أقلام حرة

أقلام حرة

لم نصل إلى زمن التفاهة صدفة. حين تتصدّر الوجوه الفارغة الشاشات، وتُقصى العقول الجادّة، فاعلم أن ما تراه ليس مجرّد "ذوق عام"، بل سياسة ناعمة تُدار بذكاء.

التفاهة تُصنع، وتُموَّل، وتُسوَّق، لأنها تضمن عقلًا مشغولًا لا يسأل، ومجتمعًا سطحيًا لا يُطالب. فليس من الضرورة أن يكون الناس هم من اختاروها، بل السؤال الحقيقي هو: من قدّمها لهم؟ ومن سحب البدائل من تحت أقدامهم؟

التفاهة ليست بريئة، بل أداة. فمن الرابح حين يُصبح التافه نجمًا، والعميق غريبًا؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الإعلام الرقمي وتنتشر المنصّات الاجتماعية، بات من الصعب التمييز بين ما هو جدير بالاهتمام وما هو فارغ المضمون. فهل التفاهة التي نشهدها اليوم في الخطاب العام والسياسة الفن والإعلام هي نتيجة خيارات المجتمع؟ أم جزء من مشروع سياسي مقصود؟

يرى البعض أن التفاهة ظاهرة اجتماعية طبيعية، تعكس اهتمامات الناس وسلوكياتهم في زمن العولمة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا التفسير يغفل الدور البنيوي الذي تمارسه الأنظمة السياسية في توجيه الذوق العام، إمّا بالتضييق على الإنتاج الثقافي العميق، أو بدعم المحتوى السطحي بهدف إشغال العقول عن القضايا الكبرى.

على سبيل المثال، في بعض الدول التي تمرّ بأزمات سياسية أو اقتصادية، تُفتح الأبواب على مصراعيها لبرامج الواقع، والمسلسلات التي تتاجر بالمشاعر، وحفلات الترفيه المبالغ فيها، بينما يُضيَّق على الأعمال النقدية أو التوعوية. ليس لأن الناس لا يريدون العمق، بل لأن التفاهة أسهل في السيطرة وأقل خطرًا على البنى القائمة.

وتتفاقم التفاهة أيضًا تحت تأثير الحروب، والعقم السياسي، وفقدان الأمل بالتغيير، وهي عوامل تقتل الحافز في الناس، وتزرع فيهم شعور اللاجدوى، فتدفعهم إلى البحث عن المتعة السريعة بأي شكل، لينحدروا من دون وعي إلى ضحالة التفكير وسطحيّة المعنى.

أما الوجه الأشدّ وضوحًا للتفاهة، فيبدو جليًا في بعض الوجوه المتصدّرة للمشهد الانتخابي. حين تقلّب صفحات تاريخهم، وتعليمهم، ومواقفهم، تشعر بالخيبة من ضحالتهم. وحين تتابع تصريحاتهم ومنشوراتهم، تدرك أن البلاد تسير نحو الهاوية إن احتلّ هؤلاء التافهون مقاعد البرلمان.

وفي نهاية المطاف، وإن حاربت السلطة ما يُسمّى بـ"المحتوى الهابط"، إلا أن هذا المحتوى هو أكثر ما يخدم وجودها فعليًا. فالتفاهة وسيلة للهيمنة.. وتغييب الوعي يصنع مجتمعًا يتكيّف مع التفاهة، بل يستهلكها، إلى أن يفقد المعنى قيمته.

***

بشرى الهلالي

 

ولد في مدينة فاس المغربية (20\1\1910)، وتوفي في رومانيا \ بوخارست (13\5\1974)، زعيم وطني ومن كبار الخطباء والعلماء في المغرب، وسياسي ومفكر وكاتب، وزعيم ورمز الحركة الوطنية المغربية التي طالبت بالإستقلال، ومؤسس حزب الإستقلال، عين وزيرا عام (1960)، وأستاذا للشريعة في جامعة القرويين، وجامعة محمد الخامس، ودار الحديث الحسنية في الرباط. رئيس حزب الإستقلال وأمينا عاما له (1960 - 1967).

أساتذته:

الفقيه محمد الخمسي، الفقيه محمد بن العربي في جامع القرويين، الشريف المفتي الحسين العراقي، القاضي أحمد بن المأمون البلغيثي، القاضي عبدالله الفصيلي، الفقيه الشيخ إبي شعيب الدكالي

من كتبه:

 التقد الذاتي، الحركات الإستقلالية في المغرب العربي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، حديث المغرب في المشرق، منهج الإستقلالية، معركة اليوم والغد، دفاعا عن وحدة البلاد، وغيرها العديد من الكتب والمقالات والخطابات.

علال الفاسي مفكر عربي فذ، من رعيل محمد عبدة، والكواكبي، والأفغاني، وعلي عبد الرازق، نادى بالعودة الواعية لجوهر الدين والتعلم من الأخطاء، والإنفتاح على باقي الأمم والثقافات كما جاء في كتابه النقد الذاتي.

هذه ظاهرة في مسيرة الأمة تبرهن على يقظتها ووعيها للتحديات ولمفاتيح حل المشكلات، والسؤال الصعب كيف لم تتمكن الأجيال من الإستثمار في أنوارها الفكرية، وتعاصر زمانها وتعمّر مكانها؟!!

أمّة الأنوارِ ألغتْ نورَها

فاْستضامَتْ وأضاعَتْ عَصرَها

كمْ حصيفٍ في رُباها إنْبرى

لجديدٍ سوفَ يَرعى مَجْدَها

عطّلتْ عَقلا وعَقلاً هجّرتْ

وتواصَتْ بغريبٍ ضُدَّها

***

د. صادق السامرائي

في البدء كان الحق، وهو الله تعالى، الحق الأول والأعظم. ووصفه بالأعظم إنما هو من باب المقارنة مع غيره، وإلا فهو في ذاته لا يحتاج إلى أن يُسمّى بذلك. كان الله هو (الحقّ الأول)، لا شيء معه، ثم خلق المخلوقات، فصار خالقًا بالفعل، وكان أهلًا (للخالقية) قبل الخلق. ثم أمر المخلوقات أن تؤلهه وتعبده، فصار إلاهًا بالفعل، وكان أهلًا للألوهية قبل ذلك.

والحق تعالى هو (مصدر الحق) و(الحقوق)، ولا يصح نسبة الحق أو الحقوق إلى غيره إلا تَبعًا له تبعيةً مشروعة. وهو تعالى وحده له الحق في أن يحكم بالحق لصاحب الحق. والله تعالى هو أيضًا (مصدر الخير)، والخير هو مظهر تعامله مع المخلوقات.

وقبل خلق المخلوقات لم يكن محتاجًا إلى النفع ولا إلى التعامل بالخير مع أحد، إذ هو (الغني). وإنما يتعامل بالخير مع المخلوقات لما فيه نفعهم هم، لا لنفعٍ يعود إليه، فالغني (الأعظم) لا يحتاج إلى نفعِ نافع.

الحق الأول هو الحق الذي وجوده بذاته، وكل حق سواه قائم به ومستمد منه. والحق تعالى لا ينتفع من خير أو عدل يُقام، بل المخلوقات هي التي تستقيم بهما. فالله هو الخير بالتحقق وبالصفة، بالنسبة إلى المخلوقات.

والخير عند الله مظهر كماله، وتعاملُه بالخير هو مظهر رحمته.

والحق الإلهي سابق على التشريع، والتشريعات إنما تكشف عن الحق ولا تُنشئه.

وكل ما لا يستند إلى الحق الأول، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو باطل وشر.

وغاية هذه المقاربة هي إثبات وتأكيد أن الله تعالى هو (الحق الأول)،

ولكونه الحق الأول فهو وحده يستحق أن يكون خالقًا وإلهًا كما أنه أهل لذلك وجدير به.

وهو وحده مصدر الحق والخير (والجمال) كمعايير وموازين أولية أصلية، والحاكم الذي له سلطان على ما سواه.

ولا يحق لأي موجود أن يكون مصدرًا أصليًا للحق أو الخير (أو الجمال)؛ لأن ذلك يتطلب الحقانية والملك، والقدرة، والأهلية الكاملة، وكل ذلك له وحده تعالى دون غيره.

وجعلُ غيرِ الله مصدرًا للحق أو الخير (أو الجمال) اعتقاد باطل وعمل باطل، واعتداء على حقه في الحقانية (الأولى والعظمى) واعتداء على حقه في الألوهية.

وانتماء الموجودات أو الأشياء إلى الحق والخير و(الجمال)، أو إلى الباطل والشر (والقبح)، إنما يكون بحقانية الحق الأول الأعظم ثم بجعله وحكمه وأمره تعالى.

وحياد الأشياء عموماً، في ذاتها، هو مبدأ عام، وهو مظهر من مظاهر تجلي (الحق الأول) في عالم الوجود، ودليل أساسي على وجود الله تعالى وعلى حقانيته وألوهيته وكما قدرته وهي صفاتٌ متعالقةٌ متلازمةٌ كما هو بديهي وضروري وواضح.

والإنسان كائن خالط كما هو معلوم، يخلط الأمور ويخلط المعايير والموازين. ومن أكبر وأخطر أشكال الخلط خلط القيم الثلاثة المعايير، (الحق والخير والجمال) أثناء الممارسة النظرية والعملية بأضدادها وهي الباطل والشر والقبح، توهّماً، حيث يستعمل الباطل والشر والقبح معايير وموازين وهو يتوهم أنه يستعمل الحق والشر والقبح. خاصة عند غلبة فساد الواقع والنفوس والعقول.

ولا حُجة بعد التناقض، الذي يهدم كل حجة.

ومعلوم كذلك أن الباطل والشر والقبح، الصريحة أهون وأقل شرا وسوءا وضررا من الباطل والشر والقبح المتستر أو المغطى بالحق والخير والجمال. خاصة أن البشر غالبا بارعون في الخداع بارعون الإنخداع معا.

كذلك من الأسباب الأساسية لضياع واختلاط المعيار الأصلي أو المعايير الأصلية هو التفصيل والتفاصيل، حيث يتوهم الإنسان عادة أن التفصيل كل تفصيل يعني المطابقة، مطابقة الحكم الذهني للواقع؛ أو مطابقة التفاصيل للموضوعات، خاصة إذا كانت تفاصيل دقيقة أو غامضة أو معقدة. وهذا وهم أساسي وشائع وخطير. لا يسلم منه إلا من أدرك وفهم وأتقن أن الحق ألأول هو مصدر الحقائق ومصدر المعيار أو الميزان الأصلي الأعلى، معيار أو ميزان الحق والخير والجمال.

***

جميل شيخو

16 / 1 / 2026

عبد السلام جاد الله في البرنامج الإذاعي طربيات (نموذجا)

لم يسبق لي أنْ التقيتُ به، ولكني صحبته قرابة سنتين عبر الأثير، في برنامجه الإذاعي طربيات في إذاعة صوت الخليج القطرية، إنه الإعلامي الكبير عبد السلام جاد الله، ومن خلال المعلومات المنشورة عنه فهو مقيم في قطر من خمسين عاما، من أصل فلسطيني، وقد صدرت له دواوين شعرية.

برنامج طربيات بحسب الموقع الرسمي لإذاعة صوت الخليج هو: "برنامج يسلط الضوء على الأغاني الطربية القديمة بالإضافة إلى تلبية طلبات المستمعين ويوثق ما قدمه الرواد في مجال الغناء العربي سواء من حيث الكلمات والألحان عبر تنوع المخزون الثقافي والحضاري للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، مع السعي لتعريف الأجيال العربية الشابة بموروثها الشعري والموسيقي العريق".

اعتدتُ على سماعه صباحا ما أمكنني ذلك، وأحرص على ضبط جدولي كلما سنحت الفرصة، ورغم أنه تربطني بالموسيقى علاقة وثيقة خصوصا طرب الزمن القديم إلا أنه ما يستهويني جدا هو عذوبة التدفق الثقافي وفرادته، والذي يبديه الأستاذ عبد السلام في المجال الموسيقي والشعري.

وما زلت أذكر المرة الأولى التي تابعته فيها، إذْ كنت أظن بادئ ذي بدء أنني أمام نسخة أخرى من مثل برامج ما يطلبه المستمعون، لا يعدو أن يكون دور المذيع فيها تلقّي طلبات الجمهور من الأغاني، إلا أنه ما هي إلا هُنَيْهة حتى تبدَّّد ذلك الظن وتلاشى، لأجدني متابعا دائما حتى اليوم، حريصا على أن أنهل من ثقافة لا نتعثّر بها كل يوم.

ما شدّني - وما زال - في الأستاذ عبد السلام أنه باذخ العطاء حين يتعلق الأمر بالتعقيب على الأغاني بكلماتها وألحانها وتاريخها وما يتصل بها في مختلف فقرات البرنامج، متنقلا برشاقة بالغة بين تصحيح معلومة سائدة، إلى تقديم معلومة صادمة جديدة، إلى كشف حقائق مرتبطة بالأغاني ليست مما يمكن العثور عليه بسهولة، بنبرة خالية من عجرفة الصغار أو جلافة الكبار، كل ذلك يقوم به بأسلوب إعلامي راقٍ، وبلغة فصيحة بليغة، وتفاعل متخم بدماثة الأخلاق مع الجمهور، فتخرج من الحلقة الواحدة بحصيلة قيّمة ليس على صعيد الموسيقى فحسب بل وعلى صعيد الوعي المستنير على حد سواء، فهو بذلك يعطي للموسيق موسيقى، وللإيقاع طبقةً متعالية من المعنى.

وحينما يكون أحد المتخصصين في ضيافته، فإنك ترى محاورًا ضليعا في مجاله، يطرح أسئلة لا تخرج إلا مشكاة الإلمام الدقيق والفاحص، فتنقل الحوار إلى درجة متقدمة من الطرح، وكأني بالضيف المتخصص تتهلَّل أساريره جذلًا أنْ ساقته مجريات الأحداث إلى مَن لديه قدرة فائقة على أن يُخرج ما في جَعبته ببراعة، ويغرف من قِدْره أعزّ ما يكون، فيتلقى المشاهد جرعة زائدة من الوعي الفني القيّم، منتشلا إيّانا من كومة السطحية التي نتلقاها من الإعلام ليل نهار، فمثل هذه البرامج تستحق ما يُستثمر فيها من وقت، وأنْ يُدعى الآخرون إلى مائدتها.

إن ثقافة المذيع الواسعة، وأسلوبه الحواري الاحترافي له شأْوٌ عظيم في قوة الرسالة الإعلامية من حيث أمران: أولهما ضمان تحقيق الرسالة الإعلامية رسالتها التأثيرية المتوخّاة منها، وثانيهما أن يكون فحوى الرسالة الإعلامية قيمة مضافة عالية، تعزز رصيد ثقافة المتابع، وكلا الأمرين يطفحان بوضوح مع الأستاذ عبد السلام.

إن خامة الصوت، وجمالية المظهر - في الإعلام المرئي -  وغيرها من العوامل هي بلا ريب عوامل فاعلة في الرسالة الإعلامية، ولكن الحضور الثقافي للإعلامي والتمكّن من أدوات الحوار تعقيبا ومساءلة لهو عنصر يتربّع عرش نظيراته التي تدفع بالإعلامي للتموضع عاليا في صف الكبار.

ما نجده في جملة واسعة من ممارسات الإعلاميين هو مستوى غريب ومقزز من السطحية، والسوقية في أحايين كثيرة، ولعل من أبرز الأدوات التي تُظهِر حقيقة هذا المستوى هو حين يمارس الإعلامي دور المحاوِر مع قامة سامقة، لتتلجلج في صدرك أمنية واحدة: (ليته سكت!) فالحوار مع الكبار يستلزم تحضيرا جادا وثقافة واسعة وتمكنا من إدارة الحوار واقتناص الأفكار التحويلية، فإن قصُر الإعلامي عن ذلك فيكاد يخلو الحوار من قيمته المرجوّة، ويتشتّت معه بريق الضيوف المتخصصين، فأنّى لملعقة الشاي أن تغرف من قِدْر ضخم.

إن الأستاذ عبدالسلام يجمع مقومات الإعلامي الفذ، وهو مدرسة بذاته، وأعتقد أن مسيرته الإعلامية من الاستحقاق بمكان أن تسلّط عليها الأضواء من المتخصصين في الإعلام والتواصل؛ لتصديره لإعلاميينا بما هو نموذج يستحق الاحتذاء به، وإنني بحق لا أدري إن كان الأستاذ عبدالسلام سيطلع على ما كتبت، ولكني أرجو أن تصله كلماتي، من باب متابع قَدَّر، وممتنٍ عَبَّر، فهي شهادة من محب استفاد، وليس من ناقد من علٍ، فشهادتي في الكبار مجروحة، وهي مناسَبة أستغلها لألفت النظر إلى وجود قامات إعلامية يمكن الاهتداء بهم وسط مستنقع السطحية والسوقية التي يغرق فيها إعلاميونا حتى الأذقان، فرسالة الإعلام مقدّسة وخطيرة في آن، ومقدّمها ينبغي أن يعي أنها أكبر بكثير من (سكريبت) يُلقى بصوت رخيم! أو الاكتفاء بأسئلة عقيمة سطحية معدّة سَلَفًا في حوار في موضوع ذي أهمية بالغة، إنها ليست مجرد وظيفة، بل رسالة.

يمتلك وطننا العربي عيّنات من عمالقة الإعلام بلا ريب، وحينما أطلق وصف عملاق فلا أعني به البتة عدد سنين الممارسة، فكم من إعلامي أمضى عدة عقود لكنك تجد حرجا كبيرا في وضعه مع الصف الأول من الإعلاميين في كفة واحدة، فمعيار السنين لا يعدو أن يكون إشارة لمدة الممارسة، وبين التمكّن والممارسة بَوْن شاسع، قد يجتمعان، ولكن يَرِدُ جدا أن يفترقا، وإنما أعني بالعملاق هو ذلك الذي يقدم مادة إعلامية عميقة متمكنا من أدواته الإعلامية، وبمثلهم يمكن المراهنة على توجيه المجتمعات نحو الممارسات المُثلى والوعي الذي من شأنه أن يقلب المعادلة.

***

محمـــد سيـــف – سلطنة عُمان

المكان والذاكرة والسرد الشخصي

المكان يحمل في ثناياه كل ما عشته كل ما شعرت به كل همسة فرح وكل دمعة حزن وهو ليس مجرد فراغ نتحرك فيه بل هو عالم حي يتنفس معنا يشهد خطواتنا ويسجل أصغر التفاصيل التي قد نظن أنها عابرة، لكنه في الحقيقة يحمل مفاتيح فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه وأحيانًا حين أسير في شارع قديم أو أعود إلى بيت طفولتي أشعر وكأن جدرانه تتحدث بصمت وكأن الأركان تنطق بذكريات لم تمحها السنوات وكأن كل ضوء يسلل من نافذة وكل ظل يتراءى على الأرض يحمل قصة لم تُروَ بعد قصة عني أنا وعن الآخرين وعن لحظة واحدة من الزمن ربما لم ينتبه لها أحد، لكنها كانت حية في وجدان المكان.

المكان هنا يصبح ليس مجرد خلفية للأحداث بل شريكًا في السرد يشارك في تشكيل الأحداث يوجه المشاعر يحرك الذكريات ويحفز التأمل وأجد نفسي أستعيد تفاصيل لم أكن أظن أنها مهمة رائحة الخشب القديم حفيف الريح بين الأشجار صوت خطوات أحدهم على الرصيف، حتى أصوات المدينة البعيدة التي كنت أسمعها وأنا صغير كل ذلك يعود إليّ في نصوصي الشخصية وكأنها شعلة مضيئة تنير لي الطريق بين الماضي والحاضر.

الزمن في هذا المكان ليس خطيًا بل هو متشابك ومتموج يتداخل فيه الحاضر بالماضي بطريقة لا تشبه أي حساب زمني دقيق، بل تشبه إحساسًا داخليًا بالوجود والرحلة وعندما أكتب عن يومياتي، عن اللحظات التي تبدو بسيطة أكتشف أن كل تلك التفاصيل الصغيرة تحمل معاني عميقة ونظرة عابرة من شخص لا أعرفه، ابتسامة طفل همسة الريح بين أغصان الشجر كل ذلك يصبح جزءًا من نصوصي، جزءًا من تجربتي الذاتية التي أحاول فهمها وتفسيرها. هذا السرد الشخصي يجعل اللحظة حية يخلق رابطًا بيني وبين المكان بيني وبين نفسي، وبين القارئ الذي ربما يشعر بما شعرت به في تلك اللحظة وكأن النص يفتح له نافذة على وجداني.

الذاكرة هنا تلعب دورها الكامل، فهي ليست مجرد استدعاء للأحداث بل هي إعادة تجربة الشعور الكامل بكل تفاصيله وأستطيع أن أشعر برائحة المطر على الأرض بعد سنوات، أن أسمع صدى ضحكات أصدقاء الطفولة أن أستحضر لون السماء عند غروب أحد الأيام التي لم أكن ألاحظ فيها أي شيء سوى صمت داخلي يملأ المكان كله وهذه القدرة على استدعاء الذكريات على إحياء اللحظات القديمة تجعل المكان أكثر من مجرد مساحة وتجعل النص الشخصي أكثر من مجرد حكاية، بل تجربة حياتية متكاملة تجربة تشعر بها بكل حواسك تجربة تتحرك فيها بين الماضي والحاضر بين المكان والروح بين الذاكرة والوجود.

هناك شيء غريب وعميق يحدث حين نتوقف عند هذه المشاهد اليومية فالأشياء التي كانت عادية تبدو فجأة مليئة بالمعنى أصغر التفاصيل تصبح دروسًا تعكس علاقاتنا مع الآخرين تثير تساؤلات عن هويتنا عن الزمن عن الطريقة التي نعيش بها حياتنا وربما يكون ضوء شمس ينسل من نافذة الغرفة القديمة أو صوت خطوات على رصيف متصدع، أو رائحة خبز في أحد الصباحات البعيدة كل ذلك يصبح نافذة لفهم أوسع للوجود والمكان هنا ليس ثابتًا بل يتحرك معنا يتغير بتغيرنا يحمل ذكرياتنا ويخزنها في طياته ليعيدها لنا في لحظات التأمل والكتابة.

إن السرد الشخصي الذي يتعامل مع المكان والذاكرة لا يكتفي بالسرد السطحي للأحداث بل يحقق تفاعلًا حيًا بين الإنسان وما حوله وحين أصف غرفة في البيت القديم لا أصف الجدران فقط بل أصف ما تحمله من صدى ضحكاتي من أصوات أمّي وأبيّ من رائحة الكتب القديمة التي كانت تنتشر في كل ركن من الشعور بالأمان أو الحنين الذي شعرت به وأنا أجلس هناك ساعات طويلة أتأمل العالم من نافذة صغيرة وكل هذه العناصر تجعل النص معيشًا نابضًا بالحياة ومفتوحًا لتجربة القارئ الخاصة.

وعندما أمشي في الشارع العام ألاحظ التفاصيل الدقيقة للمدينة ألوان المحلات ضحكات الأطفال أصوات السيارات حركات الناس كل ذلك يصبح جزءًا من نصي وكل حركة تحمل معنى وكل التفاصيل اليومية تتحول إلى رموز إلى إشارات لفهم الحياة للسؤال عن علاقاتنا عن تجاربنا عن طرقنا في التعامل مع العالم والحياة اليومية البسيطة، التي نمر بها عادة دون الانتباه إليها، تصبح عند الكتابة عنها مصدرًا لا ينضب للفهم والتأمل لأنها تعكس الصدق الكامل لتجربتنا البشرية بعيدًا عن المبالغة أو التصنع.

الذاكرة هنا تصبح جسرًا بين الماضي والحاضر بين اللحظة التي نعيشها واللحظات التي مرت بنا والنصوص الشخصية هي المكان الذي يمكن أن تعبر فيه هذه الذكريات بحرية أن تنبض بالحياة مجددًا أن تحمل كل ألوان المشاعر والأفكار. وحتى أصغر تفاصيل الحياة اليومية تصبح عند هذه الكتابة مشاهد عميقة للتجربة الإنسانية.

في النهاية عندما أعود إلى هذه النصوص أشعر أن كل مكان كتبته، كل شارع، كل بيت كل لحظة يومية ليس مجرد ذكرى أو وصف، بل رحلة كاملة في الزمن رحلة بين نفسي والمكان بين ذكرياتي والعالم من حولي والنصوص الشخصية عن المكان والذاكرة تمنحنا القدرة على استعادة الزمن على فهم أعماق مشاعرنا، على رؤية العالم من منظورنا الخاص على أن نعيش التجربة كاملة بكل حواسنا لا مجرد سرد الكلمات وإنها تجربة تفتح لنا نافذة على النفس والوجود تجعل من كل زاوية وكل ضوء وكل صوت نافذة للحياة وتجعل من الكتابة رحلة مستمرة عبر المكان والذاكرة رحلة لا تنتهي رحلة تستمر معنا في كل لحظة في كل خطوة في كل نفس نتنفسه في كل لحظة نعيشها.

وهكذا يصبح المكان ليس مجرد موقع بل روح متحركة والذاكرة ليست مجرد استدعاء بل حياة ثانية نعيشها مرة أخرى والسرد الشخصي ليس مجرد حكاية بل رحلة متواصلة عبر الزمن والوجود والوعي رحلة تجعل من حياتنا اليومية نصًا عميقًا وممتدًا نصًا يحمل كل الألوان كل المشاعر كل التفاصيل نصًا يعكس الإنسان بكل أبعاده بكل خباياه بكل أحلامه وآلامه، نصًا يظل حيًا طالما نحن أحياء، طالما نستعيد اللحظات طالما نكتب طالما نتذكر طالما نعيش.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

الآيديولوجيات بأنواعها تتحطم في عصر العلم والتكنولوجية المتطورة المتسارعة الخطوات نحو آفاق مطلقة، فما عادت هناك قيمة لغيرها، وبموجب ذلك ستتهاوى منظومات الأخلاق، وتتفشى التفاعلات الجافة المبنية على المصالح وحسب.

وتجدنا أمام آيديولوجيات تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنهار معنويا وتكتشف أنها كانت تطارد خيط دخان وتشرب من السراب وتحسبه ماءً.

آيديولوجيات حزبية ودينية وقومية، وإدعاءات مقاومة وتحدي ومشاريع تحرير وتنوير، كلها ذهبت مع الريح ورفرفت رايات المصالح فوق الرؤوس المعفرة بالأوهام، والمباركة بالتضحيات الجسام.

أصحاب الآيديولوجيات يستفيقون من غفلتهم، وخدرهم الذي إستنزف أعمارهم، وزعزع أوهامهم، وحولهم إلى عصف مأكول.

فهل إستفاقت الشعوب المؤدلجة من صدمتها الكبرى، وظهرت أمامها الحقائق، وقدرات العلوم التكنلوجية، والإبتكارات العلمية، لتجد نفسها تهرول وراء الأوهام، والدنيا تنطلق نحو آفاق كونية، ومعظمها يندحر في خنادق الأجداث التي ما بقي فيها رميم.

الا هبّي يا أمة الأفكار المتعفنة، وتحرري من قيود الضلال والبهتان، وواجهي التحدبات بعقل فاعل رشيد، "فما فات مات وكل ما هو آتٍ آت"، فالدموع لا تنفع، وجلد الذات لا يدفع الويلات المهلكات، ولا يقلل من أعاصير التداعيات القاصمات.

"لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فإن تولى سراة القوم أمرهم

نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت

فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

كيف الرشاد إذا كنت في نفر

لهم عن الرشد أغلال وأقياد

أعطوا غوايتهم جهلا مقادتهم

فكلهم في حبال الغي منقاد"

***

د. صادق السامرائي

 

في بلادٍ أنهكتها التناقضات، لا يبدو المشهد الأكاديمي أقلَّ التباسًا من المشهد الاجتماعي العام، بل لعلّه أشدّ خطورة؛ لأنّ الأكاديمي، بحكم موقعه، لا يُنتِج معرفةً فحسب، بل يُعيد إنتاج الوعي، ويُشرعن ما يمرّره من أفكار، صامتًا كان أم ناطقًا. وهنا تكمن المأساة: أن ترى حملة الدكتوراه، والأساتذة، وأصحاب الماجستير، وقد بلغوا مراتب عالية في التحصيل العلمي، لكنّهم ما زالوا يدينون بالخرافة، ويخضعون لها خضوع العامّة، بل ويدافعون عنها دفاعًا مستميتًا، وكأنّ الشهادة التي يحملونها لم تمرّ يومًا على عقولهم، بل مرّت على أوراقهم فقط.

ليس الحديث هنا عن الجهل البسيط، ولا عن الإيمان الشعبي العفوي، فذلك مفهوم في سياقه الاجتماعي والنفسي، بل الحديث عن انحرافٍ معرفيٍّ عميق لدى من يفترض بهم أن يكونوا حرّاس العقل، وأمناء المنهج، وحملة أدوات التحقق والنقد. إنّ الأكاديمي الذي يمتلك مفاتيح الشكّ المنهجي، وأدوات التفكيك، ومناهج النقد التاريخي والنصي، ثمّ يعطّلها طوعًا، لا بدّ أن يُساءل أخلاقيًا قبل أن يُساءل علميًا.

تراهم، في مشهدٍ يكاد يكون سورياليًا، يجلسون تحت منابر وعّاظ لا يملكون من العلم إلا صوته، ولا من المعرفة إلا تكرارها، يستمعون إلى خرافات تُلقى كما تُلقى النفايات في عقول الناس، فلا يهتزّ لهم عقل، ولا ينتفض لهم سؤال، ولا يتحرّك لهم لسان. خرافات منقولة من كتبٍ كتبت في عصور الصراع السياسي والطائفي، ودوِّنت بأيدٍ عرفت كيف تحرّف التاريخ، وكيف تُلبس الأسطورة لباس العقيدة، وكيف تجعل الكذب مقدّسًا حين يخدم السلطة أو الطائفة.

والأدهى من ذلك، أنّ هذه الخرافة لا تبقى في فضاء الوعظ الشعبي، بل تتسرّب إلى قاعات الدرس، وإلى عقول مئات الطلاب الذين يتلقّون “علمًا” لم يُمحّص، ولم يُنقَّد، ولم يُفكَّك، رغم أنّ من يدرّسه يملك القدرة الكاملة على ذلك. لكنّه لا يفعل. لا عن جهل، بل عن خوف. خوف من المجتمع، من التسقيط الاجتماعي، من تهمة “الخروج عن المألوف”، من وصمة “المساس بالمقدّس”، وكأنّ العلم خُلِق ليكون تابعًا للمجتمع، لا ناقدًا له.

إنّ هذا الخوف، في جوهره، ليس ضعفًا شخصيًا فحسب، بل خيانة للعلم نفسه، وخيانة للمنهج، وخيانة حتى للعقيدة التي يدّعي الأكاديمي الدفاع عنها. لأنّ العقيدة، إن كانت حقًا، لا تخاف من السؤال، ولا ترتعد أمام النقد، ولا تحتاج إلى حراسة الجهلة، بل تزداد صفاءً كلما خضعت للتمحيص.

وكم من مثالٍ يفيض به واقع جامعاتنا، ولا سيما في العراق، حيث تُكسر أقلام الباحثين قبل أن تُنشر أفكارهم. أحدهم، وقد نال الدكتوراه حديثًا، توصّل في أطروحته إلى نتائج علمية دقيقة تنقض كتابًا تاريخيًا ودينيًا متداولًا، مليئًا بالأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة. لكنّ النتائج، بدل أن تُناقَش علميًا، وُضعت تحت مقصلة “المقدّس الطائفي”. قيل له صراحة: هذا لا يُنشر، وهذا لا يُمرَّر. لا لأنّه ضعيف المنهج، بل لأنّه يمسّ كتابًا “مقدسًا” عند طائفة معيّنة. وهنا، تخلّى المشرفون عن كل ما درّسوه من معايير البحث، وارتدّوا إلى موقع الحارس الاجتماعي، لا العالم.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود الأكاديمي ضحيةً فقط، بل يصبح جزءًا من الجريمة حين يقبل، ويجامل، ويعدّل، ويصمت. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل انحياز. والانحياز ليس بريئًا، بل مشاركة في تكريس الوهم، وفي تعميق المستنقع الذي يغرق فيه المجتمع.

إنّ الأكاديمي الذي لا يجرؤ على مراجعة ما ورثه من الآباء، ولا على نقد الكتب البالية التي يدرّسها، ولا على مواجهة المقدمات التاريخية الفاسدة التي بُنيت عليها معتقدات بأكملها، هو أكاديمي بلا رسالة. شهادته، مهما علت، تصبح ورقة بلا روح، ولقبه العلمي يتحوّل إلى قناع اجتماعي، لا أكثر.

المجتمعات لا تنهض بالوعّاظ، ولا بالخطباء، ولا بحفَظة الروايات، بل تنهض بأصحاب الأسئلة الشجاعة، وبالعقول التي تضع الحقيقة فوق الطائفة، والمنهج فوق الموروث، والعلم فوق الخوف. وحين يغرق الأكاديمي في مستنقع الخرافة، فإنّه لا يغرق وحده، بل يسحب خلفه أجيالًا كاملة، ويؤجّل خلاص المجتمع عقودًا أخرى.

ولذلك، فإنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل الشعبي، بل الجهل المتعلّم؛ ذلك الجهل الذي يرتدي عباءة الدكتوراه، ويتحصّن بلقب الأستاذية، ويخون العلم باسم الحكمة، ويخون العقل باسم السلامة، ويخون الحقيقة باسم المقدّس. هنا، فقط، نفهم لماذا تتعثر نهضتنا، ولماذا يبقى المستنقع أعمق من أن يُجفَّف، ما دام حرّاس العقل أنفسهم قد قرروا السباحة فيه بدل أن يخرجوا الناس منه.

***

بقلم: د. علي الطائي

15-1-2026

الحنين الزائف ليس ذكرى، بل خيالًا عاطفيًا. لا يأتي من ماضينا، بل من ماضٍ مستعار ورثناه من الأفلام والكتب والصور والحكايات. إنه حنين إلى ما لم يُعَش، شوق قد يذكّرنا بمصطلح بالـ saudade باللغة البرتغالية، وإن لم يكن هو نفسه تمامًا. كما يسميه الفرنسيون mémoire inventée – «ذاكرة مُختلَقة» – وله خاصية غريبة: يتجذّر فينا بالقوة نفسها التي تتجذّر بها الذكريات الحقيقية. وقد استشعر "والتر بنيامين" هذا المعنى حين كتب أن الماضي يُبنى انطلاقًا من الحاضر، لا بوصفه زمنًا ميتًا، بل «زمنًا ممتلئًا بالآن».

لقد ضاعفت شبكات التواصل الاجتماعي من حدة هذا الإحساس. نعيش محاطين بصور تقترح علينا نسخة جمالية، وغالبًا مثالية، من الماضي: فلاتر، أسطوانات الفينيل وهي تدور، سيارات قديمة، أزياء عتيقة، وأصوات تناظرية. كأن الماضي تحوّل إلى صنف جديد من الاستهلاك. نحن مستهلكو ماضٍ، لكنه ليس ماضينا. إنه حنين مُصنَّع سلفًا، كديكور من كرتون مزيّف، ومع ذلك ينجح في إثارة مشاعرنا. غير أن ما يحرّكنا ليس حقيقة ذلك الماضي بقدر ما هي الوعد الذي يحمله: ما نتخيله أنه كان، وما نودّ لو أنه كان كذلك.

كانت الشاعرة "ماري أوليفر" تتساءل: «ماذا ستفعل بحياتك الوحيدة، المتوحشة والثمينة؟». وهناك من، لعجزهم عن الإجابة من داخل الحاضر، يديرون وجوههم نحو أمسٍ لا ينتمي إليهم. يتشبثون به كما لو كانوا سيجدون هناك جوابًا أو اتجاهًا أو طمأنينة. لكن في العمق، وكما يقول ميلان كونديرا في روايته خفة الكائن التي لا تُحتمل: «الإنسان لا يستطيع أبدًا أن يعرف ما الذي ينبغي أن يريده، لأنه لا يملك سوى حياة واحدة، ولا يمكنه مقارنتها بحيوات سابقة أو تصحيحها في حيوات لاحقة». بعبارة أخرى: ليس أننا نشتاق إلى الماضي، بل نحاول أن نمتلك حياة مختلفة.

يحمل الحنين الزائف في طياته شيئًا من الملاذ وشيئًا من الفخ. يستقبلنا برفق، بموسيقاه الناعمة، وألوانه الدافئة، ومشاهده التي تبطئها الذاكرة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى شكل من أشكال الهروب: أن نتوقف عن النظر إلى الأمام لأن الماضي — حتى وإن كان متخيّلًا — يبدو أكثر أمانًا. هناك مثالية لا مفر منها. فالماضي البعيد يظهر بلا صراعات أو تناقضات. نتذكر عشرينيات القرن الماضي من خلال موسيقى الجاز، لا من خلال الكساد العظيم الذي أعقبها. نُفتَن بموضة الخمسينيات، لكننا ننسى البُنى الاجتماعية القمعية التي كانت سائدة آنذاك.

هناك شباب اليوم من يشعر بالحنين إلى الديكتاتورية دون أن يعرف حقيقتها؛ أو إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي كما لو كانت زمن نظام وانسجام؛ أو إلى ثمانينيات القرن الماضي، وكأنها لم تكن سوى موسيقى سينثيسايزر وصداقة بلا شاشات.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم، بل يطال المجتمعات أيضًا. فهناك حركات سياسية تتغذى على هذا الحنين، واعدة باستعادة عظمة مفقودة، أو عصر ذهبي لم يوجد في الواقع قط. تُحرَّك الرموز، والأعلام، وخطابات ماضٍ مُؤطَر. لكن، كما حذّر جورج أورويل: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل». لذا، من الضروري تعلّم النظر إلى الماضي بعمق، لا كبطاقة بريدية، بل كحيّز معقّد ومتناقض؛ أن نتذكر أن لكل حقبة جمالها وألمها، موسيقاها وصمتها.

ومع ذلك، فهذه المشاعر المصنوعة ليست عديمة الجدوى تمامًا. فقد قال غابرييل غارسيا ماركيز: «الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره». وربما يكون هذا الحنين المختلَق طريقتنا في إعادة كتابة العالم، وفي البحث داخل ما كان — أو ما كان يمكن أن يكون — عن بذور لما يمكن أن يكون. حين تؤثر فينا أغنية قديمة لا نعرفها، أو صورة غريبة نشعر بأنها تخصّنا، فنحن لا نهرب فحسب، بل نرسم، في العمق، خريطة رغباتنا الأعمق: التوق إلى التواصل، إلى الأصالة، إلى الجمال. وفي هذا الشعور أيضًا بعدٌ تربوي: رغبة في فهم من أين أتينا، حتى وإن لم نعشه بأنفسنا.

في النهاية، الحنين الزائف مرآة. لا يعكس ما كان، بل ما نشتاق إليه؛ ما ينقصنا، ما نظن أننا فقدناه، وما لم نبنه بعد. إنه بوصلة عاطفية تشير إلى مكان لا وجود له، لكن اتجاهه يحمل معنى بالنسبة لنا. لذلك، بدل أن نخجل من الإحساس به، علينا أن نتعلم التعرّف عليه: أن نفهم أنه ليس ذاكرة، بل رغبة؛ ليس تاريخًا، بل خيالًا؛ ليس ماضيًا، بل صورة من المستقبل متنكرة في هيئة ماضٍ.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

نحن لم نعد نعيش أزمة نقص في المعرفة، بل أزمة فائض مربك منها. هذه الأزمة لم تُنتج وعيًا أعمق، بقدر ما أنتجت تشوشًا داخليًا، وتيهًا فكريًا، وإنهاكًا نفسيًا صامتًا.

في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نفكر؟ ومن يوجه هذا التفكير؟ لم تعد الحقيقة غائبة، لكنها لم تعد واضحة أيضًا.

لقد اختلطت القيم بالمصطلحات، وتغيرت المسميات، وتحوّلت كثير من المفاهيم الإنسانية إلى شعارات براقة، تُستهلك أكثر مما تُفهم.

وفي خضم هذا الضجيج، بات الإنسان مهددًا لا بفقدان المعرفة، بل بفقدان ذاته.

هذا المقال ليس اتهامًا، ولا دعوة للانسحاب، بل محاولة للوقوف لحظة  مع النفس صادقة، وطرح سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه شديد العمق:

هل ما نعيشه تطور حقيقي… أم فوضى وعي تحتاج إلى إسعافات أولية؟

فوضى المعلومات وضياع البوصلة

نحن نعيش في زمن الفوضى المعلوماتية، حيث كثرت المصادر وتعددت طرق الطرح لمواضيع مهمة، ومع هذا التكاثر تشتّتت العقول بين متعصب لا يصدق إلا مصدره الموثوق في نظره، ومتساهل لا يصدق حتى الحقيقة، ضاعت حرية الرأي والحرية الفكرية بسبب التحرر الزائد في طرح مواضيع حساسة ومهمة دون ضوابط حقيقية.

في زماننا تسهّلت كل الطرق العلمية والعملية، لكن المعلومات الحقيقية تاهت منا وتشعّبت في مسارات مختلفة.

عصرنا لم يعد عصر التطور والحداثة كما يعتقد البعض، بل أصبح عصر الضبابية والسرابات الخادعة.

لم تُسلب العقول بالقوة، ولم تُقيَّد بالسلاسل، بل أُغرقت بالخيارات حتى عجزت عن الاختيار، وفقدت أبسط حقوقها: حق التفكير، وحق اتخاذ القرار، وحق تجديد الأفكار.

في محاولتنا للحاق بالزمن، وربما لسبقه، أضعنا إنسانيتنا في مشروع تطوير مرتبك، لقد جَرينا كثيرًا دون بوصلة، فدخلنا متاهات متعددة؛ متاهة تسويف المبادئ على حساب الإنجازات، ومتاهة التزين بواجهة الحداثة والرُقي، بينما كنا نتخلى بهدوء عن أنبل ما فينا.

تزييف المصطلحات وانهيار القيم

تخلينا عن مبادئ إنسانية كانت تحمينا من التهشم النفسي والتدني الأخلاقي.

انهارت القيم الإنسانية، وارتفعت الأنانية كشعار أنيق، وأُعيدت تسميتها بـ “حب الذات”، تمامًا كما غيّر بعض روّاد التنمية البشرية أسماء الكِبر والغرور ليصبحا “ثقة بالنفس”.

الاحترام الذي تربينا عليه، وربينا أبناءنا به، أصبح يُوصَف اليوم بأنه قمع مشاعر وكبت نفسي، بينما تحولت الوقاحة — التي كانت جريمة أخلاقية — إلى فن له جمهوره وصَداه.

فن اللامبالاة، وفن “الأجوبة المسكِتة”…

أليس هذا هو التشدّق الذي نهانا عنه ديننا؟

وقد قال رسول الله ﷺ:

«لعن الله المتشدقين والمتفيهقين».

وهنا يطرح السؤال نفسه بهدوء وصدق:

هل نحن فاعلون في هذا العصر، أم مجرد متلقين داخل منظومة تُعيد تشكيل وعينا بصمت؟

ما كان يُسمّى يومًا “نظرية مؤامرة” لم يعد تهمة جاهزة، بل سؤالًا مشروعًا:

من يملك المعلومة؟ ومن يوجه الوعي؟ ومن يحدد ما نراه، وما نتجاهله؟

نحن — إلى حدٍّ ما — كالسمك داخل الشباك، نرى الخطر يقترب، ونشعر بالاختناق، لكننا نعجز عن الحركة؛ لا لأن الأيدي مقيدة، بل لأن الوعي مُثقل، ومُرهق، ومتردد.

ربما لا يكون الحل في الخوف، فالخوف حاضر رغماً عنا، لكنه ليس سبيل النجاة.

الأمان هو السبيل، وهذا الأمان ليس غائبًا، بل متجذر في عمق العقيدة، في المعنى، في الإيمان الذي حين تم التلاعب به، سَهُلَ تهشيم النفوس، وتبليد الأفكار، وتغيير المسارات.

خطة الإنقاذ: الإسعافات الأولية للوعي

لسنا أمة بلا هدف، ولسنا كيانًا وُلد للتيه.

في مرجعيتنا، وفي رؤيتنا للإنسان والحياة، معنى واضح للوجود، ومعنى أعمق للأمان. العمل على هذا المعنى هو ما يحمي الإنسان من الضياع، لا كثرة المعلومات ولا تسارع التطور.

لكن حين تكون الحالة خطِرة، لا نبدأ بالعلاج الطويل، بل نحتاج أولًا إلى إسعافات أولية نفسية.

أولًا: التوقف

التوقف عن التفكير بنفس القوالب الجاهزة، وعن تصديق كل ما يُقدَّم بزخارف لغوية براقة.

التوقف عن السير خلف القطيع دون وعي.

التوقف هنا لا يعني الانسحاب من العالم، بل الانتباه.

الانتباه للترندات التي تُستهلك بلا معنى، والتي قد تكون في حقيقتها تقليدًا فارغًا لا يضيف وعيًا ولا قيمة، سوى الاستخفاف بالعقول وإهدار الوقت.

التوقف عن اللهاث خلف الاعجابات والمتابعات بوصفها غاية.

نحن أصحاب رسالة، وأصحاب معنى، ومهمتنا أعمق من جذب العقول الفارغة بمحتوى فارغ — مع كامل الاحترام لأصحاب المواهب الحقيقية الذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم دون توسل.

ثانيًا: الفرز

أن نميز بين المهم والتافه، بين ما يبني الوعي وما يستهلكه.

أن لا نبحث عن ذواتنا في الأماكن الخطأ، ولا نضيّع أعمارنا في تفاصيل لا تستحق.

ثالثًا: الشك الصحي

أن نتفقد قلوبنا وأرواحنا، لا أجسادنا فقط.

فليس كل تعب سببه فيروس، وأمراض هذا العصر لم تعد جسدية فحسب؛ كثير منها نتيجة فراغ عاطفي، وغياب الأمان، والانفصال عن القيم التي كانت تمنح الروح اتزانها.

قد تكون الروح خاوية، رغم امتلاء الحياة بالوسائل.

والبعد عن الله هلاك للأرواح، والعبادة الشكلية لا تسد فراغًا روحيًا، بل قد تزيده اتساعًا إن لم تُلامس القلب.

رابعًا: استعادة حق السؤال

حين كنت تسأل عن معنى وجودك، لم تكن جاهلًا، بل كنت في ذروة نضجك.

الأسئلة الوجودية ليست ضعفًا، بل بداية الوعي.

عندما صارت الأسئلة تُكتب في محركات البحث، والروبوتات، وتأتي الإجابات جاهزة، توقف العقل عن التفكير، وتجمد القلب عن التأمل.

امتلأنا بإجابات لم نُجهد أنفسنا في طرح أسئلتها.

المعلومات التي تبني الإنسان أهم من المعلومات التي تُخزَّن في الذاكرة.

والمعلومة الناقصة أحيانًا أكثر فائدة؛ لأنها تُحرّك السؤال، وتوقظ العقل.

لقد انشغلنا بتنمية جاهزة، وتطوير مُعلّب، وبنينا واجهات جميلة دون أساس متين.

وأي بناء بلا أساس، لا يصمد أمام التغيرات.

نحن بحاجة إلى العودة للأساس، وبنائه حجرًا حجرًا، لا أن نترك غيرنا يحدد شكله، وحجمه، واتجاهه، ثم نكتشف في النهاية أن أعمارنا مضت، دون أثر، ودون معنى يدل على أننا كنا هنا يومًا ما.

لسنا عاجزين، ولسنا بلا خيارات، لكننا مُرهقون ذهنيًا، ومثقلون بتفسيرات جاهزة، وحلول سريعة لا تلامس الجذور.

الوعي لا يُستعاد دفعة واحدة، ولا يُفرض من الخارج، بل يُبنى بهدوء، من الداخل، حين نملك الشجاعة للتوقف، والفرز، والسؤال.

لسنا بحاجة إلى مزيد من المعلومات، بل إلى إنسانٍ حاضر قبل المعلومة، وإلى أساس متين قبل أي بناء.

وحين نعود إلى هذا الأساس، نكتشف أن النجاة لم تكن يومًا في الهروب من العالم، بل في فهمه دون أن نفقد أنفسنا داخله.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

من التقنيات الميكانيكية إلى تقنيات الإلكترونيات الرقمية

لا ريب أن ثورة تقنية المعلومات، هي واحدة من أهم التطورات التقنية، التي شهدها القرن العشرين، بعد ان تحولت من مجرد أفكار نظرية محضة، إلى واقع علمي ملموس، بات متاحا، وفي متناول الجميع.

ولكي نستكشف كيف تطورت تقنية المعلومات، من مجرد خيال وافكار نظرية، إلى موضوعية علمية، متجسدة بالحواسيب والهواتف الذكية، والانترنت، فإنه لابد من الإشارة إلى الأفكار المبكرة للعلماء، الذين وضعوا الأسس العلمية والتقنية للحوسبة، وفق فرضية (الحاسوب يمكن أن يفكر)، كما كان يرى (ألان تورينج).

في حين تمكن (شانون) من تطوير (نظرية المعلومات)، التي أصبحت أساس الاتصالات الرقمية، باعتبار ان (المعلومة) هي وحدة القياس الأساسية .

وقد تمثلت الموضوعية العلمية في مخرجات التطور التكنولوجي، الذي شهدته الحواسيب الرقمية الاولى، اعتمادا على فرضية تقوم على فكرة أن (الحاسوب هو آلة يمكن برمجتها)، والإستفادة منها.

ثم تلا ذلك، تطوير الشبكة العنكبوتية، (شبكة الويب العالمية) وتطوير الإنترنت التي هي شبكة الشبكات.

وقد تتوج كل ما تقدم من انجازات في الثورة الرقمية، بالتطور الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعلم الآلة، ليكون الذكاء الاصطناعي، هو أداة الاستخدام الرقمي الذكي، على أوسع نطاق، لاسيما في المجالات الصناعية، واتمتة العمليات الانتاجية في المصانع .

ولابد من الإشارة إلى أن ذلك التطور السريع في معطيات ثورة المعلوماتية التقنية، كان له انعكاساته، وتأثيراته الإجتماعية، من خلال تغيير كيفية تواصلنا، وتبادل المعلومات، مع بعضنا البعض، بعد أن أصبح التواصل يتم بشكل أسرع، وأسهل، وأجود.

ولاشك ان ذلك التطور الرقمي، قد انعكس أيضا على التعليم، بتحويله من الفصول الدراسية التقليدية المعروفة، إلى التعليم الإلكتروني الحديث، حيث بات التعليم، مفتوحا، ومتاحًا للجميع، اضافة إلى استخدامه في المجالات الطبية، والصناعية.

كما يلاحظ التأثير الكبير للتطور الرقمي على الاقتصاد العالمي، من خلال التوجه الى التجارة الإلكترونية، لتكون هي تجارة المستقبل.

ومع كل تلك الإنجازات التكنولوجية الكبيرة، فانه لابد من الإشارة إلى التحديات الكبيرة، التي باتت تواجه تلك الإنجازات في الوقت نفسه، حيث اصبح الأمر يتطلب حمايةالبيانات، والخصوصية، باولوية مطلقة، للحفاظ عليها من التهكير، وتأمينها ضد مخاطر الاختراق، والقرصنة الرقمية.

وعلى الرغم من كل التحديات، فانه لابد من الاستمرار في استكشاف هذه التكنولوجيا،

والعمل على تطويرها، والتوكيد على استخدامها بحكمة، وبطريقة مسؤولة، لتكون أداة في خدمة المجتمع، على افضل نحو ممكن.

وهكذا يمكن القول بان ثورة تقنية المعلومات، كانت رحلة معقدة، من مجرد الحلم والتجريد الفكري، وصولا إلى الموضوعية العلمية، التي غيرت واقع حياتنا الراهنة، بطرق فنية متقدمة، لم يكن بالإمكان تخيلها من قبل.

***

نايف عبوش

انجبت القارة السوداء عدد لا يستهان به من القادة الذين قاوموا الاستعمار الأوربي بكافة اشكاله فعلى سبيل المثال باتريس لومومبا ونلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا وكوامي نكروما رئيس جمهورية غانا ويوليوس نيريري رئيس دولة تنجانيقا. لقد ظهر هؤلاء الزعماء في فترة الستينات من القرن الماضي والتي شهدت ظهور حركة الكفاح المسلح في آسيا وافريقيا بهدف طرد الاستعمار الأجنبي وتحرير البلدان وإقامة حكومات اشتراكية أو ديموقراطية وتخليص ثروات هذه الدول من هيمنة الشركات الأجنبية.

إلا إن القوى الاستعمارية الكبرى كانت قد تصدت لهؤلاء الزعماء بالتآمر عليهم فكان مصيرهم إما الاغتيال أو الإطاحة بهم عن طريق الإنقلابات العسكرية الرجعية كما حصل للرئيس نكروما.

أما فيما يخص الزعيم باتريس لومومبا (1925-1961) فهو قائد وطني كونغولي وأحدى الشخصيات الافريقية المناضلة لتحرير القارة الافريقية من الاحتكارات الاجنبية التي تنهب ثروات شعوب هذه القارة. أسس الحزب الوطني الكونغولي عام 1958 وترأس أول حكومة بعد الاستقلال الذي حصلت عليه بلاده من بلجيكا عام 1960.

في عام 1961، قام جوزيف موبوتو رئيس أركان الجيش في حكومة لومومبا بإنقلاب عسكري ضد لومومبا وأعلن نفسه رئيساً للجمهورية ووزيراً للدفاع. وهكذا، تعرضت الكونغو إلى هزة عنيفة عرضت البلاد إلى الخطر والعودة بها إلى أيام الاحتكارات الأجنبية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان أحد زعماء الكونغو وهو (تشومبي) وقد أعلن انفصال مقاطعة (كاتنغا) عن الوطن الأم بتأييد بلجيكا والمرتزقة الأجانب.

لقد ادرك لومومبا حجم مؤامرة موبوتو فأرسل أولاده إلى القاهرة لأأنه كان يتوقع اغتياله بين لحظة وأخرى وقد أعتقلت بعد ذلك زوجته وأرسلت في سيارة (لوري) إلى مدينة (ليوبولدفيل).  ثم قام الانقلابيون باعتقال لومومبا وحجزه في غرفة الصغيرة في مقر الحكومة، عندها أدرك إن هناك مؤامرة تدبر لإغتياله وقد أخذ يتصل بانصاره رغم الحصار الحديدي المفروض عليه.

أخذ لومومبا يفكر في وضع خطة للهروب من السجن مع زوجته التي أطلق الانقلابيون سراحها، ولم يكن الهروب سهلاً، ولم يعد ممكناً تحديد الوقت إلا لإنه وضع خطة مع بعض أنصاره تكون بشكل تدريجي وقد وصفت زوجته (بولين) هذه الخطة كما يلي: كان المتفق عليه أن يتسلل بعض أنصاره ومعهم كميات كبيرة من البيرة وكانت مهمتهم أن يعقدوا بالتدريج وبدون أن تعرف هوياتهم صداقات مع الحراس ويتناولون فيها قناني البيرة وفي الليلة المتفق عليها جاءوا ببراميل البيرة فداخت رؤوس الحراس وفي تلك اللحظات وخرجت مع لومومبا إلى سيارتين معدتين للهرب وطوت السياراتان أكثر من (80 كم) وأمر لومومبا سائق السيارة عدة مرات أن يقف كي يخطب بين ابناء الشعب، لكن السيارة أضطرت إلى التوقف في مكان وفجأة وقفت سيارة أمامها ونزل منها عدة جنود من قوات موبوتو وقد أرسل هؤلاء الجنود برقية إلى موبوتو يطلبون منه إرسال طائرة لإعتقال لومومبا وإرساله إلى العاصمة وبعد فترة وجيزة هبطت طائرة بلجيكية صغيرة وقاد جنود لومومبا إليها. أما زوجته فقد أقتادوها إلى سيارة أخرى.

وبعد أن نزل لومومبا من الطائرة التي أقلته من مدينة (ليوبولدفيل) إلى مقاطعة (كاتنغا) صرخ بالضباط الذين أسروه: إني اسألكما لماذا جئتم لإعتقالي؟ هل أنتم مقتنعون بإن هذا لمصلحة الوطن؟ إنه سيناريو يشبه إلى حد كبير سيناريو اعتقال وأعدام الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ثم قال لهم: هذه النجوم التي تضعونها على أكتافكم من وضعها لكم؟ فلومومبا هو الذي كون جيشاً نظامياً في الكونغو وهو الذي أعطى هؤلاء الضباط رتبهم العسكرية. ثم تقدم إليه بعض الجنود وقيدوا يديه بالحبال ووضعوه في سيارة لوري مكشوفة وأعتدوا عليه بالضرب لكنه لم يرضخ لهم أبداً. كان يرى إن حرية بلاده هي التي توثق بالحبال وإن الضربات توجه إلى جسد الكونغو وليست إلى جسده.

لقد أخذ الأوغاد ينقلونه من سجن إإلى أخر وكان لومومبا يخطب في حراس السجون التي يحل فيها ويوضح لهم أهداف الانقلاب الرجعي الذي أطاح به وعن المؤامرة لتي تدبر ضد الوطن فقد كان بين الجدران اقوى من الذين كانوا يملكون كل السلطات.

وذات ليلة نقلوه مقيداً بالأغلال إلى (كاتنغا) وسلموه إلى المجرم (تشومبي) فأطلق عليه الرصاص لحظة وصوله وكان ذلك اليوم هو 17/1/1961 وكان يهتف بحرية الكونغو وهو يتلقى الرصاص تماماً كما فعل بعده عبد الكريم قاسم وهو يتلقى الراصاص انقلابيي شباط في دار الاذاعة عندما كان يهتف بحياة الشعب العراقي عندما هتف: يحيا الشعـ... ولم تمهله رصاصات الانقلابيين في إتمام هتافه.

ورفض الطغاة تسليم جثمان لومومبا إلى زوجته لدفنه كما ورفضوا أن تلقى عليه نظرة الوداع. لقد كان لومومبا أقوى منهم جميعاً وهو جسد قتيل. هذا ما تحدثت به زوجته (بولين) عن اعتقاله وأعدامه. لقد عاشت زوجته كفاحه لحظة بلحظة ولم تكن مجرد زوجة لقد كانت رفيقة طفولته في مدرسة القرية التي درسا فيها سوية، تقول عنه: "كان عمله السياسي هو رسالته في الحياة، وهو يحلم بمستقبل الكونغو، ثم قادة الثورة في ستانلي فيل عام 1959 ودخل السجن بعدها."

لقد كانت بلجيكا وملكها (بودان) مسؤولة مسؤولية مباشرة عن مقتل لومومبا لأنه كان عازماً على تأميم شركات المناجم البلجيكية الكبرى في مقاطعة (كاتنغا).

وتخليد لذكرى هذا الثائر الافريقي تأسست في موسكو في ستينات القرن الماضي جامعة باسم (جامعة لومومبا) أو جامعة الصداقة بين الشعوب ومنحت الجامعة وسام الصداقة بين الشعوب لرئيسها (فيليبوس) بتاريخ 54 شباط 1975.

وهكذا عاش لومومبا كأسطورة خالدة في كل قلب.

***

غريب دوحي

 

صليتُ حيث تكون الصلاة سموا وارتقاء، حيث تكون قلباً ينبضُ بالحياة، ركعتُ مع الشمسِ في انحناءتها وسجدت بإيماءة منها عند الغروب، هناك رتلتُ وردي وسبحت تسبيحة الكون حيث يُعزف أجمل لحن للوجود.

وبين بسمة طفل وضحكة كبير وهما يتقاسمان قطعة لحم صغيرة تذوقت طعم الصلاة وكانت هي الصلاة. وفي مشهد آخر حيث يقيمون الصلاة يُطرح ألف سؤال وسؤال؟

لِمَ نُصلي؟! وهل الرب الرحيمُ يحتاجُ صلاتنا بحيث يكون العقابُ عليها شديداً؟!

ولم نُرددُ منذ قرون بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وواقعنا يشهدُ مقدارَ تخلفنا الأخلاقي، مقدار تخلفنا القيمي!

كم من جريمة تُرتكبُ باسم الصلاة، كم من حريات صُودِرت باسم الصلاة، وَكم عقول وُأدتْ لأجل الصلاة، وَكم مُصلٍ لليل وَالنهار وَهو أكثر وحشيةً مع أسرته، قد تجد بيدهِ المسبحةَ في كل الأوقات وَهو لا يتورعُ عن الظلم وَأكلِ حقوقِ الآخرين!

طبيب يترك مرضاه ليؤدي الصلاة، شاب يقطع إشارة المرور مسرعاً للحاقِ بصلاة الجماعة! وَآخرُ يركلُ سيارته بوسط الشارع معرقلاً حركة الناس من أجل الفوز بالصف الأول!

لم نجد الصلاة تمنع المصلي من تخطي حدود السرعة المسموح بها فتكن أحد أسباب انخفاض نسب وفيات الحوادث، وَلم نجد الصلاة كانت وراء تقليل نسب الطلاق في مجتمعاتنا؟!

هذه الصلاة التي نتهالك عليها وَنُقيمُ الحد على تاركها، الصلاة التي أصبحت علامة فارقة لدخول الجنة وَالنار! الصلاة التي دوماً نسمع أنها عمود الدين، فَأن قُبلت قُبل ماسواها وإن رُدت رُدَّ ما سواها.

هل يُعقل أن أدخُلَ الجنة لـِـ كَمٍ من الركعات وإن كانت الحياة لا تَذكر لي أي أثر؟! هل يُعقل أن علاقتنا بالرب الرحيم تحددها عدد معين وَطريقة معينة قد تكون جوفاء لا روح فيها؟! لم هذا الاهتمام السطحي بحيث أصبحنا كالطبل الأجوف؟!

ما أكثر مساجدنا وَما أجمل صوت المؤذن وَهو يعلو بأحيائنا والمُدن..! وَما أشد اهتمامنا وَنحن نتراسل وَنتواصى بصلاة اليوم وَصلاة الشهر وَعدد الركعات وَنضع لهذهِ العلاقة حاسبة خاصة تراها تزين أصابعنا كخاتم وَننهج بذكر الله وَنحن نسمع وَنحن نطبخ وَنحن نمارس أعمالنا، وَلا تجدُ الطالبة التي تلبس المسبحة وَالذاكرة ضيراً من الغش، بل تجد مدارسنا الحريصة جداً على اقتطاع وقت لأداء الصلاة، بعيدة جداً عن شغف العلم، خاوية من الباحثين وَالمخترعين بل من أبسط أسس التعليم السليم، وَلمْ يتورع شبابنا المصلي عن التسكع بالطرقات، وَلمْ تتورع نساؤنا وَهنّ المصليات عن التدخل في خصوصيات الآخرين!

هذا التدقيق الشديد بالفتحة وَالضمة وَالغين وَالقاف، بل هذا التشدد بالركوع وَكيفية السجود يزدادُ بشكلٍ ممرض بالحج وَ العمرة نفقد من خلال تفاصيله الدقيقة وَالمقيتة كلروحانية اللحظة!

بل تزداد الحالة لنُرعب أطفالنا من رب يمسك بيده عمود نار لتارك الصلاة، وَنرسُمَ صورة للصلاة حين تأخذنا الروايات وَالقصص حيث الإمام يغرق طفله وَهو يصلي فلا يلتفت لذلك الطفل وَكأنها هي هذه التي لأجلها خلقنا!

وحين تزداد لأجلها مساحة الطغيان وَالاستبداد بنفوسنا، نجدنا نتعبد بصنمية فارغة فتصبح الصلاة وَالحجُ أصناماً تُبعدنا عن المحيط الرحب، عن الحب، عن التسامح، عن التناغم الكوني، والتسبيح الإلهي!

فهل هذه الصلاة التي نصليها وَنلتزم بها، هي التي صدحت بها آيات الله في كتابه الكريم؟! وَهل الله الرب الرحيم يحتاج صلاتنا لتكون هي محك دخولنا الجنة أو النار؟! وهل سيكون راعي الخراف الذي يرفض بيع خراف سيده بأعلى الأثمان لأنها ليست ملكه وَلا يقبل خيانة صاحبها لأن الله يراه، أحق بدخول النار لعدم أدائهِ الصلاة التي نعرفها؟!

وَأدخل أنا الجنة وأنا التي تصلي بالليل مئة ركعة رغم عدم تورعي عن الغش وَإهدار الوقت وَالمال؟!

ماذا عساي أجيبُ ولدي الصغير حين يسألني لماذا نصلي بعد أن ضربته لأجلها وَهددتهُ بالنار وَالعقابِ الإلهي وَهو يراني أختلفُ مع جارتي فأكيلُ لها الاتهامات وَأستصغرُ عاملتي وَسائقي وَلا أحترمُ إنسانيتهم ثم أجيبه: يا ولدي الله لا يحتاج صلاتنا بل هي لأجلنا، لأجل صلاح أمورنا، فتدور عينيه باستغراب مندهشاً يبحث عن الصلاح!

تمهل قارئي الكريم، لا تتهمني بالكفر وَتُقيمَ علي حدَّ تارك الصلاة! فأنا أقرأ القران وَتُثير آياته تساؤلاتي: {وصلِّ عليهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم..}- التوبة:103-، فلا أجد السكن وَ الحب وَ اتساع النفوس بصلاتنا.

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ﴿٤٥ البقرة﴾

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ* أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ﴿١٥٧ البقرة﴾

فالكثير من القيم وَالأخلاق التي لا تستقيمُ الحياة إلا بها نجدها مفقودة بين المصلين!  وَحين تضعُ عقولنا علامات استفهام غير قابلة بأمر فهذا لا يعني أننا نوجه الاتهام لآيات ربنا الرحيم أو أننا شككنا بمصداقية القرآن العظيم، بل هذا اتهام لقصور فهمنا وَ سطحية التعامل مع الآيات!

ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق... كما قال سيد الحكماء علي- عليه السلام- فجمودنا عند زمن لم نتجاوزه وَفهمٍ لم نتخطاه أورثنا هذا الضيق بالأفق وَجعلنا ننشغل بالزخرف غير ملتفتين إلى تعلم كيف نمسك بالحرف وَمدلولِ اللغة لنُبحرَ بهما حيث بحور الكتاب فَبقينا عندَ الشاطئ عاجزين عن خوض غمار المحيط الذي يأخذنا للعمق الذي يكشف الأستار عن النور الذي يُخرجنا من الظلمات.

لِـمَ نُغلقُ أعيننا وَعقولنا وَنكتفي بالمتعارف وَالموروث رغم ما يسبب لنا من تناقضات وَأزمات نفسية وَروحية؟

فإن كنا غير قادرين على استيعاب الحاضر فأقلها لنُفسحَ الطريق وَلا نُعلنَ الحربَ على من يَفتحُ أبواباً جديدة للفهم!

-نحن أحوج ما نكون اليوم لاستنطاق القرآن من خلال حاضرنا وَمن خلال احترام عقولنا التي انفتحت على عوالم جديدة لم تأهلها سابقا.

-نحن أحوج ما نكون لانتفاضةٍ ثقافيةٍ تُحركُ الخامد وَالميت من أفكارنا؛ لتبعث الحياة من جديد في صلواتنا وَترجعَ غضةً يانعةً تُدرب (تُحيي) إنسانيتنا وَتُقوّم ما أعوج منها، وَتصبحُ حقاً مدرسة للعروج نحو الله!

-صدق ذاكَ الإنسان الأفريقي العظيم حين كنا ندور معه بين تراتيل الطبيعة وَبين قرى لم ترَ ضوء المصباح الكهربائي وَلم تتذوق طعم الماء النقي وَلكنها تذوقت طعم الفرح الإنساني  وَسألته حين الشمس قاربت على الغروب: نحتاج أن نسرع لنصلي... فـأجابني بصاعقة أعادت لي الحياة": لقد كنت تصلين طيلة اليوم فما حاجتُـكِ للركعات"! وَهو يبتسم ابتسامة العرفان، حينها فقط أدركتُ أن هذه الركعات لا تكون صلاة إذا لم تُحِل كيانككُلهُ صلاة!

حينها يصبح حُبُ الأمِ صلاة…

وَانتظام الشاب بقوانين المرور صلاة…

وَحِفظُ العهدِ صلاة…

وَإطعام القطة صلاة..

وَاحترام الكبير صلاة…

والتغافل صلاة..

والحب صلاة.

***

منى الصالح

في تاريخ الفكر الإنساني لم يكن الجسد يومًا مجرد كتلة لحمٍ صامتة ولا كانت اللذة عرضًا هامشيًا في حياة الإنسان بل شكّلا معًا إحدى أعقد الإشكاليات الفلسفية التي انشغل بها العقل منذ بداياته الأولى فالجسد هو أول ما نكون واللذة هي أول ما نشعر ومع ذلك ظلّ الاثنان موضع ريبة وتوجّس وصراع طويل بين الفلسفة والأخلاق والدين والسياسة وإن الحديث عن فلسفة الجسد واللذة ليس حديثًا عن الغريزة وحدها بل هو حديث عن السلطة والمعنى والحرية والهوية وعن الحدود التي رُسمت للإنسان بين ما هو طبيعي وما هو مصنَّع ثقافيًا.

منذ أفلاطون وُضع الجسد في مرتبة أدنى من النفس بوصفه سجنًا للروح ومصدرًا للاضطراب المعرفي وكانت اللذة في هذا السياق شبهة أخلاقية لأنها تشدّ الإنسان إلى المحسوس وتبعده عن الحقيقة المتعالية هذا التصور الثنائي الذي يفصل بين الجسد والروح لم يكن مجرد موقف فلسفي عابر بل تحوّل إلى بنية فكرية عميقة تسللت إلى الأخلاق والدين وأسّست لخطاب طويل يرى في الجسد عبئًا يجب تهذيبه وفي اللذة خطرًا ينبغي ضبطه أو إقصاؤه.

غير أن هذا التصور لم يكن قدرًا مطلقًا ففي الهوامش وُلدت فلسفات أكثر تصالحًا مع الجسد كما في الأبيقورية التي لم تمجّد اللذة بوصفها إفراطًا شهوانيًا بل باعتبارها غياب الألم وطمأنينة النفس واتزان الرغبة هنا يصبح الجسد شريكًا للعقل لا عدوًا له وتغدو اللذة معيارًا للحكمة لا نقيضًا لها وهذا الفهم يحرّر الجسد من شيطنته دون أن يسقطه في فوضى الرغبة العمياء

ومع العصر الحديث أعيد إنتاج القطيعة على نحو أكثر حدّة مع ديكارت الذي فصل بين النفس المفكرة والجسد الممتد فغدا الجسد آلة خاضعة للتشريح والقياس والسيطرة العلمية.

هذا الفصل مهّد لتحويل الجسد إلى موضوع للمعرفة والضبط وأقصى اللذة إلى هامش غير عقلاني لكن اللذة لم تختفِ بل عادت متخفية، مكبوتة أو مشوّهة تنتقم من هذا الإقصاء بطرق غير مباشرة ثم جاء نيتشه ليعلن ثورته العنيفة على هذا الإرث كله معتبرًا احتقار الجسد أخلاق عبيد وإنكار اللذة علامة مرض حضاري والجسد عنده هو العقل الأكبر وهو إرادة الحياة المتجسدة. اللذة ليست خطيئة بل تعبير عن الامتلاء والقدرة والفرح الوجودي بهذا المعنى، تتحول فلسفة الجسد إلى فلسفة مقاومة لكل القيم التي تعادي الحياة باسم الطهر أو العقل أو النظام.

وفي القرن العشرين تعمّق هذا التحول مع الفينومينولوجيا والتحليل النفسي ميرلو-بونتي أعاد الاعتبار للجسد بوصفه شرط إمكان الوجود في العالم فنحن لا نملك أجسادنا بل نوجد بها ومن خلالها والجسد ليس شيئًا نراه من الخارج بل هو أفق التجربة كلها أما فرويد فقد كشف كيف تقوم الحضارة على قمع اللذة وكيف يعود هذا القمع في صورة أعراض واضطرابات.

الجسد هنا ساحة صراع بين الرغبة والقانون بين اللذة والنظام بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وان ميشيل فوكو نقل المسألة إلى مستوى أكثر راديكالية حين بيّن أن الجسد ذاته نتاج تاريخي وأن اللذة ليست بريئة ولا طبيعية كما نتخيل بل تُنتَج وتُنظَّم عبر شبكات السلطة والمعرفة والطب والدين والقانون والأخلاق كلها تكتب الجسد وتحدّد له كيف يشعر ومتى يشعر وبأي شكل.

الجسد في هذا المعنى نص سياسي، واللذة ممارسة مراقَبة لا مجرد إحساس فردي

وفي السياق العربي بقي الجسد موضوعًا ملتبسًا محاطًا بالمحظورات وسوء الفهم فالتراث لم يكن واحدًا أو بسيطًا إذ جمع بين نزعات زهدية صارمة وقراءات أكثر تصالحًا مع الجسد بوصفه نعمة ومسؤولية غير أن الغلبة التاريخية كانت غالبًا لمنطق التحريم والخوف فترسّخت القطيعة بين الجسد والمعنى وغدا الجسد ساحة ذنب دائم واللذة مرادفًا للانحراف لا للتجربة الإنسانية العميقة.

من هنا فإن التفكير في فلسفة الجسد واللذة اليوم ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية وأخلاقية ونحن نعيش في عالم يستهلك الجسد بلا رحمة عبر الإعلانات والصور والسلع وفي الوقت نفسه يقمعه أخلاقيًا وسياسيًا وتُستثمر اللذة تجاريًا وتُدان ثقافيًا في تناقض يكشف عمق الأزمة وكيف نستعيد الجسد دون أن نختزله ؟ وكيف نفهم اللذة دون أن نبتذلها أو نجرّمها ؟

إن الجسد ليس مسألة منتهية ولا حقيقة طبيعية خام بل هو تراكب معقّد بين البيولوجي والثقافي بين الفردي والجماعي بين الرغبة والسلطة واللذة ليست نداء غريزيًا أعمى بل اختبار وجودي يكشف نقص الإنسان وسعيه الدائم إلى الاكتمال ولو لحظة عابرة وكل لذة هي اقتراب لا يكتمل وكل اقتراب يترك أثره في الوعي والذاكرة والهوية.

لقد أثبت التاريخ أن قمع الجسد لا ينتج الفضيلة بل ينتج إنسانًا منقسمًا على ذاته يعيش ازدواجية بين ما يُعلنه وما يعيشه كما أن تمجيد اللذة بوصفها غاية قصوى لا يقل خطرًا لأنه يحوّل الجسد إلى سلعة ويُفرغ التجربة من معناها وفلسفة الجسد لا تقف مع الإفراط ولا مع الحرمان بل تبحث عن توازن هشّ يعترف بالرغبة دون أن يستعبد لها ويمنح اللذة معناها دون أن يحوّلها إلى صنم.

إن إعادة التفكير في الجسد واللذة هي في جوهرها إعادة تفكير في الحرية فالحرية لا تُقاس بالشعارات بل بكيفية عيش الجسد وبالحدود المفروضة على الرغبة وبالمسافة بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وكل مجتمع يكشف حقيقته العميقة في علاقته بأجساد أفراده وفي الطريقة التي يشرعن بها اللذة أو يجرّمها.

وفي الختام يمكن القول إن الجسد ليس نقيض العقل ولا اللذة نقيض الأخلاق بل إن كليهما شرط لإمكان إنسانية أقل زيفًا وأكثر صدقًا. الجسد الذي يُفكَّر فيه لا يُقمع واللذة التي تُفهَم لا تُدمِّر وبين الوعي والرغبة وبين القبول والنقد تتشكّل إمكانية إنسان متصالح مع ذاته لا يخجل من جسده ولا يختزل نفسه فيه وهكذا تتحول فلسفة الجسد واللذة من خطاب عن المتعة إلى مشروع فلسفي وأخلاقي يسعى إلى إنقاذ الإنسان من انقسامه الداخلي وردّه إلى وجوده كاملًا بلا إنكار ولا تزوير.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

لاريب ان مكان النشأة، بما يحمل في طياته معالمه الشاخصة، من ذكريات الطفولة، والأصدقاء، وملاعب الصبا، يظل جزءا من الهوية، بما تركه من انعكاسات وجدانية، وبما يؤججه من هواجس الوجد، وحنين الإنتماء، لحظة الاستذكار.

فلاشك أن التأمل في تجليات ربوع مكان النشأة، يوقد في الوجدان، ذكريات جميلة لا تُنسى.. بما تمده به من بهجة، وسعادة غامرة، في اللحظة، حتى وان كانت عابرة.

وهكذا يساهم مكان النشأة، في تشكيل ملامح الهوية، والإنتماء، بالاستذكار، باعتبارهما جزءا من الكيان، وما يتعالقان به معه، من موروث العادات والتقاليد، التي سادت في مكان النشأة يوم ذاك، والتي تنعكس، بتجلياتها الوجدانية، على تفاصيل الحياة اليومية.باعتبارها هي الجذور.

ولذلك يظل هاجس الحنين إلى مكان النشأة، حسا وجدانيا متوهجا، وشعورا عاطفيا طبيعيا، ينبض بكل مقومات الأصالة، بما هو رحلة وجدانية إلى الماضي، حيث الإشتياق للأهل، والأصدقاء، والربوع .

 ولاشك ان التردد الى ربوع مكان النشأة، والتفاعل الوجداني معه، يمكن أن يكون تجربة عاطفية، ممتعة ومؤثرة، حيث العودة إلى الأصل، هي عودة إلى الذات.

ولان مكان النشأة، هو جزء لا يتجزأ من الهوية، بما يحمله في ربوعه من ذكريات جميلة، فان هاجس الوجد، وحنين الإنتماء. من خلال استرجاع الذكريات، يؤجج حس الشعور بالإنتماء، والحفاظ على اصالة الهوية.

***

نايف عبوش

العلاقة بين النخيل والبشر تفاعلية في معادلة متوازنة ذات آفاق متجددة حيوية الأبعاد والمنطلقات، وعدد النخيل يتناسب طرديا مع عدد البشر في البقاع التي يتوطنها، أي كلما زاد عدد النخيل زادت أعداد البشر والعكس صحيح، ومن يقاتل النخيل يقاتل البشر، فالنخلة معيل للبشر والمواشي وأي إعتداء على حياة النخيل إعتداء سافر على حياة البشر.

قد يبدو الكلام غريبا لكن الواقع يشير إليه ويؤكده بوضوح وصراحة، غير أن الناس تتغاضى عن حقائق التفاعل البقائي فوق التراب.

النخلة كائن حي يتأثر بالحالة النفسية للبشر من حوله، ويكون مرآة لما فيهم، فالنخلة الشامخة الزاهية المتباهية تمثل ما حولها من البشر، والذابلة المهمومة الحزينة هي صورة البشر الذي يعاني من القهر والحرمان في مرابعها.

النخلة شجرة مباركة عظيمة النفع، ترمز للخير والبركة . وقد وردت آيات عنها في القرآن:

"..والنخل والزرع مختلفا أكله..."

"...وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا"

"وزروع ونخل طلعها هضيم"

"...كأنهم أعجاز نخل منقعر"

."...فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام"

"فيها فاكهة ونخل ورمان"

"...كأنهم أعجاز نخيل خاوية"

"وزيتونا ونخلا"

وقال النبي الكريم: "أكرموا عماتكم النخل"

ويبدو أن هناك علاقة خفية بين النخيل والبشر، ويمكن تقدير حالة أي بلد من حال نخيله الذي يستوطنه، ولا فرق بين قتل النخيل وقتل البشر، ومن يريد تركيع شعب وتدميره عليه بمحاربة نخيله.

كان النخيل في بلاد الرافدين أضعاف أعداد البشر على مر العصور، وعندما زاد البشر على عدد النخيل، صار الموت بركانا هائلا أكل الأجيال وأطعمهم للتراب بكثافة غير مسبوقة.

المطلوب إحترام النخيل وزيادة أعداده لتكون أضعاف أعداد البشر، وأن ينال الرعاية والتقدير والعناية اللازمة للقضاء على الجوع وتأمين الحياة الحرة الكريمة، في بلاد أعزها الله بالنخيل الوافر العطاء.

عِمادُ وجودِنا نخلٌ كثيرُ

يُباركهُ ويرعاهُ القديرُ

إذا اقْتلعوا نخيلاً من بلادي

تولانا العَناءُ المُستطيرُ

جياعاً أصْبحوا قومُ اقْتلاعٍ

يُطاردهمْ إلى حتفٍ عَسيرُ

أبادوا نخلةً ترعى خليقاً

فأمْحَلتِ المزارعُ والنَضيرُ

***

د. صادق السامرائي

 

في حياتنا اليومية والمهنية نقف أمام مشاهد متعددة من السلوك الإنساني، فتنبهر من صنفين من الناس يختلفان اختلافاً جذرياً وظاهراً في طريقة حديثهم ونظرتهم للحياة ولأنفسهم والآخرين من حولهم. أحدهما يزن كلماته بميزان الآداب والسمت والانضباط والضمير والممارسات الإنسانية والأخلاقية، فينتقي عباراته بدقة ووعي ويترفع  ويسمو عن الخوض فيما لا يعنيه أو يضعه في مكان ليس مكانه أو موضع لا يليق به أن يكون فيه. يدرك أن الكلمة تستطيع أن ترفع قدر الإنسان أو تضعه في مهاوٍ من السقوط الأخلاقي، لذلك لا يسمح للسانه أن ينزلق نحو الغيبة أو القسوة أو السخرية أو التنمر على أحد أو التقليل منه. هذا الصنف يتحدث بوعي واعتماد على قيم راسخة تمنعه من التشهير أو الطعن أو تتبع زلات الآخرين، فتراه محافظاً على نفسه وعلى علاقاته وعلى صفاء روحه، يراقب أفعاله قبل أن ينشغل بمراقبة أفعال غيره.

وفي المقابل نجد الصنف الآخر الذي لا هم له إلا ذكر الناس في مجالسه أو مكان تواجده، يراقب أخطاءهم ويتفنن في تصويرها وتضخيمها، وينشغل بعيوبهم أكثر مما ينشغل بإصلاح نفسه وتهذيبها. يطلق لسانه بلا رقيب أو ضوابط، فيحول المجالس إلى منصات للقدح والتشهير والاستهزاء. هذا الصنف يفقد قيمة الكلمة ويفلس في قلبه قبل أن يفلس في لسانه وكلامه، إذ يتحول الحديث عنده إلى نقمة لا رحمة، وإلى معول هدم بدل أن يكون جسر بناء وتشييد العلاقات وبنائها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون من المفلس؟"  "كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة": [ أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ (رواه مسلم).

ثم وضح أن المفلس صلى الله عليه وسلم من يأتي يوم القيامة بأعمال كثيرة لكنه ظلم هذا وشتم ذاك، فيؤخذ من حسناته حتى لا يبقى له شيء. فأي خسارة أعظم من أن يخسر الإنسان حسناته بسبب كلمة لم يحسن ضبطها أو التفوه بها؟

إن اللسان مرآة للقلب، وما يختلج في الصدر يظهر أثره في الكلام. فمن كان قلبه نقياً طاهراً من كل عيب أو تقيصة كان حديثه موزوناً ورقيقاً رحيماً، ومن كان قلبه مظلماً سواداً خرجت منه الكلمات جارحة قاسية تفتك بالصخر قبل البشر. الكلمة قد تداوي جرحاً في الروح، وقد تفتح جراحاً لا تندمل أو تشفى، وقد ترفع إنساناً مكاناً علياً في قلوب الآخرين وأفئدتهم، وقد تهوي به إلى قاع الاحتقار والنفور والتيه والنسيان. لذلك كانت حصائد الألسنة سبباً في سعادة الإنسان أو شقائه.

لا قيمة لإنسان يكثر الحديث عن القيم ثم يهدمها بلسانه وبكلمه. ولا رفعة لمن يظن أن التفوه على الناس بطولة، أو أن السخرية ذكاء، أو أن الانتقاص قوة. إن الفارغين من المعاني هم أكثر الناس ضجيجاً وجلبة وصوتاً خواءاً، والممتلئين بالحكمة يختارون الصمت حين يكون الصمت وقاراً وتهذيباً وقيمة، ومن عرف قدر نفسه عند الله لم يتعرض لنفوس الناس بسوء. وما أجمل أن ينشغل كل واحد منا بإعمار نفسه وإصلاح قلبه، بدل أن يتخذ اللسان سلاحاً فتاكاً يجرح به الآخرين ويحاول أن يقتنص عيوبهم وأخطاءهم ليشغلهم عن عيوب نفسه وقباحة شمائله وصفاته.

إن الحياة لا تقاس بكم ما نقوله، بل بقدر ما تحفظه كلماتنا من كرامات، وما تضيفه لأرواح من نخاطبهم. فلتكن كلماتنا زادًا لنا لا عبئاً علينا، ولنتذكر أننا نوقع بالكلمة على صحائف أعمالنا ما سنقرأه يوم لا ينفع الندم. من أراد النجاة فليجعل لسانه مطية للخير، ولا يتحدث إلا حين يكون للحديث قيمة ومعنى ورحمة. فالكلمة أمانة، وصاحب اللسان الطيب غني بروحه وإن خسر الدنيا، أما المفلس حقاً فهو من يخسر الناس وقلبه وحسناته بلسان لا يعرف حدوداً.

ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أوعلَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم. (رواه الترمدذي والنسائي وابن ماجه)

فلا تكن مفلساً في لسانك ولا في قلبك، واجعل ما تقول شاهداً على خيرك لا شاهداً عليك. فقد تنسى الوجوه، وتنسى الأسماء، لكن الأثر الذي تتركه الكلمات يبقى طويلاً بعد رحيل أصحابها.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

13-1-2026

قيمةُ الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مالٍ أو مكانة، بل بما يحمله قلبه من صفاء. فصاحب القلب السليم يُؤتمن حتى في عداوته، لأن عداءه لا يخرجه عن حدّ الإنصاف، أمّا مريض القلب فلا يُؤتمن حتى في صدقاته، إذ تختلط نواياه بما يُفسد المعنى ويشوّه المقصد.

الغيرةُ والحقد ليسا مشاعر عابرة تولد وتموت في لحظة، بل حالتان نفسيّتان عميقتان تعكسان اضطراب الداخل حين يعجز الإنسان عن التصالح مع ذاته. فعندما يُنظر إلى نجاح الآخرين بعين النقص لا بعين المحبة، تبدأ الغيرة بالتسلل خفية، ثم تتحول — من غير وعي — إلى حقدٍ صامت، ينهش صاحبه من الداخل قبل أن يمتد أثره إلى غيره.

الغيرة في أصلها شعور فطري في النفس البشرية، وقد تكون دافعًا محمودًا حين تحفّز الإنسان على تطوير ذاته، وصقل قدراته الفكرية والعملية. لكنها تنقلب إلى داءٍ خطير عندما تتحول إلى مقارنة جارحة، ورفضٍ لما قسمه الله من أرزاقٍ ومواهب لعباده. عندها لا يعود الآخر منافسًا شريفًا، بل خصمًا يُلام على نعمةٍ لم يسعَ إليها، بل وُهبت له بحكمةٍ إلهية لا يدركها إلا من سلّم لقضاء الله.

أمّا الحقد، فهو المرحلة الأشد ظلمة؛ إذ لا يكتفي صاحبه بالحزن على ما في أيدي الآخرين من نعم، بل يتمنى زوالها. والحاقد أسيرُ سؤالٍ واحد يتكرر في داخله: لماذا ليس أنا؟ فيعيش سجين الماضي، عاجزًا عن الفرح بالحاضر، فاقدًا للأمل في المستقبل، غير مدركٍ أن الحقد نارٌ تحرق القلب الذي أشعلها قبل أن تمتد إلى الآخرين.

وما أشد فقر القلب حين يقيس ذاته بغيره، وما أعظم غناه حين يدرك أن لكل إنسان طريقه، ولكل نجاح توقيته، ولكل روح نصيبها الذي لا يشبه سواها. فالقلوب الكبيرة لا تضيق بتألّق الآخرين، بل تتّسع لهم، وتزداد نقاءً كلما ازداد غيرها نورًا.

المجتمعات التي تنتشر فيها الغيرة والحقد تفقد روحها الإنسانية؛ فتضعف الثقة بين أفرادها، وتُغتال المواهب، ويُحارَب النجاح بدل أن يُحتفى به. أمّا المجتمعات الواعية، فتُحوّل الغيرة إلى دافع، والاختلاف إلى تكامل، والنجاح الفردي إلى فخرٍ جماعي ينهض بالجميع.

إن علاج الغيرة والحقد يبدأ من الداخل: بالرضا، وبالإيمان أن الأرزاق لا تُسرق، وأن ما كتبه الله للإنسان سيأتيه في وقته مهما تأخر، وما لم يُكتب له لن يناله ولو اجتمعت الدنيا عليه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذه الآفات القلبية، فوصف أصحابها بأن في قلوبهم مرضًا، قال تعالى:

﴿فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾،

وبيّن أن الشيطان يسعى لإشاعة العداوة والبغضاء بين الناس، فقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.

كما نهى النبي ﷺ عن التحاسد والتباغض، مؤكدًا أن المحبة وتأليف القلوب هما الأساس الذي تُبنى عليه الأخوّة الإنسانية والإيمانية.

والقلب النقي هو وحده القادر على الفرح للآخرين دون أن يخسر ذاته، وعلى المنافسة دون أن يفقد إنسانيته. فطوبى لمن طهّر قلبه، وجعل النجاح بابًا للأمل لا للحقد، ونورًا يهدي الروح لا ظلمةً تُطفئها.

***

بقلم: ذكرى البياتي

من الصعب إقناع الآخر (المتحجر) والذي يتنفس بنفس عطر اعتقاد (الدوغمائية /Dogmatim) الجازم بالرأي الأحادي، وإنكار البراهين اليقينية الأخرى والتي حتما تفكك نسب تزايد أسطورة التحجر الجديدة في السياسات الوطنية والدولية. من المعيقات النازحة إزاحة متحجر التفكير (قيد أنملة) والدفع به في تبني نسق تغيير المفاهيم، وآليات التفكير الفسيحة (الرأي و الإعتراف بالرأي الآخر)، ولما لا الإيمان بضرورة المراجعات البديلة في الفكر السياسي النظامي عبر خلق حوافز بنيات تبادلية ثقافية بدون غالب ولا مغلوب، ولا من سنن التحدي والمقامرة بلعبة الاستشراق مرة ثانية.

من الصعب الخروج بمجاديف سباحة تقليدية في ظل نمو أعلام جيل جديد من المتحصنين ضمن عمق قوقعة حدود تفكير صندوق شائكة لا مفاتيح لها غير الأحادية/ الفردية، والنفخ في فخفخة الاسمتتاع المريح عبر تمجيد الذات والذوات والأقوام، وخلق التصنيفات الوهمية للسياسات الداخلية والعالمية، ولما بناء السدود القضائية المحمية بعسكر يمنع الاختراق عند كل فجوات تفكير ضحل لإرضاء الأنانية التفوقية. تفكير متراخي لا غير وسنده الركيز يقف عند حد رفض البراهين اليقينية. هنا  ليست القضية قضية رياضة حسابية نهائية، ولا جدال في مناقشة المتغير بالسفسطة وبنوع من البلاهة، بل قد يبقى (الآخر) المتحجر في الأفكار والآراء يُواصل تمجيد الجمود الفكري المرتبط بالطيعين، ونيل مكارم المصالح والمنافع، ومهاجمة كل مارق عن رؤيته الدوغمائية.

تغيير زاوية الرؤية مهمة ليست بالسهلة، كما قد نعتقد بالوهلة الأولى التنظيرية والمعيارية، بل هي ذات فعل التناول المنهجي الذكي بالأسباب النسقية، والذي يجعل من خط الانطلاقة خطا للبداية، ومنه بالضبط قد يكون الإخفاق في الوصول إلى حلبة تتويج المجتمع التفاعلي والكوني بامتياز الرأي والرأي المضاد، ولما لا كسب رهانات الانزياح عن القيم والمنطلقات الاعتقادية والاجتماعية غير المعيارية بالتوصيف الطاهر!!!

فمن البديهي أن نخلص إلى أن (الآخر) الكامن وراء فخاخ (الدوغمائية /Dogmatim)، يمارس سلطة الآراء المتسرعة والحاضرة في الذاكرة والتخيل بامتياز وتفوق، ويمارس سلطة استبداد التعصب الكثيف للأفكار والمعتقدات المتنوعة والآراء بالخلفيات الظلية المريحة لذاته ورؤيته النفعية وللأتباع المنبطحين والمهرولين له بالتأييد والتصفيق، وقد يمارس حروبه التي لا تنتهي خارج حدود ذاته ودولته الوهمية، وخارج هويته وتكون بعيدة عن صفقات الحدود والقانون الدولي.

قد لا نمتلك الحقيقة المطلقة دائما، وحرية المصداقية الاعتبارية والواقعية، ولكن عند رؤية (الدوغمائيين الجدد) يمتلكون البدائل والمتمثل في لغو الكلام المفرط في التعميم وصناعة الحلم (الوردي لا المفزع !!!)، ولما لا اللعب على تصنيف الذكريات ومخلفات الماضي حتى ولو بمناهج المقايسة والتفاضلية وخدمة المصالح المجالية.

حقيقة بأبعاد ناتئة الحافة، فمن خصائص (الدوغمائي) المميز لسلوكه الاجتماعي، أنه يصنع من الصراعات العقيمة والوهمية، وحتى المخصية منها بفشل التلاقح التصالحي ضجة من التفاهة، وتفعيلا بديلا يحرك البلاهة والوهم والاستئثار بالحقيقة المطلقة الأحادية! هنا قد نلحظ مدى مناولة فعل التمادي في مجارات لاعبي (قمار البوكير) في استغلال عمق قسوة الرأي الأحادي على المحيط (المجازف)، لعدة اعتبارات ومؤشرات أخرى مبنية على صواب رأيه الذي يروم إلى خلق توليفة سوية من المضادات المنيعة، ومن لعبة الفوضى الإنتظامية للمحافظة على الدلالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والنوعية لذات النوع وخلق الإئتلاف المريح في أسرار أخوية السياسة الدوغمائية المتحجرة عبر الأزمنة والأمكنة والتاريخ. وهذا كله فيه نوع من التمادي في إرساء مسابقة أولمبية للسباحة ضد التيار الديمقراطي، ولما لا استغلال الفوضى المنظمة لصالح عالم التسيد في التحجر والتحدي، ولصالح مدارك التفكير النفعي.

اليوم قد تبيت المعرفة غير المتحجرة، تعيش حرب الكر والفر الداخلي والخارجي، وقد ترفض كل النوعيات التأييدية لفعل إصدار صكوك الغفران عن  (الدوغمائية /Dogmatim) المتجدرة، خاصة في الفعل الثقافي والسياسي والحزبي والاجتماعي... وترغب المعرفة الكونية غير المفروضة بالتحدي على تلبية نظام العقل والنقل ولما لا حتى (الحدس) في اقتناص فرص مثيلة من المعرفة المدنية والكونية والتي وزنها من ذهب، ولا تقاس بالعملة الافتراضية (بيتكوين / Bitcoin)!!! وتصنع خفض حتما لهيب الحقد الاجتماعي البيني والإنساني/ الكوني وما بين الحدود. ويبقى الحل الأمثل عدم تزكية التفاهة ولا البلاهة، والتي بحق تجعل من (الدوغمائية) سيدة مرحلية تتسيد، وقد تهزم في مواقع أخرى، ولا محالة لها مع ظاهرة بروز نوعية خامسة من الذكاء الاصطناعي المتغول.

***

محسن الأكرمين

كانت جدتي تحدثني كثيرا عن "تل الصوان"، ومن حكاياتها التي أذكرها كانت تقول:" يابة الإنكليز ينبشون بالتل، وما أدري إشياخذون منه"، البعض كان يقول أنهم يعثرون على مجوهرات، وتحف ذهبية. وجدتي كانت تصر على أن تل الصوان فيه خزينة!!

ومع الأيام قرأت كثيرا عن "تل الصوان"، وتبين أنه متحف أثري، يحوي شواهد عن حضارة سامراء (5500- 4800 قبل الميلاد) التي سبقت جميع الحضارات في بلاد الرافدين، وإستمرت لما يقرب من (700) سنة.

والغوص في هذا الموقع الأثري يستدعي المزيد من الدراسات والتنقيبات والبحوث الأكاديمية الرصينة، ومن الواضح أن الذي دلنا عليه  في بداية القرن العشرين هو الأثاري الألماني (أرنست هرتسفيلد)!!

ففي المدينة كانت صناعة الخزف والزجاج في ذروتها، و"تل الصوان" يضم عينات متنوعة منها، وتم العثور على أشياء مرمرية وكلسية وفخارية وتماثيل من الرخام والأواني المنقوشة، والتي تشير إلى أنها كانت توضع في أفران.

ودل المنقبون على وجود قرية متطورة في أنظمتها الدفاعية والعمرانية، وبنظام الإرواء وزراعة الحنطة والذرة والشعير والكتان وتربية الحيوانات وصيدها.

ويبدو أن صناعة الخزف كانت سائدة في حينها، وتمثل مصدرا إقتصاديا مهما، إذ يتم بيع المنتجات الخزفية والإتجار بها.

ومن الخزافين المعاصرين المعروفين إبن سامراء الأستاذ ماهر لطيف السامرائي، الذي عمل أستاذا للنحت الفخاري في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد، تخرج منها عام 1974 وأصبح معيدا فيها، وحصل على الماجستير في الفنون والنحت الفخاري والتزجيج.

وهو من الخزافين البارزين والمتميزين، أعرفه منذ الصبا، وكان في غاية الخُلق والطيبة والألفة والمحبة والأدب.

وله العديد من الأعمال الخزفية الرائعة، ذات القدرة على المنافسة العالمية، وأملي أن يترك أثرا خالدا معبرا عن روح المدينة الحضارية.

وفي المدينة طاقات شبابية إبداعية واعدة بعطاءاتها المتميزة الأصيلة في الخزف والنحت والرسم، وأثبتت دورها الفعال في الساحة الفنية، وبعضها يمتلك مواصفات عالمية، وقدرات فذة في الإبداع الفائق المواصفات.

وما ينقص العديد من الأعمال الفنية غياب روح سامراء الحضارية ومؤثراتها الروحية والفكرية الخلاقة، فهي التي قادت أكبر ثورة عمرانية، وأثرت في سلوك الدنيا المعماري، وفيها من الإرث الحضاري ما يميزها عن غيرها من مدن الدنيا.

تآلفتِ العصورُ بما عَلاها

وأوقدتِ الضياءَ بمُرتقاها

مَدينةُ أمّةٍ رفعتْ لِواها

وسامقتِ الزمانَ وما كفاها

تلوّى رمزُها لعنانِ مَجدٍ

لأكوانٍ سَعى ونَضى حَجاها

جمالُ عيونِها أشقى مَهاها

إذا نظرتْ أصابتْ مُبتغاها

بسامرّا بديعٌ مِن خَيالٍ

يُجسّد فكرةً عَرفتْ أباها

أسائلُها وروحُ العرشِ فيضٌ

يُساقينا بدائعَ مُحتواها

***

د. صادق السامرائي

 

الفلسفة، كما هو معروف، هي البحث في غير المنظور من حقائق الوجود، والميتافيزيقا، والقيم، بقصد التوصل الى ماهياتها، ومعرفة جواهرها، واستكشاف القوانين التي تحكمها. ولانها تبحث في تلك المجالات المعقدة من المعرفة، وتستخدم مصطلحات، ومفاهيم معقدة، يصعب على غير المختصين، تناولها، فقد ظلت الفلسفة مجالًا معقدا، وتجريديا، محصورا في دائرة النخبة، بعيدًا عن متناول، وفهم العوام.

على ان منهجية التفكير التجريدي للفلسفة، وصعوبة تداوله للبعض، هو ما يجعل من الفلسفة رحلة في عالم الأفكار التجريدية، بعيدا عن معطيات الواقع، لتكون الفلسفة ثقافة النخبة، وبالتالي هي للمتخصصين فقط .

وحيث أن الفلسفة تحظى باهتمام كبير في الأوساط الأكاديمية، فقد عزز ذلك التوجه المهني، من دائرة انفصالها عن العوام، وحصر البحث فيها على الوسط الأكاديمي، لتظل الفلسفة، ذات سمة أكاديمية بحتة، باعتبارها أساس كل العلوم .

ونظرا لتجريديتها الشديدة، وتمحضها النظري، وبعدها عن الارتباط بالواقع، وتفاصيل الحياة اليومية، وافتقارها لتقديم الحلول للمشاكل الحياتية اليومية، فقد ظلت محصورة التداول بالمختصين، والاكاديميين، وبعيدة عن اهتمامات العامة من الجمهور.

 ولجعل الفلسفة أكثر قربًا للعوام، فإن الأمر، يتطلب تبسيط مصطلحاتها، واستخدام لغة سهلة الفهم، وبسيطة التعبير، لشرح المفاهيم الفلسفية، لتكون الفلسفة، بعد ذلك للجميع، بدلا من اقتصارها على النخبة فقط.

كما يتطلب تعميم تعليم الفلسفة في المدارس، والجامعات، بطريقة تفاعلية سهلة محببة للدارسين، بعيدا عن جفافها النظري البحت، لكي تكون بعد ذلك، أكثر قبولا، وقربا للعوام، وبعيدة عن حكرها على النخبة.

***

نايف عبوش

عالم الجن وسحر الغموض

لطالما استهواني هذا العالم، كان يشدني الفضول إليه وكلما أبعدني الخوف أعادني سحر الغموض. ورغم أنني لم أكتشف حقيقة هذا العالم إلا أنني اكتشفت حقيقة أعظم بكثير؛ حقيقة أن لله خلقاً لا نعلمهم، عوالم غيبية أكبر وأكثر، ومخلوقات غير الجن والإنس، لكن الإنس والجن وحدهما الثقلان لأن عداوة الشياطين لبني آدم جعلتهم لا يفوتون فرصة للنيل منهم.

الإنسان كثير الجدال دائمًا، يسأل عن أشياء لا تخصه لكنها طبيعته الفضولية، ثقلان لأنهم انشغلوا عن عبادة الله عز وجل وهي المهمة الأعظم التي خُلقوا لها، لكنهما انشغلا ببعضهما البعض، بعالم الغيب الذي لا يعرفه إلا الله سبحانه، كل منهما يتوق لمعرفته، وما جعله الله غيباً إلا ليؤمنوا بوجوده وليس لينشغلوا بكشفه.

أعلم كم أن هذا الكلام محبط لمن فضوله أكبر منه، لكن العوالم التي أخفاها الله عنا أخفاها رحمة بنا، لكي لا ننشغل بها عن عالمنا وننسى تعمير الأرض وإصلاح أنفسنا وتجهيزها ليوم العرض على ربنا.

 الحياة قصيرة جداً، فلماذا ننشغل بالبحث عن أشياء إن عرفناها تشتتنا وإن جهلناها لم يضرنا شيء؟ هناك حقائق مخفية لأن الخوف سيفسد حياتك إن عرفتها، هناك مخلوقات لا ولن تعلمها: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 8].

بين عجز العلم ويقين الإيمان

الإنسان صغير جداً مقارنة بهذا الكون العظيم، ومع ذلك قرر أن يكتشفه ويعرف أسراره، فتوجه بعضهم للشعوذة والخزعبلات والتواصل مع الكون والبحث عن الأبراج، والبعض توجه للدراسة والعلم والأبحاث، وكل ما اكتشفوه حتى الآن موجود في القرآن الكريم.

اكتشفوا كواكب المجموعة الشمسية ودرب التبانة، وأن الأرض كروية، واكتشفوا أن القمر جسم معتم في حقيقته بعد أن اقتربوا منها.. حسناً، ونحن كمسلمين ماذا استفدنا؟ نحن نؤمن إيماناً كاملاً بعظمة الكون والخلق وأن هناك خلقاً وعوالم فيه لا يعلمها إلا الله.

فائدة الأرض كروية؟ نعم، وماذا بعد؟ والنجوم أجسام غازية؟ نعم، وماذا بعد؟ أضفت كل هذا لمعلوماتي ثم ماذا؟ لا شيء! كل هذا التعب والدراسات والخسارات وتقول لي لا شيء؟ نعم، لأنني مؤمن بكل هذا من قبل لأن القرآن ذكر هذا كله.

الفرق بيننا هو أنكم تحتاجون دليلاً وتحتاجون برهاناً على وجود خالق عظيم للأكوان، ونحن نؤمن بخالق الكون الواحد الأحد، نؤمن بكل ما جاء في القرآن، فتأتي أبحاثكم مؤيدة لكل آيات كتابنا الحكيم. أما أنتم فلا تؤمنون وتبحثون وتدرسون لتعودوا لنقطة واحدة؛ وهي أن كل ما فعلتموه هو تفسير لآيات القرآن الكريم. أنتم اخترتم الطريق الصعب والخاطئ، ونحن اخترنا الطريق السهل الصحيح، والنتيجة -رغم أنف عنادكم وجحودكم- واحدة: أن كل هذا الكون له خالق واحد يدير نظامه بحكمة عظيمة تدل على عظمته كل ذرة في كونه.

وهم التميز وضياع الغاية

الإنسان والجدال والبحث فيما لا يفيد لا يغير شيئاً ولا يملك أن يغير شيئاً سوى هلاكه المحتوم وتضييع عمره في إثبات خيالاته وأوهامه لكي لا يتقيد بحقيقة أنه مخلوق مثل سائر المخلوقات ومهمته واحدة ومحددة. العقل الذي خلقه الله له ليتدبر في الكون ويؤمن بربه ويسبح له، هو نفسه الذي جعله يظن أنه مميز وقدراته غير طبيعية وأن الكون يعتمد عليه، والعكس هو الصحيح.

هناك من أسلم لله ثم قادته جدالاته وخيالاته لتفكير مختلف، لفكر جديد ليس فيه دراسة ولا أبحاث، فقط غموض وشرح مبهم وحقائق مضللة. بدل أن يستخدموا القرآن في العبادة استخدموه كأداة ووسيلة لتزيين أفكارهم ودعم لخيالاتهم، فكانت النتيجة أنهم أصبحوا أخطر من الكفار والمشركين، أصبحوا رواداً لإدخال الشركيات المخفية. هؤلاء شياطين من نوع متطور، عرفوا سر فضول الإنسان وحبه للعظمة وسعيه لها فاستغلوا هذه النقطة، وبدأوا في تأسيس "علم الروحانيات".

فخ الروحانيات والسم المدسوس في الدواء

(علوم الطاقة)

من اسمها تجذبك، لأنهم يخاطبون بها الأرواح المنهكة والتي تبحث عن علاج وعن تفسيرات لمواهبها ومميزاتها التي جعلتها غير البقية؛ تتأثر وتتحسس من الأشياء العادية وتشعر بما حولها أكثر من غيرها. هذه المميزات جعلتها تصدق بأنها من سلالات عريقة وأن عليها عيوناً وحساداً وطاقات تضعفها، وهي ضعيفة ليس لأن لا قوة لديها بل لأنها تكثر من التفكير في مشاعرها وفيما حولها فتصبح منهكة نفسياً وروحياً.

نقطة الضعف هذه تولدت لدى الكثير من المسلمين لأنهم أضاعوا عقيدتهم ودينهم في عالم كله مغريات وملهيات، أضعفتهم ونالت منهم حتى تمكن الشيطان من الاستحواذ على عقولهم بكثرة الذنوب والشبهات التي يقعون فيها وهم يعلمون حكمها جيداً، لكنهم سمحوا لأنفسهم بأن تعيش لحظات الضعف حتى أصبحت أضعف من أن تفهم سبب تعبها وإنهاكها.

ثم أتوا لهم بفكر وعلوم جديدة لتقويتهم وعلاجهم، وهم من أرسل "الفيروسات" ليتمكنوا من اختراق الحصون والدخول إليها لتدميرها، فلبسوا أثواب الأطباء النفسيين والخبراء في التنمية البشرية والعارفين بالطاقات المختزنة في الأجساد والحكماء الذين أُعطوا أسراراً كونية لا يعرفها أحد. أخذوا ينتشرون في كل مكان ويتنكرون بكل الأزياء ويلعبون كل الأدوار بطريقة احترافية حتى سيطروا على العقائد ومسحوا الإيمان من القلوب، وأخفوا الشرك وأدخلوه بصورة مزيفة للإيمان الصادق (العلاج الأول لهذه الأمراض)؛ أعطوهم السم في قارورة علاج، ولضعف النفوس شربته فهلكت وهي تبحث عن النجاة.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

تعد الدولة كيانا سياسيا.. ومن خلال ادارة الدولة لسياستها التي تشتمل على جملة من الأعمدة الحيوية الأساسية، وأحد أهمها الاقتصاد حيث تعقد صفقات اقتصادية مع مختلف دول العالم، تمر من بوابة السياسة.. والسياسة، هي مفتاح العلاقات الثنائية والجمعية، ولولا السياسة ما كان لهذه الصفقات أن تمر وتأخذ مسارها. ومن هنا هل تخضع السياسة للإقتصاد؟

السياسة أكبر شئنا من الاقتصاد، السياسة ليست فقط إقتصاد، إنما تضم عددا كبيرا من الملفات، مثل الملف العسكري والأمني والثقافي والفنون والآداب فضلا عن إرث الثقافة الحضارية عبر العصور.. ومن الصعب الاعتقاد بأن الاقتصاد وحده هو الخلاص، ولكن الخلاص يكمن في كل ملفات السياسة.. وإن التمسك ببعد واحد يعني السقوط في هاوية عدم تقدير الموقف الرصين أو الهروب من ضرورة القيادة، التي تتناولها حقائق (الجيو-بولتكس) وبالتالي الرضوخ لحالة التهميش.. تهميش الذاتي وتهميش بناء الواقع.. والغريب في الأمر أن يستهدف التهميش العرب وليس غيرهم.

يقول البعض ان (التهميش) عام.. ولكن ما وراء هذا القول عدم إدراك لما يحصل من تحولات أو تغطية لما يحصل على أرض الواقع..إإ

المنطقة العربية لها مقوماتها المتجانسة وثقافتها وتاريخها العريق وقدراتها على التنمية والتي تجعلها وحدة جغرافية واحدة تتمتع بالإكتفاء الذاتي، الأمر الذي يقلص كثيرا من حاجاتها للخارج..  والخارج قد يشعر بان وحدة التكامل الإقتصاددي العربي ستضر بإقتصاداته وتعرقل تنميته (الذاتية).. والتساؤل هنا:

 كيف تحمي الدولة العربية نفسها وكيف تحقق إكتفائها الذاتي ضمن وحدتها الإقليمية؟

إن عقد الصفقات المحدودة في ظل الإنكسار السياسي والإختفاء الإقليمي للقيادة يعد إخفاقا وتراجعا عن المهام الكبرى والإكتفاء بدور (المسالم) الخادم من اجل لقلمة العيش.. ألم يكن هذا إذلالا لموقع القيادة؟ ليس في ذلك تجريحا لاحد، انما توضيحا لمعنى القيادة حين ترضخ للتهميش وتستكين بدلا من المبادرة بجميع عناصر قوتها من أجل مقاومة التهميش وردع التدخل؟

فهل تم ترك السياسة وحساباتها وشروط عملها وسياقاتها، ولماذا؟

يقول البعض كما تقول الصين (نحن نعمل بالتجارة وليس بالسياسة) ألم يكن في هذا القول إشكالية فاضحة وكأن التجارة ليست جزءا من السياسة؟

ولكن لهذا القول مغزى يراد به الابتعاد عن مفهوم التدخل السياسي..  معظم مسارات السياسة تدخلية ما دامت متشابكة في منافسات التجارة والثقافة والفنون وغيرها.. ولكن إستخدامات السياسة في مواضعها الصحيحة، يعد الطريق الصحيح للعمل السياسي وعدم ترك الأمور للقرارات العشوائية.. لا مكان للعشوائيات عند وجود (التخطيط)، وغياب التخطيط تمسي السياسة عشوائية.. إذن، من يقود من؟ السياسة التي تستند على التخطيط..!!

منذ العام 2003  وهو عام الأحتلال الأجنبي للعراق، ماذا حل؟ هل من اجل التصحيح او التقويم؟ كلا – ما خططت له الإمبريالية الأميركة وهي (أعلى سلطة من الإستعمار):

- سرقة نفط العراق، وهو مصدر عيش الشعب العراقي، ومورد لإدارة الدولة العراقية.

- العبث بالأمن الداخلي للعراق.

- الإستهانة بالأمن الخارجي الذي يحيط بالعراق.

- عدم إدراك مستقبل العراق (جيو- سياسيا).

- عدم إدراك مستقبل الأجيال القادمة امام إنعدام المشاريع الاقتصادية والزراعية والصحية والتربوية.

- عدم إدراك إن خزين النفط والغاز سينفد في قابل الايام، والبلاد والعباد بحاجة الى مشاريع للعيش اقتصادية وزراعية وصحية وتربوية.

- عدم الادراك شحة المياه بسبب (البيئة) أو بسبب سوء إستخدام (السياسة).

السياسة تحتاج إلى (عقل مخطط) كما تحتاج إلى (تخطيط مبرمج).. ومن هذه الزاوية تبرز السياسة هي التي تقود الاقتصاد وليس العكس..!!

***

د. جودت صالح

10 / 1 / 2026

ليست المرأة سؤالًا اجتماعيًا ولا ملفًا حقوقيًا ولا رقمًا في إحصاءات التنمية كما اعتاد الخطاب السائد أن يضعها والمرأة في جوهرها كائن يربك التعريفات الجاهزة لأنها لا تُختصر في وظيفة ولا تُحبس في دور ولا تستقر في صورة واحدة وكل محاولة لتعريف المرأة تعريفًا نهائيًا تنتهي بالفشل لأن المرأة ليست “ماهية” ثابتة بل حركة دائمة لصناعة المعنى داخل عالم متحوّل فالمرأة بوصفها ذاكرة حيّةالرجل غالبًا يحمل التاريخ أما المرأة فتحمله بطريقة أخرى تحفظه لا كوقائع بل كخبرة إنسانية.

 المرأة لا تتعامل مع الماضي كأرشيف بل كامتداد حيّ يتسلل إلى الحاضر عبر التفاصيل: الحكايات العادات نبرة الصوت والطقوس الصغيرة ففي المجتمعات التي انهارت لم تكن القوانين ولا الشعارات هي ما حفظ الروح بل النساء اللواتي حافظن على المعنى وسط الخراب.

المرأة لا تكتب التاريخ في الغالب لكنها تمنع التاريخ من أن يتحول إلى قسوة خالصة ومن أعمق ما يميّز المرأة قدرتها على التعايش مع التناقض دون أن تنكسر حيث تستطيع أن تكون قوية دون أن تتخلى عن حساسيتها حازمة دون أن تفقد رحمتها واقعية دون أن تطفئ حلمها بينما يسعى العقل الحاد إلى الحسم والانقسام تتحرك المرأة في المساحات الرمادية بثقة نادرة.

هذه القدرة ليست ضعفًا بل ذكاء وجودي والعالم لا يُدار بالصرامة وحدها بل بالمرونة التي تمنع التصدّع والمرأة عبر التاريخ كانت الجدار المرن الذي امتصّ الصدمات حين عجزت البنى الصلبة والعظمة الذكورية غالبًا ما تُقاس بالمنجزات الكبرى : الحروب والسلطة والسيطرة أما المرأة فتعرف بالفطرة والخبرة أن الحياة تُصنع في اليوميّ البسيط وفي إعداد الطعام في ترتيب المكان في تهدئة الخوف في الإصغاء الطويل الذي لا يطلب مقابلًا وهذه الأفعال الصغيرة ليست هامشية كما تبدو هي ما يمنح العالم قابلية الاستمرار والحضارات لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا بل حين تفقد قدرتها على إنتاج حياة يومية محتملة والمرأة كانت دائمًا المهندسة الخفية لهذا الاحتمال.

تم اختزال المرأة عبر العصور في جسدها: إما بالتقديس المفرط أو بالقمع القاسي ولكن جسد المرأة ليس ساحة صراع بل لغة هي لغة تعبّر عن الحياة، الألم اللذة، الحدود والعطاء وطريقة تعامل المجتمع مع جسد المرأة تكشف عمق علاقته بالإنسان نفسه في حين يُهان جسد المرأة فذلك إعلان فشل حضاري وحين يُحترم يكون المجتمع قد قطع خطوة حقيقية نحو النضج الأخلاقي.

وليست كل سلطة منصبًا أو قرارًا والمرأة تمتلك سلطة أخرى: سلطة التأثير البطيء والعميق وتغيّر دون ضجيج وتعيد تشكيل الوعي دون شعارات وكثير من العقول التي صنعت التاريخ تشكّلت في حضن نساء لم يذكرهن أحد وهذه السلطة لا تُقاس بالقوة المباشرة بل بقدرتها على الاستمرار والتجذّر.

حين تُخذل المرأة لا ينهار العالم فجأة لكنه يبدأ بالتآكل فالمرأة المكسورة لا تصرخ بل تنسحب إلى الداخل وحين تنسحب يفقد المجتمع مصدرًا أساسيًا للتوازن فالمرأة حين تُقمع لا تنتقم لكنها تعلّم أبناءها الخوف بدل الأمل والصمت بدل السؤال وهنا تكون الخسارة جماعية لا فردية.

في النهاية لا يمكن الحديث عن المرأة بوصفها “موضوعًا” يُغلق بخاتمة لأن المرأة نفسها لا تُغلق ولا تُختصر فالمرأة ليست سطرًا أخيرًا في مقال بل المساحة التي تمنح النص كله معناه وكل حضارة حاولت أن تحاصر المرأة اكتشفت متأخرة أنها كانت تحاصر إنسانيتها هي.

حين تُستعاد المرأة في وعي الأمم لا تُستعاد الحقوق فقط بل يُستعاد التوازن الأخلاقي للإنسان فالمرأة لا تحتاج إلى أن تثبت جدارتها وجودها الكامل هو البرهان وحين يُطلب منها أن تكون أقل مما هي فإن الخسارة لا تقع عليها وحدها بل على مفهوم القوة ذاته، الذي يتحول من قدرة على البناء إلى أداة قهر والمرأة هي الامتحان الأخلاقي الأكثر صدقًا لأي مجتمع زليست الشعارات ولا المؤتمرات هي المعيارزبل الطريقة التي يُعامل بها الأضعف، الصامت، المختلف وهناك عند المرأة تحديدًا يسقط الادعاء أو ينجح.

إن أخطر ما يهدد المرأة ليس القمع وحده بل الاعتياد عليه وحين يتحول الظلم إلى أمر مألوف وحين يُقنع الصمت بأنه فضيلة والتنازل بأنه حكمة وعندها لا نخسر امرأة واحدة بل نخسر أجيالًا كاملة تتربّى على الشك في ذاتها ونهضة المرأة لا تعني صراعًا مع الرجل بل تحريرًا مشتركًا من أنماط قاسية أرهقت الطرفين وحين تنهض المرأة تفعل ذلك بالوعي، لا بالضجيج وعي يعيد ترتيب المعنى ويكشف الزيف ويمنح الإنسان فرصة أخرى ليكون أفضل.

العالم اليوم في ذروة قسوته وتسارعه بحاجة إلى المرأة لا كدور ثانوي، بل كبوصلة وبحاجة إلى الإصغاء والاحتواء والحكمة العاطفية التي تربط العقل بالقلب دون خجل وبحاجة إلى أن تعود المرأة شريكة في صناعة المعنى لا ضحية له ولا تابعًا وحين يُدرك الإنسان أن المرأة ليست “الآخر” بل امتداده الإنساني الأعمق يبدأ التحول الحقيقي.

هناك فقط يتصالح العقل مع الرحمة والقوة مع الأخلاق والحرية مع المسؤولية ولهذا فإن إنصاف المرأة ليس موقفًا فكريًا عابرًا بل ضرورة وجودية وكل تأجيل لهذا الفهم هو تأجيل لشفاء العالم من علله القديمة فالمرأة ليست من تنتظر الخلاص بل هي من تصنعه حين يُسمح لها أن تكون كاملة وحين يحدث ذلك لا تبتسم المرأة وحدها بل يتنفس العالم أخيرًا وكأنه وجد نفسه بعد طول ضياع.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

إنّ معرفة الإنسان الكامل أو الإنسان النموذجيّ ، واجبة علينا كمسلمين، لأنّه بحكم المثال والقدوة الّتي ينبغي أن يُقتدى بها، له فائدة عمليّة كبيرة، إذ من خلاله نستطيع أن نشخّص الطريق الّذي أراد الإسلامُ من الإنسان والأمّة أن يسلُكاه للوصول إلى الإنسان الكامل الّذي يريده الإسلام ، شخصيّة الإنسان تتجلّى في صفاته الأخلاقيّة والنفسيّة، فإذا اعتدلت هذه الصفات كانت شخصيّة الإنسان متلائمةً مع مظهره الإنسانيّ، وأمّا إذا انحدرت وخرجت عن طور الإنسانيّة واتسمت بصفات حيوانٍ مفترس، لم يعد صاحب هذه الصفات إنساناً وإنّما يصبح حيواناً مفترساً، أي إنّ شخصيّته قد مُسِخَت وأصبحت في الباطن والحقيقة بهيمةً. وهذا هو الإنسان الناقص في قبال الإنسان الكامل

سلوك الكمال يبدأ من كمال الاتزان، قريباً مما يراه ابن خلدون من أن فساد الباطن نتيجة حتمية لاضطراب أحوال النفس" يمكن القول إن اختلال الداخل يترك أثرًا عميقًا في حياة الإنسان، فهو حقيق بصنع مساحة متوترة يكون فيها الإنسان أسير انفعالاته، متأرجحاً بين اندفاع مرهق وخمول مستنزِف، دون نقطة ارتكاز تمنحه السكينة وتمييز القابل، وهذا بدوره يخلط الرغبات بالحاجات، والطموحات بالمخاوف، ويتحول القرار إلى استجابة لحظية بدل أن يكون اختيارًا واعيًا. فينتج تضخيم للبسيط وتسطيح للمعضل وقس على هذا ما ينعكس في العلاقات الإنسانية بدوائرها المختلفة وكل ذلك المحيط بكل مستوياته

تكمن خطورة هذا المسار في طابعه التراكمي، فالاختلال الروحي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل عبر إهمال الذات، وتجاهل الإشارات الداخلية، وتأجيل العناية بالروح. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الإهمال إلى نمط حياة، فيغدو استعادة التوازن أكثر تعقيدًا

من هنا تتضح أهمية التوازن الروحي كثمرة اعتدال أعمق تتآلف فيه قوى النفس وتتناسق، فينشأ عن هذا الائتلاف حضور واعٍ يمنح الحياة معناها، ويؤطر اتجاهها كذلك، وحين تستقيم الروح على هذا الاعتدال، تتضح الرؤية، ويهدأ الإيقاع الداخلي، وتنتظم العلاقة بين الفكر والشعور والفعل. وفي هذا المناخ فقط يولد شعور الانسجام، ويغدو الإنسان أكثر اتصالًا بذاته وأكثر قدرة على العيش بطمأنينة وتمييز

ينطلق التوازن المنشود من وعي الذات، وهو وعي يتشكل عبر فهم الدوافع العميقة، والميول الكامنة، ومعرفة حدود الطاقة الداخلية وطرق توجيهها، وبالتالي فتح مساحة رحبة للتأمل، وسلطة أقوى في ترتيب الأولويات، ليختار ما ينسجم مع قيمه، ويمنح وقته وجهده لما يعزز نموه، ومع الوقت يتحول هذا الوعي إلى بوصلة داخلية ثابته ومستدامة تقود السلوك وتضبط الانفعالات

يمتد الأثر إلى إدراك الإنسان للحياة ومجرياتها، والأحداث اليومية التي تأخذ موقعها الطبيعي بسبيل أوسع وشمولية أنجع، فتتحول النجاحات إلى محفزات للنمو، والتحديات إلى خبرات تُصقل بها الحكمة، وما يتلوها من صفاء يتغشى النفس، وذهن محرر من التشتيت، فتجتمع الطاقة في سياقات بنّاءة تخدم المسار العام للحياة

ينعكس التوازن الروحي بطبيعة الحال على العلاقات الإنسانية بصورة جلية، فالإنسان المتوازن يحمل حضوره بهدوء، ويتواصل بوعي، ويصغي بعمق، فتتشكل علاقاته على أساس الروية بالمقام الأول ثم التفاهم والاحترام، وهذا النمط من التفاعل يخلق بيئة إنسانية صحية، تنمو فيها الثقة، وتتسع فيها مساحات التعاون، ويشعر فيها الجميع بالأمان النفسي. ختاماً: التوازن الروحي مسار يتجدد عبر التأمل والممارسة والوعي المستمر، وربما هنا شيء من المثالية، ولكن لعله طريق طويل سيُحسب لك المضي فيه ولو كان بخطوة، فلعلها تشيّد أول لبنة في علاقة صحية مع الذات والعالم.

***

نهاد الحديثي

تمتلك المرأة العراقية إرثاً تاريخياً عريقاً في بلاد الرافدين، يمتد من الحضارات السومرية والبابلية والآشورية وصولاً إلى العصر الحديث. فقد شغلت المرأة في تلك الحضارات مراكز روحية وعلمية واقتصادية رفيعة، ككاهنة وكاتبة وشاعرة وتاجرة ومديرة للمعابد. وتُعدّ الشاعرة السومرية إنخيدوانا (إبنة الملك سرجون الأكدي) أول مؤلفة معروفة في التاريخ الإنساني، مما يجعل العراق مهداَ لأول صوت أدبي نسائي موثّق.

يسلط هذا المقال الضوء على الدور المحوري الذي أدّته المرأة العراقية في تشكيل ملامح التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي للعراق المعاصر. ومن خلال تتبّع مسار هذا الدور منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، نستعرض في هذا المقال إسهامات نسوية بارزة في ميادين السياسة والأدب والفكر والمجتمع المدني، مع التعريف بشخصيات تركت أثراً عميقاً في الوعي الوطني ومسيرة الحداثة.

من العهد العثماني إلى تأسيس الدولة: البذور الأولى للنشاط النسوي

على الرغم من طبيعة البنية الإجتماعية المحافظة في العهدين العثماني والملكي، شاركت المرأة في إدارة الأقتصاد المنزلي والزراعي والصناعات اليدوية. ومع بدايات القرن العشرين، ونتيجة للتحولات الاجتماعية، بررزت نخبة من المثقفات الرائدات في مجالات الصحافة والتعليم، ومن أبرزهنَّ (بولينا حسون)، التي أسست أول مجلة نسائية عراقية عام 1923 باسم "ليلى"، وساهمت في تأسيس المدارس النسائية ودعت إلى تعليم المرأة وتحديثها.

الحركة النسوية المنظمة والإنجازات التشريعية

تشكلت أولى الأطر التنظيمية للحركة النسوية مع تأسيس رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية في خمسينيات القرن الماضي. وبلغت ذروة إنجازات هذه المرحلة على يد شخصيات مثل الدكتورة نزيهة الدليمي، التي شاركت في تأسيس الرابطة وأسهمت في إصدار مجلة "المرأة الجديدة". وفي عام 1959، تولت الدليمي منصب وزيرة البلديات لتصبح أول وزيرة في تاريخ العراق والعالم العربي، وكان لها دور أساسي، إلى جانب ناشطات أخريات، في إقرار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، الذي مثّل خطوة تقدمية كبرى في حماية حقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث.

وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال دور الرائدات في مناطق الأطراف، مثل الشاعرة والناشطة الكردية حبسه خان النقيب، التي لعبت دوراً مؤثراً في تأسيس أول مدرسة للبنات في مدينة السليمانية (1953- 1881) وإقناع الأهالي بأرسال بناتهم للتعليم.

الحضور في المجال العام والحركات الاجتماعية

انخرطت المرأة العراقية بشكل فاعل في الحركات الوطنية واليسارية والقومية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وشاركت في النشاط النقابي والطلابي. ومع توسع التعليم وتطور الطبقة الوسطى، ازدادت مشاركتها في أجهزة الدولة والسلك الدبلوماسي والتعليم العالي والقضاء، حيث برزت أسماء لامعة مثل أمينة الرحال في الحقل السياسي، وسلوى زكو (أول عراقية تنال الدكتوراه في الصحافة) في المجال الإعلامي.

الإسهام الثقافي والأدبي: صوت الحداثة والتحرر

شكّل المجال الثقافي مساحةً حيويةً لانطلاق المرأة نحو الحداثة وساهمت في تغيير الصورة النمطية عنها. وتأتي في المقدمة الشاعرة نازك الملائكة (1923- 2007)، التي أطلقت، إلى جانب بدر شاكر السياب، ثورة الشعر العربي الحديث بقصيدتها "الكوليرا" عام 1947، مؤسسة بذلك منهجاً شعرياً جديداً قائماً على التجديد والتحرر من القيود التقليدية.

كما برزت الشاعرة لميعة عباس عمارة (1929- 2021) بصوت شعري جمع بين البساطة والعمق، لتصبح أحد أبرز الأصوات النسائية المعبرة عن هوية المرأة العراقية وتوقها للحرية. وقد أسهمت كوكبة من الكاتبات والروائيات الأكاديميات مثل إنعام كجه جي، ولطفية الدليمي، ودنيا ميخائيل، ورجاء خضير عباس، في إغناء المشهد الثقافي وتوثيق التجربة العراقية بإبداعاتهن وأبحاثهن.

التحديات والإنجازات في حقبة الحروب وما بعدها

تحمّلت المرأة العراقية عبئاً جسيماً خلال حربي الخليج والحصار الاقتصادي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث أصبحت عماداً للأسرة في غياب المعيل ومارست أعمالًا جديدة لسدّ احتياجات أسرتها. وبعد عام 2003، برز دورها بشكل لافت في منظمات المجتمع المدني والإعلام وبناء السلام، وازدادت مشاركتها السياسية بشكل ملحوظ بفضل نظام الكوتا النسائية، الذي ضمن تمثيلًا لا يقل عن 25% في البرلمان.

تحديات الحاضر وآفاق المستقبل

لا تزال المرأة العراقية تواجه تحديات جسيمة تعيق تمكينها الكامل، يأتي في مقدمتها:

- استمرار العنف الأسري والمجتمعي.

- القيود القانونية والاجتماعية.

- ضعف الفرص الاقتصادية والبطالة.

- آثار النزاعات والنزوح.

- التفاوت في التمثيل في مراكز صنع القرار.

خاتمة

تكشف هذه المقالة، أن دور المرأة العراقية لطالما كان دوراً بنيوياً وأصيلاً في صناعة الحضارة والمجتمع والدولة. فقد اثبتت عبر المحطات التاريخية على تجاوز القيود الاجتماعية وحافظت على تماسك النسيج الاجتماعي في أحلك الظروف، وساهمت بفعالية في الحراك الثقافي والسياسي والاقتصادي.

 إن استمرار تقدم العراق وازدهاره مرهونٌ بشكل جوهري بتمكين المرأة وضمان مشاركتها الكاملة والفعّالة، اعترافاً بإرثها التاريخي العظيم وبقدرتها على قيادة المستقبل.

***

جورج منصور

 

حين تتآخى الغريزة مع تغوّل الأداة

في عصرٍ بلغ فيه العقل الإنساني ذروة اختراعاته، ولامست فيه التكنولوجيا تخوم الأسطورة حتى تُوِّجت بالذكاء الاصطناعي، ما زالت النفسُ البشرية، رغم كل ما راكمته الحضارة من أدوات، تدور في مدار غرائزها الأولى، أسيرة نزعات الهيمنة والصراع. وقد لخّص العالم إدوارد ويلسون هذه المفارقة بقوله:” نمتلك مشاعر من العصر الحجري، ومؤسسات من العصور الوسطى، وتكنولوجيا تضاهي قدرات الآلهة“. فالدماغ الذي يتخذ اليوم قرارات مصيرية لا يختلف في بنيته العميقة عن دماغ إنسان الكهف، الجزء المسؤول عن الانفعالات واستجابة” الكر أو الفر“ ما يزال هو ذاته منذ آلاف السنين. لقد تطوّرت الأداة وبقي” المعالج“ قديماً، وتلك هي منطقة الخطر التي نحيا فيها: كائناتٌ ترهنُ مصيرها لاستجابات بدائية، تقود آلاتٍ تفوق قدرتها على الإحاطة بعواقبها، وتضغط أزراراً قد تختصر مصير الكوكب في لحظة.

غير أنّ المأزق، مع انبثاق فجر الذكاء الاصطناعي، لم يعد حبيسَ” عقل إنسان الكهف“ وهو يقبض على الأداة، بل انزاح إلى الأداة ذاتها وقد بدأت تستيقظ على منطق مستقل، كأنها خرجت من يد صانعها إلى مدارها الخاص. نحن اليوم على عتبة عالم تُسلَّم فيه مفاتيح القرار السيادي والعسكري إلى خوارزميات” الصندوق الأسود“، تعمل في صمتٍ وبسرعة تتجاوز ومض الإدراك البشري، فتتبعثر المسؤولية الأخلاقية كما يتبعثر الظلّ عند اشتداد الضوء: كودٌ بلا ذمة ولا ضمير وإنسان لم يعد صاحب الكلمة الأخيرة. وفي هذا المشهد، يبدو” المعالج القديم“ كبحّارٍ بدائيٍّ على متن سفينةٍ تفوقه فهماً وسرعة، فالأتمتة لا تعرف التريّث ولا تفهم لغة الندم ولا تقف عند إشارات الدبلوماسية ولا تبصر في الأفق خرابَ العمران. وخطورة الذكاء الاصطناعي ليست في حدّة ذكائه وحدها، بل في أنه يُضخِّم نزعات الهيمنة في النفس البشرية ويجردها من حرارتها الإنسانية، محوِّلاً الصراع من مواجهة بين إراداتٍ يمكن ردعها بالخوف أو تهذيبها بالأخلاق، إلى معادلات صمّاء تمضي في مسارها البارد، وقد تضغط على أزرار الفناء قبل أن يرتدّ للمفكّر طرفه. ومن هنا لم تعد الأداة محايدة في يد صاحبها، بل غدت قوة تُعيد تشكيل وعيه وهندسة خياراته وتضغط على منطقه قبل أن تضغط على زناده، فعندما يعتاد العقل منطق التفوّق الآلي والسرعة الجارفة، يتقلّص لديه فضاء التروّي ويتبدّل سؤاله من: كيف نتجنّب الصراع؟ إلى: كيف نفرض واقعاً جديداً؟

وهنا يتجلّى في لغة العلم السياسي، ما يُعرَف بـ قانون الأداة: فحين لا يملك العقل سوى مطرقة، يغدو العالم في نظره مسامير. ليست المسألة مجرد انتقالًا بسيطا في النوايا، بل تحوّلًا في بنية الإدراك ذاته، إذ تعيد وفرة القوة تشكيل هندسة الفرص، فتجعل العنف يبدو الخيار الانسب لا لأنه الأعدل بل لأنه الأسهل في ذهن المفتون بقدرته. وهكذا تعمل القوة كمكبّرٍ لرغبات الهيمنة، ناقلةً إياها من حيز التمنّي إلى منطق خطة العمل.

وتمنح وفرةُ القوة وأدواتها القادةَ شعورًا واهما بالحصانة، فتُضخِّم الثقة وتدفع إلى المجازفة. وقد وصف الطبيب والسياسي ديفيد أوين هذه الحالة بـ” متلازمة الغطرسة“، وهي حالة ينفصل فيها القائد عن إحداثيات الواقع ليحلق في مدارات أوهامه الخاصة. والتاريخ يروي لنا كيف يتحول زهو القوة إلى عماء البصيرة:

فـ نابليون بونابرت الذي روّض أوروبا بعبقريته، لم يسقط بفعل نقصٍ في ذكائه العسكري، بل حين تضخمت أناة لدرجةٍ حجبَت عنه شمس الواقع، فاستحال غزو روسيا في ذهنه المفتون بالقدرة الكلية مجرد نزهةٍ حربية، ضارباً بعرض الحائط تحذيرات الجغرافيا وقسوة المناخ. لم يكن انكساره هناك مجرد كبوةٍ عسكرية، بل تجسيدا لقانون” التمدد الإمبراطوري المفرط“؛ حيث تبتلع الجغرافيا الأطماع التي تتجاوز حدود العقل. إنها اللحظة التي صدقت فيها نبوءة أرنولد توينبي بأن الإمبراطوريات لا تُقتل قهراً، بل تنتحر غطرسةً حين تكفُّ عن الاستجابة لنداء الواقع. لقد تحولت مطرقة القوة في يده إلى أداةٍ للهدم الذاتي مخلفاً وراءه” الجيش العظيم“ جثثاً تحت جليد التمادي، ليؤكد أن القوة التي لا يَلجمها ميزانُ الحكمة هي قذيفةٌ ترتدُّ دوماً إلى صدر صاحبها.

 وهذا الهوس بالقوة لا يقف عند حدود نزوات الأفراد، بل قد يتحول إلى عقيدةٍ تتبناها كياناتٌ كبرى، فمؤسساتياً حذّر الرئيس الأمريكي أيزنهاور من” المجمّع الصناعي العسكري“، حيث تخلق كثرة السلاح طبقة مستفيدة تدفع القادة إلى تفكيرٍ حربي دائم لضمان نفوذها واستمرار مصالحها.

وقد صاغ الفكر الإنساني قديماً وحديثاً، قواعد تصف هذا الانزلاق وتكشف منطقه. يقول لورد أكتون:” السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد فساداً مطلقا“، ويقرّر ثيسيديدس ببرود التاريخ:” الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون مما يجب عليهم“. أما ابن خلدون فيضع الميزان الأخلاقي والسياسي معاً حين يؤكد أن القوة بلا عدل تؤدي إلى الظلم، وأن” الظلم مؤذن بخراب العمران“. فالنفسُ مجبولة على طلب الغَلَبة، غير أنّ الانسياق إلى طُغيان القوة في قهر الرعية أو إخضاع الشعوب الأخرى لا يُرسّخ المُلك بل يُعجِّل بزواله.

وفي خضم هذا الجنون القُوَوي، تبرز حكم الإمام علي (ع) بوصفها” شيفرة أخلاقية مفقودة“. وبينما قد يراها البعض مثالية بعيدة المنال فإنها في حقيقتها واقعية وقائية لحماية الوجود الإنساني. فهو يحذّر من” مساماة الله في عظمته“، داعياً القائد حين يستشعر سطوة سلطانه أن ينظر إلى ملكوت الله فوقه، لكسر وهم الألوهية الذي توهمه التكنولوجيا الفتاكة. وفي حين ينشغل العلم بتطوير الأداة، ينصرف الإمام إلى تهذيب الإنسان فيقول:” أشجع الناس من غلب هواه“، فالشجاعة في العصر النووي ليست في الضغط على الزناد، بل في القدرة العقلانية على كبح الغريزة البدائية. ثم يجعل العدل بنيةً تحتية للأمن حين يقرر أن” العدل أساسٌ به قوام العالم“، لأن الظلم يطلق دورات انتقام لا تنتهي، ولأن العدل حتى مع الخصم ليس مثالية حالمة، بل قمة الواقعية السياسية لضمان استقرارٍ مستدام.

إن الطبيعة النفسية للإنسان لم تتغير، غير أن السلاح صار مدمِّراً بما يكفي لإفناء الكوكب فلم يعد أمامنا خيار سوى الارتقاء بأنفسنا أخلاقياً. فإذا كان ابن خلدون قد وصف لنا الهاوية التي ننجذب إليها بغرائزنا فإن الإمام علي قد أقام السياج الذي يمنعنا من السقوط فيها. والفشل في هذا الارتقاء اليوم لا يعني خسارة معركة فحسب، بل يعني خسارة الوجود الإنساني بأسره.

***

حميد علي القحطاني

إندثر: دثر

دثر: زال، إمّحى، قَدِم ودَرس.

قامت ثورة في مصر وحافظت على معظم التراث الملكي، وفي إيران حافظوا على مخلفات نظام الشاه، وما دمروا قصوره ومعالم نظامه، بل تحولت إلى متاحف وشواهد على عصر عاشته الأمة.

في فرنسا لايزال قصر فرساي معلما تأريخيا وسياحيا يمثل مسيرة أمة ويرمز لحقبة زمنية مرت بها فرنسا.

وفي العراق قامت ثورة ومحقت كل ما يمت بصلة للعائلة الملكية إلا فيما ندر.

كيف نفسر هذا السلوك الغريب المتكرر؟

لاحقنا يجتث سابقنا، وجديدنا يسحق قديمنا، والعداء بين أيامنا يتفاقم، والبلاد والعباد في دوامة تقهقر وإنحسار.

ظاهرة فاعلة في واقعنا وهي على أشدها في الوقت الحاضر، وذات مفردات غريبة وتوجهات شعوبية صارخة، تسعى لإجتثاث ما يمت بصلة للبلاد والعباد والأمة، فصارت اللغة العربية التي هي الجوهر والهوية مستهدفة، والتماحقية رسالة مقدسة ذات جذور عدوانية غابرة، ترسخها التأويلات والتفسيرات والإدعاءات المغرضة ذات الأهداف المناوئة لمعني وجودنا الأصيل.

هل أن فقدان قيمة الوطن هي السبب؟

هل التنصل من المسؤولية لها دور؟

أم أن العبثية والجهل والأمية والظلم والحرمان في قفص الإتهام؟

عدوانيتنا على ما يتصل بنظام الحكم في بلادنا لا مثيل له في دول الدنيا!!

فهل نحن أعداء وجودنا؟!!

ترى متى نتعلم ونعيش عصرنا؟

عقولٌ في تطرّفها تآوَتْ

تبرْمِجها المصالحُ كيفَ شاءتْ

بلا وطنٍ ولا شعبٍ هُداها

غنائمُ أرضنا مُلكاً أرادتْ

مَجاميعٌ مُسيّسةٌ وتَسعى

بتقليدٍ يوجّهها فخابتْ

تماحقتِ الشواهدُ في رُبانا

سوابقُها بلاحِقها تهاوَتْ

***

د. صادق السامرائي

الاقتلاع من الواقع ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو انكسار في البنية العميقة للوجود. إنه تجربة حدّية، يقف فيها الإنسان على تخوم المعنى، حيث تتهاوى أعمدة الألفة واحدة تلو الأخرى: العادة، اللغة، الوجوه المألوفة، وحتى الإحساس بالزمن. أن تكون متجولًا لا يعني أن تمشي كثيرًا، بل أن تفقد القدرة على الاستقرار في أي معنى.

في تاريخ الثقافة الغربية، يعود المتجول بوصفه شخصية كاشفة. ليس هو المسافر الذي اختار الرحيل، ولا المغامر الذي أغرته المصادفة، بل ذاك الذي يمشي لأنه لا يملك بديلًا. هو المطرود، الملعون، أو المفقود في ذاته. التجوال هنا ليس حركة، بل مصير. عقوبة بلا نهاية، وزمن بلا أفق.

قابيل هو النموذج الأول. بعد جريمته، لم يُعدم، بل تُرك حيًا. الحياة نفسها كانت العقاب. لم يكن الحكم عليه بالموت، بل بالاستمرار. “ستكون متجولًا وغريبًا على الأرض”. في هذا الحكم التوراتي تتجلى عقوبة أشد من الفناء: أن يُحكم على الإنسان بأن يعيش بلا مكان، وأن يُحرم من حق العودة. التجوال هنا ليس مرحلة، بل حالة وجودية لا يُشفى منها الزمن.

أما أوديب، فيحمل شكلًا آخر من هذا المصير. لم يُطرد لأنه أراد، ولا لأنه تعمد، بل لأنه عرف أكثر مما ينبغي. حدسه كان ذنبه. الحقيقة، حين تُكشف كاملة، تُقصي صاحبها. يخرج من طيبة أعمى، لا لأنه فقد البصر، بل لأنه لم يعد هناك ما يُرى. يمشي بلا هدف، مصحوبًا بابنته، كأن الوجود نفسه لم يعد يعرف إلى أين يتجه.

هذه الشخصيات ليست بقايا أساطير جامدة، بل استعارات حية لتجربة إنسانية متكررة: فقدان الوطن بوصفه معنى، لا بوصفه مكانًا. دانتي، في “الكوميديا الإلهية”، حوّل التجوال إلى بنية رمزية كاملة. رحلته عبر الجحيم والمطهر والفردوس ليست سوى محاولة لإعادة العثور على مركز بعد الانحراف عن الطريق القويم. التجوال هنا بحث يائس عن نظام في عالم فقد توازنه.

ومع الحداثة، يكتسب المتجول بعدًا سياسيًا. المنفي، اللاجئ، والمهاجر غير المرغوب فيه هم ورثة قابيل المعاصرون. كما تشير حنّة آرندت، فإن فقدان الوطن لا يعني فقط فقدان المكان، بل فقدان الإطار الذي يجعل الحقوق ممكنة. الجسد يصبح معلقًا في فراغ قانوني، والإنسان يتحول إلى كائن زائد عن الحاجة. مدننا مكتظة بهؤلاء المتجولين غير المرئيين، الذين فقدوا حتى حقهم في السرد.

غير أن التجوال لا يتطلب دائمًا عبور الحدود. أحيانًا يحدث الاقتلاع دون حركة. يكفي أن تنهار الروابط التي كانت تمنح الحياة شكلها: موت، مرض، انفصال، أو خيبة كبرى. فجأة، يصبح العالم غريبًا، ويتحول الماضي إلى صدى فارغ. في هذه الحالات، يصبح التجوال داخليًا، ويغدو الاغتراب حالة نفسية لا تُقاس بالمسافة.

ومع قسوته، كشف التجوال عن بعض أعمق أسئلة الوجود. حين يُقتلع الإنسان من انتماءاته، يرى العالم بوضوح بارد. تنكسر الأوهام، وتسقط الأقنعة. لهذا لم يكن مصادفة أن يكون كثير من الفلاسفة والكتّاب متجولين، بالمعنى الحرفي أو الرمزي. نيتشه، على سبيل المثال، جعل من الترحال شرطًا للتفكير. ففقدان الأمان قد يكون ثمنًا لاكتساب منظور.

لكن سيكون من السذاجة تحويل الاقتلاع إلى صورة شاعرية. فحين لا يكون خيارًا، يبقى جرحًا مفتوحًا. عالم اليوم، بنزوحاته الجماعية وحدوده المسلحة وحروبه المتنقلة، يعجّ بحيوات لا تمتلك ترف تحويل الألم إلى معنى. مقابل كل أوديب أو دانتي، هناك ملايين يمشون بلا أثر، بلا لغة، وبلا مستقبل واضح.

العودة إلى الأسطورة، إذًا، ليست هروبًا من الواقع، بل وسيلة لفهمه. فهي تذكّرنا بأن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل إطار انتماء يمنح الوجود قابلية الاحتمال. يوليسيس لم يكن متجولًا، لأنه كان يحمل إيثاكا في الأفق. أما حين ينكسر هذا الأفق، يدخل الإنسان منطقة عدم اليقين.

الاقتلاع من الواقع، في جوهره، هو العيش في منطقة وسطى: لا هنا ولا هناك. فضاء تنهار فيه المسلمات، وتتعطل اللغة، وتبهت الوجوه. هناك، في تلك المنطقة الهشة، يقيم قابيل وأوديب، ومعهما ملايين البشر الذين لم تمنحهم الحياة ترف العودة.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

العادات والتقاليد ليست مجرد سلوكيات متكررة أو طقوس اجتماعية تتوارثها الأجيال بل هي مرآة فلسفية تعكس وعي الإنسان وهويته الثقافية وإن كل ممارسة صغيرة كانت أم كبيرة تحمل دلالات عميقة على كيفية إدراك الإنسان للعالم وكيفية ارتباطه بالماضي وبالمجتمع وبقيمه الإنسانية ففي قلب كل عادة أو تقليد يكمن سؤال فلسفي مركزيو: كيف تسهم ما نمارسه يوميًا وما نحتفل به في تشكيل رحلة الإنسان الثقافية وبناء هويته الفردية والجماعية ؟

العادات والتقاليد تعكس علاقة الإنسان بالزمن فهي ليست مجرد تكرار للأفعال بل وسيلة تربط بين الماضي والحاضر، وتخلق إحساسًا بالاستمرارية والتماسك الاجتماعي بينما تتيح للأجيال الجديدة فرصة التأمل في جذورهم الثقافية وفهم التجربة الإنسانية ككل وفي هذا السياق تكتسب دراسة العادات والتقاليد بعدًا فلسفيًا أعمق يجعلها أكثر من مجرد ممارسة اجتماعية بل رحلة معرفية في وعي الإنسان بذاته وبمحيطه الاجتماعي والثقافي.

إن قراءة العادات والتقاليد بعيون فلسفية تكشف أن الإنسان ليس مجرد كائن يلتزم بالروتين بل هو كائن يسعى لفهم ذاته عبر علاقته بالعالم وبتقاليده وبمجتمعه وهنا تبرز العادات والتقاليد كوسيلة لفهم كيف ينمو الإنسان داخليًا وثقافيًا، وكيف يشكل المجتمعات التي ينتمي إليها.

ان العادات هي الممارسات اليومية التي يكررها الإنسان حتى تصبح جزءًا من روتينه وحياته اليومية لكنها تتجاوز كونها سلوكًا بسيطًا لتصبح وسيلة لفهم العالم والوجود فهي تعلم الإنسان الانضباط الذات وتمنحه شعورًا بالأمان الداخلي وتخلق له هويته الصغيرة داخل السياق الكبير للمجتمع فمثلًا، عادة التحية اليومية في العراق سواء كانت مصافحة اليد أو التحية اللفظية ليست مجرد بروتوكول اجتماعي بل تعبير عن فلسفة الاحترام المتبادل وعن تقدير العلاقة الإنسانية وعن إدراك الفرد لموقعه ضمن شبكة اجتماعية واسعة.

العادات تمنح الإنسان القدرة على التكيف مع محيطه، وتساعد على إدارة حياته النفسية والاجتماعية فلسفيًا يمكن اعتبار العادة أداة لبناء الذات إذ تساهم في تشكيل الشخصية وتطوير الوعي الفردي وتجعل الإنسان واعيًا للروتين اليومي باعتباره إطارًا لتنظيم الحياة.

أما التقاليد فهي طقوس متوارثة تحمل رموزًا ثقافية واجتماعية وتربط الإنسان بجذوره التاريخية والروحية ومن منظور فلسفي التقاليد تمثل عقدة الزمن الإنساني فهي تجمع بين تجربة الأجيال السابقة وتوقعات المستقبل وتفتح المجال للتأمل في ماهية الحياة والقيم التي تجعل المجتمع مستقرًا ومتماسكًا.

في العراق على سبيل المثال تقاليد الاحتفال بالمولد النبوي أو بإحياء ذكرى عاشوراء تمثل أكثر من مجرد طقس ديني فهي تأكيد على هوية المجتمع وإعادة إنتاج للذاكرة التاريخية ووسيلة تربط الحاضر بالماضي كما توفر مساحة للتأمل في أسئلة الوجود والحياة المشتركة.

ان أهمية العادات والتقاليد تظهر في ثلاثة مستويات فلسفية رئيسية:

1. الهوية والذات: فهي تحدد شعور الفرد بالانتماء وتمنحه إحساسًا بالاستمرارية والارتباط بالجذور الثقافية وتساعده على إدراك موقعه ضمن النسيج الاجتماعي.

2. الوعي الاجتماعي: العادات والتقاليد تشكل الإطار الأخلاقي والقيمي الذي ينظم العلاقات بين الأفراد وتحدد القواعد غير المكتوبة التي تحافظ على التوازن الاجتماعي.

3. رحلة الإنسان الثقافية: العادات والتقاليد تمثل وسيلة لتفسير الماضي، وفهم الحاضر واستشراف المستقبل بما يعكس فلسفة الإنسان في التعامل مع الزمن والثقافة وفي سعيه لإيجاد معنى لحياته.

العادات اليومية مثل طريقة التحية أسلوب تناول الطعام أو ترتيب المنزل ليست مجرد روتين بل تعبير عن فلسفة الحياة اليومية فهي تعلم الإنسان التوازن بين الحرية والانضباط وتخلق شعورًا بالانتظام والطمأنينة علاوة على ذلك العادات اليومية تُعد مساحة للتفاعل الاجتماعي الصغير حيث يتم تمرير القيم الأساسية مثل الاحترام والمودة والتعاون بين الأفراد.

التقاليد الاجتماعية والاحتفالية مثل الزواج الولادة الاحتفالات الوطنية والمحلية تحمل رمزية فلسفية عميقة فهي احتفاء بالوجود الجماعي وتجسيد للقيم المجتمعية وتجربة للإنسان في التواصل مع الآخرين وهذه الطقوس توفر للفرد فرصة لإعادة التأمل في دوره داخل المجتمع وتجعل الحدث الفردي جزءًا من نسيج جماعي ممتد.

التقاليد المهنية والحرفية مثل الزراعة الحرف اليدوية والمهن التقليدية تمثل تجربة فلسفية في التفاعل مع المادة والزمن والإنسان من خلال هذه التقاليد يكتشف قيمة العمل والجهد والإبداع، وينقل خبرته للأجيال القادمة ليؤكد على استمرارية التجربة الإنسانية والمعرفة العملية التي تصنع ثقافة المجتمع.

أما التقاليد الدينية والروحية فهي انعكاس للتساؤلات الوجودية الكبرى: ما معنى الحياة؟

ما دور الإنسان في هذا الكون؟

وكيف يمكن تحقيق الانسجام بين الذات والمجتمع والروحانية؟

هذه الطقوس تمنح الإنسان إحساسًا بالغائية، وتفتح أمامه أبوابًا للتأمل في الوجود في الأخلاق وفي القيم المطلقة...

العادات والتقاليد تشكل الهوية الفردية من خلال إرساء شعور الإنسان بالانتماء لمجتمع محدد وتعليمه القيم والمبادئ التي تحدد سلوكه ومن ناحية جماعية تعمل على إعادة إنتاج التجربة الثقافية للمجتمع وتعزيز الروابط الاجتماعية وخلق شبكة من المعاني المشتركة بين أفراده.

فلسفيًا يكمن هذا الأثر في أن الإنسان يبحث عن معنى والتقاليد توفر له هذا المعنى من خلال ربطه بجذوره التاريخية وطمأنته بأن وجوده جزء من نسيج مستمر ففي العراق يظهر ذلك جليًا في الاحتفالات الدينية والاجتماعية مثل عاشوراء والمولد النبوي حيث يشعر المشاركون بأنهم جزء من قصة تاريخية وثقافية مستمرة وأنهم يحملون إرثًا ثقافيًا ومعنويًا يستحق الاستمرار.

في عصر العولمة تواجه العادات والتقاليد تحديات كبيرة إذ تؤثر التكنولوجيا ووسائل الإعلام والتعليم الحديث والهجرة على كيفية ممارسة الإنسان لتقاليده اليومية زمن منظور فلسفي هذا يعكس صراع الإنسان بين التقليد والتجديد، بين الأصالة والتغيير وبين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العولمة.

رغم هذه التحديات يمكن للعادات والتقاليد أن تتكيف عبر استخدام التكنولوجيا للحفاظ على التراثوودمج الممارسات التقليدية بأساليب الحياة الحديثة مع الحفاظ على جوهر القيم الثقافية فمثلاً يمكن للبث الرقمي للمهرجانات التراثية العراقية أو تنظيم ورش تعليمية للحرف التقليدية أن يضمن استمرار التراث الثقافي بطريقة تناسب العصر وهذه العملية تمثل تأملًا فلسفيًا في قدرة الإنسان على التكيف دون فقدان هويته وهي اختبار حقيقي للحكمة الإنسانية في التعامل مع الزمن.

تختلف المجتمعات في تعاملها مع العادات والتقاليد ففي المجتمعات الغربية يركز التغيير السريع على الفردانية والحرية الشخصية، بينما المجتمعات الشرقية بما فيها العراق تحافظ على الطابع الجماعي وتربط الإنسان بهويته من خلال التقاليد.

الأجيال الجديدة تمثل تجربة فلسفية فريدة فهي تواجه صراع الهوية بين الماضي والحاضر، وتحاول أن توازن بين التقاليد القديمة والانفتاح على الجديد. هذه المعركة الداخلية بين الانتماء والاستقلالية بين الحفظ والتجديد هي جوهر رحلة الإنسان الثقافية نحو فهم ذاته وعلاقته بالمجتمع.

1. التوثيق الأكاديمي والفلسفي: دراسة العادات والتقاليد بعمق وتسجيلها بشكل علمي وفهم أبعادها الرمزية والفلسفية.

2. إدراجها في المناهج الدراسية: تعليم الأجيال الجديدة أهمية التراث الثقافي والتقاليد الوطنية.

3. تنظيم المهرجانات والفعاليات الثقافية: إبراز الممارسات التقليدية في إطار جماعي لتعزيز الوعي الثقافي.

4. استخدام التكنولوجيا الرقمية: نشر الوعي التراثي عبر الوسائط الحديثة وحفظ الوثائق والفيديوهات والصور المرتبطة بالعادات والتقاليد.

الهدف ليس الجمود بل تحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد، بين الماضي والحاضر بين الهوية الفردية والجماعية، بما يضمن استمرار الرحلة الثقافية للإنسان.

العادات والتقاليد هي رحلة الإنسان الثقافية ومرآة هويته فهي تعكس فلسفة الوجود الاجتماعي والزماني وتجسد العلاقة بين الفرد والمجتمع والماضي والحاضر في العراق تمتزج العادات اليومية بالطقوس الدينية والاجتماعية لتشكل نسيجًا غنيًا من التجربة الإنسانية يمتد عبر العصور ويتيح للأجيال الجديدة فرصة لفهم ماضيها وبناء حاضرها ومستقبلها.

المحافظة على هذا التراث هي مسؤولية فلسفية وثقافية، تتطلب توازنًا بين الأصالة والتجديد، لتظل الهوية الثقافية حية ومرجعًا للفهم العميق للمجتمع والإنسان ولتستمر رحلة الإنسان في التأمل، والفهم والانتماء والابتكار، عبر الزمن والمكان.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

تُعرّف المبالغة على أنها الغلو في وصف الأشياء وتضخيم شكلها وقدراتها. والناس -كما يراهم الفيلسوف "سقراط"- يميلون إلى المبالغة في كل شيء إلا أخطاءهم؛ فهم يرونها لا تستحق النقاش.

لقد باتت المبالغة في حياتنا اليومية، سواء في الأفعال أو الأقوال، ظاهرة تثير الاستغراب والأسئلة؛ فنحن نشهدها ونمارسها قولاً وفعلاً، وتصل في بعض المواقف حداً يفوق المعقول ويتنافى مع طبيعة العقل السليم. يفسرها فريق من علماء النفس بأنها اضطراب نفسي، وخصوصاً المبالغة في الحرص على الأشياء، أو المبالغة في الحب، وكذلك المبالغة في تمجيد الأشخاص التي تصل حد التزوير.

يحدث ذلك عندما نرفع من شأن أناس غير جديرين بالرفعة؛ فنحن شعب يحب المبالغة والنفخ في الأشياء التي لا تستحق ولا تتحمل "النفخ". وعلى حد قول مثلنا الشعبي، نحن نجعل (من الحبه قبه)؛ فننفخ في المسؤول الأمي ونصور له أنه المنقذ لأزماتنا حتى يصدق ذلك، في حين هو عاجز عن حل أزماته الشخصية. كما نبالغ في وصف الأشرار واللصوص حتى نضعهم في مرتبة القديسين، فيصدقون ذلك ويوغلون في شرهم وسرقاتهم. نبالغ في تاريخ وسمعة الأموات البسطاء لتغدو ذات شأن ورفعة، ونضع التيجان على رؤوس البعض مع علمنا أنها رؤوس فارغة المحتوى، ومجرد بالونات منفوخة بالهواء الفاسد.

نبالغ أيضاً في طقوس أفراحنا وأحزاننا؛ فنرقص ونلطم فيها كالمجانين. أما في الأقوال، فلا تغيب المبالغة عن حديثنا؛ فعندما نريد أن نصف شيئاً فيه قليل من التميز نقول عنه: (فظيع، رهيب، شنيع، بشع، مرعب، يخبل). وحتى في تراثنا الشعري والأدبي، نقرأ كماً كبيراً من المبالغات في الوصف، وخصوصاً في المديح. وفي حقل الكنايات، عندما نريد أن نصف شدة أذى شخص لآخر نقول: (راواه نجوم الظهر).

أعتقد أن ظاهرة المبالغة لا توجد في باقي المجتمعات مثلما هي عليه عندنا. فقد زرت ضريح "المهاتما غاندي" في نيودلهي بالهند، فوجدته كياناً بسيطاً لا يرتفع عن الأرض أكثر من متر واحد، ولا يحتل مساحة واسعة، ولا تحيط به أبراج ومنارات وأضواء وزخارف، أو حمايات مدججة بالسلاح. وهو الزعيم الروحي للهند الذي حرر البلاد من دنس الاستعمار البريطاني.

ثم زرت متحفه الذي يقع على مقربة من ضريحه، والذي شُيّد في الموقع الذي اغتيل فيه في يناير عام 1948م، فلم أجد الذهب ولا الملابس الفاخرة، ولا رزم الدولارات أو صور الفلل التي تركها وراءه. إنما وجدت بساطة العيش في أبهى صورها؛ شاهدت الإبرة والخيط اللذين كان يرتق بهما ملابسه، وشاهدت نعاله الذي أكل الدهر عليه وشرب، وعصاه التي كان يتكئ عليها لدعمه أثناء المشي، وهي عبارة عن فرع شجرة بعروقها، لم تجرِ عليها عمليات صقل أو تجميل.

كذلك ضم المتحف غلاف الطلقة التي أنهت حياته، والثوب الذي كان يتوشح به ساعة الاغتيال مطرزاً ببقع الدم الذي نزفه جسده النحيل. وقفت حائراً أمام وسادته البالية وفراشه البسيط الذي كان يحتضن جسده النحيل، سائلاً نفسي: كيف تمكن رجل بهذا الزهد وهذه البساطة في العيش أن يتربع على قمة الرجال العظماء؟ وكيف استطاعت سيرته أن تؤثر في سلوك جمهور واسع من الأحرار في العالم؟

لقد قدم القائمون على المتحف -من خلال بعض مفردات الحياة اليومية التي كان يعيشها هذا الزعيم- صورة حقيقية بدون مبالغة أو تزوير. وكأنهم أرادوا القول للشعوب المهووسة بتمجيد "الإمعات": إنه بهذه البساطة تمكن زعيمنا من طرد الاستعمار، أما مكانته وقصة نضاله فهي محفوظة في قلوب الشعب الهندي.

***

ثامر الحاج أمين

 

لا يولد الإنسانُ حاملًا خطيئة، ولا يخرج إلى العالم متلبّسًا بذنبٍ سابق، ومع ذلك سرعان ما يُطالَب، في كثيرٍ من المجتمعات، بتقديم اعتذارٍ غير معلن عن كونه مختلفًا: مختلفًا في الدين، أو المذهب، أو العِرق، أو اللغة، أو حتى في طريقة التفكير. كأنّ الولادة ذاتها تصبح جريمةً إذا لم تطابق هويةَ الجماعة الغالبة، وكأنّ الاختلاف لم يعد سِمةً إنسانية، بل انحرافًا يستوجب الشكّ، وربما العقاب.

المفارقة أن هذا المنطق يتناقض مع أبسط بديهيات الأديان والفلسفات الأخلاقية. فالاختلاف ليس طارئًا على الوجود الإنساني، بل هو شرطه الأول. ولو كان التطابق هو الأصل، لما احتاج البشر إلى لغة، ولا إلى تعارف، ولا إلى قيم تضبط العلاقة بينهم. ومع ذلك، تحوّل الاختلاف في تاريخ طويل من الصراعات إلى وصمة، ثم إلى تهمة، ثم إلى مبرّر للإقصاء. لا يُسأل المختلف عمّا يفعل، بل عمّا هو، وكأنّ الهوية باتت حكمًا أخلاقيًا جاهزًا.

في مجتمعاتٍ مشحونة دينيًا وطائفيًا، يُعاد تعريف الإنسان لا بوصفه إنسانًا، بل بوصفه تابعًا. يُختزل الفرد في انتمائه، ويُلغى تاريخه الشخصي، وأخلاقه، ونواياه، ويُستبدل ذلك كلّه ببطاقة تعريف غير مرئية: هذا منّا، وهذا ليس منّا. عند هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل هو عادل؟ هل هو صادق؟ هل هو مسالم؟ بل يصبح: إلى أيّ صفّ ينتمي؟ وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي الحقيقي، لأن القيمة لم تعد في الفعل، بل في الهوية.

 الدين، في جوهره، لم يأتِ ليُحمّل الإنسان ذنبًا لم يرتكبه، بل ليحرّره من منطق الوراثة الأخلاقية. النصوص الدينية الكبرى، وفي مقدّمتها القرآن، لم تتعامل مع البشر على أساس أصولهم أو انتماءاتهم، بل على أساس أفعالهم. «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» ليست جملة تعريفية فحسب، بل إعلان مبدئي بأن الأصل واحد، وأن التنوّع لاحق، وأن الغاية من هذا التنوّع هي التعارف لا التناحر. لكن المشكلة لم تكن يومًا في النص، بل في القراءة التي نزعت عنه روحه الأخلاقية، وحوّلته إلى أداة فرزٍ اجتماعي.

حين يُربّى الإنسان على أن المختلف خطر، ينشأ الخوف قبل الفهم، والكراهية قبل السؤال. وحين يُقنَع بأن الحقّ حكرٌ على جماعته، يصبح العنف مبرّرًا، لا لأنه شرّ، بل لأنه «دفاع عن المقدّس». عندها لا يُقتل الإنسان لأنه أخطأ، بل لأنه وُجد في المكان الخطأ، أو حمل الاسم الخطأ، أو ورث العقيدة الخطأ. وهكذا تتحوّل الهوية من إطارٍ ثقافي إلى سكينٍ رمزية، تسبق الفعل وتُسقط عنه أيّة مساءلة.

الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يدمّر الضحية فقط، بل يدمّر المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يصنّف أبناءه على أساس الاختلاف، لا يستطيع أن يبني ثقة، ولا أن يراكم خبرة مشتركة، ولا أن ينتج أخلاقًا عامة. يصبح كلّ فرد مراقَبًا، وكلّ رأي مشكوكًا فيه، وكلّ اجتهاد مهدَّدًا. وفي ظلّ هذا المناخ، تزدهر الخرافة، ويتراجع العقل، لأن التفكير نفسه يصبح مغامرة غير مأمونة العواقب.

لسنا بحاجة إلى دينٍ جديد، ولا إلى فلسفات مستوردة، بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الأول: أن الإنسان ليس متهمًا حتى يثبت العكس، وأن الاختلاف ليس جريمة تحتاج إلى تبرير. الأخلاق لا تبدأ من الهوية، بل من السلوك، ولا تُقاس بالانتماء، بل بالقدرة على احترام الآخر. وكلّ خطاب ديني أو ثقافي لا ينطلق من هذه القاعدة، مهما ادّعى القداسة، يساهم — عن قصد أو غير قصد — في تكريس الظلم.

حين يولد الإنسان مذنبًا لأنه وُلد مختلفًا، نكون قد خسرنا الدين، وخسرنا الفلسفة، وخسرنا الإنسان معًا. وما لم نكسر هذا المنطق، سيبقى السؤال الأخلاقي معلقًا: كيف نطالب بالسلام، ونحن نعلّم أبناءنا أن وجود الآخر خطأ؟

***

بقلم: د. علي الطائي

6-1-2026

لاريب ان التعالق الوجداني المتواشج مع الماضي، هو الذي يدفع للتعلق العاطفي بالأماكن، والربوع، والأشخاص، والذكريات، عند الإستذكار الماضي، والتفاعل الوجداني معه، استلهاما للدروس، او توجدا عاطفيا، بمعايشته أيام زمان.

ولعل الإستذكارات الوجدانية، بتعزيزها حس التواصل المرهف، مع الماضي، هي التي تؤجج الشعور العاطفي بالتعالق المتواصل معه، باعتباره خلفية تشكيل الهوية، وجذرا لأصالة الحاضر.

ولذلك تظل الاستذكارات الوجدانية على هذا النحو، دافعا عاطفيا متوهجا، لتعميق الإرتباط بالأرض، والأماكن، والربوع، وخيط التواصل المستديم، مع التراث، والتقاليد، تجسيدا للأصالة، وتاطيرا للهوية..

وفي هكذا سياق، يبدو حس الاستذكار الوجداني، وسيلة تواصل للحفاظ على تقاليد المجتمع، وموروثه الشعبي. فالحكايات، والقصص، والأساطير الشعبية المتداولة، مرويات متوارثة، تنقل للأجيال، التجارب السابقة، وبالتالي فهي خيوط تواصل دائم، تربط الأجيال بموروثهم بالترادف، بما يحول دون القطيعة، والإنفصال عنه، بتداعيات التطور.

وهكذا يظل الاستذكار الوجداني، أداة تواصل مع الماضي، ووسيلة استلهمام للموروث الشعبي، من خلال تحفيز حس الإستذكار الجمعي، وتشجيع ارتياد الربوع، والأطلال، والأماكن الأثرية، بقصد التعرف على الموروث الشعبي، تقاليدا، وعادات، وأعرافا، والحفاظ عليها من المسخ، والضياع، بمرور الزمن.

***

نايف عبوش

عجل كلمة تميّز اللهجة السامرائية عن غيرها، وهي من أخوات لعد البغدادية، ويمكن القول بأنها تعني ولكن، أو "بس شلون" أي كيف إذا، أو ما هو الخيار الآخر.

البعض يمزجها بأجل لإنقلاب ألف أجل إلى عين كما يبدو من الكلمة.

أجل وفقا لما يصيبها من الحركات تدل على التبجيل والإجلال والتعظيم والتقديس والتنزيه، وغيرها من المعاني التي يمكن إضافتها إليها، لكنها لا تقترب من كلمة "عجل" في اللهجة المقصودة.

وعجل في معاجم اللغة تشير إلى السرعة والتسارع في العمل أو الإنجاز، فعجِلَ الشخص أي أسرع، فعل الشيئ قبل أوانه، وعَجَل جمع عجلة، ولها معاني أخرى بتغير الحركات على أحرفها الثلاثة.

فلا يوجد لها معنى يماثل إستخدامها باللهجة المشار إليها.

نقول عجل وين راح تروح: أي ما هو خيارك الآخر، عجل شتريد: أي ماذا تريد إن لم يعجبك ما يُقدم لك.

من الصعب تعقب أصلها، وربما تكون ذات جذر تركي من مخلفات دولة بني العباس في المدينة.

 الموضوع بحاجة إلى بحث وتقصي ودراسة أكاديمية رصينة، للوصول إلى جذور الكلمات المستعملة في اللهجات العامية، وهذه الدراسات والأبحاث نادرة في مجتمعاتنا، بعكس مجتمعات الدنيا التي تتبع جذور كلماتها.

لنعتز ونحترم لهجاتنا في كافة مدننا، فالمدن تتميز بلهجاتها، فلكل منها خصوصيته، ولا توجد مدبنة في العالم المعصر بلا لهجة ما تدل عابها.

وهذه صورة تقريبة مشوشة لعَجَل!!

لسانُ القوم في عَجَلٍ تماهى

إذا قالوا بها أجلاً تراها

هوى ألفٌ بلهْجَتِنا فبانتْ

تغيَّر حرفُها عينٌ غزاها

تميّزنا بلفظٍ عن سوانا

نُكرِّرُها بما حَفِلتْ سِماها

***

د. صادق السامرائي

لاريب أن الذكاء الإصطناعي في عصر الثورة التقنية الرقمية الراهنة، بات قادرًا على توليد نصوص، وكتابات، تشبه إلى حد كبير، ما ينتجه الإنسان منها.

فالذكاء الإصطناعي يمكنه تحليل البيانات، وتوليد نصوص، وكتابة مقالات، وقصص، وقصائد، بما يستخدم من تطبيقات رقمية تعلمه التفاعل، وإنتاج محتوى مشابها، لما يبدعه الإنسان، اعتمادا على بيانات، ومعالجات خوارزمية، يتم تغذيته، وبرمجته بها.

 والسؤال، هل يمكن للآلة أن تحاكي الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، التي تتميز بها الكتابة الإنسانية؟

ولعل من الجدير بالذكر، الإشارة في هذا المجال، الى ان الذكاء الإصطناعي، رغم قدرته الفائقة، على تقليد، ومحاكاة، أسلوب الكتابة الإنسانية، إلا أنه يفتقر، إلى التجربة الإنسانية، والشعور الحقيقي الحي، والحس المرهف، التي تفيص بها النصوص الانسانية عادة.ولذلك تظل الكتابة الآلية للذكاء الإصطناعي، تفتقر إلى النبض الحيوي، والحس المرهف، الذي تتميز به التجربة الادإنسانية، والكتابة الإنسانية، والتي تعبر عن مشاعر، وتجارب، الكاتب الابداعية، التي تنبض بالروح الإنسانية، باعتبار الكتابة، هي إنثيالات تجليات الذات، من خلال ما تعكسه، من مشاعر، وعواطف، تجعل الكتابة حية، في الوقت الذي تفتقر فيه الكتابة الآلية للذكاء الإصطناعي، إلى المشاعر الحقيقية، وتنقصها التجربة الوجدانية .   

 وبالرغم من قدرات الذكاء الإصطناعي في توليد النصوص، الا ان الكتابة الإنسانية، تظل تحمل نكهة فريدة، من الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، بما هي تعبير حي، عن رحلة الإنسان في أعماق ذاته.

فلا ريب أن الكاتب يكتب من ذاكرته، تعبيرا عن مشاعره، وما يجول في ذهنه من أفكار، مما يعطي نصوصه عمقا انسانيا حيا، تعجز البرمجة الرقمية، عن توليد مثله، فالٱلة تكتب، ولكنها لا تحلم، ولا تتطلع، وتفتفر للإلهام.

وهكذا إذن، يمكن القول، ان كتابات الذكاء الإصطناعي تظل نتاج آلة صماء، مهما بدت جميلة.. وتفتقر إلى الحس المرهف، والمشاعر المتوهجة، التي يتميز بها الإنسان، عند ممارسة الكتابة، وابداع الشعر، والغناء.

فرغم قدرة الذكاء الإصطناعي على إنتاج محتوى فوري، بمجرد أن يطلب منه ذلك، الا إنه يظل عاجزا عن نفخ المشاعر، في ما يولده من نصوص. فقد تطلب منه على سبيل المثال، كتابة عتابة موجعة، في التوجد بالاطلال، بعد أن تغذيه بما تريده أن يقول العتابة فيه، إلا إنه سوف لن يستطيع نظم عتابة بليغة معبرة، مثل تلك العتابة الوجدانية، التي ينظمها الإنسان، تعبيرا عن مشاعره الجياشة، فيما اراد القول فيه .

***

نايف عبوش

عند حافات الشواطئ، وأعماق الأنهار، حيث يلتقي الزاب الأعلى مع دجلة، تتزاحم الذكريات، وتتشابك الأحلام. وفي ربوع هذا المكان، بطبيعته الساحرة، يتوهج الحس المرهف ابداعا، ملهما للخيال، ومحفزا للتأمل، في أعماق الذات، والوجدان.

وعند ملتقى الزاب بنهر دجلة، يتوهج الحنين لمكان النشأة، وربوع الصبا، حيث السباحة، والعوم، في الشطٱن، وصيد الأسماك، أيام زمان.

 وفي نقطة التقاء الزاب الأعلى بنهر دجلة تختفي الحدود بينهما، وتصبح الطبيعة عندئذ، لوحة فنية جميلة، بمجرى واحد، فحيثما يجريان، وحيثما اختلطا، يتجدد العطاء، وتنساب الحياة، لتجد النوارس تحلق فوق الشاطئ في حركة متناغمة، مع سحر جريان الماء فيه، دون ان تغادر المكان .

أنهار ازلية، تحمل معها قصصا اسطورية، وحكايات، وأحلامًا متوهجة، وآمالًا متجددة، فكما ان الماء يروي الأرض، فإن الذكريات مع الشواطئ، والانهار، تسكن الوجدان، وتحفز الخيال، وتستعصي على النسيان.

وهكذا يظل حس الأشجان، والاشتياق لحافات الشاطى، وجدا داخليا متأججا، ينساب بشجن، وشوق، في لحظات التأمل، مع هدوء طبيعة الربوع، ليكشف حس التعبير، عما في أعماق الوجدان، من وجد واشتياق. فالحنين إلى الماضي، حيث الأمكنة أرشيف ذكريات، وثقتها عبارات مكتوبة بالقير على صخور الشاطئ، خطها بأناملهم، أناس مروا بها ذات يوم.

فلا عجب إذن أن تتدفق المشاعر بعواطف جياشة، عند الوقوف على شطٱن الأنهار، استمتاعا بألحان خرير الماء، وما تتركه في الوجدان من تأملات شجية، في جماليات طبيعة تلك الربوع الخلابة.

وهكذا نجد أنفسنا، في غمرة لحظات التأمل، نعيش الأشجان والشوق، عند ملتقى الزاب الأعلى بنهر دجلة بلهف، بعد أن ذابت الحدود، بين الزاب ودجلة، وتلاشت الفواصل، بين ٱنات الزمن، لنعيش لحظات

استذكارات شجية، تلامس بسعادتها الغامرة، أعماق الوجدان.

***

نايف عبوش

إن المشاهد المروعة التي باتت تفرض نفسها على واقعنا، حيث تتحول التجمعات البشرية إلى موجات من التحرش الجماعي والهيجان الذي يستبيح كرامة العابرين، ليست مجرد سلوكيات طائشة، بل هي إعلان عن انهيار السد الأخلاقي الأخير. نحن اليوم أمام وحشية علنية تندفع فيها الحشود بلا رادع، لتمارس أقسى صور الانتهاك الجسدي واللفظي في قلب الساحات العامة، وكأن الشارع قد استحال إلى ساحة صيد مفتوحة يمارس فيها "الرعاع" ساديتهم تجاه الفئات الأضعف لسلبهم حق الشعور بالأمان.

هذا الانفلات السلوكي المرعب، الذي يمتزج فيه العنف اللفظي البذيء بالتطاول الجسدي المهين، هو النتاج المرير لسنوات من تغييب سلطة القانون واستبدالها بسلطة الغوغاء. عندما تدار مفاصل الدولة بعقلية الغنائم والمحاصصة، وتُفرغ المؤسسات التربوية من رسالتها لصالح الولاءات الضيقة، فمن الطبيعي أن نرى في شوارعنا جيلاً يرى في التحرش الجماعي وسيلة لإثبات الحضور، وفي القذف اللفظي لغة وحيدة للتخاطب. إننا ندفع اليوم ضريبة سياسة "التجهيل المتعمد" التي حولت الفضاء العام إلى غابة يغيب فيها العقل ويحضر فيها قطيع لا يفرق بين الاحتفال والافتراس.

لقد تضخم النفاق في ظل "دولة الشعارات" إلى حد مقزز، فبينما تضج المنابر والفضائيات بوعظ أجوف حول العفة والفضيلة، يمارس الواقع في الطرقات أبشع أنواع الانحلال الممنهج. هذا التناقض الصارخ خلق حالة من النقمة المشوهة لدى فئات وجدت في استباحة كرامة الآخرين وسيلة رخيصة لتفريغ كبتها وإحباطها. إنها "ثقافة الانتهاك" التي تغلغلت في العقول قبل الأبدان، حيث يستمد الجاني جرأته من يقينه بأن القانون "أعرج" لا يطال أصحاب النفوذ ولا يردع الغوغاء، فاستمرأ الجميع لغة القوة القبيحة وسط صمت مريب من الجهات التي تدعي الوصاية على الأخلاق والآداب العامة.

إن تحول المدن والمنتزهات إلى مناطق "عالية الخطورة" يسودها الترهيب اللفظي والمطاردة الجماعية، هو جريمة مكتملة الأركان بحق هوية المجتمع. هذه المشاهد التي يتم تصويرها والتباهي بها في العالم الرقمي كأنها "بطولات" رجولية، تعكس عمق الانحدار النفسي الذي وصلنا إليه. إن هذا التوحش ليس مجرد انحراف فردي، بل هو الصرخة الأخيرة لمجتمع تم تجريفه من محتواه الحضاري، ليُترك فريسة لأجندات التفقير والتغييب، وسط لا مبالاة سياسية مقرفة تتعامل مع كرامة الإنسان كقضية ثانوية لا تستدعي سوى بيانات الاستنكار الخجولة.

نحن لا نرقب مجرد "انفلات أمني"، بل نشاهد احتضاراً مخيفاً لقيم الاحترام الإنساني في الشخصية العراقية. إن بقاء الشارع رهينة بيد الرعاع وتحت رحمة العنف اللفظي والجسدي المنفلت، يعني ببساطة أننا استبدلنا مفهوم الدولة بمفهوم "المشاع"، حيث لا مكان لضعيف، ولا حرمة لامرأة، ولا هيبة لنظام، في ظل صراع مرير لا يقدس سوى الغلبة لمن يملك صوتاً أعلى ويداً أكثر بطشاً.

***

ا. د. محمد الربيعي

عندما تتولى موقع المسؤولية في مؤسسة أو منظمة، لا تتعامل مع نمط واحد من البشر، بل مع فسيفساء إنسانية واسعة؛ اختلاف في الطباع، وتنوع في الخلفيات، وتباين في القيم والدوافع. هنا تحديداً، لا تعود القيادة منصباً، بل اختباراً أخلاقياً يومياً.

تجربتي علمتني أن العمل مع الموظفين يحتاج إلى قواعد واضحة وضوابط عادلة، لا تدار بالأهواء، ولا تكيف بالعلاقات، بل تطبق على الجميع دون استثناء. فبيئة العمل الصحية لا تقوم على المحاباة، بل على الشفافية والإنصاف والعدالة.

أصعب ما يواجه القائد أن يختبر عدالته مع من يحبهم، مع من يثق بهم، ومع من يعتبرهم من خيرة فريقه. فالعدل مع الغريب سهل، أما العدل مع القريب فهو الامتحان الحقيقي الذي يقيس فيه قوة القائد وقوامه قيمه ومسؤوليته ومهامه.

أذكر موقفاً لا يزال حاضراً في ذاكرتي؛ أحد الموظفين الذين كنت أعتبرهم الأقرب إلي، والأفضل أداء وتميزاً، والأكثر التزاماً. حدث منه تجاوز واضح في التزامه بالدوام والعمل، وهو أمر لا يمكن تجاوزه وفق القواعد المعمول بها. استدعيته إلى مكتبي، رحبت به، تحدثنا عن عمله وإنجازاته، ثم قلت له بهدوء:

ما حدث منك خروج عن القواعد والضوابط، وهذا يستوجب إنذاراً رسمياً.

اعترض بشدة، ورفض التوقيع. لم يكن الموقف سهلاً؛ فالعلاقة الإنسانية حاضرة، والتقدير المهني قائم. إلا أن العدالة لا تعرف المجاملة. أحضرته إلى المدير التنفيذي، الذي اختار بدوره إنهاء الموضوع بالتفاهم، وألغي القرار رسمياً.

انتهى الموقف إدارياً… لكنه لم ينته إنسانياً.

ذلك الموظف كان حينها يدرس الماجستير، وقلت له في أحد الأيام: أراك قائداً بالفطرة، وستكون رجلاًَ ذا شأن يوماً ما.

مرت السنوات، وأصبح يحمل درجة الدكتوراه، أستاذاً جامعياً، ورجل أعمال مرموقاً. وكلما التقيته أو اتصل بي أو اتصلت به، يكرر جملة واحدة لا أنساها: « ذلك الإنذار الذي كدت تعطيني إياه كان ممكن يوديني في حوض نعنع بل غير حياتي… جعلني أراجع نفسي، وأتعامل مع كل تفصيل بجدية ومسؤولية».

هنا أدركت معنى عميقاً في القيادة:

ليس كل قرار عادل يطبق، لكنه يترك أثره.

وليس كل حزم قسوة، أحياناً يكون أصدق أشكال المحبة.

هذه القصة ليست عن إنذار لم ينفذ، بل عن قيمة زرعت عن قائد آمن أن العدالة لا تجزأ، وأن التربية القيادية لا تكون بالتغاضي، بل بالموقف الواضح.

نحتاج أن نفرد مساحات أوسع للتعلم من قصص الحياة وتجاربها، وأن نعيد تعريف القيادة على أنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة إدارية.  فالعدل حين يجري في مساره الصحيح، قد لا يرضي الجميع لحظتها، لكنه يصنع بشراً أفضل على المدى البعيد.

العدالة لا تقصي… العدالة تعدل المسار وتلهم الآخرين.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

5-1-2026

مضى عام وانصرم بكل ما حمله لنا من أحداث متباينة؛ مؤلمة تارة وسارة تارة أخرى، مرغوب عنها أو مرغوب فيها، فرديّة أو جماعية.

أذكر، ولعلّ التذكّر فيه الكثير من العبر والنعم (وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين) وقد تنفع غير المؤمنين. والتذكير نوعان: تذكير بما لم تعرف تفاصيله، وممّا يعرف مجمله بالفطرة والعقل والشرع، فقد فطر الله العقول على محبة الخير والمنفعة والجمال، وكراهة الشر والخسران والقبح.

استقبلت العام المنصرم قبل سنة، وودّعت العام الذي قبله، وكم من الأعوام ودّعت واستقبلت منذ ولدت. كم عام تنفّست فيه الصعداء، وكتبت لأصدقائي وأحبّائي، للبعدين عنّي مكانا، والقريبين منّي ودّا، تهاني العام الجديد، متمنيا لهم ولي عاما سعيدا وعمرا مديدا في كنف السلام والرفاهية والإنسانيّة. يومها اعتقدت أنّ العام الجديد سيمنح العالم سلاما وأخوة وحبّا وإنسانيّة، وأنّ الحروب والأوبئة والمجاعات العقلية والمعوية والعصبيّات الظلاميّة المميتة، التي تزهق كلّ يوم آلاف الأرواح البريئة وغير البريئة في أقصى الكوكب الأرضي وأدناه، ستختفي، أو- على الأقل - ستضمحلّ، وتخفّ وطأتها، وسيسعدنا العام الجديد بعد سنة كاملة من الهمّ والغمّ والكرب والوجع إلى حدّ العظم.

سوف لن يتأخر الإنسان المعاصرـ الذي يتحكّم في دواليب النظام العالمي الجديد، والذي يتشدّق كلمّا طلعت شمس يوم جديد وغربت، بالعلم والمعرفة والذكاء الاصطناعي والديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان والحيوان والبيئة البحريّة والبريّة ـ عن العودة إلى رشده وصوابه وحكمته وإنسانيته، وسيضع الأشياء في مواضعها دون أدنى تردّد، وسوف تستيقظ الإنسانيّة في نفوس القاسيّة قلوبهم، لكن شتّان بين الواقع والتمنّي، فقد قطع أبو الطيّب المتنبي منذ قرون خلت قول كلّ شاعر، حين قال في بيته الشهير: ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

ما يشغلني حقّا، ليس ما هو آت الوافد الجديد، لأنّني تعودت على فقه المفاجأة، وفقه التمنيّات التي تتحوّل إلى سراب. إنّ ما يشغلني – حقّا – هو: ماذا تحقّق من أمنيات العام المنصرم؟ وما الذي لم يتحقق منه؟ هل حقّق الإنسان مشاريعه كلّها، أو على الأقل أهمها في حياته ومصيره ومصير الأجيال القادمة؟

استقبل القسم الأكبر من العالم العام الجديد بالأفراح العارمة والألعاب الناريّة والشموع والأكلات الفاخرة والمشروبات وبطاقات التهاني والموسيقى، لكن في أجزاء من العالم، مازالت الحروب دائرة رحاها، ومازال الجوع سيّد الموائد الفارغة، ومعذّب البطون الفارغة، ومازالت دكاكين السياسة تسوّق بطاقات الموت والحياة هنا وهناك، كما تسوّق تذاكر مباريات كرة القدم وكرة السلة.

كمّ هائل من الأمنيات لم ير النور. احترقت في مهدها، وكم من كتاب كان ينتظر دوره على رفوف المكتبات، ويُفتح ويقرأ منه سطر واحد. وكم من طفل كان يحلم بلعبة، لكنّه لم تصله، وكم من أم كانت تنتظر عودة ابنها من جبهة القتال، ولمّا يعد بعد. وكم من أسرة كانت تأمل في لمّة عائليّة حول مائدة القهوة أو الشاي، لكنّ أملها خاب وغاب وسط الخراب والرعب والدخان والخيّم الغارقة في المياه والأوحال، أو تلك التي ضربتها العواصف والفيضانات وسط الدهشة والحيرة، وما أبقت منها سوى الذكريات الأليمة وصرخات النجدة والغوث.

ودّعت العام المنصرم بدموع الحزن والأسف والأسى على شعوب في أدنى الأرض وأقصاها وأوسطها، شعوب ذاقت من ويلات حروب القتل والخراب والدمار والتهجير والعذاب والجوع والعطش والقرّ والحرّ والنزوح والغرق في لجج البحر. لقد كان عاما لم تخل فيه سماؤه من أزيز الطائرات وأدخنة القنابل والقذائف ودويّها.

و كم كنت أنتظر عودة العالم المتجبّر، المتكبّر، المتحارب إلى رشده ويبادر بغلق مصانع السلاح والتقليدي وتدمير الترسانة النووية، والتطهّر من فقه الكراهيّة والبغضاء، والانتماء إلى فقه الحريّة والسلام والإنسانيّة والأخوة والتكافل. وأنا موقن أن العودة إلى عالم خال من أسلحة القتل والتدمير هو أفضل ما تنظره الإنسانيّة ويحلم به المعذبون في الأرض.

لن أحتفل بقدوم العام الجديد، وكيف أحتفل والحروب بين أبناء آدم، مازالت تدور رحاها على قدم وساق في شتّى أنحاء القارات؛ في إفريقيا وآسيا وأوروبا. لأنّ المنطق يفرض عليّ قبل الاحتفال بالعام الجديد، تقييم مجريات العام المنصرم، وإعداد تقرير أدبي حول وضعه السياسي والحقوقي والإنساني والثقافي، وإعداد خارطة الأرباح والخسائر – كما تفعل شركات الاستثمار الاقتصادي والرياضي - والمقارنة بينه وبين العالم الذي سبقه.

أنا لا تهمّني الأرباح والخسائر المادية، لأنّها قابلة للمراجعة والتعويض، ما يهمّني – حقّا – هو تحقّق من الأرباح المدرجة في البورصة الإنسانيّة. لأنّها خسائرها غير قابلة للتعويض والاعتذار بتاتا. وسأعدكم بالاحتفال بالعام الجديد في آخر يوم منه، إذا تحقّق أملي وتجسّد حلمي، وهو رؤية العالم خاليا من الحروب، متدثرا براية الإنسانيّة والمحبة تحت شجرة السلام العادل. يومئذ سأحتفل بكلّ سنة جديدة، وأبايع كلّ من أعاد الابتسامة والطمأنينة للمحرومين من الطعام والأمن والسلام.

***

بقلم الكاتب الروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

 

من أخطر ما أصاب الوعي الديني عبر التاريخ أن يتحوّل الدين من رسالةٍ إلهيةٍ جامعة إلى هوياتٍ طائفيةٍ متناحرة، ومن دعوةٍ للإنسان إلى الله إلى دعوةٍ للناس نحو الجماعة، والمذهب، والراية، والزعيم. وهنا تتبدّى الفجوة العميقة بين إسلام الله بوصفه دينًا للإنسانية، وإسلام الطوائف بوصفه صناعةً بشرية، مشحونة بالخوف، والسلطة، والاصطفاف.

إسلام الله: رسالة قبل أن يكون هوية

إسلام الله لم يأتِ ليصنع «طائفة ناجية» في مقابل «طوائف هالكة»، بل جاء ليحرّر الإنسان من كل انتماءٍ ضيّق يحجبه عن أخيه الإنسان. جاء ليبني الضمير لا القطيع، وليوقظ العقل لا الغريزة الجماعية.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾… لا: يا أيها الطائفة

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لا: أنقاكم مذهبًا

إسلام الله يخاطب الإنسان قبل المسلم، والإنسانية قبل الجماعة، والأخلاق قبل الشعارات.

إسلام الطوائف: حين يتحوّل الدين إلى سور

أما إسلام الطوائف، فهو حين يُختَزل الدين في فهمٍ واحد، ويُختَطف النص لصالح جماعة، ويُرسم خطٌّ وهميٌّ بين «نحن» و(هم). هنا لا يعود الاختلاف ثراءً، بل يتحوّل إلى تهمة، ولا يعود التنوع آيةً، بل بدعة.

تشدُّدُ بعض الطوائف لم يكن دفاعًا عن الدين، بل دفاعًا عن الهوية المهدَّدة. وحين يخاف الإنسان على هويته، يصبح مستعدًا لتبرير العنف باسم المقدّس.

 العنف باسم الله: أمثلة لا تُنكر

التاريخ الإسلامي – كما غيره من تواريخ الأديان – ليس بريئًا من الدم. جماعاتٌ رفعت شعار «تطبيق الشريعة»، لكنها مارست القتل، والتكفير، وإلغاء الآخر:

فرقٌ كفّرت المجتمع لأنه «لا يشبهها»، فاستحلّت دمه.

جماعاتٌ رأت في الاختلاف العقدي مبررًا للقتل، لا مجالًا للحوار.

حركاتٌ أقامت «دولة الله» على جماجم البشر، ونسيت أن الله لا يُختصر في دولة ولا يُمثَّل بسلاح.

والمفارقة المؤلمة أن كل هؤلاء يستشهدون بالقرآن، بينما القرآن يقول بوضوح:

﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾

لم تتأسس أغلب الطوائف بدافعٍ دينيٍّ خالص، بل في سياقات سياسية واجتماعية: صراع على السلطة، خوف من الإقصاء، شعور بالظلم، أو حاجة نفسية إلى الانتماء. ثم جاء الفقه لاحقًا ليُشرعن الواقع، وجاء التاريخ ليكتبه المنتصر، وجاءت القداسة لتُلبِس البشر لباس العصمة. وهكذا، تحوّل الاجتهاد إلى عقيدة، والرأي إلى إيمان، والزعيم إلى ظلّ الله في الأرض.

إلغاء الآخر: أخطر أشكال الشرك الخفي

إلغاء الآخر ليس خطأً أخلاقيًا فحسب، بل انحراف ديني. لأن الله نفسه أقرّ بالاختلاف:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

فالذي لا يحتمل المختلف، إنما يعترض – دون أن يشعر – على مشيئة الله في التنوع.

حزب الله الحقيقي: لا الطائفي

حين ندعو إلى الرجوع إلى حزب الله، فلا نعني حزبًا سياسيًا، ولا تنظيمًا، ولا رايةً جغرافية. نعني ما قصده القرآن:

﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾

وحزب الله هنا ليس بطاقة عضوية، بل قيم: العدل، الرحمة، الصدق، كرامة الإنسان، ونصرة المظلوم أيًّا كان. كل من جعل الله غايته لا وسيلته، وكل من جعل الإنسان مقصد الدعوة لا وقودها، فهو من حزب الله… وإن لم ينتمِ إلى أية طائفة.

 التعايش: أصل الدعوة لا تنازلٌ عنها

التعايش ليس ضعفًا، بل فهمًا عميقًا للدين. والنبي محمد ﷺ عاش في مجتمع متعدد: يهود، مشركون، منافقون، ولم يُلغِ أحدًا، ولم يُجبر أحدًا على الإيمان.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾

هذه ليست آية هدنة، بل مبدأ وجود.

كسر الأصنام الجديدة

أخطر أصنام عصرنا ليست حجرًا، بل شخصيات مقدسة لا تُسأل ولا تُناقَش. زعماء طوائف، شيوخ جماعات، دعاة كراهية… نرفعهم إلى مقام العصمة، ثم نتساءل: لماذا تعطّل العقل؟

الدين لا يحتاج أوصياء، والله لا يحتاج محامين، والحق لا يخاف من السؤال. إسلام الله واحد، واسع، رحيم، إنساني. أما إسلام الطوائف فكثير، ضيّق، متنازع، ومثقل بالتاريخ والخوف. الخلاص ليس في تبديل طائفةٍ بأخرى، بل في الخروج من منطق الطوائف أصلًا. الخلاص في دينٍ يعيد الإنسان إلى مركز المعنى، ويعيد الله إلى مقامه: إلهًا للهداية… لا أداةً للصراع.

أكتب هذا وأنا منحازٌ إلى الله لا إلى الطائفة، وإلى الدين بوصفه هداية لا هويةً مغلقة. أريد إسلامًا من الله، لا إسلامًا صاغته الفرق وصادقَت عليه الصراعات. أؤمن بربٍّ واحد لا يتجزّأ على المذاهب، ولا يُمثَّل بجماعة، ولا يُحتكَر براية. وإن كنتُ قد وُلدتُ في طائفةٍ دان بها والداي، فذلك انتماءُ الميلاد لا خيارُ الإيمان، أما إسلامي فهو اختيارُ وعي، وموقفي أن الله أوسع من الطوائف، وأن الإنسان هو غاية الرسالة لا وقودها.

***

بقلم: د. علي الطائي

2-1-2026

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة مؤجلة في مستقبل بعيد، ولا وعدًا تقنيًا يخص المختبرات وحدها. لقد أصبح حاضرًا يتسلل بهدوء إلى تفاصيل حياتنا اليومية، يغيّر طريقة تعلّمنا، وأساليب عملنا، وحتى أنماط تواصلنا مع أنفسنا ومع الآخرين. لم يعد مجرد أداة، بل قوة صامتة تعيد تشكيل التجربة الإنسانية ذاتها. ولعل المفارقة الدالة أن هذا النص نفسه، كما كثير من النصوص اليوم، مرّ عبر يدٍ خوارزمية قبل أن يصل إلى القارئ، في مشهد يكثّف طبيعة اللحظة التي نعيشها.

الذكاء الاصطناعي، في جوهره، ليس قصة تقنية بحتة، بل فصل جديد من تاريخ الإنسان. فكما شكّلت النار نقطة تحوّل حاسمة في مسار البشرية، وكما أعادت الزراعة والصناعة والحوسبة رسم صورة العالم، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم بوصفه تكنولوجيا عامة، قادرة على إحداث تغييرات لا تمس الأدوات فقط، بل تمسّ الإنسان نفسه. النار لم تمنحنا الدفء فحسب، بل أعادت تشكيل أجسادنا، غيّرت جهازنا الهضمي، وأنماط عيشنا، وبنية مجتمعاتنا. وكذلك تفعل كل تقنية كبرى: لا تخدم الإنسان فقط، بل تعيد صناعته. ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي مرشحًا لأن يكون في أهمية النار، وربما في خطورته أيضًا.

ما يميّز هذه الموجة التقنية عن سابقاتها هو أنها تستهدف جوهر ما اعتدنا اعتباره حكرًا على الإنسان: الذكاء، والإبداع، والقدرة على المحاكاة والتعلّم. فمنذ منتصف القرن العشرين، حين طرح آلان تورينغ سؤاله الشهير: «هل يمكن للآلة أن تقنع الإنسان بأنها إنسان؟»، ظلّ هذا السؤال معلقًا بين الفلسفة والرياضيات. واليوم، وللمرة الأولى، نجد أنفسنا أمام أنظمة قادرة على الكتابة، والرسم، والتأليف، والتحليل، بطريقة تجعل الإنسان يتردد: أأنا أمام أداة أم كيان يحاكي الوعي؟ ومع ذلك، فإن هذه اللحظة ليست ذروة المسار، بل بدايته فقط. وهنا ينبثق السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا: ماذا يعني أن نكون بشرًا في عالم تصبح فيه الآلة قادرة على تقليد ذكائنا وإبداعنا، وربما تتجاوزه في بعض المجالات؟

الفرص التي يفتحها هذا التحول هائلة، لكنها لا تأتي دون أثمان. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ أخلاقي، بل داخل عالم بشري مثقل بالتوترات والصراعات وسوء الاستخدام. كثير من النقاش العام انجرف نحو سيناريوهات كارثية كبرى: سيطرة الآلات، فقدان السيطرة، نهاية الإنسان. وهي مخاوف ليست مستحيلة، لكنها بعيدة ومشروطة. الأخطر من ذلك هو ما يحدث بالفعل، هنا والآن: استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل، وصناعة الأكاذيب المقنعة، وتزييف الواقع على نطاق غير مسبوق. فقبل أن «تقضي علينا الآلات»، قد يستخدمها البشر ضد بعضهم البعض بمهارة تفوق كل ما عرفناه من قبل.

في هذا السياق، لا يبدو التزييف العميق مجرد تقنية جديدة، بل زلزالًا يصيب مفهوم الحقيقة ذاته. نحن نعيش داخل منظومة رقمية حديثة العهد، لكنها أصبحت العمود الفقري للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذه المنظومة كانت تعاني أصلًا من هشاشة الثقة، وجاء الذكاء الاصطناعي ليضاعف الأزمة: كل صورة قابلة للتركيب، كل صوت قابل للتقليد، كل فيديو محتمل التزييف. لم يعد السؤال: «هل هذا حقيقي؟» بل: «هل يمكن لأي شيء أن يكون حقيقيًا؟». وعندما تتآكل الثقة، تتصدع أسس الاجتماع الإنساني.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات للمواجهة. فهناك مساعٍ تقنية لتطوير أدوات تكشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، رغم محدوديتها. وهناك أفكار أكثر عمقًا، مثل توثيق أصل المحتوى وربط كل معلومة بهوية رقمية تكشف مصدرها، بحيث يصبح الصدق جزءًا من بنية المعلومة نفسها. غير أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي؛ فالمسألة في جوهرها ثقافية وأخلاقية، تتعلق بكيفية إدراكنا للواقع، وباستعدادنا للتشكيك الواعي بدل التصديق الساذج.

حتى في أكثر المناطق حميمية في حياتنا، بدأ الذكاء الاصطناعي يمدّ ظلاله. العلاقات الإنسانية لم تعد بمنأى عن هذا التحول. نماذج المحادثة القادرة على محاكاة العاطفة خلقت أشكالًا جديدة من الارتباط، بعضها يبدو مقلقًا، وبعضها يثير أسئلة أخلاقية معقدة. هل يكفي الإحساس بالدعم العاطفي، حتى لو كان صادرًا عن آلة؟ وهل الوحدة تُعالج بالوهم إذا كان الوهم أقل قسوة من العزلة؟ ربما لا توجد إجابات جاهزة، فكل حالة تحمل سياقها الخاص، وما يبدو مرفوضًا فلسفيًا قد يكون خلاصًا عمليًا لإنسان وحيد.

في نهاية المطاف، لا يفرض الذكاء الاصطناعي علينا مستقبلًا محددًا، بل يضعنا أمام مرآة كبرى. إنه يكشف هشاشتنا، وطموحنا، ومخاوفنا، وقدرتنا على الخلق والتدمير في آن واحد. الصورة لم تعد تساوي ألف كلمة، لأنها قد تكون مصنوعة بالكامل. لكن هذا لا يعني نهاية المعنى، بل انتقاله إلى مستوى جديد من الوعي. وكما لم تُلغِ الكاميرا الرسم، لن يلغي الذكاء الاصطناعي الإنسان. إنه يغيّر شروط التعبير، ويدعونا إلى إعادة تعريف الحقيقة، والإبداع، والمسؤولية. وهنا، تحديدًا، تبدأ القصة الحقيقية: قصة الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه، في زمن صارت فيه الآلة قادرة على تقليده.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم