عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

تردني عشرات المقالات والخطابات والنصوص المعبرة عن واقع حال، وتريد الوصول إلى آفاق العصر وبناء المجتمع الآمن السعيد، وهي تتكرر وتدور كالناعور منذ أكثر من عقدين، وما تغيرت الأحوال إلى الأحسن، بل تدحرك في دائرة مفرغة من التداعيات والتفاعلات السلبية الإستنزافية، الموشحة بالأضاليل وبإعلام الخداع والبهتان، وما تستوجبه نظريات محو الأذهان، وحقنها بما يعزز إرادة العدوان.

زميلي يكتب بألم وحسرة وإمعان في القراءة التحليلية والمقارنات المعرفية، وما تجد كتاباته أي صدى، ولا ينجم عنها أي أثر، وكأنه يكتب على وجه الماء، بينما الكراسي تكتب بأبجديات النار وتقضي على من يقف أمامها ويمنع تأكيد إرادتها.

زميلي فياض المعارف واسع الإدراك، ويبدو وكأنه موسوعي في المواضيع التي يتناولها، وهدفه الخير والرحمة وبناء روح الإنسان وإستعادة جوهر المشاعر الوطنية، والإعتصام بحبل المودة والألفة والكرامة والعزة الإنسانية.

وماذا جنى مما كتبه؟

لا شيئ سوى الآلام والحسرات، والتهم البائسات، ومقت من أعوان الكراسي الحاكمة بأمر الأقوياء المحجبين بدين.

كان أستاذي موسوسا بالكوميديا السوداء، وكم قلت له ستقتلك هذه المشاعر السلبية القاتمة لأنك تبدو كنافورة أوجاع ومرجل أنين.

ومات أستاذي حزنا على ما يراه ويعانيه من مرارات، ليصنع كوميديته السوداء !!

وأجدني اليوم أمام زميل يكتب بمداد عروقه، ويسكب أفكاره المضمخة بالدموع والآهات والمشاعر الغيورة الصاخبة الصاعدة إلى مدارات ما فوق الخيال، وكأنها الغيوم الهاربة من أشعة الشمس النافذة في أبدانها.

يا زميلي لا تحترق، فهم يحرقون كل شيئ ونحن نتحول إلى رماد، وما إستطعنا أن نغير بعضا من شيئ، فهم يحسبونك من أعدائهم، وعليك أن تصمت وتغيب، فلا قيمة لما تكتب، ولن يكون في الإمكان خير مما كان، وفقا لرؤيتهم الأنفالية، وياليت الذي بينك وبين الذي تريد عامرٌ!!

يقول صديقي لا تكتب أكثر من بضعة أسطر، فالناس ما عادت تقرأ المكتوب، إنها قادرة على النظر إلى مقطع صغير وحسب، فالصورة أقوى في تأثيرها ومتابعتها!!

كتاباتٌ بها الأذهانُ حارتْ

وأفكارٌ بما رصدتْ تهاوتْ

حقائقُ قولنا تَجني عَلينا

بكذبٍ في مَواطننا تواصَتْ

فسادُ وجودٍنا رهنٌ بغيرٍ

يُبرمٍجُنا كما يهوى فَخابَتْ

***

د. صادق السامرائي

نتكلمُ حتى يستمرَّ النور في تعاشقِهِ الأزلي مع الماء.. نتكلم حتى لا يغادر القمرُ النهرَ، وحتى تنبثقَ الشمسُ وهي نار من افق البحر وهو ماء..

نتكلم حتى لا يجزعَ المحبّون من ابداع أحلى قصائد الحب وهم تحت الأشجار فتسمع الطيور وجيب قلوبهم وتاتي لتحط على أغصان الأشجار لتسمع هذا الوجيب أوضح وأجمل وأشفى..

حتى ندين القبيح ونبارك الجميل، نتكلم..

نتكلم حتى نشاكس الانتهازيين ونقول لهم الحقيقة: انهم أغبياء..

نتكلم لأننا نشفق على ما تبقى من كواكب النبل والجمال والحُب في هذه الدنيا ونرفع هذه الكواكب الى أعلى مداراتها كي تظلَّ تدور..

نتكلم لأنَّ مامن سوانا يتكلم اذا سكتنا واذا أسكتونا..

نتكلم حتى نرعب الدكتاتور حيّاً أو ميتاً..

نتكلم حتى يعود النهر الى الضفاف التي وقفت عليها بيوتنا ويتمر النخيل في البستان ويتعاشق اليمام..

حتى لا ينفرد سيف القبح بعنق الأرض، نتكلم..

نتكلم حتى نستنطق هذا الحقل العجيب: الذاكرة، فنرى فيه أروع أفلام السينما..

نتكلم حتى نتذكر ان السومري العراقي هو من أبدع كلمة الحرية فأسماها (امارجي) في فجر عصور سومر بينما السجّان العراقي الغبي الجبان هو أقسى سجّان ومِن ضحاياه أجمل وأذكى وأشجع وأنبل الناس..

نتكلم ونصرُّ على الكلام حتى نقول: سوف نجيء بالحق ونزهق الباطل.

***

كريم الأسدي - العراق

3/5/2026

 

نقف أمام الغياب، فلا نجد كلمات تكفي، لأن ما يفقد هنا ليس صوتا بل زمن كامل كان يمر عبره… وكان يجعلنا أكثر احتمالا للحياة.

كيف نرثي من علمنا أن نقول: “يا حبيبي وحشتني” قبل أن نعرف معنى الفقد؟. وكيف نودع من جعل “نسيانك صعب أكيد” ليست مجرد جملة، بل قدرا إنسانيا لا يقاوم؟

لقد كان يغني، فنحب… ويغيب، فنشتاق…ويعود، فنؤمن أن القلب مهما تهشم قادر أن ينهض من رماده.

في صوته، لم تكن حكاية كل عاشق مجرد أغنية، بل سيرة خفية لكل واحد منا. كنا نكتشف أنفسنا فيها، كأننا لم نكن استثناء، بل امتدادا لحكاية كونية تتكرر بأسماء مختلفة وقلوب واحدة

وحين كان يغني “كده برضه يا قمر” كنا نفهم أن العتاب ليس انكسارا، بل بقايا حب يرفض أن يموت. وحين همس “يا ريتك معايا” لم يكن الغياب فراغا، بل حضورا موجعا يملأ الروح حتى حافتها..

حين أعلن “مشتريكي متبعيش” فقد رفع الحب من نزوة عاطفية إلى موقف وجودي، إلى وعد لا يقال فقط، بل يعاش… حتى النهاية.

أما “وعد مني” فتصبح الآن وصية عكسية؛ نحن من نعدك أن تبقى، لا في الذاكرة فقط، بل في الطريقة التي نشعر بها

واليوم… نقف اليوم  أمام الرحيل، فنسمع صداه القديم يسألنا: أصاحب مين؟.. لا كأغنية بل كسؤال وجودي يواجهنا حين يرحل من كان يملأ فينا هذا الفراغ.

يا من قلت يومًا “بكل العمر حبيته”… ها نحن نردها إليك، لا ككلمات، بل كحقيقة:

لقد أحببناك بعمر كامل.. فمعك اكتشفنا أن الكلمات، مهما بدت عادية، يمكن أن تصبح أوطانا نسكنها حين تضيق بنا الحياة..

فكيف نرثيك الآن؟

هل نقول إنك غبت… أم نعترف أننا نحن من أصبح أكثر غيابًا بعدك؟

أيها الراحل الحاضر… لم تمت، لأن الأصوات التي تعيد تشكيل أرواحنا لا تعرف الفناء.

ولأن ما زرعته فينا من مشاعر وأحاسيس وحنين، سيظل ينمو، حتى ونحن نحاول أن نبدو أقوياء. سنمشي في الحياة، وحين يخذلنا العالم، سنهمس دون أن نشعر بشيءٍ منك…

ستغيب الأغنية عن مسرحها، لكنها لن تغيب عن قلوب تعلمت أن تحفظك لا كصوت بل كجزء من تكوينها.

سلام على صوتك، حين كان يربّت على أرواحنا دون أن نراه.

وسلام على حزنك النبيل، الذي جعلنا نؤمن أن الألم يمكن أن يكون شكلا من أشكال الجمال.

وسلام على ذلك الوفاء الخفي، الذي زرعته فينا دون أن تدري… فصرنا أوفياء لكل ما شعرنا به معك.

سلام عليك…

يوم غنيت،

ويوم أحببنا على وقع كلماتك

ويوم بكينا أيضا عليها دون أن نخجل،

ويوم رحلت…

تاركا لنا ما لا يرثى،

لأنه ببساطة… لا يموت

وداعا هاني شاكر

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الفنان التشكيلي والخطاط العبقري، والإعلامي البارز، والسينمائي المشاغب، والشاعر المعاصر المجدد؛ هو واحد من جيل المثقف الشامل الذي مارس أغلب ألوان الفنون. غيّبه الموت اليوم، وترك إرثًا ثقافيًا ثريًا ومتنوعًا. لكنني سأحدثكم عن الزاوية التي أعرفها جيدًا عنه: زاوية الشعر.

فهو صوت شعري تشكّل في ظل التحولات العاصفة التي عرفها العراق سياسيًا واجتماعيًا، فخرجت قصيدته محمّلة بقلق المرحلة، ومشبعة بروح التمرد والأسئلة الوجودية. صحيح أنه لا يُعد من الأسماء الجماهيرية الصاخبة، بل من الأصوات التي تكتب في منطقة أكثر هدوءًا، لكنها كتابات عميقة بعمق جروح هذه الأمة المنكوبة. فقصيدته ليست زخرفة لغوية، بل محاولة لالتقاط ما يتسرّب من المعنى بين الأشياء. يكتب وكأنه يخاف أن يفلت الزمن من بين أصابعه، لذلك تأتي نصوصه مشدودة إلى لحظة إنسانية مكثّفة.

من أبرز مميزاته الشعرية والفنية اقتصاده اللغوي وتكثيفه للمعنى؛ لا يكتب كثيرًا ليقول قليلًا، بل يقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. الجملة عنده مثل حجر صغير يرميه، لكنه إذا سقط في الماء أحدث دوائر ارتدادية لا تنتهي.

تشدك نصوصه التي تبدو أقرب إلى التأملات الفلسفية منها إلى البوح المباشر، حيث يطرح أسئلة عن الوجود، والعزلة، والفقد، والهوية، دون أن يقدّم إجابات جاهزة. يشتغل على الصورة البسيطة العميقة، معتمدًا على صور يومية مألوفة، لكنه يعيد شحنها بدلالات غير متوقعة؛ فقد يحوّل تفصيلًا عابرًا—نافذة، ظل، أو كرسي مهمل—إلى مركز دلالي للنص.

تتسم قصيدته بحزن عميق؛ لا تجد فيها الانفعال الحاد، بل انكسارًا داخليًا يُكتب بهدوء، كأنه يهمس بدل أن يصرخ. وبهذه الصياغة ينفتح أسلوبيًا على فضاء قصيدة النثر العربية الحديثة، حيث تتحرر اللغة من القيود الوزنية دون أن تفقد موسيقاها الداخلية.

الحس الوجودي في نصوصه عالٍ، إذ تطرح أسئلة العبث والمعنى بقوة، من حيث الروح لا التقليد، في أجواء تستحضر تجارب شعرية قريبة من أنسي الحاج وسركون بولص؛ حيث اللغة ليست أداة وصف، بل وسيلة حفر في المجهول والقيمة. وهكذا يكتب صادق الصائغ كمن يمسك بإبرة ينبش بها المعاني المخفية؛ لا ينتظر إجابة، بل يبحث عن أثر، عن ندبة ما على شغاف القلب. لذلك لا يقدّم الحقيقة، بل يلمّح إليها، ثم يترك القارئ وحيدًا أمامها.

ولا يقل اشتغاله بالفن التشكيلي، وبالخط العربي خاصة، قيمة عن اشتغاله بالكلمة؛ إذ حمّل لوحاته أبعادًا سريالية عميقة، منتقدًا من خلالها الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق، وباثًا فيها إحساسه بالغربة المزدوجة: غربة شعورية وغربة مكانية.

صادق الصائغ، الشاعر والفنان والإعلامي والسينمائي المخضرم، الذي حمل الوطن ومات غريبًا… وداعًا.

***

مجيدة محمدي – تونس

إذا أردت أن تعرف قيمة النعمة، فجرّب فقدها للحظة

تُعَدّ “ألفة النعمة” من أخطر ما قد يواجهه الإنسان في حياته. إنها ذلك الاعتياد الذي يجعل عطايا الله العظيمة تبدو وكأنها استحقاق طبيعي لا يستوجب الشكر. فحين ينشأ الأبناء في ظلال حياة مريحة، حيث تُلبّى رغباتهم قبل أن تنطق بها شفاههم، تبدأ الأشياء تدريجياً بفقدان بريقها. فلا السكن المريح يُعدّ إنجازاً، ولا الملبس الأنيق يثير الامتنان، ولا وفرة الطعام تمنح شعوراً بالرضا. بل قد ينقلب الأمر إلى إحساس دائم بالنقص، وكأن ما يوفّره الأهل من مستلزمات الحياة الكريمة لا يكفي مهما تعاظم، وما يتوافر بين أيديهم لا يرضيهم، رغم ما يفيض حولهم من نِعَم لا تُحصى. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ يُنتج هذا النمط من التربية إنساناً يفتقر إلى القناعة والرضا، فيعيش أسير ما ينقصه لا ما يملكه، فتغدو حياته مثقلة بالتذمّر، قاسية في شعوره وإن كانت ميسّرة في ظاهرها، ويغيب عنه ذلك السلام الداخلي الذي لا يتحقق إلا بالامتنان.

الإنسان الذي لم يختبر “الحرمان” ولو مؤقتاً، لا يدرك قيمة “الامتلاك”. وقد ينشأ وهو يظن أن العالم مُسخّر لخدمته كحق مكتسب، لا كنعمة تستوجب الحمد والثناء. إن النِّعم التي تحيط بنا ولا نراها هي كالهواء: لا نشعر بها إلا حين نفتقدها. فالبيت الدافئ، والفراش الوثير، والملبس الأنيق، والطعام الوفير.. هي في حقيقتها أحلام وكنوز لدى كثيرين أقل حظاً. لكنها، بفعل “الاعتياد القاتل”، تصبح غير ملموسة لدينا. والخطر في ذلك هو نشوء جيل ماديّ النظرة، غير قانع بنعمته، يقيس سعادته بمنطق “المقارنة” لا بمنطق “الكفاية”، فيسجن نفسه داخل دائرة ما ينقصه، غافلاً عمّا يملكه وهو وفير.

هنا يأتي دور الأهل في تربية الأبناء على القناعة والرضا، مع التركيز على غرس وعي عميق بقيمة المال. فالمال ليس غاية للتفاخر أو الإسراف، بل هو ثمرة للجهد والتعب، ووسيلة لتحقيق الاستقرار. ومن المهم أن نُشرك أبناءنا، بقدر من الحكمة، في فهم كيفية إدارة الموارد، وأن نعلّمهم التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والكمالي مع ترسيخ سلوك الاعتدال وتجنب التبذير والإسراف غير الضروري. كما أن تعويدهم على الادخار، وربط الإنفاق بالمسؤولية، يمنحهم حصانة أخلاقية واقتصادية في مواجهة مغريات الحياة. فحين يدرك الابن أن كل درهم يُنفق يقابله جهد بُذل ووقت استُثمر، تنمو لديه فضيلة الاعتدال، فيكون إنفاقه واعياً: لا إسراف فيه ولا تقتير، بل حكمة تعبّر عن نضج ومسؤولية. ومن أنجع الوسائل لترسيخ هذا الفهم تشجيع الأبناء — بما يناسب أعمارهم — على خوض تجارب عمل بسيطة، ليختبروا بأنفسهم قيمة الوقت والجهد للحصول على المال.

ولا يقتصر ترسيخ هذا الوعي على دور الأسرة فحسب، بل تتكامل معه مسؤولية المدرسة والجامعة بوصفهما بيئتين تربويتين وتعليميتين مؤثرتين. فمن خلال المناهج والأنشطة، يمكن غرس مفاهيم الثقافة المالية، وتعليم الطلبة أسس التخطيط والادخار والاستثمار الرشيد، وربط المعرفة النظرية بالواقع العملي. كما أن تشجيع المبادرات الطلابية، والمشاريع الصغيرة، وبرامج التدريب العملي، يسهم في بناء شخصية متوازنة تدرك قيمة العمل والإنتاج. وعندما تتبنى المؤسسات التعليمية هذا الدور بجدية، فإنها تُخرّج جيلاً أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ قرارات مالية مسؤولة، بعيداً عن الاندفاع أو التقليد، وقريباً من التفكير الرشيد والاستقلالية.

كما تُظهر تجارب العديد من الدول الأوروبية أهمية الدمج بين التعليم والعمل، حيث يحرص عدد كبير من طلبة الجامعات على العمل الجزئي خلال فترة الدراسة، أو استثمار العطل في برامج التدريب العملي (Internship). وهذه التجارب لا تهدف فقط إلى تحسين الدخل، بل تُعد جزءاً أساسياً من بناء الشخصية المهنية، إذ تُمكّن الطالب من اكتساب مهارات حقيقية، وفهم بيئة العمل، وربط ما يتعلمه نظرياً بالتطبيق العملي. كما تُعزّز لديه قيمة الوقت والانضباط، وتُنمّي حس المسؤولية والاستقلالية. وعند تخرّجه يكون قد امتلك خبرة أولية تؤهله للاندماج السريع في سوق العمل، واتخاذ قرارات أكثر نضجاً ووعياً في مسيرته المهنية والمالية.

كما تُسهم هذه التجارب بعمق في تنمية وعي الطلبة بقيمة المال ذاته؛ فعندما يعمل الطالب خلال دراسته أو يشارك في برامج التدريب العملي، يبدأ بإدراك العلاقة المباشرة بين الجهد المبذول والعائد المادي. وهذا الإدراك العملي يُرسّخ في نفسه أن المال هو نتاج مشقة وجهد. ومن هنا تتكوّن لديه نظرة أكثر توازناً في الإنفاق، فيُصبح أكثر ميلاً إلى التقدير والاعتدال، وأبعد عن الإسراف أو الاستهلاك غير الواعي.

ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى الشباب، من خلال ما تعرضه من صور نمطية لحياة الرفاهية والنجاح المادي. فالإعلانات الموجّهة، والمؤثرون على هذه المنصات، يقدّمون باستمرار أنماطاً حياتية مثالية ترتبط بالشراء والاقتناء كعلامة على الوجاهة الاجتماعية. ومع التعرّض اليومي المكثف لهذا المحتوى، تتشكل لدى كثير من الشباب رغبة متنامية في المحاكاة والاستهلاك، حتى لو تجاوزت إمكاناتهم الحقيقية، مما ينعكس على أولوياتهم ويؤثر أحياناً في سلوكهم الاقتصادي وقيمهم الاجتماعية. في خضم هذا التأثير، يزداد انجذاب الأبناء إلى الكماليات التي تتضاعف يوماً بعد يوم، خاصة مع ما تروّجه تلك المنصات من أنماط استهلاكية جذابة تصل إليهم بسهولة، دون وعي حقيقي بكلفتها. في المقابل، يستنزف الأهل طاقتهم ومواردهم لتأمين أساسيات الحياة الكريمة، بينما تُعامل هذه الأساسيات وكأنها أمر مفروغ منه لا يستحق الالتفات. وهنا تبرز مسؤولية الوالدين في ترسيخ قيمة الامتنان وبناء وعي متوازن، من خلال تعريف الأبناء بواقع الحياة، وتعويدهم على أن بعض الأمور تحتاج إلى صبر وجهد وانتظار. كما يمكن إشراكهم في أعمال الخير، لفتح أعينهم على أثر النعمة في حياة الآخرين، فيتعلّمون الشكر من خلال العطاء.

ومن العادات الخاطئة التي يقع فيها بعض الأهل، بدافع العاطفة غير المنضبطة، الإفراط في توفير كل ما يطلبه الأبناء، حتى لو كان ذلك فوق قدرتهم المادية، وبخاصة لدى العائلات ذات الدخل المحدود. هذا السلوك، رغم حسن النية، يتحول إلى سبب غير مباشر في إضعاف تقدير الأبناء لما يُقدَّم لهم، مما يفقد الأشياء قيمتها. حتى وصل الامر الى ان بعض الأبناء يطرحون أسئلة تحمل في طياتها قدراً من الجحود: “ماذا قدّمتم لنا؟ ولماذا أنجبتمونا؟” وكأن توفير حياة كريمة لم يعد كافياً، بل أصبح المطلوب تلبية كل الرغبات وفق أعلى المستويات، لا وفق ما تسمح به الإمكانات. وتُطرح هذه الأسئلة أحياناً دون إدراك لحجم التضحيات التي يبذلها الأهل، أو للحدود الواقعية لقدرتهم على العطاء.

في النهاية، حين يفقد الإنسان قدرته على الامتنان، يفقد معها إحساسه الحقيقي بطعم الحياة. وما نخشاه اليوم أن يكبر أبناؤنا بلا تقدير لقيمة ما يملكون، وأن ينظروا فقط إلى ما يفتقدون، دون شعور بأن ما بين أيديهم من نِعَم يستحق الشكر والثناء للخالق سبحانه وتعالى. فالتربية الحقيقية تُقاس بما نزرعه في نفوسهم من قيم. وبذلك فقط نُنشئ جيلاً يرى الحياة بعين الرضا، لا أسيراً لما ينقصه، ولو ملك كل شيء.

اللهم ارزق أبناءنا قلوباً شاكرة، ونفوساً قانعة، وعيوناً ترى النعمة قبل أن تفقدها

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

تمثل الحرب الدائرة في الشرق الاوسط اليوم، محطة غير عادية، ومحفز ضرورة يوجب بالحاح استكمال اسباب المنظور اللااارضوي، وصولا الى اللحظة التاريخيه الكبرى والفاصلة على المستوى التاريخي البشري، مع انتهاء فعل الاحادية والغلبة التامه للمنظور التوهمي الارضوي الراسخ، والمستمرعلى مدى تاريخ المجتمعات البشرية من بداية التبلور المجتمعي بصيغته اليدوية الى اليوم.

 ويعني ذلك انتقالا فاصلا وكليا مايزال مضمرا وخارج اي مستوى من الادراكية الوجودية التي لااكتمال للمنظور العقلي للحقيقة الوجودية، ولمسارات وآليات حركة التاريخ ومستهدفاتها، من دون مقاربتها وكشف النقاب عنها، الامر الذي ماكان ممكنا ولا واردا ابان الطور اليدوي الجسدي من تار يخ الظاهرة المجتمعية، واستمر خارج التحقق ابان الفترة المنصرمة من تاريخ الانتقال من الانتاجية اليدوية بحقبتيها، الافتتاحية الازدواجية الطبقية الاوربيه المصنعية، واللاحقة الامريكيه المفقسه "مجتمعيا" خارج الرحم التاريخي، بقوة الاستعاضة ب "الفكرة"، والنموذج الجاهز بلا مقومات كيانيه موروثة من الطور الاسبق، والتي لم يكن لها فيه حضور على الاطلاق.

 ماتقدم وضع البشرية في غمرة حالة استثنائية من التوهمية الكبرى، اساسها التناقض بين الوعي والواقع الانقلابي النوعي الحاصل، فقد استمر الادراك البشري "يدويا" متخذا صيغا انتقالية شكلية محايثة للمتغيرات الانية الناجمه عن حضور الاله وفعل دينامياتها، حدودها وممكناتها قاصرة دون اللحظة وطبيعتها التحولية المجتمعية النوعية العظمى، تبقي على الافق المنتظر والمهياة اسبابه كاساس خارج البحث، بينما تظل اليدوية بخطوطها العامة الاساس تسبغ متبقياتها كمقياس لماقد اعتبر بمثابة "العصر" و "الحداثة"، بحيث وجدت على هذا الصعيد حالة من الانتقالية الالية الاولى التي تلحق الانقلاب الالي بالعالم اليدوي المنتهي، وهو ماقد استمر حتى اليوم، ورافق منظورات ونموذجية الغرب الاوربي على هذا الصعيد لماقد انبجس بين ظهرانيه، تبعه الاستكمال الامريكي الراهن، والمتولد عن انتهاء الدور وممكنات الاستمرارية الاوربية، لصالح حضور المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ ونموذجيتها الكيانيه الفكروية.

 وليس الانقلاب الالي بالحدث العادي او التكراري المعدل او المحسن حتى يفترض اكتمال تحققه ساعة ابتداء حصوله، بعد القرون الطويله التي مرت على العقل والمجتمعات البشرية وهي محكومة لغلبة ورسوخ طور من التاريخ البشري المجتمعي، ماقد كان من الطبيعي ان المرور بمرحلة انتقالية غير عادية، قبل ان يصير من الجائز مقاربة مقتضياته، والشروط التي تقف وراءه، بالاخص وفي المقدمة منها، احتمالية تباين النوع المجتمعي وتعدديته ودلالتها، بحيث يغدو واردا النظر الى المجتمعية المعاشة والباقية الى الان على انها ليست "واحده" و "احادية"، بلا احتمالية اخرى ظلت غير مرئية، الالة تنبثق محققة حضورها وانهاء اغفالها الذي كرسه الانتاج الجسدي اليدوي الارضوي، الذي كان من البديهي ان تنبثق الاله بين تضاعيفه، مع انها مضادة له ونافيه لاستمراره، دالة على، وذاهبة الى مايحيي ويميط اللثام عن صنوه والعنصر الذي به يتحقق "الازدواج" المجتمعي الطبيعي الذي لااكتمال للظاهرة المجتمعية ولدينامياتها والاغراض التي تطورت على اساسها وجودا من دونه، بما يبيح لابل يوجب قطعا، القول بان " لاظاهرة مجتمعية من دون الازدواج المجتمعي، وان ظل احدها، نموذجه ونوع اعقاله غالبا، هو الارضوية الكاسحه بحكم غلبة الوسيلة الانتاجية الابتدائية اليدوية"، بانتظار التعاقب في الوسيله الانتاجية، ومايتولد عنه من تعاقبية نوعية مجتمعية.

 ويبقى الاهم والاخطر هو كيف وضمن اية سياقات يمكن للمنظور اللاارضوي المطابق للانبثاق التحولي الالي، ان يظهر قالبا العالم، ومحققا الكمال التحولي المتضمن اصلا في الاله ومسارات تحورها النوعي، من المصنعية، الى التكنولوجية الانتاجية، الى الطور التكنولوجي الاعلى العقلي، الامر الذي يظل مستبعدا كليا، لابل خارج البحث ضمن مجمل الشروط الانتقالية الابتدائية، علما بان الامر لهذه الجهه قائم موضوعيا "ماديا"، فالاله وتحولاتها هي عنصر اساس غالب الفعالية، مضاد للارضوية والمجتمعية اليدوية، يظهر اصلا ضمن لحظة انتهاء صلاحيتها، وهو ماقد عرفته البشرية ونموذجيتها الكيانوية مع سلسله الحروب المدمره، وعشرات الملايين من الضحايا، والخراب المطلق مع الحربين الاولى والثانيه، ودخول البشرية عالم الافنائية الشامله، بقوة مايعرف ب " العلم" و "التقدم"، الى ان انهارت اوربا وخرجت من الفعل لتتكرس قيادة وغلبة مجتمعية من خارج المجتمعية، اقامت للمندحرين " مشروع مارشال"، مع ان وجودها هي الاخرى آلي، تبرره افتراضية نموذجية ميته باسم الكيانيه الحديثة الليبرالية والدولة المدنيه القوميه، انما مع اساس استلهامي لاارضوي ابراهيمي مفبرك بالاصل، تكريسا لرسالية زائفة هي في الجوهرغائية ابادية لماقبلها، وجدت بعد الاجهاز على ستين مليونا من اهل الارض التي استباحتها بقوة المنجز الانقلابي الالي، ونزعة استغلاله لاغراض ارضوية هيمنيه استغلالية على مستوى الكوكب الارضي.

 الالة هي لحظة الانقلاب التحولية من "الارضوية اليدوية" الجسدية الحاجاتيه منتهية الصلاحية، الى "اللاارضوية العقلية"، العبور بينهما يستغرق بضعة قرون من التوهمية والقصور بمثاله "الديمقراطي " داخليا، الذي يبيح سلب ارادة الشعوب الاخرى سواه وينهبها بالقوة مستغلا ماقد توفر له من وسائل الغلبه بلا افق ولا دالة على امكان او احتمالية توافقية مجتمعية مع الاشتراطات الانتاجية المستجده، ان لم يكن العكس هو الصحيح بحيث تحضر"الاحتمالية الافنائية" شاخصة تحت طائلة مازق متعاظم بلاحل، اقرب الممكنات التي تجده البؤرة المفقسه خارج رحم التاريخ، هي استحضار لاارضوي في صيغته الاولى الحدسية النبوية المختتمه تاريخيا نبويا، والموائمه لاشتراطات غلبة الارضوية اليدوية دون ان تعي بان شعار "سنبتي مدينه على جبل" و " اورشليم الجديده"،هو بالاحرى التمييز الحدسي الذي تلجا له اللاارضوية على طريق الافتراق عن الارضوية كحضور من دون كيانيه، ومايتماثل مع الاختلاف النوعي المجتمعي الكوني اللاارضوي في حينه، عن الكيانيه المحلية ( الوطنيه/ القومية) الارضوية.

 اليوم يحدث ضمن مجرى التوهميه الامريكيه امران، الاول بروز منطقة الشرق الاوسط كضرورة مكانيه مع تكريس للكيانيه اللاكيانيه "ترامبو صهيونيا"، اضافة لقرب انتهاء ممكنات الكيانيه المتبقية من اليدوية، والمتعاظمة ازمتها بحكم بدء انتهاء فعل الطور التكنلوجي الثاني الانتاجي، وتبلور مرحله وسيلة الانتاج اللاجسدية العقلية، القابله لاحضار المفعول العقلي المضمر غير الحاضر برغم وجوده وعدم توفر اسباب استعماله الى الان ضمن اشتراطات وهيمنه الجسدية، وممكناتها المتداخلة بالانتاجية اليدوية، وهذان العنصران يشكلان، الثاني منهما بصورة غير مباشرة، والاول مباشرة اخر محاولات الكيانيه المفقسه خارج التاريخ لاقامه كيانيه مفترضة، الكيانيه الصهيونيه فيها عنصر كينونه لايجاد سد عازل يحمي اوربا بمواجهه الوضع الشرقي الصيني الروسي، بدا مظهرها الاول مع الحرب، حرب الابادة ضد الكيانيه العراقية بين التسعينات ومفتتح القرن الحالي، ومشروع " الشرق الاوسط الكبير" والسفارة الامريكية التي يكلف بناؤها سته مليارات دولارفي بغداد، من قبيل استعادة نموذج العراق العباسي الممتد حضورا، من الهند والصين الى المغرب العربي، لتستعاد الان وقد تعاظمت الازمه متحولة الى مازق متسارع ليس بعيد الانفجار.

***

عبد الأمير الركابي

كانت الأمسية ثقيلة، كما هي كل الأمسيات عندما يجتمع الأدباء في صالون أحدهم. يتحدثون عن الرواية الجديدة، عن قصيدة النثر، عن التزام الأدب وقضايا الأمة. وفجأة، انكشف لي الخيط الرفيع الذي يربط بين أسمائهم جميعاً؛ هم أبناء عصابة أدبية واحدة.

دعوني أبدأ بالاعتراف، قد يكون صادما وضعه، كنت من الذين آمنوا بأن الأدب عالم شفاف. وأن الموهبة وحدها هي المفتاح الذهبي الذي يفتح للكاتب قلوب القراء وصدور الناشرين. كنت أتصور أن لجان التحكيم تجلس خلف طاولاتها لا يهمها إلا النص، لا يبالي أعضاؤها إلا بالجمال والحقيقة. لكن الزمن، أيها السادة، كاشف عظيم ومقلب كبير. فقد علمتني السنون أن خلف الأضواء تتحرك أيادي، لا تراها العيون، وأن هناك من يديرون الخريطة الثقافية من خلف الستار، كالعرائس التي يحركون خيوطها خفية!

شبكة العنكبوت

 تأملوا معي هذه الصورة؛ دار نشر كبرى في القاهرة أو بيروت، وصحيفة يومية لها وزنها، وجائزة أدبية مرموقة، وبرنامج ثقافي على شاشة التلفزيون الرسمي. تبدو هذه المؤسسات مستقلة؛ أليس كذلك؟! لكن المفاجأة أن كل هذه المؤسسات تخضع لتوجيهات غير مكتوبة، وأسوء من ذلك، إنها مترابطة بعلاقات مريبة من المصالح والزمالات القديمة والولاءات الشخصية.

فإذا جاء شاب بشخصية جديدة، برؤية مختلفة، وأرسل مخطوطته إلى تلك الدار، فسيردون عليه بعد شهور بأنه غير ناضج. وإذا حاول النشر في صحيفة، فسيجد أن الصفحات الثقافية لا تفتح إلا لأسماء معروفة ومباركة. وإذا رشح نفسه لجائزة، فسيتفاجأ بأن القائمة القصيرة لا تضم إلا الوجوه نفسها التي يراها دائما على الأغلفة في معارض الكتاب.

والأدهى من ذلك، أيها الأصدقاء، أن هذه العصابات تمتلك آلة نقدية كاملة الصنع. آلة نقد الموضوعية، آلة الإنصاف، ثم آلة البحث عن الجمال الخالص. فإذا أرادوا أن يمجدوا أحد أبنائهم، كتبوا عنه مقالات مطولة تنهال عليه بالمدائح. ويصفونه بأنه عبقري زمانه! وإذا أرادوا أن يمحوا صوتاً خارجاً عن طوقهم، صمتوا عنه تماما. والصمت أسوأ ألف مرة من الهجوم. لأن الهجوم يعني أنهم يعترفون بوجودك. أما الصمت، فيعني أنك لا وجود لك أصلاً في الخريطة الأدبية.

وهنا أتوقف عند لحظة خطيرة؛ شاب يكتب قصته الأولى. يضع فيها روحه، يبكي عليها سويعات الليل، يظن أنه سيغير الأدب العربي. ثم يجد أمامه هذا الجدار الصلب. "أنا حقيقي" يصرخ في نفسه، "أنا مبدع". لكن لا أحد يسمعه. ولأنه يريد أن يقرأ، يضطر أن يتنازل. يضطر أن يرقص على أنغام العرابين. يكتب ما يطلبون لا ما يريد. وهنا، في هذه اللحظة بالذات، تقتل موهبة جديدة، ويخلق كاتب مستنسخ يكرر ما قيل من قبل بأسلوب هزيل ميت!.

جذور قبلية

اسمحوا لي أن أتجرأ أكثر.. هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا الجيل. إنها امتداد لبنى اجتماعية عميقة فينا. ترسخت عبر الحقب والقرون نحن مجتمع الأب الأكبر، مجتمع الشيخ الذي لا يسأل، مجتمع العائلة والمدرسة والقبيلة. كان الرجل في الماضي يفتخر بانتمائه إلى قبيلة عريقة، واليوم يفتخر بانتمائه إلى تيار أدبي أو مدرسة حداثية!.

لكن الفرق عظيم، فقد كانت القبيلة القديمة تعرف بمعاركها العلنية، وبسيوفها المصمتة التي تري بالعين المجردة. أما عصابات الأدب اليوم، فإنها تعمل بابتسامة عريضة وأريحية مزيفة، تحت شعارات رنانة عن الحرية والتنوير والنقد البناء. وهذه، بصراحة، هي أسوأ أنواع القبيلة؛ تلك التي ترتدي ثوباً مثقفاً وتتحدث بلسان المدنية، وقلبها بدائي لم يخرج من الغابة بعد.

ألم الضمير

وإني لأتساءل بصدق، ألا يعاني العرابون أنفسهم من هذا الوضع؟ ألا يشعرون بالفجوة بين ما يكتبونه بحبر أسود عن النزاهة وبين ما يفعلونه خلف الأبواب المغلقة؟

أظن أنهم يعانون. فالكاتب الحقيقي، حتى لو صار عراباً، يعرف في قرارة نفسه أن الأدب أكبر من هذه المناورات الصغيرة التافهة، وأكبر من هذه المصالح الدنيئة لكنه وقع يوماً في شرك المصالح، ووجد نفسه مضطراً للاستمرار، وإلا لأنهار كل ما بناه من أوهام. هي مثل دوامة المخدرات، تبدأ بتجربة صغيرة فضولية، ثم تصبح إدماناً لا يحتمل. إدمان السلطة، إدمان التحكم في مصائر الآخرين، إدمان الشعور بأنك أنت من يصنع الثقافة العربية ويمحوها بإشارة من يدك !.

كيف نتحرر؟

دعوني الآن أطرح سؤالاً ثقيلاً علي القلب هل هناك خلاص من هذه المتاهة المظلمة؟

الجواب، بكل صدق، لا أعرفه يقيناً. لكني أظن أن الطريق يبدأ من احتجاج فردي واع. أن يقرر كاتب ما أنه لن يدخل هذه اللعبة القذرة أبدا، حتى لو تأخرت شهرته عشر سنوات أو مات ولم يعرفه أحد. أن يقرر ناقد صادق أنه سينتقد الأدب لا الأشخاص. وأن يقرر قارئ عادي، يشتري كتاباً من مكتبة صغيرة، أنه سيبحث عن الموهبة الحقيقية بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

وهنا دور عظيم للمكتبات المستقلة، وللمواقع الإلكترونية النزيهة، وللمبادرات الصغيرة التي لا تخضع لأحد ولا تتبع أحدا. إن كانت العصابة قد سيطرت على المؤسسات الكبرى والأبواب العريضة، فما زالت هناك فجوات واسعة في الجدران. وما زالت هناك قلوب صادقة تعشق الأدب أكثر مما تعشق السلطة والكراسي الوثيرة.

في النهاية، أيها القراء، أنا أكتب كمن يئس من الإصلاح، لكنه لم ييأس من الكتابة نفسها. فالقارئ الحر، عبر التاريخ، كان دائماً يكتشف الجواهر الأصلية. كان دائماً يميز بين الذهب والألماس الشفاف وبين بقايا الصخور والزجاج المكسور التي تزين واجهات المكتبات الكبري.

الزمن، أيها السادة، وهذا الحكم النزيه الذي لا يرتشي ولا يخضع لأحد، الزمن وحده يطحن العصابات ويطوي صفحاتها، ويبقي فقط على الأدباء المبدعين الصادقين ولو جاءوا متأخرين أو ماتوا جائعين.

أما أنا، فقد اخترت غرفتي الصغيرة وقلمي المتواضع. سأكتب ما أشعر به، لا ما يريده هؤلاء العرابون. سأخطئ وأصيب، ولكن سأبقى حراً.

فليحتفظوا بعصاباتهم، وليصنعوا مجدهم الوهمي، وليوزعوا جوائزهم في الاحتفالات المزدحمة. بينما في الخلف، في عزلة الكاتب المبدع، تولد كلمات لا تشبه أحداً.

وهذه الكلمات، وحدها، هي التي ستبقى.

***

د. عبد السلام فاروق

كيف يُخترع ماضي الحضارات العربية.. عامر عبد الرزاق نموذجًا

لم يعد التاريخ في الفضاء العربي المعاصر مجالًا معرفيًا يقوم على التوثيق والتحليل، لكنه للآسف تحوّل في كثير من الأحيان إلى مادة سريعة الاستهلاك، تُنتَج وتُسوَّق وفق منطق المنصات الرقمية. لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ ولكن: ما الأكثر إثارة وانتشارًا وجذبًا للمشاهدات؟ ومن هنا، ظهر نمط جديد يمكن تسميته بـ“مؤرخ تيك توك”، الذي يعيد تشكيل الماضي وفق سرديات حاسمة، مبسطة، وغالبًا بلا أي أساس علمي.

يقدّم عامر عبدالرزاق نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فهو لا ينشر أبحاثًا محكّمة، ولا يشتغل داخل مؤسسات أكاديمية، يعتمد على فيديوهات قصيرة في منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، يطرح فيها أطروحات صادمة من قبيل: أن الجزيرة العربية ليست سوى العراق، وأن النبي يوسف عاش في العراق لا في مصر، بل ويذهب إلى الحديث عن “آثار لمركبات فضائية” في بلاد الرافدين. هذه الطروحات، رغم غرابتها، تجد جمهورًا واسعًا، وهذا يلزمنا أن نتوقف عند بنيتها وليس عند مضمونها فقط.

الشيء البارز في هذا الخطاب هو تفكيك الجغرافيا وإعادة تركيبها اعتباطيًا. فمصطلح “الجزيرة العربية” ليس تعبيرًا حديثًا أو قابلًا لإعادة التعريف وفق مزاج فرد أو قوم، كونه مفهوم ترسخ منذ قرون طويلة في مصادر متعددة، من الكلاسيكية اليونانية إلى الجغرافيا الإسلامية. اختزاله داخل حدود العراق لا يُعد اجتهادًا، بل إلغاءً تامًا لتراكمات معرفية طويلة، واستبدالها برسم ذهني فردي لا يستند إلى أي دليل.

ثانيًا، يقوم الخطاب على نقل الأحداث الدينية من سياقاتها دون سند. فشخصية مثلا النبي يوسف مرتبطة في النصوص القرآنية والتوراتية بمصر، ضمن منظومة لغوية وتاريخية متماسكة. نقل هذا الحدث إلى العراق يتطلب أدلة نصية بديلة أو تقاليد تاريخية موازية، وهو ما لا يُقدَّم. بدلًا من ذلك، يتم القفز من فرضية إلى “حقيقة” دون المرور بأي مسار استدلالي.

ثالثًا، نواجه تفسيرًا خارقًا للظواهر، مثل الحديث عن مركبات فضائية. هذا النمط ليس جديدًا، بل يتقاطع مع ما روّج له زكريا سيتشين، حيث تُفسَّر الفجوات المعرفية بإدخال عنصر خارق يحل كل الإشكالات دفعة واحدة. هنا يتحول الجهل إلى يقين، والغموض إلى دليل.

المشكلة الأعمق ليست في خطأ هذه الأطروحات، لكن في غياب المنهج. البحث في تاريخ وادي الرافدين، على سبيل المثال، يقوم على قراءة الألواح المسمارية لكن عامر وغيره لا يمثلون  أي مسار علمي، تُطرح ٱفكارهم وفق موجة الهشتاج والترند .

يبقى السؤال: لماذا ينتشر هذا النوع من الخطاب؟ الجواب يرتبط بطبيعة المنصات الرقمية نفسها. تيك توك وإنستغرام لا تكافئ الدقة، هي تكافئ الإثارة. الفيديو الذي يقول “كل ما تعرفه عن التاريخ خطأ” يحقق انتشارًا أكبر من محاضرة علمية موثقة.

إن ما نشهده اليوم هو تحوّل التاريخ إلى محتوى ترفيهي قابل للتلاعب. لم يعد الماضي يُقرأ، بل يُعاد اختراعه. ولم يعد الباحث هو من يحدد السردية، بل الخوارزمية. ومن هنا، لفإن  عامر عبد الرزاق ليس حالة فردية، بل نموذجًا وعرضًا لخلل أوسع في بنية الثقافة الرقمية العربية.

ما نحتاجه أن نعيد احترام المناهج العلمية، نشر المعرفة المبسطة دون تفريط، ربط الجمهور بالمصادر وتفكيك هذه السرديات بهدوء ودقة

إن الخطر الحقيقي ليس في خطأ معلومة، مصيبتنا في انهيار معيار التمييز بين المعرفة والادعاء.

***

حميد عقبي

...........................

للاطلاع على مداخلة كاملة وتفاصيل أكثر فيديو إليكم الرابط

https://youtu.be/yHtS1oK3YWw?si=PVvgSIxa3AyeQvZO

المخلوقات بأسرها تموت، فهل الموت واحد أم يختلف بينها؟.. سؤال يحضر أمام المتفكرين بماهية الموت ومنطلقات الحياة.

المخلوقات بأنواعها ذات نظام بايولوجي فسيولوجي متشابه وإن تعددت أشكالها، فالبنية البدنية للحيوانات تتكون من رأس وبدن وأطراف، والبدن فيه أجهزة معروفة ومتسابهة في وظائفها، والموت يعني توقفها عن العمل.

وتوجد تفاعلات بايولوجية وبايوكيميائية وغيرها في المخلوق منذ إنطلاق تكوينه في بودقة نشاته، (رحم أو  بيضة)، وهذه التفاعلات المتواصلة ربما تمثل الروح، وحال توقف التفاعلات تخمد نبضات الحياة في البدن، فيتحول إلى لقمة سائغة للتراب.

التراب لا يأكل الأحياء بل الأموات من الموجودات بأنواعها، ولهذا تعيش في أعماقه العديد من الأحياء وفي مقدمتها الديدان.

المخلوقات بأسرها لديها ذات الجهاز المعرفي والأحاسيس، وتدرك ما حولها وتحاول الحفاظ على بقائها، وكان البشر أقل منها قدرة في غابر الأزمان، لكنه تطور وتمكن وتسيّد عليها، وتوهم بأنها ليست كمثله بما فيها ولديها من قدرات إدراكية وأحاسيس ومشاعر.

لو أخذنا الكلاب كمثل فأنها ذات مشاعر وأحاسيس، وتعرف أنها سوف تموت، ولهذا تجدها تتوقى من الأخطار وتمارس دورها لإرضاء سيدها، وتتفاعل معه بسلوكيات واضحة وكأنها تجيد لغة الإشارة، لعدم قدرتها على الكلام، لكن الأصوات التي تطلقها ذات معنى وتشير إلى موضوع ما.

الكلب عندما يحضره الموت يصاب بنوبة رعب شديدة، وكذلك المواشي عندما يتقدم منها القصاب، فإنها تشعر بقرب موتها فتحاول الإستغاثة ولكن دون جدوى.

والحيوانات لديها مشاعر الأمومة كالبشر وربما أكثر حرصا منه على صغارها.

لا يوجد فرق بين سلوك الحيوانات والبشر إلا في الكلام والتفاعلات العقلية، المعبَر عنها بما إبتكره وتوصل إليه من إختراعات تمكنه من التحكم بمصير الآخرين من أبناء جنسه، وما حوله من المخلوقات الأخرى التي لا تمتلك سلاحا أمضى مما أوجده.

هو الموتُ الذي فينا تَنامى

يُحاصرنا ويُطعِمنا الحِماما

يُباغتنا إذا حضرتْ قِواهُ

ويُلقينا لأفواهٍ يَتامى

تَناسى كلُّ مَخلوقٍ مَماتا

بنفسٍ غامَرتْ، نكرتْ خِتاما

***

د. صادق السامرائي

بين الادعاء والاكتشاف.. تفكيك غياب المنهج العلمي والتجريب في طرحها

يُقدَّم ما يُسمّى “نظرية الصفر اللغوي” على أنه اكتشاف يكشف آلية تولّد اللغة في الدماغ، بل وتطرحه صاحبته الدكتورة سناء حميد البياتي أحيانًا كإنجاز غير مسبوق عالميًا. هذا الادعاء، بحجمه وطبيعته، يستدعي أن نناقشه ونقيّمه بشكل موضوعي وفق معايير اللسانيات وعلم الأعصاب، وليس وفق الانطباعات أو الحضور الإعلامي. وحضور البياتي في برنامج د. باسم الجمل لا يعني العالمية، فلسنا أمام منصة أكاديمية؛ كما أننا نتكشف فجوة واضحة بين ما يُدّعى وما هو مُثبت، وسناء البياتي تردد الأسطوانة نفسها منذ 2005.

تقوم النظرية على افتراض “مرحلة صفر” تقع بين الفكرة والجملة، تمرّ خلالها عملية إنتاج اللغة بثلاث خطوات: تحديد نوع الفكرة، ربط مكوّناتها بعلاقات معنوية (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح)، ثم اختيار الألفاظ. هذا البناء، في أفضل أحواله، نموذج تفسيري مبسّط لشرح كيفية بناء الجملة، وليس اكتشافًا لآلية دماغية. الفارق جوهري: الاكتشاف العلمي يقتضي أدوات قياس، وتجارب قابلة للتكرار، وبيانات منشورة في مجلات محكّمة؛ بينما الطرح المعروض يقوم على الاستبطان الذهني—أي تأمل ذاتي في كيفية صياغة الجمل—ثم تعميمه على الدماغ البشري. في حقل يشتبك مباشرة مع علم الأعصاب، لا يكفي هذا المنهج لإثبات أي آلية.

إشكالية المصطلح تكشف بدورها طبيعة الطرح. “الصفر” مفهوم رياضي رمزي، لا يدل على بنية فيزيائية يمكن رصدها في الدماغ. نقله إلى اللغة دون تعريف إجرائي قابل للاختبار يحوّله إلى استعارة جذابة، لا إلى مفهوم علمي. وهذا ما أشار إليه د. ضياء خضير حين نبّه إلى أن ما يُسمّى “الصفر” أقرب إلى المجاز منه إلى حقيقة قابلة للإثبات. قوة هذا النقد أنه يضبط المصطلح قبل مناقشة نتائجه: لا يمكن بناء نظرية على مفهوم غير قابل للتحديد التجريبي.

على مستوى المضمون، لا تحمل الفكرة جديدًا جذريًا. القول بوجود قدرة ذهنية لإنتاج اللغة، ومرور الفكرة بمراحل قبل التعبير، ومركزية العلاقات بين المعاني—كلها أفكار نوقشت منذ عقود، وتبلورت في أعمال نعوم تشومسكي ضمن إطار النحو الكلي، كما لها جذور في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. الجديد هنا هو إعادة ترتيب هذه الأفكار وتسميتها، وهو جهد قد يكون مفيدًا تعليميًا، لكنه لا يبرّر إعلان “اكتشاف لم يُسبق إليه”.

الأخطر هو التعميم الكوني. اختزال العلاقات النحوية في أربع، وتقديمها كقواعد مشتركة لكل اللغات، يتطلب برهنة مقارنة على طيف واسع من اللغات المختلفة بنيويًا. دون ذلك، يبقى هذا الاختزال أداة تبسيط، لا قانونًا كونيًا. وهذا ما يجعل القفز من الشرح التعليمي إلى الادعاء العلمي قفزًا غير مبرر.

في المقابل، يقدّم نقد د. ضياء خضير إطارًا متماسكًا: يطالب بالدليل، ويضع الفكرة في سياقها التاريخي، ويميّز بين القيمة التعليمية والادعاء العلمي. قد تبدو لهجته هادئة، لكنها منهجيًا دقيقة؛ إذ يضرب أساس الادعاء دون شخصنة. وهو يذكّر بأن العلاقة بين الفكر واللغة مسألة مفتوحة، تنازعها رؤى متعددة من تشومسكي إلى لودفيغ فيتغنشتاين، ولم تُحسم نهائيًا حتى اليوم.

أما القول بأن “أحدًا لم يسبق إلى اكتشاف كيفية تولّد اللغة في الدماغ”، فهو يتجاهل تاريخًا طويلًا من البحث منذ القرن التاسع عشر، من تحديد مناطق اللغة إلى دراسات التصوير العصبي الحديثة. هذا السؤال لم يُحسم عالميًا، وأي ادعاء بحسمه يتطلب أدلة استثنائية—وهي غير متوفرة هنا. كذلك، التقليل من جهود تشومسكي أو غيره لا يغيّر حقيقة أن تلك الأعمال خضعت لعقود من النقد والتطوير، بينما يبقى هذا الطرح ثابتًا تقريبًا منذ 2005 دون اختبار مستقل أو مراجعة جوهرية.

تزداد الإشكالية حين يُربط الطرح بإثبات الإعجاز أو بتفوق حضاري شامل. الانتقال من نموذج لغوي إلى أحكام نهائية من هذا النوع قفزة خطابية لا سند علمي لها. كما أن استدعاء عبارات الترويج - كالدعوة إلى اعتبار العمل “اكتشافًا عالميًا” أو الإيحاء باستحقاق جوائز كبرى - لا يعوّض غياب المنهج، بل يكشفه.

مع ذلك، ليت الدكتورة البياتي دعت مثلًا إلى دعم الجهود والدراسات الداعية إلى تبسيط النحو، والتركيز على المعنى والسياق، والانتقال من الجملة إلى مكوّناتها؛ فكلها اتجاهات مفيدة تربويًا، وتتقاطع مع اللسانيات التطبيقية.

استنتاجات مختصرة:

ما يُقدَّم ليس اكتشافًا، بل نموذج تفسيري مبسّط.

مصطلح “الصفر” استعارة، لا مفهومًا علميًا قابلًا للاختبار.

لا توجد أدلة تجريبية أو نشر محكّم يدعم الادعاء.

الأفكار الأساسية مطروحة سابقًا في اللسانيات والفلسفة.

التعميم الكوني للعلاقات النحوية غير مُثبت.

ربط الطرح بالإعجاز أو التفوق الحضاري قفزة غير مبررة.

كلامها يخلو من أي اكتشاف أو منهجية.

***

حميد عقبي

........................

لسماع ومشاهدة مداخلة نقدية لعشرين دقيقة مرفق الرابط

https://youtu.be/lRb43ivvxnM?si=korLVhW6waEJGdOA

تقف في منتصف شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، المغرب، في يوم يوليو الحار، في يدك مثلجات فانيليا مغطاة بالكركديه. وأنت تعلمها. تعلم أنها سوف تسقط.

منذ أول ثانية أمسكتها بدأت الطاقة الكاملة في جسدك تتحول إلى مهمة واحدة وحيدة: منع أي نقطة منصهرة من أن تلمس قميصك الأبيض الجديد. تمسكها بزاوية متوترة. تمسح طرفها كل ثانيتين بمنشفة ورقية. لا تسمع الصديق الذي يمشي بجانبك ويكلمك. لا تشم رائحة الياسمين التي تأتي من الحديقة المقابلة. لا تتذوق حتى المثلجات التي في فمك. كل ما تفعله هو انتظار السقوط.

وثم تسقط. بالطبع تسقط. بعد كل هذا الجهد تسقط نقطة كبيرة سميكة تماماً في منتصف قميصك.

وهذه ليست قصة عن المثلجات. هذه هي القصة الكاملة للحياة.

نحن نقضي كل حياتنا بهذه الحركة المتوترة نفسها. نمشي في أجمل شاطئ في العالم ومشغولون أن الرمل لا يدخل الحذاء. نأتي لحفلة رائعة ونقضي كل ساعاتها نخاف أن نلطخ الفستان. نجلس مع أحب الناس إلينا ونقضي الوقت نتفقد الهاتف كل عشر ثوانٍ خوفاً من رسالة فائتة. نعيش اللحظة كاملة ونحن نجهز لننشرها. وكل هذا الوقت، المثلجات تنصهر في يدنا.

لقد أقنعنا العالم أن فن العيش هو فن منع الأشياء من السقوط. أن الحياة الجيدة هي الحياة النظيفة، المرتبة، الخالية من البقع، الخالية من أي شيء لم نخطط له مسبقاً.

والحقيقة الأكبر التي لا يخبرنا أحد بها هي: كل الأشياء الجيدة في الحياة هي البقع.

بعد عشر سنوات لن تتذكر أبداً أنك كنت تمتلك قميصاً أبيض نظيفاً في ذلك اليوم من يوليو. لكنك ستتذكر المثلجات التي سقطت. ستتذكر ضحكك الذي استمر نصف ساعة. ستتذكر أن صديقك اشترى لك مثلجة أخرى وأقام يرمي عليها عن قصد.

جميع الذكريات التي نحبها ليست الذكريات التي سارت تماماً. هي الذكريات التي حدث فيها شيء خاطئ. المطر الذي نزل في الرحلة الجبلية. الكيك الذي احترق في عيد الميلاد. القطار الذي فاتنا فمشينا ثلاث كيلومترات تحت القمر. المثلجات التي سقطت على القميص. هذه هي العلامات التي تختم على اللحظة كحقيقية.

فن الانسياب ليس عدم الاكتراث. هو أن تعلم أن البقعة على القميص ليست خطأ حدث للحظة. هي الجزء الأصلي من اللحظة. هو أن تتوقف لثانية واحدة وتقول لنفسك: حسناً. دعها تسقط.

لا يوجد شيء أسوأ في كل الحياة من أن تنتهي المثلجات وتكتشف أنك لم تتذوقها حتى مرة. فقط لأنك كنت مشغولاً كل الوقت بمحاولة منعها من السقوط.

اليوم عندما تذهب وتأخذ مثلجاتك التالية. لا تمسكها كأنها قنبلة. لا تمسحها كل ثانية. لا تخف. كُلْهَا مثلجات. واتركها تسقط على قميصك.

البقعة سوف تزول عند الغسل. اللحظة لن تعود أبداً.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي - أستاذ باحث

في كثير من المؤسسات العراقية، نلاحظ سلوكاً يتكرر بصورة لافتة: مسؤول يتزلف لمن هم أعلى منه، يبالغ في الثناء، يخفي الحقائق غير المريحة، وربما يلجأ إلى الكذب أو تجميل الواقع فقط لينال الرضا أو يتجنب الغضب. هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وتنظيمية وثقافية.

ففي المكاتب الواسعة ذات الطاولات اللامعة، لا تُسمع الحقيقة دائماً. هناك لغة أخرى تُقال بصوت منخفض؛ لغة مليئة بالثناء المبالغ فيه، والابتسامات المصطنعة، والتقارير التي تُصاغ بعناية لتخفي ما يجب أن يُقال إنه مشهد مألوف: مسؤول يجلس أمام مسؤول أعلى منه، يتحدث بلهجة الواثق، لكنه في داخله يحسب الكلمات كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره. لا يقول ما يعتقد، بل ما يُرضي. لا يعرض الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو.

وفي بيئة تُدار بالأمزجة لا بالأنظمة، يصبح الرضا الشخصي معيار البقاء. وأن كل مسؤول يدرك أن كلمة واحدة قد ترفعه أو تطيح به، فيتعلم بسرعة أن يقول ما يُحب الرئيس سماعه، لا ما يجب أن يُقال. فالتملق ليس سلوكاً عابراً في دهاليز الإدارة، بل مرضاً بنيوياً ينهش المؤسسات من الداخل. حين ترى مسؤولاً يبالغ في الثناء على رئيسه، ويجمل التقارير، ويخفي الإخفاقات، ويكذب باسم "اللباقة"، فأنت لا تشاهد شخصاً ضعيفاً فحسب، بل ترى نظاماً كاملاً يُكافئ النفاق ويعاقب الصدق.

من أخطر ما يرسّخ التملق أن تتحول العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلى علاقة ولاء شخصي. في الوقت الذي يجب أن تُبنى القرارات على لجان، ومحاضر رسمية، وتوثيق شفاف، لا على جلسات مغلقة.

لماذا يحدث هذا؟

يكمن الجذر الأول في هشاشة المنصب. ففي بعض البيئات ترتبط الترقية والعقوبة برضا المسؤول الأعلى، حيث يصبح المنصب لا تكليف بل امتياز، ولا مسؤولية بل غنيمة. وحين يتحول الموقع الإداري إلى مصدر نفوذ شخصي، يصبح الحفاظ عليه أولوية تتقدم على الصدق والكفاءة. ويصبح الخوف هو المحرك الأول: الخوف من الإبعاد، ومن التهميش، ومن فقدان الامتيازات. في هذه البيئة، يتراجع الصدق أمام غريزة البقاء، ويتصرف المسؤول كمن يسعى إلى حماية نفسه لا إلى خدمة المؤسسة.

فعندما يكون مصير المسؤول مرتبطاً برضا شخص واحد، يصبح هذا الرضا بوصلته الوحيدة. وهنا تبدأ المأساة؛ وتتحول الإدارة إلى علاقة عاطفية مشوهة بين الأعلى والأدنى، لا إلى علاقة مهنية تحكمها معايير واضحة.

المسؤول الذي يخاف، لا ينقل المشكلة كما هي، بل يخففها. لا يعترف بالفشل، بل يبرره. لا ينتقد القرار، بل يمدحه. لأنه يرى في الحقيقة خطراً، وفي العراق، وتحديداً في المؤسسات التي تُقدَّس فيها السلطة ويُجرَّم فيها الاختلاف، يصبح التملق مهارة بحد ذاته. العبارات الرنانة تحل محل الأرقام، والثناء يحل محل التقويم الموضوعي. ومع الزمن، لا يعود التملق سلوكاً فردياً، بل يتحول إلى ثقافة عامة. من يرفضه يبدو شاذاً عن القاعدة، وربما ساذجاً في نظر الآخرين.

في المؤسسات التي تُبنى على هرم سلطوي صارم، حيث القرار مركزي، والنقد يُفهم كتمرد، ينشأ مناخ يشجع التملق. فكلما كانت المسافة بين القمة والقاعدة كبيرة، وكلما قلّت المساءلة، ازداد الميل إلى إرضاء الأعلى بدل خدمة المصلحة العامة. هنا يتحول المنصب إلى علاقة شخصية لا مسؤولية مهنية.

بعض المسؤولين يفتقرون إلى الثقة بقدراتهم، فيعتقدون أن قوتهم مستمدة من رضا من فوقهم. فيبالغون في إظهار الولاء، ويتجنبون أي موقف قد يُفسَّر على أنه اختلاف أو اعتراض. الشخص الواثق يستطيع أن يقول: "هذا القرار يحتاج إلى مراجعة"، أما غير الواثق فيقول: "فكرة عظيمة" حتى لو كان مقتنعاً بعكس ذلك.

الطموح بحد ذاته ليس خطأ، لا بل مشروع ومطلوب. لكن حين يُختزل النجاح في الصعود بأي ثمن، تنفصل الوسيلة عن القيمة. وحين ينفصل عن القيم يتحول إلى انتهازية.

بعض المسؤولين لا يرون في التزلف تنازلاً أخلاقياً، بل استراتيجية ذكية. يبررون لأنفسهم الكذب بأنه "تكتيك"، ويبررون المجاملة المفرطة بأنها "لباقة سياسية". غير أن الفرق كبير بين الدبلوماسية والكذب، وبين اللياقة والنفاق.

عندما لا توجد آليات واضحة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي هو المعيار. والانطباع يمكن التأثير فيه بالكلمات المعسولة والتقارير المجمّلة. أما في المؤسسات التي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة وتقييم موضوعي، فإن التملق يفقد قيمته لأنه لا يغير النتائج.

أن قول الحقيقة يتطلب شجاعة، خاصة إذا كانت الحقيقة تتضمن اعترافاً بالخطأ أو نقداً لقرار سابق، لكن حين يُعاقب الصادق ويُكافأ المادح، تتشكل بيئة تدفع الناس إلى الكذب حفاظاً على مصالحهم. وعندما تُخفى المعلومات الحقيقية، يتخذ المسؤول الأعلى قرارات مبنية على صورة غير دقيقة.

التملق الإداري ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لبيئة تسمح به أو تشجعه. فالمؤسسة الصحية هي التي تجعل الصدق أأمن من الكذب، وتجعل الكفاءة أهم من المجاملة، وتجعل قول الحقيقة فضيلة لا مخاطرة.

إن التملق الإداري ليس مجرد ضعف أخلاقي، بل علامة على خلل أعمق في بنية المؤسسة وثقافتها. وحين تصبح الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب رخيصاً. لكن المؤسسات التي تبنى على المجاملة لا تصمد طويلاً؛ لأنها، ببساطة، لا ترى نفسها كما هي.

الشجاعة ليست صفة فطرية فقط، بل مهارة تُدرّس في المدارس والمعاهد المهنية. وبرامج تدريب القيادات يجب أن تتضمن مهارات إدارة الخلاف، وقول الحقيقة بطريقة مهنية، وإدارة الضغوط دون انزلاق إلى الكذب.

المشكلة ليست في موظف يمدح رئيسه، بل في نظام يجعل المدح شرطاً للبقاء. وحين يصبح الصدق مخاطرة، يصبح الفساد خياراً عقلانياً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الانحناء، بل على الاستقامة.

ولا تنهار بسبب النقد، بل بسبب الصمت.

ليس أخطر على أي مؤسسة من الفساد المالي، بل الفساد الصامت الذي يسبقه: فساد الكلمة. وحين يتحول المسؤول إلى مروّج لرئيسه، ويصبح التقرير لوحة تجميل، وحين تُخفى الحقيقة خوفاً من إزعاج صاحب القرار- فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة الانحدار، حتى لو بدت من الخارج مستقرة.

أن المسؤول الذي يتملق لا يفعل ذلك بدافع الأدب، بل بدافع الخوف أو الطموح الأعمى. فهو يعرف أن البقاء لا يعتمد على الإنجاز بقدر ما يعتمد على الرضا الشخصي. لذلك يتعلم بسرعة: قل ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه.

وهكذا، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة من المجاملات. المدير الأعلى يسمع ما يعجبه، فيظن أن الأمور تسير بخير. والمسؤول الأدنى يخفي المشكلات، فيظن أنه يحمي نفسه. والنتيجة؟ قرارات تُبنى على وهم. إذن، المشكلة ليست في شخص يجامل، بل في بيئة تجعل المجاملة شرطاً للنجاة.

أما الثمن الذي تدفعه المؤسسة، فهو باهض: تتضخم الأخطاء الصغيرة لأنها لا تُكشف مبكراً، وتُقصى الكفاءات المستقلة لأنها "غير منسجمة"، ويسود منطق الولاء بدل منطق الإنجاز، وتتآكل الثقة حتى داخل الفريق الواحد. فالمؤسسة التي تُدار بالتصفيق، تتفاجأ يوماً بأنها بلا إنجاز حقيقي.

إن التملق الإداري ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مؤشر خطر. فحين يفضّل المسؤول رضا رئيسه على مصلحة مؤسسته، فهو لا يحمي نفسه، بل يساهم في إضعاف الكيان الذي يعمل فيه. فالمؤسسات القوية لا تخشى الحقيقة، أما التي تخاف منها، فهي تعرف في أعماقها أنها بنيت على هشاشة.

***

جورج منصور

في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمناً"، تتجلى لنا أبعاد روحية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، الذي تحقق منه ذلك العبد الصديق الصادق، وهو دعوة لكل سالك أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه.

فعندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم آنذاك كمنارة روحية وقمة أمن وطمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليماً كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح. إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئاً، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والامان الإلهيين.

وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر حج لهجرة القراءة على لوح الازل.

ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلا على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى ومحرابا لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين رحيق المحبة والتسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء.

 في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمنا" البقرة 125، تتجلى لنا أبعاد عرفانية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، وهو دعوة لكل سالك  لطريق القوم أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه وووجه الله تعالى الحبيب المحبوب هو المبتغى.عندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم كمنارة أمن ومرسى طمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليما كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح.إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئا، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والأمان الإلهي ين. وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر قارئ في باطنه. ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلاً على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين التسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء، ومن دخلها كان من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

الاحتراق الوظيفي في بيئات العمل المعقدة

يعد الاحتراق الوظيفي بين المتخصصين في جودة السلامة المهنية تحدياً متنامياً في بيئات العمل الحديثة، لا سيما في المؤسسات التي تفرض التزاماً صارماً بالمعايير والإجراءات الوقائية. إذ يتحمل هؤلاء الموظفون مسؤولية جسيمة تتعلق بحماية الأرواح والحد من المخاطر، مما يضعهم في حالة دائمة من اليقظة والضغط النفسي. ومع غياب آليات الدعم الفعالة، يتراكم لديهم الإجهاد البدني والذهني، وصولاً إلى الاحتراق الوظيفي الذي يؤثر سلباً على كفاءة الأداء وجودة اتخاذ القرار.

تتعدد مصادر الضغط على العاملين في هذا المجال؛ فتبدأ من ثقل المسؤولية الأخلاقية والمهنية في منع الحوادث، مروراً بمتطلبات التدقيق والتقارير المستمرة، وصولاً إلى مواجهة الطوارئ والتعامل مع المخاطر الميدانية. كما يواجه الموظف تحدياً إضافياً يتمثل في التوفيق والتوازن بين متطلبات الإدارة ومقاومة العاملين لتطبيق إجراءات السلامة، مما يجعله في صراع مهني مستمر يزيد من إنهاكه.

ومع تفاقم هذه الضغوط، تظهر مؤشرات تحذيرية مثل الإرهاق المزمن، وتشتت الانتباه، وتراجع الدافعية، والتردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، بالإضافة إلى الميل نحو العزلة. وقد يتطور الأمر إلى شعور بالإحباط والتشاؤم، مما يضعف المبادرة والابتكار في تطوير برامج السلامة. وفي هذه المرحلة، قد يلجأ الموظف إلى استراتيجيات سلبية للتعامل مع الضغوط، كالمماطلة أو تجنب المواجهة أو الهروب من المسؤوليات الأساسية أو العنف اللفظي والبدني والتنمر.

ولا يقتصر أثر الاحتراق الوظيفي على الفرد فقط، بل يمتد ليؤثر على جودة السلامة المهنية داخل المنظمة والمؤسسة، حيث يؤدي الإرهاق الذهني إلى ضعف القدرة على اكتشاف المخاطر، وانخفاض جودة التقارير المهنية، والتغاضي عن بعض الملاحظات المهمة التي تحتاج إلى متابعة وتقييم مستمر، إضافة إلى تراجع التواصل الفعال مع العاملين. كما أن انخفاض الحماس لدى موظف السلامة ينعكس على ثقافة السلامة العامة، فتقل المشاركة في الأنشطة التنموية والوقائية، وتضعف المبادرات التطويرية، ويصبح الالتزام بإجراءات السلامة شكلياً بدلاً من كونه سلوكاً مؤسسياً راسخاً. وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى زيادة الحوادث المهنية وارتفاع معدلات الإصابات والغياب أو الدوران الوظيفي الذي يؤدي إلى ترك العمل، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية وسمعة المؤسسة وصورتها الذهنية والواقعية أمام العملاء والزبائن.

ومن ناحية أخرى، فإن الضغوط المهنية في مجال السلامة ليست دائماً سلبية، إذ يمكن أن تكون محفزاً إيجابياً للتميز وتحقيق الإنجاز إذا ما تمت إدارتها بصورة متوازنة وصحية. فوجود تحديات مهنية قد يدفع الموظف إلى تطوير مهاراته التنظيمية وتحسين قدرته على إدارة وتنظيم الوقت، وتعزيز التفكير الاستباقي في اكتشاف المخاطر قبل وقوعها. كما أن التعامل مع المواقف الطارئة قد يسهم في بناء الثقة بالنفس وتنمية مهارات اتخاذ القرار تحت الضغط. إلا أن هذه الضغوط تتحول إلى عامل هدم عندما تتجاوز قدرة الفرد على التكيف وضعف قدرته على الاندماج والانسجام مع زملائه ومديريه، أو عندما يغيب الدعم المؤسسي والتنظيمي الذي يساعد على إدارة هذه الضغوط بصورة صحية.

وتلعب بيئة العمل دوراً محورياً في الحد من الاحتراق الوظيفي، فالمؤسسات التي توفر مناخاً داعماً للصحة النفسية والاجتماعية تسهم في تعزيز الاستقرار المهني للعاملين في السلامة المهنية. ويشمل ذلك توزيع الأعباء بصورة عادلة، وتوفير الموارد اللازمة لتطبيق إجراءات السلامة، وإشراك الموظفين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمخاطر المهنية، إضافة إلى تقديم برامج تدريبية تنموية وتطويرية متخصصة في إدارة الضغوط والتعامل مع الأزمات والصراعات في العمل. كما أن تقدير جهود موظفي السلامة والاعتراف بدورهم في حماية العاملين يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي وتقليل الشعور بالإجهاد ويوفر الراحة والشعور بالأمن والطمأنينة.

وتسهم العلاقات الاجتماعية الإيجابية داخل بيئة العمل في تقليل آثار الاحتراق الوظيفي، إذ إن الدعم المتبادل بين الزملاء يعزز الشعور بالانتماء والولاء المؤسسي ويخفف من حدة الضغوط اليومية والإرهاق الذي يحدث أثناء العمل. كما أن التواصل المفتوح بين الإدارة وموظفي السلامة المهنية يساعد على مناقشة التحديات وتبادل الحلول بصورة واقعية. ويعد إشراك العاملين في برامج ترفيهية وتفريغية واجتماعية، وتنظيم لقاءات دورية مستمرة، وتوفير مساحات للحوار البناء والتعبير عن الضغوط المهنية بإيجابية، من العوامل التي تدعم الصحة النفسية والروح الاجتماعية والجمعية وتعزز التوازن بين العمل والحياة الشخصية والاجتماعية للموظفين.

كما أن تنمية الوعي بالصحة النفسية في بيئة العمل تعد من الأساليب البنائية والوقائية المهمة؛ حيث يمكن نشر مواد توعوية حول إدارة الإجهاد، وتقديم ورش تدريبية حول المرونة النفسية والعاطفية، وتشجيع العاملين على ممارسة النشاط البدني التفريغي، والحصول على فترات راحة واستجمام منتظمة أثناء العمل. ويسهم تطوير مهارات التواصل الفعال في تقليل الأزمات والصراعات المهنية، وتحسين التعاون بين الأقسام المختلفة؛ مما يقلل من الضغوط الواقعة على موظفي السلامة المهنية. إن الاستثمار في الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين في مجال السلامة المهنية لا ينعكس فقط على رفاه الموظفين ونفسيتهم وزيادة اللحمة الاجتماعية في العلاقات الصحية مع الزملاء والمدراء، بل يؤدي إلى تعزيز ثقافة السلامة داخل المؤسسة، وتحسين جودة الأداء، وتقليل الحوادث المهنية، وزيادة الإنتاجية؛ فالموظف الذي يتمتع بالاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني يكون أكثر قدرة على ملاحظة المخاطر، وأكثر التزاماً بالإجراءات الوقائية، وأكثر فاعلية في نشر ثقافة السلامة بين العاملين. وبالتالي فإن الاهتمام بالاحتراق الوظيفي يعد جزءاً أساسياً من منظومة الجودة الشاملة في السلامة المهنية؛ حيث يسهم في بناء بيئة عمل صحية وآمنة ومستدامة تدعم الإنسان وتحقق أهداف المؤسسة في آنٍ واحد.

***

د. أكرم عثمان

1-5-2026

الأول من أيّار يوم العمال العالمي

يُعدّ يوم العمال العالمي مناسبةً رمزيةً عميقة الدلالات، تتجاوز حدود الاحتفاء التاريخي بهذه المناسبة، لتغدو حالة جديدة للتأمل النقدي في سياق تحوّلات العمل وشروطه في العصر الرقمي، فهو في جوهره تعبير عن تاريخ طويل من النضال الاجتماعي والاقتصادي للطبقة العاملة، التي أثمر نضالها في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بتحديد ساعات العمل وتحسين شروطه. يعود أصل المناسبة إلى أحداث تاريخية في أيّار 1886 في مدينة شيكاغو، وقعت حادثة انفجار قنبلة أثناء مظاهرة عمالية مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الشرطة والمتظاهرين.

تسببت هذه الحادثة بإعلان الأممية الثانية (منظمة اشتراكية دولية) أن يكون الأول من أيّار يوماً عالمياً لتكريم العمال تخليداً لتلك الأحداث. وبذلك ظلّ الأول من أيّار عالقاً في ذاكرة التاريخ كمرآة يعكس موازين القوة بين رأس مال السوق والعمل التقليدي، ومؤشّراً على طبيعة التزام العمال بالعقد الاجتماعي خلال المراحل التاريخية المختلفة، غير أنّ القرن الحادي والعشرين، بما يحمله من تطورات تقنية هائلة متسارعة، أعاد طرح العديد من الأسئلة الجدلية التي تتعلق بالأعمال المهنية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في إطار جديد يتناغم مع التحولات السريعة التي تتداخل فيها مفاهيم العمل على كافة الأصعدة.

أدّت التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى المنصّات الرقمية، إلى إعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة، ليس فقط من حيث طبيعة الأعمال، بل من حيث تعريف دور العامل ذاته، الذي لم يعد دوره محصوراً في ميدان العمل المكاني، المصنع أو الحقل، بل بات حاضراً في مجالات جديدة مرتبطة بطبيعة عمل الاقتصاد الحر، والعمل عن بُعد، والأعمال الأخرى القائمة على الطلب. هذه التحولات الكبيرة حملت معها اشكالات جديدة من الصعوبات التي يتعرّض لها العديد من العاملين في المنصّات الرقمية، فالعامل لم يعد يتمتع بضمانات التوظيف التقليدية، كالأمان الوظيفي والتأمينات الاجتماعية وغياب التمثيل النقابي، بل أصبح عرضة لتقلبات السوق وخوارزميات المنصات التي تتلاعب بمصيره المهني. إن انتشار أنماط العمل غير المستقرة تستدعي قراءة نقدية متأنية لطبيعة المتغيرات والتحولات في مختلف ميادين العمل.

كانت الرؤية الماركسية الكلاسيكية، كما صاغها كارل ماركس، بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) هي القوة الأساسية التي تُنتج القيمة في المجتمع الرأسمالي، لكنها تُستغل لأن أصحاب وسائل الإنتاج (الرأسماليين) يستحوذون على فائض القيمة. ولكن في العصر الرقمي، اتخذت أشكالاً جديدة ومعقّدة، حيث يُعاد تفسير الطبقة العاملة التي مازال وجودها ضمن مُسمى "البروليتاريا الرقمية"، والصراع الطبقي مازال قائماً وأُعيد تشكيله لأن الوعي الطبقي ضروري للتغيير، لكن وجود العامل لم يعد كما كان في المصنع، بل أصبح عمله ينطلق من منصات أخرى وبمسيات معاصرة.

والشركات التقنية الكبرى تستخرج (قيمة) من بيانات المستخدمين، بما يشبه نوعاً جديداً من فائض القيمة، مقرونة بمفاهيم جديدة (كالبيانات كوسيلة إنتاج، والخوارزميات كأداة سيطرة) بدلاً من (الآلات والمصانع)، أي هنا القيمة لم تعد تُنتج بالعمل الجسدي، بل عبر الذكاء، اللغة، والعلاقات الاجتماعية، مما جعلت مساحة الاستغلال أوسع انتشاراً لكن أقل وضوحاً. فالشركات الرقمية لا تبيع الخدمات فقط، بل تستخرج البيانات وتحولها إلى أرباح، وامتلاك هذه الوسائل من الشركات التكنولوجية الكبرى يعني استمرار نفس علاقات القوة التي وصفها ماركس، لكن بأدوات حديثة.

التحدي الأبرز الذي يواجه الطبقة العاملة في العصر الرقمي يكمن في الفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تنصف الطبقة العاملة في الكثير من بلدان العالم. فالقوانين التي تنظّم العمل أكثرها أسيرة الأساليب التقليدية التي تحتاج إلى إعادة النظر في مضامينها بما يتلاءم مع تطورات العصر، بحيث تكون قادرة على استيعاب تعقيدات العمل الرقمي. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عامة تضمن العدالة الرقمية، وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير التقليدي، مع ضمان الشفافية في الخوارزميات التي تتحكّم في توزيع العمل وتقييم الأداء في كل مجالات العمل، لأن التقدم التكنولوجي يجب أن يُوجَّه بما يخدم تطلعات الإنسان العامل ويصون حقوقه في عالم تتسارع فيه المتغيرات بوتيرة غير مسبوقة.

بدء الاحتفال بشكل رسمي بعيد العمال العالمي في العراق بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث تم إدخال الأول من أيّار ضمن العطل الرسمية للدولة، بعدما كان العمال يحيون المناسبة قبل ذلك بشكل غير رسمي أو سري بسبب الظروف السياسية في العهد الملكي. إنّ استذكار هذه المناسبة، في ظل المشهد المعقّد، يدعو إلى تجديد الالتزام بقيم العدالة الاجتماعية، بأدوات تتناغم وتتلاءم مع روح العصر الرقمي. فالتحديات لم تعد فقط من أجل تقليل ساعات العمل ورفع الأجور، بل من أجل ضمان إنسانية العمل في عالم تهيمن عليه الخوارزميات، وتتفاوت فيه الكفاءة وقيم العدالة والحقوق.

الطبقة العاملة في العراق المعاصر تواجه إطار معقّد يجمع بين التحولات الاقتصادية البنيوية، والصراعات السياسية والأمنية منذ عام 2003. عدم الاستقرار السياسي له تأثيره السلبي المباشر على بيئة الاستثمار، وفرص العمل المستدامة أدى إلى استمرار ضعف دور الطبقة العاملة. إعتماد العراق على الاقتصاد الريعي أضعف تنويع القطاعات الإنتاجية التي جعلت الطبقة العاملة تعاني من محدودية فرص العمل المستقر، لأن الجزء الأكبر من العمالة يتركز في ميدان القطاع العام وفي أنشطة غير رسمية منخفضة الإنتاجية، وظائف لا تتناسب مع مهاراتهم، وحرمتهم من الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية، رغم وجود تشريعات تنظم العمل، ولكن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف المؤسسات الرقابية، والحركة النقابية ما زالت تعاني من قيود كثيرة تحدّ من قدرتها على تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم القانونية.

قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من القوانين المهمة نظرياً التي نظّمت حقوق العمال، في تحديد ساعات العمل والإجازات وتنظيم عقود العمل ومنع الفصل التعسفي، وضمان بعض أشكال الحماية الاجتماعية. هذه التشريعات قريبة من المعايير الدولية، خاصة تلك التي تروج لها منظمة العمل الدولية في مجال حماية الطبقة العاملة، لكن من حيث التطبيق الواقعي فهي لم تُنصفها بشكل كافٍ بسبب ضعف القضاء العمالي والرقابة والتفتيش، واتساع الاقتصاد غير الرسمي بالإضافة إلى التدخلات السياسية التي تعرقل تطبيق القانون، وبذلك فإن ضعف تنفيذها يعود لعوامل كثيرة أهمها غياب بيئة مؤسسية داعمة.

ولدينا إشكالية مجتمعية أكثر تعقيداً تتعلق بالفئات الأكثر تضرراً، النساء العاملات والشباب، بالإضافة إلى معضلة عمالة الأطفال المنحدرين من الأُسر ذات الدخل المنخفض أو المتضررة من النزاعات، أو من جراء تفكك الأُسر وفقدان مصادر الدخل، وضعف الحماية الاجتماعية. جلَّ عمل هؤلاء الأطفال مرتبط بعدة مخاطر، يعيشون في بيئات خطرة، كثيراً ما يتعرضون إلى العنف أو الاستغلال والحرمان من فرص التعليم. ظاهرة مقلقة ذات أبعاد اجتماعية انسانية اقتصادية وقانونية، لا يمكن فهمها بمعزل عن بنية الاقتصاد، ومستويات الفقر المرتفعة، وآثار الصراعات السياسية والاجتماعية.

تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة العمل الدولية إلى أن نسبة غير قليلة من الأطفال في العراق منخرطون في أنشطة اقتصادية ضمن القطاع غير الرسمي، لا سيما العمل في مجال الورش الحرفية كالميكانيك والنجارة، أو جمع النفايات وتدويرها، وفي مسح زجاج السيارات، وفي المناطق الزراعية الريفية. علماً أن العراق طرف في اتفاقيات دولية مهمة مثل: اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعمل الأطفال، اتفاقية حقوق الطفل، وقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، يحظر تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وينظم عمل الأحداث بشروط صارمة كما ينص قانون رعاية الأحداث العراقي على حماية الأطفال من الاستغلال، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة التنفيذ.

أما تأثير تصاعد العمالة الأجنبية، بشقّيها الشرعي وغير الشرعي، بوصفها ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها البنى الاقتصادية مع الترتيبات السياسية والتحولات الاجتماعية، نتج عنها فائض في العمالة المحلية (بطالة مرتفعة بين الشباب من الجنسين)، مقابل طلب فعلي على عمالة منخفضة التكلفة أو ذات مهارات محدودة، هذا الأمر دفع أصحاب العمل إلى تفضيل العمالة الأجنبية، ليس فقط لرخصها، بل لمرونتها ولضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها. هذه الحالة تستدعي التأمل وإعادة التفكير في السياسات العامة، ليس لكونها مشكلة سوق عمل، بل كونها خللاً كبيراً في توجهات الدولة والاقتصاد والمجتمع.

التكنولوجيا خلقت مجالات عمل جديدة (تحليل البيانات، تطوير البرمجيات، إدارة الأنظمة الرقمية)، هذه الأعمال تتطلب مهارات مختلفة لا يمتلكها الكثير من الطبقة العاملة التقليدية. التكنولوجيا لم تلغِ الطبقة العاملة وإنما نمط عملها قد اختلف وتحتاج إلى مهارات عالية تقاوم فيها التحديات وتكون قادرة على التكيف من خلال التعليم، التدريب، والسياسات التي تحميها في ظل تطور مجالات العمل في العالم الرقمي.

المجد لكل نضالات الطبقة العاملة في يومها العالمي.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

في المعنى الأخلاقي للمعاناة الإنسانية

ليست المعاناة حادثة عابرة في حياة الإنسان، بل لحظة تتكشف فيها حقيقة معدنه الأخلاقي. ففي الألم لا يواجه الإنسان ما يؤلمه فحسب، بل يواجه ما يمكن أن يصير إليه بسببه. هناك في منطقة الجرح يتحدد أحد أعمق الخيارات الوجودية: اما أن يتحول الألم الى قسوة، واما أن يرتقي الى رحمة.

ومن أكثر الأوهام رسوخا أن نتصور الرحمة ثمرة مباشرة للرحمة، وأن اللطف لا يولد الا في ظلال الرفق والاحتواء. غير أن التجربة الإنسانية تكشف مفارقة اعمق: كثيراً ما تتخلق انبل صور الرحمة في النفوس التي خبرت الألم، وتولد الرقة الحقيقية في القلوب التي عرفت الانكسار.

ذلك أن الألم في ذاته ليس قيمة أخلاقية، فلا هو فضيلة ولا هو رذيلة، بل قوة خام يكتسب معناها مما يصنعه الإنسان بها. فقد يتحول الجرح إلى مرارة تعيد إنتاج الأذى، وقد يتحول إلى بصيرة توسّع الفهم وتعمّق الاحساس بالآخرين. ومن هنا لا تكون المعاناة سبباً في السمو أو الانحدار بذاتها، بل تصبح ميدانا تتجلى فيه حرية الإنسان الأخلاقية.

فالفضيلة الحقة لا تظهر حين يكون الخير سهلا، بل حين يكون الشر مفهوما وممكنا، ثم يُرفض. الرحمة ليست عظيمة لأنها خُلُق حسن فحسب، بل لأنها قد تكون انتصاراً على دوافع القسوة. واللطف لا يبلغ قيمته العليا الا حين يصدر عن نفس عرفت ما يبرر النقيض.

عند هذه النقطة يصبح الخير فعلا من أفعال السيادة الداخلية، اذ لا يعود الإنسان مجرد متلقٍ سلبي لتجاربه، بل يغدو قادرا على أن يختار موقعه الأخلاقي منها. وهذه من أسمى خصائص الإنسان: أن لا يكون أسير ما حدث له، بل سيداً على المعنى الذي يمنحه لما حدث.

فالمعاناة تمنح الإنسان معرفة لا تُكتسب في أوقات العافية، معرفة الهشاشة الإنسانية. فمن ذاق الانكسار أدرك أن وراء مظاهر القوة ضعفاً خفيا، وأن وراء تصرفات البشر جراحاً لا تُرى. وحين تتعمق هذه المعرفة لا تعود الرحمة مجرد انفعال وجداني، بل تصبح فهماً ناضجا للطبيعة الإنسانية.

ومن أرفع ما يمكن أن يبلغه هذا الوعي أن يمنح الإنسان غيره ما افتقده هو، أن يهب الطمأنينة التي حُرم منها وأن يفيض بالرفق من الموضع ذاته الذي عرف فيه القسوة. هنا تتحول المعاناة من أثر يُثقِل الروح الى قوة تعيد تشكيلها، ويصبح العطاء تعبيرا عن حرية داخلية لا عن وفرة خارجية.

وهذا هو المعنى الأعمق للنبل الأخلاقي: أن يرفض الإنسان أن يكون امتداداً لجرحه. أن لا يجعل من ألمه مبررا للقسوة، ولا من حرمانه ذريعة للمنع، بل أن يختار - على الرغم من كل شيء - أن يكون مصدر خير.

في هذه اللحظة يبلغ الإنسان ذروة قوته الروحية، لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد، بل في القدرة على التجاوز. ليست في أن يعكس ما تلقى، بل في أن يسمو عليه. فحين يختار الرحمة بعد الألم لا ينتصر على الآخرين، بل ينتصر على أكثر دوافع النفس بداهة وإلحاحا.

وهنا تبلغ المعاناة معناها الأخلاقي الأسمى: أن تصبح طريقا الى انسانية أعمق، لا ذريعة لانطفائها. فالإنسان لا يبلغ نُبله الأعلى حين يتجنب الجراح، بل حين يحوّلها إلى وعي، لا حين ينجو من الألم، بل حين يمنع الألم من أن يختزل روحه. وحين يحدث ذلك، يغدو الجرح بداية ارتقاء لا بداية انكسار، وتصبح الرحمة ثمرة وعي عميق لا مجرد رقة عابرة.

وهذا هو أرفع ما يمكن أن يحققه الانسان أخلاقياً: أن يصير نقيض جرحه.

***

حميد علي القحطاني

 

آسف، سيداتي سادتي أني أقتحم خُلوة تفكيركم بكتاباتي التي تحمل بمرات متباعدة لمسة من الأرق والعياء، ومرات أُخرى مُتعفنة بإكراهات مدينة، وذات ساكنة بلا انتفاضة علنية على الرتابة. آسف، أني أتعسف على اللغة وأشنق كلماتي وهي حية بين أناملي، كي لا تبوح بالسر الكامن وراء الخلفية لغير الباحث عمَّا بين السطور من معاني الضيقة.

 آسف، أن حس الإرهاق يلحق بكلماتي المتناثرة بلا مسكنات طبية، وبلا منومات الإدمان على التفاهة والبلاهة. آسف، أني ألتقط كتاباتي من ألم الناس وعترتي، ومدينة تئن من فرط النسيان وقتل الزمن التنموي. آسف، من الأوغاد الجشعين حين لم نقدر على فضحهم بحكامة العدل، لكن التاريخ يفرك التمييز بين الخيرين والأشرار.

أسف، أني لا أحمل لا نظارات طبية، ولا ذات ماركة عالمية تُلون عالمي الخارجي وظلي المتدلي خلفي، وألتمس بعضا من التنقيب عن الحقيقة في واقع الحياة الاجتماعية، وبين أبناء وطني ومدينتي الطيبين. آسف، لكل من يصنفني ضمن خانة ضيقة أو زاوية منفتحة أو منعرج غائر، فأنا أحب اللهو بالكلمات مثل لعبة أوراق قارئات راحة الأيدي، وفبركة الأماني الفسيحة. آسف، حين آخذ نفسا طويلا ولا أقدر على الزفير من شدة حساسيتي للظلم والحكرة، ولحظتها تُفارقني كلماتي وكتاباتي بطلاق بائن، وأصير أعاشر بالتِيه مجدوب مكناس الذي يبحث عن ذاته وداره في غياهب النسيان وعتبات رباعيات البكاء والنحيب.

آسف، عن كل نظرة غير مريحة لوضعية ذاتي ومدينتي، والتي تنفر من الحلم النائم بالدوام المستريح، ولا تستيقظ من وهم السياسي المفرط في التدوير الانتخابي، واقتناص تصويبات جسور الكراسي المريحة. آسف، أني أعيش في قلق حرف لا يستسيغ لغة الإثراء والمدح، لأني لست من جيل أبي الطيب المتنبي. آسف، من كل حروفي التي لا تحمل سياسة الهرولة نحو مصالح الظل، ولا تنبطح عند أقرب باب يمارس سياسة صمت الريع حلال.

آسف، من سواد الظلام الليلي الذي لن يبرح مكانه إلا بنور شمس شارقة بالسعادة على مدينتي وذاتي، وعلى فئة شعب الهشاشة المتناثرين في ربوع جغرافية بلادي. آسف، سيداتي سادتي ممن أعرفهم عن قرب أو بالبعد الجغرافي، ومن أُكن لهم معرفة سابقة أو لاحقة من غمزات كلماتي وحروفي، حين أثقل عليكم بالإطناب والتطويل وبلا موانع عصر وجبات الكتابات السريعة (FAST FOOD). آسف، شمس مدينتي حين صنعت ضمادات لاصقة حنينة تحجب الرؤية. آسف، أيها الشاهد الكريم والذي يراني ألهو بكلماتي وأرمي بها للتاريخ والذكرى، قبل أن يمتلكنا الذكاء الاصطناعي بالركاكة والضحالة، ولا نقدر على التمييز بين الفعل الناصب في الاستكانة والخضوع، والفاعل الرافع للتنمية والتمكين. آسف، عندما أصبح شخصا وقحا بكلماتي التي تحمل حروف التفاحة المرة. آسف، وأنا مندمج بتفاعلكم وأفكر بصوت غير خافت، بل مسموع للجميع وبلا مواد حافظة.

آسف، من بسمتي الصامتة والساكنة بين الشفاه المطبقات، حين أستحضر الماضي فلا أقدر على إتمام ابتسامة طليقة وحرة. آسف، بعد تفكير عميق أني احترم احتياجاتي أولا ولا أنفق لهوا في بخس نفسي أمام مغريات الحياة. آسف، أن أكون قاسيا على ذاتي بالضبط والتصويب، ولم أستطع يوما من التخلص من ذكريات موت الحاضر في الماضي. آسف، أني أحاول استيقاظ الحاضر والدفع به قدما، وألا أقسو عليه بالرمي في المستقبل المتعدد البوابات.

آسف، ولو بلغة العذر على تطفلي عليكم، لكن لا أريد أدية أحد منكم فأنتم ملوكا في عالم كلماتي، وآمل الا تعيشوا بمرارة فمن الصعب إيجاد السعادة وعندما نجدها لا بد من التمسك بها. أنا متأسف لهذا الآن وبالتقدير المريح أن أنظر الى رؤوسكم وأعرف أنكم من نهاية قصة الحلم تبحثون عن جودة الحياة والسعادة. آسف، إن كنت أتسكع في أبراج الحياة عموديا، ولا أؤمن إلا بالخير منها وأترك الشر بعيدا عن أفقي الفسيح. آسف، بدل قابيل حين قتل أخاه هابيل، فإنه كان جهولا، وكان يؤرخ لأول جريمة في التاريخ وعلم الغراب. آسف، أني أطلت عليكم القول والحكي، فمن وصل لهذا المقطع فليترك كلمة طيبة لي ... وآمل ان تجد ولو جزء من السعادة.

***

محسن الأكرمين

"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"

و"علم الإنسان ما لم يعلم"

"وعلمنا آدم الأسماء كلها"

الثورة المعلوماتية فتحت أبوابا كانت مغلقة وبعيدة المنال، لكن التسارع الإبداعي الإبتكاري والغوص اللامتناهي في أعماق الذرات، أوصلنا إلى منطلقات لا حدود لها ومتناسبة في إتساعها مع نبضات الكون المتمدد إلى الأبد.

ما يتحقق فوق التراب لا يذهب هباءً، فالأحداث والتفاعلات الفردية والجماعية مدوّنة في جسيمات فضائية ذات قدرات تخزينية هائلة، مما يدفع للقول بأن المسيرة البشرية محفوظة في ثنايا الكينونات التي سنقترب منها ذات يوم ، وعندها ستتحول الحياة إلى شريط سينمائي، وسنمتلك القدرات التقنية اللازمة لإستحضار أية فترة زمنية وفي أي بقعة أرضية، وسنشاهدها بوضوح، وحينها ستتهاوى التصورات والأوهام، وتتعرى الأشياء، وتكون الأحداث ماثلة أمام الأعين، لتظهر الحقيقة ولتنهار أغشية العماء العقلي الذي سحق أجيال البشر ببعضهم، وفقا لأوهام وخرافات فاعلة فيهم.

ويمكن القول أن العقل العلمي ربما سيصل إلى إكتشاف أسرار إستحضار الماضيات بتفاصيلها الحية، وستتمكن الأجيال اللاحقة أن تقرأ التأريخ الحي وفقا للفترات الزمنية التي تختارها، وعندها ستتساقط الأقنعة الوهمية، وسينبلج وجه الحقيقة ناصع الصورة بعيدا عن الخيال والتصورات والآراء الأسطورية.

ما تقدم ليس رجما بالغيب، إنه عالم نقترب منه رويدا رويدا، فالذي يستطيع أن يتحكم بحركة مركبة على المريخ من الأرض لقادر على أن يأتي بما لا تستطيع تصوره الأفهام.

: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"!!

سَنبلغُها ونكشفُ مُحْتواها

فتذْهِلنا وندري ما غشاها

بأوْهامٍ مُكرّرةٍ مَضينا

وشمْسُ الحَقّ مِصْداقٌ سَناها

نعيشُ بكوكبٍ يَخشى سُكونا

وقُرْبَ رحيلِنا خلعتْ غِطاها

***

د. صادق السامرائي

 

تتجلى العلاقة بين الكورد والوجدان الشيعي في أفق معقد، كأنها صفحة من التاريخ كتبت على عجل في لحظة توتر، ثم أعيدت قراءتها في أزمنة لاحقة بعيون مختلفة، فهي لم تكن يوما علاقة مستقرة على معنى واحد، ولا خاضعة لحكم نهائي، بقدر ما تشكلت عند تقاطع الرواية والفقه والسياسة، حيث تتنازعها نصوص قديمة، وتعيد تشكيلها مواقف مرجعية، وتدفعها الوقائع نحو مسارات لم تكن دائما منسجمة مع أصولها الأولى.

في بعض المدونات الحديثية القديمة، ترد نصوص منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق، تتناول الكورد بلغة تثير التساؤل أكثر مما تقدم جوابا، وتميل إلى توصيفات لا يستقيم معها الاطمئنان إلى ثبوتها أو تعميمها، غير أن العقل الشيعي، في بنيته الأصولية، لا يقف عند ظاهر النقل، بل يعيد مساءلته وفق معايير النقد السندي والدلالي، وهو ما دفع عددا من المحققين إلى اعتبار هذه الأخبار من قبيل الآحاد التي لا تنهض لبناء حكم عام، بل إن بعضها يبدو أقرب إلى انعكاس لظروف تاريخية مخصوصة، جرى اقتطاعها من سياقها، حتى بدت في قراءة لاحقة وكأنها حكم مطلق، ومن هنا، فإن استدعاءها خارج ميزان المقاصد الشرعية لا يفضي إلا إلى تشويه الفهم، خاصة (يفترض) في ضوء مبدأ إسلامي راسخ يجعل التقوى، لا الانتماء القومي، معيار التفاضل.

في مقابل هذه الروايات، يبرز موقف مرجعي حديث أعاد توجيه البوصلة نحو معناها الأصيل، تمثل في فتوى المرجع محسن الحكيم عام 1965، التي حرم فيها قتال الكورد، وأكد انتماءهم إلى الجماعة الإسلامية، وصيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لم تكن هذه الفتوى مجرد استجابة لظرف سياسي، بل كانت إعلانا صريحا عن أولوية المبدأ على الصراع، وانتصارا لفقه المقاصد على ضيق القراءة الحرفية، وفي تلك اللحظة، لم تعد الفتوى نصا فحسب، بل تحولت إلى موقف أخلاقي يعيد الاعتبار للإنسان قبل الهوية، وللعدل قبل الاصطفاف.

ولا ينفصل هذا الموقف عن واقع اجتماعي شهد، في مسارات متعددة، أشكالا من التداخل بين الكورد والشيعة، فالكورد الفيلية يمثلون نموذجا حيا لهذا التداخل، حيث التقت الهوية القومية بالانتماء المذهبي في سياق واحد، وأسهموا في الحياة الدينية والعلمية داخل بيئات الحوزات، كما أن محبة أهل البيت لم تغب عن قطاعات من الكورد السنة، خاصة في البيئات المتأثرة بالتصوف، بما يعكس وجود بعد وجداني مشترك يتجاوز الحدود الفقهية، وهكذا، تبدو الحياة الاجتماعية أوسع من أن تختزلها رواية، وأكثر تعقيدا من أن تحسمها فتوى منفردة.

أما في إيران، فإن المشهد يزداد تركيبا، لتداخل الديني بالسياسي في بنية الدولة، فالعلاقة مع الكورد هناك لا تفهم بوصفها صراعا مذهبيا خالصا، بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة المركزية وحساسيتها تجاه النزعات القومية في أطرافها، وبينما لا تنطلق المؤسسة الدينية، من حيث الأصل، من موقف إقصائي تجاه الكورد، فإن الدولة، بمنطقها السيادي، تتعامل مع أي نزوع نحو الاستقلال بوصفه تحديا لوحدة المركز، ومن هنا، جاءت التوترات في سياق سياسي-قومي بالدرجة الأولى، وإن لم تخل من توظيفات مذهبية في بعض المراحل، ومع ذلك، ظل التعايش اليومي بين الكورد والشيعة قائما في كثير من البيئات، بعيدا عن منطق القطيعة الشاملة.

وفي العراق بعد 2003، وجدت هذه العلاقة نفسها أمام اختبار قاس، مع تصاعد النزاعات في مناطق مثل كركوك وسنجار وطوز خورماتو، غير أن هذه التوترات، على شدتها، لا تعكس بالضرورة امتدادا لخصومة دينية مذهبية راسخة، بقدر ما تعبر عن صراع على السلطة والموارد في إطار دولة لم تستقر بعد على عقد جامع، وتكمن الخطورة حين يستدعى التراث لتبرير الحاضر، أو تلبس الأزمات السياسية لبوسا مذهبيا يمنحها شرعية مفتعلة، فيتحول النص من موضوع للنقد إلى أداة في الصراع.

إن فهم هذه العلاقة يظل رهينا بالتمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: المروي، بوصفه نصا تاريخيا يخضع للنقد؛ والمفتى به، بوصفه تعبيرا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان؛ والممارس سياسيا، حيث تتحرك الدول والجماعات وفق منطق المصلحة والقوة، ومن دون هذا التمييز، يغدو الحكم أسير قراءة مجتزأة، تختزل التاريخ في رواية، والواقع في أزمة.

وعليه، فإن القراءة المتوازنة لا تقف عند ما سطر في بطون الكتب، بقدر ما تنظر إلى ما استقر في الضمير الفقهي حين واجه الواقع، وإلى ما أنتجه التفاعل الاجتماعي من صيغ للتعايش.،فالكوردي، في هذا السياق، ليس موضوع رواية عابرة، ولا طرفا في خصومة دائمة، بل هو جزء من نسيج إنساني أوسع، تشكله قيم العدل بقدر ما تصوغه وقائع التاريخ.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 29-4-2026

فوليه: وهم أو جنون

دو: إثنان

هذا مصطلح بالفرنسية يطلق على الوهم المشترك، ويمكنه أن ينتشر ويصبح جماعيا، وعندها يطلق عليه

فوليه جروبالي: الوهم الجماعي

جروبالي: جماعي

ولكي يتحقق الوهم الجماعي، أو المجتمعي، لابد من توفر بعض العناصر الأساسية اللازمة لتدويخ البشر وصيدهم بحبائل الوهم المقيت المقيم المستهلك لوجودهم.

الرمز المؤثر: لابد من وجوده ودوره الساطع في بناء صرح الوهم الذي يدعو إليه، ويحاط بهالة مقدسة، حتى يصبح ما ينطق به فوق أي كلام.

المظلومية: من ضرورات إشاعة الوهم الجماعي وترسيخ مفاهيمه وإعتباره حق لازم الإتباع، وضروري التأكيد والفعل في المجتمع، لتحرير البشر من قبضة المظلومية، وهي في معظم الأحيان متخيلة ومرسومة وفقا لمنطلقات الوهم المبثوث.

الشحنات العاطفية الدامية: لكي يكون الوهم فعّالا ومنتشرا كالنار في الهشيم، ومتأججا في أعماق ضحاياه، يتوجب القيام بأعمال فظيعة تلهب العواطف وتعمي العقول؟

التكرار الممنهج: وهو من الوسائل الناجعة لترسيخ المفاهيم بالرؤوس المأسورة بما تسمع وترى وتعاني، وبه يتحقق إنبات التصديق في النفوس، فكل مكرر مُصَدّق.

بث الأساطير والخرافات: وهي متنوعة وذات غايات وتوجهات لتخنيع الناس وتحويلهم إلى عحينة توضع في قوالب مهيّأة لتحويلهم إلى فرائس وهم لا يشعرون، فتتطور الأساطير والخرافات إلى معتقدات إيمانية في وعيهم الجمعي.

تهويل الغاية وتقديس الوسيلة: للغيبية دور كبير في شد الناس إلى المتصوَّر المجهول، والراسخ في النفوس والرؤوس، وفقا لنشاطات التكرار والتهويل، وإفهام الناس بأنهم أضعف مما يدركون معاني المجهول، الذي يَعلمه صفوة القوم الراسخين في التعبير عن أوهامهم الإعتقادية التي تستوجب التبعية والتقليد.

القوة الساطية: للقوة ادورها الأكبر في تأمين ديمومة الوهم، وبدونها تتناثر حبات الأوهام، وتنتصر عليها العقول المتنورة، وتسفهها، فلهذا لا يمكن لوهم أن يسود من غير قوة تؤازره وترفع راياته في كل مكان.

 وغيرها من آليات التخنيع وتحويل البشر إلى قطيع، وإستلاب الأدمغة وتأجيج النفوس الأمّارة بالسوء والبغضاء والوجيع..

تَصاغَرّْنا لأن الوهمَ غدّارُ

وكلُّ فظيعةٍ فينا تُجارُ

تشوّهتِ العقولُ بما اعْتراها

وإنّ النفسَ غالبها احْتضارُ

بأوْهامٍ مؤدْينةٍ بشرٍّ

تُدحْرجنا فيمْحَقنا انْدثارُ

***

د. صادق السامرائي

 

في كل مرة تضيق بي الحياة… أعود إلى سورة يوسف، فأتعلم الصبر من جديد.

لا شكّ أن الصبر إنما يتحقق عندما يمرّ الإنسان بابتلاء أو امتحان، فيصبر عليه. ومن هنا ينبثق السؤال:

ما الابتلاء الذي مرّ به يوسف عليه السلام؟ وعلى ماذا صبر؟

كنتُ أتساءل في كل شدة مررت بها:

لماذا سكت نبي الله يعقوب عليه السلام على جريمة أبنائه عندما عادوا إليه بقميص يوسف وعليه دم كذب؟

خصوصًا أنه لم يصدقهم عندما رأى القميص سليمًا دون تمزيق، بل قال: (بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا).

لماذا لم يذهب إلى موقع الجريمة ليبحث عنه كما يفعل أي أب؟

ولماذا لم يُجبرهم على الاعتراف؟

ولماذا لم يحاصرهم بالأسئلة أو يتقصَّ أكثر بحثًا عن قرة عينه؟

واكتفى بقوله: (فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون).

وما زادني عجبًا تكرار نفس الرد بعد سنوات طويلة، عندما عاد إليه أبناؤه من مصر وقد نقص عددهم اثنين؛ الأخ الأصغر الذي احتجزه يوسف، والأخ الأكبر الذي بقي خجلًا. فقال مرة أخرى:

(بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل).

هل كان على يقين بنتائج صبره؟

(عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا).

لم يُكاشف يعقوب أبناءه بما في صدره، واكتفى بالتوكل على الله، فهو العليم الحكيم.

ويزداد العجب من كتمانه لألمه: (وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم).

حتى إن أبناءه تعجبوا من صبره، فقالوا:

(تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين)،

فأجابهم: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون).

هل أوحي إليه؟

لا نعلم، ولكن ربما كان ممتثلًا بفطرته لعبادة الصبر، أو أُلهِم الطمأنينة من ربه.

وكأن الصبر كان ميراثًا بين الأب وابنه… يتوارثانه في أشدّ المحن.

ننتقل إلى يوسف عليه السلام:

عندما أُلقي في غيابة الجب، هل كان يعلم أن وراء المكيدة حكمة إلهية؟

(وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).

فصبر كصبر أبيه، وتحمل الغربة والأسر والسجن بضع سنين.

وهنا أتساءل:

لماذا لم يرجع يوسف إلى أهله بعد أن مكّنه الله في الأرض، وهو يعلم مكانهم؟

لماذا لم يسعَ للقاء أبيه؟

كلاهما كان ينتظر ويصبر ويكتم،

وكلاهما كان يؤدي رسالته في هداية الناس، ممتثلًا للصبر الجميل.

وعندما قال يوسف في السجن:

(اذكرني عند ربك)،

فلبث في السجن بضع سنين:

(فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين).

وعندما اكتمل الصبر، جاء الفرج،

فعاد البصر ليعقوب، واجتمع الشمل، وقال يوسف:

(يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا).

ثم تأمل جمال أخلاقه بعد التمكين:

لم ينتقم، ولم يعاتب، بل قال:

(وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)،

وقال: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي).

إنه الصبر الجميل…

الصبر الذي يطهّر القلب من الانتقام والعتاب.

ثم قال:

(إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).

وتابع شكر نعم الله:

(رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث)،

ثم دعا بتواضع:

(توفّني مسلمًا وألحقني بالصالحين).

عندها أيقنت أن الأنبياء هم أشد الناس ابتلاءً،

وأن الابتلاء قد يكون في أقرب الناس:

في الابن، أو الأخ، أو الزوجة.

كما أدركت أن الفرج لا يأتي إلا بعد تمام الصبر،

كما قال تعالى:

(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا).

فعجبت من نفسي… كيف ينفد صبر الإنسان،

وهو يرى كل هذا؟

إنها رسالة عظيمة:

(ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

فالصبر ليس انتظارًا صامتًا…

بل يقينٌ بأن الله يدبّر كل شيء في الخفاء، حتى يأتي الفرج في أجمل صورة لم نتخيلها.

إنه الصبر الجميل…

فإذا ابتلاك الله، فلا تطلب إلا أن يرزقك الصبر الجميل.

اللهم اجعلنا من الصابرين المستغفرين… آمين

***

ذكرى البياتي

 

من المقابر الجماعية إلى المقابر النموذجية.. معالم من توثيق الوفاء

كثيرا ما نلقى اللوم على الذين أهملوا وضيعوا وتباطئوا وتأخروا في تدارك الأجساد الطرية من حفرة كانت مقبرة جماعية، قد احتضنتهم قسراً واحتضنوها موتاً فسميت بأجسادهم مقابر جماعية لأنها جمعت أكثر من قبر أو أكثر من جسد، فلعل تشريع القوانين وإصدار التعليمات وإعطاء الأوامر لا تشفي غليل الأمهات الثاكلات ولا أنين الأبناء وحسرة من تجلد من الآباء، لأن احتواء المواقف لا تتم بالإجراءات الرسمية ـ ولا يمكن أن نكبت تنهدات الموجعين فقدا بهم.

فيبقى السعي لتطييب الخواطر هو سعي ذوي النوايا الطيبة التي لا تدفعهم توجيهات الدوائر ولا تمضي بهم المخاطبات حيث وجود المقابر فحسب، بل هو استشعار دائم، واقتران وجودي بما وجدوا عليه هؤلاء الضحايا، فأصبحت فكرة التخليد أقوى من فكرة النسيان، وأصبح الواجب يتمثل فعلاً بما يقال ويفعل ويجسد لكل أهالي الضحايا الذين قضوا بأفعال كل أشكال التطرف.

هذه وأمثالها هي جهود من سعوا الى توثيق الوفاء الى جانب توثيق الألم، فحولوا المقابر العشوائية الى مقابر جماعية معلومة ومحددة، وحولوا أهل الوفاء المقابر الجماعية إلى قبور أو مقابر نموذجية سواء بمواقعهم أو بمواقع جديدة، تمثل تحدي واضحة لمحاولات الطمس والأخفاء والكتمان والنسيان واللا ذكر. فالجاني لا يخاف من فعلته بالعادة حتى يخفيها، بل هو إمعان حقد وعدوان وجناية بحق الضحية ليخفي له كل أثر شفاءا للغليل! من ذلك الحقد المتوارث تجسد في تهديد وتمثيل صدام حسين حين كان يذيب الناس في أحواض التيزاب ليخفي لهم كل ذكر ومعلم. وقبلها فعل بزيد الشهيد عليه السلام، وهكذا نفعل أحيانا ببعضنا حيث جرائم الحرق او الطحن او الاذابة!! المضي قدما وقسوتا وإيغالا بالإبادة إلى حد الإفناء التام الذي يسبقه التمثيل درجة على الرغم من بشاعته أيضا، فمستويات الإبادة متفاوتة بحسب عدوانية القتال ووحشية الجاني، فهذه المراحل هي كاشفة عن عمق السيكولوجية الإجرامية الكامنة خلف دوافع الفعل الإجرامي وتناميه. فالتطرف في دوافع الإقبار والإبادة يجب أن تقابلها عقلانية في الإحياء والتخليد وتحقيق توازن نفسي عند من يتحقق لديه دوافع إبادية متقابلة إلى أنصاف عقلاني مرضي لأهالي الضحايا حتى لا تتولد ردود أفعال مشابهة.

فتوثيق الوفاء هو اعطاء رسالة الى كل من نالهم الضرر على أن هناك من ينصف ويخلد ما اريد افناءه. هي سياسة احتواء لمشاعر الغضب والتظلم والشعور بنسيان الضحايا الذي لا يقل معنويا عن دوافع الإخفاء التي أقدم عليها الجناة. فهو فلسفة تحدي لفكرة الموت والالغاء والابادة والضياع. هو إيجاد جديد وإحياء ذكر وإنقاذ متأخر واسعاف من اهمال التأريخ.

إليك أيها القارئ نماذج من معالم توثيق الوفاء...

لعلها تكون إجابة لمن بالغه الألم والفقد الذي لا عوضه له، لعله يكون شفاء للصدور، لعله يكون رضا بقدر سعيد أشتراه المرء لنفسه، فأستسعده غيره، كالأب الذي يهنئ أبنه الشهيد بجمال قبره الجديد! هذه عبارة سمعتها من أب وقف على قبر أبنه. في مقبرته النموذجية التي غيرت من شعور وجود أبنهم في مقبرة جماعية!

هي معلم جديد، غير تلك الحفرة الحقيرة المليئة بالرفاة والأنقاض والاوساخ، أنه مكان يعكس تقدير جديد للضحية، نظيف ومرتب ومنظم ومهندس ويقصده الزائرون. على العكس من شعور الفقد المؤلم واللاوجود. لعله شعور بهيبة الموت والشهادة على العكس من ذلك المصير الذين شاهدوه قبل موتهم أو نقلوا اليه دون علمهم. من تلك الأمثلة:

أولا: مقبرة البرزانيين في أربيل:

من عمق الصحراء إلى أعالي الجبال، عروج جديد، ورحلة نحو الجنوب وأخرى نحو الشمال، لعلها الرحلة الأولى لهم إلى الجنوب، ولعلهم المرة الأولى التي يروا فيها جنوب بلدهم، ولكن كانت الأخيرة في عدم رؤيته تماما! حيث مقابرهم الجديدة والجماعية التي تنتظرهم، هكذا قرر البعث المجرم فعلته بهم، وهيئ لهم مال لم يكن متوقع في خلدهم، وهم ينسجون ذكرياتهم قبل الوصول وآمالهم للعودة المأمولة، ولكن مقابر نقرة السلمان كانت واقع جديدة لهم، صراخ جماعي وموت جماعي وقبر جماعي، فطالت الرحلة منذ سفرهم نحو الجنوب وحتى عودتهم نعوش إلى أعالي جبل بارزان. هنا تشتد رمزية القصة والقبر والمعلم والذكرى التي اختير لها أن تكون نعشا جديدا وقبرا جماعيا ولكن مرفها هو أقرب الى أن يكون حديقة مليئة بالزهور منه الى قبر، ليغيروا بها معالم الموتة الأولى وتزاحمهم في قبرهم الكبير ورثاثة واقعه المؤلم، بعناية الذوق والجمال والتزيين والتنظيم وأكاليل الزهور نشعر اكثر بسعادة الشهداء، وهذا اقل ما يمكن أن يسعدوا به بعد طوال هذه الرحلة.

ثانيا: مقبرة حلبجة

مقبرة حلبجة ومعلهما تجسيد حقيقي لكل المظالم التي طالت العراقيين، واختصار مؤلم لحجم العداء البعثي للعراقيين جميعا، فهذه الجريمة البشعة طالت الكورد والعرب وغيرهم وساوت بيهم في موته جماعية موحدة، كانت علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، حيث لم يكن يتخيل بأن العراقيين يصل بهم هذه المرة إلى أن أبناء جلدتهم يبيد أحدهم الآخر عبر هذه الطريقة الإجرامية القاسية. فكل رمز لا يعبر عن حجم الألم، ولا عن كثرة الدموع التي سفكت ومازالت على ضحايا هذه الجرم الهائل.

ثالثا: مقبرة روضة الكفيل

هذه الروضة جاءت في توقيت تضاعف الجراحات، وتكرار الألم، حيث احتضنت شهداء من ضحايا التطرف الذي عمد إلى تأكيد إبادته بقوة عبر إخفاء أشلاء الضحايا ورفاتهم طيلة سنوات منذ 2014 والى اليوم مازالت تحتضن هذه المقبرة شهداء الحقب المظلمة التي تتعاقب على العراقيين من جراء التطرف الديني والسياسي والمذهبي الذي أوغل حقدا في جنود معسكر قاعدة ماجد التميمي (سبايكر) وبين شهداء سجن بادوش مع أرض رفات ضحايا البعث المجرم الذي خلفها في هذه المدينة، حيث المقبرة النموذجية التي كانت فيها هذه الروضة.

رابعا: النصب ومقبرة الشهداء الآشوريين

هذا معلم رمزي ومقبرة لشهداء الطائفة الأشورية في محافظة دهوك يعبر برمزية عن وفاء يليق بهم، حين توضع لهم أكاليل الورود بعد أن كانوا يتلقون الموت الجماعي والمدافن القسرية من قبل الجناة.

خامسا: نصب ومقبرة الإيزيديين

نصب ومقبرة في مدخل مدينة سنجار يرمز الى مستويات العنف الذي طال هذه الطائفة، ومراحل تطور الإجرام بحقهم، حتى كان هذا الرمز والمعلم الذي احتضن في اعماقه رفات لنساء مسنات كان قد ألقى بهن داعش في حفرة عميقة بعد تصفيتهن وقتلهن، واعتلى في اعمدته ليحمل صور تجسد حالات الموت الذي طالهم ومشاهد من حقيقة ما جرى عليهم. فكان هذا المعلم طموح يرضى الموجعين كليا بأن يجسد لهم هذا الوطن الذي أثقل عليهم بآلامه وإباداته ولأول مرة مجسما ومعلما ينصف ذاكرتهم.

سادسا: نصب الكورد الفيليين

تعبير مركب عن جريمة مركبة ارتكبت بحق الكورد الفيليين، عبر عن رمزيتها وإكراما لما حملت هذه الجريمة من آلام ثقيلة عليهم كان هذا الشكل الذي تزاحمت به الرمزيات مع الذكريات ليكمل قصة مكون عراقي قاسى الأمرين من سياسة البعث الاجرامية وقراراته اللاإنسانية، فكان حري أن يخلد ما يوفي حقهم ويطيب بعض من جراحهم وينصف رمزيا ما تكبدوه من خسائر للوطن وفي الوطن وخارجه.

سابعا: مقبرة جنة الشهداء في كربلاء

وهي مقبرة نموذجية عبرت عن قيمة عليا لشهداء العراق واردات تغير واقع الموت الرث الى واقع الموت المكرم، بحفاوة التضحية وعناية الموقف، وشدة الاستسلام لقدر الموت على يد الغادرين والمجرمين من بعثيي العراق.

ثامنا: الضحايا من كيل التراب إلى أكاليل الزهور:

رد اعتبار حاسم لمعنى الوفاء أن تكرم من أوصى الله إكرامه في الحياة كما أوصى بإكرامه في الممات، على من يهين عبادة بموت رخيص ويهينهم بدفن مشين، فوضع الزهور على قبورهم والاحتفاء بذكراهم وتقدير مماتهم جزء من الاعتزاز بقيمة الحياة التي فقدوها، ورد كبير على من استهان بموتهم وبدد كرامتهم بعدوانيته وتطرفه الإجرامي. فاصبح وضع الزهور تقليد سنوي يوضع في كل ذكرى، تتضمن رسالة إنسانية رافضة لثقافة الموت والنسيان والاستسلام لثقافة الإلغاء التي يراد لها أن تتحقق بإلإرادة الإجرامية في فعل الإبادة الفعلية والقصدية لكل ذكر وذكرى للضحايا.

***

د. رائد عبيس

تُشكّل الثورة الرقمية عالمًا يزداد تجريدًا يومًا بعد يوم. وفي روايتها «شرطة الذاكرة»، تتحدث الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا عن جزيرة بلا اسم. أحداث غريبة تثير قلق سكانها؛ إذ تختفي الأشياء بشكل غامض. أشياء عطرة، براقة، متلألئة، رائعة: أربطة الشعر، القبعات، العطور، الأجراس الصغيرة، الزمرد، الخواتم، وحتى الورود والطيور. ولم يعد السكان يعرفون الغاية من هذه الأشياء.

تصوّر أوغاوا في روايتها نظامًا شموليًا ينفي الأشياء والذكريات من المجتمع بمساعدة «شرطة الذاكرة»، على غرار شرطة الفكر في أعمال جورج أورويل. يعيش سكان الجزيرة في شتاء دائم من النسيان والخسارة. وكل من يحتفظ بذكريات سرًا يتعرض للاعتقال. حتى والدة البطلة، التي كانت تخفي الأشياء المهددة بالاختفاء في خزانة سرية، تُلاحق وتُقتل على يد شرطة الذاكرة.

يمكن قراءة «شرطة الذاكرة» بوصفها استعارة لواقعنا المعاصر. فالأشياء تختفي اليوم أيضًا باستمرار دون أن ننتبه. إن وفرة الأشياء توهمنا بعكس ذلك. وعلى خلاف ديستوبيا أوغاوا، لا نعيش في نظام شمولي يسلب الناس ممتلكاتهم وذكرياتهم بعنف، بل إن هوسنا بالتواصل وتدفق المعلومات هو ما يجعل الأشياء تتلاشى. فالمعلومة، أي «اللا-شيء»، تتقدّم على الشيء وتجعله باهتًا. نحن لا نعيش في مملكة العنف، بل في مملكة المعلومات التي تتنكر في هيئة الحرية.

في عالم أوغاوا الديستوبي، يفرغ العالم تدريجيًا حتى يختفي في النهاية. كل شيء يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى أجزاء من الجسد تختفي. وفي النهاية، لا تبقى سوى أصوات بلا أجساد، تائهة في الهواء. وتشبه هذه الجزيرة الخالية من الأشياء والذكريات، في بعض جوانبها، عالمنا اليوم. فالعالم يفرغ من الأشياء ويمتلئ بمعلومات مقلقة تشبه تلك الأصوات بلا جسد. الرقمنة تُجرّد العالم من ماديته، بل ومن جسديته أيضًا، وتطمس الذكريات. فبدل أن نحفظ الذكريات، نخزن كميات هائلة من البيانات. وهكذا تحل الوسائط الرقمية محل «شرطة الذاكرة»، مؤدية وظيفتها دون عنف وبجهد ضئيل.

وعلى خلاف عالم أوغاوا الكئيب، فإن مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه ليس رتيبًا إلى هذا الحد. فالمعلومات تُشوّه الأحداث وتغتذي على عنصر المفاجأة. لكن هذا التحفيز لا يدوم طويلًا؛ إذ سرعان ما نبحث عن محفزات جديدة. لقد اعتدنا أن نرى الواقع كمصدر دائم للإثارة والمفاجآت. وبصفتنا «صيادي معلومات»، أصبحنا عاجزين عن إدراك الأشياء الصامتة والبسيطة واليومية، تلك التي لا تثيرنا، لكنها تُرسّخ وجودنا وتربطنا بالعالم.

نحن اليوم في مرحلة انتقالية من عصر الأشياء إلى عصر «اللا-أشياء». فالمعلومات، لا الأشياء، هي التي تحدد العالم الذي نعيش فيه. لم نعد نسكن الأرض والسماء، بل «غوغل إيرث» والسحابة الرقمية. لقد أصبح العالم أكثر تجريدًا وضبابية وطيفية؛ لم يعد فيه شيء صلب أو ملموس.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

بدأت الدعاية النازية في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكان هدفها التأثير على عقول الشباب وبعض الاحزاب السياسية المعادية للإنكليز وايهام العراقيين بان انتصار النازية في الحرب العالمية الثانية هو من صالح العراق وتحرره من السيطرة البريطانية.

وهكذا بدأت بعض الصحف العراقية في بغداد منذ عام 1930 بترجمة ونشر مقالات عن الزعيم النازي هتلر ورفع صوره اثناء المسيرات التي تقام في شوارع بغداد وبعد تسلم هتلر للسلطة عام 1933 زاد اهتمام هذه الصحف بالدعاية النازية وتم ترجمة كتاب (كفاحي) ونشر في الصحف العراقية بشكل حلقات متتالية، وكان للسفير الالماني (غروبا) دور كبير في الترويج للسياسة الالمانية. من جهة اخرى، عرضت دور السينما في بغداد أفلاماً لهتلر وهو يلقي إحدى خطاباته النازية مما أثار حماسة الجماهير التي أخذت تصفق وتهتف لهتلر اثناء خطابه، كما قامت وزارة المعارف بإرسال عدد من الشباب الى المانيا للاشتراك في مؤتمر الشبيبة النازية المنعقد في برلين وبعد عودتهم صرحوا بأنهم يتمنون ان يحكم العراق رجلا مثل هتلر كما أعربوا عن رغبتهم في زيارة هتلر للعراق لكي يرى مدى الاستقبال العظيم الذي سيقام له.

وقد أهدى هتلر محطة اذاعة الى الملك غازي عام 1936 توثيقا لعلاقة المانيا بالحكومة العراقية حيث أصبحت تبث الدعاية النازية.

ان استقراءً لتاريخ الاحزاب السياسية في العراق لم يؤشر على وجود حزب أو تكتل أو حتى تيار سياسي يحمل اسم الحزب النازي فكل ما في الامر لا يتعدى مجرد وجود بعض الساسة العراقيين المعجبين بهتلر وافكاره القومية الممزوجة بالاشتراكية والتي تتلائم نوعا ما مع الافكار القومية العربية التي يؤمن بها هؤلاء الساسة مثل رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة ذات الميول القومية بالإضافة الى الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين والذي كان يتردد على العراق بين فترة واخرى والذي قيل عنه انه كان معاديا للانكليز وذات ميول نازية وقد وضح دوره خلال حركة مايس 1941 ثم لقاءاته بهتلر.

وقد تبنى رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي نظاما طبق في المدارس العراقية اطلق عليه نظام (الفتوة) الا ان الانكليز عارضوا هذا المشروع باعتباره يمثل حركة نازية تستمد تعاليمها من المانيا الهتلرية وتدعوا الى التمييز العنصري واضطهاد اليهود وقد قررت الحكومة العراقية حل هذا التنظيم من المدارس بعد فشل حركة مايس.

وهكذا ازداد الناس اعجابا بهتلر حتى انهم كانوا يصفقون لهتلر اثناء خطاباته واخذ كل نجاح تحرزه المانيا في الحرب يقابل بالترحيب في العراق.

في عام 1935 تأسس في بغداد نادي المثنى وكان يونس السبعاوي احد قادة ثورة مايس وثيق الصلة بهذا النادي ومن المعجبين بشخصية هتلر، كما ان بكر صدقي قائد اول انقلاب عسكري عام 1936 كان ذو احلام نازية وكان يهدف الى عزل الملك غازي واقامة نظام جمهوري اشبه ما يكون بالنظام الالماني الا ان مصرعه في الموصل عام 1937 احال دون تحقيق هذا الهدف.

وقد بلغ التدخل العسكري الالماني ذروته خلال حركة مايس 1941 ذلك لان قادة الحركة كانت لهم ميول نحو هتلر وبما ان الحركة كانت موجهة ضد الانكليز في العراق فقد استند هؤلاء القادة الى قاعدة تقول (عدو عدوي صديقي) اما بريطانيا فأنها كانت تتخوف من احتلال المانيا للعراق واتخاذه قاعدة للانطلاق لاحتلال الشرق الاوسط الامر الذي يهدد مصالح بريطانيا النفطية ومصالحها في الهند بالإضافة الى سقوط كل من فرنسا وهولندا بيد الالمان عام 1940 حيث ظلت بريطانيا وحدها في الميدان، وقد اجتهد زعماء حركة مايس للحصول على دعم ومساندة المانيا لهم، ومن جهة اخرى اذاع هتلر تعليماته الخاصة بمساندة العراق على شكل رسالة جاء فيها (.. ان حركة التحرر العربية في الشرق الاوسط حليفنا الطبيعي ضد بريطانيا لهذا فان للثورة في العراق اهمية خاصة فهي تعزيز للقوى المعادية للإنكليز في الشرق الاوسط..) الا ان المساعدات الالمانية لم يكن لها سوى تأثير محدود رغم ان (15) طائرة المانية وصلت بغداد كما ارسلت الحكومة الالمانية الى حكومة رشيد عالي الكيلاني بعض الشحنات من الاسلحة الخفيفة و(30) طائرة مقاتلة الى مدينة الموصل، وكانت المانيا قد انشأت اذاعة كبرى في احدى ضواحي مدينة برلين تبث برامجها الخاصة بالوطن العربي وتركيا وايران وكان من ابرز وجوهها يونس بحري الذي اشتهر بمقدمته المعروفة (هنا برلين، حيي العرب))كما وصل ضابط الماني بمهمة استطلاع المدرجات الصالحة للطيران وقد قتل فوق بغداد حيث ظن العراقيون انها طائرة انكليزية والطيار هو ابن قائد القوة الجوية الالمانية وقد وصل دعما لحركة العقداء الاربعة، غير ان الدور الالماني في فتح جبهة عسكرية في العراق لم يكن جاداً لان هدفه الاساس هو مشاغلة الانكليز وارباك خططهم. وقد فشلت خطط الالمان لاسباب منها قصر عمر الحركة التي لم تستمر سوى (30) يوما نتج عنها انتقال قادة الحركة الى كركوك ثم هروبهم خارج العراق ثم هرب السفير الالماني (غروبا) من بغداد الى الموصل تبعه هروب العقداء الاربعة الى ايران وتركيا الا ان سلطات كلا البلدين قامت بتسليمهم الى الحكومة العراقية التي نفذت فيهم احكام الاعدام بعد فشل الحركة، وقد اشرف الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق على اعدامهم وامر بتعليق جثة صلاح الدين الصباغ على باب وزارة الدفاع، وقد تمكنت المخابرات الالمانية من تهريب رشيد عالي الى ايران ثم المانيا حيث استقبله هتلر في مقره ببرلين.

***

غريب دوحي

تأريخنا بمسيراته المتنوعة لم يذكر مصطلح "رجل دين"، وبمكن القول أنه قد بدأ بعد إنتهاء الدولة العثمانية في (1923)، ويبدو أنه صالح لتحقيق غايات مغرضة، وله دواعيه ومنطلقاته وإمتداداته ومؤثراته في تخنيع أبناء الأمة.

"رجل دين" مصطلح ربما يضر بالدين، لأنه يوهم الناس بأن الدين مرتبط برجل وهو الذي يمثله، وما يصدر عنه يعبّر عن جوهر الدين، وهذا إضطراب إدراكي معرفي، لأن الدين لايمكن حصره برجل، الدين تعبير عن إرادة الحياة، والشخص يعبّر عما فيه ولا يستطيع الإنتصار على نفسه ومطموراتها ونوازعها إلا فيما قل جدا وندر.

بينما العالم بالدين يعرف من الدين ما يستطيعه ويحاول أن يترجم ما يعرفه وفقا لقدراته الذاتية وتوافقا مع الظروف الموضوعية التي يكون فيها، فالعالم بالدين يرسم صورة للدين من زاوية فهمه وتعمقه بما إستطاع إستيعابه منه.

فلا يوجد شخص واحد يمتلك قدرات الإلمام بأي دين، حتى الأنبياء ما كانوا إلا مبلغي رسالات، ولا يمتلكون القدرة المطلقة عن التعبير الشامل للدين الذي يمثلونه، لأنهم من البشر، وللبشر خصائصه ومتطلباته البدنية والنفسية والسلوكية، فمهما تهذب يبقى أقل درجة من ملائكة الرحمن الرحيم، الذين يتصرفون بمثالية يعجز عن الإقتراب منها أي البشر.

ثم أن القول بوجود "رجل دين" يستدعي وجوب وجود "إمرأة دين"، فلماذا يكون الدين ذكوريا بحتا، وتعفى المرأة من الإحاطة بعلوم الدين؟

لماذا لا توجد مؤسسات لتدريس الدين للمرأة، وحصولها على درجات التخصص في ميادينه؟

علومٌ في بواطنها جديدُ

وإنّ الفرد من عضلٍ وحيدُ

جموع عقولها وصلت لرأيٍّ

كثيرُ رموزنا حطبٌ نضيدُ

تحلّى في مواكبها بعلمٍ

فإنّ عليمها نورٌ مفيدُ

***

د. صادق السامرائي

من تأمل في لوح الأزل بعين الروح تجلت لعين قلبه آيات الله منقوشة على كل ذرة، ومزركشة في جوهر كل خلية من كياننا البشري. ان من يقرأ ما يكتب عن علم الخلايا، يجد نفسه مشدوها أمام عظمة الخالق سبحانه وما خطته يد القدرة على لوح أدق تفاصيل الحياة، واي متأمل مشبع بالتأملات العرفانية والعوارف النورانية، لا يمكن الا ان يرى في هذه التفاصيل البيولوجية الصرفة تجليات أسماء الله الحسنى، خاصة اسمي الكريم والوهاب.

 إنها رحلة تتجاوز حدود المجهر الطبي لتلامس أبعاد الروح، وتكشف عن حقيقة عميقة تتجسد في قوله تعالى: وما أَنفقتم مِن شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقِين.

إن جسم الإنسان، هذا الكيان الآية، خير مثال، حي ودائم، على مبدأ الإنفاق والخلف. ففي كل لحظة، ينفق الإنسان من ذاته هو نفسه، ليس فقط بالجهد أو العطاء المادي، بل على المستوى البيولوجي العميق.

إن خلايانا، تلك الوحدات الحيوية التي تشكل نسيج وجودنا، هي دوما في حالة إنفاق وتجدد مستمر. حيث يقدر أن جسم الإنسان يستبدل حوالي 330 مليار خلية يوميا، وهو ما يعادل تقريبا واحد في المائة من إجمالي خلايا الجسم. هذا يعني أننا، في غضون ثمانين إلى مائة يوم ، نكون قد جددنا ما يقارب ملايير الخلايا.

تختلف معدلات تجدد الخلايا باختلاف أنواعها أماكنها، فخلايا الأمعاء تتجدد كل بضعة أيام، وخلايا الجلد كل بضعة أسابيع، بينما خلايا الدم الحمراء تتجدد خلال أشهر.

هذه العملية المستمرة من موت الخلايا المبرمج يتبعها على الفور انقسام خلوي لإنتاج خلايا جديدة، في دورة حياة وموت لا تتوقف.

هذا الإنفاق الخلوي الدائم، يتبعه خلف إلهي مباشر، يحافظ على حيوية الجسم وسلامته. إنه تشخيص معنوي ملموس لقوله تعالى "فهو يخلفه"، حيث لا يترك الله سبحانه وتعالى هذا الإنفاق الخلوي يذهب سدى، بل يعوضه ويخلفه بما هو خير وأجدى.

إذا كان هذا هو حال الخلايا، فكيف لا يكون هذا هو حال صاحب هذه الخلايا ونقصد به الانسان؟ إن مفهوم الخلف الإلهي يتجاوز الجانب البيولوجي ليشمل كل جزئيات وجود الإنسان.

إن الإنسان ينفق من أفكاره، فيخلفها الله عليه إلهاما وعلما. وينفق من أعماله، فيخلفها الله عليه بركة وتوفيقا. وينفق من وقته وجهده، فيخلفها الله عليه إنجازا ونفعا. حتى في عقبه وذريته، يتجلى الخلف الإلهي في صلاحهم وبرهم. إن كل ما ينفقه الإنسان في حياته، سواء كان ماديا أو معنويا، يجد له خلفا من الله، قد يكون في الدنيا عاجلا، أو في عقبه، أو مدخرا له في الآخرة.

هذا الفهم الشامل للإنفاق والخلف يعلم الإنسان درسا عظيما في العطاء. فالبخل، في جوهره، هو معاكسة للإرادة الإلهية والسنن الكونية.

إن الكون كله قائم على العطاء والتجديد، فالشمس تعطي نورها، والأرض تعطي خيراتها، والأشجار تعطي ثمارها. فمن يبخل، فإنما يبخل عن نفسه، ويحرمها من فيض العطاء الإلهي الذي لا ينقطع.

في تاريخنا الاسلامي، نجد نماذج مضيئة تجسد هذا الفهم العميق للكرم والإنفاق. ومن أبرز هذه النماذج العارف بالله بلعباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، الذي اشتهر بمذهبه القائم على أن الوجود ينفعل بالجود. لقد كان السبتي يدعو إلى الإنفاق والعطاء بلا حدود، معتبرا أن الإنفاق هو الدليل الحقيقي على تخلص المنفق من الشرك الخفي المتمثل في حب المال.

لقد أضحت العباسية سنة حميدة في الثقافة المغربية، حيث يحرص أصحاب المشاريع والتجار على تخصيص جزء من أول ربح أو إنتاج للصدقة، تيمنا بمنهج بلعباس السبتي في الكرم.

 ان هذا التدريب النفسي على العطاء، الذي يرى فيه السبتي طريقا للتحرر من قيود النفس، هو دعوة للإنسان ليتماهى مع أمواج الكرم الإلهي الذي يغمر الوجود.

إن التأمل العميق في تجدد خلايانا يفتح لنا نافذة على حقيقة كونية وروحية عميقة وهي أن العطاء هو جوهر الحياة، وأن الإنفاق هو مفتاح الخلف والبركة. فكما أن خلايانا تنفق من ذاتها لتتجدد وتستمر، كذلك ينبغي لنا أن ننفق من كل ما وهبنا الله، لنرى خلفه وبركته في كل جوانب حياتنا.

إن الكرم ليس بما فضيلة أخلاقية، فهو ايضا تدريب نفسي عميق، ومحاذاة للفطرة الإلهية التي أودعها الله فينا وفي الكون من حولنا. فلنكن من المنفقين، لنكون من المخلوفين، ولنعيش على إيقاع يسكننا وهو ان الوجود ينفعل بالجود.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

استمر الرفيق الراحل عامر عبد الله في توثيق ما شاهده او شارك فيه شخصيا من وقائع العلاقات العراقية السوفييتية، حيث كان متواصلا مع رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ويرسل له اراءه ومجريات ما يحصل في رسائل ومذكرات. فكتب: وبهذا الصدد اذكر له موقفا: فلدى التقائي يوما ما بالسفير السوفييتي (ليغاشوف) {في بغداد} واثر قيام العراق بتاميم النفط، وبالارتباط خاصة مع قرار (انور السادات) {رئيس جمهورية مصر} باقصاء الخبراء السوفييت عن مصر، وقد تضمنت الرسالة التي وجهتها الى (البكر) بعد انتهاء الزيارة، ما يلي:

الى جانب مقابلة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، ومحاولات لاحقة مع بعض المسؤولين في القسم الدولي، نظمت لي محادثات في مقر لجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية شملت قضايا اقتصادية هامة، وخصوصا فيما يتعلق بتسويق النفط العراقي، والمشاريع النفطية القائمة، او المقترح انشاؤها وتطويرها بمساعدة الاتحاد السوفييتي. تضمن القسم الاقتصادي من التقرير عددا من المسائل من بينها:

اولا- مشكلات استيراد النفط العراقي، حيث عرض الجانب السوفييتي بالتفصيل هذه المشكلات، وخلاصتها:

- ان موانيء البحر الاسود مصممة لتصدير النفط السوفييتي وليس لاستلامه، اي ان الضخ يجري باتجاه البحر وليس العكس، فضلا عن محدودية طاقة الخزن في هذه الموانيء.

- عدم توفر ناقلات كافية، حيث ان مجموع الناقلات التي يمتلكها الاتحاد السوفييتي هو (247) ناقلة بحمولة (4,5) مليون طن، فضلا عن مضيق البسفور لا يتسع لناقلة تزيد حمولتها على (150) الف طن.

ثانيا- بحثت هذه الصعوبات في اجتماع (سيف) {مجلس التعاضد الاقتصادي}الاخير، وبالارتباط مع تاميم شركة نفط العراق، وضرورة دعم العراق.. تقرر ما يلي:

- شراء اكبر كمية ممكنة من النفط العراقي.

- يعقد اجتماع آخر قريب لمجلس (سيف) في آب- ايلول من هذه السنة ، لتقديم مقترحات ملموسة من جانب كل دولة اشتراكية، حول كميات النفط التي ستشتريها من العراق.

- وضع الحلول الكفيلة بحل مشاكل نقل واستلام النفط العراقي ولك من خلال:

  - بناء ناقلات جديدة، حيث سيقوم الاتحاد السوفييتي وحده ببناء (150) ناقلة خلال سنتين.

  - رفع قدرة الموانيء على استلام وخزن النفط المستورد من العراق.

  - انجاز بناء خط انابيب الادرياتيك المار من يوغسلافيا الى هنغاريا وجيكوسلوفاكيا.

- عند حل بعض مشاكل النقل والتصدير، تستطيع البلدان الاشتراكية، شراء (12) مليون طن سنويا من نفط العراق، بنسبة (7) ملايين الاتحاد السوفييتي، و(5) ملايين بقية البلدان الاشتراكية، وخصوصا البلدان المشاطئة التي تستطيع استلام النفط العراقي في موانئها (بلغاريا، بولنده، المانيا الديمقراطية).

اما الاتحاد السوفييتي فرغم انه بلد منتج ومصدر للنفط فتستطيع منذ الان ان تشتري 3,7 مليون طن وبنسبة 2,7 مليون طن عبر موانيء المتوسط ومليون طن من البصرة. كما ستزداد هذه الكمية الى 7 ملايين طن لكل من الاعوام 1973، 1974، 1975 وبنسبة 5 ملايين من المتوسط و2 مليون من البصرة.

 (وهنا جرى التوقف لدى فكرة مد خط انابيب مباشر بين العراق والاتحاد السوفييتي، وهو ما تطرقت له، اذ لو كان هناك خط مباشر، لحلت كثير من الصعوبات، على حد قولهم).

عبروا عن استعداد الاتحاد السوفييتي للمساهمة في:

 - دمج مرحلتي استخراج النفط من الرميلة ليصل الانتاج الى 40 مليون طن سنويا، بالاستناد الى الانتاج الحالي.

 - تعميق ميناء الفاو وبفضل توسيع ميناء (خور العمية) { خور العَمْيَة هو ميناء نفطي عراقي لتحميل الناقلات النفطية في منطقة خور العمية البحرية قرب مدخل شط العرب إلى الفاو في أقصى شمال الخليج العربي في جنوب محافظة البصرة بجنوب العراق}الذي كان يجري فيه تصدير نفط (شركة نفط البصرة).

 - المباشرة بانشاء الشركة العراقية- السوفيتية لتشغيل وتاجير الناقلات.

 - بناء مصفى الموصل، واية مشاريع اخرى.

- تناولت مذكرة وزير النفط الموجهة الي، اعتراضات عرضت كلها على الجانب السوفييتي، وفيها ما يتعلق بطريقة تعامل المؤسسات السوفييتية مع العراق، من حيث تقديم عروض مرتفعة ثم المساومة عليها، وبالتالي قبول التعاقد على اسعار اقل.. وقد اوردت مذكرة وزير النفط امثلة على ذلك، كالمرحلة الاولى من استثمار حقل الرميلة، ومصفى الموصل، وانبوب نقل المنتجات بين البصرة وبغداد، والاسعار المرتبطة بدراسة الجدولة الاقتصادية لمشروع الفوسفات. كما تضمنت المذكرة، اعتراضا على تفوت نسب توزيع الكلف بين الجانبين العراقي والسوفييتي فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من مشروع الرميلة، وشرحا للمحادثات حول تكوين شركة الناقلات المشتركة بين البلدين.

- قدم الجانب السوفييتي ردودا مقنعة وتصحيحا للارقام والاعتراضات الواردة في مذكرة وزير النفط، واضافوا..

- يعلم العراقيون اننا لا نربح ولا كوبيك واحد من عرضنا المقدم حول استكمال المرحلة الثانية من مشروع الرميلة.

- ان عدة مواعيد قد حددت مع المسؤولين العراقيين لزيارة موسكو والتباحث حول هذه الامور، ولكنها لم تتحقق.

- انهم مستعدون للاتفاق وتنفيذ المشاريع المقترحة، فورا، وذلك من مصلحة العراق.

- اذا كانت الممارسات الاعتيادية تقوم على (المساومة) فاننا نتناول علاقاتنا مع العراق بروح الصداقة والتعاون.

- ومع ذلك فسنوعز الى مؤسساتنا الاقتصادية ان تقدم السعر الحقيقي لكل مشروع.

خلافا لمذكرة وزير النفط حول شركة الناقلات التي ورد فيها:

"ان الجانب السوفييتي لا يوافق على وضع رأسمال في الشركة، ولا على وضع ناقلات في الشركة المشتركة، (وهو ما يقترحه الجانب العراقي) بل يريد تكوين مكتب لتأجير الناقلات من الغير، واعطاء الناقلات السوفييتية الافضلية في التاجير. كما لا يسمح لشركة الناقلات العراقية بحرية التأجير من الغير بواسطة هذا المكتب الذي ياخذ عمولة لقاء اعماله وارباحه توزع بين الجانبين…الخ.

الجانب السوفييتي (الذي زودني بنسخة من البروتوكول المقترح بالانجليزية- مرفق طيا) يؤكد على:

- استعداده للمساهمة ب 49‎%‎ من راس المال.

- وضع ناقلات سوفييتية في الشركة فور توقيع العقد وبناء 7 ناقلات اخرى للعراق وستحمل الناقلات العلم العراقي.

- انشاء شركة مشتركة (Joint Venture) وليس مكتبا.

- لابد من احتكار النقل، اذ لا يجوز ان تدخل الناقلات العراقية والسوفييتية في سوق الشحن الدولي متنافسة، ولا سبيل غير ذلك لكسر طوق المقاطعة للناقلات العراقية ومقاومة الضغوط الخارجية.

- لا يمكن نقل كل النفط المؤمم بالناقلات السوفييتية، ومن هنا فكرة الاستئجار من الغير.

- الافضلية عند التاجير للناقلات العراقية ومن ثم السوفييتية، وهذا امر طبيعي .

- الجانب السوفييتي موافق على ان يكون مدير الشركة عراقيا،. نائبه سوفييتيا، ومع تكوين مجلس شركة من 4 عراقيين و3 سوفييت، وعلى ان تكون جنسية الشركة عراقية وخاضعة لاحكام قانون التجارة العراقي.

- الموظفون التكنولوجيون يختارهم المجلس من العراقيين او السوفييت او غيرهم.

- تبقى العمولة والارباح في العراق بدلا من ان تخرج بعملات اجنبية في حالة استئجار العراق لناقلات اجنبية من طرف ثالث. وتقسم العمولة بنسبة المشاركة براس المال.

وبالتالي فان لدى الجانب السوفييتي تجربة 40 سنة وهو يريد ان يضعها في خدمة اصدقائه. فنحن، على حد قولهم، لسنا منافسين ولا تجارا، لا نفتش عن افضلية ولا عن ارباح.

 ولدى الانتقال الى مسائل اخرى، اكد الجانب السوفييتي على ضرورة اهتمام العراق ب:

- البدء منذ الان بالعمل لاستكمال مشروع نفط الرميلة بكلفة (12.5) مليون روبل، خصوصا وان المعدات السوفييتية موجودة ومعطلة وكذلك (140) من الخبراء والمهندسين، وسينجز المشروع قبل عام 1977.

- ان انجاز المشروع ورفع الانتاج الى (40) مليون طن يتطلب بالضرورة تعميق ميناء الفاو او توسيع ميناء خور العمية، ومن خط انابيب الى البحر المتوسط، لان طاقة المنشئات الحالية في الميناء غير قادرة على تصدير هذه الكمية الاضافية الكبيرة.

- في حالة الاتفاق على بناء خط انابيب البصرة - البحر المتوسط، وبالنظر لعدم توفر الانابيب لدى الاتحاد السوفييتي بسبب بناء خط الصداقة الجديد،. خط سيبريا، فيمكن الاتفاق مع العراق لشراء الانابيب من طرف ثالث بعملة اجنبية يدفعها العراق، وفي حالة عدم توفرها يدفعها الاتحاد السوفييتي لقاء النفط العراقي الخام.

- يعتقد الجانب السوفييتي بان مصفى الموصل هام جدا، خلافا للفكرة السائدة في بعض الاوساط العراقية بان هذا المصفى غير ضروري، بسبب وجود الشاحنات الامريكية المتنقلة. ويؤكد السوفييت انهم مستعدون للمباشرة بالعمل فورا، وان العرض الذي قدموه هو (2.5) مليون روبل لا كما ورد في مذكرة وزير النفط.

- ارسل السوفييت الى العراق مسودة الاتفاق حول (النقل البحري التجاري) على اساس انشاء شركة مشتركة بين البلدين، ويعتقدون ان اخراج هذه الشركة الى حيز الوجود هو في مصلحة العراق، وسيساعد ذلك على تعزيز مكانة الاسطول التجاري العراقي من خلال المكانة الدولية لاسطول التجارة السوفييتي.

- تم الاتفاق مع السوفييت على تصريف كميات النفط التي ستشتريها جيكوسلوفاكيا من العراق (حسب الاتفاق الاخير معهم) وقام الاتحاد السوفييتي بضخ ما يعادلها الى جيكوسلوفاكيا.

- ان عرض العراق دمج مرحلتي الرميلة، يتطلب اعادة النظر في المباجثات السابقة، ومن الممكن تسوية الجدولة حول نسب كلفة الانشاء الى مجموع قيمة مواد المشروع، والمهم هو البدء بالعمل، اذ لا مصلحة للعراق في اضاعة الوقت في الجدل حول مسائل صغيرة.. ويؤكدون هنا، انهم رغم تلكؤ الجانب العراقي ، لم يتوقفوا عن تجهيز المعدات الى الرميلة، مع ان الاتفاق مع العراق لم يتم حتى الان، وانهم يفعلون ذلك باسم الصداقة بين البلدين، وثقة منهم بان العناصر التقدمية في الدولة ستتفهمهم وتفهم مصلحة العراق.

- اشار السوفييت الى بعض التقصيرات من جانبهم، سواء فيما يتعلق بالمدد واحيانا فيما يتعلق بالشروط والتفاصيل، او اقتراح الاسعار، وانهم ينتقدون هذه التقصيرات ويعالجونها، غير انهم يطالبون في الوقت نفسه بتقييم موضوعي لعملهم ولسياستهم القائمة على مباديء التضامن الاممي، وعلى اسس الصداقةروالتعاون التي تربط البلدين، ويشيرون بهذا الصدد وعلى سبيل المثال الى:

انهم اثر تاميم النفط، ابلغوا من الجانب العراقي بضرورة ارسال ناقلات الى ميناء (بانياس) السوري لشحن النفط المؤمم، فتم الايعاز الى ناقلة سوفييتية في البحر الاسود ان تبحر فورا الى بانياس. ورغم جواب الناقلة انها مكلفة بمهمة شحن نفط سوفييتي، فقد جرى التاكيد على ضرورة التوجه فورا الى بانياس، كما جرى اتباعها بناقلة ثانية، ومن ثم استئجار ناقلتين من شركة اجنبية، وقد قامت الناقلتان السوفييتيتان بشحن النفط العراقي، وكانت تستلم التعليمات وهي مبحرة، وقد تم كل ذلك دون اتفاق مع العراق  على اية شروط لشراء النفط، فقد كان الغرض هو افهام شركات النفط الاجنبية واعداء العراق ان له اصدقاء يساعدونه. في تسويق النفط.

وبعد ان تشير هذه المذكرة المقدمة الى رئيس الجمهورية الى تقدير السوفييت لخطوة العراق في تأميم ثروته النفطية، والى منطلقات السوفييت في دعمهم ومساعدتهم للعراق في تجاوز صعوباته وتطوير اقتصاده الوطني، تقول فعلا عن لسان المسؤولين السوفيت.

- ان الاتحاد السوفييتي، ادراكا منه لمصاعب العراق الناشئة عن التاميم، وقد تخلى عن شرط التعامل بالعملات الاجنبية مع العراق، وطلب ذلك من البلدان الاشتراكية الحليفة رغم ما هو معروف عن حاجتها الماسة الى العملات الاجنبية.

- يستطيع العراق ان يتقدم بطلب الى الاتحاد السوفييتي لتغطية القروض السوفييتية بنسبة 100‎%‎ من النفط الخام.

- اخذ الرفيق (بريجنيف) على عاتقه عرض الوسائل والتدابير الكفيلة بمساعدة العراق على تسويق نفطه، وذلك في اجتماع (سيف) الاخير، وعلى اساس ذلك تحددت مشتريات الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الاخرى من نفط العراق.

- وتتمتع باهمية خاصة مسالة تنفيذ مقترح العراق في المشاركة كعضو مراقب في (سيف) وحضوره في الاجتماع المقبل للمجلس.

- بحثت ولا تزال تبحث وسائل مساندة العراق على انجاح خطوة التاميم، في المكتب السياسي ومجلس الوزراء ولجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية ، فضلا عن اجتماعات (سيف).

- يبدي الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية الاستعداد الضروري، ومن منطلق التضامن مع العراق، لزيادة صادراتها من المعدات والمكائن والتعاقد على اقامة المنشآت، مقابل زيادة المشتريات من النفط العراقي الخام.

- يلاحظون ان ثمة مقاومة لبضائعهم في العراق، ووجود صعوبات امام مساعيهم لمساعدة العراق على اقامة المؤسسات والمشاريع الانتاجية، ويعتقدون ان بالامكان تسوية هذه المشاكل عن طريق اللقاءات المتكررة، والتصرف بروح الصداقة والتعاون.

وبهذا الصدد، يعلقون اهمية كبرى على الزيارة التي سيقوم بها رئيس الجمهورية العراقية، مؤكدين على انهم قد اخذوا بعين الاعتبار رغبات الحكومة العراقية فيما يتعلق بهذه الزيارة، وانهم سيستقبلون الرئيس العراقي بالحفاوة اللائقة، كرئيس لدولة صديقة. كما يقترحون تسهيلا للتعاون بين البلدين، ان يتم التعاقد مباشرة، وباسعار ومواصفات عالمية تقريبية مع تجاوز التعقيدات والاجال الطويلة التي تستغرقها المناقصات، خصوصا وانهم يؤكدون على انهم لا يسعون وراء الارباح، لانهم على حد تعبيرهم، "ليسوا تجارا وانما اصدقاء".

وتورد المذكرة تعليقا على ذلك بقولها:

"…والواقع ان شروط القروض من البلدان الاشتراكية، ونسبة الفوائد الواطئة، بالقياس الى القروض من الدول الراسمالية، واستعداد هذه البلدان لتغطية فروقها بالنفط الخام، تتطلب قدرا من الافضلية في التعاقد، .. على اقامة المنشآت الانتاجية وتشغيلها، خصوصا وان الاسعار العالمية هي في تصاعد دائم بنسبة 10‎%‎ تقريبا كل عام، والمهم، هو المباشرة بتصنيع البلاد، وبناء المشاريع الانتاجية باسرع وقت ممكن، ولو على حساب بعض التفاوت الضئيل في الكلف والاسعار".

توقفت عامدا، وبإفاضة نسبية عند هذه القضايا الاقتصادية، بهدف القاء ضوء على موقف الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى، من معاركنا التحررية، وبضمنها معركة تأميم النفط، التي هي بالجوهر معركة سياسية، ولأشير ايضا، رغم النواقص والتقصيرات المعترف بها، في التعامل الاقتصادي والتجاري مع الدول الاشتراكية، الى العقبات والعراقيل والاهواء السياسية اتي كانت توضع قصدا، في طريق تطوير التعاون الاقتصادي مع الدول الاشتراكية.

وما اوردته آنفا، وهو مجرد مثال او نموذج من الاعباء الكثيرة، التي اخذتها على عاتقي، بالنسبة للدول الاشتراكية جميعا ودون استثناء بما فيها كوبا في الغرب وفيتنام في الشرق وفضلا عن المساجلات المرهقة والمتكررة في مجلس التخطيط، في مسالة التعامل مع السوق الراسمالي والسوق الاشتراكي، وقد سبقت الاشارة الى جانب منها، وبقي الجانب الاخر المدون بعضه في مذكرات او مقالات، والاغلب منه، بعيد في نصوصه ومضامينه عن متناول يدي او ذاكرتي.

لقد اعرضت قصدا، عن ميادين ومهمات اقتصادية ومالية داخلية، واستنفذت فيها جهدا كبيرا، ووقتا طويلا، لعلمي ان الحديث عنها قد يكون مضجرا للقاريء، ومنها على سبيل المثال: اعداد دراسة مركزة عن الاوضاع المالية والمؤسسات المصرفية والميزانية والمؤسسات المصرفية وانظمة الحسابات وغيرها، التي جرى الاخذ بها واقرت بقوانين، فضلا عن المساهمة في اعداد نموذج افضل لميزانية الدولة، والمناقشات الضافية للمناهج الاستثمارية وخطط الانماء الاقتصادي الى جانب العديد من القوانين والانظمة الاقتصادية والمساهمة في تعديل قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق وغيره.

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

الأمر المحيّر أن نخب الأمة بأنواعها وعلى مدى أكثر من ربع قرن عجزت عن تكوين التيار الثقافي القادر على إحداث نهضة إدراكية ويقظة معرفية ذات قيمة حضارية.

وكم تساءل الكثيرون عن أسباب الفشل الذي أصاب النخب المتنوّرة في مجتمعاتنا، وبدد مساعيها وأخرجها من دائرة التفاعل الإيجابي مع الواقع المرهون بالقوى الظلامية والضلال والبهتان المقيم.

ومعظم الذين تناولوا الموضوع سقطوا في حفرة "لماذا" التي توفر لهم أسباب التعبير السهل والتبريري لواقع لا يستطيعون مواجهته بشجاعة وحزم، وإصرار على التاثير الإيجابي لصالح المجتمع وبنائه وفقا لمعطيات العصر.

ويبدو أن فيضان الكلمات العارم على الشاشات، وإنطلاق عفاريت التجهيل والترقيد والهروب إلى الغابرات، قد أفقد الأفكار قيمتها ودورها في صناعة الحياة الحرة الكريمة، وحوّلت البشر إلى عجينة يمكن وضعها في أي قالب تضليلي مقتدر.

إن القوة هي العامل الأساسي في صناعة واقع أي محتمع، ومَن يمسك بزمام القوة تكون له اليد العليا، ويتمكن من وضع الرؤوس في خنادق ما يريد، ويؤلبها ضد ما لا يريد.

والقوة كالنواة التي تدور حولها الجسيمات، وفي هذه الحالة، افراد الحاشية الذين يريدون تأمين مكاسبهم وتعزيز سطوتهم إلى حين.

لا يوجد جواب شافي للتساؤل العنوان، لأنه بحاجة لتفاعل عقول، وما أصعب ذلك في مجتمعاتنا، ومن الإثم التبرير والإسقاط ومحاولات تمرير حالات عليها أن لا تعيش، وتصيب الناس بالوجيع، وهم يستلطفون الأليم ويحسبونه من عناصر الوعيد القادم إليهم من بعيد.

و"مَن رام وصل الشمس حاك خيوطها... سببا إلى آماله وتعلقا"

و" إذا الشعب يوما أراد الحياة ...فلا بد أن يستجيب القدر"

فأين العيب، وأين يكمن الخطر؟!!

ثقافتُنا بها سَقمٌ عَضيلُ

فِداكَ بأرْضنا ذُبحَ الأصيلُ

أضاليلٌ بها الأجيالُ تُغوى

وتُبهرُها أباطيلٌ تَهيلُ

فهلْ بتجاربٍ شيئاً ثَقِفنا

وأوهامٌ لمُجتمعٍ تَعيلُ

كلامٌ لا يداوينا وفينا

توابعُ ذلةٍ عنّا تميلُ

***

د. صادق السامرائي

تعني (ثقافة القطيع).. القيام بسلوك او فعل غير منطقي وغير مبرر يقوم به الفرد حين يرى من حوله يفعلون ذلك، ما يعني سيكولوجيا أن تأثير الجماعة على الفرد تضطره او تجعله يتخلي عن استقلاليته والتصرف بنفس سلوكها دون تفكير.

وكان عالم النفس الاجتماعي (مازلو) قد رتب حاجات الفرد بهرم ان لم يشبعها يصاب بالاحباط، بينها حاجة الانسان الى الانتماء الى جماعة تربطه بها علاقات عاطفية واجتماعية تضطره الى مسايرتها، فيما قام عالم بيلوجي بنشر مقالة بعنوان (هندسة القطيع الاناني) مفادها ان كل عضو في مجموعة ما - كما هو الحال في قطيع الحيوانات - يخدم مصلحته اولا بالانتماء الى مجموعة وممارسة نفس سلوكها وتبني نفس افكارها والدفاع عنها.

تدجين العراقيين على سلوك القطيع

تعود ثقافة القطيع في العراق الى زمن النظام الدكتاتوري، فهو انتج اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة) التي هي مادة (القطيع المطيع).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني (مصطفى حجازي) يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاءا لشرّه او طمعا في رضاه .. ويتذكر العراقيون جموع (القطيع) التي كانت تهتف (للقائد الضرورة) .

والمفارقة ان (سلوك القطيع) يتغير الى نقيضه ب(سلوك قطيع) جديد، فما أن اطيح بـ( صدام) الذي كان قائد (القطيع) حتى تخلوا عنه، تحكمهم نفس الحاجة السيكولوجية في البحث عن (قائد) جديد وجدوه في (2006) في ( نوري المالكي) ومنحوه لقب (مختار العصر).. وكانت ثقافة القطيع، المتجسدة بذوي الأصابع البنفسجية في الانتخابات هي السبب الرئيس في بؤس العراقيين وما اصابهم من شقاء وفقر وتوالي خيبات وخوف دائم من المجهول.

اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية

ثلاثة عوامل سيكولوجية – اجتماعية كان لها الدور الفاعل في اشاعة ثقافة القطيع بين العراقيين بعد 2003، هي:اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية.

فمن خصائص اللاوعي الجمعي انه يغلّب العقل الانفعالي على العقل المنطقي في سلوك الفرد والجماعة، ويعطّل العقل المنطقي في اوقات الازمات، وأنه في جوهره.. مخدّر وخالق أوهام.. .وهذا ما تجسد في( ثقافة القطعان) العراقية بعد 2006 .

ولقد اوصلتنا متابعتنا العلمية لما حدث ويحدث في العراق الى ابتكار مصطلح جديد ادخلناه في عالم النفس العربي ويشكل اضافة عراقية لعلم النفس العالمي هو (الحول العقلي).. ويعني ان المصاب به يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها، ويرى في الجماعة الاخرى السلبيات ويضخمها ويغمض عينيه عن ايجابياتها، ويخرج بحكم خاطئ ان جماعته هي الافضل في كل شيء.

ومن هذا الحول العقلي تحديدا نشأت (سيكولوجيا الضحية) . فبعد سقوط النظام في 2003 تضخمت (سيكولوجيا الضحية) في جماهير الشيعة والكورد، واشاع قادة الشيعة بشكل اوضح انهم كانوا مظلومين من الف سنة، فعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع.. التعصبية والمتخلفة و.. السخيفة. ففي لقائي بعدد من شيوخ وفلاحي الناصرية سألتهم لماذا تعيدون انتخاب سياسيين فاسدين، اجابوا(ندري بيهم فاسدين بس ما نريد الحكم يروح من الشيعه!).

بالمقابل، ان ثقافة القطيع تتراجع بين المسحوقين الواعين حين تتوفر لهم فرصة الخلاص من الطغاة. ففي انتفاضة(ثورة ) تشرين/ اكتوبر 2019، دعتني خيمة جواد سليم لصاحبها (دار سطور) لالقاء محاضرة على المتظاهرين في ساحة التحرير، وأوصتني ان لا ادعوهم الى توحيد تنسيقياتهم، ما يدل على انهم كانوا الضد لثقافة القطيع. ولأن توحيد قياداتهم كان يشكل العامل الرئيس لتحقيق هدفهم في (استعادة وطن ) فانني تجاهلت النصيحة ودعوتهم بطريقتي السيكولوجية الى توحيد صفوفهم.. فكان التصفيق.

ويبقى التساؤل: ومتى ستتراجع ثقافة القطيع في العراق؟

الجواب يتوقف على دور القوى التقدمية والوطنية في اشاعة ثقافة الوعي التي تنمي ثقة الانسان بنفسه، وتعيد الشعور بالأنتماء للوطن وليس الانتماء الى (سيد او شيخ عشيرة) تضطره ان يمشي مع (القطيع) حتى لو كان يعرف انه.. هالك!

***

أ.د. قاسم حسين صالح

بعيدا عن صخب التبريرات في واقعنا الحالي، لا تظهر الاشكالية الحالية ازمة شخوص، بل هي ازمة قياس ومسطرة تختار من يناسبها وتستبعد من ينفعها. وأن صناعة القادة لم ولن تكن وليدة الصدفة، بل هي بالغالب نتيجة انتقائية تعيد انتاج الخلل وتكرسه. فالسؤال لم يعد: لماذا لم ينجح بعض اصحاب القرار؟ بل أصبح: كيف وصلوا إلى دفة القيادة؟

هنا تنكشف ثنائية جوهرية في فهم التركيبة الاجتماعية او المزاجية الشعبية: سلطة الرشد امام سلطة الاهواء، وهذه ليست مجرد مقولات فلسفية تنظيرية او تصورات ذهنية، بل هي مجسات تحليلية تفسر واحدة من أكثر الافات او الازمات في اجهزة السلطة: وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب.

في دولة الموسسات والقانون، لا يُنظر إلى مركز القرار او الكرسي باعتباره مغنما او امتيازا وظيفيا، بل كونه وظيفة أخلاقية ومعرفية، ودفة القيادة هنا تسند إلى من يستحقها، لا إلى من يطلبها أو يقترب منها، وهذه الفكرة تمتد جذورها إلى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط ومونتسكيو وجون لوك وغيرهم من الذين يرون أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد ما هو مؤهل له، وكانط الذي جعل من العقل او الرشد الاخلاقي معيارًا أعلى للحكم والسلوك، والدولة هي تجسيد لذلك العقل المحض، لا للاهواء والمصالح.

وفق هذه الامثلة التفسيرية، تعمل الاجهزة الرقابية ودوائر القرار وكأنها مصدات وقائية تحمي نفسها من القصور الوظيفي؛ فالمواصفات او المقاييس واضحة، والرقابة والمراجعة قائمة، والخطأ قابل للتعديل او التصحيح. وبناء على هذا، إن تنصيب او تكليف شخص غير مؤهل في مكان مهم وحساس، فذلك خطأ عابر وفورا يصحح، لأن الرشد المهني يرفضه.

أما في دولة المزاجية، فالصورة تنقلب تمامًا، هنا لا يُسأل: من الأقدر؟ بل: من الأقرب؟ ولا تُقاس الكفاءة والمهنية بمقياس المعرفة والخبرة، بل بمعيار الارتباط والانتماء، وهنا تحول كرسي القرار من مسؤولية إلى غنيمة، ومن أداة خدمة إلى وسيلة نفوذ.

هذا التحول ليس جديدا، بل هو ما أشار إليه ابن خلدون في افكاره عن "العصبية" حين تصبح الروابط الضيقة هي الحاكم الحقيقي في توزيع السلطة، متجاوزة كل اعتبار عقلي أو مهني، ففي ظل هذا الاسلوب ينكشف التناقض المؤلم: المكان الصحيح لكن الانسان خطأ. وهنا يبدأ ما يمكن ان نسميه بمفهوم "الاغتراب الوظيفي" عندما تنفصل المسؤولية الحقيقية عن صاحبها، وتفقد الوظيفة معناها، ويتحول العمل الى مجرد اداء شكلي لا يعكس جوهر المسؤولية. 

والأهم من هذا كله، أن الاعتلال لا يبقى اداريا، بل يتحول مع مرور الوقت الى ثقافة سائدة، ويسير المجتمع على فكرة غير المؤهل في موقع السلطة، وتتراجع حساسيتهم تجاه المهنية والكفاءة، ويغدو الاستثناء معيار والمعيار استثناء، وهنا يصبح ما اهو اخطر من الفشل " تزييف الوعي الجمعي" .

أن الشعوب او النظم الاجتماعية لا تتحطم بسبب قلة الموار الطبيعية او البشرية، بل قد تنهار رغم وفرتها في حال غياب الرشد والعقل كمرجعية حاكمة، والازمة ليست قلة كفاءات، بل في انعدام الهيكل او الأساس الذي يكتشفها ويضعها في موقعها الصحيح.

وختاما، في دولة العقل يبحث الكرسي الى الشخص الكفء، اما في دولة الهوى يبحث الشخص الى الكرسي باي ثمن، وضمن هذين النموذجين، يرسم مستقبل الشعوب، اما أن تكون الدولة تجسيدا عن وعيها، او أن تتحول الى انعكاس لاهوائها.

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم