أقلام حرة

أقلام حرة

عجز الموازنة الحكومية يحصل عندما تكون ايرادات الموازنة اقل من المصروفات المقررة في تلك الموازنة وعندما يكون من الصعب إجراء اي تخفيضات في المصاريف.

والنقطة المهمة هي كيفية تمويل ذلك العجز. اذ قد يتم تمويله بمصادر حقيقية او قد يتم تمويله بمصادر غير حقيقية.

المصادر الحقيقية هي اما اصدار سندات تمويل الموازنة بآماد معينة وبفوائد معينة يمكن بيعها في الداخل او الخارج.

ومن يشتري تلك السندات في داخل البلد فأنه يتخلى عن ادخاراته ويحولها الى الحكومة لكي تقوم بانفاقها كانفاق عام على حساب الانفاق الفردي اذا كان من اشترى السندات ينوي انفاق مبالغ شراء السندات وقرر تأجيل انفاقه لقاء الحصول على الفائدة. واذا كان ينوي ايداع مدخراته في البنك

وقرر تغيير قراره والتحول لشراء سندات الدين الحكومي، فأنه يقلص الودائع المتوفرة لدى البنوك لغرض اقراضها للمستثمرين من القطاع الخاص.

لذلك فأن تمويل العجز بهذه الموارد الحقيقية يؤدي الى خفض الانفاق الاستهلاكي الخاص ولكنه يرفع الاستهلاك العام           (الحكومي) بنفس المقدار. كما انه يخفض من امكانيات تقديم البنوك للقروض للمستثمرين الافراد.

أما اذا قامت الدول الاجنبية بشراء تلك السندات (كما تستثمر الكثير من الدول فوائضها في سندات الخزانة الامريكية)، فأن ذلك يعني زيادة الانفاق الاستهلاكي الحكومي بدون تخفيض الانفاق الخاص، مما يؤدي الى ارتفاع الطلب الكلي بدون وجود زيادة فورية في الناتج المحلي الاجمالي.. وعند عدم وجود مرونة كافية في الجهاز الانتاجي تستجيب بسرعة لهذه الزيادة،فأنها تتحول الى ضغوط تضخمية. ان ذلك بمثابة استحواذ طوعي على فوائض الدول الاخرى لغرض استهلاكها في الولايات المتحدة مقابل دفع الفائدة.

وقد تقوم الحكومة ببيع بعض الاصول الحكومية لتمويل العجز. وهي مصدر تمويل حكومي حقيقي. وقد تقترض من دول او مؤسسات اجنبية لتمويل العجز.. ولكن التمويل غير الحقيقي يحصل عند طباعة العملة او الاصدار النقدي..

وحسب مافهمته من مقالة نشرتها سيدة مختصة في الاقتصاد قبل ايام، فأن وزارة المالية تخصم كمبيالات لدى البنك المركزي وهي طريقة تعني مايقابل طبع العملة او الاصدار النقدي..

الاقتصاد العراقي ليست لديه مرونة انتاجية وبالتالي لايستطيع التكيف لمواجهة الطلب الزائد .. كما ان الاستحواذ التام على الودائع لدى الجهاز المصرفي كاقتراض حكومي، سوف لن يترك للبنوك التجارية اية امكانية لتمويل المشاريع الاستثمارية.

هذا ضار للتنمية بالطبع..

***

د. صلاح حزام

منذ ايام وانا اشاهد احتراق واحتراقات صديقي المبدع شوقي كريم وكلما تعمقت بقراءة ماينتج من احتراقاته يحاصرني الخوف ويغلبني الوجع..

كيف لا وشوقي اخترق المسكوت عنه ورمى بقدسية الصمت عرض الجدار وبكى بغزير الدمع عند كل طلل من اطلال حياتنا الماضية وابكانا معه ووقف ووقفنا على اطلال طفولتنا المعذبة وقرب اطلال مشاكساتنا البريئة التي غالبا ماتنتهي (بسطره وشتيمه وامشي مناه) ووقف على الغراف كطلل.

وبين اروقة المدرسة الابتدائية كمثله وعمل مثل هذا مع الشاكرية والشط والكنيسة واطلال الكتب والمسرح والدراما وبكى اكثر وهو يستذكر فطيم وحنانها وحمايتها له وكذلك حسن كريم رغم قساوته معه وشعر بالوجع يشل خاصرته وهو يقف امام اطلال الزنازين وقرارات مصادرة الحرية وخالط الدم الدمع وهو يستذكر الراحلين بلا اياب

لكن لماذا كل هذا البكاء يا ابن فطيم؟

هل هو التخفف من ماتزاحم بين جنبيك؟

او انك شعرت بالخواء فاجتررت ماضي فيه الكثير من المرار والشحيح من الحلو؟

اول انك تريد اخبارنا ان من كان شقيا في طفولته لن يتعرض له الزهايمر في كهولته؟

لماذ تعيد الحسابات بدقة يأبن كريم؟

هل رايت بشعور خفي دنو الرحيل فاستعرت من الهنود طريقة حرق موتاهم ونثر رمادهم فوق الانهار والأشجار والفيافي فاحرقت ماجاش بصدرك من الام وامال ونثرته فوق رؤوس الجميع؟

شوقي..

مايخيفي هو السر الذي يقف خلف هذا الاحتراق

ومايؤلمني هو اقتراب الرحيل مع اني لا اخاف الموت لكني اكره الفقد

اعترف..

اني تتنازعني مشاعر شتى جراء ماكشفت لكني عاجز عن ترجمة تلك المشاعر.

***

راضي المترفي

 

الطائفية، والعنصرية والمذهبية والحزبية وما يتصل بها جميعا من تفرعات، هي تعبيرات جماعية مخادعة ومضللة عن العدوانية الكامنة في دنيا البشر.

والعدوانية سلوك يتسم بالعنف والعداء بأنواعهما، وتلعب العوامل البيئية والإعلامية والإعتقادية في مجتمعاتنا الدور الأكبر بإطلاقها من معاقلها.

الطوائف (مجاميع من الناس)، قد تسمى قبيلة، أو عشيرة، وأمثالها، تكيسات مندملة تتجمع فيها أقياح توحشيه تسعى للتعبير عن شراستها وتشوقها لسفك الدماء.

وتلك سكة المسيرة الآدمية فوق التراب، الذي يدعوها لسقيه بالدماء.

الصراع داينمو الحياة، ولابد من تأهيل عناصره وتفعيلها بعوامل مساعدة تؤجج التصادمات العنيفة، التي تسمى حروبا وصراعات بين المجاميع المتباينة الرؤى والتصورات والمعتقدات.

فهل وجدتم أحزابا أو طوائف ومعتقدات تتآلف؟

ويمكن للمجتمعات النجاة من عدوانبتها الكامنة فيها، بتصريف طاقتها بأساليب إيجابية وتجنب المؤججات، وهذان أهم عاملين في تهذيب السلوك العدواني وجعله لصالح البلاد والعباد.

فتصريف طاقة العدوان تكون بإطلاق المشاريع النافعة للناس، واستثمار وقتهم بالبناء والعمل الجاد الذي يحقق الحياة الطيبة لهم، ولابد من الابتعاد عما يغذي السلوك العدواني من خطابات وكلمات، وآليات في وسائل الإعلام الموجهة للاستفادة من التفاعلات السلبية بين الناس.

و"ألد أعداء الإنسان نفسه"!!

طوائفها لعدوانٍ خطاها...كتعبيرٍ عن الفحوى تراها

فما عرفت سلاما واتفاقا... ولا نظرت لعاقبةٍ نهاها

تلاحت من جهالتها لدنيا...وتاهت في مزاعمها خطاها

***

د. صادق السامرائي

 

في الأيام الماضية ظهرت مرشحة سياسية في ولاية تكساس، تُدعى فالنتينا غوميز، في فيديو وهي تحرق القرآن الكريم باستخدام قاذف لهب وتقول: "سأنهي الإسلام في تكساس فليساعدني الله."

هذه المرشحة ترشحت لمجلس النواب، وتظن أن الطريق للفوز وكسب الأصوات هو بإهانة دين أكثر من مليار ونصف إنسان، والتحريض ضد ملايين المسلمين الذين يعيشون في أمريكا بسلام ويشاركون في بنائها.

لكن أي فوز هذا الذي يقوم على إشعال نار الكراهية؟

إنها تستخف بالدستور الأمريكي الذي ينص بوضوح على حرية الدين ومنع التمييز على أساس العقيدة. أمريكا بلد التعددية، جاءها المهاجرون من كل الأديان والأعراق. نحن كمسلمين وعرب، سواء من العراق أو غيره، جئنا ضيوفاً نحترم القوانين ونساهم في المجتمع، فهل يكون جزاؤنا التحريض ضدنا وحرق كتابنا المقدس؟

الإنجيل الذي تستشهد به هذه المرشحة يرفض أفعالها:

"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم." (متى 5:44)

"من لا يحب لم يعرف الله، لأن الله محبة." (يوحنا الأولى 4:8)

فأين هي من هذه الوصايا؟ هل بهذه الطريقة يُنشر الإيمان؟

والقرآن نفسه يكرّم السيد المسيح (عيسى عليه السلام) ويذكره بالاسم مراراً، ويصفه بأنه كلمة الله وروح منه، ويبشّر بعودته في آخر الزمان لنشر السلام والعدل، لا الكراهية والقتل.

كيف يمكن لعاقل أن يدعو للقضاء على الإسلام بينما الإسلام يجلّ نبيّه؟

إن هذه الأفعال لا تهدد المسلمين وحدهم، بل تهدد المجتمع الأمريكي كله. كما قال المسيح:

"كل مملكة منقسمة على ذاتها تُخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت." (متى 12:25)

خطاب الكراهية ليس حرية تعبير، بل تحريض على العنف. والمفترض أن يُحاسَب كل من يحاول بناء حملته الانتخابية على تمزيق المجتمع وإشعال نيران الحقد بين أبنائه.

أمريكا التي نحبها هي أرض الحرية والعدل، وليست أرض التحريض والتمييز

فلنقف جميعاً ضد أي صوت سياسي يريد أن يفوز على حساب حقوق الآخرين وحرياتهم. الله محبة، والمسيح والإسلام معاً يبشران بالسلام، وهذا هو طريقنا جميعاً.

***

رائدة جرجيس

 

ما أرخص البشر، وأسهل قتله بالجملة وبالمفرد، وحرمانه من أبسط حقوق الحياة وأسباب العيش الرحيم.

فالملاحظ أن القتل أصبح أمرا عاديا واعتادت عليه المسامع في المجتمعات الحرة التي ترفع رايات حقوق الإنسان.

فما أوفر السلاح الشخصي والجماعي بمدافعه وقنابله وصواريخه ومسيراته ووسائله الإبادية المرعبة.

ويتوارد في وسائل الإعلام المتنوعة ذكر الأعداد، وكأن البشر أرقام وحسب، فيذكرون مات ألف أو عشرة آلاف، وطمرتهم بيوتهم ومحقت عوائل بكاملها في مساكنها، واعتادت المسامع على هذه الجرائم البشعة، وبالتكرار الممل صار الناس يسمعونها وكأنهم يسمعون خبرا لا قيمة له.

ومما نغفله، أن ما يحصل هو إعداد نفسي وتأهيل للرأي العام لتقبل المآسي التي ستأتي، فعندما ينتشر خبر مقتل مئات الآلاف بضربة هنا أو هناك، يتقبلها البشر الأحياء، ويتناسون بأنهم على طريق الإفناء.

وهذا يعني أن البشرية تسير نحو الهاوية، والحرب العالمية المروعة تقرع أجراسها.

الأرض تميز غضبا، فالمخلوقات أثقلت كاهلها، وتخشى أن يتعثر دورانها، وتستباح عناصر الحياة على ظهرها، وكأن الذي جاء منها يسعى للإنتقام من وجودها، ويرغب بتحويلها إلى هباء منثور، تتنعم به الأجرام الأخرى وتستعيد مسيرتها الحامية.

التنور الدوار يتم تحضيره للإنسجار، ولات ذات مندم إذا فار التنور، وتكاثف دخان الويلات، فتختنق الصدور، ويموت البشر المدحور.

الكثرة ستغيب والقلة ستصيب، فالحياة أعلنت الممات، والدنيا يمتلكها العتاة، ويقرر مصير خلقها الطغاة، والمجانين القساة، وما أسعد النوائب بالغفاة.

الحلم فات وانخذل، وسبق السيف العذل، فانتصر هُبل!!

تؤهّلنا النوائبُ للوجيعِ

وتعلمنا بمأثمةِ الفظيعِ

جموعُ الخلق من حقدٍ أبيدتْ

مغيبةً بأوعيةِ الفجيعِ

برايا من عناصرها تنامتْ

فعانتْ من عطاءاتِ البديعِ

***

د. صادق السامرائي

 

الدنيا المعاصرة تسير على سكة البحث العلمي، ووصلت إلى مستويات تفوق الخيال في معطياتها الإبداعية المتنوعة، ودول الأمة لا تعير إهتماما كبيرا للبحث العلمي، فهي لا تعرف آليات الإستثمار في البحث العلمي وما ينتجه من حالات ذات قيمة حضارية سبّاقة.

فميزانيات البحث العلمي تكاد تكون غائبة أو بنسب ضئيلة، ولا توجد مواد واضحة في دساتير دولنا تركز على البحث العلمي وميزانيته المتنامية مع الحاجات الوطنية.

البحث العلمي يدخل في النشاطات المعاصرة بأنواعها، فلا قرار دون توصيات بحثية، ومعظم دولنا نسبة ما تخصصه للبحث العلمي أقل من 1% من الإنتاج المحلي بعكس الدول الأخرى، ولهذا تأخرنا وتخبطنا في مشاكلنا، فلا نفهم أهمية البحث العلمي ولا نقدره وندرك معطياته الإستثمارية وقدرته على تأمين المصالح الوطنية.

التطور يصنعه البحث العلمي، وبدونه تستنقع الحياة وتتمحن في أوحال العجز والإنهزام.

في دولنا لا يوجد مناخ للبحث العلمي ولا باحثين متنورين ومعاصرين بأفكارهم، ولديهم عزيمة متوثبة للعطاء الأصيل.

البحث العلمي عملية منهجية تهدف إلى إكتشاف المعرفة الجديدة، أو تطوير المعرفة الحالية بإستخدام أساليب علمية دقيقة ومنظمة، لفهم الظواهر أو حل المشكلات وتطوير العلوم ، أو الوصول إلى حقائق وقوانين علمية جديدة يمكن إستخدامها.

ويتميز بالموضوعية والدقة والمنهجية والقابلية للتحقق والإبداع.

فهل لدينا وعي بأهمية العلم والبحوث العلمية في صناعة الحياة المعاصرة؟!!

بحوثُ علومها أعطت جديداً

بفعلِ عقولها سبقتْ عديداً

هي الدنيا ايتكارٌ لا يُضاهى

أصالتها بها وهبتْ فريداً

تنبّهْ أيها المخمورُ وهماً

إذا جنحتْ فكنْ فيها رشيداً

***

د. صادق السامرائي

هل سمع به المسؤولون العراقيون؟

فرنسا تسن قانونا يسهل إعادة الممتلكات الثقافية ومنها الآثار المنهوبة من دول العالم منذ القرن التاسع عشر فهل سمعت الجهات المعنية العراقية بهذا الخبر وتحركت كما تحركت مصر وغيرها لاستعادة أثمن وأندر الآثار العراقية ومنها مسلة قوانين حامورابي الأصلية من المتاحف الفرنسية؟

جاء في تقرير إخباري نشر اليوم في وسائل الإعلام الفرنسية والعربية "أن الحكومة الفرنسية أعلنت عن مشروع قانون جديد يهدف إلى تسريع استعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك من خلال تبسيط الإجراءات القانونية وإشراك خبراء من فرنسا ومن الدول المعنية. ويأتي هذا المشروع في إطار توجه رسمي لمعالجة ملف الموروث الثقافي المنهوب، إذ ينص القانون على تسهيل إعادة الأعمال الفنية والمقتنيات التاريخية إلى "الدول التي حُرمت منها نتيجة الاستيلاء غير المشروع" بين عامي 1815 و1972، كإطار زمني للمراجعة، حيث يمثل العام الأول بداية حركة أوروبية لإعادة الأعمال المنهوبة خلال الحروب النابليونية، في حين يشير العام الأخير إلى بدء تطبيق اتفاقية اليونسكو الدولية لحماية الممتلكات الثقافية من الاتجار غير المشروع". وورد في الأخبار أيضا أن عدد من الدول المهتمة باستعادة آثارها الوطنية وفي مقدمتها مصر شكلت لجانا خاصة لاسترجاع تلك الآثار التي سلبت أو استولت عليها السلطات الفرنسية بطرق غير مشروعة منذ الفترة النابليونية. ولدى استفساري من أكثر من صديق متخصص في هيئة الآثار العراقية وفي المتحف العراقي -الذي رفعت عنه صفة "الوطني" لسبب في نفس يعقوب "الأميركي"!- عن الموضوع وعن الاستعدادات والتحضيرات العراقية للقيام بالواجب المقتضى حيال تراثنا الثقافي القديم اتفق جميع من سألتهم على إنهم لم يسمعوا بهذا الخبر ولم يسجلوا أي حركة في هذا الاتجاه من قبل مؤسساتهم!

من الطبيعي أن أصدق ما قاله الأصدقاء فالمنظومة الحاكمة الفاسدة التي تبيع كل شيء في العراق حتى آثاره ومنافذه البحرية كخور عبد الله وتهمل كل شيء حتى مياه الرافدين العظيمين اللذين تحولا إلى قنوات ترابية جافة لن تهتم بموضوع استرجاع آثار العراق ولو تسنى لحكام بغداد لتنازلوا عن تلك الآثار لفرنسا مقابل عدة ملايين من الدولارات وتقاسموا المبلغ حسب المحاصصة الطائفية!

أما من يقول ويتمنى أن تبقى آثارنا في متاحف الدول الغربية بحجة أن ذلك آمن وأضمن لسلامتها بحجة ما فعله مجرمو داعش بأثارنا في محافظة نينوى وغيرها، فأقول: إن كارثة التمرد التكفيري لحظة في تأريخ العراق الطويل ولا ينبغي أن يحوله البعض إلى عقد سوداء هي كل تأريخنا وتراثنا وليس معنى حدوث هذا التمرد وتدمير التكفيريين لبعض آثارنا في محافظة نينوى وغيرها أن نسلم كل بلادنا للأجنبي ليحفظها لنا في متاحفه وقلاعه وقواعده العسكرية. هذا أولا، وثانيا فإن آثارنا وآثار الدول الأخرى المنهوبة لم تكن في أمان تام وقد تعرضت للحرائق والقصف الجوي خلال الحرب العالمية الثانية كما حدث لأكبر متاحف ألمانيا في مدينة دريسدن ومتحف برلين سنة 1945، ومتاحف أخرى مركزية وتم تدمير آلاف القطع الأثرية العالمية واختفت من الوجود كما تم إهمال آلاف الآثار في مخازن أحد المتاحف البريطانية قبل عقدين من السنوات ودمرت بالكامل. وآخر حريق حدث في متحف ألماني كان في 23 شباط 2023، أما في حريق متحف لندن في 27 آذار سنة 2013، فقد نشرت أنباء عن تدمير مئات الآثار المصرية وغيرها في مخازن هذا المتحف، إضافة إلى آلاف جرائم السرقات للآثار والأعمال الفنية في أوروبا والولايات المتحدة واتساع سوق بيع الآثار على الانترنيت وفي مزادات افتراضية في عصرنا يسفه فكرة التخلي عن آثارنا وتركها لدى الدول الغربية الاستعمارية.

ورغم الخشية القوية من فساد المسؤولين العراقيين في حكم المحاصصة العراقية ومن أن يقوم بعضهم بسرقة هذه الآثار المستعادة وبيعها مجددا فإن القانون الفرنسي الجديد مهم ومفيد ويمكن بواسطته استعادة آثارنا الثمينة من المتاحف والخزائن الفرنسية وغيرها ولكن تحت الإشراف الشفاف للرأي العام العراقي وممثلين عن القضاء وبشرط إعلان كل التفاصيل الدقيقة الصغيرة والكبيرة المتعلقة بهذا الموضوع.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ما الهدف من استغباء المقابل؟ أهو الظن بأننا أذكياء بما فيه الكفاية، أم الإصرار على إستفزاز الآخر، أم هي عدم الثقة اللامتناهية والتشكيك في نواياه وصدقه؟ وماذا نسمّي تكرار فعل غير صائب وغير مناسب، لا لنا ولا لمن نحب؟

في كل مرة كان تفسيري للمحبّة هو: المشاعر، والاهتمام، والاحترام بكل تفرعاته؛ الرأي، الرغبة، الشخصية، الخصوصية، والحرية، وعندما يغيب الاحترام، تغيب المحبّة أو تتلاشى مع الزمن، لأن أول خذلان يفتح فجوة، ومع تكرار الخذلان تتسع تلك الفجوة وتصبح أكثر عمقاً.

إن العلاقات لا تنكسر دائماً بسبب خطأ واضح أو حقيقة مُعلنة، بل أحياناً يذوّبها الشك بصمت، بكلمة عابرة، نظرة مفسَّرة، ملامح معبّرة، ابتسامة ساخرة، أو غياب متعمد، وقد يتحوّل الشك إلى جدار من الريبة، ومع كل سؤال يتضاعف الصمت، ومع كل صمت يتغذى الشك حتى يبتلع ما تبّقى من المحبة، فالشك لا يحتاج إلى دليل، يكفيه غياب اليقين فيجد مساحة ليبني أوهامه، وحين يغيب اليقين، تصبح النهاية أقرب مما يتخيّل الطرفان، تتآكل العلاقة تدريجياً بفعل إشارات صغيرة، تتراكم لتصنع جداراً من الريبة، فالشك يقطع ببطء نسيج العلاقة قبل أن يقطع حبل الود، وقيل: “أغلب شك المرأة حب، وأغلب شك الرجل قلة ثقة”.

***

ابتهال العربي

كيف يكون التقدم، ما هي أهم ركائزه، في عالمنا العربي، مصر مثلا، وعلى أي من القيم يمكن ان يقوم، ما هي المبادئ الرئيسية في انجازه، وما هو دورنا فيها. هل يمكننا أن نستقيد من تجارب أخرى تتشابه أوضاعها مع اوضاعنا في عالمنا العربي، او المشرق العربي؟.. هذه ومثلها كثير من الأسئلة التي يُثيرها الكاتب المثقف المصري طارق حجي في كتاباته عامة وفي كتابه " تأملات في العقل المصري" خاصة. بما أن بعضًا من هذه الركائز او التأملات تتشابه مع ما نعيشه نحن العرب في هذه البلاد، فإنني سأقوم بالتوقف عند ثلاث منها أراها غاية في الأهمية، ويُمكن أن تلفت النظر وتركّزه لإحراز أو التفكير على الأقل، في احراز شيء من التقدم الذي ينشده الكثير من الناس، دون ان يتحقّق على ارض الواقع.

طارق حجي (مواليد عام 1950)، كاتب ومُحاضر قدّم العديد من المحاضرات في العديد من الجامعات العريقة في دول مختلفة، كما عمل في إدارة شركة " شل"، العالمية، مُدة عقد من الزمن، وهو مفكر ليبرالي يؤمن بأن الديمقراطية هي المطلب الهام الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية والمجتمعات الشرقية في منطقتنا عامة. عايش طارق حجي العديد من الثقافات واطلع على العديد من المجتمعات، عاداتها وتقاليها، وهو ما أهله لتوسيع دائرة معارفه وبالتالي اداراك السبل الرئيسية للتقدم في منطقتنا.

يؤكد طارق حجي في أكثر من موضع من كتابه المذكور، وفي معظم مؤلفاته، علما ان أولها صدر عام 1987، أن النقد الذاتي هو واحدة من أهم الركائز للتقدم المجتمعي المنشود، ويستشهد على ما يقوله ويذهب إليه، بمقولة للفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط وهي:" ان النقد هو اهم أداة بناء طوّرها العقل الإنساني"، ويذكّر هذا القول بمقولة في أديباتنا الشرقية لعمر بن الخطاب هب:" رحم الله من أهدي الينا عيوبنا"، بمعنى أنه يطلب الجزاء الطيّب من الله لمن يفتح عيوننا على عيوبنا ووسيلة ذلك النقد.

من هذا المنطلق يُثير الكاتب العديد من النقاط والمعائب التي يرى اننا يفترض أن نبتعد عنها ونرفضها تمهيدًا لأي تقدم نريده وننشده، وفي مقدمة هذه النقاط: التعامل مع الوقت، الايمان بالعمل الجماعي والعمل بمبادئه، التي تعاملت بها شعوب أخرى، تتشابه أوضاعها مع اوضاعنا، وتمكّنت بإرادتها وبنيتها في انجاز ما أرادته، من التغلب على نقائصها وبالتالي على الانتقال إلى نقاط متقدمة في نمط حياتها، وإنجاز شيء من التقدم المجتمعي، فيما يلي أقدم قراءة لتلك النقاط او الركائز الثلاث.

*التعامل مع الوقت: يرى الكاتب أن الوقت هو الإطار الهام لأي انجاز نريد أن نحققه، وأن عدم احترامنا للوقت واستهتارنا به، هو إحدى المشاكل الكبيرة التي تتسبب في عدم تقدمنا، فالشخصيات الكبيرة في عالمنا مثلًا، عادة ما تأتي الى هذا المحفل او ذاك، متأخرة وكأنما هي تريد أن توحي إلينا أنها مشغولة، ولا تجد الوقت المناسب للمجيء في الوقت المحدّد، وهي في هذا عادة ما تحضر في الوقت أو قبله بقليل، إذا ما تعلّق الامر باللقاء بشخصية كبيرة، رئيس الدولة مثلًا. ويرى المؤلف أن احترام الوقت ما هو إلا احترام للذات والآخر، مشيرًا إلى أن الكثيرين منّا يمتدحون الآخر، الاجنبي، لالتزامه الشديد بالوقت، كما يتحدّث عن تجربته العملية في الادارة وكيف أمكنها أن تكون واحدة من أبرز ركائز عمله الإداري ذاك.

*الايمان بالعمل الجماعي: يرى المؤلف أن ثقافتنا منذ الاف السنين، عوّدتنا على العمل الفردي، وأننا تعوّدنا على مثل هكذا عمل، وأن الوقت حان لأن ننتفل إلى العمل الجماعي بمفهومه الناضج، ففي حين أن الكثيرين منا، والكاتب لا يُعمم بل يكره التعميم، يقول، لدينا يرفضون العمل الجماعي، فإن أبناء المجتمعات المُتقدمة، يؤمنون تمام الايمان بمثل هذا العمل، وفي حين أن الكلّ لدينا بصورة عامة، يريد أن يكون الإنجاز له وحده فقط، وهذا شبه مستحيل فإن مَن يؤمنون بالعمل الجماعي ينعمون بالنجاح ويرون أنه تمّ نتيجة عمل متضافر يكمل كلٌ من شخوصه الآخر.

*الايمان بالعمل الاداري: يوجّه الكاتب سهام نقده الشديد إلى شخصنة عمل المدير الذي يعمل طوال الوقت على إبقاء كل خيوط العمل بيده، لذا يرهق نفسه ولا يُنجز ما يُطلب منه تمام الإنجاز، ويُقارن بين هذا النوع من المديرين وبين نوع آخر، هو النوع المتقدّم منهم بالطبع، فيرى أن المُتقدم خلافًا للمشار إليه، يُنجز الكثير بإيكاله تنفيذ المطلوب من الاعمال للمناسبين من الموظفين، عملًا بالقول: الانسان المناسب في المكان المناسب، ويتحدّث عن إنجازاته الكبيرة في عمله الإداري المسؤول، وعن نجاحه فيه، كما يتحدث في المقابل عن الإنجاز المتواضع الذي يحققه المدير الشخصاني، الذي يريد اتباعًا لا موظفين.

تتردّد في الكتاب العديد من الأفكار المعروفة لمؤلفه طارق حجي، لعلّ أهمها إيمانه بأن التقدم "ظاهرة إنسانية" قبل أية صفة أخرى. *وأن "التعددية" هي أروع حقائق الحياة..*وأن التعصب الديني والقومي والوطني والعرقي والأيديولوجي كلها ظواهر "ضد التقدم" و"ضد الإنسانية". و" الغيرية" هي من أهم القيم الإنسانية في عصر "ما بعد الأيديولوجيات". *و"عالمية المعرفة" و"عالمية العلم"، هما مِن أهم معالم التطور المعاصر للإنسانية. *وأن الديموقراطية (وما يواكبها مِن حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات العامة)، هي من أهم منجزات القرنين الماضيين قبل (وأهم من) كل إنجازات العلوم التطبيقية.. أما الأهم في الكتاب فيما أرى، فهو أن المؤلف يُحمّلنا نحن أبناء الشرق العربي خاصة، جانبًا من المسؤولية عمّا يحيق بنا من نقائص، رغم معرفته بالنوايا السيئة للآخر.

***

ناجي ظاهر

هل تنسجم كلماتنا مع واقعنا؟

من حقنا أن نتساءل، ونبحث عن أسباب ضعف تأثير الكلمات في المجتمع، ولماذا فقدت الكلمة قيمتها ودورها في صناعة الحياة؟

هل نكتب للجماهير أم لأنفسنا، وللنحبة؟

إنها معضلة تفاعلية، وبمفردات خيالية، ذات قدرات تنفيريه،  وأضرار مستقبلية، لأنها بعيدة عن القضية، وفي غياهب البهتان مرمية.

قال لي: كنت أتجول على سفوح المواقع والصحف والمجلات، أبحث عما يساهم في صناعة الحياة، فحاوطتني كلمات الأموات، وداهمتني الآفات، فهربت من عالم مسلوب الإرادات، أبحث عن قادح أمنيات، لكنها عواصف التحديات، طمرتني بالويلات والنكبات، وتدحرجت جثة هامدة في وادي النكسات، فانهالت على وجودي اللكمات.

لماذا نخشى الواقع فنهرب إلى فضاءٍ دامع، ونجتهد ببناء الموانع، ونمقت ما هو نافع؟

نأنس بالإعتماد على غيرنا، ونكره بعضنا، ونستثمر في ضيمنا، ونقاتل عزّنا، لا نرعوي ونقتدي بغيّنا!!

فأين الكلمات المستنهضة لذاتنا، والمعبرة عن جوهرنا؟

كأننا أدوات لخفايا الغايات، وغريب التطلعات، فالعام أمواج حكايات، تتواكب في نهر الأمنيات.

فأين نامت الكلمات؟

كلماتنا كانت تخبر عن أفعالنا، فأضحت أفعالنا!!

المسافة بين الواقع والكلمات شاسعة!!

الكلمات كالصاعقة، تنذر بالواقعة، وتهلل للقارعة، في زمن قواه الكبرى متصارعة.

قد عميت الأبصار، وفازت الأقدار، وكل مَن عليها حار.

فتكلموا فأن الكلام انتصار، ولو أن صوت الحقيقة صداه الأخطار!!

***

د. صادق السامرائي

 

معظم المولعين بالشعر يتصورون بأنهم سيأتون بما لم يأت به الأولون، وكأن مسيرتنا لم تحفل برموز متميزة، وعندنا قمم شعرية بلغت ذروة الإبداع الفني بجميع عناصره وصوره، فهل من المعقول أن نتمكن من لوي أعناق القصائد الملحمية في مسيرة الشعر العربي، منذ أن قال العرب شعرا؟!!

علينا أن نعاصر بواقعية ولا نطارد سرابات ونغرق في أوهام وهذيانات، الشعر كان صوت إعلامي لمسيرة الحياة، والمشهور منه مجاور للكراسي، ومعظم المشاهير من المقربين إليها بأنواعها، وأغراض الشعر معروفة منذ أمدٍ بعيد.

الزمن الذي نعيشه سقطت فيه أبواق الإعلام الشعري الموجّه، وهيمنت على الوعي الجمعي وسائل التواصل المتنامية السرعة والكثافة المعلوماتية، وما عاد الناس يستسيغون سماع الشعر المدثر بالرموز والغموض، والمعاني الخفية والجمل المعقدة والمفردات الغريبة، والعبارات المضطربة.

فلا حياة لأبي تمام والبحتري وابن المعتز بيننا، إلا لبعض أبياتهم الخالدة، لأن مفرداتهم منسجمة مع زمانهم ومكانهم.

وهل للشعر الحديث مكانا في أيامنا برغم إجادة أصحابه بقدراتهم الإبداعية والفنية واللغوية؟

الواقع المعاصر بحاجة إلى فكرة واضحة بمفردات بسيطة ومباشرة، منظومة ذات إيقاع مؤثر، حتى وإن حسبها البعض ليست شعرا، فلا يمكن لموروث عمره عشرات القرون أن يُقتل بطعنة، لأنه منغرس في نويات خلايا الأجيال، وتلك حقيقة نتجاهلها، ونرى أن إستحضار ما عند الآخرين معاصرة ومواكبة وإبداع أصيل.

فهل أن سوق الشعر كسدت، ودوره وتأثيره في المجتمع إختفى، وما عادت الذائقة الجمعية تستسيغ ما تراه النخب شعرا؟!!

و" هل غادر الشعراء من متردمٍ...أم هل عرفت الدار بعد توهم"؟!!

وهل "أن أبهم الشعر أجمله"؟!!

بشعرنا كأننا ... بل أننا بشعرنا

يا أمةً تألّقت...وأغفلت ما عندنا

هل إنمحى أسلافنا ... وندّعي بغيرنا؟

***

د. صادق السامرائي

 

"ما لا نستعد له هو ما يحدث دائماً".. جملة تحمل في طياتها إدانة لكل المنظومات الأمنية التي تعتقد أن الماضي كفيل بحماية المستقبل. ديفيد أوماند، الرجل الذي عاش في دهاليز الاستخبارات البريطانية، يقدم في كتابه "حماية الدولة" تشريحاً دقيقاً لمعضلة العصر: كيف تحكم دولة في عالم لم تعد فيه الجيوش هي الفاعل الوحيد، بل صارت الفيروسات والبيانات والهويات المتفجرة أسلحة أكثر فتكاً؟ 

السؤال الذي يطرح نفسه على الطاولة العربية هو هل يمكن للدولة أن تكون "حامية" دون أن تتحول إلى "سجان"؟ وهل الأمن يصنع بالحديد والنار، أم بالعقول والثقة؟ 

 من "الدولة العميقة" إلى "الدولة الهشة"

في القرن العشرين، كانت الدولة العربية تقاس بقوة أجهزتها الأمنية، لكن القرن الحادي والعشرين كشف أن هذه الأجهزة – رغم بطشها – لم تستطع حماية الأنظمة من العواصف الداخلية. الربيع العربي كان صفعة تاريخية كشفت أن "الأمن القومي" الذي بني على مراقبة المواطن بدلاً من فهمه، يشبه قلعة من الرمال أمام موجات الغضب الشعبي. 

أوماند يذكرنا بأن "الحكومة السيئة هي التي تفقد التوازن بين الأمن والحرية". والعالم العربي شهد نماذج فاشلة في هذه المعادلة: أنظمة قمعت شعوبها باسم "مكافحة الإرهاب"، ثم اكتشفت أن القمع نفسه أصبح وقوداً للإرهاب. مصر وسوريا والعراق أمثلة على أن الأمن الذي يبنى على الخوف لا يدوم. 

التكنولوجيا غيرت قواعد اللعبة. اليوم، "الجاسوس" قد يكون خوارزمية تتنبأ بالجرائم قبل وقوعها، لكن أوماند يحذر: "امتلاك المعلومات لا يعني فهمها". الهجوم الإلكتروني على Aramco السعودية عام 2012 كان جرس إنذار: فالدول العربية – رغم إنفاقها المليارات على الأمن التقليدي – ظلت عاجزة أمام هجمات "هاكرز" في غرف نومهم. 

والأخطر من التهديدات الخارجية هو "العمى المؤسسي" الداخلي. أوماند يشير إلى أن حرب أكتوبر 1973 كانت فشلاً استخبارياً ليس لنقص المعلومات، بل لأن إسرائيل صدقت أن العرب غير قادرين على المفاجأة. والعرب أنفسهم وقعوا في الفخ: فقبل "الربيع العربي"، كانت أجهزة الأمن تعرف كل شيء عن المعارضين، لكنها لم تفهم شيئاً عن المجتمعات. 

 المواطن.. "ضحية" أم "شريك" ؟

الدرس الأهم من كتاب أوماند هو أن "الأمن لا يمنح، بل يشارك فيه". النموذج البريطاني في مواجهة "الجيش الجمهوري الأيرلندي" نجح لأنه جمع بين الضربات الأمنية والإصلاح السياسي. أما في العالم العربي، فما زال المواطن ينظر إليه كعدو محتمل، لا كشريك في صنع الأمن. 

لكن الثمن باهظ عندما تنهار الثقة بين الدولة والمواطن، يصبح الأمن مستحيلاً. ليبيا واليمن نموذجان لدول امتلكت أجهزة أمنية عملاقة، لكنها تحولت إلى غنائم للصراعات الداخلية حين فقدت شرعيتها. 

الاستنتاج الذي يصل إليه أوماند – وأؤكده هنا – هو أن "الأمن الحقيقي ليس جداراً يبنى حول الشعب، بل نسيجاً يحاك داخله". الدول العربية أمام خيارين: إما الاستمرار في نموذج "الدولة الحارسة" الذي يحول الأمن إلى سلعة نخبوية، وينتج مجتمعات مكبوتة تنتظر الفرصة للانفجار. أو الانتقال إلى نموذج "الدولة الحامية" التي توازن بين القوة والشرعية، بين الأمن والحرية، بين السرية والشفافية. 

التاريخ لا يرحم. الأنظمة التي تعتقد أنها قادرة على شراء الأمن بالخوف ستفاجأ – كما فوجئت من قبل – أن الخوف نفسه أصبح سلاحاً ضدها. والعالم العربي، الذي يعيش في قلب العاصفة، عليه أن يتعلم أن "حماية الدولة" لا تعني حماية السلطة، بل حماية المجتمع. 

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدبابات تحسم المعارك، بل "البيانات".. تلك هي المفارقة التي يسلط عليها ديفيد أوماند الضوء في كتابه. العالم العربي، الذي أنفق ملياراته على شراء أحدث الأسلحة، وجد نفسه عاجزاً أمام هجمات إلكترونية من مراهقين في أوروبا الشرقية! 

- عام 2017: هجوم "WannaCry" الشهير شل أجهزة المستشفيات والمطارات، وكشف أن "السيادة الرقمية" أصبحت جزءاً من الأمن القومي. 

- عام 2020: وثائق "الاستخبارات الإماراتية" المسربة كشفت كيف تحولت برامج التجسس إلى أدوات لقمع المعارضين تحت شعار "مكافحة الإرهاب". 

هنا يطرح أوماند سؤالاً وجودياً: هل يمكن بناء جدار إلكتروني يحمي الدولة دون أن يخنق المجتمع؟ الإجابة تكمن في معضلة "المربع المستحيل" الذي ذكره: الفعالية الأمنية مقابل الحريات الفردية. فالدول التي تختار القبضة الحديدية – كما حدث في مصر بعد 2013 – تكتشف لاحقاً أن "الأمن" الذي اشترته بثمن الحريات تحول إلى "سرطان" ينخر جسم الدولة من الداخل. 

استراتيجية "الخوف"!

أحد أكثر الفصول إثارة في كتاب أوماند هو ذلك الذي يحلل فيه سيكولوجية صناع القرار. في العالم العربي، نجد نمطاً متكرراً:  الخوف المرضي من التهديدات الذي يتحول إلى "بارانويا" مؤسسية، كما حدث مع نظام صدام حسين الذي ظن أن امتلاك أسلحة الدمار الشامل سيحميه، فإذا بها تصبح سبباً لغزوه! 

الغرور المعرفي حيث يصدق الحاكم أن أجهزته الأمنية قادرة على التنبؤ بكل شيء، كما ظن زين العابدين بن علي قبل ساعات من هروبه من تونس! 

أوماند يذكرنا بأن "أكبر الأخطاء الاستخبارية تحدث عندما نصدق أننا نعرف كل شيء". وهذا ينطبق على الأنظمة العربية التي تعاملت مع "الربيع العربي" كـ"مؤامرة خارجية" بدلاً من قراءة التحولات الجيوسيكولوجية في مجتمعاتها. 

الأمن المجتمعي..

النموذج الذي يطرحه أوماند لـ"المواطنة الأمنية" يضع العالم العربي أمام مرآة قاسية، ففي لبنان تحولت "الميليشيات" إلى أجهزة أمن موازية، ففقدت الدولة احتكارها للعنف.  أما في سوريا فقد أصبح "الأمن" سلعة تقدمها الميليشيات للأحياء الموالية، بينما تحولت المناطق المعارضة إلى ساحات عقاب جماعي. 

لكن هناك نموذجاً مختلفاً في المملكة المغربية، حيث نجحت "الاستخبارات الوقائية" في تفكيك خلايا إرهابية عبر التعاون مع المجتمع المحلي، دون التضحية بالحريات. هذا يثبت أن "الأمن الفعال هو ذلك الذي يجعل المواطن شريكاً لا ضحية". 

السؤال الآن هو: هل يمكن إنقاذ الدولة العربية من نفسها؟

الدرس الأعمق الذي يقدمه أوماند هو أن "الدولة التي تختزل الأمن في القمع تصنع سجناً كبيراً، لكنها لا تصنع وطناً". التاريخ يعلمنا أن الأمن القائم على الخوفينتج مجتمعات ميتة كتلك التي بنتها كوريا الشمالية. أما الأمن القائم على الثقةفيبني دولاً مرنة كالسويد التي تحولت من دولة عسكرية إلى نموذج للرفاهية. 

العالم العربي أمام مفترق طرق، إما أن يعيد تعريف الأمن كـ"عقد اجتماعي" جديد، أو سيصبح الأمن نفسه سبباً في انهياره. وكما قال أوماند: الثمن الذي ندفعه مقابل الأمن يجب أن يشتري لنا حياة تستحق العيش، لا مجرد بقاء يستحق الانقراض. 

***

د. عبد السلام فاروق

 

الموضوع تناولته العديد من الأقلام على مر العصور منذ سنة (37) هجرية، في معركة صفين نسبة إلى سهل صفين قرب الرقة في سوريا. ولن يُضاف شيئا للموروث المدون عن الخوارج إذا تناولنا الموضوع بذات السياق المتعارف عليه.

ولابد من إقتراب مغاير يعتمد على طبائع السلوك البشري، ومعادلات تفاعلاته وكيمياء النفوس التي تتبدل عناصرها وفقا للظروف.

فالخوارج من الخروج، أي ترك الحالة إلى حالة أخرى، فيقال خرج عن الركب أو الملة أو الجماعة وغير ذلك، والطبع البشري ميال للفرقة وعدم الإجتماع وكأنها سنة الله في خلقة لكي يتوطنوا أرجاء الأرض ويعمرونها.

وعندما نأتي للدين، فأن الخروج في الأديان منتشر ولا يوجد دين بلا خوارج، بأصنافهم ومسيماتهم ورؤاهم وتصوراتهم وتأويلاتهم.

وفي الإسلام تحقق الخروج حتى في زمن النبي، وتأكد بوضوح بعد وفاته مباشرة، فكان ما كان، وحصل ما حصل، وتطورت الأمور وبلغت ذروتها في السنوات الستة الأخيرة من خلافة عثمان والتي إنتهت بمقتله، وتواصل ناعور سفك الدماء بين المسلمين.

 االخوارج هم الأقوام الذين لا يتفقون مع المعدل العام للمجتمع، وفقا لمنحنى الإنتشار الطبيعي المتعارف عليه في جميع الظواهر القائمة في الوجود.

والمسلمون يتداولون مفهوم الخوارج ويحصرونه في الذين خرجوا على الإمام علي في معركة صفين بعد قبوله بالتحكيم ويرون أن لا حكم إلا لله، فإنسحبوا من الجيش وأعلنوا رفضهم لما آلت إليه نتائجها التي أصابت جيش علي بمقتل، إذ بعدها كان عليه أن يخوض معركة النهروان (8\7\658) ميلادية، ضد الذين خرجوا عليه.

والخوارج أنفسهم صاروا فرقا كثيرة ما بين المتشددة جدا والمعتدلة، ومنهم  الإباضية، الصفارية، العجاردة والنجدات وغيرها من الفرق والجماعات، التي لا تزال تتوالد وتتخذ لها أسماءً متعددة، لكن هدفها المشترك هو الهدم والتخريب وشن الحرب على المجتمع المسلم، فمن ألد أعدائهم  في مختلف مراحل التأريخ كان المسلمون أنفسهم، فهم يقتلون المسلم بذرائع عجيبة غريبة.

كان عبدالله بن وهب الراسبي أول خليفة إنتخبوه بعد إنشقاقهم عن جيش علي، وإشتد أمرهم في الزمن الأموي، وقاتلهم مصعب بن الزبير، شقيق عبدالله بن الزبير، ثم إنقض عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي وقضى عليهم وعلى عبدالله بن الزبير .  ولما قُتِل مصعب بن الزبير بايع قائده المهلب بن أبي صفرة عبدالملك بن مروان.

ومضت فكرة الخوارج سارية بين الأجيال ولا تزال ذات صخب وعنفوان، وإتخذت شكل التحزبات والفئويات والمذهبيات وغيرها من صنوف تأهيل المسلم لقتل المسلم بشتى الذرائع والمبررات.

ويبدو أننا نعيش في عصر حركات الخوارج ذات التأويلات المتطرفة والغلوائية الشرسة، التي تكفر وتزندق على هواها ووفقا للذين يشرعنون مآثمها وخطاياها.

***

د. صادق السامرائي

19\8\2025

كلما ارتفع صوت أم كلثوم من راديو جدتي الباكي، كنا نرتجف كأوراق الخريف أمام إعصار الجمال. كانت أصواتهم - من فريد إلى وردة، من عبد الوهاب إلى عدوية – أشبه بجغرافيا مقدسة. كنا نسير في تضاريس كلمات بيرم وألحان بلبل الشرق، فنخسر أنفاسنا ولا نطلبها مرة أخرى. كانت الأغنية وطناً، واللحن جواز سفر إلى أعماقنا. 

فماذا حدث؟ 

لم يسقط الفن من سماء القيمة إلى أرض الابتذال بين ليلة وضحاها. لقد سحب البساط من تحت أقدامنا ببطء. صرنا نعيش في زمن "المسخ الثقافي": (جيبة) أحمد سعد يصرخ في الصحراء بلا معنى، وحمو بيكا يرقص على أنقاض اللحن، وشاكوش يصنع إيقاعاً كالمطرقة على رأس الذائقة. السؤال ليس عنهم.. بل عنا: كيف قبلنا أن يصبح الفن مجرد ضجيج؟ 

نرفع أصابع الاتهام نحو "الرقمنة" كأنها شيطان أتى ليخطف أرواح الألحان. لكن الحقيقة أكثر مرارة: السوشيال ميديا لم تخلق الفراغ.. كشفت عنه. لقد حولنا الفن إلى "محتوى قابل للاستهلاك السريع". صار المغني ينتج كما تنتج ماكينة الكباب. والجمهور يبتلع دون مضغ. لم نعد نطلب رسالة.. نطلب فقط "الهزة": رقصة تيك توك، لازمة سخيفة، إثارة بصرية تختفي بعد ثانيتين. 

الخراب الجميل: كيف قتلنا الحنين بأيدينا؟ 

نحن جيل يعاني من انفصام تاريخي. نحمل في قلوبنا حنيناً لأغاني العظماء، وفي هواتفنا أحدث أغاني "عنبة"، ننتقد بلسان ما زال يعبق بعطر زمن مضى، ونشترك بأصابعنا في ترويج الفن الهابط، لقد سمحنا للرأسمالية المتوحشة أن تحول الفن إلى سلعة رخيصة: الإنتاج السريع، الانتشار الواسع، الربح الفوري. صار الفنان "ماركة تجارية" لا صاحب رسالة. 

 من المسئول عن تخريب الذائقة؟

هل تعلم أن إنتاج أغنية "حمو بيكا" لا يتجاوز تكلفتها سعر هاتفك الذكي؟ بينما كانت جلسة لحن لعبد الوهاب تستغرق شهوراً. المعادلة بسيطة: 

- فن العظماء = زمن + روح + مال 

- فن اليوم = كمبيوتر + أوتو-تين + دقائق 

لقد غيرت المنصات معادلة الربح، لم يعد العائد من الألبومات، بل من عدد المشاهدات. والمشاهدات لا تحتاج عمقاً.. تحتاج صدمة عابرة. 

 هل هناك مخرج؟ 

نعم.. لكنه ليس في لعن الظلام. 

المشكلة ليست في وجود "شاكوش"، بل في غياب البديل الجريء. نحتاج إلى: 

1. نخبة ثقافية تخلق فناً معاصراً يحترم العقل دون أن يخون الجمال. 

2. تغيير معادلة الربح من خلال دعم منصات تروج للأغنية العميقة حتى لو لم تحقق "تريند". 

3. تعليم الأطفال كلمات السياب قبل أغنيات "التيك توك". 

بالتأكيد الفن العظيم لم يمت.. بل صار منفيّاً في زوايا صغيرة. في استديوهاتمغمورة، على قنوات يوتيوب لم تكتشف بعد، في قلوب شباب يرفضون أن يكونوا "معلبي ثقافة". 

السؤال الخطير ..

هل نستحق أن نرث تراث العظماء ونحن ندفنهم كل يوم في مقابر الابتذال؟ 

الخراب الذي نراه ليس سقوطاً للفن.. بل سقوطنا نحن.  وليس هناك من خلاص إلا بمقاومة يومية أن نرفض أن نكون مجرد مشاهدين. أن نختار الجمال.. حتى لو كلفنا ذلك أن نكون وحيدين.

نحن لم نكن نستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد.. كنا نختطف. كان الصوت يأخذنا إلى مكان لا نملك فيه إلا أن نسلم روحنا للجمال. كنا نخرج من الأغنية كما يخرج المتعبد من محرابه: منهكين، ممتلئين، عارفين أننا لم نعد كما كنا. اليوم، نخرج من أغاني "التيك توك" كما نخرج من دورة مياه عامة: بسرعة، بلا أثر، وبعضنا يحمل عدوى.

اغتيال الزمن 

كانت الأغنية القديمة تبنى كما تبنى الكاتدرائيات: طبقة فوق طبقة، جهداً فوق جهد، روحاً فوق روح. اليوم، الأغنية تصنع كالوجبة السريعة: دقيقتان من الإيقاع، كلمة تعلق في الأذن، ثم يرمى المستمع كعلبة فارغة. الزمن نفسه صار عدواً للفن. لم نعد نتحمل أن تستغرق الأغنية أكثر من ثلاث دقائق، أو أن تحتوي أكثر من فكرة واحدة. صرنا نريد "الخلاصة" قبل النص، و"البوست" قبل الكتاب.         

موت المؤلف.. وولادة "المنتج" 

لم يعد الفنان هو ذلك الكائن الحالم الذي يسكب ألمه فوق أوتار العود، بل صار "مشروعاً استثمارياً". الـ"تراك" لم يعد عملاً فنياً، بل "سهم" في بورصة المشاهدات. حتى الكلمة فقدت قداستها. لم يعد هناك "شعراء أغان"، بل "صناع محتوى". الكلام لم يعد يكتب، ينسخ. اللحن لم يبتكر، يجمع. 

الجمهور الذي خان نفسه 

نحن لا نلام فقط لأننا قبلنا الرديء، بل لأننا صنعناه. الجمهور اليوم لا يطلب الفن، يطلب "الضجيج". لا يريد أن يشعر، يريد أن يهتز. لا يبحث عن معنى، بل عن "هاشتاج". والأخطر أننا صرنا نتعامل مع الفن كخلفية لحركاتنا، لا كصديق يحاور وجداننا. نسمع الأغاني كما نشرب القهوة: بلا تذوق، بلا تركيز، بلا أثر. 

هل الضياع حتمي؟   

في زوايا العالم، بعيداً عن الأضواء الصاخبة، ما زال هناك من يصنع الفن الحقيقي. 

شباب يكتبون الشعر على أوراقهم قبل أن يضعوه على "النت"، مغنون يرفضون أن يكونوا "براند"، ملحنون يعيدون اكتشاف النغمات المنسية..هم لا يظهرون في التريند، لكنهم يزرعون بذوراً قد نراها بعد سنوات.  

لو عاد بنا الزمن إلى أيام عبد الحليم، لوجدنا أن "الرديء" كان موجوداً أيضاً، لكنه لم يسيطر. لماذا؟ لأن هناك من دافع عن الجمال. اليوم، المعركة أصعب، لكنها ليست مستحيلة. كلما اختار أحدنا أن يستمع إلى أغنية عميقة بدلاً من الضجيج، كلما أعطى فرصة للفن الحقيقي أن يتنفس. 

السوشيال ميديا: سلاح ذو حدين 

نعم، هي التي نشرت الرديء، لكنها قد تكون منقذه. هناك منصات بدأت تكرم الفن الهادف، قنوات ترفض أن تكون مجرد "أرقام"، جمهور صغير لكنه مخلص يبحث عن الجمال في زمن القبح. 

الفن العظيم لم يمت.. هو فقط يختبئ في زمن لا يستحقه.  المشكلة ليست في وجود "حمو بيكا"، بل في اختفاء من يرفضون أن يكونوا مثله. السؤال ليس "لماذا صار الفن هكذا؟"، بل "هل ما زلنا نؤمن بأننا نستحق الأجمل؟". 

نحن أمام خيارين: 

إما أن نستسلم، فنصبح مجرد مشاهدين في سيرك الابتذال. أو نقاوم، ولو كنا القلة.. ولو كلفنا ذلك أن نغني في الظلام.  لأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى مليون مستمع.. يحتاج فقط إلى واحد يفهمه.

***

د. عبد السلام فاروق

ليس سهلًا أن يجد الإنسان نفسه أو أن يشعر بمعنى وحقيقة وجوده وسط هذا الركام الصاخب من الأحداث في العالم. فالتناقضات والنتائج المتغيرة والمتسارعة للموضوعات والمسائل المختلفة تفرض عليه تقييمات جديدة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي.

فالكاتب، مثلًا، حين يتناول حالة اجتماعية كالفقر، يكتشف سريعًا أن دائرة الفقر ليست معزولة، بل هي جزء من منظومة أشمل ترتبط بالطبيعة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها. فالفقر يرتبط بأنماط السلوك وطبيعة الحياة الأسرية. فالأب إذا أدمن الخمر وعاش علاقات مضطربة مع زوجته، انعكس ذلك على الأبناء الذين يسعون للبحث عن طريق آخر، وربما عن بيئة بديلة؛ قد تكون مستقرة أو غير مستقرة، لكنها تمثل محاولة للتعويض عن الشعور بالنقص والانحدار.

وعندما يحقق الباحث في مثل هذه الحالة، تتسع مجالات البحث أمامه؛ إذ يجد نفسه مضطرًا لمتابعة مستقبل الأسرة كله، لا مجرد ظاهرة الفقر وحدها. فالمعنى لا يمكن حصره داخل دائرة واحدة عند تناول أي حالة، بل يتطلب من الباحث أن يتتبع الزوايا المترابطة التابعة لتلك الدائرة. فموجة الماء لا تسلك مسارًا واحدًا، بل تتفرع في مسارات متعددة، كذلك هي الظواهر الإنسانية والاجتماعية.

***

عقيل العبود

الكتاب المسموع وفر فرصا ثمينة للإطلاع على الكتب في أوقات لا يمكن فيها القراء، كقيادة السيارة، وهي تقدم وسيلة لإكتساب المعارف وعدم تبديد الوقت باللاجدوى.

ومع الوقت صار الميل للكتب المسموعة أكثر من قراءتها، وهذا ما توفره التكنولوجيا المعاصرة بوسائلها التواصلية، مما جعل إغتنام الفائدة القصوى من الوقت ممكنة ويسيرة، فما عاد للكتاب الورقي دور كما في الأزمان السابقة، التي كان فيها للكتاب الورقي أثره وأهميته التثقيفية والتنويرية.

وأصبحت المكتبات الشخصية عبئا على أصحابها، وما أكثر الذين أعرفهم وهم يعانون من الكتب التي جمعوها، وكانوا يجالسونها وينهلون من معارفها، لكنهم اليوم يميلون إلى الإستماع ومعاينة الشاشة الصغيرة، التي تستحضر لهم أية معلومة يبحثون عنها.

زميلي يريدني أن أأخذ مكتبته وأنا أنوء من الكتب التي تشتكي منها مكتبتي، والعجيب في الأمر أنه يريد التبرع بها ولا مَن يقبلها كهدية !!

ترى هل سينتصر الكتاب الإليكتروني والمسموع على الكتاب الورقي؟

الجواب عند المستقبل القريب!!

ما يدور في أروقة الأيام، أن دور النشر قد غيرت مناهجها وما عادت تهتم برسالتها، وتركز على الربحية وحسب، ولهذا أغلقت العديد منها أبوابها، وصارت طباعة الكتب محدودة وبأعداد قليلة، وأصبحت الطباعة عند الطلب هي الرائجة، أي أن تشتري الكتاب ليتم طباعته لك، أو يأتيك عبر الإنترنيت ككتاب إليكتروني.

والسؤال الصعب هو كيف سيكون مصير معارض الكتاب؟

هل ستتواصل أم ستندثر وتغيب؟

زيارة معارض الكتب في القرن العشرين كانت إحتفالية رائعة تزدهر بالزائرين المتبضعين، فلا تجد مَن لا يحمل كتبا قد إشتراها، أما زيارتها في القرن الحادي والعشرين فتبعث على الخيبة والألم، وفي زيارتي لأحدها وجدته يكاد يكون مقفرا من الزائرين، وأصحاب المعارض في صمتهم وسكونهم خانسين، وما شاهدت مَن يحمل كتبا!!

تغيّرتِ العصورُ بما اعْتراها

فأهملتِ الكتابَ ومُحتواها

على شاشاتنا صرنا نَدامى

ترافقنا ولا نرضى سواها

قراطيسٌ بها الأفكار دامتْ

تنوّرُ نخبةً في مُبتغاها

فهلْ رقميةُ الأيامِ أبْقى

وهلْ جلبتْ لنا ذخراً عَلاها؟

***

د. صادق السامرائي

قبل ايام شاهدت مقطع فيديو يتحدث فيه أحد السادة السياسيين المحترمين. كان الرجل يشرح نظرية حديثة  او مستحدثة من قبله لادارة العلاقات النقدية مع العالم الخارجي وتمويل التجارة الخارجية..

قال ان العراق يستطيع طباعة عملة موازية للدينار نستطيع التعامل بها بدون وساطة الدولار!!

حقيقة ان المرء ليَحار من طريقة تفكير هؤلاء الاشخاص ومدى معرفتهم ببديهيات الحياة الاقتصادية والسياسية وقوانينها...

وكيف يتم اختيارهم للعب ادوار في الحياة العامة والظهور على وسائل الاعلام والحديث بمواضيع خطيرة؟؟

كنت اتمنى ان اسأل ذلك الرجل عن كيفية استيراد نظاراته الجميلة وبدلته الانيقة

والساعة الفاخرة وربطة العنق والحذاء والتلفون غالي الثمن؟

هل تم استيرادها باستخدام عملته الموازية؟

من سوف يقبل بعملة مطبوعة محلياً؟ حتى باعة الخضر والفواكه يعرفون اهمية الدولار وكونه وسيلة الاستيراد الوحيدة اضافة لباقي العملات الصعبة كاليورو والباون ..

دعونا نتصور موقف هذا الشخص الذي خرج للتو من كهفه الذي كان نائماً فيه منذ زمن مع اصحاب الكهف الذين قالوا :

 (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)..

ويقال انه عندما ذهب الى السوق اكتشف ان عملتهم كانت قديمة وأثرية ولايتداولها أحد..

وصاحبنا يتحدث بنفس المنطق البائد..

كيف سيكون موقف الرجل عندما تناقش قضايا مهمة مثل الارتباط بالدولار وغيره؟؟ ماذا سوف يقترح هذا العبقري؟ واي مستشار كفوء

وضع هذه الفكرة المضحكة في رأسه؟؟

هذا الرجل لايعرف ان ايرادات النفط بالدولار واحتياطي العراق النقدي بالدولار ومحفوظ في الاحتياطي الفدرالي واستيراداتنا بالدولار..

بصراحة شديدة ظهور هؤلاء المتكرر بأفكار هزلية مثل هذه سيكون مصدر احراج وعيب للعراق..

***

د. صلاح حزام

أراد المصري صنع الله إبراهيم الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، أن يقدّم شهادته عن عالم لجان التحقيق العبثي، فاختار أن يكتب روايته المثيرة وضع لها عنوان "اللجنة" يرسم لنا فيها صورة قاتمة لعالم تكون فيه اللجان العبثية نموذجاً يحدد مصائر الناس، وحالة الانتهازية والكذب والخديعة التي يصرّ المسؤول على أن يفرضها على الناس.

دائما ما اتذكر رواية المرحوم صنع الله ابراهيم، عندما يتعلق الامر باللجان التي تشكل في بلاد الرافدين، فمن يتذكر تقرير لجنة ضحايا تشرين، فلا تزال الرواية الرسمية التي تقول ان كائنات فضائية قتلت اكثر من 700 متظاهر هي السائدة، اما اللجان التي شُكلت فقد ادخلت اهالي الضحايا في متاهات ودهاليز. والامر ايضا تكرر في لجان اخرى كان ابرزها اللجنة التي ارادت ان تعرف كيف تمكن "الصبي" نور زهير سرقة ثلاثة مليار دولار في وضح النهار.

في رواية "اللجنة" يحاول بطل صنع الله إبراهيم أن يُعلّم أهل المدينة أن حقوق الإنسان مسألة تستحق أن يُقاتَل من أجلها، وأن القوانين ليست منزَّلة من السماء، يحاول أن يفتح أعينهم على أنّ "الشعوب من دون حريّة لا يعود لها وجود.. ولهذا تحاول المؤسسات الفاشلة أن تنوع المحظورات وتتنافس في سنّ قوانين خاصة بها.

في كلّ يوم نسير عكس اتجاه العالم، لكننا في الصباح نشكو المؤامرة التي أخبرنا البعض من البرلمانيين أن الإمبريالية اللعينة لا تريد لنا ان نستفيد من خبرة البروفيسورة "عتاب الدوري" العسكرية، وتقف بالضد من نظرية ابراهيم الجعفري في الالسنيات، ولم تسمح لعبقري مثل مثنى السامرائي أن يطور مناهج التربية والتعليم، كل ما نحن فيه مؤامرة تحتاج إلى لجنة من الخبراء لا يعرف المواطن المسكين لونهم وطعمهم ورائحتهم..

في بلدان آسيا خرج الرجل الأسطوري لي كوان من الحكم، بعد أن حوّل سنغافورة من مستنقع تزدهر فيه الأمراض والخوف إلى نموذج صعب التقليد في الرخاء والتنمية والازدهار، وكان شعاره لا مكان للجان التي تستهلك مستقبل حاضر الناس ومستقبلهم.

عندما يقرر البعض أن يبيح لنفسه اللعب على الحبال، فأيّة لجان يحدثون الناس عنها؟ لذلك تتحوّل قرارات اللجان إلى نوع من أنواع السخرية من الناس.. وأتمنى ألّا يسخر مني البعض ويقول يا عزيزي صدّعت رؤوسنا بالحديث عن لي كوان، بينما المواطن محتار هل يصدق تقرير اللجنة الذي تقول ان الدكتورة بان زياد انتحرت لانها تعاني من الاكتئاب؟ أم نصدق شهادات زملائها الذين اكدوا جميعم انها كانت طموحة وتحلم بمشروع طبي كبير.. الجواب حتما سنجده عند بطل رواية اللجنة الذي قرر في النهاية ان "آكل نفسي" هرباً من اللجان.

***

علي حسين

وفق قاعدة "اخلاق المجتمع انعكاس لاخلاق السلطة" نجد في مجتمعنا العراقي وفي بعض مجتمعاتنا في العالم العربي، حيث التواضع فضيلة مقدسة، أصبحت الثقة بالنفس تُقابل بتهمة "التكبر" و"الغرور". هذا الخلط الخطير يحوّل إنجازات الفرد إلى عُقدة ذنب، ويجعل تميّزه الشخصي أو اكتفائه بنفسه جريمة في حق الجماعة. فهل كل من يُقدر كفاءته متكبر؟ 

إن هذه المشكلة تنطلق من جهل مركب بين سلبية التدخل بشخصية الغير وبين الجهل بتفسير سلوك التكبر وسلوك الثقة بالنفس، وهذا الجهل المركب تؤسسه النخب الرأسمالية الحاكمة داخل المجتمع بثلاثة طرق:

 1. تزييف الوعي: بإقناع البسطاء بأن تقدير الذات خطيئة ضد الجماعة، وتحويل انتباههم عن استغلال النظام الاقتصادي عبر تشويه فضائلهم النفسية.

 2. إنتاج التبعية الثقافية: تكريس فكرة أن تواضع البسطاء فضيلة، وثقة الاثرياء او من في السلطة حقٌّ طبيعي. كمثال: الموظف الذي يطالب بحقوقه يُوصف بـ"المتكبر"، بينما صاحب العمل "واثق بنفسه".

 3. تحويل الثقة إلى رأس مال رمزي ثقافي تمنحه المدرسة، الجامعة، الاسرة لخلق ما يسمى المستوى الاعلى. مثل: طالب يُمنح ثقة مفرطة لأن أباه مسؤول كبير، بينما يُوصم ابن العامل بأنه "متكبر" إذا تجرأ على الحلم بالمنافسة. 

هذه النقاط الثلاث تجهد السلطة نفسها وتخصص الموازنات المالية في الاعلام والفن والدراسات الاكاديمية لتحقيقها. كمثال: تمجيد تواضع الفقراء ك"قدوة"، وتقديس الخنوع باسم "الرضا".

لكن لماذا تخاف النخب الرأسمالية الحاكمة من الثقة بالنفس لطبقة المجتمع الطبيعية؟

لأنهم يدركون أن الثقة وعي (غرامشي) وتمرد على الطبقة التي تعتقد زورًا انها "اعلى"، وحين يدرك الانسان أن مهاراته تخلق فائض القيمة عن جهده، يستلب هذا الفائض لصالح البرجوازية الحاكمة، فلا يبقى له إلا فتات الأجر. عندها سيسأل بحق: لمَ ينهب جهدي؟

ومن ناحية اجتماعية عملية نجد أن تهمة التكبر تطلق على الثقة بالنفس ناتجة عن:

 1. ثقافة الخواء/ مثلا عبارة "لا تظهر ما عندك" هذه العبارة تُربي اجيال على إخفاء تميزهم خوفًا من "العين" أو "الحسد"، فتصبح الثقة انحرافًا.

 2. الخلط بين التواضع والتذلل: حيث التواضع الحقيقي هو احترام الآخرين دون انتقاص الذات. لكن البعض يريدك أن "تنكر إنجازاتك" كدليل على ادبك وتواضعك!.

 3. عقدة النقص الجماعي: عندما يشعر المحيطون بنقص في أنفسهم، تصبح الثقة اختلاف وتهديدًا لهم، فيُحوّلون إحساسهم إلى هجوم بصيغة التكبر. 

لذا الثقة بالنفس أن تعرف قدراتك الحقيقية وتتصرف بناءً عليها، أن تكون مكتفيًا بذاتك دون احتقار الآخرين، بينما التكبر أن تتعامل مع الآخرين وكأنك أفضل منهم دون سبب موضوعي، بل مجرد أوهام بانك الافضل، تزرعها بالنفس السلطة والاسرة والمدرسة والاعلام وجزء من الفن.

الأخلاق السائدة مثل تمجيد تواضع الفقراء ليست قيمًا مجردة، بل بنية فوقية خلقتها البرجوازية لتبرير التفاوت الطبقي. وإن تحرير الوعي ضرورة، لكنه غير كافٍ دون مصادرة وسائل الإنتاج من البرجوازية.

إن تغيير هذا النمط بحاجة الى نظام سياسي حاكم يرعى الانسان أولا وهنا يبدأ بتغيير النمط، كما ذكرنا في المقدمة (اخلاق السلطة انعكاس لاخلاق المجتمع)، ثم الاسرة والمجتمع المدني والتعليم في بناء الثقة الصحية والتواضع الانساني وطرد "التواضع المتذلل" "ومرض التكبر المتخلف" من بيئة حياة المجتمع والانسان ذاته، لكن هل يكفي تغيير السلطة؟ المجتمع نفسه بحاجة لثورة ضد "التواضع المزيف" الذي يكرّسه الأفراد عبر قول: "اسكت ولا تطالب بحقك".

ولدينا تجارب في العالم العربي ناجحة مثل مبادرة "أنا أشارك" في تونس حيث تحويل المدارس إلى حاضنات للثقة بالنفس لا تنتج عُقدة التفوق، بل وعيًا بالذات وبالاخر. أما في لبنان، فحملة "شو مهارتك؟" الإعلامية، التي فككت عن طريق قصص الناجحين الوهم القائل: "إظهار تميزك تكبر". لكن هذه التجارب تطلق شرارة الوعي، لكنها لا تقوض النظام الرأسمالي الذي ينتج الهيمنة. فتحرير التعليم والاعلام يجب أن يقترن بتدمير علاقات الإنتاج الاستغلالية.

وهنا يظهر أن النظام السياسي الحاكم بيده ادوات الهيمنة القادرة على صناعة تخلف المجتمع أو دفعه الى الأمام.

السؤال: متى ندركُ أن تشويه الثقة بالنفس ليس تراثًا نحميه، بل سلاحًا فتاكًا صممته الأنظمة الحاكمة لتحويل طاقاتنا إلى رماد؟.

التغيير يبدأ بوعي فردي يرفض وصمة "التكبّر" حين تطالب بحقّك، وجماعيًا برفض "ثقافة الخواء". التجارب التونسية واللبنانية أثبتت: تحرير الوعي ممكنٌ إذا حوّلنا التعليم والإعلام من أدوات هيمنة إلى جسور نحو الذات.

والحل ليس في مفاصلة بين الفرد والسلطة، بل الحل لا يكمن في الاصلاح الفردي بل في دفع المجتمع الى حركات تغيير ثورية تُزيل هيمنة البرجوازية ثقافيًا وماديًا، وتعيد تملك فائض القيمة.

فهل ننتظر نظامًا سياسيًا يغيّرنا، أم نكون نحنُ من يخلق نظامًا جديدًا تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه ثقته بنفسه؟.

***

حسام عبد الحسين

الأمة تحت صولات الحروب النفسية المتنوعة الغاشمة، وخلاصتها دفع المجتمع للتمركز في زوايا حادة أو حفر ظلماء، يتكاتف مَن فيها ويكون متحفزا ضد أي إقتراب من كينونته المتلاحمة في الحفرة.

ضعف الدولة وتميع الوطن وتناثر محتوياته وتبعثر مكوناته، وتحولها إلى كرات زئبقية أو بليارد جاهزة للتصادم والإحتكاك المرير.

مسيرة القوقعة السميكة تجري على قدم وساق في مجتمعات تناست أوطانها وحطمت أوعية وجودها، وستنتهي إلى موجودات متصارعة ورؤى وتصورات متنافرة، فيعم التلاحي وإستنزاف طاقاتها وتدمير كيانها الجماعي المشترك، فبتحول الوطن إلى صفيح ساخن، والمواطنون إلى أعداء يستحقون الفناء والدمار الشامل لما يشير إليهم.

ويبدو واضحا أن سياسة (الكوكمة) من الكوم، قد سرت في الواقع الإجتماعي، متمثلة بالقبلية والعشائرية والطائفية، وترسيخ نشاطات الدواوين والمحافل التفريقية اللازمة لإذكاء فتيل التصارعات البينية، وفقا لشعار "سعيد مَن إكتفى بغيره"!!

وعندها ينطلق المجتمع بأكل نفسه، وينخر جوهره، لتتداعى أركان الوطن، وتعم الفوضى ويتناسى الناس حقوقهم وبلادهم، ليتولى أمرها الطامعون فيها، ويجعلون الشعب يتمايل بين الموت والحمى، وأكثرهم يذعن للحمى بعد أن شاهد الموت المباح يفتك بالآخرين من حوله.

تلك عاهة متكررة في مجتمعات الأمة، ولا مَن يرعوي ويتعظ، ويرى بعيون وطنية وإشراقات إدراكية لمآلات التفاعلات الخسرانية المُحفَّزة بإرادات أعداء الأمة، والساعين لإستغلال ثرواتها وما فيها من الخيرات، وحرمان أهلها من حقوقهم الطبيعية.

والخلاصة أن العقد الإجتماعي يتفسخ، وينظر إليه بإستصغار وإهمال ونكران، فلا جامع في مجتمعات يُراد لها أن تبيد وتتناثر في أرض الله الواسعة.

ولهذا فالموت للدستور والغياب للقانون، وللفوضى عيون !!

وطنٌ يَبلى وشعبٌ يُستضامُ

كلُّ مقسومٍ أتاهُ إنقسامُ

هذه الدنيا حروفٌ فوق ماءٍ

يتولاها قديرٌ لا ينامُ

وحدة الروح تهاوتْ في غديرٍ

وتشظتْ لا يُجافيها الحطامُ

***

د. صادق السامرائي

 

الحيتان ليست موظفين في السيرك ولا شركاء وفاء في عروض سياحية، بل كائنات مفترسة بطبيعتها، تأكل وتهاجم كما كُتب لها في جيناتها منذ ملايين السنين، و مع ذلك، رأينا تحوّل حادث افتراس مدربة حوت الأوركا جيسيكا إلى ملحمة عاطفية تصدَّرت الشاشات، وكأن الكائن خان "الثقة" أو كسر عهد "الصداقة"!.

هذه النتيجة كانت حتمية، ومن السذاجة أن نُحمّل حيواناً بريّاً قيَماً بشرية، أو نطالبه بالإلتزام بقوانين مسرحنا الإجتماعي والإعلامي.. لكن ما يثير الدهشة ليس الحوت، بل الترند الوهمي الذي ضخَّ القصة بجرعات تعاطف هائلة.

هكذا يُدار المسرح العاطفي: حادثة رغم قساوتها إلا إنها مجرد كذبة تقنية، ترند لحصد آلاف المشاهدات، وتظهر الحقيقة فيما بعد: "الحوت لم يلتهم مدربته، بل عالم السوشال ميديا إلتهم عقولنا، الأوركا لم يهاجم أحداً لكن المنصات هاجمت وعينا جميعاً"، فالقصة لم تتكلم عن حوت قاتل بل وحش آخر يعيش بيننا، التضليل الرقمي الذي يتغذّى على سرعة النشر وتحريك المشاعر بأدوات الذكاء، فمقطع صغير مصمّم بإتقان يغزو ملايين العقول من دون تحقّق، وتنتشر الأكاذيب كحقائق ! .

***

ابتهال العربي

 

ان العلاقات الاقتصادية فيها عواطف ومشاعر حميمية باردة وتكاد ان تكون مزيفة وتستهدف أموراً أخرى.. فعندما تسعى الشركات لارضاء الزبائن وتعمل استبيانات للوقوف على رغباتهم بهدف تلبيتها وعندما تقول للزبون هدفنا اسعادك قبل كل شيء. فانهم لا يعنون ما يقولون بل هدفهم هو نقود الزبون وبالتالي زيادة ارباحهم.

تدخل الى احدى صالات العرض للسيارات او الاجهزة الكهربائية فيستقبلك البائع بسعادة وحب ويجعلك تشعر بأنك صديقه الوحيد.!. انهم يمارسون الدعاية الضاغطة والايحاء الكاذب وغسيل الادمغة لجذب الزبائن.. انها تحفز على زيادة الاستهلاك وتستهدف الزوجة والاطفال وتغريهم عن طريق الدعاية المؤثرة، وهذه ليست في صالح العائلة ولكن قطاع الاعمال لا يكترث بذلك.

في كتابها المعنون حميميات باردة والذي انتهيت من قراءته قبل ايام، تقول الكاتبة ايفا ايلوز ماخلاصته: ان الحب هو شعور لاعقلاني ولا يخضع للدراسة العقلانية ولاحسابات الربح والخسارة او المقارنة بين شركاء متعددين. انه "وقوع في الحب"  وليس صفقة مدروسة بعقلانية. ولكن الرأسمالية ادخلت نمطاً جديدا من العواطف دخلت فيه الحسابات المادية واصبح موضوع تحقيق الذات بالمعنى المادي عنصراً حاضراً الى جانب الاعتبارات المثالية عند اختيار

الشريك ولم تعد العواطف شأناً خاصاً بل دخلت فيها السردية الاجتماعية ومنظومة القيم الاقتصادية والسياسية السائدة العامة باعتبار العلاقة العاطفية مشروعاً ويجب ان يكون مربحاً وفيه جدوى ..انها حالة تصبح فيها الممارسات العاطفية والاقتصادية يشكّل بعضها بعضاً بالتبادل. ويصبح التأثير كاسحاً للسلوك الاقتصادي.. وتتبع الحياة العاطفية منطق العلاقات والتبادلات الاقتصادية.

وزاد الأمور سوءاً عند بداية عصر الانترنت، حيث حولت تكنولوجيا الانترنت التفاعلات الرومانسية الى قضية قابلة للحساب الرقمي والمعتمد على النصوص لكي يتأكد الشخص ان الآخر هو من يحبه.

الحب لاعقلاني ولكن حب الانترنت والبحث عن حبيب عن طريق البحث في المواقع يحوله الى بحث عن افضل فرصة في حين ان الرومانسية السابقة تضفي على الحبيب طابع حصري واستثنائي لامثيل له، اي يعتمد على اقتصاد الندرة..

اما الانترنت فيعتمد على اقتصاد الوفرة وتعدد البدائل العاطفية مع توفر بيانات وقيم ينشرها كل مرشح عن نفسه وبالتالي يستطيع الفرد البحث بين بدائل عديدة جداً لاختيار الافضل وفق قواعد العقلانية الاقتصادية وتحصيل افضل منافع مقابل اقل خسائر...انه تصرف اقتصادي يعتمد على البيانات المتاحة بدون اي تواصل جسدي مادي وبعيد عن الاحاسيس التي يولدها التفاعل الجسدي ولقاء العيون والاستماع الى الصوت وحركة الجسد.

صناعة المرح الرأسمالية الاستهلاكية قد انسحبت على العلاقات الرومانسية ودفعت باتجاه الحرية الجنسية كنوع من المرح والمتعة، وكان ذلك على حساب اليوتوبيا الرومانسية المثالية. وحولت تلك العلاقات الى نوع من السلع وازالت الفرادة عن الشريك/ الحبيب واضفت التنميط والتبادلية العالية على الشريك العاطفي.

***

د. صلاح حزام

لم تنشأ الاتفاقيات وتظهر على المسرح السياسي من فراغ، إنما تحيكها قوى واحداث قد تأخذ شكل التطويق والحصار الأستراتيجي.. اتفاقية تتوجه نحو الشرق وإتفاقية تعقد في الخلف من الشمال تحاصر الهدف.. والشرق وخلفه يقع في اطار استراتيجية كبرى تدار من خلال احكام ذات طابع سياسي وعسكري يستند الى سيناريوهات ومخططات وقنوات تعقب الفعل ورد الفعل واحتمالاتها وتوقعاتها.. فهي في كل الاحوال مطوقة بقانون (القوة) و (أرادة القوة) ولا مجال للحديث عن كرامة الحق في العدوان بحجة الدفاع عن حق الكرامة. هذه المفردات والأحاديث والثرثرات البائسة معدة للإستهلاك الداخلي الذي لا جدوى منه ما دام الوعي قد بلغ مستواه ولم تعد تلك المقولات قادرة على طمس معاناة الناس منذ عام 1979 ولحد الآن.. ازاء معادلة مستهلكة (التسليح وصناعة السلاح وابراج الصواريخ ومنصاتها وذخيرتها وتجهيز العساكر وتسليح الصبية وتدريبهم وتخريجهم للموت.. وماذا بعد؟).

هذه المعادلة طرفها المقابل جياع تنقصهم مستلزمات العيش، ومرضى يحتاجون الدواء والعناية الطبية، وجهل مطبق ينقصه العلم والتعليم والمعرفة.. فلماذا التخمة بالسلاح والتسلح؟ ولمن يوجه السلاح، ولماذا؟ هل هو للدفاع المشروع عن النفس أم للتوسع..؟ من يوقف هذا المد التوسعي ويوجه مجراه صوب جياع الداخل المأزوم لحد الغثيان..؟

***

د. جودت صالح

15 - أب 2025

 

أن الرسالة المحمدية أصبحت تعاني من الابتعاد عنها وبدأ الكثير من رجال الدين والفقهاء السلفية والنمطية بإفراغها من محتواها التشريعي ومنهجها بقصد أو بدون قصد لولا النزر اليسير من المفكرين الذين تولوا مهمة إعادة صياغة منهج العقيدة الإسلامية المتمثلة بالقرآن الكريم وتشذيب مفهوم الرسالة الخاتمة وتحريرها من الفكر السلفي القديم الذي واكب عصرهم ومكانهم وطريقة فهمهم لهذه الرسالة الإلهية لهذا كثُر التخوف من بعض نصوص القرآن نتيجة الفهم الخاطئ لها وأصبحت النصوص والآيات موقع نفور وانتقاد ورفض للكثير من هذا الدستور والمشروع الإلهي الذي بُعث للناس جميعا ولجميع الملل والنحل ومن هذه النصوص مفهوم (الجزية) التي جاء ذكرها في القرآن الكريم وكيف فرضها الله تعالى على الناس وللمخالفين لعقيدتنا على حد سواء. أولا يجب أن نعرف ونقر أن الله تعالى عادلا ورحيما وغنيا عن العالمين وغير محتاج لخلقه لا ماديا ولا معنويا (ومن كفر فأن الله غنيا عن العالمين) آل عمران 97 و(ومن الذين آمنوا من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا أن الله يفصل بينهم يوم القيامة أن الله على كل شيء شهيد) الحج 17. ولو استعرضنا معنى كلمة الجزية من خلال المفهوم القرآني وتتبع معناها في الآيات الأخرى بلسان عربي مبين والتي ورد ذكرها في مواضع عدة على شكل مفردات واشتقاقات فكانت عل صيغ منها (جزائهم – سيجزي – تجزون – جزيناهم – جاز- الجزاء) وغيرها من موارد كثيرة هنا نستطيع أن نفهم أن الجزية هي ليست خيارا أو حلا قرآنيا اتجاه أهل الكتاب من أتباع سيدنا موسى وعيسى عليهم السلام ولا من الكفار والملحدين بأن لهم خيارات أما الإسلام أو الاستسلام أو القتال وأما دفع الجزية وهي مبالغ مالية تُدفع لبيت مال المسلمين مقابل ضمان حياتهم ومعتقداتهم كما فهمونا سابقا وتثقفت عليها عقول الأمة الإسلامية ولو كان كذلك لذكر الله تعالى كلمة الفدية أو الكفارة كبديل عنها في المعنى كما ذُكرت في الصوم وكفارة حلف اليمين الكاذب أو الفداء للأسرى من المقاتلين وأن هذا المفهوم الخاطئ للجزية وهو الخيار لأهل الذمة هو منافي لرحمة الله تعالى وحرية التعبير والمعتقد الذي حرر الإنسان منه وهو يتكفل بالحساب في الآخرة حصرا وكذلك جعلوا من هذا المفهوم سيفا مسلطا على رقاب الشعوب الأخرى وسببا شرعيا وشرعية لأولي الأمر والسلطة ومبررا لفتح البلدان خارج الجزيرة العربية وتصفية الخصوم السياسيين وفي العقيدة مما أدى إلى تقويض الدولة الإسلامية الفتية ومعاداتها وردود أفعال عنيفة ضد الإسلام وفكره وساهمت هذه الفتوحات في فساد عقيدة الأمة الإسلامية وشعوبها نتيجة جهل بعض الفقهاء السياسة وفتاواهم التي تصب في مصلحتهم ومصلحة السلطة آنذاك ولية نعمتهم.أما من وجهة نظر المفكرين المعاصرين الذين تعمقوا في معرفة المفاهيم القرآنية والشريعة والفقه الإسلامي حيث فهموا الجزية على أنها الجزاء ووسيلة ردع قانونية لكل من الذين يحاربون الله ورسوله والذين هم ضد القانون الإلهي والمدني وضد الممارسات الإجرامية لبعض أفراد المجتمع الذين سماهم الله تعالى بالمجرمين حيث قطعوا الصلة مع المجتمع والله.

فقد حاول البعض من أفراغ كلمة الجزية محتواها ومرادها والتي تساهم في قطع دابر المجرمين الذين يمارسون الأفعال والسلوكيات المنحرفة المهينة في المجتمعات ومن هذه الآيات التي تعاضد هذا المفهوم (أني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) المائدة 29 وكذلك (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا...) المائدة 33 و(ثم يجزاه الجزاء الأوفى) النجم 41 و(ومن يعمل سوء يجز به) النساء 123 وبعد هذا الطرح الموجز فأن الله تعالى والقرآن برئ من أن يظلم أحدا ويجبر عباده على طاعته بل هو عادلا رحيما رءوف في منهجه وعقيدته المرسلة إلى البشر جميعا.

***

ضياء محسن الاسدي

تعتبر السفن السياحية العملاقة من أكثر الوسائل تلوثا للبيئة البحرية وتخلف (بصمة كربونية) كبيرة، ويعزى ذلك إلى التزايد الهائل الحاصل في أعدادها في السنوات الأخيرة من جهة، وازدياد الرحلات السياحية التي تقوم بها من جهة ثانية، مع ارتفاع عدد الوجهات السياحية التي تتوجه إليها من جهة ثالثة، وذلك للاقبال الشديد عليها من قبل السياح الذين يجدون فيها كل الخدمات المتعلقة بالنقل والايواء والطعام والشراب والترفيه والترويح باعتبارها مدن صغيرة عائمة تلبي احتياجاتهم وتتماشى مع أحلامهم، والتي قد تمتد لتشمل الكازينوهات وأحواض السباحة والمسارح وقاعات الرقص وملاعب الغولف والتنس وكرة السلة والتزلج على الجليد الصناعي والحدائق والمطاعم الفاخرة والمحال التجارية والملاهي وقاعات اللعب الإلكترونية ونوافير المياه وأحواض الغوص وصالات القمار والغرف الفندقية في الأدوار العالية وأجنحة العناية الصحية، والتي يعتمد في تشغيلها على مصادر الطاقة التقليدية التي يخلف استخدامها المزيد من أكاسيد النيتروجين والكبريت الملوثة للبيئة الطبيعية وبخاصة البيئة البحرية. بالإضافة إلى مختلف أنواع النفايات والمخلفات التي تقذفها أثناء ترحالها عبر البحار، والتسريبات التي قد تسببها جراء الحوادث.

و من أجل توضيح الصورة على نحو أفضل نثبت ادناه بعض الاحصائيات والبيانات من مصادر مختلفة، ومنها أن هذه السفن السياحية تنقل بحدود (20) مليون سائح سنويا على مستوى العالم ومنهم نحو (800) ألف في إيطاليا وحدها ونحو (1) مليون سائح في ألاسكا، مسببة ل (17) بالمائة من إجمالي انبعاثات أكاسيد النيتروجين ونحو (25) بالمائة من إجمالي انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المدن والمناطق الساحلية وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بالتعاون مع جامعة أكسفورد بتقريرها (التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره في قطاع السياحة: الأطر والأدوات والممارسات).

ووفقا لمنظمة السياحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة  بتقريرها (تغير المناخ والسياحة: الاستجابة للتحديات العالمية 2008) فإن ثاني أكسيد الكربون الذي تنفثه سفينة رحلات بحرية كبيرة واحدة يعادل ألف ضعف ما ينفثه قطار واحد بالرحلة الواحدة فتصور حجم (البصمة الكربونية) التي تخلفها. ووفقا ل (نابو) المجموعة البيئية الألمانية يبلغ متوسط استهلاك الوقود من قبل كل سفينة من السفن السياحية الأوروبية العملاقة (150) طنا يوميا من (وقود الزيت الثقيل) الشبيه بالقطران، والذي يتسبب باطلاق كمية من (الجسيمات الدقيقة) في الهواء تعادل ما تطلقه نحو (1) مليون سيارة يوميا.

أما تقرير منظمة (أصدقاء الأرض) غير الربحية فيقول ان متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لسائح في رحلة بحرية حول (سياتل) الأمريكية أعلى ب (8) مرات من متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فيما لو تمتع بعطلته على الأرض في سياتل. علما استقبل ميناء سياتل الغربي في عام 2011 أكثر من (195) سفينة سياحية منها (10) محلية، مع حصول انخفاض في عدد الرحلات البحرية بنسبة (12.1) بالمائة بالمقارنة مع العام الماضي الذي سجل (223) رحلة مسجلة. كما سجلت حصة الميناء المذكور من سوق (ألاسكا) للرحلات البحرية السياحية نموا ملحوضا خلال الفترة 2000 – 2009 بزيادة عدد الرحلات من (6) رحلة إلى (218) رحلة. علما بلغ عدد السواح الذين خرجوا برحلات بحرية من هذا الميناء في عام 2000 نحو (20000) شخص، ومن المتوقع أن يرتفع الرقم إلى (1) مليون مسافر في عام 2017 و(1،2) مليون مسافر في عام 2019.

ولو أخذنا سفينة (كوين ماري 2)، وهي من السفن السياحية الحديثة التي أنشأت وفق مواصفات معينة تخدم البيئة البحرية لوجدنا ان معدل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن استهلاك (1) طن من الوقود هو (3.1) طن عند السير بسرعة (29) عقدة، علما بأنها تستهلك (261) طنا من وقود الديزل و(237) طنا من الوقود البحري يوميا كمعدل، فتخيل بذلك (البصمة الكربونية) لهذه السفينة العملاقة و(البصمة الكربونية للسائح) الذي يخرج في رحلة سياحية على متنها.

وهي أسباب كافية لدفع أنصار البيئة والبيئة البحرية خصوصا إلى تنظيم حملات توعية بمخاطر هذه السفن العملاقة التي لا تكاد تخدم إلا فئة الأثرياء والصفوة الذين باستطاعتهم تغطية نفقات (الرحلات البحرية الترفيهية) بواسطتها، مثل (اوازيس أوف ذا سيز) و(مارينز أوف ذا سيز) و(اليور أوف ذا سيز) و(سيلبرتي أكيليس) و(ليبرتي أوف ذا سيز) و(سيلبرتي سوليسيس) و(انديبيندس أوف ذا سيز) و(سيلبرتي أكوينوس) و(سيلبرتي سلهويت) التي تديرها شركات عملاقة مثل (رويال كاريبيان انترناشيونال) التي وصلت أرباحها إلى ( 547،7) مليون دولار أمريكي في عام 2010 مقابل (162،4) مليون دولار في عام 2009، وتمتلك (22) سفينة سياحية، تقوم برحلات سياحية مختلفة (إلى (270) وجهة في (72) بلدا من القارات الست. وهناك شركة (سيلفرسي كروزير) و(ام سي اس كروزير) و(كوستا كروزير) الحائزة على جائزة) السياحة الخضراء 2011) التي تمنحها (رينا غروب) سنويا في مجال (الاستدامة البيئية). وأيضا شركة (كرنفال كروب) التي يتوقع أن تسجل أرباحا بقيمة (850 – 950) مليون دولار أمريكي في عام 2012.

مع الدعوة إلى فرض قيود وشروط أكثر صرامة على طريقة بناء هذه السفن والكيفيات التي يتم بموجبها تشغيلها وإدارتها وبما يحد أو يقلل من مخاطر تلوثها للبيئة البحرية التي تشهد حاليا الكثير من المخاطر والتحديات الجسيمة، ووفق اتجاهات مبتكرة تقوم على التحول من الطاقة التقليدية الضرورية لتشغيلها إلى الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية كما فعل بالنسبة لسفينة (واحة البحار) الصديقة للبيئة (سفينة سياحية خضراء) التي تعتمد سياسة تدوير المياه المستخدمة على متنها، وتجنب رمي النفايات والمخلفات في مياه البحر، مع استخدام ألواح الطاقة الشمسية بمساحة (500) م2 لتأمين الطاقة المطلوبة، وكل هذا بهدف تأمين (رحلات بحرية خضراء)، فصنفت لتكون (سفينة سياحية خضراء) بحق. وهناك السفينة السياحية العائدة لشركة (هورتيجروتين) النرويجية وتعمل ب (البطارية الكهربائية الهجينة)، وهي بصدد اطلاق أول (سفينة سياحية خالية من الانبعاثات) في العالم بحلول عام 2030، علما انها تعمل وفق خطة بهدف الاستغناء عن المواد البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة فقط. أما شركة (بونانت) الفرنسية فهي تخطط أيضا لانشاء سفينتها الصديقة للبيئة البحرية و(الخالية من التأثير) بحلول عام 2025. علما هناك اتجاه معمول به حاليا يقوم على إيقاف تشغيل محركات هذه السفن العاملة بالوقود أثناء وجودها في الموانىء وربطها بالشبكة الكهربائية المحلية. 

أما (جمعية حماية البيئة الألمانية) فقد بادرت إلى تخصيص جائزة غريبة نوعا ما تحت مسمى (الديناصور)، تمنح سنويا للشخصية الملاحية الأكثر اسهاما في تلويث البيئة البحرية عن طريق السفن السياحية العملاقة، وقد منحت مؤخرا إلى قائد سفينة (عائدة) بالإضافة إلى مؤسس شركة (توي) البحرية.

كما هناك محاولات علمية جادة في مركز أبحاث السفن في (ميلانو) في إيطاليا وبدعم من الاتحاد الأوروبي وشركة بناء السفن وبتشجيع من منظمات بيئية من أجل (خلايا الوقود الكربوني المنصهر) التي تخدم هذا الموضوع على نحو بين، وتجعل من هذه السفن العملاقة التي تمخر عباب البحار تحظى بصداقة البيئة البحرية وعلى نحو دائم، وبما يحقق الاستدامة والمحافظة عليها وب (بصمة كربونية) أقل حجما. وبما يخدم الأهداف المعلنة من قبل (رابطة خطوط الرحلات البحرية الدولية) الرامية إلى خفض معدلات الكربون بحلول عام 2030 بنسبة (40) بالمائة، وهي رابطة شهدت النور في عام 1975 ومن أهدافها: -

أولا: تحقيق رحلات بحرية خالية من الكربون بحلول عام 2050

ثانيا: تقليل البصمة الكربونية التي تخلفها هذه السفن.

ثاثا: زيادة عدد السفن التي تستعين بالطاقة الكهربائية المحلية خلال فترة رسوها في الموانىء.

رابعا: زيادة عدد الموانىء التي بإمكانها توفير الطاقة الكهربائية لهذه السفن خلال فترة التوقف فيها.

خامسا: تشجيع استخدام الوقود البحري المستدام ومنه الوقود الحيوي.

سادسا: الأخذ بالحلول الهجينة في الحصول على الطاقة المشغلة (بطاريات / خلايا الوقود).

سابعا: تشجيع استخدام وقود الغاز الطبيعي المسال.

ثامنا: تشجيع اجراء البحوث والدراسات العلمية التي تخدم الموضوع.

***

بنيامين يوخنا دانيال

..................

* عن (السياحة والتلوث: مقالات) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2013.

 

الفراعنة سجلوا نصرا فريدا على التراب، فكانت معاركهم الحقيقية معه، فابتكروا آليات حفظ أبدانهم لتبقى عصية على الإلتهام الترابي، فأوجدوا فن التحنيط الموميائي الذي إنتصر على آفات التراب.

المخلوقات الأخرى معظمها تكون طعاما لغيرها من الأحياء، أما البشر فيتحول إلى جيفة نتنة يشتهيها التراب بآفاته المتكالبة على إحالته إلى رميم، فتطهر مكانه من رائحته العفنة.

التراب يطعمنا ويأكلنا، وكأنه يعيد تصنيع ما يعطيه من أجسامنا المتهاوية في حفر النهايات المحتومة، فلن يترك التراب ما يشير إلى معالم المطمور في بطنه، لأنه مفترس شرس لا يعرف الهوادة، وكأنه يستمد طاقات عطائه من الأموات بأنواعها، فهو يعيد تصنيعها وتحليلها إلى عناصرها الأولية، التي يتحقق تركيبها من جديد لتظهر على هيأة لون أخضر، أو مواد أخرى تسمى عناصر كما هي في الجدول الدوري لمندليف.

التراب الذي نمشي عليه، يتكون من لبنات الأحياء المتفسخة، فنحن نتفاعل مع فتات كائنات كانت تمشي فوقه، وأصبحت ذائبة في جسده وتساهم في نشاطاته الحيوية المتمثلة بالإنبات، وتوفير الظروف البيئية لإطلاق ما تختزنه البذور، وكأن الأحياء سماد عضوي مهم لكي يكون التراب وفير العطاء.

التراب ينتصر على مناحي وجودنا بالكامل، ولا يمكن لمخلوق أن يهزمه، فالتراب منه خلقنا وإليه نعود، فلا خيار أمام المخلوقات إلا الإستسلام لإرادته الفتاكة التي تقبض على مصيرها.

يا ترابا من جسوم البشرِ

منك جئنا بمشيئ القدرِ

مثل طيف أو سرابٍ عابرٍ

فوق رمضاءٍ بيوم السفرِ

هل مشينا في ظلامٍ جاثمٍ

أم حسبناها ديار الظفرِ؟

***

د. صادق السامرائي

الصومعة المعرفية: من صومعة وهي معبد الرهبان في الأماكن النائية ينقطعون فيها للعبادة، والذي يعيش فيها ينعزل عن الناس وتطورات العصر.

ما أكثر حملة الشهادات في معظم الاختصاصات العلمية والواقع لا يتوافق معها، فالحال يتدهور والمعرفة في عزلة عن المجتمع المطحون بالأضاليل والأوهام الغيبية والمخاوف المصيرية، وعدم القدرة على التفاعل مع التحديات بإرادة تفاعلية معتصمة براية مشتركة.

ما أكثر الجامعات في مجتمعاتنا والواقع لا يتوافق مع قيمتها العلمية والثقافية، فالجامعات ربما تعيش في عزلة عن المجتع الذي هي فيه، وكل نشاط ثقافي ينعزل عن الوسط المجتمعي الذي عليه أن يتحرك فيه يفقد قيمته ودوره.

هذه الصومعية ليست جديدة، وهي من أهم أسباب عدم تواصل الأجيال علميا ومعرفيا في مسيرة الأمة، فالقول بأن سقوط بغداد قد أجهز على طاقات الأمة المعرفية ليس مصيبا تماما، فالعلة الحقيقية أن علماء الأمة ومبدعيها كانوا يتمتعون بأنانية واضحة، وما فكر واحدهم بتوريث ما يعرفه للأجيال، بل كل منهم فكر بمصلحته، وما يستطيع كسبه من العطايا والجاه، فقوته ومكانته فيما يعرفه ويبتكره، ولا يسمح لغيره بمعرفة ما يعرف.

ليس قدحا بعلماء وجهابذة الأمة المعروفين، لكنها قراءة لواقع لا يمكن فهمه بغير ذلك، فلو أن لكل منهم تلامذته وتابعيه، ومَن دربهم وأحسن تعليمهم، لتواصلت المسيرة العلمية، وما إستطاعت أية قوة النيل منها وتبديدها.

ففي حاضرنا المنهوك بنا لا تتفاعل عقولنا ولا تورث ما تعرفه للأجيال، فمجتمعاتنا تتميز عن غيرها بنكرانها للتواصل الإيجابي بين الأجيال، وتميل إلى مقاطعة بعضها والتخندق في ذاتها وموضوعها، ولهذا ترانا نتكلم بلغة الأجيال المتنافرة أو المتناكرة، وكل يدّعي له اليد العليا في المعرفة والإبداع والإبتكار، وتلك علة أعيت مَن يداويها!!

بها أممٌ بأجيالٍ تنامتْ

وسابقةٍ بلاحقةٍ تواصتْ

يذوب مسيرها في مرتقاها

وما يوماً بمفردةٍ تباهتْ

إذا اجْتمعتْ عقولُ الناس جادتْ

وفعّلتِ الكوامنَ واسْتنارتْ

***

د. صادق السامرائي

لغة تعبر عن نفحات النفس وأمواجها المتهادية بعذوبة وإنسجام وقدرة فائقة على إطلاق ما فيها من تموجات وأنغام. وهي لغة النشاطات البشرية بعبقها المعرفي الفكري الفلسفي والعلمي ومنظورها الإنساني المطلق. هي لغة جامعة مانعة، تستوعب كل إبداع وعطاء وتمنع أي مضطرب وغثاء.

لغة الإنسان والأكوان التي تجلت فيها أمهات أفكار العصور والأزمان، وإنها لغة جنان العرش ومخلوقات الرحمان. إنها العربية اللغة الشاعرة، وغيرها لغات قاصرة عن الشعر، ولهذا إتخذ أصحابها منحى آخر للتعبير عن الشعر، فانطلقوا بكتابة الشعر المفكك أو المنفلت، والذي نسميه حرا أو ديمقراطيا أو سائبا أو نثريا، وغير ذلك من المسميات.

وراحت تعريفات الشعر تتواكب، وكأنه مخترع من المخترعات، وليس حالة نفسية إيقاعية متوطنة في النفس ولها قوانينها ومحاورها المنتظمة، كدقات القلب وإنسيابية التنفس وحركة الجهاز الهضمي ونبضات الدماغ الكهربائية، وغيرها من إيقاعات الحياة المحكومة بقوانين وأنظمة منضبطة ومتناغمة. وراحت تعريفات الشعر تتواكب حتى صار كل كلام يدعى شعرا، وكأن الحياة بلا نظام وتوازن وإنسجام.

ووفقا لمناهج التبعية والشعور بالإنكسار والدونية، والتفكير بعقول الآخرين، إنطلق العرب في ميادين الشعر المنفلت، حتى صار ما يكتبونه ضد الشعر واللغة، بل أن الشعر فقد قيمته ودوره في الحياة العربية. فآلياته مضطربة التعبير عن الفكرة، وبدى الشعر للمزحة والنكتة والضحك، وليس لإغناء النفس والروح والفكر، وإستنهاض الوعي وتغذية الإدراك وتهذيب السلوك.

فالمجتمعات التي تعجز لغاتها عن التناغم المؤثر، تجنح لتوليد كلمات تحسبها شعرا، لكنها تتحدث عن صور وحالات، وكأنها مقاطع تصويرية لإيصال معنى كامن فيها للمستمع، وكثيرا ما تميل للإثارة والمزحة!!

وقد حضرت العديد من القراءات الشعرية لشعراء معروفين، وما خرجت أهداف القراءات عن هذين المضمارين، فأما تصورات ولوحات فنية مرسومة بالكلمات، أو مقاطع ذات نهايات مباغتة تثير الدهشة أو الضحك، وكأنها قصص قصيرة جدا بخاتمة غير متوقعة.

ومع هذا فأن هذا الشعر شائع وقراءاته متعددة في معظم المكتبات العامة، التي لا تخلو منها قرية أو مدينة في المجتمعات المتفدمة ، وهو باقة أفكار ومقاطع تعبيرية عن فكرة ذات قيمة فلسفية وجمالية، وما بدى على أنه إضطراب أفكار، وإنما تجميع أفكار في لوحة تعبيرية مجسمة بالكلمات.

وفي العربية الحالة تختلف عن الكتابة الغربية للشعر، والتي إضطروا إليها لقصور اللغة، وعدم قدرتها على التواصل بقافية واحدة أو التلاحم بإيقاعات منسجمة، وقد حاولت الكتابة العروضية بلغة أجنبية، فوجدت اللغة الإنكليزية لا يمكن صبها بإيقاعات عروضية كما يمكن للغة العربية.

 فحقيقة العروض أنها مُكتشفة وليست مُخترعة، وتمثل الإيقاع الداخلي المتواصل في أعماق البشر، ولهذا تجد الذي يستمع للشعر العربي العمودي يطرب له وإن لم يعرف اللغة، لأن الإيقاع يتواءم مع إيقاع الأعماق.

فالأوزان الشعرية العربية لسان حال الإيقاع الكامن في الإنسان، وقد تمكنت اللغة العربية من تحقيق هذا الإنسجام الرائع مع ما فينا من نبضات حياة وألحان نفس وروح.

فالحياة نغم وإيقاع، وإن فقدت الإيقاع إنتفت وتناثرت وإهتزت أركانها وإضطرب بنيانها، ومن الواضح أن الكثير من الكتابات بالعربية، والتي تسمى شعرا حرا تزدحم بإضطرابات أفكار تتفاوت بشدتها، ويمكن لأي طبيب نفسي حاذق أن يرى ذلك وخصوصا في كتابات رواد هذا الإتجاه، مما يشير إلى أنه تعبير عن علل في الإدراك والتفكير، تدفع إلى رؤية التواصل ما بين الموجودات بطريقة أخرى غير معتادة عند عامة الناس.

ومن المعروف أن الكثير من المرضى الفصاميين يميلون لكتابة الشعر، وعندما تقرأ لهم تجد هذه القدرة التي تبحث عن علاقات غير مدركة أو متعارف عليها ما بين الأشياء، وقد أشار إلى ذلك في مطلع القرن العشرين العالم النفسي (بلوير) في دراسته لإضطرابات تفكير المرضى العقليين.

بينما الشعر العمودي يعبّر عن إنتظام الأفكار ووضعها بعقدٍ إدراكي إيقاعي جامع ومتوالد، له قيمة ذوقية وتصورية ومعرفية، متوافقة مع نبضات الداخل الحي المتفاعل مع ذاته وموضوعه.

كما أن الشعر العمودي يرتب التفكير ويبرمج الدماغ ليكون قادرا على الإنتاج المنتظم، والمتوافق مع إيقاعات الحياة الفاعلة في الأيام وعبر الأجيال، ولهذا تواصلت قدرات المحافظة على الأصول والتقاليد والأعراف في المجتمع، لأنه يخضع لدماغ مبرمج وفقا للمؤثرات الإيقاعية للشعر، وبفقدان دور الشعر العمودي في حياتنا المعاصرة، عمّ الإضطراب والإنفلات والتناثر، وصار السلوك حرا أو مفككا أو نثريا، وفقا لما يتأكد من إضطرابات وإختلالات تعبيرية ذات باثولوجية عالية.

فهذا الإنحراف الذي أصاب الشعر، قد تسبب بصورة مباشرة أو غير مباشر في إنحراف السلوك، وهناك علاقة زمنية ما بين إضطرابات السلوك وبدايات هذا الإنحراف أو الإبتعاد عن الشعر العمودي، فمنذ الخمسينيات والعرب يعيشون في مضطربات متلاحقة، لأن دواخلهم  إضطربت، وسلوكياتهم إنقلبت، بما أصابها من فقدان البرمجة الدماغية المتوافقة مع البرمجة العامة للسلوك.

أي أن الواقع العربي يعيش حالة من التفاعلات الفاقدة للوزن والإيقاع، والمزدحمة بالشذوذ التعبيري، وفقا لإنحراف قدرات التعبير عن الأفكار والمشاعر والعواطف بآليات مستوردة، لا تتوافق وحقيقة الذات المنتظمة والمنسجمة مع إيقاعات الكون والوجود بأسرها.

ومن هنا فأن سيادة الشعر المضطرب أو الحر أو المنفلت، اسهم بقوة في صناعة السلوك المتوافق معه، وبفقدان دور الشعر العمودي في الحياة العربية، صار السلوك كما هو عليه، فأورد العرب الويلات المتفاقمة والأزمات المتعاظمة، ولن يهدأ للعرب بال ومستقر إلا بالعودة إلى الشعر العمودي، وتعزيز دوره في ثقافتهم ووعيهم ونفسهم وسلوكهم، ذلك أن الشعر الحر قد حرم العرب من أكبر معين ثقافي ومعرفي في تأريخهم، فأحرق ديوانهم، ومزق كيانهم، وأطاح بعروبتهم.

كما أن تعزيز قيمة اللغة العربية وضرورتها في صناعة الحياة الأفضل، هو الأعظم ضرورة وقدرة على إعادة الروح العربية، وتنظيم العقل وتأهيله للمعاصرة والإبداع الأصيل.

فلنبتعد عن إضطراب الأفكار التي أشاعها الشعر المستورد، ونعود إلى عمود الشعر لتنظيم تفكيرنا وتهذيب سلوكنا، فالشعر العمودي نشاط تربوي وأخلاقي وثقافي ومعرفي، يغذينا بسلاف الروعة والجمال والإنسجام مع أنفسنا والآحرين من حولنا!!

فهل أدركنا أهمية الشعر العمودي وتأثيره على سلوكنا؟!!

***

د. صادق السامرائي

الباعث لهذا المقال أن أحد النخب المعروفة في الوسط الثقافي صرح بمنشور في وسائل التواصل الإجتماعي بكلمات ينسف فيها وجود شعر، فما ينشر لا يقترب من الشعر ولا ينتسب إليه، فالشعر إبن جيله وحسب!!

لكنه لم يوضح ويحدد ما يقصده بالشعر، وكيف يُعرّفه ويريده، وما هو الشعر الذي يعترف به؟!

مثل هذه التصريحات تتكرر من بعض النخب الثقافية التي تنظر بإستعلاء إلى المرحلة وتجردها من الإبداع، وتحسبها خالية مما يستحق القراءة والنظر.

لست بصدد الرد على الطروحات المحبطة، المعبرة عن إضطرابات عضيلة في الشخصية وتمثل ضيق أفق وإضمحلال في الوعي والإدراك المعرفي، وربما تشير إلى بدايات مرضية لدى البعض الذي ما عاد يتمثل ما يطرح ويقول، ويتوهم بأنه حالة متصورة متصومعة وهي لا وجود لها ولا قيمة ولا أثر.

فالرموز الثقافية التي كانت مهمة تنسف وجودها وتسحق نفسها، وتصنع صورة سلبية عنها تطيح بإنجازاتها السابقة التي كانت مؤثرة في الوسط الثقافي.

بينما المطلوب التشجيع والإحتضان والتوجيه والتعليم والتدريب، والتثقيف على بناء القدرات اللازمة لصناعة ما ينفع الأجيال ولديها مجالسها التنويرية.

ورسم صور منورة للواقع الثقافي، فالشائع في مجتمعات الدنيا، أن رموزها تتحول إلى منابر إرشادية لرعاية وتأهيل الأجيال الصاعدة، فتضخها بخبراتها ومهاراتها الإبداعية، لكي تتمكن من حمل الرسالة والإتيان بالرائع الجديد.

وتراهم يتفاخرون بتعليم الآخرين، ويقيمون المجالس الثقافية ويشاركون في الندوات والمحاضرات التي تحث على الجد والإجتهاد وإبداع ما يليق بالزمن المعاصر.

أكثر نخب الأمم يصبحون مشاعل تضيئ دروب الأجيال وتتبناها، وفي ربوعنا يتحولون إلى عثرات ومصدات لتعويق القدرات، ويتفاخرون بإطفاء الشموع وإخماد أنوار العقول الإبداعية، بتصريحاتهم الإحباطية عن أجيال تريد قدوات تأخذ بأيديها إلى مسارات إبداعية صاعدة.

فهل توجد قدوات معرفية حسنة ومؤثرة في مجتمعاتنا؟

و"عظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك"

***

د. صادق السامرائي

سألت احد أبناء الجيل الجديد، متى كتبت بالقلم آخر مرة فأجابني: ماذا، أنا لا أكتب بالقلم، ولا أتعامل مع الورق!!

وسألت نفسي متى كتبت بالقلم آخر مرة، فأدركت أنني لم أستعمله منذ وقت!!

ماذا يحصل في عالمنا؟

هل علينا أن نقول وداعا للقلم والورق معا؟

هل سيعرف أطفال الغد كلمة قلم وورق ودفتر أم أنها ستغيب من معجميات الكلام وتتقيؤها القواميس اللغوية؟

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال، لكن القرن الحادي والعشرين معبأ بالمستجدات الغريبة والتفاعلات المتجاوزة للخيال والتوقعات.

البعض يرى أن الكتابة بالقلم مضيعة للوقت والجهد، والكتابة بالضرب على الكي بورد أسهل وأسرع وذات إنتاجية عالية، وتساهم في تسجيل الأفكار بقدرات أفضل.

ولهذا فالورقيات تتضاءل، ودور النشر الورقي تغلق أبوابها في العديد من الدول، ومعامل إنتاج الورق إضمحلت، والأقلام كاسدة في المحلات، والشائع أن لكل شخص هاتفه المحمول الذي يوفر له ما يحتاجه من الوسىائل والتطبيقات، وكذلك الكومبيوترات المتنوعة الأحجام والغايات.

فهل يشترون الكتاب أم الحاسوب الشخصي الذي يقدم لهم ما يريدون وبسهولة غير مسبوقة؟

"ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا...ويأتيك بالأخبار مَن لم تزودِ"!!

***

د. صادق السامرائي

اعتاد الناس قديماً أن يهربوا من الفضائح ويطلبوا الستر لأنفسهم ولغيرهم. الآن انقلبت الأوضاع: بات البعض يبحث عن هتك الأسرار ويطلبه! ومع تفشي تلك الظاهرة العجيبة الكريهة تلاشت الخطوط الفاصلة بين الخاص والعام، أو بين الستر والانكشاف.

لم تعد الخصوصية قناعًا نرتديه حين نخرج من عزلتنا، بل غدت عبئًا نخلعه لنثبت أننا موجودون في زوايا العالم الافتراضي المتسع. لقد دخلنا طوعًا عصر "الفضائح الطوعية"، حيث لا سلطة تضغط ولا رقابة تجدي، بل دوافع داخلية خفية تقنعنا بأن نفرغ أعماقنا أمام جمهور مجهول.

نحن نعيش في زمن التحول العاطفي للمجتمع بأسره، حيث باتت الحياة الشخصية سلعة، والاعتراف العلني شكلاً من أشكال الاستثمار في "اقتصاد لفت الأنظار". فمنذ أن تحولت المنصات إلى مسارح للبوح، صرنا ممثلين دائمين في عرض لا ينتهي، لا يكتب فيه سيناريو، بل يرتجل في لحظة ضعف أو رغبة.

هذه أزمة وجود؛ من نحن حين نصبح مكشوفين بلا قيد؟ وهل تبقى للذات قيمة حين تستهلك كل يوم أمام عيون الآخرين؟ إنها مأساة العصر: أن نخلع ستر أرواحنا بأيدينا، وأن نمنح العابرين مفاتيح قلاعنا الداخلية، ثم نصرخ من قسوة الفراغ.

عصر الفضائح الطوعية

أي لعنة تلك التي دفعتنا لنحول حياتنا إلى سيرك مكشوف، نعرض فيه أعماقنا بلا وجل؟ وأي شيطان رقمي أغوانا بأن نبيع أسرارنا في سوق العلنية الرخيص؟ لقد انسلخنا من خصوصيتنا كما يسلخ الجلد عن الجسد، وتحولنا من بشر نحتفي بما تخبئه صدورنا، إلى ممثلين رديئين نفضح أفراحنا وأتراحنا، أمراضنا وهشاشتنا، على خشبة المنصات الرقمية، وكأننا نستجدي تصفيقًا إلكترونيًا أو نظرة عابرة لا مبالية!

منذ متى صارت الفضيحة تطلب كما يطلب الطعام؟ ومنذ متى غدا الضعف وسامًا يعلق على الجدار؟ أين ذهبت تلك الوصايا القديمة التي رأت في الستر فضيلة، وفي كتمان السر أمانة؟ لقد انقلبت القيم رأسًا على عقب، وصار السؤال الذي لا مفر منه: هل نحن إزاء ثورة تحررية تنقذ الذات من سجون التقاليد، أم أننا نعيش أكبر خدعة نفسية في التاريخ، حيث نفرغ أرواحنا تحت وهم التعبير والتواصل، لنكتشف في النهاية أننا نهدر أثمن ما نملك؟

لطالما مرت ثقافة الاعتراف بتحولات متباينة عبر العصور: من طقس وثني يخشى الإفصاح فيه، إلى سر كنسي مقدس، ثم إلى مادة إبداعية في الأدب، وصولًا إلى سلعة مبتذلة في بورصة الانتباه الرقمي. فهل نحن الآن أكثر قربًا من ذواتنا أم أننا نتلاشى رويدًا في زحمة العرض المستمر؟

أليست من المفارقات أن عالم الاتصالات هذا، الذي وعدنا فيه بالتقارب، جعلنا أكثر عزلة من أي وقت مضى؟ أن منصات التلاقي تحولت إلى أبراج زجاجية نصرخ فيها دون أن يسمعنا أحد؟ أين تختبئ الذات الحقيقية وسط كل تلك الأقنعة الرقمية؟ ومن نحن بعد أن أصبحنا ظلالًا رقمية لا تكاد تعرف وجهها الحقيقي؟

إلى أي مدى نحن مستعدون لبيع أرواحنا على أرصفة "الدوبامين" الرقمي؟ وهل نفيق ذات يوم لنجد أننا فرطنا في أنفسنا، في خصوصيتنا، في كياننا، من أجل لا شيء سوى وهج زائل؟

الاعتراف كطقس جماهيري

لم يعد السر كنزًا دفينًا في باطن النفس، صار عملة رائجة في مزادات الانتباه، عبارة مكثفة تختزل التحول المخيف الذي يرصده المراقبون. لقد تحولت الخصوصية إلى مادة استهلاكية، تستعرض ولا تصان، ويزايد عليها بدلاً من حمايتها. لم تعد الأسرار حرمات محفوظة، بل قصصًا تروى، وتجارب تعرض، بل وأحيانًا تفبرك!

ابتذال المقدس

خريطة تطور "ثقافة الاعتراف"، بدءًا من لحظة التوبة في الكنيسة الكاثوليكية، إلى اعترافات الجرائد الصفراء، ثم إلى البرامج الحوارية، فإلى "تلفزيون الواقع"، وأخيرًا إلى منصات التواصل التي حولت كل فرد إلى كاهن يعترف لجموع من الغرباء.

في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت الاعترافات وسيلة لكسر التابوهات، ثم أصبحت في الإعلام المرئي وسيلة للترفيه الجماهيري، أما الآن، فهي "شاشة بث حي" لانكشاف دائم، حيث لا وجود لخصوصية إلا كذكرى.

الأسرار كعملة رقمية

"في عالم غارق بالمعلومات، لم يعد الذهب ثمينًا؛ بل الانتباه هو الثروة"، هكذا يشرح خبراء الإعلام كيف تحولت الأسرار إلى أدوات لجذب الأنظار وكسب "اللايكات". لم يعد الإفصاح عن المعاناة ضعفًا، بل أصبح علامة على "الصدق" و"الشجاعة". لكن هذه القيم الجديدة تبني مجدًا هشًا، مرهونًا بمزيد من التعري العاطفي، والتكشّف الوجودي.

فالكشف عن الذات لا يعود اختيارًا حرًّا، بل واجبًا اجتماعيًا غير معلن، يفرض على صاحبه أن يواصل التنقيب في ذاته ليحظى بمكانه في عالم لا يعترف بالصمت.

جغرافيا الانكشاف

تتباين دوافع هذا الانكشاف المتسارع: من رغبة بالانتماء إلى حاجة للتفرد. غير أن هذا المسار محفوف بالخطر، إذ تذوب الحدود بين الداخل والخارج، وتبهت ملامح الذات الحقيقية تحت سطوة "البروفايل" العام. بل قد يتحول الأمر إلى نوع من الإدمان، حيث يصبح الإنسان رهينة ردود الأفعال، يُعرّف نفسه بما يتلقاه من إشعارات.

النتيجة؟ تطبيع شامل مع الفضائحية، مع استباحة الذات، مع استهلاك الروح أمام جمهور لا يبالي بقدر ما يستهلك!

يجب أن نناقش هذا الانكشاف من منظور ديني، حيث تعد الخصوصية قيمة عليا، والستر خلقًا نبيلًا. لكن في ظل عالم رقمي يكافئ من يكشف أكثر، تصبح المعضلة أخلاقية: كيف نوازن بين الحاجة إلى التواصل، والتكليف بحفظ السر؟ كيف نعيد للستر اعتباره في عالم يدفع نحو العري المعنوي؟

الشريعة تفرق بين ما ينبغي ستره وما يجوز كشفه. لكن المنصات الرقمية لا تعرف هذا الفرق. الجميع يتحدث، الجميع يبوح، والكل يعرض بلا حساب، في زمن ضاعت فيه الحدود بين الضروري والمبتذل، بين الفضيلة والفرجة.

ذواتنا بين الضوء والظل

هذا المقال ليس تأبينًا لزمن مضى، بل دعوة لإعادة تعريف ما هو خاص، وما هو مشترك. هل يمكن أن نحيا عصرًا جديدًا يكون فيه التواصل أعمق من مجرد انكشاف؟ هل يمكن أن نخلق توازنًا بين المشاركة والستر، بين التعبير الذاتي واحترام الذات؟

إن التحدي الأكبر أمام الإنسان الرقمي اليوم هو أن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت. أن يشارك دون أن يستنزف. أن يبوح دون أن يختزل. وأن يحتفظ لنفسه بجزء لا يقال، لا يكتب، ولا ينشر.

نحن الآن فى عصر رقمي لا يقاس بالعاطفة، بل بالإعجابات الافتراضية، ولا تقاس الأصالة بالعمق، بل بالابهار والإدهاش. في هذا العالم المفرط في الانكشاف، لم نعد نكتب لنفهم أنفسنا، بل لنثبت حضورًا رقميًا سريع التبخر.

الخصوصية هي المساحة التي تحتفظ فيها الروح بكرامتها، ويحتفظ فيها الإنسان بحقيقته. وإن كان التواصل قيمة، فإن الصمت فى مثل تلك الأجواء فضيلة، وإن كان البوح مصلحة، فإن الستر كرامة. وإعادة الاعتبار للخصوصية نداء لاسترداد التوازن المفقود بين ما نظهر وما نخفي، بين ما يقال وما يجب أن يبقى طي الكتمان. فربما لا تكون النجاة في المزيد من الضوء، بل في بعض الظل.

نحن لسنا مجرد صور ومقاطع وأصوات تبث. نحن بني آدم لنا مهمة ورسالة نؤديها بصمت وخصوصية. ولعل تلك المساحة الصامتة الصلبة، هي ما تبقى لنا من إنسانيتنا المسلوبة رقمياً.

***

د. عبد السلام فاروق

الخطة الانفجارية كان يفترض ان تغطي الفترة ١٩٧٦-١٩٨٠. وقد كان النشاط الاعلامي المحيط بها يقول انها سوف تُخرِج العراق من تصنيفه كدولة نامية ويصبح ضمن الدول المتقدمة.. عند إعداد الخطة وقبل اطلاقها كنت طالباً في فرع الاقتصاد في السنة الرابعة، وكان المرحوم الدكتور عبد المنعم السيد علي يدرّسنا مادة النظرية النقدية. في احدى محاضراته تطرق الى العمل الجاري لإعداد خطة جديدة للتنمية وبَدءْ النقاش حول ذلك.

قال الدكتور انه شارك كاستشاري في اللجنة التي ناقشت الخطة، وعندما علِم انها انفجارية وتشمل كل القطاعات وكل شيء، أعترض وقال يجب البدء بتطوير البنية التحتية للاقتصاد لانها متهالكة وضعيفة ولاتتحمل عبء تنمية من هذا النوع. هذه الخطة سوف تشكل ضغطاً واختناقات.

يبدو انهم رفضوا رأيه وأصرّوا على التنمية الانفجارية، وكان منزعجاً حقاً من ذلك الرفض والاصرار على جَعلِها انفجارية وتغطّي كل شيء.

احد زملائنا (وكان من اقارب السلطات) اعترض على ذلك الانزعاج وقال له: لماذا تتكلم امامنا ولاتقدم وجهة نظرك امام المسؤولين لأن ابوابهم مفتوحة؟

اجابه الدكتور بكبرياء،انه قدّم وجهة نظره ورُفِضت وانه لايخشى من ذلك.

في الاقتصاد هنالك مفهوم مهم هو: مفهوم الطاقة الاستيعابية (absorptive capacity)، وهو يعني قدرة الاقتصاد على استيعاب الاستثمارات الجديدة بكفاءة ودون اختناقات وتعطل.

الحكومة كانت تمتلك الاموال الكثيرة نتيجة ارتفاع اسعار النفط، لكن ذلك لايكفي للبدء بالتنمية، لانه لايملك الطاقة الاستيعابية.

البلد لايمتلك البنية التحتية المطلوبة لذلك، فالطرق قديمة والجسور والسكك الحديدية والموانيء ونُظم الاتصالات والمطارات والمخازن كلها بسيطة وقديمة الخ.

كان المفروض البدء بتطوير البنية التحتية كخطوة اولى ثم الانتقال الى التنمية القطاعية من خلال مشروعات الانتاج السلعي والخدمي..

عندما بدأ تنفيذ الخطة تم البدء بآلاف المشاريع في كل القطاعات، وهنا بدأت المشاكل في الظهور.

من الأمثلة على تلك المشاكل والاختناقات التي لاتحصى، انهيار أحد ارصفة ميناء البصرة بسبب عدم تحمله لثقل المواد المستوردة الموضوعة فوقه لانه غير مصمم لتلك الاحمال. ضاعت كل المواد التي كانت فوقه في البحر.

السفن التي تنقل السلع للعراق، كانت تتأخر لاشهر طويلة لعدم قدرة الموانيء على تفريغها.

كانت حكومة العراق  تَدفَع لاصحاب السفن غرامات تأخيرية كبيرة بحيث ان البعض كان يُرسِل سفن قديمة لكي تتأخر ويستلم غرامات اكبر من قيمة السفينة نفسها.

الطرق تحطمت من كثرة الشاحنات وثقل تلك الشاحنات مما

حول شوارع المُدن العراقية الى خراب وغبار مستمر.

في اجتماع مع المرحوم حسن العامري وزير التجارة في النظام السابق، قال: واجهنا ندرة في سوّاق الشاحنات بسبب كثرة المشاريع، لذلك وجدنا حلاً عبقرياً بأن استوردنا شاحنات بحمولات ثقيلة. ذلك جَعَلنا نستخدم سائق واحد لنقل ضعف الحمولة. لكن النتيجة كانت تدمير الشوارع نتيجة ثقل الشاحنات!!

تكاليف تنفيذ المشاريع ارتفعت كثيراً بسبب معرفة الشركات التي تنفّذ المشاريع بالصعوبات التي تواجه عملها والاختناقات والصعوبات المختلفة التي تواجهها. كما ان بعض الشركات استغلت تلك الظروف للمبالغة في تكاليف تنفيذ تلك المشاريع.

ذلك يعني ان المشاريع سوف لن تكون قادرة على المنافسة مع المنتجات المُستورَدَة للمشاريع المشابهة... يعني انها تولد ميتة... كان الهاجس هو امتلاك المشروع بالمعنى المادي وليس بالاهتمام بالقدرة على توليد الفائض والمساهمة في التنمية الحقيقية وليس الديكورية فقط..لم تكن هنالك دراسات جدوى بالمعنى الحقيقي لذلك كانت المشاريع في معظمها ديكور تنموي..

قال الرئيس ذات مرة في حديث بثّه التلفزيون: قلنا لهم، كم تطلب الشركات لكي تأتي للعمل في العراق؟ كم يعطونهم في الدول الأخرى؟ ضاعفوا لهم المبلغ!!

ناهيك عن شحة المهندسين المقيمين والمشرفين على اعمال الشركات الاجنبية... الشركات لم تكن تجد بيوتاً تُقيم فيها مكاتبها، ارتفعت الاسعار وتعرض الناس الى ضغوط كبيرة.. وانتهت الخطة وضاعت الآمال بقيام الحرب مع ايران..

اختم، بحديث دار بيني وبين أحد الاساتذة في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في الثمانينيات، عندما حدثته عن خطة التنمية الانفجارية.. حيث استوقفني قائلاً: ماذا تعني بانفجارية؟

قلت له: اقصد انها ذهَبَت في كل الاتجاهات..

ضحك قائلاً: كيف تسميها خطة؟

انها فوضى.. الخطة لها اهداف محددة وتوقيتات وحسابات.. النتيجة كانت ضياع دولارات النفط وضياع ماتبقى منها في الحرب..

***

د. صلاح حزام

في واقع إعلامي واتصالي وتواصلي متسارع وكثيف بالمحتوى المتنوع، والمعلومات الغزيرة، وتدفق الأخبار عبر منصات متعددة، برزت ظاهرة تعرف بـ"القمامة الإعلامية"، وهي ليست مواد نفايات مادية، بل محتوى إعلامي عديم القيمة، مكرر، وأحيانًا مضلل، يبتعد عن المهنية وينشر السطحية، بهدف جذب الانتباه واستمالة العواطف بأي ثمنومن أراد فهم الفرق الجوهري بين الإعلام النموذجي الرصين والقمامة الإعلامية فذلك يكمن في القيم المهنية، والأخلاقية، والحرص على المعلومة الدقيقة وبناء ثقة الجمهور، أما القمامة الإعلامية فتسعى إلى الربح السريع والانتشار العرضي، وأحياناً يتم توظيف هذه القمامة لاستهداف شرائح معينة بقصد التلاعب بالرأي العام ,, هذا الكم الهائل من المحتوى الذي يفتقر إلى المصداقية والجودة، وغالبًا ما يُنتج بشكل عشوائي وتشمل هذه القمامة الأخبار الزائفة، أو الإشاعات المختلقة والموهومة، وكذلك المقالات والتسجيلات والصور، أو الفيديوهات السطحية التي تكرر مضامين بدون توثيق مصدري وأيضاً المحتوى الترفيهي الذي يتسم بالصخب واستثارة الأنفس فقط دون هدف معرفي أو ثقافي، وزد عليها الإعلانات الفوضوية والساخنة والدعايات المخفية التي قد تروّج لمنتجات أو أفكار غير نزيهة

حماية وعي المستخدم البسيط ليست مهمة معقدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة من الانتباه والتمهل في الاستهلاك والمشاركة، كلما زاد وعي الفرد، زادت مقاومته للقمامة الإعلامية، وأصبح جزءًا من مجتمع إعلامي وتواصلي أفضل,,, مؤكد أن يكون لكل نوع من المحتوى جمهوره، القمامة الإعلامية تستهدف جمهورًا متنوعًا كالفئة الباحثة عن التسلية السريعة دون رغبة في التعمق أو جمهور الشباب الذي يقضي أوقاتًا طويلة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر هذه القمامة بوفرة والأشخاص الذين يستهلكون المحتوى بشكل عشوائي لأنه ليس لديهم قدرة نقدية وطاقة للفرز بين الجيد والرديء من هنا تبرز مسؤولية الجمهور في تطوير الوعي الإعلامي والتفكير الناقد

المؤسسات الإعلامية: يجب أن تلتزم بالمعايير المهنية وتبتعد عن الإثارة المفرطة والترويج غير النزيه,, التربية الإعلامية: تعزيز وعي الجمهور بمهارات التفكير النقدي والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة وذلك عن طريق وسائل التوعية المتاحة والدورات,, يحب سن قوانين تحارب الأخبار الزائفة وتحمي حرية الإعلام في الوقت ذاته -- حماية وعي المستخدم البسيط ليست مهمة معقدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة من الانتباه والتمهل في الاستهلاك والمشاركة، كلما زاد وعي الفرد، زادت مقاومته للقمامة الإعلامية، وأصبح جزءًا من مجتمع إعلامي وتواصلي أفضل

في السابق، كانت إدارة الأزمات الإعلامية محصورة بين بيان رسمي، أو تغطية مرئية، أو الصمت المطبق كما هو متبع غالبا في أغلب الحالات، أما اليوم، فالأزمة تبدأ بتغريدة، أو مقطع سناب شات، أو حتى صورة -حتى لو كانت إشاعة- تتناقلها مجموعات “واتساب”، لتتحول خلال دقائق إلى رأي عام أو كما يعرف في مجالنا الإعلامي بأزمة اتصالية، يطالب فيها برد، ومحاسبة، وتفسير، وتحرك، وقرار، وكل ذلك خلال فترة قصيرة!,, منصة “واتساب” تحديدًا تشكّل تحديًا خاصًا؛ كونها منصة مغلقة وتبادلية، يصعب تتبع مصدر المعلومة فيها. غالبا تبدأ الأزمة بعبارة “وصلني الآن” يتبعها تسجيل صوتي أو لقطة شاشة مفبركة، لتنتشر في مئات القروبات، وتبدأ بالتأثير على الرأي العام قبل أن تصدر الجهات المعنية أي توضيح، وهو درس يعكس كيف أن أغلب الأزمات الإعلامية لا تبدأ من منصة إعلامية تقليدية، بل من الواتساب ,, شبكات التواصل الأخرى أيضًا، وعلى رأسها “Xو”تيك توك”، زادت من تعقيد المشهد، حيث إن سرعة الانتشار و”الفايروسية” قد تسبق أي رد رسمي، ومثال حيّ لما حدث مع أحد شركات الأطعمة، فلم تنجح الشركة في احتواء الغضب تجاه إحدى الأزمات التي حدثت، ولم يكن صيغة الاعتذار ظاهرة في البيان الذي نشر، ولم يكن الرد سريعا بما يكفي، لتتفاقم المشكلة وتصاعدت الأزمة لتصل إلى المطالبة للمقاطعة بالكامل

الإعلام التقليدي لم يعد قادرًا وحده على التحكم بالسرد. بل أصبحت هناك حاجة ماسة إلى تواجد متكامل ومترابط بين القنوات الإعلامية والمنصات الاجتماعية، فالمتحدث الرسمي لا يمكنه الانتظار، بل يجب أن يكون حاضرًا على منصفة أكس أو عبر شبكة لينكدان، وأن يرد في مجموعة خاصة بالإعلاميين عبر الواتساب، وأن ييقابل الجمهور في منصته المفضلة، بلغته، وبسرعته,, تقرير لمعهد رويترز للصحافة عام 2024 أشار إلى أن 64 % من مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط يفضلون منصات التواصل، وخاصة “الواتساب” ومنصة "إكس" و”سناب شات”، كمصادر أولية للمعلومات، حتى وإن كانت غير موثوقة، هذا التغيير في السلوك الإعلامي يجعل من الضروري أن تعيد الجهات والمؤسسات، الحكومية والخاصة، بناء استراتيجياتها الاتصالية على أسس المرونة، والجاهزية الرقمية، والذكاء العاطفي ,, ومع نمو المؤسسات الإعلامية الرقمية، ودعم المؤسسات المعنية لهذا التحول، فإن الفرصة قائمة لقيادة نموذج إقليمي متقدم في إدارة الأزمات الإعلامية الحديثة، يشمل الإعلام التقليدي، ومنصات التواصل، وتطبيقات الدردشة الجماعية,, الأزمة الإعلامية اليوم لا تُقاس بحجمها، بل بسرعة احتوائها؛ ومن يديرها بذكاء، يُكتب له النجاة.. ومن يتأخر، يُحكم عليه بمنطق “السكوت علامة الإدانة”، والصمت ليس على كل الأحوال حكمة اليوم، من لا يتقن فن الإنصات، والتفاعل، والتحقق، وإعادة البناء السردي، لن ينجو من عواصف الفضاء الرقمي. هذا الإعلام لم يعد يكتب الخبر فقط، بل يعيشه، ويشكّل تصوره، ويواجه ارتداداته؛

***

نهاد الحديثي

الفضول هو الدافع الباطني الذي يشعل شرارة السؤال ويحرّك بوصلات العقل نحو المجهول، لكنه في مجتمعنا اليوم يتقلب بين الحكمة والهاوية، بين طلب المعرفة والتطفل، بين التأمل والانتهاك. فلا يمكن النظر إليه نظرة واحدة، ولا يصح الحكم عليه دون تمييز بين دوافعه ومآلاته. في المجتمعات القديمة، كان الفضول يحمل طابعًا مقدسًا، يدفع الإنسان إلى فك طلاسم الطبيعة وفهم الكون من حوله. المصريون القدماء مثلاً استخدموه في التجريب والتأمل، والإغريق جعلوه أساسًا للفلسفة، وسقراط بنى مشروعه الفكري على السؤال، الذي هو صورة الفضول المنضبط. وفي الحضارة الإسلامية، تحوّل الفضول إلى منهج علمي قائم على الملاحظة والتأمل، لا التطفل والظن، كما نراه في أعمال ابن الهيثم والرازي والخوارزمي.

لكن ما الذي يجعل الفضول، في بعض حالاته، مذمومًا؟ وهل يمكن أن يكون مرضًا اجتماعيًا أو سلوكًا مدمرًا؟ النصوص القرآنية تفتح لنا نافذة لفهم هذا الإشكال؛ فالله تعالى يقول: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وهي دعوة إلى ضبط النفس، وعدم التورط في الأسئلة التي لا طائل منها أو التي قد تسبب الألم أو الفتنة. والآية الأخرى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ تعكس موقفًا حاسمًا من الفضول الذي يتعدى حدوده الأخلاقية، ويتسلل إلى الخصوصيات، فيتحول إلى أذى. ولذلك يُفهم من القرآن أن الفضول ليس مذمومًا بذاته، بل يُذم حين ينفلت من ضوابط الحكمة والأدب، ويُمَدح حين يكون بوابة للعلم والمعرفة، كما في قوله: ﴿وقل رب زدني علمًا﴾.

الإمام علي عليه السلام، وهو منارات العقل والنور، لم يغفل هذا المعنى، بل وجه إليه بدقة فائقة. ففي قوله "من أمسك عن الفضول عدّ من أرباب العقول" نرى أن ضبط الفضول لا إلغاؤه هو سبيل الحكمة. وقال أيضًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وهذا يربط الفضول بخلق الحياء والتعفف. ومن كلامه يتضح أن الفضول حالة نفسية بحاجة إلى تهذيب، لا إلى قمع. وهو ما يجعلنا نفهم أن الفضول ليس مرضًا ولا شريعة، بل طاقة عقلية وأخلاقية، إن وُجّهت للعلم كانت فضيلة، وإن أُطلقت بلا ضابط كانت رذيلة.

وقد تناول الفلاسفة هذا الأمر بآراء متباينة؛ فأفلاطون رأى أن الفضول طريق الحكمة ولكنه محفوف بالمخاطر، وأرسطو اعتبره بداية الفلسفة، وفرنسيس بيكون قال بأن الفضول هو البوابة الأولى للمعرفة. أما المعاصرون أمثال ألبرتو مانغويل، فقد أعادوا تعريف الفضول كقوة ثقافية تجمع بين الرغبة في الفهم وحتمية الحذر. وهكذا فإن الفضول لا يُعرف بماهو عليه، بل بما يصير إليه. قد يبدأ بسؤال، وينتهي إلى اكتشاف، أو إلى فتنة، وقد يكون له شكل فردي في التأمل، أو اجتماعي في تتبع أخبار الآخرين، وما بين هذين المسارين توجد الحكمة، التي لا تفرط ولا تُفرِّط.

إذا أردنا أن نحاكي مجتمعنا اليوم، فعلينا أن نعيد تعريف الفضول بشكل يعكس طبيعته المتجددة: فضول يُلهِم لا يقتحم، ويسأل لا يتجسس، ويقرأ لا يتسلل. فضول يجعل من الفرد باحثًا لا متطفلًا، ومن المجتمع ساحة للحوار لا مرآة للمراقبة. عندها فقط، يعود الفضول ليكون رأسًا للحكمة، لا ذيلًا للشهوة.

***

بقلم محمد صبي الخالدي - الكوفة

٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

«الأهرام» ديوان الحياة المعاصرة، هي ذاكرة قومية عمرها قرن ونصف، مؤسسة تجاوزت حدود الورق والحبر لتصبح إحدى علامات مصر الكبرى.

منذ أن خرجت للنور عام 1875 على يد الأخوين سليم وبشارة تقلا، وهي تنسج خيوط الوعي القومي، شاهدة على تقلبات العصور، وحاملة لنبض الوطن في لحظات مد الثورة وجزر الانكسار. كانت «الأهرام» صدى لعقول الكبار: من طه حسين والعقاد وسلامة موسى، إلى توفيق الحكيم وهيكل ويوسف إدريس. لكنها اليوم تقف على مفترق طرق حاسم، لا يهدد مكانتها كمنبر بل كفكرة، بينما تواجه تحديات ثلاثة كبري: المنافسة، والاستقلالية، والتطور التقني.

قوة غير مستغلة

رغم امتلاكها لقدرات هائلة، وقوة ذاتية تراكمت لها عبر سنوات من الخبرة والترقي، إلا أنها لا تستغل كل طاقتها وإمكاناتها الكامنة، بل تترك الروتين الحكومي والبطء يتسلل لأروقة العمل بها، في الوقت الذي تتناسل فيه الأخبار إقليمياً وعالمياً بسرعة الضوء!

نحن اليوم نعيش عصر السوشيال ميديا والمواقع الإخبارية السريعة حيث لم تعد الصحف الورقية تحظى بنفس النفوذ الذي كانت تتمتع بهقديماً. صحيح أن الأهرام حاولت مواكبة هذا التحول عبر إطلاق موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرقمية، إلا أنها لا تزال تعاني من بطء في التكيف مع ثقافة "الخبر الفوري" التي يفرضها العصر.

وإذا تركت الصحافة الرصينة نفسها نهباً لتيارات الزيف تتقاذفها، فسوف تضيع الحقيقة بين ضجيج الشاشات ومنصات التواصل، فتبدو «الأهرام» وكأنها تصارع جراحها في صمت نبيل.

فهل ما زالت الأهرام تحمل راية الفكر؟ أم أصبحت أسيرة الخطاب الواحد، تحيا على فتات المصداقية المتآكلة؟ لقد كانت في يوم ما « ضمير الأمة»... فهل تقبل اليوم أن تُختزل إلى ملحق حكومي تقليدي لا يملك حق العمل الصحفي المحترف المستقل؟

تحولات هائلة وتقدم بطئ

لا جدال أن عصر الصحافة الورقية يوشك على الأفول، و«الأهرام» لم تكن استثناء. ورغم خطواتها المتأخرة نحو الرقمنة، لا تزال تحبو في ميدان صار يتطلب سرعة الضوء ومرونة الموجة. موقعها الإلكتروني أقرب إلى مرآة باهتة لنسخة مطبوعة، لا روح فيه ولا جرأة. أما وسائل التواصل، فتستخدم عندها كأنها مروحة في مواجهة إعصار.

هناك تحولات حادة حولنا: في السياسة والحوكمة والتقنيات وحتي في الفكر الجمعي، ومع ظهور منصات إعلامية جديدة، بعضها خارجي التمويل، أصبحت "الأهرام" في سباق غير متكافئ. فبينما تعتمد هذه المنصات على لغة جذابة وخطاب أكثر جرأة، تظل "الأهرام" محكومة بقيودها التاريخية كصحيفة رسمية ترتدي بذلة ريدنجوت أنيقة وسط شباب يرتدون الكاجوال!

وإذا كنا كجريدة لديها التزاماتها وتيارها العام الذي لا يمكن أن تحيد عنه، لكن يمكننا دائماً توسيع نطاق هذا الالتزام للسماح ببعض المساحات المغايرة المواكبة للتحولات: ففي جانب السياسة التحريرية يمكننا السماح بمساحة أكبر للنقد البناء والرأي المختلف. فالصحافة التي لا تخضع للمساءلة ولا تسمح بالاختلاف تفقد مصداقيتها مع مرور الوقت. ومؤسسة بحجم "الأهرام" لا يمكنها أن تظل بمنأى عن روح العصر. ومن حيث التيارات الصحفية؛ ينبغي الاهتمام بالاستثمار في الصحافة الاستقصائية؛ فنصنع في أروقة الأهرام ألف "هيكل" جديد يعرف كيف يأتي بالخبر الطازج المؤكد من أعمق نقطة خفية، ماذا لو عادت "الأهرام" إلى جذورها، وكرست فريقًا للتحقيقات الاستقصائية الجادة، بهذا ستستعيد جزءًا كبيرًا من مكانتها. فالقارئ اليوم يتوق إلى الحقيقة، لا إلى النفاق والمداهنة.

حين يمتنع السؤال!

الصحيفة التي لم تعد تطرح الأسئلة الوجودية، تفقد مبرر بقائها شيئا فشيئا. فكيف يطلب من القارئ أن يثق بمن لا يجتهد في نقد الذات؟

وإذا كانت «الأهرام» قد اعتادت لزمن طويل أن تكون صوت الدولة الرسمي، فهل تستطيع اليوم أن تكون صدى الوطن؟ ذلك التوتر القائم بين الولاء المهني وحرية التعبير، هو ما يحدد مصيرها. فالمصداقية لا تشترى بالتاريخ، بل تُستمد من نبع الواقع الجرئ.

لطالما عُرفت الأهرام كـ"صحيفة النخبة"، يقرؤها المثقفون وصناع القرار، ويستشهد بها الباحثون، بل كانت أرشيفًا حيًا لتاريخ مصر. لكن مع التحولات الجذرية في المشهد الإعلامي، أصبحت الصحافة الورقية في تراجع مستمر، كما وكيفاً.، وصارت "الأهرام" تواجه سؤالًا وجوديًا: هل يمكنها أن تظل تحتفظ بمكانتها العظيمة في عصر الطوفان المعلوماتي؟ أم أن قدرها أن تصبح مجرد ذاكرة ورقية في زمن الشاشات؟

نعيش اليوم في عصر "اللايقين"، كما يسميه علماء الاجتماع، حيث الحقيقة ضائعة بين زحام الزيف، والثقة في وسائل الإعلام تقلصت إلى أدنى مستوياتها. في هذا السياق، تبرز معضلة "الأهرام" أو قل فرصتها: أن تعود للبوليفونية، وجذب الشباب، والاستقلالية، وقوة وعمق الرصد. هذا حدث في دول كثيرة؛ إذ نجحت صحف حكومية غربية في إعادة اختراع نفسها، مثل "لوموند" الفرنسية التي تمت خصخصتها دون أن تفقد دورها ومكانتها ومصداقيتها، أو "الجارديان" البريطانية التي حافظت على استقلاليتها رغم التحديات المالية. فلماذا لا تكون "الأهرام" نموذجًا جديداً لأسطورة أعادت إحياء ذاتها؟

الصراع الداخلي الصامت

ثمة جدال مكتوم داخل أروقة «الأهرام» لا يقل أهمية عن تحديات الخارج. جيل قديم يرى في الورق قداسة، وجيل جديد يريد أن يطير بالمؤسسة نحو العالم الرقمي، وثالث - من الشباب - يتساءل بدهشة: لماذا نقرأ أصلاً، أي ما الجدوي للاستمرار؟ هذا التنازع يعكس أزمة هوية: هل «الأهرام» صحيفة؟ أم مؤسسة فكرية؟ أم متحف عتيق لذاكرة الوطن؟

ليست المشكلة في الورق، بل في الروح. إن استعادة «الأهرام» لمكانتها يتطلب منها أن تتحول إلى ذاكرة متحركة، لا إلى أرشيف باهت. أن تعود إلى الناس، لا أن تنغلق داخل القوالب. أن تواكب العالم دون أن تفقد ذاتها. أن تكتب كما لو أن الوطن على المحك، لا كما لو أن شيئًا لم يكن.

حبذا لو تتخلص"الأهرام" من قوقعتها التقليدية لتخاطب الشباب بلغة العصر، عبر مقاطع الفيديو والبودكاست والمحتوى التفاعلي، دون التخلي عن عمقها الفكري.

باستطاعة "الأهرام" استعادة عظمتها من جديد، ولتفعل هذا ليس أمامها إلا التجدد. لا أتحدث هنا عن مجرد تغيير في الشكل، بل ثورة داخلية في المفهوم والدور. عليها أن تعيد تعريف نفسها كمنصة معرفية، تشرح الخبر لا تنقله فقط، وتفتح صفحاتها للحوار لا للمونولوج الذاتي، وتستثمر في الصحافة الاستقصائية لا في الإعلان. عليها أن تُخاطب العقول الحرة، لا الآذان الخانعة.

