قضايا
سناء البياتي: نظرية الصفر اللغوي.. من التراث العربي إلى آفاق العالمية
كثر الجدل في الآونة الأخيرة فيما يُعرف ب(نظرية الصفر اللغوي) - التي نشرتُها في كتابي (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية) - بين من رآها فتحًا علميًا في الدرس اللغوي، ومن رفضها دون الوقوف على مرتكزاتها العلمية، وكما هو حال الأفكار الجديدة دائما، لا يُحسم الجدل حولها إلا بالفهم العميق لطبيعتها ومقاصدها العلمية التي قد تُصلِح ما يحتاج إلى إصلاح، وتغيّر ما يحتاج الى تغيير، وتنتقل بالعلم نقلة أخرى فتقدم منافعَ في مجالات علمية متعددة، وهو ما تحاول هذه المقالة تقديمه في قراءة موجزة لجذور النظرية وآفاقها العالمية
وإني إذ أذكر باختصار بعض مفاهيم النظرية، تجدر الإشارة إلى إن نظرية الصفر اللغوي منبثقة من التراث العربي، وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني (471هج) في كتابه دلائل الإعجاز، فقد كرر في كتابه ارتباط اللغة بالعقل، وأكد أنّ النظم يقتضي توخي معاني النحو بين الكلم، وعندما تتوصل نظرية الصفر اللغوي الى قواعد النحو الكلي (Universal Gramma) فهذا يعني أنها تقفز بالتراث اللغوي العربي وتأخذ به إلى العالمية لتقف شامخة أمام أشهر النظريات الغربية المعروفة (النظرية التوليدية التحويلية) للعالم الأمريكي نعوم تشومسكي .
ماهية نظرية الصفر اللغوي وسبب تسميتها
نظرية الصفر اللغوي تقدم كشفًا علميًا مهمًا يتعلق بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، فهي تؤكد أن دماغ الإنسان يمتلك جهازًا مختصًا بإنتاج اللغة التي هي عبارة عن جُمل مترابطة، وهذا الجهاز يعمل وفق نظام دقيق، وتحدد النظرية مراحل إنتاج الجُملة بثلاث مراحل أساسية، تتناسب مع إدراك الإنسان للأشياء (من الكل إلى الجزء)، وفقًا لمبادئ نظرية الجشتالت في علم النفس الإدراكي، وليس من الجزء إلى الكل كما كان يُعتقد سابقًا.
هذا النهج هو ما يميّز نظرية الصفر اللغوي، حيث يكون التركيز على دراسة الجُملة في سياقها أولاً، ومن ثم تحليل كلماتها وقواعدها بما يناسب سياقها لا على أنها وحدات مستقلة بذاتها، وبذلك تُصحِح نظرية الصفر اللغوي بعضَ مخرجات النحو التقليدي ولا تلغيه.
أما سبب تسميتها بنظرية الصفر اللغوي فهو لأن مرحلة الصفر دائمًا هي مرحلة البدء، وبما أن إنتاج اللغة يبدأ من الدماغ، والنظرية تصف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة فطابقت تسميتُها مرحلتَها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الصفر عادة يكون بين مرحلتين، فالصفر العددي يتوسط بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة ومن الصفر يبدأ العد الى ما لا نهاية سلبًا أو ايجابًا، كذلك مرحلة إنتاج اللغة في الدماغ تتوسط بين: الأفكار المراد التعبير عنها، والجُمل المعبرة عن تلك الأفكار إلى ما لا نهاية، فحق لها أن تكون مرحلة الصفر في إنتاج اللغة.
نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة
تمر الفكرة في جهاز إنتاج اللغة بثلاث مراحل
1. تحديد نوع الفكرة:
في المرحلة الأولى، يحدد الدماغ نوع الفكرة، فيما إذا كانت مثبّتة أم منفية أم استفهامية أم غير ذلك . ويقوم الدماغ باختيار الأداة المناسبة لكل فكرة ، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فيجعلها خالية من الأداة، وخلوها من الأداة تمييز لها عن غيرها.
2. ربط مدلولات أجزاء الفكرة:
في المرحلة الثانية، يربط الدماغ بين مدلولات أجزاء الفكرة أي -الصور الذهنية والمفاهيم- والربط بمعاني النحو الرئيسة التي لا تزيد بمجموعها على أربعة روابط رئيسة مشتركة بين جميع اللغات، وهي: الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح. ومن هذه الروابط تتفرع كافة المعاني النحوية الأخرى.
3. اختيار الكلمات المناسبة:
في المرحلة الثالثة، يختار الدماغ الدوال أي الكلمات المناسبة لكل مدلول من المعجم الذهني حيث يخزن الإنسان كلمات منذ طفولته ويزداد الخزين بحسب ما يكتسب الإنسان من مفردات طوال حياته.
ومن الجدير بالذكر أن كل ما يتعلق بالأبنية الصرفية للكلمات يكون في هذه المرحلة حيث يختار الدماغ الكلمة وهي تحمل تصريفها المحدد.
بهذا النظام يتمكن جهاز إنتاج اللغة من إنتاج جمل مترابطة لا نهاية لها من خلال مجموعة محدودة من القواعد، حيث يتكرر عمل هذا الجهاز بهذا النظام وهذه الآليّة كلما أراد الإنسان الإنتاج.
الطفل وجهاز إنتاج اللغة
أما الطفل فإنه يبدأ في مراحله الأولى باكتساب بعض الكلمات فيخزنها في دماغه، في معجمه الذهني، لذلك هو ينطق كلمات منفردة وقد يخطئ في نطقها، إذا إنها لم تستقر بعد بصورتها النهائية في معجمه الذهني، كما أن مدرجه الصوتي مازال غير متدرب على نطق الأصوات من مخارجها الصحيحة، وبمرور الوقت يبدأ بتدريب جهازه وتأهيله للعمل والإنتاج بالطريقة التي يسمع فيها اللغة من بيئته، فيتدرب جهازه على الربط أي ربط الكلمات وعلى اختيار الكلمات المطلوبة، وكلما ازداد مخزونه من الكلمات ازدادت قدرته على إنتاج جمل متنوعة. وبالتأكيد يحتاج هذا الأمر إلى بضع سنوات.
الصفر اللغوي وتشومسكي: تكامل وتفوّق
لقد حاول العالم الأمريكي نعوم تشومسكي في نظريته التوليدية التحويلية الوصول إلى نظام تركيب اللغة في الدماغ حين تحدث عن البنية العميقة والبنية السطحية منذ عام 1957 ، ورغم المراحل التي مرت بها نظريته، ورغم حديثه الموسع عن وجود النحو الكلّي، ورغم برنامجه الأدنوي الأخير، لم تتمكن نظريته من تحديد قواعد ثابتة للنحو الكلي يمكن تطبيقها على جميع اللغات فكان يحوم حول النظام محاولًا إيجاد القواعد المشتركة دونما وصول إلى نتيجة تحدد القواعد بمسمياتها النحوية، أما نظرية الصفر اللغوي فقد نجحت في التوصل إلى قواعد محددة للنحو الكلّي، وحددت مسمياتها بمصطلحات نحوية، وتمكنت من تطبيقها على لغات متعددة، مع مراعاة خصوصية كل لغة من حيث الاشتراك مع غيرها في القواعد العامة والاختلاف في إدارة هذه القواعد.
المشترَك والمختلِف في اللغات
إن القواعد العامة المتمثلة في نظام آليّة إنتاج اللغة المذكور سابقا إنما هي قواعد مشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، أما الاختلاف فيتعلق بالقواعد الخاصة بكل لغة، فمثلاً، في العربية تتأخر الصفة عن الموصوف، بينما في الإنجليزية تسبق الصفة الموصوف، وفي العربية تتوفر إمكانية تغيير مواقع بعض الكلمات بسبب توفر العلامة الإعرابية التي تشير إلى وظيفة الكلمة في الجملة في حين لا تتوفر مثل هذه الخصيصة في بعض اللغات فتستقر كل كلمة في موقع ثابت حرصًا على وصول الفكرة مفهومة، فالاختلاف إذن هو اختلاف في إدارة القواعد العامة من أجل وصول الفكرة واضحة ومفهومة للمتلقي.
تطبيقات نظرية الصفر اللغوي
تمكنت هذه النظرية من تطبيق نظامها على عدة لغات، كما اتضح ذلك في الكتاب، وأثبتت فعاليتها في الترجمة بين اللغات، مؤكدة أن القواعد المحددة التي ذكرتها هي قواعد النحو الكلي (Universal Grammar) وذلك ما يجعلها أداة عملية للتعامل في الترجمة بين اللغات الطبيعية.
نتائج وفوائد نظرية الصفر اللغوي
لا حياة ولا بقاء لنظرية ليس لها فوائد عملية عند التطبيق، ونظرية الصفر اللغوي تثبت أهميتها العملية والتطبيقية من خلال النتائج التالية:
1- الإسهام في كشف الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: تقدم النظرية إطارًا لفهم التركيب النحوي بشكل دقيق من خلال سياقات القرآن، ما يبرز الإعجاز النحوي العميق في النص القرآني.
2- تجديد النحو العربي: اللغة ليست مجرد كلمات بل هي مرآة العقل والتفكير، وفهم نظامها وآليّة إنتاجها هو الخطوة الأولى نحو تعليم أكثر فعالية وإبداعا، فالمنهج الذي انتهجته نظرية الصفر اللغوي (من الكل إلى الجزء) أي من السياق إلى الجملة ومن الجملة إلى كلماتها يؤدي إلى تطوير قواعد النحو لتتلاءم مع طريقة إنتاج الجملة في دماغ الإنسان، مع مراعاة خصوصية اللغة العربية من حيث الإعراب. وبذلك فهي تسير في طريق الإصلاح، وقد جاهد كثير من العلماء من أجل اصلاح الدرس النحوي وعلى رأس القائمة أستاذي الدكتور مهدي المخزومي.
3- تطبيقات الذكاء الاصطناعي: قلة القواعد الرئيسة المشتركة بين اللغات (اربعة فقط) تسمح باستخدامها في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد اللغة وفي الترجمة، حيث يطمح الذكاء الاصطناعي إلى محاكاة نظام انتاج اللغة في الدماغ البشري، وهذا الكشف يفتح آفاقًا لتطوير برمجيات لغوية أكثر دقة وفعالية.
4- تسهيل تعلم اللغات الأجنبية: بالنظر إلى أن النظرية تنطلق من القواعد المشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، فإنها تسهل تعلم أي لغة للناطقين بغيرها.
5- تقدم النظرية مدخلا لمعرفة أنواع أمراض الكلام التي تحصل بسبب تعطّل مرحلة أو أكثر من مراحل جهاز أنتاج اللغة في دماغ المصاب.
بهذا، تُقدّم نظرية الصفر اللغوي كشفًا علميًا أصوله من التراث العربي وبإمكانه أن يقف شامخا أمام النظريات الغربية ويتحدى كل الباحثين لوضع نظام بديل لإنتاج اللغة في دماغ الإنسان، مع إمكانية تطبيقه على اللغات المختلفة بنجاح. والباحثون شرقا وغربا مدعوون لتقديم نموذج بديل من يستطيع منهم ذلك.
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} صدق الله العظيم
***
د. سناء حميد البياتي






