صليتُ حيث تكون الصلاة سموا وارتقاء، حيث تكون قلباً ينبضُ بالحياة، ركعتُ مع الشمسِ في انحناءتها وسجدت بإيماءة منها عند الغروب، هناك رتلتُ وردي وسبحت تسبيحة الكون حيث يُعزف أجمل لحن للوجود.
وبين بسمة طفل وضحكة كبير وهما يتقاسمان قطعة لحم صغيرة تذوقت طعم الصلاة وكانت هي الصلاة. وفي مشهد آخر حيث يقيمون الصلاة يُطرح ألف سؤال وسؤال؟
لِمَ نُصلي؟! وهل الرب الرحيمُ يحتاجُ صلاتنا بحيث يكون العقابُ عليها شديداً؟!
ولم نُرددُ منذ قرون بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وواقعنا يشهدُ مقدارَ تخلفنا الأخلاقي، مقدار تخلفنا القيمي!
كم من جريمة تُرتكبُ باسم الصلاة، كم من حريات صُودِرت باسم الصلاة، وَكم عقول وُأدتْ لأجل الصلاة، وَكم مُصلٍ لليل وَالنهار وَهو أكثر وحشيةً مع أسرته، قد تجد بيدهِ المسبحةَ في كل الأوقات وَهو لا يتورعُ عن الظلم وَأكلِ حقوقِ الآخرين!
طبيب يترك مرضاه ليؤدي الصلاة، شاب يقطع إشارة المرور مسرعاً للحاقِ بصلاة الجماعة! وَآخرُ يركلُ سيارته بوسط الشارع معرقلاً حركة الناس من أجل الفوز بالصف الأول!
لم نجد الصلاة تمنع المصلي من تخطي حدود السرعة المسموح بها فتكن أحد أسباب انخفاض نسب وفيات الحوادث، وَلم نجد الصلاة كانت وراء تقليل نسب الطلاق في مجتمعاتنا؟!
هذه الصلاة التي نتهالك عليها وَنُقيمُ الحد على تاركها، الصلاة التي أصبحت علامة فارقة لدخول الجنة وَالنار! الصلاة التي دوماً نسمع أنها عمود الدين، فَأن قُبلت قُبل ماسواها وإن رُدت رُدَّ ما سواها.
هل يُعقل أن أدخُلَ الجنة لـِـ كَمٍ من الركعات وإن كانت الحياة لا تَذكر لي أي أثر؟! هل يُعقل أن علاقتنا بالرب الرحيم تحددها عدد معين وَطريقة معينة قد تكون جوفاء لا روح فيها؟! لم هذا الاهتمام السطحي بحيث أصبحنا كالطبل الأجوف؟!
ما أكثر مساجدنا وَما أجمل صوت المؤذن وَهو يعلو بأحيائنا والمُدن..! وَما أشد اهتمامنا وَنحن نتراسل وَنتواصى بصلاة اليوم وَصلاة الشهر وَعدد الركعات وَنضع لهذهِ العلاقة حاسبة خاصة تراها تزين أصابعنا كخاتم وَننهج بذكر الله وَنحن نسمع وَنحن نطبخ وَنحن نمارس أعمالنا، وَلا تجدُ الطالبة التي تلبس المسبحة وَالذاكرة ضيراً من الغش، بل تجد مدارسنا الحريصة جداً على اقتطاع وقت لأداء الصلاة، بعيدة جداً عن شغف العلم، خاوية من الباحثين وَالمخترعين بل من أبسط أسس التعليم السليم، وَلمْ يتورع شبابنا المصلي عن التسكع بالطرقات، وَلمْ تتورع نساؤنا وَهنّ المصليات عن التدخل في خصوصيات الآخرين!
هذا التدقيق الشديد بالفتحة وَالضمة وَالغين وَالقاف، بل هذا التشدد بالركوع وَكيفية السجود يزدادُ بشكلٍ ممرض بالحج وَ العمرة نفقد من خلال تفاصيله الدقيقة وَالمقيتة كلروحانية اللحظة!
بل تزداد الحالة لنُرعب أطفالنا من رب يمسك بيده عمود نار لتارك الصلاة، وَنرسُمَ صورة للصلاة حين تأخذنا الروايات وَالقصص حيث الإمام يغرق طفله وَهو يصلي فلا يلتفت لذلك الطفل وَكأنها هي هذه التي لأجلها خلقنا!
وحين تزداد لأجلها مساحة الطغيان وَالاستبداد بنفوسنا، نجدنا نتعبد بصنمية فارغة فتصبح الصلاة وَالحجُ أصناماً تُبعدنا عن المحيط الرحب، عن الحب، عن التسامح، عن التناغم الكوني، والتسبيح الإلهي!
فهل هذه الصلاة التي نصليها وَنلتزم بها، هي التي صدحت بها آيات الله في كتابه الكريم؟! وَهل الله الرب الرحيم يحتاج صلاتنا لتكون هي محك دخولنا الجنة أو النار؟! وهل سيكون راعي الخراف الذي يرفض بيع خراف سيده بأعلى الأثمان لأنها ليست ملكه وَلا يقبل خيانة صاحبها لأن الله يراه، أحق بدخول النار لعدم أدائهِ الصلاة التي نعرفها؟!
وَأدخل أنا الجنة وأنا التي تصلي بالليل مئة ركعة رغم عدم تورعي عن الغش وَإهدار الوقت وَالمال؟!
ماذا عساي أجيبُ ولدي الصغير حين يسألني لماذا نصلي بعد أن ضربته لأجلها وَهددتهُ بالنار وَالعقابِ الإلهي وَهو يراني أختلفُ مع جارتي فأكيلُ لها الاتهامات وَأستصغرُ عاملتي وَسائقي وَلا أحترمُ إنسانيتهم ثم أجيبه: يا ولدي الله لا يحتاج صلاتنا بل هي لأجلنا، لأجل صلاح أمورنا، فتدور عينيه باستغراب مندهشاً يبحث عن الصلاح!
تمهل قارئي الكريم، لا تتهمني بالكفر وَتُقيمَ علي حدَّ تارك الصلاة! فأنا أقرأ القران وَتُثير آياته تساؤلاتي: {وصلِّ عليهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم..}- التوبة:103-، فلا أجد السكن وَ الحب وَ اتساع النفوس بصلاتنا.
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ﴿٤٥ البقرة﴾
{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ﴿١٥٧ البقرة﴾
فالكثير من القيم وَالأخلاق التي لا تستقيمُ الحياة إلا بها نجدها مفقودة بين المصلين! وَحين تضعُ عقولنا علامات استفهام غير قابلة بأمر فهذا لا يعني أننا نوجه الاتهام لآيات ربنا الرحيم أو أننا شككنا بمصداقية القرآن العظيم، بل هذا اتهام لقصور فهمنا وَ سطحية التعامل مع الآيات!
ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق... كما قال سيد الحكماء علي- عليه السلام- فجمودنا عند زمن لم نتجاوزه وَفهمٍ لم نتخطاه أورثنا هذا الضيق بالأفق وَجعلنا ننشغل بالزخرف غير ملتفتين إلى تعلم كيف نمسك بالحرف وَمدلولِ اللغة لنُبحرَ بهما حيث بحور الكتاب فَبقينا عندَ الشاطئ عاجزين عن خوض غمار المحيط الذي يأخذنا للعمق الذي يكشف الأستار عن النور الذي يُخرجنا من الظلمات.
لِـمَ نُغلقُ أعيننا وَعقولنا وَنكتفي بالمتعارف وَالموروث رغم ما يسبب لنا من تناقضات وَأزمات نفسية وَروحية؟
فإن كنا غير قادرين على استيعاب الحاضر فأقلها لنُفسحَ الطريق وَلا نُعلنَ الحربَ على من يَفتحُ أبواباً جديدة للفهم!
-نحن أحوج ما نكون اليوم لاستنطاق القرآن من خلال حاضرنا وَمن خلال احترام عقولنا التي انفتحت على عوالم جديدة لم تأهلها سابقا.
-نحن أحوج ما نكون لانتفاضةٍ ثقافيةٍ تُحركُ الخامد وَالميت من أفكارنا؛ لتبعث الحياة من جديد في صلواتنا وَترجعَ غضةً يانعةً تُدرب (تُحيي) إنسانيتنا وَتُقوّم ما أعوج منها، وَتصبحُ حقاً مدرسة للعروج نحو الله!
-صدق ذاكَ الإنسان الأفريقي العظيم حين كنا ندور معه بين تراتيل الطبيعة وَبين قرى لم ترَ ضوء المصباح الكهربائي وَلم تتذوق طعم الماء النقي وَلكنها تذوقت طعم الفرح الإنساني وَسألته حين الشمس قاربت على الغروب: نحتاج أن نسرع لنصلي... فـأجابني بصاعقة أعادت لي الحياة": لقد كنت تصلين طيلة اليوم فما حاجتُـكِ للركعات"! وَهو يبتسم ابتسامة العرفان، حينها فقط أدركتُ أن هذه الركعات لا تكون صلاة إذا لم تُحِل كيانككُلهُ صلاة!
حينها يصبح حُبُ الأمِ صلاة…
وَانتظام الشاب بقوانين المرور صلاة…
وَحِفظُ العهدِ صلاة…
وَإطعام القطة صلاة..
وَاحترام الكبير صلاة…
والتغافل صلاة..
والحب صلاة.
***
منى الصالح



























