أقلام حرة
عبد الأمير الركابي: كساح عقلي بشري وعالم بلا رؤية ولا افق (4)
ما اثقل وطاة مسببات الايهامية عند لحظتها ومحطتها النهائية قبل انبثاق الرؤية الكبرى المنتظرة الفاصلة، تلك التي بموجبها تلوح معالم التفارق العقلي الجسدي، وصولا الى الاحترابيه المتعسكرة مابين عالمين منفصلين كليا ومتناقضين، يدخلان اليوم زمن الامحاء المتقابل، تحت طائلة اما الفنائية الوجودية او ممكنات الاستمرارالموضوعيه الموافقه للديناميات الكونيه المضمره.
واهم مايميز الفترة المشار اليها، انتقال تعبيريتها الرئيسية الى "العقل" من دون رؤية مواكبه ولا تصور، وهو مايميز مامعاش راهنا، فماكان يتميز ابان الطور الالي الاول المصنعي بالاصطراع الطبقي، او الصراع من اجل الديمقراطية والدولة المدنيه ومايقتضيانه ويستثيرانه من رؤى ضرورية، اصبح في الوقت الحالي انتقالية عقلية نحو مايعرف ب "الذكاء الاصطناعي" الذي هو بحاجة لا الى التنظير، بل الى الاسقاط من الوعي والنظر،لكل الاحتمالات الخطرة المتصلة به على صعيد احتمالية ازاحه الحضور البشري في العملية الانتاجية والابداعيه من ناحية، وهو المتوقع بظل مامعروف من انتاجوية جشعه حاجاتيه، عدا عن ايقاف مفعول الحضور البشري الفعال في الحياة بصورة عامه، واستبداله بالمبتكر التكنولوجي المحدود، مامن شانه تغييب الكائن البشري عما يتعلق بشؤونه الحيوية واجمالي وجوده.
بالمقابل لم تظهر الى الساعه رؤى مقابله، في حين ظل القصور التاريخي العقلي حاضرا باخطر اشكاله، ومع غياب اية مظاهر دالة على الازدواج المجتمعي والبشري في الماضي، فلقد استفرد المنظور الارضوي الاحادي، بالموقف بغض النظر عما تظهر من اراء وكتابات مخالفة ومنتقده، هي من حيث المنطلقات والحجج، ارضوية غير قادرة على فتح الباب نحو افق اخر مقابل، منطو على احتمالية اخرى مقابله، هي اليوم الحقيقة الفعليه المحركة لاجمالي ماقد بلغته اللحظة التاريخيه، مع الانتقال الى الاصطراعيه التكنولوجية الارضوية اللاارضوية.
وليس من المنطقي ان نتخيل خاصيه للحظة التاريخيه الراهنه، مشابهه او من نوع ومستوى اية لحظة انقلاب او تحول تاريخي مراحلي سابق ، بما في ذلك المراحل الكبرى الدهرية من نوع الانتقالات من الصيد واللقاط الى المجتمعية وانتاج الغذاء، فما نقصده ينظر اليه اليوم على اساس انقضاء مسار ملاييني، لابل ملياري على مستوى السنين والتحولات، ابتداء من الخلية الاولى الى الوقت الراهن، هو الوجود المادي التاريخي وارتقائيته الذاهبه الى اللحظة الحالية حيث ينقلب الكائن الحي البشري في اخرياته الى العقل، متحررا من الجسدية، ومغادرا عالم الارض الموضع المناسب للطور المادي الجسدي، والضروري لتوفير اسباب التحولية العظمى الذاهبه الى الاكوان اللامرئية.
خلف التكنولوجيا الانتاجية الجسدية وفعلها الحالي، ومامتولد عنها، تقف اليوم التكنولوجية العليا العقلية منتظرة لحظة الوعي الضروري، وانبثاق التصورية اللاارضوية المضمرة المغيبه تاريخيا بسبب القصور العقلي الملازم لظهور العقل بصيغته الاولى الارضوية المحكومة باشتراطات اليدوية، ومع انتقال فعل التكنولوجيا من المجال الارضي الى الجسد وداخله، تظهر امامنا مسالة غاية في المنطقية الاعتيادية غير المنتبه لها: فلا احد يسال مثلا:لماذا يظل 85 بالمائة من العقل البشري خارج الاستخدام والفعل، وماالدلالة والمغزى الاصل من وجود ظاهرة كهذه، الااذا كانت ال15 بالمائة متناسبه فقط مع اشتراطات اليدوية، ثم لماذا سارت العملية الاليه، من المصنعية الى التكنولوجيا الحاليه الانتاجية، بينما المؤشرات تدل بسطوع على قرب انتقالها (2) الى الطور الاعلى الدال على امكانيه تحفيز ودفع ال85 الى الحضور، لابل والتحول الى محور اهتمام، ما يحول هذا الانتقال الى غرض وهدف اساس للوجود، بناء على كل الدالات التي تاخذ بالعقل الحالي لان يبلور موقفا اخر ضمن سيرورة تحوله من الخلية الاولى حتى اليوم، خارج منظورات القصور العقلي الارضي.
لم تعد الصراعات ولا الثورات ارضوية، كما كانت ايام الغلبه الارضوية الكاسحه وهو مايشبه تقريبا حال الجسدية ايام الحيوانيه وغلبتها شبه المطلقه، الى ان ظهر العقل بصيغته الاولى، وتبدلت التفاعلية النشوئية الارتقائية موضوعا، واليوم ومع الطور العقلي الثاني وتوفر وسيله الانتاجية المطابقه لطبيعته تكنولوجيا، ماعاد جائزا للاصطراع التفاعلي ان يظل احاديا ارضويا، بل حالة "ازدواج"، يتنامي الطرف الغائب منه مع الادراكية اللاارضوية، ذهابا متصلا، الى ان تتكامل صيغته الضرورية، وهو مايفترض بداهة استغراقه من الوقت والجهد والعمل مالا سابق له، لقد بدا الاعلان عن "اللاارضوية" (3)، اي اعلان بد التاسيس للانقلابيه التحولية العظمى، ليغدو الجهد المركز على تبيان موضوعات واسباب وسبل الثورة الكيانيه البشرية بلا توقف، وهو ماسيطول حكما انتظاره.
نريد ال 85 بالمائة ذكاء بشري انساني،لاالذكاء الاصطناعي، هذا محور جهدنا ومدار فعلنا القادم، لا سلاح ولا معارك بالايدي او بالاسلحه، فمسار الحياة وماقد بلغه من تازم لن يلبث ان يتحول الى مالايمكن تجاهله او تحمله، والوسيله المادية، و الجهد العقلي المستمر والتواصل، استشرافا وتدليلا، سوف يسقط في نهاية المطاف متبقيات من نوع " الكيانات "، واشكال وصيغ التنظيم الارضوية وطنيه وقوميه ومايواكبها من اشكال تنظيم مضاد للعقل، لن تلبث ان تسقط لصالح اللاارضوية الكونيه، والانتماء البشري المتحرر من كل اشكال التمايز، والوسائل من قبيل كيفيات تطوير الحضور والفعل، هي الاخرى سوف تتعزز، هيئات وتجمعات عمل اختراقي علمي تكنولوجي ومفهومي انقلابي تحولي، بلا كيانويات ولا اوطان، فالوطن الوحيد القابل للحياة من هنا فصاعدا هو العقل الذاهب الى التحرر من وطاة الجسدية والارضوية الى الاكوان العليا، اتفاقا مع موجبات ومنطويات الوجود الكوني التحولي ولابد هنا من ان نتخيل قدر مانستطيع حضور 50 بالمائة من ال85 المعطله فقط وكيف سيكون حال الكائن البشري واجمالي الوجود مقارنة بالراهن الذي هو مادون 20 بالمائة ونحاول تصور مفعول قوة من هذا القبيل بما خص تسميه الكائن الحالي مقارنة بالكائن العقلي المنتظر .
اعلم بانني اعلن بهذه المناسبه عن الثورة اللاارضوية، مع انني قد فعلت ذلك من قبل تواليا من دون توقف بلا افصاح جاء من هنا فصاعدا اوانه، وحلت ساعته.
***
عبد الأمير الركابي
.....................
(1)" عرفت الولايات المتحدة في العقود الاخيره تسارعا في تطور بدا في القرن التاسع عشر، فتوالدت جماعات دينيه كثيرة وعلى امتداد الثمانينات من القرن العشرين سعى معهد دراسات الدين الامريكي لاحصائها، وفي تقرير له نشر في عام 1988 في موسوعة الاديان الامريكيه اشار الى وجود 1586 جماعه دينيه في الولايات المتحده، منها 700 سماها "غير تقليديه" / مدينه على جبل: عن الدين والسياسه في اميركا/ طارق متري/ دار النهار ـ بيروت
(1) https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=608992
يراجع الهامش.
(2) كتاب العراق/ الكتاب اللاارضوي المنتظر منذ سبعة الاف عام/ عبدالامير الركابي/ دار الانتشار العربي ـ بيروت/ ط1 ـ .2024






