أقلام حرة
أقلام حرة
هناك أماكن لا تُشبه الأمكنة، لا لأنها أجمل فحسب، بل لأنها تُخفي في تضاريسها طبقات من الحكايات، كأن كل صخرة فيها تحفظ سراً، وكل شجرة تعرف ما لا يُقال. كانت بشتئاشان واحدة من تلك الأمكنة؛ لا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بشيء أعمق، بشيء يُشبه الحنين أو الخوف أو كليهما معاً.
هناك، خلف الطواحين التي لم نرها يوماً، وخلف الطرق التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من التيه، يبدأ عالم آخر. عالم يتخفف من صخب المدن، ويكتفي بأنفاس الجبال. الطريق إلى بشتئاشان لم يكن طريقاً بالمعنى المألوف، بل اختباراً خفياً: كل منعطف يسألك إن كنت حقاً تريد الوصول، وكل صعودٍ يختبر صبرك، وكل صمتٍ يضعك وجهاً لوجه أمام نفسك.
كانت الجبال تحيط بالوادي كأنها حراسٌ قدماء، لا ينامون. في الشتاء، تتدثر بالثلج، فتبدو ككائناتٍ أسطورية تراقب من علٍ. وفي الربيع، تنبض بالحياة، تنفتح فيها الينابيع، وتتفجر المياه من بين الصخور كأنها ذاكرة الأرض تستعيد صوتها. أما الضباب، فكان سيد المشهد؛ لا يحجب الأشياء، بل يمنحها غموضاً خفيفاً، يجعل كل شيء يبدو وكأنه على وشك أن يظهر أو يختفي.
بشتئاشان التي أُستخدمت كمواقع للأحزاب الكردية، وأتخذها الحزب الشيوعي العراقي، في مطلع الثمانينيات، مقراً لقياداته، بسبب طبيعتها الوعرة وتضاريسها الصعبة وقربها من الحدود، ما جعل منها منطقة ذات حساسية أمنية أحياناً.
في بشتئاشان لم يكن الزمن يُقاس بالدقائق، بل بتحول الضوء. عند الغروب، كانت الشمس تنسحب فجأة، كأنها تخشى البقاء، فتغرق الجبال في ظلال كثيفة، وتشتعل السماء بنجومٍ لا تعرفها المدن. هناك، في ذلك الصمت العميق، كنت تسمع كل شيء: وقع خطواتك، حفيف الأشجار، وربما… دقات قلبك نفسها، كأنها صوت غريب جاء من مكان بعيد.
لكن بشتئاشان لم تكن طبيعةً فقط؛ كانت أيضاً مسرحاً لحياة أخرى، حياة مشدودة بين الفكرة والبندقية، بين الحلم والواقع. في ذلك الوادي المختبئ، تشكلت عوالم صغيرة من البشر الذين قرروا أن يعيشوا خارج الإطار، أن يصنعوا لأنفسهم معنى وسط العزلة والخطر.
كانت القاعات الطينية تضج بالحكايات، والمطبعة المتواضعة تئن تحت وطأة الكلمات، كأن الحبر فيها يُقاوم النسيان. كنا نكتب لأننا نؤمن أن الكلمة، حتى في أقسى الظروف، تستطيع أن تكون شكلاً من أشكال البقاء. وربما كانت الكتابة، في تلك اللحظات، نوعاً من العناد الهادئ، أو محاولة لتثبيت العالم قبل أن يتبدد.
في مطلع ربيع عام 1983، وبعد أن تخرجت الوجبة الأولى من مدرسة الكوادر الحزبية، وبعد أن أنتهيت من تدريس مادة الفلسفة فيها، عدتُ للعمل في الإعلام المركزي، حيث الصحيفة المركزية "طريق الشعب" و"إذاعة الشعب العراقي" و"نهج الأنصار- ريبازى بيشمركة"، والمطبعة الصغيرة التي طبعت لي كتاباً صغيراً تحت عنوان "راية وبندقية.. وفجر آتٍ".
فكنتُ أتنقل بين المهام، بين التعليم والعمل الإعلامي، بين الفلسفة والواقع الذي لا يترك للفلسفة مجالاً واسعاً للتأمل. ومع ذلك، كنا نحاول أن نُبقي شعلة الفكر متقدة، ولو في زاوية صغيرة من ذلك الوادي الكبير.
كانت النشرة الجدارية الأسبوعية، التي كانت تصدر عن فصيل الأنصار الشيوعيين، حدثاً صغيراً، لكنه يحمل معنى كبيراً. لوحة تُعلّق على جدار طيني، لكنها تُقرأ بشغف، كأنها نافذة على عالم أوسع. وكان المسؤول عنها حارساً صارماً، لا يسمح بمرور الكلمات إلا إذا اجتازت امتحانه الصامت.
كنت أقدم نصوصي بانتظام، قصيرة ومكثفة، وأنتظر أن أراها معلقة بين غيرها من النصوص. لكن الانتظار كان ينتهي دائماً بالفراغ. لا أثر لكلماتي، ولا تفسير سوى جملة مقتضبة: "غير صالحة للنشر".
لم يكن في العبارة ما يُفسر، لكنها كانت كافية لتثير شيئاً في داخلي، شيئاً بين الدهشة والاحتجاج. كيف يمكن للكلمة أن تكون غير صالحة؟ وبأي معيار تُقاس صلاحيتها؟ وهل للنص حياة مستقلة، أم أنه رهين مزاج من يقرأه؟
في ذلك العالم المعزول، كانت السلطة تتخذ أشكالاً غريبة، حتى في أبسط الأمور. قد لا تكون سلطة صاخبة، لكنها حاضرة، دقيقة، تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى ما يُنشر وما يُحجب، إلى ما يُقال وما يُترك في الظل.
وفي لحظةٍ ما، قررت أن أختبر هذا المعيار الغامض. لم أكتب نصاً جديداً، بل استحضرت صوتاً بعيداً، صوت شاعرٍ لا يحتاج إلى تعريف، شاعرٍ عبر الزمن واللغات ليصل إلينا. ترجمت قصيدة عن الروسية، ونسبتها إلى نفسي، وقدمتها كما أقدم أي نص آخر.
كان الأمر أشبه بتجربة صامتة، أو ربما بمفارقة صغيرة أردت أن أرى كيف ستنتهي.
وجاءت النتيجة كما توقعت… أو ربما كما لم أتوقع.
لم تُنشر القصيدة.
اقتربتُ وسألت، بنفس الهدوء الذي يخفي فضولاً حاداً:
لماذا لم تُنشر؟
وجاء الجواب، جاهزاً، قاطعاً، بلا تردد:
""غير صالحة للنشر
في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن أضحك. لم تكن ضحكة سخرية بقدر ما كانت دهشة مكثفة، دهشة من المفارقة التي تكشفت فجأة.
قلت له، بهدوءٍ هذه المرة:
هل تعرف أن القصيدة للشاعر الروسي بوشكين؟
تغير وجهه، كأن كلمة واحدة أعادت ترتيب كل شيء. لم يعد النص مجرد كلمات عابرة، بل أصبح اسماً، وتاريخاً، ومكانة لا يمكن تجاهلها.
في تلك اللحظة القصيرة، انكشف شيء أعمق من مجرد خطأ في التقدير. انكشف كيف يمكن للاسم أن يمنح النص شرعيته، وكيف يمكن أن تُرفض الكلمات ذاتها إذا جاءت بلا توقيعٍ معروف.
بشتئاشان، بكل ما فيها من جمالٍ وصمت، لم تكن معزولة عن هذه المفارقات الإنسانية. بل ربما كانت تُظهرها بوضوح أكبر، لأنها تضع الإنسان في مواجهة ذاته، بلا ضجيج يُخفي تناقضاته.
هناك، حيث الجبال شاهدة، والضباب يمر كحلمٍ خفيف، تعلمتُ أن الحقيقة لا تكون دائماً في الكلمات، بل في الطريقة التي نراها بها. وأن النص، مهما كان عظيماً، قد يصبح "غير صالح للنشر" إذا لم يجد من يتعرف عليه.
وربما، في نهاية الأمر، لم تكن الحكاية عن قصيدةٍ رفضت، بل عن عالمٍ كامل يبحث عن يقينه.. حتى لو اضطر إلى رفض بوشكين نفسه.
***
جورج منصور
كان الراحل عامر عبد الله بحكم موقعه القيادي في الحزب الشيوعي وتمثيله له في الحكومة بمنصب وزير دولة، على اطلاع او مشاركة بدور ما في العلاقات السوفيتية العراقية، ومنها ما اورده في هذه الاوراق، حيث كتب: قد اتوقف لدى بعض هذه المشكلات والوقائع عن هذه المحادثات، (التي كانت جارية حول مشاريع وعقود) في الموضع المناسب من هذه الاستذكارات، ولكنني ابادر الان الى رواية لقاء معين مع الرفاق السوفييت، تركز حول علاقات الصداقة، والعلاقات الثقافية، ففيه ما يرمز الى شوائب اشرت لها آنفا، والى المنطلق الايديولوجي لحزب البعث الحاكم في العراق في التعامل مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية.
اثر عودتي الى العراق، وجهت رسالتين الى رئيس الجمهورية عن محادثاتي في موسكو وذلك بتاريخ 10 تشرين الثاني 1973، وكانت احدى هاتين الرسالتين مقتصرة على العلاقات العراقية السوفيتية، وقد جاء فيها:
"اثناء وجودي في موسكو جرى تنظيم لقاء لي في دار الصداقة، دار فيه حديث مشوب بالمرارة، وقد حضر من الجانب السوفييتي ثلاثة اشخاص، وفي ظني ان اختيار المكان والاشخاص قد اريد به اخراج الحديث من دائرة المسؤولية الحزبية والحكومية. كما التقيت باخرين فرادى تحدثوا معي في الاتجاه نفسه".
لقد كانت الاحاديث مسهبة واذكر منها ما يلي: من الجانب السوفييتي ..سؤال موجه لي:
- قل لنا من فضلك ما هي مظاهر الصداقة من الجانب العراقي ازاء الاتحاد السوفييتي؟ واستشهد المتحدث بالامثلة التالية:
- المركز الثقافي في بغداد اغلق.
- طلاب الدراسات العليا سحبوا…
- الاتفاقية الثقافية مجمدة.
- دورة تعلم اللغة الروسية اوقفت.
- جمعية الصداقة العراقية - السوفييتية شبه معطلة.
- الممثلون السوفييت في العراق يعاملون بجفاء في وزارة الخارجية ووزارة الاعلام وغيرها من الدوائر الحكومية.
- الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية بدأوا يقفون في الصف الثاني واحيانا في الصف الاخير فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي.
- محاولات لارسال فرقة باليه او اقامة مهرجان للافلام السوفييتية لا تتم الا عبر صعوبات وعراقيل.
يجري كل ذلك في بلد نرتبط معه بمعاهدة صداقة وتعاون… نحن بصراحة لا نعاني من هذه المظاهر في اي بلد اخر، بما في ذلك بلدان عربية لا تربطنا بها صداقة، مثل: سوريا، الجزائر، لبنان، وحتى الاردن واليمن الشمالية.
ثم عقب ا على ذلك بكلام طويل خلاصته:
1- ان العراق هو البلد الوحيد الذي اغلق المراكز الثقافية للاتحاد السوفييتي وجيكوسلوفاكيا، وبودنا ان نعرف الحقيقة كما هي بصراحة، لاننا اوضحنا مرة بعد اخرى للسفير العراقي والجهات العراقية المسؤولة، ان بامكان العراق ان ينشيء مؤسسة ثقافية تابعة للسفارة العراقية في موسكو، كما فعلت سفارة مصر، واكثر من هذا يمكن انشاء هذه المؤسسات في العديد من المدن السوفيتية، ويمكن ان يبداوا بتنفيذ ذلك من الغد. واضافة الى ذلك نحن على استعداد لان نضع بالمجان تحت تصرف العراق جميع مؤسساتنا وقاعاتنا لممارسة اي نشاط ثقافي .. ويؤسفنا ان قرار غلق المركز الثقافي قد وصلنا ونحن نتهيأ للاحتفال باعياد تموز، وقد اضطررنا ان نقول لالاف السوفييت ان يحضروا مثل هذه الاحتفالات، وان مركزنا في بغداد قد اغلق بمناسبة عطلة الصيف، ولا زلنا نتكتم على هذا الامر. فاذا كان العراق الذي تربطنا به معاهدة صداقة يقوم باغلاق مركزنا الثقافي، فماذا يكون حال لبنان والاردن واليمن.. وغيرها؟.
2- في اطار جمعية الصداقة لا نترك مناسبة عراقية والا نحتفل بها في القاعات والصحافة، ولاظهار اهتمام الاتحاد السوفييتي بالصداقة مع العراق، وجرى اختيار رئيس للجمعية بمنصب وزير ، وهو كذلك عضو في اللجنة المركزية للحزب، بينما يترأس جمعية الصداقة في اعراق رئيس جامعة بغداد، وانطباعنا انه غير سعيد بهذه المهمة، ولا يبدي لها اي اهتمام او حماس.
3- بشان الاعتراف بالشهادات من المعاهد السوفييتية، قيل الكثير عن ضعف مناهجنا وعن ضعف اهلية المتخرجين، فلما قمنا بالتدابير الضرورية لضبط دراستهم وتاهيلهم بشكل افضل جرى سحبهم الى العراق. اما الزمالات، بما فيها الزمالات الدراسية المخصصة للعراق في معاهدنا لهذا العام فلم تستكمل، وتوضع في طريق الراغبين في الدراسة في الاتحاد السوفييتي شتى العراقيل. "..ان الاتفاقية بشأن التعاون الثقافي يمكن اعتبارها مجمدة من جانب العراق، وان المسؤولين الكبار في الحزب والدولة يجهلون هذه الامور!".
وتتناول الرسالة هذه الفقرة الاخيرة بالقول:"في اعتقادي انهم لا يجهلونا…وقد اثير بعضها عرضا من قبل احد المسؤولين في القسم الدولي للجنة المركزية، وان تجربة تعاملي معهم قد اكدت لي انهم صبورون جدا وطويلو البال، وشديدو التحرج في الاحكام، وحتى في الالفاظ. ولست اشك ابدا ان الامور السلبية التي يكتمونها او يسكتون عليها، غالبا ما تدخل في مجموع حساب التعامل على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية".
"..واسمحوا لي ان اتساءل عن الحكمة، بل النتائج السلبية التي ستسفر عنها مواقف من قبل:
- مقالات (الثورة) تحت عنوان (ما هكذا ايها الاصدقاء)
- مقال اخر بتوقيع (مراقب ولكن غير دولي)
- اجتزاء خطاب بريجينيف الذي كرس قسما كبيرا فيه لقضية الشرق الاوسط
- اغفال الذكرى السادسة والخمسين لثورة اكتوبر
- موقف اجهزة الاعلام… "
"..كل هذه المظاهر السلبية تستمر وتتفاقم بعد عقد معاهدة الصداقة والتعاون، وبعد موقف الاسناد الصادق الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي ابان الحرب مع (اسرائيل).. فبأي قدر يمكن ان تخدم هذه الامور قضايا وطننا والامة العربية او تسهم في تطوير العلاقات التحالفية بين العراق والاتحاد السوفييتي؟، ألم نستنكر، وكنا على حق، عدم وفاء بعض الاشقاء (هامش: كان احمد حسن ابكر في زيارة للاتحاد السوفييتي وكنت ضمن الوفد الرسمي، قد تحدث طويلا في الجلسة الاولى وبحضور بريجينيف وكوسجين وبونوماريوف وسكاجكوف والمارشال كوليكوف (رئيس الاركان السوفييتية انذاك) وكان من بين فقرات حديثه تنديده بعدم وفاء بعض العرب للاتحاد السوفييتي، واذكر ان بريجينيف قد استوقفه قائلا: "الاتحاد السوفييتي مسكين"، ثم طلب منه مواصلة الحديث) الذين بداوا ايضا، "بوقفة مع الصديق " وانتهوا الى الاضرار بمصالح وطنهم وبقضية الامة العربية كلها!".
".. انني اخشى ان تلقي هذه المواقف بظلالها السلبية على علاقات الصداقة بين البلدين.." وتنتهي الرسالة بمناشدة الرئيس ونائبه "من مواقع الوطنية الصادقة التي يدين بها حزبنا عقيدة، وعملا وكفاحا"، ان يتدخلا شخصيا لتدارك مثل هذه الامور الضارة، وتصفية عواقبها السلبية".
هذا وقد وردت في ذيل هذه الرسالة ملاحظتان:
الاولى: تساؤل من بونوماريوف حول موعد انعقاد مؤتمر حزب البعث، وعما اذا كانت قيادة الحزب ستدعو وفدا من الحزب الشيوعي السوفييتي.
والثانية: الاعراب عن امكانية لقائه مجددا مع صدام، "حيث مر وقت طويل على نقاشاتنا الحادة"، وفق تعبيره، ولم تجد الرسائل والمناشدات في تعديل الموقف، او تبديل العقلية في التعامل مع الاتحاد السوفييتي، فقد كانت شكاوى الجانب السوفييتي التي سمعتها لا تنقطع، ومنها على سبيل المثل:
- شكواهم من طريقة المساومة المالية على المشاريع الاقتصادية ومبيعات الاسلحة بالمقارنة مع مثيلاتها من الدول الراسمالية، والتلويح المستمر بالتحول الى السلاح الغربي الارفع ثمنا، وقد جرى التطرق الى العديد من اسماء الوزراء البعثيين، والعاملين في المؤسسات الاقتصادية، والعسكريين، وبضمنهم، عبد الجبار شنشل، رئيس الاركان، وعبدو الديري، قائد القوة البحرية وغيرهما.
واذكر مثلا المساومة المضنية حول طائرات الاستطلاع والطائرات الاعتراضية من نوع ميغ 25 التي لم تنته الى نتيجة، بسبب اصرار الجانب العراقي على رقم 4 ملايين دولار عن ما طلب الجانب السوفييتي 8 ملايين دولار، بينما ثمن الطائرة الامريكية المماثلة هو 15 مليون دولار.. وكذلك فيما يتعلق بالمحادثات والحوار الطويل حول بناء قاعدتين جويتين، وخط نقل النفط من كركوك والبصرة،. الميناء العميق، ومشروع ري كركوك وغيرها من المشاريع الكبرى التي جرى التعاقد عليها مع شركات غربية.
كما اذكر شكوى السوفييت من تجميد العراق لمعدات تصليح السفن في البصرة ورفض عقد اتفاقية بشأن الاستخدام المشترك لها، وكذلك من سوء ظروف العيش لعدد من الخبراء السوفييت، والجدل حول اجور تدريب الطيارين وتاخر شحنات السلاح فضلا عن الانتقادات لصلاحية طائرة الميغ 23 التي سقط عدد منها اثناء التحليق في العراق بسبب سوء الدراسة وبعض التدريب، والاحتجاج على التحليقات الليلية لطائرات الاستطلاع السوفيتية على ارتفاعات شاهقة في الاجواء العراقية - الايرانية.
- الشكاوى من جانب العراق، حول صلاحية الصواريخ السوفييتية او تقادمها، كذلك المعدات والمكائن، وفي فترة قلة مشتريات الاتحاد السوفييتي من نفط العراق…الخ. هذا الى جانب حوادث مسيئة، كان اخرها الضغط على الاتحاد السوفييتي لنقل سفارته الى مكان اخر، وكان قطع الماء والكهرباء عن العاملين في السفارة، واذكر بهذا الصدد مشاعر السخط التي لمستها في صوت وقول احدهم لي:
- اذا كان الرفيق البكر يتوجس من عمليات التقاط الاصوات والاحاديث في القصر الجمهوري فقل له، ان شيئا من ذلك لم يحدث ولسنا بحاجة اليه، وبالتالي فقد تطورت التكنولوجيا بهذا الشان لدرجة لن يكون فيها فرق بين وجود سفارتنا في كرادة كريم او في المنصور، واذا شاء الرئيس فنستطيع ان نقدم له صورة للقصر الجمهوري ملتقطة بالاقمار الصناعية كهدية وسيرى فيها ادق التفاصيل وبما لا يزيد عن حجم كرسي اعتيادي.
كل ما اسلفت ذكره من امثلة ووقائع، كنت اخاطب به (البكر) في رسائل ومذكرات واحاديث.. وكان يستجيب او يبدى التفهم احيانا، او يجادل ويبدي التحفظ احيانا اخرى.
(يتبع)
***
اعداد وتقديم: كاظم الموسوي
التأريخ بأحداثه تعبير عن السلوك البشري الفردي والجماعي، ولكي نفهم التأريخ بموضوعية، لابد للمؤرخ أن تكون عنده إحاطة بالعلوم النفسية، ليمتلك منظارا واضحا وهو يقرأ ويقيّم ما دوّن من وقائع وأحداث.
كما لا بد له أن يطلع على ما سطره الشعراء في الفترة التي يدرسها، فما دام الشعر ديوان العرب فأنه مصدر من مصادر التأريخ، ومن الواضح أن زهير بن أبي سلمى أرّخ بجلاء أحداث حرب داحس والغبراء، وهناك العديد من الشعراء الذين وثقوا أحداث أيامهم.
فمثلا عندما يُقال أن الخليفة الفلاني لديه 4000 جارية قضى وطره منهن جميعا، لا بد من فهم البشر، وهل يستطيع فرد واحد أن يفعل ذلك، وهل ما ذُكِر يتوافق مع عمره ومسؤوليته، وهل أنه يعاني من حالة مرضية ما؟
فالسائد في كتب التأريخ أنهم يُخرجون أناس السلطة من بشريتهم، ويضفون عليهم خصالا لا توجد عند البشر، وتتعارض مع الطاقة البايولوجية والنفسية للمخلوق.
علما أن معظم الخلفاء عاشوا في رعب وقلق، وأكثرهم مات مبكرا، ولا يوجد خليفة إمتد به العمر إلا بضعة في تأريخنا.
فكتابة التأريخ وتوثيقة بحاجة لتأني وتمحيص عقلاني، وقدرة على قراءة الصورة لكي تبدو واضحة، فما وردنا من تأريخ فيه ألغاز تحتاج إلى فك رموزها وإستظهار ما تشير إليه.
ومعظم الأحدث لم تُكتب في حينها، بل بعد فترات زمنية تقاس بالعقود وأكثر، ويعتمد أكثر المؤرخين على المرويات المتناقلة، والتفاعلات مع ما جرى في غير وقته وظروفه المكانية، فيكون المؤرخ معبرا عن رأيه وربما يخلط موقفه وتصوراته فيما يكتبه، فلا توجد كتابات تأريخية نزيهة، وخالية من شوائب النفوس وأمّاراتها التي فيها.
في عصرنا الثري بالمعلومات وأدوات الدراسة والبحث الرصين، علينا أن نقرأ بعيون العقل ونستحضر مهارات البصائر وطاقات الوصول إلى جوهر الحقيقة المتصلة بالحدث الوارد إلينا والذي تكرر في أجيالنا، حتى بلغ درجات اليقين.
هو التأريخُ يأتينا مُشيرا
لأحْداثٍ إذا صَنعتْ مَسيرا
يُحيّرُنا بما كتبوا وقالوا
ويجعلُ عقلَنا دوماً أسيرا
فهلْ صدقتْ كتاباتٌ تناءَتْ
مُدوّنَةٌ فهلْ كشفتْ عَسيرا
***
د. صادق السامرائي
جاء إنعقاد مؤتمر السباع، بعد سلسلة من اللقاءات التمهيدية في بدايات عام 1948، استجابةً لحاجة ملحّة لتوحيد الجهود الطلابية ضمن إطار منظم، بعد أن كانت أكثر النشاطات تتم بصورة متفرقة. وبجهود نخبة من بعض الطلاب المستقلين في بغداد انعقد المؤتمر في ساحة السباع، كخطوة تنظيمية مهمة مهّدت لتأسيس اتحاد الطلبة العام في 14 نيسان/ أبريل 1948، الذي يُعد محطة تاريخية مهمة ذات أبعاد وطنية وثقافية عميقة، عززت من تجليات الوعي الشبابي المنظم في تلك المرحلة.
لم يكن تأسيس الاتحاد بإشراف جهة حكومية رسمية، بل جاء نتيجة مبادرات طلابية من اتجاهات فكرية وسياسية متعددة. كان الطابع العام على الاتحاد هو الاستقلالية النسبية، رغم تأثره ببعض الأحزاب والتيارات السياسية السائدة في تلك الفترة. تأسس الاتحاد وسط أجواء معقدة مشحونة بالصراعات السياسية والاجتماعية المتزامنة مع أحداث وثبة كانون 1948، التي كان للطلبة الدور المميز فيها بين القوى الوطنية التي استشعرت بضرورة التنظيم والعمل الجماعي. لم تكن فكرة التأسيس حدثاً عابراً، بل جاءت تتويجاً لحراك فكري واجتماعي متواصل، اكتسب الاتحاد من خلاله الشرعية بعد مسار نضالي وثيق بقضايا المجتمع، بحيث أصبحت نشاطاته لم تنحصر داخل أسوار المؤسسات التعليمية، بل امتدت لتلامس هموم شرائح مجتمعية واسعة، بدءاً من الدفاع عن الحريات الأكاديمية، وصولاً إلى الإسهام في الحراك الوطني العام.
شهدت أربعينيات القرن الماضي، تصاعد نشاط الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار، وتزايد المطالب بضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الوسط الطلابي، بوصفه أحد أكثر الأوساط حيوية وتأثراً بالتحولات، فانبثقت فكرة التأسيس من الحاجة إلى إطار موحّد يجمع الطلبة من مختلف المؤسسات التعليمية، وقد لعبت التجمعات الطلابية والأنشطة الثقافية، مثل الندوات والمنتديات الأدبية، دوراً كبيراً في تعزيز هذا المسار، ولا ننسى التأثير الخارجي من روافد الحركات الطلابية العربية والعالمية التي وطدت فكرة التنظيم المهني بين الأوساط الطلابية.
لم يكن الاتحاد مجرد إطار طلابي مهني يعنى بشؤون الطلبة فحسب، بل كان منذ نشأته، فضاءً حيوياً لتجسيد الهُوِية الوطنية وتعضيد روح المشاركة المدنية ومنبراً للتعبير عن تطلعات جيل كامل من الطلبة نحو مفاهيم عصرية ترتبط بالحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم العلمي. فقد ترك الاتحاد بصمات ملموسة على المستويين الثقافي والسياسي، من خلال اسهاماته المؤثرة في نشر الوعي الديمقراطي بين أوساط الطلبة، التي عززت من قيم الحوار والتفاهم بين مختلف توجهات الطلبة، وأتاح الاتحاد مساحة واسعة للتفاعل بين مختلف التيارات الفكرية، ولعب دوراً مؤثراً في إعداد شخصيات قيادية أسهمت لاحقاً في مجالات متعددة في كيان المجتمع العراقي.
كان الشاعر محمد مهدي الجواهري أحد أبرز الأصوات الأدبية التي ارتبطت بالحركة الوطنية والطلابية في العراق، الذي أسهم في دعم الحركة الطلابية معنوياً من خلال شعره ومواقفه، لأنه كان يرى في الطلبة طليعة التغيير وقوة فاعلة في المجتمع. وفي إطار مناسبة التأسيس، كتب الكثير من القصائد التي أشاد فيها بدور الشباب والطلبة، مجسداً في شعره روح التمرد على الظلم والدعوة إلى الحرية، بحيث تحولت بعض قصائده إلى ما يشبه الأناشيد التي يتداولها الطلبة في فعالياتهم، لما تحمله من حماسة وصدق تعبيري في مسيرة نضالهم.
تكمن أهمية استذكار تأسيس الاتحاد في البعد الرمزي لما تحمله الذاكرة الجمعية من صور بطولية لنضالات وتضحيات شريحة واسعة من الطلبة، بل أعادت التأكيد على دور الشباب الطلبة بوصفهم قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي. كما أنها فتحت المجال أمام مراجعة نقدية لتجربة العمل الطلابي، بما تحمله من نجاحات وإخفاقات، وهو ما يسهم في بلورة رؤى أكثر نضجاً لمستقبل الحركة الطلابية، وفي تجسيد الإرادة الجماعية التي وحّدت الطلبة حول أهداف مشتركة، في مقدمتها الدفاع عن الحقوق والحريات التي تصب في توطيد القيم الوطنية بإطار لحظات وعي تاريخي أدرك فيها الطلبة قدرتهم على الفعل والتأثير، لا بوصفهم أفراداً متفرقين، بل كقوة منظمة تمتلك صوتاً ومشروعاً وطنياً يتجاوز حدود التحصيل العلمي.
إن الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية لذكرى تأسيس الاتحاد تتجاوز الحدود الرمزية للماضي، بل تهدف إلى تشكيل أداة حيوية لفهم الحاضر واستشراف لمستقبل واعد، فهي مناسبة لإعادة التأكيد على أن الحركة الطلابية، إذا توفرت لها الظروف المناسبة، ليست هامشية بل أساسية في بناء وتطور المجتمع وبالتالي الإسهام القوي في بناء مرتكزات الدولة الحديثة.
فإحياء ذكرى التأسيس تحمل أبعاداً متشابكة، تعكس طبيعة الدور الذي لعبته الحركة الطلابية في تشكيل الوعي الجمعي المرتبط بقيم التضامن والتكافل بين الطلبة، لأن الاتحاد كان فضاءً جامعاً لمختلف الانتماءات المناطقية والطبقية التي أسهمت في تعزيز الإحساس بالهُوِية الوطنية العابرة للانقسامات، ورسّخت فكرة أن المؤسسات التعليمية ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت بيئة تربوية مؤثرة في نشر الثقافة المدنية على مسارات التحول داخل المجتمع من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والتطوعية التي كانت تُنظم باسم الاتحاد.
كان الاتحاد العام مدرسة سياسية خرّجت أجيالاً من الناشطين والقادة، وصوتاً معبراً عن تطلعات الطلبة نحو الإصلاح والتغيير، والمشاركة في تشكيل مواقف الرأي العام إزاء القضايا المصيرية، فالاستذكار يحمل دلالة سياسية مزدوجة تعكس تقديراً رفيعاً للطلبة في الدفاع عن الحريات والحقوق، وتفتح المجال أمام الكثير من التساؤلات حول واقع الحريات الأكاديمية اليوم، ومدى استقلالية العمل الطلابي في ظل المتغيرات السريعة والتحولات السياسية المتلاحقة في بيئة تمتاز بعدم الاستقرار.
لا تزال هذه الذكرى تُستقبل بمزيج من الاعتزاز والحنين، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات مشروعة حول الواقع المتردي للعمل الطلابي اليوم، ومدى قدرته على استعادة بريق الإرث التاريخي، فالتحديات الراهنة من المتغيرات الاجتماعية وتصدع القيم والتحولات السياسية وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة والتقنيات المعاصرة، التي فرضت على الحركة الطلابية في إعادة تعريف أدواتها وأهدافها بما يتلاءم والمتغيرات المعاصرة.
كان دور اتحاد الطلبة العام محورياً في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، ليس فقط كتنظيم طلابي، بل كرافعة سياسية وثقافية واجتماعية مرتبطة بشكل وثيق بنشاط الحزب الشيوعي العراقي. كان نشاط الاتحاد يعكس عمق نفوذ الحزب داخل المجتمع كأداة تعبئة جماهيرية فعالة ومنصة لصقل الوعي الوطني والديمقراطي وحلقة وصل بين الأجيال الشابة والعمل السياسي. لذلك فإن تقييم قرار تجميده، خلال فترة ما يسمى بالجبهة الوطنية، كثيراً ما يأتي بنبرة نقدية حادة، ويُوصف عند الكثير من المحللين السياسيين وفي القراءات التاريخية والنقدية بأنه كان خطأً فادحاً لأنه قطع الشريان الحيوي للحزب، وأضعف الحزب والحركة الوطنية معاً وأدى إلى تراجع حضور التيار اليساري، حيث تم التضحية بأدوات القوة الذاتية مقابل مكاسب سياسية مؤقتة، وثبت لاحقاً أن هذه التنازلات لم تحمِ الحزب من المطاردة والاضطهاد السياسي.
ختاماً يمكن القول بأن تأسيس الاتحاد العام قد شكّل نقطة تحول في تاريخ الحركة الطلابية العراقية، بعد أن أصبح إطاراً تمثيلياً واسعاً للطلبة بمختلف توجهاتهم. وستبقى ذكرى تأسيسه أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، بل إنها دعوة متجددة لاستلهام روح المبادرة والعمل الجماعي، وتأكيد على أن الطلبة، بوصفهم طليعة المجتمع، لديهم القدرة والإرادة على الإسهام في بناء مستقبل أكثر إشراقاً، متى ما توفرت لهم البيئة والرؤية وإدارة التنظيم الجيد.
***
د. عبد الحسين الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا
عندما حضرت حلقات النسوية للدكتور البشير عصام المراكشي انصدمت من التحرر الذي يدعو إليه الغرب، وقد أرعبتني أفكارهم الشيطانية التي يدعون النسوية إليها؛ فهم يريدون للمرأة الفردانية المطلقة؛ أي تحويل المرأة إلى فرد مستقل تماماً لا يرتبط بأسرة ولا بقيم دينية، بل يرتبط فقط بـ "الدولة" و"السوق"، مما يسهل استغلالها اقتصادياً وتفكيك المجتمع من نواته الأولى (الأسرة).
وفكرة البرنامج تتمحور حول أن الحركة النسوية المعاصرة، وإن رفعت شعارات "التحرر"، قد تحولت في الحقيقة إلى أداة طيعة في يد النظام الرأسمالي لتحويل المرأة من "كيان إنساني وأسري" إلى "وحدة إنتاجية" تخدم أصحاب العمل.
الفردانية المطلقة: فخ التفكيك المجتمعي
(المرأة التي كانت ملكة في بيتها، تملك وقتها وقرارها وتدير مملكتها الصغيرة، أصبحت اليوم تلهث وراء (أجر زهيد) وتخضع لسلطة مدير لا يرحم، وتسمي ذلك تحرراً!) "من كتاب "النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق"
كانت الأسرة في صورتها المتوازنة تمنح المرأة مساحة من الاستقرار والقرار داخل بيتها، لكن التحولات الاقتصادية الحديثة دفعت بكثير من النساء إلى سوق العمل، أحياناً بدافع الحاجة، وأحياناً تحت ضغط اجتماعي يصور العمل الخارجي بوصفه المعيار الوحيد للقيمة.
لقد أصبحت المرأة بعد حركة النسوية هذه سلعة تُباع وتُشترى لكن بطريقة مغلفة بالتحضر والتقدم والرقي، وبكلام فلسفي أعادوا زمن الاستعباد وجعلوا المرأة كالجارية، لكنهم استخدموا مصطلحاً متحضرًا ومتحرراً فأسموها عاملة، وموظفة تخدم المجتمع، وباسم التحرر استعبدوها وجعلوها تدمر حياتها وشبابها وتتخلى عن استقرارها، وعن أهم مهمة في حياتها وأكبر أحلامها وهي أسرة سعيدة وأبناء حولها ومنزل تسكن فيه هنيئة ومطمئنة، لأن هذه هي فطرتها السوية التي خلقها الله عليها، ولكنهم للأسف جردوها منها بكلامهم المعسول عن الحرية التي تتربص بها خارج مملكتها الآمنة، قتلوا المرأة وجردوها من أنوثتها باسم تحريرها ومساواتها مع الرجال في مجتمعات تافهة لا تعرف أن الاختلاف سُنة الله في الكون؛ فإن تشابهت الأعمال والغايات والأهداف فلن تتشابه المقاييس الحيوية والبيولوجية التي بناها الله في كل الكائنات بدقة متناهية ونظام بديع وبأشكال مختلفة.
الجارية المعاصرة: استعبادٌ مغلفٌ برداء الرقي
إن طمس الفوارق الطبيعية بين الجنسين قد يؤدي إلى ارتباك في الأدوار، بحيث تفقد كل من الأنوثة والذكورة توازنها الطبيعي بدلاً من أن تتكامل؛ فالذكورة إن اختلت وأصبحت رقيقة وحساسة أصبح الرجل مجرد كائن بغيض مقرف، والأنوثة أيضاً إن أصبحت خشنة وقوية أصبحت المرأة مجرد صورة من بعيد تراها تحسبها أنثى وعندما تقترب منها تعرف أنها كائن متحول مخيف. وحركة النسوية الرأسمالية تلك قد سممت كل معاني الأنوثة، وجعلت من الألقاب التي كانت فخر المرأة تصبح عاراً وبطالة في نظرهم المعتم؛ فلقب ربة منزل ولقب الأم والمربية ولقب الزوجة المطيعة كلها أصبحت ألقاباً سُمية قاتلة بالنسبة لنساء اليوم.
فبحسب الدراسات فإن كثيراً من النساء تملن – نفسياً واجتماعياً – إلى تقدير الاستقرار الأسري ودور الأمومة، وهو ما تؤكده دراسات في علم النفس الأسري، لكن الخطاب المعاصر أحياناً يقلل من قيمة هذه الأدوار لصالح أدوار إنتاجية بحتة.
"لقد أصبحت الأمومة في المنظور النسوي الحديث نوعاً من أنواع (الإعاقة) التي تعيق المرأة عن اللحاق بركب المادة، فبدلاً من تكريم الأم، أصبح يُنظر إليها كفرد عاطل عن الإنتاج." من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
المال والبنون زينة الحياة الدنيا فكيف نحرم أنفسنا من تلك النعمة ومن أجمل ما في الحياة لكي نعيش في شقاء أبدي وكدح لا ينتهي؟ أي عقول تلك التي تختار العيش الهمجي بقانون البقاء على قيد السعي والعمل؟ كيف تفني المرأة حياتها كادحة في أسواق الرجال تبيع وتشتري؟ ألم تكن قبل الإسلام تُعرض في تلك الأسواق نفسها لكنها كانت تُباع فيها وتُشترى؟ وبعد الإسلام أصبحت ملكة لا مملوكة، ولكن طريقة الغرب في الإقناع جعلتها تصدق أن خروجها للأسواق يعد تحرراً ورقيّاً وانتصاراً لأنوثتها التي صانها الإسلام عن العيون الماكرة وعن النفوس الخبيثة، حركة النسوية هذه تجاوزت حدها ومسحت الأنوثة من كل أنثى صدقتها.
تزييف الفطرة.. حين تضيع الحدود بين الذكورة والأنوثة
(إن النسوية حركة (ضد المرأة) في المقام الأول؛ لأنها تزدري كل ما هو أنثوي أصيل (كالحياء، والسكينة، والتربية) وتعتبره مظهراً من مظاهر الضعف.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
ورغم أن كلامهم عن التحرر عكس ما يدعون المرأة إليه، إلا أنه وللأسف هناك من تتأثر بما يقال، فمن البيان سحراً يسحر الألباب، وبكلامهم المبهرج وتلاعبهم بالمصطلحات جعلوا ربة المنزل تخجل من عملها وتظن أنها غير مفيدة لمجتمعها ولنفسها، صدقت أن اعتمادها على الرجل ضعف بينما هو القوة التي سخرها الله لها لحمايتها وللقوامة عليها، المرأة التي تكتفي بتربية أبنائها وبالاهتمام ببيتها وبزوجها هي التي تعرف معنى أن تكون أنثى ومعنى أن تعيش ملكة حرة طليقة في مملكتها لا تخدم أحداً ولا تعمل أعمال الرجال لتنال أجر عملها؛ فهي مصونة مكرمة عندها كل ما تحتاج إليه. عن أي نسوية يتحدثون بالله عليكم؟ تلك التي تقدح ليل نهار لتأخذ أجرها وتعود لمنزل فارغ لا حب يملؤه ولا أسرة تدفئه، لا زوج حنون ولا أبناء يملؤون قلبها وحياتها بالحياة الحقيقية. عن أي حقوق يتحدث هؤلاء وهم يحرمون المرأة من كل هذه الحقوق؟ فهي لا تحتاج غيرها ولا تريد حياة صاخبة متعبة مثل حياة الرجال لكنها فتنة تفتن فيها النساء وتقع ضحيتها الأسر وتدمر بسببها المجتمعات وتنهدم بعد ذلك الحضارات.
(إن النسوية لم تطمح لجعل المرأة مساوية للرجل في الكرامة، بل طمحت لجعلها (نسخة رديئة) من الرجل، فأجبرتها على خوض معارك ليست معاركها، وقيدتها بمقاييس ذكورية بحتة.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
المرأة خلقت رقيقة وحساسة لتكون سكناً ورحمة لزوجها؛ هو يتعب ويعمل ليصرف عليها ويوفر لها كل ما تحتاجه في حياتها، وهي توفر له كل ما يحتاجه في بيته من مأكل وملبس ونظافة وراحة وأبناء بارين وحياة دافئة، هذه هي الأسرة التي يتكون منها المجتمع الراقي وتبنى بها الحضارات بقانون ونظام وتطور حقيقي.
دورانٌ في الفراغ: مقايضة المودة بالأجر المادي
إن ما حدث ليس تحرراً من الأعباء، بل هو (تبادل للأدوار) في سوق مادية جافة؛ فالمرأة التي كانت تخدم بيتها بحب، أصبحت اليوم تخدم في بيوت الآخرين أو شركاتهم لتنال أجراً تدفعه لاحقاً لامرأة أخرى (موظفة الحضانة أو العاملة المنزلية) لتقوم بمهامها الأصلية! لقد تحولت المودة إلى مقارنة ومنافسة، وضاعت (البركة) في هذا الدوران المفرغ لإثبات الذات الأنانية وإثبات الكمال الزائف للرجل والمرأة؛ تدمرت الأسرة حين غابت المرأة عنها ولم يعد هناك رجل عظيم في زماننا لأن لا امرأة في بيته تخرج عظمته، لا يوجد جيل فاتح لفلسطين لأن الأمهات غير متفرغات لتربية الأبطال الفاتحين، غابت الأم وغابت الأخت وغابت المربية وغابت ربة المنزل وغابت الزوجة المطيعة فغابت الرجولة والبطولة والنخوة والنصرة وغابت المجتمعات ثم غابت عنا الحضارة بأكملها...
حيث تخرج الأم لتبني شركات الغرباء، وتترك بناءها الحقيقي (أبناءها) ليقوم به غرباء آخرون بالأجر. فهل استقرت النفس؟ وهل ارتاحت الأجساد؟ أم أننا نعيش في خدعة كبرى، حيث نركض طوال اليوم لنجمع المال لنشتري به (خدمات) كان الحب والرحمة يقدمانها مجاناً في ظل مملكة الأسرة الدافئة؟
ولكن هناك نساء ما زلن محتفظات بدورهن بل إنها تأخذ دور الرجل بكل أنوثة، نساء عاملات لكن ليس لإثبات أنفسهن بل لبناء جيل الفاتحين، هن قلائل لكنهن يعادلن ألف امرأة، فخروجهن كان ضرورة، خرجن للبناء وليس للعرض ولا للاستعراض والمقارنة مع الرجال. أولئك النساء علمننا أن المرأة تستطيع أن تأخذ دور الرجال بكل بساطة، لكن دورها يعجز عن أخذه ألف رجل. المرأة الناجحة هي التي تعمل وتحلم وتسعى لنيل الأهداف لكنها تعرف كيف تحفظ حقوق المجتمع بالمحافظة على أسرتها من الضياع والشتات. المرأة التي لا تضحي بأحلامها لكنها لا تدمر أسرتها ولا تهدم بيتها لتنال مناصب زائفة ولتحقق أحلاماً غير سعيدة بعد أن تركت جيلاً كاملاً يراقبها بدموع الحرمان. المرأة التي ربت أبناءها وحافظت على بيتها، تعلمت واجتهدت ووازنت بين حقها وواجبها؛ تلك التي يقال أن لها علينا حقاً وحقوقها كلها محفوظة رغم أنف المجتمع والعالم بأكمله.
***
بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي
حين يطل الربيع، يوقظ في النفس، باطلالته البهية، أعمق مكامن الإحساس، حيث يعيد ترتيب العلاقة بين وجدان الإنسان والطبيعة، ويعيد تشكيل التجليات، بين الداخل والخارج.
وهكذا يتميز الربيع بانه ذلك الفصل الذي تتوهج فيه الحواس، وتتوقد فيه المشاعر، فتغدو الروح أكثر شفافية، ويظهر الحس فيه أكثر توهجا، واعلى قدرة على التقاط جماليات الربيع، في أدق تجلياتها.
ففي الربيع، تتبدّل اللغة؛ فلا تعود المفردات كافية لوصف ما يحدث في اعماق الوجدان من تأملات، حيث تتفتح الأزهار، كما لو أنّها استعارة حية، للتعبير عن دلالات توهج الوجدان، وينساب النسيم المعطر براحة الورود الزكية، نفحات خفية، تحمل رسائل الرقة والطمأنينة، حيث يصبح الحس المرهف، أداة إدراك حية، تتجاوز قدرات المنطق، وتغدو التفاصيل الصغيرة في المشهد، باهتزاز ورقة، أو تمايل غصن عشبة، لحظات عاطفية، تثير المزيد من الدهشة.
ولا ريب أن توهج الحس المرهف في فصل الربيع، لا ينفصل عن توقد المشاعر، حيث تغدو العاطفة في الربيع، ليست مجرد انفعال عابر، بل حالة من الإمتلاء الوجداني، تتداخل فيها الذكريات، مع حس الحاضر، وتنبعث فيها مشاعر الأمل، والتطلع المتجدّد، كأن الذات تستعيد قدرتها الأولى على الحلم.
وهكذا ارتبط الربيع في الأدب بعودة الحياة، لا إلى الأرض، فحسب، بل إلى القلب، والوجدان أيضًا، اذ ان أجمل ما في تجليات جماليات الربيع، أنها لا تفرض على المتلقي، رغم حضورها المتجسد أمام الوجدان في اللحظة، وانما تستكشف بالتفاعل الخلاق المرهف، لتاتي دعوة مفتوحة للتأمل، والتطلع، لإعادة اكتشاف الذات، عبر مرآة الطبيعة، حيث يجد الإنسان نفسه عندئذ، أقرب إلى جوهره، وأكثر انسجاما مع إيقاع الوجود، فيكون الربيع بهذا المعنى، ليس زمنا خارجيا مجردا، بل حالة داخلية، يتجلى فيها الجمال كقيمة شعورية، ويتحول فيها الحس المرهف، إلى حافز، يحقق فيه الإنسان ذاته.
وياتي توهّج الحس المرهف، وتوقد المشاعر الوجدانية، في فصل الربيع، انعكاسا صادقا، لانسجام خفي، بين الإنسان والطبيعة، حيث يصبح الجمال عندئذ، لغة مشتركة، ويغدو الشعور الوجداني، فعل حياة.
***
نايف عبوش
التحليل السياسي ليس مجرد كلام لا منطق ولا رابط له، كلام بلا عمق تاريخي ولا فقه لواقع الأحداث ولا استشراف لما يحدث في المستقبل بامتلاك معلومات دقيقة ومعطيات من العدو نفسه..وما شاهدناه على بعض القنوات من محللين لا يملكون شروط المحلل السياسي فقد يتساءل المستمع أو المشاهد هل يملك حقيقة هذا الشخص شهادة الدكتتوراه وهل ينتسب حقيقة إلى مراكز فكرية ومؤسسات استراتيجية؟
فحسب ويكبيديا "التحليل السياسي (بالإنجليزية: Political analysis) هو عملية فهم وإدراك عميق لجذور وأصول الممارسة السياسية، ويشمل ذلك الاهتمام بالأيديولوجيات والعقائد ومصالح الأطراف المعنية. يركز التحليل السياسي أيضًا على نتائج السياسة وأهدافها، ويعتبر نوعًا من التفكير الاستراتيجي الذي يسعى لفهم طبيعة الأحداث السياسية وأسبابها ومساراتها، والدوافع التي تؤدي إلى حدوثها..." (1)
فمن شروط المحلل السياسي أن يدرك عمق المشكلات والصراعات التي تختلط فيها المعتفدات بالمصالح وان يفقه متغيرات الواقع والأطراف المتصارعة ويحدد الأعداء المشاركين بقوة والأقل مشاركة والمحايدين...
التحليل السياسي حسب. د. محمد العمر هو مهنة غايتها تنوير الأذهان وتقديم خدمة مجتمعية معرفية مرتكزة أساسا على النزاهة والأمانة العلمية لهذه المهنة جناحان مؤثران لا غنى عنهما:
الجناح الأول يمثل المعرفة العميقة والنظرة الثاقبة للمحل السياسي القادر على استشراف الأحداث وتحليلها استنادا إلى مخزون عالي الجودة من الدراية العلمية والقدرة على ربط المعلومات وتصنيفها في إطارها الصحيح والمناسب.
الجناح الثاني يعتمد على قدرة المحلل السياسي على الحصول على معلومات خاصة وغير متاحة للعامة من مصادرها الأولية لدى صناع القرار وقدرته على دمجها في سياقها العام ومقاطعتها مع بقية المعلومات والقرائن القادمة من اتجاهات أخرى ليتمكن الشخص في النهاية من تقديم رؤية منطقية وواقعية تنير أذهان الجمهور وتحدد له بوصلة الاتجاه المرجح للأحداث"(2).
فعلى القنوات ان لا تنخدع بحملة الشهادات بل عليها ان تتأكد من السيرة الذاتية للضيف ما هي الكتب التي نشرها والأبحاث التي شارك بها والمراكز التي اشتغل بها ؟حتى تقلل من هؤلاء المحللين المزيفين الذي لا يملكون لا معرفة ولا امانة علمية فقط تستهويهم الأضواء والألقاب...
***
شدري معمر علي - كاتب وباحث / الجزائر
.....................
1- ويكبيديا.
2- د. محمد العمر، التحليل السياسي العربي مهنة من لا مهنة له موقع الجزيرة نت.
قتلوا المتوكل والفتح بن خاقان وكان معهما البحتري الذي لم يُقتل، والمعروف أن القتلة يمحقون أي شاهد على جريمتهم، فلماذا لم يُقتل البحتري معهما؟
سؤال يستحق النظر ويثير أسئلة!!
أين قتلوهما؟
في البركة الحسناء؟
لا يوجد دليل واضح على مكان الفتل، لكنه على الأرجح في البركة التي يتنادمون فيها عند المساء.
هل أن البحتري كان متواطئا؟
هل أنه أفشى نية المتوكل بقتل المنتصر؟
الحادث ملغز ولا يمكن إعفاء البحتري من التورط فيه!!
طبائع الأمور تشير إلى أنه كان يجب أن يكون مقتولا معهما، لكنه نجا من الموت، ولم يبح بشهادته بصدق وجرأة، وراح يمدح قاتل المتوكل بعد بضعة أيام أو أسابيع، ولا توجد قصائد تشير إلى تأثره وحزنه العميق على ولي نعمته الذي تعهده بالرعاية طيلة خلافته، مما يشير إلى نفسيته التسولية التي لا يهمها إلا كم من المال تجني، فهو من أبشع المتكسبين بالشعر.
قد يتعجب الكثيرون مما تقدم، لكني أقرأ ديوانه وتتضح نفسيته وسلوكه أمامي، وكأني أراه كيف يتكسب ببضاعته ويسوقها على كراسي البلاط، وما يهمه المال فقط، ولا قيمة عنده لغيره كما تشير قصائده الممعنة بالمديح والإطراء الكاذب الدجّال.
أنه من الشعراء الكبار، ويحسب له ألف حساب، لكن مَن هو لولا المتوكل وأبو تمام، إنه من صناعتهما ولم يكن وفيا لهما كما ينبغي، وأظنه هو الذي وشى بأبي تمام عند الواثق فأبعده إلى الموصل، ومواقفه بعد مقتل المتوكل لا تحتاج إلى دليل.
ومن المعروف ما تسبب به للشاعر علي بن الجهم، وكيف جعل المتوكل يغضب عليه ويضعه في السجن، ويبرهن بذلك عن أنانيته وهيمنته على البلاط العباسي، وإحتكاره لدوره وقربه من الخلفاء بلا تمييز ما دامت العطاءات مجزية.
المشكلة في دراستنا للتراث أننا نضع شخوصه في عروش مقدسة ونخشى الإقتراب منهم بموضوعية وجرأة، لأن ذلك من الممنوعات والسلوكيات المرفوضة، ويبقى البحتري رغم شاعريته وقدرته التعبيرية، شخصية ذات منافع ويتكسب بشعره كغيره، ولكونه قريب من البلاط ذاعت شهرته وطمس صيت معاصريه. فمعظم الشعراء الذين إشتهروا كانوا على مقربة من مراكز السلطة.
شاعرٌ عاشَ قريباً للكراسي
لا يُبالي يَتغنّى بالمآسي
جاءَ يَسعى نحوَ إثْراءٍ جَزيلٍ
يَتباهى بمُجيداتِ افْتراسِ
غادرٌ فيها ويَبقى مُسْتهابا
وعدوّا ومُسيئا للأناسي
***
د. صادق السامرائي
لم تكن سيرة الدكتور نوري جعفر (1914-1991) مجرد مسار أكاديمي أو حضور عابر في فضاءات الفكر، بل كانت تجربة إنسانية وفكرية متكاملة، تجسد معنى العطاء الأصيل، وتفتح أمام الباحثين آفاقاً رحبة للتأمل والدراسة. فقد مثل هذا المفكر نموذجاً نادراً للعقل الموسوعي، الذي جمع بين التربية وعلم النفس، وبين الفلسفة والسياسة، فضلاً عن انشغاله العميق بقضايا الدين والأدب، ليقدم مشروعاً فكرياً يتجاوز حدود التخصص الضيق نحو أفق إنساني شامل.
لقد شغل جعفر موقعاً متقدماً في الحراك الثقافي العراقي والعربي، ولم تقتصر جهوده على الإطار المحلي، بل امتدت إلى المحافل الدولية، حيث مثل العراق في مؤتمرات علمية تناولت قضايا الإبداع والابتكار ورعاية الموهوبين. وكانت كتاباته موزعة بوعي بين التراث والمعاصرة، وبين أسئلة الهوية ومتطلبات التقدم العلمي والتكنولوجي، في محاولة لخلق توازن دقيق بين الأصالة والتحديث.
وفي قلب هذا المشروع، تبرز رؤيته التربوية بوصفها جوهر تفكيره؛ إذ كان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يتحقق إلا بفهم طبيعته المركبة، حيث تتداخل الأبعاد العقلية والنفسية والاجتماعية والجسدية في تشكيل الشخصية الإنسانية. ومن هنا، دعا إلى صياغة مناهج تعليمية تنسجم مع طبيعة المتعلم، وتحرره من قيود التلقين، لتجعله شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلق سلبي لها.
لقد كان جعفر من أوائل الداعين إلى إعادة النظر الجذرية في بنية النظام التعليمي، سواء في محتوى المناهج أو في طرائق التدريس. فقد رأى أن التعليم الحقيقي لا يقوم على الحفظ الآلي، بل على تنمية التفكير النقدي، وتشجيع روح المبادرة، وتحويل الصف الدراسي إلى فضاء حي للاكتشاف والتجريب. كما أولى أهمية خاصة لمادة الرياضيات، بوصفها ميداناً خصباً لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات الذهنية عبر الخبرة الحسية والبصرية.
ولم تغب عن رؤيته العلاقة العضوية بين التعليم ومجمل التحولات الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ أكد على ضرورة ربط السياسات التربوية بمتطلبات النمو السكاني، وبخطط التنمية الشاملة، مع تحقيق التوازن بين الكم والنوع في العملية التعليمية، وبين التعليم النظامي وغير النظامي. وهي نظرة استشرافية تعكس وعياً مبكراً بأهمية التخطيط المتكامل لبناء مجتمع المعرفة.
إن ما يميز مشروع نوري جعفر ليس طموحه النظري فحسب، بل إيمانه العميق بإمكانية تحويل التعليم إلى رافعة حضارية، قادرة على نقل المجتمعات من حالة التلقي إلى الفعل، ومن الجمود إلى الإبداع. لقد كان يرى في التربية مفتاحاً للتقدم، وفي الإنسان غايةً لكل مشروع تنموي.
وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله في ترسيخ مشروعه التربوي النهضوي، فإن القدر لم يمهله طويلاً؛ إذ اختطفه المرض في عام 1991، إثر إصابته بزكامٍ شديد، ليرحل بهدوء لا يشبه صخب أفكاره ولا اتساع رؤيته. وبرحيله، خسرنا عقلاً تنويرياً نادراً، كان يحمل في داخله مشروعاً للنهوض بالإنسان قبل أي شيء، ويؤمن بأن التربية هي الطريق الأصدق لبناء مستقبل أكثر إشراقاً.
رحم الله هذا المفكر الذي حمل هم التنوير، وسعى إلى تأسيس رؤية تربوية حديثة تخدم الإنسان العراقي والعربي، وتمنحه القدرة على مواكبة العصر دون أن يفقد جذوره. لقد رحل الجسد، لكن الفكرة ما تزال حية، تنتظر من يواصل الطريق.
***
نبيل عبد الأمير الربيعي
الوجه الجميل.. والحقيقة المخفية خلف الشاشة وستائرها
في عصر التواصل الرقمي، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى مساحات لعرض الذات، وبناء الهوية، وتشكيل صورة ذهنية إيجابية لدى الآخرين. إذ يحرص المستخدمون على نشر صورهم في أبهى حلة، ومشاركة أكثر لحظاتهم نجاحاً وسعادة، وإبراز إنجازاتهم، متجاهلين في الغالب إخفاقاتهم أو مشاعرهم السلبية؛ وكأن الجميع يعيش حياة مثالية تفيض بالكمال والجمال. ولا يعكس هذا المشهد الرقمي حقيقة الواقع بجميع جوانبه، بل يجسد رغبة إنسانية عميقة في الظهور بأفضل صورة ممكنة.
يرتبط هذا السلوك بحاجات بشرية أساسية، كالسعي للقبول الاجتماعي والانتماء؛ فالإنسان بطبعه يتوق إلى التقدير، وقد وفرت مواقع التواصل مؤشرات مباشرة لذلك عبر الإعجابات والتعليقات. فعندما يحصد الفرد استحسان الآخرين وتفاعلهم، يتعزز لديه الشعور بالقبول وتقدير الذات، مما يمنحه شعوراً بالرضا يدفعه لتكرار السلوك نفسه، مع زيادة العناية بانتقاء ما ينشره ليظل دائماً في صورة مشرقة وجذابة.
إن منح مواقع التواصل الاجتماعي الأفراد قدرة فائقة على إدارة الانطباع الذي يتركونه لدى الآخرين؛ فبينما تتعدد جوانب الشخصية في الحياة اليومية ما بين إيجابي وسلبي، يتيح العالم الرقمي للفرد انتقاء ما يعرضه بدقة وراحة تامة. وبإمكانه تسليط الضوء على لحظات الفرح والإنجاز، متجاهلاً ضغوط الواقع ومشكلاته، ومظهراً الثقة حتى في أوقات الشك. وهكذا، يتحول الحساب الشخصي إلى مساحة مصممة بعناية لتعكس نسخةً مثاليةً من الذات، تختلف عن الواقع المليء بالتفاصيل المعقدة.
وتلعب المقارنة الاجتماعية دوراً محورياً في تعزيز هذا الميل نحو المثالية؛ فالمستخدم يواجه يومياً صوراً لحيوات تبدو مثالية، من سفر وإنجازات وعلاقات ناجحة، ما يدفعه لمقارنة واقعه بما يراه، فيتولد لديه شعور بعدم الكفاءة أو الدونية. وأمام هذا التحدي، يجد الفرد نفسه بين خيارين: إما الانكفاء على الذات والشعور بالمعاناة والأصابة بالإحباط، أو الانخراط في الدائرة ذاتها بمحاكاة تلك الصورة المثالية وإخفاء الجوانب الواقعية أو الصعبة من حياته، مما يخلق حلقة مفرغة من المثالية الزائفة التي يظن كل طرف أنها الحقيقة الكاملة لدى الآخرين.
فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة لتشكيل هوية رقمية قد تختلف عن الواقع؛ إذ يقدم الفرد نفسه بصورةٍ أكثر ثقة ونجاحاً وسعادة، متخذاً من هذه الهوية وسيلة لرسم الصورة التي يطمح إليها. وفي حين قد تكون هذه الهوية امتداداً إيجابياً للذات، فقد تمثل أحياناً محاولة لتعويض شعورٍ داخلي بالنقص أو عدم الرضا. ومع مرور الوقت، قد يتحول الحفاظ على هذه الصورة المثالية إلى عبءٍ نفسي، لا سيما حين تتسع الفجوة بين الواقع والحياة الرقمية التي يتبناها الفرد، متجاهلاً الحقائق القاسية التي يعيشها في داخله.
كما يعزز التفاعل السريع عبر هذه المنصات الميل نحو المثالية؛ فكل إعجاب أو تعليق إيجابي يمنح المستخدم شعوراً فورياً بالرضا، مما يدفعه إلى تكرار هذا النمط ونشر محتوى مشابه لجذب المزيد من التفاعل، لتصبح المثالية الرقمية سلوكاً متكرراً يسعى من خلاله الفرد إلى تعزيز صورته ونيل القبول الاجتماعي.
ورغم أن الظهور بصورة جميلة قد يبدو أمراً طبيعياً، إلا أن الإفراط في المثالية الرقمية قد يؤدي إلى آثار نفسية غير مرغوبة، وقد تكون لها تبعات مؤلمة، وربما تصبح مرضية تشوبها غياب الصدق في الأفكار والمشاعر والمواقف السليمة. فقد يشعر الفرد بضغط مستمر للحفاظ على صورته المثالية، أو بالقلق من انخفاض التفاعل، أو بعدم الرضا عن حياته الواقعية مقارنة بما يعرضه الآخرون. كما قد تتشكل لدى المتابعين تصورات غير واقعية عن الحياة، فيعتقدون أن السعادة الدائمة والنجاح المستمر هما القاعدة، بينما الحقيقة أن الحياة مزيج من لحظات القوة والضعف، النجاح والتعثر والفشل، الفرح والتحدي، الفقر والغنى، الجهل والتعلم، الصواب في الفعل والممارسات والأخطاء التي قد تحدث. فالمرء يعيش ما بين نقيضين لا مفر منهما، لحظات إقبال وإدبار، مد وجزر، وهكذا الحياة الواقعية تحتم علينا الصدق وإظهار المواقف مهما كانت مؤلمة أو جارحة.
إن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس الواقع الكامل، بل تعكس جزءاً من الحقيقة والانتقاء بعناية من حياة الأفراد والجماعات. لذلك فإن فهم هذا الأمر يساعد على التعامل مع هذه المنصات بوعي وفهم أكبر، ويخفف من ضغط المثالية الرقمية. فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يكون مثالياً دائماً، بل يحتاج إلى أن يكون صادقاً ومتوازناً وشفافاً وواضحاً مع نفسه وربما غيره في أحيان كثيرة، وربما لو تحدث عن مشكلة يعاني منها أو موقف أخفق فيه أو ضائقة ألمت به، قد يجد من يدعمه ويناصره ويقف في صفه وبجواره، وربما يكون الأجمل في العالم الرقمي ليس الكمال المصطنع، بل الإنسانية الحقيقية التي تعترف بأن الحياة ليست مثالية، لكنها حقيقية بما تحمله من تجارب ومعانٍ مهما كان وزنها ومقدار النجاح أو الإخفاق فيها. فهذه سنة الحياة وطبيعة البشرية ما بين الصواب والخطأ، وما بين التوفيق والنجاح وما بين فقدانه أو الوقوع في المطبات والعثرات.
***
د. أكرم عثمان
13-4-2026
حياتي التي كانت عبارة عن فوضى لا نظام فيها، على ضخامتها، وتنوعها، وطرافتها، عجزت عن السير في طريق التضحية الشائك أنا الان أشفق على "فتاها" الذي انهدمت المثل العليا أمامه فلم يجزع، رغم أنه في الحق أضعف من أن يتحمل تبعة أفعال من ذوت قاماتهم في دواخله، بعد أن قتلوه باثرتهم وأنانيتهم، لن تفلح الأصوات في ايقاظ نخوته وشهامته، اذا ألحت تلك الناجمة من أن تدمغ حياته بتلك الصور والألوان الجديدة، صورا تملأ الجوانح ذعرا والنفوس شقاء.
وخبايا النفس التي ليست خافية عن العين، لأنها أجل وأعظم من أن تخفى وتحاط، لقد أبصرها "فتانا" ووقف عليها، وأدار بينه وبينها أطراف الحديث، رغم أنه كان يتوهم أنها بعيدة كل البعد عن محيطه وقارته.
لقد عرف ذلك "الفتى" العنيد في نفسه تلك النزعة وهو طرير لم يكتهل، واستوثقت الصلات بينه وبين (اباء الضيم) تلك النزعة التي تلمح في اشراقها عواطف العزة، والشموخ، والشمم، والنفور من الهوان, اقترنت به وأضحت دارها مصاقبة لداره، الان أيها السادة تتعدد الخوالج التي تتجاذب نفس صاحبنا، هذه المشاعر والأحاسيس التي تداهمه مردها غاية في العقم، ونحن اذا رجعنا اليها كلها، واستوعبنا النظر فيها، لوجدنا أن كنهها هو الاثرة، والطمع، والخذلان.
ومهما يكن من أمر، فان "الفتى الأدهم"، سيستميت في صون كيانه، ولن يؤول أمره كما يعتقد البعض للذل والاستكانة، سترى هذه العصبة التي أرادت ان تجعل من حياته ميدانا للحروب والمناحرات، أروع مظهر لجموح اخلاقه، وتعلم أن نفسه الطيبة الوادعة، لا تأنف من شيء، كما تأنف من الحيف ومظاهر الجور.
وربما يأتي اليوم الذي نفصل فيه ما ذكرناه هنا اجمالا
***
د. الطيب النقر
استيقظ الوسط الاكاديمي في العراق مؤخرا على وقع "زلزال" او "فضيحة مكتملة الاركان" في جامعة حكومية. الخبر نزل كالصاعقة: تدريسيان اشتريا بحثا جاهزا! والادهى من ذلك ان احدهما نال ترقية ومنصبا حساسا بفضل هذا الابداع "المشترياتي". يا لها من مفاجاة مذهلة، وكأننا اكتشفنا للتو ان التفاحة تسقط باتجاه الارض، او ان مكاتب "باب المعظم" تبيع الشاي والقهوة وليس بحوث الماجستير والدكتوراه!
المثير للدهشة ليس الفعل بحد ذاته، بل حالة الاستغراب التي صبغت الخبر. يتحدثون عن فضيحة فريدة وكان معظم الاكاديميين يحملون مجاهرهم ويقضون لياليهم في المختبرات يفككون الذرة او يستنبطون علاجات للامراض المستعصية، بينما الواقع يقول ان سوق مريدي الاكاديمي يزدهر عبر صفقات الواتساب، وبرعاية مكاتب تجهيز البحوث التي اصبحت تعمل بـ "دليفري" فائق السرعة.
في هذه الواقعة تحديدا، لم ينكشف المستور بفضل لجان الرصانة او برامج كشف الاستلال، بل بفضل "شطارة" المكتب الذي باع البحث نفسه لشخصين! هنا تكمن الماساة، الفساد في مؤسساتنا لم يعد يخشى الرقابة العلمية، بل بات يخشى فقط "غش" البائعين وعدم التزامهم بـ "اخلاقيات مهنة" بيع البحوث المسروقة.
ان ما يحدث ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو "سيستم" مواز ومنظومة متكاملة تغلغلت في مفاصل التعليم العالي. عندما يصبح البحث العلمي مجرد وسيلة لجمع النقاط من اجل الترقية او الوصول الى منصب اداري، يتحول الاستاذ من "باحث عن الحقيقة" الى "زبون دائم" لدى مكاتب التجهيز.
تاثير هذه الظاهرة يتجاوز مجرد سرقة علمية، فهو يضرب في العمق:
- مصداقية الشهادة العراقية: التي باتت تختبر في محافل النشر الدولي وتقابل احيانا بعلامات استفهام كبيرة.
- تسطيح المعرفة: حيث تمتلئ الرفوف باوراق مطبوعة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، ولا تقدم حلا لمشكلة واحدة في المجتمع.
- قتل الطموح: حين يرى الباحث الحقيقي ان "زميله" ارتقى المناصب واشترى الالقاب بـ "شدة دولارات"، بينما هو يصارع شحة الامكانيات في مختبر متهالك.
ختاما..
عذرا يا نيوتن، وعذرا يا اينشتاين، ففي بعض زوايا اكاديميتنا، الجاذبية ليست للارض، بل للمناصب، والبحث عن الحقيقة استبدل بالبحث عن "ارخص مكتب بحوث".
ان التعامل مع فضيحة هذه الجامعة كحالة "شاذة" هو الفضيحة الاكبر. فالاعتراف بان المرض اصبح "جائحة" اكاديمية هو الخطوة الاولى للعلاج. اما الاستمرار في وضع اصابعنا في اذاننا وابداء الدهشة مع كل خبر ينكشف، فلن يؤدي الا الى تحويل جامعاتنا الى مجرد "معارض للترقيات الوهمية" ومصانع للالقاب التي لا تغني ولا تسمن من جوع علمي.
***
د. محمد الربيعي
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة تتلاشى في الهواء، بل هي أوزان خفية نحملها معنا كل يوم، دون أن نشعر بثقلها إلا حين تصيب أو تُصيبنا. نحن نتكلم كثيرًا—آلاف الكلمات تتدفق يوميًا من أفواهنا—لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ماذا تفعل هذه الكلمات بالعالم؟ وماذا تفعل بنا؟
إن وفرة الكلمات لا تعني حيادها، بل على العكس، تعني مسؤولية مضاعفة في اختيارها. فنحن لا نستخدم اللغة فحسب، بل نسكنها، ونُشكَّل من خلالها بقدر ما نُشكّلها. ليست المسألة في عدد الكلمات التي نعرفها، بل في الكيفية التي تمنحها بها حضورًا في الواقع. فالكلمة، في لحظة نطقها، لا تصف العالم فقط، بل تفتح له أفقًا جديدًا، أو تغلقه.
حين أقول كلمة، فإنني لا أُحيل فقط إلى معنى، بل أستدعي صورة، وأُنشئ تصورًا، وربما أزرع أثرًا لا يُمحى. وهذا ما نبّه إليه جورج لاكوف حين أشار إلى أن مجرد نطق كلمة واحدة قادر على استحضار عالمٍ كامل في الذهن. لكن الأمر لا يتوقف عند حدود التصور؛ فالكلمات تتسلل إلى الفعل، وتعيد رسم ما يمكن أن يُقال، وبالتالي ما يمكن أن يُفعل. إن حدود لغتنا ليست بعيدة عن حدود عالمنا، بل هي امتدادٌ لها.
لهذا، لا تبدو المقولة القديمة "الكلمات تطير" سوى وهمٍ مريح. الكلمات لا تطير، بل تستقرّ في الذاكرة، وتترك آثارًا قد يكون أعمق من الأفعال. إنها تبني العلاقات أو تهدمها، ترفع الإنسان أو تحطّ من كرامته. وقد كشفت كلوديا بيانكي عن هذا الجانب المظلم للغة، حين بيّنت كيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى أدوات عنف، لا تقل قسوة عن الضرب، بل قد تسبقه وتبرّره.
في خطاب الكراهية، تبلغ اللغة ذروتها المأساوية: فهي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعيد تعريفه في موقعٍ أدنى، وتمنحه هوية مفروضة عليه. هنا، لا تصبح الكلمات وسيلة تواصل، بل وسيلة إقصاء، تُرسّخ حدودًا بين "نحن" و"هم"، وتمنح الشرعية لهيمنة خفية. وكما صوّر جورج أورويل في عمله 1984، يمكن للغة أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة نفسها، حتى يبدو الظلم أمرًا طبيعيًا، بل ومقبولًا.
لقد أدركت الفلسفة الحديثة أن اللغة ليست مرآة تعكس الواقع، بل أداة تصنعه. وهذا ما عبّر عنه جون أوستن حين قال إننا لا نصف الأشياء بالكلمات فحسب، بل نفعل بها. نحن نَعِد، نُهين، نُبرّر، ونُقصي—كل ذلك بالكلمات. إن اللغة فعل، وكل فعل يحمل تبعاته.
لكن إذا كانت الكلمات تملك هذه القدرة على التشكيل، فهل يمكننا أن نستخدمها بطريقة مختلفة؟ هل يمكن أن تكون أداة وعي بدل أن تكون أداة عنف؟
ربما تبدأ الإجابة من لحظة بسيطة: أن نتخيّل وقع كلماتنا على من يتلقّاها. أن نسأل أنفسنا، قبل أن نتكلم: كيف سيُستقبَل هذا القول؟ هل يعكس ما أريده حقًا، أم يحمل أثرًا لم أقصده؟ إن هذه القدرة على وضع الذات مكان الآخر ليست مجرد لياقة أخلاقية، بل هي وعي باللغة بوصفها قوة.
فاللامبالاة بالكلمات ليست حيادًا، بل مشاركة صامتة في إعادة إنتاج العنف. وما يُقال بلا تفكير قد يتحول بسهولة إلى قاعدة، وما يُتجاهل قد يصبح مقبولًا. وهكذا، لا نكون مجرد مستخدمين للغة، بل شركاء في تشكيل أبعادها.
إن الانتباه للكلمات ليس ترفًا لغويًا، بل هو موقف وجودي. لأننا، في النهاية، لا نعيش في عالمٍ من الأشياء فقط، بل في عالمٍ من المعاني. وإذا كانت الكلمات قادرة على أن تُشعل الكراهية، فهي قادرة أيضًا على أن تفتح أفقًا للفهم، وأن تمنح للوجود قدرًا أكبر من العدالة والإنصات.
***
محمد إبراهيم الزموري
لا غرو ان النبوة تتجلى في الأفق العرفان لكل ذي بصيرة كمصدر فياض لا ينضب، ومعين رباني لا يحده شباك زمان ولا حائط مكان، حتى لكأنها مزن سلسبيلِ حوض النبوة التي يهطل منها مطر التوحيد صافيا رقراقا، فيروي القلوب العطشى، ويغمر الأرواح اليابسة بفيض من أنوار المعرفة الإلهية.
وهذا المطر القدسي هو حقيقة مطر المحبة الذي امتلأ به قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو نور لا ينحبس في ذاته الشريفة، فهو الكريم بن الكريم بل كان فيضا ممتدا، وسرا متعديا، سال من قلبه الكريم إلى قلوب أصحابه، ثم إلى قلوب العارفين من بعدهم، فتحولت تلك القلوب إلى أحواض وأنهار جارية، تفيض بالهداية، وتسقي من يردها من طلاب الحقيقة، فيرتوون من معينها الصافي الذي لا يكدره شك ولا يحجبه غبش.
وليست هذه السقاية الروحية ارتواء عابرا يزول أثره بانتهاء لحظته، بل هي تحوّل جوهري عميق، ينقل الإنسان من ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ضيق الظاهر إلى سعة الباطن. إنها سقاية تثمر الأفهام، وتولد المعارف، وتفتح أبواب فيوضات العوارف، تلك الفيوضات التي لا تنال بكثرة النظر وحده، ولا تدرك بحدود العبارة، وإنما تذاق بالذوق الصوفي الذي هو روح العلم ولبه.
وفي مدارج هذا السير، يترقى العارفون في مقامات العرفان، درجة بعد درجة، حتى يتطهّر باطنهم من شوائب الغفلة، ويتجلى فيهم نور الحضور. ومع هذا التجلي، يبلغ السالك حالة من الاستواء الروحي، حيث تتوازن قوى الروح والجسد، ويتناغم الظاهر والباطن، ويستقيم القلب على سواء الطريق. وفي هذا الاستواء يتحقق مقام الإحسان الذي به يؤتي الله الحكمة من يشاء، فيغدو القلب مرآة صافية تعكس أنوار الحق بلا تشويه ولا انحراف.
غير أن هذا الاستواء ليس غاية تطلب لذاتها، بل هو ثمرة مباركة لرحلة صادقة في طلب الله، كما تطيب الثمرة حين يكتمل نضجها، فتطيب معها الشجرة كلها، ويعم خيرها من حولها. فالسالك إذا نضجت روحه، طابت حياته، واستقامت جوارحه، وأثمرت أفعاله حكمة ورحمة إحسانا.
والمقصود الأعظم من هذا الفيض النبوي هو الفلاح، ذلك النداء الذي يتردد في أذان الصلاة بقول المؤذن:حي على الفلاح.
وليس هذا النداء مجرد دعوةٍ جسدية لأداء حركة ظاهرة، بل هو نداء موجه إلى القلب قبل الجسد، دعوة إلى أن يتوجه القلب بإنائه نحو حوض النبوة، ليتلقى منه سقاية الحياة. فإذا استجاب القلب لهذا النداء، أزهرت فيه بذور الفطرة، وتفتحت أوراقه التي طالما حجبت عين الروح عن رؤية أصلها الإلهي.
وحين يوجه الإناء أي القلب إلى الحضرة الإلهية بصدق وإخلاص، يهطل ماء المحبة هطولا من مزن حوض النبوة، فيكون كالرحيق المختوم، طاهرا مطهرا، يبرئ ما اعتراه من عاهات الغفلة، ويشفي ما أصاب الروح من كمه أو برص معنوي، ويحيي القلب حياة جديدة بعد موات.
وكما أن رحيق العطور الخالصة يذهب بالروائح الكريهة ويبدد آثارها، كذلك فإن من يتعرض لرحيق النبوة المختوم، ويوجه قلبه إلى قنوات الشرائع، ويرتاد رياض الجنة في حلق العلم، ويتلو كتاب الله بتدبر وخشوع، ينال الظفر والمنى بتفتّح زهرة قلبه، فتفوح منها روائح الطمأنينة، وتشرق منها أنوار اليقين.
وهذا التفتح ليس مجرد إدراك عقلي نظري، ولا هو حصيلة استدلال منطقي محدود، بل هو فتح بصيرةٍ، ونور شهود، كما فتح الله بصائر العارفين فتحا مبينا، فشهدوا ببؤبؤ أرواحهم، وقرة أعينهم، أن لا محبوب على الحقيقة إلا الله، ولا مقصود في الوجود سواه.
عندئذ لا يزيغ بصر الروح ولا يطغى، بل يستقر على جادة الحقيقة، ويشهد الجمال الإلهي ساريا في كل شيء، في الكون والإنسان، في الظاهر والباطن، في الحركة والسكون. فيرى السالك بنور البصيرة ما لا تدركه الأبصار، ويذوق من معاني القرب ما تعجز العبارة عن وصفه، فتغدو حياته كلها مسيرة في أنوار النبوة، وارتواء دائما من مزن حوضها المبارك.
***
د. محمد غاني - كاتب المغرب
يُقال أن الرئيس جمال عبد الناصر أثناء زيارته للصين، سأل الرئيس ماو النصيحة، فحملق بوجهه مندهشا وهو يقول: أنا الذي يجب أن يأخذ منكم النصيحة، ومعنى كلامه أنكم لا تتعلمون من ماضيكم الثري وتتغافلون عن كنوز مسيرتكم الحضارية عبر العصور.
والواقع أن ما تبقى من التراث المدون وشواهد العمران، فيها كل شاردة وواردة عن الحكم وأساليبه وتحدياته، والعلاقة بين الشعب وقادته.
وهناك خزين معرفي ناضح من تجارب حقيقية ذات دروس وافية، ونظريات وقوانين سلوكية فائقة النجاح والتأثير والتعبير عن إرادة الكينونة المثلى.
