عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

كنت مولعا بزيارة معارض الكتاب، ومع الأيام خمد ولعي، ففي السابق كنت مسرورا ومستبشرا وأنا أتجول بين أكشاك الناشرين ووسط زحام الناس الذين يشترون الكتب ويحملون أكياسا فيها كتب، أما اليوم فينتابني الألم والحزن، لخلو معارض الكتاب من المتبضعين، وحتى ولو إزدحمت بالزائرين فأنهم يتفرجون وحسب.

ومن تفاعلي مع الناشرين أجدهم في خيبة أمل، وبعضهم يعود خالي الوقاض (جعبة جلدية لحمل السهام)، فلا يُعرف كيف سيتمكنون من مواصلة المشاركات لأن ذلك يكلف كثيرا من المبالغ، وهم لا يبيعون بضعة كتب في هذه المعارض، التي صارت لا تدر ربحا على العارضين.

لدي مجموعة من الكتب العلمية الغالية الثمن كنت أريد إعطاءها لزميل فاعتذر بقوله: كل شيئ في الإنترنيت، فما حاجتي للكتب.

الشاشة إنتصرت على الورق، وسايكلوجية الأجيال المعاصرة ضوئية لا ورقية، والنظر في الشاشة أمتع من النظر في الورق، فكل نشاط أضحى براقا على شاشات ذات أحجام متنوعة.

من الأقوال المتداولة عبر الأجيال: "كل علم لم يحوه القرطاس ضاع"، ويبدو أنه قد إستنفذ غايته، وعليه أن يتحول إلى " كل علم لم يجد له مكانا على شبكات الإنترنيت بلا قيمة"

الكتب تواجه مصيرا قاسيا، فصديقي حائر بمكتبته التي تضم آلافا من الكتب، يريد إهداءها لأي مؤسسة تعليمية وعلى مدى سنوات لم يجد مَن يتقبلها منه.

زميلي يرسل لي صورة مكتبة لشخص توفى فرميت كتبها في المزبلة، فلا أحد من الأبناء والأحفاد يقدر قيمتها، بل يحسبها عبئا وتشغل مكانا ولابد من التخلص منها، ولو برميها في النفايات.

في زمن الصبا كنت وصاحبي نتجشم الصعاب كل شهر لنقتني عشرات الكتب، فمكتبة المدينة ما عادت تفي بحاجاتنا للمعرفية، ولا ترضي جوعنا لما هو جديد في عالم الإبداع.

وبين اليوم والأمس، وجدتني أجالس الشاشة الصغيرة التي أصابت علاقتي بالكتاب بأزمة تفاعلية.

الأستاذ كوكل يقول: " شبيك لبيك أنا خادم بين إيديك"، والذكاء الإصطناعي حاضر للتلبية الفورية لطلباتك مهما كانت!!

فإلى أين ستأخذنا قافلة القرن الحادي والعشرين؟!!

***

د. صادق السامرائي

في عام 2017 وفي عهد وزارة الدكتور عبد الرزاق العيسى وباشرافه تم على يدي ادخال نظام مبني على اساس عملية بولونيا وبالاساس على نظام الوحدات الاوربي (ECTS) لكن لم يتم لي طرحه باسم نظام بولونيا (للعلم هو اسم المدينة الايطالية التي تم توقيع اعلان بولونيا في جامعتها ولا علاقة له بأسم دولة بولونيا) بناء على اقتراح من الوزارة ولكونه لا يمثل الا جزءا من نظام شامل متكامل للتعاون الاوربي، لذا اخترت استخدام اسم (المقررات المبنية على اساس الوحدات) لكونها كانت مالوفة. هذا الاسم الذي وافقت وزارة التعليم العالي عليه وقررت تطبيقه وتدريب العشرات من القيادات التعليمية، وحينها نشرت الوزارة لي كتيبا حوله، وشرعت بعض الجامعات حينئذ بتطبيقه الا انه في عهد الوزير اللاحق تم ايقاف العمل به.

في تلك الفترة، انشغلت بمحاولات نقل وتطبيع عملية بولونيا بما يتلاءم مع الجامعات العراقية. تمخض هذا العمل عن مشروع واسع اطلق عليه "نظام المقررات المبني على الوحدات". وبفضل جهود الدكتور عبد الرزاق وإيمانه بأهمية هذا المشروع تم اقراره من قبل هيئة الراي في الوزارة واقتراح تطبيقه كتجربة في اربعة جامعات. الغريب انني لم اطلق عليه تسمية نظام/ مسار بولونيا تخوفا من رفضه باعتباره نظاما غربيا لا يصلح للوضع الحالي في العراق. كم كنت مخطئا في ذلك، فبعد سنوات، اعيد فرضه تحت اسم "مسار بولونيا" من قبل الوزارة الحالية ومن دون اجراء تعديلات عدا نقله حرفيا من الصورة الاوربية بحيث افرغت النظام من جوانبه المهمة التي وضعتها لتكون ملائمة للبيئة العراقية.

قمت بكتابة كتيب وعدة مقالات تناولت النظام الجديد، وادرت ورش عمل متعددة لشرحه وتبسيطه للقيادات الاكاديمية. ومع ذلك، لم يحظ هذا النظام بفهم كاف من قبل الهيئات التدريسية او القيادات الادارية، حيث تنوعت الاراء بين مؤيد ومعارض. واستمر الصراع حول هذا النظام حتى بعد فرضه على الجامعات بصيغته الحالية من قبل ادارة للتعليم العالي الحالية، التي اضاعت فلسفته وجوهره الاساسيين.

بالطبع، كان من الضروري اتمام تجربة تقييم نظام "المقررات المبنية على الوحدات" ودراسة نتائجها بكل موضوعية، مع تسليط الضوء على الايجابيات والسلبيات، واخذ اراء الاساتذة والطلاب بشفافية وحرية، بدلا من فرض النظام دون استكمال التجارب السابقة.

تشير المؤشرات الراهنة الى ان فشل تطبيق "مسار بولونيا" لا يعود الى طبيعة او محتوى النظام نفسه (فهو نظام عصري يحسن جودة التعليم عبر تطبيق معايير عالمية وتصميم مناهج تركز على مخرجات تعلم مطلوبة لسوق العمل) بل يرجع الى حالة الفوضى التي تعاني منها الجامعات، وسوء الادارة الوزارية الحالية وجهلها بنظام بولونيا. وعدة اسباب اخرى من بينها كثرة العطل الرسمية والمحلية والدينية، وتأخر التحاق طلاب المرحلة الاولى لغاية الشهر الثاني عشر، واستمرار الاعتماد على التعامل الورقي التقليدي، وفقدان الادارة الذاتية، واهمال اهمية عوامل البيئة التعليمية، والتدخلات السياسية في قطاع التعليم، وعدم تطوير كفاءات الكوادر التعليمية والادارية، ووضع اهداف للنظام ليس من صلبه، وعدم تطبيقه بصورة صحيحة، وتدخل الوزارة في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، والغاء او تعديل اوامرها الادارية بشكل مفاجئ لا تتناسب مع جوهر ومتطلبات النظام، الى جانب عدد من المعوقات السياسية والاكاديمية والتربوية الاخرى.

***

ا. د. محمد الربيعي

 

الفكرة منطلق الإنجازات وطاقة الصيرورات ومبعث التعبير عن الإرادات، وبدونها ينتفي معنى الوجود وتغيب دلائل الحياة وملامح التفاعل الحي فوق التراب.

فالفكرة أصل الكينونات ومبتدأ المسيرات ومبعث كل حركة وعطاء جديد يساهم في التفاعلات القائمة بين المخلوقات، ما دامت الأفكار متوافدة فأن التواصل قائم، وفي اللحظة التي تتوقف فيها الأفكار عن التوالد والإبتكار، فكل ما هو قائم في آفاق الإدراك الحي سينتهي ويذوب في العدم.

والمجتمعات القوية حاضنات أفكار، وما إصرارها على إجتذاب العقول إلا لأنها تدرك حيوية وقوة الأفكار، وكلما تنوعت وتفاعلت فستقدم منتوجات حضارية متميزة.

ولهذا ترى المجتمع الأقوى من أكبر المجتمعات بقدراته على إنتاج الأفكار وتفديم المبتكرات والإبداعات، التي تجعل شعوب الدنيا تتفاعل معها وترتب نمط حياتها وحركتها على ضوئها.

أما المجتمعات المتأخرة فتجهل قيمة الفكرة ودورها في صناعة القوة والتواصل العزيز، وتميل إلى توفير الظروف والعوامل اللازمة لتقاتل الأفكار، وعدم تفاعلها الخلاق الذي يؤدي لولادات ذات أثر في تقرير إتجاه حركة الحياة الإنسانية.

وبما أن المجتمعات المتأخرة تقاتل الأفكار الطيبة فأنها ستبقى في مسيرة التأخر والتقهقر والإندحار في السلبيات والتفاعلات الضارة بالحياة، ومصدرا للعقول المفكرة التي تهجر أوطانها وترحل إلى مواطن رعاية الأفكار وتنميتها.

ولهذا فأن المجتمعات المتأخرة تتصف بدرجة عالية من هجرة العقول منها، فهي  تمتلك عقولا ذات قدرات عالية على إنتاج الأفكار، لكنها تحاصرها وتقاتلها فتهرب إلى مواطن أخرى.

وهكذا فأن المجتمعات المتقدمة ستتواصل في تقدمها لأنها قد وعت حقيقة الأهمية الكبيرة للأفكار، والمنأخرة لن تعيها، لأنها قد أسست أنظمة إجتماعية وسياسية وثقافية تجيد مهارات مقاتلة الأفكار وتشريدها، لكي يتم التعبير الأمثل عن الرغيات والإنفعالاات  والتفاعلات المرهونة بإرادة النفس الأمارة بالسوء.

إن المجتمعات المتأخرة لن تتقدم مهما حاولت إن تواصلت في قتلها للأفكار، وأميتها المتصلة بنكران أهمية الفكرة في الحياة، وقدرتها على الإنطلاق بالمجتمع إلى مصاف الآفاق الحضارية المتميزة.

فالمجتمعات المتأخرة لا تشجع على التفكير، وآليات فعلها تسعى إلى منع التفكير الإنساني وتأكيد الطاعة العمياء والخضوع.

وذلك يعني الضعف والإنقراض في دوامة الفناء الأكيد.

***

د. صادق السامرائي

 

تأملوا الأفكار والمواقف والأحداث التي تجري في عالم الأعمال على وجه الخصوص وفي حياتنا الاجتماعية عموماً، حيث ترفع المنظمات شعارات براقة عن حرية التعبير، وتتغنى بفتح أبوابها للأفكار والآراء، وتكثر الحديث عن الإيجابية والتفاؤل والأمل. ترسم صور جميلة على الجدران، وتقام ورش عمل وفعاليات تتحدث عن السلوكيات التي تبني الثقة والانسجام بين القادة والعاملين. كلمات براقة تزين التقارير والاجتماعات. لكن، هل كل ما يلمع ذهباً؟ وهل كل ما يقال نابع من قناعة راسخة ورؤية إيجابية مستدامة يحرص أصحاب القرار على غرسها لتوفير بيئة جاذبة تمنح الأمن والطمأنينة للعاملين؟

الحقيقة المؤلمة أن بعض هذه الإيجابية ليست سوى قشرة رقيقة تخفي هشاشة عميقة في الثقافة التنظيمية. فما إن تهب رياح الصعوبات والأزمات حتى تتساقط الأقنعة، وينكشف الجوهر الحقيقي والمعدن الأصيل. تنقلب الشعارات إلى صمت، والمجالس التي كانت ترحب بالنقاش تتحول إلى دوائر مغلقة يسيطر عليها الخوف والريبة وفقدان الثقة. تبدأ الاتهامات بالتقصير والإهمال، وتستخدم السلطة بأسلوب سلبي قائم على التهديد والوعيد بالعقاب والفصل، بل بمحاربة الموظفين في أرزاقهم وقوت يومهم وأسرهم.

تتبدد الحرية الموعودة، وتختفي الوعود بالدعم والراحة، ليبقى الموظف مجرد ترس في آلة لا يهمها سوى الإنتاج والربحية، حتى وإن سحق ذلك الترس روحه وجهده وطاقته. عندها يدرك المرء أن "الإيجابية" التي عرضت عليه لم تكن سوى عرض مسرحي وديكور في زمن الغلظة والتعنت والشدة، وأن الواقع أشد قسوة من كل الشعارات المرفوعة والكلمات المنمقة في الخطط والبرامج التي أنفقت عليها الأموال والجهود.

إن الإيجابية الحقيقية ليست كلمات تقال في المناسبات أو في أوقات الرخاء عندما تسهم جهود الموظفين في ربحية المؤسسة، بل هي ممارسة تختبر في جميع الظروف: في السلم والحرب، في الهدوء والأزمات، في الرخاء والشدة. هي ثقافة تبنى على احترام الإنسان وتقدير آدميته وجهده وعرق جبينه. الموظف الذي أفنى سنوات عمره في خدمة منظمته، لا يقاس فقط بما حققه من إنجازات، بل بما يحمله من قيمة إنسانية. وحماية حقوقه واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون التزاماً قانونياً. أما استنزاف طاقته وجهده، فلا ينبغي أن يمر بلا تقدير ولا احترام.

السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: هل منظمتك تحمل الإيجابية في جوهرها، أم ترتدي قناعها فقط؟

الأيام والسنون كفيلة بكشف حقيقة الممارسات: أهي أفعال ترتقي لاحترام إنسانية الموظف، أم مجرد أصباغ وديكورات لتزيين المكان دون النظر إلى جوهره وعمقه؟

***

د. أكرم عثمان

25-9-2025

لقد امتد النقاش عن الذكاء الاصطناعي إلى ميادين أكثر حساسية تتعلق بالمعنى والذاكرة والهوية. ومن أكثر هذه الميادين إثارة للجدل مسألة كتابة التاريخ: هل يمكن للآلة أن تحل محل المؤرخ، فتسرد الماضي وتفسره، بل وتتصور سيناريوهات بديلة لما كان يمكن أن يقع؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرة خارقة وغير مسبوقة على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، فيقرأ ملايين الوثائق ويقارن بين الأحداث ويستخرج أنماطا دقيقة من بين التفاصيل المتناثرة. ومما لاشك فيه أن هذه القوة الحسابية تمنحه أفضلية في الوصول إلى الروابط الخفية التي قد تغيب عن عيون الباحثين، وتتيح له أن يقترح تصورات جديدة للكيفية التي جرت بها بعض الأحداث. بل إنه قادر على بناء محاكاة "تاريخ بديل"، وكأننا أمام مختبر تجريبي للماضي.

لكن التاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع الجامدة أو تواريخ محفوظة في الأرشيفات، بل هو أيضا حكاية كبرى تشتبك فيها الذاكرة الجماعية مع العاطفة الإنسانية، ويصوغها المؤرخ وفق منظومة قيمية وفلسفية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تستطيع الآلة أن تمنح هذه الحكاية المعنى الذي يليق بها؟

أخطر ما يواجه كتابة التاريخ بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي هو انحياز المصادر. فالآلة لا تبتكر مادة جديدة، بل تعتمد على ما تتغذّى به من وثائق وأرشيفات. وإذا كانت هذه المصادر تُمثل رؤية أحادية أو رواية المنتصرين، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج ذلك الانحياز وإقصاء أصوات الشعوب المهمشة.

إضافة إلى ذلك، يظل غياب الحس الإنساني عائقا جوهريا. فالتاريخ مليء بالآلام والخسارات والآمال، وهذه ليست مجرد بيانات، بل تجارب عاشتها البشرية كاملة. والآلة تستطيع أن تحصي عدد الضحايا في حرب ما، لكنها تعجز عن نقل وقع الصرخة الأخيرة لجندي قتيل في الميدان، أو دمعة أم فلسطينية على ابنها المفقود. وهنا المعنى الإنساني يتجاوز الحساب، وهو ما يجعل المؤرخ الإنسان في موقع لا يمكن تعويضه.

هناك أيضا هاجس التوظيف السياسي. فالتاريخ ظل دوما مجالا للصراع بين السرديات الرسمية والروايات المعارضة. وإذا ما استُخدم الذكاء الاصطناعي في يد سلطة معينة، فقد يتحول إلى أداة لإعادة كتابة الماضي بما يخدم أهدافها، فيُمحى ما لا ينسجم مع خطابها، ويُضخم ما يعزز مشروعها. وهنا تكمن خطورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد "بوق رقمي" للذاكرة الرسمية.

أمام هذه التحديات، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للمؤرخ، لا كبديل عنه. أيضا يمكن أن يكون مساعدا في التنقيب عن المصادر، أو في رصد الأنماط الزمنية، أو في اقتراح فرضيات جديدة، لكنه لا يستطيع أن يمنح التاريخ تلك الروح الإنسانية التي تتجاوز جمع المعطيات.

قد يكون المستقبل شاهدا على تعاون غير مسبوق بين المؤرخ والآلة، حيث يقوم الأول بدور المفسر والناقد والراوي، بينما يتولى الثاني مهمة التنقيب والتحليل والتصنيف. لكن الحكاية النهائية ستظل بيد الإنسان، لأنه وحده القادر على أن يمنح للتاريخ صوته ودمه ومعناه.

***

عبده حقي

 

في كل أمة لحظات فارقة تختزن في ذاكرتها الجمعية وتتحول إلى محاور كبرى في تاريخها. الأمم العاقلة وحدها هي التي تعرف كيف تصون تلك الذاكرة وتستثمرها في بناء الحاضر والمستقبل. أما نحن، فكثيرًا ما نتعامل مع تراثنا وكأنه عبء ثقيل أو سلعة مؤقتة للاستهلاك السياسي والأيدلوجيي، لا كنزًا معرفيًا وإنسانيًا يحتاج إلى رعاية وصيانة.

تأتي ذكرى الثورة العرابية لتضعنا وجهًا لوجه أمام هذا المأزق: كيف نتعامل مع رمز بحجم أحمد عرابي، الضابط الفلاح الذي قاد ثورة هزت عرش الاستبداد، ودوى صوته بشعار «الشرع أساس الملكية والحقوق الوطنية»، ثم انتهى به المطاف إلى أن يختزل في صورة بطولية مفرغة من مضمونها؟

إن مأساة مذكرات عرابي ليست مجرد قصة وثيقة ضائعة، بل هي صورة مكثفة لطريقة تعاملنا مع تاريخنا: نأخذ ما يخدمنا ونلقي بالباقي في هوامش النسيان. حولنا الرجل من إنسان متكامل بتناقضاته وآماله وأخطائه إلى أيقونة مسطحة صالحة للعرض في المناسبات. وهكذا ضاعت النصوص الأصلية وبقيت الصورة، سريعة الاستهلاك، سهلة الاستخدام، ولكنها عاجزة عن بناء وعي نقدي أو إنتاج ذاكرة حقيقية.

بين الاحتفاء والاستفهام

تمر هذه الأيام ذكرى اندلاع الثورة العرابية، لا كذكرى وطنية عابرة، بل كلحظة فارقة هزت عرش السلطة المطلقة، ورفعت شعار «الشرع أساس الملكية والحقوق الوطنية». ومع ذلك، فإن الكتابة عنها ليست للاحتفال بقدر ما هي دعوة للتساؤل: ما علاقتنا بتراثنا؟ وكيف نزعت الأمة أوصال ذاكرتها الجماعية بإرادتها أو بتفريطها أو بمزيج مأساوي من الجهل والحمق؟ إننا، شعوبًا ونخبًا، لا نحفظ تراثنا حتى حين يكون هو رأس مالنا الرمزي، وسند شرعيتنا التاريخية، وسر قوتنا الناعمة.

تمثل قصة مذكرات أحمد عرابي النموذج الأبرز لهذا البتر المتعمد للذاكرة. لم نهملها فحسب، بل حين استدعيناها، أتينا بها مشوهة، مهندسة لتخدم أهواءنا الراهنة. لقد تعاملنا مع تراث الرجل كما لو كان تمثالًا أثريًا عُثر عليه في حفرة: أخذنا ما راق لنا، صورة البطل الثائر الفلاح، ورمينا الباقي من تفاصيل معقدة، وتناقضات، وأخطاء، في غياهب النسيان. وهكذا تحول من إنسان عظيم إلى أيقونة مشوهة تخدم خطابًا سياسيًا عابرًا.

أتساءل مندهشاً: لماذا نخرب تراثنا؟ هل لأن الصورة أوضح وأسهل في الاستهلاك من النص؟! الصورة تمنحنا بطلًا صافيًا، وشعارًا حماسيًا، وعدوًا جاهزًا. أما النص الكامل بمذكراته ووثائقه، فيظهر واقعًا ملتبسًا يحتاج إلى جهد نقدي وعقلي لفهمه. السلطة لا تريد هذا التعقيد؛ هي تفضل "عرابي الشعار" لا "عرابي الإنسان"، "اللافتة" لا "الكتاب"!

استعادة الأوصال المقطوعة

جزء من الإهمال ليس مؤامرة، بل انعكاس لثقافة قصيرة النظر لا ترى في المعرفة إلا منفعة عاجلة. ناشر خمسيني لن يغامر بتمويل تحقيق علمي لمذكرات عرابي كاملة، والمجتمع آنذاك مشغول بالخبز والكساء أكثر من الوثائق. لقد كان الطلب على «أسطورة عرابي» أكبر من الطلب على «حقيقة عرابي». فاختار الناشر، بدافع تجاري بحت، أن يقدم الجزء الأول فقط، الأكثر إثارة ودراماتيكية، متخلياً عن الباقي لأنه «غير مجد تجارياً». إنه منطق السوق الأعمى، لا مؤامرة متعمدة.

حتى التراث الذي يخدمنا نهمله، تلك هي المفارقة المؤلمة؛ ثورة يوليو وجدت في عرابي سلفًا مثاليًا ورصيدًا رمزيًا ضخمًا، لكنها لم تستثمر في تحقيق مذكراته كاملة أو أرشفتها. اكتفت بالصورة، وتركت النصوص للضياع. وكأنها تقول: "هذا البطل لنا، لكن أفكاره وتعقيداته ليست لنا". إنها عقلية تستثمر في الرمزية السريعة لا في المعرفة العميقة.

في ذكرى الثورة العرابية، الدعوة ليست إلى بكاء على مذكرات ضائعة، لكن إلى الوعي بالنمط المتكرر في علاقتنا بتراثنا: الاستهلاك السطحي، الإهمال، والتشويه. الاحترام الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على مواجهة التراث بكامل تناقضاته، حين نحقق نصوصه كاملة، ونفتحها للباحثين والجمهور بلا خوف من الأسئلة المربكة.

صراع على الذاكرة

تمثل مذكرات أحمد عرابي (١٨٤١-١٩١١) إشكالية تاريخية متعددة المستويات، تتجاوز قيمتها الوثائقية المباشرة إلى كونها حقلًا لصراع الذاكرة الجمعية وتشكيل الوعي التاريخي في مصر. فالمذكرات - في نسخها المتعددة والمبتورة - ليست مجرد سرد شخصي لأحداث الثورة العرابية، إنها مرآة عاكسة لتحولات الخطاب السياسي والثقافي المصري على مدى قرن من الزمان.

من خلال المنهج التحليلي النقدي، يمكننا تقصي آليات تشكل الخطاب التاريخي حول عرابي، حيث تم توظيف سيرته ومذكراته لخدمة أغراض أيديولوجية متعاقبة. فبينما قدمته النخبة الليبرالية في عشرينيات القرن الماضي كبطل دستوري، حوله خطاب ما بعد ١٩٥٢ إلى رمز للثورة الشعبية والصراع الطبقي، مجتزئًا من سيرته ما يلائم كل مرحلة.

المذكرات الموسومة: (كشف الستار عن سر الأسرار، مذكرات الثورة العرابية)، تعاني إشكالية التعدد والتناقض؛  تحتوي على الجزء الأول فقط من مذكرات مزعومة، مما يشير إلى عملية قصدية لـ"تدجين الذاكرة" وتشكيلها وفقاً للحظة السياسية السائدة. هذا التبدل الغريب في علاقتنا بتاريخنا يجعل من مذكرات عرابي نموذجاً صارخاً لـ"اختطاف الذاكرة".

لقد كتب عرابي مذكراته في سنوات نفيه الأخيرة، بعيداً عن الأضواء، في ظروف لم تكن تحفل كثيراً بـ"ترميم الذاكرة". والمجتمع المصري آنذاك كان منقسماً بين من يراه بطلاً ومن يراه متهوراً. كما أن الظروف المعيشية الصعبة في ظل الاحتلال الإنجليزي جعلت الاهتمام بنشر المذكرات ترفاً فكرياً عندما تكون المعدة خاوية

التوظيف السياسي للمذكرات

لطالما نظرت النخبة المصرية إلى التاريخ كبضاعة قابلة للتغليف وإعادة التدوير وفقاً لمزاج السلطة وأهواء الأيديولوجيا. فالثورة التي قامت في 1952، وهي ثورة ضباط في الأساس، احتاجت إلى سلف ثوري تبرر به وجودها. ووجدت في عرابي الضابط الثائر الضحية المثالية. لكنها لم تريد عرابي بكامل تفاصيله، بل أرادت "عرابي المعدل".. نسخة مطابقة لمواصفات المرحلة!

المفارقة المأساوية تكمن في أن ثورة 1952 التي اتخذت من عرابي رمزاً لها، هي نفسها التي قدمت مذكراته في صورة مبتورة! أليس هذا أشبه بمن يقدس النبي ثم يحذف نصف أحاديثه؟

سؤال جدلي

نطرح هنا سؤالاً محوريا: هل كانت مذكرات عرابي "غير مكتملة" لأن الرجل مات قبل أن ينهيها، أم لأن المشروع الفكري والسياسي الذي مثله هو نفسه كان "غير مكتمل"؟

الجزء الأول من المذكرات يركز على "رد الاعتبار" و"كشف المؤامرة". إنه رد فعل على هزيمة مذلة، وليس تأملًا موضوعيًا في تجربة ثورية. هذا يشبه إلى حد كبير وعينا الجماعي المصري الذي غالبًا ما يعلق في مرحلة الدفاع عن الذات والحديث عن "المؤامرات" بدلاً من تشريح العيوب الذاتية والاستفادة من الدروس.

الأكثر إيلامًا أن صوت الضابط الفلاح صودر مرتين: أولًا على يد الاستعمار والنخبة التركية، ثم على يد أبناء وطنه الذين اختصروا مذكراته وشوهوها. الفلاح الذي نادى بـ"مصر للمصريين" حرم حتى من أن تسمع روايته كاملة.

مرآة الذاكرة المختطفة

حكاية مذكرات أحمد عرابي ليست مجرد وثيقة تاريخية ضاعت بعض أجزائها في زحام النسيان، لكنها مأساة كبرى تختصر كيف نصنع نحن مع تاريخنا، وكيف نصوغ وعينا الجماعي على مقاس السلطة والأهواء العابرة. فالمذكرات المبتورة ليست نقصًا في الورق فحسب، بل بترًا للذاكرة نفسها، ومصادرة لحق الأجيال في معرفة الماضي بكامل تعقيداته، لا في صورته الملساء التي أعدت للاستهلاك السريع.

إن السلطة، أي سلطة، لا تريد مواطنًا يقرأ تاريخًا شائكًا، متعرجًا، مليئًا بالتناقضات، بل تفضل "رعية" تكتفي بأساطير بطولية مبسطة، تنعش العاطفة وتدعم الشرعية دون أن تثير أسئلة. من هنا جاءت النسخة المختصرة من مذكرات عرابي، كوجبة سريعة للوعي: تشبع لحظة، لكنّها فقيرة في قيمتها المعرفية، عاجزة عن تغذية العقل النقدي أو صقل البصيرة التاريخية.

والدرس البليغ الذي يقدمه هذا المصير هو أن الاستقلال الحقيقي لا يقاس براية مرفوعة أو نشيد وطني، بل بقدرتنا على استعادة ذاكرتنا من سطوة الرواية الرسمية. استعادة الذاكرة تعني أن نفتح الأرشيف المغلق، أن نعيد الاعتبار للنصوص المبتورة، أن نبحث عن الأصوات التي جرى تهميشها عمدًا لأنها لا توافق خطاب المرحلة. وبهذا فقط نستطيع أن نخرج من الطفولة السياسية التي نحبس فيها كلما صدقنا صورة جاهزة للبطل أو رواية معدلة للتاريخ.

مذكرات عرابي، رغم ما أصابها من نقص وتشويه، تظل مرآة صافية لما هو أعمق من سيرة رجل واحد. إنها مرآة لرحلة مصر في لحظة تأسيسية، لحظة صعود الوطنية الحديثة في مواجهة الاستبداد والاحتلال، ولحظة احتدام الصراع بين الجيش والشعب والسلطة؛ صراع لم يحسم بعد، بل يواصل إنتاج صور متجددة من نفس العقدة التاريخية.

إنها تدعونا إلى أن نقرأ التاريخ لا كقصة مكتملة، ولا كحكاية بطولية منقوشة على جدار، بل كعملية مستمرة للبحث عن الحقيقة.  مثل هذه الحقيقة، كما تكشف لنا مذكرات عرابي، ليست خطًا مستقيمًا ولا حكمًا نهائيًا: فقد يكون البطل في جانب منها ضحية، وقد يكون الضحية في جانب آخر بطلًا، وقد تظل الحقيقة ذاتها سرًا من أسرار الزمن، لا ينكشف كاملًا أبدًا، لكن السعي إليه هو ما يمنح الذاكرة معناها، والتاريخ قيمته، والحاضر بصيرته.

***

د. عبد السلام فاروق

على مدى القرن العشرين، إستعملت مفردات العجز واليأس والإحباط والهزيمة ، والشعور بفقدان القيمة والدور والأهمية، وتواصل إستخدامها في اللغة.

فأصبحت المفردات الشائعة سلبية تسعى إلى رهن الإنسان في زنزانة الخسران.

كما تم الإمعان في إستحضار الماضي وإشغال الناس به والإنتماء الإنفعالي إليه، حتى غاب الحاضر والمستقبل، فتحولت الحياة إلى فراغ، ومضت الأجيال في غيبوبة وخدر لم يحصل في تأريخ الشعوب،

حيث تحركت الدنيا ومضى نهر الوجود الإنساني يتدفق، والناس لا تريد أن ترى وتسمع وتتساءل، وإنما هي سكرى بخمور الماضي وتداعيات اليأس والهموم والويلات.

خسائر تتواكب وهزائم تتفاقم، وطموحات تتآكل، وأحلام تتضاءل.

وعملت الأحزاب والأنظمة السياسية على تعزيز دور المفردات السلبية، بعد أن آزرتها بالفعل الدامي والخسائر الفظيعة.

وتحقق التعميم الإحباطي وإستشرى الشعور بالدونية والعوق الحضاري والضعف، وصارت إسطوانة الفقر والجهل والأمية والمرض تعزف ألحانها على مسامع الأجيال بلا إنقطاع.

ومضينا نؤمن بأننا شعوب جاهلة أمية  مريضة في عقولها ونفوسها وأرواحها، وهذه إفتراءات تم طحن الأجيال برحاها الثقيلة الساحقة، فتوهمنا بأننا أميون وجاهلون ومتخلفون.

ومَن يقارن بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأخرى المتقدمة، يجد أن مصر كانت من المجتمعات المتطورة في نهاية القرن التاسع عشر، وكذلك العراق في النصف الأول من القرن العشرين، بالقياس إلى أحوال المجتمعات آنذاك، فكانت مصر والعراق أكثر تقدما من الصين، لكن الذي حصل أن الصين شقت طريقها في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ومصر والعراق مضيتا في إبتكار المعوقات.

ومع دوامة البحث عن المصدات والموانع، توالت الإندحارات وأوجدت آلياتها ومهاراتها والمستثمرين فيها من الساسة والمفكرين والمثقفين، الذين أمعنوا بالترويج لفرية الأمية والجهل.

والواقع يؤكد أن الشعب يعرف أكثر مما يعرفه الفرد في الدول المتقدمة عن أحوال الدنيا وما يدور فيها، فهو يحدثك عن أحداث الأرض ومجتمعاتها بدراية، بينما لو سألت فردا من المجتمعات المتقدمة فستجده جاهلا بكل ما لا يرتبط بمصلحته.

وهذا  يشير إلى أن المشكلة ليست في الجهل والأمية، وإنما في عدم معرفة المصلحة الذاتية والجماعية والوطنية، لغياب النظام الوطني القادر على توجيه الطاقات والقدرات مثلما تحقق في الصين وغيرها من الدول، فالعيب ليس بالإنسان بل بالنظام العاجز على توجيهه وإستثمار طاقاته لتحقيق المصالح الوطنية.

فالدول المتقدمة فيها نسبة من الأمية والجهل والفقر، لكن الإنسان يعي مصلحته ومصلحة وطنه.

وعندنا نحن لا نعرف مصالحنا وتتغلب علينا الأنانية والإنفعالية، وغياب النظام الذي يوجه سلوكنا الوطني والإجتماعي.

وهذا معنى الجهل والأمية عندنا، فالإنسان يتعلم عن طريق وسائل الإعلام أكثر مما يتعلمه عن طريق القراءة.

وهذا يعني أن القراءة لم تعد عائقا كبيرا أمام المعرفة، لكن المأزق الحقيقي، هو سيادة الإنفعالية وفقدان وعي المصالح وغياب النظام.

فلو إهتم كل إنسان بمصلحته وإستثمر فيها لتحققت مصالح الوطن والأمة، ولو إمتلكنا النظام المناسب لإطلاق طاقاتنا لكنا أكثر تقدما ومعاصرة وقوة.

فهل سنسلط الأضواء على المفاهيم الإيجابية ونبتعد عن نمطيات التفكير السلبي وخطابات التداعي والخسران، التي عصفت في حياتنا على مدى القرن العشرين ولا زالت، ونحن في عالم الثورة المعرفية والإتصالية الباسلة؟

فالشعارات لا تعالج مشاكل الواقع المرير، والغيبيات لا تنتصر على العقل، وعلينا أن نفعّل عقولنا بجرأة الحاذقين الواعدين بغدٍ سعيد.

***

د. صادق السامرائي

هي ظاهرة قديمة جديدة، برزت في السنوات الأخيرة وأخذت تكبر وتتضخّم حتى باتت أشبه ما نكون بالتدرّن المَرضي، وبات السكوت عليها، أشبه ما يكون بالخيانة الأخلاقية للإبداع وتأثيره المنشود. إنها ظاهرة الاستكتاب، تلك الظاهرة التابعة لدى معظم الوجوه الأدبية الجديدة، اذا لم يكن لديها مُجتمعة، فما أن يُصدر أحدهم عامةً وإحداهن خاصة، كتابًا جديدًا حتى تنهال الكتابات المطلوبة عليه، وكأنما نحن أمام عمل غير عادي ويستوجب التوقّف عنده طويلًا ومديدًا، لكن إذا قيّض لك أن تقرأ هذا الكتاب فإنك غالبا ما تشعر بخيبة أمل، فأين ذلك الكتاب مما كُتب عنه.. بناءً على طلب من صاحبه؟.. وهل هو/الكتاب حقًا يستأهل كلّ ما كتب عنه وأثير حوله؟.. أنك سرعان ما تكتشف أنك إنما كنت ضحية لخديعة بإمكانك أن تُطلق عليها.. وتردفها بكلمة.. مٌكملة هي: خديعة من هذا الزمان.

يقينًا أننا كنّا نصمت عن هذه الظاهرة، وهي قديمة جديدة كما سلف، غير أن ما تُحدثه في الغالب الاعم، وتتركه مِن أثر سلبي على العملية الأدبية الكتابية ذاتها، وعلى القراء بصورة عامة إنما يستوجب التوقّف وإبداء الملاحظة والرأي، كون هذه الظاهرة تعتمد في كينونتها ووجودها على نوعٍ من التدليس حينًا والشللية حينًا آخر، الامر الذي يُدنيها مِن الفوضى، ويُبعدها عن الابداع الادبي المنشود، مهما طغت الفوضى وعمّت، كما هو الامر حاصل هذه الفترة.

هذه الظاهرة لمن يُريد أن يستزيد ويتبحّر فيها أكثر، لها علاقة وطيدة بالتسويق، ونحن لسنا ضد التسويق، لكننا مع عدم المبالغة فيه، مِن حقّ الكاتب.. أي كاتب، أن يقوم بتسويق ونشر ما ينتجه، هذا حقّ لا يمكننا الاعتراض عليه، غير أنه يحقّ لنا أن نعترض على المبالغة فيه، حدّ ان يتحوّل الإصدار إلى مُناسبة ترويجية مفتعلة لصاحبه، بدلًا مِن أن يسلّط الأضواء الكاشفة على العمل ذاته، وهو ما يحمل رسالته في ذاته/ ناهيك عن أنه هو من يُخاطب قراءه، وهو ما يبقى في مواجهة معهم. ونقول باختصار إنه من حقّ الكاتب، كما يقول الروائي الإيطالي المبدع البرتو مورافيا، أن يسوّق عشرة في المائة لكن عليه أو يُطلب منه أن يبدع تسعين بالمائة، أما أن تنقلب الآية، فنرى مَن يكتب ويُبدع بنسبة عشرة في المائة وأن يسوّق في النسبة المتبقية، فهذا ما نرفضه ونعترض عليه، ونكرّس له هذه الكلمات للتحذير منه والتنبيه إلى مخاطِره.

من مخاطر هذا التسويق الجارف، وأكاد أقول المجنون، أنه يترُك آثاره السلبية السيئة على الحياة الأدبية عامة وعلى صاحبه خاصة، أما فيما يتعلّق بالعامّ، فإنه يؤدي بمن يَطّلع عليه وعلى ما كُتب عنه، ويرى إلى الفجوة المموّهة الفاصلة بين الاثنين، إلى نوع من خيبة الامل، فما يقرأه استكتابًا عادة ما يدخل في نوع ما من المُجاملة الزائدة، لما يكتب عنه وحوله، الامر الذي قد يصرف، أو يساهم على الأقل في صرف القارئ عن القراءة، والاستزادة مِنها في حال اقتناعه بما كتب ومقارنته بما كُتب عنه. أما فيما يتعلّق بصاحب العمل، المُستكتِب، فإنه يدخله في الاغلب الاعم، في نوع مِن التضليل الذاتي، ويتجلى ذلك في أنه هو ذاته عادة ما يعرف القيمة المتدنية لما كتبه، أنتجه وأصدره، ومع هذا فإنه عندما يستكتب صديقًا أو مَن هو متأكد مِن أنه أبعد ما يكون عن الابداع الادبي، يُدرك تمام الادراك أنه إنما سيحظى بوجبة مديح وتبجيل في غير مكانها، الامر الذي يُمكّنه من مُناكفة مَن ينتقد كتابه، وتحويله بالتالي إلى ما كتبه فلان أو فلانة عن كتابه.

مثل هذا، ينطبق على تلك الامسيات الاشهارية، التي تقام بحق او يغير حق، فما أن يُصدر أحد الكتاب الجُدد تحديدًا كتابًا، حتى يسعى بكلّ ما لديه مِن علاقات وارتباطات شخصية، للتوسط له مِن أجل عقد أمسية إشهارية، في هذه المؤسسة ذات الاسم أو تلك، وهُنا سنلاحظ، أن مَن سيتحدّثون عن الكتاب محور الاشهار، هُم مِن المضمونين فيما سينهالون به من تبجيل وتمجيد، هكذا تنقلب الأمسية الاشهارية، إلى مناسبة اجتماعية يمتدح المتحدثون فيها، الكتاب موضوع الأمسية، وكثيرًا ما يُعرّجون على وجبة مديح لصاحبه، الذي عادة ما يكون مِن اصدقائهم اللزم، الامر الذي يُضخّم في تنفير المشارك او القارئ من الكِتاب وأهله من ناحية، وفي نفخ صاحبة أو صاحبته، حد أنه يُدخلها في حالة من النشوة، فترفض أي نقد يوجّهه ناقد صادق وغيّور على الحراك الادبي، ويحوله بالتالي إلى ما قيل عنه مُجاملةً واستنطاقا، ليُسكته وليواصل مسيرته المرفوضة وغير المقبولة، من ناجية وليحيط نفسه بجدار من الكبرياء وكلّ ما يُقصيه عن دخول حديقة الابداع الحقيقي والجدير.

إن الابداع الحقيقي أيها الناس لا يحتاج إلى مدّاحين ومُهرّجين، يتمّ استدراجُهم للكتابة بشتى الطرق ومختلف الاغراءات، وإنما هو ينمو، يترعرع ويزدهر في حديقة الابداع الساهرة والساحرة، تلك الحديقة التي يحتاج دخولها والمكوث فيها إلى القراءة والاطلاع والمزيد من هذين، إن الكاتب المبدع الحقيقي عادة ما يُفضَل أن يكون عمله/ كتابه، هو سفيرُه إلى العالم وليس أولئك المُستكتبين مِن الأصدقاء وأعضاء الشلّة.

***

ناجي ظاهر

اعرف ان بعض التسميات غريبة واخرى تدفع الى الريبة والشك في مدلولاتها والبعض الاخر يثير تساؤلات تستولد بدورها تساؤلات أخرى تشتبك في ساحات مكتظة بعلامات الاستفهام.. وليس في هذا أية إساءة، لا للتسميات ولا للموضوع ولا للشخوص، إنما صفحة تتيح المجال للفكر ان يقف على حقيقة المسميات فيما اذا كانت متطابقة ام منسجمة متوافقة ام متعايشة مع الخط العام للتسمية.

هل تنعدم تسمية المسلم بالمسلم مثلا؟ لماذا يؤطر الدين الاسلامي الحنيف بإطار سياسي؟ وهل الدين يحتاج الى اطار سياسي؟ من يقول ان الدين سياسة والسياسة دين؟ لماذا الاصرار على تأطير الدين بمنهج سياسي في واقع متعدد الديانات غير المؤطرة؟ لماذا يهمل الاصل القومي العروبي للمنطقة العربية؟ فإذا لم يكن المسلم مؤطراً بالسياسة فهل يسقط عنه الدين الاسلامي؟ وما الغاية من وضع الدين في بوتقة السياسة؟ لماذا لا يترك الانسان يتعبد من دون اطر سياسية؟ وهل نشر الدين يحتاج الى احزاب تؤطر بمناهج سياسية؟ لماذا لا تأخذ المؤسسات الدينية مساحتها في التوجيه والارشاد والموعظة الحسنةْ بدلا من التأطير السياسي للدين والمناهج، وهل يستطيع التأطير ان يتجنب إشكاليات السياسة ونتائجها التقسيمية الوخيمة؟، ولآن الدين ليس سياسة فهل هو بحاجة الى اطر..؟ ولا بأس في المؤسسات وليس الاحزاب، ان تتولى رعاية الدين مثل الجوامع والصوامع والمعابد والمأذن ودور العبادة ومنهجها في الارشاد والتوجيه والموعظة الحسنة.. فلماذا إذن الاطر السياسية لتقييد الدين بشبكات السياسة وإشتباكاتها واحزابها وسلطاتها التي تفرق ولا تجمع؟

الغرض، ليس التشهير ابدا او الانتقاص، إنما التحذير من مغبة إدخال الدين في السياسة وإدخال السياسة في الدين، لأن الخلط لا يجلب سوى التقسيم والتفتيت، ما دامت السياسة لها نزعات واحتكاكات ومنافسات وصراعات فضلا عن مدخلاتها ومخرجاتها الخاصة. فالدين هدفه العبادة أما السياسة فإن غرضها المصالح.. ووسائله الصراع والتنافس.. فإذا دخلت السياسة في الدين قسمته، وإذا دخل الدين في السياس أفسدته.. !!

فكيف نضع كل منهما في خانته؟ لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة؟ لأن الحصاد فساد وركود وتأخر ثم تهميش وتفكيك وتفتيت.. إإ

***

د. جودت صالح

21/أيلول 2025

الكتاب عالم يحتوينا بتفاصيله الصغيرة؛ فحروف كلماته تخلق في داخلنا صدى حين نلمسها. للكلمة صوت خاص ينبغي أن يُسمع، ولكل صفحة بصمتها المميزة. هذا السحر هو ما يجعل القرّاء ينتظرون معرض الكتاب بشغف، حيث تتاح لهم الفرصة ليكونوا جزءًا من عوالم فكرية وثقافية تعكس بُعدًا اجتماعيًا لسيمفونية معرفية.

لكن وسط هذا الإقبال الكبير، تُطرح تساؤلات: هل يعكس هذا الحضور وعيًا ثقافيًا حقيقيًا، أم أنه مجرد رغبة في اقتناء الكتب أو المشاركة في طقس اجتماعي؟ وهل يُعَدّ المعرض متنفسًا ثقافيًا وفرصة للتلاقح والحوار الفكري بين شرائح المجتمع المختلفة؟

لقد تنوّعت توجهات الزوّار للمعرض، بما يجسّد ما يسميه عالم الاجتماع "بورديو" بـ "رأس المال الثقافي". فمنهم القارئ الجاد الباحث عن كتب تُثري معرفته العلمية، ومنهم الأكاديميون الذين يبحثون عن مراجع لدراساتهم، ومنهم عشاق الرواية والقصص بمختلف أنواعها، وآخرون جاءوا للاستمتاع بالفضاء الثقافي أو لالتقاط الصور. هذا التنوّع يسلّط الضوء على مسألة جوهرية تتمثل في أهمية القراءة الورقية، خصوصًا في ظل تنامي ثقافة الكتاب الإلكتروني؛ فالكتاب الورقي يظل وسيلة للتنشئة الثقافية وأداة للارتباط بالمعرفة بطريقة حسّية وعلمية، فيمنح القارئ تجربة فكرية متفرّدة.

والعراق، بوصفه بلد الحضارات ومنارة للعلم، يمثل معرض الكتاب فيه حدثًا ذا أهمية ثقافية واجتماعية كبيرة. فهو فرصة لتعزيز الثقافة والارتباط بالتاريخ المعرفي للبلاد، إلى جانب الانفتاح على المجتمعات الأخرى من خلال دور النشر والأمسيات الثقافية المتنوعة التي تعكس وعيًا جماهيريًا متزايدًا في المجتمع العراقي.

في الختام، يظل الكتاب الورقي رمزًا ومعنى في آن واحد. إن ارتباط الناس به يشير إلى أن القراءة ليست مجرد نشاط عابر، بل هي جزء من الهوية الثقافية، وفرصة لبناء وعي مستدام. وهكذا يصبح حضور معرض الكتاب أكثر من مجرد طقس سنوي؛ إنه مناسبة حقيقية لتعزيز الثقافة، ونشر الوعي القرائي، وتحفيز المجتمع على التواصل مع المعرفة بعمق وإدراك.

***

د. نور خالد

 

من يدبن عمل ما يعين صاحبه على تكراره، لأنه وفر له الحوافز اللازمة لإعادة فعلته.

أدان: قبّحَ

والإدانة هي الحكم على فعل بأنه غير مقبول وخاطئ، وفي السياسة تستخدم للتعبير عن الرفض والشجب لتصرفات دولة أو جهة ما، وهي حكم سلبي على فعل أو شخص قانونيا أو أخلاقيا أو سياسيا.

الرد بالكلمات لاينفع عندما تكون خالية من الفعل، فالأيادي تتكلم بلغة القوة والعزة والكرامة وتنتصر على لغة اللسان، وخطابات الأوهام والهذيانات.

القوي صائب والضعيف خائب، والإدانة تعبير عن الضعف، والقنوط وإستمراء الذل والهوان، والتفاعل الإيجابي مع الفاعلين، أو المعتدين.

الإدانات لا توقف العدوان السافر، ولا تمنع إراقة الدماء، والإمعان بالقهر والإمتهان، ولا تنفع مع أصحاب العقائد والغلو المطلق فيما يرونه الحق والحقيقة التي يقبضون عليها.

الدول الضعيفة أقصى ما تستطيعه هو الإدانة، وبها تبرهن على تمام ضعفها، وخنوعها وإستسلامها وعجزها على المجابهة والتحدي والإقدام.

فالقوي في سلام والضعيف مستضام!!

قوة قالت وفعلٌ عزّها

وكلامٌ عن فعالٍ قولها

دولٌ هانتْ وشعبٌ صيدها

إن أدانتْ قد أبانتْ ضعفها

سلطة دامت وقهرٌ قائدٌ

وبلادٌ كم أضاعت رشدها

***

د. صادق السامرائي

هل تريد أن تكون قائداً أو موظفاً أفضل؟ يكمن السر في العقلية المتفتحة والمرنة للقائد أو الموظف المتفتح لا يكتفي بالخبرة السابقة، بل يسعى للتعلم المستمر ويتفاعل مع زملائه وفريقه بحس من الانتباه والاحترام والوعي بمتطلبات العمل المتغيرة، فالخبرة وحدها لا تكفي للتميز والتفوق، وأن البيئة المهنية تتغير بسرعة والتقنيات والمعرفة تتسع باستمرار ومن يعتقد أنه وصل إلى الحد الأقصى من المعرفة يخدع نفسه فالمهارات والعلوم تتطور كل يوم، وأن العقلية المتفتحة تتيح للفرد التكيف مع التغيرات وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والنجاح المستدام.

إن الشخص المتفتح ذهنياً يقظ وواع يستجيب لاحتياجات زملائه وفريقه ويتجنب السماح للمخاوف أو الصراعات أن تهدد بيئة العمل، وأن القرارات الأحادية أو إغفال رأي الآخرين يؤدي إلى توتر العلاقات ويقلل من الإنتاجية، فالمرونة تعني الاستماع بوعي وفهم الاحتياجات وتحمل المسؤولية المشتركة عن النتائج بدل إلقاء اللوم على الآخرين وإتهامهم بما لايليق لطبيعة العلاقة المهنية والزمالة في العمل.

توضح إحدى التجارب هذا الأمر بوضوح؛ إذ لاحظ قائد فريق انخفاض مستوى الأداء بسبب ضعف التواصل، فقرر عقد اجتماعات أسبوعية مفتوحة يشارك فيها الجميع أفكارهم ويستمع لمقترحاتهم. وكانت النتيجة زيادة التفاعل، وتحسن الإنتاجية، وارتفاع شعور الفريق بالمسؤولية. وفي تجربة أخرى، كان أحد الموظفين معتاداً على أساليب تقليدية في إنجاز مهامه، وعندما تم تقديم نظام رقمي جديد في بيئة العمل، اختار تعلم استخدامه بدلاً من رفضه. وبعد فترة قصيرة، أصبح من أكثر الأشخاص تميزاً في استخدام هذه التقنيات، مما ساعد في تسهيل العمل وتحقيق نتائج أفضل.

كما أن الاستفادة من الأخطاء جزء لا يتجزأ من العقلية المتفتحة فقد ارتكبت قائدة فريق خدمة العملاء خطأ في التعامل مع أحد العملاء المهمين لكنها قامت بجمع الفريق لتحليل الخطأ وتحديد الدروس المستفادة وكانت النتيجة تطوير إجراءات جديدة أكثر فعالية وتحسين جودة الخدمة وتعزيز ثقة الفريق بنفسه وحتى في مواقف اتخاذ القرار فإن المرونة تصنع الفرق كما حدث مع مدير الإنتاج الذي واجه تحدياً غير متوقع في أحد خطوط الإنتاج فبدلاً من فرض قرارات أحادية عقد اجتماعاً مع فريقه لاستعراض الخيارات ووضع خطة بديلة وكان الحل المشترك أكثر فعالية من أي قرار فردي وعزز روح التعاون بين أعضاء الفريق

تطبيق العقلية المتفتحة يومياً يعني الاستماع للآخرين قبل اتخاذ القرار وتقبل التغيير وتبني أساليب وأدوات جديدة واعتبار الأخطاء فرصاً للتطوير والتحسين والتواصل بمرونة وتعاطف مع الزملاء والسعي الدائم لتطوير الذات ومواكبة كل ما هو جديد العقلية المتفتحة ليست مجرد صفة شخصية بل استراتيجية نجاح لكل قائد وموظف يسعى للتأثير الإيجابي في بيئة العمل بالمرونة والانفتاح على التعلم يمكن بناء فريق متماسك وتعزيز العلاقات المهنية وتحقيق أداء مستدام ونتائج متميزة.

تذكر دائماً أن العلم يتطور والفرد المتفتح ذهنياً ينمو معه

***

بقلم د. أكرم عثمان

-9-202520

ذات مرة قال أستاذي: " الدول تصنع رموزها في ميادين المعرفة، ونحن نطمر رموزنا أو نقتلهم"!!

هذه ظاهرة تميزنا عن مجتمعات الأمم الأخرى، فمعظم المبدعين المتميزين ماتوا بعيدا عن وطنهم، وما ذاقوا طعم الإحتفاء بهم وتقديرهم أثناء حياتهم.

فلا رأي إلا رأي الكرسي وما يشير إليه ويمثله من الأشخاص.

فالقوة تقرر، والإبداع يحرر، ومَن لا يكون مع الكرسي فهو عدوه اللدود، وعليه أن يموت أو يغادر البلاد.

الأسماء المطمورة كثيرة، ولهذا تأسنت المسيرة، ونأى التقدم وغاب التطور، وإنغمس الناس في أوحال الأضاليل والأوهام، وهدرت طاقاتهم في مناكفات بينية وصراعات تؤججها القوى الطامعة بالبلاد والعباد، بتوفير السلاح الطائش المنفلت ونشر التصورات والأفكار الداعية للفرقة والتناحر والإقتتال.

المجتمعات تتقدم بقدواتها وأعلامها في شتى المجالات، وعندما يتم تفريغها من أنوارها المعرفية، وأفكارها العصرية، تتحول إلى عصف مأكول، وتداهمها آفات الإقتدار من كل حدب وصوب، وتتعلم إستلطاف الإفتراس والتبعية والهوان، وتتلذذ بنكدها وقهرها، وتبث شكواها لبعضها بأشعارها وخطاباتها، وبعض كتاباتها.

لماذا ننهرعقولنا ونتنكر لدورها ونحسبها عالة علينا وعاهات تدمرنا؟

السؤال صعب والجواب أصعب، والعلة في تكويننا النفسي، وتفاعلاتنا الأنانية القاسية، فكل منا يرى أنه فحل التوت في بساتين الوجيع الأليمة السقيمة.

السمع والطاعة دستورنا، وإعمال العقل بجرأة وحرية من الخطايا الجسام في عرفنا الجمعي، وعلينا أن ننحشر في ميادين التبعية والتفاني وراء أطماع المبتزين لوجودنا، والمقررين لمصيرنا، والذين يرموننا كأحطاب في سجيرات الويلات، والتصارعات المتوجة بشعارات تضليلية، وخداعات مدروسة لسحقنا وحرماننا، ليفوزوا بما يغنمون.

عقولٌ من مظالمنا تناءتْ

وفي بلدٍ يُقدّرها تنامتْ

عداءٌ نحوهم منّا تفشّى

فنطردهم بأيامٍ تغابتْ

هي الدنيا بعقلٍ مستنيرٍ

يثوّرها ويقدحها فدامتْ

***

د. صادق السامرائي

العلاقة وثيقة بين العلم والأدب، ويمكن لرحم العلم أن ينجب أدبا أصيلا ومتميزا، ولا يستطيع الأدب أن يولد من رحم ذاته، وكينونة جوهره.

والأدب الخالي من النفحات العلمية لا يتجاوز مرحلة الترويح النفسي الذاتي، ويميل إلى إستحضار المفردات السلبية والإمعان باليأس والقنوطية، ويخشى إيقاد مشاعل الأمل ومصابيح التفاؤل.

الإبداع العلمي يتميز بالمنهجية وإكتشاف القوانين ويعتمد الدقة والمنطق والموضوعية وعلى الدليل والبرهان.

أما الإبداع الأدبي فيقوم على الخيال والوجدان ويعبر عن المشاعر والأفكار ويتميز بالعاطفة والجمالية والرمزية وتنوع الأساليب والصور.

الإبداع العلمي رافد متدفق في فضاءات الخيال مما يساهم في صياغة الإبداع الأدبي المتوافق مع ما توصل إليه من حقائق وأوجده من براهين، ويزودنا بمفردات جديدة وعبارات فريدة، متواكبة مع المبتكرات والمخترعات والنظريات المنبثقة من النشاط العلمي البديع.

الأدب الرفيع الأصيل يولد من رحم العلم ولادة طبيعية، لا تعرف التبعية والنقل الإنبهاري لما عند الآخرين، والتوهم بالعطاء الأدبي القويم.

إن ما نسطره ربما لا يتعدى كونه صدى مضطرب لأصوات الآخرين، المنطلقين من أرضية معرفية علمية ذات شواهد مادية تدعو للفخر والإعتزاز بالحياة والوطن.

فالأتباع لا يضاهون الأسياد، مهما حاولوا التقمص والتشبّه، وكلها خطوات تشويه وتعويق.

فأيهما أنفع للأمة، العلم أم الأدب؟

***

د. صادق السامرائي

عالمنا المعاصر المتدفق المعلومات والتواصلات، أخذت فيه الصورة دورها وتأثيرها، وما عاد للكلمة كبير قيمة ومعنى، وتجدنا أمام حشد من الصور المتنوعة الحية والجامدة.

ويبدو أن الصورة قد طغت وحجبت الكلمة وجردتها من فعاليتها وتحاورها مع الألباب.

الصورة أخذت ترسم معالم السلوك وتضع اللبنات الأساسية لمنطلقات الحياة الجديدة.

عالم ما قبل الصورة لا يقارن بعصر ما بعدها، فالذهنية البشرية أصيبت بطفرات تواصلية أدت إلى نشوء دوائر عُصيبية غير مسبوقة في الأدمغة المتفاعلة مع مطرقة الصورة الدائمة التكرار، والتي تحفر مساراتها في أروقة الرؤوس.

فأدمغة الأجيال الحاضرة تختلف عن أدمغة ما سبقها، وسلطة الإستجابات السريعة هيمنت على الواقع المعرفي، وأزالت الحواجز وأسقطت الجدران فما عاد للعزلة مكان فوق التراب.

في عصر الصورة خمدت أنفاس الكلمات، وتعفنت في مهدها العبارات، وفقدت تأثيراتها الأشعار والخطابات، فالصورة مبعث الطاقات، وداينمو التفاعلات، وحادية التجمعات والثورات، فما فات مات، والقادمات تكمم أفواه الويلات.

عندما إنتشر المذياع في القرن العشرين إنحسر الإهتمام بالكتاب قليلا، وبحضور التلفاز تزايد الإنحسار، وفي الربع الأول من القرن الحدي والعشرين، أصيب الكتاب الورقي بالضربة القاضية، وتحول إلى عصف مأكول، وتنامت الكراهية للكتاب.

قراء الكتب قليلون، ومن النادر أن يشتروا كتابا، فما عادت القراءة في كتاب تجلب المتعة، إذ أدمن الناس على الشاشة، وتملكتهم الصورة والفيديوهات القصيرة والمثيرة التي تحضر أمامهم بسرعة البرق.

في أي مكان تكون فيه، تجد الحاضرين يحدقون في الشاشات الصغيرة، ومن النادر أن تشاهد مَن يقرأ في كتاب، وإن رأيت متصفحا لكتاب فهو من أبناء منتصف القرن العشرين، وربما قبل ذلك.

الأجيال الجديدة ستتناسى الكتاب، وما يشدها ويسحرها الذي يتوارد إلى شاشات الهواتف وأخواتها.

كتابٌ في متاهاتِ البعيدِ

تمزّقهُ مراداتُ الجديدِ

تناءتْ نفسنا ومضت لضوءٍ

يُداعبها بإحضارِ الفريدِ

معارفنا مكدّسة بجيبٍ

وتغمرنا بأفياضِ المزيدِ!!

***

د. صادق السامرائي

الكتابة وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار والمعارف بإستخدام رموز وحروف، تُسبك في كلمات وجمل لتكوين نصوص مفهومة، وهي من أهم أدوات التفاعل الإنساني عبر العصور، ولولاها لما عرفنا عن الأمم السابقة.

ووظيفتها التعبير والتوثيق والتواصل، وقد تكون أدبية، علمية، إبداعية، ووظيفية.

الكتابة عمل فكري شاق، يستوجب إستحضار طاقات الوعي والمعرفة ومشاعل الإدراك والمنطق،  والقوة على جمع الأفكار في بودقة العبارة، وجوهر المفردات، لتصنع صورة واضحة عن الموضوع المطروح أمام أضواء العقل الواسع الإمعان.

الكتابة ليست نقرا على مفاتيح الكي بورد، وكأن الأصابع تكتب مبتورتا عن الرأس.

الكتابة جهد وجهاد، فهي عمل نضالي ربما يستحضر الأخطار، ويمرغ القلم في الأوحال، ويصيب صاحبه بأعاصير أهوال.

الكتابة مواجهة وتحدي وإصرار على تشريح واقع مأزوم ووضع حلول ذات عيون وعلوم.

الهدف السامي للكتابة، إضاءة شمعة في ديجور الأيام، ومخاطبة البرايا النيام، وبث اليقظة في ربوع وجودهم لكي يخطو نحو الأمام.

مَن لا يحمل رسالة ويدافع عن قضية عليه أن لا يكتب، فالكيبورديون بأصابعهم يكتبون، ولا يدركون ما يسطرون.

أقلامنا سلاحنا في زمنٍ ينهرنا، وأمة تنكرنا، فصورة تشدها، وشاشة تأسرها، وأسطرٌ تمقتها، وكتابات على الأوراق لا تقرؤها، فعالمنا بجديده يملكها، وكل ما في القرطاس ضاع، والناس تحب الإستماع، فصراط المعارف شاع، وفي لحظة نستحضر ما لم يكن بالمستطاع.

فهل خلا لك الجو يا عصافير السطور، وغمركِ الحبور، فدمتي في سرور؟

وهل فقدت الكتابة قيمتها في مجتمعاتنا؟!!

"ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار مَن لم تزودِ"

***

د. صادق السامرائي

لطالما شغلني مسألة التغير في موازين القوى العالمية، وكيف أن الأمم تسير في دورات تاريخية لا تختلف كثيرًا عن دورة الحياة الطبيعية، تولد ثم تنمو فتكتمل ثم تبدأ في الأفول. هذه الفكرة ليست جديدة، بل أكدها العديد من المفكرين من أمثال شبنجلر في كتابه "تدهور الحضارة الغربية"، حيث رأى أن الحضارات تمر بمراحل الربيع والصيف والخريف والشتاء، تمامًا كما يمر الكائن الحي. واليوم، يبدو أن الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة يدخلان مرحلة الشتاء هذه، بينما تشهد القوى الشرقية صعودًا جديدًا.

لم تكن قمة شنغهاي الأخيرة مجرد تجمع دبلوماسي عابر، بل كانت إعلانًا صريحًا عن ولادة عالم جديد يتشكل بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على القرن العشرين. فقد جمعت القمة قادة الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية، وما رافقها من استعراض عسكري صيني مبهر، كشف عن حقيقة لم يعد بالإمكان إنكارها: ميزان القوى الدولي آخذ في التحول جذريًا.

لقد أصبحت الصين، بقوتها الاقتصادية التي تجاوزت في بعض المؤشرات نظيرتها الأمريكية، وبترسانة عسكرية متطورة، تقدم نفسها كقطب قادر على منافسة واشنطن بل وتجاوزها. وهذا ما أكده البيان الختامي للقمة، الذي دعا إلى نظام عالمي أكثر عدالة وتعددية، وانتقد السياسات الأحادية للغرب.

منذ الحرب العالمية الثانية، كان الاقتصاد الأمريكي المحرك الأساسي للقوة الناعمة والصلبة في آن واحد. الدولار صار العملة العالمية، وول ستريت باتت بوصلة الأسواق، وصناعات التكنولوجيا والفضاء غذت أسطورة "الحلم الأمريكي". لكن هذه الصورة الذهبية لم تعد تعكس الواقع.

فالصين صعدت كقوة صناعية وتكنولوجية هائلة، وأصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا لأكثر من 120 دولة حول العالم، بينما تحولت الولايات المتحدة إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج. تقارير دولية تشير إلى أن الدين القومي الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار في 2025، وهو رقم يهدد استقرار اقتصاد أمريكا الآن وغدًا.

إلى جانب ذلك، تتآكل الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري للنظام الأمريكي. ملايين الوظائف في قطاع التصنيع هاجرت إلى آسيا وأمريكا اللاتينية حيث العمالة الأرخص. أما الداخل الأمريكي، فيرزح تحت تضخم أسعار السكن والرعاية الصحية والتعليم. هذا الوضع يخلق إحباطًا جماعيًا، ويجعل من "الحلم الأمريكي" وعدًا كاذبًا أكثر منه حقيقة ملموسة.

من الهيمنة إلى التصدع

قوة أمريكا لم تكن يومًا في اقتصادها فقط، بل في شبكة تحالفاتها التي صاغت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. حلف الناتو، العلاقات الخاصة مع أوروبا، القيادة في المؤسسات الدولية، كلها كانت أدوات واشنطن للحفاظ على هيمنتها. لكن هذه الشبكة بدأت تتصدع.

فالحلف الأطلسي يشهد اليوم أزمات ثقة متتالية. بعض دول أوروبا الشرقية تشكك في جدية التزام واشنطن بالدفاع عنها إذا تعرضت لتهديد مباشر، فيما تسعى فرنسا وألمانيا لتعزيز استقلاليتهما الدفاعية عبر مشاريع أوروبية خالصة. في آسيا، باتت اليابان وكوريا الجنوبية تتجه أكثر نحو الحوار مع الصين وروسيا لتأمين مصالحها، بدلاً من الاتكال الأعمى على واشنطن.

حتى الشرق الأوسط، الذي كان تقليديًا ساحة نفوذ أمريكية، يشهد تحولات جذرية؛ فالسعودية وإيران جلستا سابقًا إلى طاولة واحدة برعاية صينية، والإمارات بدأت تتوسع في شراكات مع روسيا والهند، فيما لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد الذي يملي قواعد اللعبة. إن تراجع الثقة بالحليف الأمريكي ليس أمرًا طارئًا مرتبطًا بترامب، بل تغير عميق ناتج عن إدراك دولي أن الولايات المتحدة لم تعد تملك القدرة للقيام بدور الشرطي العالمي كما كان في السابق.

مجتمع منقسم على نفسه

ربما يكون ما يحدث في الداخل الأمريكي أخطر من كل التحديات الخارجية. فالمجتمع الذي طالما افتخر بكونه بوتقة تنصهر فيها الأعراق والثقافات، يعيش اليوم حالة استقطاب غير مسبوقة. الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين لم يعد مجرد خلاف حزبي، بل صار شرخًا أيديولوجيًا يمس هوية الدولة نفسها.

اليمين الشعبوي، ممثلًا في تيارات ترامب، يرى أن "أمريكا الحقيقية" يتم انتزاعها لصالح نخب ليبرالية وعالمية. في المقابل، يرى اليسار التقدمي أن خصومه يسعون لإعادة البلاد إلى ماض عنصري وقمعي. هذا الانقسام يظهر في كل تفاصيل الحياة: من النقاش حول التعليم والجندر، إلى قضية الهجرة والسلاح.

الأمر لا يقف عند حدود السياسة، بل يتغلغل في المجتمع والإعلام. الأمريكيون اليوم يعيشون في فقاعات إعلامية متناقضة: قناة فوكس نيوز تصنع واقعًا مغايرًا تمامًا لما تبثه CNN أو نيويورك تايمز. هكذا لم يعد هناك "رأي عام" واحد، بل مجتمعات متجاورة لا تتحدث اللغة نفسها.

فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على تقديم نفسها كنموذج جذاب للعالم، خاصة في ظل تناقضاتها الداخلية وانهيار أسطورة "الحلم الأمريكي". كما أن صعود التيارات الشعبوية والعنصرية في الداخل الأمريكي أضر بصورة الولايات المتحدة كدولة تدعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن للولايات المتحدة أن تعكس هذا التراجع؟ الإجابة ليست بسيطة، فكما يذكرنا التاريخ، فإن دورات صعود وهبوط الإمبراطوريات تخضع لعوامل كثيرة، بعضها داخلي وبعضها خارجي. لكن ما يمكن قوله هو أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات وجودية قد تعجل بأفولها كقوة عظمى وحيدة.

فمن الناحية الداخلية، فإن الانقسام السياسي والاجتماعي العميق، بالإضافة إلي الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، يجعلان من الصعب على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسات طويلة المدى قادرة على إعادة بناء هيمنتها. ومن الناحية الخارجية، فإن صعود القوى الجديدة مثل الصين وروسيا، وتشكيل تحالفات جديدة خارج الإطار الغربي، يعني أن العالم أصبح متعدد الأقطاب بدرجة لا تسمح بعودة الهيمنة الأمريكية الأحادية.

***

د. عبد السلام فاروق

 

شك في الأمر: إرتاب فيه، تردد ولم يصل فيه إلى يقين، إلتبس عليه، والشك حالة نفسية يتردد معها الذهن بين الإثبات والنفي ويتوقف عن الحكم، وهو نقيض اليقين.

ظن: شك، علم بغير يقين " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"

ديدننا الشك ببعضنا وتصديق الطامع فينا، فعلاقاتنا المسماة سياسية مبنية على الشك، وحتى أعضاء الكتلة الواحدة حزبية أو فئوية يشكون ببعضهم، ويتوجسون خيفة من أي إقتراب من مواقعهم، فالشك سلطان يبيدنا ويمزق كينونتنا المتلاحمة.

وهناك العديد من ينابيع تغذية الشك وتفعيل طاقاته التدميرية لتأمين المصالح وتحقيق المطامع.

الشك من أهم أسباب أكل الثورات لرجالها، وعامل مدمر للأحزاب والحركات والتجمعات وإنشقاقها وتفرقها، فلا يوجد حزب بلا إنشقاقات بسببه، ومعظم العقائد تشظت بفعله، ففي كل تجمع بشري هناك مشاعل شك ملتهبة، تتبادل اللعنات والنكبات، والكل خاسر، لأن الشك نار تحرق أخضرها ويابسها.

الشك أو الظن بالسوء من المعضلات السلوكية المدمرة للوجود البشري، والمذكية للحروب والصراعات والتفاعلات السلبية بين أبناء كل شيئ واحد.

الشك عدو الإطمئنان، والأمان، ومبعث القلق والإمتهان.

الشك المقصود هنا ليس المنهجي والإيجابي وإنما المرضي والسلبي.

فالشك الإيجابي ينمي التفكير النقدي والوصول إلى الحقائق، ويحفز الحذر والوعي والإبداع ، والشك السلبي يؤدي إلى القلق والتوتر، وضعف العلاقات والتردد وإضطراب الحالة النفسية.

والسائد في المجتمعات المتأخرة الجانب السلبي من الشك، ويتعذر قبول الوجه الإيجابي منه، الذي يساهم في إطلاق القدرات الإبداعية، والتفاعلات الخلاقة التي صنعت التطورات والمبتكرات المتجددة، بما أوجدته من أفكار ذات أجنحة تعينها على التحليق عاليا في فضاءات الوعي المعرفي الجمعي.

فمعظم الأشعار والخطابات والرؤى والتصورات في المجتمعات المتأخرة تنبع من إعتبار الشك سلوكا عدوانيا وإرتيابا مرضيا، يدفع إلى إجراءات تدميرية ونكبات مأساوية.

و"إن بعض الظن إثم"

و"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"

ويقول أحمد شوقي:

"ساءت ظنون الناس حتى أحدثوا

للشك في النور المبين مجالا"

شكوكٌ أولعتْ فينا ارْتيابا

ومِن حذرٍ نُطاردها سرابا

تُمزقنا وتُهلكنا لأنّا

إذا انْطلقتْ رأيناها ضَبابا

تفاعلنا بلا أملٍ بخيرٍ

فسوءُ الظنّ أوْردنا انْتكابا

***

د. صادق السامرائي

لستُ محللاً سياسياً ولا أتعامل مع المعطيات السياسية كعلم من العلوم الحديثة؛ إنما أتلقي السياسة كمواطنٍ تؤثر فيه وتؤثر على حياته اليومية من جميع الجوانب. قرأت خبراً —ليس جديداً بالمرة— عن النية في إنشاء جيش أو قوة عربية لمواجهة «التهديدات الوجودية» للأمة العربية. أود أن أعبر عن رأي شخصي في هذه الفكرة القديمة الجديدة.

الفكرة النظرية الافتراضية جيدة ومفيدة، ولكن:

من أي دولة ستستوردون السلاح؟ الدول التي ستصدر لكم السلاح هي في الغالب أعداؤكم؛ ومن ليس عدواً صريحاً فهو متواطئٌ أو مستفيدٌ من تحت الطاولة. من أين ستستوردون هواتفكم المحمولة وأجهزة الاتصالات؟ عدوكم هو من يصنِّعها، وإن لم يصنعها فهو قادر على التجسُّس عليها. من هم حلفاؤكم المضمونون؟ فالحروب تتحقق بتحالفات وتنسيق ومصالح. كيف تأمنون من خيانات بعضكم لبعض، وهناك الكثير من عملاء عدوكم بين ظهرانينا الآن؟ كيف تأمنون شعوبكم وأنتم لم تَأتُوا إلى كراسيكم بانتخابات نزيهة—بل تَفترضونهم بالقوة—ولو سنحت للشعوب الفرصة لطردتكم؟

هل شعوبكم موحَّدة ومتحضِّرة، أم أن الحرب قائمة بينهم: سنة وشيعة ودروز وخوارج وبهائية وعلويون...؟ هل ستقولون في النهاية إنكم انتصرتم لأن عدوكم أراد إسقاط حكمكم فتصدَّيتم له، وبالتالي حافظتم على دولكم وكراسيكم ونظام حكمكم؟ كيف سيصدر إعلامكم البائس وجهة نظركم إلى العالم؟ هل سيكتب أن الفُرس مجوس، أو أن الباكستانيين إرهابيون، وأن تركيا جماعةٌ إسلامية؟ هل سيقول الإعلام إن غير المسلمين كفرة يجب قتالهم؟

كيف سيقتنع العالم بأنكم متحضّرون بينما قسماً منكم يريد استعادة الخلافة وتطبيق شريعة تجرُّ النساء للعبودية والبيع؟ كيف سيقتنع العالم بعدالة قضيتكم بينما بعضكم أقام نصباً لصدام—أعتى دكتاتور وطاغية في العصر الحديث؟ تقاتلون عدوكم بجيش نصفه من الأميين والطائفيين—كيف سيتعاملون مع الذكاء الاصطناعي مثلاً؟

ألستم قد مررتُم بتجاربٍ فاشلة كثيرة فلماذا لا تتعظون؟ أليست هناك جامعة عربية؟ ومجلس دفاع عربي مشترك؟ ومجلس تعاون (سوريا والعراق والأردن ومصر واليمن) الذي انتهى باحتلال بلد عربي لآخر؟ أليس هناك مجلس تعاون خليجي؟ هل نجحتم في أيٍّ منها مثلاً؟

هل لا زلتم تعتقدون أن الله ناصركم وخاذل عدوكم، بينما يقول تعالى: «وأعدوا لهم...» أي أن الغلبة لمن يُعِدّ؛ فماذا أعددتم؟ لماذا لا تتصالحون أولاً بينكم؟ فالجزائر عدوة المغرب؟ وليبيا لها حكومتان متحاربتان؟ والسودان حكومتان متحاربتان؟ واليمن دولتان متحاربتان؟ ومصر تكره سوريا، والسعودية تكره قطر، والكويت تكره الأردن، ولبنان جريح، ومصر تكافح من أجل الخبز والغاز، وسلاح دول الخليج لا يستعمل ضد عدوها الحقيقي...

فبأيِّ آلاء ربكما تكذِّبان؟

نصيحتي لكم: تأجيل جميع مشاريعكم التحررية الآن لمدة عشرين عاماً تعملون خلالها على دخول فضاءات الحضارة والتنوير والحداثة—ثم لكل حادثٍ حديث.

***

د. عبد الله الجنابي

الكتابات السائدة تجيد لعن الظلام، فما أكثر لعنة الظلام، بالمقالة والشعر وفنون الأدب الأخرى، وحتى في الأغنية ومشارب الفن المتنوعة، ولن تجد بينها من يفكر بإيقاد شمعة، والعمل بجد وإجتهاد للوصول إلى الطريق الواضح المنير.

المفكرون، الكتاب، الفلاسفة، الشعراء، الأدباء وغيرهم، فطاحل في لعن الظلام والتشكي منه والتظلم من ويلاته، وما نهض واحد منهم وحمل شمعة موقدة، وأنار درب الأجيال.

ولا مَن فكر بمصباح ديجون، ليس لكشف الحقيقة، ولكن لطرد ظلام الضلال والبهتان، والتطوح في ميادين التداعي والخسران.

يبدو ان لعن الظلام أسهل من إيقاد شمعة، لأنه لا يحتاج إلى جهد، بينما إضاءة العقول والدروب بحاجة إلى جد وإجتهاد، وتفاعل عقول وقدرات وتكاتف وإنصهار في أوعية المصالح المشتركة، والوطنية الجامعة المانعة من الجور والعدواان.

أكثرنا يجيد مهارات لعن الظلام، ويمعن في إبداعه الإلعاني، ويتوهم بأنه بقدم شيئا نافعا للأجيال، وهو كالتي تولول على القبور، فالإبداع الإلعاني كنعيق الغراب، أو نحيب البوم، لا جدوى منه إلا إثارة الأحزان، وتنمية الأشجان.

الشعوب المقتدرة، نخبها تحمل مشاعل الإشراق والوضوح المستقيلي المفعل لقدرات الأجيال المعاصرة، وتضخهم بالأمل والإصرار على تنمية القوة والعزة والكرامة، والشعور بالمسؤولية والإستعداد للقيادة وتعبيد طرق المستقبل نحو آفاق جديدة، ذات إبداعات أصيلة.

لا توجد في كتاباتها لطميات وذرف دموع، بل تحدي ومنازلة لا تعرف الهوادة.

"قف دون رأيك في الحياة مجاهدا...إن الحياة عقيدة وجهاد"

نخبنا مطالبة بصياغة الكلمة الطيبة، وضخ عناصر ومفردات الأمل والتفاؤل مهما تراكمت الخيبات، وعسعس ليل وجودنا في زمن الغاب البراق الألوان، والمزين بالشعارات المضللة، والتفاعلات المخادعة، والتحديات المتنامية.

الحق رائدنا والصدق مذهبنا، واليراع سلاحنا، وعزمنا شراعنا، وفكرنا ينيرنا، ووعينا يرشدنا، فاكتب بمداد الحق، وجرأة تفعيل العقل، فأن الباطل زاهق ومرتعه وخيم، فما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءً، وتلك معادلة كونية للديمومة والبقاء.

***

د. صادق السامرائي

يلقى العراقيون الراغبون بالسفر إلى الجمهورية الجزائرية الشقيقة عنتا وتعقيدا وعسفا لا يتناسب مع موقف العراق من الجزائر منذ خمسينات القرن الماضي، فالعراق ومثلما هو معروف للجميع كان داعماً مهما للثورة الجزائرية، ولاسيما بعد الإطاحة بالنظام الملكي في العراق عام 1958، حيث بدأت الحكومة العراقية بدعم قوي للقضية الجزائرية، وقد شمل الدعم تبرعات مادية (مالية وطبية وغذائية)، كما قدّمت الحكومة العراقية مبالغ طائلة لدعم الجزائر، منها 250 مليون فرنك سنويا لعدة سنوات، ودفعت الحكومة العراقية 250 ألف جنيه إسترليني لجامعة الدول العربية لدعم الثورة الجزائرية. وسمح العراق للطلبة الجزائريين بالالتحاق بالكليات العسكرية العراقية، فالتحق حوالي أربعين ضابطا، فضلا عن طيارين من كلية الطيران. وتأكيدا لهذا الدعم المفتوح قامت الحكومة العراقية أيضا بمقاطعة النشاط الاقتصادي الفرنسي داخل العراق بعد 1958، وهذا مثل دعما عمليا واقتصاديا للثورة الجزائرية. ثم امتد الدعم إلى الجانب الثقافي، فالدور الثقافي العراقي الداعم للجزائر كان بارزا، وقد كتب شعراء عراقيون أكثر من 250 قصيدة مدحا ودعما للثورة الجزائرية. وللوقوف بوجه الفرنكوفونية هب المثقفون العراقيون لمد يد العون للشعب العربي الجزائري البطل، فتطوع آلاف من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات وأسهموا في إعادة تعريب الجزائر.

وردا لجميل لهذا الدعم، قام السيد فرحات عباس في 21 أبريل/ بيسان من عام 1959 مع وفد من الحكومة المؤقتة الجزائرية بزيارة للعراق، وقد استقبل الوفد استقبالا رسميا وشعبيا حافلا، عكس دعما شعبيا ورسميا قويا للقضية الجزائرية.

وفي عام 1962 زارت المناضلة البطلة جميلة بوحيرد بغداد، ورافقتها في الزيارة مناضلة جزائرية أخرى اسمها زهرة بوظريف. وقد استُقبلتا استقبالا حارا من الشعب العراقي وقابلتهما قيادة البلاد آنذاك بالترحاب بما في ذلك استقبال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم (رحمه الله) لهما، وهناك عدة تقارير ومقالات عراقية وعربية تشير إلى أن الزيارة حدثت بعد توقف القتال مباشرة، وأن جميلة وزميلتها قامتا بجولة في بغداد حيث حملهما العراقيون على الأكتاف وكرّموهنّ بما يليق بهن وبالجزائر العزيزة.

وقد أدلت المجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد بتصريح لوكالة الأنباء العراقية في المطار أعربت فيه عن سرورها الشديد بزيارة الجمهورية العراقية وقالت إنني بهذه المناسبة أحيي الشعب العراقي الكريم. أما المجاهدة السيدة زهرة ظريف عقيلة نائب رئيس وزراء الجزائر فقد صرحت لوكالة الأنباء العراقية قائلة: إنني مسرورة كثيراً لهذه الزيارة وإنني باسم الجزائر الثائرة وباسم شعبها أحيي شعب الجمهورية العراقية وسيادة رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم.

ثم ألقت إحدى عضوات جمعية حقوق الإنسان العراقية كلمة حيت فيها المجاهدتين الثائرتين باسم الهيئات الشعبية العراقية وأشادت بكفاح شعب الجزائر البطل، كما ألقى سكرتير الاتحاد العام لنقابات العمال في الجمهورية العراقية كلمة رحب فيها بالضيفتين الجزائريتين.

وهناك عدة تأكيدات محلية ومواد تراثية تثبت أن تسمية حيّ "جميلة" بجانب الرصافة من بغداد رُبطت بتلك الزيارة المباركة وحفاوة الاستقبال.

واليوم لا زال شعب العراق يكن للجزائر وأهلها حبا عميقا راسخا، بل هو اليوم أعظم مما كان عليه من قبل، نظرا لمواقف الجزائر المبدئية من القضايا العربية، ويحز في قلوبنا كثيرا، ويؤلمنا أكثر ألا نجد تجاوبا شعبيا ورسميا جزائريا مع هذا التعاطف الصادق الكبير، في وقت هناك العديد من البلدان التي لم يقدم لها العراق شيئا يذكر قياسا بما قدمه للجزائر، أجازت للعراقيين دخول أراضيها دون تأشيرات دخول مثل: تونس وسلطنة عمان ومصر، وقد أدهش سلوك العراقيين المنضبط الحضاري أبناء تلك الشعوب وحكوماتها فبدأوا يقدمون تسهيلات لتشجيع العراقيين على السفر إليها.

إن العراقيين يا سادتي شعب نبيل طيب محب مسامح منفتح، وفيه من يسعى بجد ليعقد صداقات حقيقية على أرض الواقع مع الجزائريين، والتبرك بتراب جزائر النضال والعروبة، ولا أجد عذرا ولا مبررا لمن يضع العراقيل بوجه هذه العاطفة العربية الجياشة، لذا آمل أن أسمع قريبا أن الحكومة الجزائرية سوف تفتح الباب أمام العراقيين لزيارة أهلهم، وربما تعفيهم من الحصول على تأشيرة، ويحز في نفسي أن يبقى هذا الحلم مجرد حلم عصي على أن يتحقق.

***

الدكتور صالح الطائي

دليل الوزارة للمعجزات

عجيب امر الافكار الغيبية التي تتحول فجاة الى حقائق لا تقبل النقاش! حسب تصريحات وزير التعليم العالي الاخيرة، كليتا التميز والذكاء الاصطناعي في جامعة بغداد، اللتان استحدثتا حديثا، ستتحول بطريقة عجيبة وسحرية - ودون تخطيط او موارد تذكر - الى جامعة كاملة.

هل حقا نحن في زمن تحول فيه الكليات الى جامعات عبر لمسة زر؟ واذا كنا على هذا القدر من السحر، لماذا تفصل هاتان الكليتان عن الجامعة الام بمشروع مستقبلي ولم تبتدا فيها الدراسة بعد؟ يا لها من عبقرية ادارية تدرس في كتب التاريخ… او على الاقل في قصص الدراما المأساوية!

هذه ليست الا امثلة صارخة على التخبط الذي يعصف بالوزارة، حيث تختصر كل الانجازات في حفلات اعلامية رخيصة واحاديث ميكروفونية لا تكلّف الوزارة شيئا سوى بعض الكلمات الفضفاضة التي لا تترتب عليها اي مسؤولية او حساب.

لماذا لا ننتقل من هذا التمويه الاعلامي الى الحديث الجاد عن انشاء جامعة حقيقة؟ جامعة ببناياتها ومختبراتها واجهزتها واساتذتها، وليس مجرد تلاعب بالاسماء واللافتات. لان الحقيقة المؤلمة هي ان هذه الكليات ولدت من رحم الفراغ، من دون اي تخطيط حقيقي او دراسة سوق عمل او بنايات جديدة. القرار؟ مجرد مزاج عابر ورغبة ضبابية تريد ان تخلق جامعة عبر اقتلاعها من جامعة بغداد، وكان الامر لا يتعدى لعبة تجميع قطع في حديقة اطفال!

والاسئلة تتوالى: اين البنايات الجديدة التي تليق بهذا "التوسع الرائع"؟ اين المختبرات المتطورة؟ ما هي اختصاصات هذه الكلية؟ ام ان كل هذه "الانجازات" جاءت على حساب ما هو موجود، باقتطاع اجزاء من مبان قديمة وترحيل اثاث مهترئ في مسرحية ترقيع لا تجد لها نظيرا الا في قصص الفشل الاداري؟

اين المبررات الاكاديمية والعلمية التي تبرر لهذا الصرح المصطنع اسمه "التميز" ان يتفوق على بقية الكليات؟ ام ان الامر كله مجرد استعراض لأسماء واسلاك تربط اساتذة من اقسام اخرى، ثم تغليف الفكرة بشعار براق على لافتة توحي بالعظمة، في حين ان الواقع ما هو الا فراغ تعليمي معاد تدويره؟

هل يعقل ان تتحول كلية مصطنعة الى جامعة من الهواء؟ جامعة لا سند لها سوى اسم "التميز" الغريب الذي يراد به ان يبعث رسالة ضمنية لكل طلبة الطب والهندسة وغيرهم: انكم ببساطة اقل تميزا، وربما اغبياء لاختياركم التخصصات "العادية"، بينما هنا في "التميز" تخلق العبقرية! يا للمهزلة الكبرى.

***

محمد الربيعي

كانت قصة «حقِّك أبو حقّي» معروفة بين البغداديين، وملخصُها أنَّ مجنوناً يقطع شارع الرَّشيد (ثلاثة كيلومترات) ذهاباً وإياباً، بين باب المعظم شمالاً والباب الشّرقيّ جنوباً، صباحَ مساءَ، منادياً: «حقّي حقّي»، لذا عُرف بـ«أبي حقِّي»، والسَّامع يردُّ: «حقُّك أبو حقِّي». كان يشتم الزَّعامات، بدءاً بنوري باشا (قُتل 1958)، دون ذكر اسم الملك فيصل (قُتل 1958).

وبعد كلِّ انقلاب يحفظ الاسمَ الأول ويبدأ بشتمه، وقد تناول عبد الكريم قاسم (قُتل 1963)، ثم عبد السّلام عارف (قُتل 1966)، فعبد الرَّحمن عارف (ت 2007)، ولم يُمنع أبو حقّي مِن هوايته، بل إنّ مسؤولين تداولوا خبرَه نكتةً. بعد أسبوع مِن استلام «البعث» السُّلطةَ (17/7/1968)، غاب أبو حقّي غيابَه الأخير، فشعر أهل «الرَّشيد» بأهميته، وقد فرغ شريان بغداد منه، وكان يتخذ مِن رصيفه مأوىً، ألِفه لعقدين مِن الزَّمن، ينام ويأكل ويشرب مما يُجادُ به عليه. غاب ولا يُعلم هل زُج به في مستشفى المجانين، المعروف في بغداد باسم «الشّماعيَّة»، أم قُتل ورُمي في مكان ما؟ ويومها بدأت الأجواء تدلهم، والسُّؤال عن أبي حقِّي فيه مخاطرة، فالجدُ قد جدَّ، لا يُفرق بين مجنون وعاقل. بعد إعلان اسم الرَّئيس الجديد (1968)، وما أنْ حفظه أبو حقّي ونطق بشتمه، كي يمارس هوايته، حتى اختفى، ولم يعد لخياله وجود، إلا في ذاكرة تُجار «الرّشيد»، الذين سمعنا مِن بعضهم سيرتَه. لم يُطالب أبو حقِّي بشيءِ، ولم يعرف له فعل سياسيّ، وما كان يحتجّ لمظلوميّة وقعت عليه، بل كان فقط يشتم الرُّؤساءَ، مع لازمته «حقّي حقّي».

دونت قصص مجانين كثيرين، ففي كلّ زمانٍ ومكانٍ يكون للمجانين حضورهم في مدنهم وقراهم، لكن لم نصادف مَن تذكَّر «أبا حقِّي»، أما ما عُرض مِن كوميديا بعنوان «أبو حقّي» في بعض الفضائيات، فليس مقصودنا. لا أعرف إذا كان «أبو حقّي» شكلَ خطراً قوميَّاً، فما جرى في 14 يوليو 1958 ليس بسبب شتيمة أبي حقّي للباشا، كذلك ما حصل في 8 فبراير 1963، لم يكن له دورٌ ولا فعلٌ فيه. وعلى الرّغم مِن قسوة شتائمه، لم يلتفت المسؤولون لظاهرة أبي حقّي، وكذا الحال مع عهد الأخوين العارفيّ، لم يهتما بشتائمه، حتَّى جاء العهد الذي لا يمزح، مع العقلاء والمجانين على حدٍّ سواء، وهذا بحدِّ ذاته كان برهاناً على أنّ أبا حقّي مشخصٌ مجنوناً، فلو كان عاقلاً لهجر «الرّشيد»، حال سماعه البيان الأول.

تغييب أبي حقِّي لا علاقة له بفرض هيبة السُّلطة، مثلما فكر به البعثيون في عهدهم الثَّاني، ففي عالم السّياسة، وما أدركه الباشا، وكان يمرّ ويسمع شتائم أبي حقّي، تكون الحاجة لهذه الظّاهرة، منها للرفاهية والتَّخفيف عن كواهل المارة، وفيها أيضاً دعاية بوجود حريات، وخصوصاً ببلدٍ مثل العِراق، ما إنْ يقوم انقلاب، إلا وخُطط لانقلاب «أنكس» منه. لو عاش أبو حقّي في زمن عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، أو في زمن أبي الفرج عبد الرّحمن بن الجوزي (ت 597 ه) لضمَّنا حكايتَه صفحات ما كتبا عن الجنون والتَّماجن. أقول: لو كُتب لأبي حقِّي الحياة إلى يومنا هذا، ما استطاع حفظ اسم مسؤول واحد، حتَّى لو كان يشاركه التسكع على حافات «الرَّشيد» حينها، وكم يحفظ؟ وأي خرابٍ يشتم؟ والكلُّ صاروا مشتومين، إلا الخطوط الحُمر مِن المقدسين، فشاتمهم عليه حساب الخطف، والاغتيال، والقنص.

كان الشّيخ عليّ الشّرقيّ (ت 1964) يعني ما قاله: «أيَّها البلبلُ في السِّجنِ/ سلامٌ كم يوسفٍ في السُّجونِ/ إنني قد غدوتُ أنعمُ في الشَّكِ/ لأنّي منغصٌ باليقينِ/ لم أجد في العراقِ ليلى ولكْن/ كل آنٍ أمرُّ في مجنونِ» (الدِّيوان، دار الرّشيد 1986). يا أبا حقِّي، غبت، وظهر مَن يُهدد بتغييب الشّارع كاملاً، لأنَّ اسمه «الرّشيد»، فاطمئن، فقد كنتَ عاقلاً، قياساً بما أتى بعدك مِن مجانين.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

الهرولة وراء عطاء الآخرين الذين لا قيمة ولا ذكر ولا دور لهم في مجتمعاتهم، يشير إلى مأساة حضارية معاصرة مروعة في واقعنا الثقافي.

فنأتي بالنكرات وذوي الأصوات الخافتة من الذين أصدروا كتابا هنا أو هناك، وما أسهل إصدار الكتب، لأنها تجارة وما يهمها الربحية وحسب، والعديد من دور النشر تعلن وتتوسل بمن لديه نية تأليف كتاب، ومستعدة لطبعه ونشره، شريطة أن يدفع الثمن مقدما ويؤمِّن ربحيتها.

كتب وكتابات يتم نقلها للعربية، وتقديم مؤلفيها على أنهم من المبدعين الكبار والمفكرين الأفذاذ، وهذا ليس واقعيا ولا يمتلك مصداقية، وإنما يتماشى مع أوهام ورغبات وتصورات الناقل لهم.

وبموجب ما يشعر به الناقل، وما يتراكم في دنياه من المشاعر السلبية تجاه ذاته وموضوعه، فأنه يتجه نحو الآخر، ويحسبه يأتي بما يشافيه من علله النفسية وإضطراباته السلوكية، التي يريد عكسها على المجتمع.

فإختيار نص أو كتاب، وبذل الجهد لنقله إلى العربية، ينم عن دوافع ونوازع كامنة في أعماق الناقل، وإلا لماذا إختار ذلك دون غيره.

ومن الواضح أن المشاعر الإنكسارية فائقة، وتجعلنا نحسب ما نقدم عليه من دراسات وبحوث، مهما كانت ضعيفة، لا تكتسب المصداقية إن لم تستند على مصادر أجنبية، أما إذا إستندت على مصادر عربية بحتة، فأن قيمتها ستكون قليلة في أعين الباحثين والقراء.

وعلى هذا المنوال يتواصى البعض بما هو أجنبي ويضعه في مقامات عالية، وهو لا يساوي شيئا في مجتمعاته، ويُنظر إليه على أنه من هوامش الإبداع، أو الهراءات اللازمة للبوح الذاتي لصاحبه، لكن من بيننا تبرز حالات محكومة بعللها فتتلقف ما هو عليل وتنقله إلينا، على أنه حالة فريدة تستحق أن نذوب فيها ونعبر عن منطوياتها المتآلفة مع مجتمعاتها أو متعاطفة معها.

وما عليك إلا أن ترفع رايات الحداثة وتأتي بما هو غثيث!!

صداهم كيفما قالوا نطقنا

تركنا أصلنا وبهمْ عَجِبنا

ولا ندري لماذا لا نَراها

موائلنا وما شَحَتْ علينا

إذا الأقوامُ من غُدُرٍ تساقتْ

ستنكرُ رافداً يجري الهوينا

***

د. صادق السامرائي

 

من عجائب مفكرينا وفلاسفتنا أن لكل منهم مشروعه الخاص، والذي يرى أنه منقذ الأمة مما هي فيه، فيفني وقته في البحث والتدوين، وتأليف ما يستطيعه من الكتب، التي تنام على الرفوف، وتدوسها سنايك النسيان والإهمال!!

ومعظمهم يتداولون أفكارا يمنطقونها ويقدمونها على أنها مقنعة وتصمد أمام الحجة والتحليل والتقييم، لكنها لا تتصل بالواقع اليومي للناس الساعية فوق التراب، وأكثرها مستنزلة من فضاءات الخيال البعيد، ومقحمة لنظريات الآخرين في واقع ينكرها.

وتزداد عجبا من كثرة المفكرين والفلاسفة، وإمعان الأمة في تدحرجها إلى خنادق الوراء، وتمسكها بالغابرات التي إكتسبت أهوال التقديس والتبجيل.

وعندما تسألهم، تنهال عليك التبريرات والتعليلات والتفسيرات التي لا تطعم من جوع ولا تحمي من برد، فما كل منطقي بصحيح، ولا كل تبرير سليم، وما يقنع لا يعني أنه يشبع.

وياتي في مقدمة التبريرات الدين، الذي تنتهي إليه مقاماتهم ودراساتهم وأبحاثهم، وخلاصتها، إنها أمة مقتولة بدينها!!

فكيف تحي القتيل؟!

لا توجد أمة لم تقتل بدينها، لكنها تعافت من طاعون الدين، وأوجدت العلاجات واللقاحات اللازمة لحمايتها من الأوبئة الدينية الفتاكة.

وأقسى مَن عانى من أوبئة الدين هي المجتمعات الأوربية ولعدة قرون، وبعد أن إستيقظت ونفضت دثار الدين وإكتشفت طريق العلم، وضرورة تفعيل العقول، إنبثق ماء جوهرها الإبداعي الإنساني، ومضت تخفق بأجنحتها في فضاءات الأنوار العلمية الوهاجة.

وتبدو نتاجات مفكرينا وفلاسفتنا وكأنها صومعية، أي مقطوعة عن مياه الحياة وبعيدة عن الواقع الذي تريد مواجهته، فهي لا تنطلق منه بل تهبط عليه!!

ولهذا بقيت الأجيال تراوح في ذات البقعة الزمنية، لفقدان الرؤية والدليل والبوصلة الفكرية الآخذة بها إلى موانئ الصيرورات الإنسانية المعاصرة.

فالأجيال تنكفئ إلى فترات زمنية متخيلة ومدبجة بالتصورات الهذيانية المقدسة، مما يساهم في تعطيل عقولها، وتجميد جهودها وتحويلها إلى روبوتات مذعنة للآوامر والإملاءات الفاعلة في واقعها المسكون بالخيبات.

فهل من تفاعل منير مع واقع غاطس في مستنقعات الأنين؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

المهتدي بالله الخليفة العباسي الرابع عشر، تولى الخلافة لأقل من سنة (255 - 256) هجرية، وهو إبن الواثق تاسع الخلفاء العباسيين، وولد في زمن المعتصم ومن الأرجح بعد سنة (218) هجرية، في منطقة القاطول بسامراء.

وجيئ به من بغداد التي نفاه إليها إبن عمه المعتز بالله، وكان المعتز بالله تحت أشد أنواع التعذيب المتوحش من قبل القادة الأتراك، وجلس المهتدي أمامه وهو في أسوأ حال، وتنازل له عن الخلافة بعد إعترافه بعدم أهليته لها، وأول ما نطق به للجلادين العتاة : "لا يجتمع سيفان في غمد واحد"، وهو أمر غير مباشر لقتل إبن عمه المعتز بالله، وكان بوسعه أن ينقذه من طائلة الموت الشنيع، والتعذيب المرير ويحمي أمه وولده من قسوة المتسلطين عليهم.

قتلوا المعتز بالله، وأصبح خليفة، وصاروا يصفونه بالزاهد والخليفة الصالح الذي يريد أن يحي سيرة عمر بن عبد العزيز، وما كان يقوم به يخصه، أما تفاعلاته مع ما حوله وحاشيته، فكانت تنم عن جهل في السياسة، وتعبير عن سلوكيات إنتقامية وأحقاد دفينة، وكأنه كان يرى بأنه أحق بالخلافة من عمه المتوكل، لأن أباه الواثق لم يعين ولي عهد، وتم إختيار المتوكل من قبل القوى المتنفذة آنذاك.

من زاوية نفسية سلوكية، لم يكن مستوعبا لدوره وفاقدا لقدرات القيادة الرشيدة، ومتوهما بأن الصيام والزهد يعبران عن حسن السيرة، ورجاحة القرار وتدبير الأمور، والخلافة بحاجة إلى قوة وحزم وحلم، وعقل مستوعب لآليات التفاعل مع الأحداث والتطورات.

وعندما جاء موسى بن بغا لقتل صالح بن وصيف ثأرا لقتله المعتز بالله ومصادرة ممتلكات والدته، يبدو أن المهتدي كان متعاطفا مع صالح بن وصيف، وأراد الإنتقام من موسى بن بغا لأنه تمكن من قطع رأس صالح بن وصيف، الذي كان يشك بأن الخليفة يدرى بمكان إختبائه.

"ثم رحل موسى بن بغا ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بكيال أن أقتل موسى....."

وبرهن الخليفة على تعاطفه مع صالح بن وصيف بهذه الرسالة ، التي يريد بها قتل موسى بن بغا وكان معه بكيال فاأطلعه عليها فعاد إليه وقرر خلعه ومن ثم قتله.

وفي هذا السلوك برهان على سذاجة سياسية، وأمية قيادية، فكانت نهايته بشعة وحكم لأقل من سنة، إذ عصرت خصيتاه حتى مات.

و"تلك الموازين والرحمان أنزلها...رب البرية بين الناس مقياسا"

***

د. صادق السامرائي

ليس واضحا طبيعة علاقة القبيلتين قبل إجراء المسابقة بين الفرسين أو الحصانين، وتم التركيز وبتكرارية متواصلة على أن سبب الحرب التي إستمرت لأربعة عقود، هو ما جرى أثناء المراهنة التسابقية بين رمزين لحالتين مبهمتين.

لا يمكن مهما توهمنا أن تكون الحادثة المذكورة السبب الرئيسي للحرب الطويلة، وإنما على الأكثر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

لقد إنغرست الفكرة في أذهان الأجيال بإقترابات إستصغاريه وأحيانا إستهزائيه، وإيهاميه بأن العرب هكذا طبيعتهم، ونشرت العديد من الدراسات والمقالات المؤكدة لما أريد له أن يترسخ في وعينا الجمعي، وهو منافٍ للطبيعة السلوكية البشرية وعناصر تأججها ومركباتها التفاعلية.

من منظار نفسي بحت يصعب تصديق الرواية، ولا بد من النظر إليها بعيون أخرى وتبصر أعمق، فليس كل مدون يعبّر عن الحقيقة.

نعم الحرب إستمرت أربعة عقود، وحرب كهذه لا يبررها سباق خيول، بل أنها ناجمة عن تراكمات متعادية بلغت ذروتها فكانت تحتاج لقدحة ما، وكانت القدحة بهذه الحادثة المعروفة.

زهير بن أبي سلمى وصفها بمعلقته، لكنه لم يتوسع بأسبابها الحقيقية، ولا توجد مدونات ذات إحاطة شاملة ببواعثها ومعززات تواصلها لعقود.

من أهم أسباب معاناتنا ونوائبنا، إننا نصدق بسهولة ونميل للتبعية، فهيمنت علينا الخرافات والأضاليل والأساطير، وأضحت العديد من الأكاذيب مسلمات مقدسة، لا يجوز التفاعل معها بغير ما يؤكدها ويمنحها صفة الثبات والنزاهة.

فهل أن ما عرفناه عن هذه الحرب الطويلة بصادق؟

وهل سببها من فبركة مستشرق مغرض؟!!

"تداركتما عبسا وذبيان بعدما...تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم"

"فلا تكتمن الله ما في نفوسكم...ليخفى ومهما يكتم الله يعلم"

"رأيت المنايا خطب عشواء مَن تصب...تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم"

أكاذيبٌ بها الأسماع تشقى

مكررةٌ مواصلة الخداع

فأزهقنا بها الأرواح ظلما

وأمسينا بدائرة الضياع

بداحسةٍ وغبراءٍ عُرفنا

فأُسْقِطنا بدائرةِ التداعي

***

د. صادق السامرائي

 

إنها ليست أكثر من معادلات رياضية باردة، بلا قلب ولا ضمير، ومع ذلك تسلّلت إلى كل دقيقة في حياتنا حتى صارت أشبه بحماتنا الرقمية: تعرف متى نصحو، وماذا نأكل، ومتى نمرض، وأحياناً – للأسف – كيف نفكر. الخوارزميات، تلك الكائنات الصماء التي نمنحها من وقتنا أكثر مما نمنحه لأمهاتنا، يمكنها أن تُنقذ حياتنا أو تدمّرها بنفس خفة نقر إصبع على الشاشة.

7:30 صباحاً. جرس المنبّه يصرخ. نصف نائم، يمدّ المرء يده إلى الهاتف. أوّل ما يراه: توقعات الطقس. بعدها، حساب البنك، ثم رحلة البحث عن الحافلة التعيسة عبر تطبيق يَعِدُ بالوقت الدقيق، وكأنه "عرّاف" في هيئة برنامج. ثم يبدأ الطواف المقدّس بين تويتر وواتساب، مروراً بفنجان قهوة مُرٍّ يتكفل به أيضاً تطبيق يذكرك أنك تستهلك الكافيين فوق الحد الطبيعي.

ثم دوّامة يومية متكررة: تطبيق لقياس ضربات القلب وكأننا جهاز تجارب، تقويم يخبرك بالمناسبات بدقة سويسرية، خريطة توجهك كأعمى وسط الزحام، وتطبيق نوم يحلل شخيرك وكأنه لجنة تحكيم. هذا الروتين ليس لشخص واحد فقط؛ إنه روتين الجميع، بغض النظر عن جنسيتهم أو راتبهم أو لون حذائهم. القاسم المشترك؟ الخوارزمية.

والأرقام تتكلم: في هذه اللحظة، هناك أكثر من خمسة آلاف مليون مستخدم يجلدون جوجل بستة آلاف مليون عملية بحث، ويرسلون 180 ألف مليون بريد إلكتروني، ويغردون حتى تصاب العصافير بالغيرة. كل هذا تحت عين ساهرة: خوارزمية.

تشرح الخبيرة التقنية لوسيا فيلاسكو بلا مواربة: "أي تطبيق تتفاعل معه هو في جوهره خوارزمية". إنها مثل العدّاد الخفي الذي يسجل كل لحظة ضعفك: كم ساعة أهدرت في إنستغرام؟ في أي وقت من السنة تبكي أكثر؟ شركات التكنولوجيا تعرف وتستخدم، ونحن نصفّق.

الخوارزميات قديمة، وُلدت قبل ألف عام تقريباً على يد عالم فارسي اسمه الخوارزمي، وكان قصده أن يحل مسائل الرياضيات لا أن يحلّ محلّ ضمائرنا. في معناها البسيط، وصفة طبخ هي خوارزمية. قرار الانفصال عن الحبيب هو خوارزمية. لكن عندما تزاوجت مع التكنولوجيا أنجبت لنا "الذكاء الاصطناعي"؛ طفل عبقري، لكنه متوحش أحياناً.

اليوم، حتى الشركات الناشئة في بلدان نامية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي في التسويق وخدمة العملاء. يبدو أن العالم يركض خلفه كما يركض وراء آخر موضة في الأحذية. الاستثمار فيه يتضاعف، والوعود لا تنتهي. لكن، كما تقول فيلاسكو، "عندما يتعلق الأمر بالناس، علينا أن نفكر مرتين". فخوارزمية التوظيف قد ترفضك لأن اسمك "غريب"، وخوارزمية التعرف على الوجه قد تخلط بينك وبين مجرم هارب، أما خوارزمية الأخبار فهي كاذبة محترفة.

تاريخها مليء بالفضائح: الجنيه الإسترليني انهار في ثوانٍ عام 2016 بفضل خوارزميات تداول العملات. "تاي"، روبوت تويتر من مايكروسوفت، تحول إلى عنصري فجّ بعد 24 ساعة فقط. وفيسبوك اضطر لإلغاء خوارزمية كانت عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والهراء. أداة بلا ضمير تساوي كارثة بلا حدود.

لكن، للإنصاف، هي أيضاً بطلة خفية: تشغّل مكابح سيارتك قبل أن تموت، تحمي حسابك البنكي من الاحتيال، تساعد الأطباء في تشخيص الأمراض مبكراً، بل وتدير توربينات الطائرات. كما يقول الخبير إنريكي دانز: "الخوارزمية بلا إرادة، هي تتغذى بالبيانات فقط". تماماً كطفل مدلل.

المصيبة تبدأ عندما تُغرقها بالبيانات حتى تصبح كائناً غامضاً لا يفهمه حتى من صنعه. أوروبا حاولت ضبطها عبر "قانون الذكاء الاصطناعي" سنة 2021، فقسمت التطبيقات إلى آمنة وخطيرة ومحرّمة. لكن، كالعادة، شركات التكنولوجيا صرخت: "ستموت الاستثمارات!" وكأن أرباحها أهم من حقوق الإنسان.

مارك براكل يردّ: "بل العكس. إذا كان منتجك آمناً، فسيربح السوق". لكنه يضيف تحذيراً لاذعاً: "لا أحد يريد أن يعيش في سجن رقمي مُحكم فقط بحجة الأمن".

المفارقة أننا نشتم الخوارزميات طوال الوقت بينما هي في الحقيقة انعكاس دقيق لأدمغتنا. كما تقول لورينا جاومي-بالاسي: "النظام لا يفرض شيئاً، نحن من برمجناه هكذا". إن أردنا خوارزمية عنصرية أو متحيزة، سنحصل عليها. وإن أردنا واحدة تنقذ الغابات من الحرائق كما فعل السكان الأصليون في أستراليا حين دمجوا طقوسهم القديمة مع الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة، فسنحصل أيضاً على معجزة بيئية تقلل الكوارث بنسبة 75%. المسألة ليست "ماذا تستطيع الخوارزمية أن تفعل"، بل "ماذا نريد نحن أن تفعل".

الخلاصة؟ لسنا ضحايا أبرياء. نحن شركاء في الجريمة. الخوارزميات مجرد مرآة، قاسية أحياناً، تعكس طريقة تفكيرنا نفسها. مشكلتنا أننا نحبّ أن نلومها، لأنها لا تحتج ولا ترد.

23:00. ينام صاحب الهاتف مطمئناً. لا داعي لضبط المنبه، فخوارزميته تعرف تماماً متى يفتح عينيه، ومتى يصمت، ومتى يحلم. حتى نومه أصبح مسجلاً بدقة بيروقراطية.

الخبر الجميل؟ لا داعي للقلق. الخوارزمية رتبت كل شيء.

الخبر السيء؟ الخوارزمية رتبت كل شيء.

***

محمد إبراهيم الزموري

أجدني في هذه الأيام، وأنا أتأمل حال نقاد الأدب، يتسرب إلى نفسي ذلك الشعور الغريب الذي يختلط فيه العجب بالحيرة والأسى. الناقد الذي كان يوماً ما أشبه بالكائنات النادرة، يحمل بين جنبيه سراً من أسرار الوجود، وميزاناً دقيقاً يميز بين الغث والسمين، يتحول أمامنا إلى كائنات أخرى متعددة، لا ندري أيها نحيي، ولا أيها نعيب.

الناقد الذي كان ينقب في النصوص، ويكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها، أصبح اليوم "مفكراً" يطرح الرؤى، و "فيلسوفاً" يجيب عن أسرار الوجود، و"كاتب رأي" يصول ويجول في الصحف كالفارس الذي لا يشق له غبار. والأعجب من ذلك، أنه أصبح "مقرظاً ومداحاً" لا يمل من ترديد أسماء المبدعين، وكأنه يوزع صكوك الغفران الأدبية، و "طبالاً وزماراً" يضرب على الدفوف وينفخ في المزامير كلما مر موكب من مواكب الأدب، و "راقصاً على إيقاع الشعر" حتى ليخيل إليك أن القصيدة لم تعد تقرأ بل ترقص.

ولا تتوقف المواهب النادرة عند هذا الحد، فالرجل - أو المرأة- بات أيضاً "مقدماً لبرامج ثقافية" يلمع على الشاشات بابتساماته المصقولة، وكلماته الموزونة، وكأن الثقافة أصبحت ضرباً من أضواء المسرح وأصوات الميكروفونات. وها هو يعرض للإعلانات التجارية، فينتقل من الحديث عن فلسفة نيتشه إلى الحديث عن مزايا نوع جديد من الصابون، في سلاسة عجيبة، وبراعة لا تنكر.

فيا لها من مواهب رائعة حقاً! مواهب لو جمعت في إنسان واحد لعد من العباقرة النادرين الذين لا يظهرون إلا كل قرن. ولكن، ترى أين ذهب ذلك الناقد الذي كنا نعرفه؟ ذلك الذي كان يمتلك شجاعة القول لا موهبة الإطراء، والذي كان همه الأول والأخير النص لا العلاقات، والفكرة لا الصفقة، والجمال الحقيقي لا الجمال المصنوع للمسارح والإعلانات.

أخشى ما أخشاه، بعد كل هذه المواهب المتشعبة، أن يصبح الناقد "موديلاً وعارضا للأزياء". فما الذي يمنع؟ إذا كان قد أتقن كل تلك الفنون، فما الذي يعوقه عن إتقان فن العروض والأزياء، والوقوف على منصات العرض بابتسامة عريضة، وجسد معصوب بقطع القماش التي قد تكون آخر ما تبقى من حياء في هذا المشهد الساخر؟

يذكرني هذا المشهد بما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي: "وقديمًا كان في الناس الحياء".. فكنا نستحي من أن نخلط بين الأدوار، ونحسب لكل مبدع ما يستحق. كان هناك حياء يمنع الناقد من أن يكون تاجراً، وحياء يمنع الفيلسوف من أن يكون مهرجاً، وحياء يمنع المثقف من أن يكون دلالاً للسلع والأفكار. كان الحياء هو ذلك البوصلة الخفية التي ترشدنا إلى الطريق، وتذكرنا بأن لكل منا رسالة، ووظيفة، وكرامة.

أما اليوم، فقد انقلبت الموازين. أصبحنا في زمن "الانسيابية" العجيبة، حيث تذوب الحدود بين المهن، بين القيم. وأصبح الناقد - في سعيه للحضور الدائم- يتحول إلى سائل يسيل في كل وعاء، لا يحتفظ بشكله ولا بكينونته. وهو في هذا، ربما، هذه حالة مجتمع بأكمله، يبحث عن شرعيته في كل مكان إلا مكانه الطبيعي.

فهل نلوم الناقد وحده؟ أم أننا يجب أن نلوم عالماً أصبح يكافئ الظهور على العمق، والضجيج على الصمت، والصورة على المضمون؟ عالمًا أصبحت فيه "القيمة" تقاس بعدد المرات التي تظهر فيها على الشاشة، لا بعدد الأفكار التي تثريها في العقول.

إنها معضلة العصر الذي نعيش فيه. عصر لم يعد فيه الحياء فضيلة، بل أصبحت "الوقاحة" – للأسف- هي مفتاح النجاح. وعسى أن يعود يوماً ذلك الحياء، ليس إلى النقاد وحدهم، بل إلى جميعنا، فنعرف لكل شيء قدره، ولكل إنسان حده.

وإذا تأملنا هذا التحول العجيب في وظيفة الناقد، لا نجد أنفسنا أمام ظاهرة ثقافية واجتماعية معقدة، تكشف عن تحولات أعمق في مفهوم "القيمة" ذاتها. فلم تعد قيمة العمل الأدبي تستمد من جودته الجوهرية أو عمقه الإنساني، لكن من "قيمة التداول" التي يخلقها حوله. وبالتالي يصبح الناقد هنا جزءًا من "آلة التسويق" الضخمة الذي يزيد من قيمتها السوقية، بغض النظر عن قيمتها الفعلية. أي أنه أصبح وسيطًا، أو "سمسار ثقافة"، يرفع السعر في سوق الأفكار الرخيصة .

هذا يدفعنا إلى التساؤل: من المسئول عن هذا التحول؟ أهو إغراء الشهرة السريعة والإمكانيات المادية التي تقدمها البرامج والإعلانات؟ أم هو الخوف من الغياب والنسيان في عصر يتسارع فيه إنتاج الثقافة ويتضخم الضجيج؟ أم أن النظام الثقافي برمته لم يعد قادرًا على استيعاب الناقد الحقيقي، ذلك الكائن المتأمل بطبيعته، البطيء في إصدار أحكامه، فاضطر الناقد إلى اختراع أدوار جديدة ليبقى موجودًا في الخريطة؟

الحقيقة أن اللوم لا يقع على عاتق الناقد وحده، فهو أيضًا ضحية لـ "عصر السوق". لقد تم اختطاف الحقل الثقافي برمته من قبل منطق السوق، حيث تحولت الثقافة إلى "صناعة" و"منتج" يحتاج إلى "ترويج" و"تسويق". والناقد، في هذه الحالة، هو من يوفر "شهادة الجودة" المزيفة، أو على الأقل، الضوضاء الإعلامية الكافية التي تجعل المنتج الثقافي مرئيًا وسط الزحام. لقد أصبحت مهمته هي "خلق الطلب" على سلعة قد لا تكون تستحق ذلك الطلب أساسًا.

المأساة الحقيقية هي أن النقد أصبح أداة في خدمة آلة أكبر تهدف للربح والاستهلاك. الناقد الذي كان يفترض أن يكون حارسًا للذوق العام، يصوب وينقح ويرتقي به، أصبح ملهِماً للذوق العام، يروج لأي شيء طالما أنه "مطلوب" و"مربح".

وفي خضم هذا، يفقد عنصر أساسي كان يشكل جوهر العملية النقدية: الثقة. ثقة القارئ في أن الناقد صادق معه، غير مخادع، لا يمدح إلا ما يستحق المدح حقًا، ولا يذم إلا ما يستحق الذم. عندما يتحول الناقد إلى "عارض إعلانات"، فإن هذه الثقة تنهار، ويصبح كل ما يقوله موضع شك وريبة. عندها، لا الخير يصل إلى مبدع حقيقي، ولا الشرور تكشف عن نصوص رديئة، ويدخل الجميع في دوامة من الضبابية والادعاء.

فأين المخرج؟

ربما يكمن في إحياء ذلك "الحياء" الذي أشار إليه أمير الشعراء، ولكن بوصفه قيمة مهنية وأخلاقية. حياء المرء الذي يمنعه من أن يخون مهنته، وحياء المثقف الذي يترفع أن يبيع قلمه، وحياء الإنسان الذي يعرف حدوده ويقدر رسالته. يحتاج الناقد إلى أن يعيد اكتشاف "تميزه" و"استقلاليته"، أن يدرك أن قوته تكمن في صوته المنفرد الناقد، وليس في صوته الجماعي المردد.

ربما علينا أن نعيد النظر في نظامنا الثقافي برمته، نظام الجوائز والإعلام والتمويل، الذي يكافئ الأداء المسرحي على حساب الجوهر، والكم على حساب الكيف. فالناقد، في النهاية، هو ابن بيئته، وإذا كانت البيئة فاسدة، فكيف نطلب منه أن يكون نقيًا؟

***

د. عبد السلام فاروق

نبدو وكأننا كالقاطنين في كهف ونحسب الحياة ما ينعكس على جدرانه، فتفاعلاتنا لا تمت بصلة لواقعنا، ولا تحمل أجوبة صائبة على التحديات التي تواجهنا.

كل واحد منا يغني على ليلاه القابعة في دياجير وعيه المتمترس في منطلقات وتصورات فانية.

الأجيال مرهونة بأوهامها، وهي أضاليل وتصورات منبعثة من ينابيع النفوس الأمارة بالسوء والبغضاء، فتأخذ الناس إلى مواطن سقر.

الوهم يستعبد الناس ويسوّغ لهم ما يتوارد لأذهانهم من عجائب التفاعلات السيئة، خصوصا عندما يرتبط بقوة كونية كبرى، فيصبح المتوهم أداة طيعة لتنفيذ إرادة الوهم الفاعل فيه.

وهم العقائد والأديان متجذر في الناس منذ أقدم الأزمان، ولا يمكن محاورة صاحب عقيدة أو دين لأن الوهم يتملكه ويمع عنه التفكير والنظر، فهو عبد مطيع لوهمه الطاغي على رؤاه وتصوراته، ومن المستحيل زحزحة الوهم وتحرير صاحبه منه , أو مساعدته على وضعه على طاولة النظر والتفاعل المتعقل معه.

الوهم سلطان مستبد عنيد، ولا حل أمامنا إلا القبول بالأوهام والتعايش معها، فلكل فرد ومجتمع أوهامه المهيمنة على وعيه والمسيرة لأيامه والرافعة لأركان حياته.

أوهامك مقدسة وأوهامي مقدسة، فدع المقدسات الوهمية في مكامنها ولا تضعها على طاولة التفاعلات اليومية، لأنها ستتقاتل وتسفك الدماء، فالأوهام تجرد عبيدها من المسؤولية.

بعضهم يريد لأوهامه أن تطغى على أوهام الآخرين، ولن يكون ذلك إلا بالإبادات المروعة والتطهير العرقي، مما يضع المجتمعات في أوعية الخسران والصراعات البينية الفتاكة.

توهّمْ كيفما تهوى، ولكنْ

على أوهامِ غيركَ لا تراهنْ

هي الأوهامُ قائدنا لحتفٍ

فصن وطناً وعشْ أبداً مواطنْ

بنا الدنيا بأوهامٍ تواصتْ

وفي وهمٍ على زمنٍ نداهنْ

***

د. صادق السامرائي

 

إرتبط الشعور بالعداء ضد السامية على طول العصور الوسطى في أماكن متعددة فيها أحداث وسلسلة من الاضطهاد للجاليات اليهودية، وكان في هذا العصر إصطلاح يهودي وهو مرادف لمرابي، عدو المسيح وعدو دينه.

توجد جذور لهذا الشعور المعادي للسامية ولإسباب متعددة منها إقتصادية ودينية ويتهم اليهود بالتعامل بالربا ومن جانب آخر بأنه شعب قاتل يعني قاتل الله يشخص المسيح. فضلا عن الاتهامات السابقة، كانت هناك أخطر منها: واحدة منها إرتكاب جرائم حسب طقوسهم الدينية فقد قيل أن اليهود إختطفوا طفلا مسيحيا يوم عيد الجمعة المقدسة ليذبحوه صلبا بعد إستخراج قلبه بهدف إحياء ذكرى عذاب المسيح، هذا هو إتهام توصلت إليه محاكم التفتيش الاسبانية قبل طرد اليهود، فضلا عن إتهامهم دائما الحرمات المقدسة مع إستخدام الرشوة وإكراه المسيحيين.

إزداد الكره تجاه اليهود في كل أراضي شبه جزيرة ايبيريا خلال القرن الرابع عشر ليصيح تيارا عاما تقوده الكنيسة وبشكل خاص الدومنيك والفرانسيسكوس تبعهم النبلاء وكل الشعب كذلك إستمر في القرن الخامس عشر وبشكل خاص النصف الثاني منه لأنه كان حقبة أزمة إقتصادية وإجتماعية كانت ملامحه أكثر وضوحا للحروب التي أتلفت المحاصيل والطاعون الاسود الذي أدى إلى زيادة الاسعار.

وعقد في سنة 1311 المجمع الكنسي في المدينة الفرنسية فيينا (التي كانت جزءا من الامبراطورية الفرنسية وهي اليوم عاصمة النمسا) وقد أتخذوا وسائل ضد اليهود أعتمدت بعد سنتين من قبل مجمع الاساقفة الاسبان في سرقسطة، وأمر المجمع الكنسي الفرنسي بعدم تعيين اليهود في المناصب العامة والسياسية ومنعوا من إستخدام الربا. كذلك طلب منهم بإن يحملوا إشارة متميزة فوق ملابسهم والسكن في بيوت منعزلة، إحترام احتفالات المسيحيين ودفع العشر من مواردهم الى الكنيسة.

كانت اولى الفتن والاضطهادات ضد اليهود هي التي حدثت في النصف الاول من القرن الرابع عشر في كل أراضي شبه جزيرة إيبيريا كذلك في كل أوروبا كانت هناك ثورات ضد الجالية اليهودية .في أشبيلية هاجموا الحي اليهودي لاول مرة قريبا من هذه التواريخ متهمين سكانه بإنتهاكهم المقدسات المسيحية، بعد عدة سنوات وفي سنة 1355 هاجم المسيحيون والمسلمون في طليطلة وقونكة الاحياء اليهودية من جديد خلال الحرب الاهلية بين بطرس الاول القاسي وأنريكه الثاني في قشتاله.

كانت تعامل محاكم التفتيش دائما في أراغون وكتالونيا ضد اليهود على الرغم من الحماية التي قدمت إليهم من ملوك هذه الاقاليم. وفي القرن الخامس عشر تم طرد كثير من اليهود إلى فرنسا وفيها إستقروا ونشروا في هذه الاراضي بيئة من العداء المرعب مع مضايقة البلد الجار. كانت أخطر الاضطرابات والمضايقات في سنة 1368 بخيرونة وفي سنة 1370 بمايوركا وبرشلونة. ولكن الاكثر مأساوية وبدون شك كان في كل القرن الرابع عشر لإضطهاد اليهود وبالذات في سنة 1391 كذلك في سنة 1378 عندما بدأ رئيس الشماسين فيرارد مارتينث بالوعظ ضد اليهود بإشبيلية الذي قام بغلق حيهم ومنع المسيحيين من التعامل معهم، وبعد سنتين أصبح رئيس الشماسين رئيس الاساقفة في إشبيلية إستمر بالوعظ ضد اليهود خصوصا في خطبة أيام الاحد والتي أضرمت نار الكره الشعبي حيث لم يبق بيت في الحي اليهودي إلا وتم هدمه بشكل كلي. ومن إشبيلية إنتشرت الاضطرابات إلى إقليم الاندلس وشرق إسبانيا حتى وصلت في النهاية إلى قشتالة.

نشر بين هذين التاريخين (1412-1415) في بلد الوليد وبناء على رغبة الرهب بيثنته فرير قانون بإقصاء اليهود بالقوة سمي بقانون بلد الوليد والذي أضر بشكل كبير بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية لليهود، لم يكن محتوى القانون جديدا بل أستخدم كثيرا من الوسائل السابقة إلا إن إسلوبه في تحقيق هدفه لم يتمكن من إبعاد اليهود من أراضي شبه جزيرة إيبريا.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

 

أولا علينا أن نبين معنى كلمة الذنب فقد وردت في عدة معاني منها (الإثم والمعصية والجُرم) التي يرتكبها الإنسان في حق الله تعالى تاركا واجبات التي كُلف بها من قبل الله تعالى أما في القرآن الكريم فقد دلت على الفعل الذي يخالف أوامر الله تعالى ويستحق عليه العقاب فقد وردت ب(11) مرة بصيغة المفرد الفعل والجمع حوالي (26)مرة (ومن يغفر الذنوب إلا الله) آل عمران 135 ومن معانيها (الجُرم) كما قال تعالى (فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين) الروم 47 وجاءت كذلك (الخطيئة) المقصودة المتعمدة أما التعريف القانوني في الحياة المدنية فهي الجريمة حيث ربط الله تعالى مغفرته للإنسان مخصوصة له بحسب علاقة العبد بربه وهو الوحيد الذي له الحق في معاقبته أو العفو عنه كما قال تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم) الزمر 53 وكذلك (ربنا أغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار)آل عمران 193 أن الذنوب محصورة بالشعائر التعبدية للواحد الأحد التي فرضها الله تعالى على الإنسان في حياته والتي تربطه بالله سبحانه منها الصوم والصلاة والزكاة والحج وجميع المحرمات التي حرمها تعالى على الإنسان .

أما السيئة فهي التقصير بحق العباد ومعاملة الناس بعضهم لبعض من خلال الجور والظلم والسرقة والقتل وتفضيل المال الحرام والتعدي على حرمات المجتمع والأعمال الخبيثة وفعل المنكر والغيبة التي يحذر الله تعالى الناس منها دوما لأنها تؤثر على العلاقات الإنسانية بين الناس وتلقي بظلالها على تفريق وزرع الكراهية وتشيع الفاحشة في المجتمع وتهدم بنائه وأن كل هذه الأعمال المنافية للإنسانية والأخلاق تقع في دائرة العمل السيئ والخطايا والمعاصي التي نهى الله تعالى عن ممارستها والعمل بسلوكياتها الاجتماعية التي تربط الإنسان مع بني جنسه ومجتمعه فأن كل الآثام وأعمال المنكر والمنافية لفطرة الإنسان وعقله السليم التي تسبب الابتعاد عن السعادة في الدنيا والوقوع في المحظورات والفواحش والفسوق والأجرام تؤثر بدورها في أبعاد الإنسان عن طاعة الله ,

أن الذين يتوبون عنها يستوجب عليهم الكفارة والمصالحة وإبراء الذمة من ظالميهم قبل فوات الأوان والرجوع إلى عمل الصالح والحسن في المجتمعات لتنظيم ضوابط  روابط المجتمع وتشذيب سلوكيات أفراده (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل أن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) هود 114 وكذلك (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) الأنعام 160 وكذلك(ما أصابك من سيئة فمن نفسك)النساء 79 فالكفارة هي تزكية النفوس البشرية المسيئة وطهارتها من عملها وفعلها المضر بالمجتمع في الدنيا و(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) .ومن هنا وجب على الإنسان المتدبر والمتفكر الذي يسعى الوصول إلى التكامل الأخلاقي في حياته ضمن مجتمعه الاعتذار من الله تعالى ويطلب منه الصفح والمغفرة من كل الخطايا والمعاصي والتقصير بحق الإنسانية والمجتمع والشعائر التعبدية والاعتراف بوحدانية الله تعالى لنيل رحمته التي وسعت كل شيء وعفوه سبق غضبه لعباده المخلصين التائبين (ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون) الجاثية 15 لتفعيل الرابط المتين بين العبد وربه الله تعالى.

***

ضياء محسن الاسدي

في اوائل السبعينات من القرن الماضي كنت اعمل محررا اول في جريدة الحزب الشيوعي العراقي "طريق الشعب"، كاحد مؤسسيها، واراس القسم الاكبر في الجريدة "حياة الشعب" من دون ان اكون عضوا في الحزب الشيوعي، ومن بين ماوجدته وقتها حريا بالبحث والتدقيق موضوع المياه في بلد  النهرين، واحتماليات تحوله الى "عراق مابعد النهرين"،  وكان وزير الري وقتها الاستاذ "مكرم الطالباني"  عضو اللجنه المركزية في الحزب الشيوعي، وكان مقر الوزارة في اول شارع الرشيد من جهه الباب الشرقي،  وقد قررت الذهاب اليه كي استطلعه  عن الموضوع المائي .

وكعادته فلقد استقبلني الرجل بكل ترحاب ومودة واستعداد للتعاون، وكان الموضوع  قضية المياة ومستقبل دجله والفرات،  واذا كانت ثمة، او يمكن ان توجد حلول لهذه الكارثة الوشيكه، وقد علمت منه ان الامر قابل للحل، وان المخزون الطبيعي من المياه الجوفيه العراقية المتوفرة  في المنطقة الشمالية شرق الموصل من شانها سد النقص في حال حصوله، وان هذا ليس كلاما مجردا، بل عمل حصل بالفعل وحضرت شركات عالمية قامت بالمسوحات اللازمه واكدت ماذكره،  وهو مالم يكن  قيد التنفيذ في حينه لعدم الحاجه الراهنه، فامر صدام حسين بايقاف العمل بالمشروع،  واعتباره مدخرا تم التاكد من انه يمثل جريان دجله والفرات لمدة تزيد على القرن، وان الموضع الذي جرت من خلاله عمليات الفحص والتحري اقفلت في موضع معين يمكن العثور عليه.

 وقد اطلعني الوزير على كتب صادرة عن الوزارة، ومراسلات مع الشركات المعنية، واوامر  وتقارير وغيرها، كانت موضوعه في دفتر من الحجم الكبير، باعتقادي انه مازال موجودا في ارشيف الوزارة، وهو ماقد عدت وكتبت عنه مقالا نشر في حينه في جريدة "طريق الشعب"، وليس لدي بالطبع  وبعد كل هذه السنين والغربة رقم العدد المشار اليه ولاتاريخه.

 في السياق اعتقد انه من المناسب ذكر واقعة حضر فيها الموضوع اعلاه بعد عام 2003 وضرب العراق، حين التقيت في اليابان رئيس الوزراء الياباني " كويزمي" بتدخل من مركز البحث التابع لرئاسة الوزراء الياباني، عندما كانت اليابان بصدد ارسال قوات عسكرية للعراق مدفوعة من الولايات  المتحده الامريكية بما يشبه الامر،  ما حدا بالقيادة اليابانيه للبحث عن افضل السبل الملائمه لللمصلحة اليابانية  وللمباديء المعتمده، قبل الاقدام على الخطوة المذكورة، ووقتها وانا في اليابان، وبعد اللقاء برئيس الوزراء  خطر لي ان اقترح تحاشيا لايه احتمالات تصادامية  كانت اليابان تخشاها خشية شديدة، ان تبادر اليابان بما لها من امكانات ومعروف عنها من تقدم تقني، الى القيام بعملة تحرير للعراق من وطاة الحاجة الى الاخرين مائيا، الامر الذي لن يكلف كثيرا، واستندت هنا الى المعلومه التي اخذتها في حينه من السيد الطالباني، فاقترحت  ان تبادر اليابان مع التغطية الاعلامية اللازمه، الى تفعيل المشروع المتوقف عنوة، مع مايتطلبه ويقتضيه من موجبات على الارض، وان تهيء اسباب  التدير المائي للمياه قبل دخولها شط العرب، اي اعادة احياء الاهوار  التي عمل صدام حسين على قتلها، مع مايمكن من عمل سياحي،  المنطقة هناك مهيأة له.

 وبهذا ومع اعادة تدوير المياه عن طريق انابيب تعيد الماء من جديد الى الشمال،  يكون العراق قد استقل استقلالا كليا عن تركيا وايران مائيا، لابل صار في حال وفرة تجعل من مجيء اليابان وقتها الى العراق، ليس هدفا للمقاومة  الجاري التحسب لها، بل تغدو اليابان اعز صديق  للعراق على مستوى المعمورة.

 قدمت المشروع المذكور مكتوبا، وانا واثق من انه مايزال في ارشيفات رئاسه الوزارة اليابانيه ومركز دراساتها، الامر الواجب الانتباه له  ولفت نظر الحثالة الريعية المتحكمة بشؤون العراق ورئيس وزرائها له، والاهم  لفت انتباه من يسعون اليوم الى التحرك على الصعيد الجماهيري  والاعلامي،  لان يركز هؤلاء جهدهم على تشكل "لجنه وطنيه عليا" مهمتها التاكد من المعلومات التي اوردتها، ومن ثم ضمان العمل على اقامة  مشروع  الاستقلال المائي العراقي مع اليابان، على سبيل المثال ومجددا لماتتمنتع به من قدرات وجديه، علما بان العراق يملك المقابل النفطي  القائم اليوم فقط تحت سطوة وسلطة الحثالة الريعيه المتحكمه بالبلاد واهلها، الغائبة عن اي شان يخص مصلحتها ومصلحه العراقيين العاجزين.

 وليس من الصعب ايجاد الخيوط التي تعيد فتح الموضوع في اليابان، فسفرتي لم تكن وقتها عابرة، او مرت بلا ضجه وتناول من قبل محطات التلفزيون اليابانيه، عدا الصحافه ومنها صحف اليمين الامريكي الذي  عمل على منع الموضوع بالتدخل الامريكي المباشر، وسيكون الان ايضا معنيا

 بمنعه بكل السبل، لقد قابلت وقتها قائد الجيش، ووزيرة البيئة التي تتكلم العربية، وهي اليوم  امينه العاصمة طوكيو، ووزير الدفاع في حينه، وكلهم كانوا مؤيدين لما اقترحت وليس من الصعب ايجاد من مازال منهم حاضرا وقادرا على اعادة احياء المشروع وانقاذ العراق.

العراق يمكن ان يستقل مائيا، والجماهير يجب ان تتحرك لتفرض ارادتها في اعز ماتملك، وماهي من دونه فانيه.

***

عبد الامير الركابي

........................

* اجلنا الحلقة الرابعه من " حرب الانهار والابار.." للضرورة.

 

كلما تساءلت لماذا " إقرأ" هي أول كلمة هبطت من السماء على نبي الرحمة، أقول: هل نقرأ؟

قد تكون هناك أسباب كثيرة يمكن للمفكر والباحث أن يأتي بها لتبرير أول خطاب ما بين السماء والأرض وبلسان عربي هو " إقرأ ...إقرأ...إقرأ"

فأمة العرب لم تكن أمة قراءة وكتابة بقدر ما كانت أمة رواية وقول، وكثر فيها الرواة والحفظة ولم يكثر فيها الكتّاب والقراء أو تزدهر صناعة وتجارة الكتاب.

وجاء القرآن يصدع بآياته ويهز كيان الوجود العربي بأفكاره ورؤاه، وكانت كلمة إقرأ مدوية وعنيفة الصدى في أرجاء الأمة، لأنها مفتاح الوجود وبوابة الولوج في عوالم المعرفة والإدراك والغوص في أعماق النفس والعقل والروح، ومن غير إقرأ لا يكون هناك عقل حكيم وفعل مؤثر في الصميم.

فالقراءة توسع المدارك وتستجلب الأفكار وتنقل الوعي البشري إلى حالة متقدمة عما قبل القراءة.

إقرأ... بمعنى أنك تكون وتتجدد وتعاصر وتتحقق في الحياة، وتبقى قويا مبدعا ومتمكنا من الدنيا برغم تغير أحوالها وسلوكها، وهي القوة التي ما بعدها قوة، والوجود الذي يتفوق على كل الوجود، والأسلوب الذي يصنع الحياة ويبني أسس الإرتقاء للأجيال عبر الزمان.

إقرأ...منهل الفكر والعلم ومنبع الثقافة والدراية والتحصيل المعرفي والخبرة، التي تساهم في صناعة ما لم يسبق صنعه فوق التراب من إبداعات متنوعة ذات قيمة حضارية وإنسانية.

إقرأ...صرخة السماء التي إهتزت لها الأركان وإرتعش البدن النبوي على أثرها لأيام، وقد إنطلق الإنسان الأكبر من أعماق الإنسان المتأمل الحيران في كنه الوجود ومنطلق الأيام والأحوال.

إرتعش رسول الرحمة لنداء إقرأ وأدرك الأسرار السفلية والعلوية يمكن ولوجها من خلال إقرأ، وتعلم كيف يقرأ تلك القراءة التي لا يجيدها إلا الأنبياء وأصحاب المقامات العلوية في عالم الخلق والأكوان.

لقد أوجد النبي الكريم (ص) أمةً تقرأ القرآن وتتدبر آياته وتتفكر في خلق السماوات والأرض، وتتعلم ما جاء فيه من الحِكم والأفكار الثمينة، فانطلقت طاقات العقول وأسست معالم حضارية سبّاقة في أسسها ومنطلقاتها ومنابع صيرورتها وإستمرارها.

وحقق ثورة عقلية وروحية ونفسية تمخضت عنها تفاعلات فكرية وإبداعات مرتبطة بالقراءة، فازدهرت الكتابة وصارت الجوامع مدارس حية للقراءة والكتابة وحفظ القرآن.

ومن ثورة القراءة وقوتها وصرختها إنطلقت العلوم وتطورت وأصبح للفكر مقامات وصولات، فأنجبت الأمة أعلاما رسخوا في قلب الزمن وغيّروا مسيرة الأجيال، وإنتقلوا بالإنسانية إلى عوالم فكرية وآفاق حضارية لم تعهدها من قبل.

ومنذ ذلك الوقت والأمة تهتم بالقراءة والكتابة وتتأكد في مسيرتها، من خلال تدوين وتوثيق نشاطاتها الإنسانية بلغتها وخصوصا الشعر الذي صار ديوانها.

وبرز فيها المؤرخون والنابغون في صنوف العلوم والمعارف والدراسات والأبحاث والنشاطات العلمية والفكرية المتنوعة، فتركت للأجيال تراثا عظيما متفوقا على تراث أمم الأرض.

هكذا فعلت كلمة اقرأ في أمةٍ ما كانت تقرأ، وبعد أن قرأت الأمة ما قرأت وألفت ما ألفت وصنفت ما صنفت، تراها اليوم تخاصم القراءة وتجهل فنونها وأصولها والكتاب فيها خاسر ولا قيمة أو دور له في حياتها، وتأتيك الإحصاءات والبيانات لتشير إلى أن أمة إقرأ لا تقرأ !!

بينما عندما ننظر إلى أمم الأرض نجد أنها أمم قارئة، وطباعة الكتاب فيها مزدهرة ومتطورة ومطابعها لا يمكنها أن تتوقف عن الإنتاج لوقت قصير.

ففي البلدان المتقدمة لا تخلو حقيبة الأشخاص من كتاب أو كتب للقراءة عندما يتوفر الوقت.

فترى الناس تقرأ في أماكن الانتظار وفي السيارة والقطار والباخرة والطيارة وعلى السواحل وفي أي مكان يخلو الإنسان فيه مع نفسه. ولا توجد دائرة أو مكان تنتظر فيه إلا ووفر لك فرصة لكي تقرا شيئا وتتعلم جديدا.

وأصبحت معظم وسائل الاتصال والتفاعل البشري مبنية على "اقرأ". والشخص في العالم المتقدم يقرأ العديد من الكتب سنويا، وفي العالم المتأخر لا يقرأ كتابا طول العمر. فما أن يغادر  المدرسة حتى يتحول إلى عدو لدود للكتاب، فيعلن الخصام عليه ولا يقترب منه في أي وقت من الأوقات وكأن القراءة في عرفه عيب أو نقيصة.

وهكذا فأن القراءة ومنهجها قد غاب عن حياتنا. وليتأمل أي منا كم من الجالسين في مقهى أو نادي يقرؤون، فأنه لن يجد أحدا، بينما لا يكون كذلك في الدول المتقدمة، فالناس تقرأ في كل مكان، لأن القراءة عادة فردية واجتماعية وقيمة حضارية عالية، والكتاب مبذول في الأسواق، فعندما يذهب الشخص لشراء طعامه وحاجاته الأخرى تراه قد اشترى مجلة أو كتابا لكي يقرأه، فهو يطعم بدنه وعقله في آن واحد، ويدرك أن المعرفة قوة وهي تتحقق بالقراءة. أما نحن فلا نطعم أبداننا ولا عقولنا بصورة صحيحة.

إن عادة عدم القراءة هي التي تسببت في الكثير من الويلات والتفاعلات السلبية في مجتمعنا، ولأننا لا نقرأ ولا نتفحص ونبحث ونتابع تجدنا نصغي لهذا وذاك. وهكذا فأننا لا نملك رأيا ولا نعرف كيف نتحاور، ولا نتقن مهارات اختلاف الآراء والتصورات.

ولكي نكون لا بد من العودة إلى نداء السماء والإذعان لإرادة الوحي وصرخته في غار حراء لكي نحقق وجودنا اللائق بأمة اقرأ.

فهل أن مصيبة الدنيا أن المتسلطين على مصيرها لا يقرأون؟!!

***

د. صادق السامرائي

بغض النظر عن الأطروحات الفلسفية وما يدور في فلكها من تفسيرات للقوانين المركزية في الكون والمعجزات.. والتي تظل مجرد وجهات نظر أصحابها صحت وأصابت، ام اخطأت التحليل..فانه لابد من القول بإن القوانين المركزية هي إرادة الله تعالى المحضة، التي اودعها في خلقه، على قاعدة (وَالشَّمسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) للتحكم في ظواهر الكون والطبيعة كما شاءت إرادته، لتكون معايير تضبط حركة تلك الظواهر، ولتكون من ثم، موضع تفكر ودراسة واهتمام واستطلاع من قبل الإنسان، لتحديد كيفية. الإنتفاع والإستفادة منها، في اطار قانون التسخير المركزي على قاعدة (الله الذي خلق السماوات والارض والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)..

في حين أن المعجزة هي خرق الهي مقصود لقوانين الكون المركزية، لتعزيز اليقين الإنساني، بما فيهم الأنبياء والأولياء، بقدرة الخالق المطلقة على تجاوز القوانين في اللحظة متى شاء، على قاعدة (فعال لما يريد)..

وبالتالي فلا إرادة، ولاقدرة، لبشر في صنع المعجزة بتاتا..حيث ينحصر دوره في حصولها على مجرد الدعاء إلى الله تعالى بوقوعها وحسب، طلبا للنصرة، مثل طلب موسى إغراق فرعون بكل جبروته بالبحر (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ • فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُون • وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ )..أو التذكير بها لتعميق الإيمان (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)..

وهكذا يظل الكون والظواهر الكونية، كحركة الشمس والقمر والرياح، وغيرها خاضعة لإرادة الله تعالى، ومسخرة بقدرته، لخدمة الإنسان، للإنتفاع مما سخره الله تعالى له منها من خيرات وموارد، واعمار الأرض، وعدم الفساد فيها، وإفساد بيئتها بالتلوث، على قاعدة (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)..

***

نايف عبوش

المذياع والتلفاز والصحف والمجلات ربما فقدت الكثير من قيمتها ودورها في الحياة المعاصرة، فالوسائل الحديثة المحمولة في الجيب والفاعلة على شاشة صغيرة، تستنزف الوقت وتستحوذ على الإنتباه والتركيز في كل مكان.

فاجأني شاب بمعرفته الفياضة عما يجري في الدنيا من أحداث وهو على أتم الوعي بالأخبار، وعندما سألته عن كيفية معرفته هذه، أشار إلى هاتفه النقال: إنه يحيطني بكل شيء!!

فهل نحن أمام عصر شديد؟

من أخطر ما تواجهه الشعوب هو الوعي المتواصل، ولهذا تعمد أنظمة الحكم على التجهيل وحجب المعلومات وإشاعة التشويش والتضليل، لتحكم قبضتها على مصير الملايين، وهذا سلوك عهدته البشرية منذ الأزل.

فالثورة المعلوماتية ألغت الأمية المعرفية، فصار الناس على إحاطة بمجريات الأمور في العالم، وربما أكثر خبرة من أي خبير.

فالمجتمعات أصبحت تعرف، فكيف تجري السفن والمراكب الإبداعية في أنهار وبحار ومحيطات المعارف الفياضة؟

غيوم الأمية انقشعت من فضاءات الأنام، وانهزمت الأوهام، وتنورت الأفهام، والأجيال تتطلع للأمام، وما عادت تتقهقر وتتأمل الحطام، ولا في فراش الغابرات تنام، إنه عصر التفاعل المقدام، والسعي نحو إسقاط الجبابرة الحكام.

فإلى أين ستأخذنا الأيام؟

قال قائلهم: إنه عصر التلاحي والإنتقام، فهل ستعرف الدنيا السلام؟

فكل عارفٍ إمام!!

***

د. صادق السامرائي

هل يختار الإنسان عقيدته فعلًا؟.. أم أنّه يولد في صندوقٍ مغلق، مكتوب على غلافه ما سيكونه قبل أن يفتح عينيه؟ الطفل الذي يخرج من رحم أمّه في قرية مسلمة، هل كان يمكن أن يكون يهوديًا أو بوذيًا لو وُلد في مكان آخر؟ وإن كان الأمر كذلك، فأين موقع الإرادة والاختيار؟

إنّ العقيدة في أصلها وراثة؛ لا يملك الإنسان منها سوى التلقي في سنواته الأولى، فيشبّ على دين قومه كما يشبّ على لغتهم. لكن هنا تبدأ المفارقة: ما كان يومًا مجرّد صدفة مكان وزمان، يتحوّل مع مرور الزمن إلى يقين مطلق، إلى "حقيقة أبدية" يراها الفرد جزءًا من ذاته. والسؤال الجوهري: أهي حقيقة في ذاتها، أم عادة تحوّلت إلى قداسة؟

العقل حين يتعطّل لا يتوقف عن العمل كليًا، بل يتحوّل إلى أداة تبرير. إنّه لا يسأل: "هل هذا الموروث صحيح؟" بل يسأل: "كيف أثبت أنّه صحيح؟"؛ أي أنّه يبدأ من النتيجة التي تسلّمها بالوراثة، ثم يبحث عن مقدمات يسندها إليها. وهكذا يُستعمل العقل كخادمٍ للأهواء الجمعية، لا كحاكمٍ على الأفكار.

أليس غريبًا أن يولد كل فرد في مجتمع ما وهو يعتقد أنّه وحده يملك الحقيقة المطلقة؟ ولو جمعنا أهل الأرض جميعًا، لكان عند كلّ أمة هذا الاعتقاد نفسه! أليس في هذا التعدد نفسه برهانٌ على أنّ ما نظنه يقينًا قد يكون مجرد موروث عابر؟

إشكالية الهوية

وراثة العقيدة تختلط بالهوية اختلاطًا شديدًا، حتى يصعب على المرء أن يميّز بين ما يؤمن به عقليًا، وما يلتزمه اجتماعيًا. كثيرون لا يدافعون عن الدين من حيث هو دين، بل من حيث هو راية القبيلة، أو شعار الجماعة. لو أنّ المرء غيّر دينه، لاعتُبر خائنًا قبل أن يُعتبر باحثًا عن الحقيقة. أليس هذا دليلاً على أنّ الدفاع عن العقيدة في كثير من الأحيان ليس دفاعًا عن فكرة، بل دفاعًا عن انتماء؟

قد يُقال: وما المانع أن يرث الإنسان عقيدته ثم يبقى عليها ما دام مقتنعًا بها؟ الجواب: لا مانع في ذلك، إذا كان الاقتناع وليد بحثٍ ومساءلة. لكن الخطر أن يظلّ العقل عاطلًا، راضيًا بما وجد عليه آباءه، لا يجرؤ على طرح السؤال الأول: "لماذا أؤمن بهذا؟"

إنّ الفرق بين الإيمان الحق والإيمان الموروث هو الفرق بين من يسير في طريق لأنه اختاره، ومن يسير فيه لأنه لم يعرف غيره. الأول قادر على الدفاع عن عقيدته بالحجة، والثاني لا يملك سوى الصراخ والاتهام.

لو قُدّر لكل إنسان أن يولد في دين مختلف، لكان مقتنعًا به بالقدر نفسه الذي يقتنع الآن بعقيدته. فهل هذا يعني أنّ جميع العقائد صحيحة؟ أم أنّ الخطأ يتوزع بينها كما يتوزع الصواب؟ وهل الإيمان إذن نتاج الحقيقة أم نتاج البيئة؟ هذه أسئلة لا يريد "العقل العاطل" أن يواجهها، لأنها تهدد استقراره وراحته. لكنّ العقل الفاعل لا يخافها، بل يبدأ منها ليصل إلى يقينٍ أرسخ.

وراثة العقيدة قدر، لكنّ بقاء العقل عاطلاً اختيار. نحن لا نملك أن نختار أين وُلدنا ولا ماذا ورثنا، لكننا نملك أن نختار كيف نواجه ما ورثناه: هل نحمله كما هو كصندوق مغلق، أم نفتحه ونفحص محتوياته؟

الحقيقة لا تُهان بالبحث، إنما يُهان الإنسان حين يعطل عقله باسم الحقيقة.

***

بقلم: د. علي الطائي

القرن الحادي والعشرون قرن تشتت الإنتباه، وفقدان قدرات التركيز لأكثر من بضعة لحظات، والتفاعل الآني مع المستجدات وتدفق المعلومات عبر شبكات التواصل، التي إمتلكت البشر بأجهزتها المتسارعة التطورات والإبتكارات، فما عادت العلاقات كما كانت في القرن العشرين، وفقدت المشاعر الإنسانية حرارتها وطعمها.

إذا تكلمت لا يصغون وربما يلتقطون نسبة ضئيلة مما ذكرت، ويتمثلونه في طاحونة اللحظة الإدراكية، ويتوصلون إلى ما لا تعنيه، بل ما أيقظته فيهم من تصورات وتفاعلات.

أما إذا كتبت فأنهم لا يقرأون، فلا قدرة لديهم على متابعة السطور، والتفكر والتمعن والتأمل، إنها إرادة اللحظة الفاعلة في أرجاء وجودنا المندحر في شاشات صغيرة، والذي يعزلنا عن محيطنا ويدخلنا في عوالم إفتراضية، وسرابات متهادية في فضاءات خيالنا المشرئب نحو المجهول اللذيذ التوقعات.

الشاشة التلفازية إنحسر دورها وتأثيرها، ووسائل الإعلام تعرّت توجهاتها وما تسعى إليه من آليات صناعة الآراء، وما تبثه من أكاذيب وأضاليل، فوسائل التواصل المعاصرة أفرغت الوقائع من محتواها، ووضعتها أمام أنظار الصورة والحدث الموثق، والشواهد والبراهين الدامغة، التي حاصرت الأكاذيب والإدعاءات، وما عادت وسائل الإعلام تمتلك القدرات الخداعية اللازمة لتأكيد إرادتها وتحقيق أهدافها المرسومة، القاضية بتحويل البشر إلى قوة مضادة لوجوده وتقرر مصيره كما تريد.

ووفقا للمعطيات المعاصرة فأن أساليب التفاعل عبر الخطابة والكتابة عليها أن تتماشى مع مفردات الواقع المعاش، وأن تمتلك القدرة على الإختصار والتأثير، ولا بد من إستحداث مفردات متوافقة مع قدرات الأجيال المتوافدة إلى سوح التواصلات المتسارعة.

فالخطابات المسهبة لا تنفع، والكتابات الطويلة لا تؤثر بل تنفر، والمواقع المركزة على الصورة الشخصية ما عادت مرغوبة، فالمتلقي يريد الخلاصة أو الزبدة، ويهمه الوضوح والمباشرة، ولا يعنيه التفكر وقراءة ما بين السطور، فذلك زمن تولى، وأصبحنا في عصر الأنوار الساطعة، والأخبار القاصعة.

رحم الله القرن العشرين بقضه ونفيضه، وأهلا بمواكب القرن الحادي والعشرين، وعربات مسيرته المحملة بالمستجدات المتسابقة الظهور!!

فهل لنا أن نستوعب مقتضيات عصرنا؟

قرونٌ من أعاليها تداعتْ

مفتتةٌ لآخرها أصاخَتْ

مكدّسة خلاصتها بقرنٍ

إذا حقّت تسامى فاستكانتْ

عطاءُ كثيرها أثرى وجوداً

عقول الناس من فِكَرٍ أجادتْ

***

د. صادق السامرائي

منذ فجر التاريخ والانسان في سعي دائم للاستكشاف والغوص في أعماق الطبيعة لفهم قوانينها وخباياها ومعرفة اسرار ما يدور حوله من ظواهر كونية، حيث تشير الآثار العائدة لعصور ما قبل التاريخ ان الانسان ظل يبتكر ويخترع الادوات والوسائل التي تمكنه من الوصول الى غاياته وتحقيق رغباته، وقد تمكن بعد جهود مضنية وتجارب متعددة من اكتشاف العديد من الوسائل والأدوات التي ساهمت في رفاهية البشرية بدءا من اكتشاف الكهرباء والنفط ومصادر الطاقة وصولا الى شبكة الانترنيت، ومن بين الحاجات الاجتماعية التي شغلت الانسان وكانت مصدر فضوله واهتمامه هي معرفة نوع الجنين، حيث شكلت هوية المولود المرتقب هاجسا مقلقا للزوجين ولعموم الأسرة، فمنذ الاف السنين وقبل ظهور السونار ووجود المختبرات والتقنيات المتطورة كان الوسط الشعبي في العديد من المجتمعات ومن اجل الوصول الى هوية الجنين يستخدم طرق بدائية لا تعتمد على اسلوب علمي بحت او سند على صحتها ومن بينها حال المرأة اثناء فترة حملها فاذا كانت تشعر بثقل الحمل فالجنين ذكر وبعكسه فهو انثى، وايضا الاعتماد على شهية المرأة الحامل للطعام وتم التوصل أنه في حالة اشتهاء الحامل للحلويات والشكولاتة والفواكه يكون الجنين أنثى، أما اشتهاؤها للموالح والطعام اللاذع فيكون جنس الجنين ذكر. وكذلك الاستدلال من شكل البطن فيرون الانتفاخ الى الاعلى ذكر وتهدل البطن الى الاسفل انثى أو من خلال وزنها وحركتها فحسب اعتقادهم ان الحمل بالأنثى يزيد من وزن المرأة ويجعل حركتها ثقيلة، كما استخدم القدماء طرق بدائية عديدة للتوصل الى هوية الجنين حيث تشير  الرسومات الفرعونية الكثيرة التي تملأ المقابر والمعابد المصرية القديمة، ان الفراعنة القدماء استخدموا البندول لمعرفة جنس الجنين والتي كانت تتم عن طريق تمرير البندول فوق بطن الحامل، فإن دار مع عقارب الساعة كان الجنين ذكراً، وإن دار بعكس عقارب الساعة كانت أنثى، كما أن المرأة في مصر القديمة كانت تبلل حبات الشعير والقمح، بقليل من البول الخاص بها، فإذا نما الشعير يكون هذا دليل على أنها حامل في ولد، وإذا نما القمح يكون دليل على أنها حامل في بنت، وإن لم ينبت إحداهما يكون هذا دليل على أن هذا الحمل كاذب، او ان تضع المرأة الحامل عدة نقاط من حليبها على خيط من الحرير ثم ترميه على باب بيت نمل، فاذا جر النمل الخيط الى داخل البيت يكون الجنين ذكرا، واذا لم يقترب منه النمل فالجنين انثى، وكذلك بواسطة الملح عن طريق إضافة مقدار من الملح على البول الخاص بالمرأة الحامل بالتدريج، ويترك لمدة 5 دقائق، إذا تم ملاحظة وجود تعكر في البول فإن الجنين فتاة، أما إذا كان هناك ترسب للملح في البول فإن الجنين صبي. او عن طريق الخاتم وهى عبارة عن ربط خاتم بخيط ووضعه فوق البطن فإذا تحرك بشكل دائري يكون جنس الجنين هو أنثى، أما إذا تحرك بشكل مستقيم يمنا ويسارا يكون المولود ذكرً. وكل ما ورد من هذه الطرق يأتي من باب التكهنات التي ــ كما نوهنا ــ لا تستند الى اساس علمي موثوق به انما هي جزء من شغف الانسان بالتجريب في محاولة للوصول الى الحقيقة القطعية.

***

ثامر الحاج امين

قلة من الشعراء ألفوا كتبا في مناحي المعرفة، ومنهم أبو تمام، والرصافي وغيرهم، أما معظم الشعراء فأنهم يركزون على كتابة الشعر وإصدار الدواوين، وبعضهم كتب مذكراته أو سيرة حياته، وآخرون كتبوا مقالات جمعت في كتب.

أما تأليف كتاب عن الشعر ومفرداته وألفاظه وعباراته وأساليبه، فقلة من الشعراء حاولوا ذلك.

فتراثنا المعرفي فيه كتب عن مفردات الكتابة والخطابة، أما عن مفردات الشعر، فأنها نادرة أو لا وجود لها.

وهذه ظاهرة يصعب تفسيرها مهما أتينا من تبريرات وتسويغات، وهي من أسباب ميوعة صفة الشاعر.

فالكثير من الكلام يبدو كأنه شعر، لكنه في جوهره لا يعرف الشعر، والعديد من الشعراء، هم ليسوا كذلك، فالكلام الموزون لا يعني أنه شعر.

الشعر بحاجة إلى ألفاظ  قادرة على إستحضار المعنى وتجسيد الفكرة، وتأدية الغرض، والإنطلاق بأسلوب جذاب خلاب، يخطف القلوب والعقول والنفوس والأرواح.

وهناك العديد من المفردات التي لا يمكنها أن تكون في نص يسمى شعريا، لكن إقحامها لأسباب عروضية أو نحوية لا يعني أنها قد أدت وظيفة شعرية.

ومن أصعب الفنون أن نوضع الفكرة في كلمات  ذات معنى واضح وغرض ساطع، وقدرة على التأثير وإثارة العقل، وإلهام القارئ بما يعينه على بناء رؤية جديدة.

وتجدنا أمام كم هائل من النصوص المنشورة على أنها شعر، سواء كانت كلاسيكية أو حداثية، أو غيرها من الأشكال المستنسخة من بلاد الآخرين وماهي بشعر.

وفي الكثير منها يبدو إضطراب الأفكار جليا، وعدم قدرة كاتبها على الوصول إلى ما يريد قوله والإفصاح عنه، وكأنه لا يدري عمّاذا يكتب ولمن يكتب.

إنها حالة تخبطية أملتها إيقاعات القرن الحادي والعشرين، التي جعلت الكلمات تتطاير كالهباء المنثور.

وعندما نتحدث عن الطيف الشعري، تجدنا أمام ألف موشور وموشور، حتى لتحتار بما ترى من الألوان!!

***

د. صادق السامرائي

3\9\2021