عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

يهزمني الْأزيزُ - قال - وارتعاشةُ الْإبَرْ

وأشتهي فَرْقَعَةَ الْجَبينِ والْأَثَرْ.

كذلك الْيومَ يُحدِّثُ الْمرايا مِنْ أَلَمْ.

يُنبئُها نَثيثَهُ مِنْ هَلَعْ:

*

أنا الّذي ظَلَّلْتُهُمْ دَهْرًا

وبي قدْ وَلِهُوا

فَاسْتَكَنُوا.

مَكَثْتُ فيهم أَمَدًا

أسقي صدورَهُمُ تباشيرَ اللَّظَى،

فما اسْتَطالَتْ أبدا أعناقُهُمْ

ولا كِعابُهُمْ عَلَتْ.

أنا الّذي تَقَدَّسَتْ أَلْوِيَتي،

تَسْقُطُ مِنْ يَدِي قناديلُ

وكَفٌّ يَنْثُرُ الْبُرْءَ لِمَنْ به السَّقَمْ.

وها أراهُمْ

قَضَموا التُّفّاحَةَ الْأَنْذَرْتُهُمْ،

فأَوْرَقَتْ بين ضلوعهم

غِواياتٌ وأسئلَهْ.

وأيْنَعَتْ ألسنةٌ

يَسْكُنُ طَيْفُها جناحَ الطّيْرِ

والرّيحُ تَحُومُ في يدي.

ألسنةٌ تَخْطُو إلى طاولتي،

تُرْبِكُها،

تُرْبِكُني،

تُرْبِكُ كأسي ووَسائِدي…

**

ألسنةٌ حيثُ أنا.

أَلْمَحُ طَيْفَها يَطُوفُ في نوافذي

وفيها يتعالى نَبْضُهُ.

أَلْمَحُهُ يَنْثُرُ في ثُقْبِ الْمرايا وجهَهُ.

أَمُدُّ ظُفْري نحوه

لعَلَّني أَطْحَنُهُ،

فيَنْثَني مُهْتَرِئًا.

يُرْهِقُني الْآنَ صهيلُ خَطْوِهِ

في غُرْفتي.

في غرفتي طاولةٌ منها يفرُّ ريحُ كَفَّيَّ،

وكرسيٌّ يُرَتِّبُ اللَّهيبَ في دَوَارِقي.

تَنْهَشُني اِرْتِعاشةُ الضَّوْءِ،

أُنادي شَبَحَ الزَّبَانِيَهْ…

أَغْرَقُ وَحْدي في غُيُومٍ صاخبَهْ…

**

يا ذي الْمرايا !

أيْنَ شمسي وشَتاتي

ومفاتيحُ خَزَائِني؟؟

ها أنَّنِي في صَخَبِ النِّعالِ

أَدْفِنُ الْعَوِيلَ - صِرْتُ -

واهتِزَازَةَ الْإِبَرْ.

لا صاحِبَ الْيوْمَ لِصَوْتي

غيْرُمِحْرابٍ

يُؤَذِّنُ الْبَعُوضُ في شُقُوقِهِ

وفي حُنْجُرَتي.

فَكَيْفَ أَسْتَرِدُّ تُفّاحًا

يُعِيدُ لي تَوَازُني؟؟؟

**

يا ذي الْمرايا الشّاحِبَهْ!

كيف أُلاقي قَبَسًا

يَعْصِمُني

مِنْ وَمَضاتِ الشّاهِنَامَةِ الْأَبَتْ (*)؟؟؟

**

يا ذي الْمَرايا الْآثِمَهْ!

شُدّي على صِدْغي كُفُوفَ الْمِطْرَقَهْ.

ما أَجْدَرَ الْمَطَارِقَ الْبَيْنَ شَظَاياكِ

بِإِخْمَادِ الْوَجَعْ!!!

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

....................

* إضاءة: الشّاهنامة: ملحمة شعرية فارسية كتبها أبو القاسم الفردوسي، تهدف إلى إحياء التراث الفارسيّ.

في صمت الليل، حيث تتسلل همسات الذكريات كأشباح الماضي، كانت هي هناك، وحدها، تحمل في عيونها ألف سؤال لم تجد له جوابًا. أضاءت مصابيحها، وأشعلت المدفأة التي لم تَعد تمنحها الدفء، بينما كانت روحها تنسحب ببطء كأنها ضباب يذوب في الفجر. أعدت له فنجان قهوة، لكن رائحتها كانت تختفي في الهواء، كأحلامها التي فقدت لونها.

تنهدت بعمق، ومسحت دمعة كادت أن تهرب من عينيها. تذكرت كيف كانت يديها تتلامس مع يديه، كيف كانت الأصوات تتناغم بينهما في لحنٍ واحد، لكن الزمن كان قد أخذ معاهما كل شيء، حتى الكلمات. ارتدت ملابسها التي كانت تعرف أنها تروق له، لكنها شعرت بأنها فقدت بريقها، وكأنها ارتدت ثوبًا من الفراغ.

غسلت وجهها لتطرد عن ملامحها ثقل الساعات التي مرت، لكنها شعرت أن الصباح لا يأتي أبدًا، كأن الشمس نفسها قد قررت أن تتركها في العتمة. همست للريح أن تُعيد له ما أخذه، لكن الرياح كانت مشغولة بأسرارها، لم تلتفت لها.

وانقضت الليلة كما تمر أيام العمر، بين الذكريات والأماني التي لم تتحقق. وبقيت هي، بين الانتظار والنسيان، لا تدري إن كانت قد تعلمت كيف تعيش دون أن تملك شيئًا. فقط كانت... هناك، بين الفرح الحزين والحزن المفقود.

أيا من ملكت القلب بلهفةٍ، كيف تجرأتِ على غيابك؟ كيف تركتِه يتيه بين اللحظات دونك؟

تعالي، امسكي يدي وأعِديني إلى لحظةٍ كانت أبدية، لحنٌ صمت في القلب، ووردةٌ ذبلت بين الأمل والحقيقة.

قد عشنا معًا في عالمٍ لا يُرى، بنظرةٍ نطقنا بها، وعدًا لم يكتمل. ومع ذلك، ما زال القلب يسكنه صوتك في كل زاوية.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

أنا طفلةٌ، اسمي حرّيّة،

تسلّل اسمي إليّ، كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ صغير

في جدارٍ أُحكم إغلاقه.

*

كنتُ نطفةً

هُربت من عيون الحراس،

ومن ثقوب عُرى مفاتيح صدئةٍ

توهمت أنّها تُمسك بمصير الحياة،

*

السجان ظن

أنّ أبي إذا غاب خلف القضبان

سيتحوّل إلى ذكرى،

وأنّ أمّي إذا أُثقِلت بالفراق

ستنسى كيف تُنبت المعجزات،

لكنّه لم يكن يعرف

أنّ الحبّ حين يُحاصَر

يتحوّل إلى سرٍّ

أشدّ خصوبةً من الأرض.

*

أنا ابنةُ المسافة،

ابنةُ الرسائل التي لم تصل،

ابنةُ يدٍ ممدودةٍ في الحلم

لم تلمس يدًا

لكنّها لم تتراجع....

*

ولدتُ

كما تولد الأشجار في الشقوق،

كما يخرج الماء من بين الصخور

ولدتُ لأنّ المستحيل

أخطأ الحساب.

*

كبرتُ قليلًا،

فاكتشفتُ أنّ اسمي

ليس حروفًا تُنادى،

بل طريقٌ طويل،

وأنّ كلّ من ينطقني

يُعيد ترتيب العالم

على هيئة نافذة.

أنا حرّيّة،

لا تُقاسُ بطولِ غياب،

ولا تُهزمُ بتأجيل اللقاء،

أنا ذلك الاحتمال

الذي ظلّ مفتوحًا

رغم كلّ الأبواب المغلقة.

وحين وضعتُ قدمي

على هذه الأرض،

لم أمشِ،

بل امتدَدتُ -

جذرًا خفيًّا

يبحث عن أبي في عمق التراب،

وغصنًا طريًّا

يصافح وجه أمّي في الضوء.

أنا طفلة،

لكنّي أقدمُ من السجون،

وأقوى من الحراس،

وأشدُّ عنادًا من الحديد.

أنا حرّيّة،

وقد جئتُ

لأُربك النهاية.

***

مجيدة محمدي

أرثي نيسان في قصيدتي

أحمل نيسان من خرائب (شنكال) إلى (جامعة دهوك)،

وباقة شقائق من غابات (الموصل) إلى قبر (شيركو بى كه س).

وبحزن...

أضع نيسان في زورق مثقوب،

ليرافق دجلة..

ويضيع في هذه الرحلة.

(2)

يوم ولد نيسان،

رافقته شمس (شنكال).

زارا معًا (شيبلقاسم)(1)

وبصمت...

رافقته قوات الـ(اليبشه)(2) إلى دهوك.

(3)

الطريق إلى مدن وقرى كردستان وعر،

يمر عبر خدّ مقاتلة كردية تدعى (ميدوزا).

(ميدوزا) سقتني ماءً في الجبل،

وأهديتها قصيدة حبّ.

كيف لا يتحوّل عدوكِ إلى حجر،

عندما ينظر إلى عينيكِ؟

ألا يقلق نيسان من شهوة حمرة خدود الشقائق ونظراتك؟

تقول الفتاة بثقة أبناء الجبل

"نيسان يهديني باقة شقائق،

وأنت تهديني القصائد،

وأنا أهدي عدوي نظراتي."

(4)

النرجس حزين تحت أقدام (مم وزين)

العاشقان يبكيان على نيسان.

نيسان مات من العطش،

وأنا يهمني محتويات بطاقة التموين،

ودفتر من مكتبة (الجزيري)،

أكتب فيه قصائد الحنين.

(5)

أدباء دهوك أهدوني أمسية شعرية.

قرأت قصيدتي تحت شلال (علي بك).

تقول لي ابنتي،

"هل تعرف (علي بك) يا أبي؟"

"أعرفه وأعرف (إيزيدي ميرزا) و(خيري الشيخ خدر)."

تضحك (ميدوزا) وتقول لرفاقها في الجبل:

"ومن لا يعرف (خيري الشيخ خدر) ؟"

(6)

يتجول نيسان في محلة (بربروش الدهوكية)،

ينادي بصخب:

"أعطوا لأخوتكم الشنكاليين الخبز،

وسيعطونكم باقات شقائق ندية.

سيعطونكم قصائد حبّ،

ومواويل شنكالية.

سيعزفون لكم ألحان حبّ على الطنبور الشنكالي،

من مقام الحزن الشنكالي،

والدمع الشنكالي،

والجوع الشنكالي،

والقلق الشنكالي."

فقط أعطوهم خبزًا،

ليس الخبز المدرج في قائمة الأمم المتحدة،

بل ذاك المخمّر ببرد الجبال،

والمشوي بخشب البلوط.

(7)

نيسان يمشي وحده في أسواق دهوك:

يسمع أغاني (عيدوى كتي)،

يحاضر طلبة جامعة دهوك في فلسفة الربيع.

وحده يملك صلاحية رئيس دولة،

يعزف على بوق الحضور،

ويدعو الجميع للاصطفاف الصباحي.

***

مراد سليمان علو

................

(1) شيبلقاسم: ويسمى ب باب المراد. مزاره في جبل (شنكال).

(2) اليبشة: وهي القوات التي رافقتنا وحرستنا أثناء الفرمان إلى كردستان العراق.

حتّى مقابرُنا ما عادَ متّسعُ

فيها لنا ونفوذُ الموتِ يتّسعُ

*

فأين نُدفَنُ؟ هل للهند نتّبعُ؟

أم نسألُ البحرَ علّ البحرَ يبتلعُ؟

*

لا التربُ مُصغٍ ولا الهنديُّ يُتّبعُ

والبحرُ مهما رجونا ليس يقتنعُ

*

والعيشُ يرفضنا والحدُّ يدفعُنا

ولا جَناحَ لإنسٍ معْهُ يرتفعُ

*

والأهل في مقبرٍ عنّا قد انقطعوا

والصّحبُ في غربةٍ من وصلِنا مُنعوا

*

والغدُ يوعدُنا بالوهمِ يسكرُنا

واليومُ مُستذكرًا ما كانَ يستمعُ

*

فاليومُ قبلَ وداعِ الأمسِ كان غدًا

لذا فبالغدِ وعدًا ليسَ ينخدعُ

*

والأمسُ يبكي لنا والصّفحُ مطلبُهُ

أَنْ غابَ يا ليتَ ذاك الأمسِ يُرتجعُ

*

والعرْبُ من أجلِنا كم مرّةً جُمعوا

للمالِ من أجلنا والقوتِ كم جَمعوا

*

وليتهمْ أجلَنا يا قومُ ما اجتمَعوا

فليسَ من جوعٍ الإعوالُ والوجَعُ

*

إكرامُ ميّتنا يا عرْبُ مطلبُنا

أيكرِمُ القوتُ والأموالُ من يقَعُ؟

*

والنّاسُ من دونِهم في الكِذْبِ ما برَعوا

مهما علا صوتُهم فينا أوِ ابتَدعوا

*

لو أنّهم صَدقوا الإحساسَ ما هجَعوا

والموتُ من حظِّنا في العيشِ يقْتطعُ

***

أسامة محمد صالح زامل

مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ (7)

مقام الكرد

***

حلمٌ...

وأنتَ تعودُ إليه

فيستيقظُ فيكَ

*

الذي رأيتَهُ

لم ينتهِ

بل بدأ الآنْ

تقولُ: مضى...

فيتّسعُ فيكَ،

ويصيرُ طريقًا

يؤدّي إليكَ

*

تلمسُ صورةً

فتخرجُ منها،

ولا تنتهي

المنامُ

هو اليقظةُ المؤجَّلةْ

*

والحقيقةُ

ما تراهُ

ثم تنساهْ

تمرُّ...

ولا فصلَ

بين ما كانَ

وما يأتي

*

تميلُ إلى ما رأيتَ

فتبقى هناكْ

ولا تصلْ

فامضِ...

ولا تحاولْ

أن تفهمْ

*

كنْ

في ما ترى

حلمٌ...

وأنتَ تستيقظُ

كلّما نمتْ

*

مقام اللامي

(آخرٌ يسكنني)

*

آخرٌ…

وأنتَ تراهُ..

فيخرجُ منكْ

كأنَّ المسافةَ

لم تكنْ بين اثنينْ

بل كانتْ

تتّسعُ فيكَ

*

تقولُ: سواهُ..

فيشبهُكَ الآنَ

بقدرِ اختلافٍ

يضيءُ فيكَ

وتلمحُ وجهًا

فتعرفُ فيهِ

بقاياكَ

*

كأنّكَ

كنتَ تعيدُ توزيعَ نفسِكَ

على من تمرُّ بهمْ

فكم أنتَ واحدُ هذا التعدّدْ

وكم أنتَ أكثرُ

حين تنقسمْ

*

تمدُّ يدًا

فيصافحُكَ

ما كنتَ تنكرُهُ فيكَ

وتنطقُ باسمِهِ

فيصيرُ صداكَ

*

فامضِ..

ولا تفصلِ الآنَ

بينكَ،

وبين الذي فيكَ

*

كنِ الآخرَ

حين تكونْ

آخرٌ..

وأنتَ الذي يتّسعُ

كلّما ضاقْ

*

كودا

(تقاسيم الدشت)

*

ما بين الاسمِ والجسد

وما بين الظلِّ والضوء

لا يقيمُ أحد

لكنّنا

نمرُّ... مرّةً بعد مرّة،

ونتركُ في العبور

ما نظنّهُ نحن

*

ثم نعودُ

فنمرُّ،

ونتركُ مرّةً أخرى

ما نظنّهُ اللحنْ

ولا نلتفتْ

كأنَّ الذي مضى

لم يكنْ لنا

وكأنَّ الذي يأتي

يمرُّ بنا،

ولا يُمسكْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

على أَيِّ الجَناحِ أراكَ تَرْقى

مَلائِكةُ السَّما لَكَ خيرُ مَرْقى

*

ألا صُغْ ألفَ أُغْنِيةٍ صَباحًا

تَشُقُّ بِها مِنَ الظُّلُماتِ فِلْقا

*

أَتَحْمِلُ مِنْ وَميضِ الفجرِ خَيطًا

على فَتْقِ اغْتِرابِكَ كان رِتْقا؟

*

جِبالاً قد عَلوتَ وَقلْ : سُهولاً

طَويتَ وقد أَرقتَ بِهِنَّ شَوْقا

*

٥-  إذا ما بُحتَ فَرْدا في هَباءٍ

وَجدتَّ البَوحَ في الغَمَراتِ أَنْقى

*

بِوادٍ غيرِ ذي زَرْعٍ ظُنونًا

نَثَرْتَ، مِنَ اليَقينِ غَدًا سَتُسْقى

*

فَرِفْقا بالَّذي حُمِّلْتَ حُزنًا

وَما تَطويهِ طَيَّ دُجاكَ رِفْقا

*

وَتَنْعَمُ في سَماواتِ التَّجلِّي

كَمِثلِ فَتًى غَريبٍ أنتَ تَشْقى

*

تُغالبُ فوقَ لُجِّ الوَهْمِ غُولاً

وَتُصْلى مِنْ حِبالِ الغَشْمِ شَنْقا

*

١٠-  أَتَهجُرُ دَوحةً تَصِلُ الأماني

طَريداتٍ وَكُنْتَ بها الأَرقَّا

*

فَطائرُك المُحلِّقُ فوقَ طُورٍ

وآخَرَ مِثلَهُ قد زِيدَ عِتْقا

*

أنايُكَ كلَّما خَضِرَتْ رُؤاهُ

وَرَقَّ كما الزُّهورِ ازْدادَ نُطْقا؟

*

تَحمَّلَ مِنْ أَسًى ليلاً بَهيما

وَأُلْبِسَ مِثلَ إبراهيمَ حَرْقا

*

ونادى في ظَلامِ النُّونِ حتَّى

تَراءى النُّورُ لِلْكَلماتِ بَرْقا

*

١٥- فَأَلقيتَ العَصا في خيرِ وَعدٍ

وَفِرْعونُ اللَّظى بالشَّرِّ أَلْقى

*

هُنالِكَ يَومَ نَعليكَ احْتِرامًا

خَلَعْتَ مُناجِيا لَم تُبْدِ خُرْقا

*

لَقَد خَشُنَ السُّرى مِنْ كلِّ نَفْي

وَهَمْسُ سَراتِهِ في اللَّوحِ رقَّا

*

كَظلٍّ مِثْلَما العَنقاءِ تَعلو

فَحَيْثُ ظَلَلْتَ طيرًا صِرْتَ أَنْقى

*

نَبِيًّا قَدْ سَجَعتَ وَكنتَ أَجْلى

بَيانًا صادِحا وَأَجلَّ نُطْقا

*

٢٠-  مَشيتَ وفيكَ أَسْئِلةُ انْدِهاشٍ

تُراوِدُ خاطِرًا لم يَرْضَ سُحْقا

*

أَتُشْرِقُ والسَّماءَ تُضيءُ غَرْبا؟

إذا ظَلَموا حِماكَ بَدَوْتَ شَرْقا

*

تَرودُ على الدُّروبِ طُيورَ بُشرى

تَرومُ بِكلِّ سَيْنا أَلْفَ عَنْقا

*

أَبِالجُوديِّ فُلْكٌ مِنْ أَماني

كَ تَرْسو لَم تَجِدْ شَقًّا وَفِرْقا؟

*

وما زالتْ يَدٌ بيضاءُ مِسكٌ

بِها كُنتَ النَّدى وَأَشَدَّ حِذْقا

*

٢٥- وَعِنْدَ البحرِ لَم يَأخُذْكَ جَزْرٌ

ولا مَدٌّ عَتا لَم تَخْشَ فِرْقا

*

هَداهِدُ أَخْبَرَتْكَ الوَصلَ صِدْقا

مَساءُ الهَجْرِ مِنْها صارَ طَلْقا

***

[الوافر]

عبد العزيز شبِّين - هرو ولد / لندن

١٢ / نيسان / ٢٠٢٦م

ما كانت ظهيرة ذلك اليوم في ذاكرة الصيف عاديةً، وإن تدرّعت في بدايتها برداءِ الرتابة المألوف. كانت الشمسُ تميلُ نحو كبد السماء بكسلٍ ذهبيّ، تُلقي بظلالِ البيوت العتيقة على أرصفة المحلّة كأنها حكاياتٌ منسيةٌ تستريحُ من عناءِ الزمن.. لكنّ هذا السكونَ كان فخًّا محكمًا، يخبئُ في طياتِهِ نذيرًا لحدثٍ وشيكٍ سيقتلعُ جذورَ الطمأنينة، ويتركُ المكانَ أثرًا بعد عين.

فجأةً، ودون نذيرٍ يسبقُ العاصفة، انشقّ رداءُ الصمت عن زحفٍ كابوسي.

اندفع عددٌ من الخنافس السوداء صوب باحة الدار، لا كحشراتٍ عابرة، بل كشظايا ليلٍ تهشّم في وضحِ النهار وانسكب دفعةً واحدة فوق البلاط القديم الذي شاخت عروقُه.

 كانت ضخمةً، مثقلةً بأجنحةٍ كأنها صفائح معدنية صدئة، قبيحةَ المنظر كأنها نتاجُ لعنةٍ قديمة استيقظت من جوف الأرض.

لم يستطع أحدٌ أن يؤكد لحظة انبثاقها الأولى.. إذ بدت وكأنها خُلقت من العدم، من ذلك الفراغ المظلم الذي يسكن المسافة بين شهيقٍ وزفير.

 تراصّت أجسادُها فوقَ البلاطِ بنسقٍ فجائعي، ناشرةً رعبًا صامتًا ورائحةً كبريتيةً تخنقُ الأنفاسَ، ومصدرةً حفيفًا معدنيًا يمزقُ أحشاءَ السكون.

وما هي إلا ثوانٍ معدودات، حتى ضجّ فضاءُ الدار بأزيزٍ حاد، وصارت تلك الكائنات السوداء تقفز من حوافّ السطح لتتسلل في الشقوق والفتحات كأنها جنودُ ظلٍّ يعرفون خبايا البيت أكثر من أهله، وكأن الدار العتيقة قد قررت أخيرًا أن تبوح بسرٍّ دفين ظلّ يختمر في أحشائها عقودًا من الانتظار.

 ارتجفتِ الجدرانُ تحتَ وطأةِ هذا الزحف، وصارَ الصمتُ صراخًا مكتومًا يمزقُ أحشاءَ السكون.

تبادلت الوجوهُ نظراتٍ لم تكن الدهشة سيدتها الوحيدة، بل كان هناك أيضًا ارتيابٌ مُرّ، كأن الجميع أدركوا بالفطرة أن هذا الغزو ليس عرضًا مناخيًا، بل إيذانٌ بخللٍ أصاب روح المكان.

حلّقت التخمينات في الهواء المثقل بالتوجس والهواجس:

 أهي لعنةُ المجاري القديمة؟

 أم آفةٌ موسمية ضلّت طريقها؟

أم أنه أمرٌ آخر لا يُرى؟

لم يمنحهم الوقت ترف التأمل؛ تحرّكت الأيدي في فوضى عارمة، رُشّت المبيدات بيأسٍ محموم، وتصاعد دخان البخور حتى استحال الهواء غلالةً كثيفة تخنق الأنفاس، بينما استُخدمت المَنشّات والمكانس اليدوية كمراوح قلقٍ عاجزة في وجه جيشٍ لا يريد الارتداد.

كانت الخنافس تتساقط ميتة أحيانًا، لكن الأرض كانت تلد بدائلها بضراوةٍ غريبة، كأن رحم الدار صار مفقسًا لا ينضب للسواد.

كل دقيقةٍ تمر، كان الانقباض يتمدّد في الصدور، والأبصار ترتفع نحو الأعلى، حيث ينبع هذا الفيض الكدر.

صعدت ثلة من أهل البيت السلالم بقلوبٍ واجفة، لكن الدرجات لم تكن ممرًا آمنًا، بل صارت ساحة زحفٍ لطبقةٍ حيّة سوداء تجعل الخطوات ثقيلة كأنها تمشي فوق الجمر. ومع كل درجة يرتقونها، كان الإحساس يترسخ بأنهم يقتربون من مركز الكارثة الذي يزداد كثافة.

ما إن بلغوا السطح، حتى انفتح المشهد عن صدمةٍ لا يمحوها النسيان..

 كان السطح مغطىً بطبقاتٍ متحركة من الخنافس، وصرير لا ينتهي، كأن الأرض قد استبدلت جلدها الترابي بجلدٍ داكن نابض بالحمى.

في إحدى الزوايا، وسط هذه الدوامة المحمومة، كانت الطفلة ياسمين تجلس متقرفصة، ملتصقةً بالجدار كعصفورٍ بليلٍ غبّ مطر، يخشى الطيران.

كانت عيناها المتسعتان بذهولٍ يفوق سنواتها التسع تلمعان ببريق خوفٍ غامض، وهي تمسك كيسًا ورقيًا مجعدًا، أناملها الصغيرة ملطخة بمسحوقٍ أبيض يشبه الطحين وقد تناثر على الأرض حولها. كانت له رائحة غريبة، رائحة النوايا المدفونة. وبينما كانت الخنافسُ تطوقُها بهالةٍ سوداء، بدت ياسمينُ كأنّها حارسةُ هذا الطقسِ الرهيب، لا ضحيتُه.

سادَ سكونٌ مثقلٌ بأسئلةٍ تنهشُ اليقين.

 ذعرت هدى وهي ترى طفلتها بهذه الهيئة المزرية، طلبت من الآخرين النزول فورًا، لأن حدسها أخبرها أن ما يجري هنا ليس لهو أطفال، بل نصٌّ مشفّر كُتب بمداد البراءة.

اقتربت منها كما يُقترب من كائنٍ بلوري آيلٍ للكسر.

 انفجر بكاء الصغيرة نشيجًا ممزقًا يمتزج فيه الذنب بالروع.

 طمأنتها أمها، وخفّضت نبرة صوتها إلى حد الهمس، وبودٍ سألتها:

"لماذا يا مهجة القلب؟ ماذا تفعلين وسط هذا السواد؟"

رفعت الطفلة عينيها المغسولتين بالدمع، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

"أنا.. أنا أطعمها من هذا الكيس."

مسحت الأمّ عن وجنتي صغيرتها آثار الخديعة، وقالت لها برفق:

"ولماذا تطعمينها؟ ومن أعطاكِ هذا الكيس الثقيل بالسر؟"

ترددت الصغيرة لحظة، ثم قذفت بالحقيقة الصاعقة:

"هم.. هم أعطوني إياه. كان فيه صغار الخنافس، وقالوا لي: ضعيها هنا وأطعميها حتى تكبر وتملأ المكان.. منحونا حلوى ونقودًا كثيرة."

"أرتها قطع النقود التي كانت في جيبها قائلة: ها هي.."

سألتها الأم بقلبٍ يخفق هلعًا:

"من هم؟ وهل كنتِ وحدكِ؟"

هزّت الصغيرة ياسمين رأسها نفيًا:

"بل أنا وصديقاتي، وأطفالٌ آخرون.. حذرونا من البوح، وإلا سيصيبنا مكروه."

سألتها بوجل هادئ:

"كيف يبدون؟"

فأجابت:

"يأتون بسيارةٍ سوداء، وجوههم محجوبة بالنظارات والكمامات، أكفهم محمية بالقفازات، كأنهم لا يريدون للهواء أن يلمسهم."

كانت كلماتُ ياسمينَ تتساقطُ كشظايا جليدٍ في جوفِ هدى، محولةً حرارةَ الصيفِ إلى صقيعٍ يضربُ العظام.

أدركتِ الأمُّ في تلكَ اللحظةِ أنَّ الحشراتِ لم تكن غازيةً من الخارج، إنما كانت بذور الغرباء التي استنبتوها في بساتينِ الطفولةِ الغافلة.

نظرتْ إلى الكيسِ الورقيِّ، فصارَ في عينِها تابوتًا يضمُّ جنازةَ الأمانِ التي عاشوا فيها عقوداً.

نزلت الأم بطفلتها ملهوفةً، وفي الأسفل كان الجيران يغرقون في بحرٍ من التساؤلات. وحين رآها الجميع مع ياسمين تحمل الكيس الملعون، خيّم صمتٌ مشوب بالحذر، وبدأت الحقيقة المُرّة تتسرّب إلى العقول كخيط من دخانٍ داكن.

**

2. في ساحةِ الملعب: ميثاقُ الوجعِ الواحد

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى كانت الهواتف تتناقل الأنباء ذاتها..

 الخنافس تستبيح بيوت الأزقة المجاورة أيضًا. غدا الحيُّ كلُّهُ حقلاً لتجربةٍ شيطانية، وصارتِ الجدرانُ العتيقةُ التي كانت تحميهم، مجردَ قشورٍ واهنةٍ أمامَ تدبيرٍ يفوقُ قدرةَ الناس البسطاء على الاحتمال.

اتفق الجميع على لقاءٍ عاجل في ساحة الملعب.

 تلك البقعة التي كانت بالأمس ملاذًا لمرح أطفالهم، فإذا بها اليوم تتحول إلى برلمانٍ لتداول الهموم.

 تجمع الناس بوجوهٍ شاحبة وأفكارٍ كالحة، كأنهم خرجوا لتوّهم من زلزال.

وسط اللغط، ارتفع صوت الجار عمار:

"الأمر ليس عبثًا.. إنه مدبّر يتعلق بالأرض."

تعلّقت به الأبصار، وتابع موضحًا:

"ثمة شركات تلهث خلف هذه المنطقة، وثمة صفقات تُحاك في العتمة لإرغامنا على الرحيل."

لم تكد كلماته تستقر في الأذهان حتى تابع جارٌ آخر، وقد بدا كمن تذكّر أمرًا ظل طويلًا في الظل:

"نعم، نعم.. صحيح.. قبل فترة ليست ببعيدة عرضت عليّ إحدى الشركات شراء بيتي. عرضٌ سخيّ على غير المتوقع. ظننت أنهم يخططون لبناء مشروع كبير.. أو مجمع سكني.. أو.. لا أعلم بالضبط، لكني رفضت.."

توالت الشهادات، وتشابكت الخيوط:

 السيارات السوداء.. الوجوه المحجوبة.. والآن الغزو الحيوي.

 ساد صمتٌ مثقل بقداسة المكان. كانوا ينظرون إلى الأرض التي ألفت وقع خطاهم، الأرض التي شربت عرق آبائهم وضحكات أطفالهم، حتى غدت قطعةً من أرواحهم.

تأمّلت هدى وجوه الجيران، لم يكونوا عابري سبيل، بل كانوا مرآةً للروح.

 رأت في عيونهم ذات السؤال الذي هز هدوءها:

 "كيف يمكن لما شُيّد بماء العمر أن يُعامل كغنيمة سائبة؟"

 وفي وجوهٍ أخرى، رأت عنادًا هادئًا راسخًا كجذع زيتونٍ عتيق صقلته العواصفُ فزادته ثباتًا.

طفحت بها الذاكرة فأخذتها إلى يوم زفافها إلى علي، حين أهداهما والده مفتاح البيت بابتسامةٍ تجمعُ بين الوقارِ والوصية قائلًا:

"اجعلاه عامرًا بالحب."

 لم يكن مفتاحًا، بل وعدًا بوطن.

 تذكّرت كيف زرعا شجرة الزيتون، وكيف قال علي باسمًا:

"ستكبر معنا… وستشهد على كل شيء."

 تذكّرت ضحكتها يومها، وكيف أنها لم تدرك أن الشجرة ستشهد حتى على الغياب. تذكّرت ذلك الصباح الذي أخبرته فيه بحملها؛ وكيف ضحك تلك الضحكة الصافية التي لا تتكرر في العمر كثيرًا.. وكيف أحاطها بذراعيه راقصًا، وطابعًا قبلة على جبينها، ثم ركض إلى الحديقة، وقف قرب شجرة الزيتون الصغيرة وقال ضاحكًا: "الآن صار لزامًا علينا أن نزرع شجرةً أخرى كي لا تشعر هذه بالوحدة.

فلنزرع شجيرة ياسمين أيضًا.."

كانت لتلك الذكريات جذورٌ تمنحها القوة والعزيمة.

 حين حل المساء، وبدا أن الجميع يريد المغادرة، قال العم عواد:

"يريدون طردنا دون أن يطرقوا أبوابنا."

ردّ صلاح بنبرة واثقة:

"لكنهم يجهلون أننا وبيوتنا توأمان."

نظر الناس بعضهم لبعض ثم تفرّقوا، عائدين إلى بيوتهم، لا مهزومين بل متأهبين. كانت السياراتُ السوداءُ ما تزالُ تمرُّ ببطءٍ مريب في أطرافِ الحي، كعيونٍ باردةٍ تراقبُ فريستها، لكنها لم تدرك أن في كل بيتٍ نارًا أُضرمت لن تُطفأ بعد الآن، وأن بذرةَ الأملِ قد بدأت تمتصُّ الوجعَ تمهيدًا للنمو غدًا..

شجرةً من غضبٍ ويقين.

حين غادرت هدى الساحة، مع من غادرها، كانت تشعر ببرد الليل، لكن دفء الانتماء ظلّ يسري في عروقها، مدركةً أن المعركة ليست معركة بقاء فقط، بل معركة ذاكرة.

أغلقت باب دارها، ونظرت إلى ياسمين النائمة، وتعهدت لها في سرّها:

"لن أدعهم يسرقون سماءكِ، ولن يقتلعوا أرضكِ.. ما دام فيَّ عرقٌ ينبضُ"

**

3. ظلا الياسمين

بدأ أثر المبيدات يتسلّل خفيةً إلى مملكة الخنافس. شيئًا فشيئًا انحسرت أعدادها، وخفتت حركتها، حتى بدا أن المعركة تميل لصالحهم، أو هكذا اعتقدوا.

في صباح اليوم التالي، الذي صادف عطلة نهاية الأسبوع، كانت هدى في المطبخ تهيّئ الإفطار، بينما كانت ياسمين في الحديقة تلمس الأوراق الغضّة لشجيرة الياسمين، وتهمس لها بشيءٍ لا يفهمه سواهما، كما لو كانت توقظها من نومٍ شفيف ـ تلك الشجيرة التي تحمل اسمها، والتي غرسها أبوها بيديه ذات مساءٍ بعيدـ، ثم تنطلق راكضة لمطاردة العصافير المزقزقة في الحديقة.

لاحظت هدى أن الشجيرة كبرت، وصار لها ظلان صغيران يتمايلان مع النسيم:

ظلّها الأخضر المبرقش بالأزهار البيضاء، وظلّ طفلتها بضفيرتيها الزاهيتين.

فتحت النافذة، فرأت الأطفال يتقاطرون إلى الساحة. ولما لمحتهم ياسمين..

 التفتت نحو أمها بعينين متوسلتين:

 "أريد أن أذهب إليهم."

ابتسمت لها وقالت:

"ليس قبل الإفطار."

قطّبت حاجبيها قليلًا، ثم عادت لمطاردة عصفورٍ يقفز بين أغصان شجرة الزيتون.

في تلك الأثناء لمحت هدى العم عواد كعادته، جالسًا على أحد المقاعد إلى جانب جارهم صلاح.. غليونه بين أصابعه، يطلق خيوطًا من الدخان تتلوى في الهواء مثل ذكرياتٍ قديمة. كان يجلس مستقيم الظهر رغم سنوات التعب، يراقب المارّة بعينين فيهما طيبة وتأمل صامت.

قالت لياسمين:

"سنذهب معاً بعد قليل."

بدأت هدى بإعداد صينية القهوة. وضعت الفناجين وإبريق القهوة الذي ملأ بخاره المتصاعد البيت برائحة البنّ الزكية، تلك الرائحة التي تشبه وعدًا خفيًا بأن النهار سيكون أقل قسوة.

خرجتا إلى ساحة الملعب. كانت ياسمين تمشي إلى جوارها بخطواتٍ متلهفة للحاق بأترابها، وهي تقصّ عليها أخيلةً من أحاديثها الطفولية.

ما إن اقتربتا من المقعد الخشبي حتى انشرحت الوجوه مرحّبة. قال صلاح وهو يبتسم:

"أهلاً.. يبدو أن الصباح صار أكرم."

جلسوا يحتسون القهوة، لكن القلق ظل حاضرًا.

 بعد فترة وجيزة تقاطر الجيران واحدًا تلو الآخر.. وفي العيون نظراتٌ قلقة وسؤال ملح:

ما العمل؟

ساد الصمت، بينما ظل دخان غليون العم عواد يتصاعد، كأنه يبحث عن إجابة.

**

يتبع

***

سعاد الراعي

20. 4. 2026

........................

 * من رواية قيد الانجاز

عدتُ للكتابة بعد غياب قصير زمنياً، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا قادني قلمي نحو حقول الورق في نهاية نيسان؛ حيث كل شيء يعود بك إلى الماضي...

كيف أخبرك بأنني الآن، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بترف الحبر على طول السطر، وكأنني أعد طبقاً شهياً بمزاجٍ هادئ؟!

عندما أخط بقلمي، أشعر بأن نيسان يفتح نوافذ الصيف للشمس والضوء والذكريات، وعندما ألتفت للوراء أحدث نفسي وأقول: كيف مرت تلك العقبات التي كنتُ عالقة فيها كشبكة عنكبوت حريرية نسجت في فتحة سقف بيت؟!

لا تتخيل كيف هي رغبتي في إخراج هذا الكم الهائل من الكلمات الحبرية على صفيح الورق، كتلك المرأة الحبلى التي تنتظر مخاضاً لتغلق أبواب الترقب.. هل شعرت يوماً بأن شهراً واحداً يمكن أن يجعلك تشعر بالبكاء والحنين والانكماش، وشعور آخر لا أعلم كيف أصفه لك.. كل هذا في لحظة خاطفة؟!

إن للشهور القدرة على فهم مزاجاتنا المضطربة بتلك الطريقة الغامضة والمعقدة، ولها القدرة أيضاً على إيصالنا إلى آخر نقطة في السطر، كأنها صممت خصيصاً لتكون شاهدة على ما نحن عليه من تبدلات...

عندما استيقظتُ هذا الصباح، شعرت بأن الذي استيقظ ليس أنا، وإنما ذاك الضجيج القابع في أدراج ذاكرتي، وأنني لا زلت على سرير الحلم لم أستيقظ بعد، رغم مرور كل هذا الوقت الطويل.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

 

أنا المصلوبُ فوق خريطتي،

في زحمةِ المعنى،

وضيقِ حكايتي.

نزعتُ جلدي عن مجازي القديم،

وسمّيتُ جرحي

عهدَ بدايتي.

كسرتُ عظامَ الخوفِ في داخلي،

وواجهتُ موتي

فدىً لوصايتي.

أعلنتُ تمرّدي على الصمتِ

لأرتقي في الخطايا النقيّة.

أخونُ ارتجافي إذا ما كتبتُ،

وأصالحُ نبضي،

وأرفعُ رايتي.

أرتكبُ الصدقَ جرحًا جليلًا،

وأقترفُ الحلمَ

رغم نهايتي.

تمرّدتُ لأخلعَ نعلَ الغشاوة

عن وهمِ ذاتي،

وقيدي،

وصمت سادتي.

سأكتبُ اعترافي الأخير:

أنا من نزعتُ أصفادَ حبيبتي،

لتحيكَ بيديها

حدودَ البلاد.

لا بأسَ لو لهوتُ،

لا بأسَ لو صرختُ،

لأرسمَ طفلًا يقودُ العباد.

سأصنعُ حكايةَ الفجر

من فوضى روحي،

على خرابِ قصيدتي،

وأصرخُ في وجه هواة الرثاء:

كُفّوا لسان المراثي،

فهذه هي حكايتي.

***

غدير حميدان الزبون – فلسطين

 

في فجرٍ باهتٍ، كان الهواء باردًا يلسع الوجوه، والشارع المؤدي إلى المسجد شبه خالٍ إلا من خطوات مترددة تتكسر فوق الإسفلت الرطب. كنت أمشي ببطء، أضم معطفي إلى صدري، وأحاول أن أسبق ارتجافًا بدأ يتسلل إلى أطرافي.

توقفت لحظة عند زاوية الطريق. همس صوتٌ خلفي، غليظٌ كأنه يخرج من جوف الليل:

- "إلى أين تمضي؟".

التفتُّ بسرعة، فلم أرَ أحدًا.

- "إلى المسجد".. تمتمت، وكأنني أجيب ظلّي.

عاد الصوت، أكثر اقترابًا:

- "الطريق ليس كما تظن."

تابعت السير رغم القلق الذي بدأ يشتد في صدري. الغلس كان يزحف ببطء، يبتلع التفاصيل، ويترك الأشياء نصف مرئية، نصف متخيلة. فجأة، لاح أمامي ضوء خافت، فانوس يتمايل في يد رجل تحيط به مجموعة من الوجوه الجامدة.

اقتربت أكثر. صرخ أحدهم بصوت حاد:

- قف، لا عبور دون تفتيش."

تجمدت في مكاني.

- "تفتيش؟ إلى المسجد؟"، سألت بدهشة.

ابتسم آخر بسخرية:

- "كل الطرق تغيرت.. لم تعد كما كانت."

وراءهم، بدا مدخل ضيق يشبه نفقًا، تتكدس عنده أجساد صامتة، تنتظر. كان الحراس يتحركون بعنف، يدفعون الناس ويصرخون في وجوههم. أحد الواقفين بجانبي، رجل بملامح مرهقة، همس:

- "إنه الطريق الوحيد.. أو هكذا يقولون."

سألته: "وأنت.. تصدقهم؟"

هز رأسه بتردد: "لا.. لكن لا خيار لنا."

شعرت بشيء في داخلي يرفض التقدم. ارتفع صوت آخر من الصف: "لن أدخل هذا النفق."

التفت الجميع نحوه. تقدم حارس، قبض على كتفه بعنف:

- "إما العبور.. أو العودة من حيث أتيت."

ساد صمت ثقيل. نظرتُ خلفي. في البعيد، كان الفانوس الأول ما يزال يلمع، يحيط به أناس آخرون.. ربما عائلات، ربما أحبة.

قال الرجل بجانبي بصوت مكسور: "هناك.. كانوا ينتظروننا."

أجبته: "وربما ما زالوا."

تبادلنا نظرات طويلة. شيئًا فشيئًا، بدأ التوتر ينحل، لكنه لم يتحول إلى طمأنينة.. بل إلى حيرة أثقل.

فجأة، جلس الرجل على ركبتيه. ثم آخر.. ثم ثالث. وجدت نفسي أفعل مثلهم، دون أن أفكر. رفع أحدهم سبابته نحو السماء، وقال بصوت مرتجف:

- "ادخل أنت.. أنا لن أفعل."

في تلك اللحظة، بدا أن الظلام نفسه يتراجع خطوة. الغلس، الذي كان يلفّ المكان، صار أقل كثافة، كأن الحلكة بدأت تفقد سطوتها.

همستُ، وأنا أحدق في الأفق: "هل ترى ذلك؟"

رد الرجل بجانبي، وقد لمعت عيناه: "نور.."

كان ضوءًا خافتًا في البداية، ثم أخذ يكبر ببطء، ينساب بين الوجوه، يوقظ فيها شيئًا دافئًا.. شيئًا يشبه الأمل.

تبادل الحراس نظرات سريعة. أحدهم شد على قبضته... ثم تركها. خفت الصوت ... ولم يعد يعرف من أين يأتي. وقفتُ ببطء، شعرت أن الطريق لم يعد ضيقًا كما كان.

سألت الرجل: "إلى أين الآن؟"

ابتسم، لأول مرة: "إلى حيث لا يحتاج النور إلى إذن."

ومضينا.

حين مررنا بمحاذاة الفتحة، شعرتُ بأنفاس باردة تخرج منها، كأنها تحاول أن تستعيدنا. لم نلتفت.

عند الباب، توقفتُ لحظة. نظرتُ خلفي. القضبان ما زالت في مكانها.

قال الرجل: "هل سيبقونه مفتوحًا؟"

نظرتُ إلى المصباح، ثم إلى السماء التي بدأت تكتمل. الناس يعبرون واقفين.

عند المدخل، التفت. أحد الحراس يراقبنا... دون أن يتحرك.

المصباح لا زال يرمش.

دخلنا، وخلفنا بقي الممر موحشا.. ينتظر من يعود إليه، أو من يتجاوزه.

***

الحسين بوخرطة

ربيعيّونَ في زمنِ الصحارى

وموعودونَ قد شِبْنا انتظارا

*

ومنسيّونَ مثلَ كتابِ شِعْرٍ

بزاويةٍ وقد أَلِفَ الغُبارا

*

وعشّاقٌ وقد كنّا صغارا

وعشّاقٌ وقد صِرْنا كبارا

*

لقد حلَّ الربيعُ وأنتِ عندي

ربيعٌ للربيعِ وما توارى

*

دخلتِ إلى الحديقةِ كلُّ غصنٍ

بِهِ أرَجٌ إليكِ قَدِ استدارا

*

حوالَيْكِ الطيورُ تصيحُ زَهْواً:

رَضِيْنا أن نكونَ لها أُسارى

*

وعَقَّ الوردُ تربتَهُ عُقوقاً

وسارَ إليكِ يلتمِسُ السِّوارا

*

وكانَ النهرُ يجري مُطمئنّاً

ومنذُ رآكِ قد عكسَ المسارا

*

وقبلَكِ كانَ ضوءُ الشمسِ فينا

كئيباً لا نُحِسُّ بهِ النهارا

*

فجِئْتِ كمثلِ موشورٍ زجاجٍ

وفيهِ الضوءُ ينكسرُ انكسارا

*

فأخرجَ أجملَ الألوانِ حتّى

تلوّنَتِ الحياةُ بكِ ازدهارا

*

أيَا امرأةً جمالُكِ مثلُ بحرٍ

أغوصُ أغوصُ لا أصلُ القرارا

*

تُعلِّمُني شفاهُكِ ثُمَّ أنسى

أعيدي الدرسِ مرّاتٍ كِثارا

*

وعن خُصْلاتِ شَعْرِكِ حدّثيني

فإنّ المِشْطَ شوّقَني مِرارا

*

أحقّاً أنّها ليلٌ وأنّي

تموتُ أصابعي فيها انتحارا

*

لقد جادَ الزمانُ عليَّ لمّا

هداني مثلَكِ امرأةً هَزَارا

*

فكنتِ لخافقي سكَنا وسُكنى

وكنتِ لتيهِ نجماتي المدارا

*

***

د. عبد الله سرمد الجميل

يفصلنا نحن العاشقين الصغيرين نهر صغير نقي المياه عميق هنا وضحل هناك. كان يمنعنا من التلاقي. ينعطف، بعد ان يتوغل في بساتين المحلة جنوبا كيما يقذف منهكا رقصات موج ختامية في نهر الخورة المتجه غربا.

كانت تسكن في احدى صرائف الضفة الاخرى. لم يحدث ان اقترب احدنا من الآخر قط ومع ذلك احببتها واحبتني. وكنت في سري استمتع بذلك التباعد المكاني فهو يزيد من توهج النار.

كنت جليس الضفة الجنوبية وكانت جليسة الضفة الشمالية. وكان مكاني بجوار مغسل الموتى. على مبعدة امتار مني يتكأكأ سوباط متهالك الأضلاع لحارس البستان الذي كان يفد لسوباطه بين الفينة والفينة. وكان تباعد زياراته يجعل كوخه نهبا لاقتحاماتنا الطفولية فنمزق حصيرته الارضية ونبعزق ادواته المخبوءة في صندوق قمئ بركن الكوخ. ثم نمعن في التقافز من جدول متري الى آخر او نتسلق نخلة عيطاء او نلتهم اغلفة الشفلح المجببة الحمراء. ويا ويلنا لو اصطادنا حارس الوقف المتميز غيظا وهو يطاردنا بمنجله ناعتا إيانا بأشنع الاوصاف! ومع ذلك كنا نعشق ذلك البستان المغرورق بالاخضرار فنمعن في التقافز على سواقيه المعشوشبة الضفاف، نقتطف رمانات اشجاره او نعقص ذلاذل دشاديشنا على المستل من نبات الشيخ اسم الله ليخرج التكوير كرة او مركبا او طائر ياورشين وربما فاكهة من فواكه لا نعرف اسماءها ثم نختم الطقوس بالتهام ذلك التكوير العشبي!

تقضت اربع سنوات وتدفق نهر المحلة الف مرة مدا وجزرا...  كبرنا قليلا فلم نعد نجعل من اكياس قمر الدين تلسكوبات تجعل ماء النهراصفر وصفوف صرائف الضفة الاخرى بلون الزعفران.

وفي مرة من المرات قذفت تلك البنت الضئيلة نحوي كرة ورقية منتزعة من كتاب القراءة الانجليزية وقد كتبت اعلى الصفحة بضع كلمات فهمت منها انها تريدني ان اترجم قصيدة عنوانها If لأن معلمة المادة جعلت ذلك التمرين واجبا بيتيا. استللت من دفتري ورقة وكتبت ترجمة القصيدة التي اخبرني احد القواميس بأنها من الأغاني التي تسمى التنويمة لدى الانجليز وهي مخصصة لتحفيز الصغار على الاستسلام للإغفاء : " لو ان كل البحار بحر واحد / أي بحر عظيم سيكون؟ / لو ان كل الشجر كان شجرة واحدة / أية شجرة هائلة كانت ستكون؟ / لو ان كل الرجال كانوا رجلا واحدا / أي رجل عظيم كان سيكون؟ / لو ان كل الفؤوس كانت فأسا واحدة / اية فأس عظيمة كانت ستكون / ولو انّ ذلك الرجل العظيم تناول تلك الفأس العظيمة / واجتث تلك الشجرة العظيمة / وجعلها تهوي الى سطح البحر العظيم / فأية طرطشة هائلة كانت ستكون؟ / "

في نهارات ساخنة ومهجورة كنت اتسلق ضفة النهر لائذا بشجيرة الدفلى مستظلا بوردها الاحمر العديم الرائحة وحملها الخرنوبي العديم المذاق. كنت اتوسد حقيبتي المدرسية المثخنة بالكتب والكراسات، حينئذ تنصاع اجفاني لاغفاءة لا تتجاوز البرهة فتوقظني ذراع مؤذن الجامع وهي تخض بدني الذي خدرته الاغفاءة :

ــ هيا اسرع لمدرستك قبل ان يفوتك الدرس. لا تكن مثل تنابلة السلطان!

ومحلتنا مثل أي محلة شرقية كان الحب فيها من المحرمات بل يعد شكلا من اشكال الخطيئة! وقد حلمت ذات ليلة بأن النخلة التي استروح تحت ظلها واختلس النظر الى فتاة احلامي قد اضحت شجرة زقوم وانني في قلب جهنم اتناول ثمرها المرير عقابا لآثم مثلي! ولم تكن تلك الصبية بالنسبة لصبي نحيل مثلى سوى حلم ملون اعلق عليه اشرطة احلامي.. اذ ذك افيق من نومي مرتعبا فالوذ ببرهامة البستان..

من انا؟!

صبي الأمس ام رجل الغد؟ متصوف قبل الاوان؟ لا ادري!

اذ ذاك تعثر عيناي عليها متنكبة تلة ترابية. لا اتبين قسمات وجهها جيدا.. بيني وبينها الماء.. وثمة غلالة ترابية تتلاعب بها الريح. اعتدت ان الفت انتباهها عن طريق قرع صفيحة سمن فارغة بحجر. ادارت وجهها نحوي فقذفت بالورقة نحوها. كنت قد كتبت في اعلى الورقة : ادرسيها جيدا وستعطيك المعلمة درجة النجاح. احبكِ..

طارت الرسالة على نحو مقوس باتجاه الضفة الأخرى.. ضفتها.. سقطت على مقربة منها فتناولتها واسرعتْ بتمزيقها وانهمكت بقراءتها. نهضتْ فجأة وغادرت مجلسها دالفة للزقاق الى حيث تسكن. شعرت ببعض الضيق. لم افهم سبب مغادرتها.

مكثت في مكاني على الربوة دون ان افكر في المغادرة. كنت اشبه بأسير موثق بحبل غليظ يلتف حول شجرة البرهامة العجفاء.. كنت عازما على المغادرة وكلي احباط من غيابها المباغت.. لم استطع.. بقيت متسمرا بين النخلة والبرهامة فيما اشتد اندفاع الريح حتى كاد ان يطيح بي في النهر لولا انني بذلت جهدا مضنيا في المكوث في مكاني مثلي مثل شجرة (باولونيا) متشعبة الجذور.

ها هي فتاتي قد عادت لمكانها السابق. كانت الريح تتلاعب بجديلتها وبتنورتها المدرسية التي اخذت بالانكفاء كاشفة عن ساقيها النحيلتين. انثنت بجسمها المغزلي الى الخلف ومن ثم طوحت نحوي بورقة مكورة الى حيث اجلس. دحرجتها الريح باتجاه النهر غير انني هرعت اليها والتقفتها داسا اياها في جيبي. انزويت خلف البرهامة منتزعا خيط الحجارة ناشرا الورقة في اضطراب.حينئذ قرأت :

" حبيبي الاول والأخير.. شكرا لارسال القصيدة. لكنني سوف لا اروح للمدرسة. ابي يريدني ان اتزوج ابن عمي. سامحني.. وداعا "

***

تسللت السنوات ولم اعد ابصر الصبية هناك.. اختفت مثلما تختفي فقاعة ملونة، بينما مكثت في مكاني على الربوة التي تشققت وتقصفت اعشابها وتسرب قطارات النمل اليها.. بانتظار ان تشرق يوما على ليلي الحالك دون جدوى..

مازلت في ركني الاثير، على الربوة استعيد طعم النبق الذي كانت تقذفه نحوي في مخروطات ورقية من صنع يدها.

في يوم غائم وعاصف فوجئت بالسدرة العجفاء ــ على الضفة الاخرى ــ تصدر تقصفا وتهوي الى مجرى النهر محدثة طرطشة عظيمة.

لم اتوقف عن زيارة الربوة حيث اقتعدها بانتظار ان تشرق صبية لم يتح لي ان اعرف اسمها.. تلاشى النهر تماما.. اضحى زقاقا معبدا بالاسفلت.. واقتلعت صرائف الضفة الاخرى وتفرق اهلها وارتفعت بيوت شاهقة السطوح بشرفات خاوية.

كنت وما زلت اردد بيني وبين نفسي تنويمة الامس.. لو انني.. لو انها.. لو ان!

***

نص قصصي

محمد سهيل احمد

لَمْ تكنْ ابنةَ الجُبيلِ ولكنْ

بنتَ أعلى الجبالِ عزَّاً وفخرا

*

اِذْ اشارتْ، وفي الاشارةٍ معنىً

يكتفي فيهِ كلُّ مَنْ كانَ حُرّا

*

كمْ حموها؟ ألفٌ؟، وكيفَ حموها؟!

وسماءُ الجنوبِ تمطرُ جمرا

*

فِرقٌ مِن لهيبٍ ونارٍ

طوقتْها فلمْ تطوِّقِ شبرا

*

فَصَلوا نهرَها المُزمجرَ عنها

فاذا بالقلوبِ تُبدعُ نهرا

*

وتُعلِّي الى السماءِ نشيداً

يتجلّى على ضفافِهِ بَدرا

*

ثم تأتي الى الضفافِ بناتٌ

بِجرارٍ، فيصبحُ الماءُ سحرا

*

صانعاً للبطولاتِ حتى لَيُضْحي

شاربُ الماءِ في البطولةِ سِرّا

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

أقبلَ الفجرُ

وشَقّتْ عُتمةَ الغفلةِ شمسٌ بنيوبٍ ساطعة

أيها الموتى أفيقوا

أنهُ الصُورُ الذي يستنهضُ الموتى

كما تستنهضُ الأرضَ المواتَ الزوبعة

ألحصى دَبّتْ بهِ من رعشة الرهبة روحٌ

بينما لما تزلْ تنقرُ في أجداثِكم أغربةُ النومِ

كما تنهشُ - في غفلتكم - منها الكلابُ الجائعة

**

عبثاً تحجبُكُم أكفانُكم

صمتُكم ينطقُ عمّا تكتمون

غيضُكُم، أحقادُكم، كالعملة المَعدنِ

تدّاورُ فيما بينَكم

أنني عبرَ جدار الصخر

أصغيتُ لما تهمس للشوكِ العيونُ الدامعة

فاستفيقوا

لم تعدْ في السّوق أكفانٌ لموتى آخرين

لم تعدْ في الأرض أشبارٌ

لكي تبسطُ فيها طولَها تلك الجسومُ الخانعة

**

كلما امتدّ زمانُ النوم

عادتُ آلةُ السَحقِ إلى أعظُمِكم

تهرسُ ما ظلّ من اللحم عليها

فلقد طابَ لكم ما ينفثُ الباكونَ من أدخنة القَهر

وما تُطعمكم مطحنةُ الذلة في أقفاصكم من جعجعة

هكذا أهدرتُمُ العُمرَ

على أرؤسكم تمشونَ بالمقلوب

تختالونَ بالعُري

وتقتاتونَ مما يكنسُ العصفُ

ويطفو من غثاءٍ فوقَ أمواج الدموع

وتُطيلونَ صلاةَ الشُكرِ نوماً

تحتَ أقدام الجموعِ المسرعة

**

أيها الموتى أفيقوا

أنهُ وقتُ الرحيل

اكتملَ الحِملُ

وصُفّ المُبحرونَ

وأتى النوتيُّ يَستعدي على الموج السَواري

واختفتْ في مِعطفِ الغيمِ رؤوسُ الأشرعة

***

شعر: ليث الصندوق

بطريقةٍ ما،

تتأخّرُ الأشياءُ التي نحبّها،

تصلُ بعد أن نتعلّمَ

كيف نعيشُ بدونها،

تقفُ أمامنا

كزائرٍ خجول

لا يعرفُ إن كان مرحّبًا به.

*

بطريقة ما ندرك،

أنَّ الحنين

آلةٌ دقيقةٌ للعطب،

كلّما حاولنا إصلاحها

أعادتنا إلى نقطةِ الصفر،

حيثُ أوّلُ شرخٍ

في صوتِ القلب.

كأنّنا

نكتبُ أنفسنا

بخطٍّ غير مقروء،

ونتركُ للآخرين

تخمين المعنى،

ثم نغضبُ

حين يُسيئون الفهم.

*

بطريقةٍ ما،

تتواطأُ الأشياءُ ضدّ تفسيرها،

تُبقي سرّها

كجرحٍ لا يريدُ الشفاء،

كأنّ الندبة

أصدقُ من الجلد.

*

بطريقة ما،

نُدركُ متأخّرين

أنّ المنطقَ

لم يكن بابًا للحقيقة،

بل كان مقبضًا فقط،

وأنّ البابَ

كان مفتوحًا دائمًا

على فراغٍ

يشبهنا.

***

مجيدة محمدي

إن عشتَ بوعي، ستزهر أيامك،

ستجتاز لهيب الجنون الأصفر،

ستقدم نشيدك للقمر،

ستقتني الكثير من الذكريات الجميلة،

وستنمو لك جناحان أبيضان،

سيمتلئ بيتك بالأطفال.

إن عشتَ بوعي كامل،

أطفالك سيكونون مفاجأة العالم.

الأطفال يغيرون كلّ شيء،

الأطفال نبض النسغ،

يتسللون إلى المطبخ في أنصاف الليالي،

يتسلقون أسوار بساتين التين والرمان،

يكتشفون خرافات الكهوف،

يتآلفون مع القراءة الخلدونية،

يعشقون ابنة الجيران،

حيوانهم المفضل هو الحمل،

شهرهم هو نيسان،

زهرتهم الشقيقة،

حكايتهم المفضلة هي أسطورة نجاتهم من الموت.

أطفالنا أكبادنا، يمشون مع الفرمان،

يعيشون الفرمان بتفاصيله المقيتة،

لا يهمهم رأس البلاد المنكسّ،

ولا البيت المقطوع الرأس،

ولا النار في القبور،

ولا النور الفاطس في الجحور.

يضحكون، يا إلهي، ضع يدك على رؤوسنا،

أشفق على آبائنا،

يا إله البلاد،

أرحم جميع العباد.

يا رب السماء، انظر إلينا بحبّ،

وأجلب معك (الأكيتو).

سنلبس دشاديشنا البيضاء،

ونشتل في عمائمنا زهورًا حمراء،

ونمسك بأيادي بعضنا،

ونغني لك: ما جينا يا ماجينا.

سنغني لك حتى المساء.

***

مراد سليمان علو

مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ (6)

مقام الراست

***

لغةٌ...

وأنتَ تظنُّكَ تكتبُها

فتستقيمُ فيكَ،

وتكتبُكَ الآنْ

*

كأنَّ الكلامَ

يأخذُ شكلَهُ فيكَ

كما لو أنّكَ

مركزُهُ الأولْ

*

تقولُ: أريدُ...

فتفتحُ فيكَ الجملةُ:

بابًا،

وتدخلْ

*

وتنطقُ حرفًا...

فيتبعهُ المعنى

لا بعيدًا عنكَ

بل منكْ

*

كأنّكَ:

حين تمسكُ بالكلمةِ

تُمسكُ نفسَكَ

فيها

*

وما ظننتَهُ صوتَكَ

كان يتّضحُ فيكَ

لا ينحرفْ

*

فكم أنتَ مكتوبٌ

كما تريدْ

وكم أنتَ مقروءٌ

كما تقولْ

*

فامضِ...

ولا تتردّدْ

فيما تسمّيهِ قولًا

*

دعِ اللغةَ الآنَ

تُقيمُ فيكَ

لا تمرُّ بكْ

*

لغةٌ...

وأنتَ يقينُها

حين تكتملْ

*

مقام السيكاه

(اسمٌ يتأخّر عنّي)

*

اسمٌ...

وأنتَ تناديكَ... فلا تستجيبْ

كأنَّ الحروفَ تخلّتْ عنكَ

حين احتجتَها

لتكونَ دليلْ

*

تقولُ: أنا...

فيتعثّرُ صوتُكَ فيكَ

ويخرجُ منكَ

بوجهٍ غريبْ

*

تناديكَ مرآةُ هذا الصباحْ

فلا تتعرّفُ عليكَ

تمامًا

إلّا كشكٍّ

يميلُ... ولا يستقيمْ

*

تمرُّ على اسمِكَ عفيفًا

كأنّكَ

آخرُ من يعرفُهْ

*

ومن يقولونَهُ

يضيفونَ شيئًا إليكَ...

وينقصُ شيءٌ

إن سكتْ

*

فكم أنتَ مُلتبسٌ فيكَ

بين الذي قلتَهُ،

والذي لم تقُلْ

*

وكم أنتَ أقربُ

حين يضيعُ النداءْ

*

فامضِ...

ولا تتعلّقْ بحرفٍ

يعيدُكَ

حدَّ التعريفْ

*

اكتبْ اسمَكَ مرّةً...

ثم انسحبْ،

واتركْهُ

يتعلّمُ كيف يعيشُ

بدونِكَ

*

اسمٌ...

وأنتَ الذي لا يُقالُ تمامًا،

ولا يُمحى

تمامَ الغيابْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

عمى البصيرةِ مَقرونٌ مَعَ البَطرِ

داءٌ ألمَّ فأصمى راعيَ البَقَرِ

*

ابنُ المَواخِيرِ ظنَّ الحربَ نُزهتَهُ

بها سيُكوى على الوجعاعِ بالدُبُرِ

*

ابنُ المَواخِيرِ في عُدوانهِ أجلٌ

سعى اليهِ وذا المكتوبُ بالقدَرِ

*

إبنُ المَواخيرِ أحلامٌ لهُ عرضتْ

تبَخّرتْ ورأى المَقسومَ في صُوَرِ

*

إبنُ المَواخيرِ في حَيصٍ وفي ندمٍ

ولا مُقيلُ يُقيلُ الغِرَّ مِن عَثَرِ

*

جلبابُهُ العارَ أمسى وهو لازمُهُ

لا خيرَ بالخيرِ إنْ يأتي مِن القذرِ

*

قد قالَ ما قالَ مَفتونًا بقوتهِ

يرى بعَينِ ازدراءٍ سائرَ البَشَرِ

*

هذا الغرورُ الذي يودي بصاحبهِ

نهجُ الطُغاةِ وذا المَنقولُ بالخبَرِ

*

أما الذين مَشوا في دربِ سيّدهمْ

لا شكَّ أنّهُمُوا في حالةِ الخَورِ

*

كانوا البلاءَ وما زالوا بأمتنا

أنَ الاوانُ لغسلِ العارِ والوضرِ

*

وحانَ للأمّةِ التغييرُ في وطنٍ

حُكّامُهُا جَذّروا في الهُونِ كالشجَرِ

*

هانوا فهانتْ على الايّامِ أُمَتنا

حتّى غدا طابعًا في أمّةِ السُوَرِ*

*

ها قد تَبَيّنَ يا أحرارَ أمتِنا

فلا التباسٌ ولا عُذرٌ لمُعتذرِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الخميس في 19 آذار 2026

.................

* أمّة السوَر: أي امّة القران المجيد والرِفعَةِ

"إلى الروحِ التي تَهبطُ مع الثلجِ لتدفئ قلوبَ المغتربين، إلى أيقونةِ الضوءِ 'فيروز'.. يا من أورقَ تحتَ ظلالِ صوتِها بيتي الصغير في 'ميشيغان'، فاستحالَ الصمتُ في غرفتي ترتيلاً ملائكياً، والوحدةُ مزاراً للأحلام. إليكِ أهدي نبضَ هذه الحروف التي ما كانت لتُكتب لولا صدى صوتكِ الذي علّمني كيف يكونُ للغربةِ وطنٌ يسكنُ في حنجرة."

***

بِـ "مِيشِيغَنَ" البَيْضَاءِ

دَارٌ صَغِـيرَةٌ

تُطِلُّ كَجُزْءٍ

مِنْ فُؤَادٍ لهُ شَجْوُ

*

وَقِرْمِيدها،

بِالثَّلْجِ كُـلِّـلَ سَقْفُها

بِثَوْبٍ نَقِيٍّ

مَدَّ فِي صَمْتِها الصَّفْوُ

*

كَأَنَّ بَيَاضَ الـمَرْجِ

حُلْـمٌ مُسَالِـمٌ

أَفَاقَ عَلَى طُهْرِ الرُّؤَى،

مَا بِهِ شَـدْوُ

*

وَبِالعَيْنِ مِـنْ تِلْكَ البُحَيْرَةِ

نَضْرَةٌ

تُنَاجِي سُكُونَ الرِّيحِ

إِذْ يَهْدَأ الخَطْوُ

*

عَصَافِيرُ شَوْقٍ

فِي الفَضَاءِ رَسَائِلٌ

تُطَرِّزُ ثَوْبَ الصُّبْحِ،

مَا شَابَهَا لَغْوُ

*

وَمِنْ نَغَمِ "الـفَيْحَاءِ"

يَسْرِي بِمَسْمَعِي

نِدَاءٌ بَعِيدٌ، رَقَّ

مِنْ جَرْسِهِ الشَّجْوُ

*

أُسَائِلُ صَوْتَ "الـجَارَةِ" الحُلْـوِ:

هَلْ لَنَا

بِـ "شَامِ الرَّوَابِي"

بَعْدَ طُولِ النَّوَى دَنْوُ؟

*

لِيَالِيَّ فِي "الشَّامِ" أَتَتْ

مِثْلَ غَيْمَةٍ

لَهَا فِي مَسَاءِ الـمُسْتَهَامِ

شَذًى حلْوُ

*

نَشَدْتُ شَذَى اليَاسَمِينِ

بِدَارِيَ الــقَصِيَّةِ،

لَكِنْ صَمْتَ الـبَرْدِ

حَاصَرَهُ الشَّدْوُ

*

إِذَا أَثْقَلَ الثَّلْجُ

الصَّقِيعُ بَسِيـطَةً

رَجَوْتُ انْقِشَاعَ الغَيْـمِ،

كَيْ يُبْصِرَ الـجَلْو

*

فَأُبْصِرُ فِي نَفْسِي

رَبِيـعاً مُهَيَّـأً

لِيُولَدَ مِنْ رَحِمِ الشِّتَاءِ،

وَلا يَخْبو

*

وَبَيْتي،

مَدَى الحُضْنِ الرَّحِيبِ مَوَدَّةً

وَبَابِي كَقَلْبِي..

لَيْسَ يَمْنَعُهُ صَحْوُ

*

سُكُونِي بِهِ رَوْحٌ

لِـرُوحِي وَرَاحَةٌ

وَنَافِذَتِي تَحْكِي

الـخَفَايَا إِذَا يَعْلُو

*

ضَجِيـجُ رِيَاحٍ

بِـالغِيَابِ وَقِصَّةٍ

نَسَاهَا زَمَانٌ

ضَاعَ فِي طَيِّـهِ السَّـهْوُ

*

فَلَا جَارَ فِـي دَارِي

يُـؤَانِسُ وَحْدَتِي

سِوَى بَدْرِ لَيْلٍ،

شَفَّ مِنْ صِدْقِهِ الخَطْوُ

*

أُنَاجِي سَرَاباً

مِنْ خَيَالِكَ،

إِنْ نَأَى

فَيَثْقُلُ أَنْفَاسِي

حَنِيـنٌ بِـهِ شَجْوُ

*

أُقِيمُ طُقُوسَ النَّـارِ

حُـزْناً وَلَهْفَةً

كَمَا يَرْقُبُ الفَجْرَ المُنِـيرَ،

رُؤىً تَصْبُو

*

تَعَالَ فَإِنِّي

فِي السُّكُونِ غَرِيبَةٌ

وَلَيْسَ لِـغَيْرِ القَلْبِ

فِي دَارِنَا زَهْوُ

*

وُجُودِي لِكَيْ أَلْقَاكَ

صِيـغَتْ حُرُوفُـهُ

وَفِي نَبْضِ بَيْتِي،

أَنْتَ بَاقٍ.. وَلِي صَفْوُ

***

شِعر: إبـــــــاء إســــماعيل

كَمَا كُنَّا

حَيَارَى نَحْنُ، مَا زِلْنَا

تَضِيعُ بِنَا اَلْخُطُوَاتُ

مُنْهَكَةً

بِلَا هَدَفٍ، وَلَا مَعْنى

وَتَسْرِقُ وَقْتَنَا اَلطُّرُقَاتُ

تَسْرِقُ حُلْمَنَا مِنَّا

فَهَلْ سَنَقُولُ يَوْمًا

إِنَّنَا صِرْنَا

وَإنَّا

سَوْفَ نَغْدُو غَيْرَ مَا كُنَّا

وَنُصْبِح مِثْلَمَا رُمْنَا

نُحْلِّقُ كُلَّمَا شِئْنَا

كَمَا اَلْأَطْيَارْ

نُطَرِّزُ ظُلْمَةَ اَللَّيْلَاتِ بِالْأَقْمَارْ

وَنَكْشِفُ مَا تُخَبِّي اَلرِّيح،

مِنْ رَعْدٍ وَمِنْ أَسْرَارْ

**

حَيَارَى نَحْنُ، مَا زِلْنَا

نُوَارِي حَيْرَةَ اَلْأَيَّامْ

بِأَشْجَارٍ مِنَ اَلْأَوْهَامْ

بِأَقْمَارٍ بِلَا ضَوْءٍ، وَلَا أَمَلٍ، وَلَا أَحْلَامْ

جَرِيحَاتٌ دَقَائِقُنَا

ذُبَيْحَاتٌ هِيَ اَلسَّاعَاتْ

كَلِيلَاتٌ أَصَابِعُنَا

أَسِيرَاتٌ هِيَ اَلْأَيَّامْ

**

حَيَارَى نَحْنُ، مَا زِلْنَا

هَرَبنَا عِنْدَمَا ضَاقَتْ بِنَا اَلْأَوْقَاتْ

وَغَابَتْ عَنْ مِخَدَّةِ نَوْمِنَا اَلْأَحْلَامْ

تَرَكْنَا أَمْسَنَا اَلْمَشْلُولَ،

قُرْبَ ضِفَافِ بَحْرٍ صَاخِبِ اَلْمَوْجَاتْ

تَرَكْنَاهُ

وَقُلْنَا سَوْفَ نَنْسَاهُ

وَلَكِنْ ظَلَّ يَتْبَعُنَا

فَلَمْ تَبْرَحْ دَقَائِقُ عُمْرِنَا يَوْمًا حَكَايَاَهْ

***

شعر: خالد الحلِّي

قناديل شوارع المدينة

آخر اللّيل..

تعرف خطى.. المتعبين

الهاربين من الحياة.. الى الفكرة

في العتمة..

مايروّض قسوة الضّوء على الرّوح..

والارصفة.. الارصفة تحفظ الأسرار وتعانقها..

*

في شوارع المدينة النّائمة..

يستفيق النّشيج..

حين تنام الظّلال.. يذكر القلب جلّاديه

والوقتَ..

.يتسكّع الشوق بين أشباح بلا اذرع..

فيخذله العناق..

ينطفئ..

كرغوة..على سطح بارد..

على رصيف.. يحفظ أسراره..!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

لا يرْقصُونَ لسلمٍ حين معْمَعَةٍ

إلا إذا رقصتْ راشيلُ من ألمِ

ولو أُريقتْ دماءُ العربِ كلّهمِ

ما انسلّ حرفٌ لهم أو سالَ من قلمِ

أمّا السّيوفُ فعنها لا تسلْ عربًا

فإن فعلتَ فحقًّا أنتَ في حلُمِ

فالسّيفُ في يدهِمْ والغَربُ صاحبُهُ

للنيلِ من أمّةٍ شذّت عن الأُمَمِ

والله حتّى لو الأسيافُ حِرفتهمْ

ما استلَّ سيفٌ لصوْنِ الحقِّ والحُرَمِ

من أجل ذا أُتْقنتْ للعُرْبِ أنظِمةٌ

شعارُها المجدُ للروميِّ والصّنمِ

توحِّدُ الغَرْبَ ربًّا لا شريكَ لهُ

كأنّه موجدُ الأحياءَ مِن عَدمِ

رسولُهُ الصّنمُ المنصوبُ فوقَهمُ

في صرحِهِ المنتهيْ بالماءِ والسُّدُمِ

في بهوهِ يُعلنُ الأمواتُ بيعَتهمْ

لهُ لمولاهُ بالركْعاتِ والقسَمِ

في ظلّهِ تُعلنُ الأوجاعُ هدأتها

بالهتفِ والرّقصِ والتّوباتِ والنّدمِ

لها كتابٌ كتابُ اللهِ ظاهُرهُ

وطيّهُ ما روى التّلمودُ في القِدَمِ

تظلُّ تجهلُهُ ما دمتَ تُهملُهُ

فإن تصفَّحْتَ ذقتَ السّمَ في الكلمِ

لها شيوخٌ بتأْويلاتهمْ نسبوا

لروسها ما الأسارى فيهِ مِن نِعَمِ!

وما نسوا ربّ ذي الأربابِ إذ نسبوا

إليهِ ما يَعتريْ الأحرارَ من نقَمِ

يُحرّفونَ الحديثَ عن مقاصدِهِ

فإن عُلوا نسَبوا التحريفَ للعجَمِ

في عصمةِ الآلِ كمْ كالوا من التُّهَمِ

أولاءِ من رأوا المعصومَ في الصَّنمِ

وليّ أمرهمُ الإيمانُ طاعتُهُ

حتّى ولو حكّمَ الخُلخالَ في العِمَمِ

صميمُها نسْبةُ الإفسادِ للحِكَمِ

والطّعنُ في القدسِ في قُدْسيّةِ الحَرمِ

مِن خلفهِمْ قومٌ الكُهّانُ تجمعُهمْ

جمْعَ المراييعِ بالأجراسِ للغَنمِ

أترتجيْ الغوثَ عبدَاللهِ مِن وثنٍ

ما اهتزّ إلّا لهزِّ الخصْرِ والنّغَمِ

أو للغُزاةِ إذا في حربِنا خسِروا

أو للشَّبيهِ منَ الأوثانِ والخدَمِ

ألا ارْتجيهِ منَ الرّحمنِ واختتمِ

بالصّالحاتِ دنىً للرُّسْل لم تدُمِ

***

أسامة محمد صالح زامل

كان الأفقُ يشتعلُ بخيطٍ خافتٍ، والمساءُ يجمعُ أنفاسَه الأولى، ويدسُّ سرًّا صغيرًا في قلبِ الأزقّة.

تتسارعُ الخطى على الحجارة، وتتفجّرُ الروائحُ قهوةً وياسمينًا، فتوقظُ بابًا في الذاكرة يليه باب.

فجأةً يمدُّ القلبُ يده إلى الضوء المتكسّر، فيلتقطُ ارتعاشتَه، ويخبّئها بين نبضاته.

وفي تلك اللحظة يتهيّأ كلُّ شيءٍ لحدثٍ يقترب، حدثٍ يتشكّل قبل أنْ ترتفعَ نجمةُ المساءِ.

سرعان ما ينبثقُ المساءُ من شقوقِ الضوء قبل أنْ تنطقَ السماءُ بما تُخفيه، ويركضُ على أطراف الأزقّة مخلوقٌ أسطوريٌّ خرج من زمنٍ مغمور، وهو يحمل عباءةً مصبوغةً بلون العقيق والزعفران.

لا زالت الشمسُ تتدلّى وتتمطّى على حافة الأفق، وتبعثُ ومضاتها الأخيرة، فتتحوّل النوافذُ إلى مرايا تلتقطُ بقايا النهار، وتبعثرها على الجدران سيوفًا لامعة.2645 alzabon

فجأةً يتمدّدُ الزمانُ، ويتخذ هيئةَ شيخٍ سومريٍّ يخطّ على ألواح الغيم حكايةَ جلجامش، ويزرعُ بين سطورها لغزًا لا يُفكّ.

بدأت الريح تهبّ من جهة النهر، وتحملُ رائحةَ طينٍ عتيقٍ ممزوجٍ ببخورٍ متصاعدٍ من معابد مطمورة في الذاكرة.

إنها الذاكرة، أظنّها لا زالت تعمل بشكل جيد، وتلتقط ما تفوحُ به الشرفات من رائحة القهوة المحمّصة، والتي تتسلّلُ إلى الأعصاب، فتوقظُ ما نام من حواسّ.

بتُّ أراها أكثر وضوحًا، ولا زلت أسمعها تتلاحقُ، وتتشابكُ، تتصاعدُ، وتهوي كخطوات طفلٍ تضربُ الأرضَ بإلحاح، فتقتربُ ثم تبتعد.

للحظة يضيقُ رنينُ الملاعق، ويتسعُ كإشارةٍ مشفّرة، ثمّ ترتفع همسات النسوة، وتنخفضُ كأنها تُخفي خبرًا.

وللمرة الأولى يمتدُّ الأذانُ من مئذنةٍ بعيدةٍ بصوته العميق، والذي يتسلّلُ بين الجدران، ثمّ يتركُ وراءه صمتًا مشحونًا.

يتقدّمُ القلبُ البريء وسط المشهد، فيسرّعُ نبضَه، ويبطّئه، ثم يسرّعه من جديد، لعله يختبرُ اقتراب شيءٍ غير مرئي.

تتحرّكُ الظلالُ حوله، تتمدّدُ وتلتفّ، وتلمعُ عروقه بلونٍ قانٍ، ثمّ يرتفعُ في صدره توتّرٌ خفيٌّ يفتحُ بابًا وراء باب.

مع هبوط الشمس أخذت الستائرُ تتحرّكُ بعنفٍ، ترتدُّ ثم تهدأ، لتنسابَ الأنفاسُ متقطّعةً في صدور البيوت.

باتت الأمنياتُ ترتفعُ من القلوب، لتتسلّق الهواء، فتتردّد لحظةً، ثم تنطلق سهامًا مضيئةً أطلقتها يدُ أرتميس.

كانت يده تخترقُ طبقات الغروب، وتتركُ خلفها أثرًا متوهّجًا.

تحتشدُ الألوانُ في الضفة الأخرى، ويشتدّ الأرجوانُ إلى أنْ يثقلَ في الأفق.

وفجأةً تتعمّقُ زرقةٌ، ويتكسّر ذهبيٌّ على الحواف.

أصبحت الظّلال الرماديّة تزحفُ ببطء، تقترب، وتقترب، فيتكثّفُ الصمتُ، وتتوقّفُ لحظةٌ بين نبضتين.

أخيرا ترتفعُ أولُ نجمةٍ في السماءِ، فينكشفُ سرُّ الحكاية، ويشتعلُ فتيلُ نجمة المساء.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

.....................

* الصورة للوحة عالمية بعنوان: "لَيلَة النُجوم على نَهر الرون" للرَسام الهولندي (فينسنت فان جوخ).

 

هبط الخريف كقناعٍ مخادع، يكسو العالم بألوانه الصفراء، فيما يسرّب الموت إلى الأوراق. ذبلت الأشجار، وتراكم الضباب فوق المدينة، وكأن الطبيعة فقدت بهجتها وارتدت ثوبًا من الحزن.

عاد إلى شقته الصغيرة، التي عاش فيها عشر سنوات، بين أثاث قديم وضوء باهت يتسلل من النافذة. لم يشعل المصباح، واكتفى بالنور الخافت القادم من الشارع. كان يشعر أن المكان كهف مهجور، وأنه يعيش عزلة لا تنتهي. جلس على كرسيه الهزاز، يراقب الشارع بعينين غائرتين، مثقلتين بالذكريات والخيبات.

في الليل، رأى حلمًا مرعبًا: مارد طويل يحمل سيفًا، يقطع الأشجار بلا رحمة، حتى تحولت الحديقة إلى بحر من الدماء. وحدها شجرة البلوط بقيت صامدة، فانتفض ليحميها، قبل أن يستيقظ مذعورًا، غارقًا في العرق.

مع الفجر، خرج إلى الشارع تحت مطر خفيف، متجهًا إلى الحديقة. كان يسير بخطى ثقيلة، كأن الأرض تمسك بقدميه. جلس أمام شجرة البلوط، يراقب أوراقها القليلة المتبقية، بعضها يوشك على السقوط.

حين هوت ورقة أخيرة ببطء، شعر أن الحياة كلها تختزل في تلك اللحظة: دورة لا مفر منها، بين الميلاد والفناء. قال لنفسه:

ــ نحن نعيش مراحل متتابعة، نطلب المزيد دائمًا، ثم نفقد كل شيء في النهاية. هذه الورقة الراحلة أصدق من كل الكلمات، فهي رمز لحياة قصيرة، جميلة، لكنها زائلة.

ظل يحدق في الشجرة، والطيور تحوم حولها، كأنها تغني لحنًا حزينًا. ومع سقوط الورقة الأخيرة، أدرك أن الرحيل قدر محتوم، وأن الذكريات لا تبقى إلا في صندوق النسيان.

***

كفاح الزهاوي

سأل نفسه.. لماذا أنا اتحمل هذا العبأ؟ وكيف اتخلص منه.. إنه ثقيل جدا ككتلة من اللحم يسمونها الجسد، أجده لصيقا بي منذ الولادة.. فكيف أفصل (الأنا) بعيدا عن تلك الكتلة؟

الأنا تتحمل عبأ الجسد وبالتالي تتحمل مسؤولية وجوده، ولا مناص من إفتراض فصله حيث يعد الفصل مفارقة فلسفية تقوم على اساس الأنا والآخر.

سأنفصل عن هذا الجسد واحاول ان اضعه في دائرة المسؤولية، مسؤولية تحمل العبأ.. تركته الان مسترخيا امامي وربما خامدا لا يستطيع ان يراقب الاشياء التي تحيطه ولا ماورائيات الافكار والمفردات، وكذلك الحركة التي لا تكف عن الضجيج.. والتعبيرعن المعنى قد لا يكون له معنى وجودي، إنما قد تكون الحركة عبثية وسرعان ما تتبخر كفقاعة صابون.. تركته ساكنا في قلب تلك الحركة ووجدته اصبح جزءا منها حين انزويت بعيدا كما لو كنت معلقا في ركن الغرفة اراقب تلك الحركة الخامدة الا من التنفس الذي مصدره التكرار.

رأيته في الصباح يلتهم فطوره بشهية ويتحرك بشكل عشوائي رغم ان هذه العشوائية ذات معنى، إلا انها لا تعدو ان تكون قد دخلت حالة التكرار ايضا يسمونها (الحركة العبثية)، وهي حلقة مفرغة يتعذر تجاهلها.

 راقبته يتفحص كتيب صغير انيق احمر الجلد كالدم وعليه رسم رأس دعسوقة تتصدرها مجسات سوداء وارجل امامية ذات شعيرات حادة كالدبابيس.. اضطجع يحاول ان يقرأء شيئا من مقدمة الكتيب، إلا انه شعر بالضجر فتوجه الى النافذة وأخذ يتطلع بشيء من عدم الامبالات.. ادركت انه يميل الى العزلة لأنه كان يرى الخارج فوضى عارمة، اكتفيت بالمراقبة من زاوية لا يراني فيها معلقا في الاعلى حتى كدت اتحسس نبضه يتصاعد، واكتشفت ان اظافره طويلة لم يهتم بها ويداه معروقتان وشرايينه زرقاء تتحرك احيانا كدود الارض، فيما كان شعره الكثيف الاشعث يبدو اشبه بكرة من الشعر الابيض تتقلب وتتحرك داخل الغرفة المعتمة إلا من ضوء النافذه التي يعتليها غبار الشارع المشبع بالفوضى.

سأل نفسه ثانية، الى متى تظل تابعا لهذا الجسد؟ لماذا يلتصق بك دائما على هذا النحو؟

حرك اصابعه ليمسك القلم وكتب شيئا على الورق، تسود الورقة ثم تليها اخرى ثم اراه يرتشف قليلا من الماء ويعاود الكتابة، وتسود الورقة كسابقاتها.. ماذا يكتب ؟ والاكثر إيلاما لا أحد يقرأ حتى صورة الفاتحة.. لماذا يكتب ولا أحد يريد أن يقرأ ؟.. فاجعة منْ إذن؟ الكتاب ام الكاتب أم القارئ؟ إنها معضلة فك الشفرة المستعصية، وهل هي مستعصية فعلا ؟ لا أحد يكترث، ربما يكون الجوف الخاوي هو الذي يدعو فقط الى الاكتراث ولا شيء آخر..

الرأس، لا شأن له غير انه يعتلي ذك الجسد المسجي، الذي اراه (أنا) من زاوية السقف، اترصده من كل ألاركان وهو لا يأبه، يأكل ويشرب ويتبول ويتغوط ويتناسل.. ثم تعود السقطة في سلسلة التكرار..!!

***

د. جودت صالح

11 / نيسان 2026  

.......................

(*) فرانز كافكا حين تخيل نفسه قد تحول الى حشرة.. ففقد حريته..!!

(*) فرانز كافكا مفكر وفيلسوف تشيكي (1883-1924) يكتب بالألمانية يقول لحبيبته ( وأنت يا ميلينا لو احبك مليون فأنا منهم، وإذا احبك واحد فهذا أنا، وإذا لم يحبك أحد فأعلمي حينها إني مت )..!!

في القلبِ شوقٌ لم تزلْ تخفيه

والعينُ تنطقُ بالجوى تبديه

أظهرتَ من فرط الحنين صبابة

تُبكي الفؤادَ من الهوى تكويه

مازال قلبي بالدّيار معلقاً

يظمى وما من شُربة ترويه

والنارُ في جوفِ الفؤادِ سعيرها

ياويح قلبي ما الذي يطفيه

والروحُ في غسقِ الدجى طوّافةٌ

حول الديارِ لعلها تسقيه

إنّ الورودَ على الديار فريضةٌ

في شرع صبّ علّها تحييه

أرسلتُ روحي ما استطعتُ بغيرها

سبلاً ولا من مسلكٍ أمشيه

ووددتُ لو أني كطيرٍ في الفضا

يطوي النوى بجناحه ينهيه

أو أنني ذاك النسيم معانقا

داراً على أبوابها أبقيه

تبكي الديارُ على فراقٍ أهلها

وحجارةُ البيت الذي تأويه

مازال في الأرجاء صوت نحيبها

وصدى الأحبة قد تردد فيه

والذكريات تجوبُ في أنحائها

وتفوح عابقةً بما تحويه

في كل ناحيةٍ حديثٌ قد مضى

تلك الحجارة لم تزل ترويه

كلّ التفاصيل التي قد عشتها

بالأمس تسلب خافقي تسبيه

**

ودّعتُ أرضاً ما أردتُ وداعها

وخرجتُ كُرهاً باكياً من تيهي

بيَدي متاعٌ من بقايا بيتنا

وبخاطري من ذكريات فيه

أرسلتُ روحي كي تجوبَ بأرضنا

وتعانقَ الزيتون لاتلويه

بالأمس كنا حوله في بهجةٍ

واليوم يشكو الهجرَ من جانيه

قد كان أشهى الزيتِ في حباته

واليوم يُعصَرُ دمعه يَبكيه

لو يدرك الزيتون ما أمسى بنا

وبأيّ أرضٍ حلّ من يجنيه

خلف الجدار تجمعت أشتاتنا

بُنِيت خيام البؤسِ في ناديه

وطني الذي تشدو الطيور بحسنه

أضحى هنا في خيمة تحويه

في خيمةٍ تَبلى سترنا جُرحنا

تَبلى الخيام وجرحنا تُبقيه

***

الشاعرة: وئام الحاجم

 

في تلك الأيام التي تُهدينا فيها السماءُ دفئًا عذبًا.. وحين تتسلل أشعة الشمس بحنانٍ عبر ثنايا الغيوم او دونها.. حيث السماء الصافيةً الباسمةً، اعتدنا أن نغادرَ مسكننا قبل أن يبلغ الظهيرُ منتصفَ طريقه، متجهين سيرًا على الأقدام نحو ذلك المنتزه الواسع الذي لا يبعد الا مرمى حجر، أو أكثر بقليل عن البيت. نجلسُ على المساطب التي دأبنا ان نشغلها حين تكون خالية..

نحتسي قهوتنا ببطءٍ وتمهلٍ، كأننا نسعى إلى إطالةِ كل رشفةٍ حتى تدومَ اللحظة. نراقب الازهار والاشجار والعصافير التي تنط بين الشجيرات صعودًا وهبوطًا والأطفال المتنزهين اللذين يطاردونها بضحكاتهم الصاخبة.. منفلتين عن مراقبة ذويهم الذين يفترشون العشب.. 

نطالعُ، في تلك الأثناء، آخرَ مستجدات الاخبار العالمية، والألمانية منها على وجه الخصوص. نغوصُ في متونِها او نثير حوارًا حولها. أحيانًا نعودُ إلى صفحاتٍ كتابٍ تركناه مفتوحًا على صفحة فصلٍ ما، أو مقالةٍ أثارت فينا شجونًا يستدعي الاستكمال. نتبادلُ الأحاديثَ في شؤونٍها او شؤون أخرى شتى، نتفقُ أحياناً في الرأي حولها، ونختلفُ أحايين أخرى دون ان يفسد ذلك لمودتنا استدامة، بل ربما يزيدُ من عمقِ الصلةِ ويوطد ما بيننا.

هكذا تمضي الساعاتُ بين صمت وحوار، حتى تحين اللحظةُ التي تدفعُ بنا أقدامُنا لمغادرة مقاعدنا، للقيام بجولةً متأنية في أرجاءِ المنتزه الأخرى، تمهيدًا للعودَة إلى البيت مستأنفَين روتينَ يومنا المعتاد، لكن الصدفة - تلك القوةُ الخفيةُ التي تُدبّرُ خيوطَ الأحداثِ بإحكام- كانت قد أعدّت لنا في ذلك اليوم لقاءً مختلفًا.

في طريق عودتنا، كانت خطواتنا تنسج إيقاعًا رتيبًا فوق رصيف الأيام، حين انبثق من بعيد مشهدٌ لم يكن مجرد عابرٍ في الطريق، بل كان تجلّيًا للمكابدة الإنسانية في ذروتها.

 رجلًا في خريف العمر، ضئيل الجسم بطيء الحركة يجر عربة تسوق بتان وفتور كأنه يدب دبيبًا لعظمة ثقلها بالرغم من الجهد الواضح الذي يبذله.

 كان يصارع مسافة العبور بين رصيفين فوق أسفلت الشارع العريض، كأنه يمضي على حافةٍ واهنة بين ضفّتين من المستحيل.

كانت عربةَ التسوقٍ ممتلئة، وعجلاتها تئنُّ تحت وطأة ثقل ما تحويه، كما تئنُّ الروح تحت وطأة الأمانة، وفي ذراعه الأخرى يتدلى كيسٌ قماشي يفيضُ بالخضروات، التي كانت تتأرجح مع كلِّ خطوة راعشةٍ من جسده كأجراسٍ تنذر بخطر الانكسار الوشيك.

كانت مِشيته نشيدًا صامتًا من الإصرار.. يتكئ بكلِّ ثقل على قدمِه اليسرى، يرفعها بمشقةٍ ليغرسها في الأرض، ثم يحاول سحبَ شطره الأيمن ـ ذلك النصف الذي خذله الزمن واستعصى على الطاعة ـ سحبًا وئيدًا، كأنه يجرُّ قطارًا من حديدٍ صدئ، تعقبها محاولة استعادة التوازن فوق القدم الاخرى.. تلك الركيزة الوحيدة التي تحفظه من السقوط.

 كان كأنه يؤدي رقصةً إيمائية مؤلمة بين كبرياء الإرادة وخذلان العضلات، رقصة خُلقنا لنؤديها جميعاً حين تضيق بنا السبل وتقل لدينا الحيلة.

حينها سكن ضجيج المحركات.. السيارات جميعها توقفت في خشوعٍ فجائي. انقبض صدري في تلك اللحظة انقباضةً لم تعد تخصني وحدي.. شعرتُ ببرودة في جانبي الأيمن وكأنني أنا من خذلني جسدي.

لم نتبادل الكلمات، بل قادتنا مروءة الروح لنهبَّ نحوه قبل أن يفقد توازنه وتتحطم قواه في منتصف الطريق أمام عيون الاخرين.

حين اقتربنا، تجلى المشهد بكلِّ جلاله القاسي: كان قدُّه النحيلُ يرتجفُ تحت وطأةِ التعب، وشعرهُ الأبيض الكثيف ينسدلُ كغيمةٍ فضيةٍ حزينة فوق جبينٍ تصبب عرقًا كأنما يُقطرُ ماء غيمة عابرة.

كفّه اليمنى كانت مقطوعةً كصفحةٍ مُزقت من كتاب عمره، وعلى جبينه ضمادةٌ صغيرة بيضاء تخفي جرحًا طريًا لا يزال ينبض بالألم.

كل ذلك مر خاطفًا وسريعًا حين تسارعت خطانا نحوه، كأن شيئًا ما خفيًا فينا قد استجاب لنداءٍ لا يُسمع. وإشارة لم تنتظر ولا رجاء يبلّغ.. كانت حاله أبلغ من كل سؤال وأعمق من طلب.

أمسك زوجي بمقود العربة المثقلة، وتقدّمتُ أنا لأحمل كيس الخضروات الذي أثقل يده حتى كاد يفلت منها. فعلنا ذلك بصمت وثبات.

اجتزنا بقية الشارع سوية، نحيطه بالمودة ونرعاه بالألفة.. كأنما انصهرت خطواتنا في إيقاعه المتثاقل، صرنا ثلاثتنا خطوة واحدة تعبرُ لُجّة الزحام.

 وحين بلغنا ضفة الرصيف الأخرى حيث كان ينوي الوصول، وقف كجنديٍّ يستريحُ هنيهةً يسترد بها انفاسه قبل ان يزحفٍ من جديد، حينها خرجت من حنجرته تأتأةٌ مكررة لحرف "أي.. أي.."، كانت لغةً علوية تفوق بلاغة القواميس.. لغة شكرٍ لم تعتمد على الحروف بل على زفير الارتياح.

ابتسمنا له في صمتٍ مفعمٍ بالود.. ضحك ضحكةً خجولة وهو يشير بمرارةٍ واعتذار إلى نصفه الأيمن المشلول.

حاول بكرامةٍ شامخة أن يكمل وحده، لكن زوجي بادره بصوتٍ هادئ:

ـ " يا جارنا العزيز، الحقيبةُ أثقلُ من أن تُترك لساعد واحد.. إني بالكاد أستطيع سحبها، فكيف لك."

وأكدتُ بدورِي، ويدي تشدُّ على الكيس كأنني أشدُّ على جرحه:

ـ "سنمضي معك حيثُ تشاء، فنحنُ جيرانُ في هذه الدنيا الواسعة."

واصلنا المسير برفقته.. وهو يتحدثُ إلينا بتلك التأتأة التي صارت لنا "بيانًا"، نفهمُ منه مقصدهُ لا بآذاننا بل بقلوبنا. شارحا ومؤشرًا على ما فيه.

كان يستند إلى ذراعي بين الحين والأخر بثقةٍ تلامس حدود الأبوة.

في أحد المنعطفات الضيقة اشار إلى بيتٌ عتيق يختبئ فيه، ومتأتًْا بفرح الوصول. حين اقتربنا منه فتح الباب بمفتاحه، وما إن انفرج حتى تأتأ بروحٍ لهفةٍ.. كصخب طفولي كانما هو ينادي شخصاً ما في الداخل.. الامر الذي أدركناه حين أسرعت إليه امرأةٌ عجوز كالفراشة، تلقفته بلهفةِ المحب، بينما كانت عيناها تشكرنا بدمعٍ صامت.

 كنتُ قد لمحتُ بين ثنايا مشترياته "باقة من التوليب ازهار الأحمر"، فدهشت:

أيُّ حبٍّ هذا الذي يدفعُ رجلاً يسحبُ نصفه المشلول بأناة ليتسوق، دون ان ينسى شراء الزهور لمن يحب؟

تركنا الأغراض أمامها، وقبل أن نستدير عائدين، خرج مرةً أخرى كأنما نسي أن يودّعنا بما يليق. توجه نحونا، صافحنا بيده الوحيدة مع تأتأة حماسية.

تركناه مودعين في هدأة بيته، واخذت معي الأسئلةُ التي عصفت بوجداني:

كيف لنا أن نمرَّ بوجع الآخرين دون أن ندرك أننا لسنا سوى مرايا لبعضنا البعض في هذا التيه الكبير؟ لقد عاد هو إلى بيته، وبقيتُ أنا أحملُ في صدري صدى خطاه ومعاني تأتأته، كأنني، منذ تلك اللحظة، لن أعد أمشي أبداً بقدمين كاملتين.

في طريق العودة، ساد الصمت بيننا، الا ان أفكارنا كانت تعيد شريط الاحداث التي خلفناها وراءنا منذ لحظات.. مستبدلين شخوصها بأسئلة القادم من الايام:

 "ماذا لو كنا نحن في مكانه؟ هل سنجد من يمدّ لنا يداً؟"

 نعم، فالخير في الناس باقٍ، كالنهر الذي لا يجفّ مهما نضبت منابعه.

**

سعاد الراعي

يا سائراً بين نارينِ،

بينَ وطنٍ يُسَمِّيكَ باسْمِكَ حينَ تولدُ،

ويَنسى ملامحَكَ حينَ تَكبُرُ،

وبينَ أرضٍ تُعَلِّمُكَ كيفَ تَصيرُ ظِلّاً

لجسدٍ لا يُعْرَفُ…

*

كنتُ أقولُ:

البلادُ التي في القلبِ لا تَضيقُ،

لكنّي رأيتُها  -

تَنْكمِشُ كجُرحٍ قديمٍ

كلّما مَرَّ عليهِ خبرٌ عاجل.

في الحروبِ،

لا يُقتلُ الناسُ فقط،

بل تُقتلُ الطرقاتُ التي كانت تعرفُ أسماءنا،

والنوافذُ التي كانت تحفظُ ضحكاتِنا

كآياتٍ صغيرة.

*

أحملُ حقيبتي  -

لا لأسافرَ،

بل لأجمعَ ما تبقّى مني:

صورةَ أُمّي،

رائحةَ الخبزِ،

وقليلاً من ضوءِ المساءِ

الذي كانَ يُصَلّي معنا دونَ أن ننتبه.

لكنّ الحقائبَ  -

يا صديقي  -

لا تتّسعُ للبيوت.

*

في المهاجرِ،

يُعَلِّمونَكَ اللغةَ كأنّها ثوبٌ جديد،

لكنّهم لا يُخبِرونَكَ

كيفَ تخلعُ جلدَكَ القديم.

تصيرُ اسماً آخر،

وتُجيدُ الابتسامَ في الوقتِ المناسب،

لكنّكَ حينَ تنامُ

تعودُ إلى لهجتِكَ الأولى

كطفلٍ يهربُ من المدرسة.

*

يا ربّ،

أيُّ طريقٍ هذا

الذي يبدأُ بالنجاةِ

وينتهي بالغياب؟

أنا لستُ ضائعاً،

أنا فقط موزَّعٌ

بينَ جهتينِ:

جهةٍ تقولُ: "عُدْ"،

وأخرى تهمسُ: "تابِعْ…

فالعودةُ أيضاً نوعٌ من الرحيل."

*

أراني في المرايا

وجوهاً كثيرة:

لاجئٌ يحملُ البحرَ في عينيه،

ومقيمٌ يخافُ أن يُقيمَ طويلاً،

وعابرٌ يكتبُ اسمَهُ

على ماءٍ لا يثبت.

*

وفي لحظةِ صفاءٍ -

حينَ يهدأُ الضجيجُ في داخلي -

أفهمُ قليلاً:

أنّ الوطنَ

ليسَ مكاناً فقط،

بل امتحانٌ طويلٌ للصبر،

وأنّ الغربةَ

ليست بُعداً فقط،

بل اقترابٌ مؤلمٌ من حقيقتِكَ.

*

فأسيرُ…

لا لأصلَ،

بل لأتعلّمَ كيفَ يكونُ الطريقُ

هو المقام،

وكيفَ يكونُ الفقدُ

باباً خفيّاً

إلى امتلاءِ القلبِ بالله.

*

وهكذا -

بينَ واقِعٍ يُكسِرُني

وروحٍ تُرمِّمُني -

أمضي…

كأنّي صلاةٌ ناقصة،

لكنّها صادقة.

***

عصام البرّام

 

كانت تقفُ أمام بيته، كشاهدةٍ لا تموت، جذعُها ملتفٌّ كأصابعَ هرِمةٍ تحفظُ سرًّا، وأغصانُها تُحاورُ السماءَ دون أن تنتظرَ جوابًا. لم يكن كنعان يراها شجرةً فحسب، بل ذاكرةً تتخلل التراب.

كان يمسحُ على جذعها بزيتها كما يُمسحُ على كتفِ صديقٍ قديم، ويسقيها كأنّه يسقي ما تبقّى منه. وحين تهبُّ الريح، كان يبتسمُ، كأنّه يسمعُها تُحدّثه:

"أنا هنا… فلا تخف."

في المساءِ الأول الذي ظهر فيه، لم يُلقِ "نوكري الغريب"  تحيّةً.

وقفَ عند تخوم الحقل، كظلٍّ لا ينتمي إلى ضوء أو إلى عتمة. كان يحملُ فأسًا، ويحدق في الفراغ، كأن لا شيء يملأ محيط رؤيته ...

قال له أحدُ الجيران همسًا،

"ذاك حطّابٌ غريب…  يختارُ ما يستحقّ أن يبقى."

لم يفهم كنعان العبارة، أو لعلّه استغربها .

بدأت المؤامرةُ في ظلمة حالكة،

في ليلةٍ بلا قمر، تسلّل نوكري إلى الحقل، وجلس بعيدًا عن الزيتونة، يُراقبها. لم يلمسها. لم يقترب منها. فقط كان يُحدّقُ فيها طويلًا، كأنّه يدرسُ شيئًا أعمق من الجذور.

وفي اليوم التالي، وجد كنعان آثارَ أقدامٍ حولها.

لم يغضب.

لم يخَف.

بل انحنى وهمسَ للزيتونة:

"هل أيقظكِ أحدٌ غيري؟"

هزّت أوراقُها، أو هكذا خُيّل له.

تكرّرت الزيارات.

في كلّ ليلة، كان نوكري يأتي، يقتربُ خطوةً إضافية، يتحسس التربة، ويراقب اتجاهات الريح ...

وذات مساء، حين التقيا وجهًا لوجه، لم يكن بينهما سوى صمتٍ كثيف.

قال نوكري أخيرًا:

"لماذا هذه الشجرة؟"

أجاب كنعان، دون أن ينظر إليه:

"لأنّها ابنة الأرض."

ابتسم نوكري ابتسامةً باردة:

"الأرضُ لمن يريد أن يزرع ويفلح ويحفر الابار والسواقي، ويجني الثمار…

الارض لابن الارض، يا غريب.. قال كنعان

بدأت القريةُ تتغيّر.

الأرضُ من حول الزيتونة جفّت، رغم أنّ كنعان لم يتوقّف عن سقيها. الطيورُ قلّت. حتى الظلُّ صار أقصر، كأنّ الشمسَ لم تعد تثقُ بما تُنير.

وفي إحدى الليالي، سمع كنعان صوتًا.. لم يكن صوت فأسٍ، بل صوتَ شيءٍ يُقتلع من الداخل.

ركض إلى الخارج.

رأى "نوكري الغريب" واقفًا، والفأس مغروسةً في الأرض، لا في الشجرة.

صرخ كنعان:

" أتضربها؟!"

نظر إليه نوكري بعينين مرهقتين:

"لأنّها ليست شجرة."

اقترب كنعان، واحتضن جذعها:

"بل هي كلُّ ما تبقّى."

قال نوكري بصوتٍ خافت:

"لهذا جئت."

في الليلة الأخيرة، لم تهبّ الريح.

كان الصمتُ ثقيلًا كحقيقةٍ ساخنة.

جلس كنعان عند جذع الزيتونة، يحدّثها كعادته. لم ينتبه لخطوات نوكري خلفه.

قال الحطّاب:

"إذا لم تُقتلع، ستُقتلع أنت."

ابتسم كنعان:

"ومن قال إنّي لستُ جذعًا آخر؟"

رفع نوكري فأسه.

تردّد.

خفضها.

رفعها من جديد.

وفي اللحظة التي سقطت فيها الفأس…تغير العالم...

في الصباح، اجتمع أهل القرية.

كانت الزيتونةُ ما تزالُ واقفة.

لكنّ كنعان لم يكن هناك.

ولا نوكري.

ولا الفأس.

فقط… كان هناك شقٌّ صغيرٌ في الجذع، كأنّ شيئًا دخل ولم يخرج.

ومنذ ذلك اليوم، حين تهبُّ الريح، يسمعُ العابرون صوت عميق...يقول: "أنا هنا…"

قال شيخٌ عجوزٌ وهو يمرّ من هناك:

"بعضُ الأشجار لا تُقتلع… لأنّها ليست في الأرض، بل فينا."

لكنّ أحدًا لم يفهم....

إلّا الزيتونة .

***

مجيدة محمدي

..................

* نوكري: اي الغريب في اللغة العبرية

 

مقام البيات

(ذكرى تعيد اختراعي)

***

ذكرى...

وأنتَ تعودُ إليها...

فتسبقُكَ

*

كأنَّ الذي كانَ فيكَ

أعادَ بناءَكَ

قبل الوصولْ

*

تقولُ: مضى...

فتفتحُ فيكَ طريقًا

يؤدّي إليكَ

*

وتلمسُ وقتًا...

فتنهضُ منهُ

كما لم تكنْ

*

كأنَّ الذاكرةَ الآنَ

ليستْ ماضيًا

بل احتمالٌ

يعيدُ كتابتَكَ

*

تمرُّ عليكَ...

فتصيرُ أنتَ الممرْ

وتنطقُ باسمِكَ

قبل اكتمالِ النداءْ

*

فكم أنتَ حاضرُ هذا الغيابْ

وكم أنتَ غائبُ هذا الحضورْ

*

تقولُ: أنا...

فتنقصُ منكَ

وتزدادُ فيكَ

بقايا احتمالاتِكَ

*

فامضِ...

ولا تُسلّمْ

بما تتذكّرُهْ

*

اكتبْ...

ودعْ ما كتبتَ

يغيّرُكَ الآنْ

*

فلستَ الذي كنتَهُ

ولن تبقى عليهْ

*

ذكرى...

وأنتَ الذي يُعادُ

اختراعُهُ

كلّما ظنَّ

أنّهُ اكتملْ

*

مقام العجم

(صوتٌ يخرجُ منّي… ولا يعود)

*

صوتٌ...

وأنتَ تُلقيهِ خفيفًا

فيتّسعُ فيكَ

ولا ينتهي

*

كأنَّ الحروفَ

حين تغادرُ صدرَكَ

تُكملُ شكلَكَ

في الآخرينْ

*

تقولُ: أنا...

فيستقيمُ المعنى

ويكبرُ

في فمٍ بعد فمْ

*

وتسمعُ نفسَكَ

في غيركَ

أوضحَ...

وأقربْ

*

كأنَّ الذي قلتَهُ

لم يغبْ عنكَ

بل صارَ أوسعَ

حين قيلْ

*

فكم أنتَ ممتدٌّ

في صوتِكَ

وكم أنتَ أكثرُ

حين تُجيبْ

*

تكتبُ صوتَكَ

فيصيرُ سطورًا

تراكَ...

وتُكملُكَ

*

فامضِ...

ولا تخشَ الآنَ

ما يخرجُ منكَ

*

فكلُّ الذي قلتَهُ

لم يضعْ

بل صارَ

مكانًا

تعودُ إليهْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

يموت المنتحرون لأسبابٍ فوضوية

حين يُلقون بأنفسهم من شاهق،

أو يُشعلون النار في ملابسهم الرسمية،

وحين يُعبّرون عن مآسيهم في رسائل احتجاج

يتركونها للعالم ولا يحفلون بالرد.

فلطالما عبّروا عن آلامهم،

وكتبوا الرسائل،

واستوقفوا المارة حتى يبثّوهم همومهم،

لكن الحياة كانت تمضي كقطارٍ سريع،

والذين يحافظون على حياتهم بنحوٍ غامض

يواصلون حياتهم بنفس الغموض.

فالذين سقطوا في الطريق يواصلون الزحف،

والذين تجرّعوا السم بغير إرادتهم يستعذبون مذاق العسل،

والذين وصلتهم رسائلُ الاستغناء عن خدماتهم

ظلّوا في أماكنهم متظاهرين بعدم الفهم،

والذين تلقّوا الطعنة الغادرة ما زالوا يحتفظون بالخنجر كتذكار!

فالحياة داخل المواصلات العامة علّمتهم

أن يروا اللص يضع أصابعه في جيوبهم

ويتظاهروا بالعمى،

والحياة في مكاتب الحكومة علّمتهم فنّ التسوية،

وترتيب الأوراق،

وكما علّمهم الريحاني أن يسرقوا وفق اللوائح،

وعلّمهم البارودي أن يظلموا وفق الدين.

يموت المنتحرون لأنهم ما زالوا يحتفظون ببراءتهم الأولى،

لأنهم لا يرون الأشياء كما هي،

بل كما ينبغي أن تكون،

لأنهم يملكون بصرًا حادًا،

وأذنًا صاغية،

وضمائر لا تحمي نفسها من البرودة،

ولا تُطفئ الأنوار قبل أن تنام،

لأنها لا تنام!

يموت المنتحرون لأنهم لا يصلّون خلف الرئيس،

ولا يُدخّنون مع المدير،

ولا يتبادلون النكات مع السائق،

ربما يستخدمون آلاتٍ حادة،

ويموتون ببشاعةٍ تجرح مشاعر آخرين،

غير أنهم يموتون ميتةً قبل أخيرة

حين يرون الناس عرايا،

فيقتلهم الخجل!"

***

د. ماهر عبد المحسن

 

إلى لبنان وجنوبه الصامد

يا موطنَ الضوءِ في ليلِ الأسى الداني

يا نبضَ روحٍ سكنَّاها بوجدانِ

*

يا أرضَ أرزٍ على التاريخِ شامخةً

كأنها الوعدُ بينَ العهدِ والآنِ

*

يا نجمةَ البحرِ إذ تهفو مرافئُهُ

وتستعيدُ صدى الأمواجِ ألحاني

*

فيكِ الحكاياتُ لا تمحو ملامحَها

نارُ الحروبِ ولا أوهامُ طغيانِ

*

لبنانُ يا لغةً خضراءَ تحفظُنا

من انكسارِ المدى.. من كلِّ نسيانِ

*

أرضٌ إذا ضاقَ صدرُ الكونِ تتّسِعُ

للصابرينَ بآمالٍ وتحنانِ

*

تمضي كأنَّكَ سرُّ الضوءِ في وطنٍ

يُحيي الكرامةَ في صمتٍ وتبيانِ

*

جنوبُكِ الحلمُ إذ تمشي خطاهُ دماً

ويُزهرُ النصرُ في أجفانِ ظمآنِ

*

يا قلعةً ما انحنت للريحِ صامدةً

ولا استكانت لباغٍ أو لسجّانِ

*

ترابُكِ التبرُ، والأرواحُ باذلةٌ

تصدُّ كيدَ العِدا في كلِّ ميدانِ

*

عصيّةٌ أنتِ، يا ميسُ الجمالِ، ويا

فخرَ الجنوبِ، ويا أنغام رحباني

*

هنا الجنوبُ.. لواءُ الحقِّ يحملُهُ

جيلٌ أباةٌ، وما هانوا لعدوانِ

*

يا غرةَ الفجرِ، والأعداءُ قد حشدوا

ناراً.. وما علموا عن بأسِ بركانِ!

*

مذ عاثَ فيها "يهوذا" الحقدِ وانكسرتْ

أوهامُهُ عندَ أسوارٍ وجدرانِ

*

فكلُّ بيتٍ ركامٍ صارَ ذاكرةً

تُملي الصمودَ على أجيالِ فتيانِ

*

فكلُّ بيتٍ ركامٍ صارَ ذاكرةً

تُملي الصمودَ بساحاتٍ وميدانِ

*

فكلُّ بيتٍ ركامٍ صارَ ذاكرةً

تُملي الصمودَ على أجيالِ فتيانِ

*

تبقى الدليلَ لكلِّ الناسِ في زمنٍ

تاهتْ خُطاهُ بصمتٍ شبهِ عميانِ

*

والمسجدُ الحرُّ والناقوسُ قد هتفا:

الأرضُ ملكٌ لِعُبّادٍ ورهبانِ

*

لا السقفُ يسقطُ إلا وهوَ مِحبرةٌ

تخطُّ مجدكَ في سِفْرٍ وديوانِ

*

للهِ درُّكَ يا لبنانُ من جبلٍ

يُعلّمُ الصخرَ معنى حبِّ أوطانِ

*

فما استكانت لنا كفٌّ وما لمستْ

أيدي الأباةِ سوى بارودِ خذلانِ

*

يا أرزُ صبراً، فإنَّ النصرَ نلمحُهُ

فجرًا يطلُّ بآياتٍ وبرهانِ

*

لا الحقدُ يكسرُنا مهما طغى جبرٌ

ولا القذائفُ تُثني عزمَ إنسانِ

*

أرضُ الجنوبِ صلاةٌ لا انقطاعَ لها

ومعجزاتٌ تجلّتْ وسطَ نيرانِ

*

ستشرقُ الشمسُ من خلفِ الركامِ غداً

لتملأَ الكونَ من طُهرٍ وإيمانِ

*

لبنانُ باقٍ.. وعينُ اللهِ تحرسُهُ

والظلمُ يمضي، ويبقى وجهُ لبنانِ

*

لبنانُ قُم لؤلؤاً من بينِ ردمِهمُ

فأنتَ باقٍ.. وهمْ في كفِّ نسيانِ

***

د. جاسم الخالدي

٩/ ٤ / ٢٠٢٦م

إلـيك.. هـفا فـؤادي مـا تـولى

وفـي نـبضي هـواك سناً تجلى

*

فـكوني لـي كـما كـنت اشتياقاً

فـحبك فـي سـماء الـعشق علَّا

*

وكوني النور لي في عتم ليلِي

أكـــن فــجـراً وإشـراقـاً مـطـلَّا

*

وقــري فـي دمـي عـشقاً نـبيلاً

فـذكرك فـي حنايا القلب يتلى

*

غـدوت بـحبك السامي شغوفاً

فـمـا تــاه الـغـرام وفـيـك حـل

*

فأنت الصبح في قلبي وعهدي

ودفءُ الـعمر إن تـهبين وصـلا

*

وأنـت الحسن في عينيَّ سحرٌ

كـأنك مـن خيال الحسن أحلى

*

فـعـيـناك الـلـتـان إلـــي تـهـدي

سـكينة روحـي العطشى وظلا

*

وإن ضـاق اتـساع الأرض يوماً

رأيـتك فـي الـمدى وطـناً أجلَّ

*

أحــبــك والــهـوا ســـرّ جـلـيـلٌ

تــداعـبـه الـنـسـائـم إذ تــدلـى

*

أعـيـشك مـغرماً أحـياك عـشقاً

كـوجـدك لا تـرى عـيناي أغـلى

*

فـأنت لـي المنى مذ غبت عني

فــؤادي لـلـوصال دعـا وصـلى

*

سـأبقى فـي هـواك الـدهر صباً

ويـبـقى حـبـنا بـالـوصل أولـى

*

لـنـهـنا فــي هـوانـا ثــم نـبـقى

حروفاً في دروب العشق تتلى

*

ويـبـقى ذكــرك الـعذب انـتماءً

وحـبك فـي دمـي نـوراً تـجلى

***

الشاعر فيصل النائب الهاشمي

ETERNAL DARKNESS

(إلى قلبِ بيروتِ النازف)

***

بيروتُ قلبي نازفٌ وَحُشاشتي

وَشَوتْهُما نارُ اللقيطةِ شَيّا.

*

يختالُ قاتلُنا الزنيمُ ضراوةً

ويصولُ وحشاً ضارياً هَمَجيّا

*

هيهاتَ يسمو مرّةً أو يرتقي

لِيصيرَ في دنيا الأنامِ سَويّا

*

متلبّساً طَبْعَ الضباعِ وهكذا

فَهِمَ التناخَ وربّها الدمويّا

*

عنوانُها يوحي بشرِّ طِباعِهِمْ

وَلَقد بدى للعالمينَ جَليّا

*

هوَ لم يكنْ إلا ظلاماً دامساً

يغشى المنازلَ والحِمى أبديّا

*

أوما إلى الشُذّاذِ بينَ حضارةٍ

ألقتْ علينا داءَها الأزليَّا

*

حاروا بمسألةِ العصورِ وَحَلِّها

فإذا اهْتدْوا كانَ الجوابُ فَريّا

*

أوحى لهم حاخامُهمْ أن يغْرِسوا

بِديارِنا شيطانَهُ العَدَميّا

*

نَسِيَ الرجيمُ خطيئةَ الملأِ الأُلى

غَدَروا به حينَ الشتاتِ مَليّا

*

طَفَحَ المذلّةَ علقماً بديارِهم

فَمَزاجُ رومُ الأمْسِ كانَ غَويّا

*

وضميرُ ذاكَ العصرِ شاخَ مُثقّباً

لم يعتقدْ بِسِواهُ حُرّاً آدَميّا

*

حَسبوهُ من نصبَ الصليبَ لربّهم

لمّا عَصى وَكْرَ الكهانةِ حَيّا

*

وَلَكمْ عَصى مَلَكوتَهم لمّا طَغوْا

وَلِربّهِ حاشا يَكونُ عَصيّا

*

فَكَبيرُهمْ نَهِمٌ يحوكُ دسائساً

مهما تقادمَ في الحياةِ عِتيّا

*

فَمُرابياً، صرخوا، هوىً وجِبِلّةً

وَيَلوكُ في لحْمِ المَدينِ ثَريّا

*

حَبَسوهُ أطرافَ المدائنِ ذُلّةً

لِيُقيمَ منبوذاً هُناكَ قَصِيّا

*

جاروا عليهم! رُبَّما بل أمعنوا

إذ أودعوهم في الشتاتِ جِثيّا

*

إن تسألوني عن ظُلامةِ قومهم

قلتُ إسألوا تحتَ الرُكامِ صَبيّا

*

قد سامَهُ الغربُ الشقاءَ ولم يكن

في شرقِنا الادنى الوسيعِ شقّيا

*

فَأتى لِيطلُبَ ثأرَهُ من نَسْلِ مَنْ

سكبوا لهُ كَرَمَ الرُعاةِ نَديّا

*

هُوَ مَنْ يجازي المحسنين بِشرّهِ

ويظلُّ عن حُسْنى الجزاءِ نَسِيّا

*

لَبِثوا دهوراً في عواصمِنا وقد

شَهِدوا جِواراً مُؤنِساً وحَفيّا

*

لم يعْرفوا (الگيتو) هُنا بديارِنا

أو يعْهَدوا خُلُقاً بنا وَحْشيّا

*

مَكَثوا دهوراً بيننا لكنّهم

لم يُنجِبوا إلا القليلَ وفيّا

*

حيثُ المخالفُ والمسالمُ مِثْلُنا

تلكَ الحقيقةُ كم تُغيظُ دَعيّا

*

فَرْضٌ بذمّتنا وعُهْدةِ ديننا

يبقى المُعاهدُ آمِناً مَحْميّا

*

أمّا الغُلاةُ فأنتَ تدري أنهم

حَملوا تعاليمَ الغزاةِ طَويّا

*

قد أشْعَلَ (الفرْهودَ) عودُ ثِقابِهم

فَتّشْ وَكنْ بالخافياتِ حَريّا

*

إِذْ هَلَّ وعداً زائفاً ومشوّهاً

في ليل أحلامِ الغزاةِ فَتيّا

*

مُذْ قاءَ (بلفورُ ) اللعينُ سُمومَهُ

طَبَقاً لأطماعِ الوحوش شَهيّا

*

ما كانَ إلا مخلباً أو مُدْيةً

للقادمين من الضبابِ عَشِيّا

*

يا شارباً زيفَ الحداثةِ عازفاً

أنغامَ رهطِ العابرينَ نَجيّا

*

حتى غدوتَ رفيقَهم ودليلَهم

ثمّ اصطفوكَ مع الذين… نَبيّا

*

فَوَصمْتَ بالارهابِ كلَّ مُقاومٍ

مهما تعفّفَ واسْتقامَ تقيّا

*

متجاهلا مَنْ خوَّضوا بدمائنا

فَبَدوْتَ للباغي الأثيمِ سَمِيّا

*

عُدْ بي إلى سِرِّ الأوابِدِ علّني

ألقى بهذا التيهِ لُغْزاً سومَريّا

*

مُذْ حلّ ما بينَ الفراتِ ودَجْلتي

وانزاحَ في وادي الكُماةِ سَبيّا

*

مُتوعِّداً أسوارَ بابلَ بالردى

مُستنْكِراً جِذْراً لَهُ أَكَديّا

*

فَتَفجّرتْ أحلامهُ الحبلى دَماً

وَمضى يمهّدُ للدماءِ سَرِيّا

***

د. مصطفى علي

 

في تلك الليلة، وأنا أجتاز الكاتدرائية الكبرى في ساحة سيناتوري في مركز هلسنكي، قلعة تكسر مشهد عتمة نفس والليل ببياضها حيث تمثل لي جسدها الرابض على علوّ كطائر رخٍّ خرافي يضم جناحيه وينام.

في تلك الساعة، وأنا عائد إلى المنزل، وقد لعق المطر الخفيف ما ظهر من وجهي وكفَّيّ، بينما بقيّة جسدي محشورة في ملابس شبه شتوية.

كنت أعود من سهرة قصيرة.

هناك، في شارعٍ على مقربة من هذا المشهد، كنت أحاور ثلاثة أشخاص في غرفة تدخين مخصصة في حانة، ودخان سجائرنا يهيم كبعوضٍ تائه. أحدهم من هامينلينا؛ يأتي إلى هلسنكي لساعات، ثم يغادر بقطار الليل. تجذبه هلسنكي بمتعها الجسدية وفرص لقاء أناس مختلفين، بينما تظل هامينلينا موطن رأسه: عائلته، وسكنه منخفض الأجرة، ومسافة ساعة ونصف بالسيارة لا تعني له الكثير. آخر، من ضمن شباب الجلسة، قادم من هافانا ليعلّم فتيات وشباب فنلندا رقص السالسا. أسميته خوسيه، لأن اسمه الأصلي كان عصيًّا عليّ. وثالثهم قادم من سينايوكي، يشكو ألم ظهره، إذ يعمل في قطع الأشجار حين تضيق به السبل. انتهت الجلسة كما بدأت: بلا أسماء، ولا أرقام، ولا وعدٍ بالتواصل. انفضضتُ عنهم، أو ربما انفضضتُ عن نفسي، وهربت من بين دخان حديثٍ ساخن عن الطقس، وساونا الحطب، وغلاء الأسعار، وكراهيةٍ تنمو في المدن المكتظة بمهاجرين صاروا واقعًا لا يُؤجَّل.

أحاول أن أجد النصف الممتلئ من العالم، وألا أغرق فيه.

كانت الجلسة خالية من أي كحول تلك الليلة؛ اقتصر الأمر على الصحو بدل السكر، لأسبابٍ مالية

وحين وصلتُ إلى باب المنزل، تحسستُ جيبي لأخرج المفتاح. فلم أجده.

وقفتُ طويلًا تحت المطر، أحدّق في الباب المغلق، وأفكّر، للمرة الأولى تلك الليلة، أنني رغم كل ذلك الحديث عن الغربة لم يكن لديّ مكانٌ أدخله أصلًا.

***

ياسين غالب

 

كمَنْ يَرميْ سهامًا في الهواءِ

تهانينا لكُمْ أهلَ الفَضاءِ

*

قرأتُمْ ما قرضْنا باهْتمامٍ

ولمْ تقِفوا على حدِّ الثّناءِ

*

وعَيتُمْ ما احتواهُ للشّفاءِ

فلبَّيتُمْ كِرامًا للنّداءِ

*

تنزَّلتُم به للأرضِ لمّا

رأيتُمْ ما تكابدُ من عَناءِ

*

رأيتُ جُموعَكُم تطويْ بلادًا

وتُرجعُها بهِ لهُدىْ السّماءِ

*

رأيتُ شيوخَكُم تتلوهُ حينَ الـ

صّباحِ على العبادِ وفيْ المساءِ

*

رأيتُ العدلَ يعْلو فوقَ كلّ

اعتبارٍ دونَ سيفٍ أو دماءِ

*

رأيتُ مدائنًا للعلمِ تُبنى

على أنقاضِ أُخرى للبِغاءِ

*

رأيتُ القُدسَ عائدةً تسوسُ

الدُّنى بعدَ الشّفاءِ من الوَباءِ

*

تنزّلتُمْ بهِ والضّادُ عادتْ

بِكم لغةَ الحضارةِ والنّماءِ

*

وكانتْ قبلَ أنْ تأتوا سُعاةً

تُصانعُ أرضَها أجلَ البَقاءِ

*

وكانَ لها لسانٌ باعَها كيْ

تعِي اسْتسلامَهُ أُذنُ البلاءِ

*

ومن يبِعِ اللّسانَ يبعْ مُقامًا

وما بيْعُ اللّسانِ سوى الفناءِ

*

تهانينا، بكُمْ وبهِ رأينا

بأحياءِ العِدى دورَ العزاءِ

*

تهانينا، وعزّتُنا بكمْ لا

بنفطٍ أو حُقوقٍ أو بناءِ

*

تهانينا، ولسْنا بانتظارِ

انتصارٍ من خِطابٍ أو غناءِ

*

ولا من أمّةٍ أمست غثاءً

وما للخيرِ فيها من رجاءِ

****

أسامة محمد صالح زامل

 

نَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

*

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

*

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

*

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

**

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي..

مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

*

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل.

***

سلوى فرح - كندا

 

يقولونَ انَّ الحضارةَ تأتي فتاةً تسيرُ الهوينا

وتطلُّ علينا

وهيَ تحملُ كأسينِ رهنَ اليدين:

كأسَ عصيرٍ

وكأساً لسُمٍّ زُعافْ

ولا تتحسبُ، لا تترددُ في لحظةٍ، لا تخافْ

سترمي على الأرض كأسَ العصيرِ

وتشربُ كأسَ الزُعافْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

خُــطى التــعفـف توثيقٌ لِــمأثرَةٍ

من النقاء، وفيها العِـزُّ إرســاءُ

*

طُهْـرُ النوايا بها الذكرى متــوّجةٌ

بنور مضمونها، والحرفُ وضّاءُ

*

إنّ الفِــراقَ إذا ظــرفٌ الــمَّ بــــه

جَذْرُ الموَدّة، رغم البُعـد، مِعطاءُ

*

مهما التفوقُ أبدى حُسنَ ســيرته

لو غادر الطِيبَ، أعــباءٌ وإعياءُ

*

إذا تـــمـيّـزَ تــعبــيــرٌ، بــقـوّتــِه

فأيّ تــكرار لفــظ، فـــيه إبــطاء

*

ضوءُ المضامين، حبٌ بين احرفها

والحب فـــي قسوة الأحوال إحــياءُ

*

في قبضة الكــفِّ، تعبيرٌ له صِلــة ٌ

مـــع الــتحية، إرســـاءٌ وأهــواءُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

في نصوص اليوم