فهل وجدتم قائدا في مجتمعاتنا ينهل من التأريخ دروس نجاح؟
أكثرهم إن لم نقل جميعهم يعيشون أمية تأريخية مروعة، ولهذا تكون تفاعلاتهم كما الطفل الذي يحاول إكتشاف محيطه، ويضع في فمه الجمرة ويحسبها تمرة.
مجتمعاتنا تدور في دائرة مفرغة من التجارب المتكررة، دون الإعتبار من تجارب سبقتها، فلاحقنا يقتلع سابقنا، والجالس على الكرسي السلطوي إمام وعنده فصل المقال، والجميع بهللون له ويمجدونه، ويوهمونه بأنه مؤزر من الرب العظيم، فهو الذي إختاره ليكون متسلطا على رقاب الحائرين.
فكل قرارته ورؤاه تعبيرات عن إرادة ربانية، ولسان حاله يقول : "أنا غضب الرب المسلط على الفاسدين" وهو إمام الفساد والسوء المبين.
توالتْ في مَرابعنا الخَطايا
ومِنْ وَجعٍ تآكلتِ البَرايا
فلاحِقُها لسابقها تَولّى
بإمْحاقٍ وتَعزيزِ المَنايا
فما عَرَفتْ بصائرُنا خُطانا
تؤازرُها طوابيرُ الرَزايا
بإيلامٍ وموجعَةٍ هُدانا
وعينُ الحَقِ لا تدري السَجايا
***
د. صادق السامرائي
يقول أحد الأدباء (الذئب مجموعة من الخراف). وتفيد (مفارقة كومة الرمل) أنه يتعذر تحديد الحد الفاصل بين ما هو كومة وما ليس كومة، لأن الحالات تختلط في الأشياء المتدرجة من الحالة إلى ضدها. وهذه الحقيقة تكون حاضرة في الحالات الواقعية والحياتية مثل (الصلاح والفساد) الذي هو موضوعنا، وفي غيرها؛ حيث الواقع كائن خالط يخلط المختلفات والأضداد والمتناقضات ببعضها.
في الواقع السياسي والاجتماعي المعقد، يسود انطباع عام ساذج، أن الفساد العام هو جريمة فئة محددة منبوذة من "الفاسدين"؛ وأنهم عادةً وكما يتوهم المتوهم، نخب سياسية، ومسؤولون حكوميون، ورجال أعمال متنفذون، فقط، يستولون على المال العام أو الخاص بطرق غير مشروعة.
وهذا التوصيف يغفل حقيقة عميقة وخطيرة، وهي أن نشوء الفساد واستمراره واستفحاله، لا يعتمد فقط على الفاسدين، بل يعتمد بشكل كبير على دور الصالحين أو غير الفاسدين.
إن مشاركة المواطنين العاديين، والموظفين، ومنتسبي المؤسسات والنخب المثقفة، وحتى المعارضين السلبيين، في صناعة بيئة فاسدة أو حاضنة للفساد، قد تكون أكبر وأسوأ من فعل الفاسد المفسد نفسه. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال مثلا، بل هو انهيار للنظام القيمي والوظيفي للدولة، وهذا الانهيار نتيجة شراكة واسعة من عناصر المجتمع بأكمله، سواء جهلا أو عمدا، وبحسن نية أو سوء نية، وبشكل مباشر أو غير مباشر.
ولفهم عمق هذه المشاركة، يجب أولاً تفكيك مفهوم "الصالح أو غير الفاسد". في السياق الواقعي، حيث يُعرّف غير الفاسد غالباً بأنه الشخص الذي لم يسرق مالاً عاماً بشكل مباشر، أو لم يتلقَ رشوة. أو لم يرتكب أمثال هذه الأفعال. لكن هذا التعريف خاطئ ومخادع. حيث يؤكد الواقع أن الفساد، وخاصة الفساد العام المؤثر، ليس جريمة فردية محدودة، بل هو نظام حياتي ومعاشيً وثقافة سائدة. وفي هذا النظام، يصير عدم الفساد استثناءً مكلفاً ومرهقا ومؤذيا، يحرم الإنسان من أبسط حقوقه، بينما يصير الرضى بالفساد ضرورة معاشية وحياتية.
عندما يقبل الموظف البسيط بإنجاز معاملة مواطن مقابل رشوة صغيرة لتغطية نقص في راتبه، مثلا، أو عندما يغش التاجر في البضاعة، فهو لا يرى نفسه فاسداً، بل يرى نفسه ضحية واقع ظالم يضطره لهذا التصرف المقبول اجتماعياً. لكنه في الحقيقة يشارك في صناعة وترسيخ فساد عام. هذا التطبيع اليومي للفساد الصغير يجعل الفسادات الصغيرة تتراكم وتصنع الفساد الكبير العام الشامل. فالسلطوي الذي يسرق ملايين الدولارات مثلا، يجد غطاءً أخلاقياً واجتماعياً في مجتمع اعتاد أن السرقة الصغيرة مقبولة كـ "ذكاء" أو "حل مشكلة" أو سبيل معيشة.
ورغم أن الأصل أن النخب المثقفة، والإعلاميين، والأكاديميين، ورجال الدين، ومن يُفترض أنهم ضمير الأمة، هم الأكثر خطورة في هذه المعادلة. ففي الواقع، نلاحظ ظاهرة غريبة تتمثل في التطبيع الإعلامي للفساد. بدلاً من كشف الآليات وتفكيك الشبكات، تتحول النشلطات الجماعية والنقاشات الإعلامية أحياناً إلى صراعات ومنافسات وسجالات فئوية أو حزبية سيئة. وهذا الانحياز يحول الفساد من قضية حياتية ووجودية، تهدد كيان الحياة والمجتمع، إلى أداة صراع سياسي أو اجتماعي. وعندما يشارك المثقف أو الإعلامي أو الناشط في أي مجال، في هذه اللعبة السيئة، فهو يرسل رسالة واضحة للرأي العام مفاده أن الفساد مسموح به طالما أنه يخدم هويتك أو حزبك. هذا الموقف يدمر المعيار الأخلاقي الجامع (الحق والخير والجمال)، ويستبدله بمعيار أناني وانتهازي سيء. والنتيجة هي فقدان الثقة في إمكانية الإصلاح، والخضوع للواقع السيء، وشيوع اليأس المخدَّر والسخرية السوداء اليائسة.
الفرد البسيط ضحية وشريك، وتلعب الحاجة المعاشية واليأس من عدالة السلطة دوراً فعالاً في جعل هذا الفرد شريكاً في الفساد الخاص والعام. عندما تتراجع خدمات الدولة (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم)، يلجأ المواطن إلى البدائل الخاصة أو إلى الوساطات. هنا، يتحول المواطن من مطالب بحقه إلى باحث عن طريقة أو "واسطة" لتجاوز تعقيدات الواقع والإجراءات والبيروقراطية الفاسدة أصلاً.
كل مرة يستخدم فيها المواطن طريقة خاطئة للحصول على وظيفة، أو إنجاز معاملة إدارية، أو علاج في مستشفى حكومي، فهو يشارك في صناعة الفساد ويرسخ الواقع الفاسد؛ ولسان حاله يقول: أنا لا أثق بالسلطة وإجراءاتها وبالكفاءة وجدوى الكفاءة، بل أثق بالعلاقات الشخصية والشطارة والنفاق والتملق للأقوياء.
من منظور المشروع الإصلاحي الذي غايته الأساسية المفترضة هي إقامة دولة عادلة، فإن مشاركة غير الفاسدين في الفساد يؤدي إلى تدمير الأسس الوجودية للدولة (المفترضة) والمجتمع. وعندما يشارك غير الفاسدين في الفساد، عن طريق السكوت أو التطبيع أو النفاق أو التملق أو العلاقات المشبوهة أو السلوكات الخاطئة، من أجل الحصول على مكاسب أو حقوق، فإنهم يحولون الدولة أو المجتمع من ميدان تعاون على الحق والخير والجمال، وتنافس شريف على أساس الكفاءة، إلى ميدانِ تَغالبٍ وتَناهشٍ وصراع وحشي وخبيث ومتخلف على مكاسب معاشية رخيصة أو وهمية.
وهكذا يضيع الحق كمعيار أعلى، ويضيع الخير في الفعل العام. ويتحول المجتمع إلى مجموعة من الكائنات الفاشلة البائسة المنعزلة، التي تتصارع وتتناهش من أجل البقاء، بدلاً من كونه جسداً واحداً يعمل لتحقيق غاية كبرى مشتركة خيرة وشريفة.
لذلك ينبغي على (الإنسان الصالح)! الذي ينتقد الفساد السياسي والإجتماعي وغيره، أن يراجع نفسه ويستنكر مشاركته في صناعة هذا الفساد العام، ويعرف أن مشاركته في صناعة الفساد ربما يكون أكبر أو أسوأ من فساد الفاسدين.
إن اعتبار مشاركة الصالحين أو غير الفاسدين أسوأ وأخبث من مشاركة الفاسدين في صنع وترسيخ الفساد العام الشامل، لا يعني تبرئة الفاسدين الكبار أو تهوين شرهم وجرمهم؛ بل يعني الإشارة إلى أن الفساد ربما يكون نظاما واقعيا واجتماعيا متكاملا، الفاسد الكبير هو الرأس، وغير الفاسدين هم الجسد الذي يحمل هذا الرأس ويسمح له بالتحرك. ويصنع له التقبل والرضى والدوام؛ والقبول الواقعي والإحترام الإجتماعي؛ وأن المشاركة اليومية في مظاهر وآليات الفساد الصغير؛ والسكوت والتملص من المسؤولية، كلها مظاهر سيئة وخبيثة تجعل الفساد يترسخ ويدوم، ويصير حتى محترما ومحميا. والفاسد الذي يمتلك سلطة ونفوذا وتأثيرا، يكون (مفسدا) وليس فاسدا فقط، ومن الخطأ تسميته فاسدا، والمفسد أسوأ وأكثر ضررا من الفاسد.
***
جميل شيخو
10 / 4 / 2026
لبنان ليس جغرافيا تقصف، بل ذاكرة تنتهك فأصبح الألم لغتها اليومية التي لا تحتاج إلى ترجمة. في هذا الركن من العالم، حيث تختلط رائحة الياسمين برائحة البارود، لا يعود السؤال: لماذا يحدث هذا؟ بل: كيف تبقى الحياة ممكنة في أرض تعاد صياغتها كل يوم بلغة الألم؟
لبنان لا ينزف وحده.. بل ينزف معه السؤال الأكبر: كيف يمكن للعالم أن يحتمل نفسه، وهو يرى هذا كله، ولا يتغير؟
لبنان الجريحة لا تموت، لأنها تعلمت منذ فجرها أن تكون أكثر من مجرد جسد. هي فكرة عن الصمود، عن القدرة على تحويل الوجع إلى معنى، والدمع إلى نشيد. هناك، حيث تنهار البيوت، تبنى في الخفاء طبقات أخرى من الوجود: طبقات من الحنين، من التحدي، من الإصرار على أن الإنسان ليس ما يفرض عليه، بل ما يختار أن يكونه رغم كل شيء.
في لبنان، لا تولد الأغنية من الفرح، بل من شقوق الألم.تخرج من بين الركام كأنها احتجاج ناعم، أو كأنها تمرد خفي على قانون الفناء. وفي قلب هذا الركام، يرتفع صوت فيروز لا كغناء عابر، بل كفعل مقاومة.
هناك، حيث تتشقق الجدران، يتردد صوتها: "بحبك يا لبنان"، لا كجملة عاطفية، بل كفعل مقاومة ضد الكراهية التي تحاصر المعنى. صوتها ليس نغما، بل ذاكرة تقاوم النسيان، ونداء خفي يقول: "نحن هنا.. رغم كل ما يحاول اقتلاعنا."
حين تغني، لا تهرب من الواقع، بل تعيد صياغته. تجعل من الحزن لغة قابلة للاحتمال، ومن الانتظار شكلا من أشكال الرجاء. كأن صوتها يرمم ما تعجز السياسة عن ترميمه، ويعيد للإنسان كرامته حين تسلبه الحروب اسمه ووجهه وتاريخه.
نعم صوتها يكاد يشبه الرجاء: "سنرجع يوما إلى حينا"، لا كحنين إلى مكان، بل كإيمان بأن ما يهدم في الواقع، يمكن أن يعاد بناؤه في الروح، حتى يتهيأ للعودة.
هكذا، لا تغني فيروز للبنان…بل تجعل من لبنان فكرة لا تموت، ومن الألم لغة لا تقود إلى الصمت، ومن الإنسان كائنا، حتى في أقصى انكساراته، قادرا على أن يقول:
ما زال في القلب… متسع للحياة.
إيها الأصدقاء.:
إن المقاومة ليست دائما بندقية…
أحيانا تكون أغنية،
وربما نصا كهذا
وأحيانا تكون ذاكرة ترفض أن تمحى،
وأحيانا تكون قلبا، فقط، يصر على أن يحب
المقاومة قد تكون دمعة لا تنحني، أو ضحكة تولد وسط الرماد، أو قلبا يواصل النبض لا لأنه لا يعرف الألم، بل لأنه اختار ألا يستسلم له.
لبنان اليوم ليس وحده، فكل قلب ما زال يؤمن بأن الإنسان يستحق الحياة، هو امتداد له. كل دمعة تذرف لأجله، هي شهادة بأن الألم لم ينجح في أن يجعلنا أقل إنسانية.
إلى لبنان…
نقول: لسنا شهودا على جرحك، بل شركاء في وجعه. قلوبنا معكم، لا كتعاطف عابر، بل كالتزام أخلاقي بأن نظل أوفياء لفكرة الإنسان، حتى في أكثر لحظاته انكسارا.
وفي ختام هذا الألم المفتوح على كل الاحتمالات، لا أجد ما أقوله يليق بحجم الجرح… إلا أن أترك القلب يتكلم، لا كتعزية، بل كشهادة على أننا مازلنا ننتمي إلى إنسانيتنا، ونهمس، بكل ما تبقى فينا من حب لا تهزمه الحروب:
من قلبي… سلام لبيروت.
***
ابتهال عبد الوهاب
عندما يُثار الحديث عن الأمن الطاقي بالمغرب، لا يحضر فقط سؤال التزود بالطاقة في حياة المواطن اليومية، بل تنبثق معه، على نحو أعمق، إشكالية سيادية تتعلق بقدرة الدولة على ضمان إمدادات مستقرة، مستدامة، وميسورة التكلفة، في عالم تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه الاضطرابات الجيوسياسية. ومن رحم هذه الإشكالية، تتفرع أسئلة مركزية:
هل يتوفر المغرب على موارد طاقية كافية؟ وهل يملك القدرة على تأمين استمرارية الإمدادات، حتى في أوقات الأزمات؟ وهل راكم من الإمكانيات ما يمكّنه من امتصاص الصدمات الخارجية دون إنهاك الاقتصاد والأسر؟ ثم، هل يستطيع، على المدى المتوسط والبعيد، بناء سيادة طاقية تُقلّص تبعيته للخارج؟
لقد كشفت التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومعها تقلبات الأسواق الدولية، عن هشاشة البنية الطاقية التقليدية للمغرب. فبلد يستورد ما بين 85% و90% من حاجياته الطاقية، يظل عرضة، بشكل مباشر، لارتدادات الأزمات العالمية، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز أو من خلال اضطراب سلاسل الإمداد. وقد تعمّقت هذه الهشاشة مع توقف إمدادات الغاز عبر أنبوب المغرب - أوروبا، بما أبرز حدود الاعتماد على مصادر خارجية غير مستقرة.
غير أن هذا التشخيص، على قسوته، لا يلغي ما راكمه المغرب من عناصر قوة استراتيجية. فقد نجح، خلال العقدين الأخيرين، في ترسيخ موقعه كفاعل صاعد في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدًا من مؤهلاته الطبيعية، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، كما تجسده مشاريع كبرى من قبيل مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية. ويعزز هذا المسار موقع جغرافي استراتيجي، واستقرار سياسي نسبي، يتيحان للبلاد التموقع كشريك موثوق في التحولات الطاقية الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الهشاشة إلى السيادة الطاقية لا يمكن أن يتحقق بالرهان على رافعة واحدة. فالمقاربة الناجعة تقتضي تنويعًا حقيقيًا لمصادر التزود، عبر توسيع الشراكات لتشمل فضاءات متعددة، من الولايات المتحدة إلى إفريقيا جنوب الصحراء، مرورًا بأوروبا، خاصة في مجال الغاز الطبيعي المسال، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.
وفي السياق ذاته، يظل تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية المرتبطة بالغاز المسال خيارًا استراتيجيًا، من خلال إنشاء محطات استقبال وربطها بالشبكة الكهربائية الوطنية. كما يشكل تطوير قدرات التخزين، سواء عبر البطاريات أو من خلال مشاريع الهيدروجين الأخضر، خطوة حاسمة لتعزيز استقلالية المنظومة الطاقية.
أما الهيدروجين الأخضر، فيمثل أفقًا واعدًا يتجاوز مجرد تنويع مصادر الطاقة، ليضع المغرب ضمن خارطة المنتجين العالميين للطاقة النظيفة. فبفضل إمكانياته الطبيعية وموقعه الجغرافي، يمكن للبلاد أن تتحول من مستورد للطاقة إلى مصدر لها، في إطار إعادة تشكيل الخريطة الطاقية العالمية.
غير أن تحقيق الأمن الطاقي لا يمر فقط عبر العرض، بل يتطلب أيضًا ثورة هادئة في أنماط الاستهلاك. فترشيد استعمال الطاقة، في الإدارة والصناعة والنقل وداخل المنازل، يظل من أنجع السبل وأقلها تكلفة لتعزيز التوازن الطاقي. إذ إن “أرخص طاقة هي تلك التي لا تُستهلك”.
إن الأمن الطاقي، في نهاية المطاف، ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هو ورش سيادي بامتياز، يفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتطوير دبلوماسية طاقية نشطة تجعل من الطاقة محورًا في العلاقات الدولية. فالعالم اليوم لا يُدار فقط بمنطق القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بمنطق التحكم في مصادر الطاقة ومسالكها.
وعليه، فإن بناء سيادة طاقية مغربية لن يتحقق دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي قائم على ثلاث دعائم متكاملة: تنويع المصادر، تعميق الاستثمار، وترسيخ سيادة تدريجية. ففي هذا التدرج تكمن واقعية الرهان، وفي هذا التوازن يتحدد أفق الاستقلال والاستقرار.
***
الحسين بوخرطة
صدر حديثا عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل 28-3-2026 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر والتوزيع. كتاب (النظرية العلوية في حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية - الفكر السياسي والاجتماعي للإمام علي عليه السلام). من تأليف: الكاتب المؤرخ الشيخ لفته عبد النبي الخزرجي، من الحجم الوسط وبواقع (420) صفحة.
عند مطالعتي الكتاب شعرت أنني لا اقرأ صفحاتٍ من ورق، بل أفتح نافذةً على ضميرٍ إنساني ظل يقاوم الغبار عبر القرون. لقد حاول الخزرجي أن يزيح الستار عن رؤية متكاملةٍ في فكر الإمام علي (ع)، رؤيةٍ تجعل الإنسان محور الرسالة، والعدالة ميزانها، والمساواة روحها التي لا تموت.
في هذا الكتاب، لا يظهر الإمام علي (ع) بوصفه حاكماً عابراً في تاريخٍ مضطرب، بل يظهر كصوتٍ أخلاقيّ يتجاوز زمنه. صوت يذكرنا أن الإنسان ليس رقما في سجل الدولة، ولا تابعا في ظل السلطة، بل كائن مكرم، له من الحق بقدر ما عليه من واجب.
لا نشعر أننا أمام دراسة تاريخية باردة، بل أمام رحلة في ضمير الإنسان وهو يبحث عن عدالته الضائعة. فالتاريخ هنا لا يقرأ بوصفه أحداثا انقضت، بل بوصفه مرآة كبرى تعكس صراع الإنسان مع الظلم، وسعيه الدائم إلى أن يمنح وجوده معنى يتجاوز الغلبة والقوة.
ومن بين القمم التي ارتفعت في أفق هذا الصراع، ينهض اسم الإمام علي (ع) بوصفه تجربة فريدة في الفكر والممارسة؛ في الكلمة والموقف؛ في الشجاعة التي لا تنفصل عن الرحمة، وفي السلطة التي لا تنفصل عن الضمير.
التاريخ، كما يقدمه هذا الكتاب، ليس دفترا للأيام، بل سيرة إنسانٍ يمشي عبر العصور وهو يحمل أسئلته الكبرى: من يحميني؟ من ينصفني؟ من يرد إلي حقي؟ والتاريخ الحق لا يكتب بحبر القصور، بل بعرق المصلحين ودماء الذين رفضوا أن يكونوا شهود زورٍ على انكسار العدالة.
في هذا السياق، لا تبدو تجربة الإمام علي (ع) حادثة سياسية عابرة، بل منعطفا أخلاقيا في مسار الدولة الإسلامية الناشئة؛ إذ واجه مجتمعا مثقلا بالعصبيات، واقتصادا تتنامى فيه الفوارق، وصراعا على السلطة يهدد المعنى قبل الكيان. ومع ذلك، لم يُساوم على مبدأ المساواة، ولم يبدل العدل بحسابات الربح والخسارة.
النظرية العلوية.. ليست تنظيرا ذهنيا، بل ممارسة يومية. ففي عهده الشهير إلى مالك الأشتر، لا نجد لغة الحاكم المتعالي، بل نقرأ دستورا أخلاقيا يجعل الإنسان مركز الدولة، ويجعل العدالة أساس الحكم. هناك تتجلى رؤية تعتبر الرعية أمانة، والسلطة تكليفا، والمال العام حقا مشتركا لا غنيمة خاصة.
لقد سبقت هذه الرؤية كثيرا من الصياغات الحديثة في تقرير المساواة: المساواة أمام القانون، المساواة أمام القضاء، المساواة في الحقوق المالية، والمساواة في تقلد الوظائف العامة. لكن الفارق الجوهري أن الإمام علي (ع) لم يرفع هذه المبادئ شعارا، بل جسدها واقعا؛ فلم يفرّق بين قريب وبعيد، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين قوي وضعيف. وكان يرى أن الفقر ليس قدرا إلهيا، بل خللا أخلاقيا في توزيع الثروة، وأن الجوع إدانة للمجتمع قبل أن يكون مأساة فردية.
كثيرون وصفوا سياسته بالمثالية، وكأن العدل ترف لا يحتمله الواقع. غير أن تجربته تثبت أن التنازل عن الحق ليس واقعية، بل سقوط أخلاقي. فقد آمن أن الدولة تقاس بعدلها لا بسطوتها، وأن القائد الحقيقي هو من ينتصر على شهوته قبل أن ينتصر على خصومه.
في عهده الإداري نلمح وعياً مبكراً ببنية المجتمع، وتوازن طبقاته، وترابط مصالحه؛ حيث لا صلاح لفئة دون أخرى، ولا استقرار لسلطة تهمل الضعفاء. وتبقى عبارته الخالدة تختصر فلسفة كاملة في حقوق الإنسان: (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). إنها جملة تتجاوز حدود العقيدة إلى أفق الإنسانية المشتركة، وتضع وحدة الأصل الإنساني فوق كل انتماءٍ ضيق.
حين نقارن هذه الرؤية ببعض النظريات الحديثة في العدالة الاجتماعية، ندرك أن الإمام علي (ع) انحاز للفقراء والمحرومين كما انحاز كثير من المفكرين لاحقا، لكنه لم يؤسس عدالته على صراع طبقي، بل على ضمير يقظ.
عدالته لم تكن انتقاما من غني، بل إنصافا لفقير. لم تكن ثورة حقد، بل ثورة وعي. في نهاية المطاف، يكشف الكتاب أن الإمام علي (ع) لم يكن يبحث عن سلطةٍ تخلد اسمه، بل عن عدالة تخلّد الإنسان. كان يرى في الإنسان القيمة العليا، وفي كرامته معيار الحضارة. لذلك وقف ضد الامتيازات الوراثية، وضد الترف السياسي، وضد كل شكلٍ من أشكال الاستبداد.
إن (النظرية العلوية) ليست صفحات في كتاب، بل مشروعا أخلاقيا مفتوحا على المستقبل. وفي زمنٍ تتجدد فيه أسئلة الحرية والمساواة، يبقى هذا النموذج شاهدا على أن العدالة ليست حلما مستحيلا، بل خيارا شجاعا يحتاج إلى إرادة نقية.
وهكذا، حين نغلق صفحات الكتاب، لا ينتهي المعنى؛ بل يبقى سؤال العدالة مفتوحا، ويبقى الإنسان كما أراده علي (ع) غاية الدولة، وميزان التاريخ، وروح الحضارة.
***
نبيل عبد الأمير الربيعي
هي في اساس وجودها طفيليات تعوم في الخارج وتطفح وتتسلل الى العقل الانساني كلما تمكنت من ذلك لتعبث في طبيعة التفكير ومن ثم المواقف حتى التي تشكلت وغدت جاهزة لمخاضات تجري عادة على مسرح الأحداث.
وهذه الطفيليات التي تحدث عنها الفيلسوف البريطاني (كولن ويلسون) باسهاب، هي سبب إشكاليات العقل طالما أن العقل الانساني يراقب ويتفحص حركتها وهي تعوم في دائرة مفرغة أزلية لا تنتهي بمسار من السكون، والسكون هو جزء من الحركة (لا حركة بدون سكون ولا سكون بدون حركة) في معيار فلسفة التناقضات.
وما دام الخارج يطفح بالحركة التي يصاحبها السكون عادة، فإنها تكون مشحونة بالطفيليات، وهي تنشطر وتنتشر وتتكاثر وتصبح عبا ثقيلا على العقل الانساني.. ولا مناص من المراقبة وتحمل أعباء حركتها التي لا تنتهي ابدا.
هل تغلق النافذة على نفسك وتعتكف ؟
قالها بكل وضوح..
ولكن، مع ذلك يظل فكرك يراقب الحركة حتى وهي في وضع السكون، وان هذه الحركة تأخذ مجالها في ذهنك وتصيره مأخوذا بإشكاليات تضع عقلك في دائرة مفتوحة يتسرب إليها ما يطفح عن طفيليات الخارج المأزوم، حين تعشش في ذهنك وتتحول الى مايسميه كولن ويلسون ب(طفيليات العقل) التي تجمع التناقضات والصراعات الخفية والمعلنة القائمة على التضاد والشك.. هذا الكم الهائل من قوى الصراع تأخذ مسار التنافس: تهمش وتهاجم وتنهش بعضها بعضا كلما سنحت الفرصه وتتسلل الى العقل الانساني فتجعله مشوشا تصادميا قلقا مسلوب التفكير السليم يعمل على تدمير قوى العقل الانساني ويدفعه الى الارتباك او الغثيان او الانتحار.. هي طفيليات مثل الجيوش غير المرئية تتمكن من عقول البعض من البشر وتحولهم الى مهوسين بارعين على مستويات مختلفة حتى في الثقافة والفن وصنع القرار.
مقاربة الأنا..
والمقاربة الفلسفية بين الأنا والخارج هي ان، (الأنا) لها مدخلاتها ومخرجاتها للمراقبة.. فهي تراقب الخارج، والخارج يرزح تحت أعباء الحركة الدائبة التي تثيرها الفوضى المنظمة بمعنى (المسيطر عليها) وخاصة عن طريق الوعي بالحركة التي تعتمد على قواعد تكاد ان تكون ثابتة، وكذلك دورانها حول ذاتها دونما توقف.
فحركة الخارج هنا دائبة وحركة (الأنا) تتسم بنزعة المراقبة والترقب، والخارج يعج بالطفيليات التي لا تكف عن الحركة، فكيف يمكن منعها من التسرب الى العقل لكي يحافظ على سلامته العقلية؟
العقل ليس بعيدا عن الخارج فهو في قلب الخارج ومنفصل عنه في آن واحد.. والعالم في عين العقل، يتكثف ويتمدد واحيانا يتلاشى في رمشة عين ويعود ليتكور أمام العقل.. وفي داخل هذه الحركة تتكاثر الطفيليات وتموج وتطفح نحو العقل وتعشش فيه، فكيف يغلق العقل ابوابه امام السيح القادم من الخارج لكي يتحصن؟
الخارج ملوث وفيه خليط من العفن والقيح في الافكار والثقافات والسلوك والنيات والخفايا وكلها تتسابق صوب العقل، فكيف يتحصن العقل من هذا السيح..؟
سأل صديقه هذا السؤال فأجابه: نحن في نفس المأزق يا صديقي دعنا نفكر معا..
العالم الخارجي قائم كما هو منذ التكوين الأول للكون.. و(الأنا) نتاج هذا التكوين وهي في قلب هذا العالم.. والتجاذب لا يتوقف على الرغم من كون الأنا في قلب هذا التجاذب.. فمن يجذب منْ (ألأنا) أم الخارج الملوث بالفوضى؟
لصوص وفاسدين ومغتصبين وأراذل وقتلة ومارقين وتجار حروب.
منْ يصلح الملح اذا الملح فسد؟
إذا وجد الرأس الصالح والعادل والمنصف، تتحقق العدالة وتتحقق المساواة ويتحقق الانصاف ويتحقق التطور وتتحقق النهضة بمقاس الامكانات والقدرات.. ولكن حين تغيب العدالة وتعشش فوضى الخارج في العقول تصبح هذه العقول مشوشة ومضطربة وعابثة.. فالرأس العادل قد يستطيع ان يمنع انسياح الطفيليات أو قد يشل حركتها ويضعها في دائرة العزل كلما ارادت تغيير اتجاهها على نحو مغاير.
إلا أن العالم من جانبه لا يستطيع ان يتحاشى الطفيليات من دروبه ولا يستطيع ان يمنع تسربها ناحيتها فهي طفيليات تلف وتدور حوله وتتحين الفرص للوثوب والإنقضاض عليه.. و العقل الانساني يحاول ان يتحصن بالأخلاق والمبادئ ولا سبيل لديه سوى مبادئ الأخلاق منبع القيم (وإنك لعلى خلق عظيم-ص-).
***
د. جودت صالح
7 / 4 / 2026
في هدوء الروح، حين تخفّ ضوضاء الدنيا، يبدأ القلب رحلته الخفيّة نحو الله.. رحلة لا تُرى، لكنها تُحَسّ بكل تفاصيلها. هناك، حيث لا مال يُغني، ولا جاهٌ يُبقي، ولا وجوه تدوم، يبقى وجهه الكريم وحده، النور الذي لا يخبو.
الزهد ليس أن نترك الدنيا بأيدينا، بل أن نُخرجها من قلوبنا، أن نمرّ عليها مرور العابرين، نأخذ منها ما يكفينا، ونترك ما يُثقِل أرواحنا. هو أن نرضى بالقليل، وأن نجد الغنى في سجدةٍ خاشعة، لا في كثرةٍ زائلة.
فالركض خلف الدنيا يُشتّت القلب، ويُطيل الهمّ، ويُثقِل الروح، بينما الزهد يعيدها إلى سكونها الأول… إلى طمأنينتها.
أما الحبّ لله، فهو ذاك الشعور الذي لا يُشبه شيئًا؛ أن تشتاق إليه وأنت بين الناس، أن يحيَا قلبك كلما ذكرته، وأن تبكي في خلواتك لا حزنًا، بل شوقًا.
وهنا، في هذا السرّ الجميل، يلتقي الزهد بالحب، كأنهما جناحان لقلبٍ واحد؛ فالزهد يُفرغ القلب من ثقل الدنيا، والحبّ يملؤه نورًا، ومن بين هذا الفراغ والامتلاء تولد الطمأنينة.
ليس الزهد حرمانًا، بل اختيار نابع من حبّ أعظم؛ فمن أحبّ الله استصغر ما سواه، ومن ذاق قربه لم تعد الدنيا تُغريه، بل تمرّ عليه كغيمةٍ عابرة.
تصبح الأشياء بين يديه لا في قلبه، يأخذ منها بقدر الحاجة، ويتركها دون حسرة، كأنه يقول لها: لستِ موطني… موطني هناك.
يا رب، علّم قلوبنا أن تحبك حبًا يجعل الزهد طريقًا لا مشقّة، وأن نترك لأجلك، لا هروبًا من الحياة، بل شوقًا إليك. إن قلّ زادنا، فاجعل حبّك زادنا، وإن ضاقت بنا الدنيا، فاجعل قربك وطننا، وإن تعبنا، فخذ بأيدينا إليك، حيث لا وجع ولا فقد ولا انكسار.
فهنيئًا لقلبٍ زهد في الفاني، وتعلّق بالباقي.. وهنيئًا لمن أحبّ الله، فصار كل شيءٍ بعده صغيرًا.
***
ذكرى البياتي
يفتتح رامسفيلد الجزء الثاني من كتاب مذكراته بالكتابة عن انسحاب القوات الروسية او قوات الاتحاد السوفيتي، بطريقة يشير بها الى ان انسحابها لم يكن انسحابا، بل هو هزيمة منيت بها القوات السوفيتية. كما ان السوفييت ارادوا ان يظهروا بان هذا الانسحاب ما هو الا انتصارا وتأدية واجبا امميا من خلال حشد الناس في استقبال القوات العائدة من افغانستان على حدود الاتحاد السوفيتي، حدود اوزبكستان التي كانت جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي تعرضت للغزو السوفيتي والاحتلال طيلة ما يقارب العقد. ان القوات السوفيتية ومن وراءها الحكومة السوفيتية لم تُؤمن امن وحياة الناس الذين تعاونوا معها وكما ان الاتحاد السوفيتي لم يوفر امن واستقرار وسيطرة الحكومة التي دعموها، بل انهم تركوها في مواجهة حركة طلبان وتنظيم القاعدة. ان رامسفيلد يتناسى في لحظة كتابة مذكراتها هذه؛ ان امريكا خرجت من افغانستان مهزومة، بل انها كانت اشر هزيمة وتركت الحكومة التي ساعدتهم في الغزو واحتلال بلدهم نهبا لرياح التحول الدراماتيكي، تاركة تقريبا كل الذين ساعدوها من الافغان الى عمليات الثأر والانتقام ليس هذا فقط، بل انهم تركوا كمية كبيرة من اسلحتهم بما فيها المروحيات المقاتلة والدروع والدبابات والمدافع. يتناسى ايضا الهزيمة الامريكية في منتصف سبعينيات القرن العشرين في فيتنام. فقد هرب الامريكيون بالمروحيات من على سطح السفارة الامريكية في سايغون. تاركين خلفهم الحكومة الدمية التي تعاونت معهم في احتلالهم لفيتنام الجنوبية، اضافة الى آلاف الفيتناميين الذين تعاونوا معهم خلال اكثر من عقد ونصف العقد. في الجزء الاول من هذه المذكرات كان رامسفيلد قد كتب عن فشلهم في فيتنام وكيف ان الاخفاق الامريكي في حرب فيتنام اضافة الى تداعيات ووترغيت اطاحت بالرئيس نيكسون. يجتمع بعد هجمات 11سبتمبر ايلول على برجي التجارة العالمية وعلى مبنى وزارة الدفاع الامريكية كل طاقم الإدارة الامريكية للحوار وتبادل الآراء في الذي جرى. في خضم هذه المناقشات التي بدأت تدور بين اركان الادارة الامريكية، الخارجية، والدفاع، والمخابرات المركزية الامريكية، ومستشارية الامن القومي الامريكي. يؤكد المتحاورون بان من المهم ان ترسل امريكا رسالة الى العالم كل العالم؛ ان من يعتدي على امريكا لسوف تجعله امريكا يدفع الثمن باهضا، حتى لا تمس هيبة امريكا، وحتى لا تظهر ضعيفة اماما العالم، حتى لا تغري الأخرين بالهجوم مستقبلا عليها؛ وان الرد من واجب امريكا ان يكون ردا كليا وشاملا ومدمرا. يؤكد لهم رئيس الإدارة الامريكية بوش الأبن اريد ان يكون الرد مدمرا وسريعا وهنا ما يقصده هو غزو واحتلال افغانستان. في الخلاصة لهذه المناقشات او المداولات؛ البدء في عملية الغزو خلال فترة قياسية لا تتجاوز اشهر قليلة، خصوصا وان العالم كله تقريبا وقف الى جانب امريكا. يتحرك رامسفيلد كما مكوك الحائك على دول المجاورة لأفغانستان من اوزبكستان الى باكستان الى الهند والى روسيا. باكستان والهند اللتان تخضعان للعقوبات الامريكية بسبب حيازتهما للسلاح النووي. ترفع عنهما تلك العقوبات مقابل مساعدة امريكا في هذا الغزو. باكستان واوزبكستان تفتحان اجوائهما لسلاح الجو الامريكي اضافة الى قاعدة في باكستان. يستعين الامريكيون بقوات الشمال، اضافة الى المليشيات الأخرى في العون والمساعدة للجيش الامريكي في احتلال بلدهم. تحتل امريكا افغانستان وتسيطر على العاصمة بمساعدتهم، بل كانوا في المقدمة كما يكتب رامسفيلد وهم الذي اقتحموا العاصمة والمدن الأخرى بغطاء جوي امريكي بقصف سجادي كثيف. يقوم الامريكيون بتنصيب حامد كرازي، بشتوني، كان يعيش في الخارج، في الغرب، دراسته في الغرب، ويؤمن كما يكتب رامسفيلد بالليبرالية الغربية. اثناء مناقشات ساسة الإدارة الامريكية عن اسباب هذا الهجوم؛ يتوصلون او ان رامسفيلد يؤكد خلالها بان من المهم اجتثاث جذور الارهاب. ان اكثر جذور هذه الايديولوجية الدينية منبعها ومنبتها في المدارس الدينية السعودية. لذا، يكتب رامسفيلد يجب ممارسة الضغط على الحكومة السعودية، وعلى بقية الدول التي فيها مثل هذه المدارس والتوجهات الدينية المتطرفة. في هذا الاتجاه لم يشر الى العراق ابدا. لكن لاحقا بدأ رامسفيلد هو وديك شيني القادم من الإدارة التنفيذية لأكبر شركات النفط الامريكية الى منصب نائب الرئيس الامريكي، اضافة الى بول وولفيتز، وجوج تنيت رئيس المخابرات المركزية الامريكيةأ وارميتاج نائب وزير الدفاع الامريكي. بحجج؛ اولا حيازة اسلحة الدمار الشمال، وثانيا وبشكل يومي يقوم العراق بضرب او مهاجمة الطائرات التحالف التي تقوم بفرض الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق، ودعم الارهاب ويحدد في هذا هو دعم العراق لأبو نضال الفلسطيني الذي يعيش في بغداد في امن وحرية يكتب، وابو العباس الفلسطيني الذي هو الأخر يعيش في بغداد؛ كلاهما يكتب رامسفيلد يقومان من بغداد بتوجيه العمل الارهابي في إسرائيل (لا يكتب اسرائيل إنما من السياق يقصد حصريا اسرائيل. لأنهما اولا ليس لهما اية علاقة بالأيديولوجية الدينية. وثانيا، هما مناضلان فلسطينيان معروفان على مدى عقود) كما ان العراق يكتب رامسفيلد؛ يمنح كل ارهابي يقتل في عمل ارهاب في اسرائيل مبلغ قدره خمسة وعشرين آلف دولار بالإضافة يكتب يقوم العراق بدفع مبالغ اعادة بناء كل بيت فلسطيني يدمر. قاريء هذه المذكرات من حقه ان يتساءل؛ اذا كانت جذور الارهاب بدءا من المدارس الدينية السعودية عليه لماذا وضع العراق في خانة الارهاب؟ واذا كانت اغلب او كل المشاركون في الهجوم على مبنى برجي التجارة العالمية ووزارة الدفاع لا يوجد عراقي من بينهم حتى ولو واحد فقط، كما ان العالم جميع العالم يعرف ان الحكومة في العراق هي حكومة علمانية تستند على ايديولوجية علمانية في حكمها للعراق. عليه فان وضع العراق في صف الارهاب ما هو الا تمهيد لغزوه واحتلاله لأهداف استراتيجية كونية وهذا هو ما ثبت لاحقا بعد عدة سنوات. الجانب الثاني والذي لا يمكن ان يدين العراق حسب القانون الدولي والقانون الانساني الا هو دعم العراق للنضال الفلسطيني كما ورد في هذا الكتاب، كتاب مذكرات رامسفيلد. ان النضال الفلسطيني من اجل الحق في دولة مستقلة وذات سيادة على ارضهم او على اقل من 20% مما تبقى لهم من ارضهم المسلوبة كما ان كل قرارات الامم المتحدة تطالب اسرائيل بالانسحاب مما احتلته في الخامس من حزيران لسنة 1967. عليه ومن هذا الباب القانوني والانساني ان دعم العراق للنضال الفلسطيني لا يضعه في خانة الارهاب، بل في خانة دعم الحق وقرارات الامم المتحدة. ان اتهام العراق بالإرهاب من قبل الإدارة الامريكية في حينها ما هو الا مخاتلة وتحايل. أما في الذي يخص امتلاك اسلحة الدمار الشامل فهذه هي الأخرى فرية أخرى لا تقل عن الاولى في التزوير والمخادعة والكذب، والتي ثبت زيفها وبطلانها بعد احتلال العراق. كما ان ضرب العراق للطائرات الامريكية التي تخترق سيادته الجوية فوق ارضه وتحت سماءه بفرية حظر مناطق الطيران على المقاتلات العراقية، فالتصدي لها من حقه القانوني والشرعي الذي تكفله له كل قوانين الامم المتحدة. إما قول رامسفيلد او ان يكتب في هذه المذكرات من ان هذا الحظر هو تحالف دولي فهذه ايضا هي الأخرى ام الاكاذيب. اولا، ان الامم المتحدة لم يصدر منها قرارا من هذا النوع وثانيا، ان هذا الحظر هو امريكي بريطاني وليس أتلاف دولي، اذ، ان فرنسا لاحقا بعد اقل من سنة انسحبت وتركت هذا الأمر لأمريكا وبريطانيا. يكتب؛ هذا الحظر هو لحماية الشعب في الجنوب والأكراد في الشمال، لم يكن الحظر لهذا الغرض ابدا. الحقائق هي التي تفند هذا الادعاء المخادع والكاذب، حقائق ما جرى بعد وقف اطلاق النار اذ سمح للمروحيات المقاتلة بالتحليق في سماء الجنوب والوسط والشمال من قبل امريكا.. تجري مناقشة خطة غزو واحتلال العراق؛ يؤكد فيها بوش الابن يجب ان تكن سريعة وخاطفة. يجري اعدادها ويتم الاتفاق عليها. تتكون من450 آلف من الجنود الامريكيين، 150للهجوم والباقي كاحتياط للطوارىء، او حدوث مفاجئات. 300 تواجدهم في الدول العربية وفي دول الخليج العربي على وجه التحديد. قبل البدء بالهجوم يكتب رامسفيلد؛ يجب التركيز على الدبلوماسية اي الحلول الدبلوماسية في وقت تم الانتهاء من وضع اللمسات النهائية لخطة الغزو، اي ان الغزو حسب ماجاء به هذا الكتاب؛ مفروغ منه امريكيا والدبلوماسية الغرض منها هو ايجاد التبرير الملائم، عبر استصدار قرار من مجلس الامن الدولي يسمح لأمريكا بالغزو والاحتلال، الا ان النشاط الامريكي باء بالفشل فلم يصدر اي قرار من مجلس الامن يسمح لأمريكا باحتلال العراق، حتى ان الرئيس الامريكي بوش الابن حسب هذه المذكرات كان قد لام نفسه بالدفع على طريق الدبلوماسية بقوله بالمعنى امام اركان إدارته؛ لقد ادمتني هذه الخطة.. يصف الكتاب الحشد الدولي ان هناك 42دولة من دول العالم كانت قد وضعت اجواءها او مطاراتها في خدمة القوات الامريكية. كما ان رامسفيلد في الكتاب يشيد بالرئيس المصري الراحل السيد حسني مبارك الذي افاد الامريكيين عندما اكد لنا يكتب رامسفيلد؛ ان العراق يحتفظ بكميات كبيرة من الاسلحة البيولوجية والكيماوية. من اكبر عمليات الخداع بتمرير الكذب على انه هو الحقيقة، في وقت تثبت مجربات الاوضاع واقعيا وموضوعيا في حينها على ان هذه الكتابة في وصف الواقع الذي جرى في زمنه ما هو الا خدعة وكذبا محضا وكاملا. عندما تجزء الحقائق لغرض طمسها وتغييبها عن القاريء؛ واستظهار الكذب على انه هو الحقيقة ولا حقيقة أخرى غيرها. ان هذه العملية في كتابة مذكرات على درجة كبيرة من الاهمية كونها تعالج او تتصدى لمرحلة تاريخية غيرت ليس العراق فقط بل غيرت دول وشعوب الوطن العربي وجوار هذا الوطن؛ تحمل في طياتها اتجاهين اولا، الاستهانة بذكاء القاريء وثانيا وهذا هو الاهم هو التنصل عن المسؤولية التاريخية والقانونية والاخلاقية والانسانية التي سترتب على الغزو الامريكي للعراق واحتلاله وتدميره دولة وحضارة وتاريخ وحاضر ومستقبل الى حين، او سوف ترتب ولو في المستقبل مهما طال وتقادم الزمن من حقوق اعتبارية ومعنوية ومادية من اعتذار وتعويضات للشعب العراقي. يكتب رامسفيلد عن الاستعداد لجهة توفير الفضاءات الدبلوماسية قبل البدء بالغزو، ايحائيا وضمنيا بطريقة رمادية تفتقر الى الوضوح في الكتابة بإيراد جزء من نص القرار الاممي، تناوله بالمعنى في مخاتلة القاريء وليس بالنص: ان القرار الاممي 1441اتاح ضمنيا يكتب رامسفيلد لأمريكا البدء بالعمل العسكري لنزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، بعد تحايل العراق واخفائه لهذه الاسلحة وبالذات يكتب البيولوجية والكيماوية، في وقت ان هذا القرار وهو قرار معروف ومتداول في وقته لا يشمل ابدا منح امريكا صلاحية العمل العسكري لنزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، بل اعادة المفتشين الدوليين الى العمل في العراق بحثا عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي كان قد تم تدميرها كليا بطريقة تامة وشاملة والمفتشون الدوليون يدركون ويعرفون معرفة يقينيه ان لا وجود لأسلحة الدمار الشامل العراقية؛ الا انهم وبالذات البرادعي لم يكتب أو لم يقل هذا في الاحاطة النهائية امام مجلس الامن الدولي. ثم يعود رامسفيلد بعد عدة صفحات يلوم فيها كل من فرنسا والمانيا لأنهما عارضا الحرب على العراق لافتقارها لمبرراتها، اضافة الى روسيا والصين. لم يصدر اي قرار من مجلس الامن الدولي في منح امريكا او تفويض امريكا في غزو واحتلال العراق لغرض نزع اسلحته. لذا، للعراق حق المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي والاعتباري مهما تقادم الزمن على عراق الحضارة وشعبه الأبي والشجاع والكريم كرامة لا تعرف لها حدود، ومقاتل لا يهين ولا يرتضي ابدا، مهما كانت قساوة الظروف والاحوال عليه؛ القبول بالاحتلال والتسليم بالأمر الواقع الذي صار شعب العراق فيه كتداعيات ومسوغات وفرها للاستراتيجية الكونية الامريكية المعد سلفا ربما حتى قبل بدء حرب الثماني سنوات، قرار فردي لنظام دكتاتوري في ارتكاب خطيئة غزو واحتلال الكويت حتى وزير الدفاع سمع به من المذياع. فقد قاوم شعب العراق، كل شعب العراق الاحتلال الامريكي،( المقاوم حصرا في جنوب الوطن وفي شماله ووسطه وغربه وشرقه)؛ مقاومة عرفها المحتل الامريكي ولايزال يعرفها من ظل منهم، او من جاء للعراق لاحقا منهم، كعنوان يذكر شعب العراق بالمحتل في تواصل يومي معها سواء بالقلم والكلمة والموقف، او ضرورة أخرى من ضرورات التصدي له وان لبس ثوب الثقافة والتبادل المعرفي اذا لبسها كثوب الغش الذي نسجت خيوطه بحرفية لقصد وهدف بعيد كليا عن المعرفة والتبادل الثقافي بين شعوب الارض.. ليس المقصود هنا العلاقات السياسية والدبلوماسية وغيرها المتعارف عليها بين دول ذات سيادة كاملة لكل منهما أو حتى الزيارات السياحية الودية التي لا تحمل في جعبتها اجنده مخابراتية. كما عرف جميع خصال هذا الشعب الكريم في الكرم والعطاء كل من مر بارض العراق زائرا او ساكنا. بالعودة الى كتاب مذكرات رامسفيلد: ألقى باول وزير خارجية امريكا في الامم كلمة امريكا والتي اشار فيها الى امتلاك العراق اسلحة بيولوجية والتي ثبت الواقع بطلانها بعد الاحتلال. كولن باول لاحقا بعد سنوات اعلن عن ندمه. يكتب رامسفيلد في هذه المذكرات ان كولن باول كان يعرف وعلى علم بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل، والتي تمكن من اخفائها عن مفتشي الامم المتحدة. لا يمكن يكتب؛ ان يغيب عنه هذا وهو الذي امضى اكثر من 25عاما عسكريا وقد مر في كل صنوف الجيش الامريكي والاستخبارات الامريكية. في هذا يريد رامسفيلد الاشارة الى ان ندم باول ليس صحيحا. رغم كل هذا النشاط الدبلوماسي والسياسي وجميع وسائل الضغط التي عرفت بها امريكا سواء على حلفائها او على اصدقائها لم تحصل على التفويض الاممي في غزو واحتلال العراق. ندرج نصا مقاطع منتخبة من كتاب مذكرات رامسفيلد:-
- في 22يناير اعلن الرئيس شيراك وجبرهارد شرودر انهما سيعارضان الاطاحة بالنظام. لقد كان موقفا مؤسفا لاثنين من حلفاء الولايات المتحدة القدامى ناهيك عن المتنافسين التاريخيين انفسهما، ان يعارضا الجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة بقوة مثلما فعلا..
- في 3 فبراير، قبل يومين من توجه باول الى نيويورك، قدم للرئيس موجزا عم عرضه في اجتماع لمجلس الامن القومي. قال باول للرئيس بثقة:" لدينا مصادر لكل شيء". ولو شعر باول بانه تعرض للخداع او الغش بشأن اي جانب من جوانب عرضه، كما سيدعي البعض لاحقا، فلم تظهر اي علامه على ذلك قبل يومين من تقديمه..
- في اكتوبر 2002، اصدر الكونغرس تفويضا باستخدام القوة العسكرية ضد العراق. يعكس هذا الاجراء الذي تم تجاهله في كثير من الاحيان ولكن المهم في الكونغرس وجهة نظر قوية وواسعة ومتحزبة بان من الضروري الاطاحة بنظام صدام حسين بالقوة لحماية الولايات المتحدة والسلام والامن الدوليين. وبدلا من التركيز فقط على برامج اسلحة الدمار الشامل، ادرج التشريع 23لائحة اتهام منفصلة ضد النظام..
- عندما راح الصدر يطلق على التحالف اسم العدو شعرت انه تجاوز الخط..
- قبل شهرين من تولي العراقيين السيطرة على بلدهم، صعق العالم بصور جنود امريكيين يسخرون من عراقيين عراة في سجن ابو غريب، صور الرقمية التي التقطها الجنود اثناء الانغماس في ممارسات اباحية توثق الاساءة السادية والتعذيب الذي الحقوه بالسجناء المسؤولين عنهم. تلك الافعال كانت لاتغتفر. وهددت الصور بأضعاف التأييد الشعبي والتشكيك في شرعية جهودنا المستمرة عشية الانتقال الى السيادة العراقية. لم تنشر بعض الصور في ذلك الوقت. أظهروا جنودا يشاركون في افعال جنسية سادية مزعجة مماثلة- ولكن مع بعضهم البعض: الامريكيون مع الامريكيين. لو نشرت جميع الصور دفعة واحدة، لرسم الجمهور بسرعة اكبر النتائج..
- واعلن السيناتور تيد كينيدي امام مجلس الشيوخ:" للأسف علمنا الان ان غرف التعذيب الخاصة بصدام قد اعيد فتحها تحت ادارة جديدة، هي الإدارة الامريكية". ان مساواة احد كبار اعضاء مجلس الشيوخ للمغامرات الشاذة المنحرفة لحفنة من الحراس في وردية منتصف الليل مع الممارسات الروتينية للاغتصاب والتعذيب والقتل في سجون صدام يعد امرا مروعا، حتى وفق ادنى معايير الفترات السياسية.