إن الشارع اليوم يصنع آراءه داخل منصات «تويتر» و«تيك توك»، لا في أعمدة الرأي. ومع ذلك، فإن الإعلام الجديد، رغم زخمه الزائف، يفتقر للعمق والمصداقية، وهنا تتجلي فرصة «الأهرام»: أن تجمع بين السرعة والرصانة، بين لغة الجيل الجديد وروحها المتجذرة. فلتكن الأهرام الجسر الذي يعبر عليه الناس لأحلامهم، لا الجدار الذي تتكسر عليه تلك الأحلام.

تحديات وحلول

أكبر تحد يواجه "الأهرام" اليوم هو أنها لم تعد تعكس تنوع المجتمع المصري، فلو أرادت "الأهرام" استعادة دورها، عليها أن تفتح صفحاتها لوجهات نظر مختلفة، لا أن تكون منبرًا لرأي واحد. فمصر أكبر من أن تختزل في سردية وحيدة، وشعبها أعمق من أن يُقدم في قوالب جاهزة.

إن الاستمرار في النموذج التقليدي الجامد يؤدي حتماً للانزواء، بينما التجدد هو ديدن الحياة ذاتها، وباستطاعة الأهرام أن تجدد نفسها من خلال: بناء صحافة استقضائية، واستقطاب أقلام جديدة من الشباب وكبار المفكرين والكتاب، وتحويل موقعها الإليكتروني لمنصة تفاعلية، والاهتمام بالنبض الحقيقي للشارع المصري الذي يتردد فى الصحيفة بصوت خافت، بينما ينفجر صارخاً فى مواقع التواصل بلا ضوابط!

لم يعد الجمهور ينتظر الصباح ليقرأ تحليلات الأهرام، بل يصنع رأيه الخاص عبر فيسبوك وإكس وتيك توك. وهذا يطرح تحديًا وجوديًا: ما قيمة صحيفة مطبوعة في عصر لا يملك الناس فيه صبرًا لقراءة أكثر من تغريدة؟

هناك مساحة فارغة من الفكر إن لم تحتلها الأهرام ومثيلاتها من الصحف القومية الراسخة، فلسوف تأتي منصات أخري، رقمية أو ورقية، تملأ هذا الفراغ. وعلينا أن نقتنص اللحظة ونواجه أنفسنا بالمثالب والنواقص والتحديات.

في النهاية، تظل «الأهرام» مؤسسة عظيمة، يليق بها أن تكون صوتًا لا صدى، منبرًا لا مرآة. فإما أن تنهض من كبوتها، فتستعيد دورها كضمير أمة، أو تختار أن تذوي ببطء، كورقة تسقط من شجرة التاريخ، دون أن يكترث لذبولها أحد! القرار ليس سهلًا، لكنه لا يحتمل التأجيل.

فإما أن تحيا الأهرام كما كانت: واحة للعقل وملاذًا للحقيقة...وإما أن تتحول إلى مومياء في متحف الصحافة العتيقة!

***

د. عبد السلام فاروق

يستفزّني أولئك المتبطلون المتفلّسفون الذين تعج بهم وسائل الاتصال الاجتماعي، أكثر ما يستفزونني، عندما يعثرون على صورة جديدة لهذا الفنان او تلك الفنانة، وقد اخذ الكبر منه مأخذه الذي لا بُدّ له من ان يحصل مع كل واحد منا نحن بني البشر، فتراهم وقد بادروا الى نشر ما حصلوا عليه من "غنيمة"، عادة ما يكون مصدرُها صحفي فاشل او مصوّر مرتزق يريد ان يسجّل سبقًا صوريًا بملاحقته هذا الفنان او تلك الفنانة كما سلف.

حصل هذا في السنوات الأخيرة مع الكثيرين من مجموعات وسائل الاتصال الاجتماعي ومتابعيها، وقد رأينا مَن يعثر مثلًا على صورة جديدة لفتى السينما المصرية في فترات سابقة، واقصد به احمد رمزي، كما حدث مثلا أيضا، عندما عثر بعضهم على صورة للفنانة المغنية الراقية المعروفة بإثرائها المشهود له في مجال الغناء العربي الحديث واذكّر بها الفنانة المصرية نجاة الصغيرة. ما نقوله عن ذاك وتلك انطبق على الكثيرين من الفنانين، الذين اعتقد انه توجد في ذاكرة الكثيرين من الاخوة القراء أسماء وصور لهم. ما حدث هو ان أولئك المتبطّلين، ما إن حصلوا على " غنائمهم"، هذه من الصور المختلسة في العادة، حتى سارعوا الى وسائل الاتصال الاجتماعي، خاصة الفيس بوك والتوكتوك، ونشروا هذه الصور، مرّة مرفقة مع صورة مَن نشروا صورته من أيام العز والشباب، او معلّقين بنوع من السخرية الجارحة، او الشماتة المقيتة، انظروا الى كيف اصبح شكل احمد رمزي، او تمعّنوا في صورة نجاة الصغيرة كيف باتت عجوزا مُسنّة وما إلى هذا من كلام جارح، كان يُفضّل الاستغناء عنه وترك عربة الحياة تواصل انطلاقتها على ما تواصَل مِن مسارات ومسالك ابتدأت مُثرية وغنية.. ولا.. بد لها من ان تواصل حاملة ماضيها الجميل ومنطوية عليه دون أي ازعاج من أي من الناس.

المؤسف ان العثور على صورة فنان او فنانة، وأنا اتقصّد هذا التفصيل، إذ أنه كان بإمكاني ان اعبّر عمّا أود قوله بدون تفصيل مُخلٍّ لغويًا، اذ ان العربية تشمل الذكر والانثى بصورة عامة عندما نشير الى المذكّر، أقول المؤسف، تبعا لما نقوله، ان البحث عن الصور الجديدة لفناني وفنانات الزمن الماضي الجميل، بات هما حقيقيا وربّما مصدر ارتزاق للعديدين من نهّازي الفرص ومقتنصي لُبابها، فتراهم، او تشعر بهم بالأحرى، وقد امتشقوا كاميراتهم وراحوا يلاحقون هذا الفنان او تلك الفنانة، ممن كبروا، في هذه الزاوية او تلك المدينة، وربّما الدولة ليلتقطوا لهم صورة ويقوموا بنشرها في وسائل الاتصال الاجتماعي، التي جنوا بها، معتبرينها فضحية، نعم هذا تعبير اذكر ان بعضهم استعمله، وناشرين إياه، كي يرى متابعو وسائل الاتصال الاجتماعي الصورة الجديدة لهذا العجوز او تلك المسنة من الفنانين وقد فقد يناعته ونضارته، بعد ان تألق كلّ منهم، وشغل الدنيا والناس في فترة ماضية!

بالعودة الى ما ذكرته في البداية عما يتسبب فيه أولئك المشار إليهم وليس الجميع بالطبع، اضيف ان هؤلاء يستفزونني، واعتقد انهم يستفزون الكثيرين من امثالي، بما يعلنونه من صور من بلغ من العمر عتيا من الفنانين، مرفقا بكلمات جارحة حافلة بالشماتة وكأنما هم مخلدون لن يشيخوا وسيبقون شبابا الى ابد الابدين. لذا أقول لهم. مهلا أيها الاخوة.. مهلًا.. ولو كنت مكانكم، لاحتفظت بالصورة الأولى لهذا الفنان او تلك الفنانة، تلك الصورة الضاجّة بكل ما هو جميل وانساني ومفرح، تاركا كلا من الناس، سواء كانوا فنانين او حتى أناسا عاديين، لحياته الخاصة، ولهمومه التي وقفت وراءها امجاد لا تنسى.

***

ناجي ظاهر

يكتبون قصائدهم بمفردات أفكارهم التي تتحول إلى موجودات مادية فاعلة في أروقة الحياة، ونحن نكتب قصائدنا بمفردات الكلمات التي لا تغني من خوف ولا تطعم من جوع، فهي مجرد كلمات نسميها كيفما نشاء ونتوهم الإبداع.

فالإبداع المعاصر مادي الطباع والتطلعات، ويمثل القوة والقدرة على السيادة والهيمنة والإمتلاك.

فهل ساهم الشعر بقوتنا، وتنمية قدراتنا الإبتكارية؟

الشعر سلوك ترف، تتجسد قيمته عندما تبلغ مجتمعاته ذروة القدرة على قيادة سفينة الحياة، ولهذا كان عندنا شعر مؤثر فعال في زمن التألق الحضاري الوهاج.

فالواقع المعاش يلد رموزه الأفذاذ، فكيف يكون عندنا إبداع أصيل، ونحن نتخبط في أوحال الآخرين؟

تفاعلات غابية الطباع بين أبناء كل شيئ واحد، وتراخي وتواصل إيجابي مع أعداء الأمة والتأريخ، والتلاحي بين دولنا ديدن السياسة ومنطلق الخسران المبيد.

فدع الذكاء الإضطناعي يكتب ما يشاء، وينشره على أنه شعر معبر عنا، ويمثل دورنا في حياة نجيد إطفاء أضوائها، وتدمير معالم صيرورتها الأرقى.

إبداعنا (شعر)، وضربات متلاحقة على الكي بورد، بعد أن دفنا الأقلام في زمهرير الإمتهان، وحولنا الورق إلى دخان، فتعفنت الأذهان، وتدثرت الأجيال بركام الضلال والبهتان.

فاكتب على وجه الماء كما تشاء!!

كلامٌ بائرٌ دون الكلام

وصوت حائرٌ بنهى الأنام

بلا شعر إذا نضبت رؤانا

لإن الشعر من نضح المقام

فهل نزرع وهل نصنع مرادا

يوافينا بمنطلق اهتمامِ

***

د. صادق السامرائي

 

معادلة السعادة الحقيقية الهادئة

في زمنٍ تسوده العجلة وتُسيطر عليه ثقافة الاستهلاك يصبح البحث عن السعادة تحديًا حقيقيًا، إلا أن التجارب الحياتية والدراسات النفسية والاجتماعية أكدت؛ أن السعادة الحقيقية لا تكمن في مظاهر الثراء ولا في سباق الامتلاك، وانما في ثلاث قيم راسخة؛ التواضع والبساطة والقناعة.

فالتواضع؛ ليس ضعفًا ولا إنكارًا للذات ... وانما رفعة الأخلاق وعنوان الاتزان النفسي، فالمتواضع لا يعلو على أحد ولا ينتظر التقدير من احد، انما يُعامل الجميع باحترام وصدق ويكسب محبتهم بلا عناء، ويترك في الآخرين أثرًا لا يُنسى، كما يتحرك في الحياة بثقة هادئة، ويحمل قلبًا كبيرًا خاليًا من الغرور يمنحه شعورًا بالسكينة والتوازن.

أما البساطة؛ فهي فـن العيش بإيقاع متناغم مع النفس ... هي ليست فـقرًا كما يتوهّم البعض وانما؛ خيارٌ راقٍ يُعبّر عن نضجٍ داخلي بأن تختار ما يناسبك لا ما يُرضي أعين الآخرين، فتجد السكينة في مكانٍ متواضع وبلحظة صفاء وتفرح بالتفاصيل الصغيرة، ففي البساطة تتحرر من الاستعراض وقيد التكلّف، وتستعيد عمق الحياة بالتفرّغ لما هو أعمق وأجمل.

والقناعة؛ هي مفتاح الرضا وليست تخلّيًا عن الطموح، انما حكمةٌ تُعلّمك (متى تقول هذا يكفيني)، فالإنسان القنوع؛ لا يقارن نفسه بالآخرين، فلا يركض وراء ما لا يملك بل يعيش ممتنًا لما هو بين يديه، ففي قلبه راحة ورضا وفي عينيه نور فرح حقيقي، واثقًا أن البركة ليست في الكثرة وانما في الرضا.

أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية أن الأشخاص المتواضعين والبسطاء الذين يرضون بما لديهم دون مبالغة في التطلعات المادية هم؛ الأكثر سعادة ورضًا عن حياتهم، لأنهم لا يعيشون في دوامة المقارنات، ولا ترهقهم أعباء التنافس المحموم على المظاهر.

هـكذا في خضم الضغوط المتسارعة نحتاج لإعادة النظر في موقع هذه القيم في حياتنا؟ ولابد من ان نُعِيد ترتيب أولوياتنا؛ ونعُود إلى جوهر القيم الإنسانية ... فنعُود لإنسانيتنا النقيّة، فهذه القيم التي تبدو قديمة في أعين البعض، تُعدّ في الحقيقة مفاتيح السعادة الحقيقية والدائمة، فهي ليست مجرد صفات أخلاقية بل مفاتيح ذهبية تفتح أبواب الراحة النفسية والسلام الداخلي ... وإن العودة إلى هذه المبادئ ليست تراجعًا وانما ارتقاءٌ إلى وعيٍ أصفى وروحٍ أهـدأ. فهل نسينا أن السعادة لا تُقاس بالأرقام، بل تُقاس بما نشعر به في دواخلنا؟.

هذه القيم لن نجدها في الأسواق بل في أعماقنا، كما ينبغي الادراك بأن الحياة ليست بما نملك وانما بكيف نعيش ... فالسعادة لا تُمنح لمن يملك أكثر بل لمن يعرف كيف يعيش بقلبٍ راضٍ وبتواضع وبساطة، ورضا بم قسمه ’الله’ تعالى، وهذه هي) الوصفة الحقيقية للسعادة الدائمة). فالتواضع يمنحك احترام الناس ... والبساطة تُنقّيك من زيف العالم ... والقناعة تُثمر طمأنينة لا تُشترى، فلنُعِد النظر ولنتأمل في جمال الحياة البسيطة، ففيها تكمن البركة، والطمأنينة، والسعادة التي لا تُقَدَّر بثمن.

***

مجيد ملوك السامرائي – كاتب اكاديمي

....................

المراجع:

1. Seligman, M. E. P. (2002). Authentic Happiness, Using the New Positive Psychology to Realize Your Potential for Lasting Fulfillment. N. Y. , Free Press.

(سيلجمان، السعادة الأصيلة)

2. Brown, B. (2010). The Gifts of Imperfection, Let Go of Who You Think You're Supposed to Be and Embrace Who You Are. Center City, MN, Hazelden.

(براون، تخلَّ عن من تظن أنك يجب أن تكون، واحتضن من أنت بالفعل)

 

الحضارة الإنسانية قد تواجه نقطة انهيار بحلول العام 2100، وفقًا لما تكشفه دراسة تاريخية جديدة تتناول 5000 عام من التاريخ الإنساني وتحلل سقوط أكثر من 400 مجتمع.. صحيفة الغارديان البريطانية استعرضت هذه الدراسة التي تفتح الباب أمام رؤية مستقبلية مثيرة للقلق.

(لوك كيمب)، الباحث في مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبريدج، أشار في حواره للصحيفة البريطانية إلى أنه "رغم عدم قدرتنا على تحديد موعد محدد لانهيار حضارتنا، فإن النظر إلى أنماط التاريخ على مدى آلاف السنين يكشف أننا نسير في مسارات قد تقودنا نحو إنهاء ذاتي للحضارة".

وأضاف: "أنا متشائم تجاه المستقبل، لكنني لا أفقد الإيمان بالبشر".

يوضح كيمب أن هناك زعماء نرجسيين ومضطربين نفسيًا يشكّلون أقلية ضئيلة ولكن قوية، يتجاهلون تلك التهديدات الوجودية مثل الاحتباس الحراري، الأسلحة النووية، والذكاء الاصطناعي. واستمرار تجاهل هذه التحديات قد يزيد من تفاقم الأوضاع مستقبلًا.

العلماء سبق وأن نبّهوا لآثار الكوارث البيئية الناتجة عن النشاط البشري، مثل ارتفاع درجات الحرارة العالمية والتي قد تؤدي إلى نقص الغذاء، وموجات حر غير محتملة، وجفاف شديد. يضاف إلى ذلك الضغط النفسي والاجتماعي الناتج عن هذه الأزمات والذي يضاعف هشاشة المجتمعات.

يرى كيمب أن الحضارة الإنسانية عبر التاريخ تقدم دروسًا ثمينة حول كيفية تطور المجتمعات وانهيارها. ومن خلال هذه الشواهد التاريخية، يتضح أن القوى العظمى، أو كما أطلق عليها الباحث "جالوت"، تميل إلى الهيمنة عبر أدوات العنف والسيطرة على الموارد. لكن هذه القوى غالبًا ما تتهاوى بسبب عدم المساواة والجشع الذي يميز الطبقات الحاكمة.

وعلى المدى الطويل، عندما تزيد النخب من تركيز الثروات على حساب عامة الشعب، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للصراعات الداخلية، والفساد، وضعف الصحة العامة، والتوسع غير المدروس، والتدهور البيئي.

يشير كيمب أيضًا إلى أن سوء اتخاذ القرارات من قبل الأقلية يمكن أن يُضعف المجتمعات بشكل كبير، ويجعلها عرضة للانهيار أمام عوامل كالحروب أو انتشار الأمراض أو التغير المناخي.

في سياق القرن الحادي والعشرين يتحدث كيمب عن فكرة "القوة العالمية المترابطة" التي تعمل ضمن نظام رأسمالي. الأزمات الناتجة عن اختلال أنظمة الغذاء، خطر الحرب النووية المستمر، وتفاقم أزمة المناخ قد تدفع الحضارة الحديثة نحو نهايتها.

انتقد الباحث القادة العالميين الذين يسهمون في تسريع هذا المصير. وصف كيمب هؤلاء بأنهم تجسيد حي لما يُعرف بـ"الثالوث المظلم"، حيث يرى (دونالد ترامب) كنرجسي مثالي، و(فلاديمير بوتين) كشخص مختل نفسيًا بارد المشاعر، و(شي جين بينغ) كقائد متلاعب يتمتع بدهاء سياسي.

لكن هناك حلول ممكنة برأي كيمب لتجنب الانهيار الكامل، أبرزها تحقيق مجتمعات ديمقراطية حقيقية تُعيد توازن السلطة وتفرض ضرائب عادلة على الثروات الكبيرة. وهو يؤمن بأن هذا ليس بعيد المنال إذا توفرت إرادة قوية للتغيير.

اليوم، تحديات مثل بناء - ذكاء اصطناعي- تبدو أكثر قابلية للتصور مقارنةً بتحقيق ديمقراطية شمولية أو منع سباقات التسلح. إلا أن كيمب يرفض هذا النوع من التشاؤم قائلاً : "بالطبع يمكننا تحقيق الديمقراطية على نطاق واسع؛ فنحن بطبيعتنا كائنات اجتماعية وداعمة للتعايش".

النص يحمل دعوة للتأمل في الماضي لفهم ما يمكن أن يحدث مستقبلاً، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ قرارات جريئة وإصلاح هيكلي يعزّز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات الوجودية الكبرى.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

زميل كذا جمعية، خريج كذا كلية وجامعة، يتبخترون ويتبجحون، أنهم يحملون شهادة أم آر سي بي، وأف آر سي إس، وغيرها من الشهادات، وكلها ألقاب ذات هالات دخانية.

لا يوجد عندنا علم أصيل ولا شهادات أصيلة نفخر بها، وذلك بخيارنا، وما يميزنا عن غيرنا من مجتمعات الدنيا، وهو برهان واضح على التبعية والعجز والقنوط.

وجامعاتنا مشغولة بمنح شهادات الماجستير والدكتوراه بالعلوم البائدة، وأكثرها في موضوعات لا تنفع المجتمع، ولا تساهم في تنمية قوته وزيادة إنتاجيته وقدرته على التحدي والإبتكار.

البيئة العلمية في مجتمعاتنا تكاد تكون منقرضة، ولا تحظى بإهتمام من قبل السلطات، والسائد أن يتحول المجتمع إلى مذعن مطيع لإرادة الكراسي القابضة على مصيره، والمحققة لأماني الطامعين فيه.

التبعية العلمية إستعمار ثقافي مبيد، أمضت الأمة على إيقاعه العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى، ولا تزال تسير خلف قطار الآخرين، ولا تستطيع اللحاق بآخر عرباته.

فقوة الأمة التي توهجت وسادت نابعة من أصالتها الإبداعية ومعطياتها المتميزة الغير مسبوقة، وعلتها أنها كانت صيرورات فردية، وما إستطاعت أن تحولها إلى منتوج شائع وما تناقلتها الأجيال، بل الأنانية هيمنت على نوابغها، لما توفره لهم معارفهم من عطايا وجاه وإقتدار، لا يريدون أن يشاركهم به أحد، فانتهى ما أبدعوه بنهايتهم، وما توارثه عنهم تلامذة أو مريدين.

والدول بعقول أبنائها وإبداعاتهم المتوافقة مع عصرهم، وليست بالإندساس في الماضيات، والبكاء على الأطلال، والتوهم بأن الذي فات ما مات.

فهل توجد قدرة على العودة إلى جوهر إرادة الأمة وتحفيز دورها الحضاري، والتفاعل مع مفردات ما فيها بعقل إبداعي حر مؤمن بقدرتها على أن تكون وتتقدم، بذات التعجيل الذي إنطلقت به عندما تألقت وأشرقت بنور عقولها؟

بدائعهم بفردٍ دون جمعِ

وذا عملٌ تكرسه بطبعِ

فما برحت تجارتهم لنفسٍ

بها طمعٌ لمكرمةٍ ووضعِ

تضيع علومها حين احتكارٍ

وإمعانٍ بحاديةٍ لمنعِ

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم