عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

(مثال آخر على مبدأ معيارية الحق والخير وحياد الأشياء)

يقول المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: الجانب الذي يشعر برغبة أقل في السلام سيحصل بطبيعة الحال على الصفقة الأفضل.

 العبارة، للوهلة الأولى، وصفً قاس لكن واقعي لطبيعة الصراع والتفاوض. فمن يريد السلام بشدة يبدو مستعدًا لدفع ثمنه وتقديم التنازل، بينما الطرف الذي لا يخاف استمرار الحرب أو الصراع يستطيع أن يرفع مطالبه ويؤخر الاتفاق ويرفض التنازلات.

وهكذا، يصير السلام نفسه ساحةً أخرى للصراع، وتتحول الرغبة فيه إلى عامل قد يضعف صاحبها بدل أن يقويه.

لكن هذه الفكرة، على قوتها، تحتاج إلى تفكيك؛ لأن فيها حقيقة مهمة، وفيها في الوقت نفسه خلطًا بين مفاهيم ينبغي الفصل بينها.

إن جوهر الفكرة هو أن الحاجة تُضعف الموقف التفاوضي. فإذا كان طرفان يتفاوضان، وكان أحدهما يشعر بأنه لا يستطيع الاستمرار دون اتفاق، بينما يشعر الآخر بأنه قادر على تحمل استمرار الصراع، فإن الطرف الثاني يمتلك مساحة أوسع للمناورة والرفض وفرض الشروط؛ الأول يتفاوض تحت ضغط الحاجة، بينما الثاني يتفاوض تحت ضغط أقل.

وهنا تظهر قاعدة واقعية مهمة أنه كلما زادت حاجتك إلى الاتفاق، ازدادت قدرة الطرف الآخر على الضغط عليك.

وهذا لا يقتصر على الحرب والسلام. ففي التجارة، يكون البائع الذي يحتاج أو يضطر إلى المال فورًا أو إلى البيع، أكثر استعدادًا لتخفيض السعر. وفي العمل، يكون الإنسان الذي يحتاج الوظيفة بأي ثمن أكثر قابلية لقبول شروط لا يقبلها من يملك بدائل أخرى. وفي العلاقات الإنسانية أيضًا، قد يصبح الطرف الذي يخاف فقدان العلاقة أكثر من الطرف الآخر الطرفَ الأضعف داخلها.

إذن، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها تتمثل في أن عدم تساوي الحاجة يخلق عدم تساوٍ في القوة.

لكن هل الطرف الذي يرغب أقل في السلام هو حقيقةً الطرف الأقوى؟ فالرغبة في شيء لا تعني بالضرورة القدرة على الاستغناء عنه. فقد يرغب طرف في السلام بشدة لسبب ما، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة كبيرة على الاستمرار في الحرب إن لم يتحقق السلام.

وقد يكون طرف آخر قليل الرغبة في السلام، لا لأنه قوي، بل لأنه متعصب يحركه الحقد والكراهية او مخدوع أو جاهل بحقيقة وضعه أو عاجز عن رؤية حجم الكارثة التي تنتظره أو طامع في شيء وهمي.

وفي هذه الحالات لا يكون عدم رغبته في السلام دليلًا على قوته، بل قد يكون دليلًا على جهله بحقيقة حاله.

ولهذا فإن الحقيقة ليست: من يريد السلام أقل يحصل على الصفقة الأفضل.

بل من يستطيع تحمّل غياب السلام أكثر، يمتلك قوة تفاوضية أكبر.

حيث ثمة فرق جوهري بين الإرادة النفسية والقدرة الموضوعية.

الإرادة النفسية تسأل: كم أرغب في السلام؟ أما القدرة الموضوعية فتسأل: ماذا يحدث لي إذا لم يتحقق السلام؟

وهنا تتغير طبيعة المسألة كلها. فالقوة التفاوضية ليست قلة الرغبة، بل قلة الحاجة والإضطرار. وليست في رفض السلام، بل في امتلاك القدرة على عدم الإرتهان إليه.

لكن حتى هذه القوة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تراعي الحق والخير ومعيار الحق والخير. وهنا نصل إلى المشكلة الأعمق في منطق هذه العبارة. حيث إن القول بأن الطرف الأقل احتياجًا يحصل على الصفقة الأفضل هو وصف لما قد يحدث في عالم القوة، لكنه لا يقول شيئًا عن الحق والخير وعدالة ما يحدث.

فالطرف الأقوى قد يحصل على شروط أفضل، لكنه لا عن حق واستحقاق. وقد يفرض الطرف الأقدر شروطًا ظالمة لأنه يستطيع فرضها، لكن القدرة على الفرض ليست دليلًا على مشروعية هذا الفرض.

وهذا هو الفرق بين ما يمكن الحصول عليه وما ينبغي الحصول عليه وفق معيار الحق والخير.

القوة قد تحدد مقدار ما تستطيع انتزاعه من الآخرين، لكنها لا تحدد مقدار ما يحق لك أخذه منهم.

والغلبة أو النجاح أو الربح لا يعني بالضرورة تحقق الحق. قد يخرج طرف من المفاوضات رابحًا، لكن يكون ظالمًا. وقد يخرج طرف آخر خاسرًا، لكنه يكون صاحب الحق.

إن عالم السياسة والحرب والتفاوض كثيرًا ما يخلط بين هذه الأشياء. ما يستطيع الإنسان فرضه يُعامل أحيانًا كما لو كان حقًا له. وما ينجح في تحقيقه يُقدَّم كما لو كان خيرًا في ذاته. لكن بين القدرة والحق مسافة كبيرة، وبين النجاح والخير مسافة لا تقل عنها. لذلك لا يصح أن نسأل أين القوة، بل أين الحق والخير.

وتبقى مقولة كلاوزفيتز وصفًا واقعيًا لجزء من الحقيقة وبلحاظ القوة والقدرة، لا قانونًا عامًا للحياة وبلحاظ الحق والخير.

نعم، الطرف الذي يحتاج الاتفاق أقل قد يمتلك غالبًا موقفًا تفاوضيًا أقوى. لكن ذلك لا يعني أن الطرف الذي يرغب في السلام أقل هو بالضرورة الأقوى، ولا يعني أن الصفقة التي يحصل عليها ستكون عادلة أو صحيحة.

وفي النهاية يمكن تلخيص الفكرة كلها في قاعدة أكثر مطابقة للحقيقة والحق: في التفاوض، ليست القوة في قلة الرغبة في السلام، بل في القدرة على تحمّل نتائج الصراع.

لكن حتى هذه القدرة الواقعية أيضا لا تمنح صاحبها الحق في كل ما يستطيع انتزاعه ولا يجعل منه (أهل خير) كما يتصور أو يصور حيث أن الإنسان يستحيل عاددة أن ينسلخ من هذا المعيار أو هذه الغاية وهي الحق والخير.

وهنا يتحول سؤال القوة إلى سؤال الحق. لأن السؤال الحقيقي ليس، من يستطيع أن يحصل على أكثر، بل من يستحق ماذا، ولماذا؛ وماذا سيفعل بهذا الإستحقاق. حيث معيار الإنسان المفترض وغايته المفترضة، كإنسان هي (الحق والخير) مهما تحققَ وامتثل أو تناقضَ في ذلك وجهلَ أو تجاهلَ.

أخيرا. أقول، كانت هذه المقاربة مثالا وتطبيقا آخر لنظرية أو مبدأ (معيارية الحق والخير وحياد الأشياء) أي أن الحق والخير هو المعيار الأساسي لأصيل والبديهي ولفطري، الذي يفرض نفسه، على الجميع مهما اختلفت اعتقاداتهم أو أحوالهم أو غاياتهم، ولو أنكروه أو أخطأوا في مراعاته أو تناقضوا فيه.

***

جميل شيخو – العراق

4 / 9 / 2026

اعطاء الانسان حقوقه وفق مفهوم التجريد ينقسم الى قسمين المجرد والغير مجرد او الواقعي والغير واقعي وهو ابن المجتمع ابن امة ولغة وثقافة وغني وفقير ومتوسط وهو اب وام وطفل وهو الكثير، ويصيغ الحياة بواقعية وغير واقعية، والإنسان الواقعي فرد ذو مهنة يسترزق عليها ، و حقوق الإنسان قد وضعت على أساس من الاحترام والحرية والمساواة ومن أجل إحياء حقوقه ، فهي محل احترام وتقدير كل المجتمع، ونحن شعوب الشرق قد كنا ننادي منذ قديم الزمان بضرورة احترام الإنسان وقيمته ومكانته، وفي الدين الإسلام الإنسان الكامل كما يصفه الله سبحانه وتعالى في القران الكريم ،" إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗ وَقُعُودٗ وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗ سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ"آل عمران 190-191] « ومن هذا الباب ان الشخص الذي وصل إلى أعلى درجات الكمال ليس على حساب المال او الجاه ومكانته الاجتماعية دون مقاس بل يجب أن يُطرح كنموذج متكامل الصفات الحسنة والقويمة كقدوة لسائر البشر ولا يرتبط بزمان ومكان،إن تقديم الإرادة الإلهية على الرغبات الإنسانية، وتقوية وتنمية الجوانب الفطرية والفوق-حيوانية للإنسان الكامل، ترسم نموذجاً كاملاً لتزكية النفس وتربية الإنسان، والملاحظة المهمة هي ان عدم الاعتراف بمكانة الإنسان يعني سلب الإنسان وجوده بوصفه ذاتاً تفكر وذاتاً فاعلة، وشهد القانون الدولي لحقوق الإنسان توسعًا ملحوظًا من خلال سلسلة من المعاهدات الدولية والصكوك المعتمدة منذ عام 1945، التي عززت إطار الحماية القانونية لحقوق الإنسان على الصعيد العالمي"حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها، وهي مكفولة لكل فرد دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الجنسية أو الإثنية أو اللغة أو الدين أو أي وضع آخر. وتشمل هذه الحقوق، في جوهرها، الحق في الحياة والحرية، والتحرر من العبودية والتعذيب، وحرية الرأي والتعبير، والحق في العمل والتعليم، إلى جانب حقوق أخرى تضمن الكرامة والعدالة للجميع "وهذا هو معنى ضرورة أن تتحدد قيمة الإنسان ومركزية وجوده تأسيسياً على فكرة الحق، الإنسان ذو قيمة القيم و سيد العالم الأرضي وما كان لمفاهيم الحق والخير والجمال والتسامح والسعادة والحرية والحب أي معنى دون النظر إلى الإنسان بوصفه مركز العالم الأرضي وبديهي الوعي عند الإنسان هو الوعي والبديهية أقرب وفي بعض الحالات لا يلتزم هذا الذي يحوز القيمة العليا بما يليق مركزية الإنسان؟ هناك ثلاثة عوامل ما زالت تطيح بمركزية الإنسان، عند صراع المصالح بين الجماعات والأفراد. ولااحد يستطيع أن ينزع المصلحة من النفوس بسهولة، رغم أن الحق لا يضاد الحق، غير أن البشر قد جعلوا من الحقوق نفسها ساحة صراع. وسلطة الحق هذه تعينت في قوانين تلجم الصراعات التي تقود إلى الإفناء المتبادل بين البشر، وتلجم أخلاق الطمع التي قد تبرزها المصالح التي تطيح بالحق. وليس هذا فحسب، بل جعل الحق المقنن لجميع الناس متساوين في الخضوع له، والأمر الثاني: حروب الدول والجماعات، وبخاصة تلك الحروب التي تستند إلى أيديولوجيات القتل، لأنه شر مطلق في نتائجها، وليس هناك أسوأ من الحروب بين الدول بدافع الاستحواذ على الثروة، وبخاصة الأرض، الأمر الثالث: التعصب ورفض الاختلاف. والحديث يطول حول أصل التعصب وفصله، لكن التعصب هو اعتقاد بأفكار هي بالنسبة لصاحبها حقيقة مطلقة، وكل من يختلف مع هذه الحقيقة ليس له قيمة وجودية. إذاً مكانة الإنسان ومركزيته تقوم على الاعتراف بحقه في التعبير عن وجوده دون أن يكون تعبيره عن وجوده مقدمة لنفي الآخر وعدم الاعتراف بحقه..أن الإنسان في دفاعه عن مكانته ومركزيته يجب أن يتحرر من خضوعه لأية سلطة كانت، إذا ما صيغ إنسانياً، تأسيساً على قيمة الإنسان، وصار قانوناً، ومؤسسات، يتحول إلى سلطة يجب الخضوع لها، ويكون الخضوع لها واجباً. وهكذا نكون أمام سلطة الحق التي تكبح جماح شر الاعتداء على الآخر، لأن الاعتداء على الآخر ليس سوى، اعتداء على الحق.

***

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي

 

(الدوّاية) قرية مرمية في أطراف أهوار الناصرية، لا زرع ولا شجر، سوى نبات القصب والبردي يحيط ببيوتها الطينية، مسكونة بالطيور والأسماك، في الليل تغطّ بالظلام، يلفّ بيوتها أبخرة دخان، لو تطلعت إليها، إلى سحنتها عند النهار لانتابك شعور بالاختناق، وأنت تتنفس السخام الذي أحال الجدران إلى كتل سوداء متناثرة.

شهدت أربعينيات القرن الماضي افتتاح أول مدرسة ابتدائية في تلك القرية القصية، مجموعة من الأكواخ، تبدو من بعيد كالمقابر، تناثرت على تربة لزجة، كل ما يحيط بالمكان يكاد يوحي بالأسى. تشاء الصدف أن ينسب إليها نخبة من خريجي دار المعلمين الريفية التي كانت معهداً فريداً في إعداد معلمين بمهارات تربوية متميزة، ومع أن النظرة العابرة لا يمكن أن تستقصي أبعاد التجربة كلها، كما أنها لا تستطيع أن تقع على حرارة الإخلاص التي تشعّ منها. هؤلاء وجدوا في تلك البقعة عالماً يتسع لأحلامهم الكبيرة، وعدالة قضيتهم، ويقين بأفكارهم اليسارية. اعتقدوا انها أسلوب الحياة الوحيد، والطريق الأمثل للتطور. كان من بينهم المعلم عبد جياد العبودي.

دخل عبد چياد إلى الصف الثالث الابتدائي، يحمل طباشيره كما يحمل القديس وصاياه الصغيرة.

تفقد وجوه التلاميذ واحداً واحداً، ثم توقف فجأة:

ـ أين فضيل؟ لماذا لم يلتحق بالدرس يا أولاد؟

ساد الصمت لحظة، ثم أجابه أحد التلاميذ بخجل:

(أستاد)… فضيل يستحي يدخل الصف…أمس تبوّل على نفسه أمام التلاميذ، ولن يعود بعد اليوم!.

سكت عبد طويلاً.

لم يغضب، لم يوبّخ، لم يلقِ محاضرة عن الصحة والنظافة، بل تطلع إلى وجوه تلاميذه، ثم مدّ بصره من باب كوخ الصف نحو البعيد، كأنه كان يرى طفولة العراق كلها وهي ترتجف من الخجل والفاقة.

ثم قال بهدوء:

ـ بلّغوه أن يأتي غداً… فقط أخبروه أن يعود.

في صباح اليوم التالي، جاء فضيل.

دخل الصف مطأطئ الرأس، كمن يحمل عاره الصغير فوق كتفيه الهزيلتين. جلس في آخر مقعد، يتجنب العيون، ويتمنى لو تبتلعه جدران الطين.

أما المعلم عبد، فقد بدأ الدرس كأن شيئاً لم يحدث.

كان يشرح للتلاميذ بحماسة، يكتب على السبورة، يتحرك بين المقاعد، وفجأة… ظهر البلل على بدلته الرصاصية اللون.

انتبه الأطفال.

تهامسوا بدهشة وابتساماتٍ خفية:

كيف يمكن لمعلمهم، ذلك الرجل الوقور، أن يتبول على نفسه؟

التفت إليهم معلمهم بهدوء الأب الرحيم، وقال:

ـ أبنائي… حين يشعر الإنسان بالضيق، لا ينبغي أن يحبس بوله في داخله. لا تدعوا الألم يؤذي أجسادكم، فالبول سموم، وخروجها رحمة للإنسان.

قالها ببساطة، دون ارتباك، دون محاولة للدفاع عن نفسه.

لم يكن عبد في تلك اللحظة يشرح درساً في الصحة، بل كان ينقذ روح طفل.

رفع فضيل رأسه للمرة الأولى.

لم يعد يشعر أنه موضع سخرية، ولا هو الكائن الوحيد الذي خانه جسده أمام الآخرين.

ها هو معلمه، الرجل الكبير، قد شاركه ضعفه عمداً كي يعيد إليه ثقته بنفسه.

ذلك اليوم، لم يتعلم التلاميذ القراءة ولا الحساب فقط، بل تعلموا المعنى الحقيقي للتربية. فهي ليست كتاباً، ولا عصاً، ولا أوامر تُلقى من خلف مكتب، بل إحساس مرهف، وتعلّق حميم بأطفال المدرسة. أليس التعليم فعل محبّة؟ ولذلك فهو فعل شجاعة. كما ينسب إلى فلاسفة التربية".

أيُّ رجل كنت يا عبد؟ لكي تعلّم الناس، عليك أولاً أن تحبهم، كما يقول تولستوي.

وأي معلم هذا الذي غسل خوف طفل بكرامته الشخصية؟

كنت بفعلك هذا أيها النبيل قد كتبت درساً ينبغي أن يُدرّس في معاهد التربية وعلم النفس في العالم كله، كنت تختصر جوهر التربية، لا تثقل الصغار بسلطتك، بل تهبهم الطمأنينة، ولو دفعت من هيبتك ثمناً.

***

جمال العتّابي

لمع نجمُه ابتداء من أواخر الستينيات حتى أواسط السبعينيات، وأنتج في هذه الفترة مجموعة من الشعر نشر معظمها في مجموعته اليتيمة" ملحمة الخلق"، وقد بشّرت هذه المجموعة بميلاد شاعر ذي حس ونفس مميزين، غير أنه انصرف بعدها لأسباب خاصة إلى حياته اليومية، فانشغل بكتابة الآرمات، ولم يعد إلى الشعر بعدها وإن كانت له محاولات متواضعة في قوله له. امس الاول من تشرين الاول صادفت ذكرى رحيله الثامنة، فقد رحل الصديق المتأدب الشاعر عدوان ماجد آغا عنبتاوي، من سكان مدينتي الناصرة، صبيحة يوم الاثنين، الاول من تشرين الاول 2018.

ولد المرحوم عدوان ماجد في الناصرة عام النكبة 1948، وفي العام ذاته استشهد والده ماجد عنبتاوي آغا، في معركة الشجرة الشهيرة، جنبًا إلى جنب مع صديقه وبلدياته الشاعر عبد الرحيم محمود، الامر الذي أثر على الطفل الابن عدوان اصعب تأثير، وصعّب عليه بالتالي الحياة اكثر فاكثر. طفولة عدوان كانت صعبة قاسية، ولم تكن تختلف عن حيوات الكثيرين من ابناء جيله كثيرًا وإن كانت فاقتها صعوبة وقسوة، لأسباب ليس هنا موقع ذكرها.

التقيت عدوان أول مرة في يفاعتي الاولى، فقد جمع بيننا حيٌّ واحد، هو الحي الشرقي من بلدتنا المشتركة الناصرة. كان عدوان طالبًا في جامعة القدس، وصادف أن التقى إبّان تلك الفترة قريبًا له يعيش في الشتات العربي، في قبرص، وما إن عاد إلى البلاد حتى القت السلطات الاسرائيلية القبض عليه بتهمة اللقاء مع عدو، وجاءت النتيجة المُريعة، اودعت هذه السلطات عدوان سجنها، ليقضى هناك شهورًا قاربت السنة.

في هذه الفترة جرت مراسلات بيني وبينه. تحدثت فيها عن الناصرة بلدتنا الحبيبة المشتركة، وتحدّث فيها بدوره عن السجن وأجوائه، واذكر أنه قرأ على اترابه السجناء احدى رسائلي اليه، فسألوه كما اخبرني في رسالة تالية، انه توجد لدى صديقك قدرة غير عادية على السرد.. لماذا لا يكتب القصص.. فأخبرهم أن صديقه. أنا. كاتب قصص طالع في حينها. لقد الح عدوان علي لإصدار هذه الرسائل ضمن كتاب.. إلا انني لم أوفق.. وقد افعل ذات يوم.

كان عدوان في تلك الفترة شعلةً متقدة من الحماس الادبي، وقد أصدر عدة نشرات أدبية، توّجها بكتاب ضمّنه مواد ادبية له ولأصدقائه من الكتاب والشعراء الجدد أطلق عليه اسم "مشاعل في طريق الادب"، ومما اتذكره من هذه الفترة، أنه عمل مدة قصيرة مُصحّحًا في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية. بعدها تعرّف إلى الصديق المشترك له ولي الاديب المرحوم عرفان أبو حمد، ومما اتذكره أن علاقات طيبة ربطته بأدباء وشعراء تلك الفترة أمثال نزيه خير ونواف عبد حسن، وكاتب هذه السطور، وطالما جلسنا في حديقة بيته في الحي الشرقي نتجاذب اطراف الحديث الادبي ونحن نشرب القهوة من صنع يدي والدته رحمها الله. أعترف أنني كنت في تلك الفترة مفتونًا بالمقدرة الابداعية لدى عدوان، فقد كان مُطلعًا على الشعر العربي الحديث خاصة، وكان يُكثر من ترداد العديد من اسماء شعراء تلك الفترة وما قبلها بقليل امثال بدر شاكر السياب. نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي.

في أواسط السبعينيات شهدت حياة عدوان صخبًا غير مسبوق، فاضطر للإقامة في غرفة مستأجرة في خلفية بيت الصديق الراحل الشاعر ادمون شحادة طابت ذكراه، وقد اكتشف في هذه الفترة عالم كتابة الخط والآرمات فانكب يكتب الواحدة منها تلو الاخرى، ما وفّر له دخلًا وفيرًا، وقد أصدر في هذه الفترة مجموعته الشعرية الوحيدة تحت عنوان "ملحمة الخلق"، ولم يُصدر بعدها أية مجموعة ذات شان، باستثناء مجموعة شعرية كتبها باللغة العبرية واصدرها له فيما بعد صديقُنا المشترك الكاتب الشاعر المرحوم حسين فاعور، ابن قرية الحسينية، ضمن منشوراته الادبية "المل".

أعود إلى المسيرة اليومية لحياة عدوان، فأرى أنها شهدت في أواسط السبعينيات تحولّا.. من كتابة الشعر إلى كتابة الآرمات، وهنا تفرّقت بنا السبل. هو ذهب إلى عالم كتابة الآرمات وأنا واصلت رحلتي مع الادب، وبقينا متباعدين كلٌّ يعيش حياته المختلفة عن حياة صنوه، إلى أن جمعنا عددٌ من المجالس بعد فراق، مثل مجلسي صحيفة "الاخبار" ومجلس "صالون نهى قعوار الادبي"، ورغم أن وضع عدوان المادي بعد كل تلك السنوات، كان أفضل من وضعي بما لا يقاس، فقد كان يمتدحني ويمتدح إصراري على المضي في طريق الادب الموحش.. مثله في هذا مثل طريق الحق.

في العقد الاخير ابتدأ المرض يُهاجم عدوان بين الفينة والاخرى.. إلى أن قضى عليه.. صبيحة ذلك اليوم الحزين.

عدوان الشاعر

تُعتبر المجموعة الشعرية اليتيمة "ملحمة الخلق"، لعدوان ماجد، مجموعة شعرية جيّدة.. وجيدة جدًا، وقد حفلت بنفس شعري مُثير، ومما قاله عدوان من شعر أذكر عن ظهر قلب، مقاطع منها، ما زلت أرددها حتى اليوم. مثل:

عندما كان احبائي عرايا

كنت ثوبًا مهملًا فوق الطريق

او مثل:

انني خنت جميع الخائنين

فاذا ما مت يومًا

فخذوا منهم بثأري..

وهناك مقطع شعري لعدوان يلخّص معاناته التاريخية الانسانية الملحمية هو:

احبيبتي

امضيت عمري والهروب هو الهروب

امضي فتخدعني الدروب

واتوه في برد غضوب..

يوم انصرف عدوان في فترة مبكرة من حياته، إلى عالم الاعمال وبعده التدريس، تاركًا الشعر وراءه ثوبًا مهملًا فوق الطريق، قلت إن الشعر خسر شاعرًا مُجيدًا.. وها انا اليوم،  في ذكرى رحيل عدوان، أجدني أردد نفس القول، مضيفًا إليه مطالبة بسيطة تحتمها اللحظة.. لحظة الفراق الاخير المر، مفادها سؤال بسيط هو: هل سيعيد ورثة عدوان طباعة مجموعته الشعرية ملحمة الخلق؟ اذا وجد هذا السؤال ردًا طيبًا.. اؤكد أنني على استعداد لمراجعة هذه المجموعة. ومتابعة طباعتها، من البداية حتى النهاية.. فهذا ابسط ما يمكن ان اقدمه لصديق احزنني قليلًا وافرحني كثيرًا..

***

ناجي ظاهر

الكتابات المنتشرة في الصحف والمواقع بأنواعها يعوزها التفكير العلمي، فالطاغي هو الكتابات الأدبية والفلسفية، وما عداها يكاد يكون مغيبا لأسباب متعددة ومحيرة.

"التفكير العلمي أسلوب منظم في النظر إلى الأشياء والمشكلات، يستند على الملاحظة وطرح الأسئلة وجمع الأدلة وإختبار الفرضيات، ثم الوصول إلى نتائج قابلة للمراجعة والتحقيق، ومن خصائصه الموضوعية، الشك المنهجي، الإعتماد على الدليل، السببية، إختبار الفرضيات، قابلية التصحيح، التراكمية والتنبؤ"

الأمم التي تبخس التفكير العلمي تتدحرج بسرعة إلى ما وراء عصرها، ويكتنفها الذل والهوان، ويعشعش في أركانها الضعف والإمتهان.

فالأمم القوية هي التي إتخذت من التفكير العلمي منهجا لمسيرتها، وإنطلقت به منذ المراحل الأولية في مؤسساتها التعليمية، فأوجدت أجيالا مفعّلة العقول، وحرة التفكير وتمارس النقد لكل ظاهرة، وتهتم بالملاحظة وتفسرها وتستخلص منها دروسا ونظريات.

وفي بعض المجتمعات المنكوبة بأنظمتها تهيمن إرادات السمع والطاعة على أبنائها، ويُحرّم عليها التفكير الحر، لأنها ستوصم بما يبرر محقها، وإخماد أنفاسها، ودفن أفكارها.

الأمة أبدعت عندما تحررت عقولها من قيود التبعية والخضوع لإرادة ساطية، وقوة طاغية، وسلطة قاهرة، فانطلقت عقول أفذاذها بالإتيان بما لم يكن في الحسبان من الإبداعات المتميزة.

فهل يجوز التمسك بكان الفارغة المتحولة إلى سراب بعد أن نكثت الأجيال غزل وجودها وسُدى جوهرها؟

أمَّةُ العلمِ لعلمٍ أنكرتْ

وتواصتْ ببقيلٍ فهوَتْ

كيفَ عاشتْ في عُلاها كَوْكبا

وتداعتْ لحضيضٍ وانْتَهتْ

إنّما الدنيا بعلمٍ إزْدَهَتْ

فلماذا لجَديدٍ رَفضتْ؟

***

د. صادق السامرائي

تجربة سفر

فجر اليوم وصلني من القاهرة رقم الإيداع والتصميم الأخير لكتابي الجديد «هولندا: البحث عن المعنى»، فوجدتني أمام شيء يتجاوز فرحة صدور كتاب جديد. كنت أقلب الصفحات وأتأمل الغلاف والعناوين والصور والذكريات، وأشعر أنني لا أستلم كتابًا فحسب، بل أستعيد رحلة كاملة عشتها وما زلت أعيشها؛ رحلة بدأت من مكان تركته بحثًا عن الأمن والحرية والعيش الكريم، ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى رحلة أخرى: رحلة البحث عن معنى الحياة، ومعنى الوطن، ومعنى الحرية، ومعنى المؤسسة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا في عالم صار متقاربا بعد انكماش الزمان والمكان إذ تتفاعل فيه الشعوب والثقافات والتجارب، لكنها لا تزال تحتاج إلى أن تتعلم كيف تفهم بعضها بعضًا.

في ضوء هذه الرؤية الكلية للمعنى يأتي هذا الكتاب؛ لا بوصفه دليلًا سياحيًا عن هولندا، ولا سجلًا للأماكن والمدن والمتاحف والأنهار والغابات والمحطات التي عبرتها منذ أن وطئت قدماي أرضها. فما يعنيني هنا ليس المكان في حد ذاته، بل الإنسان الذي يبحث عن نفسه في المكان، وعن معنى حياته في التحول من مكان إلى آخر. لقد غادرتُ مكانًا لم يعد قادرًا على أن يمنحني ما أحتاج إليه من أمن وحرية وعيش كريم، حاملا معي ذاكرتي وأسئلتي وأفكاري، لأبدأ رحلة لم تكن في جوهرها انتقالًا جغرافيًا، بقدر ما كانت خروجًا من عالم إلى عالم من معرفة إلى خبرة، من سماع إلى رؤية ومن يقين إلى سؤال. لذلك لم أنظر إلى هولندا بعين السائح، بل بعين إنسان يحمل تاريخًا وذاكرة وثقافة، ويقف أمام مفاهيم طالما قرأ عنها ودرّسها: الدولة، والقانون، والمواطنة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتعليم والعلم والتحدي والاستجابة .الخ جئت لأرى ما الذي يحدث لهذه المفاهيم - التي طلما وقرأتها منذ زمن طويل في الكتب ولم ارى أو اعش ماصدقها في الواقع- فكيف المفاهيم المجردة إلى ممارسة، وعادات، ومؤسسات، وتفاصيل صغيرة تصنع في مجموعها معنى الحياة. تلك هي المسألة فماذا تعني الحرية حين تصبح ممارسة يومية؟ ماذا يعني القانون حين يتحول من نص إلى مرجعية؟ ماذا تعني المؤسسة حين تصبح أقوى من الأشخاص؟ ماذا تعني المواطنة حين يشعر الإنسان أنها حق وليست مكرمة؟ وماذا تعني الجامعة حين تصبح الحرية الأكاديمية شرطًا من شروط جودتها؟

ومن هنا تحولت هولندا بالنسبة إليّ إلى مختبر حضاري مفتوح؛ لم أعد أراها مجرد بلد أقيم فيه، بل فضاءً حيًّا أختبر فيه أفكارًا ومفاهيم عشت طويلًا أدرسها وأكتب عنها، وأتساءل عن المسافة الفاصلة بين المفهوم حين يكون فكرةً في الكتاب، وحين يصبح ممارسةً في الحياة. وفي قلب هذه التجربة برز لي مفهوم الانتظار بوصفه أكثر من زمنٍ عابر؛ فقد صار جزءًا من تفاصيل يومي: أنتظر رسالة، وموعدًا، ووثيقة، وقرارًا، وفرصةً، وأنتظر أن تتضح بعض الأشياء التي ما تزال معلقة بين ما كان وما سيكون. أخرج إلى الشارع، أركب القطار، أمشي في الغابة، أجلس في مقهى أو مكتبة، ألتقي بالناس، وأرى الحياة من حولي تمضي في انتظامها الهادئ، بينما يظل في داخلي سؤالٌ ينتظر جوابًا. عندها أدركت أن الانتظار ليس فراغًا بين حدثين، بل تجربة نعيشها ونحن نحاول أن نمنح الزمن معنى. وربما كان هذا هو الاختبار الأعمق الذي خضته هنا: كيف أحوّل انتظار المهاجر من قلقٍ على المستقبل إلى فرصةٍ لفهم الحاضر، ومن حالة مؤقتة إلى طريقة جديدة في النظر إلى الحياة؟ومن هنا انتقلت في تجربتي من قلق الانتظار إلى اكتشاف المعنى.

وهذه النقلة هي التي تمنح الكتاب بعده الإنساني الأوسع . فأنا لا أكتب عن هولندا لكي أقول: انظروا إلى مجتمع مثالي لا أخطاء فيه. لا أؤمن أصلًا بأن هناك مجتمعًا بلغ نهاية التاريخ أو امتلك الحقيقة كاملة. وكلما ازداد الإنسان معرفة بالتاريخ والحضارة ازداد حذرًا من الأساطير التي تصنعها المجتمعات عن نفسها ولهذا لا يقوم الكتاب على ثنائية ساذجة بين «شرق متخلف» و«غرب متقدم»، ولا على الاحتفاء بالغرب من جهة، أو هجائه من جهة أخرى. إنه محاولة لفهم المسافة بين المفهوم والممارسة، وبين الدولة بوصفها اسمًا والدولة بوصفها مؤسسة، وبين الحرية بوصفها كلمة والحرية بوصفها حياة.

فالحوار الحقيقي بين الحضارات لا يبدأ من السؤال: من الأفضل؟ ومن الأكثر تقدمًا؟ ومن يمتلك الحقيقة؟ وإنما يبدأ من سؤال أكثر تواضعًا وعمقًا: ماذا يمكن أن نتعلم من تجارب بعضنا بعضًا؟ فالأفكار تسافر، والكتب تعبر الحدود، والناس يهاجرون، واللغات تتفاعل، والتجارب تتبادل التأثير. وما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الجدران النفسية والثقافية، وإنما مزيدًا من القدرة على رؤية الإنسان في الآخر قبل رؤية الاختلاف فيه.

وقد وجدت أن تجربة السفر نفسها فعل فلسفي. فأنا حين أغادر مكاني لا أغادر جغرافيته فقط، بل أغادر أيضًا بعض المسلمات التي صنعتها الإقامة الطويلة داخل ثقافة واحدة. السفر يضعني أمام الآخر، لكنه يضعني كذلك أمام ذاتي. ولهذا لم تكن رحلتي من اليمن إلى هولندا مجرد انتقال من نقطة جغرافية إلى أخرى على الكوكب ، بل كانت انتقالًا من طريقة في فهم العالم إلى طريقة أخرى. حاولت أن أجعل الأماكن نفسها جزءًا من هذا الحوار. دينكامب، أولدنزال، ناميخن ودنبوش أوتمارسوم، ماستريخت، فالكنبورخ، لاهاي، أمستردام وغيرها ليست في الكتاب مجرد أسماء على خريطة. إنها مشاهد وتجارب وأسئلة. حتى الغابات والطيور والمتاحف والقطارات والقنوات والجسور والمقاهي والجامعات والطبيعة اليومية أصبحت بالنسبة إليّ نصوصًا مفتوحة للقراءة.

ولعل أكثر ما استوقفني في التجربة الهولندية علاقة الإنسان بالماء. هنا رأيت كيف يمكن للمجتمع أن يحول الخطر إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى نمط حياة. لقد تحول الماء من مشكلة إلى مورد، ومن تهديد إلى فرصة، ومن قوة طبيعية عمياء إلى عنصر من عناصر بناء الحضارة. ومن هنا وصلت إلى معنى أوسع للحضارة: ليست الحضارة كثرة الكلام عن النعم، وإنما القدرة على تحويل النعمة إلى منفعة عامة. وقد اخير الاستاذ وجيه جعفر بان وراء الاستجابة الهولندية الفاعلة لتحدي القوة المائية العمياء فلسفة كاملة تتلخص في عبارة (واجه الخطر قبل أن يصل اليك)

واتذكر أنني كتب دراسة بعنوان (إمستردام التي روضت البحار) نشرته في مجلة حوريت الحضرمية الصاعدة في عددها الأخير.

ومن هنا فإنني لا أريد للقارئ أن يرى هولندا بوصفها «نموذجًا» ينبغي نسخه، بل بوصفها تجربة تاريخية تستحق أن تُقرأ، كما تستحق تجاربنا نحن أن تُقرأ من الداخل والخارج. فالحوار الحضاري لا يعني أن يتخلى الإنسان عن هويته، وإنما يعني أن يصبح قادرًا على رؤية هويته في مرآة الآخر، وأن يرى الآخر بوصفه إنسانًا قبل أن يراه بوصفه مختلفًا فكل الناس في العالم ينتمون إلى ذات النوع من الكائنات الحية البشرية. جميع البشر بلا استثناء هم ابناء هذا الأرض ولا احد جاء من المريخ أو المشتري.

لقد انتهيت من كتابة هذا الكتاب، لكنني لا أشعر أنني انتهيت من البحث عن المعنى. فمنذ أن غادرت اليمن بحثًا عن الأمان، لم تتوقف ذاكرتي عن استدعاء المكان الأول كلما واجهت مكانًا جديدًا. كنت أجد نفسي، دون قصد، أقارن بين ما أراه هنا وما عشته هناك؛ بين مؤسسة تعمل وأخرى تعطلت، بين طفل يذهب إلى مدرسته مطمئنًا وطفل عرف الحرب قبل أن يعرف معنى المدرسة، بين إنسان يمارس حياته اليومية في ظل القانون والأمان، وإنسان تحولت حياته العادية إلى حلم بعيد المنال. لم تكن هذه المقارنة رغبة في إدانة مكان أو تمجيد مكان، وإنما كانت طريقة الذاكرة في فهم التجربة، وطريقة الإنسان في اكتشاف ما كان يمكن أن يكون عليه وطنه لو تعلّم من تجارب الآخرين. فتاريخ النوع الإنساني واحد على كوكب الأرض

والحضارات لا تتقدم لأنها تملك وصفة سحرية، وإنما لأنها تتعلم، وتراجع تجاربها، وتصحح أخطاءها، وتستفيد من تجارب غيرها. وليس في التعلم من الآخر انتقاص من الذات، بل هو أحد أشكال احترام العقل؛ فالأمم التي تنظر إلى تجارب الآخرين بعين مفتوحة تستطيع أن ترى إمكاناتها الخاصة بصورة أوضح.

وأنا سعيد بأن يخبرني صديقي، الناشر المثقف إبراهيم موسى النحاس، صاحب دار الأنوار للنشر والتوزيع، أن «هولندا: البحث عن المعنى» سيكون حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم؛ ليواصل الكتاب رحلته من تجربة شخصية إلى فضاء إنساني أوسع، حيث يظل السؤال مفتوحًا: كيف نحول ما تعلمناه من التاريخ إلى حياة، وما راكمناه من المعرفة إلى منفعة، وما اختبرناه من الألم إلى معنى؟

وهكذا غادرت مكانًا بحثًا عن الأمان، لكنني اكتشفت، مع امتداد الرحلة، أن الأمان وحده لا يكفي لكي تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش. فالإنسان لا يبحث عن مكان آمن فحسب، بل عن مكان يستطيع فيه أن يكون إنسانًا: أن يفكر دون خوف، وأن يختلف دون عداوة، وأن يعمل، ويحب، ويحلم، ويمنح حياته معنى. ولهذا لم تعد الرحلة بالنسبة إليّ انتقالًا من بلد إلى بلد، ولا خروجًا من ماضٍ إلى حاضر، وإنما انتقالًا داخليًا من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المسؤولية.

ختاما: علمتني الحياة أن المعنى لا ينتظرنا في نهاية الطريق، ولا يُمنح لنا جاهزًا؛ نحن نصنعه بما نتعلمه، وبما نفعله، وبما نتركه في حياة الآخرين. وربما كان أعمق ما تعلمته أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يستطيع أن يضيفه إلى الحياة، وأن أفضل ما يمكن أن نفعله بالتاريخ هو ألا نكرر مآسيه، بل أن نحول دروسه إلى مستقبل أكثر إنسانية.

***

د. قاسم المحبشي

 

في مكتبتي أشياء لا أتعامل معها بوصفها كتباً ومجلات فحسب، بل بوصفها قطعاً صغيرة نجت من الزمن. أوراق اصفرّت، وأغلفة أنهكتها الأصابع والرطوبة وتقلبات السنين، لكنها تستعيد شيئاً من حياة مضت، حين تكون صدفة بين يديك، حتى يبدو الورق القديم أحياناً أكثر قدرة من الذاكرة على مقاومة النسيان.

بين هذه الأشياء عدد من مجلة "المعلم الجديد"، صدر في بغداد سنة 1944 عن وزارة المعارف العراقية، التي تقابلها اليوم وزارة التربية. ثمانون عاماً وأكثر مرّت على هذا الغلاف الذي تمزقت أطرافه قليلاً، وترك الزمن علاماته على صفحاته، غير أن شيئاً فيه ظل عصياً على الشيخوخة: هيبة المعرفة.

أتأمل عنوان المجلة الذي خطّه الخطاط صبري الهلالي، من جيل الخطاطين الذي سبق هاشم محمد البغدادي، فأدرك أن العناية لم تكن بالمضمون وحده. حتى اسم المجلة كان ينبغي أن يدخل إلى عين القارئ جميلاً، متوازناً، محسوب النسب والمسافات. لم يكن الخط زينة أضيفت إلى الغلاف، بل كان جزءاً من ثقافة ترى الجمال والمعرفة وجهين لعملية تربوية واحدة. وكأن وزارة المعارف أرادت أن تقول لمعلمها منذ الصفحة الأولى: إن التربية تبدأ أيضاً من الذائقة.

أقلب الصفحات:

هنا مصطفى جواد، وهناك محمد آل ياسين، ويوسف يعقوب مسكوني، وبشير اللوس، وعباس طه النجم، ومحمد حسن الصوري، وعوني بكر صدقي، وحسن الدجيلي، وغيرهم من الأساتذة والمربين، هؤلاء سدنة المعنى، كانوا قد أرسوا ركائز التعليم بأسس صحيحة، وجعلوا منه قضية مجتمع ودولة ومستقبل.

ما يثير الانتباه، بعد كل هذه العقود، هو اتساع أفق المجلة. فلم تحبس نفسها في طرائق التدريس بمعناها المدرسي الضيق، بل فتحت صفحاتها للتربية والأدب والترجمة والآداب الأجنبية والمناهج وطرائق تدريسها والرياضة وسواها. كان المعلم، في تصورها، مثقفاً قبل أن يكون ناقلاً للمعلومة، إنساناً ينبغي أن يعرف ما يقع خارج حدود كتابه المدرسي، لأن مهمته ليست تلقين التلميذ درساً، بل المساهمة في تكوين عقله وشخصيته وذائقته.

هنا تحديداً تكمن قيمة هذه الأوراق القديمة. إنها تكشف عن فكرة التعليم التي كانت قائمة آنذاك، فمشاركة أسماء علمية وأدبية مرموقة في مجلة تصدرها وزارة المعارف يعني أن المؤسسة كانت تستعين بأفضل ما لديها من عقول كي تخاطب المعلم. فالثقافة كانت تتسلل إلى المدرسة، بل هي جزء من برامجها، والمدرسة بدورها كانت جزءاً من الحياة الثقافية العامة. والمجلة التربوية كانت مشروع معرفة لا نشرة عابرة.

لا ينبغي، بالطبع، أن نحوّل الماضي إلى فردوس متخيّل. كانت للعراق يومئذ مشكلاته السياسية والاجتماعية، وكان التعليم محدود الانتشار قياساً بما بلغه لاحقاً، ولم تكن المؤسسات خالية من النقص. إن المقارنة المنصفة لا تكون بين ماضٍ كامل وحاضر ناقص، فذلك ظلم للتاريخ. لكن الذي يستوقفنا هو معيار الرصانة العلمية: كيف كانت المؤسسة تنظر إلى ما تنشره باسمها؟ ومن تختار للكتابة؟ وكيف تحرر مادتها؟ وأي قارئ كانت تتخيله أمامها؟ تلك أسئلة يصبح طرحها اليوم مؤلماً.

لقد منحت الثورة الرقمية الإنسان إمكانات معرفية لم تكن تخطر ببال محرري "المعلم الجديد" سنة 1944. يستطيع المعلم اليوم أن يصل خلال ثوانٍ إلى مكتبات وموسوعات ودوريات ومحاضرات في أقصى الأرض. لكن وفرة الوسائل لم تنتج بالضرورة وفرة في المعرفة، كما أن سرعة النشر لم تضمن جودة المنشور. حدث، في أحيان كثيرة، العكس: تضاعفت المعلومات وتراجعت معايير الانتقاء.

صرنا نعيش وسط سيل لا ينقطع من المنشورات والمنصات والصفحات والمقاطع، تختلط فيه المعرفة بالرأي، والبحث بالانطباع، والخبرة بالادعاء. يستطيع أي شخص أن يصبح ناشراً في اللحظة نفسها التي يكتب فيها، من دون محرر يسأله عن المصدر، أو مدقق يراجع لغته، أو مؤسسة تتحمل مسؤولية ما يحمل اسمها.

ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، فهي أداة عظيمة حين توضع في سياق معرفي سليم. المشكلة في أن سهولة النشر أوهمتنا أحياناً بأن النشر بديل عن المعرفة، وأن كثرة الكلام دليل على حيوية الثقافة. بينما تعلمنا المجلات الرصينة القديمة أن قيمة المطبوع لم تكن في عدد صفحاته ولا في انتظام ظهوره وحده، وإنما في مقدار الثقة التي يبنيها بينه وبين قارئه.

حين أتصفح العدد القديم من "المعلم الجديد"، أشعر بالحنين إلى الورق، ليس حنيناً إلى وسائل الأربعينيات. إنما إلى احترام المعرفة. أعود إلى زمن كانت فيه الكلمة التي تصدر عن مؤسسة تربوية تشعر بثقل مسؤوليتها. وإلى ثقافة كانت ترى في المعلم صانع عقل، لا موظفاً يؤدي ساعات الدوام وينصرف.

لعل أكثر ما يبعث الحسرة أن الوسائل المتاحة لنا اليوم أوسع بما لا يقاس، لكن الرصانة لا تُقاس بحداثة الوسيلة. يمكن لشاشة مضيئة أن تحمل فكراً عظيماً، كما يمكن لورقة صفراء عمرها اثنان وثمانون عاماً أن تكون أكثر شباباً من آلاف الصفحات التي تولد كل صباح وتموت قبل المساء. وثمة سؤال يبقى مفتوحاً لا يغادر هذا الحيز: هل بمقدور مؤسساتنا التربوية أن تقدم مطبوعاً بهذا المستوى من العلمية والرصانة، اليوم؟

أعيد العدد إلى مكانه في المكتبة، بحذر يليق بشيء

عاش أكثر من معظم الذين كتبوا فيه وقرأوه. لا أستطيع أن أنظر إلى تمزق حافته بوصفه تلفاً في ورق فقط، ثمة معنى آخر يختبئ في هذه الشقوق الصغيرة. إنها آثار زمن كامل عبر من هنا.

***

جمال العتّابي

ماذا بقي من وعود العراق الجديد؟

حين سقط النظام العراقي عام 2003، لم يكن الذين يشكّلون اليوم الكتلة الشبابية الأكبر في البلاد قد وُلدوا بعد، أو كانوا أطفالاً لا يدركون معنى ما يجري حولهم. ومع ذلك، فإن هذا الجيل هو الذي عاش كامل سنوات وعيه داخل النظام السياسي والاجتماعي الذي نشأ بعد التغيير. تلقّى تعليمه في مدارسه، وانتظر مستقبله في مؤسساته، وشكّل تصوراته عن الدولة والمجتمع في ظله. لذلك، فإن جيل ما بعد 2003 ليس مجرد شاهد على التجربة العراقية الجديدة، بل هو أحد أوضح المؤشرات إلى حصيلتها وما تركته في وعي أبنائها.

على مدى أكثر من عقدين، انشغلت القوى السياسية العراقية بتفسير الماضي أكثر من انشغالها بصناعة المستقبل. ظلت الدكتاتورية حاضرة في الخطاب حيناً، والطائفية حيناً آخر، والإرهاب في أحيان كثيرة، لتفسير تعثر الدولة وعجزها عن تلبية احتياجات المواطنين. وربما كانت تلك العوامل تفسر جانباً مهماً من الصعوبات في السنوات الأولى التي أعقبت التغيير، لكن الماضي لا يمكن أن يظل ذريعة مفتوحة للحاضر إلى ما لا نهاية. فالأطفال الذين وُلدوا في تلك المرحلة أصبحوا اليوم شباباً يبحثون عن عمل وسكن وفرصة حياة كريمة، ولم تعد سجالات الطبقة السياسية حول أخطاء الأمس تستحوذ على اهتمامهم بقدر ما تشغلهم أسئلة اليوم والغد.

هذا الجيل لا يحمل ذاكرة مباشرة عن الدولة العراقية قبل عام 2003، ولا عن الحروب التي سبقتها، ولا عن سنوات الحصار بكل تفاصيلها. بالنسبة إليه، تنتمي تلك الأحداث إلى ماضٍ لم يعشه شخصياً، حتى لو ظل أثره حاضراً في حياة أسرته ومجتمعه. ولهذا تختلف نظرته إلى العراق عن نظرة آبائه. فالجيل الأكبر يقارن الحاضر غالباً بالماضي الذي عاشه، بينما يقارن الجيل الجديد واقعه بما يراه في العالم من حوله. ولم تعد مرجعيته محلية خالصة، بل أصبحت عالمية أيضاً.

نشأ هذا الجيل في عصر الانفتاح الرقمي، حيث أصبحت الحدود الجغرافية أقل تأثيراً في تشكيل الوعي والتطلعات. فمن خلال الهاتف الذكي، يستطيع الشاب العراقي أن يطّلع خلال دقائق على تجارب أقرانه في مختلف أنحاء العالم، وأن يرى جامعات وأنظمة تعليم وفرص عمل وأنماط حياة لم تكن متاحة للأجيال السابقة بالقدر نفسه. وقد أسهم هذا الانفتاح في رفع سقف الطموحات، لكنه عمّق في الوقت ذاته الفجوة بين ما يراه الشباب ممكناً وما يجدونه متاحاً في واقعهم اليومي.

وهذه الفجوة ليست اقتصادية فقط. إنها تتحول تدريجياً إلى حالة شعورية تؤثر في علاقة الشباب بالمستقبل وبالدولة والمجتمع. فالشاب الذي يرى أقرانه في دول أخرى ينتقلون بين مراحل حياتهم بوضوح أكبر، ويجدون فرصاً متنوعة للتعليم والعمل والاستقلال، يعود إلى واقع يواجه فيه البطالة وضعف الخدمات وارتفاع تكاليف السكن ومحدودية الفرص. ومع اتساع المعرفة بالعالم، يصبح من الصعب إقناع جيل كامل بأن ما يعيشه هو أقصى ما يمكن أن يطمح إليه.

ومن هنا تكمن إحدى أكبر التحديات التي تواجه النظام السياسي العراقي: فهو يواجه جيلاً نشأ خارج كثير من الروايات التي أسست الخطاب السياسي بعد 2003. فالشباب الذين لم يعيشوا تلك المرحلة بوصفهم فاعلين فيها لا ينظرون إلى السياسة من زاوية الانتصارات التاريخية أو المظلوميات القديمة بالقدر نفسه الذي تنظر به إليها أجيال سابقة. وهم، في الغالب، أكثر ميلاً إلى تقييم المؤسسات والقوى السياسية من خلال نتائجها الملموسة: هل يستطيع خريج الجامعة الحصول على وظيفة؟ هل يستطيع الشاب تأسيس مشروع؟ هل يستطيع بناء أو استئجار منزل؟ وهل توفر المدينة التي يعيش فيها خدمات تليق بكرامة الإنسان؟

ولا يعني ذلك أن هذا الجيل منفصل عن تاريخ بلاده أو غير معني بالشأن العام. على العكس، أظهرت السنوات الأخيرة أن لدى قطاعات واسعة من الشباب العراقي اهتماماً واضحاً بمستقبل بلدهم، لكن أدوات التعبير اختلفت. فقد اتجه كثيرون إلى المبادرات المدنية، والعمل التطوعي، والحملات المجتمعية، والأنشطة الثقافية، والإعلام الرقمي، وغيرها من المساحات التي تمنحهم شعوراً أكبر بالقدرة على التأثير. إنهم لا يرفضون المشاركة بقدر ما يبحثون عن أشكال جديدة لها، بعيداً عن الأطر التقليدية التي لا يشعرون دائماً بأنها تمثلهم.

وللمرة الأولى منذ عقود، لم يعد الماضي المرجعية الوحيدة التي يقيس الشباب العراقي من خلالها حاضرهم. لقد أصبح العالم نفسه جزءاً من مرجعيتهم اليومية. وهذا التحول أحدث نوعاً جديداً من المقارنة لم تعرفه الأجيال السابقة بهذا الاتساع: مقارنة مستمرة بين الممكن والمتاح. فكلما اتسعت نافذة الشباب على العالم، ازدادت قدرتهم على رؤية ما يمكن أن تكون عليه حياتهم، وفي المقابل ازداد وعيهم بما ينقصهم في واقعهم المحلي.

وهذا ما يفسر جانباً من الفجوة المتزايدة بين الجيل الجديد والطبقة السياسية. فعندما يُقدَّم الاستقرار بوصفه إنجازاً، قد يرى الشباب فيه شرطاً ضرورياً لا غاية نهائية؛ وعندما تُطرح حماية النظام السياسي باعتبارها أولوية، يبقى السؤال الذي يعنيهم أكثر هو ما إذا كان هذا النظام يوفر لهم مساحة حقيقية لبناء مستقبلهم والمشاركة في صياغته. بالنسبة إلى جيل كامل، لم تعد شرعية الخطاب كافية، بل أصبحت مرتبطة بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وقد أنفقت الدولة العراقية خلال العقدين الماضيين موارد مالية كبيرة كان يمكن أن تشكل أساساً لتحولات واسعة في الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والتنمية. غير أن الفارق بين حجم الموارد وحجم النتائج التي يشعر بها المواطن لا يزال مصدراً للتساؤل والقلق. فالمسألة لا تتعلق بالأرقام وحدها، وإنما بجوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وكلما شعر الشباب بأن الثروة الوطنية لا تنعكس بصورة عادلة على حياتهم، تراجعت الثقة بالمؤسسات، وأصبح الشعور بالانتماء أكثر عرضة للاهتزاز.

ويظل الاقتصاد أحد أبرز أسباب هذه المعضلة. فقد منح النفط الحكومات المتعاقبة قدرة كبيرة على تمويل الدولة وتأجيل بعض الأزمات، لكنه لم يؤدِّ وحده إلى بناء اقتصاد متنوع قادر على خلق فرص عمل مستدامة. وفي ظل ضعف القطاع الخاص ومحدودية الإنتاج، بقيت قدرة الاقتصاد على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل أقل من احتياجات المجتمع. وهكذا وجد الشباب أنفسهم أمام معادلة صعبة: دولة تعتمد بدرجة كبيرة على التوظيف والإنفاق العام، واقتصاد خاص لم يتطور بما يكفي ليقدم البدائل المطلوبة.

لكن المشكلة تتجاوز الاقتصاد. فهناك شعور لدى قطاعات من الشباب بأن النظام السياسي أعاد إنتاج النخب ومراكز النفوذ أكثر مما أتاح المجال أمام الأجيال الجديدة للوصول إلى مواقع التأثير. وبعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير، ما تزال قوى وشخصيات كثيرة تحتفظ بحضورها في المشهد العام، بينما يجد الشباب صعوبة في اختراق البنى السياسية التقليدية أو الوصول إلى مواقع تمكنهم من التأثير الفعلي في صناعة القرار. وهنا تظهر مفارقة لافتة: نظام نشأ على أساس التعددية والمشاركة السياسية، فيما يشعر جزء من شبابه بأن المساحة المتاحة لهم للمشاركة لا تتناسب مع حجمهم ودورهم في المجتمع.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال هذا الجيل في الغضب أو الإحباط. فبين صفوفه تظهر باستمرار نماذج من الإبداع والمبادرة والنجاح. هناك رواد أعمال ومبرمجون وفنانون وباحثون وأطباء ومهندسون وشباب يعملون في مجالات جديدة ويحققون نتائج مهمة، رغم البيئة التي تحيط بهم. وفي كثير من الحالات، تبدو هذه النجاحات ثمرة للمبادرة الفردية والمثابرة أكثر من كونها نتيجة مباشرة لسياسات عامة متكاملة. وهذا لا يكشف فقط عن الصعوبات التي يواجهها الشباب، بل يكشف أيضاً عن حجم الطاقة البشرية التي يمكن للعراق أن يستفيد منها إذا توفرت لها البيئة المناسبة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق ليس أزمة مالية أو سياسية عابرة، بل فقدان الثقة لدى جيله الشاب. فالدول تستطيع، مع الوقت، إصلاح بنى تحتية متهالكة وتعويض موارد مهدرة وتجاوز أزمات أمنية وسياسية، لكن استعادة الثقة بعد فقدانها أكثر تعقيداً. وحين يتحول حلم الهجرة من خيار فردي إلى طموح واسع بين الشباب، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بقرارات الأفراد وحدها، بل بالبيئة التي تجعل البقاء أقل إغراءً من الرحيل.

بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان العراق قد نجح في إسقاط نظام قديم، بل ما الذي نجح في بنائه بعد ذلك. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الماضي، وإنما بقدرتها على تحويل التغيير إلى مؤسسات وفرص وحياة أكثر استقراراً وعدالة. ولهذا فإن أفضل اختبار لحصيلة التجربة ليس في الخطابات التي قيلت عنها، بل في حياة الجيل الذي وُلد في ظلها وكبر معها.

أبناء هذا الجيل لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يريدون دولة تعمل، ومؤسسات تحترم مواطنيها، وتعليماً جيداً، وفرصاً عادلة، واقتصاداً يتيح لهم العمل والاستقلال، ومستقبلاً يمكنهم التخطيط له. يريدون أن يكون العراق أكثر من وطن يحبونه ويرتبطون به عاطفياً؛ يريدونه مكاناً يستطيعون أن يبنوا فيه حياتهم من دون أن يشعروا بأن مستقبلهم مرهون بالهجرة أو بالبحث عن فرصة خارج الحدود.

وربما تكمن المسألة كلها في هذا التحول البسيط والعميق في آن واحد: لم يعد الشباب يسألون عما وُعدوا به، بل عما تحقق فعلاً. وبين الوعود التي أُطلقت في لحظة التغيير عام 2003، والواقع الذي يعيشه جيل ما بعد 2003 اليوم، تتحدد المسافة الحقيقية التي قطعها العراق. وهي مسافة لا تقاس فقط بما تحقق من مؤسسات أو مشاريع، وإنما أيضاً بمقدار ما استطاعت الدولة أن تمنحه لأبنائها من ثقة بالمستقبل وشعور بالقدرة على بناء حياة داخل وطنهم.

في النهاية، لا يمكن فهم العراق الذي نشأ بعد 2003 من دون التوقف عند الجيل الذي وُلد في ظله. فهذا الجيل لم يختر النظام الجديد، ولم يشارك في صياغة وعوده الأولى، لكنه كان الأكثر التصاقاً بنتائجه. لم يعرف عراقاً آخر يقارن به، ولم يكن معنياً كثيراً بمن يتحمل مسؤولية ما جرى في البدايات؛ فهو ينظر إلى الدولة من موقع مختلف: ماذا فعلت خلال السنوات التي كبر فيها؟ وماذا تستطيع أن تقدم له الآن؟

وهنا يعود السؤال إلى بدايته: ماذا بقي من وعود العراق الجديد؟

بقيت دولة أكثر انفتاحاً من الماضي، وتجربة سياسية مختلفة، ومساحات أوسع للتعبير والمشاركة، كما بقيت فرص حقيقية لبناء مستقبل أفضل. لكن إلى جانب ذلك بقيت أسئلة لم تجد إجابات كافية: لماذا لا تتحول الثروة إلى فرص؟ ولماذا لا يوازي التعليم طموح الشباب؟ ولماذا تظل الوظيفة والسكن والاستقرار أحلاماً مؤجلة لكثيرين؟ ولماذا يشعر جيل كامل بأن عليه أن يغادر وطنه كي يجد الحياة التي يريدها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد المعنى الحقيقي للعراق الجديد. فالتغيير السياسي لا يصبح مشروعاً تاريخياً مكتمل المعنى بمجرد سقوط نظام سابق، وإنما عندما يتحول إلى دولة يشعر أبناؤها بأنها تعمل من أجلهم، وإلى مجتمع يجد فيه الشباب مكاناً لمستقبلهم.

جيل ما بعد 2003 هو المرآة الأكثر وضوحاً لهذه الحصيلة. ففي طموحه تظهر إمكانات العراق، وفي إحباطه تظهر إخفاقاته، وفي رغبته بالهجرة تظهر المسافة بين الوطن الذي يحبه والوطن الذي يستطيع أن يعيش فيه. إنه جيل لم يعد يريد أن يرث صراعات الماضي، بل يريد أن يرث مستقبلاً أفضل.

ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس أن يقنع هذا الجيل بما حدث، بل أن يمنحه سبباً للإيمان بما يمكن أن يحدث. فحين يستطيع الشاب العراقي أن يرى في وطنه فرصة للعمل، ومكاناً لبناء أسرة، ومساحة لتحقيق طموحه، عندها فقط يمكن القول إن وعود العراق الجديد بدأت تتحول من شعارات إلى واقع.

أما إذا ظل هذا الجيل يواجه الفجوة نفسها بين ما وُعد به وما يعيشه، فإن السؤال سيبقى مفتوحاً، لا بوصفه سؤالاً عن الماضي، بل عن مستقبل بلدٍ دخل مرحلة جديدة قبل أكثر من عقدين، ثم اكتشف أن أصعب اختبار لم يكن إسقاط النظام القديم، وإنما بناء عراق يستطيع الجيل الذي وُلد بعد سقوطه أن يختار البقاء فيه.

***

جورج منصور

بدأت صناعة العقل الآلي عند إنطلاق تكنلوجيا الحاسبات الإليكترونية، وكنت من رواد مركز الرعاية العلمية الذي كان يديره المرحوم كامل الدباغ، وكان المحاسب فيه ذلك الإسم اللامع في زمانه إذ كان يعطيك نتيجة أي رقم مضروب برقم ما مهما كبرت قيمته، وكان مشهورا وتم تكريمه من قبل رئيس الجمهورية ، وكان معي في المدرسة الإبتدائية طالب بذات المواصفات، وتم تكريمه من قبل رئيس الجمهورية أيضا، وكنت أمتحنه وهو يمتطي سور مدرسة سامراء الإبتدائية الأولى بأرقام السيارات فيجيبني فورا، لكن قابليته ذوت قبل أن ننهي المرحلة الإبتدائية.

ووجدتنا أمام عصر الحاسبات التي جعلت جدول الضرب نسيا منسيا، فهي القادرة على الإجابة بسرعة مذهلة على حصال ضرب أي رقم بآخر، وما عاد لتلك الطاقات دور مهم ومتميز.

وبعد الحاسبات الرقمية، إنطلقت مسيرة الكومبيوترات وبرامجها الخلاقة المتجددة، حتى وصلنا إلى وسائل التواصل الخارقة، واليوم نحن أمام محنة الذكاء الإصطناعي الذي يعني تمكننا من صناعة العقل.

فالإنسان الآلي صار عاقلا، أي لديه عقل يتحكم به ويوجهه، وهكذا تعمل المسيرات والقذائف الذكية، وتتحرك الآفات التكنولوجية للوصول إلى ما تريده.

العقل الآلي إنطلق وإنفلت من عقاله وما عاد من الممكن السيطرة على جماحه وجنوحه، فهو الأداة الأكثر تطورا وقدرة على التحكم بمصيرنا، وسيكون شأنه كأي مخترَع، أول ما نبادر بإستخدامه للنيل منا.

هكذا فعلت الطائرة والصاروخ والمسيرة وغيرها من المبتكرات التي نوظفها لدمارنا، ولن يشذ العقل الآلي عن هذا الدور، فلماذا الهلع والقلق، ونحن الذين صنعنا ما ينال منا على مر العصور.

ذكاءً قد صَنعنا فارْتَعبْنا

لأنَّ العقلَ صارَ سُدى لديْنا

طبيعةُ فعلنا إتْيانُ أقوى

فمِن أقوى إلى أقوى ارْتقينا

نواهيُنا بذاتِ الكونِ تُطوى

ومِن علياءِ واسعةٍ نَهلنا

***

د. صادق السامرائي

"القلم طوزه"، لا أعرف متى استقر هذا الاسم، يتداوله أهل مدينة الحرية حتى صار دلالة على المكان. ربما كان تحريفاً شعبياً لـ "اليوكالبتوس" الشجرة الطويلة، المتسامقة، بمواجهة عيادة الدكتور قاسم. يسميها الناس البسطاء أحياناً " القلن طوزه" وحيدة ترفع أغصانها فوق الطريق عند ملتقى الطرق الثلاثة في مدينة الحرية كانت تقف، أو هكذا ما زالت تقف في ذاكرتي. لم تعد موجودة الآن. اختفت الشجرة، وبقي الاسم. وهذه واحدة من أكثر مفارقات المدن حزناً: أن يظل اسم المكان حياً بعد أن يموت المكان نفسه.

كان الشباب يلتقون هناك. لم تكن المدينة تحتاج إلى خرائط دقيقة كي نهتدي إلى بعضنا. كنا نقول: "نلتقي عند القلم طوزه"، كانت الشجرة عنواناً، وإشارة، وموعداً، وذاكرة صغيرة معلّقة في الهواء. كانت محطة صغيرة للحياة. تتوقف عندها السيارات التي تحمل الطلبة إلى المدارس والكليات، والموظفين إلى دوائرهم، والعمال إلى مصانعهم، والصبايا يحملن أسرارهن بين النهود. في الصباح تمتلئ بالحركة، بالحقائب والكتب، بوجوه لم تكن تعرف أن الأيام ستفرّقها بعد ذلك.

كان للحب نصيب من المكان أيضاً. هنا تتبادل بعض القلوب رسائلها السرية، ونظراتها الخجولة، وردة صغيرة تختبئ في يد، أو موعد بريئ يصعب البوح به. "القلم طوزه" تعرف أسرار البدايات: نظرة تطول قليلاً، ابتسامة تأتي في موعدها، وفتاة تلتفت من نافذة السيارة قبل أن تبتعد.

لم تكن السيارات تنقل الناس وحدهم، بل كانت تنقل أحلامهم الصغيرة أيضاً.

قريباً منها.. كان مقهى نجلس فيه، نتحدث ونراقب المارة ونؤجل العودة إلى البيوت. وفي الجوار كان صالون حلاقة غرناطة لبلبل الكحلاء سامي مناتي البهادلي، وحلاقة مهدي. أسماء أخرى كانت جزءاً من المشهد، مثلما كانت الشجرة جزءاً منه..

لم يكن غريباً أن يصبح محل سامي الذي عرف بـ (سامي كمال) واحداً من الأمكنة التي نلتقي فيها. لم نكن نذهب إليه دائماً من أجل الحلاقة. بل لأن صوته كان يجعل للمكان حياة أخرى.

كان الصالون صغيراً، بمرآة واسعة تتوسط الجدار، وكرسي حلاقة يدور ببطء، ومناشف بيضاء معلقة بعناية، رائحة الصابون والكولونيا تختلط برائحة الشعر المقصوص. على الرفّ أمشاط ومقصّات وعبوات صغيرة من العطور الرخيصة، وفي زاوية قريبة كان العود ينتظر، كأنه زبون آخر تأخر دوره.

صوت سامي، أقرب إلى الريفي، فيه حزن خفي لا تستطيع أن تعرف من أين جاء. تدرّب على آلة العود، يأخذه حين يهدأ المحل، أو حين يقل الزبائن، يجلس بيننا. نلتف حوله (منهل العارضي، موسى فنجان، رياض عيسى غيدان- قبل ان يختصر اسمه إلى رياض رمزي-، نزار الخشيمي، رشاد هاشم، أحمد الكناني، رستم، صباح كردي، أنا). كان يغني لنا أغاني عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، ويترك صوته يمضي في المكان.

بدأ سامي في كورس الإذاعة، ينتظر دوره. يراقب المطربين الذين بدأوا يصعدون إلى الضوء، ويتابع خطوات فاضل عواد وحسين نعمة، ويرى في نجاحهما احتمالاً يشبهه.. كان يتأمل أن يغني لحناً لكوكب حمزة. ثم جاءت الأغنية (أفّيش بروج الحنيّة..أفّيش..أفّيش) التي كنا نظن أنها ستفتح له الباب، لكن اللحن ذهب إلى سعدون جابر، كانت خيبة أمله كبيرة. عشناها معه، لم يكن سامي يتحدث كثيراً عن الأمر. وهذا ما جعل حزنه أكثر وضوحاً.

كان سامي كمال واثقاً من صوته يرى في صوته ما يكفي، مشكلته أنه جاء في زمن ازدحمت فيه الأصوات. أخيراً ارتضى بأغنية "بويه عينه شكبرها"، من ألحان محمد عبد المحسن. غنّاها بصوته الذي كنا نعرفه، علّق عليها شيئاً من أمله القديم، لكنه اكتشف أن الأغنية وحدها لا تصنع الشهرة، وأن الصوت الجميل يحتاج إلى لحظة، وإلى لحن يفتح له الطريق. لم تحقق الأغنية ما كان ينتظره سامي.

وشيء في داخله يقول: إن الفرصة قد تأتي غداً، لكن البلاد نفسها كانت تضيق. مسوّرة بطوابير أسلحة الموت، والبلاد تبرعم فيها الدماء، كان زمن الديكتاتورية يثقل على الناس، يجعل حتى الأحلام الشخصية تبدو ترفاً مؤجلاً. اختار سامي المنفى. يبحث عن بلاد تضمّ رفاته، يهرب من قاتل يتوعده. تاركاً خلفه محل الحلاقة، و"القلم طوزه"، والمقهى، والأصدقاء، وكل ذلك العالم الصغير الذي كنا نظنه ثابتاً مثل الشجرة. كان يغني:

رايح يا رايح وين، يويلي يا بويه

نفتقد زاوية الشارع، عتبة الدكان، صوت صاحب المقهى، رائحة الشاي، الكرسي الخشبي، كنا نظن أن المدينة تحفظنا.

بيد أن المكان الذي كانت تمثله الشجرة أخذ يتلاشى معها. لم تقتلع وحدها، بل غاب المشهد كله: التفاصيل الصغيرة، معها الوجوه التي كانت تتقاطع عند ملتقى الطرق الثلاثة.

وحين تمحى المدن من ذاكرتنا، يبدأ المحو الأكثر خطورة: محو الوطن.

رحل أبو فريد، مات في السويد، وبقي صالون غرناطة في الذاكرة، وصوته يتردد في مكان لم يعد كما كان. بعد سنوات اختفت الشجرة أيضاً. لم تعد "القلم طوزه" سوى اسم يدلّ على مكان كانت فيه شجرة، مقهى، محل حلاقة، كان شباب المدينة يلتقون ويتحدثون عن الأغاني والكتب والأحلام.

لكنني كلما مرّ اسم "القلم طوزه" في ذاكرتي، أسمع شيئاً من صوت سامي.

***

جمال العتّابي

بدعوة كريمة من السيدة نادية حمراوي وهي إذاعية قديرة في إذاعة تونس الثقافية شاركتُ في برنامحها الصّباحي يوم الإثنين 28 سبتمبر 2026 فكانت مناسبة لمرافقة الصديق فنان النّاي رشيد بن جوهرة لتكون الحصّة ممتعة الاِستماع وشيّقة المتابعة من ناحية ومن ناحية أخرى وجدتها فرصة للتعريف بموهبة صديقي الحريص على مرافقة الأدباء بعزف نايه في مختلف مناسباتهم فيُضفي على لقاءاتهم نفحات البهجة

قبل أن نصل إلى مقرّ الإذاعة بشارع الحرية بتونس عاج بي صاحب النّاي وصاحبي إلى بائع الزهور القريب فاِقتنى باقة ورد وزهور حسنة التنضيد قائلا لابدّ أن تكون زيارتنا لبرنامج السيدة نادية حمراوي مناسبة لتقديرها وشكرها على الدعوة وعلى مواكبتها للحياة الثقافية

بعدما تقدّمنا إلى بهو الاِستقبال وسجّلونا في قائمة الزائرين بعد التثبّت في الهويّة تذكّرت ذلك الصّبيّ ذا الإثني عشر عاما سنة 1966 وهو يحمل ظرفا والظرف فيه ورقة والورقة فيها نص كالقصيدة على صيغة إحدى المحفوظات المدرسية يرجو إذاعتها في برنامج ـ جنة الأطفال ـ الذي أشرفت عليه السيدة علياء على مدى سنوات عديدة وما أعظم فرحة ذلك الصبي عندما اِستمع إلى نصه صباح الأحد الموالي يُلقيه أحد الأطفال المشاركين في البرنامج مع تصفيق الحاضرين وشكر السيدة علياء فما أروعها ذكريات !

لم أعُد من اِسترحاع تلك الذكرى إلا عندما وجدتُني وجها لوجه مع المصدح فكيف مرّت ستّون عاما في لمح البصر من بينها أنّني كنت صاحب برامج ثقافية على مدى أكثر من عشرين عاما في الإذاعة الوطنية وها أنني أعود اليوم إلى الإذاعة لأتحدث عن ديواني الجديد ـ رأى ما لا يُرى ـ وعن مسيرة جمعية اِبن عرفة الثقافية التي تحتفي بالذكرى الثمانين لتأسيسها وللحديث أيضا عن عديد العراقيل الإدارية التي تواجه الجمعيات الثقافية في تونس بالإضافة إلى تلك الإجراءات العجيبة والغريبة التي تطالب بها بها وزارة الثقافة المبدعين والمثقفين للنشر في مجلة الحياة الثقافية

ولنيل مستحقّاتهم المالية على قلّتها دون أن أنسى الوضعية المؤسفة التي يتخبّط فيها اِتحاد الكُتاب التونسيين واِقتراحي بأن يعقد مؤتمرا اِستثنائيا لتوضيح جميع الإشكاليات وفتح المجال لعودة الأعضاء الذين اِنسحبوا منه لسبب أو ﻵخر فيكون مؤتمرًا حاسما يُعيده إلى سالف نشاطه بحيث إذا كان ذا مصداقية فصوتُه وازن لأنه يمثّل صوت الأدباء في القضايا الثقافية المختلفة وحتى في المسائل الوطنية

مضت ساعة وبعض ساعة في حوار مفيد مع السيدة نادية حمراوي وبإمتاع الصديق فنان الناي رشيد بن جوهرة الذي حدثنا عن مسيرته مع الناي وأفادنا بمعلومات دقيقة عن أنواعه مع مُراوحة مُمتعة من عزفه الشّجي

***

سُوف عبيد ـ تونس

هصور: من يهصر أي يكسر

هصر الأسد فريسته: إفترسها، مزقها وكسّرها.

العصر الهصور: العصر الذي سحق ما سبقه من العصور.

الذكاء الإصطناعي هيمن على السلوك البشري فأصبح آليا، والبعض يصر على أنه لا يزال بشريا، فنحن نستخدم الذكاء الإصطناعي لتحقيق مآربنا، والحقيقة أنه قوة تجاوزتنا، مثلما تجاوزت الأسلحة التي إخترعناها قدراتنا البدنية التدميرية، فأسلحتنا البدائية تطورت وفاقت خيال أجيال سبقتنا.

والذكاء الإصطناعي سلاح جديد يتفوق علينا، وربما الحق مع بعض الذين يحذرون من مخاطره وقدرته على محق وجودنا كبشر.

زميلي يجلس بقربي مرعوبا مما ستأتي به الأيام، بسبب هذه الثورة التكنولوجية المحيرة، وزميل آخر يحدثني عن حواراته مع الذكاء الإصطناعي وكيف إستحضر له قصيدة على البحر الطويل، وكأن المتنبي قد كتبها لأنه طلب منه ما يشبه قصائد المتنبي!!

قلت له: هل إنتهى عصر القلم؟

قال: الذكاء الإصطناعي يكتب أحسن من أي قلم؟

فهل هذا صحيح؟

صحفي معروف يرى أن الذكاء الإصطناعي نعمة وليس نقمة، وكأنه تناسى بأننا جَعلْنا معظم مخترعاتنا نقمات علينا.

إبداعنا المتطور جدا يمكن حصره في ميادين الشر، فالصناعات العسكرية عماد إقتصاد الدول الكبرى، وأدواتها للهيمنة على الآخرين.

حتى الأسلحة الفتاكة التقليدية كالأسلحة الذرية، ربما باتت منتهية الصلاحية، ولا قيمة لها بالمقارنة مع ما توصلت إليه البشرية من مخترعات تدميرية فتاكة.

وتساءلنا لماذا بعض الدول منهمكة في الحصول على السلاح النووي، وعند غيرها ما يتفوق عليه آلاف المرات، فما  تسببت به قنابل هورشيما ونكازاكي لا يساوي شيئا بالمقارنة بما ستسببه أسلحتنا المعاصرة المرئية والخفية.

الإليكترونات سلاحنا المعاصر، والعقل البشري يبحث عن القوة المطلقة في جسيمات متناهية الصغر، لا تُرى إلا بمجاهر خاصة وحصرية التداول.

فإلى أين المسير؟

هكذا مضى زميلي مرددا!!

عَصرُنا عصرٌ عجيبٌ خارقُ

جاءَ إبداعاً غريباً يَحرقُ

وأرانا مثلَ أكوامِ الحَصى

بمياهٍ لا نراها نغرقُ

يَتبارى خلقُها نحوَ العُلى

ورؤانا من عتيقٍ تعبقُ

***

د. صادق السامرائي

بعد الإعلان عن قرب اطلاق منصة الكترونية للابلاغ عن الخطابات الطائفية في مواقع التواصل الاجتماعي او وسائل الاعلام، صار لزاماً على كل من يريد اختبار مصداقية تنفيذ هذا القرار أن يراقب ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي وما يعرض أو يُكتب في وسائل الاعلام ليرى مدى استغلال البعض لحرية التعبير التي منحتنا إياها مرحلة (التحرير) من النظام الديكتاتوري في توظيف وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لأغراض سياسية من خلال المناداة بافكار طائفية او التعليق على منشورات تحث على الطائفية بطريقة تزيد من تأجيجها لأنهم يدركون جيداً ان الكلمات يمكن ان ترتدي أحزمة ناسفة تنفجر بوجوه الجميع من دون استثناء فتتناثر شظاياها ليسقط البعض متأثراً بجراحها وينجو البعض الآخر من تأثيرها القاتل .

يُقال ان الحروب تبدأ عادةً في أدمغة البشر، فالحروب لا تبدأ على الأرض فجأة، بل تبدأ كأفكار من التطرّف، والكراهية، والعنصرية، أو الجشع في عقول القادة وصُنّاع القرار، ثم يجري توجيه الشعوب وتفكيك وعيها وزرع الشك والخوف تجاه الآخر عبر وسائل الاعلام وحملات التضليل السياسي. وفي العصر الحديث، تحول الدماغ البشري الى ساحة معركة عبر تطويع التكنولوجيا والتلاعب النفسي لتوجيه سلوك الخصوم دون الحاجة أحياناً لصدام عسكري مباشر، وهذا ما حدث ويحدث معنا، والذي يمكن تفاديه فيما لو حصل الناس على حاجاتهم الأساسية وتمكنوا من العيش بأمان واستقرار وضمان اجتماعي لأنهم لن ينشغلوا وقتذاك بالافكار الطائفية والعدوانية وسيعملوا على حماية مصالحهم وحياتهم بعد ان اكتشفوا ان كل صراع سياسي مهما كان منشؤه لايعود عليهم الا بالمزيد من المعاناة والتضحيات فالشعب هو حطب نيران السياسة الدائم.

وفي رسالته التي وجهها لشعوب العالم في منتصف هذا العام، دعا البابا ليو الرابع عشر إلى نزع سلاح الكلام قبل نزع السلاح، لأن العنف لا ينشأ أساسًا في الأوساط الدبلوماسية، بل في الخطابات الثنائية، واستقطاب وسائل الإعلام، وازدراء الخصم. ولا يغفل البابا ليو الرابع عشر عن الفضاء الإلكتروني فهو يعلم أن حروب المستقبل ستُحسم في المقام الأول من خلال التضليل والهجمات الإلكترونية. والحل لديه ليس المزيد من التكنولوجيا، بل المزيد من القانون. فيجب أن يكون كل هجوم، وكل تلاعب، قابلاً للتتبع.

الحضارة إذن لا تُقاس بالقوة النارية، بل بالقدرة على إسكات الأسلحة والابتعاد عن الكلمات القاتلة والاستماع إلى الإنسانية، والسلام ليس أملاً ساذجاً، بل هو ثمرة العدل والإحسان الدائمة. . علينا اذن ان نكون جميعاً رقباء على انفسنا وعلى غيرنا لنقتل الكلمات المغرضة في مهدها ونبتعد أميالاً عن كل ما يؤجج الطائفية وان يتم تطبيق القانون على الجميع بلااستثناء او محاباة.. فهل ستحقق لنا المنصة ذلك؟

***

عدوية الهلالي

لم أكن أتوقع، وأنا أخطو خطواتي الأولى في متحف التاريخ الطبيعي، أن تقودني هذه التجربة البسيطة إلى اكتشاف معنى عميق من معاني الحياة. كنت أظن أنني ذاهب إلى مكان يحفظ ذاكرة الكائنات التي غابت عن عالمنا، فإذا بي أكتشف أن أكثر ما شدني فيه لم يكن ما بقي من الموت، وإنما ما كان يواصل نموه في صمت الحياة.

بعد جولتي في المتحف الأثري وانا أتامل الساقية الخشبية الجميلة في الحديقة تذكرت قول محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة وتسألت: ماذا يحدث للإنسان حين يوضع أمام خيار بين تأمل آثار الموت ورعاية مظاهر الحياة؟

كانت السيدة الرائعة جولين شراس، مديرة التطوير والتنمية، قد خيّرتني بين العمل داخل المتحف الأساسي، حيث المقتنيات الأثرية والهياكل العظيمة وموميات الكائنات المختلفة من طيور وفراشات وأسماك وزواحف وغيرها، وبين العمل في الحديقة الممتدة إلى جواره، بما فيها من مساحات خضراء وقنوات مائية ونباتات وشتلات تحتاج إلى من يرعاها ويسقيها.

في البداية، انجذبت إلى المتحف.

كان في داخله شيء من رهبة التاريخ وسحر الاكتشاف. دخلت بين أجنحته أتأمل الهياكل العظيمة، ووقفت طويلاً أمام هيكل الماموث الضخم عند المدخل، ثم صعدت إلى الطوابق العليا، متتبعاً آثار كائنات عاشت في أزمنة بعيدة، وانقضت حياتها، وبقيت هياكلها ومومياتها شاهدة على وجودها القديم.

في اليوم الأول كنت مبهوراً.

كانت الدهشة تملأ عينيّ وأنا أتنقل من قاعة إلى أخرى، وأتأمل تلك الأجساد التي غادرتها الحياة وبقيت أشكالها محفوظة بعناية. شعرت أنني أسافر في الزمن دون أن أتحرك من مكاني، وأن المتحف يشبه كتاباً ضخماً مفتوحاً على صفحات التاريخ الطبيعي.

لكن شيئاً ما بدأ يتغير.

في اليوم الثاني خفّت الدهشة قليلاً.

وفي اليوم الثالث لم أعد أشعر بالحماسة نفسها.

وفي اليوم الرابع بدأ الملل يتسلل إليّ.

أما في اليوم الخامس، فقد قادتني خطواتي، دون تخطيط مسبق، نحو الحديقة.

هناك حدث شيء لم أكن أتوقعه.

وجدت نفسي فجأة في مكان آخر تماماً؛ مكان لا يعرض الحياة خلف زجاج، ولا يحفظها داخل صناديق، ولا يكتفي بتوثيق ما كان موجوداً ذات يوم. هنا كانت الحياة تحدث أمام عينيّ، في اللحظة نفسها. تراب، وماء، وشتلات صغيرة، وأوراق خضراء، وضوء، وهواء، وجذور تبحث عن طريقها في الأرض.

جلست أعمل في الحديقة، أمهد التربة، وأغرس الشتلات، ثم أسقيها كل ثلاثاء وخميس. ومع كل شتلة كنت أغرسها بيدي، كنت أشعر أنني لا أزرع نباتاً فحسب، بل أشارك في صناعة حياة صغيرة.

وهنا اكتشفت الفرق.

هناك كنت أتأمل آثار الموت، وهنا كنت أشارك في صناعة الحياة.

لم يكن الأمر مجرد اختلاف بين قاعات المتحف والحديقة، وإنما كان اختلافاً في علاقة الإنسان بالوجود نفسه. في الداخل، كنت أقف أمام ما انتهى؛ أما في الخارج، فكنت أتعامل مع ما لم يبدأ اكتماله بعد.

المومياء تقول لك: هذا ما كان.

أما الشتلة فتقول لك: هذا ما يمكن أن يكون.

ولعل هذا هو سر انجذابي إلى النباتات أكثر من الموميات.

فالزراعة درس في الصبر، لكنها في الوقت نفسه درس في الأمل. أنت تغرس اليوم ولا تنتظر الثمرة غداً. تسقي، وتراقب، وتحمي، وتنتظر. وقد تمر أيام لا ترى فيها فرقاً كبيراً، لكن الجذر في الأسفل يعمل بصمت، والحياة تنمو بعيداً عن العين قبل أن تظهر أمامها.

وهكذا تعلمني النبتة الصغيرة شيئاً من فلسفة الحياة: ليس كل نمو مرئياً، وليس كل تغيير سريعاً، وليس كل ما لا نراه موجوداً.

كنت كلما سقيت الشتلات أشعر أنني أتعلم الصبر من الماء والتراب معاً. فالماء لا يصرخ وهو يمنح الحياة، والتراب لا يتباهى بما ينبت فيه، والنبتة نفسها لا تستعجل الوصول إلى اكتمالها.

إنها تنمو ورقة بعد ورقة، وجذراً بعد جذر.

وكذلك الإنسان.

نحن أيضاً لا نصبح ما نريد في يوم واحد. نحتاج إلى الرعاية، والوقت، والصبر، وإلى من يمنحنا شيئاً من الماء حين تجف أرواحنا، وشيئاً من الضوء حين يشتد علينا الظلام.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه الزراعة أنها تعيدنا إلى الأشياء الصغيرة التي اعتدنا أن نمر بجانبها دون أن نراها. ورقة خضراء جديدة، قطرة ماء، جذر صغير، زهرة تتفتح، شتلة تقاوم الريح… كل ذلك يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله فلسفة كاملة عن الوجود.

كانت كل ورقة جديدة تظهر أمام عينيّ تذكرني بأن الجمال والنمو يحتاجان إلى وقت ورعاية.

وكانت رعايتي للنبتة تعلمني، دون أن أشعر، أن أرعى نفسي أيضاً، وأن أرعى الآخرين بالصبر واللطف والاهتمام.

لكن شيئاً آخر كان يحدث في داخلي وأنا أسقي تلك الشتلات.

كانت الذاكرة تستيقظ.

كنت أعود، دون إرادة مني، إلى طفولتي الأولى، إلى الزمن الذي كان أبي، رحمه الله، يعلمني فيه غرس شتلات البن ورعايتها.

وهنا فهمت لماذا كان شعوري تجاه النباتات مختلفاً.

لم تكن الحديقة مجرد حديقة بالنسبة إليّ؛ كانت طريقاً سرياً إلى طفولتي.

كل شتلة كنت أسقيها كانت تستدعي شتلة أخرى من زمن بعيد، وكل قطرة ماء كانت تفتح نافذة في الذاكرة، وكل ورقة خضراء كانت تحمل شيئاً من رائحة الأرض الأولى التي عرفتها.

وتتربع شجرة البن في ذاكرتي على عرش أشجار الأرض.

ليست لأنها تمنحنا الثمر فقط، وإنما لأنها، في تجربتنا الشعبية والريفية، كانت شجرة حنان وعطاء. أوراقها الخضراء المصقولة تحنو على حباتها كما تحنو الأم على أطفالها، وحين تنضج الحبات تتغير ألوانها، وكأن الشجرة تحتفل باكتمال ما رعته طويلاً.

وحين تزهر، ترتدي ثوباً أبيض ناصعاً، وتفوح منها رائحة عطرة تشبه الياسمين.

إنها شجرة لا تمنح الإنسان حبات البن وحدها، بل تمنحه معنى.

من صبر الأرض وعرق الفلاح تصنع شيئاً يصل في النهاية إلى فنجان القهوة؛ ذلك الفنجان الصغير الذي يجمع الأحبة، ويواسي المتعبين، ويفتح أبواب الحديث والذاكرة.

وربما لهذا السبب كانت شجرة البن في طفولتي أكثر من مجرد شجرة.

كانت جزءاً من البيت، ومن الأسرة، ومن الحكاية.

كان أبي يعلمني أن الشتلة لا تكفيها أن تُغرس في الأرض؛ عليها أن تجد تربتها المناسبة، وأن تُروى دون إسراف، وأن تُحمى من قسوة الشمس والرياح، وأن تُرعى حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها.

كنت يومها أتعلم الزراعة، ولم أكن أعرف أنني أتعلم معها درساً في الحياة.

فالإنسان، مثل الشجرة، يحتاج إلى تربة ينتمي إليها، وإلى ماء يحييه، وإلى رعاية تحميه، وإلى مساحة يستطيع فيها أن ينمو دون أن يخاف.

وحين كبرت، بدأت أفهم أن التاريخ نفسه يشبه الزراعة أحياناً.

نحن نغرس أفعالنا في تربة الزمن، ثم ننتظر نتائجها. لكن التاريخ لا يمنحنا دائماً ما نريد، ولا يستجيب لرغباتنا كما تستجيب الأرض للفلاح. وقد كان أسلافنا، في الأزمنة القديمة، أكثر التصاقاً بالطبيعة وإيقاعاتها من الإنسان المعاصر الذي ابتعد عنها كثيراً.

لقد فقدنا شيئاً من الطبيعة الحانية، ولم ننجح في ترويض التاريخ؛ فالتاريخ لا قلب له ولا عيون، ولا يعرف الرحمة إلا من خلال ما يفعله البشر داخله.

واليوم، وأنا أقف في حديقة متحف التاريخ الطبيعي في هولندا، وأسقي شتلات صغيرة لا أعرف أيّها سيكبر وأيّها قد لا يكمل طريقه، أدرك أن المسافة بين طفولتي وهذه اللحظة ليست كبيرة كما كنت أظن. لقد تغيّر المكان، وتغيّرت اللغة، وتغيّرت القارة، لكن شيئاً عميقاً ظل كما هو: الإنسان يبحث عن الحياة في النبات، وعن المعنى في الرعاية، وعن الأمل في شيء صغير ينمو أمام عينيه.

كنت أظن أنني جئت إلى المتحف لأتعرف إلى الماضي، فإذا بالحديقة تعلمني أن الماضي لا يسكن الموميات والهياكل وحدها؛ إنه يسكن الذاكرة، ورائحة التراب، ويد أبي وهي تغرس شتلات البن، ويدي وأنا أسقي شتلة أخرى بعد عقود. هناك أدركت أن بعض الأشياء لا تغيب، حتى حين يغيب أصحابها.

لهذا جذبتني النباتات أكثر من الموميات. فالمومياء تحفظ صورة حياة انتهت، أما النبتة فتدعونا إلى المشاركة في حياة لم تكتمل بعد. هناك كنت أقف أمام الماضي، وهنا كنت أشارك في المستقبل.

ولعل أجمل ما تعلمته من الزراعة أن الإنسان لا يعرف أين ستنبت بذوره. قد ينسى المكان الذي زرع فيه الخير، ثم يأتي المطر يوماً ليخبره أين ترك أثره. لذلك علينا أن نبذر المحبة والمودة والسماحة والأمان والثقة حيثما مررنا، وأن نزرع جميلاً ولو في غير موضعه؛ فالبذرة الطيبة لا تضيع، وإن تأخر إنباتها.

ليس مهماً دائماً أن نرى الثمرة بأعيننا؛ يكفينا أن نعرف أننا زرعنا شيئاً قد يأتي يومٌ فيستظل به إنسان لا نعرفه.

وهكذا، وأنا أسقي الشتلات كل ثلاثاء وخميس، لم أكن أعتني بالنبات وحده؛ كنت أستعيد أبي، وطفولتي، وعلاقتي الأولى بالأرض، وأكتشف من جديد أن أجمل ما يستطيع الإنسان فعله في هذه الحياة القصيرة هو أن يترك وراءه بذرة طيبة.

فحين يغيب الإنسان، قد تبقى شجرته، وكلمته، وابتسامته، وأثر يده.

وإذا فقدت يوماً مكان البذور التي بذرتها، فربما يخبرك المطر أين زرعتها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

تربّينا في الماضي على أشياء كثيرة قد تبدو اليوم بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تشكّل أساسًا مهمًا في العلاقات الإنسانية، وفي طريقة تعاملنا مع الحياة ومع الناس.

تربّينا في بيوتنا على أن لكل فرد مكانته.

الكبير له احترامه وطريقة خاصة في التعامل معه، والصغير له مكانته وحقوقه، ولكل فرد من أفراد العائلة حدود لا نتجاوزها، ومشاعر نراعيها، ومكانة نحفظها.

تربّينا على أن العم والعمّة، والخال والخالة، ليسوا مجرد أسماء في شجرة العائلة، وإنما لهم مكانة حقيقية في حياتنا.

كان للأقارب قدسية معينة في نفوسنا، وكان لأبناء العم وأبناء الخال صلة خاصة، تسقط أمامها أحيانًا الكثير من الخلافات الصغيرة، لأن صلة الرحم كانت أكبر من أن تختصرها مشكلة عابرة أو موقف لم يعجبنا، والجار ايضا

للجار حقوق، وللجيرة حرمة، وللعلاقة مع الناس من حولنا قواعد نتعلمها منذ الصغر.

وكنا نتعلم أيضًا كيف نتعامل مع الشخص الغريب، وكيف نحترم من نتعرف عليه، وكيف نُظهر أفضل ما فينا أمام الآخرين.

لم تكن التربية آنذاك تعني أن الإنسان بلا عيوب، أو أن كل الناس كانوا مثاليين.

بالعكس...

كنا نخطئ ونغضب ونختلف، لكننا كنا نتعلم أن ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما نفكر به يجب أن نفعله، وليس كل غضب يستحق أن يتحول إلى كلمة جارحة أو تصرف مؤذٍ.

كان هناك شيء اسمه مراعاة الخاطر. وشيء اسمه حفظ الود.

وشيء اسمه احترام المقامات.. عمي خالي صديقي جاري وهكذا ..

وكان لهذه الكلمات معنى يتجاوز مجرد صلة الدم أو معرفة الاسم.

لكن ماذا حدث اليوم؟

يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة بدأت فيها قواعد جديدة تُكتب للحياة والعلاقات.

قاعدة واحدة تتكرر أمامنا بأشكال مختلفة:

أنا أولًا... ومصلحتي أولًا... وراحتي أولًا.

وأنا لا أتحدث هنا عن حق الإنسان في حماية نفسه، أو وضع حدود صحية في علاقاته، فهذا أمر ضروري ولا يمكن إنكاره.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حماية النفس إلى أنانية، والحدود إلى قطيعة، والراحة النفسية إلى مبرر للهروب من كل مسؤولية، والمصلحة الشخصية إلى المعيار الوحيد الذي نقيس به الناس والعلاقات.

اليوم تنتشر على مواقع التواصل آلاف المقاطع التي تقدم للشباب نصائح من نوع:

لا تفعل شيئًا إلا إذا كان لمصلحتك... لا تتحمل أحدًا.

قاطع كل شخص يزعجك.... لا تهتم بما يشعر به الآخرون.

إذا تعارض أي شخص مع راحتك، ابتعد عنه فورًا.

ولا يهم إن كان قريبًا، أو جارًا، أو صديقًا، أو حتى شخصًا له فضل عليك... المهم أن تكون أنت في المقدمة.

وبعض هذه الأفكار قد يكون صحيحًا في سياقات معينة، لكن المشكلة في تحويلها إلى قاعدة عامة للحياة.

لأن الإنسان إذا تربى على أن علاقاته كلها يجب أن تخدم راحته ومصلحته، فماذا سيبقى من معنى العائلة؟

 والصداقة؟ وصلة الرحم؟ ومن الجيرة؟

وماذا سيبقى من معنى أن نقف إلى جانب شخص في وقت لا يقدم لنا فيه أي منفعة؟

العلاقات الإنسانية أصلًا لا تُبنى كلها على المنفعة.

لو كانت كذلك، لما بقيت أم بجانب ابنها في مرضه، ولا أب بجانب ابنته في ضعفها، ولا صديق بجانب صديقه في أزمته.

نحن أحيانًا نكون في حياة الآخرين من أجل الإنسان نفسه، لا من أجل ما يقدمه لنا.

وهنا تكمن قيمة العلاقات الحقيقية.

الأخطر من ذلك أن فكرة "أنا أولًا" بدأت، في بعض الحالات، تتجاوز حدود الأقارب والأصدقاء حتى تصل إلى الوالدين.

نسمع اليوم عن أبناء يقطعون آباءهم وأمهاتهم لأسباب بسيطة، أو لأنهم لم يحصلوا على ما يريدون، أو لأنهم لا يريدون تحمل مسؤولية الرعاية، أو لأن وجود الوالدين أصبح بالنسبة لهم عبئًا على نمط حياتهم.

وفي المقابل نرى دور رعاية المسنين تمتلئ بكبار السن، في الوقت الذي يكون فيه أبناؤهم موجودين، أصحاء، وقادرين على التواصل معهم ورعايتهم.

ولا أريد أن أظلم الجميع بهذا الكلام.

فليس كل شخص يضع والده أو والدته في دار للمسنين عاقًا، فقد تكون هناك ظروف صحية أو اجتماعية أو أسرية قاهرة تجعل ذلك الخيار ضروريًا.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو: هل أصبحنا فعلًا أقل قدرة على رعاية بعضنا؟

هل أصبح وجود الكبير في حياتنا عبئًا بدل أن يكون امتدادًا لها؟

وهل أصبحنا نبحث عن أسهل طريقة للتخلص من المسؤولية بدل أن نبحث عن طريقة تجعلها أكثر إنسانية؟

وأنا أعتقد أن الخلل لا يبدأ من الشارع...ولا من المدرسة وحدها...ولا حتى من مواقع التواصل وحدها.

الخلل يبدأ عندما تتراجع وظيفة البيت.

البيت كان في السابق المدرسة الأولى.

الطفل يتعلم فيه كيف يحترم، وكيف يعتذر، وكيف يتعامل مع الكبير، وكيف يرحم الصغير، وكيف يحفظ السر، وكيف لا يجرح إنسانًا بكلمة، وكيف يختلف دون أن يهدم العلاقة.

اليوم أصبح الطفل يقضي ساعات طويلة أمام شاشة يتلقى منها أفكارًا وقيمًا ومفاهيم عن الحياة، بينما قد لا يحصل داخل البيت إلا على دقائق قليلة من الحوار الحقيقي.

والأخطر أن تأثير مواقع التواصل لا يتوقف عند تقديم المعلومة.

إنها تقدم نموذجًا للحياة.

تقول له كيف يجب أن يفكر، ماذا يجب أن يحب، كيف يجب أن يرى نفسه، وكيف يجب أن يرى الآخرين.

ومع الوقت، يصبح الإنسان محاطًا بآلاف الأصوات، بينما صوت البيت نفسه يصبح ضعيفًا.

حتى الأصدقاء الذين كان لهم في السابق تأثير كبير في تشكيل الشخصية، أصبح تأثيرهم أحيانًا أقل مما نتخيل، لأن كل شخص يعيش داخل هاتفه، داخل عالمه الخاص، يتابع عشرات الأشخاص الذين لا يعرفهم أصلًا، ويتأثر بأفكارهم أكثر مما يتأثر بمن حوله في الواقع.

أنا لا أعتقد أننا بحاجة إلى العودة إلى الماضي بكل تفاصيله. فليس كل ما كان في الماضي صحيحًا، وليس كل ما يحدث اليوم خاطئًا. لكننا بحاجة إلى أن نستعيد المعاني الجميلة التي فقدناها ونحن نتقدم.

وهنا أخشى أن يكون السؤال الحقيقي:

إلى أين نتجه نحن؟

إلى مجتمع يعرف كيف يعيش لنفسه فقط؟

أم إلى مجتمع يعرف كيف يحافظ على نفسه، وفي الوقت نفسه لا يفقد معنى العائلة، والرحمة، والوفاء، والجيرة، والصداقة، وصلة الرحم؟

لأن التقدم الحقيقي، في رأيي، ليس أن نتخلى عن كل ما ورثناه لمجرد أنه قديم...

ولا أن نتمسك بكل ما كان لمجرد أنه من الماضي.

التقدم الحقيقي أن نعرف:

ماذا نأخذ معنا إلى المستقبل... وماذا يجب ألا نسمح له بأن يضيع في الطريق؟

***

هناء عبد الكريم

ذي قار / قلعة سكر

فهل كان هذا الفنان العالمي يملك احدى هذه الصفات العامة ام جميعها؟

اي بعبارة اخرى هل هو مزيج من هذه الآلام التي جعلته يعيش في حالة من الكآبة والبؤس.. لقد ربط علماء النفس والاجتماع بين العبقرية والكآبة التي توصل إلى الجنون احيانا لبعض العباقرة التي تعتريهم هزات وازمات نفسية وعاطفية او اقتصادية تودي بهم إلى الدخول إلى مصحات طبية او الى الانتحار، وقد جاء هؤلاء العلماء بامثلة وقعت فعلا مثل: الموسيقار العالمي (بتهوفن) الذي اصيب في آخر حياته بالصمم حتى اصيب بالاكتئاب ومات على حالته هذه ، وكذلك الكاتب العالمي (کا فكا) ثم (انشتاين) عبقري الفيزياء وصاحب النظرية النسبية بالاضافة الى (فان كوخ) الذي يعتبر من أعظم الرسامين في العالم، و(همنغواي) أهم كتاب الادب الامريكي والروائى البريطاني (ديكنز) والشاعر الانكليزي (كيتس) ثم العالم (نيوتن)، صاحب نظرية الجاذبية و رئيس وزراء بريطانيا (تشرشل)، وكذلك الفلاسفة : شوبنهاور, و نيتشه حيث دخل في احدى مستشفيات الامراض العقلية قبل وفاته.

فان كوخ رسام عالمي

فان كوخ فنان هولندي ولد سنة 1882 وتوفي سنة 1890 م، يعد من اعظم رسام الفن الانطباعي في العالم لذلك فان لوحاته تعتبر اغلى لوحات رسم في هذا الفن وقد رسم أكثر من (800) لوحة ثم اتجه بعد ذلك إلى الفن التشكيلي - لقد ترك خلال هذه المدة القصيرة من عمره اثرا كبيرا على فناني القرن العشرين الا انه قاسى من أنواع العذاب ومر بمختلف التجارب القاسية – لقد كسبت له اعماله الفنية المجد و الشهرة بعد وفاته اما خلال حياته فلم يكسب منها شيء لذلك ترك بلاده وهاجر إلى بريطانيا وعمل كمعلم فى احدى المدارس الاهلية في لندن وكانت عبارة مدرسة للأطفال الفقراء و قد ترك العمل فيها بعد فترة قصيرة والتحق باحد الاديرة بصفة مبشر او واعظ الا انه ترك هذه المهنه وعاد الى اهله مرة أخرى.

وبعد عودته اخذ يرسم صور عمال المناجم والفلاحين واكواخهم ورسومات اتصفت بطابعها الكئيب وفي هذه الفترة رسم اجمل لوحاته (اكلة البطاطس) وهي تمثل مجموعة من الفلاحين وهم يتجمعون حول طبق من البطاطس مساءً في الارض التي كانوا يعملون فيها.

- وبعد أن انجز هذه اللوحة سافر إلى باريس وأخدت لوحاته تأخذ طابعاً جديداً

لانه اخذ يرسم بالأسلوب الانطباعي وقد بيعت بأغلى الاثمان.

فان كوخ عاشقاً

وأخيراً استقر الفنان في باريس وأخذ يتردد على إحدى الحانات في باريس بهدف التمتع بالمناظر الخلابة وقضاء الوقت ورسم بعض المشاهد التي تعجبه، وكانت هناك فتاة باريسية جميلة تعمل في هذه الحانة، كانت ترأقبه وهو يجلس وحيداً كئيباً لا يجالسه أحد، فاخذت تتقترب إليه وتجلس إلى جانبه وتحدثه، حتى أنه أعجب بها وتصور أنها تحبه وتريد الزواج منه. ويروي (هاني الخيّر) مؤلف كتاب (اسرار مثيره من العالم) ص ٥١ «أن فان كوخ قطع أذنه ولفها في منديل وقدمها إلى الفتاة التي يحبها قائلاً: هذه هدية ثمينة.. ذكرى مني فاحتفظي بها»، ثم عاد إلى المنزل واستغرق في الرقاد وكاد النزف أن يودي بحياته. وحين شاهدت الفتاة أذنه صرخت من الخوف و الفرح معا لأنها عثرت على انسان يحبها ولكن بعد فوات الأوان. » ويستطرد المؤلف بالقول «لم يكن الحب بالنسبة لفان كوخ مجرد كلمات فارغة بل أنه موقف، لهذا السبب لم يكن مجنوناً بل عاشقاً كبيراً وإنساناً كبيراً وفناناً كبيراً.

فان کوخ من منتحراً

في أحد الأيام ذهب إلى إحدى ضواحي باريس لتصوير قرية اعجبته مناظرها وأشجارها وطيورها، وعندما كان يجد في رسم اللوحة كان يشعر بالتعب وكانت بعض الغربان التي تحوم حوله تلوث منظر القرية انزعج كثيراً لرؤيتها، فأخرج مسدساً من جيبه وكأنه يريد أن يطلق النار على تلك الغربان، ولكن صوب المسدس إلى قلبه وأطلق النار على نفسه فكانت نهايته، مات فان كوخ ولكن أعماله ولوحاته الفنية لا تزال تشع في عالم الفن وقد خلدته كفنان عبقري.

***

غريب دوحي

سأضعك على طاولة التشريح وأكسر جمجمتك

رسالة حسين مردان إلى الرسام شاكر حسن، المنشورة في خمسينيات القرن الماضي، وإن بدأت من مناسبة شخصية، سرعان ما تتجاوز صاحبها والمرسل إليه، لتصبح سيرة لجيل خمسينات القرن الماضي الثقافي، أو نصاً مكتظاً بالأسئلة: عن الفن والحرية، وبغداد وباريس.

العنوان: "رسالة من شاعر إلى رسام"، يضعنا أمام علاقة بين الشعر والرسم. لكن الرسالة لا تنشغل كثيراً بالتنظير للعلاقة بينهما، وإنما تجعلها علاقة إنسانية قبل أن تكون جمالية. الشاعر يكتب إلى الرسام لأنه يجد فيه، مساحة للاعتراف، فيما يعجز الإنسان عن قوله في المواجهة المباشرة.

يستهل حسين رسالته بنداء حميم: أخي الرسام شاكر حسن. لكن القارئ سرعان ما يكتشف أن هذه الأخوّة لن توفر لشاكر الطمأنينة، فحسين يكتب بحرارة شخص لا يعرف المنطقة الوسطى في التعبير، يحب ويغضب بعنف، يريد من اللغة أن تهز كيان صديقه، لا أن تربت على كتفه." بصراحة لقد أصبحت أكره حتى الصداقة، فأنا لا أريد أن أتعب نفسي مطلقاً. لقد أغلقت الباب وهي مملوءة بالرمل، فلا أودّ أن أرى غير وجهي".

تتكشف شخصيته أكثر. حين لا يقدم نفسه في صورة المبدع الواثق الذي يعيش انتصاره في، بل في صورة إنسان يتعثر في الكتابة، يؤجل، وينسى، ويعاني من ثقل اليومي. يقول، بمعنى بالغ الدلالة: إنه جالس كحجر الطاحون، وأن كتابة الرسالة تحتاج إلى قوة تدفعه إليها.3291 hasan

كان شاكر في باريس، مدينة الثقافة والأحلام والنساء الجميلات، وحسين في بغداد يتخيل ما يفعله صديقه هناك. من هنا يأتي سؤاله الذي يبدو عادياً أول الأمر، لكن سرعان ما يحوله مردان إلى مساءلة ووصايا: المعاهد لا تصنع فناناً، اندفع إلى الشوارع، اجعل من باريس تجربة وجودية لا دورات تعليمية. ثم يتوعد صديقه: إذا عدت إلى بغداد ولم أجد تحت صلعتك شيئاً جديداً، فسوف أسحق جمجمتك، واضغط على أوجادك، حتى أزهق روحك اللعينة. سأضعك على طاولة التشريح، فإذا رأيت دمك القديم على حاله، فسأرمي بك في أول بالوعة في الطريق!

لغة تنتمي إلى قاموس مردان في الصدمة والمبالغة والتحدي، والتشفّي، حسين لا يريد لصديقه معرفة تقنية جديدة، بل يريد انقلاباً داخلياً في رؤيته للفن والحياة

لقد كان يريد من باريس أن تغيّر شاكر. غير أن شاكر، في رحلته الفنية الطويلة، لم يعد مجرد متلقٍّ لما تمنحه باريس أو الحداثة الغربية. كان عليه أن يعود إلى بيئته وذاكرته وأسئلته الخاصة ليصنع حداثته هو. وكأن الزمن تولى الإجابة عن السؤال الذي أطلقه حسين بانفعال الصديق: الفنان الحقيقي لا يعود بدم جديد مستعار، وإنما يكتشف في دمه القديم ما لم يكن قد رآه من قبل.

يزداد صوت مردان حميمية. حين يتحدث عن الوحدة والألم، عن قلب لم يجد الإنسان الذي يستطيع أن يرفع إليه شكواه. ثم تأتي الصورة الشعرية الجميلة: زهرة واحدة تطلقها في لحظة ضيق كفيلة بأن تبعد جميع الأصدقاء من حولنا.

هذه اللغة تكشف أن مردان على الرغم من شهرته بالحدّة والمباشرة والتمرد، كان يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل الإنسانية الصغيرة. إنه لا يتحدث عن الصداقة بمفاهيم مجردة، بل يستدعيها في صورة زهرة، ووجه، وشراب، وعودة إلى الصباح.

حتى حديثه عن السكر والخمر ليس مجرد حديث عن عادة أو مزاج، إنه بحث عن شيء "يخدر القلب". في محاولة للعثور على وسيلة لمواجهة الوعي حين يصبح الوعي عبئاً.

في رسالة حسين مردان إلى شاكر حسن نرى الشاعر خارج المنبر، خارج الصورة التي صنعتها شهرته، خارج "سطوة" اسمه الأدبي. إنساناً يخشى الوحدة، يتعب من نفسه، يشتاق إلى صديق، يبحث عن كلمة قادرة على أن تعيد الحياة إل جيل يطلّ

علينا من ورقة قديمة،

حسين يكتب إلى شاكر الرسام الغائب. الذي يستطيع أن يفهم الشاعر من خارج عزلته. ولهذا يبدو الخطاب موجهاً إلى فنان يعرف معنى أن يكون الإنسان مختلفاً، وأن يعيش خارج القوالب المألوفة. العلاقة بينهما لا تقوم على المجاملة الثقافية، وإنما على المكاشفة. حسين لا يحاول أن يبدو أمام شاكر حسن في صورة الشاعر العظيم، إنما يريد أن يعبّر عن: ارتباكه، كسله، وحدته، وقلقه، وحتى سخريته من نفسه.

وهذا ما يحمّل الرسالة قيمة نص أدبي مصنوع بعناية.

في ثنايا ذلك الصوت المتحدي يظهر رجل شديد الحساسية، يعاني الوحدة والقلق ويعترف بأحزانه. وحين يتحدث عن المرأة الصغيرة التي اقتحمت عزلته واستقرت في أحشائه كـ "القنبلة"، تتراجع للحظة صورة الشاعر الصاخب، لنرى إنساناً يخشى الحب بقدر ما يحتاج إليه. يقول ما معناه إن مجرد التفكير بهذه المرأة يجرح عظمته، ثم يعترف بأن الحديث عن الحب له حلاوة لا تضاهيها حلاوة الأساطير.

أي مفارقة أبلغ من هذه؟ رجل يتحدث عن عظمته ثم يعترف في اللحظة نفسها بهشاشتها أمام المرأة. إنها إحدى خصائص حسين مردان: أن يصنع قناع القوة ثم يكشف بنفسه التصدع الذي فيه.

تبقى رسالة حسين مردان أكثر من رسالة شاعر إلى رسام. إنها صورة لزمن كانت فيه الثقافة العراقية تعيش قلق البحث عن الحداثة. هنا تصبح قيمتها أكبر من موضوعها المباشر، إذ تكشف لنا كيف كان المثقف العراقي يعيش صداقاته، ووحدته، وفنه، وقلقه في تلك المرحلة.

***

د. جمال العتابي

.........................

* الصورة للفنان شاكر حسن آل سعيد في باريس

لا تُهدم الحضارات بالسلاح وحده، ولا تسقط الأمم دائمًا تحت وقع الحروب والكوارث؛ فقد يبدأ انهيارها من مكان أكثر خفاءً: من اضطراب سلم القيم، حين يُهمَّش المعلم، ويُذل الطبيب، ويُقصى العالِم، بينما يُمنح التافهون مساحة واسعة من الضوء والتقدير.

وفي تحليل مالك بن نبي، ليست الحضارة أبنية شاهقة، ولا مصانع متقدمة، ولا مظاهر مادية فحسب، بل هي قبل ذلك منظومة من القيم والمعاني التي تمنح الإنسان قدرته على البناء. وحين تختل هذه المنظومة، يبدأ المجتمع بفقدان مناعته الداخلية، حتى لو بدا في ظاهره قويًا ومزدهرًا. فالحضارة لا تنهار لحظة وصول الخراب إلى شوارعها فقط، بل تبدأ بالانهيار يوم تعجز عن التمييز بين صاحب الأثر وصاحب الصخب، وبين من يبني الإنسان ومن يستهلك انتباهه.

وقبل بن نبي بقرون، كان ابن خلدون قد لاحظ الأمر ذاته من زاوية أخرى: فالدول -في عمرانه- لا تسقط دفعة واحدة، بل تمر بأطوار من الترف والدَّعة تُذيب فيها العصبية الجامعة والقيم الضابطة، حتى يصبح الحاكم بلا هيبة، والعالم بلا مكانة، ومن كان بالأمس مضرب المثل في الجِدّ يغدو اليوم مثار سخرية. فحين يلتقي تشخيص ابن خلدون للدولة بتحليل ابن نبي للحضارة، يتضح أن الخلل ليس طارئًا ولا محليًا، بل قانون متكرر: كلما ابتعد المجتمع عن تكريم الجدارة اقترب من لحظة أفوله.

وليست القدوة مسألة ترفيهية أو ذوقًا شخصيًا؛ فهي، في جوهرها، اختيار للمعنى الذي نريد أن يسكن وجدان الأجيال. فالطفل والشاب لا يتعلمان من الكتب وحدها، بل يتأثران بما يراه المجتمع جديرًا بالإعجاب. وإذا رأيا الشهرة تُمنح لمن لا يملك علمًا ولا خلقًا ولا إنجازًا، بينما يُترك أصحاب الرسالات في الظل، نشأ لديهما اعتقاد مضلل بأن القيمة لا تُكتسب بالعمل، بل بالظهور.

ليس المقصود أن يُحرم الناس من الفرح أو الترفيه؛ فالضحك حاجة إنسانية، والفن الجميل ضرورة روحية، والتسلية جزء من الحياة. غير أن الخطر يظهر حين يتحول الترفيه إلى قيمة وحيدة، وحين تصبح الشهرة دليلًا على الكفاءة، ويغدو الظهور المستمر معيارًا للنجاح. عندها لا يعود المجتمع يختار قدواته بوعي، بل يتلقى نماذج تُصنع له عبر الشاشات والمنصات، فتحتل الوجوه الأكثر صخبًا مكانةً تفوق مكانةَ من يملكون العلم والخبرة والإنجاز.

وقد لا يكون التافه مسؤولًا وحده عن هذه الصورة؛ إذ تقف وراء انتشارها منظومة واسعة من الإعلام والإعلان والخوارزميات، تكافئ المحتوى السهل والسريع، وتدفع بما يثير الفضول ولو كان خاليًا من المعنى. ويكفي أن نلاحظ كيف تتضاعف عائدات دقيقة واحدة من الاستعراض على منصة عابرة أضعاف ما يجنيه معلم في شهر كامل من الجهد والصبر، لندرك أن الخلل لم يعد مجرد تفاوت في التقدير المعنوي، بل انقلاب فعلي في معادلة القيمة الاقتصادية نفسها. وحين يُمنح شخص بلا منجز مساحة تفوق مساحة المعلم، ويُستضاف صاحب الضجيج أكثر مما يُستضاف الباحث، تصل إلى الناشئة رسالة خطيرة: لا حاجة إلى الصبر، ولا إلى العلم، ولا إلى العمل الطويل؛ يكفي أن تكون مرئيًا حتى تصبح مهمًا.

ولا يقف أثر هذا الخلل عند حدود الذائقة، بل يمتد إلى الاقتصاد والأخلاق والمستقبل. فالمجتمع الذي يزدري المعرفة يبدد كفاءاته، والذي يكافئ الانتهازية يعلّم أبناءه أن النجاح منفصل عن المسؤولية. وهكذا يتحول اضطراب القدوات إلى اضطراب في الأولويات، ثم إلى عجز عن صناعة مستقبل يليق بالأمة.

في المقابل، يقف المعلم أمام سبورة متعبة، يحمل في صوته مستقبل أجيال كاملة، ويواجه الطبيب التعب والمسؤولية، ويواصل العالِم بحثه في صمت بعيدًا عن الأضواء. هؤلاء هم صناع المستقبل الحقيقيون، لكنهم غالبًا لا يحظون بما يناسب أثرهم من تقدير. إنهم لا يحتاجون إلى المديح العابر، بل إلى احترام مؤسسي، وأجور عادلة، وبيئة تتيح لهم أداء رسالتهم بكرامة.

إن المشكلة ليست في وجود التافهين، فكل مجتمع يضم نماذج متفاوتة من الوعي والاهتمامات، وإنما في أن يتحول التافه إلى قدوة، وأن يعلو الصخب على المعرفة، والاستعراض على الإنجاز، والانتشار على القيمة. عندئذٍ لا يعود الخلل فرديًا، بل يتحول إلى ثقافة عامة تعيد تشكيل ذائقة المجتمع وأحلام أفراده.

لذلك فإن حماية الحضارة تبدأ بإعادة ترتيب سلم القيم: أن نحتفي بمن يعلّم، ويعالج، ويبحث، ويبدع، ويخدم الناس، لا بمن يملأ الفراغ بالصخب. فالضوء الذي نمنحه اليوم ليس أمرًا عابرًا؛ إنه يحدد النماذج التي سيتطلع إليها أبناؤنا غدًا. وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تبقى حيّة وقادرة على النهوض، فعلينا أن نمنح القدوة لمن يستحقها، وأن ندرك أن الأمم لا تسقط حين يقل فيها الضجيج، بل حين يصمت أهل الأثر، ويتقدم التافهون إلى الصفوف الأولى.

***

بقلم: زينب طارق ـ العراق

أصبح مصطلح «الكاريزما» أكثر تداولاً في السنوات الأخيرة للدلالة على صفات كنا نعبّر عنها بمفردات مثل الهيبة والحضور وقوة التأثير. وأودّ أن أتوقف هنا عند هذا المفهوم ودلالاته، ولا سيما في واقعنا العراقي. فمن خلال متابعة ظهور بعض المسؤولين والسياسيين على الفضائيات، وما يتعرضون له أحياناً من انتقادات تتعلق بمظهرهم وطريقة حديثهم، تكوّن لديّ انطباع بأن بعضهم يفتقر إلى الحضور المؤثر والقدرة على مخاطبة الناس وكسب ثقتهم. وهذا ما دعاني إلى تناول حقيقة الكاريزما، وأهميتها في القيادة، ومدى حضورها في حياتنا السياسية والاجتماعية.

الكاريزما كلمة ذات أصل يوناني (Charisma)، تعني الموهبة أو الهبة، وكانت تُستخدم للدلالة على الموهبة الاستثنائية أو الهبة الإلهية. أما في المفاهيم الحديثة للعلوم الاجتماعية والنفسية، فقد اتسع معناها ليشمل مجموعة من الصفات والمهارات والسلوكيات التي تجعل الإنسان قادراً على جذب الآخرين والتأثير فيهم، من خلال حضوره، وطريقة حديثه، وثقته بنفسه، وقدرته على التواصل معهم.

ولا شك أن المظهر الخارجي وطريقة الحديث يشكّلان جزءاً من الكاريزما، لكنهما لا يمثلانها وحدهما؛ فهي حصيلة صفات متكاملة تنتظم الهيئة والحضور، والقدرة على التعبير، وعمق الشخصية والسلوك. ويمكن توضيح ذلك من خلال ثلاثة جوانب أساسية:

1. المظهر الخارجي والهيئة:

تسهم الأناقة، والاهتمام بالمظهر، ولغة الجسد، وتعبيرات الوجه، ونظرات العين، وطريقة الوقوف والجلوس، في تكوين الانطباع الأول وتعزيز الحضور. وقد تعرّض بعض المسؤولين لانتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي بسبب عدم ملاءمة ملابسهم أو إهمال مظهرهم، ولا سيما في المناسبات الرسمية.

2. القدرة على الخطابة والتعبير:

يُعدّ وضوح الكلام، ونبرة الصوت، والثقة في الحديث، وانتقاء العبارات، والقدرة على إيصال الفكرة بإيجاز وإقناع، من العناصر المهمة في تكوين الكاريزما، ولا سيما لدى القادة والسياسيين. فالقائد الذي يحسن مخاطبة الجمهور يستطيع نقل رؤيته وكسب اهتمام الناس وثقتهم.

3. الشخصية والسلوك:

وهما الأساس الذي يمنح المظهر والكلام قيمتهما الحقيقية. فالصدق، والثقافة، والحكمة، والتواضع، واحترام الآخرين، والقدرة على الإصغاء، صفات تترك أثراً عميقاً يتجاوز الانطباع الأول.

وفي المجال السياسي، قد نرى مسؤولاً أنيق المظهر، حسن الإلقاء، لكنه لا يترك أثراً في النفوس بسبب افتقاره إلى وضوح الرؤية أو المصداقية. وقد نرى آخر بسيط المظهر، محدود البلاغة، لكنه يتمتع بحضور قوي لأن الناس يشعرون بصدقه وقربه منهم. فالمظهر يصنع الانطباع، والكلام يوصل الرسالة، لكن الشخصية الصادقة والرؤية الواضحة والسلوك المتزن هي التي تمنح هذا الحضور عمقه وتأثيره.

ومن هنا، فإن ما يمنحه المنصب من سلطة وما يوفره اللقب من مكانة لا يكفيان لاكتساب الكاريزما التي تعين على النجاح في المسؤولية. فكم من إنسان لا يشغل منصباً ولا يمتلك ثروة، لكنه يحظى بمحبة الناس واحترامهم، ويستطيع بكلمة منه أن يطمئن القلوب أو يغيّر القناعات. وفي المقابل، كم من صاحب منصب رفيع لا يترك أثراً في النفوس ولا يستطيع كسب ثقة من حوله.

وإذا كانت الكاريزما مهمة في العلاقات الإنسانية اليومية، فإن أهميتها تتضاعف لدى القادة والرؤساء، لأن تأثيرهم يمتد إلى المؤسسات والمجتمعات، وقد يصل إلى الشعوب والدول. فالسلطة القانونية تمنح القائد صلاحياته، لكنها لا تكفي وحدها لكسب ثقة الناس أو حشد طاقاتهم لتحقيق الأهداف المشتركة. وهذا ما يجعل الكاريزما ذات أهمية خاصة في القيادة السياسية. ويمكن تناول دور الكاريزما في ثلاثة مجالات أساسية:

أولاً: بناء الثقة والشرعية المعنوية

يمنح المنصب المسؤول صلاحيات دستورية وقانونية، لكن احترام الناس وثقتهم لا يتحققان بمجرد توليه المسؤولية، وإنما بما يقدمه من خدمات وإنجازات، وبما يظهره من صدق ونزاهة وتوافق بين القول والفعل. كما تتعزز هذه الثقة بقدرته على الاعتراف بالأخطاء، وتفهّم مشكلات المواطنين ومعاناتهم اليومية، والتعامل معها بمسؤولية.

ثانياً: توحيد المجتمع في أوقات الأزمات

في الظروف الصعبة، يحتاج الناس إلى قائد يمنحهم الطمأنينة، ويوضح لهم حقيقة الأوضاع بصدق، ويقدم رؤية واضحة للمستقبل. وهنا تظهر أهمية الكاريزما في القدرة على مخاطبة الناس بلغة يفهمونها، واحترام مخاوفهم، وتحمل المسؤولية بدلاً من الاكتفاء بإطلاق الوعود. فالكلمة الصادقة والموقف المسؤول قد يسهمان في تعزيز تماسك المجتمع ومساعدته على تجاوز المحن.

ثالثاً: التأثير في الداخل والخارج

يمتد تأثير المسؤول الذي يتمتع بالكاريزما إلى علاقاته مع قادة الدول والمجتمع الدولي. فالشخصية الواثقة، والحديث المتزن، والقدرة على فهم الآخرين واحترام ثقافاتهم، كلها عناصر تساعد على بناء العلاقات الدبلوماسية وتعزيز صورة الدولة. غير أن نجاح السياسة الخارجية لا يتوقف على شخصية الرئيس وحدها، بل يرتبط أيضاً بالمصالح الوطنية، والقدرات، وكفاءة المؤسسات الدبلوماسية. وعلى الرغم من أهمية الكاريزما، فإنها ليست دليلاً قاطعاً على صلاح الإنسان أو كفاءته أو نزاهته. فقد يتمتع شخص بقدرة كبيرة على استمالة الجماهير، لكنه يستخدمها لتحقيق مصالحه الخاصة أو تضليل الآخرين. ومن هنا، ينبغي التمييز بين الكاريزما القائمة على الصدق والمسؤولية، وتلك التي تعتمد على الاستعراض والشعارات وإثارة العواطف.

فليس كل قائد محبوب قائداً ناجحاً، وليس كل رئيس فصيح صاحب رؤية، وليس كل من يستطيع التأثير في الجماهير جديراً بثقتهم. وقد تتحول الكاريزما، إذا انفصلت عن المساءلة والمؤسسات، إلى وسيلة لتركيز السلطة حول الفرد وإضعاف النقد، وإقناع الناس بأن شخصاً واحداً قادر على حل جميع المشكلات. ومن هنا تبدأ ظاهرة «القائد الضرورة»، التي قد تمهد الطريق لقيام أنظمة شمولية تجعل إرادة الفرد فوق إرادة المؤسسات والقانون.

فالقيادة الرشيدة لا تقوم على جاذبية الشخصية وحدها، بل تحتاج إلى المعرفة والحكمة والنزاهة واحترام القانون والعدل، والاستماع إلى الرأي المخالف، والعمل ضمن مؤسسات قادرة على تصحيح الأخطاء. والكاريزما الحقيقية لا تجعل القائد فوق النقد، بل تعزز قدرته على تقبّله والتواصل مع من يختلفون معه.

ومن الجوانب المهمة في هذا المفهوم أن الكاريزما، وإن كان يُنظر إليها أحياناً على أنها موهبة يولد بها الإنسان، فإن جانباً مهماً منها يمكن اكتسابه وتنميته بالممارسة والتجربة. وهذا ما يستدعي من كل من يتصدى للمسؤولية الاهتمام بتطوير مهاراته الشخصية والتواصلية، والاستفادة من البرامج التدريبية التي تساعده على مخاطبة الناس والتعامل مع المواقف المختلفة، وتجنّبه المواقف المحرجة والانتقادات في المناسبات المحلية والدولية.

وانطلاقاً من إيماني بأن هذه المهارات ليست جميعها فطرية، وأن جانباً مهماً منها يمكن اكتسابه بالتدريب والممارسة، استعنت أثناء عملي سفيراً للعراق في مملكة هولندا بأحد المستشارين الدوليين المتخصصين لتنظيم دورة تدريبية لجميع منتسبي السفارة، كان معظمهم حديثي العهد بالعمل الدبلوماسي. وقد ركّزت الدورة على أصول الإتيكيت والبروتوكول، وفنون التعامل والتواصل، وآداب التصرف في المناسبات الرسمية، بما يعزز حضورهم المهني ويهيئهم لتمثيل بلدهم بالصورة اللائقة.

فالثقة بالنفس يمكن تعزيزها، ومهارات الخطابة والإصغاء يمكن تعلمها، والقدرة على فهم مشاعر الآخرين يمكن تطويرها من خلال الاحتكاك بالناس والتأمل في تجارب الحياة. كما تمنح القراءة والثقافة والخبرة الإنسان عمقاً في التفكير، وتساعده على التعبير عن آرائه بصورة أكثر اتزاناً وإقناعاً.

ولعل أهم ما يعزز الكاريزما أن يكون الإنسان على طبيعته، صادقاً في أقواله، متواضعاً في سلوكه، واثقاً من دون غرور، وقادراً على احترام الآخرين، مهما اختلفت مواقعهم الاجتماعية أو السياسية. فالتصنّع قد يلفت الأنظار لبعض الوقت، لكن الشخصية الصادقة هي التي تستطيع الاحتفاظ باحترام الناس على المدى الطويل.

ولا يقتصر هذا المفهوم على الرجال، فالكاريزما لا تقل أهمية بالنسبة للمرأة، إذ تتجلى في حضور متوازن يجمع بين الثقافة والذكاء والثقة بالنفس والرقيّ السلوكي، ويتجاوز حدود الجمال الشكلي والمظهر العابر. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد الحاجة إلى التمييز بين الحضور الحقيقي والشهرة الزائفة؛ فالاستعراض واللهاث خلف الإعجاب قد يجلبان انتباهاً مؤقتاً، لكنهما لا يصنعان احتراماً مستداماً. فالكاريزما الأصيلة، لدى الرجل والمرأة، تنبع من صدق الشخصية وعمق الفكر وانسجام القول مع الفعل، ومن شخصية متوازنة تعرف قيمتها، ولا تجعل تقدير الآخرين مقياساً لكرامتها، ولا تحتاج إلى الضجيج لإثبات وجودها.

وفي الختام، فإن الكاريزما طاقة إنسانية تتجلى في طريقة تعامل المرء مع الآخرين، وفي قدرته على الجمع بين الثقة والتواضع، وقوة الشخصية واحترام الناس. وهي حضور مؤثر يستمد قيمته من انسجام القول والفعل، وصدق المواقف وليست مجرد سحر شخصي أو قدرة على جذب الأنظار.

وإذا كانت الكاريزما تمنح الإنسان العادي قدرة على بناء علاقات طيبة وترك أثر جميل في محيطه، فإنها تمنح القادة والرؤساء وسيلة للتواصل مع شعوبهم وتعزيز الثقة وتحريك الطاقات نحو أهداف مشتركة. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن فيما تتركه من أثر في حياة الناس، وما تقترن به من أخلاق ومسؤولية وعدالة واحترام للمؤسسات.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

سمعتها منذ زمن بعيد. قيلت عن رجل كان يعبر الشارع وفي يده كيس صغير. كان يمشي ببطء وينظر إلى الأرض، كأن شيئاً هناك يخصه وحده. لم أعرفه. لم أعرف من أي مدينة جاء، ولا ماذا قرأ، ولا ما إذا كان ينام سريعاً أو يقلب الوسادة طويلاً قبل أن يغفو.

قال أحدهم خلفه: «معيدي». فضحك رجل آخر.

الرجل لم يلتفت. واصل طريقه، وبقيت الكلمة في الهواء لحظة أطول مما ينبغي.

ربما لهذا تذكرتها. لم تكن الكلمة كبيرة، لكنها فعلت شيئاً كبيراً. أغلقت سيرة رجل لم تبدأ أمامنا أصلاً. أخذت مكان اسمه، ومدينته، وأمه، والبيت الذي خرج منه، ثم قدمته لنا في صورتها هي.

منذ ذلك الوقت صرت أسمع هذه الكلمات كما أسمع طقطقة خفيفة في جدار قديم. «معيدي»، «شروكي»، «معدان»، «فلاح»، «صعيدي»، «بدوي»، «كاولي»، «نَوَري»، «عجمي»، «رافضي»، «ناصبي»، «مجوسي». لا تجتمع كلها في بلد واحد، ولا تحمل الثقل نفسه، لكنها تتشابه في لحظة بعينها: اللحظة التي يصبح فيها الاسم أسرع من صاحبه.

في جنوب العراق، حيث الماء يدخل في تفاصيل الحياة كما يدخل الغبار في مدن أخرى، عاشت كلمات كثيرة قبل أن تصل إلى بغداد. «المعيدي» واحدة منها. وراءها قصب طويل، ومشحوف يهتز تحت قدمين، وجاموس يصعد من الماء وجلده أسود لامع، وامرأة توقد ناراً في بيت من القصب، ورجل يعود وثوبه مبتل إلى الركبتين.

حين وصلت الكلمة إلى المدينة حملت معها شيئاً آخر. عند بعض الناس صارت خشونة، وقلة تعليم، وطريقة في الجلوس أو الكلام. خفت صوت الماء وبقي الحكم.

أتذكر أحياناً كيف تُختصر البيئات حين تدخل المدن. يأتي الرجل من مكان كامل، من طفولة وروائح وأصوات وأسماء موتى، ثم يلتقط الآخرون منه علامة واحدة. لهجة، مشية، حرفاً يخرجه من حلقه بطريقة مختلفة. تكفي العلامة لكي يعود كل شيء إلى صفه القديم.

«شروكي» عاشت الرحلة نفسها تقريباً، لكنها حملت معها طبقات أكثر. جهة جغرافية، هجرة من الريف، جنوب، فقر، ثم دخلت السياسة والطائفة في بعض استعمالاتها. صار من الممكن أن تُقال الكلمة في مجلس ويعرف السامعون مقدار السم الذي وضعه القائل فيها من نبرة صوته وحدها.

أما «معدان» فكانت عند كثيرين أقرب إلى صورة جاهزة من كونها اسماً. يُقال الاسم، فيظهر الرجل في المخيلة قبل أن يظهر في الواقع. الملابس، اللكنة، الفقر، قلة التعليم، وربما رائحة المكان. صورة مسبقة تمشي وحدها.

كثيرون ممن جاءوا إلى بغداد تعلموا بسرعة أن الفم يفضح الطريق. يمكن تبديل القميص والحذاء، وحفظ أسماء الشوارع، والجلوس في المقهى كما يجلس أهل المدينة، لكن كلمة واحدة قد تعيد صاحبها إلى قريته. «جا» في العراق لا تحمل إهانة في ذاتها، غير أن النبرة، وطريقة نطق القاف والجيم والكاف، كانت أحياناً تكشف ما حاول الثوب الجديد أن يخفيه.

لهذا رأيت أبناء قرى يخففون لهجاتهم كما يخفف المرء حملاً عن كتفه. كانوا يعرفون أن الكلمة الأولى قد تصنع مسافة قبل أن يبدأ الحديث الحقيقي.

وأفكر هنا في مفارقة الريف والمدينة عندنا. المدينة تستيقظ كل صباح على ما يأتيها من خارجها: الخبز، الخضار، الحليب، اللحم، الأيدي التي تبني، والأجساد التي تنظف وتخدم وتحمل. ثم قد تنظر إلى تلك الأيدي نفسها كما لو أنها جاءت من طبقة أدنى في الطبيعة.

في مصر تكفي كلمة «فلاح» لكي نرى المسألة من زاوية أخرى. رجل يقف في أرض رطبة قبل شروق الشمس، يختبر التراب بيده، يعرف من لون السماء إن كان اليوم صالحاً للسقي، ويعود إلى بيته بثياب عليها شيء من الحقل. الاسم، في أصله، واضح كالمهنة. لكن المدينة أعادت صناعته في بعض البيئات، وأضافت إليه السذاجة وقلة الذوق والخشونة.

يصل الخبز إلى الطاولة نظيفاً. لا يصل معه الطين الذي التصق بالقدم، ولا الظهر الذي انحنى فوق الأرض.

والصعيدي عاش طويلاً داخل النكتة. ملايين الناس اختُصروا في رجل واحد عنيد، سريع الغضب، قليل الحيلة أمام دهاء المدينة. الطفل يسمع هذه الشخصية قبل أن يرى الصعيد. وحين يكبر يكون قد حفظ ملامح إنسان لم يلتقه قط.

حتى النسب الجغرافية الصغيرة قد تحمل هذه العدوى. «شرقاوي» أو «قروي» أو «جبلي» يمكن أن تكون مجرد إجابة عن سؤال: من أين أنت؟ ثم تأتي النبرة فتنقلها إلى مكان آخر. يصبح موقع البيت دليلاً على الذكاء أو السلوك أو الذوق.

و«بدوي» واحدة من أكثر الكلمات التي تتغير وهي تعبر الأفواه. عند صاحبها قد تحمل نسباً، وذاكرة صحراء، وأسماء أجداد، ونجوماً عرف بها الطريق. في فم آخر تصبح خشونة وبعداً عن المدينة. ثم ينظر البدوي إلى الحضري فيراه ليناً، مدللاً، لا يعرف الأرض ولا يحتمل العطش. كل واحد منهما يرى الآخر من وراء زجاج صنعه له.

في بلاد الشام تُسمع الحكاية بطريقة أخرى. ابن قرية، ابن ضيعة، ابن جبل، ابن مخيم. أسماء تبدو صغيرة، لكنها تحمل معها أحياناً ترتيباً اجتماعياً كاملاً. المخيم خصوصاً يوجعني في هذه المسألة. رجل يصل إليه لأن التاريخ اقتلع عائلته من مكان آخر، ثم يُحاسَب بعد سنوات على العنوان الذي أُلقي فيه.

في بعض بيئات الخليج تتداخل الجنسية بالمهنة والطبقة. يُقال «الهندي» أو «البنغالي» أحياناً ويكون المقصود أكثر من بلد الولادة. أرى العامل واقفاً تحت برج شارك في بنائه، خوذته في يده، والناس يعرفون جنسيته قبل أن يعرفوا اسمه. وربما يظل الاسم الحقيقي هو الشيء الأقل استعمالاً في يومه.

هناك كلمات أثقل من الجغرافيا لأنها جاءت محملة بقرون من الجدال. «العجم» واحدة منها. استُعملت لغير العرب، وخصوصاً الفرس في سياقات كثيرة، واقترنت العجمة بعدم الفصاحة. المشهد في أصله إنساني وبسيط: رجل يسمع لغة لا يفهمها. الأصوات تصل إليه متشابكة. وبعد زمن طويل ينتقل العجز من أذنه إلى صاحب اللغة.

ثم يسخر التاريخ بطريقته. كثير ممن وُصفوا بالعجم شاركوا في بناء علوم العربية والفلسفة والطب والإدارة. كانت الكلمة تدفعهم إلى الهامش، بينما كانت كتبهم تتحرك نحو القلب.

«الموالي» تفتح باباً آخر. في فترات من التاريخ الإسلامي لم يكن الاسم مجرد لفظ عابر. دخل في العلاقات الاجتماعية، وفي القرب والبعد من القبيلة والسلطة، وفي نظرة الناس إلى العربي وغيره. يمكن للكلمة أن تكون جزءاً من ترتيب الحياة نفسها، لا تعليقاً عليها.

ومع «رافضي» و«ناصبي» يصبح الهواء أثقل. هاتان الكلمتان خرجتا من تاريخ مذهبي طويل، ثم وصلتا إلى الشارع والبيت والمقهى. رجلان قد يسكنان الحي نفسه، يشتريان الخبز من الفرن نفسه، ويقلقان على أبنائهما من المرض نفسه، ثم تدخل كلمة قديمة بينهما فتتغير المسافة على الطاولة.

هذه الأسماء لا تحتاج دائماً إلى شرح. تكفي النبرة.

«مجوسي» تحمل شيئاً آخر. اسم ديني تاريخي أصبح في بعض الخطابات الحديثة وسيلة لطرد الخصم من تعريفه لنفسه. يقول الرجل إنه مسلم أو شيعي أو إيراني أو عربي، فيمنحه خصمه اسماً آخر، كأن هويته ورقة يمكن سحبها منه وإعادة كتابتها.

وأتوقف عند «استكردني» المصرية لأنها تكشف غرابة ما تفعله اللغة حين تنسى أصلها. المعنى الشعبي واضح: أتستغفلني؟ أتأخذ حقي لأنك تظنني ساذجاً؟ جسم الكلمة يوحي بصلة بـ«كردي»، أما الطريق التاريخي الذي حملها إلى هذا المعنى فليس واضحاً بالدرجة نفسها. الروايات كثيرة، واليقين قليل.

ما يبقى في أذني هو المفارقة نفسها. اسم شعب كامل يتحول إلى فعل صغير في مشادة يومية. يقوله المتكلم ثم ينساه، بينما تبقى وراءه جبال ولغة وأغانٍ وتاريخ لم يدخل شيئاً منها في الجملة.

هناك أيضاً «كاولي» و«نَوَري» و«غجري». أسماء التصقت بجماعات عاشت طويلاً على هامش مدن كثيرة في العراق والشام ومناطق أخرى. تراكمت حولها صور الفقر والتسول والرقص والجريمة، حتى صار الاسم عند بعض الناس شتيمة تُرمى على شخص لا ينتمي إلى تلك الجماعة أصلاً.

هنا تبلغ المسألة قسوتها الصافية. جماعة بشرية تصبح تشبيهاً.

يكفي أن يرث الإنسان صورة جاهزة. لا يحتاج أن يدخل بيتاً واحداً، أو يجلس مع امرأة من تلك الجماعة، أو يسمع طفلاً يحكي له عن مدرسته. الصورة تقوم مقام المعرفة.

في المغرب العربي نجد قصة أخرى حول «بربر» و«أمازيغ». الاسم الأول عاش قروناً في مصادر كثيرة، بينما يختار كثير من أبناء هذه الشعوب اليوم اسم «أمازيغ» لأنفسهم. ويبدو السؤال هنا أبسط مما صنعه التاريخ: بأي اسم يريد الإنسان أن يُنادى؟

ثم يأتي لون الجلد، أسرع العلامات وصولاً. لا يحتاج إلى لهجة أو بطاقة أو سؤال. في مجتمعات عربية بقيت ألفاظ قديمة حملت معها شيئاً من تاريخ الرق والخدمة والفقر. يرى الإنسان الآخر من بعيد، وقبل أن يسمع صوته يكون الجلد قد تكلم عنه.

أتذكر وجوهاً رأيتها في أسواق ومدن كثيرة. رجل أسود يبتسم للبائع. امرأة تغطي شعرها وتقود طفلاً من يده. عامل آسيوي ينام في الحافلة من التعب. شخص يلفظ كلمة بطريقة مختلفة. أشياء صغيرة جداً، ومع ذلك تستطيع عين معتادة على التصنيف أن تبني منها حياة كاملة في ثوان.

كثير من هذه الكلمات عاشت طويلاً داخل النكتة. الضحك يمنحها خفة لا تستحقها. يجلس الكبار، يروون حكاية عن صعيدي أو فلاح أو بدوي أو طائفة أو قومية، ويضحكون. الطفل يسمع.

هو لا يعرف التاريخ. لا يعرف لماذا صار هذا الاسم مادة للضحك. لكنه يعرف أن الوجوه الكبيرة من حوله ابتسمت في اللحظة نفسها.

بعد سنوات قد ينسى النكتة تماماً. تبقى في مكان ما داخل رأسه صورة صاحبها.

لهذا أعود دائماً إلى الرجل الذي مر في الشارع في بداية هذه الحكاية.

لا أذكر وجهه الآن. بقي الكيس في يده، ونظرته إلى الأرض، والكلمة التي قيلت خلفه.

ربما كان قد سمعها من قبل. ربما سمعها أبوه أيضاً. وربما تعلّم منذ زمن أن بعض الأسماء تُقال للإنسان من وراء ظهره، لكنه يعرفها من طريقة نظر الناس إليه.

يولد المرء باسم تختاره عائلته. ثم تأتي أسماء أخرى: اسم للمكان، واسم للطائفة، واسم للون، واسم للمهنة، واسم للطريقة التي ينطق بها حرفاً. يتقدم في العمر، وتظل هذه الأسماء تمشي حوله.

أحياناً يدخل واحد منها الغرفة قبله.

يجلس.

وحين يصل صاحبه، يجد أن جزءاً من الحديث قد انتهى.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

لاريب أن النصوص تتفاعل فيما بينها، وأن الكاتب قد يقتبس فكرة، أو يستشهد بعبارة، أو يضمّن نصه مقطعا من نص آخر، فالأدب والفكر بطبيعتهما، يقومان على التفاعل، والتراكم، والحوار بين التجارب، وعند ذاك، فإن الأمانة العلمية تقتضي الاشارة إلى المصدر، لاسيما وأن خلف كل نص جهد فكري، وتجربة إنسانية، يبذلها صاحب النص في التأمل، والصياغة، حتى يخرج النص، في الصورة التي يتلقاها القارئ.

 والسؤال ماذا يحدث حين يُنسب نص، أو مقطع منه، إلى كاتب آخر غير كاتبه، من دون الإشارة إلى صاحب النص الحقيقي.

وفي هذا المجال، لابد من الاشارة إلى أن التضمين له أعرافه، والاقتباس له أصوله، بحيث يبقى حق صاحب النص محفوظا، وأن يُشار إليه بوضوح، بشكل يتيح للقارئ معرفة مصدر النص، وصاحبه الذي ابدعه.

أما أن يُؤخذ النص كما هو، أو تُستل مقاطع منه، ثم تُقدَّم على أنها نتاج شخصي خالص، دون إشارة لصاحبه، فإن الأمر، عندئذ، يخرج من كونه مجرد تضمين، إلى شكل من أشكال الاستيلاء على جهد الآخرين، ومصادرته.

ولاريب أن الاقتباس الأمين، لا يُضعف مكانة الكاتب الذي يقتبس، بل يكشف اصالة ثقافته، وعمق نزاهته. فعندما يشير إلى أن هذا النص، هو لكاتب آخر، فإنه يكسب بذلك احترام القارئ، ويؤكد أن الثقافة عنده ليست ساحة لمحو الآخرين، وإنما هي فضاء للتفاعل، والتلاقح، وتبادل الأفكار.

ومن هنا يتطلب الأمر، التفريق بين الاستلهام والتضمين، وإعادة الصياغة من جهة، وبين الاستيلاء على النص، وإلغاء صاحبه، من جهة أخرى. فالاستلهام يمكن أن يكون فعلًا إبداعيًا مشروعًا إذا اقترن بالأمانة، في حين أن الاستيلاء يظل زيفا وانتحالا، مهما بدا النص المستل للقاريء جميلًا.

وهكذا فإن الحرص على احترام حقوق الكاتب، يظل جزءا من أخلاقيات الكتابة، والثقافة. فحين تتم حماية حق الكاتب في نصه، فإن ذلك يضمن حماية قدسية اصالة الكلمة نفسها، ويصون الثقة التي ينبغي أن تقوم عليها التقاليد الأدبية، والفكرية، في الساحة العلمية، والثقافية.

***

نايف عبوش

الوجدان القضائي وسيكولوجية النزاع في أروقة الأحوال الشخصية

تظل قاعات المحاكم العراقية وعلى مدى عقود من عمر الدولة القانونية، شاهدة على مآس إنسانية تولدت من رحم الفهم الجامد للنصوص، قبل أن تتدارك العدالة التشريعية ثغرات الوجدان الإنساني. ومن بين أكثر القضايا التي مست شغاف القلوب وأثارت شجون القضاة على منصات الجنايات والأحوال الشخصية، هي تلك اللحظة التي يقف فيها اليتيم، الذي فقد أباه في حياة جده، ليرى نفسه غريباً محروماً في تركة جده، محجوباً بأعمامه، وكأن قدره أن يجمع بين لوعة اليتم ومرارة الفاقة وهوان الحرمان.

إن فكرة العدالة لا تستقيم أبداً حين نرى نصوص الإرث العادية تطبق بآلية صماء تغفل التوازن الاجتماعي. فالقاضي ليس مجرد آلة لتوزيع الحصص والسهام، بل هو عين المجتمع الساهرة على حماية الضعفاء. ومن هنا، جاء نص المادة الرابعة والسبعين من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ليمثل قفزة نوعية في الفلسفة التشريعية؛ إذ أقر نظام الوصية الواجبة مرسخاً مساراً قانونياً ينتشل الأحفاد من الهامش ويضعهم في قلب الحماية التشريعية.

عندما ينظر القضاء العراقي في دعاوى التركات، يواجه صراعاً مكتوماً بين نصوص الفقه التقليدي في الحجب، وبين روح العدالة التي تأبى أن يترك الصغار عالة يتكففون الناس. إن إقرار الوصية الواجبة بمقدار حصة أبيهم المتوفى على ألا تتجاوز ثلث التركة، ليس مجرد عملية حسابية تُجرى في القسامات الشرعية، بل هو التزام أخلاقي وقانوني يفرضه الضمير القضائي. إنها الأداة التي كسر بها المشرع العراقي طوق الجمود، ليمنع عسف القربى، ويضمن ألا يتحول موت الأب المبكر إلى عقوبة اقتصادية مؤبدة تلحق بذرّيته.

إن قراءتنا للمنازعات الإرثية في المحاكم العراقية تؤكد أن هذه المادة لم تكن ترفاً تشريعياً، بل كانت ضرورة اجتماعية لحفظ السلم الأهلي داخل الأسرة الواحدة. فالأحكام القضائية التي استقرت عليها محكمة التمييز الاتحادية في هذا الصدد، رسخت مبدأً إنسانياً نبيلاً: أن القانون وجد لخدمة الإنسان وحمايته، وأن منصة القضاء ستبقى دائماً الملجأ الأخير لكل ضعيف حجبته الظروف، أو جار عليه أقرباؤه باسم النص.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

"نحن بنات طارق نمشي على النمارق مشي القطا الموانق قيدي مع المفارق ومن أبى نفارق إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق"...  هند بنت عتبه

ماذا نقصد بالمصطلحين (Soft power , Hard power) المذكوران في عنوان المادة؟ ما أهمية ذلك للمواطن العادي؟ وكيف يتاثر الرأي العام الدولي بالسياسة الثقافية؟

 ان القوة الصلبة في السياسة الدولية، اي استخدام القوة العسكرية في الحرب واحتلال أراضي الدول الأخرى وصولا إلى استخدام الأساليب العنيفة في المعاملات او العلاقات الدولية والهيمنة السياسية والعسكرية غالبًا ما يسبقه ويضفي عليه استراتيجيات من القوة الناعمة كالفعاليات الفنية في الداخل والخارج وحتى أثناء الحرب في ساحات وخنادق المواجه . حيث استخدم الصحافة والإعلام والدعاية وحتى الفن بكافة أشكاله في حرب فيتنام مثلا وكان الأفلام الموجه وزيارة الفنانين إلى مناطق التوتر والجبهات بين الحين والآخر للترفيه عن المقاتلين وإضافة شيء من القوة الناعمة إلى الأداء العسكري العنيف.ونرى كذلك ان القوة الصلبة تحتوى على القوة الناعمة التي بدورها ليست بريئة ١٠٠٪ بل نجد في أهدافها مقاصد اخرى.3287 tawfiq

ليس كل ما في الإعلام مدروس نتائجه بصورة عقلانية لان نظرية الصدفة يعمل على تغير النتائج من ناحية ومن ناحية اخرى مجرد الوصول إلى القمرً والسير على سطحه يفتح المجال إلى طرق جديدة للتفكير واستراتجيات مستقبلية جديدة لم تكن لها اي وجود قبل حدوث الحدث. الخيال الإنساني ليس له اي حدود قبل اكثر من قرن كنا نذهب إلى السينما فقط لرؤية أسلوب الحياة في الغرب ولا بهمنا كثيرا أحداث الفلم حتى لو كان الفلم في الأساس صور من اجل فكر معين او نشر سياسة معينة فقد فشل مثلا العديد من الأفلام الموجهة سياسيا وأمنيا وخرج بنتائج معاكسة وربما الأقرب مثال حين يصور فلما ضد دولة معينة مثلا ينبهر المشاهد في تلك الدولة بمصاهر الحياة الحديثة وملابس الممثلين ولا يهتم لفكرة الأساسية للفلم.

حين نتحدث عن السلطة الناعمة للثقافة نتحدث عن الدعم المقدم للحركة الثقافية في اي دولة عن طريق الحكومات او البرجوازية الوطنية من أغنياء وأمراء وربما الأقرب الينا هو معارض الفن والدعم لتلك المعارض والمتاحف ماديا بحيث تصرف الإمارات الملايين في هذا المجال وكذلك بنياله الشارقة الذي يعد منصة دولية للعرض والتجريب أعمال الفنانين من جميع انحاء ومنذ عام 1993، قام العديد من العاملين في المجال الثقافي المشاركة في تلك الفعاليات والقادمين من جميع انحاء العالم وقد التقيت ب في محاضرة قدمتها السيدة صونيا هيدستراند والصحفي المعروف مارتين گلين وتحدثت عن تجربتها في بنيالي الشارقة والاهتمام الكبير ورعاية الإمارات لهذه الظاهرة الثقافية النادرة في المنطقة والمصاريف السخية التي صرفت على إنجاح تلك المظاهرة الثقافية كنموذج إيجابي للقوة الناعمة. بينما بنيالي الدوحة ألذي ينظمها متاحفُ قطر تشمل كذلك فعاليات وأنشطة ثقافية يضم اكثر من خمسة عشر معرضا للتصميم وتستمر في دورتها الحالية من 5 نوفمبر 2026 إلى 31 يناير 2027 وجميع المؤتمرات والحفلات الغنائية والعروض الثقافية في المملكة التي يرعاها معالي الأمير تركي ال شيخ والتي في نهاية الأمر يؤثر ايجابياً على الفكر الجمعي في المجتمع ويفتح آفاق جديدة في تلك المجتمعات وتنقلهم إلى حدود معرفية وثقافية جديدة. تعتبر تلك الحفلات والفعاليات من النماذج الإيجابية للقوة الناعمة .3286 tawfiq 

السيدة صونيا هيدستراند

ترصد الدولة الحديثة أموال في ميزانيتها للثقافة حيث يؤدي كذلك إلى تحسين العلاقات البشرية ومحو الحدود الفكرية بين الشعوب. القوة الناعمة إستراتيجية للعديد من دول العالمً بمستويات مختلفة وحتى الصين ودول دكتاتورية تستخدمها احيانا. هنا لا أتحدث عن محتوى العمل الفني وارتباطه الأخلاقي الذي يتغير من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر الصورة أدناه نموذج لهذه النظرة بين زمنين مختلفين من بلاد سومر الى مدينة سويدية، يونشوبنگ وبينهما دهور غابرة. 

صراع السلطة مع الإعلام يمثل كذلك مدى أهمية النشر وايصال المعلومة إلى المواطن. هناك فرق كبير بين الحكم الديمقراطي والدكتاتوري المتسلط على جميع وسائل الإعلام وتوجيهها لصالح الفكر السياسي الحاكم والقائد الضرورة. وكلاهما يستغل الإعلام والقوى اللينة لصالحها ونرى ان لكل زعيم ولا يستثنى الدول الديمقراطية إستراتيجية خاصة بالتعامل مع الإعلام لإيصال أفكارهم والإعلان عن منجزاته إلى الشعب وتتدرج سيطرة الحاكم من دولة إلى اخرى حسب صلاحيات الحاكم (رئيس جمهورية او ملك) .

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

السويد ٢٠٢٦

كثيراً ما يطرح الحديث عن الاشتراكية في العراق باعتبارها فكرة مستوردة من أوروبا، جاءت مع الكتب المترجمة والأحزاب الحديثة في القرن العشرين. غير أن هذا التوصيف، رغم ما فيه من صحة تاريخية، لا يكشف الصورة كاملة. فالأفكار السياسية لا تنتقل إلى المجتمعات كما تنتقل البضائع عبر الحدود، وإنما تجد مكاناً لها عندما تصادف تربة اجتماعية وثقافية مهيأة لاستقبالها. ومن هذه الزاوية يمكن التساؤل: هل كانت الاشتراكية حقاً جسماً غريباً عن العراق، أم أنها وجدت في تاريخ دولته المركزية العريق ما جعلها تبدو مألوفة وقابلة للحياة؟

إن المتأمل في تاريخ بلاد الرافدين يلاحظ أن المجتمع العراقي نشأ منذ بداياته داخل إطار دولة قوية ومركزية. فالحضارات السومرية والبابلية والآشورية لم تقم على أساس الفرد المستقل اقتصادياً، كما حدث في بعض المدن التجارية القديمة، بل قامت على إدارة مركزية للمياه والزراعة والعمل.

 كانت الأنهار تحتاج إلى تنظيم دائم، وشبكات الري تتطلب سلطة قادرة على الحشد والتوزيع والرقابة. ومن هنا نشأت الدولة بوصفها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون مؤسسة سياسية.

في العراق القديم، لم تكن هناك "اشتراكية" بالمعنى الأيديولوجي الحديث، لكن بعض الممارسات الاقتصادية كانت تحمل سمات قريبة من الملكية العامة أو المركزية. ففي حضارات سومر وأكد وبابل، كانت المعابد والقصور تمتلك مساحات واسعة من الأراضي وتدير الإنتاج الزراعي وتوزيع الموارد. كما كانت الدولة أو المؤسسة الدينية تلعب دوراً كبيراً في تنظيم العمل والري وتخزين الحبوب وتوزيعها. لم يكن ذلك قائماً على فكرة المساواة الاجتماعية، بل على سلطة الملك والكهنة؛ ولذلك يصفه المؤرخون عادةً بأنه اقتصاد مركزي أو اقتصاد قصور ومعابد، لا اشتراكية بالمعنى الحديث.

كذلك ظهرت في التاريخ الإسلامي أفكار وممارسات تضمنت التكافل الاجتماعي، منها نظام الزكاة والصدقات والأوقاف، ومسؤولية الدولة عن بعض الخدمات العامة ومساعدة الفقراء، ودعت بعض الحركات الفكرية إلى قدر أكبر من المساواة الاقتصادية.

في هذا السياق، لم تكن الأرض مجرد ملكية خاصة بالمعنى الذي عرفته أوروبا الحديثة، بل كانت جزءاً من نظام أوسع تديره المعابد والقصور والسلطات الحاكمة. وكان الفرد ينتمي إلى شبكة من الواجبات والعلاقات الجماعية التي تتقدم على استقلاله الشخصي. ومن هنا يمكن القول إن العقل الاجتماعي العراقي تشكل تاريخياً في ظل حضور قوي للدولة أو السلطة المركزية، وليس في ظل تقاليد فردية ليبرالية واسعة.

وعلى امتداد قرون طويلة لم يتغير هذا النمط كثيراً. تبدلت الدول وتعاقبت الإمبراطوريات، لكن الدولة ظلت هي الفاعل الأكبر في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وحتى في الفترات التي ضعفت فيها السلطة المركزية، كان المجتمع يبحث دائماً عن عودتها أكثر مما يبحث عن تقليص دورها. ولهذا السبب لم تكن فكرة تدخل الدولة في الاقتصاد أمراً مستهجناً لدى العراقيين عندما ظهرت النظريات الاشتراكية الحديثة. مع الإشارة إلى أن هذه النظم القديمة لم تقم على إلغاء الملكية الخاصة، وهو عنصر أساسي في كثير من النظريات الاشتراكية الحديثة.

بدأت الأفكار الاشتراكية والماركسية تصل إلى العراق في أوائل القرن العشرين، وأصبح الحزب الشيوعي العراقي (الذي تأسس في ثلاثينيات القرن العشرين) من أبرز القوى التي دعت إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفلاحين. وعندما دخلت الاشتراكية إلى العراق، لم تدخل إلى مجتمع رأسمالي صناعي متطور كما حدث في أوروبا، بل دخلت إلى مجتمع يعاني من الإقطاع والتفاوت الاجتماعي وهيمنة الشركات الأجنبية على الموارد النفطية. لذلك بدت شعارات العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والإصلاح الزراعي وكأنها إجابة طبيعية عن مشكلات واقعية يعيشها الناس يومياً.

لكن الملاحظة المهمة هي أن الاشتراكية العراقية لم تتجذر أساساً من خلال نظرياتها الفلسفية المعقدة، بل من خلال علاقتها بفكرة الدولة القوية. فالكثير من العراقيين لم يكونوا معنيين بالنقاشات الماركسية حول فائض القيمة أو الصراع الطبقي بقدر اهتمامهم بدور الدولة في توفير العمل والتعليم والسكن والخدمات. وهكذا تحولت الاشتراكية تدريجياً من مشروع تحرر اجتماعي إلى مشروع توسع للدولة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فالاشتراكية في أصلها الأوروبي نشأت أحياناً كحركة احتجاج ضد هيمنة الدولة والطبقات الحاكمة معاً، لكنها في العراق اندمجت بسرعة مع تقاليد السلطة المركزية التاريخية. وبدلاً من أن يصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة شؤونه بنفسه، أصبحت الدولة أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.

 شهد العراق في سبعينيات القرن الماضي واحدة من أوسع تجارب تدخل الدولة في الاقتصاد في العالم العربي. كان النفط مؤمماً، والقطاع العام متوسعاً، والتعليم والصحة مدعومين بقوة. وقد حققت هذه السياسات إنجازات حقيقية لا يمكن إنكارها؛ إذ ارتفعت مستويات التعليم، وتحسنت الخدمات، وازداد الحراك الاجتماعي. غير أن الوجه الآخر للتجربة تمثل في تضخم الجهاز البيروقراطي واعتماد المجتمع المتزايد على الدولة كمصدر شبه وحيد للرزق والفرص. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة هي المالك الأكبر، وصاحب العمل الأكبر، والممول الأكبر؛ فتحول المجتمع إلى حد كبير من مجتمع منتج إلى مجتمع ينتظر ما توزعه السلطة من موارد. ولم يكن هذا التحول نتيجة الاشتراكية وحدها، بل نتيجة تزاوجها مع تقاليد تاريخية عميقة تمجد الدولة المركزية وتمنحها دوراً يتجاوز حدود التنظيم والإدارة.

وعندما انهارت كثير من المؤسسات بعد عام 2003، اكتشف العراقيون أن المشكلة لم تكن في وجود الدولة فقط، ولا في غيابها فقط، بل في الاعتماد المفرط عليها. فقد وجدت البلاد نفسها أمام اقتصاد لا يستطيع العمل بكفاءة من دون الدولة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الدولة وحدها أن تقود التنمية كما كانت تدعي.

من هنا يبدو الجدل التقليدي بين الاشتراكية والرأسمالية في العراق أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقاً: ما طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة؟ فالعراق، منذ آلاف السنين، لم يكن ساحة صراع بين الفرد والدولة بقدر ما كان ساحة بحث مستمر عن دولة قادرة على إدارة مجتمع شديد التعقيد. ولهذا فإن نجاح أي مشروع اقتصادي مستقبلي لن يتوقف على اسمه الأيديولوجي، بل على قدرته على بناء توازن صحي بين قوة الدولة وحيوية المجتمع.

إن الاشتراكية في العراق لم تكن مجرد نظرية سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً حديثاً عن ميل تاريخي أقدم بكثير: الميل إلى اعتبار الدولة محور الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وربما لهذا السبب ازدهرت سريعاً، وربما لهذا السبب أيضاً واجهت حدودها سريعاً. فالدولة القوية تستطيع أن توحد الجهود وتحقق الإنجازات الكبرى، لكنها قد تتحول كذلك إلى عبء عندما تبتلع المجتمع وتضعف قدرته على المبادرة والإبداع.

ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ العراقي هو أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر السوق وحده، كما لا تتحقق عبر الدولة وحدها. إنها ثمرة توازن دقيق بين الحرية والتنظيم، بين المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية، وبين المجتمع والدولة. وما لم يتحقق هذا التوازن، ستبقى البلاد تتأرجح بين نماذج مختلفة تحمل أسماء متغيرة، بينما تبقى المشكلة الجوهرية واحدة.

إذا أخذنا كلمة الاشتراكية بمعناها الواسع (أي تنظيم المجتمع على أساس الملكية الجماعية أو تدخل الدولة في الاقتصاد لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية)، فيمكن القول إن العراق عرف أشكالاً مختلفة منها عبر العصور، لكن ليس دائماً بالمعنى الحديث الذي ظهر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

***

جورج منصور

إن الكاتب المبدع بعد سنوات من السفر الشاق عبر عوالم الكتابة المتفردة الفاعلة العابرة للقارات ، الكتابة الكونية المنفتحة على الإنسانية، يقوده هذا السفر إلى خوض غمار التجريب فينفتح نصه خاصة الروائي باعتبار الرواية الجنس المنتشر بكثرة على أجناس أدبية أخرى فيتماهى عمله السردي الإبداعي معها فنجد القصيدة والمسرحية وفي الشعر نجد القصة والمسرحية فلم يعد هناك حدود بين هذه الأجناس الأدبية بل هناك كتاب يكتبون نصا مفتوحا لا نسنطيع أن نعطيه هوية إبداعية معينة فهو قصيدة نثرية وخاطرة وقصة يحتار قارئه أين يصنفه؟

وهذا النوع الكتابي " تداخل الأجناس " هو نوع كتابي داخل النص الواحد يقول الكاتب مصطفى عطية جمعة:

"يعبر مفهوم «الكتابة عبر النوعية Interdisciplinary Writing « عن فكرة تداخل الأجناس والأشكال الأدبية، أو دمج أكثر من شكل/ نوع كتابي داخل النص الواحد، بما يعني تضفير الكتابة، من خلال توظيف أجناس أدبية عديدة، بأن نجد النص ـ مثلا – حاويا للقصة والقصيدة، أو القصة والمسرح أو المسرح والشعر، أو الشعر والدراما، إلخ.

وهو أمر يشير في جوهــــره إلى حاجة الأديب إلى تخطي جنس أدبي ما، بتقاليده المعروفة والمستقرة، في سبيل الكتابة من خلال أجناس أدبية أخرى، بدمجها معا، والاستفادة من المعطيات الجمالية والشكلية والرؤيوية، التي تتوافر في الأشكال الأدبية الأخرى، وكذلك في الفنون المرئية والمسموعة .

فمن الخطأ حصر المسألة في قضية الشكل وحده، لأن الرؤية جزء لا يتجزأ من الشكل، فالإلهام يأتي إلى المبدع عبر دربين: درب الرؤية التي تحمل فكرا وطرحا، ودرب الشكل الذي سيحتوي هذه الرؤية، فالمبدع يفكر من خلال الوعاء الذي يمكن أن يصوغ فيه رؤاه ومشاعره وطروحاته، مثلما أن الرؤية تحتاج لشكل يشملها".

نستطيع أن نقول أن تداخل الأجناس في الأدب صار واقعا أدبيا لكن ينبغي على الكاتب أن لا يهتم بالشكل فقط بل عليه أن يملك رؤية إبداعية جمالية يضيف إلى نصه لمسات فنيه تجعله نصا خالدا أما الكاتب الذي يفتقد للثقافة ولا يعرف الفروق بين الأجناس الأدبية ثم يدعي أنه يكتب نصا مفتوحا يكسر الحواجز ويتجاوز ما هو متعارف عليه هو كاتب واهم يجري وراء الوهم ويعيش الوهم وينشر الوهم.

***

الكاتب: شدري معمر علي

...................

1- مصطفى عطية جمعة، تداخل الأنواع والنصوص: فض الإشكالية وتعميق المفهوم.

 

ليست أخطر القيود على حرية الرأي تلك التي تفرضها السلطة بالقانون أو المنع أو الرقابة؛ فهذه، مهما اشتدّت، تظلّ قيودًا ظاهرة يمكن مقاومتها وفضحها.

الأخطر منها تلك التي يصنعها الإنسان داخل عقله، حين يتحوّل الانتماء الإيديولوجي أو الحزبي من اختيار فكري قابل للنقد والمراجعة إلى ولاء مغلق لا يسمح لصاحبه بأن يرى في جماعته إلاّ الصواب، وفي خصومها إلاّ الخطأ.

عندها لا يعود السؤال: ماذا قيل؟ وهل هو صحيح؟

بل يصبح السؤال: من قاله؟ وإلى أيّ جهة ينتمي؟ ومن المستفيد منه؟

وهنا تبدأ مأساة الفكر.

فبدل أن يُناقش الرأي بالحجّة، يُحاكم صاحبه بالانتماء، وبدل تفكيك الفكرة ونقد مقدّماتها ونتائجها، يجري البحث عن "خلفيّاتها" و"أجنداتها" و"الجهة التي تقف وراءها".

وكلما عجز الخطاب عن مواجهة النقد بالحجّة، استدعى شبح المؤامرة ليعفي نفسه من عناء التفكير.

عقليّة المؤامرة مريحة جدًّا للعقل المغلق.

فهي تمنحه تفسيرًا جاهزًا لكلّ ما لا يوافقه: الناقد مأجور، والمخالف متآمر، والمختلف يبحث عن مصلحة خفيّة، ومن يطرح سؤالًا محرِجًا لا يريد الحقيقة وإنّما يريد خدمة خصوم الجماعة.

وبهذه الطريقة يتحوّل النقد من حقّ طبيعيّ إلى تهمة، ويصبح السؤال استفزازًا، والمراجعة خيانة، والاستقلاليّة خروجًا عن الصفّ.

المشكلة هنا ليست في وجود الأحزاب أو الإيديولوجيّات؛ فالاختلاف في التصوّرات والمشاريع والمواقف جزء طبيعي من الحياة العامة.

المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانتماء إلى معيار للحقيقة، فيصبح ما يصدر عن "الجماعة" صحيحًا لمجرّد صدوره عنها، وما يأتي من خارجها مشبوهًا لمجرّد أنّه صادر عن خارجها.

والأخطر أنّ بعض الولاءات لا تكتفي بحماية أفكارها، بل تحاول حماية تاريخها أيضًا.

فإذا ظهرت واقعة تناقض الرواية المريحة، جرى تأويلها أو تبريرها أو تحميل المسؤوليّة للآخرين. وإذا أخطأت القيادة، بحث الأتباع عن الأعذار، وإذا فشلت التجربة، استُدعيت المؤامرة، وإذا انتقد أحدٌ المسار من داخله، وُضع سريعًا في خانة "الخارجين" أو "المندسّين".

وهكذا يتحوّل التنظيم من فضاء يفترض أن ينتج الأفكار إلى بيئة تعاقب التفكير المستقل.

إنّ حريّة الرأي لا تُختبر عندما نسمع رأيًا يشبه رأينا؛ بل عندما نواجه رأيًا يزعجنا، ويهزّ يقيننا، ويضع أمامنا أسئلة لا نملك لها إجابات جاهزة.

والفكر النقدي لا يعني التشهير بالآخر، ولا يعني رفض كلّ ما تقوله الجماعة، ولا يعني البحث المرضي عن الأخطاء. معناه ببساطة أن تكون الفكرة أكبر من صاحبها، والحقيقة أكبر من الجماعة، والضمير أكبر من التنظيم.

يمكن للإنسان أن ينتمي إلى حزب، وأن يحمل مشروعًا فكريًّا، وأن يدافع عن قضيّة يؤمن بها، دون أن يتنازل عن حقّه في أن يقول: أخطأنا.

ودون أن يخشى أن يسأل: لماذا؟

ودون أن يضطرّ كلّما انتقد موقفًا إلى تقديم شهادة ولاء قبل أن يُسمح له بالكلام.

إنّ الجماعة التي لا تحتمل النقد لا تحمي نفسها من خصومها؛ بل تحرم نفسها من أهمّ وسيلة لتصحيح أخطائها.

أمّا تحويل كلّ نقد إلى مؤامرة، فليس دفاعًا عن الحقيقة، وإنّما هروب من امتحانها.

ولذلك فإنّ المعركة الحقيقيّة ليست بين هذا الحزب وذاك، ولا بين هذه الإيديولوجيا وتلك؛ بل بين عقليّتين:

عقليّة تقول: ناقش فكرتي، فنحن نبحث عن الحقيقة.

وعقليّة تقول: أثبت أوّلًا أنّك معنا، ثمّ يحقّ لك أن تنتقدنا.

الأولى تصنع مواطنًا حرًّا.

والثانية تصنع تابعًا بارعًا في الدفاع عن شيء قد لا يعود يعرف لماذا يدافع عنه.

وفي النهاية، لا تُقاس حريّة الفكر بعدد الآراء التي نسمح لأنفسنا بسماعها، بل بقدرتنا على احتمال الرأي الذي قد يكون صحيحًا رغم أنّنا لا نحبّه.

فحين يصبح الولاء شرطًا للحقيقة، يموت النقد.

وحين يصبح النقد خيانة، يموت الحوار.

وحين تصبح المؤامرة جوابًا جاهزًا عن كلّ سؤال صعب، يتوقّف العقل عن البحث ويبدأ في تبرير نفسه.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

جربة في 2026/09/24

الجمهوريّة التونسيّة

 

إنَّ بناء الأسرة والحفاظ على الروابط التي بينها من أهم المواضيع التربوية التي أعلنها بها النظام الإسلامي في منهجه التشريعي والتربوي. والروايات الواردة في الحفاظ على الرابطة الأخوية كثيرة تنبثق من الإيمان أنَّ لها أثرًا معنويًّا كبيرًا في إيجاد جو من المحبة والإيثار والعطاء بينهم داخل المنزل وخارجه، بل تمتد في مساحات مهمة أخرى، وهذا الإخوة مسألة عظيمة فطرية يؤمن العقل بأهميتها، وحاجة الإنسان إليها، وعلينا أنْ نراعي العقل والفطرة في صيانتها ,, ضرورة أنْ يعلم الابن الأكبر أنه كبير في التفكير والمحبة والعاطفة والتحارب على إخوته، وليس بالعمر فقط فهو لا يغني شيئًا في بعض الأحايين، وهذا يحتاج إلى مزيد من المعرفة والأخلاق بالإيثار في كل بيتٍ، ثمة إنسان يكبر قبل أوانه، وتحمل سنواته المبكرة شيئًا من وقار الكبار، حيث يقف قريبًا من الأب، ويظل قلبه معلقًا بإخوته، حتى تصبح المسؤولية جزءًا من ملامحه ومن طريقته في الحياة. ذلك هو الأخ الأكبر؛ أول من يتعلم تأجيل رغباته، وأول من يفهم أن المحبة مواقف تُعاش، ويدٌ تمتد في الوقت المناسب، وصدرٌ يتسع حين تضيق الأيام. مع ميلاد الأخ الأكبر يولد في البيت عزوةٌ وسندٌ جديد، ويبدأ فصل كامل من تاريخ الأسرة. تكبر الأسرة معه قبل أن يكبر فيها. تمر الأيام، فتستقر على كتفيه أدوار لم يطلبها، وهموم جاءت إليه بحكم موقعه وقربه من الجميع، فيعرف متاعب البدايات، ويجرب الطريق قبل إخوته، ثم يعود إليهم بخبرةٍ تخفف عنهم عثراته! واستقرت للأخ الأكبر مكانة رفيعة في الوجدان العربي، لتمتد صورته إلى معنى السند، وقربت منزلته من منزلة الأب؛ فكان ملاذًا عند الشدائد، وصاحب الكلمة التي تهدأ بها القلوب حين تضطرب الأحوال. وتختصر الآية الكريمة هذا المعنى بأبلغ صورة: "سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ"، فالعضد يحمل معنى القوة، ويحمل معه الطمأنينة والثبات ورفقة الطريق وأكثر. علم الاجتماع يفسر هذه المكانة بطريقة لافتة، فقد أشار عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر إلى أن ترتيب الميلاد يسهم في تشكيل أنماط الشخصية، وأن الابن الأكبر يميل إلى تحمل المسؤولية والقيادة والمحافظة على استقرار الأسرة أكثر من غيره. ورغم اختلاف الباحثين حول مدى تأثير ترتيب الميلاد، فإن دراسات حديثة تؤكد أن الأبناء الأكبر سنًا غالبًا ما يتحملون أدوارًا أسرية إضافية، خاصة في البيئات التي تقوم على الترابط العائلي، فيتحولون إلى مصدر للدعم النفسي والاجتماعي لإخوتهم. ثم اتسع ميدان البحث إلى ما بعد ترتيب الميلاد، حيث تشير دراسات علم نفس النمو إلى أن الأخ الأكبر يؤدي دور "النموذج الأول" داخل الأسرة؛ يراقب الإخوة طريقته في الحديث، وأسلوبه في التعامل، واستجابته للمواقف اليومية، فتتشكل كثير من السلوكيات بالتقليد قبل التوجيه. وتزداد هذه المكانة وضوحًا في المجتمعات التي تقوم على قوة الروابط الأسرية، حيث يشارك الأخ الأكبر الوالدين جزءًا من التربية والاحتواء وصناعة القرار. وتفتح دراسات العلاقات الأسرية بابًا آخر للتأمل؛ فالعلاقة بين الأشقاء تمتد عبر معظم مراحل حياة الإنسان، حيث يمضي الوالدان، وتتبدل الصداقات، وتتغير المدن والوظائف، ويبقى الأخ شاهدًا على الطفولة، وذاكرةً تحفظ تفاصيل السنوات الأولى التي يعرفها هو وحده. ويصف علماء النفس فقد الأخ بأنه فقد لجزء من الهوية الشخصية؛ فبرحيله تغيب ذاكرة مشتركة يصعب تعويضها. وعندما يرحل الأخ الأكبر، يتغير إيقاع البيت كله، تكبر المقاعد، ويطول الصمت في المناسبات، وتستيقظ الذكريات من أماكن بعيدة، فيلتفت الإخوة إلى تفاصيل عبرت أمامهم سنوات طويلة، ثم تظهر قيمتها كاملة بعد الغياب: مكالمة عابرة، سؤال متكرر، عتاب دافئ، يد سبقت الحاجة، وموقف حفظ للبيت تماسكه. تمضي الأعوام هادئة، ثم تأتي لحظة تعيد ترتيب العمر كله، ليعود الإنسان إلى طفولته من طريق غريب، ويجد أخاه الأكبر واقفًا في أول المشهد؛ يحمل عنه شيئًا من الخوف، ويطمئنه عند ارتباك البدايات، ويفرح لنجاحه كأن النجاح يخصه. كان يسبق الجميع إلى التجربة، ويستقبل كثيرًا من صدمات الحياة، ثم يعود بخبرتها هديّةً لإخوته.

***

نهاد الحديثي

الصورة في لحظة التقاطها الأولى، هي توثيق لحدث عابر، لكنها بمرور الزمن، تتحول إلى شيء آخر، حيث تصبح عندئذ، ذاكرة معلقة على جدار القلب، لتحفظ ما أخذه الزمن معه، وتمنحنا فرصة للعودة، ولو للحظات، إلى أيام مضت، ولم تعد قابلة للتكرار.

 في تلك الصور، وجوه غاب أصحابها، وأصدقاء أخذتهم المسافات، وأماكن تبدلت ملامحها، وأيام مضت، دون أن نشعر، لتبقى وحدها الصورة، صامتة، تقول لنا، إن اللحظات الجميلة، وهي تعيش بين أيدينا، ستكون ذات يوم، من أجمل ذكرياتنا.

الأماكن تتغير، والوجوه تكبر، والطرقات تتباعد، ومن كانوا بالأمس جزءا من يومنا، قد يصبحون اليوم، جزءا من ذاكرتنا فقط.ومع ذلك، لا يكون الغياب اعداما للحضور، فبعض الناس يرحلون عن أعيننا، لكنهم يسكنون في وجداننا، وبمجرد أن تقع العين على صورة قديمة، يعود حضورهم فجأة، بكل ما يحملونه من ألفة، ومودة، وحنين.

وهكذا فالصور ليست مجرد أوراق، أو ملفات، معلقة على الجدران، أو محفوظة في الهاتف، والملفات، إنها خزائن صغيرة للزمن. فكل صورة تختزن لحظة، وكل لحظة تحمل حكاية، وكل حكاية تختبئ خلفها مشاعر، قد لا تستطيع الكلمات أن تستعيدها.

ولذلك، نجد ان الصورة، وأن كانت تمنحنا لحظة فرح، باستعادة من نحب، لكنها في الوقت نفسه، تذكرنا بأن الزمن، لا يعيد لنا ما أخذه.

ولأن أجمل ما في الحياة، ليس ما نحتفظ به من صور شتى، بل ما نعيشه بصدق، قبل أن يصبح صورة، الأمر الذي يتطلب الاستمتاع بقيمة اللحظات التي نعيشها، قبل أن تتحول إلى ذكريات. فقد يغيب الإنسان عن المكان، لكن أثره يظل عالقا في الذاكرة، وقد يتحول الحضور إلى صورة، لكن بعض الصور لا تغيب أبدا، لأنها لا تحفظ ملامح أصحابها وحسب، وانما تحفظ جزءا من احساساتنا، التي عاشت معهم ذات يوم.

***

نايف عبوش

حكاية الهدية في المجتمع العراقي

كان العراقيون، وما زالوا، يتبادلون الهدايا في مناسباتهم الاجتماعية: في الأفراح والأحزان، وفي الزيارات والعودة من السفر والحج، وعند الزواج والختان والمرض، وسائر المناسبات التي تجمع الناس على المحبة والمجاملة. وكانت الهدية، في أصلها، على نوعين: هدية رمزية تعبّر عن المودة، وتشارك الآخر فرحته أو تخفف عنه حزنه؛ وأخرى مادية يكون المقصود منها تقديم العون والمساندة.

وما سأرويه هنا بعضٌ مما بقي في الذاكرة من الماضي القريب، قبل أن تتغير وظيفة الهدية في بعض الأوساط، فتتحول من تعبير عن المحبة والوفاء إلى وسيلة لتحقيق مصلحة، أو إلى ما يشبه الرشوة حين تُقدَّم إلى مسؤول أو صاحب نفوذ لقاء خدمة أو امتياز. أما ساعات «رولكس» و«باتيك فيليب»، والسيارات الفارهة والعقارات، وما هو أغلى وأبعد من ذلك، فهي قصة أخرى من قصص زمننا الذي اختلطت فيه الهدية بالمصلحة والفساد.

أثار في ذاكرتي تعليقُ الأخ الدكتور فلاح ناجي على مقالتي السابقة عن «الصوغة»، عندما ذكر ما كنا نسميه «الفضل»، أي الهدية التي ينبغي أن تُرد في مناسبة مماثلة. وكان «الفضل» في كثير من الأحيان يتكون من «كَلّات من القند».

ولعل الجيل الجديد لا يعرف ما هي «كَلّة القند». وهي قالبٌ من السكر الصلب، مخروطي الشكل تقريبًا، يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترًا، ومغلف بورق أزرق داكن، وكانت من الهدايا المعروفة في العراق. وتذكر مصادر عن العادات العراقية أن كَلّة القند كانت تُرسل هدية في الأعراس، كما ارتبط القند بطقوس الزواج القديمة.

وكانت كَلّة القند تأتي أحيانًا مع قناني الشربت، ومن أشهر من ارتبط اسمه في الذاكرة البغدادية بصناعة الشربت والمرطبات والحلويات «جواد الشكرجي». وكانت الهدية تُرتب في صينية، وتُغطّى بقطعة قماش، وتُحمل إلى بيت أصحاب المناسبة أو إلى المستشفى عند زيارة المريض. وكان عدد الكَلّات وقناني الشربت يتناسب مع مكانة الشخص الذي تُقدَّم إليه الهدية، ومع قدرة مقدمها. كما كانت الفاكهة للمريض، وبخاصة البرتقال والنومي الحلو، من الهدايا المحببة لدى الكثير من العراقيين. لم تكن قيمة الهدية هي الأساس، وإنما كان حضورها ومناسبتها هما الأهم.

ومع تحسُّن مستوى المعيشة وتوسع الأسواق العراقية، أخذت طبيعة الهدايا تتغير تدريجيًا، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، عندما بدأت السلع الاستهلاكية والمنزلية تدخل البيوت العراقية بصورة أوسع.

وكان لأوروزدي باك، الذي ظهر في بغداد في عشرينيات القرن العشرين، دورٌ مهم في تغيير علاقة العراقيين بالسلع الحديثة؛ فقد كان يعرض طيفًا واسعًا من البضائع، من الملابس والأقمشة إلى الأدوات المنزلية والأجهزة، والمواد الغذائية، والعطور، وغيرها. ثم شهدت هذه المؤسسة تحولات في الملكية والإدارة خلال الستينيات والسبعينيات، إلى أن أصبحت الأسواق المركزية مؤسسة حكومية تابعة لوزارة التجارة.

وهنا دخلت الهدية مرحلة جديدة. فبعد أن كانت «كَلّة القند» وقناني الشربت من الهدايا المألوفة، أخذت الهدايا تتحول تدريجيًا إلى أشياء يمكن أن تبقى في البيت وتُستعمل لفترة طويلة. فأصبح طقم فناجين القهوة واحدًا من أشهر الهدايا، ثم تبعته فناجين الشاي والصحون والأقداح وأطقم المائدة، ومنها أقداح الكريستال التي كانت تُعدّ في ذلك الوقت هدية ثمينة وجميلة.

ومن طرائف فناجين القهوة أن كثرتها في البيوت كانت تدفع البعض إلى إعادة إهدائها إلى الآخرين. وربما تستلم طقم فناجين قهوة كنت قد أهديته قبل سنتين أو ثلاث، بعد أن دار خلال تلك السنوات بين أكثر من بيت، وتداولته الأيدي، قبل أن يعود إليك، معزّزًا مكرّمًا، ملفوفًا بورق هدايا وكأنه هدية جديدة لم ترها من قبل.

ومن الطريف أن البيت العراقي كان يجمع، مع مرور السنوات، أعدادًا كبيرة من هذه الهدايا. ففي كل زواج أو ختان أو مناسبة اجتماعية يدخل إلى البيت طقم جديد، حتى تصبح الخزانة أشبه بسجل صامت للمناسبات التي مرت على الأسرة. لم تكن تلك الهدايا فاخرة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها كانت ثمينة في نظر أصحابها؛ لأنها تحمل ذكرى الشخص والمناسبة التي جاءت منها.

ولم تكن الهدية تُفتح أمام من قدّمها، وهي عادة كانت شائعة عندنا، وربما كان فيها قدر من الحياء واحترام الخصوصية؛ فلا يريد من تلقاها أن يضع مقدم الهدية في موقف قد يكشف رضاه أو عدم رضاه عنها. أما اليوم فقد تغيرت هذه العادة في كثير من البيئات، وأصبح فتح الهدايا أمام مقدمها أمرًا مألوفًا، كما هو معروف في المجتمعات الغربية.

ثم أخذت مظاهر الحياة الاجتماعية العراقية تتأثر بصورة أكبر بالثقافة الغربية وأنماط الاستهلاك الحديثة، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فدخلت الورود وسلال الزهور إلى عالم الهدايا بصورة أوسع، وأصبحت علب الشوكولاتة من الهدايا المحببة في الزيارات والمناسبات.

وتغيّر شكل الهدية مرة أخرى. فبعد أن كانت الشوكولاتة تُقدَّم في علب كرتونية بسيطة، مثل علب «بسكولاته»، أو في علب «ماكنتوش» المعدنية الأنيقة، أصبح الوعاء الذي تُقدَّم فيه الهدية جزءًا من الهدية نفسها؛ فأصبحت الشوكولاتة تُقدَّم في أوانٍ من الكريستال، أو في صناديق خشبية فاخرة مطعّمة، وأحيانًا كان ثمن الوعاء أو الصندوق أعلى من قيمة ما يحتويه من حلوى. وهكذا بدأ الاهتمام ينتقل تدريجيًا من محتوى الهدية إلى شكلها، ومن فائدتها إلى مظهرها.

ومع مرور الزمن، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، دخل المال نفسه بقوة إلى منظومة المناسبات الاجتماعية. فأصبح تقديم النقود في بعض المناسبات، وخصوصًا الأعراس، وسيلة عملية لمساعدة أصحاب المناسبة على تحمّل تكاليفها. وكان هذا النوع من الهدايا مختلفًا عن «الفضل» القديم؛ فالهدية لم تعد شيئًا يشتريه الشخص ويحمله معه، بل أصبحت مبلغًا من المال يوضع في ظرف، وقد ارتبط مقدار المبلغ بدرجة القرب والمكانة والقدرة المالية. ومع ذلك بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: أن ترد الجميل، وأن تقف مع قريبك أو صديقك في يوم فرحه أو محنته.

ولم تكن الهدايا دائمًا أشياء تُقتنى أو تُحفظ للذكرى، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلةً للمشاركة في تحمّل أعباء المناسبة ومصاريفها. فقد اعتاد العراقيون إقامة الولائم في مختلف المناسبات، في الأفراح والأحزان على حدّ سواء؛ في الأعراس والختان، وفي العودة من الحج، وكذلك في مجالس العزاء. لذلك كان من المألوف أن يحمل الأقارب والأصدقاء معهم أكياس الأرز والسكر وعبوات الزيت وغيرها من المواد الغذائية، لتكون هديةً ومساهمةً في إعداد الطعام وتخفيف ما تتحمله الأسرة من نفقات. وحتى الخراف التي كانت تُهدى في بعض المناسبات كانت مشاركةً مباشرةً في توفير ما تحتاجه الوليمة من لحم. وهكذا اصبح للهدية معنى أعمق من مجرد التبادل؛ فقد كانت تعبيرًا عن المودة والتكافل، وعن الوقوف إلى جانب الأسرة في أفراحها وأحزانها.

لكن، ومع الأسف، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا أكثر خطورة. فمع اتساع مظاهر الثراء غير المشروع، وانتشار الفساد والسرقات والامتيازات، بدأت تظهر هدايا لا تشبه هدايا الماضي. لم تعد «كَلّة القند» هي التي تعبّر عن الكرم، ولا سلة الورد هي التي تختصر المودة، ولا حتى طقم فناجين القهوة هو الهدية الثمينة.

ظهرت هدايا يصعب على العقل أن يتصورها أو يستوعبها؛ هدايا من قبيل الساعات باهظة الثمن، والسيارات الفارهة، والمبالغ المالية الكبيرة، وأحيانًا الشقق، والفلل، والعقارات. ولم تعد هذه الهدايا مرتبطة بمناسبة اجتماعية محددة، كالزواج، أو الختان، أو زيارة المريض، أو العودة من الحج، بل أصبح بعضها يُقدَّم بلا مناسبة، ومن دون ارتباط بحدث أو تقليد اجتماعي بعينه.

وهنا تغير السؤال: هل ما زالت هذه هدية؟

فالهدية في معناها الجميل لا تنتظر مقابلًا، ولا تفتح بابًا لمصلحة، ولا تشتري قرارًا، ولا تمنح صاحبها حقًا على من تلقاها. أما عندما تصبح الهدية وسيلة للحصول على خدمة، أو عقد، أو منصب، أو امتياز، فإن اسمها قد يبقى «هدية»، لكن معناها الاجتماعي والأخلاقي يكون قد تغير.

ولعل أجمل ما في تاريخ الهدايا العراقية أنها تكشف لنا، من دون قصد، شيئًا من تاريخ المجتمع نفسه. في زمن «كَلّة القند» كانت قيمة الهدية في معناها: مشاركة وفرح وردّ للفضل. وفي زمن أطقم فناجين القهوة والأقداح كانت الهدية تجمع بين الذوق والمنفعة، وتبقى في البيت لتذكّر أصحابها بمن قدمها. وفي زمن الورود والشوكولاتة أصبحت الهدية أقرب إلى التعبير عن الذوق والمجاملة. ثم جاء زمن المال والهدايا الفاخرة، فأصبحت في بعض المناسبات وسيلة للمساعدة، أو لإظهار المكانة الاجتماعية.

أما حين تدخل الساعة الثمينة والسيارة والعقار إلى دائرة الهدية، وتكون وراءها مصلحة أو نفوذ، فإننا لا نكون أمام تطور طبيعي للهدية، وإنما أمام تحول في القيم التي تقف وراءها. وربما لهذا السبب تستحق «كَلّة القند» أن تبقى في ذاكرتنا؛ لأنها تذكرنا بزمن كانت فيه الهدية صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها.

فقد تتغير الهدية مع الزمن، وتتغير قيمتها وشكلها وطريقة تقديمها، لكن أجمل الهدايا تبقى تلك التي لا يُنتظر منها شيء سوى أن تعبر عن مشاعرك الصادقة لمن تحب وعن مشاركتك لأفراحه وأحزانه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

بعد رحيل نصير كامل الجادرجي (1933-2026) طوت عائلة آل الجادرجي تاريخها في السياسة والمجتمع العراقيّ. الأسرة التي عُرفت بعميدها الأول كامل رفعت الجادرجي، أو الخيام، مثلما ذكره أستاذه الشاعر معروف الرُّصافيّ، فالجادر يعني الخيمة، والأسرة كانت صاحبة خيام. عاش الجادرجي الأب في كنف والده رفعت الخيام، في العهد العثمانيّ، وكان أمين بغداد.

تبنى آل الجادرجي الديمقراطية، التي لا يراها الأب مطبقة في العهد الملكي، ومنها الديمقراطية المجتمعية وسلطة القانون، وهذا ما تأثر به من البلاد الغربية وفلاسفتها في هذا الشأن، وما عُرف بالفلسفة «الفابية»، وكان قريباً إلى الماركسية ولم يكن ماركسياً، وخصماً للنازية والفاشية، وجرت بينه وبين قريبه المتأثر بالنازية حوارات على صفحات الجرائد، وعندما أراد البعض نقل الكتابة أو الأبجدية من العربية إلى الإنجليزية، تأثراً بتركيا أتاتورك، تصدى كامل الجادرجي برد استغرق صفحات من جريدته «الأهالي».

غيّر كامل الجادرجي الديمقراطيّ، الذي عمل طوال الحكم الملكي، وأيد الانقلاب عليه (المعروف بانقلاب بكر صدقي 1936)، أملاً في النظام الذي يريده، انتهى نفسه بعد ثورة 14 تموز 1958، وكان كامل الجادرجي معوّلاً أيضاً على النظام الجديد في تحقيق حلمه السياسي، وقد أصبح في حكومة الانقلاب (1936) وزيراً للاقتصاد والمواصلات، لكن بانتهاء الملكية انتهى معارضيها أيضاً، فلم يسمح للمعارضة السياسية أو الفكرية بالعمل أو تشكيل أحزابها، وإن تشكّلت أحزاب فليس على ما يطمح له الجادرجي الأب. ظل حزب كامل الجادرجي «الوطني الديمقراطي» قائماً لكن مختصراً على النخبة، وقد خرج منه البعض بسبب قرب الجادرجي من الشيوعيين، ولم يكن شيوعياً.

لهذا لم يجد نجله نصير الجادرجي مانعاً أسرياً بالانتماء للحزب الشيوعي، واعتقل بعد الانقلاب على عبد الكريم قاسم، من قِبل ما عُرف بالحرس القومي (1963)، وظل نصير شيوعياً ثم ماركسياً وديمقراطياً. ظهر بعد (2003) كأحد الوجوه السياسية، وأظهر ذخيرة والده «الحزب الوطني الديمقراطي»، لكن في زمن لم يجد فيه الجماهير، التي التفت حول الأحزاب الدينية.

وبسبب التوزيع الطائفي جعلت (سُنية) الجادرجي الرجل عضواً في مجلس الحكم، وهو شخصياً لم يعتبر نفسه ممثلاً لطائفة، إنما ظل يعتقد أنه دخل بنهج حزبه «الوطني الديمقراطي»، لكن هذا لم يؤخذ بنظر الاعتبار مِن قبل الآخرين، فأمين الحزب الشيوعي العراقي صُنف في مجلس الحكم على (شيعيته) وهو شخصياً وحزبياً شأنه شأن الجادرجي، لم يُقر هذا التنسيب، بعد مجلس الحكم لم يحصل نصير الجادرجي، والأفراد الذين كانوا يمثلون الأفكار لا الطوائف، على مناصب في النظام (الجديد).

ظل الجادرجي يعمل مع التجمعات الديمقراطية، مثل التجمع الديمقراطي، القريب من اليسار العراقي بشكل عام، فعناصره، على قلة حيلتها، قامت بنشاط معارض لنهج المحاصصة، لكن من خارج البرلمان، فالوضع الجديد الذي تركته الحروب والحصار لم يترك للعقل السياسيّ باباً مفتوحاً إلى البرلمان، فالأغلبية العظمى اتجهت للأحزاب حسب الطوائف، مما لم يجد نصير وحزبه مكاناً بينها، وهم الذي يمثلون التحضر الاجتماعي من العهد الملكي، العهد الذي أيد حزبه سقوطه أملاً في نظام ديمقراطي جذري، لكن الجادرجي صار غريباً في الأنظمة التي أعقبته، وفي بغداده نفسها، وقد تعرض شقيقه المعمار رفعت الجادرجي إلى الاعتقال، وهو الذي شيد نصب الثورة (1958) وكان النحات جواد سليم، وما زال قائماً.

كتب الكثير عن تجربة أسرة الجادرجي السياسية والاجتماعيَّة، والحزب الوطني الديمقراطيَّ، لكن الحيوي الذي قرأته في تاريخ الأسرة هو كتاب «ومرت الأيام» للكاتبة بلقيس شرارة زوجة المعمار رفعت، وكتابهما المشترك «بين ظلمتين»، وكتاب رفعت عن والده «صورة أب».

أقول: إذا ذكر تاريخ العراق السياسي ليس لأحد يتجاهل تاريخ هذه الأسرة، التي تركت أرضية للفكر الديمقراطي، وهو تاريخ كامل الجادرجي وآخرين، وحزبه «الوطني الديمقراطي»، وجريدته «الأهالي»، التي زهت بالجدل والحوار، لكنها توقفت بتوقف المعارضة الديمقراطية، عندما سقط النظام الملكي وسقطت معارضته، التي مثلتها «الأهاليّ». على العموم، كان لآل الجادرجي حلم ٌسعوا إليه، لكنه حلم يقظة، ظل مطوياً في تاريخ الحزب «الوطني الديمقراطيّ»، وليس لأحد التنظير بالديمقراطية عراقياً دون الارتكاز علي تجربة هذا الحزب وصاحبه.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

في المثقف اليوم