يريد رامسفيلد في هذا الكتاب ان غزو واحتلال العراق لم يكن خطأ بل كان عملية مهمة جدا لحفظ امن واستقرار ومصالح امريكا وامنها القوي. وان كل الاصوات التي تلت عملية احتلال العراق والتي قالت عنها او انها قد ادانت عملية غزو واحتلال العراق ليس من كل دول العالم بطريقة او بأخرى بل من اغلب الساسة الامريكيون. كون هذا الغزو والاحتلال كان قد أتى على كيان الدولة العراقية وليس عملية تغير نظام سياسي. حتى من الذين كانوا قد ايدوا هذا الغزو والاحتلال من الساسة الامريكيون ولو بعد خراب البصرة كما يفيدنا هنا المثال العراقي في وصف ما جرى للعراق في الاحتلال وما بعد الاحتلال من خراب وتدمير يكاد يكون شاملا وواسعا. في هذا الكتاب يبين رامسفيلد ان امريكا في احتلالها للعراق قد قامت بإنجاز اكبر مهمة تاريخية لها تأثيرات على صعيد الوطن العربي ومن الطبيعي هو لم يكتب الوطن العربي، بل كتب دول الشرق الاوسط. صحيح تماما ما ذهب إليه رامسفيلد في هذا الاتجاه في وصف غزو واحتلال دولة من غير غطاء قانوني دولي بل بإرادة امريكية صرفة تصب في نهاية المطاف في خدمة الاستراتيجية الامريكية الكونية ليس في الوطن العربي فقط بل في جوار هذا الوطن المجزأ والمبتلى بأنظمة خانعة وتابعة ومستبدة وطاغية على شعوبها وليس على من تخضع له من قوى دولية واعني حصريا امريكا. ان رامسفيلد في هذا الكتاب، كتاب المذكرات يكسر اعناق الحقائق ويريد تغير ما جرى من وقائع بأخرى غيرها يورد فيها جزء من الواقعة وليس كل الواقعة ويغطيها برؤيته الشخصية ليضفي عليها صدق وجودها في الواقع وكأنها كلية الوجود في الواقع مع ان ما يورد منها ما هو الا دفن للوقائع وتغير مجرياتها بمجريات أخرى لا وجود لها على ارض الواقع. ان كاتب هذه القراءة مقتنع تماما ان رامسفيلد اراد بهذا الكتاب، كتاب مذكراته ان يجمل احتلال بلده للعراق وانها اي امريكا قامت بإنجاز تاريخي للعراق وشعبه. في تعذيب سجناء ابوغريب يحاول رامسفيلد ان يبرىء الادارة الامريكية والقادة العسكريين الامريكيين من جرائم سجن ابو غريب ويحيلها الى التصرفات الفردية في الليل وفي الخفاء من دون علم مسؤوليهم. في وقت او في حينها كل المؤشرات والدلائل تؤكد ان العملية المخزية الامريكية في اخضاع السجناء العراقيين للذل والمهانة ما هي الا عملية يراد منها انتزاع أعترافتهم بطريقة لايمارسها الا ما جاء من الشوارع من الولادة حتى صار جنديا في الجيش الامريكي المحتل لبلد الحضارة والتاريخ. في كتاب مذكرات بوش الابن والذي صدر منذ سنوات والذي حمل عنوان القرارات الصعبة يؤكد وفي اكثر من فصل من هذا الكتاب؛ لولا هذه الممارسات في السجون الامريكية لما تمكنا من الوصول الى قادة الارهاب، كما ان هذه السجون ليس على الارض الامريكية، بل هي خارج الارض الامريكية لذا، لا ينطبق عليها القانون الامريكي في طريقة الوصول الى الاهداف بالتحقيق. في النهاية اقول ان قراءة هذا الكتاب مهمة بل مهم جدا، إنما بفحص وتمعن وببطء.
***
مزهر جبر الساعدي
إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق
وُلدت منظمات المجتمع المدني في جوهرها النظري لتكون صوت المجتمع المستقل ومساحةً حرة بين الدولة والمواطن. وظيفتها الأساسية هي الدفاع عن الحقوق، وتعزيز المشاركة، ونشر قيم المواطنة والعدالة، ومراقبة أداء السلطة. لكن هذه الفكرة النبوية تعرضت في العراق، خلال السنوات الماضية لتشوهات عميقة، تمثلت في تحول بعض هذه المنظمات تدريجياً إلى امتدادات غير معلنة للأحزاب السياسية، تعمل ضمن حساباتها وتتحرك وفق مصالحها الضيقة.
شهد العراق بعد عام 2003 طفرة كبيرة في أعداد منظمات المجتمع المدني، مستفيداً من الانفتاح السياسي والدعم الدولي السخي. سُجِّلت آلاف المنظمات التي تنوعت مجالات عملها بين حقوق الإنسان والتنمية وتمكين المرأة والإغاثة ومراقبة الانتخابات. وكان يُفترض بهذا الانتشار أن يعكس حيوية المجتمع ورغبته في بناء فضاء مدني مستقل. إلا أن الواقع كشف لاحقاً أن جزءاً غير قليل من هذه المنظمات إما نشأ برعاية أحزاب سياسية أو وقع تحت تأثير شخصيات حزبية نافذة، مستغلة ضعف الخبرة المؤسسية وهشاشة مصادر التمويل المستقلة.
عندما تدخل الأحزاب إلى فضاء العمل المدني، فإنها غالباً ما تحاول توجيهه بما يخدم أهدافها. فتتحول المنظمة من إطار يمثل المجتمع إلى أداة للدعاية السياسية، أو وسيلة لبناء نفوذ اجتماعي، أو قناة للحصول على التمويل المحلي والدولي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح نشاط المنظمة مرتبطاً بمواقف الحزب الذي يقف خلفها: تدافع عن قضاياه، وتتجنب نقده، وقد تشارك في حملاته الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذه الظاهرة تخلق عدداً من الإشكالات الخطيرة. أولها إضعاف ثقة المجتمع بمنظمات المجتمع المدني. فحين يشعر المواطن بأن المنظمة ليست مستقلة بل مرتبطة بحزب معين، فإنه يتعامل معها بوصفها جزءاً من الصراع السياسي لا جزءاً من المجتمع. وهنا تفقد المنظمة أهم رأسمال تملكه، وهو المصداقية.
أما الإشكال الثاني فيكمن في تشويه مفهوم العمل المدني نفسه. فالمجتمع المدني يفترض أن يكون مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، لكن عندما تخضع المنظمات لهيمنة الأحزاب فإنها تصبح جزءاً من منظومة الاستقطاب ذاتها التي يعاني منها المجتمع.
وثالث هذه الإشكالات هو إقصاء المبادرات المدنية الحقيقية. فالمنظمات المرتبطة بالأحزاب غالباً ما تمتلك موارد أكبر، وعلاقات أوسع، وقدرة أعلى على الوصول إلى التمويل أو المؤسسات الرسمية. وهذا يضع المنظمات المستقلة، التي تعتمد على جهود تطوعية صادقة، في موقع ضعيف وغير متكافئ.
إن استقلال المجتمع المدني ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية سليمة. فالمجتمع المدني المستقل يستطيع أن يراقب السلطة، وينتقدها، ويدافع عن حقوق المواطنين دون خوف أو حسابات حزبية. أما حين يتحول إلى تابع للأحزاب، فإنه يفقد دوره الرقابي ويتحول إلى جزء من منظومة النفوذ نفسها.
لذلك فإن حماية العمل المدني في العراق تتطلب تعزيز الشفافية في تمويل المنظمات، ووضع معايير واضحة للفصل بين النشاط الحزبي والعمل المدني، وتشجيع المبادرات المستقلة التي تنبع فعلاً من احتياجات المجتمع لا من حسابات السياسة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحدد إلى حد بعيد مستقبل الحياة المدنية والديمقراطية في العراق.
لكن مبدئياً، يُفترض بمنظمات المجتمع المدني أن تكون مرآةً للمجتمع، تعكس همومه وتطلعاته، وتدافع عن مصالحه بعيداً عن ضغوط السلطة وتقلبات السياسة. فهي في الأصل مساحة مستقلة بين الدولة والمجتمع، تعمل على تمكين المواطنين، ومراقبة الأداء الحكومي، والمساهمة في ترسيخ قيم المشاركة والشفافية. لكن هذا الدور يفقد معناه عندما تتحول هذه المنظمات إلى امتداد غير معلن للأحزاب السياسية.
في كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في فكرة المجتمع المدني نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها بعض منظماته. فعندما تتسلل الأحزاب إلى هذه المنظمات عبر التمويل أو النفوذ أو التعيينات، تصبح برامجها وأنشطتها انعكاساً لأجندات حزبية أكثر مما هي استجابة لحاجات المجتمع. عندها لا يعود المجتمع المدني صوتاً للمواطنين، بل يتحول إلى صدىً لخطاب سياسي مُعدّ سلفاً.
تكمن خطورة هذا التحول في أنه يفرغ مفهوم المجتمع المدني من جوهره. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه بمعزل عن الصراع الحزبي، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني من انقسامات سياسية أو طائفية. أما إذا أصبحت منظمات المجتمع المدني جزءاً من هذا الصراع، فإنها تفقد ثقة الناس بها، وتتحول إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً للحوار.
ولا يعني هذا أن المجتمع المدني يجب أن يكون معزولاً تماماً عن السياسة، فالقضايا التي يتناولها – مثل الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية – هي بطبيعتها قضايا سياسية. لكن الفرق كبير بين الانخراط في الشأن العام من موقع الاستقلال، وبين العمل كواجهة أو ذراع غير رسمية لحزب أو تيار سياسي.
إن استقلالية المجتمع المدني هي الشرط الأساسي لصدقيته. وهذه الاستقلالية لا تتحقق بالشعارات، بل عبر الشفافية في التمويل، والديمقراطية في إدارة المنظمات، ووضوح الأهداف والبرامج. كما أن المجتمع نفسه مطالب بمتابعة أداء هذه المنظمات ومساءلتها، حتى لا تتحول إلى كيانات مغلقة تخدم مصالح ضيقة.
في النهاية، لا يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب. فالصوت الحقيقي هو الذي ينطلق من الناس ويعود إليهم، يعبر عن احتياجاتهم ويستمد شرعيته من ثقتهم. أما الصدى، فهو مجرد تكرار لصوت آخر، مهما حاول أن يبدو مستقلاً. وبين الصوت والصدى يكمن الفرق بين مجتمع مدني حيّ، وآخر فقد دوره ومعناه.
كيف تتمكن بعض الأحزاب السياسية في العراق إستمالة منظمات المجتمع المدني لكي تعمل لصالحها ووفق أجنداتها الحزبية؟
تتمكّن بعض الأحزاب السياسية في العراق من استمالة منظمات المجتمع المدني والعمل من خلالها بطرق متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر. يعود ذلك غالبًا إلى طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية بعد عام 2003، حيث نشأت آلاف المنظمات بسرعة كبيرة، أحيانًا دون خبرة مؤسسية أو مصادر تمويل مستقلة. وفيما يلي أبرز الآليات التي تُستخدم عادة:
اولاً- التمويل والسيطرة المالية: أن الكثير من منظمات المجتمع المدني تعتمد على التمويل للبقاء، فتستغل ذلك بعض الأحزاب عبر تقديم دعم مالي مباشر للمنظمة أو لمشاريعها، أوتسهيل الحصول على منح أو عقود حكومية من خلال نفوذها السياسي، أوتمويل غير معلن مقابل تبني مواقف أو نشاطات تخدم الحزب.
وعندما تصبح المنظمة معتمدة مالياً على جهة حزبية، يتشكل نوع من الارتباط غير المعلن الذي يؤثر على قراراتها ونشاطها.
ثانياً- إنشاء منظمة واجهة: إذ بعض الأحزاب تقوم اساساً بتأسيس منظمات مجتمع مدني تابعة لها، لكنها تُقدّم للجمهور كمنظمات مستقلة؛ هذه المنظمات قد تنظم فعاليات تبدو مدنية أو ثقافية، أو تصدر بيانات أو تقارير تدعم مواقف الحزب، أو تعمل على تحسين صورة الحزب في المجتمع.
ثالثاً- اختراق الهيئات الإدارية: أحياناً تسعى الأحزاب إلى إدخال أعضاء موالين لها إلى مجالس إدارة المنظمات أو مواقع قيادية فيها، وبمرور الوقت يمكن أن تتغير توجهات المنظمة، أو تتحول أنشطتها تدريجياً لخدمة أجندة سياسية معينة.
رابعاً- استغلال النفوذ الحكومي: أن الأحزاب التي تملك نفوذاً في مؤسسات الدولة قد تستخدمه؛ لتسهيل تسجيل المنظمات القريبة منها، وتقديم امتيازات (مقرات، تصاريح، دعم لوجستي)، والضغط غير المباشر على المنظمات المستقلة.
خامساً- توظيف الخطاب المدني لخدمة أهداف سياسية عبر تشجيع المنظمات على تنظيم ندوات أو حملات إعلامية تدعم سياسات محددة، أو التأثير على الرأي العام تحت عنوان الدفاع عن حقوق أو قضايا اجتماعية، أو المشاركة في مراقبة الانتخابات بطريقة منحازة.
سادساً- العلاقة الشخصية والشبكات الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان يتم الأمر عبر علاقات شخصية بين ناشطين وقادة حزبيين، أو تقديم فرص عمل أو مناصب، أو إدماج ناشطين مدنيين في مشاريع سياسية أو انتخابية.
سابعاً- ضعف الإطار التنظيمي والرقابي، ويتمثل في ضعف قوانين الشفافية الخاصة بالمنظمات، أو محدودية الرقابة على مصادر التمويل، أو عدم وضوح الحدود بين النشاط المدني والنشاط الحزبي.
وعندما يحدث هذا التداخل بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، قد يؤدي إلى تسييس العمل المدني، وفقدان ثقة الجمهور بالمنظمات، وإضعاف الدور الرقابي الحقيقي للمجتمع المدني على السلطة.
في التجربة العراقية بعد 2003 لم يكن المجتمع المدني دائماً فضاء مستقلاً تماماً، بل أصبح في بعض الأحيان ساحة صراع وتأثير بين القوى السياسية. ومع ذلك يبقى وجود مجتمع مدني حقيقي ومستقل عنصرا أساسياً لأي عملية ديمقراطية.
جدير بالذكر، توجد في العراق أيضاً منظمات مستقلة فعلاً تحاول الحفاظ على حيادها والعمل وفق مبادئ المجتمع المدني، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التمويل والبيئة السياسية.
***
جورج منصور
منذُ ما يدنو من خمس عشرة سنة وأنا أقومُ بنشر المحاضرات التثقيفية حول الفكر السياسي بمختلف مشاربه ومذاهبه وإتجاهاته، الاسلامية منها والغربية، سواء تلك التي تميل الى الفرد بليبراليتها، أو التي تعتكز على الجماعة باشتراكيتها، أو تلك التي شقت طريقها بين المسارين، محاضراتٌ كان همّها الأبرز هو إعادة ضخّ موضوعات الفكر السياسي المعروفة بكونها عصية على العديد من المتخصصين، فضلاً عن سواهم، بطريقة تقترب من السهل الممتنع كما أخبرني الكثيرون من متابعيها من مختلف دول العالم كما يشي بذلك البريد الألكتروني الخاص بها.
بيد أني تفاجـأتُ بإغلاق القناة من قبل شركة يوتيوب بعد أن قمتُ بنشر مقطع فيديو أُدين فيه الحرب الظالمة على الجمهورية الاسلامية في ايران، وكونها عدواناً سافراً يتطلب موقفاً مندداً من النخب والمثقفين في سبيل تعرية هذه الحرب، والعمل بكل ما أمكن في سبيل التنديد بها، والمطالبة بإيقافها، منتقداً في الوقت عينه أولئك الذين يبررون هكذا اعتداءات بذريعة أنها الوقوف ضدها يعني دعماً للطرف المعتدى عليه، وهو تبرير إن دلّ على شيء فإنما يدل على خيانة ثقافية بارزة، أو كما أستميتُه في الفيديو "خيانة المثقفين"، وهو تعبير قمتُ بإستعارته من أحد مقالات المفكر إدوارد سعيد (1935-2003م) كان قد كتبه في عموده الاسبوعي في الــــ(Alahram Weekly).
لم تكن ذريعة الإغلاق من قبل اليوتيوب سوى كون القناة تقوم بمدح أطراف مجرمة! وهم يقصدون بذلك الجمهورية الاسلامية في ايران وحزب الله في لبنان، مع العلم أن الجميع يتفق، بما في ذلك الامم المتحدة، أن الحرب نتيجة اعتداء غير مبرر وغير مشروع من قبل الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني، وهنا نكون امام الازدواجية الغربية التي لم تعد قابلة للتغطية أو التمرير فيما يتعلق بحرية التعبير أو احترام الرأي الاخر، فالغرب الديمقراطي جداً وكثيراً لم تعد منصاته وتطبيقاته تسمح لمن يختلف مع غرستهم الاستعمارية إسرائيل، على حد تعبير المفكر العراقي هادي العلوي (1932-1998م)، فكل شيء مباحٌ طالما لا تنتقد هذا الكيان الذي زرعه الغرب في المنطقة بالشكل الذي زادها فوضى على ما فيها من فوضى وصراع!
لستُ أدري على أي الأمور احزن، على ذهاب منجز متواضع أفتخر أنه اسهم في تنوير وتثقيف الكثيرين بضغطة زرٍ من شركة اليوتيوب، أم على البقية من أبناء جلدتنا من الذين ما زالوا منخدعين بأن الغرب يؤمن بحقوق الانسان وحرية التعبير من الجميع ومن كل مكان كما يقولون؟
وأي يكن الامر، ومهما كانت الكلفة والنتائج، فإن هذه الحربَ حربٌ ظالمة كما وصفتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، وبما كشفته طبيعة مجرياتها في الميدان، إذ تم فيها قصف المدارس والجامعات ومراكز الدراسات والبنى التحتية المدنية، وأن أولئك الذين رفضوا أن يستنكروها من المثقفين بذريعة ان ذلك فيه فيه دعم لإيران او لحزب الله او لغيرهم فيقعون ضمن يمارس الخيانة الثقافية التي لا يمكن أن يبررها عقل سليم أو ضمير فيه حياة، فالظلمُ ظلمٌ حتى وإن إتفقتَ مع فاعله، والمظلومُ مظلومٌ مهما إختلفتَ مع من وقع عليه.
***
د. محمد هاشم البطاط
الإسهاب: الإطالة والتوسع بالكلام المكتوب بغير منفعة.
نعيش عصر الإختصار والتكثيف، وحتى في العصور الخوالي تنبه أوائل الكتاب إلى فنون صنعة الكتابة، وأوجزوا وعبروا عن مناهج ما قل ودل، فكيف بنا ونحن في عصر السرعات الخارقات من الإبتكارات والإختراعات التي تضخنا بتيارات من المعلومات الفياضة.
إختيار المفردات، التعبير عن الفكرة بأقل الكلمات، تحبيب المكتوب وجعله مرغوب، من أساسيات صنعة الكتابة، أما الإسراف بسكب الكلمات بلا منظور منهجي وخطة تعبيرية ذات قيمة معرقية وتأثيرية، وقدرة على شد القارئ إلى المنشور، فهذا عبث وتبذير للوقت وإستهانة بالمعارف، وتجاهل للقارئ، وكأن الكتابة لشخص الكاتب، وإرضاء لنزعاته الوهمية ونرجسيته الإستعلاية الفجة والحاجات الترويحية.
"القلم شجرة ثمرتها الألفاظ"
"عقل الكاتب في قلمه"
"قول الناس مدونة في أطراف أقلامهم"
"اللسان وزير الإنسان"
فهل نمتلك مهارة التعبير عن أفكارنا بأقل كلام؟!!
كَتبْنا كيْفما شِئنا فخِبْنا
بإسْهابٍ يؤرّقنا فغِبنا
لأنّ زماننا برهانُ لحْظٍ
يُداهِمُنا ويُطلقنا فتُهنا
إذا عِشنا بأرْوقةِ انْهزامٍ
تدحْرَجْنا إلى وَجَعٍ ومُتنا
***
د. صادق السامرائي
يعد الذوق من المفاهيم المحورية في التجربة الروحية في الاسلام، فهو ليس مجرد حس جمالي شكلي، بل هو ملكة باطنية تمكن السالك من إدراك الحقائق الخفية والمعاني العميقة الكامنة وراء الظواهر. وقد أولى الشيوخ الكمل من اهل التصوف عناية فائقة لتربية هذا الذوق لدى مريديهم، معتبرين إياه مفتاحا للوصول إلى مراتب سامية من المعرفة والمشاهدة. ومن أبرز هؤلاء الشيوخ الذين تجلت في أعمالهم هذه التربية، العارف بالله سيدي محمد الحراق المتوفى سنة 1845 م، والذي اشتهر بتائيته البديعة أتطلب ليلى وهي فيك تجلت
و تحسبها غيرا و غيرك ليست، وبمنهجه في التربية بالطرب و السماع كما سماه الدكتور محمد التهامي الحراق.
تعد اللغة الرمزية والإشارية قوام الشعر الصوفي، حيث تتجاوز الكلمات دلالاتها الظاهرية لتشير إلى معان روحية عميقة. وفي تائية الحراق، يبرز هذا التوظيف الرمزي بوضوح في مطلعها الشهير:
أتطلب ليلى وهي فيك تجلت
وتحسبها غيرا وغيرك ليست
هنا في هذا البيت الشعري الجميل، لا تمثل ليلى المحبوبة البشرية بالمعنى الحسي المباشر، بل هي رمز للروح او النفخة الإلهية الكامنة في الجسد الإنساني والتي يدرك بها العارف الذات الإلهية.
إنها إشارة إلى الحقيقة الكونية بأن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وأنه متجل في كل ذرة من الوجود، وفي ذات السالك لطريق القوم نفسه. هذا البيت الشعري يدعو المريد إلى تجاوز البحث عن الحق خارج ذاته، فالحقيقة متجلية فيه، وليست غيرا منفصلا عنه. ومن خلال هذا التفكيك للرمز، يتدرب السالك على تنمية حسه التأويلي، ليتمكن من قراءة الإشارات والرموز الكونية والقرآنية، وإدراك المعاني العميقة التي تتجاوز القشور الظاهرية.
إن هذا التوجه يعمق فهم السالك بأن جمال المخلوق هو انعكاس لجمال الخالق، وأن العشق للكيان المادي المقيد هو في الأصل عشق للروح الأزلية المقدسة التي تسكنه.
وبالتالي، فإن ليلى في شعر الحراق تتحول إلى جسر فني للعبور إلى مقام العشق المقدس للحضرة الإلهية، مما يرتقي بالمحبة من مستواها الحسي إلى مستوى روحي مطلق.
***
د. محمد غاني
إنَّ التطلع إلى الخلود واحدةٌ من الأفكار التي استحوذت على تفكير الإنسان، فسعى عبر أزمانٍ متواصلة إلى تحقيق هذه الفكرة، ولعلَّ ملحمة كلكامش (2700–2000 قبل الميلاد) واحدةٌ من أبرز وأقدم القصص الملحمية التي تناولت رحلة البحث عن الخلود وجسّدت الصراع الأبدي بين الإنسان والموت. وظلت هذه الفكرة مصدر إلهام وبحث للعديد من الفلاسفة والعلماء، وكذلك الأدباء الذين اختاروا موضوعات ترمز إلى الخلود التاريخي ومن بينهم الروائي التشيكي (ميلان كونديرا 1929–2023)، الذي اتخذ "الخلود" عنوانًا لواحدة من أهم رواياته التي عالجت فكرة الخلود من زاوية رمزية وهي أن يظل الإنسان حيًا في الذاكرة والتاريخ عبر أسماء مثل نابليون بونابرت ولودفيغ فان بيتهوفن وإرنست همنغواي وكان يرمز بها إلى الخلود التاريخي لا الخلود الجسدي. وكذلك الروائي البرتغالي (أندريه أوليفيرا) كتب رواية (ماراثون الخلود)، التي تتبّع فيها حياة عدّاء رياضي وحلمه بحياة أفضل من خلال كفاحه للفوز بالماراثون الأولمبي، لكن الموت يقف حائلًا أمام تحقيق أمنيته.
أما العلماء، فقد سخّروا أفكارهم وكرسوا تجاربهم لتحقيق الخلود الجسدي، وكان من أبرزهم عالم الفيزياء الأمريكي روبرت إيتينجر (1918–2011)، الملقب بـ"أبو علم التجميد"، الذي طرح في كتابه (آفاق الخلود) الصادر عام 1962 فكرة تجميد جثث الموتى علميًا على أمل إحيائهم مستقبلاً بفضل التطور العلمي، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، قام بتأسيس "معهد التجميد"، حيث تم تجميد جثث أفراد عائلته بعد وفاتهم أملًا في تحقيق الخلود، وسرعان ما تلقفت السينما هذه الفكرة، فقامت بترجمتها في فيلم سينمائي بعنوان "الغيبة الطويلة"، شاهدته في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ويحكي قصة حب بين شابين. تتعرض فيه الحبيبة إلى مرض غريب، يتفق الأطباء على أنه يمكن التوصل إلى علاج للمرض بعد 25 عامًا من التجارب. ولشدة تعلق الشاب بحبيبته، واستعداده للتضحية بكل ما يملك من أجل إنقاذ حياتها، يتم الاتفاق مع الفريق الطبي المشرف على علاجها على تجميدها لحين حلول الموعد المتوقع، وبعد انقضاء المدة، ينجح الفريق الأطباء في التوصل إلى العلاج ويتمكنون من شفائها، فتعود الحبيبة إلى الحياة وهي ما تزال شابة، محتفظة بنضارتها وحيويتها كما كانت عليه هيئتها عند تجميدها، إذ إن النمو قد توقف ولم تتأثر بعامل الزمن بفعل التجميد، غير أن الصدمة تقع حين يحضر حبيبها لمقابلتها فلا تتمكن من التعرف عليه بسبب التغيرات التي طرأت على شكله، وذهاب جانبٍ من ألق شبابه، ليصبح الفارق بينهما في العمر كبيرًا، ففكرة الفيلم تقول: حتى لو انتصر العلم على الموت، لكنه يستحيل الانتصار على الزمن.
مساكين العلماء.. كانوا يأملون في "هزيمة الموت" بإعادة الجثث المجمدة إلى الحياة، ولكن الزمن كان القوة القاهرة التي هزمت الحب وانقضّت عليه، فالموت ليس وحده هو الخصم انما هناك الزمن الذي يؤثر في بنية الكائنات ويعمل على اختلال العلاقات وتدهور العاطفة.
***
ثامر الحاج أمين
شهد العالم خلال الحرب العالمية الثانية تجربتين قاسيتين شكّلتا منعطفًا تاريخيًا في مسار الصراعات الدولية، وأصبحتا نموذجين متباينين في كيفية نهاية الحروب الكبرى.
التجربة الأولى تمثلت في استسلام اليابان بعد الضربات النووية التي استهدفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي. هذا الحدث المأساوي، رغم فداحته الإنسانية، أدى إلى إنهاء الحرب سريعًا، وفتح الباب أمام مرحلة إعادة البناء والتحول الاقتصادي والسياسي، لتتحول اليابان لاحقًا إلى واحدة من أقوى الدول في العالم.
أما التجربة الثانية، فقد تجسدت في ألمانيا النازية، التي واصلت القتال حتى النهاية مدفوعة بعقيدة أيديولوجية متطرفة، ما أدى إلى دمار شامل طال البنية التحتية والمجتمع، وانتهى بسقوط النظام وتقسيم البلاد إلى شطرين: ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، في واحدة من أبرز نتائج الإصرار على المواجهة دون أفق للحلول.
هاتان التجربتان تبرزان بوضوح أن طبيعة الأنظمة السياسية والأيديولوجيات التي تتبناها تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصير الشعوب خلال الأزمات. فالأنظمة التي تنغلق على أفكار متشددة وتغلق أبواب الحوار، قد تقود بلدانها إلى سيناريوهات مدمّرة، في حين أن المرونة والواقعية السياسية قد تفتح طريقًا لتقليل الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن استحضار هذه الدروس التاريخية لا ينبغي أن يكون بهدف إسقاطات حادة أو الترويج لسيناريوهات كارثية، بل لفهم أن الحروب لا تترك رابحًا حقيقيًا، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر. من هنا، تبرز أهمية الحلول الدبلوماسية، وتغليب لغة العقل، والابتعاد عن التصعيد الذي قد يقود إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها.
في النهاية، يبقى التاريخ مرآة للحاضر، لكنه لا يفرض مسارًا حتميًا للمستقبل، بل يقدّم دروسًا يمكن الاستفادة منها لتجنّب تكرار المآسي وبناء عالم أكثر استقرارًا وسلامًا.
***
خليل الحلي
رئيس تحرير صحيفة العهد
هل سيندم المطربون على أغانيهم التي قدموها قبل سنين؟
هل الذائقة الفنية تتغير مع تقدم العمر؟
أستمع لأغاني أم كلثوم التي كنت متعلقا بها . وأجدها لا تستحق ذلك الإهتمام والذوبان في كلماتها، وألحانها رغم روعتها وتميزها، فالملحنون الذين صاغوا أغانيها من العباقرة الأفذاذ، وهذا ربما يعني أن لكل حالة عمر ذوقي معين وقدرة على المواكبة الزمنية ولكن إلى حين.
القول ببلوغ قمة الشيئ وهم بعيد المنال، فالتفاعل مع الحياة بميادينها المتنوعة أشبه بمطاردة سراب، وتداعيات أخيلة تعصف في أركان الوعي والإدراك.
لا توجد عطاءات بشرية أبدية الطباع، بل مرحلية المواصفات، ولا يجوز طغيان ما جرى في مرحلة على ما بعدها.
"وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم..."، وعندما نُخرج الآية من المفاهيم التي حاوطتها على مر القرون، نكتشف أن فيها إشارة إلى أن لكل حالة زمنها، ومثلما للحي عمر فكذلك للناجم عنه عمر قد يطول أو يقصر، لكن القول بالأبدية لما ينطلق من الحي، موضوع لا أساس له من الواقع ولا يتوافق مع إرادة الأكوان ونواميسها الفاعلة فيما فوق التراب.
أجيال القرن الحادي والعشرين لا تتذوق الأغاني الطويلة، ولا تعرف عمالقة الفن الطربي في القرن العشرين، وهم يتراقصون على وقع الأنغام السريعة الضاجة بالأصوات العالية، ولو حدّثتهم عن الألحان والموسيقى العربية الأصيلة التي تألقت بإبداعات الملحنين الكبار لما إستأنسوا بما تقول، ومهما حاولت أن تخبرهم عن محمد عبد الوهاب، والموجي، والسنباطي وبليغ حمدي وغيرهم ما تفاعلوا مع الكلام، وحسبوك قادم من زمان مجهول في غياهب النسيان، فأمواج الأجيال تتطامى، ولاحقها يزيح سابقها، وتلك الأيام يتم مداولتها بين الخلق أجمعين.
أجيال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين يتمتعون بمميزات تكنولوجية وتواصلية ذات إيقاع خاطف، وتوالد لحظي المواصفات، وأكثرهم يتمتع بما لا يخطر على بال من الرؤى والتصورات المنبثقة من ثورات الإبداع المتجدد.
بنا دارتْ وما عَرفتْ مُنانا
بها نَمْضي إلى وجعٍ حَدانا
هيَ الدنيا تُباغِتنا بفِعلٍ
يُغيِّرُ في زمانٍ مُحْتوانا
إذا الأجيالُ ما نَهَضتْ بعقلٍ
تَمَلّكها هوانٌ لا يُدانى
***
د. صادق السامرائي
حين أسّس حسن البنا حركته في مصر عام 1928، لم يكن مصطلح "النظام العالمي الجديد" قد وُلد بعد، لكن البنية التي سينبثق عنها هذا المفهوم كانت تتشكّل بالفعل. العالم الخارج من الحرب العالمية الأولى كان يتجه نحو إعادة تنظيم دولي تقوده القوى الاستعمارية، قبل أن يترسخ لاحقًا بعد الحرب الباردة في صورة نظام دولي أكثر وضوحًا. في هذا السياق، يظهر فكر البنا كاستجابة مبكرة، بل واعتراض تأسيسي، على المسار الذي سيقود إلى النظام العالمي بصيغته الحديثة.
البنا لم يكن مجرد داعية ديني، بل كان صاحب مشروع سياسي-حضاري يرى أن الخلل في العالم الإسلامي ليس داخليًا فقط، بل هو نتيجة اندماجه القسري في نظام دولي تهيمن عليه قوى خارجية. لذلك، فإن طرحه لمفهوم "شمولية الإسلام" لم يكن وعظًا روحيًا بقدر ما كان محاولة لبناء إطار بديل للنظام الدولي القائم. في مقابل عالم يتجه إلى تكريس الدولة القومية كفاعل أساسي، كان البنا يستدعي مفهوم "الأمة" ككيان عابر للحدود، يتجاوز التقسيمات التي فرضها الاستعمار.
هذا التباين ليس شكليًا، بل يمس جوهر الرؤية السياسية. فالنظام العالمي، كما تبلور عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة، يقوم على مبدأ السيادة الوطنية والتوازن بين الدول، حتى وإن كان هذا التوازن مختلًا لصالح القوى الكبرى. أما عند البنا، فالدولة ليست غاية نهائية، بل مرحلة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية دينية. هنا يتجلى التناقض: نظام دولي يسعى إلى إدارة الاختلاف، مقابل مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريفه من الأساس.
الأهم من ذلك أن البنا قرأ مبكرًا مسألة الهيمنة، وإن بلغة عصره. فقد رأى أن الغرب لا يفرض سيطرته فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا عبر الثقافة والاقتصاد وأنماط الحكم. وهذه القراءة تتقاطع مع تحليلات لاحقة للنظام العالمي، لكنها تختلف في الاستنتاج: فبينما يدعو النظام الدولي إلى الاندماج في منظومته، يدعو البنا إلى الانفصال عنها وبناء بديل مستقل.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مشروع البنا بقي نظريًا جزئيًا في علاقته بالنظام الدولي. فهو لم يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية إدارة علاقات دولية معقدة في عالم متعدد القوى، بقدر ما ركّز على إعادة بناء الداخل كمدخل للتغيير الخارجي. وهذا ما يجعل الفارق بينه وبين النظام العالمي ليس فقط في الأهداف، بل في مستوى الاشتغال: البنا يتحرك في حقل الفكرة والتعبئة، بينما يتحرك النظام العالمي في حقل المصالح والتوازنات.
اليوم، وبعد تحولات كبرى وصعود قوى مثل الصين وروسيا، لم يعد النظام العالمي أحاديًا كما كان، لكن جوهره لم يتغير: ما زال قائمًا على الدولة، السيادة، والمصالح. في المقابل، تستمر أفكار البنا بأشكال مختلفة في تمثيل تيار يرفض هذا الأساس من جذوره، لا من تفاصيله.
في الخلاصة، العلاقة بين حسن البنا والنظام العالمي ليست علاقة تفاعل مباشر، بل علاقة "اختلاف بنيوي". إنه اختلاف بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تنظيم العالم كما هو، والآخر يسعى إلى إعادة تعريفه كما ينبغي أن يكون.
***
محمد البغدادي
في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح مكانة خاصة في وجدان أجيال من العراقيين. فمنذ بداياته، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى موقع في السلطة، بل كان، في أحد أبرز وجوهه، تعبيرًا عن نزعة أخلاقية ووطنية رأت الإنسان قيمة عليا، ورأت العدالة شرطًا لازمًا لكرامة المجتمع، لذلك لم يقتصر حضوره على البيانات والشعارات، بل تجلّى في المعلم والعامل والكاتب والطالب، وفي تلك النماذج البشرية التي منحت السياسة معنى أنظف، وربطت الوطنية بالسلوك اليومي لا بالادعاء الخطابي.
ولعل ما ميّز الشيوعي العراقي، في الذاكرة العامة، أنه لم يكن مجرد حامل لفكرة أيديولوجية، بل كان غالبًا حاملًا لخلق مدني رفيع، كثيرون ممن لم ينتموا إليه، تعلّموا على أيدي شيوعيين أولى معاني احترام الإنسان، وحب الوطن، والانحياز إلى الفقراء، والإيمان بأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع بل شريكًا كامل الكرامة، وأن التنوع القومي والديني ليس لعنة على العراق، بل إحدى حقائقه الكبرى التي لا تستقيم الدولة من دون الاعتراف بها وإنصافها.
ومن بين أكثر المواقف التي تُحسب لهذا الحزب، موقفه الإنساني والوطني المتقدم من القضية الكردية، في زمنٍ كان فيه كثيرون ينكرون على الكرد حتى حقهم في الاعتراف والإنصاف، يوم رفع شعاره المعروف: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، لم يكن يطلق عبارة دعائية عابرة، بل كان يعبّر عن فهم مبكر لطبيعة العراق بوصفه وطنًا متعدد القوميات والمكونات، لا يستقر بالقهر ولا يُدار بالإنكار، ومن هذه الزاوية أيضًا، انفتح خطابه على بقية المكونات العرقية والدينية، مؤمنًا بأن المواطنة الحقة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا استثنت قومية أو دينًا أو لغة. لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثمانًا باهظة من دمهم وحريتهم وسمعتهم الاجتماعية، سجونًا ومطاردات ومنافي وتشويهًا وتكفيرًا، لكنهم ظلوا، في صور كثيرة، مثالًا لنظافة اليد، ونبل السلوك، والإخلاص لفكرة الوطن العادل، ولهذا بقيت صورتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له، أوسع من حدود التنظيم، وأرسخ من حملات التخوين والإقصاء.
صحيح أننا لسنا شيوعيين، وربما نختلف معهم في بعض الأفكار والمبادئ والرؤى، لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح إن هذا الخلاف لا يلغي كونهم، في جانب كبير من تاريخهم، مدرسة وطنية عراقية رفيعة، بسلوكها المدني، ونظافة انتمائها، وسموّ مواطنتها، وإخلاصها الصادق للفقراء والمظلومين، واحترامها لحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية، ولذلك فإن التحية في ذكرى تأسيسهم لا تُهدى إلى حزب فقط، بل إلى تقليد نضالي وأخلاقي علّم العراقيين أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة، ولا تصان بالشعارات، بل بالخلق والوفاء والتضحية.
***
كفاح محمود
بعد مرور أكثر من شهرٍ على الصراع المسلح في إيران، شهد العالم تفاقمًا ملحوظًا في أزمة نقص النفط الخام، مما يهدد بتحوّل هذه المشكلة إلى نقصٍ شامل ليس فقط في الوقود، ولكن في مجموعة واسعة من المنتجات الأساسية.
تؤكد البيانات الحالية أن النزاع الدائر في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع كبير في تدفقات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو ما تسبّب بدوره في انخفاض الإمدادات العالمية بنسبة تُقدّر بخُمس الإنتاج العالمي من هذه الموارد الحيوية.
هذا الانخفاض في الإمدادات لم يقتصر تأثيره على ارتفاع أسعار الوقود فقط، بل أثّر بشكل عميق على توفر المواد البتروكيماوية الضرورية لتصنيع عدد كبير من السلع اليومية، مثل الملابس، والأحذية، والأكياس البلاستيكية.
وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا مع تصاعد الأسعار المرتبطة بالمواد الأولية مثل البلاستيك والمطاط والبوليستر، الأمر الذي فرض ضغوطًا إضافية على الأسواق الاستهلاكية، خاصة في آسيا، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي وتعتمد بشكل أساسي على الواردات النفطية والبتروكيماوية.
1- في كوريا الجنوبية، شهدت الفترات الأخيرة ذعرًا بين المواطنين الذين اندفعوا لشراء أكياس القمامة بسبب مخاوف متنامية من نفادها. في مواجهة هذه الأزمة، سعت الحكومة الكورية إلى تقليل استهلاك المواد ذات الاستخدام الواحد.
الحكومة الكورية سارعت إلى استغلال قرار تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على المنتجات النفطية القادمة من روسيا، إذ استوردت أولى شحناتها من النافثا الروسية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.
وفي إطار مواجهة الأزمة الداخلية للإمدادات النفطية، فرضت الحكومة الكورية حظرًا على تصدير النافثا للحفاظ على المخزون المحلي.
2- وعلى صعيد مشابه، أعلنت - تايوان - إطلاق خط ساخن للمصانع المتضررة من شح المواد البلاستيكية، بينما أعرب مزارعون محليون عن احتمالية رفع أسعار الأرز نتيجة لعدم توفر الأكياس المخصصة لتعبئته.
3- أما في اليابان، فقد أثارت أزمة النفط مخاوف جدّية بشأن إمكانية حصول مرضى الفشل الكلوي المزمن على العلاج اللازم، حيث عانت البلاد من نقص في الأنابيب البلاستيكية المستخدمة في عمليات غسيل الكلى.
4- وفي ماليزيا، تواجه شركات تصنيع القفازات الطبية أزمة تهدد الإمدادات العالمية بسبب نقص أحد مشتقات البترول الضرورية لإنتاج مطاط اللاتكس.
على الصعيد الأوسع، يُظهر تحليل أجرته (شركة ديزان شيرا ) وشركاه أنّ الأزمة تفاقمت لتؤثر على مجموعة متنوعة من الصناعات، بدءًا من المواد الغذائية مثل البيرة ورقائق البطاطس ووصولاً إلى مستحضرات التجميل.
والسبب يكمن في النقص الحاد بالمواد المستخدمة في التعبئة والتغليف كالأغطية البلاستيكية والصناديق والعبوات. هذا الوضع يعكس تحول التداعيات الاقتصادية بسرعة من اضطراب قطاع النفط والشحن إلى تأثيرات أعمق طالت الصناعات الاستهلاكية والبتروكيماويات.
وقد دفع هذا التدهور السريع إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمي، حيث يواجه المصنعون تكاليف أكبر للطاقة والمواد الخام، ما يضعف هامش أرباحهم ويرفع الأسعار على المستهلكين النهائيين.
في الوقت نفسه، يتسبب ارتفاع أسعار الوقود في اضطرابات كبيرة لقطاعي النقل والخدمات اللوجستية، لا سيما مع نقص إضافي ملحوظ في مواد قادمة من الشرق الأوسط مثل الأسمدة والهيليوم، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والإلكترونيات. كما أشار صندوق النقد الدولي مؤخرًا إلى أن هذه الأزمة متعددة الجوانب تأتي في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات من محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. وبيّن أن هذه التداعيات تؤدي بشكل حتمي إلى ارتفاع الأسعار والتأثير السلبي على معدلات النمو الاقتصادي.
في ظل هذه الأوضاع المقلقة، لجأت العديد من الدول إلى إطلاق كميات قياسية من النفط المخزن ضمن احتياطاتها الاستراتيجية لتخفيف حدة الأزمة. ومع ذلك، يُعد النقص الملحوظ في النافثا، وهو أحد المشتقات الأساسية للبترول المستخدمة في إنتاج المواد الاصطناعية، أحد أبرز المشكلات التي تؤثر على الإمدادات العالمية. وأدى هذا النقص إلى اضطرار بعض الشركات البتروكيماوية في آسيا إلى تقليل معدلات إنتاجها أو حتى إعلان حالة القوة القاهرة بسبب العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نتيجة انعدام البدائل للنافثا.
***
شاكر عبد موسى/ العراق
منذ إنتهاء الدولة العثمانية في (3\3\1924) والمسلمون يطاردون سراب تصورات دولة الخلافة، وأهملوا مقومات الحياة والقوة والإقتدار.
فما أطعموا أنفسهم ولا صنعوا، ولا وضعوا أسسا لتنامي قوتهم، بل تحوّلوا إلى أعداء بعضهم، وأدوات لتدمير ذاتهم وموضوعهم، وهم للطامعين فيهم صاغرين.
من موائد الغير يأكلون، ولبعضهم يقتلون، والدنيا تتقدم وهم يتأخرون، وبالأجداث ينبشون.
ما أن إنتهت الخلافة في إستانبول حتى إنطلقت فكرة إعادتها، وتأسست الأحزاب المؤدينة لتحقيق تلك الغاية الوهمية وإعادة الزمن إلى الوراء.
فتأسس حزب الإخوان المسلمين في (22\3\1928) بواسطة حسن البنا (1906 - 1949)، الذي أسسه وهو في عمر (22)!!
ومن رحم هذا الحزب وفكرته في إستعادة الخلافة، ولدت أحزاب ذات مواصفات دينية، تطارد خيوط دخان، وتسفك الدماء وتدمر الإنسان، وتحسب ما تقوم به قرابين تديّن وإيمان.
الأرض تدور وللتغيير حضور، وما بقيت الرواتع والقصور، والبعض على كله يثور، وفوق التراب تتدحرج العصور، كأنها الهباء المنثور، فلماذا التخندق بالقبور، وبالعبث المسجور، والأجيال من غيها تخور.
وكل من عليها فان، وله في كل يوم شان، فلماذا التواصي بالتجاهل والإمتهان؟
أحزاب تأكل أحزابا، ومجتمعات تقطّع أربابا، والأعداء أصبحو أصحابا، وكلهم صاروا مفكرين وفلاسفة وعارفين وكتّابا، وحصيدهم أضحى خيابا، فكيف تكون الأمة بعد أن هجرت الكتابا؟
هيا إلى شر العمل، نداؤها الذي فعل، وأصمت الأمل، وترنم بالأجل.
مَن أطلق فكرة الأحزاب الدينية، وضلل الناس بأنهم في أسوأ الأحوال لأن دولة الخلافة إنتهت، وعليهم إعادتها لتحيا الأمة من جديد.
الأمة غابت ورحلت إلى غياهب المجهول، وما فات مات، وعلينا بما هو آت، لنصنع الحياة.
الإتحاد قوة، فهل إتحد أبناء أمة بلا إرادة جامعة؟
مَضى زمنٌ بهِ الأزمانُ قاستْ
إلى زمن ٍ يُدين بما أقامَتْ
تواصلتِ الخطوبُ على شُعوبٍ
مُشرْذمةٍ بما مَلكتْ تهاوتْ
فلا نفعتْ بها دولُ اخْتيالٍ
وكلُّ صَنيعةٍ ذهَبتْ تلاشتْ
أ تُعقلُ عودةً لديارِ كانوا
وهلْ بقيتْ مَناقبهمْ ودامَتْ
خيالاتٌ بها الأذهانُ جادَتْ
فهلْ فعلوا إذا حَقّتْ ورانَتْ
بآونَةٍ تبرْعَمَ مُحْتواها
وإنّ لحيْنها بشرٌ تواصَتْ
***
د. صادق السامرائي
يمر الإنسان في حياته بمحطات يشعر فيها بأن صدره قد ضاق، وأن الأشياء من حوله لم تعد كما كانت، وأن المعاني في الحياة ورونقها التي كان يستند إليها بدأت تهتز أو تبتعد. في تلك اللحظات، لا يكون الضيق مجرد شعور عابر ومؤقت، بل تجربة عميقة تمس الفكر والمشاعر والروح معاً. إنه حالة يعيشها الإنسان بكليته وتتفاعل معها جميع مكنوناته ودواخل نفسه، تتداخل فيها ضغوط الحياة مع صراعاته الداخلية، وتكشف له جانباً من ذاته ربما لم يكن يراه من قبل.
الضيق ليس ضعفاً كما يظن البعض، وليس دليلاً على الانهيار والإنكسار، بل هو في كثير من الأحيان علامة على وعيٍ يتشكل، أو سؤال يبحث عن إجابة، أو معنى لم يكتمل بعد. فالإنسان الذي يشعر بالضيق هو إنسان حي، يتفاعل مع ما حوله، ويتأثر، ويحزن ويفرح ، ويبحث، ويجتهد في فهم ذاته والعالم من حوله. ولهذا، فإن الضيق قد يكون بداية تحول مهمة، لا نهاية طريق.
حين يضيق الإنسان، فإن أول ما يتأثر هو داخل ذاته؛ أفكاره تتزاحم وتتناثر، ومشاعره تثقل وتتشعب ما بين خوف وحزن وإحباط، وقد يشعر وكأن كل شيء قد فقد توازنه. لكنه في الحقيقة يكون أمام فرصة لإعادة ترتيب هذا الداخل الذي هو بحاجه إلى تنظيمه وإعادة صياغته وتشكيله بصورة أكثر قوة وتحصين نفسي وروحي، لإعادة النظر في طريقة تفكيره، وفي تفسيره لما يحدث حوله. فالحدث نفسه قد لا يتغير، لكن طريقة رؤيته له يمكن أن تتغير وتصبح أكثر وعياً وإحاطة بالظروف والأحداث بشكل أكثر منطقية، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي في النظرة والرؤية الإيجابية ذات النفع والقائدة المرجوة له.
كثير من الضيق الذي نعيشه لا يأتي فقط من الواقع الذي نعيشه، بل من الطريقة التي نحمله بها داخلنا. من تضخيم بعض الأمور دون الحاجة لذلك، بل هي مجرد وهم وتفسير زائد للحدث أو الموقف، أو من جلد الذات وإشعارها بالتقصير والضعف والهوان، أو من توقعات غير واقعية، أو من رغبتنا في أن تسير الحياة وفق ما نريد تماماً وبمثالية زادة عن الحد. وعندما لا يحدث ذلك، نشعر بالاختناق وتتغير أحوالنا ، ونبدأ بتفاعل معها بشكل سلبي بدل الهدوء والانضباط عندما نتعرض لها، وكأن العالم قد ضاق بنا، وإنسدت الآفاق فينا، بينما الحقيقة أن المساحة الداخلية هي التي تحتاج إلى إعادة اتساع وصبر وثبات.
وفي خضم هذا الضيق، يبحث الإنسان عن مخرج، عن شيء يعيد له توازنه وطمأنينته. " وفي ضوء هذا الفهم التكاملي، تتجلى أهمية النظر إلى الضيق النفسي بوصفه تجربةً يمكن إدارتها والتعامل معها بآليات تجمع بين البعدين الروحي والعلمي. ففي الوقت الذي يوجه فيه القرآن الكريم الإنسان إلى ممارساتٍ كالذكر والصلاة والتسبيح والدعاء والتوكل على الله؛ نجد في (التفسير المنير) توضيحاً لذلك، حيث سلى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97]، أي: نعلم يا محمد أن سخرية المشركين تسبب لك الضيق والانقباض، فلا يمنعك ذلك من إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك، والجأ إليه لزوال هذا الضيق. ثم أمره سبحانه بالتسبيح والعبادة بقوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 98-99]، أي: داوم على ذكر الله وتسبيحه وعبادته عبر الصلاة حتى يأتيك اليقين، وهو الموت الذي لا مفر منه".1
وأن البعض قد يجده في الحديث مع شخص قريب، والبعض في العزلة المؤقتة، والبعض في التأمل أو الدعاء أو إعادة ترتيب حياته. وكل هذه الطرق، مهما اختلفت، تشترك في أنها تعيد الإنسان إلى ذاته وتجدد حياته، وتمنحه فرصة ليهدأ، ويرى الأمور بوضوح أكبر.
ومن أهم ما يساعد الإنسان في هذه اللحظات أن يدرك أن الضيق لا يدوم، وأن ما يشعر به الآن ليس حكماً نهائياً على حياته. فكم من لحظة ضيق كانت بداية لفهم جديد وتغير سديد وناجح، وكم من أزمة فتحت باباً لم يكن ليفتح لولاها والظروف التي احاطت بها. الضيق قد يكون قاسياً ومؤلماً، لكنه أحياناً يحمل في طياته بذور التغيير والخير والنفع والسمو والرفعة والمكانة.
كما أن وجود الآخرين في حياة الإنسان يلعب دوراً كبيراً في تخفيف هذا الشعور وتسليته وحمل جماعي وتحد مشترك له. فالكلمة الطيبة، والاستماع الصادق، والدعم الحقيقي، يمكن أن يخفف الكثير من ثقل الضيق وهموم المرحلة. الإنسان لا يعيش وحده وليس بمعزل عن الآخرين ، هو في الحقيقة كائن اجتماعي يتفاعل ويأنس بغيره وهم بجواره ومحيطه، ومشاركته لما يشعر به قد تكون خطوة مهمة نحو التعافي والدعم والمساندة.
ومع ذلك، يبقى الجزء الأهم هو العلاقة التي يبنيها الإنسان مع نفسه. كيف يتحدث معها؟ كيف يفسر ما يمر به؟ هل يقسو عليها أم يحتويها؟ هل يراها ضعيفة أم يراها في طريقها للنمو؟ هذه الأسئلة تصنع الفارق الحقيقي بين أنسان وعى ففهم واستفاد من تجربته وآخر قد يرى نفسه ضائقاً به صدره لا يتحمل ولا يقوى على المواجهة والهم الذي يلازمه وينخص عليه حياته، فيتلاشى ويضعف رويداً رويداً حتى تذبل حياته وينتعد عن المشهد وينعزل عن واقعه ويثقل بالهموم. فالإنسان الذي يتعامل مع نفسه برفق ووعي، يكون أقدر على عبور الضيق، وتحويله إلى تجربة تعلم ونضج.
إن الضيق، رغم صعوبته، يحمل رسالة. رسالة تدعونا للتوقف، للتفكير والتأمل، لإعادة التوازن، وربما لتغيير بعض المسارات والمسلكيات. هو ليس دائماً شيئاً يجب الهروب منه، بل أحياناً يحتاج إلى مواجهته وأن نقترب منه، نفهمه، ونستمع لما يحمله لنا من الخير والنفع وتقوية الذات والأواصر بين الناس.
وفي النهاية، حين يمر الإنسان بتجربة الضيق ويتعامل معها بوعي وادراك، فإنه لا يخرج منها كما دخل. يخرج أكثر فهماً لنفسه، أكثر قدرة على التكيف والتوافق مع الناس والمستجدات واكتساب الخبرات، وأكثر نضجاً وتماسكاً ومنعة وقوة في نظرته للحياة ولمن حوله. قد لا تختفي التحديات، لكن طريقته في التعامل معها تتغير ويكون لديه رصيد كاف من القدرة على مواجته والصمود أمامه، وهذا هو الفرق الحقيقي. فالضيق قد يضيق بالقلب لحظة، لكنه قد يوسع الإنسان عمراً كاملاً ويكسبه قوة التحمل والصلابة والثبات في مواقف الحياة وشدتها.
***
د. أكرم عثمان
5-4-2026
......................
تسلك مدن الخليج العربي سلوك الأخوات الغيورات؛ فالتأنيث في أسماء هذه المدن ليس مجرد مصادفة لغوية، بل يكاد يبدو علامة سيميولوجية على أن المدينة أمٌّ لا أب، امرأة لا رجل. وبينما تجمع هذه المدن روابط التاريخ والعِرق والدم، فإنها تتنافس في الوقت نفسه على أدوار القيادة السياسية والاقتصادية، وعلى عرش السياحة بكل أشكالها: الثقافية، والتاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والرياضية. عدى عن مكة والمدينة كمدن دائمة للسياحة الدينية والمكتسبة من الحج والعمرة.
هذا العرش الفخري في العادة لا يُقسم بين مدينتين. إنه لقب يكاد يكون فرديًا وحصريًا، من يصل إليه يتربع عليه وحده، ومن يفقده يفسح المجال لمدينة أخرى لتصعد.
في الثمانينات كانت الكويت هي تلك المدينة. كانت نافذة الخليج على العالم ودرة مدنه. لم تكن هناك مدينة خليجية تنافسها في التقدم المعرفي والثقافي والحضري. أما في الجانب الإنشائي والخدمي والترفيهي والإعلامي، فقد تجاوزت في حضورها وتأثيرها عواصم عربية كبرى أنهكتها الحروب مثل بغداد والقاهرة وبيروت.
ربما ساهم الرخاء الاقتصادي الذي عاشته الكويت آنذاك، مقابل الحروب التي ضربت تلك العواصم في السبعينات والثمانينات، في هذا التحول. فقد سحبت تلك الحروب رونق مدن عربية كانت يومًا على الخارطة السياحية والثقافية العالمية. وهكذا تدفقت العمالة والخبرات من تلك المدن نحو الكويت، تلك البقعة الصغيرة التي نهضت بسرعة مذهلة من الرمال.
في تلك المرحلة كانت الكويت مدينة منفتحة نسبيًا مقارنة بمعظم مدن الخليج. ازدهرت الصحافة والفنون، وقادت مؤسسات ثقافية بارزة المشهد الفكري العربي مثل مجلة العربي والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
أما على الصعيد السياحي والترفيهي، فقد امتلكت الكويت معالم كانت مقصداً للزوار من مختلف دول الخليج، مثل منتزه الشعب الترفيهي، وأبراج الكويت، والجزيرة الخضراء، إضافة إلى مشاريع التسوق المطلة على البحر مثل سوق شرق. وحتى طبيعتها البحرية امتدت إلى جزر هادئة مثل جزيرة بوبيان التي تمثل أكبر الجزر الكويتية وإحدى أهم بيئاتها الطبيعية.
في المقابل، كانت دبي في تلك الفترة مدينة تجارية صاعدة، لكنها لم تكن بعد الوجهة العالمية التي نعرفها اليوم. كان اقتصادها يعتمد أساسًا على التجارة والموانئ مثل ميناء جبل علي وخور دبي. ولم تكن المدينة تضم ناطحات السحاب أو المنتجعات الفاخرة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من صورتها العالمية.
غير أن لحظة مفصلية غيرت مسار التاريخ. فقرار سياسي وعسكري اتخذه صدام حسين أدى إلى اختفاء الكويت مؤقتًا من الخارطة السياسية حين غزاها العراق عام 1990. فجأة وجدت دولة كاملة نفسها خارج المعادلة، بل كادت تختفي حتى من الخريطة الدولية التي يمثلها علمها في مبنى الأمم المتحدة كدولة مثلها مثل الصين وفرنسا والولايات المتحدة على سبيل المثال. خرجت الكويت من الحرب محررة، لكنها خرجت أيضًا مثقلة بآثار الصدمة. ورغم التعويضات الضخمة التي حصلت عليها عن الأضرار المادية والمعنوية، فإن ذلك لم يعِد لها بسهولة البريق الذي تمتعت به قبل الحرب. فقد تعطلت الحياة السياحية لسنوات، وتضررت البنية التحتية، وانشغلت الدولة بمرحلة طويلة من إعادة البناء.
في تلك الأثناء كانت دبي تتحرك بسرعة في الاتجاه المعاكس. فقد استغلت الاستقرار النسبي لتسريع مشاريعها الاقتصادية والسياحية، وبدأت منذ التسعينات رحلة تحول طموحة نحو العالمية. ومع مطلع الألفية الجديدة ظهرت مشاريع غيرت صورتها بالكامل مثل برج خليفة ونخلة جميرا. بمرور الوقت لم يعد اسم دبي مجرد اسم مدينة، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية. مثل المدن الكبرى كـ باريس ولندن، صار الناس يقصدونها لاسمها قبل أي شيء آخر. حتى أسماء أحيائها أصبحت تُستعار في مشاريع عقارية حول العالم، مثل اسم جميرا الذي تحول إلى رمز عالمي للفخامة الساحلية.
لقد بنت دبي صورتها على معادلة واضحة: السياحة الدولية، المشاريع المعمارية الفريدة، كسر الأرقام القياسية في البناء والترفيه، والأهم من ذلك الاستقرار والأمان اللذان يجذبان رؤوس الأموال العالمية.. لكن التاريخ يعلمنا أن مكانة المدن ليست أبدية. فكما صعدت الكويت في مرحلة معينة من تاريخ الخليج ثم تراجع حضورها بفعل الأحداث الكبرى، صعدت دبي بسرعة مذهلة لتحتل موقعًا متقدمًا في الخريطة العالمية.
الحقيقة البسيطة التي يؤكدها التاريخ هي أن المدن لا تُبنى بالأبراج وحدها، بل بالاستقرار والثقة الدولية والاستمرار في الابتكار.وفي منطقة لا تهدأ فيها الجغرافيا السياسية، تبقى دورة الصعود والهبوط مفتوحة دائمًا. فكل مدينة تصعد قد تترك خلفها مدينة أخرى تخفت أضواؤها.
ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه التاريخ إلا بعد حين:
أي مدينة خليجية ستكون التالية في هذا السباق؟
هل هي الرياض؟ المدينة التي تصر على تغيير ثقافتها المحلية وتعويضها بثقافة عولمة في نسخ مقارب لمدن آسيوية معروفة مثل كوالالمبور وغيرها، وتصر على تسكين المقرات الإقليمية التابعة للشركات العالمية فيها كشرط أساسي للعمل في المملكة العربية السعودية.
ربما الحروب كوارث في موقع وثمار مالية ولوجستية في موقع مقابل ينتظر دوره في عجلة التجارة والاستثمار العالمي.
***
ياسين غالب
حين بدأ النبي محمد (ص) بنشر رسالته، هل كان يحمل مشروعًا سياسيًا؟ هل كان يخطط للتوسع والحروب؟ وهل كان يتوقع أن يتشظّى الإسلام إلى مذاهب وطوائف، بل وتتفرع عنه قراءات متباينة تصل حدّ التنازع؟
لست هنا أتحدث نيابة عن النبي، حاشا لله. فقد سبقني إلى ذلك كثير من الشيوخ والفقهاء ورجال الدين الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله والنبي والأئمة، فاحتكروا التفسير والفقه، وطوّعوا النصوص وفق قناعاتهم أو مصالحهم، وغالبًا ما كانت مصالح سياسية.
وهنا يبرز الوجه الأكثر إشكالية: الإسلام السياسي. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع صعود هذا المصطلح، اختلطت الحدود بين الروحي والمادي، ونشأ صراع بين من يرى الدين مشروعًا سياسيًا يُنظّم الدولة والمجتمع، ومن يراه طريقًا داخليًا للإصلاح الأخلاقي والسمو الروحي. وبين هذين الاتجاهين، دار صراع طويل على احتكار "التمثيل الشرعي" للإسلام.
وُلد الإسلام السياسي من رحم الأزمات الحديثة: انهيار الدولة الإسلامية التي امتد سلطانها قرونًا، ثم الاستعمار وما تبعه من تقسيم وتهميش سياسي وثقافي. فرفع هذا التيار شعار استعادة "المجد الإسلامي" عبر تطبيق الشريعة. غير أنّ الأفكار، ما إن تحوّلت إلى أيديولوجيات وأحزاب، حتى تراجع البعد الروحي، وانساق الناس خلف هذا الحزب أو ذاك الزعيم. ولم يقتصر الأمر على النخب، بل امتد إلى قطاعات واسعة من البسطاء الذين اتبعوا زعماءهم في خياراتهم السياسية بلا مساءلة، في مشهد أعاد إنتاج التعصّب القبلي وصنمية الولاء التي جاء الإسلام أساسًا ليقوّضها.
وما نشهده اليوم من حكومات تقوم على أساس ديني أو طائفي، ومن انتخابات يتصدرها زعماء يرفعون راية الدفاع عن الدين، ليس إلا طعنة في جوهر الرسالة، إذ يُستَخدم الدين غطاءً للصراع على السلطة، فتُشوَّه الحقيقة ويُفرَّغ المعنى.
والحقيقة أن الإسلام لا يحتاج إلى من يثبّته بالقوة، فالإيمان علاقة بين الإنسان وربه، لا تُفرض بالسيف ولا تُصان بالشعارات. أما أحلام استعادة أنماط حكم تاريخية، فقد أثبت الواقع أنها أوهام سرعان ما تتبدد. فالتاريخ دورات متعاقبة، إمبراطوريات كبرى كروما وأثينا أفلت، لكن شعوبها لم ترتهن للماضي، بل تقبّلت حاضرها وسعت إلى تطويره.
فمتى يكفّ المتحدثون باسم الدين عن توظيفه في مشاريعهم السلطوية؟ ومتى يُصارحون الناس بأن ما يختبئ خلف الشعارات ليس سوى طموح إلى الهيمنة، مهما تجمّل بعبارات مدنية؟
ربما تكمن الحكمة اليوم في استعادة التوازن: أن يبقى الإسلام قوة أخلاقية تُنير الحياة العامة دون أن يُختزل في صراع على السلطة. فحين يغيب البعد الروحي، يتحول الدين إلى أداة هيمنة، وحين ينفصل عن الواقع، يصبح عزلة لا تُغيّر شيئًا. الإسلام الأصيل ليس سياسيًا ولا روحانيًا فحسب، بل هو توازن بين الحق والرحمة، بين العقل والروح، بين الإنسان وربّه.
***
بشرى الهلالي
"في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة"
يا راحلًا وما ارتحل، ويا حاضرًا وإنْ غاب في الأجل، يا من نسج من الحنين وترًا، ومن الأرض وطنًا، ومن الجفرا نبضًا لا يُختزل.
سلامٌ على روحك إذ تعلو ولا تأفل، وعلى حروفك إذ تفيض ولا تنفصل، وعلى خطاك إذ عبرت بنا من جرحٍ إلى أمل، ومن غيمٍ إلى مطرٍ لا يملّ الهطول ولا يملّ.
أما بعد…
في الرحيل الخامس نعلم جميعا بأنّ الفقد يُقاس بما يخلّفه من صدى، وما يورثه من وجعٍ جميل، يشبه ابتسامةً في عيون الذاكرة.
يقف عز الدين المناصرة حاضرا ثابتا كأنّه يعيد ترتيب حضوره فينا مرّةً أخرى على هيئة قصيدة.
كان المناصرة وطناً يمشي على قدمين، يحمل في قلبه خرائط القرى، ويخبّئ في صوته حنين الزيتون، ويترك في كل بيتٍ من أبياته نافذةً تطل على فلسطين.
كان إذا كتب اشتعلت اللغة قمحًا، وإذا أنشد سالت الجفرا في الشرايين كأنها وعدٌ لا يخون.
في حضرة كلمات عز الدين المناصرة نقرأ الشعر وطنًا يتكلّم، ونُصغي إلى ذاكرةٍ تُغنّي كي تبقى متوهّجة.
تتقدّم قصيدته مثل خبز الأمهات دافئةً، مفعمةً برائحة الأرض، متشبّعةً بملح الحكايات، لتتسلّل من التفاصيل اليومية إلى أفق الأسطورة في لحظةٍ واحدة.
وفي “الجفرا” التي أعاد إشعالها في الوجدان يتردّد صوته كأنّه نشيدٌ أبديّ ولازمةٌ تتّسع لعشق الأرض والإنسان، وترفع القلب نحو فسحةٍ من ضوءٍ لا يخبو.
تمضي كلماته جسورًا بين الحنين والمستقبل، وتغدو مرآةً لروحٍ تُقاوم النسيان وتُصِرّ على الإزهار في كل الفصول، فتتجاور الفجيعة مع الجمال، ويتعانق الحزن مع الأمل في نسيجٍ لغويٍّ نابض.
فجأة يصير الشعر فعل نجاةٍ جماعي تُرمَّم به الأرواح كما تُرمَّم البيوت، وتُضاء به الطرقات كما تُضاء النوافذ في ليالي الانتظار.
تخرج من بين سطورِه الأغنية مضمّخةً بالتراب والزعتر، وتنهض الحكاية على إيقاع خطى العائدين، وتُكتب الذاكرة على هيئة قمحٍ لا ينحني.
وفي كل مقطعٍ تتجلّى لافتته الأجمل بأنّ الكلمة الصادقة تُبقي الوطن حيًّا، وتمنح القلب قدرةً على العبور، وتفتح للروح دروبًا من ضياء مهما تعاقبت مسافات الرحيل.
وفي مساحاتٍ أخرى من شعر عز الدين المناصرة تتوهّج نصوصه بنبرةٍ أكثر تأمّلًا وعمقًا، فتمتزج الأسطورة بالتاريخ، وتنهض الذاكرة على أكتاف الكنعانيّين كأنها شجرةٌ ضاربةٌ في البدء.
يُصغي الشاعر إلى أصداء الحضارات، ويستدعي رموزًا موغلةً في القدم ليصوغ منها حاضرًا نابضًا، فتغدو القصيدة فضاءً تتعانق فيه الأزمنة، وتتحاور فيه الأرواح.
في ديوانه “كنعانياذا” تتجلّى هذه الرؤية بوصفها ملحمةً لغويةً تنسج الهوية من خيوط الميثولوجيا والتجربة المعاصرة، وتفتح للمعنى أبوابًا على اتساع الذاكرة الجمعية.
كما تتألق في نصوصه نبرة الحبّ الإنسانيّ الصافي، إذْ تتلوّن اللغة برهافةٍ شفيفة، وتنساب العاطفة كجدولٍ يروي تفاصيل الروح، فتغدو المرأة رمزًا للأرض، ويغدو العشق مرادفًا للبقاء.
وفي قصائد أخرى تتخذ اللغة طابعًا حواريًا حيًّا، ويكأنّ الشاعر يخاطب ذاته والعالم في آنٍ واحد، ويزرع الأسئلة في جسد النص، ويتركها تنمو كأغصانٍ تبحث عن سماءٍ أوسع.
تتراءى المدن في شعره ككائناتٍ حيّة، تنبض بالحزن والرجاء، وتتحوّل الأمكنة إلى مرايا للروح تتكسّر فيها الغربة وتتشظّى، ثم تعود فتلتئم على هيئة أملٍ عنيد.
ومن بين هذا كلّه تتصاعد إشاراتٌ دقيقة إلى قضايا الإنسان الكبرى المتمثلة في الحرية، والكرامة، والانتماء، فتكتسب قصيدته بُعدًا كونيًا يجاوز حدود الجغرافيا دون أنْ يغادرها.
بهذا الامتداد الفني يقدّم المناصرة تجربةً شعريةً متفرّدة تتلاقى فيها اللغة مع الرؤيا، ويتحوّل النص إلى كيانٍ حيٍّ يتنفّس، ويكتب القارئ بقدر ما يقرأه، ويترك في القلب أثرًا يمتدّ كضوءٍ لا ينطفئ يرافق الخطى، ويعيد تشكيل العالم بكلماتٍ تنبض بالحياة.
في الرحيل الخامس نعيد قراءة الغياب كأنّه حضورٌ آخر، ونبحث عنه في الأغاني التي ما زالت تحفظ نبرته في القصائد التي لم تجفّ، وفي الكلمات التي لم تنحنِ رغم ثقل الفقد.
كأنّ الموت أمامه استراحة شاعر يتهيّأ بعدها لصعودٍ أعلى في سماء الذاكرة.
أيها الكنعانيّ الذي لم يغادر، يا صاحب الجفرا التي صارت نشيدًا يتوارثه العشّاق، كيف استطعت أنْ تجعل الرحيل معنىً لا يُخيف؟
وكيف تركت لنا من نورك ما يكفي لنرى الطريق حتى في العتمة؟
في هذا الرحيل الخامس لا نبكيك كما يُبكى الراحلون، إنما نكتبك كما تُكتب البدايات، ونزرع اسمك في القصيدة، فنحصدك في القلب.
سنعزف قصيدك، ونترك المسرح لكلماتك لتتآلف كما لو أنّها تعودُ إلى أصلها الأول، ويمتزجُ الشعرُ بالأرض، ويغدو الصوتُ ظلًّا للذاكرةِ لا يزول، فيا كنعانيَّ الحرفِ الذي يفيضُ فينا كالنهر، تمضي وتبقى في القصائد نبضَ أرضٍ لا يشيخ ولا يذبل، زرعتَ في الكلمات روحًا فاستفاق الحلم قمحًا وازدهر، وغدت “جفرا” في المدى وعدًا يردده الهوى ويصونه وتر السحر، تمشي القصيدة في خطاك كأنها ظلّ يضيء ولا ينحسر، وتظل فينا كلما نادى الحنين نشيد قلب لا يمل ولا يفتر.
اسمك في وجداننا شجرٌ يعانق السماء فيثمر أغنيات المطر، والروح تحمل من ضيائك قبسًا يبقي الحكاية حيّةً فينا، وتمضي بنا نحو المعنى الأجمل الذي لا ينكسر.
نهمس: لم يمت من جعل الأرض قصيدة، ولم يغب من علّم الريح أن تنطق باسم الوطن.
سنردّد قصيدك ليبلغ عنان السماء: "لفلسطينَ الخضراءَ، أغنّي
لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ السجنِ، أُغنّي
لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ القبرِ، أُغنّي
جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي".
سلامٌ عليك في خامس الغياب، وفي كل حضورٍ يتجدّد.
***
غدير حميدان الزبون - فلسطين
الذين لا يزرعون لا يأكلون، فالمجتمعات التي طلقت الزراعة بالثلاث، تحولت إلى عالة على غيرها، حتى صارت الصين والهند تطعمها، رغم كثرتها البشرية.
لا يوجد جائع في الصين، ويوجد ما لا يحصى من الجياع في بلاد العُرب أوطاني.
لماذا تنكرتم للزراعة، ونفرتم من إرادة الأنهار، وأهملتموها، وهدرتم مياهها، وبددتم مياه الأمظار، وإستغثتم منها، وخاصمتم الأرض وأنفتم من رعايتها والعناية بترابها المعطاء، فداهمتها الأملاح والأدغال.
أين أنتم من أراضيكم الفيحاء، ومن ثرواتكم الحيوانية وخيرات البلاد التي تجهلون مهارات إستثمارها وتطويرها، وتحويلها إلى مصادر للإقتصاد العامر الوفير.
دول كانت تصدر المحاصيل الزراعية بأنواعها، تحولت إلى مستورد حتى للبصل، وتعتمد على غيرها في توفير طعامها، ولولا النفط وعائداته لأصابتها المجاعات وقضت عليها بالجملة.
لا بد من يقظة زراعية، وهبّة نهضوية للتفاعل مع الأرض بحب وإخلاص، وأمل بعطاء وفير، فما أروع أن يساهم المواطن بإطعام نفسه وغيره، فلا بد من إستغلال أية بقعة جرداء ومنحها روح اللون الأخضر.
من عجائب السلوك الباباني أنهم يزرعون ويزرعون، وحتى في السنادين داخل البيوت وعلى الشرفات يزرعون ما يؤكل، ولا توجد بقعة جرداء حول منزل أو في أي مكان تصل إليه يد البشر.
إنهم يزرعون ويصنعون، ويأكلون ويطعمون الآخرين الذين أوهنهم الكسل وعطلهم الإمعان بإجترار الغابرات.
فهل لنا أن نزرع لنأكل؟!!
سُلِقْنا في تَجاهلِنا ودُمْنا
نريدُ الغيرَ يُطعمنا لأنّا
تَركنا أرضنا بورا وعِشْنا
على أمَلٍ يُناهضُ ما لديْنا
إذا الأقوامُ ما غنمتْ بخَيرٍ
فإنّ الشرَّ من شممٍ تَدّنى
***
د. صادق السامرائي
منذ الصغر كان يطلّ علينا هذا الذي ينتخي به والدي (انا اخو عبد)، حين تجرحه الليالي، أو ينهمر عليه الحزن، حين يقاوم فقدان شقيقه الوحيد (حنون) الذي مات شاباً بسبب مرض السرطان، ولم يحضر مجلس عزائه، لانه مثقل بحكم غيابي بعشرات السنين بعد انقلاب شباط ٦٣ وهروبه من سجن الكوت.
اتذكرك ياعم، في كل آذار، وفي كل مساء جريح، لأنك كنت تختصر لنا الدروب، وتطرزها بالأمل، أتذكر وجهك كالقمر يبزغ في الظلام، لا أنسى حكاياتك، حينما كنت تقتسم مع صنو روحك (حسن) خبز الحياة، كنتما شريكين في الأمنيات، منذ الصبا، أي نموذج للرفقة و(الخوّة) الصادقة الصافية قدمتما لأبنائكما، ولتلامذتكم؟؟
ما سر ذلك الفرح الذي غمر معلمي الدواية؟ غير إيمان بعدالة قضية، ونظام اعتقدوا انه أسلوب الحياة الوحيد، ويقين صادق وعميق بالأفكار ..المعلمون القادمون من الشطرة (عبد چياد، حسن العتّابي، جواد كاظم الجويد، عبد الحسن عيسى) وجدوا في الدواية منذ منتصف اربعينيات القرن المنصرم عالماً يتّسع لأحلامهم، كانوا يعتقدون أن التغيير يبدأ من الدواية، والدواية، كل ما يحيط بها يوحي بالأنين والاسى، أعواد من القصب والبردي المتيبس، مسكونة بالطيور والأسماك، بيوتها من طين، حين ينزل عليها المساء، تغطّ بالظلام والنوم، وأبخرة الدخان الراكد يلفّ أجمات التبن ليحيل الجدران الى سخام أسود..
العالم يعيش عصر تحولات كبيرة، اندحار الفاشية وهزيمة النازية، معلمو الدواية مأخوذون ببهجة هلامية، ومنحازون بالطبع لتلك التحولات، يخاطبني عبد كما روى بعد سنين: هنيئا لك جمال، ستعيش في عصر الاشتراكية! - كان يعيش هذا الوهم بالتأكيد-! بعد عقدين من الزمن يزورني الوالد ورفيق دربه أبو ليلى، في معتقل شرطة الكاظمية، عام 62 وأنا مازلت طالباً في الاعدادية، وقد علت وجهه ابتسامة خفيفة، ومن خلف القضبان، يخاطبني (عمي) بأسى: هنيئاً لك ولدي، أنت تعيش عصر الإشتراكية حقاً!
يبدو عبد چياد الأكثر مرحا وسخرية من الواقع، واكثر تدفقاً من بين رفاقه، وفي سنوات لاحقة، كانت تسعفه هذه الروح من الإفلات من سطوة الإستبداد والأحكام الجائرة في المجالس العرفية، كان ساخراً، يمتاز برهافة الاحساس والاكتفاء بالقليل من متاع الدنيا، كلماته تنساب بلا ضجيج، واراؤه رصينة، وهي سمات المناضل الحقيقي الناكر لذاته والمضحّي المخلص،
كنت تسخر من جلاديك ياعم، لا أنسى أبداً وقفتك الشامخة في قفص الاتهام في المجلس العرفي الثاني وأنت تسخر من رئيسه العقيد شاكر مدحت السعود، حين اتهمك انك كسبت شقيقك الاصغر هادي الى الحزب الشيوعي، يومها كان هادي الضابط المتخرج تواً من الكلية العسكرية قدنجا من قطار الموت وزجّ به في سجن نقرة السلمان، لم يجد عناءً في الرد، ولا وقتاً يسعفه، سىوى ضحكة دوّت وسط القاعة أطلقها بوجه السعود، واجابة، استفاق بعدها (الحاكم) ليعيد ترتيب أسئلته من جديد، قال : صحيح أنا كسبت هادي شيوعياً! لكن شقيقي الآخر سمير يعاني من مرض مزمن، هل كنت السبب في حالته المرضية ؟؟
عاد السعود، وهو الغارق حدّ أذنيه في وهم العجرفة والصلف ليسأل (ابو ليلى): أنت ياعبد كنت تجبر الفلاحين بتقديم (الطليان) لك كهدايا!!
كيف تصدق هذه الرواية يا حضرة(الحاكم)؟ وأنت (الفاهم) في الأمور ! أجاب عبد بكل برود وهدوء: هل يصح لي وانا بهذا الطول والعرض أن أقبل هدايا صغيرة مثل (الطليان)، هذه تهمة باطلة، والشهود زوروا الحقيقة، أنا يا رئيس المجلس لا أقبل بغير (البعران).
ها نحن يا عم نقتفي أثرك اسمح لنا أن نضع وردة حمراء فوق صورتك التي ماتزال معلّقة في قلوبنا في ذكرى ميلاد حزبك، ها أنا أراك في عيون الفراشات، تمنح تلامذتك في الدّواية حبات التمر لأنهم يتضورن جوعا في الدرس، وفي كل عيد تكسو اجسادهم النحيلة بدشاديش جديدة، ها أنا أكتب إليك وفاءً ياعم.
***
جمال العتابي
الصفحة 1 من 26







