أقلام حرة
عبد السلام فاروق: الست المصرية وكفي!

على شاشاتنا تتراقص ظلال "الست المصرية" كدمية معلقة بخيوط رخوة.. تارة تهتز بضحك مبالغ يتحول إلى صرخة بلا معنى.. وتارة تتهاوى كشخصية ثانوية في دراما تبحث عن الإثارة بأقل كلفة..
الفنانة والاعلامية الراقية نجوى إبراهيم لمست جرحًا نزف طويلًا.. جرح يختفي وراء أضواء الكاميرات وأصوات المونتاج.. جرح صورة مهشمة تتكرر كالشتيمة نفسها في كل موسم رمضاني..
هذه الصورة المشوهة دفعتها للسؤال: عمن يربح عندما تتحول المرأة إلى كليشيهات مبتذلة؟
بالطبع هناك من يرى في التشويه تجارة رابحة.. فالإسفاف يبيع أكثر.. والكاريكاتير يعلق في الذاكرة كوشم باهت.. هناك من يخشى المرأة الحقيقية.. تلك التي تحمل تناقضاتها بجمال شرس.. ترفض أن تختزل في دموع مسلسل أو ضحكة مشهد.. هناك من يريدها قناعًا يخفي خلفه عورات المجتمع كله..
لكن العالم كله ليس بريئًا من هذه اللعبة.. حتى لو اختلفت الأقنعة.. تظل الأنثى في سينما الأرضِ تصارع من أجلِ ظلها الخاص.. الفارق أن مصر التي صنعت سحر سيدات السينما الذهبية.. أمثال تحية وماجدة.. لم تعد تنجب إلا نسخا مشوهة من ذلك المجد.. كأنما نخلع عن المرأة أجنحتها ونطلب منها أن تحلق بذراعين عاريتين..
المؤلم أن التشويه لا يحتاج إلى مؤامرة.. يكفيه صمتنا.. استهلاكنا المتكرر للصورة نفسها.. موافقتنا الضمنية على أن تكون الأنثى مجرد ديكور في خلفية مشهد.. أو كومبارس في سيناريو الذكورة الأزلية..
ربما حان الوقت لنسأل: ماذا لو عادت الكاميرا لتصوير المرأة ككون؟
كأن تولد من جديد من رحم التعقيد لا من قالب التسطيح.. أن تكون بحرًا له أعاصيره وأمواجه الهادئة.. لا بركة مياهها راكدة تنبت طحالب التشويه..
الأمر ليس دفاعًا عن امرأة بعينِها.. بل عن حق الحياة في أن نحب ونكره.. نتعثر وننهض.. نخطئ ونصلح.. دون أن نختزل في صورة تسقط عنا كلما حركنا أيدينا..
في النهاية.. السينما مرآة.. لكننا نحن من نرسم انعكاسنا عليها.. فلماذا نصر على أن نكسو المرآة بالأوهام ثم نبكي حين تعكس لنا أشباحًا؟
في عمق الشاشة، حيث تذوب الحكايات في ضجيج المشاهد، تتحول المرأة إلى وهم يباع بالجملة.. كتلة من الصور النمطية تغذيها سيناريوهات جائعة للنجومية الرخيصةِ.. وكأن جسد الأنثى صار سلعة تأخذ شكل الإعلان الأسرع انتشارًا.. لا أحدَ يسأل عن الروح المختبئة خلف الأضواء.. عن ذاك التوتر الخلاق بين القوة والضعف الذي ينسج حياة حقيقية..
هنا، في هذا العالم المصغر، تختزل الأنثى إلى أيقونات جامدة: إما ضحية تبكي في صمت، أو مغوية تبيع ابتسامتها في السوق السوداء للمشاهد.. بينما الحياة الحقيقية تعج بنساء يحملن الهزائم والانتصارات كحزم قش ثقيلة.. يمشين على حبل التناقض ببراعة بهلوان.. لكن الكاميرا ترفض تصوير ذلكَ.. تختار الظلال المريحة بدل مواجهة الوهج المربك للحقيقة..
السؤال الأعمق: هل نخشى تعقيد المرأة لأنها تذكرنا بتعقيدنا المدفون؟
المجتمع الذي يخاف من أنثى لا تُلخص في جملة.. يخشى أن يعترف بأنه هو نفسه لوحة مليئة بالشقوق.. التشويه هنا ليس مجرد استغلال تجاري.. بل هروب من مواجهة المرآة.. نشوه صورة المرأة لأنها الوجه الأوضح لما نرفض رؤيته في أنفسنا: الخوف من الحرية.. العجز عن تقبل التمردِ.. الإدمان على حكايات البطولة الذكورية التي لم تعد تشبهنا..
حتى الذاكرة الجماعية تشارك في الجريمة.. نتباكى على أيقونات الماضي الذهبي.. نتغنى بجمال تحية وعبقرية ماجدة.. لكننا ننسى أن تلك العصور لم تكن تقدس المرأة النمطية أيضًا.. لقد جرؤوا يومًا على صناعة نساء سينمائيات يحملن تناقضات الواقع بكل شراسة الحياة.. فلماذا نرفض اليوم أن نرى تلك الشراسة إلا مغلفة بضحكة مزيفة أو دموع رخيصة؟
المأساة أن التسطيح لا يقتل المرأة وحدها.. يقتل الذاكرة.. يمحو ألوان الحياة ويبقيها رمادية.. حين تتحول الأنثى إلى دمية في يد السيناريو.. يفقد المجتمع قدرته على رؤية نفسه بإنسانية.. تصير كل العلاقات حوارات مكررة.. كل الصراعات إيماءات فارغة..
لكن النور يأتي من حيث لا نتوقع.. من تلك الزوايا المظلمة في الوعي الجمعي.. تطل أصوات نسائية ترفض أن تكون خلفية.. تكتب حكايتها بحروف لا تشبه إلا نفسها.. تذكرنا بأن الثورة الحقيقية ليست في تغييرِ الصورة.. بل في كسر الإطار كلهِ..
ربما نحتاج إلى دميِ الشاشات كلها.. إلى سينما ترفض أن تكون سجنًا للأنوثة.. تعيد للمرأة حقها في أن تكون فوضوية.. مقدسة.. عاقلة.. مجنونة.. بشرية.. بكل ما تحمله الكلمة من ثقل.. لا أن تظل حبيسة التعويذة نفسها: "إما ملك.. أو شيطانة"..
فالمرأة كون.. وحين تختزل إلى جملة.. ينهار الكون.
***
عبد السلام فاروق