عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

يختلف اسم (الله) في التوراة عنه في الإنجيل والقرآن. فقد تعددت أسماؤه وأشكاله وصفاته؛ فهو مرة (يهوه) وهو اسم يدل على (الله)، ومرة (اليوهيم) ويعني القوة الإلهية، وثالثة (الرب) وهو لفظ يدل على العظمة، وأخرى (أدوناي) الذي يعني (السيد).

وهكذا تعددت الأسماء والرب واحد، ولكن الأكثر تكراراً في العهد القديم هو (يهوه)؛ إذ ورد أكثر من 1400 مرة حسب المصادر الخاصة بالتراث اليهودي، وقد سمي (اليهودي) بهذا الاسم نسبة إلى الإله (يهوه)، وأصل كلمة (يهوه) عبري ومعناها (الخالق).

إن قصة الإله (يهوه) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقصة خروج (موسى) وقومه من مصر متوجهاً إلى سيناء وقصة النبي شعيب الذي ورد اسمه في التوراة باسم (يثرون)؛ تقول التوراة إن موسى عند وصوله إلى مدين - وهو القسم الجنوبي من شبه جزيرة سيناء في طريقه إلى فلسطين - تعرّف على كاهن هذه المدينة (يثرون)، وتزوج ابنتَه، وتفرّغ (يثرون) لعبادة (يهوه).

وهو الذي علّم موسى العبادة الجديدة، وفيها أيضا وُضِعَ العهد الإلهي فأخذ يبشر بالتوحيد، إلا أن قومه لم يصدقوه وسخروا منه إلا قلة قليلة منهم. وقد ورد هذا في القرآن في أربع سور هي: الأعراف، هود، الشعراء، والعنكبوت.

وحاول موسى أن يوحد قومه في صحراء سيناء، فأخذ يتردد على جبل (حوريب) يناجي ربه ويكلمه تكليماً، حتى سمّي هذا الجبل باسم (جبل الله) أو (جبل الرب). وكان النبي موسى يسجل ما يمليه عليه الرب في الواح سميت (ألواح موسى) أو أسفار موسى الخمسة، وهي التي يحتويها التوراة.

وهذه الأسفار هي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، وسفر التثنية. وتحتوي هذه الأسفار على وصايا موسى الأخيرة وشريعة بني إسرائيل، وضعت هذه الوصايا من قبل الإسرائيليين في ما سمي بـ (تابوت العهد) الذي وصفه الدكتور (أحمد سوسة) في كتابه (العرب واليهود في التاريخ) بأنه خزانة من الخشب مكسو بالذهب، وصارت هذه الخزانة تشغل اقدس جزء من طقوسهم الدينية ووجودها بينهم يكفل النصر لهم لذا فقد كانوا يحملونها معهم في أسفارهم وفي معاركهم، وقد استولى الفلسطينيون على تابوت العهد في معركتهم الأولى مع الموسوين وانتصارهم عليهم ثم ردوه إلى الملك داود ووضعه سليمان في الهيكل ولم يُعرف مصيره بعد ذلك.

فرويد والإله (يهوه)

يقول سجمومد فرويد أبرز علماء النفس ومؤسس مدرسة التحليل النفسي في كتابه (موسى والتوحيد) ص (٤٥) ما نصه: (إن المؤرخين المحدثين يتفقون مع التوراة في نقطة أساسية؛ فهم يقرون أن القبائل اليهودية اعتنقت في حقبة معينة ديانة جديدة في موقع يدعى (قادش) وهي واحة تقع في جنوب فلسطين، وقد اعتنق اليهود ومنها عبادة إله جديد يدعى (يهوه)، وكان (يهوه) بالتأكيد إله براكين، والحال أن ما من احد يجهل أن لا وجود لبراكين في مصر، وبالمقابل نرى  ان السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية تضم براكين نشطة ولا شك أن احد هذه الجبال هو جبل (حوريب) مقر الإله (يهوه).

غير أن فرويد يقول في موضع آخر من كتابه (موسى والتوحيد): إن موسى كان متأثراً بالديانة المصرية التي جاء بها فرعون مصر (اخناتون) الذي أمر شعبه أن ينبذوا عبادة الآلهة المتعددة ويعبدوا إلهاً واحداً هو (آتون) قرص الشمس وقد نظم في عبادته الأناشيد التي تبجل هذا الإله، واعتبر فرويد هذا الدين أول محاولة للتوحيد في التاريخ، وقد انتقل اخناتون من العاصمة المصرية (طيبة) إلى عاصمة جديدة وأمر بإزالة اسم (آمون) من المعابد وأن يكون اتون هو  الإله الرسمي لمصر ويمثل اله القمر الامر الذي أغضب كهنة آمون وجعلهم يتآمرون على هذا الفرعون حيث اعتبروا هذا خروجاً عن الدين، وبعد وفاته عادت عبادة (آمون) من جديد عندما تسلم الحكم من بعده الفرعون الشاب (توت عنخ آمون) الذي أعاد الأوضاع والديانة السابقة إلى ما كانت عليه قبل اخناتون، وهكذا بدأت صفحة جديدة في تاريخ مصر الفرعونية.

صفات الله في التوراة

تقول التوراة: إن الله خلق الانسان على صورته فهو مثل الانسان له جسم وهيئة وهذا ما يسمى  ب التجسيم، وكذلك له صفات الانسان مثل الفرح والحزن والغضب والندم، وجاء في التوراة أيضا أن الله بعد أن خلق السماوات والارض في ستة أيام استراح في اليوم السابع وكان يوم سبت وأن الله قد بارك هذا اليوم فحرم فيه العمل أي انه كالبشر في حاجة الى راحة (سفر التكوين الاصحاح الثاني).

وجاء في سفر التكوين أيضا أن الله التقى بيعقوب وظل يصارعه حتى الفجر ولم يتمكن منه فأطلق على يعقوب اسم (اسرائيل) أي (القوي) على الله (سفر التكوين الاصحاح ٣٢).

ويعتقدون كذلك أن الله هو اله خاص بهم وانهم اولاده واحبائه وان بقية الامم لهم آلهتهم الخاصة.

صفات الله في التلمود

والتلمود كتاب يشرح و يفسر ما جاء في التوراة من احكام وقصص ومعاني الكلمات واعتبر كتاباً مقدساً يلي التوراة في الأهمية، لقد سلط الدكتورعلي عبد الواحد وافي  وهو عالم اجتماع مصري الأضواء على بعض ما ورد في التلمود في كتابه (الديانة اليهودية واليهود) عبر صفحاته الانظار الافكار التالية  (فقد وصف الله بأنه له جبهة مساحتها طولها خمسة آلاف ذراع وان على رأسه تاجاً فيه ألف قنطار من الذهب، وانه يلبس في اصبعه خاتماً تضئ منه الشمس والكواكب، وان الله يقضي ثلاث ساعات الأولى من النهار في قراءة الشريعة والثلاث ساعات الثانية في شؤون الحكم بين الناس والثلاث ساعات الثالثة في تدبير العيش بين المخلوقات والثلاث ساعات الاخيرة في اللعب مع الحوت، اما ساعات الليل فيقضيها في مذاكرة التلمود مع الملائكة) ص ٢٨.

اما بعد هدم الهيكل وتشريد بني اسرائيل فان الله خصص ثلاثة ارباع اليل في البكاء واذا بكى سقت عينه دمعتان في البحر فتضطرب المياه ويحدث في الارض زلزال) نفس المصدر ص ٢٨.

***

غريب دوحي

ثمّة تخلّفٌ يولد من العجز: شحُّ الموارد، وضعفُ الخبرة، وقسوةُ الجغرافيا، وثمّة تخلّفٌ آخر يولد من الإرادة؛ لا يقع على المجتمع كما تقع الكوارث، بل يُصنَع له كما تُصنَع القيود، ويُدار كما تُدار المشاريع، ويُصاغ به الجيلُ كما تُصاغ القوالب؛ الأوّلُ تُداويه التنميةُ والزمن، أمّا الثاني فلا يُداويه شيءٌ ما دام صانعُه ممسكاً بالمفاتيح، ذلك هو التخلّفُ الذي يبلغ ذروتَه حين يصير الجهلُ أستاذاً، ويغدو التجهيلُ مدرسةً لها مناهجُها وخرّيجوها وحرّاسُها.

اعتدنا، في البلدان التي أنهكها الفساد، أن نحصي الخسائرَ بلغة الأرقام: ملياراتٌ هُرّبت إلى الخارج، وعقودٌ وُهبت للمحاسيب، وموازناتٌ تبخّرت قبل أن تبلغ أبوابَ صرفها، وهذا الحسابُ، على فداحته، يبقى ناقصاً؛ فالمالُ المنهوب قد يُستردّ يوماً بحكمٍ قضائي أو تسويةٍ سياسية أو صحوةٍ متأخّرة، ويُعاد بناءُ ما تهدّم من جسورٍ ومستشفيات، أمّا أعمارُ الأجيال فلا تُردّ، كيف نستعيد سنواتِ شبابٍ حملوا الشهاداتِ ولم يحملوا المعرفة، وأتقنوا اجتيازَ الامتحان ولم يتعلّموا فهمَ الحياة؟ وكيف نعوّض مجتمعاً صار يقيس العلمَ بالورقة المختومة لا بالعقل الذي يسأل، ويقيس الكفاءةَ باللقب لا بما يُنجزه صاحبُه؟

هنا يكمن أخطرُ وجوه الفساد، فالفسادُ الذي يكتفي بسرقة الثروة يترك للمجتمع، على الأقل، عينَه التي ترى ولسانَه الذي يحاسب؛ يبقى الضحيةُ قادراً على أن يعرف أنه نُهب، وأن يسمّي ناهبَه، أمّا حين يمتدّ الفسادُ إلى المدرسة والجامعة، فإنه يسلب الناسَ الأداةَ التي يكتشفون بها السرقةَ أصلاً، يصبح المسروقُ شريكاً بصمته، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يُعلَّم أن يسأل، ولم يُدرَّب على أن يميّز الحقَّ من الزيف، ولأنّ من نهبه هو نفسُه من كتب له الكتابَ الذي تعلّم منه.

ولم يكن تدهورُ التعليم في كثيرٍ من بلداننا مصادفةً بريئة، ولا مجرّدَ أثرٍ جانبيّ للحروب والحصار، فالشهاداتُ التي تُمنح بلا استحقاق، والجامعاتُ التي تتكاثر كالدكاكين وتبيع ألقابَها لمن يدفع، والدرجاتُ التي تُوزَّع بالولاء، والمقاعدُ التي تُقتسم بالمحاصصة، والمناهجُ التي تُكتب على مقاس العقيدة الحاكمة لا على مقاس العصر، والمعلّمُ الذي يُترك نهباً للفاقة حتى يبيع دروسَه الخصوصية ليعيش؛ كلّ ذلك ليس أعراضَ تقصير، بل أدواتُ حكم. إذ لا شيء أنفعُ لمن يديرون المشهدَ من جمهورٍ يحفظ ولا يفهم، ويطيع ولا يناقش، ويرى في الوعي ترفاً أو تهمة.

شهاداتِ مزوّرة

وليس العراقُ بعيداً عن هذه الصورة، بل لعلّه أشدُّ أمثلتها إيلاماً، فالبلدُ الذي كانت جامعاتُه يوماً قِبلةً لطلاب المنطقة، وكان أطبّاؤه ومهندسوه وأساتذتُه يُطلَبون بالاسم في عواصم قريبةٍ وبعيدة، صار اليوم يحصي الشهاداتِ المزوّرة في دوائره، ويتحدّث عن مدارسَ طينية ومدارسَ تعمل بثلاث وجبات، وعن خرّيجين بعشرات الآلاف يتظاهرون أمام الوزارات طلباً لوظيفةٍ لم يُعدّهم تعليمُهم لغيرها. لم يكن ذلك قدَراً نزل من السماء؛ فقد تعاقبت عليه دكتاتوريةٌ جعلت المدرسةَ ثكنةً لتلقين الولاء، ثم حروبٌ وحصارٌ أفقرت المعلّمَ وأذلّته، ثم نظامُ محاصصةٍ وزّع الوزاراتِ غنائمَ بين القوى، فكان التعليمُ أرخصَ الغنائم وأيسرَها نهباً. وفي كلّ مرحلةٍ كان الثمنُ يُدفع من العقل قبل الجيب.

وأدهى ما في هذه المدرسة أنها لا تُخرّج جهلةً فحسب، بل تُخرّج جهلةً يحملون صفةَ العارفين. فالأمّيُّ الذي يعرف أنه لا يعرف يظلّ قابلاً للتعلّم، أمّا المتعلّمُ المزيّف فمحصّنٌ بشهادته ضدّ السؤال، ثم يصعد بها إلى المنصب، فيقرّر ويشرّع ويعلّم بدوره، فتدور الحلقةُ دورةً أوسع. وحين يُكافأ الجهلُ ويُعاقَب الاجتهاد، يتعلّم الناشئةُ الدرسَ الحقيقيّ الوحيد: أنّ الطريقَ إلى الوظيفة والمكانة يمرّ بالحزب والعشيرة والطائفة، لا بالكتاب. وعندها تبدأ الهجرةُ الصامتة: يرحل المتفوّقون، ويبقى من تكيّفوا، فيخسر البلدُ عقولَه مرّتين؛ مرّةً حين لم يُحسن تعليمَها، ومرّةً حين لم يُحسن استبقاءَها.

الأممُ لا تسقط بالفقر وحده؛ فكم من شعبٍ فقيرٍ نهض بعقول أبنائه، وكم من بلدٍ غنيٍّ أهدر ثروتَه لأنه أهدر إنسانَه قبلها. إنها تسقط حين يُفرَغ التعليمُ من محتواه، وتغدو المعرفةُ خطراً على أصحاب السلطة، والمعلّمُ موظّفاً مقهوراً، والطالبُ رقماً في سجلّ الناجحين.

لذلك فإصلاحُ التعليم أكبرُ من تحديث المناهج وتجديد الأبنية وتوزيع الحواسيب، وأكبرُ من مؤتمراتٍ تنتهي بتوصياتٍ لا يقرؤها أحد. إنه معركةٌ سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد: أن يُعاد للمعلّم اعتبارُه، وللشهادة صدقُها، وللسؤال حرمتُه، وأن تُستعاد المدرسةُ من الأحزاب كما تُستعاد الأرضُ من المحتلّ. إنها معركةٌ لاستعادة العقل ممّن جعلوا تجهيلَه وسيلةً لدوام سلطتهم. ومن دون أن نخوضها، سنظلّ نستردّ بعضَ المال المنهوب، ونخسر في المقابل ما هو أثمنُ منه: الإنسانَ القادرَ على أن يفهم، ويسأل، ويحاسب.

***

كفاح محمود

 

يرتكز الاقتصاد العراقي منذ عقود على إيرادات النفط كمصدر رئيسي للدخل، وهو ما يجعل ميزانية البلد رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. وفي وقت تبحث فيه الدولة عن بدائل حقيقية لتنويع مصادر تمويلها، تبرز "السياحة الأثرية" ليس فقط كخيار ثانٍ، بل كقوة تنموية مستدامة؛ فالعراق، أرض الحضارات الأولى، يمتلك كنزاً استراتيجياً فوق الأرض يضاهي في قيمته الثروات القابعة تحتها، مما يجعل استثمار هذا الإرث ضرورة ملحة لتطوير الإنتاج الوطني. وتبدأ هذه الرؤية من قلب العاصمة بغداد، وتحديداً من المتحف العراقي الذي يمثل خزينة التاريخ الحي وبوابة التعارف الأولى بين الزائر وأمجاد وادي الرافدين، مما يتطلب تفعيل دوره كمركز جذب ثقافي عالمي متكامل.

ويمتد هذا الطموح عبر خارطة البلاد الممتدة ليشمل صروحاً تاريخية تروي قصة الإنسانية؛ بدءاً من مدينة بابل الأثرية بشهرتها الشاخصة، ومدينة كيش التي شهدت بدايات الفجر السومري وأولى السلالات الحاكمة، وصولاً إلى الأعجوبة الهندسية المتمثلة في ملوية سامراء، والشموخ المعماري لـ طاق كسرى (إيوان مدائن)، ناهيك عن زقورة أور وحضر نينوى. بيد أن تحويل هذه المعالم إلى وجهات جاذبة يستوجب ثورة شاملة في إصلاح البنى التحتية المحيطة بها، من خلال مد شبكات طرق حديثة، وإنشاء مجمعات فندقية ومرافق خدمية تليق بالوافدين، بالتوازي مع توفير بيئة مستقرة تشجع على التدفق السياحي المستمر.

ولتحقيق هذه النقلة النوعية، بات من الضروري الاستعانة بالخبرات الأجنبية وبناء شراكات مستدامة مع المنظمات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، والجامعات العالمية العريقة في مجالات التنقيب والصيانة. ولا تقتصر أهمية هذه التوأمة على الدعم الفني، بل تمتد لتبني خطط تسويق مدروسة تضع العراق في صدارة الخارطة السياحية الدولية؛ وهو حراك يتلاقى مباشرة مع ثورة التحول الرقمي عبر صنع منصة إلكترونية تفاعلية موحدة للاستدلال على هذه المواقع، وتقديم الجولات الافتراضية، وتسهيل حجز التذاكر للراغبين في استكشاف حضارتنا بضغطة زر واحدة.

وتتكامل هذه الجهود التنظيمية مع قضية سيادية لا تقبل المساومة، وهي استعادة الآثار العراقية المنهوبة التي هُربت في فترات الأزمات؛ إذ إن استرداد هذه القطع الفريدة وإعادتها إلى موطنها الأصلي في المتحف العراقي يعيد القيمة المعرفية الكاملة للمجموعات الأثرية ويحفز الشغف العالمي لزيارتها. وإن النجاح في هذا التحدي الوطني يقع بالدرجة الأولى على عاتق الطاقات الشبابية الواعدة؛ فالشباب هم المحرك الفعلي والعمود الفقري لهذا التحول، من خلال انخراطهم في مجالات الإرشاد السياحي، الإدارة الفندقية، إحياء الحرف اليدوية، وإدارة المنصات الرقمية. إن الرهان اليوم يقوم على وعي الشباب وقدرتهم على إدارة هذا القطاع الواعد وتحويل إرث بابل وسامراء وسومر وطاق كسرى من مجرد ذكريات لماضٍ عريق، إلى اقتصاد بديل ومستدام يحمي أجيالنا القادمة ويضمن للوطن ازدهاره.

***

بقلم صبيح الكعبي

الإقتصاد شريان الحياة، ومنطلق التفاعلات القائمة فوق التراب، فالأحداث بأنواعها وفي مقدمتها الحروب ذات دوافع إقتصادية، والأنظمة السياسية التي توالت على الشعوب، من إستبدادية إلى إستعمارية، ذات توجهات إقتصادية، خلاصتها الإستحواذ على الثروات.

ولهذا تجد المفردات الإقتصادية سائدة في خطابات وكتابات المجتمعات المتقدمة، وتكاد بلا أثر في المجتمعات المتأخرة.

المجتمعات المتقدمة واعية لجوهر الحياة، والمتأخرة غارقة في عقائدها البالية وتصوراتها الخاوية، وتتعطل فيها العقول وتشحذ النفوس بالوعيد والشديد، وتلتهب المشاعر السلبية، وينتشر العماء في كافة الأرجاء.

الدول القوية تهتم بركائز قوتها اليومية، وفي مقدمتها توفير الطعام ومحاربة الجوع، لأن الجوع يؤدي إلى تداعيات خطيرة، فهو كدابة الأُرضة التي تنخر قلب الدولة وتحيلها إلى عصف مأكول.

أما في مجتمعاتنا فلا نولي إهتماما بتوفير الطعام، ونعجز عن التواصل المعاصر مع الأرض، ونهمل الزراعة والثروة الحيوانية، ونميل إلى إقتلاع النخيل، وتجريف بساتينه، ونعتمد تماما على النفط ونحسبه يغنينا عن كل شيئ، وهو لابد أن ينضب ذات يوم، وستواجه الأجيال محنة شظف العيش وعدم قدرة الأرض على العطاء والنخيل على توفير الطعام .

في مجتمعاتنا لا توجد آليات تسويقية للمحاصيل الزراعية، ولا يحصل الفلاح على دعم متواصل ومؤثر في الإنتاج، بل تتوفر الدوافع والمحفزات اللازمة لإنتقال الناس من الريف إلى المدينة، لإنعدام الخدمات في الريف.

المجتمع لكي يتطور ويعاصر عليه أن يتعلم الثقافة الإقتصادية والسلوك الإقتصادي بأنواعه، وأن يحترم الماء والتراب ويساهم في زيادة مساحة اللون الأخضر، وتوفير الحقول اللازمة لتربية أنواع الحيوانات القادرة على توفير الطعام الكافي للناس.

في مجتمعات الدنيا المتطورة هناك حقول كبيرة لكل حيوان يمكن تدجينه والإستفادة منه، وعندنا نهزأ بأصحاب الدواجن وحقول تربية الحيوانات، ونحسب ذلك مهنة ممجوجة.

جياعٌ في بلادِ الباسقاتِ

يُدثّرهمْ غبارُ العادياتِ

تُسابقهمْ إلى حَتفٍ خُطاهمْ

لتُطْعمهمْ صَديدَ الخالياتٍ

فما زَرعوا ولكنْ إسْتعانوا

بنفظٍ في دروبِ الآتياتِ

***

د. صادق السامرائي

 

المعلم الذي اتفقت شرائح المجتمع على اختلاف نزعاتهم، واتجهاتهم، بأنه هو الذي يحقق آمال الشعوب،  ويشكل الوعي، ويوطد القيم، ويشحذ الهمم، ويلهب الطموح، وقبل كل هذا، يجرد الرجعية من جميع أسلحتها، تسيطر عليه هذه الفكرة،  او مجموعة من الأفكار ترتبط ببعضها برباط واحد، أو تنهض كلها على دعامة واحدة، فالمعلم الذي لا يريد أن يقطع صلته بماضيه، يجابه في الحق دائرة واقعه المرير بكل كربها ومعضلاتها، ويجبره التفكير في مآزق هذه الدائرة، على عدم الوقوف على الماضي الذي غرب،  وأن يمضي في عمله الحقير الذي لا يقلد فيه،  ولا يتكلف فيه، ما كان يتكلفه في مهنة التعليم،  عمل شاق وضيع، لا يجني منه سوى قراريط، لا تطعم زغابه،  يقبل عليه "كأنما خلق له منذ أن خلق،  ويتصرف فيه كأنما خلق ليتصرف فيه" كما قال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين،  والحكومات التي تنتمي إلى عالم آخر غير عالمنا،  لا تأبه للدرك الذي وصل إليه حال المربي الفاضل، الذي يغرس معاني الخير والفضيلة في الأجيال جيلا بعد جيل، فهي لا تكترث للحسن والقبيح، والفضيلة والرزيلة،  وجميع الأحكام المتصلة بها،  بقدر اهتمامها بمصاعب الاقتصاد وعقباته، إذن الحديث عن المثل العليا،  ومعاناة المعلم الكادح يتراءى للسادة "أقطاب الفضل" على أنه أحلام، فهي لا تؤمن بهذا الصرح،  ولا تؤمن بالدور الذي تقوم به طائفة الأساتذة في استنارة الشعوب وتقدمها، والمعلم الذي يؤمن بأن العمل هو المعيار الحقيقي لتقويم الانسان،  بات يعلم الناشئة في غير نظام، لأن ظروف الهجياء ومألاتها، أجبرته ألا يتاح له أن يجتمع بهم في بيئة مهيأة للدرس والتحصيل، الآمال العراض وحدها هي التي تدفعه في هذه الأيام، لأن ينهض بهذا الواجب الذي كان من المفترض أن تضيعه الأحداث والخطوب، يؤدي المعلم واجبه، حتى تمضي أمته في طريقها لصناعة التغيير الذي يكفل لها أن تميط عن طريقها كل ما يعوق تقدمها العلمي والصناعي، ويدرأ عن طويتها كل ما يورث التواكل، والدعة، والاستسلام، للخلاف والتشرذم، وأكبر الظن أن المعلم الذي نأى عن المؤسسة التعليمية التي لم تكن حفية به قط، والتي فكر أن يفر منها بين حين وحين،  لأن خصائص "راتبه وعلاوته" ناقصة دائما، ومحتاجة لأن تزيد في كل لحظة، حتى توافي ضروريات الحياة ومستلزماتها،  سار المعلم في نفس الطريق الذي رسمه لنفسه، لأن مهنة التعليم هي أقوى، وأخصب، وأبقى في قلبه،  أما معظم نهاره فيبدده في الصنعة التافهة التي اختارته لنفسها،  بعد أن باتت تحلق في أفق حياتنا نحلا خبيثة، وسموما ضارة، لا نملك عنها حولا.

إن المعلم الذي ذابت حشاشته في تأثيل المعرفة، يتماهى الآن مع هذه  الرزايا التي وضعته أمام ظروف جديدة حالكة، وزودته بنظرة مغايرة تجاه حكومته "الحانية"،  ومنحته فهما طريفا لمجتمعه وللآخرين، فصاحب النزعة العقلية القائمة على الايمان بضرورة العلم والمعرفة،  والذي لولا جهده، وجهاده، وبذله، و تضحيته،  لكنا ما زلنا غارقين في غطيط الجهالة، يذهب هذه المذاهب المتفرقة من الشدة والكبد، والمعاناة، ويحيا تلك الحياة التي تتعارض مع أبسط قواعد العيش الكريم، لأن أهل المخمل والديباج من نخبنا السياسية، ترى أن اعطاء المعلم حقه،  سلوك منحرف يعصف باقتصادها المنهار ويقوضه.

***

د. الطيب النقر

 

أفق جديد لجيل الغد العربي والعالمي

لم يعد الإبداع في عالمنا المعاصر مجرد تعبير عن الموهبة أو وسيلة لإثراء الحياة الثقافية، بل أصبح أحد الموارد التي يمكن أن تسهم في تنمية الاقتصاد، وتعزيز الهوية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الاكتفاء بالاحتفاء بالمبدعين إلى بناء منظومات تحفظ نتاجهم، وتصون حقوقهم، وتتيح الاستفادة من أعمالهم بوسائل مشروعة ومستدامة.

ومن هذا المنطلق، تستحق تجربة IPNation الاهتمام؛ إذ تعرّف المنصة نفسها بأنها متخصصة في حقوق الموسيقى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتسعى إلى إدارة الإرث الموسيقي وتنميته من خلال وسائل حديثة، تشمل إتاحة الأعمال واستثمارها وتقديم تجارب رقمية جديدة. وتفتح هذه التجربة بابًا للتفكير في سؤال أوسع: كيف نستطيع تحويل رصيدنا الثقافي والإبداعي إلى قيمة اقتصادية ومعرفية، من دون التفريط بأصالته أو حقوق أصحابه؟

<Cite refs={["turn140752search2"]}/>

إن الاستثمار في الذات يبدأ من الإيمان بأن الموهبة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالكاتب والشاعر والفنان والرسام والنحّات والصحفي يمتلك كل منهم رصيدًا من المعرفة والخبرة والإنتاج، يمكن أن يمتد أثره إلى أجيال لاحقة إذا توافرت له الحماية القانونية والإدارة المهنية والوسائل المناسبة للوصول إلى الجمهور. ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى الأعمال الإبداعية حبيسة الأرشيف أو التداول غير المنظم، بل يمكن إتاحتها واستثمارها وفق اتفاقات واضحة تحفظ حقوق أصحابها وتحقق منفعة متوازنة للمبدع والجهة المستثمرة والجمهور.

وقد أتاحت التقنيات الحديثة أشكالًا جديدة لإعادة تقديم الأعمال الفنية إلى الجمهور، ومن أمثلتها العروض التي تستخدم تقنية الهولوغرام لاستحضار صورة فنانين راحلين، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. وقد شهدت دبي أوبرا عروضًا من هذا النوع، فيما أُقيم عرض عبد الحليم حافظ عام 2021 بالتعاون مع جهات إنتاجية، وبعد الحصول على الموافقات والتصاريح اللازمة، وفق ما أورده المكتب الإعلامي لحكومة دبي. وتكشف هذه التجارب عن إمكانات تقنية وثقافية مهمة، لكنها تذكّرنا أيضًا بأن استخدام الصورة والصوت والتسجيلات والمصنفات الفنية يستلزم التحقق من الحقوق والحصول على الأذونات المطلوبة.

 <Cite refs={["turn140752search3","turn140752search4"]}/>

وهنا تكمن أهمية الإدارة الواعية للحقوق؛ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها، لا تُغني عن احترام القانون والاتفاقات والحقوق المعنوية والمادية. كما أن نجاح أي مشروع من هذا النوع لا يُقاس بقدرته على جذب الجمهور وحده، بل بمدى وضوح الحقوق التي يستند إليها، وعدالة توزيع العوائد، وشفافية التعامل مع أصحاب المصالح.

ولا ينبغي أن يتوقف هذا التفكير عند الموسيقى والغناء. فالأدب العربي يزخر بأسماء تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الإنسانية، مثل نجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وعبد الرحمن منيف، فيما أسهم شعراء كبار، من بينهم محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، في إثراء اللغة والوجدان العربيين. وفي الفنون التشكيلية والنحت، تبرز أسماء مثل جواد سليم وفائق حسن وضياء العزاوي ومحمد غني حكمت، بوصفها نماذج من ثراء التجربة الفنية العربية والعراقية.

إن استحضار هذه الأسماء لا يعني افتراض أن جميع أعمالها متاحة للاستثمار، أو أن حقوقها تخضع لحكم قانوني واحد؛ فالوضع يختلف باختلاف المصنف وتاريخ نشره والبلد المعني والاتفاقات القائمة والحقوق السارية. وإنما المقصود هو الاستدلال على اتساع المجال الذي يمكن أن يستفيد من منظومة مهنية لحماية الإبداع وإدارته، بعد التحقق من الوضع القانوني لكل عمل والحصول على التراخيص اللازمة.

وينطبق الأمر كذلك على الصحفيين والباحثين وأصحاب التحقيقات والمقالات والبرامج والتسجيلات والأرشيفات الإعلامية. فهذه المواد تمثل جانبًا من الذاكرة العامة، وقد تكون لها قيمة ثقافية وتاريخية وتعليمية. غير أن إعادة نشرها أو تحويلها إلى منتجات رقمية أو تجارية ينبغي أن تراعي حقوق أصحابها وشروط النشر الأصلية والاتفاقات المبرمة والقوانين ذات الصلة. كما يجب التمييز بين الوقائع والمعلومات المجردة وبين الصياغة الصحفية الأصلية التي قد تتمتع بالحماية القانونية.

وتقدم التشريعات الخاصة بحقوق المؤلف والملكية الفكرية أساسًا مهمًا لصون هذه الحقوق. ومن الأمثلة على ذلك المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في دولة الإمارات العربية المتحدة. غير أن الإشارة إلى هذا التشريع تظل مثالًا على تجربة قانونية محددة، ولا تعني انطباق أحكامه تلقائيًا على جميع الدول العربية؛ إذ يجب الرجوع إلى القانون المختص في كل حالة.

 <Cite refs={["turn140752search1","turn140752search36"]}/>

لكن وجود التشريع وحده لا يكفي؛ إذ تبرز الحاجة إلى نشر الوعي القانوني، وتسهيل توثيق الحقوق وإثباتها حيثما ينطبق ذلك، وتطوير آليات الترخيص والتعاقد وتسوية النزاعات، بما يضمن ألا يتحول الاستثمار في الإبداع إلى باب للاستغلال أو الخلاف.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ تجربة بعينها، بل في الاستفادة من المبادرات القائمة لتطوير نموذج عربي متدرج، يجمع بين حماية الحقوق والاستثمار المسؤول وإتاحة المعرفة وتشجيع المواهب الشابة. فالثقافة ليست عبئًا على الاقتصاد، كما أن الاقتصاد لا ينبغي أن يكون على حساب الثقافة؛ بل يمكن لكل منهما أن يعزز الآخر عندما تُدار العلاقة بينهما على أساس من الشفافية والعدالة واحترام القانون.

مقترح عملي: نحو منظومة عربية لحماية الإبداع واستثماره

أقترح دراسة إنشاء منظومة رقمية عربية تُعنى بتوثيق المصنفات الإبداعية وإدارة حقوقها، بالتعاون مع الجهات الثقافية والقانونية المختصة، على أن تبدأ بمشروع تجريبي محدود، لا بادعاء امتلاك حقوق الأعمال أو التصرف بها تلقائيًا. ويمكن أن تشمل المنظومة الكتب والقصائد والأعمال الفنية والمقالات والتحقيقات والتسجيلات الموسيقية والأرشيفات الإعلامية، وفق طبيعة كل مصنف والقواعد المنظمة له.

وتقوم الفكرة على التحقق من أصحاب الحقوق أو ممثليهم المخوّلين، وتوثيق الموافقات والتراخيص، وتوضيح شروط الاستخدام ومدته ونطاقه، وتحديد آلية شفافة لتوزيع العوائد، مع توفير إرشادات قانونية للمبدعين وأصحاب الحقوق. أما اختيار الأعمال التي تدخل المشروع، فينبغي أن يتم بعد مراجعة حقوق كل عمل على حدة، لا لمجرد شهرة صاحبه أو قيمته الثقافية.

ويمكن قياس نجاح المرحلة التجريبية بعدد المصنفات التي جرى التحقق من حقوقها، والتراخيص التي أُبرمت بصورة مشروعة، والعوائد التي وصلت إلى مستحقيها، ومدى استفادة المبدعين والشباب من الفرص المتاحة. وبعد تقييم النتائج، يمكن توسيع التجربة تدريجيًا وفق الإمكانات والاحتياجات المحلية، وبما يتوافق مع التشريعات المعمول بها في الدول المشاركة.

إن حماية الإبداع ليست إجراءً إداريًا فحسب، بل مسؤولية ثقافية واقتصادية وأخلاقية؛ فهي تحفظ ذاكرة المجتمعات، وتصون جهود المبدعين، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعلم والابتكار والعمل. ومن واجبنا أن ننتقل من تقدير الموهبة بالكلمات إلى بناء بيئة تحترمها وتحميها، وتتيح لها أن تنتج قيمة مستدامة.

فحين نمنح الإبداع حقه، لا نحفظ الماضي وحده، بل نفتح أمام المستقبل أبوابًا أوسع للمعرفة والعمل والكرامة الإنسانية.

***

بقلم: صبيح الكعبي

............................

المصادر والمراجع

1.  الموقع الرسمي لمنصة IPNation، للتعريف بطبيعة عملها ومجال حقوق الموسيقى:

https://ipnation.me/

2.  وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، التشريعات المتعلقة بالملكية الفكرية:

https://www.moec.gov.ae/en/intellectual-property-legislations

3.  التشريعات الإماراتية، المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة:

https://uaelegislation.gov.ae/en/legislations/1534/download

4.  صحيفة The National، تقرير عن عرض أم كلثوم بتقنية الهولوغرام ومشاركة أسرتها في المشروع:

https://www.thenationalnews.com/arts-culture/music/umm-kulthum-hologram-to-perform-at-dubai-opera-1.956245

5.  المكتب الإعلامي لحكومة دبي، إعلان عرض عبد الحليم حافظ بتقنية الهولوغرام في دبي أوبرا، 2021:

https://www.mediaoffice.ae/en/news/2021/may/06-05/legendary-egyptian-singer-abdel-halim-hafez-to-perform-in-dubai-in-an-exclusive-hologram-event

حين تحوّل القطار إلى قصيدة من حنين

ثمة أشياء في حياة الشعوب تتجاوز وظيفتها المادية، فتتحول إلى رموز تختزن الذاكرة والمشاعر والتاريخ. فالنهر ليس ماءً يجري فحسب، والنخلة ليست شجرةً تثمر، والبيت القديم ليس جدرانًا وسقفًا؛ إنها جميعًا أوعية للذاكرة، تحفظ شيئًا من حياة الناس وأحلامهم وأفراحهم وأحزانهم.

وفي الوجدان العراقي، يحتلّ «الريل» مكانةً خاصة؛ فهو ليس مجرد قطار يشقّ الأرض على قضبان حديدية، بل حكاية امتزج فيها الحب بالفراق، وأحلام السفر بمرارة الغياب، وأصوات المحطات بذكريات لا تزال تسكن القلوب، حتى بعد أن ابتعد أصحابها وتغيّرت الأزمنة.

فلماذا ألهم الريل الشعراء والأدباء العراقيين، وأصبح حاضرًا في الذاكرة الشعبية إلى هذا الحد؟

أولًا: لأنه نقل العراقي من عالم إلى عالم

لم يكن القطار مجرد وسيلة تختصر المسافة بين بغداد والبصرة أو بين بغداد والموصل، بل كان نافذةً على عالم جديد.

فقد قرّب المدن، وربط الريف بالمدينة، وأتاح للناس أن يروا أنماطًا مختلفة من الحياة، وأن يتعرفوا إلى وجوه وعادات وتجارب لم يألفوها من قبل.

وبالنسبة إلى مجتمع كانت فيه الرحلة تستغرق وقتًا طويلًا، أصبح القطار علامةً على الانتقال من حياة مألوفة إلى حياة أخرى، ومن مكان مستقر إلى مستقبل مجهول.

ثانيًا: لأن محطة القطار مسرح إنساني مكتمل

في المحطة تجتمع مشاعر متناقضة: فرحة اللقاء، ومرارة الوداع، وقلق الانتظار، وأمل العودة.

فيها أمّ تودّع ابنها، وعاشق يرقب حبيبته، وطالب يغادر مدينته، وعامل يبحث عن رزقه، ومسافر يحمل أحلامه في حقيبة صغيرة.

وجوه كثيرة، وحكايات متباينة، تجمعها لحظة انتظار، ثم يفرّق بينها قطار لا يعرف التردد ولا يلتفت إلى الدموع.

ولهذا وجد الأديب في القطار مادةً غنية للشعر والسرد؛ فهو لا ينقل المسافرين وحدهم، بل يحمل حكاياتهم ومصائرهم أيضًا.

ثالثًا: لأن الريل دخل الوجدان الشعبي من باب الحب المستحيل

لعلّ أبرز مثال على ذلك قصيدة مظفّر النواب «للريل وحمد»، التي ازدادت رسوخًا في الذاكرة العراقية بصوت ياس خضر وألحان محمد جواد أموري.

في هذه الأغنية، لا يقف القطار خلفيةً لحكاية عاطفية، بل يصبح طرفًا في المأساة نفسها.

يمضي حاملًا معه الحبيبة، بينما يبقى العاشق أسير الحسرة والذكرى.

وهنا تكمن براعة الصورة الشعرية: القطار يمتلك حرية الحركة، أما العاشق فتقيّده ظروف الحياة وأعراف المجتمع.

وبين حركة القطار وعجز الإنسان يتولد ذلك التوتر الذي يمنح الحكاية قوتها العاطفية.

رابعًا: لأن الريل جمع بين الحداثة وقسوة الواقع الاجتماعي

دخل القطار حياة العراقيين في مرحلة كانت فيها التقاليد العائلية والعشائرية تفرض قيودًا على كثير من العلاقات الإنسانية.

فأصبح السفر أحيانًا فرصةً للابتعاد عن واقع لا يستطيع الإنسان تغييره، أو بدايةً لحياة مختلفة.

ومن هنا يمكن قراءة «للريل وحمد» بوصفها أكثر من قصة غرام؛ فهي تفتح بابًا للتأمل في حرية الاختيار، وسلطة الأعراف، وثمن الحب حين يصطدم بالواقع الاجتماعي.

خامسًا: لأن الريل يشبه الحياة العراقية في حركتها ومفارقاتها

في القطار تتجاور الفئات الاجتماعية، وتختلط اللهجات، وتتقاطع المصائر. وهو يمضي على سكة محددة، مثلما يجد الإنسان نفسه أحيانًا محكومًا بظروف لم يخترها.

وقد اكتسبت هذه الصورة عمقًا إضافيًا بفعل تجارب الفقد والغربة والاضطراب الاجتماعي؛ فصار الرحيل في الشعر والغناء أوسع من سفر بين مدينتين، وأصبح تعبيرًا عن الابتعاد عن حبيب أو وطن أو زمن مضى ولم يعد.

 سادسًا: لأن اللهجة العراقية والموسيقى منحتاه حياةً أخرى

ليس القطار وحده هو سرّ هذه المكانة، بل اجتماع ثلاثة عناصر: البيئة الاجتماعية التي منحته حكاياتها، واللهجة العراقية التي أضفت عليه حميمية المكان، والموسيقى الشجية التي حملت تلك الحكايات من جيل إلى جيل. فكلمة «الريل» نفسها تحمل نكهة عراقية مألوفة، تستدعي صور المحطات والحقائب والوجوه المنتظرة.

حين يصبح صفير القطار صوتًا للذاكرة

لعلّ الريل يشبه الحياة نفسها؛ يمضي على سكة مرسومة، وتتوالى محطاته، ويلتقي في طريقه وجوهًا تترك أثرًا ثم تختفي.

بعض المسافرين ينزلون في محطاتهم ويواصلون حياتهم، وبعضهم يرحل ولا يعود، فيما يبقى آخرون يستعيدون لحظة الوداع كأنها حدثت بالأمس.

إننا، حين نستعيد الريل في الشعر والغناء العراقيين، لا نستعيد وسيلة نقل قديمة فحسب، بل نستعيد شيئًا من حياة العراق، ومن حكايات أهله، ومن زمن كانت فيه للمسافات هيبتها، وللرسائل انتظارها، وللوداع طقوسه، وللعودة فرحتها الخاصة.

فالريل لا يبكي، ولكن العراقيين أودعوه دموعهم؛ ولا يعرف الحب، ولكنهم جعلوه شاهدًا على قصص حبهم.

وهكذا تحوّل القطار من آلة تمضي على قضبان الحديد إلى قصيدة تمضي على قضبان الذاكرة؛ كلما سمعنا صفيرها، عاد إلينا شيء من الذين رحلوا، ومن الأزمنة التي مضت، ومن الأحلام التي بقيت تنتظر عند محطة بعيدة.

فبعض القطارات تصل إلى نهاياتها، أما قطارات الحنين، فتبقى في داخلنا تمضي… ولا تصل.

القصيدة

للريل وحمد

مظفر النواب

"على ماء الصبح أحبته.. على ماء الليل، كان للهجر قمر، ومر قطار"

مرّينه بيكم حمد، واحنه ابغطار الليل واسمعنه، دگ اگهوه... وشمينه ريحة هيل

يا ريل.. صيح ابقهر.. صيحة عشگ، يا ريل هودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

يا بو محابس شذر، يلشاد خزامات

 يا ريل باللّه.. ابغنج من تجزي بام شامات ولا تمشي.. مشية هجر..

گلبي.. بعد ما مات وهودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

جيزي المحطة.. بحزن.. وونين.. يَفراگين ما ونسونه، ابعشگهم.. عيب تتونسين يا ريل.. چيّم حزن.. اهل الهوى، امچيمين وهودر هواهم، ولك، حدر السنابل گطه

يا ريل، طلعوا دغش.. والعشگ چذابي دگ بيّه كل العمر.. ما يطفه عطابي نتوالف ويه الدرب، وترابك.. ترابي وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه

أنه ارد الوگ الحمد.. ما لوگن لغيره يجفّلني برد الصبح.. وتلجلج الليره يا ريل باول زغرنه.. لعبنه طفيره وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه

چن حمد.. فضة عرس.. چن حمد نرگيله مدگگ بمي الشذر، ومشلّه اشليله يا ريل.. ثكل يبويه.. وخل أناغيله، يمكن أناغي بحزن منغه.. ويحن الگطه

أرد اشري جنجل والبس الليل خزامه وارسم بدمع الضحچ نجمه وهوه وشامه ويا حلوه بين النجم طباگة لحزامه وهودر هواهم ولك.. حدر السنابل گطه

گضبة دفو يا نهد لملمك.. برد الصبح ويرجفنّك، فراگين الهوه.. يا سرح يا ريل.. لا.. لا تفزّزهن.. تهيج الجرح خليهن يهودرن.. حدر الحراير گطه

جن گذلتك.. والشمس.. والهوه.. هلهوله شلايل بريسم.. والبريسم إلك سوله واذري ذهب يا مشط يلخلگ.. اشطوله! بطول الشعر.. والهوى البارد.. ينيم الگطه

تَو العيون امتلن.. ضحچات.. وسواليف ونهودي زمّن.. والطيور الزغيره.. تزيف يا ريل.. سيّس هوانه، وما إله مجاذيف وهودر هواهم، ولك.. حدر السنابل گطه.

ختامة المسك: حين غنّى الريل وجع العراقيين

لقد استطاع مظفر النواب أن يجعل من القطار شاهدًا على حكاية حبّ موجعة، وأن يحوّل صفيره إلى صوت للغياب، وحركته إلى صورة للفراق، حتى غدا الريل في مخيلة العراقيين أكثر من قطار؛ صار حكاية عاشق، ودمعة حبيبة، وذكرى لا تنطفئ.

ومنذ أن شقّت هذه الأغنية طريقها إلى القلوب، لم يعد صفير الريل صوتًا عابرًا في فضاء المحطات؛ صار نداءً يستدعي زمنًا مضى، ووجوهًا غابت، وأحلامًا لم تبلغ نهاياتها.

وربما لهذا السبب ظلّت القصيدة حيّةً في وجدان أجيال لم تعش زمن حكايتها؛ لأن الحزن الصادق لا يحتاج إلى معرفة أصحاب الحكاية، والحب حين يتحوّل إلى فنّ يصبح ملكًا لكل من عرف الشوق والفراق.

***

فارس حامد عبد الكريم

تمارس الأمكنة سحرها على الإنسان وتجعله أسير الذكريات التي عاشها بين تضاريسها وحكاياتها وأحداثها، مهما اتسمت تلك الأمكنة بالبساطة والتواضع في تكوينها وإمكاناتها، إذ يتحول التعلق بها إلى ارتباط روحي ووجداني، وإلى اعتزاز يكاد يبلغ حد القداسة.

وقد شغلت الأمكنة طيف واسع من المبدعين، اذ جعل عدد من الروائيين المدينة أو المحلة أو البيت شخصية رئيسة في قصصهم وأعمالهم الروائية ومن بينهم عربيا الروائي " نجيب محفوظ " الذي اختار الأمكنة عنوانا لبعض اعماله الروائية مثل " خان الخليلي " و" زقاق المدق "، كما حضرت الأمكنة في قصائد الشعراء من خلال البكاء على الأطلال، أو التغني بعتبات اللقاء مع الحبيب، وذات الأمر مع التشكيليون الذين جسّدوا في لوحاتهم الأمكنة التي نشأوا وترعرعوا فيها، أما الذين لا يمتلكون الأدوات الفنية للتعبير عن مشاعرهم، فقد كشفوا عن ذلك من خلال تمسكهم الشديد بالمكان وإصرارهم على عدم تغييره، حتى يغدو جزءًا من بنيتهم النفسية، ولأن الأطلال هي، في الأصل، أمكنة كانت عامرة بالحياة والنشاط الإنساني، ثم هجرها أصحابها لظروف مختلفة، فقد شكّل البكاء على الأطلال واحدًا من أبرز التقاليد الأدبية والثقافية القديمة في الأدب العربي، وتحول إلى ظاهرة معروفة في الشعر العربي قبل الإسلام وبعده. فقد اعتاد الشعراء أن يستهلوا قصائدهم بالدعوة إلى الوقوف عند بقايا الديار، والتعبير عن صدمة الفراق ومرارة الرحيل، بكلمات يمتزج فيها الجانب الإنساني بالبعد النفسي، وهو ما جسّدته معلقات الشعراء، ومن بينهم الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، الذي يقول:

قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

والتعلق بالمكان رابطة عاطفية ونفسية عميقة، وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف والكاتب الفرنسي غاستون باشلار (1884 ــ 1962)، في كتابه المهم "جماليات المكان"، (أن البيت أو المكان ليس مجرد مساحة هندسية صماء، بل هو ظاهرة نفسية ورمز للألفة والحماية، ومستودع لذكريات الطفولة)

ولم يبتعد الشعراء الشعبيون في مشاعرهم عن سائر المبدعين في التعبير عن شدة تعلقهم بالمكان، فقد جاءت العديد من قصائدهم محملة بحب الأمكنة التي شهدت جانبا من حياتهم، وأبرزوا قيمتها الوجدانية والإنسانية في نتاجاتهم الشعرية، وفي هذا السياق أستذكر طرفةً تنسجم دلالتها مع ما ذهبتُ إليه، أنه عندما مرض الشاعر حسن الشيخ كاظم (1929 ــ 1996)، وأُدخل المستشفى في تموز عام 1996، زرته برفقة ابن شقيقته الشاعر حبيب الضويري، الذي حاول التخفيف عن خاله المريض وتلطيف نفسيته، بعدما لاحظ عليه الضجر والتململ من البقاء في المستشفى، على الرغم مما توفره له من أجواء صحية، وتعقيم وهدوء وتبريد. فمازحه بهذا البيت من الدارمي:

اليدخل بتموز مستشفى محسود

راحه وهوه وتبريد وبفيها صيهود

لكن ردّ خاله الشاعر جاء معبّرًا عن تعلقه الشديد بمحلته «الجديدة»، التي ظلت روحه معلقة بأزقتها، وبطيبة أهلها ودفء العلاقات الإنسانية بين أبنائها، فقال:

نعله على أبو التبريد كل ساعة إبرتين

وعن الجديدة فَرَاك كل لحظة سنتين

في هذا الرد تتجلى قوة الارتباط بالمكان، فكل ما توفره المستشفى من وسائل الراحة لا يعوّض الشاعر عن محلتِه التي ألفها، ولا يخفف من وطأة ابتعاده عنها. لقد بدا له البقاء فيها، بما ينطوي عليه من علاج وراحة، أثقل من احتمال الألم، لأن الغربة عن المكان الذي ألفه كانت أشد إيلامًا من المرض نفسه.

***

ثامر الحاج أمين

أصبح الاهتمام بالصحة وسيلة متوازنة للعيش بقوة وحيوية، وأمسى طقساً صارماً وقيداً نفسياً ثقيلاً يعزل الإنسان عن متعة الحياة الطبيعية وعفويتها، ليجد المرء نفسه رهينةً في سجن من الحسابات المعقدة والقيود الغذائية القاسية

تكمن المفارقة الفلسفية هنا في انقلاب الغاية إلى وسيلة، حيث يفرغ الإنسان عمره في حراسة جسده من شبح المرض، فيقتله بالخوف منه قبل أن يصيبه، فالمرء حين يختزل كينونته في أرقام الميزان ويقيس طمأنينته بخلو وجبته من أي شوائب مصطنعة، تفوته اللحظات العفوية وتتلاشى متعة المشاركة الاجتماعية البسيطة، هكذا يتحول الشغف بالصحة إلى قلق مزمن ووسواس قهري مستتر، ليصبح الخوف من الهفوة الغذائية أشبه بالخطر المحدق، مما يورث الجسد إنهاكاً خفياً والعقل اضطراباً لا يهدأ ,, وعلى الصعيد الطبي والنفسي، يؤدي هذا الاستغراق المفرط إلى حالة من التوتر العصبي المستمر التي تقوض المناعة وتُضعف مقاومة الكائن الحي؛ فالصحة الحقيقية لا تنفصل أبداً عن السلام النفسي والمرونة الذهنية , العيش في ترقب دائم ومحاسبة قاسية لكل لقمة يترك أثراً مدمراً على هرمونات التوتر، ويجعل صاحبها غريباً حتى عن جسده الذي يحاول حمايته بحرمان قاسٍ ومبالغ فيه.

هناك هوس معاصر للصحة والعافية. حتى اصبحت ظاهرة لمراقبة شديدة لغذائنا وحساب السعرات الدقيقة، وتكدس المكملات، وإجراء التحاليل المستمرة إلى فخ خفي يلتهم بهجة الوجود ,, يغيب عن الأذهان أن التوازن هو جوهر العافية، وأن الأجساد البشرية صُممت لتمارس الحياة بمرونة ترفض بصرامة الجداول الصارمة. إن التحرر من أسر الوهم الصحي يتطلب شجاعة التصالح مع النقص البشري، والعودة إلى الطبيعة البسيطة في الغذاء والعيش دون مبالغات مرهقة؛ فالصحة الحقّة هي التي تمنح الإنسان طاقة للحياة لا قيداً يُعطله عنها، وتترك مساحة للروح لكي تبتسم وتتنفس بحرية بعيداً عن أثقال الهوس وقسوة المعايير المصطنعة.

وصف الطبيب الإغريقي غالينوس الصحة في القرن الثاني الميلادي بأنها ليست نقصا في المرض، بل حالة يمكن تحقيقها من خلال عيش حياة متوازنة، وهو تعريف أقرب ما يكون إلى المفهوم المعاصر عن العافية كما عُرف أيضا عن الحضارة الإغريقية اهتمامها البالغ بالممارسات الرياضية المختلفة، والأمر نفسه ينطبق على الديانات الشرقية القديمة كالبوذية والهندوسية، وكذلك الديانات السماوية، في الإسلام على سبيل.

***

نهاد الحديثي

حنين إلى مجانية التعليم

تأبَّط التلميذ حقيبته صباحًا، وانطلق نحو مدرسته، يحمل أحلام الطفولة وآمال المستقبل، راغبًا في اكتساب العلم وفهم الحياة والتفاعل مع أقرانه. لكنه ما إن يدخل صفَّه حتى يجد نفسه محاصرًا بعشرات التلاميذ، في مساحة ضيقة ومقاعد لا تتناسب مع أعدادهم، وسط ضجيج يصعب معه استيعاب شرح المعلم والتركيز في الدرس. وحين يدق الجرس، يتسابق الصغار إلى مرافق صحية قد تفتقر إلى الماء والنظافة، في مشهد يطرح تساؤلات عن أبسط حقوق الطفل داخل مؤسسته التعليمية.

ولا تقف المعاناة عند هذا الحد؛ فبعض التلاميذ يذهبون إلى مدارسهم من دون اكتمال الكتب والقرطاسية والمستلزمات الدراسية، فيما تعاني مدارس أخرى نقصًا في الكوادر التعليمية وأصحاب الخبرة. وهكذا يصبح الوصول إلى المعرفة رحلة محفوفة بالعقبات، بدلًا من أن يكون بداية آمنة لبناء الشخصية وتنمية القدرات .

وفي مقابل هذا الواقع، تستحضر الذاكرة التربوية مرحلة ارتبطت فيها مجانية التعليم بتخفيف أعباء الدراسة عن الأسرة. ويتذكر بعض أبناء تلك المرحلة صورًا من الرعاية المدرسية، منها تقديم الفطور الصباحي بإشراف إدارة المدرسة وهيئة تعليمية وكادر مخصص لهذا الغرض. وتستحق هذه التجارب التوثيق التاريخي، لا لمجرد الحنين إلى الماضي، بل لاستلهام ما يمكن أن يعيد للمدرسة دورها التربوي والإنساني، ويعزز شعور الأسرة بأن تعليم أبنائها مسؤولية تشاركها الدولة.

أما اليوم، فتتحمل أسر كثيرة نفقات متزايدة تشمل الملابس والكتب والقرطاسية والنقل، فضلًا عن الدروس الخصوصية والتبرعات المتكررة. وقد تستهلك بعض الاحتفالات والأنشطة المدرسية وقتًا من الحصص الدراسية، إذا لم تُنظَّم بما ينسجم مع الأهداف التعليمية. ومع ارتفاع متطلبات الحياة ومحدودية الدخل، تتحول الدراسة لدى بعض الأسر إلى عبء مالي متواصل، يثقل كاهل رب الأسرة ويضعه أمام خيارات صعبة.

ولا تكتمل صورة التعليم من دون الوقوف عند ضمير المعلم؛ فهو ليس ناقلًا للمعلومات فحسب، بل صاحب رسالة تتجلى في قدرته على تبسيط المادة وتعميق الفهم ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ. غير أن لجوء بعض الأسر إلى الدروس الخصوصية يثير تساؤلًا مشروعًا: هل يعود ضعف الاستيعاب إلى أسلوب الشرح، أم اكتظاظ الصفوف، أم عدم متابعة التلميذ، أم تفاوت قدراته؟ والإنصاف يقتضي تشخيص الأسباب قبل إصدار الأحكام؛ فالمعلم المخلص يستحق الدعم والتقدير، والتلميذ يحتاج إلى المتابعة والتشجيع، والإدارة مطالبة بمعالجة مواطن الخلل. أما إذا أصبحت الدروس الخصوصية ضرورة لفهم ما يُدرَّس داخل المدرسة، فإن ذلك يستدعي مراجعة جادة لجودة التعليم، حتى لا تتحول قدرة الأسرة على الدفع إلى عامل يحدد مستوى أبنائها الدراسي.

وفي هذا السياق، تتجه أسر قادرة ماليًا إلى المدارس الأهلية، بحثًا عن بيئة تعليمية أفضل، لكنها تتحمل تكاليف قد تستنزف جانبًا كبيرًا من دخلها. وليس من الإنصاف تعميم الحكم على المدارس الحكومية أو الأهلية؛ فمستوى الأداء يختلف من مؤسسة إلى أخرى، والمعيار الحقيقي هو جودة التعليم وكفاءة المعلم والرعاية التي يتلقاها التلميذ. غير أن تفاوت قدرة الأسر على الإنفاق يظل مصدر قلق، إذا أدى إلى تفاوت فرص التعلم بين أبناء الوطن الواحد.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى الخطوات التي تحققت لمعالجة نقص الأبنية المدرسية، وفي مقدمتها المشروع العراقي–الصيني لبناء ألف مدرسة نموذجية في مختلف المحافظات. ففي 23 تشرين الثاني 2024، أُعلن افتتاح 790 مدرسة ضمن المشروع، ثم أُعلن في 5 نيسان 2025 إنجاز المشروع وافتتاح مدارس إضافية. وقد استهدف هذا الجهد تخفيف الاكتظاظ والحد من الدوام الثلاثي، وتوفير بيئة مدرسية أكثر ملاءمة للتلاميذ. وتمثل هذه الخطوة جانبًا مهمًا من معالجة الأزمة، لكنها تحتاج إلى أن تتكامل مع توفير المستلزمات والكوادر المؤهلة وتحسين طرائق التدريس؛ فبناء المدرسة يعالج جانبًا من المشكلة، أما نجاحها الحقيقي فيُقاس بما يتلقاه التلميذ داخل صفها من علم وفهم ورعاية.

ومن هنا، تقع على الدولة مسؤولية مواصلة تطوير المدرسة الحكومية، ومعالجة الاكتظاظ حيثما بقي، وتأهيل المرافق الصحية، وتوفير الكتب والقرطاسية، ودعم المعلمين وتحسين ظروف عملهم، ومراقبة الإنفاق المدرسي، وتنظيم الأنشطة بما يحفظ زمن التعلم. كما ينبغي إخضاع المؤسسات التعليمية لمعايير واضحة للجودة والمساءلة، تضمن حق التلميذ في تعليم جيد، بصرف النظر عن الإمكانات المالية لأسرته.

إن بناء المواطن لا يبدأ عند التخرج، بل من مقعد الدراسة الأول؛ حين يتعلم الطفل احترام النظام، والتعاون مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، والإيمان بالعدل وتكافؤ الفرص. فكيف ننتظر جيلًا يؤمن بالمواطنة والانتماء، إذا شعر منذ طفولته بأن جودة تعليمه تتحدد بما تملكه أسرته من مال؟

إن المدرسة ليست جدرانًا وسبورة وجرسًا، بل هي مصنع الإنسان وضمير المجتمع. وإذا أردنا عراقًا ينهض بأبنائه، فعلينا أن نعيد للتعليم مكانته، وللمعلم رسالته، وللتلميذ حقه، حتى لا يصبح المستقبل امتيازًا لمن يستطيع دفع ثمنه، بل فرصة عادلة لكل طفل عراقي.

***

بقلم: صبيح الكعبي

............................

المصادر

1- وكالة الأنباء العراقية (واع)، «السوداني يفتتح 790 مدرسة نموذجية في عموم المحافظات»، 23 تشرين الثاني 2024.

2- وكالة الأنباء العراقية (واع)، «التربية: مشروع الـ1000 مدرسة الأول من نوعه وسيقلل من تحديات الواقع التربوي»، 5 نيسان 2025.

بيت الحكمة ببغداد يستعد لعقد المؤتمر العلمي الثاني عشر والدولي الرابع لقسم الدراسات الاجتماعية حول التعليم والعمل وبناء المواطنة الفاعلة.

حكاية عن المعرفة، ومسؤولية الكلمة، وحلم الأوطان

بقلم : د/ آمال طرزان

بينما كنتُ أجلس بعد يوم طويل من العمل، أستمع إلى أحد برامج البودكاست، كان رفيقي القلم متمددًا فوق الورقة، ساكنًا في صمت حزين، وكأن لسان حاله يقول:

«بي عطشٌ إلى متعة الكتابة.. وإلى أن أعود رفيقًا لفكرةٍ تبحث عن النور».

نظر إليَّ نظرةً طويلة، كأنه يعاتبني على هجره؛ فقد تركته منذ أمدٍ بعيد.

وبينما كنت أرتشف قهوتي، إذا بالقلم ينتفض ويتراقص بجواري، كأنه استعاد شيئًا من روحه!

لم أكد أسأله عمّا أصابه حتى خُيِّل إليَّ أن الغرفة انفتحت على زمنٍ بعيد، وتسللت إليها رائحة التاريخ العراقي العريق، الممتد على ضفاف دجلة والفرات. التفتُّ إلى مكتبتي، فإذا بصورة امرأة مهيبة تخرج من بين الكتب، وتطل عليَّ في جلالٍ وكبرياء.. كانت الملكة سميراميس.

نظرت إليَّ نظرةً متسائلة، ثم قالت:

- لماذا تؤجلين الكتابة يا ابنة الشرق؟ أأنتِ على خصامٍ مع رفيقك القلم، أم أن فراقكما طال حتى أوشك أن يتحول إلى نسيان؟

أطرقتُ قليلًا، ثم أجبتها:

- ربما ابتعدتُ عن القلم حتى كدتُ أبتعد عن نفسي. أخشى أن أكتب في عالمٍ سريع التغيّر، فلا تجد كلماتي طريقها إلى الناس، وأخشى أن تخذلني اللغة أو أعجز عن التعبير عمّا أؤمن به. وأحيانًا أتساءل: هل تستطيع الكتابة أن تُحدث تغييرًا حقيقيًّا، أم تظل الأفكار حبيسة الأوراق ما لم تجد من يؤمن بها ويجسّدها عمليًّا؟

نظرت إليَّ الملكة في هدوء، وقالت:

- الأوطان لا تُبنى بمن ينتظرون اكتمال الطريق، بل بمن يتعلمون ويحاولون ولا يستسلمون. انظري إلى كفّي يا ابنة الشرق، وتأملي كيف بدأت حكاية المعرفة.

مدّت كفَّها نحوي، وفي لحظة خاطفة أخذ المشهد يتبدل أمام عينيَّ؛ انحسر جدار الغرفة، وتلاشت رفوف مكتبتي، ووجدتني أعبر نافذةً من نور إلى زمنٍ سحيق، حيث تنساب مياه دجلة والفرات بين مدن الرافدين، وتلوح في الأفق ملامح حضارةٍ عريقة كانت الكتابة فيها من أعظم منجزات الإنسان.

رأيتُ امرأةً سومرية تجلس أمام لوحٍ من الطين، ترتدي ثوبًا بسيطًا، وقد جمعت شعرها الداكن في ضفائر مرتبة. كانت تمسك بقلمٍ من القصب، وتنقش العلامات على مهل، بينما تجلس حولها فتياتٌ صغيرات يتابعن حركات يدها ويحاولن تقليدها؛ فتخطئ إحداهن، فتعاود المحاولة، وتتردد أخرى قبل أن تبدأ، فتمنحها معلمتها من الصبر والتشجيع ما يكفي لتواصل التعلّم.

سألتُ الملكة:

- من هذه المرأة، يا صاحبة الجلالة؟

أجابتني:

- إنها نيسابا، رمز الكتابة والحكمة والمعرفة في الموروث السومري. انظري كيف تنقل ما تعرفه إلى غيرها؛ فالمعرفة لا تحيا بالاحتفاظ بها، بل بتوارثها وتبادلها وإضافة الجديد إليها.

ثم أردفت:

- هكذا انتقلت المعرفة عبر القرون؛ من يدٍ تتعلم إلى يدٍ تعلّم، ومن فكرةٍ تُكتب إلى فكرةٍ تُضاف إليها، حتى أصبحت كل محاولةٍ صغيرة بدايةً لتغييرٍ لا نعرف مداه.

أغلقت سميراميس كفَّيها، فتلاشى المشهد شيئًا فشيئًا، وعادت الغرفة إلى سكونها الأول، غير أن أثر تلك الرحلة ظل حيًّا في داخلي.

صمتت الملكة لحظةً، ثم نظرت إليَّ وسألت:

- والآن يا ابنتي، إلى أين تتجهين لتستكملي المسير؟

أجبتها دون تردد:

- إلى بغداد.

تأملتني الملكة، ثم سألت:

- ولماذا بغداد؟

قلت:

- لأن بغداد تحمل في ذاكرتها إرثًا حضاريًّا جعلها ملتقى للعلم والثقافات، ومدينةً ارتبط اسمها بازدهار الفكر والترجمة. وفي قلب ذاكرتها يقف بيت الحكمة؛ واليوم يستعيد هذا الاسم حضوره من خلال مؤتمرٍ علمي يفتح أسئلة الحاضر على آفاق المستقبل.

أومأت الملكة برضا، بينما استقر القلم بين أصابعي، وكأنني وجدتُ أخيرًا ما يستحق أن أعود من أجله إلى الكتابة. فقد كانت وجهتي إلى بيت الحكمة هذه المرة مرتبطة بحدثٍ ينظمه قسم الدراسات الاجتماعية، تحت عنوان:

«التعليم والعمل وبناء المواطنة الفاعلة: تحديات الحاضر وآفاق المستقبل»

وهو المؤتمر العلمي الثاني عشر والدولي الرابع لقسم الدراسات الاجتماعية.

نظرتُ إلى القلم وقلت:

- يبدو أن هذا المؤتمر لا يطرح قضيةً أكاديمية فحسب، بل يفتح سؤالًا أوسع: أيَّ مواطنٍ نريد أن نبني؟ وكيف يمكن أن يصبح التعليم طريقًا إلى العمل، والعمل مجالًا للمشاركة والمسؤولية؟

رفع القلم رأسه وسأل:

- وما رؤية هذا المؤتمر ومحاوره؟

أجبته:

- تنطلق رؤيته من أن بناء المجتمعات يبدأ ببناء المواطن الفاعل، القادر على الإسهام في نهضة وطنه. وتتجسد هذه الرؤية في خمسة محاور متكاملة:

- المحور الأول: البعد التاريخي والفلسفي. يتناول تطور المفاهيم، والتأصيل التاريخي لقيم العمل في التراث العربي، والتجارب العالمية في التربية على المهارات الحياتية.

- المحور الثاني: التربية العربية. يناقش قضايا المرأة، ودور المناهج والتعليم المهني، والأبعاد المعرفية والوجدانية للمواطنة، وتكافؤ الفرص.

- المحور الثالث: الكفايات المطلوبة. يركز على الكفايات الاجتماعية والبيئية، والتربية على البحث العلمي، وتحديات التعليم والعمل عن بُعد.

- المحور الرابع: المواطنة والهوية. يبحث في قضايا الانتماء، والمقاربات الاقتصادية والاجتماعية، وأبعاد المواطنة الرقمية والعالمية.

- المحور الخامس: التأطير القانوني. يتناول التعليم بوصفه حقًّا أصيلًا، والتشريعات المنظمة له، وحقوق المرأة والطفل في منظومتي التعليم والعمل.

صمت القلم قليلًا، ثم قال:

- الآن اتضحت الصورة؛ فالتعليم والعمل والمواطنة ليست قضايا منفصلة، بل حلقات متكاملة في بناء الإنسان.

ابتسمتُ والتفتُّ إلى الملكة سميراميس، التي كانت تتابعني بهدوء. ثم قالت:

- والآن، هل عرفتِ لماذا ستتجهين إلى بلاد الرافدين؟

أجبتها:

- نعم، لأنني أردتُ أن أعود إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية، لأرى كيف يواصل الحاضر ما بدأه الماضي..

وقريبًا، سنلتقي على أعتاب بيت الحكمة.

***

د. آمال طرزان مصطفى

 

محمد عبدالرحيم نمر،  الفتى الذي كان متفردا من ناحية القيم، والنزعة الصوفية، وقواعد التفكير، لن تستطيع هذه الحياة الواسعة بكل ما فيها من صخب، وزخم، وحركة، وألوان، وأصوات، وأصداء، أن تلهيني عن فلسفته التي كانت تقوم على تعاليم الصوفية، ومذاهبهم التي لا تضج بالحركة، والمراجعات، وطرح الأسئلة، بقدر ما تحتفي بالاذعان، والتسليم، والركون الى ما يدعيه الشيخ من نظريات ومفاهيم، ظلت "الصوفية التقليدية المتوارثة" هي المسيطرة على وعي "محمد نمر" ولم يجهد نفسه مطلقا-رحمه الله- في تقليب النظر في قالبها الايقاعي الذي كان يرضيه في سكونه وهياجه، أقول كل هذا رغم أني لا أعلم للغالي" محمد نمر" زعيم صوفي ملهم، عناصر صياغته ورؤيته موجودة في أكوان نفسه الفسيحة، وتستدعي هذه الهوية والتداعيات الأنظار بتباين ألوانها وتناسقها، كلا لم تكن روح محمد "الغضة الشفافة" التي تؤثر أن ترتهن الى مكانها الضيق، الذي يمقت أن يقيم صلات مع المدينة والمكان، ترصد اضطراب "الأقطاب" وتتطاير غدائرهم في أشعة الشمس، كان ما يعني "محمد" من الصوفية بكل تموجاتها الواسعة هو ثقافتها الجمالية السائدة، واندماجه مع "أورادها" التي لم يسعى أن يبحث عن تقنيات تشكيلية طارئة،  مغايرة لما عرف عنها من قبل.

لم يكن المبتغى والغاية المقصودة من كتابة هذا المقال الموشى بخيوط الحزن،  أن استهدف الصوفية، وأتحدث عن غموضها وتجلياتها،  ولكن لأنها كانت تعجب الراحل "محمد نمر" وترضي نزعاته النفسية، فالصوفية التي كانت ممسكة بالعنان الرفيع لروح "محمد نمر" الهائمة في ملكوت الله،  هي التي تجعلنا "أنا وهو" نطرق هذه المواضيع، ونحرص على تجديدها وتنميتها بشكل يومي،  ونعيد قراءة تراثها النقدي، ونشخص المستجدات التي تربعت على ساحتها، كان أكثر ما يثير امتعاض" محمد نمر" مني، أني أنظر للمتصوفة بأنهم فئة تعيش خارج اطار الزمن، وأن الصورة السائدة في ذهني عنهم شديدة القتامة،  فهي بكل مستوياتها، وأشكالها، واتجاهتها المختلفة، استعصت على التطور، وعجزت أن تفتح آفاقا جديدة، تجعلها تتوهج لتحيا حياة عنيفة خصبة، لم تعرف عنها منذ أمد بعيد،  فالحقيقة التي تلوح بشكل متزايد أن مجتمعاتنا التي تريد أن ترتبط بالوعي والاقتصاد الابداعي، لا يمكن أن تعتمد على نهجها في توطيد نظمنا التربوية والجامعية.

 الصوفية الحافلة بالصور، والرموز، والصدق، والمبالغة، والتهويل،لم تزور نفسي عنها، ولكن أنشد صوفية تحمل في طياتها ومكوناتها أنساقا فكرية تكون نسقا ما، يعالج اختلالات المجتمعات المسلمة وتعرجاتها، ورحم الله صديقي الحفي البار بوالديه وخاصته "محمد نمر" الذي عشق الصوفية، وهام بفكرها، ودار في فلكها، ولكنه على كل ذلك، كان متحفظ محتاط لم يخرج بالتصوف عن أصوله.

***

د. الطيب النقر

قراءة بين فجوات الإدارة وممرات الإصلاح المستدام

ضعنا آية: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف} أمام حقيقة راسخة؛ وهي أن استقرار المجتمعات يبدأ من تأمين قوتها، وصيانة أمنها الغذائي، غير أن القراءة الموضوعية لواقع ملف التموين في المشهد العراقي اليوم تكشف عن مفارقة واضحة بين كلفة الإنفاق والنتائج الملموسة على  أرض الواقع. وتشير المؤشرات الرسمية لعام2026 إلى تحدٍ لوجستي هائل؛ إذ يبلغ عدد الافراد المسجلين في نظام البطاقة التمونية 45مليون فرد، وهي كلفة مالية وبشرية ضخمة تضع المنظومة تحت طائلة التساؤل المستمر حول مدى كفاءة قنوات التوزيع، والقدرة على حماية السلة الغذائية من ثغرات البيروقراطية وسوء الإدارة التي ترهق جيب المواطن البسيط، وتجعله عرضة لتقلبات الأسواق التجارية .

إن تشخيص واقع الأمن الغذائي يطرح خللاً بنيوياً متمثلاً في المفارقة الصارخة بين حجم المبالغ المرصودة دورياً للاستيراد، وبين جودة المواد الواصلة إلى مائدة المواطن ذي الدخل المحدود؛ فالاعتماد شبه الكامل على الاستيراد الخارجي لتأمين مفردات السلة، بدلاً من تنشيط وتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، يشكل استنزافاً مستمراً للعملة الصعبة ومخاطرة استراتيجية برهن لقمة العيش بالأسواق العالمية وضغوطها السياسية والاقتصادية. ويتجلى هذا التراجع بوضوح في قطاع تصنيع الحبوب والصوامع (السايلوهات)؛ حيث لا تزال العديد من المطاحن، سواء أكانت حكومية أم أهلية متعاقدة، تعمل بخطوط إنتاجية قديمة تؤثر سلباً على جودة الطحين الموزع، فضلاً عن افتقار بعض الصوامع للأتمتة الحديثة، مما يجعل المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الأساسية، كالقمح، عرضة لمخاطر التلف أو شبهات الهدر والتلاعب الكمي والنوعي.

وفي محاولة للالتفاف على هذه الثغرات وتقليص مساحات الهدر المالي، برزت خطوات نحو التحول الرقمي من خلال إطلاق التطبيقات الإلكترونية التمونية والربط عبر أجهزة الدفع الإلكتروني (POS) لضبط القطع المالي للوكلاء ورغم أهمية هذه الإجراءات التقنية في محاولة تنقية القوائم من الأسماء الوهمية، إلا أن التجربة الميدانية تشير إلى أن الرقمنة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات صارمة على الأرض تقودها جهات رقابية مستقلة؛ فالمواطن لا يزال يواجه تذبذباً في مواعيد تجهيز الحصص، ونقصاً في بعض المواد الأساسية، مما يضطره إلى إكمال حاجته اليومية من الأسواق الحرة بأسعار مضاعفة، وهو ما يؤكد وجود فجوة حقيقية في ضبط الخزين الاستراتيجي الذي يُفترض أن يغطي الحاجة الفعلية بشكل مستمر دون انقطاع.

وتأسيساً على هذه المعطيات، فإن الانتقال بملف الأمن الغذائي العراقي من عقلية "الاستيراد الروتيني الخامل" إلى "الإنتاج والتنشيط المستدام" يتطلب معالجات بنيوية جذرية تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة. ويأتي في مقدمة هذه الحلول تفعيل شراكة حقيقية وشفافة مع القطاع الخاص لإعادة تأهيل وتحديث المطاحن المحلية والصوامع وفق تكنولوجيا حديثة تضمن الجودة العالية، مع إلزامية عزل إنتاج الطحين المخصص للدعم عن المضاربات التجارية (طحين الصفر). إن صياغة مشهد اقتصادي متزن لحماية القوت اليومي تعتمد بالدرجة الأولى على حوكمة عقود التوريد، وإخضاعها لرقابة مالية مكشوفة، وتوجيه الدعم المالي نحو تشجيع الفلاح العراقي والمصانع الوطنية، بما يضمن صيانة الأمن الغذائي واستقراره بعيداً عن أعباء البيروقراطية وأثرها على كاهل المواطن .

ثبت الوثائق والإحصاءات المعتمدة (لحماية المادة الصحفية)

***

بقلم: صبيح الكعبي

.......................

المصادر:

- بيانات دائرة التخطيط والمتابعة (2026): توثيق تسجيل 45 مليون فرد بنظام التموين، ورصد الكلف التشغيلية المرتبطة به.

- تقارير الرقابة التجارية والمالية (تحديث 2026): المؤشرات المتعلقة بتقييم كفاءة الخزين الاستراتيجي وفترات التجهيز الفعلي للسلة الغذائية.

- محاضر مراجعة قطاع تصنيع الحبوب (2026): البيانات الخاصة بالطاقات الإنتاجية للمطاحن ونسب الحاجة للتحديث التكنولوجي لخطوط إنتاج الطحين.

في غمرة تساؤلاتنا الوجودية الممتدة، نقف مذهولين أمام مرآة مجتمعاتنا. لماذا نتحفظ في إبراز الحب والمشاعر الإيجابية كأنها عورة نخشى كشفها، بينما نندفع بجرأة فائقة نحو التعبير عن القسوة والعنف، لفظياً وجسدياً؟ لماذا ينظر مجتمعنا إلى الابتسامة العفوية في الطرقات بريبة، بينما يمر العبوس والتجهم كعلامة على الوقار والجدية؟

إننا نعيش في مفارقة مرعبة؛ حيث يتربى الفرد فينا على احتواء العلاقات السامة، وتجرع مرارة الخيبات خلف أقنعة الصمت والتأقلم. نهرب من المواجهة الصادقة التي قد تنقذ أرواحنا، ونفضل عليها بقاءنا في مستنقع مألوف مؤذٍ، خائفين من تعرية الحقيقة.

وإذا فتّشنا في عمق هذه المعضلة، لوجدنا أن هذا الجفاف ليس فِطرة في عروقنا، بل هو نتاج تكتلات ثقيلة صاغتها الأيام والتربية؛ فقد ورثنا مفهوماً مشوهاً للوقار يربط الهيبة بـ"تقطيب الجبين" وصناعة المسافات، وكأن اللين يخدش الرزانة! وبسبب ثقافة العيب والخوف من أحكام الآخرين، تحول التعبير عن الحب في الوعي الجمعي إلى مرادف للضعف أو الانكشاف، وزاد الأمر تعقيداً ذلك الخوف المتجذر من الحسد، والذي يدفع الناس لإخفاء المسرات وإظهار التجهم كدرع حماية زائف.

أضف إلى ذلك، أننا جُبلنا على تمجيد التضحية على حساب الذات، فصار الصبر على الأذى في العلاقات السامة يُسمّى "أصلاً طيباً"، وصارت المواجهة تبدو كفعل تخريبي يُهدد الاستقرار. هذا التكلس ليس إلا انعكاساً لتاريخ محمل بالصدمات المتلاحقة والأزمات التي عاشتها المنطقة، والتي وضعت الإنسان في حالة دفاع مستمر عن النفس، فتقدمت القسوة كآلية للبقاء، وتراجعت الرقة كرفاهية مؤجلة.

وهنا يبرز السؤال المقلق: هل نحن وحدنا من تلوثت بذرتنا الإنسانية الأولى بفعل هذه التراكمات؟ أم أن الشعوب الأخرى تعاني من ذات التكلس عندما تُدنس فطرتها؟

الحقيقة أن تشويه البذرة النقية ليس حكراً على جغرافيا دون غيرها؛ فكل إنسان، وفي أي بقعة من الأرض، عندما يُحرم من مساحات التعبير الآمن ويقع تحت وطأة الخوف والقمع الاجتماعي، يرتدي قناعاً جافاً ليحمي هشاشته الداخلية. لكن الفرق يكمن في أن مجتمعاتنا حولت قناع القسوة إلى درع شرف.

إلا أن حكماً بالإعدام لم يصدر من قاضٍ سماوي، بل نحن من وقّعنا على وثيقته بجهلنا الخوفَ المستشري في زوايا نفوسنا. ولكي ننجو من زنزانة هذا الإعدام المفروض، لا بد لنا من امتلاك شجاعة التمرد الروحي؛ التمرد على المألوف السام، والاعتراف بأن اللين ليس وهناً، بل هو أعلى درجات الصلابة الإنسانية. لقد حان الوقت لنخلع هذه الأقنعة الثقيلة ونواجه ذواتنا بصدق؛ فالالشعوب لا تمرض لأن بذرتها فاسدة، بل لأنها تخاف من سقاية مشاعرها الحقيقية، والنجاة تبدأ بقطرة وعي تعيد النبض لتلك البذرة المنسية قبل أن يفوت الأوان.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

حين تبتسم المكاتب وتبكي الإدارة

حين تضيق دروب الروتين وتنهك ضغوط العمل الأرواح، يبتكر المجتمع مساحات موازية للفرح، فيخلق مناسبات لم تكن مسطورة في كتب التاريخ ولا في الأجندات الرسمية، مثل "عيد المدير"، وعيد الأب، وعيد الأم، ويوم العلم. إنها ليست سوى ذرائع إنسانية نبيلة للتواصل، تذوب فيها جدران الرسميات وتتكسر حدة الوظيفة. في هذا اليوم تحديداً، تتحول المكاتب الصارمة والباردة إلى واحات من الألوان والبهجة؛ تزين الطاولات بالورود العطرة، وتتزاحم الابتسامات الصادقة، وتُتبادل الهدايا الرمزية والدروع التذكارية وسط عبارات الثناء والتقدير. هي لحظات إنسانية جميلة تُشعر المدير بأنه جزء من عائلة واحدة، وتمنح الموظفين متنفساً من الود والتقدير المتبادل الذي تقتطعه أوقات الدوام الطويلة.

غير أن هذا الودّ الزائل على أعتاب المكاتب ما انفكّ يرتطم بمرارة الواقع؛ فحين ننفض غبار هذه الاحتفالات البهيّة ونعود إلى قراءة تفاصيل المشهد الإداري في عراقنا الحبيب، تتكشف لنا مفارقة صادمة؛ إذ تخرج كلمة مدير تماماً عن مألوفها الوظيفي، لتتحول في كثير من الدوائر والمدارس والمراكز الإخبارية والنقابات المهنية، ما يشبه الإقطاعية الخاصة أو الملكية المحفوظة التي تأبى الزوال.

وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في أروقة مؤسساتنا التي تختصر قصصاً متباينة تكشف عورات هذا النظام؛ فأولها قصة أبي حسن، وهو مدير مدرسة أمضى أربعة عشر عاماً متسلطاً على مقعده. في سنواته الأولى كان شعلة نشاط، لكن طاقة الرجل نفذت، وانطفأت أفكاره، وأصبح المكان متحجراً يشبه أثاثه القديم؛ لا تطوير، بل استنزاف صامت للجهود والزمن، حتى صار المعلمون والطلاب ينتظرون تقاعده خلاصاً حتمياً. وإلى جواره، تبرز قصة سالم، وهو مدير دائرة خدمية تعثر في إدارته منذ اليوم الأول؛ تكالبت الملفات على مكتبه وضاعت مصالح الناس وسط عجز بيّن وتردد قاتل، وبسبب غياب آليات التقييم، ظل رابضاً في مكانه يراكم الفشل ويزيد المؤسسة وهناً، محرماً الدائرة من طاقات شابة قادرة على الإنقاذ. وفي المقابل من هذين النموذجين، يطل علينا وجه منى، وهي مديرة مركز إخباري اعتمدت التدوير والتجديد، فأدارت المكان بروح الفريق، مؤمنة بأن النجاح ليس حكراً على أحد، وأن العطاء الإداري له أمد افتراضي؛ لقد تركت بصماتها الواضحة ثم غادرت الموقع بثقة وسلام، تاركة خلفها مؤسسة تنبض بالحياة والكفاءة.

وهذه النماذج الحية تقودنا إلى حقيقة راسخة مفادها أن الإبقاء على مدير لمؤسسة أو مدرسة لمدة تتجاوز عقداً من الزمن، يعدّ عائقاً إدارياً بحق المكان وتنمية المجتمع. فالإدارة ليست تشريفاً أبدياً، بل هي مسؤولية وتكليف مؤقت تتطلب حيوية متجددة. المدير الذي يستنفذ طاقته وجهده خلال سنوات معدودات يتحول بمرور الوقت إلى حاجز أمام التطور، فالعقل البشري يصل حتماً إلى مرحلة النضوب والنمطية إذا ما أحيط بهالة من الحصانة المطلقة والبقاء الأبدي.

من هنا، ينبغي ألا يكون الاحتفال بمثل هذه المناسبات مجرد طقس استهلاكي أو روتين مصطنع، بل وقفة تقييم جادة لتصحيح المسار الإداري. ولتحقيق المأمول، تبرز الحاجة الملحة إلى اتخاذ خطوات عملية حاسمة، تبدأ بوضع سقف زمني صارم لبقاء أي شخص في منصبه الإداري لا يتجاوز ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فحسب، لضمان ضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة. كما تقتضي الضرورة سن تشريعات واضحة تفصل تماماً بين المسؤول الإداري والكرسي الوظيفي، وتمنع تحول المؤسسات إلى ممتلكات شخصية، فضلاً عن إخضاع القيادات الإدارية لعمليات تقييم دورية ومستقلة، وإقصاء الفاشلين والمستنزفين فوراً دون مجاملة، وفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة والمبدعة لتولي زمام القيادة، فالإدارة الناجحة هي التي تتجدد باستمرار ولا تقف عند شخص واحد.

***

بقلم صبيح الكعبي

أتصفح العديد من المقالات لمفكرين كتبوها في ثمانينيات القرن العشرين، وأجدها ذات نزعة إنشائية وإسهابية عصية على التحقيق، فهي كتابات لا تقترب من الواقع ولا تمتك القدرة على إبتكار أدوات تغييره، والإتيان بضوابط نظرية ذات قيمة إرشادية صالحة للبناء، ومنها إتضح أهم سبب من أسباب تأخرنا، لغياب المنظار العملي القادر على صناعة الحياة الأفضل.

العراق ومصر كانا أكثر تقدما من الصين والكوريتين في النصف الأول من القرن العشرين، وبدايات النصف الثاني منه، لكنهما تدحرجا إلى الوراء، ووصلت الصين والكوريتان إلى مراتب حضارية متقدمة.

فالكتابات الإنشائية الفكرية إنشغلت بالمصطلحات المستوردة من بلاد الآخرين، كالديمقراطية والديكتاتورية والحرية وأمثالها من المفردات التي عجزنا عن تطويعها لصالح تطورنا، بل جعلناها معوقات ومدمرات لوجودنا.

فالمشكلة ليست في الديمقراطية والديكتاتورية، وإنما في القيادات المحدودة الرؤى والقاصرة المعرفة. فالمجتمعات بقادتها، والدول والأمم برجالاتها الذين يتمكنون من التعبير عن رؤاها وتحرير طاقاتها الكامنة، فليكن أسلوب الحكم ما يكن، المهم التفاعل الخلاق مع المجتمع، وتحويل الطاقات البشرية إلى ينابيع متدفقة بالإبتكار والعطاء الأصيل.

يُقال أن الراحل فيدل كاسترو جمع المختصين بالمايكروبات بأنواعها وطلب منهم أن تكون كوبا الأولى في إنتاج أمصال اللقاحات، ووفر لهم الدعم المطلوب، فحققوا رغبته، ويذكر أن كوريا الجنوبية قد شجعت القطاع الخاص ودعمته وطلبت منه أن ينتج للتصدير، فكان لها ما أرادت، وكوريا الشمالية بنظامها المعروف ذات إرادة إنتاجية فائقة جعلتها تتحدى أعتى القوى الأرضية.

اما في مجتمعاتنا، فبالتأميم قضينا على القطاع الخاص وصارت الدولة تملك كل شيئ، وفي الإصلاح الزراعي قضينا على الزراعة، وعجزنا عن الإستثمار المعقول بواردات النفط، فتبلدت قدراتنا الإنتاجية وشلت أيادينا، وصرنا نعتمد على غيرنا في كل شيئ!!

وقد أدهشني أن النظام الشيوعي في الدول الإشتراكية الذي لم يحارب الملكية الخاصة، بل دعمها بما يوفر إنتاجية عالية، وعندنا صارت الأرض لمن يزرعها، والقطاع الخاص تحت أقدام المتسلطين، ولا حياة إلا للكراسي المتأسدة في غاب وجيعنا الحامي.

تَدحْرجْنا إلى خلفَ الوراءِ

وأجْهزْنا على روحِ السَماءِ

بعِلمٍ سادَتِ الأجْيالُ فيها

ومِن كَسلٍ أُصِبْنا بالخَواءِ

فلا إقرأ ولا إصْنعْ عَرفْنا

ولا إزْرَعْ بدائرةِ النماءِ

***

د. صادق السامرائي

معالي الوزير،

نرحب بكم في موقع المسؤولية، ونشد على ايديكم في مهمتكم الجديدة. انها مهمة ثقيلة، بل هي من اخطر وادق المواقع في الدولة، لانها تتصل مباشرة بمستقبل العقول، ومصداقية العلم، وكرامة الاساتذة، وحق الطلبة في تعليم رصين.

نكتب اليكم ونحن ندرك ان الوزارة ليست بحاجة الى وعود جديدة بقدر حاجتها الى خطوات عملية، والى ارادة صلبة، والى قرارات تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوقف النزيف الذي اصاب التعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

معالي الوزير،

ان المرحلة السابقة تركت جراحا عميقة، ولا يجوز ان نطوي صفحتها دون ان نتعلم منها. لقد شهدنا تجاهلا صارخا لكرامة التدريسيين، وتدخلا في نتائج الامتحانات ورفع درجات الطلبة الفاشلين، وتعيينات ولائية جعلت من منصب العميد ورئيس الجامعة مكافاة سياسية لا استحقاقا علميا. وشهدنا فرض اتاوات على الطلبة، وتحويل الوزارة الى جهاز رقابي بوليسي يراقب ويعاقب بدل ان يطور ويحفز. كما شهدنا توسعا هائلا وغير منضبط للتعليم الاهلي، وفسادا في الجامعات الاهلية، واهمالا كاملا لحقوق الهيئة التدريسية واحتياجاتها، وغيابا شبه تام لبرامج التدريب والتطوير المستمر.

والاخطر من ذلك كله، ذلك الارتفاع الكبير في النشر الزائف، ودكاكين النشر، ومصانع الاوراق، التي تغلغلت في المؤسسات، حتى اصبح بعض المسؤولين الكبار في الوزارة والجامعات جزءا من هذه الممارسات. لقد صار البحث العلمي في كثير من الحالات اما مسروقا، او مقتبسا بشكل غير امين، او مزورا، او من انتاج تجاري لا علاقة له بالعلم. وبلغ الامر ان بعض الباحثين ينشرون بمعدل 100 بحث سنويا، مع تزايد عمليات سحب الاوراق من المجلات العلمية، وانعدام التاثير العالمي والمجتمعي، وغياب اي دعم مالي مباشر للبحث العلمي، حتى تحمل الباحثون تكاليفه بانفسهم.

هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر الازمة. ومن هنا، فان مهمتكم ليست مجرد ادارة روتينية، بل هي اصلاح شامل اذا اردتم انقاذ مصداقية البحث العلمي ومستقبل التعليم العالي في العراق.

معالي الوزير،

نضع بين ايديكم بعض المحاور التي نراها ضرورية لبدء اصلاح حقيقي:

1. الاصلاح الاداري والتحول الرقمي:

انهاء الاداء الورقي، والاتمته الشاملة للمعاملات، والقبول المركزي، والخدمات الطلابية، وماكنة التعيينات والتنقلات والترقيات، لضمان الشفافية والعدالة والحد من التدخلات البشرية والروتين القاتل.

2. تطوير المناهج وربطها بسوق العمل:

اعادة النظر المستمرة في البرامج الدراسية، وتطبيق معايير عالمية مثل نظام بولونيا، وتفعيل المنصات الذكية، والتقليل من التكدس في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل.

3. استقلالية الجامعات ودعم البحث العلمي:

منح الجامعات الرصينة مرونة ادارية ومالية واكاديمية وفق مبدا اللامركزية، وربط البحوث بازمات الدولة الحقيقية مثل شحة المياه، الطاقة، التغير المناخي، التنمية المستدامة، التلوث، الصحة العامة بدلا من البحوث النظرية البحتة، مع تخصيص ميزانيات كافية للابتكار وبراءات الاختراع.

4. الجودة والاعتماد الأكاديمي الدولي:

التسريع في حصول الكليات والجامعات على الاعتماد المؤسسي والبرامجي، وتشجيع النشر في المجلات المتميزة والرائدة، مع محاسبة من يلوث المشهد العلمي بالنشر الزائف.

5. اصلاح التعليم الاهلي والموازي:

فرض رقابة صارمة على الجامعات والكليات الاهلية، ومنع التوسع العشوائي، ومراجعة او الغاء اجور التعليم الموازي والمسائي، وضمان العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والجودة الأكاديمية. والمطلب الملح هو جعل الجامعات والكليات الاهلية غير ربحية، لا ان تتحول الى تجارة تعليمية.

6. الدبلوماسية الأكاديمية والابتعاث:

توجيه البعثات نحو التخصصات المهمة والنادرة والدقيقة وفي جامعات الدول المتطورة: الطب والصحة المجتمعية، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الطاقات المتجددة، مع الاستفادة القصوى من العائدين، وتطوير العلاقات مع جامعات الدول المتقدمة وبرامج التوامة.

7. انصاف الهيئة التدريسية:

لا اصلاح بلا اساتذة مكرمين، وحقوق مصونة، وبرامج تدريب وتطوير مستمرة. ان اهمال التدريسيين كان ولا يزال احد اخطر اسباب تدهور التعليم.

8. مكافحة الفساد والنشر الزائف:

فتح ملف دكاكين النشر ومصانع الاوراق، ومحاسبة المتورطين، ووضع ضوابط صارمة للنشر العلمي، واعادة الاعتبار للبحث الجاد والنزيه.

9. تخصيص ميزانية مستقلة ومحمية للبحث العلمي:

لا بحث علمي حقيقي بدون تمويل كاف ومستقر. لذلك نطالب بتخصيص ميزانية مستقلة للبحث العلمي، تدار عبر صندوق وطني او هيئة مستقلة، وتحدد لها نسبة ثابتة من موازنة الوزارة او موازنة الدولة، بحيث لا تبقى البحوث رهينة المزاج الاداري او التقشف العشوائي. ويجب ان توجه هذه الميزانية الى:

- تمويل المشاريع البحثية التنافسية وفق معايير الجودة والاثر.

- دعم الباحثين، وخاصة الشباب منهم، وتغطية تكاليف بحوثهم بدل تحميلهم اياها شخصيا.

- دعم المجلات العلمية العراقية الرصينة، وبراءات الاختراع، والابتكار، ونقل المعرفة.

- ربط التمويل بحل مشكلات البلد الحقيقية: المياه، الطاقة، المناخ، الصحة، التعليم، والتنمية المستدامة.

- محاسبة من يحول البحث العلمي الى دكاكين ومصانع اوراق على حساب المال العام.

10. تشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية العلمية:

لا يجوز ان تبقى الترقية العلمية رهينة عدد البحوث او العلاقات او المحاصصة. نطالب بتشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية تقوم على تقييم شامل وعادل، يشمل:

- الجهود التعليمية والتربوية للتدريسي، لا مجرد ارقام النشر.

- الاشراف على طلبة الدراسات العليا، والمناقشات، واللجان العلمية.

- النشاطات التي تخدم المجتمع، وتقدم حلولا عملية لمشكلاته.

- البحوث الاصيلة ذات الاثر العلمي والمجتمعي، وبراءات الاختراع، ونقل المعرفة.

- وضع ضوابط صارمة لمحاسبة النشر الزائف، وسحب الترقيات او الامتيازات ممن ثبت تورطه فيه.

- تشكيل لجان ترقية رصينة ومستقلة، تعلن معاييرها وقراراتها بشفافية.

11. اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات والدراسات العليا وشروط الحصول على الشهادات:

ان اصلاح التعليم يبدا من باب القبول، ولا يمكن ان ننتظر مخرجات رصينة ونحن نتسامح في المدخلات. لذلك نطالب بـ:

- اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات، واعتماد معايير موضوعية وشفافة، وامتحانات ومقابلات تكشف الكفاءة الحقيقية، لا مجرد درجات الاعدادية.

- اصلاح نظام القبول في الدراسات العليا، وربطه بخطة بحث واضحة، واختبار علمي رصين، ومقابلة جادة، لا بمزاج الادارات او الضغوط.

- وضع شروط صارمة للحصول على الشهادات: اصالة الرسالة او الاطروحة، اشراف علمي حقيقي، امتحان شامل، لجان مناقشة رصينة، ومنع التلاعب او الشراء او الاستنساخ، ومهرجانات الامتحان.

- مراجعة المناهج ومسارات الدراسة لتكون متوافقة مع حاجة سوق العمل ومتطلبات التنمية.

12. ضبط معادلة الشهادات ومنع استيراد الشهادات غير الرصينة:

من اخطر ما يهدد مصداقية التعليم العالي انتشار الشهادات غير الرصينة والوهمية، وبخاصة تلك التي تستورد من بعض دول الجوار دون دراسة حقيقية او تقييم علمي رصين. لذلك نطالب بـ:

- انشاء لجنة مركزية لمعادلة الشهادات، تعتمد على تصنيفات جامعية معتمدة، وتتحقق من مدة الدراسة، والمناهج، والاقامة، والبحوث، واللغة.

- اخضاع حاملي الشهادات من الجامعات الضعيفة لاختبارات علمية ومهنية قبل المعادلة او التعيين او الترقية.

- منع معادلة الشهادات الفورية او الممنوحة من جامعات غير معترف بها، او التي لا تستند الى دراسة حقيقية وتقييم رصين.

- حماية سوق العمل الأكاديمي من الشهادات الوهمية التي تسرق حقوق الكفاءات وتشوه سمعة التعليم العراقي.

معالي الوزير:

لا بحث علمي بلا تمويل، ولا ترقية علمية بلا معايير عادلة، ولا شهادة بلا دراسة حقيقية، ولا جامعة بلا هيبة. ونأمل منكم ان يتم التعامل مع هذه المطالب بجدية، وان تجعل من مكافحة النشر الزائف والشهادات الوهمية والقبول غير العادل معركة مفتوحة، حتى لا يبقى الاصلاح شعارا، بل يتحول الى واقع ملموس يحفظ كرامة العلم واهله، ومستقبل العراق وابنائه.

معالي الوزير،

نرحب بكم، ونتمنى لكم النجاح، لكننا نريد نجاحا يلمس على الارض، لا شعارات تقال على المنابر. نريد وزارة تفتح ابوابها للكفاءات، وتغلق ابوابها امام المحاصصة والفساد، وتستمع الى الاساتذة والطلبة، لا الى الوسطاء والسماسرة. نريد اصلاحا تربويا وتعليميا شاملا، يعيد للجامعة العراقية هيبتها، وللبحث العلمي قيمته، وللتدريسي كرامته، وللطالب حقه في تعليم جيد ومتكافئ.

نامل ان يكون عهدكم عهد جديد للتعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

***

محمد الربيعي

 

بين عدالة القبول الجامعي وتنوع الاختصاصات العلمية والأدبية

1. التضخم الأكاديمي وفقدان المعيارية (ظاهرة ال 100%)

في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان معدل القبول في كلية الطب يتراوح ما بين 60% إلى 75%. وعلى سبيل المثال، يذكر الأستاذ الدكتور رياض محمد صالح (أستاذ مادة النسائية في الجامعة المستنصرية) أنه قُبل في كلية الطب عام 1962 بمعدل 72%، وكان معدل آخر طالبة قُبلت في الكلية حينها 65%.

لم يكن هناك مئات أو آلاف الطلاب الذين يحصلون على معدل 100%، رغم جدية الدراسة والصرامة العالية التي تميز بها النظام التعليمي آنذاك. ومع هذه المعدلات البسيطة بالمقياس الرقمي الحالي، تخرج أرقى أطباء ومهندسي ومحامي وإداريي العراق الذين بنوا الدولة الناشئة وكانوا رواداً بحق.

فكيف بدأت الدرجات تتصاعد بشكل مفرط حتى أصبحت معدلات المئات أمراً عادياً؟

2. تسليع التعليم والتفاوت الطبقي (الدروس الخصوصية)

بعد الانتعاش الاقتصادي في السبعينيات وما بعدها، برزت بقوة ظاهرة التعليم الخصوصي وظهرت أسماء لمدرسين لامعين وتوسعت ظاهرة الملازم المجهزة. وتهافتت العوائل الميسورة والمتوسطة على هذه الدروس، مما أدى إلى ارتفاع أجورها بشكل مذهل.

أدى ذلك إلى حظر أو تقييد التدريس الخصوصي في العديد من الدول بناءً على دوافع تعليمية واجتماعية واقتصادية، أبرزها:

* تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص:

يتسبب التعليم الخصوصي في توسيع الفجوة الطبقية؛ حيث يمتلك أبناء الأسر الميسورة قدرة أكبر على "شراء" التفوق الأكاديمي، بينما يُحرم منه أبناء الأسر محدودة الدخل، فتبقى إمكانياتهم الذاتية محجوبة بسبب الفقر. إن التدريس الخصوصي لا يعكس القدرة الحقيقية للطالب، بل يعد مجرد عملية شراء للدرجة الأكاديمية.

* تخفيف العبء المالي على الأسرة: تشكل مصاريف الدروس الخصوصية نزيفاً استهلاكياً يرهق الميزانيات الأسرية، وتحاول الدول بحظره أو تنظيمه حماية القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الحد من تقصير بعض المعلمين داخل الفصل الرسمي لدفع الطلاب نحو المجموعات الخاصة.

3. الاختلال الاقتصادي وغياب نظام التوجيه والضمان

انطلق السباق نحو الطب والصيدلة بسبب رغبة العوائل في ضمان مصدر سريع للثروة، في مقابل عدم استقرار الخدمات الطبية الحكومية.

وقد أدى هذا إلى ظاهرة يندر وجودها خارج العراق، وهي وجود أربعة أو خمسة أطباء أو صيدلانيين في عائلة واحدة! وذلك لأن تكلفة دراسة الطب في مختلف دول العالم تتجاوز 60,000 دولار للطالب الواحد كأجور دراسية فقط دون السكن والمستلزمات.

ومع غياب نظام ضمان صحي متطور، ازدهرت المستشفيات والمختبرات وعيادات الأشعة والعيادات الخاصة بشكل غير مسبوق.

بينما نجد في دول أخرى (مثل تركيا) أن العيادات الخاصة أمر نادر وتغلق مبكراً، ويكون دوام الأطباء الحكومي منظماً وتوفر الدولة أغلى الأدوية والفحوصات مجاناً للمرضى وفق نظام ضمان صحي شامل.

4. اختزال النجاح وقتل التنوع المعرفي (فلسفة القبول الجامعي)

إن من أخطر النتائج الاجتماعية لسباق المعدلات أن تتجه طموحات الطلبة وأسرهم بصورة شبه جماعية نحو عدد محدود من الاختصاصات (الطب والصيدلة)، وكأن النجاح لا تحقق إلا عبر أبوابها.

وهذا التوجه لا يضر بطلبة الطب فحسب، بل يضر بسائر الاختصاصات التي تحتاجها الدولة والمجتمع.

 فالمجتمعات الحديثة لا تنهض بالأطباء وحدهم، بل تحتاج كذلك إلى:

* المهندسين: بما يمتلكونه من قدرات تحليلية وتصميمية.

* القانونيين: بما يتطلب تخصصهم من ملكة استدلال وفهم للنصوص.

* الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والمربين والباحثين: للنهوض بالعلوم الأساسية والإنسانية والآداب والفلسفة والتكنولوجيا والإدارة.

لذا، ينبغي ألا تنحصر وظيفة نظام القبول الجامعي في ترتيب الطلبة تنازلياً بحسب المعدلات، بل يجب أن تكون جزءاً من سياسة تربوية أوسع تشخص قدراتهم وتوجههم للاختصاصات التي يبدعون فيها.

5. خارطة الطريق للإصلاح (من سباق الدرجات إلى بناء القدرات)

إن الغاية الأساسية من التعليم ليست إنتاج أكبر عدد من أصحاب الدرجات المرتفعة، وإنما إعداد أفراد يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع. فالدرجة المرتفعة قد تفتح باب الجامعة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الطبيب الكفء أو المهندس المبدع أو القانوني المتمكن.

يتطلب الإصلاح خطوات أساسية:

1. تطوير المناهج والتقويم: بدء الإصلاح من المدرسة عبر تقليل الاعتماد المفرط على الحفظ والتدريب النمطي، وتعزيز الفهم والتحليل واستقلالية التفكير واختبارات الذكاء.

2. تطوير الإرشاد التربوي والمهني: تقديم معلومات واقعية عن طبيعة الاختصاصات وفرص العمل، وإجراء اختبارات ملائمة للاستعدادات للقبول دون الإخلال بشفافية المفاضلة.

3. توفير فرص عادلة: الحد من تأثير القدرة المالية للأسرة في نتائج المنافسة، وإعطاء الاختصاصات العلمية والأدبية مكانتها المستحقة في خطط التنمية.

إن العراق الذي استطاع سابقاً رفد مؤسساته بكفاءات متميزة، قادر اليوم على مراجعة نظامه التعليمي وتصحيح الاختلالات لتطوير معايير عادلة وفعالة لاختيار الطلبة وإعدادهم.

الخلاصة

إن قضية معدلات الطب ليست مجرد مسألة أرقام، بل هي قضية عدالة اجتماعية وفلسفة تعليم وسياسة تنمية. إن الاعتماد المجرد على معيار الدرجة الرقمية ودون مراعاة المعايير القيمية والأخلاقية والميول الذاتية قد يقود إلى ممارسة مهنية لا تلتزم بالضوابط والتقاليد المهنية الرسمية والعرفية، فتتكاثر الشكاوى بشأن الإخلال بأخلاقيات المهنة وتتراجع رسالته الإنسانية.

إن المجتمع الذي يقيس النجاح بمعدل القبول وحده قد يخسر مواهب كثيرة في اختصاصات يحتاج إليها، بينما المجتمع الذي يكتشف قدرات أفراده ويوجهها توجيهًا سليمًا يكون أقدر على بناء مؤسساته وتحقيق تقدمه. فليس الهدف أن يدخل الطب كل من يطمح إليه، ولا أن يُحرم منه من يستحقه، وإنما أن تتاح الفرصة العادلة للطالب المؤهل، وأن يجد كل صاحب استعداد طريقه إلى الاختصاص الذي يستطيع أن يبدع فيه ويخدم مجتمعه من خلاله.

***

فارس حامد عبد الكريم

قضى الإنسان قروناً طويلة وهو يناضل من أجل امتلاك حرية الاختيار، معتبراً الانعتاق من ضيق البدائل وشحّها ذروة الانتصار البشري؛ غير أن المفارقة الصارخة التي يواجهها إنسان اليوم تكمن في أن هذا الفوز استحال قيداً من نوع آخر. نحن نعيش في عصر الوفرة المفرطة، حيث تتدفق المسارات اللانهائية في كل تفاصيل الوجود، من مئات التخصصات المهنية والمهارات الرقمية، إلى آلاف الكتب والمواد المعرفية المتاحة بلمسة زر. ولم تعد الأزمة المعاصرة كامنة في غياب الفرصة، بل في فيضانها الذي تحول من ميزة تحررية إلى زنزانة نفسية تؤرق العقل. إن هذا التدفق لم يمنح المرء السلام، بل ولّد داخله قلقاً مزمناً يُعرف في علم النفس بـ "الشلل التحليلي"، حيث يقضي الفرد وقتاً في تمحيص البدائل والمقارنة بينها أطول بكثير من الوقت الذي يقضيه في السعي الفعلي والاستفادة منها، مدفوعاً بخوف دائم من أن انتقاءه الحالي يعني تضييع فرصة أخرى قد تكون أكثر مثالية

ويتجلى هذا الفخ الفكري بوضوح في تحول الخيارات إلى عبء ذهني يستنزف طاقة القرار اليومية؛ فكثرة النوافذ المفتوحة ترفع سقف التوقعات بشكل غير واقعي، مما يجعل المرء عاجزاً عن الرضا بما استقر بين يديه. وحين يجد الشخص نفسه محاطاً باتجاهات لا حصر لها، يتسلل إليه وهم القدرة على نيل كل شيء، فيتنقل بين البدايات دون أن يبلغ أي نهاية، ويموت عطشاً على ضفاف بحر من المعرفة والفرص. وتكمن العلة هنا في غياب الفلترة الذهنية وتشتت البوصلة، حيث يظن العقل أن مراكمة الخيارات تزيد من قوته، في حين أنها تعمق شتاته وتورثه شعوراً خفياً بالتقصير؛ فالإنسان المعاصر بات يجلد ذاته باستمرار، لاعتقاده أن وجود آلاف الطرق الممهدة أمامه يعني أن تعثره هو خطأ شخصي محض، غافلاً عن أن طاقته البشرية وعمره يظلان محدودين مهما اتسعت شاشات العرض من حوله.

هذه المعضلة الوجودية تختصرها تجربة سارة (31 عاماً، مصممة جرافيك) التي تقول إنها أمضت ثلاث سنوات وهي تتنقل بين عشرات البرامج التدريبية والمهارات الجديدة في ذكاء الآلة، وفي كل مرة تبدأ مساراً، تتركه سريعاً لشعورها بأن هناك دليلاً آخر أفضل وأكثر ربحية. وتضيف سارة بصوت هادئ أن هذا السيل لم يطورها، بل جعلها تقف في مكانها غارقة في التشتت، واكتشفت أخيراً أن رغبتها في الإحاطة بكل شيء انتهت بها إلى ألا تتقن أي شيء، وأن المشكلة لم تكن في قلة الشغف، بل في عدم قدرتها على إغلاق الأبواب الأخرى والتركيز على وجهة واحدة .

إن مأساة سارة تؤكد أن النجاة الفكرية في عصر الوفرة لا تبدأ من الجري وراء المزيد، بل من تبني فلسفة "التنازل الذكي" والرضا بالخيار المتاح؛ فالوعي الإنساني الناضج يتطلب إدراكاً حتمياً بأن السير في طريق ما يتضمن بالضرورة التضحية بالاتجاهات الأخرى، وأن هذه التضحية هي الثمن الطبيعي للعمق والإنجاز. ويستلزم هذا النضج فرض ما يمكن تسميته بـ "الحجر الصحي للأفكار"، عبر تقليص البدائل عمداً والاكتفاء بمسار واحد يُعطى له كامل الوقت والجهد حتى يؤتي ثماره. وهو ما بدأت سارة في تطبيقه بالفعل حين قررت إغلاق كافة المنصات والتركيز على مهارة واحدة لستة أشهر كاملة، معترفة بأن التوقف عن البحث عن الخيار الأفضل حرر عقلها من قلق المقارنة، وأعاد لقدميها القدرة على السير بثبات فوق أرض الواقع بدلاً من التخبط في سراب العالم الافتراضي .

في نهاية المطاف، ليست الحرية في أن تملك خيارات لا تنتهي، بل في القدرة على التزام مسار محدد والمضي فيه حتى النهاية. إن الاستسلام لدوامة الوفرة هو انتحار فكري هادئ، يجعلنا نعيش على هامش الحياة دون أن نترك بصمة حقيقية في أي مجال. تذكر دائماً أن بحراً بعمق شبر واحد لن يصنع منك غواصاً مهما اتسعت مساحته؛ فافتح دفاتر طموحاتك الآن، واختزل تطلعاتك المشتتة إلى هدف متواضع يوافق قدراتك، واملك الشجاعة لإغلاق بقية النوافذ التي تملأ عقلك بالضجيج. إن العظمة الإنسانية لم تولد يوماً من التشتت في طرقات عديدة، بل من المشي طويلاً وبصبر في طريق واحد، فالإرادة الحقة ليست في أن تفتح كل الأبواب، بل في أن تملك الحكمة لتختار باباً واحداً وتلج منه.

***

بقلم صبيح الكعبي

ليست كل شخصية تتصدر المشهد الاجتماعي تحظى بالقبول والاحترام؛ فهناك فرق بين من يكتسب مكانته بمواقفه النبيلة وعطائه وخدمته للناس، وبين من يحاول فرض نفسه بالظهور والضجيج والتقرب من الآخرين، متوهماً أن ذلك يصنع مكانة لا يملك مقوماتها.

فالمكانة الاجتماعية لا تُنتزع بالإصرار على الظهور، بل تُبنى بالاحترام والثقة وحسن السيرة. والعمل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون لقباً أو واجهة؛ إذ يتكون القبول عبر المواقف الصادقة والمبادرات النافعة والقدرة على جمع الناس، لا عبر السعي المحموم إلى الصدارة الذي قد يتحول إلى عبء على المجتمع.

ولا تقتصر المشكلة على من يفرض نفسه، بل تشمل من يحيطون به بالتصفيق والتأييد، حتى حين تكون مواقفه موضع اعتراض. فعندما يتقدم التملق على الصراحة، والمصلحة الشخصية على العامة، يصبح التصفيق بديلاً عن التقييم، وتضعف معايير المجتمع وتتراجع قيمة أصحاب الخبرة والعطاء.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون قلة الشعبية أو الاختلاف في الرأي حكماً نهائياً على قيمة الإنسان؛ فالمعيار الحقيقي هو السلوك، ونوعية العمل، واحترام الآخرين، والقدرة على تقديم ما ينفع المجتمع. كما يجب أن يتناول النقد المواقف والتصرفات، لا أن يتحول إلى انتقاص أو تصفية حسابات.

إن مأساة بعض المجتمعات ليست في وجود من يبحث عن الأضواء، بل في وجود من يمنحه شرعية لا يصنعها العمل ولا تؤيدها المواقف. فحين يغيب الوعي، يصبح الضجيج حضوراً، والمجاملة شهادة استحقاق، وكثرة المصفقين دليلاً زائفاً على المكانة.

وفي النهاية، لا تُفرض المكانة ولا يُشترى الاحترام؛ فقد يفرض الإنسان حضوره مؤقتاً، لكنه لا يستطيع فرض احترامه إلى الأبد. والمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المتصدرين، بل إلى مخلصين يحملون همومه ويقدمون المصلحة العامة، فتلك هي المكانة التي تبقى حين تنطفئ الأضواء ويتوقف التصفيق.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد - سدني

ليس بالأمر الهين أن تكتب مرثية في وداع مؤرخ.> ذلك أن المؤرخين هم الذين يكتبون عن الناس، ويوشك أن لا يكتب عنهم إلا عرَضًا. وإذا كتب عنهم، كتب عنهم كما يكتب عن الأثر، يوصف ولا يقرأ. وهكذا كان الشأن دائمًا، وهكذا سيبقى، إلا أن يأذن الله بأمر آخر.

غير أن أحمد زكريا الشلق الذي رحل عن ثمانية وسبعين عامًا في الرابع عشر من أكتوبر 2026 كان من الصنف الذي لا يستقيم معه هذا التصنيف. كان مؤرخًا، نعم. ولكن كان فوق ذلك صاحب مشروع معرفي متكامل، ومربيًا للأجيال، وذاكرة حية تمشي بيننا، يقرأ مصر في الريف كما يقرؤها في العاصمة، ويرى في المهمش ما لا يراه غيره في المتصدر.

وإذا رحل باحث من هذا الطراز، فإن الخسارة لا تقيم بما تركه من كتب فحسب، بل بما كان يحمله في صدره من ذاكرة حية لم تدون كلها ولن تدون. وهذه هي المصيبة التي لا يعرفها إلا من كان قريبًا من أمثال هؤلاء العلماء، أو من حاول أن يقرأ التاريخ بوصفه ذاكرة الأحياء والمهمشين، ومن لا يدخلون الكتب الرسمية إلا هامشًا.

وزكريا الشلق، في هذا السياق، أستاذ التاريخ في جامعة عين شمس، وعضو مجمع اللغة العربية. كان واحدًا من أولئك الذين فهموا أن التاريخ ذاكرة الأحياء والمهمشين، وليس سردًا للمعارك والملوك. وهذه حقيقة لو وعاها الناس، لتبدلت أحوالهم، ولكن الناس لا يوعون إلا بعد فوات الأوان.

لقاء عابر

التقيت الدكتور أحمد زكريا الشلق مرة واحدة في حياتي، ولم يكن بيننا موعد، ولم يكن اللقاء مرتبًا له. كنت في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب، لشأن آخر. وجاء الدكتور الشلق بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، لمناقشة شئون السلسلة مع رئيس الهيئة.

كان اللقاء في ظاهره إداريًا: سلسلة، وميزانية، وخطة نشر، وأسماء مؤلفين. ولكن اللقاء تحول سريعًا، كما يحدث مع الرجال الكبار، إلى درس في التاريخ والذاكرة.

جلس الدكتور الشلق، ولم يتحدث عن نفسه كثيرًا. تحدث عن سلسلة التاريخ، وعن ضرورة أن يجد القارئ المصري كتابًا يفهم منه بلده، لا كتابًا يجامله أو يخدعه. ثم انصرف. وأنا جلست أستمع، وشعرت أنني لم أشهد مؤرخًا يطلب شيئًا، بل شهدت رجلًا يشرح لماذا لا يقرأ أحد.

وهذه التفصيلة الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في أي سيرة ذاتية، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي يقابل مؤرخًا في مكتب رئيس هيئة الكتاب، ولا يسمع منه طلبًا شخصيًا، بل سؤالًا عن القارئ، يختلف عن غيره الذي يقابل المسئولين ليقبضوا. الشلق كان من النوع الأول جاء بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، وخرج كما دخل، ولم يحمل معه إلا هم السلسلة وهم القارئ. رحمه الله، فقد كان من أنبل من عرفت.

التكوين والمنهج

وُلد أحمد زكريا الشلق في قرية كفر الحما، بمركز طنطا، عام 1948.

ونحن نعرف أن البدايات لا تفسر كل شيء، لكنها تكشف الكثير. فقد كان والده تاجرًا بسيطًا، يملك أقل من خمسة أفدنة، لكنه كان رجلًا متعلمًا، يحمل الشهادة الابتدائية، وعنده مكتبة غنية بالموسوعات ومؤلفات العقاد وطه حسين.

وهذه التفصيلة الصغيرة، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي ينشأ في بيت فيه مكتبة، يختلف عن غيره الذي ينشأ في بيت فيه راديو. المكتبة تصنع مؤرخًا يقرأ النص في سياقه الاجتماعي والثقافي، ويفهم أن المعرفة ذاكرة تبنى وتنسج.

درس الدكتور أحمد زكريا الشلق في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وتدرج في السلم الأكاديمي من معيد إلى أستاذ، ثم رئيسًا لقسم التاريخ، ثم وكيلًا للكلية. لكن هذه السيرة الرسمية لا تقول شيئًا.

ما يقول شيئًا هو أنه كتب عن حزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، والحركة الوطنية، والاستشراق، والإمبريالية، وطه حسين، ومصطفى عبد الرازق. وكتب عن الريف المصري في القرن الثامن عشر، وعن تطور الكتابة التاريخية نفسها.

وهذا النوع من التاريخ، الذي يكتب من أسفل، من زاوية المهمشين والمنسيين لا من منظور السلطة وحدها، هو ما كان يشغل الباحث. وفي هذا المنهج، نلمس وعيًا عميقًا بأهمية التاريخ الاجتماعي. فالمؤرخ الحقيقي، كما كان يفهم الشلق، ليس من يحفظ التواريخ ويرص الأحداث في جداول، إنما هو من يقرأ في الحكاية الشعبية نبض الوعي الجمعي، ويسمع في المهمش والمنسي ما لا تقوله الوثائق الرسمية. وهذه نظرة لو وعاها مؤرخو بلادنا، لتبدل تاريخنا كله.

قراءة في مشروع

في عام 2022، أصدر زكريا الشلق كتابه «من النهضة إلى الاستنارة في تاريخ الفكر المصري الحديث»، وهو جولة تمتد من الشيخ حسن العطار إلى أحمد فتحي زغلول، مرورًا برفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد. والكتاب محاولة جادة لفهم كيف تحول المصريون من رعايا إلى مواطنين، ومن مواطنين إلى ما هم عليه الآن.

لكن العنوان نفسه يحمل مفارقة قاتلة. «من النهضة إلى الاستنارة» وكأن الشلق كان يعرف أن هذا المسار سينكسر. والمؤرخون، بطبيعتهم، يعرفون النهايات. يدرسون سقوط الدول، وانقراض السلالات، وموت الأفكار. ثم يستمرون في الكتابة.

والشلق لم يكن استثناء. كتب وكأنه يبني جسرًا بين ماض لا يريد أن ينسى ومستقبل لا يريد أن يتكرر.

والأهم من ذلك أن الشلق لم يكتف بالتاريخ السياسي. كتب عن «الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، وكتب «من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر»، وكتب عن «الاستشراق» و«الإمبريالية» بوصفهما إطارين معرفيين لا يمكن فصل التاريخ المصري عنهما. وهذا الوعي بالإمبريالية كبنية معرفية، لا مجرد حدث عسكري، هو ما يميز المؤرخ النقدي عن المؤرخ الوصفي. وهذه تفرقة لا يعرفها إلا من غاص في بحر التاريخ غوصًا.

الأحزاب والنخبة

في ديسمبر 1979، أصدر أحمد زكريا الشلق كتابه الأول عن «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية»، بعد سبع سنوات من الدراسة المتواصلة. ولم يكن الكتاب مجرد تأريخ لحزب سياسي، بل كان تشريحًا اجتماعيًا لطبقة الأعيان والمثقفين الذين ظنوا أنهم يستطيعون قيادة مصر إلى دولة مدنية.

ثم جاء كتابه الثاني عن «حزب الأحرار الدستوريين» (1982)، ليكمل هذا المشروع الذي بدأه في الماجستير. أنفق قرابة عشر سنوات من عمره متفرغًا لدراسة حزب الأمة أولًا، الذي أصبح تاليًا حزب الأحرار الدستوريين، وبينهما كانت تجربة الحزب الديمقراطي المصري.

والحقيقة التي تبلورت في هذه الأعمال الثلاثة هي أن النخبة المصرية، سواء كانت حزب الأمة أو الأحرار الدستوريين، ظلت تدور في حلقة مفرغة تريد الإصلاح دون الثورة، والاستقلال دون مواجهة الاحتلال، والحداثة دون مصادمة السلف.

وهذه المعادلة المستحيلة هي التي تفسر مأساة مصر كلها. حزب يريد كل شيء، ولا يريد أن يخسر شيئًا. والنتيجة للأسف الشديد معروفة؛ لا إصلاح، ولا استقلال، ولا حداثة.

وهنا يبدو الشلق، في كتاباته، صاحب قدرة على ربط الأحداث التاريخية بالواقع المعاصر، مما يجعل أعماله مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين. وهذه قدرة لا يملكها إلا من أوتي بصيرة في التاريخ، وفهمًا في الاجتماع، وصدقًا في القول.

سؤال محرج

هنا نصل إلى السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه هو لماذا يرحل مؤرخ بحجم أحمد زكريا الشلق في صمت، بينما يملأ موت لاعب كرة بهلوان أو فنان كل الشاشات والعناوين؟

الإجابة قاسية وواضحة لأن المؤرخ لا يعدك بشيء. البهلوان يعدك بمستقبل. والفنان يعدك بمتعة. أما المؤرخ فيذكرك بماضيك. وحين يرحل مؤرخ، يتراجع الماضي خطوة إلى الوراء. ولا أحد يريد أن يسمع هذا.

في مصر، حيث تطبع ملايين النسخ من كتب الطبخ والتنمية البشرية، ويترك كتاب عن حزب الأحرار الدستوريين ينتظر قارئًا واحدًا، يعيش المؤرخون في بلادنا مأساة خاصة؛ يكتبون لجمهور لا يقرأ. ثم يموتون، فيكتب عنهم صحفيون لم يقرأوا لهم كلمة. وهذه مأساة لو تأملها العقلاء، لكانت عبرة. ولكن العبرة لا تنفع من لا يعتبر.

ابتسامة مرة!

لكن الشلق لم يكن مؤرخًا نكدًا. كان يعرف السخرية. كان يتحدث عن مصر القديمة كأنه عاشها، وعن طه حسين كأنه قابله أمس. كان عنده دم خفيف، وكان يعرف أن يضحك على كل شيء، حتى على التاريخ نفسه.

وهذا النوع من المؤرخين، الذي يجمع بين صرامة الباحث وخفة ظل الصحفي، هو الأندر والأهم. لأن المؤرخ الذي لا يعرف أن يضحك، لا يعرف أن يكتب تاريخًا. التاريخ ليس نكدًا. التاريخ حكاية. والحكاية لابد أن يكون فيها ضحك، حتى لو كان الضحك مرًّا. والضحك المر، في تقديري، أصدق الضحكات وأعمقها.

في النهاية، كل ما نكتبه عن الراحلين في تقديري هو محاولة يائسة لالتقاط شيء لا يمكن التقاطه. نكتب لنواسي أنفسنا، لا لنرثي من رحل. الدكتور أحمد زكريا الشلق، الذي كتب عن التاريخ وكأنه يعرف نهايته، يعرف جيدًا أن رثاءه سيكتب بنفس الطريقة التي كتب بها هو عن الآخرين؛ بكلمات لا تفي، وبحزن لا يمحى.

تبقى الكتب، نعم. تبقى. لكن تبقى أيضًا أشياء أخرى لا تكتب في السير الذاتية وهي طريقة شرحه لطلابه، وحديثه عن التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل في الكتب، وسخريته اللطيفة من كل شيء. ويبقى ذلك اللقاء العابر كان في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب السابق، حيث كان الدكتور الشلق رئيسًا لتحرير سلسلة التاريخ، وحيث لم يكن اللقاء بين مسؤولين، بل بين رجلين يعرفان أن الكتابة عن التاريخ ليست وظيفة، بل مسئولية.

المؤرخون لا يرحلون. يبقون في الكتب، وفي عقول طلابهم، وفي الأسئلة التي طرحوها ولم يجب عليها. يبقون في ذلك السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه: من سيقرأ التاريخ بعدنا؟

والجواب، في تقديري، أن التاريخ سيظل يكتب، وسيظل يقرأ، ولكن قراءه سيكونون قليلين، كما كانوا دائمًا. والمؤرخون سيكتبون، كما كتب الشلق، لا لأن الناس يقرأون، بل لأن الكتابة واجب، ولأن الحقيقة أمانة، ولأن التاريخ ذاكرة لا يجوز أن تموت. وهذه هي الرسالة التي حملها الدكتور أحمد زكريا الشلق، وستظل في كتبه وفي أعناق من جاء بعده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

رحم الله الدكتور أحمد زكريا الشلق. وعزاءنا في كتبه، وفي طلابه، وفي كل من قرأ له حرفًا واحدًا.

***

عبد السلام فاروق

لقد فقدت السيطرة على إحساسي في تلك الليلة!.. لم أعرف ما هو التصرف السليم في أزمة لا تشبه غيرها.. أطير من السعادة، أم أستسلم للحزن بلا رجعة؟! أسمح لزغروطة من القلب أن تنطلق، أم أسكب دموعي دفعة واحدة؟!

لغبطة.. كما لو أن مشاعري ضربها الواقع في خلاط الحقيقة، وأصبحت أنا كتلة إنسانية من الفرحة والألم في الوقت ذاته!

إنه أمر حاسم عشته بكل جوارحي قبل أيام وألهمني بالسر الذي لطالما فتشت عنه في سبيل إنسانيتي.. سر الحياة بأسرها.

كان ذلك حين زينت الأنوار شارعنا من أوله لآخره، وتسابقت الخطوات لتهنئة شاب بزفافه السعيد على حب حياته، وسط أجواء مفعمة بالجمال والحب ولذة الانتصار، فهو عريس قاوم الظروف لتجهيز عش الزوجية بكل قرش في جيبه، وهي عروسة تتلخص أحلامها الوردية في زفة وفستان أبيض فحسب ويبدو أن أحلامها انتصرت بالفعل.

وحينما كان الكل يبارك لأهل العروسين بحرارة، كنت أبارك أيضًا من بلكونة بيتي وأترقب المشهد مثلهم تمامًا.

"عقبال عندكم يا أم نورا.."

مرت الأيام في احتفالات ما بين طبل وزمر، حتى جاءت الليلة الموعودة، أو كما نقول "الليلة الكبيرة".

موتوسيكلات تغزو المنطقة بحركاتها البهلوانية لتعلن قدوم العرسان أخيرًا، زحام عطل الحركة كلها، حتى إن الدوشة وقتها كادت تمزق طبلة أذني، ولكن لا بأس، المهم فرحة الإنسان بالإنسان في هذا العالم البائس.. وها قد حانت اللحظة المنتظرة.

منذ أن كنت صغيرة بضفائر الطفولة وأنا أتسلل على أطراف أصابعي لأخطف نظرة على زفة العرسان، فضول بريء من طفلة تحلم بيومها السعيد كذلك، أتأمل فستان العروسة وأتخيلني هي، فأشعر بما تشعر، بالكسوف أمام الجماهير العريضة ممن يتفحصونها من فوق لتحت وفي حالة ترصد لأي غلطة تافهة، وبرجفة يدها وهي تمسك بوكية الورد، وبعض التُقل على العريس حين يغازلها بعين الحب، وبصراحة، كانت جميلة بحق، خطفت أنظار الجميع واستحقت الغزل وذلك المهرجان في الشارع لأكثر من أسبوع قبل الفرح.

وفجأة.. اقتطع ذلك المشهد السينمائي صوت حاد ينبعث من مسجد على الجانب الآخر من شارعنا: "لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول.. انتقل إلى رحمة الله فلان الفلاني، وصلاة الجنازة بعد صلاة العشاء.."

تسمرت في مكاني من صدمة الخبر!

تبخرت الضحكة من على وجهي في الحال، وانقبض قلبي بعد أن كان يرقص على "اتفرج ع الحلاوة حلاوة".

صرت أردد في أعماق نفسي "لا حول ولا قوة إلا بالله.. دلوقتي!"، بعدما كان لساني يتغنى بفرحة ليلة ولا ألف ليلة وليلة!

الآن اتضحت الرؤية أمامكم.. أحدهم يدخل دنيا، والآخر خرج منها وإلى الأبد.

وفي لحظة واحدة ترى الشيء ونقيضه، ويتحول اللون الأبيض لأكثر من لون وأكثر من إحساس، لون النعيم تارة، ولون الوداع تارة أخرى.. ليتخبط الإنسان بين الحياة والعدم!

بين قماش كفن سادة، وقماش فستان من اللؤلؤ والدانتيل، وبين أهل تزف العرسان لبيتهم في الدنيا، وأهل تزف لدار الآخرة.. هكذا سارت الأمور في غمضة عين!

انقسم الشارع حينها إلى نصفين، نصف تغمره الأضواء، ونصف يغرق في الظلام ينتظر جثمان بارد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وأنا أقف متجمدة الشعور بين هذا وذاك.

حائرة!

لا أعرف لأي نصف أنتمي في تلك اللحظات المصيرية.. لإنسان يحتفل بالبداية، أم لإنسان ترك الأرض بما فيها!

أدركت وقتها معنى الدنيا أكثر..

فهمت أن الإنسان في الأرض هو مجرد مراحل..

يفرح يوم، ويعصف به الوجع يوم، يقترب مرة، ويفارق مرات بعدها، وأن "دوام الحال من المحال" هي الحقيقة الثابتة لعالمنا هذا، أما الأصل في الدنيا هو التغيير ومن ثم الزوال.

نحن هنا لنمر بكل الأحوال في أي وقت وأي مكان، لنشعر بكل التقلبات الوجودية التي تصنعنا وتشكل إنسانيتنا بمرور الزمن والتجارب، فنختبر خلالها حقيقتنا ونصبح أكثر مرونة لأشكال الحياة مع كل صباح جديد.. إن كان صباح بنسمات الربيع الدافئ، أو صباح يرتعش من غياب الشمس.

فلم يُكتب علينا أن نسلك اتجاه واحد طوال الوقت، نحن نتخبط في الدنيا ما بين ولادة وموت، وعي وجهل، وبين بداية ونهاية، وربما البشرية بدون تلك التخبطات لن تنجح تجربتها الإنسانية أصلًا، لن نلمس حقيقة من نكون، ولن ندرك أوجه الخير والشر بداخلنا، فكيف هي الحياة إن كانت مسكرة على الدوام؟! ستجزع نفسك بعد فترة بلا شك، والعكس صحيح، فهل يُعقل أن تأكل مخلل كل يوم ولا تشتاق لحلاوة الشيكولاتة؟!

ربما الفكرة كلها في مواجهة اللحظة، الخبطة والصدمة الأولى، والسؤال الآن هو: كيف نستقبل صفعة الألم ونحن في أقصى درجات النشوة؟!

لعل الحل أن نسبح مع التيار، ونتسلح بالإيمان الكافي لتقبل كل الدوامات في بحر الدنيا، أن يصبح مبدأنا الأهم هو "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"، فتهدأ سرعتنا مع المطبات، ونعود لننطلق من جديد حين يتسع الطريق، وحين نصطدم بالعتمة من بعد النور، نكررها بأنفاس واعية مطمئنة: "دنيا.."

"اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره.. آمين.."

"ادخلي برجلك اليمين يا عروسة.."

هكذا هي الحياة.. وجهان لحقيقة واحدة.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

يقول احد الفلاسفة "لا تهدر توحّشك؛ فهو ثمين وضروري"! للوهلة الأولى تبدو كلمة التوحش قاسية، وربما تحمل معنى الفوضى أو العدوانية أو الخروج على المألوف، لكنها هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إنها ذلك الجزء الفطري في الإنسان الذي لم تستطع الحياة أن تروّضه بالكامل، الجزء الذي مازال يحب المغامرة، ويطرح الأسئلة، ويجرب، ويخطئ ، ويقول الفيلسوف الروسي أنطون تشيخوف لاتهدر حواسك الخمس، ينبهنا إلى حقيقة إنسانية دقيقة حين يبخل شخصٌ بإحساس واحد تجاهك "بالتعاطف أو الإصغاء، أو الفهم" فإنه يقطع أي جسر للتواصل الحقيقي والصحي بينكما قيمة العلاقة لا تُقاس بما نبذله نحن، بل بقدرة الآخر على استقبال هذا العطاء. فالحسّ الذي لا يجد صدى يتحول إلى استنزاف، والاهتمام الذي لا يُقابله اهتمام مقابل يذبل

هذه العبارة العميقة تحمل في طياتها دعوة قوية لـ الحفاظ على الأصالة والغرائز الفطرية التي تميز الإنسان قبل أن تشكله قيود المجتمع وقوانينه صارمة الجفاف، ، على شخص لم يستخدم إحساس واحد ليشعر بك ." - كأنه وُجه إلى فراغ. تشيخوف يذكّرنا بأن الإحساس المتبادل هو ما يمنح الروابط معناها، وأن الكرامة الوجدانية تقتضي ألّا نهدر طاقتنا الوجودية على من يعيش مغلقاً على ذاته، لا يرى ولا يسمع ولا يشعر. إنها دعوة للحفاظ على نقاء مشاعرنا: أن نوجّهها لمن يستحق، ولمن يملك القدرة والشجاعة ليشعر بنا حق ، نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في عملية "ترويض" مستمرة، ندخل المدرسة، فنتعلم متى نتحدث ومتى نصمت، ثم نتعلم في الجامعة كيف نفكر ضمن تخصص محدد، ثم نُدجن بالأنظمة والإجراءات والتسلسل الإداري حين نتوظف، دون أن نغفل الالتزامات الاجتماعية والمهنية والعائلية، حتى يصبح لكل شيء تقريبًا موعدٌ ونظام وتوقع مسبق

الطفل يستطيع أن يقضي نصف ساعة يتأمل حشرة صغيرة تمشي على الأرض، أو يسأل عشرة أسئلة متتالية عن شيء نراه نحن عاديًا، ليس لأنه يريد أن يعرف فقط، بل لأنه لم يفقد بعد قدرته على الدهشة، ومع تقدمنا في العمر، نعرف أشياء أكثر، لكننا -ويا للمفارقة - نندهش أقل! وهنا ربما تكمن إحدى خسائر النضج التي لا نتحدث عنها أننا لا نفقد طفولتنا فقط، بل نفقد تدريجيًا شيئًا من فضولنا، ولهذا أعتقد أن الإنسان يحتاج من حين إلى آخر إلى أن يستعيد شيئًا من توحشه، أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه،، ليس تمردًا عل حتى في المسار المهني، نحتاج إلى شيء من هذا التوحش، كثيرون يرسمون حياتهم كما لو كانت خطًا مستقيمًا، شهادة، ثم وظيفة في التخصص نفسه، ثم ترقية، ثم منصب أعلى، وهكذا حتى التقاعد، لكن أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه

أمضى البريطاني "جاي غريفيث" سنوات يتنقل بين بقاع العالم، باحثًا عن "البرية"؛ ليس في الغابات والجبال والأنهار، بل في داخل الإنسان نفسه، وتناول ذلك في كتابه "البرية: رحلة أساسية"، الذي وجدت فيه أفكارًا تستحق التأمل ; لا أعتقد أن المطلوب أن نهرب من المدن إلى الغابات، ولا أن نترك أعمالنا ونعيش حياة فوضوية، الفكرة أبسط من ذلك: أن نبني حياتنا دون أن نراكم حول أرواحنا جدارًا، أن نكبر دون أن نشيخ من الداخل، أن ننضج دون أن نفقد دهشتنا

***

نهاد الحديثي

لا شك ان الإنسان هو مزيج من حكمة العقل، ومشاعر العاطفة، في رحلة سلوكه اليومي، فهو ليس عقلاً خالصا فقط، يمضي به في دروب الحياة، بحسابات المنطق، وحده، ولا هو مجرد عاطفة منفلتة، تسوقه كيفما تشاء.

وهكذا يظل العقل، نافذة الإنسان إلى التأمل، والتبصر، ووسيلته في قراءة الوقائع، واتخاذ القرارات الصائبة بصددها، بعيدا عن ضجيج الانفعال.

أما العاطفة، فهي حرارة نبض الوجدان، ومن خلالها تأخذ حياة الإنسان ألوانها الإنسانية، وتغدو العلاقات أكثر دفئاً، ونبضا بمشاعر المحبة، والتعاطف.

ومن هنا فإن الحكمة، لا تكمن في انحيازه المطلق، إلى جانب العقل، على حساب العاطفة، ولا في إطلاق العنان لمشاعره، وعواطفه، دون ضوابط، وإنما تتطلب حقيقة السلوك الرشيد، إقامة توازن واع بينهما، يجعل منه إنسانا رصينا، وفاضلا.

وهكذا فالإنسان الناضج، يعرف متى يصغي إلى مشاعره، ومتى يمنح عقله، فرصة مراجعة ما تمليه عليه تداعيات انفعالات اللحظة، من المعالجات الرشيدة.

وفي خضم حركة حياة متسارعة، حيث تتزاحم تداعيات المؤثرات، وتتعدد مصادر القلق، يصبح تدبر العقل، عندئذ، ضرورة لا مناص منها، كما يصبح حفظ العاطفة من التبلد، واجباً إنسانياً.

ولذلك فإن قوة بصيرة الإنسان، تتجسد في ان يمتلك من الحكمة الرصينة، ما يجعل العقل بصيراً، والعاطفة مهذبة، والضمير حاضراً في كل موقف. فبالعقل يتدبر الحكمة الرصينة، وبالعاطفة يستشعر المعنى، وبالتوفيق بينهما، يحقق التوازن المطلوب في الحياة.

***

نايف عبوش

نجيد النظر إلى الواقع وتشخيص أمراضه، ونعجز عن الإتيان بنظرية تساهم بضبط آليات تغييره . ولا نعرف كيف نستحضر أدوات التغيير، والمسافة شاسعة في مجتمعاتنا بين النظرية والتطبيق.

ثوراتنا ثؤراتنا، وإنقلاباتنا وسائل تدمير لحاضرنا ومستقبلنا، وكل مَن يتصدر المشهد الكرسوي يحسب البلاد بما فيها وعليها ملكه الشخصي وغنيمته التي عليه أن يحارب بشراسة كل مَن ينافسه عليها.

أحزابنا ماكنة إصدار شعارات فارغة ما تحقق منها إلا ما يناهضها، فقتلُنا بما نريد سلوك مضت عليه الأجيال وتجيده القوى الطامعة بوجودنا.

هل لديكم هذف أو مشروع أردناه ولم يكن من أهم أسباب قتلنا وتدمير مسيرتنا؟

لا أستطيع إستحضار هدف أعلناه وأنجزناه، وما نحَرَنا ونحرناه!!

الوحدة هدف تسبب بفرقتنا وتناحرنا وتصارعنا، وما عرفنا بموجبه أي تقارب أو تكامل على جميع المستويات، وهو الذي شجعنا على النيل من بعضنا.

ما مضى ينهار وما أتى يُثار ويمضي نحو الإنهيار، فلماذا نتشبث بالماضيات ونغفل حاضرا متحمسا للآتيات؟

الأرض تدور ولا تبقي حالا على حال، فالدوران يساهم يإعداد قفزات مستقبلية ذات مؤثرات تفاعلية بتراكم متناقضاتها وتداخل إتجاهاتها، وما حصل من تراكم علمي عبر العصور تسبب بإنفجارات إبداعية لا تخطر على بال، وذلك أن التراكم العلمي تحقق التعامل معه بعقل علمي إستوجب المراجعة والتقييم الموضوعي مما أدى إلى ولادات متميزة.

ماضوياتٌ أبادتْ مُبتغانا

وعقولٌ ما أعانتْ مُرْتقانا

جَمْعُ أهدافٍ أجارتْ مُسْتحيلا

وتوارتْ بضَياعٍ إحْتوانا

نظرياتٌ تهاوتْ دونَ آلٍ

فغدى التغييرُ من صُنعِ عِدانا

***

د. صادق السامرائي

مثلب: عيب والجمع مثالب اي عيوب

"عندما يتضور الناس جوعا تنتهي شرعية الملك" حكمة سومرية

هذه بعض الملاحظات عن الاقتصاد في بلدنا، بالمقارنة مع بلدان اخرى معاصرة:

اولا: التسويق

دول العالم المعاصرة فيها اليات لتسويق المحاصيل الزراعية وانواع الطعام الاخرى، ولا تتوفر في مجتمعاتنا شبكات تسويق للمنتوجات الزراعية، مما يتسبب بخيبات امل لدى الفلاحين، فما قيمة ان يزرع الفلاح وتبور محاصيله لعدم توفر القدرة على ايصالها للمستهلك.

ثانيا: الدعم الحكومي السائب

الدعم الحكومي بانواعه يكون سائبا ومجردا من الشروط التي تستوجبه، بينما المفروض ان يقرن بهدف واضح، كان تكون الانتاجية بكذا كمية او نوعية، وغيرها من الشروط التحفيزية اللازمة لتطوير الواقع الانتاجي.

فالحكومات المتعاقبة تمنح قروضا ومساعدات لقطاعات متنوعة، وتكون بلا شروط او متطلبات على المستفيد منها ان يؤديها، فمثلا من المفروض ان تمنح قروضا لمشروع ما بشرط ان تكون انتاجيته كذا وكذا، او ان يكون المشروع المطلوب انجازه بمواصفات واضحة وملزمة، ان لم يتطابق العمل معها يتم ابطال الدعم او القرض.

الدول تقدمت بدعم مشروط للقطاع الخاص، والمثال المعاصر كوريا الجنوبية.

ثالثا: الشركات الزراعية

يجب ان يتبدل مفهوم الزراعة من الفلاحة الى الشركة الزراعية، اي ان المزارع يجب ان يتمكن برفد السوق بانواع المواد الغذائية من المحاصيل الزراعية الى اللحوم ومنتوجات الالبان، وان يحصل على دعم وتشجيع حكومي لكي يتحقق الامن الغذائي.

رابعا: قانون النفط

النفط ثروة سائبة ومعظم عائداته يتم حرقها في نشاطات تدميرية وفي مقدمتها الحروب والتفاعلات السلبية البينية والداخلية، وقد اسهم النفط بتعطيل قدرات الابداع والاهتمام بالزراعة والصناعة، وغيرها من النشاطات اللازمة لاقتصاد متعافي.

فلابد من قانون وطني يحافظ على الثروة النفطية ويستثمر عائداتها لخدمة المواطنين، ويكون سدا منيعا امام عبث الفاسدين والاغتنام الجائر من قبل ذوي العاهات الرغبوية.

خامسا: المشاريع السكنية

لا زلنا نتعامل بعقلية توزيع قطع الاراضي، ولا نمتلك او نطور شركات البناء والاعمار ودعمها بانشاء المشاريع السكنية المعاصرة التي توفر للمواطن سكن لائق.

ان اساليب توزيع قطع الاراضي يتسبب باضرار اقتصادية واستنزاف للقدرات الخدمية، بينما المشاريع السكنية المعاصرة تساهم في التنمية والعطاء المثمر.

سادسا: عدم دعم المهندسين

المهندس المدني والزراعي بحاجة لدعم حكومي مشروط للانطلاق بالمشاريع العمرانية والزراعية، فما اكثر المهندسين الزراعيين وضعف الزراعة في بلادنا، المفروض ان ينطلقوا بمشاريعهم القابلة للنمو والتوسع والازدهار، لتوفير الطعام للاجيال.

سابعا: الامية المائية

الحفاظ على الثروة المائية نشاط اقتصادي مهم، ولا نزال نتشكى وما نجد ونجتهد في تنمية الثروة المائية، ولا نستفيد من ماء المطر، ولا يخطر على بالنا مشاريع تخزينه، وانشاء البحيرات الاصطناعية التي يغذيها المطر.

وكم تذمرنا واستغثنا من شدة النوبات المطرية التي تتسبب بالفيضانات.

وهناك العديد من المثالب الاخرى التي على المختصين التصدي لها بعلمية، وثقة بالقدرة على ابتكار الحلول الناجعة لبناء اقتصاد معاصرمكين.

مَثالبُنا تَنامَتْ في رُبانا

تُعوِّقُنا فيَسْبِقُنا سِوانا

بافكارٍ مُعتَّقةٍ بخُسرٍ

نكرّرُ فعلةً خَذلتْ رؤانا

كانّا من عُصورٍ داجياتٍ

مُحَنْدسَةٍ ببُهْتانٍ عَلانا

***

د. صادق السامرائي

 

استهوته شوارع القدس العتيقة فانطلق جائبا اياها ومطوفا فيها طاويا ايام طفولته، صباه ويفاعته، وعندما أصلب عوده الشعرى راح يتغنى بتلك الشوارع، معرجا على ما تفرع عنها من أزقة وإدراج عالية، مقاما وقدرا، وبما أنه اعتبر نفسه جوابا لآفاق مدينته الحبيبة/ القدس، فقد اتخذ له صفة عربية أصيلة وضاربة في أعماق الصحراء العربية، ومنها الجاهلي التليد، تلك الصفة كانت صعلوك القدس، وسوف ترافقه هذه طوال أيام حياته، حتى يوم رحيله الاسي الحزين الاثنين الثالث عشر من تشرين الاول من العام الماضي ٢٠٢٥.. يومه الأخير بيننا ومعنا.

هذا هو الشاعر فوزي البكري، ابو إسلام، المولود في بيت المقدس عام ١٩٤٦ لعائلة مقدسية معروفة بثقافتها وميولها الإنسانية البارزة، وقد يكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن والده هو المناضل الفلسطيني الشيخ المرحوم ياسين البكري، إمام المسجد الأقصى، في فترة سابقة بالطبع، وان والده هذا هو من تولى تثقيفه.. وأن شاعرنا تولَّى، بعد أن اشتد عوده الأدبي، امر تثقيف نفسه بنفسه. عمل الشاعر الراحل في التدريس بضع سنوات، ثم عمل صحفياً ومحرراً في عدد من الصحف الصادرة في مدينته الحبيبة. بعدها عمل محرراً ومدقِّقاَ للمطبوعات في جمعية الدراسات العربية. وتذكر سيرته الذاتية المدونة.. التي يعرفها البعض جيدا، أن ديوانه الشعري الأول "صعلوك من القدس القديمة"، صدر في أواسط الثمانينيات عن مؤسسة دار الصوت في الناصر، وان جمعية الدراسات العربية المقدسية أصدرت له عام 1987 كراسة شعرية ضمت ثلاثا من قصائده المكرسة للقدس بعنوان "شدِّي حيلك يا بلد". أما ديوانه الشعري "قناديل على السور الحزين"، فقد صدر في القدس عام 1997.

هذه الحياة الثرية الغنية بكل ما هو وطني، شعري وانساني، جعلت منه علما ومعلما، وما زال كاتب هذه السطور يتذكر جيدا، اهتمام أصدقائه من طلائع الحركة الوطنية الفلسطينية، بهذا الشاعر، ودأبها على دعوته ليصدح بأعمق ما يمكن أن يصدح به انسان شاعر، من شعر في محبة القدس والوطن عامة، بل إنه ما زال يتذكر أولئك الشعراء الوطنيين المخلصين لقضيتهم وانتمائهم النضالي الإنساني الشامل، مثل الشاعرين الوطنيين المفلقين، الأخوين راشد حسين صاحب المجموعة الشعرية الشهيرة صواريخ، وأحمد حسين، صاحب قصيدة الزناطم المنتشرة الشهيرة، وصاحب الملحمة الشعرية "عناة" الفريدة والمميزة في أدبنا العربي الفلسطيني، وعناة لمن لا يعرف، هو اسم الآلهة الكنعانية القديمة، عريقة الوجود والذكر في التاريخ القديم لهذه البلاد. ولعل كاتب هذه السطور لا يبتعد كثيرا عن سياقه الكتابي، عندما يتذكر أمرين أحدهما يتعلق بالآخرين، والآخر يتعلق به شخصيا، فيقول إنه ما زال يتذكر تلك الابتسامة التي أطلقها صديقه الكاتب عفيف صلاح سالم، طابت ذكراه، عندما ذكر أمامه الشاعر فوزي البكري، فابتسم عفيف وهو يقول.. اعرفه انه صعلوك القدس، مضيفا أن علاقة صعلوكية، والتعبير لعفيف، ربطت ما بين الاثنين عفيف الكاتب وفوزي الشاعر، أما فيما يتعلق بكاتب هذه السطور شخصيا، فإنه يعود إلى أكثر من أربعين سنة، يوم دعي الشاعر فوزي البكري إلى أمسية أدبية شعرية في الناصرة، يشارك فيها عمليا وانشاديا جنبا إلى جنب مع عدد من الشعراء، مثل الشاعرين المرحومين جمال قعوار وميشيل حداد، وهو ما زال يتذكر أن شاعرنا، ما ان سمع كلامه عن الشعر والشاعر العراقي الثوري مظفر النواب تحديدا، حتى قال له تعال لنمضي متصعلكين في شوارع مدينتك الناصرة، وقد جبنا نحن الاثنين في تلكم اللحظات، أزقة الناصرة البلدة القديمة وادراجها، وما زالت اتذكر ما قاله لي مرافقي الشاعر المقدسي الزائر، وهو أن بلدتكم تشبه مدينتي تمام الشبه.. الوطن واحد والهم واحد  . بعدها فيما اتذكر اقتصرت لقاءاتي به على عدد قليل جدا، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، اذا حدث وحصل، الا بالقليل. ويهمني أن أشير هنا إلى أن تلك اللقاءات على قلتها، كانت كفيلة بأن تمكن أحدنا من معرفة الآخر في العمق وفي الصميم، والان وانا اتخيل تلك اللقاءات مستعيدا تفاصيلها ودقائقها الصغيرة الدالة، أتأكد مما وقر في الذهن ووعته بالتالي الذاكرة، وهو أن الهموم الوطنية الشعرية المشتركة، التي جمعت كلا منا بالآخر، كانت من الوضوح بموقع يمكنها من ربط القلب بالقلب والعقل بالعقل.. والشعر بالشعر أيضا.

يهمني أن أشير في هذه المناسبة المفجعة في الذكرى الأولى لرحيل شاعرنا الاثير، إلى أنه كان نجما متألقا في سماء الحركة الوطنية الفلسطينية، وأنه شكل مع زملائه الشعراء المشابهين امثال الإخوة حسين المنوه إليهما انفا، اقنوما شعريا وطنيا، لا يمكن للذاكرة الوطنية أن تنساه، مهما مضى من زمن وتعاقب من عقود، مع هذا التألق يمكننا التنويه إلى أن فوزي البكري وزملاءه المذكورين اقتنعوا و ارتضوا بالأهمية الإبداعية الأدبية، وعزفوا عن الشهرة، وربما يدفعنا هذا لأن نلمح  إلى أن هذه القلة من الشعراء انشغلت بالقصيدة ذاتها ولم تعمل على تسويقها المجاني، مصرة على أنها تريد أن يكون إنتاجها الأدبي الشعري الإبداعي، هو رسولها وليس العكس، كما يحدث لدى السواد الأعظم من ناشدي الشهرة في فترتنا الجارية تحديدا وفي الفترات السابقة تفصيلا. 

بهذا المعنى اخلص شعراؤنا الوطنيون، وفوزي البكري واحد من المعهم، كل الاخلاص لقضيتهم الوطنية، إنسانيا وشعريا ابداعيا ايضا، ايما اخلاص، فآثروا الأهمية في القول على الشهرة في الفعل، مصرين على أن النار نوعان أحدهما ينشب في الهشيم وهو سرعان ما يشتعل لكنه سرعان ما ينطفئ، والآخر هو نار الفحم الحجري الذي يحتاج إلى وقت مديد حتى يشتعل، بالضبط كما يحتاج إلى وقت طويل حتى ينطفئ ويخبو اواره. ما أود قوله هنا هو أن الشعراء الحقيقيين وفوزي البكري واحد منهم، إنما يختارون أن بتشابهوا مع النوع الناري الحجري.. وان ما يغريهم ويثيرهم.. إنما هو الأهمية وليس الشهرة المجانية الرخيصة والعابرة.

***

ناجي ظاهر

التجارب الحياتية والعيش في المجتمع تؤكد أن الثقة هي أساس النجاح، ليس مجرد شعور، بل هو إيمان عميق بالقدرات والقيم. إنها القوة الدافعة التي تدفع نحو الطموحات، سواء كانت تقدما مهنيا، أو مشروع تجاري جديد، أو تحول شخص، بدون ذلك، يكون طريق الإنجاز شاقا ومرعبا. لكن بثقة لا تتزعزع، تفتح الأبواب إلى الإنجازات الاستثنائية على مصراعيها. كثيراً ما تكون مشكلات الثقة هي العقبة الأولى أمام التواصل والحميمية وبناء العلاقات الوطيدة بالآخرين ومن اهم الأولويات لنظام الحكم ان يلبي احتياجات المواطنين ودمج مشاركة المواطنين في عملية وضع السياسات وعندما تواجه مشكلات الثقة في علاقة ما لا يمكنك الشعور بالحرية والأمان من المقابل يدعوك للحيطة، ويعني أنك قد تعرضت للأذى فيجب الحذر، لان الجهاز النفسي الدفاعي يمنعك من الثقة في الآخرين، على اعتبار أن الحذر سيحميك من التعرض للخيانة أو الإذلال أو الاستغلال أو التلاعب. ان بين أزمة الثقة وتعزيزها هناك مساحة فاعلة للحوار، بالحساسية المفرطة لهذه المفردة “الثقة” كيف بها اذا كانت تصاعدية وإذا انفجرت لا يمكن حصرها بسهولة، في صفاتها وبائية ومعدية ومزمنة في الأغلب، وهي كارثة أخطارها محيقة بأي مجتمع أو مؤسسة أو بيت، فهي تسد أفق المستقبل وتشوه الحقائق وتبدل المسارات وتقزم الأهداف وتشتت الجهود وتضعف القوة بأي مستوى تصيبه وهي التي تستدعي النظر في شأنها، لأهميتها الموضوعية في أي علاقة قائمة بين طرفين، فالمكسب والخسارة في مختلف هذه العلاقات القائمة بين مختلف الأفراد والمؤسسات، تعلي من نتائج مكاسبها الثقة، وتضاعف من خسارتها الثقة، وبالتالي فمتى تعززت هذه الـ “ثقة” بين أي طرفين كتب لمشاريعهم المشتركة النجاح، والتقدم، وتحقيق الطموحات والآمال، وأهم ما في هذه العلاقات كلها، هي تلك الثقة القائمة بين الشعوب وحكوماتها، وتأتي هذه الأهمية في هذا الموضع بالذات لأنها متعلقة بمشاريع مهمة، ومصيرية، في حياة كل فرد يستوطن محددا جغرافيا ما، وهو الوطن وتبادل الثقة …تعني انتصار القيم والمبادئ، المواطن العراقي اليوم يواجه غياب الثقة في المنظومة الحاكمة، وتزداد عندما لم تقدم الحكومات المتعاقبة خدمات تلبي احتياجات المواطنين اولاً. ولم تُبنى الثقة في القيم عندما تُظهر عدم النزاهة والانفتاح ولم تمارس السلطة مسؤولياتها من أجل المصلحة العامة ثانياً، هناك أزمة ثقة بين المواطنين من جانب، وكافة المؤسسات المدنية التنفيذية والتشريعية ، وغيرها من المؤسسات من جهة أخرى ، وخلال السنوات التي تلت 2003 وسقوط حكومة البعث شهدت تراجعاً اكثر من السابق في الثقة و تلعب الأحداث الجسيمة والمحورية كالارهاب والطائفية والأزمات دورا محوريا في زعزعت الثقة والازمات، في الوطن، حيث ضربت بشدة وبقوة في صميم الإرادة الوطنية، وتنمو وتورق وتؤرق وتقلق وتبتز وتهدد الجميع بخبث وتعمل على تآكل الثقة وتدمير النسيج الاجتماعي والسياسي، وتفقد المواطنين إيمانهم بوجودهم الفعال وترمي بالجميع، دون استثناء، في عمق الأسى، وتفقد هم مكانتهم وتوجهاتهم، وتفقدهم أيضاً ثقتهم بالحكومات وصانعي القرار وبالجموع، وتتعاظم أزمة الثقة حتى تطل من كل واجهة معلنة الغياب على جميع الأصعدة، ومشعلة نيران شك عميق بالهدف والحياة وكيف تكون ازمة الثقة بسيطة ويمكن عبورها اذا كان أكبرها في الحكومة والسلطة التشريعية والقضائية ، وحتى في الهيئات والمؤسسات المفروض أن تمثل المواطنين كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ،استعادة الثقة بين المواطنين والحكومة ليست ضرورية فقط انما مهمة ، بعد تجربة شاقة نتيجة لتراكم الاخطاء والاجراءات التي أدت الى تراجعها عبر فترة طويلة من السياسات الغير ممنهجة و حتمية لتمكين الثانية من تنفيذ برامجها وتتطلب الارادة وخططها المختلفة ، تعتمد طرق مبدئية تشمل تعزيز قدرة الحكومة وأجهزتها المختلفة على الاستجابة لحاجات الناس وتجويد تقديم الخدمات للمواطنين بأفضل السبل ، ولكافة الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية وخاصة الفئات أو المناطق التي تأثرت سلباً أكثر من غيرها في الفترة الزمنية الماضية نتيجة للمنهجيات التي لم تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.

الثقة هي أحد المفاهيم المهمة في ظل ما تشهده الدولة من أزمات واتساع فجوة الثقة السياسية بينها وبين المواطنين، فضلاً عن إتساع دوائر عدم الثقة بين أفراد المجتمع وتعزيزها تفرزها مجموعة من السلوكيات، والممارسات المتبادلة بين مختلف الأطراف، ولا تحتمل أية مساومات من شأنها أن تناقض ما في كل هذه الممارسات والسلوكيات، وبالتالي فأي إخلال في هذا التعاقد بين مختلف الأطراف، من شأنه أن يحدث ثلمة في منظومة النظام وبالتالي يؤدي بلا أدنى شك، إلى زعزعة هذه الثقة، وبالتالي من يمنح الثقة هو من ينتصر إلى المبادئ والقيم، وليس غيره

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

النفاق: إطهار المرء خِلاف ما يُبطن

والنفاق آلية دفاعية بمارسها البشر من أجل البقاء، وتفرضها الظروف التي لا قدرة له على تغييرها، أو تطويعها لإرادته.

وكلما كانت البيئة قاسية وشديدة الطغيان، كلما تنامى سلوك النفاق وتطور.

ولا يوجد مجتمع في الدنيا تولته يد من حديد لم تستولده نفاقا مستشريا، فما حيلة الضعيف لكي يبقى في الحياة، غير أن يبدو على عكس ما يُبطن.

وتدفع للنفاق المصلحة والخوف وضعف الشخصية والإنتهازية ويتسبب بتدمير الثقة ونشر الفساد وضعف العدالة، وتفكيك العلاقات وإفساد الوعي العام.

ومن وجهة نظر سلوكية، لا يمكن وصم أي مجتمع بالنفاق، لأنه ظاهرة بشرية عامة، تفرضها الظروف الموضوعية والذاتية، وما أكثر المنافقين في أي مجتمع مهما كان متطورا.

فعندما تعبر القوة عن نفسها فستفرز حالات سلوكية متنوعة، مرهونة بخيط البقاء الذي يوفر لها أسباب العيش في النار دون أن تحترق.

ومن الآيات:

"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"

" يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"

ومن الأحاديث النبوية:

"آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"

ومن الأقوال في النفاق:

"النفاق أن ترتدي ثوب الفضيلة وقلبك لا يعرف منها شيئا"

"المنافق لا يملك وجها واحدا بل وجها لكل مصلحة"

"النفاق تجارة مربحة في المجتمعات التي تشتري الكلام ولا تفحص الأفعال".

ومن الأمثال الشائعة:

"بالوجه مراية وبالكفه سلاية"

والمنافق يقول ما لا يفعل ويظهر الود ويخفي الغدر، بحضورك يمدح وبغيابك يقدح، يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي.

وكلها طباع بشرية عامة لا تخص مجتمعا بعينه، بل تمليها الظروف السائدة في أي مجتمع.

إذا قسَتِ الظروفُ نمى النفاقُ

ليردَعَها فيستُرُها الوفاقُ

تعددتِ الوجوهُ في أرضِ جَورٍ

وأوْجَبَها لها فِعلٌ يُطاقُ

ومَن شَرِبَ الوَجيعَ بها لهيباً

أتاهُ الخوفُ والقولُ الصَداقُ

***

د. صادق السامرائي

إن بناء المجتمعات المتقدمة لا يبدأ من المؤسسات وحدها، ولا يتحقق بالتطور المادي والتكنولوجي فحسب، بل يبدأ من الإنسان، من فكره ووعيه وقيمه، ومن الأسرة التي تشكّل اللبنة الأولى في بناء المجتمع. وفي قلب هذه الأسرة تقف المرأة الواعية بدورها العظيم، بما تمتلكه من فكر وثقافة وحكمة، وبما تؤديه من مسؤولية في تربية الأجيال وصناعة العقول وغرس المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والمتقدمة.

فالمرأة ليست مجرد أم ترعى أبناءها، أو زوجة تدير شؤون أسرتها، بل هي شريكة في بناء الإنسان وتشكيل وعيه، وصاحبة أثر عميق في تكوين شخصيته وتوجيه سلوكه. فمن وعيها تنطلق كثير من المفاهيم التي يتعلمها الأبناء في سنواتهم الأولى، ومن أسلوبها في التربية والحوار تنشأ لديهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الحياة بعقل متفتح ونظرة متزنة.

فالأسرة الواعية هي البداية الحقيقية للمجتمع المتقدم، والمرأة الواعية إحدى أهم ركائز بنائها.

إن وعي المرأة لا يقتصر على ما تحمله من شهادات علمية أو ما تمتلكه من معلومات، بل يتجلى في طريقة تفكيرها، وفي قدرتها على فهم الحياة ومتغيراتها، وفي أسلوب تعاملها مع أفراد أسرتها والمحيطين بها. فالوعي ثقافة وسلوك، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على احتواء الخلافات ومعالجة المشكلات بعيدًا عن التعصب والانفعال، وهو إدراك عميق بأن التربية ليست أوامر تُفرض على الأبناء، بل قيم تُغرس في نفوسهم، وقدوة يرونها في تصرفات الكبار قبل أن يسمعوها في كلماتهم.

والمرأة التي تدرك أهمية دورها التربوي تحرص على أن تنشئ أبناءها على الحوار لا الخوف، وعلى الثقة بالنفس لا الاتكالية، وعلى احترام القانون وحقوق الآخرين لا تجاوزها. وتعلمهم أن النجاح لا يتحقق بالأماني وحدها، بل بالعلم والعمل والاجتهاد، وأن الاختلاف بين الناس لا يبرر الكراهية، وأن الأخلاق هي الأساس الذي يمنح المعرفة قيمتها الإنسانية.

ومن هنا، فإن أثر المرأة الواعية يتجاوز حدود منزلها؛ فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة أسرية قائمة على الوعي والاحترام والمسؤولية، يحملون هذه القيم معهم إلى المدرسة ومكان العمل والشارع وسائر مؤسسات المجتمع. وهكذا تنتقل التربية السليمة من الأسرة إلى المجتمع، وتتحول القيم التي غُرست في الطفولة إلى سلوك اجتماعي يسهم في تعزيز الاستقرار، والحد من المشكلات، ونشر ثقافة التعاون والتسامح واحترام الآخر.

إن تقدم المجتمع يبدأ حين يتحول الوعي داخل الأسرة إلى ثقافة عامة في حياة الناس.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تؤديه المرأة في توجيه الأسرة نحو مواكبة التطورات العلمية والثقافية والاجتماعية. فالعالم يتغير باستمرار، وتظهر في كل مرحلة تحديات جديدة تحتاج إلى عقل واعٍ قادر على الفهم والتكيف والاختيار السليم. والمرأة المثقفة تدرك أن التربية لا تتوقف عند حدود ما ورثناه من عادات وتقاليد، بل تحتاج إلى مراجعة واعية تميز بين القيم الأصيلة التي ينبغي الحفاظ عليها، والممارسات التي تحتاج إلى تصحيح وتطوير.

إنها تحافظ على هوية أسرتها، وفي الوقت نفسه تفتح أمام أبنائها أبواب المعرفة، وتشجعهم على القراءة والتعلم والتفكير المستقل، وتمنحهم المساحة للتعبير عن آرائهم ومناقشة أفكارهم. وبهذا تسهم في إعداد جيل لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يمتلك القدرة على فهمها وتوظيفها في حياته، جيل يعتز بجذوره، وينفتح على العالم، ويشارك في صناعة المستقبل بدلًا من الوقوف على هامشه.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن المرأة الواعية تستطيع أن تكون عنصرًا فاعلًا في نشر الثقافة الإيجابية، وتعزيز الروابط الإنسانية، والمساهمة في معالجة القضايا التي تواجه مجتمعها. فهي، من خلال عملها وعلاقاتها ومشاركتها في المبادرات التعليمية والثقافية والاجتماعية، تستطيع أن تنقل أثر وعيها إلى محيط أوسع، وأن تسهم في ترسيخ قيم المسؤولية والتعاون والمواطنة الصالحة.

وكلما أُتيحت للمرأة فرص اكتساب المعرفة وتطوير قدراتها، واتسعت مساحة مشاركتها في اتخاذ القرارات داخل الأسرة والمجتمع، أصبحت أكثر قدرة على توظيف إمكاناتها في خدمة التنمية والتقدم. فالمجتمع الذي يحترم وعي المرأة ويستفيد من خبرتها لا يمنحها حقها فحسب، بل يستثمر في طاقات إنسانية قادرة على الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

ومن المهم أن ندرك أن مسؤولية بناء الأسرة المتماسكة لا تقع على المرأة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بينها وبين الرجل، تتكامل فيها الأدوار وتتوزع فيها المسؤوليات على أساس التعاون والاحترام المتبادل. فالمرأة الواعية تحتاج إلى شريك يدرك أهمية الحوار والتفاهم، وأسرة تؤمن بأن التربية مسؤولية مشتركة، ومجتمع يقدّر العلم والثقافة ويهيئ للأجيال بيئة تساعدها على النمو السليم.

إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس بما تمتلكه من أبنية شاهقة أو إمكانات مادية فحسب، بل بما يتحلى به أفرادها من وعي وأخلاق، وبما يسود بينهم من احترام للقانون، وتقدير للعلم، وحفاظ على الحقوق، وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. وهذه القيم لا تولد فجأة، بل تتشكل عبر سنوات من التربية والتوجيه والممارسة، وتبدأ جذورها الأولى في الأسرة التي تُعد المدرسة الأولى للإنسان.

ومن هنا تتضح مكانة المرأة الواعية في معادلة التقدم الاجتماعي؛ فهي تسهم في بناء شخصية الفرد، وتساعد على ترسيخ ثقافة الأسرة، وتشارك في تشكيل ملامح المجتمع من خلال ما تغرسه من قيم وما تقدمه من فكر وعمل. وليس المقصود أن تتحمل وحدها مسؤولية صلاح المجتمع أو تقدمه، بل أن يُعترف بدورها الحقيقي بوصفها شريكًا أساسيًا في هذه المسيرة الإنسانية.

ختامًا، إن المرأة الواعية لا تبني أسرتها بالحضور والرعاية وحدهما، بل تبنيها بالفكر والحكمة والقدوة الحسنة، ولا يقتصر أثرها على تربية أبنائها، بل يمتد إلى الإسهام في تكوين مجتمع أكثر نضجًا واستقرارًا وتقدمًا. فحين تنمو المعرفة في عقل المرأة، وتترسخ القيم في سلوك الأسرة، وينتقل الوعي من جيل إلى آخر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحدياته وتحقيق نهضته.

فالمرأة الواعية ليست مجرد جزء من بناء المجتمع، بل هي شريك في تشكيل وعيه، وعنصر فاعل في تقدمه، وصوت من أصوات الحكمة التي تحتاج إليها الأجيال. وإن بناء مجتمع متقدم يبدأ من أسرة واعية، والأسرة الواعية تنمو بالعلم والثقافة والحوار، وبامرأة تدرك أن رسالتها لا تنتهي عند حدود بيتها، بل تمتد بقدر أثرها في الإنسان الذي تصنع معه مستقبل الوطن.

***

   ذكرى البياتي

 

في المثقف اليوم