عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

بل هو الوطن الوحيد الذي نقيم فيه حقًّا.

الماضي… ظلٌّ طويل، نستظلّ به أحيانًا، ونرتجف منه أحيانًا أخرى. والمستقبل… وعدٌ جميل، لكنّه يظلّ فكرةً مؤجّلة، كنافذةٍ لم نفتحها بعد. أمّا الحاضر، فهو الهواء الذي يدخل صدرك الآن، النبضة التي تطرق قلبك دون استئذان، الضوء الذي يسقط على يدك وأنت تقرأ هذه الكلمات.

نحن لا نملك الأمس لنغيّره، ولا نملك الغد لنضمنه، لكننا نملك هذه اللحظة، بكلّ ارتباكها، بكلّ نقصها، بكلّ هشاشتها التي تشبهنا. أن تعيش الحاضر لا يعني أن تهرب من ذاكرتك، ولا أن تتخلّى عن أحلامك، بل أن تمنح الآن حقّه من الوعي، أن تأكل خبزك بامتنان، أن تصغي لصوتٍ يُنادى باسمك، أن تبتسم دون أن تؤجّل الابتسامة إلى مناسبةٍ قادمة.

كم من أعمارٍ ضاعت وهي تستعدّ للحياة! نؤجّل الفرح حتى يكتمل المشهد، ونؤجّل السلام حتى تنتهي العواصف، ولا ننتبه أنّ الحياة لا تُمنح دفعةً واحدة، بل تُعاش رشفةً رشفة.

الحاضر ليس مثاليًا، لكنه حقيقي. وفي الحقيقة وحدها تنبض المعاني. عِشه الآن… لا كمن يركض خلف الزمن، بل كمن يصادقه. لا كمن يخشى الفقد، بل كمن يعرف أنّ كلّ لحظةٍ عطيّة.

الحاضر هو المساحة الوحيدة التي نمتلكها فعلًا، فلا تحوّله إلى ممرٍّ عابر، بل اجعله بيتك، واسكُن فيه بكلّ قلبك.

***

صابر الحميدي

 

الكاتب المصري ورائد الفن المسرحي (1898 - 1987)، صاحب المسرح الذهني، ومن أهم مسرحياته أهل الكهف، شهرزاد، الملك أوديب، وغيرها، ومن الروايات يوميات نائب في الأرياف، حمار الحكيم، عصفور من الشرق، ولديه قصص كثيرة.

لا أستطيع الجزم بأنني قد قرأت جميع كتبه بل أكثرها في فترة الثانوية، وتولعت به في الكلية، فكانت كتبه بين طيات كتبي الطبية، وكنت أقرؤها وأنا أتحطى في ساحات كلية الطب، فكان ولعي بكتاباته عارما وكلما تعبت من قراءة الكتب الطبية، ذهبت إلى ما أحمله من كتبه لأترنم بما يطرحه من أفكار وبأسلوبه المعروف.

له أقوال وعبارات مختصرة ذات قيمة فكرية رائدة، كنت أتمثلها وأعيد قراءتها، خصوصا عندما كانت تصدر في كتيبات صغيرة، وعند زيارتي للقاهرة حاولت أن أقتني ما أستطيعه من كتبه لأن أسلوبه مؤثر وجميل.

ومن كتبه التي لازالت ترافقني: شهرزاد، عودة الروح، حمار الحكيم، يوميات نائب في الأرياف.

وكلما تأملت ما قرأته من كتب لا أجد أثرا لكاتب عراقي إلا نادرا، وهذه ظاهرة تخص مجتمعنا، فمعظمنا تداول كتبا لكتّاب غير عراقيين، وكان للكتّاب المصريين دور كبير في تنمية شغفنا المعرفي.

ومن أقواله:

"إذا أردت أن تصمد للحياة فلا تأخذها على أنها مأساة"

"على الإنسان أن يعرف كل شيئ عن شيئ، وبعض الشيئ عن كل شيئ"

"لاقيمة لحياتنا إذا فقدنا الأمل بحياة أفضل"

 " إنتهى عصر الأقلام وجاء عصر الأقدام"

تحية لكاتبنا التنويري الإستنهاضي الوهاج فيما ألفه من قصص وروايات ومسرحيات وسيناريوهات، فكان ينبوع أفكار ذات إشراق حضاري وتفاعل إنساني فياض، ومن الذين أسهموا في رفع رايات لغة الضاد، وقد كان محظوطا لأنه عاصر جمهرة العباقرة الأفذاذ في مصر الرائعة المعطاء.

يُعلّمني ويُلهمني جَديدا

ويُطعِمني ويَجْعلني مُفيدا

بأفكارٍ مُوهَّجةٍ بنورٍ

تلامسُ جَوْهرا أحْيا رَشيدا

بتوفيقٍ مَسارحُنا اسْتضاءَتْ

يُحاورُنا ويَمْنحُنا السَديدا

***

د. صادق السامرائي

 

تمييع العبادة وشعيرة دينية عظيمة وإضاعة لهويتها

أمة أضاعت بوصلتها، وتتوهم أنها على الدرب السديد، تنشد الثريا وهي تتمرغ في الثرى، ترجو المعالي بينما هي تتقلب في السفاسف والدنايا، أمة غالب أفرادها يعانون جهلا مركبا، يدعون التدين والتمدن، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، المتأمل في حالها حاليا، وهو يعاين استعداداتها الحثيثة على قدم وساق لاستقبال شهر رمضان، يقف مشدوها مستاءً، يتملّكه الذهول من هول وفداحة مايرى، فأينما وجهت وجهك ترى حشودا تتزاحم على المحلات والأسواق، في سباق مجنون للتبضع، مصابون بهوس الشراء والاقتناء، ليصير هذا الأخير سلوكا لا واعيا ينتهجه أحدهم، لا لشيء سوى أنه صار عرفا إلزاميا الكل يفعله، ربما الغريب عن هذا المجتمع، حين يرى هذا المشهد سيعتقد أننا مصابون بفوبيا مستجدة "الخوف من الموت جوعا"، وربما سيجزم أننا مقبلون على مجاعة، أو سندخل في سبات شتوي نلتهم فيه الطعام ونخلد للنوم في جحور تحت الأرض!!

لقد جعلوا رمضان شهر أكل ولهو! ثم مضوا كالحمقى يبحثون عن الروحانية بين ركام الملذات والمادة! يملؤون البطون حد التخمة، ويلوثون الجوارح بأدران الذنوب والمعاصي، فيغيب صفاء الذهن ويثقل الجسد ومعه الروح، فتُحرم هذه الأخيرة من استقبال الواردات النورانية والتجليات، فتظل تتخبط في فلك صاحبها الذي أخلد للأرض وظل رهينا لنَزعات النفس والهوى، خاضعا لسطوة الجسد والمادة، لا يُبارحها قيد أنملة، فتضج روحه وتصرخ لانقطاع مددها وغذائها، وبعد انقضاء رمضان، يشتكي الغالبية من انتكاسة إيمانية وفتور في العبادة، كيف لا وقد ضيعوا عليهم رمضان!

 ما هكذا تُورَد الإبل ياسادة!

 رمضان موسم النور والهداية تُغذَّى فيه الروح لا الجسد!، وموعد نوراني عظيم تعانق فيه الأرض أنوار السماء، رمضان فرصة ذهبية لسقيا الروح، والارتقاء بالنفس في مدارج التقوى والصلاح، من لم ينهل من معين رمضان فهو حقا مسكين ومحروم.

برأيي يتوجب على الخطباء والدعاة والمصلحين، قبل مخاطبة الأمة بالرقائق وفضائل شهر الصيام، أن يتوجهوا إليها أولا بخطب توعوية ونوعية، لتوضيح ماهية رمضان ومقاصده الشرعية، يعاد فيها صياغة وتثبيت مفهوم هذا الموسم الديني العظيم في الوعي الجمعي لهذه الأمة، والكيفية الصحيحة للاستعداد له واستغلاله وفقا للشريعة، لا إخضاعه لموروثات وأعراف اجتماعية بالية.

لا لجعل رمضان موسما اجتماعيا يخضع لأهواء ونزوات البشر، لا لتمييع العبادات وجعلها عادات، وطقوسا شكلية جوفاء، كفانا عبثية وجهلا بالشريعة ومقاصدها.

 ***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

قراءة إنسانية في العلاقات الزوجية حينما نفهم متأخرين

في زحمة الحياة اليومية، وبين مسؤوليات البيت وضغوط العمل وتفاصيل الخلافات الصغيرة، (النق) قد يغيب عن بعض الزوجات إدراك القيمة الحقيقية للزوج، لا لأنه مقصّر، بل لأنه حاضر دائمًا. فالحضور المستمر، قد يُفقد الأشياء بريقها، ويجعل العطاء يبدو أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده.

كثير من الأزواج يحملون صفات إنسانية نادرة؛ ثقافة واعية، قلب يتسع للآخرين، احترام في القول والفعل، سخاء في المشاعر قبل المال، ونقاء في العلاقات. ومع ذلك، تمر هذه القيم بصمت، تُنسى تحت وطأة الاعتياد.

في كثير من العلاقات الزوجية، لا تُقاس قيمة الشريك بما يقدّمه يوميًا من دعم واحترام وتضحية، بل تُدرك هذه القيمة أحيانًا بعد الغياب أو عند حدوث الفقد، حين يصبح الحضور ذكرى، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى حقائق مؤلمة.

تشير تجارب اجتماعية متعددة إلى أن بعض الزوجات لا يلتفتن إلى قيمة أزواجهن إلا بعد فوات الأوان، ليس تقليلًا من شأن المرأة أو تحميلها مسؤولية أحادية، بل بوصفها ظاهرة إنسانية ناتجة عن الاعتياد، وضغط الحياة، وتسارع الإيقاع اليومي الذي يُغيب التقدير المتبادل.

فالزوج الذي يتحلى بالثقافة، وحب الآخرين، والاحترام، والسخاء، ونظافة العلاقات، غالبًا ما يُنظر إلى صفاته بوصفها أمرًا طبيعيًا أو مضمونًا، لا يستدعي التوقف عنده أو شكره. ومع مرور الوقت، تتراكم الغفلة العاطفية، وتُهمَّش القيم الجوهرية لصالح تفاصيل عابرة أو خلافات يومية، حتى يأتي الغياب ليكشف حجم الخسارة.

وعند الفقد، تبدأ المقارنة القاسية؛ حيث تدرك الزوجة أن كثيرًا من الصفات التي كانت متوفرة في شريكها ليست بالضرورة متاحة في الآخرين، وأن ما كان يُؤخذ على أنه أمر اعتيادي كان في الحقيقة نعمة نادرة. حينها، لا يكون الندم مجرد شعور عاطفي، بل وعي متأخر بقيمة إنسان لم يُمنح التقدير الكافي في وقت حضوره.

هذا الموضوع يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أهمية الوعي العاطفي داخل الأسرة، وضرورة تعزيز ثقافة الامتنان والتقدير المتبادل بين الزوجين، قبل أن تتحول العلاقات إلى مساحات صامتة من الاعتياد، أو قبل أن يأتي الفقد ليعلّم دروسه القاسية.

فالاعتراف بالقيمة في وقتها ليس فقط إنصافًا للشريك، بل حماية للعلاقة، وصون للأسرة، وتأكيد على أن المشاعر، مثل القيم، إن أُهملت طويلاً قد لا تُستعاد.

***

اعداد /خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/سدني

أطروحة التابع والمتبوع وتقسيم البشر ومكاناتهم الاجتماعية (غني فقير وقوي وضعيف)، تثير العديد من التساؤلات، المهم منها شكلان من البشر: أحدهما يتبع (ارادته)، والآخر، متبوعون تقودهم إرادات الآخرين في الداخل والخارج. من هنا نشأت هذه التسمية التي تأخذ مفهوم التابع والمتبوع..

الأول: لا إرادة فوق إرادته فهو يتبع (إرادته) ولا يسمح للغير بالتدخل والآخرون يتبعونه..

الثاني: يتبع (ارادة الآخرين)، فهو مسلوب الارادة ومقاد حسب أهواء الذين يقودونه وبالاتجاه الذي يريدونه.. يقولون له (إلقي بنفسك في النار فيلقيها) ولا يسأل لماذا؟ - الأمرليس نفذ ثم ناقش كما في الجيش، بل على مستوى شيء من العبودية المذله.. ولكن الإشكالية هنا تتمثل في الإرادة الكلية للشعب الذي يمتلك (القوة) ولا يمتلك (ارادة) القوة في التغيير، فهي بالتالي إرادة منتهكة كما يشير إليها   نيتشه..

(القوة) وحدها لا تكفي من غير(إلارادة) والإرادة لا تكفي من غيرالقوة المحركة للارادة.. وحين تتحرك الارادة التي تمتلك القوة  يحصل التغيير الكبير في المجتمع.. بعض المجتمعات تمتلك القوة ولكنها تفتقر إلى الإرادة، فليس بإستطاعتها أن تحقق التطور والتغيير نحو الأفضل، لأنها مسلوبة الإرادة.

الإرادة بدون قوة لا تنعش عناصر التطور، ومن هنا تكون العلاقة بينهما علاقة غير ترابطية ولا تتسم بالحسمية، بمعنى لا ارادة من دون قوة ولا قوة من دون إرادة تحركها نحو الخلق والانتاج والإبتكار.

هذه شعوب مخنوقة لا تمتلك القوة لتحرك إرادتها، والارادة لا تتحرك من غير تحررها من قيود التحديد والقمع.. التطور بكل أبعاده يحتاج الى حرية وان غياب الحرية يعدم الانتاج النوعي في كل أبعاده المادية والاعتبارية.. الحرية هي مفتاح الانتاج الحيوي والتطور وبدونها تموت الحياة.

***

د. جودت صالح

إسطنبول- 17/2/2026

 

نحن على أعتاب الأيام المباركة القادمة من الجنة حين تأتي معطرة بنفحات الشهر الكريم.. ونحن نقترب من تباشير الأيام الرمضانية يشعر المسلم، وكأنه يخلع رداءه الدنيوي، وهو يتهيأ ليطلق صراح نفسه لتحلق في فضاءات روحانية سامية....

المسلمون وهم يدخلون رحاب الأيام المباركة من الشهر الكريم، وكأنهم يدخلون في محراب عابد، وبعفوية تجد الأرواح تفيض من رقة الشعور حين تكون في حضرة القرب من الخالق سبحانه....

هل يصلك ذاك الشعور الآتي من بساتين الجنة، وكأن الأيام المباركة تخطفك من أنفاسك لتصعد بك نحو السلالم الصاعدة إلى سماوات سابعة ؟!

هل تسمع حفيف صوت عابد كأنه يدس توسلاته عن مسامع الخلائق ليطفئ حرائق رجاءاته إلى خالقه ليغرف من لطف قربه ؟!

وأنا أكتب لك كل هذه السطور وأخبرك عن هذا الهطول الروحاني للمسلم قبل حتى أن تبدأ لأنني أعلم مسار الروح حين تقترب من ضوء لازوردي جميل فكيف بالقرب من لطائف الخالق ؟.

ثلاثون يوماً والمسلم يعد نفسة كل يوم ليغرف من كنوز ربانية لتعيد ترتيب حياته، وإدخار لآخرته.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

ليست المشكلة في غياب النيّات، فنحن نغتسل كلّ صباحٍ بنيّاتٍ طيّبة، ونعد أنفسنا بحياةٍ أجمل، وبقراراتٍ أكثر حكمة.

لكن النيّة، مهما كانت صادقة، تبقى فكرةً ساكنة ما لم تتقدّمها الأولويّة وتضعها في صدر الفعل.

كم مرّةً قلنا: سأبدأ، وسأعتني، وسأقترب ممّن أحبّ، وسأهتمّ بصحّتي، وسأكتب، وسأغفر… لكنّ “سأفعل” ظلّت مؤجّلة، لأنّها لم تصبح أولوية.

الأولويّة ليست كلمةً تُقال، بل ترتيبٌ داخليّ للأشياء، ميزانٌ خفيّ نضع عليه ما نريد حقًّا، فنقدّم ما نمنحه قيمة، ونؤجّل ما لا نراه ضروريًا.

نحن لا نفعل ما ننويه فقط، بل نفعل ما نقدّمه في سلّم اهتمامنا. فالوقت لا يخوننا، بل يكشف ترتيبنا الحقيقي. إذا كانت الراحة أولى من الصحّة، سنؤجّل الرياضة. وإذا كان الخوف أولى من الحلم، سنبقى في أماكننا. وإذا كان الانشغال أولى من المحبّة، سنخسر القلوب ونحن نظنّ أننا مشغولون فقط.

النيّة بذرة، لكنّ الأولويّة هي اليد التي تغرسها في التربة، والماء الذي يسقيها بانتظام. ومن دون هذا الالتزام الهادئ، تبقى البذور في الجيب ولا ترى الضوء. أن تغيّر حياتك لا يبدأ بكثرة الوعود، بل بصدق الترتيب. اسأل نفسك:

ما الذي أضعه أوّلًا؟

ففي الإجابة تتشكّل حياتك كلّها.

النيّة طيّبة… لكنّ الأولويّة صادقة. وما يُحرّك السلوك حقًّا ليس ما نتمناه، بل ما نمنحه المكان الأوّل في قلوبنا وأيامنا.

***

د. صابر الحميدي

مع اقتراب شهر رمضانَ المبارك، تتبدَّى مفارقة مؤلمة تتكرَّر كل عام؛ شهر الصيام والسموِّ الروحيِّ يتحوَّل لدى البعض إلى موسم إسرافٍ وسباقٍ محمومٍ على الشِّراء والتَّخزين، ينتهي بكميَّات كبيرة من الطعام في سلال المهملات. ورغم الجهود الوطنيَّة المبذولة، إلَّا أنَّ المسؤوليَّة الحقيقيَّة تبدأ من الفرد والأُسرة، رغم أن رمضان هو شهر الصوم عن ملذات كثيرة بينها الأطعمة، فإنه بات في العالم العربي أكثر الشهور التي تشهد إسرافا في الإنفاق على الطعام الذي يورث تضخّم البطون وسلال القمامة على السواء

وتؤكد العديد من الإحصاءات في الدول العربية أن حجم الإنفاق في رمضان، لا سيما في دول الخليج، يرتفع بنسبة 50 في المئة مقارنة بباقي شهور السنة، وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إن الفرد في هذه المنطقة من العالم يهدر متوسط 250 كيلوغرام سنويا من الغذاء، وإن هذا الهدر يزيد في رمضان ليصل إلى 350 كيلو غرام،، ويتزامن ذلك مع استمرار ارتفاع معدلات الجوع في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؛ حيث يعاني 52 مليون شخص نقصا مزمنا في التغذية، بحسب الفاو

يتسم رمضان بحراك استهلاكي واسع يتجلى في تنوع الموائد وارتفاع وتيرة الشراء اليومي وتكدس السلع الغذائية داخل المنازل، مدفوعاً بعادات اجتماعية راسخة وروح ضيافة حاضرة بقوة، وعلى الرغم من أن الحديث عن الهدر الغذائي وخصوصاً في هذا الشهر الفضيل يتكرر، الا اننا بحاجة الى جهد وطني لتحقيق انخفاض بنسبة الهدر الغذائي، ورفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه هذا الموضوع

من المهم قبل رمضان، إعداد قائمة مشتريات واقعيَّة، مبنية على عدد أفراد الأُسرة واحتياجاتهم الفعليَّة، مع تجنُّب العروض المغرية التي تدفع إلى الشِّراء الزَّائد. كما يُستحسن تقليل تنوُّع الأصناف على مائدة الإفطار، فالبركة في القليل المُتقن لا في الكثرة المُهدرَة. ويمكن إعادة توظيف بقايا الطعام بشكل آمن، أو التبرُّع بالفائض عبر المبادرات الخيريَّة الموثوقة

الحدُّ من الهدر الغذائيِّ سلوكٌ حضاريٌّ، وواجبٌ دينيٌّ واقتصاديٌّ، يسهم في حفظ الموارد، ودعم الأمن الغذائيِّ، وتعزيز الاستدامة. فلنجعل من رمضان هذا العام شهرًا للوعي قبل الامتلاء، وللاعتدال قبل التَّكديس، ولنشكر النعمة بحسن استخدامها لا بإضاعتها،، الهدرُ الغذائيُّ ليس مجرَّد سلوكٍ خاطئٍ، بل هو إهدارٌ للنعمة، وتناقضٌ صريحٌ مع مقاصد الصِّيام التي تقوم على الاعتدال، والشُّعور بالآخرِينَ. يقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا»، وهي قاعدة ذهبيَّة لو التزمنا بها لاختفى كثير من هذا الهدر.

***

نهاد الحديثي

 

نعيش في عالمٍ يعجُّ بادعاء المعرفة، ويلهث فيه الجميع لإطلاق الأحكام النهائية، تبدو عبارة "أنا لا أعرف" وكأنها اعتراف بالهزيمة. لقد تبرمجنا على الخوف من الفراغ المعرفي، فنسارع لملئه بأجوبة جاهزة، حتى لو كانت خاطئة. لكن، ماذا لو كانت "عدم المعرفة" هي البوابة الملكية للحكمة؟ وماذا لو كان الغموض ليس عدواً للوضوح، بل هو الفضاء الذي تتنفس فيه أرواحنا؟

إن عبارة "لنجرب ونكتشف معاً" تنقلنا من عزلة اليقين الجامد إلى رحابة المغامرة المشتركة. ولنا في تاريخ الفكر البشري ثلاث محطات كبرى تعلمنا كيف نتصالح مع هذا المجهول: تواضع سقراط، وشك الغزالي، وقدرة كيتس السلبية.

سقراط: حكمة الكأس الفارغة

يبدأ الطريق بإفراغ الكأس. يقف سقراط في الساحة العامة بأثينا ليعلن حقيقته الخالدة: "كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً". لم يكن هذا تواضعاً مصطنعاً، بل كان منهجاً صارماً.

إن الشخص الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة يغلق باب عقله، فلا يدخله ضوء جديد. "أنا لا أعرف" عند سقراط ليست جهلاً، بل هي "جهل حكيم"؛ هي إعلان الاستعداد للتعلم. إنها الدعوة الأولى لقول "لنجرب"، لأن من يمتلك الخريطة كاملة لا يحتاج للرحلة، وسقراط كان عاشقاً للرحلة لا للوصول النهائي الذي يقتل السؤال.

الغزالي: الشك كجسر لليقين

وإذا كان سقراط قد أسس للتواضع المعرفي، فإن الإمام أبو حامد الغزالي أخذنا في رحلة أعمق داخل النفس البشرية. لم يرَ الغزالي في الشك مرضاً يجب استئصاله فوراً، بل رآه المخاض الضروري لولادة الحقيقة.

يقول الغزالي: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر". هنا يتحول "عدم المعرفة" من حالة سكون إلى حركة ديناميكية. الشك عند الغزالي ليس هو الشك المذهبي الذي يهدف للهدم، بل هو الشك المنهجي الذي يغسل الحقائق من شوائب العادة والتقليد. إنه يدعونا لأن نمشي في النفق المظلم بشجاعة، موقنين بأن "الاكتشاف" ينتظر في النهاية. الغزالي يعلمنا أن نتحمل قلق "أنا لا أعرف" لأن هذا القلق هو وقود المعرفة الحقيقية.

جون كيتس: جماليات "القدرة السلبية"

نصل أخيراً إلى الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي أضفى على الغموض بعداً جمالياً ساحراً من خلال مفهومه الفذ: "القدرة السلبية" .

يُعرّف كيتس هذه القدرة بأنها: "أن يكون المرء قادراً على البقاء في حالات عدم اليقين، والألغاز، والشكوك، دون أي تلهف عصبي للوصول إلى الحقائق والأسباب".

كيتس يطلب منا ألا نفسد جمال اللحظة أو الفكرة بتشريحها فوراً بمبضع المنطق. هناك أشياء في الحياة—كالحب، والجمال، والفن—لا تحتاج إلى "حل" بل تحتاج إلى "معايشة". عندما نقول "لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس قدرة كيتس السلبية؛ نحن نطفو فوق بحر الغموض مستمتعين بالرحلة، دون إصرار طفولي على رؤية اليابسة فوراً.

دعوة للتسامح مع الغموض

حين نقول لشريك، أو صديق، أو حتى لأنفسنا: "أنا لا أعرف.. لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس أقصى درجات الإنسانية. نحن نحول الجهل من عائق إلى جسر، ومن خوف إلى فضول. نحن نعلن أن الحياة ليست معادلة حسابية يجب حلها، بل هي لوحة غامضة، يكمن سحرها في ظلالها بقدر ما يكمن في نورها.

فلنحتضن الغموض، ولنترك مساحة للدهشة، لأن اليقين الكامل قد يكون مريحاً، لكنه -ويا للمفارقة- غالباً ما يكون مملاً وميتاً. أما الحياة، فكلها تكمن في متعة الاكتشاف

***

بقلم: ذ يونس الديدي باحث وناقد 

العملُ طريقٌ نمشيه، وليس سماءً نسكنها. هو مركبٌ نعبر به النهر، وليس النهرَ كلَّه. نستيقظ لأجله ونتعب فيه، وننجز أحيانًا ونُخفق أحيانًا أخرى، لكننا لا نُختزل في وظيفةٍ نشغلها، ولا تُقاس أعمارُنا بعددِ الاجتماعات التي نحضرها، ولا تُوزن أرواحُنا بميزانِ الراتب الذي نتقاضاه.

العملُ ضرورةٌ من ضرورات الحياة، لكنه ليس هويةً كاملةً تُعرّفنا من كل الجهات. هو صفحةٌ في كتابك الكبير، فلا تسمح له أن يلتهم فصول الكتاب كلَّها.

كم من إنسانٍ ظنّ أن مكتبه هو العالم بأسره، فلما أغلق الباب مساءً وعاد إلى بيته، اكتشف فراغًا أكبر من الملفات التي رتّبها، وصمتًا أثقل من رسائل البريد الإلكتروني التي أجاب عنها.

هناك، في المسافة الفاصلة بين الدوام والبيت، يسألك قلبك سؤالًا صريحًا: من أنت بعيدًا عن لقبك الوظيفي؟ الحياة أوسع من سيرةٍ ذاتيةٍ نُحسن تنسيقها.

الحياة هي ضحكةُ طفلٍ تفتح نافذة الفرح، وطمأنينةُ أمٍّ تدعو لك في صمت، وصديقٌ ينتظرك بلا موعدٍ رسميٍّ ولا جدول أعمال، وكتابٌ يفتح لك نافذةً على ذاتك، وصلاةٌ تُعيد ترتيب الفوضى في صدرك وتمنحك سكينةً عميقة.

اعملْ بإتقانٍ وإخلاص، لكن لا تُسلّم روحك لدوّامة الإنجاز التي لا تهدأ. اجتهدْ واسعَ إلى التميّز، لكن اترك لنفسك فسحةً للتأمل،

ومقعدًا في آخر النهار تجلس عليه بلا صفةٍ وظيفية، سوى أنك إنسانٌ له قلبٌ وروح. فالعملُ يعطيك ما تعيش به من أسباب الرزق والاستقرار، أما المعنى الحقيقي للحياة، فهو الذي يمنحك ما تعيش لأجله من قيمٍ وأحلام.

تذكّر دائمًا أنك أكبر من مهنتك، وأعمق من منصبك، وأبقى من أيِّ مسمّى وظيفيٍّ يسبق اسمك أو يلحقه. العملُ جزءٌ من حياتك، أما حياتك فهي ذلك النور الداخلي الذي لا يجب أن ينطفئ حين تُطفأ أنوار المكتب في نهاية اليوم.

***

د. صابر الحميدي

(صورة من صور شجاعة المحامي وعدالته ونزاهته)

حينما تتكلم العدالة، بغض النظر عن القومية والدين وعن الميول والاتجاهات وبعيداً عن المصالح الذاتية، نكون ازاء موقف إنساني عميق الدلالة.

التفاصيل:

شهدت مدينة بنغازي الليبية بتاريخ ۱۹۳۳/۹/۱٥ محاكمة تاريخية، حيث جاء الجنود الايطاليون بقائد الثورة الليبية الشيخ المجاهد عمر المختار بعد أسره، إلى قاعة الجلسة مكبلاً بالحديد وحوله الحرس من كل جانب (بعد رفضه التعاون مع الحاكم العسكري الايطالي الجنرال <غرازيانى> حاكم ليبيا بإقناع الثوار  بتسليم أسلحتهم مقابل رقبته..)،

كما أتي بأحد المترجمين الرسميين وإسمه نصرت هرمس وهو عراقي الأصل.

فلما افتتحت الجلسة وبدأ إستجواب الشيخ عمر المختار، بلغ التأثر بالمترجم العراقي، حداً جعله لا يستطيع إخفاء تأثره وهو يرى المجاهد عمر المختار مكبلاً بالحديد ويحيط به حرس المحتل، وظهر عليه الارتباك والتوتر، فأمر رئيس المحكمة باستبعاده وإحضار مترجم آخر فوقع الاختيار على أحد المترجمين اليهود، ويدعى لومبروزو، من بين الحاضرين في الجلسة.

وبعد استجواب الشيخ عمر المختار ومناقشته، وقف المدعي العام بيدندو، فطلب الحكم عليه بالإعدام.

ثم وجه القاضي السؤال إلى المحامي المنتدب للدفاع عن عمر المختار وكان ضابطاً إيطالياً يدعى النقيب لونتانو، إذا كان ما لديه ما يعلق به على كلام المدعي العام والتهم الموجهة إلى موكله، وكان في اعتقاد القاضي ان المحامي سيؤيد كلام المدعي العام، ولكن المحامي خيب ظنه ودافع عنه كمحام نزيه وشجاع دفاعاً حقيقياً، هذا نصه :

وقف النقيب المحامي لونتانو وقال سيدي القاضي ان هذا المتهم الذي انتدبت للدفاع عنه، وكنت متردداً في أول الأمر ولكن ضميري حدثني بأنها إنسانية مني لا بد من قبول الدفاع وها انا أقف أمامكم.

وواصل المحامي لونتانى دفاعه قائلاً: كجندي إذا وقعت عيناي على عمر المختار في ميدان القتال، لا أتردد البتة في إطلاق الرصاص عليه وقتله، وافعل ذلك كإيطالي لأنه عدوي وعدو دولتي، غير إن الذي أريد قوله إن هذا الرجل عمر المختار يدافع عن حقيقة كلنا نعرفها، وهي الوطن وكم ضحينا نحن في سبيل الوطن وتحريره. ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلب حكماً، هو في نظري أشد هولاً من الإعدام نفسه وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظراً لكبر سنه وشيخوخته.

– تدخل المدعي العام، وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعه من إتمام مرافعته مستنداً في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع، وليس من حقه أن يتكلم عن كبر سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة.

أمر القاضي المحامي بأن لا يخرج عن الموضوع ويتكلم بإيجاز.

تكلم المحامي بحدة وقال:

ها هنا محل الشرح الكافي إذا كنا رجال العدالة الحقيقية، أما إذا كان غير ذلك فيجب ان نترك الموضوع واحكموا بمفردكم ولا لزوم لهذه المحكمة وجلستها،

وواصل قائلاً: إن عمر المختار الذي هو أمامكم وليد هذه الأرض قبل وجودكم فيها ويعتبر كل من احتلها عنوة عدو له ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته له الطبيعة والإنسانية …..

وهنا كثر الصياح من الحاضرين بإخراج المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام.

إلا إن المحامي النقيب لونتانو استمر قائلاً: العدالة الحقة لا تخضع لأي سلطان ولا لأية غوغاء وإنما يجب أن تنبع من ضميرنا وإنسانيتنا ….

وهنا قامت الفوضى خارج المحكمة، وقام المدعي العام محتجاً على المحامي.

استمر المحامي في دفاعه غير مبال بكل هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائلاً: إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتدبت من سوء حظي أن أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السبعين سنة وإني أطلب من عدالة المحكمة أن تكون رحيمة في تخفيف العقوبة عنه لأنه صاحب حق ولا يضر العدالة إذا أنصفته بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لأنه لا يرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل ما يحدث في هذا العالم المضطرب …..

وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه.

ولكن المحامي استمر في دفاعه قائلاً: سيدي القاضي حضرات المستشارين لقد حذرت المحكمة من مغبة العالم الإنساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إلا طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صاحب الحق من الذود عن أرضه ودينه وشكراً.

وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قاطعه القاضي برفع الجلسة للمداولة وبعد مضي فترة قصيرة من الانتظار دخل القاضي والمستشاران والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر لتلاوة الحكم القاضي

بإعدام عمر المختار شنقاً حتى الموت.

وعندما ترجم المترجم اليهودي الحكم إلى عمر المختار قهقه بكل شجاعة قائلاً: الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف – إنا لله وإنا إليه راجعون.

أما المحكمة، فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب، من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

......................

* مقتطف من مؤلفنا (المبائ العامة في اصول المحاماة) 2014

سلوك التفاضل بين الحالات يستشري في أجيالنا ويشتد عضده في زمن التواصلات السريعة المتفاعلة في أرجاء الدنيا، فتجدنا لا نقر بخصويات الحالات الإبداعية بل علينا أن نفاضل بينها، ونقدم بعضها على بعض.

كقولنا هذا المبدع أفضل من ذاك، وهذا الشاعر أبدع من غيره من الشعراء، بل نميل إلى الثنائيات ففي كل عصر تجد إثنان دون غيرهما في مسيرة التفاعلات التفضيلية.

هذا أحسن من هذا، وذاك خير من ذاك، وما تعودنا أن نفي كل حق حقه، ونعترف بخصوصية الإبداع والقدرة على العطاء، وهي تعبير عما في دنيا البشر أيا كانت طبيعة ما نضح أو فاض من وعائه الإبداعي، وطبخته مداركه المتميزة.

نتناسى أن "إعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له"، ونريد الناس وفقا لما نراه ونعتقده ونتصوره ونتوهمه.

الحياة تنوعات متفاعلة، وليست حالات تفاضلية، إن وراء السلوك التفاضلي طاقة تحاملية تريد إلغاء حالة وتأكيد أخرى على حسابها، فيها ظلم وإنكار وعدوان على الطاقة الإنسانية التي أريد لها أن تتفتح وتتبرعم وتكون.

يزداد أعداد الفائزين بجائزة نوبل وما قرأنا أو سمعنا عن توجهات تفاضلية بينهم، بل كلٌ حصل عليها وفقا لما أنجزه، فالمهم الإنجاز وما إكتسبت البشرية من العمل الذي فاز بالجائزة.

علينا أن نتحرر من عاهة التفاضلية، ونعطي كل ذي حق حقه، ولكل شخص ذائقته وقدراته الإدراكية، وعليه أن ينجذب لمن يراه متوافقا مع ما فيه من الرؤى والتصورات، فهذه حريته في الإختيار.

فالجبال تتكاتف لا تتنافر، والأواني تنضح بما فيها، وعلينا أن نرى بوضوح ما تسكبه رموز الإبداع في نهر الحياة، فالأمواج تتواكب لتصنع تيار العطاء، وما أروع بودقة التنوعات الإبداعية!!

"يا صديقي كلّ شيئ إبْتداء"

ما عَرفناها فنحنُ الغرباءْ

كلّما جئنا إليها إسْتدارتْ

نحوَ مَجهولٍ تفاداهُ الجَلاءْ

عقلنا كونٌ صغيرٌ مُستهانٌ

"لا تقلْ شِئنا فإنَّ الجَهلَ شاءْ"

***

د-صادق السامرائي

ثمة شخصيات أدبية لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش. لا تنتمي إلى زمنها وحده، بل تتحول إلى موقف من الحياة، إلى نبرة وجودية كاملة تظل ملتصقة باسمها إلى الأبد. شخصيات كهذه يمنحها الأدب شبابًا لا يشيخ، لأنها لا تُحفظ في الذاكرة بل تُستعاد في كل قراءة. من بين هذه الشخصيات يقف زوربا اليوناني، ذاك الكائن الفوّار الذي أطلقه نيكوس كازانتزاكيس إلى العالم عام 1946، ثم ثبّته الفيلم الشهير سنة 1964 في المخيلة الجمعية، كرمز للحياة حين تُعاش بلا وسائط.

تدور الحكاية في كريت، في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن زمانها الحقيقي أوسع من التاريخ. فهناك، منذ اللقاء الأول، تُرسم ثنائية أزلية: الفكر في مواجهة الفعل. الراوي، الذي لا يحمل اسمًا، يبدو ظلًا للمؤلف نفسه: مثقف شاب، منكمش على كتبه، حبيس التأمل، قليل الخبرة بالحياة، يخجل من جسده ومن اندفاعاته، ويميل إلى الحزن والانغلاق. في الجهة المقابلة يقف أليكسيس زوربا: رجل مكتمل الخشونة والفرح، مسافر لا يستقر، لغته فوضى خلاقة من الشتائم والحكايات، يحمل في صوته العالم كله، وفي جسده ذاكرة التجربة.

لقاؤهما يبدأ باتفاق عمل بسيط: «السيد» – كما سيُسميه زوربا دائمًا – يعيّن زوربا مشرفًا على منجم اللجنيت (الفحم البني) في قرية كريتية نائية. لكن هذا الاتفاق يخفي تحته تعاقدًا أعمق: صدامًا بين نمطين للوجود، بين من يفكر في الحياة ومن يلتهمها.

«ماذا يمكن لمثقف أن يقوله لتنين؟» هكذا يصف الراوي صمته أمام سيل حكايات زوربا، ذاك الذي يتحدث عن كل شيء دفعة واحدة: القرى، الثلوج، الذئاب، النساء، الوطن، والموت. وحين تتعب الكلمات، لا يفسّر، لا يستنتج، بل يقفز فجأة ويرقص. الجسد، عند زوربا، يكمل ما تعجز اللغة عن قوله.

نهارًا، يسير كلٌّ منهما في طريقه: زوربا إلى المنجم، حيث العرق والضجيج والحجارة، و«السيد» إلى كتبه، حيث الصمت والتأمل والورق. أمّا الليل، فهو مساحة اللقاء: طعام، حوار، ومزامير. هناك، تحت السماء، يتقاطع العالمان.

المزامير عند زوربا ليست موسيقى، بل خلاص. حين يعزف، يتوقف الألم، يصمت الفقر، ويتعطل العقل. الجسد يأخذ القيادة، والروح تتنفس. إنها لحظة ينسحب فيها الفكر، ليترك الفعل يقول كلمته الأخيرة.

بهذا المعنى، لا يعلّم زوربا الراوي وحده، بل يجرّ القارئ معه إلى منطقة مختلفة من الوعي: منطقة الغريزة، الحركة، الفرح الخام. زوربا شخصية صادمة ومفتنة في آن واحد؛ قاسية أحيانًا، لكنها قادرة على رقة مفاجئة، كما لو أن اليد نفسها التي حفرت في الصخر تعزف على أوتار القلب.

يظهر التباين بينهما بوضوح خاص في الحب. زوربا يحب كما يعيش: بلا تردد، بلا حسابات، بلا خوف من السقوط. أما الراوي فيحب مؤجلًا، مؤطرًا بالتفكير، محاصرًا بالتردد، يراقب الفرص حتى تفلت منه. ومن هنا تنبع حاجته العميقة إلى زوربا: لا كعامل، بل كمرآة تذكّره بما نسيه، وبما لم يتعلمه من أحد.

زوربا هو نداء للفعل، لكنه ليس فعلاً أعمى. إنه دعوة للتحرر من قشرة العادة، من راحة تُخدّر أكثر مما تحمي. تلك «منطقة الراحة» التي نلوذ بها كثيرًا قد تتحول إلى سجن ناعم، يمنعنا من اختبار الدهشة، من لمس الجديد، من أن نعيش بكامل طاقتنا.

في هذا الأفق، يقف زوربا سيدًا للحاضر. لا يحتقر الفكر، لكنه يرفض أن يكون بديلاً عن الحياة. يذكّرنا بأن المعرفة لا تُختزل في الكتب، وأن الحكمة قد تكون في رقصة مفاجئة، أو في ضحكة عالية، أو في قدرة طفل على الانبهار بالعالم.

زوربا لا يقدّم نظرية، بل أسلوب عيش: أن نكون أكثر التصاقًا بأجسادنا، أكثر ألفة مع الطبيعة، أكثر استعدادًا للدهشة.

أن نستعيد، وسط تعقيد العالم، تلك النظرة الأولى: نظرة من يرى الحياة كما لو أنها تحدث الآن، للمرة الأولى.

***

محمد إبراهيم الزموري

الثمن رقم، والقيمة معنى.. الثمن يُحدَّد، ويُكتب، ويُفاوض عليه، أما القيمة فتُحَسّ، وتترسخ في الوجدان. قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه بلا قيمة حقيقية، وقد تكون القيمة عظيمة إلى الحد الذي يعجز معه أي ثمن عن الإحاطة بها. هنا يبدأ الوعي، وهنا تتكشف خطورة الخلط بين المفهومين.. في زحام الحياة حيث تتباين القيم، وتتنافس الأثمان، يظن كثيرون أن كل ما يمكن شراؤه يحمل قيمة، وأن كل ما له سعر يستحق التقدير، غير أن هذا الظن سرعان ما يتهاوى أمام حقيقة بسيطة لكنها قاسية: الأشياء تقع بين قيمة وثمن، وليس كل ما له ثمن يملك قيمة، والوعي بهذه الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية

الثمن رقم يُدفع، أما القيمة فهي أثر يُترك، الثمن يُتفق عليه في لحظة، بينما القيمة تُختبر عبر الزمن، قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه لا يضيف شيئًا إلى الروح، ولا يترك أثرًا في الذاكرة، ولا يُنقذ الإنسان حين يحتاج معنى لا مظهرًا، وفي المقابل، هناك أشياء لا تُشترى، لكنها تُغني، ولا تُقوَّم، لكنها تُشكّل الإنسان من الداخل ,, فحتى بعض البشر قد يكون لهم ثمن، لكن ليست لهم قيمة، قد يُشترى موقفهم، أو يُستمال رأيهم، أو يُقايَض ضميرهم، لكنهم لا يملكون أثرًا أخلاقيًا، ولا وزنًا إنسانيًا، ولا حضورًا يُحترم، فالقيمة في الإنسان لا تُقاس بما يحصل عليه، بل بما يثبُت عليه؛ بما يحمله من مبادئ، وبما يصمد به حين تتغيّر المغريات ,, وكذلك الأعمال، فليس كل عمل يُكافأ يكون ذا قيمة، وليس كل جهد يُثنى عليه يستحق الاحترام، هناك أعمال تُؤدى بدافع المنفعة، لا المعنى، وبنية الكسب لا الأثر، أعمال تُنجز، لكنها لا تُصلح، وتتحقق، لكنها لا تُبني، القيمة في العمل ليست في نتائجه الظاهرة فقط، بل في دوافعه، ونزاهته، وأثره في الناس وفي الحياة ,, إن أخطر ما في عصرنا ليس غلاء الأثمان، بل رخص القيم، حين يُكافأ التلوّن، ويُحتفى بالانتهازية، ويُنظر إلى المبادئ بوصفها عائقًا لا شرفًا، عندها يصبح الوعي ضرورة، لا خيارًا، وعي يعلّمنا أن نسأل: ماذا يضيف هذا الشيء إلينا؟ ماذا يبقي فينا؟ ماذا يأخذ منا مقابل ما يمنح؟

فالإنسان الواعي لا ينخدع ببريق الثمن، ولا يساوم على القيمة، يعرف أن بعض الأشياء تُشترى ولا تُحتَرم، وأن بعض البشر يُشاهدون ولا يُقدَّرون، وأن بعض المواقف تُصفَّق لها اليوم وتُدان غدًا. ويدرك، قبل ذلك كله، أن القيمة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، بل تظهر حين تُختبر,, لذلك لسنا مطالبين بأن نرفض الأثمان، بل أن نضعها في حجمها الصحيح، أن نميّز بين ما يُشترى وما يُحتَرم، بين ما يُقتنى وما يُبقي، وبين ما له ثمن وما له قيمة. ليس كل من صعد قيمة، وليس كل من اشتهر وزنًا، بعض الأسماء تُلمعها الأضواء، لكنها تخلو من الجوهر، وبعض الوجوه تتكرر في المشهد، لكنها لا تترك معنى. فالقيمة لا تصنعها المنصات، ولا تُمنح بالتصفيق، بل تُبنى بالثبات، وبالصدق، وبالقدرة على قول "لا" حين يكون الثمن مغريًا.

 ***

نهاد الحديثي

 

ورد في الاخبار ان عدد السكان ازداد في نايجيريا في عام واحد (٢٠٢٣) بمقدار سبعة ونصف مليون انسان!. بيننا كانت الزيادة في دول اوربا زائداً روسيا ستة ملايين وثلاثمائة الف انسان. مقارنة من هذا النوع، تعيد الى الذهن ما يتم تداوله من اخبار عن قرب استبدال البشر بالآلات لأداء اعمال البشر التقليدية.

حدثني صديق التقيته قبل فترة وهو يعيش في الولايات المتحدة الامريكية منذ عقود، قائلا اننا بدأنا نشاهد السيارات في الشوارع وهي تسير دون سائق.. وان المسافر على خطوط الطيران يجب ان يكمل أجراءات السفر بنفسه بالتعامل مع شاشة وقد تم الاستغناء عن خدمات معظم موظفي مكاتب الطيران الذين كانوا يقومون بتلك الاعمال.. واستعرض مجموعة من المهام التي سوف يفقد العاملون فيها وظائفهم لصالح الآلات...

على أثر ذلك نشأ بيننا حوار يتركز حول كيفية استمرارية الناس بالعيش وكيفية حصولهم على وظائف في ظل هذه التوجهات !!

بعض الدول المتقدمة تكنولوجياً والتي تتبنى هذه المشاريع اعداد سكانها قليلة وربما تواجه نقصاً في اعداد القوى العاملة بسبب شيخوخة السكان وانخفاض معدلات الانجاب وبالتالي يمكن لها التعايش مع مثل تلك التغييرات الاستبدالية، ولكن ماذا عن بلد مثل نايجيريا او الهند او اندونيسيا وبنغلاديش وغيرها من السكان المكتظة بالسكان؟؟

هذا من الناحية الرقمية الصرفة التي تتناول العلاقة بين عدد الوظائف المتوفرة وعدد القوى العاملة، ولكن الجانب الاخطر هو موضوع التوازن الاقتصادي وضمان الأمن الاجتماعي؟؟

اذا فقد الناس وظائفهم فكيف يستطيعون تأمين عيشهم؟

ذلك معناه تراجعاً في الطلب الكلي بسبب تفشي البطالة وفي مثل تلك الحالة من سوف يطلب المنتجات الجديدة وكيف يتحقق مستوى الطلب الكافي لرفع معدلات النمو الاقتصادي؟

قال لي أحد الحضور ان التكنولوجيا ستخلق وظائف جديدة . قلت له هذا صحيح ولكنها لاصحاب التأهيل العالي والمؤهلات النادرة وليست لسائق التاكسي.

أنا لا اعترض على التقدم التكنولوجي ولكني اطرح اسئلة مشروعة منها كيفية ضمان الأمن الاجتماعي والسلام بين اعضاء المجتمع مع سيادة البطالة من ناحية وتركز الثروة بيد القلة من ناحية أخرى؟

الانتاج يُنتج لكي يباع وذلك يحتاج الى قدرة على الشراء والطلب، فكيف يمكن تأمين ذلك في ظل البطالة المتفشية ومع وجود سكان بلا مؤهلات تؤهلهم لشغل الوظائف الجديدة؟ وحتى في الدول قليلة السكان فأن ذلك يحتاج الى مدى طويل لكي تتأهل للاوضاع الجديدة.

ان التكنولوجيا التي تحل محل الانسان هي كثيفة رأس المال وباهظة الكلفة فمن يستطيع توفير ذلك القدر من رأس المال من الدول النامية كثيفة السكان؟؟ الفرد في بنغلاديش او الهند وغيرهما لايحتاج الى سيارة بدون سائق بل انه يحلم بالدراجة الهوائية..

ان هذه المشاريع تبدو لي بمثابة اعمال تجريبية وليست مشاريع اقتصادية حقيقية يمكن تطبيقها على نطاق واسع.. مافائدة ازاحة الانسان سائق التاكسي لكي يحل محله كمبيوتر؟ هل هو ارخص من اجرة السائق؟ هل السيارة التي يقودها كومبيوتر ارخص سعراً من السيارة العادية؟ مع انها مدججة بالحواسيب والكاميرات والربط بالقمر الصناعي وتحتاج الى الصيانة والتحديث!!. ماهو الهدف من ذلك كله؟ اليست التنمية والتطور تهدف لخدمة الانسان وسعادته؟؟

ان ذلك يشبه ارسال الناس في رحلات الى الفضاء كسياحة فضائية مقابل ٢٥ مليون دولار للشخص... تلك الرحلات لاتنفع العامة بل هي نوع من الاستعراض للقدرة التكنولوجية فقط. اعمال من هذا النوع يمكن أن تُشبع نزعة البذخ لدى شديدي الثراء، اما عامة الناس فأنها لاتعني لهم شيئاً.

***

د. صلاح حزام

ربما يتسلل إلى نفس الإنسان شعورٌ خفي بالارتياح حين يرى تعثر غيره أو تألمه من حالة أو فشله في مسعى. هذه الحالة أو الظاهرة ليست حدثًا بسيطًا يمكن الحكم عليه بإطلاقٍ عاطفي أو إنكارٍ أخلاقي سريع؛ بل هي أعقد من أن تُدان جملةً، وأخطر من أن تُبرَّر بلا معيار. والمشكلة في كثير من الطروحات أنها تتعامل معها بوصفها عيبًا نفسيًا أو أخلاقيا محضًا، فتدينها مطلقًا؛ أو بوصفها جزءًا من الطبيعة البشرية، فتسوغها مطلقًا. وكلا الموقفين يفتقد المعيار الصحيح. والمعيار الصحيح الأصلي الفطري هنا هو معيار الحق والخير (والجمال)، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه أساسًا للحكم المطابق للحق والخير (والجمال) أو للحقيقة والواقع.

إن الانفعال لا يكتسب قيمته من ذاته، بل من موضوعه ومتعلَّقه ومن موقعه في شبكة العلاقات الواقعية. فليس كل نفورٍ أو كراهية خطأ وشرًّا، كما أنه ليس كل تعاطفٍ أو مودة صوابا وخيرًا. بل قد يكون النفور والكراهية استجابة صحيحة لتمييز الباطل والشر وأهله، وقد يكون التعاطف والمودة تواطؤًا مع الخطأ والباطل والشر. ومن هنا يصير من الضروري التمييز بين حالات متباينة تُخلط عادةً خلطًا يطمس الفروق الجوهرية ويضيع الحق والخير (والجمال) في تفاصيل الواقع أو الموضوع.

فإذا كان تعثر الآخر أو فشله أو ضرره في طريق الخطأ أو الظلم أو الفساد أو العدوان، وكان شعور الارتياح ناشئًا عن انحسار باطل وشر، فإن هذا الارتياح لا يصح تصنيفه (شماتة مذمومة)، بل هو موافقة وجدانية للحق، واصطفاف مع الخير. إذ لا يمكن أن يُطلب من النفس السليمة أن تحزن لانتكاس الباطل والشر، أو أن تتألم لانكسار العدوان. والنفور من الشر هنا ليس ضعفًا أخلاقيًا، بل علامة تمييز وتميز، ما دام متحررًا من التشفي الشخصي الآثم ومقصودًا به زوال الخطأ والباطل والشر، ومادام ليس موجها الى إنسان صالح وجيد أو بريء.

لكن الصورة تنقلب حين يكون الفرح بتعثر الآخر غير متعلق بانتصار حق ولا بانكشاف باطل، بل منبثقًا من مقارنةٍ نفسية ضيقة: غيرةٍ، أو تنافسٍ فارغ، أو رغبةٍ في الشعور بالتفوق. هنا لا يكون الارتياح موقفًا أخلاقيًا، بل تعويضًا نفسيًا هشًا. إنه لا يعبر عن قوةٍ، بل عن حاجة إلى تثبيت الذات عبر نقص غيرها. وهذا ما يكشف أن الشعور في هذه الحالة لا يقوم على معيار موضوعي، بل على اضطراب في تقدير القيمة وعلى غياب المعيار الأصلي معيار الحق والخير (والجمال) الذي يجب أن نؤكد في كل مناسبة ونلح على حضور في كل حالة ملائمة ومناسبة.

إن وهم التفوق الذي يُولد من تعثر الآخرين وهمٌ معرفي قبل أن يكون خللًا نفسيًا؛ لأنه يفترض ضمنًا أن قيمة الإنسان نسبية تُقاس بالآخرين، لا بالحق والخير والجمال المتحقق فيه. والحال أن الوقوف الحقيقي لا يتعزز بسقوط أحد، كما أن الاستقامة لا تُستمد من اختلال الآخرين. فالقيمة ليست مقارنة، بل تحقق بالحق والخير والجمال.

ويشتد الالتباس حين يتسلل هذا النزوع إلى دوائر المودة والقرب. ففي هذه العلاقات قد يختلط النفور المشروع — كرفض سلوك خاطئ أو مسار منحرف — بنشوةٍ خفية بمعاناة القريب ذاته. وهذا خلط خطير؛ إذ يجوز رفض الخطأ، بل يجب، لكن لا يجوز تحويل ذلك إلى ارتياحٍ بمعاناة الإنسان من حيث هو إنسان. معيار الحق والخير والجمال يقتضي التفريق بين رفض الفعل والرغبة في سلامة الفاعل، وبين تمني زوال الخطأ وتمني سقوط صاحبه. الأول إصلاح صائب ونافع، والثاني انحراف خاطئ وضار.

إن غياب معيار الحق والخير والجمال، الموضوعي يجعل الإنسان أسير انفعالاته غير المفحوصة؛ فيدين ما ينبغي قبوله، ويقبل ما ينبغي نقده. أما حضور هذا المعيار الموضوعي فيعيد ترتيب البوصلة الداخلية: فيُفرِّق بين النفور الذي يحرس الخير، والنفور الذي يغذّي الأنا؛ بين الفرح بانتصار الحق، والفرح بضعف الآخرين؛ بين موقفٍ نابع من إدراك، وآخر نابع من احتياج نفسي مستتر.

ولا يعني ذلك أن الإنسان قادر على محو هذه الانفعالات، بل إن المطلوب أعمق من القمع أو التبرير؛ المطلوب هو المراقبة الواعية؛ أن يواجه الإنسان نفسه دون تزويق، وأن يسأل، لا عمّا يشعر به فقط، بل عمّا إذا كان شعوره منسجمًا مع الحق ومثمرًا للخير. فتهذيب النفس لا يكون بإنكار ما فيها، بل بإعادة توجيهه الوجهة الصحيحة.

وعند هذا الحد يبدأ التحول الحقيقي؛ حين يدرك الإنسان أن نجاحه وسعادته ليست متعلقًة بتعثر غيره، بل بقدر تحقق الخير في ذاته وفي العالم من حوله. حين يصير دعاؤه للناس بالتوفيق صادرًا عن انسجام داخلي مع معيار الحق والخير والجمال، لا عن مجاملة ظاهرية واجتماعية. وحين يدرك أن الإرتياح بفشل وتألم وسقوط الآخرين لا تزيده نجاحا وتفوقا ارتفاعًا، بل تُبقيه في مدار المقارنة السيئة، بينما السعادة المنسجمة مع الحق والخير والجمال وحدها هي التي تمنحه ثباتًا لا يتزعزع، وحياة حسنة.

***

جميل شيخو

الجمعة 13 \ 2 \ 2026

 

من الملاحظات المدهشة التي لازلت لا أعرف تفسيرها، أن الدولة العباسية بقيادة المعتصم بالله (218- 227) هجرية، أرادت أن تبني مدينة تضاهي مدن الأندلس بجمالها، فتم إنشاء مدينة (سر من رأى)، وكان مفهوم الجمال العمراني سائدا فيها حتى مقتل المتوكل على الله (232 - 247) هجرية، وفي عصره بني الجامع الكبير الذي كان يُعد أكبر جامع في زمانه، ويتمتع بخصوصياته العمرانية وبمأذنته الملوية.

هذا الجامع إنتهى دوره وإندثر ولا تزال المدينة عاصمة للدولة العباسية، وبقيت منه آثار تشير إليه، بينما الجامع الكبير في قرطبة الذي بني قبله بقرن أو أكثر، لا يزال قائما بهيأته العمرانية الأصيلة رغم تحوله إلى كنيسة.

لماذا تخربت مدينة (سر من رأى) وبقيت معالم الأندلس حاضرة وشامخة في إسبانيا؟

إطلعت على العديد من التبريرات الإسقاطية الدفاعية التي لا تقترب من الحقيقة، وتراوغ وتخادع في محاولاتها لإبعاد المسؤولية عن المجتمع آنذاك، وما فعله الأتراك في المدينة من سلوكيات إنتقامية ضد بعضهم البعض، وكيف تحول الخلفاء فيها إلى دمى تحركها إرادتهم وتملي عليهم طلباتها وتخلعهم وتعهد لهم بالخلافة وتقتلهم، وهم صاغرون لاحقهم يخرّب ما يمت بصلة لسابقهم.

المنتصر بالله (247 - 248) هجرية، بعد بضعة أيام من مقتل أبيه أباد القصر الجعفري وحوّله إلى ركام.

فالروح التماحقية ربما سرت بين الخلفاء منذ خلافة المنتصر بالله والتي دامت لبضعة أشهر، وقتل مسموما بعد أن حجمه طبيبه بقصبة مسمومة.

فهل لدينا الجرأة على مواجهة أنفسنا، ومعاينة وتقييم ما في ديارنا من تفاعلات غير إيجابية؟!!

مضى على سقوط الأندلس 534 سنة، ولازلنا نستعيد في مخيلتنا أمجادها!!

تَباكَيْنا على زمنٍ جَميلِ

ودُمْنا في مُعاقرةِ الخشيلِ

فهلْ صَنعَ البكاءُ لنا تليداً

وهلْ جِئنا بإبْداعٍ أصيلِ

نلومُ عدوّنا والعَيْبُ فينا

بأجْيالٍ بأوْعيةِ العَويلِ

***

د. صادق السامرائي

العراق ليس ارضا بلا ثروات، بل ارضا تنهب ثرواتها، ليس عاجزا عن النهوض، بل مكبلا بقيود الفساد التي جعلت من الدولة غنيمة ومن الشعب ضحية.

احيانا اشعر ان الحديث عن الحلول الواقعية ضرب من العبث، لان المشكلة ليست في المال ولا في النفط ولا في المياه، بل في غياب الضمير. العراق لا يحتاج الى خطط خمسية ولا الى مؤتمرات دولية، بل يحتاج الى لحظة صدق واحدة، الى قرار واحد يوقف النزيف، الى يد نظيفة تجرؤ على لمس الجرح.

قد تبدو هذه الكلمات مثالية، وربما ساذجة، لكنني اؤمن ان الخيال احيانا هو الطريق الوحيد لفتح نافذة في جدار مغلق. ماذا لو كان الاصلاح يبدا من التعليم، من طفل يتعلم ان الوطن ليس غنيمة؟ ماذا لو كان الحل في ثقافة جديدة، لا ترى الدولة كغنيمة بل كبيت مشترك؟ ماذا لو كان التغيير يبدا من ابسط التفاصيل: من كتاب مدرسي يزرع في عقل صغير فكرة ان العراق ليس ارضا للبيع، بل ارضا للحياة؟

وماذا لو كان الاصلاح يبدا من قصيدة او اغنية او لوحة تذكر الناس بأنهم شعب واحد، لا طوائف متناحرة ولا قبائل متفرقة؟ اليس الشعر والفن احيانا اقدر من السياسة على جمع القلوب؟ وماذا لو كان الحل في اعادة الاعتبار للجامعة، للمعلم، للمثقف، بحيث يصبح العقل العراقي هو الثروة الحقيقية، لا النفط ولا العقود ولا المناقصات؟

اعرف ان هذه مجرد خواطر، وان الواقع اقسى من ان يغير بالكلمات. لكنني اكتب لان الكتابة نفسها مقاومة، ولان الحلم، مهما بدا هشا، قد يجد يوما طريقا الى التنفيذ. ربما لا يغير النص حكومة، لكنه قد يغير قارئا، وقد يزرع بذرة في قلب انسان يقرر ان يكون مختلفا.

العراق لا يحتاج الى اموال اضافية، ولا الى وعود جديدة. يحتاج فقط الى ان يتوقف ابناؤه عن سرقة مستقبلهم، وان يجرؤوا على بناء دولة لا تباع ولا تشترى. يحتاج الى ان يتعلم ان الوطن ليس عقدا في وزارة، ولا منصبا في برلمان، بل هو بيت كبير، اذا انهار سقفه فلن ينجو احد.

الخلاصة؟ العراق يحتاج الى خيال يجرؤ على ان يحلم، والى ضمير يجرؤ على ان ينفذ. وبين الحلم والتنفيذ، هناك طريق طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق ان يسلك.

***

محمد الربيعي

بروفسور ومستشار دولي، جامعة دبلن

 

هل خطر ببالك وانت تحرك يدك لترسم إنحناءات الحروف، وترتفع في الهواء لتضع النقطة بدقة، إن ذلك تمرين قوي لتهدئة جهازك العصبي؟

تقول الأبحاث العلمية إن هذه الممارسة لها تأثير مدهش على كيمياء الدماغ، وقد كانت متجذرة في التاريخ الاسلامي، لكنها أصبحت اليوم نادرة.

كان شيخ الخطاطين الوزير محمد إبن مقلة هو من هندس هذا الفن بمقاييس صارمة قبل قرون، وفيه رياضة هندسية تعيد ضبط إيقاع القلب، وتخفض هرمون التوتر في الدم.

يقضي الخطاط العربي في تحريك يده في الهواء دون لمس الورق وقتا أطول بكثير مما يقضيه خطاط اللغات اللاتينية، لكثرة النقاط وعلامات التشكيل، التي تتطلب رفع القلم بإستمرار بمعدل 0.85 مرة كل حرف.

هذه الفواصل هي لحظات إعادة ضبط إجبارية للدماغ، تنشط الفص الجداري العلوي المسؤول عن حساب المسافات في الفراغ وتوجيه اليد للمكان الصحيح.

وهذا يعني أنك عندما تمارس الخط العربي فإنك ندرب دماغك على الهدوء وعدم التسرع.

تظهر الدراسات أن الدماغ عند معالجة النصوص العربية يكبت موجات ألفا بدرجة أقوى بكثير من الانجليزية وفي علم الاعصاب يعني إنخفاض هذه الموجات أن الدماغ دخل في حالة إستنفار إدراكي قصوى عازلا كل المشتتات الخارجية والافكار السيئة، يفرض تعقيد الخط العربي بصريا وتشابك الحروف مع بعضها على دماغك التيقظ الذهني رغما عنه، فلا مجال للسهو وأنت ترسم الحرف، وإلا إختل توازنه.

التغيير الكيميائي الذي يحدثه الخط العربي في دمك قابل للقياس، ففد أظهرت تجربة علمية أن ممارسة الخط 30 يوما خفضت بدرجة ملموسة مستوى هرمون الكورتيزول، الذي يسبب التوتر في اللعاب، بإنخفاض قدره 25% تقريبا، يعمل التركيز العالي وحركات اليد الدقيقة على إبطاء ضربات القلب وتنظيم التنفس، مما يدخل الجسم في حالة إسترخاء ويجعله علاجا فعالا لمن يعانون من ضغوط نفسية مزمنة.

في تجربة مثيرة للاهتمام أجريت في تركيا بين عامي 2017-2018 جمع الباحثون مراهقين تتراوح أعمارهم بين 14-17 ممن يعيشون في مصحات نفسية وأخضعوهم لاختبار دقيق، فقد دربوا نصفهم على ممارسة فنون الخط الاسلامي العربي والزخارف 50 دقيقة في الجلسة الواحدة على مدار 3 أسابيع، وكانت النتيجة مذهلة، فقد إنخفض قلقهم وإكتئابهم بدرجة كبيرة وحقيقية، السبب ان حركة اليد الدقيقة تسمح للمراهق بإخراج مشاعره المكبوتة وتفريغها على الورق بدلا من حبسها في صدره، مما يعيد إليه الهدوء والثقة وسط ضجيج الحياة.

في رسالته الشهيرة وضع شيخ الخطاطين محمد إبن مقلة قوانين هندسية صارمة للخط العربي فالحرف يقاس بالنقطة والالف هي قطر الدائرة وباقي الحروف أجزاء من محيطها، هذا النظام الصارم يجبر الدماغ على حل مسألة رياضية جمالية أثناء رسم كل كلمة وذلك الانضباط الهندسي يمنح الدماغ شعورا بالسكينة.

وأخيرا، في عصر السرعة والشاشات نحن بأمس الحاجة للهدوء والتركيز وتخفيض هرمون التوتر ولا يشترط أن تكون خطاطا محترفا لتحصد الفوائد فالدماغ يستفيد من محاولة التعلم أكثر من الاتقان.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

 

انسلاخ عن الروحانيات وإغراق في الماديات

العبادات الشعائرية حينما تؤدى وفقا للشرع، عبوديةً وتعظيمًا لله عز وجل، ترتقي بالمسلم روحانيا وتسمو بنفسه للمعالي، لتتجلى من خلالها معاني العبودية الحقة والمخلوقية لدى العبد، وتمام خضوعه للخالق جلت صفاته وتقدست أسماؤه.

رمضان هذا الشهر العظيم، للأسف بدأ منذ عقود، يأخذ منحا مغايرا تماما لماهيته في عقول وتصور الكثير من المسلمين، لينتقل من كونه واحدا من أعظم مواسم الطاعة والنفحات الربانية، والارتقاء بالروحانيات والارتباط بالسماء، إلى موسم الخلود أكثر إلى الأرض، والإغراق في الملذات والماديات، لقد أصبح رمضان الموسم السنوي للأكل والسهر والكسل بامتياز، فنجد السواد الأعظم من هذه الأمة تستعد له بتكديس وابتياع صنوف الطعام، وترقب ما سيُعرض خلال رمضان من مسلسلات وبرامج ترفيهية، سمتها الغالبة التفاهة والابتذال، فكثير منها يضرب في صميم العقيدة، ويخدش حرمة هذا الشهر الفضيل، ليهدم شيئا فشيئا القيم والفضائل في النفوس، لما يحويه من المغالطات الدينية والأخلاقية.

 المفروض أن رمضان يعلمنا ضبط النفس والتحكم بأهوائها، لكن للأسف الشديد واقع الحال يخبر بعكس ذلك، كوننا لم نفهم فقه الصيام ولم ننزل هذا الشهر العظيم منزلته.

لقد صيّرنا رمضان موسم الأكل والسهر، فعكسنا فيه سنة الله في خلقه، سهر بالليل ونوم بالنهار، حتى العبادات كادت تغدو مجرد طقوس شكلية، تفتقد قدسيتها، يستهدف الكثير من ورائها الكم على حساب الكيف، فتراه يتفاخر بأعداد الركعات والختمات، وإن سألت أحدهم عن آية واحدة فقط تدبرها فزلزلت قلبه، أو ركعة خشع فيها طيلة الشهر قد يتلعثم ويعجز عن الإجابة!

للأسف كل عام في نهاية رمضان ومايليه، نفس السيناريو يتكرر، بطون من الأكل متخمة، ونفوس مثقلة، عن هويتها الدينية والإيمانية متسلخة، كونها مارست رمضان "العادة" لا العبادة، وكأنها لم تنل هذه المنحة الربانية العظيمة، ففاتها شرف الارتقاء لنورانيات السماء، فتظل الأرواح منهكة، تتنازعها تبعات غربتها الإيمانية وكثير من الأدواء.

رمضان فرصة عظيمة للروح والنفس، تتجسد بها أسمى معاني العبودية والخضوع لله عز وجل، وتتجلى فيها قدرة الإنسان على العودة إلى الفطرة والروحانية، وانعتاقه من قيود الطين والمادة التي تكبله وتأسره، فيتحرر من أسر الهوى والشيطان، في زمن كاد يُصيّره كائنا آليا منغمسا في الماديات، ومغيّبا عن مقام العبودية، غافلا عن علة وجوده في الدنيا غير مستعد لمصيره بعدها.

نحن بحاجة للتفقه في ديننا، وفهم المقاصد العليا للشعائر التعبدية، والحفاظ على قدسيتها، لقد ابتعدنا كثيرا عن ذلك للأسف الشديد، فجعلنا أزمنة العبادات والطاعات مواسم اجتماعية، وطقوسا يحكمها العرف، التقاليد وكثير من الظواهر والأفكار الوافدة على عباداتنا، والتي لا تمت للشرع بصلة كما فعلنا برمضان!

فلنجعل من هذا الشهر المعظم معراجا نورانيا نحو السماء، لا انحدارا وتقهقرا نحو الأرض والإغراق أكثر في عالم المادة.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

 

تتشكل في زمن المشكلات والأزمات والحروب حالة إنسانية مؤلمة، تتجسد في شعور عميق بالضعف والهوان، وتعكر المزاج، وفقدان الأمل، وتراجع النشاط والحيوية، وانكسار الرغبة في العمل والحياة بذات الإيقاع الذي كان سائداً في أوقات الدعة والهدوء والاستقرار. في مثل هذه السياقات القاسية، لا يتراجع الجسد وحده، بل تنكفئ النفوس على ذاتها، وتثقلها هموم تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الإنسان الطبيعية على المواجهة والتحدي والتصدي والعيش في راحة واطمئنان.

يبدو الإنسان في هذه الحالة وكأنه فقد ذاته، وربما أضاع بوصلته الداخلية، فأمسى يلملم جراحه بصمت وضعف وهوان. يصبح النوم عبئاً ثقيلاً على نفسه وروحه؛ قلق يشغل باله وأرق يرافقانه في أحواه جميعها في يقظته وفي ساعات متأخرة من ليله، ويبدو عليه الثقل في استيقاظ مرهق لا يحمل معه طاقة جديدة، بل يفتتح يوماً آخر من التعب والاستنزاف. لم تعد القوة التي كانت تملأ أيامه حاضرة، ولا ذلك الشغف الذي كان يدفعه للحركة والإنجاز.

يذهب إلى عمله وكأنه مجبر لا مخير، يؤدي واجباته بروح مثقلة، بلا إقبال ولا تحفيز أو دافعية، وكأن النفس أصبحت هشة قابلة للكسر، تقلب مع الأحداث كما يقلب العصفور في مقلاة ساخنة، فاقدة القدرة على المقاومة. يغيب الحماس، ويختفي النشاط الدؤوب، ويتراجع التواصل الإيجابي مع الزملاء والمحيطين في دائرته، فينسحب إلى ذاته، منكفئاً، معزولاً، محملاً بمزاج ثقيل وحزن يكبل الطاقات ويعطل القدرات ويشل الحركة.

تتراجع الإنتاجية، ويضعف الأداء، وتتأثر العلاقات الأسرية والاجتماعية، فتغدو أشبه بجسد مريض أنهكه الألم، لا يقوى على الحركة ولا على الاستمرار بذات الحيوية التي كان يتصف بها. تتوالد المشكلات، وتتراكم الضغوط والأزمات، وتسيطر الأفكار السوداوية، وتفرض المشاعر القاتمة حضورها ووجودها، فيدخل الإنسان في حلقة مفرغة؛ يهرب من سجن داخلي إلى سجن آخر يصنعه بيديه وبفكره السلبي والمبحط، دون أن يشعر.

في هذه الحالة، لا تقتصر المعاناة على النفس وحدها، بل تمتد إلى الجسد، فتظهر الأوجاع والآلام، وتزداد الترهلات والتراجعات، ويشعر الإنسان بأن بدنه لم يعد حصناً يحميه، بل عبئاً إضافياً يثقل كاهله ويرهقه. عندها يبرز السؤال الجوهري: كيف الخلاص؟ وكيف يمكن العودة من جديد بنفس تواقة للحياة والعمل؟

إن البحث عن المخرج والملاذ الآمن يبدأ أولاً بالاعتراف بالحالة، فالتسمية الصحيحة للألم هي الخطوة الأولى في طريق التعافي. ما يمر به الإنسان هنا ليس ضعفاً في الإيمان ولا فشلاً شخصياً، بل استجابة نفسية طبيعية لظروف غير طبيعية فرضت نفسها دون سابق إنذار. ومن ثم، فإن منح النفس حقها في التوقف المؤقت، والراحة، والتفريغ الانفعالي والتعبير عن الذات، ليس ترفاً ولا هروباً، بل ضرورة ملحة للعودة والتجديد الإيجابي.

كما أن إعادة بناء المعنى تلعب دوراً محورياً في استعادة التوازن؛ فحين يفقد الإنسان معنى ما يعيشه، تصبح الحياة ثقيلة مهما توفرت الإمكانات. ربط المعاناة بهدف أسمى وقيم عليا ومبادىء سامية وجليلة، أو رسالة أوسع وأكبر مما نظن ونعتقد، أو حاضر إيجابي يقودنا إلى أمل مستقبلي، يعيد للنفس بعضاً من قدرتها على الصمود. ويضاف إلى ذلك أهمية الدعم الاجتماعي، فالكلمة الصادقة، والاحتواء، والشعور بأن هناك من يسمع ويفهم، قد يكون دواء لا يقل أثراً عن أي طريقة أو أسلوب آخر.

أما العودة من جديد، فلا تكون بقفزات كبيرة، بل بخطوات صغيرة ثابتة: تنظيم النوم، العناية بالجسد، العودة التدريجية للأنشطة المحببة، وضبط وتيرة العمل بما يحمي من الاحتراق النفسي والوظيفي. ومع كل خطوة، يستعيد الإنسان جزءاً من ذاته التي ظن أنه فقدها وأضاعها في زحمة المعاناة والألم.

في النهاية، يبقى الأمل ممكناً، مهما طال الليل وثقل الألم. فالإنسان قادر، بإذن الله، على النهوض من تحت الركام، لا لأنه لم ينكسر، بل لأنه تعلم أن الحياة فيها ابتلاءات ومعاناة. وكيف يداوي كسره، وكيف يحول المحنة إلى منحة، الجراح إلى خبرة، والمعاناة إلى وعي جديد وبناء أقوى وأمتن، والضعف المؤقت إلى بداية طريق للشفاء والعودة إلى الحياة من جديد بنفسية تواقة للعودة والحياة والعمل بكل قوة ومنعة وسلامة وسعادة.

***

د. أكرم عثمان

14-2-2026

حصلت على رزمة صغيرة من اوراق الراحل عامر عبد الله، (1924- 29 كانون الثاني | يناير 2000) القيادي الشيوعي والوزير السابق، (نسخ مصورة، فوتوكوبي) من ما سماه (من دفتر مذكراتي)، التي نشر عدد من الكتاب او القريبين من الراحل انها كانت مخطوطة من اكثر من الف ورقة A4 بخط يده، او باشرافه ووجود تصحيح او اضافات بخط يده عليها. ومازال السؤال عنها قائما، اين اختفت؟ ومن قام بذلك؟ ولمصلحة من او من يستفيد من تضييعها؟!!.

على كل حال، اثار اهتمامي في هذه الاوراق، ولاهمية ما كتبه الراحل عنها، كونها تتعلق بمصائر مناضلين استشهدوا وغيبوا، وسانقلها كما وردت في الاوراق، التي كما يبدو بقية من مذكرات الراحل وبخط يده، وعسى ان تثير من جديد موضوع البحث عنها ونشرها!.

وكما كتب الراحل: منذ المذبحة التي نظمها (صدام) اوائل عام 1978 ضد ما سمي افتراءً ب"التنظيم الشيوعي العسكري في الجيش العراقي، لم يتم نشر اسماء شهداء هذه المذبحة، رغم ان نسخة من المذكرات الاحتجاجية كانت محفوظة دوما في مقر الحزب ولدى قيادة الحزب، وهي تتضمن اسماء هؤلاء الشهداء ومهنهم وانتماءاتهم، وكان اخر نسخة اودعتها لدى قيادة الحزب في بريطانيا، من خلال احد الرفاق في اوائل 1993، هذا الى جانب التباين في اعداد هؤلاء الشهداء، حيث يجري الحديث على لسان الحزب او بعض القادة والكتاب عن (21) او (31) شهيدا، مع ان عددهم الحقيقي هو (39). فضلا عن اعداد اخرى سبقت هذه المذبحة او اعقبتها، وهي ما تطرقت اليها في سياق هذه الاستذكارات المقتبسة عن مذكرات موجهة الى رئيس الجمهورية، والى (صدام حسين) اودعتها للحفاظ عليها، اسوة مع غيرها من وثائق هامة لدى قيادة (الحزب الاشتراكي اليمني) في عدن، ولا ادري ان كان بالامكان الوصول اليها او استعادتها.

وفي كل الاحوال، فان هدفي من اقتباس هذه السطور من (دفتر الذكريات) ونشرها، هو تكريم هؤلاء الشهداء والضحايا واعلان اسمائهم وتثبيتها في سجل التاريخ، فضلا عن التوقف لدى تلك الفترة المازومة بالانتهاك والقمع والقتل، وبالتالي اعلان العداء والخصومة من جانب الحزب الحاكم ضد الحزب الشيوعي، وتفكيك الجبهة، (بعد ان تعاظم بسرعة دور الحزب ومكانته في صفوف الشعب وهو ما اثار القلق والرعب في صفوف هذا الحزب الحاكم)، هذا فضلا عما آل اليه الوضع لاحقا، وهو ما تابعه ويعرفه الجميع.

بعد هذه الاسطر عدة صفحات بخط يد اخرى، اتمنى ان يتحدث عنها صاحبها بعد الاطلاع على هذا الموضوع، ولكن هناك عددا من الهوامش عليها بخط يد الراحل، وهي حوارات ومذكرات بينه وبين احمد حسن البكر، واخرى بينه و(صدام حسين)، وفي هامش ذكر الراحل ان هذه الاحاديث مدونة مع وثائق شخصية اودعتها للحفظ لدى الاخ (علي ناصر محمد) واخبرني مؤخرا انها لا تزال محفوظة في ملف موجود في دار سكرتارية اللجنة المركزية للحزب في عدن.

واعود الى قائمة الاسماء، وانقل نصا ما يلي: وتلك قضية خطيرة، لا يليق التعامل معها بالارقام فمن هو هؤلاء الضحايا ان يذكروا بالاسماء على الاقل، تكريما لماثرتهم وتضحيتهم. هؤلاء الشهداء الذين سبق هذا اللقاء تقديم مذكرة بوضعهم والمطالبة باطلاق سراحهم باسمي واسم عزيز محمد ، ومن ثم بمذكرة اخرى اعددتها على عجل في اليوم الثاني من اللقاء مع احمد حسن البكر، مع نبذة موجزة عن كل منهم، هم:

المحكومون بالاعدام:

1- عدنان شرهان (جندي مكلف) صدر عليه الحكم في 1974/4/19 من محكمة الثورة بتهمة انتسابه للحزب واقامة تنظيم شيوعي في الجيش. كان صديقا للحزب.

2- سهيل شرهان (جندي مكلف) نفس الحكم والجهة التي اصدرت الحكم والتهمة والتاريخ، نظمت بعض الجهات عملية الايقاع به، رغم انه قطع صلته بالحزب لدى التحاقه بالجيش.

3- ماجد جلوب حافظ (جندي مكلف) نفس الحكم وتاريخه والاتهام.

4- عباس فاضل عباس (جندي مكلف) نفس الحكم وتاريخه والاتهام، رغم انه لم تكن له علاقة بالحزب.

5- حسين علي الطريحي (جندي مكلف) صدر عليه الحكم في 1974/9/19 نفس الحكم والاتهام، رغم انه ليست له علاقة بالحزب.

6- عبد المطلب ابراهيم سلمان (جندي مكلف) نفس التاريخ والحكم والتهمة ولا علاقة له بالحزب. (حكم على كل من عدنان وسهيل وعباس وحسين وعبد المطلب بقضية واحدة بسبب علاقتهم الشخصية اثناء وجودهم في وحدة عسكرية واحدة ولكونهم زملاء من ايام الدراسة ومن مدينة واحدة).

7- اسماعيل عبد الحسن طاهر (جندي) صدر الحكم عليه في 1974/6/8 من قبل محكمة الثورة، كان شيوعيا انقطعت صلته بالحزب بعد التحاقه بالجيش.

8- جعفر عبد الله (جندي) نفس الحكم والتاريخ والتهمة، كان صديقا للحزب ولم تكن له صلة تنظيمية به.

9- خالد علو (جندي) نفس الحكم والتاريخ والتهمة، كان صديقا للحزب ولم تكن له صلة تنظيمية به.

10- خميس عباس (جندي) نفس الحكم والتاريخ والتهمة والصفة.

( ان كلا من اسماعيل وجعفر وخالد وخميس قد حكموا في قضية واحدة بسبب وابط الصداقة المتكونة بينهم من قبل، ولانهم ابناء مدينة واحدة وذوي افكار تقدمية).

11- حامد كشاش لفتة (رئيس عرفاء) حكم بالاعدام في 1974/9/19 من قبل محكمة الثورة بتهمة الانتماء لتنظيم سياسي، لم تكن له علاقة بالحزب الشيوعي.

12- رحيم هادي كاسب (عريف مخابرة) حكم بالاعدام في 1974/3/23 من قبل محكمة الثورة بتهمة الانضمام الى الحزب الشيوعي، ولم يكن حزبيا، ولكن كان من عائلة شيوعية.

13- مسلول كريم حازم (جندي مكلف) حكم بالاعدام في 1974/9/19 من قبل محكمة الثورة، كان صديقا للحزب وانقطعت صلته بعد التحاقه بالجيش.

14- ناطق عبد الواحد الحديثي (جندي مكلف) حكم بالاعدام في 1975/3/23 من قبل محكمة الثورة بنفس التهمة مع انه لم يكن يوما ما عضوا في الحزب او له صلة به.

15- حميد عبد العال (نائب عريف) نفس التاريخ والجالة السابقة.

16- اسماعيل حسين حميد (نائب عريف) نفس التاريخ والحالة.

17- كيلو صبيح طلال (نائب ضابط) حكم بالاعدام في 1977/4/17 من قبل محكمة الثورة، نفس التهمة، ولا علاقة له بالحزب.

18- مجيد حسين داود (جندي مكلف) حكم بالاعدام في 1977/5/21 بتهمة الاشتراك في مظاهرة تاييد للحكم الذاتي، ولم يقم بنشاط حزبي او سياسي داخل الجيش.

19- جلال حسن عبد الوهاب (جندي اول متطوع) حكم بالاعدام في 1972/5/22 من قبل محكمة الثورة بتهمة الالتحاق بجماعة مسلحة وتقاضى راتبا من الشيوعيين، في حين انه كان قد هرب من الجيش والتحق بالانصار ثم ترك الحزب وصفوف الانصار ولم يشمله العفو السابق.

20- عامر سلطان هندي (ملازم عسكري) حكم بنفس التاريخ والتهمة، ليست له علاقة بالحزب الشيوعي.

شملت احكام الاعدام عددا من افراد سلك الشرطة والمعلمين والفلاحين والمواطنين المدنين، وهم:

21- حامد خضير خير الله (شرطي مكلف) حكم بالاعدام في 1976/5/25 من قبل محكمة الثورة، بتهمة التنظيم الشيوعي مع انه لا علاقة له بالحزب الشيوعي.

22- عبد الكريم عبد الله المياحي (جابي في مصلحة نقل الركاب) نفس التاريخ والجهة، وبتهمة تنظيم احد افراد الشرطة، انقطعت صلته بالحزب منذ عام 1972.

23- صميدح خزيم الركابي (شرطي) نفس الحالة السابقة وبتهمة صلته بكريم عبد الله.

24- عباس عبد حسن (من سكنة حي الثورة) نفس الحكم والجهة والتهمة والتاريخ.

25- عزرة حسين عبد الله (شرطي) نفس الحكم والجهة والتهمة والتاريخ.

26- صباح شياع (موظف صحي في البصرة) حكم بالاعدام في 1977/4/17 بتهمة تنظيم احد الافراد العسكريين مع انه كان ضمن (30) شيوعيا اعتقلوا في البصرة في حزيران 1976.

27- عبد الزهرة محمد علي (معلم في محافظة القادسية) حكم بالاعدام في 1977/5/21 بتهمة ازدواجية الانتماء الحزبي، مع انه كان عضوا في الحزب الشيوعي ولم يسبق له الانتماء لحزب البعث.

28- عبد القادر مشكور (فلاح من محافظة كركوك) حكم من قبل المحكمة العسكرية الخاصة بتهمة التمرد مع انه لم ينتسب الى المتمردين بل كان موضع ملاحقتهم، من عائلة شيوعية.

29- سعيد رسول نادر (فلاح من محافظة كركوك) نفس الحالة السابقة.

30- صبيح جابر فارس (جندي) حكم بالاعدام من جانب محكمة الثورة بتهمة التنظيم الشيوعي، كان شيوعيا وقطع علاقته بالحزب بعد التحاقه بالجيش.

31- حبيب عبد ابراهيم (مواطن) حكم بالاعدام في 1976/2/23 من قبل محكمة الثورة، بتهمة الانتساب للحزب الشيوعي مع انه كان قد فصل منه بعد التحاقه بسلك الشرطة.

32- بشار رشيد (مفوض شرطة ولاعب كرة قدم) حكم بالاعدام بتاريخ 1975/3/23 من قبل محكمة الثورة بتهمة الاتصال بالحزب الشيوعي، مع انه ليست له علاقة بالحزب.

33- سعدي خالد (فلاح من اربيل) حكم عليه بالاعدام في 1975/3/15 من قبل محكمة الثورة، بتهمة انتمائه الى القيادة المركزية، ورغم انه تركهم بعد ان التحق بكردستان، ثم عاد الى اهله.

34- نعيم حسين البدري (مواطن) حكم بالاعدام بتاريخ 1977/5/21 بتهمة تنظيم عسكريين من اقاربه واصدقائه، مع انه لم يكن عضوا في الحزب.

35- نوري قادر غفور، حكم بالاعدام منذ عام 1961 من قبل المجلس العسكري العرفي الاول في قضايا كركوك (التي اغلقت مع زميل له) حكم بالاعدام ايضا وحكم للمرة الثالثة بالسجن ثلاث سنوات متعاقبة.

36- عاصي علي محمود (فلاح من كركوك) حكم بالاعدام من قبل المجلس العرفي العسكري الاول في قضايا كركوك بتاريخ 1962/2/11 وقد القي القبض عليه مؤخرا وحكم عليه بالاعدام.

37- اسماعيل حسين حميد (نائب عريف) حكم بالاعدام بتهمة تنظيمه شاكر ناصر رحيم.

38- شاكر ناصر رحيم (نائب عريف شرطة) حكم بالاعدام ولا علاقة له بالحزب.

39- عبد الرحمن علي رحيم (عامل) حكم بالاعدام بتهمة تنظيم شاكر ناصر رحيم مع ان العلاقة النقابية بينهما انقطعت منذ عام 1973.

واضافت الاوراق ما يلي نصا: كان هناك ايضا (34) شخصا من المحكومين بالاشغال الشاقة المؤبدة وبضمنهم اعضاء بالحزب، وانصار من الشمال، الى جانب عدد من المواطنين لا علاقة لهم بالحزب او محسوبين على ملاك القيادة المركزية.

وعدا هؤلاء وأولئك كان هناك (17) شخصا اخرين محكومين بالسجن مددا مختلفة تتراوح بين 15 و10 و5 سنوات، بينهم اثنان محكومان غيابيا بتهم ملفقة، وحتى سنة واحدة.

ويكمل الراحل نصوص المذكرات المقدمة منه الى رئيس الجمهورية عن كل الاسماء والارقام التي سبقت اعلاه. قد نعود لها لاستكمال جهود الراحل وفيها معلومات عن طبيعة المذكرات والردود عليها.

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

 استهداف المرأة وسلبها حماية الأسرة لتتحول إلى سلعة رخيصة في يد المنظومات المستغلة ليس حلًا للمظالم التي تعاني منها بالفعل. الحل الحقيقي لا يكمن في التوجه إلى منظمات ذات أهداف مشبوهة أو في تدمير أُسس الأسرة ودور القوامة. بل هو في إقامة شريعة الله التي تقوم على العدل والرحمة.

هناك اتجاه واضح ومنهجي في بعض الدول العربية والإسلامية لتحجيم دور الرجال بمنعهم من العمل، مع فتح المجال للنساء للمشاركة في وظائف تناسبهن أو لا تناسبهن، وهذا جزء من ظاهرة تهدف إلى تفكيك القيم المجتمعية.

السعي إلى خلط الشباب بالفتيات في التعليم والعمل، مع تكريس الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية لإعاقة الزواج وتأجيج الغرائز، ليس إلا جزءًا من خطة تعكس توجهات خارجية تهدف إلى زعزعة استقرار مجتمعاتنا وانحراف هوياتنا.

في نفس السياق، قوانين تُشجّع الأبناء على التمرد ضد الآباء تحت ذرائع الحرية الشخصية ما هي إلا استيراد لنمط معيشي يدّعي التحرر والإنسانية، لكنه يهدف في الحقيقة إلى تحويل الأبناء إلى أدوات تُستخدم لإضعاف بناء الأسرة.

القوانين التي توحي للفتيات أنه بإمكانهن الشكوى على آبائهن لمجرد خلافات طبيعية، أو تشجع الشباب على السقوط في متاهات الحرية المطلقة دون قيود أخلاقية، ليست سبيلاً لإنصافهم بل هي تمهيد ليصبحوا ضحايا لمن يستغل ضعفهم.

فعاليات دمج النوع الاجتماعي التي تملأ مجتمعاتنا اليوم، ومظاهر العري والاستهانة بالعفة، هي انعكاسات مباشرة لهذه المنظومة المُفسدة التي تسعى لاستغلال الفتيات وطمس هويتنا.

من المؤسف أن نرى تغلغلاً لهذه القيم الدخيلة في عقول شباب وشابات المسلمين، وفي تربيتنا ووسائل إعلامنا ومنصات التواصل الاجتماعي التي باتت مرآة لهذه المخلفات.

ما نراه من فضائح مثل قضية (إبستين) ليس سوى قمة الجبل الجليدي لفساد أكبر وأعمق يشمل القيم الزائفة التي سادت في الغرب عبر عقود طويلة. هذه القيم المزعومة ليست إلا وسيلة لتحقيق الهيمنة والسيطرة، وتصدير هذه الممارسات إلى مجتمعاتنا الإسلامية يهدد أصالتها وهويتها أكثر من أي وقت مضى.

لكنَّ الاكتفاء بالصدمة والغضب لا يجدي شيئًا إذا لم يتبعه عمل جاد يُترجم إلى إصلاح ذاتي ومجتمعي. علينا اتخاذ هذا الاشمئزاز والغضب دافعًا لإحياء قيمنا الأصيلة وتعظيم شرع الله. كما قال الله تعالى في كتابه: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا".

فليكن غضبنا على هذه المنظومات حافزًا للمساهمة في إنقاذ البشرية التي تعاني ما هو أعمق وأشد مما يظهر في تسريبات الفضائح.

 لا يكفينا الاقتصار على التغني بالشكل الظاهري لتعاليم الإديان دون إدراك عميق لمسؤولياتنا كأمة وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس. كل هذا يتطلب منا ثورة جادة على الفساد ومؤامرات الهيمنة، مع استيعاب الدور الحقيقي الذي نلعبه كأبناء هذه الأمة المكلّفين بحمل رسالة الحق والهدى.

***

شاكر عبد موسى// كاتب وباحث

العراق

ما أن تزورنا الطيور المهاجرة حتى نكشر عن أنياب قسوتنا نحوها، فنتربص بها ونبيد ما نستطيعه منها، مذبحة طيور الفلامنكو في أهوارنا من أبشع السلوكيات، التي تقضي على جمال الطبيعة وتدمر البيئة الزاهية بمفرداتها الحية النشاطات.

مئات الطيور المذبوحة والمكدسة في عربات الباعة الذين يعتاشون على الفتك بها، فلا قوانين لتنظيم الصيد ولا ضوابط لحماية البيئة والعناية بالطيور المهاجرة ومنع الإعتداء الجائر عليها.

في مجتمعات الدنيا هناك ضوابط وقوانين تنظم علاقة البشر بالحيوانات، وعندنا كل شيئ سائب، ففي مدينتنا كانت أسراب القطى تأتي لتشرب الماء فيتصدى لها الصيادون ويبيدونها، وكذلك الغزلان تم إبادتها خصوصا بعد أن إنتشرت ظاهرة بنادق الصيد الآثمة.

لا توجد في مجتمعاتنا ثقافة إحترام الحيوان، بل كلها عدوانية وتفاعلات تدميرية للمخلوقات المنتشرة حولنا، حتى غادرتنا وإنزوت بعيدا عن أماكن تواجدنا.

كان طير الماء الأسود (الهليجي) يزورنا كل صيف، فتصدت له البنادق ومضت تقتل منه العديد حتى إختفى، وكذلك الطيور الجميلة التي نسميها (الزويط) تأتي إلى غابات القصب (الزل)، فيداهمها الصيادون ليلا ليجمعوا المئات منها لتباع للصبية وهي تعاني سكرات الموت بين أيديهم.

هذه هي أخلاقنا وطباعنا تجاه الحيوانات ويبدو أنها نزعة سلوكية متوارثة، ولا يمكن وعي غيرها والنظر إلى أهمية الحفاظ على وجود الحيوانات الأخرى بأنواعها في أماكننا.

في المجتمعات المتطورة، تجد الغزلان بقطعانها تتجول بين البيوت وفي الشوارع ولا يجرؤ أحد على الإعتداء عليها، لأنه سيتعرض للمساءلة القانونية، فالعدوان على الغزلان في غير المواسم المقررة يعد جريمة يحاسب عليها القانون.

وتجد قطعانها تتحرك بحرية في الصين واليابان وعدد من الدول الأوربية، التي وفرت لها المتنزهات لتستجم بها وتصادق البشر.

وعندنا ما أن نشاهد غزالة حتى نبحث عما يساهم بقتلها، فهي صيد ثمين !!

يا طيوراً مِنْ بَعيدٍ هاجَرتْ

لديارٍ فتداعَتْ وانْفنَتْ

هلْ تَعودي لمَكانٍ غاضَبٍ

يَطردُ النورَ بنارٍ أوقدَتْ

وغزالٌ في ربانا إنْتهى

برصاصٍ نحوَ ظبيٍّ أطلقتْ

***

د. صادق السامرائي

 

هناك اليوم جهود خبيثة تحاول العبث بمحتوى الإعلام وتوجيهه بشكل ممنهج لخدمة أهداف تنحرف عن المصلحة العامة الى اخرى ضيقة للحصول على نتائج تتعارض مع الحقيقة لترسيخ واقع محدد في ذهن المتلقي.

من هنا يتطلب من المستمع والمشاهد والمتابع الذكي عدم الانجرار وتصديق كل ما تنشره شبكة الانترنت بتطبيقاتها ومنافذها المختلفة، فمن المعروف أن الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الفضائية أصبحت مرتعاً خصباً لنشر الأخبار الوهمية والشائعات وبسبب عدم وجود الرقابة بشكل دقيق فأن هذه المواقع لها تأثير كبير على آراء الجمهور عبر الأكاذيب والخدع وعرض المشكلات الزائفة والمختلفة وتضخيم القضايا والحوارات المشوهة وحصر النقاش في جزئيات دون غيرها.

ان الإعلام في جوهرة عمليَّة ثقافيَّة تواصليَّة تلعب دورًا محوريًّا على مستوى إيصال المعلومة والمعرفة إلى الآخر المتلقي، فتساهم في التكوين الذهني وبناء المجتمعات ورقيّها وانتقالها إلى مرحلة البناء الحضاري للمجتمعات، لقد تطوّر الإعلام كمهنة وأصبحت على امتداد التاريخ ذات أصول وقواعد تحكمها المهنة والوظيفة أو الهدف ولم يغب عنها البعد الأخلاقي والإنساني؛ إذ أنّ الحد الفاصل بين نقل المعرفة ولعب دور مشبوه في تشويه الأذهان يكمن في القواعد والأصول الأخلاقيَّة. التضليل هو مشروع منظّم ومخطّط كاذب موجه، يقدم على أنه حقيقة، بهدف توريط الرأي العام في الخطأ، لتوجيه العقول وتزييف الجماهير العريضة وادارة لعبة السياسية بشكل غير نظيف ويهدف إلى تشويش الأذهان والتأثير على العقل كما على العواطف والمخيّلة، يمارس البعض التهويل دون الاحساس بالمسؤولية تجاه أخلاقيات المهنة الاعلامية في ضوء خبرات حرفية تجمل الأكاذيب وتزينها، وبمعنى أدق اخفاء الحقائق عن المتلقي عبر الوسائل الاعلامية المختلفة (التقليدية والالكترونية) وإغراق بالأخبار والمعلومات المزيفة والمحرفة، مما يحول الوقائع الى مجرد اوهام تعشعش في رؤوس المتلقين وتؤسس لوضاع وصور اجتماعية وسياسية خطيرة. وليس له سوى هدف واحد وهو إدخال الشكوك وخلق الاضطراب وهدم المعنويَّات ويعتمد بشكل أساسي على الكذِب وتشويه الحقائق، حتى لو كان في جزء منه يلتقي مع الحقيقة ليقع مؤثرًا عند المستهدفين. ما يزال مفهوم التضليل الإعلامي بحاجة إلى تطوير، ولا يوجد تعريف متفق عليه لهذا المصطلح. على سبيل المثال، استخدم عالم الاجتماع إرنست مانهايم مصطلح: التضليل الإعلامي من أجل وصف التحولات الاجتماعية التي تسيطر عليها وسائل الإعلام، بينما نظر الباحث الإعلامي كينت آسب إلى التضليل الإعلامي على ' أنه العلاقة بين السياسة ووسائل الإعلام، والانقسام المتزايد بين وسائل الإعلام وسيطرة الحكومة'. يرفض بعض المنظرين التعريفات الدقيقة والتطبيق العملي لنظرية التضليل الإعلامي 'هو مفردة سيئة باطلة العمل والنوايا والأهداف '، خوفًا من أن يقلل من تعقيد المفهوم والظواهر التي تشير إليها، بينما يفضل آخرون نظرية واضحة يمكن اختبارها وصقلها.

أن السبيل الذي يجب أن يتّخذه الإعلام هو الذي يحدّد نوع التأثير المطلوب على المستوى الحضاري وإنّ الالتزام بالضوابط يقود إلى الوحدة والانسجام والمحبّة ومعالجة المشاكل والتعاون على حلّ الخلافات وتخفيف التوتّرات وتشجيع الخير بكلّ مساراته وبشكل عام يساهم في الرقي العلمي والعملي؛ بينما يقود التخلّي عنها إلى تعميق الشروخ والفروق والعداوات بين أفراد المجتمع، مستعينًا بكلّ حيلة ومكيدة لتحقيق مآربه، وتبديل توجّهات المستهدفين، وحرف نظرهم، واستغلال جهلهم

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

ليست واشنطن بوست مجرد صحيفة أمريكية كبرى، بل إحدى المؤسسات التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي الحديث للولايات المتحدة، وأعادت، في لحظات مصيرية، تعريف دور الصحافة بوصفها سلطة رقابية مستقلة. لذلك، فإن ما تشهده اليوم من تسريحات جماعية، وإيقاف مراسلين، واستقالات في قمة هرمها الإداري، لا يمكن قراءته كحدث إداري عابر، بل كتحوّل عميق في ماهية الصحافة ذاتها.

من صحيفة محلية إلى صوت وطني

تأسست واشنطن بوست عام 1877 كصحيفة محلية في عاصمة القرار الأمريكي. في بداياتها، لم تكن تختلف كثيراً عن غيرها من صحف القرن التاسع عشر، لكنها سرعان ما تشبعت بطبيعة المدينة التي تصدر منها: مدينة السياسة والبيروقراطية والصراع بين السلطات. منحها، هذا الموقع الجغرافي أفضلية معرفية، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة مؤثرة إلا عندما قررت أن تتجاوز نقل الأخبار إلى تفكيك السلطة.

جاء التحول المفصلي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في عهد كاثرين غراهام، أول امرأة تقود صحيفة كبرى في الولايات المتحدة. في تلك المرحلة، لم تكتفِ واشنطن بوست بالاقتراب من السلطة، بل دخلت في مواجهة مباشرة معها، وأرادت أن تختبر شجاعتها: فنشرت "أوراق البنتاغون"، متحدّية الإدارة الأمريكية، وقادت، عبر تحقيقات بوب وودوورد وكارل برنستين، كشف فضيحة ووترغيت، التي انتهت باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974. هنا، لم تنتصر الصحيفة على رئيس فحسب، بل رسّخت مفهوم الصحافة الاستقصائية كركيزة للديمقراطية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت واشنطن بوست مرجعاً أخلاقياً ومهنياً، لا مجرد منصة للأخبار.

ما بعد الحرب الباردة: صحافة التأثير العالمي

في العقود اللاحقة، وسّعت الصحيفة حضورها الدولي، وامتلكت شبكة مراسلين في مناطق النزاع من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. لعبت دوراً بارزاً في تغطية الحروب الأمريكية وتداعياتها، وكشف تجاوزات الاستخبارات، وتحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بعمق مؤسسي. في تلك المرحلة، مثلت واشنطن بوست صحافة "الدولة العميقة" بمعناها المهني: قريبة من مراكز القرار، لكنها غير خاضعة لها.

استحواذ جيف بيزوس: المال ينقذ لكنه يُغيّر

اشترى جيف بيزوس، مؤسس أمازون، الصحيفة عام 2013، في خطوة رآها كثيرون إنقاذاً لمؤسسة تواجه أزمة مالية خانقة. وقد وفّر الاستحواذ استقراراً مالياً نسبياً، واستثمر في التحول الرقمي. لكن المال، حين يدخل غرفة الأخبار، لا يكون محايداً تماماً. فمع مرور الوقت، بدأ يتجلى توتر صامت بين منطق الصحافة ومنطق السوق: أولوية للمحتوى القابل للاشتراك، وضغط متزايد على غرف التحرير لتقليل التكاليف، وإعادة تعريف "الخبر المهم" وفق لتفاعل الجمهور لا لضرورته العامة.

الأزمة الراهنة: حين تتراجع الذاكرة المؤسسية

في شباط (فبراير) 2026 أعلنت الصحيفة خطة لخفض عدد موظفيها بشكل كبير، طالت ما يقارب 300 موظف، أي حوالي ثلث العاملين فيها، طالت طواقم كاملة مثل قسمي الرياضة والكتب، وصحفيين يغطّون مناطق كالشرق الأوسط وأوكرانيا. هؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام إحصاء إداري، بل حاملين لخبرات متراكمة من ساحات النزاع والتغطية الميدانية. بعضهم نشر رسائل وداع مؤثرة تحدثت عن "رحيل هوية مهنية".

تمثل هذه التسريحات، خاصة في الأقسام الدولية، نزيفاً للخبرة والذاكرة المؤسسية. فالصحافة لا تُقاس بعدد الزيارات فحسب، بل بعمق الفهم والاستمرارية.

ردًا على موجة التسريحات والانتقادات العنيفة من داخل غرف التحرير وخارجها، استقال رئيس الصحيفة التنفيذي والناشر ويل لويس، الذي تولى المنصب عام 2023 بهدف إعادة هيكلة المؤسسة وتحسين وضعها الاقتصادي، لكنه وجد نفسه وسط انتقادات لأسلوبه في الإدارة، لا سيما غيابه عن إعلان التسريحات واتهامات بتقليل الدعم للصحفيين.

بعد استقالة لويس مباشرة، أعلن تعيين جيف دونوفريو (المدير المالي السابق) ”ناشراً ورئيساً تنفيذياً بالنيابة"، في محاولة لإعادة توجيه الصحيفة واستقرارها بعد زلزال المغادرين والمنتقدين.

تشير استقالة القيادة إلى اعتراف غير مباشر بفشل إدارة التوازن بين الاقتصاد والدور العام. فعندما تُدار صحيفة بتاريخ واشنطن بوست بعقلية شركة تقنية، تتحول الحقيقة إلى بند في الميزانية، لا قيمة عليا.

وكان جيف بيزوس قد أجرى سابقاً تغييرات في السياسة التحريرية، بما في ذلك تعديل صفحات الرأي للدفاع عن "الحريات الشخصية والأسواق الحرة"، مما أثار جدلاً حول استقلالية التغطية وحرية التعبير. كما أدّت موجة من القرارات في عامي 2024–2025، من بينها امتناع الصحيفة عن تأييد مرشح في الانتخابات الرئاسية، إلى خسارة اشتراكات وربما ثقة بعض القرّاء، ما زاد الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الحالية.

أن هذه التطورات تعتبر صدمة في الوسط الصحفي الأمريكي والعالمي، لأنها تجسد اندفاع المؤسسات الإعلامية التقليدية نحو إعادة هيكلة جذرية، وصراع بين من يراه خطوة ضرورية في العصر الرقمي ومن يعتبره تراجعاً عن دور الصحافة في مراقبة السلطة، ويخلق نقاشاً حاداً حول استقلالية المؤسسة الإعلامية عند تدخل المالكين وأولويات السوق.

تركيبة هذه التغييرات تمنح صورة واضحة عن التحديات التي تواجه الإعلام التقليدي اليوم، بين الحفاظ على الهوية المهنية والبقاء اقتصادياً في عصر المعلومات الرقمية. وهي ليست مجرد أزمة داخل مؤسسة إعلامية كبرى، بل علامة فارقة في تحوّل أوسع يضرب قلب الصحافة الغربية.

ما يحدث اليوم يطرح أسئلة مقلقة: هل ما زالت الصحافة قادرة على تمويل التحقيقات التي تُغضب السلطة؟ وهل يمكن لمؤسسة إعلامية كبرى أن تبقى مستقلة وهي مملوكة لأحد أبرز رواد الأعمال في العالم؟ وهل مازالت الصحافة قادرة على مراقبة السلطة في عصر المنصات والخوارزميات؟ وهل يتحمل القارئ جزءاً من المسؤولية حين يفضّل السرعة على العمق؟

الخطر الحقيقي ليس في إغلاق مكاتب أو تسريح صحفيين، بل في تطبيع فكرة أن الصحافة وظيفة خدمية لا دوراً ديمقراطياً.

خاتمة: ما وراء الأرقام، ذاكرة تتبخر

واشنطن بوست لم تكن مجرد صحيفة ناجحة، بل كانت ذاكرة سياسية حية، وشاهداً على قدرة الكلمة على محاسبة أقوى الرجال في الدولة. إن تقليص التغطية الدولية يعني عملياً انسحاب عين صحيفة محترفة من مساحات ملتهبة. فحين تُدار التغطية من غرف أخبار بعيدة، تتحول الحروب إلى أرقام وتصريحات مجردة، لا قصص إنسانية. ويؤدي الأعتماد على وكالات الأنباء بدل التحقيق الميداني، إلى اختلال التوازن الجغرافي وتسطيح السرد.

لطالما كانت واشنطن بوست جزءاً من "السلطة الرابعة"، لا مراقباً محايداً فحسب، بل خصماً عنيداً للسلطة حين يلزم. ما يحدث اليوم يهدد هذا الدور بثلاث طرق: تقليص التحقيقات الاستقصائية مكلفة الوقت والجهد، وتخفيف نبرة النقد خوفاً على الإيرادات، وتسويق "الصمت" كحياد في أوقات تستدعي المواقف الواضحة.

التحدي الأكبر، إذن، ليس بقاء واشنطن بوست كعلامة تجارية، بل بقاء الفكرة التي تمثلها: أن الصحافة حجر الزاوية في مساءلة السلطة، بغض النظر عن ثمن ذلك.

***

جورج منصور

من الحروب الطويلة التي نتغافلها هي حرب المئة عام بين فرنسا وإنكلترا (1337 - 1453) التي يُقال إنها إستمرت لأكثر من (116) عام. وتسببت بملايين الوفيات وصاحبها الطاعون والمجاعات.

داحس والغبراء بين عبس وذبيان وهما فرعان من قبيلةغطفان، والقتلى فيها أكثر من (400) بقليل، وأصلح بينهما الحارث بن عوف الذي تكفل بالديات.

وحرب البسوس التي وقعت في سنة (494) ميلادية بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها، ضد بني شيبان وأحلافها وقتلاها (710) من الفرسان.

قصة الحربين معروفة ومتداولة ويعاد تكرارها لتعزيز الشعور السلبي لدى أبناء الأمة، بأنها خاضت حروب طويلة على مدى أربعة عقود لأسباب صغيرة.

حربان بين أفرع قبيلة أو قبائل، لم يتجاوز عدد القتلى فيهما المئات، وتم دفع ديات القتلى من قبل أشخاص وإنتهيتا بالتصالح.

حربان حصلتا قبل أكثر من خمسة عشر قرنا، ولا تزال الأبواق المناوئة لوجود الأمة تضخمهما وتحسبهما وصمة عار في جبين الأجيال.

أما حرب المئة عام والتي حصلت قبل ما يقرب من سبعة قرون فلا يجوز ذكرها، وعلينا أن نواريها في طي النسيان، المهم حروب العرب في ما يسمى بعصر (الجاهلية)، عليها أن تبقى تلاحقهم، وهل كانت مجتمعات الدنيا في عصرهم بلا حروب طويلة وعداوات مريرة؟

لا بد من الإنتباه للإنحرافات المقصودة المسوّقة في قراءة التأريخ وإستحضار الأحداث، فالحربان بين القبائل العربية المذكورة، أنظف وأطهر من حرب المئة عام بما لا يُحصى من المرات، وعدد الضحايا لا يمكن مقارنته بعدد ضحايا حرب المئة عام، بشراستها ووحشيتها.

الحربان وقعتا بين قبيلتين أو فروعهما، ولم يشترك فيهما كل العرب ليتم تعميمهما عليهم، علينا أن ننظر بعيون واعية وعقول يقظة، فلماذا نكرر ما يُراد لنا أن نكون عليه، وما نحن إليه بصلة حقيقية.

وقعت الواقعة بين فروع قبائل ويُقال أن العرب هكذا طبعهم وسلوكهم!!

تنازعَتِ القبائلُ واسْتدامَتْ

تقاتلُ بعضها وبها اسْتقامَتْ

ثراءٌ في مُنازلةٍ لشأوٍ

بما غنمتْ عَساكرُها توالتْ

فما خُضنا حروباً مثلَ غَيْرٍ

ودُمنا في مُعايشةٍ تسامَتْ

***

د. صادق السامرائي

حول قضية الفنانة هند صبري

هذا النصّ للمبدعة اميرة غنيم يلبس قناع الهجاء، لكنه في جوهره قصيدة مديحٍ مقلوبة، تُمارس السخرية السوداء بوصفها أداةَ كشفٍ نفسيٍّ واجتماعيّ. إنّه لا يهاجم النجاح، بل يعرّي البنية التي ترى في النجاح اعتداءً شخصيًّا عليها.

اللافت أنّ كلمة «مؤذية» تتكرّر بوصفها محورًا دلاليًّا، لكنها تنقلب من شتيمةٍ ظاهرة إلى شهادة تفوّقٍ باطنة. الأذى هنا ليس ضررًا أخلاقيًّا، بل صدمةُ تفوّقٍ في بيئةٍ اعتادت التواطؤ على الرداءة. فمجرد الوجود المتقن يصبح «نشازًا» في «جوقة الفاشلين»، وهي استعارة موسيقية دقيقة تُصوّر الوسط الرديء كتناغمٍ زائفٍ لا يحتمل صوتًا صحيحًا.

النصّ يشتغل على مفارقة أساسية: النجاح يُعامَل كجريمة، والتفوّق كخيانةٍ للجماعة. عبارة «الخائنة لحشود الفاشلين» تُكثّف هذه المفارقة، إذ تُحوِّل الخيانة من خرقٍ للقيم إلى خرقٍ لمنظومة الركود. هنا تنكشف آلية نفسية معروفة، حين يعجز البعض عن بلوغ القمّة، يحاولون خفض القمّة إلى مستواهم، أو تشويه من اعتلاها.

السخرية السوداء تبلغ ذروتها في الدعاء بأن «تعمى أعينهم عن النظر إليها». هذا ليس دعاءً عليها، بل اعترافٌ ضمنيّ بأن الألم ليس في نجاحها، بل في عيونٍ ترى وتُقارن. إنّه اعتراف بأن المشكلة كامنة في الشعور بالنقص، لا في موضوع المقارنة.

كما أنّ النصّ يحاكم ثقافة «الوساطة والإخوانيات ومنطق خذ وهات»، فيُبرز النجاح الفردي بوصفه تهديدًا لمنظومات المصالح المغلقة. لذلك يصبح التفوّق «استفزازًا»، لأنه يفضح هشاشة المعايير السائدة.

الكاتبة تتقن لعبة الانقلاب الدلالي، كل عبارة تبدو لومًا هي في الحقيقة وسام. «تتكلّمين اللغات»، «تحصلين على الشهائد»، «تقتنصين مكانة» — هذه ليست تهمًا، بل سردٌ لمكامن التميّز. التكرار المكثّف لعبارة «كم أنت مؤذية» يخلق إيقاعًا ساخرًا يُشبه الهتاف، لكنه هتافٌ يُدين الحاسدين أكثر مما يُدين المحسودة.

في المحصلة، النصّ ليس عن شخصية بعينها بقدر ما هو عن علاقتنا العربية الملتبسة بالنجاح، نحتفي به نظريًّا، ونرتاب منه عمليًّا. إنّه مرآةٌ لجرحٍ نرجسيٍّ جمعيّ، يتألّم كلّما ظهر من يُثبت أنّ الإنجاز ممكن خارج شبكة الأعذار.

هذه السخرية ليست سوداء لأنها قاسية، بل لأنها تكشف منطقةً معتمة في وعينا، حين يتحوّل التفوّق إلى تهمة، يصبح الأذى الحقيقي هو أن تكون عاديًّا في زمنٍ يحتاج إلى الاستثناء.

 بوركت اميرة غنيم، وفقت هند صبري

***

مجيدة محمدي

.......................

النص الاصلي:

سلاما أيتها المؤذية. أعرف أنك لا تستغربين النار التي تضرم حولك من حين إلى آخر لأنك تعلمين تماما كم أنت مؤذية! أجل يا هند صبري، أنت تعرفين حجم الأذى الذي توزّعينه من حولك بسخاء. تعرفين مقدار الألم الذي تنثرينه مع كل نجاح ومع كل فرحة تلوح على وجهك. مجرّد وجودك مؤذ يا هند صبري. وجودك نشاز في جوقة الفاشلين المطبلين لبعضهم البعض. نجاحك يوقظ الإحساس الممضّ بالنقص ويخلخل التوازن المألوف في الأوساط القائمة على الوساطة والإخوانيات واللوبيات ومنطق خذ وهات. نجاحك جدير بأن يحارب بشراسة. كلا، لست بريئة يا هند صبري. فأنت إذ تراكمين النجاح تراكمين الاستفزاز. تضغطين بمنتهى القسوة على الجروح النرجسية وتخرجين أسوأ ما فيها من صديد الشعور المر بانعدام الكفاءة. افففف كم أنت مؤذية يا هند صبري. تصعدين إلى القمم وحدك أيتها الخائنة لحشود الفاشلين؟ تتكلمين اللغات وتتقنين اللهجات وتحصلين على الشهائد الجماعية وتقتنصين مكانة لا مثيل لها في الشاشات العربية؟ من تحسبين نفسك يا هند صبري لتفضحي هكذا وبكل بساطة كل حشود المساكين الذين يطمئنهم أن يعلقوا إخفاقهم على سوء البخت وقلة الفرص؟ لماذا تتعمدين إهانة الفاشلين أيتها المؤذية؟ لماذا تصرين على تذكيرهم ومن دون خطب بالجرأة التي افتقدوها وبالمواقف التي جبنوا عنها وبكل الأشياء الكبيرة التي لم يسعهم الا أن ينظروا إليها من بعيد؟ أجل أنت والله مؤذية يا هند صبري. فماذا نفعل اذا لم تتوبي عن الإذاية؟ وما عسانا نصنع وأنت لا تعتذرين لنا عن نجاحك المؤذي ولا تسألين عنه المغفرة؟ هل من دواء لضحاياك يا هند وما أكثرهم إلا أن يرفعوا أيديهم الى السماء؟ هل من دواء الا أن يسألوا الله شيئا بسيطا: أن تعمى أعينهم عن النظر إليك يا هند حتى يخف عنهم الوجع قليلا؟  وفي الأثناء حذاري أن تكفي عن الأذى يا هند. سلاما أيتها المؤذية.

  أميرة غنيم

 

نشرت قبل ايام مقالة قصيرة حول محنة علم الاقتصاد والاقتصاديين في العراق لاسيما قبل العام ٢٠٠٣. وكنت قبل يومين اطلعت على فيديو يتحدث فيه احد الاشخاص المحترمين وهو كان يتحدث الى جمهوره كما يبدو، ويقسم لهم بالله ان المفردات كذا وكذا غير ضرورية..

ثم اقسم بالله ان من يستلم مائة ألف دينار شهرياً يستطيع ان يدخر منها سبعين ألفاً ويكتفي بثلاثين ألف دينار فقط !!

اود ان اسأل حضرة ذلك الرجل: كيف استطعت تحديد ماهو ضروري وماهو غير ضروري؟؟

ماهو غير ضروري لك قد يكون شديد الاهمية لغيرك. لايمكن لك ان تختزل رغبات الناس وامزجتهم بشخصك الكريم.

في تلك اللحظة تخيلت عالم الاقتصاد الكبير الفريد مارشال وهو الذي يعود اليه الفضل في تطوير حسابات مرونات العرض والطلب الدخلية والسعرية (والتي نستند اليها بشكل اساسي في تقدير مدى كون السلعة ضرورية او غير ضرورية او كمالية)، تخيلت الرجل وهو يتعذب في قبره على هذا الاهمال وعدم الاحترام لمنتجاته العلمية التي يتبناها العالم ماعدا بعض المناطق النائمة التي انفصلت عن الواقع وأخذت تهذي بطريقة استفزازية لاداعي لها لأنها لن تخدم أحداً. الفرد يعرف ويشعر بماهو ضروري او غير ضروري . لا نحتاج الى العودة الى ثقافة الحصار الاقتصادي في التسعينيات التي بموجبها ظهر وزير التجارة السيد محمد مهدي صالح بصحبة وزير الصحة لكي يقولا لنا ان تناول البيض خطر على الصحة وكذلك تناول اللحوم ومن الافصل تركهما !!

الجمهور لديه حد ادنى من الوعي الفطري على الأقل وهو يستطيع التقدير افضل من اي شخص. نحن كباحثين لانتدخل في فرض تعاريف نقدمها للجمهور لكي نخبرهم عن ما هو ضروري وماهو غير ذلك.

نحن نراقب سلوكهم احصائيا ونراقب تصرفاتهم تجاه تغير اسعار السلع او تغير دخولهم وكيف يتصرفون من حيث زيادة او خفض استهلاكهم من السلع والخدمات استجابة لتغيرات الاسعار والدخول. وبناء على تلك المشاهدات الاحصائية نستطيع ان نستنتج تقييمات الأفراد لما هو ضروري او غير ضروري من وجهة نظرهم المستقلة.

اما اذا تدخلت جهة مسيطرة وقررت بالنيابة عن الأفراد ماهو ضروري وماهو غير ضروري، فتلك ستكون سياسة التقنين والحصص والتي تشبه ادارة معسكرات اللاجئين او الاسرى او السجناء. حيث ان اولئك المذكورين اعلاه ليس لهم حق المطالبة بما يعجبهم ويأخذون مايقدم لهم فقط.

توجد مسوحات دخل ونفقات الأسرة وهي التي يعوّل عليها وعلى بياناتها في احتساب مرونات الطلب على السلع والخدمات وبالتالي تصنيف السلع (من وجهة نظر المستهلك) باعتبارها ضرورية او كمالية..

الاقتصاد العراقي من المفترض انه يدار الآن وفق آلية السوق الحرة وهذه التوجهات لاتتناسب مع آليات السوق الحرة.

***

د. صلاح حزام

تراجعت الولايات المتحدة إلى أدنى مرتبة لها في تاريخ مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، وهو مقياس عالمي يعتمد على آراء الخبراء ورجال الأعمال لتقييم الفساد في القطاع العام.

 فقد خسرت أقوى ديمقراطية في العالم ترتيبًا آخر في العام الماضي 2025، حيث احتلت المركز التاسع والعشرين من بين 182 دولة، وهي أدنى مرتبة للولايات المتحدة منذ عام 2012، عندما أعيد تصميم المؤشر بمنهجية جديدة بعد إنشائه لأول مرة عام 1995.

حاليًا، تحتل الولايات المتحدة مرتبة مماثلة لجزر البهاما، وتتأخر عن دول مثل ليتوانيا (المركز 28)، وبربادوس (24)، وأوروغواي (17). هذا التراجع المستمر في تصنيف الولايات المتحدة على مدى العقد الماضي يثير تساؤلات جادة حول قدرتها على مكافحة الفساد، خاصة بعد سياسات إدارة ترامب التي قوضت جهود الحكومة الفيدرالية للتحقيق في قضايا الرشوة الأجنبية وتقليل تطبيق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

إضافةً لذلك، أدت تصرفات الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) إلى إضعاف المؤسسات واستغلال صلاحيات الحكومة لمهاجمة خصومه السياسيين. وقد ساهم ذلك في تحقيق الولايات المتحدة أسوأ نتيجة لها على الإطلاق في أحدث مؤشر لمكافحة الفساد، حيث سجلت 64 نقطة على مقياس يمتد من 0 (فساد شديد) إلى 100 (نزاهة كاملة).

(منظمة الشفافية الدولية) أعربت عن قلقها البالغ إزاء هذا المسار المتدهور الذي تلاحظه في الولايات المتحدة. وأكدت على أن التطورات السلبية التي تؤثر على استقلال القضاء واستهداف الأصوات المستقلة زادت من تعميق المشكلة. وأشار التقرير أيضًا إلى أن ضعف تطبيق قوانين مكافحة الفساد وقلة الدعم المقدم للمجتمع المدني أسهم بشكل كبير في إبطاء الجهود العالمية لمكافحة الفساد.

ولكن الولايات المتحدة ليست وحدها. فقد تفاقم الفساد أيضًا في دول ديمقراطية أخرى مثل كندا والمملكة المتحدة. إذ وصلت المملكة المتحدة إلى أدنى مستوى لها في المؤشر برصيد 70 نقطة بعد تراجع مستمر لمدة عقد كامل، لكنها ما زالت تحتفظ بالمركز العشرين على الرغم من استمرار المخاوف حول الشفافية والنزاهة السياسية.

في المملكة المتحدة، سلط التقرير الضوء على تأثير التبرعات الكبيرة للأحزاب السياسية والتعيينات المثيرة للجدل التي تشوبها علامات استفهام. ولفت الانتباه أيضًا إلى التحقيقات الجنائية الجارية المتعلقة بمسؤولين حكوميين سابقين لصلاتهم بفضائح مالية وأخلاقية كبرى.

كما دعا رئيس فرع منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة الحكومة إلى اتخاذ تدابير صارمة للتصدي لتأثير الأموال الطائلة على السياسة.

على الصعيد العالمي، أشارت الإحصائيات إلى انخفاض عام في متوسط النقاط لمؤشر مدركات الفساد إلى أدنى مستوى له وهو 42 نقطة، مما يعكس فشل العديد من الدول في ضبط معدلات الفساد. على الرغم من ذلك، تصدرت الدنمارك المؤشر مرة أخرى هذا العام برصيد 89 نقطة، تليها فنلندا وسنغافورة بصفتهما من أنظف القطاعات العامة في العالم.

وأوضحت منظمة الشفافية الدولية أن النتائج المرتفعة لبعض الدول لا تعني بالضرورة غياب الفساد بشكل كامل، حيث تواجه بعض القطاعات الخاصة في دول مثل سويسرا وسنغافورة انتقادات لدورها في تسهيل عمليات غسل الأموال الدولية... فمتى يتراجع في بلدنا ؟.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

كاتب واعلامي

........................

https://edition.cnn.com/2026/02/10/business/corruption-index-transparency-international-united-states-intl?utm_source=cnn_In+Case+You+Missed+It+-+

أحيانًا يعجز القلم عن كتابة حرفٍ واحد، لا لأنّ اللغة خانته، بل لأنّ الداخل مزدحم أكثر مما يبغي. تتراكم القراءات وتتكاثر الكتب، تمتدّ الرفوف صحاري من الورق ويقف العقل حائرًا، يتلاشى اسمه بين آلاف الأسماء، عندها لا يعود السؤال: ماذا أكتب؟ بل، من أكون وسط هذا الضجيج المعرفي؟، تظنّ أنك كلما قرأت اقتربت من ذاتك، لكنك تكتشف أنك تبتعد أكثر، واقفًا أمام مرايا متقابلة لا تنتهي، تنتصر تارة حين تظفر بفكرة، وتحبو تارة حين تخونك العبارة، ثم تستقيم فجأة، كأنّ شيئًا خفيًا أعاد ترتيبك من الداخل.

إنها لعبة الأضداد، واقعٌ يجرّك إلى الأرض، وخيالٌ يشدّك إلى السماء، وأنت بينهما خيطٍ مشدود، بين عالمين في غرفةٍ صغيرة يبدأ كلّ شيء، سريرٌ جانبي على الشطر الأيمن، جدارٌ باهت، نافذة مغلقة، وظلامٌ خافت يجثم ضيفٍ ثقيل على صدرك، تحاول أن تغمض عينيك في سلامٍ مؤقت حتى الصباح، النوم هدنة قصيرة مع الحياة، تتمنى أن تبحر بعيدًا، أن تخلع جسدك كما يُخلع معطفٌ ضيق، وتصعد نحو الفضاء المتسع، نحو السماء العالية التي لا تحدّها سقوف، وفجأة تشعر بتوسّع حدقة العين في دائرة مركبة، ترى بعدها ما لا يُرى، لا مسافة ولا زمن، فقط انكشاف.

ألوانٌ لا تشبه الأحمر ولا الأزرق، أطيافٌ بلا أسماء، تدور في حلزونٍ كوني وتفتح أبوابًا داخل أبواب، تعبر من عالمٍ إلى آخر بلا خطوات، وعيٌ محض يتنقّل بين طبقات الوجود، ثم تنقضّ الغرفة عليك، لا تتحرك، لكنها تضيق. الهواء يثقل، الجدران تقترب، الأشياء تغيّر ولاؤها، ما كان صديقًا يصبح خصمًا. وفي بعض لياليها يهبط الجاثوم؛ تلك اللحظة الفاصلة حين يستيقظ وعيك ويبقى جسدك نائمًا. ترى كلّ شيء بوضوحٍ، لكنك عاجز عن الحركة، روحك مسمّرة في لحمها.

ثقلٌ على الصدر، خوفٌ بلا وجه، ووقتٌ لا ينقضي، تقاوم تهزّ رأسك تصارع الغرق وترفض الاستسلام. تقاتل من أجل العودة إلى الحياة، إلى صوتك، إلى نبضك. تتوالى القصص بين الظلام والرعب، بين قلقٍ وسكينة، بين موتٍ وجنازات، وذكرى أمٍّ رحلت، لكنّ حضورها يملأ المكان دفئًا، كأنها تجلس قربك قائلة: لا تخف!.

تضع نفسك في تحدٍّ صغير وبسيط، ألّا تغادر هذه الغرفة مهزومًا، ينساب صوت سورة البقرة في ضوءٍ خفيف، فيهدأ القلب وتستسلم للنوم أخيرًا، ليس هروبًا، بل مصالحة مؤقتة مع نفسك ومع غرفةٍ تعلمك كلّ ليلة أنّ الإنسان بين حلمٍ يرفعه وواقع يختبره، يتكون ببطء ويكتب حياته حرفًا حرفًا حتى لو عجز القلم أحيانًا عن البداية.

***

 فؤاد الجشي

 

كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد، ومن أحاديث الصحفيين، ومن السياسة، ومن الثقافة، ومن التاريخ، ومن النضال، ومن اصوات المكائن، ليحوّلها كلها إلى تقارير صحفية نادرة.

وإذا كانت حكايات الصحافة هي الباقية، فإن فائق بطي هو حكاية الصحافة العراقية، التي سنعود إليها كلما أخذنا الحنين إلى زمن النقاء والرفعة والأناقة في اللفظ والسلوك والوجدان.

عاش فائق بطي تقاليد ومعان لصحافة متميزة، تنفرد في البحث والكتابة والاستقصاء والضحكة والنصيحة والابوة الحانية، كلما أراد شدنا إلى عالم النقاء وصفاء المعنى.

لا أريد أن أصبح "براسكم" ضليعًا في شؤون الصحافة، ونحن على اعتاب مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة العراقية تحول فيها نائب نقيب الصحفيين الى نقيب بالاجماع وارتضى السيد نقيب الصحفيين بمنصب النائب الاول، ولانني ما أزال خارج قلعة نقابة الصحفيين، اتمنى ان يتذكر جنابك أنّ عدد أعضاء نقابة الصحفيين في العراق تجاوز الخمسة عشر ألف، طبعا هذا الرقم يفوق بأرقام كبيرة عدد المسجلين في نقابة الصحفيين في مصر!، والأمر بالتأكيد لا يقتصر على نقابة الصحفيين وإنما يشمل العديد من النقابات التي تضم عدد هائل من الاعضاء.

وأعود إلى معشوقتي الصحافة التي ما تزال تعاني من الأسوار الشائكة التي يضعها المسؤول العراقي بينه وبينها، في الوقت الذي تجده يهرول وراء الصحف والوكالات الاجنبية، لكنه في الوقت نفسه يستنفر قوّاته، حين يشعر بأن الصحافة تتلصص على مشاريعه الوهمية، هذا المسؤول ستجده في الايام الأخيرة يتغنى في نتائج انتخابات نقابة الصحفيين.

ما تحتاجه الصحافة في العراق اليوم لا يتعلق بانتخابات تُستبدل بها المراكز، وإنما بحماية لحقوق الصحفي وبقانون تقاعد يضمن لعائلة الصحفي عيش كريم، بحرية في الحصول على المعلومة، بالوقوف بوجه مشاريع القوانين الجائرة مثل قانون حرية التعبير، بالدفاع عن الصحفيين الذين تتم مطاردتهم من قبل الاحزاب وكبار المسؤولين. ان هذه المطالب ليست استجداءا، ولا هي مكارم تتفضل بها السلطة، انها حقوق على لجنة الثقافة والاعلام البرلمانية ان تسعى لتنفيذها وان تحمي وتدعم الصحفيين الحقيقيين، وليس الفضائيين الذين ينهشون بجسد صاحبة الجلالة.

لو سألنا اليوم أي مواطن عراقي عن رأيه وهو يسمع أن الصحافة استطاعت أن تزيح مسؤول عراقي من منصبه، وأنها تمكنت من وضع سراق اموال الكهرباء خلف القضبان، وان الدولة استطاعت ان تعيد مئات المليارات دخلت جيوب حيتان السياسة، فقد يموت قهراً أو ضحكاً، ما ذنب الصحافة يا سادة، اذا قررت نقابتها العتيدة استبدال السيد النائب بالسيد النقيب وتنصيب النقيب نائباً.

***

علي حسين

 

تحت وطأة التكنولوجيا بألعابها وتطبيقاتها المتنوعة، انكمشت بشكل ملحوظ مساحة حضورنا في حياة أبنائنا. من كان يصدق أن جهازا بحجم الكف سيتحكم بالصغار فيحرم جلهم من شغب الطفولة اليومي، وبراءة الركض والتسلق، والسطو غير المسلح على ثمار الشجيرات، ناهيك عن الشكوى المستمرة للجيران حين يبرز أحدهم عضلاته على أقرانه؟

بين الأمس القريب واليوم جرى تحول مرعب داخل بيوتنا، حيث يهرع الطفل فور عودته من المدرسة إلى حبس انفرادي أمام شاشة الحاسوب أو نظيراتها من الأجهزة الرقمية. يتنوع استخدامه لها بين الترفيه والتواصل الاجتماعي أو للحصول على المعلومات. وشيئا فشيئا أصبحت التكنولوجيا الرقمية أسلوب حياة، وعالما قائما بذاته تتفوق فيه الشاشة على الواقع.

هناك في الدول المتقدمة، حيث يتم التخطيط لكل شيء وتصنيعه، دق المتخصصون ناقوس الخطر بشأن ما جلبته التكنولوجيا لعالم الأطفال: تم التخلي عن اللعب في الهواء الطلق والأنشطة البدنية الأخرى، حيث تقلص نصف قطر دائرة الطفل- وهو بالمناسبة مقدار المساحة المحيطة بالمنزل التي يتجول فيها الطفل بحرية- بنسبة مذهلة بلغت 90 في المئة. وازداد الميل إلى الحياة الخاملة وما يترتب عنها من سمنة وانخفاض في استهلاك الطاقة. وفي تقرير صدر عن مؤسسة التراث القومي ببريطانيا، ظهر مصطلح " اضطراب نقص الطبيعة" لوصف نمط متوطن من السلوك، يؤكد على انفصالنا لأول مرة عن العالم الطبيعي.

سواء تعلق الأمر باستخدام الأجهزة الرقمية أو بإساءة استخدامها، فإن التحلي باليقظة من لدن الآباء ضروري لتحقيق التوازن بين فوائد العصر الرقمي وتهديداته. ورغم أن المتحمسين من الجانب الآخر يرون في الأمر استباقا لأضرار محتملة، وقد يشوشون حتى على الحجج القائمة على أساس علمي، كالتي عرضتها سوزان غرينفيلد، خبيرة العلوم العصبية، في كتابها (تغير العقل)، إلا أن هناك بالفعل سببا للقلق؛ فهل يعقل أن ننتظر حتى يبلغ الجيل الرقمي سن الأربعين كي نرصد الآثار والمضاعفات؟

على غلاف إحدى المجلات الأمريكية ظهر رسم كرتوني لكلب يكتب على الحاسوب وهو ينظر إلى كلب آخر قائلا: " لا أحد يعرف أنك كلب على الإنترنيت!". ويبدو أنه لخّص ما تسعى عدد من الدراسات لإثارته بشأن الصورة الذهنية الإيجابية التي نطرحها حول أنفسنا في مواقع وشبكات العالم الافتراضي. إن ما يعتري الطفل، بل والراشد كذلك، من خوف وضعف، وأسباب توتر في حياته العادية، يعزز الرغبة في إعادة اختراع شخصية متكاملة، فيحرص أثناء تفاعله مع المشاهدة الرقمية على عرض المميزات واللحظات الإيجابية، واستبعاد الجوانب السلبية والأوقات السيئة. هذا التصوير المثالي للذات يؤدي في النهاية إلى طغيان شخصيته الافتراضية، فيتولد لديه شعور يُعرف ب "فومو Fomo" أو الخوف من الفقد. يقول مارتن.إل. كوتشر، مؤلف كتاب (أطفال العصر الرقمي):

"هذا العالم الافتراضي يشبه الحفلات والأعياد التي نتلقى فيها بطاقات التهنئة، ثم سرعان ما تنتهي تلك الأوقات ليتولد شعور يمكن ترجمته كالآتي: حياتي تبدو كئيبة للغاية، وعديمة الإعجاب مقارنة بحيوات الآخرين."

يتحول البحث المستمر عن الإعجاب والردود الإيجابية إلى إدمان. ومع كل نقطة دوبامين يجري إفرازها يصير الطفل أشد نهما للمزيد، وتلك إحدى سمات السلوك الإدماني التي يمكن رصدها من خلال أربعة معايير هي:

- الاستخدام المفرط المقترن بفقدان الإحساس بالوقت.

- ردود الأفعال المصاحبة لمحاولة التوقف، وتشمل الغضب والتوتر والإحباط.

- الانغماس، ويعني احتياج الطفل لجرعة زائدة كل مرة لتحقيق النتيجة نفسها.

- التبعات السلبية مثل الكذب والعزلة الاجتماعية وضعف الأداء (1).

إن حديث المخاوف والأضرار ليس دعوة للعيش بمعزل عن التكنولوجيا، فهذا ادعاء لا يمكن أن يصدر عن عاقل في هذا العصر الذي يشهد ثورة رقمية هائلة. وبينما تبدي عدد من الأسر انزعاجها من استخدام الأطفال المتزايد للمشتتات الرقمية، كما تصفها فرنسيس بووث، فإن النظم التعليمية تسابق الزمن لتعميم التكنولوجيا في صفوف المتعلمين. ألا يبدو الأمر مفارقا؟

ليست المشكلة مع التكنولوجيا، تقول بووث، وإنما مع الخوف من الجديد، وثبات ردود أفعالنا تجاه التقدم الحديث. فالإنترنيت يضع تحت تصرف طفلك قاعدة ضخمة من البيانات، ويسمح له بالحصول على المعلومات التي تعد اليوم مفتاح القوة. وعلى شبكة الويب تتداول المواقع قصص أطفال حققوا استخداما مذهلا للمحتوى الرقمي، مثل قصة المراهق الأمريكي الذي قدم طرقا جديدة لاختبار بعض الأنواع الشائعة من السرطان بفضل تصفحه للمجلات العلمية على الانترنيت، والتي ثبتت سرعتها وقلة تكلفتها مقارنة بالطرق المألوفة.

كيف يمكن لطفلك أن يستخدم الأجهزة الرقمية دون أن تستخدمه؟

كيف يمكنه الولوج بأمان إلى عالم غير آمن؟ عالم لا يخلو من القراصنة والمتنمرين، وتجار البشر، ومرتكبي الجرائم الجنسية؟

تحدد الإجابة عن هذه الأسئلة مستوى الوعي الذي ينبغي أن يحكم اليوم علاقة الأسرة بابنها "الرقمي"، وسياسة الاستخدام التي يحتاجها كل بيت لضمان سبل الوقاية، والتقليل من المخاطر.

عادة ما يصنف الباحثون مجموعة المخاطر التي يواجهها الأطفال في العالم الافتراضي إلى ثلاث فئات:

- مخاطر المحتوى: وتشمل كل محتوى غير لائق يتعرض له الطفل، كالصور الإباحية، ومشاهد العنف، والمواد التي تحرض على التمييز والكراهية.

- مخاطر الاتصال: حيث يشارك الطفل في اتصال محفوف بالمخاطر مع شخص بالغ، أو أفراد يسعون إلى إقناعه بالمشاركة في سلوكيات خطرة وغير صحية.

- مخاطر السلوك: حين يشرع الطفل في إنتاج محتوى أو إجراء اتصالات خطرة، كنشر أو توزيع صور جنسية، أو بثّ مواد تحرض على الكراهية (2).

ويذهب علماء النفس التنموي إلى أن التعرض لجزء من هذه المخاطر بات ضروريا للتكيف والصمود، خاصة وأن صناعة التقنية تتطور اليوم بوتيرة تفوق قدرة الآباء على الفهم، بل قدرة الحكومات نفسها على التشريع ووضع الضوابط.

إن الخطوة الأولى في مسار استخدام آمن للأجهزة الرقمية من لدن الصغار تبدأ من مراجعة سلوكياتنا، نحن البالغين. فنحن القدوة لأطفالنا شئنا أم أبينا، ووجودنا إلى جانبهم صار أكثر لزوما من ذي قبل. يتطلب الأمر إذن إمعان النظر في عاداتنا المتعلقة باستخدام الوسائط الرقمية، ووضع قواعد تسري علينا قبل توجيه الأطفال للالتزام بها.

والخطوة الثانية هي وضع تقديرات زمنية لأنشطة المشاهدة الرقمية، مما يسهم في تقليل المحتوى الذي يتعرض له. وينبغي للآباء التحلي بالهدوء في إكساب الطفل مهارة إدارة الوقت، واحترام الجداول الزمنية.

وأما الخطوة الثالثة فهي الحد من تعميم الخصوصية، والتمييز بين ما يمكن مشاركته مع "الغرباء"، وما يجب أن يظل حبيس النطاق الأسري. وللأسف فالوالدان بدورهما يُظهران نقص الوعي بخصوصيات الطفل حين يعرضانها على المشاهدة الرقمية، دون التنبه لما يمكن أن تسفر عنه من أضرار، كالتنمر الذي يمكن أن يستمر لسنوات على شبكة الإنترنيت.

وتقوم الخطوة الرابعة على زيادة الاهتمام بالتثقيف العاطفي، وتعليم الطفل كيفية احتواء مشاعره، والتنفيس عنها بشكل منتظم. وبذلك يترسخ لديه الوعي بأهمية مراعاة مشاعر الآخرين، وربط السلوكيات بالنتائج.

وتتمثل الخطوة الأخيرة في تدريب الطفل على آليات للتعبير عن المواقف المغايرة واختلاف الرأي، بل والمعارضة. وضبط ردود أفعالنا التي غالبا ما يتحكم فيها العناد.

منذ إلغاء الضوابط التنظيمية على الإعلانات الموجهة للأطفال، في ثمانينات القرن الماضي، سعت الشركات المتعددة لغزو خصوصية الأطفال، ودعمت التقنيات الجديدة التي تؤثر على أفكارهم ومعتقداتهم، مما يحفزهم على استخدام مفرط للتكنولوجيا. وضع كهذا يستنفر مسؤوليتنا كآباء لتحييد المخاطر، وتعزيز كفاء التعايش مع غزو رقمي مخيف!

***

حميد بن خيبش

........................

1- مارتن.إل. كوتشر: أطفال العصر الرقمي. ص 125

2- تقرير اليونيسف لحالة أطفال العالم لسنة 2017. ص72

الحقيقة: الشيئ الثابت يقينيا، وحقيقة الشيء: خالصه وكنهه.

الفجيعة: مصيبة مؤلمة

المطلوب من المثقف البحث عن الحقيقة، وغربلة ما يتراكم أمامه من معلومات وإستخلاص الجوهر الكامن فيها، فمهمته كمن يبحث عن إبرة صغيرة في كومة تبن، أو كالذي ينقب عن الذهب في الأوحال. والغريب أن معظم الباحثين يتجنبون الخوض في متاهات إستكشاف الحقائق، لأن ذلك يتسبب لهم بأوجاع ومضايقات وتحديات خطيرة، فيلجأ أكثرهم إلى الصمت أو التواكب مع التيار العام.

قال لي: "الحقيقة مرّة"، ولا يمكن للبشر أن يتجرعها، فهو يبحث عن الأوهام القادرة على تخديره وتنويمه وتحويله إلى موجود منقطع عن واقعه.

العديد من الباحثين والمفكرين ذهبوا ضحايا لأعداء الحقيقة، والمتمسكين بثوابت يقدسونها ويقتلون أي متجاوز عليها، وقائمة أسمائهم تطول، منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم تساقط أنصار الحقيقة أو ضيِّق عليهم وأحيلوا للمحاكم ، وفي مقدمتهم عبد الرحمان الكواكبي الذي تم إغتياله بفنجان قهوة مسموم. وفي التأريخ أسماء تم النيل منها وحرق كتبها ومحاربة أفكارها، وقتلها والتنكيل بها. وفي واقعنا المعاصر أصيبت الحقائق بمقتل، لأن القوة ليست معها بل ضدها، فالأضاليل والأكاذيب تسلطت وتسيّدت على منافذ التفاعلات المعرفية، وأصبحت القوة النارية بأنواعها الحاكم المستبد المطلق القرارات، خصوصا عندما تقترن بالمال الوفير والإستحواذ على ثروات المكان ومَن عليه.

فسدنة الحقيقة في صراع مرير مع الضلال والتضليل!!

وهل صدق الذي قال :"أنا صامت لأني أعرف الحقيقة"؟!!

حَقائقها إذا انْطلقتْ أماتَتْ

فدَعْها في مَكامِنها توارَتْ

بوهْمٍ دامَتِ الدُنيا طويلاً

فلا تعْجَبْ لعاديةٍ توالتْ

فمَنْ نطقَ الصوابَ بها تَداعى

إلى حُفَرٍبأحْياءٍ تَطامَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

حين تعجز الحسابات عن احتواء الإنسان

في عبارة قصيرة، لكن كثيفة كضربة حدس، كتب بليز باسكال: «للقلب أسباب لا يعرفها العقل». جملة لا تُقرأ، بل يُصغى إليها، لأنها تمسّ شيئًا عميقًا في التجربة الإنسانية، شيئًا نعرفه جميعًا دون أن نستطيع دائمًا تسميته. منذ فجر الفلسفة، بدا الإنسان وكأنه ساحة صراع بين قوتين: عقلٍ يريد النظام واليقين، وقلبٍ يطالب بالمعنى والإمتلاء.

في المخيال الفلسفي التقليدي، ظهر العقل بوصفه الحَكَم الأعلى: صارم، موضوعي، بارع في الحساب، قادر على وزن الاحتمالات، وتقدير المخاطر، ورسم الطرق الآمنة. هو الذي يعيد التوازن حين تداهمنا الفوضى، ويمنحنا شعورًا بالسيطرة وسط القلق. أما الشغف، فغالبًا ما قُدِّم على أنه اضطراب، حركة عمياء في الروح، إنفعال يقتحمنا من الخارج، ويجرّنا بعيدًا عن الرشد، نحو المجهول وغير المحسوب.

لهذا السبب، سعت الفلسفات العقلانية — من الرواقية القديمة إلى ديكارت وسبينوزا — إلى تحرير الإنسان من سلطة الانفعالات، وإخضاع الحياة لقيادة العقل وحده. فالسعادة، في هذا الأفق، تُنال حين نصمت القلب وننصت للحسابات.

لكن باسكال يقف هنا موقف المعارض الهادئ، لا ليُسقط العقل، بل ليعيد الاعتبار لما تم إقصاؤه طويلًا: القلب. يخبرنا أن في الإنسان بوصلة أخرى، لا تعمل بالأرقام ولا بالبراهين، لكنها ليست أقل عمقًا ولا أقل صدقًا. هناك قرارات نعرف، في صمتنا الداخلي، أنها صائبة، حتى لو عجزنا عن تبريرها منطقيًا. ليست اندفاعًا أعمى، ولا نزوة عابرة، بل شعور داخلي راسخ، يمنح الفعل معناه ويمنحنا السلام بعد اتخاذه.

كم مرة اخترنا طريقًا لا يبدو «معقولًا» على الورق، لكنه كان الوحيد الذي منح حياتنا طعمها؟ من يترك وظيفة مربحة ليلاحق شغفًا قديمًا، أو من يفضّل البقاء في مكان يحبه رغم ضيق الفرص، يعرف أن الحسابات وحدها لا تكفي لتحديد ما يستحق العيش.

يمضي ديفيد هيوم أبعد من باسكال، حين يعلن بجرأة أن العقل ليس محرّك الأفعال، بل خادمها. العقل، في نظره، يصف العالم كما هو، لكنه عاجز عن أن يقول لنا ما الذي ينبغي فعله. من الواقع لا يُستنبط الواجب، ومن الوصف لا تولد القيم. ما يدفعنا إلى الفعل ليس المعرفة، بل الإحساس: إحساس باللذة أو بالألم، بالقبول أو بالنفور. حتى الأخلاق نفسها، عند هيوم، ليست حكمًا عقليًا باردًا، بل استجابة شعورية عميقة في النفس الإنسانية.

نغفر أحيانًا حين يكون الانتقام هو «الخيار العقلاني». نمدّ يد العون حيث لا فائدة تعود علينا. يترك البعض حياة آمنة ليخاطروا بأنفسهم في مناطق الحروب والكوارث، لا لأن ذلك منطقي، بل لأن في داخلهم صوتًا أخلاقيًا لا يقبل الصمت، شعورًا بالتعاطف لا يمكن اختزاله في معادلة.

العقل يرشدنا إلى الوسائل، لكنه لا يخلق الغايات. الأهداف تولد من مزاجنا، من إحساسنا الداخلي بما يستحق العناء. وربما لهذا السبب قال هيغل — الفيلسوف الذي جعل من العقل روح التاريخ — إن الشغف ليس نقيض الأخلاق، بل محركها الخفي. فالعالم، كما يذكّرنا، لم يشهد إنجازًا عظيمًا دون شغف، دون اهتمام عميق يدفع الإنسان إلى تجاوز السكون.

هكذا، لا يعود القلب خصمًا للعقل، بل شريكه الصامت. العقل يضيء الطريق، لكن القلب هو من يختار الإتجاه. ومن دون هذا التوتر الخلاق بينهما، يفقد الإنسان شيئًا جوهريًا: قدرته على أن يحيا لا فقط بما هو صحيح، بل بما هو جدير بأن يُعاش.

***

محمد إبراهيم الزموري

سأل احدهم: لماذا يدافع المحامي عن المُجرم؟

والواقع انه سؤال قديم رافق مهنة المحاماة منذ نشأتها، وفيه مغالطة تستند على إستدلال غير صحيح، وللإجابة عن هذا السؤال لابد أن نتناول ابتداءاً التاريخ الفكري للمحاماة ومن ثم نجيب عن هذا السؤال التاريخي في فقرة فلسفة المحاماة؟

اولاً: التاريخ الفكري للمحاماة

منذ ما يقارب 2500 عام، كان الفلاسفة ينظرون إلى المحاماة،  بعين الريبة، بإعتبار إن المحاماة شكلاً من اشكال الخطابة الممقوتة عند الفلاسفة، فالحكيم الحق عندهم لايختلط بالجمهور، ولايدخل المحاكم، ولايتلقى اجراً عن عمله الفكري، وهكذا تم وصف الفلاسفة لاحقاً انهم انما يعيشون في البرج العاجي، للتأمل الفكري وانتاج الأفكار بعيداً عن مشاغل وتشويش الحياة اليومية.

ففي الفلسفة البنّاءة التي أرساها أفلاطون، ضد الفلسفة السفسطائية(1) بإعتبارها أصل إنتعاش فن الخطابة، يُعدّ المحامي (الخطيب) نقيض الفيلسوف: لا يهمه سوى إقناع جمهوره، بأي وسيلة كانت، بالرأي الذي يدافع عنه اليوم، وهو رأي قد يعارضه غدًا بكل سهولة.

ولكن هذه النزعة لم تلق قبولاً في الفلسفات اللاحقة بعد تطور الفكر الانساني وظهور فكرة المساواة بين المتقاضين أمام القضاء، خاصة وإن السفسطائية اعترف بها كفلسفة تمثل اتجاه معين في الفكر الانساني.

وبتأثير فلاسفة وحكماء أثينا وقضاتها بدأت تدريجيا تظهر قواعد عرفية وأخلاقية لممارسة مهنة المحاماة، فقد أعلن الفلاسفة الرواقيون جهرة أن القوانين يجب أن تتفق مع المبادئ الخلقية القويمة، وإن الجريمة كامنة في نية المرء لا في نتيجة عمله. بل أُعتبرت المحاماة جزءاً من تطبيقات الفلسفة، فلسفة العدالة ونظام الإجراءات القضائية.

ففي عهود الرومان كان شيشرون يستحضر المحامي والفيلسوف كوجهين لعملة واحدة، وجاء في القاعدة 26 من مدونة جستنيان: (مهمة الدفاع جديرة بكل ثناء .. ﺇﻧﻬﺎ ﻣﻥ ضرورات الإجتماع والقائمون بها يجب مكافئتهم بكل سخاء).

وعلى هذا النحو بدأت تدريجياً تتضح ملامح مهنة المحاماة، من مجرد مساعدة مجانية يسديها صديق لصديقة ابتداءً، إلى مهنة متكاملة مدفوعة الأتعاب بعد أن تزايد الطلب عليها.

وقد كرم أباطرة الرومان هذه المهنة واهتموا بها اهتماماً بالغاً، فقد أصدر  الإمبراطور الروماني أفطيموس شرعة تساوي ﻓﻴﻬﺎ بين المحامين ورجال الجيش الذين كانوا ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻭﻡ جاها وأرفعهم شأناً قائلاً:

(لا فرق بين الذين يحمون دمار الدولة بحد السيوف وبين الذين يذودون ﻋﻥ حقوقها وحقوق ﺃﻓﺭﺍﺩﻫﺎ بألسنتهم وأقلامهم).

كان كل أب يعز أبناءه يتوق إلى أن يرى ابنه محامياً، وكان القانون وقتئذ، كما هو الآن الطريق الموصل إلى المناصب العامة، ولذلك كان يقام احتفال مهيب للشباب المتقدمين للعمل كمحامين وكان آباؤهم يرافقوهم في مواكب حافلة إلى مقر مجلس الأعيان ويقدمونهم إلى أعضائه الذين يقررون قبول أولئك الشبان في سلك المحاماة.

وجاء في كتاب لبترونيوس (كاتب وسياسي وفيلسوف من روما القديمة)، ان أحد الأشخاص أعطي لابنه طائفة من الكتب ذات الظهور الحمراء "ليتعلم قليلاً من القوانين لأن (القانون يأتي بالمال).

وكان طالب القانون يبدأ بدراسة المبادئ القانونية على يد معلم خاص، ثم يشهد في المرحلة الثانية الاستشارات التي تعرض على أعلام فقهاء القانون، ويتمرن بعدئذ عند محام يترافع في القضايا.

وأنشأ بعض المستشارين القانونيين في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد مدارس في أحياء مختلفة من مدينة روما يعلمون فيها القانون أو يصدرون فيها فتاوي قانونية.

وشكا احد الآباء من ارتفاع الأجور التي كان يفرضها هؤلاء الفقهاء، ويقول إنهم كانوا يتقاضون ثمن تثاؤبهم نفسه.

وكان هؤلاء المعلمون يسمون (أساتذة القانون).

ويرى ويل ديورانت أن لفظ أستاذ (Professor) قد أطلق عليهم لأنه كان يطلب إليهم أن يعلنوا (Profiteri) أي عزمهم على أن يعلموا وأن يحصلوا بعدئذ من السلطات العامة على ترخيص بممارسة هذا العمل.

وفي عصر الإمبراطورية البيزنطية، اقتربت المحاماة من شكلها المعروف في العصر الحديث، بعد ان كانت الإجراءات الشكلية عقبة في طريق التقدم القانوني حتى سنة (140ق.م) حيث استحدث البريتور تعديلات قضائية هامة تحقيقاً للعدالة وحماية للحقوق التي تضيع بسبب هذه الإجراءات، فوضع قانون (أبوتيا)، الذي اباح سماع الخصوم دون إجراءات شكلية، كما سبق البيان.

ويرجع إنشاء أول نقابة للمحامين في التاريخ إلى عهد الإمبراطور الروماني الشهير جستنيان الأول (527 ــ 565 م) لمراقبة أعمال المحامين وبحث مشاكلهم والعمل على تحقيق مصالحهم، ولتمييز الوكلاء بنوعيهم، الوكيل المدني والوكيل بالعمولة، عن الصناع والتجار.

وقد ازدهرت الحياة القانونية عصر جستنيان وانتشرت مدارس القانون واستقر التنظيم القضائي، وأضحت المحاماة في عصره مهنة لها كيانها في الدولة لا يستطيع أن يعمل بها إلا أصحاب الكفاءات العليا، لما تتطلبه من الإلمام التام بشتى مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكان لزاماً على المحامي قبل مزاولته للمهنة أن يقسم على الإنجيل بأن يراعي العدالة ويؤدي واجبه بأمانة, وعلى محامي المدعي أن يشرح دعواه مستنداً على أسس قانونية وعلى محامي المدعى عليه إن لم يقر المدعي على طلباته أن يبرر عدم صحة ادعاءاته.

يتضح مما تقدم إن المحاماة كانت، ولا تزال، قرينة الخطابة والبلاغة والمنطق والعلم، فالمرافعة الشفهية ما هي في الواقع إلا خطبة قضائية، أما المرافعة المكتوبة فهي تجسيد للمنطق والعلم القانوني والقضائي، وإنها متى وجدت في مجتمع ما، لابد أن يوجد معها ما ينظمها من القواعد والتقاليد وان كانت عرفية تنمو وتتطور مع تطور المحاماة.

ثانياً: فلسفة المحاماة

الفكرة الأساسية هي ان المحامي يدافع عن المتهم وليس عن المجرم!. اي  قبل مرحلة الإدانة والتجريم في مرحلة اعتباره بريئا لأن (المتهم برئ حتى ثبت ادانته من محكمة مختصة وتراجع كافة طرق الطعن)

ذلك ان الانسان العادي اذا اتهم بجريمة قتل او غيرها وقد يكون بريئاً وقد تكون الدعوى كيدية انتقامية ولايجيد التعامل مع المحاكم ولا القوانين ولا يعرف حتى معنى المواد القانونية التي أُحيل بها للمحكمة

وقد يكون خصمه لبقاً محنكاً يقدم مايفيده من الأدلة وبخفي ما يضره او يدينه. بينما المتهم قد يكون انساناً بسيطاً لاعهد له بالتعامل مع القضاء. وهكذا بوجود المحاماة تحقق  المساواة بين المتقاضين فلايكون هناك طرف قوي وطرف ضعيف امام ميزان العدالة

وياما في السجن مظاليم بسبب عدم الخبرة في الدفاع ويعبر عنهم في الادبيات القانونية والقضائية ب(ضحايا العدالة) فيأتي المحامي ليقرأ اوراق الدعوى والأدلة المتحصلة ويناقش الشهود ليصل الى الحقيقة القانونية ويعرضها على المحكمة فإذا اقتنعت المحكمة بدفوعه حكمت ببراءة موكله وبخلافه يحكم عليه

قال قاض قديم: ان المحامي (محامي المتهم ومحامي المشتكي) يسهلون علينا امور النظر في الدعوى فهم يناقشون ادلة الطرفين ويناقشون الشهود سواء كانوا شهود اثبات او شهود نفي بموجب نقاش قانوني منطقي ومرتب

والقاضي يصل الى قناعته القضائية بعد الاطلاع على اوراق الدعوى ودفوع المحامين ليصل الى القرار والحكم العادل ولولا المحاماة لأصبحت مهمة القاضي شاقة جداً ولأخدت الدعاوى اوقاتاً طويلة للفصل فيها .....

ثالثاً: معضلة قانونية تاريخية

وتسمى المعضلة المضادة أو مفارقة بروتاگوراس.

في اليونان القديمة، كان المحامون يتعلمون مهنتهم بالتتلمذ على يد محامٍ مرموق، وكان السفسطائي الشهير بروتاگوراس أحد هؤلاء المحامين. يروي الكاتب اللاتيني أولوس غيليوس هذه القصة في كتابه "ليالي أتيكا" انه كان هناك شاب واعد يدعى يواتلس يرغب بدراسة المحاماة، ولكنه كان فقيراً ولم يكن قادراً على دفع تكاليف دروس بروتاگوراس، فقبله الأخير تلميذاً بعد إبرام الاتفاق التالي:

أن يسدد يواتلس تكاليف الدروس التي تلقاها بمجرد فوزه في أول دعوى قضائية له.

بعد إتمام تدريبه، لم يمارس يواتلس المحاماة وفضل الاتجاه للعمل في السياسة، ورفض دفع أتعاب بروتاگوراس. فبدون ممارسة المحاماة، لم يكن ليتمكن من كسب أي قضية. ولأنه لم يفز بأي قضية، شعر بأنه لا يدين بأي مال لأستاذه. عندها رفع بروتاگوراس دعوى قضائية ضده لإجبار تلميذه على دفع مستحقاته، لأن الاتفاق بني على أن يمارس يواتلس المحاماة ثم التقرير فيما إذا انه يستحق أتعابه اما لا.

عرض الاستاذ بروتاگوراس قضيته على النحو التالي:

إذا خسر طالبي يواتلس الدعوى، فسيتعين عليه دفع أتعابي، لأني قد ربحت القضية. أما إذا ربح يواتلس، فسيكون قد ربح قضيته الأولى، وبالتالي سيتعين عليه دفع أتعابي ايضاً وفقًا للإتفاق الذي تم بيننا في العقد الأصلي. (بمعنى ان بروتاگوراس سيستحق اتعابه سواء كسب الدعوى او خسرها)

أما يواتلس، فقد دافع عن موقفه قائلاً: إذا ربحت القضية، فلن أضطر إلى الدفع، لأن استاذي بروتاگوراس سيكون قد خسر دعواه التي تستوجب الدفع.

أما إذا خسرت، فلن أضطر إلى الدفع أيضاً، لأن العقد الأصلي كان ينص على أني لن أدفع أتعابه إلا بعد فوزي في القضية، وانا لم أفز بأي قضية حتى الآن.

التفسير القانوني

في نهاية المطاف، كيف ينبغي الحكم على هذا الصراع؟

ولحل هذه المعضلة، التي طرحت ولاتزال تطرح الى اليوم في امتحانات الدراسات العليا في الدول الأوربية، عدة حلول، لأن مجلس اثينا لم يتبنى حينها حلاً وترك القضية مؤجلة الى أجل غير مسمى.

يرى البعض انه يجب على القاضي أولاً أن يحكم لصالح يوالتس، عندها فقط يُمكن لبروتاگوراس رفع دعوى أخرى، لتحقق الشرط.

في الواقع، إذا اخذنا بقانون العقد والتزاماته مضافاً إليه الشرط الإتفاقي، سيجد القاضي نفسه في موقفٍ يكون فيه الحكم الذي يُصدره دائمًا عكس ما ينبغي أن يكون: فلكي يُعلن فوز بروتگوراس، عليه أن يعتبره خاسرًا، والعكس صحيح. وهذه حلقة مفرغة من نوع حلقة الكاذب الكريتي.(2)

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026/2/9

..........................

1-السفسطائية (Sophism) وتعني المعلم وهي مذهب فكري وفلسفي ظهر في اليونان (القرن 5 ق.م) على يد معلمين تجولوا لتدريس الخطابة والسياسة مقابل أجور.عارضهم سقراط وأفلاطون بشدة بسبب إنكارهم للحقيقة المطلقة، وبيعهم للعلم.

2- الكاذب الكريتي هي معضلة منطقية قديمة تعود للفيلسوف إبيمينيدس، الذي قال: "جميع الكريتيين كاذبون". بما أن إبيمينيدس كريتي، فهو كاذب وهذا يعني ان اهل كريت صادقون، وبما انه كريتي فهو صادق، اذاً اهل كريت كاذبون ... مما يدخلنا في حلقة مفرغة

هي مثال كلاسيكي على المفارقات الدائرية أو المرجعية الذاتية.

ساهمت في تطوير المنطق، الفلسفة،وعلوم الحاسوب، وناقشها فلاسفة مثل أرسطو، وبرتراند راسل، وتم تناولها في محاولات تأسيس منطق رياضي متماسك.

الحلول: حاول فلاسفة مثل ألفريد تارسكي معالجتها من خلال التمييز بين لغات الموضوع واللغات الوصفية (نظريات الأنماط) لتجنب الإشارة الذاتية المباشرة التي تسبب التناقض.

حين تسوق المؤامرة كهوية ويشرعن التخلف كدرس

في مقاهي اليأس ومنصات التلاوم، لم تكن قضية "ابستين" صدمة انسانية، بل تحولت الى مهرجان شماتة لدى العقل المتخلف. لم يلتفت الى صرخات الضحايا، بل جرى تحويل المأساة الى صك غفران جماعي، حيث يدان "الغرب المنحل" ليبرأ الداخل الموبوء. بدلا من مواجهة الذات، استخدمت الفضيحة كذريعة لتكرار الاسطوانة: "الغرب منحل". وكان سقوط نخبة غربية يمنحنا رخصة للاستمرار في قمع الطفولة والنساء. هنا، يصبح الانحلال الخارجي ذريعة لتجميد الاصلاح الداخلي، وكان جرائمنا تمحى بمجرد ان الاخر يخطئ.

المفارقة الفاضحة ان الصوت الذي يصرخ مطالبا برجم ابستين، هو ذاته الذي يبارك تزويج القاصرات تحت شعار "الستر". لم يكن رفضهم لفعل ابستين لانه اعتداء، بل لانه خارج منظومة الوصاية الذكورية التي يقدسونها. انهم لا يرفضون الجريمة، بل يرفضون ان ترتكب خارج اسوارهم. وفي وعيهم، ابستين ليس مجرما حاسبه القانون، بل حلقة في "مؤامرة كونية" ضد الاخلاق. هذا التفسير المريح يعفيهم من مواجهة قوانينهم الهشة، ويحول القضية من "انتهاك جسد طفل" الى "صراع حضارات". هكذا يخرجون في اوهامهم اطهر اخلاقيا، بينما واقعهم يشرعن الانتهاكات بنصوص وفتاوى.

لكن الاخطر ان هذا الوعي لا يبقى محصورا في المقاهي او المنابر، بل يعاد انتاجه داخل المدارس والجامعات. التعليم الذي يفترض ان يكون اداة للتحرر، يتحول الى مصنع لتسويق التخلف. المناهج تكرس الطاعة العمياء، وتقدس العادات والتقاليد البالية، وتشيطن اي محاولة للنقد باعتبارها "غزوا ثقافيا". هكذا يتعلم الطالب منذ طفولته ان التفكير النقدي مؤامرة، وان الدفاع عن حقوق النساء والاطفال خيانة، وان العنف جزء من الهوية التي يجب حمايتها.

في قاعات الدرس، تستبدل قيم العقل والحرية بخطاب الهوية المغلقة، حيث يقدم الجهل كفضيلة، والجمود كحماية، والوصاية كقانون طبيعي. كل محاولة لتحديث المناهج او ادخال مفاهيم حقوق الانسان تواجه بالاتهام بانها "مشروع غربي لتدمير قيمنا". وهكذا يصبح التعليم نفسه اداة لاعادة انتاج العنف الاجتماعي، لا لمواجهته.

ان اخطر ما في نظرية المؤامرة انها لا تكتفي بتبرير التخلف، بل تحوله الى مادة تعليمية، تزرع في عقول الاجيال لتصبح جزءا من وعيهم الجمعي. انها ليست مجرد درع يحمي الممارسات التقليدية العنيفة، بل هي منظومة كاملة تحول المدرسة الى حصن للتخلف، وتحول الجامعة الى مصنع لاعادة انتاج الطاعة والخوف.

فضيحة ابستين تكشف الفارق بين مجتمع يراجع نفسه امام الكارثة، ومجتمع يحول الكارثة الى فرصة لتبرير ذاته. في الاول، تصبح الفضيحة مدخلا للاصلاح، في الثاني، تتحول الى ستارة دخان تخفي عورات الداخل. وحين يتبنى التعليم هذا المنطق، يصبح التخلف مؤسسيا، ويسوق للاجيال القادمة كهوية مقدسة لا يجوز المساس بها.

***

محمد الربيعي

بروفسور ومستشار، جامعة دبلن

 

يشكل السلوك التفاعلي للأفراد مع الخطاب الإيحائي غير المصرّح به في الفضاء الرقمي، ووسائل الاتصال، ظاهرة نفسية ـ اجتماعية لافتة، تتكشف فيها أنماط من الفضول القهري، والانحياز العاطفي غير المبني على معرفة، فعندما يستدعى المتلقي إلى مواجهة إساءة مبطّنة بلا تحديد واضح للفاعل أو الضحية، ينشأ فراغ يدفع الجماعة إلى استكمال المعنى بوسائل عاطفية قائمة على التحريض والظنّ والتخمين والانخراط الانفعالي.

تكشف هذه الظاهرة التي تبدو واضحة بشدّة في الوسطين الثقافي والإعلامي عن ديناميات معقّدة في إدراك الغموض، وتشكيل المواقف، وانتقال العدوى السلوكية داخل الجماعات الافتراضية، بما يستدعي مقاربة تحليلية تستند إلى علم النفس الاجتماعي لفهم آلياتها وأبعادها وتأثيراتها على الخطاب العام والسلوك الجمعي.2365 jamal hasan

هذا السلوك يظهر عندما يلمّح شخص ما بإساءة إلى آخر دون تسميته، ويتولّد حول المنشور فضول جماعي، وضغط لاستكشاف الهوية، وتكهنات، ودفاعات غير مبرَّرة. هذه الظاهرة معروفة في علم النفس الاجتماعي باسم السلوك التكهّني الجماعي.

عندما يقوم "س" بنشر إساءة مبطّنة تعرّض لها من شخص آخر من دون أن يصرّح باسمه، فإنه يخلق عمدًا ما يسمى في علم النفس بـ "الفراغ الدلالي"، وهو حقل مفتوح من المعاني غير المكتملة. هذا الفراغ يعمل كمثير نفسي قوي، يدفع الجمهور إلى محاولة استكمال المعنى، لأن العقل الإنساني لا يتحمّل الغموض. ومن هنا يتولّد سلوك يتّسم بالفضول الملحّ، والتكهن، والضغط لمعرفة المقصود. ويمكن تفسير هذا السلوك عبر عدد من الميكانيزمات النفسية:

منها ما يعرف بـ "كراهية الغموض" الدراسات تؤكّد أن الإنسان ينزعج من المعلومة الناقصة، لأنها تثير قلقه، وتمنع بناء تفسير متكامل للحدث، وتولّد شعوراً بفقدان السيطرة على المعنى.

لذلك يسعى المعلّقون إلى “سدّ الثغرة” بالسؤال أو الافتراض. كذلك الرغبة في امتلاك المعلومة السرّية بشدّة وإلحاح.

إن الكشف عن الشخص المقصود يمنح المعلّق إحساسًا بـ: القوة المعلوماتية و"الانتماء إلى الدائرة الداخلية". وما يعرف بآلية القطيع الرقمي، حين يرى الشخص أن الآخرين يسألون، (وينه؟ هدنه عليه، نحن وياك)، حينذاك الكل يشعر بالزهو والارتياحّ لسلوك قبلي متخلف.

وتزداد الظاهرة كلما ارتفع عدد المعلّقين، حتى تصبح أشبه بـ " الفزعة العشائرية".

في التماهي مع صاحب المنشور. البعض يدافع عنه من دون معرفة الملابسات، لأنهم يشعرون بالانتماء إليه، ويحرصون على الحفاظ بعلاقاتهم الرمزية معه ولديهم الاستعداد لنصرته ضد قوة مفترضة.

بينما هناك لذة خفية في كشف الأسرار التي تجلب الإثارة، وتكسر الملل، وتتيح المشاركة في دراما اجتماعية لا تستند إلى شيء، إلا "التلميح" وهو في الأغلب فعل عدائي غير مباشر يحرّض الخيال الجمعي لخلق ما يسمى بـ "العدوالغائم"، وتحويل الجمهور إلى محققين أو متحيزين.

إنه سلوك يُصنّف في علم النفس ضمن الاتجاهات الاجتماعية للغموض التي تهدف إلى إثارة الانتباه، وكسب التعاطف، وتوجيه الرأي العام دون تحمّل مسؤولية التصريح. هذا النوع من التفاعل لا يعكس "أمراضًا" فردية بقدر ما يكشف عن هشاشة الحدود الأخلاقية في البيئة الرقمية، وقابلية البعض في التلاعب بعقول الآخرين.

إنه سلوك غير ناضج معرفيًا، يعزز من ثقافة الشك والاتهام غير المباشر، وتحويل الغموض إلى أداة للتحريض الاجتماعي. التلميح العدائي غير المسمّى لا ينسجم مع الدور المعرفي والأخلاقي للمثقف. لإن الثقافة تقوم على الوضوح والصدق والمسؤولية لا على التأليب والإيحاء. فإذا كان النقد ضرورة، فليكن صريحاً ومسنداً بالحجة، موجهاً إلى المنهج أو السلوك، لا إلى الأشخاص، مع الالتزام بسياق علني يتيح حق الرد والتوضيح. أما الغموض المقصود فإنه لا ينتج معرفة ولا يحرك وعياً، بل يوسّع دائرة الشك، ويحوّل الفضاء الثقافي إلى ساحة إسقاطات وانفعالات.

***

جمال العتّابي

اربعة من الفلاسفة من الشرق والغرب ضربت شهرتهم الافاق حاولت في هذا المقال المتواضع ان اوضح الهموم والمصاعب التي كانوا يعانون منها لقد عانوا من التشرد والمطاردة والسجون وعانوا كذلك من الغربة والفقر والجوع وتجرع البعض منهم سموم الموت صارعوا الظروف السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها بلدانهم انتابت بعضهم حاله الكأبة والاغتراب عن اوطانهم

1- سقراط: شهيد الفلسفة الاول :فيلسوف يوناني توفي عام 399 قبل الميلاد تصفه مؤلفات الفلسفة بانه كان شديد التعبد كثير التوحد قليل الاكل والشرب يكثر ذكر الموت كانت تنتابه بين الحين والحين نوبات فيسقط مغشيا عليه وانه كان يدعي النبوه وتلقي الوحي من الالهه ويدعي انه اصواتا تناديه من السماء ويقول (انا مكلف بالقيام باعباء الهيه ورساله الهيه هدفها ارشاد الناس الى عباده اله واحد وترك عباده الاوثان اما بعض المؤرخين فيتهمونه بانه فيلسةف مهلوس يمشي في شوارع اثينا حافي القدمين ويغسل يوميا تماثيل المدينه من زق الحمام اتهمته حكومة اثينا بانه يفسد عقول الناس وحكمت عليه بالاعدام عن طريق تجرعه لكاس من السم فكان الشهيد الاول للفلسفة كما كان المسيح الشهيد الاول للايمان .

2- ديوجين الكلبي: انا مواطن العام: فيلسوف يوناني ت عام323 قبل الميلاد كان من ابرز رجال المذهب الكلبي ويعتبر اشهر زاهد في العالم القديم كان يعيش على الخبز اليابس والماء والنبيذ وينام في البرميل ويتجول في شوارع اثينا وبيده مصباح في وقت النهار واذا سئل يقول انا ابحث عن الحقيقة وكان يلبس في عز الشتاء معطفا ممزقا وقد اتخذ من الكلب مثلا اعلى لمدرسته الفلسفية لان الكلب معروف بالوفاء وكذلك كان يقول انا انبح على الرذيلة كما ينبح الكلب وكذلك كان يقول انا انبح على الرذيلة كما ينبح الكلب الحارس عند الخطر وكان يرى في هذه التسمية مبعث فخر واعتزاز في تنظيمه الفلسفي وعندما سئل عن موطنه قال انا مواطن العالم .

3- الفارابي: المعلم الثاني فيلسوف مسلم تركي الاصل مستعرب كان يحب الاسفار فانتقل من مسقط راسه الى بغداد ثم رحل الى الشام والتقى بسيف الدوله الحمداني في حلب له عده مؤلفات في الفلسفة والمنطق والموسيقى الا ان الكثير من مؤلفاته فقدت بسبب الفتن والانقلابات وتروي كتب التاريخ عنه انه نشأ فقيرا وكان ميالا للعزلة زاهدا في متاع الدنيا يحيا حياه قدماء الفلاسفة وعندما حل في دمشق كان لا يرى الا في الاماكن التي تكثر فيها الاشجار والماء قد عاش حارسا في بستان يستضيء بالقنديل الذي يملكه صاحب البستان واكتفى من سيف الدولة باربعة دراهم يكسب قوته بعمل يده ثم تزيا بزي المتصوفة وتوفي في عام 339 هـ .

ويقال ان قطاع الطرق قتلوه اثناء خروجه من دمشق الى فلسطين

4- ابو حيان التوحيدي: فيلسوف واديب بارع يقال انه ولد في بلاد فارس من ابوين فقيرين وتربى في بيت عمه الذي اضطهده واساء معاملته ثم انتقل إلى بغداد ودرس على ايدي اكابر العلماء ، قال عنه ياقوت الحموي: (انه فيلسوف الادباء واديب الفلاسفة فرد الدنيا الذي لانظير له ذكاء وفطنة وفصاحة) ويعد من ابرز كتاب عصره بعد الجاحظ - تصفه المصادر التاريخية انه كان فقير الحال لم يجد من الدراهم ما يكفيه لشراء الخبز ، لقد عجزت الفلسفة ان تنقذه من حيرته وبؤسه وكثيراً ما كان يشكو إلى اساتذته من الصوفية الذين نصحوه بالصبر وقد انتابته حالة نفسية هي شعوره بالغربة فقال (فقدت كل مؤنس وصاحب فقد امسيت غريب الحال، غريب الخلق متأناً بالوحشة قانعاً بالوحدة معتاداً على الصمت محتملاً للاذى فشمس العمر الى شفا وماء الحياة الى نضوب).

وهكذا انطوى على نفسه مخول بصراه الى السماء يناجي الله بالاشارات وسلك طريق التصوف لانه لم يجد في الفلسفة والعلم منقذاً ، كان فقره حاجة مادية تبخل عليه بالضروري من العيش وتأصلت في نفسه حالة الغربة واقعدته الشيخوخة وانهكه المرض فانتابته نوبة من الجنون حيث قام باحراق كتبه الا ماسلم مثل (الامتاع والمؤانسة) توفي سنة 440 هـ .

***

غريب دوحي

حين يتحول الإصلاح من فضيلة إلى ثمن

أن تكون صالحاً، فهذا سمت أصحاب الأخلاق والقيم والمبادئ السمحاء؛ أولئك الذين تستقيم سريرتهم، ويصفو تعاملهم، فيمدحهم القريب والبعيد، الرئيس والمرؤوس، الفقير والغني، القوي والضعيف. يذكرهم الناس بخير، ويتغنون بما يمتلكونه من أخلاق وقيم أصيلة، ويكسونهم بأبهى الأوصاف الجميلة وأجلها لفظاً ومعنى.

فالصلاح حالة من الانسجام والسلام الداخلي والتصالح مع الذات، وهدوء النفس ولسلوك، واتزان التصرف والفعل الحسن، وهو مقصد نبيل تسعى إليه النفوس السوية، وتطمئن له المجتمعات التي تبحث عن السمو الروحي والنفسي والاجتماعي.

وقد جسد النبي محمد ﷺ هذا المعنى أصدق تجسيد قبل بعثته، حين لقبه أهل مكة " بـ الصادق الأمين"؛ وصف لم يمنح مجاملة، بل شهادة موثقة من المجتمع الذي يعيش في كنفه، وصف جامع على صدقه وأمانته.

ويكفي أن نتأمل حادثة التحكيم في وضع الحجر الأسود، حين تنازعت القبائل وكاد الخلاف أن يتحول إلى اقتتال بينهم، فقالوا: نحكم أول من يدخل علينا، فلما دخل ﷺ قالوا بلسان واحد: جاءنا الصادق الأمين.

كان ذلك إجماعاً على خصاله وصلاح رجل لم يكن بعد قد أعلن دعوته، ولم يمس بنية المجتمع أو مصالح سادته هيمنتها ومكانتها ومطامعها.

وهكذا هو ديدن الناس مع الصالحين؛ يأنسون بهم، ويطمئنون إلى وجودهم، لأن الصالح في الغالب ينشغل بإصلاح ذاته، وتهذيبها وتقويم سلوكه، وبناء أخلاقه، فتستقيم سيرته وتحمد سيرته ومسيرته، دون أن يدخل في مواجهة مباشرة مع منظومات الظلم أو شبكات الفساد أو أعراف الانحراف الذي يحدثونه.

فالصالح لا يهدد توازنات القوة، ولا يزعج أصحاب المصالح والمراكز والكراسي، ولا يربك القائمين على الجور والتعدي والتجاوز، ولذلك يحظى بالقبول والارتياح، وربما الاحتفاء.

غير أن المشهد يتغير جذرياً حين ينتقل الإنسان من دائرة الصلاح الفردي إلى ساحة الإصلاح المجتمعي.

فهنا لا يعود الأمر متعلقاً بسلوك شخصي أو أخلاق فردية تعيش بمفردها، بل بموقف، ورسالة، ورؤية وتوجه تسعى إلى صناعة التغيير وقلب الموازين، وتكشف الخلل، وتطالب بالعدالة والكرامة الإنسانية والمجتمعية، وتسمي الأشياء بأسمائها دون مواربة أو مجاملة لأحد.

المصلح لا يكتفي بأن يكون صالحاً في ذاته، بل يحمل هم غيره، ويتحمل مسؤولية مجتمعه، ويسعى إلى تقويم الاعوجاج، ورد الحقوق إلى أصحابها، وكسر دوائر الظلم والجور الذي يعشش لسنوات، ويبني وعياً جديداً ومنهجية لم يعتاد عليها سادة المجتمع وكبراءه.

ومن هنا يبدأ الثمن الحقيقي.

فالإصلاح يزعج، ويقلق، ويربك، لأنه يهدد مصالح راسخة، ويكشف زيفاً متجذراً في النفوس والكيانات، ويفضح منظومات اعتادت البقاء في الظل دون أن يقف في وجهها أحد ويطالبها بالتعديل والنماء والتطوير وإحداث إصلاح في منظومات شاخت وهرمت واصبحت تذيق أفرادها وجماعاتها الذل والهوان والعبودية، لذلك لا يستقبل المصلح بالتصفيق، بل بالتشكيك، ولا يقابل بالمدح والثناء، بل بالتهم، ولا يكافأ بالاحتضان، بل بالإقصاء والتغييب والابعاد والفناء.

وهذا بالضبط ما واجهه الرسول ﷺ بعد البعثة؛ فبعد أن كان الصادق الأمين، أصبح – في خطاب خصومه – كاذباً، وساحراً، ومجنوناً (وحاشى لله أن يكون كذلك)، لم تتغير شخصيته، ولم تتبدل أخلاقه، ولم يطرأ على صدقه نقص، لكن الذي تغير هو أنه أصبح مصلحاً، يحمل رسالة سامية وعظيمة تهدد بنية الشرك، وتفضح الطغيان والظلم، وتدعو إلى العدالة والإنصاف، وتكسر احتكار السلطة والمال والوجاهة.

لم يكن الأذى الذي لقيه ﷺ وليد ضعف أو خطأ، بل نتيجة طبيعية لطريق الإصلاح؛ مؤامرات، دسائس، تشويه، حصار، تهديد بالإبعاد، ثم بالنفي، ثم بالقتل. ومع ذلك، لم يتراجع، لأن الإصلاح ليس طريق الباحثين عن السلامة، بل درب المؤمنين بالحق والسالكين فيه. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين الصالح والمصلح: فالصالح صالح لنفسه، يعيش في دائرة أخلاقه، ويصلح ذاته، ولا يصطدم بالضرورة مع الواقع المنحرف. أما المصلح، فيحمل مشروعاً وهماً إيجابياً، ويواجه واقعاً خرباً، ويقف في وجه الظلم والجور والطغيان، ويطالب بمجتمع يسير على هدى وبصيرة، وعدل واستقامة، بدل الفوضى، وانعدام الأمن، وغياب العدالة.

ولذلك، فإن المصلح يدفع ثمناً نفسياً واجتماعياً ومهنياً، وقد يكون وجودياً، يساء فهمه، وتحرف نواياه، ويحاكم على نياته لا على أفعاله، ويطلب منه أن يصمت باسم “الحكمة”، أو يتراجع باسم “السلامة”، أو يساوم باسم “الواقعية”.، ومع ذلك، يبقى الإصلاح ضرورة ورسالة لا ترفاً، ورسالة لا خياراً ثانوياً.

فالأمم لا تتقدم بالصالحين وحدهم، بل بالمصلحين الذين امتلكوا الشجاعة ليقولوا: لا، حين كان الصمت أسهل، والحق أثقل، والثمن أغلى. إن الصلاح محمود، وغاية سامية، لكن الإصلاح مقام أعلى، لا يبلغه إلا من أدرك أن رضا الله أولى من رضا الناس، وأن الحق أغلى من المديح، وأن العدل أثمن من السلامة.

وهكذا، سيبقى الصالح محبوباً، ويبقى المصلح ممتحناً، لكن التاريخ لا يخلد إلا أولئك الذين اختاروا طريق الإصلاح، مهما كان وعراً وصعباً، ومهما كان الثمن المدفوع.

***

د. أكرم عثمان

7-2-2026