عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

تروح وتجيء من أمامي مثل فراشة مبرقَشة الألوان، بينما أبقى ساكنًا في مكاني على الكرسي القريب من النافذة الكبيرة التي تعبرها أشعة الشمس وتلبد الغيوم نحوي كل صباح، وكذلك ضوء القمر وتلامع النجوم كل مساء، ترقص بخفة ورشاقة، لا تكاد قدماها تطآن أرض الغرفة حتى تعاودا القفز مرةً أخرى، كما لو أنها تحَلِق بجنحَين يخفقان مع نبضات قلبها وتتابع أنفاسها الخافتة، لا تصدر عنها كلمة أثناء تقديمها فقرة من أجدد عروضها التي تتدرب عليها في أحد مسارح العاصمة مع زملائها في فرقة الباليه التي أخذت تجذب الأنظار وتجوب العديد من المدن الكبيرة، كما صارت تسافر إلى البلدان المجاورة لتشارك في مسابقات تحلم أن توصلها ذات يوم إلى العالمية.

تواصل التمايل أمامي، مرتدية فستانها القصير، فيما تتنقل نظراتي معها من جدارٍ إلى آخر، ترقب ثنايا جسدها غير المستقرة على حال وتعبيرات وجهها الهادئة، إلى حد أنها تبدو لي وكأنها نائمة، خاصةً عندما تغلق عينيها بين حركة وأخرى، تضاعف من رغبتي في ضمها بقوة إلى صدري دون أن أترك لها مجالًا للرفرفة بعيدًا عني، ولتخفق بين ذراعيَّ المتصلبيتين حول ظهرها في رقصة خاصة بي وحدي، لا أريد لها أن تنتهي أبدًا، إلا أني أخشى ان أنتزعها من سحر انطلاقها الجميل بين جدران تأخذ بالضيق من حولي حينًا بعد حين فاهرع إلى مغادرتها نحو السهول الخضراء المحيطة بالمصحة من الخلف والجانبين، أما الواجهة فتطل على الشارع العريض الذي يخترق الضاحية الصغيرة، لا تعدو في نظر الكثيرين ممن تخترقها سياراتهم أكثر من عدة أبينية قديمة لا يوجد فيها ما يستحق التأمل ولو قليلًا، فقط ربما تقف إحدى تلك السيارت لأمر ضروري لا سبيل لتأجيله، أو لأجل رغبة ملحة بأخذ قسط من الراحة في الكافتيريا البسيطة التي تفترش أغلب كراسيها وطاولاتها الرصيف المواجه مروقها السريع عادةً، يجاورها مطعم صغير يُقدِم وجبات سريعة ورخيصة للموظفين الذين يعملون في أماكن قريبة وللمسنين الذين لايجدون من يعد لهم الطعام في بيوتهم، أما الحانة التي تبدو كما لو أنها من عهود القرون الوسطى فهي الأكثر استقطابًا للزبائن، منذ أن يفتح صاحبها العجوز بابها الخشبي العتيق قرابة الظهيرة حتى ساعة متأخرة من الليل، إلا أن الوجوه ذاتها تقريبًا هي التي تملأ المكان المعَبَق بالدخان ومزيج من روائح شتى أنواع الكحول الرديئة.

أجدُ في الحقول مترامية الأطراف وسيلتي للهروب من كل ما أنفر منه ولا أطيق احتماله أكثر، من جسدي المعاق وكل يومٍ أمضيه في محاولة خداع نفسي بأني قادر على التكيف مع أي موقف كان دون أن أمتلك أدنى قدرة على الاختيار، فأتمنى الضياع في الغابة الكبيرة وكثيفة الأشجار العالية والمحيطة بتلك الحقول من جهة والبحيرة ذات المياه الرقراقة من جهة أخرى، رغم أني صرت أحفظ كل تفاصيل المكان، كأني أتجول بين غرف بيتي، لكني لم أعد أقوى على الركض، ولا حتى المشي طويلًا كما كنت في صغري أو مراهقتي، أو حتى سنوات شبابي الأولى، لذلك لا غنى لي عن الدراجة الهوائية التي ترافقني عادة في جولاتي هنا وهناك، بل أني ذات مرة تحديت بها كل المحظورات ووصلت بها إلى العاصمة ورحت أجول بين شوارعها وساحاتها وميادينها لساعات ثم قفلت عائدًا في ساعة متأخرة من الليل.

كم مرة كادت تصدمني سيارة أو شاحنة تمر مسرعة في الطرق الخارجية الطويلة، لا أدري كيف ولماذا أنجو من مثل تلك الحوادث دومًا، مع أني كثيرًا ما أتمنى مثل ذلك الموت السريع والمفاجئ، وإن كنت أخشى أيضًا المزيد من الإعاقة التي قد تجعلني في نفس وضع حالات كثيرة وفدت المصحة على مر سنين إقامتي فيها، لا يستطيع أصحابها الحركة ولا حتى إطعام أنفسهم، مما يحطني وسط عواصف من التساؤلات المحَيرة وثورات تمرد أخشى أن تجنح بي نهاية المطاف نحو مهاوِ الجنون، لم أكن أجد منها فرارًا أينما وليتُ وجهي، فأبحث عنها دون أي شخصٍ آخر، عن وجهها ذي اللمسات الطفولية البريئة، مع أنوثة ناضجة أخذت تروي  سائر جسدها يومًا تلو الآخر منذ أن عبرتها نسمات المراهقة، فصارت لدي مثل البرية اليانعة في مواسم الربيع التي راحت تمر في تعاقب سريع عامًا تلو الآخر حتى أدركتُ منتصف العقد الثالث من العمر دون أن يتغير شيء في حياتي سوى المزيد من التأملات والتوَسلات المكبَلة بمخالب الحرمان، تحفر في نفسي سخطها حينًا بعد حين.

صديقتي الأثيرة، رغم اني أكبرها بنحو عشر سنوات، كنا نلعب كثيرًا في براح الطبيعة غير المنتهية مع مد البصر، منذ أن كانت تأتي برفقة والدتها، إحدى المعالجات اللواتي أشقيْنَ جسدي المتشنج بالتمارين الرياضية المملة بلا جدوى، كانت (مايا) تراقبها وهي تواصل حث أطرافي على الاستجابة لأوامرها حركةً تلو أخرى، بينما تظل نظراتي معَلقة بدهشتها نحو الفتى كثير العناد والتذمر، خاصة عندما يعتريه الخجل من تحديق الناس واستغرابهم لأمره، والشفقة تطل من العيون، كما لو أنها تتنبه إلى عالمٍ آخر لا تعرف عنه شيئًا سوى التنهد والصمت أو إعطاء النصائح والتوجيهات المتَنقلة بين الألسن مثل  محفوظة لا يُمل من تكرارها، أما ما يسمونه بالتنمر، فأنا من أعتاد فعله مع من أجده يحاول مضايقتي بكلمة أو حتى تعبير وجه سخيف، لعل هذا أكثر ما جذبها نحوي فوجدتها تعرض عليّ صداقة طفولية مجرَدة من أي غرض، رحبتُ بها بدوري وقد لفت انتباهي جمالها ونعومتها ضاحكة الوجه ما أن نبدأ اللعب، وإن كنتُ قد كبرت على ألعاب طفة بعمر ست سنوات، والباكية عندما تجدني في حالة من الزهق والغضب الذي قد يجعلني أصرخ طويلًا في الجميع، إذ تتساقط عني الرهبة وتغادرني خشية المواجهة، غير آبه لأي تهديد يأتيني من المدير أو أي من معاونيه، ولا تذمر الأطباء والمعالجين والممرضين، حتى المشرفة النفسية لا تجد سبيلًا لتهدئتي بذات الكلام المكرور ونصائح السلوك السليم، ربما ما كان يشجعني على تلك التصرفات الرعناء تلك المبالغ التي يدفعها والدي سنويًا للمصحة، بالإضافة إلى ما كان يضعه تحت تصرف الإدارة في حال احتجتُ أي شيء، زاد على ذلك حساب البطاقة المصرفية التي صارت لا تفارق جيبي لأنفق منها كما أشاء، أحيانًا أصرف منها ببذخ جنوني، نكاية بالوالد الذي أزاح عن كاهله عبء مسؤولية ابن معاق يحتار كيف يمكن التصرف معه أو السيطرة على اضطراب سلوكه أمام صفوة المجتمع من السياسيين ورجال الأعمال في بلادهم، أما الأم الحبيبة فأنا الذي أجبرتُها أن تكف عن زياراتها لي كل عدة أشهر ما دامت التكنولوجيا قد وفرت لنا فرص التواصل كما لو أننا نجلس معًا في ذات المكان، وحتى تلك المحادثات رحت أختصرها قدر الإمكان رغم معرفتي مدى شوقها للتواصل مع ابنها البعيد عنها منذ سنوات عمره الأولى، ورغم مدامع الغياب المتجددة كل حين، وكأن ليس هناك ما يمكن أن يقوله أحدنا للآخر.

عندما كانت (مايا) في سن الحادية عشرة قبَّلتها لأول مرة، قبلة شاب لفتاة تعجبه، حينئذٍ فجأة بدا لي صدرها منتفخ بعض الشيء، كما لو كان للاعب أثقال مبتدئ، يشبه صدور النساء، مرمى نظراتي في كل فرصة متاحة، بما فيها صدر والدتها المكتنز والذي يلوح لي عبر الفتحة العلوية للزي الموَحد الذي تداوم على ارتدائه، وكم أنَبتُ نفسي على ذلك المجون الأحمق الذي لا يردعه ما كانت تغدقه نحوي من حنو الأمومة، مع عصبيتها وحِدتها على تمردي الدائم وتهربي من المداومة على التمارين التي قد تقوي من قدرتي على المشي والتحكم بحركة يديَّ، بالإضافة إلى تمارين تعينني على النطق بشكلٍ مفهوم بدل التلكؤ الذي يجعل الآخرين يضجرون سريعًا من سماعي، إلا هي، (مايا) حبيبتي.

تلك القبلة كانت بداية إدراكها لطبيعة أنفاسي المتهافتة نحوها، فقد فطنت جيدًا، رغم صغر عمرها، إلى توق الشاب المنعزل عن الحياة أن يلمسها ويحتضنها كأي حبيبين يراوغان كل ما يحِد حريتهما من قيود، وليكن الحب بمثابة لعبتنا الجديدة والمستمرة على الدوام، نغافل بها الأعين المترصدة تقاربنا.

هي أيضًا وعتْ من خلالي إلى جذوات الأنوثة التي سرت في جسدها وأخذت تتوهج يومًا تلو الآخر، رغم ذلك ظلت بعيدة المنال عن لهيب شهواتي، ليس تمنعًا منها فحسب، إنما لأنني خفت عليها من اندفاعي نحو عروس صغيرة لم تخبر شيئًا من فنون الغرام بعد، فقد شعرتُ بالمسؤؤلية تجاه براءة بدت لي مثل مرآة ملساء أحب أن أرى فيها وجودي كما أتمنى أن يكون، دون أن أشأ لها التصدُع عبر حماقة هوجاء سرعان ما يقهرني الندم عليها ما أن ألوِث صفاءها بحمرة لم يئن أوان تفجُرها بعد، فكنا نكتفي بسيل من العناق وحميم الأحضان الملتهبة حتى أنتفضُ عنها كي أحميها من غلواء جنوني الذي أسارع لإخفائه عنها، وبدورها كانت تتفهم كل ذلك دون أن ننبس بكلمة كما لو كانت شابة في مثل عمري أو حتى أكبر، كما صرتُ أكثر خشية أن يستغلها أي شخص آخر ليفضي بشهوته دون مبالاة ببراءتها الذي تمنيتُ أن تحتويني دومًا.

لم أجد في حياتي ما يستحق أن أعيش لأجله إن حُرمت منها، وهذا ما حدث فعلًا عندما تنبهت والدتها لهيامي بها وما يمكن أن يحدث بيننا، سواء في غرفتي ذات الخصوصية التي تميِزها عن الغرف الأخرى في المصحة وكل ردهاتها التي تضم الكثير من الأطفال والصبية الموعودين بأقدار مثل أقداري وربما أكثر شقاءً، أو في البرية الواسعة، وقَدها الجميل يشرق بفتنة تموُجه الأولى أمام ناظريّ.

فجأة غابت عني ولم تعد تأتي إلى المصحة، وحدها أو برفقة والدتها، كما لم أعد أراها في أي مكان من الأماكن التي اعتدنا الذهاب إليها معًا، ولمّا سألت السجانة التي حجبتها عني، كما تراءت لي، رمقتني بنظرة نارية تنهرني عن التفكير بوردتها الآخذة بالتفتح بين يديّ حينًا بعد حين، وهي تخبرني أنها منشغلة بالدراسة ليل نهار، فلم يعد لديها أي وقت من أجل مرافقتها إلى مكان عملها غير المناسب لفتاة في مثل عمرها...

صفعتني كلماتها حادة النبرة، وكأنها قيود جديدة تكبلني بها لتردعني عن الاقتراب من فتاتها التي أدخلت البهجة إلى زنزانتي المتنقلة مع خطواتي أينما ذهبتُ، فكان ذلك الاحتجاب القسري بداية عهد جديد بالنسبة لي في دنيا الحرمان وشبق الشهوات المترجية للحياة الحقيقية، وهي تزجرني وتجبرني على الرضوخ لقرار إبعاد حبيبتي عني، جاء على لسان امرأةٍ نزعها خوفها على ابنتها من كل عاطفة، أو حتى تعاطف، تكنها نحو شاب كبرَ في عزلة عن أهله وبلده، حيث كان يمكن أن يكون له مسار آخر غير الذي وجد نفسه مغلولًا فيه، حتى صارت كل عالمه وليس له أن يُخلِفه وراءه كما لو أنه أمضى سفرة محدودة المدة ويمكن أن يمحوها النسيان بعد حين.

أبلغني والدي أنه من الأفضل لي العودة إلى بلادٍ تبدو لي مثل صوَر متفرقة اندست في ذاكرتي من خلال زيارات أستعجل انتهائها، كانت على الأغلب استجابة لإلحاح والدتي أن تعيدني إلى دفء أحضانها، بعد أن زهدتُ حنوًا لم أخبره مثل بقية أخوتي، بينما صرتُ أبحث عن أحضان اللذة الجامحة، رفضتُ بعنادٍ يهدد بالهرب من المصحة فلا يتمكن من العثور عليّ في أي مكان مهما بلغ مستوى علاقاته في كل بلد يستثمر فيها بعض ثروته، وأني سأعتمد على نفسي بأي شكلٍ من الأشكال، حتى لو اضطررت أن أعيش مثل المشردين والمتسولين في الشوارع والأزقة المتوارية عن العيون، مع المجرمين والمدمنين والشواذ، ولأنه قد عرف مدى نزعاتي الجنونية من خلال آراء المشرفين والأطباء لم يتمسك بذلك الإصرار الذي افتعلَه أمام أمي، فيما ظلت تتوسلني أن أهدأ وصرخاتي الحادة تتواصل دون انقطاع، كما لو أن مسًا من الجنون أصابني، فتضاعفَ تشنج جسمي حتى فقدتُ القدرة على الكلام تمامًا.

رغم كل هذا، وكي أتجنب المزيد من السخط والتهديد بقطع التحويلات المصرفية، وافقتُ أن أستمر بدراستي في الكلية التي انتسبت إليها عبر النت كي أنال شهادة البكاريوس في إدارة الأعمال، قبل ذلك كنت قد درست في مدرسة لا أذهب إليها سوى في أيام الامتحانات، أسابق الوقت ببطء كتابتي التي تحتاج إلى مجهود كي يمكن قراءتها، كما أن الأوراق المالية الخضراء المرسلة من وطني الغني كانت كفيلة بتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن أواجهها، حتى إن كانت المدرسة حكومية، قبل أن يخرج البلد من حلقة الانغلاق والشمولية ويتوجه صوب الأسواق المفتوحة للجميع على امتداد قارات العالم، وذات الأمر بالنسبة للمصحة التي صارت أشبه بفندق خمس نجوم يقدِم خدماته العلاجية للمعاقين ميسوري الحال فقط، وقد غادره الكثير من أولاد الكادحين، وإن كانوا من الرفاق القدامى.

الأهم كان لدى والدتي أن أتعلم لغة بلدي فلا أنساها بالمرة، وهذا الأمر تكفل به صديق والدي المقيم هنا منذ زمنٍ بعيد، رغم أني كنت كثير المراوغة في ذلك أيضًا، وكأنني أود الانسلاخ تمامًا من جذوري لأتوغل في خصوصيات وأسرار البلد الغريب حتى أخذَ مكان الوطن والبيت الذي شهد أولى خطواتي المتعثرة في إعاقتها، لعلي بذلك أستطيع أن أحيا سنواتي الخاصة بي وحدي بمعزلٍ عن أهلٍ أكاد لا أعرفهم ولا يعرفوني، فقد غدت الغربة بعض شخصيتي التي سوف تظل تغور في أبحر الوحدة حتى وأنا أمضي وقتي مع معاقين على شاكلتي، أجد نفسي بمنأى عنهم جميعًا، فلا أود مشاركتهم أكثر الفعاليات التي تنظمها إدارة المصحة، مثل السفرات والاشتراك بمعارض تستعرض محننا أمام الأسوياء أكثر من أي شيء آخر، وذات الأمر بالنسبة للعب الذي يشهد الكثير من الوقوع على الأرض، وعثرة المعاق دومًا تكون أشد وطأة من وقوع أي طفلٍ صحيح البدن، حتى أننا أحيانًا قد نرتطم بالأرض من مجرد إحساسنا بوطأة مراقبة العيون وتوقعها ذلك في أية لحظة...

آه، من كثرة التحليلات التي كنت أسترق السمع إليها من المعالجة النفسية، والتي صرتُ أضيف إليها من عندي الكثير، وكأنني أدخل معها في مناظرة علمية أعرف جيدًا أنها سوف تنتهي لصالحي، دون الاعتماد على أيٍ من الكتب والمراجع والمحاضرات التي اجتهدتْ في حفظها طيلة سنوات دراستها الجامعية، كما كنت أيضًا أنشغل أغلب وقت جلوسي في غرفة مكتبها، التي تستقبل فيها حالاتنا المضطربة، بمراقبة بياض ساقيها الأملسين، خاصة عندما تضع إحداهما فوق الأخرى، فتبدو لي الأخصائية التي استلمت عملها الجديد في المصحة مثل حقل ورود انتبهت لوجوده فجأة خلال إحدى جولاتي الطويلة بين سحر الطبيعة التي لا يمكنني أن أرتوي من زهو جمالها أبدًا.

لاحظتْ شرود نظراتي نحو نهديها البارزين أمام ناظريَّ، فقالت في نبرة حاولت من خلالها فرض سيطرتها على الشخصية المنغلقة على أسرارها أمامها: ما بك؟ بمَ تحدِق؟

أجبتُ مبتسمًا في مكر لا أدري كيف أرتسم بالتحديد على ملامح وجهي المتشنجة قليلًا، وأنا أغالب ثقل  لساني لدى نطق أحرف الكلمات: كثيرًا ما أفكر كيف يمكن لشخص مثلي أن يكون مع امرأة.

اصطنعتْ الغباء، وما أجمل النساء عند التغابي، فقالت: لم أفهم ماذا تعني؟

ـ أقصد المضاجعة بكل صراحة، أنتِ تحثيننا دومًا على إخراج ما في دواخلنا من أفكار ومشاعر، سلبية كانت أم إيجابية، والتعبير عنها كما نشاء.

تنحنحتْ محرجة، ثم قالت: وأنت تفكر في هذا الأمر كثيرًا؟

ـ ليس من حقي؟ أنا لست معاقًا من الداخل.

جابهتْ ابتسامتي، التي أظنها الآن إنها بدت سخيفة جدًا، بنظراتٍ متحدية وقاحة كلامي، بالنسبة لطبيبة مبتدئة مثلها على الأقل، فاستأنفتُ: ألا يمكن أن يقلل هذا من تشنج جسدي ويجعلني أتصالح أكثر مع الحياة؟ يعني علاج نفسي وطبيعي في وقت واحد.

فاجأتني بضحكتها التي جعلتها أمامي أجمل وأشهى بكثير، ثم قالت: يعني تريد أن نجلب فتيات متخصصات في هذا النوع من العلاج؟

ضحكتُ بدوري، وقلت: لمَ لا ما دمتُ أدفع تكلفة العلاج، لكنني أيضًا لست حيوانًا لأجبر أية واحدة أن تحتمل تشنج ذراعيَّ وهما تلتفان حول خصرها وظهرها لمجرد أني أمتلك المال.

صمتُ للحظات متأملًا اضطراب نظراتها، وأردفت: أريد أن أعرف كيف يمكن أن أتعامل في مثل هذا الموقف دون أن أبدو كالقرد المتقافز فوق عذق موز، رغم كل ما يعتريني من ارتباك قد يمر به أي رجل، خاصة في المرة الأولى. هل أُشبِع من تكون معي وأجعلها تنتشي بالكامل، أم أنها يمكن أن تتقزز وتلعن حظها الذي وضعها عارية في هوج شهواتي؟

صمتُ لوهلة ثم فاجأتها بسؤالٍ آخر: أنتِ مثلًا يمكن أن تكوني معي، ولو على سبيل التجربة؟ تجربة علمية أكثر من أي شيء آخر، لا بد أنها سوف تفيدك في مجال عملك ودراستك العليا.

نهضتْ في فزع وصرخت في وجهي: ماذا تقول! أنا لست عاهرة لتطلب منها مثل هذه الوضاعة.

نهضتُ بدوري واقتربت منها، وقد نالني الكثير من الارتباك مما زاد من صعوبة قدرتي على النطق، وقلت: نحن نتناقش، فليس من داعٍ للعصبية.

صمتُ محدقًا في عينيها المتأججتين غضبًا، وربما من شدة استسخافها هراء شخص مثلي، معاق ومراهق باحث عن النشوة بمنتهى الحماقة في آنٍ واحد، ثم استطعتُ الاستنجاد بأحرفي المقَطَعة، فقلت: أكيد لا أفرض عليكِ أي شيء، لكنك تعجبينني بصراحة، تعجبينني كثيرًا.

فاجأتني بضحكتها فاهتز صدرها كما لو أنه يندفع نحوي، أو يحرضني أنا للاندفاع نحوه، ثم قالت ساخرة: يبدو أنك تحب مشاهدة أفلام المراهقين.

قلت مجاراة استخفافها بكلامي: ويمكنني أن أكتب الكثير من سيناريوهات الإثارة عن علاقة المريض بطبيبته.

ارتسمتْ العصبية فوق ملامح وجهها مرة أخرى، وقالت: لكنني لست إحدى بطلات هذيان أفلامك الخليعة هذه، أفهمت؟

بدت كما لو أنها تتلقف أنفاسها بانفعال، ثم أردفتْ مهددة: سأرفع تقريرًا بشأنك للإدارة، أطلب فيه بحث فكرة إخراجك من المصحة، لأنك تعتبرها مثل فندق للمتعة، وليست مكانًا للعلاج.

رددت على نرفزتها بنرفزة: وأنا سأقول إنكِ لا تملكين الاحترافية المهنية للتعامل مع شخص في مثل ظروفي، وسوف نرى من الذي يبقى ومن الذي يخرج. لا تنسي أنني زبون مرحب به دومًا، فوالدي لا يناقش كل زيادة سنوية تطلبها الإدارة منه بأية حجة كانت.

ـ لأنكم تملكون دولارات النفط تظنون أن كل الأفخاذ ستفتح بإشارة من رغباتكم الثرية!

ـ لا تحوِلي الموضوع إلى مناقشة سياسية ـ أخلاقية أو أيٍ كانت، في كل الأحوال ليس لي أن أتحَمل ثقل سخافتها، كفاني سخافة ما أعاني وسوف أظل أعاني طول عمري.

ـ أنت الذي تفضل الانعزال والرضوخ لشكواك، هناك معاقون مثلك وأكثر ويستطيعون أن يثبتوا وجودهم ويحققوا أمورًا متميزة وتثير الإعجاب، وأنت نفسك يمكنك أن تكون كاتبًا بالفعل إن أردت.

قلت مبتسمًا وكأنني وصلتُ إلى ما أصبو إليه: يعني وافقتِ أن تمديني بتفاصيل العلاقة الأولى، أقصد السيناريو الأول؟

انفجرتْ بالضحك رغمًا عنها، بينما غادرتُ غرفة مكتبها لأنهي تلك المحادثة التي أخذت تتمطى حتى صارت ثرثرة لا جدوى منها، إلا أنها ظلت تتعرى في مسارح أحلامي متجددة العرض، شهوةً تلو الأخرى، حتى بعد أن شهد جسدى وهج المضاجعة الأولى، انبثق ضياؤه في أوردتي كما لو أني أولد من جديد، دون اختناق يصد عن رئتيَّ الهواء في لحظات ولادتي الأولى.

***

من رواية "محطات الهروب والعشق" الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

جارتي الآنسةُ أيڤا:

كلبكِ يهبطُ سُلّمَ هذا البيتِ..

بصمتٍ وهدوء،

وكأنّ الطيرَ على رأسهْ،

لايرفعُ عينيهِ في عينيّ،

يهبطُ ملتصقاً بالحائطِ .

يبتعدُ....

عنْ جسدي!

*

خجلٌ حيوانيّ؟

خوفٌ؟

أم يخشى أنْ ألقيَ شعراً

فوق السُلّمِ....

حتى القاع؟

*

هل يعرفُ:

أني أقرضُ - ما سُميَ - شعراً ؟

*

أشعرُ بلهاثهِ يخترقُ جدارَ الغرفةِ

في أعماقِ الظلمةِ.

اسمعُ خربشةَ يديهِ تدقُّ الحائطَ

أنهضُ عن وجهِ الأوراقِ،

أضعُ القلمَ،

يديَّ،

أتأملُ خلفَ النافذةِ ....

هل يفهمُ إيقاعَ الشعر العربي؟

هلْ أطربَهُ همسُ الأبياتْ،

أم أفزعهُ صدى الأصواتْ

داخلَ أروقةِ الأبياتْ،

أم يحتجُّ على الكلماتْ؟

هل يدركُ أني أكتبُ عنه؟

*

وجهُ الكلبِ مجرّاتٌ

في ذاكرةِ الكهفِ،

ووجهُ الشاعرِ أصواتٌ

يتبعها الغاوونْ

في أغوارِ الوديانِ يهيمونْ!

*

هل يعرفُ عن كلبِ السبعةِ

يبسطُ ذراعيهِ، وينامْ

فوق الرمل الدافئ

وسعيرِ الأحلامْ؟

*

تنشطرُ الرؤيةُ حينَ يمرُّ الكلبُ الصامتُ

فوق سلالم هذا البيتِ الحجريةِ

مُنقاداً منْ عنقهْ.

خَجَلٌ،

خوفٌ،

غضبٌ مكتوم،

عجزٌ في الرُكبةِ،

أم موتٌ قادم؟

*

لم أسمعْ يوماً كلبَ الآنسةِ أيڤا ينبح!

عجبي!

يتصدّعُ هذا الرأسُ

منْ رَجعِ صراخ الصبيةِ في شارعِنا

والنسوةِ في حارتنا

والعاصفةِ الرمليةِ فوق الأكواخْ

وصوتِ مذيع فضائيةِ القرن

وشِعر المليونِ صداعْ!

*

أنسيتمْ أنْ الشعرَ صراخٌ

في وجهِ سكون الغابةِ

و‌أمواج البحر الصاخبةِ

والقهرِ

وأنواءِ الليل؟

*

أنسيتمْ أنْ الكلماتِ الكبرى تعبرُ كلَّ القاراتْ،

لتحطَّ على وجهِ الطفلِ هناكَ

في نيرانِ الكون الأكبر،

في عاصفةِ القرنِ الماضي

والحالي

والقادمِ،

فتثيرُ كلابَ الصيدْ؟

*

كلبُ الآنسةِ أيڤا

أهدأُ من ليل الصحراءِ، أرقُّ

منْ كفّ الطفل المولودِ حديثاً،

أعلى صوتاً منْ حكماء القادةِ

في عالمِ ما بعدَ الطوفانْ.

*

خمسٌ من قططٍ صينيةٍ

تلاعبُهُ

وتداعبُهُ

حبّاً،

وحميميّة.

*

خمسةُ أطفالٍ منْ دار السيدةِ الفقرِ هناكَ

خلفَ حدودِ البلدانِ الشرقية

وبيوتِ الموتِ الطينية

تتفجّرُ أشلاءً

وشظايا

بمفخخةٍ!

*

إثمُ الشعر العربيِّ الصارخِ

أنَّ طغاةً قد ناموا

في أحضانهْ،

فأقاموا الدنيا،

لم تقعدْ

حتى الساعةْ!

*

هلو !

هلو !

كلبَ الآنسةِ،

كم أنتَ ودودٌ وجميلْ،

هل تعرفُ أني أقرضُ شعراً

بأسناني؟

وكلابُ السفحِ الثاني

تنهشُ في لحم الأطفالْ

والشعراءْ!

***

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 18 مارس 2009

تحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

أغنية

على شفاه الموج

زهر نغماتها.

وغيمة

في كفّها

ملح وطوق صَدِئٌ،

*

تخبز أجنحةَ نحلةٍ

قناديلَ

لطفلة

تفتّش لها

عن عطر به ترى.

تقول:

غابات السّماء

ما بها مختبأ

وأنت يا غزّة

للمعطوب بلسم.

فهل على قوسك لي

متّكأ؟؟؟

هذه يا غزّة أقراطي،

تفيض نغماتها

على وجه جدائلي

وفي المدى.

وإنّني اخترتك

مسرى لعبيرها.

*

تحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

أسئلة

في جسد الماء

شجونها.

لا شجر اللّوز

يعطّر

صرير ريحها،

ولا غصون التّوت

تمحو أوجاعها.

تطوف من زرع إلى زرع

ولا زرع

عليها يلقى دثاره.

تجول من باب إلى باب

ولا باب يجيرها.

تمضي في رحلتها،

كأنّما تفرّ

من قيظ السّراب

نحو خيل

يستدرّ

رُطَبَ السّماء.

*

يحضُرُني

والشّمس تقترب من مرفئها

عطر قميص

وهب الذّئبَ

مفاتيحَ رجاء

ومدارجَ.

وبين كفّيَّ

يمور وجه هند،

تتنازع النّهور

أحماله،

لئلاّ تتعثر…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

 

قصتان قصيرتان

1- عين أم فؤاد تبلى بالعمى

وقفت الواعظة، أم العروسة ندى تبحث عن كبرى بناتها باهتمام، وهي سيدة تختلط في قلبها مشاعر التقوى والارتياب بالآخرين، إذ يعشش في رأسها شيطان الحسد وتعامل الناس على قاعدة أن صاحب الحاجة حاسد، حتى في مواعظها أثناء المناسبات الحزينة، كانت تحث على قراءة المعوذات وكأن العين مفتاح كل العُقَدِ والحلول.

وفي عرس ابنتها كان موضوع الحسد هو شغلها الشاغل الذي ملأ رأسها بالخوف والأوهام، كانت مراكبها تجذف في المرافئ التي تغوص بالناس، متسللة من بينهم علّها تظفر بخلوة تنآى بها عن العيون المتربصة، فبدت وكأنها ستتعرض لسطو من قبلها، فيستحوذ القلق على رأسها المخطوف إلى حكايات الحاسدين وأثرهم السحري على العباد، تهمس في أعماقها، ماطة فمها توجساً، بعد أن شاهدت ابنة عمّها نعيمة (أم فؤاد) تتصرف كأنها أم العروسة، فتحيطها بعينين تفجرت فيهما الأسئلة الاستنكارية:

"الله يستر من هذه الليلة!

ليتها اعتذرت عن حضور الحفلة!

ها هي تجلس هناك مثل الغراب، ونعيبُها ينفّرُ الطيورَ في رأسي من الغناء..

تباً لها من حيزبون!

ترى ما سبب مجيئها هل ذلك فقط لأنها ابنة عمي وقد دفعها الواجب لمشاركتنا الفرحة!

"قل أعوذ برب الفلق"..

أم جاءت بعين حاسدة لتضرب بها ابنتي التي رفضت ابنها فؤاد، ذلك الأرعن المغرور الذي اشترى المظاهر الخادعة على حساب نصائحي، بينما هو دائم الانتقاد لي ويتهمني بأنني لا أفعل ما أقول وكأن اللعين يتهمني بالنفاق!!

فعلاً هي قلة تربية! وبحمد الله فقد جاء نصيب ابنتي ندى الذي تستحقه، ما شاء الله عليه، ذلك الشاب الذي دق باب قلبها أثناء دراستهما في الجامعة خارج البلاد!!"

وفجأة أكلت الحيرةُ رأسَ أم العروسة، فتسارعت دقاتُ قلبِها، وارتعدت فرائصُها من شدة الهلعِ حتى انتفخت أوداجُها وتقلبت عيناها في جفنين كأنهما مبخرتان تصاعدت منهما أدخنةُ الريبة، وقد امتقع وجهُها خوفاً من الحسد إذ باغتها.. وكانت قد أورثته لأولادها.. بحثت عن ابنتها الكبرى في زحام المدعوين وقلبها يلهج بالدعاء:

"يا رب سترك".

فيما أخذ قلبها الواجف يدق بشدة بينما عقلها المضطرب يهلوس كمن فقدت وحيدها، تهمس في أعماقها:

"عين الحسود تبلى بالعمى".

ثم تكمل مفزوعة:

" استغفر الله العظيم؛ لكن أم فؤاد تكون ابنة عمي أيضا!! فلا أتمنى لعينيها سوى أن تنحجبا عن ابنتي".

اشتعلت الصالة بالزغاريد فقد دخل الخيّال على فرس الأحلام إلى الصالة، ووقفت ندى تستقبل عريسها، وما أن جلس حتى اشتد الرقص وتمايلت الرؤوس طرباً إلا أم العروسة التي نادت على ابنتها الكبرى بحذر، وهمست في أذنها:

"راقبي أم فؤاد جيداً، فلا تدعيها تشاهد العروس وهي مصمودة في صدر القاعة.. وإذا اقتربت لمصافحتها؛ تذرعي بأنك تريدين تقديمها لصديقة لك في آخر القاعة، أحجبي أنظارها عن ندى".

ثم عادت إلى حيث صمدت ابنتها وعيناها تراقبان أم فؤاد وقلبها يحيط العروسين بالمعوذات.

أما ابنتها فقد نفذت المطلوب، وأحاطت أم فؤاد بعنايتها، ولسان حالها يقول:

"تلك النفاثة بالعقد"..

يتلعثم لسانها الملذوع بقراءة المعوذات درءاً لعيني أم فؤاد السوداوين والمتقادحتين شرراً، مسترسلة في الدعاء:

"قل أعوذ برب الفلق، من شر ما حسد"..

حتى وهي تودعها عند مدخل الصالة، تنفست الصعداء، وعادت إلى حيث كانت تجلس أم فؤاد لتستجلي أخبارها وتنظف أثر سمومها.

تُرى هل قالت شيئاً بحق العروسين!

فأصيبت بالدهشة، فقد أخبرتها كنة أم فؤاد المتمردة قائلة (وبالمناسبة هي مقربة من أم العروسة، وتناكف عمتها في المجالس الخلفية):

- احمدي الله أن خطبة فؤاد على شقيقتك ندى لم تتم.

- طبعاً شقيقتي هي التي رفضته مع أنه لا يعاب، فقد كانت تحب زميلها في الجامعة.

- غريب، في حدود علمي أن عمتي في الأصل لم تطلب يد ندى مباشرة، بل كانت تجس النبض فقط من خلال إخبار جدتك الحاجة زكية برغبتها في طلب يد ندى، وكان ذلك خلافاً لرغبة فؤاد الذي كان بدوره متيماً بالسكرتيرة التي تعمل في مكتبه، لكنه تماشى مع رغبة والدته فقط إرضاءً لها.

وكان فؤاد وهو شاب متحرر، أنيق عصري في الشكل والجوهر، يدرك بأن أم ندى لن تقبل به عريساً لابنتها، فثمة اختلاف بين شخصيته الواضحة، وشخصية أم ندى التي يرى بأنها لا تراعي حقاً في الناس ويستهجن كيف يحبها الأخرون.

ثم أكملت كنة أم فؤاد الحديث:

- الأسبوع القادم سيكون موعد خطبة فؤاد على سكرتيرته.. فتاة جميلة! ما شاء الله.. بيني وبينك، وهذا سر بيننا، لقد خرجت أم فؤاد من الصالة حتى لا يُفشى سرُ ابنِها فَيُطْرَقُ موعدُ الخطبة بعيون الحاسدين.

- ومن تراه يفكر بابنها حتى يحدث ما يضره!

- بالطبع كل من يتهم الناس بالحسد من باب الوعظ!!

- لا! وكأنك تقصدين والدتي.

- أعوذ بالله لم أقصد أحداً بعينه، فدعينا الآن من سيرة الناس... ثم علقت مبدية اعجابها:

صحيح.. كم هو رائع عرس ندى وبهيج!! والعريس!! يا لله ما أوسمه! هناكم الله..

- دقي على الخشب... قولي ما شاء الله! استر يا مولى العباد! "قل أعوذ برب الفلق".

وراحت تدق على الطاولة فتصدر الأساور في يدها رنيناً جلب انتباه العيون المحيطة بالطاولة فأجفل قلبها ذلك.

***

(2) كلاب الحي السمان

أخرجت ضرعها الذابل من فم الرضيع الذي قتله الجوع.. الذباب كان يغطي شفتيه المتراخيتين، ولسانه الذي شققه الظمأ وأسنانه اللبنية، وحلمة ذلك الثدي المتهدل الذابل التي أحيطت بدائرة داكنة غطتها حبيبات منفرة كأنه الجرب.. الحمّى تُحَوِّلُ جسديهما المغسولين بالعرق إلى مرجل.

وقبل أن تموت كانت قد ألقمت ضرعها للخيبة التي ارتشفت ما في جسدها المتهالك من حياة، وحولتها إلى قمع سيجارة هرسته أقدام المشاة وسط الزحام.. حتى مال رأسُها جانباً، ورويداً رويداً تراخى جسدها، وجحظت عيناها كأنها أضحية العيد بعد ذبحها.. وانفرجت قبضة يدها.. تحولت إلى جيفة أسجيت في يباب القهر المحاط بزحام مدينة لا تسأل عن المشردين.

وها هما يتحزمان بالكفن دون أن يجدا من يدلق على جثتيهما إبريق ماء أو حتى يصلي عليهما أحد من العابرين كالسكارى.. ولا حتى إمام المسجد المجاور فعل ذلك، الذي يئم في الناس خمس مرات في اليوم.. يصلون وراءه في قاعة الصلاة التي غطت جدرانها الزخارف الأنيقة، فيطلق العنان لصوته الجميل الذي كان يلهم المتسولة ويعزز فيها الصبر والثقة بفرج الله.. فتنتظره لتخشع وترتاح إليه وقلبها يلهج بالدعاء.

ظلت المتسولة مهملة حتى استباحتها قطط المواخير والشوارع التي تحولت إلى ضواري في لحظات وهي تنهش كرامتها وتقدد جسدها المسلوب.

ذات يوم كانت هذه القطط تنافسها على بقايا الطعام المترف والمدلوق في الحاويات المركونة في الأزقة خلف المطاعم أو على جوانب الطرق في الأحياء الراقية.. وقبل أيام تحرش بها أحد السكارى ففقأت عينه.. وقبلها بأسبوع طردها حارس العمارة من محيط العمارة لقذارتها وحرمها من الطعام المدلوق في الحاوية المجاورة.. وقبل شهر ألقي القبض عليها وزجت بالسجن الذي تمنت ألّا تخرج منه، بتهمة التسول.. واليوم تدفن ورضيعها وحيدين في حفرة مهملة دون أن يوجه رأسها نحو القبلة، فقط وجدها أحد المارة منتفخة مهملة كأنها بقايا طعام للدود، سحبها، كوم الجثة عند جرف الحفرة، تخيلها من بقايا وليمة أجهز عليها اللئام، ثم ألقاها في قاع الحفرة التي كانت معدة منذ عام لغرس عمود الهاتف.. لكنها مع ذلك تحولت إلى مادة دسمة أخذ يتشدق بحكايتها أحد المرشحين للمجلس النيابي من المتسلقين وهو يتهم الحكومة بالتقصير بحق المهمشين بدلالة ما جرى لهذه المتسولة.. وكان أحد السحيجة يخفي سراً وهو يهتف للمرشح المبجل فيردد في أعماقه:

" لكنك طردتها من الحي الذي تقطنه خشية أن تجلب الأمراض للناس.. أيها الخبيث، بينما كان السبب الحقيقي يكمن في أنك كنت تتشاءم من رؤيتها مدعياً في ذات الوقت بأنها تجلب لك النحس!"

هذه حكاية الضرع الذابل الذي نجا من أفواه السكارى المترنحين في مواخير الدعارة أو المضروبين على رؤوسهم من ثقل الهموم ممن تميد بهم الأرض؛ لتلقمه صاحبته للخيبة حتى لا تنهشها كلاب الحي أو القطط السمان.

أوه!! تذكرت.. فقد سمعها أحد العابرين تدعو الله متضرعة:

"الله ينتقم من ...!

ثم يأكل الخوف لسانها:

"! لكنها تكمل صارخة وهي تعض على لسانها بنواجذها وفي عينيها يتوقد الانتقام:

"اللهم اهلك الظالمين"!

***

بقلم: بكر السباتين

 

عِنْدَمَا اَلْيَأْسُ غَدَا بَوْصَلَةً

وَغَدَتْ بَوْصَلَةُ اَلْمَاءِ بُخَارْ

صَارَتْ اَلْأَيَّامُ تَحْيَا غُرْبَةً

وَغَدًا اَلْوَقْتُ أَسِيرَ اَلِانْتِظَارْ

**

غَفَتْ اَلْأَيَّامُ،

نَامَتْ

قَصَرَتْ، ثُمَّ اِسْتَطَالَتْ

بَعْدَ يَوْمَيْنِ اِسْتَفَاقَتْ

لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ مَاذَا قَدْ حَصَلْ

بَيْنَ صَحْوٍ وَمَنَامْ

أَخْبَرُونَا أَنَّ أَبْوَابَ اَلْأَمَلْ

كُلُّهَا قَدْ أُغْلِقَتْ

وَسَتَبْقَى مُغْلَقَةْ

وَكِلَانَا نَحْنُ

لَا يَمْلِكُ مِفْتَاحًا لَهَا

لَا، وَلَا يَعْرِفُ مَنْ أَغْلَقَهَا

**

فَرَّ حُلْمٌ كَانَ مَا بَيْنَ يَدَيْنَا

وَاخْتَفَى فِي لَمْحَةٍ عَنْ نَاظِرَيْنَا

فَسَأَلَنَا

كَيْفَ طَارَ اَلْحُلْمُ مِنَّا

أَيْنَ صِرْنَا؟

لَمْ يُجِبْنَا

أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْنَا

فَمَشَيْنَا دُونَ حُلْمٍ أَوْ مَسَارْ

لَا نَرَى فِي اَلصُّبْحِ شَمْسًا أَوْضِيَاءْ

لَا نَرَى فِي اَللَّيْلِ نَجْمًا فِي اَلسَّمَاءْ

لَمْ نَعُدْ نَسْمَعُ إِلَّا صَرَخَاتْ

تَرْتَدِيهَا اَلْأَسْئِلَةْ

وَهْيَ حَيْرَى ذَاهِلَةْ

***

شعر: خالد الحلّي

 

أرِح خُـطاكَ، فكلُّ حُــبٍ صــادقٍ

يأتــيـكَ دون تَـــرَقّــبٍ وخَـفـاءِ

*

وإذا خَطا الواشون خطوةَ حاسدٍ

فــاثــبــت بــعَــزْمٍ واثـِـقٍ وإبـاءِ

*

مَـن كان قـلْبُه، في هَواكَ بِعِـفّـةٍ

إحـفـظ هــواه، بــعِــفـةٍ ووَفـاءِ

*

وإذا وُعِــدتَ ، فللوعودِ عَـواثـِرٌ

أسْــرِع، بــدون تَــرقّــبٍ وعَـناءِ

*

وإذا تَـصنَّعَ في اللقاء مَـن ادّعـى

عَــجِّــلْ بــفــرقــتـِه، بدونِ لِـقاءِ

*

صَــوْتُ الكــرامَةِ للخـلود مُـؤهَـلٌ

وسَــنا الخلودِ، يشعُّ في الاجواءِ

*

لايرتوي الصادي، بِوَصْفِ بُحَيرَةٍ

والغُـصــنُ لا يَعـلو، بـغَـيـر الـماءِ

*

القــلـبُ يــَمْــنَحُ، لِـلسـانِ تَــمَكّـنـًا

والعيــنُ تــهــدي نــورَهــا لِـلرائي

*

ياســـاعيًا صــوْبَ الفِـراقِ، لِغايـةٍ

ســـوءُ الفِــعــالِ، تَـوَطّـنٌ لِـلـداءِ

*

اشــراقـةُ المَعـنى، دليــلُ تَـبَـصّـرٍ

يهــبُ النصوصَ دعائـمَ الإرســاءِ

*

فإذا ارتقى المضمونُ صَوْبَ عَلائه

يحلو النشـــيدُ، بـوقْــعِه الـغَـــنّـاءِ

*

نَـهْجُ البلاغةِ، في جَــماله ســاطعٌ

ووِســامُ تَـمْـكـِيـنٍ، ونــقـطـةُ بـاءِ

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

اللوحُ الأولُ

لا أدري رغم كل نباهة عصري

ما قد سطّر فيه!

موجودٌ يحصي أوقاتي

ولا يفضحُ ما يخفى

فالسرُ جزءٌ منهُ

يأتيهِ الحاضرُ والماضي

والقادم ُ يملكهُ وحده

**

اللوحُ الثاني

من طينٍ، غادرَ ساحاتنا منذُ زمان

واستوطنَ أجزاءً من هبة ِالنسيان

يعرفهُ بعضٌ منا

وبعضٌ لا يدري ما فيه

لكني أشعرُ بروح ٍمن شعلةِ مجدٍ

يخفيها

**

اللوحُ الثالثُ

من ورقٍ مختلفِ الألوانِ

والأحجامِ

يطفو في زهوٍ عندَ البائعِ

أو يخشى من سطوةِ أقدامٍ

يبدي ما فيهِ من زحمةِ عصرٍ

يكتظ ُبهولِ الرغبةِ والأحلامِ

مرنُ الطبع ِ كثيرا...

يتصلبُ في بعضِ الأحيان

**

اللوحُ ألآخرُ:

يكتبهُ غيرك

تلكَ اذًا خارطةُ الأزمان!!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

ما زلتُ أعرف تضاريس جسدكِ كما تعرف الكواكبُ مساراتِها حتى بعد انطفاء الضوء. أحفظ انحناءاتكِ كما أحفظ خرائط المعارك الطويلة، التي لا تنتهي بالنصر بل بالذاكرة.

*

جسدكِ لم يكن جسدًا، كان قارةً ظهرت لي فجأة ثم غابت، وتركت في يدي بوصلةً ترتجف كلما اقترب الحنين. كنتُ أعبركِ كما يعبر جنديٌّ حربه الأولى: خائفًا، مندهشًا، ومستعدًا لأن يخسر كل شيء كي يفهم.

*

الفراقُ ليس مسافة، إنه إعادة توزيع للألم. أنتِ هناك، وأنا هنا، لكن جسدكِ ما زال يقيم في داخلي كمدينةٍ لم تُقصف، مدينةٍ نجا فيها الحب بأعجوبة.

*

تعلمتُ من جسدكِ أن القربَ ليس لمسًا، بل معرفة. وأن المعرفة حين تُنتزع بالقوة تصير حربًا، وحين تُمنح بالحب تصير خلاصًا.

*

أنا ابنُ معركتين: معركةٍ علّمتني كيف أقاتل، ومعركةٍ علّمتني كيف أرتجف. الأولى تركت ندوبًا، والثانية تركتكِ.

*

وحين أسأل نفسي كيف استطاع البُعد أن يهزمنا، أدرك: لم يهزمنا… لقد علّمنا فقط أن بعض الأجساد تصبح أوطانًا، وبعض الأوطان لا تُنسى حتى بعد السلام.

***

كريم عبد الله - بغداد / العراق

 

قالوا ، دعونا (نناطح) هذا الوجود

وقلنا دعونا (نطارح) هذا الزمان

وما بين النطيحة والأطاريح فرق حزين ..

وشاءت بنا الأقدار ان نرتجي

خطوات من ماتوا وراء المتاريس

وخلف الاطاريح ،

حتى نعيد للزمان فرحته البهيه..

والمواويل الغابرات الشجيه ..

وأحلام الصغار النديه ..

نراها تحلق كالعصافير في شجيرتنا الوفيه..

يا لهذا العويل وما بعده

يراوح كلما شاءت طقوس الهوى

أن تستجيب لتلك الدواعي السويه

وتلك الدموع الخفيه

وهاذي الشموع

وتلك الغواني

هل ترون المعاني

طوطما يستجير الرعود الخوالي..

آه .. من صمت السواقي

ومن صمت العصافير على الشجر

ومن صمت الدهور المقفرات

الخاسرات على المدى

في كل درب يستجيب

تلك مهزلة القوارير الكبار

يحملن ذل الإندحار..!!

***

د. جودت صالح

20/ 1 /2026

كنتُ مثل شخصية روائية يكتبها وفق مزاجه، يرسم عالمها، يحدد مساراتها، يرقب تفاصيل أفعالها وردود الأفعال، ويبتعد عنها حتى تظن أنها أفلتت من سوح أفكاره وصارت سيدة قرارها، تختار مصيرها بإرادة حرة مستقلة، ولم يعد يملك من زمام أمورها شيئًا، كي تدرك في النهاية أن تمردها ومهربها من ضمن خطة درامية أتقنها بمكرٍ مخاتل يعيدها إلى ملكوت عرشه أنى شاء، كي تنجرف مع مدٍ سردي جديد، دون أن تدرك ما يمكن أن يصبو إليه قبل اكتمال النص، وحبكة نصه التي ولجتُها، رغمًا عني، مشرعة على طريق أكثر ضبابية من شوارع لندن، فلا أستطيع أن أبصر أكثر من مدى الخطوة القادمة التي يريدني أن أخطوها، بمشيئةٍ يفرضها هو وإن أوهمني بحق الاختيار.

 كان يعلم أني أقيم وحدي في الشقة، وكذلك بعمل محمد في مطعم الشاورما الذي وجد كيسه ملقى على طاولة الصالة كما هو، ولم تواتني شهية لتناول الطعام، وتكاسلت عن فعل أي شيء، فقط ارتميت على الكنبة أول دخولي، كما لو كنت في انتظاره فعلًا كي يعاجلني بمفاجآت خططه المتتابعة، منذ أن قرر لقاء هاني بمحمد في عمّان واستطاع إقناعه بصداقة قديمة من السهل أن ينساها زوجي في مغبة الأعوام التي مضت على افتراقهما، بالإضافة إلى الخلل المتسَرب إلى خلايا ذاكرته بعد لطمات الحرب، حتى هذا الأمر أدرك تفاصيله ومراحله من تقارير الأطباء المتخصصين في بغداد. معنى هذا أن عيون مراقبته لي لم تفقد همتها حتى بعد اضطراره لمغادرة العراق على نحوٍ سريع، لم يذكر سببه أو أسبابه، ومن جهتي لم أهتم بالسؤال.

ـ وماذا لو تم قبول اللجوء في بلدٍ آخر؟ هل تتحكم بقرارات مفوضية اللاجئين أيضًا؟

ضحكَ ضحكته المستخفة، والتي صارت تثير حنقي: كنت سأتصرف، كما أن فروع مؤسسة كمال موجودة في الكثير من البلدان التي تقبل اللجوء، وبالنسبة لحالة زوجك كان قرار الموافقة على الطلب شبه محسوم، وحسب الرغبة في اختيار البلد.

ـ ولماذا مؤسسة كمال ياسين بالذات، وما علاقتك بها؟ كل واحد منكما على جانب بعيد عن الآخر.

ـ "شويه شويه" أنا أمام محقق؟

ـ طبعًا، أنت فقط معتاد على التحقيق واستنطاق الآخرين.

ـ عدنا إلى دس الكلام، بعد كل هذه السنوات، حتى لندن الرحبة بالحرية لم تغيرك.

صرختُ في وجهه: أي حرية وأنت ترصد كل تحركاتي، من بلدٍ إلى بلد ومن قارة إلى أخرى، حتى إجهاضي الذي لم يعرف محمد شيئًا عنه، ولا عن حملي، أنت عرفت به وكلمتني لتطمئن عليّ.

ـ كنتِ حبلى وأجهضتِ! صدفة عجيبة، شفتِ؟ مهما خطط الإنسان يبقى رهن الصدف، هذا يعني إنك لا تريدين الإنجاب من زوجك لأنكِ لا تنوين الاستمرار معه، معكِ حق، الرجل مضطرب نفسيًا، ومثل هذا الأمر ليس بيده، المهم أنتِ، لمَ تظلين مرتبطة بواحد مثله؟ تخلصي من تورطكِ بعقده، واخرجي من مغارته الكئيبة. يعني مغادرة العراق وترك كل أهلك كانت أسهل؟

 فطنتُ إلى ما يرمي إليه، فلزمت الصمت، أنتظر ما في جعبته ولم أتبينه بعد، ولمّا ظل على صمته، يرمقني بنظرات أفهم إشاراتها جيدًا، قلت في ضيقٍ واضح: 'عمّار، لا تلاعبني، أنت أظهرت نفسك اليوم أمامي وجئت لتجيب على أسئلة تعلم جيدًا إنها يمكن أن تنتهي بي إلى الجنون إن لم أعثر لها على إجابات مقنعة.'

صمتُ وتأففت، ثم سألته: خولة أخبرتك؟ هل هي من عيونك عليّ هنا؟

راح يدندن: "عيني والله ما شافت غيرك، سهَّرتني ونمت وخليتني ويا طيفك."

ـ أنت سكران؟

ـ ماذا أفعل لكِ، هذا بدل أن تشكريني؟

ـ أشكرك على اقتحامك حياتي بهذه الطريقة. جعلتني مثل طفلة تنظر إليها وتضحك من تصرفاتها وأفعالها من بعيد.

أحاط خصري بذراعيه وجذبني نحوه: قولي مثل عصفورة وجدتها عالقة في شِباك الموت، تتذكرين؟ أول مرة رأيتكِ فيها ترتدين السواد باكية على كل من مات والمنتظَر موته، مع أن الحرب لم تكن قد بدأت ولا اقتربت نيرانها منا بعد.

 عناقه استثار جسدي للحظات، كأيامنا الماضية، وصدري استكان إلى صدره في خدَرٍ عذب ينتظر التعري بين حناياه، وسمعتُ صوت الباب يُفتح، أو شيء في داخلي أراد توَهم ذلك، وانتفضتُ على حلقة ذراعيه فارتختْ في ارتباك لدى قفزي مبتعدة عن نيراننا، لا نيران الحرب، ونظرتُ إليه بذهول يستغرب وقاحة تطاول رجل غريب اقتحم شقتي عنوة.

ـ ما بكِ؟ فقدتِ الذاكرة، أم اختل عقلك مثل زوجك؟

ـ أنتَ قلتها، زوجي، ولو لم أكن متزوجة، أنت تعرف وقلتها لك منذ البداية، أنا لست...

قاطعني متذمرًا: أعرف، أعرف، نفس موال فتاة الكلية التي تلتزم الوقوف عند الخط الأحمر ولو في آخر لحظة، لكنكِ الآن واحدة أخرى، حرة، مستقلة تعيش في دنيا لا تشل حركتها القيود ولا العيون المتطفلة وثرثرة الألسن، وزواجك يهتز مثل اهتزاز جسدك في حضني.

ضقتُ بضحكته مرةً أخرى فأسكته بقولي: بفضلك على الأكثر، أنت طلبت من كمال فصله من المؤسسة، وحتى عراكه مع العامل الإنكليزي ربما كان من تخطيطك أيضًا، دفعته إليه وعلَّمته كيف يستفزه.

ـ تفرحني ثقتك الكبيرة بقدراتي، وترضي غروري.

امتعضتُ من قهقهته، فقلت: كفاك سخرية واستفزازًا. كبرتُ عليه، وأنت قلتها، نحن الآن في لندن، كل شيء مختلف هنا.

ـ أنتِ التي تنقليني بين هنا وهناك كما تشائين، اثبتي على حال لأعرف كيف أكلمك.

 عرفتُ أنني لن أتخلص من مراوغته المحتالة حتى لو أمضينا الليل كله في حديث طويل ممل، ولن أحصل منه في النهاية إلا ما ينوي قوله، مستمتعًا بفضولي واستغرابي وحيرتي.

 خولة كل ذنبها أنها ثرثارة، في الأمور التي لا تخصها على الأغلب، أبلغت صديقة مشتركة بينهما، على حد تعبيره، تاركًا لي فهم ما يقصد كما أشاء، ولمّا عرف كلَّمني للاطمئنان عليّ، وقد كان في توق لرؤيتي.

 افتعلتُ تصديقه، وقد يكون هذا فعلًا ما حصل في خضم المسرحية متشابكة الأحداث التي أعد لها بإتقان، غير غريب عن عالم مثل العالم الذي ولجه في عمرٍ مبكر.

 على كل حال ذلك الأمر أمسى ثانويًا إلى جانب علاقته الوطيدة برفيق وصديق والدي القديم، والتي تسمح له بدخول مكتبه من الباب الخاص بشخصيات "V. I. P."، أخبرني أنه الآن شريك في شركة استثمارية في هولندا، وعلاقته بكمال ياسين وابنه أسامة علاقة عمل، والتجارة لا شأن لها بأي موقف أو توجه سياسي، الأمور متداخلة فقط في العراق، أما في عالم الأعمال الحر فالوضع مختلف تمامًا، وتلك متاهة لا داعي لأشغل نفسي بها، يكفي أن آخذ فكرة عن الأساسيات كي لا أظل في حيرة من أمري.

 اقتنعتُ أم لم أقتنع فالنتيجة واحدة، وتشعُب علاقات السياسة وتفجُر رؤوس الأموال الطائلة على حين غفلة من الأمور التي لا تعنيني بالتأكيد، ما دمت قد اتخذت قراري بتقديم استقالتي دون تأخير والابتعاد ما يمكنني عن مغارة الريبة التي ألقتني فيها خططه المخابراتية، لكن هل أستطيع بذلك أن أنجح بالإفلات من قبضته، بل قبضاته المتتبعة رفرفة جنحيّ المحلِقة في فضائه؟

 لم أكن أبالغ كثيرًا في تصور كاميرات المراقبة المحدِقة بي في كل وقتٍ ومكان قبل رحيلي من العراق، وهنا أيضًا، وعلى نطاقٍ أوسع، لسبب تحيَّرت فيه، ربما فقط لإرضاء غطرسته المستمرة بامتلاكي، دون أن يخضعني لإشباع شهوته، مثل سابق عهده منذ تعارفنا، مستأنسًا من جديد بمباغتة الكر والفر فيما بيننا حتى أصير في متناول فراشٍ يجمع جسدينا بكامل إرادتي.

 إرادتي؟ وهل امتلكت يومًا إرادة حرة بالكامل كي أحتمي بصلابتها الآن، ومن مَن، منه بالذات، وهو القادر على اختراق حياتي بكل بساطة؟ أف... هأنا أدور في حلقته المفرغة بلهاث أنفاسي، تائهة عن نقطة البداية الملعونة.

 حلقة من ضوءٍ خافت، مثل شمس الشتاء الباهتة، يلقي المزيد من الحيرة والوحشة في قلبٍ وشمت نبضاته الغربة من قبل الرحيل عن الوطن البعيد، المكلوم بغصات أبي ومحمد والكثيرين، أغلبية صامتة على حد تعبير صحفي قرأته ضمن مقال يتناول وضع العراق عهدًا تلو الآخر، متقلب الأهواء والصراعات والتوجهات.

لا، هم ليسوا بالأغلبية الصامتة. كاتب المقال لم يحسن دقة الوصف، أو أنه أراد وصفًا تجميليًا بعض الشيء. إنها أغلبية مخروسة، مقطوعة الألسنة، ومجهضة الأحلام كما أجهضتُ جنيني خفيةً عن أبيه، إشفاقًا عليه من دنيا انسحب أمانها عني دون أن يسجل عمري الصغير أي خطيئة، فكيف لي أن أهب ما أفتقد مع رجلٍ وجد في إعداد وبيع الشطائر أفضل ما يمكنه فعله للابتعاد عن أي ضغطٍ يزيده اضطرابًا في مواجهة ريحٍ عاتية كانت قد نبذته إلى الفناء، فعاد متشبثًا بأذيالها اللاهية في سوح عبثٍ جديد لا ندري إلى أي حال يمكن أن يرسو بنا.

 سمعتُ صفق الباب ليؤكد خروجه، إثر ثورة غضب وصياح قهر مكبوت أثقل كاهل سنواتي، على أن يعاود اللقاء بي في المكان والوقت المناسبين لرغبة يهيء لها الظرف الملائم لإرادته، والغامض من أهواءٍ لا ترسو على ملمحٍ واضح يجيب على سؤال من الأسئلة المتفرعة التي ينثرها وراءه بكل برود مقيت.

 رجل الأمن الخفي، والمزوّد بجواز سفر هولندي، باسم غير اسمه ربما، هذا إن كنت أعرف اسمه الحقيقي فعلًا، يتيح له السفر وحرية التنقل في أي بلدٍ يشاء، في مهام أمنية خاصة (خاصة جدًا)، أو من أجل جني المزيد من الثروة والنفوذ والهيمنة، أو كلا الأمرين معًا.

  في اليوم التالي ذهبتُ إلى عملي، معتزمة ألا أطيل المكوث قبل خروجي من جنة الفردوس الزاهية إلى غير رجعة، فقط سأقدم ورقة الاستقالة وأدير ظهري دون أن أنتظر جوابًا، وإن اضطررت إلى ذكر أسباب الاستقالة سأتعذر بحالة محمد الصعبة والتي تتطلب مني ملازمته لفترة طويلة لا تناسبها أي إجازة، وقد جدت عملًا بدوام جزئي، أو أي حجة من هذا القبيل، عسى ألا أضطر لمقابلة كمال ياسين الذي سيحاول بالتأكيد إثنائي عن هذا القرار، لإرضاء عمّار وليس لأجل ذكريات جمعته برفيقٍ قديم في بدايات مسيرته النضالية، محدقًا في عينيّ، كما هي عادته، وهذه المرة ستكون أكثر من سابقاتها، كي يجبرني على الإفصاح عن السبب الحقيقي وراء قراري الغريب، وربما سيعاود إغوائي بالشقة الفارهة التي ظلت لحد الآن مجرد وعد من الوعود التي كنا نسمعها عبر إذاعة، أو إذاعتيّ، المعارضة بكل حماس يبشرنا أن رجال الحرية المنتظرة سيصلون القصر الجمهوري مع تباشير الصباح، وذات الأمر بالنسبة للدكتور النفسي الذي سيتم تحديد موعد معه من أجل مراجعة محمد، وكأن الأخير سيرَحب بذلك ولن يتملكه عناد الأطفال وحنق عقد الكبار.

 لكن المعارض السياسي البارز غير موجود، وكذلك ابنه، والمؤسسة بكل ضخامتها وحركتها المستمرة بدقة، كخلية النحل، يسودها الارتباك وتشنج الأعصاب العام، رغم محاولات رؤساء الأقسام وأعضاء مجلس الإدارة الحفاظ على انضباط العمل، دون نقل أي خبر عن رجل الأعمال والسياسة سوى أن حالته مستقرة إثر تعرضه لإطلاق النار، رغم إحاطته بحراسة مشدَّدة لا تغيب عيونها عن أدق تحركاته ولو من بعيد، دون أن تثير أي انتباه.

 اتصلت بخولة عدة مرات حتى ردت معتذرة مني لعدم الإجابة، فهي مشغولة جدًا مع الخالة نوال التي فاجأت الجميع بسرعة ذهابها إلى المستشفى ما أن أبلغها أسامة بالحادث الذي يسوده الغموض، لحد الآن على الأقل.

 قلقي على الخالة نوال ورغبتي بالبقاء إلى جانبها، أكثر مما قد تكون بحاجة إلى بقائي قربها، دفعني إلى أن ألح في الطلب من خولة أن تنتظرني عند مدخل المستشفى كي تسهل وصولي إلى حضن امرأة ينزف أنينها في صمت منذ زمن، مثل جرحٍ متقَيح لا سبيل للتخلص من لعنته المرتحِلة معها في بلاد الغربة.

رابط غريب يجمعني بهذه المرأة، فأنا ألوذ بالفرار مما انغمستْ به في عنفوان الشباب ووالدي وزوجها السابق الذي انتابها الخوف عليه، فرغم كل شيء، لحد الآن تحبه، على عكس ما تبُدي، أم أن عينيها تذرفان الدمع على السنين التي قضتها في رفقته، كل الأحلام التي انتهى بها السبيل إلى وجع الخذلان، وكل نبضات الخوف المرتجفة كأوراق الخريف.

 انزوت بعيدًا عنه وعن كل ما وعَت عليه في شبابها من شعارات. صارت لديها كومة ذكريات، وتتحسر على وهج أمانيها المنطفئ في صمت الثكالى، بينما ظل هو في ركضه المزداد سرعة حينًا بعد حين، لا ينظر وراءه إلا كي يلمح مطارديه ويعرف كيف يتسنى له المزيد من المراوغة في درب صعوده نحو القمة التي اختارها، تلفظ أنفاس كل حلمٍ راوده وبهت أمام ناظريه، فصار مثل ورقة تحمل أثر كتابة ممسوحة لا يريد أن يتذكر من كلماتها حرفًا إلا عند الحاجة كي تفتح أمامه آفاقًا أوسع.

 لعلَّ ما قرأتُه أمدني بهذه الصورة محتدمة الأحداث عنه، لكن السر الحقيقي، يبقى لديها أكثر من أي شخصٍ عرفه، وهذا ما جعلها موضع أنظار الكثير من منافسيه وأعدائه، محاولين جرجرتها إلى سهول البوح الطويل عبر من يدفعون إليها من صحفيين عراقيين يُعَد هذا النوع من التحقيقات الفاضحة مورد رزق أساسي لهم في بلاد اللجوء، إلا أنها كانت دومًا تصر على الصمت وإبعاد كل من يحاول الاقتراب من مخابئ ذكرياتها، ومن يعاند ذلك الإصرار عليه تحمل تطاير شرَر عصبيتها الحادة والمهددة بالاتصال بالشرطة، الموزِعة عدد من رجالها هنا وهناك، ربما لهذا السبب أكثر من سواه وجدتُها تجلس في غرفة استراحة خاصة، يقف على بابها حارسين شخصيين، رغم خلو المكان من أي صحفي، كما بدا لي على الأقل، كل حين يمر ولدها أسامة من خلف الزجاج، يطمئنها بإيماءة من رأسه وهو يتكلم في الموبايل الذي يكاد لا يفارق أذنه، دون أن تبدو علامات التوتر والقلق على قسمات وجهه الوارث ملامح والده مع شيء من إشرق عينيّ والدته المميَز.

 حاولتُ الربط بين زيارة عمّار له، ومن ثم ما جرى بيننا من حديث، وبين حادث إطلاق النار، لكني بالتأكيد لم أستطع الوصول إلى نتيجة، أو أستقر على تخمينٍ يمكن أن أسترشد به لأهتدي إلى الخفي دومًا عن عقول المعتادين الفرجة من بعيد، دون أن تكون لديهم القدرة على فعل شيء، ملتزمين بأدوارهم الهامشية المفروضة عليهم من قبَل هذا الطرف أو ذاك، وإن اقتضت الضرورة يصيرون مجرد ردود أفعال (طيِّعة) ليس لها تجاوز المساحة المحددة لها، فقط مؤثرات صوتية مواكبة للصراع الدرامي متباين الأحداث غير المنتهية، وأنا كنت ما بين متفرجة ومشاركة، رغمًا عني، على خشبة المسرح التي وجدتها بانتظاري بين ثنايا مدينة ربما تتشابك فيها الصراعات الخفية أكثر من أي حاضنة لجوء أخرى.

 ليس بوسعي فعل شيء سوى الوقوف حيرى داخل حلقة عمّار وكمال ياسين، ألمحُ ظل المرأة التي أمضت جلّ سنواتها المناهزة السبعين ما بين صعودٍ وهبوط من خشبات مسارح مختلفة الديكور، حتى اتخذت قرارها الحاسم بالاختفاء خلف الكواليس، ما استطاعت على الأقل.

 أبتْ مغادرة المستشفى إلا بعد التأكد من استقرار حالة زوجها السابق، رغم طلب أسامة منها ذلك لأكثر من مرة، على أن يهاتفها ويخبرها بما يحصل من مستجدات أولًا بأول. في النهاية نهرته أمامنا لتذَكره بعنادها الذي لا تتنازل عنه في أصعب المواقف، وشعر بحرجٍ تلافاه بضحكة ساخرة، وقال في ابتسام: "من يقدر أن يغلب إرادة الرفيقة نوال؟"

 لم ترد على مشاكسته الممازحة، تنهدت قويًا دون رد ينتظره منها، ثم عادت لكي تحني رأسها في صمتٍ يؤازر الغيبوبة المستولية على رفيق دربها القديم، بينما رفع أسامة نظراته وحوَّلها نحوي، نظرات جامدة لا تفصح عن تعبير محدد، كأنه استغرب وجودي قرب والدته، وأحنى رأسه قليلًا إشارة للتحية، ثم سألني عن أخباري، مبتدئًا جملته القصيرة باسمي، الأمر الذي استغربتُه لوهلة ثم استدركت لمّا بزغ عمّار في رأسي مجددًا، وإلى ما لا نهاية على ما يبدو، لا أعرف بماذا أخبرَه ووالده عني بالضبط، وما دخلي بالعلاقة الغامضة التي تجمعهم، لكن من الواضح أن تأثيره عليهما جد قوي بحيث أني صرت خلال فترة وجيزة، نسبةً إلى معاناة المغتربين الجدد، ضمن السكرتارية الخاصة بقِمة هرم السلطة، أقصد المؤسسة.

قالت نوال في غيظ: لكن ما الذي فعله أبوك ليُطلَق عليه النار هذه المرة، وكيف تم اختراق كل الحراسة التي تحيط به؟ ربما تكون أكثر من حماية رئيس جمهورية.

ضاقت قسمات وجه أسامة، فأجاب: هذا ليس وقته يا ماما، نطمئن عليه ثم نسأل ونفهم.

حدّقت في عينيه: يعني أنت لا تعرف؟

ـ لا، لا أعرف. ألم تشترطي عليّ وجعلتِني أحلف بالقرآن ألا تكون لي أية علاقة بعمل أبي في السياسة؟

تأفف وخرج سريعًا. قالت نوال وهي تنظر نحو خطاه المبتعدة: مثل والده بالضبط عندما يتهرَّب من أي سؤال لا يريد أن يجيب عليه، يفتعل العصبية ويهرول بعيدًا لينهي الكلام متى يشاء. آه من كمال ومن لعنته التي تطاردني في الولد الآن.

 *

 نوال حاولت إبعاد أسامة عن فلك والده وتقلقل حياته قدر استطاعتها، لكن استقراره في لندن، بعد اختفاء دام سنوات، جرّدها من بقايا أسلحتها ولوّى عنق رغبتها بالانعتاق منه للأبد، فقد ظل الشاب اليافع يربطهما، شاءت أم أبت، والحوالات المالية متضاعفة المبالغ بشكلٍ يتفق مع ما يصلها من أخبار عن هرولته هنا وهناك، والتي كانت ترفض استلامها لتُرد إليه حيث حطّ الرحال. تلك الحوالات صارت حياة كاملة جرفت ريحها ابنها بعيدًا عنها كما جرفتها شخصية حبيبها وحماسته الثورية من قبل إلى تشرد لا ينتهي وإن استطاعت العودة إلى وطنها ذات يوم يبتعد كلما تمادت السنوات.

 تشرد استوطنها، يجول بأحلامها في كل مدينة سكنتها وكانت جسر عبور إلى مدينةٍ أخرى، في ذات البلد أو خلف حدودٍ جديدة لم يدركها الظن أنها ستجتازها يومًا، هو معها وليس معها، تتقطع حياتهما ما بين حضورٍ وغياب يخلِّف مزيدًا من الخوف بين أضلعها، تخشى تسربه إلى الجنين الذي أخذ يثقلها بعبءٍ مضاعف، فكرت بالإجهاض أكثر من مرة، لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك، لذا غبطت هالة على صلابتها عندما أجهضت جنينها، لكن بعضًا منها ظل مندهشًا من تلك القسوة التي استملكتها ودفعتها إلى خنق فرحة قد لا تدرك مثيلتها يومًا، حتى وإن حملت وأنجبت فيما بعد، مرة أو مرات، لن تكون أبدًا يذات زهو الأمومة الأول الممتد في الشرايين، يستبق الدبيب الأثير في الأحشاء، ظل يعلو ويعلو حتى أعلن تمرده على رحمها في اجتماع تأسيسي لتنظيمٍ جديد مرتبط ببقايا حزبهما الأسير داخل البلاد، أحد الرفاق كان طبيبًا من حسن الحظ، فتم وضع فراش إسفنجي على طاولة الاجتماعات الطويلة، ساعدتها رفيقاتها بالاستلقاء عليه، استبشر الجميع ببكاء أسامة، كدلالةٍ لولادة جديدة في درب النضال، حتى اقترح أحدهم تسميته "ماركس"، رد آخر: "لا، سلام أو عادل، أو اسم مرَكب: سلام عادل"... "لينين"... "الأفضل ستالين"، لكنها رفضت كل اسم مقترح، وقالت:

لا أريد أن أفرض عليه شيئًا منذ الآن؛ ليكبر، ومن ثم له أن يختار رؤيته الخاصة بنفسه.

سأل أحدهم في دهشة: كيف! نحن نريد أن يستمر فكرنا عبر الأجيال.

ردت: فكرنا قائم على روح التمرد والثورة، لا على التوريث وتدجين العقول.

 عنَّفها زوجها لإحراجه أمام رفاقهما مما قد يُفسَر كنوعٍ من التمرد على مبادئ الحزب الذي يحاولون لملمة شتاته في بلاد المهجر، لكنها أصرت ألا تحوِلهم أفكارهم إلى عبيد لديها بالكامل، فيواجهوا ذات الهزيمة التي لحقت بهم في وطنهم.

 لو أنها كانت هناك لذهبت إلى بيت أهلها، ومهما كان غضبهم منها ما كانوا سيَلقون بها وطفلها إلى الشارع الذي تحفظ كل بيوته وأسماء ساكنيها، أما شوارع الغربة، الباردة في كل فصول السنة، فتبقى أمامها غامضة الاتجاهات، لا تعرف في أيٍ منها تمضي دون أن يدركها ندم مضاعف يتركها هائمة وسط طريق جديد، تتشعب منه الفروع والمسالك أكثر فأكثر، بمنأى عن الرفاق الذين صاروا يتبادلون وزوجها الاتهامات.

***

 أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

...................

* من رواية "عصفورة الكواليس" الصادرة موخرًا عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

أصل الحكاية نقطة وفواصل

وزمن يبدأ من حيث لا أدري

زمن يهزأ بأحلامي

وأشياء خارج التفاصيل

تُناور داخل ذاتي

بين أحشاء الوجد ووَقْدِ الغيب

يرتدّ إليّ طرفي وهو حسِير

زمن الشبهات يستبيح ذاكرتي

ما الذي يتبقى لي غير صمت الحملان

وغضب الطيور المهاجرة

2

أصل الحكاية فكرة ونوازل

وتاريخ يُقرأُ دون معنى

تاريخ يبدّد ظَاهر الغيب

وسرديات خارج النسق

تُناقض رسائل الواقع

بين الفصل وحدّ النصل

تورية ومجاز ونقط استفهام

وترقيم يؤثث صفحات الذات

3

دعوني أحدثكم عن تلك المرأة

التي ارتمت بين ذراعيّ

ذات مساء عند الغروب

كعصفور مقرور

مرتعشة

باكية

دمعها وعرقها بطعم

نقطةٍ وفواصل

وفكرةٍ ونوازل

سيدة قادمة من زمن المطلق

تخترق الرّباب والسحاب

وترسم بألوان قوس قزح

قبلات في الهواء

وفراشات مُحلقة

وسنابل شقراء

سيدة تتحدث لغة الحب

وتحكي عن بقايا أشواق

من زمن الممانعة

4

أصل الحكاية نقطة وفواصل

وترتيب فصول وعوامل

وحد أقصى من فهم المبنى

وخروج عن سيرورة المعلوم

في حضرة المجهول

بين الحسرة والحصرم

وبدموع طفل فارق الأهل

أرسم بالحبر الصيني شمسا شاحبة

وأشجارا عارية

وقبرات مسافرة

وبحرا غاضبا

الأن

سأضع رأسي على الوسادة

وأحضن الظلام

وأقبل العتمة

الأن

سأمضغ حزني

وأستقبل سلالات الغياب

تصطكُّ أسناني

يرتعش قلبي

يترنح حلمي

اِشهدوا أَنّي اِنهزمت

اشهدوا أَنّي سقطت

واِنتهى زمن النقطة والفواصل

***

محمد محضار

يناير 2026م

 

في مَدَارِ الكَـوْنِ اسْتَفَاقَ النِّـدَاءُ

وتَـدَانَتْ مِنْ شُرْفَـتَـيْهِ السَّمَـاءُ

رَفَّ فِـي وَعْـدِهِ الضِّـيَـاءُ يَـمَامًا

مِنْ أَغَـانٍ يُـزَفُّ مِنْـهَا الضِّيَـاءُ!

**

كُـنْـتَ إذْ ذاكَ بَـذْرَةً في هَـبَـاءٍ

يَـتَـوَارَى في مُقْـلَـتَـيْـهَا الهَـبَـاءُ

مُذْ ضُحَى المُوْسِيْقَى الإِطَارُ تَجَلَّى

لِـبِـنَـاءِ التَّشْكِـيْلِ حُـمَّ البِـنَـاءُ

آنَ أَنْ كَانَـتِ الطَّبِـيْـعَـةُ أُنْـثَى

تَـرْسُمُ العُمْرَ.. والزَّمَانُ النِّسَـاءُ

تَحْتَ بَحْـرٍ بِالذَّرِّ طَـامٍ عَصُـوْفٍ

ما استَطَاعَتْ رَفْعَ الرُّؤُوْسِ الدِّمَاءُ

يَوْمَهَا قُمْتَ مِنْ مِثَالِ الهُيُوْلَى

أَيُّ رُوْحٍ مِنْ مَوَاتٍ تُضَاءُ؟!

**

هَلَّ صَوْتٌ مِنَ الأَعَالِيْ غَـزِيْرًا:

انْهَضُوا، أَيُّها المَوَاتُ.. وشَاؤُوا!

سَـلَّ نَـهْـرًا مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْ

ضِ فهَبَّتْ في صَفْحَـتَـيْهِ الظِّـمَاءُ

تَنْـهَـلُ النُّـوْرَ كالدَّوَاءِ اشْتِفَاءً

تَــارَةً ، ثُـمَّ تَـــارَةً وهْـوَ دَاءُ!

**

وابْتَدَا الكَوْنُ نَـفْحَةً مِنْ هَـوَاءٍ

فاسْتَـبَدَّتْ في كَـوْنِـهِ الأَهْـوَاءُ

وتَـنَـاهَـى في كَـائِـنٍ مِنْ تَـنَـاهٍ

يَحْتَسـِي السَّعْـدُ عُمْرَهُ والشَّقَاءُ

يَقْـتُلُ الوَقْتَ، إِخْـوَةً وجِـوَارًا،

تَـبَّ سَـيْـفًا وتَـبَّ فِـيْهِ انْتِمَـاءُ

أَعْـلَـنَ النَّـارَ طَـيْـبَـةً إِذْ رَوَاهَا

بِدِمَـاءِ الأَيْـتَامِ.. بِئْسَ الرَّوَاءُ!

شَفَّـهُ الوَجْـدُ، لا لِعِشْقٍ ودَارٍ،

بَلْ دُوَارٌ، من خَـمْرِ بَغْيٍ، عَمَـاءُ

تَضْرِبُ الأَرْضَ رِجْلُـهُ وبِرِجْلٍ

يَطَـأُ الشَّمْسَ، والذَّكَـاءُ ذُكَـاءُ

أَطِـمَاحًا؟ يـا لَـيْـتَـهُ! بَلْ جِـمَاحًـا

وفَـنَـاءً في ما احْتَـبَاهُ الـفَـنَـاءُ

عَـيَّ عَـنْـهُ طِبُّ القُـلُوْبِ قَدِيْـمًا

كُلَّمَا شَـاخَ شَـاخَ فِـيْهِ الرَّجَـاءُ!

**

قِـصَّةٌ تِلْكَ، لا عَـذَارَى قَصِـيْدٍ،

فَصْلُهَا الأَوَّلُ: (الصَّبَاحُ=المَسَاءُ)

فاسْقِـنِـيْها هَمْزِيَّـةً عَلَّ يَنْسَى-

في مَدارِ الكَوْنِ- الدُّوَارَ الـيَـاءُ

عَلَّ يَنْسَى رَيْبِيَّـةً و(ابْنَ رَيْبٍ)

قَـتَـلَـتْـهُ يَـائِــيَّـةٌ عَـصْـمَـاءُُ

كَيْ يَرِفَّ الغِنَـاءُ فِيْـنَـا يَمَـامًا

مِنْ أَمَـانٍ، كالبَدْءِ رَفَّ انْتِـهَاءُ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لي صديقُ في كلِ ليلةٍ يبني لذاكرةِ الله بيتاً

وعند اولِ إغفاءة له يهدمهُ

ذات يومٍ بعث لي فنجانَ قهوةً أزرق مصبوغاً

بسؤال

هل للهِ ذاكرة؟

خرجتُ من نافذةِ التواريخ المعلقة على الحيطان

كانت الساحه صغيرة

ولكن وحدهُ ذلك الشاهد على الحُلم

كان يهتزُ بين ذاكرتي والزمن

سأقولُ لكَ في خفقةٍ من الغربة

وتأكيد النسيان لمرارة الوجوه الجامدة من حولي

جسرُ دوار

وقناع لشاعرٍ يقف على باب غرفة العمليات يأكلُ العصافير بكلِ أشتهاء

متظاهراً

ولا يدرك الوجع لتلك المُتكئة على الحياة

كلُ ما كان

بيني وبين الله يمسي بذاكرة

يحيط بي البرد

وأرتجفُ بألمٍ في عليين

أغنّي وحيدةً

وتسطعُ نقطةُ في البحر

وفي نهايةِ الورقة الخضراء المرمية على الرصيف

تأتي بذرةٍ للرؤيا

حيثُ أنتَ

هل مازلتَ تسأل يا صديقي المُدمى

هل للهِ ذاكرة؟

***

هناء السعيد - إعلامية وشاعرة عراقية

اديلايد

يُوتْيُوبَرْ

ركّبَ فوقَ النحلةِ آلةَ تصويرْ

كي يعرِفَ أينَ تطيرْ

كي يعرِفَ أينَ النحلةُ تذهبُ حينَ الجوُّ مطيرْ

كي يجمَعَ إعجاباتٍ ومشاهدةً ربحاً في عصرِ التزويرْ

لكنّ النحلةَ سقطتْ

وانكسرَ جناحاها

صرختْ: يا هذا الإنسانْ

هل ضاقتْ أرضُكَ كي تلحقَني في زهرِ البستانْ

***

د عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

صاحِ! كم بابٍ سدَّهُ الخلقُ في وجـ

ــــهِك واللهُ بابُهُ مَفتوحُ

*

عُدَّ هلْ سُدَّ بابُه مرةً حتـ

ـتى ونتْنُ الذّنوبِ منكَ يَفوحُ

*

ضَنَّ أهلوكَ والرّفاقُ ويُؤتي

وبما قد آتاكَ تُشْفى الجُروحُ

*

كمْ طريقٍ بنفسِكَ اخْتَرْتها والـ

غيظُ حينَ الرُّجوعِ عنكَ يَصيحُ

*

فأُغيثَ البكاءُ دون حَراكٍ

من لسانٍ كمْ قلتَ فيهِ: فَصيحُ

*

رحمةً منهُ ليت دمعَك يَدري

كم أُجيبَتْ عيناكَ وهْوَ مُريحُ

*

رحمةً منهُ ليت قلبَك يَدري

كم أُقيلَتْ بلواهُ وهْوَ طريحُ

*

رحمةً منهُ ليت غمَّك يُنبي

كيف يُطفا أشْقاهُ وهْوَ يلوحُ

*

أونُحصي يا قلبُ كم قلت لي أنـ

ـنك مِنْ غيرِ اللهِ صِفرٌ صَريحُ؟

*

أونُحصي كم قلتَ أنّ الذي أنـ

ــجزتَ لو لمْ يمْدُدْ لكَ اليدَ ريحُ؟

*

ثمّ تنساهُ حامدًا غيرَه حتـ

ـــتى يجدَّ ما بالهناءِ يُطيحُ

*

عثرةٌ أخْرى في الحياةِ بها تحـ

ـــيا جروحٌ أو تَستجدُّ جُروحُ

*

أينَ منْ قدْ حَمَّدْتَهم قبلَ هذا

مَنْ إذا نادوا في رداكَ تَسيحُ

*

أينَ منْ قدْ أحْبَبْتَ من كلِّ هذا

أينَ همْ؟ من لغيرِهِمْ لا تبوحُ

*

حاضرٌ جلّ لا يغيبُ اخْتفى أم

حضَرَ الأهلُ، جَزْلُهُمْ والشّحيحُ

*

كائنٌ عزّ لا يموتُ مضى أم

بقيَ الصّحبُ، فَدْمُهُمْ والصّحيحُ

*

أنتَ يا قلبُ أنتَ مذ جِئْتها لمْ

يستَفِدْ ممّا  راحَ ما سَيروحُ

*

فالدُّعا للرّحمنِ حين البلا والشـ

شكرُ للنّاسِ في الرَّخا والمديحُ

*

أعلى الضُّرّ أن يمسّكَ حتّى

يذكُرَ اللهَ طبعُكَ المقبوحُ ؟!

*

أَبَعيدٌ حينَ الرخاءِ بخيلٌ؟!

وقريبٌ حينَ البلاءِ لحوحُ ؟!

*

سَئِمَ الضرُّ منكَ حتّى تمنّى

أمسُهُ أن يُنْجيهِ منكَ ضريحُ

*

"وإذا مسّ الناس ضرٌ دعوا

ربّهمُ" أكْمِلْها عسى تسْتريحُ

*

صاحِ! دنيانا عنهُ ما أَبْعَدَتْ غيـ

ـرَ منِ اختارَ البُعدَ مُذ كانَ نوحُ

*

لا تلُمْها على طِباعٍ هي الإنــــ

ـسانُ مُذ أنْ أجْرَتْ دِماهُ الرّوحُ

*

فادنُ إنّ المماتَ يدنو كأنّي

بالبواكي حول الضريح تنوحُ

***

 أسامة محمد صالح زامل

 

على طاولته الخشبية، تبدأ الحكاية..

أنغام مطرقته ليست طرقاً على المعدن، بل هي صدى صرخات المدينة وهي تتحول إلى ألحان......

مع كل نقرة موسيقية، يصحو العقيق الأحمر من غفوته، ويمسح الضياء على جبين المآذن بوقار مَن يرتل صلاة، فيستيقظ النخيل من سكرة وجعه، وينتشر صوبه النور على إيقاع الرنين.

هناك... حيث يذوب الصمت في لحن الصائغ، تنهض المدينة من ذهولها،

تنفض غبار السنين، وتعلن بلسان الطين والماء:

"أنا لست رماداً.. أنا المعزوفة التي كلما حاولوا كتمها، دوت".

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

تسافر وحدك

على قارب من خيال..

يهيم بدون شراع

يسامر تلك الغواني

ويكرع كل هذا الجدال..

ويمشي الهوينا طويلا

بين الضفاف

وبين الغيوم

وبين الجبال..

لأن العوالم كلها

باتت تودع حالها

في الحياة المحال ..

**

شراعاتنا لم تعد مبحرات

وموجاتنا صاغيات غافيات

يمازحن ريحا تراءة سبات..

**

اراقب هذا المساء الثقيل

يلملم حاله باحتراس

ثم يطفئ الضوء

يموت الظلام في عتمة الخوف

تفر عصافير سدرتنا في الغروب الثقيل

تموج تلاحينه في العراء

ثم، تسود ملامح هذا الزمان العليل ..

**

هل ترون الطقوس ..

حين تلاقحت وتزاوجت

ثم ارتحلت

صوب عالم الغيب

ما وراء الشموس..؟

يسيرون كالموتى

بدون ملامح،

يشربون كؤوسهم

يتقيئون عيونهم وقلوبهم

يتثائبون كلما اقترب المساء

هل ترون الوباء

يضاجع عهره

في الفناء..؟

فقد البعض انوفهم

والبعض عيونهم

واخرون، أجسادا بدون رؤوس

يجلسون ويسيرون بلا رؤوس

وظلالهم تحت الشمس

اطول من قاماتهم

ويتناسلون بدون اعضاء،

هلاميون في عالم من ضباب

يهيم عليه الغبار..!!

***

د. جودت صالح

16 / 1 / 2026

رضا بهلوي

أمامَ حائطِ المبكى

***

وَ هَزَزْتَ رأسَكَ خانعاً مُتَباكياً

قُدّامَ حائِطِنا السَليبْ

*

لامَسْتَهُ مُتباهِياً بِطقوسِ سيّدِكَ الكفيلْ

تشكو إلى (يَهْوَهْ) الرَهيبِ ضَياعَ هَيْكلهِ

وَكُنوزِ جَيْبِ (القَهْرَمانْ)

*

مُتوضِّئا بِدَمِ الحمائمِ والحَجَرْ

فَحَجزْتَ أعلى مَقْعَدٍ

بينَ الذين تَخيّروا

سَقْطَ المتاعِ مِنَ البَشَرْ

*

وَغَدوْتَ أنت المُرْتجى

فيكَ الحَداثَةُ كالنذالةِ تُخْتَصَرْ

*

يا حاملاً

بُشرى الخلاصِ مِنَ البسالةِ والظَفَرْ

*

بَلْ قيلَ عنكَ المُنْتَظرْ

للسادرينَ بِغيّهمْ بينَ الجواري والغَجَرْ

*

حيثُ التهافتُ والتنازُلُ والسَمَرْ

طوبى لَكُمْ فَلَقدْ أَذِنَ المُرابي والدخيلْ

*

وَغياهبٌ في نفسهِ السوداءِ حُبلى

بالشُرورِ وَبالشَرَرْ

*

في ثالثِ الحرمينِ ناحَ مُرائياً

مُتوسّلا تأشيرةً للقصرِ ثمّ الهيْلمانْ

*

مُتجَاهِلاً وَجَعَ الحمامِ وغيظهِ

ذُعِرَ الحَمامُ

فَفَرَّ مذعوراً يُناجي القِبْلَةَ الأولى

وَيَستفتي المنائِرَ والقِبابْ

*

والتينُ والزيتونُ حولَ السورِ مُعْتَكِفٌ

على قَسَمٍ توارى في التُرابْ

*

وَبَكى رُخامُ السورِ والمسرى

على شْجْوِ الحمائِمِ

بينما صرخَ البُراقْ:

*

يا حالِماً بالتاجِ مَحْشوّاً بِقُبّعةِ السَوادْ

مُسْتجْدياً كَأبيكَ أربابَ التوحّشِ والخرابْ

*

يا بهْلوانَ زمانِهمْ وَ زمانِنا

مالي أراكَ مُردّداً كالبَبّغاءْ ؟

*

مَزْمورَ (بابِلَ) داعياً

أوهامَ هَيْكَلِهمْ بِحاشِيَةِ (التَناخْ)

*

أَمُذَكِّرٌ وَ مُناشِدٌ

أسيادَكَ الغرقى هُنا

بِدَمِ الطفولةِ كي يَفوا

*

بِجَميلِ (قورَشَ) حينَما

رَدَّ السَبايا للديارْ؟

*

أَوَ جِئْتَ تسألُ رَبَّهم باسمِ الرِبا

رَدَّ الجَميلْ؟

*

أظَنَنْتَ حائِطَنا العتيقَ سَلالِماً

للحالمينَ بِعودةِ المخلوعِ

للعرشِ المَهيبْ؟

*

فالحائطُ الغَرْبيُّ يَلْعَنُ مَنْ أتى

لِيَدُسَّ في شَقِّ الجُدارِ قَصاصَةً ..

شكوى إلى (يَهْوه) الرهيبْ

*

كيما يُجَنّبَ شعبَهُ المُختارَ زوراً

رُؤْيَةَ (الأغيارِ) في أرضِ المَعادْ

سكرانَ تَلْهجُ في طقوسِ العابرينْ

*

رؤْيا الأُلى قد أمْعَنوا بِدَمِ السِوى

في عُهْدَةِ العهْدِ القديمْ

*

وَأَكادُ أسمعُ صرخةً

بِمَنابرِ الشرقِ البعيدْ

*

مخصوصةً لِسليلِ أحلامِ الطَواغيتِ الصِغارْ

*

واللاهثينَ وراءَ عَرْشِ الشمسِ والطاووسِ

مَزْهوّاً بذيلٍ فاقعِ ا لألوانِ ذُلّاً وانحِناءْ

هيهاتَ مِنّا ذُلّةً:

*

يا نَسْلَ أقْبِيَةِ الحَداثةِ والخديعةِ والخرابْ

إنّي لَمَحْتُكَ عَبْرَ أمواجِ الأثيرْ

*

مُتَملّقاً وَ مُدَنّساً

أطلالَ حَيٍّ للمغارِبَةِ القُدامى الطيّبينْ

*

مُذْ جَرّفَ الأوغادُ حارَتَهمْ هُناكْ

ما بعدَ نكستِنا الشنيعةِ في حُزيرانَ الهَوانْ

*

وَكَأنّما التجريفُ ديْدَنُهمْ مَعَ الأغيارِ

في كُلِّ العُصورْ

هَدَموا بيوتَ العاكفينْ

*

أحفادَ مَنْ مَنحوا إلى أسلافِهِمْ

دِفْء الحمايةِ والأمانْ

مِنْ هَوْلِ ما صَنَعَ الصليبيِّ الأثيمْ

*

هَوَ هكذا في شَرْعِهمْ

غَدْراً يُجازى المُحْسنونْ

*

عُذْراً إلى شيخِ الشيوخِ وصَحْبِهِ

(بو مِدْيَنَ) الغوْثِ الأمينْ

هبّوا معاً وبرفقةِ الشيخِ المكينْ

*

جاءوا مِنَ الأقصى إلى الأقصى

مُلَبّينَ النِداء

*

مَدَداً لِحِطّينَ اللظى والكبرياء

نَفَروا الى أرضِ الرباطِ مُرابطينْ

*

أيّانَ كان المغربِ الأقصى مكاناً

للغيارى الأولياءْ

وَمَنارةٍ لمُلوكِ عَزْمٍ أوفياءْ

*

أبَتي الذي مازلتُ أبكي طيفَهُ رغمَ السِنينْ

لا تَبْتئسْ فَلَرُبّما

تأتي البشائرُ مِنْ لَظى الشرقِ البعيدْ

*

مَدَداً كَفيضِ اللهِ للهادي النبيّ المصطفى

ثمّ الفتى الكرّار والسِبْطِ الشهيدْ

*

لِتُعيدَ للأقصى المنابرَ والمنائرَ والحَمامْ

وَيَعُمُّ في الأرضِ السلامْ

***

د. مصطفى علي

 

لا تفتحِ الأبوابَ للفوضى

فتهدمَ الأساسَ

والسقوفَ

والجدران

أمامَكَ الوحوشُ فاصرعها

أو سُقْ إلى الأسر سياجَ البيتِ والبيبان

ومُتْ – إذا ما شئتَ – مرّاتٍ

وعُدْ

لتبدأَ الصراعَ معْ نفسِكَ من جديد

برايةٍ مثقوبةٍ

مُجرّداً من سيفكّ الصديءِ

تُقارعُ الجيشَ الذي ليسَ يُرى

من دونما درعٍ ، ولا حصان

**

مهما حيينا

وَكْدُنا أن نحتفي

بذلكَ الطفلِ الذي يغسلُ في أحداقنا رجليه

ونسكُبَ الزيتَ

على النبضَ الذي في العمق من جنوننا

يدوي كما البركان

وينفثُ الشرارَ من أفواهنا

ويدفنُ العالمَ بالصُهارةِ الرخوة

والدخان

**

أنظر حواليكَ لكي تعرفَ من أنتَ

وماذا تُريد

أنّى تَلفَّتَّ

تجدْ أشباهَكَ الآلافَ من حولك يرقصون

هذي حدودُ الحُبِّ فادخلها ، ولكن

بعدَ أنْ تبصُمَ بالدمع على وثيقة الغفران

فالحبُّ فيها بذرةٌ

تُنبِتُ أفواهاً تُجيدُ الهمسَ والتقبيل

والحبُّ طوْبٌ ومِلاطٌ

تُبتَنى منهُ بيوتٌ تَشبهُ الإنسان

أبوابُها تبكي إذا ما أُصِدتْ

والسُقْفُ أضلاعٌ إذا ما اعتُصِرتْ

تذوبُ مثلَ الشمعِ في حرارة الأحضان

ألحُبُّ للساعي إليه وطنٌ

مَن خانَ في الحبِّ

كمن قد خانَ في الأوطان

***

شعر: ليث الصندوق

 

سمّته قدر، وكأنها كانت ترى أبعد من جناحيه الصغيرين.

لم يكن الاسم عبثًا، كانت الأم تدرك ـ وهي تراقب ارتعاشه جناحيه الصغيرين ـ أن هذا الفرخ لن يُترك للصدفة.

فهم انشغال أمه رغم صغر سنه. أصر على تحمل عناء تدريبه على الطيران كما تدرب الأرواح على الصبر: خطوة في الهواء، ثم أخرى، حتى يتعلم أن السقوط ليس نهاية، بل درس.

في فضاء كل صباح، كانت تحلّق قبله بخطوة، تُبطئ أحيانًا، وتنعطف فجأة، كأنها ترسم له دروبًا خفية في الهواء.

كان يتبعها، يتعثّر، ينهك، ثم يرفع رأسه مستعطفًا.

تقترب منه، تُثبّت عينيها في عينيه، وتهمس بتغريدة دافئة:

- نحن اليمام.. من صنف المنقار المسنّن، لا نعرف التعب.

يستجمع أنفاسه.

يضرب الهواء من جديد.

يرتفع.. أعلى مما فعل في المرة السابقة.

وتبتسم.

مع كل حصة، كانت تحدد المسار بدقة، تتجنب الرياح الغادرة، وتدلّه على فسحات الأمان.

لم يكن تدريبًا فحسب، بل رحلة عيش.

عند الغروب، كان قدر يقف أمامها على أعلى غصن في شجرة الإيواء.

الصمت يلفّ الجبل، إلا من صدى كلماتها التي لم تكن حكايات، بل خرائط نجاة.

كانت تتكلم ببطء، وكأنها تنقش حكمتها في الهواء.

وهو، بعينين مفتوحتين، لا ينام قبل أن يحفظ الدرس.

حين يغمض جفنيه أخيرًا، يكون قد حفظ طريق الغد واستعد له.

في عتمة الصباح، انضمّ إلى سربٍ مهيب لا يعيش إلا بالحذر.

الصيادون أطلقوا عليه اسمًا، أمّا اليمام فكانوا يسمّونه: سرب الزعيمة.

اجتمعوا على أغصان شجرة سامقة في قلب الأطلس الكبير.

 مكان لم تطأه قدم بشر.

 كانت الزعيمة أول من اكتشفه، بعد أن جابت القمم واحدة تلو الأخرى، بحذر من يعرف أن خطأً واحدًا يعني الفناء.

تبدأ الجلسة دائمًا بصمت.

ثم تتوالى الأصوات:

تشاور.. تخطيط.. نصح.

الغاية واحدة:

لا ليغلبوا أحدا، بل ليضيفوا يومًا آخر إلى أعمارهم دون الوقوع في فخّ إنسان.

كان قدر يصغي.

يراقب أمه وهي تتكلم.

يفهم، مع مرور الأيام، كيف تُصنع الزعامة:

كلمات قليلة، موزونة، تخترق العقول قبل القلوب.

- نحن قلة، تقول.

- لكننا نعيش لأننا نعرف كيف نعيش.

في ليلة باردة، ضمّته إلى صدرها.

كان القمر شاهدًا على ابتسامتها المتعبة:

- كنا أصابع، يا بني.. فأصبحنا سربًا.

مرّت الأيام.

وانحنى جناح الزعيمة.

لم تعد تطير.

اعتكفت في عشّها أعلى الجبل، حيث تُبنى الأعشاش بحكمة الشيوخ.

أمّا قدر، فقد تحمل العبء للحفاظ على ما حققته أمه.

ورث عنها الصمت المثقل بالحكمة. صار يقود السرب، ويعود بأخبار البشر: طريق تشق، أشجار تجتث، وغابة تضيق.

يزور أمه كل يوم للاطمئنان على حالها والاستفادة من خبرتها.

لكن في تلك الليلة.. عاد مختلفًا.

وجهه شاحب، صوته مكسور.

المناشير كانت تأكل الغابة المجاورة.

الأشجار تسقط واحدة تلو الأخرى.

انعزل.

وسؤال قديم عاد ينهشه:

- كيف ننجو منهم؟

- هل النجاة في الهرب ... أم في القطيعة؟

في منتصف الليل، لمعت الفكرة.

مع الفجر، كان السرب ينتظره.

اعتلى غصنًا عاليًا.

أحاطوا به.

قال بصوت ثابت:

- علينا أن نغادر عالم البشر.

همهمة.

صمت.

ثم سؤال شيخٍ هرم:

- وإلى أين؟

قدر: إلى جبلٍ بلا طرق.. بلا بنادق.. فيه ماء وسهول.

الشيخ: وكيف نعيش؟

قدر: بالبذور التي سنأخذها اليوم لنزرع بها الغد... بالمخاطرة.. اليوم نحمي الغد.

فجرًا، انقضّوا على الحقول.

مناقير تغترف، أجنحة تهرب.

دوّى الرصاص.

سقط بعضهم.

لكن البذور وصلت.

وفي الجبل الجديد، نبتت الحياة.

وقف قدر أمام السرب، وقال بهدوء:

- قد نخسر اليوم ... رحم الله شهداءنا ... لكن أبناءنا سيعيشون.

- من اليوم.. نحن أحرار.

ليلًا، جمعهم من جديد.

 قال بهدوء يشبه الأنين:

- الأرض تضيق.. والبشر يبحثون عن عوالم أخرى بعدما دمروا عالمهم...

- نحن ابتعدنا اليوم..

- أثبتنا أننا سلالة لا تصاد...

- وغدًا؟.. الغد في علم الغيب.

وسكت.

وكان الصمت أثقل من كل الكلمات وأبلغ من كل الخطب.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

أَ تَشْهَقُ في تلّتي - قال-

والزّرعُ لي نبضُهُ

وشُرُوقاتُ إثمِدِهِ؟

ويَخْتَطُّ ريشُ الْحساسينِ فيكَ

عطورَ الْمَجَرّاتِ،

والطّيْرُ في مَوْقِدي؟

أَيُورِقُ تحت أظافيرِكَ السِّندَيانُ

وهذي الْمَبارِدُ

وَسْمُ يَدي؟

ويُومِضُ في كفِّكَ الْأُقحُوانُ

وما انْعَتَقَ الضّوْءُ

مِنْ أَضْلُعِي؟

أتَعْبُرُ مِنْ بيْن كفّيْكَ

فاكِهَةُ الْقَهَواتِ

وفَكِّي لِجامٌ لها؟

و"هامانُ"، في التّلِّ أَوْقَدَ لي،

ووَهَبْتُ لهُ معطفي.

وإنّي لِمَوْقِدِهِ

أَجْتَدِي الرّيحَ

كيْما يُطَوِّفَني

وَبِهِ أَرْتَوِي.

*

وتلك النِّعاجُ ،

هواها فؤادي،

وإنّي لها لَكَفِيلٌ،

ولي فَيْضُها .

كذلك حدَّثَني هُدْهُدي

وكذلك يُعْلِي يَدي.

*

وهذي الْأخاديدُ ،

فيها صَفِيري

وفيها جُيُوبُ الْغُيُومِ،

وأقْبِيَةٌ…

وفيها تُؤَذِّنُ أجنِحَتي

بِطُفُوحٍ

وعَزْفِ أَزِيزٍ

وتَصْدِيَةٍ…

وإنّي لَأَسْرِي

وأَهْفُو لِمَسْرَايَ، منها ،

إلى طيْفِ " دورغا " وأسْرِجَتِي…

*

لَكَ الْيَوْمَ - قلتُ -

حديثُ الْأَخاديدِ

والْأَكَمَاتُ،

ولي وَمَضاتُ غدي.

لكَ الْيوْمَ

حَشْرَجَةُ الماء

في الطّينِ والْبُرتُقالِ ،

ولي أُرْجُوَانُ المدى.

ولي وَتَرُ الْقَوْسِ،

في شَهْقَةِ الْمِلْحِ،

يُنْبِتُنِي فَلَقًا…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

..................

إضاءة:

" دورغا": آلهة هندوسية. تجسّدها القدّيسة

" كارني ماتا " في تلال راجستان الهندية في القرن الرابع عشر والّتي تنسب إليها معجزة إقناع آخر ناسك في تلّة " جبل الطيور " بالتّخلّي عن موقعه للملك " راوجودا " لبناء حصن .

فنجانُ قهوةٍ

يقاومُ ارتعاشَ الصباح،

دفءٌ داكن

يتسلّلُ إلى الأصابع

ويُقنعُ القلبَ

أنّ العالمَ لم ينتهِ بعد.

*

أغنيةٌ قديمة

تخرجُ من شرخِ الزمن،

و تستوطن قلوبنا

دون أن تسألَ عن أسمائنا،

تعرفُ وجعَنا

وتكتفي

بأن تُربّتَ على الصمت.

نستعيدُ معها

أصواتًا كنّاها،

ووجوهًا عبرت

كغمامةٍ خفيفة

ولم تعُد.

*

ضحكةٌ عابرة

تُربكُ الحزن،

تجعلهُ يتعثّرُ

لحظةً

في دهليزِ الروح.

*

برقٌ صغير

في سماءِ مكتظّةٍ بالغيوم،

يبرّرُ للعين

أن تواصلَ النظر.

*

تفاصيلُ بسيطة، تمنح

المعنى

أشياءُ هشّة تتقدم

بلا ضجيج،

وتحملُ الحياةَ

على كتف واحدة

تعدّلُ زاويةَ القلب،

وتعلّمُنا

كيف نعيشُ

بين خسارتين

دون أن نموت.

***

مجيدة محمدي

 

رجلٌ أربعيني وافته الكهولة بخبرة السنين وقوة ذاتية وفرها له سِنُّهٌ ومنصبه، وفي بدنه أيضًا عافيةٌ ظاهرة؛ إذ لم تداهمه الأمراض بعد، فيما رغبته تعلن عن فحولةٍ لطالما كانت مصدرًا لثقته بنفسه واعتزازه بقوته.

 لم يكن من السهل عليه أن يشاهد تلك الشقراء ثم يمضي في سبيله كأن لم يسافر إلى نشوةٍ حالمة وذكريات الحب في بستان شبابه الواسع النضر.. كان منذ عقدين يجري في البستان منطلقًا بكل مرح وسعادة؛ بل كان يطير مثل النحلة، فيشم رحيق الأزهار البيضاء والحمراء، بَيْدَ أنه لم يكن يحب اللون الأصفر.

رأى كثيرًا أصحاب الوجه الروماني الأصفر؛ فاستقر في ذهنه أنهم باردون مثل الشتاء، ولم يكن يبغض في حياته أكثر من البرود، سواءً في الوجه أو في الطبع.. وسمع الناس يقولون إن الأصفر لون الغدر والخيانة أو لون المكر، وأيًا كان فليس المكر بعيدًا عن الخيانة، إنه وسيلتها على أية حال.. والشقراء ذات الشعر الأصفر كانت ترتدي بلُوزَةً صفراء، أما البنطال الأزرق الضيق جدًا فقد كان السبب..

كيف لرجلٍ بينه وبين زوجته تلك الجفوة التي زادت أيامها على شهرٍ ونصف ألا تجذبه تلك التفاصيل الشهية؟ كيف له أن يتذكر كم سهرت زوجته وهي تكتب ما يمليه عليها من رسالة الدكتوراه التي حصل عليها بامتياز يثير الإعجاب بعلمه والتعجب من ضعفه الطارئ أمام الجنس اللطيف..

عشرون عامًا تقريبًا كان فيها ذاك المثالي.. قراءةٌ جادة شاملة لم تتوقف ليلة، وعملٌ مُتقَن لم يتوقف يومًا، واهتمامٌ كبير ينصب فقط على علمه وأسرته، والآن أصبح يتسائل عن سر الشهوة المستعرة..

 قد نفهم أن مراهقًا تنتابه مثل تلك الشهوة اللئيمة بأفكارها الدَّنِسَة وخيالاتها المخجلة، أما أن توافيه الأربعون بالخبرة ثم تسلب منه رزانته وتمنعه حكمةً لطالما سيطر بها على نفسه فهذا ما لم يتوقعه أبدًا، أين ذهب العلم يا دكتور؟ أين راحت عزيمتك؟؟؟

"يا زوجتي هداكِ الله" هكذا قالها في نفسه مشمئزًا من النكد.. كان وحيدًا بين جلسائه من ذوي السترات الأنيقة..ألقاب ومناصب.. جمال بيه.. مصطفى باشا..والشقراء تغدو أمامهم وتروح ، والعيون الثعلبية تمارس متعتها في صمت فلا داعي الآن لتبادل الأحاديث، وقديمًا قيل: "الصمت في حرم الجمالِ جمالُ" فليصمتوا إذن حتى يتمَلُّوا.. "فَتَّح عينك تأكل ملبن"

وظلوا يحملقون في البِتِلُّو الأبيض، وهي ترمقهم بطرف عينيها وتبتسم، والجميع يمارسون طقسًا مركبًا بين الصمت والنظر وادِّعَاء البراءة، كل "بِيه" في هذا المجلس العبثي يمثل الوقار والتماسك، وينظر فيمن حوله متأملًا نظراتهم له، ثم يهدأ قلقه حين يراهم جميعًا منهمكون في لذةٍ فاضحة لا داعي معها لذكر الألقاب.

وفيما هم يعبثون دخل عليهم القاعة "الأستاذ فَتُّوح" المدير التنفيذي لجمعية "نبض الحياة"..

وّجَّهَ فَتٌّوح أمرًا إلى الفتاة أن اعملي، ولم تكن مفاجأة لهم أن يعرفوا حقيقة الشقراء.. ملكة جمال مُتَوَّجة مهمتها إحضار الشاي والقهوة؛ لكن لماذا لم تعلن هويتها؟؟ نعم سيدي، إنها تمارس نوعًا من التسول، نوع جديد لكنه أكيد المفعول.. تدخل على الزبائن بثيابها الأنيقة وملامحها الأوروبية فيعتقدون أنها إحدى بنات العائلات ذات النسب، ثم تتبختر أمامهم حتى إذا شخصت إليها العيون وكَفَّت الأفواه عن الثرثرة ونسى الجميع كل شيء إلا ذلك الجسد، سألتهم عما يطلبون، وكم يطربها أن تسمع إجاباتهم بين عصير المانجو والكوكتيل والفراولة، فهذا يعني ولا شك أنها فاكهة! وبعد أن تحضر لهم ما يشتهون تتقاضى من كل رجل بقشيشًا سخيًا.. في الواقع كان ما تفعله كله من أجل البقشيش!

مضت الفتاة لتحضر المشاريب، وصاحبنا الدكتور يضرب كفًا بكف ويتسائل عَمَّن وضع هذا الجمال الساخن في "البوفيه"؟ ألهذه الدرجة صار الحظ أعمى والدنيا ظالمة؟! هكذا تسائل..

 جلسة ممتعة تلك التي كانت في قاعة الضيوف بالجمعية الأهلية. تجاذب المثقفون أطراف الحديث، وانغمسوا في مجاملات هم يعرفون أنها سخيفة، ثم تنادوا فيما بينهم بألقابٍ تركية من تراث العهد البائد. هم الذين يعتبرون الاشتراكية إلهًا يُعبَد ليسوا من الاشتراكية في شيء، هكذا رآهم الدكتور، وأكثر من هذا أنه رآهم بلا وجهة ولا هدف، فكل ما يعلنونه على الملأ من مبادئ وأفكار لا يؤمنون به حقيقةً، فلمذا إذن يجلس معهم إذا كان هذا رأيه فيهم؟.. قضاء الوقت في ندوة أفضل عنده مشاهدة مباريات كرة القدم.

"لكن مجلس هواة الثقافة لا يختلف كثيرًا عن مجلس الدهماء في المقاهي" قالها في نفسه ضاحكًا. ألا تراهم يتبادلون فيما بينهم فاحِشَ القول والنِّكَاتِ القبيحة، ألا يُقِيمُونَ وَلِيمَةً ينهشون فيها لحوم الغائبين عن المجلس من معارفهم فيما خيوط الدخان المستورد تنعقد فوق رؤوسهم مُكَوِّنَةً غَماماتٍ بيض.

 واستمر الجالسون في حديثهم اللاهي فيما صاحبنا تراوده فكرةٌ ما.. ماذا لو؟...

انفض السَّامِر وضَجَّت القاعةُ بالصمت ثم استولى الظلام على الكراسي والنجف والسجاد.. وحده ذهب إلى البُوفِيه.. كان يطمع في علاقةٍ ما تبدأ بكلمةٍ مازحة ثم نظرة فموعد فلقاء! إن مشيتها وضحكاتها تخبره أنها لن تمانع، وهو لا ينقصه المال والوسامة، إذن فليدخل في الموضوع "ساعة الحظ ماتتعوضش"!

مشى في الطرقة مسرع الخطى، وحين أصبح على بعد خطوات، اشتعلت النيران، نيران شبقٍ لم تلبث أن خمدت واختفت. لقد ألجمه الذهول وصار لا يصدق عينيه. إنها الشقراء تخلع باروكتها ليبدو شعرها الطبيعي أسودًا خشنًا على رأسٍ قد أصابته الحكة ليليق بامرأةٍ كانت تتسول البقشيش منذ قليل، أما الوجه الأبيض فلم يكن أبيضًا ولا مُشْرَبًا بحُمْرَة، إِنَّهُ المِيكَب اللعين وليس شيئًا آخر، وطبعًا كانت تضع في عينيها عدساتٍ لاصقة.

وحين دخل عليها المدير من الباب الخلفي دار بينهما ذلك حوار الذي يكون بين الرجل ومعشوقته..

- فتُّوحي، إدِّينِي 4000 جنيه

- يا خبر أبيض، ليه؟ دا انا لسه مِدِّيكِي 2000 امبارح.

- عشان خاطري يا روح قلبي.

من أين جاء توحة بكل هذا الورق الذي ينفقه على ......؟

توحة ليس كأي توحة؛ إنه من كبار الموظفين الفسدة في إحدى الوزارات.. مُحاسِبٌ شديد البراعة في الفساد ولا يمكن أن يترك وراءَه أثرًا مهما سرق، كما أنه – فضلة خيرك- مديرٌ تنفيذي فاسد لجمعية أهلية أقامها أحد المحسنين ولا يدري عنها شيئًا لأنه فَوَّضَهُ ونام..

 المهم الآن أنها خلعت قطعة من ملابسها فعانقها وقَبَّلَها، فخلعت الأخرى فورًا، وإذ لم يتمالك نفسه أسرع يَدُسُّ يدَه في جيبه وأخرج منه خمسة آلاف جنيه، ثم تَوَجَّه إلى مكتبه موتورًا ليغلق النافذة ويرد الباب؛ أما الأنثى اللعوب فقد أخرجت من الثلَّاجة علبة بلاستكية بيضاء غير شفافة كانت قد وضعت فيها البقشيش الذي ادخرته على مدار أسبوع.

ضمت البقشيش إلى المبلغ الذي أخذته للتَّوِّ من المدير العاشق، وبدأت تعد أوراق البنكنوت، حتى إذا بلغت سبعة آلاف جنيه بما يعادل راتب موظف الدرجة الثانية لفت الأوراق بعناية لتضعها في حقيبة اليد.. كل هذا ودكتور الأدب المقارن يواجه دهشته فاغرًا فاه كمن لم يفهم الدنيا ذات يوم.

- يَلَّا يا روحي عشان محتاج حضنك الليلة.

- طب ومراتك مش هتقُولَّك اتأخرت ليه؟

- أعوذ بالله، افتكري حاجة عِدلَة.. أنا قايل لها إني هتأخر الليلة دي، وتبقى تتعشى هي والعيال وتنيمهم.

همس الدكتور قائلًا: إخص، الله يخيبك، زوج ورب أسرة وبتخون مراتك؟؟..

 اكتَنَفَهُ شعورٌ بالخزي وتذكر أنه منذ قليل كان سيفعل نفس الشيء، وفيما كان يعض على شفتيه نادمًا خرج العاشقان متشابكا الأيدي غير مُكْتَرِثَيْنِ لوجوده.. لم يجد لتساؤله عن الحياء معنى، فالأنثى اللعوب لا تعرف الأدب طبعًا، والموظف الفاسد ذو جلدٍ ثخين ولاشك أنه ميت القلب.. القبح سيد الموقف والصفاقة بلا حدود..

مضى العاشقان إلى حيث وكر اللذة، ومضى باحث الأدب إلى بيته مُنْتَوِيًا مصالحة زوجته المخطئة!.. وحين وجدها وأطفاله نائمين في أمان الله رق لهم، ثم انتهز الفرصة فأَعَدَّ قَهْوَتَهُ بِعِنَايَة، ودخل مكتبته عازمًا على استكمال بحثه: بين الأدب والكتب المقدسة.. مَلِك المزابل" بَعْلزَبُول"..

***

قصة: حاتم السروي.

أ حتّى أنتِ مَنْ أرجو

بدا في طبعكِ الغدرُ

*

فأين العهدُ قد أمسى

رعاكِ الله ما الامرُ

*

أ هجرانٌ بلا ذنبٍ

وظلمٌ دونَهُ الكُفرُ

*

حلفتُ اليومَ لا أشكو

وإنْ أزرى بيَ الضُرُّ

*

يمينًا بَرّةً تبقى

إذا ما خانني العُذرُ

*

سأمضي بالاسى وحدي

عسى في عُسرهِ اليُسرُ

*

وأسعى جاهدًا نفسي

وإنّي الصابرُ الحُرُّ

*

هَلُمّي أيها البلوى

فحسبي أنتِ لا الخَمرُ

*

كؤوسي منكِ مترعةٌ

وفي لوعاتِها السُكرُ

*

ومَنْ لم يصطبر فيها

علاهُ الذلُّ والقهرُ

*

ألا يا أيُّها الليلُ

سلامًا أيها السِفْرُ*

*

أ أفشي السِرَّ يا صاحي

وفي جوزائكَ البدرُ

*

وأحكي بعض أشجاني

وما أزرى بي الدهرُ

*

وهل أنتَ كبعض الناسِ

مِن أخلاقها الخترُ*

*

أجبني إنني مُضنى

أجبْني أيها الحِبرُ*

*

سرابُ الحُبِّ آمالي

عليها صادقَ الهجرُ

*

وما قدمتُهُ زُلفى

أضاعَ بجهلهِ الغِرُّ*

*

قرابيني لهُ تبقى

الى أنْ يصدحَ الفجرُ

*

متى يأتي الذي أرجو

يَقِرُّ قرارَهُ الطيرُ

*

أيصفو ليتهُ يصفو

شرابي حِلوهُ مُرُّ

*

صباحي هل تُرى يأتي

عليه النورُ والعِطرُ

*

بهِ أشدو مواويلي

وعندي إنْ وفى نِذرُ

*

سلامًا أيُّها المضنى

سلامًا أيُّها البحرُ

*

كلانا حُبُّهُ مَدٌ

ومَدّي ما به جزرُ

*

ويبقى بيننا شبَهٌ

هو الاعماقُ والسِرُّ

*

فحسبي اللهُ في حُبٍّ

علاماتُ الهوى صِفرُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت

25 كانون ثاني 1971

........................

* الختر: أخبث الغدر

* السِفر: الكتاب الجامع لأسفار اليهود

* الزُلفى: التقرب بالمحبة

*وغالني: أي غدر بي

*الغِر: الذي لم يُجَرّب الحياة

* الحِبر: مرتبة دينية عند المسيحيين

اِنْ أردتَ تقاومُ جمعَ القطيعِ تهيَّأْ

فالقطيعُ قطيع!!

ولكنَّ قائدَهُ شرسٌ ولئيمْ

ويزعجُهُ أنْ يظلَّ على الأرضِ صوتٌ كريمْ

القطيعُ الذي سارَ خلفَ اللئيمْ

هو رهنُ الاشارةِ ينبحُ أو يلسعُ أو يفترِسْ

أو يهيلُ الصخورَ على طولِ دربِكَ،

يُخمِدُ وهجَ الضياءِ بِدنياكَ كي تندرِسْ

أمامَكَ جمعٌ غفيرْ

ولكنَّهُ ـ بَعدَ كلِّ الحساباتِ ـ جمعٌ صغيرْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في الخامس عشر من كانون الثاني 2026 ، في العراق ـ الناصرية..

صَدِئَتْ قُلوبُ مَفازَةٍ أَبْلَتْ بَلاءً سافِرَا

وَاللَّیْلُ قَصَّ جَناحَھُ مَدَدٌ سَقاني غادِرَا

عَیْنِي تُجَرِّعُنِي لَظى شَطْحٍ أَحَلَّ ذَبیحَتي

وَفَمِي یُقِیمُ الْحَدَّ، لاَ الصَّفْحُ یُكابِرُ ناصِرَا

قَلْبِي یَجُرُّ جُثَّةَ الأَیَّامِ یَحْلِفُ نَاقِمًا

أَنْ یَسْتَقِیلَ مُقاوِمًا وَیَضِبَّ جُرْحًا كاسِرَا

اَلْعُمْرُ یَمْضِي غاشِمًا لایَسْتَسِیغُ وَجِیعَةً

زَجَّ بھا حَفَّارُهُ في مَا یُمِیتُ الْحاضِرَ

أَشْكُو إلى الْعَالي مُنًى حُبْلى بِذَنْبٍ راقِدٍ

قَدْ جَرَّحَتْ وَتَري فَھَامَ اللَّحْنُ یُدْمِي الْخَاطِرَ

وَأُكَفِّرُ عَمَّا جَنَتْھُ حَرْبُ رُوحٍ ما وَھَتْ

جَمراتُھا تَسْتَنْزِفُ حَبًّا وتِبْنًا بائِرَا

أَسْتَصْرِخُ الْمَوْجَ الذي عَضَّ مَجادِیفي ومَا

سَلِمَ قَمِیصُ بَلاغَتي لَمَّا تَرامَى نَافِرَا

أَوَكُلَّما خارَتْ مَناطیدِي وَشُلَّتْ عَبْرَتي

یَغْزُو الْوَرِیدَ مِدادُ أَغْلالٍ سَبَتْنِي باكِرَا

ھَذِي الْجَوارِحُ ما كَسَاھا الصَّبْرُ خاتَمَ حَظِّھا

وَأَنا الْمُغادِرُ یَلْھَثُ خَلْفِي الدواءُ مُعافِرَا

یا مَنْ یُقاضِي مارِدَ الأَیَّام،ِ بِعْ مَنْ یَسْتَحِي

وَرْدُ صِباهُ الرَّافِسُ لِلْحُلْمِ نَذْلاً جَائِرَا

أَعْظِمْ بِنَحْبِ أَصَابِع حِینَ اسْتَزادَتْ جُرْعَةً

مِنْ لَفْحِ صَلْصالٍ ظَعونٍ اِسْتَشاطَ باتِرَا

اِقْطَعْ وُعودَكَ یاحَصادَ اللَّیْلِ وَاشْرَبْ شَمْعَةً

تَبْكي جَلالَ مُعَذِّبٍ وَتَؤُمُّ دَمْعًا قاھِرَا

***

شعر بقلم: د. سعاد دریر

قفزَ اللاشيء في حضنِ الهاوية

على شفيرِ الفناءِ

سقطَ كلُ شيء..

الدُّموعُ تجلدُ ذاتها

بغصنِ رُمَّانة

أحلامٌ مؤجلةٌ تلحقُ

ريحِ الأملِ

**

أنا ابنةُ الوطن الذي لم يُولَد بعد

أحملُهُ جنيناً في أحشائي

**

شهقاتي صدى التُّراب

تتلولبُ أنفاسي ..

قلبي سقطَ  بين الحُفرات

**

أبحثُ عن كوخ ٍ سرمدي

كي ألِدَ فيه وطنَ البقاء

وأولدُ فيه عذراءُ الخلود

**

أبحثُ عن فخَّارةٍ أُعتِّقُ فيها

دمي المُخَضّبْ

برقائقِ ياسمين الشَّام

من أثداءِ الضُّوءِ الأزلي

أقطرُ الصَّحوةَ بين شفتيه

**

إنه اليوم الثالث بعد الموت

إنها  الولادة الخضراء

لا للصَّلبِ.. ثانية

لا للموت.. ثانية

سيكونُ كلُّ شيء....

قيامةَ وطنٍ لا يستبيحُ الصَّلب

لا ينتمي للدماء

لا ينتمي للشهداء

**

وطني ليس بستانَ زيتون

ولا غابة َ صَنوبر

هــــــو نحـن.. ونحـــــن الحياة ..

نعــم للــحياة.

***

سلوى فرح - كندا

ملحمة الإنسان بين الأفعى والتفّاحة

الصوت الكوني

أنتَ الأفعى وأنتَ التفّاحة، ذلك الانحناءُ الأوّلُ في جسدِ المعنى، والعضّةُ التي أيقظتِ الطينَ من براءته. أنتَ السؤالُ حين تمرّد على الصمت، والرغبةُ حين سمّت نفسها حرّيّة. في يدِك سكّينُ الحرب، وفي يدِك الأخرى غصنُ زيتونٍ يرتجفُ من دمٍ لم يجفّ. أنتَ الذي أشعلَ النار ليتدفّأ، ثمّ تركها تكبر حتى أكلتْ أسماءَ الأطفال. كلّ حربٍ خرجتْ منك كانت تبحث عن سلام، وكلّ سلامٍ رفعتَه كان يخفي تحت قماشه بذرةَ خوف. منذ الخلقِ الأوّل وأنتَ تمشي على حدّ المعرفة وحدّ الهاوية.

***

صوت الأنثى

لستُ التفّاحة، أنا اليدُ التي علّمت الضوء كيف يُمسَك دون أن ينكسر. لستُ الأفعى، أنا الخوف حين تعلّم الزحف كي لا يقتل. لم أهبطْ من ضلعك، أنا الأرض حين تعلّمتَ الوقوف، وأنا الصوت الذي قال للطين: انهض. كلّ حربٍ أشعلتَها مرّتْ عبر جسدي، وكلّ سلامٍ حلمتَ به نام في رحمي قبل أن يولد. لا تسألني عن الخطيئة، الخطيئة أن تُترك المعرفة بلا قلب. أنا لم أكن غواية، كنتُ المرآة، رأيتَ فيها وحشك وطفلك معًا. أنا الطريق حين قرّر أن يكون أمًّا لا ساحة قتال.

***

صوت الرجل

لم أكن الحربَ وحدي، كنتُ الخوف حين لم أجد اسمكِ فنطقتُ بالرصاصة. ظننتُ اتّساعكِ هاوية، فبنيتُ جدارًا وسمّيته مجدًا. كسرتُ ضلع المعنى لأشعر أنّني أعلى، وما كنتُ إلّا أقصر من ظلّكِ. علّمتِني أن المعرفة بلا قلب سلاح، وأنّ القوّة بلا أنوثتكِ خرابٌ دقيق الحساب. أنا الرجل، لستُ الجدار، أنا الشقّ الذي تعلّم كيف يصير بابًا. خذيني إلى الإنسان الذي لم أولدْه بعد، إلى عالمٍ لا يترك آثار حذائه على قلب الأرض.

***

صوت الانسان

وهكذا لم تكن الأفعى شرًّا خالصًا، ولا التفّاحة خطيئةً فقط، بل كانت البداية التي لم نفهمها. الحربُ لم تكن قدرًا، والسلامُ لم يكن حلمًا، كانا احتمالين في قلبٍ واحد. وحين تعلّم الذكرُ الإصغاء، وتعلّمت الأنثى النجاة، ووقف الإنسان بينهما عارياً من الادّعاء، بدأ الخلقُ مرّةً أخرى… لا من ضلع، ولا من سماء، بل من وعيٍ اختار الحبّ رغم المعرفة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

أوقف سيارته الفخمة غالية الثمن عند الركن المقابل للعمارة التي يسكن في طابقها الأرضي، وهي من خمسة طوابق..

أخذ ينظر إلى الماء الراكد الاصفر الذي يميل الى الإخضرار ورائحته النتنه تبعث على التقيؤ. جلب بضع طابوقات من جاره الذي يرمم سياجه الخارجي، لكي يعبر الى باب داره بسبب (منهولة) البناية على الرصيف تنز ماءا اخضر اللون يميل الى الإصفرار.. عبر الى باب منزله وكادت قدمه أن تنزلق فتماسك في أخر لحظة ودخل الدار ذا الباب الأنيقة الامعه.. وعند خروجه في اليوم التالي عصفت بوجهه رائحة مقززه مبعثها ذلك السيل ألأخضر، وهنا، وجد نفسه يقف أمام حالة، تسمى إقتحام الواقع المأزوم..

من أين جاء الماء الأخضر الذي يسيح من تحت (منهولة) المجرى الأمامي للبناية ؟!

سأل أحد الذين يسكنون البناية الفخمة.. وكان جوابه " ان صمبور المياه لدينا معطل ".

فيما اجاب آخر.. " نحن لا نستخدم المياه إلا قليلا وذلك بسبب طبيعة عملنا ".

انتظر حتى اكمل إستفساراته من ساكني البناية وهم أربع عائلات تؤكد عدم استخدامهم للمياه إلا قليلا، وعليه فهم ليسوا مسؤولين عن هذا النضح الذي يتسرب.. وحين سألهم، " هل تشمون هذه الروائح الكريهة ؟ " قالوا.."إنها لا تعنيهم". !!

منهولة البناية التي تسكنونها تسيح منها المياه الثقيلة المقرفة التي ملئت الرصيف بالماء الأخضر، ألا تشمون رائحتها التي تنفر منها الحيوانات؟

قالوا " إن المنهولة ليست ملك أحد"..!!

وهذا يعني أن الذي يعنيهم هو الداخل الذي يسمى (الأنا) وكل الذي يقع في خارج النافذه المطلة على (الخارج) المأزوم بالقيح لا يعنيهم أمره..!!

انشطر العالم أكثر من نصف..

نصف يرى المياه الخضراء النتنة تسيح في الشوارع ويسرعون بإغلاق النوافذ والأبواب وهم يضعون الكمامات على أنوفهم وأفواههم ويحترسون.

ونصف يشمونها ولا يكترثون لها وربما يرونها عادية طالما يسبح العالم في هذا القيح.

والنصف الآخر يشمونها ولا يطيقونها ولكنهم غير قادرين على أغلاق كل الفتحات التي يسيح منها القيح حتى غرقت الأرصفة والشوارع والمتاجر والمعابر وباتت تطفح باللون الأخضر.

 سأل نفسه، إذا كان الجميع لا يستخدم المياه، فمن أين يأتي هذا القيح الذي يسيح في الخارج؟

وقف مذهولا وهو يحدق في الشوارع والأرصفة التي تملؤها المياه الملوثة تحت الأضواء الخافتة والناعسة التي تشع إنبهارا مفجعا.. حيث المياه تسيح من تحت الأبواب الفخمة والبنايات الرائعة وتتسرب لتملأ الشوارع والمزارع وربما المخادع باللون الأخضر..!!

سأل نفسه مرة أخرى بشيء من الذهول والتقزز، وماذا بعد؟

هل الجميع فقد حاسة الشم التي خلقها الله بقدر؟ ما الذي يحصل.. البعض، فقدوا انوفهم والبعض الاخر، فقدوا عيونهم والأخرون اجسادا بدون رؤوس يجلسون ويسيرون بلا رؤوس وظلالهم تحت الشمس أطول من قاماتهم ويتناسلون بدون أعضاء، هلاميون في عالم دبق يسيطر عليه غبار الخارج.!!

أطرق رأسه إلى الارض وتمتم مأخوذا بفضاعة هذا الواقع.. ثم اخذ يراجع الماضي، كيف كانت النقاوة حين كان يطارد العصافير التي تعج في سدرة جارهم المطلة على السطح وكلما رأى (هرا) يمشي على حائط السطح يتربص بهذه العصافير الجميلة يطرده دفاعا عنها. وتذكر صيد السمك في النهر وكيف كان يوقد النار عند الظهيرة من اجل الشواء وكيف كان يخفي الفواكه في سلة مغلفة بإحكام تحت رمال الشاطئ لتحتفظ ببرودتها، ثم السباحة الى الضفة الاخرى من النهر حيث الصخرة الكبيرة التي تتطلع من بعيد وكيف تتجمع النوارس فوق رأسه حين يقطع لها الخبز وهي جائعة تصرخ.. وتعبر الذاكرة الى حيث الأزقة الضيقة التي تعج بالمارين في الصباح وعند المساء وألأولاد يلعبون مع البنات ألعابا مدهشة يقدرها ولا يعوفها جيل، وطقوس المحرمات والمقدسات يحكمها ميزان الواقع العريق بالقوة والشهامة التي تستند الى الحكمة..

استفاق من مسلسل عمق التاريخ الذي بات يتغير لونه كألوان مياه الشوارع والأرصفة التي ما عادت ترزح تحت مياه المطر النازلة من السماء بل من التي تسيح..!!

***

د. جودت صالح

اسطنبول - 14/1/2026

 

أسَرتْ دُنيا منهمُ الأنفاسا

فاستحالوا لدارِها حُرّاسا

*

والأشدُّ حرصًا عليها يُرقّى

كيْ يصيرَ في دارِها كنّاسا

*

كيْ يرىْ مثلما رأَوْا أنّهُ بالْ

كنْسِ قد فاقَ الجِنّةَ والنّاسا

*

فيجوبُ البلادَ طولًا وعرضًا

كيْ يُقيمَ الأفراحَ والأعْراسا

*

فترىْ في أعراسِهِ الشّيخَ والرّقْــ

ــقاصَ والقاضيْ وابنَهُ والرّاسا

*

والوزيرَ واللصَّ والقسَّ والقصْـــ

ـــصاصَ والمُفتيْ وابنةَ من ساسا

*

آهِ لو أنّ عاقلًا ما يراهُ

وهْوَ يَنزو من حولِها نسْناسا

*

فإذا ما أوفىْ ترقّى ليُمسي

حينَ تَلْظَىْ لمائِها لحّاسا

*

كلبٌ ابنُ كلبٍ فلا يكتفيْ

حتّى يصيرَ في أهلِها دسّاسا

*

خنزوانٌ لا يرتويْ أبدا

حتّى يبيتَ في قصرِها خنّاسا

*

بطلٌ من أبطالِكمْ ما نظرتمْ

تحتكُم منْ روسٍ عليها داسا

*

فانْظروا فوقَكم تروا تلالًا

وتروهُ لرأسِهِ نكّاسا

*

بطلٌ إن تزوّجت أمُّهُ جا

ءوهُ من كلِّ جانبٍ أجْناسا

*

إنْ قضىْ أعلَنوا الزمانَ حدادًا

وأقامُوا الصّلاةَ والقُدّاسا

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف بلادُ ال

عُرْبِ أمستْ تُخلّفُ الأنجاسا؟

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف يبيعُ ال

دارَ دونٌ بصمتِكمْ قد راسا ؟!

*

هلْ عرفتمُ الآن كيف برغمِ ال

نفطِ والغازِ أعلنوا الإفلاسا؟!

*

أمّ حسبتم أنّ القريضَ هذاءٌ

ما تعدّى في أصلهِ الوسواسا!

*

وعلينا تحكيمُ جهلٍ به كفرًا

نعَتُّمُ العقلَ والإحساسا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

وَمِـنْ نَـبْحِ الْـكِلَابِ قَدِ اعْتَقَدْنَا

بِـمَنْ أَخْفَى النِّبَاحَ غَدَا صَدِيقًا

*

وَمَـا كَـانَ السُّكُوتُ صَفَاءَ طَبْعٍ

وَلَــكِـنْ كَـــانَ مِـيـزَانًـا دَقِـيـقًا

*

فَـمَا طِـيبُ الْكَلَامِ سِوَى قِنَاعٍ

وَمَـا كَـانَ الْـوِدَادُ سِـوَى بَـرِيقًا

*

فَـلَـوْ أَعْـطَـوْهُ مَـا يَـصْبُو وَيَـرْنُو

لَـمَـا اتَّـخَذَ الْـخِدَاعَ لَـهُ طَـرِيقًا

*

وَلَـكِنْ لَـمْ يَـجِدْ عَـظْمًا شَـهِيًّا

فَـأَلْـبَـسَ صَـمْـتَـهُ ثَـوْبًـا أَنِـيـقًا

*

إِذَا مَـا دِيـسَ مِـنْهُ الـذَّيْلُ يَوْمًا

تَـــرَاهُ يَــمْـلَأُ الـدُّنْـيَـا زَعِـيـقًـا

*

سَحَابُ الصَّيْفِ لَا يَحْوِي هَتُونًا

فَـلَمْ يُـغْرِقْ وَلَمْ يُطْفِئْ حَرِيقًا

*

وَلَـيْسَ الذِّئْبُ يُنْجِبُ غَيْرَ ذِئْبٍ

حَـــرِيٌّ بِـالْـمُـغَفَّلِ أَنْ يُـفِـيـقَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

نِداءُ الذكرياتِ، له شروقٌ

وطِيبُ النبعِ، يَرْفدُه النقاءُ

*

وللذِكْرى مع التاريخ، ذِكْرى

محاسِنُها: ضِياءٌ واقتِداءُ

*

ووَجْه الصدقِ، بَدرٌ مُسْتَنيرٌ

مع الاقمار تؤنِسُه السماءُ

*

إذا استَخْبَرْتَ احداثَ الليالي

فاوثَقها، يُتَوِّجه الوَفاءُ

*

وكلُ نَبَاهةٍ، مَدعاة ُخيْرٍ

إذا حُسْنُ الظنونِ، بها انتقاءُ

*

(ومن طلبَ العُلا سَهر الليالي )

فلا مال يدوم، ولا رِداءُ

*

سطورُ الودِّ، إنْ دَوّنْتَ فيها

مَلامح َعِفّة ٍ، هُزِمَ الخَفاءُ

*

وللموهوب افْقٌ إنْ تَحَلّى

بِعَزْم ٍ، مِنْ طبيعتِه المَضاءُ

*

رويدا رُبَّ بعد الحَسْم شكٌ

يقول هناك في المغزى افتراءُ

*

فتَحليلُ الأمور، بنَهج صَبْرٍ

سلالمُ شامِخٌ فيها البناءُ

*

نَقاءُ الحُبِ، عُذْرِيٌ بنَهْجٍ:

سلالتُه الاصالةُ والعَلاءُ

*

( وما نَيلُ المَطالبِ بالتمني)

ففي الإقدام، للعَزْم احتواءُ

*

إذا كان التواضعُ، في سلوكٍ

سَنا الاخلاق، نِعمَ الاصطفاءُ

*

فإن رُمتَ الوصولَ الى المَعالي

فنهجُك في تواضعِك ارتقاءُ

***

( من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

قالوا على الجذعِ من نخلِ

الجزيرة ِ صمغُ

تقطّر حتى خلتهُ

زانهُ اللمعُ

تراه على البعد ِالشفيفِ

ومن أتى يوزعهُ التذكار

صاغَ  له النبع ُ

له رجعُ

له سمعُ

له الذكرى وما اخفى

له إن شئتم وقعُ

كأن مسار الماء فوق جذوعها

أخاديد

دمعٍ هدها الشوقُ والصدعُ

لها صورةٌ تغري

لها دمعةٌ تجري

لها لمعةٌ تسري

لها الإعجابُ والاطراءُ والنفعُ

وأسريَ من وجدي إليكِ

كأنني

أطارد ظبيا في الفلاةِ

به صرعُ

كذلك كانت فرحتي

حين زارها

على ظمأ منها

سحاب له قرعُ!

***

عبد الهادي الشاوي

حدث هناك في ليلة عاصفة! عند الفنار الذي خفت ضوءه.. والنسوة يأخذن على عاتقهن ربط الغولة في جوف الظلام، إذْ حملن قناديل الأمل كي يضئن دروب العودة للبحارة العائدين..

في حي الصيادين الكئيب علت غمامة راحت تستمطر أسرارها الزوجات الحالمات بالدعاء.. يرسلن أطيافهن إلى البحر عبر غياهب الظلام فيخيفهن تعطل المنارة القائمة على اللسان الصخري الغائر في البحر كل حين.. يبحثن بعيونهن عن الرجال العائدين بعد أن أتعبهن الانتظار.. الضياء المنبعثة من النوافذ الواطئة خافتة.. الرياح تفزع الأشياء.. الليل حالك الظلمة.. بارد طويل.. نوافذ البيوت الطينية الحانية على بعضها مشرعة باتجاه البحر.. الأطفال تنيمهم حكايات الجدات عن الشاطر حسن الذي هزم الغولة فتٌحَوِّلُ الرجالَ إلى صيّادين لا يخافون جنيات البحر.. وأهازيج البحارة خافتة تشتتها الأمواج وتطرق سمع "يم" إله البحار الكنعاني فلا جدوى.. الحظ محبوس والفأل مرهون بمزاج يمّ ورضاه.. وزوجات يتلحفن الحنين.. والانتظار صقيع ترتجف لهوله الأوصال.

الحي الكئيب توقظه فوانيس السمّار في بيت المختار الذي لا يولم المسؤولين حتى تاهوا عنه.. تجمع السمار ومن بينهم بعض النسوة اللواتي أتعبهن الانتظار حول العرافة، صاحبة السلطة والولاية على هذا الحي النائي، وقد خضعت لأسئلتهنّ اللاهثة المتعبة.. عن مصير البحارة.

ففي ظل غياب سلطة الدولة النائية بنفسها عن ضجيج الأسئلة ووجع الرأس يتفشى الوهم كالوباء.

وها هي العرافة بعد أن تلمظت سلافة السؤال في بقايا فناجين الحيرة والانتظار.. تختم نبوءتها المحفوفة بابتسامة "يمٍّ" الكنعاني، تهمس وفي عينيها تتوسع حدقة النهار:

"عاد الصيادون بالخير.. هلموا إلى البحر يا رجال.. يا صبايا.. يا أولاد".

لكن شعلة الفنار أخذت تكذب العرافة وتلجم الأسئلة في عقول الزوجات المتعبات.. وعيون أطفالهن تبحث عن الشاطر حسن والجنيات في حكايات الجدات اللواتي داعب النوم جفونهن وتركن العتمة للصغار.

في هذا الشتاء العاصف، والبرد الزمهرير يغشى البيوت ويثير الهواجس في العقول.. يطوف حارس الفنار منادياً بين البيوت وفي يده قنديل مرتجف الذبالة، فتبدد الرياح صوته المتدحرج تحت النوافذ الموصدة بإحكام.. الرياح تفزع الأسقف والأبواب الخشبية وتثير كل ما خف حمله في الحواري والأزقة الضيقة.. وصفيرها يقلب الخوف في رؤوس زوجات ينتظرن السندباد.. يقترب الصوت أكثر كأنه قادم من قاع بئر عميقة.. فتتناغم ظلال الكواشف مع حركة القنديل الواهن.. يصرخ مستنجداً بأعلا الصوت، حتى أنهزم هديره وتملكه السعال العميق كأنه يحتضر:

" يا أهل الحي.. النجدة.. النجدة.. نضب زيت الفنار، فليأت الرجال ومعهم ما يتيسر من الديزل كي نعزز مخزون موّلد الكهرباء بالطاقة حتى تظل كشافات الفنار تضيئ طريق الصيادين في البحر.. وإلا تحطمت مراكبهم على الصخور"..

وحينما يأس من الأمر أخذته الدروب إلى اللسان الصخري، فبدا وهو يصارع الرياح كأنه هارب من الشيطان.

كان ضوء الفنار يلفظ أنفاسه الأخيرة.. رفع الحارس يديه إلى السماء المتلبدة بالغيوم، وقلبه يلهج بالدعاء.. ويبدو أن الرياح العاتية قطعت سلك الهاتف في منطقة ما فانعزل الحارس عن العالم.. وهو يعلم بأن وقت عودة الصيادين من البحر قد أزف.. والطامة الكبرى أن الأهالي لم يسمعوا نداء الإغاثة، فمخزون الديزل أوشك على النفاد فلا حول له ولا قوة.

كان الظلام في طريق عودته إلى الفنار مليء بالأشباح، فبدت كأنها دمًى تحركها الرياح المجنونة.. وبرج المنارة الحجري المخروطي يواجه العواصف وحيداً من فوق اللسان الصخري الغائر في عرض البحر والمتصل بحافة الجرف جهة البر، وها هو يبعث ببقايا الضوء من منافذه العلوية عن طريق كشافات تتزود بالكهرباء من مولد يعمل على الديزل وموجود بجوار قاعدة البرج، حيث ركنت إلى جواره براميل الديزل الاحتياطية التي دُحرج بعضُها بفعل العاصفة وسقط إحداها في الجرف السحيق. وكانت الأمواج العالية أحياناً تتكسر على قاعدة البرج، تم تنبسط طاقتها منتشرة في الجوار لتتحول إلى برك مائية وسبخات.

وقاعدة الفنار تتكون من غرفة صغيرة بمنافعها يقيم فيها حارس المنارة، وتضم نافذتين الأولى تطل على البحر المليء بالنتوءات الصخرية، تقابلها واحدة أخرى تطل على قرية الصيادين النائية التي لم تصلها الخدمات بعد.. فقد أنشأها الصيادون دون إذن رسمي من بلدية المدينة، وظلت مهملة بانتظار إخلائها بموجب قرار بلدي بذريعة أنها ملك لأحد الإقطاعيين في المدينة.. لكن الفقر وضع الأهالي على محك الاختبار.. وحارس الفنار يردد في أعماقه والخيبة تأكل رأسه:

"الإخلاء يعني موتهم.. فالصبر أجدى ولو أدى إلى كارثة"

فلا تُسمع في مثل هذه الأجواء إلا فزعة الأشياء وقرقعتها في وجه الرياح العاتية وصفير موحش يتخلل أزقة حي الصيادين.

وها هو حارس المنارة يغشى برميل الديزل ويفتح الصنبور السفلي ليعبئ بقايا الديزل حتى يملأ خزان المولد الكهربائي.. الخوف يتملكه فترتعد فرائصه.. ويتأفف غاضباً فتنتفخ أوداجه كأنه ديك رومي مفزوع.. يدرك الآن وهو يصعد الدرج اللولبي بأن الكشافات ستنطفئ تلقائياً ربما بعد ساعة أو أقل.. فتتملكه الهواجس وهو يلعن إدارة المنارات البحرية الملحقة بمؤسسة الموانئ حتى تعطل تفكيره.. فيتخيل كيف ستتحطم المراكب على الصخور.. ليتحول حي الصيادين إلى ميتم كبير.. والغربان السود تراقب المشهد وهي تقف على حوائط البيوت الطينية، والعرافة سوف ترمى بالحجارة لأنها عجزت عن التنبؤ بمصير عمالقة البحر الذين هلكوا دون أن تشعرهم بمصيرهم:

"وماذا سيكون مصيري! سيجهز الأهالي عليّ!".

وفجأة.. أخذ ضوء الفنار يزاحم العتمة بينما أصوات البحارة تقترب من الشاطئ، في حين جعلت الزوجات يطلقن الأهازيج.. الوحيد الذي كان يدرك خطورة اللحظات العصيبة، حارس الفنار الذي أخذ يستحلب آخر ما في جالون الديزل ويصب خيطاً منه في تنك الكشاف، كي يظل الضوء يتنفس فيكشف ما أمكنه من سواري المراكب التي ابتعدت عن النتوءات الصخرية؛ لتذهب بالصيادين إلى حيث تعالت الأهازيج في حي الصيادين في الجانب الآخر الذي التهمه الظلام.. وفجأة طرق الباب على حارس الفنار:

" من تراه يباغتني بهذه الزيارة في هذه اللحظات العصيبة!"

فترتعد فرائصه من شدة الخوف.. ظل الأمر كذلك حتى فتح الباب بحذر شديد، كانت ترتدي معطفاً ثقيلاً إلا أنه ميز صوتها بسهولة، كانت السيدة مها زوجة أمام المسجد الضرير، لا يدري من أي ناحية قدمت إلى هذا الحي كونها على قدر من الثقافة.. كما كان يقال عنها، وقد انتبهت إلى رواية كان يقرأها مركونة على رف الكتب المجاور للباب الخشبي، فقالت وهي تتصفح عناوين الكتب بلهفة مقموعة:

" اطمئن، لقد سمعنا نداءك".

وحينما أطل برأسه من الباب إلى حيث أشارت بيدها، استمع إلى بقية حديثها وهي تلهث من التعب:

" أنهن ثلة من النسوة يحملن صفائح معدنية معبأة بالديزل"

فزكمت أنفه الأقنى رائحة الديزل النفاذة، واستطابت روحه لموقفهن الشجاع.. وأدرك بأن الأمر أصبح آمناً مع كمية الديزل التي استلمها من زوجات الصيادين وأخذ يرتبها بجوار مولد الكهرباء.. فتساعده مها بتثبيت المحقان المعدني في فتحة الخزان فيما أخذ يصب الديزل وعينه تراقب المؤشر الأحمر بابتهاج، حتى أتم المهمة،، فيما أفرغت مها بقية الجالونات في البرميل الاحتياطي.. وودعهن وهن يغادرن المكان فيطلقن الأهازيج ليلتحقن بالأخريات حيث وقفن قريباً من البحر، ينتظرن البحارة.. وقد استوقفه سؤال السيدة مها قبل أن تلتحق بهن:

"ألم يحن وقت إطلاق صفارة الإنذار"! وترجته أن تفعل ذلك بنفسها فأتاح لها المجال حيث أشار لها إلى المفتاح الخاص بذلك.. فدوت الصافرة وقد انقبض قلبها فضحكت من هول المفاجأة وهي تخبره بأنها قرأت تلك الرواية المركونة جانباً:

"لا تستغربن! سألتحق بالجارات فها هن يندهن عليّ"

فتركها تذهب بحذر حتى لا تسقط في السبخة المجاورة.. وودع ركبهن ليعود صاعداً إلى مستقره أعلى الفنار.. ويتأمل البحر المليء بالنتوءات الصخرية.. ثم يطلق صافرات الإنذار المدوية من جديد بعد أن لمح من أفق البحر السواري وهي تلمع على ضوء الفنار:

"الحمد لله. سوف يعود الصيادون إلى مهاجعهم وفي جعبتهم حكايات عن البحر اللجي المحفوف بالألغاز".

إنه الحنين الذي كان يعيدهم دائماً إلى حي الصيادين الذي يضج بالحياة والحب رغم الفقر وتداعياته المؤلمة وغياب السلطة عن مضافات مختار الحي الذي لا يولم.. فيعد الزوجات الحالمات بما يجود به خيال العرافة صاحبة السلطة والولاية .

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

لم أعد أكتب

ظنّا منّي أنّ الحياة تقاس باللّحظات لا بالحبر

وأنّ الكلمات تموت مهما كان عمقها

إذا جفّت على سطح الورق قبل أن تُقرأ ممّن كُتبت إليه.

الآن يحاصرني النّسيان

وشيء من الحياد

في مواجهة قصّة لم أكتبها.

صمتَ قلمي حين لم تُعِدك الحروف

وحين لم تعد تُشبهك الكلمات.

لم أعد أقرأ

تواجهني العبارات بالفراغ

لتسقط دلالاتها في صمت لا ينتهي

والعدمية الّتي كنت أقرأ عنها

صرتُ أرتديها على ملامح شاحبة

دون أحمر شفاه

أو أيّ محاولات لتلطيف الاغتراب الّذي يسكن جلدي.

لم أعد أحزن

فكلّ شيء يمرّ بسرعة لا تضاهيها المشاعر

لا وقت للحزن

لا وقت للفرح..

وأنا لديّ الكثير لأفعله

وعليّ الاستمرار في الهرب

من الذّكريات

وإليها

من الجنون

ونحوه

وفي كلّ طريق لا أجدني في نهايته أتوقّف

لأدرك فظاعة الحياة

أو تدركني حقيقة العبث الّذي يخنق وجودي

علّني فقط أكتفي بنظرة خاطفة أودّع فيها

فقاعة خيالات الطّفولة

ثمّ أفضّها كوهمٍ صغير

ولا أعود.

***

بقلم: مريم عبد الجواد - تونس

نحنُ أبناءُ ماءٍ لم ينسَ أسماءَنا، وأبناءُ قصبٍ كان يصلّي واقفًا كي لا تنحني السماء.

*

في الأهوارِ كان الآباءُ يولدون مرّتَين: مرّةً من رحمِ أمّهاتهم، ومرّةً من صدرِ النهر.

*

هناك… حيثُ الطيورُ تعرفُ النداء قبل الصوت، وحيثُ السمكُ يحفظُ خرائطَ الحلم ولا يخونُ طريقَ العودة.

*

الحنينُ ليس بكاءً على الماضي، بل ذاكرةُ الكون حين يتذكّرُ شكله الأوّل. إنه نداءُ الطين لأقدامٍ نسيتْ كيف تمشي بلا إسفلت، ونداءُ الماء لقلوبٍ تعلّمتْ القسوة ونسيتْ السباحة.

*

نحنُ لم نغادر الأهوار حقًّا، هي التي اختبأت في دمنا، في مفرداتنا الأولى، في خوفنا من الجفاف، وفي شوقنا الغامض إلى مكانٍ لم نره… لكننا نعرفه.

*

العودةُ إلى مسقطِ الرأس ليست رحلةً في الجغرافيا، بل عبورٌ داخلي من الضجيج إلى الأصل، من الزمن إلى البراءة، من العالم إلى الجنة المفقودة.

*

هناك حيثُ القصبُ يكتبُ أسماءَنا للريح، وحيثُ الطيورُ تُكملُ ما لم يقله البشر، نستعيدُ وجوهَ آبائنا وهم يبتسمون للماء كمن يطمئنُّ إلى الخلود.

*

نعودُ لا لنستقرّ، بل لنتذكّر: أننا خُلقنا من ماءٍ يعرفنا، وأن الجنة لم تكن يومًا في السماء، بل كانت هنا… تنتظرُ أن نشتاق بما يكفي.

***

بقلم: كريم عبدالله - بغداد - العراق

 

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

*

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

*

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

**

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى....

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

*

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في وادي العشقِ المُقدَّسِ

(الكلمة)،

فابتعدَ عن منازل التّحريفِ،

والأسطر الصُّفرِ،

والألسنةِ السّليطةِ التي

أدمنَتْ..

أوكارَ الظّلام،

ودهاليزَ الاستراتيجيات التي..

ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ

في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،

فأغفلَتْ

وتغافلَتْ

عن دربِ التَّبانةِ

في بيادي العشاق الذين..

لم يميلوا

عن قافلةِ الصّدقِ..

أنمُلةً،

والباحثين

عن نهاية النّفقِ

في رواياتِ الأحلامِ..

المتهالكةِ...؟

***

عبد الستار نورعلي

ديسمبر 2025

اِلى أينَ متجِهٌ يا صديقي القديمْ؟!

الفضاءُ نيازكُ لاهبةٌ

والسماءُ ملاعبُ للشهبِ الحارقهْ

*

اِلى أينَ ذاهب؟!

وكيفَ ستمضي الى جَنَّةٍ في جحيمِ الملاعبْ؟!

أراكَ تُغالي كثيراً وأنتَ تجوبُ التخومْ

والسدائمُ محضُ مقابرَ موحشةٍ

*

أنتَ تحملُني يا صديقي الحميمْ

وتحملُ بيتي القديمْ

ونهري الكريمْ

وتحملُ ذاكرتي والتفاصيلَ: بستانَ نهرٍ وظلَّ نخيلْ

والجميلاتِ تحملُهنَّ القواربُ بينَ الضفافْ

وأحلامُهنَّ بدونِ ضفافْ

وهنالكَ شمسٌ تغيبُ، وبدرٌ يطلُّ، وغصنٌ يميلْ

وهنالكَ أشجارُ سدرٍ

وفي فيئِها يتمددُ فوقَ بساطٍ مِن العشبِ جمعٌ مِن الفتيةِ السابحينْ

يرجعونَ الى نهرِهمْ بينَ حينٍ وحينْ

لِتحملَهمْ موجةٌ مِن جوىً وحنينْ

فمياهُ الروافدِ هاجسُهم جَنَّةً وحياةْ

اِنَّها دجلةٌ والفراتْ

*

أنتَ تحملُ هذي النفائسُ والذكرياتْ

ولكنَّكَ الآنَ تمضي سعيداً الى موعدٍ في الجحيمْ

أيُّها الكوكبُ الغرُّ يا سامري

وصديقي الحميمْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الثاني 2026، في الناصرية ـ العراق

وفي جوف الليل لم تنم. فقد تأخر موعده. أستيقظ خوفها مجددا. لم تسأل كثيرا. حينها تصبح اكثر انصاتا للصمت. تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل الدعاء حيث تُختبر القلوب بالصبر. لم تنتظر عودته متأخرا فحسب. بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد.

كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف. تجلس قرب النافذة، تراقب الطريق الذي حفظ خطاه. وتؤمن ان قلب الأم لا يخطئ الاتجاه. والا ستبذل جهدا ضائعا.

حين يطول الغياب مقامه، تعرف ان طريقا آخر للحب وللأمومة، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته.

اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه. غدت أيامها بلا تواريخ. وكانت تعد المساءات. وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها. استبد بها اضطراب شديد. أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة. وتهمس مع نفسها ـ: ربما مرض دون علمي. أو ربما أصابه عارض سيء. لو كان أبوه حيا لبحث عنه ولما بقي صامتا كما فعلت.

أخذت تؤنب نفسها بشدة. ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة. ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي.؟؟

قالوا لها: الحدود العراقية ـ الأردنية (أج ـ 3) بعيدة جدا

قالت في سرها: البعيد هو ان لا أراه. !! وان لا أتقصى حقيقة غيابه.

شدت عباءتها، وحملت اسمه فقط. وبعضا من متاع الطريق.

ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين.

شعرت ان ساقيها أصابهما الوهن ولا يقويان على حملها لكن إرادتها تدفعها لمواصلة الطريق نحو ولدها. الذي مازال فتيا.

وعند الساعة الخامسة فجرا كانت تقف ـ أم كامل ـ شامخة في مرآب العاصمة بغداد قادمة من مدينتها. تتلفع بعباءتها وتعتمر برأسها (العصّابة) وتضع فوقها (الشيلة) تتقدم نحو أحد الجنود لتسأله عن السيارات المتجهة الى مقر سرية ولدها. اندهش الجندي عما تسأل عنه وأجابها. أنه ذاهب الى هناك ولكن لماذا تسألين.؟؟.

قالت: أريد الذهاب معكم.!!

ضحك الجندي ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته.

وقال: أ تمزحين يا أمي.؟؟ ثم تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله. وهل ما سمعه حقيقة!!

قالت: لا أمزح. ولكن ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على السفر اليه.!! وان كانت سيارتكم لا تكفي لا مانع ان أجلس على أرضيتها.

قال: لا توجد سيارات غير هذه (الايفا) المتعبة لنا. فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك. عودي لدارك.

وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك.

قالت: لن أتراجع عن مهمتي.

قال: سترين الله بهذه الرحلة.!!

قالت: وأنا أريد ان أراه.!!

في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة في فصل الخريف والطريق يشبه قلقها وارباكها وهي ممسكة بحلمها في اللقاء. وكلما اقتربت من المعسكر، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها وصبرها.

تنفخ فوق أصابعها المتجمدة لتتقي برد شباط. تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع كم بقي من المسافة. لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة. تفاجأهم تنهداتها لتقطع حبل أفكارهم. وهنا تترقرق دموعهم في محاجرها.

عند البوابة، لم تسأل عن القوانين. وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة حيرى. وهي تبحث عنه. علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب. فربما لأول مرة تحضر امرأة مسنة لهذه الصحراء القاحلة.!!

قالت بصرامة وثبات لم تتعلمهما الا من أمومتها: جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد.

انبهر الجميع لصلابتها وقوة عزمها. بالرغم من ضعف جسدها وارتعاش يديها وبحة صوتها / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها /.

كان حنانها ينتشر في القاعة كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم ورودا. هكذا كان رأي أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها.

قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان. هناك خلف القضبان كان ولدها. وفي تلك اللحظة

لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها المدلل. وقفت أمامه بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب. وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها تنذر باقتلاع المبنى الرطب.

لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة. وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية.

ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته. عالم لا يبث الطمأنينة في الروح. عالم تحكمه قوانين صارمة. أطرق الضابط رأسه.

نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه. وأخذ يتساءل من هذه المرأة.؟؟

ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض. اضطربت عيناه. وكاد ان يقع مغشيا عليه. لم يفهم ماذا حدث. أخذ يفرك عينيه ويتساءل: هل هذا وجه أمي؟؟. أو كنت في لحظة من حلم.

.وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع. شعر ولدها بضيق في بلعومه. انه يلهث كأنه لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه.

ثم قال: سامحيني. أتعبتك. قالها وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه. لهذا المشهد الغريب.

قالت: رؤيتك نفضت عني غبار الرحلة، حتى عاد للنفس صفاؤها ونسي الجسد وعثاء الطريق وهنا بدأ دفء الروح.

انتقلت نظراته الى جموع رفاقه وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج غير منقطع. وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة. والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة.

في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على الحدود. بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها وحيدا خلف القضبان. أكثر من تلك الأيام.

عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع في تلك الصحراء الموحشة.

لكنها تعرف تماما ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

...................

* العصابة: قطعة من الحرير الأسود يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة. ترتديها بعض النسوة المسنات.

* الشيلة: قطعة من الجرجيت الاسود توضع فوق العصّابة.

 

كلاهما ينتظر. ليس لأن الزمن بطيء، بل لأن القلب أسرع من قدرته على الاحتمال.

*

في أصابعهما ترتعش شرارةٌ خفيّة، نارٌ صغيرة تتدرّب على الاسم، وتخشى إن نُطِقَ أن يحترق العالم دفعةً واحدة.

*

هي تنتظر كرمه، كرم المعنى حين يفيض ولا يسأل. وهو ينتظر رحمتها، رحمةً تعرف أن الضعف أحيانًا هو أصدق أشكال القوّة.

*

بينهما مسافة ليست في الجغرافيا، بل في الذاكرة. حربٌ ضروس لا تُسمَع مدافعها، ولا تُرى خرائطها، لكنّها تُتقن تأجيل الخطوة الأولى.

*

كلٌّ منهما يحمل في صدره رايةً بيضاء، ويخفيها خوفًا من أن تُفهم استسلامًا، لا حبًّا.

*

الأرض تحت أقدامهما تعرف السرّ، تسمع دقّات القلبين كزلزالين صغيرين يرفضان الالتقاء، فتؤجَّل الولادة، ويؤجَّل الضوء.

*

اللغة بينهما واقفة على حافة الفم، كطائرٍ يعرف الطريق ولا يجرؤ على الطيران. الكلمات مشحونة، لكن الصمت أكثر بلاغة وأشدُّ فتكًا.

*

كلّ حربٍ كبرى بدأت هكذا: انتظارٌ طويل، خوفٌ من العطاء، وسوءُ فهمٍ يرتدي درع الكبرياء.

*

لو مدَّ أحدهما يده، لانهارت المتاريس كألعابٍ ورقيّة، ولو ابتسمتْ هي أولًا، لتذكّر هو أن الرحمة لا تهزم الكرم، بل تنقذه.

*

لكنّهما ينتظران. والكون، ذلك العجوز الحكيم، يبتسم في صمت ويؤجّل المعجزة، لأن اللقاء الذي يولد بلا شجاعة لا يستحقّ الخلود.

*

وفي لحظةٍ ما، حين تتعب الحرب من نفسها، وتنسى لماذا اشتعلت، تسقط الرعشتان معًا، كندى الفجر، ويكتشف الاثنان أن البدء لم يكن يحتاج أكثر من قلبٍ تجرّأ أن يكون أوّلًا.

***

بقلم* : كريم عبدالله

بغداد - العراق