عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

من المؤسف أن نشهد في مجتمعاتنا المهاجرة، وعلى الرغم من العيش في دول متقدمة تقوم على أسس الحرية والديمقراطية والمساواة، استمرار بعض مظاهر التفكير الطائفي لدى فئة من الشباب. فدولة مثل أستراليا وفرت لجميع مواطنيها والمقيمين فيها فرصاً متكافئة في التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية، وحرصت على ترسيخ ثقافة احترام التنوع الديني والثقافي لان اغلب، إلا أن البعض ما زال يحمل معه إرثاً من الأفكار والانقسامات التي تشكلت في بيئات عانت لعقود من التهميش والإقصاء وعدم تقبل الآخر.

إن الملاحظ أن بعض الشباب، وعند أبسط المواقف أو النقاشات، يعودون إلى لغة التصنيف الطائفي والنظر إلى الآخرين من زاوية الانتماء الديني أو المذهبي بدلاً من النظر إليهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وهذه الظاهرة تتناقض مع قيم المجتمع الأسترالي القائم على التعددية الثقافية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن دينه أو قوميته أو خلفيته الاجتماعية.

ولا شك أن هذه السلوكيات ليست وليدة الواقع الأسترالي، بل هي امتداد لموروثات اجتماعية وثقافية انتقلت معنا من بلداننا الأصلية، حيث عانى الكثيرون من سياسات الإقصاء والتمييز وعدم الاعتراف الكامل بحقوق المكونات الدينية المختلفة. إلا أن استمرار هذا الفكر في بيئة حضارية منفتحة يمثل تحدياً حقيقياً أمام عملية الاندماج وبناء مجتمع متماسك.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات وبرامج توعوية وتربوية تستهدف الشباب بشكل خاص، بهدف تعزيز ثقافة المواطنة والتسامح وقبول الآخر، وترسيخ مفهوم أن التنوع مصدر قوة وإثراء للمجتمع وليس سبباً للانقسام. كما تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في نشر قيم الاحترام المتبادل والحوار البناء.

إن مستقبل المجتمعات المهاجرة يعتمد على قدرة أبنائها على تجاوز عقد الماضي والانفتاح على قيم العصر، فالحضارة الحقيقية لا تقاس بالتقدم المادي فقط، بل بمدى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وإيمانه بأن الجميع متساوون في الكرامة والحقوق. وعندما يتحرر الشباب من قيود التعصب والطائفية، يصبحون أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع يسوده السلام والتعاون والعيش الكريم.

***

اعداد: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد- سدني

سؤال محرج يبحث عن إجابة صادقة هل شعر أحد، مثقف كان أو غير مثقف، أن خمسة وخمسين عاماً مرت على إنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أنشئت بقرار جمهوري عام 1971م؟ هل احتفي أحد بهذه المناسبة أو حتي ذكرها على استحياء؟

سؤال محرج آخر لكنه متأخر قليلاً هل احتفلنا باليوبيل الذهبي لإنشاء الهيئة العريقة، عندما فاتنا أن نفعل منذ خمس سنوات مضت؟!

السؤالان لا يحرجان أحداً إلا المسئولين عن ثقافة هذا الشعب، رؤساء ومدراء ووزراء. فوتنا على أنفسنا فرصة ذهبية لانتشال هذا الصرح الثقافي الأكبر فى الشرق الأوسط من المستنقع الموحل الذي يكاد يغرقه؛ مستنقع البيروقراطية والإهمال والفساد، ولا أتمني أن نبقي على هذا الحال من التجاهل المريب.

 لا أريد من مقالي هذا أن أنكأ جرحاً غائراً فى جسد الثقافة، جميعنا يعلم بوجوده ويتجاهله. وإنما أردت أن ألفت الانتباه  إلى ضرورة المسارعة بإنقاذ هذا الصرح الثقافي الضخم، وحسن استغلاله قبل فوات الأوان. ودون أن نعامله معاملة شركات القطاع العام، فندفعه دفعاً إلى حد الإفلاس المادي والفني حتي نضطر إلى بيعه فى النهاية بمزاد علني أو سري أو بالأمر المباشر!!

المرض العضال

 المؤسسات والهيئات تهرم وتمرض وتتألم مثلنا، فهي ليست المباني والحجارة والجدران، وإنما بشر من لحم ودم يصنعونها ويصعدون بها لتناطح السحاب أو يسقطونها فى الرغام.

هيئة الكتاب اليوم مريضة بلا شك؛ أصابها ما أصاب غيرها من أمراض مزمنة؛ بيروقراطية متراكمة، غياب للرؤية الاستراتيجية، ضعف في التسويق، انكماش في شبكة التوزيع، وبطء سلحفائي في ملاحقة التحولات الكبرى التي غيرت شكل صناعة الكتاب في العالم!

المشكلة ليست في الأخطاء النمطية فقط؛ فكل مؤسسة بشرية تخطئ.. المشكلة الحقيقية أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما بقينا نتصرف بمنطق الأمس، ولا يبدو أن ثمة إرادة للتطور!

 نراقب بأم أعيننا تحولات الثقافة وانتقال الكتاب للفضاء الرقمي، وظهور منصات عالمية للبيع والنشر الإلكتروني، وتحول القارئ إلى مستخدم يعيش على شاشة هاتفه، بينما ظلت أسئلتنا الكبرى معلقة كما هي: (أين المشروع الرقمي الكبير للهيئة؟ أين الأرشيف الإلكتروني الذي يحفظ عشرات الآلاف من العناوين التي شكلت ذاكرة ثقافية عربية كاملة؟ كيف يمكن لكتاب صدر في القاهرة أن يصل بسهولة إلى قارئ في بغداد أو الرباط أو برلين؟ ولماذا أصبح العثور على بعض إصدارات الهيئة داخل مصر نفسها مهمة عصية على التحقيق؟!).. إن مؤسسة بحجم الهيئة لا ينبغي أن تعتمد على أن يأتي القارئ إليها، بل عليها أن تذهب إليه حيث يوجد.

بحثاً عن ميلاد جديد

كلما طرحت فكرة إصلاح مؤسسة ثقافية برز السؤال المعتاد :ومن أين لنا بالتمويل؟ والحقيقة أن المال ليس المشكلة الأكبر ولا الأهم. بل المشكلة الحقيقية في غياب المشروع.. فالمشروعات الجيدة تجد دائماً من يمولها.. ومصر بما تمتلكه من ثقل ثقافي وحضاري، قادرة على جذب الشراكات الدولية والمؤسسات الثقافية والجهات الراعية والمنظمات الإقليمية والدولية.. لكن أحداً لن يمول فكرة غامضة، ولا يستثمر في مشروع بلا رؤية، ولا يراهن على مؤسسة لا تعرف إلى أين تريد أن تذهب!

 دعونا نكن عمليين ونطرح معاً فكرة جديرة بالتنفيذ لنخطو أولي الخطوات لإعادة ميلاد هيئة الكتاب فى ذكراها الخامسة والخمسين، الفكرة بسيطة والتنفيذ يسير ومتاح.. بوضوح وصراحة وبساطة أدعو إلى عقد مؤتمر عنوانه: (مستقبل النشر والكتاب فى الهيئة المصرية العامة للكتاب).. مؤتمر لا تكون مهمته التصفيق، ولا إعادة إنتاج الخطابات المعتادة، بل التفكير الجاد في مستقبل مؤسسة ثقافية بحجم مصر.

 مؤتمر يجذب خبراء صناعة النشر من العالم مع المثقفين والناشرين المصريين والعرب، لبحث سؤال واحد هو كيف يمكن إعادة إحياء الهيئة، ودفعها لموقعها الطبيعي كواحدة من أهم المؤسسات الثقافية في المنطقة؟ نريد استغلال آراء خبراء نجحوا في تطوير دور نشر عريقة ومتخصصين في النشر الرقمي.. نحتاج لسواعد محترفي تسويق إلكتروني، ولعقول مثقفين يعرفون كيف يمكن للكتاب أن يتحول من منتج على رف مهجور إلى معرفة تصل إلى ملايين البشر.. نحتاج إلى أن نتعلم من العالم، لا أن نكرر أنفسنا وأخطاءنا.

طابور الملفات المؤجلة!

ثمة ملفات شتي ينبغي أن تكون فى مقدمة مناقشات مؤتمر كهذا: أولًا: أزمة التوزيع.. أن نمتلك الجرأة والرغبة لإجابة الأسئلة الصعبة: كيف فقدت الهيئة قدرتها على الوصول إلى القارئ؟

كيف نعيد بناء شبكة توزيع حديثة تجمع بين منافذ البيع التقليدية والمنصات الرقمية؟ فالكتاب الذي لا يصل إلى القارئ يظل فكرة محبوسة مهما كانت قيمته.

ثانيًا: سياسة التسعير.. كيف نستعيد روح الكتاب المدعوم؟ فالهيئة لم تنشأ لتنافس دور النشر التجارية، بل لتؤدي دورًا ثقافيًا عامًا.. وظيفتها الأساسية أن تجعل الكتاب الجيد متاحًا لأكبر عدد ممكن من الناس.

ثالثًا: التحول الرقمي.. لم يعد السؤال: هل ننتقل إلى العالم الرقمي؟ لقد انتقل العالم بالفعل. السؤال الآن هل سنلحق به أم سنظل نراقبه من بعيد؟ إن الهيئة تمتلك كنزًا هائلًا من الكتب والإصدارات، وهذا التراث باستطاعته أن يتحول إلى مكتبة رقمية عربية كبرى إذا وُجدت الرؤية والإرادة!

رابعًا: الإدارة الحديثة.. لا يمكن لمؤسسة القرن الحادي والعشرين أن تدار بعقلية القرن الماضي.. نفتقر إلى خطط واضحة، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية، وإدارة تؤمن بأن الثقافة صناعة تحتاج إلى معرفة وإبداع، وقرارات حاسمة، لا إلى معالجات إجرائية مؤقتة.. بغير هذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة من الإهمال الذي يقود للتردي، والفشل الذي يضطرنا لمزيد من الإهمال!

فى انتظار بطل

 كل المثقفين فى انتظار حلم قريب يمكن تحقيقه.. أن يأتي هذا البطل القادر على إعادة الروح لمؤسساتنا الثقافية.. لذا فإن اختيار رئيس الهيئة القادم ليس مجرد تغيير إداري عابر. إنه لحظة مفصلية فارقة؛ فالهيئة تنادي بطلها القادم؛ شخصية تجمع بين الحس الثقافي والخبرة الإدارية، تفهم الكتاب لكنها تفهم السوق أيضًا، تؤمن بالتراث لكنها لا تخاف المستقبل، تعرف قيمة التاريخ لكنها لا تعيش أسيرته.. الهيئة تبحث عن قيادة فاعلة مؤثرة، لا تبدأ من الصفر كل مرة، ولا تلغي ما سبقها، بل تبني على ما تحقق وتصحح المسار باقتدار وذكاء وحكمة.

 ولو جاء مثل هذا البطل، فأنا أدعوه لا إلى إقامة المؤتمر المذكور أعلاه فحسب.. وإنما إلى ما هو أهم؛ إلى الاستمرارية والديمومة.. إلى تحويل توصيات المؤتمر إلى بداية لإنشاء مجلس استشاري دائم للهيئة، يضم خبرات مصرية وعربية ودولية.. مجلس لا يدير الهيئة بدلًا من المسئولين، لكنه يضمن وجود رؤية مستمرة، ويمنع أن تصبح المؤسسة رهينة تغير الأشخاص وتبدل الإدارات.. فالمؤسسات العظيمة لا تبنى بالأفراد فقط، بل بالأفكار التي تستمر بعد رحيلهم.

 لطالما كتبت سابقاً عن حلول وددت لو تم تنفيذها لإنعاش الثقافة والصحافة والكتاب والإعلام وحركة النشر، وبدت كأنها صيحات تطلق فى الهواء بلا مجيب. لكنني ظللت أنادي وأدعو وأرغب وأحلم وآمل.. فلولا الأمل الحي فى قلبي كورقة شجر خضراء، لانفطر الفؤاد!

واهيئتاه!!

 ثمة مؤسسات لا تقاس قيمتها بعدد موظفيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد المباني التي تشغلها.. مؤسسات تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ أمة. وإذا أصابها الوهن، فإن الذي يمرض ليس المبني، بل الفكرة والأمل.. والهيئة المصرية العامة للكتاب واحدة من تلك المؤسسات العريقة الفريدة التي لا يمكن تكرارها و استنساخها.

في سنواتها الذهبية، لم تكن الهيئة مجرد ناشر، كانت بوابة واسعة عبَر منها ملايين القراء إلى عوالم الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ. سلاسل مثل (المكتبة العربية، والألف كتاب) وغيرها من المشروعات الثقافية بقيت كعلامات مضيئة في تاريخ النشر العربي؛ كانت تقدم الكتاب بسعر يستطيع الطالب محدود الدخل أن يقتنيه، وكان القارئ ينتظر إصداراتها كما ينتظر حدثًا ثقافيًا سعيداً..

مقالي هذا ليس رثاء لهيئة الكتاب، هو محاولة لإنقاذها وإعادة إحياء دورها القديم.. فالذين أحبوا المؤسسات العريقة هم أول من انتقدوا ضعفها، لأنهم عرفوا قيمتها وأشفقوا من ضياعها.. والهيئة المصرية العامة للكتاب ليست مجرد مبنى أو مطابع أو مخازن.. إنها ذاكرة ثقافية، وجزء من تاريخ مصر الحديث، ومشروع تنويري ساهم في تشكيل وعي أجيال.. إن الذكرى الخامسة والخمسين للهيئة ينبغي ألا تكون مجرد رقم جديد يضاف لسجل عمرها.. بل أن تغدو ميلاداً جديداً لها، أو أن نتركها تنطفئ فى صمت.. فهلا منحناها الفرصة قبل أن تغدو مجرد تاريخ؟!

***

عبد السلام فاروق

يعتقد البعض أن الفساد قدرٌ محتوم لا يمكن القضاء عليه، وأنه جزء من طبيعة الأنظمة السياسية والإدارية في الدول. غير أن التجارب العالمية أثبتت أن مكافحة الفساد ليست مهمة مستحيلة، بل هي مشروع وطني يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة حقيقية وأدوات فعّالة.

إن النجاح في مكافحة الفساد يعتمد على عدة مرتكزات أساسية، في مقدمتها:

1. وضع استراتيجية وطنية محكمة لمكافحة الفساد، تتضمن أهدافاً واضحة، وآليات تنفيذ دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.

2. توافر إرادة سياسية صادقة وملتزمة بمكافحة الفساد قولاً وفعلاً، لأن القوانين والمؤسسات مهما بلغت كفاءتها تبقى عاجزة إذا لم تجد دعماً حقيقياً من صانع القرار.

3. تطوير البرامج والتكنولوجيا الحديثة التي تحد من التواصل المباشر بين المواطن والموظف، من خلال التحول إلى الإدارة الإلكترونية، بحيث تُنجز المعاملات كلياً أو جزئياً عبر الإنترنت، مما يقلل فرص الرشوة واستغلال النفوذ ويعزز الشفافية.

4. توظيف الهندسة المعمارية في خدمة النزاهة عند تصميم وبناء الدوائر الحكومية، من خلال توفير بيئات عمل تسمح بالرقابة والشفافية وتحد من الممارسات غير المشروعة.

وقد لمست شخصياً أثر التكنولوجيا والإدارة الرشيدة أثناء رحلة علاجية إلى تركيا خلال فترة الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا. فعندما احتجت إلى السفر من ولاية إلى أخرى لتلقي العلاج، تواصلت عند منتصف الليل مع مركز الاستعلامات التركي عبر الرقم (157)، فتم تزويدي برابط تابع لوزارة الداخلية التركية. قدمت طلباً إلكترونياً للحصول على استثناء من حظر التنقل، ثم أرسلت التقرير الطبي المطلوب. وبعد نحو ساعة واحدة فقط وصلتني الموافقة الرسمية مع عبارة إنسانية رقيقة: “الأستاذ فارس، نتمنى لكم الشفاء العاجل”. فحجزت تذكرة السفر عبر الإنترنت، وسافرت لتلقي العلاج وعدت دون الحاجة إلى مراجعة أي دائرة أو مقابلة أي موظف.

كما تقدم التجارب الدولية نماذج ملهمة في مكافحة الفساد، ومن أبرزها تجربة هونغ كونغ. فهذه المدينة كانت تُعرف في العقود الماضية بانتشار الجريمة المنظمة والعصابات والاتجار بالمخدرات، حتى أصبحت صورتها مرتبطة بذلك في كثير من الأعمال السينمائية. لكنها تحولت اليوم إلى واحدة من أكثر المناطق نزاهة وتنظيماً في العالم، بفضل استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد، ودعم سياسي حازم، ومؤسسات متخصصة امتلكت الاستقلالية والكفاءة والقدرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.

ومن الذكريات المهمة في هذا المجال أنني، عندما كنت نائباً لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية في بدايات تأسيسها، مثلت الهيئة في أحد مؤتمرات الشفافية الدولية الذي عُقد في اليونان. وقد حرصت على التواصل مع مختلف الوفود المشاركة والاطلاع على التجارب الدولية الناجحة، فوجدت العديد من الأفكار الإبداعية التي طُبقت في دول مختلفة وأسهمت في الحد من الفساد وتعزيز النزاهة.

كما زرنا جهاز الرقابة الإدارية في جمهورية مصر العربية، ووجدنا مؤسسة كبيرة ومتطورة تمتلك وسائل عمل حديثة وتقنيات متقدمة وأساليب مبتكرة في الرقابة والتحري والوقاية من الفساد.

وخلاصة القول أن مكافحة الفساد ليست حلماً مستحيلاً ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، وإنما هي مشروع دولة يبدأ بالإرادة السياسية الصادقة، ويستند إلى التخطيط العلمي والتكنولوجيا الحديثة والمؤسسات المهنية الكفوءة. فإذا توفرت الإرادة، فإن بقية التفاصيل يمكن أن ينجزها الخيرون من أبناء الوطن الذين يحملون الغيرة الحقيقية على شعبهم ومستقبل بلادهم.

الخلاصة: "لا يوجد مستحيل في مكافحة الفساد"

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الاسبق

ذاكرة الدم التي لم تمت

في هذه الأيام تحل الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لمذابح "سيفو"، تلك المأساة التي تعرض لها السريان والآشوريون والكلدان، إلى جانب مسيحيي الدولة العثمانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث الدامية، ما زالت الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة تحمل جراحاً لم تندمل، فيما يواصل أحفاد الضحايا المطالبة بالاعتراف التاريخي والإنساني بتلك الجريمة.

ففي الحادي عشر من حزيران (يونيو) من كل عام، يستذكر السريان والآشوريون والكلدان في مختلف أنحاء العالم واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الشرق الحديث: مذابح "سيفو". وهذا العام إذ تحل ذكراها الحادية عشرة بعد المئة، يعود السؤال الأخلاقي والتاريخي إلى الواجهة بإلحاح: كيف يمكن لجريمة بهذا الحجم أن تبقى خارج دائرة الوعي العالمي، الذي يتحدث كثيراً بالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والذاكرة؟

كلمة "سيفو" في اللغة السريانية تعني "السيف"، وقد تحولت إلى رمز لموجة واسعة من القتل والتهجير والإبادة اجتاحت مناطق طور عابدين وهكاري وأورمية وديار بكر وماردين ونصيبين وغيرها من المدن والقرى التي شكلت لقرون طويلة موطناً تاريخياً للسريان والآشوريين والكلدان. كانت تلك المناطق تزخر بأديرة عريقة وكنائس ومدارس وتراث ثقافي ولغوي يعود لآلاف السنين، لكن سنوات الحرب غيّرت وجه تلك المناطق إلى الأبد.

لم تكن المأساة مجرد أعمال عنف متفرقة فرضتها ظروف الحرب، كما حاول البعض تصويرها لاحقاً، بل عملية منظمة أدت إلى اقتلاع جماعات سكانية بأكملها من جذورها التاريخية. ففي تلك المناطق، تعرضت مئات القرى والبلدات للهدم والتدمير، وأُحرقت الكنائس والأديرة، وقُتل رجال الدين والمدنيون، بينما سُيقت آلاف العائلات في مسيرات تهجير قاسية، انتهى كثير منها بالموت جوعاً أو مرضاً أو رمياً بالرصاص.

تشير غالبية الدراسات التاريخية إلى أن مئات الآلاف من المدنيين قتلوا خلال سنوات 1914 – 1918، فيما تتراوح تقديرات ضحايا السريان والآشوريين والكلدان بين 250 ألفاً و300 ألف إنسان. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض المناطق التاريخية قد اختفى خلال سنوات قليلة فقط.

ليست سيفو حادثة تاريخية عابرة يمكن إيداعها في أرشيف الماضي وإغلاق ملفها، بل جرح حضاري وإنساني يكشف كيف يمكن للتعصب القومي والديني أن يتحول إلى آلة تدمير تستهدف الإنسان بسبب هويته وانتمائه. فقد خسرت شعوب بأكملها عشرات الآلاف من أبنائها، ودُمرت قرى ومدن، وتشكلت موجات واسعة من الشتات ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا.

ويشير عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض مناطقه التاريخية اختفى خلال سنوات قليلة فقط. كما أدت المذابح وما تبعها من نزوح جماعي إلى نشوء واحدة من أكبر موجات الشتات في تاريخ هذه الشعوب، حيث استقر الناجون وأبناؤهم في العراق وسوريا ولبنان، ثم في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا.

ومع أن الزمن مضى، فإن أهمية إحياء ذكرى سيفو لا تكمن فقط في تكريم الضحايا أو استذكار آلامهم، بل في الدفاع عن الحقيقة التاريخية نفسها. فالأمم التي تنكر مآسي الماضي تترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها، بينما يشكل الاعتراف بالجرائم ومواجهة الوقائع بشجاعة خطوة أساسية نحو المصالحة والعدالة وبناء مستقبل أكثر إنسانية.

لقد شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون مذابح وجرائم إبادة جماعية في أماكن مختلفة من العالم، ما يؤكد أن الكراهية لا تزال قادرة على إنتاج المآسي متى ما وجدت بيئة مناسبة من التعصب والتمييز والصمت الدولي. ومن هنا فإن استذكار سيفو لا يخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل يمثل رسالة عالمية ضد جميع أشكال الاضطهاد الديني والقومي والعنصري.

لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فحسب، بل أيضاً بما خسرته الإنسانية من تراث وثقافة وتنوع. فقد كانت مناطق المشرق، عبر قرون طويلة، نموذجاً لتعدد اللغات والثقافات والأديان. وعندما تعرض أحد مكونات هذا النسيج التاريخي للاستئصال أو التهجير، لم تكن الخسارة تخص جماعة بعينها، بل أصابت المنطقة بأسرها. إن اختفاء قرى تاريخية، وتراجع استخدام اللغة السريانية في مواطنها الأصلية، واندثار كثير من التقاليد والعادات المحلية، كلها نتائج بعيدة المدى لمأساة سيفو.

ومن المؤلم أن كثيراً من أبناء الأجيال الجديدة لا يعرفون سوى القليل عن هذه الأحداث، رغم أنها شكلت محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولذلك تزداد مسؤولية الباحثين والمؤرخين والمؤسسات الثقافية والإعلامية في توثيق الوقائع وحفظ الشهادات ونقل الذاكرة إلى الأجيال المقبلة بعيداً عن التسييس أو المبالغة أو التوظيف الأيديولوجي.

وإذا كانت الإبادة الأرمنية قد حظيت باهتمام دولي واسع نسبياً خلال العقود الماضية، فإن مأساة سيفو بقيت لفترة طويلة على هامش السردية العالمية للحرب العالمية الأولى، رغم أن الوقائع التاريخية تظهر أن ضحاياها كانوا جزءاً من الموجة نفسها من العنف الجماعي التي اجتاحت المسيحيين في الأناضول وبلاد ما بين النهرين. ولهذا شهدت العقود الأخيرة نشاطاً متزايداً من قبل مؤرخين ومؤسسات أكاديمية ومنظمات حقوقية لإعادة إدراج سيفو في الذاكرة التاريخية العالمية باعتبارها إحدى كبرى الجرائم الجماعية في القرن العشرين.

لقد أدرك العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، أن إنكار الجرائم لا يقل خطورة عن ارتكابها. فالإنكار يقتل الضحايا مرة ثانية، ويمنح الجلاد فرصة للهروب من المسؤولية التاريخية. ومن هنا فإن مطلب الاعتراف بمذابح سيفو لا ينطلق من رغبة في الانتقام أو استحضار صراعات الماضي، بل من الإيمان بأن العدالة تبدأ بالاعتراف بالحقيقة.

وتأتي الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لسيفو في وقت ما تزال فيه المجتمعات المسيحية المشرقية تواجه تحديات كبيرة بفعل الحروب والهجرة وعدم الاستقرار. وبينما تختلف الظروف التاريخية والسياسية بين الأمس واليوم، يبقى القلق على مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في الشرق حاضراً بقوة. ولذلك يتحول استذكار سيفو إلى دعوة للحفاظ على التعددية الثقافية والدينية التي شكلت جوهر حضارة المنطقة عبر آلاف السنين.

لا يمكن إعادة الضحايا إلى الحياة، ولا استرجاع القرى التي اختفت أو العائلات التي تشتتت في المنافي، لكن يمكن الحفاظ على الذاكرة وصون الحقيقة. فالذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام، بل جسر نحو العدالة والإنصاف، وليست استدعاء للكراهية، بل تحذير دائم من نتائجها الكارثية.

بعد مئة وإحدى عشرة سنة على سيفو، لا تزال أسماء الضحايا المجهولين تتردد في صلوات الكنائس وذاكرة العائلات المنتشرة في أنحاء العالم. وما دام هناك من يروي قصصهم ويحفظ أسماء قراهم وأديرتهم ولغتهم وتراثهم، فإن السيف الذي أراد أن يقطع جذورهم لن ينجح في محو وجودهم من التاريخ.

تبقى سيفو، في جوهرها، شهادة مؤلمة على قدرة الإنسان على ارتكاب الفظائع، لكنها في الوقت نفسه شهادة على قدرة الشعوب على البقاء والصمود وحفظ ذاكرتها. وبين الدم والذاكرة، وبين الألم والأمل، تستمر رسالة هذه الذكرى: لا سلام حقيقياً بلا اعتراف، ولا مصالحة حقيقية بلا عدالة، ولا مستقبل آمناً ما لم تتعلم البشرية من مآسي ماضيها.

إن سيفو ليست قضية تخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل قضية إنسانية عالمية تتعلق بحق الشعوب في الحياة والأمان والكرامة. وهي تذكير دائم بأن الكراهية القومية والدينية، عندما تتحول إلى سياسة دولة أو إلى خطاب تعبئة جماهيرية، تصبح قادرة على تدمير مجتمعات وحضارات بأكملها.

ولهذا تبقى ذكرى سيفو أكثر من مناسبة تاريخية؛ إنها وقفة ضمير أمام واحدة من الصفحات السوداء في تاريخ الإنسانية، ورسالة تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكن الحقيقة لا تموت، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها قادرة دائماً على الانتصار على محاولات محوها من التاريخ.

***

جورج منصور

التعذيب بالريش

تُعدُّ قصة "التعذيب بالريش" واحدةً من أغربِ قصصِ التعذيبِ التي يوثقها السيدُ صاحب الحكيم في مؤلفه (المشار إليه في المقالات السابقة)، إلى جانبِ قصصٍ أخرى تشكلتْ غرابتُها وفقاً للمواقفِ والأحداثِ التي رافقتْ عملياتِ التعذيبِ الممنهجةِ التي كان يمارسها أعضاءُ حزبِ البعثِ بحقِّ الضحايا.

تقول الضحيةُ (سليمة علي)، الموثقةُ شهادتُها في تقريرِ السيد الحكيم، إنها تعرضتْ إلى عمليةِ تعذيبٍ بالريش؛ وهي طريقةٌ تبدو -كما شرحته الضحيةُ- أنها كانت أسلوباً ممنهجاً ومتبعاً بكثرةٍ. تذكر الضحيةُ في شهادتها "وُضِعتُ في غرفةٍ فارغةٍ مصبوغةٍ باللون الأبيضِ ومملوءةٍ بالريشِ، ثم تُشغَّلُ المروحةُ بأقصى سرعتِها فيتطايرُ الريشُ ولا أستطيعُ التنفسَ . "

هذه الشهادةُ تؤكد المقاربةَ المعتادةَ في ملءِ الغرفةِ بالريشِ وصبغِها بالأبيضِ، وإن كانتْ -قياساً بوسائلِ التعذيبِ الأخرى التي دونتُها في كتابي (أساليب التعذيب والجريمة البعثية، 2024)، أو تلك التي ذكرها السيدُ الحكيم في تقريره الصادر عام 2003- تشكل جزءاً بسيطاً من الإجرامِ الدمويِّ للبعثِ. فالضحيةُ نفسُها تعرضتْ أيضاً لأساليب أخرى كالتعذيبِ بالكيبلاتِ، والأنابيبِ المطاطيةِ، والأسلاكِ المعدنيةِ، والصعقِ بالكهرباء، والتعليقِ بالمروحةِ، وكسرِ العظامِ.

وعلى الرغمِ من أن طريقةَ "التعذيب بالريش" تبدو يسيرةً في ظاهرها، إلا أنها في الواقعِ طريقةٌ خانقةٌ ومخيفةٌ تثير الرعبَ؛ فالضحيةُ لا تعلم ما سيتتبعها من طرق تعذيب أخرى، وعادةً ما كان الجلادون يتدرجون مع الضحايا من الأساليبِ السهلةِ إلى الأشدِّ قسوةً المؤديةِ إلى الموتِ. وتوضح الضحيةُ أن أساليبَ تحقيقٍ دنيئةً مُورستْ معها قبل التعذيبِ البدنيِّ؛ وهي إجراءاتٌ وضغوطٌ تهدف لانتزاعِ اعترافاتٍ عن تهمٍ لم ترتكبْها ولا تعرف عنْها شيئاً، مثل: تهريبِ عناصرَ مطلوبةٍ، أو الانتماءِ لحزبِ الدعوةِ ومساعدةِ شخصياتٍ منه. بل إن الالتزامَ الدينيَّ بحد ذاته كان لديهم تهمةً تستحق الملاحقةَ، والاعتقالَ، أو الإعدامَ، حيث اعتادوا توجيهَ تهمٍ جائرةٍ تكون أقربَ إلى الذرائعِ منها إلى العقابِ الجنائيِّ المستحقِّ.

بدأتْ رحلة الاعتقالِ من قِبل الاستخباراتِ العسكريةِ في مدينة البصرةِ، ونُقلتِ الضحيةُ بعدها إلى بغدادَ، وتحديداً إلى "الشعبة الخامسة" في الكاظميةِ. وتصف الضحيةُ زنازينَ هذه الشعبةِ بأنها غرفٌ مخيفةٌ تحت الأرضِ، تتصل بممراتٍ مظلمةٍ وذاتِ إضاءةٍ خافتةٍ، حيث كان التعذيبُ يُمارس فيها مساءً، أو يمتد طوال الدوامِ الرسميِّ من الثامنة صباحاً وحتى أذان المغربِ، بتناوبٍ مستمرٍّ بين الضباط، والشرطة، وعناصر الأمن.

لقد دأب السيدُ الحكيم على تدوين هذه القصصِ وتسجيلِ الشهاداتِ لتكون ورقةَ ضغطٍ وإدانةٍ تاريخيةٍ، ونقلاً للحقيقةِ حتى وإن تأخرتْ؛ فالمحاكمة التاريخيةُ أحياناً تكون أهمَّ من المحاكمة الجنائيةِ. ومن هنا، فإن عقوبةَ "الاجتثاثِ" التي صدرت بحق الفكر البعثي وتجريم الترويج له، تُعدُّ عمليةَ محوٍ عادلةً من التاريخ لإيديولوجيةٍ قاتلةٍ مارستْ أبشعَ طرقِ التنكيلِ بالشعب العراقيِّ.

***

بقلم: د. رائد عبيس

نحيا في عصر السوبر تخلف السياسي والسوبر تخلف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. السوبر تخلف السياسي = إنتاج الصراع ÷   إنتاج الحضارة بينما السوبر تخلف الاقتصادي = إنتاج الفقر ÷   بناء الحضارة. من المنطلق نفسه، السوبر تخلف الاجتماعي = إنتاج التعصب ورفض الآخر ÷   إنتاج الحضارة بينما السوبر تخلف الثقافي = رفض العلوم والمنطق ÷   صناعة الحضارة. فكلما تناقص إنتاج الحضارة (المتمثلة بسيادة العدالة الكامنة في السلام العالمي والمساواة والحريات والتطوّر المستمر والفكر المستقل والعلوم والمنطق وقبول الآخر وإغناء الشعوب ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً)، إزداد السوبر تخلف وانتصر.

يتصف الشرق والغرب بالسوبر تخلف لأنَّ السياسة العالمية قائمة على إنتاج الصراع الذي يتضمن بالضرورة التعصب ورفض الآخرين. وبما أنَّ الصراع يستلزم التعصب ورفض الآخر، إذن يؤدي الصراع لا محالة إلى رفض الحقوق الإنسانية (من جراء رفض الآخرين) كحق كلّ فرد في أن يحيا وأن يكون حُرّاً مما يحتِّم زوال الحضارة فالحضارة مشروع تحقيق واحترام كلّ الحقوق الإنسانية. من هنا، السياسة التي تُنتِج الصراع هي سياسة تدمير الحضارة والتحضّر ولذلك تتصف بالسوبر تخلف وتؤدي إلى السوبر إرهاب الكامن في قتل إنسانية الإنسان. فالإنسان هو المُنتِج للحضارة. وبذلك قتل الحضارة قتل لإنسانية الإنسان.

السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال استخدام المنجزات الحضارية كالتكنولوجيا والعلوم من أجل نشر الجهل والتعصب ورفض الآخرين. السوبر تخلف هو تقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل. مثل ذلك استغلال العلوم البيولوجية للتمييز بين البشر وتقسيمهم إلى أعراق مختلفة مما يؤسِّس للصراع بين تلك الأعراق المُتصوَّرة بينما الحقيقة العلمية هي أنَّ كلّ البشر يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها وبذلك كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة لا تتجزأ. وضمن سياق استغلال المنجزات الحضارية من أجل نشر الجهل والتعصب، نشأ السوبر تخلف السياسي المُنتِج للصراع والمُدمِّر للحضارة الإنسانية. السوبر تخلف السياسي يتكوّن من استغلال المنجزات الحضارية كالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومؤسسات الدول لنشر الجهل والتعصب والصراع. من الممكن التعبير عن ذلك من خلال المعادلة التالية: السوبر تخلف السياسي = إنتاج الصراع ÷   إنتاج الحضارة. فكلما إزداد إنتاج الصراع وتناقص إنتاج الحضارة (الكامنة في سيادة السلام العالمي والحريات والمساواة وبناء العلوم والتطوّر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المستمر)، إزدادت سيادة السوبر تخلف السياسي. معظم الدول والأحزاب تمارس السوبر تخلف السياسي لأنها تُعنَى بإنتاج الصراع بين الأمم والشعوب بدلاً من أن تُعنَى بإحلال العدالة الكامنة في السلام والحرية والمساواة والتطوّر.

على ضوء هذه الاعتبارات، السياسة الحقة = إنتاج الحضارة ÷   إنتاج الصراع. فكلما إزداد إنتاج الحضارة (كإنتاج السلام العالمي العادل والحريات والمساواة التي من ضمنها المساواة الاجتماعية والاقتصادية) وتناقص إنتاج الصراع (المتمثل بالعنف والحروب ورفض الآخر)، إزدادت سيادة السياسة الحقة. فالسياسة الحقة قائمة على إنتاج الحضارة والتحضّر وهي بذلك تناقض صناعة الصراع والعنف والاقتتال والحروب. بينما السياسة الحقة تحرِّر الإنسان من خلال بناء الحضارة وتطويرها، السوبر تخلف السياسي يستعبد الإنسان من خلال إنتاجه للصراع المعتمد على سجننا في هويات وماهيات معادية للآخرين. هكذا السوبر تخلف السياسي مصدر العبودية والاستعباد. فلا صراع بلا عبودية كأن نغدو عبيداً لمنظومات فكرية ومشاعرية معادية للآخر المُتخيَّل. إنها عصور السوبر عبودية الفائقة حيث الصراع يحرِّك الأفراد والأمم والشعوب مما أفقدنا إنسانيتنا.

أما السوبر إرهاب فهو استغلال المنجزات الحضارية كالتكنولوجيا والإعلام ومؤسسات الدول من أجل قتل إنسانية الإنسان. والسوبر إرهاب نتيجة حتمية للسوبر تخلف السياسي الذي يُنتِج الصراع بدلاً من إنتاج الحضارة والتحضّر. فسيادة الصراع وزوال التحضّر واستغلال المنجزات الحضارية لتطوير التخلف مصادر قتل إنسانية الإنسان الكامنة بالضرورة في الحضارة والتحضّر وغياب الصراع. من هنا، السوبر إرهاب السياسي = قتل إنسانية الإنسان ÷  إنتاج الحضارة بينما السوبر إرهاب الثقافي = قتل العقل المنطقي والعلمي ÷   بناء الحضارة. فكلما إزداد اعتماد العقل على اللامنطق واللاعِلم، إزداد قتل إنسانية الإنسان لأنَّ إنسانية الإنسان كامنة في منجزاته كالمنطق والعلوم. هكذا السوبر تخلف المتجسّد مثلاً في رفض المنطق والعلوم مصدر السوبر إرهاب المتمثل في قتل إنسانية الإنسان.

***

حسن عجمي

مما يُسأل المرء عنه يوم القيامة: الشباب وفيما أبلاه. هل أمضى فورة شبابه وعطائه ومواهبه فيما ينفع المجتمع، ويُسهم في البناء الحضاري لأمته، أم أنها كانت أيام لهو وقتل للساعات فيما لا يفيد، وبذل القدرات والإمكانات التي منحها الله تعالى إياه في هوامش إلهاء تَصدُّ عن العمل الصالح، وتحقيق العبادة في أوسع معانيها.

إن مبنى الشريعة الإسلامية وغايتها هو تكريم الإنسان، وتثمين وجوده وحركته في الكون. لذا كانت أسمى وظيفة دُعي إليها هي العبادة، مصداقا لقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [ الذاريات-56].عبادة تتسع لتشمل حركته وسكونه في شتى مظاهرها. فلا حركة إلا لمقصد، ولا سكون إلا استجابة لغاية، وبذلك ينفصل عن سائر المخلوقات، ويُمعن في تسديد خطاه لتُطابقَ السبيل الإلهي.

لبلوغ تلك الغاية شدّدت الآيات والأحاديث النبوية على أهمية الوقت والجهد، وحثت المسلم على أن يبذل عمره وطاقته في العمل الصالح، ويلتمس معاشه في مجالات تحقق العائد الحضاري والعمراني الذي تنتفع به الأمة بأسرها. من هذا المنطلق تصدى أهل العلم لأوجه الكسب المنحرفة، وألوان البطالة المقنعة، حيث يُبدد بعض الناس مواهبهم في حِرف خسيسة، ويصبح الإبداع والاحتيال وجهان لعملة واحدة.

بعد أن بسط الحديث عن أنواع الصناعات والأشغال الدنيوية، توقف الإمام الغزالي في (الإحياء) عند الممارسات التي تندرج تحت بند الكسب المنحرف. ووصف الأساليب التي يلجأ إليها الباحثون عن الغنيمة الباردة، كادعاء العجز والمرض والعمى، أو التماس الأقوال التي تعجب الناس وتنبسط لها قلوبهم، كالتّمسخُر والأفعال المضحكة، وأصحاب القرعة والفأل من المنجمين، وجنس من الوعاظ غرضهم استمالة قلوب العوام لأخذ أموالهم. ولو سعينا لترجمة كلام الغزالي رحمه إلى لغة العصر الحديث لقلنا إنه يستهدف تسعة أعشار القنوات الفضائية وشركات الإنتاج السمعي والبصري!

ويحذو ابن خلدون في المقدمة [ج2.ص267] حذو الغزالي حين يقرر الوجوه الأربعة للمعاش في الإمارة، والفلاحة، والتجارة، والصناعة. ويعترض على الوجوه المنحرفة كالسعي وراء الكنوز والدفائن. يقول ابن خلدون:

(الذي يحمل على ذلك في الغالب، زيادة على ضعف العقل، إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب، من التجارة والفلاحة والصناعة، فيطلبونه بالوجوه المنحرفة.)

 ثم يمضي في سرد المزاعم والادعاءات التي يُلبّس بها صيادو الكنوز على العوام، وكيف يبذلون أعمارهم خلف أطماع الثروة العاجلة، والغنى المُتحصل دون جهد!

من المؤسف حقا أن تقع فئة عريضة من شبابنا ضحية صيغ متجددة من البطالة المُقنّعة، وصور الإنجاز والتألق التي لا طائل تحتها. وأن تصير النجومية والشهرة مطلبا في حد ذاته، بغض النظر عن أهمية العمل أو قيمة الجهد المؤدي إليه. وإذا كان الغزالي وابن خلدون يُبرران هذا المسلك بالعجز عن كسب المعاش من عمل شريف، فلا شك أن خلف هذا العجز مفاتيح لفهم المشكلة على نحو أفضل.

إن التربية بانفصالها عن القيم، وخضوعها للتصور المادي للحياة، تغذي في الناشئة أسباب الأنانية والفردية، وتجعل من الحياة الدنيا غاية لا وسيلة. كما أن البيئة الاجتماعية بعاداتها ومعاييرها الضاغطة، تسهم في إشاعة أمراض داخلية تبعثر طاقات وقدرات الشباب، وتُلزمه بإطار معين يتحرك داخله، حتى وإن كان خاليا من المعنى والقيمة. لهذه الأسباب يحدد الدكتور محمد أمين المصري أهم سمات الجيل الحالي من الشباب كالآتي:

- سطحية في التفكير تؤدي إلى عدم اهتمام بالأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة أو تلك. وتتمثل السطحية في الخطاب والسلوك، ثم تمتد إلى الشخصية كلها، وإلى التفكير الخلقي والديني لدى الفرد. وبذلك يسهل تقبل الأفكار الخاطئة والدعايات الكاذبة.

- خوف من سخط الناس وطلب رضاهم، مما ينتج عنه ولاء شديد للعادات والمعايير السائدة، وتلون في المواقف. وبذلك تنحرف المعاني الإسلامية عن وجهتها السليمة.

- بعثرة الجهود وتبديد الطاقة في أمور فرعية، والاندفاع بعامل الفوضى بدل الحرص على ضبط الأمور وإحكامها.

- انعدام الشعور بالأخطار المتربصة بالأمة. فلا يستطيع هؤلاء النفاذ ببصائرهم إلى أبعد من حاضرهم القريب، لأن تصرفاتهم أقرب للطفولة اللاهية التي لا تستطيع النظر والاعتبار.

- بناء المشروعات والآمال على أحلام يقظة، يجدون فيها متنفسا لرغبات دفينة، ويسعون لتحقيقها دون جهد واضح أو مشقة.

لا حرج في الإسلام أن يسعى الفرد لتحقيق رغباته ونوازعه الفطرية، إلا أن تهذيب هذا السعي، والحرص على إيجاد التوازن بينه وبين قيم الوحي ومعاييره أمر حيوي، لتثمر حركة الفرد، وتؤتي أكلها الحضاري. ذلك أن الحرية في الإسلام هي حرية مسددة، تهدف بالإنسان إلى الارتفاع والسمو، وإضفاء المعنى على وجوده.

دخل رجل على هارون الرشيد وقال: إني أستطيع عملا يعجز عنه غيري، فقال الرشيد: هات! فأخرج الرجل علبة إبر، وغرس إحداها في الأرض وأخذ يرميها بسائر الإبر، بحيث تشتبك كل إبرة بثقب الإبرة السابقة. فلما انتهى أمر الرشيد بإعطائه مئة دينار وجلده مئة جلدة. وحين سُئل عن ذلك قال: أعطيته مئة دينار مكافأة على حذقه ومهارته، وأمرت بضربه مئة جلدة لأنه يضيع ذكاءه فيما لا يفيد!

***

حميد بن خيبش

الكُورْدُ الفِيلِيُّون

يمثل التقرير المطول للدكتور صاحب الحكيم عمّا اقترفه النظام البعثي بحق الشعب العراقي عامة، والشعب الكوردي خاصة، وحدة الهدف في مشروعه التوثيقي؛ وهو الدفاع عن الشعب العراقي بأكمله، من دون تفرقة قومية أو دينية.

ولذلك، كان للضحايا الكورد نصيب كبير في الأدلة الوثائقية التي قدمها في هذا التقرير، بعد أن أوغل النظام البعثي فيهم تعذيباً وتهجيراً وقتلاً، وصولاً إلى الإبَادَةِ المتكررة في عمليات الأَنْفَال التي استمرت بحقهم طيلة سنوات من إجرام البعث الاستثنائي.

لقد كشفت تجربة السيد الحكيم عن حقد النظام البعثي المبالغ فيه بحق الكورد، لا سيما الكُورْدُ الفِيلِيُّون، عبر تهمة الارتباط بإيران في بدايات الحرب؛ والتي اتخذها البعث الصدامي ذريعة للنيل منهم وتصفية حساباته العُنْصُرِيَّة معهم، تحت حجج واهية وتشريعات مُجْحِفَة فككت النسيج الاجتماعي لهذا المكون والنسيج الوطني المرتبط به.

إن قرار التَّرْحِيل، والاعتقال، والاستبعاد، والتسفير، والطرد الذي مارسه البعث بهذه القسوة المفرطة جاء صادماً للوجدان العراقي والإنساني والديني، فبسببه تفككت روابط مهمة كانت تشكل عنصر قوة في جسد المجتمع العراقي. لم تكن تلك العملية بسيطة، بل اقترنت بقصص من العذاب والعدوان الوحشي، مخلفةً سجلاً مؤلماً من المآسي الفردية والجماعية التي شوهت فكرة الانتماء لهذا البلد والتي رافقت أبناء هذا المكون، وهم يواجهون المَقَابِرَ الجَمَاعِيَّة، والِاخْتِفَاءَ القَسْرِيّ، والتعذيب، والإعدام، والملاحقات، والاغتيالات، والقتل على الحدود، وحوادث الاغتصاب.

حاول السيد الحكيم تدوين جزء كبير من هذه الحوادث، وأولى خصوصية لما تعرض له الكورد عامة والفيليون خاصة؛ ليس بدافع التفرقة -كما أشرنا- بل نظراً لجسامة الحوادث التي طالت أبناء العراق من الكورد، كما حدث لاحقاً في حَلَبْجَة التي لم يدخر الحكيم جهداً في توثيق مأساتها.

أورد الحكيم في تقريره أسماء المعتقلين والمعدومين والمعذبين، وشهادات الناجين، وقصصاً منقولة بالواسطة، وحوادث عدة تشكل قرائن وأدلة متواردة حول ما ارتكبه البعث واقعاً بحقهم. كما أرفق صوراً وبَيانات وقوائم استحصل عليها من منظمات حقوقية دولية، ومستشفيات، ومخيمات النازحين والمهجرين، لتوثيق معاناة المعذبين والمعذبات جراء الاغتصاب، أو السلاح الكِيمْيَاوِيّ، أو الإيذاء الجسدي والنفسي في مستشفيات إيران وتركيا ومخيمات الصليب الأحمر الدولي.

وذكر على سبيل المثال، قصة اعتقال بنات عائلة "ناجي" السبع من بغداد، وغيرهن من المعتقلات اللواتي بقي وضعهن القانوني مَجْهُولاً، حتى تبيّنت مصائر بعضهن إثر اكتشاف المقابر الجماعية في العراق بعد عام 2003. كما استعرض نماذج من قوائم أسماء الشهيدات من الكورد الفيليين اللواتي ورد ذكرهن في قوائم "منظمة حقوق الإنسان للكورد الفيليين في العراق – السويد" واللواتي ظلت قصص شهادتهن مجهولة، فضلاً عن وثائق خطية تؤكد مثل هذه الحوادث، بحسب ما وثقه السيد الحكيم في هذا التقرير.

***

بقلم: د. رائد عبيس

كان زميلي يحدثني عن مدن الدنيا كأنه قد زارها وتجول في أزقتها، وذات مرة سألته عن كيفية زياراته للدول العديدة التي يتحدث عنها، فرمقني زميل آخر يعرفه أكثر مني مبتسما، وهمس بأذني: إنه يقرأ في كوكل ويوتيوب، إنه لم يذهب لأية دولة، إنه لا يحب السفر، ولا أذكر أنه خرج من البلاد في زيارة.

أصبحنا نعيش في عالم متوهج بالمعارف الآنية الحضور، وكأن الواحد منا يحمل مكتبة أو إنسكلوبيديات في جهاز بحجم كف اليد أو أصغر.

كأن الدنيا ترقد في جيوبنا!!

والآن صار لدينا (جات جي بي تي)، الذي يحمل الإجابات الفورية عن أي سؤال، وينفذ طلباتنا بسرعة خاطفة، ذات مرة طلبت منه أن يكتب لي قصيدة عاطفية، وإذا به يأتيني بواحدة يمكن تحريرها ونشرها، وهذا ما يحصل للعديد من النصوص النثرية والشعرية وغيرها، فهذا التطبيق وأشباهه يوفر الوقت ويقدم المعلومة المتيسرة بسلاسة وإقتدار تعبيري واضح.

الواقع المعرفي يصيب الألباب بالإضطراب والضباب والإندهاش، ويضعنا أمام تساؤلات محيرة، فعلى سبيل المثال، هل نحتاج للمترجمين، ولدينا تطبيقات تترجم أي نص بدقة متناهية؟

والعديد من النشاطات الأخرى صار لها تطبيقات تجيد التعبير عنها أفضل من البشر.

ولا ننسى تطبيقات الذكاء الإصطناعي المتنامية بسرعة مذهلة، والتي تسربت إلى معظم النشاطات الحيوية في الدنيا.

فهل بقيت المعرفة حكرا عند البعض، أم أن الجميع صار يعرف، ومتنور وقادر على إستحضار ما يريده من المعلونات، ليعلن أنه يعرف، ولا يوجد شيئ لا يعرفه، ما دام قادرا على طرح السؤال على رفيق وعيه ومنير دربه، الذي فيه ما يحلو له من التطبيقات، التي تكفيه عناء البحث العبثي الذي إعتادت عليه أجيال القرن العشرين؟

عَرفْنا كلَّ مَجهولٍ بَعيدِ

وعِشنا في مُرافقةِ الجَديدِ

عُقولُ أناسِها جلبتْ عَجيباً

يُزوِّدُنا بمَكنونٍ فريدِ

جَهازٌ حَجْمُ كفٍّ إمْتلكنا

يُوافينا بواعيَةِ السَديدِ

***

د. صادق السامرائي

 

من يصنع منهما الآخر؟

ظل التاريخ منذ فجر الحضارات الأولى، مرآة تعكس مسيرة الإنسان في سعيه الدائم نحو الاعمار، والبناء والتغيير والتطور، ومن ثم فلم يكن التاريخ، مجرد سجل للأحداث الماضية، أو أرشيفاً لوقائع طواها الزمن، بل إن التاريخ، هو حركة مستمرة، تتفاعل فيها إرادة الإنسان، مع قوانين الحياة، وتحولاتها المستمرة.

فعندما نتحدث عن التاريخ بوصفه حدثاً، وفعلاً إنسانياً، فإن الإنسان، سيكون في هذه الحالة، في صدارة المشهد، طالما أنه صانع الوقائع، ومبتكر الأفكار، ومحرك التحولات الكبرى، التي تصوغ ملامح العصور. فالحروب والسلام، والنهضات، والانكسارات، والاكتشافات والابتكارات، كلها نتاج قرارات بشرية، ومحصلة إرادات فردية، وجماعية، تركت بصماتها على صفحات الزمن بهذا الشكل، أو ذاك. ومن هذا المنطلق يبدو التاريخ، نتاجاً للفعل الإنساني، وسجلاً لإنجازاته، وإخفاقاته، على حد سواء.

ومن جهة اخرى فأن التاريخ هو ليس فقط ما يصنعه الإنسان، بل هو أيضاً القوة الزمنية، التي تعيد تشكيل الإنسان نفسه، حيث أن التاريخ، بوصفه سيرورة زمنية متواصلة، يفرض تأثيراته الحتمية على المجتمعات، والأفراد، ويعيد صياغة أنماط التفكير، والقيم، والعلاقات الاجتماعية السائدة، تبعاً للتحولات التي يشهدها العالم، في كل مرحلة من مراحل سيرورة التاريخ، حيث يصبح الإنسان، الذي كان في مرحلة ما، صانعاً للتاريخ، جزءاً من حركة التاريخ، وخاضعاً لتأثيراتها، في مرحلة أخرى.

وهكذا نجد ان العلاقة بين الإنسان، والتاريخ، ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية متبادلة، فالإنسان يصنع التاريخ بأفعاله، ومواقفه، في حين أن التاريخ يصنع الإنسان، عبر ما يفرضه من ظروف، ومتغيرات، وتحديات، حيث تتشكل في صيرورة مثل هذا التفاعل العضوي المستمر، الحضارات، وتتبدل الأفكار، وتتغير موازين القوى، وتتحدد مسارات الأمم والشعوب.

على أن وعي هذه الحقيقة، وادراكها بشكل واضح، يمنح الإنسان فهماً أعمق لموقعه في صيرورة الزمن، فالانسان ليس كائناً معزولاً عن سياقه التاريخي، وليس مجرد متلق سلبي، لما تفرضه الظروف من تداعيات، بل هو فاعل، ومتأثر في آن واحد.

ومن هنا تنبع أهمية قراءة التاريخ، لا بوصفه ماضياً منقضياً، وإنما باعتباره خبرة إنسانية متراكمة، تساعد على فهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

وهكذا نجد إن التاريخ، في جوهره، هو تفاعل دائم بين الإنسان والزمن، يكتب الإنسان بعض فصوله بإرادته، بينما تكتب الأيام والسنون، فصولاً أخرى في وعي الإنسان، ومصيره. وبين هذين البعدين، تستمر رحلة الحياة، حاملة معها دروس الماضي، وأسئلة الحاضر، وآمال التطلع إلى المستقبل.

***

نايف عبوش

 

أثارت مسألة الرق والعبودية جدلا في النقاشات بين الإلحاد والدين، فما أشارت  إليه لدراسات فقد اتخذ الملحدون قضية الرق كأداة للطعن في الأديان وبخاصة الإسلام، وهذه الظاهرة اتخذت لها ثوبا جديدا في القرن الواحد والعشرين، حيث نقرأ عن جرائم الإتجار بالبشر، وبات من الضروري وضع خطة استراتيجية واضحة، لمحاصرة الرق وتجفيف منابعه، ويرجع مختصون بقاء الرق في عصرنا الحالي لإنعدام أليات التطبيق في جانبه التشريعي، والدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية ورئيس مركز الشهاب للبحوث والدراسات  وعضو مستشار لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

يواصل الدكتور علي حليتيم جلساته الفكرية الحوارية، وقد خصَّ في هذه الجلسة الحوارية مسألة تتعلق بالرق والعبودية وكيف حارب الإسلام الرّق في الردّ على الملحدين الذين يروجون بأن الإسلام لم يلغ الرق، وإنما الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن هو من ألغاه وقام بتحرير العبيد، وكأنه عمل حضاري مقصود، بل كان من أجل إ الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة، وكان الملحدون يرون أن إلغاء الإسلام للرق، لأنه كان في موقف ضعف، يقول علي حليتيم أن تحرير الإسلام للرق كان لدوافع أخلاقية بينما تحرير الغرب للرق كان بدافع سياسي، ولم يتخذ الإسلام الناس عبيدا مهما كان لون بشرتهم (سودا، هنود حمر أو من الجنس الأصفر) ولم يكن هناك تفوق عرقي في الإسلام، كما أن النبيّ (ص) لم يدع إلى التراتبية العرقية التي مارسها الغرب، بل أغلق كل أبواب الرق، باستثناء الأسرى في وقت الحروب.

فقد تعامل الإسلام معهم (أي الأسرى) برحمة وإنسانية وكان الحاكم المسلم يخير في أمرهم، أي أنه يشترط مقابل إطلاق سراحهم أن يُعَلِّمُوا المسلمين القراءة والكتابة (على سبيل المثال)، وقد أطلق النبيّ آلاف الأسرى في حنين وبدر، وفي الإسلام يستطيع رجل حر اسود أن يتخذ عبدا أبيض إذا وقعت الحرب بين المسلمين والأوروبيين، ووقع أسرى وأصبحوا عبيدا، لكن الإسلام يرفض الرق عكس ما كان يحدث من قبل ظهور الإسلام، حيث كان للأسرى سبيلان : إما القتل أو الإسترقاق مدى الحياة، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية عندما يخطئ العبد تُقِطَعُ يده وإن حاول الفرار تقطع رجليه، ولا يزال الرق في الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم، لقد كان العتق في الإسلام يضيف علي حليتيم قاعدة اساسية، وكانت أحكامه عادلة منصفة، فعلى سبيل المثال كان يشترط على من يقتل شخصا يعتق رقبة، أما في ظل النظام العالمي المتوحش كما وصفه علي حليتيم اصبح البشر أدنى مرتبة من العبيد، مؤكدا أن الإسلام لم يمارس الرق أبدا، في رده على الذين يتهمون الإسلام من الملحدين  بأن الإسلام لم يفعل شيئا وقد أقر الرق مدة 1200 عاما بل مارسه.

كما يقدم علي حليتيم مثلا عن الفقر، اين يجبر الأب في وقت مضى على بيع ابنائه، هي طبعا مبادرة حسنة يقوم بها الدكتور علي حليتيم وهو يكشف ولأول مرة في الجزائر حقائق عن الرق في البلدان الأكثر تقدما والتي تدعي انها بلد الحرية والمساواة والديمقراطية كالولايات المتحدة الأمريدية، وكانت له الجرأة والشجاعة ليكسر هذا الطابو، إلى أن ما يعاب عليه هو أنه تحفظ في الحديث عن الرق في ثوبه الجديد، وهي ظاهرة الإتجار بالبشر في عصرنا الحالي، والإنتهاك الجسيم لحقوق الإنسان يذهب ضحيته ألاف البشر حول العالم وهي تدخل ضمن الجريمة المنظمة دوليا والتي يعاقب عليها القانون، حيث اعطي له المختصون مفهوما وهو “العبودية الحديثة”، وذلك إما لأهداف تجارية من أجل جمع المال وإما للإستعباد الجنسي، وكانت الجزائر من بين الدول التي وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الإتجار بالبشر، لكن الظاهرة لا تزال منتشرة أمام صمت المنظمات الغير حكومية والجمعيات الدولية التي تنشط في مجال حقوق الإنسان، الذي أهدرت كرامته وبكل الأشكال؟

***

علجية عيش

 

الهضيمة: الظلم والغضب

كنا في كلية الطب نداعب أحلامنا الوردية ونحلم بمستقبل سعيد، وألفة ومحبة وأخوة وطنية، ولا نعرف ما يُسمى اليوم بالإنتماءات بأنواعها، كنا أخوة معتصمين يحبل الوطن، وبمستقبله المشرق الواعد الجميل، وكل منا يشحذ همته ويستجمع قوته للوصول إلى ما يريده من أملٍ أثيل.

وما أن تخرجنا حتى أقحمونا في حرب موجعة تأكل الأخضر واليابس، ولا زلت متعجبا من الذي قالها بوجهي : " كلكم أبنائي، وأتمنى أن أضع وراء كل جندي طبيب"!!

وهكذا كان مصيرنا وراء الحجابات، وفي أفواج لا نستطيع فيها عمل شيئ، سوى إنتظار الموت، وفقدت العديد من الزملاء، وكتبت شهادات وفاة لعدد منهم، وكانت دموعي تغالبني، وحيرتي تتملكني، لماذا يموت الشباب المترع بالطموحات بهذه الطريقة القاسية؟

تأسّر زملائي، وغابوا، والتقيت بعضهم بعد الأسر، ولا أدري كيف نجوت من الموت والأسر الذي كاد أن يلتهمني لمرات.

كانت أياما قاسية إرتبطت بالموت أكثر من إرتباطها بالحياة، والمحظوظ منّا مَن خرج منها بلا عاهة أو إصابة موجعة.

لماذا تم رمي مئات الأطباء في سوح الوغى وفي خنادق كأنها أعدت قبورا لهم، وعليهم أن يذعنوا ويستكينوا، فالموت يلتف حول أعناقهم.

زميل لي كان يجالسني وقت العصر في مستشفى العمارة الجراحي للطوارئ، وذهب لمبادلة زميل كان عائدا من إنكلترا قبل ستة أشهر، وحاصل على شهادة الأم آر سي بي، وإذا بي أواجه جثتيهما في اليوم التالي!!

تلك حرب علينا أن لا نطمرها بما تلاها من تداعيات، لأنها من أبشع حروب القرن العشرين، وكنتُ أدوّن يومياتها في كتاب لكنه تطاير مع الريح عندما حاول الموت إلتهامي.

لا أريد أن أسطر أسماء زملائي الذين أصابهم ما أصابهم من وجيع الحرب، لأن الذكريات مؤلمة، ولكل منا صندوقه الأسود، وإستحضارها يثير شجونا ومواجعا ويُذرف دموعا، فهل كنا نتصور مصير زملائنا الراحلين؟

كان الموت يجالسنا في الخنادق، مع الجرذان والفئران، والأفاعي، وأنواع الحشرات التي تساهم في تقليب مواجعنا، وتنافرنا وتقافزنا لنكون هدفا سهلا لقناص يتربص بنا.

لا زلت أذكر ذلك الشاب البريئ الذي تزوج قبل أسبوعين، وكان يحمل أوراق تقديم إجازته لآمر الفوج، فاغتاله قناص قبل أن يدخل خندق الآمر، وذهب بالتابوت إلى عروسته.

وكم مرة نجوت من موت محقق، ومن حصارات ومداهمات، وصولات بشر لا يعرف سوى أن يقتل، ويؤمن بأن القتل يقربه إلى ربه الذي يتعبد في جبته.

عندما تتحول العقائد إلى أوهام تحل الفواجع ويحترق الإنسان!!

ولا زلت أتألم على كتابي (روايتي) الذي سرقته مني رياح الموت الهوجاء، وقد ألقتني في وادٍ تناهبتني فيه النسور، التي خدعت الآخرين بأنها تحتفل بإفتراس جثة هامدة، فشكرا لها لأنها أنقذتني من موت محقق.

تحياتي وإحترامي للزملاء الذين خرجوا أحياءً من خنادق الموت الحتمي، والوجود العبثي خلف حجابات النهايات الداهية.

فهل وجدتم طبيبا في تأريخ البشرية يمارس عمله في خندق يفصله عن قاتله أقل من ألف متر؟

ومعذرة لأن بعض الزملاء بتعليقاتهم فتحوا أنابيق الذكريات.

نحوَ مَوتٍ أخذونا كلّنا

غابَ بعضٌ وتَبقّى بَعْضُنا

يا زميلي ما مَحَوْنا جُرْحَها

إنّها حربٌ أعاقَتْ جيلَنا

كمْ فقدْنا من عَزيزٍ حالمٍ

كانَ يَسْعى كمُنيرٍ بَيْننا

***

د. صادق السامرائي

تشكل وسائل الإعلام مصدرا مباشرا للتنمية المعلوماتية بهدف الوصول لمعرفة الحقيقة. ولها دور مؤثر في حياة المجتمع ويقظته الفكرية والثقافية والوطنية. أيضا "عامل" مهم للرأي العام، الذي يشاركها صناعة الحدث بنشاط في مجالات مختلفة، خاصة الأحداث السياسية والثقافية والمجتمعية المتعلقة بالمصالح الاقتصادية العامة ومحيطها المجتمعي.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم وسائل الإعلام في بلدنا تتأثر بسلوك ومواقف أصحاب السلطة وقراراتها السياسية المثيرة للجدل. فلا عجب إذن أن مصطلح "ديمقراطية وسائل الإعلام" الذي يروج له أصحاب السلطة لا وجود له من الناحية الموضوعية والقانونية والمادية. وتؤكد الوقائع والمواقف السلوكية، بأنه شعار ساذج، لا قيمة له في الأوساط العامة، وفي المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.

السؤال الذي يطرح نفسه على ضوء المتغيرات السياسية وهيكلها الطائفي الذي يتناقض بالأساس مع مفهوم الديمقراطية: إذا جاز أن تكون "وسائل الإعلام في العراق" ديمقراطية، ألا ينبغي أن نتحدث - بشكل واضح ـ عن تسلط الأحزاب على وسائل الإعلام؟ والسؤال الثاني: من هي أصلا بنظر صاحب القرار، وسائل الإعلام الديمقراطية هذه؟.

المشهد الإعلامي العراقي في منهجه وأسلوبه في السنوات الأخيرة، لم يعد نوعاً ما إعلاما وطنيا رصينا. ولسوء الحظ، أصبح العديد من وسائل الإعلام يخضع إلى حد كبير لمؤسسات حزبية فاسدة "كارتيلات" احتكارية مافيوية تابعة لمتنفذين في أجهزة الدولة وأحزاب السلطة وشركائهم، ولم يعد هناك إلا قليل من دور الصحافة والنشر والإعلام المستقلة. ومع مرور الوقت، أصبح، مئات الصحفيين العراقيين العاملين في وسائل الإعلام المختلفة، أبواق لتلك المؤسسات وأصحابها على حساب الحقيقة والمبادئ والقيم الوطنية والمجتمعية وشرف المهنة وأخلاقياتها. 

لكن أي نوع من الناس، هؤلاء الذين يسيطرون على مراكز وشبكات الإعلام العراقية التي تشكل مصدرا مهما للرأي؟... فهل يصدق أن "مليونيرا" لا تعرف مصادر أمواله يمتلك مؤسسات إعلامية تحتكر عملها لمصالح مشبوه، أن يفكر باحتياجات المواطن العادي ومصائبه؟ أو يحكم على الأمور المتعلقة بالصالح العام بموضوعية؟. السؤال الأهم: هل المخيرون للعمل على نمط التوظيف لا على أساس مفردات المهنة وسلوكياتها الأخلاقية، مستعد لأن يتنازل عن جزء مما يكسبه من رواتب وامتيازات، أو يتحمل جزء من المسؤولية القيمية لأجل كلمة حق واحدة تتعلق بمعاناة المسحوقين الذين يتسكعون بين أماكن القمامة دون مأوى؟...

إذن ما يهم هؤلاء، ليس المصلحة العامة. إنما هيكلة ملكية المؤسسة لرئيس إدارتها الذي لا يسمح لأي رأي يخالف مصالح الطبقة الممولة حتى بشكل مستقل نسبيا.

بالطبع، يعرف كل محرر إعلامي الموقف السياسي الأساسي لرئيسه والجهات التي تقف وراءه، وبدوره أي "المحرر" الذي يُعين وفق معايير الولاءات سيتعرض في النهاية إلى دوامة من التبعيات الذاتية والأمنية والنفسية، وفقدان المعايير الأخلاقية. هذه الإشكاليات، أدت في سوق العمل إلى تنافس بأي ثمن بين الصحفيين العراقيين، وإنتاج إعلاميين انتهازيين لا مبالين بهموم المواطن ومصالح الوطن... إذن لا تأثير "للديمقراطية الإعلامية" الوهمية على هذا السلوك، بقدر ما "للمال السياسي مجهول المصادر" الذي أصبح يتحكم بالإعلام شأنه شأن المنظومة السياسية وتفسيرها لمفهوم الديمقراطية ومصادرها الكونية؟.

بالتأكيد، لا يمكن تجاهل، أن لهذه المجموعات الإعلامية الديمقراطية؟ مصالح أحادية الجانب في العراق، تؤثر بشكل كبير على السياسة. ولا يمكن للسياسة أن تنفصل عن سيطرتها على هذه الوسائل الإعلامية وتحديد مساراتها في الاتجاه الذي تريد. وبما أن الأحزاب المتسلطة بحاجة إلى المصداقية السياسية للحد من إنهيارها، لابد لها أن تنتج إعلام شعبوي تابع ـ يدافع ـ حتى الرمق الأخير عن أساليبها الديماغوغية حتى إن كانت زورا أو لا قيمة لها أصلا.

معظم أحزاب السلطة ووسائل إعلامها، تدرك أن نظمها المؤسساتية الإعلامية والسياسية بحاجة مستمرة إلى كوادر صحفية إضافية لزيادة قدرات احتكار سوق الإعلام المضاد إلى حد كبير. يعمل على تسويف مطالب الشعب وتزييف الحقائق والترويج لصاحب السلطة، وما كنته الإعلامية. النتائج معروفة جيدا: فنظام الحكم غرق حتى النخاع بالتناقضات السياسية والدستورية والقانونية، وليس باستطاعته الخروج منها بسهولة مع أو دون ما كنته الإعلامية.

إن استمرار مواجهة السلطة لوسائل الإعلام النزيه والحد من عمل الصحفيين الشرفاء نقل الحقيقة، لا يدع مجالا للشك بأن "الديمقراطية الإعلامية" لا وجود لها بالمطلق. ولا وجود لمؤسسات إعلامية قوية مستقلة بالأصل، تجعل من الصعب على وسائل الإعلام التلاعب بالرأي العام. بيد أن "الديمقراطية الإعلامية" المزعومة لم تواجه اختبارا كهذا، ولم تتوقف عن تحريف أو إخفاء الحقائق عن الرأي العام. وفي النهاية، في الوقت الذي بإمكان المحرر البقاء بعيدا عن محاولة نسف الوقائع الحقيقية، تقديم نفسه، حين يحسن اختيار كل موضوع حساس بمهارة. كي لا يقع في تأثير "كارتيل" الدعاية المعبأة بشكل احترافي من قبل مؤسسة الأحزاب الإعلامية التي توفر الحماية الإعلامية للحزب بدل المشروع الوطني وأهميته بالنسبة لأبناء المجتمع. 

ان هبوط المعايير المهنية والأخلاقية، وانعدام آفاق حرية التعبير الحقيقية وتحويل مسارها المهني بالتوازي مع سلوك الإعلام المأجور تسويف مفهوم "الديمقراطية الإعلامية"، ووهم "النيوليبرالية الإعلامية" لاجل المنافع والامتيازات. فأن أصحاب الديمقراطية الإعلامية المزعومة، لا بديل لديهم غير التعبير عن رأي الطبقة السياسية ونظام المحاصصة الطائفي الذي أغرق البلد بأسباب المشكلات وتنوعها بالضد من استكمال بناء الدولة على أسس صحيحة. الأمر الذي أدى إلى إضعاف ثقة الجمهور بالإعلام وإتساع دائرة تسويق الانحراف الإعلامي مدفوع الثمن، الذي لا يمثّل جوهر العمل الصحفي، بل يسيء إليه، ويُحمّل المهنة أعباء إضافية في معركة استعادة مصداقيتها. 

***

عصام الياسري

في كتابه (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب، واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق) يدوّن السيد صاحب الحكيم قصصاً وثائقية مثيرة، ويستعرض عينات من أقسى نماذج العذاب في التاريخ البشري، مقدماً معلومات عن ضحايا غُيّبت حقائقهم لولا جهوده الاستثنائية في التدوين والتوثيق.

إن هذه المعطيات لا تشكل مجرد كشفٍ لمصير الضحايا، بل تمثل ركيزة حقوقية أساسية لتحصيل حقوقهم المشروعة في التعويض؛ لا سيما أولئك الذين انتهى بهم المطاف في المنافي إثر ملاحقات نظام البعث أو تسفيره القسري لهم.

وتتجاوز أهمية هذا التوثيق إنصاف الضحايا إلى مواجهة حالة "تزييف الوعي" وتسطيح التاريخ التي نراها اليوم لدى بعض العامة ممّن يجهلون طبيعة ذلك النظام، فيرددون عبارات واهية من قبيل "البعثيون كانوا رجال دولة لا يظلمون أحداً!"؛ وهي ادعاءات تُطلق دون فحص للتاريخ أو رغبة في تقصي الحقيقة. ومن هنا، تبرز قيمة ما وثقه الحكيم كأحد أهم المصادر الحية في تعرية الإجرام المتوحش، وتكتسب وثائقياته مصداقية أعمق مع ما تكشفه المؤسسات الأرشيفية العالمية اليوم من وثائق وتسريبات يُرفع عنها الغطاء السري تباعاً.

لقد تميزت جهود السيد الحكيم بنقل الحقيقة إلى الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية، ليفكك أكاذيب البعث وتعميته الممنهجة التي حاول من خلالها صياغة "شرعية زائفة" تحمي سلطته. كما نلمس في كتابه فهماً عميقاً لخطورة النظام، يغاير طروحات المعارضة السياسية في تسعينيات القرن الماضي التي سعت لتغيير الحكم دون تفكيك أيديولوجيته، كما يغاير فكرة "المصالحة" بعد عام 2003 التي استُبدلت بسياسة الاحتواء على الرغم من صدور قرارات تجريم الحزب.

وتترابط مواضع الحقيقة في حين تابعها السيد الحكيم عن ظلم البعث؛ الذي أمتد من دهاليز القصر الجمهوري إلى أكواخ البردي في أهوار الجنوب، وصولاً إلى مخيمات النازحين والمرحلين على الحدود وفي منافي الشتات شرقا وغرباً، إلى الزنزانات المظلمة، مما يعكس إحاطة تامة بتفاصيل وبشاعة ذلك الحكم المستبد في شمال وجنوب العراق على حد سواء.

إن هذه التجربة التوثيقية تتحول اليوم إلى مادة معرفية غنية، على الرغم من ضيق أفق من لا يدرك أهمية هذا الدور التاريخي لهذه المهمة سابقا وحاليا، واستشعاراً لهذه القيمة، شرعنا في محاولات تحليل هذه التوثيقات عبر سلسلة مقالات ضمن سياقين: الوعي الفردي للسيد الحكيم في تصديه لهذه المهمة، والمادة الحقوقية وما تكشفه من أبعاد سيكولوجية للسلطة البعثية وطبيعة إذعان المجتمع لسياسات الطغيان على الرغم من المحاولات الثورية المعارضة.

خلاصة القول: إذا كان هدف السيد الحكيم حينها هو الإدانة السياسية وتعرية النظام البعثي دولياً (وهو ما تحقق بسقوطه وبصدور القرارات الأممية بحقه)، فإن المهمة اليوم قد تحولت إلى هدف جديد، هو تحويل هذه الوثائقيات إلى "حقيقة معرفية" نعتمد عليها في تفكيك سياق الإجراءات الأمنية والإدارية والسياسية التي شرعت للظلم ضد الإنسان العراقي. فإن فهم آليات النظام البعثي هو السبيل لمعرفة حقيقته، وهو الوعي ذاته الذي انطلق منه الحكيم للتصدي لجرائم البعث والتعريف بها.

***

بقلم: د. رائد عبيس

الصمتُ تلك اللحظاتُ المتناثرة في هوامش الزمن، حين تتدفّق الحروف شظايا في تجاويف القلب، فتبدو كأنها تعانق الروح في صمتٍ مهيب، ثم تتبدّد في ظلال الأحلام بين شتات الأيام الموجعة. هو حالةٌ وجودية يتجاور فيها الألم والأمل، إذ ينبض القلب بإصرارٍ خفيّ، ويجوب سماء الاحتمال متخفّيًا، ثم يهطل كالمطر في ربيعٍ داخليٍّ يغسل الذاكرة ويبعث فيها ابتسامةً مؤجلة.

وفي امتداد الطريق، تمضي الذات حاملةً بذور المعنى، تُنبت زهرةً في أرضٍ مراوغة، أرضٍ تهرب كما يهرب العمر، فلا تفصح عن ثقلها، ولا تُعلن وطأة أجوائها. هناك، يخيم أفق الصمت على صفحات الريح، رابضًا في مواجهة القيود، متحوّلًا من انكفاءٍ سلبيّ إلى طاقة كامنة تنتظر انعتاقها.

الصمت ليس فراغًا لغويًا، بل خطابٌ مؤجل، تهمس به النفس لنفسها، وتخفيه خلف ستار التجلّد. إنه المجال الذي تعجز فيه اللغة المنطوقة عن استيعاب فائض الشعور، فتتراجع الكلمات، ويبقى المعنى معلقًا في فضاءٍ لا يطالُه اللسان. غير أنّ الحروف، حين تُستدعى بوعيٍ صادق، قادرةٌ على تفكيك هذا الاحتباس، وتحويل الصمت من عبءٍ وجودي إلى فعلِ انتصار.

فخذ من الأيام جرعة الحب، لا بوصفه انفعالًا عابرًا، بل باعتباره موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا، يُعيد للذات توازنها، ويمنحها القدرة على تجاوز انكساراتها. عندئذٍ يصبح الصمت اختيارًا واعيًا، لا عجزًا؛ قوةً متماسكة، لا انسحابًا؛ أفقًا مفتوحًا على المعنى، لا ظلامًا مغلقًا على الألم.

***

بقلمي: ربى رباعي- الاردن

 

رحل قبل أيام آية الله الشيخ إسحاق الفياض (1930-2026)، وهو أحد أكبر مراجع الشيعة بالنجف - العراق، كان هذا المرجع أفغانياً (من غزنة)، وعاش متنقلاً بين المراكز الدينية الشيعية بالعراق، وتدرَّج مِن تلميذ إلى أستاذ ومرجع، وقد ملأ طلبته البلدان، ومنهم الآن مِن المجتهدين الكبار، عاش طوال حياته بعيداً عن السياسة، ولا يرى لرجل الدين دوراً في السياسة، سائراً على نهج أستاذه أبي القاسم الخوئيّ (1992)، والأخير هو الآخر قدم إلى النجف من خوئ الإيرانيّة، لكن الاثنان عاشا شيعيين داخل العراق، ولم يتصدّرا للسياسة، لا مِن بعيد ولا من قريب، يفهمان أنَّ المذاهب أشمل وأكبر مِن الأوطان، فلا حدود جغرافية تفصل امتداد المذهب، بينما الأوطان لها حدود وقيود، لا تعبرها، مثل المذاهب والأديان.

تكشف حياة الفياض وأستاذه بالعراق، مع انحدارهما مِن أوطان أخرى، حتَّى قطعوا العلاقة بأصولهما الوطنيَّة لصالح المذهب، وكذلك غيرهما مِن مراجع الدين، فالوطن لا يهم بقدر ما يهمهم المذهب، وإنَّ تحدثوا أو طالبوا بحقوق وعدالة فيخصون بها المذهب، أين ما كان مِن بقاع الأرض، وحتَّى بعد الثورة الإيرانيَّة لم يكن لهما غير هذا المنحى.

جاءت الثورة الإيرانيَّة فكانت سياسية، صحيح هناك وجود للحركات شيعية، داخل العراق وإيران وغيرها مِن البلدان، إلا أنها كانت بحدودها الوطنية، لا تعبر جغرافيتها إلا لتقليدها بالتنظيمات والتحرك، لكن تأثراً بحركة «الإخوان» خرجت هذه التنظيمات خارج الحدود، متطلبة دولة الولاية، فصار كل تنظيم يعتمد على دعم الثورة الإيرانيّة، حتى انتقلت مراكز قياداتها إلى إيران.

هذا ما يخصّ الأحزاب والحركات السياسية الشيعية، أو ما يُعبر عنه بالإسلام السياسي الشيعي، ثم أخذت إيران تبحث عن قواعد خاصة بها، وفق عقيدة تصدير الثّّورة، وهذا ما هو معلن في دستور إيران الإسلاميَّة، أنَّ الجيش الإيراني هو جيش الإسلام، لا اعتبار للحدود الوطنيَّة أو الجغرافيَّة، لكن هل صار تجاوز الوطنيّة عاماً عند الشيعة، أم ظل محصوراً في الإسلام السِّياسيّ الشيعي، وليس الشيعة عامةّ؟ فخصوم التنظيمات المدعومة مِن إيران جلهم مِن الشيعة، والمثال بلبنان والعراق واضح، أي ظل التمييز بين حدود المذهب والوطن معلوماً، مع ما تقدمه إيران الثَّورة مِن إلحاح لإيجاد تنظيمات خاصة بها.

نعود إلى مثال الخوئي والفياض، والقاعدة العريضة التي تقلدهما، والموزعة على عدة أوطان، فليس أحدهما، أو مَن على مثالهما، أعلن نفسه مرشداً أو ولي فقيه بمعناها السياسي، وليس الولاية التشريعية المعروفة، ولم يتدخلا في إفتاء لشأن سياسي داخلي، مع أنَّ مصلحة المُقلِدين تهمها لكن جعلاها بحدودها الفقهية، أي مصلحة المذهب، أما الشأن السياسي والمعاشي فهذا يخصّ حكومات العصر. أما الولي الفقيه السياسي فتهمه السياسة قبل غيرها، فلا يفرق فيها بين الأفغاني والإيراني.

كتب كثيرون عن «صعود نجم الشيعة» رابطين ذلك بتاريخ الثورة الإيرانيَّة، لكن ما حصل هو صعود نهج سياسي، وبالتالي النجم الصاعد هو النجم الشيعي الإيراني الممثل بعقيدة ولاية الفقيه، غير المتفق عليها بين أئمة الشيعة، حتَّى داخل إيران نفسها، وإلا لو نأخذ وقائع أحوال الشيعة، قبل الثورة وبعدها، نجدهم قبلها كان تميزهم ضمن التمايزات الطائفية الأخرى، المتبقية مِن سياسات الدولة العثمانية، وما كان بينها وبين الدولة الصّفوية، لم ينظر لهم، مثلما الحال بعد الثّورة، بمنظار التحزب ضد أوطانهم، والقلق مِن تشكيل تنظيمات موالية، وفي حدة الصراعات يؤخذ الكثير بالقليل، فيبدو الشيعيّ، الذي تصرخ إيران بتمثيله أو بالدفاع عن حقوقه، غير موالٍ لوطنه، وكلما زاد الضغط خشية من التنظيم، فتحت إيران أبوابها بعذر الدفاع عنهم، وتقدم نفسها الحامية. وبهذا المعنى كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين كراسه «الوصايا»(2001)، يوصي أن يكون الشيعة على طريق الخوئي والفياض، امتداد المذهب لا السياسة، وما عبر عنه بولاية الأمة لا الثورة ولا الولي الفقيه.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

930 صفحة؛ هي نموذج واحد من تجربة عراقية فريدة، انبثقت من شعور إنساني عميق بحجم المسؤولية التاريخية التي أُريد لها أن تكون مقاومة لإرادة القتل، والإبادة، والاختفاء القسري، ونظرية الموت التي آمن بها البعث؛ حكومة ونظاماً وأفراداً، حين تسلطوا على حكم العراق واستبدوا بشعبه.

لقد خلّفت سياسة هذا الحكم دماراً كبيراً حلّ بكل مقومات العراق الطبيعية والبشرية، كانت بحاجة إلى تجربة تقاوم هذا الدمار، فانبرى السيد صاحب الحكيم وزوجته الدكتورة بان الحكيم، لتوثيق الآلام العراقية بطريقة استثنائية، تفرض احترامها البليغ عبر تاريخ الشعب العراقي؛ سابقاً، وحالياً، ومستقبلاً.

إن كتابتي لهذا المقال تنبع من الشعور بالامتنان تجاه هذه التجربة الإنسانية والأخلاقية الواعية بإنصاف المظلومين في العراق، وهي تجربة تدفعنا لطرح أسئلة جوهرية: كيف انبثقت فكرة التوثيق عند الدكتور صاحب الحكيم؟ وكيف خطرت له فكرة هذه التجربة الفريدة؟ وكيف ترك تخصصه الطبي، وعمل على ملاحقة كل وثيقة ومعلومة وخبر عن أي مظلوم في العراق -من الأحياء والأموات- في زمن حكم البعث، ليدون ما يحفظ حق الضحية ويدين النظام؟

هذه الأسئلة مثار بحثٍ مستفيض عن تجربة عراقية تميزت بفرادتها على مستويات عديدة؛ قانونية، وتوثيقية، وإنسانية، وأخلاقية، ودينية، واجتماعية، وسياسية، وإعلامية.

ونعود هنا إلى الـ 930 صفحة التي ذكرناها في بداية المقال، وهي صفحات لتقرير مطول جداً، جاء بعنوان (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب، واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق) احتوى هذا التقرير على أكثر من 450 عنواناً لقصص، وشهادات، ووثائق، وقرائن إثباتية وإدانات، تؤكد فيها كل قصة عذابٍ وأخرى وتعزز دليلها.

يعلن هذا التقرير الحقوقي عن الوجه المظلم -الذي ما يزال غير منكشف تماماً- لطبيعة النظام البعثي وحقيقته، وما تسبب به من عدوان ومظالم وضياع للحقوق وإبادة لشعب عظيم كالشعب العراقي؛ من الشمال إلى الجنوب. وهذا ما يعكس جغرافية التقرير التي امتدت من أقصى القرى الكردية في زاخو إلى أقصى القرى العربية في الفاو؛ إذ لم يفرق قط بين عراقي وآخر على أساس الانتماء أو المكون، مما يضفي عليه صبغة وطنية خالصة بعيدة عن التحيز.

إن هذا الكم الكبير من العينات اللواتي تعرضن لعذاب سُلّط عليهن بنوايا خبيثة استهدفت شرفهن، وصلابتهن، وعفتهن، وشجاعتهن، وصمودهن، وكبريائهن، وفقرهن، وصبرهن اللامحدود على ما نالهن من فقد للابن، والأخ، والزوج، والأب، والأرض، والأملاك، نتيجة تحدي صدام حسين وحكمه؛ يمثل نموذجاً عن مئات الآلاف من المفقودين، والمغيبين، والمهجرين، وغيرهم من العراقيين والعراقيات.

لقد جمع الدكتور صاحب الحكيم معلومات هذه الوثائق عبر رحلات وتنقلات مضنية بين المدن العراقية والدول المجاورة، والإقليمية، وعبر العالم؛ لتحصيل ما يثبت حق الضحايا ويدين النظام البعثي الذي عبث بدماء العراقيين، وكرامتهم، وحقهم في الحياة، والعيش الآمن، والسلامة، والسكينة.

وأعتقد جازماً بأن عملية توثيق الاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها المواطنات العراقيات على يد جيش وأمن وعناصر البعث في العراق، لم تكن مهمة يسيرة البتة، بل كانت محرجة جداً لجميع أطراف الحق؛ ولكن فداحة هذه الجرائم جعلت من فرادة توثيقها أمراً في غاية الأهمية التاريخية، والقانونية، والحقوقية، والجنائية، والأخلاقية، والاجتماعية. إن كل ما تنطوي عليه هذه القصص المؤلمة من جرائم انتهاك العرض والاعتداءات الفاضحة يشكل جريمة متكاملة الأركان، ويُعد أهم تدوين وثائقي يُدين النظام البعثي في مراحل حكمه.

فمحاكمة النظام البعثي كانت وما زالت تحتاج إلى محاكمة أخلاقية وثقافية، لا ينبغي أن تقتصر على محاكمة جنائية وقضائية فقط؛ وقد وفرت وثائقيات (صاحب الحكيم) فرصة للمحاكمة التاريخية والأخلاقية والثقافية لتجربة حكم البعث في العراق، عبر توعية الأجيال بكل ما أُرتُكب من جرائم، ما زالت مستجداتها تظهر للعيان بين آونة وأخرى من خلال وثائق وتسريبات جديدة ينطوي عليها أرشيف البعث. ومن خلال دراسة أرشيف هذا النظام ووثائقه لتعزيز المسائلة الأخلاقية والثقافية لكل مخلفاته الإيديولوجية .

إن للدكتور صاحب الحكيم بهذه التجربة الوثائقية الفريدة فضلاً كبيراً على جميع العراقيين؛ سواء من مجتمع الضحايا أو من عامة المجتمع، بما نقله لنا من حقائق ووثائق دامغة عن مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث.

***

بقلم: د. رائد عبيس

استوقفتني العبارة في كتيب للدكتور طه جابر العلواني عن الوحدة البنائية في القرآن المجيد، فارتأيت أن تكون عنوانا لقراءة سائدة؛ تنتشر اليوم في فضائنا الإسلامي بعد أن كانت توصيفا لليهود في علاقتهم بالتوراة! وإذا كان التشبيه بالحمار ينفي حقيقة القراءة، مادام هذا الأخير لا يقرأ ولا يفكر ولا يتعظ، إلا أننا نتابع اليوم على مواقع الأنترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي وضعا قرائيا تصح تسميته بالحمارية، لاقترابه المتزايد من حالة "حمل الأسفار" دون فهم أو دراية، أو إدراك لطبيعة النص القرآني وخصوصيته.

إن القرآن الكريم، حين يدعو إلى النظر والتفكر والتدبر والاعتبار، فهو يفسح المجال للقارئ كي يُجري مقارنة بين الآيات المسطورة وأختها المنظورة في الكون من حوله؛ سواء كانت كوكبة الموجودات الدالة على عظمة الخالق، أو آثار الحضارات الغابرة الدالة على فاعلية السنن. غير أن «الحمارية» تؤسس لفصل معيب بين القراءة ومقاصدها الحقة، وأولى تجلياتها: حفظ الحروف وإضاعة الحدود.

توقف الإمام الحسن البصري يوما عند قوله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} -سورة ص:29- فقال: وما تدبر آياته إلا اتباعه بعقله. أما والله ما هذا بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: إني لأقرأ القرآن فما أسقط منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، فما يرى له القرآن في خلق ولا عمل. وتلك حال يُعاينها المرء اليوم لدى فريق استهوته المكاسب الدنيوية للتلاوة، واحتج بأن القرآن مُتعبد بتلاوته رغم أن الآيات والأحاديث تنص على خلاف هذا القول إن أخِذ على إطلاقيته.

للقراءة هنا أحوالها النفسية التي تؤسس لفارق دال بين النص الإلهي وغيره من كتابات البشر. ودليل ذلك أننا نجد في السيرة النبوية وحياة الصحابة مواقف تؤكد دور التهيئة القلبية في إعطاء التلاوة مدلولها الحق. منها استحباب ترديد الآية لاستشعار مدلولها وتدبر معانيها. فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} -المائدة: 78- وكذلك فعلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها مع قوله تعالى: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} -الطور:27-.

ومنها إظهار الحزن بالبكاء أو التباكي، وهي الحالة التي يعدها النووي في "التبيان" صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، لأنها تتولد من تأمل آيات التهديد والوعيد مع استحضار الغفلة والتقصير في الطاعة. ومن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص، فليبك على فقد ذلك، يقول الغزالي، فإنه من أعظم المصائب!

ومنها كذلك الحض النبوي على معايشة دائمة للقرآن من خلال ورد يومي لا يغفل عنه صاحبه. يقول صلى الله عليه وسلم:" من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل" (صحيح مسلم: رقم747). وكان الصحابة رضوان الله عليهم يرون في الغفلة عنه أمرا جللا، كما في خبر أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه حين قال:" نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت، فلما أصبحت استرجعت؛ وكان وردي سورة البقرة، فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني".

وتحديد الورد هنا مسألة مقيدة هي الأخرى بكمال الفهم، وقد نبه السلف على أن الباحث في القرآن عن اللطائف والمعارف، أو المشغول بإحدى مهمات الدين له أن يقتصر في ورده على قدر لا يحصل به إخلال، ومن لم يكن من هؤلاء فليستكثر من غير خروج إلى حد الملل. وبذلك تظل القراءة حتى في يوميتها واسترسالها مشروطة بتوازن بين الحروف والحدود!

ومن تجليات القراءة «الحمارية» ذاك السعي الحثيث لتجريد النبوة من مرتبتها الروحية، لكونها تلقيا للعلم بغير وساطة من العقل أو الحواس. وهو التلقي الذي يغيظ بعض القلوب فتندفع نحو قراءة مباشرة، تسقط التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

نشأت بوادر تلك القراءة في زمن الصحابة، غير أنها كانت مواقف أفراد لم يكتب لها الانتشار. فحين اعترض أمية بن خالد على صلاة السفر لأنه لا يجدها في القرآن، رد عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: يا أخي، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. 

 وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا؛ ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا.  وهكذا ظل التجاذب محدودا قبل ظهور الفِرق وتداول شبهاتهم بين الجهلة من أبناء المسلمين.

أما في العصر الحالي فإن المتشبعين بالسياق البروميثيوسي للمعرفة، يجددون «الحمارية» عبر محاولاتهم المتكررة لإضفاء البشرية على النص الإلهي، ونبذ فاعليته في لحظة زمنية سيطر خلالها العلم على الطبيعة، وبات قاب قوسين أو أدنى من اختراق المجهول!

وتأخذ القراءة «الحمارية» تجليا ثالثا عبر سلوكات تفشت بشكل محزن في بلاد المسلمين، وفي مقدمتها العلاج بالرقى الشرعية، واستئجار مقرئين عند القبور. حيث تحول الاستنجاد بالقرآن للشفاء أو تفريج الكرب إلى إساءة قراءة، وتعريض النص الإلهي للاستخفاف!

إن نصوص الكتاب والسنة واضحة في التأكيد على أن القرآن الكريم شفاء، غير أن المنطلق التجاري المحض أساء لهذا العطاء الرباني حين انفلت من التنبيهات الشرعية. وهو الأمر الذي تفطن إليه ابن القيم في (الجواب الكافي) بقوله:" إن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء". وبتعبير آخر فإن فشل العملية يؤدي إلى فقدان الثقة في النص القرآني، بينما يعود السبب حقيقة إلى جهل الراقي أو المعالج بالتشخيص ومعرفة أسباب المرض.

وأما استئجار مقرئين عند القبور فتلك قراءة متهافتة يحار اللبيب في إدراك القصد من ورائها. وحين سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المقرئين بالأجرة وهل تصل قراءتهم إلى الميت، نفى رحمه الله مصداقية الفعل بقوله: "إن القرآن الذي يصل ما قرئ لله، فإذا كان قد استؤجر للقراءة لله، والمستأجر لم يتصدق عن الميت، بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز وجل لم يصل إليه".

تتبدد «الحمارية» بالجمع بين حسن القراءة واستقامة الفهم، وبذل الجهد ليكون التفاعل مع النص القرآني حجة للمرء لا حجة عليه. وهو الوضع الذي يحسن بحملة القرآن أن يطابقوا الخطى مع الطريق لبلوغه، فإن الله تعالى مثلما يرفع بهذا الكتاب أقواما، فإنه يضع به آخرين!  

***

حميد بن خيبش

يمارس الإعلام السوبر تخلف والسوبر إرهاب معاً. فبينما السوبر تخلف يُطوِّر التخلف من خلال تقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل، السوبر إرهاب يقتل إنسانية الإنسان من خلال تقديم الإرهاب على أنه حق و واجب. الإعلام المتخلف غير قادر على التعبير عن الأحداث الأساسية في المجتمع وتفسيرها بينما الإعلام السوبر متخلف فهو الإعلام الذي يُطوِّر التخلف من خلال إنتاج الجهل والتعصب والإرهاب. لقد أمسى الإعلام في الشرق والغرب سوبر متخلفاً من جراء ما يُنتِج من جهل وتعصب وإرهاب بالإضافة إلى إنتاجه للعبودية والاستعباد. فبدلاً من أن تُصوِّر القنوات الفضائية العالمية هذه الأحداث الدموية أو تلك على أنها أحداث منعزلة وغير مُعبِّرة عن معتقدات وسلوكيات شعب معيّن أو فئة بشرية معيّنة، تصوغ تلك الأحداث على أنها تعبير صريح عن عقيدة شعوب أو فئات معيّنة و تنتمي إلى سياق عقائدها وسلوكياتها مما يؤدي إلى نشوء وتبرير الإبادات والمجازر ضد تلك الشعوب أو الفئات تماماً كما حدث ويحدث في فلسطين ولبنان. هكذا أصبح الإعلام مُنتِجاً للإرهاب الفائق بدلاً من أن يكون مُعبِّراً عن الأحداث.

معادلة الإعلام السوبر متخلف هي التالية: الإعلام السوبر متخلف = إنتاج الجهل والتعصب والإرهاب ÷   إنتاج المعرفة. فكلما إزداد الإعلام في إنتاج الجهل والتعصب والإرهاب وتناقص إنتاجه لمعرفة الواقع كما هو، إزداد سوبر تخلف الإعلام. وهذا ما نشهده ونشاهده في وسائل الإعلام العديدة والمختلفة مما جعل الإعلام وسيلة قتل واقتتال. فلا يوجد إعلام حيادي وموضوعي وعلمي بل أصبح الإعلام أداة أساسية من أدوات الحروب والإرهاب. من هذا المنطلق، أمسى معظم الإعلاميين والصحافيين جنوداً وجنرالات في ساحات الحروب والاقتتال. وهذه جريمة كبرى في حق الإنسانية والإنسان وعلاجها المؤقت هو الانعزال التام عنها بينما علاجها المستدام فهو في إقفال المنابر الإعلامية التي تمارس السوبر تخلف والسوبر إرهاب.

السوبر إرهاب هو قتل إنسانية الإنسان من خلال تقديم الإرهاب على أنه حق و واجب. مثل ذلك أنَّ تصوير الآخر على أنه يريد إزالتنا من الوجود يتضمن حق إبادة الآخر مما يجعل الإرهاب واجباً أخلاقياً في عالَم السوبر تخلف والسوبر إرهاب. حين تسود آليات السوبر تخلف كآلية رفض الآخرين، تزول إنسانية الإنسان لأنها كامنة في قبول الآخر. من هنا، السوبر تخلف الكامن في رفض الآخر وتطوير الجهل والتعصب مصدر السوبر إرهاب الكامن في قتل إنسانية الإنسان. والإعلام بشكل عام يمارس السوبر إرهاب من خلال قتل إنسانيتنا واستعبادنا بما يطرح من معاداة للآخرين. فالإعلام يُنتِج الآخرَ على أنه مختلف كلياً عنا ويُصوِّره على أنه عدو لنا ويتآمر على القضاء علينا. وبذلك يستعبدنا الإعلام بأنماط فكرية وسلوكية معادية للآخر مما يسجننا بهويات وماهيات مُحدَّدة سلفاً ومناقضة للآخر المُتصوَّر. من جراء ذلك نغدو عبيداً لتلك الهويات والماهيات المعادية لكلّ مَن يختلف عنا وإن اختلف بفكرة أو فكرتيْن. هكذا أمسى الإعلام بمعظمه أداة لاستعباد الشعوب و وسيلة لسيادة العبودية.

مثل على ذلك أنَّ القنوات التلفزيونية اللبنانية تصوِّر الفئات اللبنانية المختلفة عنها سياسياً على أنها معادية للوطن اللبناني. فكلّ قناة فضائية لبنانية تنتمي إلى طائفة و وظيفتها الأساسية تشويه الطوائف الأخرى ومعاداتها. و هي بذلك تقتل إنسانية المواطن اللبناني من خلال دفع المواطنين اللبنانيين نحو معاداة بعضهم مما يؤسِّس للعنف والحروب الأهلية. و هذا يتضمن استعباد المواطن اللبناني بمعتقدات ومشاعر وسلوكيات معادية لبعضهم البعض. من هذا المنطلق، أمسى معظم الإعلام اللبناني أداة عنف وإرهاب وعبودية واستعباد ونهجاً لتدمير لبنان بدلاً من أن يكون وسيلة لإنتاج لبنان الحضارة و التحضّر.

يؤدي الإعلام إلى نشوء الإبادات الجماعية والمجازر بمجرد أن يُصوِّر الآخر على أنه العدو الذي يريد القضاء علينا. فالخطاب الإرهابي يبني الإرهاب. هكذا أصبح الإعلام صانع الإرهاب وسيده. الإعلام العالمي والمحلي يصنع الإبادات والمجازر من خلال تبرير أحقية وجودها وحتمية نشوئها وضرورة استمرارها. فالإعلام يؤثِّر في المجتمعات والسُّلطات ويُشكِّل مضامينها وسلوكياتها. من هنا، الإعلام الإرهابي صانع المجتمعات والسُّلطات السوبر معادية للإنسانية والإنسان ومصدر العنف السوبر فائق.

***

حسن عجمي

 

كثيراً ما نتوقع أن تكون المحن والأزمات الكبرى نقطة تحول في حياة الإنسان، وأن المرض الشديد أو الإصابة الخطيرة أو الاقتراب من الموت كفيل بإعادة تشكيل نظرته إلى الحياة والناس ونفسه. ونعتقد أن من يمر بهذه التجارب سيخرج منها أكثر حكمة وهدوءاً وامتناناً، وأكثر قدرة على فهم ما هو مهم وما هو عابر في هذه الحياة. غير أن الواقع يكشف لنا صورة مختلفة في كثير من الأحيان، إذ نرى أشخاصاً مروا بظروف قاسية هددت حياتهم أو غيرت مجرى أيامهم  ثم ما لبثوا أن عادوا إلى الأفكار ذاتها والسلوكيات ذاتها والانفعالات ذاتها التي كانوا يعيشونها قبل الأزمة، وكأن شيئاً لم يكن.

إن الأكثر إثارة للتأمل أن بعض هؤلاء لا يعودون فقط كما كانوا، بل يزداد لديهم الشعور بالاحتقان والمرارة واللوم تجاه الآخرين. فينشغلون بمن لم يزرهم أثناء مرضهم، أو بمن تأخر في السؤال عنهم، أو بمن لم يقدم لهم الدعم الذي كانوا يتوقعونه. وتتحول التجربة التي كان يمكن أن تكون فرصة للنضج وإعادة النظر في الحياة إلى مناسبة جديدة لتغذية مشاعر الغضب وخيبة الأمل والاستياء. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا يتغير بعض الناس رغم ما مروا به من ابتلاءات وتجارب قاسية؟.

الحقيقة أن الأحداث لا تغير الإنسان من تلقاء نفسها، بل إن طريقة فهمه لهذه الأحداث هي التي تحدد أثرها عليه ومآلها. فالألم وحده لا يصنع الحكمة، والخسارة وحدها لا تصنع النضج، والمرض وحده لا يصنع الوعي. هناك من يمر بالتجربة نفسها فيخرج منها أكثر قرباً من ذاته وأكثر فهماً للآخرين وأكثر تقديراً للحياة، وهناك من يخرج منها مثقلاً بالغضب والشكوى واللوم. فالفارق لا يكمن في حجم المعاناة، بل في العقلية التي تستقبل تلك المعاناة وتفسرها ونستوعب الدروس والعبرمنها.

بعض الناس يعيشون بعقلية تجعلهم يرون أنفسهم دائماً في موقع الضحية. فهم ينظرون إلى الحياة من زاوية ما فقدوه أكثر مما ينظرون إلى ما بقي لديهم وما يمتلكونه، ويركزون على تقصير الآخرين أكثر من تركيزهم على مسؤولياتهم الشخصية ودورهم. وعندما تحل بهم أزمة ما، فإنهم لا يتساءلون عما يمكن أن يتعلموه منها أو كيف يمكن أن يطوروا أنفسهم بعدها، بل ينشغلون بحسابات طويلة حول من وقف معهم ومن لم يقف، ومن أهتم ومن تجاهل، ومن حضر ومن غاب. وبدل أن تتحول الأزمة إلى فرصة للنمو، تتحول إلى ملف جديد يضاف إلى أرشيف الشكاوى والعتاب.

إن التجارب الصعبة لا تمنح دروسها تلقائياً، بل تحتاج إلى قدر من التأمل والصدق مع النفس. فهناك من يمر بالحدث ثم يجلس مع ذاته متسائلاً عن الرسائل التي يحملها له هذا الألم، وعن الأشياء التي كان يركض خلفها واكتشف أنها لا تستحق كل ذلك الجهد، وعن العلاقات التي تستحق أن يحافظ عليها، وعن العادات التي يجب أن يغيرها ويتخلص منها وهناك من يمر بالتجربة نفسها دون أن يمنح نفسه فرصة للتأمل، فيعود إلى حياته القديمة بمجرد زوال الخطر، وكأن شيئاً لم يحدث.

ولعل المشكلة الأعمق تكمن في أن كثيراً من الناس ينتظرون أن تغيّرهم الظروف دون أن يبذلوا جهداً في تغيير أنفسهم. فهم يعتقدون أن الاقتراب من الموت أو مواجهة المرض سيجعلهم تلقائياً أكثر وعياً، بينما الحقيقة أن الوعي قرار، والنضج اختيار، والتغيير عملية داخلية تحتاج إلى شجاعة ومراجعة ومحاسبة للنفس. فالإنسان لا يصبح أفضل لأنه تألم، بل لأنه فهم معنى ألمه واستثمره في إعادة بناء ذاته.

إن أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من أزماته ليس الشعور بالانتصار على المرض أو تجاوز المحنة فحسب، بل اكتساب رؤية أكثر وضوحاً للحياة. رؤية تجعله أقل انشغالاً بأخطاء الآخرين وأكثر اهتماماً بتطوير نفسه، وأقل تمسكاً بالغضب وأكثر قدرة على التسامح، وأقل تركيزاً على ما فاته وأكثر تقديراً لما يملكه الآن. فالحياة قصيرة بما يكفي لأن ندرك أن استنزافها في اللوم والعتاب لا يغير شيئاً، وأن الطاقة التي ننفقها في مراقبة الآخرين أولى أن تستثمر في فهم أنفسنا وتحسينها.

إن الابتلاءات قد تكون من أعظم المعلمين، لكنها لا تعلم الجميع بالقدر نفسه، فلكل وعيه وتفسيره للأحداث والأزمات التي تحدث في حياته. فهناك من يخرج منها أكثر نضجاً واتزاناً ورحمة، وهناك من يخرج منها أكثر تصلباً واستياء. وما يصنع هذا الفرق ليس الحدث ذاته، بل الطريقة التي يقرأ بها الإنسان الحدث، والمعنى الذي يمنحه له، والقدرة التي يمتلكها على تحويل الألم إلى درس، والتجربة إلى حكمة، والمحنة إلى بداية جديدة. ومن هنا فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما تتغير الظروف، بل عندما تتغير طريقة تفكيرنا في تلك الظروف، وعندما نمتلك الشجاعة الكافية لننظر إلى أنفسنا بصدق، فنراجعها ونتعلم منها ونعيد تشكيلها بصورة أكثر نضجاً ووعياً وإنسانية.

***

د. أكرم عثمان

8-6-2026

العربيُّ الذي يفتح شاشة هاتفه صباحاً، ويقرأ الأخبار، ويشاهد البرامج، ويستمع إلى الأحاديث اليومية، قد يظنُّ أنه يعيش في قلب اللغة العربية، وأنه يغتسل كل يوم بمائها العذب. غير أن الحقيقة المُرَّة هي أن العربيَّ المعاصر يعيش في كثير من الأحيان بعيداً عن العربية الفصيحة كما يعيش السائح في مدينةٍ أثرية؛ يمرُّ بين جدرانها العظيمة، ويُعجب بجمالها، لكنه لا يسكنها ولا يعرف أسرارها.

لقد أصبحت العربية الفصيحة بالنسبة إلى كثير من أبنائها لغةً تُسمَع أكثر مما تُستعمَل، وتُحفَظ أكثر مما تُعاش. فهي حاضرة في المصحف الكريم، وفي الشعر القديم، وفي نشرات الأخبار، وفي الخطب الرسمية، لكنها غائبة عن الأسواق والمقاهي والمجالس والبيوت. ولعلَّ المفارقة العجيبة أن العربيَّ اليوم قد يفهم الإنجليزية التقنية أو المصطلحات الأجنبية الحديثة أكثر مما يفهم نصاً عربياً فصيحاً كُتب قبل قرنين أو ثلاثة.

وهذه ظاهرة تستحق التأمل؛ إذ ليس في العالم أمةٌ تكاد تكون غريبةً عن لغتها العليا كما هو حال العرب مع الفصحى. فالفرنسي حين يقرأ نصاً فرنسياً رصيناً يشعر أنه داخل بيته اللغوي، والألماني يفهم لغة أدبائه الكبار دون أن يحتاج إلى مترجم، أما العربي فقد يقف حائراً أمام صفحة من الجاحظ أو أبي حيّان التوحيدي أو ابن خلدون، وكأنه يقرأ لغةً أخرى.

وليس السبب في ذلك ضعف العربية، بل على العكس تماماً؛ فالعربية من أغنى لغات العالم وأوسعها وأدقها في التعبير. وإنما المشكلة أن المسافة بين لغة الحياة اليومية ولغة التراث اتسعت حتى أصبحت أشبه بوادٍ سحيق. فالطفل العربي يولد في بيئة تتحدث باللهجة المحلية، ثم يدخل المدرسة فيُفاجأ بلغة أخرى ذات قواعد وصيغ وأبنية مختلفة. وهكذا ينشأ وهو يشعر ـ من حيث لا يدري ـ أن الفصحى ليست لغته الطبيعية، بل لغة التعليم والامتحان والخطاب الرسمي.

ومع مرور الزمن ترسَّخ هذا الشعور. فصارت الفصحى عند بعض الناس مرتبطة بالتكلّف والرسميات، بينما ارتبطت العامية بالعفوية والدفء والقرب من النفس. حتى إن كثيراً من المتعلمين إذا أرادوا التحدث بالفصحى شعروا بشيء من الحرج، وكأنهم يرتدون ثوباً فاخراً في حي العراة!!

ومن غرائب هذا العصر أن العربي قد يحفظ مئات المفردات الأجنبية المرتبطة بالتقنية والاقتصاد والطب والإدارة، لكنه يتردد أمام كلمات عربية أصيلة كانت يوماً من لسان الناس. فكلمات مثل: السَّنَا، والوَهْج، والأريج، والضَّرام، والوَثَب، والنُّهى، أصبحت تبدو لكثيرين ألفاظاً غريبة، مع أنها من صميم العربية.

إن المشكلة ليست في اللغة، بل في علاقتنا بها. فالعربية الفصيحة لم تغادرنا، وإنما نحن الذين غادرناها. هي ما تزال حية في القرآن الكريم، وفي دواوين الشعر، وفي آلاف الكتب التي ملأت خزائن الحضارة الإسلامية. وما زالت قادرة على التعبير عن الذرة والمجرة، وعن الذكاء الاصطناعي كما عبّرت قديماً عن الصحراء والنجوم والخيل.

ولو تأملنا قليلاً لوجدنا أن الفصحى ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي وعاء حضاري هائل. فحين تضيق صلتنا بها لا نفقد ألفاظاً فحسب، بل نفقد طرائق في التفكير، وألواناً من التصوير، وأشكالاً من الجمال العقلي والبياني. إن الفرق بين من يملك ألف كلمة ومن يملك عشرة آلاف كلمة ليس فرقاً في المعجم فقط، بل فرق في القدرة على الفهم والتحليل والتعبير.

ومن هنا فإن اغتراب العربي عن الفصحى ليس قضية لغوية فحسب، بل قضية ثقافية وحضارية أيضاً. فالأمة التي تبتعد عن لغتها العليا تبتعد تدريجياً عن ذاكرتها الجماعية، وعن كنوزها الفكرية، وعن قدرتها على التواصل مع تراثها دون وسطاء.

ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة تماماً. فما زالت العربية تتمتع بميزة نادرة لا تكاد توجد في لغة أخرى؛ فهي اللغة التي يتلو بها مئات الملايين كتاباً واحداً منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. وما زال الطفل في أقصى المغرب يقرأ القرآن نفسه الذي يقرؤه الطفل في أقصى المشرق. وما زالت الفصحى قادرة على جمع العرب، مهما اختلفت لهجاتهم وأوطانهم.

إن العربية الفصيحة ليست لغةً ميتة كما يزعم بعض الجاهلين، وليست لغةً متحفية تُعرض خلف الزجاج. إنها كالنهر العظيم؛ قد يبتعد الناس عن ضفافه، لكن ماءه ما زال جارياً. وحين يعودون إليه يكتشفون أنهم لم يعودوا إلى لغةٍ غريبة، بل إلى بيتهم الأول الذي طال عنه الغياب.

ولعلَّ المأساة الحقيقية ليست أن العربي لا يعرف الفصحى معرفةً كاملة، فهذا أمر طبيعي في كل اللغات، وإنما المأساة أن بعض العرب باتوا ينظرون إليها كما ينظر الأجنبي إلى لغةٍ يتعلمها. فإذا سمعوا كلاماً فصيحاً متيناً قالوا: "ما هذه اللغة الصعبة؟" مع أنها لغتهم التي حملت أشعار امرئ القيس، وخطب الإمام علي، ورسائل الجاحظ، ومقدمات ابن خلدون، وآيات القرآن الكريم.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة فريدة في التاريخ: لغةٌ من أعظم لغات البشر، يتحدث أهلها باسمها، ويفتخرون بها، ويكتبون شعاراتها على الجدران، ثم يشعر كثير منهم بالغربة إذا سمعوها في صورتها الأصيلة. إنها غربة الابن عن بيت أبيه، لا غربة الغريب عن وطنٍ لم يعرفه قط. ولذلك فإن الطريق إلى العربية ليس اكتشاف أرضٍ جديدة، بل العودة إلى أرضٍ قديمة ما زالت تنتظر أبناءها.

***

د. علي الطائي

8-6-2026

في الدول التي تضعف فيها المؤسسات، وتترهل فيها القوانين، وتغيب فيها معايير الكفاءة والنزاهة، لا تعود السلطة محكومة بالدستور وحده، ولا بالإرادة الشعبية، ولا حتى ببرامج الأحزاب وشعاراتها، بل تتحول تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته بـ"جمهورية الحاشية"؛ تلك الجمهورية غير المعلنة التي لا تظهر في الخرائط، ولا تُذكر في النشرات الرسمية، لكنها تتحكم أحيانًا بما هو أخطر من القرار نفسه: تتحكم بمن يصل إلى صاحب القرار، وبما يسمعه، وبما يُحجب عنه.

الحاشية ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الحكم، فقد عرفتها القصور القديمة، كما عرفتها الجمهوريات الحديثة بأشكال وأسماء مختلفة، لكنها في الأنظمة الضعيفة أو شبه المؤسسية تتحول من دائرة مساعدة إلى سلطة موازية، ومن طاقم إداري أو استشاري إلى شبكة مصالح، ومن وسطاء بين الحاكم والمجتمع إلى حراس أبواب يقررون من يدخل ومن يُستبعد، من يُمدح ومن يُشوَّه، من يُقرَّب ومن يُدفَع إلى الهامش.

والحاشية، في مجتمعاتنا، ليست بالضرورة ظاهرة تحيط بالرئيس أو الملك أو رئيس الحكومة وحدهم، بل هي امتداد ثقافي واجتماعي أقدم من الدولة الحديثة نفسها، فقد نشأت في فضاء القبيلة والعشيرة والوجاهة المحلية، حول الشيخ والأغا والزعيم، ثم تمددت مع الزمن إلى المجموعات السياسية والدواوين والوزارات والمؤسسات والإدارة، وصولًا إلى أعلى الهرم السلطوي، لذلك فهي ليست مجرد خلل سياسي، بل ظاهرة اجتماعية متجذرة، تقوم على ثقافة القرب من صاحب النفوذ أكثر مما تقوم على قيمة الكفاءة أو الحق أو القانون، ومن هنا نفهم كيف تتحول الحاشية إلى شبكة من "وعّاظ السلاطين"، كما وصفهم بعض المفكرين؛ أولئك الذين لا يصنعون الحقيقة، بل يزيّنونها للحاكم، ولا يحمون الدولة، بل يحمون مواقعهم على أبوابها.

خطورة الحاشية لا تكمن فقط في قربها من مركز القرار، بل في قدرتها على صناعة صورة مزيفة للواقع، فهي غالبًا لا تنقل الحقيقة كما هي، بل كما تشتهيها مصالحها، تكبّر الصغير إذا كان يخدمها، وتصغّر الكبير إذا كان يهدد نفوذها. تمدح الفاشل إن كان من دائرتها، وتطعن الناجح إن كان خارج شبكتها. وهكذا يصبح المسؤول، مهما بلغت خبرته أو نواياه، محاطًا بمرايا مشوهة لا تعكس الواقع، بل تعكس رغبات الحاشية ومخاوفها وحساباتها.

في "جمهورية الحاشية" لا تُقاس الكفاءة بما يعرفه الإنسان أو ينجزه، بل بمدى قربه من الدائرة الضيقة، لا يصبح الطريق إلى المسؤول عبر السيرة المهنية أو الخبرة أو النزاهة، بل عبر المديح والولاء الشخصي والقدرة على إتقان لغة التزلف، هناك تنمو طفيليات السياسة والإدارة: أشخاص لا يملكون مشروعًا، ولا رؤية، ولا كفاءة، لكنهم يتقنون فن التسلل إلى الهوامش القريبة من السلطة، ثم تحويل تلك الهوامش إلى مراكز نفوذ.

ومن أسوأ ما تنتجه هذه الظاهرة أنها تخلق طبقة من الوسطاء غير المنتخبين وغير الخاضعين للمحاسبة، فهم ليسوا مسؤولين رسميين أمام الشعب، ولا موظفين واضحين أمام القانون، ولا أصحاب اختصاص يمكن تقييمهم، ومع ذلك قد يكون لهم تأثير في التعيين والإقصاء والترشيح وصناعة السمعة وتشويه الخصوم وترتيب اللقاءات وتغذية المسؤول بالمعلومات الناقصة أو المسمومة، إنهم يحكمون من الظل، ويتصرفون باسم السلطة، بينما يبقى عبء الفشل على صاحب المنصب وحده.

ولأن الحاشية تعيش على القرب لا على الإنجاز، فهي تخاف من أصحاب الكفاءة أكثر مما تخاف من الخصوم، فالخصم يمكن مواجهته سياسيًا، أما الكفوء فيكشف هشاشة المتزلفين بمجرد حضوره، لذلك تسعى الحاشية دائمًا إلى إبعاد العقول المستقلة، وتشويه أصحاب الرأي، وتحويل الناصح إلى مشاكس، والمخلص إلى مزعج، والصريح إلى خطر. فهي لا تريد من يخبر المسؤول بما يجب أن يسمعه، بل من يقول له ما تحب هي أن يسمعه.

هنا تحديدًا تبدأ الكارثة السياسية، فالقرار حين يُصنع داخل دائرة ضيقة من المجاملات والمخاوف والمصالح، يفقد صلته بالمجتمع، وحين يصبح المسؤول أسيرًا لمن يصفقون له، لا لمن يواجهونه بالحقيقة، تتراكم الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات كبرى، وما أكثر الدول التي لم تسقط بسبب قوة خصومها فقط، بل بسبب ضعف من أحاطوا بحكامها، وبسبب تقارير مزيفة، وولاءات كاذبة، ونصائح مدفوعة بالمصلحة لا بالحكمة.

إن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بالدستور والانتخابات والمؤسسات، بل يبدأ أيضًا بتحرير القرار من الحواشي الطفيلية، فالمسؤول الذي يريد النجاح يحتاج إلى مستشارين لا مدّاحين، وإلى عيون ترى الواقع لا مرايا تلمّع الوهم، وإلى من يقول له: أخطأت، لا إلى من يبرر له كل خطأ باعتباره عبقرية سياسية.

في النهاية، "جمهورية الحاشية" ليست دولة داخل الدولة فحسب، بل مرض داخل السلطة والمجتمع معًا، وما لم نكسر ثقافة الحاشية من جذورها الاجتماعية الأولى، لا من مظاهرها السياسية الأخيرة فقط، ستظل الدولة الحديثة تُدار بعقلية المضيف والديوان والولاء الشخصي، لا بعقل المؤسسة والقانون والمواطنة، وحينها ستبقى الحاشية تنتج قرارات عرجاء، وتُسقط الناجحين، وترفع الهامشيين، وتحوّل الحكم من مسؤولية عامة إلى صالون مغلق، حيث تُدار الأوطان بالهمس، وتُباع الحقائق على أبواب النفوذ.

***

كفاح محمود

هطلت دموعه وهو يتأمل مكتبته التي جمع فيها مئات الكتب على مدى سنوات العمر، وكانت موطنه الذي يأخذه إلى بحار العلم، ومحيطات المعرفة، وفضاءات العقول. تتصاعد زفرات الحسرات من صدره، وعيونه مغرورقة، ويتساءل عن مصير الكتب التي جمعها، وما دورها وتأثيرها على الآخرين، وهو يفقد قدرات التواصل معها لما أصابه من ضعف وعوق وهزال.

كم من أمثاله يواجهون مكتباتهم وهم في خريف العمر؟

الكتب تبكي بحرقة، لأنها بلا قُرّاء، والأبناء لا يقدّرون قيمتها وربما لا يجيدون لغتها، وسترمى على قارعة طريق المهملات، أو ستأكلها النيران والعدوان، لأنها تشغل حيزا في المكان.

أصحاب المكتبات الشخصية الكبيرة في محنة، لأن التكونولوجيا المعاصرة إستطاعت أن تضع مكتبة ضخمة في قرص بحجم الإصبع، وتجد المئات من الكتب على شبكات الإنترنيت متاحة لمن يرغب بقراءتها، فالكتاب الورقي صار عبئا، والرقمي يسود ويطغى على الأجيال.

لا أعرف جوابا، لكن مكتبتي تصاغرت مع الزمن، ورغم حرصي على ما فيها من كتب، فالوقت الذي أمضيه معها، أقل من الوقت الذي أواجه به الشاشة قارئا وكاتبا وباحثا، فالإنترنيت وفرت مصادر للبحث والدراسة، ووضعت أمامك المعلومات طازجة، وتجد لكل سؤال جواب، وعليك أن تمحص وتميز وتختار.

في السابق عندما نريد كتابة بحث نذهب إلى المكتبة لنستعين بالكتب والمصادر الأخرى، واليوم، المراجع بأنواعها حاضرة على الشاشة، فاسأل ما تريد وستأتيك الأجوبة بسرعة.

تلك معضلة أجيال ترعرعت مع الورق والقلم، وأصبحت على هامش عصر سيغيب فيه الورق والقلم.

إنه الألم، والتوهم بأن الكتاب إنجاز معرفي مِقدام، ويحافظ على الدور والمقام، في زمن تحول الكتاب فيه إلى بضاعة، والناشرون يتاجرون وما يعنيهم الربحية فقط، فما عادت دور النشر كما كانت في القرن العشرين.

فهل سنجد حلا لمكتباتنا المرتجفة، برفوفها المرعوبة، وكتبها المركونة، التواقة للتصفح والإهتمام؟!!

عالم يتغير وكتب تتحيّر، وهل لنا أن نتخيّر؟!!

على كُتبٍ بها الأيامُ حُبلى

تَباكى قارئٌ يَهوى كَثكلى

مَعارفُ باحثٍ في دُرْج صَمتٍ

تنامُ على خَيابٍ فيهِ كَلا

تُفارقها الأحبّةُ ذاتَ يَومٍ

وتَتْرُكها لأحْفادٍ لتَبلى

***

د. صادق السامرائي

لا ريب أن الحنين إلى الماضي يدفع الإنسان إلى إعادة إنتاج صور الأمس في مخيلته، وصياغتها بألوان أكثر وهجاً وإشراقاً مما كانت عليه في الواقع. فالذكريات تتحول مع مرور الزمن إلى فضاء هادئ يلجأ إليه المرء، كلما اشتدت عليه ضغوط الحاضر، أو تزايد لديه الشعور بالغربة، والاغتراب.

ولا يقتصر الحنين إلى الماضي على استذكار اللحظات السعيدة فحسب، بل يمتد أحياناً إلى استدعاء ذكريات كانت في حينها مؤلمة، أو صاخبة. فالإنسان لا يسترجع الوقائع كما حدثت بصورة آلية، وإنما يعيد تشكيلها في مخيلته بما ينسجم مع تجربته الوجدانية، ويمنحها معنى جديداً، في سياق حياته الراهنة.

والحنين إلى الماضي حقيقة إنسانية وجدانية دائمة، فهو ليس مجرد استدعاء عابر لصور منقضية، بل عملية وجدانية، تتداخل فيها الخبرات بالمشاعر، وتتفاعل فيها الذاكرة، مع الحاجة النفسية إلى الطمأنينة، والاستقرار. ومن هنا يظل الماضي حاضراً في الوجدان، مهما ابتعد زمنه، وتباعدت أحداثه.

ولذلك نجد أن الإنسان كلما تقدم به العمر، ازداد تعلقاً بمحطات حياته الأولى، وبالأماكن التي شهدت نشأته، وبالوجوه التي شاركته أفراحه وأحزانه، حتى وإن غيبها الزمن، أو فرقتها المسافات. فتبقى تلك الصور مختزنة في أعماقه، تستيقظ كلما أثارها موقف، أو ذكرى، أو مشهد عابر.

ولعل الحنين إلى الماضي، يزداد قوة كلما اتسعت الفجوة بين الماضي، والحاضر، وتعاظمت التحولات التي تطرأ على حياة الإنسان، ومحيطه. ومن هنا تتجلى أهمية الذاكرة بوصفها جسراً يربط الإنسان بجذور النشأة الأولى، ويحفظ له شيئاً من توازنه الوجداني، وسط عالم سريع التبدل. فالذكريات ليست مجرد أرشيف للأحداث، وإنما هي جزء من الهوية، والتكوين النفسي، والثقافي للإنسان.

ولاريب ان أجمل ما في الذكريات أنها تمنح الإنسان فرصة السفر عبر الزمن من دون أن يغادر مكانه. ففي لحظات التأمل، والخلوة، يجد نفسه يعود إلى الأزقة القديمة، ومقاعد الدراسة، ومجالس الأصدقاء، وأحاديث الأهل، وأصوات الذين أحبهم وغابوا عن ناظريه. وهناك، على تخوم الذاكرة البعيدة، يستعيد شيئاً من ذاته، ويشعر بأن الزمن لم ينتزع منه كل ما كان عزيزاً عليه.

على أن الحنين إلى الماضي ليس ضعفاً إنسانياً، بل هو تعبير وجداني مرهف عن الحاجة إلى الانتماء، والاستقرار. وهو محاولة لاستحضار لحظات الصفاء، التي أسهمت في تشكيل الوجدان، وبناء الشخصية. ولذلك يبقى الماضي، بما حمله من أفراح وأحزان، رفيقاً دائماً للإنسان، يستدعيه كلما ضاقت به دروب الحاضر، ليجد فيه متنفساً يخفف عنه أعباء الحياة، ونافذة يطل منها على زمن يراه أكثر جمالاً، كلما ابتعد عنه.

غير أن الحنين إلى الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى حالة من الارتهان الدائم، أو الانقطاع عن الحاضر. فالماضي، مهما كان جميلاً، يبقى مرحلة من مراحل الحياة انقضت، ولا يمكن استعادتها إلا في الذاكرة. أما الحاضر فهو ميدان الغعل، والعطاء، وصناعة المستقبل، ومن خلاله يواصل الإنسان بناء تجربته، وإثراء مسيرة حياته.

ومن ثم فإن التوازن بين الوفاء للماضي، والانخراط الواعي في الحاضر، هو الذي يضمن الحفاظ على سلامة الإنسان النفسية والوجدانية، إذ يستمد من الذكريات عندئذ، دفئها، ومعانيها، من دون أن يفقد قدرته على مواصلة السير نحو المستقبل.

***

نايف عبوش

كيف حال قلبك؟

هي تحية تبدو لائقة فقط بمن يشكو من متاعب في هذه المضخة الحيوية المسؤولة عن تنظيم الدورة الدموية. وقد تثير العبارة استغراب من يظن أن قلبه لا يشكو من وهن. بينما الحقيقة أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ويتوجب على كل مسلم يعي خطورة القلب أن يتفقده كل يوم، ويحرص على تزكيته ووقايته من الشهوات والشبهات.

إن حديث القلب حديث ذو شجون، خاصة بعد أن تركز الاهتمام بشكل ملفت على أعمال الجوارح. ويبدو الخطاب الدعوي اليوم منشغلا بالمزالق الاجتماعية العديدة التي تهدد حياة المسلم المعاصر، وتوشك أن تعصف باليقينيات والثوابت التي درج عليها. وهو بالمناسبة أمر مهم لزيادة الوعي واليقظة بما يُحاك ضد هذه الأمة في الداخل والخارج، لكن هل يمكن تنمية المواقف الإيجابية قبل التأكد من أن القلب يعمل بشكل سليم؟

وكيف يتردد ذكر هذه المضغة في أزيد من مئة وتسعين موضعا من القرآن الكريم، للتأكيد على خطورتها، دون أن تجد اهتماما كافيا في الرسائل الدعوية المبثوثة بشكل يومي، لمعالجة هموم ومشاكل مجتمعنا المعاصر؟

كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، كما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها، لكن هذا التقليب الإلهي لا يبدو اليوم أولوية في التحذير من خطورته، وتربية الجيل الناشئ على لزوم الاعتصام بالدعاء من مغبته. كيف لا والقرآن الكريم يكشف أن الزيغ والانحراف يبدأ على المستوى القلبي، قبل أن تظهر آثاره على السلوك!

في الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير، يجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلاح الجسد أو فساده رهنا بالقلب؛ فهو المتحكم في حركة الجوارح، إما بالسعي إلى الطاعة وإما بالانهماك في المعاصي. والمنطق السليم يقتضي أن يكون القلب إذن محور كل جهد إصلاحي، أو مبادرة لإحياء المعاني الإسلامية ومظاهر الدين الحنيف في المجتمع.

ينبهنا القرآن الكريم إلى "التزكية" باعتبارها إحدى مهام النبوة التي اضطلع بأدائها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول تعالى:{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} (الجمعة:٢). ومن أبلغ مظاهر التزكية التي أؤتمن عليها تأكيده صلى الله عليه وسلم على ارتباط الطاعات، بل وسائر تصرفات المسلم، بمعانيها القلبية، كأنه لا قيمة لحركة الجارحة إن لم يتحقق الانسجام بما استقر في القلب المتعلق بها.

يصلح الإنسان إذن بصلاح قلبه، فتأتي حركة الجوارح لتُجلّي هذا الصلاح في صورة استشعار لحلاوة العبادات، ورضا بالقسمة، وتبصر بما يكتنف تقلبات الحياة وصروف الدهر من دروس ومآلات. وهي العوامل التي تهدئ الروع، وتخفف من ضغوط الحياة، وتسربل نفس المسلم بالطمأنينة، لذا كان تقويم القلب شغلا لا يقل أهمية عن أداء الطاعات المقررة شرعا. يقول مؤلف كتاب (مملكة القلب والأعضاء):" وجب على المؤمن، وقد أدرك سر الربط بين قلبه وجوارحه، أن لا يغفل قط عن تقويم القلب على الوجه المرضي، الذي به تنضبط الجوارح في تصرفاتها، فيسلم من حركة أو سكون تتحول إلى حسرة وندامة يوم القيامة."

نشأ اليوم بيننا جيل من حفاة القلوب. شباب تيسرت له المعرفة الدينية بفضل الثورة التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات، فصار بإمكانه، وبضغطة زر، أن يتلقى عددا هائلا من المواعظ، والدروس، والخطب، والتطبيقات المتنوعة. غير أن ذلك لا يستجيب بالقدر الكافي لما يبحث عنه من معان إيمانية، تهدئ روعه، وتبدد حيرته إزاء ما يتعرض له من تشويش مستمر على توحيده وعقيدته.

إن ما يفتقده أبناؤنا في ظل هجمة شرسة لدعاة الضلال القديم هو النسغ الإيماني الذي يسري في عروقهم، فيجدون لذة العبادات والتكاليف الشرعية. سمّها تربية القلب، أو التربية الإيمانية، أو ما شئت من الأسماء، لكنها تظل مطلبا أساسيا لمجابهة الحيرة، ورسائل التشكيك التي تحرض على ألوهية الإنسان لذاته، وتنصله من أي التزام.

من هو الله، وكيف نحبه؟

وما الغاية من هذا التعب الدنيوي في انتظار نعيم الآخرة أو جحيمها؟

ولماذا لا يتدخل لوقف المآسي والعذابات والمذابح؟

هي عشرات الأسئلة التي تضج بها مواقع الدردشة، وتكشف عن نقص حاد في العبادات القلبية، تلك العبادات التي تبدو غائبة عن درس العقيدة في مناهجنا الدراسية، بينما تكشف السيرة النبوية عن مواقف تعليمية أرشدنا من خلالها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهمية تعليم الإيمان، وسد فجوات الحيرة والتردد منذ الصغر. ففي حديث جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي ونحن فتيان حزاورة -أشداء- فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا.

وتعلم الإيمان بحسب المنهج النبوي لا يقف عند حدود الشرح النظري لقضايا العقيدة، بل يتضمن أيضا تعليم النشء الثناء على الله، وتشرّب الأدعية التي تدرب الصغار على اللجوء إلى الله وطلب الهداية والتوفيق، والاستعاذة من الشرور والفتن. وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم الحسن وغيره من صبيان المسلمين أدعية تتضمن الجوانب الإيمانية كدعاء القنوت.

بين ضعف الإيمان وكثرة التحديات، يصبح حديث القلب ضرورة ملحة في مبادرات التوجيه الواعي للشباب المسلم. كيف لا والإيمان بالله هو بلسم الروح، وشفاء الصدر، والترياق لأمراض القلق والحيرة والشك والارتياب، كما يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه (دراسات في الإسلام). وكلما حظي هذا الحديث بأولوية في الرسائل الدعوية الموجهة للشباب على مختلف المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلا وكان حصنا وجُنة أمام فعاليات الاستقطاب الضال لحفاة القلوب من أبنائنا!

***

حميد بن خيبش

ان التطور الحاصل في حياة المجتمعات هو واقع حال افرزته التحولات الفكرية والسلوكيات الجديدة التي فرضتها التكنولوجيا ووسائل الاتصال المعرفية الحديثة لطرح ما هو جديد من الافكار والمعرفة والثقافات واساليب حياتية متطورة عن سابقتها من نمط معيشة تحمل قيم واخلاق ومبادئ وفكر حديث وقليل من خيوط الفكر الماضي الذي بقي متمسكا بجذوره تحت وطاة صراع مستميت في سبيل الثبات في وجه العواصق الفكرية الحالية كونه اصبح يشكل عبا كبيرا على عقلية الكثير من الجيل الجديد الهامشي في تفكيره وهذا الصراع ما زال قائما على اشده لما يحمل من تغيرات فكرية واسلوب في اخذ المعرفة من مصادر جديدة تشكل في بعض الاحيان مشاكل نفسية وفساد في العقيدة ونظم الحياة بإطارها المفروض على الواقع وخصوصا العربي فان لكل جيل خصوصية في الثقافة والفكر والاسلوب في الحياة العامة الذي هو امتداد للماضي فعلينا الاستفادة ما يمكن الاستفادة منه لما يخدم مصالح المجتمع وبنائه وتطوره وعدم الغاء الماضي وتهميش تراثه فان التلاقح الفكري والتزاوج المعرفي وتبادل الخبرات هو الاساس في البناء كما فعلت الكثير من دول الغرب والعالم النامي فانها استطاعت بناء صروح جديدة متقدمة على انقاض الماضي وثقافاته وحضارته واستفادة من اخطاء الماضي وكبواته وتجاوزته بدون المساس به او العبث قي الكثير من اساسياته وخصوصا المجتمعية والاسرية التي تشكل العمود الفقري للحياة اليومية للفرد والقواعد المعمول بها من خلال الاخذ من التراكمات السلوكية والفكرية الصحيحة فنحن بحاجة لها وديمومتها عبر كل زمان ولا يمكن تجاوزها او القفز عليها لكن با يمكن الاضافة والتطوير حسب الظروف التي تطرا على كل مجتمع لذا لا يجوز الغاء الموروث واخلاقياته نهائيا ومحاولة ازاحة جيله بما يُعرف حاليا بمفهوم (الازاحة الجيلية) الكاملة التي يُنادى بها في الوقت الحاضر فتطور الشعوب ونهضتها مرهون بالاستفادة من ماضيه لبناء حاضره ومستقبله بالافكار المستحدثة وبعقول ناضجة حرة في التفكير والتطبيق.

***

ضياء محن الاسدي

مجتمعات مضحوك عليها واجيالها مغيبة وغاطسة في مستنقعات الهذيان والضلال والبهتان، ومبتعدة عن حقائق وضرورات البقاء والقوة والاقتدار.

جوع وفقر واستجداء، ونتوطن اثرى بقعة في الارض فيها من الخيرات ما لا يمكن تخيله، ومعظم ابنائها من المغرر بهم والملعوب بعقولهم، فتحولوا الى اعداء الداء لوجودهم، فما عادت الزراعة نشاط مهم، ولا العناية بالثروة الحيوانية ذات قيمة ومعنى، واصبحت تستورد مشتقات الالبان من الدول الاخرى، وبعضها تستورد البصل والخضراوات، لان ثقافة اهمال الزراعة والترفع عنها سائدة ومسوّقة باعلام موجه خطير.

قوانين التدمير الزراعي التي شرعتها الانقلابات العسكرية فيها، اسهمت بإهمال الارض وهجرة الفلاحين الى المدينة، وصار في كل مدينة وخصوصا العواصم مناطق يهاجر اليها ابناء الريف ويتركون دورهم في الزراعة وتامين افقتصاد المبني على الاكتفاء الذاتي.

تعجبت من الدول الاوربية لقوة اهتمامها بالزراعة والثروة الحيوانية، والعديد من ابنائها لديهم علاقة متينة مع الابقار وتربيتها، والعناية بالحيوانات الاخرى، لانها مصدر اقتصادي مهم ولديها اسواقها ومسوقيها، وتدر ارباحا فردية ووطنية.

كانت لدينا ارض زراعية وفيها فلاحين وذات انتاجية عالية من الحنطة والذرة والشعير والرقي والبطيخ وباقي الخضراوات، وعندما صدر قانون الارض لمن يزرعها، استولى عليها الفلاحون، وبعد سنة وجدتهم في المدينة حيث اهملوها او باعوها، واشترى احدهم سيارة حمل وصارت مصدر رزقه، وتُرِكت فتحولت الى ارض بور، لا تصلح للزراعة.

فكان القانون كان جوهره "لا ارض لمن يزرعها"!!

وهذا مثال من الاف الحالات التي تسببت بتدمير الواقع الزراعي، والاعتماد على الاخرين لتوفير الطعام، ولا زلت اذكر قول احد المسؤولين وهم يتحدث بغضب مع الفلاحين، قائلا: لا يهمنا ما تنتجونه من الحنطة، نستطيع استيراد كيس الطحين بسعر بخس، لا نريد حنطتكم.

بهذه العقلية والياتها ومناهجها تم القضاء على الزراعة في بلداننا، التي انتهت لا زراعية ولا صناعية، بل عالة على دول تزرع وتصنع.

فمتى سنطعم انفسنا ونصنع حاجاتنا؟!!

تاخَّرنا لجهلٍ دامَ فينا

وامْسينا بلا زرعٍ يَقينا

كَرِهْنا ثروةً درّتْ نعيما

وعِشنا تحتَ رحْمةِ مُطْعِمينا

فما صَنعتْ ولا زرَعتْ يدانا

مُعضّبةٌ وقاسيةٌ علينا

***

د. صادق السامرائي

من الكتابات ذات الافراج المرهون بخطوات البوح التباعدي، حين نستمع الى ما ينكسر في ذواتنا، ونحن نُمسك بلحظات عصير (زعزع) الفشل في بضع ساعات من عمرنا العتيد في صمت الاختصار، هنا قد تشل الحركة الآلية، لكنا نبقى نُركز على إعادة دقات من قلب العمر لحياتنا بالإحياء والإخراج الثاني للوجود، وفي هذا فقد تكبر العصي الاستبدادية، وتشتد الحجارة العظمى، وتزيد من لحظات الصمت المقيتة بعمرنا كعقاب وعذاب، لكن الرفق بذواتنا ينتعش، فكل أسماء التنقيص من فعالياتنا لن تُردي الموت بقبر الحياة.

من العدالة الربانية والتي لا تحتاج إلى محامي ترافع مُفوه بالقول فقد "تنتهي الحياة بالغني والفقير في نفس المكان وبنفس المقاييس، وبالتقاليد والعرف الاجتماعي" حكمة سديدة من سنن الحياة، فمنها نتعلم الكثير ولا نقدر على تجاوزها حتى بسلطة القوة والجاه والتحكم، ومنها يتعلم الحكيم فن لِباس أقنعة التمويه ولا يمارسها لا على ذاته ولا على غيره بل يحررنا منها بفلسفة الإدماج الاجتماعي.

حين تم استفساره عن متاهات الحياة البئيسة، كانت كلماته تتحرك بارتجاجات رنانة وحية في كل أقساط وزوايا المدينة ومسامع صدى أسوارها. ومن تتبع جوابه بالفهم والفرك قد يتغير لون الرد، وتكتنز طفطفة الأشداق بجواب صريح:" كل ما اخبرتني به كان من محض خيالك؟ فأين الحقيقة العالقة في بحة حلقك؟ لماذا تراهن على الكذب السلمي؟

من حسنات أخلاقه الباقية، والآتية من شيم التربية السليمة كان جوابه:" صحيح وبالقطع المطلق، فأنا أحب التلاعب بالخيال وبالمتلقي المتعجرف، وقد أُكسبه جبة من الواقع المتعري بالتبرج.

ابتسم السائل من أجوبة لا تحتمل الصدق ولا الكذب وهي من بقايا فلسفة السفسطائيين، ثم خاطبه:" لماذا أراك تتألم بالتأني؟ لماذا يصنع الوجع سوادا على ملمح وجه فطورك الصباحي؟ لماذا تعيش حب الوجع وظلم الذات، وترتشف معه قهوة بن مدعومة بسيجارة سوداء؟ لما لا تقول الحقيقة يا أنت؟ نحن نسمعك بتمعن...

بصدق فقد أفرحني جوابه وجعلت منه قيمة معرفية لا مناص من مناقشتها وتحليلها بالتشتيت والتفكيك والتركيب. جواب بسيط يحمل دلالات نفسية وذاتية. حين خاطب السائل: لا تقترب من مساحة ذاتي بالاقتحام، فأنت تقتحم مسافة الأمان عندي، والتي لا أحتمل احتلالها من طرف أي كان. اعلم يا صديقي السائل: أن الحقيقة ملك لي فقط، ولن أتقاسمها البوح والتعرية والفضح أمام مرأى من يحتفل بالإخفاق لا بالنجاح.

***

محسن الأكرمين

"ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع"

الصعود والهبوط من قوانين الدوران المتحكمة بالظواهر الكونية قاطبة، ومنها ما يحصل فوق الأرض وفيها.

وعالم القرن الحادي والعشرين تتفاعل فيه قوى صاعدة وأخرى هابطة، وستمضي إرادة القانون رغما عن كافة الأطراف المتواجدة في حلبات الصراع.

لا يوجد إنتصار دائم أو إنهزام مقيم، فالإنتصار المطلق لقوانين الدوران بأنواعها، وستتغير معادلات الحياة في القرن الحادي والعشرين، لأن العديد من القوى قد بلغت ذروتها وعليها أن تتدحرج إلى ما وراء حاضرها بقرون حتى تلفها حركة الدوران وتسمح لها بالصعود من جديد.

ويبدو أن الإرادة الكونية تعطي فرصا للقوى المتحركة فوق التراب، ولكل قوة أوانها الذي تتبرعم فيه.

في السابق كانت هناك قوة صاعدة وأخرى نازلة، واليوم هناك قوى صاعدة وأخرى نازلة، أي أن التحرك لم يكن فرديا بل جماعيا، وهذا يستدعي مسارات تستوعب أهوال التداعيات الناجمة عن دوي حركات الصعود والنزول.

ومن المرعب أن القوى ستدوس على رؤوس الضعفاء، وستتساقط شظايا دمارها على دول خاوية خالية من إرادة التحدي والإصرار المتطلع إلى حياة حرة كريمة.

ويمكن القول ان منطقة الشرق الأوسط ستكون سوحَ التفاعلات المتأججة في عالمٍ يتمسك المقتدر فيه بعناصر إقتداره، والساعي للإقتدار الأكبر يطلق ما عنده من عناصر الصيرورات الكامنة.

وما يحصل في واقع دول المنطقة، مخلفات جانبية لصراعات مصيرية بين قوى تترنح وأخرى تتأرجح، وغيرها يتبجح.

فهل من بصير، لرسم خارطة المسير، أم الكل أسير، ومرهون المصير؟!!

تَهاوى منْ علاءٍ مُرتقاها

وصاعدةٌ إلى أفقٍ سِواها

كما دارتْ يدورُ بنا هَواها

تقلّبنا وترْدعُنا رؤاها

تَعفّنتِ المواضعُ واسْتحالتْ

خرائبَ قفزةٍ بلغتْ ذُراها

هيَ الأكوانُ تَحْكُمنا لنَبقى

رهائنَ سُلطةٍ بَسطتْ قِواها

***

د. صادق السامرائي

 

في حياتنا اليومية تمرّ علينا ثلاث كلمات بسيطة في مبناها، عميقة في معناها وتأثيرها: شكراً… رجاءً… عفواً. كلمات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تختصر جوهر اللياقة الإنسانية، وترتقي بأسلوب التعامل بين الناس إلى مستوى أسمى من الاحترام المتبادل والرقي في السلوك.

الأدب في التعامل الإنساني هو انعكاس صادق لنُبل الداخل وصفاء النفس. فحين يقول الإنسان “شكراً” بصدق، و”رجاءً” بتواضع، و”عفواً” بشجاعة، فإنه يُشيّد جسورًا من الثقة والمودة بينه وبين الآخرين. الأدب هو ذلك الحضور الهادئ الذي يسبق الكلمات، وهو القدرة على مراعاة مشاعر الغير دون تكلف، وعلى تقديم الاحترام دون انتظار مقابل. وليس غريبًا أن تُقاس رُقيّ الأمم بمدى التزام أفرادها بهذه القيم البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها؛ فمجتمع يسوده الاحترام هو مجتمع أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على العيش بسلام. وفي عالم يزداد تسارعًا وضجيجًا، يبقى الأدب هو اللغة الراقية التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت ثقافاتهم وأوطانهم.

هذه الكلمات الثلاث، هي أدوات حضارية تنظم العلاقات الاجتماعية، وتندرج ضمن ما يسميه علماء اللغة بـ “أدب التخاطب” أو “المجاملة اللغوية”. ومع ذلك، كثيراً ما نهمل استخدامها في حياتنا اليومية، وكأن في قولها شيئاً من الثقل أو الحرج. فنجد من يتردد في قول “عفواً” وكأن الاعتذار يُنقص من مكانته، أو من يظن أن “شكراً” غير ضرورية، أو أن “رجاءً” تُضعف من قوة الطلب، خاصة مع من نعدّهم الأقرب إلينا. وهكذا تتحول هذه الكلمات البسيطة، التي يفترض أن تكون جسراً للمودة والاحترام، إلى مفاهيم غائبة أو مُهمّشة في كثير من تفاصيل حياتنا الاجتماعية، رغم أنها في جوهرها تعكس مقدار ما نحمله من تهذيب داخلي وإنسانية في التعامل مع الآخرين.

هكذا تربّى كثيرٌ منا؛ نُقلّل من الشكر، ونتردد في الاعتذار، ونطلب أحياناً بصيغة الأمر لا بصيغة الاحترام. وحتى داخل الأسرة، حيث يُفترض أن تكون هذه القيم أكثر حضوراً، نغفل عنها في زحمة الحياة واعتياد العطاء المتبادل. لا نقول “شكراً” للأم بعد وجبة أعدّتها بجهد وتعب، ولا للزوجة التي تبذل جهدها في رعاية البيت والأسرة، ولا للأب الذي يرافق أبناءه لتلبية كل احتياجاتهم ويقف إلى جانبهم في أصعب الظروف. وكأن ما يقومون به أمرٌ مفروغ منه، رغم أن كلمة تقدير بسيطة كفيلة بأن تزرع الفرح وتمنح طاقة جديدة للاستمرار.

ويجب ألا يقتصر الشكر على دائرة العائلة، وانما يمتد إلى كل تفاصيل حياتنا اليومية: “شكراً” لعاملة المنزل، ولعامل النظافة الذي يحافظ على بيئتنا، ولشرطي المرور الذي ينظم السير ويحمي الأرواح، ولكل من يقدم لنا خدمة مهما بدت بسيطة. فالشكر اعتراف بالجميل، وإقرار بجهد الآخرين، وبناء لجسور المودة والاحترام.

أما “رجاءً”، فهي كلمة نغفل عن قيمتها كثيراً. نطلب من أهلنا وأصدقائنا وزملائنا أحياناً بأسلوب مباشر يقترب من الأمر، دون أن نشعر بما قد يسببه ذلك من جفاف في التعامل. وتزداد هذه القسوة غير المقصودة عندما يكون الطلب موجهاً لمن هم دوننا موقعاً أو مسؤولية. كم هو جميل أن نعامل الآخرين، ومنهم عاملات المنازل أو العمال، بلطفٍ يحفظ إنسانيتهم ويشعرهم بالاحترام. إن استخدام “رجاءً” يعكس تواضعاً راقياً وثقافة إنسانية ناضجة، تُحوّل الطلب من إلزام إلى تعاون، ومن ضغط إلى قبول.

أما “عفواً”، فهي اختبار حقيقي لنضج الإنسان. نحن بشر، والبشر يخطئون، وربما نخطئ مراراً مع أقرب الناس إلينا: مع أزواجنا وزوجاتنا، مع آبائنا وأمهاتنا، مع إخوتنا وأصدقائنا، نتيجة لحظة غضب أو تصرّف غير محسوب. وحتى بعد أن تهدأ النفوس وندرك الخطأ، نتردد في الاعتذار وكأن الكلمة ثقيلة أو تُنقص من القدر. والحقيقة أن “عفواً” الصادقة هي أقصر الطرق لإصلاح ما انكسر، وأسرع وسيلة لإعادة التوازن للعلاقات. وهي أيضاً ضرورة في حياتنا اليومية حين نتسبب، دون قصد، في إزعاج الآخرين في البيت، او الطريق أو العمل أو الأماكن العامة.

فالشكر ينمّي الامتنان، و“رجاءً” ترسّخ الاحترام، و“عفواً” تجسّد الشجاعة الأخلاقية ومراجعة الذات. ففي الوقت الذي يحرم إهمال هذه الكلمات الثلاث الآخرين من التقدير، هو يحرمنا نحن كذلك من إنسانيتنا.

تنعم المجتمعات التي تُحيي هذه القيم بعلاقات أكثر دفئاً وتماسكاً، لأن أفرادها لا يترددون في الشكر، ولا يتكبرون عن الاعتذار، ولا يغفلون عن اللطف في الطلب. أما حين تغيب هذه الكلمات من قاموسنا اليومي، فإن الجفاف يتسلل إلى العلاقات، وتزداد الفجوة بين القلوب.

كم من أم كانت ستفرح بكلمة شكر؟ وكم من أب كان سيشعر بالفخر بتقدير صادق؟ وكم من خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة “عفواً” في وقتها؟ وكم من طلب كان سيُقابل بترحيب لو سبقته كلمة “رجاءً”؟

إن إعادة الاعتبار لهذه الكلمات الثلاث ضرورة إنسانية وتربوية تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتنعكس على المجتمع بأسره. ولعل أجمل ما فيها أنها لا تحتاج مالاً ولا وقتاً، بل تحتاج قلباً حاضراً ووعياً حيّاً وشجاعة. فهي مفاتيح صغيرة لأبواب كبيرة؛ تفتح القلوب المغلقة، وتُرمّم ما تصدّع من العلاقات، وتعيد للإنسان شيئاً من إنسانيته التي تُرهقها قسوة الحياة وتفاصيلها.

وهكذا يبقى الأدب في التعامل الإنساني قيمة خالدة، تسمو بالإنسان وتمنحه مكانته الحقيقية بين الناس، بما يُقدّم لهم من خلقٍ حسن وكلمة طيبة. وما أبلغ ما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فهي وصية ربانية تختصر طريق الخير كله، وتضع أمامنا ميزانًا بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد: أن يكون حديثنا رحمة، وتعاملنا إنسانية، وحضورنا مصدر خير وسلام

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

يمثل الدكتور نوري جعفر أحد أبرز الأسماء العراقية التي سعت إلى بناء رؤية علمية متكاملة لفهم الإنسان من خلال ربط علم النفس بالتربية والفسلجة العصبية، في محاولة جادة لتفسير الظواهر العقلية والسلوكية بعيداً عن الغموض والتأويلات غير العلمية. ومن بين أهم القضايا التي تناولها في هذا السياق، تأتي مسألة الإبداع وآليات الدماغ بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً وثراء في الفكر الإنساني.

لم يكن نوري جعفر ينظر إلى الإبداع بوصفه حالة استثنائية خارقة، بل باعتباره نتاجاً مباشراً لتفاعل البنية العصبية مع الخبرة والتربية واللغة والبيئة، أي أنه عملية يمكن تفسيرها علمياً ضمن عمل الدماغ ومراكزه المختلفة.

ينطلق د. نوري جعفر من تصور علمي يعتبر الدماغ مركز النشاط العقلي كله، وأن كل أشكال التفكير، بما فيها الإبداع، هي انعكاس مباشر لوظائف عصبية معقدة. فالإبداع لا ينفصل عن الذاكرة أو الإدراك أو الانتباه، بل يتشكل من خلال تفاعل هذه العمليات داخل الجهاز العصبي.

ومن هنا، يصبح الإبداع عملية إعادة تنظيم للخبرة داخل الدماغ بحيث يتم إنتاج علاقات جديدة بين عناصر معرفية قديمة، في شكل أفكار أو صور أو مفاهيم مبتكرة.

في إطار تحليله لوظائف الدماغ، يقدم نوري جعفر تصوراً مهماً يتعلق بتقسيم النشاط الإبداعي والمعرفي على أساس المراكز المخية، ولاسيما المركزين الرئيسيين: المراكز المخية اللغوية، والمراكز المخية الحسية.

فبحسب هذا التصور، فإن سيادة أحد هذين المركزين في الدماغ تلعب دوراً حاسماً في تحديد طبيعة الميول الإبداعية والمعرفية لدى الإنسان.

فالأفراد الذين تتقدم لديهم المراكز المخية اللغوية يتميزون بقدرة عالية على التحليل والتجريد واستخدام اللغة بوصفها أداة تفكير وهؤلاء غالباً ما يقتربون من مجالات العلم والفكر والفلسفة، كما يمكن أن يظهروا في ميادين الفن الذي يعتمد على البناء اللغوي أو الرمزي.

أما الذين تتقدم لديهم المراكز الحسية، فإنهم يميلون إلى الإدراك المباشر، والتجربة الحسية، والتصوير الوجداني، وهؤلاء ممن تتقدم لديهم المراكز المخية الحسية، فإنهم يميلون إلى الادراك المباشر، والتجربة الحسية، والتصوير الوجداني، وهؤلاء يقتربون أكثر من مجالات الشعر والأدب والفنون التي تعتمد على الإحساس والتخيل والانفعال.

ويذهب نوري جعفر إلى أن هناك فئة ثالثة من الناس تتميز بـ توازن نسبي بين المراكز اللغوية والحسية، وهؤلاء يمثلون ما يمكن تسميته بـ(الإنسان العام)، أي الإنسان الذي لا يغلب عليه نمط معرفي واحد، بل يمتلك قدرة متوازنة على التفكير اللغوي والتحسس الوجداني في آن واحد.

هذا التوازن، في رأيه، هو ما يمنح الشخصية الإنسانية مرونتها وقدرتها على التكيف، لكنه لا يفضي بالضرورة إلى تفوق إبداعي متخصص كما هو الحال عند أصحاب الهيمنة الواضحة لأحد المركزين.

لا يكتفي نوري جعفر بتفسير الإبداع عبر البنية الدماغية فقط، بل يربطه أيضاً بالتجربة والتعلم والبيئة الثقافية. فالمراكز المخية، رغم أهميتها، لا تعمل بمعزل عن التدريب التربوي والخبرة الحياتية. ولذلك فإن الإبداع، في تصوره، هو حصيلة تفاعل بين:

- البنية العصبية (المراكز المخية)

- الخبرة المكتسبة

- اللغة والتعلم

- البيئة الاجتماعية والثقافية

وبهذا يصبح الدماغ بنية ديناميكية قابلة للتشكل، لا جهازاً ثابتاً.

وتأثر نوري جعفر بنظرية إيفان بافلوف في (المنعكسات الشرطية)، حيث يرى أن التعلم يعيد تشكيل الاستجابات العصبية داخل الدماغ. ومن هنا فإن الإبداع ليس لحظة مفاجئة، بل هو نتيجة تراكم طويل من الخبرات التي يعاد تنظيمها داخل الجهاز العصبي.

وبذلك يصبح الإبداع نوعاً من (التعلم المعقد)، الذي يعتمد على قدرة الدماغ على الربط بين خبرات متعددة وإعادة تركيبها في صور جديدة.

يشير نوري جعفر إلى أن عمليتي الإثارة والكف تلعبان دوراً أساسياً في تنظيم النشاط العصبي. فالإثارة تمثل تنشيط الخلايا العصبية بينما الكف يمثل ضبط هذا النشاط وتنظيمه.

ظ الإبداع، يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين القوتين؛ فالإفراط في الإثارة يؤدي إلى فوضى ذهنية، والإفراط في الكف يؤدي إلى جمود فكري، بينما الإبداع الحقيقي يتولد من حالة وسطية تسمح بالتدفق المنظم للأفكار.

يرى نوري جعفر أن المنظومة الإشارية الثانية (اللغة) تمثل أعلى مستويات تطور الدماغ البشري، إذ تسمح بتحويل الخبرة إلى رموز والرموز إلى أفكار، والأفكار إلى إبداع.

ومن هنا فإن العلماء والمفكرين والفنانين الذين يشتغلون على المستوى اللغوي الرمزي، يعتمدون بشكل أساسي على هذا النظام الدماغي المتقدم، الذي يتيح لهم بناء مفاهيم وتجريدات عقلية معقدة.

في المقابل، يشير إلى أن الإبداع الأدبي والشعري يرتبط بشكل أكبر بالمراكز الحسية في الدماغ، حيث تلعب الانفعالات والتصورات والخيال دوراً أساسياً في إنتاج النصوص والصور الفنية. فالشاعر في هذا التصور، هو نتاج تفاعل عميق بين الإحساس والتجربة الداخلية، وليس مجرد استخدام لغوي مجرد.

وعندما تتوازن المراكز اللغوية والحسية، يتشكل نوع من الإدراك المتكامل الذي يسمح بإنتاج إبداع متعدد الأبعاد، يجمع بين العقل والعاطفة، وبين التجريد والحس، وبين التحليل والتصوير.

وهذا التوازن، في نظر نوري جعفر ما يميز الشخصية الإنسانية العامة، ويمنحها القدرة على  التفكير المتوازن، وإن لم تصل بالضرورة إلى مستوى التخصص الإبداعي العميق.

وعندما تتوازن المراكز اللغوية والحسية، يتشكل نوع من الإدراك المتكامل الذي يسمح بإنتاج إبداع متعدد الأبعاد، يجمع بين العقل والعاطفة، وبين التجريد والحس، وبين التحليل والتصوير.

وهذا التوازن في نظر نوري جعفر، هو ما يميز الشخصية الإنسانية العامة، ويمنحها القدرة على التكيف والتفكير المتوازن، وإن لم تصل بالضرورة إلى مستوى التخصص الإبداعي العميق.

وفي الختام: إن نظرية نوري جعفر في الإبداع وآليات الدماغ تمثل محاولة علمية مبكرة لفهم العقل الإنساني ضمن إطار فسيولوجي نفسي متكامل يربط بين البنية العصبية واللغة والخبرة والبيئة. وهي رؤية تتجاوز التفسير التقليدي للإبداع بوصفه موهبة غامضة، لتقدمه بوصفه وظيفة دماغية قابلة للفهم والتحليل.

وبذلك يظل نوري جعفر واحداً من المفكرين الذين حاولوا نقل علم النفس في العراق والعالم العربي من دائرة الوصف العام إلى دائرة التفسير العلمي الدقيق، واضعين الإنسان في قلب مشروع معرفي يرى في العقل أداة النهضة والإصلاح والخلق الإنساني المتجدد.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

يُقَسّم النسابون العرب إلى طبقتين كبيرتين: الأولى: العرب البائدة وهم القبائل التي اندرست آثارها وهم تسع: عاد وثمود وطسم وجديس واميم وعبيل وجرهم وجاسم وعمليق ويسمونهم العرب العاربة. الثانية: وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم ويسمونهم العرب المستعربة. الأولى من نسل (ارم) بن سام بن نوح إلا العمالقة فأنهم من نسل (لاوذ) بن ارم بن سام بن نوح وقد ورد ذكرهم في التوراة كما ورد ذكرهم في القرآن مثلاً للكبرياء والجبروت الذين أديا بهم إلى التهلكة، (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) سورة هود، الآية59

من هم العمالقة..؟

العماليق أو العمالقة سمو نسبة إلى جدهم (عمليق) ويرجع أصله إلى سام بن نوح، ويعتبر العمالقة من أقدم طبقات العرب وقد تفرقوا في أرض الجزيرة وتوزعوا إلى قبائل سكنت في عمان والحجاز والشام والعراق ومصر. ويقال ان (عمليق) قد جاء من بابل وذكرتهم التوراة في مواضع عدة ونسبتهم إلى (عيسو) بن اسحق، وعرف عنهم أنهم كان يضرب بهم المثل في الطول وضخامة الأجسام. كما عرف عنهم شجاعتهم وشدة بأسهم وهم أول شعب حارب العبرانيين بعد خروجهم من مصر في طريقهم إلى فلسطين وظلوا يحاربونهم فترات طويلة وذكرتهم التوراة بأنهم كانوا مصدر إزعاج لإسرائيل (.. واتى عماليق وحارب إسرائيل في رفيديم فقال موسى ليشوع: انتخب لنا رجالاً واخرج حارب عماليق. وغداً أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدي). سفر الخروج: 17: 8.

وقد انتهت المعركة بهزيمة العماليق. وتستمر التوراة في القول: فقال الرب لموسى (أكتب هذا تذكاراً في الكتاب. وضعه في مسامع يشوع بأني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء) سفر الخروج

أما طسم وجديس فكانت مساكنهم اليمامة وما حولها من البحرين وترتبط بهاتين القبيلتين قصة زرقاء اليمامة. ويرى بعض الباحثين ان الفلسطينيين هم الجبابرة الذي ورد ذكرهم في التوراة وفي القرآن، أي العمالقة.

ويؤخذ مما كتبه أحمد سوسه (أن العماليق اسم قبائل قدماء العرب وهم أصل قبائل سائر العرب البائدة وهم اسم شملهم جميعاً وكانت مواطنهم تمتد من حدود مصر إلى فلسطين وكان البابليون يطلقون عليهم اسم (ماليق) وأضاف إليها اليهود لفظ (عم) بمعنى الشعب فقالوا (عماليق) وتؤيد التوراة أنهم أول الشعوب التي كانت مساكنهم تمتد من مصب النيل إلى هيت على الفرات وقد فتح العمالقة مصر وسماهم اليونانيون (هسكوس). العرب واليهود في التاريخ، أحمد سوسه، ص857. ويسميهم أحمد سوسه أيضاً بالعموريين العمالقة الذين يمثلون الهجرة الثانية الكبرى من جزيرة العرب وقد استقروا في الشام وفلسطين وأسسوا دولة (عمورو) وعاصمتها (ماري) كذلك أسسوا دولة بابل القديمة التي أشهر ملوكها الملك (حمورابي) 179201750 ق.م

عوج بن عناق: حقيقة أم أسطورة

يدخل اسم (عوج بن عناق) ضمن النسق الأسطوري الذي يعبر عن تفوق القوة الخارقة لبعض البشر حيث نسج العقل البشري آنذاك مشاهد أسطورية ضمن مسلسل الأساطير كقصة أرم ذات العماد وناقة صالح وطسم وجديس فضلاً عن خرافة التعملق الجسدي الذي تمثل في (عوج) الذي ورد ذكر اسمه في أسفار التوراة غير أن اسمه لم يرد بشكل صريح في القرآن، وقد ذكرت بعض المصادر أنه من بقية الجبابرة وكان هائلاً في قامته وان طوله 333,23 ذراع وعرضه أربعة أذرع وكان ملكاً على مقاطعة (باشان) في أرض كنعان وان سكانها من الكنعانيين التي تصفهم التوراة (بأنهم عشيرة من الجبابرة كان لهم ملك يدعى (عوج) وكان جباراً قامة وبأساً: سفر التثنية 3: 11. حاول عوج أن يمنع مرور الموسويين في أرضه في عهد موسى غير أنه هزم وقتل هو وبنوه وطرد أتباعه من وطنهم. سفر العدد 21: 34.

ويأخذ مشهد (عوج) بعداً أسطورياً فقيل أنه كان يحتجز السحاب ويشرب منه الماء وكان يتناول الحوت من قرار البحر ثم يأكله بعد ان يشويه في عين الشمس، ويروى أن الطوفان في عهد نوح لم يتجاوز ركبته.

وتستمر الأسطورة قائلة: (تذكر كتب الأنساب ان لآدم بنت كان اسمها (عناق) وهي أم (عوج) وأنها كانت مشوهة الخلق إذ كان لها رأسان ويمكن ان يكون هذا ناتج عن بويضة غير متكاملة الانقسام وخصوصاً وان كتب التاريخ تذكر أن حواء كانت دائماً تلد توائم باستثناء ولادتها (عناق) وتذكر كتب التاريخ ان لها عشرة أصابع وهذا التشويه الخلقي جعلها معقدة نفسياً وقد ولدت ولداً أسمته (عوج) حيث كان عملاقاً وقوياً وباغياً وقد نجا من طوفان نوح بسبب طوله وكان موته على يد النبي موسى الذي قتله بمعجزة سماوية إذ أستطاع موسى ان يرفع أحد الجبال ويدخل رأس (عوج) تحته حتى مات..) غرباء وخارقون، فريد مجيد، ص99-100.

ويتكرر هذا المشهد الأسطوري الجميل بشكل آخر قائلاً.. (أن عناق وهي أم (عوج) فإن كل أصبع من أصابعها طوله ثلاثة أذرع وفي رأس كل أصبع ظفران حديديان مثل المنجلين وهي أول من بغى على وجه الأرض ولهذا أرسل الله عليها أسوداً كالفيلة فقتلوها. وقد ولدت عوجاً الذي عمر حتى أدرك الطوفان وطلب سفينة نوح لكي يغرقها وامتد به العمر حتى أدرك موسى وأمر موسى قومه ان يرتحلوا إلى أريحا قرية (الجبارين) ولقي (عوج) جماعة موسى فوضعهم على رأسه وسار بهم إلى امرأته ونثرهم أمامها يريد طحنهم فقالت امرأته بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم فتركهم. ثم ذهب (عوج) إلى الجبل وحفر صخرة على قدر معسكر موسى وحملها ليلقيها عليهم فبعث الله هدهداً فنقر الصخرة وزلت من رأسه إلى عنقه فوثب عليه موسى وقومه وأجهزوا عليه حتى مات..) مضمون الأسطورة في الفكر العربي، د. خليل أحمد خليل، ص33-34.

فقرية (أريحا) الفلسطينية كانت مركزاً لتواجد الجبابرة ولهذا نرى ان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يردد في خطاباته مفتخراً: (ان شعب فلسطين هو من نسل الجبارين) ويقصد العمالقة الذين كانوا يتغلبون في مرات عديدة على العبرانيين ويلحقون بهم الهزائم.

هل العمالقة هم الهكسوس .. ؟

تعرضت مصر خلال تاريخها الفرعوني في عصر المملكة الوسطى وتحديداً في عام 1785 ق. م إلى غزو قبائل بدوية أطلق عليها اليونانيون اسم (الهكسوس) وسماهم المصريون (ملوك الرعاة) و(حكام البلاد الأجانب) وكانوا يتمركزون في الشام وقد عبروا إلى مصر عبر صحراء سيناء واحتلوا (الدلتا) وبنو لهم عاصمة فيها إلا أن مدينة (طيبة) وقد رفعت راية الكفاح المسلح بقيادة ملكها (أحمس) استطاعت طردهم نهائياً من مصر. فهل كان هؤلاء الهكسوس هم العمالقة أنفسهم حيث كانوا يسكنون حدود مصر وقد أغرتهم أرض مصر الخصبة وجريان النيل فيها ليطفئوا ظمأ وجوع الصحراء القاسية التي كانوا يعيشون فيها؟ ذكرت آراء متعددة في هذا الصدد منها ما قاله الدكتور هاشم الملاح.. (اطلق اليونانيون على أبناء القبائل البدوية التي كانت تنتقل بين بوادي الشام وشبه جزيرة سيناء والذين توغلوا إلى مصر وتمكنوا من إقامة دولة لهم فيها حوالي سنة 1671-1570 ق. م اسم (الهكسوس) ويعني (ملوك الرعاة) كما أطلق المصريون عليهم اسم (الشاسو) ومعناها (العربي) أو (البدوي) أما المصادر العربية القديمة فقد أسمتهم (العمالقة). الوسيط في تاريخ العرب قبل الإسلام، الدكتور هاشم يحيى الملاح، ص48.

ويرى بعض المؤرخين ان النبي يوسف هاجر إلى مصر في زمن الهكسوس حيث عثر على (جعارين) من عهد الهكسوس تحمل اسم (يعقوب ايل) – والجعران عند قدماء المصريين تمثال لحشرة سوداء من نوع الخنافس قدسها المصريون وجعلوا منها تميمة وحلية – والمعروف انه صحبت هجرة الهكسوس إلى مصر هجرات كثيرة وليس من البعيد ان يكون من بينهم أصحاب يعقوب ويوسف. وقد يكون هذا هو سبب الخلط بين الهكسوس واليهود عند بعض المؤرخين حيث يرى قسم منهم ان الهكسوس هم اليهود وقد حكموا مصر لتبرير سيطرة اليهود على مصر باعتبارها جزء من أرض إسرائيل.

أما المؤرخ المصري (مانيثون) والذي كان معاصراً لاحتلال الهكسوس مصر فقد وصف الاحتلال في كتابه قائلاً: (في عهد الملك (يتماوس) أصابتنا نقمة من الإله فاندفع نحونا أقوام مجهولون الأصل جاءوا من المناطق الشرقية وكانوا من الجسارة إلى الحد الذي جعلهم يقومون بغزو بلادنا وقد أخضعوا البلاد بسهولة دون ان نخوض معركة معهم وعندما تمكنوا من هزيمة ملكنا أقدموا على إحراق المدن وإتلاف معابد الآلهة وعاملوا جميع السكان بوحشية بالغة فذبحوا البعض واسترقوا أبناءهم وزوجاتهم ثم جعلوا واحداً منهم ملكاً على البلاد).

إن (مانيتون) لم يصرح بأن المحتلين (هكسوس) ولم يسمهم بهذا الاسم بل اكتفى بالقول بأنهم مجهولي الأصل رغم أنهم جاءوا من المناطق الشرقية وهي بالطبع بلاد الشام ولم يقل كذلك بأنهم عرب أو من القبائل العربية وقال أنهم أخضعوا البلاد بسهولة دليل تفوقهم على المصريين لأنهم كما تقول كتب التاريخ أنهم – أي الهكسوس – كانوا قد استعملوا في حروبهم الخيول والعربات الحربية وهي آليات حربية حديثة قياساً إلى ذلك الوقت ولم يكن أهل مصر يعرفونها آنذاك فضلاً عن أن استعمال العربات والخيول قد أبعد صفة البداوة عنهم فالبدوي لا يجيد استعمال العربة الحربية لأن إستراتيجيته الحربية تقوم على مبدأ الكر والفر وقد أعطى هذا الأمر أحد المؤرخين إلى القول بأن الذين احتلوا مصر ليسوا من العمالقة أو العرب (البدو) وإنما نزلوا إلى مصر من آسيا الصغرى (تركيا الحالية) والذين كانوا في حروبهم أكثر تطوراً من عرب البادية الذين كانوا أقوام متنقلة بين شمال الحجاز وفلسطين حتى شبه جزيرة سيناء ولم يكونوا بذلك مؤهلين إلى احتلال مصر لفقدانهم الآليات العسكرية اللازمة للاحتلال.

***

غريب دوحي

 

وتداعيات المسخ بمفاعيل العصرنة

رغم التسارع الهائل الذي شهدته الحياة المعاصرة، وما أفرزته مظاهر التمدّن، والحداثة، من تحولات جذرية في أنماط العيش، والتفكير، والعلاقات الاجتماعية، فقد ظل للموروث الشعبي وهجا خاصا، وسحراً متجدداً، يستوطن الوجدان، ويثير الحنين في النفس، اذ ليس بمقدور الحداثة، مهما بلغت من القوة، وشدة التأثير، أن تنتزع تلك الومضات، من أعماق وجدان الإنسان، طالما أنها ارتبطت بتكوينه النفسي، والوجداني، وأصبحت جزءاً أصيلاً من هويته، وذاكرته.

وهكذا يلاحظ أن الموروث الشعبي، ليس مجرد ذكريات عابرة لصور من الماضي، بل هو مخزون إنساني، وثقافي زاخر بالدلالات، والإيحاءات. فمن ربوع الريف الهادئة، إلى الديرة بأزقتها، وفضاءاتها المفتوحة، ومن الدواوين العامرة بأحاديث الألفة، والمحبة، إلى التعاليل، التي طالما كانت تجمع الناس على دفء التواصل الإنساني، تتشكل منظومة متكاملة من القيم، والعادات، والمشاعر، التي أسهمت في بناء الشخصية الاجتماعية، وترسيخ معاني الانتماء، ونقاء الهوية .

ولاريب إن استلهامات وجدانية عميقة، تنبثق من تراكم هذا الموروث، وتستمد وهج حضورها من غواية المكان، وصدق الإنسان، وبساطة الحياة. فالريف لم يكن مجرد مساحة جغرافية، وربوع شاخصة، بل هو فضاء إنساني رحب، تنمو فيه العلاقات على الفطرة، وتتجذر فيه قيم التكافل، والتسامح، والوفاء، حيث تبقى ذكريات النشأة الأولى الأولى، وما ارتبط بها من تفاصيل البيئة الريفية، حاضرة في الذاكرة، مهما توالى الزمان، وتغيرت الظروف.

وهكذا يفرض الموروث الشعبي حضوره في الوجدان الجمعي، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها موجات التحديث المتلاحقة. فمع كل ما حملته العصرنة من منجزات وإيجابيات، يظل الإنسان بحاجة إلى تجليات ذلك الخيط الخفي، الذي يربطه بجذور النشأة الأولى، وخلفية موروثها، ويمنحه الشعور بالاستمرار، وحضور اصالة الهوية.

ولذلك يمكن القول بإن التطور الحقيقي، لا يعني القطيعة مع الماضي، وانما القدرة على التواصل الايجابي معه، والبناء عليه، بوصفه ركيزة من ركائز الحاضر، والتطلع للمستقبل.

على أن الولع بالريف، والتفاعل مع موروثه الشعبي، ليس انحيازاً عاطفيا إلى الماضي، بقدر ما هو احتفاء بالأصالة، واستحضار للقيم الإنسانية، التي افرزتها التجارب المتعاقبة للأجيال. ولذلك يظل هذا الموروث حاضرا في الوجدان، عصياً على النسيان، مهما قست تداعيات صخب العصرنة، وتسارعت إيقاعات تطور الحياة العصرية.

ويبقى الموروث الشعبي الريفي، بما يحمله من نقاء، وعفوية، ودفء إنساني، ملهماً دائماً للذاكرة، والخيال، وملمحاً أصيلاً من ملامح اصالة الهوية، حيث تظل جذور الانتماء، أعمق من أن تقتلعها رياح التغيير مهما كانت عاتية، الأمر الذي يمنح الأصالة، قدرة عالية على البقاء، والتجدد .

***

نايف عبوش

حين يتأمل الإنسان المشهد البصري الذي يحيط به في المدن المعاصرة، يصعب عليه ألا يلاحظ ذلك الانسحاب التدريجي للألوان الصاخبة والحيوية لصالح طيف واسع من الرماديات والدرجات المحايدة. الأبيض، والأسود، والرمادي، لم تعد مجرد خيارات جمالية عابرة، بل تحولت إلى لغة بصرية تكاد توحد تفاصيل الحياة الحديثة: من الهواتف الذكية والحواسيب، إلى السيارات، والأثاث، والمباني، وحتى الفضاءات العامة والمقاهي والمتاجر. لقد أصبح العالم، على نحو متزايد، أقل احتفاءً بالألوان وأكثر ميلاً إلى الحياد البصري، وكأن الحضارة الحديثة دخلت طوراً من «التقشف الجمالي» الذي يعيد تشكيل علاقتنا بالحس والذوق والإدراك.

هذا التحول لم يعد مجرد انطباع ذاتي أو حنين رومانسي إلى الماضي، بل صار موضوعاً للدراسة العلمية والتحليل الثقافي. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في أحد المتاحف البريطانية، اعتماداً على أرشيف بصري يمتد لقرنين من الزمن ويضم آلاف الصور لمنتجات وأشياء يومية، أن العالم الصناعي المعاصر فقد قدراً كبيراً من ثرائه اللوني. الدراسة التي تناولت واحداً وعشرين نوعاً من الأشياء كشفت أن اللون الرمادي بات حاضراً بدرجاته المختلفة في نحو ثمانين بالمئة من المنتجات المصورة، وأن حضوره ازداد بصورة مطردة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

والأكثر إثارة أن نسبة الأشياء ذات الألوان المحايدة - الأسود والرمادي - ارتفعت من ثمانية بالمئة فقط عام 1800 إلى أربعين بالمئة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وإذا أضيف اللون الأبيض، فإن النسبة تقفز من خمسة عشر بالمئة إلى ستين بالمئة. وبعبارة أخرى، فإن العالم الذي عاشت فيه الروائية Jane Austen، رغم ما نتخيله عنه من تحفظ كلاسيكي، كان أكثر امتلاءً بالألوان من عالمنا الحالي.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالإحصاءات وحدها، بل بما تكشفه هذه الظاهرة عن التحولات النفسية والثقافية التي أصابت الإنسان المعاصر. فالألوان ليست مجرد خصائص فيزيائية للأشياء، بل هي، كما رأى يوهان فولفغانغ فون غوته في كتابه «نظرية الألوان»، تعبيرات رمزية ترتبط بالوجدان الإنساني وبكيفية إدراكنا للعالم. لقد اعتبر غوته أن اللون «يعانق الروح مباشرة»، وأن لكل لون أثراً نفسياً وأخلاقياً يتجاوز الرؤية الحسية الخالصة. ومن هنا فإن انحسار الألوان لا يمكن فهمه فقط بوصفه تحوّلاً تصميمياً، بل باعتباره انعكاساً لتحول أعمق في الحساسية الإنسانية ذاتها.

ويتجلى هذا التحول بوضوح في المنتجات اليومية. فالهواتف المحمولة التي كانت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تحتفي بالألوان المشرقة عادت اليوم إلى درجات الأسود والفضي والرمادي. وكذلك السيارات، التي أصبحت ألوانها أكثر تجانساً ورتابة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن سبعين بالمئة من السيارات المعاصرة تنتمي إلى الطيف المحايد، بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز أربعين بالمئة قبل ربع قرن فقط.

ولم يتوقف الأمر عند الأشياء المادية، بل امتد إلى الثقافة البصرية والخيال الفني. فالأفلام والمسلسلات الحديثة تميل بصورة متزايدة إلى البرودة اللونية والظلال القاتمة. ولم يعد هذا مجرد خيار إخراجي محدود، بل تحول إلى سمة جمالية تكاد تهيمن على الصورة السينمائية المعاصرة. وقد بدا ذلك واضحاً في أعمال مثل The Matrix وThe Lord of the Rings، حيث أُعيد تشكيل اللون بوصفه أداة لصناعة عوالم مشبعة بالقلق والاغتراب والنهايات الكارثية.

وربما لا يمكن فصل هذا الانطفاء اللوني عن المناخ النفسي العام للعصر. فالفيلسوف الألماني فالتر بنيامين كان يرى أن الحداثة تنتج نوعاً من «فقر التجربة»، حيث يفقد الإنسان علاقته الحميمية بالأشياء والعالم بفعل التسارع الصناعي والتقني. وكأن فقدان الألوان هو أحد أعراض هذا الفقر الوجودي؛ إذ لم تعد الأشياء تُصنع لتُعاش جمالياً، بل لتؤدي وظيفة سريعة داخل دورة استهلاك لا تهدأ.

ومن جهة أخرى، أسهم صعود فلسفة «الحد الأدنى» أو الـMinimalism في تكريس هذا الاتجاه. لقد تحولت البساطة البصرية إلى مرادف للرقي، وأصبح الفراغ والنقاء الهندسي عنواناً للذوق المعاصر. ويمكن رؤية ذلك في العمارة الحديثة، وفي تصميم المطارات والمكاتب والمنازل، وحتى في الخطوط الطباعية والشعارات التجارية. وكأن العالم كله يسعى إلى التخلص من الفائض اللوني باعتباره عبئاً أو تشويشاً بصرياً.

لكن هذه النزعة لا تخلو من دلالة أيديولوجية أيضاً. فالفيلسوف الفرنسي جان بودريار أشار في تحليلاته للمجتمع الاستهلاكي إلى أن الرأسمالية المتأخرة لا تنتج الأشياء بوصفها حاجات فقط، بل بوصفها علامات ورموزاً قابلة للتوحيد والتكرار. ولذلك تبدو المدن الحديثة متشابهة إلى حد مقلق، كما لو أنها نسخ متكررة من نموذج بصري واحد. المنازل، والمقاهي، والمتاجر، وحتى الشعارات التجارية، جميعها تتجه نحو التجانس نفسه، إلى درجة ظهور مصطلح «blanding» لوصف هذه الظاهرة التي تستبدل الهوية البصرية المتفردة بتصميمات باردة ومحايدة.

ويمكن القول إن هذا التوحيد اللوني يعكس، في جانب منه، حالة من القلق الوجودي الجماعي. فالعصر الذي يعيش هاجس الأزمات البيئية، والانهيارات الاقتصادية، والحروب، والاغتراب الرقمي، هو عصر يميل ــ لا شعورياً ــ إلى الألوان الباردة والكئيبة. وكأن المخيلة الجماعية فقدت قدرتها على تخيل عالم مفعم بالحيوية. هنا يمكن استحضار مقولة فريدريش نيتشه الشهيرة: «لدينا الفن كي لا نهلك من الحقيقة». غير أن الفن المعاصر نفسه بات، في أحيان كثيرة، أسير تلك الحقيقة القاتمة التي يعكسها بدلاً من مقاومتها.

ومع ذلك، فإن تاريخ الذوق الإنساني يعلمنا أن التحولات الجمالية ليست ثابتة. فكما صعدت الألوان المحايدة بوصفها تعبيراً عن مرحلة ثقافية معينة، يمكن أن يعود العالم إلى استعادة ألوانه بوصفها حاجة نفسية وروحية. وربما يكون الشعور المتزايد بالإرهاق والقلق والوحدة دافعاً نحو إعادة اكتشاف القيمة الوجودية للون باعتباره طاقة للحياة لا مجرد عنصر زخرفي.

ولعل من اللافت في هذا السياق أن شركة Fiat أعلنت مؤخراً تخليها عن إنتاج السيارات الرمادية، مبررة ذلك بأن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكآبة البصرية. قد يبدو القرار تسويقياً في ظاهره، لكنه يحمل دلالة رمزية أعمق: الإنسان، مهما غرق في الحياد والبرودة، يظل في حاجة إلى لون يوقظه من رتابة العالم.

فاللون، في نهاية المطاف، ليس مجرد خاصية للأشياء، بل هو شكل من أشكال المقاومة؛ محاولة لإضفاء المعنى على الوجود، وإعادة السحر إلى عالم أخذ يفقد، شيئاً فشيئاً، دهشته الأولى.

***

محمد إبراهيم الزموري

إن الطريق إلى الذات هو أطول الطرق وأقصرها في آنٍ واحد.. أطولها، لأن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يفتش عن نفسه في وجوه الآخرين، وفي المرايا التي تعكس صورته ولا تعكس حقيقته. يركض خلف الأسماء والألقاب والإنجازات، ويظن أن هويته تتشكل مما يملكه أو مما يقوله الناس عنه، بينما تبقى ذاته الحقيقية جالسة في مكانٍ قصيّ من روحه، تنتظر أن يلتفت إليها.

وهو أقصر الطرق، لأن ما نبحث عنه ليس بعيدًا عنا. إنه يسكن في أعماقنا منذ البداية. غير أن القرب أحيانًا يكون أشد خفاءً من البعد؛ فنحن نرى النجوم البعيدة ولا نرى الضوء الذي يشتعل في داخلنا.

الإنسان كائنٌ غريب؛ يعبر القارات ليكتشف العالم، لكنه يتردد في عبور المسافة الفاصلة بين عقله وقلبه. يعرف أسماء المدن والأنهار والجبال، لكنه يعجز أحيانًا عن تسمية خوفٍ يسكنه أو حلمٍ يؤرقه. ولذلك كانت معرفة النفس أعظم المعارف وأشدها مشقة.

فالذات ليست شيئًا ثابتًا نعثر عليه مرة واحدة، بل نهرٌ يتجدد مع كل تجربة، ومرآةٌ تتغير مع كل سؤال. وكلما ظننا أننا أدركنا حقيقتنا، اكتشفنا طبقةً أخرى أعمق من الوعي، وأكثر غموضًا من اليقين.

وربما لهذا السبب كانت الحكمة الحقيقية لا تبدأ حين نعرف العالم، بل حين نكفّ عن الهروب من أنفسنا. ففي لحظة الصدق النادرة، حين يسقط ضجيج الخارج، ويهدأ صخب الرغبات، يسمع الإنسان ذلك الصوت الخافت الآتي من أعماقه؛ الصوت الذي لا يخبره من يكون فحسب، بل من يمكن أن يكون.

عندها يدرك أن الرحلة لم تكن نحو مكانٍ آخر، بل نحوه هو. وأن المسافات التي قطعها في الحياة لم تكن سوى دوائر واسعة تعيده إلى النقطة الأولى: إلى نفسه.

وهكذا يبقى الطريق إلى الذات أطول الطرق، لأن العمر كله قد لا يكفي لاكتشافها، وأقصرها، لأن أول خطوة فيه لا تحتاج إلا إلى شجاعة النظر إلى الداخل. فهناك، في أعماق الصمت، تبدأ الحكاية الحقيقية للإنسان.

***

د. صابر الحميدي

 

"أي شيء ألهاكَ عن سرّ مَن راء

وظلٍّ للعيش فيها ظليلِ"

الجامع الملوية بنيَ للفترة (234 -237) هجرية، في زمن المتوكل، ولا توجد قصيدة للبحتري تمعن بوصفه، أو ذكر للملوية في قصائده، وهذه من الغرائب التي يصعب تفسيرها.

الجامع الملوية هندسه وأشرف على بنائه، المعماري الكلداني النسطوري (دليل بن يعقوب)، وإختصر الوظيفية والرمزية والجمالية ببنائه الخالد، ويُقال كان من المقربين للخليفة المتوكل، وبنى له العديد من القصور.

وهذا الصرح المعماري المتميز لم يدم طويلا، فبعد مقتل المتوكل إمتدت إليه يد الخراب والدمار، فالظاهر أن خلفاء بني العباس لاحقهم يمحق ما شيّده سابقهم، ومن الملاحظ أن المنتصر بالله (247 - 248) بعد قتله لأبية، حاول أن يقضي على آثاره إبتداءً بالقصر الجعفري المنيف، وربما يكون له دور في تخريب الجامع الملوية، ذلك الجامع الأكبر في زمانه، والأجمل في عمرانه.

ولا يمكن إستحضار أي سبب مقنع عن خراب الجامع، ففي إسبانيا جوامع أقدم منه ومبنية بالطابوق ولاتزال على تمام حالها منذ أن شيدها العرب.

فالجامع الملوية عبثت به أيادي محلية وتناهبته وعاثت به خرابا، وسرقت ما فيه من أثاث ومفروشات وغيرها من التحف والتلائد.

فالجامع الملوية خرّبه المسلمون، وكذلك جامع أبي دلف الذي يقع شماله بحولي 15 كم.

وقد وصف إبن المعتز بقصائده خراب سامراء بعد إنتقال العاصمة منها، مما يشير إلى أن أهل المدينة وما حولها، هم الذين هدموها وشيدوا بيوتهم من أحجارها، ربما إنتقاما من الأتراك الذين تسيدوا في ربوعها.

فكيف بربك يتحول الجامع الأكبر إلى ركام، وما عادت تقام به الصلاة، وكأنه كان يمثل فترة حكم عليها أن تندثر.

جامعان من أبهر جوامع الدنيا في زمانهما، يتحولان إلى أنقاض، وما بقيت منهما إلا منارتيهما، فهل يعقل ما جرى لهما؟

سيتهمون هولاكو وجيوشه، وهذه فرية لا رصيد لها من الواقع، فهو الذي دخل بغداد في (656) هجرية، وسامراء إنتهت كعاصمة وعمّها الخراب بعد (279) هجرية مباشرة، وفقا لما جاء في قصائد إبن المعتز المولود والمترعرع فيها.

تهدّمَتِ الجوامعُ والقصورُ

وماتَ رجالُها فأتى الثبورُ

فسامراءَ أوْجعها عِداها

بتخريبٍ وتشويهٍ يَدورُ

وما فازتْ بداعيةِ انْطلاقٍ

كأنّ زمانَها دوماً يَجورُ

***

د. صادق السامرائي

.........................

*هذه قراءة نفسية سلوكية للتأريخ قد تقبل الخطأ والصواب.

أيُعقل أنْ تتّسع قبضةٌ من ترابٍ لما ضاقت عن الإحاطة به المجرّات؟.. وهل لك أنْ تتصور كيف تُودَع في كيانٍ محدودٍ أسرارُ وجودٍ لا تحدّه الجهات، وكيف تنطوي في نفسٍ واحدةٍ خرائطُ المعنى الممتدة بين أول السؤال وآخر اليقين؟

ما الإنسان إلّا لغزٌ يتجدّد كلما ظنّ أنه فكّ شيفرته. هو آيةٌ تتجاوز ظاهرها كلما أوغل العقل في تأملها. تراه واقفًا بين الأرض والسماء على قدم تشهد أصله الطيني، تنازعه روحه نحو الأعالي، ولا يفتأ عقله يطرق أبواب المجهول مستفهمًا: من أنا؟ وما هذا الكون الذي أراه خارجًا عنّي، وأجده على نحوٍ عجيب مستقرًّا في أعماقي؟

فسبحان من جعل في الذرّة معنى الكون! وسبحان مَن جعل في الإنسان مرآة الوجود!

فإذا تأمّل الناظر دبيب النملة أدرك حكمة السعي، وإذا أطال النظر في الْتِماع النجوم أبصر جلال الامتداد، ثمّ عاد إلى نفسه ليكتشف أنّ ما تفرّق في الآفاق قد اجتمع فيها، وما تناثر في أرجاء الكون قد انعقد خيطه في سرّها الخفي.

فأيُّ سرٍّ هذا الذي أودعه الخالق في الإنسان؟ وأيُّ كونٍ ذلك الذي اختصره في قبضةٍ من طين ونفخةٍ من روح؟!

اعلمْ يا صاحِ أنّ الإنسانَ ما هو إلا آيةٌ تمشي على الأرض، كلما ازداد تأملًا في الوجود ازداد يقينًا بأنّ أعظم الأسرار كامنةٌ في أعماقه.

وكيف لا، وقد قيل: "وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر".

فيا للعجب! ما بين ومضةِ فكرٍ تعبر الخاطر، ومجرةٍ تسبح في فضاءٍ لا تحدّه الأبصار، إنّه نسبٌ خفيٌّ لا تدركه العيون، وإنما تهتدي إليه البصائر.

إنّ الإنسان ساكنٌ في هذا الكون، وإنّ هذا الكون ساكنٌ فيه.

تتجاور في روحه الفوضى والنظام، ويتصارع في وجدانه الشكُّ واليقين، وتتعانق في قلبه رهبةُ السؤال ولذّةُ الاكتشاف.

تأمّلوا كيف تمضي النملة في دربها الواهن، لا يثنيها طول المسير، ولا يفتّ في عزمها وعثاء الطريق؟

أليس في دبيبها درسٌ يفوق ضجيج الخطب وبلاغة الكلمات؟

وانظروا إلى النجوم كيف تنثر ضياءها في صحائف الليل دون أنْ تطلب ثناءً أو تنتظر جزاءً.

أليس في صمتها من الحكمة ما يعجز عن بيانه كثيرٌ من المتكلمين؟

ما أضيق الإنسان عندما يحبس نفسه في حدود الجسد!

وما أوسعه عندما يدرك أنّ المعرفة انكشافٌ متدرّجٌ للحقيقة!

فكلما فتح بابًا من العلم وجد وراءه أبوابًا، وكلما ظنّ أنه بلغ شاطئ الفهم باغتته أمواج الأسئلة من جديد.

وهل خُلق العقل إلا ليُبحر؟

وهل وُجدت الدهشة إلّا لتبقى جذوة المعرفة متّقدة؟

يا بنَ التراب، لا تغترّ بما تعلم، ففوق كلّ علمٍ علم، وفوق كلّ كشفٍ حجاب، وفوق كلّ أفقٍ أفق.

وما الحياة إلا رحلةُ ارتقاءٍ بين سؤالٍ وسؤال، وبين تأملٍ وتأمل.

فهلمّ إلى الإنصات لدبيب النملة، وإلى الإصغاء لصمت النجوم، ففي همس الأرض، ونداء السماء حكمٌ لا تُلقّن، وأسرارٌ لا تُوهب إلا لمن أحسن التأمل.

وهكذا نظلّ نتعلّم من ذرةٍ في قرار الأرض، ومن نجمٍ في أقاصي السماء، ومن لحظةِ وعيٍ تشرق في أعماق النفس.

وما أعظم الإنسان الذي يعرف قدره الحقيقي، فهو كونٌ كبيرٌ أودع في جرمٍ صغير!

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

ما الموسوعة؟.. سؤال ثقيل كجبل، يفرض نفسه اليوم في زمن صرنا فيه نحسب الكلمات بالتغريدات، ونقيس العمق بعدد الحروف. ما الموسوعة؟ هل هي مجرد خزان إسمنتي بارد، نصب فيه المعلومات صبّاً، كما نصب الماء في جرار الفخار الميتة، حتى إذا طال بها الزمن، فقدت روحها وعذوبتها، وتحولت إلى شيء راكد لا يصلح لظمأ السائلين؟ أم أنها روح حية تتجسد في الكلمات، ونبض خفي يتشكل بين السطور، وعقل نير يطل من علياء المعرفة على سهول الجهل فيحولها بقدرة قادر إلى حدائق غناء وارفة الظلال، يأوي إليها التائهون ويستظل بفيئها الحائرون؟

وهل الشخص الموسوعي الذي نبحث عنه هو الناسخ الأمين، الذي يكدس أقوال السابقين كما يكدس عامل البناء الحجارة فوق بعضها، بلا روح ولا سؤال، حتى يصبح الجدار أخرس لا ينطق؟ أم هو صاحب البصيرة التي تخترق الحجب، ذاك الذي يوحى إليه من عقله، فيحمل مشكاة النور في غياهب الظلام، ويقف كالشاهد العدل على ثغرة الوعي كي يصد عنا طوفان النسيان الجارف الذي يهدد بإغراقنا جميعاً؟

الموسوعة الحقة، في جوهرها الذي نبحث عنه، هي رؤية متكاملة للكون، محاولة يائسة ونبيلة للإمساك بالحقيقة الهاربة منا، للإجابة عن سؤال الوجود الأزلي. إنها سعي الإنسان، هذا المخلوق العجيب الذي جمع الله فيه من الطين ومن النفخة الربانية، لأن يقبض بيده المرتجفة على المعنى المتواري خلف ضباب الأيام، وأن يبني من شتات المعرفة المتناثرة حوله بيتاً مكيناً يسكنه العقل ويطمئن إليه القلب، فلا يضل الطريق بعدها أبداً.

وما الأديان؟

ها هو سؤال آخر يلح علي وعليكم. ما الأديان في حقيقتها وجوهرها؟ هل هي أبراج عاجية شامخة، نصعد إليها ثم نقفل أبوابها على أنفسنا، لننظر إلى الآخرين من شرفاتها الضيقة نظرة الشفقة أو الازدراء، وقد ظننا أننا وحدنا المهتدون، وأن الله محصور في حيزنا الضيق؟ أم أنها أنهار متعددة، تجري في أودية مختلفة، وتتشكل على قدر الأرض التي تمر بها، لكنها تتجه جميعاً، في سر خفي لا ندركه، إلى بحر واحد لا ساحل له، هو بحر الحقيقة المطلقة التي لا يدرك كنهها إلا الله؟

وهل خلق الاختلاف بين الناس في عقائدهم ومللهم ليكون نقمة تستحل بها الدماء، وتبرر بها الحروب، وتسوغ بها مذاهب الإقصاء والتكفير، حتى صارت كلمة الحق أداة للقتل؟ أم خلق الاختلاف ليكون آية من آيات الله الباهرة، كما تختلف ألوان الزهر في الروضة الواحدة، وكما تتعدد ألحان الطير على الغصن الواحد، كل منها يسبح الله على لسانه، ويتجه إليه بوجهته التي هداه إليها، ولا فضل لزهرة على أخرى إلا بعطرها، ولا لطائر على آخر إلا بتسبيحه؟

أسئلة تضطرب في الصدور كأمواج البحر الهائج، تضيء في العقل ولا تحرق، توجع القلب ولا تقتل، توقظ الضمير من سباته العميق. أسئلة هي ثمرة التأمل في ملكوت الله، وحصيلة النظر في سننه التي لا تبديل لها. وهنا يثور سؤال آخر هو لب الأسئلة وخلاصتها هل نحن، حقاً، طلاب حقيقة خالصة؟ أم أننا طلاب طمأنينة رخيصة ندفع ثمنها من جيوب عقولنا؟ هل نبحث عن وجه الله بحث الصادق المتجرد، الذي لا يبغي إلا الحق حيثما كان ومع من كان؟ أم نبحث عن صورنا في مرايا الكتب، فلا نرى منعكساً على صفحاتها إلا وجوهنا، ولا نسمع من أصدائها إلا أصواتنا، ولا نعبد من خلالها إلا أصناماً صنعناها بأيدينا من أوهامنا، ثم خررنا لها ساجدين باكين، نظن أننا نعبد الله؟

قديماً، كانت الموسوعات الكبرى تنبثق من صميم حضارتنا انبثاق النور من قلب الظلمة. كانت مرايا تعكس روح العصر، وتنحتها من صخر العدم نحتاً. كان "الفهرست" لابن النديم عالماً يفيض بالحياة، يشهد على أمة كانت المعرفة تجري في عروقها كما يجري الدم. وكانت رسائل "إخوان الصفا" مجرة مضيئة في سماء الفكر، تتلألأ بالعلم كشمس الصباح بعد ليل دامس. وكان "العقد الفريد" لابن عبد ربه عقداً من النجوم حقاً، تنظمه يد أديب بارع يعرف أن البيان من السحر، وأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. كانت تلك الموسوعات شوامخ كالجبال، ثقوباً من نور تخترق جدار الزمن، توقظ الوسنان وتذكر الغافل بأن هذه الأمة كانت أمة اقرأ، وما ضعفت إلا حين هجرت القراءة وأخلدت إلى التقليد الأعمى.

أما اليوم، فلدينا عمل موسوعي جليل، عنوانه الدال على مضمونه: "موسوعة الأديان العالمية"، نشرته جامعة محمد بن زايد، قضى صاحبه الدكتور محمد عثمان الخشت في محراب تأليفه أربعين عاماً كاملة. أربعون عاماً من عمر الروح والجسد، سهر فيها الليالي الطوال يقلب الصفحات، وينقب في المصادر، ويوازن بين النصوص. ثم لا يلقى هذا العمل منا إلا عبوراً خاطفاً، عبور كرام ثقيل، كأنه خبر صحفي عابر في زحمة الأخبار، في زمان أضعنا فيه هيبة الكلمة، وأصبح المرء يوزن فيه بما يملك لا بما يعلم. وهنا، أجدني مضطراً للتوقف طويلاً أمام مشروع الرجل، توقف المتأمل المتفكر، لا العابر المار، لأوجه إليه أسئلة من طينة الصدق لا المجاملة.

أولاً: فضاء المشروع وخرائط اللحظة

لا يمكن إدراك هذا الجهد إلا إذا تأملنا خريطة الوعي التي نقف عليها اليوم. إنها خريطة ممزقة الأوصال، تتصارع في فضائها ثلاث رياح عاتية لا تبقي ولا تذر. الريح الأولى: صعود خطاب ديني متطرف حصر الدين في جثة النص، وأجهز على روحه، وحول الإيمان إلى فقه تكفيري متحجر، وإلى نصل حاد في قبضة كل من ظن أنه المالك الأوحد للحقيقة. الريح الثانية: انحسار دور النخب المستنيرة، وانشغال ما تبقى منها بمعارك وهمية في فقاعات التواصل الاجتماعي، بينما يتراجع مشروع النهضة العربية ليغدو حلماً بعيداً. الريح الثالثة: أزمة المنهج، حيث يسود إما منهج دفاعي مذعور يبرئ الأديان من أي مساءلة معرفية، وإما منهج هجومي عدائي ينطلق من خصومة مسبقة للدين، يصوغ أحكامه قبل أن يبدأ رحلة البحث الصادق. في هذا السياق العاصف، يبزغ مشروع الخشت بزوغ الفجر، قائماً على قراءة الأديان من منظور المقارنة العلمية الواعية، لا من منطق الانتصار الأجوف لدين على دين. وهذا الفعل المنهجي في حد ذاته إنجاز تأسيسي، أشبه بمن يشيد بيتاً من العقل في عين الإعصار. ولقد دفع الرجل ثمناً باهظاً، إذ حين تجهر بأن "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" في زمن صار فيه التكفير بضاعة رائجة، فأنت تضع نفسك في الخندق الأمامي المواجه.

ثانياً: بين تأليه الحقيقة وأنسنة الرحمة

عند عبارة "التنوع والتعددية سنة إلهية كونية" أقف طويلاً. إنها تنطوي على ثورة في عالم الأفكار. فإثبات أن التعددية سنة كونية يضرب بجذوره في فكرة العدل الإلهي، فالإله الحق لا يمكن أن يكون "لاعب نرد" يخلق البشر مختلفين، ثم يحكم على من خالف هذا الطريق أو ذاك بالعذاب الأبدي. هذا تصور ينتقص من كمال العدل الإلهي. تصور الخشت البديل يقودنا إلى أفق أرحب للرحمة الإلهية، يتجاوز الحدود الضيقة التي وضعها البشر، ويقترب في روحه من فلسفات التعددية الدينية عند جون هيك، لكن بصياغة إسلامية صوفية عميقة تجمع بين أصالة المنبع وحداثة المنهج. على المستوى الديني، يدخل الخشت بشجاعة قلب الإشكالية الكبرى: كيف نوفق بين فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، والاعتراف بشرعية وجود الآخر؟ إنه يفتح طريقاً ثالثاً بين اتجاهين مميتين: إلغاء كل الأديان إلا ديناً واحداً، أو القول بتساويها تساوياً مطلقاً. طريقه يقوم على تمييز بديع بين الاعتقاد الداخلي والسلوك الخارجي. يمكنني أن أعتقد أن ديني هو الحق، لكن في الفضاء المشترك أعترف بشرعية وجود الآخر، فأنا إن اعتديت عليه أكون قد اعتديت على سنة الله في خلقه. هذا موقف شجاع، وقد يكون حله هو العودة الخلاقة إلى نظرية المقاصد في الشريعة، التي تشكل أرضية مشتركة للتعاون على الخير، فالاختلافات في الفروع لا تلغي وحدة الأصل الإنساني.

ثالثاً: في متاهات النقد الداخلي

بعد هذا كله، اسمحوا لي ببعض النقد الداخلي الصادق، نقد من هو من أهل الدار.

أولاً، إشكالية التلقي: قضى الرجل أربعين عاماً يؤلف موسوعته. لكن السؤال الذي يلسعني: من يقرؤها اليوم في زمن الاستهلاك المعرفي السريع؟ أين ترجمة هذا المشروع إلى خطاب تعليمي للشباب التائه؟ أين الكتب الموجزة التي تقدم أفكاره بأسلوب يخاطب القلب قبل العقل؟ أخشى أن يظل هذا الإنجاز حبيس رفوف الأكاديمية، بينما يملأ المتشددون الفراغ بخطابهم السهل الممتنع.

ثانياً، غياب السياسي والاقتصادي: مشروع الخشت يركز بعمق على البعد الديني والفلسفي. لكن لماذا ينتشر التطرف تحديداً في المجتمعات الفقيرة المحرومة؟ ما العلاقة بين الأزمة الاقتصادية وتبني خطابات العنف؟ يمكنك أن تقدم أرقى خطابات التسامح، لكن إذا كان الشاب لا يجد قوت يومه، ولا يلمح شرارة عدالة اجتماعية، فسيبحث عن خطاب بديل يمنحه هوية وسيفاً. مشروع الخشت لا يتعامل مع هذا البعد إلا بشكل هامشي، وكأن الروح يمكن أن تزدهر بلا جسد يحميها.

ثالثاً، نقد النص الديني: هذه هي النقطة الأشد حساسية. يقوم مشروع الخشت على أن النصوص المقدسة تحمل في صميمها روحاً سمحة. لكن ماذا نفعل بالنصوص التي يبدو ظاهرها متناقضاً مع روح التسامح؟ منهجه يعتمد على آليتي التأويل والتاريخية، وهذا صحيح وضروري، لكنه لا يكفي. تظل الحاجة ماسة إلى نظرية متكاملة متماسكة في التعامل مع النص، تحدد لنا: متى نأخذ بالظاهر، ومتى نؤول؟ وما ضوابط التأويل المانعة من الانفلات؟ هذه النظرية لم تصمغ بعد صياغة شافية كاملة في هذا المشروع، وما تزال تمثل ثغرة ينفذ منها الخصم.

ويبقى السؤال الأعمق هو هل نحن، القراء والنقاد، على مستوى هذا المشروع؟ هل لدينا الجرأة على مناقشته دون تحيز، والصبر لنقرأ ألف صفحة في زمن التغريدات؟ هذا سؤال موجع، وجوابه ليس مضموناً. لكن، في هذه اللحظة، دعونا نعترف بأن السؤال قد وضع بقوة على المائدة. ويبقى الخبر الأجمل: أن هناك مثقفاً عملاقاً، في ركن من هذا العالم العربي الصاخب، قضى عمره يبني مشروعاً فلسفياً ضخماً يستحق أن ينظر فيه. ويبقى، رغم كل النواقص، شاهداً على أن جذوة الحياة الفكرية لم تنطفئ بعد في هذه الأرض، وأن في هذه الأمة بقية صالحة من فرسان الأسئلة الكبرى، الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.

***

د. عبد السلام فاروق

يشهد عالمنا المعاصر حالياً، تسارعاً غير مسبوق، في وتيرة حركة العصرنة، التي طالت كل المجالات، حيث أنها باتت تستهدف تحديث أنماط الحياة، ومواكبة التطورات العلمية، والتقنية، والفكرية، التي يشهدها العصر الراهن، فقد أصبحت العصرنة سمة ملازمة لمجتمعات اليوم، في التنمية، والتقدم، وبالتالي فإنه لم بعد بامكان مجتمع ما، أن يبقى بمعزل عن تداعيات التحولات المتلاحقة، التي تفرضها العصرنة مع متغيرات الزمن.

 وتجدر الإشارة إلى أنه رغم من كل ما افرزته العصرنة من إيجابيات متوالية، فانها افرزت في نفس الوقت، تداعيات سلبية صاخبة، تثير الكثير من التساؤلات، والجدل.

ولا شك ان العصرنة أسهمت في إحداث نقلة نوعية في مختلف مجالات الحياة. ففي الجانب العلمي، والتقني، وفرت وسائل متقدمة للاتصال، والتواصل، واختصرت المسافات، وسهلت الوصول إلى المعرفة والمعلومات. كما ساعدت على تطوير الخدمات الصحية، والتعليمية، والإدارية، ورفعت من مستويات الإنتاج، وكفاءة الاداء في العديد من النشاطات الاقتصادية، والصناعية، حيث أصبحت التكنولوجيا الحديثة، عاملاً مؤثراً في تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص العمل، والإبداع، والابتكار.

وفي المجال الاجتماعي، عززت العصرنة، قيم الانفتاح، والتفاعل بين الثقافات، والشعوب، وأسهمت في نشر الوعي بحقوق الإنسان، وترسيخ مفاهيم المشاركة المجتمعية.كما أتاحت للأفراد فرصاً أوسع للتعبير عن آرائهم، ومواهبهم، وأوجدت فضاءات جديدة للتعلم، والتواصل، وتبادل الخبرات.

ولابد من الإشارة إلى أن العصرنة، من جهة أخرى، افرزت تداعيات سلبية صاخبة، لا يمكن تجاهلها. فالتداعيات المتسارعة التي افرزتها، والتغيرات التي فرضتها في أنماط الحياة الحديثة، أدت إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، وتراجع مظاهر التفاعل الإنساني المباشر، لصالح التواصل الافتراضي.

كما أن الانفتاح الواسع على الثقافات المختلفة، قد افرز تحديات تطال اصالة الهوية الثقافية، والقيم الأصيلة، في كثير من المجتمعات.

ولعل من التداعيات الأخرى الجديرة بالاهتمام، ظاهرة تصاعد النزعة الاستهلاكية، التي رافقت التقدم التقني، والاقتصادي، الذي افرزته العصرنة، حيث أصبح الكثير من مجتمعات اليوم، أسير سباق متواصل، نحو اقتناء المنتجات الحديثة، وهوس ملاحقة الصيحات الجديدة.

 كما أسهمت التقنية الرقمية، كاحد مخرجات العصرنة، في إفراز سلبيات جديدة، تتعلق بالانغماس التام في المنصات الإلكترونية، والإدمان على استخدامها، وتشتت الانتباه، وتراجع الخصوصية.

ولم يعد التحدي الحقيقي في التعامل مع ظاهرة العصرنة، يكمن في رفض العصرنة، أو القبول بها بصورة مطلقة، وانما يمكن في كيفية التفاعل البناء معها، وترشيد استخدامها، ومن ثم توظيف منجزاتها، بما يخدم الإنسان، ويحافظ في الوقت نفسه، على منظومة القيم، ويصون الثوابت الثقافية، والاجتماعية، من المسخ، والضياع، بتداعياتها الصاخبة، في جوانبها السلبية.

وتبقى العصرنة، ظاهرة إنسانية شاملة، تحمل في طياتها إيجابيات متوالية، فتحت آفاقاً واسعة للتقدم، والازدهار، لكنها في الوقت نفسه أفرزت تداعيات سلبية صاخبة، تتطلب قراءة واعية، ومراجعة مستمرة.

وبين تلك المكاسب، والتحديات، يتطلب الأمر، العمل على استغلال ظاهرة العصرنة بعقلاتية، وتوظيف ايجابياتها في تطوير المجتمع، وتحسين الخدمات، والحد من تحولها، إلى مصدر للاضطراب، والمسخ، والتشويه، وفقدان التوازن.

***

نايف عبوش

حين نرفض بأن نكون من نوعية البيادق، فإن الأمر لا يعدو من الشتم القدحي، بل فيه نوع من استحداث آراء مفتوحة وبالتضاد المريح. حظيرة القدارة يتجمع فيها القطيع للحديث عن آراء الحلم الضائع، والبحث عن إمكانات تدوير المستقبل المكسور، عندها قد يتفوق الذكاء على نفسه وبإمكانياته الخاصة. هي عقلية ثابتة ومتغيرة من فلسفة "كهف أفلاطون" الذي يرمز للجهل والوهم خارج تفكير الحظيرة.

اليقين بالوهم أصل التعاسة التي نُكابد العيش في نعشها، من تم قد نفر من الماضي جميعا، ونحن نحمل خوفا مزدوجا في كل تجلياته الوظيفية، لكنه يبقى حاضرا ويفد عندنا بلا تقطع بدواعي عاداته في محاربة الظلم والشر، وكلما هزنا الحنين للماضي أعطيناه قبس نور للظهور، عملنا ما بودنا على استحضاره وبلا قتل رمزي يفوق الحقيقة. من المفارقات غير السوية حين يصير المستقبل يُماثل وَهم السراب. من موانع اقتحام التغيير، حين يبقى الماضي حاضرا، ويتحكم في تحويل سكة تحرك المستقبل، ونتوسل بألا تأخذ طبيعة العدالة مجراها في محاربة الوهم.

من دواعي الحنق المكلفة، حين يكون عيشنا عيش الخدع وبلا نهاية مريحة، وبلا حكمة من صياد المتعة" اياك ان تترك الحيوان يعاني..." هي إنسانية الصياد بالقتل الرحيم لترويض النفس في قبول القتل كفعل للمتعة. هنا تحدث صدمة الواقع التي توقع الصراع بين الحاضر والمستقبل والشعور بالوحدة، وبأن طريق العودة من الماضي لن يكون في الأمان.

هنا تكون الحقيقة لا هذا ولا ذاك، فنحن نتحدث عن غياب الثقة في أحداث آتية من الماضي مهما كان شكلها وبعدها، مما يفقدنا القدرة السلمية على اقتحام الحاضر والمستقبل ببدائل نظيفة، تقتل سياسة العبث الذي يحفر في عقل الانسان بالاستدامة. هي لعبة الحياة التي لا تنتهي قطعا بالفرح، بل ببداية الندم، وبكاء التماسيح الذي قد نتلفه ونتلف حتى محتواه في فعل الصيد الكيدي.

فلسفلة الفرح والحزن التبادلية تبقى عبارة عن مخطوطات (كارتونية) ترسم مواقع الحرب والكر والفر، لترويض النفس في قبول الآخر والمستقبل الغائر. فحين يحضر الحزن في الحاضر نتوقع أن علبة الصندوق قد فتحت ليلة قدرها لتُعري عن أنياب المخيبات، وتستجدي التغيير والإصلاح، وتعلن:" أنت في مساحتي الذاتية تراجع من فضلك... للأمان...".

قد نفقد متعة الحياة في الحاضر والمستقبل، لكنا قد لا نفقد حلاوة الماضي إذا ما طورنا بناء فرص عقباته إلى قناطر طريق سالكة، وبدون مخفضات سرعة نحو حلم امتلاك تمكين المستقبل.

حقيقة أن الثقافة لازالت تغترف من الماضي سر الكتابة بقلم الرصاص وممحاة رأس التحكم، وتوليفة بزّازة/ رضاعة "الريع حلال" والإكراميات الممتدة. الآن، وفي ظل التغيرات الاجتماعية المتفاقمة بالسرعة، وفي ظل طفرة رُزْمة التحولات المعلوماتية" الذكاء الاصطناعي"، بتنا جميعا نعيش ضمن شاشة هاتف ذكي، وبات العالم بين أيدي الجميع بالمكاشفة والتمسح عليه، بدل أدعية المزارات والزوايا.

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم