أقلام حرة

أقلام حرة

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

حين يلتقي العقلُ بالحدود، لا ينكسر.. بل يتطهّر من وهم الإحاطة، ويخلع عن نفسه عباءة الادّعاء، ليدخل حضرة العجز.. خفيفًا كحقيقةٍ وُلدت الآن.

هناك، حيثُ يتوقّف السؤال لا عجزًا عن السير، بل احترامًا لهيبة الطريق، يظهر الله.. لا كفكرةٍ تُدرك، ولا كتعريفٍ يُحاط، بل كحضورٍ يملأ الفراغ الذي تركه اليقين الزائف.

العقلُ حين يظنّ أنه بلغ، يبتعد، وحين يعترف أنه لم يبلغ.. يقترب.

ففي العجز سرٌّ لا يفهمه المتكبّرون، نورٌ لا يُرى إلا لمن أغمض عينيه عن وهم السيطرة. لسنا خُلقنا لنُحيط، بل لندهش.. وليس لنملك الحقيقة، بل لنُلامسها بخشوع العابرين.

فإذا ضاقت بك المعاني، واتّسعت فيك الحيرة، فاعلم أنّك على عتبة معرفةٍ أخرى.. معرفةٍ لا تُقال، بل تُعاش.

هناك، حين يسكت العقل، يتكلّم القلب.. ويكون العجزُ أصدقَ أشكال المعرفة.

***

د. صابر الحميدي

تمتلك القوى الكبرى الأساليب والنظريات التطبيقية القادرة على غسيل الأدمغة وتحقيق الإحتلال الدماغي للبشر. فكم من المجتمعات محتلة دماغيا، ومستعمرة فكريا ونفسيا وروحيا، ومتحولة إلى دمى أو روبوتات تنفذ ما تؤمر به بآلية ذاتية أوتوماتيكية؟

ويتحقق بالتأثير القوي القسري المنهجي على الأفكار والمعتقدات بهدف تغييرها أو السيطرة عليها، بحيث يبدأ الشخص بتبني أفكار جديدة مناقضة لمعتقداته.

 ويكون ذلك بالتكرار المستمر والضغط النفسي والعاطفي، وإستخدام الخوف والتهديد والإغراء، ومنع التفكير النقدي وعدم البوح بالحقائق ونشر الأكاذيب المغرضة.

وهناك العديد من الآليات والنظريات السلوكية المعروفة والسرية، الكفيلة بإمتلاك العقول وتحويل أصحابها إلى أدوات ذاتية الحركة نحو الهدف المنشود إنجازه بواسطتها.

ومن الواضح أن لهذه الآليات دورها الأساسي والقيادي المبكر في الحروب المعاصرة، وتتوضح تأثيراتها وفعاليتها أثناءها.

وفي الحرب الدائرة تجد أساليبها ذات دور كبير في المغالبة والنزال الشرس بين الأطراف، إذ تسبق أي عملية عسكرية حقيقية، لتحويل الهدف إلى كومة نفسية محترقة، يسهل مداهمتها، وتأمين أسباب الهزيمة والخضوع التام لها.

فالحرب الإعلامية المدروسة أولا، وبعدها تأتي المفردات الأخرى اللازمة لتأكيد المصير المرسوم.

فالهزيمة النفسية وإستعمار الأدمغة هي الأساس، والهيمنة بالسلاح تأتي ثانيا، ولن ينتصر السلاح دون هزيمة نفسية ومصادرة للعقول وإمتلاك دماغ الهدف.

بأدْمغةٍ تَولاها الضَياعُ

تُداهِمُنا السوابغُ والسِباعُ

فكمْ نفسٍ بلا عَمدٍ تهاوَتْ

وأجْزعها التقنّطُ والخُنوعُ

فما بلغتْ إرادَتُها لشأوٍ

وأجْهَدَها التباغُضُ والصِراعُ

***

د. صادق السامرائي

 

بينما تضع دول العالم خططا عشرية لضبط مخرجات التعليم العالي بما يتوافق مع نموها السكاني واحتياجاتها الصحية، يبدو ان العراق يسير في الاتجاه المعاكس تماما. ففي مشهد يثير الريبة، تحولت مهنة الصيدلة من ركن اساسي في المنظومة العلاجية الى "سلعة استثمارية" تدر ارباحا طائلة على حساب جودة التعليم ومستقبل الخريجين، وسط صمت مريب من الجهات التخطيطية.

تبدا جذور الازمة من اروقة كليات الصيدلة الاهلية، التي انتشرت كالفطر في السنوات الاخيرة. هذه المؤسسات، التي يفترض ان تكون روافد علمية، باتت تعمل بعقلية "الشركات التجارية"، حيث تضغط لرفع سقف القبول السنوي الى ارقام خيالية لا تستند الى دراسة واقعية لحاجة السوق. والهدف هنا واضح: تحقيق اقصى ربح ممكن من الاجور الدراسية.

ان تشجيع هذه السياسات الخاطئة يعكس غياب التنسيق بين وزارة التعليم العالي ووزارة الصحة، اذ يتم تخريج الالاف سنويا دون وجود "خريطة طريق" لاستيعابهم، مما يخلق فائضا بشريا هائلا يؤدي بالضرورة الى انهيار القيمة المهنية والمادية للصيدلي.

ادى هذا الانفجار العددي الى تشوه حضري ومهني مخيف. وتتجلى أزمة التخطيط في العراق عند وضع كفة الميزان الرقمي أمام المعايير العالمية، حيث يسجل العراق كثافة صيدليات تبلغ  95.6 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، وهو رقم يصدم المراقب عند مقارنته بالمملكة العربية السعودية التي تكتفي بـ  31.6 صيدلية لتلبية احتياجات سكانها، ويتعاظم الفارق أكثر أمام النظم الصحية العريقة كما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تستند إلى  18 - 19 صيدلية فقط بذات النسبة السكانية، مما يعني أن الكثافة في العراق تجاوزت خمسة أضعاف المعدلات المتبعة في الدول المتقدمة، وهذا التضخم لا يعكس وفرة في الرعاية الصحية بل يؤكد وجود انفجار كمي غير مدروس قادته سياسات الاستثمار في التعليم الأهلي، ليتحول الدواء من رسالة علمية إلى سلعة تجارية في سوق مشبعة تفتقر لأدنى ضوابط التوازن بين مخرجات الكليات وحاجة المجتمع الفعلية. وهذا الانتشار العشوائي لم ياتِ لخدمة المريض في المناطق النائية، بل تركز في المراكز التجارية ليزاحم محلات البقالة، مما حول الصيدلية في نظر المجتمع الى ما يشبه "الدكان الانيق".

ان الخطورة تكمن في ان هذا التوسع ليس استجابة لحاجة طبية، بل هو نتاج لـ "شعور مجتمعي زائف" يرى في مهنة الصيدلي برستيجا اجتماعيا ارقى من المهن الاخرى. وقد استغلت الكليات الاهلية هذا الاندفاع العاطفي للعوائل العراقية، لتبيعهم "اوهام النجاح" في تخصص بات يعاني من تخمة قاتلة.

ان ترك "الحبل على الغارب" للقطاع الخاص انتج واقعا مريرا يتلخص في ثلاث نقاط سوداء:

1.  تسليع الشفاء: الصيدلي الذي يواجه منافسة شرسة في شارع يضم عشر صيدليات متجاورة، يجد نفسه مضطرا لتبني استراتيجيات تسويقية لضمان سداد ايجاره المرتفع، مما يهمش دوره كخبير دوائي ويحوله الى "بائع" يسعى لتصريف البضاعة.

2.  انفلات الرقابة: ان تكاثر الصيدليات بهذا الشكل الجنوني يجعل من مهمة الرقابة الصحية "مهمة مستحيلة"، مما يفتح ثغرات واسعة لدخول الادوية المهربة او منتهية الصلاحية بعيدا عن اعين الرقابة.

3.  اهدار الثروة البشرية: نحن امام جيل من الصيادلة الشباب الذين انفسهم في مواجهة "بطالة مقنعة"، حيث لا تتوفر لهم فرص عمل حقيقية تليق بسنوات دراستهم وتعب عوائلهم.

هل من مغيث؟

ان ما يحدث اليوم هو عملية "تدمير ممنهج" لمهنة الصيدلة تحت لافتة الاستثمار في التعليم. الاصلاح لا يبدا من تقليل عدد الصيدليات فحسب، بل يبدا من ثورة في معايير القبول بالاقسام الطبية الاهلية، وفرض قيود صارمة تربط منح الاجازات بالحاجة الجغرافية والسكانية الحقيقية.

بدون تدخل جراحي عاجل، سيظل العراق يدفع ثمن هذه السياسات المرتجلة، ليبقى "الدكان" هو السيد، وتغيب "الخدمة الطبية" خلف دخان الربح السريع.

***

ا. د. محمد الربيعي

الفضاء عالم كان ولا يزال الفر بين كواكبه حلم إنساني خالد . سهل اختراع الطائرة التحليق فوق الغمام وسهل الأسفار التي كانت تأخذ من وقت البشر سنوات مشيا او في قوافل العيس والسفن. تطورات عالم الطيران أدى إلى اكتشاف سفن الفضاء والرحلات إلى الكواكب البعيدة وغور اعماق الكون . طبعا الرحلات لحد الان غير مأهولة وللاستكشاف ولكننا شاهدنا كذلك. لكننا شاهدنا  رائد الفضاء نيل اومسترونگ وهو يقفز على سطح القمر في ابولو ١١ في في 21 تموز/ يوليو 1969 .

شاهدت قبل ايام فلما سينمائيا ( Fly Me to the Moon ) تصور وتوثق تلك الرحلة التاريخية وما رافقتها من نقاشات وأحداث وخاصة ما يخص " نظرية المؤامرة" الشهيرة. راعى منتجو الفلم وكاتب السيناريو وعلى الطريقة الأمريكية الهوليودية تقديم وجه نظرهم حول تلك النظرية واعتبار الأمر من مسؤولية شخص واحد في قمة السلطة أدار خطة موازية لبرنامج الرحلة وذلك وبمساعدة سيدة ذو ماضي تعمل في مجال العلاقات العامة والدعاية بتزيف عملية الهبوط على المطر في استديوهات في قاعك مع طاقم من مخرج وممثلين لكن القطة السوداء كانت لهم بالمرصاد واثبتت ان الهبوط حدث فعلا على القمر. أجادت الممثلة الرائعة سكارليت يوهانسون دورها وتستأهل الف أوسكار.

البحث عن أماكن لتأهيلها والسكن هناك في الكواكب الاخرى خيالية من ناحية صعوبة العيش في أجواء وبيئة تلك الكواكب وصعوبة الحياة في أجوائها.  لكن هناك أهداف اخرى وربما يجاد بدائل للطاقة ومعادن غير معروفة على الأرض وحتى غازات وامور اخرى كثيرة. ناهيك عن الحاجة إلى السيطرة على الكوكب الأرضي من السماء.

اليوم أحدثكم عن حلم الإنسان مع الرحلة الى الفضاء وانا ازور معرض الفن الحديث في مدينة بن المدينة والتي حدثتكم عنها على صفحات المثقف وتحت الرابط التالي؛

https://www.almothaqaf.com/e3/986405-%

المعرض مقام تحت عنوان "الحياة في الكون " ولا ريب ان للمعارض هدف معرفي وتعليمي وهذا المعرض بالذات يهم الطلاب وينمي قدراتهم وهو من الجمعية علم الفلك في مدينة ملقا الساحلية في الأندلس، إسبانيا. البشرية لا تزال في مرحلة جمع المعلومات عن الكون. 

الإسطرلاب اكتشفه المسلمون الأوائل وألاسطرلاب من القرن السادس عشر الذي اشتُق اسمه من اليونانية ويعني "مكتشف النجوم"، أداةً أساسيةً في علم الفلك في العصور الوسطى. هذه النسخة المُقلّدة من أسطرلاب أرسينيوس (القرن السادس عشر) كوادرانس مُستوحاة من أسطرلابات بني نصر التي تعود إلى القرن الثالث عشر. استُخدم الأسطرلاب في العالم الإسلامي لقياس الوقت، وحساب مواقع الأجرام السماوية، وتحديد اتجاه القبلة. كما كانت الغنوصيون (الصابئة المندائية) من اوائل العقائد التي تمارس دراسة الكواكب والفلك والتنجيم وكان علماء حران يعزون الكوارث الطبيعية إلى منازل النجوم في السماء.

تقع الأرض بين الشمس والقمر. ويكون وجه القمر المرئي بأكمله مضاءً. نرى القمر في السماء، وكيف يتغير شكله، من هلال جميل إلى بدر كامل قبل أن يختفي مجدداً ويكونً محاقا. هذا المشهد البديع من أجمل الظواهر الفلكية، ولكنه يخفي سراً أساسياً: القمر دائماً نصفه مضاء بضوء الشمسً وهذا هو الجهة التي نراها دائماً. يعود الضوء الذي نراه على سطح القمر إلى موقعنا النسبي من الأرض. في مدينة مالقا، سيحدث كسوف الشمس لعام 2026 في اللحظة الأخيرة بعد الظهر، وترى الشمس منخفضة جداً في الأفق ومن الدراسات العلمية الفلكية سيكون هناك مثلا كسوفا كليا العام القادم 2027 وهذه المرة سيكون مختلفًا تمامًا عن كسوف عام 2026. اذ سيكون الكسوف الكلي مرئيًا في الصباح، مع وجود الشمس على ارتفاع يقارب 40 درجة، مما يوفر ظروف إضاءة وهندسة مواتية للغاية للمراقبة المباشرة للهالة ولكن بنظارات.كما تليه كسوف حلقي للشمس في 26 يناير 2028 وستنتهي الدورة بكسوف حلقي مرئي في وقت متأخر من بعد الظهر، حيث لن يغطي القمر قرص الشمس بالكامل، تاركًا "حلقة النار" المميزة مرئية.

يبقى علم الغيب من صفات الخالق عز وجل ولكن اكتشاف المجهول سيبقىً حلما بشريا وقد يرى أحفادنا ما لم نراه نحن بأعيننا.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

 2026

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. تأتي هذه الآية الكريمة لتؤكد أن الصبر ليس مجرد خلق عابر في حياة الإنسان، بل هو قوة روحية ونفسية تعين الإنسان على مواجهة الحياة بثبات وصمود، وتمنحه القدرة على تجاوز العراقيل والصعوبات والابتلاءات. ويأتي شهر رمضان المبارك ليكون مدرسة إيمانية عظيمة يتعلم فيها الإنسان أعظم الدروس في الصبر والإرادة والتحكم في الذات، حيث يمارس الصائم تدريباً عملياً يومياً على ضبط النفس والتحكم والسيطرة ولجم في الشهوات والسمو بالروح. والأخلاق الحميدة.

إن حقيقة الصبر أنه خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع صاحبه من الوقوع في ما لا يليق به كإنسان صاحب رسالة، ويضبط سلوك الإنسانه عند الشدائد والانفعالات وتحديات الحياة وتقلباتها. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم والصمود في مواجته، بل هو قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على تحمل المتاعب والمشاق والآلام دون أن يفقد اتزانه أو حكمته. ولذلك كان الصبر من أعظم الصفات التي تبني شخصية الإنسان وتجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وقد عبّر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الحقيقة بقوله: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال لكان كريماً"، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر). وهي عبارة عبارات عميقة الدلالة تشير إلى أن الصبر هو سر الاستقرار النفسي والروحي والنجاح في العمل والحياة.

وترتبط الإرادة بالصبر ارتباطاً وثيقاً وقوياً، فالإرادة تعني العزم والتصميم على تحقيق الهدف، وهي القوة الكامنة في داخل الإنسان التي تدفعه إلى العمل والاجتهاد والمثابرة رغم الصعوبات. وفي المفهوم النفسي تمثل الإرادة الطاقة الداخلية التي توجه السلوك نحو غاية محددة يصل إليها، وهي التي تمكن الإنسان من مقاومة الإغراءات والتغلب على الكسل والخمول. فكل إنجاز عظيم في العمل والحياة كان وراءه إنسان يمتلك إرادة قوية وقدرة على الصبر والاستمرار فيه.

ويأتي الصيام ليكون تدريباً عملياً على بناء هذه الإرادة والصلابة البدنية والنفسية والروحية. فالصائم يمتنع بإرادته الحرة عن الطعام والشراب والشهوات ساعات طويلة كل يوم بالرغم من جوعه وعطشه، لا لشيء إلا طاعة لله تعالى وتقرباً ورغبة في رضاه ونيل الأجر والثوابثوابه. وهذا الامتناع ليس حرماناً بقدر ما هو تربية وتهذيب للنفس وتربية وتقوية للإرادة. فعندما يستطيع الإنسان أن يقهر شهوة الجوع والعطش، فإنه يصبح أكثر قدرة على قهر شهوات النفس الأخرى، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاته وسلوكياته.

وفي رمضان تتجلى معاني الصبر في صور متعددة. فالصائم يصبر على ألم الجوع والعطش، لكنه في الحقيقة يتعلم من خلال ذلك كيف يتحكم في رغباته ولا يكون عبداً لها ولشهواته. ويصبر كذلك عن المعاصي والأثام في غيره من الشهور، لأن الصيام لا يقتصر على ترك الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى تهذيب اللسان والسلوك والأخلاق. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة عندما قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". ابو داود، فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعصية كما هو صيام البطن عن الطعام.

كما يظهر الصبر أيضاً في الصبر على الطاعات، حيث يكثر المسلم في هذا الشهر من العبادات مثل الصلاة وقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس في معاملاته وتعاملاته. وكل هذه الأعمال تحتاج إلى إرادة قوية ونفس صلبة وصابرة تسعى إلى رضا الله تعالى والتقرب إليه. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]، فالصبر الحقيقي يستمد قوته من الإيمان بالله والاعتماد عليه.

ولا يقتصر أثر الصبر على الجانب الروحي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية. فالصبر يساعد الإنسان على ضبط نفسه عند الغضب والانفعال ويتمكن من كبح جماحهما، ويجعله ويجعلها أكثر قدرة على التعامل الحكيم مع الآخرين، ويبعده عن التهور والتسرع ويتروى في اتخاذ القرارات بوعي وهدوء وتوازن وانضباط في اتخاذ القرارات. كما يعلمه كيف يتحمل الصعوبات والمشاق في سبيل تحقيق الخير والنجاح والاستمرارا فيه. ولذلك فإن الصوم لا يربي الإنسان على مجرد الامتناع الحلال، بل يربيه على الاتزان النفسي والقدرة على إدارة المشاعر والانفعالات.

وقد بيّن القرآن الكريم عظمة الصبر وآثاره في حياة الإنسان، فالصبر يقود إلى القيادة والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24]. وهو سبب في معية الله تعالى ورعايته لعباده، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وهو طريق لمحبة الله عز وجل، إذ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. كما أن الصبر يمنح صاحبه أجراً عظيماً لا يحده حد، فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

ولعل من أعظم ثمار الصبر أنه يمنح الإنسان قوة الإرادة والثبات أمام المحن والابتلاءات، ولذلك وصف الله رسله بأنهم أولو العزم، وأمر نبيه بالصبر كما صبروا، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. فالصبر ليس علامة ضعف وهوان، بل هو علامة فارقة وقوة داخلية وسمو أخلاقي يرفع الإنسان إلى مراتب عالية من الإيمان والوعي والوصول إلى الغايات والأهداف النبيلة.

إن شهر رمضان يمنح الإنسان فرصة عظيمة لإعادة بناء نفسه وتقوية إرادته وتهذيب سلوكه وضبط عواطفه والتعبير عنها بكل تحكم وهدوء ورباطة جأش. فمن نجح في تدريب نفسه على الصبر في هذا الشهر المبار كالفضيل، فإنه يكون قد وضع أساساً متيناً لحياة أكثر توازناً واستقامة بعد رمضان. فالصبر هو مفتاح النجاح في الدنيا، وطريق الفوز ونيل الرضوان في الآخرة وجنة عرضها السموات والأرض، وهو الخلق الذي يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب العزة والكرامة والإباء. نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المحتسبين، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعل رمضان بداية ً حقيقية لتهذيب إصلاح االنفس وإصلاحها وبناء الإرادة والعزيمة القوية.

***

د. أكرم عثمان

16-3-2026

يمكن للجيش الاستفادة بشكل كبير من روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل برنامج "كلود" التابع لشركة أنثروبيك، في تصميم خطط الحرب وتحليل البيانات الاستخباراتية. إذ تساهم هذه البرامج في تحليل البيانات الضخمة، تحديد الأنماط الخفية، واقتراح الخطوات التالية بناءً على استنتاجات مدعومة بالبيانات.

إلا أن هناك تحديات كبيرة تبرز في هذا السياق، خاصة عند استخدام هذه التقنيات الناشئة في تطبيقات عسكرية حساسة.

في السنوات الأخيرة، أثارت العلاقة بين شركة أنثروبيك ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جدلاً واسعاً. فبحسب ما ورد، رفضت الشركة منح الولايات المتحدة حق الوصول غير المشروط إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، معلنةً أن هذه التقنيات يجب ألا تُستخدم في المراقبة الجماعية أو الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

هذا الرفض أغضب البنتاغون، الذي صنّف منتجات الشركة على أنها تهدد "سلسلة التوريد"، ما دفع أنثروبيك إلى اللجوء إلى القضاء للطعن على هذه التصنيفات.

وفي الوقت ذاته، اكتسبت هذه النقاشات زخماً إضافياً مع تصاعد الأحداث في إيران وتزايد التركيز على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات الدفاعية. وتمثل الشراكة بين شركة بالانتير وأنثروبيك أحد أهم الأمثلة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في الأنظمة الدفاعية. حيث أعلنت بالانتير عام 2024 عن دمج برنامج "كلود" ضمن حلولها التي تُقدم للجيش الأمريكي ووكالات الاستخبارات.

برنامج كلود، والذي يبدو أنه بات لاعباً رئيسياً في العمليات الاستخباراتية للجيش الأمريكي، ساعد في تحليل المعلومات الاستخباراتية وربط البيانات لتقديم رؤى معمقة ودعم اتخاذ قرارات استراتيجية حرجة. وقد أشارت تقارير إلى دور البرنامج في عمليات عسكرية بارزة، مثل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير, كانون الثاني 2026.

ورغم التكتم حول التفاصيل التقنية الدقيقة لاستخدام "كلود"، أظهرت الوثائق التي راجعتها مجلة WIRED كيفية إدخال البرنامج في منظومة العمل الاستخباراتي للجيش. يُظهر تحليل هذه الوثائق أن المسؤولين العسكريين يعتمدون على البرنامج لتحليل بيانات الأقمار الصناعية، الكشف عن التهديدات المحتملة، وترشيح الأهداف للهجمات.

ضمن هذا السياق، نفذت شركة "بالانتير" مشاريع بارزة للبنتاغون مثل مشروع "مافن"، وهو مبادرة تهدف لنشر الذكاء الاصطناعي في البيئات القتالية لتحليل الصور والتعرف التلقائي على التهديدات. كما طورت بالانتير منصة إدارة بيانات استخباراتية تُعرف بـ AIDP.

 تجمع هذه المنصة كميات هائلة من البيانات من أنظمة عدة وتسخرها لفهم ساحة المعركة وتحليل تحركات الخصم بأسلوب بياني شامل. ومع ذلك، يبقى مدى تكامل برنامج "كلود" مع هذه الأنظمة غير واضح بصورة كاملة حتى الآن.

تشير التصريحات الصحفية الصادرة عن بالانتير وشريكتها أنثروبيك إلى خطوات متقدمة لدمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية، إلا أن افتقار الشفافية حول الآلية الكاملة لهذا التعاون يثير تساؤلات حول الآثار الأخلاقية والأمنية لهذا الاستخدام. ومع استمرار توسع أدوار الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، ستظل هذه التساؤلات مثار جدل عالمي حول مستقبل الحروب وإدارة النزاعات باستخدام التكنولوجيا المتطورة.

وتُوظّف طهران الطاقة كأداة استراتيجية لتعزيز نطاق النزاع وتعظيم تداعياته على الصعيد الدولي، مما يساهم في خلق أزمة اقتصادية عالمية تتحمل أعباءها جميع الأطراف.

ففي أعقاب أسبوع من التصعيد العسكري، دخلت منشآت الطاقة ضمن بنك الأهداف الاستراتيجية، حيث قامت إسرائيل بشن هجمات على ما لا يقل عن خمس منشآت إيرانية تقع في محافظتي طهران وكرج. ورداً على ذلك، قامت إيران باستهداف منشآت ذات أهمية مماثلة في منطقة الخليج العربي.

شملت الاستهدافات الإيرانية ضرب حقل نفط بري ومصفاة رأس تنورة في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مركز رئيسي لتجارة وتخزين النفط في منطقة الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، ومصفاة الأحمدي في الكويت، فضلاً عن أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في دولة قطر.

***

شاكر عبد موسى - العراق

باحث وكاتب

"وهدوا إلى الطيب من القول..."

كلٌّ يفسرها على ما يراه، ويعقدها بتأويلات وتخريجات للمتاجرة بالآيات على مر العصور، فالدين أربح تجارة وبضاعته الترويج الدائم للتفسيرات والتأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ومثلما يفسرون ويؤولون، تحت رايات الله أعلم، فمن الممكن القول بأن خلاصة الآية، أن الكلمة الطيبة صدقة، لأنها لصالح عامة الناس، وكفى بالله شهيدا.

لعبة التفسيرات والتأويلات دمرت الدين، لأنها تعقد الآيات وتربك المسلمين، وفقا لقال فلان وذكر علان، ولو كان القرآن في وقت نزوله بحاجة إلى تفسيرات وتأويلات، لنفر منه الناس وما حفظوه ودونوه.

هناك مَن ألف مجلدات عن سورة واحدة، وعدة صفحات يتناول فيها آية، وكأنه يدري والذي أنزله بالحق لا يدري.

الفرَق والجماعات والمذاهب والفئات كلها من إنتاج التأويلات والتفسيرات المخلة بجوهر الدين.

وبسببها تقاتل المسلمون، وأبادوا بعضهم البعض على مر العصور.

واليوم تجدنا أمام توجهات تدعو للتجديد والإصلاح، وفي مغزاها أنها تشجع على مزيد من التأويل والتفسير، وفقا لما يريد المنغمسون بهذا النشاط المبيد.

النبي (ص) أوضح ما يستطيعه، بمفردات بسيطة ومختصرة، وتجنب الإسهاب والتعقيد وحتى الإطناب، وترانا أمام أدعياء المعرفة بالدين، وكل منهم يمعن بالإسهاب والتعقيد والتضليل ليوهم الناس بأنه يعرف وهم لا يعرفون.

أ ليس القرآن بلسان عربي؟

فلماذا الدوران حول الوضوح والنور المبين، وإحاطته بحشد من الظلمات والتجهيل والتضليل، بإسم التفقه بالدين، ومعرفة ما تعنيه الكلمات، وتشير إليه الآيات، وكأن القرآن يخاطب الفقهاء لوحدهم، وينكر أنه جاء رحمة للعالمين.

ولو عدت للآية أعلاه وبحثت في تفسيراتها وتأويلاتها، لتعجبت من الذين توسعوا في شروحاتهم وبراهينهم النظرية، وما قدموا آلية عملية للتعبير عنها في المجتمع، وكأنهم فرسان قول شديد.

بدينٍ واضحٍ كنّا سُراةً

بدينِ مؤوّلٍ عِشنا حفاةً

أضاليلٌ بها الأفهامُ جادتْ

فأصْبَحنا بحاضِرنا عُراةً

هَزائمُنا تلاحقنا لحَتفٍ

ودُمنا في مَواطننا فئاتاً

***

د. صادق السامرائي

 

"وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ"

محمود درويش

***

نحن نحب الحياة. فمن يترك لنا منفذاً في عالم مجنون، يندفع بخطاه إلى الهاوية، شاهراً سيفه ليتوجه به نحو نحره؟

هكذا نحن، الشعوب الملعونة بالحروب. نستيقظ في صباحٍ مشمس، فتغشى أبصارنا غمامة بارود، قادمة من خلف الحدود. نمدّ أيدينا للحياة، فإذا بالموت يطل من صندوق الذاكرة، ذلك الصندوق الذي جاهدنا طويلاً لنحكم إقفاله.

نحن الملايين، في فضاءات متفرقة، ضحايا نزق بطل أميركا الساعي إلى ألوهية الذات، وصراع إيران الوجودي، وجهل حكّامنا الذين لا يعرفون من مطبخ السياسة سوى ما يملأ بطونهم.

لا تفسير لما يحدث سوى أن العالم، بكل دوله ورجاله وحكمائه ومثقفيه وسياسييه، حتى ذكائه الاصطناعي، أصبح عاجزاً عن احتمال نفسه، فاختار الانتحار، كما يفعل بعض النجوم والمبدعين حين يكتفون من تجربة كل شيء. فهل اكتفى العالم من الحياة، أم أنه قرر الاستسلام للعبثية؟

يلجأ البعض إلى الإجابة التاريخية التي ترافق الخراب: "إنها نهاية العالم يا سادة".

تظهر العلامات، ويُنتظر معها المهدي المنتظر، والمسيح ـ أو المشيح ـ المنتظر، الذي تحوّل في حروب نتنياهو الأخيرة إلى بطل مؤجل. أبشع ما في الأمر أن ترتدي الحروب رداء الدين، فتسلب الأرواح باسم رسالة، يؤمن بها رجل عبد لنرجسيته، ولنظرته الدونية إلى البشر.

من السهل أن نلوم ترامب، ونلعن نتنياهو، ونحمّل حكّام إيران نتائج ما يحدث، بينما لا نملك سوى الغضب والشتائم والتحليلات العقيمة.

في عصور مضت، كانت الكلمة رصاصة يخشاها الرجال. أما اليوم، فقد صار الكلام مجرد ثرثرة، وأصبح أشباه الرجال يعدّون العدّة لقتال من شتم فاطمة، بينما يواجههم آخرون يتصارعون حول التاريخ الصحيح لمولدها.

صدأت بنادق الثوار، لتحل محلها أحذية تتطاير تحت قبة البرلمان. وصارت السياسة دكاكين لم ترقَ حتى إلى مستوى مول.

حتى العشّاق صاروا جبناء. بدلاً من الدفاع عن الحب، وزّعوا مشاعرهم على تفاصيل صغيرة تغتال إنسانيتهم، وتنشر اليباس في قلوبهم.

وحين يعلو السؤال مختنقاً: لماذا؟

لماذا تُحرق مليارات الدولارات في صورة أسلحة، بدل إنقاذ ملايين الجياع؟

لماذا تُغلق أبواب السلام، لتفتح المدافع أبواب الجحيم وتلتهم آلاف الأرواح؟

والجواب، ببساطة قاسية، هو الجهل والتجهيل، ذلك المدّ الذي زحف على العالم منذ سنوات، ليزيح الحضارة، ويطمس الثقافة والمدنية، ويستبدلها بالعشائرية، والعصبيات الدينية، ليصبح الإنسان عنصراً للهدم لا للبناء؛ هادماً لنفسه، ولمن حوله، وللأرض التي يقطنها.

***

بشرى الهلالي - بغداد

 

مع اشتداد أصوات المسيّرات في سماء أربيل، وسقوط حطام إحداها على مقربة من شقتنا في مجمع (سكاي تاورز) الواقع على شارع المئة متر المواجه لبلدة عنكاوا، قررنا، زوجتي وأنا، مغادرة المدينة عبر منفذ إبراهيم الخليل الحدودي باتجاه الأراضي التركية، في لحظة أختلط فيها الخوف بالضرورة، والاختبار بالإكراه.

في تلك الليلة، لم يكن الرحيل في البداية قراراً واضح المعالم، بل استجابة لنداءٍ خافتٍ في الداخل يقول: "أبق حياً أولاً". كانت المسيّرات تحوم في السماء كطيور معدنيةٍ بلا قلب، يسبق صوتها ظلالها، ويترك مرورها في النفوس ارتجافاً خفياً. وعندما سقط حطام إحداها على مبعدة ثلاثمئة متر عن محل مسكننا، لم يعد الأمر مجرد خبراً يُتداول، بل صار واقعاً يقف على عتبة الباب.

كنا نحاول أن نواصل حياتنا وكأن شيئاً لم يتغير: نفتح النوافذ صباحاً، نعدّ الفطور، ونقنع أنفسنا أن السماء لن تختار بيتنا هذه المرة. لكن في تلك الليلة تغيّر كل شيء: دوّى صوتٌ قصير، ثم اهتزت الأرض قليلاً. بعد دقائق، خرج الناس إلى الأزقة. كانت قطعة كبيرة من الحطام قد سقطت قرب البيت؛ معدن أسود محروق، ورائحة غريبة في الهواء. عندها فقط أدركنا أن المسافة بيننا وبين الخطر لم تعد كبيرة كما كنا نتصور.

بدأت الرحلة من أربيل في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، حيث كان الظلام لا يزال يخيّم والمدينة لم تفتح عينيها بعد. بدت الشوارع الواسعة التي تضج بالحياة لاحقاً هادئة، والسيارات قليلة، والهواء يحمل برودة الفجر. خلفنا بقت القلعة العتيقة، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، بينما مضت السيارة شمالاً عبر الطريق المؤدي إلى الحدود.

مع الخروج من المدينة، بدأت السهوب الواسعة بالظهور. امتدت الأرض بلونها الترابي بين تلال منخفضة، تتخللها قرى صغيرة وبيوت متناثرة. كان الطريق مستقيماً في كثير من مقاطعه، لكن المنظر بدأ يتبدل باستمرار: جبال بعيدة لاحت بلون أزرق خافت، وقطعان أغنام ترعى على سفوح التلال، وشاحنات ضخمة تسير ببطء وكأنها قوافل حديثة قي طريق تجارة قديم.

كلما ابتعدت سيارتنا عن أربيل، كان الطريق يصبح أكثر فراغاً، إلا من الشاحنات الضخمة المتجهة نحو الحدود. شكلت هذه الشاحنات التركية الطويلة قوافل بطيئة محمّلة بالنفط الخام والوقود والبضائع القادمة إلى العراق أو الخارجة منه. مررنا بقرى صغيرة، وبمحطات وقود متواضعة، ومقاهٍ مغلقة لم تقف أمامها سيارات المسافرين كما هو معتاد.

بعد يضع ساعات، بدأ الطريق بالاقتراب من منطقة زاخو، حيث تغيّر المشهد. أزداد عدد الشاحنات، وأصبح الطريق أكثر ازدحاماً. هنا شعرتُ أنك تقترب من بوابة العبور الكبرى بين بلدين. وعلى مسافة قصيرة، ظهر معبر إبراهيم الخليل، أحد أكثر المعابر البرية نشاطاً في المنطقة.

كلما اقتربنا من الحدود، كان الشعور غريباً: شيء بين الارتياح والحزن. الارتياح لأن السماء هناك قد تكون أكثر هدوءاً، والحزن لأن البيت يبقى خلفنا، واقفاً وحده.

عند الحدود، توقفت الحركة في صفوف طويلة. كان معبر إبراهيم الخليل مزدحماً بوجوهٍ تشبه بعضها. وجوه لم تخطط للسفر، لكنها تحمل حقائب صغيرة وثقيلة في الوقت نفسه- ثقيلة بما فيها من قلق وذكريات. وقفت سيارات المسافرين إلى جانب مئات الشاحنات التي امتدت كأنها نهر من الحديد. استغرقت الإجراءات وقتاً طويلاً، لكن هذا الانتظار وإن كان جزءاً من طقوس السفر البري، بدا أكثر من ذلك بعد أن أشتدت الضربات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وبدأت تحرق المنطقة برمتها، حيث أُغلقت المطارات وبدأت حركة السفر براً تزداد يوماً بعد آخر.

وعند الحدود، حين تلتقي طرق الشاحنات بصمت المسافرين، يدرك المرء أن الوطن يمكن أن يصبح فجأة مسافة خلفه، وأن خطوة واحدة قد تفصل بين الخطر والأمان. كان هروبنا بلا خيار، فقد أصبحت الحياة نفسها هي القضية الأولى، بعد أن صارت السماء مزدحمة بأجنحة معدنية، ومسيّرات تمرّ ببطء فوق البيوت وتترك في الهواء طنيناً بارداً يشبه القلق.

بعد أن اجتزنا البوابة العراقية، عبرنا بضعة مئات من الأمتار لنصل إلى الجانب التركي، المعروف باسم معبر خابور الحدودي. هنا تبدل كل شيء تقريباً. ظهرت اللافتات باللغة التركية لتحل محل العربية والكردية، وصارت الطرق أكثر اتساعاً  وتنظيماً، وبدت الحواجز حديثة. دخلنا رسمياً الأراضي التركية، لنجد أنفسنا في بلدة سيلوبي الصغيرة، أولى المدن التركية على هذا الطريق. وهنا تبدأ رحلة أخرى، داخل جنوب شرق الأناضول، حيث الطبيعة مختلفة، والأرض قاسية والجبال صلبة.

ثم أمتد الطريق غرباً عبر أرضٍ قاسية وجميلة في آنٍ واحد، ومررنا قرب (جزرة)، المدينة التي يمر بجوارها نهر دجلة في رحلته الطويلة. ثم يتواصل الطريق نحو (نصيبين)، حيث التاريخ القديم لمدنٍ عرفت الحضارات منذ آلاف السنين.

الطبيعة هنا مختلفة قليلاً عن كردستان العراق: تلال صخرية، وقرى مبنية بالحجر، وسماء واسعة تبدو أقرب إلى الصحراء منها إلى الجبال. الطريق هادئ في معظم الأوقات، والسيارة تمضي وكأنها تقطع صفحات من جغرافيا قديمة. والطريق طويل لكنه هادئ.

مضت السيارة غرباً، ومرّت قرب (جزرة) ثم باتجاه (نصيبين). رأينا مزارع صغيرة وقرى حجرية بلون التراب. تحمل هذه المنطقة تاريخاً عميقاً، فقد كانت يوماً جزءاً من طرق التجارة القديمة بين بلاد الرافدين والأناضول.

وقبيل الوصول، بدأت مدينة ماردين بالظهور على الأفق، وعلى قمة التل، كأنها لوحة حجرية معلّقة فوق السهل. بيوتها القديمة مبنية من حجر أصفر دافئ، وشرفاتها الضيقة تطل على سهول واسعة تمتد حتى الحدود السورية. المدينة ترتفع فوق تلٍ طويل، وبيوتها الحجرية بلون العسل تتدرج صعوداً كأنها سلالم معلقة فوق السهل الواسع. منظرها من بعيد يشبه مدينة خرجت من كتاب تاريخ.

وعندما وصلنا إلى مطار ماردين لاحظنا شيئاً غير مألوف للمسافر: النهار هادئ أكثر مما ينبغي، والمطاعم مغلقة، والأبواب نصف موصدة، وكأن المدينة تمسك أنفاسها. فقد صادفت الرحلة في شهر رمضان. الناس صائمون، والحياة اليومية تتباطأ احتراماً للشهر الفضيل. المقاهي التي تعمل أحياناً تبقي أبوابها شبه مغلقة، حتى الأكشاك الصغيرة تبدو صامتة، وكأن المدينة تأخذ قسطاً من السكون.

لكن مع اقتراب الغروب يبدأ المشهد بالتبدل ببطء. الأضواء تشتعل في المطاعم، والطاولات تُرتّب على الأرصفة، والروائح الأولى للطعام الساخن تنتشر في الهواء. ومع أذان المغرب، تمتلئ الشوارع بالحياة فجأة؛ وكأن المدينة التي ظلت ساكنة طوال النهار استيقظت دفعة واحدة. تظهر أطباق الشوربة الساخنة والخبز الطازج والكباب، وتعود الضحكات إلى المقاهي. المدينة التي بدت ساكنة طوال النهار تتحول فجأة إلى مدينة يقظة، وكأنها كانت تنتظر لحظة واحدة فقط لتستعيد نبضها.

في مطار ماردين، ألتقينا بعدد من الأجانب: خبراء ومدّرسون، جلهم كان قادماً من العاصمة بغداد عبر الطريق البري أيضاً. كانوا قلقون من الوضع الأمني في العراق، حتى أن أحداهن حكت لنا قصتها، وكيف أنها نجت قبل يوم من عملية أختطاف طالتها في بغداد من قبل ثلاثة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح.

بعد ساعات من الأنتظار أقلتنا طائرة الخطوط الجوية التركية إلى إسطنبول. كانت الطائرة مزدحمة بالمسافرين، وكنتُ في قرارة نفسي أتساءل: هل كان الهروب جبناً، أم نوعاً من الحكمة القاسية؟ فالإنسان أحياناً لا يهرب من أرضه، بل يهرب بها في قلبه، ريثما تهدأ السماء.

هربنا من جحيم المسيرات، من صفير الطائرات وصوت الانفجارات، لم نفكر كثيراً بما ينتظرنا. كل ما كنا نريده هو أن تنجو، أن نعبر المسافة بين الخوف والحياة. وحين وصلنا إلى تورنتو، استقبلنا صمت مختلف؛ ليس صمت الخوف، بل صمت الثلج وهو يتساقط بكثافة، والبرد يلامس وجهينا كأنه يقول: هنا حرب من نوع آخر، حرب مع الغربة والحنين. وبين نار الوطن وبرد المنفى، وقفنا متسائلين: أيهما أقسى… جحيم الرحيل من الوطن أم صقيع المنفى؟

***

جورج منصور

تعاملنا مع مشاعرنا السلبية وفق استراتيجيات محددة ما كنا لنتعايش معها يوماً، وما كنا لنتقبلها أبداً. العقل لا يفكر عندما يكون القلب مهموماً وصوت الروح مغموماً؛ يصبح التركيز صعباً والأفكار تتضارب ولا تستقر.

لذلك نتعامل مع مشاعرنا السلبية بإيمان زرعناه في قلوبنا منذ حفظنا أركان الإيمان الستة، وعرفنا أن كل ما يصيبنا هو قضاء، ورضينا به وسلمنا لله أمورنا لعجزنا عن تدبيرها؛ لأننا صدقنا وعد ربنا الذي قال: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 112]. وبعد هذا الوعد، علمنا أن التسليم لله ينجينا من الحزن ويؤمننا من الخوف.

التسليم بالإحسان

وليس التسليم باللسان والقلب ما زال مهموماً غير مصدق بوعد الرحمن، بل تسليم بإحسان، والإحسان هو أعلى مراتب الإيمان؛ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. تلك المشاكل التي عجزتَ عن حلها الله يراها ويعلمها، ويرى عجزك ويرحمه، ويعلم أنك ضعيف فيقويك ويلهمك لما هو خير لك.

ليس تدبيره مثل تدبيرك حاشاه، بل هو الحليم يختبر صبر عبده، وصبور يصبر على عبده القانط وعلى قلوب عباده المتقلبة. تدبيره يبدأ بعد تسليم أمورك له واعترافك بعجزك ولجوئك لبابه وحده؛ فسترى تسخيره من خلال تلك الطرق السهلة، والناس الطيبة، والسكينة التي يفرغها في قلبك بعد قلق دام طويلاً: {... ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تبع هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 38].

اتباع الهدى والتوكل

اتبع هدى الله أينما شعرت به، واغتنم كل فرصة، وادخل من كل باب تراه ينفتح أمامك دون تردد ودون تفكير؛ يكفي أنك توكلت على الله، وبتوكلك أنت فائز برضاه حتى وإن خسرت في الحياة، وإن خسرت تلك الفرصة فقد كسبت قلبك وأصبحت أكثر إيماناً وتوكلاً على الله، وهذا هو مفتاح كل الأبواب المغلقة. اتبع هدى الله الذي قذفه في قلبك لتكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأحقاف: 13].

وبين التقدم والتردد خطوة مرتعشة تسمى خوفاً من الخسارة أو من الخذلان، خوفاً من الناس أو من ضياع الوقت والجهد. فاعلم أنك عندما تكون مع الله فأنت تتاجر بوقتك تجارة رابحة تكون لك ذُخراً في الآخرة؛ فلا تحزن من كلام المستهزئين، ولا تسمع للمحبطين، وإياك أن تصدق وساوس الشياطين، فلا يضيع وقت المتوكلين على الله الساعين على نور هداه. وتذكر قول الحق سبحانه: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة يونس: 65].

عزة المتوكلين

يكفي أن الله يسمع ويعلم كل ما يصيبك من أذى، وهو الذي بيده كل شيء وهو على كل شيءٍ قدير. أنت مع العزيز فلا تظن أن هناك من يستطيع أن يذلك أو يراك ذليلاً؛ لأن العزة جميعها بيد الله وحده وهو السميع العليم. من كان مع الله فمن عليه، ومن كان مع الناس فمن معه؟

أنت لست وحيداً وإن أوهموك بذلك؛ أولئك الذين تركوك لم يتركوك لأنهم أرادوا خذلانك، بل لأن الله أراد أن يبعدهم عنك ليتولى هو سبحانه تدبير أمورك؛ أبعدهم لأنهم كانوا سيحبطونك إما بتخاذلهم أو بحسدهم، أو حتى باتكالك عليهم وإيهام نفسك بالعجز دونهم.

لكن الله يعلم ما هو الخير لك ويقدمه حتى وإن كان في نظرك غير ذلك، وأنت ستعرف بعد حين أنك رُحمت ولم تُحرم كما ظننت. توكل حق توكله، وارضَ بكل أقداره، ولا تجزع أبداً، ولا تترك بابه لتنال مرتبة الإحسان، وتصبح من أولياء الله الذين تولاهم برحمته، من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} [سورة يونس: 62-63].

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

حكاية وطن في اسمين على شمس الحرية

لم اكن اتخيل ان يعيدني مسلسل عراقي الى طفولتي البعيدة، حيث كنت ابتعد عن الدراما العراقية لشعور بانها لا تشبهني، لا تشبه وجعي ولا احلامي. لكن مسلسل "اسمي حسن" كان مختلفا. جلست امام شاشة اليوتيوب اتابع حكاية كتبت بدم العراقيين.

في زمن الحديد والنار عام ١٩٨٢، تنمو قصة حب بين فاطمة وحسن. هي قصة عشق عادية لو انها حدثت في زمن عادي، لكنها استثنائية لأنها حدثت في زمن استثنائي. حسن شيوعي يؤمن بوطن حر وشعب سعيد، وفاطمة فنانة في الرسم وابنة رجل اسلامي يختلف معه في الفكر لا في الانسانية.

المشهد الدرامي هنا لا يقدم صراعا أيديولوجيا بقدر ما يقدم مأساة وطن مزقته الدكتاتورية، فجعلت من الاختلاف الفكري ذريعة للفرقة والاقتتال.

ما اذهلني في المسلسل انه استعاد للانسان الشيوعي جزء من صورته الحقيقية، تلك الصورة التي شوهتها سلطات القمع لعقود. حسن ليس كافرا كما روجت له آلة الدعاية البعثية، ولا ارهابيا كما صورتهم السلطات المستبدة. حسن انسان كامل، شجاع، مناضل، يحب ويعشق ويحلم بوطن يسع الجميع. في مشهد لا ينسى، يصرخ حسن امام قاضي التحقيق "سنمضي الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد". انها ليست مجرد كلمات، بل خلاصة فكر انساني يؤمن ان الحرية حق للجميع، وان الشعب يستحق حياة كريمة.

لكن المسلسل في جودته الفنية، لم يجعل من الاسلامي نقيضا شريرا. حسن الاسلامي المنتمي لحزب الدعوة، كان مخلصاً لمبادئه، شجاعا في مواقفه، انسانيا في تعاطفه. المشهد الختامي حيث يصعد الحسنان معا الى المشنقة، يتكاتفان في لحظة الموت، كان ابلغ رسالة عن وحدة العراقيين الحقيقية التي حاولت الدكتاتورية تفتيتها. انها لحظة سينمائية خالدة تقول ان العراقيين كانوا وسيبقون ابناء وطن واحد، مهما حاول الطغاة تمزيقهم.

المسلسل وثق بدقة جريمة النظام البعثي في اعتقال النساء والاطفال والشيوخ، وفي انتزاع الاعترافات بقوة التعذيب. لقد أعاد الينا ذاكرة الالم التي حاول النظام طمسها، وجعلنا نرى كيف تحولت بيوت العراقيين من أماكن للطمأنينة الى اوكار خوف ورعب، حيث "كان للحيطان اذان والكلمة قد تكلف حياة عائلة بأكملها".

النقد:

كان بامكان المسلسل، وأتمنى في اجزاء قادمة، ان يشرح المبادئ الشيوعية بشكل اعمق. فكثيرون ما زالوا يخلطون بين الشيوعية كفكر اقتصادي اجتماعي وبين الالحاد الذي لا يمثل جوهرها. الشيوعية في العراق حملت راية الدفاع عن حقوق الفقراء والكادحين، وناضلت من اجل عدالة اجتماعية حقيقية، ودافعت عن حقوق المرأة والطفل. هذه المبادئ غائبة عن وعي كثير من العراقيين، ليس بسبب رفضهم لها، بل بسبب فقرهم المعرفي الناتج عن عقود من التجهيل والتضليل.

كان يمكن من خلال حوارات حسن مع فاطمة او مع رفاقه، أن نتعمق أكثر في فهم لماذا اختار هذا الشاب الطريق الشيوعي. ما هي أحلامه للعراق؟ كيف يفهم الحرية والعدالة الاجتماعية؟ تلك التفاصيل كانت سترفع المسلسل من التوثيق السياسي الى التحليل الفكري، ومن سرد المأساة الى تفسير جذورها.

لكن هذا لا ينتقص من قيمة العمل الذي استطاع بأداء مذهل من تحسين داحس (حسن الشيوعي) وأمير احسان (حسن الاسلامي) وسامية الرحماني (فاطمة) ، ان يعيد للدراما العراقية تشويقها، وان يجعل في اعيننا لمعة امام الشاشة ونحن نبحث عن ذاتنا المفقودة في زحام النسيان.

شكرا لحامد المالكي الذي استلهم فكرته من وثائق الامن العامة التي كشفت عن اعتقال ٩٠ شخصا يحملون اسم حسن للبحث عن متهم واحد.

ان الانسان حين يؤمن بقضية عادلة، يصبح اسمه عنوانا للأمل. وحين يحمل اسم "حسن"، أيها الدكتاتور لا يمكنك أن تلغي وجوده، لأن الحسنى ستبقى، مهما حاولت تشويهها.

***

حسام عبد الحسين

نصر بن سيار (663 - 748) ميلادية والي خراسان في أواخر الدولة الأموية، وقد نادى وحذر نثرا وموزونا من الدواهي الآتيات، ومن نصوصه المشهورة التي حاول بها إيقاظ وتنبيه بني أمية ما يلي:

"أرى تحتَ الرمادِ وميضَ نارٍ

ويوشكُ أنْ يكونَ له ضرامُ

فإن النار بالعودين تُذكى

وإنّ الشرّ مبدؤهُ كلامُ

....."

 منذ بداية القرن التاسع عشر والأقلام تكتب بالعربية الواضحة عن شؤون الأمة والتحديات التي تواجهها، وظهر فيها مفكرون وفلاسفة لم يتركوا شاردة أو واردة،  إلا وأمعنوا بدراستها ومحاولات وضع الحلول لها، فكانت لهم خطب، ومقالات، وقصائد وكتب متنوعة، وفي مقدمتها كتاب "طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي (1855 - 1902)، وغيرها من الكتب المشخصة للداء والباحثة عن الدواء.

ومنذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم والأقلام تكتب، لكن القافلة تسير وفقا لما مرسوم لها، وعلى سكة المصالح والأهداف الخفية والمنظورة، وكأن ما تجود به الأقلام ثريد حول صحون المآسي والويلات.

فما قيمة الكتابة والتحذيرات، والكتب والإصدارات الأخرى؟!!

توابعُ قوةٍ فيها اضْطرامُ

شعوبٌ عاصرتْ وهُمُ النيامُ

بإمْرةِ قادرٍ أثنى عليهمْ

بها ذهبَ الأفاضلُ والكرامُ

فلا تعتبْ على زمَنٍ عَقيمٍ

إذا إسْتنكرَ الفعلَ الكلامُ

***

د. صادق السامرائي

يعد الوقت أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، فهو رأس مال العمر وأداة البناء والتعمير والتغيير. وقد أدرك الإسلام قيمة الوقت فأقسم الله به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ سورة العصر. في إشارة واضحة إلى أن الإنسان يخسر إن لم يحسن استثمار وقته في العمل الصالح والإنجاز النافع الذي يجلب الخير له ولغيره. ومن هنا يأتي شهر رمضان ليكون مدرسة تربوية عظيمة تعلم الإنسان كيف يدير وقته وينظمه بطريقة تحقق التوازن بين العبادة والعمل والحياة.

إن الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب عملي على الانضباط الذاتي وتنظيم الحياة. فالصائم يبدأ يومه في وقت محدد للسحور، ويؤدي صلواته في أوقاتها، وينتظر لحظة الإفطار بدقة، ويحرص على صلاة التراويح وقيام الليل. هذا النظام الزمني المتوازن يجعل المسلم يعيش تجربة فريدة من نوعها في إدارة الوقت والتخطيط له، حيث يتعلم كيف يوزع يومه بين العبادة والعمل والعلاقات الشخصية والعائلية والاجتماعية.

ومن المعاني العميقة التي يرسخها رمضان في نفوس الصائمين أن إدارة الوقت هي في الحقيقة إدارة للذات وبناء له. فحين ينجح الإنسان في تنظيم يومه وتحديد أولوياته، يصبح أكثر قدرة على الإنجاز وتحقيق أهدافه والغايات التي يسعى لها. إن إدارة الوقت ليست مجرد جداول أو مواعيد، بل هي وعي بالقيم والرسالة والتوجه التي يحملها الإنسان في حياته المهنية والاجتماعية، وهو ما يمكن تشبيهه بالفرق بين “ الساعة ” و “ البوصلة ”. فالساعة تنظم المواعيد والأنشطة، أما البوصلة فهي التي تحدد الاتجاه والقيم والمعاني التي تقود تلك الأنشطة.

ومن خلال هذا الفهم يصبح رمضان فرصة حقيقية لتصحيح المسار، فالمسلم يراجع ذاته ويتأمل أين يذهب وقته، وما الذي يستهلك طاقته دون فائدة أو ضياع. وفي هذا السياق قال رسول الله ﷺ:“ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ” أخرجه البخاري.  فالفراغ إن لم يستثمر في الخير تحول إلى خسارة وأداء تهزم الإنسان وتجلب له الفشل والبوار، أما إذا أحسن استثماره فإنه يصبح طريقاً للنجاح والتطور والتميز.

كما أن إدارة الوقت في رمضان تعلمنا مبدأ مهماً يشبه ما يمكن تسميته بقانون المزرعة؛ فالمزارع لا يحصد قبل أن يزرع، ولا يجني الثمار قبل أن يبذل الجهد ويصبر على مراحل النمو ومواكبة الموسم والزرع. كذلك في رمضان، من أراد الأجر والثواب والتغيير الحقيقي في حياته، فعليه أن يغتنم كل لحظة ويوم وكل ساعة في الطاعة والعمل الصالح والتقرب لله عز وجل. فالأعمال العظيمة لا تأتي صدفة، بل هي نتيجة للالتزام والاستمرارية والانضباط المستمر والمتواصل.

ومن أبرز فوائد تنظيم الوقت في هذا الشهر المبارك أن الإنسان يشعر بتحسن في حياته وعمله، حيث يصبح أكثر نشاطاً وإنتاجية. كما يتيح له رمضان فرصة لتعزيز العلاقات الاجتماعية من خلال صلة الأرحام والأقارب والأصدقاء ومساعدة المحتاجين والتواصل مع الآخرين بروح من المحبة والتكافل والتكاتف والتلاحم. إضافة إلى ذلك، يفتح هذا الشهر باباً واسعاً للتطوير الذاتي والنماء الشخص والجمعي، إذ يتعلم الصائم الصبر وضبط النفس والتحكم في الغضب، وهي مهارات حياتية أساسية لبناء شخصية متوازنة.

إن إدارة الوقت في رمضان ليست هدفاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الشهر، بل هي عادة إيجابية يمكن أن تمتد إلى بقية الشهور والعام. فإذا نجح الإنسان في تنظيم وقته خلال رمضان، فإنه يستطيع أن يحمل هذه التجربة إلى حياته اليومية في العمل والأسرة والمجتمع. وهنا تتحول ساعات اليوم العادية إلى فرص للإنجاز والنمو والتقرب إلى الله.

وفي النهاية، يبقى رمضان رسالة عملية لكل إنسان مفادها أن من أحسن إدارة وقته أحسن إدارة حياته. فالوقت هو الحياة، ومن استثمره بوعي وإيمان استطاع أن يصنع لنفسه حياة أكثر بركة وإنجازاً وتأثيراً. ومن هنا كان رمضان بحق مدرسة عظيمة تعلمنا كيف نحيا بوعي، ونخطط بحكمة، ونعمل بإخلاص لنحقق التوازن بين الدنيا والآخرة.

***

د. أكرم عثمان

15-3-2026

الوطنية أولا والديمقراطية ثانيا، فلا قيمة للديمقراطية بغياب الوطنية، ذلك أن الديمقراطية كفكرة ونظام تفاعلي ما بين أبناء الوطن الواحد لتقويته وتعزيز إرادة مواطنيه، وليس العكس، ونرى ذلك واضحا في تفاعلات الأحزاب في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، وفي التحديات والمنافسات الإنتخابية عند الأحزاب الساعية للفوز بالحكم.

فالوطن أكبر من الجميع، وعلينا أن نكون معا وسويةً، فالهدف سلامة الوطن وقوته وإقتداره، وليس المنصب والسلطة وغيرها، ذلك أن للديمقراطية محكمة تأريخية قاسية، والساعون للسلطة يبحثون عن مكان لائق في أروقة التأريخ، ويأنفون من المواضع الرزية.

