عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

وتداعيات المسخ بمفاعيل العصرنة

رغم التسارع الهائل الذي شهدته الحياة المعاصرة، وما أفرزته مظاهر التمدّن، والحداثة، من تحولات جذرية في أنماط العيش، والتفكير، والعلاقات الاجتماعية، فقد ظل للموروث الشعبي وهجا خاصا، وسحراً متجدداً، يستوطن الوجدان، ويثير الحنين في النفس، اذ ليس بمقدور الحداثة، مهما بلغت من القوة، وشدة التأثير، أن تنتزع تلك الومضات، من أعماق وجدان الإنسان، طالما أنها ارتبطت بتكوينه النفسي، والوجداني، وأصبحت جزءاً أصيلاً من هويته، وذاكرته.

وهكذا يلاحظ أن الموروث الشعبي، ليس مجرد ذكريات عابرة لصور من الماضي، بل هو مخزون إنساني، وثقافي زاخر بالدلالات، والإيحاءات. فمن ربوع الريف الهادئة، إلى الديرة بأزقتها، وفضاءاتها المفتوحة، ومن الدواوين العامرة بأحاديث الألفة، والمحبة، إلى التعاليل، التي طالما كانت تجمع الناس على دفء التواصل الإنساني، تتشكل منظومة متكاملة من القيم، والعادات، والمشاعر، التي أسهمت في بناء الشخصية الاجتماعية، وترسيخ معاني الانتماء، ونقاء الهوية .

ولاريب إن استلهامات وجدانية عميقة، تنبثق من تراكم هذا الموروث، وتستمد وهج حضورها من غواية المكان، وصدق الإنسان، وبساطة الحياة. فالريف لم يكن مجرد مساحة جغرافية، وربوع شاخصة، بل هو فضاء إنساني رحب، تنمو فيه العلاقات على الفطرة، وتتجذر فيه قيم التكافل، والتسامح، والوفاء، حيث تبقى ذكريات النشأة الأولى الأولى، وما ارتبط بها من تفاصيل البيئة الريفية، حاضرة في الذاكرة، مهما توالى الزمان، وتغيرت الظروف.

وهكذا يفرض الموروث الشعبي حضوره في الوجدان الجمعي، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها موجات التحديث المتلاحقة. فمع كل ما حملته العصرنة من منجزات وإيجابيات، يظل الإنسان بحاجة إلى تجليات ذلك الخيط الخفي، الذي يربطه بجذور النشأة الأولى، وخلفية موروثها، ويمنحه الشعور بالاستمرار، وحضور اصالة الهوية.

ولذلك يمكن القول بإن التطور الحقيقي، لا يعني القطيعة مع الماضي، وانما القدرة على التواصل الايجابي معه، والبناء عليه، بوصفه ركيزة من ركائز الحاضر، والتطلع للمستقبل.

على أن الولع بالريف، والتفاعل مع موروثه الشعبي، ليس انحيازاً عاطفيا إلى الماضي، بقدر ما هو احتفاء بالأصالة، واستحضار للقيم الإنسانية، التي افرزتها التجارب المتعاقبة للأجيال. ولذلك يظل هذا الموروث حاضرا في الوجدان، عصياً على النسيان، مهما قست تداعيات صخب العصرنة، وتسارعت إيقاعات تطور الحياة العصرية.

ويبقى الموروث الشعبي الريفي، بما يحمله من نقاء، وعفوية، ودفء إنساني، ملهماً دائماً للذاكرة، والخيال، وملمحاً أصيلاً من ملامح اصالة الهوية، حيث تظل جذور الانتماء، أعمق من أن تقتلعها رياح التغيير مهما كانت عاتية، الأمر الذي يمنح الأصالة، قدرة عالية على البقاء، والتجدد .

***

نايف عبوش

حين يتأمل الإنسان المشهد البصري الذي يحيط به في المدن المعاصرة، يصعب عليه ألا يلاحظ ذلك الانسحاب التدريجي للألوان الصاخبة والحيوية لصالح طيف واسع من الرماديات والدرجات المحايدة. الأبيض، والأسود، والرمادي، لم تعد مجرد خيارات جمالية عابرة، بل تحولت إلى لغة بصرية تكاد توحد تفاصيل الحياة الحديثة: من الهواتف الذكية والحواسيب، إلى السيارات، والأثاث، والمباني، وحتى الفضاءات العامة والمقاهي والمتاجر. لقد أصبح العالم، على نحو متزايد، أقل احتفاءً بالألوان وأكثر ميلاً إلى الحياد البصري، وكأن الحضارة الحديثة دخلت طوراً من «التقشف الجمالي» الذي يعيد تشكيل علاقتنا بالحس والذوق والإدراك.

هذا التحول لم يعد مجرد انطباع ذاتي أو حنين رومانسي إلى الماضي، بل صار موضوعاً للدراسة العلمية والتحليل الثقافي. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في أحد المتاحف البريطانية، اعتماداً على أرشيف بصري يمتد لقرنين من الزمن ويضم آلاف الصور لمنتجات وأشياء يومية، أن العالم الصناعي المعاصر فقد قدراً كبيراً من ثرائه اللوني. الدراسة التي تناولت واحداً وعشرين نوعاً من الأشياء كشفت أن اللون الرمادي بات حاضراً بدرجاته المختلفة في نحو ثمانين بالمئة من المنتجات المصورة، وأن حضوره ازداد بصورة مطردة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

والأكثر إثارة أن نسبة الأشياء ذات الألوان المحايدة - الأسود والرمادي - ارتفعت من ثمانية بالمئة فقط عام 1800 إلى أربعين بالمئة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وإذا أضيف اللون الأبيض، فإن النسبة تقفز من خمسة عشر بالمئة إلى ستين بالمئة. وبعبارة أخرى، فإن العالم الذي عاشت فيه الروائية Jane Austen، رغم ما نتخيله عنه من تحفظ كلاسيكي، كان أكثر امتلاءً بالألوان من عالمنا الحالي.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالإحصاءات وحدها، بل بما تكشفه هذه الظاهرة عن التحولات النفسية والثقافية التي أصابت الإنسان المعاصر. فالألوان ليست مجرد خصائص فيزيائية للأشياء، بل هي، كما رأى يوهان فولفغانغ فون غوته في كتابه «نظرية الألوان»، تعبيرات رمزية ترتبط بالوجدان الإنساني وبكيفية إدراكنا للعالم. لقد اعتبر غوته أن اللون «يعانق الروح مباشرة»، وأن لكل لون أثراً نفسياً وأخلاقياً يتجاوز الرؤية الحسية الخالصة. ومن هنا فإن انحسار الألوان لا يمكن فهمه فقط بوصفه تحوّلاً تصميمياً، بل باعتباره انعكاساً لتحول أعمق في الحساسية الإنسانية ذاتها.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في المنتجات اليومية. فالهواتف المحمولة التي كانت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تحتفي بالألوان المشرقة عادت اليوم إلى درجات الأسود والفضي والرمادي. وكذلك السيارات، التي أصبحت ألوانها أكثر تجانساً ورتابة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن سبعين بالمئة من السيارات المعاصرة تنتمي إلى الطيف المحايد، بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز أربعين بالمئة قبل ربع قرن فقط.

ولم يتوقف الأمر عند الأشياء المادية، بل امتد إلى الثقافة البصرية والخيال الفني. فالأفلام والمسلسلات الحديثة تميل بصورة متزايدة إلى البرودة اللونية والظلال القاتمة. ولم يعد هذا مجرد خيار إخراجي محدود، بل تحول إلى سمة جمالية تكاد تهيمن على الصورة السينمائية المعاصرة. وقد بدا ذلك واضحاً في أعمال مثل The Matrix وThe Lord of the Rings، حيث أُعيد تشكيل اللون بوصفه أداة لصناعة عوالم مشبعة بالقلق والاغتراب والنهايات الكارثية.

وربما لا يمكن فصل هذا الانطفاء اللوني عن المناخ النفسي العام للعصر. فالفيلسوف الألماني فالتر بنيامين كان يرى أن الحداثة تنتج نوعاً من «فقر التجربة»، حيث يفقد الإنسان علاقته الحميمية بالأشياء والعالم بفعل التسارع الصناعي والتقني. وكأن فقدان الألوان هو أحد أعراض هذا الفقر الوجودي؛ إذ لم تعد الأشياء تُصنع لتُعاش جمالياً، بل لتؤدي وظيفة سريعة داخل دورة استهلاك لا تهدأ.

ومن جهة أخرى، أسهم صعود فلسفة «الحد الأدنى» أو الـMinimalism في تكريس هذا الاتجاه. لقد تحولت البساطة البصرية إلى مرادف للرقي، وأصبح الفراغ والنقاء الهندسي عنواناً للذوق المعاصر. ويمكن رؤية ذلك في العمارة الحديثة، وفي تصميم المطارات والمكاتب والمنازل، وحتى في الخطوط الطباعية والشعارات التجارية. وكأن العالم كله يسعى إلى التخلص من الفائض اللوني باعتباره عبئاً أو تشويشاً بصرياً.

لكن هذه النزعة لا تخلو من دلالة أيديولوجية أيضاً. فالفيلسوف الفرنسي جان بودريار أشار في تحليلاته للمجتمع الاستهلاكي إلى أن الرأسمالية المتأخرة لا تنتج الأشياء بوصفها حاجات فقط، بل بوصفها علامات ورموزاً قابلة للتوحيد والتكرار. ولذلك تبدو المدن الحديثة متشابهة إلى حد مقلق، كما لو أنها نسخ متكررة من نموذج بصري واحد. المنازل، والمقاهي، والمتاجر، وحتى الشعارات التجارية، جميعها تتجه نحو التجانس نفسه، إلى درجة ظهور مصطلح «blanding» لوصف هذه الظاهرة التي تستبدل الهوية البصرية المتفردة بتصميمات باردة ومحايدة.

ويمكن القول إن هذا التوحيد اللوني يعكس، في جانب منه، حالة من القلق الوجودي الجماعي. فالعصر الذي يعيش هاجس الأزمات البيئية، والانهيارات الاقتصادية، والحروب، والاغتراب الرقمي، هو عصر يميل ــ لا شعورياً ــ إلى الألوان الباردة والكئيبة. وكأن المخيلة الجماعية فقدت قدرتها على تخيل عالم مفعم بالحيوية. هنا يمكن استحضار مقولة فريدريش نيتشه الشهيرة: «لدينا الفن كي لا نهلك من الحقيقة». غير أن الفن المعاصر نفسه بات، في أحيان كثيرة، أسير تلك الحقيقة القاتمة التي يعكسها بدلاً من مقاومتها.

ومع ذلك، فإن تاريخ الذوق الإنساني يعلمنا أن التحولات الجمالية ليست ثابتة. فكما صعدت الألوان المحايدة بوصفها تعبيراً عن مرحلة ثقافية معينة، يمكن أن يعود العالم إلى استعادة ألوانه بوصفها حاجة نفسية وروحية. وربما يكون الشعور المتزايد بالإرهاق والقلق والوحدة دافعاً نحو إعادة اكتشاف القيمة الوجودية للون باعتباره طاقة للحياة لا مجرد عنصر زخرفي.

ولعل من اللافت في هذا السياق أن شركة Fiat أعلنت مؤخراً تخليها عن إنتاج السيارات الرمادية، مبررة ذلك بأن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكآبة البصرية. قد يبدو القرار تسويقياً في ظاهره، لكنه يحمل دلالة رمزية أعمق: الإنسان، مهما غرق في الحياد والبرودة، يظل في حاجة إلى لون يوقظه من رتابة العالم.

فاللون، في نهاية المطاف، ليس مجرد خاصية للأشياء، بل هو شكل من أشكال المقاومة؛ محاولة لإضفاء المعنى على الوجود، وإعادة السحر إلى عالم أخذ يفقد، شيئاً فشيئاً، دهشته الأولى.

***

محمد إبراهيم الزموري

إن الطريق إلى الذات هو أطول الطرق وأقصرها في آنٍ واحد.. أطولها، لأن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يفتش عن نفسه في وجوه الآخرين، وفي المرايا التي تعكس صورته ولا تعكس حقيقته. يركض خلف الأسماء والألقاب والإنجازات، ويظن أن هويته تتشكل مما يملكه أو مما يقوله الناس عنه، بينما تبقى ذاته الحقيقية جالسة في مكانٍ قصيّ من روحه، تنتظر أن يلتفت إليها.

وهو أقصر الطرق، لأن ما نبحث عنه ليس بعيدًا عنا. إنه يسكن في أعماقنا منذ البداية. غير أن القرب أحيانًا يكون أشد خفاءً من البعد؛ فنحن نرى النجوم البعيدة ولا نرى الضوء الذي يشتعل في داخلنا.

الإنسان كائنٌ غريب؛ يعبر القارات ليكتشف العالم، لكنه يتردد في عبور المسافة الفاصلة بين عقله وقلبه. يعرف أسماء المدن والأنهار والجبال، لكنه يعجز أحيانًا عن تسمية خوفٍ يسكنه أو حلمٍ يؤرقه. ولذلك كانت معرفة النفس أعظم المعارف وأشدها مشقة.

فالذات ليست شيئًا ثابتًا نعثر عليه مرة واحدة، بل نهرٌ يتجدد مع كل تجربة، ومرآةٌ تتغير مع كل سؤال. وكلما ظننا أننا أدركنا حقيقتنا، اكتشفنا طبقةً أخرى أعمق من الوعي، وأكثر غموضًا من اليقين.

وربما لهذا السبب كانت الحكمة الحقيقية لا تبدأ حين نعرف العالم، بل حين نكفّ عن الهروب من أنفسنا. ففي لحظة الصدق النادرة، حين يسقط ضجيج الخارج، ويهدأ صخب الرغبات، يسمع الإنسان ذلك الصوت الخافت الآتي من أعماقه؛ الصوت الذي لا يخبره من يكون فحسب، بل من يمكن أن يكون.

عندها يدرك أن الرحلة لم تكن نحو مكانٍ آخر، بل نحوه هو. وأن المسافات التي قطعها في الحياة لم تكن سوى دوائر واسعة تعيده إلى النقطة الأولى: إلى نفسه.

وهكذا يبقى الطريق إلى الذات أطول الطرق، لأن العمر كله قد لا يكفي لاكتشافها، وأقصرها، لأن أول خطوة فيه لا تحتاج إلا إلى شجاعة النظر إلى الداخل. فهناك، في أعماق الصمت، تبدأ الحكاية الحقيقية للإنسان.

***

د. صابر الحميدي

 

"أي شيء ألهاكَ عن سرّ مَن راء

وظلٍّ للعيش فيها ظليلِ"

الجامع الملوية بنيَ للفترة (234 -237) هجرية، في زمن المتوكل، ولا توجد قصيدة للبحتري تمعن بوصفه، أو ذكر للملوية في قصائده، وهذه من الغرائب التي يصعب تفسيرها.

الجامع الملوية هندسه وأشرف على بنائه، المعماري الكلداني النسطوري (دليل بن يعقوب)، وإختصر الوظيفية والرمزية والجمالية ببنائه الخالد، ويُقال كان من المقربين للخليفة المتوكل، وبنى له العديد من القصور.

وهذا الصرح المعماري المتميز لم يدم طويلا، فبعد مقتل المتوكل إمتدت إليه يد الخراب والدمار، فالظاهر أن خلفاء بني العباس لاحقهم يمحق ما شيّده سابقهم، ومن الملاحظ أن المنتصر بالله (247 - 248) بعد قتله لأبية، حاول أن يقضي على آثاره إبتداءً بالقصر الجعفري المنيف، وربما يكون له دور في تخريب الجامع الملوية، ذلك الجامع الأكبر في زمانه، والأجمل في عمرانه.

ولا يمكن إستحضار أي سبب مقنع عن خراب الجامع، ففي إسبانيا جوامع أقدم منه ومبنية بالطابوق ولاتزال على تمام حالها منذ أن شيدها العرب.

فالجامع الملوية عبثت به أيادي محلية وتناهبته وعاثت به خرابا، وسرقت ما فيه من أثاث ومفروشات وغيرها من التحف والتلائد.

فالجامع الملوية خرّبه المسلمون، وكذلك جامع أبي دلف الذي يقع شماله بحولي 15 كم.

وقد وصف إبن المعتز بقصائده خراب سامراء بعد إنتقال العاصمة منها، مما يشير إلى أن أهل المدينة وما حولها، هم الذين هدموها وشيدوا بيوتهم من أحجارها، ربما إنتقاما من الأتراك الذين تسيدوا في ربوعها.

فكيف بربك يتحول الجامع الأكبر إلى ركام، وما عادت تقام به الصلاة، وكأنه كان يمثل فترة حكم عليها أن تندثر.

جامعان من أبهر جوامع الدنيا في زمانهما، يتحولان إلى أنقاض، وما بقيت منهما إلا منارتيهما، فهل يعقل ما جرى لهما؟

سيتهمون هولاكو وجيوشه، وهذه فرية لا رصيد لها من الواقع، فهو الذي دخل بغداد في (656) هجرية، وسامراء إنتهت كعاصمة وعمّها الخراب بعد (279) هجرية مباشرة، وفقا لما جاء في قصائد إبن المعتز المولود والمترعرع فيها.

تهدّمَتِ الجوامعُ والقصورُ

وماتَ رجالُها فأتى الثبورُ

فسامراءَ أوْجعها عِداها

بتخريبٍ وتشويهٍ يَدورُ

وما فازتْ بداعيةِ انْطلاقٍ

كأنّ زمانَها دوماً يَجورُ

***

د. صادق السامرائي

.........................

*هذه قراءة نفسية سلوكية للتأريخ قد تقبل الخطأ والصواب.

أيُعقل أنْ تتّسع قبضةٌ من ترابٍ لما ضاقت عن الإحاطة به المجرّات؟.. وهل لك أنْ تتصور كيف تُودَع في كيانٍ محدودٍ أسرارُ وجودٍ لا تحدّه الجهات، وكيف تنطوي في نفسٍ واحدةٍ خرائطُ المعنى الممتدة بين أول السؤال وآخر اليقين؟

ما الإنسان إلّا لغزٌ يتجدّد كلما ظنّ أنه فكّ شيفرته. هو آيةٌ تتجاوز ظاهرها كلما أوغل العقل في تأملها. تراه واقفًا بين الأرض والسماء على قدم تشهد أصله الطيني، تنازعه روحه نحو الأعالي، ولا يفتأ عقله يطرق أبواب المجهول مستفهمًا: من أنا؟ وما هذا الكون الذي أراه خارجًا عنّي، وأجده على نحوٍ عجيب مستقرًّا في أعماقي؟

فسبحان من جعل في الذرّة معنى الكون! وسبحان مَن جعل في الإنسان مرآة الوجود!

فإذا تأمّل الناظر دبيب النملة أدرك حكمة السعي، وإذا أطال النظر في الْتِماع النجوم أبصر جلال الامتداد، ثمّ عاد إلى نفسه ليكتشف أنّ ما تفرّق في الآفاق قد اجتمع فيها، وما تناثر في أرجاء الكون قد انعقد خيطه في سرّها الخفي.

فأيُّ سرٍّ هذا الذي أودعه الخالق في الإنسان؟ وأيُّ كونٍ ذلك الذي اختصره في قبضةٍ من طين ونفخةٍ من روح؟!

اعلمْ يا صاحِ أنّ الإنسانَ ما هو إلا آيةٌ تمشي على الأرض، كلما ازداد تأملًا في الوجود ازداد يقينًا بأنّ أعظم الأسرار كامنةٌ في أعماقه.

وكيف لا، وقد قيل: "وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر".

فيا للعجب! ما بين ومضةِ فكرٍ تعبر الخاطر، ومجرةٍ تسبح في فضاءٍ لا تحدّه الأبصار، إنّه نسبٌ خفيٌّ لا تدركه العيون، وإنما تهتدي إليه البصائر.

إنّ الإنسان ساكنٌ في هذا الكون، وإنّ هذا الكون ساكنٌ فيه.

تتجاور في روحه الفوضى والنظام، ويتصارع في وجدانه الشكُّ واليقين، وتتعانق في قلبه رهبةُ السؤال ولذّةُ الاكتشاف.

تأمّلوا كيف تمضي النملة في دربها الواهن، لا يثنيها طول المسير، ولا يفتّ في عزمها وعثاء الطريق؟

أليس في دبيبها درسٌ يفوق ضجيج الخطب وبلاغة الكلمات؟

وانظروا إلى النجوم كيف تنثر ضياءها في صحائف الليل دون أنْ تطلب ثناءً أو تنتظر جزاءً.

أليس في صمتها من الحكمة ما يعجز عن بيانه كثيرٌ من المتكلمين؟

ما أضيق الإنسان عندما يحبس نفسه في حدود الجسد!

وما أوسعه عندما يدرك أنّ المعرفة انكشافٌ متدرّجٌ للحقيقة!

فكلما فتح بابًا من العلم وجد وراءه أبوابًا، وكلما ظنّ أنه بلغ شاطئ الفهم باغتته أمواج الأسئلة من جديد.

وهل خُلق العقل إلا ليُبحر؟

وهل وُجدت الدهشة إلّا لتبقى جذوة المعرفة متّقدة؟

يا بنَ التراب، لا تغترّ بما تعلم، ففوق كلّ علمٍ علم، وفوق كلّ كشفٍ حجاب، وفوق كلّ أفقٍ أفق.

وما الحياة إلا رحلةُ ارتقاءٍ بين سؤالٍ وسؤال، وبين تأملٍ وتأمل.

فهلمّ إلى الإنصات لدبيب النملة، وإلى الإصغاء لصمت النجوم، ففي همس الأرض، ونداء السماء حكمٌ لا تُلقّن، وأسرارٌ لا تُوهب إلا لمن أحسن التأمل.

وهكذا نظلّ نتعلّم من ذرةٍ في قرار الأرض، ومن نجمٍ في أقاصي السماء، ومن لحظةِ وعيٍ تشرق في أعماق النفس.

وما أعظم الإنسان الذي يعرف قدره الحقيقي، فهو كونٌ كبيرٌ أودع في جرمٍ صغير!

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

ما الموسوعة؟.. سؤال ثقيل كجبل، يفرض نفسه اليوم في زمن صرنا فيه نحسب الكلمات بالتغريدات، ونقيس العمق بعدد الحروف. ما الموسوعة؟ هل هي مجرد خزان إسمنتي بارد، نصب فيه المعلومات صبّاً، كما نصب الماء في جرار الفخار الميتة، حتى إذا طال بها الزمن، فقدت روحها وعذوبتها، وتحولت إلى شيء راكد لا يصلح لظمأ السائلين؟ أم أنها روح حية تتجسد في الكلمات، ونبض خفي يتشكل بين السطور، وعقل نير يطل من علياء المعرفة على سهول الجهل فيحولها بقدرة قادر إلى حدائق غناء وارفة الظلال، يأوي إليها التائهون ويستظل بفيئها الحائرون؟

وهل الشخص الموسوعي الذي نبحث عنه هو الناسخ الأمين، الذي يكدس أقوال السابقين كما يكدس عامل البناء الحجارة فوق بعضها، بلا روح ولا سؤال، حتى يصبح الجدار أخرس لا ينطق؟ أم هو صاحب البصيرة التي تخترق الحجب، ذاك الذي يوحى إليه من عقله، فيحمل مشكاة النور في غياهب الظلام، ويقف كالشاهد العدل على ثغرة الوعي كي يصد عنا طوفان النسيان الجارف الذي يهدد بإغراقنا جميعاً؟

الموسوعة الحقة، في جوهرها الذي نبحث عنه، هي رؤية متكاملة للكون، محاولة يائسة ونبيلة للإمساك بالحقيقة الهاربة منا، للإجابة عن سؤال الوجود الأزلي. إنها سعي الإنسان، هذا المخلوق العجيب الذي جمع الله فيه من الطين ومن النفخة الربانية، لأن يقبض بيده المرتجفة على المعنى المتواري خلف ضباب الأيام، وأن يبني من شتات المعرفة المتناثرة حوله بيتاً مكيناً يسكنه العقل ويطمئن إليه القلب، فلا يضل الطريق بعدها أبداً.

وما الأديان؟

ها هو سؤال آخر يلح علي وعليكم. ما الأديان في حقيقتها وجوهرها؟ هل هي أبراج عاجية شامخة، نصعد إليها ثم نقفل أبوابها على أنفسنا، لننظر إلى الآخرين من شرفاتها الضيقة نظرة الشفقة أو الازدراء، وقد ظننا أننا وحدنا المهتدون، وأن الله محصور في حيزنا الضيق؟ أم أنها أنهار متعددة، تجري في أودية مختلفة، وتتشكل على قدر الأرض التي تمر بها، لكنها تتجه جميعاً، في سر خفي لا ندركه، إلى بحر واحد لا ساحل له، هو بحر الحقيقة المطلقة التي لا يدرك كنهها إلا الله؟

وهل خلق الاختلاف بين الناس في عقائدهم ومللهم ليكون نقمة تستحل بها الدماء، وتبرر بها الحروب، وتسوغ بها مذاهب الإقصاء والتكفير، حتى صارت كلمة الحق أداة للقتل؟ أم خلق الاختلاف ليكون آية من آيات الله الباهرة، كما تختلف ألوان الزهر في الروضة الواحدة، وكما تتعدد ألحان الطير على الغصن الواحد، كل منها يسبح الله على لسانه، ويتجه إليه بوجهته التي هداه إليها، ولا فضل لزهرة على أخرى إلا بعطرها، ولا لطائر على آخر إلا بتسبيحه؟

أسئلة تضطرب في الصدور كأمواج البحر الهائج، تضيء في العقل ولا تحرق، توجع القلب ولا تقتل، توقظ الضمير من سباته العميق. أسئلة هي ثمرة التأمل في ملكوت الله، وحصيلة النظر في سننه التي لا تبديل لها. وهنا يثور سؤال آخر هو لب الأسئلة وخلاصتها هل نحن، حقاً، طلاب حقيقة خالصة؟ أم أننا طلاب طمأنينة رخيصة ندفع ثمنها من جيوب عقولنا؟ هل نبحث عن وجه الله بحث الصادق المتجرد، الذي لا يبغي إلا الحق حيثما كان ومع من كان؟ أم نبحث عن صورنا في مرايا الكتب، فلا نرى منعكساً على صفحاتها إلا وجوهنا، ولا نسمع من أصدائها إلا أصواتنا، ولا نعبد من خلالها إلا أصناماً صنعناها بأيدينا من أوهامنا، ثم خررنا لها ساجدين باكين، نظن أننا نعبد الله؟

قديماً، كانت الموسوعات الكبرى تنبثق من صميم حضارتنا انبثاق النور من قلب الظلمة. كانت مرايا تعكس روح العصر، وتنحتها من صخر العدم نحتاً. كان "الفهرست" لابن النديم عالماً يفيض بالحياة، يشهد على أمة كانت المعرفة تجري في عروقها كما يجري الدم. وكانت رسائل "إخوان الصفا" مجرة مضيئة في سماء الفكر، تتلألأ بالعلم كشمس الصباح بعد ليل دامس. وكان "العقد الفريد" لابن عبد ربه عقداً من النجوم حقاً، تنظمه يد أديب بارع يعرف أن البيان من السحر، وأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. كانت تلك الموسوعات شوامخ كالجبال، ثقوباً من نور تخترق جدار الزمن، توقظ الوسنان وتذكر الغافل بأن هذه الأمة كانت أمة اقرأ، وما ضعفت إلا حين هجرت القراءة وأخلدت إلى التقليد الأعمى.

أما اليوم، فلدينا عمل موسوعي جليل، عنوانه الدال على مضمونه: "موسوعة الأديان العالمية"، نشرته جامعة محمد بن زايد، قضى صاحبه الدكتور محمد عثمان الخشت في محراب تأليفه أربعين عاماً كاملة. أربعون عاماً من عمر الروح والجسد، سهر فيها الليالي الطوال يقلب الصفحات، وينقب في المصادر، ويوازن بين النصوص. ثم لا يلقى هذا العمل منا إلا عبوراً خاطفاً، عبور كرام ثقيل، كأنه خبر صحفي عابر في زحمة الأخبار، في زمان أضعنا فيه هيبة الكلمة، وأصبح المرء يوزن فيه بما يملك لا بما يعلم. وهنا، أجدني مضطراً للتوقف طويلاً أمام مشروع الرجل، توقف المتأمل المتفكر، لا العابر المار، لأوجه إليه أسئلة من طينة الصدق لا المجاملة.

أولاً: فضاء المشروع وخرائط اللحظة

لا يمكن إدراك هذا الجهد إلا إذا تأملنا خريطة الوعي التي نقف عليها اليوم. إنها خريطة ممزقة الأوصال، تتصارع في فضائها ثلاث رياح عاتية لا تبقي ولا تذر. الريح الأولى: صعود خطاب ديني متطرف حصر الدين في جثة النص، وأجهز على روحه، وحول الإيمان إلى فقه تكفيري متحجر، وإلى نصل حاد في قبضة كل من ظن أنه المالك الأوحد للحقيقة. الريح الثانية: انحسار دور النخب المستنيرة، وانشغال ما تبقى منها بمعارك وهمية في فقاعات التواصل الاجتماعي، بينما يتراجع مشروع النهضة العربية ليغدو حلماً بعيداً. الريح الثالثة: أزمة المنهج، حيث يسود إما منهج دفاعي مذعور يبرئ الأديان من أي مساءلة معرفية، وإما منهج هجومي عدائي ينطلق من خصومة مسبقة للدين، يصوغ أحكامه قبل أن يبدأ رحلة البحث الصادق. في هذا السياق العاصف، يبزغ مشروع الخشت بزوغ الفجر، قائماً على قراءة الأديان من منظور المقارنة العلمية الواعية، لا من منطق الانتصار الأجوف لدين على دين. وهذا الفعل المنهجي في حد ذاته إنجاز تأسيسي، أشبه بمن يشيد بيتاً من العقل في عين الإعصار. ولقد دفع الرجل ثمناً باهظاً، إذ حين تجهر بأن "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" في زمن صار فيه التكفير بضاعة رائجة، فأنت تضع نفسك في الخندق الأمامي المواجه.

ثانياً: بين تأليه الحقيقة وأنسنة الرحمة

عند عبارة "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" أقف طويلاً. إنها تنطوي على ثورة في عالم الأفكار. فإثبات أن التعددية سنة كونية يضرب بجذوره في فكرة العدل الإلهي، فالإله الحق لا يمكن أن يكون "لاعب نرد" يخلق البشر مختلفين، ثم يحكم على من خالف هذا الطريق أو ذاك بالعذاب الأبدي. هذا تصور ينتقص من كمال العدل الإلهي. تصور الخشت البديل يقودنا إلى أفق أرحب للرحمة الإلهية، يتجاوز الحدود الضيقة التي وضعها البشر، ويقترب في روحه من فلسفات التعددية الدينية عند جون هيك، لكن بصياغة إسلامية صوفية عميقة تجمع بين أصالة المنبع وحداثة المنهج. على المستوى الديني، يدخل الخشت بشجاعة قلب الإشكالية الكبرى: كيف نوفق بين فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، والاعتراف بشرعية وجود الآخر؟ إنه يفتح طريقاً ثالثاً بين اتجاهين مميتين: إلغاء كل الأديان إلا ديناً واحداً، أو القول بتساويها تساوياً مطلقاً. طريقه يقوم على تمييز بديع بين الاعتقاد الداخلي والسلوك الخارجي. يمكنني أن أعتقد أن ديني هو الحق، لكن في الفضاء المشترك أعترف بشرعية وجود الآخر، فأنا إن اعتديت عليه أكون قد اعتديت على سنة الله في خلقه. هذا موقف شجاع، وقد يكون حله هو العودة الخلاقة إلى نظرية المقاصد في الشريعة، التي تشكل أرضية مشتركة للتعاون على الخير، فالاختلافات في الفروع لا تلغي وحدة الأصل الإنساني.

ثالثاً: في متاهات النقد الداخلي

بعد هذا كله، اسمحوا لي ببعض النقد الداخلي الصادق، نقد من هو من أهل الدار.

أولاً، إشكالية التلقي: قضى الرجل أربعين عاماً يؤلف موسوعته. لكن السؤال الذي يلسعني: من يقرؤها اليوم في زمن الاستهلاك المعرفي السريع؟ أين ترجمة هذا المشروع إلى خطاب تعليمي للشباب التائه؟ أين الكتب الموجزة التي تقدم أفكاره بأسلوب يخاطب القلب قبل العقل؟ أخشى أن يظل هذا الإنجاز حبيس رفوف الأكاديمية، بينما يملأ المتشددون الفراغ بخطابهم السهل الممتنع.

ثانياً، غياب السياسي والاقتصادي: مشروع الخشت يركز بعمق على البعد الديني والفلسفي. لكن لماذا ينتشر التطرف تحديداً في المجتمعات الفقيرة المحرومة؟ ما العلاقة بين الأزمة الاقتصادية وتبني خطابات العنف؟ يمكنك أن تقدم أرقى خطابات التسامح، لكن إذا كان الشاب لا يجد قوت يومه، ولا يلمح شرارة عدالة اجتماعية، فسيبحث عن خطاب بديل يمنحه هوية وسيفاً. مشروع الخشت لا يتعامل مع هذا البعد إلا بشكل هامشي، وكأن الروح يمكن أن تزدهر بلا جسد يحميها.

ثالثاً، نقد النص الديني: هذه هي النقطة الأشد حساسية. يقوم مشروع الخشت على أن النصوص المقدسة تحمل في صميمها روحاً سمحة. لكن ماذا نفعل بالنصوص التي يبدو ظاهرها متناقضاً مع روح التسامح؟ منهجه يعتمد على آليتي التأويل والتاريخية، وهذا صحيح وضروري، لكنه لا يكفي. تظل الحاجة ماسة إلى نظرية متكاملة متماسكة في التعامل مع النص، تحدد لنا: متى نأخذ بالظاهر، ومتى نؤول؟ وما ضوابط التأويل المانعة من الانفلات؟ هذه النظرية لم تصمغ بعد صياغة شافية كاملة في هذا المشروع، وما تزال تمثل ثغرة ينفذ منها الخصم.

ويبقى السؤال الأعمق هو هل نحن، القراء والنقاد، على مستوى هذا المشروع؟ هل لدينا الجرأة على مناقشته دون تحيز، والصبر لنقرأ ألف صفحة في زمن التغريدات؟ هذا سؤال موجع، وجوابه ليس مضموناً. لكن، في هذه اللحظة، دعونا نعترف بأن السؤال قد وضع بقوة على المائدة. ويبقى الخبر الأجمل: أن هناك مثقفاً عملاقاً، في ركن من هذا العالم العربي الصاخب، قضى عمره يبني مشروعاً فلسفياً ضخماً يستحق أن ينظر فيه. ويبقى، رغم كل النواقص، شاهداً على أن جذوة الحياة الفكرية لم تنطفئ بعد في هذه الأرض، وأن في هذه الأمة بقية صالحة من فرسان الأسئلة الكبرى، الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.

***

د. عبد السلام فاروق

يشهد عالمنا المعاصر حالياً، تسارعاً غير مسبوق، في وتيرة حركة العصرنة، التي طالت كل المجالات، حيث أنها باتت تستهدف تحديث أنماط الحياة، ومواكبة التطورات العلمية، والتقنية، والفكرية، التي يشهدها العصر الراهن، فقد أصبحت العصرنة سمة ملازمة لمجتمعات اليوم، في التنمية، والتقدم، وبالتالي فإنه لم بعد بامكان مجتمع ما، أن يبقى بمعزل عن تداعيات التحولات المتلاحقة، التي تفرضها العصرنة مع متغيرات الزمن.

 وتجدر الإشارة إلى أنه رغم من كل ما افرزته العصرنة من إيجابيات متوالية، فانها افرزت في نفس الوقت، تداعيات سلبية صاخبة، تثير الكثير من التساؤلات، والجدل.

ولا شك ان العصرنة أسهمت في إحداث نقلة نوعية في مختلف مجالات الحياة. ففي الجانب العلمي، والتقني، وفرت وسائل متقدمة للاتصال، والتواصل، واختصرت المسافات، وسهلت الوصول إلى المعرفة والمعلومات. كما ساعدت على تطوير الخدمات الصحية، والتعليمية، والإدارية، ورفعت من مستويات الإنتاج، وكفاءة الاداء في العديد من النشاطات الاقتصادية، والصناعية، حيث أصبحت التكنولوجيا الحديثة، عاملاً مؤثراً في تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص العمل، والإبداع، والابتكار.

وفي المجال الاجتماعي، عززت العصرنة، قيم الانفتاح، والتفاعل بين الثقافات، والشعوب، وأسهمت في نشر الوعي بحقوق الإنسان، وترسيخ مفاهيم المشاركة المجتمعية.كما أتاحت للأفراد فرصاً أوسع للتعبير عن آرائهم، ومواهبهم، وأوجدت فضاءات جديدة للتعلم، والتواصل، وتبادل الخبرات.

ولابد من الإشارة إلى أن العصرنة، من جهة أخرى، افرزت تداعيات سلبية صاخبة، لا يمكن تجاهلها. فالتداعيات المتسارعة التي افرزتها، والتغيرات التي فرضتها في أنماط الحياة الحديثة، أدت إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، وتراجع مظاهر التفاعل الإنساني المباشر، لصالح التواصل الافتراضي.

كما أن الانفتاح الواسع على الثقافات المختلفة، قد افرز تحديات تطال اصالة الهوية الثقافية، والقيم الأصيلة، في كثير من المجتمعات.

ولعل من التداعيات الأخرى الجديرة بالاهتمام، ظاهرة تصاعد النزعة الاستهلاكية، التي رافقت التقدم التقني، والاقتصادي، الذي افرزته العصرنة، حيث أصبح الكثير من مجتمعات اليوم، أسير سباق متواصل، نحو اقتناء المنتجات الحديثة، وهوس ملاحقة الصيحات الجديدة.

 كما أسهمت التقنية الرقمية، كاحد مخرجات العصرنة، في إفراز سلبيات جديدة، تتعلق بالانغماس التام في المنصات الإلكترونية، والإدمان على استخدامها، وتشتت الانتباه، وتراجع الخصوصية.

ولم يعد التحدي الحقيقي في التعامل مع ظاهرة العصرنة، يكمن في رفض العصرنة، أو القبول بها بصورة مطلقة، وانما يمكن في كيفية التفاعل البناء معها، وترشيد استخدامها، ومن ثم توظيف منجزاتها، بما يخدم الإنسان، ويحافظ في الوقت نفسه، على منظومة القيم، ويصون الثوابت الثقافية، والاجتماعية، من المسخ، والضياع، بتداعياتها الصاخبة، في جوانبها السلبية.

وتبقى العصرنة، ظاهرة إنسانية شاملة، تحمل في طياتها إيجابيات متوالية، فتحت آفاقاً واسعة للتقدم، والازدهار، لكنها في الوقت نفسه أفرزت تداعيات سلبية صاخبة، تتطلب قراءة واعية، ومراجعة مستمرة.

وبين تلك المكاسب، والتحديات، يتطلب الأمر، العمل على استغلال ظاهرة العصرنة بعقلاتية، وتوظيف ايجابياتها في تطوير المجتمع، وتحسين الخدمات، والحد من تحولها، إلى مصدر للاضطراب، والمسخ، والتشويه، وفقدان التوازن.

***

نايف عبوش

حين نرفض بأن نكون من نوعية البيادق، فإن الأمر لا يعدو من الشتم القدحي، بل فيه نوع من استحداث آراء مفتوحة وبالتضاد المريح. حظيرة القدارة يتجمع فيها القطيع للحديث عن آراء الحلم الضائع، والبحث عن إمكانات تدوير المستقبل المكسور، عندها قد يتفوق الذكاء على نفسه وبإمكانياته الخاصة. هي عقلية ثابتة ومتغيرة من فلسفة "كهف أفلاطون" الذي يرمز للجهل والوهم خارج تفكير الحظيرة.

اليقين بالوهم أصل التعاسة التي نُكابد العيش في نعشها، من تم قد نفر من الماضي جميعا، ونحن نحمل خوفا مزدوجا في كل تجلياته الوظيفية، لكنه يبقى حاضرا ويفد عندنا بلا تقطع بدواعي عاداته في محاربة الظلم والشر، وكلما هزنا الحنين للماضي أعطيناه قبس نور للظهور، عملنا ما بودنا على استحضاره وبلا قتل رمزي يفوق الحقيقة. من المفارقات غير السوية حين يصير المستقبل يُماثل وَهم السراب. من موانع اقتحام التغيير، حين يبقى الماضي حاضرا، ويتحكم في تحويل سكة تحرك المستقبل، ونتوسل بألا تأخذ طبيعة العدالة مجراها في محاربة الوهم.

من دواعي الحنق المكلفة، حين يكون عيشنا عيش الخدع وبلا نهاية مريحة، وبلا حكمة من صياد المتعة" اياك ان تترك الحيوان يعاني..." هي إنسانية الصياد بالقتل الرحيم لترويض النفس في قبول القتل كفعل للمتعة. هنا تحدث صدمة الواقع التي توقع الصراع بين الحاضر والمستقبل والشعور بالوحدة، وبأن طريق العودة من الماضي لن يكون في الأمان.

هنا تكون الحقيقة لا هذا ولا ذاك، فنحن نتحدث عن غياب الثقة في أحداث آتية من الماضي مهما كان شكلها وبعدها، مما يفقدنا القدرة السلمية على اقتحام الحاضر والمستقبل ببدائل نظيفة، تقتل سياسة العبث الذي يحفر في عقل الانسان بالاستدامة. هي لعبة الحياة التي لا تنتهي قطعا بالفرح، بل ببداية الندم، وبكاء التماسيح الذي قد نتلفه ونتلف حتى محتواه في فعل الصيد الكيدي.

فلسفلة الفرح والحزن التبادلية تبقى عبارة عن مخطوطات (كارتونية) ترسم مواقع الحرب والكر والفر، لترويض النفس في قبول الآخر والمستقبل الغائر. فحين يحضر الحزن في الحاضر نتوقع أن علبة الصندوق قد فتحت ليلة قدرها لتُعري عن أنياب المخيبات، وتستجدي التغيير والإصلاح، وتعلن:" أنت في مساحتي الذاتية تراجع من فضلك... للأمان...".

قد نفقد متعة الحياة في الحاضر والمستقبل، لكنا قد لا نفقد حلاوة الماضي إذا ما طورنا بناء فرص عقباته إلى قناطر طريق سالكة، وبدون مخفضات سرعة نحو حلم امتلاك تمكين المستقبل.

حقيقة أن الثقافة لازالت تغترف من الماضي سر الكتابة بقلم الرصاص وممحاة رأس التحكم، وتوليفة بزّازة/ رضاعة "الريع حلال" والإكراميات الممتدة. الآن، وفي ظل التغيرات الاجتماعية المتفاقمة بالسرعة، وفي ظل طفرة رُزْمة التحولات المعلوماتية" الذكاء الاصطناعي"، بتنا جميعا نعيش ضمن شاشة هاتف ذكي، وبات العالم بين أيدي الجميع بالمكاشفة والتمسح عليه، بدل أدعية المزارات والزوايا.

***

محسن الأكرمين

ثلاثون عاما من الصحبة الثقافية، لا أحسبها إلا كما يحسب الشيخ خطواته في محراب منذ أن عرف الطريق. ثلاثون عاما لم أر فيها الدكتور مدحت الجيار إلا كما ترى النخلات بعضها في واحة نائية ظلالا وارفة لا تضطرب، وجذوعا مشدودة إلى عنان السماء لا تنحني للريح. لم أسمع له صوتا يعلو، لأن من امتلك جوهر الحقيقة أغناه بريقها عن ضجيج الحناجر. لم يسع إلى منصب زائل، لأنه تبوأ منذ البدء منصب الكلمة الصادقة، وهو أشرف المناصب وأبقاها. ولم يلهث وراء ضوء عابر، لأنه صار بذاته نبراسا، والنبراس يهدي السائرين في العتمة.

كان يبني.. في ذلك الصمت العميق الذي لا يعرفه إلا أرباب الأسرار، أولئك الذين أيقنوا أن البناء الحق يبقي شامخا بعد رحيل بانيه. كان يبني أجيالا من الباحثين، يغرس في تربة أرواحهم حب المنهج قبل حب النتائج، إيمانا منه بأن النتائج عرض زائل، أما المنهج فهو الناموس الذي يخلد.

وهنا – وأرجو من القارئ الكريم أن يسعني كما يسع النهر ضفتيه، وأن يلتمس لي العذر فيما يخالجني من وجد – هنا مكمن الوجع الذي يلدغ القلب. فنحن في ثقافتنا العربية اعتدنا جفاء مقيتا، نتربص فيه بعلمائنا ونقادنا حتى يرحلوا، فإذا ما أزف الرحيل وانطوت صفحتهم، سكبنا الدموع، وأقمنا الندوات، وكتبنا المراثي التي لا تمس جلد الراحل ولا تدفئ وحشة قبره. أما الأحياء من قبل، فقد تركناهم عطشي إلى كلمة حق تقال في حضرتهم، وإلى يد حانية تمسح على كتف أنهكه السير، وإلى وميض من شعور يبعث فيهم الطمأنينة بأن تعب العمر لم يذهب هباء.

والآن، ولتكن الصراحة شجاعة لا مفر منها: النقد الأدبي في بلادنا ليس بضاعة تروق الجمهور. فلا القارئ يشتري كتب النقد في المطارات، ولا يتسابق المثقفون لاقتناء دراسة في الصورة الشعرية أو تحليل عروضي معمق. الجمهور يبغي ما يلهيه عن ذاته، أما النقد فلا يلهي، فهو إيقاظ من سبات، وتنبيه لضمير غاف، هو جرح نافذ في رتابة التلقي أحيانا. لكن هذا، ولا بد من تأكيده، لا يخدش في قدر علماء حملوا هذه الرسالة على أكتافهم، في زمن قل فيه من يحمل غير جيوبه الفارغة.

الدكتور مدحت الجيار واحد من القلة الذين أدركوا بعمق أن النقد منهج يبنى بحكمة المهندس، وعلم يتقن بخشوع العابد. بدأ مشواره العلمي عام 1984 بكتاب رائد عن الصورة الشعرية عند الشابي، ومنذ تلك اللحظة لم يتوقف نبض قلمه. أهدى المكتبة العربية نحو ثلاثين كتابا في أربعة عقود، توزعت بين تحقيق المخطوطات المغمورة، وتنظير القضايا الشائكة، واختراق حقول الشعر والمسرح والرواية.

وهذه سمة لا يمتلكها إلا من ولد وفي فمه مسبار الناقد، إنها سمة التكامل. لأنه يأبى التخصص الضيق الذي يتحول عند غيره إلى ذريعة للجهل بما يقع خارج دائرته الصغرى. يقرأ في كل شيء، ويكتب في كل شيء، ويتحدث عن كل فن وكأنه من أهله. وكأنه يعلم بيقين العارفين أن الأدب وطن واحد كبير، ومن قسمه على نفسه فقد تاهت به السبل.

وأحب أن أقف هنا وقفة من يعرف قيمة ما يورد. الدكتور مدحت الجيار – حفظه الله، ورده إلينا صحيحا معافى – ليس أستاذا جامعيا يؤدي واجبه الوظيفي وينصرف. كلا.. إنه أب روحاني لتلاميذه، ومعلم بذلك المعنى الذي نشتاقه. معلم كمن يزرع نخلة في جوف الصحراء، يعلم علم اليقين أنها لن تظله، ولكنه يوقن أنها ستظل من يجيء بعده. وما زلت أذكر أيام أتيليه القاهرة، كنا نلج جلسته بأسئلة صغيرة محدودة، فنخرج بأسئلة أكبر وأعمق، كنا ندخل كالأرض العطشى المتصدعة، فنخرج كالسحاب الممتلئ بالماء، وهذه فيما أرى، هي الغاية القصوى من التعليم أن يخرج الأستاذ من تلميذه إنسانا يسأل ويقلق، لا حافظا يردد، فالأول يبقى أثره في العقول، والثاني يموت أثره بانتهاء الامتحان.

ومن عجيب أمر الدكتور مدحت أنه خاض غمار المخطوطات، تلك البحار الموحلة التي لا يقتحمها إلا جسور. فحقق "ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة"، وهذا عمل من آمن برسالته إيمانا لا تشوبه شائبة المصلحة، لا عمل من يبحث عن ترقية أو مجد زائل. هذا عمل من يعرف أن المخطوطات جذورنا المدفونة، ومن قطع جذوره هوى، وما هوى ساقط لا محالة.

ونحن نخط هذه السطور، يخالجني تفكير عميق في أمر جلل؛ نحن في مصر وسائر البلاد العربية نملك ثروة فكرية لا تقدر بمال، لكننا لا نحسن استثمارها. نترك مفكرينا وكبار نقادنا يعانون الأمرين، فإذا رحلوا عنا أقمنا المآتم وأطلقنا الأسماء على الشوارع! وكأن التكريم لا يستحقه المرء إلا بعد الرحيل! متى نتعلم؟ متى نكرم الأحياء قبل أن يرحلوا، فنطيب خواطرهم ونحن نرى وميض الامتنان في أعينهم؟

لماذا لا تخصص الحكومات ميزانية لدعم هؤلاء الأعلام؟ لماذا لا تعيد المؤسسات الثقافية طبع كتبهم في طبعات أنيقة محققة؟ لماذا لا تدرس مناهجهم في الجامعات وهم بيننا، فيسمع الطلاب من أفواه أصحابها، ويغترفوا من النبع قبل أن ينضب؟

الدكتور مدحت الجيار قدم للمكتبة العربية ما يزيد على ثلاثين كتابا في أربعين عاما. وهذا المنجز، في تقديري، جدير بتقدير لا يكون بالكلمات المرسلة وحدها، بل بالأفعال الموازية.

ودعوني أتأمل في أسلوبه قليلا، في سر صنعته النقدية. حين تقرأ للدكتور الجيار لا تجده يتعامل مع النص الأدبي كما يتعامل الطبيب الشارح مع جثمان، يقطع ويشرح، إنما يتعامل معه ككائن حي يمتلئ بالروح، يحترمه، يحاول أن يفهم أسراره. لا يقطع الطريق على تأويل، ولا يصدر أحكاما مطلقة، كأنه يهمس للنص: أنت حر، وأنا هنا لأفهم حريتك. في كتابه "علم النص الأدبي" (2008) يقدم خلاصة تجربته، يعلمك كيف تقرأ، كيف تحلل، كيف تنتقل من الانطباع الأولي إلى المنهج الرصين دون أن تفرط في روح الأدب. وهذا – وأرجو أن يسمعني القارئ – نادر في نقدنا المعاصر، نادر كالمطر في الصيف، وكالظل في منتصف النهار.

وكتبه عن جماعة الديوان – المازني وشكري والعقاد – هي توثيق تاريخي دقيق، تعيد بناء لحظة فارقة في مسيرتنا الثقافية الحديثة، لحظة كان فيها النقد أشبه بمعركة، والمعركة أشبه بولادة.

لعل أهم ما يميز الدكتور مدحت الجيار عن غيره من النقاد المعاصرين أنه استطاع أن يؤسس لمنهج نقدي خاص به، منهج يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانضباط الأكاديمي والذائقة الأدبية الرفيعة. وهو في هذا يشبه كبار نقاد العربية الأوائل الذين كانوا يجمعون بين الدراية باللغة والدراية بالذوق. لا يقرأ النص الأدبي قراءة عمياء، ولا يخضعه لنظرية مسبقة يحاول أن يطبقها تطبيقا آليا، إنما ينطلق من النص نفسه، يستمع إليه، يتأمله، ثم يستخرج منه أدوات تحليله.

وهذه – في نظري – من أصعب المهارات النقدية وأندرها، لأنها تحتاج إلى شجاعة، وشجاعة الناقد أن يثق بذائقته قبل أن يثق بنظريات غيره.

وإذا تأملنا كتبه عن الشعر المصري الحديث، أو دراساته عن المسرح الشعري، أو تحقيقاته للمخطوطات النادرة، نلحظ أنه يمتلك بصرا نافذا في التاريخ الأدبي، وقدرة فائقة على الربط بين الظواهر الأدبية وظروفها التاريخية والاجتماعية. لا يكتب النقد بمعزل عن التاريخ، ولا يكتب التاريخ بمعزل عن النقد، يجمعهما في وحدة عضوية لا تنفصم، كمن يعرف أن الأدب ليس طائرا يحلق في السماء، وأنه نبت يخرج من الأرض، من ترابها ومن مائها ومن دمها أحيانا. وهذا ما يجعل قراءة كتبه متعة فكرية وفنية، متعة كمن يرى البحر أول مرة، وفنية كمن يستمع إلى قصيدة لم تقل بعد.

لا يمكن لأي باحث منصف أن يتحدث عن النقد الأدبي في مصر خلال العقود الأربعة الماضية دون أن يذكر الدكتور مدحت الجيار في مقدمة الصف. ذلك أن منجزه لم يقتصر على الكتب التي ألفها، إنما تعداه إلى الأجيال التي رباها، والمناهج التي أسس لها، والمخطوطات التي أنقذها من النسيان. إن تحقيقاته لـ"ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة" وحدها كافية لأن تخلد اسمه في تاريخ الثقافة العربية، لأنها أعادت إلى الذاكرة نصوصا كانت في حكم المفقود، وأتاحت للباحثين فرصة الاطلاع عليها في طبعة علمية محققة، كأنه قال للموت: لا، لن تأخذ هذا كله.

أضف إلى ذلك أن مدحت الجيار استطاع أن يمد جسرا بين النقد العربي القديم والنقد الغربي الحديث، لا من خلال الاستيراد الأعمى للنظريات، لكن من خلال الوعي الناقد الذي يختار ما يناسب تراثنا ويطرح ما لا يناسبه. وهو بهذا يقدم نموذجا يحتذى به للأجيال القادمة من الباحثين، نموذجا للاجتهاد العلمي الجاد، والتواضع الجم، والإخلاص للرسالة قبل أي اعتبار آخر، نموذجا يذكرنا بأن الناقد الحقيقي هو من يكتب كما يتنفس، لا من يكتب كما يتزلف.

وخير ما أختم به أن أتوجه إلى المولى – وهو أقرب إلينا من حبل الوريد – أن يمن على الدكتور مدحت الجيار بالشفاء العاجل، وأن يعيده إلى محبيه وتلاميذه وقرائه، لأننا ما زلنا نحتاجه، وما زالت المكتبة العربية تنتظر منه المزيد.

وأدعو وزارة الثقافة وجامعة الزقازيق وجميع المؤسسات المعنية، أدعوها بصوت لا يعلو لكنه لا يخفت انتبهوا إلى هذا الأستاذ العلامة وإلى أمثاله، فليس في مصر ولا في العالم العربي من هو أغنى من علماء كهذا، ومن لا يعرف كنزه فهو الفقير، لا الكنز.

لقد آن الأوان لنكرم أحياءنا.

آن الأوان لنقول لمن يستحق: شكرا لك، نحن نرى تعبك، نحن نقدر عطاءك، نحن نعرف أنك من الذين يضيئون الطريق لمن بعدهم، دون أن يطلبوا من المارة أجرا.

فانهض أيها الناقد الجليل، فما زلنا نتعلم منك، وما زال في العمر بقية، وما زالت الكلمات تنتظرك، والكتب تشتاق إليك، وتلاميذك يصلون من أجلك.

قم، فالصباح قريب، والشمس لم تغب بعد.

***

عبد السلام فاروق

في زماني اخذت اجامل العزلة.. وقفتُ أحمل خيباتي كحقائب سفرٍ لم يكتب لها الوصول إلى احلامها. أدركتُ ولاسف متأخرة أن الأصول والوفاء في زماننا هذا عملة نادرة في سوق الزيف، وأن وفائي كان استثماراً في أرضٍ بور عديمة الوفاء. اخذت أضمد جراحي بالصمت، وأداري خلف ضحكتي البارده دماراً شاملاً لا يراه أحد.

فتجربتي في الفقد هي رحلة مستمرة في زمان اصبح عديم الوفاء حيث يعود الشعور بالفراغ والتغييرات في كل مرة مع كل لحظة جديدة يظن البعض أن الفقد يتعلق فقط بغياب الأشخاص لكن الحقيقة أن الفقد يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك في كل مرة أفقد شيئا أكتشف أنني لا أفقد شخصا فقط بل أفقد جزءا من نفسي الوفيه

أفقد رغباتي مشاعري أحلامي حتى قلمي ارتوى مني بالبعد الإحساس الذي كان يملأ حياتي وحتى شغفي الذي كنت أظن أنه جزء لا يتجزأ مني الفقد هنا ليس مجرد غياب بل هو غياب لشيء أكبر لجزء من روحي لشيء كنت أعتقد أنه يشكلني ويحدد من أنا مع كل فقد أشعر وكأنني أبتعد عن نفسي أكثر وأدرك أنني لست كما كنت عليه من قبل تغيرت أصبحت أفقد الاتصال بكل ما كنت أعتبره ثابتا في حياتي والأحلام التي كانت تمنحني الأمل المشاعر التي كانت تضخ ينابيع الروح

والحياة في عروقي الشغف الذي كنت أعيشه الفقد يتركني في حالة من الضياع حتى مع كلماتي أبحث عن جزء مفقود من كياني في مكان لا أستطيع الوصول إليه وكأنني أحاول إعادة بناء نفسي من قطع مفقودة لا أستطيع جمعها وكلما ظننت أنني تعافيت من الفقد وجدت نفسي أواجهه من جديد مع عديم الوفاء يعود

الفقد بشكل آخر بطريقة جديدة لا اعرفها من قبل يعيد فتح جروح قديمة ويذكرني بما فقدته وكأن الفقد ليس شيئا ينتهي بل هو جزء من حالة مستمرة في حياتي في تجربة متجددة أعيشها في كل لحظة وفي كل غياب

ما زلتُ أؤمن أن التعاسة تبدأ من فرط وفائي. فحين تخلص لزمنٍ غادر، تصبح كمن يكتب قصيدة حب على وجه الماء...

***

ذكرى البياتي

 

نحن لا نعيد قراءة الكتب لأنّنا نسيناها، بل لأنّنا تغيّرنا. فالكتاب الحقيقي لا يبقى ثابتًا على رفوف الزمن؛ إنّه كائنٌ سرّيّ يبدّل ملامحه كلّما تبدّلت أرواحنا.

في القراءة الأولى نطالع الحكاية، وفي الثانية نطالع أنفسنا داخلها. نمرّ على الجملة ذاتها فنجدها قد كبرت معنا، أو ربما نحن الذين كبرنا بأوجاعٍ لم نكن نعرفها يوم قرأناها أول مرة.

بعض الكتب تشبه المرايا؛ لا تعكس الوجه نفسه مرتين. نعود إليها لأنّ العمر يضيف إلى أرواحنا طبقاتٍ من الفقد والحنين والخذلان، فنفهم فجأةً لماذا بكى البطل، ولماذا صمت الكاتب في الموضع الذي ظننّاه عابرًا.

القراءة الثانية ليست تكرارًا، بل بعثٌ جديد للنصّ. فنحن لا نقرأ الكتاب مرّتين، بل نقرأ إنسانين مختلفين: الذي كنّاه بالأمس، والذي صرنا إليه اليوم. لهذا تبقى الكتب العظيمة حيّة؛ لأنّها لا تمنحك معناها دفعةً واحدة، بل تكشف لك نفسها ببطء، كما تفعل الأرواح العميقة حين تألفك.

***

بقلم د. صابر الحميدي- تونس

الشعر العربي موجود قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي (100- 170) هجرية، بوقت طويل ربما يُقاس بالقرون، وما فعله الفراهيدي بناءً على ثقافته الرياضية والموسيقية، أنه صنف إيقاعاته ووضعها في قوالبها اللحنية المتداولة، فهو الذي إكتشف علم العَروض الجاري العمل به عبر الأجيال، وحوّله إلى موضوع يستحق الدراسة والبحث والتدوين.

ومن الواضح أن أجهزة الكائن الحي لها إيقاعاتها المتناغمة مع بعضها لتؤلف سلوكا معبرا عن الذات المولودة من لبنات تلك الإيقاعات.

ولو نظرنا إلى تخطيط القلب، لوجدناه واحدا في جميع الأجناس البشرية، ولا أظن تخطيط قلب إنسان إنياندرتال يختلف عن تخطيط قلب أي بشر معاصر، فالنبضات المتآلفة في المخلوق، تصنع إيقاعا نفسيا، فالجهاز النفسي البشري له إيقاعاته المتمثلة بالبحور الشعرية.

ومنذ الأزل والبشر يترنم بأناشيده وتواشيحه، ويرتل ما تجود به قريحته في المعابد وفي المناسبات المتنوعة، أي أن النفس تفصح عن إيقاعاتها المتوائمة مع نبضات الأجهزة المكونة للمخلوق.

فالبحور الشعرية لسان حال النفوس، وقد يهيمن بحرٌ على شخص أو تتداخل في إبداعاته عدة بحور، وكلما تعددت أشارت لإضطراب ما، وكلما تقلصت عبّرت عن توازن وإنسجام وثبات تعبيري تفاعلي.

وقد أنشد العرب أشعارهم في فترة ما على البحر الطويل، وأحيانا على الكامل، والبسيط، وفي كل عصر يهيمن بحر على الشعر، ولكل شاعر بحره المفضل الذي يجيد الكتابة عليه.

والحداثة مصطلح قديم كان العرب يسمونه "المُحدَث" وبرز شعراء في هذا الميدان ومنهم بشار بن برد، أبو نؤاس، وأبو تمام وغيرهم، وفي كل مرحلة هناك شعر "مُحدَث"، تتغير فيه المفردات، والأفكار وكيفيات تواشج الكلمات ونسيج العبارات، وحتى في الكتابات النثرية على مر العصور هناك "مُحدثات"، وبموجبها تطورت الكتابة بأنواعها.

فليس عيبا أن يكتب الشاعر على بحر واحد أو أكثر، فكلما زاد عدد البحور الشعرية التي يكتب بها، تناسب ذلك مع درجة الإضطراب النفسي الفاعل فيه.

ويمكن تشخيص الحالة النفسية لأي مبدع مما يسطره بأي صيغة كانت، شعرا أو نثرا.

إن النقد النفسي لأي نص، يشرّحه ويُظهر مرتكزاته ودوافعه وما يختلج في أعماق صاحبه، وكل نص قابل للتشريح النفسي، لأنه إنسكاب تعبيري عمّا يجيش في الأعماق المُعتلجة.

ووفقا للقراءة التأريخية لإيقاع الحياة في الزمن السومري وما قبله من الحضارات القديمة، يمكن التخمين بأن إيقاعات النفس السائدة آنذاك يهيمن عليها البحر السريع (مستفعلن مستفعلن فاعلن) والبحر المتقارب (فعولن فعولن...)، وتلك رؤية نفسية مكثفة من زوايا تأملية حادة.

بحورُ الشعرِ مِن نفسٍ تهيمُ

ومِنْ ألمٍ بأعْماقٍ يُقيمُ

تفتَّقَ جَوهرٌ وبدى أصيلاً

كأنَّ الروحَ في نبضٍ كَظيمُ

لكلِّ مَسيرةٍ بَحْرٌ فريدٌ

يوافقُها فيرْعاها العَظيمُ

***

د. صادق السامرائي

أدى النزاع المستمر وانخفاض الدعم المالي إلى دفع برنامج الأغذية العالمي إلى تبني سياسة "الأخذ من الجياع لإطعام من يعانون من المجاعة". 

كشف الرئيس المؤقت لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، إلى جانب أزمات عالمية أخرى، دفعت أعداداً قياسية من الأفراد إلى حافة الجوع، خصوصًا في ظل تراجع التمويل المخصص لمحاربة المجاعة. 

حالياً، يواجه نحو 363 مليون شخص حول العالم خطر الجوع الحاد، من بينهم 45 مليون تأثروا بشكل مباشر بالصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط الناتج عن تلك الأوضاع. 

على الرغم من التزايد الحاد في الاحتياجات الإنسانية، تقلص التمويل بنسبة كبيرة العام الماضي، آذ خفضت الولايات المتحدة، أكبر المانحين، مساعداتها بأكثر من النصف. 

(كارل سكو)، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي بعد تنحي رئيسة البرنامج السابقة (سيندي ماكين) لأسباب صحية، صرح بأن هذه الفجوة المتسعة بين الاحتياجات والتمويل أجبرت المنظمة على تقليص مساعداتها لمواجهة الطوارئ الغذائية والتركيز فقط على الفئات الأكثر تضرراً والمتضرعة جوعًا. 

وأكد سكو أن هذا الوضع يعكس واقعًا مأساويًا: "نقوم بتحويل المساعدات من الجياع لتصل إلى أولئك الذين يواجهون المجاعات الشديدة. يعود جزء كبير من هذا الوضع إلى الصراعات الدولية الدائرة. خلال العام الماضي وحده، أُعلن عن وقوع مجاعتين، وهي ظاهرة غير مسبوقة منذ عقود". 

في عام 2025، أُعلنت مجاعات في كلٍّ من غزة والسودان. ورغم تحسن الوضع قليلًا في غزة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر، تشرين الأول 2025 لا يزال السودان يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم مع استمرار ظهور بؤر مجاعة في مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان. 

وأشار سكو أن انخفاض التمويل بنسبة نحو 40% مقارنة بالعام السابق أثَّر بشكل مباشر على أعمال الإغاثة. في أماكن مثل أفغانستان واليمن، زادت الأزمة سوءًا بعد أن أوقفت إدارة ترامب جميع مساعدات الغذاء الطارئة لتلك الدول. وأوضح قائلًا: "اضطررنا لتخفيض دعمنا من 10 ملايين شخص إلى مليوني شخص في أفغانستان بسبب نقص التمويل، مما تسبب في فقدان الآلاف وظائفهم". 

يجدر بالذكر أن أكثر من 300 مليون شخص كانوا يعانون بالفعل من الجوع الحاد على مستوى العالم قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير، شباط 2026 والتي أسفرت عن إغلاق طهران لمضيق هرمز وقيام واشنطن بفرض حصار بحري أوسع على الشحنات الإيرانية.

قدّر برنامج الأغذية العالمي في خضم الصراع الإيراني أن أسعار النفط إذا ظلت تفوق عتبة 100 دولار للبرميل، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء إلى 45 مليوناً إضافياً.

وعلى الرغم من أن سعر خام برنت انخفض إلى ما دون هذا الحد في منتصف مايو، أيار 2026 فقد قضى أسابيع طويلة في مستويات تفوق 100 دولار خلال شهري مارس ومايو، ولا يزال أعلى بنسبة 30% مقارنة بفترة ما قبل الحرب. بل وتوجد مخاوف من احتمال ارتفاعه مجددًا.

أثرت الحرب وإغلاق مضيق هرمز بشكل كبير على معدلات الجوع حول العالم وكذلك على قدرة برنامج الأغذية العالمي على التصدي لخطر المجاعة. وأبرز هذه التأثيرات تجسدت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وهي مشكلة ترتبط بلا شك بزيادة تكاليف النقل نتيجة الأسعار المتزايدة للوقود.

وفقاً لسكّا، العلاقة بين أسعار الغذاء والطاقة وثيقة للغاية. ففي بعض المناطق، يتسبب ارتفاع تكلفة الطاقة بنسبة 30% في زيادات مماثلة بتضخم أسعار الغذاء. وفي الدول الأقل نمواً، حيث الفئات الأكثر عرضة للخطر، تشكل نفقات الغذاء الجزء الأكبر من ميزانياتهم. وكنتيجة لذلك، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين لتقليص استهلاكهم الغذائي بما يتراوح بين 30% و40%.

ارتفاع تكاليف النفط يضيف عبئًا إضافيًا على عمليات برنامج الأغذية العالمي، حيث تضاعفت نفقات النقل والتشغيل، كما أُغلقت بعض المنافذ نتيجة الصراعات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، التوترات الحدودية بين طالبان والحكومة الباكستانية أدت إلى إغلاق معابر حدودية، ما أعاق إيصال المساعدات الغذائية التقليدية. إضافة إلى ذلك، تسبب الصراع الخليجي في إغلاق حدود باكستان الطويلة مع إيران، ما اضطر البرنامج للبحث عن طرق أطول وأكثر تكلفة.

في هذا السياق، يشير سكّا إلى أن 85 ألف طن من المساعدات الغذائية الموجهة لأفغانستان بقيت عالقة عند الحدود الباكستانية لأشهر قبل تحويل مسارها إلى دبي. ومع تصاعد الأزمة الإيرانية، تعطلت الشحنات هناك أيضاً. نتيجة لذلك، اضطر البرنامج لإعادة توجيه المساعدة عبر تركيا وبحر قزوين وتركمانستان، ما أدى إلى تأخير وصولها لما يقارب سبعة أشهر.

من جهة أخرى، التضخم العالمي الذي أعقب ارتفاع أسعار النفط أثر سلباً على التزام الدول المانحة بتمويل برامج الإغاثة. تقلص مجموع المساهمات من 9.8 مليار دولار في عام 2024 إلى 6.5 مليار دولار في 2025، حيث انخفض الدعم الأمريكي من 4.4 مليار دولار إلى 2.1 مليار دولار، وتراجعت مساهمات المملكة المتحدة من 610 ملايين دولار إلى 435 مليوناً. ورغم تقدير البرنامج احتياجاته التمويلية بـ13 مليار دولار هذا العام، إلا أن استفادته اقتصرت على 2.8 مليار دولار فقط حتى الآن.

إلى جانب التأثيرات المباشرة للحرب الإيرانية على الأمن الغذائي العالمي، تُعد سلسلة التوريد للأسمدة واحدة من أكبر الأزمات المرتقبة. إذ يُشير سكّا إلى أن ما يقرب من ثلث الأسمدة البحرية في العالم تأتي من مناطق الشرق الأوسط التي تعاني اضطرابات.

وفي شرق إفريقيا تحديدًا، يعتمد المزارعون بشكل شبه كامل على هذه الإمدادات التي أصبحت شبه مستحيلة الحصول عليها الآن. ومع قرب موسم الزراعة في المنطقة، يقول سكّا إن غياب هذه الموارد سيُترجم إلى انخفاض كبير في الإنتاجية الزراعية بعد ستة إلى تسعة أشهر.

على الجانب الإنساني، ألقى سكّا الضوء على التحديات التي يواجها العاملون في مجال الإغاثة وسط تراجع المعايير والقوانين الدولية المتعلقة بحمايتهم. فمنذ ثلاث سنوات، قُتل أكثر من ألف عامل إنساني أثناء أداء واجباتهم.

كما تواصل قوات الحوثيين المدعومة من إيران احتجاز 38 موظفًا من برنامج الأغذية العالمي بتهم تتعلق بالتجسس دون إثبات صحتها، ما دفع المنظمة إلى تعليق عملياتها في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحوثيين.

ويعترف سكّا بتزايد المخاطر على العاملين في المجال الإنساني وسط غياب المساءلة الدولية. ويؤكد أن الهجمات بالطائرات المسيّرة فاقمت الوضع سوءاً وأصبحت حياة العاملين في هذا المجال أكثر صعوبة وخطرًا مما كانت عليه في أي وقت مضى.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث / العراق

.............................

* الغارديان// 27/5/2026

يُعدّ الكاتب والباحث عبدالعزيز عيادة الوكاع من الأسماء اللامعة، التي برزت في الحقل الثقافي واللغوي العربي المعاصر في الساحة الثقافية والادبية، من خلال اهتمامه العميق بقضايا اللغة، والدلالة والبلاغة، حيث يلاحظ ان كتاباته تنوّعت بين الدراسات اللغوية، والتحليل الدلالي، والقراءات الفكرية للنصوص التراثية والقرآنية. وقد أظهرت نتاجاته حضورًا واضحًا لما يمكن تسميته بـالموهبة الإبداعية التي تتجلى في أكثر من مستوى مثل، المنهج، والرؤية، وأسلوب المعالجة.

ففي مجال الإبداع في اختيار الموضوعات، يتضح الجانب الإبداعي لدى الكاتب عبد العزيز عيادة الوكاع يتجسد في جرأته، على اقتحام موضوعات دقيقة، ومعقدة، في علم اللغة، مثل (المشترك اللفظي) و(السياق وأثره في تحديد المعنى) و(علم الدلالة في العربية). لاسيما وأن هذه الموضوعات، ليست سهلة التناول، لكنها في كتاباته، تُقدَّم بطريقة تحليلية، تربط بين التراث اللغوي، والدرس اللساني الحديث، مما يعكس وعيًا معرفيًا متقدمًا بطبيعة التحولات في الدراسات اللغوية المعاصرة.

اما في مجال الإبداع المنهجي في التحليل الدلالي، فيتميّز الكاتب عبد العزيز عيادة الوكاع بالاعتماد على منهج تحليلي، يقوم على تفكيك النصوص، وإعادة قراءتها من منظور سياقي، حيث يصل إلى استخلاص واضح، بأن المعنى لا يُستخلص من الكلمة منفردة، بل من شبكة العلاقات داخل النص. وهذا التوجه يتقاطع مع رؤى اللسانيات الحديثة التي تجعل السياق عنصرًا حاسمًا في إنتاج الدلالة، وهو ما يظهر بوضوح في كتاباته حول (علم الدلالة في اللغة العربية) و(السياق اللغوي).

في حين يلاحظ ان الحس البلاغي والجمالي في الكتابة لا يقتصر في إسهاماته على الجانب التحليلي المجرد فحسب، وانما تتخللها لمسات بلاغية، تعكس حسًا أدبيًا واضحًا. فهو يمزج بين العلمية الصرفة، والسرد الأدبي، الأمر الذي يمنح نصوصه طابعًا مزدوجًا، معرفيًا، وجماليًا، في نفس الوقت. كما أن اهتمامه بالنص القرآني، بوصفه مجالًا للثراء اللغوي، يعكس قدرة متمكنة على قراءة النصوص قراءة جمالية، ودلالية معًا.

ولاريب ان تواصله مع التراث، وانفتاحه الحداثة، يعد من أبرز مظاهر موهبته الإبداعية، من خلال قدرته على الجمع بين التراث اللغوي العربي القديم، وبين مفاهيم اللسانيات الحديثة. ولاشك إن مثل هذا التوفيق، يمنح كتاباته عمقًا تاريخيًا، ومعرفيًا، ويجعلها حلقة وصل بين القديم، والحديث بدل أن تكون مجرد عملية إعادة إنتاج، للمعارف التراثية.

***

نايف عبوش

لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟ 

كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.

 تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.

وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.

كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.

كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.

 الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.

لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.

لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.

***

ستار الزهيري – كاتب عراقي

إبتداءً يمكن القول ان الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة لا يتعلق بحجم المؤسسة فقط، وإنما بطريقة التفكير والتنظيم واتخاذ القرار. فهناك مؤسسات كبيرة تُدار بسهولة، وأخرى صغيرة تغرق في التعقيد.

يمكن بيان الفروق الجوهرية على النحو الآتي:

أولاً: الإدارة السهلة (مرنة/ بسيطة)

هي الإدارة التي تقوم على الوضوح والبساطة والانسيابية (السهل الممتنع)، بحيث تُنجز الأعمال بأقل قدر من التعقيدات والإجراءات.

وهي الغالبة في دولة المؤسسات لا دولة (الفرد المعجزة).

ومن أبرز خصائصها:

1- وضوح الصلاحيات والمسؤوليات.

2- اختصار الروتين والإجراءات غير الضرورية.

3- سرعة اتخاذ القرار.

4- الاعتماد على الكفاءة والثقة المهنية.

5- وجود نظام عمل مفهوم للجميع.

6- قلة المراسلات والتواقيع المتكررة.

7- استعمال التكنولوجيا لتسهيل الإنجاز.

8- التركيز على النتائج لا على الشكليات.

9- في الإدارة السهلة، المواطن واثق بالادارة والموظف يعرف واجباته، ومن المسؤول، وكيف تُنجز المعاملة، وكم تستغرق من وقت.

10- النظام الأساس باق نسبياً، رغم تبدل الؤساء.

ولهذا ترتبط الإدارة السهلة عادةً بـ:

ارتفاع الإنتاجية، تقليل الفساد، رضا الناس،

وتشجيع المبادرة والابتكار.

ثانياً: الإدارة المعقدة (بيروقراطية/ هيكلية).

هي الإدارة التي تُثقل العمل بكثرة الإجراءات والتداخلات والقيود، حتى تصبح العملية الإدارية غاية بحد ذاتها بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس.

وهي في الغالب دولة الافراد (المعجزة) لا دولة المؤسسات

ومن أبرز مظاهرها:

1- تضخم الروتين .

2- تعدد الموافقات والتواقيع.

3- غموض الصلاحيات.

4- تداخل الاختصاصات.

5- بطء اتخاذ القرار وقد يمتد لسنوات.

6- تضارب التعليمات وكثرة تعديلها.

7- الإفراط في المركزية.

8- خوف الموظفين من المبادرة.

9- التفسير الضيق الجامد للقوانين والانظمة والتعليمات وكثرة الاستفسارات عنها.

10- تتبدل الانظمة والقيادات فور تبدل الرؤساء وتبدأ من الصفر نسبياً في كل مرة.

وفي الإدارة المعقدة، قد تنتقل المعاملة بين عشرات المكاتب دون سبب حقيقي، ويصبح الحفاظ على “الإجراء” أهم من تحقيق “النتيجة”.

وغالباً ما تؤدي الإدارة المعقدة إلى:

تعطيل مصالح الناس، زيادة فرص الفساد والابتزاز، قتل الإبداع، هروب الكفاءات،

وضعف الثقة بالدولة أو المؤسسة.

الفرق الفلسفي بينهما

الإدارة السهلة تنطلق من فكرة:

“كيف نُسهّل خدمة الإنسان؟”

ويمكن تلخيص الفكرة بالقول:

الإدارة الناجحة ليست التي تُكثر من الأبواب، بل التي تجعل الوصول إلى الحق سهلاً، والانحراف صعباً

أما الإدارة المعقدة فتنطلق – أحياناً دون قصد – من فكرة:

“كيف نحمي أنفسنا من المسؤولية؟”

(لا تحرك ساكناً ولا توقف متحركاً)

ولهذا فإن الإدارة المعقدة غالباً ما تنتج عن:

الخوف، ضعف الثقة، غياب الكفاءة، التهرب من المسؤولية، تراكم الأنظمة دون مراجعة.

بينما الإدارة السهلة تحتاج إلى:

قيادة واثقة، تشريع واضح، رقابة ذكية،

وثقافة مؤسساتية تؤمن بالإنجاز.

ملاحظة مهمة

التبسيط لا يعني الفوضى، كما أن التعقيد لا يعني الدقة.

فقد تكون الإدارة بسيطة ولكنها صارمة ومنضبطة، كما في كثير من الدول المتقدمة، حيث تُختصر الإجراءات مع بقاء الرقابة الإلكترونية والقانونية فعّالة.

أما التعقيد المفرط فهو غالباً علامة على ضعف النظام لا قوته.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق

 

ثمة أوطان لا تسكن الخرائط فحسب، بل تستقر عميقاً في الروح حتى إذا ما أصابها الخراب شعر الإنسان وكأن التصدع قد أصاب قلبه هو. والوطن الذي يبدأ حكاية البشرية لا يستحق كل هذا التعب، ولا يليق به أن يتحول إلى ساحة تتقاسمها الأيدي العابثة والوجوه التي جاءت من ظلام الطمع والجشع لتقتات على أحلام الناس وآلامهم.

إنه شعور بالغ القسوة أن يطول انتظار الإنسان لسنوات وهو يحدق في أفق كان يظنه ممتلئاً بالضوء، ثم يكتشف في النهاية أن الضوء كان يبتعد كلما اقترب منه. كنا ننتظر وطناً يشبه أحلامنا البسيطة قليل من الأمان، شيء من الكرامة، وفسحة للحياة من دون خوف. لكن السنوات مرت ثقيلة، ومع كل صباح كنا نفقد جزءاً من يقيننا القديم بأن الغد سيكون أجمل.

من كان يتخيل أن الأرض التي خطت الحرف الأول، وعلمت الدنيا كيف تبني المدن وتغني للحياة، ستصبح نهباً للخراب؟ كيف لبلاد كانت مهد الحضارات أن تتحول إلى غنيمة يتقاسمها الطامعون وتنهشها أفواه الفاسدين؟ كأن التاريخ نفسه يقف اليوم مذهولاً أمام ما جرى لهذه البلاد التي كانت يوماً تتزين بالفن والشعر والمعرفة.

لقد تعبنا من فرط التفاؤل. نعم، أتعبنا الأمل حين بقينا نتمسك به رغم كل الخيبات. كنا نظن أن الوطن أقوى من الانكسار، وأن الغرباء لن يتمكنوا من اقتلاع جذوره، لذلك كنا نسخر أحياناً من مراثي الشعراء وهم يتحدثون عن زمن يُنفى فيه أهل البلاد ويستوطن الغرباء أمكنتهم. لم نكن نصدق أ يوم نشعر فيه بأننا غرباء في مدننا، وأن الأزقة التي حفظت ستنظر إلينا بوجوه متعبة لا تعرفنا.

أي غفلة تلك التي عبر منها كل هؤلاء ؟ كيف استطاع اللصوص أن يتسللوا إلى بيوت الروح، فيسرقوا أغنياتنا القديمة، ويطفئوا ضحكاتنا، ويزرعوا الخوف في حدائق الطفولة؟ لقد أرعبوا حتى الطيور التي كانت تحط مطمئنة فوق أشجارنا، ولوثوا الحقول التي كانت تتباهى بخضرتها، حتى صار الحزن جزءاً من المشهد اليومي.

ومع ذلك، لا نستطيع أن نتوقف عن حب هذا الوطن. فالأماكن التي منحتنا طفولتنا الأولى لا يمكن التخلي عنها بسهولة، حتى لو تغيرت ملامحها. هنا لعبنا صغاراً، وهنا عرفنا صداقات العمر الأولى، وهنا اكتشفنا معنى الفرح والحزن والانتظار. لهذا يبدو الوطن، مهما ابتعد عنا، جزءاً من ذاكرتنا الشخصية، لا مجرد جغرافيا نسكنها.

لقد شابت رؤوسنا ونحن نلاحق حلم البلاد الجميلة كبرنا تحت شمسها القاسية والحنونة معاً، ورغم كل شيء ما زلنا نتأمل صباحاتها كما لو أننا ننتظر معجزة صغيرة تعيد إليها بعض ما فقدته. فالإنسان قد يشيخ، لكنه لا يتعب من الحنين إلى المكان الذي أحبه بصدق.

إن المأساة الحقيقية ليست في الخراب وحده، بل في اعتياد الخراب. حين يصبح الخوف أمراً عادياً، والفساد خبراً يومياً، والخذلان جزءاً من تفاصيل الحياة، ندرك أن الجرح صار أعمق مما نظن. غير أن الأمم التي صنعت التاريخ قادرة، مهما طال انكسارها، على أن تستعيد عافيتها ذات يوم، لأن الذاكرة الحية لا تموت.

سيبقى هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، أكبر من اللصوص والعابرين والطامعين. فهؤلاء يجيئون ويذهبون، أما البلاد فتبقى، تحمل أسماء عشاقها الحقيقيين الذين تعبوا من الحروب، لكنهم لم يتعبوا من محبتها. وربما

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

الحج مؤتمر عالمي يعقد كل سنة يلتقي فيه المسلمون من شتى بقاع العالم باختلافاتهم الفكرية واللغوية والعرقية، يجتمعون في مكان واحد ملبين نداء خالقهم راجين رحمته وغفرانه، يلتقي فيه الغني والفقير الرئيس والمرؤوس، الأبيض والاسود، المثقف وقليل التعليم ، الشباب والشيوخ ، يترك كل هؤلاء اوطانهم و اسرهم متحملين مشقة السفر والنأي عن الأوطان، هذا التلاحم الإنساني والوجداني يعبر عن فلسفة الإسلام العظيمة في توحيد الأمة الإسلامية وتشكيل عقلية المسلم الذي لا يعيش الفردانية والعزلة والابتعاد عن هموم المسلمين ففي الحج تذكير لكل مسلم غافل أنه جزء من أمته، ولكن هذا الفهم العميق لفلسغة الحج غائب عن كثير من المسلمين فهذا الشتات العربي و الاختلاف السياسي والصراع الذي ينخر  الدول العربية ويصيبها في مقتل دليل على غياب المفهوم الحضاري للحج باعتباره طريق إلى نهضة الأمة ووحدتها فالتفرقة غاية العدو الذي لا يريد منا أن نحتل مكانة بين الأقوياء ، نصنع سلاحنا و نوفر غذاءنا و نستثمر في عقول أبنائنا بجودة التعليم من أجل مستقبل مشرق...

وقد بين المفكر الاستراتيجي جاسم سلطان هذه الفلسفة الخاصة بالحج وقد ابدع في ذلك يقول: "إذا نظرنا إلى الحج كنموذج حضاري مكثف نكون قد أعدنا النظر في مجمل حياتنا، ولنحاول أن نقترب من تلك الثروة العظيمة.

الحج كنموذج لإعادة تشكيل الإنسان، فمن اللون والعرق والثروة والديكور الخارجي يتجرد الفرد ليعود لكونه “فاعلًا أخلاقيًا مجردًا” مثله مثل الملايين من حوله، هو حينها ذرة تدور حول معنى الوجود وهو الله.

الحج كنظام مساواة عملي يذكر الإنسان بهدف الرسالات جميعًا (ليقوم الناس بالقسط)، وهو نظام يطرح سؤالًا عمليًا: لماذا لا نحقق ذلك في أوطاننا ومؤسساتنا؟

الحج كإدارة حضارية معقدة تخلق النظام والتنسيق والبنية وتضبط السلوك الجمعي.

الحج كشبكة تواصل عالمية تقرب البعيد وتوزع الخبرات، هي فرصة لمورد استراتيجي ضخم.

الحج ومناسك الحج نموذج لحركة الإنسان ونشاطه، وتربية على بذل الجهد بدل الخمول.

الحج بهذا المعنى العميق لا يطرح سؤال كيف نعبد الله، بل كيف نعيش بالله ونبني إنسانًا ومجتمعًا ونظامًا عالميًا بديلًا… ولذلك فمعنى الحج لغة القصد والاتجاه… وياله من اتجاه."

فهذا الفهم العميق لفلسفة الحج سيعيد تشكيل وعي المسلم فينهض من كبوته وغفلته ويبتعد عن العنصرية والنزعة العصبية فيسعى من أجل وحدة الصف فيكون إنسانا فعالا مؤثرا يزيد في الحياة.

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

في كلِّ عصرٍ ينهض قومٌ يرفعون أصابعهم نحو السماء، لا ليشيروا إلى الله، بل ليشيروا إلى أنفسهم. يخرج أحدهم بثوبٍ طويلٍ ولحيةٍ مدروسة، أو بربطة عنقٍ أنيقةٍ وصوتٍ رخيم، أو برايةٍ حزبيةٍ مطرزة بالشعارات المقدسة، ثم يهمس للناس همسًا يشبه الوحي: “نحن الأقرب إلى الله… نحن أهل النجاة… نحن الناطقون باسم السماء!”

وهكذا، منذ أن عرف الإنسان فكرة المقدس، لم يتوقف بعض البشر عن احتكار الطريق إليه، كأنَّ الله ـ جلّ شأنه ـ صار عقارًا مسجَّلًا بأسمائهم، أو حزبًا سياسيًا يوزّع بطاقات العضوية على العباد.

ولعلّ أعجب ما في الأمر أنَّ هؤلاء المختلفين، المتناحرين، المتبادلين للّعنات والحرمان، يتشابهون تشابها كبيرا. فكلُّ طائفةٍ تزعم أنَّها “الفرقة الناجية”، وكلُّ حزبٍ يعتقد أنَّ الله يقف خلف متراسه، وكلُّ جماعةٍ ترى أنَّ أبواب الجنة لا تُفتح إلا بختمها الرسمي!

ولو هبط ملاكٌ من السماء، وسألهم جميعًا: “أيُّكم يمثّل الله حقًّا؟” لارتفعت ألف يد، وألف راية، وألف صرخة، حتى ليخيَّل للناظر أنَّ السماء نفسها صارت دائرة حكومية تتنازع عليها الأحزاب.

لقد تحوّل الله، في كثيرٍ من الممارسات البشرية، من حقيقةٍ مطلقةٍ متعاليةٍ على الأهواء، إلى شاهد زورٍ يُستدعى عند الحاجة. يُستعمل في الحرب أكثر مما يُستعمل في الرحمة، ويُذكر في الخطب السياسية أكثر مما يُذكر في خلوات الضمير.

ومن الطريف المبكي أنَّ الإنسان كلما ازداد جهلًا بالله ازداد حديثًا عنه. فالعارف الحقيقي غالبًا ما يصمت، لأنَّه يدرك اتساع السرِّ الإلهي وعجز اللغة عن الإحاطة به، أمّا المتاجرون بالمقدّس فيتكلمون بثقةٍ مخيفة، كأنَّهم أعضاءٌ دائمون في مجلس إدارة الكون!

تأمّل مثلًا تاريخ الحروب الدينية.

كم من جيشٍ دخل المدن وهو يهتف باسم الرب!

كم من مذابح ارتكبت والقتلة يظنون أنهم يؤدّون صلاةً كبرى!

بل إنّ بعضهم كان يغسل سيفه من الدم ثم يرفع يديه بالدعاء شاكرًا الله على “النصر المبارك”!

في أوروبا القرون الوسطى، كانت الكنيسة تمنح صكوك الغفران، وكأنّ الجنة مصرفٌ عقاري يمكن شراء أسهمه بالذهب. وكان بعض رجال الدين يبيعون مفاتيح الفردوس للفقراء الذين لا يملكون حتى مفاتيح بيوتهم. وفي المقابل، ظهرت جماعات دينية أخرى ترى أنَّ الخلاص لا يكون إلا عبرها وحدها، وأنَّ البشرية كلّها سائرة إلى الهلاك إلا من انضمّ إلى ناديها المغلق.

وما أشبه الليلة بالبارحة. ففي عالمنا المعاصر، ما أكثر الذين يتحدثون باسم الله في الفضائيات، حتى ليخيَّل للمرء أنَّ السماء افتتحت مكتبًا إعلاميًا دائمًا على الأرض. هذا داعيةٌ يحتكر الحقيقة، وذاك سياسيٌّ يضع صورة الله خلف شعاره الانتخابي، وثالثٌ يوزّع الوطنية والكفر بحسب درجة الولاء الحزبي. حتى الأحزاب الحديثة، التي تزعم المدنية والعقلانية، تقع أحيانًا في المرض نفسه؛ فهي لا تقول “نحن حزب سياسي” بل تقول ضمنًا: “نحن الطريق الأخلاقي الوحيد، وما عدانا ظلامٌ ورجعية!”

إنها غريزة “الاصطفاء” القديمة، ولكن بثيابٍ جديدة. فالإنسان يحبُّ أن يشعر أنَّه مختار، محبوب من السماء، مختلف عن القطيع. ولذلك يسهل على القادة الدينيين والسياسيين أن يمنحوه هذا الشعور الساحر:

“أنت لست مجرد إنسان… أنت جنديُّ الله!”

وهنا يبدأ الخطر. لأنَّ الإنسان حين يظنّ نفسه وكيلًا حصريًا لله، يفقد تواضعه أولًا، ثم يفقد إنسانيته ثانيًا، ثم يصبح مستعدًا لفعل أي شيء وهو مطمئن الضمير. فالقاتل العادي قد يرتجف قبل الجريمة، أمّا القاتل الذي يعتقد أنَّ الله معه، فهو يقتل وهو يبتسم. ومن أعجب مفارقات التاريخ أنَّ معظم الطغاة كانوا يكرهون النقد، لأنهم لم يكونوا يرون أنفسهم بشرًا يخطئون، بل "أصحاب رسالة". فرعون قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾. وكثيرٌ من المستبدين المعاصرين لم يقولوا العبارة نفسها حرفيًا، لكنهم عاشوا معناها حتى النخاع.

إنَّ مشكلة البشر ليست في الدين ذاته، بل في تحويله إلى بطاقة تفويض مطلقة. فالله أكبر من المذاهب، وأوسع من الأحزاب، وأرحم من أن يُختزل في جماعةٍ ترفع شعارًا معيّنًا أو تلبس زيًا مخصوصًا. ولو تأملنا النصوص الروحية العميقة في مختلف الأديان، لوجدنا أنَّها تدعو غالبًا إلى التواضع، لا إلى الغطرسة المقدسة.

لكنّ الإنسان بارعٌ في تحويل الحكمة إلى أداة سلطة. يأخذ النصَّ الذي نزل ليهذّب النفس، فيحوّله إلى سوطٍ على ظهور الآخرين. ويأخذ الفكرة الروحية التي وُلدت لتقريب البشر من بعضهم، فيجعلها خندقًا للحروب والكراهية. حتى المتصوفة ـ وهم أكثر الناس حديثًا عن المحبة ـ لم يسلم بعض أتباعهم من وهم “الخصوصية الإلهية”، حتى صار بعضهم ينظر إلى الآخرين نظرة ازدراءٍ خفي، كأنَّ الطريق إلى الله صار امتيازًا طبقيًا روحيًا. وكذلك بعض الجماعات الأيديولوجية الحديثة، سواء لبست عباءة الدين أو القومية أو الثورة أو التقدّمية؛ فإنها تقع في الشرك النفسي ذاته: شرك اليقين المطلق.

فالإنسان حين يعتقد أنَّه يمتلك الحقيقة كاملةً، يتوقّف عقله عن التفكير، ويتحوّل الحوار عنده إلى محكمةٍ لا إلى بحثٍ عن الحقيقة. ولذلك كان كبار الحكماء أكثر الناس شكًّا بأنفسهم، وأكثرهم حذرًا من الادعاء.

يُروى عن بعض العارفين أنّه قال: "كلما ازددت معرفةً بالله، ازددت يقينًا أنني لا أعرفه." يا لها من عبارةٍ تهدم أبراج الغرور الديني كلّها!

إنَّ الله ليس حزبًا، ولا طائفةً، ولا مؤسسةً إعلامية، ولا شركة استثمار أخروي. الله بحرٌ لا تملكه الأكواب. لكنَّ كلَّ كوبٍ صغير يصرخ: “البحر عندي!”

ومن هنا جاءت مآسي التاريخ. هذا يكفّر ذاك لأنَّه يختلف معه في تفسير نصٍّ غامض، وذاك يلعن هذا لأنَّه يصلّي بطريقةٍ أخرى، وثالثٌ يحتقر البشر جميعًا لأنهم لم يولدوا داخل جماعته. ولو سألتهم عن الرحمة، لحدّثوك عن العقوبات. ولو سألتهم عن المحبة، لحدّثوك عن المؤامرات. ولو سألتهم عن الله، لحدّثوك عن أنفسهم.

إنَّ أخطر الأصنام ليس الصنم الحجري، بل الصنم الفكري الذي يختبئ داخل الإنسان وهو يظن نفسه موحّدًا. ذلك الصنم الذي يقول له همسًا:"أنت وحدك على حق… وغيرك ضالٌّ مهما كان صالحًا". وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح الدين عنده مرآةً لنفسه لا نافذةً على الحقيقة.

إنَّ المتدين الحقيقي ليس من يرفع صوته كثيرًا باسم الله، بل من يصبح أكثر رحمةً وعدلًا وتواضعًا. فالوردة لا تصرخ لتثبت أنها وردة، والعطر لا يحتاج إلى خطبةٍ كي يثبت وجوده. أما الضجيج المبالغ فيه، فكثيرًا ما يكون تعويضًا عن فراغٍ داخلي.

وفي النهاية، سيبقى الله أعظم من كل دعاوى البشر. ستسقط الأحزاب، وتتلاشى الشعارات، وتصدأ المنابر، ويكتشف كثيرون ـ بعد عمرٍ من الصراع ـ أنهم كانوا يدافعون عن ذواتهم أكثر مما يدافعون عن الحقيقة.

وسيظل السؤال القديم معلقًا فوق رؤوس الجميع:

إذا كان كلُّ هؤلاء يدّعون وصلاً بالله…

فلماذا امتلأت الأرض بكل هذا الحقد؟

***

د. علي الطائي

24-5-2026

هي متلازمة قد تنتهي الى الانفجار نتيجة تضخم الشعور بالقهرية وتراكماتها.. والإنفجار القهري الذي تحدث عنه المفكر والفيلسوف الفرنسي "فرانز فانون، قد يودي إلى تضخيم الشعور بالقهرية لتعود الحلقة المفرغة عند صياغة الإشكالية على نحو يتسم بالتكرار ليعاد مناخ التضخيم من جديد.

كيف يتبلور الشعور بالقهرية، وكيف يتكثف الوعي الذاتي بها ؟ إن مرد القهرية، إما جراء الإغتصاب الخارجي أو الاغتصاب عن طريق التسلط الداخلي حيث ينشأ.

يرى " فرانس فانون " ان الأحتلال لا يسلم مفاتيحه بسهولة ويرحل، وإذا ما رحل سيترك شبكة معقدة من البنى والادارات التي تحول الشعوب الى مستهلكين.. فضلا عن أثرياء يتحكمون برأسمال البلاد بدون وطنية..!!

المقاومة العامة الصامتة، لا تنفجر تلقائيا إنما تفجرها قيادة واعية بصوت قد يكون خافتا، ولا ينتظر احدا.. والمشكل ليس في الهيكل الهرمي لها، إنما يكمن في قمة الهرم.. إذ لا تشفى عقود من النهب والسلب والاذلال (بضمادات) الاعلان عن الاستقلال الوطني، إنما تشفى من خلال زوال القهرية عن طريق تكريس الحرية.. وهل تستمر القهرية في مخاضاتها حتى تتحقق الحرية؟ نعم.. وهل تنتهي القهرية حين تتحقق الحرية؟ نعم..

وللحرية أبعاد وتشعبات ومسارات مادية خيالية (ميتافيزيقيا) في معناها الإصطلاحي، كما يراها "فرانز فانون"، فهي لا يجب ان تكون سائبة متحللة أو عشوائية إنما واقعية.. والأكثر أهمية، يكمن في "الذي يجب أن يكون لا في الذي هو كائن"، والمعنى واضح في الكينونة القادرة على خلق البديل.

فالقهرية الناجمة عن التسلط، والأخرى التي تتقبل التسلط القسري بدواعي الهرمية، هما مفتاحان للبديل المغاير الذي يفتح باب التمرد من اجل الحرية..

القسرية الفاضحة تعلن وفاتها في اللحظة التي تتسلق فيها القمة، قمة التسلط القسري. وإن فك التشابك ينحى صوب السلام الذي يقوم على القلق الوجودي (ما دام الأنسان موجود، فوجوده يتسم بالقلق الوجودي)، وهذا ما اشار اليه الفلاسفة كل من هيدجر وسيبنوزا وسورين كريغجورد وسارتر وسيمون دي بفوا وأخرون من علماء الفلسفة.

والقلق الوجودي ناجم عن الشعور بالحتمية النهائية.. ولكن هذه الحتمية لا تساور الكائن البشري دائما

إلا في حالة التركيز الذهني الحاد حيث يرى انه منفصل عن جسده يراقبه من فوق، جثة هامدة مسجية راكدة تنبض بدون حراك..

تحدث "فانون" الى نفسه:

ما الذي سيفعله وهو يراقب جثته من الأعلى، من زاوية الباب ربما من السقف، ليس مهما من أين، المهم حين يستيقظ ماذا سيفعل؟ يدخل الحمام رغما عنه وسيأكل رغما عنه ويشرب رغما عنه ويستمر في الأكل ويتغوط رغما عنه ويضاجع رغما عنه.. وماذا بعد؟ يستهلك الكائن نفسه ويستهلكه الزمان، فهو مستهلك في زمان لا بداية له ولا نهاية، وهو بينهما مشترط ومؤقت، يعكس قلقا وجوديا كلما كان تركيزه الذهني حادا يميل الى الواقعية الصارمة.. فهو جزء من دورة التكرار التي لا تنتهي إلا في حالة إسمها الصمت الأزلي..!!

***

د. جودت صالح

24/ 5 /2026

كم مرة وقفت فيها الكلمات على طرف لسانك، ثم ابتلعتها بحجة: "ليس الآن، سأقولها غداً"؟ كم من اعتذارٍ أجّلناه بانتظار اللحظة المناسبة، وكم من كلمة "أحبك" أو "أنا ممتن لوجودك" أو "أنا فخور بك" بقيت حبيسة الصدور، لأننا افترضنا—بسذاجة شديدة—أن الزمن يقف في صفنا؟

في زحمة الحياة اليومية، نقع جميعاً في فخ تأجيل التعبير عن مشاعرنا. نتعامل مع الوقت وكأنه رصيد بنكي لا ينضب، متناسين أن اللحظة الحالية هي كل ما نملكه حقاً. من منظور علم النفس الحديث، هذا التأجيل ليس مجرد كسل عاطفي، بل هو ظاهرة نفسية معقدة تستحق التفكيك، لنتمكن من تحرير أصواتنا قبل فوات الأوان.

وهم "الغد" وانحياز التفاؤل

في علم النفس المعرفي، يُعرف افتراضنا بأن المستقبل سيمنحنا فرصاً أفضل بـ "انحياز التفاؤل" (Optimism Bias). نحن مبرمجون عصبياً على الاعتقاد بأن الغد سيكون أكثر استقراراً وهدوءاً من اليوم، وأننا سنكون أكثر شجاعة واستعداداً للبوح. هذا الانحياز، رغم أنه يحمينا من القلق الوجودي ويساعدنا على الاستمرار، إلا أنه يسرق منا "الآن".

يخدعنا الدماغ بتصوير الغد كمسرح مثالي خالٍ من التوتر، فنقول: سأخبر والدتي بمدى حبي لها عندما أزورها في العطلة، أو سأشكر صديقي على وقوفه بجانبي عندما نلتقي الأسبوع القادم. ولكن، ماذا لو لم يأتِ هذا الأسبوع؟ إن العبء النفسي للكلمات غير المنطوقة، والذي يُعرف في علم النفس بـ "ألم الندم الاستباقي"، أثقل بكثير من أي حرج قد نشعر به في لحظة البوح.

الخوف من الهشاشة: لماذا نختبئ خلف الصمت؟

السبب الأعمق لتأجيل الكلام ليس الوقت، بل الخوف. تشير أبحاث علم النفس المعاصر إلى أن التعبير عن المشاعر الصادقة يتطلب حالة من "الهشاشة النفسية" (Vulnerability)؛ وهي المخاطرة العاطفية بأن نكشف عن ذواتنا الحقيقية دون ضمانات.

عندما نقول "أنا أفتقدك" أو "لقد أخطأت، سامحني"، فإننا نتخلى عن دروعنا الدفاعية، ونضع قلوبنا على طاولة الآخرين. لتجنب هذا الانكشاف، يخترع العقل حجة "اللحظة غير المناسبة". نحن لا ننتظر الوقت المناسب، بل ننتظر لحظة وهمية نكون فيها محصنين تماماً من الرفض أو الإحراج، وهي لحظة لا تأتي أبداً.

الكلمات التي لا نقولها لا تتبخر في الهواء، بل تترسب في لاوعينا، وتتحول بمرور الوقت إلى جدران عازلة بيننا وبين من نحب.

أمثلة من عيادة الحياة

دعونا نتأمل كيف يمارس هذا الصمت حضوره في حياتنا من خلال مشاهد يومية متكررة. في علاقة الأبناء بالآباء، قد نجد شاباً في الثلاثينيات يشعر بامتنان عميق لوالده الصارم الذي أفنى عمره من أجله. في كل مرة يجلسان معاً، يشعر الشاب برغبة في قول: "شكراً لك يا أبي، أنا أقدر تضحياتك". لكن هيبة الأب وجفاف العلاقة المعتاد يجعله يؤجل الأمر. يرحل الأب فجأة، وتظل تلك الجملة غصة في حلق الابن لا يمحيها الزمن.

أما في صداقات منتصف العمر، فغالباً ما تبتعد صديقتان تدريجياً بسبب مشاغل الحياة. تفكر إحداهن في إرسال رسالة تقول: "حياتي باهتة بدون ضحكاتنا المشتركة". ثم تتراجع قائلة: "قد تبدو رسالتي درامية، سأتصل بها غداً". يمر الغد وتتسع الفجوة حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة بينهما.

ويمتد هذا النمط إلى الخلافات الزوجية؛ حيث ينام زوجان وهما في حالة جفاء. يود أحدهما أن يكسر الجليد ويقول: "أنا آسف، علاقتنا أهم من هذا العناد". لكن الكبرياء يهمس: "انتظر حتى الصباح ليهدأ". وفي الصباح، تبتلعهم روتينيات الحياة، ويبقى الجرح مفتوحاً يتسع بمرور الأيام.

خرافة "اللحظة المثالية"

إن انتظار اللحظة المناسبة للبوح هو كمن يقف على ضفة نهر ينتظر توقف تدفق المياه ليعبر. اللحظة المثالية لا تُكتشف، بل تُصنع. مجرد نطقك للكلمة يحول أية لحظة عادية إلى لحظة عميقة وخالدة.

الاستقرار النفسي والصحة العاطفية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بـ التطابق (Congruence)؛ أي أن يكون ما نشعر به في الداخل مطابقاً لما نعبر عنه في الخارج. عندما نتوقف عن تخزين مشاعرنا في صناديق "الغد"، نصبح أكثر خفة، وأكثر اتصالاً بحقيقتنا الإنسانية.

البوح كفعل حياة

لا تأجّل الكلام. إن شعرت بالحب، أعلنه. إن أخطأت، اعتذر بشجاعة. إن أدهشك أحدهم، امتدحه فوراً. ولا توجد وعود بأن من نحبهم سيكونون بانتظارنا لنقول لهم ما كان يجب أن يقال اليوم. الكلمة الطيبة الصادقة هي أعظم شكل من أشكال تقدير الحياة؛ إنها نبض القلب مسموعاً، فدعه يصدح الآن، وفي هذه اللحظة بالذات.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي أستاذ باحث

عندما نتأمل في الساحة الثقافية العربية نجد أمراضا كثيرة منتشرة فيها ومن بين هذه الأمراض التي لم تسلط عليها الأضواء كثيرا هو الحسد الثقافي فعرف العلماء الحسد بأنه هو تمني زوال النعمة عن المحسود وهو مرض قلبي يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي غيره وقد تحدث عنه كثير من الفلاسفة والمثقفين

وصف الفيلسوف آرثر شوبنهاور الحسد بأنه «متعة مؤذية في مصائب الآخرين والتي تظل أسوأ سمة في الطبيعة البشرية».

أما الكاتب الكبير عباس محمود العقاد عن فيقول عن الحاسد:

«ليس الحاسد هو الذي يطمع أن يساويك بأن يرقى إليك، بل هو الذي يريد أن تساويه بأن تنزل إليه».

يقول الكاتب السعودي علي حسين السعلي مخاطبا المثقف وناصحا له بترك الحسد والترفع عنه : " أيها المثقف الكريم.. اجعل خاطرك كالنهر لا يتدفق إلا بجمال منظر ورقة حس وصوت شلالا بالحق وبعض مجاملة تفيد لا تضر ، احمل الحسد عاليا واطرحه أرضا وقل له : إليك عني فأنا لدي مهمة تنفع نفسي وغيري ووطني السعودية المثقفة، أنا قوة ناعمة أستغلها للخير، أزل من صدرك الغِلْ والحسد، افرح لنشاط زملائك واحزن إن تعاقبت عليهم الظروف، كن معهم سندا بطلا أخا، افرحوا لنتاج بعض، باركوا لإبداعهم ودعوا الحسد يموت مع جيل مثقف واعٍ، به سواعد فتية تقف بالمرصاد لأعداء الوطن وتناصر حكامه الكرام، هذه مهمتنا جميعا، السعودية خطّ أحمر، بدلا من أن نتحاسد ونتناحر ونتشبث بآرائنا من أجل رواية مثلا.. معها أو ضدها.. والمشكلة حين تسأل المختلف هل قرأت الرواية يقول لك لا فترجع تسأله كيف حكمت ولم تقرأ سطرا وفاصلة ؟!"(1)

وقد صدق الكاتب علي حسين السعلي فقد شخص تجليات هذا الحسد الثقافي و إن كان يتحدث عن الواقع السعودي فالمرض عام يمس كل الوطن العربي ويتجلى هذا الحسد في عدم الفرح بإنجاز أ صدقائك المبدعين وعدم مباركة أعمالهم والفرح لأفراحهم والحزن لأحزانهم و مد يد العون لهم وفي ساحتنا الإبداعية الجزائرية نجد هذا المرض متغلللا في نفوس الكتاب ومؤخرا اصدر الناقد البروفيسور لونيس بن علي صرخة على صفحته الافتراضية مفادها أن بعض الأصدقاء يتعمدون حجبه حتى لا يغطي عليهم و أنا ككاتب منذ ثلاثة عقود عايشت هذا المرض ولاحظت أعراضه تمظهراته و كأمثلة على ذلك إضافة إلى ما قاله الكاتب السعودي علي حسين السعلي فتجاهل الكتاب والصحفيون المبدعين وهم اصدقاء معهم على صفحاتهم فمجرد التفكير في إجراء حوار معك أو الإشادة بكتابك الجديد على المنابر التي يشتغلون فيها هو حلم مستحيل بل هناك كتاب يحظرون أصدقاءهم لأنهم يكتبون باستمرار وينجزون ولكسلهم الإبداعي لا يريدون أن يروهم أمامهم.. فهذا الحسد هو نوع من الاغتيال الثقافي المعنوي...

ويسلط الناشر السوري مجد حيدر نجل الكاتب الروائي حيدر حيدر الأضواء على اسباب ودوافع الحسد فيقول: "لا يختلف اثنان على أن المثقف مثل غيره من الكائنات، ولا تتباين النخبة عن مجتمعها التقليدي والآدمي قبل أن يكون مثقفاً أو كاتباً تطغى عليه خصيصة البشريّة، وتعتريه نوبات الغلّ والحقد والحسد الذي هو أوّل معصية لله في تاريخ بني آدم، ولم ينج فضاء الثقافة من تحاسد مثقفين، بسبب علاقات عاطفية، أو حصد البعض جوائز، أو نيل بعضهم إعجابا من الآخرين أو إشادة. وفي ظل التنافس على مركز الضوء والتهافت على المكاسب تتأجج صراعات معلنة وخفيّة يقف وراءها مثقفون حُسّاد كثيراً ما نادوا بالإخاء والمثالية وسرعان ما انكشف الغطاء وانقلب الأحباء إلى أعداء في ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلا"(2).

أيها الحاسد الثقافي مهما كنت روائيا، قاصا، شاعرا، إعلاميا عالج نفسك وأحب الخير لغيرك فالساحة الإبداعية تسع الجميع والنجاح والشهرة والظهور متاح لكل مُجِد دون أن نلغي بعضنا بعضا...

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

........................

المرجع

1- الكاتب علي حسين السعلي، حسد المثقفين يا سدنة الأدب، جريدة الجزيرة..

2- الناشر مجد حيدر هل ينصب التنافس فخاخ العِداء بين المشتغلين بالفن الواحد؟ مثقفون أم حشاد؟ جريدة عكاظ.

من النادر أن تفوز بقارئ نابه يرى ببصيرة ساطعة، وقد إنتبه الدكتور مصطفى علي إلى تكرار قافية التاء الساكنة، وهي ترمز في فحواها إلى الموت، فالتاء آخر أحرفه (م...و...ت).

الحياة قافيتها الموت، ليس تشاؤما ويأسا، وإنما مواجهة صريحة مع حقيقة نهرب منها، ونتوهم الإنتصار عليها، وهي الحقيقة الكبرى التي تستحضرنا قبل أن نستحضرها.

نعم الموت يتسلل إلى بدن الكلمات بإنسيابية وتدفق عارم، ناجم عن وعي ومواجهات متكررة معه، سواء على جبهات القتال في الحروب أو في ميادين الحياة الحامية.

الموت يزحف إلينا بصمت ويباغتنا بشراسة!!

"دقات قلب المرء قائلة له...إن الحياة دقائق وثواني"!!

و"إعمل لآخرتك كأنك تموت غدا

وإعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا"

فوعي حقيقة الدنيا، وسِفر الحياة، يستحضر قافية التاء، ليذكرنا بأن الموت مصير كل مخلوق حي، ولا مفر منه.

ربما يتجسد جوهر الموت في التائيات الناضحة من الوعي واللاوعي، لترسم لوحة الكينونة المؤقتة فوق تراب يلتهم ما أوجد، وهو الآفة الكبرى التي تأكل كل شيئ حتى الحديد.

لكي نعرف الحياة لابد من وعي الموت.

وملاحظة زميلنا المتبصر ربما أشارت لذلك وفقا لمفاهيم الوعي واللاوعي، ولا يوجد معنى للكتابة إذا لم تلامس الحقيقة وتطعن  قلبها بالنور الساطع، وإلا سيتحول الوجود الأرضي إلى سعير.

ويا زميلي المستنير لا أريد أن أفزعك بالقول أن التاء تشترك بثلاث كلمات ترعبنا هي (الموت، التابوت والتراب)، وهذه ثلاثية الختام البشري!!

"كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلةٍ حدباء محمول"

و"كل نفسٍ ذائقة الموت..."

وبين التاء الثلاثي أو الرباعي الأبعاد تتأرجح أعمارنا!!

هيَ التاءُ التي فينا توالتْ

طوابيرٌ بخنْدَقها توارتْ

إلى مَوتٍ وتابوتٍ وتُربٍ

مَصيرُ وجودِنا كيفَ اسْتدارتْ

فلا تعْجَبْ إذا خُتمتْ بتاءٍ

كأنَّ الأرضَ من شررٍ تعافَتْ

***

د. صادق السامرائي

في عالم مليء بالمعلومات، يظل الجهل حالة بشرية معقدة، لكن أخطر أنواعه ليس الجهل ذاته، بل الجهل بالجهل. هذا ما كشفه تأثير دانينغ-كروجر، الذي أظهر أن غير الأكفاء لا يفتقرون إلى المهارات فحسب، بل يفتقرون أيضاً إلى القدرة على إدراك افتقارهم لها. إنها مفارقة مؤلمة: المهارات اللازمة لتقييم الكفاءة هي نفسها المهارات المفقودة لدى غير الأكفاء.

قصة فلورنس فوستر جنكينز، المغنية التي ملأت قاعة كارنيجي بصوتها النشاز، ليست مجرد حكاية مسلية، بل مرآة تعكس واقعاً أعمق. كانت تؤمن بموهبتها إيماناً مطلقاً، رغم سخرية الجمهور ونقد النقاد. أما ماك آرثر ويلر، اللص الذي اعتقد أن عصير الليمون يجعله غير مرئي لكاميرات المراقبة، فقد جسد بأغرب طريقة ممكنة هذه الظاهرة: شخص واثق جداً من فكرته الخاطئة لدرجة أنه لم يخطر بباله حتى أن يسأل أحداً عن رأيه.

يتساءل الفيلسوف ويليام باوندستون: هل نبالغ في القلق بشأن زيادة الجهل؟ وهل يمكن أن يكون القلق نفسه مبالغاً فيه؟ لكن قصة جنكينز وويلر ترياننا أن الجهل ليس مجرد غياب معرفة، بل هو حالة من الثقة الزائدة التي تجعل صاحبها محصناً ضد النقد والحقيقة. الجاهل لا يعرف أنه جاهل، وهذه هي الكارثة.

الأخطر أن هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد العاديين. إنه يتسرب إلى أعلى مستويات السلطة والنفوذ. حين يفتقر "القائد" إلى البصيرة اللازمة لرؤية عيوبه، وحين تحيط به حلقة من الممكّنين والمتملقين الذين يصدّقونه أو يخافون من معارضته، فإنه يصبح نسخة طبق الأصل من فلورنس جنكينز، بل أسوأ. هي كانت تؤذي آذان الحاضرين فقط، أما القائد الجاهل فقراراته قد تدمر مجتمعات.

بعد هذه الاستعراضات لقصة فلورنس وويلر وتأثير دانينغ-كروجر، لا يسعني إلا أن أواجه نفسي وقارئي بسؤال تهكمي لكنه جوهري:

كم في مجتمعنا، وخاصة بين صفوف القادة السياسيين والطبقة الحاكمة، من تنطبق عليه صفات فلورنس جنكينز وماك ويلر؟

السؤال ليس تهكماً محضاً، بل دعوة لمراجعة جادة. ربما يكون الجواب مخيفاً: كثيرون. لكن الخطر الأكبر ليس في كثرتهم، بل في أنهم غالباً لا يدركون جهلهم، ومن حولهم إما يخافون أو يستفيدون من استمرار هذا الجهل. وإذا كان الفيلسوف باوندستون يتساءل عما إذا كنا نبالغ في القلق، فإن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل حين يصبح الجهل الواثق من نفسه هو من يقود القرارات المصيرية لحياتنا؟.

****

د. محمد الربيعي

 

«أعتقد أنه من الأفضل أن تُختتم حياةٌ كان فيها العمل الفكري مصدر أنقى للفرح، وكانت الحرية الشخصية أثمن ما يمكن امتلاكه على هذه الأرض، في لحظة مناسبة وبكرامة قائمة». تمثل هذه العبارة جزءًا من الكلمات الأخيرة التي دوّنها الكاتب ستيفان تسفايغ (1881–1942). وبعد فترة وجيزة، أقدم هو وزوجته شارلوت إليزابيث ألتمان (1908–1942) على تناول جرعة قاتلة من الباربيتورات، ليُعثر عليهما لاحقًا متوفّيين، متعانقين، على سرير منزلهما في بيتروبوليس بالبرازيل.

ظل تسفايغ متسما طوال حياته بنزعة سلمية واضحة، غير أنّه بلغ درجة عالية من اليأس نتيجة التدهور الذي شهده المشهد الأوروبي، وهو المجال الذي كرّس له جزءًا كبيرًا من إنتاجه الأدبي ذي البعد الاجتماعي والثقافي، إضافة إلى صعود النازية المتسارع. وفي عام 1942، وبعد ما يقرب من تسع سنوات من المنفى، اتخذ مع زوجته قرار إنهاء حياتهما.

في عام 1939، وهو العام الذي تزوّج فيه من رفيقة دربه حتى نهاية حياته، نشر تسفايغ رواية «نفاد صبر القلب». وفي هذا العمل، يعمد المؤلف إلى تفكيك البُنى الذهنية والانفعالية المرتبطة بالتعاطف، كاشفًا عن نتائجه حين لا يكون نابعًا من صدق داخلي، بل مدفوعًا باعتبارات نفعية.

انطلاقًا من حبكة سردية بسيطة، يُدخل تسفايغ القارئ في تعقيدات المشاعر التي تتحكم في سلوك شخصياته. ففي الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى، يُدعى الملازم الشاب أنطون هوفميلر إلى قصر أحد الأثرياء، حيث يعيش مع ابنته إديث المصابة بشلل مزمن. تقع إديث في حب أنطون، الذي، رغم تأثره بحالتها، يعجز عن مبادلتها المشاعر نفسها. لذلك يلجأ إلى إخفاء حقيقة موقفه، في الوقت الذي يزرع فيه لديها آمالًا بشأن تحسّن حالتها الصحية وإمكانية بناء حياة مشتركة سعيدة.

يظهر التعاطف بوصفه استجابة إنسانية عند مواجهة حالة من المعاناة، سواء كانت ذات طبيعة جسدية أو نفسية أو اجتماعية-اقتصادية، تعيق الفرد عن تحقيق نموه الكامل. وهذا ما يختبره أنطون عند تعرّفه إلى إديث، غير أنّ تسفايغ، بمهارته التحليلية، يتجاوز هذا المستوى الظاهري ليقدّم تفكيكًا دقيقًا لهذا الشعور.

ويُبرز الكاتب كيف يمكن لبعض أشكال الاستجابة لمعاناة الآخرين أن تؤدي، إلى تفاقم تلك المعاناة بدلًا من الحدّ منها.

يطرح النص سؤالًا محوريًا حول مدى نقاء التعاطف الذي يشعر به أنطون تجاه إديث. فقبل لقائهما، يكشف تسفايغ عن هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للملازم، وهو ما يفسّر دافعه الأساسي لزيارة القصر، إذ يرى في ذلك فرصة لتحسين صورته لدى زملائه في الثكنة. كما يتخيّل ما قد يفتحه هذا الحدث من آفاق للترقي الاجتماعي وربما الاقتصادي. وعند وصوله، يدعو أنطون إديث إلى الرقص، ليكتشف حينها إصابتها بالشلل، فينسحب من القصر بدافع الخجل. غير أنّ هذا الشعور يتفاقم لاحقًا عندما يدرك أنّ سلوكه قد يُفسَّر بوصفه جبنًا، مما قد يزيد من سخرية زملائه.

في محاولة لتدارك الموقف، يرسل أنطون باقة من الزهور إلى إديث، التي تبادر بدورها إلى دعوته لزيارتها مجددًا. وهنا تتبلور المأساة؛ إذ تنجذب إديث إلى شاب لا يبادلها الشعور، بل يسعى، في جوهر الأمر، إلى الحفاظ على توازنه الاقتصادي الهش ومكانته الاجتماعية المحدودة. ومن خلال هذا التوتر، يواصل تسفايغ تحليل التعاطف بوصفه شعورًا يبدو إيثاريًا في ظاهره. يتردد أنطون بين الاقتراب والابتعاد، ممزقًا بين الشفقة والنفور، لكنه، بدافع الأنا، يضاعف من زياراته وتصرفاته العاطفية تجاه إديث، التي أصبحت أسيرة حب لا رجعة فيه.

تتبلور الإشكالية الأساسية في التساؤل عن مقدار الإيثار الحقيقي الكامن في التعاطف مقابل ما ينطوي عليه من أنانية. يذهب تسفايغ إلى أنّ التعاطف يفقد أصالته عندما يتحول إلى وسيلة لحماية الذات من ألم الآخر، إذ يسعى القلب في هذه الحالة إلى التخلّص السريع من الإحساس المؤلم. في المقابل، يتجلّى التعاطف الحقيقي في القدرة على الصبر اللامحدود، وفي الاستعداد لتحمّل التضحية الذاتية، انطلاقًا من إدراك أنّ مساعدة المتألم تُعدّ أولوية أخلاقية تتقدّم على كل اعتبار آخر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

هذه الحكاية لا تبدأ من حيث تظنون. لا تبدأ من برج عاجي يطِل على نهر السين، ولا من صالون أدبي تفوح منه رائحة العطر الفرنسي والثقة الزائدة، ولا حتى من مدرج جامعة القاهرة حيث يتثاءب الطلبة على صوت أستاذ يشرح نظرية المعرفة. الحكاية تبدأ من مشهد عابر، مشهد لو مررت به في الشارع لما التفت إليه، لكنه يختزل المأساة كلها كأنه ضربة سكين في خاصرة الحقيقة.

شاب عربي، وسيم، يلبس جاكيت جلد، يدرس الفلسفة في أوروبا. يجلس في مقهى باريسي عتيق، يقرأ هيدجر بالألمانية، ويدخن السجائر ببطء، وكأنه يقلد جان بول بلموندو في فيلم من أفلام الموجة الجديدة. يتأمل كتاب "الوجود والزمان" وفي باله أن العالم كله ينتظر أن يفك طلاسمه، بينما بلده الأم يغلي على نار هادئة، نار الفقر والقهر والجهل. وفي اللحظة التي يغلق فيها الكتاب، لا لشيء إلا لأنه سئم، يرفع عينيه في المرآة المقابلة، فيدرك فجأة، بغتة، أنه لا يفهم شيئًا على الإطلاق. لا يفهم بلده الذي تركه خلفه. لا يفهم أمه التي تتصل به آخر الشهر، لا لتسأل عن هيدجر طبعًا، بل لتسأل السؤال الإنساني الحقيقي: "حولت الفلوس ولا لسه؟". لا يفهم لماذا يشعر أن هذه الأفكار الكبيرة التي يحملها في رأسه كبدلة مستعارة من محل أزياء فكرية، يرتديها في المناسبات الأكاديمية، ويخلعها بامتنان شديد حين يعود إلى غرفته، ليبحلق في سقفها ويستمع إلى صوت صمت لا يشبه أي شيء.

هذا المشهد الذي تصورته الآن ليس استثناء يا صديقي. لا تغالط نفسك. هذا هو القاعدة. هذا هو المدخل الوحيد لمتاهة لا يملك أحد خريطتها، متاهة المثقف العربي الذي تحول، دون أن يدري، إلى ما يمكن تسميته بـ"الكائن الليلي". كائن لا يحتمل الضوء، ضوء الواقع العربي القاسي، الحاد، المباشر، الذي لا يجيد المواربة ولا يفهم لغة المجاز. إنه يعيش في منطقة الشفق الفكري، حيث الأفكار ضباب لطيف، دخان سجائر، لا شفرات حادة تقطع. وحين يضطر، بحكم الظروف، للخروج إلى شمس الواقع الحارقة، تصيبه حساسية مفرطة. يعطس، تدمع عيناه، يشعر بالدوار، ويريد العودة سريعًا إلى كهفه المظلل، إلى حضن النص، إلى حيث الكلمات لا تعض.

علمتني الحياة، وقراءة التاريخ بتركيز، أن أثق في التشخيص البارد، تشخيص الطبيب الذي لا يكذب على مريضه، ولا أثق مطلقًا في الحلول الساخنة التي يقدمها الدجالون. فالمشاكل الكبيرة، من النوع الذي نعاني منه، لا تحل بجرة قلم أو بقصيدة حماسية. المشاكل الكبيرة تدار. ولكن قبل أن ندير، علينا أن نفهم. وفهم مأساة النخبة العربية يتطلب منا أن نقوم بما يشبه التشريح الطبي، أن نفتح الجثة بهدوء، بدون تقزز، ونرى ما بداخلها. وعندما نفعل ذلك، نكتشف شيئًا صادمًا بحق؛ أن الجثة ليست ميتة تمامًا. إنها في حالة موت سريري. القلب ينبض بالنبضات الأولية للحياة البيولوجية، لكن الحياة العاقلة، الواعية، الفاعلة، قد توقفت.

وهذا، يا سادة، هو التعريف الدقيق لكلمة "الزومبي" في أدب الرعب وفي السينما. كائن يتحرك، يأكل، يمشي، يتكلم، يكتب مقالات، يقتبس من دريدا، يردد كلامًا عن التفكيك، ولكنه لا يحيا. لقد مات الجزء المتصل بالواقع فيه، ومات الجزء القادر على الفعل والتغيير، وبقي الجزء القادر على ترديد الكلام وحده، مثل اسطوانة قديمة مشروخة.

المشكلة ليست أن مثقفينا قرأوا كانط وهيجل وهوسرل. لا، فهذا شرف لولا أنهم حولوه إلى عار. المشكلة أنهم قرأوهم كما يقرأ الواحد منا كتالوج أثاث من دمياط، لا كما يقرأ إنسان يبحث عن معنى لوجوده في هذا العالم المعطوب. لقد تعاملوا مع الفلسفة كما تتعامل ربة منزل مع مجلة ديكور، تنظر إلى الصور الجميلة، وتتخيل كيف سيكون شكل بيتها لو امتلكت هذا الكنبة وتلك الأباجورة، ثم تطوي المجلة بأسى، وتعود إلى مطبخها الضيق وموقدها القديم الذي لا يعمل.

 الأفكار، في وجدان هذه النخبة، صارت صورًا للاستهلاك البصري والعقلي، لا أدوات للفعل. صارت ديكورًا عقليًا، لا أسلحة في معركة الحياة اليومية. وهذا هو الانفصال الأول والقاتل: انفصال بين الفكرة كشكل أنيق، والفكرة كمضمون ساخن قد يحرق يديك. لقد حفظوا شكل الفكرة، هيكلها، لكنهم لم يعيشوا حرارتها أبدًا، لم يختبروا ما أسماه الفيلسوف الوجودي كيركجارد بـ"القلق والرجفة". لهذا صار فكرهم بلا حرارة، مجمدًا، وفكر بلا حرارة هو جثة فكرية لا أكثر. هو معلومات مخزنة على قرص صلب، لا موقف من الحياة.

هل تذكرون تلك اللحظة في أفلام الرعب القديمة، حين يفتح البطل بغباء منقطع النظير كتابًا مسكونًا، فتنبعث منه أرواح شريرة تغير حياته إلى الأبد؟ أحيانًا أتخيل أن ما حدث للمثقف العربي هو العكس تمامًا وبكل دقة. لقد فتح كتب الفلسفة الغربية بفضول حذر، فلم تنبعث منها أرواح. بل على العكس، دخلت روحه هو في الكتاب، وبقيت هناك أسيرة. عاد الجسد إلى الوطن، إلى القاهرة، إلى الدار البيضاء، إلى دمشق، لكن الروح ظلت حبيسة في نصوص هايدجر ودريدا وفوكو، تركض بين السطور لا تعرف كيف تخرج. وهكذا، وببساطة شديدة، صار المثقف العربي جسدًا بلا روح، أو روحًا بلا جسد حسب زاوية النظر!. في الحالتين، هو كائن ممزق، نصفه هنا في المقهى الشعبي، ونصفه هناك في السيمنار الأكاديمي. وهذا، إن أردت الدقة، هو التعريف العملي للاغتراب.

ولكن، وكما تعلمنا من القصص البوليسية الجيدة، لا تثق أبدًا في التفسير الوحيد الجاهز. هناك دائمًا احتمال آخر، دافع آخر، بعيد. وهذا الاحتمال الآخر، الذي يزعجني ويقلق نومي ويدفعني للكتابة، هو أن الاغتراب ليس حادثًا عرضيًا أصاب مثقفنا المسكين، بل هو استراتيجية بقاء مقصودة. إنه خيار، ربما غير واعي، لكنه خيار. إنه ميكانيزم دفاع.

المثقف العربي، في أعمق أعماقه، يخاف. يخاف من مواجهة الواقع لأنه لو واجهه حقًا، لو نظر في عينيه مباشرة، لاضطر إلى أمرين كلاهما مر وقاتل: إما أن يفعل شيئًا خطيرًا يهدد راحته وسلامته ومكانته، وإما أن يعترف، في لحظة صدق نادرة، بعجزه الكامل. وكلا الأمرين مرعب. لذا، يختار الطريق الثالث: الانفصال اللذيذ. أن يبني عالماً موازياً من الأفكار الجميلة المصفوفة بعناية، ويقنع نفسه أن هذا العالم هو الحقيقي، وأن العالم الخارجي، عالم الغبار والصراخ ولحمة الجاموس، هو الزائف. هذا، بالضبط، ما يفعله مريض الفصام الذي يخلق واقعًا بديلاً لأنه ببساطة لا يتحمل الواقع الحقيقي. والسؤال المخيف الذي يلح علي هو: هل مثقفونا مصابون بفصام جمعي غير مشخص؟

قد يبدو كلامي هذا قاسيًا، أعرف ذلك. وأنا لا أدعي مطلقًا أنني أفضل منهم. لا يا سيدي، ربما أنا واحد منهم، أكتب مقالاً عن الاغتراب وأنا مغترب، أنظر إلى المشكلة من الخارج وأنا أغرق في داخلها. لكن ما يفرق بين مريض وآخر، كما قال الحكماء، هو أن الأول يعرف أنه مريض، والثاني لا يعرف. والوعي بالمرض هو نصف الشفاء، أو هكذا قالوا لنا لنشعر ببعض الأمل.

لكن مشكلة نخبتنا الثقافية أنهم لا يعرفون أنهم مرضى. يظنون، بثقة تثير الغيرة أحيانًا، أنهم في قمة الصحة الفكرية، وأن المجتمع هو المريض المتخلف الذي يحتاج إلى من يلقنه الدرس. وقد يكون المجتمع مريضًا فعلاً، لا أحد ينكر هذا، لكنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، يصيبهم ما يصيبه، ويصيبونه بما فيهم.

لننتقل إلى النقطة الاقتصادية، التي يخجل منها مثقفنا النبيل. هذا الخجل ذاته عرض من أعراض المرض، بل هو المرض عينه. إنه خجل الأرستقراطي الذي يعتبر الحديث عن المال قلة ذوق، مع أنه يعرف جيدًا أن المال هو عصب الحياة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها أرستقراطينا الفكري، أو يتغافل، هي أن الخبز ليس مجرد مادة. الخبز ليس كربوهيدرات ونشويات. الخبز هو كرامة. هو أمان. هو حق أصيل في الحياة. وحين يبحث الفقير عن الخبز، فهو لا يبحث عن شيء مادي حقير، إنما يبحث عن أساس وجوده الإنساني. وحين يتجاهل المثقف هذا السؤال، أو يعتبره "سؤالاً صغيرًا" لا يليق بعقله الكبير، فهو لا يخطئ فقط في التشخيص، بل يمارس عنفًا رمزيًا دنيئًا، يمارس استعلاءً طبقياً مقنعًا بلغة فلسفية لا يفهمها إلا هو ورفاقه.

هذا المثقف الذي يتحدث عن العدم عند هيدجر بنشوة، هل ذاق طعم العدم الحقيقي في حياته؟ العدم ليس فكرة في كتاب تقرأ على ضوء شمعة. العدم هو أن ينام طفل جائع بمعدة فارغة. العدم هو أن تبحث عن دواء لأمك ولا تجده. العدم هو أن تفقد كل شيء وتقف وحيدًا. هذا هو العدم المعاش، الذي لا يحتاج إلى ترجمة. وهذا هو تحديدًا ما يتهرب منه مثقفنا بكل براعة، حين يلوذ بمفاهيم مجردة تحميه من مواجهة بشاعة الواقع.

ولكن، ومن باب العدل الذي نحاول أن نتعلمه، لابد أن نعطي الفقراء حقهم كاملاً. هم ليسوا مجرد مادة خام للفلسفة، ولا هم موضوعًا للدراسة الاجتماعية الباردة. كما أنهم ليسوا حكماء صامتين كما تحب النخبة أن تصفهم في كتاباتها المليئة بالشفقة الممزوجة بالتعالي. لأن هذا الوصف نفسه، يا سادة، يحمل استعلاء مقيتًا، لأنه يحول الفقر قسرًا إلى فضيلة، وهذا تزييف قبيح للحقيقة. الفقر ليس فضيلة، الفقر لعنة، سوط من نار. والفقراء ليسوا فلاسفة صامتين، هم بشر عاديون، طيبون وأشرار، يريدون أن يعيشوا بكرامة. يريدون تعليماً لائقاً لأولادهم، وصحة لأجسادهم، وعملاً شريفاً يحفظ ماء وجوههم من ماء المذلة. هم لا يحتاجون من المثقف أن يتغنى بحكمتهم الصامتة المزعومة، بل يحتاجون إليه أن ينقلب على نظام ينتج الفقر ويعيد إنتاجه بكل عنفوان. ولكن المثقف، الذي يخاف من الضوء ويحب منطقته الرمادية، لا يستطيع أن يفعل هذا. لأنه لو فعله، لدخل في صراع حقيقي مع السلطة التي تمنحه المكانة، ومع السوق التي تمنحه المال، ومع "الأنا العليا" التي تمنحه الاحترام. لذا، يختار الحل الأسهل والأكثر خسة في أحيان كثيرة: أن يكتب قصيدة عن "جمال البؤس"، بدلاً من أن يحارب البؤس.

في النهاية، ماذا نفعل؟ سؤال قديم، متعب، ومحبط أحيانًا لدرجة البكاء. ليس لدي وصفة سحرية، ولا أؤمن بالوصفات الجاهزة أصلاً. ولكن ما أعرفه، من تجربة الحياة ومن تجربة القراءة، أن الإنقاذ يبدأ من لحظة الصدق. لحظة يقول فيها المثقف لنفسه، بصوت مسموع، أمام المرآة: "أنا خائف. أنا مغترب. أنا لا أفهم شعبي كما ينبغي. أفكاري مستعارة، وغضبي مستعار، وحتى يأسي مستعار. أريد أن أبدأ من جديد. من الصفر. من السؤال الأول: لماذا أنا هنا؟ وما مهمتي الحقيقية؟".

هذه اللحظة مرعبة. إنها تشبه لحظة استيقاظ بطل رواية رعب، حين يكتشف أن الوحش الذي كان يطارده طوال القصة ليس كائنًا فضائيًا، بل هو في الحقيقة بداخله، جزء منه، يسكن في أعماقه ويتحكم في مصيره.

المثقف العربي يحتاج أن يكتشف أن الوحش ليس في الخارج، ليس في الواقع، المجتمع، الدولة، التخلف، بل في الداخل. في طريقة تفكيره هو. في علاقته المريبة بالمعرفة. في خوفه المقيم من المواجهة. وعند هذا الاكتشاف المرعب، قد يحدث شيئان لا ثالث لهما: إما أن ينهار ويدخل في اكتئاب مزمن لا يخرج منه، وإما أن ينهض. ببطء. بتردد. مرتجفًا. ويبدأ أول خطوة في طريق طويل. طريق لا يعرف نهايته، لكنه على الأقل طريق خاص به، حقيقي، لا طريقًا مستعارًا من أحد.

في روايات الرعب، هناك دائمًا تعويذة تطرد الشياطين. في عالم الواقع، لا توجد تعويذات. توجد محاولات. توجد حيوات نحياها بالتجربة والخطأ، بالوجع والفرح النادر. وتوجد لحظات نادرة جدًا، من الصدق التام، قد تغير كل شيء. ربما، فقط ربما، إذا تجرأ مثقفونا على تلك اللحظة، سنرى فجرًا مختلفًا. فجرًا لا يخاف من ضوئه أحد، ولا يهرب منه أحد إلى كهفه.

***

د. عبد السلام فاروق

الطب والأدب (3)

وفي الجزائر برز كثير من الأطباء الشباب في مجال الشعر والقصة منهم الشاعر الطبيب المختص في أمراض القلب حسان عبابسة من ولاية سطيف وسبق أن احتفينا به في ولاية البويرة و اهدى لي دواوينه الشعرية وهي : "مبحر في ذكرياتي"، "صرخة في وجه الموت"، و"مواسم الغاردوشكا والصبّار".

والطبيب الشاب إلياس العرافة المختص في أمراض السرطان والعلاج بالأشعة الذي أبدع في مجال القصة القصيرة ومجموعته القصصية " اثنتا عشر قبامة لعازر "نالت احتفاء كبيرا من طرف النقاد وفاز أيضا بجائزة " دنيا بوحلاسة "الوطنية للنصوص الإنسانية عن نصه " الجمال الخفي للموت " .

ومن الجنوب بولاية ورقلة برز الطبيب والروائي سليم عبادو واشتهر بروايات لرموز ثورية ضحت من أجل الجزائر كرواية " بعيد عن الأعين " التي هي رسالة إنسانية في حق البطل المناوئ للاستعمار الفرنسي الذي فضل ان يضحي بحياته من اجل استقلال الجزائر المدعو "موريس أودان ".

وله أيضا رواية “قلب في أقصى اليسار” الصادرة (2024) عن دار الأمير في الجزائر وتتحدث عن مسيرة الشهيد والمناضل محمد بودية ...بالإضافة إلى رواية الكناس التي تسلط الضوء عن مكابدة تاجر بين واد سوف والعاصمة ..

وفي مجال الشعر برزت الطبيبة والشاعرة والقاصة أمينة حزمون المختصة في المخ والأعصاب ..

ولها حضور أدبي متنوع، إذ أصدرت مجموعة شعرية بعنوان «تفاصيل سمراء» عن دار موزاييك، وكتبت نصًا مسرحيًا بعنوان «ظلال لفصل واحد»، ورواية «المجانين لا يموتون»، إلى جانب مسرحية شعرية بعنوان "مأساة شاعر" ونالت كثيرا من الجوائز

أدبية، من أبرزها جائزة البردة العالمية للشعر الفصيح في الإمارات عام 2018، وجائزة سعاد الصباح للرواية في الكويت عن رواية «المجانين لا يموتون» عام 2017.

وشاركت في مسابقة أمير الشعراء ولها حضور بارز في الملتقيات الشعرية التي تقام عربيا ..

وهناك أسماء كثيرة تحتاج إلى دراسة معمقة ربما نعود إليها لاحقا، هذه الأسماء الجزائرية التي تناولتها هم اصدقاء على هذا الفضاء الافتراضي ..

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

أنيس زكي حسن: مترجم وروائي عراقي (1937 - 2017)، تخرج من دار المعلمين العالية في بغداد (1959)، وأمضى حياته في مدينة الكوفة العريقة، وهو قاص من جيل الخمسينيات، وتسنم عدة وظائف منها مديرا لدائرة الصحف الأجنبية في وزارة الخارجية، وعمل في الأمم المتحدة.

مؤلفاته:

 رسائل من تحت الأرض، السقطة، أسطورة سيزيف، اللامنتمي، سقوط الحضارة، المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، لوحات تاسيلي، مرتفعات الآهات الجمال، السجين، الأخطبوط.

 قرأت له بعض كتبه في مرحلة الإعدادية، وذكّرني به صديق عندما راح يسألني عن كتاب الأخطبوط الذي طلبه منه أحد الشخصيات البارزة في الحياة السياسية في دول الخليج.

 لا أذكر أني قرأت هذا الكتاب، لكن كتاب اللامنتمي لكولن ولسن قرأته أكثر من مرة.

يبدو أنه كاتب مرموق وكان أنيس منصور الكاتب المصري معجبا به، لكننا نحن العراقيون نبخس بضاعتنا، ونطمر بعضنا، وما أذكر إن كان له حضور في ثقافتنا . كغيره من الكتاب العراقيين الذين أبدعوا وتطامن إبداعهم في غياهب الإهمال والتبخيس.

لم يكن لإسمه حضورا واضحا في مسيرتنا الثقافية، لما يستشري فينا من عاهات تنافرية، وكأننا أقطاب مغناطيس متشابهة. حتى كتبه التي ترجمها بمهارة إبداعية فائقة، كنا نعرف إسم مؤلفيها ولا نعرف إسمه!!. وربما بعضكم سيسمع هذا الإسم لأول مرة.

وكثيرا ما يتم الإستيلاء على إبداعات الأفذاذ المنسيين من أبناء بلادي المهضومين، ويتقمصها المتطفلون على إبداع الآخرين، لعاهة عصية تدبّر شؤون سلوكهم السقيم. فهل لدى أحدكم نسخة من كتاب السجين أو الأخطبوط؟!!

بديعُ عقولِنا منْ دونِ ذكرِ

نواجهُ بعْضنا دوماً بنُكرِ

بإبْداعٍ أصيلٍ لا يُضاهى

أنيسٌ لا يؤانِسُنا بفكرِ

"وما اجْتمعتْ باذوادٍ فُحولٌ"

نوازعُنا بنا فعلتْ وتَبري!!

***

د. صادق السامرائي

اليمن بين اللقطة والمأساة الكبرى

يتضح من ردود فعل المؤثرين على تيك توك ومنصات التواصل الاجتماعي أن لقطة ضرب الطفل، المرتبطة بواقعة الفنانة اليمنية ماريا القحطاني وأخيها وحارسها، والتي حدثت خلال فعاليات افتتاح مجمع سياحي في عدن، كانت ببساطة حادثة اقتراب طفل من الفنانة المشهورة، فكان رد فعل الأخ المرافق دفعة عنيفة وقوية، ثم قام الحارس برأسه الضخم بردع الطفل بوحشية.

لكن هذه الحادثة لم تُقرأ كحادثة إنسانية فقط، بل تحولت سريعًا إلى مادة للترند. خلال ساعات قليلة، امتلأت الصفحات بمئات الفيديوهات، والتعليقات، والتحليلات العاطفية، والمزايدات الأخلاقية، حتى صار المشهد أقرب إلى سوق مفتوح للمشاهدات منه إلى وقفة حقيقية أمام كرامة طفل يمني أُهين أمام الناس.

صحيح أن الغضب كان مفهومًا، وصحيح أن الاعتذار العلني الذي قدمته ماريا في اليوم الثاني جاء تحت ضغط تسونامي هذا الغضب، لكن السؤال الأهم ليس: من اعتذر؟ ولكن: لماذا لا نستيقظ إلا عندما تتحول المأساة إلى فيديو قصير؟

المشكلة ليست في الدفاع عن الطفل. الدفاع عنه واجب أخلاقي وإنساني. المشكلة أن هذا الدفاع نفسه جرى استثماره بطريقة تكشف عطبًا أعمق في وعينا العام. كثير من مشاهير السوشيال ميديا لم يتعاملوا مع المشهد كجرح صغير داخل جرح يمني هائل، بل كفرصة لصناعة محتوى.

كل واحد أراد أن يكون أكثر غضبًا من الآخر، أكثر بكاءً، أكثر بطولة، وأكثر قربًا من “الناس”. لكن هذا القرب المعلن من الناس يصطدم بحقيقة موجعة، ألا وهي: أين هذا الغضب والأطفال ما يزالون يموتون من الجوع؟ أين كانت هذه الأصوات العالية أمام المجاعة اليمنية المستمرة، وانهيار الرواتب، ومرضى المستشفيات، والنازحين، والبيوت التي بلا خبز ولا دواء؟

تقول اليونيسف إن أكثر من ألف طفل يمني دون الخامسة يموتون يوميًا لأسباب مرتبطة بالفقر والمرض ونقص الرعاية. كما تشير تقارير أممية إلى أن نصف أطفال اليمن دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد. هذه الأرقام ليست لقطة عابرة، وليست فيديو مؤلمًا مدته عشر ثوانٍ، بل مأساة مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات. ومع ذلك لا تتحول إلى ترند يومي. لم نرَ مئات الفيديوهات عنها كل صباح. لم يتسابق المؤثرون إلى فتح بثوث مباشرة عن طفل مات لأنه لم يجد الحليب، أو عن أم باعت آخر ما تملك لتشتري علاجًا، أو عن أب فقد كرامته أمام طابور المساعدات.

هنا تتجلى المفارقة القاسية: طفل يُضرب في مكان عام، فيشتعل الفضاء الرقمي. لكن مئات الأطفال يُسحقون يوميًا بالجوع، والمرض، والحرب، واللامبالاة، فلا يحدث الاشتعال نفسه. ليس لأن الطفل المضروب لا يستحق التضامن، بل لأنه يكشف كيف صرنا نرى الألم حين يكون صالحًا للمشاهدة فقط.

الألم الذي يأتي في صورة واضحة، مع وجه مشهور، ولقطة مثيرة، وسردية سهلة: ضحية وجلاد وجمهور. أما الألم البطيء، ألم الجوع، وألم الأمهات، وألم الأجساد الهزيلة، فلا يجلب التفاعل ذاته لأنه لا يمنح المؤثر فرصة بطولة سريعة.

لقد تحولت السوشيال ميديا اليمنية، في جزء كبير منها، إلى ماكينة انتقال من ترند إلى ترند. اليوم طفل مضروب، غدًا خلاف فنانين، بعد غد فضيحة شخصية، ثم قضية عائلية، ثم بكاء مباشر، ثم اعتذار، ثم مصالحة، ثم نسيان كامل. وفي كل مرة تُقدَّم هذه الحركة بوصفها انتصارًا للناس أو دفاعًا عن الوطن. لكن عن أي وطن هذا الذي تُختزل كرامته في موجة تعليقات؟ أي وطن هذا الذي لا يجد مكانًا في خطاب مشاهيره إلا عندما يكون قابلًا للتسويق؟ وأي كرامة تبقى إذا كان الطفل يُدفع بالحارس، ثم يُدفع مرة أخرى إلى شاشة المحتوى، ثم نطلب منه أن يكون سببًا لزيادة المتابعين؟

ما حدث مع هذا الطفل يجب أن يُدان بوضوح. لا يحق لأي حارس، أو مرافق، أو قريب من فنان أو فنانة، أن يتعامل مع طفل فقير أو معجب أو فضولي كأنه شيء زائد في الطريق. الطفل لم يكن عائقًا أمنيًا، وليس جسدًا صغيرًا يمكن دفعه لأن نجمة تمر. لكن الإدانة الحقيقية لا يمكن أن تكتمل إلا عندما نضع الواقعة في سياقها اليمني الأوسع.

هذا الطفل ليس فردًا معزولًا. هو صورة مكثفة لطفولة يمنية كاملة تُردع كل يوم: تُردع بالجوع، وتُردع بالحرب، وتُردع بالفقر، وتُردع بانهيار التعليم، وتُردع حين يصبح مستقبلها مادة للخطابات والمزايدات.

الغريب أن النقاشات لا تذهب غالبًا إلى هذه الجذور. لا تسأل: لماذا يوجد طفل في هذا الوضع؟ لماذا تتحول الطفولة اليمنية إلى هامش؟ لماذا صار الفقر مشهدًا عاديًا؟ لماذا يتصرف بعض المشاهير وكأن الناس مجرد جمهور، لا بشر لهم كرامة؟ بدلًا من ذلك، ينحرف النقاش إلى سباب، وتشهير، ومقاطع رد، ومقاطع رد على الرد، حتى تضيع القضية الأصلية.

يصبح الطفل مجرد ذريعة. يصبح الاعتذار مادة جديدة. ويصبح الغضب نفسه سلعة.

نحن أمام حالة مرضية في علاقة الشهرة بالواقع. بعض مشاهير تيك توك يعيشون في بلد موجوع، أو ينتمون إلى بلد موجوع من الخارج، لكنهم يتعاملون مع هذا الوجع كخلفية بعيدة. يتحدثون باسم اليمن، يرفعون شعارات اليمن، يقولون إنهم يفرحون الناس، أو يمثلون الوطن، أو يفتحون له نافذة على العالم. لكن الوطن ليس رقصة، ولا بثًا مباشرًا، ولا هدية افتراضية، ولا عدد مشاهدات. الوطن طفل جائع، أم مفجوعة، مدرسة مهدمة، طبيب بلا راتب، ومواطن يجر كرامته في الشوارع بحثًا عن دواء أو رغيف.

إن هذه اللحظة هي زمن يسقط فيه الجميع: يسقط الحارس الذي ردع الطفل، ويسقط المشهور الذي لم يفهم معنى الناس، ويسقط المؤثر الذي استغل الوجع، ويسقط الجمهور عندما يستمر في التصفيق لأيام ثم ينسى، ونسقط نحن حين نسمح للترند أن يكون بديلًا عن الضمير.

فالطفل إذن لا يحتاج إلى موجة غضب ليومين فقط، بل إلى مجتمع يحميه. واليمن لا يحتاج إلى نجوم يعتذرون تحت الضغط، بل إلى وعي يعيد للإنسان قيمته قبل الصورة، وللطفولة كرامتها قبل المشاهدة.

إن اليمن الحزين لا تنقصه اللقطات المؤلمة. ما أكثرها. لكنه يحتاج إلى من يرى ما وراء اللقطة. يحتاج إلى من يقول إن ضرب طفل فضيحة، لكن موت الأطفال جوعًا فضيحة أكبر. يحتاج إلى من يرفض أن تتحول المأساة إلى مادة للربح الرمزي والمالي. سنجوع، ونُردع، ونُهان، ثم نصفق لمن يقولون إنهم يتكلمون باسمنا.

هذه هي التراجيديا الطويلة: أن يتحول الضحايا إلى جمهور، وأن يتحول المتفرجون إلى قضاة، وأن يظل الطفل اليمني في النهاية وحيدًا، بين حارس غليظ، ومؤثر جائع للمشاهدات، ووطن لم يعد يعرف كيف يحمي صغاره.

***

حميد عقبي

 

الطفولة أجمل مرحلة يعيشها الإنسان خاصة إذا كانت في بيئة آمنة مستقرة، يجد هذا الطفل من يحتويه ويحتضنه ولكن هيهات هيهات ثمة طفولة بائسة تعيش الحرمان والمعاناة وكتاب عالميون مبدعون عاشوا طفولة محرومة دفعتهم ظروف الحياة الصعبة إلى الشارع فمارسوا أعمالا شاقة ومن هؤلاء المبدعين الكبار تشارلز ديكنز أديب بريطانيا بل أبرز كتابها التاريخيين..

لندع الكاتب المصري "أحمد منصور " يوضح لنا هذا "كانت مدينة بورتسموث الساحلية في جنوب إنجلترا يوم 7 فبراير/شباط عام 1812 على موعد مع ميلاد تشارلز ديكنز، أبرز أدبائها التاريخيين، وكان الثاني من بين 8 إخوة لوالدين ينتميان إلى الطبقة الكادحة.

وكان الوضع المادي مصدر قلق دائم للعائلة، لأن راتب والده لم يكن كافيا لتغطية نفقات أسرته الكبيرة، نظرا لكونه موظفا بسيطا في مكتب دفع بحري.

انعكست الطفولة البائسة التي عاشها ديكنز على أعماله لاحقا، فكتب عن التجارب المريرة التي مرَّ بها في صغره، وضمت رواياته العديدة قصص أبطال عانوا كثيرا في صغرهم، وذاقوا العذاب وعاشوا في ضياع تام بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت سائدة في إنجلترا في عصره."(1)

بعد دخول والده السجن بسبب عدم سداد دين كان عليه اصطرته هذه الظروف إلى ترك المدرسة واندمج في أعمال شاقة من إجل إعالة الأسرة

أما أديب وفيلسوف  فرنسا الكبير " ألبير كامو" الذي ولد بقرية الذرعان بمدينة الطارف في أقصى شرق الجزائر في بيئة صعبة قاسية شديدة الفقر فقد قتل والده لوسيان كامو بعد مولده بعام في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى فحرم من حنان الأب وكانت أمه الإسبانية مصابة بالصمم...

وتجلت هذه الطفولة والحياة البائسة في أعماله الإبداعية بل حتى في فلسفته العبثية ونظرته إلى الوجود

أما الأديب الأمريكي إرسكين كالدويل عاش أيصا طفولة معذبة فالمتأمل في سيرة حياته يكتشف هذا الضياع والتيه ..

"كان أبوه قسيساً لم يقدم لابنه شيئا يذكر. عاش كالدويل طفولة معذبة. قضى طفولته متنقلا بين عدة أعمال متواضعة حتى بلغ الخامسة عشرة من عمره ليبدأ الدراسة في المدرسة العليا في جيفرسون في ولاية جورجيا. ومع ذلك، لم يتوقف عن العمل، فتنقل بين أعمال عدة منها جامع قطن ونادلا وسائقا وحارسا ليليا في حانة وطباخا وغير ذلك." (2)

هذا البؤس الذي عاشه في طفولته تجلى في أعماله الروائية والقصصية التي تتحدث عن الواقعية الاجتماعية وما يعيشه الإنسان من تقلبات حياتية فيجد نفسه يصارع الظروف وحده..

فهذه البدايات الصعبة والطفولة البائسة استثمرها الكتاب في فهم الواقع الإنساني و الإحساس بالفقراء والمعدومين والكادحين فتجلى كل ذلك في أعمال سردية خالدة مازلنا نستمتع بقراءتها...

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

.................

1- أحمد منصور، فقر والده وطفولته البائسة سبب عالمية الروائي تشارلز ديكنز، اليوم السابع .

2- وكبيديا.

 

في المثقف اليوم