قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسعة لقصيدة الشاعر د. محمود جمعة بعنوان: «آه»
تأتي هذه الدراسة لتقرأ قصيدة «آه» للشاعر الدكتور محمود جمعة بوصفها نصّاً ينهض من عمق الجرح الإنساني، ويحوّل الأنين اليومي إلى خطابٍ يحمل ملامح المعرفة وحرارة الإحساس معاً. فليست «آه» هنا مجرّد صيحة ألم، بل هي مفتاحٌ دلاليّ يفتح باباً واسعاً على التجربة الوجودية للشاعر، حيث تتداخل البنية اللغوية مع الصورة الرمزية، ويتحوّل الوجع إلى لغة، وتصبح اللغة نفسها طريقاً إلى كشف ما يستتر خلف الكلمات من توترٍ نفسي وتحوّلات شعورية. وتستهدف هذه الدراسة الكشف عن البنية الأسلوبية التي شيّد بها الشاعر عالمه الداخلي، وتحليل صوره واستعاراته، واستقصاء الرموز التي تشكّل النسيج العميق للنص، وفق منهج يزاوج بين القراءة اللغوية، والتحليل الأسلوبي، والمقاربة الرمزية التأويلية.
الدراسة النقدية اللغوية–الأسلوبية–الرمزية:
أولاً: القراءة الموضوعية العامة
تقوم القصيدة على مركزية الآه بوصفها حرفَ صوتٍ قبل أن تكون كلمة؛
إنّها البوّابة التي يدخل منها الشاعر إلى فضاء الألم، فيحوّل الأنين إلى خطاب، والوجع إلى معنى، والحزن إلى شكل من أشكال المعرفة.
يتحرّك النص بين ثلاثة مستويات وجودية:
1. الحزن بوصفه تجربة كونية (ليل، غيم، مطر).
2. القلب بوصفه مركز الهشاشة الإنسانية.
3. الدرب بوصفه استعارة الوجود كلّه.
ثانياً: الدراسة اللغوية
1. المفردة وبنية الاشتقاق.
تتكئ اللغة على مفردات ذات حمولة وجدانية عالية: (ليل، جرح، صمت، نافذة، ريح، غيم، حزن، قلب، حجر، ماء، وجع، درب، تعب…).
يقوم الشاعر على التضاد الصوتي والدلالي: الحجر/الماء – الصمت/الحزن – الظل/الحياة الأخرى.
كثافة الأفعال المضارعة تمنح النص حركة مستمرة نحو الداخل (ينام، يسأل، يطوي، يمشي).
2. التركيب:
الميل الواضح إلى الجمل القصيرة المكثفة مثل:
«ليس ظلاً، بل حياةٌ أخرى»
«يحبّ أكثر مما ينبغي»
وهذا يمنح النص إيقاعاً نفسياً متقطعاً يعكس طبيعة الوجع.
استخدام النفي المتكرر (ليس، لم يجد، ليت) يعزز النبرة الوجودية للبناء.
ثالثاً: الدراسة الأسلوبية
1. الموسيقى الداخلية:
تعتمد القصيدة على الإيقاع الهادئ، المرتكز على التوازي والترجيع الصوتي لكلمة «آه» التي تعود في مطلع كل مقطع.
هذا الترجيع يُشكّل بديلاً عن القافية الثقيلة، ليصبح الوجع نفسه هو الإيقاع.
2. الصورة الشعرية:
الصورة متّسمة بخصائص أسلوب الشاعر الدكتور محمود جمعة:
البساطة المصحوبة بالعمق
الاستعارة الحيّة القريبة من الحسّ
مثل:
«الحزن نافذة انكسرت في الريح»
صورة تجمع بين المشهدية والتشخيص والتجسيد، وتحوّل الحزن إلى كيان ينكسر ويسأل ويبحث.
3. الانزياح:
يمارس الشاعر انزياحاً دلالياً حينما يقول:
«الوجع الذي ينام على كتفي ليس ظلاً، بل حياة أخرى»
وهنا يتجاوز الوجع حدّ الشعور ليصبح حياةً كاملة، وهو انزياح يرفع التجربة إلى مستوى الوجود.
رابعاً: الدراسة الرمزية:
1. الرمز الكوني؛
الليل: رمز الامتلاء بالأسئلة والخوف والضيق الوجودي.
الغيم/المطر: رمز التحوّل والتطهّر وعودة الحياة، لكنه هنا مرتبط بالعطش الداخلي، مما يخلق مفارقة مؤلمة.
2. رمز القلب؛
القلب في شعر محمود جمعة ليس مركزاً للعاطفة فقط، بل مختبرٌ للتجربة الإنسانية.
قوله:
«يحبّ أكثر مما ينبغي، ويخسر أكثر مما يُحتمل»
يحمل بنية رمزية مفادها:
أنّ فائض الحبّ يولّد فائضاً من الخسارات — وهي ثنائية تتكرر في معظم تجاربه الشعرية.
3. الدرب:
الدرب رمز "الغاية" و"القدر" معاً.
وقوله:
«لو أنّ الدرب يعرف كم مشيت إليه»
يفتح باباً للتأويل الهيرمينوطيقي:
فالدرب هنا ليس مساراً مادياً، بل معنىً مُؤجَّل، يتمنّى الشاعر لو أنه يدرك حجم الجهد المبذول في الوصول إليه.
خاتمة نقدية:
تمثّل قصيدة «آه» نموذجاً لروح الشاعر محمود جمعة الشعرية:
بساطةٌ شكلية تقود إلى عمقٍ وجودي، لغةٌ واضحة تنفتح على فضاءٍ تأويلي واسع، ورمزٌ ينهض من اليوميّ ليبلغ مستوى الكونيّ.
في النص تتجلّى ثلاث قضايا جوهرية:
1. الألم بوصفه معرفة.
2. القلب بوصفه مسرح الكائن الإنساني.
3. الدرب بوصفه قدراً يتشكّل من داخل التجربة لا من خارجها.
النص ينسج علاقة بين الوجع والفهم؛ فلا يعود الأنين مجرّد انكسار، بل يتحوّل إلى صوتٍ يعلن أنّ الروح لا تزال حية.
انتهت هذه القراءة إلى أنّ قصيدة «آه» تمثّل نموذجاً جماليّاً يختزل روح شعر محمود جمعة، حيث يصبح الألم مادةً للمعرفة، ويغدو القلب مختبراً للوجود الإنساني بكل هشاشته وأسئلته. لقد أظهر النص قدرة واضحة على تحويل البساطة اللغوية إلى طاقة دلالية كثيفة، وعلى صوغ مشهدية رمزية تنقل القارئ من حدود التجربة الفردية إلى أفقٍ إنساني أعمّ. كما بيّنت الدراسة أنّ الشاعر يوظّف الإيقاع الداخلي، وتوازي الجمل، والانزياحات الدلالية، ليؤسّس قصيدة قريبة من الوجدان، عميقة في تأويلها، وممتلئة بما يسمّيه النقد الحديث «حرارة المعنى». وبذلك تُبرِز القصيدة قيمة الشعر حين يُضيء العتمة، ويمنح الوجع شكلاً قابلاً للفهم، ويحوّل «الآه» من صرخة إلى لغةٍ تُسهم في قراءة الذات والعالم معاً.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
..........................
آهِ…
ما أضيقَ الليلَ حينَ يطوي خطاهُ على صدري،
وما أوسعَ الجرحَ إن لم يجدْ في قلبي سوى صمتهِ.
*
آهِ…
كم يشبهُ الحزنُ نافذةً انكسرتْ في الريح،
تسألُ الغيمَ عن اسمه،
وتسألُ المطرَ عمّن يبلّلُ هذا العطشَ المتراكمَ في الروح.
*
آهِ…
يا ليتَ قلبي تعلّم من الحجرِ قسوته،
ومن الماءِ سيلانه،
لكنّه منذ خُلِقَ…
يحبُّ أكثرَ مما ينبغي،
ويخسرُ أكثرَ مما يُحتمل.
*
آهِ…
هذا الوجعُ الذي ينامُ على كتفي
ليس ظلاً،
بل حياةٌ أخرى
أحملها على ظهري دون أن أفهمَ نهايتها.
*
آهِ…
لو أنّ الدربَ يعرفُ كم مشيتُ إليه،
لجلسَ لحظةً في الطريق
يصافحُ تعبي،
ويعتذرُ عن كلّ هذا البُعد.







