أقلام فكرية
عبد الجبار الرفاعي: لا محرم في التفكير الفلسفي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط "نقد العقل المحض" نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.
هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.
الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.
كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.
الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام. تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعودُ سوءُ الفهم بين الفلاسفة، واختلافُ طرائقِ فهمهم إلى تأثيرِ العاطفةِ والروحِ والذاتِ في تفسيراتِ العقلِ وأحكامِه على نحوٍ خفي، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.
الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها.
***
د. عبد الجبار الرفاعي







