أقلام حرة
نسرين إبراهيم: الأطفال بين أساطير الاستغلال وظلام الحروب
رؤية إسلامية في دور الأسرة والمجتمع
لقد قدّم الإسلام رؤية متكاملة لحماية الطفل منذ اللحظة الأولى لوجوده، فجعل حياته مقدسة وأحاطه بسياج من الرحمة والرعاية.
يبدأ الطفل رحلته في رحم أمه، حيث وفّر الله سبحانه وتعالى له بيئة خاصة تحميه وتغذيه، فيتكون شيئًا فشيئًا في هذا الملاذ الرحماني، محاطًا بعناية إلهية لا يراها أحد لكنها تحفظه حتى يخرج إلى الدنيا.
هذه البيئة التي خلقها الله داخل رحم الأم هي دليل على أن حماية الطفل تبدأ قبل أن يولد، وأنه أمانة منذ أن يكون نطفة، فيكبر في رحمٍ أُعدّ له بعناية ليكون مأوى آمنًا.
ومن هنا جاء الإسلام ليقطع دابر الجاهلية التي كانت ترى في قتل الأولاد وسيلة لتخفيف الأعباء أو التخلص من العار، فجعل ذلك جريمة كبرى، وأدان وأد البنات، واعتبر الجنين في بطن أمه نفسًا لها حرمة لا يجوز الاعتداء عليها.
هذه المبادئ القرآنية والشرعية وضعت أساسًا متينًا لحماية الطفل، وأكدت أن حياته ليست ملكًا لأحد بل هي هبة من الله يجب أن تُصان.
وعبر التاريخ، انعكست هذه الرؤية على المجتمعات العربية والإسلامية، فكان الطفل دائمًا في قلب الاهتمام، حتى في ظل الحروب والأزمات.
ورغم ما واجهته الدول العربية من تحديات اقتصادية وسياسية، ظل الاهتمام بالطفل جزءًا من المنظومة العامة، منبعه هو الدين الإسلامي الذي جعل الإنسان إنسانًا، وأكد أن الطفل ليس عبئًا بل هو مستقبل الأمة.
لذلك نجد أن الدول العربية، وإن تفاوتت في إمكانياتها، وجهت عنايتها للأطفال عبر التعليم، والرعاية الصحية، والاهتمام بذوي الهمم، بما في ذلك الأطفال الذين يعانون من التوحد أو إعاقات مختلفة، حيث اعتُبروا أمانة يجب أن تُصان لا عبئًا يُتخلّى عنه.
هذه العناية لم تكن مجرد سياسات عابرة، بل هي انعكاس مباشر للدستور الإسلامي الذي نظّم حياة الإنسان، وجعل حماية الطفل واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا.
فالطفل في الإسلام ليس مجرد فرد ضعيف، بل هو قرة عين ورحمة، وزهرة يجب أن تُروى بالحب والرعاية حتى تثمر مجتمعًا صالحًا.
لقد ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومشاهد تُشَمِّئز لها القلوب، صور تُظهر تجمعات غريبة وحركات شيطانية تُستغل فيها براءة الأطفال، حتى بدا وكأن دماء هؤلاء الأبرياء تُستباح لتُمسخ بها وجوهًا فقدت إنسانيتها.
هذه الصور الوحشية كثيرًا ما نحاول أن نُخفيها عن أطفالنا، حتى لا تكسر قلوبهم أو تزرع فيهم الخوف من عالم فقد الرحمة.
وفي المقابل، يظهر الإسلام الذي طالما وُصف ظلمًا بأنه دين الإرهاب، وكانوا يتخوفون من العمامة والعباءة الإسلامية، ليكشف اليوم عن وجهه الحقيقي: دين الله الواحد الأحد، دين الرحمة والتسامح والكرامة، الدين الوحيد الذي يحافظ على كرامة الإنسان طفلًا كان أو شيخًا، امرأة أو رجلًا، شابًا أو فتاة.
الإسلام يعيد إثبات نفسه من جديد بأنه ليس دينًا للعنف كما صُوِّر، بل هو الدين الذي يضع الإنسان في مركز الرحمة الإلهية، ويجعل حماية الطفل جزءًا من العقيدة، لا مجرد شعار يُرفع، فالإسلام منذ نزول الوحي قدّم دستورًا رحمانيًا شاملًا لحماية الطفل، دستورًا يبدأ من رحم الأم وينتهي ببناء المجتمع، ليجعل حياة الإنسان أمانة مقدسة لا يجوز المساس بها، وبينما تكشف بعض المجتمعات الغربية عن وجوه فقدت إنسانيتها، يظل الإسلام دين الله الواحد الأحد، دين الرحمة والعدل والكرامة، الذي يحفظ للطفل حقه في الحياة، وللإنسان حقه في أن يكون إنسانًا. إن حماية الطفل ليست شعارًا يُرفع، بل هي مسؤولية إيمانية وأخلاقية، بها تُبنى الأمم وتنهض الحضارات.
***
د. نسرين ابراهيم الشمري







