قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: قراءة أسلوبية، رمزية، هيرمينوطيقية في العتبات النصية عند الشاعر شاهر خضرة
حين تنفلت اللغة من حدودها التداولية وتتحول إلى كائن حيّ يلهث خلف ارتجاف المعنى، يصبح النص الشعري فضاءً للانكشاف الوجودي أكثر منه حاملاً للقول المباشر. في هذا الأفق يكتب الشاعر شاهر خضرة عتباته النصية بوصفها مناطق عبور بين الذات ومرآتها، بين الحضور والانمحاء، حيث تتسابق الكلمات مع قلق الكينونة، وتقطف من ربيع العمر أكاليل الحزن وثمار الهروب الدائري من الذات إلى ذاتها.
منذ العنوان الأول لمجموعته «غناء على مؤخرة الحياة» يضعنا الشاعر أمام مفارقة تأويلية؛ إذ لا تبدو «المؤخرة» نهاية زمنية بقدر ما هي نقطة انكشاف قصوى، لحظة مواجهة مع ما تبقى من الإنسان بعد أن تجرّده التجربة من أوهامه. هنا تتحول العتبة العنوانية إلى سؤال هيرمينوطيقي مفتوح: هل الغناء فعل احتفاء بالحياة أم مرثية متأخرة لها؟ وهل الوقوف عند المؤخرة هو اعتراف بالفناء أم محاولة لالتقاط المعنى الأخير قبل السقوط في صمت اللازمن؟
في قصيدة «الرياح» تتكثف هذه الأسئلة عبر بنية رمزية متحركة، إذ يجعل الشاعر من الريح شخصية أنثوية تتجاوز التشخيص البلاغي التقليدي لتغدو استعارة وجودية مركبة. فالريح ليست مجرد قوة طبيعية، بل طاقة اقتلاع وتحوّل، امرأة هاربة ومراوغة في آن، تحتضنها الذات الشاعرة كما لو كانت تحاول احتضان ما لا يمكن القبض عليه. يقول:
«الرياح امرأة أضمها بين ذراعيّ
أعشقها من نافذة علّيتي...»
إن «العلّية» هنا ليست مكاناً مادياً فحسب، بل موقع رؤية؛ إنها المسافة التي تفصل الشاعر عن العالم وتمنحه سلطة التأمل. ومن الناحية الأسلوبية يعتمد النص على نقل الواقعي اليومي ـ حبال الغسيل، النوافذ الخشبية، الأبواب المخرّشة بالقدم ـ إلى مستوى جمالي مشحون بالدلالة. فالواقعي لا يظهر بوصفه تسجيلاً بل بوصفه طاقة إيحائية تستدرج المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى.
بهذا المعنى لا يلجأ الشاعر إلى التغريب الصادم بقدر ما يمارس «إزاحة ناعمة» للواقع، حيث يصبح المألوف فجأة غريباً دون أن يفقد ملمسه الحسي. فاهتزاز النوافذ أو حركة الغسيل تتحول إلى إشارات جسدية خفية، وإلى لغة رغبة تتداخل فيها أنوثة العالم مع عطش الذات إلى التماس.
غير أن السؤال الذي يطرحه النص أعمق من العلاقة بين الرجل والمرأة؛ إنه سؤال العلاقة بين الجسد والروح. فالمرأة ـ في مستويات عديدة من القصيدة ـ ليست موضوع عشق مكتمل، بل كيان متصدّع يعكس ارتداد الشاعر نحو الداخل. لذلك تبدو العلاقة أقرب إلى التنافر منها إلى الاكتمال، وكأن البحث عن الآخر ليس سوى محاولة لفهم هشاشة الذات.
عندما يحاول الشاعر قراءة ما كُتب على الأوراق اللاصقة بالطين و«يفشله الارتعاش»، فإن الفشل نفسه يتحول إلى علامة تأويلية. فالارتعاش هنا ليس ضعفاً جسدياً، بل انكشافاً روحياً أمام سرّ لا يُقرأ بالحواس. إن المعرفة الحقيقية ـ كما يوحي النص ـ لا تُنال باللمس، بل بالحدس.
وتبلغ الرمزية ذروتها في صورة «القميص» العالق على غصن الحطب. فالقميص، بوصفه بقايا جسد غائب، يتحول إلى علامة على أنوثة مجروحة وعلى ذاكرة معلّقة بين المطر والريح. وحين تتسلل الريح إلى فتحاته لتراقص مزقه، يتشكل مشهد مزدوج: احتفال بالحركة من جهة، وانكشاف للفقد من جهة أخرى.
أسلوبياً يعتمد النص على تضادّات متلاحقة: البلل والجفاف، الاحتراق والماء، الانغلاق والانفتاح. هذه الثنائيات لا تؤسس صراعاً خارجياً بقدر ما تكشف انقسام الإيقاع الداخلي للذات الشاعرة. فالجسد يبدو طينياً هشاً، بينما تتجه الروح إلى التجلي الصوفي، وكأن القصيدة تحاول المصالحة بين عنصرين يستحيل اتحادهما الكامل.
في هذا السياق يصبح الماء والريح مفاتيح رمزية مركزية. الماء طقس تطهير ورغبة في الولادة الجديدة، والريح قوة اقتحام وكشف. وبينهما يقف الجسد بوصفه «تياراً» عابراً، لا يمتلك سوى المرور بين حالتين من الوجود. يقول:
«جسدي تيار بينهما…
كان ظهري مغلقاً تقحمه الرياح
وجهي مفتوحاً كأغصان عراها الشتاء.»
إن الانفتاح والإغلاق هنا ليسا وصفين فيزيائيين، بل موقفين وجوديين: الظهر المغلق ذاكرة مقاومة، والوجه المفتوح استعداد دائم للانكشاف.
ومن منظور هيرمينوطيقي، تتكاثر العتبات داخل النص لا بوصفها مقدمات بل بوصفها حالات عبور متتالية. كل صورة تفضي إلى أخرى، وكل رمز يفتح باباً لتأويل جديد، حتى يغدو النص نفسه عتبة كبرى بين الحياة والموت. فالموت لا يظهر نهاية، بل احتمالاً للمعرفة؛ برزخاً قد يسمح للجذور بأن تتجذر أخيراً إذا «ولجت رؤوسها في التراب».
هنا تتجلى لذة النص بوصفها لذة الانزلاق المستمر بين المعاني. القارئ لا يستهلك القصيدة بل يشارك في صنعها، لأن الشاعر يترك فراغات مقصودة تدعو إلى التأويل. وهكذا تتحول القراءة إلى تجربة وجودية موازية، حيث يعيش المتلقي ارتجاف الأسئلة ذاتها التي يعيشها الشاعر.
إن عالم شاهر خضرة الشعري، عبر هذه العتبات المتآلفة والمتخالفة، يقودنا إلى تخوم صوفية تارة وسريالية تارة أخرى، حيث يندفع الجسد ليتخفى خلف الروح، وتتوهج النفس في مواجهة عناصر الكون. الماء والريح ليسا مجرد صورتين بل لغتان: لغة الجسد حين يشتعل، ولغة الروح حين تبحث عن خلاصها الأخير.
بهذا المعنى لا تكون القصيدة نصاً مغلقاً، بل ممارسة دائمة للعبور نحو المطلق؛ محاولة لإعادة ترجمة الإنسان داخل هشاشته، حيث تتحول الكلمة إلى نافذة، والنافذة إلى ريح، والريح إلى سؤال لا ينتهي.
***
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين






