أقلام حرة

محمد سعد: من يملك الفأس يكتب التاريخ!

في أزمنة التغيرات العنيفة سواء كانت اقتصادية أو سياسية تحدث فوضى المعايير في المجتمعات فتنهار القيم التي تضبط الإيقاع الاجتماعي ويصبح الحكم على الأشياء والأشخاص مرهونًا بالمصلحة الفردية لا بالمبادئ الراسخة. في الريف المصري يأخذ هذا التغيير شكلًا أكثر خصوصية حيث تتغير الأسماء وتتحول الألقاب وتُعاد صياغة العلاقات بناءً على موازين القوة الجديدة. ذات العائلات التي كانت تُعرف بكرمها ونخوتها قد تصبح متهمة بالاستغلال وذات الوجوه التي كانت رمزًا للتواضع قد تتحول إلى أبراج عاجية مغلقة. كان الريف في الماضي يقوم على منظومة قيمية متماسكة حيث كان "شيخ البلد" هو الحكم الفصل في المنازعات وكانت "الشهامة" و"النخوة" معيارًا أساسيًا في التعامل لكن مع تطور الزمن وتداخل السياسة بالاقتصاد تغيرت هذه الصورة. فمن كان فلاحًا بالأمس أصبح رجل أعمال اليوم ومن كان ابن القرية البسيط صار وجيهًا يُشار إليه بالبنان. في هذا التحول برزت فئة جديدة كانت مختبئة تحت ستار الطيبة والتواضع لكنها في الحقيقة كانت تخبئ رغبة في الهيمنة والاستحواذ. هؤلاء لم يصنعوا أنفسهم بالجهد وحده بل بذكاء الانتهازية واستغلال التحولات الكبرى. فكما أفرزت الحرب في دول أخرى وجوهًا جديدة لم نكن نعرفها أفرز التغيير الاقتصادي والسياسي في الريف أيضًا أشخاصًا لم يكونوا في الحسبان. اليوم أصبح هناك من يُنظر إليه من منظار "الفأس" تمامًا كما يُنظر في الحروب من ناظور البندقية. لم يعد التقييم قائمًا على الأخلاق والموروثات الاجتماعية بل على الحسابات المالية والمصالح المتبادلة. وكما اختُزلت المجتمعات الأخرى في ثنائية حب أو كراهية زعيم سياسي صار الريف أيضًا يختزل الشخص في موقفه من العائلات الكبرى أو من نفوذ رجال الأعمال الجدد. لماذا يُحترم من يملك الأرض والمال أكثر ممن يملك الأخلاق والعلم...؟ لماذا يُختصر الإنسان في موقف سياسي أو في درجة قربه من السلطة والنفوذ...؟

إنها العقلية الاختزالية التي تقتل التنوع وتحول المجتمعات إلى صور نمطية مشوهة حيث يصبح الغني دائمًا هو الناجح والفقير دائمًا هو الكسول ويُنظر إلى المختلف باعتباره تهديدًا لا فرصة. هكذا تتغير الأسماء في الريف لكن المعايير التي تُصنع بها السلطة تظل واحدة. من يملك الفأس هو من يكتب التاريخ.

***

محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث مصري

 

في المثقف اليوم