عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

كثيراً ما ينظر إلى التسويق على أنه أداة للتأثير في الناس عبر استثارة مشاعرهم أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات لا يحتاجون إليها ولا شعورياً ينقادون لممارستها واتخاذها. وقد ترسخت هذه الصورة بسبب بعض الممارسات غير الأخلاقية التي تعتمد على الخداع أو التهويل أو إخفاء الحقائق أو إيهام الناس والتلاعب بأفكارهم ومشاعرهم، إلا أن اختزال التسويق في هذه الصورة يظلمه، ويتجاهل جوهره الحقيقي بوصفه علماً إنسانياً قبل أن يكون نشاطاً تجارياً.

فالتسويق في جوهره ليس فن التلاعب بالعقول، بل فن فهم الإنسان والوعي باحتياجاته ومطالبه. ودراسة ما يولون الاهتمام به، إنه يبدأ من سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: ماذا يحتاج الناس؟ وما الذي ينقصهم؟ وكيف يمكن تقديم قيمة حقيقية تجعل حياتهم أسهل أو أفضل أو أكثر جودة؟ وعندما ينطلق التسويق من هذا السؤال، فإنه يتحول إلى عملية استماع وبحث وتحليل، لا إلى عملية خداع أو تضليل.

إن المسوق المحترف لا يبيع منتجاً فحسب، بل يحاول أن يفهم الإنسان الذي سيستخدم هذا المنتج. ويتعامل معه، فهو يدرس احتياجاته، ويستوعب دوافعه، ويحلل عقليته ونفسيته وبيئته الاجتماعية والثقافية، ويأخذ في الاعتبار عمره، وخصائص نموه الجسمي والنفسي والعقلي والاجتماعي، وسماته الشخصية، وقيمه، وطموحاته، وحتى التحديات التي يواجهها في حياته اليومية. ومن خلال هذا الفهم يصبح المنتج أو الخدمة استجابة حقيقية لحاجة موجودة، وليس مجرد سلعة تفرض حضورها ووجودها على المستهلك.

ولهذا نجد أن أفضل الحملات التسويقية في العالم لم تحقق نجاحها لأنها أقنعت الناس بشراء ما لا يحتاجون إليه، وإنما لأنها استطاعت أن تلامس احتياجاتهم الحقيقية، وتعبر عن تطلعاتهم، وتقدم حلولاً واقعية لمشكلاتهم والصعوبات التي يتعرضون لها. فالتسويق الناجح لا يخلق الحاجة من العدم بقدر ما يكشف عنها، ويترجمها إلى قيمة ملموسة يشعر بها المستفيد وقد ينتفع منها وتلبي احتياجاته ورغباته.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك من يستخدم أدوات التسويق بصورة غير أخلاقية، فيبالغ في الوعود، أو يوظف الخوف، أو يستغل ضعف المعرفة لدى بعض الفئات، أو يروج لمعلومات مضللة وكاذبة. لكن هذه الممارسات تمثل بعداً وانحرافاً عن مبادئ التسويق، وليست تعريفاً له. وكما لا يمكن الحكم على مهنة الطب من خلال طبيب غير أمين ومتلاعب، أو على التعليم من خلال معلم غير كفء وغير مؤهل، فلا ينبغي الحكم على التسويق من خلال من يسيء استخدام أدواته بطريقة لا إنسانية أو أخلاقية.

إن التسويق الأخلاقي يقوم على الصدق، والوضوح والشفافية، واحترام عقل المستهلك ونفسيته وظروفه، وتقديم معلومات دقيقة تساعده على اتخاذ قرار واع، وهو يؤمن بأن العلاقة مع العميل ليست صفقة عابرة، بل شراكة طويلة الأمد ومستدامة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل. لذلك فإن بناء السمعة والولاء أهم بكثير من تحقيق مكسب سريع قد يهدم ثقة بنيت على مدى سنوات.

ومع تطور علم النفس، وعلوم الأعصاب، وتحليل البيانات، أصبح التسويق أكثر قدرة على استيعاب وفهم السلوك الإنساني، لكن هذه المعرفة ينبغي أن تستخدم لخدمة الإنسان لا لاستغلاله، ولتصميم منتجات وخدمات وتجارب أكثر ملاءمة لاحتياجاته، لا للتأثير عليه بطرق تتجاوز إرادته وظروفه أو حريته في الاختيار.

إن أعظم نجاح للتسويق لا يقاس بحجم المبيعات فقط، بل بقدرته على خلق قيمة حقيقية للناس واقتناعهم به، وتحسين جودة حياتهم، وبناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة. فحين يفهم التسويق الإنسان بعمق، ويحترم احتياجاته وخصوصيته ووعيه، يصبح جسراً يصل بين ما يحتاجه الناس وما يستطيع المنتج أو الخدمة أن تقدمه لهم.

ويبقى الفرق واضحاً بين التسويق الذي يستغل الإنسان، والتسويق الذي يخدمه. ويهتم بأدق تفاصيل حياته وما يلبي متطلباته. فالأول قد يحقق ربحاً سريعاً لكنه يخسر الثقة مع الزبون ويضعف عملية الشراء والبيع، أما الثاني فيبني علاقة مستدامة، لأن الإنسان بطبيعته لا يبحث عن سلعة فحسب، بل يبحث عمن يفهمه، ويحترم اختياراته، ويقدم له قيمة تستحق أن يتعامل معها ويثق بها.

***

د. أكرم عثمان

25-7-2026

كثيرًا ما سألني بعض الأصدقاء: لماذا تكتب؟ وما الذي يدفعك إلى المواظبة على نشر هذه المقالات والخواطر شبه اليومية؟

وأجد أن الإجابة الصادقة تبدأ باعتراف بسيط: لستُ مفكرًا، ولا أديبًا، ولا أزعم أنني كاتب محترف. أنا مجرد إنسان يعشق الكتابة، ويجد في تدوين أفكاره وتأملاته متعةً لا تضاهيها متعة. وما أكتبه ليس سوى خربشات أرجو أن تجد طريقها إلى عقول القراء وقلوبهم؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن قصوري.

ولعل نقطة التحول الحقيقية في علاقتي بالكتابة بدأت عندما تشرفت بالتعرف إلى المفكر الكبير الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي. وهو، كما أعرفه، لا يحب أن يُسبق اسمه بالألقاب، ولا ألومه في ذلك، فاسمه وحده كافٍ للدلالة عليه بما يمثله من حضور فكري وثقافي متميز في العراق والعالم العربي.

كانت تجمعنا لقاءاتٌ صباحيةٌ يومية، نتبادل فيها أطراف الحديث، لكن الحقيقة أنني كنتُ المستفيد الأكبر. فقد كنتُ أستمع إلى أفكاره التنويرية العميقة، فأشعر أنني أتلقى في كل جلسة درسًا جديدًا في الفلسفة، والثقافة، والإنسان، بل وفي الإيمان الحقيقي النابع من المعرفة واليقين. وكان أكثر ما يلفتني فيه، على سعة علمه وغزارة معرفته، تواضعه الجم، وبساطته الآسرة، وابتسامته التي لا تفارق محياه، والتي كانت تنمّ عن صفاء النفس ونبل الخلق. ومن خلاله أيقنت أن المعرفة الحقيقية تصنع إنسانًا متواضعًا، رحيمًا، محبًّا للناس، بعيدًا عن الأنانية والغرور وحب الذات.

وفاجأني الدكتور الرفاعي يومًا بإعجابه بما أكتب من خواطر متواضعة، وشجعني على الاستمرار، وطلب مني أن أبدأ بكتابة مذكراتي، لأن ما عشته من تجارب ومواقع مسؤولية يمثل، في رأيه، جزءًا من مرحلة تاريخية تستحق أن تُوثق للأجيال. ثم اقترح أن أكتب مقالًا أسبوعيًا، وتكرم بتسهيل نشره في صحيفة المثقف، فكانت تلك الخطوة بداية دخولي عالم النشر المنتظم، بعد أن لم يكن النشر جزءًا من اهتماماتي في السابق.

ومرت الأيام، وغادرت المؤسسة التي كنا نعمل فيها معًا بسبب ظروف صحية ألمّت بي، لكن علاقتنا الإنسانية والفكرية لم تنقطع، وما زال التواصل بيننا قائمًا إلى اليوم وذلك ما اعتز وأفخر به. أما أنا، فقد وجدت نفسي بعد التقاعد جليس البيت، أواجه فراغًا كبيرًا لم أكن معتادًا عليه. وحينها أصبحت الكتابة رفيقة أيامي، أكتب كل يوم تقريبًا، وأشارك ما أكتب مع الأصدقاء والمتابعين.

ولعل كثيرين يتساءلون: كيف تختار موضوعاتك؟

والجواب بسيط؛ فأنا لا أبحث عن موضوعاتي في الكتب بقدر ما أجدها في الحياة نفسها. أستمدها من مشهد عابر، أو موقف إنساني، أو مثل شعبي، أو حادثة يومية، أو ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فالواقع هو المعلم الأكبر، والحياة هي المنجم الذي لا ينضب. وربما لهذا السبب يشعر كثير من القراء بقرب هذه الكتابات منهم، لأنها وُلدت من رحم حياتهم، وتعبر عن همومهم، وتلامس ما يعيشونه كل يوم.

ومن أجمل ما تعلمته من الدكتور الرفاعي أن الكتابة هي فعل تحرر داخلي، ووسيلة للتنفيس عما يعتمل في النفس من أفكار وأسئلة ومشاعر وليست استعراضًا للمعرفة، ولا بحثًا عن الشهرة. فالكاتب، قبل أن يكتب للناس، يكتب لنفسه. والكتابة، بهذا المعنى، تشبه المخاض؛ فهي عملية ولادة مؤلمة أحيانًا، لكنها تمنح صاحبها راحة بعد اكتمالها.

ومع مرور الوقت، أصبحت الكتابة جزءًا من حياتي اليومية. ملأت ساعات الفراغ، ومنحت أيامي معنى جديدًا، وأخرجتني من دائرة العزلة التي قد يفرضها المرض أو التقاعد. والأجمل من ذلك أنها فتحت أمامي نافذة للحوار مع قراء كرام، أعتز بكل تعليق يكتبونه، سواء أكان مؤيدًا أم ناقدًا، لأن الحوار الصادق هو الذي يثري الفكرة ويطورها. ولعل أكثر ما يبعث في نفسي الرضا أن عددًا كبيرًا من متابعي هذه الكتابات هم من النخبة المثقفة؛ أساتذة جامعات، وأدباء، وباحثون، وأصدقاء يمتلكون ذائقة فكرية راقية. إن ملاحظاتهم وإضافاتهم تمنح النص حياة جديدة، وتجعل الكتابة حوارًا لا حديثًا من طرف واحد.

لهذا كلّه أكتب:

أنا لا أكتب لأنني أظن أنني أملك الحقيقة، ولا لأنني أبحث عن مجدٍ شخصي، وإنما لأن الكتابة أصبحت بالنسبة لي أسلوبًا في العيش، ووسيلةً للتأمل، ومحاولةً متواضعةً لمشاركة الآخرين ما تعلمته من الحياة، وما مررت به من تجارب، وما أؤمن بأنه قد يكون نافعًا للقارئ.

فإذا تركت كلمةٌ واحدةٌ مما أكتب أثرًا طيبًا في نفس إنسان، أو دفعت قارئًا إلى إعادة التفكير في فكرةٍ ما، أو رسمت ابتسامةً على وجهٍ متعب، أو بعثت الأمل في نفسٍ أنهكها اليأس، فقد أدّت الكتابة رسالتها، وكان ذلك خيرَ مكافأةٍ يمكن أن ينالها كاتب.

فشكرًا لأستاذنا الكبير الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وشكرًا لصحيفة المثقف وصحيفة الكاردينيا اللتين تنشران مقالاتي رغم تواضعها، وشكرًا لكل المتابعين الذين شجعوني على الاستمرار. وفوق كل ذلك، أحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليّ به من توفيق، وأسأله أن يجعل ما أكتب نافعًا للناس، والحمد لله رب العالمين.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

من الصعب تصور وجود اي نظام  في أي دولة من دول العالم، بدون وجود تعددية حزبية نشطة، ويبدو أن أهمية الأحزاب السياسية قد زادت في الوقت الحاضر عما كانت عليه من قبل، وتعاظم دورها في توجيه الرأي العام، ومن هنا فيمكن أن يوجد تكافؤ بين التنمية السياسية والممارسات في ظل حفظ الحقوق العادلة للمجتمع وبلورة الأهداف الى واقع عملي ينتفع منه الافراد دون تمييز، بلا شك ان ظهور الأحزاب السياسية في الدول المتخلفة يختلف عن بعضها، فقد كانت  للظروف التاريخية السبب المباشر لظهور تلك الأحزاب في هذه الدول، وذلك لتأكيد الذات الوطنية وخلق قيم المشاركة الإيجابية وبناء المؤسسات السياسية الحكومية ، لتحقيق التنمية ، فضلا عن مجموعة من العوامل الأخرى التي ساهمت في ظهور هذه الأحزاب.

 لقد تطور مفهوم الأحزاب السياسية على مر الزمن، وتنوعت نشاطاتها وآليات عملها، وتغيرت النظرة إليها من قبل الكثير من الحكومات والجماهير، فقد كانت الحكومات فيما مضى تنظر للاحزاب السياسية على أنها تنظيمات تضم مجموعة من الأفراد متفقين في الأفكار وفي الأهداف التي تقترب من الحصول على السلطة، في حين ينحصر جوهر التنمية السياسية في بناء المواطنة من خلال النماذج المختلفة بما يتضمنه من تحول الافراد من رعايا إلى مواطنين وكفالة الحقوق والحريات العامة، و التي تتيح للمواطنين أقصى درجات المشاركة في الحياة السياسية، كما تعمل التنمية السياسية- على بناء الدولة ، وتنظيم السياسة وأداء المهام السياسية في إطار دولة القانون، والتي من خلالها يتعزز الانتماء القومي بما يترتب عنه من حقوق والتزامات عامة.

تعد الانظمة السياسية انظمة حديثة على الصعد السياسية طالما أن ممارساتها منفتحة على مطالب الفاعلين السياسيين، ومقرونة بمشاركتهم ومساهمتهم الفعلية في ذلك، وطالما كانت الأحزاب السياسية منفتحة وغير متحكم فيها من قبل شخص واحد أو مجموعة مغلقة من الأشخاص. فكلما كانت ممارسة النظام السياسي تخضع لأساليب عقلانية رشيدة وتسير في اتجاه بلورة مخرجات عقلانية ومدعمة للتنمية بشكل عام، كلما أمكننا الحديث عن أن هذا النظام السياسي حداثي يشهد تنمية سياسية - على الأقل- على مستوى ممارسة الحكم.

إن الاشكاليات التي تواجهها دول ما يسمى بـ العالم الثالث، عند وضع الخطط والبرامج التي من شأنها تنفيذ التنمية السياسية التي تخدم مجتمعاتها والانتقال بها من مرحلة التخلف والركود الاقتصادي والسياسي إلى الانفتاح على التطورات الحاصلة لدى المجتمعات المتقدمة، التي لم تجد بدائل تستند عليه سوى النموذج الغربي، رغم أن كل النماذج غير صالحة لكل المجتمعات، الا اذا اخذ بنظر الاعتبار خصوصيات ذلك المجتمع، وبعكسه يؤدي إلى ظهور نتائج سلبية على مستوى التنمية السياسية.

تعكس اليوم نشاطات الأحزاب السياسية بوضوح مدى التطور الديمقراطي ودرجة الانماء التي بلغتها الانظمة السياسية، وكذلك الارتباط الكبير والفعلي بين طبيعة الانظمة الحزبية ومن يمارس الحكم أو يتحكم فيه وبين الهوامش المتاحة في إمكانيات تغيير الأوضاع السياسية، وتحقيق غايات التنمية السياسية بمختلف أبعادها سواء تعلق الأمر بالانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين، وإتاحة فرص التأثير من قبلهم وتوسيع مجال المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرارات أو بمختلف الاثار والتداعيات التي تنتج عنها اي عملية السياسية برمتها.

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

حين يصارع المواطن لهيب الصيف وقسوة الواقع

حكاية شعبية في مواجهة القيظ

يُحكى في التراث الشعبي أن جحا كان يسير في إحدى ظهيرات الصيف اللافحة في مدن العراق الحارة، وكانت الشمس كأنها صبّت حممها على الأرض فلم يُجدِ معها ظل ولا مستقر. وبينما هو يلهث من شدة القيظ، رأى رجلاً قد احتمى بظل جدار وضنّ حتى بالظل على المارة، فوقف جحا أمامه وقال بذكائه المعهود: "يا هذا، إن كنت لا تطيق بيع الماء، فبعني هذا الظل ساعةً من النهار ريثما تنكسر سورة الشمس". فضحك البخيل باستهزاء وقال: "الظل لا يُباع!". فأجاب جحا دون أن يتلجلج: "إذن، حافظ على ظلك جيداً، فحين تميل الشمس للغروب سيتحول الظل إلى جهتي، وحينها لن أسمح لك بأن تشاركني إياه!".

تجسد هذه الطريفة الشعبية روح الإنسان العراقي والعربي التاريخية في التحايل الساخر على قسوة الصيف، وهي الروح ذاتها التي تترجم اليوم ملحمة صامتة بين جغرافية قاسية تفرضها القباب الحرارية والمنخفضات السطحية، وواقع معيشي يصارع انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة فوق حاجز الخمسين مئوية.

المنظومة المناخية والجغرافية وقسوة الطقس الصيفي في العراق

يشهد العراق خلال فصل الصيف انحرافات حرارية قياسية تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الخمسين مئوية ورغم أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة محكومة مسبقاً بخصائص النطاق الجاف إلا أن التداخل المعقد بين التغيرات المناخية الحديثة والديناميات الجوية يفرض تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا المناخ تطوره عبر الزمن وإمكانية تطويعه تقنياً حيث تعود قسوة الطقس الصيفي في العراق إلى منظومة مناخية وجغرافية متكاملة أبرزها المنخفض الجوي الحراري السطحي الذي يتزامن تعمقه مع مرتفع جوي في الطبقات العليا يعمل بمثابة قبة حرارية تحبس الكتل الهوائية الساخنة وتمنع تمددها رأسياً نحو الأعلى إلى جانب الموقع والتضاريس حيث تقع السهول المكشوفة لوسط وجنوب العراق بمنأى عن تأثيرات البحار المفتوحة مما يعظم من امتصاص الإشعاع الشمسي المباشر وإعادة بثه كحرارة محسوسة فضلًا عن الهيمنة المستمرة للرياح الجافة والقادمة من الامتدادات الصحراوية المجاورة والتي تتسم بانعدام الرطوبة النسبية

عند إسقاط نظرة تاريخية ومناخية على العراق قبل ألف عام خلال العصر الوسيط والعصر العباسي يتضح أن المتوسط العام لدرجات الحرارة لم يكن يحمل ذلك الفارق الرقمي الهائل بالمعايير الكونية إذ يقدر الارتفاع الإجمالي الناتج عن الاحتباس الحراري البشري بنحو 1.2 إلى 1.5 درجة مئوية إلا أن الفارق الجوهري يكمن في التطرف المناخي حيث تشير السجلات التاريخية ومؤرخو ذلك العصر إلى تقلبات طبيعية وموجات برد قاسية كوثائق تساقط الثلوج النادرة في بغداد وموصل قديماً بينما يتسم العصر الحديث بتكرار عنيف لموجات الحر الشديدة إضافة إلى البصمة البشرية حيث التغيرات الحالية محكومة بالثورة الصناعية وتضاعف تراكيز غازات الدفيئة وثاني أكسيد الكربون التي قفزت من مستوياتها المستقرة تاريخياً عند نحو 280 جزءاً في المليون لترتفع باستمرار وتتجاوز 420 جزءاً في المليون مما زاد من معدلات الاحترار الإقليمي في حين يتسم فصل الصيف بثبات الاستقطاب الحراري نتيجة ميل محور الأرض وثبات زاوية السقوط الإشعاعي مع التأكيد على عدم وجود أي تأثير فلكي لحركة الكواكب أو دوران الفضاء على مناخ العراق الفصلي يخضع فصل الشتاء لديناميكية مغايرة تحكمها أنظمة الضغط الجوي وصراع المنخفضات والمرتفعات حيث تتبدل كميات الأمطار تبعاً لغلبة المنخفضات الجوية القادمة عبر البحر الأبيض المتوسط المصدر المطري الأساسي مقابل سيطرة المرتفع السيبيري البارد والجاف بالإضافة إلى الدورات المناخية الكبرى مثل ظاهرتي الأنينو واللانينيا وتغيرات التيارات النفاثة التي تلعب دوراً محوريًا في توجيه أو حجب الكتل الرطبة عن أجواء بلاد الرافدين

تُطرح تساؤلات علمية متكررة حول إمكانية استخدام العلوم المتقدمة مثل تكنولوجيا النانو أو هندسة المناخ لقلب طقس الصيف في العراق إلى جو معتدل وهنا تقف المعايير الفيزيائية أمام محددات صارمة تتمثل في الحدود المحلية للتقنية حيث تقتصر التطبيقات الناجحة لتقنيات النانو كالطلاءات فائقة العكس للحرارة والمواد النانوية والتشجير الحضري على التخفيف من ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية وتقليل الحرارة المحسوسة محلياً فقط داخل المدن واستحالة التبريد الإقليمي لأن الكميات الهائلة من الطاقة الحرارية التي تتلقاها المساحات الشاسعة من الشمس يومياً فضلاً عن الحركة الدائمة للكتل الهوائية والديناميكا الهوائية للغلاف الجوي والرياح الصحراوية المتجددة تجعل من المستحيل هندسياً واقتصادياً تغيير الطبيعة المناخية لإقليم كامل بصورة جذرية ومصطنعة

وسائل المواجهة والمعاناة المعيشية والتفاوت الطبقي في مواجهة الحر

تتعدد وسائل الهروب من درجات الحرارة القياسية في العراق وتتفاوت بين الإمكانيات المتاحة فنجد الاعتماد الكثيف على أجهزة التبريد المنزلية مثل المكيفات والمبردات التي تعمل بلا توقف واللجوء إلى المياه المثلجة والمشروبات الباردة والبقاء في الأماكن المغلقة طوال ساعات الذروة النهارية فضلاً عن الاستعانة بالمسطحات المائية أو الظلال في الحدائق العامة إن وُجدت وصولاً إلى الحلول الهندسية والمحلية مثل زراعة المساحات المحيطة الدور أو طلاء الأسطح بمواد عاكسة للحرارة لتخفيف شدة الأجواء داخل المنازل بينما تتفاقم معاناة المواطن العادي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية واقترانها بانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وسط درجات الحرارة التي تجاوزت حاجز الخمسين مئوية حيث يضطر المواطن إلى تحمل أعباء مالية باهظة لتوفير الطاقة البديلة عبر مولدات المحلات أو المولدات المنزلية الخاصة واستهلاك الوقود الباهظ الثمن بالإضافة إلى تكاليف صيانة أجهزة التبريد المتكررة بسبب ضغط التشغيل المستمر مما يضع الأسرة أمام ضغوط معيشية قاسية لإيجاد التوازن بين توفير متطلبات الحياة الأساسية وفواتير الطاقة المرتفعة لمجابهة القيظ ليبرز تفاوت شاسع بين واقع المواطن العادي وظروف عيش المسؤولين والطبقات المتنفذة إذ ينعم المسؤولون بتأمين طاقة كهربائية مستمرة لا تنقطع في منازلهم ومكاتبهم عبر خطوط مستثناة أو مولدات ضخمة وعالية الكفاءة إلى جانب العيش في مجمعات سكنية حديثة ومكتفية خدمياً ومزودة بأفضل أنظمة التكييف والعزل الحراري بينما يعاني المواطن العادي بصمت تحت وطأة انقطاع الكهرباء وغياب البنى التحتية المتطورة متحملاً بمفرده تبعات الحرارة القاسية والأعباء المالية المنهكة في ظل غياب الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي وضعف تطبيق القوانين وحماية العمالة مقارنة بالتجارب الدولية الناجحة في إدارة الأزمات المناخية الخانقة

***

ئاريان علي

من أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان فضيلة القناعة؛ فهي التي تمنحه الطمأنينة، وتجعله قادرًا على التمييز بين ما يحتاج إليه حقًا وما يرغب فيه لمجرد إشباع نزوة عابرة. وفي المقابل، تُعد الشراهة من الصفات التي ذمّتها الأديان والحكماء والفلاسفة، لأنها تجعل الإنسان أسيرًا لرغبات لا تنتهي، فتسلبه راحته وصحته واستقراره.

رافق مفهوم الشراهة الإنسان منذ القدم. ففي التراث العربي والإسلامي عاب الحكماء الإفراط في الأكل، وعدّ الإمام الغزالي شره الطعام من منابع الشهوات التي تجرّ الإنسان إلى كثير من الرذائل. وفي الفكر المسيحي في العصور الوسطى صُنّفت الشراهة ضمن الخطايا السبع المميتة، لأنها تعكس عجز الإنسان عن ضبط رغباته. كما لم يغفل الأدب العالمي هذا المعنى؛ فجسّدها شكسبير رمزًا للطمع والفساد في بعض شخصياته، بينما ظهرت في عدد من الروايات الكلاسيكية بوصفها تعبيرًا عن فراغ روحي أكثر منها حاجة جسدية. وهذا الامتداد التاريخي يؤكد أن الشراهة حالة إنسانية تتكرر كلما تجاوزت الرغبة حدود الاعتدال.

يمكن تعريف الشراهة بأنها الإفراط وتجاوز الحد في الاستهلاك أو التعلق بشيء ما. ويرتبط المصطلح غالبًا بالنهم في الطعام وتناول كميات كبيرة من دون وجود جوع حقيقي، وقد يصل في بعض الحالات إلى اضطراب الأكل القهري، حيث يفقد الإنسان قدرته على التحكم فيما يتناوله.

كما أن الشراهة تشمل كل رغبة تتجاوز حدود الحاجة المعقولة. فقد تكون في الاستهلاك والشراء، أو في استخدام وسائل التواصل والشاشات، أو في العمل، أو في طلب الاهتمام، أو في جمع المال والسلطة والشهرة. والقاسم المشترك بين هذه الصور جميعًا هو فقدان القدرة على الاكتفاء والسيطرة على الذات، حتى تتحول الرغبة من وسيلة لخدمة الإنسان إلى قوة تستعبده.

وربما تكون أبرز صور الشراهة هي شراهة الطعام. فقد يشعر الإنسان بالشبع، لكن عينيه ولسانه يدفعانه إلى المزيد، حتى تتحول المائدة إلى ساحة لإشباع الشهوة لا لسد الجوع. وقد أثبتت الدراسات الطبية أن الإفراط في الطعام يرتبط بالسمنة، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات الجهاز الهضمي، وغيرها من الأمراض التي أصبحت من أبرز أسباب الوفاة في العالم.

وأصبحت الشراهة في عصرنا ثقافة استهلاكية تغذيها الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي. فكم منا يدخل متجرًا ليشتري غرضًا واحدًا، ثم يخرج محملًا بأشياء لم يكن بحاجة إليها أو ينوِ شراءها! وكم من أسرة تستنزف دخلها في الكماليات تحت تأثير التخفيضات والعروض، ووهم أن امتلاك المزيد هو الطريق إلى السعادة.

وربما يغفل كثير منا ما تقوم به الشركات الكبرى التي تستعين بعلماء النفس قبل خبراء التسويق، لتعرف كيف تخاطب عاطفة الناس، وتثير شعورهم بالنقص، وتوهم الإنسان بأن قيمته الاجتماعية تزداد كلما امتلك أكثر. وهكذا تتحول الرغبة إلى حاجة متوهمة، ثم تتحول الحاجة إلى إدمان على الاستهلاك.

وتمتد آثار ذلك إلى الأسرة والمجتمع؛ فالإسراف في الإنفاق يربك ميزانية المنزل، ويزيد الضغوط المالية، ويوقع بعض الأسر في الديون، ويخلق خلافات بين الزوجين بسبب سوء إدارة الموارد. والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن كل دخل، مهما ارتفع، يبقى محدودًا إذا كانت الرغبات بلا حدود.

وللشراهة صور أخرى قد تكون أشد خطرًا من شراهة الطعام والشراء. فهناك شراهة جمع المال، حين يتحول المال من وسيلة للعيش الكريم إلى غاية في ذاته، فيسعى صاحبه إلى جمعه بأي وسيلة، مشروعة كانت أم غير مشروعة، حتى لو كان ذلك على حساب الضمير والقيم. وكثير من قضايا الفساد المالي والاختلاس والرشوة ليس سببها الفقر، وإنما الجشع الذي لا يعرف الاكتفاء.

والمال زينة الحياة الدنيا كما وصفه الخالق سبحانه وتعالى، وهو ضرورة لا تستقيم الحياة من دونه، لكن له حدًا تتحقق عنده الحاجة، ويبدأ بعده الترف، ثم يتحول أحيانًا إلى طغيان. وقد بلغ الجشع ببعض الناس أن جمعوا ثروات تفوق قدرتهم على الاستفادة منها، على الأقل خلال حياتهم، فأصبحت الأموال مكدسة في أكياس النفايات أو مخابئ سرية قذرة، كالمجاري مثلًا، يحرسونها أكثر مما ينتفعون بها. وهكذا يفقد المال معناه الحقيقي، ويتحول من نعمة إلى عبء، ومن وسيلة إلى هاجس. وأغلب الظن أن كثيرًا من هؤلاء محرومون من النوم بسبب خوفهم على المال، والقلق الذي يساورهم، والتفكير بعواقب أفعالهم في الدنيا والآخرة. وها هم قد أخزاهم الله في الدنيا قبل الآخرة.

وهناك أيضًا شراهة السلطة، حين يتعلق الإنسان بالمنصب ويظن أن قيمته تنبع منه، لما يشعر به من نقص لا يكتمل إلا بالسلطة، فيرفض التخلي عنها، ويقدم مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع. وكذلك شراهة الشهرة، التي تدفع بعض الناس إلى البحث عن الأضواء بأي ثمن، حتى لو كان ذلك بالتضحية بالمبادئ والتخلي عن القيم والأخلاق، كما نراه اليوم في كثير من مجتمعاتنا، حتى المحافظة منها. وقد تمتد الشراهة إلى العلاقات الإنسانية، فيرغب الإنسان في امتلاك الآخرين والسيطرة عليهم، أو يطلب الاهتمام والثناء بما ليس فيه، وبصورة لا تشبعها أي كمية من التقدير.

ومن صور الشراهة أيضًا الشراهة في العلاقات العاطفية والجنسية، حين لا يكتفي الإنسان بما أحلّه الله له، مهما كان ما يملكه من محبة أو استقرار أو حياة زوجية سعيدة. فهناك من يظن أن كثرة العلاقات أو تعدد الشركاء دليل على الرجولة أو النجاح، بينما هي في حقيقتها عجز عن ضبط الرغبة وعدم قدرة على الاكتفاء. ولهذا قد يلجأ بعضهم إلى الخيانة الزوجية، لا لأن شريك حياته مقصر، بل لأن شهوته لا تعرف حدًا، فيظل يبحث عن الجديد دون أن يبلغ الرضا. ومثل هذه الشراهة تمزق الأسرة، وتترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء، وتحوّل العلاقة الإنسانية، التي ينبغي أن تقوم على المودة والوفاء، إلى مجرد وسيلة لإشباع رغبة لا تنتهي

ومن الناحية النفسية، كثيرًا ما تكون الشراهة محاولة لملء فراغ داخلي. فبعض الناس يأكل عندما يحزن، ويشتري عندما يضيق صدره، ويجمع المال خوفًا من المستقبل، ويسعى إلى المناصب هربًا من الشعور بالنقص. ولذلك فإن علاج الشراهة لا يكون إلا ببناء شخصية متوازنة تعرف قيمة الرضا، وتستمد إحساسها بقيمتها من ذاتها لا من ممتلكاتها ولا من نظرة الآخرين إليها.

وللتربية دور محوري في الوقاية من هذه الصفة؛ فالطفل الذي يتعلم منذ صغره تأجيل رغباته، واحترام المال، والتمييز بين الحاجة والكماليات، يكبر وهو أكثر قدرة على ضبط نفسه. أما إذا اعتاد أن تُلبّى جميع طلباته فورًا، فقد ينشأ وهو يعتقد أن العالم كله وُجد لإشباع رغباته.

لقد قامت الحضارات على مبدأ الاعتدال، وكان الحكماء يرون أن الفضيلة تكمن في الوسطية، بين الإفراط والتفريط. فالإنسان يحتاج إلى الطعام، لكن دون إسراف، ويحتاج إلى المال، لكن دون أن يستعبده، ويحتاج إلى النجاح، لكن دون أن يتحول إلى هوس يلتهم حياته.

إن الشراهة فراغ في النفس وليست خواء المعدة، ولا تسدها كثرة الممتلكات، لأنها عجز عن الشعور بالاكتفاء. أما القناعة فلا تعني الزهد في الحياة أو رفض النعم، وإنما تعني أن يملك الإنسان الأشياء، لا أن تملكه الأشياء.

ولا يمكن أن نعدّ كل الرغبات الإنسانية شراهة؛ فالرغبة جزء من الطبيعة الإنسانية، ولا تقوم الحياة من دون طموح أو سعي إلى الأفضل. لكن الشراهة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على أن يقول لنفسه: «كفى»، وعندما تصبح رغباته بلا نهاية، ويغدو الشعور بالاكتفاء مستحيلًا.

ولعل الفرق الجوهري بين الإنسان الذي يقود رغباته والإنسان الذي تقوده رغباته هو القدرة على وضع حد لها. فالحضارات لم تُبنَ على إطلاق الشهوات، ولم تزدهر المجتمعات بكثرة ما امتلكت. ومن هنا، فإن الشراهة ليست انتصارًا للرغبة بقدر ما هي هزيمة للإرادة.

ولعل أجمل ما نختم به هو أن السعادة لا تُقاس بحجم ما نقتنيه، وإنما بقدرتنا على أن نعرف متى نكتفي. فالإنسان يكون غنيًا عندما لا يعود محتاجًا إلى كل شيء، وتبقى كلمة «يكفي» أقصر الطرق إلى الحرية والسلام الداخلي.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

من الجدل الفكري إلى "كهف الخوارزميات"

شهد الفكر النقدي المعاصر أطروحة مركزية تنص على "موت الأيديولوجيا"؛ وهي مقولة تزامنت مع أطروحات أخرى مثل "موت المؤلف" و"نهاية التاريخ". تصدرت هذه المقولة الأدبيات النقدية في نهايات القرن المنصرم، وتحديداً عقب انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين. ترافق هذا التحول البنيوي مع تمدد النموذج الليبرالي والنيوليبرالي، وصعود خطابات فكرية تمجد الفردانية المطلقة، واقتصاد السوق الحر، وعولمة المعرفة العابرة للقارات. تمظهرت هذه التجليات بصرياً وثقافياً في الفضاء العام والافتراضي عبر أدوات الاستهلاك، والإعلام، والشعارات التجارية التي غزت تفاصيل الحياة اليومية، من الملابس إلى منصات التواصل الاجتماعي. رسخ هذا المشهد انطباعاً زائفاً بانتهاء عصر الصراعات المذهبية المحنطة داخل تيارات متصارعة (عصر الديالكتيك)، واستبدالها بحتمية ديالكتيكية جديدة تفرضها العولمة كمسار قطعي لا مفر منه.

إن التصور النسقي الكلاسيكي للأيديولوجيا كان يفترض استقلالية نسبية للفكر؛ تظهر في بلاغة الخطاب، ونسقية الحجاج وقوته، والقدرة الذاتية على إنتاج المعنى، وخوض السجالات الجدلية لتفسير الواقع والتنظير له وفق مرجعية استقرائية أو استنباطية تؤسس لمنظومات فكرية راهنة تتماشى مع الواقع المعاش.

في المقابل، ومع مطلع الألفية الثالثة، ولد ما يمكن تسميته بـ "الإنسان الرقمي" المعاصر. عرف هذا الإنسان سياقاً أنطولوجياً مغايراً تماماً يوازي التغيرات الكبرى التي أملتها الشبكة العنكبوتية، حيث جرى استدراجه طواعية وبسلاسة فائقة، عبر آليات الجذب الرقمي، إلى هيمنة "الحداثة السائلة". في هذا الفضاء الافتراضي السائل، ينصهر الفرد ضمن هيكلة تقنية معقدة ومتشابكة؛ بيئة لصناعة المعلومات وتسويقها يمكن اصطلاحها بـ "كهف الخوارزميات". تعمل هذه البيئة على إعادة تشكيل الوعي البشري، وتأطير فهمه وإدراكه للعالم وفق سيولات رقمية موجهة سلفاً، مما يعطل فعل العقل كمنتج، ليتحول إلى مستقبل ومستهلك طيع وفق "أيديولوجيا السيليكون"، والتي تقدم نفسها كحل نهائي يمتاز بالدقة والسرعة والكفاءة والشمولية (والذكاء الاصطناعي التوليدي نموذجاً).

إن السباق المحموم من قبل شركات التقنية لتطوير ذكاء اصطناعي يتحرر من البرمجة الآدمية القبلية، ويعتمد على التحسين الذاتي المتكرر (أو ما يُعرف بانفجار الذكاء الاصطناعي)، سيقزم دور الإنسان إلى درجة التماهي في مجالات حيوية عديدة كالطب والاقتصاد والتعليم.

هكذا إذن، نحن نشهد طفرة إبستيمية تصلح كحد فاصل للتأريخ: "إنسان ما قبل وما بعد الذكاء الاصطناعي". وإلى أي حد سيمكننا الحديث عن البعد الزمكاني والوجودي واستقلالية الفكر في ظل التحكم الخوارزمي؟ إنه سؤال مشروع تتولد عنه تساؤلات وجودية عديدة. لم نعد نعيش عصر الذكاء الاصطناعي كأداة، بل يتم سحبنا بالتدريج إلى شبكة أكثر تعقيداً هي "الذكاءات الاصطناعية الذاتية التطور". وأي عزوف عن هذا التمظهر الحضاري الجديد، سيقذف بنا حتماً خارج دائرة التاريخ؛ لينظر إلينا العالم بعين الغرابة والبدائية، تماماً كما ننظر نحن الآن إلى "القبائل غير المتصلة" والمعزولة في أدغال هذا الكوكب.

***

الداودي الخالدي - المغرب

 

(حكاية امرأة انتصرت على الفقد بالعلم والإنسانية)

في سنوات المحنة التي عصفت بالبلاد، حين ألقت الأحداث الطائفية بظلالها الثقيلة على المجتمع، تبدلت حياة هذه المرأة في لحظة واحدة. فقد اختطف العنف زوجها وشريك حياتها، لتجد نفسها وحيدة أمام مسؤولية تربية أطفالها وسط ظروف قاسية يملؤها الخوف وعدم اليقين.

لكنها رفضت أن تجعل المأساة نهاية الطريق. نظرت إلى أطفالها، واستمدت منهم قوة جديدة، وعاهدت نفسها أن تحوّل الألم إلى دافع، وأن تجعل من العلم طريقًا لبناء مستقبل يليق بهم.

وسط أعباء الحياة وبين مسؤوليات الأمومة وضيق الظروف، واصلت رحلتها الدراسية بإصرار نادر. تجاوزت مرحلة البكالوريوس، ثم نالت شهادة الماجستير، حتى توّجت سنوات كفاحها بالحصول على الدكتوراه في اللغة العربية. ولم تكن الدكتوراه بالنسبة إليها لقباً أكاديمياً فحسب، بل كانت شهادة انتصار على اليأس، ودليلاً حياً على أن الإرادة قادرة على هزيمة أقسى الظروف.

غير أن الحياة أبت إلا أن تمتحن صبرها مرة أخرى. فقدت ابنها الغالي الدكتور هشام الجوراني، الذي كان ثمرة كفاحها وأحد أكبر أحلامها. كان رحيله جرحًا بالغ العمق، يفوق في قسوته كل ما مرّت به من قبل.

ورغم هول الفاجعة لم تسمح للحزن أن يهزمها. حملت ذكرى ابنها في قلبها، وحوّلتها إلى رسالة خير وعطاء، لتبقى سيرته حاضرة في كل عمل إنساني تقدمه.

لأنها عرفت معنى الفقد وذاقت مرارة الترمل واليتم والخوف، أصبحت أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. فتحت قلبها قبل يديها للأيتام والمحتاجين، وسخّرت جزءًا كبيرًا من وقتها وجهدها ومالها لخدمتهم.

لم يكن عطاؤها مقتصراً على المساعدات المادية، إنما كانت تمنح الأطفال الحنان والرعاية والشعور بالأمان، مؤمنة بأن الاحتضان الإنساني لا يقل أهمية عن الدعم المادي. كما سخّرت علمها وخبرتها في تعليم أبناء الفقراء والأيتام، إيماناً منها بأن التعليم هو الطريق الأصدق لتحرير الإنسان من الفقر والحرمان. لقد أدركت أن من يعرف الألم حقًا يكون الأقدر على التخفيف من آلام الآخرين.

واليوم تقف هذه السيدة الدكتورة الفاضلة حمدية الجوراني نموذجاً حياً للإرادة والوفاء والإنسانية. فقصتها ليست حكاية امرأة حصلت على شهادة الدكتوراه فحسب، بل هي قصة إنسان استطاع أن يحوّل الفقد إلى قوة، والدموع إلى أمل، والمعاناة إلى رسالة حياة، ليبرهن أن أعظم الانتصارات هي تلك التي يصنعها الإنسان على جراحه.

***

بقلم: اسعد الجوراني

ثمة ظواهر مرضية تُصاحب الإبداع الثقافي، بعضها اجتماعي والآخر نفسي، فالحقل الثقافي ليس فضاءً لإنتاج المعرفة والجمال والبحث عن الحقيقة فحسب، بل هو أيضا ميدان للصراع على الشرعية والمكانة والنفوذ والشهرة والجوائز والحظوات المالية والإدارية والزعامة الفكرية والمؤسساتية، سواء لطموحات شخصية مشروعة أو ‏غير مشروع، أو عنعنات وادّعاءات، ما أنزل الله بها من سلطان. و"الحسد" من بين هذه الظواهر اللصيقة بهذا الحقل، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الفلق "ومن شر حاسد إذا حسد".

ويتحول الحسد إلى فعل مؤذٍ حين يُصبح سلوكًا، فيكون مدعاة للغيرة التي تسبّب العداوة في النفوس، سواءً كانت معلنة أم خفيّة، وأساسها التعصّب وحين يتم الإفصاح عن هذا الأخير يصير تطرّفًا يستهدف إلغاء الآخر أو تهميشه، وقد يصاحبه عنف لفظي أو جسدي، ومهما حاول الحسود التستّر على حسده، إلّا أن تصرّفاته تفضحه، حين لا يستطيع السيطرة على نفسه، من خلال الانفعالات القويّة التي تتعدّى حدود المنافسة الإيجابية المشروعة.

هل يمكن أن نُطلق على المنافسة الشريفة "الغيرة الإيجابية؟"، كان هذا سؤال من إحدى الزميلات التونسيات، وكنت قد جئت على ذلك باعتبارها عكس الحسد والغيرة، لأن المنافسة الإيجابية ليست عدوّةً للإبداع بالضرورة، وقد تتولّد عنها بعض الأعمال الإبداعية بعكس الغيرة المدمّرة التي لا يستطيع صاحبها الخروج من الأنا الأنانية إلى فضاء الأنا الإنسانية، فتصبّ الأولى جام غضبها على نجاحات الآخرين. كما أرسلتْ لي إحدى الصديقات المصريات تقول "موضوعكم عن الغيرة جميل وفكّرني بغيرة الدكتور يوسف إدريس التي اشتعلت بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل (1988)"، وهو ما أعادني إلى الصراعات التي لا تخلو من الحسد والغيرة على النطاقين العالمي والعربي بين مثقفين كبار.

‏ففي مصر كانت احتدمت معركة حامية بين طه حسين وعباس محمود العقاد، وتحوّل بعضها إلى سجال شخصي، وبين العقاد ومصطفى الرافعي، وكان العداء شديدًا بين عبد العظيم رمضان ومحمد حسنين هيكل، وظل الأول على مدى 40 عامًا ينتقد هيكل، خصوصًا كل ما أصدر كتابًا جديدًا كتب ضدّه، مثل كتاب "أوهام هيكل وحقائق حرب الخليج" ردًّا على كتاب "حرب الخليج: أوهام القوة والنصر" وكتاب "هيكل والكهف الناصري" ردًا على ما كتبه هيكل عن الحقبة الناصرية، ولكن هيكل لم يردّ عليه.

‏وثمة نماذج صارخة على الصعيد العالمي، ولاسيّما الصراع بين تولستوي ودوستويفسكي، على الرغم من أنهما لم يلتقيا، حيث كانا تولستوي يرفض المشاركة في أي مؤتمر أو فعالية أدبية يحضرها دوستويفسكي.

ومن أشهر الأمثلة في القرن العشرين الصراع بين سارتر وألبير كامو، وقد رفض الأول جائزة نوبل (1964)، لأن الثاني استلمها قبله (1957)، وامتزج الخلاف الفلسفي بالخلاف الشخصي، وخصوصّا ‏على تصدّر قيادة المثقفين.

‏وكانت فرجينيا وولف تغار من جيمس جويس وتعتبره كاتبّا رديئًا، وجيمس جويس لا يحب مارسيل بروست، وكان عند مجيئه يتعمد التدخين وهو يعرف أنّه مصاب بالربو ليزعجه ويقلقه.

‏أما والت ويتمان فكان يحسد شاعرّا أقل منه موهبة لأنه حظيَ بالشهرة، وكان الخلاف بين همنغواي وفاغنر على أشدّه، وقال الثاني عن الأول أنه: لم يستخدم كلمة تجبر القارئ على فتح القاموس، فردّ عليه الأول "المشكلة ليست بالكلمات الكبرى، بل بالأفكار الكبرى"، كما كان الخلاف عميقا بين بابلو نيرودا وبورخيس.

‏وعراقيًا كان ثمة منافسة خفية بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة على من كان الأول في كتابة الشعر الحر، مثلما نشبت خلافات شديدة بين السيّاب وعبد الوهاب البياتي، خصوصّا حين تم تقريب البياتي، في أواسط خمسينيات القرن المنصرم، من الحركة الشيوعية، فتحول الثاني إلى المعسكر القومي، وكتب في العام 1959 كتابه الرديء "كنت شيوعيًا". وهناك خصومة حول ريادة جيل الستينيات بين سامي مهدي من موقع السلطة وبين فاضل العزاوي من موقع المعارضة.

‏كما كانت علاقة البياتي سيئة مع الجواهري لعقود من الزمن، إلى أن تم تصحيحها في تسعينيات القرن المنصرم بشكل أقرب إلى الاعتذار في دمشق، حيث كتب البياتي قصيدة مهداة إلى الجواهري بمناسبة عيد ميلاده، يقول فيها:

في سنواتِ الضوء والبؤس

رأيت في مرآتــه نفســي

*

خرجت من معطفه يافعاً

لأحمل الشمس إلى الشمـس

*

قلت له: يا أبتِ ها هنا

يعتنق السهمان في القـوس

*

شِعرك كان الزادَ والماء في

عراقنا الطاعن في الحبس

الأنا الأنانية ليست مقتصرة على المبدعين فحسب، بل تذهب إلى الوسط السياسي والاجتماعي، وقد تكون هذه أكثر عنفًا، وتساهم في تغذية الخصومات الثقافية، بل تضيف إليها الكثير من عندياتها التعصبيّة المتطرّفة، وهناك من يحسد النساء المثقفات ويغار من الإبداع النسوي ويحاول تشويهه أو إنسابه إلى الرجال، مثلما هناك من يقلّل من إبداع المجموعات الثقافية بحكم الهيمنة، وتجري محاولات محمومة لاستصغار المبدعين الشباب والتقليل من إبداعهم، وكأن الريادة كُتبت لبعض الأسماء، ولا يجوز لأحد أن يتطلّع إلى غيرها، على خلاف الأنا الإنسانية المفتوحة على كل جديد وإبداعي وجميل.

***

د. عبد الحسين شعبان

ليس أشهر في هذه الأيام، على وسائل الإعلام واللقاءات الدُّولية كمضيق هُرْمُز، فقد كان إعلان إغلاقه مِن قِبل الجانب الإيراني يعني التَّحكم بالطاقة العالمية، ذلك إذا علمنا أن نحو 20% من الطاقة تمر عبره إلى أنحاء العالم، وهو بالنسبة لأميركا وأوروبا قد لا يقل عن خطيئة احتلال الكويت مِن قبل النظام العراقي (1990)، لهذا لا تستغرب الحرب الضروس مِن أجل فتحه، وعدم السماح لإيران بالتحكم به، وهو الذي يربط بين الضفة الإيرانية والضفة العُمانية، رابطاً الخليج بالمحيط المفتوح، بطول أكثر من 160 كيلومتراً وعرض يضيق ويتسع بين ثلاثين إلى تسعين كيلومتراً.

لا نجد لتسميته بالمضيق تاريخ معين، لكن تظهر التسمية، من قبل مؤرخين معاصرين منذ السيطرة البرتغالية (1509م)، وإلا قبل ذلك كان الاسم لمملكة ومدينة، وهو اسم لعدة ملوك: هُرْمز بن شروان، وهرمز بن سابور، وهرمز بن قسرين، وهرمز بن يزدجر، وهرمز القائد الفارسي، الذي طُرد من المدائن في معركة ذات السلاسل، أو وقعة السلاسل، وترتبط مواقع بأسمائهم مثل: «رام هرمز، واستان شاذ هُرمز، حسب البلداني ابن خرداذبة» (نحو 280هج) في «المسالك والممالك».

كما وهو اسم لمدينة، وكورة في جبال طبرستان، ويبدو المضيق المقصود، مدينة في البحر، وهي على ضفة البر فارس، تأتيها المراكب، ومنها تُنقل الأمتعة إلى الهند، حسب ما أرخه ياقوت الحموي (626هج) في «معجم البلدان»، ولا يؤخذ ما قاله الحموي في معنى هرمز، بل هناك معانٍ تتعلق بالتراث القديم.

بيد أن أوسع ما تحدث عن هرمز ابن بطوطة (779هج) الذي زارها، قال: «ثم سافرتُ من بلاد عُمان إلى بلاد هرمز، وهرمز مدينة على ساحل البحر، وتسمى أيضاً موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة وهي جزيرة ومدينتها تسمى جرون، وهي مدينة حسنة كبيرة، لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخراسان وهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الدرابي، ومنه يصنعون الأواني المزينة، والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب إليهم من البصرة وعُمان». تحدث ابن بطوطة عن الموقع كممر تجاري مثلما تقدّم من الهند إلى العراق وفارس وخراسان.

عدا هذه الكتب لم نجد شيئاً كثيراً عن«هرمز» الموقع أو المدينة، ولم يذكروها بالمملكة، إنما مملكة كسرى بن هرمز، ولا يعني هذا المكان، مثلما تتداول الكتابات المتأخرة، ويمكن تكون إمارة أو جزيرة أو قلعة تابعة لمملكة كسرى بن هرمز.

تبرز أهمية مضيق هرمز في كل حرب أو خلاف في المنطقة، لذا صدرت كتب عديدة تناولت قضيته، خصوصاً بعد الحرب الإيرانية العراقية وحرب الكويت، مثل: «الصراع حول مضيق هرمز»، و«لماذا مضيق هرمز»، «مضيق هرمز والصراع الأميركي الإيرانيّ».

تبرز في الحروب أسماء مواقع، لم يكن لها ذِكر وهي قرى ومحلات، لكن الحدث يعظمها ويبرزها على الخارطة، ولا نعني هنا هُرمز المضيق، الذي هو الآخر اشتهر مع الحروب، مثلما تقدم مِن السيطرة البرتغالية، والصراع عليه آنذاك، ولقوة الحدث الحاصل الآن اشتهر مضيق هرمز، وصار يقال هرمز بلا نسبة مضيق إليه لشهرته، فأخذت الصحافة تنشر تاريخاً له، بل بعضها نشرت تاريخاً صحفياً لا يمت للواقع بصلة.نسيت أسماء الممالك والسلطنات ومَن عُرف مِن أعاظم الملوك بهرمز، وظل هرمز المضيق شاخصاً، بوابة الاقتصاد العالمي الذهبية، فقد حصلت الحروب العالمية بسبب اغتيال أمير أو تجاوز حدود، فكيف إذا تعلق الأمر بمفتاح بوابة «هرمز»، مَن يملكه يكون العالم طوع إرادته! فلو تنبأ الجغرافيون المسلمون، بأهمية هذه البوابة لتوسعوا بما تستحقه اليوم.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

من إصلاحات اوركاجينا الى شريعة حمورابي

حاولتُ أن أبحث عن مصطلح «الفساد المالي» في شريعة حمورابي والشرائع العراقية القديمة، فلم أجد هذا التعبير بمفهومه الحديث، لكنني وجدت العديد من النصوص القانونية التي عالجت أفعالاً تندرج اليوم ضمن هذا المفهوم، مثل الرشوة، وخيانة الأمانة، واستغلال المنصب، والتلاعب بالأموال، والإهمال الذي يسبب خسائر للأفراد أو للدولة. لذلك سأستخدم في هذه المقالة مصطلح «الفساد المالي» بوصفه مفهوماً جامعاً يضم جميع هذه الأفعال.

يُعد الفساد المالي من أقدم الظواهر التي عرفتها المجتمعات البشرية، إذ ارتبط بظهور الدولة والسلطة والمال العام. فكلما وُجدت سلطة تمنح النفوذ، وُجد من يسعى إلى استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتضمن الشرائع العراقية القديمة نصوصاً قانونية هدفت إلى حماية الأموال والحقوق، وضمان نزاهة القضاء والإدارة، ومحاسبة المسؤولين المقصرين أو الفاسدين. وقد أدرك السومريون والأكاديون والبابليون منذ وقت مبكر أن الدولة لا تستقيم إذا استُغل المنصب، أو ضاعت أموال الناس، أو غابت العدالة، فوضعوا تشريعات هدفت إلى حماية المال العام، وضبط عمل الموظفين والقضاة والتجار، ومحاسبة كل من يسيء استخدام سلطته.

يُعتبر أوركاجينا، حاكم مدينة لكش السومرية (حوالي 2350 ق.م)، أول مصلح اجتماعي وإداري معروف في التاريخ، إذ سبق حمورابي بنحو ثلاثة قرون. فقد وجد أن كبار الموظفين والكهنة وجباة الضرائب يستغلون مناصبهم لابتزاز الناس، ويستولون على ممتلكاتهم، ويفرضون رسوماً غير مشروعة، فأصدر سلسلة من الإصلاحات هدفت إلى الحد من نفوذهم. وتشير النصوص السومرية إلى أنه منع استغلال الفقراء والأرامل، وألغى كثيراً من الرسوم التعسفية، وحدّ من تجاوزات كبار الموظفين، وأكد أن السلطة وجدت لخدمة الناس لا لاستغلالهم. ورغم أن إصلاحاته لم تصلنا كاملة، فإن ما بقي منها يكشف بوضوح أن إساءة استعمال السلطة والابتزاز المالي كانا من المشكلات التي واجهتها المجتمعات العراقية منذ فجر التاريخ. ورغم أن هذه الإصلاحات لم تكن قانوناً شاملاً، فإنها تمثل أول محاولة معروفة لمحاربة الفساد الإداري والمالي.

وبعد ذلك بنحو قرنين، أصدر الملك السومري أور نمو (حوالي 2100 ق.م) أقدم قانون مكتمل وصل إلينا. ويُعد هذا القانون بداية مرحلة جديدة في تنظيم العدالة بالقانون، إذ امتاز باعتماده الغرامات المالية في كثير من الجرائم بدلاً من العقوبات البدنية، كما نظم العلاقات المالية والتجارية، وحمى حقوق الملكية، وأكد ضرورة وجود الأدلة والشهود في المنازعات. وقد أسهم ذلك في الحد من الاحتيال، وحماية التعاملات الاقتصادية من التلاعب.

وفي مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، أصدر لبت عشتار (Lipit-Ishtar)، خامس ملوك سلالة إيسن في جنوب بلاد الرافدين، شريعته التي تُعد من أقدم الشرائع العراقية القديمة، وقد سبقت شريعة حمورابي بنحو 150–170 عاماً. واهتمت هذه الشريعة بتنظيم العقود، والملكية، والإيجارات، والديون، ووضعت قواعد واضحة لحماية الحقوق المالية، بما يقلل فرص الاستغلال والنزاعات.

قانون أشنونا (Eshnunna) هو مجموعة من القوانين أصدرها أحد ملوك أشنونا، ويرجح معظم الباحثين أنه الملك دادوشا (Dadusha) أو أحد أسلافه، وذلك نحو 1930–1770 ق.م، أي قبل شريعة حمورابي بعدة عقود. وقد عُثر على نصوص هذا القانون مكتوبة بالخط المسماري على ألواح طينية، وقد ركزت على تنظيم الأسواق والأسعار والأجور، وحدد أسعار كثير من السلع، والخدمات، وأجور العمال، والنقل. ورغم أن هدفه الرئيس كان تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فإنه أسهم أيضاً في الحد من الاحتكار والاستغلال والغش التجاري. ويُعد من أهم الشرائع التي مهدت لظهور شريعة حمورابي. وأشنونا هي مملكة عراقية قديمة تقع في منطقة ديالى شرق بغداد الحالية، ويقع موقعها الأثري في تل أسمر (Tell Asmar). وكانت من أهم الممالك في بلاد الرافدين خلال العصر البابلي القديم، خاصة بين القرنين العشرين والثامن عشر قبل الميلاد.

وفي النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد، ظهرت القوانين الآشورية الوسطى التي عكست تطوراً جديداً في التشريع العراقي القديم، ولا سيما في تنظيم المسؤوليات والواجبات القانونية. ورغم أن هذه القوانين اشتهرت بصرامة عقوباتها، فإنها تضمنت أيضاً أحكاماً لحماية الملكية، وتنظيم العقود، ومعاقبة خيانة الأمانة والاعتداء على الحقوق. كما أولت اهتماماً بمساءلة الموظفين ومن يتولون مسؤوليات عامة، مما يؤكد أن حماية المال والحقوق، ومحاسبة من يسيء استغلال السلطة، ظلت مبادئ راسخة في التشريع العراقي عبر العصور، ولم تكن مقتصرة على شريعة حمورابي وحدها.

ثم جاءت شريعة حمورابي (حوالي 1754 ق.م) لتتوج تطور التشريع العراقي القديم في قانون متكامل ضم نحو 282 مادة تناولت مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ورغم أنها لم تستخدم مصطلح الفساد المالي، فإنها عالجت معظم صوره المعروفة آنذاك.

لقد أولى حمورابي القضاء أهمية خاصة، لأنه أدرك أن العدالة هي أساس استقرار الدولة، وأن فساد القضاء أخطر من فساد المال، لأن القاضي الفاسد يهدم ثقة الناس بالنظام كله. لذلك نصت الشريعة على عقوبات صارمة بحق القضاة الذين يتراجعون عن أحكامهم بعد إصدارها أو يثبت ارتكابهم مخالفة جسيمة. فإذا أصدر القاضي حكماً موثقاً ثم غيّره دون سبب قانوني، عُزل من منصبه، وأُلزم بدفع غرامة تعادل اثني عشر ضعف قيمة الدعوى، ومُنع من ممارسة القضاء مرة أخرى. وتكشف هذه المادة عن إدراك مبكر لخطورة التلاعب بالأحكام، سواء كان ذلك نتيجة رشوة، أو نفوذ، أو محاباة.

وكانت المعابد والقصور الملكية تمثل مراكز السلطة والثروة في الدولة البابلية، ولذلك أولت الشريعة عناية خاصة بحماية ممتلكاتها. فقد اعتبرت سرقة أموال المعبد أو القصر جريمة تمس هيبة الدولة والنظام العام، وعاقبت مرتكبها بالإعدام. كما نصت على أن من يشتري أو يتسلم أموالاً مسروقة من ممتلكات الدولة أو المعابد، وهو يعلم أنها مسروقة، يتحمل المسؤولية نفسها. وبذلك شملت العقوبة كل من ساعد على تصريف المال المسروق أو إخفائه، وهو مبدأ يقارب في جوهره ما تعرفه التشريعات الحديثة من تجريم التعامل بالأموال المتحصلة من الجرائم.

وفرضت الشريعة مسؤولية قانونية واضحة على الأمناء والوكلاء والتجار والمزارعين الذين يتولون إدارة أموال الآخرين. فإذا تسلم شخص مالاً أو بضائع أو محاصيل ثم أنكر استلامها أو اختلسها، أُلزم بردها كاملة مع التعويض المناسب، وقد تصل في بعض الحالات إلى عقوبات جسدية أو أشد، بحسب طبيعة الجريمة. كما ألزمت الوكلاء والتجار بتقديم حسابات دقيقة، وأقرت مبدأ التوثيق بالشهود والعقود المكتوبة للحد من التلاعب والاحتيال. ويُعد ذلك من أقدم صور الرقابة المالية والإدارية في التاريخ.

وامتد اهتمام الشريعة إلى تنظيم النشاط الاقتصادي ومنع الغش في المعاملات، فوضعت قواعد دقيقة للبيع والشراء والإقراض والأجور والإيجارات، وحددت مسؤولية كل طرف في العقد. كما منعت استخدام الموازين والمكاييل غير الدقيقة، واعتبرت الغش في التجارة اعتداءً على حقوق الناس، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية نزاهة الأسواق في استقرار المجتمع.

ومن المبادئ المهمة التي تميزت بها شريعة حمورابي تحميل أصحاب المهن مسؤولية أخطائهم. فإذا تسبب البنّاء، نتيجة الإهمال أو سوء التنفيذ، في انهيار منزل ومقتل صاحبه، عوقب بالإعدام. وإذا تسبب في خسائر مادية، أُلزم بإعادة البناء على نفقته الخاصة وتعويض المتضررين. ورغم قسوة هذه العقوبات بمقاييس العصر الحديث، فإنها جسدت فكرة قانونية جوهرية ما زالت التشريعات المعاصرة تأخذ بها، وهي أن صاحب المسؤولية يتحمل نتائج تقصيره.

وقامت فلسفة الشريعة على مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وهو المبدأ الذي عُرف لاحقاً بقاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، مع اختلاف تطبيقاته بحسب طبيعة الجريمة والمكانة الاجتماعية للأطراف. وكانت العقوبات شديدة، وتضمنت الإعدام، وبتر الأطراف، والغرامات الباهظة، والعزل من المنصب. ولم يكن الهدف من هذه القسوة الانتقام بقدر ما كان تحقيق الردع وحماية المجتمع في زمن كانت فيه هيبة الدولة تعتمد على قوة القانون وسرعة تطبيقه.

وإذا قورنت شريعة حمورابي بالتشريعات الحديثة، نجد أن مفهوم الفساد المالي أصبح اليوم أكثر اتساعاً، إذ يشمل الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، والإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، والفساد في العقود الحكومية.

ومع ذلك، فإن اللافت للنظر أن المبادئ الأساسية التي قامت عليها مكافحة الفساد قبل نحو أربعة آلاف عام ما تزال حاضرة في التشريعات الحديثة، وفي مقدمتها حماية المال العام، ومحاسبة المسؤولين، وتجريم خيانة الأمانة، وفرض المسؤولية على من يسيء استخدام السلطة.

وتكشف شريعة حمورابي أن مكافحة الفساد رافقت نشوء الحضارات الأولى. فقد أدرك البابليون أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إقامة العدالة، وصون المال العام، ومنع استغلال السلطة وليس باتساع أراضيها أو كثرة جيوشها. ورغم مرور ما يقارب أربعة آلاف عام على صدور تلك الشريعة، فإن رسالتها ما تزال صالحة لكل زمان: إن الدولة التي تتسامح مع الفساد، مهما بلغت قوتها، تضع أسس انهيارها بيدها، أما الدولة التي تُخضع الجميع لسيادة القانون، فهي الأقدر على الاستمرار وبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ومن المفارقات المؤلمة أن الأرض التي شهدت أولى المحاولات المنظمة لمحاربة الفساد أصبحت اليوم من بين أكثر البلدان معاناة منه. ففي الوقت الذي سنّ فيه العراقيون القدماء قوانين لحماية المال العام قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، ما زال العراق الحديث يكافح لاستعادة المبادئ نفسها: سيادة القانون، ونزاهة الإدارة، واستقلال القضاء، والمساءلة.

ولعل أعظم درس تقدمه لنا تلك الشرائع هو أن الحضارات تسقط حين يصبح الفساد أقوى من القانون ويغيب العدل، وتُستباح الأمانة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

من سرقات الأفراد إلى فساد الدول

عرفت البشرية الفساد منذ نشوء الدول والحضارات، فلم تخلُ أمة من مسؤول استغل منصبه، أو حاكم بدّد المال العام، أو موظف خان الأمانة. غير أن معظم حالات الفساد التي سجلها التاريخ كانت، على خطورتها، محصورة في أفراد أو دوائر ضيقة من أصحاب النفوذ، وكان المجتمع والدولة ينظران إليها بوصفها انحرافاً عن الأصل، لا الأصل نفسه.

غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح، وتتبادل فيها الأطراف الحماية، حتى يغدو الالتزام بالقانون هو الاستثناء، بينما يصبح الفساد هو القاعدة غير المعلنة. وهذا ما يسميه علماء السياسة والإدارة العامة الفساد المؤسسي (Institutional Corruption)، وهو أخطر بكثير من الرشوة أو الاختلاس أو استغلال المنصب.

فالفساد التقليدي، مهما بلغ حجمه، يبقى قابلاً للمواجهة؛ إذ يستطيع المسؤول النزيه أن يقف بوجه الفاسد، وتستطيع أجهزة الرقابة أن تؤدي دورها، ويمكن للقضاء أن يحاسب المقصرين. أما في الفساد المؤسسي، فإن أجزاءً من منظومة الرقابة نفسها قد تصبح عاجزة أو معطلة أو خاضعة لموازين القوى، فتتآكل قدرة الدولة على تصحيح أخطائها، ويتحول القانون إلى نصوص لا تجد من ينفذها.

إن أخطر ما في هذا النوع من الفساد أنه يسرق المال العام ويسرق ثقة المواطن بالدولة في آن واحد، وبذلك يفقد المواطن النزيه الأمل بالمستقبل. فعندما يرى المواطن أن الكفاءة لا تكفي، وأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ أقوى من العدالة، فإنه يفقد ثقته بالمؤسسات، ويبدأ بالتعامل معها على أنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل.

وفي كثير من الدول التي عانت الفساد، كان الفاسد يخشى القانون، أما في المنظومات الفاسدة، فقد يصبح القانون هو الذي يخشى أصحاب النفوذ. وهنا تختل الموازين، ويغدو الإصلاح أكثر تعقيداً؛ لأن المشكلة لم تعد في أشخاص بعينهم، بل في شبكة المصالح التي تحميهم، والعلاقات التي تجعل محاسبتهم أمراً بالغ الصعوبة.

ولعل أخطر مراحل الفساد هي حين يتحول إلى ثقافة اجتماعية؛ فبدل أن تُعد الرشوة جريمة، تُوصف بأنها "إكرامية"، ويصبح استغلال المنصب "شطارة"، والالتفاف على القانون "ذكاءً"، ويُوصم النزيه بالسذاجة لأنه لم يستغل الفرصة كما فعل غيره. وعندها يصبح الفساد منظومة قيم مقلوبة، تتبدل فيها معايير الشرف والاستقامة. ولا يعني ذلك أن جميع العاملين في مؤسسات الدولة فاسدون، فما زال في كل مؤسسة رجال ونساء يؤدون واجبهم بإخلاص ونزاهة، ويدفع بعضهم ثمن تمسكه بالقانون، غير أن وجود أفراد نزهاء لا ينفي أن البيئة المؤسسية قد تكون، في بعض الأحيان، بيئة طاردة للنزاهة وجاذبة للفساد.

إن التجارب العالمية تؤكد أن قلة الموارد لا تسقط الدول، ولكن أعظم الدول تنهار نتيجة ضعف الإدارة وغياب المساءلة. فكم من دولة فقيرة في ثرواتها الطبيعية استطاعت أن تبني اقتصاداً قوياً بفضل سيادة القانون، وكم من دولة غنية بالموارد بقيت متعثرة لأن الفساد التهم ثرواتها قبل أن تصل إلى مواطنيها.

ولعل أخطر ما يميز الفساد المؤسسي أنه يستهلك المستقبل قبل أن يبدد الحاضر؛ فهو بما يهدره من أموال اليوم، يحرم الأجيال القادمة من المستقبل، فلا المدارس تُبنى، ولا المستشفيات تُجهَّز، ولا الطرق تُنجَز، كما يبدد فرص العمل والاستثمار، ويؤخر التنمية لعقود، حتى يصبح المستقبل نفسه رهينة أخطاء الحاضر.

ولذلك فإن اعتقال بضعة فاسدين، على أهميته، لا يكفي للقضاء على هذا النوع من الفساد. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية، واستقلال القضاء، وحماية أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة النزاهة منذ المدرسة وحتى أعلى مواقع صنع القرار.

وكما أن الفساد المؤسسي لم ينشأ في يوم واحد، فإنه لا يزول بقرار واحد، لكنه يبدأ بالانحسار حين تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد القانون سلطته، ويستعيد المواطن ثقته بأن الحقوق تُنال بالعدل لا بالواسطة، وأن المال العام أمانة لا غنيمة. وعندئذ يعود الفساد إلى حجمه الطبيعي: جريمة يرتكبها أفراد، لا نظاماً يحكم حياة وطن.

وليس هذا التصور مجرد تحليل نظري، بل تؤيده تجارب التاريخ؛ إذ شهدت أمم كثيرة انهيارات سياسية واقتصادية كان الفساد أحد أبرز أسبابها.

أشهر حالات الفساد المالي في التاريخ:

1.  الإمبراطورية الرومانية المتأخرة: في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، استشرى الفساد بين الولاة وجباة الضرائب وقادة الجيش. وكان كثير من المسؤولين يشترون المناصب ثم يستغلونها لاسترداد ما دفعوه أضعافاً؛ وأدى ذلك إلى إنهاك الاقتصاد، وانتشار الفقر، وتراجع ثقة المواطنين بالدولة، وكان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م.

2.  فرنسا قبل الثورة الفرنسية (1789): لم يكن الفساد في فرنسا حينئذ يقتصر على الرشوة، بل شمل نظاماً غير عادل من الامتيازات والإعفاءات الضريبية للنبلاء ورجال الدين، في حين تحمل عامة الشعب معظم الأعباء المالية. ومع إسراف البلاط الملكي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، أصبحت الثورة الفرنسية نتيجة شبه حتمية.

3.  إسبانيا في عصر الذهب: بعد تدفق الذهب والفضة من الأميركتين خلال القرن السادس عشر، امتلكت إسبانيا ثروة هائلة، لكن سوء الإدارة والفساد حالا دون تحويلها إلى اقتصاد منتج؛ فأنفقت الأموال على الحروب والبذخ، وأعلنت الدولة إفلاسها عدة مرات رغم تدفق المعادن النفيسة.

4.  الفلبين في عهد فرديناند ماركوس: يُعد هذا المثال من أشهر حالات الفساد في العصر الحديث؛ فقد قُدّرت الأموال التي نهبتها عائلة ماركوس والمقربون منها بما بين 5 و10 مليارات دولار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمن، واستغرقت عملية استرداد جزء من تلك الأموال عقوداً طويلة.

5.  زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) في عهد موبوتو سيسي سيكو: حوّل موبوتو خزينة الدولة إلى ما يشبه الحساب الشخصي، حتى شاع استخدام مصطلح "الكلبتوقراطية" أو "حكم اللصوص" لوصف نظامه. وبينما كانت البلاد غنية بالمعادن والموارد الطبيعية، عاش معظم سكانها في فقر مدقع.

6.  نيجيريا: منذ الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، فقدت نيجيريا مئات المليارات من الدولارات بسبب الفساد وسوء الإدارة، على الرغم من كونها إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا.

ماذا عن العراق؟

إذا انتقلنا إلى العراق بعد عام 2003، نجد أن كثيراً من التقارير العراقية والدولية تشير إلى أن الأموال المهدورة أو المفقودة أو المنهوبة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات. وتختلف التقديرات بحسب الجهة والمنهجية، إلا أن بعض المسؤولين وهيئات النزاهة تحدثوا عن أرقام تتراوح بين 300 و500 مليار دولار خلال العقدين الماضيين.

وما يميز الحالة العراقية أنها جمعت بين عوامل نادراً ما تجتمع بهذا الحجم في دولة واحدة، من أبرزها: امتلاك موارد نفطية هائلة، وانتشار الفساد في العقود والمشاريع العامة، ووجود آلاف المشاريع المتلكئة أو الوهمية، إضافة إلى تضخم الجهاز الإداري وظهور ظاهرة الرواتب الوهمية في بعض المراحل، وضعف المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب في عدد كبير من القضايا.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن العراق يمثل إحدى أكبر حالات الفساد المالي المؤسسي في العصر الحديث، ليس لأنه سجل أكبر رقم مطلق في التاريخ، وإنما لأن حجم الأموال المهدورة وقع في بلد يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما كان يؤهله لتحقيق نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، لو أُديرت تلك الموارد بكفاءة ونزاهة.

تمتد مأساة العراق -إضافة إلى الحجم الهائل للأموال التي أُهدرت أو سُرقت- إلى ما هو أشد إيلاماً، وهو الفرص التاريخية التي ضاعت وكان من الممكن أن تُغيّر حياة ملايين العراقيين. فهذه الأموال تعني مشاريع تنموية كان يمكن أن ترتقي بمستوى معيشة المواطن، وتعيد بناء الدولة، وتوفر له الخدمات الأساسية التي ظل يفتقدها طوال أكثر من عقدين.

فكل مليار دولار أُهدر كان قادراً على إنشاء محطات لتوليد الكهرباء ومعالجة أزمة الطاقة، وتوفير مياه شرب آمنة، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، وتشييد الطرق والجسور وشبكات النقل، وإنشاء المصانع والمشاريع الإنتاجية التي تنعش الاقتصاد وتقلل الاعتماد على الاستيراد. وكان من شأن ذلك أن يخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ويمنح الشباب والخريجين أملاً بمستقبل كريم داخل وطنهم بدلاً من الوقوف في طوابير البطالة أو البحث عن فرصة للهجرة.

كما انعكست آثار خسارة هذه الأموال على الجانب الاقتصادي وكذلك على النسيج الاجتماعي أيضاً؛ فقد أدى انسداد آفاق المستقبل وتفاقم البطالة والفقر إلى انتشار ظواهر لم تكن مألوفة في المجتمع العراقي، مثل تنامي تعاطي المخدرات والاتجار بها، وارتفاع معدلات الجريمة، وتزايد حالات الطلاق نتيجة الضغوط الاقتصادية، وازدياد حالات الانتحار بين الشباب الذين سحقتهم مشاعر اليأس والخذلان، فضلاً عن موجات الهجرة المتواصلة للكفاءات والشباب الباحثين عن حياة أكثر استقراراً وكرامة خارج وطنهم. فقد كان الفساد سبباً في ضياع فرص التنمية، واستنزاف الطاقات البشرية، وإضعاف ثقة المواطن بوطنه ومستقبله.

يعلمنا التاريخ أن الفساد هو مشروع لهدم الدولة من الداخل؛ فالدول لا تسقط دائماً بفعل الغزو الخارجي، وإنما قد تنهار حين تُستنزف مؤسساتها، وتضعف هيبة القانون، وتتحول السلطة إلى وسيلة للإثراء بدلاً من خدمة المجتمع.

لقد عرف التاريخ إمبراطوريات وممالك وأنظمة دفعت ثمن فسادها، لكن الحالة العراقية تظل من أكثر الحالات المعاصرة إثارة للأسى؛ لأن الفساد اقترن بثروة نفطية استثنائية كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً وازدهاراً، لو أُديرت تلك الثروة بالكفاءة والنزاهة اللتين يستحقهما شعبه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

والسياسة التي تقتل كل يامال

ليس أجمل ما في نهائي كأس العالم أن إسبانيا رفعت الكأس، ولا أن الأرجنتين خسرتها، بل بما أعادت تذكيرنا به من حقيقةٍ كثيرًا ما تغيب خارج الملاعب؛ وهي أن الحياة، حين تُترك لقوانينها العادلة، لا تعترف بالأسماء مهما كبرت، ولا بالتاريخ مهما عظم، وإنما تعترف بمن يستحق أن يكون الأفضل في تلك اللحظة.

دخل "ليونيل ميسي" المباراة وهو يحمل تاريخًا لا ينازعه فيه أحد، ودخل "لامين يامال" وهو يحمل موهبةً تبحث عن لحظتها. ومع صافرة النهاية، لم تنتصر الأسماء، بل انتصر الأداء. ولم يمنح التاريخ صاحبه دقائق إضافية، ولم تُضف البطولات السابقة هدفًا إلى النتيجة. ففي الرياضة لا يستطيع الماضي أن يلعب بدل الحاضر، ولا تستطيع الأسطورة أن تمنع ميلاد أسطورة جديدة.

وهذا هو سر جمال الرياضة؛ إنها تُكرم التاريخ، لكنها لا تسمح له أن يحتكر المستقبل. غير أن هذه الصورة المشرقة سرعان ما تنقلب حين نغادر الملعب إلى عالم السياسة. فهناك، لا تكفي الموهبة، ولا تكفي الكفاءة، ولا يكفي الإخلاص للوطن كي يجد الإنسان مكانه في المشهد العام. فالمباراة لا تُدار بالقواعد نفسها، بل بقواعد المال السياسي، وشبكات النفوذ، والإعلام الموجَّه، والصفقات، والقدرة على شراء الولاءات وإسكات الأصوات. وهنا يحضرني بيت الجواهري، وكأنه يقرأ واقعنا السياسي قبل عقود طويلة، حين قال:

شابَ الشبابُ الطيبونَ وبُدِّلتْ***فيها شبيبةُ شِيخةٍ أشرارِ

لم يكن الجواهري يرثي أعمار الشباب، وإنما كان يرثي وطنًا جعل شبابه يشيخون وهم ينتظرون فرصةً لا تأتي، بينما منح شبابًا أبديًا لطبقةٍ لا تتجدد إلا بوسائل الالتفاف على إرادة المجتمع. فالشيخوخة في بيت الجواهري ليست عدد السنين، وإنما شيخوخة المشاريع والأفكار، أما الشباب فليس حداثة العمر، بل القدرة على التجدد، والإبداع، وصناعة المستقبل؛ ولذلك فإن الفرق الجوهري بين الملعب والدولة هو أن الملعب يسمح ليامال أن يولد، بينما تعمل السياسة الفاسدة على قتل كل يامال قبل أن يصل إلى الجمهور، فحيتان الفساد لا تكتفي بالبقاء في المشهد، بل تجعل بقاءها مشروعًا دائمًا. فهي تدرك أن ظهور كفاءةٍ جديدة يعني نهاية امتيازاتها، ولذلك تحاصر كل مشروع وطني حقيقي، وتغلق المنافذ أمام العقول الشابة، وتحوّل المال السياسي إلى جدارٍ يعزل أصحاب الخبرة والنزاهة عن المجتمع، فيما تتكفل وسائل الإعلام المأجورة بتلميع الوجوه نفسها، حتى يبدو الوطن وكأنه عاجز عن إنجاب البدائل.

وهكذا تتحول السياسة إلى نقيض الحياة؛ فبدل أن تكون ساحةً لتداول النخب، تصبح ساحةً لاحتكارها. وبدل أن تكون المؤسسات طريقًا لصعود الأكفأ، تصبح أداةً لإعادة إنتاج الطبقة نفسها، مهما تراكمت إخفاقاتها، ومهما أثقلت الوطن بملفات الفساد والفشل. فالأمم لا تموت لأنها تفتقر إلى الشباب، وإنما تموت حين تحاصر شبابها، وتُبقي مستقبلها رهينةً لطبقةٍ لا تعرف إلا البقاء. فالأوطان لا تُبنى بالأسماء الكبيرة وحدها، وإنما بقدرتها على صناعة أسماء جديدة، ومنحها فرصة المنافسة العادلة.

لقد أنصف الملعب "لامين يامال" لأنه لم يسأله عن حجم تاريخه، بل عن حجم عطائه. أما السياسة الفاسدة، فإنها تسأل القادم الجديد أولًا: كم تملك من المال؟ ومن يقف وراءك؟ وأي شبكة مصالح تحميك؟ فإذا لم يجد جوابًا، بقي خارج الملعب، مهما بلغت كفاءته. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي حملها نهائي كأس العالم: ليست العدالة أن يبقى الكبار في أماكنهم إلى الأبد، وإنما أن يُفسح لهم التاريخ مكانًا في الذاكرة، ويُفسح للأحياء مكانًا في صناعة المستقبل. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تعبد الماضي، ولا تلك التي تهدمه، وإنما تلك التي تحترمه دون أن تسمح له بأن يصادر حق الأجيال الجديدة في أن تكتب تاريخها هي أيضًا.

***

د. وسام حسين العبيدي

حين يصبح التعاطف دواءً

من الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن الألم والوجع والمعاناة جزءٌ لا يتجزأ من الحياة. فلا يكاد يخلو إنسانٌ من ابتلاءٍ او مشكلةٍ أو همٍّ يثقل قلبه. وقد تختلف صور المعاناة من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، لكنها تظل قاسماً مشتركاً بين البشر جميعاً. فهناك من يرهقه المرض، وآخر يثقله الفقر، وثالث يعاني فقد عزيز، ورابع يواجه ظلماً أو وحدةً أو خيبة أمل. وقد تبدو معاناة بعض الناس أشد من غيرها، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الحياة لا تخلو من الابتلاء، وأن المشكلات هي جزءٌ من مسيرة الإنسان في هذه الدنيا.

غير أن هذه الحقيقة يقابلها يقينٌ آخر يمنح النفس الطمأنينة، وهو أن الشدائد لا تدوم. فما من ضيق إلا ويعقبه فرج، وما من ليل إلا ويعقبه فجر. وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هذه الحقيقة بكلمات قليلة عظيمة المعنى تصف تقلبات الحياة حين قال: "الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ. فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِر، فكلاهما سينجليْ".  فالأيام دُوَل، والأحوال تتبدل، وما نراه اليوم عسيراً قد يصبح غداً ذكرى بعيدة.

ويبقى السؤال: ما الذي يعين الإنسان على تحمّل أعباء الحياة ومواجهة آلامها حتى تنقشع غيوم المحنة؟ ولعلّ الجواب يكمن في ان يجد الإنسانٍ من يشاركه حملها، ويشعر بوجعه، ويمنحه يقيناً بأنه ليس وحده في مواجهة الألم. فليس المطلوب أن يحمل الآخرون عنّا آلامنا، فلكل إنسان معركته الخاصة التي لا يستطيع أحد أن يخوضها نيابةً عنه. ولكن ما يستطيع الآخرون تقديمه أعظم أثراً مما نظن؛ أن يشعرونا بأننا لسنا وحدنا، وأن هناك من يصغي إلينا، ويفهم ما نعانيه، ويقف إلى جانبنا في أوقات الضيق. وقد تكون كلمةٌ صادقة، أو نظرةٌ حانية، أو حضورٌ صامت، أبلغ أثراً من كثير من الحلول. فالمشاركة الوجدانية لا تُزيل المشكلة، لكنها تُخفف ثقلها، وتجعل حملها أكثر احتمالاً. فالإنسان بطبيعته يضعف عندما يظن أنه يواجه الألم وحيداً، لكنه يستمد قوةً عجيبة حين يشعر أن هناك قلوباً تؤازره، وتشاركه وجعه، وتنتظر معه انقشاع الغمة. وأولُ من يحيط الإنسانَ بهذه المشاعر أفرادُ أسرته؛ الأم التي يقلقها وجع أبنائها قبل وجعها، والأب الذي يخفي آلامه ليمنحهم الطمأنينة، والأخ والأخت اللذان يشتركان في الذكريات والمواقف، والزوج أو الزوجة اللذان يقتسمان مسؤوليات الحياة وأفراحها وأحزانها، ثم الأبناء الذين يملؤون القلب أملاً، إذا كانت العلاقة بينهم قائمة على المحبة والرحمة.

ويأتي بعد ذلك الأصدقاء الحقيقيون، وهم قلة في الغالب، لكن أثرهم عظيم. فالصديق الصادق يُقاس بحضوره وقت الشدة، وبقدرته على أن يمنحك شعوراً بأنك لست وحدك في مواجهة الحياة. وربما وجد الإنسان هذا السند أيضاً في بعض الأقارب الذين تجاوزت روابطهم حدود القرابة إلى صداقة صادقة ومودة خالصة.

غير أن وجود الناس حولنا لا يعني بالضرورة أننا نجد فيهم المواساة. فقد يكون الإنسان محاطًا بأفرادٍ من أسرته أو معارفه، لكنهم لا يدركون حجم معاناته، أو لا يلتفتون إليها، أو يعجزون عن التعبير عن تعاطفهم. وحين يشعر المرء أن آلامه لا تجد من يفهمها أو يقدّرها، يتضاعف إحساسه بالوجع، لأن الوحدة وسط الزحام أشد قسوةً من الوحدة في الخلاء. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته، بقدر حاجته إلى من يشعر بمعاناته، ويصغي إليه، ويمنحه إحساسًا بأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة. ومن هنا، قد تكون قسوة اللامبالاة أشد إيلامًا من قسوة المحنة نفسها، بينما قد تكون لمسة حنان أو كلمة صادقة كافية لتمنح القلب قدرةً جديدة على الصبر والاحتمال.

ولذلك، فإن قيمة الإنسان في حياة من يحبهم تُقاس بقدرته على أن يكون حاضرًا في آلامهم قبل أفراحهم، وأن يشعر بما يعتمل في نفوسهم، ولو عجز عن تغيير الواقع. أما من يقف موقف اللامبالاة، أو يزيد جراح الآخرين قسوةً بكلمةٍ أو تصرف، فقد يكون سبباً في الابتلاء، لا سندًا يعين على تجاوزه، وحينها يصبح الألم مضاعفًا: ألمُ المحنة، وألمُ خذلان القريب.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب ليس المال ولا النفوذ، وإنما حضوره الإنساني الصادق. فكم من قلب أنهكه الحزن، ثم نهض بكلمة مواساة، أو زيارة قصيرة، أو رسالة اطمئنان، أو دعوة صادقة في ظهر الغيب. وهذه الأعمال، على بساطتها، قد تُحدث في النفس أثراً لا تصنعه أعظم الهبات. لذلك، فلا ينبغي لنا أن نستحي من إظهار تعاطفنا مع من يمرون بالمحن، ولا أن نبخل عليهم بالسؤال والاهتمام، فربما كانت لفتة صغيرة سبباً في بعث الأمل في قلب أوشك على اليأس.

وفي المقابل، إذا نزلت بنا الشدائد، فلنتذكر أنها مرحلة وليست نهاية الطريق، وأن دوام الحال من المحال، وأن رحمة الله أوسع من كل هم، وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره سبحانه وتعالى. وما علينا إلا أن نصبر، ونأخذ بالأسباب، ونتمسك بالأمل، ونستعين بمن يحبوننا ويصدقوننا المودة.

لا تخلو الحياة من الألم، لكنها كذلك لا تخلو من الرحمة ولا تنقطع فيها أسباب المواساة. وبين الألم والفرج يقف أناسٌ جعلهم الله رحمةً لعباده، يخففون عنهم ثقل الأيام، ويذكرونهم بأن الإنسان، مهما اشتدت به المحن، يبقى أقوى حين تحيط به قلوبٌ صادقة. ويظل الأمل حيًّا ما دام في الأرض من يواسي، وفي السماء ربٌّ رحيمٌ لا يضيع عنده صبر الصابرين، وهو أرحم الراحمين.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

تُعرَف أخلاق الإنسان، وتُختبَر، حين يُستفز، وحين يواجه كلمةً جارحة أو موقفًا مؤذيًا، لا في ساعات الرضا، ولا في مجالس المجاملة. ففي تلك اللحظة القصيرة التي تفصل بين الإساءة والرد، ينكشف معدن الإنسان، وتظهر ما اختزنته نفسه من تربية، وما اكتسبه من حكمة، وما يملكه من قدرة على ضبط انفعالاته.

والإساءة، مهما اختلفت صورها، وسواء كانت بقصد أم بغير قصد، هي اختبار لأخلاق الفرد قبل أن تكون اعتداءً على كرامته. لذلك ينبغي ألا نسمح لمن أساء إلينا بأن يتحكم في مشاعرنا، أو يدفعنا إلى التخلي عن مبادئنا. وقد جاءت الشرائع السماوية لتضع ميزانًا دقيقًا يجمع بين حفظ الكرامة وضبط النفس؛ فأُبيح للمظلوم أن يرد بمثل ما اعتُدي عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾. وهو حق يكفل للإنسان ألا يكون مستباحًا، لكنه في الوقت نفسه يقيّده بالعدل، حتى لا تتحول الرغبة في الإنصاف إلى ظلم جديد.

غير أن بعض الناس يتخذون من الإساءة ذريعة للانتقام، فيردون الصاع صاعين، وربما أكثر. هنا لا يتكلم العقل، بل يتكلم الكبرياء الجريح، فيتوهم صاحبه أن قسوة الرد دليل قوة، مع أن التجارب أثبتت أن كثيرًا من الخصومات الكبيرة بدأت بكلمة تجاوزت حدود العدل.

وفي المقابل، يبلغ الإنسان مرتبة أسمى حين يدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فليس كل استفزاز يستحق جوابًا، وليس كل معركة تستحق أن تُخاض. وليس في ذلك استسلام ولا ضعف، وإنما هو إعلان عن سمو النفس، واختيار واعٍ بعدم السماح للجهل أن يجر الإنسان إلى مستواه. وأفضل رد على بعض المسيئين ألا تمنحهم المكانة التي يبحثون عنها في ذهنك؛ فبعض الناس لا يريدون الانتصار في النقاش بقدر ما يريدون استنزافك نفسيًا وإشغالك بهم.

ومن المواقف التي يمر بها كثير من الناس أنهم يُصابون بالذهول عندما يفاجَؤون بالإساءة، فتنعقد ألسنتهم ويعجزون عن الرد في اللحظة نفسها. ويغادرهم الجواب حين يكونون في أمسّ الحاجة إليه، ثم تتدفق الكلمات بعد انقضاء الموقف، فيلومون أنفسهم لأنهم لم يقولوا ما كان ينبغي أن يُقال.

ويفسر علم النفس هذه الحالة بأن الدماغ، عندما يتعرض لموقف صادم أو مهين بصورة مفاجئة، يدخل في لحظة قصيرة من التوقف المؤقت تعطل سرعة الاستجابة. وهنا يكون الصمت استجابة طبيعية للمفاجأة، لا علامة على الضعف. ويزداد ذلك عند أصحاب النفوس المهذبة الذين لم يعتادوا لغة التجريح، فيجدون أنفسهم عاجزين عن مجاراة المسيء؛ لأن أخلاقهم تأبى أن تنحدر إلى المستوى الذي اختاره لنفسه.

ويكون الصمت أحيانًا خيارًا واعيًا تمليه الحكمة وحسن تقدير العواقب؛ فقد يجد الإنسان نفسه أمام شخص يستقوي بمنصبه الوظيفي، أو بنفوذه السياسي، أو بحماية عشائرية، أو اجتماعية، فيدرك أن أي رد، مهما كان متزنًا، قد يجر عليه أضرارًا لا تتناسب مع حجم الإساءة. وفي مثل هذه المواقف يصبح الصمت قرارًا عقلانيًا، لا استسلامًا، وتأجيلًا للمواجهة إلى وقت تكون فيه العدالة، أو القانون، أو الظروف، أكثر إنصافًا.

فالحكمة لا تكمن في الصمت الدائم، كما لا تكمن في الرد المتسرع، وإنما في معرفة التوقيت المناسب لكل منهما. ومن الحكمة تحكيم العقل في اختيار المعركة التي تستحق أن تُخاض؛ فكسب معركة صغيرة قد يقود إلى خسارة أكبر. فالشجاعة الحقيقية لا تتمثل في الرد على كل إساءة، وإنما في القدرة على التمييز بين موقف تستوجب فيه الكرامة المواجهة، وآخر يكون تجاوزه أكثر حكمة وأقل كلفة.

ولعل اختيار الإنسان أسلوب الرد تعود جذوره إلى سنوات الطفولة؛ فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يواجه الخلاف والخصومة. فمن نشأ في بيئة يُعاقَب فيها الطفل على مجرد الاعتراض أو الدفاع عن نفسه، يكبر وهو يربط بين المواجهة والخطر، فيميل إلى الصمت والانسحاب كلما وقع في نزاع. أما من تربى على الحوار واحترام الرأي، فإنه يتعلم كيف يرفض الخطأ ويدافع عن حقه من دون أن يتحول هو نفسه إلى مخطئ.

وأستطيع أن ألمس هذا الأثر في تجربتي الشخصية. فقد نشأت في بيت كان الخوف من العقاب، ومن كلام الناس، حاضرًا بقوة، وكان تجنب المشكلات فضيلة لا يُعلى عليها، سواء كنت مخطئًا أم مظلومًا. وبعد سنوات أدركت أن تربية الأبناء على حسن الخلق يجب أن يصاحبها تعليمهم كيف يدافعون عن حقوقهم بأدب، وكيف يضعون للآخرين حدودًا واضحة من غير إساءة أو عدوان. وربما أصبح من الضروري في زماننا أن يتعلم الأبناء فنون الدفاع عن النفس التي تمنحهم الثقة والانضباط، ليكونوا قادرين على حماية أنفسهم عند الحاجة.

وفي واقعنا اليوم، نرى نماذج تتوهم أن الوقاحة شجاعة، وأن رفع الصوت قوة، وأن التجاوز على الآخرين دليل جرأة. والأسوأ من ذلك أنهم يطلقون على هذا السلوك اسم “الصراحة”. وما أبعد الصراحة عن الوقاحة؛ فالصراحة احترام للحقيقة، أما الوقاحة فهي ازدراء للناس وإهانة لمشاعرهم. ومن قيمنا الاجتماعية التي نشأنا عليها احترام الكبير، وتقدير أصحاب المقامات الرفيعة، وأهل العلم والخبرة، وهي قيم لا يستقيم المجتمع السليم إلا بها. ومن يظن أن الانتقاص من الآخرين أو كسر هيبتهم يرفع من شأنه، فإنما يخفي شعورًا بالنقص خلف ضجيج الكلمات.

ويعيش الإنسان صراعًا داخليًا مؤلمًا حين يجد نفسه عاجزًا عن الرد، وربما يحرمه ذلك من النوم وهو يستعيد الموقف مرة بعد أخرى، ويتخيل ما كان يمكن أن يقوله، ويلوم نفسه لأنه لم يقله. وفي مثل هذه الحالات تصبح الكتابة متنفسًا يفرغ فيه الإنسان غضبه، فيحول انفعاله إلى فكرة، وألمه إلى تجربة، وربما إلى مقال يجد فيه الآخرون شيئًا من أنفسهم. ورغم الألم، فإن تأجيل أي رد حتى يهدأ الغضب، بل وحتى الركون إلى النوم، هو الخيار الأسلم؛ فما أكثر الكلمات التي ندمنا عليها لأنها خرجت في لحظة انفعال، وما أكثر الكلمات التي حمدنا الله أننا لم نقلها.

ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان هو انتصاره على نفسه قبل انتصاره على خصمه. فالكرامة تُصان بما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ، وبألا يسمح لإساءة عابرة أن تنتزع منه أدبه، أو تدفعه إلى أن يصبح صورة أخرى لمن أساء إليه. فالصمت أمام السفهاء وقار، والرد الحكيم عند الحاجة شجاعة. وليس كل صمت فضيلة، ولا كل رد انتصارًا؛ فالانتصار الحقيقي أن تخرج من الموقف محتفظًا بكرامتك، محافظًا على أخلاقك، مطمئن الضمير، لأنك انتصرت للإنسان الذي تريد أن تكونه. أما انتصار الغضب، فلا يلبث أن يزول. وخير ما اختتم به مقالتي المتواضعة، بيتين للإمام الشافعي:

إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ   

فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ

*

فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ         

وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

"أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين السلطة والحقوق"

أولاً- مفهوم مبدأ التناسب: يُعد مبدأ التناسب من المبادئ القانونية والفلسفية الأساسية التي تقتضي الموازنة بين الوسائل المستخدمة والغايات المراد تحقيقها، بحيث لا تكون القيود أو الأضرار الناتجة عن الإجراء القانوني مفرطة مقارنة بالمصلحة أو الفائدة المتحققة منه.

ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق العدالة ومنع التعسف في استعمال السلطة، بما يضمن التوازن بين الحقوق والمصالح المتعارضة.

وقد تبلور هذا المبدأ بصورته الحديثة في القضاء الإداري الألماني أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما في أحكام المحكمة الإدارية البروسية العليا، ثم انتقل إلى القضاء الدستوري الألماني ليصبح أحد المبادئ الأساسية في الرقابة على دستورية القوانين، قبل أن ينتشر لاحقاً في مختلف فروع القانون الوطني والدولي.

ثانياً- عناصر مبدأ التناسب:

يقوم مبدأ التناسب على ثلاثة عناصر رئيسة:

1- الملاءمة: أن تكون الوسيلة المختارة صالحة ومناسبة لتحقيق الهدف المشروع.

2- الضرورة: اختيار الوسيلة الأقل تقييداً للحقوق والأقل إضراراً بالمصالح من بين جميع الوسائل المتاحة التي تحقق الهدف ذاته.

2- التناسب بالمعنى الضيق: إجراء موازنة دقيقة بين المنافع المتحققة والأضرار الناجمة عن الإجراء، بحيث لا يُضحّى بمصلحة جوهرية من أجل تحقيق مصلحة أقل أهمية.

ثالثاً- مبدأ التناسب في القانون الدستوري وحقوق الإنسان:

أصبح مبدأ التناسب أحد أهم أدوات الرقابة الدستورية على القوانين والقرارات الإداريةالتي تمس الحقوق والحريات العامة.

ويُعرف في الفقه الدستوري بـ "اختبار التناسب" الذي يتضمن عادة أربعة شروط:

1- وجود هدف مشروع.

2- أن تكون الوسيلة ملائمة لتحقيقه.

3- أن تكون الوسيلة ضرورية ولا يوجد بديل أقل تقييداً للحقوق.

4- تحقيق توازن معقول بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

وتستند المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحاكم الاتحاد الأوروبي إلى هذا الاختبار عند تقييم مشروعية القيود المفروضة على الحقوق والحريات الأساسية.

تطبيق قضائي: (الموازنة بين الحياة الخاصة وحرية التعبير)

الحكم: محكمة النقض الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 8 ديسمبر 2021 (رقم 20-13.560).

الوقائع: نشرت صحيفة "لوموند" مقالاً تضمن فحوى محادثات هاتفية بين وزير سابق وابنته، تم تسجيلها أثناء إجراءات قضائية كانت جارية ضده. بناءً على ذلك، رُفعت دعوى قضائية للمطالبة بتعويض عن الأضرار الناتجة عن انتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة.

المبدأ القضائي: أكدت محكمة النقض على قاعدة جوهرية وهي:

أن الحق في احترام الحياة الخاصة والحق في حرية التعبير يتمتعان بقيمة قانونية متساوية، ولا يطغى أحدهما على الآخر بصفة مطلقة مسبقاً.

وبناءً على هذا التساوي، يقع على عاتق "قاضي الموضوع" إيجاد التوازن بينهما عبرمسارين:

التوفيق: محاولة الموازنة بين المصلحتين المتعارضتين.

المفاضلة: لتحديد الحق الأَوْلى بالرعاية، أي إعطاء الأولوية للحق الذي يحمي المصلحة الأكثر مشروعية في ضوء ظروف الدعوى وملابساتها.

وطبقت المحكمة اختبار التناسب من خلال الموازنة بين الحقين المتعارضين، مستندةً إلى معايير متعددة، منها:

مدى مساهمة النشر في نقاش يهم الرأي العام، وصفة الشخص المعني، وطبيعة المعلومات المنشورة، وسياق النشر وآثاره.

وانتهت المحكمة إلى أن نشر تلك المعلومات كان متناسباً مع الهدف المشروع المتمثل في إطلاع الجمهور على مسألة ذات أهمية عامة، وأن التقييد الواقع على الحق في الحياة الخاصة لم يكن مفرطاً مقارنة بالمصلحة العامة المتحققة.

رابعاً- مبدأ التناسب في القانون الجنائي

يقوم مبدأ العدالة الجنائية على ضرورة تناسب العقوبة مع جسامة الجريمة المرتكبة،فلا تكون العقوبة أشد من مقتضيات الردع والعدالة، ولا أخفَّ بما يخلّ بحمايةالمجتمع، ويتجسد ذلك بما يأتي.

1- كتاب "في الجرائم والعقوبات":

شكّل مؤلَّف الفقيه الإيطالي سيزار بيكاريا نقطة تحول مهمة في الفكر الجنائي الحديث،إذ دعا إلى ربط العقوبة بمدى خطورة الفعل الإجرامي، ورفض العقوبات المفرطة والقاسية التي كانت سائدة في الأنظمة القديمة.

2- التناسب في الدفاع الشرعي: يظهر المبدأ بصورة واضحة في حالات الدفاع الشرعي؛ إذ يُشترط أن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع الخطر المهدِّد، فلا يجوز -كأصلعام- استخدام قوة مميتة لمواجهة اعتداء غير مميت، إلا إذا كان ذلك هو الوسيلةالوحيدة اللازمة لدفع خطر حالٍّ يهدد النفس أو الغير.

خامساً- مبدأ التناسب في القانون المدني:

يُعد مبدأ التناسب من المبادئ التوجيهية التي تحكم العلاقات المدنية، ويظهر ذلك فيتطبيقات قانونية متعددة:

1- الدفاع الشرعي عن النفس أوالمال.

2- المسؤولية التقصيرية والتعويض: يجب أن يكون التعويض متناسباً مع حجم الضررالفعلي الذي لحق بالمضرور، بما يجبر الضرر تماماً دون أن يؤدي إلى إثراء غير مشروعأ وانتقاص من حقوق المتضرر.

3- العقود وحسن النية: يفرض مبدأ حسن النية أن تكون الالتزامات التعاقديةوالشروط الجزائية متناسبة مع طبيعة الالتزام ومحل العقد، وألا تنطوي على تعسف أو استغلال للطرف الضعيف.

4- إجراءات التنفيذ والتقاضي: يجب أن تكون الإجراءات التحفظية والتنفيذية متناسبةمع قيمة الحق المطلوب حمايته، وألا يترتب عليها ضرر للمدين يفوق المنفعة المرجوة للدائن.

سادساً- مبدأ التناسب في القانون الإداري:

يُعد مبدأ التناسب من أهم الضمانات القانونية المقررة للموظف العام، إذ يحمي الوظيفة العامة من الإفراط في التشدد أو التساهل عند توقيع الجزاءات التأديبية.

وتخضع العقوبة التأديبية لرقابة القضاء الإداري من خلال "نظرية الخطأ الظاهر (أو الجسيم) في التقدير"، والتي تسمح للقاضي بالتدخل عندما يكون تقدير الإدارة للمخالفة أو العقوبة مشوباً بعدم تناسب واضح.

معايير التناسب في العقوبة التأديبية

1- المعايير الموضوعية: وتشمل طبيعة المخالفة، درجة جسامتها، حجم الضرر الناتجعنها، وأثرها في سير المرفق العام.

2- المعايير الشخصية: وتشمل السيرة الوظيفية للموظف، تاريخه التأديبي، ظروفه الشخصية، والملابسات المحيطة بارتكاب المخالفة.

سابعاً- مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنسان

***

فارس حامد عبد الكريم

 

في خضم الحياة تتولد طاقات فكرية لا تهدأ، تعود دائمًا إلى السؤال الذي يسبق الاعتقاد، وإلى الحيرة التي تسبق اليقين المكتسب منذ الولادة. هناك، في اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى ذاته للمرة الأولى، يبدأ البحث الحقيقي؛ لا بحثًا عن إجابات جاهزة، بل عن السؤال الذي ظلّ مختبئًا تحت طبقات الزمن، ينتظر من يوقظه. ربما لم يكن الإنسان بحاجة إلى مزيد من الحقائق، بقدر حاجته إلى أن يعرف كيف وُلدت حقائقه الأولى.

هل سمعت بمصطلح الغفصَة؟

إنها ليست ازدحام الطرق ولا صخب المدن، بل ازدحام الأفكار الذي يجعل صوت الخارج أعلى من صوت الداخل. هي ذلك الضجيج الذي لا يمنعك من التفكير، بل يوهمك أنك تفكر، بينما أنت تعيد ترتيب أفكارٍ وصلت إليك قبل أن تمنحها حق السؤال. إنها اللحظة التي يصبح فيها الانشغال بديلًا عن التأمل، والاعتياد بديلًا عن الفهم.

وسط هذه الغفصَة، يحاول الإنسان أن يمسك بالخيط الأول الذي تشكلت منه قناعته، لكنه يكتشف أنّ الخيط لم يكن منفردًا؛ فقد امتزج بالتجربة، واللغة، والذاكرة، والخوف، والرغبة في الانتماء. وعندما يحاول فصله عن بقية الخيوط، يدرك أنّ كثيرًا مما ظنه صوته الخاص لم يكن سوى صدى طويل لأصوات سبقت حضوره إلى هذا العالم.

بعض الناس يعبرون الحياة مطمئنين إلى ما وجدوه جاهزًا، فيرون في اليقين راحة، وفي السؤال عبئًا لا ضرورة له. وآخرون يقفون على حافة المعنى، يراقبون ويترددون، ثم يقررون أن يعبروا نحو الضفة الأخرى، لا لأنهم يرفضون ما ورثوه، بل لأنهم يريدون أن يفهموه. فالعقل الذي وهبنا الله إيّاه لم يُخلق ليكون مخزنًا للقناعات، وإنما نافذة نطلّ منها على العالم، فنرى، ونسأل، ونراجع، ونكتشف.

منذ أن خط الإنسان أول علامة على حجر، ثم ملأ بطون الكتب بحكاياته وتأملاته، وهو يترك أثرًا لمن يأتي بعده، كأنه يقول: "هنا مررت." غير أنّ التاريخ لا يسلمنا الحقيقة كاملة، بل يسلمنا محاولات الإنسان لفهمها. ليست الغفصة في تراكم المعرفة، بل في الاعتقاد أنّ ما وصل إلينا هو النهاية، وأنّ الأسئلة قد أغلقت أبوابها إلى الأبد.

الفلسفة لا تبحث عن حقيقة تُغلق الأبواب، بل عن سؤال يظل قادرًا على فتحها، لا عن يقين تهدمه، بقدر ما يشغلها أن تفهم الطريق الذي قاد إليه. تسأل عن البدايات أكثر مما تنشغل بالنهايات، كيف وُلدت الفكرة؟ ولماذا استقرت؟ وهل كان يمكن أن تسلك طريقًا آخر؟ لذلك تبقى كلّ إجابة بدايةً لسؤال جديد، لأنّ الحقيقة ليست محطة يصل إليها العقل، بل أفقٌ يتسع كلما اقترب منه.

 لعلّ أخطر ما في الغفصة أنها لا تسلب الإنسان حريته دفعة واحدة، بل تستعير صوته بهدوء، حتى يظن أنّ ما يقوله خرج من أعماقه، بينما هو يعيد تدوير كلماتٍ استقرت فيه منذ زمن بعيد. عندها يصبح التمييز بين ما اختاره بإرادته، وما تشكل فيه عبر الأيام، هي مهمة تحتاج إلى شجاعة أكثر مما تحتاج إلى معرفة.

في حياة الإنسان تتراكم التجارب، والموروثات، واللغة، والصور، والذكريات، حتى تصبح جزءًا من طريقته في النظر إلى العالم. ومع مرور الزمن، قد يخيّل إليه أنّ اختياراته ولدت من إرادته الخالصة، بينما شاركت في صياغتها عوامل رافقته منذ البدايات. وهنا لا يكون المطلوب أن يرفض الإنسان كل ما ورثه، بل أن يمنح موروثه فرصةً للمرور عبر وعيه، لموروث لا يفقد قيمته حين يمر عبر التأمل، بل يكتسب عمقًا جديدًا، فالفكرة التي يفهمها الإنسان تبقى في وعيه بصورة تختلف عن الفكرة التي يرددها بحكم الاعتياد.

الكلمة الصادقة قادرة على أن تشق طريقها وسط كل هذا الزحام؛ لأنها لا تبحث عن التصفيق، ولا تسعى إلى الانتصار في جدل عابر، بل تنشد المعنى. فالسؤال الذي توقظه النفس قد يكون أصدق من جوابٍ يُظنّ أنه الكلمة الأخيرة. 

الحقيقة لا تطلب منّا أن نمتلكها، بل أن نبقى جديرين بالسير إليها. ما بقي السؤال حيًا، لن تكون الغفصة قادرة على أن تهزم الوعي، لأنّ الإنسان لا يكبر بما يحفظه من أجوبة، بل بما يمتلكه من شجاعة ليعيد النظر فيما يظنه يقينًا.

أيها الورد... جئت إليكم بهدوء، لا لأقدم حقيقة نهائية، بل لأشارككم دهشة الرحلة. فإنّ لامست كلماتي شيئًا في أعماقكم، فلأننا جميعًا نعبر الطريق ذاته، ونحمل في داخلنا السؤال نفسه، وإن اختلفت الإجابات، فما زالت الحياة تستحق أن تُعاش، أحبّكم جميعًا.

***

فؤاد الجشي

هل يكفي "تنظيف الدرج من الأعلى"؟.

لطالما ترددت في أدبيات الإصلاح الإداري والسياسي مقولة شهيرة تُشَبّه مكافحة الفساد بـ "تنظيف الدرج"، مؤكدة أن عملية التطهير يجب أن تبدأ حتماً من الأعلى إلى الأسفل؛ فإذا صلح الرأس صلح الجسد، على حد هذا الرأي.

ورغم الجاذبية النظرية البسيطة لهذا الطرح، إلا أن الاصطدام بالواقع العملي، لا سيما في البيئات السياسية المعقدة التي يتغلغل فيها نفوذ النخب، يكشف عن ثغرة بنيوية تجعل من هذا المسار الأحادي عملاً قاصراً، بل ومحكوماً بالفشل.

إن القراءة الواقعية لظاهرة الفساد تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الأعلى أو الأسفل، بل في تبني إستراتيجية "المسار المزدوج" التي تعمل على تطهير الطرفين معاً وفي آن واحد.

ثغرة الرأس: لماذا يتعطل البدء من الأعلى بمفرده؟

عندما يمتلك الساسة والمسؤولون الكبار نفوذاً واسعاً وشبكات مصالح متقاطعة، فإنهم ينجحون في بناء "حصانة واقعية" تحميهم من الملاحقة القانونية، عبر شبكة من الوسطاء يتم التضحية بهم بمجرد تكشف أولى خيوط الفساد.

في ظل هذه الظروف، يواجه مبدأ "التنظيف من الأعلى" معضلتين بنيويتين:

1- حلقة القرار المفرغة: بما أن قرار مكافحة الفساد وإطلاق حملات التطهير يصدر عادة من السلطة العليا، فإن انتظار البدء من الأعلى يعني رهن الإصلاح برغبة وإرادة الجهات التي تحتاج هي نفسها إلى التطهير والمحاسبة.

2- الاستغلال السياسي للمكافحة: يتحول شعار مكافحة الفساد في البيئات عالية النفوذ إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية؛ حيث تُستهدف الرؤوس الضعيفة أو الخارجة عن التحالفات الحاكمة، بينما تظل الرؤوس الأكثر نفوذاً محمية ومحصنة تحت مظلة التوازنات السياسية.

التلازم الحتمي: لماذا يتلكأ الأسفل بفشل الأعلى؟

إن الترابط بين مستويات الفساد ليس ترابطاً إدارياً بحتاً، بل هو ترابط نفسي وثقافي وثيق.

وإذا فشلت الدولة في تنظيف الهرم من قمته، فإن أي محاولة لإصلاح القاعدة وتطهير الأسفل ستصاب حتماً بالتلكؤ والجمود لسببين رئيسيين:

أولاً- غياب القدوة والعدوى الأخلاقية: حين يرى صغار الموظفين وعامة المواطنين أن كبار المسؤولين ينهبون الموارد العامة دون حساب، يترسخ لديهم شعور حاد بالظلم والإحباط. عندئذ يتحول التزام الموظف الصغير بالقانون في نظر محيطه إلى نوع من "السذاجة"، وتتحول الرشوة الصغيرة إلى "آلية تعايش" مبررة أخلاقياً لمواجهة صعوبات الحياة، تحت وطأة شعور عام بأن "الكبار يسرقون الملايين، فلماذا نُحاسب نحن على الفتات؟".

ثانياً- الحماية العكسية وتكامل البيئة الفاسدة: لا يمكن لفساد الأعلى أن ينمو وينجو دون بيئة إدارية "مرنة" وفاسدة في الأسفل لتمرير المعاملات، وتوقيع العقود المشبوهة، وتغطية الثغرات. لذلك، يعمل المتنفذون في القمة على حماية شبكات الفساد الصغير في القاعدة وتغذيتها، لتكون بمثابة درع واقٍ وغطاء إجرائي لفسادهم الأكبر.

الحل في "المسار المزدوج": ملاقط الضغط المشترك:

لتجاوز هذه الحلقة المفرغة، ومن منظور هذه الرؤية الإستراتيجية، فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إلا بضربة متزامنة عبر اتجاهين يلتقيان في المنتصف:

1. مسار الضغط الصاعد (من الأسفل): التحصين البنيوي والمجتمعي وذلك من خلال تبسيط الإجراءات ورقمنة المعاملات لتقليل الاحتكاك البشري، وتأمين قنوات آمنة ومحمية للإبلاغ عن الفساد، مع تفعيل قوانين حماية المخبرين وتقديم مكافآت مالية مجزية لهم.

2. مسار الضغط الهابط (من الأعلى): الردع القضائي الحاسم عبر تمكين قضاء مستقل تماماً، لا يخضع للتوازنات أو التسويات السياسية، ويملك الجرأة والغطاء الدستوري لملاحقة الرؤوس الكبيرة وهذا ما تبنته اغلب دساتير العالم ، وهذا يعني إرسال رسالة ردع واضحة مفادها: "لا أحد فوق القانون"، وهذا ما نصت عليه اغلب دساتير العالم، ومنها الدستور العراقي.

في نهاية المطاف، إن مكافحة الفساد ليست خياراً بين قمة الهرم أو قاعدته؛ فالتركيز على الأعلى منفصلاً يصطدم بجدار النفوذ السياسي المنيع، والتركيز على الأسفل منفرداً يواجه جدار الإحباط وغياب القدوة.

موجز القول: إن الفساد منظومة متكاملة تحمي أطرافها بعضاً، ولا يمكن تفكيكها إلا بـفكي ملاقط يطبقان عليها معاً: قضاء مستقل يضرب في الأعلى، ومجتمع محصّن تقنياً وقانونياً يكشف ويحارب في الأسفل.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد -2026

روعة القص وثراء الدروس المستنبطة

يحتل القصص القرآني مكانة مدهشة في البناء المعرفي والتربوي للإنسان، إذ لم يرد القصص في القرآن الكريم على سبيل التسلية أو السرد التاريخي المجرد، فحسب، وإنما جاء حاملاً رسائل الهداية، ومشاعل الإيمان، والدروس التي تهذب السلوك، وتبني الإنسان، وتوجه المجتمع نحو قيم الحق، والخير، والعدل.

وقد امتاز القصص القرآني بخصائص فريدة، جعلته يتجاوز حدود الزمان والمكان، فهو يجمع بين جمال البيان، وصدق الحدث، وسمو الغاية، وروعة التصوير الفني، حتى أصبح نموذجاً رفيعاً في فن القص والسرد، يستلهم منه الأدباء، والباحثون في ابداعتهم، أساليب التعبير البليغ، والتأثير العميق، والإقناع التام.

وتتجلى روعة القص القرآني في التنوع الكبير لموضوعات التناول، والشخصيات والأحداث، فمن قصص الأنبياء عليهم السلام نستخلص معاني الصبر والثبات، والدعوة بالحكمة، كما في قصة نوح عليه السلام مع قومه، وقصة إبراهيم عليه السلام في مواجهة الشرك، وقصة موسى عليه السلام في مقاومة الطغيان، وقصة يوسف عليه السلام التي تجسد أسمى معاني العفة، والصبر والتسامح، وحسن التدبير.

ومن الخصائص البلاغية المبهرة في القصص القرآني، تكرار بعض القصص في أكثر من موضع، غير أن هذا التكرار لا يأتي على صورة واحدة مملة، وانما يحمل في كل موضع بعداً جديداً، أو زاوية مختلفة، تخدم السياق والمعنى، الأمر الذي يكشف عن إعجاز بياني فريد لاسلوب القص القرآني، يجمع بين التنوع والوحدة في آن واحد.﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف: 111)

ولا ريب إن قصص القرآن الكريم ليست حكايات من الماضي، بل هي منهج حياة متجدد، يخاطب الإنسان في كل عصر، ويمنحه البصيرة في مواجهة التحديات، ويزرع فيه الأمل، والثقة واليقين، بأن العاقبة للحق وأهله، وأن الصبر مقرون بالفرج، وأن الظلم مهما طال أمده، إلى زوال.

وفي زمن تتسارع فيه وسائل التأثير، وتتنافس فيه الروايات والأفكار على تشكيل الوعي، يبقى القصص القرآني، منبعاً أصيلاً للتربية والإلهام، ومصدراً ثرياً للقيم الإنسانية والروحية، ودعوة دائمة للتأمل في سنن الله في الكون، والحياة، والإنسان.﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (سورة القصص: 5)

وهكذا يلاحظ أن القرآن الكريم أراد من قصصه، أن تكون جسوراً تربط الماضي بالحاضر، والعبرة بالواقع، والإيمان بالعمل، لتظل هذه القصص نبراساً يضيء دروب البشرية، ومورداً لا ينضب من الحكمة، والرشاد، والهداية، والدروس المستنبطة، على قاعدة (﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يوسف: 111

***

نايف عبوش

منذ أن تقاعدتُ عن العمل قبل أعوام قليلة، آثرتُ حياةً أكثر هدوءاً، ففضّلت البقاء في المنزل إلا للضرورة، ووجدتُ في القراءة والكتابة خيرَ رفيقين أقضي بهما وقتي كلما أسعفني بصري، إلى جانب بعض الأعمال البسيطة في الحديقة.

وكان من أهم ما سعيت إليه أن أبتعد عن كل ما يجرّ إلى الجدل العقيم والمهاترات التي لا طائل منها، ولا سيما بعد أن أصبحت أجد كثيراً من المجالس لا تدور إلا حول السياسة أو الدين؛ وهما موضوعان يتحدث فيهما الجميع بثقة لافتة، يفسرون الأحداث ويؤوّلونها، ويبدون آراءهم وكأنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة. بل إن بعضهم لا يتردد في الخوض في أي مجال آخر، مدعياً الإحاطة بكل جوانبه.

وكنت، كلما استمعت إلى تلك الثقة المطلقة، أتساءل عن قصور معرفتي وهل أنا المقصّر في ذلك؟ وهل مضى هذا العمر الطويل دون أن أكتسب من المعرفة مثلما اكتسبه غيري؟ أم أنني ببساطة أكثر إدراكاً لحدود ما أعرف؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات، شرعت أبحث في ظاهرة تُعرف في الفلسفة وعلم النفس باسم “وهم المعرفة”، محاولاً أن أفهم لماذا نشك أحياناً في قدراتنا المعرفية، "رغم وعينا بمحدوديتها"، بينما يُظهر آخرون ثقةً لا تتناسب مع ما نعرفه عنهم من علم أو اطلاع. فتتبعت آراء الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، قديماً وحديثاً، فوجدت فيها ما يستحق أن أشاركه معكم؛ لعلنا نتأمل معاً هذه الظاهرة التي باتت أكثر حضوراً في حياتنا، في زمنٍ كثر فيه مدّعو المعرفة، وقلّ فيه الاعتراف بحدودها.

وكان اول من استوقفتني آراؤه هو المفكر وعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، لأنه كان الأعرف بطبيعة المجتمع العراقي وتناقضاته، ولعل أفكاره تختصر عليَّ الطريق إلى فهم هذه الظاهرة، وتمنحني تقييماً أكثر إنصافاً لنفسي، بعيداً عن الشعور بالقصور.

لم يستخدم الدكتور علي الوردي مصطلح “وهم المعرفة” بصيغته الحديثة، إلا أن كثيراً من أفكاره تتوافق معه بوضوح. فقد رأى أن من أخطر أمراض الفكر أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة كاملة، وأن يزداد يقينه بنفسه كلما ضاقت معارفه. وكان يؤكد أن محدودية المعرفة كثيراً ما تقترن بالثقة المفرطة، في حين أن اتساع المعرفة يولّد التواضع والشك المنهجي. كما انتقد الوردي هيمنة التفكير القائم على الحق المطلق والباطل المطلق، وعدّه سبباً في التعصب الفكري ورفض الآراء المخالفة. فالإنسان الذي يتوهم امتلاك الحقيقة لا يسعى إلى الحوار أو البحث، بل إلى الانتصار لرأيه وإدانة الآخرين. وفي كتاباته، ولا سيما في نقده للوعظ التقليدي، بيّن أن أخطر صور الجهل أن يجهل الإنسان حدود معرفته، فيظن نفسه مفسراً للناس وللمجتمع، وهو في الحقيقة بعيد عن فهم الواقع وتعقيداته. لقد صاغ الوردي معادلة بليغة تختصر هذه الآفة النفسية والاجتماعية في قوله: "كلّما ازداد الإنسان غباءً، ازداد يقيناً بأنه أفضل من غيره في كل شيء".

ومن هنا دعا الوردي إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بنسبية الفهم، وإخضاع الأفكار للمراجعة والنقد المستمر، لأن بداية الحكمة، في نظره، هي إدراك الإنسان أن معرفته، مهما اتسعت، ستظل ناقصة وقابلة للتصويب.

ولم يكن هذا المعنى غائباً عن تراثنا العربي والإسلامي، فقد لخّص الحكماء هذه الحقيقة بقولهم:

الناس أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاتبعوه. ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافل فنبهوه. ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك مسترشد فأرشدوه. ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق فاحذروه.

كما عبّر الإمام الشافعي عن هذه الحقيقة بأبلغ عبارة حين قال: “كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي.” وهذه الكلمات تختصر حقيقة عميقة، وهي أن الجهل بطبيعته مخدّر؛ يمنح صاحبه شعوراً زائفاً باليقين والثقة، لأنه لا يرى التعقيدات التي تكشفها المعرفة. أما العلم الحقيقي، فيولد التواضع، ويجعل صاحبه أكثر وعياً بما يجهل.

وأذكر في هذا المقام موقفاً لا يزال عالقاً في ذاكرتي منذ أيام الدراسة للدكتوراه. فقد أوصاني أستاذي المشرف، رحمه الله، قبل دخولي الامتحان الشفهي قائلاً: “إذا سُئلت عن أمر لا تعرفه، فلا تتردد في أن تقول: لا أعرف. فهذا الجواب خيرٌ من أن تجيب بما لا تعلم فتقع في الخطأ.” ولم أدرك آنذاك عمق هذه النصيحة كما أدركه اليوم؛ فقد كانت درساً مبكراً في التواضع المعرفي، وتعليماً بأن الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، وهو من صفات الباحث الحقيقي، وأن قول “لا أعلم” قد يكون أصدق جواب، يمكن ان يقدمه الباحث.

وقد جاءت الدراسات العلمية الحديثة لتؤكد هذه الحقيقة. ففي عام 1999 نشر عالما النفس الامريكيان ديفيد دانيج وجاستن كروجر دراسة أصبحت من أشهر الدراسات في علم النفس، وصاغا ما يعرف اليوم بـ “تأثير دانيج-كروجر”. وتبين هذه النظرية أن الأشخاص ذوي المعرفة أو المهارة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، لأنهم يفتقرون إلى المهارات التي تمكّنهم أصلاً من اكتشاف أخطائهم أو إدراك حجم جهلهم. فهم لا يخطئون فحسب، بل يعجزون عن معرفة أنهم مخطئون.

ومن هنا ظهر ما يعرف بـ “منحنى المعرفة”. ففي بداية تعلم أي مجال يصل الإنسان إلى مرحلة من الثقة المفرطة، تُعرف مجازاً بـ “قمة جبل الغباء”، إذ يظن أنه أصبح خبيراً. ثم، كلما تعمق في التعلم، يكتشف اتساع ما يجهله، فتنخفض ثقته بنفسه فيما يسمى “وادي اليأس”. وبعد سنوات من التعلم والخبرة، تبدأ ثقته بالارتفاع من جديد، ولكنها تصبح ثقةً قائمة على الفهم والتواضع، لا على الوهم.

ولم تكن هذه الظاهرة غائبة عن كبار الفلاسفة عبر التاريخ. فسقراط، رائد التواضع المعرفي، عندما أعلنت كاهنة معبد دلفي أنه أحكم أهل أثينا، أخذ يحاور من يظنهم الناس حكماء، فاكتشف أنهم يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء، بينما هم يجهلون كثيراً. أما سقراط، فكان يدرك حدود معرفته، فخرج بمقولته الخالدة: “كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً.”

أما تشارلز داروين فقد لخّص هذه الظاهرة بقوله: “الجهل يولد الثقة أكثر مما تفعل المعرفة.”

وقال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “المشكلة الأساسية في العالم هي أن الحمقى واثقون تماماً من أنفسهم، بينما يملأ الشكُّ الأذكياء.”

ويُنسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس قوله: “المعرفة الحقيقية هي أن تعرف حدود جهلك.”

وهكذا، يتبين أن ما يسميه علماء النفس اليوم “وهم المعرفة” هو حقيقة أدركها الفلاسفة والحكماء والمفكرون منذ قرون، كلٌّ بلغته وأسلوبه. فقد التقى سقراط وكونفوشيوس والإمام الشافعي وعلي الوردي، ثم جاءت أبحاث دانيج وكروجر، على رسالة واحدة: كلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكه لما يجهله، وازداد تواضعاً في أحكامه.

ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعرفة، وإنما وهم امتلاكها؛ ذلك الوهم الذي يغلق باب التعلم، ويحول الحوار إلى صراع، والرأي إلى عقيدة لا تقبل النقاش. أما الاعتراف بحدود المعرفة، فلا ينتقص من الإنسان، بل هو أول الطريق إلى الحكمة، وأصدق دليل على نضج العقل ورقي الفكر. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نظن أننا وصلنا إلى النهاية، بل حين ندرك أن أمامنا دائماً ما نتعلمه، وأن اتساع الأفق يبدأ بالاعتراف بحدود ما نعرف.

فليس العاقل من يملك جواباً لكل سؤال، وإنما من يعرف متى يقول بثقة: «لا أعلم»؛ فهذه العبارة، على بساطتها، ليست اعترافا بالجهل فقد تكون بداية كل معرفة حقيقية.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

ولادة جديدة في فن الزهيري في الحكمة والفخر والغزل

في خطوة ثقافية وأدبية زاخرة تُضاف إلى سجل الإبداع الشعبي في الديرة، صدر عن دار سومر / الشرقاط، الجزء الأول من ديوان الأديب المبدع جمعة خلف الشرار الموسوم بـ (أدبيات الشرار) ليشكّل إضافة نوعية للمكتبة الأدبية الشعبية، وإسهامة مهمة في حفظ وتوثيق أحد أبرز الألوان الشعرية التراثية في الديرة، وهو فن الزهيري، الذي ظلّ عبر عقود طويلة مرآةً صادقةً تجسد حس الوجدان الشعبي وتجاربه الحياتية المتنوعة.

ويضم الديوان في جزئه الأول مئة واثني عشر بيتاً من الزهيري، توزعت موضوعاتها بين الحكمة والفخر والغزل، فضلاً عن موضوعات اجتماعية، وإنسانية، ووطنية متعددة، عكست ثراء التجربة الأدبية الزاخرة للمؤلف المبدع جمعة الشرار، وقدرته على تطويع هذا الفن الشعبي العريق، للتعبير عن مشاعر الإنسان، وقيم المجتمع، وموروثه الثقافي، والاجتماعي.

ويمتاز الأديب جمعة خلف الشرار بأسلوبه الساحر، الذي يجمع بين أصالة المفردة الشعبية، وجمالية الصورة الشعرية، وعمق المعنى، فجاءت نصوصه مكتضة بمضامين الحكمة، المستمدة من تجارب الحياة، ومجسدةً قيم الكرم والشهامة والوفاء، والاعتزاز بالهوية والانتماء، إلى جانب لوحات غزلية اتسمت بالرقة، والعذوبة، وجمال التعبير.

ويمثل إصدار (أدبيات الشرار) جهداً ابداعيا توثيقياً مهماً في مسيرة الأدب الشعبي للديرة، حيث يسهم في حفظ وصيانة هذا التراث الشعبي الشفاهي من الضياع، بتوثيقه ونقله من فضاء التداول الشفهي إلى فضاء التدوين والنشر، بما يتيح للأجيال الجديدة، والباحثين والمهتمين بالترات، الاطلاع على جماليات فن الزهيري، وما يحمله من قيم فنية، وإنسانية رفيعة.

ولاريب ان هذا الإصدار الرائع سيحظى باهتمام الأدباء، والباحثين، ومحبي الشعر الشعبي، والموروث الريفي، وأن يكون باكورة لأجزاء لاحقة، تستكمل مشروع المؤلف في جمع وتوثيق نتاجه الأدبي، بما يعزز حضور الأدب الشعبي ا في المشهد الثقافي المعاصر، ويؤكد استمرارية عطائه وتجدده.

كل التبريكات، للأديب المبدع جمعة خلف الشرار صدور هذا المنجز الأدبي، مع التمنيات الخالصة له بدوام التألق والإبداع، وأن يواصل عطاءه في رفد المكتبة العراقية والعربية، بإنتاجه الأدبي المتميز، الذي يجمع بين أصالة التراث، وروح المعاصرة.

***

نايف عبوش

"وللأوطان في دم كلّ حر

يدٌ سَلفت ودَيْنٌ مُستحَق"

ما هو الوطن وما هي المواطنة؟

مفاهيم لا تمتلك الوضوح الكافي في منظورنا وتصوراتنا؟!!

المواطن لم يهنأ بالوطن بل أشقاه وأصابه بالألم والأحزان.

الوطن الجغرافي والنفسي والروحي أصيب بمقتل.

ومما يُدهش أن الفترة التي حاول النظام السياسي أن يصنع فيها وجودا للوطن ومفهوما للمواطنة، تلاشت وتحزبت وتغربت، وتلتها عقود فقد الوطن فيها مفهومه ومعناه وتغلبت التوجهات الحزبية على التوجهات الوطنية، ولم يعد للبلاد قيمة وطنية وإنما كانت وسيلة أو قاعدة لتحقيق ما هو أبعد من المستحيل، بسبب غياب النظرة الموضوعية والتقدير العلمي، وفقدان القدرة على إيجاد العلاقة السليمة ما بين االوطن والوطنية والمواطنة.

فسادت مفاهيم ضبابية مؤلمة وذهبت موارده لتأمين مصالح الآخرين إذ تطوع بالمساعدات المجانية لهم، وتميّع الوطني وتشخصن إلى درجة غريبة لم تحصل إلا نادرا في التأريخ البشري.

وما عاد الوطن يذكر كوجود جغرافي وكيان إجتماعي يستوعب كل أبنائه، وإنما عبارة عن فرد، إذا تحبه فأنت وطني وبعكسه أنت ضد الوطن، فتحقق موقف سلبي ما بين الوطن الجغرافي والمواطن بسبب الإقران الشديد والمؤثر ما بين الفرد الحاكم والوطن المحكوم أو المملوك. والإقران ما بين الحاكم الفرد والوطن ليس جديدا فقد تكرر مرارا منذ قيام الدولة، وهو ظاهرة نفسية فريدة تستدعي الدراسة والفهم، وربما يكون ذلك لأسباب تأريخية وحضارية معقدة.

إن هذا الإقران الشرطي ما بين الفرد الحاكم والوطن، دفع بالمواطن إلى التعبير عن مشاعر غضبه وحنقه على الفرد بتوجيهها وإزاحتها نحو الوطن.

وهذا من أحد الأسباب الكثيرة التي دفعت إلى التعبير الغاضب بإتجاه البلد بعد التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة، لأنه لم يتمكن من الفصل ما بين الوطن الجغرافي الذي ينتمي إليه والفرد الذي اقترن بالوطن.

ويبدو أن هذا الإقران لا زال مؤثرا بسبب ما يدور من فعاليات تستنهض الذكريات وآليات اللاوعي في أعماق الفرد الذي يعاني من مأزق الإقران ما بين الحاكم والوطن.

وعلينا أن نعي هذه القوة الفاعلة في لا وعينا والتي تلقي بضلالها على سلوكنا وردود أفعالنا وتفاعلاتنا مع المتغيرات من حولنا وتشحنها بطاقات إنفعالية عالية.

إن في أعماقنا اليوم ديناميكيات معقدة من الصراعات والآليات التي ينجم عنها ما لا يخطر على بال، فهناك إقران سلبي ما بين الشخص والوطن والمشاعر المتولدة تجاه الشخص تنقلب على الوطن.

والتذكير بالحالة يؤجج المشاعر السلبية ويدفعها بإتجاه التعبير المضاد للوطن.

فعلى ما يبدو أن هناك إضطراب في السلوك الفردي والجماعي يؤثر في مسيرة الأحداث ورسم خطوات الحياة .

إن المواطن بحاجة إلى وعي هذا الإقران وهذه الإزاحة اللاشعورية لغضبه وتهكمه، وتحويلها إلى وسيلة لمنفعته وليس لإيذائه بالإنتقام من الوطن والمواطن.

وهذا الإقران السلبي تسبب في إزالة معالم تأريخية كثيرة ومهمة، فالأمم والشعوب تعتز بمسيرتها سواء كانت سلبية أو إيجابية، وتوثق مسيرة شعبها وتأريخ وطنها لكي تستفيد من دروس السلبيات، وتمارس ما هو إيجابي ومفيد للوطن الذي هو الوعاء الجغرافي الذي يضمها ويحقق وجودها العزيز، ويقرر مصير أجيالها التي تتفاعل على الأرض.

إن المتأمل لما يجري اليوم من أحداث وتطورات يدرك بأن القوى الفاعلة في الحياة هي ضحية هذا الإقران السلبي الذي يدفعها إلى إزاحة مشاعرها السلبية تجاه الوطن وابن الوطن.

لأن الإقران إكتسب صفة " شمولية الإقران" وربطه بكل ما يُذكّر بالفرد ويمت إليه بصلة ما مهما كانت، ونجم عن ذلك العديد من الصياغات التي لا تخدم المواطن وتؤذي الوطن.

إن الإقران الشخصي للوطن وإرتباط معانيه بالنظام السياسي أو الفرد الحاكم والفئة الحاكمة، جعل الوطن حالة غير ثابتة ووجود متغير لا قيمة له إلا بقيمة النظام أو الفرد الحاكم.

فالوطن بالنسبة للمواطن نظام حكم وحزب حاكم وفرد يحكم بالقوة.

وليس من السهل تحويل الوعي إلى حالة الوطن الجغرافي الذي يضم مكوناته ويؤسس لوجودها. وبسبب هذه النظرة فان المواطن لا يكترث بالوطن مثلما يكترث غيره من أبناء الأرض بأوطانهم.

وتراه ينهال على معالم وطنه بكل غضب وقسوة لأنها ليست إلا نظام حكم، وما دام هو في خصام مع نظام الحكم فسيبقى في خصام مع الوطن وسيسعى إلى التخريب.

إنها آليات إزاحة الغضب والرفض من نظام الحكم إلى الوطن الجغرافي الذي هو وطن نظام سياسي أو وطن فرد.

وعندما يغادر الإنسان وطنه يصاب بتأنيب الضمير الشديد حالما يواجه حالة الفعل الوطني، المعبَّر عنها بأساليب متنوعة في البلد الذي يلجأ إليه بسبب جَور الوطن الفردي أو السياسي عليه. وتراه بغتة يدرك بأنه ما كان قد ساهم في دوره بالمواطنة، وما عبّر عن إرادته في تقوية الوطن وإعلاء قيمته ويدرك فجأة إنه كان في وطن سياسي أو شخصي وليس كأي وطن في هذه الأرض، فتتحقق أزمة حادة في أعماقه وحنين دافق إلى أرضه وتتملكه قوة خيالية للعطاء الصحيح، ويرى أنه قد عاش في غياهب الأخطاء والضلالات.

وعندما يعود للتعبير عن وطنيته المتصورة والمقرونة بما رآه وعايشه في أوطان أخرى، يجد نفسه في صراع معقد لأنه قد حقق إقرانا مضاعفا لا يمتلك رصيدا كافيا من مفردات الواقع الذي يؤدي إلى النجاح.

إقران ما بين الوطن والفرد أو النظام الحاكم، وإقران ما بين الوطن والوطن الضبابي المتصور وهو ما نعانيه اليوم.

وهذا الإقران الشرطي ما بين الوطن والفرد يساعدنا على فهم وتفسير الإجهاز السياسي الدموي المتكرر عندنا والذي لم يحصل في دول الجوار.

فهذه القسوة ذات إتجاهين سياسي وفردي بسبب الإقران المتلاحم ما بين الحالتين القائمتين في الوعي الجمعي.

لا تَقرنوا بلادَنا بسيّئٍ

وتَرَشّدوا وتفحّصوا وتدبّروا

لا تّهْزموا عقولَنا وبديعَنا

بحابلٍ ونابلٍ لا تعْثروا

يا سادَتي إنّ العراق رائعٌ

فحاولوا أنْ تَعْرفوا وتُعبّروا

لا تجْعلوا نفوسَكمْ قوّامةً

فتعقّلوا وتوحّدوا وتنوّروا

ماضٍ مضى وقد جرى ما قد جرى

ليوْمنا وقادمٍ فتَحَضّروا

لا تقرنوا بباطلٍ وظالمِ

بلْ قارنوا ومَحّصوا وشاوِروا

***

د. صادق السامرائي

 

من يمنح الحرية لجاهلٍ، كمن يمنح سلاحاً لمجنون

 الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس يرون أن الحرية، إذا لم تُصاحبها المعرفة والوعي والنضج الأخلاقي، قد تتحول من نعمةٍ إلى مصدرٍ للقلق والتعاسة.

الحرية ليست مجرد غياب القيود، وإنما هي القدرة الفعلية على الاختيار المسؤول قولاً واحداً. وكلما اتسعت مساحة الحرية، ازدادت مسؤولية الإنسان عن قراراته ونتائجها.

وإذا كان الإنسان يفتقر إلى الوعي والنضج، فإنّه قد يسيء استخدام حريته، وسيقع في مستنقع الحيرة والفوضى والندم.

لقد أشار الفيلسوف إريك فروم في كتابه " الهروب من الحرية " إلى أن بعض الناس يخشون الحرية لأنها تُحمّلهم مسؤولية الاختيار، فيفضّلون الهروب إلى التبعية أو الامتثال للجماعة، لأن ذلك يعفيهم من عبء اتخاذ القرار.

كما أنّ " جان بول سارتر " رأى أن الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، أي أنه لا يستطيع التهرب من مسؤولية اختياراته، وهذه المسؤولية قد تولّد القلق الوجودي إذا لم يمتلك الإنسان رؤية واضحة لحياته.

ومن منظورٍ نفسي واجتماعي، يمكن القول إن الحرية بلا وعي تؤدي إلى:

تضخم الرغبات دون ضابط.

العجز عن اتخاذ القرار بسبب كثرة الخيارات.

الوقوع في الإدمان أو السلوكيات الهدامة باسم الحرية الشخصية.

فقدان المعنى، عندما تصبح الحرية غاية في ذاتها لا وسيلة لتحقيق حياة أفضل.

الشعور بالوحدة والاغتراب نتيجة غياب المرجعيات الفكرية والأخلاقية.

أما الحرية المصحوبة بالوعي، فهي تختلف جذريًا:

 إذ يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين ما يريده وما ينبغي أن يريده، وبين الرغبة العابرة والمصلحة الحقيقية. فالوعي يمنح الحرية اتجاهًا، والنضج يمنحها حكمة، والأخلاق تمنحها حدودًا تحفظ كرامة الفرد والمجتمع.

ولعل من أجمل ما يمكن قوله في هذا السياق:

ليست المشكلة في أن يكون الإنسان حرًا، بل في أن يكون حرًا قبل أن يتعلم كيف يستخدم حريته. فالحرية بلا وعي قد تتحول إلى فوضى، وبلا مسؤولية قد تصبح عبئًا، وبلا قيم قد تنقلب إلى طريق يقود الإنسان إلى تعاسته بدلًا من تحقيق إنسانيته.

ولهذا يمكن أن نقول:

الحرية ليست نقيض القيود، بل نقيض الجهل. وكلما ازداد الإنسان وعيًا ونضجًا، أصبحت حريته أكثر قدرة على صناعة السعادة والمعنى، لا على إنتاج الفوضى والتعاسة.

إن الحرية ليست قيمةً مكتملةً بذاتها، وإنما هي طاقة إنسانية تحتاج إلى عقلٍ يوجّهها، وضميرٍ يضبطها، وحكمةٍ ترشدها. فإذا سبقَت الحريةُ الوعيَ، تحولت إلى فوضى، وإذا انفصلت عن المسؤولية، أصبحت عبئًا على صاحبها وعلى المجتمع.

 أما الحرية التي تنبع من المعرفة والنضج، فهي ليست مجرد حقٍ في الاختيار، بل قدرةٌ على اختيار الخير، واحترام الآخر، وتحمل نتائج القرار. ومن هنا، فإن بناء الإنسان الواعي يسبق توسيع مساحة الحرية؛ لأن الحضارات لا تنهض بكثرة الحريات وحدها، بل بعمق الوعي الذي يحسن استخدامها.

وأختم بحكمة يمكن أن تكون عنوانًا أو مقولةً في مستهل بحث:

"ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، بل أن يعرف لماذا يشاء، وأن يدرك إلى أين يقوده ما يشاء."

***

د. أنور ساطع أصفري

تقول العبارة المنسوبة إلى عبد الرحمن الكواكبي: "لتعرف الإنسان الحر من العبد، لا تنظر إلى قيودهم، بل إلى ما يمجّدون؛ فالحر يمجّد الفكرة، والعبد يمجّد الشخص."

هذه عبارة أخرى خاطئة، ومثال آخر خاطئ، منحرف عن مقتضى (المعيار الأعلى الأصيل: معيار الحق والخير).

تتضمن هذه العبارة القصيرة من حيث المبدأ، تصورات وتعريفات خاطئة للمفاهيم الواردة فيها مثل الحرية والعبودية والفكرة والشخص، وتُقارن مقارنة خاطئة بين ثنائية خاطئة، استنادا إلى تصورات وتعريفات خاطئة.

تبدو هذه العبارة في ظاهرها، صحيحة ومطابقة لما هو موجود وما ينبغي، أو عميقة ودقيقة! لأنها تدعو إلى التحرر من تعظيم وتقديس وعبادة الأشخاص، وهي دعوة صحيحة في أصلها. لكن، عيب هذه الفكرة أنها تقارن مقارنة خاطئة، وتستبدل معيارًا خاطئًا بمعيار خاطئ آخر؛ إذ تجعل تمجيد الفكرة علامة الحرية أو ما تسميه الحرية، وتجعل تمجيد الشخص علامة العبودية أو ما تسميه كذلك.

هذا المقارنة تفشل لدى معيار الحق والخير، الذي هو المعيار الأعلى والأصيل وهو معيار المعايير. وهو معيار حقاني وموافق للعقل السيم والفطرة السليمة والشعور السليم؛ ولا يمكن للنفس أو العقل أن ينسلخ عنه!

والغريب أن الكتاب والمثقفين والباحثين والأكادييمين، بل عامة البشر يسلمون صراحة أو ضمنا ومن حيث يشعرون أو لايشعرون، بهذا المعيار وصحته وصلوحه، لكنهم في نفس الوقت، يتناقضون فيه تناقضا كبيرا وخطيرا وخبيثا، نظراً لعظمة وأهمية هذا المعيار العظيم! فهم يلتزمون به بداهة واضطرارا ولا يلتزمون به جهلا وهوى وخلطاً للأمور وانخداعا باعتقادات وعادات وتقاليد فاسدة.

وهذه المقالة، هي مثال آخر لتوضيح وتطبيق هذا المعيار الشريف معيار الحق والخير إزاء حياد الأشياء والمفاهيم المتعلقة بها أو المعبرة عنها!

الحرية، بالمعنى الحقيقي الصحيح، لا تُقاس بما يُعظَّم ويُمجَّد، وإنما بمدى موافقة ما يُمجَّد للحق والخير. بل إن الحرية الصحيحة نفسها هي من مظاهر وتمثلات الحق والخير! والفكرة التي يمجدها الإنسان قد تكون باطلة وخاطئة وضارة أو في أحسن الأحوال غير مفيدة، فهل يصير الإنسان حرًا لأنه يمجّد هذه الفكرة لا شخصًا ما؟ قطعا لا. إن الفكرة ليست مقدسة لمجرد أنها فكرة.

وفي المقابل، ربما يعظّم الإنسان ويؤيد مثلا، نبيًا، أو مصلحًا، أو عالمًا ربانيًا، أو قائدًا عادلًا، لأنه يراه من أهل (الحق والخير)، ومظهرا من مظاهره. فهل يصير بذلك مخطئا وعبدًا لذلك الشخص؟ كلا. إنه لا يعظّم الشخص لذاته، وإنما يعظّم (الحق والخير) الذي يحمله والقيم التي يمثلها.

كما أن التاريخ يكشف أن أخطر أنواع الطغيان والعدوان لم يكن دائمًا قائما على (تقديس الأشخاص)، بل ربما تمثل أحيانًا في تقديس الأفكار الباطلة الضارة التي بسببها استُبيحت الدماء البريئة، وقُمعت الحريات الصحيحة، وارتُكبت الجرائم. وعندما تتحول الفكرة إلى صنم لا يجوز نقده، فإنها تصير أشد سوءا وضررا من عبادة الأشخاص.

إن الخطأ الأساسي في هذه المقارنة أنها تقيم مقابلة زائفة وسيئة بين الفكرة ممثلة (للحرية) والشخص ممثلة (للعبودية)؛ بينما الحقيقة الواضحة جداً: أنه قد تستعبد الإنسانَ فكرةٌ باطلة خادعة، وقد يحرره شخصٌ صالح من أهل الحق والخير.

ولهذا فإن الحق والخير هما المعيار الحقيقي، لا الفكرة ولا الشخص؛ فالأشخاص يُوزنون بالحق والخير، والأفكار تُوزن بالحق والخير، وليس العكس.

إن الإنسان الحر ليس من يمجّد الأفكار، ولا من يمجّد الأشخاص، وإنما من يقدّم الحق والخيرعليهما. فإذا وجد الحق والخير في فكرة أخذ بها، وإذا وجد الحق والخير عند شخص اقتدى به، وإذا خالف الشخص أو الفكرة الحق والخير تركهما ورفضهما.

ولذلك فإن الصياغة الصحيحة النافعة للعبارة هي: "لتعرف الإنسان الحر، فانظر إلى معياره في تقييم الأشياء والأشخاص؛ فالحر يقدّم الحق والخير على الأشخاص والأفكار جميعًا، فلا يقدّس شخصًا لذاته، ولا يقدّس فكرة لمجرد أنها فكرة، وإنما يزن الجميع بميزان الحق والخير."

هذه الصياغة تنقل النقاش من مجرد المفاضلة بين الفكرة والشخص إلى المعيار الأعلى، وهو معيارالحق والخير.

فمن جعل الحق والخير أصلا ومعيار كان (حُراً)، ومن جعل الشخص أو الفكرة أصلا ومعيارا فقد وقع في صورة من صور العبودية وذلك بسبب فساد الإعتقاد والمعيار، مهما اختلف الصنم.

والعجيب أن يضطر الإنسان إلى أن يؤكد في كل مرة هذه الحقيقة الأساسية البديهية الواضحة وهي: معيارية الحق والخير الأصلية وحياد الأشياء إزاءها! التي لن يكون ثمة فكر سليم أو عقل سليم أو علم أو عمل، عند الإخلال بها أي بهذه الحقيقة الكبيرة، وكما نرى ذلك في الواقع وحالاته؛ حيث الجهل غالبٌ العلم، والعمل الخاطئ الضار غالبٌ العمل الصحيح النافع؛ رغم التفاصيل والتعقيدات والتبريرات التي تغطي على هذه الحقيقة أو هذا الحال.

***

جميل شيخو - الموصل / العراق

الإثنين 13 / 7 / 2026

 

يُعدّ الصابئة المندائيون من أقدم الجماعات الدينية التي استوطنت بلاد الرافدين، وقد عُرفوا عبر تاريخهم باهتمامهم بالعلم والمعرفة، ولا سيما في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة. وعندما ازدهرت الحضارة الإسلامية في العصر العباسي، وجد الخلفاء في العلماء الصابئة كفاءات علمية متميزة، فقرّبوهم إلى البلاط وأسندوا إليهم مناصب مهمة في مؤسسات الدولة وبيوت الحكمة، وأسهموا في حركة الترجمة والبحث العلمي التي شكّلت إحدى الركائز الأساسية لازدهار الحضارة العربية الإسلامية.

أبرز العلماء الذين حملوا اسم الصابئة في المصادر الإسلامية

1. ثابت بن قرة الحراني (826–901م)

يُعد من أعظم علماء الرياضيات والفلك في العصر العباسي، وقد عمل في بيت الحكمة ببغداد في عهد الخليفة المعتضد. ألّف عشرات الكتب في الهندسة والجبر والفلك والطب، وأسهم في ترجمة العلوم اليونانية إلى العربية، وكان له تأثير بالغ في تطور الرياضيات الإسلامية، كما انتقلت مؤلفاته إلى أوروبا وأسهمت في نهضتها العلمية.

2. سنان بن ثابت بن قرة (880–943م)

كان طبيبًا بارعًا ورئيسًا لأطباء الدولة العباسية، وأشرف على تنظيم المستشفيات في بغداد، ووضع أسسًا لمراقبة أداء الأطباء، ويُعد من أوائل من اهتموا بتنظيم المهنة الطبية بصورة مؤسسية.

3. إبراهيم بن هلال الصابي (925–994م)

من أشهر أدباء العصر العباسي وكتّابه، تولى رئاسة ديوان الإنشاء، وتميز بأسلوبه البلاغي الرفيع، وتُعد رسائله من روائع الأدب العربي، وقد أفاد منها كبار الكتّاب والمؤرخين.

4. هلال بن المحسن الصابي (969–1056م)

مؤرخ وأديب وإداري بارز، ترك مؤلفات مهمة في التاريخ والإدارة، ومن أشهرها كتاب «تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء»، الذي يُعد مصدرًا مهمًا لدراسة الإدارة العباسية.

مجالات إسهام العلماء الصابئة

ساهم العلماء الصابئة في ميادين عديدة، من أبرزها:

 1- الطب: إدارة البيمارستانات، وتأليف الكتب الطبية، وترجمة مؤلفات أبقراط وجالينوس.

 2- الفلك: تطوير الجداول الفلكية، ورصد النجوم، وصناعة الأسطرلاب.

 3- الرياضيات: الإسهام في الهندسة والجبر وحساب المثلثات.

 4- الترجمة: نقل العلوم اليونانية والسريانية إلى العربية، مما أسهم في إثراء المكتبة الإسلامية.

 5- الأدب والإدارة: تطوير فن الرسائل والدواوين والإدارة الحكومية.

أثرهم في الحضارة العربية والإسلامية

كان للعلماء الصابئة دور محوري في بناء النهضة العلمية للحضارة الإسلامية خلال العصر العباسي، إذ أسهموا في نقل التراث العلمي القديم، وأضافوا إليه أبحاثًا واكتشافات جديدة، وأصبحوا جزءًا من المشروع الحضاري الذي جعل بغداد آنذاك عاصمةً للعلم والمعرفة.

وقد استفادت أوروبا لاحقًا من مؤلفاتهم بعد ترجمتها إلى اللاتينية، فكان لها أثر واضح في النهضة الأوروبية خلال العصور الوسطى.

المندائيون والعلوم

والصابئة المندائيون، فقد اشتهروا عبر تاريخهم بممارسة الطب وصياغة الفضة والذهب والهندسة والحرف الدقيقة للادوات الزراعية، وحرصوا على حفظ تراثهم الديني واللغوي الاف السنين رغم ما تعرضوا له من ظروف سياسية واجتماعية صعبة وضطهاد . إلا أن المصادر التاريخية المتعلقة بأسماء العلماء المندائيين في العصر العباسي بقت براقة على مر الزمن

لقد أسهم العلماء الذين عُرفوا في المصادر الإسلامية باسم الصابئةالمندائيين إسهامًا كبيرًا في بناء الحضارة العربية والإسلامية، فكانوا جسرًا لنقل علوم الحضارات السابقة من الارامية  إلى العربية، وأبدعوا في الطب والفلك والرياضيات والأدب والإدارة. كما حافظ المندائيون عبر القرون على إرثهم العلمي والثقافي، وظلوا جزءًا أصيلًا من تاريخ العراق وحضارته، مقدمين نموذجًا للتعايش السلمي  والإبداع والإسهام في خدمة الإنسانية.

***

اعداد / خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني استراليا

أسس كلية الطب وأرسى دعائم الدراسات العليا

غالبا ما تحتفي الشعوب والأمم برموزها العلمية والثقافية والاجتماعية البارزة بعدما يرحلون عن عالمنا، ورغم اهمية ذلك وبالخاصة فيما يتعلق بإرث الراحل ومنجزه في مجال اختصاصه، فإن الاحتفاء به والاشادة بمنجزه الحضاري وما حققه لمجتمعه وللإنسانية وهو على قيد الحياة لهو أكثر انصافاً ويشكل حافزاً اكيداً على المزيد من العطاء لخدمة الناس والمجتمع، فضلا عن أحاسيس الرضا والعرفان الذي يشعر به المحتفى به تجاه مجتمع وفيّ إستحق بجدارة الجهد والمثابرة والإنجاز الذي بذله في سبيل الارتقاء به وحث الآخرين على الإقتداء به.

في محافظة كركوك واسوة بالعديد من المحافظات الأخرى كرّس أفراد أنفسهم لهدف نبيل وآثروا جهدهم على راحتهم الشخصية وعلاقاتهم الاجتماعية والأسرية، وكان لهم حضور مميز ساهم في تعميق المنجزات النوعية لحضارة المدينة وناسها ومنهم البروفيسور الدكتور صباح زنكنة،

ولد الدكتور صباح زنكنة في ١٩٥٥ م، وفي العام ١٩٧٩ تخرج من كلية الطب، ونال شهادة الاختصاص في القلبية والباطنية في العام ١٩٨٧، ثم ارتقى الى درجة استشاري وتدريسي في جامعة كركوك، وكان الهدف الذي رسمه لمسيرته أن ينشأ كلية للطب في كركوك لتوفير الدراسة للمتميزين من الطلبة وخاصة من ابناء الأسر ذات الدخل المحدود التي تعجز عن إلحاق أبنائها المتميزين بكليات الطب البعيدة سواءً في العاصمة بغداد أو في المحافظات الأخرى لعجزها عن توفير متطلبات دراساتهم هناك،

رحلة الألف ميل

شرع الدكتور زنكنة بالعمل الجدي لتنفيذ حلمه عبر إستثمار علاقاته بالمسؤولين ألذين كانوا من زوار عيادته أو عبر إتصالاته ومحاولاته المتكررة مع وزارة الصحة أو مع رئاسة جامعة كركوك والتي كانت لا تضم سوى اربع كليات في بداية تأسيسها، وخاض غمار فترة عصيبة في تاريخ الكلية الحلم والتي تكللت بقرار التاسيس في العام ٢٠٠٥ م وتعينه عميدا لها والتي اكتسبت إسماً على قرار دون هيكل فعلي على الارض،

منذ تلك السنة الفاصلة باشر الدكتور زنكنة رحلة الألف ميل مبتدأ ببناء عدد من الغرف في مبنى مستشفى آزادي بكركوك كما أقام قاطعاً من الألمنيوم لتوفير قاعة للمحاضرات الى جانب اتصالاته المكوكية مع عمادات كليات الطب في بغداد واربيل والسليمانية وتكريت لتأمين بعض الكتب والسجلات والمناهج الدراسية وبعض من المستلزمات التعليمية الضرورية كما تبرعت عمادة كلية الزراعة بتخصص قاعة مهجورة للكلية الوليدة لتحويلها الى قاعة ومختبر للتشريح الذي هو الآخر استنزف الكثير من الجهد والمتابعة المعقدة مع الدوائر الحكومية للحصول على جثة التشريح للدراسة العملية للطلبة،

في العام ٢٠٠٦ قابل د. زنكنة وزير الصحة في بغداد بعد رحلة محفوفة بالمخاطر الأمنية آنذاك تحت قصف الطائرات وازيز الرصاص ودوي الانفجارات لكن كل تلك المعاناة لم تكن لترتقي الى مستوى رد الوزير الصادم إذ قال له: (دكتور عد الى كركوك، علق الدراسة، ووزع الطلاب على كليات المحافظات المجاورة!!).

عاد الدكتور زنكنة إلى كركوك لكن لم يدب اليأس في نفسه كان مؤمناً بمشروعه الحيوي والإنساني وضرورته لمدينته وحانت الفرصة الذهبية عندما نجح في إدراج بناء الكلية ضمن مشاريع مقترحة إلتزمت حكومة إقليم كردستان بتنفيذها في كركوك دعما لمسيرتها التنموية، فتَم تخصيص مبلغ ٨٥٠ مليون دينار للمباشرة به بعد تأمين قطعة الأرض، وهكذا تحول الحلم الى واقع بعد أن وضع السيد عبدالرحمن مصطفى محافظ كركوك الأسبق حجر الأساس للكلية الوليدة في ٣١ تموز من العام ٢٠٠٦ واعتبر زنكنة هذا اليوم تاريخ ميلاده الحقيقي.

دراسات طبية عليا في كركوك

تنفس زنكنة الصعداء وبدأ قطار الكلية يسير بثبات على السكة، ولم يثني إنهاء تكليفه عميدا للكلية وإنما بادر الى تأسيس نواة مركز الدراسات الطبية التخصصية العليا في كركوك (َمركز البورد العراقي للطب الباطني) تمهيدا لسلسلة من التخصصات الجراحية والنسائية والأطفال وغيرها، فيما تجاوز عدد طلبة الكلية أربعمائة طالبة وطالب يدرجون علي ارض الكلية التي تحولت إلى صرح علمي رصين حقق حلما آسراً لطبيب احب مدينته وناسها فأحبوه واحتفظوا له بالجميل والوفاء.

لا شك أن المدينة تحفل بالعديد من المواهب والقدرات المتميزة التي تنتمي إلى مكوناتها المتنوعة في شتى المجالات والتي تستحق الثناء والإشادة إلا أن الوفاء يتجلى في الاحتفاء بها في عالمنا اليوم قبل أن تغادرنا الى العالم الآخر،

***

محمد حسين الداغستاني - انقرة

يبرز في المشهد الثقافي والصحفي المعاصر اسم الباحث والكاتب نايف عبوش الجبوري كعلامة فارقة، وشخصية موسوعية جمعت بين رصانة البحث الأَكاديمي، وحس الصحافة النابض، وشغف الأَديب الملتزم، إنه المثقف الذي لم يتخذ من الكتابة ترفاً، بل جعل منها رسالة لحفظ الهُوية وتوثيق الذاكرة الشعبية والاجتماعية، فضلاً عن التركيز على ثنائيتهِ الفريدة بين التجدد المعرفي، والتمسك الصارم بأَصالة التراث وقوانين الماضي ضد هجمات الحداثة المشوهة، متفرداً بقدرته على العيش في الحاضر بأدواته المعرفية، مع إبقاء قلبه وعقله حارسين لأسوار الماضي الجميل.

يمتلك نايف عَبُوش ملامح فكرية وشخصية المثقف الموسوعي والكاتب البارع، فقلمه سيالٌ مبدعٌ يجمع بين الجزالة والتبسيط، فكتاباته ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تفكيك بنيوي للمجتمع وثقافته، فهو يتنقل براحة تامة بين المقالة الصحفية الرشيدة، والبحث (الانثروبولوجي )، أَيّ: علم الإنسان المعمق، مما يجعله كاتباً جامعاً يلبي تطلعات النخبة الأكاديمية والقارئ البسيط على حد سواء.

  وتتجلى صفة الصحافي الاستقصائي، والباحث الرصين في نتاجه الأَدبي، فهو يمتلك عينَ الصحافيِّ اللَّمَّاحَة التي تلتقط التفاصيل العابرة وتحولها إلى مادة للنقاش العام، التي يرافقها صبر الباحث وحذره في التدقيق والتوثيق، فهو لم يكن يوماً ناقلاً سطحياً للأخبار، بل غائصٍ في تاريخ المنطقة، وعاداتها، وتقاليدها، موثقاً الذاكرة الشفوية والتراث الإنساني قبل أن يطويه النسيان.

 وتتميز مسيرة الكاتب نايف عبوش بفلسفة التوازن بين التجديد، وحذر الحداثة، ويمتلك معادلة دقيقة يحكم بها نتاجه الفكري، فهو شخصية تُماز بفكرها المتجدد ومواكبتها لأدوات العصر وفهمها، وتستوعب التحولات المعرفية والتكنولوجية، غير منغلقة على نفسها في برجٍ عاجي.

ويتمسك الكاتب نايف عَبُوش بقوانين الماضي والتراث أَيما تمسك ؛ فهو يرى في التراث الجذور الأساسية وركائزها التي تحمي الفرد والمجتمع من الضياع، ويعدُّ قوانين الماضي ليست قيوداً، بل هي صمام أَمانٍ قِيميِّ وأخلاقي، فهو حَذِرٌ دقيقٌ في مواجهة هجمات الحداثة، ويقف منها موقف الناقد الحذر من "الحداثة السائلة" أَو تلك الهجمات التي تحاول تجريف الهُوية المحلي، وتسطيح الوعي الاجتماعي، فهو يدقق في كل وافد ثقافي جديد، فيقبل منه ما يُغني العقل، ويحارب - بقلمه - كل ما يهدد بِخَلع المجتمع عن جذوره وأَصالته.

أَما مجالات التميز والاهتمام لدى الكاتب نايف عَبُوش فإِنَّها تتجلى في توثيق التراث الشعبي والريفي، فضلاً عن اهتمامه البالغ بالبيئة المحلية، وتوثيق عاداتها وتقاليدها، ولاسيما الأدب (الفلكلوري) كالعتابة، والنايل، والزهيري، معيداً الاعتبار للحياة الريفية وقيمها الأصيلة، حتى قال فيه الشاعر أبو عبد محمد أحمد الإبراهيم :

- الخل الگطع وصلانا وحضره.

- لا هو من البدو ولا ابن عرب حضره..

- دمع عيني ينايف نهر حضره..

- زاب وخالطو مَيّ الفرّاه..

وبرع الكاتب نايف عَبُوش بمقالاته النقدية والاجتماعية، وقفشاته الرمزية التي يشرّح من خلالها الواقع الاجتماعي بجرأة وموضوعية، داعياً دائماً إلى الحفاظ على السلم الأهلي، والقيم العشائرية الإيجابية، والتكافل الاجتماعي.

 والكاتب لديه إِمكانية طيبة في مسك زمام الدقة اللغوية والتعبيرية، ويُعرفُ عنه حذره الشديد ودقته في اختيار الأَلفاظ والتراكيب وبنية النصوص، فلا يترك مجالاً للتأويل، فكأَنَّ عباراته مصبوبة في قالب يحاكي رصانة المخطوطات القديمة وجاذبية الصحافة الحديثة.

وختاما مسكه الكاتب نايف عبوش الجبوري، الذي يمثل نموذجاً للمثقف العضوي الحقيقي؛ فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو حارس بوابة الثقافة والأصالة في زمن تتلاطم فيه أمواج الحداثة العشوائية، ويبقى الجبوري متجدداً في أدواته، صارماً في مبادئه، متمسكاً بتراث أَهله، ليقدم للمشهد الثقافي العراقي والعربي درساً بليغاً في كيفية الانفلاق على العصر دون فقدان الهوية.

***

ا. د. إبراهيم أحمد العميري

لم تكن الطاولة العائلية يوماً مجرد مكان لتناول الطعام، بل كانت مدرسة يومية تُروى فيها الحكايات، وتُنقل فيها الخبرات، ويستمع فيها الصغير قبل أن يتحدث، ويحتضن الكبير أسئلة الأبناء بصبر، أما اليوم فرغم أن أفراد الأسرة قد يجتمعون في المكان نفسه، إلا أن الحوار الحقيقي أصبح غائباً وحلّ محله الصمت أو النقاشات السريعة التي تنتهي غالباً بسوء فهم أو خلاف، ويُحمّل كثيرون "التكنولوجيا" مسؤولية هذه الفجوة، لكن الحقيقة تبدو أعمق من ذلك، فالهواتف الذكية ليست سوى أداة، أما السبب الأعمق، فيكمن في اتساع الفجوة القيمية، واختلاف لغة الحوار، وتباين الطريقة التي يفهم بها كل جيل العالم ويتعامل معه،، فجيل الآباء نشأ في بيئة تُعلي من قيمة الطاعة والانضباط والصبر، بينما نشأ جيل الأبناء في عالم منفتح، يتلقى فيه الفرد آلاف الآراء يومياً، ويتعلم منذ صغره أن يسأل ويناقش ويبحث عن تفسير لكل شيء، لذلك عندما يتحدث الأب بلغة الأوامر يفسرها الابن على أنها رفض لشخصيته، وعندما يناقش الابن بحرية قد يراها الأب خروجاً عن الاحترام، هنا لا تكمن المشكلة في اختلاف الرأي، بل في اختلاف "لغة التواصل" بين الطرفين

إن أخطر ما يواجه الأسرة اليوم ليس اختلاف الأجيال، فهذه سنة كونية صاحبت كل المجتمعات، وإنما الاعتقاد بأن الاختلاف يعني الصراع، فالابن لا يريد أن يكون نسخة من والده، كما أن الأب لا يستطيع أن يربي أبناءه بالطريقة نفسها التي نشأ بها قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. فلكل زمن تحدياته، ولكل جيل أسئلته،، ولذلك، فإن بناء جسور التواصل يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة، فالوالدان لا يفقدان مكانتهما عندما يستمعان إلى أبنائهما، بل تزداد مكانتهما احتراماً، كما أن الأبناء لا ينتقصون من شخصياتهم عندما يصغون إلى خبرات آبائهم بل يختصرون على أنفسهم كثيراً من التجارب المؤلمة

وتشير دراسات في علم النفس الأسري إلى أن جودة التواصل بين الوالدين والأبناء تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بالاستقرار النفسي والأسري، وتعزيز الثقة والحد من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأبناء.. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الأسرة اليوم هو أن تستعيد "الطاولة العائلية" لا بمعناها المادي، بل بمعناها الإنساني، وأن تبحث عن نقاط الالتقاء قبل نقاط الخلاف

وقد سبق الإسلام إلى ترسيخ هذا المعنى، فجعل الحوار منهجاً في التربية والدعوة، فالقرآن الكريم لم يقتصر على عرض الأوامر، بل عرض نماذج راقية للحوار بين الآباء والأبناء، ومن أجملها حوار نبي الله لقمان مع ابنه، حيث بدأ بالنصح بلغة المودة: "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان: 13). فاختار النداء اللطيف قبل النصيحة، والحوار قبل التوجيه، ليؤكد أن الكلمة اللطيفة تفتح القلوب قبل أن تصل إلى العقول،، ويقدم القرآن نموذجاً آخر ملهماً لحوار الأب مع ابنه عندما قال نبي الله إبراهيم عليه السلام: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى" (الصافات 102). ورغم أن الأمر وحي من الله، إلا أن إبراهيم عليه السلام فتح باب الحوار مع ابنه، ليعلمنا أن إشراك الأبناء في الحديث والاستماع إلى آرائهم لا ينتقص من هيبة الوالد، بل يعزز الثقة والاحترام المتبادل

وفي النهاية، لن يكون التحدي الحقيقي هو أن نجعل أبناءنا يفكرون كما نفكر، ولا أن نتبنى نحن كل ما يؤمنون به، بل أن نبقي بيننا جسراً للحوار لا تهدمه اختلافات العمر، ولا تغيرات الزمن، فالأسر القوية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل من الحوار طريقاً إلى التميز، لا سبباً للفرقة.

***

نهاد الحديثي

منذ صباي، علقت بذاكرتي عبارة للروائي المغربي محمد شكري قال فيها في أحد حواراته مع مجلة الوطن العربي: "السياسة لعبة قذرة لا أريد أن أتلوث بها." وكلما شهدت أحداثا توحي بأن ما يجري خلف الكواليس أكبر مما يظهر على المسرح، عادت هذه العبارة لتفرض نفسها على ذهني.

لقد تأسفت دائما لأن السياسة (أقصد السياسة البراغماتية المتطرفة أو بمفهومها الميكيافيللي الانتهازي) لم تترك مجالا من مجالات الحياة إلا وتسللت إليه؛ فطالت الفكر والدين والفن، ولم تسلم منها حتى الرياضة، التي يفترض أن تبقى فضاء للتنافس الشريف والمتعة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، بدا لي أن ما حدث في مباراة الأمس بين المنتخبين المغربي والفرنسي يثير أكثر من علامة استفهام. ولا أقول ذلك بمنطق نظرية المؤامرة، حيث يلصق كل تعثر أو مشكل داخلي بما هو خارجي، وإنما انطلاقا من الصورة التي قدمها المنتخب المغربي على أرضية الملعب.

لم يكن ذلك المنتخب الذي عرفناه خلال المباريات الأخيرة؛ منتخبا يقاتل على كل كرة، ويستميت في الدفاع عن ألوان الوطن، ويواجه كبار المنتخبات بثقة وندية. بل شاهدنا، طوال شوطي المباراة، فريقا فاقدا لهويته الكروية، مرتبكا في أبسط التمريرات، عاجزا عن الاحتفاظ بالكرة، وكأن لاعبيه، بمن فيهم أصحاب الخبرة العالمية، قد انفصلوا فجأة عن شخصيتهم الفنية والقتالية التي طالما ميزتهم.

كان المشهد يوحي بفريق تائه لا يعرف ماذا يريد، وبمدرب غاب حضوره المعتاد، ذلك الحضور الذي ألفناه في أدق تفاصيل المباريات، قراءة وتدبيرا وتدخلا في الوقت المناسب.

ولو أن المنتخب المغربي قدم حتى جزءا يسيرا من مستواه المعهود، ثم خسر، لتقبلنا النتيجة بكل روح رياضية، ولما وجد هذا الأداء الغريب طريقه إلى إثارة الأسئلة. فالهزيمة جزء من كرة القدم، أما أن يغيب الفريق بالكامل عن نفسه، فذلك ما يجعل الاستغراب مشروعا.

لا أدعي امتلاك تفسير لما جرى، ولا أتهم أحدا دون دليل، لكن من حق الجماهير أن تتساءل عندما ترى هذا التناقض الصارخ بين ما تعرفه عن فريقها وما تشاهده على أرض الملعب. فالمصارحة والشفافية هما السبيل الوحيد لإغلاق باب التأويلات.

وفي النهاية، ستظل كرة القدم مجرد لعبة جميلة، مهما بالغنا في تقديرها. لكن حين يشعر الناس بأن السياسة أو أي تأثيرات خارج الملعب قد تمس نزاهة المنافسة، فإن الخسارة لا تعود رياضية فحسب، بل تتحول إلى جرح في ثقة الجماهير، وإساءة إلى قيم المنافسة الشريفة، وإلى كرامة الوطن الذي يمثل هذا المنتخب.

***

بقلم: التجاني بولعوالي

قد يعتقد البعض أن موجة الحر التي تجتاح أوروبا صيف هذا العام/2026 قد تكون دافعًا لتسريع اتخاذ خطوات فعالة للتصدي لأزمة المناخ. إذ شهد أكثر من 150 مليون شخص في أوروبا درجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية, ما يعادل (95 فهرنهايت)، بينما وصلت الحرارة في بعض المناطق إلى أكثر من 40 درجة مئوية، في وقت لم يتم فيه تسجيل مثل هذا الارتفاع المبكر في درجات الحرارة من قبل. عندما ينتهي العلماء من تحليل البيانات، يُتوقع أن يصل عدد الضحايا إلى الآلاف.

إسبانيا، كواحدة من الدول القليلة التي تصدر تقارير يومية عن الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة، سجلت أكثر من 100 حالة وفاة يوميًا. فرنسا أشارت إلى وقوع ما لا يقل عن 1000 حالة وفاة إضافية بين الفترة من 24 إلى 27 يونيو 2026، وهو رقم مرشح للزيادة. بين تلك الحالات كانت وفاة أربعة أطفال صغار نتيجة حوادث مرتبطة بالحرارة، من ضمنها العثور على طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ميتًا في إحدى ضواحي باريس بعد أن تسلق سيارة وظل محصورًا داخلها.

المأساة هنا ليست مفاجئة، فالعلماء لطالما أطلقوا تحذيرات متكررة بشأن هذه الكوارث المناخية. ومع ذلك، لم تُبذل الجهود اللازمة من قبل الدول للحد من انبعاثات الوقود الأحفوري والتي تُعد السبب الرئيسي للظواهر الجوية المتطرفة، أو لتطوير أنظمة النقل والرعاية الصحية للتكيف مع آثار ذلك الواقع.

وفي نفس السياق، سجلت دول مثل ألمانيا وجمهورية التشيك وبولندا والمجر درجات حرارة قياسية تجاوزت 40 درجة مئوية. وانتقلت موجة الحر التي تسببت في مئات الوفيات بغرب أوروبا بشكل سريع نحو الشرق.

قبل سنوات كانت درجة الحرارة تصل إلى 25 درجة مئوية وهو مؤشراً لبداية يوم صيفي دافئ. واقي الشمس والقبعات كانت أدوات ضرورية، إلى جانب الآيس كريم والبحث عن ظلال لتمضية اليوم بهدوء بعيدًا عن أشعة الشمس. لكن الوضع اليوم مختلف تمامًا، إذ أصبحت درجة حرارة 25 مئوية تبدو منخفضة نسبياً مقارنة بما شهدته المملكة المتحدة مؤخرًا، آذ بلغت الحرارة القياسية لشهر يونيو, حزيران 37.3 درجة مئوية. ويبدو أن الطقس المعتدل أصبح مكافأة صغيرة وسط موجات الحر المستمرة.

تقف أوروبا الآن وجهًا لوجه مع واقع قاسي: فهي القارة الأسرع حرارةً على كوكب الأرض، آذ ترتفع حرارتها بمعدل مضاعف مقارنة ببقية العالم. ففي منتصف القرن العشرين، كان من النادر تسجيل "ليالي استوائية"، والتي تُعرف بأنها الليالي التي تبقى فيها درجات الحرارة أعلى من 20 درجة مئوية طوال الليل، وكانت محطة الأرصاد الجوية في مطار هيثرو بلندن خالية تمامًا منها. أما اليوم، أصبحت الليالي الاستوائية ظاهرة مألوفة وشائعة، كما سُجلت أربع ليالٍ متتالية بهذا الشكل خلال الأسبوع الماضي وفقًا لما ذكره مدوّن الطقس "لندن وجنوب شرق".

المملكة المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية لم تكن مهيأة للتعامل مع المستويات العالية من الضغط الذي فرضته الظروف المناخية القاسية على أنظمة الصحة والنقل. ففي المملكة المتحدة، أُغلقت مئات المدارس مبكرًا، وارتفعت درجات الحرارة في أماكن العمل إلى مستويات غير مريحة، بينما نصحت شركات السكك الحديدية المواطنين بعدم السفر.

وفي العاصمة لندن، سجلت خدمات الإسعاف أعلى معدل طوارئ لها على الإطلاق ضمن أخطر فئات البلاغات، حيث جرى التعامل مع 642 حالة تشمل توقف القلب والجهاز التنفسي وإصابات تهدد الحياة. وبعد يومين فقط، سُجل رقم قياسي جديد في عدد مكالمات الطوارئ (999)، متجاوزًا حتى الأرقام التي أبلغ عنها خلال فترة جائحة كوفيد- 19.

في شرق أوروبا، توقعت دول مثل بولندا، التشيك، وسلوفاكيا تسجيل درجات حرارة قياسية تفوق 40 درجة مئوية، في حين سجلت مدينة "باوتسن" الألمانية أدنى درجة حرارة ليلية تاريخية بلغت 29.4 درجة مئوية.

رغم الاعتقاد السائد بين علماء المناخ على مدار سنوات طويلة بأن الظواهر الجوية المتطرفة في البلدان المتقدمة ستؤدي إلى زيادة الدعم للطاقة المتجددة وتعزيز دور الأحزاب الخضراء والانتقال التدريجي بعيدًا عن الوقود الأحفوري، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. باتت قضايا المناخ تقع في صميم جدالات ثقافية أكبر تُناقِش كل شيء، بدءًا من استخدام التكييف إلى اتهامات مبطنة بالضعف عند الشكوى من درجات الحرارة المرتفعة.

أثارت موجة الحر التي ضربت أوروبا الأسبوع الماضي مناقشات محتدمة على منصات التواصل الاجتماعي حول التدابير اللازمة لحماية السكان مستقبلاً من الظواهر الجوية المتطرفة. وبينما اتسمت بعض ردود الأفعال بروح الفكاهة، كالفيديو الذي أظهر أشخاصًا في باريس يطهون البيض واللحوم على أسطح منزلقات تحت شمس الصيف الحارقة، ركز النقاش العام عبر الإنترنت بشكل رئيسي على ضرورة توسيع تركيب مكيفات الهواء في أوروبا لمجابهة الحر الشديد.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث/ العراق

.....................

* صحيفة الغارديان البريطانية 29 حزيران 2026

من بين الأفكار التي تظلّ عالقة في الذهن بعد الانتهاء من القراءة، تلك التي تتجاوز حدود التصنيف لتطرح سؤالًا عن طبيعة الإبداع نفسه. ولعلّ ثنائية الكاتب القنفذ والكاتب الثعلب من أكثر الأفكار التي أثارت الجدل في فهم هوية الكاتب، وهي الفكرة التي تناولها إيتالو كالفينو برؤية مختلفة، رافضًا أن تكون مجرد قالب جاهز لتقسيم المبدعين.

يُنظَر إلى الكاتب القنفذ بوصفه صاحب الرؤية الواحدة؛ فهو يكتب انطلاقًا من فكرة مركزية لا تكاد تفارق كتابته، حتى وإن تبدلت الشخصيات والأحداث والأزمنة. أما الثعلب، فيسلك طريقًا مغايرًا؛ يغيّر أساليبه ويجرب أشكالًا سردية متعددة، ويؤمن بأنّ كلّ عمل أدبي يحتاج إلى لغته الخاصة به، وأنّ تكرار الوسائل ليس شرطًا لثبات الرؤية.

غير أنّ كالفينو لا ينحاز إلى أحد النموذجين انحيازًا كاملًا، بل هو يحاول أن يحررهما من الجمود. فهو يعترف بأنه كاتب ثعلب، لكنه لا يخفي إعجابه بالقنفذ، لأنّ القنفذ يملك القدرة على الإحاطة بفكرة كبرى تمنح أعماله وحدة داخلية. وفي المقابل، يرى أنّ الثعلب يمتلك فضيلة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي القدرة على التجدد، والانتقال من تجربة إلى أخرى دون أن يفقد دهشة الاكتشاف.

ولعلّ ما يميّز تجربة كالفينو أنه كان يخشى أن يتحول نجاحه في أسلوب معيّن إلى قيد يلازمه طوال حياته. لذلك ظلّ يبحث عن كتابة مختلفة، لا رغبة في الاختلاف لذاته، وإنما إيمانًا بأنّ الأدب لا يعيش إلّا بالحركة، وأنّ الكاتب الذي يكرّر صوته يفقد مع الوقت قدرته على الإصغاء إلى أصوات جديدة في داخله.

تبدو رسائله الشخصية امتدادًا لمشروعه الإبداعي؛ ففيها يتحدث عن رغبته في الإفلات من النمط الذي بدأ الناس يربطونه باسمه، وكأنه كان يرى أنّ أخطر ما يواجه الكاتب ليس الفشل، بل أن يصبح أسير نجاحه الأول.

وفي كتابه «ست محاضرات للألفية القادمة» تتجسد هذه الفكرة بصورة أوضح. فالخفة، والسرعة، والدقة، والتعددية، ليست مجرد خصائص فنية، بل هي دعوة إلى أدب يرفض الانغلاق، ويؤمن بأنّ العالم أوسع من أن يُقرأ من نافذة واحدة.

ربما لهذا بقي كالفينو حاضرًا في الذاكرة الأدبية؛ لأنه لم يكن يبحث عن تعريف نهائي للكاتب، بل عن حرية الكاتب. فالقيمة الحقيقية للإبداع لا تكمن في كون صاحبه قنفذًا أو ثعلبًا، وإنما في قدرته على أن يظلّ وفيًا لأسئلته، وأن يمنح كلّ عمل فرصة لأن يكتشف طريقه الخاص. فالأدب، ليس تكرارًا لما عرفناه، بل مغامرة دائمة نحو ما لم نكتبه بعد.

***

فؤاد الجشي

 

في المثقف اليوم