قراءات نقدية
قصي عسكر: التجلي العرفانيّ في مجموعة "اصطفيتك همسا" للأديبة إنعام كمونة
مقدمة: الشاعرة إنعام كمونة تكتب النصوص النثرية التي تدخل في دائرة التدوير أي الجملة المتواصلة أو النص النثريّ وفي الوقت نفسه تكتب قصيدة النثر. كنت أقدِّر محاولاتها الأدبية في نصوصها التي تنشرها في صحيفة المثقف وهي نصوص قوية محكمة تدل على موهبتها الأدبيّة وحين طالعت محاولاتها في قصيدة أدركت أنها لا تقل جمالا عن نصها النثري المدور.
لذلك ستقتصر دراستي هذه على قصيدة النثر المتمثلة بمجموعتها (اصطفيتك همسا) آمل أن أجد من الوقت مايسمح لي بدراسة نصوصها الأخرى.
البحث
لا أختلف مع من يقول إنّه (عالم العرفان) أو من يقول (العالم الصوفي) كلاهما اسم لمسمى واحد مع أنّي أفضّل للسيدات مصطلح (العرفان) لما في كلمة عرفان من امتداد وانفتاح لفظيّ تليق برقة المرأة وروحها وشفافيتها المتمثلة بالحياة نفسها وجمالها ورشاقتها.
أوّل ما يطالعنا في المجموعة هو الكتابة الجمالية التي تتمثّل بانفتاح الحرف الواحد وتكراره، نجد تلك السعة الحرفيّة في التأمل والتفكير بالذات الإلهية والابتعاد عن العالم المادي بتكرار حرف الألف أو المدّ، كقولها:
ياااا كرمة نسق الضياء
أيدنس ضوعك لسع ضلاله ص10
الكرمة من الأشجار الدائمة التي تمنحنا ثمارها كل عام، فتعني ديمومة مستمرة تمهّد لها الشاعر بامتداد حرف الألف من خلال تكراره، فهي اختارت الكرمة أمّ الخمرة، فبعد أسطر تعزِّز الامتداد المفتوح عبر الألف المطلق والمنطلق في الامتداد الأفقي إلى الامتداد المدوّر:
وسواحل عشتار
تموووج
يترادف حرف الواو ثلاث مرات، وترادفه يتطابق مع موج البحر الذي تلخّصه حركة الرقص الصوفيّ الدائرية حين يشتدّ الحماس بالمنشد فيروح يلتف على نفسه ليرتفع إلى السماء، أو الحلقة المجتمعة التي تدور، وهكذا تنتهي الدوائر بانفتاحات عليا:
فتنحني زفرااات الدموع
حيث تتحول الحلقات الدائريّة إلى امتدادات أفقيّة عبر الألف لتعود إلى حلقة واحدة هي حرف الواو ضمن كلمة تقابل البحر هي الدموع، ويمكن ترجمة تكرار (أأأأ وووو) بمتابعة شريط لراقص صوفيّ يدور حولة نفسه ثوبة من الأسفل يتسع ورأسه نحو السماء
أما الوسيلة الأخرى، فهي التعامل مع التراث بصفته خيرا لا بصفته سلبا، إنها تأخذ الرموز التاريخية القديمة وتضعها بميزان الخير لأنّ المحبة تشمل الجميع، وهذا ما نجده في محاولتها جذب رموز ما قبل الإسلام إلى مداها العرفانيّ الروحي فالذي يطّلع على العهد السومري يجده عصرا وثنيا، في الوقت نفسه هو عصر علم ومعرفة وجمال، هؤلاء الوثنيون علموا العالم الكتابة، والقراءة، والشعر والتفكير فيالحياة والموت، لذلك تستدرج الشاعرة الروح الخلّاقة الإيجابية من عمق السلب أو الحي من الميت الكامن في تاريخنا القديم لتظهره بصيغة أخرى:
كنَا نسرد أحلامنا الفتية لنجوم (إينانا)
فتهدينا زهرة زقورية
تهودج المدى أعياد شبعاد
بأهزوجة حصاد
تراقص منجل جدي
القطعة أعلاه من قصيدة عنوانها ( ترنيمة سومرية) ص 22 نجد الشاعرة تستدرج فيها الرموز فتضعها في نسق روحاني يتماشى مع الحاضر بصفاء باستلهام روح (أنانا) الإلهة القوية الخالقة المبدعة، فتحوّلها من إلهة مسعورة مفتونة بالحرب والجنس إلى امرأة نقية، نحن في الأرض ونجوم إينانا في السماء، كأننا في العصر الحالي نناغي الماضي البعيد والرابط بيننا هو المنجل الذي يرمز إلى الحصاد والخصب. هي الطقوس الحية التي نمارسها لكي نحيى بلا ذنوب يكفينا فقط أن نرث منجل الجد.
وهناك اعتماد الأسلوب القرآني من خلال الإزاحة اللغوية، في قصيدة (أهازيج شعاع) تقول:
أرى الطير ينقر خبزها
يسكب خمرها
هناك كلمتان وردتا في القرآن الكريم، هما الطير في قصة النبي يوسف، والخمر (إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) يوسف، الأية 36، فقد جعلت الشاعرة الصورتين القرآنتين في صورة واحدة، الطير رسول المعرفة، وتناول الخبز عماد الحياة، وسكب الخمر، إن مدلول الخمر يتخذ معنى واسعا في التفاتة الشاعرة إلى مبدأ الاخترال والإزاحة اللغوية، فمرة تذكرها كما هي، وتصرح باسمها بعدِّها وسيلة عقلية روحية (أنهار من خمور) ولنا مثال في قصيدة (تنهدات نزوة) ص29:
ذبلت شفاه قهوتي
أأأ.. نزوة لوعة ضلت قناديل انتظارة
في النص أعلاه تطابق الشاعرة بين الخمرة التي تصرح باسمها، فيلفت نظرنا الذبول، تحول القهوة إلى كائن بشري يصيبه الملل من شدة الانتظار وبين الضلال الذي هو عين الهداية لكن الشاعرة لا تقول (خمرتي) لأنها تلجأ إلى الاسم القديم للخمرة، ففي ترثنا العربي كانت القهوة تعني الخمرة، يقول الأعشى:
نازَعتُهُم قُضُبَ الرَيحانِ مُتَّكِئاً
وَقَهوَةً مُزَّةٌ راوُوقُها خَضِلُ (راجع ديوانه المعلقة)
فقد كانت كلمة (القهوة) تعادل كلمة (الخمر) أما استعمال كلمة قهوة المعروفة اليوم، حسبما تشير إليه المصادر الإنكليزية التي بين يدي فإنه استخدام يعود إلى القرن السابع عشر حينما جلب حبوب القهوة الإنكليز من أثيوبيا، فأزحنا كلمة (قهوة) من معناها الأصلي إلى معنى آخر معاصر.
ومن الطرق التي اتبعتها الشاعرة تفكيك بدايات الكلمات لتنتهي أمام كلمة قرآنية تندمج فيها الروح بشغف شفاف. نجد ذلك في قصيدتها (نص مثابر)ص20 حيث تختار الحرف الأول من كلمة:إقرأ القرآنية وهي أول كلمة نزل بها الوحي:
إقرأ
واللافت للنظر أن إقرأ تبدأ بالألف وتنتهي به ثمّ تتوالى أخذ الحروف من مقدمة الكلمات:
تحتضن:فاء فتات الخيال
راء:رموز هنا موازاة الحرف بكلمة جديدة.
سين:سطوع هنا أيضا موازاة حرف السين بكلمة جديدة.
ميم مخاض
إنّ الشاعرة تستوعب -عبر صيغة التفكيك والتركيب - بعض الحروف المتقدمة التي تبدأ بها بعض سور القرآن مثل (ألم) أو (ألمر) لتستخرجها من الكلام أو من حياتنا العادية التي نحياها بحلوها ومرها وخيرها وشرها لتصل إلى
تجلّ جديد يتطابق مع روحها التي تبحث عن الأفضل والأنقى:
تضوع بريعان تناسخ
لهيت أوراقي
كلمة هيت ختمت المطاف بتقبل إيجابي نحو السمو، فقد استخدمت الشاعرة لمحة خفية بكسرة (التنوين) ليس هناك من كسرة في نون النسوة بل الفتحة تكبينَ .. أو يسمعنَ والذي تقصده هو الانثى في حالة الخطاب أنتِ لأنّ الشاعرة تخاطب في قصائدها نفسها أو الآخر حتى تصل إلى عالم (هيت) الكلمة المستوحاة من القرآن (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة يوسف 23. )، ولم تكن هيت التي وردت في القصيدة هي نفسها هيت التي نطقت بها الشاعرة، فهي في مجالها الشعري الواسع تخرجها من معناها الحسيّ السلبيّ لتضعها في المطلق غير المحدد بحسّ حيث لا مكان ولا زمان فتميل بها إلى الخير والإيجاب.
إنها تقرأ المعنى الأعمق لحالة المرأة:لم تتعلق امرأة العزيز بشخص عاديّ مثل كاتب هذه السطور ولا مثل القارئ إنها تعلقت بنبي آية في الجمال ودعته ب (هيت) فهي في أمان لأنها تعلقت بما هو أسمى وأرفع ما ومن في الوجود.
ومثلما استوعبت الشاعرة في صعودها العرفاني، التراث القديم، والفكر الإسلامي وجلبته إلى شعرها بصورة جمالية فلم يبد علىعبارتها عليه الافتعال نجدها تستدرج إلى قصائدها الحكاية العربية القديمة أو الحكاية الخرافية، تقول في قصيدتها
وتغص جفوة الموج سواحل مد
ليثمل طين الفرات شهد السلام
وبشهقة فجر غجري الضياء
هديل أنثى
الثمل السكر، والثمل يمهد لمأساة عاشتها عشتار وكلّ البشريّة هي فقدان السلام، نحن ندخل السلام لكننا عشنا مأساة حقيقة ففقدنا نفوسنا مثلما فقدت أنثى الحمام ذكرها، فقد خرج ذات يوم ليجلب القوت لها فتعرض له نسر افترسه فأخذت الحمامة تندبه كل يوم. (راجع: معجم الأساطير الجاهلية، قصي الشيخ عسكر حرف الهاء هديل) لكنّ المأساة تنتهي بالفجر الذي يمثل حياة جديدة (والفجر: سورة الفجر 1) حيث يحتل النور الحقيقة محل الوهم والفرح بدل المأساة على صوت الهديل صوت بكاء الحمامة.
أضف إلى ذلك أن الشاعرة استفادت من المسيحية ودعوتها للسلام، فنطقت عنها بروحانية شفّافة في قصيدة (وجعهن وجعي ص9) التي أهدتها إلى سبايا القرن الحادي والعشرين)، فذكرت الغراب الذي نتشاءم منه حيث تقول:
سواحل عشتار
تموووج
بغربان القبور
بلد الشاعرة تعرض إلى انتهاك عنيف مدمر مفجع لا رحمة فيه عانت منه الأزيديات والمسيحيات بصورة وحشية من المسيحيات ربما أكثر، فكان عليها أن تكون وهي أمام عرش الرب أن تجسد صورة الخراب بغراب لا الغراب الدال على المعرفة يوم علم قابيل كيف يدفن أخاه القتيل بل غراب الشرّ الذي يعيش في أذهاننا الدال على الشؤم والخبث (راجع قصي عسكر معجم الأساطير الجاهلية حرف الغين غراب) بعد الغراب تتدرج الشاعرة إلى سلام تنشده في حضرة الذات الإلهية، فتلوح كلمة السلام التي التي جاء بها السيد المسيح (وصاح الديك ثانية، فتذكّر بطرس القول الذي قاله له يسوع "إنّك قبل أن يصيح الديك مرّتين، تنكرني.. مر -1472) بمعناها العميق في نص الشاعرة: الديك صاح فصلب المسيح وبصلبه ارتفع إلى السماء فأصبح مع المطلق ليعمّ سلام على العالم، تصور الشاعرة رحلتها، ورحلتهن إلى المطلق مع المسيح:
سيقبّل الديك خدّ الصباح
وتبزغين
الخاتمة:
ماكتبته أعلاه مجمل ملاحظات عن شعر الشاعرة إنعام كمونة قد تحفز هذه الملاحظات ذاكرتنا نحن القرّاء إلى مواطن جمالية أخرى، فالمجموعة هذه تبدو مثل صيحة ناعمة في عالم ماديّ صاخب لا يريد أن يعيش بسلام ولعل هذه الصيحة تعيد نفوسنا إلى طمأنينتها الأولى.
***
قصي الشيخ عسكر







