أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الشك الرقمي.. الفلسفة أمام المعلومات المغلوطة والتزييف العميق
لم يكن الشك يوما غريبا عن الفلسفة، بل لعلّه هو التربة الأولى التي نبت فيها التفكير الفلسفي ذاته. فمنذ أن وقف سقراط في ساحة أثينا معلنا أن الحكمة تبدأ بالاعتراف بالجهل، ومنذ أن جعل ديكارت الشك منهجا لا غاية، ظلّ الشك فعلا معرفيا إيجابيا، يحرّر العقل من الوثوقيات الساذجة، ويفتح أفق السؤال والتمحيص. غير أنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرّد عودة للشك، بل تحوّل نوعي في طبيعته ووظيفته وسياقه؛ إنّه شك رقمي لا ينبع من قلق العقل الباحث عن الحقيقة، بل من فيضان المعلومات وتسارع الصور وتداخل الحقيقي بالمصطنع، حتى صار الشك حالة عامة وأحيانا مرضا معرفيا، وأحيانا أخرى أداة للهيمنة والتضليل.
لقد دخل الإنسان المعاصر زمنا يمكن وصفه دون مبالغة بزمن الالتباس المعمّم. لم تعد الحقيقة تُنال بالبحث والتدليل بقدر ما تُغرق وسط كمّ هائل من السرديات المتنافسة والتمثيلات المتناقضة والوقائع المفبركة التي تحاكي الواقع إلى حدّ يستحيل معه التمييز. هنا بالضبط يبرز مفهوم “التزييف العميق” بوصفه ذروة هذا الالتباس، إذ لم يعد الزيف مجرد خبر كاذب يمكن تفنيده بل صار صورة وصوتا وحركةً تُنتج واقعا بديلا، واقعا “مقنعا” بلغة جان بودريار، حيث لا نعيش مع الحقيقة ولا مع الوهم، بل مع محاكاة تحلّ محلّ الأصل نفسه.
يغدو السؤال الفلسفي ملحا، ما الذي تبقّى من مفهوم الحقيقة؟ وهل ما نعيشه هو امتداد طبيعي لأزمة المعرفة التي تحدّث عنها فلاسفة الحداثة، أم أننا أمام قطيعة إبستمولوجية جديدة؟ لقد حذّر نيتشه منذ أواخر القرن التاسع عشر من أن “الحقائق ليست سوى أوهام نسينا أنها كذلك”، لكن نيتشه نفسه لم يتخيّل عالما تُنتَج فيه الأوهام صناعيا، وتُدار خوارزميا وتُسوَّق جماهيريا. إنّ الفرق بين وهمٍ يولده التأويل الإنساني، ووهمٍ تُنتجه الآلة وتضخّمه الشبكات، فرقٌ في الدرجة والماهية معا.
لم يعد الشك اليوم فعلا نقديا نابعا من الذات العارفة، بل أصبح نتيجة ضغط خارجي مستمر. فالعقل لم يعد يشك لأنه يريد أن يفهم، بل لأنه لم يعد قادرا على التصديق. هنا نستحضر تشخيص حنة آرندت حين ربطت بين انهيار المعايير المشتركة للحقيقة وصعود أنماط جديدة من السيطرة، معتبرة أن أخطر ما في الكذب المنظّم ليس أنه يُقنع الناس بأكاذيب بعينها، بل أنه يدمّر قدرتهم على التمييز بين الصدق والكذب أصلا. وهذا بالضبط ما يفعله الفضاء الرقمي اليوم، حين يُنتج شكا شاملاً لا يُفضي إلى معرفة أعمق، بل إلى لا مبالاة معرفية، حيث “كل شيء ممكن، ولا شيء مؤكّد”.
لقد كانت الفلسفة الكلاسيكية تفترض وجود مسافة بين الذات والموضوع وبين العقل والعالم وتسمح بالتأمل والتمحيص. أمّا اليوم فإن هذه المسافة قد تآكلت بفعل التدفق اللحظي للمعلومات. فالعالم لم يعد يُعطى لنا كموضوع للتفكير، بل كتيار من الإشارات والصور والمقاطع، يُستهلك أكثر مما يُفهم. وهنا يمكن استدعاء نقد مارتن هايدغر للتقنية، حين رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلات ذاتها، بل في نمط الكشف الذي تفرضه، حيث يُختزل الوجود إلى “مورد” قابل للاستخدام، ويُختزل الفكر إلى استجابة سريعة. في هذا الإطار يصبح الخبر موردا والصورة أداة والحقيقة مجرّد خيار ضمن قائمة.
إنّ الشك الرقمي لا ينشأ فقط من كذب متعمّد، بل من فائض الصدق ذاته. فحين تُقدَّم لنا آلاف “الحقائق” المتضاربة في الوقت نفسه، يفقد العقل قدرته على الترجيح. هنا تتحقق مفارقة عميقة، الوفرة تؤدي إلى الفقر، أي وفرة المعلومات تؤدي إلى فقر المعنى. وقد عبّر بول ريكور عن هذا المعنى حين ميّز بين الشك الهدّام والشك التأويلي، معتبرا أن الأول يُفرغ العالم من الدلالة، بينما الثاني يعيد بناء المعنى عبر الفهم. غير أنّ الشك الرقمي يميل في الغالب إلى النمط الأول، لأنه لا يمنحنا زمن الفهم، ولا شروط التأويل.
ولا يمكن للفلسفة أن تقف موقف المتفرج. فكما واجهت الفلسفة في لحظات تاريخية سابقة تحديات الأسطورة واللاهوت المغلق والعلموية المتطرفة، فإنها اليوم مطالبة بمواجهة تحدي الخوارزمية. ليست الخوارزمية مجرد أداة تقنية، بل هي منطق جديد لتنظيم المعرفة والانتباه والرغبة. إنها بتعبير ميشيل فوكو شكل جديد من أشكال “نظام الخطاب”، يحدّد ما يظهر وما يُخفى، ما يُضخّم وما يُهمّش. والشك الرقمي في سياقنا هذا ليس حالة نفسية فردية، بل أثر بنيوي لهذا النظام.
لقد آمنت الفلسفة الحديثة بإمكانية تأسيس معرفة يقينية أو على الأقل عقلانية، تقوم على مبادئ واضحة. لكن الفضاء الرقمي يقوّض هذه الإمكانية من الداخل لا عبر إنكار العقل بل عبر إغراقه. فالعقل الذي كان يُفترض فيه أن يكون سيّد الأدوات، أصبح خاضعا لمنطق المنصّات، حيث تُكافأ الإثارة لا الدقة والسرعة لا العمق. وهنا نستعيد نقد مدرسة فرانكفورت، خاصة عند أدورنو وهوركهايمر، حين ربطا بين صناعة الثقافة وتوحيد الوعي، معتبرين أن العقل الأداتي ينقلب ضد ذاته حين يُختزل إلى وظيفة.
غير أنّ التزييف العميق يضيف بعدا جديدا لهذا الانقلاب. فالصورة التي كانت تُعدّ شاهدا على الواقع فقدت براءتها. لم يعد “ما أراه” دليلا على “ما كان”، بل قد يكون نتيجة شبكة عصبية اصطناعية. هنا تتزعزع إحدى الركائز الأساسية للمعرفة الحديثة، أي الثقة في التجربة الحسية. وقد كان كانط يرى أن المعرفة تبدأ بالحس، وإن لم تنتهِ إليه. لكن ماذا يبقى من هذا القول حين يصبح الحس نفسه قابلا للتزوير؟ إننا نواجه لأول مرة وضعا تصبح فيه التجربة موضع شك جذري، لا لأن العقل يخطئ في تفسيرها، بل لأن مصدرها ذاته لم يعد موثوقا.
هنا يعود السؤال الأخلاقي بقوة. فالمعلومات المغلوطة ليست مجرد خطأ معرفي، بل هي فعل ذو تبعات سياسية واجتماعية. لقد أشار يورغن هابرماس إلى أن المجال العمومي يقوم على التواصل العقلاني، وعلى افتراض صدقية المتخاطبين. لكن ماذا يحدث حين يُغرق هذا المجال بسيل من الأكاذيب المصقولة التي تستثمر العاطفة وتستهدف الانتباه وتُفكّك الثقة؟ إن الشك الرقمي هنا يتحوّل من أداة نقد إلى وسيلة لتفكيك الرابط الاجتماعي ذاته.
ومع ذلك لا ينبغي للفلسفة أن تستسلم لنوستالجيا الحقيقة المفقودة، ولا أن تتبنى خطابا أخلاقيا تبسيطيا. فالتحدي الحقيقي يكمن في إعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة واليقين والدليل ضمن شروط رقمية جديدة. لقد علّمنا التاريخ الفلسفي أن الحقيقة لم تكن يوما معطى بسيطا، بل كانت دائما بناءً معقّدا يتداخل فيه المعرفي بالقيمي واللغوي بالاجتماعي. وربما يكون الشك الرقمي رغم مخاطره فرصة لإعادة إحياء هذا الوعي النقدي، شرط أن يتحوّل من شك مشلول إلى شك منتج.
إنّ الفلسفة في جوهرها ليست حنينا إلى يقين ماضٍ، بل شجاعة في مواجهة الالتباس. وكما قال كارل ياسبرز، “الفلسفة هي التفكير في الحدود”، وحدود عصرنا اليوم مرسومة بالشاشات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. إنّ السؤال لم يعد كيف نعرف؟ بل: كيف نميّز؟ وكيف نعيد بناء الثقة دون السقوط في السذاجة؟ وكيف نحمي العقل من أن يتحوّل إلى مجرّد مستقبل سلبي للصور؟.
لم يعد التزييف العميق مجرّد ظاهرة تقنية يمكن حصرها في مجال الذكاء الاصطناعي أو الإعلام الرقمي، بل غدا علامة أنطولوجية على تحوّل أعمق يمسّ علاقة الإنسان بالعالم وبذاته. فحين تصبح الصورة قابلة للإنشاء من العدم، والصوت قابلاً للاستنساخ دون جسد، والحدث قابلاً للتلفيق دون وقوع، نكون قد دخلنا طورا جديدا من الوجود، طورا لا يُلغى فيه الواقع، بل يُزاح عن مركزه. هنا تتبدّى أطروحة جان بودريار بكامل حدّتها، لسنا أمام كذب يحجب الحقيقة، بل أمام محاكاة تلغي الحاجة إلى الحقيقة ذاتها. فالتزييف العميق لا ينافس الواقع، بل يحلّ محلّه، ويؤسّس لما سمّاه بودريار “فرط الواقع”، حيث لا يعود السؤال هل هذا صحيح؟ بل هل هذا قابل للتداول والانتشار؟.
تفقد اللغة إحدى وظائفها الأساسية بوصفها وسيطا للحقيقة. لقد كان أرسطو يرى أن القول الصادق هو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج، غير أن هذا التصوّر يفترض خارجا مستقرا يمكن الرجوع إليه. أما اليوم فإن “الخارج” نفسه صار مُنتَجا لغويا–تقنيا، تُعيد الخوارزميات تشكيله وفق منطق الانتباه والتفاعل. هنا يصبح القول صادقا لا لأنه يطابق الواقع بل لأنه ينجح في الإقناع أو يثير الانفعال أو ينسجم مع تحيّزات المتلقّي. وقد تنبّه لودفيغ فيتغنشتاين في مرحلته المتأخرة، إلى أن معنى القول لا يُستمدّ من مطابقته لشيء ما، بل من استعماله داخل “ألعاب لغوية” محدّدة. غير أن ألعابنا اللغوية اليوم لم تعد تُدار داخل جماعات متحاورة، بل داخل منصّات تكنولوجية تُحدّد مسبقا قواعد اللعبة وحدودها.
إنّ الشك الرقمي من هذا المنظور ليس أزمة ثقة في الأخبار فحسب، بل أزمة معنى. فاللغة حين تُستعمل باستمرار للتضليل أو المبالغة أو الاصطناع تفقد قدرتها على الإشارة، وتتحوّل إلى مجرّد أداة تأثير. وهنا نستحضر بول ريكور حين حذّر من “تفكّك الدلالة” حين تنفصل العلامة عن مرجعها، وحين يصبح التأويل بلا أفق. إن التزييف العميق لا يزوّر الوقائع فقط، بل يربك علاقتنا باللغة ذاتها، ويجعل كل خطاب مشكوكا فيه سلفا، حتى الخطاب الصادق.
إننا نعيش انتقالا من سؤال “ما الموجود؟” إلى سؤال “ما المعروض؟”. فالعالم الرقمي لا يهتم بما هو كائن، بل بما هو قابل للعرض والمشاركة. وقد رأى غي ديبور، في نقده لمجتمع الفرجة، أن الواقع يتحوّل إلى تمثيل، وأن الإنسان يغدو متفرّجا على حياته بدل أن يكون فاعلا فيها. غير أنّ ما نعيشه اليوم يتجاوز الفرجة إلى الاصطناع؛ لم نعد نكتفي بعرض الواقع، بل بتصنيعه وفق الطلب. وهنا يبلغ الشك الرقمي ذروته، إذ لا يعود الإنسان متيقّنا حتى من ذاكرته، ولا من الشهادات البصرية التي كانت تُعدّ في زمن قريب أقوى الحجج.
لقد كان ديفيد هيوم يشكّ في السببية لأنها تقوم على العادة لا على البرهان، لكن شكّه كان فلسفيا تأمليا، يهدف إلى تواضع العقل لا إلى شلّه. أما الشك الرقمي فيحوّل هذا التواضع إلى عجز، ويحوّل الحذر إلى ارتياب دائم. فالعقل حين يُحاصر بالاحتمالات المتساوية يفقد قدرته على الحكم. وهذا ما يجعل الشك الرقمي قريبا من العدمية المعرفية، تلك التي حذّر منها نيتشه حين رأى أن انهيار القيم العليا قد يفضي إلى فقدان المعنى لا إلى تحرير الإنسان.
غير أنّ الأخطر من ذلك هو البعد السياسي لهذا الشك. فالمعلومات المغلوطة والتزييف العميق لا يعملان في فراغ، بل داخل صراعات السلطة. وقد بيّن ميشيل فوكو أن الحقيقة ليست خارج السلطة، بل تُنتَج داخل أنظمة خطابية تخدم مصالح معيّنة. وفي العصر الرقمي تتقاطع السلطة مع التقنية في شكل غير مسبوق، حيث تصبح الخوارزميات أدوات تنظيم للرأي العام وتوجيه للاهتمام وصناعة للشك نفسه. فالشك هنا ليس نقيض السيطرة بل أحد أدواتها، إذ يكفي أن يُزرع الشك في كل شيء حتى يتعذّر أي موقف نقدي متماسك.
وهنا تتبدّى مفارقة عميقة، الشك الذي كان في الفلسفة الكلاسيكية شرطا للتحرّر، يتحوّل في العصر الرقمي إلى آلية للضبط. فحين يشكّ الجميع في كل شيء، لا يعود أحد قادرا على الاعتراض باسم الحقيقة. وقد عبّر هابرماس عن هذا الخطر حين أكّد أن الديمقراطية تفترض حدا أدنى من الثقة التواصلية، وأن انهيار هذا الحدّ يفتح الباب أمام الشعبوية والتلاعب. فالتزييف العميق حين يُستعمل سياسيا لا يهدف بالضرورة إلى إقناع الناس بكذبة بعينها، بل إلى إقناعهم بأن الحقيقة نفسها مسألة نسبية أو غير قابلة للمعرفة.
ومع ذلك فإن الفلسفة لا تستطيع الاكتفاء بالتشخيص النقدي. فوظيفتها كما قال كانط ليست فقط في فهم العالم، بل في إرشاد العقل إلى شروط استعماله المشروع. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الشك ذاته. فليس كل شك فضيلة، وليس كل يقين رذيلة. الشك المنتج هو ذاك الذي يقود إلى السؤال ثم إلى الفحص ثم إلى حكم مؤقّت قابل للمراجعة. أما الشك الرقمي السائد فهو شك بلا أفق، شكّ يعلّق الحكم دون أن يهيّئ شروط المعرفة.
إنّ استعادة المعنى الفلسفي للشك تقتضي أوّلا إعادة الاعتبار للزمن. فالمعرفة لا تُنتَج في العجلة، والحقيقة لا تتكشّف في التدفق اللحظي. لقد كان برجسون يميّز بين الزمن الكمي والزمن المعيش، معتبرا أن الوعي يحتاج إلى مدّة داخلية كي يفهم. غير أنّ الفضاء الرقمي يضغط هذا الزمن، ويحوّل التفكير إلى ردّ فعل. ومن دون زمن للتأمّل يصبح الشك مجرّد انفعال.
كما تقتضي هذه الاستعادة إعادة بناء الثقة، لا بوصفها تصديقا أعمى، بل بوصفها افتراضا عمليا. فكما قال بول ريكور، “لا فهم دون ثقة أولية، ولا نقد دون شك لاحق”. إنّ العقل لا يبدأ من الصفر، بل من شبكة من المسلّمات القابلة للفحص. أما الشك الذي يبدأ من نفي كل شيء فلا ينتهي إلى شيء. وهنا يمكن للفلسفة أن تلعب دورا تربويا لا وعظيا، في تعليم التمييز لا في فرض اليقين.
ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد الأخلاقي. فالتزييف العميق يطرح سؤال المسؤولية، من المسؤول عن الحقيقة في عالم تُنتَج فيه المحتويات آليا؟ هل هي مسؤولية الفرد أم المنصّة أم المبرمج أم الخوارزمية؟ لقد كان إيمانويل ليفيناس يرى أن الأخلاق تبدأ من مسؤولية الوجه، من مواجهة الآخر بوصفه آخر. غير أنّ التزييف العميق يطمس الوجوه، ويحوّل الآخر إلى صورة قابلة للتلاعب. هنا يصبح الدفاع عن الحقيقة دفاعا عن الآخر وعن حقّه في ألا يُختزل إلى تمثيل زائف.
وفي السياق العربي، تتضاعف هذه الإشكالات بفعل هشاشة المجال العمومي، وضعف الثقة في المؤسسات، وتاريخ طويل من الالتباس بين الخبر والدعاية. إنّ الشك الرقمي حين يدخل إلى سياق يعاني أصلا من أزمات معرفية وتعليمية، قد يتحوّل إلى قطيعة شاملة مع فكرة الحقيقة ذاتها. وهذا ما يجعل الحاجة إلى الفلسفة، بوصفها تمرينا على التفكير لا بوصفها ترفا ثقافيا، بل حاجة ملحّة لا يمكن تأجيلها.
إنّ ما نعيشه اليوم ليس نهاية الحقيقة، بل اختبارها الأصعب. فالحقيقة كما قال هايدغر ليست شيئا نملكه، بل حدث انكشاف. غير أن هذا الانكشاف يحتاج إلى شروط: لغة غير مبتذلة وزمن غير مسروق وعقل غير مرتهن. إنّ الشك الرقمي إذا تُرك بلا توجيه فلسفي قد يتحوّل إلى ظلام معرفي. أمّا إذا أُعيد دمجه داخل أفق نقدي واعٍ فقد يصبح مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي ظنّ الإنسان المعاصر أنه تجاوزها.
إن الفلسفة في زمن المعلومات المغلوطة والتزييف العميق، ليست مدعوة إلى الدفاع الساذج عن يقين مفقود، ولا إلى الاستسلام لعدمية شاملة، بل إلى ممارسة دورها الأصيل، تفكيك البداهات ومساءلة الأدوات وكشف ما يُقدَّم بوصفه بديهيا أو طبيعيا. إنّ الشك الرقمي ليس قدرا محتوما، بل ظاهرة تاريخية لها شروطها وإمكانات تجاوزها. وتجاوزها لا يكون بالتقنية وحدها ولا بالقانون وحده، بل بوعي نقدي يُعيد للعقل ثقته بنفسه دون أن يُعيده إلى الغرور.
لقد علّمتنا الفلسفة منذ بداياتها أن الحقيقة ليست معطى جاهزا بل مسارا شاقا. وربما يكون أعظم ما يمكن أن تقدّمه اليوم هو تذكير الإنسان المعاصر بأن الشك حين يفقد بوصلته يتحوّل إلى عبء، وحين يستعيد معناه يصبح شرطا للحرية. ففي عالم يزداد فيه الزيف إتقانا لا خلاص للعقل إلا في شجاعة التفكير، ولا كرامة للحقيقة إلا في عناد السؤال.
***
د .حمزة مولخنيف






