ان اختيار المكان والاشخاص قد اريد به اخراج الحديث من دائرة المسؤولية الحزبية والحكومية. كما التقيت باخرين فرادى تحدثوا معي في الاتجاه نفسه".

لقد كانت الاحاديث مسهبة واذكر منها ما يلي: من الجانب السوفييتي ..سؤال موجه لي:

- قل لنا من فضلك ما هي مظاهر الصداقة من الجانب العراقي ازاء الاتحاد السوفييتي؟ واستشهد المتحدث بالامثلة التالية:

- المركز الثقافي في بغداد اغلق.

- طلاب الدراسات العليا سحبوا…

- الاتفاقية الثقافية مجمدة.

- دورة تعلم اللغة الروسية اوقفت.

- جمعية الصداقة العراقية - السوفييتية شبه معطلة.

- الممثلون السوفييت في العراق يعاملون بجفاء في وزارة الخارجية ووزارة الاعلام وغيرها من الدوائر الحكومية.

- الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية بدأوا يقفون في الصف الثاني واحيانا في الصف الاخير فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي.

- محاولات لارسال فرقة باليه او اقامة مهرجان للافلام السوفييتية لا تتم الا عبر صعوبات وعراقيل.

يجري كل ذلك في بلد نرتبط معه بمعاهدة صداقة وتعاون… نحن بصراحة لا نعاني من هذه المظاهر في اي بلد اخر، بما في ذلك بلدان عربية لا تربطنا بها صداقة، مثل: سوريا، الجزائر، لبنان، وحتى الاردن واليمن الشمالية.

ثم عقب ا على ذلك بكلام طويل خلاصته:

1- ان العراق هو البلد الوحيد الذي اغلق المراكز الثقافية للاتحاد السوفييتي وجيكوسلوفاكيا، وبودنا ان نعرف الحقيقة كما هي بصراحة، لاننا اوضحنا مرة بعد اخرى للسفير العراقي والجهات العراقية المسؤولة، ان بامكان العراق ان ينشيء مؤسسة ثقافية تابعة للسفارة العراقية في موسكو، كما فعلت سفارة مصر، واكثر من هذا يمكن انشاء هذه المؤسسات في العديد من المدن السوفيتية، ويمكن ان يبداوا بتنفيذ ذلك من الغد. واضافة الى ذلك نحن على استعداد لان نضع بالمجان تحت تصرف العراق جميع مؤسساتنا وقاعاتنا لممارسة اي نشاط ثقافي .. ويؤسفنا ان قرار غلق المركز الثقافي قد وصلنا ونحن نتهيأ للاحتفال باعياد تموز، وقد اضطررنا ان نقول لالاف السوفييت ان يحضروا مثل هذه الاحتفالات، وان مركزنا في بغداد قد اغلق بمناسبة عطلة الصيف، ولا زلنا نتكتم على هذا الامر. فاذا كان العراق الذي تربطنا به معاهدة صداقة يقوم باغلاق مركزنا الثقافي، فماذا يكون حال لبنان والاردن واليمن.. وغيرها؟.

2- في اطار جمعية الصداقة لا نترك مناسبة عراقية والا نحتفل بها في القاعات والصحافة، ولاظهار اهتمام الاتحاد السوفييتي بالصداقة مع العراق، وجرى اختيار رئيس للجمعية بمنصب وزير ، وهو كذلك عضو في اللجنة المركزية للحزب، بينما يترأس جمعية الصداقة في اعراق رئيس جامعة بغداد، وانطباعنا انه غير سعيد بهذه المهمة، ولا يبدي لها اي اهتمام او حماس.

3- بشان الاعتراف بالشهادات من المعاهد السوفييتية، قيل الكثير عن ضعف مناهجنا وعن ضعف اهلية المتخرجين، فلما قمنا بالتدابير الضرورية لضبط دراستهم وتاهيلهم بشكل افضل جرى سحبهم الى العراق. اما الزمالات، بما فيها الزمالات الدراسية المخصصة للعراق في معاهدنا لهذا العام فلم تستكمل، وتوضع في طريق الراغبين في الدراسة في الاتحاد السوفييتي شتى العراقيل. "..ان الاتفاقية بشأن التعاون الثقافي يمكن اعتبارها مجمدة من جانب العراق، وان المسؤولين الكبار في الحزب والدولة يجهلون هذه الامور!".

وتتناول الرسالة هذه الفقرة الاخيرة بالقول:"في اعتقادي انهم لا يجهلونا…وقد اثير بعضها عرضا من قبل احد المسؤولين في القسم الدولي للجنة المركزية، وان تجربة تعاملي معهم قد اكدت لي انهم صبورون جدا وطويلو البال، وشديدو التحرج في الاحكام، وحتى في الالفاظ. ولست اشك ابدا ان الامور السلبية التي يكتمونها او يسكتون عليها، غالبا ما تدخل في مجموع حساب التعامل على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية".

"..واسمحوا لي ان اتساءل عن الحكمة، بل النتائج السلبية التي ستسفر عنها مواقف من قبل:

- مقالات (الثورة) تحت عنوان (ما هكذا ايها الاصدقاء)

- مقال اخر بتوقيع (مراقب ولكن غير دولي)

- اجتزاء خطاب بريجينيف الذي كرس قسما كبيرا فيه لقضية الشرق الاوسط

- اغفال الذكرى السادسة والخمسين لثورة اكتوبر

- موقف اجهزة الاعلام… "

"..كل هذه المظاهر السلبية تستمر وتتفاقم بعد عقد معاهدة الصداقة والتعاون، وبعد موقف الاسناد الصادق الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي ابان الحرب مع (اسرائيل).. فبأي قدر يمكن ان تخدم هذه الامور قضايا وطننا والامة العربية او تسهم في تطوير العلاقات التحالفية بين العراق والاتحاد السوفييتي؟، ألم نستنكر، وكنا على حق، عدم وفاء بعض الاشقاء (هامش: كان احمد حسن ابكر في زيارة للاتحاد السوفييتي وكنت ضمن الوفد الرسمي، قد تحدث طويلا في الجلسة الاولى وبحضور بريجينيف وكوسجين وبونوماريوف وسكاجكوف والمارشال كوليكوف (رئيس الاركان السوفييتية انذاك) وكان من بين فقرات حديثه تنديده بعدم وفاء بعض العرب للاتحاد السوفييتي، واذكر ان بريجينيف قد استوقفه قائلا: "الاتحاد السوفييتي مسكين"، ثم طلب منه مواصلة الحديث) الذين بداوا ايضا، "بوقفة مع الصديق " وانتهوا الى الاضرار بمصالح وطنهم وبقضية الامة العربية كلها!".

".. انني اخشى ان تلقي هذه المواقف بظلالها السلبية على علاقات الصداقة بين البلدين.." وتنتهي الرسالة بمناشدة الرئيس ونائبه "من مواقع الوطنية الصادقة التي يدين بها حزبنا عقيدة، وعملا وكفاحا"، ان يتدخلا شخصيا لتدارك مثل هذه الامور الضارة، وتصفية عواقبها السلبية".

هذا وقد وردت في ذيل هذه الرسالة ملاحظتان:

الاولى: تساؤل من بونوماريوف حول موعد انعقاد مؤتمر حزب البعث، وعما اذا كانت قيادة الحزب ستدعو وفدا من الحزب الشيوعي السوفييتي.

والثانية: الاعراب عن امكانية لقائه مجددا مع صدام، "حيث مر وقت طويل على نقاشاتنا الحادة"، وفق تعبيره، ولم تجد الرسائل والمناشدات في تعديل الموقف، او تبديل العقلية في التعامل مع الاتحاد السوفييتي، فقد كانت شكاوى الجانب السوفييتي التي سمعتها لا تنقطع، ومنها على سبيل المثل:

- شكواهم من طريقة المساومة المالية على المشاريع الاقتصادية ومبيعات الاسلحة بالمقارنة مع مثيلاتها من الدول الراسمالية، والتلويح المستمر بالتحول الى السلاح الغربي الارفع ثمنا، وقد جرى التطرق الى العديد من اسماء الوزراء البعثيين، والعاملين في المؤسسات الاقتصادية، والعسكريين، وبضمنهم، عبد الجبار شنشل، رئيس الاركان، وعبدو الديري، قائد القوة البحرية وغيرهما.

واذكر مثلا المساومة المضنية حول طائرات الاستطلاع والطائرات الاعتراضية من نوع ميغ 25 التي لم تنته الى نتيجة، بسبب اصرار الجانب العراقي على رقم 4 ملايين دولار عن ما طلب الجانب السوفييتي 8 ملايين دولار، بينما ثمن الطائرة الامريكية المماثلة هو 15 مليون دولار.. وكذلك فيما يتعلق بالمحادثات والحوار الطويل حول بناء قاعدتين جويتين، وخط نقل النفط من كركوك والبصرة،. الميناء العميق، ومشروع ري كركوك وغيرها من المشاريع الكبرى التي جرى التعاقد عليها مع شركات غربية.

كما اذكر شكوى السوفييت من تجميد العراق لمعدات تصليح السفن في البصرة ورفض عقد اتفاقية بشأن الاستخدام المشترك لها، وكذلك من سوء ظروف العيش لعدد من الخبراء السوفييت، والجدل حول اجور تدريب الطيارين وتاخر شحنات السلاح فضلا عن الانتقادات لصلاحية طائرة الميغ 23 التي سقط عدد منها اثناء التحليق في العراق بسبب سوء الدراسة وبعض التدريب، والاحتجاج على التحليقات الليلية لطائرات الاستطلاع السوفيتية على ارتفاعات شاهقة في الاجواء العراقية - الايرانية.

- الشكاوى من جانب العراق، حول صلاحية الصواريخ السوفييتية او تقادمها، كذلك المعدات والمكائن، وفي فترة قلة مشتريات الاتحاد السوفييتي من نفط العراق…الخ. هذا الى جانب حوادث مسيئة، كان اخرها الضغط على الاتحاد السوفييتي لنقل سفارته الى مكان اخر، وكان قطع الماء والكهرباء عن العاملين في السفارة، واذكر بهذا الصدد مشاعر السخط التي لمستها في صوت وقول احدهم لي:

- اذا كان الرفيق البكر يتوجس من عمليات التقاط الاصوات والاحاديث في القصر الجمهوري فقل له، ان شيئا من ذلك لم يحدث ولسنا بحاجة اليه، وبالتالي فقد تطورت التكنولوجيا بهذا الشان لدرجة لن يكون فيها فرق بين وجود سفارتنا في كرادة كريم او في المنصور، واذا شاء الرئيس فنستطيع ان نقدم له صورة للقصر الجمهوري ملتقطة بالاقمار الصناعية كهدية وسيرى فيها ادق التفاصيل وبما لا يزيد عن حجم كرسي اعتيادي.

كل ما اسلفت ذكره من امثلة ووقائع، كنت اخاطب به (البكر) في رسائل ومذكرات واحاديث.. وكان يستجيب او يبدى التفهم احيانا، او يجادل ويبدي التحفظ احيانا اخرى.

(يتبع)

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

التأريخ بأحداثه تعبير عن السلوك البشري الفردي والجماعي، ولكي نفهم التأريخ بموضوعية، لابد للمؤرخ أن تكون عنده إحاطة بالعلوم النفسية، ليمتلك منظارا واضحا وهو يقرأ ويقيّم ما دوّن من وقائع وأحداث.

كما لا بد له أن يطلع على ما سطره الشعراء في الفترة التي يدرسها، فما دام الشعر ديوان العرب فأنه مصدر من مصادر التأريخ، ومن الواضح أن زهير بن أبي سلمى أرّخ بجلاء أحداث حرب داحس والغبراء، وهناك العديد من الشعراء الذين وثقوا أحداث أيامهم.

فمثلا عندما يُقال أن الخليفة الفلاني لديه 4000 جارية قضى وطره منهن جميعا، لا بد من فهم البشر، وهل يستطيع فرد واحد أن يفعل ذلك، وهل ما ذُكِر يتوافق مع عمره ومسؤوليته، وهل أنه يعاني من حالة مرضية ما؟

فالسائد في كتب التأريخ أنهم يُخرجون أناس السلطة من بشريتهم، ويضفون عليهم خصالا لا توجد عند البشر، وتتعارض مع الطاقة البايولوجية والنفسية للمخلوق.

علما أن معظم الخلفاء عاشوا في رعب وقلق، وأكثرهم مات مبكرا، ولا يوجد خليفة إمتد به العمر إلا بضعة في تأريخنا.

فكتابة التأريخ وتوثيقة بحاجة لتأني وتمحيص عقلاني، وقدرة على قراءة الصورة لكي تبدو واضحة، فما وردنا من تأريخ فيه ألغاز تحتاج إلى فك رموزها وإستظهار ما تشير إليه.

ومعظم الأحدث لم تُكتب في حينها، بل بعد فترات زمنية تقاس بالعقود وأكثر، ويعتمد أكثر المؤرخين على المرويات المتناقلة، والتفاعلات مع ما جرى في غير وقته وظروفه المكانية، فيكون المؤرخ معبرا عن رأيه وربما يخلط موقفه وتصوراته فيما يكتبه، فلا توجد كتابات تأريخية نزيهة، وخالية من شوائب النفوس وأمّاراتها التي فيها.

في عصرنا الثري بالمعلومات وأدوات الدراسة والبحث الرصين، علينا أن نقرأ بعيون العقل ونستحضر مهارات البصائر وطاقات الوصول إلى جوهر الحقيقة المتصلة بالحدث الوارد إلينا والذي تكرر في أجيالنا، حتى بلغ درجات اليقين.

هو التأريخُ يأتينا مُشيرا

لأحْداثٍ إذا صَنعتْ مَسيرا

يُحيّرُنا بما كتبوا وقالوا

ويجعلُ عقلَنا دوماً أسيرا

فهلْ صدقتْ كتاباتٌ تناءَتْ

مُدوّنَةٌ فهلْ كشفتْ عَسيرا

***

د. صادق السامرائي

جاء إنعقاد مؤتمر السباع، بعد سلسلة من اللقاءات التمهيدية في بدايات عام 1948، استجابةً لحاجة ملحّة لتوحيد الجهود الطلابية ضمن إطار منظم، بعد أن كانت أكثر النشاطات تتم بصورة متفرقة. وبجهود نخبة من بعض الطلاب المستقلين في بغداد انعقد المؤتمر في ساحة السباع، كخطوة تنظيمية مهمة مهّدت لتأسيس اتحاد الطلبة العام في 14 نيسان/ أبريل 1948، الذي يُعد محطة تاريخية مهمة ذات أبعاد وطنية وثقافية عميقة، عززت من تجليات الوعي الشبابي المنظم في تلك المرحلة.

لم يكن تأسيس الاتحاد بإشراف جهة حكومية رسمية، بل جاء نتيجة مبادرات طلابية من اتجاهات فكرية وسياسية متعددة. كان الطابع العام على الاتحاد هو الاستقلالية النسبية، رغم تأثره ببعض الأحزاب والتيارات السياسية السائدة في تلك الفترة. تأسس الاتحاد وسط أجواء معقدة مشحونة بالصراعات السياسية والاجتماعية المتزامنة مع أحداث وثبة كانون 1948، التي كان للطلبة الدور المميز فيها بين القوى الوطنية التي استشعرت بضرورة التنظيم والعمل الجماعي. لم تكن فكرة التأسيس حدثاً عابراً، بل جاءت تتويجاً لحراك فكري واجتماعي متواصل، اكتسب الاتحاد من خلاله الشرعية بعد مسار نضالي وثيق بقضايا المجتمع، بحيث أصبحت نشاطاته لم تنحصر داخل أسوار المؤسسات التعليمية، بل امتدت لتلامس هموم شرائح مجتمعية واسعة، بدءاً من الدفاع عن الحريات الأكاديمية، وصولاً إلى الإسهام في الحراك الوطني العام.

شهدت أربعينيات القرن الماضي، تصاعد نشاط الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار، وتزايد المطالب بضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الوسط الطلابي، بوصفه أحد أكثر الأوساط حيوية وتأثراً بالتحولات، فانبثقت فكرة التأسيس من الحاجة إلى إطار موحّد يجمع الطلبة من مختلف المؤسسات التعليمية، وقد لعبت التجمعات الطلابية والأنشطة الثقافية، مثل الندوات والمنتديات الأدبية، دوراً كبيراً في تعزيز هذا المسار، ولا ننسى التأثير الخارجي من روافد الحركات الطلابية العربية والعالمية التي وطدت فكرة التنظيم المهني بين الأوساط الطلابية.

لم يكن الاتحاد مجرد إطار طلابي مهني يعنى بشؤون الطلبة فحسب، بل كان منذ نشأته، فضاءً حيوياً لتجسيد الهُوِية الوطنية وتعضيد روح المشاركة المدنية ومنبراً للتعبير عن تطلعات جيل كامل من الطلبة نحو مفاهيم عصرية ترتبط بالحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم العلمي. فقد ترك الاتحاد بصمات ملموسة على المستويين الثقافي والسياسي، من خلال اسهاماته المؤثرة في نشر الوعي الديمقراطي بين أوساط الطلبة، التي عززت من قيم الحوار والتفاهم بين مختلف توجهات الطلبة، وأتاح الاتحاد مساحة واسعة للتفاعل بين مختلف التيارات الفكرية، ولعب دوراً مؤثراً في إعداد شخصيات قيادية أسهمت لاحقاً في مجالات متعددة في كيان المجتمع العراقي.

كان الشاعر محمد مهدي الجواهري أحد أبرز الأصوات الأدبية التي ارتبطت بالحركة الوطنية والطلابية في العراق، الذي أسهم في دعم الحركة الطلابية معنوياً من خلال شعره ومواقفه، لأنه كان يرى في الطلبة طليعة التغيير وقوة فاعلة في المجتمع. وفي إطار مناسبة التأسيس، كتب الكثير من القصائد التي أشاد فيها بدور الشباب والطلبة، مجسداً في شعره روح التمرد على الظلم والدعوة إلى الحرية، بحيث تحولت بعض قصائده إلى ما يشبه الأناشيد التي يتداولها الطلبة في فعالياتهم، لما تحمله من حماسة وصدق تعبيري في مسيرة نضالهم.

تكمن أهمية استذكار تأسيس الاتحاد في البعد الرمزي لما تحمله الذاكرة الجمعية من صور بطولية لنضالات وتضحيات شريحة واسعة من الطلبة، بل أعادت التأكيد على دور الشباب الطلبة بوصفهم قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي. كما أنها فتحت المجال أمام مراجعة نقدية لتجربة العمل الطلابي، بما تحمله من نجاحات وإخفاقات، وهو ما يسهم في بلورة رؤى أكثر نضجاً لمستقبل الحركة الطلابية، وفي تجسيد الإرادة الجماعية التي وحّدت الطلبة حول أهداف مشتركة، في مقدمتها الدفاع عن الحقوق والحريات التي تصب في توطيد القيم الوطنية بإطار لحظات وعي تاريخي أدرك فيها الطلبة قدرتهم على الفعل والتأثير، لا بوصفهم أفراداً متفرقين، بل كقوة منظمة تمتلك صوتاً ومشروعاً وطنياً يتجاوز حدود التحصيل العلمي.

إن الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية لذكرى تأسيس الاتحاد تتجاوز الحدود الرمزية للماضي، بل تهدف إلى تشكيل أداة حيوية لفهم الحاضر واستشراف لمستقبل واعد، فهي مناسبة لإعادة التأكيد على أن الحركة الطلابية، إذا توفرت لها الظروف المناسبة، ليست هامشية بل أساسية في بناء وتطور المجتمع وبالتالي الإسهام القوي في بناء مرتكزات الدولة الحديثة.

فإحياء ذكرى التأسيس تحمل أبعاداً متشابكة، تعكس طبيعة الدور الذي لعبته الحركة الطلابية في تشكيل الوعي الجمعي المرتبط بقيم التضامن والتكافل بين الطلبة، لأن الاتحاد كان فضاءً جامعاً لمختلف الانتماءات المناطقية والطبقية التي أسهمت في تعزيز الإحساس بالهُوِية الوطنية العابرة للانقسامات، ورسّخت فكرة أن المؤسسات التعليمية ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت بيئة تربوية مؤثرة في نشر الثقافة المدنية على مسارات التحول داخل المجتمع من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والتطوعية التي كانت تُنظم باسم الاتحاد.

كان الاتحاد العام مدرسة سياسية خرّجت أجيالاً من الناشطين والقادة، وصوتاً معبراً عن تطلعات الطلبة نحو الإصلاح والتغيير، والمشاركة في تشكيل مواقف الرأي العام إزاء القضايا المصيرية، فالاستذكار يحمل دلالة سياسية مزدوجة تعكس تقديراً رفيعاً للطلبة في الدفاع عن الحريات والحقوق، وتفتح المجال أمام الكثير من التساؤلات حول واقع الحريات الأكاديمية اليوم، ومدى استقلالية العمل الطلابي في ظل المتغيرات السريعة والتحولات السياسية المتلاحقة في بيئة تمتاز بعدم الاستقرار.

لا تزال هذه الذكرى تُستقبل بمزيج من الاعتزاز والحنين، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات مشروعة حول الواقع المتردي للعمل الطلابي اليوم، ومدى قدرته على استعادة بريق الإرث التاريخي، فالتحديات الراهنة من المتغيرات الاجتماعية وتصدع القيم والتحولات السياسية وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة والتقنيات المعاصرة، التي فرضت على الحركة الطلابية في إعادة تعريف أدواتها وأهدافها بما يتلاءم والمتغيرات المعاصرة.

كان دور اتحاد الطلبة العام محورياً في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، ليس فقط كتنظيم طلابي، بل كرافعة سياسية وثقافية واجتماعية مرتبطة بشكل وثيق بنشاط الحزب الشيوعي العراقي. كان نشاط الاتحاد يعكس عمق نفوذ الحزب داخل المجتمع كأداة تعبئة جماهيرية فعالة ومنصة لصقل الوعي الوطني والديمقراطي وحلقة وصل بين الأجيال الشابة والعمل السياسي. لذلك فإن تقييم قرار تجميده، خلال فترة ما يسمى بالجبهة الوطنية، كثيراً ما يأتي بنبرة نقدية حادة، ويُوصف عند الكثير من المحللين السياسيين وفي القراءات التاريخية والنقدية بأنه كان خطأً فادحاً لأنه قطع الشريان الحيوي للحزب، وأضعف الحزب والحركة الوطنية معاً وأدى إلى تراجع حضور التيار اليساري، حيث تم التضحية بأدوات القوة الذاتية مقابل مكاسب سياسية مؤقتة، وثبت لاحقاً أن هذه التنازلات لم تحمِ الحزب من المطاردة والاضطهاد السياسي.

ختاماً يمكن القول بأن تأسيس الاتحاد العام قد شكّل نقطة تحول في تاريخ الحركة الطلابية العراقية، بعد أن أصبح إطاراً تمثيلياً واسعاً للطلبة بمختلف توجهاتهم. وستبقى ذكرى تأسيسه أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، بل إنها دعوة متجددة لاستلهام روح المبادرة والعمل الجماعي، وتأكيد على أن الطلبة، بوصفهم طليعة المجتمع، لديهم القدرة والإرادة على الإسهام في بناء مستقبل أكثر إشراقاً، متى ما توفرت لهم البيئة والرؤية وإدارة التنظيم الجيد.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

عندما حضرت حلقات النسوية للدكتور البشير عصام المراكشي انصدمت من التحرر الذي يدعو إليه الغرب، وقد أرعبتني أفكارهم الشيطانية التي يدعون النسوية إليها؛ فهم يريدون للمرأة الفردانية المطلقة؛ أي تحويل المرأة إلى فرد مستقل تماماً لا يرتبط بأسرة ولا بقيم دينية، بل يرتبط فقط بـ "الدولة" و"السوق"، مما يسهل استغلالها اقتصادياً وتفكيك المجتمع من نواته الأولى (الأسرة).

وفكرة البرنامج تتمحور حول أن الحركة النسوية المعاصرة، وإن رفعت شعارات "التحرر"، قد تحولت في الحقيقة إلى أداة طيعة في يد النظام الرأسمالي لتحويل المرأة من "كيان إنساني وأسري" إلى "وحدة إنتاجية" تخدم أصحاب العمل.

الفردانية المطلقة: فخ التفكيك المجتمعي

(المرأة التي كانت ملكة في بيتها، تملك وقتها وقرارها وتدير مملكتها الصغيرة، أصبحت اليوم تلهث وراء (أجر زهيد) وتخضع لسلطة مدير لا يرحم، وتسمي ذلك تحرراً!) "من كتاب "النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق"

كانت الأسرة في صورتها المتوازنة تمنح المرأة مساحة من الاستقرار والقرار داخل بيتها، لكن التحولات الاقتصادية الحديثة دفعت بكثير من النساء إلى سوق العمل، أحياناً بدافع الحاجة، وأحياناً تحت ضغط اجتماعي يصور العمل الخارجي بوصفه المعيار الوحيد للقيمة.

لقد أصبحت المرأة بعد حركة النسوية هذه سلعة تُباع وتُشترى لكن بطريقة مغلفة بالتحضر والتقدم والرقي، وبكلام فلسفي أعادوا زمن الاستعباد وجعلوا المرأة كالجارية، لكنهم استخدموا مصطلحاً متحضرًا ومتحرراً فأسموها عاملة، وموظفة تخدم المجتمع، وباسم التحرر استعبدوها وجعلوها تدمر حياتها وشبابها وتتخلى عن استقرارها، وعن أهم مهمة في حياتها وأكبر أحلامها وهي أسرة سعيدة وأبناء حولها ومنزل تسكن فيه هنيئة ومطمئنة، لأن هذه هي فطرتها السوية التي خلقها الله عليها، ولكنهم للأسف جردوها منها بكلامهم المعسول عن الحرية التي تتربص بها خارج مملكتها الآمنة، قتلوا المرأة وجردوها من أنوثتها باسم تحريرها ومساواتها مع الرجال في مجتمعات تافهة لا تعرف أن الاختلاف سُنة الله في الكون؛ فإن تشابهت الأعمال والغايات والأهداف فلن تتشابه المقاييس الحيوية والبيولوجية التي بناها الله في كل الكائنات بدقة متناهية ونظام بديع وبأشكال مختلفة.

الجارية المعاصرة: استعبادٌ مغلفٌ برداء الرقي

إن طمس الفوارق الطبيعية بين الجنسين قد يؤدي إلى ارتباك في الأدوار، بحيث تفقد كل من الأنوثة والذكورة توازنها الطبيعي بدلاً من أن تتكامل؛ فالذكورة إن اختلت وأصبحت رقيقة وحساسة أصبح الرجل مجرد كائن بغيض مقرف، والأنوثة أيضاً إن أصبحت خشنة وقوية أصبحت المرأة مجرد صورة من بعيد تراها تحسبها أنثى وعندما تقترب منها تعرف أنها كائن متحول مخيف. وحركة النسوية الرأسمالية تلك قد سممت كل معاني الأنوثة، وجعلت من الألقاب التي كانت فخر المرأة تصبح عاراً وبطالة في نظرهم المعتم؛ فلقب ربة منزل ولقب الأم والمربية ولقب الزوجة المطيعة كلها أصبحت ألقاباً سُمية قاتلة بالنسبة لنساء اليوم.

فبحسب الدراسات فإن كثيراً من النساء تملن – نفسياً واجتماعياً – إلى تقدير الاستقرار الأسري ودور الأمومة، وهو ما تؤكده دراسات في علم النفس الأسري، لكن الخطاب المعاصر أحياناً يقلل من قيمة هذه الأدوار لصالح أدوار إنتاجية بحتة.

"لقد أصبحت الأمومة في المنظور النسوي الحديث نوعاً من أنواع (الإعاقة) التي تعيق المرأة عن اللحاق بركب المادة، فبدلاً من تكريم الأم، أصبح يُنظر إليها كفرد عاطل عن الإنتاج." من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.

المال والبنون زينة الحياة الدنيا فكيف نحرم أنفسنا من تلك النعمة ومن أجمل ما في الحياة لكي نعيش في شقاء أبدي وكدح لا ينتهي؟ أي عقول تلك التي تختار العيش الهمجي بقانون البقاء على قيد السعي والعمل؟ كيف تفني المرأة حياتها كادحة في أسواق الرجال تبيع وتشتري؟ ألم تكن قبل الإسلام تُعرض في تلك الأسواق نفسها لكنها كانت تُباع فيها وتُشترى؟ وبعد الإسلام أصبحت ملكة لا مملوكة، ولكن طريقة الغرب في الإقناع جعلتها تصدق أن خروجها للأسواق يعد تحرراً ورقيّاً وانتصاراً لأنوثتها التي صانها الإسلام عن العيون الماكرة وعن النفوس الخبيثة، حركة النسوية هذه تجاوزت حدها ومسحت الأنوثة من كل أنثى صدقتها.

تزييف الفطرة.. حين تضيع الحدود بين الذكورة والأنوثة

(إن النسوية حركة (ضد المرأة) في المقام الأول؛ لأنها تزدري كل ما هو أنثوي أصيل (كالحياء، والسكينة، والتربية) وتعتبره مظهراً من مظاهر الضعف.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.

ورغم أن كلامهم عن التحرر عكس ما يدعون المرأة إليه، إلا أنه وللأسف هناك من تتأثر بما يقال، فمن البيان سحراً يسحر الألباب، وبكلامهم المبهرج وتلاعبهم بالمصطلحات جعلوا ربة المنزل تخجل من عملها وتظن أنها غير مفيدة لمجتمعها ولنفسها، صدقت أن اعتمادها على الرجل ضعف بينما هو القوة التي سخرها الله لها لحمايتها وللقوامة عليها، المرأة التي تكتفي بتربية أبنائها وبالاهتمام ببيتها وبزوجها هي التي تعرف معنى أن تكون أنثى ومعنى أن تعيش ملكة حرة طليقة في مملكتها لا تخدم أحداً ولا تعمل أعمال الرجال لتنال أجر عملها؛ فهي مصونة مكرمة عندها كل ما تحتاج إليه. عن أي نسوية يتحدثون بالله عليكم؟ تلك التي تقدح ليل نهار لتأخذ أجرها وتعود لمنزل فارغ لا حب يملؤه ولا أسرة تدفئه، لا زوج حنون ولا أبناء يملؤون قلبها وحياتها بالحياة الحقيقية. عن أي حقوق يتحدث هؤلاء وهم يحرمون المرأة من كل هذه الحقوق؟ فهي لا تحتاج غيرها ولا تريد حياة صاخبة متعبة مثل حياة الرجال لكنها فتنة تفتن فيها النساء وتقع ضحيتها الأسر وتدمر بسببها المجتمعات وتنهدم بعد ذلك الحضارات.

 (إن النسوية لم تطمح لجعل المرأة مساوية للرجل في الكرامة، بل طمحت لجعلها (نسخة رديئة) من الرجل، فأجبرتها على خوض معارك ليست معاركها، وقيدتها بمقاييس ذكورية بحتة.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.

المرأة خلقت رقيقة وحساسة لتكون سكناً ورحمة لزوجها؛ هو يتعب ويعمل ليصرف عليها ويوفر لها كل ما تحتاجه في حياتها، وهي توفر له كل ما يحتاجه في بيته من مأكل وملبس ونظافة وراحة وأبناء بارين وحياة دافئة، هذه هي الأسرة التي يتكون منها المجتمع الراقي وتبنى بها الحضارات بقانون ونظام وتطور حقيقي.

دورانٌ في الفراغ: مقايضة المودة بالأجر المادي

إن ما حدث ليس تحرراً من الأعباء، بل هو (تبادل للأدوار) في سوق مادية جافة؛ فالمرأة التي كانت تخدم بيتها بحب، أصبحت اليوم تخدم في بيوت الآخرين أو شركاتهم لتنال أجراً تدفعه لاحقاً لامرأة أخرى (موظفة الحضانة أو العاملة المنزلية) لتقوم بمهامها الأصلية! لقد تحولت المودة إلى مقارنة ومنافسة، وضاعت (البركة) في هذا الدوران المفرغ لإثبات الذات الأنانية وإثبات الكمال الزائف للرجل والمرأة؛ تدمرت الأسرة حين غابت المرأة عنها ولم يعد هناك رجل عظيم في زماننا لأن لا امرأة في بيته تخرج عظمته، لا يوجد جيل فاتح لفلسطين لأن الأمهات غير متفرغات لتربية الأبطال الفاتحين، غابت الأم وغابت الأخت وغابت المربية وغابت ربة المنزل وغابت الزوجة المطيعة فغابت الرجولة والبطولة والنخوة والنصرة وغابت المجتمعات ثم غابت عنا الحضارة بأكملها...

حيث تخرج الأم لتبني شركات الغرباء، وتترك بناءها الحقيقي (أبناءها) ليقوم به غرباء آخرون بالأجر. فهل استقرت النفس؟ وهل ارتاحت الأجساد؟ أم أننا نعيش في خدعة كبرى، حيث نركض طوال اليوم لنجمع المال لنشتري به (خدمات) كان الحب والرحمة يقدمانها مجاناً في ظل مملكة الأسرة الدافئة؟

ولكن هناك نساء ما زلن محتفظات بدورهن بل إنها تأخذ دور الرجل بكل أنوثة، نساء عاملات لكن ليس لإثبات أنفسهن بل لبناء جيل الفاتحين، هن قلائل لكنهن يعادلن ألف امرأة، فخروجهن كان ضرورة، خرجن للبناء وليس للعرض ولا للاستعراض والمقارنة مع الرجال. أولئك النساء علمننا أن المرأة تستطيع أن تأخذ دور الرجال بكل بساطة، لكن دورها يعجز عن أخذه ألف رجل. المرأة الناجحة هي التي تعمل وتحلم وتسعى لنيل الأهداف لكنها تعرف كيف تحفظ حقوق المجتمع بالمحافظة على أسرتها من الضياع والشتات. المرأة التي لا تضحي بأحلامها لكنها لا تدمر أسرتها ولا تهدم بيتها لتنال مناصب زائفة ولتحقق أحلاماً غير سعيدة بعد أن تركت جيلاً كاملاً يراقبها بدموع الحرمان. المرأة التي ربت أبناءها وحافظت على بيتها، تعلمت واجتهدت ووازنت بين حقها وواجبها؛ تلك التي يقال أن لها علينا حقاً وحقوقها كلها محفوظة رغم أنف المجتمع والعالم بأكمله.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

حين يطل الربيع، يوقظ في النفس، باطلالته البهية، أعمق مكامن الإحساس، حيث يعيد ترتيب العلاقة بين وجدان الإنسان والطبيعة، ويعيد تشكيل التجليات، بين الداخل والخارج.

وهكذا يتميز الربيع بانه ذلك الفصل الذي تتوهج فيه الحواس، وتتوقد فيه المشاعر، فتغدو الروح أكثر شفافية، ويظهر الحس فيه أكثر توهجا، واعلى قدرة على التقاط جماليات الربيع، في أدق تجلياتها.

ففي الربيع، تتبدّل اللغة؛ فلا تعود المفردات كافية لوصف ما يحدث في اعماق الوجدان من تأملات، حيث تتفتح الأزهار، كما لو أنّها استعارة حية، للتعبير عن دلالات توهج الوجدان، وينساب النسيم المعطر براحة الورود الزكية، نفحات خفية، تحمل رسائل الرقة والطمأنينة، حيث يصبح الحس المرهف، أداة إدراك حية، تتجاوز قدرات المنطق، وتغدو التفاصيل الصغيرة في المشهد، باهتزاز ورقة، أو تمايل غصن عشبة، لحظات عاطفية، تثير المزيد من الدهشة.

ولا ريب أن توهج الحس المرهف في فصل الربيع، لا ينفصل عن توقد المشاعر، حيث تغدو العاطفة في الربيع، ليست مجرد انفعال عابر، بل حالة من الإمتلاء الوجداني، تتداخل فيها الذكريات، مع حس الحاضر، وتنبعث فيها مشاعر الأمل، والتطلع المتجدّد، كأن الذات تستعيد قدرتها الأولى على الحلم.

 وهكذا ارتبط الربيع في الأدب بعودة الحياة، لا إلى الأرض، فحسب، بل إلى القلب، والوجدان أيضًا، اذ ان أجمل ما في تجليات جماليات الربيع، أنها لا تفرض على المتلقي، رغم حضورها المتجسد أمام الوجدان في اللحظة، وانما تستكشف بالتفاعل الخلاق المرهف، لتاتي دعوة مفتوحة للتأمل، والتطلع، لإعادة اكتشاف الذات، عبر مرآة الطبيعة، حيث يجد الإنسان نفسه عندئذ، أقرب إلى جوهره، وأكثر انسجاما مع إيقاع الوجود، فيكون الربيع بهذا المعنى، ليس زمنا خارجيا مجردا، بل حالة داخلية، يتجلى فيها الجمال كقيمة شعورية، ويتحول فيها الحس المرهف، إلى حافز، يحقق فيه الإنسان ذاته.

وياتي توهّج الحس المرهف، وتوقد المشاعر الوجدانية، في فصل الربيع، انعكاسا صادقا، لانسجام خفي، بين الإنسان والطبيعة، حيث يصبح الجمال عندئذ، لغة مشتركة، ويغدو الشعور الوجداني، فعل حياة.

***

نايف عبوش

 

التحليل السياسي ليس مجرد كلام لا منطق ولا رابط له، كلام بلا عمق تاريخي ولا فقه لواقع الأحداث ولا استشراف لما يحدث في المستقبل بامتلاك معلومات دقيقة ومعطيات من العدو نفسه..وما شاهدناه على بعض القنوات من محللين لا يملكون شروط المحلل السياسي فقد يتساءل المستمع أو المشاهد هل يملك حقيقة هذا الشخص شهادة الدكتتوراه وهل ينتسب حقيقة إلى مراكز فكرية ومؤسسات استراتيجية؟

فحسب ويكبيديا "التحليل السياسي   (بالإنجليزية: Political analysis) هو عملية فهم وإدراك عميق لجذور وأصول الممارسة السياسية، ويشمل ذلك الاهتمام بالأيديولوجيات والعقائد ومصالح الأطراف المعنية. يركز التحليل السياسي أيضًا على نتائج السياسة وأهدافها، ويعتبر نوعًا من التفكير الاستراتيجي الذي يسعى لفهم طبيعة الأحداث السياسية وأسبابها ومساراتها، والدوافع التي تؤدي إلى حدوثها..." (1)

فمن شروط المحلل السياسي أن يدرك عمق المشكلات والصراعات التي تختلط فيها المعتفدات بالمصالح وان يفقه متغيرات الواقع والأطراف المتصارعة ويحدد الأعداء المشاركين بقوة والأقل مشاركة والمحايدين...

التحليل السياسي حسب. د. محمد العمر هو مهنة غايتها تنوير الأذهان وتقديم خدمة مجتمعية معرفية مرتكزة أساسا على النزاهة والأمانة العلمية لهذه المهنة جناحان مؤثران لا غنى عنهما:

الجناح الأول يمثل المعرفة العميقة والنظرة الثاقبة للمحل السياسي القادر على استشراف الأحداث وتحليلها استنادا إلى مخزون عالي الجودة من الدراية العلمية والقدرة على ربط المعلومات وتصنيفها في إطارها الصحيح والمناسب.

الجناح الثاني يعتمد على قدرة المحلل السياسي على الحصول على معلومات خاصة وغير متاحة للعامة من مصادرها الأولية لدى صناع القرار وقدرته على دمجها في سياقها العام ومقاطعتها مع بقية المعلومات والقرائن القادمة من اتجاهات أخرى ليتمكن الشخص في النهاية من تقديم رؤية منطقية وواقعية تنير أذهان الجمهور وتحدد له بوصلة الاتجاه المرجح للأحداث"(2).

فعلى القنوات ان لا تنخدع بحملة الشهادات بل عليها ان تتأكد من السيرة الذاتية للضيف ما هي الكتب التي نشرها والأبحاث التي شارك بها والمراكز التي اشتغل بها ؟حتى تقلل من هؤلاء المحللين المزيفين الذي لا يملكون لا معرفة ولا امانة علمية فقط تستهويهم الأضواء والألقاب...

***

شدري معمر علي - كاتب وباحث / الجزائر

.....................

1- ويكبيديا.

2- د. محمد العمر، التحليل السياسي العربي مهنة من لا مهنة له موقع الجزيرة نت.

 

قتلوا المتوكل والفتح بن خاقان وكان معهما البحتري الذي لم يُقتل، والمعروف أن القتلة يمحقون أي شاهد على جريمتهم، فلماذا لم يُقتل البحتري معهما؟

سؤال يستحق النظر ويثير أسئلة!!

أين قتلوهما؟

في البركة الحسناء؟

لا يوجد دليل واضح على مكان الفتل، لكنه على الأرجح في البركة التي يتنادمون فيها عند المساء.

هل أن البحتري كان متواطئا؟

هل أنه أفشى نية المتوكل بقتل المنتصر؟

الحادث ملغز ولا يمكن إعفاء البحتري من التورط فيه!!

طبائع الأمور تشير إلى أنه كان يجب أن يكون مقتولا معهما، لكنه نجا من الموت، ولم يبح بشهادته بصدق وجرأة، وراح يمدح قاتل المتوكل بعد بضعة أيام أو أسابيع، ولا توجد قصائد تشير إلى تأثره وحزنه العميق على ولي نعمته الذي تعهده بالرعاية طيلة خلافته، مما يشير إلى نفسيته التسولية التي لا يهمها إلا كم من المال تجني، فهو من أبشع المتكسبين بالشعر.

قد يتعجب الكثيرون مما تقدم، لكني أقرأ ديوانه وتتضح نفسيته وسلوكه أمامي، وكأني أراه كيف يتكسب ببضاعته ويسوقها على كراسي البلاط، وما يهمه المال فقط، ولا قيمة عنده لغيره كما تشير قصائده الممعنة بالمديح والإطراء الكاذب الدجّال.

 أنه من الشعراء الكبار، ويحسب له ألف حساب، لكن مَن هو لولا المتوكل وأبو تمام، إنه من صناعتهما ولم يكن وفيا لهما كما ينبغي، وأظنه هو الذي وشى بأبي تمام عند الواثق فأبعده إلى الموصل، ومواقفه بعد مقتل المتوكل لا تحتاج إلى دليل.

ومن المعروف ما تسبب به للشاعر علي بن الجهم، وكيف جعل المتوكل يغضب عليه ويضعه في السجن، ويبرهن بذلك عن أنانيته وهيمنته على البلاط العباسي، وإحتكاره لدوره وقربه من الخلفاء بلا تمييز ما دامت العطاءات مجزية.

المشكلة في دراستنا للتراث أننا نضع شخوصه في عروش مقدسة ونخشى الإقتراب منهم بموضوعية وجرأة، لأن ذلك من الممنوعات والسلوكيات المرفوضة، ويبقى البحتري رغم شاعريته وقدرته التعبيرية، شخصية ذات منافع ويتكسب بشعره كغيره، ولكونه قريب من البلاط ذاعت شهرته وطمس صيت معاصريه. فمعظم الشعراء الذين إشتهروا كانوا على مقربة من مراكز السلطة.

شاعرٌ عاشَ قريباً للكراسي

لا يُبالي يَتغنّى بالمآسي

جاءَ يَسعى نحوَ إثْراءٍ جَزيلٍ

يَتباهى بمُجيداتِ افْتراسِ

غادرٌ فيها ويَبقى مُسْتهابا

وعدوّا ومُسيئا للأناسي

***

د. صادق السامرائي

 

لم تكن سيرة الدكتور نوري جعفر (1914-1991) مجرد مسار أكاديمي أو حضور عابر في فضاءات الفكر، بل كانت تجربة إنسانية وفكرية متكاملة، تجسد معنى العطاء الأصيل، وتفتح أمام الباحثين آفاقاً رحبة للتأمل والدراسة. فقد مثل هذا المفكر نموذجاً نادراً للعقل الموسوعي، الذي جمع بين التربية وعلم النفس، وبين الفلسفة والسياسة، فضلاً عن انشغاله العميق بقضايا الدين والأدب، ليقدم مشروعاً فكرياً يتجاوز حدود التخصص الضيق نحو أفق إنساني شامل.

لقد شغل جعفر موقعاً متقدماً في الحراك الثقافي العراقي والعربي، ولم تقتصر جهوده على الإطار المحلي، بل امتدت إلى المحافل الدولية، حيث مثل العراق في مؤتمرات علمية تناولت قضايا الإبداع والابتكار ورعاية الموهوبين. وكانت كتاباته موزعة بوعي بين التراث والمعاصرة، وبين أسئلة الهوية ومتطلبات التقدم العلمي والتكنولوجي، في محاولة لخلق توازن دقيق بين الأصالة والتحديث.

وفي قلب هذا المشروع، تبرز رؤيته التربوية بوصفها جوهر تفكيره؛ إذ كان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يتحقق إلا بفهم طبيعته المركبة، حيث تتداخل الأبعاد العقلية والنفسية والاجتماعية والجسدية في تشكيل الشخصية الإنسانية. ومن هنا، دعا إلى صياغة مناهج تعليمية تنسجم مع طبيعة المتعلم، وتحرره من قيود التلقين، لتجعله شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلق سلبي لها.

لقد كان جعفر من أوائل الداعين إلى إعادة النظر الجذرية في بنية النظام التعليمي، سواء في محتوى المناهج أو في طرائق التدريس. فقد رأى أن التعليم الحقيقي لا يقوم على الحفظ الآلي، بل على تنمية التفكير النقدي، وتشجيع روح المبادرة، وتحويل الصف الدراسي إلى فضاء حي للاكتشاف والتجريب. كما أولى أهمية خاصة لمادة الرياضيات، بوصفها ميداناً خصباً لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات الذهنية عبر الخبرة الحسية والبصرية.

ولم تغب عن رؤيته العلاقة العضوية بين التعليم ومجمل التحولات الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ أكد على ضرورة ربط السياسات التربوية بمتطلبات النمو السكاني، وبخطط التنمية الشاملة، مع تحقيق التوازن بين الكم والنوع في العملية التعليمية، وبين التعليم النظامي وغير النظامي. وهي نظرة استشرافية تعكس وعياً مبكراً بأهمية التخطيط المتكامل لبناء مجتمع المعرفة.

إن ما يميز مشروع نوري جعفر ليس طموحه النظري فحسب، بل إيمانه العميق بإمكانية تحويل التعليم إلى رافعة حضارية، قادرة على نقل المجتمعات من حالة التلقي إلى الفعل، ومن الجمود إلى الإبداع. لقد كان يرى في التربية مفتاحاً للتقدم، وفي الإنسان غايةً لكل مشروع تنموي.

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله في ترسيخ مشروعه التربوي النهضوي، فإن القدر لم يمهله طويلاً؛ إذ اختطفه المرض في عام 1991، إثر إصابته بزكامٍ شديد، ليرحل بهدوء لا يشبه صخب أفكاره ولا اتساع رؤيته. وبرحيله، خسرنا عقلاً تنويرياً نادراً، كان يحمل في داخله مشروعاً للنهوض بالإنسان قبل أي شيء، ويؤمن بأن التربية هي الطريق الأصدق لبناء مستقبل أكثر إشراقاً.

رحم الله هذا المفكر الذي حمل هم التنوير، وسعى إلى تأسيس رؤية تربوية حديثة تخدم الإنسان العراقي والعربي، وتمنحه القدرة على مواكبة العصر دون أن يفقد جذوره. لقد رحل الجسد، لكن الفكرة ما تزال حية، تنتظر من يواصل الطريق.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

الوجه الجميل.. والحقيقة المخفية خلف الشاشة وستائرها

في عصر التواصل الرقمي، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مساحات لعرض الذات، وبناء الهوية، وتشكيل صورة ذهنية إيجابية لدى الآخرين. إذ يحرص المستخدمون على نشر صورهم في أبهى حلة، ومشاركة أكثر لحظاتهم نجاحاً وسعادة، وإبراز إنجازاتهم، متجاهلين في الغالب إخفاقاتهم أو مشاعرهم السلبية؛ وكأن الجميع يعيش حياة مثالية تفيض بالكمال والجمال. ولا يعكس هذا المشهد الرقمي حقيقة الواقع بجميع جوانبه، بل يجسد رغبة إنسانية عميقة في الظهور بأفضل صورة ممكنة.

يرتبط هذا السلوك بحاجات بشرية أساسية، كالسعي للقبول الاجتماعي والانتماء؛ فالإنسان بطبعه يتوق إلى التقدير، وقد وفرت مواقع التواصل مؤشرات مباشرة لذلك عبر الإعجابات والتعليقات. فعندما يحصد الفرد استحسان الآخرين وتفاعلهم، يتعزز لديه الشعور بالقبول وتقدير الذات، مما يمنحه شعوراً بالرضا يدفعه لتكرار السلوك نفسه، مع زيادة العناية بانتقاء ما ينشره ليظل دائماً في صورة مشرقة وجذابة.

إن منح مواقع التواصل الاجتماعي الأفراد قدرة فائقة على إدارة الانطباع الذي يتركونه لدى الآخرين؛ فبينما تتعدد جوانب الشخصية في الحياة اليومية ما بين إيجابي وسلبي، يتيح العالم الرقمي للفرد انتقاء ما يعرضه بدقة وراحة تامة. وبإمكانه تسليط الضوء على لحظات الفرح والإنجاز، متجاهلاً ضغوط الواقع ومشكلاته، ومظهراً الثقة حتى في أوقات الشك. وهكذا، يتحول الحساب الشخصي إلى مساحة مصممة بعناية لتعكس نسخةً مثاليةً من الذات، تختلف عن الواقع المليء بالتفاصيل المعقدة.

وتلعب المقارنة الاجتماعية دوراً محورياً في تعزيز هذا الميل نحو المثالية؛ فالمستخدم يواجه يومياً صوراً لحيوات تبدو مثالية، من سفر وإنجازات وعلاقات ناجحة، ما يدفعه لمقارنة واقعه بما يراه، فيتولد لديه شعور بعدم الكفاءة أو الدونية. وأمام هذا التحدي، يجد الفرد نفسه بين خيارين: إما الانكفاء على الذات والشعور بالمعاناة والأصابة بالإحباط، أو الانخراط في الدائرة ذاتها بمحاكاة تلك الصورة المثالية وإخفاء الجوانب الواقعية أو الصعبة من حياته، مما يخلق حلقة مفرغة من المثالية الزائفة التي يظن كل طرف أنها الحقيقة الكاملة لدى الآخرين.

فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة لتشكيل هوية رقمية قد تختلف عن الواقع؛ إذ يقدم الفرد نفسه بصورةٍ أكثر ثقة ونجاحاً وسعادة، متخذاً من هذه الهوية وسيلة لرسم الصورة التي يطمح إليها. وفي حين قد تكون هذه الهوية امتداداً إيجابياً للذات، فقد تمثل أحياناً محاولة لتعويض شعورٍ داخلي بالنقص أو عدم الرضا. ومع مرور الوقت، قد يتحول الحفاظ على هذه الصورة المثالية إلى عبءٍ نفسي، لا سيما حين تتسع الفجوة بين الواقع والحياة الرقمية التي يتبناها الفرد، متجاهلاً الحقائق القاسية التي يعيشها في داخله.

كما يعزز التفاعل السريع عبر هذه المنصات الميل نحو المثالية؛ فكل إعجاب أو تعليق إيجابي يمنح المستخدم شعوراً فورياً بالرضا، مما يدفعه إلى تكرار هذا النمط ونشر محتوى مشابه لجذب المزيد من التفاعل، لتصبح المثالية الرقمية سلوكاً متكرراً يسعى من خلاله الفرد إلى تعزيز صورته ونيل القبول الاجتماعي.

ورغم أن الظهور بصورة جميلة قد يبدو أمراً طبيعياً، إلا أن الإفراط في المثالية الرقمية قد يؤدي إلى آثار نفسية غير مرغوبة، وقد تكون لها تبعات مؤلمة، وربما تصبح مرضية تشوبها غياب الصدق في الأفكار والمشاعر والمواقف السليمة. فقد يشعر الفرد بضغط مستمر للحفاظ على صورته المثالية، أو بالقلق من انخفاض التفاعل، أو بعدم الرضا عن حياته الواقعية مقارنة بما يعرضه الآخرون. كما قد تتشكل لدى المتابعين تصورات غير واقعية عن الحياة، فيعتقدون أن السعادة الدائمة والنجاح المستمر هما القاعدة، بينما الحقيقة أن الحياة مزيج من لحظات القوة والضعف، النجاح والتعثر والفشل، الفرح والتحدي، الفقر والغنى، الجهل والتعلم، الصواب في الفعل والممارسات والأخطاء التي قد تحدث. فالمرء يعيش ما بين نقيضين لا مفر منهما، لحظات إقبال وإدبار، مد وجزر، وهكذا الحياة الواقعية تحتم علينا الصدق وإظهار المواقف مهما كانت مؤلمة أو جارحة.

إن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس الواقع الكامل، بل تعكس جزءاً من الحقيقة والانتقاء بعناية من حياة الأفراد والجماعات. لذلك فإن فهم هذا الأمر يساعد على التعامل مع هذه المنصات بوعي وفهم أكبر، ويخفف من ضغط المثالية الرقمية. فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يكون مثالياً دائماً، بل يحتاج إلى أن يكون صادقاً ومتوازناً وشفافاً وواضحاً مع نفسه وربما غيره في أحيان كثيرة، وربما لو تحدث عن مشكلة يعاني منها أو موقف أخفق فيه أو ضائقة ألمت به، قد يجد من يدعمه ويناصره ويقف في صفه وبجواره، وربما يكون الأجمل في العالم الرقمي ليس الكمال المصطنع، بل الإنسانية الحقيقية التي تعترف بأن الحياة ليست مثالية، لكنها حقيقية بما تحمله من تجارب ومعانٍ مهما كان وزنها ومقدار النجاح أو الإخفاق فيها. فهذه سنة الحياة وطبيعة البشرية ما بين الصواب والخطأ، وما بين التوفيق والنجاح وما بين فقدانه أو الوقوع في المطبات والعثرات.

***

د. أكرم عثمان

13-4-2026

حياتي التي كانت عبارة عن فوضى لا نظام فيها، على ضخامتها، وتنوعها، وطرافتها، عجزت عن السير في طريق التضحية الشائك أنا الان أشفق على "فتاها" الذي انهدمت المثل العليا أمامه فلم يجزع، رغم أنه في الحق أضعف من أن يتحمل تبعة أفعال من ذوت قاماتهم في دواخله، بعد أن قتلوه باثرتهم وأنانيتهم، لن تفلح الأصوات في ايقاظ نخوته وشهامته، اذا ألحت تلك الناجمة من أن تدمغ حياته بتلك الصور والألوان الجديدة، صورا تملأ الجوانح ذعرا والنفوس شقاء.

وخبايا النفس التي ليست خافية عن العين، لأنها أجل وأعظم من أن تخفى وتحاط، لقد أبصرها "فتانا" ووقف عليها، وأدار بينه وبينها أطراف الحديث، رغم أنه كان يتوهم أنها بعيدة كل البعد عن محيطه وقارته.

لقد عرف ذلك "الفتى" العنيد في نفسه تلك النزعة وهو طرير لم يكتهل، واستوثقت الصلات بينه وبين (اباء الضيم) تلك النزعة التي تلمح في اشراقها عواطف العزة، والشموخ، والشمم، والنفور من الهوان, اقترنت به وأضحت دارها مصاقبة لداره، الان أيها السادة تتعدد الخوالج التي تتجاذب نفس صاحبنا، هذه المشاعر والأحاسيس التي تداهمه مردها غاية في العقم، ونحن اذا رجعنا اليها كلها، واستوعبنا النظر فيها، لوجدنا أن كنهها هو الاثرة، والطمع، والخذلان.

ومهما يكن من أمر، فان "الفتى الأدهم"، سيستميت في صون كيانه، ولن يؤول أمره كما يعتقد البعض للذل والاستكانة، سترى هذه العصبة التي أرادت ان تجعل من حياته ميدانا للحروب والمناحرات، أروع مظهر لجموح اخلاقه، وتعلم أن نفسه الطيبة الوادعة، لا تأنف من شيء، كما تأنف من الحيف ومظاهر الجور.

وربما يأتي اليوم الذي نفصل فيه ما ذكرناه هنا اجمالا

***

د. الطيب النقر

استيقظ الوسط الاكاديمي في العراق مؤخرا على وقع "زلزال" او "فضيحة مكتملة الاركان" في جامعة حكومية. الخبر نزل كالصاعقة: تدريسيان اشتريا بحثا جاهزا! والادهى من ذلك ان احدهما نال ترقية ومنصبا حساسا بفضل هذا الابداع "المشترياتي". يا لها من مفاجاة مذهلة، وكأننا اكتشفنا للتو ان التفاحة تسقط باتجاه الارض، او ان مكاتب "باب المعظم" تبيع الشاي والقهوة وليس بحوث الماجستير والدكتوراه!

المثير للدهشة ليس الفعل بحد ذاته، بل حالة الاستغراب التي صبغت الخبر. يتحدثون عن فضيحة فريدة وكان معظم الاكاديميين يحملون مجاهرهم ويقضون لياليهم في المختبرات يفككون الذرة او يستنبطون علاجات للامراض المستعصية، بينما الواقع يقول ان سوق مريدي الاكاديمي يزدهر عبر صفقات الواتساب، وبرعاية مكاتب تجهيز البحوث التي اصبحت تعمل بـ "دليفري" فائق السرعة.

في هذه الواقعة تحديدا، لم ينكشف المستور بفضل لجان الرصانة او برامج كشف الاستلال، بل بفضل "شطارة" المكتب الذي باع البحث نفسه لشخصين! هنا تكمن الماساة، الفساد في مؤسساتنا لم يعد يخشى الرقابة العلمية، بل بات يخشى فقط "غش" البائعين وعدم التزامهم بـ "اخلاقيات مهنة" بيع البحوث المسروقة.

ان ما يحدث ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو "سيستم" مواز ومنظومة متكاملة تغلغلت في مفاصل التعليم العالي. عندما يصبح البحث العلمي مجرد وسيلة لجمع النقاط من اجل الترقية او الوصول الى منصب اداري، يتحول الاستاذ من "باحث عن الحقيقة" الى "زبون دائم" لدى مكاتب التجهيز.

تاثير هذه الظاهرة يتجاوز مجرد سرقة علمية، فهو يضرب في العمق:

- مصداقية الشهادة العراقية: التي باتت تختبر في محافل النشر الدولي وتقابل احيانا بعلامات استفهام كبيرة.

- تسطيح المعرفة: حيث تمتلئ الرفوف باوراق مطبوعة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، ولا تقدم حلا لمشكلة واحدة في المجتمع.

- قتل الطموح: حين يرى الباحث الحقيقي ان "زميله" ارتقى المناصب واشترى الالقاب بـ "شدة دولارات"، بينما هو يصارع شحة الامكانيات في مختبر متهالك.

ختاما..

عذرا يا نيوتن، وعذرا يا اينشتاين، ففي بعض زوايا اكاديميتنا، الجاذبية ليست للارض، بل للمناصب، والبحث عن الحقيقة استبدل بالبحث عن "ارخص مكتب بحوث".

ان التعامل مع فضيحة هذه الجامعة كحالة "شاذة" هو الفضيحة الاكبر. فالاعتراف بان المرض اصبح "جائحة" اكاديمية هو الخطوة الاولى للعلاج. اما الاستمرار في وضع اصابعنا في اذاننا وابداء الدهشة مع كل خبر ينكشف، فلن يؤدي الا الى تحويل جامعاتنا الى مجرد "معارض للترقيات الوهمية" ومصانع للالقاب التي لا تغني ولا تسمن من جوع علمي.

***

د. محمد الربيعي

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة تتلاشى في الهواء، بل هي أوزان خفية نحملها معنا كل يوم، دون أن نشعر بثقلها إلا حين تصيب أو تُصيبنا. نحن نتكلم كثيرًا—آلاف الكلمات تتدفق يوميًا من أفواهنا—لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ماذا تفعل هذه الكلمات بالعالم؟ وماذا تفعل بنا؟

إن وفرة الكلمات لا تعني حيادها، بل على العكس، تعني مسؤولية مضاعفة في اختيارها. فنحن لا نستخدم اللغة فحسب، بل نسكنها، ونُشكَّل من خلالها بقدر ما نُشكّلها. ليست المسألة في عدد الكلمات التي نعرفها، بل في الكيفية التي تمنحها بها حضورًا في الواقع. فالكلمة، في لحظة نطقها، لا تصف العالم فقط، بل تفتح له أفقًا جديدًا، أو تغلقه.

حين أقول كلمة، فإنني لا أُحيل فقط إلى معنى، بل أستدعي صورة، وأُنشئ تصورًا، وربما أزرع أثرًا لا يُمحى. وهذا ما نبّه إليه جورج لاكوف حين أشار إلى أن مجرد نطق كلمة واحدة قادر على استحضار عالمٍ كامل في الذهن. لكن الأمر لا يتوقف عند حدود التصور؛ فالكلمات تتسلل إلى الفعل، وتعيد رسم ما يمكن أن يُقال، وبالتالي ما يمكن أن يُفعل. إن حدود لغتنا ليست بعيدة عن حدود عالمنا، بل هي امتدادٌ لها.

لهذا، لا تبدو المقولة القديمة "الكلمات تطير" سوى وهمٍ مريح. الكلمات لا تطير، بل تستقرّ في الذاكرة، وتترك آثارًا قد يكون أعمق من الأفعال. إنها تبني العلاقات أو تهدمها، ترفع الإنسان أو تحطّ من كرامته. وقد كشفت كلوديا بيانكي عن هذا الجانب المظلم للغة، حين بيّنت كيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى أدوات عنف، لا تقل قسوة عن الضرب، بل قد تسبقه وتبرّره.

في خطاب الكراهية، تبلغ اللغة ذروتها المأساوية: فهي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعيد تعريفه في موقعٍ أدنى، وتمنحه هوية مفروضة عليه. هنا، لا تصبح الكلمات وسيلة تواصل، بل وسيلة إقصاء، تُرسّخ حدودًا بين "نحن" و"هم"، وتمنح الشرعية لهيمنة خفية. وكما صوّر جورج أورويل في عمله 1984، يمكن للغة أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة نفسها، حتى يبدو الظلم أمرًا طبيعيًا، بل ومقبولًا.

لقد أدركت الفلسفة الحديثة أن اللغة ليست مرآة تعكس الواقع، بل أداة تصنعه. وهذا ما عبّر عنه جون أوستن حين قال إننا لا نصف الأشياء بالكلمات فحسب، بل نفعل بها. نحن نَعِد، نُهين، نُبرّر، ونُقصي—كل ذلك بالكلمات. إن اللغة فعل، وكل فعل يحمل تبعاته.

لكن إذا كانت الكلمات تملك هذه القدرة على التشكيل، فهل يمكننا أن نستخدمها بطريقة مختلفة؟ هل يمكن أن تكون أداة وعي بدل أن تكون أداة عنف؟

ربما تبدأ الإجابة من لحظة بسيطة: أن نتخيّل وقع كلماتنا على من يتلقّاها. أن نسأل أنفسنا، قبل أن نتكلم: كيف سيُستقبَل هذا القول؟ هل يعكس ما أريده حقًا، أم يحمل أثرًا لم أقصده؟ إن هذه القدرة على وضع الذات مكان الآخر ليست مجرد لياقة أخلاقية، بل هي وعي باللغة بوصفها قوة.

فاللامبالاة بالكلمات ليست حيادًا، بل مشاركة صامتة في إعادة إنتاج العنف. وما يُقال بلا تفكير قد يتحول بسهولة إلى قاعدة، وما يُتجاهل قد يصبح مقبولًا. وهكذا، لا نكون مجرد مستخدمين للغة، بل شركاء في تشكيل أبعادها.

إن الانتباه للكلمات ليس ترفًا لغويًا، بل هو موقف وجودي. لأننا، في النهاية، لا نعيش في عالمٍ من الأشياء فقط، بل في عالمٍ من المعاني. وإذا كانت الكلمات قادرة على أن تُشعل الكراهية، فهي قادرة أيضًا على أن تفتح أفقًا للفهم، وأن تمنح للوجود قدرًا أكبر من العدالة والإنصات.

***

محمد إبراهيم الزموري