ومن التفاعلات الديمقراطية الراقية في مجتمعات الدنيا، علينا أن نتعلم الدروس الصالحة لوجودنا ومصيرنا، فما يحصل في مجتمعاتنا بعيد عن الديمقراطية الحقيقية،  فهي صراعات غابية تُلصق بالديمقراطية، وتتسبب بالخسران على جميع المستويات.

فعندما تحصل منافسة حزبية أو إنتخابية، تتحول الأطراف إلى أعداء وتتنامى العدوانية، لتصل إلى الإتهامات الجائرة، لتحقيق أعلى درجات التمسك بالسلطة والحكم.

شهدنا ذلك في العديد من بلداننا التي تتغنى بالديمقراطية، وهي منهمكة بتفاعلاتها المعادية لأبسط معاني وقيم الوطنية، فحصل تغييب مروّع للوطن والمواطنة والشعب، ودام الإمعان بالفئوية والطائفية والتدمير الذاتي والموضوعي للمرتكزات الصالحة للحياة المشتركة.

ولهذا فمن الإجحاف أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمعاتنا، ونحن نمارس العدوانية على بعضنا، وننتهك حرماتنا الوطنية والإنسانية والقيمية.

فهل رأيتم معارضا  لم يفز باتصويت وإعترف بحق منافسه، أم أنه يذهب إلى تدوير الإسطوانة المشروخة المكررة المملة التي عنوانها "تزوير"؟!!

وبسبب ذلك فأن الإنتخابات في مجتمعاتنا تلد متوالية من التفاعلات القاسية، فهل نعرف الوطن ونفهم الإرادة الديمقراطية؟!!

دَمقرطتِ النوائبُ في رُبانا

فأصْبحَ ما أتينا مُسْتهانا

بلا وطنٍ بهِ الأقوامُ عاشتْ

سَنبقى حالةً تشكو الوِطانا

بشعبٍ دونَ معتصمٍ برأيٍّ

يغيبُ وجودُنا والقولُ كانا

***

د. صادق السامرائي

في رحابِ الله تهدأُ القلوبُ التي أرهقها الضجيج، وتسكنُ الأرواحُ التي طالت بها مسافاتُ الحيرة. فهناك، حيثُ لا يقاسُ الإنسانُ بما يملك، بل بما يحملُ في قلبه من صدقٍ ونور.

في رحابِ الله تتعلّم الروحُ أن الدنيا عابرة، وأن ما يثقلُ القلبَ اليوم سيغدو غدًا ذكرى خفيفةً تمرّ كغيمةٍ في سماء العمر.

وهناك، في فسحةِ القرب، يدرك الإنسان أن الطمأنينة ليست في كثرة الأشياء، بل في بساطةِ اليقين:

أن الله يرى، ويسمع، ويرحم. فمن آوى إلى رحابِ الله لم يَخَف ضيق الطريق، ولم تُرعبه تقلبات الأيام؛ لأن القلب الذي يسكنُ في رحابِ الله لا تتيه به الدنيا مهما اتّسعت.

***

صابر الحميدي

كان احد الصالحين بمدينة فاس يردد متجولا في المدينة العتيقة بصوت جهوري: يا جميل الستر. كلمة دخلت اعماق القلب فتركت في تساؤلات عدة من اجل فهم تجلياتها المتعددة التي جعلت هذا الصالح يردد طول حياته فقط هاته الكلمة ويشير للآخرين لقيمتها ان هم فهموا اشاراته

ان كلمة "جميل الستر": لهي فعلا من تجليات المحبة الإلهية ولباس كمالات الإفضال وأقمشة النوال، حيث إن العلاقة بين العبد وربه تتجلى في أسمى صورها من خلال مفاهيم عميقة تلامس الروح والوجدان، ومن أروع هذه المفاهيم وأجلها هو كلمة "جميل الستر". فهي ليست مجرد غطاء مادي يستر العيوب، بل هو فيض من المحبة الإلهية، وعطاء رباني يحيط بالإنسان في دنياه وآخرته، فيحميه من عورات النقص والزلل، ويزينه بجمال الكمالات والافضال فالله، عز وجل، هو الحبيب الذي يستر عباده، ويحب الستر، كما ورد في الحديث الشريف: "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر" أخرجه أبو داوود في سننه والنسائي .

فالستر في الدنيا والآخرة: رحمة إلهية متواصلة، حيث يتجلى جميل الستر الإلهي في حياة الإنسان على مستويين: الدنيا والآخرة. ففي الدنيا، يستر الله عيوب عباده وذنوبهم، فلا يفضحهم أمام الخلق، ويمنحهم فرصة التوبة والإنابة. وهذا الستر ليس تفضلا فحسب، بل هو دعوة للتأمل في عظمة الخالق الذي يمهل ولا يهمل، ويستر ليعطي الفرصة للإصلاح. وفي الآخرة، يكون الستر الإلهي أوج العطاء، حيث يستر الله على المؤمنين ذنوبهم ويغفرها لهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" رواه مسلم.

وهذا يؤكد أن الستر المتبادل بين العباد هو انعكاس لصفة الستر الإلهية.

لقد أشار القرآن الكريم إلى لباس التقوى كأعظم لباس يستر الإنسان، فقال تعالى: ﴿ولِباس التَقوى ذَلك خير﴾ [الأعراف: 26]. وهذا اللباس ليس من القماش، بل هو من الإيمان والعمل الصالح، يستر الإنسان من عورة الفجور والانحراف. وعلى هذا المنوال، تتعدد ألبسة الستر التي تحمي الإنسان من عورات النقص والضعف:

ـ لباس التقوى يستر من عورة الفجور: وهو اللباس الروحي الذي يحصن النفس من الوقوع في المعاصي والآثام، ويجعلها تتزين بالطاعات والفضائل.

ـ لباس العافية يستر من عورة السقم: فالعافية الشاملة في البدن والدين هي ستر من كل بلاء ومرض، وهي نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة" .

ـ لباس الصحة يستر من عورة المرض: فصحة الجسد هي ستر من آلام الأسقام وضعف البدن، تمكن الإنسان من أداء واجباته والتمتع بنعم الحياة.

ـلباس الغنى يستر من عورة الفقر: فالغنى الحلال يقي الإنسان ذل الحاجة وسؤال الناس، ويحفظ كرامته وعزته.

-لباس العلم يستر من عورة الجهل: فالعلم نور يبدد ظلمات الجهل، ويرفع قدر صاحبه، ويحميه من الوقوع في الأخطاء بسبب عدم المعرفة.

ـ لباس الفرقان يستر من ظلمة الالتباس: وهو القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، كما قال تعالى: ﴿إِن تتَقوا الله يجعل لكم فرْقانا﴾ [الأنفال: 29]. وهذا اللباس يحمي العقل من الحيرة والشك.

ـلباس اليقين يستر من عورة الوهم: فاليقين بالله تعالى وبوعده الصادق يثبت القلب ويطمئنه، ويحميه من التخبط في أوهام الشكوك والظنون.

ـ لباس الأمن يستر من عورة الخوف: فالأمن من أعظم النعم التي يمن بها الله على عباده، يزيل عنهم القلق والاضطراب، ويمنحهم الطمأنينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَآمنهم من خوف﴾ [قريش: 4].

ـ لباس النعمة يستر من عورة النقمة: فالشكر على النعم يحفظها ويزيدها، ويقي الإنسان من الوقوع في سخط الله الذي يجلب النقم.

تتوالى ألبسة الستر لتشمل جوانب أخرى من حياة الإنسان، فكل فضيلة هي ستر من رذيلة تقابلها:

ـ لباس الرضا يستر من عورة السخط: فالرضا بقضاء الله وقدره يمنح النفس سكينة وطمأنينة، ويحميها من التذمر والاعتراض.

ـ لباس الصبر يستر من عورة الجزع: فالصبر عند الشدائد والمحن هو حصن يحمي القلب من الانهيار واليأس، ويقويه على مواجهة التحديات.

ـ لباس التواضع يستر من عورة الكبر: فالتواضع يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويحميه من آفة الكبر التي تحبط الأعمال وتفرق القلوب.

ـ لباس الحلم يستر من عورة الغضب: فالحلم وكظم الغيظ يزين الإنسان بالوقار والرزانة، ويحميه من عواقب الغضب المدمرة.

ـ لباس الأنس يستر من عورة الوحشة: فالأنس بالله وبذكره، وبالصالحين، يملأ القلب طمأنينة وسعادة، ويطرد عنه وحشة الوحدة والضياع.

ـ لباس القناعة يستر من عورة الطمع: فالقناعة بما قسم الله تحرر النفس من عبودية المادة، وتجعلها غنية بالله، بعيدة عن شقاء الطمع والجشع.

ـ لباس العزة يستر من عورة الذل: فالعزة بالله ومنه، لا من المخلوق، ترفع الإنسان وتحفظ كرامته، وتحميه من الخضوع لغير الله.

ـ لباس الحياء يستر من عورة الوقاحة: فالحياء زينة للمرء، يمنعه من فعل ما يشين، ويحفظ له كرامته وهيبته.

ـ لباس الإخلاص يستر من عورة الرياء: فالإخلاص لله في الأقوال والأعمال هو جوهر العبادة، يحميها من شوائب الرياء والسمعة، ويجعلها مقبولة عند الله.

إن الله حِبّي جميل الستر لهو مفهوم شامل يمتد ليشمل كل جوانب حياتي كلها، في علاقتي بربي إلى تعاملي مع نفسي ومع الناس. إنها دعوة للتأمل في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وحث على التحلي بالفضائل التي تستر عورات النفس وتزينها بالكمال. فمن أراد أن يستر الله عليه في الدنيا والآخرة، فليستر على إخوانه، وليتزين بألبسة التقوى والعافية والعلم واليقين، وليجعل الله حبيبه وستيره في كل أحواله.

***

د. محمد غاني – كاتب من المغرب

يمثل استلام العباسيين للسلطة بداية عهد جديد في تاريخ الخلافة الاسلامية فقد دشن الخليفة الاول هذا العهد بأنه عهد استبدادي عند ما لقب لفته ب (السفاح) ثم اعقبه الخليفة الثاني الذي شيخ عليه العباسيون لقب (المنصور) لانه انتصر على عمه عبد الله بن علي الذي ثار في الشام مطالباً بالخلافة لنفسه الا انه هزم وهرب إلى البصرة ثم تم قتله ، وقد سار خلفاء بني العباس على هذا النهج حتى سقوط الدولة العباسية.

مولده ونشأته

لم يحدد المؤرخون تاريخاً لسنة مولده كما انهم اختلفوا في مكان ولادته فقد قيل انه ولد في بلاد فارس وقيل انه ولد في البصرة وكان معاصراً للدولتين الاموية والعباسية، نشأ في البصرة وتعلم فيها على يد علماء البيان واللغة ورجال الدين حيث تحول من المزدكية إلى الإسلام. يقول عنه الدكتور احمد كمال زكي في كتابه: الحياة الأدبية فى البصرة (ان ابن المقفع كان فارسي الاصل علوي الهوى.. وقال عنه ايضاً... (باستثناء الجاحظ استطيع ان ازعم ان ابن المقفع أهم شخصية بصرية على الاطلاق ويكاد يكون ظاهرة فردية..).. اما الجاحظ فقد وصفه (انه الجواد الفارسي الجميل..) واعتبره من البلغاء والمترجمين) ذلك لانه ترجم ثلاثة كتب في المنطق لا رسطو وترجم الكتاب الهندي (كليلة ودمنة) وانه كان يترجم عن الهندية والفارسية.

اثر الفسفة الافلاطونية في كتابات ابن المقفع

اتجه فلاسفة ومفكري وكتاب الاسلام اولاً الى (ارسطو) لان طريقتة التجريبية كانت أقرب إلى نزعتهم العلمية ثم اخذوا يتبعدون عنه تدريجياً وينحازون الى افلاطون لانه كان اقرب الى الروح الاسلامية فهو يقول بخلود الروح والى محاسن الاخلاق والعدالة وكان ابن المقفع احد الكتاب الذين تأثروا بالفكر الافلاطوني فقد احتوت مؤلفاته على التركيز في كثير من الآراء التي جاء بها افلاطون مثل غلبة القول على العقول والنفس التي اعتبرها مضادة للعقل و كتب كذلك عن الغضب والخير والشر والحسد والموت والكذب حيث اعتبره رأس الذنوب كما انه كان يدعو الى إقامة دولة عادله يحكمها الفلاسفه على غرار جمهورية افلاطون الخيالية.

مقتل ابن المقفع

عندما تسلم المنصور مقاليد الخلافة ثار عليه عمه عبد الله بن علي في الشام مطالباً بالخلافة لنفسه فارسل اليه المنصور جيشاً يقوده أبو سلم الخراساني لكن عبد الله بن علي تمكن من الفرار الى البصرة حيث سليمان بن علي شقيقه والياً عليها ، ولما علم المنصور بذلك كتب إلى سليمان ان يسلمه اياه ولكن سليمان انكر ذلك، يقول اليعقوبي في تاريخه.. (ولما بلغ ابا جعفر مكان عبد الله بن على فوجه إلى سليمان فانكر ان يكون عنده ثم طلب الامان فكتبه له ابو جعفر على نسخة وضعها ابن المقفع باغلظ العهود والمواثيق الا يناله بمكروه والا يحتال عليه في ذلك بحيلة، فان انا فعلت فالمسلمون براء مني ومن بيعتي

 فلما وقف ابو جعفر على هذا المقال قال: من كتبه ؟ قيل: ابن المقفع فكان ذلك سبباً لميتة ابن المقفع) تاریخ الیعقوبی ج2  ـ ، ص ٣٦٨. وقد سمي هذا التعهد ب (رسالة الصحابة) ويبدو ان هذا التعهد قد ازعج المنصور رغم انه قد وقع عليه

لقد تجمعت عدة عوامل ساعدت على قتل ابن المقفع منها: انه كان طويل اللسان حيث كان يسخر من والي البصرة (سفيان بن معاوية) ويعيره بامه ، كما انه انتقد السلطة العباسية عن طريق ترجمة كتاب (كليلة و دمنة)، اما السبب المباشر فكان كتاب العهد لعبد الله بن علي - بالاضافة إلى اتهامه بالزندقة ، لقد خلق ابن المقفع لنفسه اعداء كثيرين وقد هدده والي البصرة قائلاً له (والله يا ابن الزنديقة) سأحرقك في الدنيا قبل الآخرة) ، وامر الوالي رجاله ان يقطعوا جسد ابن المقفع وصله وصله ويرمونه في التنور ، ويروى ان الجلاد عندما كان يضع اطراف ابن المقفع في النار يجبره على اكلها بعد شوائها.

واخيراً ما كان على ابن المقفع ان يسخر من ولي نعمته والي البصرة وان يتحدى جبروت الخليفة المنصور وان يتجنب الطغيان العباسي وهكذا مات ميتة بشعة وكانت من صنع لسانه ويده.

***

غريب دوحي

 

بات من المعروف ان الذكاء الاصطناعي هو تقنية رقمية حديثة، تسمح بإنشاء محتوى متنوع، مثل توليد النصوص، وانشاء الصور، ومقاطع الفيديو، والموسيقى، وبشكل يجعلها تبدو للمستخدم كأنها واقعية تماماً.

وتجدر الإشارة الى ان المحتوى المولد هو محتوى يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي باستخدام برامج خاصة، دون تدخل بشري مباشر في صياغة النصوص المولدة، حيث يمكن أن يكون هذا المحتوى نصوصًا، او صورًا، او مقاطع فيديوية، أو موسيقى.

وبات يمكن استخدام المحتوى المولد بالذكاء الإصطناعي، وتوظيفه في إنشاء إعلانات جذابة للتسويق، والترويج. كما يمكن استخدام المحتوى المولد أيضاً لاغراض الترفيه، وإنشاء أفلام، وموسيقى، وألعاب فيديو، اصافة إلى امكانية استخدامه لاغراض تعليمية، ولإنشاء دروس، ومواد تعليمية تفاعلية.

ولعل من بين أهم التحديات التي تواجه التوليد الآلي بالذكاء الاصطناعي هي، اشكالية جودة المحتوى، وكيف يمكن ضمان جودته ليتناسب مع غرض استخدامه، دون تزييف.

ويظل تعزيز الإبداع والابتكار من بين ابرز التحديات التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي في انتاج المحتوى المولد . فالإبداع الآلي هو القدرة على إنشاء محتوى جديد ومبتكر، بواسطة الذكاء الاصطناعي، تحكمه البيانات المغذية، والتي تمكنه من ان يخلق محتوى جديدًا ومبتكرًا.

ولا ريب ان الذكاء الاصطناعي في ظل ثورة المعلومات والرقمية الحالية، بات وسيلة تقنية للإبداع والابتكار الآلي، وتوليد المحتويات المختلفة، الامر الذي يعزز قدرات المستخدم، ويعمل على تحسين تجربته في الانتفاع من هذه التقنيات المتطورة، في مختلف المجالات.

***

نايف عبوش

ما هو الفرق بين الإنسان والحيوان؟ قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [سورة الأنعام: 38].

الفرق بين الدواب والإنسان هو أن الله عز وجل ميز الإنسان بالعقل الحر ليختار طريقه بنفسه في الحياة الدنيا، أما الحيوان فهو مسير، وهذا لا يعني أنهُ بلا عقل، فالله سبحانه قد خلق كل حيوان بغرائز الحياة التي تناسبه وتناسب نوعه.

كل الحيوانات لها نظام حياة يشبه نظام حياة الإنسان، الفرق أن الإنسان يعيش الحياة بعقل وتفكير، والحيوان يعيشها وفق غرائزه الفطرية، وهذه حقيقة قرآنية: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) لها طريقة تزاوج وتكوين أسر، ولها طريقة تواصل خاصة مع بعضها.

دلالة "الحيوان" في النص القرآني

ولكن السؤال الأهم: ما هو الحيوان؟ ما معنى كلمة حيوان؟ هذه الكلمة ذُكرت في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة العنكبوت، قال الحق سبحانه: {وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت: 64]. وقد فسر الشعراوي -رحمه الله- هذه الآية وقال: (الحيوان هو منتهى الحياة، أي الحياة التي لا موت بعدها، ولا أغراض تشغل عنها. وقوله تعالى {لَهِيَ الْحَيَوَانُ} أي هي الحياة الحقيقية، لأن كل شيء فيها حيّ. في الدنيا، نحن نرى الجماد ميتاً، والنبات فيه حياة نمو فقط، والحيوان فيه حياة حسّ وحركة. أما في الآخرة، فالمادة نفسها ستنطق وتتكلم؛ الجلود تشهد، والأيدي تتكلم، والأرض تُحدث أخبارها. فإذا كان الجماد في الآخرة ينطق ويسمع، فقد صارت الدار كلها "حيواناً"، أي داراً تنبض بالحياة في كل ذرة من ذراتها، لا موت فيها ولا سكون، بل هي حياة ذاتية بكلمة "كُن" من قيوم السموات والأرض.)

أسرار اللغة: وزن (فَعَلان) والحركة المستمرة

من الناحية اللغوية والتسمية، كلمة "حيوان" في اللغة العربية هي مصدر مشتق من مادة (ح ي ي)، وإذا تأملنا سر كلمة (حيوان)، نجدها على وزن (فَعَلان)، وهو وزن في لغتنا العربية لا يُطلق إلا على ما اشتدّت حركته وفار نبضه؛ كالغليان والجولان. وكأن الله يخبرنا أن حياة الآخرة ليست سكوناً أبدياً، بل هي فوران من الحيوية والنشاط الذي لا يهدأ، حيث كل ذرة في الكون تنبض وتتحرك بأمر باريها.

ومن ملامح الدقة اللغوية، أن لفظة (إنسان) في بعض وجوهها الصرفية تلتقي مع (حيوان) في ذات الوزن الذي يوحي بالحركة والاضطراب؛ وكأن الإنسان في رحلته الدنيوية 'حركة نسيان' وقلق دائم، لا يهدأ صخبه ولا يستقر نبضه إلا حين ينتقل إلى الآخرة ليكون 'حركة حياة' مطلقة وصادقة.

وسُمي الإنسان إنساناً لأنهُ عهد إليه فنسي، قال تعالى:

{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}

فالنسيان طبيعة متأصلة في البشر، سواء نسيان العهد أو نسيان النعم، وهو ما يجعل الإنسان دائماً في حاجة إلى "الذكر" و"التذكير".. ينسى نعم الله عليه، ولا يتفكر في ما حوله من نظام بديع وخلق عظيم، ويظل يلهو ويلعب في الحياة الدنيا حتى يموت وهو لا يفكر في حقيقة الحياة وحقيقة الموت. هو دابة إن كان عالة على غيره، وليس من حياته فائدة.يصبح كدابة تأكل وتشرب لأنه نسيّ أنه مستخلف على الأرض، وأن الروح التي فيه أمانة تحتاج للبقاء بقرب خالقها سبحانه.

فالإنسان إن ظل في غفلته يرتكس ليصبح (دابة) تحكمها المادة، لأن كماله الإنساني لا يتحقق إلا حين يدرك أن وجوده الحقيقي مرتهن بكونه (حيواناً) بمعناه الأخروي؛ أي كائناً يفيض بالحياة المطلقة التي تتجاوز حدود الجسد والغريزة.

وأسم إنسان مشتق من "الأُنْس" (أَنَسَ)، لأن الإنسان يأنس بغيره ويؤنس به،  والأنس البشري في الدنيا ليس سكوناً، بل هو حركة بحث دائمة عن سكن وطمأنينة وسط ضجيج اللهو. فبينما يتقلب الإنسان في وغفلته، يظل يتحرك شوقاً لما يألفه ويطمئن إليه.

الحياة المحضة.. مواجهة الحقائق

الحياة الحقيقية هي في دار الآخرة فقط فهي الحيوان، لأن الحياة هناك "محضة" وصادقة، لا زيف فيها ولا مواراة. هناك تنطق الجوارح وتُكتشف الحقائق، فتصبح حياة حقيقية لأنها عارية من الخداع، نابضة بالصدق في كل تفاصيلها. إذاً فنحن كلنا حيوانات لكننا لا نعرف ما معنى حيوان؛ نحن لا نزال في الحياة الدنيا نلهو ونلعب، ولن نعرف معنى الحيوان إلا في الدار الآخرة، فما الحياة الدنيا إلا حياة زائفة، لكننا نهتم بها أكثر من اهتمامنا بالآخرة التي فيها الحيوات الحقيقية، وفيها حيوان وحيوية لكل ما كان ميتاً فينا وحولنا.

وفي نهاية المطاف، نحنُ لسنا مجرد أسماء عابرة في سجلات الوجود، ولا أجساد تستهلك أيامها في صراع الغرائز، أو أنصاف نبحث عن من يكملنا، لسنا هنا لنبحث عن الأنس والإيناس فقط. نحن هنا (أناسٌ) تتقاذفنا رياح اللهو، نلبس أقنعة الدنيا ونظنها وجوهنا الحقيقية، لكننا في الجوهر مشروع لـ (حياة) لم تبدأ بعد. الآخرة هي 'الحيوان' لأنها الدار التي ستكف فيها الأشياء عن الصمت، وتتحرر فيها الروح من قيود المادة، وتصبح كل نبضة فيها صدقاً محضاً. فاحذر أن تعيش في الدنيا بقلب (دابة)، فتفوتك في الآخرة حقيقة (الحيوان).

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

قرأ مقالةً مكتوبة بلغة متعالية، فتساءل: هل فهمتم ما قرأت؟.. وإنفعل بشدة وأضاف: إذا لم تفهمها هذه الفئة المثقفة من النخب، فكيف بعامة الناس؟

هناك خلل في أساليب الكتابة والتعبير عن الأفكار فيما يُنشر ويتصدر وسائل الإعلام، أي أن الهوة واسعة بين المكتوب والمنطوق والقارئ والمستمع، فالكتابة لا تنفع والخطاب لا يصدع، فلكل منهما مداراته التي تدور في عوالمها البعيدة عن بعضها.

تتعجب من مقدمات أفذاذ الأمة الأوائل، وكيف يحاولون تبسيط ما يسطرونه، ومدى إجتهادهم في تجسيد وعي الفكرة المطروحة، ومع ذلك يعتذرون عن الإسهاب إن وجد، ويوضحون معاني المفردات التي يستخدمونها إن شعروا بأنها غير جلية.

فالغاية إيصال الفكرة إلى المتلقي وإقناعه بها، وليس التدويخ وإصابته بوجع الرأس والغثيان والنفور.

نكتب ولا يقرأون، لأن ما نكتبه يعمي العيون، ويغلق منافذ البصائر، ويحطم الألباب، ويوصد ألف باب وباب، ويساهم بالخراب والهروب إلى الأرض اليباب.

و"من يكتب يقرأ مرتين"

"....بل ولكني أقول: إنتفع بما تقرأ"

"إقرأ قليلا، ولكن إستوعب كل كلمة قرأتها"

فهل نستطيع الكتابة بمفردات واضحة، وبعبارات بسيطة جذابة؟!!

غوامضُ من يراعِ الجهلِ جاءتْ

تُخاطبنا بما غفلتْ فساءَتْ

إذا صنعَ المدادُ لنا كلاماً

صلاحُ رسالهِ بشرٌ تعافتْ

فلا تكتبْ بإبْهامٍ ورمْزٍ

ودَعْها في إبانتِها تواصَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

معظم الديانات فيها مخلّص سيأتي في نهاية الزمان وينقذ البشرية من وجيعها، وهذا التصور متوارث عبر الأجيال، فيبررون به المظالم والقهر والعدوان، ويمنحون السلوكيات السلبية تسويغا عقائديا.

يُقال أن الأمة بعد تدمير بغداد سنة (1258) ميلادية، إنتشر فيها بأن ما جرى هو آيات نهاية الزمان، وأن الدنيا ستفنى وتغيب، ويُقال أيضا أن السيوطي (849 - 911) هجرية، وضع كتابا قبل نهاية الألف الأولى يبرهن فيه أن الدنيا ستنتهي قبل دخولها في الألف الثانية للهجرة.

ومن الغرائب وفي مجتمعات متقدمة كانت قد تجهزت لحلول الألفية الثالثة الميلادية بتصورات وتوقعات مرعبة ودخلت مؤسساتها في حالة إنذار، وتنفست الصعداء عندما بدأت الألفية الثالثة دون تداعيات وأحداث تنذر بنهاية الدنيا.

واليوم تجد العديد من المواقع والوسائل التواصلية، تتداول القول بأن ما يحصل هو من علامات نهاية الزمان، وأن الموعود الفلاني سيظهر ويقود جيش الحق ليهزم به جيوش الشر والباطل.

هذه ربما وسيلة لا برهان واقعي يؤكدها، وإنما هي من إنتاج الخيال الذي يطارد سرابات الغيب ويتفاعل مع دخان الأفكار المقهورة، وتسيّدت على الوعي الجمعي، وتأبى أي إقتراب عقلي.

والبعض ألف كتبا عن نهاية التأريخ، وكأن القدرات البشرية الإبداعية لها حدود معينة، وقد بلغتها وعليها أن تنتهي بموجبها، لأن الأرض قد حصلت على خلاصة ما يستطيعه خلقها.

الزمان صيرورة أزلية – أبدية، مرهونة بالدوران الأرضي، فمَن يدري متى بدأت الأرض بالدوران، ومتى ستتوقف لينمحق ما عليها؟

ويبدو أن الدوران مطلق ومرتبط بالإرادات الكونية، التي تحافظ على الوجود الفضائي المتسع الأبعاد والمتمدد إلى ما لانهاية، فكيف يصح في الأفهام أن الأرض ستعلن تعبها وعدم قدرتها على مواصلة الدوران، وهي مأسورة بأفلاك ذات جاذبيات وآليات فيزيائية تجهلها أعظم العقول الآدمية؟

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا والله أعلم!!

و"يسألونك عن الساعة أيان مرسها، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون"

و"إن الله عنده علم الساعة"!!

تدورُ بنا ولا ندري هَواها

وهلْ بَلغتْ بدُنيانا مُناها

بأكْوانٍ مُقيَّدةٍ بجَذْبٍ

ونيرانٍ تُصارعُ مُحْتواها

سَتأكلنا إذا حقّتْ ثقوبٌ

تأزَّلَ أو تأبّدَ مُبتغاها

***

د. صادق السامرائي

لم يكن شهر رمضان المبارك في حقيقته مجرد امتناع عن الطعام والشراب لساعات محددة من النهار، بل هو مدرسة إنسانية متكاملة تعيد بناء الإنسان من الداخل وتهذبه، وتعيد ترتيب أولوياته، وتمنحه فرصة سنوية فريدة لمراجعة ذاته وحساباته، وضبط سلوكه وتهذيبه، والارتقاء بروحه وعمله بشكل فعال ومتميز. فالصيام ليس حالة من التوقف أو الكسل عن العمل وأداء المهام، كما يظن البعض، بل هو طاقة روحية عميقة قادرة على تحفيز الإنسان ليصبح أكثر وعياً بنفسه، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاته، وأكثر التزاماً وانضباطاً في حياته المهنية والاجتماعية.

إن العاملين في المؤسسات والدوائر المختلفة قد ينظر البعض منهم إلى رمضان باعتباره شهراً يقل فيه النشاط والإنتاج، غير أن النظرة العميقة والسليمة لهذا الشهر المبارك تكشف أنه فرصة ذهبية لتعزيز قيم العمل والانضباط والإخلاص، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وعمله على أساس من المسؤولية والرسالة والضمير المهني الخلاق. فحين يدرك الإنسان أن الصيام عبادة بينه وبين الله تعالى، فإنه يتعلم معنى المراقبة الذاتية، واستشعار رقابة الضمير الأخلاقي في كل ما يقوم به من عمل أو تصرف.

لقد قال رسول الله ﷺ "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه)، وهذه الخصوصية للصيام تجعل الصائم يعيش حالة من الصفاء الروحي والصدق الداخلي، حيث يتدرب على الإخلاص الحقيقي بعيداً عن المظاهر والادعاءات الكاذبة. وعندما تنتقل هذه الروح إلى بيئة العمل، يصبح الموظف أكثر التزاماً بواجباته وأدواره الوظيفية، وأكثر حرصاً على أداء عمله بإتقان وجودة، لأنه يدرك أن العمل أيضاً أمانة ومسؤولية والتزام.

ومن أبرز ما يقدمه رمضان للعاملين هو تعزيز الانضباط الذاتي، فالصائم يتدرب يومياً على التحكم في رغباته الأساسية، مثل الطعام والشراب، رغم قدرته على الوصول إليها، لكنه يمتنع عنها التزاماً بأمر الله. وهذه القدرة على ضبط النفس تنعكس بصورة مباشرة على السلوك المهني؛ فالإنسان الذي يستطيع أن يضبط شهواته الأساسية، يستطيع أيضاً أن يضبط انفعالاته وغضبه وتوتره وضغوطه في العمل والتحديات التي يواجهها.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" (متفق عليه). إن هذا التوجيه النبوي العميق يحمل بعداً نفسياً وتنموياً وسلوكياً مهماً، حيث يعلم الإنسان إدارة مشاعره وانفعالاته، وضبط ردود أفعاله في المواقف المختلفة. وفي بيئة العمل، يصبح الموظف الصائم أكثر هدوءاً واتزاناً وقدرة على التعامل مع الضغوط المهنية بروح إيجابية وثابة.

كما يمثل رمضان فرصة حقيقية لتعزيز مهارة إدارة الوقت، إذ إن الصائم يعيش وفق نظام دقيق من المواعيد المرتبطة بالسحور والإفطار والصلوات والعبادات. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ. رواه مسلم. وهذا التنظيم الزمني يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوقت، ويجعله أكثر وعياً بقيمته وأهمية استثماره. فالعامل الذي يدير وقته بوعي يستطيع أن يحقق توازناً بين عمله وعبادته وحياته الأسرية والاجتماعية.

ولا يقتصر تأثير الصيام على الجانب الروحي والنفسي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى البعد الصحي والجسدي والتنموي والاقتصادي والاجتماعي. فقد أظهرت العديد من الدراسات الحديثة أن الصيام المنتظم – المشابه لما يعرف بالصوم المتقطع – يسهم في تحسين عمليات الأيض في الجسم، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الالتهابات، وتحفيز عمليات تجديد الخلايا. وهذا يعني أن الصائم الذي يلتزم بنمط غذائي متوازن يمكن أن يحافظ على طاقته وصحته، مما ينعكس إيجاباً على أدائه في العمل.

ومن الجوانب المهمة أيضاً أن رمضان يعزز روح التعاون والتكافل الاجتماعي بين العاملين. ففي هذا الشهر تزداد قيم العطاء والإحسان، ويشعر الإنسان بمعاناة المحتاجين والفقراء، مما يدفعه إلى المشاركة في الأعمال الخيرية ومبادرات التكافل الاجتماعي. وهذا المناخ الإنساني يخلق بيئة عمل أكثر ترابطاً وتعاوناً، ويقوي العلاقات الإنسانية بين الزملاء والقادة.

كما أن رمضان يمثل فرصة لإعادة بناء الثقافة المؤسسية القائمة على القيم. فالمؤسسات التي تشجع موظفيها على استثمار هذا الشهر في تعزيز قيم الصدق والأمانة والانضباط والتعاون، تسهم في بناء بيئة عمل صحية ومتوازنة. إن الموظف الذي يعيش هذه القيم في حياته الروحية يكون أكثر استعداداً لتجسيدها في سلوكه المهني اليومي.

ومن المهم أن يدرك العاملون أن رمضان ليس شهراً للتراجع أو تقليل الإنتاجية، بل هو فرصة لإعادة شحن الطاقة النفسية والروحية، مما ينعكس على جودة الأداء والعمل. فالإنسان عندما يعيش حالة من السلام الداخلي والطمأنينة الروحية يصبح أكثر قدرة على التفكير الإيجابي والإبداع في العمل.

وفي هذا السياق يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فالتقوى هنا ليست مجرد شعور ديني، بل هي حالة من الوعي العميق التي تدفع الإنسان إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية في كل مجالات حياته، بما في ذلك عمله ومهنته ومسؤولياته الاجتماعية. إن رمضان في جوهره برنامج سنوي لإعادة بناء الإنسان؛ جسداً وروحاً وعقلاً وسلوكاً. فمن أحسن استثماره خرج منه أكثر توازناً وقدرة على مواجهة الحياة، وأكثر التزاماً بقيم العمل والعطاء والإنتاج.

وخلاصة القول، أن رمضان ليس موسماً عابراً في حياة العاملين، بل هو فرصة حقيقية لصناعة إنسان أكثر وعياً بنفسه، وأكثر التزاماً بعمله، وأكثر قدرة على العطاء. فالصيام يعلمنا أن الإرادة يمكن أن تنتصر على العادة، وأن الإنسان قادر على تغيير نفسه نحو الأفضل إذا امتلك العزيمة الصادقة والنية المخلصة.

فليكن رمضان هذا العام نقطة انطلاق جديدة في حياتنا المهنية والإنسانية، نراجع فيها أنفسنا، ونجدد فيها نياتنا، ونعيد فيها بناء علاقتنا بالعمل على أساس من الإخلاص والانضباط والمسؤولية، حتى يصبح العمل عبادة، والإنجاز رسالة، والعطاء طريقاً إلى رضى الله تعالى.

***

د. أكرم عثمان

11-3-2026

 

منذ القدم، والعقل البشري يعمل على إيجاد الحيلة المناسبة للتملّص من بعض الالتزامات الثقيلة المفروضة عليه، والتحايل على النصوص القانونية للوصول إلى مبتغاه، وتُعرَّف الحيلة، بوجه عام، بأنها الرغبة في الوصول إلى الغرض بطريق خفي، باستعمال نوع من الحذق والفطنة، وقد عرفت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل كثيرًا من الشرائع والقوانين التي وجد فيها البعض عبئًا وعثرة في طريق تحقيق طموحاتهم الشخصية، فاضطروا إلى الالتفاف على القوانين عن طريق اللجوء إلى وسائل خفية، منها الحيلة الشرعية أو المخارج، وكلاهما في الاصطلاح بمعنى واحد، هو التحايل على النصوص لتحقيق غرض معين دون الوقوع في مخالفة القواعد الشرعية، أو بمعنى تجنّب هدم الأصل الشرعي وهي من الموضوعات التي دارت حولها كثير من الآراء والمناقشات بين فقهاء الشريعة والقانون، بين مؤيدٍ لها ومعارض .

ويعتقد بعضهم أن هذا النوع من الحيل ممارسة حديثة أوجدها الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، واتخذها البعض وسيلةً للإثراء غير المشروع، في حين أنها وسيلة قديمة رافقت ظهور القوانين، بدءًا من القانون الروماني الذي يُعدّ من أقدم القوانين الوضعية التي تأثرت بموضوع الحيلة؛ إذ استخدمها الملوك، وجاء من بعدهم الخلفاء والحكام الذين أوغلوا في الالتفاف على القوانين ومخالفتها، ومن طرائف الحيل الشرعية التي أوردها إبن المعتز في كتابه طبقات الشعراء، وكذلك إبن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء قصة الشاعر إبراهيم بن هرمة مع الخليفة المنصور (714م – 775م)، وابن هرمة رجل مخضرم عاصر بعضًا من حكم الدولة الأموية وجزءًا من عصر الدولة العباسية، وعُرف بخفة الظل وإدمان الخمر؛ إذ كان من المستهترين بالشراب والمدمنين عليه، وقد جُلد الحدّ مرات في خلافة أبي العباس السفاح ولكن بعد مجيء المنصور إلى الخلافة، اختاره ليسامره ويُسرّي عنه، على الرغم من أن الأخير لم يكن يحب الشراب، ويذكر المصدران آنفا الذكر أن إبراهيم بن هرمة، بعد أن أنهى إنشاد قصيدة أمام المنصور وقد استحسن شعره، قال له: «سل حاجتك». فقال: «أن تكتب إلى عامل المدينة ألا يحدّني إذا أُتي بي سكران»، فقال له المنصور: «هذا حدّ من حدود الله عز وجل، فلا يجوز لي أن أُعطّله»، فقال: «فاحتلّ لي يا أمير المؤمنين "، فكتب المنصور إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة جلدة، واجلد ابن هرمة ثمانين». فتحاماه رجال الشرطة، وكانوا يمرّون به مطروحًا وهو سكران، فيقولون: «من يشتري مائة بثمانين؟».

***

ثامر الحاج أمين

على مدى العصور كان الناس يبتكرون الوسائل القادرة على تخزين مياه الأمطار، وحتى في الدول الغربية كانت البيوت القديمة فيها خزانات لمياه الأمطار، التي يستخدمونها لحاجات متنوعة. وهناك العديد من السدود التأريخية التي تساهم في تخزين مياه الأمطار في الوديان، وكذلك الأرض تساهم بكنز المياه التي نستخرجها بحفر الآبار.

والأنهار في حقيقتها خزانات مياه، ولو أنها تجري نحو البحار، لعدم قدرتها على إستيعاب مياه المطر، ولهذا إن لم تجد منافذَ لسكبها فأنها تفيض وتتسبب بسيول عارمة.

والمجتمعات التي تتشكى من شحة المياه عليها أن تتعلم مهارات تخزين مياه الأمطار، في الوديان والأنهار والبحيرات الإصطناعية، وحتى في قلب الصحارى والفيافي، فالتقنيات المعاصرة ذات قدرات غير مسبوقة في إنشاء خزانات المياه.

يهطل المطر بغزارة والناس لا تعرف غير الإستغاثة، وإدانة الحكومات على تقصيرها في إدامة وإنشاء البنى التحتية، وشبكات تصريف المياه.

الواقع يحتم على الجميع التفكير بطريقة مغايرة، وأن تتكاتف الجهود لبناء الخزانات المستوعبة لمياه الأمطار، ففي كل مدينة أو قرية يجب أن يتم إنشاء ما يمكن من خزانات مياه الأمطار، لإستثمارها في الري وغيرها من المشاريع الإقتصادية، فالمطر خير ودعوة لصناعة الحياة الحرة السعيدة، فالمطر يعني الحياة، فلا تحاربوا أصلها.

"وجعلنا من الماء كل شيئ حي"!!

أمْطرتْ خيراً وفيراً غامراً

فأتانا الماءُ سيلاً هادرا

لا تُهينوا طيباً في أرْضنا

فتحيلوهُ خبيثاً جائرا

إحْفظوا ماءً ليومٍ رامضٍ

يَرتجي الصَديانُ فيهِ النادرا

***

د. صادق السامرائي

الاختلاف شيءٌ طبيعي في الحياة، ولا يوجد فيها اثنان متفقان على كل شيء، كما ليس في المجتمع رأيان متطابقان قط، إنما لكل فرد فيه وجهة نظر ورؤية مختلفة تخضع رصانتها لمستويات الوعي والمتبنيات الفكرية، وكذلك الاستعداد لتغيير القناعات عند اكتشاف الخطأ، وينبغي أن نتقبل هذه الحقيقة بكل قناعة وأريحية، وأن يبقى الاختلاف في حدوده الطبيعية؛ ذلك أن أسوأ العقول هي التي تحوّل الاختلاف إلى خلاف يجرّ إلى الكراهية ومن ثم القطيعة، ولنا في حكمة الزعيم غاندي مثال على ذلك في قوله: (الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألدّ الأعداء!)

ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي أخذنا نكتشف أن العديد من الأشخاص الذين كنا نتوسم فيهم رجاحة العقل والوعي المتميز وصفاء الأفكار، ظهروا للأسف أنهم غير ذلك، فقد وجدناهم من خلال تفاعلهم وردود أفعالهم على الأحداث أنهم سطحيون، تدفعهم العاطفة والرؤى الضيقة في إطلاق آرائهم وأحكامهم على ما يدور في الساحة من تغيرات اجتماعية وسياسية. والمؤسف أنه في حال إبداء رأي مخالف لآرائهم تظهر حقيقة ضحالة تفكيرهم وضيق عقولهم ونزعاتهم العدوانية، وكذلك تدني تربيتهم في الرد على الاختلاف، وقسم كبير يتخذ من المختلف معه عدوًا، فيذهب إلى الطعن في شرفه وتهديده، ويجعل من الاختلاف طريقًا إلى الكراهية والقطيعة حتى مع أقرب المقربين، وطبعًا هذا يعكس طبيعة متبنياته الفكرية والثقافية؛ ذلك أن التعليق على فكرة تأتي في منشورما يعكس ثقافة وتربية والتزام صاحب التعليق، وكذلك هوية الجهة التي استمد منها ثقافته وأخلاقه.

وعلى الصعيد الشخصي كثيرًا ما أجد نفسي مختلفًا مع طروحات البعض، الاّ ان هذا الاختلاف لا يدفعني إلى حظر المختلف معي وإقصائه من قائمة أصدقائي، على الرغم من اشمئزازي ومقتي الشديدين للضحالة التي تصل إليها أحيانًا طروحاته المنشورة. إنما أبقيه ضمن القائمة مع الإهمال وعدم التفاعل مع منشوراته، وذلك للتعرف على المزيد من شخصيته وتعزيز القناعة بصواب موقفي .

عليه أُدين بالفضل للفيسبوك الذي كشف حقيقة شخصيات كنت أعتقد أنها على درجة من الوعي والثقافة ورصانة الهوية التي يدّعيها ويتظاهر بها وكانت تحظى بتقديري وتقييمي العاليين الاّ ان التجربة والمواقف والتعليقات والتفاعل مع المنشورات كشفت لاحقًا ومن خلال ما رشح على صفحاته من أفكار وطروحات شيئًا مخيبًا يدعو إلى المراجعة وإعادة التقييم، وسبب ذلك أن النظرة إلى هذه الشخصيات كانت بعين أعمتها المجاملة وحسن الظن، وخير من جسّد هذه الغفلة بيت المتنبي العظيم : (وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة)، بالمقابل، هناك من الشخصيات التي كانت بعيدة عن اهتمامي ومتابعتي وجدت فيها نموذجًا للعطاء ونكران الذات والمواقف الرائعة، سواء على صفحات الفيسبوك أو في المواقع والميادين الأخرى، وهذا الفضل طبعًا يعود إلى الفيسبوك، الذي يحلو لي وصفه بـ "السونار" الذي كشف لنا باطن الشخصية ووضعها في حجمها الطبيعي.

***

ثامر الحاج أمين

التضليل: إخفاء بعض الأمور لئلا يهتدي الباحث إلى ما يريد.

وهو عملية توجيه الناس نحو فهم خاطئ للواقع، بتقديم معلومات غير صحيحة أو ناقصة أو مشوهة، بهدف التأثير على إرادتهم أو قراراتهم، ويتم بتقويض الحقيقة ونشر معلومات كاذبة، فيتحقق التأثير المتعمد على أفكار الناس، ويلعب الإعلام دوره وكذلك وسائل التواصل المعاصرة.

والعلاقة بين الحرب والتضليل متكاملة، فالإعلام بأنواعه يقود حملات تضليلية للتمويه على ما يدور في ميادين الحروب، وما ينتشر من أخبار معظمها توجيهية ومهندسة للهيمنة على العقل الجمعي وتعطيله، وتحويله إلى متلقي ساذج يصدّق ما يسمع، فيتحول إلى وعاء فوضوي، وموجودات واهية، تتبع وتطيع ولا تستطيع إبداء رأي.

المنهاج البحثي في مجتمعاتنا معدوم لأن المجتمع لم ينشأ على هذا الأسلوب من الإقتراب المعرفي، وإنما يخنع لمنطلقات السمع والطاعة، وتستحوذ عليه الشعارات التي ترددها وسائل الإعلام، ويتناولها المتسلطون عليه في خطاباتهم، فيعيش مأخوذا بها، وفي حالة إحتقان إنفعالي.

التضليل من أساسيات صناعة القطيع البشري، ووضع الناس في خنادق التدمير الذاتي والموضوعي، وتحويلهم إلى أدوات تسخرها القوى المُضلله لها لتأمين مصالحها ونأكيد رغباتها، ولهذا تجد المُضللين في نعيم فارهين والمنكوبين بتضليلهم في قيعان الجحيم الدنيوي.

ويبدو أن التضليل ركن فعّال من أركان الحياة القاضية بتأمين البقاء وتحقيق إرادة الأرض الجائعة لمزيد من الأبدان.

أضاليلٌ بها الإعلامُ يَشدو

وأفهامٌ بما سُقيتْ سَتغدو

تُصنّعُ رأيَها دوماً لتَطغى

وتَمْضي نحوَ قاضيةٍ وتَعْدو

أكاذيبٌ مُزوّقةٌ ببُهتٍ

جَميلةً مُحبّبةً سَتبْدو

***

د. صادق السامرائي

نعم.. أنا من أبناء الراديو. من ذلك الجيل الذي كان يفتح نافذته على الدنيا بصوت الإذاعة. كنت أضع أذني على الراديو القديم الخشبي، فأرى العالم كله في صندوق صغير لا صورة فيه. وكان الصندوق يحدثني فأصدقه، كان يهمس لي فأسمعه، كان ينقل لي نبض الكون فأحس به.

والآن.. يأتيني نبأ من هناك. من البرنامج العام. من أحمد الحديدي.

أتعرفون ما دهشتي؟ ليست في البرنامج نفسه، ولا في فكرته، لكن في الجرأة التي يتطلبها هذا المشروع. في زمن الصورة، حين أصبحت الكاميرا تراقبنا في كل مكان، وحين صار التلفزيون يصرخ في وجوهنا ليل نهار، تأتي إذاعة عريقة لتقول لنا ببساطة.. أغمضوا أعينكم.

هذه جرأة تحتاج إلى شجاعة. لأن الصورة قتلت الخيال. قتلت الملكة العجيبة التي كان يمتلكها أجدادنا، كانوا يسمعون صوت أم كلثوم فيتخيلونها بعيونهم، يرسمون لها ألف وجه ووجه. أما نحن فرأيناها على الشاشة فماتت صورتنا التي في الخيال.

هذا الدعاء الذي يقدمه أحمد الحديدي يوميا، وهو الإعلامي الذي نعرفه مثقفاً ومحاوراً، يتحول إلى مبتهل. لكنه لا ينشد، لا يتغنى، هو يتأمل.. يتأمل روائح النقشبندي وطوبار كما يتأمل الفنان لوحة زيتية نادرة. يقف عند عبارة "بسطت يدي" ولا يمر عليها مرور الكرام. يقول: انتبهوا.. لم يقل رفعت، لأن البسط غير الرفع. البسط فيه ضراعة واستجداء، والرفع فيه ثقة. وهذا هو الفرق بين من يقرأ القرآن ومن يعيش القرآن. بين من يستمع إلى الابتهال ومن يتذوق الابتهال.

لقد جئنا إلى الدنيا وتركنا خلفنا زاداً روحياً عظيماً. تركنا سيد النقشبندي الذي كان إذا قال "مولاي إني ببابك" شعرت أن الله أقرب إليك من حبل الوريد. وتركنا نصر الدين طوبار الذي كان يطير بك في آفاق السماء بصوته الأقرب إلى البكاء منه إلى الغناء. وتركنا محمد عمران الذي كان يجمع في صوته بين أصالة المقامات الشرقية وعمق التصوف المصري.

وهؤلاء كانوا مدرسة. مدرسة في الذوق، مدرسة في الإحساس، مدرسة في الفهم العميق للدين. لم يكونوا مجرد حفاظ للقرآن، كانوا عشاقاً للكلام الجميل. كانوا يعرفون سر النغم، ويعرفون متى يخفضون الصوت ليكون أخشع، ومتى يرفعونه ليكون أروع.

والسؤال الذي يحيرني أين ذهب هذا كله؟

أين ذهب ذلك الزمن الجميل الذي كان الراديو فيه معلماً للذوق العام؟ الذي كنا ننتظر فيه "ركن السهرة" و "في رحاب القرآن" كما ينتظر العاشق لقاء حبيبته؟

لقد هزمتنا الصورة. هزمتنا الشاشة الصغيرة التي لا تنام. صرنا نرى كل شيء، لكننا لا نتخيل شيئاً. صرنا نعرف وجوه المذيعين والمطربين، لكننا فقدنا قدرتنا على الرؤية بالقلب.

وهذه مأساة.

مأساة أن يأتي رمضان وقد تحول إلى شهر المسلسلات والإعلانات، بعد أن كان شهر الروح والخشوع. مأساة أن نبحث عن الله في القنوات الفضائية فلا نجده إلا نادراً، بينما كنا نجده في الراديو القديم كل يوم.

أحمد الحديدي في هذا الدعاء الرمضاني يفعل شيئاً عجيباً. إنه يعيد تركيب الصورة المفقودة. بالكلمة. لا بالصورة المرئية، بالصورة المسموعة. يهمس كأنه صديق عمره . وهذا هو الإعلام الذي نريده. إعلام الروح لا إعلام الجسد. إعلام القلب لا إعلام الصراخ.

لقد مللنا الصراخ. مللنا الفضائيات التي تتحول إلى ساحات مصارعة. مللنا البرامج التي لا تخرج عن نمط واحد ضيف يهاجم وآخر يدافع، ومذيع يصرخ ليرفع نسب المشاهدة. وفي هذا الجو المشحون، يأتي دعاء هادئ مدته دقيقة أو أقل، لا يعتمد إلا على صوت مبتهل عذب رقراق سلسبيل.

إذاعة البرنامج العام بهذه التجربة تثبت شيئاً مهماً، أنها لا تزال حية، لا تزال تعرف جمهورها، لا تزال تقدم محتوى يليق بتاريخها العريق. هي تقول لنا العمر ليس عيباً، العمر خبرة. خبرة تمتد لعشرات السنين، خبرة جعلتها تعرف أن المستمع المصري لا يزال يحتفظ بقلب مفتوح للجمال، وروح عطشى للطمأنينة.

وما أجمل أن يكون رمضان هو شهر هذه العودة. شهر الزاد الروحاني. شهر نخرج فيه من دوامة الحياة اليومية، من صخب العمل والمواصلات، لنتفرغ قليلاً لأنفسنا.

لأن الإنسان كائن لا يعيش بالخبز وحده. يعيش أيضاً بالجمال، بالروح، بالإحساس بأن هناك من يسمعه ويراه ويعلم ما في قلبه.

وأذكر في ليلة من الليالي، كنت عائداً متعباً، الطريق طويل والزحام يخنق الأنفاس. فتحت الراديو على البرنامج العام، فإذا بالحديدي يقدم دعاء رمضاني . وكأن الرسالة كانت موجهة إلي وحدي. كأن الكون كله توقف ليخبرني لا تقلق.. هناك من يسمعك.

وهذه هي المعجزة الحقيقية للإعلام. ليس في نقل الخبر، ولا في صنع الحدث، بل في القدرة على لمس القلوب. على أن تصل الكلمة إلى روح المستمع كما تصل القطرة إلى العطشان.

الحديدي في هذا الدعاء يقدم جرعة روحانية، يقدم تأملاً عميقاً، يقدم نموذجاً للإعلامي الموسوعي الذي يستطيع أن ينتقل من الحوار  إلى التحليل، ثم إلى التأمل الروحي، بكل سلاسة واقتدار. وهذا هو الإعلامي الحقيقي. ليس من يقرأ النصوص، لكن من يعيش ما يقدمه. ليس من يمر على الكلمات مرور الكرام، بل من يقف عندها ويتأملها ويشرحها للناس.

وما أحوجنا إلى هذا النوع من الإعلام في زمن اختلطت فيه الأوراق، وتنافست الفضائيات في إثارة الغرائز، ونسينا أن للإنسان روحاً تحتاج إلى غذاء كما يحتاج الجسد إلى طعام.

تحية للبرنامج العام. تحية لأحمد الحديدي. تحية لكل من يؤمن بأن الإعلام رسالة لا تجارة. وبأن الكلمة الطيبة يمكن أن تغير حياة إنسان. وأتمنى من كل قلبي أن يستمر هذا الدعاء ، ليس في رمضان فقط، بل طوال العام. وأن تحذو إذاعات أخرى حذوه، فتقدم محتوى راقياً يليق بذوق المستمع العربي.

لأن المستمع العربي، رغم كل شيء، لا يزال يتوق إلى الجمال. لا يزال يبحث عن صوت يذكره بأن الحياة ليست كلها معارك وصراعات. الحياة فيها أيضاً مساحة للتأمل، مساحة للصلاة، مساحة للابتهال.

رمضان كريم.. وكل عام وأنتم بخير.

***

د. عبد السلام فاروق

 

جلست اليوم في غرفتي، مع مدونتي للمرة لم اعدها لكنها تجاوزت الحد من المساحة هذا هو الاشعار الذي وصلني عندما بدأت في كتابة ما يلي، وأحسست بأن الوقت صار لحظة تأمل… عن الوعي في تضارب بين انه نعيم ام جحيم

لماذا هو بشع هكذا

او نعمة هكذا

اتفلسف عنه كأني الومه ...

الوعي، يا جماعة، قوة غريبة، لا تتركنا كما نحن كأنها تحركنا تغيرنا تدفعنا عن مسارنا احيانا

 يفضح الحقيقة فينا، يجعلنا ندرك من نحن وسط متاهة الحياة لا يكتفي بذلك فقط بل يكشف عن الاقنعة التي نرتديها احيانا مصدقين انها هيا حقيقتنا، وأحيانًا يثقل كاهلنا لدرجة أننا لا نريد أن نعي أكثر، فنهرب منه خائفين من مواجهته.

نحن البشر نحيا بين الخيال والواقع، بين الوهم والضروريات، ونميل أحيانًا للابتعاد عن ما يجب علينا فعله، لأن الحقيقة المؤلمة أصعب من أن نتحملها. لكن الاستسلام للوهم لا يغير شيئًا عن مقولة لعل يوما ما ؟ لكن اليوم الذي ننتظره لن يأتي إلا إذا تحركنا نحن باتجاهه، بخطوة واعية وبحدود محددة، نضعها لنحمي أنفسنا ونرشد خطواتنا لعلها تفرج لعل عندما نبدأ التحرك بهذه القوة المدركة عن الحقيقة نصبح اكثر وعيا لما نعيشه .

فعندما لا يكون الإنسان واعيًا، تدخل إلى رأسه أفكار بلا أساس ولا صحة، وعندما يواجه الحقيقة، تصدمه خيبة أمل. لذلك، يجب ان لا نحمل أنفسنا ما لا نعرف حقيقتَه، ونتخذ من التخطيط والاستكشاف في أول الطريق، حتى لا تضيع سنواتنا في محاولات يائسة… وأمل زائف بدون صحة ولا أساس من الوجود ندفع ثمنة لاحقا

 لذلك فلنعرف حقيقة الامر من بدايتة ونكشفه على حقيقته اهو سطحي يختبئ وراء قناع العمق ام العكس

لذلك الايمان بقوة الحقيقة من اليداية تختصر الطريق للنهاية .

الوعي إذن ليس مجرد إدراك، بل هو رحلة فلسفية نحو الذات، وسلاح للتوازن بين ما نريد وما يجب علينا، بين الخيال وما هو حقيقي. هو الذي يجعلنا نعي، نقرر، نضع الحدود، ونتحرر من الوهم، لنعيش الحياة بفهم أعمق، وبشغفٍ حقيقي للوجود.

يتبع ...

مع خالص التقدير والاحترام،

***

تيفراني أمنية

 

هل يزول الجمال باعتياد رؤيته؟ وهل الأُلفة ترفع الكلْفة؟ ربما يَضعف أثر الجمال المادّي المتّصف بالثبات مع اعتياد رؤيته، كالمباني الشاهقة والجسور الفارهة والآثار العتيقة، والتي نشهق حين نراها لأوّل وهلة، ولكن مع تكرار رؤيتها وكثرة المرور عليها، يتراجع الشهيق إلى إعجاب ثم اعتياد، بعكس الجمال المعنوي الحقيقي المتجدّد العطاء، والذي لا يفقد أبدا بريقه، بل يزداد جمالا فوق جمال رغم كثرة تداوله أو ارتياده. وكذلك الألْفة، قد ترفع الكلْفة بين الأقران والأصحاب حتى قيل: "أخوك مَن لا يتكلّف لك"، ولكن تبقى الكلفة قائمة فيما عدا ذلك، فلا تبرّر الألفة أن ينادي الولد أباه أو أمّه أو شيخه أو معلّمه باسمه المجرّد، وإن حدث ذلك فهو خارج عن سياق التوقير وإطار الأدب. طالعْت مؤخّرا كتابا في التاريخ الإسلامي يتحدّث فيه المؤلف الفاضل عن جيل الصحابة العظام باسمهم المجرّد! فيقول: وكان عمر، وقال أبو بكر، وفعل معاوية، وهكذا، وكأنه يكتب عن شخصيات روائية في سياق حدث درامي! ولكنه في الوقت ذاته، حرص على أن يتصدر اسمه غلاف الكتاب مسبوقا بلقب دكتور.. هل كثرة جريان قلمه في الحديث عن الصحابة أزال هيبتهم من سنّ يراعه؟ ولا أقول أزال هيبتهم من قلبه، فعلمي أنه لهم محبّ وموقِّر. لا أدري، ما المانع من أن يسبق أسماءهم بقوله: الصدّيق، أو الفاروق، أو ذو النورين، أو الخليفة، أو سيدنا، أو الصحابي، أو يُعقّب بالترضّي عنهم؟ هل يضيره التكرار، أم أنه يبيح رفع تاج الوقار عنهم تحت زعم الموضوعية عند التناول الأكاديمي التاريخي؟ أليس هؤلاء مَن قال فيهم ربنا سبحانه وتعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ" الفتح ٢٩، ومدحهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)، وفيهم قال ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ). إن جمال هؤلاء الصحابة الأجلاء هو من الصنف المعنوي الحقيقي المتجدد العطاء، وأُلفتهم ليست من النوع الذي تُرفع فيه الكلْفة، إذ جمعوا بين الإيمان والعلم والجهاد، وكانوا وما زالوا نجوما ساطعة حملَت إلينا عبق النبوّة وطراوة الإسلام، ولا أقلّ من أن نرفعهم فوق ما اعتدْناه من خطابنا العادي عند الحديث عن الأشخاص ذوي الحيثية والذين نجلّهم بالقول: الدكتور الفلاني أو الأستاذ والشيخ العلّاني. يُذكر أنّ توقيرهم رضي الله عنهم، يبدأ بحبّهم، ثم ردّ غيبتهم، والدراية عنهم، والاقتداء بهم، قبل ما ذكرناه آنفا من الثناء عليهم عند الحديث أو الكتابة عنهم. وقد أحسن القحطاني الأندلسي حين أوصى في نونيته قائلا:

قُـل خـير قـولٍ في صحابة أحمد ...

 وامدح جميع الآل والنسوان​

*

دَع ما جرى بين الصحابة في الوغى

 بسيوفهم يوم التقى الجمعان​

*

فقتيلهم مـنهم وقـاتلهم لـهم ...

وكلاهما في الحشر مرحومان​

*

والله يـوم الحشر ينزع كل مـا ...

 تحوي صدورهم من الأضغان​

بقي القول، أنّ اللغة تصنع الهيبة، وما يتردّد ذكره على القلم واللسان لا شك يترك بصمته في القلب، ثم يفيض على الجوارح ويطبع السلوك بطابعه، وهنا مكمن الخطر الداعي للانتباه.

***

د. منير لطفي

هناك ظاهرة راسخة في كتاباتنا وتحليلاتنا، مفادها أن المجتمع فيه العديد من التنوعات الإثنية والعقائدية، وكأن مجتمعاتنا تنفرد بهذه الخواص لوحدها.

فهل وجدتم مجتمعا متجانس الأعراق في أية بقعة أرضية؟

الدول الغربية فيها كافة الأنواع البشرية، فلماذا لم تحسب ذلك معوقا وعاهة وطنية؟

التنوع في الدنيا يصنع سبيكة إجتماعية، ويعزز القدرات وينمي الطاقات، وفي مجتمعاتنا نحسبه مشكلة كبيرة، والعلة الحقيقية في الكراسي الجاهلة الخالية من الوعي الوطني.

ألا تخجل الأقلام التي تكرر هذه الطروحات البائدة المجردة من الفهم الإنساني المعاصر؟!!

إنه لعيب مشين أن تبقى النخب تتمنطق بتعدد الحالات في مجتمعاتنا، وهي في حقيقتها من أقل مجتمعات الدنيا تنوعا.

لو تأملت أي مدينة أوربية ستجد فيها تنوعات تتفوق على أية دولة في أوطان الأمة، ولتعجبت من اللغات والثقافات والعادات والتقاليد المتباينة.

فلماذا يتكرر الإدّعاء؟

يبدو أنه لتبرير عجز الكراسي عن التفاعل الوطني وتأمين حقوق المواطنة وقيمة الإنسان، والإعتماد على ما يساهم في سطوتها وإستلابها للبلاد والعباد، فمن الأضمن لبقائها فترة أطول في الحكم، أن تطلق ذريعة التنوعات التي تمنعها من تحقيق ما تسعى إليه من الأهداف والبرامج والخطط، وهي أكذوبة أكل عليها الدهر وشرب.

لماذا لا يوجد دستور وطني يضمن مصالح الجميع؟

لماذا لا تتبدل أنظمة الحكم إلا بسفك الدماء؟

لماذا التفرد بالحكم وتحويله إلى سلوك إستحواذي إنتهابي غنائمي، لا يسمح لغير المتسلطين على الشعب، من التصرف بثرواته، وتأكيد مراميهم الشخصية بعيدا عن المواطنين، الذين إذا طالبوا بحقوقهم، آوتهم سجون العذاب والتغييب.

فهل سنتحرر من هذه الفرية؟!!

شعوبٌ في تنوّعِها اقْتدارُ

وشعْبٌ في تنوّعهِ انْهيارُ

بدِسْتورٍ سَبائكُ مُرتَقاها

وأقوامٌ يُفتّتُها الشِجارُ

بألوانٍ تُزيّنُها تباهَتْ

بلادٌ في تَفاعُلها انْتصارُ

***

د. صادق السامرائي

حققت المرأة انجازات ونجاحات كبرى بعد حرب طويلة خاضتها لإنتزاع حقوقها من قبضة المجتمعات التي لا تؤمن بقدراتها! لكن للأسف ما زال هناك بعض السيدات اللواتي يعانين لمجرد أنهن ولدن نساء. على الرغم من ذلك، هن لن ولم يستسلمن، بل عل العكس ما زلن يكافحن حتى النهاية لتغيير الصورة النمطية حول المرأة ومساعدتها في إثبات نفسها على أنها تماماً كالرجل وحتى أفضل منه أحياناً في الكثير من المجالات. باختصار، المرأة هي الصوت الصارخ في المجتمع والمناضلة لتحقيق المساواة بينها وبين الرجل. إياك أن تنسي أنك امرأة قوية، مضحية، مسؤولة وشجاعة، وإياك ابنتي اختي أن تدعي أي أحد يردعك عن تحقيق أحلامك وأمنياتك، بل قفي صامدة وحاربي حتى النهاية. فمن اجلك خلقت بهجة الأعياد،ولك وحدك تنسج الشمس من خيوطها حروف الحب، فيكفيك فخراً انك الام والزوجه والأخت والابنة والصديقة والقلب الكبير. تليق بك سيدتي الحياة، وتزهو بك المحافل صباح لخير لك سيدتي المرأه المناضله والإنسانة، والأم، ليومك الثامن من اذار

في هذا الصباح اسمحوا لي ان ارسم أولاً أجمل وأطهر صباح الخير المعطر بالياسمين والفل والجوري الى المراه العراقية والعربية الغاليه هي الأم الحنونه والأخت والزوجه والشموع التي تنير الدرب والأيام، هي المناضله التي حملت النضال والكفاح وكانت بجانب الرجل في كل ميادين العمل الكفاحي والسياسي والاجتماعي هي،أم الشهيد والجريح والأسير، وهي الأسيرة والشهيده والمبعده والمعذبه والقائده، وهي سر الحياة ومصدر القوة هي الحنان والطفوله والفرح والتفاؤل والأمل، هي النصف الأهم في كل الحياة. وفي هذا اليوم أقف أحتراماً وتقديراً الى المرأه العراقية المناضله، وأتقدم منها واليها بكل عبارات التهاني الثوريه والتحيات الورديه بمناسبة يوم المراه العالمي إلى المراه العربية وكل النساء في العالم في هذا اليوم الذي يجب ان ننحي فيه أولاً إلى أجمل الأمهات، أمهات الشهداء

ولا ننسى التحيه الأجمل إلى العاملات في كل مناحي الحياة وإلى المرأه المناضلة في الشتات وفي المخيم والقرية والمدينة والخيم وتحت انقاض الدمار والتشريد والمعاناة التي تجسدت في عالمنا العربي .نحتفل ومعنا كل كلمات الحب والتقدير والاعتزار معنا كل أزهار وأغاني آذار .نحتفل ومعنا كل التحيات الحاره التي تليق بالمراه العربية المناضله التي قدمت نفسها للوطن وصافحت الشمس وزينت الأرض بشموخها وصمودها وتضحياتها لترتقي مع الفرح الوطني، لتبقى رمزاً لكل نساء العالم في الثامن من آذار نقف وننحني لدورك لشموخك لصمودك لعطائك الجميل، في آذار نرسم لكن ألف تحيه وألف ورده وألف زهرة إقحوان وشقائق النعمان، في آذار يا سيدتي  أقول أنت الانسانه والمناضله وأنت ما زلت وستبقين الحكايه التي لا تنتهي، فأنت المرأه الأجمل والأحلى والرمز كنتِ وستبقين الشمعه التي تضيئ من أجل بناء المجتمع.

كل عام والمرأة رمز الجمال والقوة والإبداع، وكل عام وأنتِ قادرة على صنع الفرح وتغيير العالم بلطف قلبك وعظمة روحك.

***

ذكرى البياتي

 

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سورة القصص: 30]

لا إله إلا الله... كيف تحمل نبي الله موسى -عليه السلام- ذلك؟ بل كيف كان إحساسه في تلك اللحظة؟ إنها لحظة موت وحياة بالنسبة لنبي الله؛ موتٌ من الخوف، وحياة جديدة وسعادة كاملة لا توصف. إنها لحظة اكتمال المشاعر؛ اكتمالٌ للخوف والرهبة والخضوع، وللسعادة والرضا، وهذه اللحظات لا يصل إليها إلا الأنبياء -عليهم السلام-.

عندما يتوقف الكلام إجلالاً

[إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ].. هذه اللحظة تفوق الخيال، وتعجز أمامها المشاعر، ويتوقف الكلام لحظة إجلالٍ لنداءٍ من السماء؛ نداء رب العالمين بعظمته وجلاله ينادي نبيه ليعرّفه عليه سبحانه، ما أعظمه وما أرحمه، إنه الله رب العالمين.

لا أعلم هل أغبط نبي الله موسى -عليه السلام- على ذاك الشرف العظيم، وأن رب العالمين ناداه وسمعه وكلمه -فما أعظمها من سعادة وما أعظمه من تكريم- أم هل أُشفق على قلبه الذي سمع نداء ربه وخالقه العظيم؟

الهروب من الذنب إلى الغفران

ذاك القوي خاف وارتجف وولى مدبراً عندما رأى عصاه تهتز، الرهبة والخوف لم يكونا من العصا بل من رب العالمين؛ من الذي لو أراد لجعل العصا عقاباً وعذاباً، لكنه جعلها آية لعلهم يتذكرون. ونبي الله موسى خاف أن يعاقبه ربه على ذنوبه لذلك ولى مدبراً، ولم يرجع إلى عصاه حتى أمنه الله عز وجل:

{يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)} [سورة النمل].

"يا موسى أقبل ولا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون".. وحدهم المرسلون الذين أعطاهم الله الأمان.

{يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [سورة القصص: 31]. ليس فقط من الحية، بل هو من الآمنين من كل شيء؛ من أعدائه، ومن خوف نفسه، ومن ذنوبه.

نعم، هو تذكر أنه قتل منهم نفساً وهذا ذنب عظيم، وهو نبي عظيم لم يقل "ربي هل غفرت لي؟"، لم يسأله لأنه يعلم أن الله يغفر الذنوب جميعاً، ولكن ليطمئن قلبه قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.

هذا هو يقين الأنبياء وأدبهم مع خالقهم العظيم. لقد قال له الله تعالى: "إنك من الآمنين"، لذلك هو لم يخف أن يقتله بنو إسرائيل لذات القتل، ولكن خشي أن يكون القتل جزاءً لذنبه؛ كان خائفاً من الذنب وليس من الموت، كان خائفاً أن ينال جزاء ما اقترفت يداه، فاعترف لربه بكل أدب؛ اعتراف التائبين الواثقين بربهم، المؤمنين به إيماناً لا يخالطه تشكيك.

فأين نحن من ذنوبنا؟

{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.. فما بالنا بذنوبنا التي لا تُعد ولا تُحصى ونحن مسلمون؟ هذا نبي معصوم ونحن لسنا أنبياء ولسنا من "الآمنين" صكّاً، هذا وهو قتل كافراً (خطأً)، فما بالنا بذنوبنا التي لا نخاف أن ينالنا العقاب بسببها في الدنيا وفي الآخرة؟

من الذي يؤمننا من أنفسنا سوى خالقنا وعالم سرنا ونجوانا؟ فلماذا لا نهرب من الخوف إلى الله؟ ونهرب من الذنوب إلى الغفور الرحيم؟ ونهرب من الضياع إلى الأمان، ومن القلق إلى السكينة؟ لنهرب ولا نلتفت، ونعود لله بكل ذنوبنا، ندعوه ونسأله الأمان، ونسأله السداد، ونسأله أن يشرح صدورنا لآياته ولكتابه العظيم.

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

الجيل المعاصر وخصوصا المولودون منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، غاطس في أعماق المحيطات، وأجيال القرن العشرين غاطسة في الغدران والمستنقعات، والبرك المعرفية الصغيرة. والفرق بين الجيلين، لا يمكن التنبؤ بمعطياته، فالإختلاف شاسع ومتجدد وبسرعة لا تعرف التباطؤ والتراجع والإنكسار، إنها توثبات وتطلعات لمستقبل متواكب مع متغيرات المكان والزمان.

فالدنيا تحولت إلى شاشة صغيرة بحجم كف اليد أو أصغر، والأخبار تصل للناس فورا حال حصولها، فالمجتمع البشري يمتزج وتضاءلت الفروقات المعرفية والدراية والوعي الإنساني، وأصبح الإعلام بمختلف وسائله المتطورة يجاهد للسيطرة على رؤوس البشر، وصناعة الآراء المتوافقة مع مناهجه.

كنا نخرج من المدرسة ونتجمع حول عربة اللبلبي والشلغم والباقلاء ولفات البيض المسلوق والدوندرمة و"اللاكستك"، واليوم تزدحم أمام المدارس عربات المؤثرات العقلية، والمخدرات، وغيرها من مذهبات الرؤية الواعية والإدراك.

ما هو شكل الدماغ المعاصر، وكيفيات نشاطاته العقلية، سؤال ينهض بقوة وأنت تلشاهد طفلا دون الخامسة من العمر منغمس بتفاعلاته المثيرة مع الشاشة الصغيرة.

الدوائر الدماغية ستتبدل وتواصلاتها ستتغير، وما يراه الجيل المعاصر لا يتصل برؤية الجيل المغادر، فلكل زمان مقتضياته ومنطلقاته.

الفرق شاسع بين زمن المراوحة وعصر مسابقة سرعة الصوت والضوء.

فهل نستلطف القنوط في حفرة ونواصل الحفر حتى نندفن فيها؟!!

عقولُ الخلقِ في زمنِ الرقاءِ

كأنوارٍ مُشعشعةِ الضياءِ

تغيّرَ واقعٌ ومَضى بجيلٍ

إلى أمَلٍ بعاليةِ ارْتقاءِ

على عَجلٍ تدورُ بنا تِباعاً

وتأخُذنا إلى أفقِ السَماءِ

***

د. صادق السامرائي

انها رحلة القلب إلى نور اليقين في رحاب الروح، حيث تتراقص المعاني وتتسامى الكلمات، نجد أنفسنا أمام مشهد بهي، مشهد الكأس الذي يتغنى بساقيه، ويتلذذ بمشروب هو منتجه.  ليس الحديث هنا عن كأس خمر مادية، ولا عن ساقي للنبيذ، بل هو استعارة بديعة لرحلة القلب في طلبه للوصل، وسعيه نحو النور الاصلي.

هنا، يتجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كساقٍ يملأ الأكواب، بل كـساقي للقلوب، يمد يده الشريفة صلى الله عليه وسلم لتسقي أواني أرواحنا الظمأى من شراب المحبة

انها يد النبوة الممتدة عبر العصور، فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنوية التي حملت مشعل الهداية، لم تنقطع عن العطاء بوفاته الجسدية صلى الله عليه وسلم، بل امتدت لتشمل كل عصر ومصر، تسقي قلوب المؤمنين براح المحبة. فدارت كؤوس الراح وعم الانشراح، لا بشرب مادي، بل بالصلاة على رسول الله، حيث يسقي المؤمن نفسه بنفسه، مستمدا من نوره وهديه. وفي هذا التجلي الروحي، يصدح حال العارف قائلا: شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني أنا الشارب المشروب.

إنها ذروة الفناء في المحبوب، حيث تتلاشى الثنائية، ويصبح الشارب والمشروب واحدا في عين الشهود، في إشارة إلى أن سر المحبة النبوية يتجلى في كل قلب مؤمن، ويصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه.

رحلة التحول: من الظلمات إلى النور

إن هذا الشراب الروحي، شراب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد شعور عابر، بل هو قوة تحويلية عظيمة تنتشل القلب من وهدة الظلمات إلى فسيح الأنوار. إنه رحلة مباركة يقطعها المؤمن، ينتقل فيها من:

- ظلمات الشك إلى نور اليقين: فبمحبته تتجلى الحقائق وتتضح البراهين، ويهدأ القلب المضطرب.

- ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة: حيث تتكشف زيف الدنيا وزخرفها، وتظهر الحقائق الكونية كما هي.

- ظلمات الجهل إلى نور العلم: فسنته صلى الله عليه وسلم بحر لا ينضب من المعرفة والحكمة.

- ظلمات الرياء إلى نور الإخلاص: إذ تصبح الأعمال كلها لوجه الله، خالصة من شوائب المراءاة.

- ظلمات السفاهة إلى نور الخلق الحسن: فيتأدب المؤمن بآدابه، ويتجمل بأخلاقه الكريمة.

- ظلمات القبض إلى نور البسط: فينفرج الصدر وتتسع الروح، وتزول ضيقة الهموم.

ـظلمات الغفلة إلى نور اليقظة: فيستيقظ القلب من سباته، ويدرك عظمة الخالق وجمال المخلوق.

- ظلمات الشرود إلى نور الذكر: فيطمئن القلب بذكر الله، وتستقيم الجوارح على طاعته.

الارتقاء الروحي: الرحيق المختوم وبؤبؤ عين الروح هذا الاتصال العميق بساقي القلوب، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرتقي بالمؤمن إلى درجات عليا من الروحانية، عبر ما يمكن تسميته بـ الرحيق المختوم. إنه رحيق يطهر القلب من وسخ الماديات والتعلقات الدنيوية، ليتحول إلى عطر المسك الفواح، نقاء وصفاء. في هذه المرتبة، يشهد القلب شهادة لا إله إلا الله، ليس مجرد نطق باللسان، بل شهادة شهود بؤبؤ عين الروح. إنها رؤية قلبية تتجاوز البصر، تدرك أن لا محبوب إلا الله، وأن كل محبة دونه هي سراب. هنا، يصبح القلب مرآة صافية تتجلى فيها أنوار الحق، ويغدو المؤمن جزءا من هذا النور المتدفق.

أنين الشوق وحضور الغائب وفي ختام هذه الرحلة الروحية، يبقى الشوق أنينا لا ينقطع، وحضورا لا يغيب. فمهما بلغ العبد من القرب، يظل قلبه يهفو إلى المزيد، وتظل عيناه تذرف الدمع شوقا إلى من كان سببا في هدايته ونوره. وفي هذا المعنى العميق، يتجلى حال المحب في قوله:

وتبكيهم عيني وهم في سوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي.

إنها مفارقة بديعة، فالحبيب حاضر في سواد العين، وفي أعماق القلب، ومع ذلك يشكو المحب النوى والفراق. هذا ليس فراقًا حقيقيا، بل هو شوق الروح إلى الكمال، وتوق القلب إلى المزيد من القرب والوصال. فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مفتاح الحياة الروحية، وهي الجسر الذي يعبر بنا من ظلمات أنفسنا إلى نور الحق، ومن فناء الدنيا إلى بقاء الآخرة. فلنجعل من هذه المحبة زادنا، لنرتوي من كأس لا ينضب، ونسير على درب لا يضل، حتى نلقى الساقي المحبوب من حوضه الشريف، ونفوز بالنظر إلى وجهه الكريم.

***

د محمد غاني - كاتب، المغرب

بابل مدينة عراقية قديمة تقع آثارها إلى الجنوب من بغداد جاء ذكرها في التوراة والقرآن، ازدهرت فيها الحضارة مرتين كعاصمة للعراق مرة في العهد البابلي القديم الذي اشتهر فيه الملك حمورابي الذي حكم بين عامي ( ١٧٩2 - ١٧٥٠) قبل الميلاد ومرة اخرى في عهد الملك نبوخذ نصر الذي حكم بين عامي (٢٤ ١١-١١٠٢ ) قبل الميلاد - تعرضت الى الغزو الفارسي الاخميني عام (٥3٩) قبل الميلاد بقيادة الملك الفارسي (كورش )، زارها المؤرخ اليوناني ( هيرودوتس) عام (٥٤0) قبل الميلاد ووصف سكانها وقصورها وشوارعها ومعابدها، ثم غزاها الاسكندر المقدوني عام (33۱) قبل البلاد واتخذها عاصمة له باعتبارها مدينة عالمية كانت تضاهي مدن روما واثينا الا انه توفي فيها عام (323) قبل الميلاد.

مظاهر الحياة الاجتماعية في بابل

1-  طراز البيوت البابلية: عندما زار هيرودوتس بابل كتب مشاهداته: في کتاب خاص عن قصورها وبيوتها لقد كانت البيوت لا تختلف عن بعضها حيث المظهر الخارجي وهي تتميز بجدار بسيط مبني من الطين ومطلي بالجبس بلا نوافذ وكانت الابواب مصبوغة باللون الاحمر لطرد الأرواح الشريرة وكان البابلي اذا دخل بيته يمر اولاً ببهو صغير فيه ابريقاً لغسل اليدين ثم فضاء مكشوف تنتشر فيه الاشجار ثم الغرف التي لا تحتوي على نوافذ تسرب الحرارة وكانت غرفة الضيوف (الديوانية)، تقع جنوب الدار تجنباً لاشعة الشمس، وكانت البيوت تحتوي على مطبخ - ثم حوض التصريف مياه الامطار عبر انابيب   تصل إلى الشارع، وكانت هناك بيوت مبنية من القصب - اما ادوات المنزل فتتكون من الأواني الفخارية مثل الصحون والسكاكين.

2-  الزواج والاسرة:- كان البيت البابلي مملكة للنساء فلا يخرجن من البيت الا نادراً وكان البابلي يكتفي بزوجة واحدة والمرأة تقضي، اوقاتها بتربية الاطفال وغسل الملابس والطبخ والحياكة وكانت المرأة تساعد زوجها في اعماله الزراعية وخاصة في موسم الحصاد اما الرجل فيقضي وقته في العمل خارج البيت، وكانت العوائل الغنية تمتلك الخدم حيث تقوم الخادمة بغسل ارجل صاحبة المنزل وتمشيط شعرها ومساعدتها في الذهاب إلى المعبد وكانت المرأة البابلية تستعمل الزيت المعطر والصابون لتسريح شعرها اما الرجال فانهم يستخدمون الحمامات البخارية الساخنة للاستحمام، وكانت العطور من الأمور اليومية للنساء وتستعمل النساء ايضاً الصبغ الاسود للحواجب والإهداب واحمر الشفاه وللخدود ووضع الحناء في باطن اليد وكانت المرأة البابلية تحمل على الدوام حقيبة فيها مرأة ومشط وملقط لتنظيف الاذن وسكين. اما الحلي الذهبية والفضية فكانت تستعمل من قبل النساء والرجال على حد سواء.

3-  الملابس والحلي:- كانت ملابس الرجال والنساء متشابهة إلى حد كبير ولها نفس الطول وكانت الملابس عبارة عن رداء خفيف يصل إلى الركبة اما النساء من الاغنياء فملابسهن عبارة عن اثواب مخططة لامعة وللوقاية من البرد وكان الرجال يلبسون المعاطف الصوفية ويرتدي الاغنياء احذية جلدية ويتكون غطاء الرأس من عصابة ملفوفة حول الرأس وتخفي المرأة المتزوجة شعرها بمنديل وترتدي العباءة وكانت النساء يتبادلن الهدايا فأحسن هدية تريدها المرأة البابلية هي الحجل او السوار الذهبي او القلادة الذهبية – اما الرجال فيلبسون الخواتم والاساور الذهبية بينما يكتفي الفقراء بالاساور النحاسية. وتلبس المرأة الاقراط الذهبية أيضاً على هيئة عناقيد العنب.

4- الطعام والشراب:- يفضل البابليون الاكلات النباتية مثل الخيار والبصل والقرع والرقي والبطيخ وكانت المرأة تطبخ انواع المرق مثل الفاصوليا و العدس والذرة والمادة الرئيسية هي الخبز الرقيق جداً ويفضل البابليون أكل التمر والرمان والتفاح والعنب ويأكلون لحوم الدجاج والبط والسمك ولحم الغزال والارنب ويفضلون الحليب واللبن والعسل واللوز والتوابل ويعدون الحلويات في ايام الاعياد ويتناولون البيرة المصنوعة من الحبوب ويشربون المشروبات  الروحية المصنوعة من الشعير ومن عصير العنب، ويتناولون وجبة خفيفة عند الصباح اما الوجبة الرئيسية فعند المساء فالبابليون يفضلون وقت المساء بسبب انخفاض درجة الحرارة.

 اما الاطفال فيلعبون في الشوارع في كرة مصنوعة من القماش او بالقوس و النشاب، اما النساء فيجلسن في وسط البيت سوية وهن وهن تبادلن اطراف الحديث بعد ذلك تقوم احدى النساء بالغناء وتقوم صاحباتها بالضرب على الطبول لقضاء وقت الفراغ، وهكذا كانت الى الحياة في مدينة بابل القديمة

***

غريب دوحي

 

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)} [سورة الواقعة]

إن المسافات التي بين النجوم هي مسافات زمنية، وليست كالمسافات الأرضية، بعضها لا وجود له، وقد اندثر منذ زمن طويل لكن ضوءه لم يصل إلى زمننا إلا الآن، فالمسافة التي بيننا وبين النجوم لا تقاس بالساعات العادية، بل بالسنين الضوئية. نحن في الكون لا شيء، نحنُ أصغر من كل قياس، أعمارنا لن تكمل ثانية بالنسبة لهذا الكون العظيم، أجيال متعاقبة، وسنين متتابعة، وحضارات تمر وتندثر، جيوش وحروب تقام وتنتهي، انتصارات وخسائر، جمعناها في كتب أسميناها تاريخ، ليأتي نجم واحد فيخبرنا أننا لسنا شيئاً وأنه غير موجود اندثر منذ آلاف السنين.

نحن أصغر من أن نعرف تغيرات الكون، أو أن ندرك عظمته، نحن نسير بسرعة كبيرة بينما الكون يسير ببطء، اندثار نجم في الفضاء وضوؤه لا يزال يصلنا لأننا نسير بسرعة جنونية. أوقاتنا هي الأسرع في الكون، وهذه السرعة ليست إلا انعكاساً لعجلة الإنسان وطيشه في عمرٍ قصير، بينما تتجلى عظمة الخالق في "التؤدة" والصبر الكوني الذي يسبق مداركنا. لذلك سيصل ضوء النجم إلينا رغم أنه غير موجود وقد اختفى لكنه يشبه السفر عبر الزمن، إنه قسمٌ عظيم سبحان الله العظيم، خدعتنا مواقع النجوم، والنجوم أرشدتنا، وهدينا بضوئها في ظلمات برنا وبحرنا، وهي في الفضاء ترانا كنملٍ يسير بسرعة جنونية، يهلك وادي ويبنى آخر، كم نحن خاسرون، وكم أننا مغرورون، ولسنا شيئاً.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة النحل: 12]

وسبحان من أقسم بالعصور والأزمان.. بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [سورة العصر].

نحن خاسرون في سباقنا مع الزمن، فاشلون في كسب الوقت، وإدراك حقيقته، نحن ضائعون في متاهات زمنية معقدة، أفكارنا قديمة من ماضينا الذي يندثر، بعضها لا زالت متوهجة ومتجددة، وبعضها لا فائدة لنا إن تمسكنا بها. وكما تندثر النجوم ويبقى ضوؤها يتوهج في أعيننا البسيطة العاجزة عن تفسير عظمة الخلق وبديع صنع الخالق سبحانه جل جلاله؛ هناك أناس كالنجوم اندثروا لكنهم ما زالوا يضيئون لنا الطريق بعلمهم الذي تركوه لنا، هم منارات نهتدي بها في ظلمات عصرنا، هم فقط يرشدوننا إلى الطريق بوصاياهم وخبرتهم النابعة من إيمان قلوبهم، فأعمالهم الصالحة هي الفائزة في سباق الزمن. لكن لا يجب أن نجعلهم أساس العلم في عصرنا فهم منبع نور نهتدي به لما يُصلح حالنا، هم الذين يرشدوننا لطرف الخيط، ونحن من يحيك الأفكار بما يناسبنا، ويناسب زماننا.

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

في أحد شوارع العاصمة، اثناء الظهيرة، حالة اختناق شديدة، توقفت السيارات في صفوف طويلة متلاصقة، محرّكاتٌ تزمجر بلا جدوى، وأبواقٌ تصرخ بذعر وجنون.

الإشارات الضوئية تلمع عبثاً، لا أحد يصغي، ولا قانون ، سوى استعجالٍ أعمى.

السائقون يتسلّلون بين الفتحات الضيّقة يتدافعون نحو حادث اصطدام وقع في الجانب الثاني من الشارع!

عجيب ؟؟ تتساءل:

من يقود من؟

الشارع أم الفوضى؟

وما السرّ في توقف الحركة في هذا الجانب؟

من الصعب أن تجد تفسيراً لهذا السلوك، أن تخضعه لأي منطق! هل يجوز وصفه سلوكاً مرضياً، أم ظاهرة نفسية–اجتماعية مركّبة رصدها علم النفس الاجتماعي في مجتمعات عديدة ؟ مع اختلاف في حدّتها وأشكال تعبيرها تبعاً للظروف التاريخية والضغوط الاجتماعية والنفسية.

لم تتوقف أسئلتي، في محاولة لتخفيف حالة التوتر التي اجتاحتني ..

ما طبيعة هذا السلوك؟

لماذا التوقف، التجمهر، التحديق، التصوير عند وقوع حادث في الجهة المقابلة من الشارع؟ كنت حينذاك أراجع ما تبقى في ذاكرتي من مفاهيم قرأتها في الأدبيات النفسية، أهمها:

- الفضول المرضي.

- التفرّج الجماعي .

- الارتياح المضمر.

- الشماتة الصامتة أو الخفية من دون إعلان.

أحاول أن أكون إيجابياً في التفسير، أفترض أنه سلوك لا واعٍ في الغالب، لا يصدر عن نية شريرة مباشرة، بل عن آليات دفاع نفسية واجتماعية.

من دون تجاهل الآليات وردود الأفعال الأخرى التي تظهر أثناء الحادث، منها:

- آلية "الحمد لله على السلامة"

حين يرى الفرد أذىً أصاب غيره لا نفسه، يتسلل شعور داخلي بالنجاة:

"الشر مرّ من هنا… لكنه لم يمسّني" هذا الإحساس يولّد راحة نفسية خفية قد تُساء قراءتها بوصفها سعادة.

- المقارنة الاجتماعية.

يقيس الإنسان وضعه عبر الآخرين.

الحادث يصبح – لا شعورياً – مرآة:

- أنا سالم الآن !

- مصيبتي أقل.

وهذا يمنح شعوراً مؤقتاً بالاستقرار في عالم مضطرب.

- الاعتياد على الصدمة:

في مجتمعات عاشت حروباً بلا معنى، وحصارات وعنفاً يومياً، ثم موتاً متكرراً عبر الأزمنة.

يتراجع التفاعل العاطفي الطبيعي، ويحلّ محله فضول بارد أو مراقبة شبه محايدة. يلجأ فيها المرء إلى تفريغ القلق الجمعي عبر التحديق والتصوير، والتجمهر.

أفعال بسيطة تعطي الفرد وهم السيطرة على حدث مفزع لا يستطيع تغييره. بل يظل يتحدث عنه ببرود من دون مشاركة بالأذى.

سؤال أخير:

هل لدى الشعوب الأخرى سلوك مماثل لهذه الظاهرة؟

نعم، أقول وبوضوح.

لكن الفرق الجوهري: إن الفضول يبدو عابراً في المجتمعات المستقرة.

خلاف المجتمعات المجهدة نفسياً، ومنها مجتمعنا العراقي

فيبدو السلوك أكثر حدّة، وخطورة، حين يتجرد المرء من إنسانيته. ويتحول إلى شاهد محايد على الألم.

***

د. جمال العتّابي

بين يديّ كتاب قديم، أغلفتُه مُهترئة وصفحاتهُ صفراء، ينبض بالحياة رغم صمت الغلاف. ألتفتُ حولي فأرى شاشة مضيئة، أصواتًا تتقاذف الأخبار، وموجات متسارعة من المعلومات التي لا تتوقف. وفي هذا العصر، يهمس في داخلي سؤالٌ لا يزول: هل سيختفي الكتاب الورقي، أم أنه سيبقى متجذرًا في قلوبنا كما تبقى نبتة الصبار في صحراء قاحلة؟

الكتاب الورقي ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل هو ذاكرة ملموسة. يلمس أصابعنا، ونشم رائحته، ونشعر بملمس الورق وكأننا نلمس الزمن ذاته. بين طياته، تلتقي الأجيال، وتظل الكلمات تهمس كما همست لأول مرة. كل كتاب ورقي هو مأوى، ومقام، وجسر بين من سبقونا ومن سيأتون بعدنا.

نعم، التكنولوجيا سريعة، وأجهزة القراءة تضع مكتبة كاملة في جيبك، لكنها لا تمنحك تلك اللمسة التي تأخذك بعيدًا، ولا ذلك الصمت الذي يسمعك صوتك الداخلي. المستقبل الرقمي لن يقتل الكتاب الورقي، لكنه يضعه في مواجهة مع تحديات العصر. ربما سيصبح الكتاب الورقي نادرًا، كما تصبح بعض النجوم في السماء أكثر إشراقًا حين يندر ظهورها، وربما يصبح كل كتاب ورقي كنزًا لكل من يحب أن يتأمل، أن يلمس، أن يعيش تجربة القراءة كطقوسٍ عميقة.

وفي النهاية، المستقبل للكتاب الورقي ليس مجرد مسألة بقاء أو اختفاء، بل مسألة قلبٍ لا يزال يريد أن يشعر، وعقلٍ لا يزال يريد أن يتأمل، وروحٍ لا تزال تبحث عن صمتٍ يحضن الكلمات. فالكتاب الورقي، رغم كل العوائق، سيظل يحلم معنا، كما نحلم نحن به، وسيظل يزرع فينا مساحة للدهشة، ومسافة للتأمل، ومسارًا للحرية.

***

صابر الحميدي - تونس

 

يُقال أن (200000) رسالة دكتوراه من (170) جامعة عربية، لم تنتج شيئا نافعا، سوى زيادة الألقاب والمرتبات.

لا يُعرف مدى صحة القول، لكن الملاحظ أن الرسائل السائدة تبحث في موضوعات لا تساهم في البناء والتغيير، وتجنح إلى الإستنتاجات النظرية المستندة على مصادر بائدة ومكررة.

الرسائل تبحث في الشعر والأدب واللغة والتأريخ، وتندر الرسائل المهتمة بموضوعات معاصرة ذات قيمة معرفية تؤهل الأجيال للإنطلاق في مسيرة بناء ورقاء.

يزداد عدد الجامعات ومعها يتكاثر الخريجون، وتتنامى الأمية ويسود الجهل، وتهيمن على الوعي الجمعي الخرافات والأضاليل، ويتحولون إلى أرقام تابعة خانعة وقابلة للمحو والفعل بها كما يشاء الفاعلون.

وهذه ظاهرة عجيبة، لأن الجامعات من المفروض أن ترتقي بالمجتمع الذي تكون فيه، وتساهم في تحولات معرفية وحضارية ذات قيمة إجتماعية، وتطلعات إنسانية واعدة بالأفضل والأرقى.

لماذا المدن التي فيها جامعات تتوطنها مجتمعات خاوية، مهضومة مظلومة، تطارد لقمة عيشها وتبحث عن أمنها وسلامتها من الشرور المدلهمة في ربوعها؟

هل أن الجامعات مستقلة وذات حرمة أكادمية؟

من المرجح أن الجامعات التي لا تستنهض مجتمعاتها ذات أجندات متصلة بأنظمة الحكم، وتسعى لتأكيد السلوك المنحرف لأصحاب الكراسي والذين يريدون الخداع والتدجيل، لكي تمضي سفن فسادهم متهادية في مياه القهر والحرمان والإذلال.

وكأن الجامعات طرف في تثبيط الوعي وتدمير الرؤى الصالحة للحياة، وتنأى بنفسها عن المجابهة والتحدي والإعتصام بالحقيقة الساطعة.

فالجامعات – على ما يبدو – مطية للكراسي المتنفذة، وتترجم إرادات الحكام وذوي السلطان.

فهل تستطيع الجامعات أن ترعى رسائل ذات قيمة علمية وتأثير واضح في المجتمع؟

***

د. صادق السامرائي

في المثقف اليوم