أقلام حرة

أقلام حرة

ليست كلُّ الجوائحِ فيروساتٍ تُرى بالمجهر، بعضُها أفكارٌ، وسلوكياتٌ، وأصواتٌ تتسرّب إلى الروح على مهل، حتى إذا استيقظ المرء وجد نفسه غريباً عن نفسه. إنّ البيئة المريضة معدية، لا لأنها تصرخ، بل لأنها تُكرّر، ولا لأنها تُقنع، بل لأنها تُطَبِّع القبح حتى يبدو عادياً، والخطيئة حتى تُسمّى ذكاءً، والانحطاط حتى يُلبَس ثوب الجرأة.

هي بيئةٌ تُدار فيها المجالس بالغيبة، وتُزيَّن الأحاديث بالبهتان، وتُبنى المكانة على اتهام الآخرين، لا على تزكية النفس.

بيئةٌ إذا تكلّم فيها أحدهم، جرّح، وإذا صمت، دبّر، وإذا ابتسم، خبّأ سكيناً.

الألفاظ فيها خادشة، والنيات مشوّهة، والفضيلة غريبة، والأدب موضع سخرية.

لا تُربّي، بل تُسقِط.

لا تُهذّب، بل تُجرِّم.

لا تفترض البراءة، بل تتغذّى على الشك.

لا ترى الإنسان مشروعَ نور، بل مادةً للشيطنة.

والخطر كلُّ الخطر، في أنّ الاعتياد أخطر من الصدمة.

أن تسمع القبح مرة فتشمئز، خيرٌ من أن تسمعه ألف مرة فتبتسم. أن ترفضه من أوّل الطريق، أهون من أن تسكنه في منتصف العمر. من يُجبر على العيش في هذه البيئة، يقف أمام امتحانٍ قاسٍ، لا حياد فيه:

إمّا أن يحارب: بالكلمة الصادقة، وبالموقف النظيف، وبالثبات الذي لا يساوم، وهو طريقٌ شاقّ، لكنه طريق الأحرار.

وإمّا أن ينعزل: حفاظاً على قلبه وعقله، لأن السلامة أحياناً في الصمت، ولأن النجاة ليست دائماً في المواجهة.

وإمّا أن يستسلم: وحينها لا يبقى كما كان؛ يصبح نسخةً أخرى من القبح الذي كان يلعنه، ويشارك في الجريمة وهو يظن نفسه ضحية.

وهنا بيتُ القصيد: فليس كلُّ بقاءٍ حكمة، وليس كلُّ خروجٍ هروباً. إن البقاء في بيئة تُفسدك خيانةٌ للنفس، والخروج منها وفاءٌ للقيم. أن تُنقذ روحك ليس أنانية، بل مسؤولية؛ لأنك إن فسدت، فسد بك غيرك.

احذر… فالقيم لا تموت فجأة، بل تُغتال بالتدريج. إن الإنسان لا يسقط دفعةً واحدة، بل ينزل درجةً فدرجة، حتى ينسى أين كان يقف. قاوم… قاوم بأن تكون مختلفاً دون ضجيج، نقياً دون استعلاء، صادقاً دون قسوة. قاوم بأن تذكّر نفسك كل صباح: لستُ مضطراً أن أكون مثلهم كي أنجو.

أو غادر… غادر حين يصبح الثمن هو روحك، وضميرك، ووجهك في المرآة. غادر لأن بعض الأماكن لا تُصلَح، بل تُترك، وبعض البيئات لا تُعالَج، بل تُهجَر.

فاختر لنفسك صحبةً تُذكّرك إذا نسيت، وترفعك إذا ضعفت، وتخجلك من المعصية لا تُدرّبك عليها.

واعلَم: إن الإنسان ابنُ ما يعتاد، لا ابنُ ما يدّعي، فإن أردت النجاة، فابدأ من هنا… من اختيار البيئة، قبل أن تختارك هي.

***

الشيخ الدكتور ليث عبد الحسين العتابي

مضى عام وأوشك على الإنتهاء، مضى بكل ما حمله في طياته من نجاحات وإخفاقات، بإيجابياته وسلبياته، بحلوه ومره، بابتساماته وعبوسه، بحروبه وظلمه وجبروته وغياب الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والقانونية والحقوق، بألفة تجمع الناس أو تمزق شملهم ووحدتهم، بصداقات تبنى أو عداوات تنهك، بأناس عاشوا وآخرون افتقدناهم، بكل ما قد يَظهر للعلن أو يبقى طي الأسرار والكتمان في القلوب والصدور والعقول والأفكار.

مضى عام، ومن قبله أعوام خلت، يأخذ كل منها من أعمارنا جزءاً، وينحت في عقولنا وأفئدتنا الكثير من الفرح والهناء، أو الألم والعناء. وما أجمل ما قال الشاعر:

دقات قلب المرء قائلةٌ له    إن الحياة دقائقٌ وثواني

أيامنا معدودة، تنقص ولا تزيد، وإذا ذهب يوم فلا عودة له. قال الحسن البصري رحمه الله:

"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك"

وقال ابن القيم رحمه الله:

"إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن الموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، وإضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة".

بائع الثلج المسكين !!! ذكر ابن الجوزي في كتابه (المدهش) أن رجلاً كان يبيع الثلج، فكان ينادي عليه فيقول: «ارحموا من يذوب رأس ماله»! لقد كان هذا الرجل يستدِر عطف الناس وأموالَهم بأن بضاعته تذوب مع الوقت فتفنى؛ فلو لم يبع الثلج لذاب، ولضاع رأس المال، فهو ينادي في السوق: «ارحموا من يذوب رأس ماله» أي: اشتروا مني الثلج وإلا ذاب وضاع رأس مالي كله. ارحموا من يذوب رأس ماله اغتنم الأيام المعدودات.. قال واحد من السلف الصالح: لقد قرأت سورة "العصر" عشرين عاماً ولا أفهم معناها.. هنا فهمت أن هذا هو معنى القسم في سورة "العصر".. فرأس مالك في الدنيا هو عمرك.. واللحظة التي تمر من عمرك لن تعود ثانية.. فكل واحد منا يذوب رأس ماله.. فانتبهوا لرأسِ مالكم وهو الوقت الذي تحيا فيه.. قبل أن ينتهي الأجل..

تمضي الأيام والسنون دون أن نوليها ما تستحق من انتباه أو محاسبة. تمر الخبرات والتجارب ونحن غافلون عن الاستفادة منها وتقويم أخطائنا، فلا ينبغي أن نجعل الماضي سياطاً لجلد الذات، ولا نعيش أسرى الندم، بل نتخذه نبراساً يهدينا إلى طرق السلام، لا عائقاً يشدنا للخلف ويحبسنا في دوامة الحزن وكأبة الأيام.

من جمال الفعل الإنساني أن نجعل ما مضى جسراً إلى ما هو آتٍ، طريقاً معبداً يقودنا نحو مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا، دافعاً إيانا للاستمرار رغم التحديات. فالماضي مدرسة نتعلم منها، نثبت فيها ما أحسنا فعله، ونعالج ما أخطأنا فيه، ونبدله بالأفضل الذي يدفعنا للأمام.

لقد أثبتت الدراسات أن ما بين 40% إلى 60% من الأمراض الجسدية — كأمراض القلب والضغط والسكري والقرحة والسرطان — هي نفسية المنشأ، فضلًا عن اضطرابات القلق والاكتئاب وغيرها مما يعصف بحياة الإنسان ويشوه نظرته وصورته لنفسه وللعالم. من حوله

لهذا، تصبح إدارة الوقت والعمر بوعيٍ وحكمة أمراً حاسماً في سعادتنا وتوازننا. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".

فكيف لو استثمرنا أيامنا في مضاعفة نجاحاتنا وتجاوز إخفاقاتنا ووضع آليات تمنع تكرارها؟

الخطأ ليس عيباً في حد ذاته، إنما العيب أن نكرره دون مراجعة أو تصويب.

فلنزرع الجمال واللطف والإيجابية في نفوسنا وفيمن حولنا، ونبتعد عن السوداوية والتشاؤم. ولنتذكر أن الإنسان يخطئ، وبإمكاننا دائماً إعادته للصواب بلطف الكلمة وحكمة الفعل. فالمحبة والابتسامة الصادقة بلسم يشفي الجراح ويعيد الألفة والطمأنينة بين القلوب.

إن صادفنا في أعوامنا ما آلمنا، فلنجعل مرارته دافعاً للترميم، وباباً جديداً للمصالحة والعفو والتسامح، وبناء القوة داخل الأسرة والمجتمع. فالعيش بود وإخاء وتعاون أعظم بكثير من التنازع الذي لا يحرق إلا أصحابه.

إن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا؛ دين واحد، وطن واحد، وقواسم عظيمة لا تقاس بتفاهة الخلافات العابرة أو نزوات أنانية قصيرة الرؤية والمصالح الفردية. فالاتحاد قوة، والتفرق تمزق وضعف، كما أثبتت الأمم المتقدمة حين جعلت الاندماج سبيلاً للقوة والديمومة، بينما تبقى الشعوب التي تنهكها الصراعات رهينة التبعية والانقياد.

فلنجعل من الأعوام الماضية نقطة انطلاق نحو أعمار تثمر خيراً وبراً.

وكل عام وأنتم بخير، من صناعة الأمل لا من أسر الألم.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

1-1-2026

في خضم الجدل الدائر منذ ايام حول حديث السيدة بلقيس شرارة حول الراحل السياب، انبرى بعض "المثقفين" لموضوع الخلاف بروح تتظاهر بالهدوء وسعة الصدر وبُعد النظر وأخذوا يدافعون عن طروحاتها ويبحثون عن ذرائع افتراضية من باب ربما كانت تقصد كذا ، او ربما خانها التعبير او انها لاتجيد اللهجة العراقية الخ....

اسأل هؤلاء السادة: ما الذي يربطنا بالكتّاب والادباء سوى كتاباتهم؟ نحن لانعرفهم ولم نلتق بهم وربما قد رحلوا من عالمنا قبل ولادتنا ،لذلك نحن نحاسبهم على مايكتبون ويقولون ونوافق عليها او نعترض او نُدين مايقولون..

اما ماكان في دواخلهم ونواياهم الدفينة فلا أحد يحق له التكهن بها ..

احد هؤلاء المثقفين قال ان ماحصل من انتقادات هو جوقة عزف نشاز تعزف لحن الكراهية ثم قال ان كل أطياف العراق هاجموها من شيوعيين وبعثيين وقوميين وسنة وشيعة الخ.. ووصف ذلك السلوك الجمعي بأنه فزعة عشائرية !!

وهذه حجة عليه وليست له لانها تعني ان القضية اصبحت عراقية وطنية عابرة لكل انتماء آخر..

كاتب آخر قال: الكل يهاجمها لانها تمردت على النفاق الاجتماعي.. !!

اليست تلك اهانة لكل المشاركين في ذلك التحرك؟

هؤلاء الذين نشأ في نفوسهم شعور بالسيادة الثقافية الأبوية مع انهم سياسيون قدماء فاشلون قرأوا العديد من الكتب دون ان يتبلور لديهم منهج واضح..انهم يفتخرون بانتقاد اي تصرف ويتصرفون باستعلاء مع كل المجتمع..

هل هنالك مؤسسات لا نعرفها تقوم بتصنيف الكتّاب وتمنحهم مراتب معينة؟

ولعمري فأن كلام هؤلاء السادة لا يقل قسوة وعنف عن كلام السيدة شرارة.

بعض ادعياء الثقافة الرصينة الهادئة المتعالية، والذين هربوا بافكارهم اليسارية الى الدول الامبريالية، هنالك يقبعون ويقدمون لنا نصائح حول سلوك المثقف مابعد الحداثوي ..

لماذا لايحق للانسان ان يغضب؟ اليس الغضب هو رد فعل انساني وهو جزء من البنية السلوكية للأنسان؟

لقد ضحكت بمرارة من قول أحد هؤلاء من شيوخ وزعماء "الثقافة" في العراق عندما قال في معرض دفاعه عن السيدة بشارة ان والد زوجها هو مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في العراق وانه أب اليسار العراقي (يقصد السيد المرحوم كامل الجادرجي)..

مع ان السيد الجادرجي مؤسس الحزب الوطني الديمقراطي وليس الاشتراكي الديمقراطي وليس هو والد اليسار العراقي!! كان الرجل يمثل الاتجاه الوسطي بين اليسار واليمين.

وهكذا نلاحظ الجهل القابع وراء شرنقة قديمة من مخلفات المعرفة والمعلومات والتي يلعب اصحابها دور الموجه التربوي للمجتمع.

***

د. صلاح حزام

فتلك الذكريات التي تأتي وقد تؤدي وقد لا تؤدي...

ما أسرع وتيرة الزمان الذي نعيشه بالاستهلاك، حتى بات الزمن هو من يُطارد أيامنا بالتداول والمناولة، ويُهددنا بحتمية الموت، والوصول إلى خط النهاية (مفهوم القدر)، حينها قد نعتبر الزمن فرديا في تقرير(حتمية الموت) الفردية، وحين ذهابنا الآمن ضمن مكونات (ممكن الوجود)، فلن نُغير شيئا غير بقاء أثر الخير وخدمة الإنسانية، ولن يتوقف علينا حينها لا الوجود ولا الزمان من سنن الاستمرار المستديم، ولكن من رأيي أن الزمان هو نحن، ونحن الزمان بحد ذاته الفردية والجماعية، من تم فلن نحارب الزمان ولن نطارده، فهو أشد قوة منَّا، وقد نخاف منه بالتباع ، وكذا من فوضى الاستهلاك الرديء للزمن وغير الخير في الفعل.

من تعريفات مفهوم التاريخ الطريفة "فهو الروايات القديمة" ونحن لا نَعرف من الزمان غير مصطلح الماضي والحاضر والمستقبل، ولا نقدر على معرفة ما يختفي "ما بعد المستقبل" !!!  من تم، قد لا نعرف (لا ماهيته ولا جوهره الحقيقي) في ظل غياب المعقولية والحياة الموجهة بالرزانة والثقافة المرجعية (الدينية). 

ومن حسن التعريف أن الإنسان لا يمكن أن يفهم ذاته وغيره (الآخر) إلا من خلال انفتاحه على مفهوم الزمن، ومعرفة فواصل الفرق بين (الخير/ الشر). فيما التوقف عند الماضي (2025) وما قبلها، فهو الخطأ الذي نقع فيه جميعا من خلال استبدال الحلم في المستقبل المغير بالذكريات الماضية. ورغم فالماضي بحق هو المرجعية والمرآة الفاصلة، وكذا هو الهوية الذي يضمن إدراك أصالتنا الفردية والجماعية، ومعنى الحياة ضمن النظام السماوي (الحاضر والمستقبل)، وتحقيق القيم الاجتماعية الفضلى (الامتداد).

من حسن التمسك بسنن الحياة، ارتباط الحاضر والماضي بلحظات متحركة لا جامدة، وممارسة فعل الحياة المتلازمة بالعطاء... فيما الانفتاح على الزمن فقد يبقى رمزا لمتوالية رياضية (ادفع) نحو المستقبل سنة (2026) وما بعدها من أحداث خفية، من تم قد يحدث الانفتاح على المستقبل (دراسة الجدوى) دون الوقوف عند غيبية ما يمكن أن يكون (ما بعد المستقبل). وبهذا يكون الماضي مثلا سنة (2025) ليس ما انقضى من الزمن، لأن حضور الحاضر سنة (2026) ليس باللحظة الجامدة، بل هو اللحظة المتحركة بوسائط الفعل التفاعلي.

من تم، فالزمن رمز لإصباغ المعقولية على الحياة (العقل والنقل)، وضبط ساعاتها المتحركة، رغم أننا لا نعلم جوابا عن سؤال: متى ينتهي الزمن (الغيب)؟

الليلة قد تنقضي (إن شاء الله) سنة (2025) بتوافد الذكريات التي تؤدي وقد لا تؤدي (تقويم مسار الحياة)، ومدى اكتسابنا خبرة فردية أو جماعية لكل ذات وآخر، على اعتبار أن الزمن يكون فرديا قبل أن يضمنا في نحن والزمن... حلم سنة أسعد (2026) بمفهوم الكونية لا بالمرجيات التاريخية التي تتأسس عليها...

***

محسن الأكرمين

وهكذا تمضي بنا الأيام سريعاً، لنجد أنفسنا نودع عاما، عشناه، بكل تداعياته، افراحا، وشقاء، معاناة، وانبساطا، غبطة، وهموما، ونستشرف عاماً جديداً.. سنكون على موعد معه، في إطلالة صباح أول يوم منه، بعد ساعات.. متفائلين أنه سيحل علينا بإطلالة سعيدة..

هكذا تمر الأعوام كالنسيم، تحمل معها ذكرياتنا، وأحلامنا، وأشخاصنا، ليأخذ منا، كل عام يرحل، جزءًا من حياتنا، ويترك لنا دروسا بليغة، وآثارا لا تُمحى.

وفي سيرورة لا تتوقف، تمضي بنا الأعوام، ويأتي الغياب، ولا يبقى لنا منها، الا ٱثرنا، وما تتركه فينا من ذكريات.

فكلما رحلت الأعوام، تذكرنا ما مضى، وماذا غادرنا مع رحيلها، وما سيأتي معها، لتظل الأعوام، بما هي سجل ذاكرة حركة الزمن، أرشيفا، يحمل في طياته لحظات الفرح، والألم، لنتذكر أصدقاء الطفولة، وأيام الدراسة، والأماكن التي عشناها، والحنين إلى ذلك الماضي الذي غاب عنا ولم يعد..

ومع رحيل الأعوام، يغادرنا الأحبة، وتتغير الأماكن، ويتغير الأشخاص، وتندثر الكثير من المعالم، فكل شيء مع الزمن يرحل، إلا الذكرى تبقى ولاتزول..

فغياب اللاعودة، وفلسفة الزوال تعني أن الحياة رحلة مستمرة نحو النهاية الحتمية. وكل لحظة نقضيها هي جزء من سفر الرحيل، فالناس وهم يعيشون الحياة، يبدون كأنهم وراق الخريف، تتساقط مع حركة الزمن، الواحدة تلو الأخرى.

ولعل التأمل في الغياب، غياب الأشياء، والأشخاص، هو ما يجعلنا نستذكر قيمة ما كان، بعد أن افل وغاب، والتأمل في الاستعداد، للتعايش، مع القادم من المستجدات.

ولاريب أن التعامل مع رحيل الأعوام، يتجسد في الاحتفاظ بالذكريات، حيث تبقى، الصور، والكلمات، والٱثار، ارشيفا يستحضر الماضي، ويبقيه حيًا، يعيش معنا لحظات الحاضر، وكانه لم يرحل بعد، لتظل الذكريات، هي الأثر الوحيد، الذي يبقى، ولا يزول.

فكم تبدو الحياة قصيرة، برحيل الأعوام، على عجل، وكم يتحتم علينا، أن لا نضيعها في الاستغراق بالندم، ومن ثم كم يتحتم علينا، ان نحرص على أن نعيش الحاضر، بتفاصيله، وان لا ندع الماضي يسرق منا لحظة الحاضر، وان نعيش كل يوم يمر بنا، كما لو انه سيكون، آخر يوم سيمر بنا، ويرحل.

***

نايف عبوش

بعد ثلاثين عاما على رحيله في بلاد الغربة، قررت دار الشؤون الثقافية ان تعيد البسمة الى وجه شاعر الغربة بلند الحيدري، لتقدم لنا مجموعته الشعرية الكاملة، وفيها يحول الشاعر الكبير حروف كلماته وعذاب غربته إلى قصائد حب.

بلند كان مغرماً بما يكتب، يعتقد أن الفكر والشعر سيصنعان بلداً يكون ملكاً للجميع، ومجتمعاً آمناً لا تقيّد حركته خطب وشعارات ثورية، ولا يعبث باستقراره ساسة يتربصون به كلّ ليلة.. ديمقراطية، تنحاز للمواطن لا للطائفة، وتنحاز للبلاد لا للحزب والعشيرة. عاش أسير أحلامه، متنقلاً في الشعر والحب.

في السنوات الاخيرة وبجهود الشاعر عارف الساعدي تحاول الثقافة اعادة التوهج الى ذاكرة العراقيين، الاعمال الكاملة للجواهري مع مذكراته الثمينة.. اعمال نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة وعبد الوهاب البياتي وحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم، واحمد الصافي النجفي، وياسين طه حافظ، وجميل صدقي الزهاوي، الى جانب مؤلفات مدني صالح واعمال العلامة مهدي المخزومي وجعفر الخليلي وعشرات ممن حاولت الحكومات السابقة ان تطوي صفحاتهم في غبار النسيان.

على مدى سنوات ماضية عشنا مع سلطة ظلت تنظر اإلى الثقافة، باعتبارها كماليات زائدة لا يحتاجها المواطن العراقي في زمن القادة "العظام". أنت مواطن مثقف ما دمت تذهب إلى صناديق الاقتراع تنتخب جماعتك، وتمنحهم صوتك، وأنت مغمض العينين. ينظر الى المثقف باعتباره كائناً غريباً، لا يحق له أن يطالب بتوفير كتاب رخيص الثمن، ومشاهدة مسرحية راقية، ومتابعة ما تجود به الفرقة السيمفونية. فمهمة الدولة كانت تعبيد طرق الآخرة أمام الناس، ألم يصرخ أحد النواب في زمن "المفكر" إبراهيم الجعفري "ياجماعة حرام تخصصون أموال لوزارة تدعم الراقصات".. كانت هذه هي المسخرة التي عشنا فيها منذ أن قررت الدولة منح وزارة الثقافة لضابط شرطة، ومن بعده لقاتل، ثم تسلمها لسعدون الدليمي الذي حول اموال الثقافة إلى وزارة الدفاع تحت شعار "كل شيء في سبيل المعركة" وكانت معركته الحقيقية هي وضع حجر الأساس لدار أوبرا وهمية، وصرف مئات الملايين على نشاطات لا تمت للثقافة بصلة، واختصار فعاليات بغداد عاصمة الثقافة بحفل لمطربة درجة عاشرة اسمها "مادلين مطر"، في الوقت الذي عرفضت فيه عن إعمار مسرح الرشيد الذي وقف على خشبته نجوم المسرح العراقي.

ننظر الى الحراك الثقافي هذه الايام والذي يلعب به عارف الساعدي دورا رئيسا برغم ما يتعرض له من هجمات من "الذباب الثقافي" الذي يكره المستقبل ويصر على العيش في احضان الماضي.. اليوم صناعة الكتاب في العراق تزدهر، وسعيد افندي يحاور نجوم مهرجان كان السينمائي، والعلامة احمد سوسه يتنظر زواره في بيته الكبير، وفائق حسن يلون مجسره.. وبعد ان كانت مخصصات الثقافة تذهب لجيوب المسؤولين، تحولت اليوم الى مسرحيات ومسلسلات وافلام شبابية وكتب تزين المعارض العربية. عافية ثقافية يقف وراءها شاعر مبتسم دائماً.

***

علي حسين

بعض مفكرينا من أصحاب المشاريع النهضوية المنضّدة على رفوف التجاهل والنسيان، يرى العلة في أن الأمة مهتمة بالعلوم الدينية، ومتمترسة في ذاتها المنغلقة، وعندما تعرّضت لأنوار العلم منذ القرن التاسع عشر أصابتها الصدمة، ووجدت نفسها غير قادرة على المواكبة لعلم أوجده الغرب.

وهذا طرح لا يمتلك رصيدا واقعيا، ويكشف جهل أصحابه بتراث الأمة، ودورها في مسيرة الإنسانية الحضارية.

أمتنا منبع العلم ومنطلق أساسياته، التي أوصلت الدنيا إلى ما هي عليه اليوم، فما تمكن منه الغرب بدأ من الأرضية العلمية العربية، التي إنطلقت منذ القرن الثامن الميلادي وتواصلت لقرون، حتى أخرجت الدنيا من عصورها المظلمة، فتمتعت بأنوار العقل وتفاعلت مع العلم، بعد أن أهملت ثقافات الطاغوت والإستعباد للبشر بإسم الدين، الذي سفك دماء الملايين من أبنائها، قبل أن ترتشف النور العربي الساطع.

الأمة عالمة، والذي يهمل هذه الخاصية المتميزة يسعى لمعاداتها، وتستطيع أمتنا أن تنهض وتكون في بضعة عقود، عندما تتوفر لها قيادات ذكية، وتزدان كراسيها بالعارفين المتنورين، لا بالجاهلين المتوهمين بأنهم يعرفون، وهم في دياجير الأمية يعمهون، فيعادون أنوارها المعرفية، ويحاربون عقولها الحضارية الإبداعية، ويحشدون أبواقهم الصاخبة حول كراسي القهر والفساد والمتاجَرة بدين.

الأمة أقوى وأعرق من دعوات الغاطسين في أوحال الوهم، والتصورات المسوّقة لتدميرها ومنعها من التفاعل مع عصرها، وتدثيرها بما هو سلبي، وإقناعها بأنها عاجزة وعالة على غيرها من الأمم.

وستنتصر على الخائبين بأنواعهم، وستلد أرحامها رجالاتها المعبرين عن جوهرها، وطاقاتها الفوارة المترجمة لإرادتها الحرة الفائقة الإنجاز والتدبير.

إن تهافتهم على الطروحات السلبية، المستوردة من قاعات دروسهم في الجامعات الأجنبية، توهم الأجيال بأن الأمة كما يرونها ويريدون لها أن تكون، وهي التي تكون كما تريد أن تكون، وتفرضه طاقاتها الكامنة في ترابها وعقول أجيالها المتنورين.

فهل لبعض المفكرين أن يتكلموا بلسان عقل الأمة، لا بلسان الآخرين!!

أمة العلم وجهل القدوةِ

داؤها داءٌ وخيم السطوةِ

أنكروا ذاتا أنارت أرضنا

وسقتها من رحيق القوةِ

وعلت فوق ظلامٍ دامسٍ

وأبانت عن أصيل القدرةِ

***

د. صادق السامرائي

كنت أتجول بين الآثار، وأتساءل كيف تحوّلت القصور الجميلة الباهية إلى خرائب وأطلال خاوية؟.. وأحتار بالجواب... مَن خرب قصورهم، ومعالمهم العمرانية؟ مَن ومَن ومَن؟!!. هل أن المسير إلى الأعلى يحث قوة تدفع إلى الأسفل؟. هل أنها قوانين فيزيائية أم تفاعلات كيميائية تؤدي إلى نتائج مخيبة؟!

يبدو السلوك البشري في معظمه يخضع لمعادلات تفاعلية ذات عناصر متنوعة داخلة فيها، وكيمياء النفس البشرية أو نفس المخلوقات عموما يعبَّر عن تفاعلاتها الكيميائية بنتائج سلوكية متنوعة، والمشترك الفاعل فيها جميعا أن هناك عوامل مساعدة لإدامة التفاعل، وعندما يغيب دورها يتباطأ التفاعل وتتناقص النتائج وتترقد، فتتسبب بإنتاج عناصر مضادة لها، أو تالفة كأي حالة ساكنة يأكلها ما فيها.

إنطلقت إرادة دولة بني العباس بذروة عنفوانها المجسد لخلاصة مكوناتها، وما بلغته من الإبداع والتفاعل العقلي مع الحياة، فأشرقت أنوار العطاء الأصيل، فأضحت عاصمتها الرمز المادي الممثل لتلك القوة والعزة والكبرياء، فكانت العمارة فيها تشير لقدرات دولة ذات هيمنة، وسطوة على مساحات شاسعة في عدد من القارات.

ومضى شروق الإرادة ساطعا منذ النشأة مع بعض الكبوات وحتى مقتل المتوكل سنة (247) هجرية، حيث بدأت شمس الوجود العباسي تميل نحو الغروب محفوفة بالدماء والدموع، فما حصل في عاصمتها من تفاعلات خضعت لقوانين الكيمياء والفيزياء، وإنتهت معادلاتها إلى نتائج سلبية أزالت ما كان شامخا وحولت النار إلى رماد.

فآل البناء المهاب إلى أطلال وخراب، وتأكد أن العمران فان، إذا لم يتعهده بالإدامة إنسان!!

***

د. صادق السامرائي

3\8\2021

 

الثابت أن الموجودات في وعائها الدوّار تتغير ولا تستطيع الثبات على حالة واحدة، فما كل موجود يغيّر لكن كل موجود يتغيّر.

النشاطات التي يمارسها المخلوق الحي تتسبب بتغيِّره، وربما تغيَّر شيئا مما حوله، لكن القول بأنها ستغيِّر حتما لا يوجد دليل قاطع عليه، فالبلايين من البشر التي سعت فوق التراب تغيَّرَتْ، والقليل جدا منها غيّر.

وهذا ينطبق على كافة ميادين الحياة، فالشعراء – على سبيل المثال – ربما يتغيرون بعد كل نص يكتبونه، لكن النص لا يغير ما حوله، ومعظم الشعر يمر كالماء فوق الرمال، ويوجد شعراء قليلون غيَّروا ما حولهم وكان لهم أثر على سلوك البشر، وهم المقربون من الكراسي الفاعلة في المجتمع.

وفي ميدان الكتابة الإبداعية بأنواعها، الذي يكتب يغير نفسه، ولا يغير ما حوله، والذين يظنون أن الأقلام تساهم في صناعة ما يريدون، عليهم أن يعيدوا النظر في تصوراتهم، فالكلمات تفقد قيمتها في الزمن المعاصر، الذي إنتشرت فيه الصورة والتدوين الحي للمشاهد والتفاعلات.

ويبدو أن الكلمة ستفقد دورها في مسيرة البشر، وسيتحول العالم إلى موجود روبوتي تتحكم فيه قدرات فائقة عن بعدٍ أو قرب.

فالقرن الحادي والعشرون، يمثل مطحنة الوجود في وعاء يعمل فيه خلاط لا يتوقف، وبسرعة ثابتة وتأثيرات متعددة، ويستمد طاقته الدورانية من إرادة الأرض التي صار يعبّر عنها بعنفوان.

وعندما يصبح الكلام هو العمل، فلا قيمة له ولا معنى، ولا داعي لتضييع الوقت مع القلم، فهو الأضعف تعبيرا عن واقع الحياة في عصرنا المعلوماتي الدفاق، المزدحم بالصور والأفلام التوثيقية لكل حدث.

ما تحصل عليه من قراءة كتاب يأتيك بلمحة بصر على شاشة صغيرة منطوقا أو معروضا بإنبهارية عالية، فيجذبك ويمنحك جوهر ما في مئات الصفحات.

ما تقدم ليس ضد الكتابة، بل تعبير عن واقع معاصر غرقنا فيه، فغيَّرنا جميعا وما غيرناه، ومن صنع عالمنا العولمي بضعة أفراد، وصارت البشرية تتبع وتلتصق بإدمانية عالية بمعطيات ما أوجدوه، وأطلقوه في مجتمعاتنا المستسلمة للمستجدات.

فلا تقل أعمل لأغيِّر، وقل أعمل لأتغيَّر، وعندما يتغيّر الأفراد يكون المجتمع قد تغيّر، وتلك آلية قرن ما عهدته الأرض من قبل.

فكن فيها منيرا دون ذبول!!

تدورُ بنا على سُننٍ تراها

تغيّرنا وتمْحونا خُطاها

تقلبنا على نارِ انْتهاءٍ

لتأكلنا كما شاءتْ رؤاها

تَجاهُلها يُؤهلنا لمَوتٍ

يُباغِتنا ولا مأوى سِواها

***

د. صادق السامرائي

لم يكن الدين، في جوهره الأول، لغزًا مغلقًا ولا خطابًا نخبويًا متعاليًا. لقد وُلد في الساحة العامة، في السوق، في البيت، في الطريق، في لحظة خوفٍ أو رجاء. كان كلامًا مفهومًا، مباشرًا، يلامس القلق الإنساني، ويجيب عن أسئلة الحياة اليومية قبل أن يُنظَّر لها في بطون الكتب. غير أن ما نراه اليوم في كثير من بلداننا هو انقلاب هادئ لكنه عميق: الدين لم يَعُد خطابًا موجَّهًا إلى الناس، بل صار في كثير من الأحيان حوارًا مغلقًا بين فقهاء، بلغة لا يفهمها إلا أهلها، وكأنها شيفرة سرية لا يُسمح للعامة بفكّها.

لقد تحوّل الدين، عند بعض المتصدّرين له، من رسالة إلى “مصطلح”، ومن هداية إلى “بنية لغوية معقّدة”، ومن سؤال أخلاقي حيّ إلى تمرين ذهني تجريدي. نسمع فقيهًا يخاطب فقيهًا، ويجادل مدرسة أخرى، ويستعرض ترسانة من الاصطلاحات الفقهية والكلامية، دون أن يلتفت إلى أن السامع البسيط قد انقطع منذ الجملة الأولى. هنا لا يعود السؤال: ما الذي قيل؟ بل: لمن قيل؟ وهل قيل أصلًا لمن يحتاجه؟

إن أخطر ما أصاب الخطاب الديني في واقعنا ليس الاختلاف المذهبي، ولا حتى التسييس فحسب، بل هذا الانفصال الصامت بين “الدين كما يُدرَّس” و”الدين كما يُعاش”. فحين يتكلّم الفقيه بلغة لا يفهمها الناس، لا يرفع من شأن الدين، بل يعزله. وحين يتعالى الخطاب الديني عن الشارع، يتركه فارغًا، فيملؤه آخرون: متطرفون، أو سطحيون، أو تجّار شعارات.

التاريخ الإسلامي نفسه يقدّم لنا صورة مغايرة تمامًا. أغلب علماء المسلمين الكبار لم يكونوا ناطقين باسم الأبراج العاجية. كانوا أبناء السوق، والمجالس العامة، والناس البسطاء. إن الخطاب النبوي نفسه كان نموذجًا أعلى في البساطة العميقة: كلمات قليلة، مفهومة، لكنها قادرة على تغيير إنسان.

أما اليوم، فكأن بعض الفقهاء قد اختاروا أن يتحدثوا فوق الناس لا إليهم. وكأن النزول إلى الشارع، إلى لغة اليوميّ، إلى أسئلة البطالة والظلم والقلق الوجودي، صار أمرًا دونيًّا لا يليق بـ”مقام العلم”. فارتفعت الأسوار النفسية واللغوية، وتحوّل الدين إلى مادة استعراض معرفي، لا إلى طاقة أخلاقية حيّة.

إن الدين الذي لا يُفهم، لا يُعاش. والدين الذي لا يُخاطِب الإنسان في لحظته، يتحوّل إلى أثرٍ تاريخي لا إلى قوة فاعلة. ليست المشكلة في العمق، بل في الانغلاق؛ وليست في التخصص، بل في احتكار الخطاب. فالعلم الديني الحقيقي لا يخاف من البساطة، لأن البساطة ليست سطحية، بل شجاعة في الوصول.

نحن لا نحتاج إلى فقهاء أقل علمًا، بل إلى فقهاء أكثر إنسانية. إلى خطاب ديني يعرف أن المعرفة إن لم تُترجَم إلى لغة الناس، تحوّلت إلى عبء. وأن الفقيه إن لم يسمع ضجيج الشارع، لن يفهم صمته. الدين، في النهاية، ليس لغزًا رياضيًا، ولا شفرة مغلقة، بل نداءٌ مفتوح: يا أيها الإنسان… فهل ما زال من يوجّه هذا النداء؟ ومن يسمعه؟ أم ابتلينا بأصنامٍ تُعبَدُ، وعبّادٍ رعاع!!.

***

بقلم: د. علي الطائي

30-12-2025

ليست الكعبة حجرا يُهدم، ولا جدارا تُنهيهالمنجنيقات، بل معنى عصيّ على السقوط. كل من اقترب منها بسوء، خرج من التاريخ مثقلاً بالخذلان، مهما بدا قويا أو متجبرا

قالوا إن الحَجّاج بن يوسف هدم الكعبة وكأن التاريخ يُختصر في جملة قاسية. والحقيقة، أن الكعبة لم تكن يوما ضحية يدٍ واحدة، بل شاهدة على فتن البشر حين تتصارع السلطة والدم. في حصار مكة، لم تكن الحجارة التي تساقطت من جدرانها فعل كراهية لبيت الله، بل شظايا فتنةٍ سياسية، اختلط فيها الحق بالدم، والقداسة بالصراع. وما فعله الحَجّاج بعد ذلك لم يكن محوا للبيت، بل إعادة بنائه على صورته الأولى، بأمر خليفةٍ رأى أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه هكذا بقي البيت، وتبدّل الرجال.

وقبل الحَجّاج بقرون، جاء أبرهة الحبشي، واثقا من جيشٍ عظيم وفيلٍ يتقدّم الصفوف، ظانا أن القوة تُسقط القداسة، وأن العدد يهزم المعنى. لم يصل أبرهة إلى الكعبة، ولم يدخلها، ولم يترك أثرًا سوى العبرة. تؤكد الروايات التاريخية أن أبرهة الحبشي لم يُقتل في موضع حملته، بل عاد إلى اليمن مهزوما بعد فشل جيشه، وقد أصيب بداءٍ شديد، فمات هناك بعد عودته بمدة قصيرة.عاد مهزوما، جسده يتفتّت كما تفتّت غروره،عاد إلى اليمن حتى ابتلعه النسيان، وبقي البيت. ذهب أبرهة… ولم تذهب الكعبة. ما بين أبرهة والحَجّاج، يكرّر التاريخ درسه القاسي

قد تُصاب الجدران، قد تتصدّع الحجارة لكن القداسة لا تُقصف، والإيمان لا يُحاصر. الكعبة لم تنتصر لأنها بلا أعداء، بل لأنها فوق صراعاتهم. وكل من حاول أن يجعلها ساحةً لغروره، خرج منها أصغر مما دخل أو لم يخرج أصلا هكذا يكتب التاريخ سطوره الأخيرة دائما البيت باق والطغيان، مهما طال إلى زوال في زمنٍ تُفتح فيه المعرفة بضغطة يصبح الادّعاء بلا فهم... فضيحة.

***

رائدة جرجيس

تشكل هذه السردية (الآيديولوجية)، أمرا غريبا في عالم (السياسة) ومن الصعب إحتسابها على عالم الدين ايضا.

للسياسة، حساباتها الواسعة والعميقة والمتعددة، وحسابات الدين ليست سياسية، فلا سياسة في الدين، والدين ليس سياسة، كما قلناها مرارا، الدين لا سياسة فيه ولا يؤطر الدين بالسياسة، الدين هو لوجه الله لا يحتاج إلى سياسة أو أطر سياسية.. فلماذا يسيس الدين ويأطر بايديولوجيات متنوعة تنتهي بخلافات وإضطرابات وانقسامات تمنع الشعوب من الانتاج والتطور؟ ثم، لماذا يحزب الدين في شكل تنظيمات وحركات وتجمعات تظهر وتعلن انها مسؤولة عن الدين؟، وهل أن الدين بحاجة إلى تنظيم (سياسي) لكي يستقيم وينتشر؟ ما الغرض من وضع (الدين) في قالب السياسة، أي جعله سياسيا ويفاوض سياسيا وتنتهي مفاوضاته ببيان سياسي؟ لا احد يحارب الدين.. إنما اطاره (السياسي) هو الذي يثير والإشكاليات في المجتمعات ومن خلال المماحكات يتناحر ويتفكك المجتمع.

الدين اكبر من أن يؤطر أو تؤطره السياسة التي تتلون وتتشكل كما يريدها السياسي وأهواء السياسة ونوازعها ومراميها..

والتأطير السياسي يعني العمل من اجل اهداف سياسية، أما الدين فله هدف واحد هو عبادة الله الواحد الأحد سبحانه، ليست عبادة (غرضية) إنما عبادة (إيمانية) محضه لا يدخلها الشك،

أما الدين المسيس فأغراضه (دنيوية) يشوبها الشك ولا يداخله اليقين.. وخاصة حين (تدخل العمامة في السياسة وتدخل السياسة في العمامة).. وهنا يكمن الخطر، يكمن في المقولة التي اطلقتها الصهيونية كولدا مايير (نحن ندعم الدين الاسلامي من أجل تفكيكه وتدمير القومية العربية)، فدعمت بريطانيا حركة اسلامية بالمال وأسست لها جمعيات خيرية وتبنت إنشاء خلايا تنظيمية في لندن واوربا وتركيا وإيران ومصر.. هكذا إذن تعمل الصهيونية العالمية على تدمير الدين وتحطيم القومية العربية.. وقد تعاملت بريطانيا في منتصف الأربعينيات من القرن المنصرم مع الإسلام والاسلامييين بطريقتين:

اولا: دعمت ماليا (بعض) المسلمين وأنشأت لهم جمعية خيرية وتركت (البعض) الآخر عن قصد بدون دعم مالي أو مساعدة.

ثانيا: خلقت بريطانيا (شرخا) في بنية المسلمين وصراعات داخلية، أثارت تساؤلات، لماذا دعمت بريطانيا هؤلاء ولم تدعم الآخرين؟

ثالثا: قسمت الاسلام بين فئتين على أساس الشك والعمالة.

رابعا: ومنذ ذلك الوقت برزت الحركات الاسلامية ووضعت لها أطر سياسية وبات الاسلام مقسما بين الناس وبالتالي تم (تسييسه) في مسارات وتسميات مختلفة (السلفي والسني والشيعي والمتعصب والمتسامح والمهادن والمتواطئ..) إلخ

خامسا: تسييس الدين يعني وضعه في اطر وتشعبات المصالح الوضعية المتشابكة.

سادسا: هل الدين بحاجة الى اطر السياسة لكي يسود وينتشر؟

سابعا: الدين لا يحتاج الى سياسة لكي ينتشر بل يحتاج الى رعاية عقلية وأخلاقية بدون سياسة لأن السياسة فيها مخادعات وإنحرافات ومكاسب.

ثامنا: الاسلام المسيس لا يعترف بمراحل التطور بل هو عابر نحو العالمية، فهو بهذا النهج يعبر الهوية (الوطنية) ويتجاهل الهوية (القومية)، وبالتالي فهو لا يكترث إذا ما طمستا وذابتا، لتمسكه بدعوى العالمية.

تاسعا: ان (الاسلام السياسي) يؤمن بالعالمية، لكونه عابرا للحدود الوطنية والقومية.

عاشرا: إن نهج (الاسلام السياسي) هو نهج عالمي اولا وأخيرا.

احد عشر: الاسلام السياسي عابر للحدود لا يلتفت للتطور الوطني والقومي، إعتقادا من منظريه بأنه (عالمي يحرق المراحل الوطنية والقومية).

!ثنا عشر: قالت الصهيونية غولدا مائير في لندن (إننا نساعد الاسلام والمسلمين من أجل تقسيمهم والقضاء على القومية العربية).

ثلاثة عشر: المعنى في ذلك، أن تسييس الدين يعد أداة في يد الصهيونية.

أربعة عشر: من سيس الدين الاسلامي؟ فصيلان سياسيان معروفان سيستهما بريطانيا حين كانا في لندن.. وفقا لما اعلنته رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة. تحرك بريطانيا هذين الفصيلين وتمدهما بالأموال وتسلحهما وتوجههما وتقدم لهما التوجيهات السياسية.

ستة عشر: باتت هاتان الحركتان لعبة بيد دولة إقليمية وأخرى إسرائيلية، وكلتيهما تحركهما أداة خفيه..!!

***

د. جودت صالح

تركيا – 28/12/2025

 

تشهد بعض المدن والمجتمعات الأسترالية في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في سلوكيات العنف والجريمة بين فئة المراهقين، تمثلت في تشكيل مجاميع شبابية تنخرط في أعمال السرقة، وحمل السكاكين، واستخدام أدوات حادة للاعتداء على الآخرين. وتُعد هذه الظاهرة من القضايا الاجتماعية المقلقة لما تحمله من تهديد مباشر لأمن المجتمع وسلامة أفراده، فضلًا عن انعكاساتها السلبية على مستقبل هؤلاء الشباب أنفسهم

لم تعد حوادث العنف التي يقف خلفها مراهقون في بعض المدن الأسترالية مجرد وقائع عابرة، بل باتت ظاهرة مقلقة تتكرر بأشكال مختلفة، من سرقات منظمة إلى حمل السكاكين والاعتداء على الأبرياء في الأماكن العامة. هذا الواقع يفرض على المجتمع بكل مؤسساته وقفة جادة ومسؤولة قبل أن تتسع دائرة الخطر.

إن التعامل مع هذه الظاهرة لا يجوز أن يُختزل في ردود فعل آنية أو تبريرات قانونية تركز فقط على كون الفاعلين قُصَّرًا. صحيح أن حماية الأحداث مبدأ إنساني وقانوني راسخ، إلا أن حماية المجتمع وضمان أمنه لا تقل أهمية. فالتساهل غير المدروس قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى رسالة خاطئة تشجع على التمادي في العنف.

الأسرة تبقى الحلقة الأولى والأهم في هذه المعادلة. غياب المتابعة، ضعف الحوار، أو ترك المراهق فريسة للشارع ووسائل التواصل دون توجيه، كلها عوامل تسهم في انحراف السلوك. وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المدرسة والمؤسسات التربوية من مسؤوليتها في الاكتشاف المبكر للمشكلات السلوكية ومعالجتها بطرق مهنية.

كما أن مراجعة التشريعات الخاصة بالأحداث أصبحت ضرورة، ليس بهدف العقاب بقدر ما هو لإيجاد مسارات إصلاحية رادعة، تعيد ضبط السلوك وتحفظ هيبة القانون. فالقانون الذي لا يشعر به المخالف، مهما كان عمره، يفقد جزءًا من تأثيره الوقائي.

إن مواجهة عنف المراهقين تتطلب رؤية شاملة تقوم على الوقاية قبل العقوبة، وعلى الشراكة بين الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والجهات التشريعية. فإهمال هذا الملف اليوم قد يعني دفع ثمن أكبر غدًا، بينما المعالجة الحكيمة الآن قادرة على حماية المجتمع وإنقاذ جيل كامل من مستقبل مظلم.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/سدني

ليس الجمال في السائق لون مركبته ولا حداثة طرازها ولا قوة محرّكها، بل في المسافة الخفيّة بين يده التي تمسك عجلة القيادة وقلبه الذي يراقب الطريق وهناك في تلك المسافة الأخلاقية الصامتة، يولد ما يمكن أن نسمّيه «جمال السائق» جمال لا يُرى بالعين بل يُحسّ بالأمان ويُقاس بالاحترام ويُختبر عند أول مفترق طريق.

الطريق ليس إسفلتًا فقط بل فضاءً عامًا تتقاطع فيه مصائر البشر. كل سائق يمرّ عليه يترك أثرًا، إمّا طمأنينةً عابرة، أو خوفًا دائمًا ومن هنا تبدأ الحكاية : السائق لا يقود مركبة فحسب، بل يقود سلوكه، ونزعته ونظرته إلى الآخر فبين عجلة القيادة وضمير الطريق تُختبر إنسانية الإنسان في أبسط صورها وأكثرها صدقًا.

جمال السائق هو أن يفهم أن الطريق ليس ملكًا له وحده وأن السرعة ليست بطولة وأن الوصول ليس غايةً تبرر الفوضى وهو أن يتوقف عند إشارة المرور، لا خوفًا من شرطي، بل احترامًا لقانونٍ يحمي الجميع وهو أن يفسح المجال لمشاةٍ لا يملكون سوى أرجلهم، ولعجوزٍ يعبر ببطء ولأمٍّ تمسك بيد طفلها كأنها تمسك بالحياة نفسها.

 هنا يصبح السائق الجميل شريكًا في الأمان العام، لا خصمًا له ففي زمن ازدحمت فيه الشوارع وازدادت الضغوط، صار الطريق مرآةً مكبّرة لأخلاق المجتمع. نرى فيه الغضب والأنانية، والتسرّع، كما نرى الصبر والتسامح، وضبط النفس والسائق الذي يشتم، ويزاحم، ويكسر القواعد، لا يفعل ذلك لأن الطريق ضيّق فقط، بل لأن ضميره أضيق وأما السائق الذي يقود بهدوء، ويعتذر بإشارة، ويبتسم حين يُخطئ غيره، فهو إنسان يوسّع الطريق بأخلاقه، حتى لو كان مزدحمًا.

جمال السائق ليس ضعفًا، بل قوة ناضجة فالقوي حقًا ليس من يفرض نفسه بالزمور العالي والاندفاع الأعمى، بل من يملك السيطرة على أعصابه والقيادة امتحان يومي لضبط النفس ؛ كل لحظة فيها فرصة للانزلاق نحو الفوضى أو الارتقاء نحو النظام. والسائق الجميل هو من يختار النظام لا لأنه مفروض، بل لأنه مقتنع.

ثمّة بُعد أخطر في المسألة: السائق مسؤول عن أرواح لا يعرف أسماءها ثانية واحدة من تهوّر قد تغيّر حياة عائلة كاملة، وقد تكتب نهاية حكاية لم تبدأ بعد. لذلك فإن جمال السائق هو وعيه بثقل هذه المسؤولية.

حين يخفف سرعته قرب المدارس، وحين يتنبّه للدراجات وحين لا يستعرض قوته على حساب سلامة الآخرين، فإنه يترجم أخلاقه إلى أفعال ملموسة ففي مجتمعاتنا كثيرًا ما نطالب بالقوانين الصارمة، وننسى أن القانون وحده لا يصنع حضارة طرق والحضارة تبدأ من الداخل، من ضمير السائق قبل كاميرات المراقبة فحين يغيب الضمير، تصبح القوانين مطاردةً بلا نهاية وحين يحضر الضمير، تتحول القوانين إلى شراكة لا إلى قيد.

جمال السائق هنا ليس مسألة فردية، بل ثقافة عامة، تنعكس على صورة المجتمع كله والسائق الجميل يعرف أن الاعتذار ليس هزيمة، وأن التمهّل ليس خسارة وأن احترام الآخر لا ينتقص من كرامته. بل على العكس يرفعه وهو يدرك أن الطريق اختبار يومي للأخلاق، وأن كل رحلة قصيرة هي فرصة لممارسة إنسانيته لذلك لا يستغرب أن يكون أجمل السائقين أولئك الذين لا يُلفتون الانتباه لأن جمالهم هادئ، غير صاخب يشبه الأمان.

وفي النهاية، بين عجلة القيادة وضمير الطريق تُكتب سيرة الإنسان الحقيقية وقد ينسى الناس ماذا قدنا، وأين ذهبنا لكنهم لن ينسوا كيف قدنا بينهم. جمال السائق ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة حياتية، لأنه ببساطة الفرق بين طريقٍ يُعاش، وطريقٍ يُخاف منه وحين يقود الضمير قبل اليد يصبح الطريق أقل قسوة، وأكثر إنسانية ويستعيد السائق أجمل ما فيه إنسانيته.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

هذه إطلالة مختصرة على أئمة السنة والجماعة، ويمكن تأليف العديد من الكتب عن حياة كل منهما، وتزخر مكتبات التراث بما يوثق تفاعلاتهم مع زمانهم وما كابدوه من الشدائد.

أولا: أبو حنيفة النعمان (80 - 150)

أولهم وقد لقي عددا من الصحابة

توفى في السجن وهو ساجد، ودفن في مقبرة الخيزران.

لا يهادن بقول الحق، وكان زاهدا، ولقب بالإمام الأعظم وبالتابعين

وقف مع زيد بن علي، ومع ثورة محمد النفس الزكية

رفض تولي القضاء في زمن جعفر المنصور، وتم جلده أكثر من مئة جلدة وسجن وهو في عمر السبعين، وأبى أن يكون تابعا للخليفة.

تعرض للضرر في زمن الدولتين الأموية والعباسية.

ثانيا: مالك بن أنس (93 - 179)

إلتقى أبو حنيفة في المدينة وكان شيخا للشافعي، توفى في السجن متاثرا بضربات سيف، وتم جلده عاريا، وله كتاب الموطأ، واعتزل الناس في آخر ربع قرن من حياته، وما ذهب للمسجد خلاله، ومحنته تتلخص بما ذكره من حديث : (ليس على مستكره طلاق)، وتم تفسيرها على أن خلافة أبوجعفر المنصور باطلة.

ثالثا: محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204)

تلميذ الإمام مالك وشيخ أحمد بن حنبل، ومات مغتالا في مصر.

عمل قاضيا، كثير الترحال والسفر، وكان في بغداد يتتلمذ على يد محمد بن حسن الشيباني، واتهم بالخروج عن الخليفة هارون الرشيد، واضع كتاب أصول علوم الفقه.

رفض تقديس الإمام مالك، وما طرحه كان مخالفا له، مما أدى إلى تكفيره وزندقته من قبل أتباع المذهب المالكي، وضربه على رأسه فمات.

رابعا: أحمد بن حنبل (164 - 241)

إشتهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفا بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواصع والتسامح ، وكتابه "المسند" من أشهر كتب الحديث .

يقول الشافعي: "خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل"

كاد أن يقتله المأمون لكنه مات وبن حنبل في الطريق إليه، فقد وقف بحزم ضد محنة أو فتنة خلق القرآن، وتعرض للجلد والسجن وما إنثنى عن رأيه.

أصابه مرص وهو في السابعة والسبعين، ومات متأثرا بمرضه، ومسيرته معروفة ومآثره جلية، وذكره خالد.

وهذه براهين على تقديس الأمة لأمواتها، وقد نكلت بهم وهم أحياء، رغم علومهم ونبوغهم ومحاولاتهم في القول الصادق والتعبير عن الحقيقة الواضحة، فجميعهم قاسوا المحن الجسام وتعرضوا للمخاطر والآلام.

تردّتْ في مواطننا عُلانا

بأيْدينا صَنعنا مُنتهانا

نعارضهمْ بما اجْتَهدوا وجادوا

وما حفلتْ بمَغزاهمْ نُهانا

نُحاربهمْ في حياةٍ من عَطاءٍ

ويجلدنا ضميرٌ إحْتوانا

نعالجُ إثمَنا بأسى أليمٍ

فيأخذنا لتقديسٍ هَوانا

***

د. صادق السامرائي

 

منطق الاتهام، والحسد المؤسسي

تواجه المؤسسات التي يسودها الروتين والكسل البنيوي إشكالية عميقة تتمثل في عجزها عن استيعاب الإنسان المنتج، بل تحول إنتاجيته إلى مصدر تهديد بدلاً من كونها رافعة تطوير.

وفي هذا السياق، لا يُواجَه الفرد المنتج بالتقدير، وإنما بسلسلة من الاتهامات الجاهزة التي تتكرر في مختلف البيئات غير الصحية، من قبيل: سطحية النتاج، تكراره، أو كونه خطاباً صحفياً لا يحمل عمقاً معرفياً.

إن هذه الاتهامات، على الرغم من شيوعها، لا تعبّر عن نقد علمي بقدر ما تكشف عن أزمة معرفية ونفسية لدى مُطلقيها.

أولاً: الإنسان المنتج بوصفه اختلالاً في النسق السائد:

في البيئات الكسولة، تُبنى المعايير الضمنية للقبول المؤسسي على الحد الأدنى من الأداء، لا على التميز.

وعليه، فإن الإنسان المنتج يُحدث اختلالاً في هذا النسق؛ إذ يكشف بمحض فعله اليومي هشاشة البنية القائمة، ويعرّي زيف الادعاءات المهنية لأقرانه.

من هنا، يتحول الإنتاج من قيمة إيجابية إلى (خطر رمزي) يستدعي الاحتواء أو الإقصاء.

إن المشكلة لا تكمن في طبيعة النتاج ذاته، بل في كونه يعيد تعريف السقف المقبول للأداء، وهو ما لا ترغب البيئات الكسولة في مواجهته.

ثانياً: اتهام السطحية بين وهم العمق وعجز الفهم:

يُعدّ اتهام النتاج بالسطحية من أكثر التهم تداولاً، وهو اتهام يكشف عن خلطٍ شائع بين الوضوح والابتذال.

فالخطاب الواضح القادر على إيصال الفكرة دون تعقيد مفتعل هو في كثير من الأحيان نتاج فهم عميق، لا دليل ضعف.

أما من يربط العمق بالغموض، فإنه غالباً ما يعوّض عن فقر المحتوى بتعقيد لغوي أو مفاهيمي لا وظيفة له سوى الإخفاء.

وعليه، فإن وصف النتاج بالسطحية لا يصدر غالباً عن تحليل منهجي، بل عن عجز عن قراءة العمل في سياقه العلمي والوظيفي.

ثالثاً: تهمة التكرار وسوء فهم التراكم المعرفي:

يُتهم الإنسان المنتج كذلك بتكرار أفكاره أو أعماله، في تجاهلٍ واضح لمفهوم التراكم المعرفي الذي تقوم عليه كل المشاريع العلمية الرصينة.

فالإنتاج الحقيقي لا يقوم على القفز الاعتباطي بين الموضوعات، بل على الاشتغال المستمر على مسارات محددة تتطور مع الزمن.

المفارقة أن من يطلقون تهمة التكرار هم في الغالب الأكثر جموداً، غير أن جمودهم غير مرئي لغياب أي نتاج يُقاس أو يُراجع.

رابعاً: (كلام الجرائد) كاتهام نخبوي زائف:

يندرج توصيف النتاج بأنه (كلام جرائد) ضمن نزعة نخبويّة زائفة تحتقر الخطاب العام لا لقصوره، بل لوصوله.

إن القدرة على مخاطبة شرائح متعددة بلغة مفهومة هي إحدى علامات النضج العلمي، لا دليلاً على التسطيح.

غير أن البيئات الكسولة تميل إلى تقديس الخطاب المغلق؛ لأنه يحفظ لها وهم التفوق دون جهد حقيقي.

خامساً: الحسد المؤسسي بوصفه دافعاً خفياً للنقد:

لا يمكن فصل هذه الاتهامات عن ظاهرة الحسد المؤسسي، حيث يتحول الفارق في الإنجاز إلى شعور بالتهديد، فبدلاً من رفع مستوى الأداء، يُصار إلى خفض قيمة المتميّز عبر تشويه نتاجه، وفي هذا السياق، يصبح النقد أداة دفاع نفسي، لا ممارسة علمية.

الواقع أن الفجوة بين الإنسان المنتج ومنتقديه ليست فجوة وقت أو فرصة، بل فجوة عقلية ومنهجية؛ إذ إن امتلاك الزمن وحده لا يصنع إنتاجاً، ما لم يُدعّم بالجدية والقدرة والرؤية.

إن معاناة الإنسان المنتج في البيئات الكسولة ليست معاناة فردية، بل مؤشر خلل مؤسسي عميق.

فحين يُدان الإنتاج، ويُكافأ الركود، تصبح المؤسسة عدوةً لذاتها.

مع ذلك، يبقى أثر الإنسان المنتج هو الباقي؛ لأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بقبول الكسالى، ولا باعتراف الحاسدين، بل بما يُحدثه العمل من تحول معرفي وعملي ملموس.

***

الشيخ الدكتور ليث عبد الحسين العتابي

الجذور السومرية، البعد المعرفي، والتفسير الديني

يُعدّ علم الفلك من أقدم العلوم التي ارتبطت بنشأة الحضارات الإنسانية، وقد شكّل ركيزة معرفية أساسية في حضارات وادي الرافدين، ولا سيما الحضارة السومرية. هذا الإرث العلمي لم ينقطع بانقطاع الدول، بل انتقل وتوارثته جماعات دينية وثقافية، كان من أبرزها الصابئة المندائيون، الذين حافظوا على معرفة دقيقة بحركة النجوم والكواكب، وربطوها بنظام كوني وروحي قائم على التوحيد وفهم قوانين الخلق، لا عبادتها.

الجذور السومرية لعلم الفلك

السومريون من أوائل من:

راقبوا حركة الأجرام السماوية بشكل منهجي.

وضعوا تقاويم فلكية وزراعية

ربطوا بين حركة الكواكب وتنظيم الزمن والطقوس.

استخدموا الحسابات الفلكية لتحديد الفصول والفيضانات.

لقد كانت مراقبة السماء عند السومريين عملاً علمياً ومعرفياً لا شعائرياً فقط، وهو ما شكّل الأساس الذي انتقل لاحقاً إلى المندائيين، ليس بالجينات وحدها، بل بالثقافة المتراكمة والمعرفة المتوارثة.

ورث الصابئة المندائيون هذا الإرث الفلكي، وطوّروه ضمن رؤيتهم الدينية والفلسفية الخاصة، حيث:

اهتموا بدراسة حركة النجوم و (الكواكب) وتأثيرها الزمني، لا التعبدي.

استخدموا المعرفة الفلكية في تنظيم الطقوس الدينية وتحديد الأزمنة المقدسة.

ميّزوا بوضوح بين العلم بالمخلوق وعبادة الخالق.

في النصوص المندائية، تُفهم الأجرام السماوية على أنها علامات كونية تدل على النظام الإلهي، وليست آلهة أو موضوع عبادة.

من أكثر المغالطات شيوعاً وصف الصابئة المندائيين بـ”عبدة النجوم”، وهي تهمة ناتجة عن:

جهل بالفرق بين المعرفة الفلكية والعبادة.

خلط بين الرمز الكوني والمعتقد الديني.

قراءة سطحية للنصوص أو الممارسات الطقسية.

الصابئة المندائيون:

يؤمنون بإله واحد أحد، خالق السماء والأرض.

يرفضون عبادة أي مخلوق، بما في ذلك النجوم والكواكب.

ينظرون إلى السماء باعتبارها نظاماً إلهياً دقيقاً يدل على عظمة الخالق.

وعليه، فإن وصفهم بعبدة النجوم لا يستند إلى أساس علمي أو ديني، بل هو إسقاط ثقافي خاطئ.

تميّز الصابئة المندائيون عبر التاريخ بـ:

دقة الملاحظة الفلكية.

الربط بين الفلك، الزمن، والطقوس.

امتلاك معرفة حسابية متقدمة مقارنة بعصورهم.

وقد أسهم هذا العلم في:

تطوير مفاهيم مبكرة عن الزمن الدوري.

فهم حركة الكواكب ضمن نظام ثابت.

التأثير في مدارس علمية لاحقة في الشرق الإسلامي.

في العصر العباسي، حظي الصابئة المندائيون:

بالاعتراف الرسمي كأهل كتاب.

بالاحترام والتقدير من الخلفاء والعلماء. ثابت بن قره والبتاني

بمكانة علمية مرموقة، خصوصاً في الفلك والرياضيات والطب.

وكان يُنظر إليهم على أنهم:

حملة علم ومعرفة.

أهل نباهة وفكر.

مساهمون في النهضة العلمية الإسلامية، لا غرباء عنها.كً

إن علم الصابئة المندائيين في النجوم والكواكب هو امتداد حضاري ومعرفي عريق، جذوره سومرية، وأبعاده علمية، وروحه توحيدية. لم يكن اهتمامهم بالسماء باباً للعبادة، بل نافذة لفهم الخلق والنظام الكوني الذي أبدعه الله الواحد.

ومن الواجب الثقافي والأكاديمي اليوم:

إعادة قراءة هذا التراث بإنصاف.

تصحيح المفاهيم المغلوطة.

الاعتراف بدور الصابئة المندائيين في تاريخ العلم الإنساني.

فالمعرفة لا تُدان، والعلم لا يُعبد، بل يُفهم…

والخالق واحد، والسماء آية من آياته.

خلص البحث إلى أن اهتمام الصابئة المندائيين بالنجوم والكواكب هو امتداد حضاري ومعرفي لعلم فلكي عريق، وقد برز احد احفادهم في العصر الحديث هو العالم المندائي عبد الجبار عبد الله عالم فيريائي وانواء جوية

اذن علم الفلك هو علم لا علاقة له بالعبادة. والصابئة المندائيون يمثلون أحد أقدم الأديان التوحيدية التي تعاملت مع الكون بوصفه نظاماً إلهياً دقيقاً، يستحق الفهم لا التقديس

***

بقلم: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني

في مطلع هذا القرن، بينما كان العالم يعدو بسرعة البرق، وقفت المؤسسات الثقافية وكأنها كائنات من زمن آخر. تخيلوا معي مشهدًا: كائن نبيل، حكيم، يحمل على كتفه أعباء قرون من التراث والفنون، يحاول أن يلتقط أنفاسه في عصر التويتر والتيك توك والذكاء الاصطناعي. كان المشهد يشبه جدًّا حكيمًا يحمل مخطوطات ثمينة في عاصفة رملية يحاول حماية كنوزه بينما العالم من حوله يتغير بشكل لا يعترف بالمخطوطات ولا بالحكمة التقليدية.

لطالما تحدثنا عن الثقافة ككائن حي، وهذا صحيح. الثقافة تتنفس، تنمو، تتألم، وتفرح. والمؤسسة الثقافية هي جسد هذا الكائن الحي. ولكن ماذا يحدث حين يصاب الجسد بالجمود؟ حين تصبح حركته بطيئة، وتفكيره متحجرًا، وعلاقته بالعالم من حوله أشبه بمن يتكلم بلغة قديمة لا يفهمها أحد؟

من الأرشيف المغلق إلى الفضاء الحي

كنت أزور ذات مرة مكتبة عريقة. كانت رائحة الكتب القديمة تعبق في الأجواء، والصمت الثقيل يخيم على القاعات، والموظفون يجلسون خلف مكاتبهم كما لو كانوا حراسًا لمقبرة معرفية. سألت نفسي: أين الحياة هنا؟ أين الضحك؟ أين النقاش؟ أين الاكتشاف؟

لقد تحولت العديد من مؤسساتنا الثقافية من "مساحات للحياة" إلى "متاحف للذاكرة". وأنا أحب المتاحف، لكنني لا أريد أن أعيش فيها. الفرق بين المتحف والبيت أن الأول يحفظ الماضي، بينما الثاني يعيش الحاضر ويستعد للمستقبل.

الأمل موجود. رأيته بعيني في تجارب هنا وهناك. في مكتبة تحولت إلى مكان للقاءات الأدبية وورش العمل وحتى عروض الأفلام. في مركز ثقافي صغير أصبح ملاذًا للشباب يمارسون فيه فنونهم بحرية. هؤلاء أدركوا حقيقة بسيطة: الثقافة ليست شيئًا يعطى، بل هي حوار. والمكان الثقافي ليس وعاء، بل فضاء للحوار.

 أربعة مفاتيح للحل

 الأول: إعادة تعريف الدور

لنتخيل معًا المؤسسة الثقافية كشخصية في رواية. لعقود، لعبت دور "الحارس الأمين" شخصية نبيلة لكنها جامدة. حان الوقت لتغيير الدور. ماذا لو أصبحت "المستكشف الشجاع"؟ أو "الحكيم الذي يتعلم من الصغار"؟ أو "الجسر بين الأزمنة"؟

المؤسسة الثقافية الجديدة لا تنقل الثقافة، بل تنتجها. لا تحفظ التراث فقط، بل تستنطقه ليفهمنا حاضرنا. هي ليست معبدًا للمعرفة، بل ساحة لعب للعقل والخيال.

التكنولوجيا كرفيق، لا كعدو

أذكر كيف كان والدي يخاف من "ذلك الصندوق العجيب" الذي دخل بيوتنا - التلفزيون. قال: سيفسد عقول الأطفال. ولكنه تعلم مع الوقت أن التلفزيون قد يكون نافذة على العالم.

التكنولوجيا اليوم هي نافذتنا الأوسع. المؤسسة الثقافية الذكية لا تخاف من هذه النافذة، ولا ترفضها، تتعلم كيف تفتحها على مصراعيها لتجلب النسيم العليل مع حماية البيت من العواصف.

التحول الرقمي ليس مجرد إنشاء موقع إلكتروني أو حساب على فيسبوك. إنه إعادة تخيل لكيفية عيش التجربة الثقافية. الأرشيف الرقمي قد يصبح لعبة اكتشاف، والمعرض الافتراضي قد يتحول إلى رحلة سحرية.

المفتاح الثالث: المال والاستقلال

هذه معضلة قديمة: كيف تمول الثقافة دون أن تفقد روحها؟ رأينا فنانون يبيعون أرواحهم للدعاية، ومؤسسات تتحول إلى مجرد أماكن ترفيه لجلب المال.

لكن هناك طريقًا وسطًا. طريق الشراكة الذكية مع القطاع الخاص، طريق المشاريع الإبداعية التي تجذب التمويل دون أن تفقد الجوهر، طريق المجتمع نفسه الذي يدعم ما يحبه.

المؤسسة الثقافية قد تتعلم من الشجرة: جذورها ثابتة في تراب الهوية، لكن أغصانها تمتد لتلتقط نور الشمس من كل الجهات.

المفتاح الرابع: لن نستيقظ وحدنا

لا تستطيع مؤسسة ثقافية واحدة أن تغير العالم. لكن شبكة من المؤسسات قد تفعل.

تخيلوا معي خريطة للعالم العربي، وعلى كل مدينة نقطة مضيئة تمثل مؤسسة ثقافية حية. ثم تخيلوا خطوطًا من الضوء تربط بين هذه النقاط – خطوط التعاون، تبادل الخبرات، المشاريع المشتركة. ستصبح الخريطة شبكة مضيئة من الإبداع تتجاوز الحدود السياسية التي قسمتنا.

 عقبات على الطريق

طريق النهضة ليس مفروشًا بالورود، لكن بالأحرى مفروشًا بالأسئلة الصعبة والعقبات الملتوية. هناك وحش البيروقراطية ذلك الكائن الغريب الذي يحول الأفكار الرائعة إلى أوراق متراكمة، ويحول الحماس إلى ملل، والإبداع إلى روتين.

وهناك شبح النخبوية – ذلك الوهم بأن الثقافة للقلة فقط. كأننا نقول: الطعام للنخبة فقط، والهواء للنخبة فقط. الثقافة حاجة إنسانية أساسية كالهواء والماء.

وهناك تحدي اتساع المفهوم - فالثقافة اليوم لم تعد فقط الشعر والرواية واللوحة. الثقافة أصبحت تشمل العلوم، التكنولوجيا، البيئة، الرياضة، وحتى ألعاب الفيديو. المؤسسة الثقافية التي تتشبث بتعريف ضيق للثقافة تشبه من يصر على أن الموسيقى هي فقط عزف العود، بينما العالم يسمع سيمفونيات كاملة.

السؤال الأهم: هل نستورد النموذج الغربي؟ الإجابة: لا. لكن هل نغلق نوافذنا؟ أيضًا لا.

النموذج الذي نبحث عنه هو كالشاي العربي – نأخذ أوراق الشاي من هنا وهناك، ولكننا نصنعه بطريقتنا، بنكهتنا، وبكأسنا الخاص.

هذا النموذج يجمع بين أصالة الجذور وحداثة الأغصان. بين حكمة التراث وطموح المستقبل. بين هويتنا العربية وانفتاحنا على العالم.

النموذج العربي سيكون كالسوق القديم (الخان) – مكانًا للتجارة وللقاء، للبيع وللحديث، للمنتجات المحلية وللبضائع القادمة من بلاد بعيدة. مكانًا تسمع فيه لغات متعددة، لكنك تشعر أنك في بيتك.

إيقاظ المؤسسة الثقافية عملية مستمرة، كالتنفس تمامًا. نستيقظ كل صباح ونتنفس من جديد.

هذه الرحلة تبدأ بسؤال بسيط: لماذا نفعل ما نفعله؟ وتستمر بخطوة صغيرة: ماذا لو جربنا شيئًا جديدًا؟ وتتوج بتغيير جذري: أن نتحول من حراس للتراث إلى بناة للمستقبل.

في النهاية، الثقافة هي الحياة في أرقى تجلياتها. والمؤسسة الثقافية المستيقظة هي التي تدرك أنها تحمل ليس ماضيًا فحسب، بل مستقبلًا أيضًا. مستقبل أكثر جمالًا، أكثر إنسانية، أكثر إشراقًا.

هذه الرحلة قد بدأت بالفعل. أراها في عيون شاب يفتح كتابًا في مكتبة حديثة، في ابتسامة طفلة تلمس لوحة في معرض تفاعلي، في حوار بين أجيال في مقهى ثقافي.

الصحوة ليست مستحيلة. بل هي ضرورية. وكما يقول المثل: "من يظن أن الصحوة مستحيلة، هو في الحقيقة يصف حالته هو".

***

د. عبد السلام فاروق

كمدخل الى الموضوع، لابد من الإشارة إلى ان الثقافة العامة هي تراكم من المعارف والخبرات، التي يمتلكها الفرد خلال حياته، تمكنه من التفاعل الواعي مع محيطه، والتأثير الإيجابي فيه. وفي الوقت الذي اصبحت فيه الثقافة العامة ضرورة للفرد، نتيجة تسارع تداعيات الحداثة، وتوالي معطيات العصرنة، فانها في نفس الوقت، باتت تواجه تواجه تحديات كبيرة في تحصيلها، بين ضرورات التخصص الأكاديمي العمودي، ومتطلبات التراكم المعرفي الافقي، واهتمامات الفرد، ورغبته في المواكبة، وتطوير قدراته الثقافية.

وتظل الثقافة العامة ليست مجرد معلومات عامة، وحسب، بل هي وسيلة عصرية لفهم العالم، والتفاعل مع المحيط بوعي، يوازن بين التخصص المهني، والمعرفة العامة، ليكون المثقف عندئذ قادرا على التفاعل مع المجتمع، والتعايش معه، بحكمة عالية، ورشد مقتدر، يتجاوز كل التحديات.

ويظل التخصص الأكاديمي لبناء المعرفة المتخصصة مهما، في مجال تكوين الاختصاص العلمي الرصين، مواكبة للتطورات التقنية، والعلمية الحديثة، إلا أن ذلك ينبغي أن لا يمنع الأكاديمي من تكوين معرفة أفقية، تمكنه من الألمام بمعلومات إضافية، في العلوم، والمجالات الأخرى، ليكون مثقفا موسوعيا، غير مقيد بحدود الإختصاص الضيق، كلما كان ذلك ممكنا.

فالاكاديمي المتخصص في الفيزياء، مثلا، لابد له من معلومات عامة، تمكنه من الحوار، وتعينه في مناقشة بعض الأمور الإجتماعية، أو الفلسفية، عندما يتطلب الأمر منه ذلك، حيث ان الانغلاق المعرفي، والتقوقع في دائرة الإختصاص، قد يفقد المتخصص الرؤية الشاملة، ويعزله عن الواقع الحي، وبالتالي فإن المبالغة في تحصيل التخصص، قد لاتخدم المتخصص في القضايا العامة، بذريعة أن حجم المعرفة صار واسعا، وبات يتسارع بمعطيات الحداثة، ويتضاعف في كل لحظة، مما يجعل من الصعب مواكبتها في كل المجالات.

ومع ان التكنولوجيا الرقمية المعاصرة، وما افرزته من سرعة كبيرة في تبادل المعلومات والمعارف، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد وسعت مدارك الناس، ووضعتهم في صورة تطورات العصر، لكنها أفرزت معرفة افقية مشوهة، وثقافة سطحية ممسوخة.

ولذلك بات من الضروري تحقيق التوازن المطلوب، بين متطلبات التخصص الاكاديمي الصرف، وبين ضرورة بناء المعرفة الافقية، وعدم تهميش الثقافة العامة وتسطيحها، أمام التخصصات الدقيقة، وذلك باعتماد نهج تعليمي شامل، وحس اجتماعي متحمس، يحقق الربط المتوازن، بين التخصص العمودي، والثقافة العامة.

***

نايف عبوش

منذ القدم والشعوب تحتفل باعيادها الوطنية والقومية والدينية وكانت بلدان الشرق في طليعة الشعوب بهذه الاحتفالات كبلاد الرافدين وبلاد النيل والشام وقد ارتبطت هذه الاعياد بمظاهر الطبيعة كالفيضانات وخصوبة الارض وفصل الربيع حيث تقام طقوس احتفالية في بلاد سومر واكد وبابل واشور بمراسيم خاصة في بداية كل سنة.

لقد كانت اقامة مثل هذه الاحتفالات كل عام امراً ضرورياً وحيوياً من وجهة نظر الفرد في العصور القديمة لانه كان ينطلق من فهمه وتفسيره للظواهر الطبيعية والتي يعدها قوى خارقة غير منظورة لذلك اصبحت شيئاً مقدساً عليه اعادتها كل سنة لانها تفسر له اسرار الكون واسرار خلق الانسان من قبل الهة غير مرئية ولهذا كان السومريون والبابليون يقيمون احتفال راس السنة حيث تجري خلال هذه الاحتفالات اعادة مسرحية واسطورة التكوين والتي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالخصوبة والتكاثر (بالنسبة للانسان والحيوان والنبات) وعلى النحو الذي جاءت به اسطورة تموز وعشيقته عشتار ويرمز تموز إلى الخصوبة والنمو بينما ترمز عشتار إلى الحب وكان ارتباطهما وزواجهما مقدساً يجب اعادته (اي اعادة تمثيله) في كل عام وفي فصل معين هو الربيع لما له من اهمية في ازدهار الطبيعة والنمو، وهكذا تعاد وقائع ذلك الزواج الالهي كل عام حين يقوم الكاهن الاعظم بتمثيل شخصية (تموز) بينما تقوم الكاهنة بدور الزوجة (عشتار) حيث يجري احتفال مهيب داخل المعبد يسميه قدماء العراقيين (الزواج المقدس) وقد كان هذا الزواج معروفاً لدى العراقيين (في حدود عام 2750 ق.م) وهكذا يقترن عيد راس السنة السومري والبابلي بمظاهر الطبيعة والزواج المقدس، وسبب هذا الاقتران ان السومريين والبابليين كانوا من الشعوب التي تعتمد اساساً على الزراعة والرعي وهي لذلك تهتم اهتماماً كبيراً بدورة الفصول وتعاقبها لذا فأن تجديد الطبيعة يتحتم وجود زواج مقدس وولادة جديدة وكان السومريون والبابليون يقدمون القرابين للمعابد في هذه المناسبة التي يجري الاحتفال بها في بداية شهر نيسان ولمدة سبعة ايام من 1-7 نيسان حيث الاعتدال الربيعي ويكون الاحتفال مصحوباً بالتراتيل الدينية والاناشيد والرقص الجماعي من شهر نيسان كونه موسم سقوط المطر وفيضان دجلة والفرات ونضج المحصول الزراعي التي تتم بعده عملية الحصاد، ولايزال سكان المناطق الريفية في وسط وجنوب العراق يعدون شهر نيسان (شهر الحصاد) وهذا معروف حتى في اهازيجهم الشعبية التي يرددونها اثناء وبعد الحصاد .

المعروف ان سكان بلاد الرافدين هم الذين بدأو بممارسة الاحتفالات بعيد راس السنة غير ان المؤرخين والمهتمين بالتاريخ الفرعوني يرون عكس ذلك اي ان مصر هي التي لها قصب السبق في هذا الاحتفال، فقد ورد في احد اعداد مجلة الهلال المصرية مقالاً بعنوان (عيد راس السنة اخترعته مصر) بقلم الدكتور (سيد كريم) (ان مصر تحتفل بعيد رأس السنة قبل 7546 سنة اي قبل ميلاد السيد المسيح بحوالي (5) الاف سنة ونصف واعتبرته عيداً دينياً وقومياً)

صحيح ان هناك تشابه بين البلدين في الطقوس والاحتفال حيث ربط المصريون عيد راس السنة بفيضان نهر النيل الذي يكون في فصل الصيف نظراً لسقوط الامطار وبكميات كبيرة على منابعه كما فعل العراقيون ايضاً، كما ان احتفالات المصريين تجري عادة في الشوارع والمعابد والساحات كمعبد الكرنك ويقوم المصريون بتزيين المنازل واعداد الزهور اثناء الاحتفال، كذلك كان البابليون يقيمون الاحتفال بالشوارع والمعابد والساحات وهناك شارع يسمى (شارع الموكب) في بابل وقد سمي بهذا الاسم لان مواكب الاحتفالات تمر عبر هذا الشارع وقد سمي ايضاً باسم (شارع المسيرة) وهكذا نجد التشابه واضحاً بين الحضارتين ولكن اي بلد منهما الاسبق فهذا اختلاف في اراء المؤرخين العراقيين والمصريين وكل منهما يدعو إلى العودة إلى الرقم الطينية بالنسبة للعراق والبرديات بالنسبة لمصر لتحديد الاسبقية في هذا الميدان، ويبدو من التفاصيل التي ذكرها الاستاذ المشار اليه في مجلة الهلال المصرية ان المصريين قد سبقوا العراقيين في هذا المضمار فيذكر الدكتور في مقالته قائلاً .. ((مع بداية الدولة القديمة وخلال عصر الاهرام تحول الاحتفال بعيد راس السنة بجانب الاحتفال الديني والقومي الرسمي . كانت جميع طبقات الشعب المصري تشارك في الاحتفال به في المنتديات العامة والساحات والميادين والحدائق وداخل القصور مصحوبة بالاناشيد والرقص والاغاني والتراتيل الدينية والمساكن التي تزين بسعف النخيل والزهور والمشاعل التي تضاء مع غروب الشمس لتنير ارجاء المدينة طوال ليلة العيد . وكان القصر الملكي بفتح ابوابه لاستقبال الجماهير التي تأتي من جميع انحاء البلاد لتحية الفرعون فيغدق عليهم بالكثير من الهدايا والاوسمة على حكام الاقاليم ويعفو عن الكثير من السجناء (كما يحدث اليوم)، وكان المصريون في هذا العيد يزورون مقابر موتاهم وينشرون الزهور على قبورهم ويوزعون على حراس المقبرة (الفطائر) وماتزال هذه العادة موجودة في مصر حتى اليوم

ومن عادات المصريين في هذا اليوم عقد قران الزواج لكي تكون بداية حياة زوجية سعيدة وقد خصصت ساحات لعقد القران الجماعي باحتفال كبير تعزف فيه الموسيقى ويتم فيه الرقص الجماعي .

وبعد شروق شمس اليوم الجديد يوزع المصريون الفطائر المزينة بالفواكه الطازجة وخاصة زهرة اللوتس وتقدم الحلوى، كما يقدم المصريون في عيد (الكرسمس) (ديك الكرسمس) الذي يتصدر مائدة العيد او مايسمى بالاوز البري وقد اقتبس الاوربيون هذا التقليد واستبدلوه بالديك الرومي . وقد ابتكر المصريون تقليداً اخر هو شرب عصير العنب الطازج كنخب للعام الجديد، وهكذا كان المصريون القدماء اول من شرب نخب العام الجديد ..).

كل الاماني لشعبنا العراقي النبيل بالامن والسلام لمناسبة العام الجديد .

***

غريب دوحي

يبدو أن الأفكار الثورية لم تكن خاطئة أو خطيئة، وإنما فقدان قدرات تحويل الأفكار إلى برامج عمل، ولهذا كُتب الكثير عن النظريات والتطبيق وغابت الآلية العملية لترجمة الفكرة!!

وبسبب هذا العجز والجهل تخبطوا وتحيروا وتحولوا إلى أعداء بعضهم وأنفسهم فأحرقوا واحترقوا، ولا يزالون بعيدون عن إمتلاك مهارات تحويل الأفكار إلى برامج عملية ذات قيمة وطنية وحضارية.

فالعرب قد أثبتوا بالعمل المكرر الصريح بأنهم عاجزون عن تصنيع الأفكار!!

فمنذ منتصف القرن التاسع عشر وهم يلهجون بالوحدة والتكامل والتفاعل وكتبوا عن علل الإستبداد وإرادة الحرية والعدالة الإجتماعية، والتخلص من الأمية والجهل والمرض وضرورة المعاصرة والمواكبة والعلم والتعليم، وما حققوا ما يجب أن يحققونه، برغم أسبقيتهم للعديد من مجتمعات الدنيا.

والفكرة القومية كأية فكرة يمكنها أن تمتلك القادرين على التعبير عنها بالطريقة المتفقة معها، وقد عجز أبناؤها عن التوصل إلى آليات حضارية معبرة عنها.

فكما أن العيب ليس في الدين وإنما في المتدينين، كذلك العيب ليس في القومية وإنما في المتقوممين.

فكل فكرة يمكن التعبير عنها بسوء او بخير، وهذا يعتمد على زوايا الفهم والإقتراب والتعبير.

وفي هذا القرن نهضت بغتة أو داهمتهم فكرة الديمقراطية، وكأنها لم تكن موجودة أو معهودة من قبل، ووجدتهم كأصحاب الكهف الذين استيقظوا بعد قرن ونصف ليتمنطقوا بها، وها هي تعاني ذات الويلات التي عانت منها أفكارهم النهضوية كالوحدة والحرية، وغيرها من المنطلقات التي يرددونها كالببغاوات.

فالعيب ليس بالديمقراطية وإنما في المتدمقرطين، الذين حولوها إلى حصان لتحقيق الرغبات الفئوية والحزبية وغيرها من الغايات الفاسدة.

فإلى أين أخذ العرب الديمقراطية؟

لنتأملها في البلدان التي تدعيها، إنها تحولت إلى دماء ودموع ودمار وفساد وضياع أمن، وصارت تعني في خلاصتها محاربة الإرهاب والذي يعني تخريب البلاد وسبي العباد.

فهل ينجح أحد في بلداننا ما دامت العقول معطلة، والعواطف والإنفعالات مؤججة، وتنور الويلات في أعلى درجات حرارة الإنسجار؟

إذا الأفكارُ جامدة ٌ لعجزِ

يُعذبها بتضليلٍ وقهرِ

هيَ الدنيا بأفكارٍ تنامَتْ

تصنّعُها عقولٌ بنتُ عَصرِ

لماذا فكرنا ماءٌ برملٍ

وحَسْبُ شبابنا ويلاتُ زجرِ

***

د. صادق السامرائي

(عندما صرخ صلاح عبد الصبور.. خلصوني من صفة الشاعر الشاب.. لقد جاوز عمري نصف القرن)

نستمع في هذا المحفل الادبي، او نقرأ في تلك الوسيلة الاعلامية، اسم كاتب معين مقرونا بصفة شاب، ومع ان هذه الصفة تعتبر شرفا لمن يتصف بها، الا انها عادة ما تخفي في ثناياها نوعا من الاشارة الى محدودية عطاء صاحبها، كونه ما زال شابا يرتاد مطالع الشباب الاولى باتجاه المرتفعات العالية في العمر، فهل من الحق ان نطلق هذه الصفة على الشاب المبدع عامة؟ والى اي عمر مثلا يمكننا ان نطلقها عليه. اكثر من هذا، هل من الحق ان نقسم الكتاب الى شباب وشيوخ؟ وهل يفترق هؤلاء عن اولئك؟ وبماذا يفترقون.. اذا كانوا يفترقون حقا؟

يشهد التاريخ الابداعي والادبي خاصة، ان اعمار اهله لا تقاس بالأعمار الزمنية، السنوات، وانما هي تقاس بما اذخره اصحابها من تجارب ومعارف، وعليه بإمكاننا القول، ان الانسان عامة والمبدع خاصة، انما يقاس عمره بالعمق، وليس بالطول، فكم من مبدع عاش مائة عام ولم يقدم شيئا يذكر وكم من مبدع اخر، في المقابل، لم يعش سوى ربع قرن من الزمان وقدم الكثير الكثير، فالشاعر الجاهلي العظيم طرفة ابن العبد وابو القاسم الشابي وغيرهما كثيرون من المبدعين الاجانب في شتى اصقاع الارض، لم تتجاوز اعمارهم عندما غادروا عالمنا الخامسة والعشرين عاما!! ومع هذا تركوا بصمات لا يمكن محوها من سجل التاريخ الادبي للشعوب الذين انتموا اليها.. وللإبداع الادبي في العالم اجمع.

اعتدنا في حياتنا الادبية العربية خاصة، ان نطلق على المبدع في بداياته صفة الشاب، وذلك ضمن طلب مضمر منا، مفاده انه علينا ان نتساهل في التعامل معه(!!)، وان تكون ايدينا مباركة في تقييمه فلا تقسو وانما تميل الى الحنية المطلوبة منا في الواقع خلال تعاملنا مع اي عمل ابداعي وادبي. ومما يذكر في هذا السياق، ان مجلة "الهلال"، العربية المصرية العريقة، حاولت قبل سنوات بعيدة، في واحدة من حماقاتها النادرة، ان تحل اشكال الاجيال هذا بتكريسها ملحقا خاصا للشباب، اطلقت عليه اسما لامعا في الظاهر هو " الزهور"، وقاسيا في الباطن.. كونه يقسم الادباء كما هو واضح الى زهور واشجار باسقة!!.. هذا الملحق لم يعش طويلا وتم توقيفه بعد صدور عدد محدود منه.

تعقيبا وردا على هذا كله، من صفات تشبه الاتهامات، بإمكاننا القول ان المبدع الحقيقي لا يخرج الى الحياة الابداعية من فراغ، وانما هو يستعد للدخول الى ملكوتها كل الاستعداد، ويهيئ نفسه كل التهيؤ، يقرأ الكثير ويعي الاكثر، ليضيف الى ما سبق وقيل في الماضي.. بصمته الخاصة، تلك البصمة التي تميزه عن سواه مهما صغرت وتضاءل شأنها.

هنا يطرح السؤال هل يمكن اعتبار كل شاب شابا؟ وهل تكفي صفة الشاب لإعطاء صفة المبدع الحقيقي هكذا تعسفا ودون روية واناة؟ هل يمكن لكل من امتشق القلم وصفّ عددا من الكلمات الى جانب بعضها بعضًا، ان يحظى بصفة مبدع؟ كما يحصل في عصر الميديا الراهن؟.. اجيبوا انتم، اما انا فليس بيدي سوى ان اكرر ليس كل شاب شابا، وانما يطلب منك كي تحظى بهكذا صفة ان تجتهد، ان تطلع وان تنمى قدراتك الادراكية لتتخذ مكانك المضيء في القاعة المكتظة.

***

ناجي ظاهر

(عندما خلق الله تعالى الإنسان ليجعله خليفة في الأرض المكان الذي أختاره وهيئه له لغرض أعمار الأرض على أساس العمل بالفطرة السليمة التي جُبل عليها ووسيلة الإدراك المعرفي (العقل) الذي ميزه عن باقي مخلوقاته وأساس هذا الإدراك هو الإيمان بالله تعالى الخالق الواحد الأحد لا شريك له في العبادة والطاعة والملك وأخذ منه العهد والميثاق وكذلك العيش في الأرض وفق منظومة متكاملة من سنن وشرائع منضبطة مع بني جنسه في عيش مبني على السلام والمحبة والحق والمساواة في الحقوق والواجبات والعدل والتقوى على ضوء ذلك تم تكريم آدم أبونا في الدنيا والآخرة (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء 70 وكذلك (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات 13 من هنا بدأت مسيرة آدم في الحياة الدنيا الأولية في الجنة بدورة تدريبية في الأرض التي أختارها وأسكنه الله فيها لا يجوع فيها ولا يعرى وهيأ له سبل العيش الرغيد ووصفها بالجنة لكنه فشل في أول اختبار حقيقي له بعدما أطاع الشيطان وعصى أمر ربه لغايتين لتصبحا أكبر وأخطر هاجس بشري إنساني لفنائه في الحياة الدنيا وخسران الآخرة وهي حب الخلود وحب المال والثروة والملك (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) طه 120 فكان هذا الفشل السبب في معانات الإنسان الرئيس في تعاسة باقي أجياله وبعدها تعاقبت وتوالت الأخطاء والتصرفات المنحرفة عن الفطرة السليمة للإنسان في الحياة وتأخذ مسارا آخر مغاير لما أراده الله تعالى لهذا الكائن الناكر للجميل الإلهي حيث أبتعد شيئا فشيء عن مراد ربه وعلة خلقه ونقض العهد وأسس قيما جديدة ومسارا مخالفا لطبيعته واتخاذ شرائع وسنن منحرفة لا تليق بعلة خلقه منها الباطل والشرك والإلحاد والكفر بأنعم الله والفساد الأخلاقي والمالي والتعدي على أبناء جنسه  وعلى الطبيعة التي سخرها الله له وذريته (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت إ يدي  الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) الروم 41 وسعى في خرابها ويفسد فيها ويهلك الحرث والنسل (وإذا تولى وسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) البقرة 205 وما زال أبن آدم يعاني المشاكل والصعاب بحياته اليومية لأنه كفر بأنعم الله تعالى أولا وثانيا لم يستطيع أن يحرر نفسه من هيمنة الشيطان وأعوانه بل تحول الكثير منهم إلى شياطين في الأرض بامتياز بسلوكهم وطريقة معيشتهم بالرغم من التحذيرات المسبقة والمتواصلة عبر آيات القرآن العظيم كما قال الله تعالى (يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) الأعراف 27 وبالرغم من كل المحاولات من الله لإعادة الإنسان إلى جادة الحق والصواب والرشد والهداية وبيان الصراط المستقيم لكنه أصر وبإمعان متواصل على الفساد والخراب النفسي والاجتماعي والأخلاقي وتدمير المجتمعات الإنسانية فلا بد لهذا الإنسان الكائن الضعيف المتكبر والمتجبر العودة الخالصة الواعية والتوبة النصوحة لله تعالى (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) التحريم 8 وكذلك (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدى) الكهف 110 ليعيد برمجة حياته نحو الأفضل للحصول على مجتمعات إنسانية راقية بعملها وعلمها وفكرها وعقيدتها.

***

ضياء محسن الاسدي

منذ القرن التاسع عشر وإلى اليوم، وما يدور في منابرنا الثقافية هو سؤال يبدأ بلماذا، وكُتبت العديد من المقالات ونُشرت مئات الكتب، تبحث عن جواب لسؤال "لماذا تأخرنا"، ولن تجد مقالا أو كتابا يطرح سؤال "كيف نتقدم"!!

لو قرأنا جميع ما كتبه المفكرون العرب، فستجدهم وبلا إستثناء يدورون في حلقة "لماذا" المفرغة، وما توصلوا إلى نتيجة ذات قيمة عملية وتأثيرات إيجابية، بل كلما تنامى إمعانهم في الغوص بعوالم لماذا تزداد المشاكل تعقيدا وتدميرا، وأوضح مثال "القضية الفلسطينية" التي إقتربوا منها بمنظار لماذا، وما إجتهدوا بآليات "كيف" اللازمة للحفاظ على وجودهم فيها.

المفكرون العرب أساتذة تعليلات وتبريرات، وما منهم إستطاع أن يتجاوز التنظيرات البهتانية، ويتعامل مع الواقع القائم بمفردات عملية ناجعة.

فلا توجد مشكلة تناولوها إلا تعقدت وتطورت وتجاوزت المعقول، وتحولت إلى خنجر مسموم في قلب الحياة العربية.

فلا وحدة ولا حرية ولا إشتراكية ولا ديمقراطية، بل فردية وإستبدادية، وعدوانية وتصارعات تحزبية قبلية خالية من المفردات الجامعة والعبارات المانعة للتدهور والإنحطاط.

وهكذا مضت دوامة الإنقلابات والأنظمة الحاكمة المتماحقة، التي يجتث لاحقها ما أنجزه سابقها، فتدهورت الأحوال وتقهقرت إلى ما وراء الوراء، وأضحت الغابرات تحكمنا، والأجداث برميمها تقودنا، ولا نعرف سوى التبعية والخنوع للذي يفوز بإفتراسنا، فما ألذ طعم دور الضحية، وما أبدعنا في التظلم والتشكي والتحرر من المسؤولية، التي نضعها على عاتق الغير الذي يريد كذا وكذا، ونحن كالروبوتات التي يفعل بها مَن تشاء مصالحه  وأطماعه.

لماذا قوةٌ طمرتْ عُلانا

وأوْجدتِ التقهقرَ والهوانا

بها فكرٌ تَساقى من سَرابٍ

وما عَملتْ بموجبها سِوانا

إذا بقِيَتْ تطاردنا لماذا

سَتأخذنا لفاجعةٍ رؤانا

***

د. صاد السامرائي

 

في مدينة كركوك، حيث تتجاور القوميات والأديان والثقافات، يبرز صوت المدرسة كمنارة للتعايش السلمي ومواجهة الفكر المتطرف. فبين جدران الصفوف، لا تُبنى المعرفة وحدها، بل تُصاغ قيم المواطنة والاحترام، ويُغرس في نفوس الطلبة معنى أن السلام حقٌّ من حقوق الإنسان، وأن الحوار والتسامح هما الطريق الوحيد لبناء مجتمع آمن ومزدهر. إن هذه التجربة التربوية ليست مجرد نشاط مدرسي، بل هي رسالة إنسانية تؤكد أن مواجهة العنف تبدأ من النواة الصغيرة: الأسرة، ثم المدرسة، لتنعكس على المجتمع بأسره. 

قال تعالى: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" [الحجرات: 13]، 

إن مواجهة التطرف العنيف والأفكار التي تهدد وحدة المجتمع تبدأ من النواة الصغيرة المتمثلة بالأسرة والمدرسة، حيث تُغرس القيم الأساسية في نفوس الأجيال. فالأسرة هي الحاضنة الأولى التي تعلم الطفل احترام الآخر وتقبله، والمدرسة هي المؤسسة التي تترجم هذه القيم إلى سلوك عملي عبر الكادر التدريسي والإداري والأنشطة التربوية. إن ترسيخ أسس الديمقراطية ومكافحة الإرهاب لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يتطلب نشر ثقافة السلام والتسامح داخل البيئة المدرسية، بما ينسجم مع الدستور العراقي والقوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على حقوق الإنسان والعيش المشترك. 

 فدور المدرسة لا يقتصر على التعليم الأكاديمي، بل يمتد ليكون فضاءً للتربية على الحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية، والحد من مظاهر العنف والتنمر بين الطلبة، وتعزيز قيم المواطنة واحترام التنوع والاختلاف. ومن خلال إشراك الطلبة في أنشطة إيجابية، يمكن تحويل المدرسة إلى بيئة حاضنة للسلم المجتمعي، حيث يتعلم الطالب أن التعايش هو السبيل الوحيد لبناء مجتمع آمن ومزدهر، وكركوك بما تحمله من تنوع قومي وديني وثقافي، تحتاج إلى مثل هذه المبادرات أكثر من أي وقت مضى، لتتحول إلى نموذج للتعايش السلمي، حيث يصبح الحوار بديلاً عن العنف، والتسامح بديلاً عن الكراهية، والسلام الأهلي أساسًا للاستقرار والازدهار.

 إن هذه الجهود ليست مجرد نشاط تربوي، بل هي رسالة واضحة بأن مستقبل العراق يقوم على التعايش، وأن السلم الأهلي هو الطريق الوحيد لبناء مجتمع آمن ومزدهر، وأن المدرسة هي حجر الأساس في هذا المشروع الكبير. 

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

ولادةُ النورِ الذي ما زال يُربكُ العالم ويُعيدُ كتابةَ معنى الإنسان

ميلادٌ يتجدّد.. وضميرٌ يُمتحَن

في عالمٍ تتسارع فيه الأخبار وتتناقص فيه المعاني يعود ميلادُ المسيح لا بوصفه حدثًا من الماضي، بل باعتباره مرآةً قاسية للحاضر ومرآة تضع الإنسان أمام ذاته وتسأله بلا مواربة: ماذا فعلتَ بكل هذا الإرث الأخلاقي؟

وأين أوصلتك قرونُ التقدم إذا كان الخوف ما زال يحكم والعنف ما زال لغة والإنسان ما زال الحلقة الأضعف؟

ليس ميلادُ المسيح مناسبةً طقسية تُختصر بعبارات التهنئة، ولا ذكرى عاطفية تُستدعى مرة في العام ثم تُطوى وإنه حدثٌ ثقيل الوطأة، لأنّه منذ لحظته الأولى كان حدثًا إشكاليًا: جاء ليقلب منطق العالم لا ليهادنه وليعيد تعريف القوة، لا ليباركها؛ وليضع الإنسان في مركز المعادلة، لا في هامشها.

لقد وُلد المسيح في زمنٍ كانت فيه الإمبراطوريات تتقاسم الأرض، وتُدار الشعوب بمنطق الغلبة، ويُقاس الإنسان بقيمته الاقتصادية أو السياسية، لا بكرامته وعالمٌ يشبه عالمنا أكثر مما نحب الاعتراف عالمٌ يُكافئ القسوة، ويبرر الظلم، ويطلب من الضعيف أن يصمت باسم الواقعية في ذلك الزمن لم يكن الميلاد وعدًا بالراحة بل إعلانًا مبكرًا للصدام الأخلاقي.

لم يولد المسيح في قصر، ولم تحفه الحراسات، ولم تُطلق المدافع احتفاءً به وقد وُلد في الهامش في مكانٍ بسيط بلا مظاهر وكان في هذا الاختيار ما يكفي لإرباك منطق القوة كله فالعالم الذي اعتاد أن يرى العظمة في الأبراج العالية، فوجئ برسالة تقول إن العظمة قد تولد في أدنى الأماكن وإن القيمة لا تحتاج إلى منصة، بل إلى معنى.

منذ اللحظة الأولى بدا هذا الميلاد غير مريح للسلطة. ليس لأنه دعا إلى العصيان المسلح، بل لأنه طرح فكرة أخطر: أن الإنسان، أيّ إنسان، يستحق الكرامة قبل الطاعة، والعدالة قبل الخضوع. وهذه فكرة لا تحبها الإمبراطوريات، ولا تطمئن لها الأنظمة، ولا يروق لها كل من بنى نفوذه على الخوف.

لم يكن المسيح ثائرًا بالسيف، لكنه كان ثائرًا على السيف ولم يأتِ ليبدّل طغاة بآخرين بل ليبدّل طريقة التفكير ذاتها وقال إن الغفران قوة، وإن الرحمة ليست ضعفًا وإن الحب حين يصبح موقفًا، قادر على هزّ أعتى البنى ففي عالمٍ كان يرى في الانتقام عدلًا وفي القسوة حزمًا، جاءت هذه الأفكار كتهديد صريح للنظام القائم.

ومن هنا، لم يكن الميلاد حدثًا دينيًا فقط بل حدثًا أخلاقيًا وسياسيًا بامتياز وقد أعاد طرح سؤال السلطة: لمن هي؟

ولماذا؟

وبأي حق؟

وأعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والدين حين رفض أن يكون الإيمان غطاءً للظلم، أو أداةً لإقصاء المختلف والدين في جوهر هذه الرسالة، ليس راية تُرفع في الصراع، بل ضمير يُستدعى في لحظة الاختيار.

لم تكن رسالة المسيح معلّقة في السماء بل نازلة إلى الأرض، إلى بؤس الناس اليومي وانحاز للفقراء لا بوصفهم موضوع شفقة بل بوصفهم معيارًا للعدالة وواجه نفاق المتدينين حين تحالفوا مع السلطة ضد الإنسان ولهذا فإن أي احتفال بميلاده يتجاهل الفقر ويصمت عن الظلم ويبرر الإقصاء هو احتفال أجوف، بلا روح.

لهذا أيضًا تجاوز الميلاد حدوده الدينية ودخل الوجدان الإنساني العام. وجد فيه الفلاسفة سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا، ووجد فيه الفنانون رمزًا للنور في العتمة، ووجد فيه الأدباء مادةً لا تنضب للتأمل في معنى الخير والشر. لقد أصبح الميلاد، عبر القرون، لغة مشتركة لمن يبحث عن إنسانية أوسع.

وفي عالمنا المعاصر، حيث يتجدد العنف بأشكال أكثر تعقيدًا، وحيث تُرتكب الجرائم باسم الله، وباسم الهوية، وباسم الأمن يبدو ميلاد المسيح أشبه بمحاكمة أخلاقية مفتوحة. محاكمة لا تستثني أحدًا فالمسيح لم يدعُ يومًا إلى قتل المختلف، ولا إلى إلغائه، ولا إلى تحويل الإيمان إلى أداة فرز وعداء بل دعا إلى الإنسان، أولًا وأخيرًا.

في الشرق الأوسط حيث وُلد المسيح يصبح الميلاد أكثر من مجرد ذكرى ويصبح سؤال بقاء في أرضٍ أنهكتها الحروب، ومزقتها الطائفية، وأُنهك فيها المعنى قبل العمران يعود الميلاد ليذكّر بأن التعدد ليس تهديدًا بل فرصة؛ وأن الإيمان، حين يتحول إلى خندق، يفقد روحه.

في العراق، في فلسطين، في كل جغرافيا مثقلة بالذاكرة والدم، لا يعود السؤال: هل نحتفل؟

بل: هل نفهم؟

هل نفهم أن هذا الميلاد يدعونا إلى إعادة بناء علاقتنا ببعضنا، وإلى حماية الإنسان من الهويات القاتلة، وإلى تحويل الاختلاف من لعنة إلى قيمة؟

لماذا نكتب عن الميلاد اليوم؟

لأن العالم، رغم كل ما حقق، ما زال عاجزًا عن حماية الإنسان لأن التكنولوجيا سبقت الأخلاق، والسلاح سبق الحكمة، والخطاب سبق الفعل ولأن الميلاد، في جوهره، ليس حدثًا من الماضي بل بوصلة للمستقبل.

ميلادُ المسيحِ الميمون ليس مناسبةً بروتوكولية، ولا زينة شوارع، ولا خطاب تهنئة موسمي إنه مسؤولية عامة، واختبار أخلاقي متجدد واختبار للأفراد وللمجتمعات وللدول.

يسألنا الميلاد، كل عام، لا كيف نحتفل، بل كيف نعيش؟

يسألنا إن كنا نملك شجاعة الرحمة في عالمٍ يعلّمنا القسوة وإن كنا نملك جرأة أن نختار الإنسان، حين يكون اختياره مكلفًا سياسيًا أو اجتماعيًا وإن كنا نؤمن حقًا بأن القوة ليست في البطش، بل في حماية الحياة.

إن الميلاد الحقيقي لا يحدث في التقويم بل في الضمير ولا يحدث حين تُضاء الشوارع بل حين تُضاء القلوب بالعقل والمسؤولية

وحين يصبح الإنسان غاية، لا وسيلة وحين تُقاس السياسات بميزان الكرامة لا بميزان الربح والخسارة.

عندها فقط لا نكون قد كتبنا افتتاحية عن ميلاد المسيح بل شاركنا – ولو قليلًا – في إنقاذ معناه من التآكل وجعلنا من النور موقفًا… لا مجرد ذكرى.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

الفوضوية الدماغية طاغية في مجتمعاتنا ومتمثلة بالسلوكيات المتناثرة المضطربة، التي تعبّر عنها بوضوح وجلاء لا يحتاج إلى برهان أو دليل.

فواقعنا فوضوي الطباع والتفاعلات، إختلطت فيه الحوابل بالنوابل، والفضائل بالرذائل، والدونيات بالنبائل، وما عاد من السهل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، لأن الفساد مذهب، ولكل سيئة فتوى غنيمة ومأرب.

هذه الفوضى الدماغية الطاغية تؤدي إلى سلوكيات تعززها وتزيد تكرارها، وكأن الأدمغة يتحقق برمجتها لتكون متوافقة مع تداعيات الفوضى، وما ينجم عنها من نتائج وإضطرابات.

وعندما تجتاح الفوضى أي مجتمع، فأن الناس سيتحفزون وستنشط ردود أفعالهم الإنعكاسية، لتوفر الهرمونات الدفاعية الفياضة في دمائهم، والتي تؤثر على إستجاباتهم وتدفع بهم إلى الوقوع في مطبات مهلكة متوالدة الإنتكاسات.

إنها فوضى عشوائية متلاطمة متفاقمة مجردة من الضوابط التفاعلية التي يمكن تقدير نتائجها، لأنها مشحونة بالمفاجآت والمباغتات الخسرانية الموجعة الباهضة التكاليف.

ولا يمكن لفوضى أن تدوم لأنها لا تتوافق وإرادة البقاء، وتكون ذات تأثيرات سلبية ثقيلة على الحاضر والمستقبل في أي مجتمع تتحقق فيه، ولا بد من ولادة قدرة مغناطيسية مُرتبه لتفاعلاتها وحركاتها، لكي تستعيد الحياة إيقاعها وتتعرف على مساراتها.

فالفوضى مهما طالت فأنها ستلد قوة تنظمها وتعيدها إلى جادة الصواب والمسار القويم.

فهل نحن على أعتاب ولادة إقتدار سليم؟!!

ولن يدوم الأليم!!

بأفكارٍ مُبعثرةٍ نُحِرْنا

بأدْمغةٍ مُبرمَجةٍ مَشينا

إلى الويلاتِ من غفلٍ ذهبنا

كأنّا في مَواطننا احْترقنا

رؤوسٌ من جَهالتها تخاوَتْ

أصابَتْ جَوهراً وجَنتْ علينا

***

د. صادق السامرائي

لم يعد التعليم في هذا العصر رحلةً متكاملة نحو بناء الإنسان، بل صار مفترق طرقٍ حادّاً، لا يسمح إلا بخيارين متنافرين في الظاهر:

إمّا النظام، وإمّا المعرفة، وكأنّ الأخلاق أُخرجت من المعادلة، أو أُجّلت إلى الهامش، مع أنها الميزان الذي يمنح كليهما معناهما.

فالنظام، كما يُمارَس اليوم، لم يعد انضباطاً واعياً يخدم الإنسان ويهذّبه، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى طقوسٍ جامدة، وأختامٍ تُضرَب، وحضورٍ بلا روح، وغيابٍ عن الجوهر.

نظامٌ بلا أخلاق، لا يربّي، بل يُروّض؛ لا يبني، بل يُخضع.

أمّا المعرفة، فقد أُرهِقت حتى كادت تُختَزل في ملخّصٍ عابر، أو شهادةٍ تُعلّق على الجدار، لا في عقلٍ يُنتج، ولا في وجدانٍ يُضيء.

ومعرفةٌ بلا أخلاق، قد تتحوّل إلى أداة تبرير، أو وسيلة استعلاء، أو رأس مالٍ بلا ضمير.

والجمع بين النظام والمعرفة؟

هو أمرٌ ممكن… لكنه نادر، ندرة الصادقين في زمن الضجيج، وقلّة المجاهدين في زمن الراحة.

أمّا الجمع بين النظام والمعرفة والأخلاق، فهو التحدّي الحقيقي، لأن الأخلاق هي التي تضبط النظام، وتوجّه المعرفة، وتمنع انحرافهما معاً.

الطالب اليوم محاصر:

تحاصره الشاشات، وتشتته التفاهة، ويخذله البيت ـ لا نعمم ـ الذي كان يفترض أن يكون السند، فإذا به في أحسن الأحوال متفرّج، وفي أسوئها شريك في الخراب.

بيتٌ لا يزرع قيمة، ولا يحرس وقتاً، ولا يوقظ همّة، ثم يتساءل بدهشة: لماذا فشل الأبناء؟

وكأن الفشل وُلد فجأة، لا نتيجة فراغٍ أخلاقي سابق.

وفي الضفة الأخرى، يقف بعض الأساتذة ـ لا نعمم ـ وقد أُنهكت رسالتهم، فصار همّهم نهاية الشهر لا بداية العقل، والراتب لا الرسالة، والنجاة الفردية لا البناء الجمعي.

وحين تُنزَع الأخلاق من التعليم، يصبح الأستاذ موظفاً، والصف عبئاً، والطالب رقماً.

كما يقف بعض المسؤولين، مشدودين إلى كراسي القيادة، يعدّون التعليم ملفاً إدارياً لا مشروعاً حضارياً، ويقيسون النجاح بعدد التقارير لا بعدد العقول المستنيرة، وبكثرة الصور لا بتقليل البيروقراطية القاتلة.

إدارة بلا أخلاق، مهما كانت منظّمة، لا تُنتج إنساناً، بل تُنتج وهماً منظّماً.

وفي هذا المشهد المزدحم بالخذلان، تقع الضحية الأولى:

الطالب… الذي لم يُعلَّم كيف يكون إنساناً قبل أن يكون ناجحاً، ولم يُدرَّب على تحمّل المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق.

ثم تأتي الضحية الثانية:

الأستاذ الحريص، المجد، الذي يقاوم التيار وحده، ويدفع ثمن إخلاصه تهميشاً أو إرهاقاً أو اتهاماً، لأنه لم يساوم على أخلاقه.

أيها الطالب، اعلم أن النظام بلا معرفة قيد، والمعرفة بلا نظام فوضى، وكلاهما بلا أخلاق خطر.

وأنك إن ضيّعت العلم اليوم، فلن يعوّضك الزمن غداً، فلا تجعل أعذار الآخرين شماعة لكسلك، فالمستقبل لا يرحم من فرّط في نفسه.

وأيها الأستاذ، تذكّر أنك حين تدخل الصف، تدخل محراباً، وأن كلمة صادقة قد تغيّر مصيراً، وأن تقاعسك ـ وإن بدا صغيراً ـ قد يورث أجيالاً من الخواء.

فالتعليم موقفٌ أخلاقي قبل أن يكون مهنة.

وأيها الأب والأم، بيوتكم ليست فنادق نوم، بل مصانع قيم، فإمّا أن تزرعوا فيها معنى العلم والانضباط والمسؤولية، أو تحصدوا فراغاً لا يشبهكم.

وأيها المسؤول، اعلم أن الكرسي زائل، وأن ما يبقى هو أثرك في عقول الناس، فإمّا أن تُذكر ببناء الإنسان، أو تُنسى مع أول تغيير.

إن التعليم ليس نظاماً يُفرض، ولا معرفةً تُكدَّس، ولا شهادةً تُمنح، بل أخلاق تُغرس، وعقل يُدرَّب، وضمير يُبنى.

فإن لم نُحسن الجمع بين النظام والمعرفة والأخلاق، فلا أقلّ من ألا نقتل المعرفة باسم النظام، ولا نبرّر الفوضى باسم الحرية، ولا نُفرغ التعليم من إنسانيته باسم الواقعية.

ففي نهاية المطاف… الأمم لا تنهض بكثرة المباني، بل بصفاء العقول، ولا تُقاس بقوانينها المكتوبة، بل بأخلاق معلّميها، ولا تُحفظ إلا بعلمٍ منضبط، ونظامٍ أخلاقي يخدم المعرفة… لا يدفنها.

***

الشيخ الدكتور ليث عبد الحسين العتابي

يقال إن الأعوام تغير الكثير، فهي تبدل تضاريس الجبال، فكيف لا تبدل شخصيتك؟ وأنا هنا، على حافة عام يلفظ أنفاسه الأخيرة، أتساءل: هل الحياة قد ساءت حقًا، أم إنني لم أعد كما كنت؟ يقف العام على رصيف المحطة، يرفع يده في توديع صامت، برقة خانقة. نعرف جميعًا أن هناك محطات قادمة، لكن زجاج النوافذ متبخر، والعالم الخارجي يمر كحلم ضبابي. نحن نجلس في عربة القطار البارد، نلمس في جيوبنا قطعة معدنية وحيدة، نتصارع مع فكرة شراء قهوة الصباح.

العبقرية في الأمر كله أننا نسمي الأشياء بأسماء جميلة. في عالم صار يشبه مسرح عرائس كبير، تعلن الأرقام عن مؤشرات إيجابية هنا وانتعاش محتمل هناك. صندوق النقد الدولي يبدو كاسم لعطر فرنسي فاخر، لا لجهة تضع شعوباً بأكملها تحت المجهر. والحكومات العظمى تتجادل كأطفال في ساحة المدرسة حول من يمتلك الكرة الأجمل، بينما الكرة نفسها - تلك الكرة الأرضية - تنتظر من يلعب بها حقاً.

معدل النمو؟ مجرد رقم يعرفه المحللون في وول ستريت. مقياسه الحقيقي الوحيد هو ابتسامة طفل حصل على حذاء جديد للمدرسة. أليس من الظريف أن يكون هذا هو المقياس؟ نحن نرقص جميعًا في العتمة، نتابع أضواء المؤشرات وهي تلمع وتخبو، بينما يد كل منا تبحث عن يد أخرى في الظلام.

في معرض فني، رأيت ذات مرة لوحة لعجوز يجلس على كرسي في شارع خال. كان عنوانها: "ينتظر الباص". وقفت أمامها دقائق طويلة.

كم منا ينتظر باصًا لن يأتي؟

باص الحب. باص النجاح. باص الاعتراف.

الفن العصري أصبح مثل تلك الرسائل التي نضعها في زجاجات ونلقيها في البحر. لا نعرف إذا كان أحد سيجدها، لكننا نكتبها لأن قلوبنا ممتلئة إلى حد الانفجار. نكتب لأننا نبحث عن شخص نعرفه بقربنا، نحكي له كل شيء، نقص عليه حكاية الثقب الذي يتسع في الروح. لذلك نحن نصنع الفن: لوحات، مقالات، خواطر. إنها كلها زجاجات نرميها في بحر اللامبالاة، على أمل.

كوب الشاي الأخير

في الليل، حين تغلق شاشة هاتفك، هناك عالم آخر يعيش تنفسه الهادئ. إنه عالم الأسر التي تلتقي على مائدة واحدة نادرة الحدوث وتتحدث عن تفاصيل صغيرة: كيف نمت زهرة البنفسج في الشرفة رغم الإهمال، كيف وجدت الجدة صورة قديمة لها وهي في العشرين.

في هذا العالم الموازي، ما زال الجيران يتساءلون عن بعضهم إذا غاب أحدهم يومين. وما زالت رائحة الطعام تنتقل من شقة إلى أخرى كرسالة سلام غير معلنة. في زمن المواطنة الرقمية، تظهر لنا أن أقوى شبكة اجتماعية لا تزال مصنوعة من نظرات التفاهم في المصعد، ومن كوب سكر مستعار في منتصف الليل.

هنا، على حافة العام، ننتظر دقات منتصف الليل. ربما نتمنى أمنيات صغيرة، لأن الكبيرة تحتاج لطاقة لم نعد نملكها. نتمنى أن نجد موقفاً للسيارة. أن يشفى الجار العجوز من زكامه. أن تستمر الكهرباء. في هذه الحميمة الإنسانية، في هذه الحياة اليومية التي نمضيها رغم كل شيء، تكمن المعجزة. العالم الكبير يدور في فلك المصالح، لكن عالمنا الصغير عالم غرفة الجلوس يدور في فلك القلب.

من نافذتي، أرى الناس يتحركون كظلال في الشتاء. كل منهم يحمل عامه على ظهره كحقيبة سفر ثقيلة. بعضها مليء بذكريات، وبعضها مليء بأحلام مؤجلة.

العام الجديد سيأتي لا محالة. سيقرع الباب ببرود. سنفتح له ونحن نعلم أنه سيأتي بحزنه وأفراحه الصغيرة، بانتصاراته وخيباته. لكننا سنفتح الباب. لأن هذه هي الحياة: استقبال الضيوف الجدد، حتى ولو كنا ما زلنا نحس بفراق القديمين.

في النهاية، المهم كم حلماً ما زلت تجرؤ على أن تحلم به. ليس المهم كم مرة سقطت، بل كم مرة قلت لنفسك: لن أحاول مرة أخرى. في هذه اللحظة، بين نهاية وبداية، نحن مجرد أطفال نلعب بالثلج الذي يذوب بين أصابعنا. نعلم أنه سيزول، لكننا نستمتع ببرودته اللحظية، وبياضه النقي، وبفرحته العابرة.

إلى العام الجديد، الذي سيكتب على جبينه كما نكتب على دفاترنا المدرسية القديمة لنحاول مرة أخرى.

***

عبد السلام فاروق

للمكان فلسفة خفية تتجاوز كونه مساحة نتحرك داخلها أو إطاراً مادياً يحيط بنا، فالمكان ليس فراغاً محايداً، بل كائن حيّ في الوعي الإنساني، يشارك في صياغة ذاكرتنا وهويتنا بقدر ما نشارك نحن في تشكيله. في هذا الأفق، تلتقي الرؤى الفلسفية والأنثروبولوجية لتؤكد أن علاقتنا بالأمكنة ليست علاقة إقامة عابرة، بل انتماء عميق. فالإنسان، كما يرى الفيلسوف هايدغر، لا يوجد إلا بقدر ما "يسكن"، والسكن ليس جدراناً وسقوفاً، بل فعل رعاية واهتمام يحوّل الحيز إلى وطن. ويذهب باشلار إلى أن البيت ليس مأوى للجسد فقط، بل مستودع للأحلام والذكريات، وملاذ يحمي خيالنا ويمنحنا الطمأنينة النفسية. هكذا تتجلى العلاقة التبادلية بين الإنسان والمكان: نحن نصنع الأمكنة بوعينا وثقافتنا، وهي في المقابل تعيد تشكيلنا بصمتها العميقة، في تفاعل لا ينقطع. ومن هذا التلاحم يمكن قراءة حكاية أستراليا بوصفها قصة أرض وهوية تشكلتا معاً عبر الزمن.

فالهوية الأسترالية ليست نتاج لحظة واحدة، بل ثمرة تراكم تاريخي طويل تشابكت فيه جذور متعددة. في عمق هذه الجذور تقف ثقافة السكان الأصليين، أقدم ثقافة إنسانية مستمرة عرفها التاريخ، حيث يمتد حضورها إلى ما يزيد على ستين ألف عام. في رؤيتهم للعالم، لا ينفصل الزمان عن المكان، ولا الأرض عن الروح؛ فمفهوم “الحلم” ليس أسطورة عابرة، بل نظام وجودي يربط الإنسان بالأرض برباط مقدس، ويجعل المكان ذاكرة حية وسردية كونية. ثم جاء الإرث الاستعماري والمهاجرون الأوائل، الذين واجهوا قسوة الطبيعة واتساعها ووحدتها، فصاغت التجربة فيهم قيماً قائمة على التضامن والاعتماد المتبادل، حيث لا نجاة للفرد دون الجماعة. ومع الزمن، أضيف إلى هذا المزيج بعد ثالث تمثل في التعددية الحديثة، التي جعلت من أستراليا مجتمعاً منفتحاً تتجاور فيه الثقافات وتتحاور، لا بوصفها عبئاً، بل بوصفها مصدراً للقوة والتجدد.

ومن هذا الخليط التاريخي تشكلت منظومة قيم باتت تعرف بالطريقة الأسترالية في الحياة، وهي قيم ترفض التعالي والطبقية، وتمجد البساطة والمساواة. تتصدر هذه القيم فكرة الرفقة، التي تتجاوز معنى الصداقة إلى معنى أعمق من الولاء والاستعداد لمد يد العون للآخر، حتى لو كان غريباً. ليست كلمة “Mate” مجرد تعبير لغوي شائع، بل إعلان يومي عن الإيمان بالمساواة والتضامن الإنساني. ويتفرع عن ذلك إحساس راسخ بالمساواة الاجتماعية، حيث يُنظر إلى الجميع باحترام بغض النظر عن المنصب أو المكانة، وتنعكس هذه الروح في سلوكيات بسيطة لكنها دالة، ككسر الحواجز الرمزية بين الناس في تفاصيل الحياة اليومية. ويكتمل المشهد بقيمة “الفرصة العادلة”، ذلك الإيمان بأن لكل إنسان حقاً أصيلاً في المحاولة والنجاح، مع تعاطف خاص مع من يكافحون في الهامش، وكأن المجتمع بأسره يقف في صف “الضعيف” حتى ينهض.

هذه القيم لا تبقى شعارات مجردة، بل تتجسد في نمط حياة يومي يتسم بالعفوية والقرب من الطبيعة. طقوس الشواء في الحدائق والشواطئ، وحتى في المناسبات العامة، ليست مجرد عادة ترفيهية، بل فعل اجتماعي يعيد إنتاج الروابط بين الناس ويؤكد روح الجماعة. والارتباط الوثيق بالطبيعة، خاصة مع تمركز السكان على السواحل، جعل من الأنشطة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حيث يصبح البحر فضاءً للحرية، والهواء الطلق امتداداً للذات. وتظهر البساطة أيضاً في الملبس واللغة وأسلوب العيش، في ميل واضح إلى الاختصار وكسر الرسميات، وكأن المجتمع بأسره يفضل القرب الإنساني على المسافات المصطنعة. وفي الوقت ذاته، يبرز الاعتراف بالأصل بوصفه ممارسة أخلاقية وثقافية، من خلال طقوس الترحيب بالأرض في المناسبات الرسمية، كإقرار رمزي بأن هذه البلاد لها ذاكرة أعمق من الدولة الحديثة، وأن احترام الجذور شرط لبناء مستقبل عادل.

وتبلغ هذه الصورة اكتمالها في التعددية الثقافية التي تحولت في أستراليا من واقع اجتماعي إلى قوة وطنية. فالتسامح الديني والفكري ليس مجرد نص قانوني، بل ممارسة يومية تتيح للاختلاف أن يكون ثراءً لا تهديداً. لذلك لا نجد هوية غذائية واحدة تختزل البلاد، بل فسيفساء من النكهات تمتد من آسيا إلى أوروبا والشرق الأوسط، كما لو أن المائدة الأسترالية تعكس خريطة العالم. وفي هذا الاندماج الخلاق بين التراث القديم والحياة الحديثة، بين المشي في البرية وصخب المدن، اكتسبت أستراليا عمقاً تاريخياً يميزها عن غيرها من مجتمعات العالم الجديد. إنها قصة مكان صنع الإنسان، وإنسان أعاد تعريف المكان، في حوار مفتوح لا يزال يكتب فصوله حتى اليوم.

***

حميد علي القحطاني

لعل من نافلة القول الإشارة إلى ان الثقافة العامة ابتداء، هي مزيج من الموهبة الفطرية للفرد، والخبرة المتراكمة مع الزمن. فبعض الأشخاص يولدون بموهبة، واستعداد فطري واضح، ومعهم حب للقراءة والإستكشاف، الأمر الذي يجعلهم أكثر استعدادًا، واندفاعا، لاكتساب الثقافة، والمعرفة.

وهكذا إذن، يمكن تطوير الثقافة باستمرار، حيث يلعب استعداد الفرد الفطري، ورغبته الشخصية، دورًا مهما، في تسريع تكوين ثقافته، وتشكيل معرفته.

كما يلاحظ ان الثقافة العامة، هي مزيج من المعرفة، والفهم، الذي يتيح للفرد التفاعل بايجابية، مع محيطه، ومع العالم من حوله، وخاصة عندما يستكشف جدل العلاقة البناءة، بين الموهبة الفطرية، والخبرة المتراكمة، في تحصيل الثقافة العامة.

 واذا ما كانت الموهبة الفطرية تمنح الفرد القدرة على الفهم العميق، وتمكنه من الربط بين الأحداث بشكل سليم، واستخلاص المعاني بسهولة، فإن الخبرة المتراكمة، والتعلم المستمر، والتجارب اليومية، تسرع من عملية بناء الثقافة، وصقلها في نفس الوقت.

على ان التفاعل بايجابية، مع البيئة الإجتماعية، والأوساط الأدبية، والعلمية، والفنية، يتيح للفرد تبادل الآراء، والأفكار، والمعارف، وبالتالي تعميق الخبرة المتراكمة، مما يعزز فهمه للعالم، ويعمق افاق نظرته لما يدور حوله من نشاطات..

ويظل التوازن بين الموهبة، والخبرة، امرا ضروريا، لتعميق الثقافة، وتراكم المعرفة، فالموهبة الفطرية بدون خبرة، قد لا تكون كافية لوحدها، دون تطويرها بالتعلم المستمر، وتعميقها بالتدريب المتواصل.

وبالمثل فإن الخبرة، دون استعداد فطري، قد تكون غير زاخرة، وسطحية، وبطيئة للتعلم.

وهكذا يكون بناء الثقافة العامة

بالقراءة المستمرة، في مختلف المجالات، مثل، التاريخ، والعلوم، والفلسفة، والأدب، والفن، وغيرها، امرا ضروريا، ولا مجال للتهاون فيه.

كما ان تبادل الآراء، والتفاعل مع الآخرين، والمشاركة الفعالة في المناقشات، والحوارات، مع ثقافة من خلفيات مختلفة، يعمق بناء الثقافة العامة، ويعزز المعرفة، ويغني التجربة.

على ان تنمية الحس النقدي البناء، والتأمل، والتفكير، في ما تعلمه الفرد من أفكار، وما حصله من معارف جديدة، باسقاط ماهو سلبي، وتصحيح ماهو خاطيء منها، يثري المعرفة، ويعزز تراكم الثقافة العامة.

***

نايف عبوش

منذ المرحلة المتوسطة لا أعرف كيف ركبتني هذه الفكرة، وخلاصتها أنني في مساء اليوم الأخير من كل عام أجلس فوق قمة الملوية (الجاون)، متأملا الفضاء الشاسع ومتواصلا مع الأكوان، أرقب غروب شمس اليوم الأخير من العام، وأمامي معالم القصور العباسية، فكنت أعيش لحظات روحية مترعة بالنشوة الإبداعية، التي تدفعني للكتابة حتى منتصف الليل.

كل آخر يوم من كل عام صار جلوسي عند المساء على قمة الملوية أشبه بالطقس، الذي تواصلت معه طيلة تواجدي في الوطن.

إستحضرت تلك الساعات التأملية الخلاقة ونحن على أعتاب نهاية عام ميلادي، وودت لو كنت جالسا فوق الجاون، وروحي تخاطب السماء وتحاور التأريخ والحياة!!

وكم تساءلت هل كان يجلس الخليفة المتوكل برفقة البحتري فوق الجاون؟

وأتعجب عن عدم وصف البحتري للمنظر الجميل المترع بالروعة الخلابة، فربما كان الوصف المجاني لا ينفع، فلكل كلمة عند البحتري ثمن، وهكذا وصف لا يمنحه المطلوب، أو ربما لم يخطر على بال المتوكل أن طلب منه وصف المشهد البديع، أو أنهما لم يجلسا فوق الجاون، وهذا إفتراض بعيد!!

ققمة الملوية كما في بعض المدونات كان عليها بناء أشبه بالرابية التاجية، التي يرنو الجالس فيها إلى بانوروما الحياة المتوهجة بأمواج التألق البهيج!!

مما يعني أن القمة كانت مرتعا روحيا وتأمليا للذي يكون فوقها، وهذا ربما يرجح أن المتوكل والبحتري أحيانا كانا يتنادمان عليها وهما في ذروة الإشراق.

مَن يجالس التأريخ عند الغروب فوق قمة الملوية تتكشف له أغطية المحجوب!!

بها روحٌ إلى العلياءِ تَسري

تلوّتْ نحوَ مُطلقِها لتدري

أرادوا عرشَ أكوانٍ تَجلّتْ

موثقةٍ بآياتٍ بذكرِ

لسامقةِ العصورِ أتى زمانٌ

يحدّثنا بلا عِلمٍ ويُفري

جَهولٌ في مَرابعنا تمادى

يُمزّقنا ويَدْعونا لغدرِ

***

د- صادق السامرائي

القرآن الكريم كتاب رب العالمين الذي انزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ليكون النور الذي يُضيء لهم الطريق، والهداية التي تُصلح نفوسهم، وتسعد بالهم، بمحافظتهم على تلاوته، وتطبيق هديه الكريم، قال تعالى (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا") (الإسراء: 9).

فهذه الآية الكريمة تلخص جوهر رسالة القرآن، فهو كتابٌ رب العالمين، جامعٌ لكل ما يحتاجه الإنسان في دينه ودنياه، ليرشده إلى الطريق المستقيم، ويهديه إلى الحقيقة التامة التي لاريب فيها، والتي تُصلح الفرد والمجتمع .

وتقوم هداية القرآن للتي هي أقوم، على قاعدة التوحيد الخالص لله تعالى، والبعد المطلق عن الشرك والضلال، قال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأنعام: 161).

 كما أن القرٱن الكريم يربي الانسان على العدل، والرحمة، والصدق، والتسامح في حياته العملية، وفي ذلك يقول الله تعالى (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن: 9).

وهكذا برسي القرٱن الكريم للانسان أسس التنظيم الاجتماعي السليم في التعامل بين الناس، لحفظ الحقوق، ومحاربة الظلم والفساد، تحقيقا لمجتمع فاضل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) (المائدة: 8).

وبذلك يضع القرآن الكريم أسس الصلاح النفسي لتطهير القلوب من الحسد، والكبر، والغل، وسوء الظن، تحقيقا للطمانينة التامة، والراحة النفسية، والمعنوية الكاملة (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

ولابد من الإشارة إلى أن هداية القرآن تتحقق بتلاوته، وتدبره، وقراءته، بقلب حاضر، وتأمل عميق لمقاصده، ومعانيه، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: 29)، والعمل على التطبيق العملي لهديه، وجعله منهج حياة، أخلاقا، وتعاملات، وسلوكا عمليا (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)(الزمر: 18).فيتحقق عند ذاك المجتمع الرشيد، الذي ينعم بالطمأنينة، ويرفل بالسعادة.

***

نايف عبوش

إن لم أكن أنا، فمن أكون؟، ذاك السؤال العميق الذي يأتينا من حدود الثقب الأسود في الذاكرة النائمة من الزمن الماضي. لن نستطيع لهذا السؤال استيفاء أجوبة قارة ومقنعة، ولا حتى الجواب عن كنهه المعرفي بغباء، ولكن حين نُريد تقمص أدوار المنجمين في تفكيك أنساق الآليات حتى بالأجزاء البسيطة منها، فقد نتواجد ضمن خانة من بات يُماثل فم الثرثار، والذي يُدمر كل شيء بالإطناب وبالإسهاب في تمطيط المبررات التسويغية.

ما يضحكنا من هذا سؤال: (إن لم أكن أنا، فمن أكون؟) والذي قد يجده البعض منَّا غبيا بحد غباء عقل الإنسان المحدود في الزمان والمكان، وقد يماثل سماع صوت رجل ميت في كفنه الأبيض، وينتظر بدايات ختم الدفن والدعاء. سؤال الرجل الميت الذي يتشبث بقشة الخلاص (هيهات ثم هيهات !!!)، ويريد أن يستغل بطولات النهايات لا البدايات، وهو يبحث عن جواب القسط الثاني من السؤال: (فمن أكون؟) ويزيد من نهم التساؤلات: هل أنا في روضة الجنة؟ كيف لي أن أهرب نحو النور بلحاف الموت الأبيض؟ حقيقة مطلقة، المسكين لا يقدر الانزياح أو التململ من مكانه، ومن مصيره الحتمي، لكنه يُشبَّه له أنه يرى جميع الأحياء يوجدون في الظلام!!! ما دامت أن الرؤية العينية الذاتية قد سرقت منه، وهو بالضبط من يتواجد في انعدام فسحة الرؤية !!! فقد يكون صاحب سؤال (فمن أكون؟) يفكر حتى في حتمية موته بأنانية مطلقة لم يفارقها بتاتا في حياته الفانية، وكأنه البطل لكنه في الحقيقة كان عبدا مطيعا للأبطال الحقيقيين. كان سؤال (فمن أكون؟) يسافر بين الأزمنة والأمكنة سريعا، وبين بيانات صفحات كتاب يمينه وشماله من أحداث الماضي إلى حاضر نهايته، وهو بتفكير الثقب الأسود ونهاية عمره بالدفن ينشغل بلا نتائج، كانت حينها بدايات الحياة الدائمة تتحد بالمساءلة والمحاسبة.

تفكيره صاحب سؤال (فمن أكون؟) في تلك اللحظات الحاسمة، كان يماثل تفكير السمك الذي يستبيح الرضا بالتعفن في الرأس من شدة اختلاط الصالح والطالح، حيث يكون شديد البحث عن فجوات الثقوب غير السوداء لكي ينتهي من الشدة في العقاب نحو سعة عيش النهايات، والتي باتت تُلازم كفنه الأبيض، وتُطارده بلا هوادة بقياس ميزان الخير والشر. حتما، لم يتأت له الكشف عن الثقب الأبيض الذي يدفع الدناسة بعيدا حتى تنجلي ذاته بيضاء ناصعة عند الحضور في احتفاليات الحزن وعمليات الدفن بريئا، بل كان صاحب سؤال (فمن أكون؟) يردد وبلا صوت مسموع عند من حضر سنة العزاء: أين ما كنتم أريد أن أبقى معكم؟ إنها بحق أنانية التمسك بالحياة، وبالبطولات والتي كان فقط جسرا طيعا لها !!!

من قريب جاءه صوت من الخلفية غير المرئية، وكان جوابا مربكا ومخيفا: يبدو أننا شيئا ما في الجحيم !!! ويجذبنا الثقب الأسود بقوة !!! ولسنا ممن يدفع به الثقب الأبيض نحو شعاع نور!!! تراجع سمعه لحظتها مثل الأصم، حين تأكد أنه ولد لأكثر من مرة، ولديه أكثر من اسم في دنيا (لم أكن أنا) !!! وبات التأسي يبدو عليه بالارتباك والخوف من تلك المآلات السيئة، وهو لازال حبيس كفنه الأبيض، وبلا حركة ممكنة، ولا دفوعات سجالية، ولا حتى سميع من إنسي يفك عنه لثام الخاتمات والنهايات، ويسانده في أجوبة سؤال (فمن أكون؟).

فكر في ترك (الجمل بما حمل !!!)، وبأن يدفع بذاته نحو التيار البحري الجارف نحو روضة أمان، ويتخلص من تلك الصخرة التاريخية التي تمسك بها حد النواجذ، ولم تقدر على حمايته بتاتا من لطمات الموج غير السارة. حينها اكتشف أنه قد يكون من الناجين بتجربة مقايسة (الخير والشر) والتخلص النهائي من سؤال: إن لم أكن أنا، فمن أكون؟ حتما، لن يكون هو البطل الخرافي، بل قد يبقى يتشبث بالقشة الضعيفة، ليعلن يوم الختم أنه كان الخاسر الأكبر في ركوب أمواج البطولات في بحر الظلمات.

***

محسن الأكرمين

تساؤلات تطرح.. هل الإنسان هو النسخة نفسها منذ ولادته حتى مماته، أم أنه يتعدد ويتحوّل عبر الزمن؟

يقول العلماء من الناحية البيولوجية، يولد الإنسان بهوية جينية شبه ثابتة، تشكل الإطار العام لخصائصه الجسدية وبعض استعداداته النفسية. غير أن هذه الثباتية لا تعني أن الإنسان يظل «نسخة واحدة» بالمعنى الوجودي أو السلوكي. فالهوية الإنسانية ليست مجرد معطى فطري، بل هي بناء تراكمي يتشكل عبر الخبرة والتفاعل مع العالم المحيط، فيما تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنسان يمر بمراحل تطورية متعاقبة، تتبدل فيها نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين. فقد بيَّن عالم النفس التطوري إريك إريكسون أن الهوية تمر بأزمات وتحولات في كل مرحلة عمرية، من الطفولة إلى الشيخوخة، وأن كل مرحلة تفرز «نسخة» مختلفة من الإنسان، وإن كانت متصلة بما قبلها. فالإنسان ليس كائنًا منقطعًا عن ماضيه، لكنه أيضًا ليس أسيرًا له، ويؤكد علماء المنظور الاجتماعي والثقافي، فإن الإنسان يتعدد بتعدد الأدوار التي يؤديها: فهو فرد داخل أسرته، وشخص مختلف في محيط العمل، ونسخة أخرى في الفضاء العام أو في العالم الرقمي. هذا التعدد لا يعني النفاق أو الازدواجية بالضرورة، بل يعكس قدرة الإنسان على التكيُّف مع السياقات وتتضاعف أسباب هذا التعدد مع تراكم التجارب الحياتية؛ فالصدمات، والنجاحات، والخسارات، والتعليم، والسفر، والاحتكاك بثقافات أخرى، كلها عوامل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. أحيانًا يشعر الفرد أنه «لم يعد الشخص نفسه» بعد تجربة معينة، وهذا الشعور ليس وهمًا، بل تعبير عن تحول حقيقي في منظومة القيم والتصورات

يقال إن الفلسفة هي ابنة زمانها، وإنها المرآة التي تعكس قلق الإنسان وأسئلته الكبرى في كل عصر، فإذا كان القرن الـ20 قرن الأيديولوجيات الكبرى والتنوع الهائل للتيارات الفلسفية المتشابكة مع علوم أخرى قد تميز باستمرار الاهتمام بالقضايا الكلاسيكية كالأنطولوجيا والإيتيقا والإبيستمولوجيا والسياسة والهوية مع ظهور أسئلة جديدة تشكلت بفعل التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية والحداثة المتأخرة والشك في العقل واللغة واللسانيات والتحليل النفسي والأيديولوجيات ونهاية التاريخ والإنسان والمؤلف، فإن القرن الـ21 هو قرن التحولات السريعة، العلمية والرقمية والبيئية والسياسية والدينية، التي أعادت طرح السؤال الفلسفي في سياقات غير مسبوقة، علماً أن التفكير الفلسفي في هذا القرن ليس مقطوع الصلة بفلسفات القرون السابقة، بل إن بعض التيارات الفلسفية تعد امتداداً وتطويراً للأفكار الأساسية التي سادت في القرن الـ20 كأعمال جاك دريدا وجان فرنسوا ليوتار في مجال اللسانيات، وجوليا كريستيفا في فقه اللغة، وجان بودريار ورولان بارت في السيميائيات، وجيل دولوز وجاك رانسيير في الجانب الجمالي، وميشيل فوكو في الفلسفة الاجتماعية، وسيمون دو بوفوار وجان بول سارتر في الفكر الوجودي، وكلود ليفي ستروس في الأنثروبولوجيا، وفليكس غاتاري ولوس إريغاراي في التحليل النفسي... إلخ، وأن تأثير مناهج الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية والوجودية والفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا ما زال فاعلاً في فكر جان-لوك ماريون وميشال سير وغيرهما،

وهنا يمكن القول إن الإنسان ليس نسخة واحدة جامدة، ولا نسخًا منفصلة، بل هو كيان متحول ذو جوهر مستمر، تعاملنا مع الناس، فهو بالغ الأهمية. فإذا أدركنا أن الإنسان قابل للتغير، وأن ما نراه منه اليوم ليس بالضرورة صورته النهائية، فسنتعامل مع الآخرين بقدر أكبر من التفهم، والتسامح، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام. كما يدعونا هذا الفهم إلى إعطاء الناس فرصة للنمو والتصحيح، وألا نختزلهم في ماضيهم أو في أسوأ لحظاتهم.

وتعتبر الذات مصدر الفهم العميق للنفس، فهي تشمل المعتقدات والقيم والمشاعر والتجارِب التي تحدد هوية الشخص وطريقة تفاعله مع العالم من حوله، كما يمكن أن تتأثر الذات بالعوامل المختلفة مثل الثقافة، والتعليم، والتجارب الشخصية، مما يجعلها متطورة ومتغيرة على مر الزمن.

***

نهاد الحديثي

ناجح المعموري، ابو وهب، صديق العمر، من تبقى لنا بعد غيابه، من يتذكر تلك الايام والسنوات والغربة وأحزان الوداع والرحيل؟. فقدناه.. خسارة زمن لا تعد محطاته ولا تحسب درجاته.. اي الم يتركه البعد ويبقيه الغياب؟. كنا في اول الشباب والكتابة والنشر وأمسيات الحوار والنقد الثقافي وهموم القراءة والثقافة والسياسة والوطن. ليست تلك صور للذكرى وليست ذكرى لصور الماضي والحاضر، انها صدق الصداقة ووفاء المعرفة ونزاهة العلاقات.. لا يمكن ان ازور العراق دون ان أزوره ولا يمكن ان نلتقي دون جردة حساب للتاريخ والأمل بوطن حر فعلا وحصاد عمر مزهر.. كتبه ومؤلفاته وعلاقاته شاهد وسؤال له ولنا ولمن يتذكر بمودة واعتزاز. سجل حافل بالجهد ومملوء بالمعرفة وغني بالمحتوى وجامع للإدراك ودافع للوعي والاشتباك الثقافي، المعرفي الرصين. خبر محزن، مؤلم، موجع ان يأتيك وانت تحسب للقاء وحديث واستعادة لمعنى الصداقة في هذه الايام وهذه الاوقات وهذه المنعطفات..التي تبتعد فيها المسافات وترهق فيها أحمال الاغتراب والمنافي، داخل البلاد وخارجها. ابا وهب لك الرحمة والذكر الطيب دائما ومن الصعب ان يحل الوداع بهذه العجلة من الزمن وبهذه الساعات التي لا تعوضها الكلمات ولا تستعيدها الدمعات.. ولأن الحياة هكذا هي دون قدرة اخرى على قضائها وقدرها، فوداعا كما تريد وتظل في الذاكرة والأجيال ضوءا ومقام اخ غال وودود..

***

كاظم الموسوي

في اليوم العالمي للغة العربية في (18\12) من كل عام، تنهال على الصحف والمواقع النصوص النواحية التي تؤبّن لغة الضاد وتشيعها إلى مثواها كما يرى الرثائيون المتشائمون، الذين ينتقدون ولا ينقدون، وبدون وعي منهم يساهمون في توجيه الطعنات للعربية.

العديد من المقالات والنصوص المكتوبة باللغة العربية  تنعاها، مثلما نعاها حافظ إبراهيم قبل أكثر من قرن في قصيدته المعروفة.

فهل الراثون إستطاعوا دفنها؟

اللغة العربية أبّنَت الناعين لها، وتطورت وعاصرت وتحدّت، وهي اللغة المتواكبة مع التطورات الفاعلة في الدنيا، فلا خمدت ولا إنكسرت أو أصابها الإهمال وما تخلى عنها أهلها، لأنها هويتهم ولسان حالهم وصوتهم المتردد في الآفاق.

على الأقلام التي تكتب الإبتعاد عن الإنتقاد المناهض لواقع اللغة ودورها الحضاري، ومن واجبهم الإنساني توجيه النقد لتعديل بعض المسارات المعوجة.

للعربية أعلامها ورموزها، والناطقون بضادها، والقادرون على إستحضار معطيات العصر بها، فلا توجد لغة في الدنيا قاصرة عن إستيعاب وتمثُل ما تأتي به العقول، فكيف يصح إتهام اللغة العربية بما لا يتوافق وقدراتها التعبيرية والإستيعابية.

توقفوا عن الكتابات المستهينة باللغة العربية، والعجيب أنها مكتوبة بها، وتحاول أن تخدع أهلها بأنها عاجزة عن التفاعل مع المعطيات المتلاحقة. فهل أنها كتابات مغرضة؟

لغةُ الأجيالِ دامتْ لغتي

قوةٌ تبقى وفيها عِزّتي

لا تقلْ هانتْ بجيلٍ صاعدٍ

وبها الأفكارُ أذكتْ ثورتي

لغةُ الفرقانِ تأبى ذلةً

إنّها تحيا بروحِ الأمّةِ

***

د. صادق السامرائي

 

لم تعد الصداقة في عالمنا المعاصر علاقة بسيطة تقوم على القرب الانساني وحده، بل أضحت محاطة بأسئلة عميقة تتعلّق بالصدق والمصلحة وحدود الثقة بين الأفراد. فلم يعد الفلم يعد الإنسان يهتمّ بالبعد الروحي والتطوّر الفكري فحسب، بل أصبح يبحث عن صداقات تدرّ عليه ربحا اجتماعيا وماديا. وهنا يتولّد السؤال الجوهري: بين النضج والاستقرار الروحي، والبحث عن صداقات ذات نفع اجتماعي، ايّهما يمثّل العمق الحقيقي للصداقة في عالم معاصر متغيّر؟

لقد فرضت التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية منطقا جديدا على العلاقات الإنسانية، حيث لم تعد الصداقة تُقاس بعمق المشاعر وصدق النوايا فقط، بل بمدى قدرتها على تحقيق منفعة ملموسة في الواقع اليومي. وهنا يمكن فتح قوس للتأمل بالعودة إلى التصوّرات الفلسفية الكلاسيكية حول معنى الصداقة. فقد تساءل سقراط عن ماهية الصديق الحقيقي: أهو مجرّد رفيق طريق أم علاقة أعمق من ذلك؟ ليجيب أفلاطون بأن الصديق هو "روح واحدة تسكن جسدين"، أي امتداد للذات في الآخر. أما نيتشه، فرأى أن الصديق لا ينبغي أن يكون ظلّا لنا، بل "سيفنا أمام الأعداء ومرآتنا أمام أنفسنا" في إشارة إلى الصداقة بوصفها علاقة صدق ومواجهة. ويضيف كونفوشيوس، من زاوية أخلاقية، أن الصديق الصالح هو من يرشدك إلى الفضيلة ويقوّم اعوجاجك

غير أنّ هذه المعاني السّامية للصداقة، بكلّ ما تحمله من عمق إنساني وأخلاقي، تبدو اليوم مهدّدة بالذوبان في ما سمّاه زيغمونت باومان "العصر السائل" حيث باتت العلاقات هشّة، مقيدة بمنطق السرعة والحاجة الاقتصادية، فاقدة لثباتها ومعناها.

وفي هذا السياق، لا يمكن الجزم بأن الصداقة فقدت معناها كليًّا، بقدر ما يمكن القول إن الإنسان المعاصر أصبح ممزقاً بين حاجته إلى العمق، وضغط الواقع الّذي يدفعه إلى علاقات نفعية وسريعة. فلا يمكننا الادّعاء بأن الصداقة الصادقة، أصبحت نادرة أو منعدمة، بل الأجدر أن نسلط الضوء على تغيّر الإنسان نفسه، إذ هو من أعاد تشكيل مفهوم الصداقة، وحوّل جوهرها من علاقة تقوم على القيمة والمعنى، إلى وسيلة نفعية تخدم المصالح الفرديّة أكثر ممّا تخدم الروابط الإنسانيّة.

وعليه، تبقى الصداقة مرآةً صادقة لزمنها، تعكس طبيعة الإنسان أكثر ممّا تعكس طبيعة العلاقة في ذاتها. ومن هنا يُطرح الإشكال الآتي: هل يمكن أن نُعيد للصداقة قيمتها الأخلاقية الهادفة، وأن نجعل منها علاقة ترفع وعي الإنسان في زمنٍ تهيمن عليه المصالح واللامبالاة؟

***

الأستاذة: أميرة رخيس

 

يعد الانتماء النفسي للمنظمة ثقافة أصيلة وجذراً عميقاً من جذور النجاح المؤسسي، فهو ليس مجرد شعور عابر أو شعار يرفع، بل حالة وجدانية متكاملة تنتج طاقة متدفقة من الإخلاص والوفاء، وتشعل في داخل الموظف والمسؤول على حد سواء حساً عالياً من الالتزام والمسؤولية والانتماء الحقيقي.

عندما يتحقق الانتماء النفسي، يشع وجدان الفرد إخلاصاً وثقة بمن حوله، فيدعمهم، ويشاركهم، ويسخر خبراته وطاقاته لخدمة العمل والناس من حوله. يعمل بانسجام وراحة داخلية، دون أن يستشعر ثقل الجهد أو وطأة الإرهاق والجهد المضن، بل يبذل الكثير دون شكوى أو تذمر، لأنه يرى في عطائه معنى، وفي عمله قيمة، وفي منظمته بيتاً ثانياً لا مجرد مكان يتقاضى منه راتباً أو مصلحة يقضيها أو ينتفع منها.

الموظف المنتمي لا ينظر إلى نفسه كأجير ينتظر الأجر آخر الشهر، بل يرى ذاته شريكاً أصيلاً في النجاح، وعنصراً فاعلاً في البناء والنمو والتطوير، ومسؤولاً عن جودة الأداء وسمعة المؤسسة وصورتها المشرقة واستمراريتها نحو التقدم والأزدهار. وهنا يتحول الانتماء النفسي تلقائياً إلى ولاء مؤسسي قائم على حب العمل، والتفاني فيه، وبذل الطاقات والقدرات لإنجاحه وتطويره، حتى تتجسد هذه الجهود في صورة نجاحات ملموسة، وجودة في الأداء، واحترافية مهنية عالية تسخر فيها الإمكانات لخدمة الرؤية التي تحلم بها والرسالة المؤسسية التي تسعى لتطبيقها وتنفيذها من أجل الوصول إلى غاياتها وأهدافها.

وفي المقابل، يبرز الفارق الجوهري – بل الشاسع – بين موظف أو مسؤول يرى عمله محصوراً في الرتبة والمنصب والمنفعة المادية والأجر، ولا يحمل أي ارتباط وجداني أو استعداد للتضحية، وبين موظف أو مدير يرى العمل رسالة وحرفة، ويتعامل معه بإخلاص منقطع النظير، فيبذل كل ما يملك من وقت وجهد وفكر لينجح العمل، ويرتقي به في سلم التميز والتوسع والنمو.

إن بناء الانتماء النفسي لا يحدث صدفة، بل هو نتاج مباشر لأسلوب القيادة والإدارة. فالمسؤول الواعي يسهم بشكل حاسم في صناعة هذا الانتماء من خلال تجويد العلاقة الإنسانية والمهنية مع الموظفين، قائمة على القبول، والاحترام، والتقدير، والدعم، وعدم التخلي عنهم وقت الحاجة. يثمن جهودهم، ويعترف بعطائهم، ويمنحهم أجراً عادلاً يتناسب مع خبراتهم والجهود التي يبذلونها، ويراعي ظروفهم النفسية والاجتماعية والأسرية، إدراكاً منه أن الإنسان هو جوهر المؤسسة وقلبها النابض وركن أصيل وأساس متين في نجاحها.

وشتان بين مسؤول يرى الموظف مجرد أجير يمكن استنزافه واستغلاله دون اعتبار لإنسانيته أو نفسيته، وبين مسؤول يرى فيه شريكاً، فيحتويه، ويدعمه، ويصنع معه بيئة عمل صحية وآمنة. فالأول يقتل الانتماء، ويزرع النفور، وينتج موظفاً منفصلاً نفسياً عن منظمته ومنسلخ من الانتماء والولاء، أما الثاني فيبني الولاء، ويغرس المحبة، ويخلق حالة من التوافق والانسجام تدفع الموظف للعطاء بإرادة داخلية صادقة وهمة قوية.

وخلاصة القول: إن المسؤول المهتم يصنع الانتماء، ويحول العمل إلى مساحة نمو وكرامة وإنجاز، بينما المسؤول الغافل يبدده، ويجعل المنظمة عبئاً نفسياً على العاملين فيها. فالانتماء النفسي ليس ترفاً إدارياً، بل ركيزة أساسية للاستدامة، وجودة الأداء، ونجاح المؤسسات في عالم لم يعد يقيس التفوق بالموارد فقط، بل بالإنسان أولاً وأخيراً.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

23-12-2025

النخلة، تلك الشجرة الصامتة تقف شامخة بين الأرض والسماء، شاهدة على مرور الأيام وتبدّل المواسم وجذورها تمتد في التربة بحثًا عن الماء، وسعفاتها تعانق الشمس والرياح، وثمرها يكتمل بصبرٍ لا يعرف الاستعجال.

تأخذنا النخلة في رحلة، شهرًا بعد شهر وموسمًا بعد موسم لنرى كيف تتفاعل مع الطبيعة من حولها، وكيف تصمد في وجه الحر والبرد، وكيف تمنح الظل والثمار بلا كلل وهنا بين يوم وآخر، نتعلم الصبر والمثابرة والعطاء الصامت ونرى انعكاس الزمن على كل عقدة في جذعها وكل سعفة في قمتها.

من الشتاء البارد إلى حرارة الصيف، ومن المطر إلى الرياح ومن براعم الربيع إلى ثمار الخريف سنتتبع النخلة نسمع صمتها نشعر بحياتها ونرى كيف يمكن للطبيعة أن تكون مدرسة للصبر والقوة والوفاء عبر أشهر السنة:

[كانون الثاني – يناير]

الشتاء لا يزال قاسيًا، والرياح الباردة تهب بلا هوادة وجذور النخلة تمتد في الأرض بحثًا عن أي رطوبة متبقية من الأمطار السابقة، وسعفاتها تتصلب لكنها صامدة تحتفظ بقدرتها على امتصاص أشعة الشمس القليلة، فتغذي نفسها وتعد الثمار القادمة والفلاح يمر عليها يراقبها ويعرف أي سعفة بدأت بالذبول، وكل تفصيلة فيها تبدو كصفحة يومية في سجل الحياة.

[شباط – فبراير]

الندى قد ذاب، والمطر يتكرر، والأرض تتشبع بالماء والجذور تشربه ببطء، والنخلة تتنفس وسعفاتها تتلألأ تحت قطرات المطر وكأنها تغني سر الحياة الصامتة والطلح لم يظهر بعد لكنه يستعد للنمو في عمق عقل النخلة، التي تختزن الطاقة للأشهر القادمة.

[آذار – مارس]

أول علامات الربيع تظهر، السعفات الجديدة رقيقة وخضراء فاتحة، تملأ الفراغ بين سعفات الشتاء الباهتة والفلاح يبدأ بتقليم النخلة يزيل السعفات الميتة ويترك المجال للضوء كي يصل إلى قلب الشجرة والأرض بدأت تدفأ، والجذور تعمل ببطء، تجمع الغذاء وتمتص المعادن وتعد نفسها لمرحلة الإزهار.

[نيسان – أبريل]

الربيع في أوجه، الشمس أدفأ والرياح لطيفة والنخلة تظهر براعم صغيرة على أطرافها علامات الحياة الجديدة والفلاح يراقبها بعين خبيرة يلمس جذعها ويشعر بالصلابة يعرف أن كل عقدة في الجذع تحمل موسمًا سابقًا ودرسًا في الصبر والطيور تحط على سعفها بحثًا عن مأوى ومأكل والنخلة تمنحها الظل والأمان.

[أيار – مايو]

الحرارة تتزايد، الأرض تجف بسرعة والجذور تمتد أعمق للعثور على الماء والنخلة تتحمل، تعلمها الطبيعة الصبر على النقص، تعلمها كيف تعطي بلا شكوى؟

البراعم تتحول إلى أزهار صغيرة تشبه الرؤى، لا يعرف أحد شكلها حتى تكتمل والشمس تصعد عالية، والأوراق تتأرجح مع الرياح وكأنها رقصة خفية مع عناصر الطبيعة.

[حزيران – يونيو]

الحرارة بلغت ذروتها، والنخلة تصمد بلا كلل وسعفاتها تُسقط بعض الرطوبة والجذور تعمل تحت الأرض بلا توقف والأزهار تتحول إلى ثمار صغيرة، البلح لم يتشكل بعد لكنه يحتفظ بنكهته المحتملة في الداخل والفلاح يروي الأرض عند الحاجة يراقبها بعناية، مدركًا أن هذه الأشهر حرجة للثمار القادمة.

[تموز – يوليو]

الحرارة شديدة، الشمس تقسو بلا رحمة النخلة تعلم أن الصمود فن، والظل الذي تمنحه ثمرة جهدها والبلح يبدأ بالنضج تدريجيًا، يتحول من أخضر خفيف إلى أصفر كالذهب، لكنه يحتاج إلى الوقت ليصبح حلو المذاق وكل حركة سعفاتها تحمل حياة وكل ظل على الأرض يروي قصة صبرها.

[آب – أغسطس]

البلح يكاد يكتمل، والشمس لا ترحم والفلاح يتفقد كل ثمرة، يزيل التالفة ويترك الأفضل للنضج الكامل والجذور تمتص الماء بلا توقف، تحافظ على الثمار. النخلة صامتة لكنها تنبض بالحياة، كل ورقة تحمل درسًا وكل عقدة تحكي موسمًا.

[أيلول – سبتمبر]

أيام جني الثمار بدأت، والتمر جاهز والفلاحون يجنونها بعناية، يعرفون أي ثمرة حلوة وأيها ناقصة والنخلة تفرغ قلبها من عطايا الموسم، لكنها لا تضعف، لأنها تعرف أن الحياة مستمرة، والجذور ستواصل العمل للموسم القادم.

[تشرين الأول – أكتوبر]

الحرارة بدأت تنخفض، سعفاتها تتغير تدريجيًا وبعض الثمر المتأخر يُترك والجذور تبدأ بالاستعداد للشتاء والنخلة تعود لتقوية نفسها، تمتص ما تبقى من الماء تجمع الطاقة وتستعد للصمود من جديد.

[تشرين الثاني – نوفمبر]

الأيام أقصر، الضوء أقل والنخلة تتكيف مع قصر النهار والسعفات تصبح أغمق وبعض الفروع القديمة تذبل لكنها لا تموت، والأرض تحتها تبرد، والجذور تتعمق لحماية الشجرة من فقدان القوة.

[كانون الأول – ديسمبر]

الشتاء عاد كما في بداية الدورة، والنخلة واقفة صامدة وجذورها في الأرض الباردة وسعفاتها تتحمل البرد والرياح وكل موسم مضى، وكل ثمرة قطفت، وكل سعفة ذبلت تبقى النخلة ثابتة، صامتة، وشاهدة على حياة متكررة لكنها لا تشبه نفسها أبدًا.

هكذا، طوال العام، تعلم النخلة الإنسان الصبر، تعلمه العطاء دون انتظار، تعلمه أن البقاء ليس مجرد صمود في الظهور بل عمل خفي مستمر، تواطؤ هادئ مع الأرض والماء والحرارة والرياح، حياة صغيرة لكنها مكتملة في تفاصيلها الواقعية.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم