عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

تبدو الفكرة التقليدية عن "دولة القانون" في فتراتنا الراهنة أشبه بأثر متحفي، فكرة رومانسية صاغها فلاسفة التنوير مثل إيمانويل كانط وجان جاك روسو حين حلموا بعقد اجتماعي يضمن كرامة الإنسان ويحمي الضعيف من تغول القوي. غير أن تتبع مسارات القوانين اليوم، ومنهج تفكيكها سوسيولوجياً، يكشف عن تحول بنيوي خطير يعيد صياغة مفهوم الدولة من أساسه. لم نعد أمام قوانين تهدف إلى تنظيم العيش المشترك وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل أمام ترسانة من التشريعات المصممة بدقة لتأمين مصالح الشركات عابرة القارات، وتحويل الدولة إلى مجرد حارس قضائي يحمي التدفقات المالية العولمية. إنها النيوليبرالية في أقصى تجلياتها القانونية، حيث تزيح "دولة القانون" لتفسح المجال أمام "دولة الشركات". في كتابه الرائد "نظام التفاهة" يضعنا الفيلسوف الكندي ألان دينو أمام حقيقة أن النظام الرأسمالي المتأخر لم يعد يكتفي بالسيطرة على الاقتصاد، بل تغلغل في صياغة لغة القانون وجوهره. يوضح دينو كيف استبدل مصطلح "السياسة" بمفهوم "الحوكمة"، وكيف أُزيح "القانون العام" لصالح "القوانين المرنة" ومدونات السلوك الأخلاقية المفصلة على مقاس مجالس إدارة الشركات الكبرى. هذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات الأكاديمية، بل هو عملية تزييف ممنهجة للوعي الجمعي، حيث يعاد تعريف العدالة لتصبح مرادفة للاستقرار المالي، ويتحول القاضي من حام للحقوق الإنسانية إلى ميسر للعقود الاستثمارية ومراقب للالتزام المالي.

تفكيك البنية الاجتماعية لهذه التشريعات النيوليبرالية يكشف عن آليات لشرعنة ما كان يعتبر سابقاً جرائم اقتصادية أو تعديات على الملكية العامة. فالتهرب الضريبي، مثلاً، لم يعد سلوكاً خارجاً عن القانون، بل بات علماً قائماً بذاته يطلق عليه التخطيط الضريبي القانوني، يدرسه خبراء في كبرى كليات الحقوق التي تمولها المصارف والشركات الاحتكارية. ومن هذا المنطلق يتجلى نقد دينو الحاد لدور "الخبير القانوني" الذي حل محل الفقيه الدستوري. الخبير لا يسأل عن أخلاقية القانون أو عدالته، بل يبحث عن الثغرات لتمكين رأس المال من التهرب من مسؤولياته المجتمعية تجاه الصحة والتعليم والبيئة، مما يؤدي إلى تاكل مفهوم الفضاء العام وخصخصة مقدرات الشعوب تحت مسميات "المرونة الاقتصادية" و"جذب الاستثمارات". إن هذه التشريعات لا تصاغ في غرف برلمانية تمثل إرادة الشعوب، بل في مكاتب جماعات الضغط والمؤسسات والشركات المالية الدولية التي تفرض شروطها كحزم إصلاحية ملزمة للدول النامية والمتقدمة على حد سواء. ونتيجة لذلك، يغترب المواطن عن قانونه إذ يكتشف أن هذا القانون الذي يطالبه بالالتزام والانضباط والتقشف، هو نفسه الذي يعفي الشركات الكبرى من الضرائب ويمنحها حصانة ضد المساءلة عن الكوارث البيئية أو استغلال العمالة. يتحول المواطن تدريجياً من شريك في العقد الاجتماعي إلى مجرد زبون مستهلك، تقاس قيمته بمدى ملاءته المالية وقدرته الشرائية، بينما تجرد الفئات الهشة من أية حماية قانونية حقيقية.

كتب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً أن درجة حضارة المجتمع يمكن قياسها بالدخول إلى سجونه. ولو كان بيننا اليوم، وبتأمل عميق للمنظومة النيوليبرالية، لربما أضاف أن حضارة المجتمع تقاس بمدى قدرة قوانينه على حماية الإنسان البسيط من جشع الكيانات الكبرى. إن مواجهة هذا التغول المؤسساتي والتشريعي تقتضي منا، قبل كل شيء، نزع القداسة المزيفة عن هذه المنظومة القانونية المعاصرة وتفكيك وظيفتها الطبقية بوعي وجرأة. إن استعادة "دولة القانون" بمعناها الحقيقي والنبيل لا تبدأ من ردهات المحاكم الإدارية، بل تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها شأناً عاماً وحواراً مجتمعياً مفتوحاً، وتخليص القوانين من هيمنة الاحتكارات المالية والشركات العابرة للقارات. يجب أن نعيد طرح التساؤل الفلسفي الأبرز الذي طالما نادت به العقول الحرة عبر التاريخ: هل وُجد القانون لخدمة كرامة الإنسان وحريته، أم لضمان تراكم الثروات في جيوب فئة ضيقة من المتنفذين؟ إنها معركة وعي كبرى معركة لاسترداد المعنى الأخلاقي والاجتماعي للعدالة، بعيداً عن أوراق العقود الجافة ولغة الأرقام الصامتة التي تحاول جاهدة إلغاء إنسانيتنا وتطلعاتنا المشروعة نحو مستقبل أكثر إنصافاً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

حاولنا ولكن لن نكره

في التدافع اليومي للعلاقات والمواقف، كثيراً ما نواجَه بعباراتٍ محملة بالتناقض التي قد يرميها أحدهم في وجهك" أريدكِ أن تكرهيني" للوهلة الأولى، تبدو هذه العبارة سبيلاً مريحاً لقطع الالتزام، أو رغبة في التحرر من عبء الذنب، أو محاولة لإحداث قطيعة حاسمة تُعفي الطرف الآخر من تأنيب الضمير. لكن السؤال الأخلاقي والفلسفي الذي يفرض نفسه هنا ليس عن دوافع الطلب، بل عن قدرة الذات ذاتها: هل الكراهية عاطفة نملك تشغيلها بقرار، أم إنها خيارٌ يُخالف طبائع بعض النفوس مهما حاولَت؟

حين يطلب منك شخصٌ أن تكرهه، فهو يقول لك أن تستثمر جزءاً من طاقاتك النفسية والذهنية في أذيته أو نفيه. فالكراهية ليست فراغاً أو مجرد غيابٍ للحب، بل هي فعلٌ نَشِط يحتاج إلى تغذية مستمرة، واستحضارٍ دائم لصورة الآخر بوصفه خصماً أو مذنباً. ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته " العجز النبيل" ؛ فحتى عندما حاولنا أن نكره كاستجابةٍ لرغبة الآخر أو تحت ضغط الخيبة، وجدنا أن الامتناع عن الكراهية ليس ضعفاً ولا عجزاً عن مواجهة الجفاء، بل هو رفضٌ واعٍ لدفع هذه التكلفة الوجودية. الروح التي لا تستطيع الكره هي روحٌ ترفض ببساطة أن تبني في داخلها سِجناً مظلماً لمجرد أن الآخر يحتاج إلى هذا السجن كي يستريح من عقدة ذنبه.

إننا نعيش في عالمٍ تتراكم فيه الضغائن، وتتبدل فيه المواقف بسرعة، لكن تغير الود لا يعني بالضرورة. التحول الى النقيض. أن نقول حاولنا ولكن لن نكره، يعني أننا اختبرنا مساحة الوجع، وربما حاولنا الانزلاق إلى نفس منطق البغض، لكننا أدركنا أن الضد الحقيقي للانقطاع أو التخلي ليس البغض، بل الاستغناء والحياد الشفاف. أن تُجيب بأنك لن تكره، يعني أنك تُعلن استقلالك الأخلاقي؛ فأنت لا تسمح لأخطاء الآخرين أو رغباتهم أن تُملي عليك كيف تشعر أو كيف تتشكل روحك.

إن إغلاق الأبواب بوقار، وترك المسافات تتسع بنبل، دون تشويهٍ للماضي أو حقدٍ على الحاضر، هو أسمى صور الوعي بالذات. قد نبتعد، قد ننسحب، وقد يحلّ الصمت والحياد التام محلّ الدفء القديم؛ لكننا لن نكره... لا لأننا نعجز عن التعبير، بل لأننا نختار دائماً ...

***

بقلم: ندى صباح أسد الله

يوظف الادباء (الرمز) للتعبير عن المعاني الكامنة في نفوسهم، حين لا تتمكن اللغة بصورتها الطبيعية الكشف عنها، فتأتي ايحاءات الكلمات وايقاعها وظلالها، لترسم صوراً وتعبيرات مفاجئة، تضع الملتقي في دائرة الشعور الذي يثير فيه الدافعية للتفاعل ومن ثم تأويل معاني تلك الصور بفعل طغيان عنصر الخيال الذي من شأنه أن لا يسمح للعقل والعاطفة إلّا أن يعملا في تشكل الرمز الذي يُعدُّ مألوفاً في التعبير على حالة واحدة لا يخلو منها الرمز والكناية، وهي حالة الإفصاح المباشر.

واللغة سهلت سبل التواصل وأوجزتها بطريقة يسيرة، فحين نقول نخلة: يتبادر الى الذهن شجرة سامقة ذات عسب، وهذه اللفظة تنوب في الدلالة وفي أداء المقصود فيما لو اطلعنا عليها عياناً بالاكتفاء بالإشارة دون النطق.

فالادب العربي لم يعرف الرمز كما هو عند أدباء الغرب، ولكنه عرف (أسلوب الكناية) التي هي احدى الفنون البلاغية من اقسام علم البيان في البلاغة العربية.

حين نصف (فتى رياضياً) نقصد بذلك الكناية عنهُ بقوة عضلاته المشدودة، ولو وضعنا لفظة (أرمز) بدل (أكنّي) فإن المعنى يستقيم في دلالته على المقصود. وللتعبير عن تبدل الحال، أو تغيّر المودة يقول العرب: (قلبتُ لهُ ظهر المجنّ) أي الترس الذي يستعمله المحارب فيصد به السهام والضربات.

فالفكر العربي المُتيقّظ البارع قد سبق الغرب في هذا الأسلوب الجميل الذي يوحي بالفكرة، والدلالة من خلال عبارة قصيرة مكثفة المعنى.

وفي قصيدة مرسلة للأستاذ ألبير أديب بعنوان (حياتنا) يقول:

حياتُنا شبابٌ وفكرٌ أخضر

وعواطف من عملِ الربيع

وقلوبٌ من ندى الفجر

نجمعُها ونغسل ُبها أرضَ الازقة

أو نروي رمال الصحراء

ثم هي ليلى وضحاها

فاذا الزوبعة ُتذهبُ بنا

فنأخذ معنا كلَّ أحلامنا وأمانينا

ونحنُ على قدمٍ من الهاوية أو أقل

مازلنا نؤسسُ، ونبني، ونقيم

تتماهَى خلف ألفاظ القصيدة ايحاءات وشفافية تنمُّ عن فكرة غامضة في دلالتها على المعنى من خلال مبدأ (تراسل الحواس) الذي لجأ اليه الشعراء الرمزيون للتعبير عن معطيات حالة شعورية معينة ؛ لنقل الأثر النفسي، بما يفتح للمتلقى افاقاً رحبة للتخيل والتصور في اللاشعور. فالشاعر حين وصف (الفكر اخضر) منحه لوناً لطيفاً من الطبيعة المملوءة بالحياة، يشعر الانسان من خلاله بالسلام والأمان، وانشراح النفس. والعواطف (من عمل الربيع) الذي تبتسم فيه الدنيا، وتنبسط فيه النفوس. والقلوب (من ندى الفجر) في ظهور معلناً بداية يوم جديد، متخذاً من ذلك كله معادلاً موضوعياً للروح الإنسانية المتفائلة، المتطلّعة إلى المستقبل بضمير نقيّ أصيل.

أما في اسلوب الغرب عند استعمالهم للرمز تتبادر إلى الأذهان عبارة (ذاب بينهم الجليد) إذ تشير العبارة إلى رجوع العلاقات بين طرفين، أو كناية عن عودة أواصر المحبة والتعاون بعد انقطاعها مدة معينة من الزمن يقول (مالارميه: إنَّ شفقاً أبيض يبرد تحت جمجمتي) فيرمز إلى المخ ويُكنّي عنهُ فيصفهُ بهذا الوصف "شفق أبيض" في صورة قصيرة، وعبارة موجزة. إذ تمتد أواصر التواصل إلى الملتقى من خلال التفاعل الحي مع ما يلمّح به الأديب أو الشاعر، بتوالي التراكيب التي تثير العاطفة والخيال، وتثري الفكرة فتزيدها تأكيداً وغنًى في المعنى، وهذا هو المبدأ الذي تبدو عليه ملامح الرمزالقائم على آيديولوجيات بلاغية وفلسفية عميقة التأثير.

***

م. د. بتول أحمد سليم /كلية اللّغات/ جامعة بغداد

هناك أصدقاء تمنحنا الحياة فرصة التعرف إليهم، وهناك آخرون يصبحون جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا، فتغدو صداقتهم تاريخًا يمتد مع الزمن، لا تنال منه المسافات ولا تغيره تقلبات الحياة. ومن هؤلاء الصديق والرفيق العزيز الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام)، الذي عرفته قبل أكثر من خمسين عامًا، وما زالت تربطني به علاقة تقوم على المودة والاحترام والوفاء.

كان لقاؤنا الأول في بغداد عام 1975، في مرحلة كانت البلاد تعيش مخاضًا سياسيًا عسيرًا، حيث جمعنا العمل الوطني السري والنضال من أجل عراق حر، تسوده قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كانت تلك السنوات مدرسةً في التضحية، صنعت صداقات لا تقوم على المصالح العابرة، بل على الإيمان بالمبادئ والالتزام بقضايا الوطن.

لكن رياح السياسة كثيرًا ما تعصف بأحلام المناضلين. فقد جاءت الحملة الشرسة التي تعرضت لها القوى اليسارية عام 1977 لتفرق الرفاق، وينقطع التواصل بين كثير منهم، وكان فاخر واحدًا ممن غيبتهم ظروف تلك المرحلة القاسية عن الأنظار.

غير أن للأقدار طرائقها العجيبة في جمع الأحبة. ففي عام 1979، وبينما كنت أقيم في الجزائر، التقيت فاخر مصادفة في أحد شوارع العاصمة، وكان برفقة زوجته الفاضلة أم سلام. كان لقاءً استثنائيًا أعاد إلينا دفء الرفقة، وكأن السنوات الفاصلة لم تكن سوى أيام قليلة. ومنذ ذلك اللقاء، تشاركنا هموم الغربة، وتقاسمنا تفاصيل الحياة في المنفى، حتى اضطررت إلى مغادرة الجزائر متوجهًا إلى موسكو لإكمال دراستي العليا، لتنقطع بيننا الاتصالات مرة أخرى.

وتوالت السنوات، حاملة معها الكثير من المحطات المؤلمة. فقد انتقلت للإقامة في الأردن، حيث عملت أستاذًا في جامعاتها، قبل أن أحصل على اللجوء السياسي في الدنمارك عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وكانت تلك المرحلة من أصعب مراحل حياتي، إذ فقدت ابنتي الوسطى الحبيبة لينا إثر حادث اعتداء مدبر، وهو جرح ما زال يسكن القلب ولا يندمل بمرور الزمن.

وبعد استقراري في الدنمارك بعام تقريبًا، أخبرني الصديق الراحل عدنان أبو علي أن فاخر يقيم في مدينة قريبة من مالمو السويدية. فبادرت، برفقة الصديق الراحل عدنان فارس، إلى زيارته، وكانت زيارة لا تُنسى، استعدنا خلالها ذكريات بغداد والجزائر، واستحضرنا أسماء الرفاق الذين فرقتهم المنافي، وتحدثنا عن سنوات النضال بما حملته من أفراح وأحزان، وانتصارات وانكسارات.

وفي عام 2007، وبعد تأسيس الأكاديمية، التحق الدكتور فاخر بمنحة دراسية لإكمال الدكتوراه، ليحصل لاحقًا على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وينضم إلى الهيئة الأكاديمية، حيث عملنا معًا لسنوات طويلة، تجمعنا المسؤولية العلمية والاحترام المتبادل، إلى جانب صداقة رسختها عقود من التجارب المشتركة.

وأستطيع، بعد أكثر من نصف قرن من المعرفة، أن أقول بثقة إن فاخر لم يتغير. بقي الإنسان نفسه؛ المثقف الهادئ، والرفيق الوفي، والصديق الصادق، الذي يحمل في قلبه محبةً للناس، وإخلاصًا لرفاق دربه، وتواضعًا يزداد عمقًا كلما ازدادت مكانته العلمية.

واليوم، ونحن نحتفل بترقيته إلى مرتبة الأستاذية (Professor)، فإننا لا نحتفي بمنجز أكاديمي فحسب، بل بمسيرة إنسان كرّس حياته للعلم والفكر، وظل وفيًا لقيمه وأصدقائه، رغم كل ما واجهه من تحديات وتحولات.

أخي العزيز، ورفيق الدرب، الأستاذ الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام).. ألف مبارك هذا الاستحقاق العلمي الرفيع. لقد جاءت الأستاذية تتويجًا لمسيرة حافلة بالعطاء والبحث والالتزام، وهي شهادة يستحقها عن جدارة. أسأل الله أن يمنّ عليك بموفور الصحة والعافية، وأن يمد في عطائك العلمي والإنساني، لتبقى كما عرفناك دائمًا: عالمًا متميزًا، وإنسانًا نبيلًا، وصديقًا وفيًا.

***

البروفيسور وليد الحيالي

 

في الصباح، جاءني الخبر. خبر واحد، قصير، بارد، مثل كل الأخبار التي تعلن موت الطيبين في هذه الدنيا. (رضا البهات مات). وقفت أمام الجملة كما يقف الإنسان أمام بيت قديم فجأة يهدم، لا يدري لماذا يشعر بكل هذا الألم، ولماذا يشعر أن شيئاً منه قد انكسر، رغم أنه لم يكن يزوره، ولم يكن يسأل عنه، ولم يكن يقرأ له كثيراً. وهذا هو الألم بعينه.

لم يكن (رضا البهات) كاتباً يصنع ضجيجاً. لم يكن من الذين يقفون على المنابر، ولا من الذين يوزعون الابتسامات على النوافذ، ولا من الذين يتصدرون الصور. كان مبدعا خلاقا أصيلا يجلس في مكانه، ويكتب. يكتب كما تحفر النملة طريقها في الصخر، بصبر لا يعرف اليأس، وبهدوء لا يعرف الادعاء. وحين رحل، اكتشفنا فجأة أننا لم نكن ننظر إليه، وأننا لم نكن نراه أصلاً. كنا نمشي بجانبه كل يوم، فلا نلتفت. كنا نسمع صوته، فلا نسمع. كنا نقرأ اسمه، فلا نقرأ. وهذه هي لعنتنا نحن العرب لا نرى الرجال إلا بعد أن تبتلعهم الأرض!.

لا أكتب تأبيناً. التأبين كلام جاهز يقال في المناسبات، والمناسبات تليق بالموتى لا بالأحياء. أكتب لأن في موت هذا الإنسان شيئاً يخصني، يخصك، يخصنا جميعاً. أكتب لأن رضا البهات كان يكتب لنا، ونحن كنا مشغولين عنه. مشغولين بالضجيج، بالأسواق، بالثرثرة، بالتوافه، بكل شيء إلا بما كان يكتبه هذا الكاتب العظيم بصمت، وبنبل، وبنظافة يد.

كتب روايته «بشاير اليوسفي»، فكانت رواية من ذلك النوع الذي لا يكتب إلا مرة واحدة في العمر. رواية تحمل في داخلها زمناً كاملاً، بكل تعبه، وكل حلمه، وكل خيبته. رواية تشبه مرآة مصقولة، من ينظر فيها يرى وجهه، ويرى تاريخه، ويرى بلاده. لكن من منا وقف أمام هذه المرآة؟ من منا سأل نفسه من هو هذا الرجل الذي يكتب عني بهذا الصدق، وبهذا العمق، وبهذا الجمال؟

لا أحد. هذا هو الجواب الذي يؤلم، لأننا في عصر لا يقرأ. زمن صار فيه الكتاب عبئاً، والكلمة الطويلة ترفاً، والرواية الحقيقية شيئاً يخص الماضي. صرنا نبحث عن الإثارة السريعة، عن الدم المسفوح، عن الفضائح التي تتصدر الصفحات. صرنا جيلاً تربى على ثقافة الضجيج، فأصم آذانه عن أولئك الذين يكتبون بالهمس. والبهات كان من الهمس. كان من الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا أصحاب القلوب النقية، والآذان الصافية. لكن كم واحداً منا بقي قلبه نقياً، وأذنه صافية؟!

عاش (رضا البهات) بيننا سنوات طويلة. كان يكتب، ويبدع، ويحفر في صخر الإبداع بهدوء الحكماء. لكن أحداً لم يلتفت إليه. لا الصحافة الثقافية، التي صارت في غالبيتها أشبه بإدارة إعلانات للناشرين. ولا المجالس الأدبية، التي تحولت إلى سهرات اجتماعية تدور فيها النميمة أكثر مما يدور فيها النقد. ولا وزارة الثقافة، التي تخصص ميزانياتها لتكريم الأسماء البراقة، حتى لو كانت فارغة من كل شيء إلا من البريق. ولا الجامعات، التي تدرس الأدب كما يدرس المرء التاريخ القديم.. مادة للمتحف لا للحياة.

وهنا، اسمحوا لي أن أسأل السؤال الذي يؤرقني كيف نسمح للرداءة أن تتصدر المشهد الثقافي، بينما يموت النبلاء وحدهم في الزوايا؟!

الجواب واضح. واضح جداً لدرجة أنه يوجع. لأن النبل لا يدر ربحاً. والهدوء لا يصنع جمهوراً. والكتابة الصادقة الأصيلة لا تعرف كيف تبيع نفسها في سوق تحكمه العلاقات العامة والتسويق الرقمي. رضا البهات لم يكن يصلح أن يكون نجماً في عالم يقوم على الصورة أكثر مما يقوم على الكلمة، وعلى الظهور أكثر مما يقوم على الإبداع. كان من زمن آخر. زمن كان الكاتب فيه يحترم لأنه كاتب، لا لأنه يجيد التقاط الصور مع المشاهير، أو يطلق التصريحات النارية التي تتصدر الترند.

أعرف أنه لو كان يسمعني الآن، لابتسم. لابتسم ابتسامته الخفيفة الهادئة، وقال: «لا داعي لكل هذا». فقد كان يعرف اللعبة جيداً، وكان راضياً بحكمه، مقتنعاً بأن دوره في هذه الحياة أن يكتب لا أن يتسول الاعتراف. لكنني لست راضياً. ولن أكون. لأن المبدع الصادق لا يملك رفاهية الصمت عن الظلم الثقافي الذي يتعرض له أمثاله. المبدع الحق لا يملك أن يموت بصمت بينما يملأ السفهاء الدنيا ضجيجاً. المبدع الحقيقي لا يملك إلا أن يكون ثائراً على كل ما يجعل من النبل تهمة، ومن الرداءة بطولة.

رحل رضا البهات. ولم يزاحم أحداً. ولم يرفع صوته في وجه أحد. لكن الرحيل نفسه، بهذا الصمت المريب الذي أحاط به، يشبه اتهاماً موجهاً إلينا جميعاً. اتهاماً يقول أين كنتم؟ لماذا لم تحتضنوا موهبته وهو حي بينكم؟ لماذا لم تمنحوه جائزة واحدة تذكر من جوائز الدولة ؟ لماذا لم تدرجوا روايته في المناهج الدراسية؟ لماذا لم تخصصوا له حلقة تلفزيونية واحدة يعرف فيها الناس على عالمه الإبداعي؟

لا أملك الإجابات. ولا أظن أحداً يملكها. لكنني أملك اليقين بأن رحيل (البهات) لن يغير شيئاً في المشهد الثقافي العربي. ستمر أيام قليلة، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده؛ الصعاليك يتصدرون، والنبلاء يدفنون في مقابر النسيان. هذا هو القانون غير المكتوب لثقافتنا العربية، نحن لا نعرف قيمة الكنز إلا بعد أن نفقده، ثم نبكي عليه بكاء من لا يملك إلا البكاء.

ومع ذلك، أقولها بكل صراحة أنني أرفض أن يكون رضا البهات مجرد اسم في قائمة الراحلين. أرفض أن تكون «بشاير اليوسفي» مجرد رواية على رف بعيد يعلوه الغبار. أرفض أن يمر رحيله كما مرت حياته، بهدوء قاتل يوحي بأن النبلاء لا يستحقون إلا الصمت.

لقد خسرناه في الحياة. لكن لا ينبغي أن نخسره في الذاكرة. وإن كنا عاجزين عن تكريمه وهو حي، فلنكرمه الآن بالطريقة الوحيدة الممكنة، بأن نقرأه. وأن نعلم أبناءنا أن يقرؤه. وأن نقول بوضوح إن روايته كانت من أجمل ما كتب في هذه الأرض.

رحم الله الدكتور رضا البهات الطبيب الذي رحل عن 71 عاما. وأظنه الآن في مكان أفضل من هذا العالم الذي لم يمنحه حقه. لكنني لا أجد في هذا عزاء. فالمبدع الموهوب لا يعوض غيابه إلا حضور إبداعه، ولا يخلد إلا بالذاكرة التي نصنعها له بعد رحيله. فلنصنع له ذاكرة تليق به، ولو بعد فوات الأوان. ولنعترف، ولو متأخرين، بأن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نبنيه من صروح، بل بما نعرفه من أبنائها قبل أن يرحلوا.

*** 

د. عبد السلام فاروق

 

شارلي شابلن هل كان شيوعياً؟

"إن معرفة الإنسان هي أساس كل نجاح" شارلي شابلن

في شهر نيسان من عام 1889 م ولد اثنان من الرجال أولهما أبكى العالم بحروبه ومجازره الدموية هو ادولف هتلر والثاني اضحك العالم بأفلامه ومقالبه وطرائفه هو شارلي شابلن حيث ولد في لندن وقد سخر شابلن من هتلر في احد أفلامه المسمــى (الدكتاتور)، هذا هو الفرق الجوهري بين المولودين في نفس الشهر ونفس السنة والفارق كبير بينهما وصدق قول الشاعر أبي الصيفي حين قال:

فحسبنا هذا للتفاوت بيننا         وكل إناء بالذي فيه ينضح

وشارلي شابلن هذا الذي عاش بين 1889 – 1977 م ممثل ومؤلف ومخرج ومنتج سينمائي انكليزي الأصل أمريكي الجنسية، ومنذ صباه جذبه التمثيل الصامت فعمل في ملاهي لندن وظهرت مواهبه مبكراً ويبدو إن حياة لندن لم ترق له فهاجر الى الولايات المتحدة عام 1913 لعلها تفتح له آفاق جديدة في العمل السينمائي وحينما حط رحاله منها ابتكر شخصيته " شارلو " الهزلية فأصبحت له شهرة كبيرة بعد ان مثل عدة أفلام نالت استحسان الجماهير مثل " المتشرد" و " كارمن " و " المهاجر " وهي أفلام تفصح عما في داخلية نفسه من لواعج وآلام عكسها في أفلامه بشكل هزلي وقد صقلته التجربة فاخذ بعد إعوام قليلة ينتج أفلامه ويخرجها بنفسه فأنتج فيلم " حياة كلب " و " الغلام " وبذلك نال شهرة عالمية إلا انه لم يستقر في الولايات المتحدة ابل غادرها الى سويسرا في عام 1953 . لقد تناولت الصحافة العالمية الأمريكية منها والأوربية أعمال شابلن بالنقد المرير أحياناً وبالإعجاب أحياناً أخرى حسب الأيدلوجيات السياسية والفكرية التي تحملها هذه الصحف، غير إن الناس كانوا يرون فيه حبه لكل البشر بغض النظر عن القومية والدين واللون كما انه لم يكن مجرد مهرج يريد إضحاك الناس فهو ينتصر للفقراء ويدافع عنهم ذلك لأنه نشأ في كنف أسرة فقيرة وقد ذاق في طفولته مرارة الفقر والعوز .

جاء في مجلة العربي الكويتية العدد 231 – 1978 إن الكاتب الانكليزي سومرست موم " ارتكب " تحليلاً لشخصية شابلن زعم بها انه الفقير الدائم مهما أصابه من ثراء فهو يحن الى أيام الفقر ويسعى الى ممارسة مظاهره في تلذذ وقرأ شابلن هذا التحليل السخيف فجاء رده عليه كفنه العظيم حاسماً وبسيطاً وفاضحاً قال.. (ما رأيت قط في حياتي فقيراً يحن الى الفقر..)

ما يميز شابلن انه لم يعتمد على الكلام القبيح أو قضايا الجنس المبتذل، كان يسعى الى خلق المقالب التي يقع فيها هو في كثير من الأحيان وعادة ما تكون هذه المقالب ضد الأثرياء والمجرمين وأنظمة الحكم الفاسدة، وما ميز أفلامه إنها كانت ذات أهداف اجتماعية يسخر فيها الأغنياء الذين يذهبون الى المستشفيات الخاصة لإجراء عمليات تخليصهم من الشحوم المتراكمة في أجسامهم أي ما يسمى اليوم بعمليات ( شفط الشحوم )، لقد اتخذ شابلن بعض الأمور كعلامات لإعماله مثل : السروال العريض والقبعة والعصا والحذاء القديم المتهرئ وهذه العلامات عادة تثير الضحك عند المشاهدين وفي السينما الصامتة تعزف الموسيقى التصويرية من قبل فرقة موسيقية داخل السينما، فان أول فيلم مثله هو " آكل العيش " 1914، وهكذا جمعت أفلامه بين البؤس وحب الإنسانية وقد لاقت نجاحاً كبيراً مثل " الأزمنة الحديثة " " وملك في نيويورك " واجتاحت شخصيته العالم كله وغدت صوره على واجهات السينما وأوراق اللعب حتى تأثر فيه بعض الفنانين العرب واخذوا يقلدونه في حركاته ومنهم الفنان المصري نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وشكوكو .

في احد أفلامه يقوم برفع قطعة حمراء سقطت من سيارة نقل مواد البناء كانت توضع للتحذر وركض خلف السيارة لإعادتها الى مكانها وصادف أن كانت في الشارع مظاهرة لمجموعة من العمال احتجاجاً على ظروف العمل تدخلت الشرطة لتفريقها وبما انه كان يحمل قطعة حمراء ويركض أمام العمال تصور رجال الشرطة انه كان يقود التظاهرة مما أدى الى حجزه .  

والحق يقال إن شابلن كان يمتلك إحساساً طبقياً واضحاً تمثل في أفلامه الصامتة بشكل إيماءات دالة على ذلك الإحساس المرهف الذي تجسد في أعماله المختلفة لذلك كسب حب الجماهير، يقول عن هذا ( إن الناس يحبون الصراع بين الأضداد الصراع بين الخير والشر والقوي والضعيف والغني والفقير، ومن حسن حظي إنني صغير الحجم فالناس تدرك إن الإنسان الصغير الحجم يحظى دائماً بعطفهم وقد استفدت من هذه الظاهرة بضم أكتافي وادلل شفتاي، فلو كنت اكبر من حجمي هذا لفشلت في فهمتي).

محاكمة شارلي شابلن:

بعد انتقاله الى الولايات المتحدة وتحديداً في عام 1948 وجهت الحكومة الأمريكية اتهاماً بأنه ينتمي الى الحزب الشيوعي الأمريكي وكانت الحكومة الأمريكية وقتها تخشى انتقال الأفكار الشيوعية لها خاصة بعد الانتصار على النازية وسطوع نجم الشيوعية في العالم لذلك نشطت المخابرات الأمريكية في رصد تحركات عدد من الشخصيات المهمة كما شكل الكونجرس الأمريكي لجنة لمحاكمة هؤلاء الذين يشتبه في انتمائهم الى الأحزاب الماركسية وكان من بين ضحايا هذه الإجراءات الممثل الكوميدي شابلن فعرض على لجنة التحقيق التي ألفها الكونجرس الأمريكي عام 1948 وقامت هذه اللجنة باستجوابه ووجهت إليه عدة أسئلة نشرتها مجلة (الجيل) اللبنانية في عددها (3) لسمنة 1998 وجاء فيها:

هل شاركت في أنشطة الحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك احد أعضاء الحزب الشيوعي؟

هل قدمت أي مساعدات للحزب الشيوعي؟

هل تعتبر نفسك متعاطفاً مع دوافع الحزب الشيوعي الأمريكي؟

هل سبق وان دعوت أحداً من موظفي السفارة الروسية الى منزلك؟

ما رأيك في الحكومة السوفيتية؟

هل تعتقد إن نمط الحياة الشيوعية أفضل من نظيره الأمريكي؟

هل كنت عضواً في جمعية الصداقة الأمريكية – السوفيتية؟

هل تعتبر نفسك تابعاً للخط الشيوعي؟

هل ساهمت في تدعيم نشاط الحزب الشيوعي الأمريكي؟

مسكين شارلي شابلن لقد وقف أمام لجنة التحقيق ساخراً كعادته وأجاب بطريقة عفوية تعبر عن إنسانيته ومرحه وحبه لكل الناس واحترامه للقانون قال مخاطباً لجنة الكونجرس العاتية (أنا مواطن عالمي وانتظر اليوم الذي تسقط فيه الحدود بين بلاد العالم ..) وقال (أنا اكره النازية والفاشية إنني شعرت بالفرح عندما أنجزت فيـــــلم "الدكتاتور" الذي هاجمت فيه هتلر وسخرت منه ..) وأجاب على احد الأسئلة التي وجهت له إنني لست معادياً للاتحاد السوفيتي إلا إذا قام بغزو أمريكا . لقد أدان شابلن في استجوابه الديمقراطية الأمريكية واعتبرها ناقصة، واعترف انه ليس له أي انتماء سياسي أو حزبي لكنه يحب الاتحاد السوفيتي لأنه قام بعمل عظيم أدى الى انهيار النازية وهذه النتيجة هي من مصلحة الروس والأمريكان لان هتلر كان عدوهما المشترك .

وقال في بعض إجاباته: إنني ليبرالي تقدمي وأؤمن بوحدة الشعوب وتحسين مستوى المعيشة للشعب الأمريكي وإنني لا أحب الحرب بل أحب عملي الذي هو صلب اهتمامي الأساسي .

كانت هذه الإجابات كافية لان يكون شابلن بريئاً ونبيلاً وعزيز النفس فغادر الولايات المتحدة الى سويسرا عام 1953 وواصل منها عمله وأفلامه الصامتة التي ضحكت العالم حتى رحيله عامة 1977 م . 

***

غريب دوحي

في نقد المجاملة داخل المنتديات الأدبيّة

لم تعد المشكلة في المنتديات الأدبيّة افتقار النصوص الشعريّة إلى القرّاء، بل ربّما في أنّ كثيرًا منها يفتقر إلى القارئ الذي يقرأ حقّا.

فبمجرّد أن يُنشر نصّ شعريّ، تنهال عبارات الإعجاب: رائع، مبدع، أبدعت، سلمت أناملك، نصّ يلامس الروح...إلخ وكأنّ وظيفة القارئ قد اختُزلت في التصفيق، وكأنّ النصّ لا يحتمل سؤالًا ولا ملاحظة ولا اعتراضًا.

ولا شكّ أنّ التشجيع قيمة إنسانيّة وأدبيّة جميلة، خصوصًا في فضاء المنتديات الذي يجمع الهواة والمحترفين، ويحتاج فيه الكاتب إلى من يساند تجربته.

لكن حين تتحوّل المجاملة إلى موقف نقدي دائم، فإنّها لا تخدم الشاعر، بل تضرّه؛ لأنّها تمنحه شهادة جودة مجانيّة، وتحجبه عن رؤية ما في نصّه من ضعف أو ترهّل أو اضطراب.

الشعر ليس جميلًا لأنّه كُتب بحماسة، ولا لأنّ صاحبه عزيز على قلوبنا، ولا لأنّ اسمه معروف بين الأعضاء.

الشعر جميل حين ينجح في تحويل التجربة إلى لغة، واللغة إلى صورة، والصورة إلى معنى، والمعنى إلى أثر. ومن هنا يصبح من حقّ القارئ أن يسأل: هل الصورة جديدة؟ هل العبارة ضروريّة؟ هل الوزن منضبط؟ هل القافية جاءت طبيعيّة أم جرّت المعنى إليها؟ هل هناك انسجام بين الألفاظ والفكرة؟ وهل يقول النصّ شيئًا يستحقّ أن يُقال، أم أنّه يعيد المألوف بعبارات مزخرفة؟

النقد الحقيقي لا يعني البحث عن العيوب لمجرّد إثبات المعرفة، كما أنّه لا يعني إعدام النصّ تحت سيف المصطلحات.

النقد حوار مع النصّ؛ يبدأ من الاعتراف بما فيه من جمال، ثمّ يتوقّف عندما يحتاج إلى إصلاح.

لذلك يمكن أن نقول للشاعر: هنا صورة موفّقة، وهنا بيت جميل، لكن هذا التركيب غامض، وهذه الكلمة تبدو مقحمة لخدمة القافية، وهذا المعنى يحتاج إلى بناء أعمق.

تلك ليست إساءة إلى الشاعر، بل احترام له وللنصّ الذي بذل فيه من روحه ووقته.

والأخطر من المجاملة أن يتواطأ أعضاء المنتدى، من حيث لا يشعرون، على صناعة وهم أدبيّ جماعيّ: يصفّق الجميع، فيظنّ الشاعر أنّ النصّ مكتمل؛ ثمّ يكرّر الأسلوب نفسه في نصوص لاحقة، وتتحوّل الأخطاء إلى سمات ثابتة في تجربته، وهنا تصبح المجاملة عائقًا أمام التطور؛ لأنّ الكاتب لا يتطوّر بما يسمعه من المديح، وإنّما بما يفهمه من الملاحظات الصادقة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل النقد إلى قسوة أو استعراض.

فهناك فرق بين أن تقول: هذا البيت ضعيف البناء الدلالي، وأن تقول: لا تعرف كيف تكتب.

الأول نقد للنصّ، والثاني حكم على صاحبه.

نحن ننقد ما كُتب، لا من كتب.

وهذه قاعدة أخلاقيّة ينبغي أن تظلّ حاضرة في كلّ نقاش أدبيّ.

كما أنّ القارئ نفسه مسؤول عن الارتقاء بالمشهد وليس مطلوبًا منه أن يكون ناقدًا أكاديميّا حتّى يقدّم قراءة نافعة. يكفي أحيانًا أن يقول: استوقفتني هذه الصورة لأنّها موحية، بينما لم أفهم المقصود من هذا البيت؛ فحتّى هذه الملاحظة البسيطة قد تكون أكثر قيمة من عشر عبارات مديح جاهزة.

إنّ المنتديات الأدبيّة ليست قاعات احتفال بالشعراء، بل يمكن أن تكون مختبرًا حقيقيّا للنصوص، فيها يتعلّم الكاتب من قارئه، ويتعلّم القارئ من النصّ، ويتعلّم الجميع من اختلاف الرؤى. وإذا كان الهدف هو الانتصار للجمال والمعنى، فعلينا أن ننتصر أوّلًا للحقيقة الأدبيّة: ليس كلّ ما نحبّه جميلًا، وليس كلّ ما نختلف معه ضعيفًا، وليس كلّ مديح تقديرًا، وليس كلّ نقد تجريحًا.

ولعلّ أجمل خدمة نقدّمها للشاعر أن نقرأ نصّه كما لو أنّنا لا نعرف صاحبه، عندها فقط سنرى النصّ لا الاسم، والقصيدة لا صاحبها، والجمال لا المجاملة.

فالشاعر لا يحتاج دائمًا إلى من يصفّق له؛ أحيانًا يحتاج إلى قارئ يقول له بصدق: هنا أبدعت، وهنا كان يمكن أن تكون أجمل.

وحين يصبح هذا النوع من الحوار هو السائد، تنتقل المنتديات من فضاء لتبادل المجاملات إلى فضاء يصنع الذائقة، ويهذّب التجربة، وينتصر فعلًا للجمال والمعنى.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

جربة في 2026/08/17

تشكلت في الغرب موجة تأليف تستهدف تحقيق ما يسمى بالتربية المثالية، سواء من خلال استعراض الأخطاء الواجب تلافيها في تربية الأبناء، أو القواعد التي يجدر اتباعها لتمكين الطفل من تنشئة سليمة.

وبسبب حرصنا على استجداء الغث والسمين، مما أرهق منظوماتنا التربوية بداء التجريب المزمن، نصر على تجاهل التصورات والرؤى الواثقة والمنسجمة مع هويتنا الإسلامية وعطائنا الحضاري.

إن النبي المعلم صلى الله عليه وسلم لم يقف عند حدود التبليغ، بل باشر بنفسه صوغ الحقيقة الإسلامية، وإرساء معالم تربية شاملة تستوعب كافة مناحي الحياة؛ فقد حرص صلى الله عليه وسلم على إدماج الطفولة في مخططه لبناء مجتمع إسلامي جديد، وفق معايير اجتماعية مغايرة بشكل واضح لما كان سائدا من قبل. ويشكل القطع مع المألوف الجاهلي في معاملة الأطفال رهانا حضت جملة من الأحاديث النبوية على كسبه، لتثبيت معادلة حضارية مفادها: إن بناء المجتمعات لا يمكن أن يتحقق في ظل تنشئة عرجاء، أو وضع تربوي مختل. لذا نجد أحاديث عديدة تنص على العدل بين الأبناء، وتكريم الأنثى في صباها.

روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم تدركه ابنتاه فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة)

وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).

بيد أن التكريم النبوي للطفولة لم يسلك فقط سبيل الخطب والعظات والوصايا، وإنما نحا منحى واقعيا تم من خلاله تحديد الإطار الذي ينبغي أن يتحرك داخله المسلم في علاقته بهذه المرحلة العمرية الهامة. وهو إطار يستلهم مبادئ الإسلام القائمة على التكريم والتسخير والاستخلاف. لذا فإن استحضارنا لبعض صور معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للطفل يروم في الحقيقة تثوير الحدث أو الموقف، وكشف ما ينطوي عليه من رسائل وتوجيهات عملية، تثبت أن بعض ما يتردد اليوم من مقولات التربية الحديثة ليس سوى رجع للصدى !

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوما على دابة وهو غلام، فخصه بدرس يعده أهل العلم من أمهات العقيدة الإسلامية: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.

غير أن لهذا الحديث أيضا أبعادا تربوية، تستوقفنا لفرط تطابقها مع بعض ما بلغته التربية الحديثة من فهم أفضل لعالم الطفولة.

 إن أول سؤال يقفز إلى الذهن حين نستعيد الحديث ضمن سياق تربوي محدد هو: لماذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم غلاما صغير السن بدرس مثقل بالقضايا الإيمانية، حتى وإن أوجزت في" كلمات"؟ وهل بمقدور غلام آخر يملك صفات وقدرات عادية أن يستوعب الأصول والكليات الجليلة التي اشتملت عليها هذه الكلمات؟

إن الأمر يتعلق حقيقة بصبي غير عادي، تجلى في ملكاته وصفاته دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وفي كتب الحديث مواقف أخرى لابن عباس تؤكد تميزه عن سائر أقرانه في التقاط معان وإشارات تفوق سنه، وخصائص مرحلته النمائية. فما الذي تقرره التربية الحديثة في هذا الشأن؟

تخلص الباحثة "ستيفاني ليرنر"، بعد تناولها للسير الذاتية لأكثر من ثلاثين شخصية مشهورة، إلى أن المنظومة المجتمعية تقترف خطأ فادحا حين تسعى لتوحيد المعايير التربوية، دون مراعاة الفروق الواضحة بين الطفل العادي والطفل "المميز"، والذي يحلق خارج السرب ويسعى لفرض إيقاعه الخاص. ومرد هذا الخطأ، برأي الباحثة، إلى الاعتقاد السائد بأن المطلوب من الأطفال هو الاندماج السلس في محيطهم الاجتماعي، والسير على خطى أترابهم وأقرانهم. في حين أن الطفل الذي يتمتع بصفات غير مألوفة، ويمتلك رؤية خاصة وملهمة لتغيير العالم على نحو إيجابي، لا يمكنه أن يتلاءم مع هذا التوجيه. إن ما يبديه الصغار من تحفظ إزاء المواقف الاجتماعية السائدة أمر لا ينبغي أن يثير مخاوف المربين، بل يجدر بهم حفز تلك الرغبة في التميز والتفرد والتفكير على نحو مختلف، لأن الصفات والميزات غير العادية هي حجر الأساس الذي يساعد الطفل على تحقيق ذاته نحو الأفضل، سواء تعلق الأمر بطريقة في التفكير أو موهبة، أو أي عامل آخر يرتقي به فوق مستوى المألوف، ويجعله استثناء عن الجموع ينبض بالحياة والنشاط.

يجب علينا أن نشجع عنصر التفرد والتميز، تقول ليرنر، لدى جميع الأطفال. في واقع الحال نحن نقوم عادة بمكافأة الأطفال العاديين على كونهم متشابهين وغير مختلفين، وهذا بدوره يشكل مفتاح من هم وماهم عليه .مع ذلك، فإن أولئك الأطفال أيضا قد يمتلكون صفات وميزات رائعة ومميزة ولكنها لن تتعزز وتبرز ما لم يتم اكتشافها ورعايتها جيدا.(1) وهي الرعاية التي فطن السلف إلى أهميتها في إمداد عالم الكبار بأفكار ورؤى قد يحجبها التقليل من شأن الطفولة في تغذية أسباب النهوض والتقدم .

 من أبرز صور هذه الرعاية حرص الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على استشارة "الفتيان" في الشؤون العامة، وتخصيص مقعد استشاري لغلام بني العباس إلى جوار أشياخ بدر !

وإذا كان عالم الطفولة خلوا من التكاليف الشرعية إلى حين، فإن الأمر مختلف تماما فيما يتعلق بالتربية على المسؤولية والواجب. لذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحث على عدم إهمال أي تصرف شاذ بحجة أنه صادر عن طفل غير مدرك لتبعات سلوكه، أو أن المخالفة يسيرة مادام مرتكبها صغيرا لا يعقل.

في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟"

وفي مسند الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدخل أصبعه في فم الحسن فانتزع التمرة، ثم قال: إنا آل محمد لا نأكل الصدقة.)

إن الحنان الأبوي لا يتعارض مع حمل الطفل على التمسك بالحدود والمبادئ المقررة؛ فالتنشئة السليمة تستلزم قدرا من الحزم والزجر الذي يصون أفعال الصغير عن العبث. غير أن هناك فرقا واضحا بين تنشئة الطفل على الطاعة، وبين تعويده الاحتكام إلى منهاج شخصي للأخلاق، يستمد منه قراراته ومواقفه، ويستضيء به في تفاعله مع محيطه الاجتماعي. وتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتزع التمرة من فم حفيده فحسب، بل أحاله على الدستور الأخلاقي الذي يحكم آل محمد! مؤكد إذن أن الطفل هنا سيُظهر استجابة واعية لما يتطلبه شرف الانتساب من عدم إخلال بالتوجيهات الأخلاقية.

مؤسف حقا أن عددا من المشاكل التي تواجهها الأسرة المسلمة اليوم وثيق الصلة بالتفريط في الحزم والصرامة الضروريين، لتعويد الطفل الاحتكام إلى مبادئ أخلاقية توجه الفكر والسلوك. ومؤسف أيضا أن عددا من الآباء يفضلون إرجاء الأمر حتى ينضج الطفل ويصبح جاهزا لتحمل المسؤولية، لأن الطفولة برأيهم استمتاع ولعب وعبث لا يقع تحت طائلة المحاسبة !

هل يبدو الأمر كذلك من وجهة نظر التربية الحديثة؟

يؤكد الباحثان آلان وروبرت ديفيدسون على أن الخطر يكمن في تنشئة أطفال مطيعين، يتبنوا في سلبية واستسلام قيم آبائهم وأفكارهم؛ وبمجرد أن تعترضهم إغراءات بانتهاك تلك القيم، لا يملكون القدرة على التصدي لها، لأن المعتقدات الداخلية تعوزهم. فتكون النتيجة عند مواجهتهم لموقف معين هي الاستجابات العشوائية والافتراض المتهور.

غير أن تعويد الطفل على الإحساس بالمسؤولية والانحياز للمبادئ والقيم لا يمكن أن يتحقق عبر إملاء السلوك الأخلاقي، بل ينبغي أن ينبع من الداخل: من بذور الاستقلالية التي يزرعها الآباء والأمهات لحظة تشكيل الهوية الذاتية لصغارهم:" إن الآباء والأمهات الذين يحاولون أن يملوا سلوكا أخلاقيا معينا على أبنائهم يفاجئوا بأن أبناءهم يتمردون على أبسط الأخلاقيات. لابد للإحساس بالمسؤولية أن ينمو داخليا من بذور الاستقلالية التي يزرعها آباء وأمهات على استعداد دائم لأن يجعلوا أبناءهم يشعرون بمشاعرهم الخاصة، ويشكلون هويتهم الذاتية.

يؤمن الآباء والأمهات الناجحين الذين التقينا بهم أن محاولة التأثير على قرارات أبنائهم الخلقية، أو وعظهم بمواعظ معينة هي من أكبر الأخطاء، وهذا لا يعني أنك لا تستطيع أن تشرح وجهة نظرك، بل لابد أن تفعل هذا. هنا يأتي دور الأسلوب المباشر لتعليم الأخلاقيات، لكنه عادة لا يكفي لأن الأبناء بحاجة لمن يعلمهم كيف يعيشون في إطار أخلاقي."(2)

و يكشف لنا حضور النبي صلى الله عليه وسلم في عالم الطفولة بعدا تربويا آخر لا يقل أهمية عما أسلفنا؛ يتعلق الأمر بتوسيع دائرة الشورى والحوار وفضيلة الإنصات، واحترام الرأي الآخر لتشمل الصغار أيضا، مما يُشعرهم بكرامتهم، ويحررهم من عوامل الخوف والقلق، ويعزز ثقتهم في أنفسهم.

روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره. فقال: "يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه".

وكيف لا يفعل وهو الذي بعثه الحق سبحانه لتستعيد البشرية حريتها وكرامتها، ودورها في الإعمار وتحقيق مبدأ الاستخلاف؟ وهل تنهل التعاليم فاعليتها من غير معين حاملها والمبشر بها؟

 إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليبني الشخصية الإنسانية لا ليهدمها، ودعامة البناء هنا هي تعزيز الثقة وبث الروح الإيجابية واحترام الذات.

وكون الحرية شرطا للوجود الإنساني يجعل من استحضار عناصرها ومقوماتها في التنشئة ضرورة لا غنى عنها، لتخريج جيل سوي وقادر على مواجهة أعباء النهوض والتقدم. إن هذا الموقف النبوي إزاء الغلام يستحثنا على مراجعة العديد من تمثلاتنا حول الطفولة، وجاهزية الطفل للاندماج في عالم ناضج. تمثلات تستمد مرجعيتها من تقاليد عشواء وموروث يغلب عليه قصر النظر وسوء الفهم.

يحيلنا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام على مسلك تربوي مهم تلح الأدبيات التربوية الحديثة على مراعاته ضمانا للتوافق النفسي والاجتماعي للطفل. يتعلق الأمر بحاجته للشعور بأنه محبوب ومرغوب فيه من لدن كل من يتعاملون معه، وأن له قيمة ينبغي أن تُحترم وحضورا يجب أن يُصان.

وتغذية الحاجة إلى التقبل والاحترام تُجنب الطفل كل ميل إلى السلبية والانطواء وكراهية الآخر، مما يعزز ثقته بذاته، ويضمن انخراطه على نحو إيجابي في النسيج المجتمعي.

 تقول أخصائية التربية كريستين دورهام:" إذا أردنا لأولادنا أن يتمتعوا باحترام الذات وبثقة عالية بالنفس، علينا أن نشجعهم على إيجاد حلقة مفيدة (وليس حلقة مفرغة)، حيث تؤدي الثقة بالنفس إلى التحفيز، ويؤدي التحفيز إلى طريقة تفكير أفضل وأوسع آفاقا، وتؤدي طريقة التفكير الجيدة إلى الثقة بالنفس " (3).

إن استعراض تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في عالم الطفولة، يكشف الهوة المؤلمة التي خلفها انفصال الفكرة عن السلوك، واحتكام مجتمعاتنا في صوغ سياساتها التعليمية إلى منظومة فكرية متغربة وقلقة، وإلى توجيهات وتوصيات تحيل الجبل الشامخ إلى كومة تراب على حد التعبير الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال !

وما لم تبادر الأمة إلى المصالحة مع ذاتها وهويتها عبر تربية تصل الماضي بالحاضر، فإن كل الوصفات المستوردة لن تحقق ما نطمح إليه من تغيير للمسار، وانتفاع راشد بثمار الحضارة .

***

حميد بن خيبش

......................

1 – ستيفاني ليرنر: الأولاد الذين يفكرون خارج المألوف. مكتبة العبيكان . 2008 . ص 38-39

2 – آلان وروبرت ديفيدسون: كيف ينشئ الآباء الأكفاء أبناء عظاما. مكتبة جرير. 2004 .ص 255

3 – كريستين دورهام: تنمية الإبداع عند الأولاد. دار الفراشة للتوزيع والنشر. 2009 .ص 29

بتنا نتجه نحو ممارسات طبية بدائية

في القرن الثاني عشر وفي إيطاليا بالتحديد، قدم الأطباء من المدرسة الطبية في ساليرنو توصيفًا للأعراض المرتبطة بحالة طبية تعرف بالبليثورا، والتي تتمثل في زيادة السوائل الدموية داخل الجسم، وقد وصفوها بأن وجه المصاب يظهر محمرًا، وعيناه تبدوان كبيرتين ولامعتين بشكل بارز، كما يتسم الخدان والجسم بالامتلاء.

إذا انتقلنا إلى أغسطس، آب 2025، أشار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، (روبرت ف. كينيدي جونيور1954)، إلى أنه يلاحظ حالة الأطفال وهم يسيرون في المطارات أو الشوارع، آذ يعانون من تحديات في (الميتوكوندريا Mitochondria) (1)  والالتهابات، وهذا ينعكس على تعابير وجوههم وحركات أجسادهم ونقص تفاعلهم الاجتماعي.

على الرغم من أن القرن العشرين شهد تقدمات طبية وتكنولوجية جذرية، مثل علاج الأمراض البكتيرية الخطيرة، وفهم بنية الحمض النووي ودراسة حركات القارات، إلا أن القرن الحادي والعشرين يبدو وكأنه يتجه نحو العودة إلى ممارسات طبية بدائية تشبه تلك التي كانت منتشرة في العصور الوسطى، أذ استخدمت وسائل مثل الحجامة والشفاء بالتطهير، والمساج اليدوي. وهذه تعتبر مثيرة للجدل في الطب الحديث وقد يُنظر إليها على أنها مضللة.

دليل الممارسات الطبية في مخطوطة تعود إلى القرن الرابع عشر بيَّن مواقع في جسم الإنسان يجب إخضاعها للنزيف من أجل معالجة أمراض محددة. أما اليوم، فإن بعض المواقع الإلكترونية مثل موقع Etsy : وهو سوق إلكتروني عالمي للتجارة الإلكترونية، يربط بين الحرفيين والفنانين وأصحاب المشاريع الصغيرة المستقلة وبين المشترين الباحثين عن المنتجات الفريدة، اليدوية، المبتكرة، والقطع القديمة (الأنتيك) التي يمر عليها 20 عاماً على الأقل، بعيداً عن السلع المنتجة آلياً وبكميات ضخمة.

وفيه تعرض منتجات مثل "تعويذة تغيير الجسم" التي تعد بفقدان الوزن السريع و"جسم مثالي" بسعر زهيد، ويتم أيضاً تسويق "تعويذة الجمال الفائقة" مع خصومات ملحوظة بينما تُتاح إمكانية الاسترداد في حال عدم تحقيق النتائج المرجوة.

كذلك شهدت فعاليات - مؤتمر العلاج بالطاقة - حضور الآلاف في ولايات يوتا ومونتانا وأيداهو الأمريكية، آذ تجمع مختصو تقنيات التنفس وأساتذة الريكي وعشابين لتبادل المعارف القديمة. وفي نفس السياق، يوجد نقاش على منتدى Reddit في قسم r/astrology حول المواقع الفلكية الأنسب لإجراء "عمليات جراحية اختيارية".

يعود جزء من هذا التوجه إلى فقدان الثقة في المؤسسات العامة، وبصفة خاصة تلك المرتبطة بالصحة العامة، ويتأسس جزء من هذا الانعدام في الثقة على تداعيات جائحة كوفيد- 19 .

 يرى (روي بيرليس)، أستاذ الطب النفسي من (جامعة هارفاردHarvard University) وهي جامعة أبحاث خاصة تقع في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية. (أن الجائحة كانت واحدة من المناسبات الأولى التي شهد فيها الناس كيفية تطور العمليات الطبية وما تتضمنه من تعثرات وبدايات غير مستقرة آذ يتعين على العلماء تعلم معلومات جديدة ويمكن ارتكاب الأخطاء).

اتسمت العملية العلمية خلال الأزمات بانعدام الشفافية ما أدى إلى فراغ في الثقة، استغلته شخصيات مؤثرة في مجال الصحة. يوضح بيرليس أن الناس أصبحوا يطرحون العديد من الأسئلة حول صحتهم، لكن المعلومات المتاحة رغم كثرتها تفتقر للدقة وتهدف غالبًا لترويج منتجات أو الانتقاص من مصداقية المؤسسات.

كما يتزايد اعتماد الأمريكيين على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وبرامج الدردشة الآلية للحصول على نصائح صحية. يشترك ملايين الأشخاص في قنوات مؤثرين صحيين على موقع يوتيوب مثل (إريك بيرغ)، الذي يدعي فوائد الفضة الغروية في علاج التهاب الحلق المصحوب بالبلغم دون دليل علمي حقيقي.

كما تنتشر رسائل مضللة من الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب 1946) ووزيره (روبرت كينيدي جونيور) حول الرعاية الصحية، خاصة فيما يتعلق بتغيير سياسات التطعيم المتبعة لعقود. فقد وصف ترامب جرعات اللقاح للأطفال بأنها "زجاجة مشروب غازي"، بينما هي أصغر بكثير من ملعقة صغيرة في الحقيقة. كما روّج (روبرت ف. كينيدي جونيور) لمزاعم مثيرة للشك حول اللقاحات ومضادات الاكتئاب والفلورايد، بالرغم من ضعف الأدلة الطبية المؤيدة لذلك.

(ميغ ليجا)، أستاذة تاريخ العصور الوسطى الأوروبية في (جامعة بينغهامتون Binghamton-University) (2)، تشير إلى التشابه بين الدعاية الحالية للمنتجات الصحية والمفاهيم الوسطى فيما يتعلق بالتطهير وإزالة السموم.

مواقع الإنترنت التي تروج لمنتجعات (الأياهواسكا ayahuasca) وهي ليست "منتجات" بالمعنى التجاري، بل هي مشروب مخدر ومهلوس تقليدي يُصنع من مزيج نباتي من غابات الأمازون يحتوي على مادة DMT المؤثرة عقلياً ويُستخدم في طقوس روحية وعلاجية.. تعرض تلك المواقع الفوائد العاطفية والروحية للتقيؤ الناتج عن تناول مزيج النبات.

 ترى ليجا أن بروتوكولات "تنظيف الجسم بالعصائر" اليوم تعكس النهج الذي كان سائداً قبل ألف عام بسبب نقص المعرفة الطبية في تلك الحقبة. آنذاك، اعتمد الناس على أمور يمكنهم مراقبتها مثل دورات القمر أو الدورة الشهرية بسبب عدم توفر تكنولوجيا التحليل المعاصرة.

ترى ليجا أن مقارنة الأوضاع الحديثة بالمجتمعات القديمة ليست دقيقة. ما نفعله اليوم لا يتماشى مع فهمنا الطبي الحالي، حتى لو بدا متشابهًا ظاهريًا مع ممارسات - العصور الوسطى - التي شملت الفصد والحقن الشرجية، والتي كانت تبدو منطقية ضمن الإطار العلمي آنذاك.

والفصد + الحقنة الشرجية هما طريقتان طبيتان لعلاج أو تنظيف الجسم، الفصد هو إخراج كمية من الدم من الوريد (ويُعرف حديثاً بالفصد العلاجي لبعض الأمراض مثل زيادة الحديد)، بينما الحقنة الشرجية هي إدخال سائل أو دواء عبر فتحة الشرج إلى المستقيم لتنظيف الأمعاء أو علاج الإمساك.

ورغم أنّ سلطة الأطباء كانت محورية في العصور الوسطى وإن بدت بعض العلاجات آنذاك غير فعالة وقاسية لنا اليوم، إلا أنّهم أيضاً شهدوا انهياراً في الثقة المؤسسية مشابهًا لما حدث بعد جائحة كوفيد-19، مشابهًا للحالة التي واجهوها مع الطاعون الأسود.

(روبن إس. رايش)، أستاذ التاريخ بـ (جامعة سياتل(Seattle-University، وهي جامعة يسوعية كاثوليكية خاصة تأسست عام 1891، وتقع في حي فيرست هيل بمدينة سياتل في ولاية واشنطن الأمريكية.. أشار إلى تجربة الأطباء الأوروبيين الذين لم يفلحوا في علاج المرض بأدويتهم.

لكن على عكس ذلك، لم يواجه العالم الإسلامي أزمة ثقة مماثلة بفضل سياسات صحية عامة متماسكة. الممارسات الطبية كانت متشابهة إلى حد كبير عبر العالم، لكن التماسك في الرسائل ساعد على بناء مستوى من الثقة لم يكن موجودًا في أماكن أخرى.

كان لدى العالم الإسلامي فهم قوي لمفهوم الحجر الصحي كما أشارت الأحاديث النبوية إلى ذلك بإجراءات ورؤية واضحة أسهمت في تعزيز التدابير الصحية.

كانت - نظرية الأخلاط Humor theory  - التي تتعلق بسوائل الجسم الحيوية مثل الدم والبلغم والصفراء والسوداء قد نشأت في اليونان القديمة واعتمدها الأطباء لقرون عديدة في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا كجزء من نظرياتهم الطبية الأساسية.

تعود جذور نظرية الأخلاط الأربعة، أو ما يعرف بالسوائل الحيوية للجسم - الدم والبلغم والصفراء والسوداء - إلى اليونان القديمة، واستمرت تأثيراتها لقرون في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

سلّطت الباحثة رايش الضوء على بعض الأوجه المشتركة بين تلك الحضارات الفائتة والعصر الحديث، إذ نعيش اليوم في فترة يبحث فيها الناس عن تفسيرات للحياة الصحية ولا يعتمدون كثيرًا على آراء الخبراء. هذا الاتجاه نحو الطب العشبي والعلاج الشعبي يعكس حاجة ملحة للعودة إلى بساطة السابق، آذ بدت حياتنا الحالية معقدة بسبب النظم القاسية.

يشعر الناس بالإحباط من نظام الرعاية الصحية بشكل عام، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأدوية. يدرك بيرليس أن نظام الرعاية الصحية الحالي لا يخلو من العيوب، مشيرًا إلى النفوذ الكبير الذي مارسته صناعة الأدوية لأجيال. وكان تأخير الأطباء في تحديد المخاطر أحد أسباب هذا الاستياء. انتقاد الأفراد الذين يأتون بخلاصات خاطئة هو أحد الإشكاليات في مجال الصحة العامة.

فعلى سبيل المثال، قد يكون ولي الأمر الباحث عن علاج عاجل لطفله أكثر عرضة لتصديق أي إجابة تُقدّم له تلقائيًا، حتى وأن كانت قراءة دعاء الشفاء عليه من قبل مؤذن بجامع أو شخص ينتسب للدوحة الهاشمية، أو حتى أخذه لعرافة تكويه بالنار.

الفهم المتعمق لطبيعة الجسم البشري كان دائمًا محل اهتمام الإنسانية، حتى قبل تأسيس الطب الحديث. مع تطور الإدراك البشري للعالم المحيط به، تطور فهم الناس لأجسامهم أيضًا. لم تكن نظريات الطب في العصور الوسطى خاطئة تمامًا لكنها لم تقدم صورة شاملة لبيولوجيا الإنسان.

كان تحليل البول، رغم بساطته وعدم قدرته على تقديم تفاصيل دقيقة عن المرض، شائعًا جدًا في تلك الفترات. لكن مع تطورات القرن التاسع عشر، أصبح تحليل البول جزءًا مهمًا من فهم صحة المريض بشكل شامل.

نظرية المياسما Miasma theory : مثال آخر على المعتقدات القديمة التي صمدت لفترة طويلة، آذ اعتقد الناس بأن الهواء الفاسد من الجثث أو المياه الراكدة يحمل أمراضًا. رغم عدم دقتها الكاملة، إلا أن هناك بالفعل ارتباط بين التعرض للملوثات الصحية والنتائج الصحية السلبية. لكن بعض المعتقدات لا تزال بلا أساس علمي مثل تلك المتعلقة بإشعاعات الجيل الخامس.

شهد التاريخ تحولات ملحوظة في كيفية تقبل الناس للعلوم الطبية البديلة، ومع كل تحول يأتي الابتعاد عن الخرافات والاقتراب نحو العلم الموثوق.

الأطباء في - العصور الوسطى - اكتسبوا مكانة سياسية ودينية ولم تعد الأمور مجرد مسلمات تتحكم فيها الآلهة. لكن يبدو أن العصر الحديث يشهد تراجعًا عن هذا الدرس المهم، فنجد الناس يعتمدون على حدسهم بدلاً من الأدلة العلمية المعتمدة للعناية بأنفسهم.

ويميل العراقيون إلى استخدام الأعشاب والكتب المتعلقة بالطب التقليدي، مثل الطب الشعبي الذي يُنسب إلى أهل البيت، لأسباب تتعلق بالموروث الثقافي والديني العميق، وسهولة الحصول عليها، وانخفاض تكاليفها مقارنة بالعلاج الحديث.

كما أن ضعف الثقة أحياناً في الخدمات الصحية الحكومية، وانتشار المستشفيات الأهلية الباهظة الثمن، يساهم في تفضيل هذه العلاجات، بالإضافة إلى الاعتقاد السائد بأنها آمنة لكونها طبيعية ومنسوبة إلى مصادر دينية.

أما من منظور الأسباب الثقافية والدينية، فإن التراث الديني يلعب دورًا محوريًا، آذ توجد نصوص ومرويات منسوبة للأئمة في التراث الإسلامي الشيعي تدعم القناعة بفعالية العلاج بمواد مثل العسل والحبة السوداء والأعشاب المحددة. كما أن الاعتماد التاريخي على العطارين والطب الشعبي يعتبر جزءًا من الهوية الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. هذا الأسلوب العلاجي الذي يمزج بين الاستشفاء الجسدي والراحة النفسية يقوي العلاقة الروحية بين الفرد ودينه.

ومن الناحية الاقتصادية والخدمية، نجد أن ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات والأدوية الأهلية يعزز من مكانة الأعشاب كخيار اقتصادي أقل تكلفة. مع ضعف الثقة في المؤسسات الصحية الحكومية ونقص الأدوية المتوفرة فيها يدفع العديد من الناس للبحث عن بدائل. وبالإضافة إلى ذلك، تتميز محلات العطارة بتوفرها الدائم وسهولة الوصول إليها بدون الحاجة للانتظار في طوابير طويلة.

على الصعيد النفسي والاجتماعي، يوجد اعتقاد خاطئ شائع أن الأدوية العشبية "إذا لم تنفع، فهي لا تضر" نظراً لكونها طبيعية. كما يلعب تأثير النصائح العائلية وتجارب الأقارب دوراً في تعزيز الاعتقاد بفاعلية هذه العلاجات.

***

شاكر عبد موسى/ باحث وكاتب/ العراق

.................

(1) الميتوكوندريا (أو المتقدرة) Mitochondria   : هي أجزاء صغار داخل خلايا الجسم، وتُعرف باسم "مصانع الطاقة" لأنها تحول الطعام والأكسجين إلى طاقة يحتاجها الجسم ليعمل ويبقى حياً.

(2) جامعة بينغهامتون (Binghamton-University) هي جامعة بحثية عامة متميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعد واحدة من المراكز الجامعية الأربعة الكبرى التابعة لنظام جامعة ولاية نيويورك (SUNY). تضم الجامعة أكثر من 18،000 طالب، وتُعرف بقوة برامجها الأكاديمية والبحثية حتى أُطلق عليها لقب "آيفي العامة" (Public Ivy).

https://edition.cnn.com/2026/08/16/us/modern-wellness-medieval-middle-ages-cec?utm_source=cnn_ICYMI+-+no+video&bt_ee=KZ2wQykkTK3Jik4F3kFUlx%2BW

لم يكن الكتاب بعيدًا عن الذائقة البغدادية منذ العهد العباسي، إذ كانت بغداد وقتها زاهرة ومتمدنة مقارنةً بمدن أخرى غيرها، بل ومن الممكن أنها كانت أكثر مدنية مما هي عليه اليوم، إذا ما قارنا وضعها بين مثيلاتها من المدن وقتها ووضعها بين الكثير من المدن اليوم. وقتها كان العراق واحدا من أهم مراكز نسخ الكتب، وكانت عملية النسخ تجري يدويا، اما مكتباتها فكانت عامرة بالمئات من كتب الفلسفة والطب والفقه والنحو وغيرها من حقول العلم والأدب. وكان تداول الكتب يتم عبر من كانوا يُسمّون بالوراقين، الذين كانوا يستنسخون الكتب ويجلّدونها في منطقة كانت تسمى (ربض وضّاح) كما ذكر اليعقوبي في كتابه البلدان، وقد عرف (ربض وضّاح) بوجود عدد كبير من حوانيت هؤلاء الوراقين، علما أن أغلب شوارع بغداد وقتها كانت تبيع الكتب وفق بعض المؤرخين. وقد ازدهرت دكاكين الوراقين لا سيما مع نشاط ترجمة أمهات الكتب، وذكر اليعقوبي ان عدد حوانيتهم تجاوزت المئة حانوت، وكانت هذه الدكاكين أشبه بدور النشر والمكتبات التي نعرفها اليوم. والمفارقة التاريخية أن (درب زاخا) كان أيضا من المواضع المرتبطة بالكتب والوراقين، وتقول بعض المصادر التاريخية من دون تأكيد إنه كان يقع في "موضع شارع المتنبي الحالي أو قريبا منه".

وفي بغداد العباسية وقتها برز علماء كبار ممن برعوا في مجالات أو أختصاصات عملهم، كحنين بن إسحاق في الطب والترجمة، وثابت بن قرة في الرياضيات والفلك، والخوارزمي في علم الجبر والخوارزميات (Algorithm)، التي اشتق اسمها من اسمه، وأصبحت الخوارزميات اليوم اساس للبرمجة والذكاء الاصطناعي. كما برز الكندي والفارابي وغيرهما من الفلاسفة والأدباء والشعراء والعلماء، إلى جانب رجال دين تبحّروا في الفقه الإسلامي وكان لهم دور كبير في تطور المذاهب الفقهية.

انتكس الكتاب ومعه حقول العلم والثقافة والأدب بعد دخول المغول بقيادة هولاكو بغداد عام 1258 م، إذ دمرت المكتبات والمدارس العلمية، وأُحرقت آلاف الكتب والمخطوطات، ورمي مثلها في نهر دجلة، ليدخل العراق مرحلة التصحر الفكري لقرون طويلة. أما في فترة الحكم العثماني للبلاد، فتحولت بغداد التي كانت يوما مدرسة ومنارا للعلوم والآداب إلى عاصمة مهملة نادرا ما تجد فيها مكتبة أو دار نشر.

بعد الاحتلال البريطاني للبلاد بدأت الحركة الثقافية تتطور شيئا فشيئا، فافتتحت سنة 1920 مكتبة مكنزي من قبل الأسكتلندي كينيث مكنزي في رأس القرية بشارع الرشيد. وانتشرت بعد افتتاحها العديد من المكتبات التي كان لها دور كبير في تعزيز حقول الثقافة والمعرفة، بعد أن وفرت كتب عالمية مترجمة للعربية وبلغات أخرى للجمهور، مع الأخذ بنظر الاعتبار المكتبات الدينية في النجف ودورها في تعزيز حقل الثقافة خصوصا في ميدان الشعر والنثر، علاوة على الكتب الدينية. ومع انتشار الكتاب كجزء أساس من المعرفة، وتعدد الأحزاب والمنظمات السياسية العلنية منها والسرية، وإصدارها لصحفها ومجلاتها، وافتتاح المدارس والكليات ودخول المرأة ميدان العلم والدراسة بدأ الوعي بالانتشار بين فئات مختلفة من العراقيين.

لم يصل العراق في عهد ما بعد تأسيس الدولة في مجال القراءة وانتشار الكتاب، ونشاط الحركة الثقافية والفنية، إلى ما وصل إليه سبعينيات القرن الماضي. ويعود ذلك النشاط الثقافي والمعرفي وانتشار المكتبات، كمكتبة التحرير ومكتبة الطريق (تابعة للحزب الشيوعي العراقي) ومكتبة النهضة والمكتبة العالمية، وغيرها من تلك التي يزخر بها شارع المتنبي، ومثيلاتها في مدن وبلدات العراق المختلفة، ناهيك عن أكشاك بيع الصحف التي كانت توفر المجلات العراقية والعربية وأعداد من الكتب المختلفة، إلى استقرار الوضع السياسي بالبلاد سنوات 1973-1979. ووقتها انتشرت مقولة تقول: القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. فهل هذه المقولة لا تزال موجود عند جيل ما بعد الاحتلال، أو تلك الأجيال التي عاشت حروب النظام المدمرة وقسوة الحصار الاقتصادي، الذي حرم العراقيين نتيجة الفاقة والعوز من أبسط مقومات الحياة، حتى أصبح الكتاب منذ ذلك التاريخ إلى اليوم ترف فكري، لا مكان له في مجتمع يشد خطاه وبسرعة لافتة نحو مزيد من الأنحدار الثقافي والتخلف.

بعد انتهاء عصر الهواتف الأرضية وعدم الحاجة لوجود هواتف عمومية في أكثر بلدان العالم، انتهت مظاهر مشاهدة أكشاك الهاتف في شوارع مدن العالم المختلفة، وتم جمعها وإتلافها أو وضع بعض منها في متاحف خاصة. لكن هناك دول نهجت نهجا مختلفا مع هذه الأكشاك، ومن هذه الدول تشيكيا وعاصمتها براغ.

للشعب التشيكي حضور كبير في المكتبات العامة، كما تظهر الإحصائيات أن جمهورية التشيك "تضم إحدى أكثر شبكات المكتبات في العالم نسبة إلى عدد السكان". وعوضا عن أن تنتهي أكشاك الهاتف في براغ كما حدث في مدن أخرى بأن تتلف، جرى تحويل أعداد منها وبمبادرات من ناشطين مدنيين وبمساعدة مؤسسات مختلفة، الى مكتبات صغيرة توفر مختلف عناوين الكتب للجمهور. والمثير هو أن المواطن يتبرع بنفسه لهذه الأكشاك بما لا يحتاجه من كتب، ليأتي مواطن آخر ليستعير كتاب منها دون وجود موظف أو مراقب. والأكثر إثارة هو أن المواطن يستطيع الاحتفاظ بالكتاب الذي استعاره إن أراد، أو يعيده إلى نفس الكشك أو غيره بعد إتمام قراءته!

لقد وصلت الحالة الثقافية بالعراق اليوم مقارنة بما كانت عليه البلاد سنوات السبعينيات وقبلها، إلى مستوى متدنٍ جدا، وفشلت الدولة وقد يكون عن عمد، في إعادة الحياة لحقل الثقافة والمعرفة، وأصبح الكتاب ترف فكري بين اوساط ملايين الشباب العاطل وشبه الأمي. وبالمقابل ازدهرت "ثقافة" الغيبيات، فترى كتب لا علاقة لها مطلقا بالثقافة التي يعمل العالم على ترسيخها في مجتمعاته، منتشرة على أرصفة الكتب في شارع المتنبي وغيره، كما أصبحت القراءة ومنها قراءة الصحف، حالة غريبة إن لم تكن شاذة على الرغم من تراجع الصحافة الورقية! وشخصيا تعرضت لموقف أشارك به القارئ ليتعرف إلى ما وصلنا إليه اليوم من تخلف فكري وثقافي كنا نتميز بها قبل عقود. بداية عام 2024 ووسط العاصمة بغداد اشتريت ثلاث صحف من أحد الأكشاك، وذهبت إلى مقهى قريب لأشرب الشاي منتظرا صديقا كنت على موعد معه، وأثناء شربي للشاي أخرجت احدى الصحف لقراءتها، وبعد لحظات وأنا أرفع رأسي، شاهدت عددا لا بأس به من رواد المقهى ينظرون إليّ بتعجب، فما كان مني إلا أن أضع الصحيفة في حقيبتي حرجا وأغادر المقهى، عائدا بذاكرتي إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما كان جميع رواد المقاهي تقريبا يقرأون كتابا أو صحيفة أو مجلة، ويبدأ بينهم حوار في مختلف مجالات الحياة اليومية.

الاسلام السياسي يروّج اليوم لعراق الاسلام والمقدسات لكنه لا يعمل بأول كلمة جاء بها الوحي لمحمد قائلا: إقرأ، بل هدف هؤلاء الظلاميين اليوم هو: لا تقرأ، وهذا ما نشاهده من محاربتهم لمهرجانات القراءة بغض النظر عن دوافع المنع الواهية، كما حدث في مهرجان الناصرية مؤخرا. فكلما إزداد أعداد جيش الأميين وأنصاف الأميين زادت قوة هذه الجماعات، كون غياب الكلمة والكتاب والثقافة والوعي على علاقة طردية بهم، والثقافة والكتاب والوعي على علاقة عكسية بهم، لذا تراهم يعملون على زيادة رقعة الجهل والتخلف بالمجتمع.

***

زكي رضا - الدنمارك

16/8/2026

الشرع: البيان والإظهار، وفقهيا يعني سن القوانين

وفقا للشرع لا يوجد فساد ولا فشل، لأن الحكم يتوافق مع الضوابط الشرعية، المنصوص عليها قبل قرون وعليها أن تطبق في عصرنا المرهون.

أما شعبيا فالفساد سائد والفشل قائد.

وهذا تناقض في مفاهيم الحكم، بين الحرام والحلال شرعيا، وبين الظالم والمظلوم فقهيا، وكل نظام حكم لا يطبق مفردات الشرع لا يُعترف به، والحكم الشرعي هو الأصدق والأصلح ولو كره الكارهون.

الحكم الشرعي لا يعترف بالديمقراطية ولا بالسيادة ولا بالوطن وينكر حقوق الإنسان، وهو سيف بتار لا يقبل المساءلة والمعارضة ويفني الرأي الآخر.

فالحكم القائم في الدول التي تهيمن عليها الأحزاب المؤدينة، صالح شرعيا وموافق للتعليمات المنصوص عليها في كتب الفقه المعتقة في دياجير القرون، ومعبر عن آراء فردية لأشخاص إكتسبوا القدسية وصاروا يمثلون رب العالمين في الحكم والقيادة.

هذا المفهوم رافق البشرية منذ البداية، وما شذ عنه نظام حكم عبر العصور، ومنذ فجر التأريخ، ولا فرق بين كافة الأديان في هذا السلوك.

فالكراسي تفرض إرادتها، وأمّارة السوء تطلق رغباتها، وترفع راياتها.

في الغرب الكنيسة كانت على حق لأنها تطبق النصوص اللازمة في شرائعها، فلكل خطيئة ما يسوغها ويربطها بالرب، فالذي يقرر ليس الفرد فهو أداة لتنفيذ إرادة الرب.

وعلى هذا المنوال سارت الأديان بأنواعها، وما شذ دين عن مفهوم النيل من البشر بإسم القوة الإلهية التي خولته بما يفعل.

فلماذا يتم تداول مفردة "فساد"، وهي لا وجود لها شرعيا، ومتوافقة مع المعتقد القائد، ومعبرة عن إرادة مقدسة، ذات تطلعات غيبية، ورؤى أسطورية، وتصورات خرافية، فالباطل حق، والحق باطل، ودع عنك أوهام القول بالفساد، وتوصيف الفاسدين، فالغنيمة حق شرعي، ومن مفردات الأنفلة السعيدة.

أ بشرعٍ دونَ شَعبٍ حُكْمُنا

قالتِ الأشباحُ قولاً ضُدّنا

شرْعُها أدْرى بفِعلٍ حاصِلٍ

أمْرُها فرضٌ وجوبٌ عِندنا

فلماذا ندّعي ما نَشتهي

خنعَ الجَمعُ فخابَتْ أمُّنا

***

د. صادق السامرائي

 

لا تُعدّ ظاهرة التطبيع نتاجاً طارئاً للمرحلة المعاصرة، ولا اختراعاً سياسياً حديثاً، بل هي سلوك تاريخي عميق الجذور، ارتبط، في سياقاته الأولى، بمحاولات التكيّف القسري مع حضارات متفوّقة. فقد عرف اليهود أشكالاً مبكرة من التطبيع كلّما وجدوا أنفسهم إزاء قوة حضارية غالبة، كما حدث إبّان السبي البابلي، حيث جرى امتصاص الصدمة عبر إعادة إنتاج الهوية داخل منظومة الغالب. غير أنّ التطبيع الذي طالما تمنّته الصهيونية، ولم يتحقق تاريخياً، بدأ يتبلور فعلياً مع نهاية القرن الثامن عشر، في ظل التحولات البنيوية الكبرى التي أفرزها الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، وما رافقه من صعود الدولة القومية الحديثة، وتفكك البنى التقليدية.

ومن هنا، لا يُعدّ التطبيع مفهوماً سياسياً فحسب، بل يشكّل أحد الأعمدة المركزية في الفـكر الصهيوني، فهو العملية التي يُفترض أن يتخلّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى وعُقدة الشتات، عبر السيطرة على المصيرين السياسي والاقتصادي، والانتقال من موقع الضحية التاريخيّة إلى موقع الفاعل المهيمن. وبهذا المعنى، يصبح التطبيع مرادفاً للتغريب؛ أي إعادة إدماج الكيان الصهيوني في الفضاء الغربي بوصفه امتداداً طبيعياً له داخل الشرق.

ومع توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، شاعت كلمة التطبيع في الخطاب السياسي العربي، ولا سيما في مصر، للدلالة على جعل العلاقات مع الكيان الصهيوني علاقات طبيعية، شبيهة بالعلاقات بين أي دولتين متجاورتين. غير أنّ هذا الفهم العربي للمصطلح يختلف جذرياً عن دلالاته في الأدبيات الصهيونية، حيث لا يشير التطبيع إلى تسوية سياسية، بل إلى إعادة تشكيل الـوعي، وجعل التعامل مع اليهود، بوصفهم كياناً استيطانياً، أمراً اعتيادياً، منزوع الحساسية الأخلاقية والتاريخيّة.

وعندما أشرف الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) على توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" (1978–1979) بين (أنور السادات) و(مناحيم بيغن)، لم يخفِ الطابع اللاهوتي للخطاب السياسي المصاحب للاتفاق، حين قال: "دعونا نترك الحرب جانباً… دعونا نكافئ كل أبناء إبـراهيم المتعطشين إلى اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط… دعونا نستمتع بتجربة أن نكون آدميين بالكامل، وجيراناً بالكامل، وحتى إخوة وأخوات". لم تكن هذه اللغة تعبيراً عن نزعة إنسانية بريئة، بل كانت تدشيناً مبكراً لاستخدام الرمز الإبـراهيمي بوصفه جسراً رمزياً لتطبيع الاحتلال.

وتتكرّس هذه الاستراتيجية في الخطاب الأمريكي اللاحق، ففي تقرير "بروكينغز" الصادر في الدوحة عام 2013، أشار الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما) إلى وجود حوافز سلبية تدفع المنطقة نحو القبول بالمشترك الإبـراهيمي، وفي مقدمتها الصراع السني–الشيعي. وهو ما أكده لاحقاً تقرير مركز "راند" عام 2017 حول مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط، حين اعتبر أن تفاقم الانقسامات الطائفية يفتح الباب أمام هيمنة الهويات المحلية الضيقة، أو القبول بالمشترك الإبـراهيمي بوصفه مخرجاً من الانسداد الداخلي.

فالمنطق هنا واضح: تعميق الصراع داخل الدين الواحد لإنتاج حالة من النفور الوجودي، تمهيداً لقبول قيم مشتركة مجرّدة، كالتسامح والمحبة والإخاء، بوصفها بديلاً عن العقيدة، ومدخلاً ناعماً لتمرير الفـكر الإبـراهيمي الجديد، الذي يُقدَّم كحل إنساني شامل، بينما يخفي في جوهره إعادة ترتيب للولاءات.

وفي عام 1993، ومع توقيع اتفاقيات "أوسلو" بين (ياسر عرفات) و(إسحاق رابين)، عاد الرمز الإبـراهيمي بقوة إلى الخطاب السياسي الأمريكي، فقد قال الرئيس (بيل كلينتون)، أثناء إشرافه على مراسم التوقيع في البيت الأبيض: "لأجل هؤلاء يجب أن نحقق نبوءة إشعياء… إن أبناء إبـراهيم، أي نسل إسحاق وإسماعيل، انخرطوا معاً في رحلة جريئة". وهنا، يُستدعى النبي مرة أخرى لا بوصفه رمزاً للعدل، بل بوصفه مظلّة لغوية لتسوية غير عادلة.

وعند توقيع اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والأردن عام 1994، خفّف (كلينتون) من الإشارة المباشرة إلى إبـراهيم، لكنه لم يتخلّ عن البعد الديني، إذ استشهد بنصوص من القرآن والكتب اليهودية المقدّسة، تاركاً للملك (حسين) مهمة استحضار الرمز الإبـراهيمي صراحة، حين قال: "سوف نتذكر هذا اليوم… لأجل أجيال المستقبل، كل أبناء إبـراهيم". وهكذا، تتكامل الأدوار بين الراعي الدولي والطرف المحلي في إعادة إنتاج الخطاب ذاته.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع

إذا كانت ثورة الجياع في التاريخ تعبيرا عن تمرد الجسد على الحرمان، فإن هناك ثورة جياع أخرى أبطأ وأعمق: تمرد الوعي على الرموز التي لم تعد تطعم الجسد ولا الروح، هذه الثورة لا تقع في الشارع وحده، بل تبدأ في بنية التصورات والولاءات والممارسات اليومية التي تحكم حياة الناس.

الأصنام السياسية والاجتماعية ليست تماثيل حجرية، بل كل رمز يمنح قداسة تمنع المساءلة: زعيم، حزب، عشيرة، إعلام أو خطاب.. حين تخترق الدكتاتورية جدران البيت الواحد، يصبح الولاء طقسا عائليا، ويغدو الخلاف خيانة، والنقد كفرا سياسيا أو أخلاقيا.. لكن السقوط الحقيقي للأصنام يبدأ حين يفقد الناس استعدادهم للاحتفاء بها أو الدفاع عنها باسم الهوية والانتماء، وحين يغدو النقد جزءا من الممارسة اليومية.

سوسيولوجيا ثورة الجياع تقول إن الجوع ليس السبب المباشر دائما، بل الكاشف لأزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة؛ هناك جوع رمزي أخطر من جوع الخبز: جوع إلى الكرامة، والصدق، ومستقبل ممكن؛ وتبدأ ثورة الجياع بالمعنى الأعمق حين يدرك الناس أن التضحيات لم تعد تقابلها فرصة عادلة، وأن الولاء لم يعد يحميهم من الإهانة.

الفساد المتعدد ليس مجرد قائمة من الأخبار، بل طبقات متداخلة من الصنمية. الفساد السياسي يحول الدولة إلى غنيمة، والقرار إلى سلعة، والمواطنة إلى ولاء مشروط؛ والفساد الإداري يغطي المحسوبية بالروتين، ويجعل الوظيفة امتيازا لا خدمة؛ أما الفساد الإعلامي فيحول الإعلام إلى آلة للتمجيد والتغييب وصناعة واقع بديل يكرس الأصنام، بينما يجعل الفساد الاقتصادي الثروة حكرا على شبكات الولاء؛ ومع تكرار هذه الممارسات، يتحول الكذب إلى آلية للتكيف والبقاء، وتصل العلاقة بين المواطن والرموز إلى حالة من العدمية، أي فقدان الإيمان بالرموز والوعود: لا يصدق وعودها، ولا يخاف تهديدها، ولا يعبأ بانتصاراتها الوهمية.

وتظهر ملامح الثورة غير المباشرة حين تتراجع هيبة الإنجازات الصنمية، فلا تعود خطابات الزعماء وصورهم وألقابهم تثير الإعجاب تلقائيا؛ يصبح إلقاء اللوم على الآخر أقل إقناعا، لأن صورة الفساد الداخلي صارت واضحة للعيان. ويبدأ الناس في قياس الرموز بمعايير النفع والأخلاق لا بمعايير الانتماء والخوف: ماذا قدم، بدل من هو؟.

ثورة الجياع، في أعمق مستوياتها، هي اللحظة التي يتوقف فيها الجائع عن تقديس من يملك الخبز، ويسأل: بأي حق؟ وبأي ثمن؟ وهي لا تحتاج بالضرورة إلى شعارات صاخبة، بل إلى ممارسة يومية من الشك والصدق ورفض التمجيد التلقائي.. فالدكتاتورية لا تسقط فقط حين تفقد قدرتها على القمع، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الإيمان بها.

متى تتحول ثورة الجياع من صرخة في الشارع إلى هدوء في الضمير؟ فالأصنام التي نحميها اليوم باسم الهوية قد تكون هي نفسها التي تجوعنا كل يوم.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 16-8-2026

ذهب الشباب والأفكار التي كانت تغلي في الرؤوس، والحماس الذي يأخذ بعيدا في دروب التطلعات العابرة للخيال، وكانت الأوهام بأنواعها تستعبد وتحرك نحو أهدافها العقائدية، وشعاراتها المزوقة المنافية لمحتواها، وكان السعي على أمل أن تولد شعلة تضيئ دياجير الأجيال الوافدة، ودارت الأيام وإذا بنا في خنادق الدمار والحطام، نلوذ بأرواحنا، ونتحسب لموتنا الذي صار يحاوطنا ويدفع بنا إلى غياهب النسيان.

مَن بقيَ منا جثم على صدره جبل من الذكريات القاسيات، والتداعيات المضنيات، وغاب العديد من زملائنا في أتون النيران الحارقات، وابتلعت خنادق العدوان المئات من الذين كانوا معنا يحلمون بعالم سعيد ومستقبل رغيد.

الموت بالحروب والإغتيالات، وبالتهجير والوعيد، وبمسيرات التهاوي في حفر الشديد.

 يا صديقي إحترقت الأحلام، وإنقلب السحر على الساحر، وما عادت الأفكار ذات فائدة، ولا ما تعتقده يصلح لزمان مهلهل الرؤى والتصورات، يتمكن فيه الرذيل ويتشرد الأصيل، وتحول كل شيئ إلى غنيمة وتأنفلت الحياة، وصار ما فوق الأرض وفيها مجهول الملكية، ولكل قوي الحق المطلق في نهب ما يستطيعه من الثروات والأموال، لأنها كالمطر وهل للمطر مالك؟

يا صديقي دع عنك ما كان، وعليك بما هو آت وبالإمكان، ولكل جيل فرصته، وما أحسنت الأجيال إغتنام فرصها، بل إستحوذ كل جيل على الغالي والنفيس، وتحول إلى سفاحٍ عنيدٍ لكل جيل.

الأجيال ضحية لجيل تأسد وتعنت وتوهم بأنه رمز للحقيقة، ومَن لا يتوافق معه يكون في عداد الموتى والمعدومين ظلما.

وتجدنا في زمن جيل أشد تعنتا وظلما وتجردا من القيم والأخلاق، ونكرانا لِما يتصل بقيمة الإنسان، ويمحق معنى الوطن ويمسخ هوية الأوطان.

وتدثرت الأيام بأوهام نارية أعظم فتكا من أوهامٍ سبقتها، وبموجب معتقدات وهمية وأساطير ذهبية، وخرافات تبريرية، وإنتقامات دموية، وصراعات طائفية، وتوجهات وثنية، وتبعيات لدول أجنبية، وإدعاءت بالولائية، وبقدسية الذيلية، وبمناهج التقليد الأبية، فالرب في كراسي المذهبية.

فدع عنك لومي، واقرأ مدونات ألمي، فالدنيا بالمقلوب، والحق في دهاليز الأضاليل محجوب!!

يا صَديقي لا كلامٌ يَنفعُ

كلُّ شخصٍ بالمآسي يَرْتعُ

دونَ سَمعٍ أو كتابٍ مُرشدٍ

بخُداعٍ وضَلالٍ يُقمَعُ

أمّةُ الحقِّ أهانتْ عَقلها

وتَهاوَتْ في حَضيضٍ تقبعُ

***

د. صادق السامرائي

 

بين الطموح والحسد

اليوم تذكرت حديثًا دار بيني وبين الأخ الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن «الغيرة». قال لي خلال حديثه، الشيق دائمًا، إنه من النوع الذي يغار من الآخرين، وإن الغيرة شيء طبيعي وغريزي في الإنسان، وقد تكون محركًا ودافعاً للتطور والتقدم.

كان ردي عليه، وكان ردًا متسرعًا بعض الشيء، أنني لم أشعر يومًا أنني أغار من أحد. لكن عندما أمعنت في التفكير واستعرضت بعض المواقف، وجدت نفسي أنني لا أختلف عنه، ولا عن أي إنسان طبيعي؛ أغار من كثير من الناس. ولكن يبقى السؤال: أي نوع من الغيرة نشعر به؟

نعم، أنا أغار ممن هم أفضل مني، ولكن ليس ممن هم أفضل مني ماديًا أو في أمور من هذا القبيل. وبصراحة مطلقة أقول إنني، على سبيل المثال لا الحصر، أغار ممن نشروا أبحاثًا وكتبًا علمية، أو حققوا إنجازات متميزة، واحتلوا مكانة علمية مرموقة لم أتمكن من تحقيقها. وأنا أحمد الله أنني حققت نجاحات في مجالات أخرى كثيرة، ربما يغار منها الآخرون، لكن تبقى عيني شاخصة إلى مجال عملي الأساسي: العلم والمعرفة. كما أغار كثيرًا من الشعراء، وكم كنت أتمنى أن أكتب قصيدة واحدة تحقق نجاحًا بين الناس!

دفعني هذا الشعور إلى البحث عن معنى الغيرة، وهل هناك نوع طبيعي وغريزي منها، كما وصفها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونوع آخر غير صحي قد يتحول إلى حسد، ويدفع إلى الحقد وعدم تمني الخير للآخرين؟

بحثت أولًا في معاجم اللغة عن كلمة «غيرة» ومعانيها المختلفة، فوجدت أن كلمة «غَيْرَة» في اللغة العربية مشتقة من الفعل «غارَ يَغارُ»، وهي تدل في أصلها على الحرص الشديد على الشيء، والخوف من أن يشاركه فيه أو ينافسه غيره. ومن الناحية اللغوية، هناك فرق مهم بين «الغيرة على» و«الغيرة من»؛ فالغيرة على تحمل معنى الحب والحرص والحماية، أما الغيرة من فتتصل بالمنافسة أو الشعور بالضيق من تفوق الآخر، وقد تقترب من معنى الحسد.

وللغيرة معانٍ متقاربة بحسب السياق؛ فالغيرة على الأهل تعني الحمية والحرص عليهم، والخوف من أن يمسهم سوء. والغيرة في الحب هي الشعور بالقلق أو الانزعاج عندما يخشى الإنسان أن يفقد من يحب، أو أن ينافسه فيه شخص آخر. كما تأتي الغيرة بمعنى الحمية والدفاع عن الكرامة أو العرض أو الحق، وهي أقرب إلى معنى النخوة والشهامة.

أما الغيرة التي أتحدث عنها فهي الغيرة من الآخرين، وقد تأخذ صورة المنافسة عندما يرى الإنسان نجاح شخص آخر فيتمنى أن يصل إلى مستواه أو يتجاوزه بجهده. وقد تتحول، في صورتها السلبية، إلى حسد عندما يتمنى الإنسان زوال ما لدى الآخر من نعمة أو نجاح.

الغيرة في حقيقتها ليست مذمومة دائمًا؛ فقد تكون تعبيرًا عن الحب والحرص، وقد تكون دافعًا إلى المنافسة والتطور. لكنها تصبح سلبية عندما تتحول إلى حسد، أو إلى عدم حب الخير للآخرين، أو إلى رغبة في زوال ما لديهم من نعم، عافانا الله منها.

وهناك، إذن، غيرة طبيعية وسليمة، وهناك غيرة قد تتحول إلى حالة غير صحية عندما تتجاوز حدودها الطبيعية، وتصبح مصدرًا لمعاناة الشخص أو للعداء تجاه الآخرين. ومن أمثلة الغيرة غير السليمة الغيرة الحاقدة، عندما يتمنى الإنسان زوال النعمة عن شخص آخر، لمجرد أنه لا يحتمل أن يراه أفضل منه. وهناك الغيرة التنافسية المفرطة، عندما يتحول نجاح الآخرين إلى تهديد دائم للذات، فيشعر الشخص بأنه يجب أن يتفوق عليهم في كل شيء. ومن أمثلة ذلك أن يشتري صديقه أو قريبه، أو حتى أخوه، سيارة جديدة، فيشعر بأنه مضطر إلى شراء سيارة أغلى منها حتى لا يكون أقل منه شأنًا.

كما أن هناك الغيرة التي تقود إلى التقليل من الآخرين؛ فبدلًا من الاعتراف بتميز شخص ما، يبدأ الغيور بالبحث عن عيوبه والتقليل من إنجازاته. فإذا حصل شخص يغار منه على شهادة الدكتوراه، حاول أن يقلل من شأنها ويصفها بأنها غير مهمة. وهذا النوع من الغيرة يصبح غير صحي عندما يعجز الإنسان عن الشعور بالفرح لنجاح الآخرين، حتى لو كانوا من أقرب الناس إليه.   ومن أخطر أنواع الغيرة تلك التي تتحول إلى إيذاء الآخرين، عندما تدفع الشخص إلى تشويه سمعة الآخر، أو إفشال عمله، أو وضع العراقيل أمام تقدمه. وقد تصبح الغيرة أحيانًا قائمة على أوهام، عندما يشعر الشخص بأن الآخرين يتعمدون التفوق عليه، أو الاستحواذ على ما يعتقد أنه «حقه»، من دون وجود سبب حقيقي لذلك.

والفارق المهم بين الغيرة السليمة والغيرة غير السليمة هو أن الغيرة السليمة قد تدفعك إلى أن تتمنى أن تصل إلى ما وصل إليه غيرك، بينما تدفعك الغيرة غير السليمة إلى أن تتمنى ألّا يصل غيرك إلى ما وصل إليه.

كما قد توجد فروق بين الرجال والنساء في بعض صور الغيرة، لكن ليس من الدقة القول إن أحد الجنسين أكثر غيرة من الآخر بصورة عامة. فقد أظهرت بعض الدراسات فروقًا في الاستجابة للخيانة الجنسية والعاطفية، إذ يميل الرجال في بعض العينات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة الجنسية، بينما تميل النساء في بعض الدراسات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة العاطفية. إلا أن هذه الفروق ليست قاعدة مطلقة، وتتداخل معها عوامل كثيرة، منها الشخصية، والخبرات السابقة، والثقافة، وطبيعة العلاقة، ومستوى الثقة بالنفس ونمط التعلق.

وقد تكون الغيرة دافعًا إيجابيًا للتطور إذا تحولت إلى طموح ومنافسة شريفة، لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول إلى حسد وحقد ومقارنة دائمة، أو إلى رغبة في إسقاط الآخرين. وقد تكون الغيرة الشديدة في العلاقات العاطفية، في بعض الحالات، مرتبطة بسلوكيات مؤذية أو مسيطرة، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى الوعي والثقة والحوار، لا إلى الاستسلام لها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله عندما نرى شخصًا يتفوق علينا هو ألا ننظر إلى نجاحه بعين الحسد، بل بعين التعلم؛ فنحاول أن نعرف كيف وصل إلى ما وصل إليه، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه لنصبح مثله، أو على الأقل أفضل مما نحن عليه. الشعور بالغيرة ليس عيبًا، وإنما العيب فيما نفعله بهذا الشعور؛ فإما أن نحوله إلى حسد، بتمني زوال نعمة الآخرين، وإما أن نحوله إلى طموح يدفعنا إلى أن نصبح أفضل. ولعل أجمل أنواع الغيرة هي تلك التي تجعلنا ننظر إلى نجاح الآخرين بوصفه دليلًا ومرشدًا لنا في طريق تحقيق آمالنا وطموحاتنا، فنحوّل ما نشعر به من غيرة إلى دافع للتعلم والتطور والنجاح.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

ثمة أشخاص لا يتركون في الذاكرة صورة منحولة/مضطربة، وإنما يتركون طريقة جديدة للنظر إلى العالم. كان المؤرخ والأديب المغربي الذي رحل عن دنيانا قبل أيام حميد التريكي واحدا من هؤلاء. حين زرته في منزله بحي جليز بمراكش في صيف عام 2023، لم أكن أدرك أن الساعات التي سنقضيها بين رفوف الكتب ستتحول مع مرور الزمن، إلى إحدى أكثر محطاتي الإعلامية والإنسانية رسوخا. كانت المعرفة في حضوره تمتلك إيقاعا مختلفا؛ لا تستعرض نفسها، بل تتسرب بهدوء إلى العقل، حتى يخيل إلى محاورها أنه يعيد اكتشاف ما كان يظنه معروفا.

جلسنا لساعات في مساء قائظ، قبل التربص بأسئلة تتجاور وتتقاطع في رؤى الراهن والزمن. لم يكن الحوار بين سائل ومجيب ، وإنما بين هاجس يبحث عن أفق، ورجلٍ عاش عمره يفتش عن الحياة في الخرائط المنسية، وفي المخطوطات الصامتة، وفي المدن التي تخفي ذاكرتها خلف جدرانها العتيقة. فهمت بعد ذلك، كما يقول بول ريكور، أن "الذاكرة ليست مستودعا للماضي، بل فعلٌ لتأويله". كان التريكي رحمه الله يمارس هذا التأويل بصفاء العالم، لا بحماسة المؤرخ الذي يريد أن ينتصر لرواية بعينها.

كلما امتد الحديث اكتشفت أن موسوعية الرجل لم تكن حصيلة كثرة القراءة فحسب، بل ثمرة علاقة أخلاقية مع المعرفة. كان ينتقل من ابن خلدون إلى "طوق الحمامة"، ومن أرسطو إلى طه حسين، ومن عمارة مراكش إلى رمزية قصر الحمراء، دون أن يشعر محاوره بأنه يقف أمام استعراض ثقافي. لقد كان يجسد ما يسميه إدوارد سعيد بـ"المثقف الذي يعبر الحدود"، لا الحدود الجغرافية فقط، وإنما الحدود الفاصلة بين التخصصات واللغات والحقول المعرفية.

وحين كان يتحدث عن الأندلس، لم يكن يستدعيها باعتبارها فردوسا مفقودا، بل باعتبارها مختبرا لفهم تاريخ المتوسط، ومساحةً تفاعلت فيها الحضارات، وتبادلت فيها الثقافات أثرها الإنساني. ولذلك لم يكن غريبا أن يكون عضوا في اللجنة العلمية لمؤسسة الإرث الأندلسي بالأندلس، وعقلا مدبرا لفعاليات معهد سرفانتس بمراكش، وأن يكرس سنوات طويلة لدراسة المسارات الثقافية للمرابطين والموحدين، ومدرسة مراكش، وقصر الحمراء بوصفه ذاكرةً مشتركة تتجاوز الحدود السياسية الضيقة.

كان يؤمن من خلال حديثه، بأن المدن لا تُبنى بتعاويذ المخططات الهاوية، وإنما بما تختزنه من سرديات وعقول جبارة. ولعل ذلك ما يفسر انخراطه في الدفاع عن ذاكرة مراكش وآسفي، لأن المدينة التي تفقد ذاكرتها، كما يذهب بيير نورا، تتحول إلى مجرد فضاء جغرافي بعد أن كانت فضاءً للمعنى. أما الذاكرة، فهي التي تمنح المكان روحه، وتمنح الإنسان شعوره بالاستمرار.

لقد تذكرت بعد رحيله ما كتبه فالتر بنيامين حين قال: "ليس من واجب المؤرخ أن يخبرنا بما وقع، بل أن ينقذ ما كاد يضيع." . لقد كان حميد التريكي، في جوهر مشروعه العلمي، يسعى إلى إنقاذ ما يتسرب من الذاكرة المغربية والأندلسية، لا عبر الحنين، بل عبر البحث الرصين، والتحقيق الوثائقي، وإعادة تركيب العلاقات الثقافية التي نسجت هوية هذا الغرب المتوسطي.

وحين غادر الدنيا في يوليوز 2026، عن اثنين وثمانين عاماً، شعرت أن المغرب لم يفقد مؤرخا فقط، بل فقد واحدا من أولئك الذين كانوا يحرسون الذاكرة من التبسيط، والتاريخ من الابتذال، والتراث من الاستهلاك السياحي. فهناك فرق كبير بين من يجمع الوثائق، ومن يمنحها القدرة على الكلام.

ما بقي في ذاكرتي من ذلك المساء ليس فقط ما قاله، بل الكيفية التي كان يصغي بها. كان يصغي كما لو أن المعرفة تبدأ بالإنصات، لا بالكلام. وربما لهذا السبب بدا لي قريباً مما يقوله هانس-غيورغ غادامير: "كل فهم حقيقي يبدأ بحوار." لم يكن الحوار عنده تبادلاً للمعلومات، وإنما لقاءً بين أفقين، يخرج منه كل طرف أكثر تواضعا، وأكثر إدراكا لاتساع المجهول.

لقد علمتني تلك الجلسة أن بعض الشخصيات لا تُقاس بعدد كتبها أو أوسمتها، على أهميتها، وإنما بالأثر الهادئ الذي تتركه في وعي من يقترب منها. فالمعرفة، في صورتها الأرقى، ليست امتلاكا للحقيقة، وإنما قدرة دائمة على طرح الأسئلة الصحيحة. وهذا ما كان يفعله حميد التريكي؛ كان يفتح الأبواب أكثر مما يقدم الأجوبة، ويجعل التاريخ، كما أراده مارك بلوخ، علما لفهم الإنسان قبل أن يكون علما لحفظ الماضي.

لهذا، كلما استعدت ذلك الحوار، لا أشعر أنني أسترجع مقابلة إعلامية، بل أستعيد درسا نادرا في معنى الثقافة؛ الثقافة التي لا تتباهى بمكتبتها، بل بقدرتها على أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وأكثر وفاءً لذاكرته، وأكثر تواضعا أمام الزمن. وربما لهذا السبب تبقى بعض اللقاءات عصية على النسيان، لأنها لا تنتهي بانطفاء الكاميرا، بل تبدأ لحظة يغيب أصحابها، ويبقى أثرهم حياً في ضمير من حاورهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

يعتبر الرفاه النفسي للموظف من الركائز الأساسية والمهمة لنجاح المنظمات واستدامة أدائها بإتقان وجودة عالية؛ فهو لا يقتصر على شعور الفرد بالراحة والسعادة، بل يمتد ليشمل قدرته على تحقيق التكيف النفسي والتوافق الاجتماعي، وبناء علاقات إيجابية مع زملاء العمل والقادة، والتعامل بكفاءة مع ضغوط العمل وتحدياته. لذا، يصبح الاهتمام بالرفاه النفسي ضرورة حتمية، وليس مجرد خيار يمكن للمؤسسات الاستغناء عنه أو استبعاده من رسالتها وأهدافها.

وتتركز أهمية الرفاه النفسي في توفير بيئة عمل يشعر فيها الموظف بالأمان والطمأنينة والتقدير، بحيث تكون قادرة على استيعاب احتياجاته الإنسانية والنفسية والاجتماعية والمالية والمهنية، وتعطيه مساحة مناسبة للتعبير عن آرائه والمشكلات التي يعاني منها، والاستفادة من الفرص المتاحة للتطور والنمو. فالموظف الذي يعمل في بيئة داعمة يشعر بقيمته ودوره، ويكون أكثر قدرة على بناء علاقات مهنية واجتماعية إيجابية، الأمر الذي ينعكس على مستوى رضاه الوظيفي وانتمائه للمنظمة التي يعمل بها.

كما يسهم الرفاه النفسي في تعزيز الانتماء والولاء المؤسسي؛ فعندما يشعر الموظف بأن المؤسسة تهتم براحته، وتقدر جهوده، وتراعي احتياجاته ومتطلباته الشخصية والأسرية والوظيفية، فإنه يصبح أكثر ارتباطاً بها وأكثر استعداداً لبذل الجهد وتحمل المسؤولية بإخلاص وثقة عالية. ولا شك أن هذا الشعور بالانتماء يمثل عنصراً مهماً في المحافظة على الكفاءات والطاقات، والحد من المشكلات المرتبطة بالإرهاق والتوتر الوظيفي وضعف الرضا.

ممارسات سلبية تهدم الرفاه النفسي

ينظر لبعض الممارسات الإدارية والسلوكية التي قد تؤدي إلى إضعاف الرفاه النفسي للموظف، حتى وإن كانت المنظمة التي توفر له راتباً ملائماً له ولظروفه المعيشية أو مزايا إضافية أخرى. فمثلاً، عندما يمر الموظف بظروف عائلية أو شخصية طارئة، ثم يجد أن الإدارة تهمشه وتتجاهل وضعه وحاجاته، أو يتم التعامل معه وكأن ظروفه الإنسانية لا تعني المؤسسة شيئاً مهماً وذا شأن، فإن ذلك قد يترك أثراً نفسياً عميقاً ومؤلماً له. وقد يشعر بأن المؤسسة تنظر إليه باعتباره مجرد أداة ورقم لإنجاز العمل دون أن تولي الاهتمام به كإنسانً له حقوق ومشاعر واحتياجات شخصية وأسرة يعيلها ومسؤوليات تقع على كاهله.

ومن المماراست السلبية كذلك أن يتطلب منه الاستمرار في العمل تحت ضغوط شديدة وقاسية، رغم علم الإدارة بوجود ظروف شخصية أو أسرية صعبة يمر بها، دون تقديم الدعم أو المرونة التي تتطلبها المواقف كلها. وقد يحدث أن يتم توجيه اللوم للموظف بسبب انخفاض وتراجع الأداء والإنتاجية، بدلاً من السؤال عن الأسباب والدوفع لذلك ومحاولة فهم الظروف التي أدت لذلك. مثل هذه السلوكيات قد تشعر الموظف بالتهميش وضعف التقدير، وتدفعه تدريجياً إلى فقدان الثقة بالمؤسسة، وضعف الانتماء والولاء لها.

كما أن تجاهل الجهود، وعدم الاعتراف بالإنجازات التي قدمها وقام بها، وضعف الاستماع إلى الموظف، واستبعاده من المشاركة في اتخاذ القرارات الملائمة التي تمس عمله، أو التعامل معه بأسلوب غير لائق  مجرد من البعد الإنساني، كلها ممارسات يمكن أن تؤثر سلباً في حالته النفسية. فالموظف قد يتحمل ضغط العمل، لكنه يجد صعوبة أكبر في تحمل الشعور بأنه غير مرئي أو غير محترم ومقدر أو أن ظروفه لا تحظى بأي اهتمام داخل منظمته.

وقد يظهر غياب الرفاه النفسي كذلك في بيئة يسودها الخوف من الخطأ، أو التهديد المستمر، أو المقارنة السلبية بين الموظفين دون تحقيق العدالة والإنصاف بينهم، أو ضعف وجود الظلم في توزيع الأعباء والفرص، أو غياب التواصل الفعال بين الإدارة والعاملين. وفي مثل هذه البئات الطاردة، قد يحضر الموظف جسدياً إلى مكان العمل، لكنه يكون فاقداً للدافعية والشغف والحماس، ويؤدي مهامه بالحد الأدنى المطلوب، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة العمل والإنتاجية.

ممارسات إيجابية تعزز الرفاه النفسي

وعلى الموقف الآخر، يمكن للمنظمة أن تصنع فارقاً كبيراً في حياة موظفيها من خلال الاهتمام بإنسانيتهم فتترك أثراً عميقاً وعظيماً لديهم. فعندما يمر أحد الموظفين بظروف عائلية صعبة ومؤلمة، وتبادر الإدارة إلى الاهتمام به والاطمئنان عليه، وتمنحه قدراً من المرونة في ساعات العمل أو الإجازة، وتتفهم احتياجاته ورغباته، فإنها تسهم في بناء قواعد الإنسان قبل أن يكون موظفاً، وأن ظروفه محل اهتمام وتقدير لديها.

وعندما يكون الموظف مسؤولاً عن رعاية أحد أفراد أسرته، أو يواجه التزامات أسرية استثنائية، فتسعى المنظمة إلى إيجاد حلول عملية تساعده على التوفيق والتوازن ما بين مسؤولياته الأسرية والمهنية، بدلاً من النظر إلى ظروفه باعتبارها عائقاً ومهدداً أمام العمل. هذه المرونة لا تعني التهاون في المسؤوليات أو التقصير في المتابعة أو خفض معايير الأداء والجودة، ونما تعني إيجاد التوازن الذي يمكن الموظف من الاستمرار في أداء دوره بكفاءة عند الشعور بأن أسرته أو ظروفه الخاصة أصبحت محل اهتمام ودعم من قبل إدارته ومسؤوليه.

وعندما يجد الموظف قائداً يستمع وبصغي إليه عندما يواجه مشكلة، ويمنحه الثقة، ويشجعه على تجاوزها، ويثني على جهوده وإنجازاته. فكلمة تقدير صادقة وملخصه، أو موقف إنساني في الوقت الملائم، أو إشادة بجهد بذله الموظف في ظروف صعبة وقاهرة، قد يكون لها أثر يفوق في كثير من الأحيان أثر الحوافز المادية؛ ذلك لأنها تشبع لدى الإنسان حاجته التقدير والاعتراف بقيمته.

كما أن اهتمام المؤسسة بعائلة الموظف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتوفير بيئة عمل ملائمة تراعي التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، وتنظيم برامج اجتماعية وأسرية، وتقديم الدعم في الظروف الاستثنائية، كلها ممارسات تعزز الشعور بالأمان والانتماء. وعندما يشعر الموظف أن المؤسسة تحترم أسرته ومسؤولياته، فإنه غالباً ما يكون أكثر قدرة على الاستقرار النفسي والتركيز في عمله، وأكثر استعداداً للعطا والبذل بسخاء.

 الرفاه النفسي مسؤولية مؤسسية

يسهم الرفاه النفسي في مساعدة الموظف على مواجهة الضغوط والتوترات التي قد تفرضها طبيعة العمل. فالضغوط المهنية جزء من الحياة الوظيفية، إلا أن التعامل معها بطريقة صحية يتطلب وجود بيئة عمل متوازنة، ودعماً إدارياً، وتواصلاً إيجابياً، إلى جانب منح الموظف فرصاً للراحة واستعادة طاقته. وكلما ارتفعت قدرة الموظف على إدارة الضغوط، أصبح أكثر تركيزاً ومرونة وقدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات بإيجابية وفكر واع ومتوقد.

ولا يتوقف أثر الرفاه النفسي عند الموظف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها؛ إذ يرتبط الشعور بالرضا والاستقرار النفسي بارتفاع الدافعية وتحسن الأداء وجودة العمل وزيادة الإنتاجية. فالموظف المستقر نفسياً يكون أكثر قدرة على الإبداع والمبادرة والتعاون، بينما قد يؤدي الضغط المستمر والإجهاد النفسي إلى انخفاض التركيز، وتراجع الأداء، وزيادة الأخطاء والغياب والتدوير الوظيفي.

لذا، فإن بناء بيئة عمل داعمة للرفاه النفسي مسؤولية مشتركة بين الإدارة والموظفين، وتتطلب تبني سياسات وممارسات تعزز التوازن بين الحياة المهنية والشخصية والاجتماعية، وتدعم التواصل الفعال، وتثيب الإنجاز وتقدره وتعزز استمراره، وتوفر فرصاً للنمو والتطوير، وتراعي الجوانب الإنسانية للموظف.

كما ينبغي أن تكون هناك ثقافة مؤسسية تشجع على طلب المساعدة والدعم، والتعبير عن التحديات النفسية والاجتماعية والمهنية دون خوف من الوصمة أو ضعف الثقة أو الانتقاص من الكفاءة. فطلب الموظف للمساعدة في ظرف معين لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف، بل يمكن أن يكون مؤشراً على وعيه وحرصه على المحافظة على توازنه وقدرته على الاستمرار في أداء عمله.

لذا، فإن الفرق بين المؤسسة التي تهتم بالرفاه النفسي والمؤسسة التي تهمله لا يظهر فقط في البرامج والشعارات، وإنما يظهر في المواقف اليومية: كيف تتعامل الإدارة مع موظف يمر بظرف عائلي؟ كيف تستمع إلى موظف يشعر بالضغط؟ كيف تتعامل مع الخطأ؟ كيف تقدر الإنجاز؟ وكيف تنظر إلى الموظف: هل هو مجرد رقم في كشف الرواتب، أم إنسان يمثل رأس مالها الحقيقي؟

الرفاه النفسي رأس مال إنساني

يمكن الإشارة إلى أن الرفاه النفسي يمثل رأس المال الحقيقي للإنسان والمؤسسة معاً. فكلما نجحت المؤسسة في توفير بيئة يشعر فيها الموظف بالأمان والطمأنينة والاحترام والتقدير والثناء على جهوده وتعبه، وتعزز فيها الانتماء والولاء، ازدادت قدرته على مواجهة ضغوط العمل وتحقيق الأداء والجودة المتميزة.

إن المؤسسة التي تتجاهل الإنسان وظروفه الشخصية والعائلية قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخاطر على المدى البعيد بفقدان الولاء والدافعية والكفاءات. أما المؤسسة التي ترى في موظفيها بشراً لهم احتياجات ومشاعر وأسر ومسؤوليات، وتعمل على توفير بيئة عمل ملائمة وداعمة، فإنها لا تقدم خدمة إنسانية فحسب، بل تستثمر في استقرارها ونجاحها وإنتاجيتها.

ومن هنا، فإن الاهتمام بالرفاه النفسي ليس رفاهية أو ترفاً، بل مهمة وضرورة أساسية لبناء بيئة عمل صحية ومستدامة، وتحقيق جودة العمل والإنتاجية، والوصول إلى مؤسسة أكثر تقدماً واحتراماً للإنسان، باعتباره رأس مالها الحقيقي وقوتها الأساسية، وأكثر نجاحاً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل وتقلباته.

فالاهتمام بالموظف لا يعني أن نخفف عنه مسؤولياته، وإنما أن نساعده على حملها بإنسانية وكرامة وتوازن؛ لأن الموظف الذي يجد من يهتم به في أوقات ضعفه، سيكون أكثر استعداداً للعطاء في أوقات قوته.

***

د. أكرم عثمان

14-8-2026

الحب والموسيقى في صراع الوجود ضد عصر المادة

الحب العذري في الأزمنة الغابرة كان امتناعاً مقدساً يرتقي بالروح نحو المطلق، بينما تحول في عالمنا الحديث إلى صرخة وجودية صارخة تبحث عن دفء يستنقذ الإنسان من برد الآلة وجحيم المادة. وحين نتأمل هذا التحول، تتراءى لنا أساطير العشق الخالدة في القرن العشرين؛ كشجن محمود درويش وحبيبته (ريتا) حين أنشد مترنماً:

بَيْنَ رِيتَا وَعُيُونِي. رَصَاصَةٌ وَرِيتَا نَامَتْ عَلَى رَكْبَتِي عَشَقْتُ رِيتَا حَجْمَ السَّمَاءِ وَتُبَاعُ العُيُونُ وَتُشْتَرَى

أو لوعة الوجدان الشعري عند الشاعرة الرائدة نازك الملائكة (التي ولدت في عشرينات القرن العشرين)، حين جعلت من العاطفة مرآةً لليل المدينة وأسئلة الوجود الحزينة قائلة:

لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ مِصْبَاحِي. وَلَا نَارِي وَمَاقِي آهِ يَا لَيْلُ، أَكَادُ أَنْسَى

معبرةً بذلك عن حالة ضياع كلي تفقد فيها الروح بوصلتها؛ فلا مصباح يهديها في عتمة العزلة، ولا نار تمنحها دفء الشغف والحياة، ولا مآقٍ قادرة على البكاء ورؤية الحقيقة وسط صقيع المدينة المتسارع، لتتحول العاطفة من مجرد شعور فردي إلى ملحمة وجودية حية. وفي هذا المعنى، يصدق قول الفيلسوف أرسطو حين رأى أن «الحب مؤلف من روح واحدة تسكن جسدين»، وهو ذات الشجن العذب الذي ترجمه الشاعر أحمد رامي شريك أم كلثوم حين غرق في مناجاة روحه صائحاً بأبياته الخالدة:

يَا فُؤَادِي رَحِمَ اللَّهَ الهَوَى كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ

ليظل الحب المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

الفنون كـ "مختبر روحي" وملاذ عاطفي مشترك

لم تقتصر صحوة الحب على التأمل الفلسفي الفردي، بل وجدت متنفسها الأكبر في الفنون والآداب والموسيقى التي غدت "المختبر الروحي" للبشرية؛ فعلى مستوى العالم استطاعت السيمفونيات الرومانسية كأعمال شوبان وتشايكوفسكي، والروايات الكبرى، واللوحات التشكيلية أن تروّض صدمة الآلية الحديثة، ومعها كانت أصوات كـ إلفيس بريسلي وفرق مثل البيتلز وآبا، والأغاني الإيطالية الحزينة، تمثل صرخة جيل يبحث عن دفء إنساني، فتحولت الفنون برمتها إلى لغة مشتركة تعبر عن لوعة الفراق وعذابات الشوق وتمرد الفرد الباحث عن ذاته وسط زحام العالم المادي. وفي ذات السياق، مر الحب وتحولات التعبير عنه في العالم العربي برحلة فريدة وموازية؛ فبينما كانت جذورنا الأدبية تزخر بالغزل العذري والصوفي الرصين، جاءت تحولات القرن العشرين مع صعود السينما والإذاعة والأغنية الحديثة لتنقل الحب من القوالب التراثية والنخبوية إلى رحاب الوجدان اليومي الشعبي. وحين نتأمل رموزاً كبرى مثل أم كلثوم في سهرات الانتظار الطويلة، وعبد الحليم حافظ ببّحته النابضة بالانكسار عبر الأفلام والساحات، وفريد الأطرش بلوعة فراقه، نجد أن الأغنية العاطفية لم تكن ترفاً طربياً عابراً، بل أصبحت المساحة الحية والطقس الجمعي المقدس الذي ترجم أشواق المجتمع وانكساراته وحزنه النبيل، ليؤكد السامع وسط كل هذا التسارع أنه لا يزال يحمل قلباً ينبض بالحب والإنسانية.

الحب في مواجهة جحيم الحروب والأزمات طوق نجاة أم درع وقائي؟

لم يعد الحب مجرد عاطفة فردية تهذب الروح، بل ارتقى في محطات الأزمات الكبرى والصراعات الدامية ليصبح "طوق النجاة" الأخير والدرع الوقائي الذي تلجأ إليه البشرية حمايةً لآدميتها. فحين تشتعل الحروب وتتوالى المآسي التي تفكك الأوصال وتجرد العالم من إنسانيته، يبرز الحب كقوة مقاومة خفية لا تقل ضراوة عن أدوات الدمار، ولكنه دمار عكسي يهدد الفناء بالبقاء. إنه الملاذ الذي يعيد ترميم ما تهدم في النفس البشرية، واللغة الوحيدة القادرة على الانتصار للدفء الإنساني في وجه جحيم الآلية والخراب.

الصراع بين العاطفة والتفاهة. هل الحب مستحيل في زمن الرداءة؟

في عالم تسوده المادية الصارمة، ويحكمه المنطق العلمي البارد الذي يختزل الوجود في معادلات وتفاعلات، يبرز الحب باعتباره الحدث الأوحد الذي يستعصي على القياس. لقد انتصر الحب في القرن التاسع عشر كنزعة إنسانية تمردت على جمود الآلة، لكنه حمل هذا "العبء العاطفي" وانتقل به إلى القرن العشرين، ليواجه مصيراً مجهولاً وسط صراع الإنسان مع أخيه الإنسان.

اليوم، يتساءل المفكرون، وعلى رأسهم آلان دونو في نقده اللاذع لـ "نظام التفاهة"، عما إذا كان هذا القرن، بضجيجه وسطحيته، لا يزال يمتلك الأهلية الأخلاقية والروحية لاحتضان الحب؟ إن "التفاهة" هنا لا تعني الفراغ فحسب، بل هي محاولة ممنهجة لاختزال كل ما هو عميق ومقدس – كالحب والوجدان – إلى منتج استهلاكي خاوٍ. في ظل هذا النظام، تحول الحب من "صرح من خيال" إلى مجرد علاقة عابرة تفتقر إلى العمق، ليصبح السؤال الوجودي الكبير: هل لا يزال للحب مستقبل، أم أننا نعيش زمن "تلاشي العاطفة" في مهب الابتذال؟

حتى وإن بدا المشهد معقداً، فإن الحب الحقيقي يظل هو التعبير الأسمى عن الوعي بالآخر، وهو ما يمنح الحياة معناها في مواجهة العدم. إن الحب لا يمر بمرحلة نهاية، بل يمر بمرحلة "تنقية" قاسية؛ ففي زمن التفاهة حيث يسهل الوصول إلى كل شيء، يصبح الحب الحقيقي فعلاً ثورياً ومقاومة أبدية. المستقبل ليس للحب السهل أو العابر، بل للحب الذي يمتلك شجاعة أن يكون عميقاً، وشجاعة أن يتمرد على معايير الاستهلاك والسطحية التي تفرضها الآلة وعالم الرداءة، ليظل المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

***

ئاريان علي

 

ظل عالم الحيوان لسنوات طويلة حقلا للفروض العلمية، والتجارب المخبرية، وفي غالب الأحيان لحماقات البشر التي أتلفت النظام البيئي برمته. لكن ليندا وريتشارد إير، في كتابهما (بناء شخصية الأطفال)، قررا أن يشكل السلوك الحيواني مدخلا لتربية أسرية مثلى، ومناخ عاطفي تفتقر إليه جماعة العقلاء !

يثير المؤلفان في مقدمة الكتاب أسئلة حارقة، تهم خطأ التمثلات السائدة حول التربية، والتي صارت في وعي الأسرة الحديثة منحصرة في التنظيم والتوجيه، والتحكم المسبق في الوجهة التي ينبغي أن يسلكها الطفل ليكون مُرَحبًا به في عالم الراشدين. فهناك مبادئ أساسية تُمهد الطريق لتعلم القيم، وتُهَيء الأرضية الملائمة لتربية نؤديها بالعقل والقلب، كي نتعرف على أبنائنا ونُمَكنهم من الوصول إلى درجات أفضل.

إن الأطفال شتلات نبات، ومهمتنا أن نكتشف ماهيتها ونُمدها باحتياجاتها، ثم نتركها تنمو على النحو الذي جُبلت عليه. أما محاولة تشكيلهم كامتداد لذواتنا ورغباتنا فلن يؤدي سوى لإلحاق الأذى بهم. وأول ما ينبغي أن يشعر به الأطفال هو أن وجودهم يُمثل أولوية داخل الأسرة. ويمنحنا الإوز الكندي مثالا رائعا من خلال سلوك الأبوين الذي يعكس الالتزام الفائق تجاه الصغار، فالذكر يترك أي شيء كان يفعله ليلبي نداء استغاثة من الأنثى، ويعبر كلاهما عن الالتزام العائلي من خلال رعاية متواصلة للصغار. ولعل أجمل منظر يمكن أن يصادفه المسافر في طريقه هو ذكر الإوز الذي يبسط جناحيه وسط الطريق محذرا السائق من مغبة السير حتى تعبر الأم وصغارها.

مبدأ ثان يستوحيه المؤلفان من سلوك السرطان حين يحاول تسلق جدار الوعاء للخروج منه، فيمد رفيقُه مخلَبه ليسحبه إلى الأسفل بدل أن يعزز جهده للإفلات. وهذا السلوك جزء من طبيعتنا البشرية التي يمثلها الحاسدون، والإخوة المتنافسون باحتدام شديد.

إن المطلوب أن نفعل العكس تماما مع صغارنا، فنبحث عن الطرق الكفيلة بتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ونمدح جهودهم المتواصلة لبلوغ مستوى أفضل، والأهم من ذلك أن نكف عن محاولة ضبطهم متلبسينَ بارتكاب أخطاء.

قد يبدو قانون السرطان سهلا، لكنه صعب التطبيق في الحياة، لأن غريزتنا الأبوية تتضمن دوما عبارات النقد والتصحيح والتهذيب. وهذا يتطلب جهدا واعيا للتغلب على ميول شبيهة بالسرطانات.

وتُقَدم الحيتان ذات السنام درسا مهما في التواصل العاطفي المستمر، والتآزر والتآلف الجماعي بين أفراد الأسرة. حيث استطاع العلماء من خلال رصد أسلوب الحيتان في جمع الطعام، أن هذه الأخيرة تُحدث شبكة من الفقاعات التي تُمكنها من احتجاز الأسماك الصغيرة بداخلها، إلا أنها عملية تتطلب وجود حوت آخر على قدر كبير من التفاهم والتآلف، حيث يتم التواصل عن طريق أغنية. وأسرنا بحاجة إلى أغنية مماثلة للتواصل مع الصغار؛ أغنية مفادها الثقة والتعاون، والإصغاء المستمر والعميق.

ورغم المشية المتثاقلة للسلحفاة إلا أن لديها ميزة يمكن أن نسميها (سرعة المسير البطيء)، فهمي تملك خطة مسبقة، وقواعد مدروسة وراسخة. وفي السباق الشهير بين السلحفاة والأرنب نكتشف أن قانون السلحفاة قانون هادئ، يؤمن بالتماسك والصلابة لا بالسرعة والذكاء. فلا يجب أن يكون صغارنا على عجلة من أمرهم، لأن المهم هو الصمود والمحاولة المستمرة، وتحديد الأهداف بشكل يساعدهم على الاسترخاء والمرونة، والهدوء المفضي إلى تحقيق نتائج طيبة.

وفي عالم الأفيال يثير الخرطوم كأداة معقدة ومبهمة، دهشتنا بفعل التوازن الدقيق الذي يحققه بين الحزم والمرونة، والقوة والحساسية. فهو في غاية اللطف حين تعانق أنثى الفيل صغيرها، وقوي جدا حين تلتقط بدون جهد قطعة خشب يصل وزنها إلى ربع طن. والأسرة في علاقتها بأبنائها، تحتاج إلى توازن مماثل بين الحب والحزم. فالحب دون انضباط يفسد الأبناء، كما أن القواعد الصارمة تنتزع الفرح من العلاقات الأسرية. ويجدر بنا أن نوضح للصغار أن القواعد التي نسطرها لها علاقة بالأمان وليس بالثقة، وأن أفعال الآخرين هي التي تعرضهم للأذى وليس بالضرورة أفعالهم.

ومن الخواص الفريدة التي تتمتع بها أشجار السِيكُويا ذات الخشب الأحمر، أنها أضخم مخلوق في مملكة الطبيعة، إذ يتجاوز ارتفاعها مئة متر ووزنها ألفي طن. لكن ما يتيح لها الثبات أمام التعرض المستمر للرياح العاتية والصمود لسنوات طويلة هي شبكة الجذور الممتدة، والتي تلتحق بها كل شجيرة صغيرة حتى تنغرس عميقا، وتشعر بالتوازن والرسوخ.

قانون الغابات الحمراء يحيل على الهوية والجذور المشتركة، وآلية الربط التي تعبر عن الانسجام العاطفي والروح المعنوية. ومثل أشجار السيكويا فنحن بحاجة لننقل إلى أطفالنا هويتنا المشتركة وميراثنا الحميم، وحين يشعرون بالارتباط الوثيق من خلال المنظومة الأسرية، يسهل عليهم مساعدة الآخرين والتجاوب معهم.

ويُحكى أن اثنين من متسلقي الجبال اعترضَ سبيلَهما دب شرس، فأقبل أحدهما على حذائه يُمتن رباطه، فقال رفيقه مستغربا: هل تنوي أن تسبق الدب؟ أجاب : بل أنوي أن أسبقك أنت ! وفي حياتنا اليومية عادة ما ننظر للأمور بمنظار هذا المتسلق: أي الهرب ومحاولة إبعاد أنفسنا عن المواقف الصعبة، وحرصنا على تجاوز الآخرين ليكونوا هم ضحايا المواقف الخطرة.

لكن الحياة الأسرية تُلزمنا بألا نسمح لأطفالنا باجتناب المسؤولية، وألا نُدعم الطرق الخاصة بالهرب وتجاوز المهمات، وبالتالي تفضيل راحتهم الخاصة مقابل ترك الأعباء الخطرة للآخرين. إن المسؤوليات مثل الدب في هذا الموقف، ستمسك بك مهما حاولت الهرب منها، لذا من الأفضل لك مواجهتها !

ومن طريقة طهي الضفادع، يستلهم المؤلفان مبدأ المسؤولية. إذ تعتمد هذه الطريقة على وضع الضفدع في بيئة مائية باردة، شبيهة بالتي كان يعيش فيها. فيسترخي الضفدع ويستكين، ويفقد إحساسه بالقلق والخطر إلى أن يغلي الإناء! ونحن بدورنا حين ننغمس في عملنا الرتيب ونشعر بالراحة، فإننا نفقد إحساسنا وتيقظنا، وفشلنا في ملاحظة الخطر المحدق بصغارنا، أو رصد طاقاتهم الفريدة واستغلال الفرص للقيام بعمل إيجابي.

بعكس الضفدع علينا أن نتابع ما يدور حولنا، وأن نبحث عن علامات الإنذار التي نراها ولا نشعر بها، وأن نخرج من منطقة راحتنا وافتراضاتنا التي توهمنا أن كل شيء على ما يرام.

وإذا كان حجم البراغيث ضئيلا، إلا أنها تستطيع أن تقفز لأكثر من مئتي ضِعف طولها، وأن تؤدي أكثر من ألف وثبة خلال ساعة من الزمن، لذا اشتهر في أوربا خلال القرن التاسع عشر سيركُ البراغيث كشكل من أشكال الفرجة الشعبية.

كان يتم وضع البراغيث داخل علبة سجائر مغلقة، فتقفز لتصطدم بغطاء العلبة. وبعد مدة يتم نزع الغطاء فتستمر البراغيث بالقفز إلى الحد السابق دون أن تتجاوزه. وبعكس البراغيث ينبغي أن نحرر أطفالنا ونجعلهم ينطلقون إلى ما فوق الغطاء. فالحصول على السلطة والحرية يتيح للصغار أن يكشفوا عن إمكانياتهم الفريدة. 

 تابع المؤلفان عن كثب سلوك نماذج من عالم النبات والحيوان، ليستخلصا بالتالي تسعة من المبادئ التي يجب أن تسبق عملية التربية وتشكيل قيم الطفل وهويته. ومن خلال المتابعة للنماذج المقترحة، يتلمس المرء السبيل إلى اتخاذ قرارات واعية، يكون لها أكبر الأثر في تلبية حاجة الطفل للأمان والحرية، والشعور بالانتماء.

***

حميد بن خيبش

من الأديبات التونسيات اللواتي برزن بتواتر إصداراتهن وتميزها نذكر الأديبة مسعودة بوبكر فقد ظهرت في الساحة الأدبية التونسية منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين وهي أديبة شاملة لأنها شاعرة وكاتبة قصة قصيرة ورواية ولها في فنون الكتابة الأخرى مساهمات متنوعة كالرحلة والنقد وأدب الأطفال والمسرحية وقد صدر لها أخيرا كتاب يوميات بعنوان ـ غزة يوميات نبض مكلوم ـ واليوميات من يوم 7 أكتوبر2023 إلى يوم 20 أكتوبر 2025 لكنها ليست بصفة مستمرة فقد تتخلف يوما أو يومين في الأسبوع3133 masod

هذا كتاب شهادة لأديبة عاشت الحرب على غزة وهي في تونس ولكنها كانت كأنها في غزة تتحمل أوجاعها وأوزارها لهذا أعتبر هذا الكتاب إضافة متميزة في المكتبة العربية خاصة في جنس اليوميات وهو فنّ نادر في أدبنا

 بهذه المناسبة نعرّف بالمسيرة الأدبية لأاديبة التونسية مسعودة بوبكر

مسعودة بوبكر: من مواليد19 فيفري 1954 ولدت بمدينة صفاقس ـ تونس

 - عضو اتّحاد الكتاب التونسيين - وانتخبت عضوا ضمن هيئته المديرة لمدة 3 سنوات: 2009/2011

 - عضو اتحاد الكتاب العرب-

 - عضو نادي القصة أبو القاسم الشابي-

 - عضو رابطة كاتبات إفريقيا/المغرب (فرع تونس)

 - عضو جمعية الكتاب الأحرار بنزرت-

 - عضو جمعية ابن عرفة

اختصاص شؤون إدارة وسكريتاريّة (اشتغلت سكرتيرة لمدّة 30 سنة في شركة حرّة)

كتبت القصة القصيرة والرواية والشعر وقصص الأطفال. والمقال والبطاقة الأسبوعية

 - في الصّحف المحليّة التّالية: صحيفة الشروق / هي وهو 1985صحيفة الأنوار/ تحية الصباح جريدة الصحافة 1992/ عقد المرجان الملحق الثقافي جريدة الحرية من 1993/2008

 - شاركت في ندوات أدبية محلية وعربية. ولقاءات في كل من: المغرب/ سوريا/ ليبيا/ جنييف.

 - نشطت عديد المنتديات الأدبية أهمّها

 - -منتدى القصّاصين في اتحاد الكتاب (1992/1993و 1997)

 - نادي مطارحات أدبية في نادي القصة بالوردية/ 2003/2006--

 - وصالون السرديات في النادي الثقافي الطاهر الحدّاد:2012/2014

 - شاركت في لجان تحكيم لمسابقات أدبية أهمّها: مسابقة الكومار للرواية/ مسابقة البنك التونسي في السرد/ مسابقة القصة القصيرة معرض تونس الدولي للكتاب 2016/مسابقة نادي الطاهر الحداد في القصة/ مهرجان الأدباء الشبان الذي أسسته صحيفة الصدى/ مهرجانات أدبية محلية داخل البلاد.

 - قامت بعديد اللقاءات المباشرة مع تلاميذ الأقسام الإعدادية في عديد المدارس عبر البلاد حول نصوصها المبرمجة في حصّة العربية. من سنة 2000 حتى سنة 2025

 - أحرزت رواياتها على جوائز أدبية وشكلت مواضيع رسائل بحث جامعية.

 - ترجمت بعض نصوصها إلى كلّ من الفرنسية والألمانية والإنجليزية.

 - قدمت برنامج "مجلات عربية" في إذاعة تونس الثقافية وأسهمت في برنامج صباحي في الإذاعة الوطنية.

 - شاركت في هيئة تحرير كل من:

 - مجلة قصص ( إصدار نادي القصة)

 - مجلة المسار (إصدار اتحاد الكتاب التونسيين)

 - مجلة الإتحاف (مستقلة) .

 - مجلة الحياة الثقافية (وزارة الشؤون الثقافية)

 - مجلة الكلمة / سوسة

 - تكريمات

 - وسام رئاسي للاستحقاق الثقافي، الصنف الرابع، سنة 1997

 - وسام رئاسي للاستحقاق الثقافي، الصنف الثالث، سنة 2005

 - تكريم من وزارة الثقافة والمعرض الوطني للكتاب التونسيّ الدورة الأولى

 - تكريم من منظمّة التربية والأسرة، الإقليم الرّابع بقابس

 - تكريم من ولاية بن عروس.

 - تكريم من ولاية صفاقس.

 - تكريم من الأسرة التربوية ولاية باجة

 - تكريم من ديوان العرب، جمهورية مصر العربية

 - تكريم من ملتقى توجان للروائيات التونسيات

 - تكريم من مهرجان دوز الدولي

 - تكريم من كلية الآداب صفاقس

 - تكريم من ملتقى تونس للرواية العربية الدورة 2

 - تكريم من تأمينات كومار في عشرينية الكومار الذّهبي

 - تكريم من الملتقى الطلابي للخط العربي

 - تكريم نادي الحوار/ المكتبة الجهويّة بنابل

 - تكريم ملتقى القصّة القصيرة بمساكن

 - تكريم منتدى الفكر التنويري التونسي

 - تكريم إدارة المطالعة /وزارة الثقافة "مبدعات بلادي" 2022

 - تكريم من كلية منوبة نادي العربية

 - تكريم من كلية الآداب بني مسيك الدار البيضاء بالمغرب

 - تكريم من نادي القصة الوردية ومختبر السرديات كلية الآداب والعلوم والإنسانيات بمنوبة

إصدارات الأديبة

في القصّة

 - طعم الأناناس مجموعة قصصية سنة 1994 الأطلسية للنشر.

- وليمة خاصّة جدّا مجموعة قصصية سنة 2004 دار سحر للنشر

- أظلّ أحكي مجموعة قصصية سنة 2012 دار سحر للنشر

- الرّحيل إلى تسنيم مجموعة قصصية سنة 2017 عن دار البدوي

- مختارات قصصية

في الرّواية

- ليلة الغياب رواية سنة 1997عن دار سحر للنّشر طبعة أولى

- ليلة الغياب طبعة ثانية عن دار سوتيميديا للنشر 2022 (جائزة بلدية مدينة قابس للرواية)

- طرشقانة رواية سنة 1999 عن دار سحر للنشر، (طبعة ثانية سنة 2006)

- وداعا حمورابي رواية سنة 2003 دار سيراس للنشر (حازت جائزة الكومار الذهبي)

- جُمان وعنبر رواية سنة 2006 دار سحر للنشر (حازت جائـزة زبيـدة بشيـر للسـرد من الكريديف)

- الألف والنّون رواية سنة 2009 عن دار سحر للنشر،

 الألف والنّون طبعة ثانية 2012 (حازت جائزة زبيدة بشير في السرد من الكريديف)

- ريح الصبّار رواية سنة طبعة أولى. 2019 دار سوتيميديا للنشر والتوزيع.

 ريح الصبّار طبعة ثانية سنة 2021 دار سوتيميديا للنشر

في الشّعر

- لؤلؤ لِجِيدِ الكلام سنة 2002 عن دار الاتحاف للنشر

- مزاج قزحيّ 2013 دار سوتيميديا

في الترجمة

- إنّما العمر زفرة .. رواية مترجمة عن كتاب آن فيليب:

- Le temps d’un soupir 2015 عن دار البدوي للنّشر والتوزيع.

كتب متفرقة:

- شهامة نميل قصة للأطفال سنة1999 عن دار الاتحاف

- عقد المرجان نصوص سنة 2000 ط/1 ـ المطبعة السريعة بقابس

 عقد المرجان طبعة ثانية سنة 2015دار سحر للنشر

- أزمنة وأمكنة ـ نصوص سنة 2013 الدار التونسية للكتاب

- نزْرٌ ممّا... نص/شهادة 2014 عن الدار التونسية للكتاب.

- ياسمين أحمر. نصوص 2019 عن دار ابن عربي.

- شهادات – نصوص سنة 2019 عن دارالاتّحاد للنّشر والتوزيع.

- يوميات : حقيبة وذاكرة ارتسامات عن زيارة لباريس عن دار سوتيميدياسنة 2023

- يوميات: بين الأطلسين ارتسامات عن زيارة للمغرب عن دار سوتيميديا سنة 2025

-يوميات : غزة ... نبض مكلوم عن دار الكتاب 2026

في المسرح

- اسمع يا سيزيف - مسرحية باللهجة العامية التونسية

- خلّي النسمة ادّور.. - مسرحية باللهجة العامية.

كتاب بالاشتراك

- ولهنّ الكلمة ـ مقالات ـ كتاب بالاشتراك سنة 2012، دار سحر للنّشر.

في انتظار الطبع

- شهادات الجزء الثاني

- رواية

- نثار الخاطر نصوص أدبية

***

 سُوف عبيد ـ تونس

لم يكن هناك شيءٌ عندي محدودًا أو معقدًا…كان كل شيءٍ عابرًا، حديثًا يتنقّل بيننا كالريح، لا يستقرّ طويلًا، وكأننا كنّا نلعب لعبةً لا نعرف إلى أين ستأخذنا.

لم أكن أعرف أن كلماتك، ومتابعتك لي، واهتمامك بالتفاصيل الصغيرة، ستكون بذورًا ستنمو في داخلي طوال العمر، وبشكلٍ يفوق تصوّري وأحلامي.

في البداية كنت أظن أن كل شيءٍ بسيط…حديثٌ ينتهي، وضحكةٌ تمرّ، وكلماتٌ تُقال ثم تمضي كما تمضي الأشياء العابرة. لكن مع مرور الوقت، أصبح اللعب والحديث معك ركيزةً في أيامي، شيئًا أبحث عنه دون أن أشعر، وأنتظره دون أن أعترف لنفسي بانتظاره.

ثم بدأت الكلمات تتغيّر…لم تعد مجرد كلمات، والضحكات لم تعد مجرد ضحكات. كان هناك شيءٌ آخر يتسلل بهدوء، يكبر بين السطور، ويتسلل إلى القلب دون استئذان.

شيئًا فشيئًا، أصبحت تلك الأحاديث تملأ قلبي فرحًا، وأصبحت أراها جزءًا من يومي، ثم جزءًا من حياتي… جزءًا يصعب عليّ أن أفكّ نفسي منه أو أبتعد عنه.

ولم أدرك متى حدث كل ذلك.

متى تحوّل العابر إلى باقٍ؟ومتى أصبح الحديث ذكرى؟ومتى أصبحت الضحكة التي كانت تمرّ سريعًا، شيئًا أعود إليه كلما اشتقت إلى زمنٍ كان فيه للقلب حديثٌ آخر؟

مرّ بي الوقت…أو لعلني أنا التي أمرّ به من خلال ذكرياتي.

فبعض الذكريات لا تسكن الماضي، بل تسكننا نحن.نحملها معنا أينما ذهبنا، وتعود إلينا أحيانًا دون موعد، في كلمة، أو أغنية، أو مكان، أو حتى في لحظة صمت طويلة.

وأصبح الكلام يكبر بيننا، أحيانًا على الأفواه، وأحيانًا أخرى في الصمت…فليس كل ما نشعر به يحتاج إلى أن يُقال، وليس كل ما يُقال يستطيع أن يشرح ما في القلب.

كانت هناك أشياء كثيرة نفهمها دون أن نتحدث عنها، ونشعر بها دون أن نمنحها اسمًا.

وربما كانت أجمل الأشياء هي تلك التي بدأت بلا موعد، وبلا وعد، وبلا نية لأن تصبح شيئًا كبيرًا…

ثم كبرت.

كبرت حتى أصبحت ذاكرة لا تمضي، وحكاية كلما حاول الزمن أن يطوي صفحاتها، أعاد القلب فتحها من جديد.

وعرفت متأخرةً أن بعض الأشياء لا تدخل حياتنا لتبقى فيها إلى الأبد، لكنها تترك في أرواحنا أثرًا… يبقى معنا إلى الأبد.

وهكذا كان كل شيء في البداية عابرًا…

إلا الأثر.

***

ذكرى البياتي

 

ما أكثر كلماتنا وكتاباتنا، ومنشوراتنا ومواقعنا وصحفنا وأحزابنا، وكل منا يغني على ليلاه، وواقعنا مشتت، وعقولنا متنافرة، وحالنا شذر مذر، ولا إشراق في أفقٍ مبين.

ما يُسمى بالحداثة تستعبدنا، ونحسب التعبير عن الرأي خلاصة الفعل ومنتهاه، وما غيّرت كلماتنا ولا تبدلت أحوالنا، والقطار بما يحمله من الوجيع يسير بأقصى سرعته، ولا يشتري ما يُنشر بأبخس الأثمان، بل يحسب وسائل التعبير عن الرأي كسلال المهملات، ُيرمى فيها ما لاينفع، و"السبع مَن يضع في السلة رقي"!!

والتنفيس هو إخراج ما يختلج في النفس من مشاعر وأفكار وضغوط، بطريقة تساعد الإنسان على إستعادة توازنه والشعور بالراحة النفسية.

والتنفيس بالكتابة سلوك يطغى في مجتمعاتنا، ذلك أن العمل فقد قيمته، وتحول الكلام إلى فعل، والكتابة كلام مدوّن يحسبه صاحبه فعلا ومشاركة فعّالة في صناعة هدف ما، والحقيقة أن القرار للقوة القابضة على مصير أصحاب الكلمات، فلتقل ما تقل، ما دمت خارج منظومة القوة فما تقوله هباء، وكتباتك محض هراء، والناس على دين ملوكها، وربما لا يعنيها كلام لا يمت بصلة للكرسي.

العواصف النارية والتكنولوجية تهب علينا من كل حدب وصوب، ونواجهها بالكلام شعرا ونصوصا متنوعة، وبخطابات تضليلية مفبركة، وبأوهام ذات مواصفات دينية، ونتعامل مع واقعنا كأننا لا صلة لنا به، ونحسب التنفيس ممارسة ديمقراطية، لأننا أمضينا العصور في قمقم السمع والطاعة، وتقديس الجاثمين في كراسي قهرنا وإبادة أحلامنا وحرق طموحاتنا، ولاوعينا بأمارة السوء التي فيه يقنعنا بأن الرب في الكرسي، أو أن الكرسي يمثل إرادة إلهية.

صاحبي رؤاه ثاقبة ومعبرة عن حقائق دامغة، لكنها لاتمنع من خوف ولا تطعم من جوع، لأنه يغرد على هامش الأحداث، ولا يمتلك أي دور في تقرير مصيرها.

قلت له: ألا يكفينا هذربة ومطاردات سراب، وتعبير عن أوهام إعتقادية بائرة؟

غضب صاحبي، وأنكر قولي، ومضى يداعب ما ترسخ في دنياه من معتقدات يراها ثورية، ويؤمن بأن الصبر مفتاح الفرج، وأن غدا لناظره قريب.

كلامٌ من أفانينِ الهراءِ

ندوّنهُ وننشرهُ كداءِ

سَرابُ وجودِنا أضْحى مُنانا

وإنّا في متاهاتِ الخَواءِ

أحاديثٌ مُضللةٌ لديْنا

بها صَدحَتْ منابرُ إبْتلاءِ

***

د. صادق السامرائي

ثمانون سنة من العطاء الثقافي

تأسّست - جمعية ابن عرفة الثقافية - سنة 1946 وكان اِسمها جمعية - شباب اِبن عرفة بغمراسن –

ثم وعلى إثر الحرب العالمية الثانية انتقلت إلى العاصمة بالمدرسة السليمانية بهدف إعانة الطلبة والتلاميذ المقيمين بها بعد أن تشتتوا بسبب الحرب وتعرض العاصمة للقصف والاحتلال من طرف مختلف الجيوش فرجعوا إلى ديارهم.

وتنادى الوطنيون وقتذاك من مختلف جهات البلاد إلى تأسيس الجمعيات الاجتماعية والثقافية للإحاطة بالتلاميذ والطلبة ودعمهم ومن بين تلك الجمعيات- جمعية ابن عرفة الثقافية التي احتضنت ودعمت العشرات من طلبة وتلاميذ تلك الفترة وقد أوتهم غرف المدرسة السليمانية حتى نُسبت إليها.

وقد حاضر على منبرها أفذاذ الشيوخ والأدباء مثل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والأديب العربي الكبادي والشعراء محمد المرزوقي ومنور صمادح والحبيب المستاوي وغيرهم.

بعد الاستقلال وبداية الستينات اهتمت الدولة التونسيّة الناشئة بالتعليم في مختلف مراحله وشؤونه فتقلّص دور تلك الجمعيات .3131 benarafa

في سنة 1976 أعاد تحيينها القانوني وتجديدها جمع من المثقفين خاصة من قدامى الجمعية وأبناء المؤسسين فبرز نشاطها وانتشر إشعاعها ووجهوا نشاطها إلى المجال الثقافي خاصة من ذلك أنها ساهمت في تنظيم مشروع الملتقيات الثقافية الذي اعتمدته وزارة الثقافة على مدى سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينيات والذي شمل عديد الولايات على غرار ملتقى ابن رشيق في القيروان وملتقى ابن منظور في قفصة وغيرهما فاِختصت الجمعية بتنظيم ملتقى ابن عرفة أكثر من عشر دورات في ولايتي تطاوين ومدنين حول مواضيع حضارية وتنموية وساهم فيها نخبة من المختصين وكان ذلك بإشراف اللجنة الثقافية الوطنية وقد منحتها وزارة الثقافة لغزارة نشاطها مقرا في حي الشباب بشارع محمد الخامس بالعاصمة وهو في الأصل فضاء شاسع لمعرض تونس الدولي فنشطت به الجمعية في مقرها المستقل مثل بقية الجمعيات الثقافية والشبابية هناك.

بعد ترميم - المدرسة السليمانية - بالمدينة العتيقة سنة 1985جعلتها وزارة الثقافة خاصة بالجمعيات الثقافية والجمعيات الطبية مثل جمعية أخصائِيِي الأشعة وجمعية أخصائيي التغذية وغيرهما وصار اسم المدرسة السليمانية - دار الجمعيات الطبيّة –

وعينت لها مديرة قديرة هي السيدة صلوحة الإنوبلي نذكرها بكل خير فنشطت بها تلك الجمعيات وأقامت فيها حتى المعارض والندوات المختصة من بينها معرض الأدوات الجراحية عبر التاريخ.

وقد خصّصت وزارة الثقافة لــ "جمعية ابن عرفة الثقافية" الطابق العلوي فصارت تنشط فيه إلى اليوم ضمن أنديتها ومكتبتها وندواتها وملتقياتها ومؤتمراتها وفتحت الرواق العلوي للفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم وجعلت قاعته الصغيرة لتعليم أعضائها وروادها الكتابة على الحاسوب .

في السنوات الأخيرة أحدثت وزارة الثقافة في دار الجمعيات الطبية بالمدرسة السليمانية دار ثقافة جديدة تسمّى "دار الثقافة بالسليمانية" وظلت جمعية ابن عرفة الثقافية تواصل نشاطها من خلال أنديتها ومكتبتها المفتوحة للأدباء والباحثين وبالتالي فليس لجمعية ابن عرفة الثقافية أي صلة إدارية بدار الثقافة إلا صلة الجوار والتعاون في إنجاز بعض التظاهرات الثقافية أحيانا حرصا منها على دعم الثقافة الوطنية.

إن جمعية ابن عرفة الثقافية تمثل علامة راسخة ضمن الذاكرة الوطنية وتعتبر أن مرجع نظرها القانوني والإداري هو رئاسة الحكومة ومرجع نظرها الثقافي هو وزارة الشؤون الثقافية مباشرة.

وجيلا بعد جيل ومن أجل ثقافة تونسية المنطلق إنسانية الأفق تواصل جمعية ابن عرفة الثقافية دربها بعزم وثبات وهي تستعد للاحتفاء بالذكرى الثمانين لتأسيسها فتحية شكر وتقدير لكل من ساهم في مسيرتها وإعلاء شأنها

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

حين تبدي شريحة واسعة من المواطنين عزوفها عن المشاركة السياسية، فهي لا تكف عن ممارسة السياسة من خلال منافذ أخرى، لعل أهمها إبداع أشكال جديدة للسخرية من سلوك النخبة السياسية. سخرية تغذيها رحابة الأنترنيت في توفير برامج وأدوات، لتصميم وإبداع ردود أفعال تمزج بين الطرافة والمرارة! وضع كهذا يفرض طبعا بذل جهد كثيف لاستعادة ثقة المواطن، والتصدي لمجمل الاختلالات التي تعيق إشراكه في تطوير الأداء السياسي.

 يأتي الالتباس القيمي الذي يطبع مواقف النخبة السياسية وتصريحاتها في مقدمة هذه الاختلالات.  فالسماح للأكاذيب بالتسلل إلى ثنايا القول السياسي، أنتج خطابا مشوشا وساذجا، وحوّل المشهد السياسي إلى فضاء للغو وتبادل الاتهامات، ودعوات للإقصاء والتخوين ورمي الآخر في البحر!

لماذا يكذب السياسي؟

إن الكذب في الحياة اليومية انحراف عن النسق الأخلاقي، لكنه في السياسة جريمة. هذا ما عبر عنه خبير الشفافية الدولي الأمريكي مايكل هيرشمان في معرض رده عن سؤال حول كيفية محاسبة المسؤول الفاسد. إن الكذب من قبل السياسي أخطر من جريمة الفساد التي يحاسب عليها القانون، إذ أن السياسي عندما يكذب يحاول تحقيق مصالح خاصة بطرق غير مشروعة.

يكذب السياسي حين تتعارض الحقائق والوقائع مع قائمة الوعود التي وزعها، حتى يتمكن من الإنابة عن المواطنين في تدبير شؤون حياتهم. وما تكشفه المواقف المتضاربة بشأن تحليل علمي وموضوعي للحالة الاقتصادية والاجتماعية على سبيل المثال، يكفي لأن يثير لدى المواطن العادي شعورا بالتقزز من سياسيين يغيرون مواقفهم كما يغيرون معاطفهم، فقط ليثبتوا أنهم دائما إلى جانب الصواب.

 لذا لم يعد مستغربا أن يوزع السياسي مدائحه على نفس الهيئة أو المنظمة التي كال لها الشتائم والتهم منذ زمن يسير، معتمدا على براعته في التلون القيمي، وعلى تدني مستوى التفكير والتحليل لدى الشريحة التي اختارته.

  ويكذب السياسي حين يزعم أن ميله للعنف الخطابي، واعتماده لغة الشارع دليل على انحيازه للبسطاء، وانبعاث خطابه من أغوار الفقر والجهل والآلام الإنسانية. فالسياسة ظاهرة ثقافية في جوهرها، بل إنها مستحيلة بغير ثقافة، مادامت القوة السياسية ترتكز إلى حد كبير على التوقعات والاتصالات، والقيم المشتركة. بينما الحقيقة أن هذا النزوع يأتي كتعبير عن ضعف الموقف السياسي، ومستوى التكوين المعرفي. بل إن دحرجة القول السياسي إلى أسوأ مراتبه، تمنح صاحبه مشتلا لبذر الأحكام الانطباعية المغلوطة، والاتكاء على أسانيد واهية لشرعنة الفوضى.

ويكذب السياسي حين يغذي الكسل الداخلي للمواطنين بأجندة تبيح خلودهم إلى الراحة، في الوقت الذي يتولى هو إدارة معارك الديموقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية. فليس مطلوبا، برأيه، من المواطن سوى أن يمنح ولاءه السياسي وصوته الانتخابي، ثم يعود إلى فراشه الوثير مترقبا موعد هبوب الخيرات وجمع الغلال.

ولعل ما يحمل الناس على التصديق، اعتقادهم أن الفرق بين السياسي والمواطن العادي من حيث القوة والدهاء والمناورة غير قابل للمناقشة؛ في حين أن هذه الفروق هامشية جدا، ولا توجد إلا بسبب التصورات المشتركة حول القدرات العجيبة للسلطة. إذ أن الطابع المراوغ للسياسة ناشئ عن المفهوم المتعلق بالسلطة، وقدرته على تحريض الخيال البشري، فمنذ التنشئة الاجتماعية للطفل، تتشكل خيالات متعلقة بالأفعال السحرية للسلطة. 

ويكذب السياسي حين يُنشئ روابط غير واقعية بين تحسين الدخل الفردي والوضع الاجتماعي، وبين مطامح الأمن والسكينة والتوازن الروحي. بل إنه لا يُضمن خطابه السياسي أسانيد وأطروحات يُمكن أن يُعتد بها، لتأكيد أو نفي المزاعم بشأن قدرة السياسة، إلى جانب الاقتصاد، على تجسيد يوتوبيا حالمة لم تغادر بعد رفوف المكتبات.

في تشريح حاد ومؤلم لأعطاب المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين، يعزو دون إيبرلي معظم المشاكل الأمريكية إلى فشل الرهان على السياسي في مواجهة ظواهر تتطلب القوة الروحية، واستعادة دور المجال الثقافي والأخلاقي. لا بد من وضع إطار عمل جديد، يقول إيبرلي، لحل المشاكل يسقط الصبغة السياسية عنها. إن أمريكا بحاجة إلى حوار مدني جديد، واستعداد لتجنب المناقشات العقيمة بين اليمين واليسار حيث أمكن، وإقامة بيئة ثقافية جديدة، وإحياء عادات المجتمع الإنساني المتمدن.

ويكذب السياسي حين يعمد إلى إثارة المخاوف لمواجهة غريمه، وإقصائه من معترك حيازة الثقة؛ فالخوف كما يؤكد عالم الاجتماع فرانك فوريدي، أصبح قوة مهمة في التأثير على الخيال العام في العالم. وإذا انضاف إليه الاستئثار المنظم بالمعلومات والحقائق من لدن السلطة الحاكمة، تبين لنا حجم الضرر الذي تلحقه الشائعة السياسية، وما يترتب عن بث الذعر بين المواطنين من اضطراب وبلبلة، وفي أحيان كثيرة قيام صراعات اجتماعية. هنا لا يُعتبر الكذب ذريعة لغرض نبيل، كما يزعم حواريوه في المجال السياسي، بقدر ما يكون له مفعول العبوة الناسفة.

وأخيرا يكذب السياسي حين تداهمه متغيرات ومنعطفات كبرى، يشعر معها بتداعي شرعيته السياسية، وبأن أوراق اللعب كلها تتناثر من بين أصابعه؛ فلا يجد من وسيلة لإثبات حضوره واستمراريته سوى العودة إلى العصبية الضيقة، وتغذية الميول العنصرية والطائفية والمذهبية.

يعقد يوسف أسعد في كتابه الممتع (الكذب وأثره في الإنسان) فصلا طريفا عن الكذب والحضارة، يكشف من خلاله أثر التطورات الحضارية المتسارعة على كافة جوانب الحياة الإنسانية. ومما استنتجه المؤلف، بعد معالجة سيكولوجية للكذب في مختلف مراحل النمو الإنساني، أن هذه التغيرات الشديدة والمتلاحقة، عززت تغلب القيم النسبية على القيم المطلقة؛ إذ لم يعد هناك صدق مطلق في كل ومكان وزمان، بل هناك كلام يُصاغ في ضوء المتطلبات الملحة، ولخدمة المصالح وجلب المنافع. بمعنى أن الحنكة السياسية مرتبطة بمدى ما يترتب عن الخطاب من نتائج مصلحية، بغض النظر عن صدقه أو كذبه!

إنهما روحان تسريان في ثنايا القول السياسي، وتزينان له تقويض أركان الثقة التي بدونها لا يقوم لأي نظام ديموقراطي قائمة: روح ميكيافللي الذي همس بخبث في أذن أميره، سليل أسرة آل ميدتشي قائلا:

 "إذا نظرنا للأمور نظرة صحيحة لوجدنا أن بعض ما يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبقناه، والبعض الآخر الذي يبدو من الرذائل، قد يسبب سلامة الإنسان وسعادته".

 والأخرى روح جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر النازية، ومبدع الكذب المبرمج والرمادي، وصاحب المقولة الأكثر شيطنة في عالم السياسة "اكذب واكذب واكذب حتى يصدقك الناس ". روحان تغذيان هيمنة المنفعة على النبل الإنساني، وتدفعان بالعمل السياسي إلى الحضيض.

هل يجب على السياسي أن يتحرك داخل حدود المفاهيم الأخلاقية؟ سؤال يصنفه غلين تيندر ضمن الأسئلة الأبدية للفكر السياسي؛ فالسياسة هي أظلم منطقة في وجودنا الجماعي والتاريخي. والقيادة السياسية لاهم لها سوى تشكيل العقول، والتأثير على السلوك لتحقيق أفكار متصورة سابقا.

 قد يكون للسياسي ذرائعه في تحطيم البناء القيمي باسم المصلحة تارة، وتحديث الممارسة السياسية تارة أخرى؛ لكن ما نخشاه حقا هو أن يؤدي انهيار الثقة إلى انبعاث جيل من رحم اللاسياسة؛ جيل يتأرجح بين اللامبالاة والتقويض المجنون لدعائم المجتمع الإنساني.

فهل يكف السياسي عن الكذب؟

***

حميد بن خيبش

معكوس: مقلوب

نعيش في عالم المعكوسات، أي إنقلاب الحالات، فالظالم مظلوم، والفاسد نزيه، والحق باطل، والصدق كذب، المتأسد مُستضعف، وهلم جرا...!!

العدوانية مظلومية، القتل طقس عقائدي يقرّب إلى الرب زلفى، تغييب الأبرياء شطارة وشجاعة، والخطف فعل يُثاب عليه الفاعل، فلا حدود ولا تقاليد ولا قيم ولا أخلاق، فشريعة الغاب تبرمجنا وتساهم في تحفيز شرورنا.

هذه المعكوسات تمثل الصراع الأزلي بين الخير والشر، ويبدو أن للشر صولة في زمننا المكبل بالمساوئ الدهماء.

أجواء تفاعلية تعبر عن إختلاط الحابل بالنابل، وضياع قيمة كل شيئ، وما عاد للأدب والأخلاق والقيم معنى ودور، فلا بد من أنياب مكشرة تفترس ما حولها وتملأ سلال رغباتها بما تشتهيه من حقوق الآخرين، فالأنانية المدرعة بالتوحش والإنقضاض على فرائسها لا حدود لها، ولا قدرة على ردع نواياها ولجم حصان أهوائها.

الأحداث تخبرنا بأن الأقوياء يأكلون الضعفاء، والناطق بالحق مذنب، والصادح بالباطل ذو شأن وسلطان، وكل مَن عليها مُدان، وشتان بين أدعياء الأديان وحماة الأوطان، والذين يصونون كرامة الإنسان، ويحافظون على حقوقه من الأباطيل والبهتان.

الأرض تدور في عالم حيران، ودنيا ذات أحزان، وضياع وإمتهان، والقائد الشيطان، يحث على العدوان، ويرسم خرائط تمزيق الشعوب وهدم العمران.

التكنولوجيا تدمرنا، وما أتى به العلم يسحقنا، فإبداعات الشرور تعني القوة وبسطوتها تحاصرنا، وتصادر مصيرنا، وتبعدنا عن أوطاننا، وتستفيد من طاقاتنا وتستثمر قدراتنا، وتستحوذ على ثرواتنا، وتمنحنا التباغض والتلاحي لتمحقنا.

وكأننا نمشي على رؤوسِنا، ونصفق بأقدامنا، وعيوننا تحجبها الرمال، وتعميها سرابات غفلتنا، فهل إستيقظ رشدنا، وما عدنا نرى الدنيا مقلوبة في صندوق أوهامنا الأسود؟!!

تآزرتِ الحوادثُ واسْتدامَتْ

ومِنْ وَجَعٍ إلى وَجَعٍ تَوالتْ

تُعللنا النوازلُ بانْفراجٍ

وحالكةٍ بدنيانا تواصَتْ

لماذا رأسُنا فقدَتْ حَجاها

ومِنْ غفلٍ وتجْهيلٍ تعامَتْ

***

د. صادق السامرائي

صوتُ المثقف العراقي في داخل العراق وخارجه ضعف ثم تآكل ثم ضاع باستثناء أصوات فردية نادرة هنا وهناك قاوم أصحابها بكل ما يمتلكون من قوّة حتى يستمر وهجُ قناديلِ أرواحِهم وسط غابة من الظلام فتعرضوا الى كل أنواع المظالم والاِنكار والتهميش والتسفيه داخل العراق وخارجه ومايزالون، ولم يكن مسيرُهم ضد التيّار الجارف مشاكسةً أو رغبةً في الظهور وانما حباً لوطنهم، وصدقَ انتماءٍ له، وتعزيزاً لصوت الضمير الانساني ..

ما عدا هؤلاء تاه المثقف العراقي وضاع بين وكالات الخارج ودكاكين الداخل رغم ان الهامش المُتاح له كبير اِنْ كانت ارادته كبيرة ..

تمرُّ الأحداثُ المؤلمة والمثقفون العراقيون على الأعم الأغلب غائبون، غائبون على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجمعي ..

قسمٌ منهم قبل بالرشاوى الصغيرة، الصغيرة مهما كبرت: دعوة الى مهرجان شعري أو أدبي أو ثقافي أو أكاديمي، اقامة على مدى اسبوع في فندق خمس نجوم مع الطعام والشراب، اشراك في انطولوجيا شعرية أو أدبية تصدر بالعربية أو مترجمة الى لغة أجنبية، مقابلة تلفزيونية في فضائية من فضائيات الخداع والانبطاح والتملق والتهريج والتزوير، أو مكافأة مالية من صحيفة أو مجلة تصدر من بلد ثري بالمال.

انَّه أمرٌ مؤسف ان يبتعد المثقف العراقي عن روحه ومهجته وضميره، ويركن الأمر الى الآخر الذي لا يدري متى سيأتي ..

***

كريم الأسدي - العراق

نشرتُ قبل سنوات مقالة مطولة نسبياً عن الفساد واقتصاديات الفساد وحسابات الفاسدين الاقتصادية.. ونظراً لحمى محاربة الفساد السائدة في الوقت الحاضر، وجدت ان من المناسب اعادة نشرها.

الاقتصاد السياسي للفساد:

تعتبر مشكلة الفساد واحدة من اكبر المشاكل التي تواجه التنمية والتقدم في مختلف دول العالم.

والفساد. كما يعرفه معجم أوكسفورد الإنكليزي: انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة.

وتختلف اساليب مواجهة هذه الظاهرة الاجرامية بين الدول من حيث الطبيعة والشدة. ولايكاد يخلو بلد من بلدان العالم من نوع معين من الفساد. وكذلك تختلف البلدان في درجة انتشار الفساد في جسد الدولة.

بطبيعة الحال، فان موضوع الفساد . بموجب قراءاتي حول الموضوع. يحتوي على الكثير من النقاط التي تستحق الاشارة اليها ولكن المقام لايتحمل الكثير من الشرح والاطالة . لذلك سوف اكون انتقائيا في استعراض بعض النقاط التي اعتقدت بانها تستحق العرض.

الاساليب الوعظية والتوجيهية في مكافحة الفساد:

يتم التعويل في التعامل مع الفساد في بعض الاحيان من خلال الوعظ والتوسل الى الفاسدين بالكف عن فسادهم رحمة ببلدانهم وابناء شعوبهم الفقراء وتذكيرهم بالعذاب في الآخرة او بالقيم الاخلاقية والاجتماعية. وهم يتناسون ان الفاسدين هم مجرمين بلا ضمائر وفي كثير من الاحيان يكون هؤلاء اعضاء في منظمات تستعمل كل الاساليب لحماية مصالحها.

ولم يثبت في التاريخ الحديث ان دولة نجحت في مكافحة الفساد عن طريق هذه الاساليب.

الاساليب العلمية التحليلية في مكافحة الفساد:

في اوائل التسعينيات من القرن الماضي عثرت في مكتبة وزارة التخطيط العراقية على كتاب للاستاذة: روز ايكرمان، عنوانه: الفساد: دراسة في الاقتصاد السياسي (باللغة الانجليزية).

Corruption: a study in political economy (By Rose-Ackerman)

الكتاب ناقش مظاهر مختلفة للفساد لعل اكثرها اهمية وملائمة لاوضاع العراق الحالية، هي تلك الفصول التي تناقش الفساد في الاقتصاد السياسي*(سوف يأتي شرح لمعناه في حاشية هذه المقالة) والتفشي الوظيفي للرشوة.( ويكون تفشي الفساد وظيفيا functional عندما يرسي لنفسه فعاليات خاصة واهداف ومهام خاصة ترتبط كلها بطريقة تنفيذ عمليات الفساد في نشاط مؤسسي الى حد كبير.)

كذلك تناقش العلاقة الاساسية بين المصوّتين والمشرّعين وجماعات المصالح اضافة الى دور البيروقراطية الحكومية في تشكيل الخيارات التشريعية.

وهنالك فساد في القطاع الخاص ايضا ولكن مهمة مكافحته اساسا تقع على اصحاب الاعمال ومن خلال تفعيل حوكمة الشركات. اضافة الى المساندة التي تقدمها التشريعات العامة التي تعاقب وتردع الفاسدين حتى في القطاع الخاص.

الفساد كنشاط اقتصادي:

كما ذكرنا فيما تقدم. ينبغي الفصل الواضح بين الفساد كسلوك اقتصادي وبين الروادع الاخلاقية والدينية وضرورة التعامل معه كسلوك اقتصادي ينظر القائمون به الى اعتبارات الربح والخسارة كأي مشروع آخر. بمعنى ان معالجته يجب ان لاتكون عن طريق الوعظ والإرشاد (مع انها قد تكون مفيدة في بعض الاحيان) بل عن طريق جعل الإقدام على ممارسة الفساد عملية غير مجدية وتسبب خسارة كبيرة لمن يرتكبها.

ولإيضاح طبيعة الفساد من وجهة نظر اقتصادية صرفة:

تعتبر بعض الممارسات اقتصادية تماما طالما كان من يقوم بها عاقلا رشيدا حتى لو كانت ممارسة مثل القمار وفقدان الراتب الشهري في جلسة قمار واحدة. السبب هو ان الشخص العاقل الذي لعب القمار وخسر راتبه في جلسة واحدة لابد وانه كان يتوقع منفعة (لذة) تستحق ان يفقد راتبه من اجلها وبذلك فهو لم يخسر بل حقق واشبع رغبة.

نفس المنطق اعلاه يطبقه الباحثون في موضوع الفساد على الفاسدين وقراراتهم بالاقدام على عملية فساد او الاشتراك فيها ودراسة النتائج المحتملة لتلك العملية سلبا وايجاباً.

فالفاسد يقارن بين العوائد التي يحصل عليها من العملية وبين الخسائر المحتملة في حالة فضحه وتعرضه للمحاسبة.

الاستاذة ايكرمان تستخدم معادلات رياضية للحساب، مثلا:

اذا كان العائد من العملية مليون دولار ولكن العقوبة عند القبض عليه ثلاث سنوات، فانه يقارن مجموع رواتبه لثلاث سنوات مع العائد وكذلك يأخذ في الاعتبار اذا ما كان بامكانه العودة لمزاولة عمله او اي عمل آخر او لا بعد خروجه من السجن.

وكانت تستخدم الرسوم البيانية والبيانات الاحصائية والمعادلات الرياضية في شرح وجهات نظرها بعيدا عن الانشاء الوعظي الفارغ.

فترات السجن الطويلة تضيع على الفاسد فرصة التمتع باموال الفساد وتجعله يتردد عندما يعرف انه قد يسجن مدى الحياة.

كذلك فهو ينظر فيما اذا تعتبر جريمة الفساد مدمرة للسمعة والشرف ام هنالك تساهل نسبي في النظر الى الفاسد اجتماعيا وقانونياً؟

وهنا يصبح تغليظ العقوبات واحدة من الادوات التي تجعل الفاسد يتردد في القيام بعملية فاسدة.

الجدية في استرداد المبالغ التي حصل عليها الفاسد وايقاع غرامات كبيرة وسد كل الثغرات وملاحقة كل المستفيدين بشكل مباشر وغير مباشر وتطوير التشريعات بما يتلائم مع تطور آليات الفساد واشكاله مهمة جدا في هذا الصدد.

ان مستوى رواتب موظفي الحكومة يجب ان يكون حاضرا عند تحديد عقوبات وغرامات الفاسدين لان فترات السجن البسيطة والفصل من الوظيفة قد لاتردع الفاسدين لان رواتبهم متواضعة وعوائد الفساد تعوضهم عن عمل سنين.

بعض الدول المتقدمة يسود فيها نوع خطير من الفساد وهو العلاقات بين جماعات المصالح والشركات وبين المشرعين الذي يصدرون او يعيقون صدور تشريعات بما يتلائم مع مصالح تلك الجماعات لقاء منافع يحصلون عليها.

وهنالك ارتباط بين الفساد وبين هيكل مؤسسات الدولة وطبيعة الترابط فيما بينها وطبيعة الصلاحيات والتفويض وآليات اتخاذ القرارات.

وقد لوحظ تفشي الفساد في البلدان التي انتقلت من النظام الاقتصادي الاشتراكي الى نظام السوق الحرة (البلدان التي تمر في مرحلة الانتقال) نتيجة سقوط الهياكل القديمة ونشوء هياكل جديدة لم تكن واضحة ومعروفة سابقا ولم تكن العلاقات واضحة ومتقنة بين مختلف المستويات وكذلك غموض وعدم شفافية تفويض السلطات واتخاذ القرارات.

عدم قبول الثقافة السائدة لفكرة ان الفساد نشاط اقتصادي:

من خلال تجربتي في تدريس كوادر الدولة المتقدمة في الثمانينيات والتسعينيات (مدراء عموم ومحافظين ووكلاء وزارات) في مركز التخطيط والتطوير الاداري في وزارة التخطيط، كنت اواجه اعتراضات من قبل بعض المشاركين في تلك البرامج التدريبية على الفصل بين الروادع الاخلاقية والوعظية وبين التشريعات والعقوبات وسد الثغرات امام الفاسدين.

كما كانوا يعترضون على اعتبار الفساد ممارسة اقتصادية تحكمها قواعد ويمكن الحد منها عن طريق استخدام تلك القواعد.

يعتقدون ان تصنيفها كممارسة اقتصادية يعد بمثابة مدح او شرعنة لها، في حين انها هي كذلك شئنا ام ابينا. كما يعتقد البعض ان المقاربة الدينية هي الافضل من حيث أثرها الردعي مع ان الكثير من الناس لا يكترثون بالوعظ الديني وقد يكونون

ملحدين او من ديانات مختلفة. فاي شريعة سوف تستخدم لردعهم واخافتهم؟؟ بطبيعة الحال فان القانون المدني هو الكفيل بذلك لانه لديه قوة ردع  لكن الدين ليس فيه اكراه بل وعظ.

ليس من السهل اقناع هؤلاء الناس بمفهوم التجريد في البحث العلمي وفصل المؤثرات عن بعضها افتراضيا ليسهل التعامل معها بشكل سليم وواقعي.

العقل الاختزالي المتخلف يرفض القبول بوجود علم اقتصاد وعلم سياسة وعلم فقه وشريعة وعلم قانون وتشريع. ويرغب في تناول هذه القضايا الخطيرة بخطاب انشائي شامل ليست له قيمة تطبيقية.

***

د. صلاح حزام

......................

- يعتبر انتونيودي مونت كريتين اول من اخترع تعبير الاقتصاد السياسي في عام 1615 عندما وضع كتابه المعنون: مقالة في الاقتصاد السياسي. ويعتقد آخرون ان مصطلح الاقتصاد السياسي قد استخدم في وقت سابق من قبل لويس دي ميرنيه عام 1611 وكان يناقش العلاقة بين علم الاقتصاد والدولة.كما انه استخدم المصطلح عندما كان يبحث واجبات السلطة السيادية تجاه مواطني الدولة. وكانت الضرائب هي القضية الاساسية التي حاول هؤلاء المفكرون تنظيم اسس تحديدها وفرضها وجبايتها وبيان مخاطر سوء استخدامها كحق سيادي للدولة على الرعايا. ومن هنا تأتي العلاقة بين الاقتصاد والسياسة . فالسياسة تأتي من الكلمة اليونانية(polis) التي تعني المدينة واصبحت دلالة رمزية للدولة او الحكم خاصة وان اليونان القديمة كانت تحكم من قبل عدد من مما يسمى (الدولة - المدينة) City-state

 

المسؤول الفاسد لا يخون المبادئ الحسينية فقط التي تلبّس بها للوصول إلى السلطة، إنما يخون الإسلام برمته، وقيم المواطنة الحقة.... وسينال لعنة الله والشعب والأولين والآخرين بتاريخ أسود ملوث بخيانة الأمانة وعار أبدي.

سؤالٌ إلى الفاسد:

ألم تسأل نفسك يوماً: كيف فضّلتَ منافعك الشخصية، ومصالح أسرتك، ودائرتك المقربة والمشبوهة، على مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الثورة الحسينية التي طالما ادعيت الانتماء إليها؟

الا تستحي، مع مَن تعبث حين ترهن أمانة أمّة وأجيال كاملة من أجل مكاسب زائلة، وتظن أن التاريخ أو الشعب أو الحقّ الإلهي سيغفر لك هذه الخيانة؟

كيف نردع الخائن؟

لا شك ان الوعي الشعبي هو الخط الدفاعي الأول والأهم في مواجهة استغلال المبادئ، والضمانة الحقيقية لتحويل الشعارات إلى مسار عملي من المساءلة والتغيير.

فعندما ينضج وعي المجتمع، يتغير الفهم العام للعمل السياسي والخدمي من الانبهار بالخطابات إلى تقييم الأفعال والنتائج.

يتشكل الوعي الشعبي الفاعل عبر عدة محاور رئيسية:

معيار النتائج لا الخطابات: التحول من نقد الأشخاص إلى نقد الأداء والمخرجات.

الوعي الحقيقي يجعل المواطن يسأل عن مدى نزاهة إدارة الأمانة العامة، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، بدلاً من التأثر بالإدعاءات المزيفة المغلفة بالعبارات البلاغية.

التمييز بين المبدأ ومُدعيه:

من حسن الوعي إدراك أن السلوكيات الفردية للمسؤولين، مهما تغطت بشعارات سامية، لا تعبر عن المبادئ ذاتها، بل تعبر عن نزاهة الفرد أو عدمها.

ان مثل هذا الفصل يحمي القيم من التشويه، ويسقط الشرعية الأخلاقية عمن يتخذها ستاراً لمصالح ذاتية.

الرقابة المجتمعية المستمرة:

من حسن المواطنة ينبغي عدم اختزال المشاركة في المواسم الانتخابية فقط، بل متابعة القرارات العامة، والدفاع عن شفافية المؤسسات، ودعم الصحافة والإعلام المستقل، والحرص على تقصي الحقائق والمعلومات الموثوقة.

بناء ثقافة المساءلة القانونية:

من حسن الالتزام بالقانون إدراك أن الحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد يمثلان نصاً دستورياً وواجباً قانونياً وأخلاقياً، وأن حماية أمانة الدولة تبدأ من تفعيل أجهزة الرقابة والالتزام بسيادة القانون فوق الجميع.

حسن الديمومة: الوعي الشعبي ليس مجرد غضب مؤقت أو انفعال مع الأحداث، بل هو سلوك مدني وبناء مستدام يفرض على المشهد السياسي معايير عالية من النزاهة والمسؤولية.

كيف ينشأ الوعي الشعبي؟

تؤدي المؤسسات التعليمية والإعلامية أدواراً متكاملة في بناء النزاهة وتشكيل الوعي الجمعي؛ فالتعليم يؤسس للمفاهيم والقيم الأخلاقية في مراحل التنشئة الأولى، بينما يقود الإعلام الرأي العام ويُمارس الدور الرقابي على الواقع اليومي.

أولاً: دور المؤسسات التعليمية (التأسيس التربوي والفكري)

تحويل النزاهة من مفهوم نظري مجرد إلى سلوك يومي وممارسة واعية يتطلب العمل عبر أربعة محاور أساسية:

تطوير المناهج الدراسية:

تضمين مفاهيم المواطنة، وأهمية حماية المال العام، وأبعاد خيانة الأمانة في مناهج التربية الوطنية والأخلاقية، مع تدريس فلسفة القانون وسيادة أحكامه لبيان أن المؤسسات هي الحامي للحقوق وليست الأهواء الفردية.

اعتماد أسلوب التفكير النقدي:

انتقال التعليم من التلقين والحفظ إلى التحليل والنقد؛ لتمكين الطالب من تفكيك الخطابات، وتمييز الشعارات البلاغية عن الحقائق الرقمية والنتائج الملموسة، وتدريب الطلبة على تقييم الأفكار بناءً على منطقيتها وأدلتها.

البيئة المدرسية والمجاميع الطلابية:

تطبيق قيم الشفافية والعدالة داخل البيئة التعليمية نفسها (في الامتحانات، والأنشطة، والانتخابات الطلابية)، وممارسة تجارب الديمقراطية المصغرة والمساءلة الإيجابية داخل الفصل لترسيخ شعور المسؤولية الفردية تجاه المصلحة العامة.

ربط التاريخ بالقيم الإنسانية:

تقديم الشخصيات التاريخية والرموز الوطنية من خلال أفعالهم وإنجازاتهم وسلوكهم الأخلاقي، لترسيخ نموذج القدوة الذي يربط القول بالعمل.

ثانياً: دور الإعلام التنويري والرقابي

يمثل الإعلام الشريك المكمل للمؤسسة التعليمية من خلال نقل الحقائق بشفافية، وكشف مغالطات الخطاب السياسي، والتوعية بالحقوق الدستورية وآليات الحفاظ على المال العام، وممارسة الصحافة الاستقصائية التي تقيّم السياسات والخدمات بعيداً عن الإثارة والتسييس.

إن بناء جيل قادر على حماية أمانة الدولة ومكافحة الفساد يتطلب إيجاد بيئة تتكامل فيها المدرسة التي تزرع العقل النقدي، مع الإعلام الذي يوفر المعلومة الشفافة والرقابة المستمرة؛ وبذلك تتحول "المساءلة" من مجرد شعار إلى ثقافة مجتمعية راسخة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

2026/8/7

يقول ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد): "بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك المعنى حتى يرجع إلى موضعه، ثم أجتني لك أحسنَها.

***

شهد العصر الأموي، كما هو معلوم، اتساع الفتوحات، وتفرق الولاة والعمال في أنحاء الدولة الإسلامية. فتزايدت الحاجة إلى التدوين وتبليغ الأمور الإدارية والسياسية، لذا أنشأ الخلفاء ديوان الرسائل، واعتمدوا بشكل متزايد على الكُتاب في تصريف شؤون الدولة.

وسرعان ما ازدهرت حركة الخط والكتابة، واكتست أهمية لدى مختلف فئات المجتمع، فاحتلت الرسائل مكانة الصدارة، باعتبارها أهم أشكال الخطاب الأدبي. وتنوعت موضوعاتها لتشمل بالإضافة إلى أمور الإدارة والسياسة، قضايا مجتمعية، واقتصادية، وحصيلة التداول اليومي في شؤون الحياة الخاصة والعامة.

كانت لغة الرسائل بسيطة وصريحة، تحقق مجرد الإفهام فحسب. كما كانت خاضعة لنظام الإملاء، فالخليفة يُملي والكاتب يَنسخ. غير أن انفتاح الدولة الأموية على شعوب غير عربية، تختلف عنها في المزاج والتفكير، عزّز الحاجة إلى التفاهم والتواصل، وتطوير أسلوب الكتابة بما يتناسب مع الوضع الجديد. فظهر على الساحة كُتاب أسهموا في توجيه مضامين الكتابة وأساليبها، وعلى رأسهم عبد الحميد بن يحيى .

يقول الدكتور عمر فروخ" ولا شك في أن عبد الحميد أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات، في فصول الكتب. وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا. وهو الذي سهّل البلاغة في الترسل، وجعل الكتابة صناعة كسائر الصناعات."

مثّلت الرسائل التي ألفها عبد الحميد الكاتب أوائل القرن الثاني الهجري، نموذجا حيا لتطور الكتابة العربية من خلال فن الترسل. وهي تبرز جهوده في التحرر من التقاليد الأدبية القديمة، واستقلال شخصية الكاتب، حيث إنه:

- جدّد مواضيع الرسالة، فبعد أن كانت مجرد خواطر سياسية ووعظية تفتقر إلى التحليل، أصبحت تشمل مواضيع الشكر، والنصيحة، والتهديد، والعتاب.

- تفنّن في التعبير على مستوى الفكرة والجملة والتركيب، فحرّر أسلوب الكتابة من بداوة اللغة، ولهجة الخطابة والإيجاز.

- هذّب اللغة وجمّلها لترتقي إلى صنف الكتابة الفنية، إضافة إلى مزجه بين الأسلوب العربي وروافد الثقافتين الفارسية واليونانية.

اتخذت الكتابة مع عبد الحميد الكاتب صفة النص الأدبي المتكامل شكلا ومضمونا. فكان لرسائله بناء داخلي يستوعب القضية أو الرأي، ثم يوزعها على فقرات مستقلة، لكل فقرة وحدتها المعنوية التي تخدم الفكرة، مع استخدامه تنبيهات لفظية تعين على التمييز وتجديد الاهتمام.

يقول في رسالته إلى الكُتاب:" إن الكاتبَ يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحِلم، فقيها في موضع الحكم، مِقداما في موضع الإِقدام، مِحجاما في موضع الإحجام، ليّنا في موضع اللّين، شديدا في موضع الشّدة، مُؤْثِرا للعفاف والعدل والإنصاف، كَتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد.. قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكَمَه، وإن لم يُحكِمه شدا منه شدوا يكتفي به".

امتازت صنعة الكتابة لدى عبد الحميد باستغلال الإمكانات المختلفة للغة العربية، لتغيير الصورة الذهنية السائدة حول كاتب الديوان. وتكشف رسائله عن شعور عميق بضرورة التخلص من القيود المهنية للكتابة، لبلوغ التحرر الذي يسمح له بالإبداع. من هنا كان حرصه على تبني أسلوب يجمع بين النثر في هيكلة النص وبناء الفقرات، وبين الشعر في اعتماد الصور الفنية، والمحاكاة، والنغم، والإيقاع.

تُظهر لنا رسائل عبد الحميد خصائص جديدة تميزت بها صنعة الكتابة عنده، وهيأت السبيل أمام تقاليد فنية يتبناها جيل الكتابة بعده، وفي مقدمتها:

- تسلسل الأفكار وترابطها في فقرات منفصلة، مما يكشف عن عقل منطقي ومنتظم. يقول الدكتور طه حسين:" إن قارئه يستطيع أن يقرأ الفقرة، ثم يقف ويستريح عند آخرها. بل يستطيع ان يطوي الكتاب يوما أو أكثر، ثم يعود إلى القراءة دون أن يشعر بانقطاع المعنى".

- الدقة في اختيار الألفاظ والعبارات لتوضيح ما يقصد من معان، فكان يُكثر من استعمال صيغ التفضيل والحال، والطباق والمقابلة لتقريب الفكرة وإيضاحها.

- الموازنة والسجع، حيث اقتبس عبد الحميد من القرآن الكريم أسلوب الكلمات المتقابلة على صيغ متشابهة، كقوله" اعلم أن الظَّفر ظفران، أحدهما أعمُّ منفعة، وأبلغُ في حسن الذكر قالةً، وأحوطُ سلامةً، وأتمّه عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما.." 

 - الإسهاب في التعبير، فكان يُعبر عن المعنى الواحد بتراكيب مختلفة، لزيادة التوضيح، أو لمقتضى البلاغة، فيقول مثلا: "واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خُدع إبليس، وحبائل مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها."

- غلبة الجمل الإنشائية، بحيث لا تخلو مكاتباته من الأمر والنهي، والدعوة إلى الاتصاف بأخلاق وسلوكيات معينة. ولعل السبب في ذلك هو الطبيعية التعليمية لأسلوبه، بحكم موقعه في ديوان الخلافة.

أصبحت الكتابة عملا معقدا يتطلب ثقافة واسعة، واطلاعا على الأدب بتنوع روافده. فالنهضة التي أحدثها عبد الحميد في عالم الكتابة آنذاك، ألزمت من يأتي بعده من الكُتاب بخصائص جديدة للصنعة، يتوجب فيها على الكاتب أن يمتلك اللغة، ليتصرف في المعاني كما يشاء، وينظم أسلوبه تنظيما موسيقيا دقيقا، حتى تروقَ الكتابة العين والأذن، كما تروق العقل والقلب، يقول الدكتور شوقي ضيف.

في رسالته للكُتاب يُسطر عبد الحميد ما يمكن أن نسميه بدستور الكتابة. فطبقة الكُتاب التي أصبحت جماعة بارزة في مفاصل الدولة، تدين بشرف الصنعة لمجموعة مبادئ من ضمنها قوله: " فنافسوا معشرَ الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حِلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيَرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهِممكم.."

***

حميد بن خيبش

................

- عمر فروخ: الرسائل والمقامات

- حسين نصار: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي

- محمد كرد علي: رسائل البلغاء.

الحياة لا تتسع لكل شيء

الحياة مليئة بالمغريات والخيارات والأشياء التي يرغب الإنسان في امتلاكها أو تجربتها أو الاستمتاع بها، لكن من غير المعقول أن نستطيع الحصول على كل شيء في الوقت نفسه. ومن هنا تأتي أهمية أن يتعلم أبناؤنا منذ الصغر فن ترتيب الأولويات؛ أن يعرفوا ما الذي يجب أن يأتي أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي ينبغي الاستغناء عنه كلياً. فالإنسان الناجح هو الذي يعرف ماذا يفعل أولًا، ومتى يفعله، وكيف ينظم حياته من حوله.

تختلف الأولويات باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها الإنسان؛ فما يكون أولوية للطفل قد لا يكون كذلك للشاب، وما يناسب الطالب قد يختلف عن احتياجات الموظف أو رب الأسرة. لكن هناك مبادئ أساسية ينبغي أن ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته، وفي مقدمتها احترام الوقت، والجدية في العمل، والنظام، وتحمل المسؤولية.

ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الأسر أنها تمنح الخادمات دورًا كبيرًا في تحمل مسؤوليات الأبناء اليومية؛ فتقوم الخادمة بترتيب غرفهم، وتجهيز ملابسهم، وتنظيم حاجياتهم، بل وأحيانًا إنجاز أمور يستطيع الأبناء القيام بها بأنفسهم. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الآخرين إلى عادة، ويصبح الابن عاجزًا عن إدارة أبسط شؤون حياته. وقد لا ندرك حجم هذه المشكلة إلا عندما تغيب الخادمة أو تمرض؛ فعندها قد يتحول البيت إلى فوضى، ويفقد الأبناء بوصلتهم، ولا يعرفون ما الذي ينبغي عليهم فعله، لأنهم لم يتعلموا أصلًا القيام بهذه المسؤوليات بأنفسهم. لا تتركوا الخادمات يحددن لأبنائكم أولوياتهم، ولا تحرموهم من فرصة أن يتعلموا بأنفسهم كيف يرتبون غرفهم، ويحافظون على ممتلكاتهم، وينظمون أوقاتهم، ويتحملون مسؤولياتهم. فالمساعدة ينبغي أن تكون عونًا للإنسان، لا بديلًا عن قدرته على الاعتماد على نفسه. نريد لأبنائنا أن يكبروا ليكونوا رجالًا ونساءً ناجحين في دراستهم وعملهم، كما في حياتهم الأسرية؛ أن يكونوا أزواجًا وزوجات ناجحين، وآباء وأمهات قادرين على تحمل مسؤولياتهم، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء بيوتهم، لا أشخاصًا ينتظرون من يقوم عنهم بكل شيء.

إن تعليم الطفل ترتيب غرفته، وجمع حاجياته، والمشاركة في أعمال المنزل، وتنظيم وقته، والاعتناء بنفسه وبمن حوله، ليس تكليفًا زائدًا عليه، بل هو جزء أساسي من تربيته. وعلينا أن نعلّمه أن مسؤولياته الشخصية لا ينبغي أن يحملها عنه الآخرون. كذلك، علينا أن ندرّبه على الاستقلالية؛ فمن الخطأ أن ننتظر حتى يغادر أبناؤنا منزل والديهم لنعلّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم ويديرون شؤون حياتهم. فالاستقلالية تبدأ منذ الصغر، ومنذ اللحظة التي نمنحهم فيها الفرصة للقيام بما يستطيعون القيام به بأنفسهم.

علّموهم احترام الوقت، فالوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن استعادته. ومن يتعلم منذ صغره أن للوقت قيمة، وأن لكل عمل موعدًا، ولكل مهمة وقتًا محددًا، سيكون أكثر قدرة على إدارة حياته عندما يكبر. للدراسة وقت، وللعمل له وقت، وللراحة والترفيه وقت أيضًا، وليس من الحكمة أن يطغى جانب على آخر.

علّموهم أن العمل الجاد ليس مرتبطًا بالوظيفة فقط. فالدراسة بالنسبة للطالب عمل ومسؤولية، وترتيب الغرفة عمل، ومساعدة الأسرة عمل، ثم يأتي العمل المهني والإنتاجي في مراحل لاحقة. المهم أن يتعلم الابن أن ما يُوكَل إليه من مسؤوليات ينبغي أن يؤديه بجدية وإتقان، لا أن ينتظر دائمًا من يراقبه أو يذكّره بما عليه أن يفعل.

ثم يأتي النظام والترتيب، النظام يبدأ من الأشياء الصغيرة وهو درس يبدأ من أبسط الأشياء. فالطفل الذي يتعلم أن يرتب سريره، ويعيد كتبه وألعابه إلى أماكنها، ويحافظ على نظافة غرفته، ويتعامل مع ممتلكاته بعناية، يتعلم في الحقيقة مهارة أعمق من مجرد الترتيب؛ إنه يتعلم احترام المكان، وتحمل المسؤولية، والانضباط. ومن الغرفة ينتقل النظام إلى البيت، ثم إلى المدرسة، فالجامعة، فالمكتب ومكان العمل. وليس المقصود بالنظام أن يعيش الإنسان في بيئة جامدة تخلو من العفوية وتملؤها الرتابة والملل، وإنما أن يعرف أين يضع الأشياء، وكيف ينظم أعماله، وكيف يصل إلى ما يحتاج إليه دون إضاعة الوقت والجهد. فالنظام هو وسيلة لجعل الحياة أكثر سهولة ووضوحًا وانسيابية وليس تقييدًا لها.

والأهم من ذلك كله أن نعلّم أبناءنا تحديد أولوياتهم بأنفسهم. لا ينبغي أن نبقى نقرر عنهم طوال حياتهم: متى يدرسون، ومتى ينامون، ومتى يعملون، ومتى يتركون هواتفهم. دورنا أن نعلمهم كيف يقررون، ثم نمنحهم تدريجيًا مساحة لتحمل نتائج قراراتهم. فالابن الذي يتعلم أن يقول: «هذا واجبي أولًا، وبعد أن أنجزه أستطيع أن أستمتع بوقتي»، يكون قد قطع خطوة مهمة نحو الاستقلالية والنضج.

الترفيه والراحة جزء طبيعي وأساسي من الحياة، حين يكون في مكانه الصحيح ويجب ألا يتحول إلى أولوية على حساب الدراسة، أو العمل، أو الأسرة، أو حتى النوم. فالهاتف، والألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخروج مع الأصدقاء، كلها يمكن أن تكون جزءًا جميلًا من الحياة إذا وُضعت في مكانها الصحيح، لكنها تصبح مشكلة عندما تستولي على الوقت كله.

التربية الحقيقية لا تعني أن نملأ يوم أبنائنا بالأوامر والتعليمات، نمليها عليهم ليل نهار؛ فهذا غير منطقي وغير صحيح. وإنما أن نساعدهم على بناء وعي ذاتي بالمسؤولية يجعلهم يعرفون ما ينبغي فعله حتى عندما لا يكون أحد إلى جانبهم. فالنجاح يبدأ من أشياء تبدو صغيرة: غرفة مرتبة، مكتب منظم، موعد لا يتأخر عنه، مهمة ينجزها في وقتها، كتاب يقرأه، ووقت يخصصه للراحة دون أن يسمح للراحة بأن تبتلع واجباته.

وفي النهاية، علّموا أبناءكم الأولويات قبل أن تعلموهم المنافسة، وعلّموهم النظام قبل أن تطلبوا منهم النجاح. فالشخص الذي يستطيع أن ينظم غرفته، وبيته، ووقته، وواجباته، وعمله وترفيهه، يكون قد تعلم واحدة من أهم مهارات الحياة: أن يدير نفسه بنفسه. ومن يُحسن إدارة نفسه، يكون أكثر قدرة على إدارة مستقبله، وهذا هو النجاح.

لا بد من كلمة أخيرة. أنا لا أدّعي، لا سامح الله، أنني بلغت من الكمال ما يؤهلني لأن أكون مصلحًا اجتماعيًا، أو أن أقدّم نفسي نموذجًا يُحتذى به. فما أكتبه هنا ليس سوى خلاصة تجربة طويلة في الحياة، حملت من الإيجابيات ما حملت، ولعل سلبياتها وأخطاءها كانت أكثر من إيجابياتها، لكنها علّمتني الكثير، وأكدت لي أن الإنسان كثيرًا ما تكون أخطاؤه وعثراته هي معلمه الأكبر.

ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أشارك أحبتي وأبنائي وأصدقائي بعض ما تعلمته من هذه الرحلة الطويلة، لا على سبيل الوعظ، ولا تقديم النصائح من موقع من بلغ الكمال، وإنما أملًا في أن يجد أحدهم في تجربة عاشها غيره ما قد يجنّبه خطأً، أو يرشده إلى طريق أفضل، أو ينفعه في تربية أبنائه وبناء حياته.

فإن أصابت هذه الكلمات شيئًا من الصواب، وانتفع بها أحد، فذلك هو المقصود والغاية، والله من وراء القصد.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم